You are on page 1of 136

‫مجموع فتاوى ابن تيمية – ‪ – 03‬الجزء الثالث‬

‫(العقيدة)‬
‫شيخ السلم تقي الدين أحمد بن عبد الحليم بن تيمية الحراني‬

‫•مجمل اعتقاد السلف‬


‫‪ o‬ما قاله الشيخ المام في التوحيد والصفات‪ ،‬والشرع والقدر‬
‫‪ o‬فصل فيمن قال‪ :‬القول في بعض الصفات كالقول في بعض‬
‫‪ o‬فصل في إخبار الله لنا بما في الجنة من المخلوقات‬
‫‪ o‬فصل في وصف الله بالثبات والنفي‬
‫‪ o‬فصل في وجوب اليمان بما أخبر به الرسول عن ربه‬
‫‪ o‬فصل في ظواهر النصوص ومراداتها‬
‫‪ o‬فصل في توهم كثير من الناس أن صفات الله تماثل صفات المخلوقين‬
‫‪ o‬فصل في قصور العلم البشري‬
‫‪ o‬فصل في معرفة ما يجوز على الله مما ل يجوز في النفي والثبات‬
‫‪ o‬فصـــل فيما يسلكه نفاة الصفات‬
‫‪ o‬فصـــل في أن المثبت ل يكفي في إثباته مجرد نفي التشبيه‬
‫‪ o‬فصل في التوحيد في العبادات‬
‫‪ o‬فصــل في وجوب اليمان بخلق الله وأمره‪ ،‬وبقضائه وشرعه‬
‫خ السلم ـ رحمه الله ـ أن يكتب عقيدة تكون عمدة‬ ‫‪ o‬سئل شي ْ َ‬
‫‪ o‬فَصــل في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم‬
‫‪ o‬فصــل‪ :‬من اليمان بالله‪ :‬اليمان بما أخبر الله به في كتابه‬
‫‪ o‬فصــل‪ :‬من اليمان بالله‪ :‬اليمان بأنه قريب من خلقه‬
‫‪ o‬فصــل‪ :‬من اليمان بالله وكتبه‪ :‬اليمان بأن القرآن كلم الله منزل غير‬
‫مخلوق‬
‫‪ o‬فصــل‪ :‬من اليمان بالله‪ :‬أن المؤمنين يرون الله يوم القيامة عيانًا‬
‫بأبصارهم‬
‫‪ o‬فصــل‪ :‬ومن اليمان باليوم الخر‪ :‬اليمان بكل ما أخبر به النبي صلى‬
‫الله عليه وسلم‬
‫‪ o‬فصــل‪ :‬من أصول أهل السنة‪ :‬أن الدين واليمان قول وعمل‬
‫‪ o‬فصــل‪ :‬من أصول أهل السنة والجماعة‪ :‬سلمة قلوبهم وألسنتهم‬
‫لصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم‬
‫‪ o‬فصــل‪ :‬من طريقة أهل السنة والجماعة‪ :‬اتباع آثار رسول الله صلى الله‬
‫عليه وسلم باطنًا وظاهًرا‬
‫‪ o‬فصل في استكمال أصول أهل السنة والجماعة‬
‫‪ o‬ما قاله ‪-‬رحمه الله تعالى‪ : -‬في أمر العتقاد بمقتضى ما ورد به كتاب‬
‫السلطان‬
‫‪ o‬فصــل فيما أمرنا الله تعالى به من الجماعة والئتلف‪ ،‬وما نهانا عنه من‬
‫الفرقة والختلف‪.‬‬
‫‪ o‬ما قاله الشيخ ‪-‬قدس الله روحه‪ -‬عن سبب تأليفه العقيدة الواسطية‬
‫‪ o‬كتاب عبد الله بن تيمية لخيه زين الدين‬
‫‪ o‬سئل الشيخ ‪ -‬رحمه الله ‪ -‬عن مسألة القرآن والصوت‬
‫‪ o‬ما قاله المام أبو العباس أحمد بن تيمية في جواب ورقة أرسلت إليه‬
‫في السجن في رمضان‬
‫‪ o‬ما ذكره الشيخ في مسألة الستواء‬
‫‪ o‬فصــل في لين الكلم‪ ،‬والمخاطبة بالتي هي أحسن‬
‫‪ o‬فصــل في ذكرهم أن الشيخ طلب تفويض الحكم إلى شخص معين‬
‫‪ o‬فصل فيما ينبغي علمه من أن ابن مخلوف وقومه مستضعفون عن‬
‫المحاقة إلى الغاية‬
‫‪ o‬ما قاله الشيخ عند وصول الورقة التي ذكر فيها إخبار الشيخ باجتماع‬
‫الرسول به‬
‫‪ o‬فصل معترض في نفي الشيخ أن يكون قد طلب النظر في المحاضر‬
‫‪ o‬ما قاله شيخ السلم عن أهل السنة والمبتدعة‬
‫‪ o‬فصل‪ :‬من أصول أهل السنة والجماعة أنهم يصلون الجمع والعياد‬
‫والجماعات‬
‫‪ o‬فصل‪ :‬في عدم جواز تكفير المسلم بذنب فعله ول بخطأ فيه‬
‫‪ o‬فصل في كون شهادة أن ل إله إل الله وأن محمدًا رسول الله حق يجزم‬
‫به المسلمون‬
‫‪ o‬سئل الشيخ‪ :‬هل يجوز الخوض فيما تكلم الناس فيه من مسائل في‬
‫أصول الدين؟‬
‫‪ o‬سئل شيخ السلم ‪-‬رحمه الله‪ -‬ما الذي يجب على المكلف اعتقاده؟‬
‫‪ o‬فصــل في إعراض كثير من أرباب الكلم والحروف عن القرآن‬
‫‪ o‬فصـــل في تعلق العبادة بطاعة الله ورسوله‬
‫‪ o‬سئل شيخ السلم عن قوله صلى الله عليه وسلم‪( :‬تفترق أمتي ثلث‬
‫وسبعين فرقة)‬
‫‪ o‬فصــل في أن النحراف عن الوسط واقع بين الناس في أكثر المور‬
‫‪ o‬ما كتبه شيخ السلم إلى المسلمين المنتسبين إلى السنة والجماعة‬
‫‪ o‬فصــل في استكمال ما كتبه الشيخ إلى أهل السنة والجماعة‬
‫‪ o‬فصــل في أن دين الله وسط بين الغالي فيه‪ ،‬والجافي عنه‬
‫‪ o‬فصــل في التحذير من الغلو في بعض المشائخ‬
‫‪ o‬فصــل في أن مذهب سلف المة وأهل السنة أن القرآن كلم الله‬
‫‪ o‬فصــل في وجوب القتصاد والعتدال في أمر [الصحابة] و[القرابة]‬
‫‪ o‬فصــل في أسماء باطلة ما أنزل الله بها من سلطان‬
‫بسم ال الرحمن الرحيم‬

‫الحمد ل وحده‪ ،‬والصلة والسلم على من ل نبي‪ ،‬بعده‪.‬‬

‫مجمل اعتقاد السلف‬

‫قال الشيخ المام العالم العلمة‪ ،‬شيخ السلم تقي الدين‪ ،‬أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلم ابن تيمية‬
‫الحراني‪ ،‬رضي ال عنه وأرضاه‪:‬‬

‫الحمد ل نحمده ونستعينه ونستغفره‪ ،‬ونعوذ به من شرور أنفسنا‪ ،‬ومن سيئات أعمالنا‪ ،‬من يهده ال فل مضل له‪ ،‬ومن‬
‫يضلل فل هادي له‪ ،‬وأشهد أن ل إله إل ال وحده ل شريك له‪ ،‬وأشهد أن محمدا عبده ورسوله‪ ،‬صلى ال عليه وعلى‬
‫إله وصحبه وسلم‪ ،‬أما بعد‪:‬‬

‫فقد سألني من تعينت إجابتهم أن أكتب لهم مضمون ما سمعوه منى في بعض المجالس‪ ،‬من الكلم في التوحيد‬
‫والصفات‪ ،‬وفي الشرع والقدر‪ ،‬لمسيس الحاجة إلى تحقيق هذين الصلين‪ ،‬وكثرة الضطراب فيهما‪ .‬فإنهما مع حاجة‬
‫كل أحد إليهما ومع أن أهل النظر والعلم والرادة والعباد‪ ،‬ل بد أن يخطر لهم في ذلك من الخواطر والقوال ما‬
‫يحتاجون معه إلى بيان الهدى من الضلل‪ ،‬ل سيما مع كثرة من خاض في ذلك بالحق تارة‪ ،‬وبالباطل تارات‪ ،‬وما‬
‫يعتري القلوب في ذلك من الشبه التي توقعها في أنواع الضللت فالكلم في باب [التوحيد والصفات]‪ :‬هو من باب‬
‫الخبر الدائر بين النفي والثبات‪ ،‬والكلم في [الشرع والقدر]‪ :‬هو من باب الطلب والرادة‪ ،‬الدائر بين الرادة‬
‫والمحبة‪ ،‬وبين الكراهة والبغض‪ ،‬نفيًا وإثباتًا والنسان يجد في نفسه الفرق بين النفي والثبات‪ ،‬والتصديق والتكذيب‪،‬‬
‫وبين الحب والبغض‪ ،‬والحض والمنع‪ ،‬حتى إن الفرق بين هذا النوع وبين النوع الخر معروف عند العامة والخاصة‬
‫ومعروف‪ ،‬عند أصناف المتكلمين في العلم كما ذكر ذلك الفقهاء في [كتاب اليمان] وكما ذكره المقسمون للكلم‪ ،‬من‬
‫أهل النظر والنحو والبيان فذكروا أن الكلم نوعان‪ :‬خبر وإنشاء‪ ،‬والخبر دائر بين النفي والثبات‪ ،‬والنشاء أمر أو‬
‫نهي‪ ،‬أو إباحة وإذا كان كذلك‪ ،‬فل بد للعبد أن يثبت ل ما يجب إثباته له من صفات الكمال‪ ،‬وينفي عنه ما يجب نفيه‬
‫عنه مما يضاد هذه الحال‪ ،‬ول بد له في أحكامه من أن يثبت خلقه وأمره فيؤمن بخلقه المتضمن كمال قدرته‪ ،‬وعموم‬
‫مشيء ته‪ ،‬ويثبت أمره المتضمن بيان ما يحبه ويرضاه‪ ،‬من القول والعمل ويؤمن بشرعه وقدره‪ ،‬إيمانا خاليا من‬
‫الزلل‪ ،‬وهذا يتضمن التوحيد في عبادته وحده ل شريك له‪ ،‬وهو التوحيد في القصد والرادة والعمل‪ ،‬والول يتضمن‬
‫حدٌ} [الخلص‪ .]1 :‬ودل على الخر سورة‪{ :‬قُ ْ‬
‫ل يَا َأّيهَا‬ ‫التوحيد في العلم والقول‪ ،‬كما دل على ذلك سورة {قُلْ هُوَ الُّ أَ َ‬
‫ا ْلكَا ِفرُونَ} [الكافرون‪ ]1 :‬وهما سورتا الخلص وبهما كان النبي صلى ال عليه وسلم يقرأ بعد الفاتحة في ركعتي‬
‫الفجر‪ ،‬وركعتي الطواف‪ ،‬وغير ذلك فأما الول وهو التوحيد في الصفات‪ ،‬فالصل في هذا الباب أن يوصف ال بما‬
‫وصف به نفسه‪ ،‬وبما وصفته به رسله‪ ،‬نفيا وإثباتا‪ ،‬فيثبت ل ما أثبته لنفسه‪ ،‬وينفي عنه ما نفاه عن نفسه وقد علم أن‬
‫طريقة سلف المة وأئمتها إثبات ما أثبته من الصفات من غير تكييف ول تمثيل ومن غير تحريف ول تعطيل وكذلك‬
‫ينفون عنه ما نفاه عن نفسه‪ ،‬مع إثبات ما أثبته من الصفات من غير إلحاد‪ :‬ل في أسمائه ول في آياته فإن ال تعالى‬
‫سيُجْزَوْنَ‬ ‫سمَآئِهِ َ‬
‫ن فِي َأ ْ‬
‫حدُو َ‬
‫ن يُلْ ِ‬
‫سنَى فَادْعُو ُه ِبهَا َوذَرُواْ اّلذِي َ‬ ‫ذم الذين يلحدون في أسمائه وآياته كما قال تعالى‪{ :‬وَلِّ السماء ا ْلحُ ْ‬
‫خيْرٌ أَم مّن‬ ‫ل يَخْفَوْنَ عََل ْينَا َأ َفمَن يُلْقَى فِي النّارِ َ‬
‫حدُونَ فِي آيَا ِتنَا َ‬ ‫مَا كَانُو ْا َي ْعمَلُونَ} [العراف‪ ]180 :‬وقال تعالى‪{ :‬إن اّلذِي َ‬
‫ن يُلْ ِ‬
‫يَ ْأتِي آ ِمنًا يَوْمَ الْ ِقيَامَةِ ا ْعمَلُوا مَا ِش ْئتُمْ} [فصلت‪ ]40 :‬الية‪.‬‬

‫فطريقتهم تتضمن إثبات السماء والصفات مع نفي مماثلة المخلوقات‪ :‬إثباتا بل تشبيه وتنزيها بل تعطيل كما قال‬
‫يءٌ} [الشورى‪ :]11:‬رد‬ ‫سمِيعُ البَصِيرُ} [الشورى‪ .]11 :‬ففي قوله‪َ{ :‬ليْ َ‬
‫س َك ِمثْلِهِ شَ ْ‬ ‫يءٌ وَهُوَ ال ّ‬ ‫تعالى‪َ{ :‬ليْ َ‬
‫س َك ِمثْلِهِ شَ ْ‬
‫للتشبيه والتمثيل وقوله‪{ :‬وَهُوَ ال ّسمِيعُ البَصِيرُ} [الشورى‪ .]11 :‬رد لللحاد والتعطيل‪.‬‬

‫فطريقتهم تتضمن إثبات السماء والصفات‪ ،‬مع نفي مماثلة المخلوقات‪ ،‬إثباتا بل تشبيه‪ ،‬وتنزيها بل تعطيل‪ ،‬كما قال‬
‫س َك ِمثْلِهِ شَيْءٌ} [الشورى‪ ]11 :‬رد‬
‫سمِيعُ البَصِيرُ} [الشورى‪ ،]11 :‬ففي قوله‪َ{ :‬ليْ َ‬ ‫يءٌ وَهُوَ ال ّ‬ ‫تعالى‪َ{ :‬ليْ َ‬
‫س َك ِمثْلِهِ شَ ْ‬
‫للتشبيه والتمثيل‪ ،‬وقوله‪{ :‬وَهُوَ ال ّسمِيعُ البَصِيرُ} [الشورى‪ ]11 :‬رد لللحاد والتعطيل‪ ،‬وال سبحانه بعث رسله بإثبات‬
‫مفصل‪ ،‬ونفي مجمل‪ ،‬فأثبتوا ل الصفات على وجه التفصيل‪ ،‬ونفوا عنه ما ل يصلح له من التشبيه والتمثيل‪ ،‬كما قال‬
‫طبِرْ ِل ِعبَا َدتِهِ هَ ْل َتعْلَمُ لَهُ َس ِميّا} قال أهل اللغة هل تعلم له [سميًا] أي نظيرًا يستحق مثل اسمه‪ ،‬ويقال‬
‫عبُدْهُ وَاصْ َ‬ ‫تعالى‪{ :‬فَا ْ‬
‫س ِميّا} مثيلً أو شبيهًا‪ ،‬وقال تعالى‪{ :‬لَ ْم يَِلدْ وَلَ ْم يُوَلدْ‪.‬‬ ‫مساميًا يساميه‪ ،‬وهذا معنى ما يروي عن ابن عباس‪{ :‬هَ ْ‬
‫ل َتعْلَمُ لَهُ َ‬
‫وَلَ ْم َيكُن لّ ُه كُفُوًا أَ َحدٌ} [الخلص‪ ،]4 ،3 :‬وقال تعالى‪{ :‬فَلَ َت ْجعَلُواْ لِّ أَندَادًا وَأَنتُ ْم َتعَْلمُونَ} [البقرة‪.]20 :‬‬

‫س مَن َيتّ ِخذُ مِن دُونِ الّ أَندَادًا يُ ِحبّو َنهُ ْم كَحُبّ الّ وَاّلذِينَ آ َمنُواْ َأ َشدّ ُحبّا لّّ} [البقرة‪ ،]165 :‬وقال‬ ‫وقال تعالى‪َ { :‬ومِنَ النّا ِ‬
‫سمَاوَاتِ وَالَرْضِ‬ ‫عمّا يَصِفُونَ‪َ .‬بدِيعُ ال ّ‬ ‫س ْبحَانَهُ وَتعالى َ‬ ‫ت ِب َغيْرِ عِلْمٍ ُ‬
‫ش َركَاء الْجِنّ َوخَلَ َق ُهمْ وَخَ َرقُواْ لَ ُه َبنِينَ َو َبنَا ٍ‬
‫جعَلُواْ لِّ ُ‬ ‫تعالى‪َ { :‬و َ‬
‫شيْءٍ عَلِيمٌ} [النعام‪ ،]101 ،100 :‬وقال تعالى‪َ { :‬تبَا َركَ‬ ‫يءٍ وهُ َو ِبكُلّ َ‬ ‫ق كُلّ شَ ْ‬ ‫حبَةٌ وَخََل َ‬ ‫َأنّى َيكُونُ لَهُ وََلدٌ وَلَ ْم َتكُن لّهُ صَا ِ‬
‫اّلذِي نَزّلَ الْفُ ْرقَانَ عَلَى َع ْبدِهِ ِل َيكُونَ لِ ْلعَاَلمِينَ َنذِيرًا‪ .‬اّلذِي لَ ُه مُ ْلكُ ال ّسمَاوَاتِ وَالَْرْضِ وََل ْم َيتّ ِخذْ وََلدًا وََل ْم َيكُن لّهُ شَرِيكٌ فِي ا ْلمُ ْلكِ} [‬
‫الفرقان‪.]2 ،1 :‬‬

‫خلَ ْقنَا ا ْلمَلَ ِئكَةَ ِإنَاثًا وَ ُهمْ شَا ِهدُونَ‪َ .‬ألَ ِإّنهُم مّنْ ِإ ْف ِكهِمْ َليَقُولُونَ‪ .‬وََلدَ الُّ وَِإّنهُمْ‬ ‫وقال تعالى‪{ :‬فَا ْ‬
‫س َت ْفتِهِمْ أَلِ َرّبكَ ا ْل َبنَاتُ وََل ُهمُ ا ْل َبنُونَ‪ .‬أَمْ َ‬
‫ن ّمبِينٌ‪ .‬فَ ْأتُوا ِب ِكتَا ِبكُمْ إِن كُنتُمْ صَا ِدقِينَ‪.‬‬
‫ح ُكمُونَ‪َ .‬أفَلَ َت َذكّرُونَ‪ .‬أَمْ َلكُمْ سُلْطَا ٌ‬ ‫ف تَ ْ‬
‫َلكَا ِذبُونَ‪ .‬أَصْطَفى ا ْل َبنَاتِ عَلَى ا ْلبَنِينَ‪ .‬مَا َلكُ ْم َكيْ َ‬
‫صفُونَ‪ِ .‬إلّ ِعبَادَ الِّ ا ْلمُخْلَصِينَ} [الصافات‪:‬‬ ‫عمّا يَ ِ‬‫سبْحَانَ الِّ َ‬ ‫ضرُونَ‪ُ .‬‬ ‫جنّةُ ِإّنهُمْ َلمُحْ َ‬ ‫سبًا وَلَ َقدْ عَِلمَتِ ا ْل ِ‬ ‫جنّةِ نَ َ‬ ‫جعَلُوا بَ ْينَهُ َو َبيْنَ ا ْل ِ‬
‫وَ َ‬
‫‪ ]160 :149‬إلى قوله‪ُ { :‬سبْحَانَ َرّبكَ رَبّ ا ْلعِزّةِ َعمّا يَصِفُونَ‪ .‬وَسَلَمٌ عَلَى ا ْلمُ ْرسَلِينَ‪ .‬وَالْ َح ْمدُ لِّ رَبّ ا ْلعَاَلمِينَ} [الصافات‪:‬‬
‫‪.]182 :180‬‬

‫فسبح نفسه عما يصفه المفترون المشركون‪ ،‬وسلم على المرسلين لسلمة ما قالوه من الفك والشرك‪ ،‬وحمد نفسه إذ‬
‫هو سبحانه المستحق للحمد بما له من السماء‪ ،‬والصفات وبديع المخلوقات‪.‬‬

‫ل لَ إِلَـهَ ِإلّ هُوَ الْ َحيّ ا ْل َقيّومُ} [‬


‫وأما الثبات المفصل‪ ،‬فإنه ذكر من أسمائه وصفاته ما أنزله في محكم آياته كقوله‪{ :‬ا ّ‬
‫ص َمدُ} [الخلص‪ ]2 ،1 :‬السورة‪.‬‬ ‫البقرة‪ ]255 :‬الية بكمالها‪ ،‬وقوله‪{ :‬قُلْ هُوَ الُّ أَ َ‬
‫حدٌ‪ .‬الُّ ال ّ‬

‫سمِيعُ البَصِيرُ} [الشورى‪{ ،]11 :‬‬ ‫حكِيمُ} [التحريم‪{ ،]2 :‬وَهُوَ ا ْلعَلِيمُ الْ َقدِيرُ} [الحج‪{ ،]54 :‬وَهُوَ ال ّ‬ ‫وقوله‪{ :‬وَهُوَ ا ْلعَلِيمُ الْ َ‬
‫حكِيمُ} [الروم‪{ .]27 :‬وَهُوَ ا ْل َغفُورُ الرّحِيمُ} [يونس‪{ ،]107 :‬وَهُوَ ا ْلغَفُورُ الْ َودُودُ‪ .‬ذُو ا ْلعَ ْرشِ ا ْلمَجِيدُ‪َ .‬فعّالٌ ّلمَا‬ ‫وَهُوَ ا ْلعَزِيزُ الْ َ‬
‫ض فِي‬‫سمَاوَاتِ وَالَْرْ َ‬ ‫شيْءٍ عَلِيمٌ‪ .‬هُوَ اّلذِي خََلقَ ال ّ‬ ‫يُرِيدُ} [البروج‪{ ،]16: 14 :‬هُوَ الَْوّلُ وَالْخِرُ وَالظّاهِرُ وَا ْلبَاطِنُ وَهُ َو ِبكُلّ َ‬
‫ن مَا كُنتُمْ‬
‫ج فِيهَا وَ ُه َو َمعَكُمْ َأيْ َ‬‫سمَاء َومَا َيعْرُ ُ‬‫ل مِنَ ال ّ‬
‫ج ِمنْهَا َومَا يَنزِ ُ‬
‫ج فِي الَْرْضِ َومَا يَخْ ُر ُ‬ ‫ش َيعْلَ ُم مَا يَلِ ُ‬
‫ستَوَى عَلَى ا ْلعَ ْر ِ‬ ‫ستّةِ َأيّا ٍم ُثمّ ا ْ‬
‫ِ‬
‫لّ ِبمَا َت ْعمَلُونَ َبصِيرٌ} [الحديد‪.]4 ،3 :‬‬ ‫وَا ُ‬

‫وقوله‪{ :‬ذَِلكَ بَِأّنهُ ُم اّت َبعُوا مَا أَ ْسخَطَ الَّ َوكَرِهُوا ِرضْوَانَ ُه فََأ ْحبَطَ أَ ْعمَاَلهُمْ} [محمد‪]28 :‬‬

‫ضيَ‬‫علَى ا ْلكَافِرِينَ} [المائدة‪ ]54 :‬الية‪ ،‬وقوله‪{ :‬رّ ِ‬ ‫حبّونَهُ َأذِلّةٍ عَلَى ا ْلمُ ْؤ ِمنِينَ أَعِزّةٍ َ‬
‫حّبهُمْ َويُ ِ‬
‫ل بِقَ ْو ٍم يُ ِ‬ ‫‪،‬وقوله‪{ :‬فَسَوْ َ‬
‫ف َي ْأتِي ا ّ‬
‫ضبَ الّ‬
‫جهَنّمُ خَاِلدًا فِيهَا وَغَ ِ‬ ‫جزَآؤُهُ َ‬ ‫خشِيَ َربّهُ} [البينة‪ ،]8 :‬وقوله‪َ { :‬ومَن َي ْقتُ ْ‬
‫ل مُ ْؤمِنًا ّم َت َعمّدًا فَ َ‬ ‫عنْ ُه ذَِلكَ ِلمَنْ َ‬ ‫ع ْنهُمْ وَ َرضُوا َ‬
‫الُّ َ‬
‫عََليْهِ وََل َعنَهُ} [النساء‪ ،]93 :‬وقوله‪{ :‬إِنّ اّلذِينَ كَ َفرُوا ُينَادَوْنَ َلمَقْتُ الِّ َأ ْكبَرُ مِن مّ ْق ِتكُمْ أَنفُ َسكُمْ ِإ ْذ تُدْعَوْنَ إلى الِْيمَا ِن َف َتكْ ُفرُونَ} [‬
‫غافر‪.]10 :‬‬

‫سمَاء وَهِيَ‬
‫ستَوَى إلى ال ّ‬ ‫ل مّنَ ا ْل َغمَامِ وَا ْلمَلئِكَةُ} [البقرة‪ ،]210 :‬وقوله‪{ :‬ثُمّ ا ْ‬ ‫ظلَ ٍ‬
‫ل فِي ُ‬ ‫وقوله‪{ :‬هَ ْ‬
‫ل يَنظُرُونَ ِإلّ أَن يَ ْأ ِت َيهُمُ ا ّ‬
‫ل مُوسَى تَكْلِيمًا} [النساء‪ ]164 :‬وقوله‪{ :‬‬ ‫طوْعًا أَ ْو كَرْهًا قَاَلتَا َأ َتيْنَا طَا ِئعِينَ}‪ ،‬وقوله‪َ { :‬وكَلّمَ ا ّ‬ ‫ن فَقَالَ َلهَا وَلِلَْرْضِ ِائْ ِتيَا َ‬
‫دُخَا ٌ‬
‫َونَا َديْنَا ُه مِن جَانِبِ الطّورِ ا َلْ ْيمَنِ َوقَ ّر ْبنَا ُه نَ ِجيّا} [مريم‪ ]53 :‬وقوله‪َ { :‬ويَ ْو َم يُنَادِيهِ ْم َفيَقُولُ َأيْنَ ُش َركَائِيَ اّلذِينَ كُنتُ ْم تَزْ ُعمُونَ} [‬
‫القصص‪ ]62 :‬وقوله‪ِ{ :‬إّنمَا َأمْرُهُ ِإذَا أَرَادَ شيئًا أَ ْن َيقُولَ لَ ُه كُ ْن َف َيكُونُ} [يس‪.]82 :‬‬

‫حمَنُ الرّحِيمُ‪ .‬وَ الُّ اّلذِي لَ إِلَهَ ِإلّ هُوَ ا ْلمَِلكُ الْ ُقدّوسُ السّلَمُ ا ْلمُ ْؤمِنُ‬ ‫وقوله‪{ :‬هُوَ الُّ اّلذِي لَ إِلَهَ ِإلّ هُوَ عَالِمُ ا ْل َغيْبِ وَال ّ‬
‫شهَادَةِ ُهوَ الرّ ْ‬
‫سمَاوَاتِ‬ ‫سبّحُ لَ ُه مَا فِي ال ّ‬
‫سنَى يُ َ‬‫ش ِركُونَ ُهوَ الُّ ا ْلخَاِلقُ ا ْلبَا ِرئُ ا ْلمُصَوّرُ لَهُ السماء ا ْلحُ ْ‬‫عمّا يُ ْ‬
‫سبْحَانَ الِّ َ‬ ‫جبّارُ ا ْل ُم َتكَبّرُ ُ‬
‫ا ْل ُم َهيْمِنُ ا ْلعَزِيزُ الْ َ‬
‫وَالَْرْضِ وَهُوَ ا ْلعَزِيزُ ا ْل َحكِيمُ} [الحشر‪ ]24 :22 :‬إلى أمثال هذه اليات‪ ،‬والحاديث الثابتة عن النبي صلى ال عليه‬
‫وسلم‪ ،‬في أسماء الرب تعالى وصفاته‪ ،‬فإن في ذلك من إثبات ذاته وصفاته على وجه التفصيل‪ ،‬وإثبات وحدانيته بنفي‬
‫التمثيل‪ ،‬ما هدى ال به عباده إلى سواء السبيل‪ ،‬فهذه طريقة الرسل صلوات ال وسلمه عليهم أجمعين‪ ،‬وأما من زاغ‬
‫وحاد عن سبيلهم من الكفار والمشركين‪ ،‬والذين أوتوا الكتاب ومن دخل في هؤلء من الصابئة والمتفلسفة والجهمية‪،‬‬
‫والقرامطة والباطنية ونحوهم‪ ،‬فإنهم على ضد ذلك يصفونه بالصفات السلبية‪ ،‬على وجه التفصيل‪ ،‬ول يثبتون إل‬
‫وجودا مطلقا ل حقيقة له عند التحصيل‪ ،‬وإنما يرجع إلى وجود في الذهان يمتنع تحققه في العيان‪ ،‬فقولهم يستلزم‬
‫غاية التعطيل‪ ،‬وغاية التمثيل‪ ،‬فإنهم يمثلونه بالممتنعات والمعدومات والجمادات‪ ،‬ويعطلون السماء والصفات تعطيل‬
‫يستلزم نفي الذات‪ ،‬فغلتهم يسلبون عنه النقيضين‪ ،‬فيقولون ل موجود‪ ،‬ول معدوم‪ ،‬ول حي ول ميت‪ ،‬ول عالم ول‬
‫جاهل‪ ،‬لنهم يزعمون أنهم إذا وصفوه بالثبات شبهوه بالموجودات‪ ،‬وإذا وصفوه بالنفي شبهوه بالمعدومات‪ ،‬فسلبوا‬
‫النقيضين‪ ،‬وهذا ممتنع في بداهة العقول‪ ،‬وحرفوا ما أنزل ال من الكتاب‪ ،‬وما جاء به الرسول‪ ،‬فوقعوا في شر مما‬
‫فروا منه‪ ،‬فإنهم شبهوه بالممتنعات‪ ،‬إذ سلب النقيضين كجمع النقيضين كلهما من الممتنعات‪ ،‬وقد علم بالضطرار‬
‫أن الوجود لبد له من موجد‪ ،‬واجب بذاته غني عما سواه‪ ،‬قديم أزلي‪ ،‬ل يجوز عليه الحدوث ول العدم‪ ،‬فوصفوه بما‬
‫يمتنع وجوده‪ ،‬فضل عن الوجوب أو الوجود‪ ،‬أو القدم وقاربهم طائفة من الفلسفة وأتباعهم‪ ،‬فوصفوه بالسلوب‬
‫والضافات‪ ،‬دون صفات الثبات وجعلوه هو الوجود المطلق‪ ،‬بشرط الطلق‪ ،‬وقد علم بصريح العقل أن هذا ل‬
‫يكون إل في الذهن‪ ،‬ل فيما خرج عنه من الموجودات‪ ،‬وجعلوا الصفة هي الموصوف‪.‬‬

‫فجعلوا العلم عين العالم مكابرة للقضايا البديهات‪ ،‬وجعلوا هذه الصفة هي الخرى‪ ،‬فلم يميزوا بين العلم‪ ،‬والقدرة‪،‬‬
‫والمشيئة‪ ،‬جحدًا للعلوم الضروريات‪ ،‬وقاربهم طائفة ثالثة من أهل الكلم من المعتزلة ومن اتبعهم‪ ،‬فأثبتوا ل‬
‫السماء‪ ،‬دون ما تتضمنه من الصفات‪ ،‬فمنهم من جعل العليم والقدير والسميع والبصير‪ ،‬كالعلم المحضة‬
‫المترادفات‪ ،‬ومنهم من قال‪ :‬عليم بل علم‪ ،‬قدير بل قدرة‪ ،‬سميع بصير بل سمع ول بصر‪ ،‬فأثبتوا السم‪ ،‬دون ما‬
‫تضمنه من الصفات‪ ،‬والكلم على فساد مقالة هؤلء وبيان تناقضها بصريح المعقول المطابق لصحيح المنقول‬
‫مذكور في غير هذه الكلمات‪ ،‬وهؤلء جميعهم يفرون من شيء‪ ،‬فيقعون في نظيره وفي شر منه مع‪ ،‬ما يلزمهم من‬
‫التحريف والتعطيل‪ ،‬ولو أمعنوا النظر لسووا بين المتماثلت‪ ،‬وفرقوا بين المختلفات‪ ،‬كما تقتضيه المعقولت‪ ،‬ولكانوا‬
‫من الذين آوتوا العلم‪ ،‬الذين يرون أن ما أنزل إلى الرسول‪ ،‬هو الحق من ربه‪ ،‬ويهدي إلى صراط العزيز الحميد‪،‬‬
‫ولكنهم من أهل المجهولت المشبهة بالمعقولت يسفسطون في العقليات‪ ،‬ويقرمطون في السمعيات‪ ،‬وذلك أنه قد علم‬
‫بضرورة العقل أنه ل بد من موجود قديم غنى عما سواه‪ ،‬إذ نحن نشاهد حدوث المحدثات‪ ،‬كالحيوان والمعدن‬
‫والنبات‪ ،‬والحادث ممكن ليس بواجب ول ممتنع‪ ،‬وقد علم بالضطرار‪ ،‬أن المحدث ل بد له من محدث‪ ،‬والممكن لبد‬
‫له من موجد‪ ،‬كما قال تعالى‪{ :‬أَمْ خُلِقُوا مِنْ َغيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ} [الطور‪ .]35 :‬فإذا لم يكونوا خلقوا من غير‬
‫خالق‪ ،‬ول هم الخالقون لنفسهم‪ ،‬تعين أن لهم خالقا خلقهم‪ ،‬وإذا كان من المعلوم بالضرورة أن في الوجود ما هو قديم‬
‫واجب بنفسه‪ ،‬وما هو محدث ممكن يقبل الوجود والعدم‪ ،‬فمعلوم أن هذا موجود‪ ،‬وهذا موجود‪ ،‬ول يلزم من اتفاقهما‬
‫في مسمى الوجود أن يكون وجود هذا مثل وجود هذا‪ ،‬بل وجود هذا يخصه‪ ،‬ووجود هذا يخصه‪ ،‬واتفاقهما في اسم‬
‫عام ل يقتضي تماثلهما في مسمى ذلك السم عند الضافة والتخصيص والتقييد‪ ،‬ول في غيره‪ ،‬فل يقول عاقل إذا قيل‬
‫أن العرش شيء موجود وأن البعوض شيء موجود‪ ،‬إن هذا مثل هذا‪ ،‬لتفاقهما في مسمى الشيء والوجود لنه ليس‬
‫في الخارج شيء موجود غيرهما يشتركان فيه‪ ،‬بل الذهن يأخذ معنى مشتركا كليا‪ ،‬هو مسمى السم المطلق‪ ،‬وإذا قيل‬
‫هذا موجود‪ ،‬وهذا موجود‪ ،‬فوجود كل منهما يخصه‪ ،‬ل يشركه فيه غيره‪ ،‬مع أن السم حقيقة في كل منهما‪ ،‬ولهذا‬
‫سمى ال نفسه بأسماء وسمى صفاته بأسماء وكانت تلك السماء مختصة به‪ ،‬إذا أضيفت إليه‪ ،‬ل يشركه فيها غيره‪،‬‬
‫وسمى بعض مخلوقاته بأسماء مختصة بهم مضافة إليهم توافق تلك السماء إذا قطعت عن الضافة والتخصيص‪،‬‬
‫ولم يلزم من اتفاق السمين‪ ،‬وتماثل مسماهما واتحاده عند الطلق والتجريد عن الضافة‪ ،‬والتخصيص اتفاقهما‪ ،‬ول‬
‫تماثل المسمى عند الضافة والتخصيص فضل عن أن يتحد مسماهما عند الضافة والتخصيص‪ ،‬فقد سمى ال نفسه‬
‫ي مِنَ ا ْل َميّتِ‬ ‫ل لَ إِلَـهَ ِإلّ هُوَ الْحَيّ الْ َقيّومُ} [البقرة‪ ،]255 :‬وسمى بعض عباده حيًا‪ ،‬فقال‪{ :‬يُ ْ‬
‫خرِجُ ا ْلحَ ّ‬ ‫حيا‪ ،‬فقال‪{ :‬ا ّ‬
‫ت مِنَ الْ َحيّ} [الروم‪ .]19 :‬وليس هذا الحي مثل هذا الحي لن قوله الحي اسم ل مختص به وقوله‪ :‬يخرج‬ ‫َويُخْ ِرجُ ا ْل َميّ َ‬
‫الحي من الميت اسم للحي المخلوق مختص به‪ ،‬وإنما يتفقان إذا أطلقا وجردا عن التخصيص‪ ،‬ولكن ليس للمطق‬
‫مسمى موجود في الخارج‪ ،‬ولكن العقل يفهم من المطلق قدرًا مشتركا بين المسميين وعند الختصاص يقيد ذلك بما‬
‫يتميز به الخالق عن المخلوق‪ ،‬والمخلوق عن الخالق‪ ،‬ول بد من هذا في جميع أسماء ال وصفاته‪ ،‬يفهم منها ما دل‬
‫عليه السم بالمواطأة والتفاق‪ ،‬وما دل عليه بالضافة والختصاص المانعة من مشاركة المخلوق‪ ،‬للخالق في شيء‬
‫من خصائصه‪ ،‬سبحانه وتعالى‪ ،‬وكذلك سمى ال نفسه عليمًا حليمًا وسمى بعض عباده عليمًا فقال‪ :‬وبشرناه بغلم‬
‫عليم‪ ،‬يعني إسحق‪ ،‬وسمى آخر حليمًا‪ ،‬فقال‪ :‬وبشرناه بغلم حليم يعني إسماعيل‪ ،‬وليس العليم كالعليم‪ ،‬ول الحليم‬
‫ح ُكمُواْ‬
‫ح َك ْمتُم َبيْنَ النّاسِ أَن تَ ْ‬
‫لمَانَاتِ إلى أَهِْلهَا وَِإذَا َ‬ ‫كالحليم‪ ،‬وسمى نفسه سميعًا بصيرًا‪ ،‬فقال‪{ :‬إِنّ ا ّ‬
‫ل َي ْأمُ ُركُمْ أَن تُؤدّواْ ا َ‬
‫سمِيعًا بَصِيرًا}[النساء‪ ،]58 :‬وسمى بعض عباده سميعًا بصيرًا فقال‪ِ{ :‬إنّا َ‬
‫خلَ ْقنَا‬ ‫ل كَانَ َ‬
‫ظكُم بِهِ إِنّ ا ّ‬
‫ل ِن ِعمّا يَعِ ُ‬
‫بِا ْل َعدْلِ إِنّ ا ّ‬
‫الِْنسَا َن مِن نّطْفَةٍ َأمْشَا ٍج ّن ْبتَلِيهِ فَ َجعَ ْلنَاهُ َسمِيعًا بَصِيرًا} [النسان‪ ]2 :‬وليس السميع كالسميع‪ ،‬ول البصير كالبصير‪ ،‬وسمى‬
‫ل بِالنّاسِ لَرَؤُوفٌ رّحِيمٌ} [البقرة‪ ،]143 :‬وسمى بعض عباده بالرؤوف الرحيم‬ ‫نفسه بالرؤوف الرحيم فقال‪{ :‬إِنّ ا ّ‬
‫فقال‪َ{ :‬ل َقدْ جَاءكُمْ َرسُو ٌل مّنْ أَنفُ ِسكُمْ َعزِيزٌ عََليْهِ مَا َعنِتّمْ حَرِيصٌ عََل ْيكُم بِا ْلمُ ْؤ ِمنِينَ رَؤُوفٌ رّحِيمٌ} [التوبة‪ .]128 :‬وليس‬
‫الرؤوف كالرؤوف‪ ،‬ول الرحيم كالرحيم‪ ،‬وسمى نفسه بالملك فقال‪{ :‬ا ْلمَِلكُ ا ْلقُدّوسُ} وسمى بعض عباده بالملك فقال‪:‬‬
‫صبًا} [الكهف‪،]79 :‬‬
‫سفِينَةٍ غَ ْ‬
‫خ ُذ كُلّ َ‬
‫ك يَأْ ُ‬
‫{ َوكَانَ وَرَاءهُم مِّل ٌ‬

‫ك ا ْئتُونِي بِهِ} [يوسف‪ .]54 ،50 :‬وليس الملك كالملك‪ ،‬وسمى نفسه بالمؤمن المهيمن‪ ،‬وسمى بعض عباده‬ ‫{ َوقَالَ ا ْلمَِل ُ‬
‫بالمؤمن‪ ،‬فقال‪َ{ :‬أ َفمَن كَا َن مُ ْؤمِنًا َكمَن كَا َن فَاسِقًا لّ يَ ْستَوُونَ} [السجدة‪ .]18 :‬وليس المؤمن كالمؤمن‪ ،‬وسمى نفسه‬
‫ت امْرَأَةُ ا ْلعَزِيزِ} [يوسف‪:‬‬ ‫جبّارُ ا ْل ُم َتكَبّرُ} [الحشر‪ .]33 :‬وسمى بعض عباده بالعزيز‪ ،‬فقال‪{ :‬قَاَل ِ‬ ‫بالعزيز فقال‪{ :‬ا ْل َعزِيزُ الْ َ‬
‫طبَعُ الُّ‬ ‫‪ .]51‬وليس العزيز كالعزيز‪ ،‬وسمى نفسه الجبار المتكبر‪ ،‬وسمى بعض خلقه بالجبار المتكبر‪ ،‬فقال‪{ :‬كَذَِل َ‬
‫ك يَ ْ‬
‫ب ُمتَ َكبّرٍ َجبّارٍ} [غافر‪ ]35 :‬وليس الجبار كالجبار‪ ،‬ول المتكبر كالمتكبر‪ ،‬ونظائر هذا متعددة‪ ،‬وكذلك سمى‬ ‫ل قَ ْل ِ‬‫عَلَى كُ ّ‬
‫صفاته بأسماء‪ ،‬وسمى صفات عباده بنظير ذلك‪ ،‬فقال‪{ :‬ول يحيطون بشيء من علمه إل بما شاء} {أَنزَلَهُ ِبعِ ْلمِهِ} وقال {‬
‫ق ذُو الْقُوّةِ ا ْل َمتِينُ} [الذاريات‪ ]58 :‬وقال {أَوََل ْم يَرَوْا أَنّ الَّ اّلذِي خََل َقهُمْ هُوَ أَ َش ّد ِم ْنهُمْ ُقوّةً} [ فصلت‪]15 :‬‬ ‫إِنّ الَّ هُوَ الرّزّا ُ‬
‫ق كُ ّل ذِي عِ ْلمٍ عَلِيمٌ} [‬ ‫ل قَلِيلً} [السراء‪ ]85 :‬وقال‪َ { :‬وفَوْ َ‬ ‫وسمى صفة المخلوق علمًا وقوة‪ ،‬فقال‪َ { :‬ومَا أُوتِيتُم مّن ا ْلعِ ْلمِ ِإ ّ‬
‫ف قُوّةً‬ ‫ضعْ ٍ‬‫ل مِن َبعْدِ َ‬ ‫جعَ َ‬‫ف ثُمّ َ‬ ‫يوسف‪ ]76 :‬وقال‪{ :‬فَرِحُوا ِبمَا عِندَهُم مّنَ ا ْلعِلْمِ} [غافر‪ ]83 :‬وقال{الُّ اّلذِي خَلَ َقكُم مّن َ‬
‫ض ْع ٍ‬
‫ض ْعفًا َو َش ْيبَةً} [الروم‪ ]54 :‬وقال { َويَ ِز ْدكُمْ ُقوّةً إلى ُق ّوتِكُمْ} [هود‪ .]52 :‬وقال {وَال ّسمَاء َب َنيْنَاهَا بَِأ ْيدٍ} [‬ ‫ل مِن َبعْ ِد قُوّةٍ َ‬ ‫جعَ َ‬
‫ثُمّ َ‬
‫الذاريات‪ ]47 :‬أي بقوة‪ ،‬وقال {وَا ْذكُرْ َع ْبدَنَا دَاوُو َد ذَا ا َلْ ْيدِ} [ص‪ ]17 :‬أي ذا القوة‪ ،‬وليس العلم كالعلم ول القوة‬
‫كالقوة ووصف نفسه بالمشيئة ووصف عبده بالمشيئة فقال‪ِ{ :‬لمَن شَاء مِنكُمْ أَن يَ ْ‬
‫س َتقِيمَ‪َ .‬ومَا تَشَاؤُونَ ِإلّ أَن يَشَاء الُّ َربّ‬
‫لّ كَانَ‬
‫سبِيلً‪َ .‬ومَا تَشَاؤُونَ ِإلّ أَن يَشَاء الُّ إِنّ ا َ‬ ‫ا ْلعَاَلمِينَ} [التكوير‪ ]29 ،28 :‬وقال {إِنّ َهذِهِ َت ْذكِرَ ٌة َفمَن شَاء اتّ َ‬
‫خذَ إلى َربّهِ َ‬
‫ل يُرِيدُ‬‫ض ال ّد ْنيَا وَا ّ‬
‫عرَ َ‬ ‫حكِيمًا} [النسان‪ ]30 ،29 :‬وكذلك وصف نفسه بالرادة وعبده بالرادة فقال‪{ :‬تُرِيدُونَ َ‬ ‫عَلِيمًا َ‬
‫الخِ َرةَ وَالّ عَزِيزٌ َحكِيمٌ} [النفال‪.]67 :‬‬

‫حبّونَهُ} [المائدة‪ .]54 :‬وقال {قُلْ إِن‬ ‫حّبهُمْ َويُ ِ‬


‫ل بِقَ ْو ٍم يُ ِ‬ ‫ووصف نفسه بالمحبة‪ ،‬ووصف عبده بالمحبة فقال‪{ :‬فَسَوْ َ‬
‫ف َي ْأتِي ا ّ‬
‫ضيَ الّ‬ ‫ح ِب ْبكُمُ الّ} [آل عمران‪ ]31 :‬ووصف نفسه بالرضا‪ ،‬ووصف عبده بالرضا‪ ،‬فقال‪{ :‬رّ ِ‬ ‫ل فَا ّتبِعُونِي يُ ْ‬ ‫حبّونَ ا ّ‬ ‫كُنتُ ْم تُ ِ‬
‫َع ْنهُمْ وَرَضُواْ َعنْهُ} [البينة‪ ]8 :‬ومعلوم أن مشيئة ال ليست مثل مشيئة العبد‪ ،‬ول إرادته مثل إرادته‪ ،‬ول محبته مثل‬
‫محبته‪ ،‬ول رضاه مثل رضاه‪ ،‬وكذلك وصف نفسه بأنه يمقت الكفار‪ ،‬ووصفهم بالمقت فقال‪{ :‬إِنّ اّلذِينَ كَ َفرُوا ُينَادَوْنَ‬
‫َلمَ ْقتُ الِّ َأ ْكبَ ُر مِن مّ ْق ِتكُمْ أَنفُ َسكُمْ ِإ ْذ ُتدْعَوْنَ إلى الِْيمَا ِن َفتَكْ ُفرُونَ} [غافر‪.]10 :‬‬

‫وليس المقت مثل المقت‪ .‬وهكذا وصف نفسه بالمكر والكيد‪ ،‬كما وصف عبده بذلك‪ ،‬فقال‪ :‬ويمكرون ويمكر ال‪،‬‬
‫وقال‪ِ{ :‬إّنهُ ْم َيكِيدُو َن َكيْدًا‪ .‬وََأكِيدُ َك ْيدًا} [الطارق‪ ،]16 ،15 :‬وليس المكر كالمكر‪ ،‬ول الكيد كالكيد‪ ،‬ووصف نفسه‬
‫عمِلَتْ َأ ْيدِينَا َأ ْنعَامًا َفهُمْ َلهَا مَاِلكُونَ} [يس‪ ]71 :‬ووصف عبده بالعمل فقال‪{ :‬‬ ‫بالعمل‪ ،‬فقال‪{ :‬أَوََل ْم يَرَوْا َأنّا خَلَ ْقنَا َلهُ ْم ِممّا َ‬
‫جَزَاء ِبمَا كَانُوا َي ْعمَلُونَ} [السجدة‪ ]17 :‬وليس العمل كالعمل ووصف نفسه بالمناداة والمناجاة‪ ،‬فقال‪َ { :‬ونَا َديْنَا ُه مِن جَانِبِ‬
‫الطّورِ ا َلْ ْيمَنِ َوقَ ّر ْبنَا ُه َن ِجيّا} [مريم‪ ]52 :‬وقال‪{ :‬وَ َيوْمَ يُنَادِيهِمْ} [القصص‪ ]62 :‬وقال {وَنَادَا ُهمَا رَ ّب ُهمَا} [العراف‪:‬‬
‫‪ ]22‬ووصف عباده بالمناداة والمناجاة‪ ،‬فقال‪{ :‬إِنّ اّلذِينَ ُينَادُو َنكَ مِن وَرَاء ا ْلحُجُرَاتِ َأ ْكثَرُهُ ْم َل َيعْقِلُونَ} [الحجرات‪]4 :‬‬
‫ل َت َتنَاجَوْا بِا ِلْثْمِ وَا ْل ُعدْوَانِ} [المجادلة‪ ]9 :‬وليس المناداة‬ ‫ج ْيتُمُ الرّسُولَ} [المجادلة‪ ]12 :‬وقال‪ِ{ :‬إذَا َتنَا َ‬
‫ج ْيتُمْ فَ َ‬ ‫وقال {ِإذَا نَا َ‬
‫ل مُوسَى َتكْلِيمًا} [النساء‪ .]164 :‬وقوله‪{ :‬‬ ‫ول المناجاة‪ ،‬كالمناجاة والمناداة‪ ،‬ووصف نفسه بالتكليم في قوله { َوكَلّمَ ا ّ‬
‫ضهُمْ عَلَى َبعْضٍ ّم ْنهُم مّن كَلّمَ الّ} [‬ ‫ل فَضّ ْلنَا َبعْ َ‬
‫سُ‬ ‫وََلمّا جَاء مُوسَى ِلمِيقَا ِتنَا َوكَّلمَهُ َربّهُ} [العراف‪ ]143 :‬وقوله‪{ :‬تِ ْلكَ الرّ ُ‬
‫ستَخِْلصْهُ ِلنَفْسِي فََلمّا كَّلمَ ُه قَالَ ِإّنكَ ا ْليَ ْومَ َلدَ ْينَا ِمكِينٌ‬
‫ك ا ْئتُونِي بِهِ أَ ْ‬‫البقرة‪ ،]253 :‬ووصف عبده بالتكليم في قوله { َوقَالَ ا ْلمَِل ُ‬
‫َأمِينٌ} [يوسف‪ ]54 :‬وليس التكليم كالتكليم‪ ،‬ووصف نفسه بالتنبئة‪ ،‬ووصف بعض الخلق بالتنبئة‪ ،‬فقال‪{ :‬وَِإذْ أَسَرّ‬
‫ت مَنْ أَنبََأكَ َهذَا قَالَ‬
‫ض فََلمّا َنبّأَهَا بِهِ قَالَ ْ‬
‫ف َبعْضَهُ وَأَعْ َرضَ عَن َبعْ ٍ‬
‫عرّ َ‬
‫ظهَرَهُ الُّ عََليْهِ َ‬
‫ت بِهِ وَأَ ْ‬
‫حدِيثًا فََلمّا نَبَّأ ْ‬
‫ال ّنبِيّ إلى بَعْضِ َأزْوَاجِهِ َ‬
‫َنبَّأنِيَ ا ْلعَلِيمُ ا ْل َخبِيرُ} [التحريم‪ .]3 :‬وليس النباء كالنباء‪.‬‬

‫ووصف نفسه بالتعليم ووصف عبده بالتعليم فقال‪{ :‬الرّ ْحمَنُ‪ .‬عَلّمَ الْ ُقرْآنَ‪ .‬خَلَقَ الِْنسَانَ‪ .‬عَّلمَهُ ا ْل َبيَانَ} [الرحمن‪]4 :1 :‬‬
‫عَليْهِ ْم آيَاتِهِ‬
‫سهِ ْم َيتْلُو َ‬ ‫ن ِممّا عَّل َمكُمُ الّ} [المائدة‪ ]4 :‬وقال‪{ :‬لَ َق ْد مَنّ الّ عَلَى ا ْلمُؤمِنِينَ ِإذْ َبعَ َ‬
‫ث فِيهِمْ رَسُولً مّنْ أَن ُف ِ‬ ‫وقال‪ُ { :‬تعَّلمُو َنهُ ّ‬
‫ح ْكمَةَ} [آل عمران‪ .]164 :‬وليس التعليم كالتعليم‪ ،‬وهكذا وصف نفسه بالغضب‪ ،‬فقال‪{ :‬‬ ‫َويُ َزكّيهِمْ َو ُيعَلّ ُمهُمُ ا ْل ِكتَابَ وَا ْل ِ‬
‫ضبَانَ َأسِفًا} [‬ ‫ضبَ الُّ عََل ْيهِمْ وََل َع َنهُمْ} [الفتح‪ ،]6 :‬ووصف عبده بالغضب في قوله {وََلمّا رَجَ َع مُوسَى إلى قَ ْومِهِ غَ ْ‬ ‫وَغَ ِ‬
‫العراف‪ ]150 :‬وليس الغضب كالغضب‪ ،‬ووصف نفسه بأنه استوى على عرشه‪ ،‬فذكر ذلك في سبع مواضع من‬
‫ظهُورِهِ} [‬ ‫ستَوُوا عَلَى ُ‬ ‫كتابه أنه استوى على العرش‪،‬ووصف بعض خلقه بالستواء على غيره‪ ،‬في مثل قوله{ِلتَ ْ‬
‫الزخرف‪ ]13 :‬وقوله‪{ :‬فَِإذَا ا ْستَ َويْتَ أَنتَ َومَن ّم َعكَ عَلَى ا ْلفُ ْلكِ} [المؤمنون‪ ]27 :‬وقوله‪{ :‬وَا ْستَوَتْ عَلَى الْجُودِيّ} [هود‪:‬‬
‫ل َمغْلُولَةٌ غُلّتْ َأ ْيدِيهِمْ َوُل ِعنُواْ ِبمَا‬ ‫‪ ]44‬وليس الستواء كالستواء‪ ،‬ووصف نفسه ببسط اليدين‪ ،‬فقال‪َ { :‬وقَاَل ِ‬
‫ت اليهود َيدُ ا ّ‬
‫ف يَشَاء} [المائدة‪.]64 :‬‬
‫ق َكيْ َ‬
‫ن يُنفِ ُ‬
‫طتَا ِ‬
‫ل يَدَا ُه َمبْسُو َ‬
‫قَالُو ْا بَ ْ‬

‫طهَا كُلّ ا ْلبَسْطِ} [السراء‪ ]29 :‬وليس‬


‫ل َتبْسُ ْ‬
‫عنُ ِقكَ َو َ‬
‫ل َي َدكَ َمغْلُولَةً إلى ُ‬
‫جعَ ْ‬ ‫ووصف بعض خلقه ببسط اليد‪ ،‬في قوله{ َو َ‬
‫ل تَ ْ‬
‫اليد كاليد‪ ،‬ول البسط كالبسط‪ ،‬وإذا كان المراد بالبسط العطاء والجود فليس إعطاء ال كإعطاء خلقه ول جوده‬
‫كجودهم ونظائر هذا كثيرة‪ ،‬فل بد من إثبات ما أثبته ال لنفسه ونفي مماثلته بخلقه‪ ،‬فمن قال ليس ل علم ول قوة ول‬
‫رحمة‪ ،‬ول كلم ول يحب ول يرضى ول نادى ول ناجى ول استوى‪ .‬كان معطل جاحدا‪ ،‬ممثل ل بالمعدومات‬
‫والجمادات‪.‬‬

‫ومن قال له علم كعلمي أو قوة كقوتي‪ ،‬أو حب كحبي أو رضاء كرضائي‪ ،‬أو يدان كيداي‪ ،‬أو استواء كاستوائي‪ ،‬كان‬
‫مشبها ممثل ل بالحيوانات بل ل بد من إثبات بل تمثيل وتنزيه بل تعطيل‪ ،‬ويتبين هذا بأصلين شريفين ومثلين‬
‫مضروبين‪.‬‬

‫ول المثل العلى‪.‬‬

‫‪[ .‬وبخاتمة جامعة]‪.‬‬

‫فصل‪:‬‬

‫فأما الصلن‪ :‬فأحدهما أن يقال‪ :‬القول في بعض الصفات كالقول في بعض‪ ،‬فإن كان المخاطب ممن يقول‪ :‬بأن ال‬
‫حي بحياة‪ ،‬عليم بعلم‪ ،‬قدير بقدرة‪ ،‬سميع بسمع‪ ،‬بصير ببصر‪ ،‬متكلم بكلم‪ ،‬مريد بإرادة‪ ،‬ويجعل ذلك كله حقيقة‬
‫وينازع في محبته ورضاه وغضبه وكراهته‪ ،‬فيجعل ذلك مجازا ويفسره‪ ،‬إما بالرادة وإما ببعض المخلوقات من‬
‫النعم والعقوبات‪ ،‬فيقال له‪ :‬ل فرق بين ما نفيته وبين ما أثبته‪ ،‬بل القول في أحدهما كالقول في الخر‪ ،‬فإن قلت‪ :‬أن‬
‫إرادته مثل إرادة المخلوقين فكذلك محبته ورضاه وغضبه‪ .‬وهذا هو التمثيل وإن قلت‪ :‬أن له إرادة تليق به‪ ،‬كما أن‬
‫للمخلوق إرادة تليق به قيل لك‪ :‬وكذلك له محبة تليق به‪ ،‬وللمخلوق محبة تليق به وله رضا وغضب يليق به‪،‬‬
‫وللمخلوق رضا وغضب يليق به وإن قلت‪ :‬الغضب غليان دم القلب لطلب النتقام فيقال له‪ :‬والرادة ميل النفس إلى‬
‫جلب منفعة أو دفع مضرة فإن قلت‪ :‬هذه إرادة المخلوق قيل لك‪ :‬وهذا غضب المخلوق وكذلك يلزم القول في كلمه‬
‫وسمعه وبصره وعلمه وقدرته‪ ،‬إن نفي عنه الغضب والمحبة والرضا ونحو ذلك مما هو من خصائص المخلوقين‪،‬‬
‫فهذا منتف عن السمع والبصر والكلم وجميع الصفات وإن قال‪ :‬أنه ل حقيقة لهذا إل ما يختص بالمخلوقين‪ ،‬فيجب‬
‫نفيه عنه قيل له‪ :‬وهكذا السمع والبصر والكلم والعلم والقدرة‪ ،‬فهذا المفرق بين بعض الصفات وبعض‪ ،‬يقال له‪ :‬فيما‬
‫نفاه كما يقوله هو لمنازعه فيما أثبته‪ ،‬فإذا قال المعتزلي‪ :‬ليس له إرادة ول كلم قائم به‪ ،‬لن هذه الصفات ل تقوم إل‬
‫بالمخلوقات‪ ،‬فإنه يبين للمعتزلي أن هذه الصفات يتصف بها القديم‪ ،‬ول تكون كصفات المحدثات‪ ،‬فهكذا يقول له‬
‫المثبتون لسائر الصفات من المحبة والرضا‪ ،‬ونحو ذلك‪ ،‬فإن قال‪ :‬تلك الصفات أثبتها بالعقل‪ ،‬لن الفعل الحادث دل‬
‫على القدرة والتخصيص‪ ،‬دل على الرادة والحكام‪ ،‬دل على العلم‪ ،‬وهذه الصفات مستلزمة للحياة‪ ،‬والحي ل يخلو‬
‫عن السمع‪ ،‬والبصر والكلم‪ ،‬أو ضد ذلك قال له سائر أهل الثبات‪ :‬لك جوابان‪ :‬أحدهما أن يقال‪ :‬عدم الدليل المعين‬
‫ل يستلزم عدم المدلول المعين‪ ،‬فهب أن ما سلكت من الدليل العقلي ل يثبت ذلك‪ ،‬فإنه ل ينفيه‪ ،‬وليس لك أن تنفيه‬
‫بغير دليل‪ ،‬لن النافي عليه الدليل‪ ،‬كما على المثبت والسمع‪ ،‬قد دل عليه ولم يعارض‪ ،‬ذلك معارض عقلي‪ ،‬ول‬
‫سمعي‪ ،‬فيجب إثبات ما أثبته الدليل السالم عن المعارض‪.‬‬

‫المقام الثاني أن يقال‪ :‬يمكن إثبات هذه الصفات‪ ،‬بنظير ما أثبت به تلك من العقليات‪ ،‬فيقال نفع العباد بالحسان إليهم‪،‬‬
‫دل على الرحمة‪ ،‬كدللة التخصيص على المشيئة‪ ،‬وإكرام الطائعين يدل على محبتهم وعقاب الكافرين‪ ،‬يدل على‬
‫بغضهم‪ ،‬كما قد ثبت بالشهادة والخبر‪ :‬من إكرام أوليائه وعقاب أعدائه‪ ،‬والغايات المحمودة في مفعولته ومأموراته ‪-‬‬
‫وهي ما تنتهي إليه مفعولته ومأموراته من العواقب الحميدة ‪ -‬تدل على حكمته البالغة‪ ،‬كما يدل التخصيص على‬
‫المشيئة‪ ،‬وأولى لقوة العلة الغائية‪ ،‬ولهذا كان ما في القرآن من بيان ما في مخلوقاته من النعم والحكم‪ ،‬أعظم مما في‬
‫القرآن من بيان ما فيها من الدللة على محض المشيئة‪ ،‬وإن كان المخاطب ممن ينكر الصفات ويقر بالسماء‬
‫كالمعتزلي الذي يقول‪ :‬إنه حي عليم قدير‪ ،‬وينكر أن يتصف بالحياة والعلم والقدرة‪ ،‬قيل له‪ :‬ل فرق بين إثبات‬
‫السماء‪ ،‬وإثبات الصفات فإنك إن قلت‪ :‬إثبات الحياة والعلم والقدرة يقتضي تشبيهًا أو تجسيمًا‪ ،‬لنا ل نجد في الشاهد‬
‫متصفًا بالصفات إل ما هو جسم قيل لك‪ :‬ول نجد في الشاهد ما هو مسمى حي عليم قدير إل ما هو جسم‪ ،‬فإن نفيت ما‬
‫نفيت لكونك لم تجده في الشاهد إل للجسم‪ ،‬فانف السماء بل وكل شيء لنك ل تجده في الشاهد إل للجسم‪ ،‬فكل ما‬
‫يحتج به من نفي الصفات يحتج به نافي السماء الحسنى‪ ،‬فما كان جوابًا لذلك كان جوابًا لمثبتي الصفات‪ ،‬وإن كان‬
‫المخاطب من الغلة نفاة السماء والصفات وقال ل أقول‪ :‬هو موجود ول حي ول عليم ول قدير‪ ،‬بل هذه السماء‬
‫لمخلوقاته إذ هي مجاز لن إثبات ذلك يستلزم التشبيه بالموجود الحي العليم‪ ،‬قيل له‪ :‬كذلك إذا قلت‪ :‬ليس بموجود‪ ،‬ول‬
‫حي‪ ،‬ول عليم‪ ،‬ول قدير‪ ،‬كان ذلك تشبيها بالمعدومات‪ ،‬وذلك أقبح من التشبيه بالموجودات‪ ،‬فإن قال‪ :‬أنا أنفي النفي‬
‫والثبات‪ ،‬قيل له‪ :‬فيلزمك التشبيه بما اجتمع فيه النقيضان من الممتنعات‪ ،‬فإنه يمتنع أن يكون الشيء موجودًا معدومًا‬
‫أو ل موجودًا ول معدومًا‪ ،‬ويمتنع أن يكون يوصف ذلك باجتماع الوجود والعدم‪ ،‬أو الحياة والموت‪ ،‬أو العلم والجهل‬
‫أو يوصف بنفي الوجود والعدم‪ ،‬ونفي الحياة والموت ونفي العلم والجهل‪ ،‬فإن قلت إنما يمتنع نفي النقيضين عما‬
‫يكون قابلً لهما‪ ،‬وهذان يتقابلن تقابل العدم والملكة‪ ،‬ل تقابل السلب واليجاب‪ ،‬فإن الجدار ل يقال له أعمى ول‬
‫بصير ول حي ول ميت‪ ،‬إذ ليس بقابل لهما‪ ،‬قيل لك‪ :‬أول هذا ل يصح في الوجود والعدم‪ ،‬فإنهما متقابلن تقابل‬
‫السلب واليجاب باتفاق العقلء‪ ،‬فيلزم من رفع أحدهما ثبوت الخر‪ ،‬وأما ما ذكرته من الحياة والموت والعلم‬
‫والجهل‪ :‬فهذا اصطلح اصطلحت عليه المتفلسفة المشاءون‪ ،‬والصطلحات اللفظية ليست دليل على نفي الحقائق‬
‫شعُرُونَ َأيّانَ‬
‫حيَاء َومَا يَ ْ‬
‫غيْرُ أَ ْ‬
‫ل يَخْلُقُونَ شيئًا وَهُ ْم يُخَْلقُونَ‪َ .‬أمْواتٌ َ‬ ‫العقلية‪ ،‬وقد قال ال تعالى‪{ :‬وَاّلذِينَ َيدْعُونَ مِن دُونِ ا ّ‬
‫ل َ‬
‫ُيبْ َعثُونَ} [النحل‪.]21 ،20 :‬‬

‫فسمى الجماد ميتًا‪ ،‬وهذا مشهور في لغة العرب وغيرهم‪ ،‬وقيل لك ثانيا‪ :‬فما ل يقبل التصاف بالحياة والموت‬
‫والعمى والبصر‪ ،‬ونحو ذلك من المتقابلت‪ ،‬أنقص مما يقبل ذلك ‪ ،-‬فالعمى الذي يقبل التصاف بالبصر‪ ،‬أكمل من‬
‫الجماد الذي ل يقبل واحدًا منهما‪ ،‬فأنت فررت من تشبيهه بالحيوانات القابلة لصفات الكمال‪ ،‬ووصفته بصفات‬
‫الجامدات التي ل تقبل ذلك‪.‬‬

‫وأيضًا فما ل يقبل الوجود والعدم‪ ،‬أعظم امتناعًا من القابل للوجود والعدم‪ ،‬بل ومن اجتماع الوجود والعدم‪ ،‬ونفيهما‬
‫جميعًا‪ ،‬فما نفيت عنه قبول الوجود والعدم‪ .‬كان أعظم امتناعًا‪ ،‬مما نفيت عنه الوجود والعدم‪ ،‬وإذا كان هذا ممتنعًا في‬
‫صرائح العقول فذاك أعظم امتناعا‪ ،‬فجعلت الوجود الواجب الذي ل يقبل العدم‪ ،‬هو أعظم الممتنعات‪ ،‬وهذا غاية‬
‫التناقض والفساد‪ ،‬وهؤلء الباطنية منهم من يصرح برفع النقيضين‪ :‬الوجود والعدم‪ ،‬ورفعهما كجمعهما‪.‬‬

‫ومن يقول ل أثبت واحدًا منهما‪ ،‬فامتناعه عن إثبات أحدهما في نفس المر؛ ل يمنع تحقق واحد منهما في نفس‬
‫المر‪ ،‬وإنما هو كجهل الجاهل‪ ،‬وسكوت الساكت‪ ،‬الذي ل يعبر عن الحقائق‪ ،‬وإذا كان ما ل يقبل الوجود ول العدم‪،‬‬
‫أعظم امتناعًا مما يقدر قبوله لهما‪ ،‬مع نفيهما عنه فما يقدر ل يقبل الحياة ول الموت‪ ،‬ول العلم ول الجهل‪ ،‬ول القدرة‬
‫ول العجز‪ ،‬ول الكلم ول الخرس‪ ،‬ول العمى ول البصر‪ ،‬ول السمع ول الصمم‪ ،‬أقرب إلى المعدوم الممتنع‪ ،‬مما‬
‫يقدر قابلً لهما‪ ،‬مع نفيهما عنه‪ ،‬وحينئذ فنفيهما مع كونه قابلً لهما أقرب إلى الوجود والممكن‪ ،‬وما جاز لواجب‬
‫الوجود‪ ،‬قابلً وجب له‪ ،‬لعدم توقف صفاته على غيره‪ ،‬فإذا جاز القبول وجب‪ ،‬وإذا جاز وجود القبول وجب وقد بسط‬
‫هذا في موضع آخر‪ ،‬وبين وجوب اتصافه بصفات الكمال التي ل نقص فيها بوجه من الوجوه‪.‬‬

‫وقيل له أيضًا‪ :‬اتفاق المسميين في بعض السماء والصفات ليس هو التشبيه والتمثيل الذي نفته الدلة السمعيات‬
‫والعقليات؛ وإنما نفت ما يستلزم اشتراكهما فيما يختص به الخالق مما يختص بوجوبه أو جوازه أو امتناعه‪ ،‬فل‬
‫يجوز أن يشركه فيه مخلوق‪ ،‬ول يشركه مخلوق في شيء من خصائصه‪ ،‬سبحانه وتعالى‪.‬‬

‫وأما ما نفيته فهو ثابت بالشرع والعقل‪ ،‬وتسميتك ذلك تشبيهًا وتجسيمًا‪ ،‬تمويه على الجهال الذين يظنون أن كل معنى‬
‫سماه مسم بهذا السم يجب نفيه‪ ،‬ولو ساغ هذا لكان كل مبطل يسمي الحق بأسماء ينفر عنها بعض الناس ليكذب‬
‫الناس بالحق المعلوم بالسمع والعقل‪ ،‬وبهذه الطريقة أفسدت الملحدة على طوائف الناس عقلهم ودينهم‪ ،‬حتى‬
‫أخرجوهم إلى أعظم الكفر والجهالة وأبلغ الغي والضللة‪.‬‬

‫وإن قال نفاة الصفات‪ :‬إثبات العلم والقدرة والرادة؛ مستلزم تعدد الصفات‪ ،‬وهذا تركيب ممتنع‪ ،‬قيل‪ :‬وإذا قلتم‪ :‬هو‬
‫موجود واجب‪ ،‬وعقل وعاقل ومعقول‪ ،‬وعاشق ومعشوق‪ ،‬ولذيذ وملتذ ولذة‪ ،‬أفليس المفهوم من هذا هو المفهوم من‬
‫هذا؟ فهذه معان متعددة متغايرة‪ ،‬في العقل وهذا تركيب عندكم‪ ،‬وأنتم تثبتونه وتسمونه توحيدًا‪ ،‬فإن قالوا‪ :‬هذا توحيد‬
‫في الحقيقة‪ ،‬وليس هذا تركيبًا ممتنعًا‪ ،‬قيل لهم‪ :‬واتصاف الذات بالصفات اللزمة لها توحيد في الحقيقة‪ ،‬وليس هو‬
‫تركيبًا ممتنعًا وذلك أنه من المعلوم في صريح العقول‪ ،‬أنه ليس معنى كون الشيء عالمًا‪ ،‬هو معنى كونه قادرًا‪ ،‬ول‬
‫نفس ذاته هو نفس كونه عالمًا قادرًا‪ ،‬فمن جوز أن تكون هذه الصفة هي الموصوف‪ ،‬فهو من أعظم الناس سفسطة‪،‬‬
‫ثم إنه متناقض‪ ،‬فإنه إن جوز ذلك جاز أن يكون وجود هذا هو وجود هذا‪ ،‬فيكون الوجود واحدًا بالعين ل بالنوع‪،‬‬
‫وحينئذ فإذا كان وجود الممكن هو وجود الواجب كان وجود كل مخلوق يعدم بعدم وجوده ويوجد بعد عدمه‪ ،‬هو نفس‬
‫وجود الحق القديم الدائم الباقي‪ ،‬الذي ل يقبل العدم وإذا قدر هذا كان الوجود الواجب‪ ،‬موصوفًا بكل تشبيه وتجسيم‪،‬‬
‫وكل نقص وكل عيب‪ ،‬كما يصرح بذلك أهل وحدة الوجود الذين طردوا هذا الصل الفاسد‪ ،‬وحينئذ فتكون أقوال نفاة‬
‫الصفات باطلة على كل تقدير‪ ،‬وهذا باب مطرد فإن كل واحد من النفاة لما أخبر به الرسول من الصفات‪ :‬ل ينفي‬
‫شيئًا فرارًا مما هو محذور‪ ،‬إل وقد أثبت ما يلزمه فيه نظير ما فر منه‪ ،‬فل بد في آخر المر من أن يثبت موجودًا‬
‫واجبًا قديمًا متصفًا بصفات تميزه عن غيره‪ ،‬ول يكون فيها مماثلً لخلقه‪ ،‬فيقال له‪ :‬هكذا القول في جمع الصفات وكل‬
‫ما تثبته من السماء والصفات‪ :‬فل بد أن يدل على قدر تتواطأ فيه المسميات ولول ذلك لما فهم الخطاب‪ ،‬ولكن نعلم‬
‫أن ما اختص ال به‪ ،‬وامتاز عن خلقه أعظم مما يخطر بالبال‪ ،‬أو يدور في الخيال‪.‬‬

‫وهذا يتبين بالصل الثاني‪ ،‬وهو أن يقال القول في الصفات كالقول في الذات‪ ،‬فإن ال ليس كمثله شيء؛ ل في ذاته‬
‫ول في صفاته ول في أفعاله‪ ،‬فإذا كان له ذات حقيقة ل تماثل الذوات‪ ،‬فالذات متصفة بصفات حقيقة ل تماثل سائر‬
‫الصفات‪ ،‬فإذا قال السائل‪ :‬كيف استوى على العرش؟‬

‫قيل له‪ :‬كما قال ربيعة ومالك وغيرهما رضي ال عنهما‪ :‬الستواء معلوم‪ ،‬والكيف مجهول‪ ،‬واليمان به‪ ،‬واجب‬
‫والسؤال عن الكيفية بدعة‪ .‬لنه سؤال عما ل يعلمه البشر‪ ،‬ول يمكنهم الجابة عنه‪ ،‬وكذلك إذا قال‪ :‬كيف ينزل ربنا‬
‫إلى السماء الدنيا؟‬

‫قيل له‪ :‬كيف هو؟ فإذا قال ل أعلم كيفيته‪ .‬قيل له‪ :‬ونحن ل نعلم كيفية نزوله إذ العلم بكيفية الصفة‪ ،‬يستلزم العلم بكيفية‬
‫الموصوف‪ ،‬وهو فرع له‪ ،‬وتابع له‪ ،‬فكيف تطالبني بالعلم بكيفية سمعه وبصره وتكليمه واستوائه‪ ،‬ونزوله‪ ،‬وأنت ل‬
‫تعلم كيفية ذاته؟‪.‬‬

‫وإذا كنت تقر بأن له حقيقة ثابته في نفس المر‪ ،‬مستوجبه لصفات الكمال‪ ،‬ل يماثلها شيء‪ ،‬فسمعه وبصره وكلمه‬
‫ونزوله واستواؤه ثابت في نفس المر‪ ،‬وهو متصف بصفات الكمال التي ليشابهه فيها سمع المخلوقين‪ ،‬وبصرهم‪،‬‬
‫وكلمهم‪ ،‬ونزولهم‪ ،‬واستواؤهم‪ ،‬وهذا الكلم لزم لهم في العقليات‪ ،‬وفي تأويل السمعيات‪ ،‬فإن من أثبت شيئًا ونفي‬
‫شيئًا بالعقل‪ ،‬إذا ألزم فيما نفاه من الصفات التي جاء بها الكتاب والسنة‪ ،‬نظير ما يلزمه فيما أثبته؛ ولو طولب بالفرق‬
‫بين المحذور في هذا وهذا لم يجد بينهما فرقًا؛ ولهذا ل يوجد لنفاة بعض الصفات دون بعض الذين يوجبون فيما نفوه‪،‬‬
‫إما التفويض وإما التأويل المخالف لمقتضى اللفظ قانون مستقيم‪.‬‬

‫فإذا قيل لهم‪ :‬لم تأولتم هذا وأقررتم هذا والسؤال فيهما واحد؟‪ .‬لم يكن لهم جواب صحيح‪ ،‬فهذا تناقضهم في النفي وكذا‬
‫تناقضهم في الثبات‪ ،‬فإن من تأول النصوص على معنى من المعاني التي يثبتها‪ ،‬فإنهم إذا صرفوا النص عن المعنى‬
‫الذي هو مقتضاه إلى معنى آخر‪ ،‬لزمهم في المعنى المصروف إليه‪ ،‬ما كان يلزمهم في المعنى المصروف عنه‪ ،‬فإذا‬
‫قال قائل تأويل محبته ورضاه وغضبه وسخطه هو إرادته للثواب والعقاب‪ ،‬كان ما يلزمه في الرادة نظير ما يلزمه‬
‫في الحب والمقت‪ ،‬والرضا والسخط‪.‬‬

‫ولو فسر ذلك بمفعولته‪ ،‬وهو ما يخلقه من الثواب والعقاب‪ ،‬فإنه يلزمه في ذلك نظير ما فر منه‪ ،‬فإن الفعل لبد أن‬
‫يقوم‪ ،‬أولً بالفاعل والثواب والعقاب المفعول إنما يكون على فعل ما يحبه ويرضاه ويسخطه ويبغضه‪ ،‬المثيب‬
‫المعاقب فهم إن أثبتوا الفعل على مثل الوجه المعقول في الشاهد للعبد مثلوا‪ ،‬وإن أثبتوه على خلف ذلك فكذلك‬
‫الصفات‪.‬‬

‫فصل‪:‬‬
‫وأما المثلن المضروبان‪ :‬فإن ال سبحانه وتعالى أخبرنا عما في الجنة من المخلوقات‪ :‬من أصناف المطاعم‬
‫والملبس والمناكح والمساكن‪ ،‬فأخبرنا أن فيها لبنًا وعسلً وخمرًا وماء ولحمًا وحريرًا وذهبًا‪ ،‬وفضة وفاكهة‪،‬‬
‫وحورًا وقصورًا‪ ،‬وقد قال ابن عباس رضي ال عنهما‪[ :‬ليس في الدنيا شيء مما في الجنة إل السماء] وإذا كانت‬
‫تلك الحقائق التي أخبر ال عنها‪ ،‬هي موافقة في السماء للحقائق الموجودة في الدنيا وليست مماثلة لها‪ ،‬بل بينهما من‬
‫التباين ما ل يعلمه إل ال تعالى‪ :‬فالخالق سبحانه وتعالى أعظم مباينة للمخلوقات منه مباينة المخلوق للمخلوق‬
‫ومباينته لمخلوقاته‪ :‬أعظم من مباينة موجود الخرة لموجود الدنيا‪ ،‬إذ المخلوق أقرب إلى المخلوق الموافق له في‬
‫السم‪ ،‬من الخالق إلى المخلوق‪ ،‬وهذا بين واضح‪ ،‬ولهذا افترق الناس في هذا المقام ثلث فرق‪ :‬فالسلف والئمة‬
‫وأتباعهم‪ :‬آمنوا بما أخبر ال به عن نفسه‪ ،‬وعن اليوم الخر مع علمهم بالمباينة التي بين ما في الدنيا وبين ما في‬
‫الخرة‪ ،‬وإن مباينة ال لخلقه أعظم والفريق الثاني‪ :‬الذين أثبتوا ما أخبر ال به في الخرة من الثواب والعقاب‪ ،‬ونفوا‬
‫كثيرًا مما أخبر به من الصفات‪ ،‬مثل طوائف من أهل الكلم‪.‬‬

‫والفريق الثالث‪ :‬نفوا هذا وهذا كالقرامطة‪ ،‬والباطنية والفلسفة أتباع المشائين‪ ،‬ونحوهم من الملحدة الذين ينكرون‬
‫حقائق ما أخبر ال به عن نفسه وعن اليوم الخر‪ ،‬ثم إن كثيرًا منهم يجعلون المر والنهي من هذا الباب‪ ،‬فيجعلون‬
‫الشرائع المأمور بها والمحظورات المنهي عنها‪ :‬لها تأويلت باطنة تخالف ما يعرفه المسلمون منها‪ ،‬كما يتأولون من‬
‫الصلوات الخمس‪ ،‬وصيام شهر رمضان‪ ،‬وحج البيت‪ ،‬فيقولون‪ :‬إن الصلوات الخمس معرفة أسرارهم‪ ،‬وإن صيام‬
‫رمضان كتمان أسرارهم‪ ،‬وإن حج البيت السفر إلى شيوخهم‪ ،‬ونحو ذلك من التأويلت التي يعلم بالضطرار أنها‬
‫كذب وافتراء على الرسل ‪ -‬صلوات ال عليهم ‪ -‬وتحريف لكلم ال ورسوله عن مواضعه وإلحاد في آيات ال وقد‬
‫يقولون الشرائع تلزم العامة دون الخاصة فإذا صار الرجل من عارفيهم ومحققيهم وموحديهم‪ :‬رفعوا عنه الواجبات‬
‫وأباحوا له المحظورات وقد يدخل في المنتسبين إلى التصوف والسلوك من يدخل في بعض هذه المذاهب وهؤلء‬
‫الباطنية‪ :‬هم الملحدة الذين أجمع المسلمون على أنهم أكفر من اليهود والنصارى وما يحتج به على الملحدة أهل‬
‫اليمان والثبات‪ :‬يحتج به كل من كان من أهل اليمان والثبات على من يشرك هؤلء في بعض إلحادهم فإذا أثبت‬
‫ل تعالى الصفات ونفي عنه مماثلة المخلوقات كما دل على ذلك اليات البينات كان ذلك هو الحق الذي يوافق‬
‫المعقول والمنقول ويهدم أساس اللحاد والضللت وال سبحانه ل تضرب له المثال التي فيها مماثلة لخلقه فإن ال‬
‫ل مثيل له‪ ،‬بل له المثل العلى‪ ،‬فل يجوز أن يُشرَك هو والمخلوقات في قياس تمثيل‪ ،‬ول في قياس شمول تستوي‬
‫أفراده؛ ولكن يستعمل في حقه المثل العلى‪ ،‬وهو أن كل ما اتصف به المخلوق من كمال فالخالق أولى به‪ ،‬وكل ما‬
‫ينزه عنه المخلوق من نقص فالخالق أولى بالتنزيه عنه‪ ،‬فإذا كان المخلوق منزها عن مماثلة المخلوق مع الموافقة في‬
‫السم‪ :‬فالخالق أولى أن ينزه عن مماثلة المخلوق‪ ،‬وإن حصلت موافقة في السم وهكذا القول في المثل الثاني‪ :‬وهو‬
‫أن الروح التي فينا‪ ،‬فإنها قد وصفت بصفات ثبوتية وسلبية‪ ،‬وقد أخبرت النصوص أنها تعرج وتصعد من سماء إلى‬
‫سماء‪ ،‬وأنها تقبض من البدن‪ ،‬وتسل منه كما تسل الشعرة من العجينة‪ ،‬والناس مضطربون فيها‪ ،‬فمنهم طوائف من‬
‫أهل الكلم يجعلونها جزءًا من البدن‪ ،‬أو صفة من صفاته‪ ،‬كقول بعضهم‪ :‬أنها النفس أو الريح التي تردد في البدن‪،‬‬
‫وقول بعضهم‪ :‬إنها الحياة أو المزاج أو نفس البدن‪ ،‬ومنهم طوائف من أهل الفلسفة يصفونها بما يصفون به واجب‬
‫الوجود عندهم‪ ،‬وهي أمور ل يتصف بها إل ممتنع الوجود‪ ،‬فيقولون‪ :‬ل هي داخلة في البدن ول خارجة‪ ،‬ول مباينة‬
‫له ول مداخلة له‪ ،‬ول متحركة ول ساكنة‪ ،‬ول تصعد ول تهبط‪ ،‬ول هي جسم ول عرض‪ ،‬وقد يقولون‪ :‬أنها ل تدرك‬
‫المور المعينة والحقائق الموجودة في الخارج‪ ،‬وإنما تدرك المور الكلية المطلقة‪ ،‬وقد يقولون‪ :‬أنها ل داخل العالم‬
‫ول خارجه‪ ،‬ول مباينة له ول مداخلة‪ ،‬وربما قالوا ليست داخلة في أجسام العالم ول خارجة عنها‪ ،‬مع تفسيرهم للجسم‬
‫بما ل يقبل الشارة الحسية‪ ،‬فيصفونها بأنها ل يمكن الشارة إليها‪ ،‬ونحو ذلك من الصفات السلبية التي تلحقها‬
‫بالمعدوم والممتنع‪ ،‬وإذا قيل لهم‪ :‬إثبات مثل هذا ممتنع في ضرورة العقل قالوا‪ :‬بل هذا ممكن بدليل أن الكليات ممكنة‬
‫موجودة وهي غير مشار إليها‪ ،‬وقد غفلوا عن كون الكليات ل توجد كلية إل في الذهان ل في العيان‪ ،‬فيعتمدون فيما‬
‫يقولونه في المبدأ والمعاد على مثل هذا الخيال الذي ل يخفي فساده على غالب الجهال‪.‬‬

‫واضطراب النفاة والمثبتة في الروح كثير وسبب ذلك أن الروح ‪ -‬التي تسمى بالنفس الناطقة عند الفلسفة ‪ -‬ليست‬
‫هي من جنس هذا البدن ول من جنس العناصر والمولدات منها‪ ،‬بل هي من جنس آخر مخالف لهذه الجناس‪ ،‬فصار‬
‫هؤلء ل يعرفونها إل بالسلوب التي توجب مخالفتها للجسام المشهودة‪ ،‬وأولئك يجعلونها من جنس الجسام‬
‫المشهودة‪ ،‬وكل القولين خطأ‪ ،‬وإطلق القول عليها بأنها جسم أو ليست بجسم يحتاج إلى تفصيل‪ ،‬فإن لفظ الجسم‬
‫للناس فيه أقوال متعددة اصطلحية غير معناه اللغوي‪ ،‬فإن أهل اللغة يقولون‪ :‬الجسم هو الجسد والبدن‪ ،‬وبهذا‬
‫العتبار فالروح ليست جسما‪ ،‬ولهذا يقولون‪ :‬الروح والجسم‪ ،‬كما قال تعالى‪{ :‬وَِإذَا رََأ ْي َتهُ ْم ُتعْ ِ‬
‫جبُكَ َأجْسَا ُمهُمْ َوإِن يَقُولُوا‬
‫تَ ْسمَعْ لِقَوِْل ِهمْ} [المنافقون‪ .]4 :‬وقال تعالى‪{ :‬وَزَادَ ُه بَسْطَ ًة فِي ا ْلعِلْمِ وَالْجِ ْسمِ} [البقرة‪ .]247 :‬وأما أهل الكلم‪ :‬فمنهم من‬
‫يقول الجسم هو الموجود‪ ،‬ومنهم من يقول‪ :‬هو القائم بنفسه‪ ،‬ومنهم من يقول‪ :‬هو المركب من الجواهر المفردة‪،‬‬
‫ومنهم من يقول‪ :‬هو المركب من المادة والصورة‪ ،‬وكل هؤلء يقولون‪ :‬إنه مشار إليه إشارة حسية‪ ،‬ومنهم من يقول‪:‬‬
‫ليس مركبًا من هذا ول من هذا؛ بل هو مما يشار إليه‪ ،‬ويقال‪ :‬إنه هنا أو هناك‪ ،‬فعلى هذا إن كانت الروح مما يشار‬
‫إليها ويتبعها بصر الميت‪ - ،‬كما قال صلى ال عليه وسلم‪( :‬إن الروح إذا خرجت تبعها البصر وأنها تقبض ويعرج‬
‫بها إلى السماء)‪ -‬كانت الروح جسمًا بهذا الصطلح‪ ،‬والمقصود‪ :‬أن الروح إذا كانت موجودة حية عالمة قادرة‬
‫سميعة بصيرة‪ :‬تصعد وتنزل وتذهب وتجيء ونحو ذلك من الصفات‪ ،‬والعقول قاصرة عن تكييفها وتحديدها‪ ،‬لنهم‬
‫لم يشاهدوا لها نظيرًا‪ .‬والشيء إنما تدرك حقيقته بمشاهدته أو مشاهدة نظيره‪ .‬فإذا كانت الروح متصفة بهذه الصفات‪،‬‬
‫مع عدم مماثلتها لما يشاهد من المخلوقات‪ ،‬فالخالق أولى بمباينته لمخلوقاته مع اتصافه بما يستحقه من أسمائه‬
‫وصفاته‪ ،‬وأهل العقول هم أعجز عن أن يحدوه أو يكيفوه منهم عن أن يحدوا الروح أو يكيفوها‪ .‬فإذا كان من نفي‬
‫ل ممثلً لها بغير شكلها‪ ،‬وهي مع ذلك‬ ‫صفات الروح جاحدًا معطلً لها‪ ،‬ومن مثلها بما يشاهده من المخلوقات جاه ً‬
‫ثابتة بحقيقة الثبات‪ ،‬مستحقة لما لها من الصفات‪ :‬الخالق ‪ -‬سبحانه وتعالى ‪ -‬أولى أن يكون من نفي صفاته جاحدًا‬
‫معطلً‪ ،‬ومن قاسه بخلقه جاهلً به ممثلً‪ ،‬وهو سبحانه وتعالى ثابت بحقيقة الثبات‪ ،‬مستحق لما له من السماء‬
‫والصفات‪.‬‬

‫فصل‬

‫[وأما الخاتمة الجامعة ففيها قواعد نافعة]‪.‬‬

‫القاعدة الولى‪ :‬أن ال سبحانه موصوف بالثبات والنفي‪ ،‬فالثبات كإخباره بأنه بكل شيء عليم‪ ،‬وعلى كل شيء‬
‫قدير‪ ،‬وأنه سميع بصير‪ ،‬ونحو ذلك‪ ،‬والنفي؛ كقوله {لَ َتأْ ُخذُهُ ِسنَةٌ َو َل نَوْمٌ} [البقرة‪ .]255 :‬وينبغي أن يعلم أن النفي‬
‫ليس فيه مدح ول كمال‪ ،‬إل إذا تضمن إثباتًا وإل فمجرد النفي ليس فيه مدح ول كمال‪ ،‬لن النفي المحض عدم‬
‫محض‪ ،‬والعدم المحض ليس بشيء وما ليس بشيء فهو كما قيل‪ :‬ليس بشيء‪ ،‬فضلً عن أن يكون مدحًا أو كمال‬
‫ولن النفي المحض يوصف به المعدوم والممتنع والمعدوم والممتنع ل يوصف بمدح ول كمال‪ .‬فلهذا كان عامة ما‬
‫ظ ُهمَا}‬ ‫حيّ ا ْل َقيّومُ} إلى قوله‪َ { :‬و َ‬
‫ل يَؤُودُهُ حِفْ ُ‬ ‫وصف ال به نفسه من النفي متضمنًا لثبات مدح كقوله‪{ :‬ا ّ‬
‫ل لَ إِلَـهَ ِإلّ هُوَ الْ َ‬
‫[البقرة‪ .]255 :‬فنفي السنة والنوم يتضمن كمال الحياة والقيام‪ ،‬فهو مبين لكمال أنه الحي القيوم وكذلك قوله‪َ { :‬ولَ‬
‫ظ ُهمَا} [البقرة‪ .]255 :‬أي ل يكرثه ول يثقله‪ ،‬وذلك مستلزم لكمال قدرته‪ ،‬وتمامها بخلف المخلوق القادر‪،‬‬ ‫يَؤُودُهُ حِ ْف ُ‬
‫إذا كان يقدر على الشيء بنوع كلفة ومشقة‪ ،‬فإن هذا نقص في قدرته‪ ،‬وعيب في قوته‪ ،‬وكذلك قوله‪{ :‬لَ َيعْ ُزبُ َ‬
‫عنْهُ‬
‫ِمثْقَا ُل ذَرّ ٍة فِي ال ّسمَاوَاتِ َولَ فِي الَْرْضِ} [سبأ‪ ]3 :‬فان نفي العزوب مستلزم لعلمه بكل ذرة في السموات والرض‪،‬‬
‫وكذلك قوله‪{ :‬وََل َقدْ خََل ْقنَا ال ّسمَاوَاتِ وَالَْرْضَ َومَا َب ْي َنهُمَا فِي ِستّةِ َأيّامٍ َومَا مَ ّسنَا مِن ّلغُوبٍ} [ق‪ .]38 :‬فإن نفي مس اللغوب‬
‫الذي هو التعب والعياء دل على كمال القدرة ونهاية القوة بخلف المخلوق الذي يلحقه من التعب والكلل ما يلحقه‪،‬‬
‫وكذلك قوله‪ّ { :‬ل ُتدْ ِركُهُ ا َلبْصَارُ} [النعام‪ .]103 :‬إنما نفي الدراك الذي هو الحاطة‪ ،‬كما قاله أكثر العلماء ولم ينف‬
‫مجرد الرؤية‪ ،‬لن المعدوم ل يرى وليس في كونه ل يرى مدح‪ ،‬إذ لو كان كذلك لكان المعدوم ممدوحًا وإنما المدح‬
‫في كونه ل يحاط به وإن رئي‪ ،‬كما أنه ل يحاط به‪ ،‬وإن علم فكما أنه إذا علم ل يحاط به علمًا‪ :‬فكذلك إذا رئي ل‬
‫يحاط به رؤية‪ ،‬فكان في نفي الدراك من إثبات عظمته ما يكون مدحًا وصفة كمال‪ ،‬وكان ذلك دليلً على إثبات‬
‫الرؤية ل على نفيها لكنه دليل على إثبات الرؤية مع عدم الحاطة‪ ،‬وهذا هو الحق الذي اتفق عليه سلف المة‬
‫وأئمتها‪ ،‬وإذا تأملت ذلك وجدت كل نفي ل يستلزم ثبوتًا هو مما لم يصف ال به نفسه‪ ،‬فالذين ل يصفونه إل بالسلوب‪:‬‬
‫لم يثبتوا في الحقيقة إلهًا محمودًا‪ ،‬بل ول موجودًا وكذلك من شاركهم في بعض ذلك‪ ،‬كالذين قالوا ل يتكلم‪ ،‬أو ل‬
‫يرى‪ ،‬أو ليس فوق العالم‪ ،‬أو لم يستو على العرش‪ ،‬ويقولون‪ :‬ليس بداخل العالم ول خارجه‪ ،‬ول مباينًا للعالم ول‬
‫محايثًا له‪ ،‬إذ هذه الصفات يمكن أن يوصف بها المعدوم‪ ،‬وليست هي صفة مستلزمة صفة ثبوت‪ ،‬ولهذا قال [محمود‬
‫بن سبكتكين] لمن ادعى ذلك في الخالق‪ :‬ميز لنا بين هذا الرب الذي تثبته وبين المعدوم‪ .‬وكذلك كونه ل يتكلم‪ ،‬أو ل‬
‫ينزل ليس في ذلك صفة مدح ول كمال‪ ،‬بل هذه الصفات فيها تشبيه له بالمنقوصات أو المعدومات‪ ،‬فهذه الصفات‬
‫منها ما ل يتصف به إل المعدوم‪ ،‬ومنها ما ل يتصف به إل الجمادات والناقص‪ ،‬فمن قال‪ :‬ل هو مباين للعالم‪ ،‬ول‬
‫مداخل للعالم فهو بمنزلة من قال‪ :‬ل هو قائم بنفسه‪ ،‬ول بغيره‪ ،‬ول قديم‪ ،‬ول محدث‪ ،‬ول متقدم‪ ،‬على العالم‪ ،‬ول‬
‫مقارن له‪ ،‬ومن قال‪ :‬إنه ليس بحي ول ميت‪ ،‬ول سميع ول بصير‪ ،‬ول متكلم‪ ،‬لزمه أن يكون ميتًا أصم أعمى أبكم‪.‬‬
‫فإن قال‪ :‬العمى عدم البصر عمًا من شأنه أن يقبل البصر‪ ،‬وما لم يقبل البصر‪ ،‬كالحائط ل يقال له أعمى ول بصير‪،‬‬
‫قيل له‪ :‬هذا اصطلح اصطلحتموه‪ ،‬وإل فما يوصف بعدم الحياة والسمع والبصر والكلم‪ ،‬يمكن وصفه بالموت‬
‫والعمى والخرس والعجمة‪ ،‬وأيضًا فكل موجود يقبل التصاف بهذه المور ونقائضهًا‪ ،‬فإن ال قادر على جعل الجماد‬
‫حيًا‪ ،‬كما جعل عصى موسى حية ابتلعت الحبال والعصي‪ ،‬وأيضًا فالذي ل يقبل التصاف بهذه الصفات أعظم نقصًا‬
‫ممن ل يقبل التصاف بها مع اتصافه بنقائضها‪ ،‬فالجماد الذي ل يوصف بالبصر ول العمى ول الكلم ول الخرس‪،‬‬
‫أعظم نقصًا من الحي العمى الخرس فإذا قيل‪ :‬أن الباري ل يمكن اتصافه بذلك‪ :‬كان في ذلك من وصفه بالنقص‬
‫أعظم؛ مما إذا وصف بالخرس والعمى والصمم ونحو ذلك‪ ،‬مع أنه إذا جعل غير قابل لها كان تشبيهًا له بالجماد الذي‬
‫ل يقبل التصاف بواحد منها‪ .‬وهذا تشبيه بالجمادات‪ ،‬ل بالحيوانات‪ ،‬فكيف من قال ذلك غيره مما يزعم أنه تشبيه‬
‫بالحي‪ ،‬وأيضًا فنفس نفي هذه الصفات نقص كما أن إثباتها كمال‪ ،‬فالحياة من حيث هي هي‪ ،‬مع قطع النظر عن تعيين‬
‫الموصوف بها صفة كمال‪ ،‬وكذلك العلم والقدرة والسمع والبصر والكلم والفعل ونحو ذلك‪ ،‬وما كان صفة كمال فهو‬
‫سبحانه أحق أن يتصف به من المخلوقات‪ ،‬فلو لم يتصف به مع اتصاف المخلوق به‪ :‬لكان المخلوق أكمل منه‪.‬‬

‫واعلم أن الجهمية المحضة‪ ،‬كالقرامطة ومن ضاهاهم؛ ينفون عنه تعالى اتصافه بالنقيضين حتى يقولون ليس‬
‫بموجود‪ ،‬ول ليس بموجود‪ ،‬ول حي‪ ،‬ول ليس بحي‪ ،‬ومعلوم أن الخلو عن النقيضين ممتنع في بدائه العقول‪ ،‬كالجمع‬
‫بين النقيضين‪ ،‬وآخرون وصفوه بالنفي فقط فقالوا‪ :‬ليس بحي ول سميع‪ ،‬ول بصير وهؤلء‪ ،‬أعظم كفرًا من أولئك‬
‫من وجه‪ ،‬وأولئك أعظم كفرًا‪ ،‬من هؤلء من وجه‪ ،‬فإذا قيل لهؤلء هذا مستلزم وصفه بنقيض‪ ،‬ذلك كالموت والصمم‬
‫والبكم‪ ،‬قالوا إنما يلزم ذلك لو كان قابلً لذلك‪ ،‬وهذا العتذار يزيد قولهم فسادًا‪ ،‬وكذلك من ضاهي هؤلء وهم الذين‬
‫يقولون ليس بداخل العالم ول خارجه‪ ،‬إذا قيل هذا ممتنع في ضرورة العقل‪ ،‬كما إذا قيل ليس بقديم ول محدث ول‬
‫واجب ول ممكن ول قائم بنفسه‪ ،‬ول قائم بغيره‪ ،‬قالوا‪ :‬هذا إنما يكون إذا كان قابلً لذلك والقبول إنما يكون من‬
‫التحيز‪ ،‬فإذا انتفي التحيز انتفي قبول هذين المتناقضين‪.‬‬

‫فيقال لهم علم الخلق بإمتناع الخلو من هذين النقيضين‪ ،‬هو علم مطلق ل يستثني منه موجود‪ ،‬والتحيز المذكور أن‬
‫أريد به كون الحياز الموجودة تحيط به‪ ،‬فهذا هو الداخل في العالم‪ ،‬وإن أريد به أنه منحاز عن المخلوقات‪ ،‬أي مباين‬
‫لها متميز عنها‪ ،‬فهذا هو الخروج‪ ،‬فالمتحيز يراد به تارة ما هو داخل العالم‪ ،‬وتارة ما هو خارج العالم‪ ،‬فإذا قيل ليس‬
‫بمتحيز‪ ،‬كان معناه ليس بداخل العالم ول خارجه‪.‬‬

‫فهم غيروا العبارة‪ ،‬ليوهموا من ل يفهم حقيقة قولهم أن هذا معنى آخر‪ ،‬وهو المعنى الذي علم فساده بضرورة العقل‪،‬‬
‫كما فعل أولئك بقولهم‪ :‬ليس بحى ول ميت‪ ،‬ول موجود ول معدوم‪ ،‬ول عالم ول جاهل‪.‬‬

‫القاعدة الثانية‪:‬‬

‫أن ما أخبر به الرسول عن ربه‪ ،‬فإنه يجب اليمان به سواء عرفنا معناه‪ ،‬أو لم نعرف‪ ،‬لنه الصادق المصدوق‪ ،‬فما‬
‫جاء في الكتاب والسنة وجب على كل مؤمن اليمان به‪ ،‬وإن لم يفهم معناه‪ ،‬وكذلك ما ثبت باتفاق سلف المة وأئمتها‪،‬‬
‫مع أن هذا الباب يوجد عامته منصوصًا في الكتاب والسنة‪ ،‬متفق عليه بين سلف المة‪ ،‬وما تنازع فيه المتأخرون نفيًا‬
‫وإثباتًا‪ ،‬فليس على أحد بل ول له أن يوافق أحدًا على إثبات لفظه أو نفيه؛ حتى يعرف مراده فإن أراد حقًا قبل‪ ،‬وإن‬
‫أراد باطلً رد‪ ،‬وإن اشتمل كلمه على حق وباطل لم يقبل مطلقًا‪ ،‬ولم يرد جميع معناه‪ ،‬بل يوقف اللفظ‪ ،‬ويفسر‬
‫المعنى‪ ،‬كما تنازع الناس في الجهة والتحيز وغير ذلك‪ ،‬فلفظ الجهة قد يراد به شيء موجود غير ال‪ ،‬فيكون مخلوقا‪،‬‬
‫كما إذا أريد بالجهة نفس العرش‪ ،‬أو نفس السموات‪ ،‬وقد يراد به ما ليس بموجود غير ال تعالى‪ ،‬كما إذا أريد بالجهة‬
‫ما فوق العالم‪ ،‬ومعلوم أنه ليس في النص إثبات لفظ الجهة ول نفيه‪ ،‬كما فيه إثبات العلو‪ ،‬والستواء‪ ،‬والفوقية‪،‬‬
‫والعروج إليه‪ ،‬ونحو ذلك‪ .‬وقد علم أن ما ثم موجود إل الخالق والمخلوق‪ ،‬والخالق مباين للمخلوق سبحانه وتعالى‪،‬‬
‫ليس في مخلوقاته شيء من ذاته‪ ،‬ول في ذاته شيء من مخلوقاته‪.‬‬

‫فيقال لمن نفي الجهة‪ :‬أتريد بالجهة أنها شيء موجود مخلوق؟ فال ليس داخلً في المخلوقات أم تريد بالجهة ما وراء‬
‫العالم؟ فل ريب أن ال فوق العالم مباين للمخلوقات‪ ،‬وكذلك يقال لمن قال ال‪ :‬في جهة أتريد بذلك أن ال فوق العالم؟‬
‫أو تريد به أن ال داخل في شيء من المخلوقات؟‬
‫فإن أردت الول فهو حق وإن أردت الثاني فهو باطل وكذلك لفظ التحيز‪ :‬أن أراد به أن ال تحوزه المخلوقات فال‬
‫ضتُهُ‬
‫جمِيعًا َقبْ َ‬ ‫أعظم وأكبر‪ ،‬بل قد وسع كرسيه السموات والرض وقد قال ال تعالى‪َ { :‬ومَا َقدَرُوا الَّ حَ ّ‬
‫ق َقدْرِهِ وَالَْ ْرضُ َ‬
‫ت ِب َيمِينِهِ} [الزمر‪ .]67 :‬وقد ثبت في الصحاح عن النبي صلى ال عليه وسلم أنه قال‪( :‬‬ ‫ت مَطْ ِويّا ٌ‬
‫يَوْمَ ا ْل ِقيَامَةِ وَالسّماوَا ُ‬
‫يقبض ال الرض ويطوي السموات بيمينه ثم يقول‪ :‬أنا الملك أين ملوك الرض؟) وفي حديث آخر‪( :‬وإنه ليدحوها‬
‫كما يدحو الصبيان بالكرة) وفي حديث ابن عباس‪( :‬ما السموات السبع والرضون السبع وما فيهن في يد الرحمن‪ ،‬إل‬
‫كخردلة في يد أحدكم) وإن أراد به أنه منحاز عن المخلوقات‪ ،‬أي مباين لها منفصل عنها ليس حالً فيها‪ ،‬فهو سبحانه‬
‫كما قال أئمة السنة‪ :‬فوق سمواته على عرشه بائن من خلقه‪.‬‬

‫القاعدة الثالثة‪:‬‬

‫إذا قال القائل‪ :‬ظاهر النصوص مراد‪ ،‬أو ظاهرها ليس بمراد‪ ،‬فإنه يقال‪ :‬لفظ الظاهر فيه إجمال واشتراك‪ ،‬فإن كان‬
‫القائل يعتقد أن ظاهرها التمثيل بصفات المخلوقين‪ ،‬أو ما هو من خصائصهم‪ ،‬فل ريب أن هذا غير مراد‪ ،‬ولكن‬
‫السلف والئمة لم يكونوا يسمون هذا ظاهرها‪ ،‬ول يرتضون أن يكون ظاهر القرآن والحديث كفرًا وباطلً‪ ،‬وال‬
‫سبحانه وتعالى أعلم وأحكم من أن يكون كلمه الذي وصف به نفسه ل يظهر منه إل ما هو كفر‪ ،‬أو ضلل‪ ،‬والذين‬
‫يجعلون ظاهرها ذلك‪ ،‬يغلطون من وجهين‪ :‬تارة يجعلون المعنى الفاسد ظاهر اللفظ‪ ،‬حتى يجعلوه محتاجًا إلى تأويل‬
‫يخالف الظاهر ول يكون كذلك‪ ،‬وتارة يردون المعنى الحق الذي هو ظاهر اللفظ لعتقادهم أنه باطل فالول كما قالوا‬
‫في قوله‪( :‬عبدي جعت فلم تطعمني) الحديث وفي الثر الخر‪( :‬الحجر السود يمين ال في الرض‪ ،‬فمن صافحه أو‬
‫قبله فكأنما صافح ال وقبل يمينه) وقوله‪( :‬قلوب العباد بين أصبعين من أصابع الرحمن) فقالوا‪ :‬قد علم أن ليس في‬
‫قلوبنا أصابع الحق‪.‬‬

‫فيقال لهم‪ :‬لو أعطيتم النصوص حقها من الدللة لعلمتم أنها لم تدل إل على حق أما الواحد فقوله‪( :‬الحجر السود‬
‫يمين ال في الرض‪ ،‬فمن صافحه وقبله فكأنما صافح ال وقبل يمينه) صريح في أن الحجر السود ليس هو صفة‬
‫ل‪ ،‬ول هو نفس يمينه‪ ،‬لنه قال‪( :‬يمين ال في الرض) وقال‪( :‬فمن قبله وصافحه فكأنما صافح ال وقبل يمينه)‬
‫ومعلوم أن المشبه ليس هو المشبه به‪ ،‬ففي نفس الحديث بيان أن مستلمه ليس مصافحًا ل‪ ،‬وأنه ليس هو نفس يمينه‬
‫فكيف يجعل ظاهره كفرًا لنه محتاج إلى التأويل‪ .‬مع أن هذا الحديث إنما يعرف عن ابن عباس؟ وأما الحديث الخر‪:‬‬
‫فهو في الصحيح مفسرًا‪( :‬يقول ال عبدي جعت فلم تطعمنى فيقول‪ :‬رب كيف أطعمك وأنت رب العالمين؟ فيقول‪ :‬أما‬
‫علمت أن عبدي فلنًا جاع‪ ،‬فلو أطعمته لوجدت ذلك عندي‪ .‬عبدي مرضت فلم تعدني‪ ،‬فيقول‪ :‬رب كيف أعودك‬
‫وأنت رب العالمين؟ فيقول‪ :‬أما علمت أن عبدي فلنًا مرض‪ ،‬فلو عدته لوجدتني عنده) وهذا صريح في أن ال‬
‫سبحانه لم يمرض‪ ،‬ول يجع‪ ،‬ولكن مرض عبده وجوع عبده فجعل جوعه جوعه‪ ،‬ومرضه مرضه‪ ،‬مفسرًا ذلك بأنك‬
‫لو أطعمته لوجدت ذلك عندي‪ ،‬ولو عدته لوجدتني عنده‪ ،‬فلم يبق في الحديث لفظ يحتاج إلى تأويل‪ ،‬وأما قوله (قلوب‬
‫العباد بين أصبعين من أصابع الرحمن)‪ ،‬فإنه ليس في ظاهره أن القلب متصل بالصابع‪ ،‬ول مماس لها‪ ،‬ول أنها في‬
‫جوفه‪ ،‬ول في قول القائل هذا بين يدي ما يقتضي مباشرته ليديه‪ ،‬وإذا قيل‪ :‬السحاب المسخر بين السماء والرض‪ ،‬لم‬
‫يقتض أن يكون مماسًا للسماء والرض‪ ،‬ونظائر هذا كثيرة‪ ،‬ومما يشبه هذا القول؛ أن يجعل اللفظ نظيرًا لما ليس‬
‫ت ِب َيدَيّ؟} [ص‪ .]75 :‬فقيل هو مثل قوله‪{ :‬أَ َولَ ْم يَرَوْا َأنّا خََل ْقنَا َلهُ ْم ِممّا‬ ‫جدَ ِلمَا خََلقْ ُ‬
‫سُ‬‫مثله‪ ،‬كما قيل في قوله {مَا َم َن َعكَ أَن تَ ْ‬
‫َعمِلَتْ َأ ْيدِينَا َأ ْنعَامًا َف ُهمْ َلهَا مَاِلكُونَ}؟ [يس‪ .]71 :‬فهذا ليس مثل هذا‪ ،‬لنه هنا أضاف الفعل إلى اليدي‪ ،‬فصار شبيهًا‬
‫بقوله‪َ { :‬فبِمَا َك َسبَتْ َأيْدِيكُمْ} [الشورى‪ .]30 :‬وهنا أضاف الفعل إليه فقال‪ِ{ :‬لمَا خََل ْقتُ} ثم قال‪{ :‬بِ َي َديّ} وأيضا‪ :‬فإنه‬
‫طتَانِ} [المائدة‪]64 :‬‬ ‫هنا ذكر نفسه المقدسة بصيغة المفرد وفي اليدين ذكر لفظ التثنية‪ ،‬كما في قوله‪{ :‬بَ ْ‬
‫ل يَدَا ُه َمبْسُو َ‬
‫وهناك أضاف اليدي إلى صيغة الجمع‪ ،‬فصار كقوله‪{ :‬تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا} [القمر‪.]14 :‬‬

‫وهذا في الجمع نظير قوله‪{ :‬بِيَ ِدهِ ا ْلمُ ْلكُ} [الملك‪ .]1 :‬وبيده الخير في المفرد فال سبحانه وتعالى يذكر نفسه تارة‬
‫ك َفتْحًا ّمبِينًا} [الفتح‪ .]1 :‬وأمثال ذلك‪ .‬ول‬ ‫بصيغة المفرد مظهرًا أو مضمرًا‪ ،‬وتارة بصيغة الجمع‪ ،‬كقوله‪ِ{ :‬إنّا َفتَ ْ‬
‫حنَا َل َ‬
‫يذكر نفسه بصيغة التثنية قط‪ ،‬لن صيغة الجمع تقتضي التعظيم الذي يستحقه‪ ،‬وربما تدل على معاني أسمائه‪ ،‬وأما‬
‫ت ِب َيدَيّ} [ص‪:‬‬
‫جدَ ِلمَا خََلقْ ُ‬
‫سُ‬‫صيغة التثنية‪ ،‬فتدل على العدد المحصور‪ ،‬وهو مقدس عن ذلك‪ ،‬فلو قال‪{ :‬مَا َم َن َعكَ أَن تَ ْ‬
‫‪ .]75‬لما كان كقوله‪ِ { :‬ممّا َعمِلَتْ َأيْدِينَا} [يس‪ ]71 :‬وهو نظير قوله‪{ :‬بِ َي ِدهِ ا ْلمُ ْلكُ} [الملك‪ .]1 :‬وبيده الخير‪ ،‬ولو قال‬
‫خلقت بصيغة الفراد‪ ،‬لكان مفارقًا له‪ ،‬فكيف إذا قال خلقت بيدي؟ بصيغة التثنية‪ ،‬هذا مع دللت الحاديث‬
‫المستفيضة بل المتواترة وإجماع السلف على مثل ما دل عليه القرآن‪ ،‬كما هو مبسوط في موضعه مثل قوله‪( :‬‬
‫المقسطون عند ال على منابر من نور‪ ،‬عن يمين الرحمن‪ ،‬وكلتا يديه يمين‪ ،‬الذين يعدلون في حكمهم‪ ،‬وأهليهم وما‬
‫ولوا)‪ .‬وأمثال ذلك‪ ،‬وإن كان القائل يعتقد أن ظاهر النصوص المتنازع في معناها من جنس ظاهر النصوص المتفق‬
‫على معناها‪ ،‬والظاهر هو المراد في الجميع؛ فإن ال لما أخبر أنه بكل شيء عليم‪ ،‬وأنه على كل شيء قدير‪ ،‬واتفق‬
‫أهل السنة وأئمة المسلمين على أن هذا على ظاهره‪ ،‬وأن ظاهر ذلك مراد‪ :‬كان من المعلوم أنهم لم يريدوا بهذا‬
‫الظاهر أن يكون علمه كعلمنا‪ ،‬وقدرته كقدرتنا‪ ،‬وكذلك لما اتفقوا على أنه حي حقيقة‪ ،‬عالم حقيقة‪ ،‬قادر حقيقة‪ ،‬لم يكن‬
‫مرادهم أنه مثل المخلوق الذي هو حي عليم قدير‪ ،‬فكذلك إذا قالوا في قوله تعالى‪ُ { :‬يحِ ّبهُ ْم وَ ُيحِبّونَهُ} [المائدة‪{ ]54 :‬‬
‫ضيَ الّ َع ْنهُمْ وَ َرضُواْ َعنْهُ} [المائدة‪ ]119 :‬وقوله‪{ :‬ثُمّ ا ْستَوَى َعلَى ا ْلعَ ْرشِ} [العراف‪ .]54 :‬أنه على ظاهره‪ ،‬لم‬
‫رّ ِ‬
‫يقتض ذلك أن يكون ظاهره استواء كاستواء المخلوق‪ ،‬ول حبًا كحبه‪ ،‬ول رضًا كرضاه‪ ،‬فإن كان المستمع يظن أن‬
‫ظاهر الصفات تماثل صفات المخلوقين؛ لزمه أن ل يكون شيء من ظاهر ذلك مرادًا وإن كان يعتقد أن ظاهرها ما‬
‫يليق بالخالق ويختص به لم يكن له نفي هذا الظاهر‪ ،‬ونفي أن يكون مرادا؛ إل بدليل يدل على النفي‪ ،‬وليس في العقل‬
‫ول السمع ما ينفي هذا‪ ،‬إل من جنس ما ينفي به سائر الصفات فيكون الكلم في الجميع واحدا‪ .‬وبيان هذا أن صفاتنا‬
‫منها ما هي أعيان وأجسام‪ ،‬وهي أبعاض لنا كالوجه واليد‪ ،‬ومنها ما هو معان وأعراض وهي قائمة بنا‪ ،‬كالسمع‬
‫والبصر والكلم والعلم والقدرة‪ .‬ثم أن من المعلوم أن الرب لما وصف نفسه بأنه حي عليم قدير‪ :‬لم يقل المسلمون أن‬
‫ظاهر هذا غير مراد؛ لن مفهوم ذلك في حقه مثل مفهومه في حقنا‪ ،‬فكذلك لما وصف نفسه بأنه خلق آدم بيديه‪ ،‬لم‬
‫يوجب ذلك أن يكون ظاهره غير مراد؛ لن مفهوم ذلك في حقه كمفهومه في حقنا بل صفة الموصوف تناسبه‪ .‬فإذا‬
‫كانت نفسه المقدسة ليست مثل ذوات المخلوقين‪ ،‬فصفاته كذاته ليست كصفات المخلوقين‪ ،‬ونسبة صفة المخلوق إليه‬
‫كنسبة صفة الخالق إليه‪ ،‬وليس المنسوب كالمنسوب ول المنسوب إليه كالمنسوب إليه‪ ،‬كما قال صلى ال عليه وسلم (‬
‫ترون ربكم كما ترون الشمس والقمر) فشبه الرؤية بالرؤية‪ ،‬ولم يشبه المرئي بالمرئي‪ .‬وهذا يتبين‪.‬‬

‫بالقاعدة الرابعة‪:‬‬

‫وهو أن كثيرًا من الناس يتوهم في بعض الصفات أو كثير منها‪ ،‬أو أكثرها أو كلها أنها تماثل صفات المخلوقين‪ ،‬ثم‬
‫يريد أن ينفي ذلك الذي فهمه؛ فيقع في أربعة أنواع من المحاذير‪:‬‬

‫أحدها‪ :‬كونه مثل ما فهمه من النصوص بصفات المخلوقين‪ ،‬وظن أن مدلول النصوص هو التمثيل‪.‬‬

‫الثاني‪ :‬أنه إذا جعل ذلك هو مفهومها وعطله بقيت النصوص معطلة‪ ،‬عما دلت عليه من إثبات الصفات اللئقة بال‪.‬‬
‫فيبقى مع جنايته على النصوص‪ ،‬وظنه السيئ الذي ظنه بال ورسوله‪ .‬حيث ظن أن الذي يفهم من كلمهما هو‬
‫التمثيل الباطل‪ .‬قد عطل ما أودع ال ورسوله في كلمهما من إثبات الصفات ل والمعاني اللهية اللئقة بجلل ال‬
‫تعالى‪.‬‬

‫الثالث أنه ينفي تلك الصفات عن ال عز وجل بغير علم‪ ،‬فيكون معطل لما يستحقه الرب‪.‬‬

‫الرابع‪ :‬أنه يصف الرب بنقيض تلك الصفات من صفات الموات والجمادات أو صفات المعدومات‪ ،‬فيكون قد عطل‬
‫به صفات الكمال التي يستحقها الرب‪ ،‬ومثله بالمنقوصات والمعدومات‪ ،‬وعطل النصوص عما دلت عليه من‬
‫الصفات‪ ،‬وجعل مدلولها هو التمثيل بالمخلوقات‪ .‬فيجمع في كلم ال‪ ،‬وفي ال بين التعطيل والتمثيل؛ يكون ملحدًا في‬
‫أسماء ال وآياته‪ ،‬مثال ذلك أن النصوص كلها دلت على وصف الله بالعلو والفوقية على المخلوقات واستوائه على‬
‫العرش‪ ،‬فأما علوه ومباينته للمخلوقات فيعلم بالعقل الموافق للسمع‪ ،‬وأما الستواء على العرش فطريق العلم به هو‬
‫السمع‪ ،‬وليس في الكتاب والسنة وصف له بأنه ل داخل العالم ول خارجه‪ ،‬ول مباينه ول مداخله‪ ،‬فيظن المتوهم أنه‬
‫إذا وصف بالستواء على العرش‪ ،‬كان استواؤه كاستواء النسان على ظهور الفلك والنعام‪ ،‬كقوله‪{ :‬وَ َ‬
‫جعَلَ َلكُم مّنَ‬
‫ظهُورِهِ} [الزخرف‪ .]13 :‬فيتخيل له أنه إذا كان مستويًا‬ ‫لْ ْنعَا ِم مَا تَ ْر َكبُونَ} [الزخرف‪ِ{ .]12 :‬لتَ ْ‬
‫ستَوُوا عَلَى ُ‬ ‫ا ْلفُ ْلكِ وَا َ‬
‫على العرش كان محتاجًا إليه‪ ،‬كحاجة المستوي على الفلك والنعام‪ ،‬فلو غرقت السفينة لسقط المستوي عليها‪ ،‬ولو‬
‫عثرت الدابة لخر المستوي عليها‪ ،‬فقياس هذا أنه لو عدم العرش؛ لسقط الرب سبحانه وتعالى‪ ،‬ثم يريد بزعمه أن‬
‫ينفي هذا؛ فيقول‪ :‬ليس استواؤه بقعود ول استقرار ول يعلم أن مسمى القعود والستقرار‪ ،‬يقال فيه ما يقال في مسمى‬
‫الستواء‪ ،‬فإن كانت الحاجة داخلة في ذلك‪ :‬فل فرق بين الستواء والقعود‪ ،‬والستقرار‪ ،‬وليس هو بهذا المعنى‬
‫مستويا ول مستقرا ول قاعدا‪ ،‬وإن لم يدخل في مسمى ذلك‪ ،‬إل ما يدخل في مسمى الستواء‪ ،‬فإثبات أحدهما ونفي‬
‫الخر تحكم‪ ،‬وقد علم أن بين مسمى الستواء والستقرار والقعود فروقا معروفة‪.‬‬
‫ولكن المقصود هنا أن يعلم خطأ من ينفي الشيء‪ ،‬مع إثبات نظيره‪ ،‬وكان هذا الخطأ من خطئه في مفهوم استوائه‬
‫على العرش‪ ،‬حيث ظن أنه مثل استواء النسان على ظهور النعام والفلك‪ ،‬وليس في هذا اللفظ ما يدل على ذلك‪،‬‬
‫لنه أضاف الستواء إلى نفسه الكريمة‪ ،‬كما أضاف إليه سائر أفعاله وصفاته‪ ،‬فذكر أنه خلق؛ ثم استوى‪ ،‬كما ذكر أنه‬
‫قدر فهدى‪ ،‬وأنه بنى السماء بأيد‪ ،‬وكما ذكر أنه مع موسى وهارون يسمع ويرى‪ ،‬وأمثال ذلك‪ .‬فلم يذكر استواء مطلقا‬
‫يصلح للمخلوق‪ ،‬ول عاما يتناول المخلوق‪ ،‬كما لم يذكر مثل ذلك في سائر صفاته‪ ،‬وإنما ذكر استواء إضافه إلى نفسه‬
‫الكريمة فلو قدر على وجه الفرض الممتنع أنه هو مثل خلقه ‪ -‬تعالى عن ذلك ‪ ،-‬لكان استواؤه مثل استواء خلقه‪ ،‬أما‬
‫إذا كان هو ليس مماثل لخلقه‪ ،‬بل قد علم أنه الغني عن الخلق‪ ،‬وأنه الخالق للعرش‪ ،‬ولغيره وأن كل ما سواه مفتقر‬
‫إليه‪ ،‬وهو الغني عن كل ما سواه‪ ،‬وهو لم يذكر إل استواء يخصه‪ ،‬لم يذكر استواء يتناول غيره‪ ،‬ول يصلح له كما لم‬
‫يذكر في علمه وقدرته ورؤيته وسمعه وخلقه‪ ،‬إل ما يختص به فكيف يجوز أن يتوهم أنه إذا كان مستويًا على العرش‬
‫كان محتاجًا إليه‪ ،‬وأنه لو سقط العرش لخر من عليه!!‪.‬‬

‫سبحانه وتعالى عما يقول الظالمون والجاحدون علوًا كبيرًا‪ ،‬هل هذا إل جهل محض وضلل‪ ،‬ممن فهم ذلك وتوهمه‬
‫أو ظنه‪ ،‬ظاهر اللفظ ومدلوله‪ ،‬أو جوز ذلك على رب العالمين الغني عن الخلق؛ بل لو قدر أن جاهلً فهم مثل هذا‬
‫وتوهمه لبين له أن هذا ل يجوز‪ ،‬وأنه لم يدل اللفظ عليه أصلً‪ ،‬كما لم يدل على نظائره في سائر ما وصف به الرب‬
‫نفسه‪ ،‬فلما قال سبحانه وتعالى‪{ :‬وَال ّسمَاء َب َنيْنَاهَا بَِأ ْيدٍ} [الذاريات‪.]47 :‬‬

‫فهل يتوهم متوهم أن بناءه مثل بناء الدمي المحتاج‪ ،‬الذي يحتاج إلى زنبيل ومجارف وضرب لبن وجبل طين‬
‫وأعوان؟ ثم قد علم أن ال تعالى خلق العالم بعضه فوق بعض‪ ،‬ولم يجعل عاليه مفتقرًا إلى سافله‪ ،‬فالهواء فوق‬
‫الرض‪ ،‬وليس مفتقرًا إلى أن تحمله الرض والسحاب‪ ،‬أيضًا فوق الرض وليس مفتقرًا إلى أن تحمله‪ ،‬والسموات‬
‫فوق الرض‪ ،‬وليست مفتقرة إلى حمل الرض لها‪ ،‬فالعلي العلى رب كل شيء ومليكه إذا كان فوق جميع خلقه‪:‬‬
‫كيف يجب أن يكون محتاجًا إلى خلقه‪ ،‬أو عرشه؟ أو كيف يستلزم علوه على خلقه هذا الفتقار‪ ،‬وهو ليس بمستلزم‬
‫في المخلوقات؟ وقد علم أن ما ثبت لمخلوق من الغنى عن غيره‪ ،‬فالخالق سبحانه وتعالى أحق به‪ ،‬وأولى وكذلك‬
‫ي تَمُورُ} [الملك‪ .]16 :‬من توهم أن مقتضى هذه الية أن يكون‬ ‫ض فَِإذَا ِه َ‬
‫ف ِبكُمُ الَرْ َ‬‫س َ‬ ‫قوله‪{ :‬أََأمِنتُم مّن فِي ال ّ‬
‫سمَاء أَن يَخْ ِ‬
‫ال في داخل السموات فهو جاهل ضال بالتفاق‪ ،‬وإن كنا إذا قلنا‪ :‬أن الشمس والقمر في السماء يقتضي ذلك فإن‬
‫حرف [في] متعلق بما قبله وبما بعده‪ ،‬فهو بحسب المضاف إليه‪ ،‬ولهذا يفرق بين كون الشيء في المكان‪ ،‬وكون‬
‫الجسم في الحيز‪ ،‬وكون العرض في الجسم‪ ،‬وكون الوجه في المرآة‪ ،‬وكون الكلم في الورق‪ ،‬فإن لكل نوع من هذه‬
‫النواع خاصة يتميز بها عن غيره‪ ،‬وإن كان حرف [في] مستعملً في ذلك فلو قال قائل‪ :‬العرش في السماء أو في‬
‫الرض؟ لقيل في السماء ولو قيل‪ :‬الجنة في السماء أم في الرض؟ لقيل الجنة في السماء‪ ،‬ول يلزم من ذلك أن يكون‬
‫العرش داخل السموات‪ ،‬بل ول الجنة‪ ،‬فقد ثبت في الصحيح عن النبي صلى ال عليه وسلم أنه قال‪( :‬إذا سألتم ال‬
‫الجنة فاسألوه الفردوس فإنه أعلى الجنة وأوسط الجنة وسقفها عرش الرحمن) فهذه الجنة سقفها الذي هو العرش فوق‬
‫الفلك‪ .‬مع أن الجنة في السماء‪ ،‬يراد به العلو سواء كانت فوق الفلك أو تحتها‪ ،‬قال تعالى‪{ :‬فَ ْل َيمْ ُددْ بِ َ‬
‫سبَبٍ إلى‬
‫طهُورًا} [الفرقان‪ .]48 :‬ولما كان قد استقر في نفوس‬ ‫سمَاء} [الحج‪ .]15 :‬وقال تعالى‪{ :‬وَأَنزَ ْلنَا مِنَ ال ّ‬
‫سمَاء مَاء َ‬ ‫ال ّ‬
‫المخاطبين أن ال هو العلى العلى‪ ،‬وأنه فوق كل شيء كان المفهوم من قوله‪ :‬إنه في السماء أنه في العلو وأنه فوق‬
‫كل شيء‪ .‬وكذلك الجارية لما قال لها أين ال؟ قالت‪ :‬في السماء‪ ،‬إنما أرادت العلو مع عدم تخصيصه بالجسام‬
‫المخلوقة وحلوله فيها‪.‬‬

‫وإذا قيل‪ :‬العلو فإنه يتناول ما فوق المخلوقات كلها‪ ،‬فما فوقها كلها هو في السماء‪ ،‬ول يقتضي هذا أن يكون هناك‬
‫ظرف وجودي يحيط به‪ ،‬إذ ليس فوق العالم شيء موجود إل ال‪ ،‬كما لو قيل‪ :‬العرش في السماء فإنه ل يقتضي أن‬
‫يكون العرش في شيء آخر موجود مخلوق‪ ،‬وإن قدر أن السماء المراد بها الفلك‪ ،‬كان المراد إنه عليها‪ ،‬كما قال‪{ :‬‬
‫خلِ} [طه‪ .]71 :‬وكما قال‪{ :‬فَسِيرُو ْا فِي الَرْضِ} [آل عمران‪ ]137 :‬وكما قال‪{ :‬فسيحوا في‬
‫جذُوعِ النّ ْ‬
‫َولَُصَّل َبّنكُ ْم فِي ُ‬
‫الرض} ويقال‪ :‬فلن في الجبل‪ ،‬وفي السطح‪ ،‬وإن كان على أعلى شيء فيه‪.‬‬

‫القاعدة الخامسة‪:‬‬

‫لفًا‬‫ختِ َ‬ ‫جدُو ْا فِيهِ ا ْ‬


‫غيْرِ الّ لَوَ َ‬ ‫أنّا نعلم لما أخبرنا به من وجه دون وجه‪ .‬فإن ال قال‪َ{ :‬أفَ َ‬
‫ل يَ َت َدبّرُونَ الْ ُقرْآنَ وَلَ ْو كَانَ مِنْ عِندِ َ‬
‫َكثِيرًا} [النساء‪ .]82 :‬وقال‪َ{ :‬أفَلَ ْم َي ّدبّرُوا ا ْلقَوْلَ} [المؤمنون‪ .]68 :‬وقال‪ِ { :‬كتَابٌ أَنزَ ْلنَاهُ إَِل ْي َ‬
‫ك ُمبَا َركٌ ّل َي ّدبّرُوا آيَاتِهِ وَِل َيتَ َذكّرَ‬
‫ل َيتَ َدبّرُونَ ا ْلقُرْآنَ َأمْ عَلَى قُلُوبٍ َأ ْقفَاُلهَا} [محمد‪ .]24 :‬فأمر بتدبر الكتاب كله وقد‬ ‫أُوْلُوا الَْ ْلبَابِ} [ص‪ .]29 :‬وقال‪َ{ :‬أفَ َ‬
‫ن مَا‬‫ت فََأمّا اّلذِينَ في قُلُو ِبهِمْ َزيْغٌ َف َيّتبِعُو َ‬
‫ح َكمَاتٌ هُنّ أُمّ ا ْل ِكتَابِ وَُأخَ ُر ُمتَشَا ِبهَا ٌ‬
‫ت مّ ْ‬
‫ب ِمنْ ُه آيَا ٌ‬ ‫قال تعالى‪{ :‬هُوَ اّلذِيَ أَنزَلَ عََل ْيكَ ا ْل ِكتَا َ‬
‫ل مّنْ عِندِ َرّبنَا َومَا يَ ّذكّرُ ِإلّ أُوْلُواْ‬‫ن فِي ا ْلعِلْ ِم يَقُولُونَ آ َمنّا بِهِ كُ ّ‬
‫سخُو َ‬ ‫تَشَابَ َه ِمنْهُ ا ْب ِتغَاء الْ ِف ْتنَةِ وَا ْب ِتغَاء تَأْوِيلِهِ َومَا َيعْلَ ُم تَأْوِيلَهُ ِإلّ الّ وَالرّا ِ‬
‫ال ْلبَابِ} [آل عمران‪ .]7 :‬وجمهور سلف المة وخلفها على أن الوقف على قوله‪َ { :‬ومَا يَعَْل ُم تَأْوِيلَهُ ِإلّ الّ} [آل عمران‪:‬‬
‫‪ .]7‬وهذا هو المأثور عن أبي بن كعب‪ ،‬وابن مسعود‪ ،‬وابن عباس‪ ،‬وغيرهم‪ ،‬وروي عن ابن عباس أنه قال‪ :‬التفسير‬
‫على أربعة أوجه تفسير تعرفه العرب من كلمها‪ ،‬وتفسير ل يعذر أحد بجهالته‪ ،‬وتفسير تعلمه العلماء‪ ،‬وتفسير ل‬
‫يعلمه إل ال‪ ،‬من ادعى علمه فهو كاذب‪ .‬وقد روي عن مجاهد وطائفة‪ :‬أن الراسخين في العلم يعلمون تأويله‪ .‬وقد‬
‫قال مجاهد‪ :‬عرضت المصحف على ابن عباس من فاتحته إلى خاتمته‪ ،‬أوقفه عند كل آية‪ ،‬وأسأله عن تفسيرها‪ ،‬ول‬
‫منافاة بين القولين عند التحقيق‪ ،‬فإن لفظ [التأويل] قد صار بتعدد الصطلحات مستعمل في ثلثة معان‪- :‬‬

‫أحدها‪ :‬وهو اصطلح كثير من المتأخرين من المتكلمين في الفقه وأصوله‪ ،‬أن التأويل هو صرف اللفظ عن الحتمال‬
‫الراجح إلى الحتمال المرجوح‪ ،‬لدليل يقترن به‪ ،‬وهذا هو الذي عناه أكثر من تكلم من المتأخرين في تأويل نصوص‬
‫الصفات‪ ،‬وترك تأويلها‪ ،‬وهل ذلك محمود أو مذموم أو حق أو باطل؟‪..‬‬

‫الثاني‪ :‬أن التأويل بمعنى التفسير‪ ،‬وهذا هو الغالب على اصطلح المفسرين للقرآن‪ ،‬كما يقول ابن جرير وأمثاله من‬
‫المصنفين في التفسير‪ ،‬واختلف علماء التأويل‪ ،‬ومجاهد إمام المفسرين‪ ،‬قال الثوري‪[ :‬إذا جاءك التفسير عن مجاهد‬
‫فحسبك به] وعلى تفسيره يعتمد الشافعي وأحمد والبخاري وغيرهما‪ ،‬فإذا ذكر أنه يعلم تأويل المتشابه‪ ،‬فالمراد به‬
‫معرفة تفسيره‪.‬‬

‫ل تَأْوِيلَ ُه يَوْ َم يَ ْأتِي َتأْوِيلُهُ‬ ‫الثالث من معاني التأويل‪ :‬هو الحقيقة التي يؤول إليها الكلم‪ ،‬كما قال ال تعالى‪{ :‬هَ ْ‬
‫ل يَنظُرُونَ ِإ ّ‬
‫يَقُولُ اّلذِي َن نَسُو ُه مِن َقبْ ُل قَدْ جَاءتْ رُ ُسلُ َرّبنَا بِا ْلحَقّ} [العراف‪ .]53 :‬فتأويل ما في القرآن من أخبار المعاد هو ما أخبر‬
‫ال به فيه مما يكون‪ ،‬من القيامة والحساب والجزاء‪ ،‬والجنة والنار‪ ،‬ونحو ذلك‪ ،‬كما قال ال تعالى في قصة يوسف‪،‬‬
‫ي مِن َقبْلُ} [يوسف‪ .]100 :‬فجعل عين ما وجد في الخارج‪ ،‬هو‬ ‫لما سجد أبواه وإخوته قال‪{ :‬يَا َأبَتِ هَـذَا تَأْوِيلُ ُر ْؤيَا َ‬
‫تأويل الرؤيا الثاني‪ ،‬هو تفسير الكلم وهو الكلم الذي يفسر به اللفظ‪ ،‬حتى يفهم معناه أو تعرف علته‪ ،‬أو دليله وهذا‪.‬‬

‫التأويل الثالث‪ :‬هو عين ما هو موجود في الخارج‪ ،‬ومنه قول عائشة‪( :‬كان النبي صلى ال عليه وسلم يقول في‬
‫ركوعه وسجوده سبحانك اللهم ربنا وبحمدك اللهم اغفر لي) يتأول القرآن يعني قوله‪{ :‬فَ َسبّ ْح بِ َح ْمدِ َرّبكَ وَا ْس َتغْفِرْهُ} [‬
‫النصر‪ .]3 :‬وقول سفيان بن عيينة‪ :‬السنة هي تأويل المر والنهي فإن نفس الفعل المأمور به‪ :‬هو تأويل المر به‬
‫ونفس الموجود المخبر عنه‪ ،‬هو تأويل الخبر‪ ،‬والكلم خبر وأمر‪ ،‬ولهذا يقول أبو عبيد وغيره‪ :‬الفقهاء أعلم بالتأويل‬
‫من أهل اللغة‪ ،‬كما ذكروا ذلك في تفسير اشتمال الصماء‪ ،‬لن الفقهاء يعلمون تفسير ما أمر به ونهي عنه‪ ،‬لعلمهم‬
‫بمقاصد الرسول صلى ال عليه وسلم‪ ،‬كما يعلم أتباع بقراط وسيبويه ونحوهما من مقاصدهما‪ ،‬ما ل يعلم بمجرد‬
‫اللغة‪ ،‬ولكن تأويل المر والنهي ل بد من معرفته بخلف تأويل الخبر‪ .‬إذا عرف ذلك‪ :‬فتأويل ما أخبر ال تعالى به‬
‫عن نفسه المقدسة‪ ،‬المتصفة بما لها من حقائق السماء والصفات‪ ،‬هو حقيقة لنفسه المقدسة المتصفة بما لها من حقائق‬
‫الصفات‪ ،‬وتأويل ما أخبر ال به تعالى‪ ،‬من الوعد والوعيد‪ ،‬هو نفس ما يكون من الوعد والوعيد‪ ،‬ولهذا ما يجيء في‬
‫الحديث نعمل بمحكمه ونؤمن بمتشابهه‪ ،‬لن ما أخبر ال به عن نفسه‪ ،‬وعن اليوم الخر‪ ،‬فيه ألفاظ متشابهة يشبه‬
‫معانيها ما نعلمه في الدنيا‪ ،‬كما أخبر أن في الجنة لحمًا ولبنًا وعسلً وخمرًا‪ ،‬ونحو ذلك‪ ،‬وهذا يشبه ما في الدنيا لفظًا‬
‫ومعنى‪ ،‬ولكن ليس هو مثله ول حقيقته فأسماء ال تعالى وصفاته أولى‪ ،‬وإن كان بينهما وبين أسماء العباد وصفاتهم‬
‫تشابه أن ل يكون لجلها الخالق مثل المخلوق‪ ،‬ول حقيقته كحقيقته‪ ،‬والخبار عن الغائب ل يفهم أن لم يعبر عنه‬
‫بالسماء المعلومة معانيها في الشاهد‪ ،‬ويعلم بها ما في الغائب‪ ،‬بواسطة العلم بما في الشاهد‪ ،‬مع العلم بالفارق المميز‪،‬‬
‫وإن ما أخبر ال به من الغيب أعظم مما يعلم في الشاهد وفي الغائب ما ل عين رأت‪ ،‬ول أذن سمعت ول خطر على‬
‫قلب بشر‪ ،‬فنحن إذا أخبرنا ال بالغيب الذي اختص به من الجنة والنار‪ ،‬علمنا معنى ذلك وفهمنا ما أريد منا فهمه‪،‬‬
‫بذلك الخطاب وفسرنا ذلك‪ ،‬وأما نفس الحقيقة المخبر عنها‪ ،‬مثل التي لم تكن بعد‪ ،‬وإنما تكون يوم القيامة فذلك من‬
‫التأويل الذي ل يعلمه إل ال‪.‬‬

‫ولهذا لما سئل مالك وغيره من السلف عن قوله تعالى‪{ :‬الرّ ْحمَنُ عَلَى ا ْلعَرْشِ ا ْستَوَى} [طه‪ .]5 :‬قالوا‪ :‬الستواء معلوم‪،‬‬
‫والكيف مجهول‪ ،‬واليمان به واجب‪ ،‬والسؤال عنه بدعة‪ ،‬وكذلك قال ربيعة شيخ مالك قبله‪ :‬الستواء معلوم‪ ،‬والكيف‬
‫مجهول‪ ،‬ومن ال البيان‪ ،‬وعلى الرسول البلغ‪ ،‬وعلينا اليمان‪ ،‬فبين أن الستواء معلوم‪ ،‬وإن كيفية ذلك مجهول‪،‬‬
‫ومثل هذا يوجد كثيرا في كلم السلف‪ ،‬والئمة ينفون علم العباد بكيفية صفات ال‪ ،‬وأنه ل يعلم كيف ال إل ال‪ ،‬فل‬
‫يعلم ما هو إل هو‪ ،‬وقد قال النبي‪( :‬ل أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك) وهذا في صحيح مسلم وغيره‬
‫وقال في الحديث الخر‪( :‬اللهم إني أسألك بكل اسم هو لك‪ ،‬سميت به نفسك‪ ،‬أو أنزلته في كتابك‪ ،‬أو علمته أحدًا من‬
‫خلقك‪ ،‬أو استأثرت به في علم الغيب عندك) وهذا الحديث في المسند‪ ،‬وصحيح أبي حاتم‪ ،‬وقد أخبر فيه أن ل من‬
‫السماء ما استأثر به في علم الغيب عنده‪ ،‬فمعاني هذه السماء التي استأثر بها في علم الغيب عنده ل يعلمها غيره‪.‬‬
‫وال سبحانه أخبرنا أنه عليم قدير‪ ،‬سميع بصير‪ ،‬غفور رحيم‪ ،‬إلى غير ذلك من أسمائه وصفاته‪.‬‬

‫فنحن نفهم معنى ذلك ونميز بين العلم والقدرة‪ ،‬وبين الرحمة والسمع والبصر‪ ،‬ونعلم أن السماء كلها اتفقت في‬
‫دللتها على ذات ال‪ ،‬مع تنوع معانيها فهي متفقة متواطئة من حيث الذات‪ ،‬متباينة من جهة الصفات‪ ،‬وكذلك أسماء‬
‫النبي صلى ال عليه وسلم‪ ،‬مثل محمد وأحمد والماحي والحاشر والعاقب‪ .‬وكذلك أسماء القرآن مثل القرآن والفرقان‬
‫والهدى والنور والتنزيل والشفاء‪ ،‬وغير ذلك‪ ،‬ومثل هذه السماء تنازع الناس فيها هل هي من قبيل المترادفة ل تحاد‬
‫الذات‪ ،‬أو من قبيل المتباينة لتعدد الصفات؟ كما إذا قيل‪ :‬السيف والصارم والمهند‪ ،‬وقصد بالصارم‪ ،‬معنى الصرم‪،‬‬
‫وفي المهند النسبة إلى الهند‪ ،‬والتحقيق أنها مترادفة في الذات‪ ،‬متباينة في الصفات‪ ،‬ومما يوضح هذا أن ال وصف‬
‫القرآن كله بأنه محكم‪ ،‬وبأنه متشابه‪ ،‬وفي موضع آخر‪ ،‬جعل منه ما هو محكم‪ ،‬ومنه ما هو متشابه‪ ،‬فينبغي أن يعرف‬
‫ت آيَاتُ ُه ثُمّ فصلتْ} [‬ ‫الحكام والتشابه الذي يعمه‪ ،‬والحكام والتشابه الذي يخص بعضه قال ال تعالى‪{ :‬الَر ِكتَابٌ ُأ ْ‬
‫ح ِكمَ ْ‬
‫ث ِكتَابًا ّمتَشَا ِبهًا ّمثَانِيَ} [الزمر‪ ]23 :‬فأخبر أنه‬ ‫حدِي ِ‬
‫حسَنَ الْ َ‬ ‫هود‪ ]1 :‬فأخبر أنه أحكم آياته كلها‪ ،‬وقال تعالى‪{ :‬ا ُ‬
‫لّ نَزّلَ أَ ْ‬
‫كله متشابه‪.‬‬

‫والحكم هو الفصل بين الشيئين فالحاكم يفصل بين الخصمين‪ ,‬والحكم فصل بين المتشابهات‪ ،‬علمًا وعملً‪ ،‬إذا ميز‬
‫بين الحق والباطل‪ ،‬والصدق والكذب‪ ،‬والنافع والضار‪ ،‬وذلك يتضمن فعل النافع وترك الضار‪ ،‬فيقال‪ :‬حكمت السفيه‬
‫وأحكمته‪ :‬إذا أخذت على يديه‪ ،‬وحكمت الدابة وأحكمتها‪ :‬إذا جعلت لها حكمة‪ ،‬وهو ما أحاط بالحنك من اللجام‪،‬‬
‫وإحكام الشيء إتقانه‪.‬‬

‫فإحكام الكلم إتقانه بتمييز الصدق من الكذب في أخباره‪ ،‬وتمييز الرشد من الغي في أوامره‪ ،‬والقرآن كله محكم‬
‫بمعنى التقان‪ ،‬فقد سماه ال حكيمًا بقوله‪{ :‬الر تِ ْلكَ آيَاتُ ا ْلكِتَابِ ا ْل َحكِيمِ} [يونس‪ .]1 :‬فالحكيم بمعنى الحاكم‪ ،‬كما جعله‬
‫ختَلِفُونَ} [النمل‪ ،]76:‬وجعله مفتيًا في قوله‪{ :‬قُلِ الّ‬
‫سرَائِيلَ َأكْثَرَ اّلذِي هُ ْم فِي ِه يَ ْ‬
‫ن يَ ُقصّ عَلَى َبنِي إِ ْ‬‫يقص بقوله‪{ :‬إِنّ َهذَا ا ْلقُرْآ َ‬
‫يُ ْفتِيكُ ْم فِيهِنّ َومَا ُيتْلَى عََل ْيكُ ْم فِي ا ْلكِتَابِ} [النساء‪ .]127 :‬أي‪ :‬ما يتلى عليكم يفتيكم فيهن‪ ،‬وجعله هاديًا ومبشرًا في قوله‪:‬‬
‫{إِنّ هَـذَا ا ْلقُرْآ َن ِي ْهدِي لِّلتِي هِيَ َأقْوَمُ َوُيبَشّرُ ا ْلمُ ْؤمِنِينَ اّلذِي َن َي ْعمَلُونَ الصّالِحَاتِ} [السراء‪.]9 :‬‬

‫لفًا َكثِيرًا} [‬
‫ختِ َ‬
‫جدُو ْا فِيهِ ا ْ‬
‫غيْرِ الّ لَوَ َ‬ ‫وأما التشابه الذي يعمه فهو ضد الختلف المنفي عنه في قوله‪{:‬وََل ْو كَا َ‬
‫ن مِنْ عِندِ َ‬
‫ف يُ ْؤ َفكُ َعنْ ُه مَنْ ُأ ِفكَ} [الذاريات‪.]9 ،8 :‬‬ ‫ختَلِ ٍ‬ ‫النساء‪ ]82 :‬وهو الختلف المذكور في قوله‪ِ{ :‬إّنكُمْ َلفِي قَ ْو ٍ‬
‫ل مّ ْ‬

‫فالتشابه هنا‪ :‬هو تماثل الكلم وتناسبه بحيث يصدق بعضه بعضا‪ ،‬فإذا أمر بأمر لم يأمر بنقيضه في موضع آخر‪ ،‬بل‬
‫يأمر به أو بنظيره أو بملزوماته‪ ،‬وإذا نهي عن شيء لم يأمر به في موضع آخر‪ ،‬بل ينهي عنه أو عن نظيره أو عن‬
‫ملزوماته‪ ،‬إذا لم يكن هناك نسخ‪.‬‬

‫وكذلك إذا أخبر بثبوت شيء لم يخبر بنقيض ذلك‪ ،‬بل يخبر بثبوته أو بثبوت ملزوماته‪ ،‬وإذا أخبر بنفي شيء لم يثبته‪،‬‬
‫بل ينفيه أو ينفي لوازمه‪ ،‬بخلف القول المختلف الذي ينقض بعضه بعضًا‪ ،‬فيثبت الشيء تارة وينفيه أخرى‪ ،‬أو يأمر‬
‫به وينهي عنه في وقت واحد‪ ،‬ويفرق بين المتماثلين فيمدح أحدهما ويذم الخر‪.‬‬

‫فالقوال المختلفة هنا هي المتضادة‪ ،‬والمتشابهة هي المتوافقة‪.‬‬

‫وهذا التشابه يكون في المعاني وإن اختلفت اللفاظ‪ ،‬فإذا كانت المعاني يوافق بعضها بعضًا‪ ،‬ويعضد بعضها بعضًا‪،‬‬
‫ويناسب بعضها بعضًا‪ ،‬ويشهد بعضها لبعض‪ ،‬ويقتضي بعضها بعضًا‪ ،‬كان الكلم متشابهًا‪ ،‬بخلف الكلم المتناقض‬
‫الذي يضاد بعضه بعضًا‪.‬‬
‫فهذا التشابه العام‪ ،‬ل ينافي الحكام العام‪ ،‬بل هو مصدق له‪ ،‬فإن الكلم المحكم المتقن يصدق بعضه بعضًا ل يناقض‬
‫بعضه بعضًا‪ ،‬بخلف الحكام الخاص‪ ،‬فإنه ضد التشابه الخاص‪ ،‬والتشابه الخاص هو مشابهة الشيء لغيره من وجه‬
‫مع مخالفته له من وجه آخر‪ ،‬بحيث يشتبه على بعض الناس أنه هو أو هو مثله وليس كذلك‪.‬‬

‫والحكام هو الفصل بينهما‪ ،‬بحيث ل يشتبه أحدهما بالخر‪ ،‬وهذا التشابه إنما يكون بقدر مشترك بين الشيئين مع‬
‫وجود الفاصل بينهما‪.‬‬

‫ثم من الناس من ل يهتدي للفصل بينهما فيكون مشتبهًا عليه‪ ،‬ومنهم من يهتدي إلى ذلك‪ ،‬فالتشابه الذي ل يتميز معه‬
‫قد يكون من المور النسبية الضافية‪ ،‬بحيث يشتبه على بعض الناس دون بعض‪ ،‬ومثل هذا يعرف منه أهل العلم ما‬
‫يزيل عنهم هذا الشتباه‪ ،‬كما إذا اشتبه على بعض الناس ما وعدوا به في الخرة بما يشهدونه في الدنيا فظن أنه مثله‪،‬‬
‫فعلم العلماء أنه ليس مثله‪ ،‬وإن كان مشبها له من بعض الوجوه‪.‬‬

‫ومن هذا الباب الشبه التي يضل بها بعض الناس‪ ،‬وهي ما يشتبه فيها الحق والباطل‪ ،‬حتى تشتبه على بعض الناس‪،‬‬
‫ومن أوتي العلم بالفصل بين هذا وهذا لم يشتبه عليه الحق بالباطل‪ ،‬والقياس الفاسد إنما هو من باب الشبهات؛ لنه‬
‫تشبيه للشيء في بعض المور بما ل يشبهه فيه‪.‬‬

‫فمن عرف الفصل بين الشيئين‪ ،‬اهتدى للفرق الذي يزول به الشتباه والقياس الفاسد‪ ،‬وما من شيئين إل ويجتمعان في‬
‫شيء ويفترقان في شيء‪ ،‬فبينهما اشتباه من وجه وافتراق من وجه؛ فلهذا كان ضلل بني آدم من قبل التشابه‪،‬‬
‫والقياس الفاسد ل ينضبط كما قال المام أحمد‪:‬أكثر ما يخطئ الناس من جهة التأويل والقياس‪.‬فالتأويل في الدلة‬
‫السمعية‪ ،‬والقياس في الدلة العقلية‪ ،‬وهو كما قال‪ ،‬والتأويل الخطأ إنما يكون في اللفاظ المتشابهة‪ ،‬والقياس الخطأ‬
‫إنما يكون في المعاني المتشابهة‪.‬‬

‫وقد وقع بنو آدم في عامة ما يتناوله هذا الكلم من أنواع الضللت‪ ،‬حتى آل المر إلى من يدعي التحقيق والتوحيد‬
‫والعرفان منهم إلى أن اشتبه عليهم وجود الرب بوجود كل موجود‪ ،‬فظنوا أنه هو‪ ،‬فجعلوا وجود المخلوقات عين‬
‫وجود الخالق‪ ،‬مع أنه ل شيء أبعد عن مماثلة شيء‪ ،‬وأن يكون إياه أو متحدًا به‪ ،‬أو حالً فيه‪ ،‬من الخالق مع‬
‫المخلوق‪.‬‬

‫فمن اشتبه عليه وجود الخالق بوجود المخلوقات كلها‪ ،‬حتى ظنوا وجودها وجوده‪ ،‬فهم أعظم الناس ضلل من جهة‬
‫الشتباه‪.‬‬

‫وذلك أن الموجودًات تشترك في مسمى الوجود‪ ،‬فرأوا الوجود واحدًا‪ ،‬ولم يفرقوا بين الواحد بالعين والواحد بالنوع‪.‬‬

‫وآخرون توهموا أنه إذا قيل‪ :‬الموجودًات تشترك في مسمى الوجود‪ ،‬لزم التشبيه والتركيب‪ ،‬فقالوا‪ :‬لفظ الوجود مقول‬
‫بالشتراك اللفظي‪ ،‬فخالفوا ما اتفق عليه العقلء مع اختلف أصنافهم‪ ،‬من أن الوجود ينقسم إلى قديم ومحدث‪ ،‬ونحو‬
‫ذلك من أقسام الموجودات‪.‬‬

‫وطائفة ظنت أنه إذا كانت الموجودًات تشترك في مسمى الوجود‪ ،‬لزم أن يكون في الخارج عن الذهان موجود‬
‫مشترك فيه‪ ،‬وزعموا أن في الخارج عن الذهان كليات مطلقة‪ ،‬مثل وجود مطلق‪ ،‬وحيوان مطلق‪ ،‬وجسم مطلق‬
‫ونحو ذلك‪ ،‬فخالفوا الحس والعقل والشرع‪ ،‬وجعلوا ما في الذهان ثابتًا في العيان‪ ،‬وهذا كله من نوع الشتباه‪.‬‬

‫ومن هداه ال فرق بين المور وإن اشتركت من بعض الوجوه‪ ،‬وعلم ما بينهما من الجمع والفرق‪ ،‬والتشابه‬
‫والختلف‪ ،‬وهؤلء ل يضلون بالمتشابه من الكلم؛ لنهم يجمعون بينه وبين المحكم الفارق الذي يبين ما بينهما من‬
‫الفصل والفتراق‪.‬‬

‫وهذا كما أن لفظ [إنا] و [نحن] وغيرهما من صيغ الجمع يتكلم بها الواحد له شركاء في الفعل‪ ،‬ويتكلم بها الواحد‬
‫العظيم الذي له صفات تقوم كل صفة مقام واحد‪ ،‬وله أعوان تابعون له‪ ،‬ل شركاء له‪ .‬فإذا تمسك النصراني بقوله ـ‬
‫تعالى‪ِ{:‬إنّا َنحْنُ نَزّْلنَا ال ّذكْرَ} [الحجر‪ .]9 :‬ونحوه على تعدد اللهة‪ ،‬كان المحكم كقوله ـ تعالى‪{ :‬وَِإلَـ ُهكُمْ إِلَهٌ وَا ِحدٌ} [‬
‫البقرة‪ .]163 :‬ونحو ذلك مما ل يحتمل إل معنى واحدًا يزيل ما هناك من الشتباه‪ ،‬وكان ما ذكره من صيغة الجمع‬
‫مبينًا لما يستحقه من العظمة والسماء والصفات وطاعة المخلوقات من الملئكة وغيرهم‪.‬‬

‫وأما حقيقة ما دل عليه ذلك من حقائق السماء والصفات‪ ،‬وما له من الجنود الذين يستعملهم في أفعاله‪ ،‬فل يعلمهم إل‬
‫هو{ َومَا يَعَْلمُ ُجنُودَ َرّبكَ ِإلّ هُوَ} [المدثر‪ .]31 :‬وهذا من تأويل المتشابه الذي ل يعلمه إل ال‪ ،‬بخلف الملك من البشر‬
‫إذا قال‪ :‬قد أمرنا لك بعطاء‪ ،‬فقد علم أنه هو وأعوانه‪ ،‬مثل كاتبه وحاجبه وخادمه ونحو ذلك أمروا به‪ ،‬وقد يعلم ما‬
‫صدرت عنه ذلك الفعل من اعتقاداته وإراداته ونحو ذلك‪.‬‬

‫وال ـ سبحانه وتعالى ـ ل يعلم عباده الحقائق التي أخبر عنها من صفاته وصفات اليوم الخر‪ ،‬ول يعلمون حقائق ما‬
‫أراد بخلقه وأمره من الحكمة‪ ،‬ول حقائق ما صدرت عنه من المشيئة والقدرة‪.‬‬

‫وبهذا يتبين أن التشابه يكون في اللفاظ المتواطئة‪ ،‬كما يكون في اللفاظ المشتركة التي ليست بمتواطئة‪ ،‬وإن زال‬
‫الشتباه بما يميز أحد النوعين‪ :‬من إضافة أو تعريف‪ ،‬كما إذا قيل‪ :‬فيها أنهار من ماء‪ ،‬فهناك قد خص هذا الماء‬
‫بالجنة‪ ،‬فظهر الفرق بينه وبين ماء الدنيا‪.‬‬

‫لكن حقيقة ما امتاز به ذلك الماء غير معلوم لنا‪ ،‬وهو مع ما أعده ال لعباده الصالحين ـ مما ل عين رأت‪ ،‬ول أذن‬
‫سمعت‪ ،‬ول خطر على قلب بشرـ من التأويل الذي ل يعلمه إل ال‪.‬‬

‫وكذلك مدلول أسمائه وصفاته الذي يختص بها‪ ،‬التي هي حقيقة ل يعلمها إل هو؛ ولهذا كان الئمة كالمام أحمد‬
‫وغيره ـ ينكرون على الجهمية‪ ،‬وأمثالهم ـ من الذين يحرفون الكلم عن مواضعه تأويل ما تشابه عليهم من القرآن على‬
‫غير تأويله‪ ،‬كما قال أحمد في كتابه الذي صنفه في الرد على الزنادقة والجهمية فيما شكت فيه من متشابه القرآن‬
‫وتأولته على غير تأويله‪.‬‬

‫وإنما ذمهم لكونهم تأولوه على غير تأويله‪ ،‬وذكر في ذلك ما يشتبه عليهم معناه‪ ،‬وإن كان ل يشتبه على غيرهم وذمهم‬
‫على أنهم تأولوه على غير تأويله‪ ،‬ولم ينف مطلق لفظ التأويل كما تقدم؛ من أن لفظ التأويل يراد به التفسير المبين‬
‫لمراد ال به‪ ،‬فذلك ل يعاب بل يحمد‪ ،‬ويراد بالتأويل الحقيقة التي استأثر ال بعلمها‪،‬فذاك ل يعلمه إل هو‪ .‬وقد بسطنا‬
‫هذا في غير هذا الموضع‪.‬‬

‫ومن لم يعرف هذا‪ ،‬اضطربت أقواله‪،‬مثل طائفة يقولون‪ :‬إن التأويل باطل‪ ،‬وإنه يجب إجراء اللفظ على ظاهره‪،‬‬
‫ويحتجون بقوله تعالى‪َ {:‬ومَا َيعْلَ ُم تَأْوِيلَهُ ِإلّ الّ} [آل عمران‪ .]7 :‬ويحتجون بهذه الية على إبطال التأويل‪ ،‬وهذا تناقض‬
‫منهم؛ لن هذه الية تقتضي أن هناك تأويل ل يعلمه إل ال‪ ،‬وهم ينفون التأويل مطلقًا‪.‬‬

‫وجهة الغلط‪ :‬أن التأويل الذي استأثر ال بعلمه هو الحقيقة التي ل يعلمها إل هو‪.‬‬

‫وأما التأويل المذموم والباطل‪ ،‬فهو تأويل أهل التحريف والبدع‪ ،‬الذين يتأولونه على غير تأويله‪ ،‬ويدعون صرف‬
‫اللفظ عن مدلوله إلى غير مدلوله بغير دليل يوجب ذلك‪ ،‬ويدعون أن في ظاهره من المحذور ما هو نظير المحذور‬
‫اللزم فيما أثبتوه بالعقل‪ ،‬ويصرفونه إلى معان هي نظير المعاني التي نفوها عنه‪ ،‬فيكون ما نفوه من جنس ما أثبتوه‪،‬‬
‫فإن كان الثابت حقًا ممكنًا كان المنفي مثله‪ ،‬وإن كان المنفي باطل ممتنعًا كان الثابت مثله‪.‬‬

‫وهؤلء الذين ينفون التأويل مطلقًا‪ ،‬ويحتجون بقوله تعالى‪َ { :‬ومَا َيعْلَ ُم تَأْوِيلَهُ ِإلّ الّ} [آل عمران‪ .]7 :‬قد يظنون أنا‬
‫خوطبنا في القرآن بما ل يفهمه أحد‪ ،‬أو بما ل معنى له‪ ،‬أو بما ل يفهم منه شيء‪.‬‬

‫وهذا مع أنه باطل فهو متناقض؛ لنا إذا لم نفهم منه شيئًا لم يجز لنا أن نقول‪ :‬له تأويل يخالف الظاهر ول يوافقه؛‬
‫لمكان أن يكون له معنى صحيح‪ ،‬وذلك المعنى الصحيح ل يخالف الظاهر المعلوم لنا‪ ،‬فإنه ل ظاهر له على قولهم‪،‬‬
‫فل تكون دللته على ذلك المعنى دللة على خلف الظاهر‪ ،‬فل يكون تأويلً‪.‬‬

‫ول يجوز نفي دللته على معان ل نعرفها على هذا التقدير‪.‬‬
‫فإن تلك المعاني التي دل عليها قد ل نكون عارفين بها؛ ولنا إذا لم نفهم اللفظ ومدلوله فلئل نعرف المعاني التي لم‬
‫يدل عليها اللفظ أولى؛ لن إشعار اللفظ بما يراد به أقوى من إشعاره بما ل يراد به‪ ،‬فإذا كان اللفظ ل إشعار له بمعنى‬
‫من المعاني‪ ،‬ول يفهم منه معنى أصل‪ ،‬لم يكن مشعرًا بما أريد به‪ ،‬فلئل يكون مشعرًا بما لم يرد به أولى‪.‬‬

‫فل يجوز أن يقال‪ :‬إن هذا اللفظ متأول‪ ،‬بمعنى أنه مصروف عن الحتمال الراجح إلى الحتمال المرجوح‪ ،‬فضلً‬
‫عن أن يقال‪ :‬إن هذا التأويل ل يعلمه إل ال‪ .‬اللهم إل أن يراد بالتأويل ما يخالف ظاهره المختص بالخلق‪.‬‬

‫فل ريب أن من أراد بالظاهر هذا لبد وأن يكون له تأويل يخالف ظاهره‪ .‬لكن إذا قال هؤلء‪ :‬إنه ليس لها تأويل‬
‫يخالف الظاهر‪ ،‬أو إنها تجري على المعاني الظاهرة منها‪ ،‬كانوا متناقضين‪.‬‬

‫وإن أرادوا بالظاهر هنا معنى‪ ،‬وهناك معنى‪ ،‬في سياق واحد من غير بيان‪ ،‬كان تلبيسًا‪.‬‬

‫وإن أرادوا بالظاهر مجرد اللفظ‪ ،‬أي تجرى على مجرد اللفظ الذي يظهر من غير فهم لمعناه‪ ،‬كان إبطالهم للتأويل أو‬
‫ل أو نفاه‪ ،‬فقد فهم معنى من المعاني‪.‬‬
‫إثباته تناقضًا؛ لن من أثبت تأوي ً‬

‫وبهذا التقسيم يتبين تناقض كثير من الناس من نفاة الصفات ومثبتيها في هذا الباب‪.‬‬

‫القاعدة السادسة‪:‬‬

‫أنه لقائل أن يقول‪ :‬لبد في هذا الباب من ضابط‪ ،‬يعرف به ما يجوز على ال مما ل يجوز في النفي والثبات‪ ،‬إذ‬
‫العتماد في هذا الباب على مجرد نفي التشبيه‪ ،‬أو مطلق الثبات من غير تشبيه ليس بسديد‪ ،‬وذلك أنه ما من شيئين‬
‫إل بينهما قدر مشترك وقدر مميز‪.‬‬

‫فالنافي إن اعتمد فيما ينفيه على أن هذا تشبيه‪ ،‬قيل له‪ :‬إن أردت أنه مماثل له من كل وجه فهذا باطل‪ ،‬وإن أردت أنه‬
‫مشابه له من وجه دون وجه أو مشارك له في السم لزمك هذا في سائر ما تثبته‪ .‬وأنتم إنما أقمتم الدليل على إبطال‬
‫التشبيه والتماثل الذي فسرتموه بأنه يجوز على أحدهما ما يجوز على الخر‪ ،‬ويمتنع عليه ما يمتنع عليه‪ ،‬ويجب له ما‬
‫يجب له‪.‬‬

‫ومعلوم أن إثبات التشبيه بهذا التفسير مما ل يقوله عاقل يتصور ما يقول‪ ،‬فإنه يعلم بضرورة العقل امتناعه‪ ،‬ول يلزم‬
‫من نفي هذا نفي التشابه من بعض الوجوه‪ ،‬كما في السماء والصفات المتواطئة‪ ،‬ولكن من الناس من يجعل التشبيه‬
‫مفسرًا بمعنى من المعاني‪ ،‬ثم إن كل من أثبت ذلك المعنى قالوا‪ :‬إنه مشبه‪ ،‬ومنازعهم يقول‪ :‬ذلك المعنى ليس من‬
‫التشبيه‪.‬‬

‫وقد يفرق بين لفظ التشبيه والتمثيل‪.‬‬

‫وذلك أن المعتزلة ونحوهم من نفاة الصفات يقولون‪ :‬كل من أثبت ل صفة قديمة فهو مشبه ممثل‪ ،‬فمن قال‪ :‬إن ل‬
‫علما قديمًا أو قدرة قديمة‪ ،‬كان عندهم مشبهًا ممثل؛ لن القديم عند جمهورهم هو أخص وصف الله‪ ،‬فمن أثبت له‬
‫صفة قديمة فقد أثبت ل مثل قديمًا‪ ،‬ويسمونه ممثل بهذا العتبار‪ .‬ومثبتة الصفات ل يوافقونهم على هذا‪ ،‬بل يقولون‪:‬‬
‫أخص وصفه ما ل يتصف به غيره مثل كونه رب العالمين‪ ،‬وأنه بكل شيء عليم‪ ،‬وأنه على كل شيء قدير‪ ،‬وأنه إله‬
‫واحد ونحو ذلك‪ ،‬والصفة ل توصف بشيء من ذلك‪.‬‬

‫ثم من هؤلء الصفاتية من ل يقول في الصفات‪ :‬إنها قديمة‪ ،‬بل يقول‪ :‬الرب بصفاته قديم‪.‬‬

‫ومنهم من يقول‪ :‬هو قديم وصفته قديمة‪ ،‬ول يقول‪ :‬هو وصفاته قديمان‪.‬‬

‫ومنهم من يقول‪ :‬هو وصفاته قديمان‪ ،‬ولكن يقول‪ :‬ذلك ل يقتضي مشاركة الصفة له في شيء من خصائصه‪ ،‬فإن‬
‫القدم ليس من خصائص الذات المجردة‪ ،‬بل من خصائص الذات الموصوفة بصفات‪ ،‬وإل فالذات المجردة ل وجود‬
‫لها عندهم‪ ،‬فضل عن أن تختص بالقدم‪.‬‬
‫وقد يقولون‪ :‬الذات متصفة بالقدم‪ ،‬والصفات متصفة بالقدم‪ ،‬وليست الصفات إلها ول ربا‪ ،‬كما أن النبي محدث‬
‫وصفاته محدثة‪ ،‬وليست صفاته نبيًا‪.‬‬

‫فهؤلء إذا أطلقوا على الصفاتية اسم التشبيه والتمثيل‪ ،‬كان هذا بحسب اعتقادهم الذي ينازعهم فيه أولئك‪ ،‬ثم تقول لهم‬
‫أولئك‪ :‬هب أن هذا المعنى قد يسمى في اصطلح بعض الناس تشبيهًا‪ ،‬فهذا المعنى لم ينفه عقل ول سمع‪ ،‬وإنما‬
‫الواجب نفي ما نفته الدلة الشرعية والعقلية‪.‬‬

‫والقرآن قد نفي مسمى المثل والكفء والنّ ّد ونحو ذلك‪.‬‬

‫ولكن يقولون‪ :‬الصفة في لغة العرب ليست مثل الموصوف‪ ،‬ول كفؤه ول نده‪ ،‬فل يدخل في النص‪.‬‬

‫وأما العقل‪ ،‬فلم ينف مسمى التشبيه في اصطلح المعتزلة‪.‬‬

‫وكذلك ـ أيضًا ـ يقولون‪ :‬إن الصفات ل تقوم إل بجسم متحيز‪ ،‬والجسام متماثلة‪ ،‬فلو قامت به الصفات للزم أن يكون‬
‫مماثلً لسائر الجسام‪ ،‬وهذا هو التشبيه‪.‬‬

‫وكذلك يقول هذا كثير من الصفاتية‪ ،‬الذين يثبتون الصفات وينفون علوه على العرش‪ ،‬وقيام الفعال الختيارية به‬
‫ونحو ذلك‪ ،‬ويقولون‪ :‬الصفات قد تقوم بما ليس بجسم‪ ،‬وأما العلو على العالم فل يصح إل إذا كان جسمًا‪ ،‬فلو أثبتنا‬
‫علوه للزم أن يكون جسمًا‪ ،‬وحينئذ فالجسام متماثلة فيلزم التشبيه‪.‬‬

‫فلهذا تجد هؤلء يسمون من أثبت العلو ونحوه مشبهًا‪ ،‬ول يسمون من أثبت السمع والبصر والكلم ونحوه مشبهًا‪ ،‬كما‬
‫يقول صاحب الرشاد وأمثاله‪.‬‬

‫وكذلك يوافقهم على القول بتماثل الجسام القاضي أبو يعلى وأمثاله من مثبتة الصفات والعلو‪ ،‬لكن هؤلء يجعلون‬
‫العلو صفة خبرية‪ ،‬كما هو أول قولى القاضي أبى يعلى‪ ،‬فيكون الكلم فيه كالكلم في الوجه‪ .‬وقد يقولون‪ :‬إن ما‬
‫يثبتونه ل ينافي الجسم كما يقولونه في سائر الصفات‪.‬‬

‫والعاقل إذا تأمل وجد المر فيما نفوه‪ ،‬كالمر فيما أثبتوه‪ ،‬ل فرق‪.‬‬

‫وأصل كلم هؤلء كلهم على أن إثبات الصفات مستلزم للتجسيم‪ ،‬والجسام متماثلة‪.‬‬

‫والمثبتون يجيبون عن هذا تارة بمنع المقدمة الولى‪ ،‬وتارة بمنع المقدمة الثانية‪ ،‬وتارة بمنع كل من المقدمتين‪ ،‬وتارة‬
‫بالستفصال‪.‬‬

‫ول ريب أن قولهم بتماثل الجسام قول باطل‪ ،‬سواء فسروا الجسم بما يشار إليه أو بالقائم بنفسه أو بالموجود‪ ،‬أو‬
‫بالمركب من الهُيولي والصورة ونحو ذلك‪ ،‬فأما إذا فسروه بالمركب من الجواهر المفردة‪ ،‬وعلى أنها متماثلة‪ ،‬فهذا‬
‫يبني على صحة ذلك‪ ،‬وعلى إثبات الجوهر الفرد‪ ،‬وعلى أنه متماثل‪ ،‬وجمهور العقلء يخالفونهم في ذلك‪.‬‬

‫والمقصود هنا أنهم يطلقون التشبيه على ما يعتقدونه تجسيمًا بناء على تماثل الجسام‪ ،‬والمثبتون ينازعونهم في‬
‫اعتقادهم‪ ،‬كإطلق الرافضة النصب على من تولى أبا بكر وعمر رضي ال عنهما وبناء على أن من أحبهما فقد‬
‫أبغض عليا رضي ال عنه ومن أبغضه فهو ناصبي‪.‬‬

‫وأهل السنة ينازعونهم في المقدمة الولى‪ ،‬ولهذا يقول هؤلء‪ :‬إن الشيئين ل يشتبهان من وجه ويختلفان من وجه‪،‬‬
‫وأكثر العقلء على خلف ذلك‪ ،‬وقد بسطنا الكلم على هذا في غير هذا الموضع‪ ،‬وبينا فيه حجج من يقول بتماثل‬
‫الجسام وحجج من نفي ذلك‪ ،‬وبينا فساد قول من يقول بتماثلها‪.‬‬

‫وأيضًا‪ ،‬فالعتماد بهذا الطريق على نفي التشبيه اعتماد باطل‪ ،‬وذلك أنه إذا أثبت تماثل الجسام‪ ،‬فهم ل ينفون ذلك إل‬
‫بالحجة التي ينفون بها الجسم‪.‬‬
‫وإذا ثبت أن هذا يستلزم الجسم‪ ،‬وثبت امتناع الجسم‪ ،‬كان هذا وحده كافيًا في نفي ذلك‪ ،‬ل يحتاج نفي ذلك‪ .‬إلى نفي‬
‫مسمى التشبيه‪ ،‬لكن نفي التجسيم يكون مبنيًا على نفي هذا التشبيه بأن يقال‪ :‬لو ثبت له كذا وكذا لكان جسمًا‪ ،‬ثم يقال‪:‬‬
‫والجسام متماثلة‪ ،‬فيجب اشتراكها فيما يجب ويجوز ويمتنع‪ ،‬وهذا ممتنع عليه‪.‬‬

‫لكن حينئذ يكون من سلك هذا المسلك معتمدًا في نفي التشبيه على نفي التجسيم‪ ،‬فيكون أصل نفيه نفي الجسم‪ ،‬وهذا‬
‫مسلك آخر‪ ،‬سنتكلم عليه ـ إن شاء ال‪.‬‬

‫وإنما المقصود هنا أن مجرد العتماد في نفي ما ينفي على مجرد نفي التشبيه ل يفيد؛ إذ ما من شيئين إل يشتبهان من‬
‫وجه ويفترقان من وجه‪ ،‬بخلف العتماد على نفي النقص والعيب ونحو ذلك‪ ،‬مما هو ـ سبحانه ـ مقدس عنه‪ ،‬فإن‬
‫هذه طريقة صحيحة‪.‬‬

‫وكذلك إذا أثبت له صفات الكمال ونفي مماثلة غيره له فيها‪ ،‬فإن هذا نفي المماثلة فيما هو مستحق له‪ ،‬وهذا حقيقة‬
‫التوحيد‪ ،‬وهو أل يشركه شيء من الشياء فيما هو من خصائصه‪ .‬وكل صفة من صفات الكمال فهو متصف بها على‬
‫وجه ل يماثله فيه أحد؛ ولهذا كان مذهب سلف المة وأئمتها إثبات ما وصف به نفسه من الصفات‪ ،‬ونفي مماثلته‬
‫بشيء من المخلوقات‪.‬‬

‫فإن قيل‪ :‬إن الشيء إذا شابه غيره من وجه جاز عليه ما يجوز عليه من ذلك الوجه‪ ،‬ووجب له ما وجب له‪ ،‬وامتنع‬
‫عليه ما امتنع عليه‪.‬‬

‫قيل‪ :‬هب أن المر كذلك‪ ،‬ولكن إذا كان ذلك القدر المشترك ل يستلزم إثبات ما يمتنع على الرب ـ سبحانه‪ ،‬ول نفي‬
‫ما يستحقه لم يكن ممتنعًا‪ ،‬كما إذا قيل‪ :‬إنه موجود حي عليم سميع بصير‪ ،‬وقد سمى بعض المخلوقات حيًا سميعًا‬
‫عليمًا بصيرًا‪ .‬فإذا قيل‪ :‬يلزم أنه يجوز عليه ما يجوز على ذلك من جهة كونه موجودًا حيًا عليما سميعًا بصيرًا‪ .‬قيل‪:‬‬
‫لزم هذا القدر المشترك ليس ممتنعًا على الرب ـ تعالى‪ ،‬فإن ذلك ل يقتضي حدوثًا ول إمكانًا‪ ،‬ول نقصًا ول شيئًا مما‬
‫ينافي صفات الربوبية‪.‬‬

‫وذلك أن القدر المشترك هو مسمى الوجود أو الموجود‪ ،‬أو الحياة أو الحي‪ ،‬أو العلم أو العليم‪ ،‬أو السمع أو البصر‪ ،‬أو‬
‫السميع أو البصير‪ ،‬أو القدرة أو القدير‪ ،‬والقدر المشترك مطلق كلي ل يختص بأحدهما دون الخر‪ ،‬فلم يقع بينهما‬
‫اشتراك ل فيما يختص بالممكن المحدث‪ ،‬ول فيما يختص بالواجب القديم‪ ،‬فإن ما يختص به أحدهما يمتنع اشتراكهما‬
‫فيه‪.‬‬

‫فإذا كان القدر المشترك الذي اشتركا فيه صفة كمال‪ ،‬كالوجود والحياة‪ ،‬والعلم والقدرة‪ ،‬ولم يكن في ذلك شيء مما‬
‫يدل على خصائص المخلوقين‪ ،‬كما ل يدل على شيء من خصائص الخالق‪ ،‬لم يكن في إثبات هذا محذور أصلً‪ ،‬بل‬
‫إثبات هذا من لوازم الوجود‪ ،‬فكل موجودين لبد بينهما من مثل هذا‪ ،‬ومن نفي هذا لزمه تعطيل وجود كل موجود‪.‬‬

‫ولهذا لما اطلع الئمة على أن هذا حقيقة قول الجهمية سموهم معطلة‪ ،‬وكان جهم ينكر أن يسمى ال شيئًا‪ ،‬وربما قالت‬
‫الجهمية‪ :‬هو شيء ل كالشياء‪ ،‬فإذا نفي القدر المشترك مطلقًا لزم التعطيل العام‪.‬‬

‫والمعاني التي يوصف بها الرب ـ تعالى ـ كالحياة‪ ،‬والعلم والقدرة‪ ،‬بل الوجود والثبوت‪ ،‬والحقيقة ونحو ذلك تجب‬
‫لوازمها‪ ،‬فإن ثبوت الملزوم يقتضي ثبوت اللزم‪ ،‬وخصائص المخلوق التي يجب تنزيه الرب عنها ليست من لوازم‬
‫ذلك أصل‪ ،‬بل تلك من لوازم ما يختص بالمخلوق من وجود وحياة‪ ،‬وعلم ونحو ذلك‪.‬‬

‫وال ـ سبحانه ـ منزه عن خصائص المخلوقين وملزومات خصائصهم‪.‬‬

‫وهذا الموضع من فهمه فهمًا جيدًا وتدبره‪ ،‬زالت عنه عامة الشبهات‪ ،‬وانكشف له غلط كثير من الذكياء في هذا‬
‫المقام‪ .‬وقد بسط هذا في مواضع كثيرة‪ .‬وبين فيها أن القدر المشترك الكلي ل يوجد في الخارج إل معينًا مقيدًا‪ ،‬وأن‬
‫معنى اشتراك الموجودًات في أمر من المور هو تشابهها من ذلك الوجه‪ ،‬وأن ذلك المعنى العام يطلق على هذا‬
‫وهذا؛ لن الموجودًات في الخارج ل يشارك أحدهما الخر في شيء موجود فيه‪ ،‬بل كل موجود متميز عن غيره‬
‫بذاته وصفاته وأفعاله‪.‬‬

‫ولما كان المر كذلك كان كثير من الناس متناقضًا في هذا المقام‪ ،‬فتارة يظن أن إثبات القدر المشترك يوجب التشبيه‬
‫الباطل‪ ،‬فيجعل ذلك له حجة فيما يظن نفيه من الصفات حذرًا من ملزومات التشبيه‪ ،‬وتارة يتفطن أنه لبد من إثبات‬
‫هذا على تقدير فيجيب به فيما يثبته من الصفات لمن احتج به من النفاة‪.‬‬

‫ولكثرة الشتباه في هذا المقام‪ ،‬وقعت الشبهة في أن وجود الرب هل هو عين ماهيته‪ ،‬أو زائد على ماهيته؟ وهل لفظ‬
‫الوجود مقول بالشتراك اللفظي أو التواطؤ أو التشكيك؟ كما وقع الشتباه في إثبات الحوال ونفيها‪ ،‬وفي أن المعدوم‬
‫هل هو شيء أم ل؟ وفي وجود الموجودًات هل هو زائد على ماهيتها أم ل؟‪.‬‬

‫وقد كثر من أئمة النظار الضطراب والتناقض في هذه المقامات؛ فتارة يقول أحدهم القولين المتناقضين‪ ،‬ويحكى عن‬
‫الناس مقالت ما قالوها‪ ،‬وتارة يبقى في الشك والتحير‪.‬‬

‫وقد بسطنا من الكلم في هذه المقامات‪ ،‬وما وقع من الشتباه والغلط والحيرة فيها لئمة الكلم والفلسفة‪ ،‬ما ل تتسع‬
‫له هذه الجمل المختصرة‪.‬‬

‫وبينا أن الصواب هو أن وجود كل شيء في الخارج هو ماهيته الموجودة في الخارج‪ ،‬بخلف الماهية التي في‬
‫الذهن‪ ،‬فإنها مغايرة للموجود في الخارج‪ ،‬وأن لفظ الذات والشيء والماهية والحقيقة ونحو ذلك‪ ،‬فهذه اللفاظ كلها‬
‫متواطئة‪.‬‬

‫فإذا قيل‪ :‬إنها مشككة لتفاضل معانيها‪ ،‬فالمشكك نوع من المتواطئ العام‪ ،‬الذي يراعى فيه دللة اللفظ على القدر‬
‫المشترك‪ ،‬سواء كان المعنى متفاضلً في موارده أو متماثلً‪.‬‬

‫وبينا أن المعدوم شيء ـ أيضًا ـ في العلم والذهن ل في الخارج‪ ،‬فل فرق بين الثبوت والوجود‪ ،‬لكن الفرق ثابت بين‬
‫الوجود العلمي والعيني‪ ،‬مع أن ما في العلم ليس هو الحقيقة الموجودة‪ ،‬ولكن هو العلم التابع للعالم القائم به‪.‬‬

‫وكذلك الحوال التي تتماثل فيها الموجودًات وتختلف‪ ،‬لها وجود في الذهان‪ ،‬وليس في العيان إل العيان الموجودة‬
‫وصفاتها القائمة بها المعينة‪ ،‬فتتشابه بذلك وتختلف به‪.‬‬

‫وأما هذه الجملة المختصرة‪ ،‬فإن المقصود بها التنبيه على جمل مختصرة جامعة‪ ،‬من فهمها علم قدر نفعها‪ ،‬وانفتح له‬
‫باب الهدى‪ ،‬وإمكان إغلق باب الضلل‪ ،‬ثم بسطها وشرحها له مقام آخر‪ ،‬إذ لكل مقام مقال‪.‬‬

‫والمقصود هنا أن العتماد على مثل هذه الحجة‪ ،‬فيما ينفي عن الرب وينزه عنه ـ كما يفعله كثير من المصنفين ـ خطأ‬
‫لمن تدبر ذلك‪ ،‬وهذا من طرق النفي الباطلة‪.‬‬

‫فصـــل‬

‫وأفسد من ذلك ما يسلكه نفاة الصفات‪ ،‬أو بعضها إذا أرادوا أن ينزهوه عما يجب تنزيهه عنه‪ ،‬مما هو من أعظم‬
‫الكفر‪ ،‬مثل أن يريدوا تنزيهه عن الحزن والبكاء ونحو ذلك‪ ،‬ويريدون الرد على اليهود‪ ،‬الذين يقولون‪ :‬إنه بكى على‬
‫الطوفان حتى رمد وعادته الملئكة‪ ،‬والذين يقولون بإلهية بعض البشر وأنه ال‪.‬‬

‫فإن كثيرًا من الناس يحتج على هؤلء بنفي التجسيم والتحيز ونحو ذلك‪ ،‬ويقولون‪ :‬لو اتصف بهذه النقائص والفات‬
‫لكان جسمًا أو متحيزًا‪ ،‬وذلك ممتنع‪ ،‬وبسلوكهم مثل هذه الطريق استظهر عليهم هؤلء الملحدة‪ ،‬نفاة السماء‬
‫والصفات‪ ،‬فإن هذه الطريقة ل يحصل بها المقصود لوجوه‪:‬‬
‫أحدها‪ :‬أن وصف ال ـ تعالى ـ بهذه النقائص والفات أظهر فسادًا في العقل والدين من نفي التحيز والتجسيم؛ فإن هذا‬
‫فيه من الشتباه والنزاع والخفاء ما ليس في ذلك‪ ،‬وكفر صاحب ذلك معلوم بالضرورة من دين السلم‪ ،‬والدليل‬
‫معروف للمدلول ومبين له‪ ،‬فل يجوز أن يستدل على الظهر البين بالخفي‪ ،‬كما ل يفعل مثل ذلك في الحدود‪.‬‬

‫الوجه الثاني‪ :‬أن هؤلء الذين يصفونه بهذه الصفات يمكنهم أن يقولوا‪ :‬نحن ل نقول بالتجسيم والتحيز‪ ،‬كما يقوله من‬
‫يثبت الصفات وينفي التجسيم‪ ،‬فيصير نزاعهم مثل نزاع مثبتة الكلم وصفات الكمال‪ ،‬فيصير كلم من وصف ال‬
‫بصفات الكمال وصفات النقص واحدًا‪ ،‬ويبقى رد النفاة على الطائفتين بطريق واحد‪ ،‬وهذا في غاية الفساد‪.‬‬

‫الثالث‪ :‬أن هؤلء ينفون صفات الكمال بمثل هذه الطريقة‪ ،‬واتصافه بصفات الكمال واجب ثابت بالعقل والسمع‪،‬‬
‫فيكون ذلك دليلً على فساد هذه الطريقة‪.‬‬

‫الرابع‪ :‬أن سالكي هذه الطريقة متناقضون‪ ،‬فكل من أثبت شيئًا منهم ألزمه الخر بما يوافقه فيه من الثبات‪ ،‬كما أن‬
‫كل من نفي شيئًا منهم ألزمه الخر بما يوافقه فيه من النفي‪.‬‬

‫فمثبتة الصفات ـ كالحياة والعلم‪ ،‬والقدرة والكلم‪ ،‬والسمع والبصرـ إذا قالت لهم النفاة ـ كالمعتزلة‪ :‬هذا تجسيم؛ لن‬
‫هذه الصفات أعراض‪ ،‬والعرض ل يقوم إل بالجسم‪ ،‬أو لنا ل نعرف موصوفًا بالصفات إل جسمًا‪ .‬قالت لهم المثبتة‪:‬‬
‫وأنتم قد قلتم‪ :‬إنه حي عليم قدير‪ ،‬وقلتم‪ :‬ليس بجسم‪ ،‬وأنتم ل تعلمون موجودًا حيًا عالما قادرًا إل جسمًا‪ ،‬فقد أثبتموه‬
‫على خلف ما علمتم‪ ،‬فكذلك نحن‪ .‬وقالوا لهم‪ :‬أنتم أثبتم حيًا عالما قادرًا‪ ،‬بل حياة ول علم ول قدرة‪ ،‬وهذا تناقض‬
‫يعلم بضرورة العقل‪.‬‬

‫ثم هؤلء المثبتون إذا قالوا لمن أثبت أنه يرضى ويغضب‪ ،‬ويحب ويبغض‪ ،‬أو من وصفه بالستواء والنزول‪،‬‬
‫والتيان والمجىء‪ ،‬أو بالوجه واليد ونحو ذلك‪ ،‬إذا قالوا‪ :‬هذا يقتضي التجسيم لنا ل نعرف ما يوصف بذلك إل ما هو‬
‫جسم‪ .‬قالت لهم المثبتة‪ :‬فأنتم قد وصفتموه بالحياة والعلم والقدرة‪ ،‬والسمع والبصر والكلم‪ ،‬وهذا هكذا‪ ،‬فإذا كان هذا‬
‫ل يوصف به إل الجسم فالخر كذلك‪ ،‬وإن أمكن أن يوصف بأحدهما ما ليس بجسم فالخر كذلك‪ ،‬فالتفريق بينهما‬
‫تفريق بين المتماثلين‪.‬‬

‫ولهذا لما كان الرد على من وصف ال ـ تعالى ـ بالنقائص بهذه الطريق طريقًا فاسدًا‪ ،‬لم يسلكه أحد من السلف‬
‫والئمة‪ ،‬فلم ينطق أحد منهم في حق ال بالجسم ل نفيًا ول إثباتًا‪ ،‬ول بالجوهر والتحيز ونحو ذلك؛ لنها عبارات‬
‫مجملة‪ ،‬ل تحق حقًا‪ ،‬ول تبطل باطلً‪.‬‬

‫ولهذا لم يذكر ال في كتابه‪ ،‬فيما أنكره على اليهود وغيرهم من الكفار‪ ،‬ما هو من هذا النوع‪ ،‬بل هذا هو من الكلم‬
‫المبتدع‪ ،‬الذي أنكره السلف والئمة‪.‬‬

‫فصـــل‬

‫وأما في طرق الثبات‪ ،‬فمعلوم ـ أيضًا ـ أن المثبت ل يكفي في إثباته مجرد نفي التشبيه‪ ،‬إذ لو كفي في إثباته مجرد‬
‫نفي التشبيه لجاز أن يوصف سبحانه من العضاء والفعال‪ ،‬بما ل يكاد يحصى مما هو ممتنع عليه مع نفي التشبيه‪،‬‬
‫وأن يوصف بالنقائص التي ل تجوز عليه مع نفي التشبيه‪.‬‬

‫كما لو وصفه مفتر عليه بالبكاء والحزن‪ ،‬والجوع والعطش‪ ،‬مع نفي التشبيه‪ .‬وكما لو قال المفترى‪ :‬يأكل ل كأكل‬
‫العباد‪ ،‬ويشرب ل كشربهم‪ ،‬ويبكي ويحزن ل كبكائهم ولحزنهم‪،‬كما يقال‪ :‬يضحك ل كضحكهم‪ ،‬ويفرح ل كفرحهم‪،‬‬
‫ويتكلم ل ككلمهم‪ ،‬ولجاز أن يقال‪ :‬له أعضاء كثيرة ل كأعضائهم‪ ،‬كما قيل‪ :‬له وجه ل كوجوههم‪ ،‬ويدان ل كأيديهم‪.‬‬
‫حتى يذكر المعدة والمعاء والذكر‪ ،‬وغير ذلك مما يتعالى ال ـ عز وجل ـ عنه‪ ،‬سبحانه وتعالى عما يقول الظالمون‬
‫علوًا كبيرًا‪.‬‬

‫فإنه يقال لمن نفي ذلك مع إثبات الصفات الخبرية وغيرها من الصفات‪ :‬ما الفرق بين هذا وما أثبته إذا نفيت التشبيه‬
‫وجعلت مجرد نفي التشبيه كافيًا في الثبات‪ ،‬فل بد من إثبات فرق في نفس المر‪.‬‬
‫فإن قال‪ :‬العمدة في الفرق هو السمع‪ ،‬فما جاء به السمع أثبته دون ما لم يجئ به السمع‪.‬‬

‫قيل له أول‪ :‬السمع هو خبر الصادق عما هو المر عليه في نفسه‪ ،‬فما أخبر به الصادق فهو حق من نفي أو إثبات‪،‬‬
‫والخبر دليل على المخبر عنه‪ ،‬والدليل ل ينعكس‪ ،‬فل يلزم من عدمه عدم المدلول عليه‪ ،‬فما لم يرد به السمع يجوز‬
‫أن يكون ثابتًا في نفس المر‪ ،‬وإن لم يرد به السمع‪ ،‬إذا لم يكن نفاه‪.‬‬

‫ومعلوم أن السمع لم ينف هذه المور بأسمائها الخاصة‪ ،‬فلبد من ذكر ما ينفيها من السمع‪ ،‬وإل فل يجوز حينئذ نفيها‬
‫كما ل يجوز إثباتها‪.‬‬

‫وأيضًا‪ ،‬فلبد في نفس المر من فرق بين ما يثبت له وينفي‪ ،‬فإن المور المتماثلة في الجواز‪ ،‬والوجوب‪ ،‬والمتناع‬
‫يمتنع اختصاص بعضها دون بعض‪ ،‬في الجواز والوجوب والمتناع‪ ،‬فلبد من اختصاص المنفي عن المثبت بما‬
‫يخصه بالنفي‪ ،‬ولبد من اختصاص الثابت عن المنفي بما يخصه بالثبوت‪.‬‬

‫وقد يعبر عن ذلك بأن يقال‪ :‬لبد من أمر يوجب نفي ما يجب نفيه عن ال‪ ،‬كما أنه لبد من أمر يثبت له ما هو ثابت‪،‬‬
‫وإن كان السمع كافيًا كان مخبرًا عما هو المر عليه في نفسه‪ ،‬فما الفرق في نفس المر بين هذا وهذا؟‬

‫فيقال‪ :‬كلما نفي صفات الكمال الثابتة لّ فهو منزه عنه‪ ،‬فإن ثبوت أحد الضدين يستلزم نفي الخر‪ ،‬فإذا علم أنه‬
‫موجود واجب الوجود بنفسه‪ ،‬وأنه قديم واجب القدم‪ ،‬علم امتناع العدم والحدوث عليه‪ ،‬وعلم أنه غني عما سواه‪.‬‬

‫فالمفتقر إلى ما سواه في بعض ما يحتاج إليه لنفسه‪ ،‬ليس هو موجودًا بنفسه‪ ،‬بل بنفسه وبذلك الخر الذي أعطاه ما‬
‫تحتاج إليه نفسه فل يوجد إل به‪.‬‬

‫وهو ـ سبحانه ـ غني عن كل ما سواه‪ ،‬فكل ما نافي غناه فهو منزه عنه‪ ،‬وهو سبحانه قدير قوي‪ ،‬فكل ما نافي قدرته‬
‫وقوته فهو منزه عنه‪ ،‬وهو ـ سبحانه ـ حي قيوم‪ ،‬فكل ما نافي حياته وقيوميته فهو منزه عنه‪.‬‬

‫وبالجملة‪ ،‬فالسمع قد أثبت له من السماء الحسنى وصفات الكمال ما قد ورد‪ ،‬فكل ما ضاد ذلك فالسمع ينفيه‪ ،‬كما‬
‫ينفي عنه المثل والكفؤ‪ ،‬فإن إثبات الشيء نفي لضده‪ ،‬ولما يستلزم ضده‪ ،‬والعقل يعرف نفي ذلك كما يعرف إثبات‬
‫ضده‪ ،‬فإثبات أحد الضدين نفي للخر ولما يستلزمه‪.‬‬

‫فطرق العلم بنفي ما ينزه عنه الرب متسعة‪ ،‬ل يحتاج فيها إلى القتصار على مجرد نفي التشبيه والتجسيم‪ ،‬كما فعله‬
‫أهل القصور والتقصير‪ ،‬الذين تناقضوا في ذلك‪ ،‬وفرقوا بين المتماثلين‪ ،‬حتى إن كل من أثبت شيئًا احتج عليه من نفاه‬
‫بأنه يستلزم التشبيه‪.‬‬

‫وكذلك احتج القرامطة على نفي جميع المور‪ ،‬حتى نفوا النفي‪ ،‬فقالوا‪ :‬ل يقال‪ :‬ل موجود ول ليس بموجود‪ ،‬ول حي‬
‫ول ليس بحي؛ لن ذلك تشبيه بالموجود أو المعدوم فلزم نفي النقيضين‪ ،‬وهو أظهر الشياء امتناعًا‪.‬‬

‫ثم إن هؤلء يلزمهم من تشبيهه بالمعدومات‪ ،‬والممتنعات‪ ،‬والجمادات‪ ،‬أعظم مما فروا منه من التشبيه بالحياء‬
‫الكاملين‪ ،‬فطرق تنزيهه وتقديسه عما هو منزه عنه متسعة ل تحتاج إلى هذا‪.‬‬

‫وقد تقدم أن ما ينفي عنه ـ سبحانه ـ النفي المتضمن للثبات‪ ،‬إذ مجرد النفي ل مدح فيه ول كمال‪ ،‬فإن المعدوم‬
‫يوصف بالنفي‪ ،‬والمعدوم ل يشبه الموجودًات‪ ،‬وليس هذا مدحًا له؛ لن مشابهة الناقص في صفات النقص نقص‬
‫مطلقًا‪ ،‬كما أن مماثلة المخلوق في شيء من الصفات تمثيل وتشبيه‪ ،‬ينزه عنه الرب تبارك وتعالى‪.‬‬

‫والنقص ضد الكمال‪ ،‬وذلك مثل أنه قد علم أنه حي والموت ضد ذلك‪ ،‬فهو منزه عنه‪ ،‬وكذلك النوم والسّ َنةُ ضد كمال‬
‫الحياة‪ ،‬فإن النوم أخو الموت‪ ،‬كذلك الّلغُوب نقص في القدرة والقوة‪ ،‬والكل والشرب ونحو ذلك من المور فيه افتقار‬
‫إلى موجود غيره‪ ،‬كما أن الستعانة بالغير والعتضاد به‪ ،‬ونحو ذلك تتضمن الفتقار إليه والحتياج إليه‪.‬‬
‫وكل من يحتاج إلى من يحمله أو يعينه على قيام ذاته وأفعاله فهو مفتقر إليه‪ ،‬ليس مستغنيًا عنه بنفسه‪ ،‬فكيف من يأكل‬
‫ويشرب‪ ،‬والكل والشارب أجوف‪ ،‬والمصمت الصمد أكمل من الكل والشارب‪.‬‬

‫ولهذا كانت الملئكة صمدًا ل تأكل ول تشرب‪ ،‬وقد تقدم أن كل كمال ثبت لمخلوق فالخالق أولى به‪ ،‬وكل نقص تنزه‬
‫صمَدُ} [‬
‫عنه المخلوق فالخالق أولى بتنزيهه عن ذلك‪ ،‬والسمع قد نفي ذلك في غير موضع‪ ،‬كقوله تعالى‪{ :‬الُّ ال ّ‬
‫الخلص‪ .]2 :‬والصمد الذي ل جوف له‪ ،‬ول يأكل ول يشرب‪ ،‬وهذه السورة هي نسب الرحمن‪ ،‬أو هي الصل في‬
‫هذا الباب‪.‬‬

‫طعَامَ} [المائدة‪:‬‬
‫صدّيقَ ٌة كَانَا َي ْأكُلَنِ ال ّ‬
‫ت مِن َقبْلِهِ الرّسُلُ وَُأمّهُ ِ‬
‫ل َقدْ خَلَ ْ‬
‫ن مَ ْريَمَ ِإلّ رَسُو ٌ‬ ‫وقال في حق المسيح وأمه‪{ :‬مَا ا ْلمَسِي ُ‬
‫ح ابْ ُ‬
‫‪ .]75‬فجعل ذلك دليلً على نفي اللوهية‪ ،‬فدل ذلك على تنزيهه عن ذلك بطريق الولى والحرى‪.‬‬

‫والكبد والطحال‪ ،‬ونحو ذلك‪ ،‬هي أعضاء الكل والشرب‪ ،‬فالغني المنزه عن ذلك منزه عن آلت ذلك‪ ،‬بخلف اليد‬
‫فإنها للعمل والفعل‪ ،‬وهو ـ سبحانه ـ موصوف بالعمل والفعل؛ إذ ذاك من صفات الكمال‪ ،‬فمن يقدر أن يفعل أكمل‬
‫ممن ل يقدر علي الفعل‪.‬‬

‫وهو ـ سبحانه ـ منزه عن الصاحبة والولد‪ ،‬وعن آلت ذلك وأسبابه‪ ،‬وكذلك البكاء والحزن‪ ،‬هو مستلزم الضعف‬
‫والعجز‪ ،‬الذي ينزه عنه ـ سبحانه‪ ،‬بخلف الفرح والغضب فإنه من صفات الكمال‪ ،‬فكما يوصف بالقدرة دون العجز‪،‬‬
‫وبالعلم دون الجهل‪ ،‬وبالحياة دون الموت‪ ،‬وبالسمع دون الصمم‪ ،‬وبالبصر دون العمى‪ ،‬وبالكلم دون البكم‪ ،‬فكذلك‬
‫يوصف بالفرح دون الحزن‪ ،‬وبالضحك دون البكاء‪ ،‬ونحو ذلك‪.‬‬

‫وأيضًا‪ ،‬فقد ثبت بالعقل ما أثبته السمع‪ ،‬من أنه ـ سبحانه ـ ل كفؤ له‪ ،‬ول سمي له وليس كمثله شيء‪ ،‬فل يجوز أن‬
‫تكون حقيقته كحقيقة شيء من المخلوقات‪ ،‬ول حقيقة شيء من صفاته كحقيقة شيء من صفات المخلوقات‪ ،‬فيعلم‬
‫قطعًا أنه ليس من جنس المخلوقات‪ ،‬ل الملئكة ول السموات‪ ،‬ول الكواكب ول الهواء‪ ،‬ول الماء ول الرض‪ ،‬ول‬
‫الدميين‪ ،‬ول أبدانهم‪ ،‬ول أنفسهم‪ ،‬ول غير ذلك‪ ،‬بل يعلم أن حقيقته عن مماثلت شيء من الموجودًات أبعد من سائر‬
‫الحقائق‪ ،‬وأن مماثلته لشيء منها أبعد من مماثلة حقيقة شيء من المخلوقات لحقيقة مخلوق آخر‪.‬‬

‫فإن الحقيقتين إذا تماثلتا‪ ،‬جاز على كل واحدة ما يجوز على الخرى‪ ،‬ووجب لها ما وجب لها‪ ،‬فيلزم أن يجوز على‬
‫الخالق القديم الواجب بنفسه ما يجوز على المحدث المخلوق‪ ،‬من العدم والحاجة‪ ،‬وأن يثبت لهذا ما يثبت لذلك من‬
‫الوجوب والفناء‪ ،‬فيكون الشيء الواحد واجبًا بنفسه غير واجب بنفسه‪ ،‬موجودًا معدومًا‪ ،‬وذلك جمع بين النقيضين‪.‬‬

‫وهذا مما يعلم به بطلن قول المشبهة الذين يقولون‪ :‬بصر كبصري‪ ،‬أو يد كيدي ونحو ذلك‪ ،‬تعالى ال عن قولهم علوًا‬
‫كبيرًا‪.‬‬

‫وليس المقصود هنا استيفاء ما يثبت له ول ما ينزه عنه‪ ،‬واستيفاء طرق ذلك؛ لن هذا مبسوط في غير هذا الموضع‪،‬‬
‫وإنما المقصود هنا التنبيه على جوامع ذلك وطرقه‪.‬‬

‫وما سكت عنه السمع نفيًا وإثباتًا‪ ،‬ولم يكن في العقل ما يثبته ول ينفيه سكتنا عنه‪ ،‬فل نثبته ول ننفيه‪.‬‬

‫فنثبت ما علمنا ثبوته‪ ،‬وننفي ما علمنا نفيه‪ ،‬ونسكت عما ل نعلم نفيه ول إثباته‪ .‬وال أعلم‪.‬‬

‫القاعدة السابعة‪:‬‬

‫أن يقال‪ :‬إن كثيرا مما دل عليه [السمع] يعلم [بالعقل] أيضًا والقرآن يبين ما يستدل به العقل ويرشد إليه وينبه عليه;‬
‫كما ذكر ال ذلك في غير موضع‪.‬‬

‫فإنه سبحانه وتعالى‪ :‬بين من اليات الدالة عليه وعلى وحدانيته وقدرته وعلمه وغير ذلك‪ :‬ما أرشد العباد إليه ودلهم‬
‫عليه; كما بين أيضًا ما دل على نبوة أنبيائه; وما دل على المعاد وإمكانه‪.‬‬
‫فهذه المطالب هي شرعية من جهتين‪ :‬من جهة أن الشارع أخبر بها‪ .‬ومن جهة أنه بين الدلة العقلية التي يستدل بها‬
‫عليها والمثال المضروبة في القرآن هي [أقيسة عقلية] وقد بسط في غير هذا الموضع وهي أيضًا عقلية من جهة‬
‫أنها تعلم بالعقل أيضًا وكثير من أهل الكلم يسمي هذه [الصول العقلية] لعتقاده أنها ل تعلم إل بالعقل فقط فإن‬
‫السمع هو مجرد إخبار الصادق وخبر الصادق الذي هو النبي ل يعلم صدقه إل بعد العلم بهذه الصول بالعقل ثم إنهم‬
‫قد يتنازعون في الصول التي تتوقف إثبات النبوة عليها‪[ .‬فطائفة] تزعم‪ :‬أن تحسين العقل وتقبيحه داخل في هذه‬
‫الصول وأنه ل يمكن إثبات النبوة بدون ذلك ويجعلون التكذيب بالقدر مما ينفيه العقل و[طائفة] تزعم أن حدوث‬
‫العالم من هذه الصول‪ ,‬وأن العلم بالصانع ل يمكن إل بإثبات حدوثه وإثبات حدوثه ل يمكن إل بحدوث الجسام‪,‬‬
‫وحدوثها يعلم إما بحدوث الصفات‪ ,‬وإما بحدوث الفعال القائمة بها‪ ,‬فيجعلون نفي أفعال الرب‪ ,‬ونفي صفاته من‬
‫الصول التي ل يمكن إثبات النبوة إل بها‪ .‬ثم هؤلء ل يقبلون الستدلل بالكتاب والسنة على نقيض قولهم؛ لظنهم أن‬
‫العقل عارض السمع وهو أصله فيجب تقديمه عليه والسمع‪ ,‬إما أن يؤول‪ ,‬وإما أن يفوض‪ ,‬وهم أيضًا عند التحقيق ل‬
‫يقبلون الستدلل بالكتاب والسنة على وفق قولهم؛ لما تقدم وهؤلء يضلون من وجوه‪:‬‬

‫[منها]‪ :‬ظنهم أن السمع بطريق الخبر‪ ,‬تارة وليس المر كذلك؛ بل القرآن بين من الدلئل العقلية التي تعلم بها‬
‫المطالب الدينية ما ل يوجد مثله في كلم أئمة النظر‪ ,‬فتكون هذه المطالب‪ :‬شرعية عقلية‪.‬‬

‫[ومنها]‪ :‬ظنهم أن الرسول ل يعلم صدقه إل بالطريق المعينة التي سلكوها‪ ,‬وهم مخطئون قطعًا في انحصار طريق‬
‫تصديقه فيما ذكروه فإن طرق العلم بصدق الرسول كثيرة‪ ,‬كما قد بسط في غير هذا الموضع‪.‬‬

‫[ومنها]‪ :‬ظنهم أن تلك الطريق التي سلكوها صحيحة وقد تكون باطلة‪.‬‬

‫[ومنها]‪ :‬ظنهم أن ما عارضوا به السمع معلوم بالعقل‪ ,‬ويكونون غالطين في ذلك؛ فإنه إذا وزن بالميزان الصحيح‬
‫وجد ما يعارض الكتاب والسنة من المجهولت؛ ل من المعقولت‪ ,‬وقد بسط الكلم على هذا في غير هذا الموضع‬
‫والمقصود هنا‪ :‬أن من [صفات ال تعالى] ما قد يعلم بالعقل كما يعلم أنه عالم وأنه قادر وأنه حي؛ كما أرشد إلى ذلك‬
‫قوله‪َ{ :‬أ َل يَعَْل ُم مَنْ خَلَقَ} [الملك‪ .]14 :‬وقد اتفق النظار من مثبتة الصفات‪ :‬على أنه يعلم بالعقل عند المحققين أنه‬
‫حي؛ عليم؛ قدير؛ مريد؛ وكذلك السمع؛ والبصر والكلم‪ .‬يثبت بالعقل عند المحققين بل وكذلك الحب والرضا‬
‫والغضب‪ .‬يمكن إثباته بالعقل وكذلك علوه على المخلوقات ومباينته لها مما يعلم بالعقل كما أثبتته بذلك الئمة‪ :‬مثل‬
‫أحمد بن حنبل وغيره‪ .‬ومثل‪ :‬عبد العالي المكي وعبد ال بن سعيد بن كلب؛ بل وكذلك إمكان الرؤية‪ :‬يثبت بالعقل‪,‬‬
‫لكن منهم من أثبتها بأن كل موجود تصح رؤيته ومنهم من أثبتها بأن كل قائم بنفسه يمكن رؤيته‪.‬‬

‫وهذه الطريق أصح من تلك‪ ,‬وقد يمكن إثبات الرؤية بغير هذين الطريقين بتقسيم دائر بين النفي والثبات‪ ,‬كما يقال‪:‬‬
‫إن الرؤية ل تتوقف إل على أمور وجودية؛ فإن ما ل يتوقف إل على أمور وجودية يكون الموجود الواجب القديم‬
‫أحق به من الممكن المحدث‪ ,‬والكلم على هذه المور مبسوط في غير هذا الموضع‪.‬‬

‫والمقصود هنا أن من الطرق التي يسلكها الئمة ومن اتبعهم من نظار السنة في هذا الباب‪ ,‬أنه لو لم يكن موصوفا‬
‫بإحدى الصفتين المتقابلتين للزم اتصافه بالخرى؛ فلو لم يوصف بالحياة لوصف بالموت؛ ولو لم يوصف بالقدرة‬
‫لوصف بالعجز؛ ولو لم يوصف بالسمع والبصر والكلم؛ لوصف بالصمم والخرس والبكم‪ ,‬وطرد ذلك أنه لو لم‬
‫يوصف بأنه مباين للعالم لكان داخل فيه‪ .‬فسلب إحدى الصفتين المتقابلتين عنه يستلزم ثبوت الخرى‪ ,‬وتلك صفة‬
‫نقص ينزه عنها الكامل من المخلوقات‪ ,‬فتنزيه الخالق عنها أولى‪.‬‬

‫وهذه الطريق غير قولنا إن هذه صفات كمال يتصف بها المخلوق؛ فالخالق أولى فإن طريق إثبات صفات الكمال‬
‫بأنفسها‪ ,‬مغاير لطريق إثباتها بنفي ما يناقضها‪ ,‬وقد اعترض طائفة من النفاة على هذه الطريقة باعتراض مشهور‬
‫لبسوا به على الناس‪ ،‬حتى صار كثير من أهل الثبات يظن صحته‪ ,‬ويضعف الثبات به مثل ما فعل من فعل ذلك من‬
‫النظار حتى المادي أمسى مع أنه أصل قول القرامطة الباطنية وأمثالهم من الجهمية‪.‬‬

‫فقالوا‪ :‬القول بأنه لو لم يكن متصفًا بهذه الصفات‪ ,‬كالسمع والبصر والكلم مع كونه حيًا‪ :‬لكان متصفًا بما يقابلها‬
‫فالتحقيق فيه متوقف على بيان حقيقة [المتقابلين‪ ,‬وبيان أقسامهما]‬
‫فنقول‪:‬‬

‫وأما المتقابلن فل يجتمعان في شيء واحد من جهة واحدة‪ ,‬وهو إما أل يصح اجتماعهما في الصدق‪ ,‬ول في الكذب‪,‬‬
‫أو يصح ذلك في أحد الطرفين؛ ولنهما متقابلن بالسلب واليجاب وهو تقابل التناقض؛ والتناقض هو اختلف‬
‫القضيتين بالسلب واليجاب‪ ,‬على وجه ل يجتمعان في الصدق ول في الكذب لذاتيهما؛ كقولنا‪ :‬زيد حيوان زيد ليس‬
‫بحيوان‪ .‬ومن خاصة استحالة اجتماع طرفيه في الصدق والكذب‪ :‬أنه ل واسطة بين الطرفين ول استحالة لحد‬
‫الطرفين من جهة واحدة ول يصح اجتماعهما في الصدق ول في الكذب؛ إذ كون الموجود واجبا بنفسه وممكنا بنفسه‪.‬‬
‫ل يجتمعان ول يرتفعان فإذا جعلتم هذا التقسيم‪ :‬وهما [النقيضان ما ل يجتمعان ول يرتفعان]‪ .‬فهذان ل يجتمعان‪ ,‬ول‬
‫يرتفعان‪ ,‬وليس هما السلب واليجاب‪ ,‬فل يصح حصر النقيضين اللذين ل يجتمعان ول يرتفعان في السلب واليجاب‬
‫وحينئذ فقد ثبت وصفان شيئان ل يجتمعان ول يرتفعان؛ وهو خارج عن القسام الربعة على هذا فمن جعل الموت‬
‫معنى وجوديا‪ :‬فقد يقول إن كون الشيء ل يخلو من الحياة والموت هو من هذا الباب؛ وكذلك العلم والجهل والصمم‬
‫والبكم ونحو ذلك‪.‬‬

‫[الوجه الثاني]‪:‬‬

‫أن يقال‪ :‬هذا القسيم يتداخل؛ فإن العدم والملكة‪ :‬يدخل في السلب واليجاب وغايته أنه نوع منه والمتضايفان يدخلن‬
‫في المتضادين إنما هما نوع منه فإن قال‪ :‬أعني بالسلب واليجاب‪ :‬فل يدخل في العدم والملكة وهو أن يسلب عن‬
‫الشيء ما ليس بقابل له ولهذا جعل من خواصه أنه ل استحالة لحد طرفيه‪ .‬إلى آخره قيل له‪ :‬عن هذا جوابان‪:‬‬
‫أحدهما‪ :‬أن غاية هذا أن السلب ينقسم إلى نوعين‪ :‬أحدهما‪ :‬سلب ما يمكن اتصاف الشيء به والثاني‪ :‬سلب ما ل يمكن‬
‫اتصافه به‪ .‬فيقال‪ :‬الول إثبات ما يمكن اتصافه ول يجب والثاني‪ :‬إثبات ما يجب اتصافه به؛ فيكون المراد به سلب‬
‫ممتنع‪ .‬وإثبات الواجب‪ .‬كقولنا زيد حيوان فإن هذا إثبات واجب‪ ,‬وزيد ليس بحجر؛ فإن هذا سلب ممتنع‪ ,‬وعلى هذا‬
‫التقدير فالممكنات التي تقبل الوجود والعدم؛ كقولنا المثلث إما موجود وإما معدوم يكون من قسم العدم والملكة؛ وليس‬
‫كذلك؛ فإن ذلك القسم يخلو فيه الموصوف الواحد على المتقابلين جميعًا ول يخلو شيء من الممكنات عن الوجود‬
‫والعدم‪ .‬وأيضًا فإنه على هذا التقدير فصفات الرب كلها واجبة له فإذا قيل إما أن يكون حيًا‪ ,‬أو عليمًا‪ ,‬أو سميعًا‪ ,‬أو‬
‫بصيرًا‪ ,‬أو متكلمًا؛ أو ل يكون‪ :‬كان مثل قولنا‪ :‬إما أن يكون موجودًا؛ وإما أن ل يكون‪ ,‬وهذا متقابل تقابل السلب‬
‫واليجاب‪ ,‬فيكون الخر مثله‪ ,‬وبهذا يحصل المقصود‪.‬‬

‫فإن قيل‪ :‬هذا ل يصح حتى يعلم إمكان قبوله لهذه الصفات‪ ,‬قيل له هذا إنما اشتركا فيما أمكن أن يثبت له ويزول‬
‫كالحيوان؛ فأما الرب تعالى‪ :‬فإنه بتقدير ثبوتها له فهي واجبة ضرورة; فإنه ل يمكن اتصافه بها‪ ,‬وبعدمها باتفاق‬
‫العقلء‪ ,‬فإن ذلك يوجب أن يكون تارة حيًا وتارة ميتًا وتارة أصم وتارة سميعًا وهذا يوجب اتصافه بالنقائص; وذلك‬
‫منتف قطعًا؛ بخلف من نفاها وقال‪ :‬إن نفيها ليس بنقص لظنه أنه ل يقبل التصاف بها‪.‬‬

‫فإن من قال هذا ل يمكنه أن يقول‪ :‬إنه مع إمكان التصاف بها ل يكون نفيها نقصًا فإن فساد هذا معلوم بالضرورة‪.‬‬
‫وقيل له أيضًا‪ :‬أنت في تقابل السلب واليجاب إن اشترطت العلم بإمكان الطرفين‪ :‬لم يصح أن تقول واجب الوجود;‬
‫إما موجود وإما معدوم؛ والممتنع الوجود إما موجود وإما معدوم؛ لن أحد الطرفين هنا معلوم الوجود‪ ,‬والخر معلوم‬
‫المتناع‪ ,‬وإن اشترطت العلم بإمكان أحدهما صح أن تقول‪ :‬إما أن يكون حيًا وإما أل يكون; وإما أن يكون سميعًا‬
‫بصيرًا‪ ,‬وإما أن ل يكون؛ لن النفي إن كان ممكنًا صح التقسيم وإن كان ممتنعًا كان الثبات واجبًا وحصل المقصود؛‬
‫فإن قيل‪ :‬هذا يفيد أن هذا التأويل يقابل السلب واليجاب‪ ,‬ونحن نسلم ذلك‪ ,‬كما ذكر في العتراض؛ لكن غايته أنه إما‬
‫سميع وإما ليس بسميع‪ ,‬وإما بصير وإما ليس ببصير; والمنازع يختار النفي‪ .‬فيقال له‪ :‬على هذا التقدير‪ :‬فالمثبت‬
‫واجب؛ والمسلوب ممتنع‪ .‬فإما أن تكون هذه الصفات واجبة له‪ ,‬وإما أن تكون ممتنعة عليه‪ ,‬والقول بالمتناع ل وجه‬
‫له؛ إذ ل دليل عليه بوجه‪ .‬بل قد يقال‪ :‬نحن نعلم بالضطرار بطلن المتناع؛ فإنه ل يمكن أن يستدل على امتناع ذلك‬
‫إل بما يستدل به على إبطال أصل الصفات؛ وقد علم فساد ذلك‪ ,‬وحينئذ فيجب القول بوجوب هذه الصفات له‪ .‬واعلم‬
‫أن هذا يمكن أن يجعل طريقة مستقلة في إثبات صفات الكمال له‪ ,‬فإنها إما واجبة له‪ ,‬وإما ممتنعة عليه‪ ,‬والثاني باطل‪,‬‬
‫فتعين الول؛ لن كونه قابلً لها خاليًا عنها يقتضي أن يكون ممكنًا‪ ,‬وذلك ممتنع في حقه‪ ,‬وهذه طريقة معروفة لمن‬
‫سلكها من النظار‪.‬‬

‫[الجواب الثاني]‪:‬‬
‫أن يقال‪ :‬فعلى هذا إذا قلنا زيد إما عاقل‪ ,‬وإما غير عاقل‪ ,‬وإما عالم وإما ليس بعالم‪ ,‬وإما حي وإما غير حي‪ ,‬وإما‬
‫ناطق وإما غير ناطق‪ ،‬وأمثال ذلك مما فيه سلب الصفة عن محل قابل لها لم يكن هذا داخل في قسم تقابل السلب‬
‫واليجاب‪ ,‬ومعلوم أن هذا خلف المعلوم بالضرورة وخلف اتفاق العقلء‪ ,‬وخلف ما ذكروه في المنطق وغيره‪,‬‬
‫ومعلوم أن مثل هذه القضايا تتناقض بالسلب واليجاب على وجه يلزم منه صدق إحداهما كذب الخرى‪ ,‬فل يجتمعان‬
‫في الصدق والكذب‪ ,‬فهذه شروط التناقض موجود فيها‪ .‬وغاية فرقهم أن يقولوا إذا قلنا‪ :‬هو إما بصير وإما ليس‬
‫ببصير‪ :‬كان إيجابًا وسلبًا وإذا قلنا‪ :‬إما بصير؛ وإما أعمى‪ :‬كان ملكة وعدما وهذه منازعة لفظية‪ ,‬وإل فالمعنى في‬
‫الموضعين سواء‪ .‬فعلم أن ذلك نوع من تقابل السلب واليجاب وهذا يبطل قولهم في حد ذلك التقابل‪ ,‬أنه ل استحالة‬
‫لحد الطرفين إلى الخر فإن الستحالة هنا ممكنة كإمكانها إذا عبر بلفظ العمى‪.‬‬

‫[الوجه الثالث]‬

‫أن يقال‪ :‬التقسيم الحاصر أن يقال‪ :‬المتقابلن إما أن يختلفا بالسلب واليجاب‪ ,‬وإما أن ل يختلفا بذلك؛ بل يكونان‬
‫إيجابيين أو سلبيين‪ .‬فالول هو النقيضان‪ .‬والثاني إما أن يمكن خلو المحل عنهما وإما أن ل يمكن والول‪ :‬هما‬
‫الضدان كالسواد والبياض‪ .‬والثاني‪ :‬هما في معنى النقيضين‪ ,‬وإن كانا ثبوتيين كالوجوب والمكان والحدوث والقدم‬
‫والقيام بالنفس والقيام بالغير والمباينة والمجانبة‪ ,‬ونحو ذلك‪ .‬ومعلوم أن الحياة والموت والصمم والبكم والسمع‪ :‬ليس‬
‫مما إذا خل الموصوف عنهما وصف بوصف ثالث بينهما‪ ,‬كالحمرة بين السواد والبياض‪ ,‬فعلم أن الموصوف ل يخلو‬
‫عن أحدهما‪ ,‬فإذا انتفي تعين الخر‪.‬‬

‫[الوجه الرابع]‪:‬‬

‫المحل الذي ل يقبل التصاف بالحياة والعلم والقدرة والكلم ونحوها‪ ,‬أنقص من المحل الذي يقبل ذلك ويخلو عنها؛‬
‫ولهذا كان الحجر ونحوه‪ ,‬أنقص من الحي العمى‪ ,‬وحينئذ فإذا كان البارئ منزها عن نفي هذه الصفات؛ مع قبوله لها‬
‫فتنزيهه عن امتناع قبوله لها أولى وأحرى‪ ,‬إذ بتقدير قبوله لها يمتنع منع المتقابلين‪ ,‬واتصافه بالنقائص ممتنع‪ ,‬فيجب‬
‫اتصافه بصفات الكمال‪ ,‬وبتقدير عدم قبوله ل يمكن اتصافه ل بصفات الكمال‪ ،‬ول بصفات النقص‪ ,‬وهذا أشد امتناعًا‬
‫فثبت أن اتصافه بذلك ممكن‪ ,‬وأنه واجب له وهو المطلوب‪ .‬وهذا في غاية الحسن‬

‫[الوجه الخامس]‪:‬‬

‫أن يقال‪ :‬أنتم جعلتم تقابل العدم والملكة فيما يمكن اتصافه بثبوت‪ ,‬فإذا عنيتم بالمكان المكان الخارجي‪ ,‬هو أن يعلم‬
‫ثبوت ذلك في الخارج كان هذا باطل لوجهين‪- :‬‬

‫أحدهما‪ :‬أنه يلزمكم أن تكون الجامدات ل توصف بأنها ل حية ول ميتة ول ناطقة ول صامتة وهو قولكم لكن هذا‬
‫اصطلح محض وأل تصفوا هذه الجمادات بالموت والصمت وقد جاء القرآن بذلك‪ .‬قال تعالى‪{ :‬وَاّلذِينَ َيدْعُونَ مِن‬
‫ل لَ يَ ْخلُقُونَ َش ْيئًا وَ ُه ْم يُخَْلقُونَ}‪.‬‬
‫دُونِ ا ّ‬

‫{َأمْواتٌ َغيْرُ أَ ْحيَاء َومَا يَ ْشعُرُونَ َأيّا َن ُيبْ َعثُونَ} [النحل‪ .]21 :‬فهذا في الصنام وهي من الجمادات‪ ,‬وقد وصفت بالموت‪,‬‬
‫والعرب تقسم الرض إلى الحيوان والموتان‪ ,‬قال أهل اللغة‪ :‬الموتان بالتحريك خلف الحيوان يقال‪ :‬اشتر الموتان‪,‬‬
‫ول تشتر الحيوان‪ ,‬أي اشتر الرض والدور‪ ،‬ول تشتر الرقيق والدواب‪.‬‬

‫وقالوا أيضًا‪ :‬الموات ما ل روح فيه‪ ,‬فإن قيل‪ :‬فهذا إنما يسمى مواتًا باعتبار قوله [للحياة] التي هي إحياء الرض‪:‬‬
‫قيل وهذا يقتضي أن الحياة أعم من حياة الحيوان‪ ,‬وأن الجماد يوصف بالحياة‪ ,‬إذا كان قابل للزرع والعمارة؛‬
‫والخرس ضد النطق‪ ,‬والعرب تقول [لبن أخرس] أي خاثر ل صوت له في الناء‪[ ,‬وسحابة خرساء] ليس فيها رعد‬
‫ول برق‪[ ,‬وعلم أخرس] إذا لم يسمع له في الجبل صوت صدى‪ ,‬ويقال‪[ :‬كتيبة خرساء]‪.‬‬

‫قال أبو عبيدة‪ :‬هي التي صمتت من كثرة الدروع ليس له فقاقع‪ ,‬وأبلغ من ذلك الصمت والسكوت؛ فإنه يوصف به‬
‫القادر على النطق إذا تركه؛ بخلف الخرس‪ ,‬فإنه عجز عن النطق‪ .‬ومع هذا فالعرب تقول‪[ :‬ما له صامت ول ناطق]‬
‫فالصامت الذهب والفضة‪ ,‬والناطق البل والغنم‪ ,‬فالصامت من اللبن‪ :‬الخاثر‪ ,‬والصموت‪ :‬الدرع التي صمت إذا لم‬
‫يسمع له صوت‪.‬‬

‫ويقولون‪ :‬دابة عجماء وخرساء‪ ,‬لما ل تنطق‪ ,‬ول يمكن منها النطق في العادة‪ ,‬ومنه قول النبي صلى ال عليه وسلم‪( :‬‬
‫العجماء جبار) وكذلك في [العمياء] تقول العرب‪ :‬عمي الموج يعمي عما إذا رمى بالقذى والزبد‪ ،‬و[العميان] السيل‪,‬‬
‫والجمل الهائج‪ .‬وعمي عليه المر إذا التبس‪ ,‬ومنه قوله تعالى‪َ { :‬ف َعمِيَتْ عََل ْيهِمُ الَْنبَاء يَ ْو َم ِئذٍ َفهُ ْم َل َيتَسَاءلُونَ} [القصص‪:‬‬
‫‪.]66‬‬

‫وهذه المثلة قد يقال في بعضها إنه عدم ما يقبل المحل التصاف به كالصوت؛ ولكن فيها ما ل يقبل كموت الصنام‪.‬‬

‫الثاني‪ :‬أن الجامدات يمكن اتصافها بذلك‪ ,‬فإن ال سبحانه قادر أن يخلق في الجمادات حياة‪ ,‬كما جعل عصى موسى‬
‫حية تبتلع الحبال والعصي‪ ,‬وإذا [كان] في إمكان العادات‪ :‬كان ذلك مما قد علم بالتواتر‪ ,‬وأنتم أيضًا قائلون به في‬
‫مواضع كثيرة‪ ,‬وإذا كان الجمادات يمكن اتصافها بالحياة‪ ,‬وتوابع الحياة‪ ,‬ثبت أن جميع الموجودات يمكن اتصافها‬
‫بذلك‪ ,‬فيكون الخالق أولى بهذا المكان‪ ,‬وإن عنيتم المكان الذهني‪ ,‬وهو عدم العلم بالمتناع‪ ,‬فهذا حاصل في حق ال‪,‬‬
‫فإنه ل يعلم امتناع اتصافه بالسمع والبصر والكلم‪.‬‬

‫[الوجه السادس]‪:‬‬

‫أن يقال‪ :‬هب أنه ل بد من العلم بالمكان الخارجي‪ ,‬فإمكان الوصف للشيء يعلم تارة بوجوه له‪ ,‬أو بوجوده لنظيره‪,‬‬
‫أو بوجوده لما هو الشيء أولى بذلك منه‪ ,‬ومعلوم أن الحياة‪ ,‬والعلم‪ ,‬والقدرة‪ ,‬والسمع‪ ,‬والبصر‪ ,‬والكلم‪ ،‬ثابت‬
‫للموجودات المخلوقة‪ ,‬وممكن لها‪ ،‬فإمكانها للخالق تعالى أولى وأحرى؛ فإنها صفات كمال‪ .‬وهو قابل للتصاف‬
‫بالصفات؛ وإذا كانت ممكنة في حقه‪ ,‬فلو لم يتصف بها لتصف بأضدادها‪.‬‬

‫[الوجه السابع]‪:‬‬

‫أن يقال‪ :‬مجرد سلب هذه الصفات نقص لذاته‪ ,‬سواء سميت عمى‪ ,‬وصمما‪ ,‬وبكما‪ ,‬أو لم تسم‪ .‬والعلم بذلك ضروري‪,‬‬
‫فأما إذا قدرنا موجودين‪ ,‬أحدهما يسمع ويبصر ويتكلم‪ ,‬والخر ليس كذلك‪ :‬كان الول أكمل من الثاني‪ ,‬ولهذا عاب ال‬
‫صرُ َولَ ُي ْغنِي عَنكَ‬
‫سمَعُ َولَ ُيبْ ِ‬ ‫سبحانه من عبد ما تنتفي فيه هذه الصفات؛ فقال تعالى عن إبراهيم الخليل‪{ :‬لِ َم َت ْعبُ ُد مَا َ‬
‫ل يَ ْ‬
‫س َمعُونَكُمْ‬ ‫سأَلُو ُهمْ إِن كَانُوا يَنطِقُونَ} [النبياء‪ ]63 :‬وقال تعالى عنه‪{ :‬هَ ْ‬
‫ل يَ ْ‬ ‫ش ْيئًا} [مريم‪ .]42 :‬وقال أيضًا في قصته‪{ :‬فَا ْ‬
‫َ‬
‫لْ ْق َدمُونَ‪َ .‬فِإنّهُمْ‬
‫ك يَ ْفعَلُونَ‪ .‬قَالَ َأفَرََأ ْيتُم مّا كُنتُ ْم تَ ْعُبدُونَ‪ .‬أَنتُمْ وَآبَا ُؤكُ ُم ا َ‬
‫جدْنَا آبَاءنَا َكذَِل َ‬
‫ِإذْ َتدْعُونَ‪ .‬أَ ْو يَن َفعُو َنكُمْ أَ ْو يَضُرّونَ‪ .‬قَالُوا بَلْ َو َ‬
‫عدُوّ لّي ِإلّ َربّ ا ْلعَاَلمِينَ} [الشعراء‪ ]77 :72 :‬وكذلك في قصة موسى في العجل‪{ :‬أَلَ ْم يَ َروْاْ َأنّ ُه لَ ُيكَّل ُمهُمْ َو َ‬
‫ل َيهْدِيهِمْ‬ ‫َ‬
‫شيْءٍ وَهُوَ‬ ‫ل يَ ْقدِرُ عَلَىَ َ‬ ‫حدُ ُهمَا َأ ْبكَ ُم َ‬
‫ل َمثَلً رّجَُليْنِ أَ َ‬ ‫خذُوهُ َوكَانُواْ ظَاِلمِينَ} [العراف‪ .]148 :‬وقال تعالى‪َ { :‬وضَرَبَ ا ّ‬ ‫سبِيلً اتّ َ‬
‫َ‬
‫ط مّ ْستَقِيمٍ} [النحل‪ .]76 :‬فقابل بين‬ ‫ستَوِي هُوَ َومَن يَ ْأمُ ُر بِا ْل َعدْلِ وَهُوَ عَلَى صِرَا ٍ‬ ‫ل يَ ْ‬
‫خيْرٍ هَ ْ‬
‫ت بِ َ‬
‫ل يَأْ ِ‬
‫كَلّ عَلَى مَوْلهُ َأ ْي َنمَا يُوَجّه ّه َ‬
‫البكم العاجز‪ ,‬وبين المر بالعدل الذي هو على صراط مستقيم‪.‬‬

‫فصل‬

‫وأما الصل الثاني [وهو التوحيد في العبادات]‪ .‬المتضمن لليمان بالشرع والقدر جميعًا ‪ .‬فنقول‪ :‬ل بد من اليمان‬
‫بخلق ال وأمره فيجب اليمان بأن ال خالق كل شيء وربه ومليكه وأنه على كل شيء قدير وأنه ما شاء كان وما لم‬
‫يشأ لم يكن ول حول ول قوة إل بال وقد علم ما سيكون قبل أن يكون وقدر المقادير وكتبها حيث شاء كما قال تعالى‪:‬‬
‫لّ يَسِيرٌ} [الحج‪ .]70 :‬وفي الصحيح عن النبي‬ ‫ن ذَِلكَ عَلَى ا ِ‬‫ن ذَِلكَ فِي ِكتَابٍ إِ ّ‬
‫سمَاءِ وَالرض إِ ّ‬ ‫لّ َيعْلَ ُم مَا فِي ال ّ‬
‫{أََل ْم َتعْلَمْ أَنّ ا َ‬
‫صلى ال عليه وسلم أنه قال‪( :‬إن ال قدر مقادير الخلئق قبل أن يخلق السموات والرض بخمسين ألف سنة وكان‬
‫عرشه على الماء)‪ .‬ويجب اليمان بأن ال أمر بعبادته وحده ل شريك له كما خلق الجن والنس لعبادته وبذلك أرسل‬
‫رسله وأنزل كتبه وعبادته تتضمن كمال الذل والحب له وذلك يتضمن كمال طاعته {مَنْ يُطِعِ الرّسُو َل فَ َقدْ أَطَاعَ الَّ} [‬
‫ع بِِإذْنِ الِّ} [النساء‪ :‬من الية ‪ .]64‬وقال تعالى‪{ :‬قُلْ إِنْ‬ ‫النساء‪ .]80 :‬وقد قال تعالى‪َ { :‬ومَا َأرْسَ ْلنَا مِنْ َرسُولٍ ِإلّ ِليُطَا َ‬
‫ن َقبِْلكَ‬‫ل مَنْ أَ ْرسَ ْلنَا مِ ْ‬ ‫ح ِب ْبكُمُ الُّ َو َيغْفِرْ َل ُك ْم ذُنُو َبكُمْ} [آل عمران‪ :‬من الية ‪ .]31‬وقال تعالى‪{ :‬وَا ْ‬
‫سأَ ْ‬ ‫لّ فَا ّتبِعُونِي يُ ْ‬
‫حبّونَ ا َ‬ ‫ُكنْتُ ْم تُ ِ‬
‫ل نُوحِي إَِليْهِ َأنّ ُه ل إِلَهَ ِإلّ‬ ‫حمَنِ آِلهَ ًة ُي ْعبَدُونَ} [الزخرف‪َ { ،.]45 :‬ومَا َأرْسَ ْلنَا مِ ْ‬
‫ن َقبِْلكَ مِنْ َرسُولٍ ِإ ّ‬ ‫ن دُونِ الرّ ْ‬‫جعَ ْلنَا مِ ْ‬
‫مِنْ رُسُِلنَا أَ َ‬
‫ص ْينَا بِهِ ِإبْرَاهِيمَ‬
‫ح ْينَا إَِل ْيكَ َومَا وَ ّ‬ ‫عُبدُونِ} [النبياء‪ .]25 :‬وقال تعالى‪{ :‬شَ َرعَ َلكُ ْم مِ َ‬
‫ن الدّينِ مَا وَصّى بِهِ نُوحاً وَاّلذِي أَوْ َ‬ ‫َأنَا فَا ْ‬
‫َومُوسَى وَعِيسَى أَنْ َأقِيمُوا الدّينَ وَل َتتَفَ ّرقُوا فِيهِ َكبُرَ عَلَى ا ْلمُشْ ِركِي َن مَا َتدْعُو ُهمْ إَِليْهِ} [الشورى‪ :‬من الية ‪ .]13‬وقال تعالى‪:‬‬
‫علِيمٌ} [المؤمنون‪{ ،.]51 :‬وَإِنّ َهذِهِ ُأ ّم ُتكُمْ ُأمّةً وَا ِ‬
‫حدَةً وََأنَا َرّبكُمْ‬ ‫عمَلُوا صَالِحاً ِإنّي ِبمَا َت ْعمَلُونَ َ‬
‫طّيبَاتِ وَا ْ‬
‫ل كُلُوا مِنَ ال ّ‬
‫سُ‬‫{يَا َأّيهَا الرّ ُ‬
‫فَاتّقُونِ} [المؤمنون‪ .]52 :‬فأمر الرسل بإقامة الدين وأن ل يتفرقوا فيه ولهذا قال النبي صلى ال عليه وسلم في‬
‫الحديث الصحيح‪( :‬إنا معاشر النبياء ديننا واحد ‪ ،‬والنبياء إخوة لعلت وإن أولى الناس بابن مريم لنا ; إنه ليس‬
‫بيني وبينه نبي)‪ ,‬وهذا الدين هو دين السلم الذي ل يقبل ال دينًا غيره ل من الولين ول من الخرين فإن جميع‬
‫عَليْكُ ْم َمقَامِي َو َت ْذكِيرِي‬ ‫ن َكبُرَ َ‬‫ن كَا َ‬ ‫النبياء على دين السلم قال ال تعالى عن نوح {وَاتْلُ عََل ْيهِ ْم َنبََأ نُوحٍ ِإ ْذ قَالَ ِلقَ ْومِ ِه يَا قَوْمِ إِ ْ‬
‫ت َفأَ ْج ِمعُوا َأمْ َركُمْ وَشُ َركَا َءكُمْ} [يونس‪ :‬من الية ‪ .]71‬إلى قوله‪{ :‬وأمرت أن أكون من المسلمين } ‪.‬‬ ‫لّ تَ َوكّلْ ُ‬
‫لّ َفعَلَى ا ِ‬
‫بِآياتِ ا ِ‬
‫ل مَنْ سَفِ َه َنفْسَهُ } [البقرة‪ :‬من الية ‪ .]130‬إلى قوله ;{ِإ ْذ قَالَ لَهُ َربّهُ‬ ‫ن مِلّةِ ِإبْرَاهِيمَ ِإ ّ‬
‫غبُ عَ ْ‬ ‫وقال عن إبراهيم‪َ { :‬ومَنْ يَرْ َ‬
‫أَسِْل ْم قَالَ أَسَْلمْتُ ِلرَبّ ا ْلعَاَلمِينَ} [البقرة‪ .]132 ،131:‬إلى قوله‪{ :‬فَل َتمُوتُنّ ِإلّ وََأ ْنتُ ْم مُسِْلمُونَ} [البقرة‪ :‬من الية‪:‬‬
‫لّ َفعََليْ ِه تَ َوكّلُوا إِ ْن ُك ْنتُمْ ُمسِْلمِينَ} [يونس‪ .]84 :‬وقال في‬ ‫ن ُكنْتُ ْم آ َم ْنتُ ْم بِا ِ‬
‫ل مُوسَى يَا قَ ْومِ إِ ْ‬ ‫‪ .]132‬وقال عن موسى‪َ { :‬وقَا َ‬
‫خبر المسيح‪{ :‬وَِإذْ أَ ْو َحيْتُ إلى الْحَوَا ِريّينَ أَ ْن آ ِمنُوا بِي َوبِ َرسُولِي قَالُوا آ َمنّا وَا ْش َهدْ ِبَأنّنَا ُمسِْلمُونَ} [المائدة‪.]111 :‬وقال فيمن‬
‫حكُ ُم ِبهَا ال ّن ِبيّونَ اّلذِينَ أَسَْلمُوا لِّلذِينَ هَادُوا} [المائدة‪ :‬من الية‪ .]44 :‬وقال عن بلقيس أنها قالت‪َ { :‬ربّ‬ ‫تقدم من النبياء‪{ :‬يَ ْ‬
‫ت مَعَ سَُل ْيمَانَ لِّ رَبّ ا ْلعَاَلمِينَ} [النمل‪ :‬من الية‪ .]44 :‬فالسلم يتضمن الستسلم ل وحده; فمن‬ ‫ت نَفْسِي وَأَسَْلمْ ُ‬ ‫ِإنّي ظََل ْم ُ‬
‫استسلم له ولغيره كان مشركا ومن لم يستسلم له كان مستكبرا عن عبادته والمشرك به والمستكبر عن عبادته كافر‬
‫والستسلم له وحده يتضمن عبادته وحده وطاعته وحده‪ .‬فهذا دين السلم الذي ل يقبل ال غيره ; وذلك إنما يكون‬
‫بأن يطاع في كل وقت بفعل ما أمر به في ذلك الوقت ; فإذا أمر في أول المر باستقبال الصخرة ثم أمرنا ثانيا‬
‫باستقبال الكعبة‪ :‬كان كل من الفعلين حين أمر به داخلً في السلم فالدين هو الطاعة والعبادة له في الفعلين ; وإنما‬
‫تنوع بعض صور الفعل وهو وجه المصلى فكذلك الرسل دينهم واحد وإن تنوعت الشرعة والمنهاج والوجه والمنسك‬
‫; فإن ذلك ل يمنع أن يكون الدين واحدا كما لم يمنع ذلك في شريعة الرسول الواحد وال تعالى جعل من دين الرسل‪:‬‬
‫لّ مِيثَاقَ ال ّن ِبيّينَ َلمَا آ َت ْي ُتكُمْ‬ ‫أن أولهم يبشر بآخرهم ويؤمن به وآخرهم يصدق بأولهم ويؤمن به قال ال تعالى‪{ :‬وَِإذْ َأ َ‬
‫خذَ ا ُ‬
‫خ ْذتُمْ عَلَى ذَِلكُمْ ِإصْرِي قَالُوا َأ ْقرَ ْرنَا قَالَ‬
‫ن بِهِ وََل َتنْصُ ُرنّ ُه قَالَ َأَأقْرَ ْرتُمْ َوأَ َ‬
‫صدّقٌ ِلمَا َم َعكُمْ َلتُ ْؤمِنُ ّ‬
‫ل مُ َ‬
‫ح ْكمَ ٍة ثُمّ جَا َءكُمْ رَسُو ٌ‬
‫مِنْ ِكتَابٍ وَ ِ‬
‫فَا ْش َهدُوا وََأنَا َمعَكُ ْم مِنَ الشّا ِهدِينَ} [آل عمران‪ .]81 :‬قال ابن عباس‪ :‬لم يبعث ال نبيا إل أخذ عليه الميثاق لئن بعث‬
‫محمد وهو حي ليؤمنن به ولينصرنه وأمره أن يأخذ الميثاق على أمته لئن بعث محمد وهم أحياء ليؤمنن به ولينصرنه‬
‫حكُ ْم َبيْ َنهُ ْم ِبمَا َأنْزَلَ الُّ وَل َتّتبِعْ أَهْوَاءَ ُهمْ‬ ‫ن يَ َديْهِ مِنَ ا ْل ِكتَابِ َو ُم َهيْمِناً عََليْ ِه فَا ْ‬
‫صدّقاً ِلمَا َبيْ َ‬
‫ق مُ َ‬ ‫وقال تعالى‪{ :‬وََأنْزَ ْلنَا ِإَل ْيكَ ا ْل ِكتَا َ‬
‫ب بِا ْلحَ ّ‬
‫ك مِنَ ا ْلحَقّ ِلكُلّ َجعَ ْلنَا ِم ْنكُمْ ِشرْعَةً َو ِمنْهَاجاً} [المائدة‪ :‬من الية‪ .]48 :‬وجعل اليمان متلزما وكفر من قال‪ :‬إنه‬ ‫عمّا جَا َء َ‬ ‫َ‬
‫ن نُ ْؤمِنُ‬
‫ن يُ َف ّرقُوا َبيْنَ الِّ وَرُسُلِهِ َويَقُولُو َ‬ ‫آمن ببعض وكفر ببعض قال ال تعالى‪{ :‬إِنّ اّلذِينَ َيكْفُرُونَ بِالِّ وَ ُرسُلِهِ َويُرِيدُونَ أَ ْ‬
‫ِببَعْضٍ َو َنكْفُ ُر ِب َبعْضٍ َويُرِيدُونَ أَ ْن َيتّ ِخذُوا َبيْنَ ذَِلكَ َسبِيلً} [النساء‪{.]150:‬أُوَل ِئكَ هُمُ ا ْلكَافِرُونَ َحقّا} [النساء‪ :‬من الية‪:‬‬
‫حيَا ِة ال ّد ْنيَا َويَوْمَ‬
‫ي فِي ا ْل َ‬
‫ك ِمنْكُمْ ِإلّ خِزْ ٌ‬
‫ل ذَِل َ‬ ‫ن يَ ْفعَ ُ‬
‫جزَا ُء مَ ْ‬ ‫ض َفمَا َ‬ ‫ن بِ َبعْ ٍ‬ ‫ن ِب َبعْضِ ا ْل ِكتَابِ َو َتكْفُرُو َ‬ ‫‪ .]151‬وقال تعالى {َأ َفتُ ْؤمِنُو َ‬
‫شدّ ا ْل َعذَابِ } [البقرة‪ :‬من الية‪ .]85 :‬إلى قوله‪{ :‬تعملون} وقد قال لنا‪{ :‬قُولُوا آ َمنّا بِالِّ َومَا ُأنْزِلَ إَِل ْينَا‬ ‫ا ْل ِقيَامَةِ يُ َردّونَ إلى أَ َ‬
‫حدٍ‬
‫ق َبيْنَ أَ َ‬
‫ن مِنْ َرّبهِ ْم ل نُفَرّ ُ‬
‫ي مُوسَى وَعِيسَى َومَا أُوتِيَ ال ّنبِيّو َ‬ ‫سبَاطِ َومَا أُوتِ َ‬ ‫سحَاقَ َو َيعْقُوبَ وَالَْ ْ‬
‫سمَاعِيلَ وَإِ ْ‬
‫َومَا ُأنْ ِزلَ إلى ِإبْرَاهِيمَ وَإِ ْ‬
‫س َيكْفِيكَهُمُ الُّ وَهُوَ‬
‫ق فَ َ‬
‫شقَا ٍ‬
‫ن تَوَلّوْا فَِإّنمَا ُه ْم فِي ِ‬
‫ل مَا آ َم ْنتُ ْم بِ ِه فَ َقدِ ا ْه َتدَوْا وَإِ ْ‬ ‫ِمنْهُمْ َو َنحْنُ لَ ُه مُسِْلمُونَ} [البقرة‪{ .]136 :‬فَإِ ْ‬
‫ن آ َمنُوا ِبمِثْ ِ‬
‫ال ّسمِيعُ ا ْلعَلِيمُ} [البقرة‪ .]137 :‬فأمرنا أن نقول‪ :‬آمنا بهذا كله ونحن له مسلمون فمن بلغته رسالة محمد صلى ال عليه‬
‫وسلم فلم يقر بما جاء به لم يكن مسلما ول مؤمنا ; بل يكون كافرا وإن زعم أنه مسلم أو مؤمن ‪ .‬كما ذكروا أنه لما‬
‫أنزل ال تعالى‪َ {:‬ومَ ْن َيبْتَغِ َغيْرَ الِْسْل ِم دِينًا فَلَ ْن يُ ْقبَ َل ِمنْهُ وَ ُه َو فِي الْ ِخرَ ِة مِنَ الْخَاسِرِينَ} [آل عمران‪ .]85 :‬قالت اليهود‬
‫ت مَنِ ا ْستَطَاعَ إَِليْهِ َسبِيلً} [آل عمران‪ :‬من الية‪.]97 :‬‬ ‫والنصارى‪ :‬فنحن مسلمون‪ :‬فأنزل ال‪{ :‬وَلِّ عَلَى النّاسِ حِجّ ا ْل َبيْ ِ‬
‫فقالوا‪ :‬ل نحج فقال تعالى‪َ { :‬ومَ ْن كَ َف َر فَإِنّ الَّ َغنِيّ عَنِ ا ْلعَاَلمِينَ} [آل عمران‪ :‬من الية‪.]97 :‬فإن الستسلم ل ل يتم إل‬
‫بالقرار بما له على عباده من حج البيت ; كما قال صلى ال عليه وسلم‪( :‬بني السلم على خمس‪ :‬شهادة أن ل إله إل‬
‫ال ‪ ،‬وأن محمدا رسول ال ‪ ,‬وإقام الصلة ‪ ,‬وإيتاء الزكاة ‪ ,‬وصوم رمضان ‪ ,‬وحج البيت) ولهذا لما وقف النبي صلى‬
‫ال عليه وسلم بعرفة أنزل ال تعالى‪{ :‬ا ْليَوْمَ َأ ْكمَلْتُ َلكُ ْم دِي َنكُمْ وََأ ْت َممْتُ عََل ْيكُ ْم ِنعْ َمتِي وَ َرضِيتُ َلكُمُ الِْسْل َم دِيناً} [المائدة‪ :‬من‬
‫الية‪ .]3 :‬وقد تنازع الناس فيمن تقدم من أمة موسى وعيسى هل هم مسلمون أم ل؟ [وهو نزاع لفظي]‪ .‬فإن السلم‬
‫الخاص الذي بعث ال به محمدا صلى ال عليه وسلم المتضمن لشريعة القرآن‪ :‬ليس عليه إل أمة محمد صلى ال‬
‫عليه وسلم والسلم اليوم عند الطلق يتناول هذا وأما السلم العام المتناول لكل شريعة بعث ال بها نبيا فإنه يتناول‬
‫إسلم كل أمة متبعة لنبي من النبياء ورأس السلم مطلقا شهادة أن ل إله إل ال وبها بعث جميع الرسل كما قال‬
‫ج َت ِنبُوا الطّاغُوتَ} [النحل‪ :‬من الية‪ .]36 :‬وقال تعالى‪َ {:‬ومَا أَرْ َ‬
‫س ْلنَا مِنْ‬ ‫عبُدُوا الَّ وَا ْ‬ ‫تعالى‪{:‬وََل َقدْ َب َع ْثنَا فِي كُلّ ُأمّةٍ َرسُولً أَنِ ا ْ‬
‫عُبدُونِ} [النبياء‪ ]25 :‬وقال عن الخليل‪{ :‬وَِإ ْذ قَالَ ِإبْرَاهِي ُم َ‬
‫لِبِيهِ َوقَ ْومِهِ ِإّننِي‬ ‫ل نُوحِي إَِليْهِ َأنّهُ ل ِإلَهَ ِإلّ َأنَا فَا ْ‬
‫َقبِْلكَ مِنْ َرسُولٍ ِإ ّ‬
‫ط َرنِي فَِإنّهُ َس َي ْهدِينِ‪ .‬وَ َجعََلهَا كَِلمَ ًة بَا ِقيَ ًة فِي َع ِقبِهِ َلعَّل ُه ْم يَرْ ِجعُونَ} [الزخرف‪ .]28: 26 :‬وقال‬ ‫بَرَا ٌء ِممّا َت ْعبُدُونَ‪ِ .‬إلّ اّلذِي فَ َ‬
‫تعالى عنه {قَالَ َأ َفرََأ ْيتُ ْم مَا ُكنْتُ ْم َت ْعبُدُونَ‪َ .‬أ ْنتُمْ وَآبَا ُؤكُمُ ا َلْ ْقدَمُونَ‪ .‬فَِإّنهُمْ َعدُوّ لِي ِإلّ رَبّ ا ْلعَاَلمِينَ} [الشعراء‪ ]77 :75 :‬وقال‬
‫لّ كَفَ ْرنَا ِبكُمْ َو َبدَا بَ ْي َننَا‬
‫ن دُونِ ا ِ‬ ‫ن مِ ْ‬ ‫ن َمعَهُ ِإ ْذ قَالُوا ِلقَ ْو ِمهِمْ ِإنّا بُرَآ ُء ِمنْكُمْ َو ِممّا َت ْعبُدُو َ‬
‫سنَةٌ فِي ِإبْرَاهِيمَ وَاّلذِي َ‬ ‫تعالى‪َ { :‬ق ْد كَانَتْ َلكُمْ ُأسْوَةٌ َ‬
‫حَ‬
‫ك مِنْ رُسُِلنَا‬ ‫ن َقبِْل َ‬‫ل مَنْ َأرْسَ ْلنَا مِ ْ‬ ‫حدَهُ} [الممتحنة‪ :‬من الية‪ .]4 :‬وقال‪{ :‬وَاسَْأ ْ‬ ‫حتّى تُ ْؤ ِمنُوا بِالِّ َو ْ‬
‫َو َبيْ َنكُمُ ا ْل َعدَاوَةُ وَا ْل َبغْضَاءُ َأبَداً َ‬
‫أَ َجعَ ْلنَا مِ ْن دُونِ الرّ ْحمَنِ آِلهَةً ُي ْع َبدُونَ} [الزخرف‪ .]45 :‬وذكر عن رسله كنوح وهود وصالح وغيرهم أنهم قالوا لقومهم‬
‫غيْرُهُ} [العراف‪ :‬من الية‪ .]59 :‬وقال عن أهل الكهف {ِإّنهُ ْم ِفتْيَ ٌة آ َمنُوا بِ َرّبهِمْ وَ ِز ْدنَاهُمْ هُدىً‪.‬‬ ‫لّ مَا َل ُك ْم مِنْ ِإلَهٍ َ‬
‫عُبدُوا ا َ‬ ‫{ا ْ‬
‫طنَا عَلَى قُلُو ِبهِمْ ِإ ْذ قَامُوا فَقَالُوا َرّبنَا رَبّ ال ّسمَاوَاتِ وَالرض لَ ْن نَدْعُ َو مِ ْن دُونِهِ إلهًا لَ َق ْد قُ ْلنَا إِذاً شَطَطاً} [الكهف‪.]15 ،13:‬‬ ‫وَ َربَ ْ‬
‫ك بِهِ َو َيغْفِ ُر مَا دُونَ‬ ‫ن يُشْ َر َ‬ ‫لّ ل َيغْفِرُ أَ ْ‬ ‫لّ َكذِباً} [الكهف‪ ]15 :‬وقد قال سبحانه‪{ :‬إِنّ ا َ‬ ‫إلى قوله‪َ { :‬فمَنْ َأظْلَ ُم ِممّنِ ا ْفتَرَى عَلَى ا ِ‬
‫ذَِلكَ ِلمَ ْن يَشَاءُ} [النساء‪ :‬من الية‪ .]48 :‬ذكر ذلك في موضعين من كتابه وقد بين في كتابه الشرك بالملئكة والشرك‬
‫حبَارَهُمْ‬‫خذُوا أَ ْ‬ ‫بالنبياء والشرك بالكواكب والشرك بالصنام وأصل الشرك الشرك بالشيطان فقال عن النصارى‪{:‬اتّ َ‬
‫وَرُ ْهبَا َنهُمْ َأ ْربَابًا مِ ْن دُونِ الِّ وَا ْلمَسِي َح ابْنَ َم ْريَمَ َومَا ُأمِرُوا ِإلّ ِل َيعُْبدُوا إلهًا وَاحِدًا ل إِلَهَ ِإلّ هُوَ ُسبْحَانَهُ َعمّا يُشْ ِركُونَ} [التوبة‪31 :‬‬
‫ك مَا َيكُونُ لِي أَنْ‬ ‫سبْحَا َن َ‬‫لّ قَالَ ُ‬ ‫ن دُونِ ا ِ‬ ‫خذُونِي وَُأمّيَ إَِل َهيْنِ مِ ْ‬ ‫س اتّ ِ‬ ‫ت قُلْتَ لِلنّا ِ‬ ‫ن مَ ْريَمَ َأَأنْ َ‬ ‫]‪ .‬وقال تعالى‪{ :‬وَِإ ْذ قَالَ ا ُ‬
‫لّ يَا عِيسَى ابْ َ‬
‫ل مَا‬
‫سكَ ِإّنكَ َأنْتَ عَلّمُ ا ْل ُغيُوبِ‪ .‬مَا ُقلْتُ َلهُمْ ِإ ّ‬ ‫ت قُ ْلتُهُ َف َقدْ عَِل ْمتَ ُه َتعْلَ ُم مَا فِي نَ ْفسِي وَل أَعَْل ُم مَا فِي َنفْ ِ‬
‫ن ُكنْ ُ‬
‫حقّ إِ ْ‬
‫ل مَا َليْسَ لِي بِ َ‬‫َأقُو َ‬
‫حكْمَ وَال ّنبُوّةَ‬ ‫عبُدُوا الَّ َربّي وَ َرّبكُمْ } [المائدة‪ ]117، 116:‬وقال تعالى {مَا كَانَ ِلبَشَرٍ أَ ْ‬
‫ن يُ ْؤ ِتيَهُ الُّ ا ْل ِكتَابَ وَالْ ُ‬ ‫َأمَ ْر َتنِي بِهِ أَنِ ا ْ‬
‫خذُوا ا ْلمَل ِئكَةَ وَال ّن ِبيّينَ أَ ْربَاباً‬
‫ن تَتّ ِ‬ ‫عبَاداً لِي مِنْ دُونِ الِّ} [آل عمران‪ ]80 ،79 :‬إلى قوله {وَل يَ ْأمُ َركُمْ أَ ْ‬ ‫س كُونُوا ِ‬ ‫ثُ ّم يَقُولَ لِلنّا ِ‬
‫َأيَ ْأمُ ُركُ ْم بِا ْلكُفْ ِر َب ْعدَ ِإذْ َأ ْنتُ ْم مُسِْلمُونَ} [آل عمران‪ ]80:‬فبيين أن اتخاذ الملئكة والنبيين أربابًا كفر ومعلوم أن أحدًا من‬
‫الخلق لم يزعم أن النبياء والحبار والرهبان والمسيح بن مريم شاركوا ال في خلق السموات والرض بل ول زعم‬
‫أحد من الناس أن العالم له صانعان متكافئان في الصفات والفعال بل ول أثبت أحد من بني آدم إلهًا مساويًا ل في‬
‫جميع صفاته بل عامة المشركين بال مقرون بأنه ليس شريكه مثله بل عامتهم يقرون ان الشريك مملوك له سواء كان‬
‫ملكًا أو نبيًا أو كوكبًا أو صنمًا كما كان مشركوا العرب يقولون في تلبيتهم لبيك ل شريك لك ال شريكا هو لك تملكه‬
‫وما ملك فأهل رسول ال صلى ال عليه وسلم بالتوحيد وقال لبيك اللهم لبيك لبيك ل شريك لك لبيك إن الحمد والنعمة‬
‫لك والملك ل شريك لك وقد ذكر أرباب المقالت ما جمعوا من مقالت الولين والخرين في الملل والنحل والراء‬
‫والديانات فلم ينقلوا عن أحد إثبات شريك مشارك له في خلق جميع المخلوقات ول مماثل له في جميع الصفات بل من‬
‫أعظم ما نقلوا في ذلك قول الثنوية الذين يقولون بالصلين النور والظلمة وإن النور خلق الخير والظلمة خلقت الشر‬
‫ثم ذكروا لهم في الظلمة قولين أحدهما أنها محدثة فتكون من جملة المخلوقات له والثاني أنها قديمة لكنها لم تفعل إل‬
‫الشر فكانت ناقصة في ذاتها وصفاتها ومفعولتها عن النور وقد أخبر سبحانه عن المشركين من إقرارهم بأن ال‬
‫ن دُونِ الِّ‬ ‫لّ قُلْ َأفَرََأ ْيتُ ْم مَا َتدْعُونَ مِ ْ‬‫سمَاوَاتِ وَالَْ ْرضَ َليَقُولُنّ ا ُ‬ ‫خالق المخلوقات ما بينه في كتابه فقال‪{:‬وََلئِنْ َ‬
‫سأَ ْل َتهُ ْم مَنْ خَلَقَ ال ّ‬
‫ضرّهِ أو َأرَادَنِي بِ َر ْحمَةٍ هَلْ هُ ّن ُممْ ِسكَاتُ رَ ْح َمتِهِ ُقلْ حَ ْسبِيَ الُّ عََليْهِ َيتَ َوكّلُ ا ْل ُمتَ َوكّلُونَ} [‬ ‫شفَاتُ ُ‬ ‫ن كَا ِ‬‫ضرّ هَلْ هُ ّ‬
‫لّ بِ ُ‬
‫إِنْ أَرَا َدنِيَ ا ُ‬
‫سبْعِ‬ ‫سمَاوَاتِ ال ّ‬
‫ل مَنْ رَبّ ال ّ‬ ‫سيَقُولُونَ لِّ قُلْ َأفَل َت َذكّرُونَ‪ .‬قُ ْ‬ ‫ن ُك ْنتُ ْم َتعَْلمُون‪َ .‬‬‫الزمر‪ ،]38:‬وقال تعالى {قُلْ ِلمَنِ الَْ ْرضُ َومَنْ فِيهَا إِ ْ‬
‫وَ َربّ ا ْلعَرْشِ ا ْلعَظِيمِ‪َ .‬سيَقُولُونَ لِّ قُلْ َأفَل َتتّقُونَ} [لمؤمنون‪ .]87 :84 :‬إلى قوله {فَأَنّى ُتسْحَرُونَ} [المؤمنون‪ :‬من‬
‫سبْحَانَ الِّ‬‫علَى َبعْضٍ ُ‬ ‫ضهُمْ َ‬ ‫ب كُلّ إِلَ ٍه ِبمَا خَلَقَ وََلعَل َبعْ ُ‬‫ن َمعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذاً َلذَهَ َ‬‫لّ مِنْ وََلدٍ َومَا كَا َ‬ ‫الية‪ .]89:‬إلى قوله‪{ :‬مَا اتّ َ‬
‫خذَ ا ُ‬
‫َعمّا يَصِفُونَ} [المؤمنون‪ ]91:‬وقال { َومَا يُ ْؤمِنُ َأ ْكثَرُهُ ْم بِالِّ ِإلّ وَ ُه ْم مُشْ ِركُونَ} [يوسف‪ .]106:‬وبهذا وغيره يعرف ما‬
‫وقع من الغلط في مسمى التوحيد فإن عامة المتكلمين الذين يقررون التوحيد في كتب الكلم والنظر غايتهم أن يجعلوا‬
‫التوحيد ثلثة أنواع فيقولون هو واحد في ذاته ل قسيم له وواحد في صفاته ل شبيه له وواحد في أفعاله ل شريك له‬
‫وأشهر النواع الثلثة عندهم هو الثالث وهو توحيد الفعال وهو أن خالق العالم واحد وهم يحتجون على ذلك بما‬
‫يذكرونه من دللة التمانع وغيرها ويظنون أن هذا هو التوحيد المطلوب وأن هذا هو معنى قولنا ل اله ال ال حتى‬
‫يجعلوا معنى اللهية القدرة على الختراع ومعلوم أن المشركين من العرب الذين بعث اليهم محمد صلى ال عليه‬
‫وسلم أول لم يكونوا يخالفونه في هذا بل كانوا يقرون بأن ال خالق كل شىء حتى أنهم كانوا يقرون بالقدر أيضا وهم‬
‫مع هذا مشركون فقد تبين أن ليس في العالم من ينازع في أصل هذا الشرك ولكن غاية ما يقال‪ :‬إن من الناس من‬
‫جعل بعض الموجودات خلقا لغير ال كالقدرية وغيرهم لكن هؤلء يقرون بأن ال خالق العباد وخالق قدرتهم وإن‬
‫قالوا أنهم خلقوا أفعالهم وكذلك أهل الفلسفة والطبع والنجوم الذين يجعلون أن بعض المخلوقات مبدعة لبعض المور‬
‫هم مع القرار بالصانع يجعلون هذه الفاعلت مصنوعة مخلوقة ل يقولون انها غنية عن الخالق مشاركة له في الخلق‬
‫فأما من أنكر الصانع فذاك جاحد معطل للصانع كالقول الذي أظهر فرعون والكلم الن مع المشركين بال المقرين‬
‫بوجوده فإن هذا التوحيد الذي قرروه ل ينازعهم فيه هؤلء المشركون بل يقرون به مع انهم مشركون كما ثبت‬
‫بالكتاب والسنة والجماع وكما علم بالضطرار من دين السلم وكذك النوع الثاني وهو قولهم ل شبيه له في صفاته‬
‫فإنه ليس في المم من أثبت قديما مماثل له في ذاته سواء قال أنه يشاركه أو قال أنه ل فعل له بل شبه به شيئا من‬
‫مخلوقاته فإنما يشبهه به في بعض المور وقد علم بالعقل امتناع أن يكون له مثل في المخلوقات يشاركه فيما يجب أو‬
‫يجوز أو يمتنع عليه فإن ذلك يستلزم الجمع بين النقيضين كما تقدم وعلم أيضا بالعقل أن كل موجودين قائمين‬
‫بأنفسهما فلبد بينهما من قدر مشترك كإتفاقهما في مسمى الوجود والقيام بالنفس والذات ونحو ذلك فإن نفي ذلك‬
‫يقتضى التعطيل المحض وانه ل بد من إثبات خصائص الربوبية وقد تقدم الكلم على ذلك ثم إن الجهمية من المعتزلة‬
‫وغيرهم أدرجوا نفي الصفات في مسمى التوحيد فصار من قال ان ل علما أو قدرة أو أنه يرى في الخرة أو أن‬
‫القرآن كلم ال منزل غير مخلوق يقولون أنه مشبه ليس بموحد‪.‬‬

‫وزاد عليهم غلة الفلسفة والقرامطة فنفوا أسماءه الحسنى وقالوا من قال إن ال عليم قدير عزيز حكيم فهو مشبه‬
‫ليس بموحد وزاد عليهم غلة الغلة وقالوا ل يوصف بالنفي و ل الثبات لن في كل منهما تشبيها له وهؤلء كلهم‬
‫وقعوا من جنس التشبيه فيما هو شر مما فروا منه فإنهم شبهوه بالممتنعات والمعدومات والجمادات فرارا من تشبيهم‬
‫بزعمهم له بالحياء ومعلوم ان هذه الصفات الثابتة ل ل تثبت له على حد ما يثبت لمخلوق أصلً وهو سبحانه وتعالى‬
‫ليس كمثله شيء ل في ذاته ول في صفاته ول في أفعاله فل فرق بين إثبات الذات وإثبات الصفات فإذا لم يكن في‬
‫إثبات الذات إثبات مماثلة للذوات لم يكن في إثبات الصفات إثبات مماثلة له في ذلك فصار هؤلء الجهمية المعطلة‬
‫يجعلون هذا توحيدا ويجعلون مقابل ذلك التشبيه ويسمون نفوسهم الموحدين وكذلك النوع الثالث وهو قولهم هو واحد‬
‫ل قسيم له في ذاته أو ل جزء له أو ل بعض له لفظ مجمل فان ال سبحانه احد صمد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا‬
‫احد فيمتنع عليه ان يتفرق أو يتجزأ أو يكون قد ركب من أجزاء لكنهم يدرجون في هذا اللفظ نفي علوه على عرشه‬
‫ومباينته لخلقه وامتيازه عنهم ونحو ذلك من المعانى المستلزمة لنفيه وتعطيله ويجعلون ذلك من التوحيد‪.‬‬

‫فقد تبين أن ما يسمونه توحيدا فيه ما هو حق وفيه ما هو باطل ولو كان جميعه حقا فإن المشركين إذا أقروا بذلك كله‬
‫لم يخرجوا من الشرك الذي وصفهم به في القرآن وقاتلهم عليه الرسول صلى ال عليه وسلم بل ل بد أن يعترفوا أنه‬
‫ل إله إل ال وليس المراد بالله هو القادر على الختراع كما ظنه من ظنه من أئمة المتكلين حيث ظن أن اللهية هي‬
‫القدرة على الختراع دون غيره وأن من أقر بأن ال هو القادر على الختراع دون غيره فقد شهد أن ل إله إل هو‬
‫فإن المشركين كانوا يقرون بهذا وهم مشركون كما تقدم بيانه بل الله الحق هو الذي يستحق بأن يعبد فهو إله بمعنى‬
‫مألوه ل إله بمعنى آله والتوحيد أن يعبد ال وحده ل شريك له والشراك أن يجعل مع ال إلهًا آخر وإذا تبين أن غاية‬
‫ما يقرره هؤلء النظار أهل الثبات للقدر المنتسبون إلى السنة إنما هو توحيد الربوبية وأن ال رب كل شيء ومع‬
‫هذا فالمشركون كانوا مقرين بذلك مع انهم مشركون وكذلك طوائف من اهل التصوف والمنتسبين إلى المعرفة‬
‫والتحقيق والتوحيد غاية ما عندهم من التوحيد هو شهود هذا التوحيد وأن يشهد أن ال رب كل شيء ومليكه وخالقه ل‬
‫سيما اذا غاب العارف بموجوده عن وجوده وبمشهوده عن شهوده وبمعروفه عن معرفته ودخل في فناء توحيد‬
‫الربوبية بحيث يفنى من لم يكن ويبقى من لم يزل فهذا عندهم هو الغاية التي ل غاية وراءها ومعلوم أن هذا هو‬
‫تحقيق ما أقر به المشركون من التوحيد ول يصير الرجل بمجرد هذا التوحيد مسلما فضل عن أن يكون وليا ل أو من‬
‫سادات الولياء وطائفة من أهل التصوف والمعرفة يقررون هذا التوحيد مع إثبات الصفات فيفنون في توحيد الربوبية‬
‫مع اثبات الخالق للعالم المباين لمخلوقاته وآخرون يضمون هذا إلى نفي الصفات فيدخلون في التعطيل مع هذا وهذا‬
‫شر من حال كثير من المشركين وكان جهم ينفي الصفات ويقول بالجبر فهذا تحقيق قول جهم لكنه اذا اثبت المر‬
‫والنهي والثواب والعقاب فارق المشركين من هذا الوجه لكن جهما ومن اتبعه يقول بالرجاء فيضعف المر والنهي‬
‫والثواب والعقاب عنده والنجارية والضرارية وغيرهم يقربون من جهم في مسائل القدر واليمان مع مقاربتهم له‬
‫أيضا في نفي الصفات‪.‬‬

‫والكلبية والشعرية خير من هؤلء في باب الصفات فإنهم يثبتون ل الصفات العقلية وأئمتهم يثبتون الصفات‬
‫الخبرية في الجملة كما فصلت أقوالهم في غير هذا الموضع وأما في باب القدر ومسائل السماء والحكام فأقوالهم‬
‫متقاربة والكلبية هم أتباع أبى محمد عبد ال بن سعيد بن كلب الذي سلك الشعرى خطته وأصحاب ابن كلب‬
‫كالحارث المحاسبى وأبى العباس القلنسي ونحوهما خير من الشعرية في هذا وهذا فكلما كان الرجل إلى السلف‬
‫والئمة أقرب كان قوله أعلى وأفضل والكرامية قولهم في اليمان قول منكر لم يسبقهم اليه أحد حيث جعلوا اليمان‬
‫قول اللسان وان كان مع عدم تصديق القلب فيجعلون المنافق مؤمنا لكنه يخلد في النار فخالفوا الجماعة في السم دون‬
‫الحكم وأما في الصفات والقدر والوعيد فهم اشبه من اكثر طوائف الكلم التي في أقوالها مخالفة للسنة وأما المعتزلة‬
‫فهم ينفون الصفات ويقاربون قول جهم لكنهم ينفون القدر فهم وإن عظموا المر والنهي والوعد والوعيد وغلو فيه‬
‫فهم يكذبون بالقدر ففيهم نوع من الشرك من هذا الباب والقرار بالمر والنهي والوعد والوعيد مع إنكار القدر خير‬
‫من القرار بالقدر مع إنكار المر والنهي والوعد والوعيد ولهذا لم يكن في زمن الصحابة والتابعين من ينفي المر‬
‫والنهي والوعد والوعيد وكان قد نبغ فيهم القدرية كما نبغ فيهم الخوارج الحرورية وإنما يظهر من البدع أول ما كان‬
‫أخفى وكلما ضعف من يقوم بنور النبوة قويت البدعة‪.‬‬

‫فهؤلء المتصوفون‪ .‬الذين يشهدون الحقيقة الكونية مع إعراضهم عن المر والنهي‪ ،‬شر من القدرية المعتزلة‬
‫ل آبَا ُؤنَا َولَ حَ ّر ْمنَا مِن‬ ‫ونحوهم‪ .‬أولئك يشبهون المجوس وهؤلء يشبهون المشركين‪ ،‬الذين قالوا‪{ :‬لَوْ شَاء ا ّ‬
‫ل مَا َأشْ َر ْكنَا َو َ‬
‫يءٍ} [النعام‪ ، ]148 :‬والمشركون شر من المجوس‪ .‬فهذا أصل عظيم‪ ،‬على المسلم أن يعرفه‪ ،‬فإنه أصل السلم‬ ‫شَ ْ‬
‫الذي يتميز به أهل اليمان من أهل الكفر‪ ،‬وهو اليمان بالوحدانية والرسالة‪ :‬شهادة أن ل إله إل ال‪ ،‬وأن محمدًا‬
‫رسول ال‪.‬‬

‫وقد وقع كثير من الناس في الخلل بحقيقة هذين الصلين‪ ،‬أو أحدهما‪ ،‬مع ظنه أنه في غاية التحقيق والتوحيد‪،‬‬
‫والعلم والمعرفة‪.‬‬

‫فإقرار المشرك بأن ال رب كل شىء‪،‬ومليكه وخالقه‪ ،‬ل ينجيه من عذاب ال‪ ،‬إن لم يقترن به إقراره بأنه ل إله إل‬
‫ال‪ ،‬فل يستحق العبادة أحد إل هو‪ ،‬وأن محمدًا رسول ال‪ ،‬فيجب تصديقه فيما أخبر‪ ،‬وطاعته فيما أمر‪ ،‬فل بد من‬
‫الكلم في هذين الصلين‪:‬‬

‫الصل الول‪ :‬توحيد اللهية‪:‬‬

‫فإنه ـ سبحانه ـ أخبر عن المشركين ـ كما تقدم ‪ -‬بأنهم أثبتوا وسائط بينهم وبين ال‪ ،‬يدعونهم ويتخذونهم شفعاء بدون‬
‫ل َيعْلَمُ‬
‫ل ِبمَا َ‬
‫ل قُلْ َأ ُت َنّبئُونَ ا ّ‬
‫ل يَن َف ُعهُمْ َويَقُولُونَ هَـؤُلء شُ َفعَا ُؤنَا عِندَ ا ّ‬
‫ل مَا لَ َيضُرّهُمْ َو َ‬ ‫إذن ال‪ ،‬قال تعالى‪َ { :‬و َي ْعبُدُو َ‬
‫ن مِن دُونِ ا ّ‬
‫فِي ال ّسمَاوَاتِ َو َل فِي الرض ُسبْحَانَهُ وَتعالى َعمّا يُشْ ِركُونَ} [يونس‪ ،.]18 :‬فأخبر أن هؤلء الذين اتخذوا هؤلء شفعاء‬
‫مشركون‪.‬‬

‫ل ُتغْنِ‬ ‫حمَن بِضُ ّر ّ‬ ‫خذُ مِن دُونِهِ آِلهَةً إِن يُ ِردْنِ الرّ ْ‬ ‫جعُونَ أََأتّ ِ‬ ‫عُبدُ اّلذِي َفطَ َرنِي وَإَِليْ ِه تُ ْر َ‬ ‫وقال تعالى عن مؤمن يس‪َ { :‬ومَا لِي لَ أَ ْ‬
‫س َمعُونِ} [يس‪ ،.]22-25 :‬وقال تعالى‪{ :‬وَلَ َقدْ‬ ‫ت بِ َرّبكُ ْم فَا ْ‬
‫ل ّمبِينٍ ِإنّي آمَن ُ‬ ‫ل يُن ِقذُونِ ِإنّي ِإذًا لّفِي ضَلَ ٍ‬ ‫ش ْيئًا َو َ‬ ‫ع ُتهُمْ َ‬
‫شفَا َ‬
‫عنّي َ‬ ‫َ‬
‫ع ْمتُمْ َأّنهُ ْم فِيكُمْ شُ َركَاء َلقَد‬‫ش َفعَاء ُكمُ اّلذِينَ زَ َ‬
‫ظهُو ِركُمْ َومَا نَرَى َم َعكُمْ ُ‬ ‫ل مَرّةٍ َوتَ َر ْكتُم مّا خَوّ ْلنَاكُمْ وَرَاء ُ‬ ‫ج ْئ ُتمُونَا فُرَادَى َكمَا خََل ْقنَاكُمْ َأوّ َ‬ ‫ِ‬
‫تّقَطّ َع َب ْينَكُمْ َوضَلّ عَنكُم مّا كُنتُ ْم تَزْ ُعمُونَ} [النعام‪ ،.]94 :‬فأخبر ـ سبحانه ـ عن شفعائهم أنهم زعموا أنهم فيهم شركاء‪،‬‬
‫سمَاوَاتِ‬ ‫جمِيعًا لّ ُه مُ ْلكُ ال ّ‬
‫ن قُل لِّ الشّفَاعَةُ َ‬ ‫ل َيعْقِلُو َ‬ ‫ش ْيئًا َو َ‬
‫ل َيمِْلكُونَ َ‬ ‫ش َفعَاء ُقلْ أَوَلَ ْو كَانُوا َ‬‫خذُوا مِن دُونِ الِّ ُ‬ ‫وقال تعالى‪{ :‬أَ ِم اتّ َ‬
‫وَالرض ثُمّ إَِليْهِ تُ ْر َجعُونَ} [الزمر‪ ،.]44 ،43 :‬وقال تعالى‪{ :‬مَا َلكُم مّن دُونِهِ مِن وَِليّ َولَ شَفِيعٍ} [السجدة‪ ،.]4 :‬وقال‬
‫شفِيعٌ} [النعام‪ ،.]51 :‬وقال تعالى‪{ :‬مَن ذَا‬ ‫تعالى‪{ :‬وَأَنذِ ْر بِهِ اّلذِينَ يَخَافُونَ أَن يُحْشَرُواْ إلى َرّبهِمْ َليْسَ َلهُم مّن دُونِهِ َولِيّ َولَ َ‬
‫سبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ‬ ‫ل يَ ْ‬
‫عبَا ٌد ّمكْ َرمُونَ َ‬ ‫سبْحَانَهُ بَلْ ِ‬ ‫حمَنُ وََلدًا ُ‬ ‫خذَ الرّ ْ‬ ‫ل بِِإذْنِهِ} [البقرة‪ .]255 :‬وقال تعالى‪َ { :‬وقَالُوا اتّ َ‬ ‫ع ْندَهُ ِإ ّ‬
‫اّلذِي يَشْفَعُ ِ‬
‫وَهُم بَِأ ْمرِ ِه َيعْمَلُو َن َيعْلَ ُم مَا َبيْنَ َأيْدِيهِمْ َومَا خَلْ َفهُمْ َولَ يَ ْش َفعُونَ ِإلّ ِلمَنِ ا ْرتَضَى وَهُم مّنْ خَ ْش َيتِ ِه مُشْ ِفقُونَ} [النبياء‪،.]28 -26 :‬‬
‫ت َل ُت ْغنِي شَفَا َعُتهُمْ َش ْيئًا ِإ ّل مِن َب ْعدِ أَن َي ْأذَنَ الُّ ِلمَن يَشَاء َويَ ْرضَى} [النجم‪،.]26 :‬‬ ‫سمَاوَا ِ‬‫وقال تعالى‪َ { :‬وكَم مّن مَّلكٍ فِي ال ّ‬
‫سمَاوَاتِ َولَ فِي الرض َومَا َلهُ ْم فِي ِهمَا مِن شِ ْركٍ َومَا‬ ‫ل ذَرّ ٍة فِي ال ّ‬ ‫ن ِمثْقَا َ‬‫لّ لَ َيمِْلكُو َ‬
‫ع ْمتُم مّن دُونِ ا ِ‬ ‫ل ادْعُوا اّلذِينَ زَ َ‬ ‫وقال تعالى‪{ :‬قُ ِ‬
‫ع ْمتُم مّن دُونِهِ فَلَ‬ ‫ل ادْعُواْ اّلذِينَ زَ َ‬ ‫ل تَنفَعُ الشّفَاعَةُ عِندَهُ ِإلّ ِلمَنْ َأذِنَ لَهُ} [سبأ‪ ،.]23 ،22 :‬وقال تعالى‪{ :‬قُ ِ‬ ‫ظهِيرٍ َو َ‬ ‫لَ ُه ِم ْنهُم مّن َ‬
‫عذَابَهُ إِنّ‬ ‫حمَتَهُ َويَخَافُونَ َ‬ ‫ن َيبْ َتغُونَ إلى َرّبهِمُ الْوَسِيلَةَ َأّيهُمْ َأ ْقرَبُ َويَ ْرجُونَ َر ْ‬ ‫ن يَدْعُو َ‬ ‫حوِيلً أُولَـ ِئكَ اّلذِي َ‬
‫شفَ الضّرّ عَنكُمْ َولَ تَ ْ‬ ‫َيمِْلكُونَ كَ ْ‬
‫ك كَا َن مَ ْحذُورًا} [السراء‪.]57 ،56 :‬‬ ‫عذَابَ َرّب َ‬‫َ‬

‫قال طائفة من السلف‪ :‬كان قوم يدعون العزير والمسيح والملئكة‪ ،‬فأنزل ال هذه الية‪ ،‬يبين فيها أن الملئكة‬
‫والنبياء يتقربون إلى ال ويرجون رحمته ويخافون عذابه‪.‬‬

‫ومن تحقيق التوحيد‪ :‬أن يعلم أن ال ـ تعالى ـ أثبت له حقًا ل يشركه فيه مخلوق‪ ،‬كالعبادة والتوكل‪ ،‬والخوف والخشية‪،‬‬
‫خذُولً} [السراء‪ ،.]22 :‬وقال تعالى‪ِ{ :‬إنّا أَنزَ ْلنَا إَِل ْيكَ‬ ‫جعَل مَعَ الّ إلهًا آخَ َر َف َت ْقعُ َد َمذْمُومًا مّ ْ‬ ‫والتقوى‪ ،‬كما قال تعالى‪ّ { :‬‬
‫ل تَ ْ‬
‫لّ مُ ْخلِصًا لّ ُه الدّينَ} [الزمر‪:‬‬ ‫لّ مُخِْلصًا لّ ُه الدّينَ } [الزمر‪ ،.]2 :‬وقال تعالى‪{ :‬قُلْ ِإنّي ُأمِ ْرتُ أَنْ أَ ْ‬
‫عُبدَ ا َ‬ ‫عبُدِ ا َ‬
‫ق فَا ْ‬
‫ب بِالْحَ ّ‬
‫ا ْل ِكتَا َ‬
‫لّ َت ْأمُرُونّي أَ ْعُبدُ َأّيهَا الْجَا ِهلُونَ} إلى قوله‪{ :‬الشاكرين} [الزمر‪ ،.]64-66 :‬وكل من‬ ‫‪ ،.]11‬وقال تعالى‪{ :‬قُلْ َأ َف َغيْرَ ا ِ‬
‫ل مَا َلكُم مّنْ إِلَـهٍ َغيْرُهُ} [هود‪.]61 :‬‬ ‫عبُدُواْ ا ّ‬ ‫الرسل يقول لقومه‪{ :‬ا ْ‬
‫ل َفتَ َوكّلُواْ إِن كُنتُم مّ ْؤ ِمنِينَ} [المائدة‪{ ،.]23 :‬وَعَلَى ا ّ‬
‫ل فَ ْليَتَ َوكّلِ ا ْلمُ ْؤ ِمنُونَ} [المائدة‪:‬‬ ‫وقد قال تعالى في التوكل‪{ :‬وَعَلَى ا ّ‬
‫سبِيَ الُّ عََليْ ِه يَتَ َوكّلُ ا ْل ُمتَ َوكّلُونَ} [الزمر‪ ،.]38 :‬وقال تعالى‪{ :‬وَلَوْ َأّنهُمْ َرضُوْ ْا مَا آتَاهُمُ الّ وَرَسُولُهُ‬
‫حْ‬ ‫‪ .]11‬وقال‪{ :‬قُلْ َ‬
‫ل مِن َفضْلِهِ وَ َرسُولُهُ ِإنّا إلى الّ رَا ِغبُونَ} [التوبة‪.]59 :‬‬ ‫سيُ ْؤتِينَا ا ّ‬
‫سبُنَا الّ َ‬
‫حْ‬‫َوقَالُواْ َ‬

‫فقال في التيان‪{ :‬مَا آتَا ُهمُ الّ وَ َرسُولُهُ}‪ ،‬وقال في التوكل‪َ { :‬وقَالُواْ حَ ْسُبنَا الّ} ولم يقل‪ :‬ورسوله؛ لن التيان هو‬
‫العطاء الشرعي‪ ،‬وذلك يتضمن الباحة والحلل‪ ،‬الذي بلغه الرسول‪ ،‬فإن الحلل ما أحله‪ ،‬والحرام ما حرمه‪،‬‬
‫والدين ما شرعه‪ ،‬قال تعالى‪َ { :‬ومَا آتَا ُكمُ الرّسُو ُل فَ ُخذُوهُ َومَا نَهَا ُكمْ َعنْهُ فَان َتهُوا } [الحشر‪.]7 :‬‬

‫خشَوْهُمْ‬ ‫ج َمعُواْ َلكُ ْم فَا ْ‬


‫س َقدْ َ‬ ‫وأما الحسب فهو الكافي‪ ،‬وال وحده كافٍ عبده‪ ،‬كما قال تعالى‪{ :‬اّلذِي َ‬
‫ن قَالَ َل ُهمُ النّاسُ إِنّ النّا َ‬
‫س ُبنَا الّ َو ِنعْمَ الْ َوكِيلُ} [آل عمران‪ ،.]173 :‬فهو وحده حسبهم كلهم‪ ،‬وقال تعالى‪{ :‬يَا َأّيهَا ال ّنبِيّ‬ ‫فَزَادَهُمْ إِيمَاناً َوقَالُواْ حَ ْ‬
‫حَ ْسُبكَ الّ َومَ ِن اّت َب َعكَ مِنَ ا ْلمُ ْؤ ِمنِينَ} [النفال‪ ،.]64 :‬أي حسبك وحسب من اتبعك من المؤمنين هو ال‪ ،‬فهو كافيكم‬
‫كلكم‪ ،‬وليس المراد أن ال والمؤمنين حسبك‪ ،‬كما يظنه بعض الغالطين؛ إذ هو وحده كافٍ نبيه‪ ،‬وهو حسبه‪ ،‬ليس معه‬
‫من يكون هو وإياه حسبا للرسول‪ ،‬وهذا في اللغة كقول الشاعر‪:‬‬

‫فحسبك والضحاك سيف مهند **‬

‫وتقول العرب‪ :‬حسبك وزيدًا درهم‪ ،‬أي يكفيك وزيدًا جميعًا درهم‪.‬‬

‫وقال في الخوف والخشية والتقوى‪َ { :‬ومَن يُطِعِ الَّ َورَسُولَهُ َو َيخْشَ الَّ َو َيتّقْ ِه َفأُوَْل ِئكَ ُهمُ ا ْلفَائِزُونَ} [النور‪ .]52 :‬فأثبت‬
‫الطاعة ل والرسول‪ ،‬وأثبت الخشية والتقوى ل وحده‪ ،‬كما قال نوح ـ عليه السلم‪ِ{ :‬إنّي َلكُ ْم َنذِيرٌ ّمبِينٌ أَنِ ا ْ‬
‫عبُدُوا الَّ‬
‫وَاتّقُوهُ وَأَطِيعُونِ} [نوح‪ ،.]3 ،2 :‬فجعل العبادة والتقوى ل وحده‪ ،‬وجعل الطاعة للرسول‪ ،‬فإنه من يطع الرسول فقد‬
‫أطاع ال‪.‬‬

‫وقد قال تعالى‪{ :‬فَلَ َتخْشَوُاْ النّاسَ وَاخْشَوْنِ} [المائدة‪ ،.]44 :‬وقال تعالى‪{ :‬فَلَ َتخَافُو ُهمْ وَخَافُونِ إِن كُنتُم مّ ْؤ ِمنِينَ} [آل‬
‫ل بِهِ عََل ْيكُمْ‬
‫ل مَا لَ ْم ُينَزّ ْ‬
‫ل تَخَافُونَ َأنّكُمْ أَشْ َر ْكتُم بِا ّ‬
‫ف مَا َأشْ َر ْكتُمْ َو َ‬‫عمران‪ ،.]175 :‬وقال الخليل ـ عليه السلم‪َ { :‬و َكيْفَ أَخَا ُ‬
‫ظلْمٍ أُوْلَـ ِئكَ َلهُمُ ا َلمْنُ وَهُم ّمهْ َتدُونَ} [النعام‪:‬‬ ‫ن آ َمنُواْ وَلَ ْم يَ ْلبِسُواْ إِيمَا َنهُم بِ ُ‬
‫لمْنِ إِن كُنتُ ْم َتعَْلمُونَ اّلذِي َ‬
‫ق بِا َ‬
‫حّ‬‫سُلْطَانًا َفأَيّ ا ْلفَرِي َقيْنِ أَ َ‬
‫‪.]82 ،81‬‬

‫وفي الصحيحين عن ابن مسعود أنه قال‪ :‬لما نزلت هذه الية شق ذلك على أصحاب رسول ال صلى ال عليه وسلم‪،‬‬
‫وقالوا‪ :‬وأينا لم يظلم نفسه؟ فقال النبي صلى ال عليه وسلم‪( :‬إنما هو الشرك أو لم تسمعوا إلى قول العبد الصالح‪ :‬إن‬
‫الشرك لظلم عظيم) [في المطبوعة‪[ :‬شاء]‪ ،‬والصواب ما أثبتناه]‪ .‬وقال تعالى‪{ :‬فَإيّايَ فَارْهَبُونِ} [النحل‪{ ،.]15 :‬‬
‫وَإِيّايَ فَاتّقُونِ} [البقرة‪.]41 :‬‬

‫ومن هذا الباب‪ :‬أن النبي صلى ال عليه وسلم كان يقول في خطبته‪( :‬من يطع ال ورسوله فقد رشد‪ ،‬ومن يعصهما‬
‫فإنه ل يضر إل نفسه‪ ،‬ولن يضر ال شيئًا)‪.‬‬

‫وقال‪( :‬ول تقولوا‪ :‬ما شاء ال وشاء محمد‪ ،‬ولكن قولوا‪ :‬ما شاء ال ثم شاء محمد)‪.‬‬

‫ففي الطاعة قرن اسم الرسول باسمه بحرف الواو‪ ،‬وفي المشيئة أمر أن يجعل ذلك بحرف [ثم] وذلك لن طاعة‬
‫الرسول طاعة ل‪ ،‬فمن أطاع الرسول فقد أطاع ال‪ ،‬وطاعة ال طاعة الرسول‪ ،‬بخلف المشيئة فليست مشيئة أحد‬
‫من العباد مشيئة ل‪ ،‬ول مشيئة ال مستلزمة لمشيئة العباد‪ ،‬بل ما شاء ال كان‪ ،‬وإن لم يشأ الناس‪ ،‬وما شاء الناس لم‬
‫يكن إن لم يشأ ال‪.‬‬

‫الصل الثاني‪ :‬حق الرسول صلى ال عليه وسلم‪:‬‬

‫ل َف َقدْ أَطَاعَ‬ ‫فعلينا أن نؤمن به ونطيعه ونتبعه‪ ،‬ونرضيه ونحبه ونسلم لحكمه‪ ،‬وأمثالذلك‪ ،‬قال تعالى‪{ :‬مّ ْ‬
‫ن يُطِعِ الرّسُو َ‬
‫ن آبَا ُؤكُمْ‬‫الّ} [النساء‪ ،.]80 :‬وقال تعالى‪{ :‬وَالّ َورَسُولُهُ َأحَقّ أَن يُ ْرضُوهُ} [التوبة‪ ،.]62 :‬وقال تعالى‪{ :‬قُلْ إِن كَا َ‬
‫شوْنَ َكسَادَهَا َومَسَاكِنُ تَ ْرضَ ْو َنهَا َأحَبّ إَِل ْيكُم مّنَ الّ َورَسُولِهِ‬
‫جكُمْ وَعَشِي َر ُتكُمْ وََأمْوَالٌ ا ْقتَ َر ْف ُتمُوهَا َوتِجَارَ ٌة تَخْ َ‬
‫وََأ ْبنَآ ُؤكُمْ َوإِخْوَا ُنكُمْ وََأزْوَا ُ‬
‫جرَ‬
‫ك فِيمَا شَ َ‬ ‫ح ّكمُو َ‬
‫ى يُ َ‬ ‫حتّ َ‬ ‫ل بَِأمْرِهِ} [التوبة‪ ،.]24 :‬وقال تعالى‪{ :‬فَلَ وَ َرّبكَ َ‬
‫ل يُ ْؤ ِمنُونَ َ‬ ‫حتّى يَ ْأتِيَ ا ّ‬‫سبِيلِهِ َفتَ َربّصُواْ َ‬‫جهَادٍ فِي َ‬ ‫وَ ِ‬
‫ل فَا ّت ِبعُونِي‬ ‫ضيْتَ َويُسَّلمُو ْا تَسْلِيمًا} [النساء‪ ،.]65 :‬وقال تعالى‪{ :‬قُلْ إِن كُنتُ ْم تُ ِ‬
‫حبّونَ ا ّ‬ ‫حرَجًا ّممّا َق َ‬ ‫سهِمْ َ‬‫جدُو ْا فِي أَن ُف ِ‬‫ل يَ ِ‬‫َبيْ َنهُ ْم ثُ ّم َ‬
‫يُ ْح ِببْكُمُ الّ} [آل عمران‪ ،.]31 :‬وأمثال ذلك‪.‬‬

‫فصــل‬

‫وإذا ثبت هذا‪ ،‬فمن المعلوم أنه يجب اليمان بخلق ال وأمره‪ ،‬بقضائه وشرعه‪.‬‬

‫وأهل الضلل الخائضون في القدر انقسموا إلى ثلث فرق‪ :‬مجوسية‪ ،‬ومشركية‪ ،‬وإبليسية‪.‬‬

‫فالمجوسية‪ :‬الذين كذبوا بقدر ال وإن آمنوا بأمره ونهيه‪ ،‬فغلتهم أنكروا العلم والكتاب‪ .‬ومقتصدوهم أنكروا عموم‬
‫مشيئته وخلقه وقدرته‪،‬وهؤلء هم المعتزلة ومن وافقهم‪.‬‬

‫ش َركُواْ لَوْ شَاء‬ ‫والفرقة الثانية‪ :‬المشركية الذين أقروا بالقضاء والقدر‪ ،‬وأنكروا المر والنهي‪ ،‬قال تعالى‪َ { :‬‬
‫سيَقُولُ اّلذِينَ أَ ْ‬
‫ل مَا َأشْ َر ْكنَا َو َل آبَا ُؤنَا َولَ حَ ّر ْمنَا مِن َشيْءٍ} [النعام‪ ]148 :‬فمن احتج على تعطيل المر والنهي بالقدر فهو من‬
‫ا ّ‬
‫هؤلء‪ ،‬وهذا قد كثر فيمن يدعى الحقيقة من المتصوفة‪.‬‬

‫والفرقة الثالثة‪ :‬وهم البليسية الذين أقروا بالمرين‪ ،‬لكن جعلوا هذا متناقضًا من الرب ـ سبحانه وتعالى ـ وطعنوا في‬
‫حكمته وعدله‪ ،‬كما يذكر ذلك عن إبليس مقدمهم‪ ،‬كما نقله أهل المقالت‪ ،‬ونقل عن أهل الكتاب‪.‬‬

‫والمقصود أن هذا مما يقوله أهل الضلل‪ ،‬وأما أهل الهدى والفلح‪ ،‬فيؤمنون بهذا وهذا‪ ،‬ويؤمنون بأن ال خالق كل‬
‫شيء‪ ،‬وربه ومليكه‪ ،‬وما شاء كان وما لم يشأ لم يكن‪ ،‬وهو على كل شيء قدير‪ ،‬وأحاط بكل شيء علمًا‪ ،‬وكل شيء‬
‫أحصاه في إمام مبين‪.‬‬

‫ويتضمن هذا الصل من إثبات علم ال‪ ،‬وقدرته ومشيئته‪ ،‬ووحدانيته وربوبيته‪ ،‬وأنه خالق كل شيء وربه ومليكه‪ ،‬ما‬
‫هو من أصول اليمان‪.‬‬

‫س ْقنَاهُ‬
‫سحَابًا ثِقَالً ُ‬ ‫ومع هذا فل ينكرون ما خلقه ال من السباب‪ ،‬التي يخلق بها المسببات‪ ،‬كما قال تعالى‪َ { :‬‬
‫حتّى ِإذَا َأقَلّتْ َ‬
‫سبُلَ‬
‫ن ا ّتبَعَ ِرضْوَانَهُ ُ‬ ‫جنَا بِ ِه مِن كُلّ ال ّثمَرَاتِ} [العراف‪ ]57 :‬وقال تعالى‪َ { :‬يهْدِي بِهِ ا ّ‬
‫ل مَ ِ‬ ‫خرَ ْ‬
‫ت فَأَن َز ْلنَا بِهِ ا ْلمَاء فَأَ ْ‬
‫ِلبََلدٍ ّميّ ٍ‬
‫لمِ} [المائدة‪ ،]16 :‬وقال تعالى‪{ :‬يُضِ ّل بِ ِه َكثِيراً َو َيهْدِي بِ ِه َكثِيراً} [البقرة‪ ،]26 :‬فأخبر أنه يفعل بالسباب‪.‬‬ ‫السّ َ‬

‫ومن قال‪ :‬إنه يفعل عندها ل بها فقد خالف ما جاء به القرآن‪ ،‬وأنكر ما خلقه ال من القوى والطبائع‪ ،‬وهو شبيه بإنكار‬
‫ما خلقه ال من القوى التي في الحيوان‪ ،‬التي يفعل الحيوان بها‪ ،‬مثل قدرة العبد‪ ،‬كما أن من جعلها هي المبدعة لذلك‬
‫فقد أشرك بال وأضاف فعله إلى غيره‪.‬‬

‫وذلك أنه ما من سبب من السباب إل وهو مفتقر إلى سبب آخر في حصول مسببه‪ ،‬ولبد من مانع يمنع مقتضاه‪ ،‬إذا‬
‫لم يدفعه ال عنه‪ ،‬فليس في الوجود شيء واحد يستقل بفعل شيء إذا شاء إل ال وحده‪ ،‬قال تعالى‪َ { :‬ومِن كُلّ شَ ْ‬
‫يءٍ خََل ْقنَا‬
‫زَ ْو َجيْنِ َلعَّلكُ ْم َت َذكّرُونَ} [الذاريات‪ ]49 :‬أي‪ :‬فتعلمون أن خالق الزواج واحد‪.‬‬

‫ولهذا من قال‪ :‬إن ال ل يصدر عنه إل واحد ـ لن الواحد ل يصدر عنه إل واحد ـ كان جاهل‪ ،‬فإنه ليس في الوجود‬
‫واحد صدر عنه وحده شيء ـ ل واحد ول اثنان ـ إل ال الذي خلق الزواج كلها مما تنبت الرض ومن أنفسهم ومما‬
‫ل يعلمون‪.‬‬

‫سمَنّدل [‬
‫فالنار التي خلق ال فيها حرارة ل يحصل الحراق إل بها‪ ،‬وبمحل يقبل الحتراق‪ ،‬فإذا وقعت على ال ّ‬
‫سمَنْ َدلُ‪ :‬طائر بالهند ل يحترق بالنار‪ .‬انظر‪ :‬القاموس المحيط‪ ،‬مادة ـ سمندل] والياقوت ونحوهما لم تحرقهما‪ ،‬وقد‬
‫ال ّ‬
‫يطلى الجسم بما يمنع إحراقه‪.‬‬
‫والشمس التي يكون عنها الشعاع لبد من جسم يقبل انعكاس الشعاع عليه‪ ،‬فإذا حصل حاجز من سحاب أو سقف‪ ،‬لم‬
‫يحصل الشعاع تحته‪ ،‬وقد بسط هذا في غير هذا الموضع‪.‬‬

‫والمقصود هنا أنه لبد من [اليمان بالقدر]‪ ،‬فإن اليمان بالقدر من تمام التوحيد‪ ،‬كما قال ابن عباس‪ :‬هو نظام‬
‫التوحيد‪ ،‬فمن وحد ال وآمن بالقدر تم توحيده‪ ،‬ومن وحد ال وكذب بالقدر نقض توحيده‪.‬‬

‫ولبد من اليمان بالشرع‪ ،‬وهو اليمان بالمر والنهي‪ ،‬والوعد والوعيد‪ ،‬كما بعث ال بذلك رسله‪ ،‬وأنزل كتبه‪.‬‬

‫والنسان مضطر إلى شرع في حياته الدنيا‪ ،‬فإنه لبد له من حركة يجلب بها منفعته‪ ،‬وحركة يدفع بها مضرته‪،‬‬
‫والشرع هو الذي يميز بين الفعال التي تنفعه‪ ،‬والفعال التي تضره‪ ،‬وهو عدل ال في خلقه‪ ،‬ونوره بين عباده‪ ،‬فل‬
‫يمكن الدميين أن يعيشوا بل شرع يميزون به بين ما يفعلونه ويتركونه‪.‬‬

‫وليس المراد بالشرع مجرد العدل بين الناس في معاملتهم‪ ،‬بل النسان المنفرد لبد له من فعل وترك‪ ،‬فإن النسان‬
‫همام حارث‪ ،‬كما قال النبي صلى ال عليه وسلم‪( :‬أصدق السماء حارث وهمام)‪ ،‬وهو معنى قولهم‪ :‬متحرك‬
‫بالرادات‪ ،‬فإذا كان له إرادة فهو متحرك بها‪ ،‬ولبد أن يعرف ما يريده‪ ،‬هل هو نافع له أو ضار؟ وهل يصلحه أو‬
‫يفسده؟‬

‫وهذا قد يعرف بعضه الناس بفطرتهم كما يعرفون انتفاعهم بالكل والشرب‪ ،‬وكما يعرفون ما يعرفون من العلوم‬
‫الضرورية بفطرتهم‪ ،‬وبعضهم يعرفونه بالستدلل الذي يهتدون به بعقولهم‪ ،‬وبعضه ل يعرفونه إل بتعريف الرسل‬
‫وبيانهم لهم وهدايتهم لهم‪.‬‬

‫وفي هذا المقام تكلم الناس في أن الفعال هل يعرف حسنها وقبيحها بالعقل‪ ،‬أم ليس لها حسن ول قبيح يعرف بالعقل؟‬
‫كما قد بسط في غير هذا الموضع‪ ،‬وبينا ما وقع في هذا الموضع من الشتباه‪.‬‬

‫فإنهم اتفقوا على أن كون الفعل يلئم الفاعل أو ينافره يعلم بالعقل‪ ،‬وهو أن يكون الفعل سببًا لما يحبه الفاعل ويلتذ به‪،‬‬
‫وسببًا لما يبغضه ويؤذيه‪ ،‬وهذا القدر يعلم بالعقل تارة‪ ،‬وبالشرع أخرى‪ ،‬وبهما جميعا أخرى‪ ،‬لكن معرفة ذلك على‬
‫وجه التفصيل‪ ،‬ومعرفة الغاية التي تكون عاقبة الفعال ـ من السعادة والشقاوة في الدار الخرة ـ ل تعرف إل‬
‫بالشرع‪.‬‬

‫فما أخبرت به الرسل من تفاصيل اليوم الخر وأمرت به من تفاصيل الشرائع ل يعلمه الناس بعقولهم‪ ،‬كما أن ما‬
‫أخبرت به الرسل من تفصيل أسماء ال وصفاته ل يعلمه الناس بعقولهم‪ ،‬وإن كانوا قد يعلمون بعقولهم جمل ذلك‪.‬‬

‫وهذا التفصيل الذي يحصل به اليمان وجاء به الكتاب‪ ،‬هو ما دل عليه قوله تعالى‪َ { :‬و َكذَِلكَ أَوْ َ‬
‫ح ْينَا إَِل ْيكَ رُوحًا مّنْ َأمْ ِرنَا‬
‫ط مّ ْستَقِيمٍ} [الشورى‪:‬‬ ‫عبَادِنَا وَِإّنكَ َل َت ْهدِي إِلَى صِرَا ٍ‬
‫ن نّشَاء مِنْ ِ‬ ‫جعَ ْلنَا ُه نُورًا ّن ْهدِي بِهِ مَ ْ‬
‫ت تَدْرِي مَا ا ْل ِكتَابُ َولَ الِْيمَانُ َوَلكِن َ‬
‫مَا كُن َ‬
‫ت َف ِبمَا يُوحِي إَِليّ َربّي ِإنّهُ َسمِي ٌع قَرِيبٌ} [سبأ‪،]50 :‬‬ ‫ت فَِإّنمَا أَضِلّ عَلَى نَفْسِي وَإِنِ ا ْه َتدَيْ ُ‬ ‫‪ ،]25‬وقوله تعالى‪{ :‬قُلْ إِن ضََللْ ُ‬
‫وقوله تعالى‪{ :‬قُلْ ِإّنمَا أُنذِ ُركُم بِالْوَ ْحيِ} [النبياء‪.]45 :‬‬

‫ولكن توهمت طائفة أن للحسن والقبح معنى غير هذا‪ ،‬وأنه يعلم بالعقل‪ ،‬وقابلتهم طائفة أخرى ظنت أن ما جاء به‬
‫الشرع من الحسن والقبح يخرج عن هذا‪ ،‬فكل الطائفتين‪ ،‬اللتين أثبتتا الحسن والقبح والعقليين أو الشرعيين‪،‬‬
‫وأخرجتاه عن هذا القسم‪ ،‬غلطت‪.‬‬

‫ثم إن كلتا [في المطبوعة‪ :‬كلتي‪ .‬والصواب ما أثبتناه] الطائفتين لما كانتا تنكر أن يوصف ال بالمحبة والرضا‪،‬‬
‫والسخط والفرح‪ ،‬ونحو ذلك مما جاءت به النصوص اللهية ودلت عليه الشواهد العقلية‪ ،‬تنازعوا بعد اتفاقهم على أن‬
‫ال ل يفعل ما هو منه قبيح‪ ،‬هل ذلك ممتنع لذاته‪ ،‬وأنه ل يتصور قدرته على ما هو قبيح‪ ،‬وأنه ـ سبحانه ـ منزه عن‬
‫ذلك‪ ،‬ل يفعله لمجرد القبح العقلي الذي أثبتوه؟ على قولين‪.‬‬
‫والقولن في النحراف من جنس القولين المتقدمين‪ ،‬أولئك لم يفرقوا في خلقه وأمره بين الهدى والضلل‪ ،‬والطاعة‬
‫والمعصية‪ ،‬والبرار والفجار‪ ،‬وأهل الجنة وأهل النار‪ ،‬والرحمة والعذاب‪ ،‬فل جعلوه محمودًا على ما فعله من العدل‬
‫أو ما تركه من الظلم‪ ،‬ول ما فعله من الحسان والنعمة‪ ،‬وما تركه من التعذيب والنقمة‪.‬‬

‫والخرون نزهوه بناء على القبح العقلي الذي أثبتوه‪ ،‬ول حقيقة له‪ ،‬وسووه بخلقه فيما يحسن ويقبح‪ ،‬وشبهوه بعباده‬
‫فيما يأمر به وينهى عنه‪.‬‬

‫فمن نظر إلى القدر فقط‪ ،‬وعظم الفناء في توحيد الربوبية‪ ،‬ووقف عند الحقيقة الكونية‪ ،‬لم يميز بين العلم والجهل‪،‬‬
‫والصدق والكذب‪ ،‬والبر والفجور‪ ،‬والعدل والظلم‪ ،‬والطاعة والمعصية‪ ،‬والهدى والضلل‪ ،‬والرشاد والغي‪ ،‬وأولياء‬
‫ال وأعدائه‪ ،‬وأهل الجنة وأهل النار‪.‬‬

‫وهؤلء مع أنهم مخالفون بالضرورة لكتب ال‪ ،‬ودينه وشرائعه‪ ،‬فهممخالفون ـ أيضًا ـ لضرورة الحس والذوق‪،‬‬
‫وضرورة العقل والقياس‪ ،‬فإن أحدهم لبد أن يلتذ ب شيء ويتألم ب شيء فيميز بين ما يأكل ويشرب‪ ،‬وما ل يأكل‬
‫ول يشرب‪ ،‬وبين ما يؤذيه من الحر والبرد‪ ،‬وما ليس كذلك‪ ،‬وهذا التمييز بين ما ينفعه ويضره هو الحقيقة الشرعية‬
‫الدينية‪.‬‬

‫ومن ظن أن البشر ينتهي إلى حد يستوى عنده المران دائمًا‪ ،‬فقد افترى وخالف ضرورة الحس‪ ،‬ولكن قد يعرض‬
‫للنسان بعض الوقات عارض‪ ،‬كالسكر والغماء ونحو ذلك مما يشغل عن الحساس ببعض المور‪ ،‬فأما أن يسقط‬
‫إحساسه بالكلية مع وجود الحياة فيه‪ ،‬فهذا ممتنع‪ ،‬فإن النائم لم يفقد إحساس نفسه‪ ،‬بل يرى في منامه ما يسوؤه تارة‪،‬‬
‫وما يسره أخرى‪.‬‬

‫فالحوال التي يعبر عنها بالصطلم والفناء والسكر ونحو ذلك‪ ،‬إنما تتضمن عدم الحساس ببعض الشياء دون‬
‫بعض‪ ،‬فهي مع نقص صاحبها ـ لضعف تمييزه ـ ل تنتهي إلى حد يسقط فيه التمييز مطلقًا‪ ،‬ومن نفى التمييز في هذا‬
‫المقام مطلقًا‪ ،‬وعظم هذا المقام‪ ،‬فقد غلط في الحقيقة الكونية والدينية‪ :‬قدرًا وشرعًا‪ ،‬وغلط في خلق ال وفي أمره‪،‬‬
‫حيث ظن أن وجود هذا‪ ،‬ل وجود له‪ ،‬وحيث ظن أنه ممدوح‪ ،‬ول مدح في عدم التمييز‪ :‬العقل والمعرفة‪.‬‬

‫وإذا سمعت بعض الشيوخ يقول‪ :‬أريد أل أريد‪ ،‬أو أن العارف ل حظ له‪ ،‬وأنه يصير كالميت بين يدي الغاسل ونحو‬
‫ذلك‪ ،‬فهذا إنما يمدحمنه سقوط إرادته التي يؤمر بها وعدم حظه الذي لم يؤمر بطلبه‪ ،‬وأنه كالميت في طلب ما لم‬
‫يؤمر بطلبه‪ ،‬وترك دفع ما لم يؤمر بدفعه‪.‬‬

‫ومن أراد بذلك أنه تبطل إرادته بالكلية‪ ،‬وأنه ل يحس باللذة واللم‪ ،‬والنافع والضار‪ ،‬فهذا مخالف لضرورة الحس‬
‫والعقل‪.‬‬

‫ومن مدح هذا فهو مخالف لضرورة الدين والعقل‪.‬‬

‫والفناء يراد به ثلثة أمور‪:‬‬

‫أحدها‪ :‬هو الفناء الديني الشرعي الذي جاءت به الرسل‪ ،‬وأنزلت به الكتب‪ ،‬وهو أن يفنى عما لم يأمر ال به بفعل ما‬
‫أمر ال به‪ ،‬فيفنى عن عبادة غيره بعبادته‪ ،‬وعن طاعة غيره بطاعته وطاعة رسوله‪ ،‬وعن التوكل على غيره بالتوكل‬
‫عليه‪ ،‬وعن محبة ماسواه بمحبته ومحبة رسوله‪ ،‬وعن خوف غيره بخوفه‪ ،‬بحيث ل يتبع العبد هواه بغير هدى من‬
‫جكُمْ‬
‫خوَا ُنكُمْ وَأَزْوَا ُ‬ ‫ال‪ ،‬وبحيث يكون ال ورسوله أحب إليه مما سواهما‪ ،‬كما قال تعالى‪{ :‬قُلْ إِن كَا َ‬
‫ن آبَا ُؤكُمْ َوَأبْنَآ ُؤكُمْ وَإِ ْ‬
‫سبِيلِ ِه َفتَ َربّصُواْ‬
‫جهَا ٍد فِي َ‬
‫شوْنَ َكسَادَهَا َومَسَاكِنُ تَ ْرضَ ْو َنهَا َأحَبّ إَِل ْيكُم مّنَ الّ َورَسُولِهِ َو ِ‬
‫وَعَشِي َر ُتكُمْ وََأمْوَالٌ ا ْقتَ َر ْف ُتمُوهَا َوتِجَارَ ٌة تَخْ َ‬
‫ل لَ َي ْهدِي الْ َقوْمَ ا ْلفَاسِقِينَ} [التوبة‪ ،]24 :‬فهذا كله هو مما أمر ال به ورسوله‪.‬‬ ‫ل بَِأمْرِهِ وَا ّ‬ ‫حتّى يَ ْأتِيَ ا ّ‬ ‫َ‬

‫وأما الفناء الثاني‪ :‬وهو الذي يذكره بعض الصوفية‪ ،‬وهو أن يفنى عن شهود ما سوى ال تعالى‪ ،‬فيفنى بمعبوده عن‬
‫عبادته وبمذكوره عن ذكره‪ ،‬وبمعروفه عن معرفته‪ ،‬بحيث قد يغيب عن شهود نفسه لما سوى ال ـ تعالى ـ فهذا حال‬
‫ناقص قد يعرض لبعض السالكين‪ ،‬وليس هو من لوازم طريق ال‪.‬‬
‫ولهذا لم يعرف مثل هذا للنبي صلى ال عليه وسلم وللسابقين الولين‪ ،‬ومن جعل هذا نهاية السالكين‪ ،‬فهو ضال‬
‫ضلل مبينًا‪ ،‬وكذلك من جعله من لوازم طريق ال فهو مخطئ‪ ،‬بل هو من عوارض طريق ال التي تعرض لبعض‬
‫الناس دون بعض‪ ،‬ليس هو من اللوازم التي تحصل لكل سالك‪.‬‬

‫وأما الثالث‪ :‬فهو الفناء عن وجود السوى‪ ،‬بحيث يرى أن وجود المخلوق هو عين وجود الخالق‪ ،‬وأن الوجود واحد‬
‫بالعين‪ ،‬فهو قول أهل اللحاد والتحاد‪ ،‬الذين هم من أضل العباد‪.‬‬

‫وأما مخالفتهم لضرورة العقل والقياس‪ ،‬فإن الواحد من هؤلء ل يمكنه أن يطرد قوله‪ ،‬فإنه إذا كان مشاهدًا للقدر من‬
‫غير تمييز بين المأمور والمحظور فعومل بموجب ذلك‪ ،‬مثل أن يضرب ويجاع‪ ،‬حتى يبتلى بعظيم الوصاب‬
‫والوجاع‪ ،‬فإن لم من فعل ذلك به وعابه فقد نقض قوله وخرج عن أصل مذهبه‪ ،‬وقيل له‪ :‬هذا الذي فعله مقضى‬
‫مقدور‪ ،‬فخلق ال وقدره ومشيئته متناول لك وله وهو يعمكما‪ ،‬فإن كان القدر حجة لك فهو حجة لهذا‪ ،‬وإل فليس‬
‫بحجة ل لك ول له‪.‬‬

‫فقد تبين بضرورة العقل فساد قول من ينظر إلى القدر‪ ،‬ويعرض عن المر والنهي‪ .‬والمؤمن مأمور بأن يفعل‬
‫ض ّركُ ْم َكيْدُهُمْ َشيْئًا} [آل‬ ‫المأمور ويترك المحظور‪ ،‬ويصبر على المقدور‪ ،‬كما قال تعالى‪{ :‬وَإِن تَ ْ‬
‫صبِرُواْ َو َتتّقُو ْا لَ يَ ُ‬
‫عمران‪.]120 :‬‬

‫ل َل يُضِيعُ أَجْرَ ا ْلمُحْ ِسنِينَ} [يوسف‪ ،]90 :‬فالتقوى فعل ما أمر ال به‪،‬‬ ‫وقال في قصة يوسف‪ِ{ :‬إنّ ُه مَن يَتّقِ َويِ ْ‬
‫صبِ ْر َفإِنّ ا ّ‬
‫صبِرْ إِنّ وَ ْعدَ الِّ حَقّ وَا ْس َتغْفِرْ ِلذَن ِبكَ وَ َسبّ ْح بِ َح ْمدِ َرّبكَ بِا ْلعَ ِشيّ وَا ِلْ ْبكَارِ} [‬
‫وترك ما نهى ال عنه؛ ولهذا قال ال تعالى‪{ :‬فَا ْ‬
‫غافر‪.]55 :‬‬

‫فأمره مع الستغفار بالصبر‪ ،‬فإن العباد لبد لهم من الستغفار أولهم وآخرهم‪ ،‬قال النبي صلى ال عليه وسلم في‬
‫الحديث الصحيح‪( :‬يأيها الناس‪ ،‬توبوا إلى ربكم‪ ،‬فوالذي نفسي بيده إني لستغفر ال وأتوب إليه في اليوم أكثر من‬
‫سبعين مرة) ‪ ،‬وقال‪( :‬إنه ل ُيغَان على قلبي‪ ،‬وإني لستغفر ال وأتوب إليه في اليوم مائة مرة)‪.‬‬

‫وكان يقول‪( :‬اللهم اغفر لي خطيئتي وجهلي‪ ،‬وإسرافي في أمري‪ ،‬وما أنت أعلم به مني‪ ،‬اللهم اغفر لي خطئي‬
‫وعمدي‪ ،‬وهزلي وجدي‪ ،‬وكل ذلك عندي‪ ،‬اللهم اغفر لي ما قدمت وما أخرت‪ ،‬وما أسررت وما أعلنت‪ ،‬وما أنت‬
‫أعلم به مني‪ ،‬أنت المقدم وأنت المؤخر)‪.‬‬

‫وقد ذكر عن آدم أبي البشر أنه استغفر ربه وتاب إليه‪ ،‬فاجتباه ربه فتاب عليه وهداه‪ ،‬وعن إبليس أبي الجن ـ لعنه ال‬
‫ـ أنه أصر متعلقًا بالقدر فلعنه وأقصاه‪ ،‬فمن أذنب وتاب وندم فقد أشبه أباه‪ ،‬ومن أشبه أباه فما ظلم‪،‬قال ال ـ تعالى ـ‪{ :‬‬
‫ش ِركَاتِ َو َيتُوبَ الُّ عَلَى ا ْلمُ ْؤ ِمنِينَ وَا ْلمُ ْؤ ِمنَاتِ‬
‫جهُولً ِل ُيعَذّبَ الُّ ا ْل ُمنَافِقِينَ وَا ْل ُمنَا ِفقَاتِ وَا ْلمُشْ ِركِينَ وَا ْلمُ ْ‬
‫حمََلهَا الِْنسَانُ ِإنّ ُه كَانَ ظَلُومًا َ‬
‫وَ َ‬
‫َوكَانَ الُّ َغفُورًا رّحِيمًا } [الحزاب‪]73 ،72 :‬‬

‫ولهذا قرن ال ـ سبحانه ـ بين التوحيد والستغفار في غير آية‪ ،‬كما قال تعالى‪{ :‬فَاعْلَمْ َأنّ ُه لَ إِلَهَ ِإلّ الُّ وَا ْ‬
‫س َتغْفِرْ ِلذَنبِ َ‬
‫ك‬
‫س َتغْ ِفرُوهُ} [فصلت‪ ،]6 :‬وقال تعالى‪{ :‬الَر ِكتَابٌ‬ ‫وَلِ ْلمُ ْؤ ِمنِينَ وَا ْلمُ ْؤمِنَاتِ} [محمد‪ ،]19 :‬وقال تعالى‪{ :‬فَا ْ‬
‫ستَقِيمُوا إَِليْهِ وَا ْ‬
‫ستَغْ ِفرُواْ َرّبكُ ْم ثُ ّم تُوبُواْ ِإَليْهِ ُي َمّتعْكُم ّمتَاعًا‬
‫ل َتعْ ُبدُواْ ِإلّ الّ ِإّننِي َلكُم ّمنْهُ َنذِيرٌ َوبَشِيرٌ وَأَنِ ا ْ‬ ‫خبِيرٍ َأ ّ‬
‫حكِيمٍ َ‬
‫ت مِن ّلدُنْ َ‬ ‫ت آيَاتُهُ ثُ ّم ُفصّلَ ْ‬
‫ح ِكمَ ْ‬
‫أُ ْ‬
‫ب يَ ْو ٍم كَبِيرٍ} [هود‪.]1-3 :‬‬ ‫عذَا َ‬ ‫ل َفضْلَهُ وَإِن تَوَلّوْ ْا َفِإنّيَ َأخَافُ عََل ْيكُمْ َ‬ ‫ل ذِي فَضْ ٍ‬ ‫ت كُ ّ‬
‫سمّى َويُؤْ ِ‬ ‫ل مّ َ‬ ‫سنًا إِلَى أَجَ ٍ‬
‫حَ َ‬

‫وفي الحديث الذي رواه ابن أبي عاصم وغيره‪( :‬يقول الشيطان‪ :‬أهلكت الناس بالذنوب وأهلكوني بل إله إل ال‬
‫والستغفار‪ ،‬فلما رأيت ذلك بثثت فيهم الهواء فهم يذنبون ول يتوبون؛ لنهم يحسبون أنهم يحسنون صنعًا)‪.‬‬

‫ت مِنَ‬ ‫وقد ذكر ـ سبحانه ـ عن ذي النون أنه نادى في الظلمات‪َ { :‬فنَادَى فِي الظُّلمَاتِ أَن لّ ِإلَهَ ِإلّ أَنتَ ُ‬
‫سبْحَا َنكَ ِإنّي كُن ُ‬
‫ك نُنجِي ا ْلمُ ْؤ ِمنِينَ} [النبياء‪ ]88 :‬قال النبي‬ ‫ج ْينَا ُه مِنَ ا ْلغَمّ َوكَذَِل َ‬
‫ج ْبنَا لَهُ َونَ ّ‬ ‫الظّاِلمِينَ} [النبياء‪ ،]87 :‬قال تعالى‪{ :‬فَا ْ‬
‫ستَ َ‬
‫صلى ال عليه وسلم‪( :‬دعوة أخي ذي النون ما دعا بها مكروب إل فرج ال كربه)‪.‬‬

‫وجماع ذلك‪ :‬أنه لبد له في المر من أصلين‪ ،‬ولبد له في القدر من أصلين‪.‬‬


‫ففي المر عليه الجتهاد في المتثال علما وعمل‪ ،‬فل تزال تجتهد في العلم بما أمر ال به والعمل بذلك‪.‬‬

‫ثم عليه أن يستغفر ويتوب من تفريطه في المأمور وتعديه الحدود‪.‬‬

‫ولهذا كان من المشروع أن يختم جميع العمال بالستغفار‪ ،‬فكان النبي صلى ال عليه وسلم إذا انصرف من صلته‬
‫استغفر ثلثًا‪ ،‬وقد قال ال تعالى‪{ :‬وَا ْلمُسْ َت ْغفِرِينَ بِالَسْحَارِ} [آل عمران‪ ،]17 :‬فقاموا بالليل وختموه بالستغفار‪،‬‬
‫حمْدِ َرّبكَ‬
‫سبّحْ ِب َ‬
‫ن فِي دِينِ الِّ َأ ْفوَاجًا فَ َ‬
‫خلُو َ‬ ‫وآخر سورة نزلت قول ال تعالى‪ِ{ :‬إذَا جَاء نَصْرُ الِّ وَا ْل َفتْحُ َورََأيْتَ النّا َ‬
‫س يَدْ ُ‬
‫وَا ْس َتغْ ِفرْهُ ِإنّ ُه كَا َن تَوّابًا} [سورة النصر]‪ .‬وفي الصحيح أنه كان صلى ال عليه وسلم يكثر أن يقول‪ :‬في ركوعه‬
‫وسجوده‪( :‬سبحانك اللهم ربنا وبحمدك‪ ،‬اللهم اغفرلي) يتأول القرآن‪.‬‬

‫وأما في القدر فعليه أن يستعين بال في فعل ما أمر به‪ ،‬ويتوكل عليه ويدعوه‪ ،‬ويرغب إليه‪ ،‬ويستعيذ به‪ ،‬ويكون‬
‫مفتقرًا إليه في طلب الخير وترك الشر‪.‬‬

‫وعليه أن يصبر على المقدور‪ ،‬ويعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه‪ ،‬وما أخطأه لم يكن ليصيبه‪ ،‬وإذا آذاه الناس علم أن‬
‫ذلك مقدر عليه‪.‬‬

‫ومن هذا الباب احتجاج آدم وموسى لما قال‪ :‬يا آدم‪ ،‬أنت أبو البشر خلقك ال بيده‪ ،‬ونفخ فيك من روحه‪ ،‬وأسجد لك‬
‫ملئكته‪ ،‬لماذا أخرجتنا ونفسك من الجنة؟ فقال له آدم‪ :‬أنت موسى الذي اصطفاك ال بكلمه فبكم وجدت مكتوبًا على‬
‫من قبل أن أخلق‪{ :‬وَ َعصَى آدَمُ َربّ ُه َفغَوَى} [طه‪ ]121 :‬؟ قال‪ :‬بكذا وكذا‪ ،‬فحج آدم موسى‪.‬‬

‫وذلك أن موسى لم يكن عتبه لدم لجل الذنب‪ ،‬فإن آدم قد كان تاب منه‪ ،‬والتائب من الذنب كمن ل ذنب له‪ ،‬ولكن‬
‫لجل المصيبة التي لحقتهم من ذلك‪.‬‬

‫عدَ الِّ حَقّ‬ ‫وهم مأمورون أن ينظروا إلى القدر في المصائب‪ ،‬وأن يستغفروا من المعائب‪ ،‬كما قال تعالى‪{ :‬فَا ْ‬
‫صبِرْ إِنّ وَ ْ‬
‫وَا ْس َتغْ ِفرْ ِلذَن ِبكَ} [غافر‪.]55 :‬‬

‫فمن راعى المر والقدر كما ذكر‪ ،‬كان عابدًا ل مطيعًا له‪ ،‬مستعينًا به‪ ،‬متوكل عليه‪ ،‬من الذين أنعم ال عليهم من‬
‫النبيين‪ ،‬والصديقين‪ ،‬والشهداء‪ ،‬والصالحين‪ ،‬وحسن أولئك رفيقًا‪.‬‬

‫س َتعِينُ} [الفاتحة‪ ،]5 :‬وقوله‪{ :‬فَا ْ‬


‫عبُدْهُ‬ ‫ك نَ ْ‬ ‫وقد جمع ال ـ سبحانه ـ بين هذين الصلين في مواضع‪ ،‬كقوله‪ِ{ :‬إيّا َ‬
‫ك َن ْعبُدُ وِإيّا َ‬
‫جعَل لّ ُه مَخْرَجًا‬ ‫َوتَ َوكّلْ عََليْهِ} [هود‪ ،]123 :‬وقوله‪{ :‬عََليْ ِه تَ َوكّلْتُ وَِإَليْهِ ُأنِيبُ} [الشورى‪ ،]10 :‬وقوله‪َ { :‬ومَن َيتّقِ ا َ‬
‫لّ يَ ْ‬
‫لّ بَالِغُ َأمْرِ ِه َقدْ َجعَلَ الُّ ِلكُلّ شَيْ ٍء َقدْرًا} [الطلق‪.]3 ،2 :‬‬ ‫سبُهُ إِنّ ا َ‬
‫لّ َفهُوَ حَ ْ‬
‫سبُ َومَن َيتَ َوكّلْ عَلَى ا ِ‬
‫حتَ ِ‬
‫ل يَ ْ‬
‫ث َ‬
‫حيْ ُ‬
‫َويَرْ ُزقْ ُه مِنْ َ‬

‫فالعبادة ل والستعانة به‪ ،‬وكان النبي صلى ال عليه وسلم يقول عند الضحية‪( :‬اللهم منك ولك)‪ ،‬فما لم يكن بال ل‬
‫يكون‪ ،‬فإنه ل حول ول قوة إل بال‪ ،‬وما لم يكن ل فل ينفع ول يدوم‪.‬‬

‫ولبد في عبادته من أصلين‪:‬‬

‫أحدهما‪ :‬إخلص الدين له‪.‬‬

‫والثاني‪ :‬موافقة أمره الذي بعث به رسله‪.‬‬

‫ولهذا كان عمر بن الخطاب ـ رضي ال عنه ـ يقول في دعائه‪ :‬اللّهم اجعل عملي كله صالحًا‪ ،‬واجعله لوجهك خالصًا‪،‬‬
‫ول تجعل لحد فيه شيئًا‪ .‬وقال الفضيل بن عياض في قوله تعالى‪ِ{ :‬ل َيبْلُ َوكُمْ َأّيكُمْ َأحْسَنُ} [الملك‪ .]2 :‬قال‪ :‬أخلصه‬
‫وأصوبه‪ .‬قالوا‪ :‬يا أبا علي‪ ،‬ما أخلصه وأصوبه؟ قال‪ :‬إذا كان العمل خالصًا ولم يكن صوابًا لم يقبل‪ ،‬وإذا كان صوابًا‬
‫ولم يكن خالصًا لم يقبل حتى يكون خالصًا صوابًا‪ ،‬والخالص أن يكون ل‪ ،‬والصواب أن يكون على السّنّة‪.‬‬
‫ولهذا ذم ال المشركين في القرآن على اتباع ما شرع لهم شركاؤهم من الدين ما لم يأذن به ال من عبادة غيره‪ ،‬وفعل‬
‫ما لم يشرعه من الدين‪ ،‬كما قال تعالى‪{ :‬أَمْ َل ُهمْ شُ َركَاء َشرَعُوا َلهُم مّ َن الدّينِ مَا لَ ْم يَ ْأذَن بِهِ الُّ} [الشورى‪ ،]21 :‬كما ذمهم‬
‫على أنهم حرموا ما لم يحرمه ال‪.‬‬

‫والدين الحق أنه ل حرام إل ما حرمه ال‪ ،‬ول دين إل ما شرعه‪.‬‬

‫ثم إن الناس في عبادته واستعانته على أربعة أقسام‪:‬‬

‫فالمؤمنون المتقون هم له وبه‪ ،‬يعبدونه ويستعينونه‪.‬‬

‫وطائفة تعبده من غير استعانة ول صبر‪ ،‬فتجد عند أحدهم تحريًا للطاعة والورع ولزوم السنة‪ ،‬لكن ليس لهم توكل‬
‫واستعانة وصبر‪ ،‬بل فيهم عجز وجزع‪.‬‬

‫وطائفة فيهم استعانة وتوكل وصبر‪ ،‬من غير استقامة على المر‪ ،‬ول متابعة للسنة‪ ،‬فقد يمكن أحدهم ويكون له نوع‬
‫من الحال باطنًا وظاهرًا‪ ،‬ويعطى من المكاشفات والتأثيرات ما لم يعطه الصنف الول‪ ،‬ولكن ل عاقبة له‪ ،‬فإنه ليس‬
‫من المتقين‪ ،‬والعاقبة للتقوى‪ ،‬فالولون لهم دين ضعيف ولكنه مستمر باق‪ ،‬إن لم يفسده صاحبه بالجزع والعجز‪،‬‬
‫وهؤلء لحدهم حال وقوة‪ ،‬ولكن ل يبقى له إل ما وافق فيه المر واتبع فيه السنة‪.‬‬

‫وشر القسام من ل يعبده ول يستعينه‪ ،‬فهو ل يشهد أن علمه ل‪ ،‬ول أنه بال‪.‬‬

‫فالمعتزلة ونحوهم ـ من القدرية الذين أنكروا القدر ـ هم في تعظيم المر والنهي والوعد والوعيد خير من هؤلء‬
‫الجبرية القدرية‪ ،‬الذين يعرضون عن الشرع‪ ،‬والمر والنهي‪.‬‬

‫والصوفية هم في القدر ومشاهدة توحيد الربوبية‪ ،‬خير من المعتزلة‪ ،‬ولكن فيهم من فيه نوع بدع‪ ،‬مع إعراض عن‬
‫بعض المر والنهي‪ ،‬والوعد والوعيد‪ ،‬حتى يجعلوا الغاية هي مشاهدة توحيد الربوبية والفناء في ذلك‪ ،‬ويصيرون ـ‬
‫أيضًا ـ معتزلين لجماعة المسلمين وسنتهم‪ ،‬فهم معتزلة من هذا الوجه‪.‬‬

‫وقد يكون ما وقعوا فيه من البدعة شرًا من بدعة أولئك المعتزلة‪ ،‬وكلتا الطائفتين نشأت من البصرة‪.‬‬

‫وإنما دين ال ما بعث به رسله‪ ،‬وأنزل به كتبه وهو الصراط المستقيم‪ ،‬وهو طريقة أصحاب رسول ال صلى ال‬
‫عليه وسلم‪ ،‬خير القرون وأفضل المة‪ ،‬وأكرم الخلق على ال تعالى بعد النبيين‪ ،‬قال تعالى‪{ :‬وَالسّابِقُونَ الَوّلُو َ‬
‫ن مِنَ‬
‫ا ْل ُمهَا ِجرِينَ وَالَنصَارِ وَاّلذِي َن اّت َبعُوهُم بِإِ ْحسَانٍ رّضِيَ الّ َعنْهُمْ َورَضُواْ َعنْهُ} [التوبة‪ ]100 :‬فرضي عن السابقين الولين‬
‫رضا مطلقًا‪ ،‬ورضى عن التابعين لهم بإحسان‪.‬‬

‫وقد قال النبي صلى ال عليه وسلم في الحاديث الصحيحة‪( :‬خير القرون القرن الذي بعثت فيهم‪ ،‬ثم الذين يلونهم‪ ،‬ثم‬
‫الذين يلونهم)‪.‬‬

‫وكان عبد ال بن مسعود ـ رضي ال عنه ـ يقول‪ :‬من كان منكم مُسْتنّا فليستن بمن قد مات‪ ،‬فإن الحي ل تؤمن عليه‬
‫الفتنة‪ ،‬أولئك أصحاب رسول ال صلى ال عليه وسلم أبر هذه المة قلوبًا‪ ،‬وأعمقها علما‪ ،‬وأقلها تكلفًا‪ ،‬قوم اختارهم‬
‫ال لصحبة نبيه صلى ال عليه وسلم‪ ،‬وإقامة دينه‪ ،‬فاعرفوا لهم حقهم‪ ،‬وتمسكوا بهديهم‪ ،‬فإنهم كانوا على الهدى‬
‫المستقيم‪.‬‬

‫وقال حذيفة بن اليمان ـ رضي ال عنهما ـ‪ :‬يا معشر القراء‪ ،‬استقيموا وخذوا طريق من كان قبلكم‪ ،‬فوال لئن‬
‫اتبعتموهم لقد سبقتم سبقًا بعيدًا‪ ،‬ولن أخذتُم يمينًا وشمالً لقد ضللتم ضلل بعيدًا‪.‬‬

‫وقد قال عبد ال بن مسعود ـ رضي ال عنه‪ :‬خط لنا رسول ال صلى ال عليه وسلم خطًا‪ ،‬وخط حوله خطوطًا عن‬
‫يمينه وشماله‪ ،‬ثم قال‪( :‬هذا سبيل ال‪ ،‬وهذه سبل‪ ،‬على كل سبيل منها شيطان يدعو إليه)‪ ،‬ثم قرأ‪{ :‬وَأَنّ هَـذَا صِرَاطِي‬
‫سبِيلِهِ} [النعام‪ ،]153 :‬وقد أمرنا ـ سبحانه ـ أن نقول في صلتنا‪{ :‬‬ ‫ق ِبكُمْ عَن َ‬ ‫ل َفتَ َفرّ َ‬
‫سبُ َ‬
‫ل تَ ّت ِبعُواْ ال ّ‬
‫ستَقِيمًا فَا ّت ِبعُوهُ َو َ‬
‫مُ ْ‬
‫اه ِدنَــــا الصّرَاطَ المُستَقِيمَ صِرَاطَ اّلذِينَ أَنعَمتَ عَلَيهِمْ غَيرِ المَغضُوبِ عَلَيهِمْ َولَ الضّالّينَ} [الفاتحة‪.]7 ،6 :‬‬

‫وقال النبي صلى ال عليه وسلم‪( :‬اليهود مغضوب عليهم‪ ،‬والنصارى ضالون)؛ وذلك أن اليهود عرفوا الحق ولم‬
‫يتبعوه‪ ،‬والنصارى عبدوا ال بغير علم‪.‬‬

‫ولهذا كان يقال‪ :‬تعوذوا بال من فتنة العالم الفاجر والعابد الجاهل‪ ،‬فإن فتنتهما فتنة لكل مفتون‪ ،‬وقال تعالى‪{ :‬فَِإمّا‬
‫ل يَضِلّ َو َل يَ ْشقَى َومَنْ أَعْرَضَ عَن ِذكْرِي َفإِنّ لَ ُه َمعِيشَةً ضَنكًا َونَحْ ُشرُ ُه يَوْمَ ا ْل ِقيَامَةِ أَ ْعمَى} [‬
‫ي فَ َ‬
‫يَ ْأ ِتيَ ّنكُم ّمنّي ُهدًى َفمَنِ ا ّتبَعَ ُهدَا َ‬
‫طه‪ ،]124 ،123 :‬قال ابن عباس ـ رضي ال عنهما‪ :‬تكفل ال لمن قرأ القرآن وعمل بما فيه أل يضل في الدنيا‪،‬‬
‫ول يشقى في الخرة‪ ،‬وقرأ هذه الية‪.‬‬

‫ن بِا ْل َغيْبِ َويُقِيمُونَ الصّلةَ َو ِممّا رَ َز ْقنَاهُ ْم يُنفِقُونَ واّلذِينَ‬


‫ب فِيهِ ُهدًى لّ ْلمُتّقِينَ اّلذِينَ يُ ْؤ ِمنُو َ‬ ‫وكذلك قوله تعالى‪{ :‬الم ذَِلكَ ا ْل ِكتَا ُ‬
‫ب لَ َريْ َ‬
‫يُ ْؤمِنُو َن ِبمَا أُنزِلَ إَِل ْيكَ َومَا أُنزِ َل مِن َقبِْلكَ َوبِالخِرَةِ ُه ْم يُو ِقنُونَ ُأوْلَـ ِئكَ عَلَى ُهدًى مّن ّرّبهِمْ وَأُوْلَـ ِئكَ هُمُ ا ْلمُفِْلحُونَ} [البقرة‪]1-5 :‬‬
‫فأخبر أن هؤلء مهتدون مفلحون‪ ،‬وذلك خلف المغضوب عليهم و الضالين‪.‬‬

‫فنسأل ال العظيم أن يهدينا وسائر إخواننا صراطه المستقيم‪ ،‬صراط الذين أنعم ال عليهم من النبيين والصديقين‪،‬‬
‫والشهداء والصالحين‪ ،‬وحسن أولئك رفيقًا‪ ،‬وحسبنا ال ونعم الوكيل‪ ،‬والحمد ل رب العالمين‪ ،‬وصلى ال على سيدنا‬
‫محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا‪.‬‬

‫سأل [في المطبوعة‪[ :‬سُئِل] وهو خطأ ‪ -‬وكذلك [أحدَ] بالنصب‪ ،‬وهو خطأ‪ ،‬والصواب ما أثبتناه] شيْخَ السلم ـ‬
‫رحمه ال ـ َأحَ ُد قضاة واسط أن يكتب له عقيدة تكون عمدة له وأهل بيته‪.‬‬

‫فأجابـــه‪:‬‬

‫بسم ال الرحمن الرحيم‬

‫الحمد ل الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله وكفى بال شهيدًا‪ ،‬وأشهد أن ل إله إل ال‬
‫وحده ل شريك له‪ ،‬إقرارًا به وتوحيدًا‪ ،‬وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله‪ ،‬صلى ال عليه وعلى آله وأصحابه وسلم‬
‫تسليمًا مزيدًا‪.‬‬

‫أما بعد‪ :‬فهذا اعتقاد الفرقة الناجية المنصورة إلى قيام الساعة ـ أهل السنة والجماعة ـ وهو‪ :‬اليمان بال‪ ،‬وملئكته‪،‬‬
‫وكتبه‪ ،‬ورسله‪ ،‬والبعث بعد الموت‪ ،‬واليمان بالقدر؛ خيره وشره‪.‬‬

‫ومن اليمان بال‪ :‬اليمان بما وصف به نفسه في كتابه‪ ،‬وبما وصفه به رسوله محمد صلى ال عليه وسلم‪ ،‬من غير‬
‫س َك ِمثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ ال ّسمِيعُ البَصِيرُ} [‬
‫تحريف ول تعطيل‪ ،‬ومن غير تكييف ول تمثيل‪ ،‬بل يؤمنون بأن ال سبحانه‪َ{ :‬ليْ َ‬
‫الشورى‪.]11 :‬‬

‫فل ينفون عنه ما وصف به نفسه‪ ،‬ول يحرفون الكلم عن مواضعه‪ ،‬ول يلحدون في أسماء ال وآياته‪ ،‬ول يكيفون‪،‬‬
‫س َميّ له‪ ،‬ول ُكفْوَ له‪ ،‬ول ِندّ له‪ ،‬ول يقاس بخلقه ـ سبحانه وتعالى‬
‫ول يمثلون صفاته بصفات خلقه؛ لنه ـ سبحانه ـ ل َ‬
‫ـ فإنه ـ سبحانه ـ أعلم بنفسه وبغيره‪ ،‬وأصدق قيل‪ ،‬وأحسن حديثًا من خلقه‪.‬‬

‫ثم رسله صادقون مصدقون‪ ،‬بخلف الذين يقولون عليه ما ل يعلمون؛ ولهذا قال ـ سبحانه وتعالى‪ُ { :‬‬
‫سبْحَانَ َرّبكَ رَبّ‬
‫ا ْلعِزّةِ َعمّا َيصِفُونَ َوسَلَمٌ عَلَى ا ْلمُرْسَلِينَ وَا ْل َح ْمدُ لِّ رَبّ ا ْلعَاَلمِينَ} [الصافات‪ ،]182 :180 :‬فسبح نفسه عما وصفه به‬
‫المخالفون للرسل‪ ،‬وسلم على المرسلين‪ ،‬لسلمة ما قالوه من النقص والعيب‪.‬‬

‫وهو ـ سبحانه ـ قد جمع فيما وصف وسمى به نفسه بين النفي والثبات‪ ،‬فل عدول لهل السنة والجماعة عما جاء به‬
‫المرسلون‪ ،‬فإنه الصراط المستقيم‪ ،‬صراط الذين أنعم ال عليهم من النبيين‪ ،‬والصديقين‪ ،‬والشهداء‪ ،‬والصالحين‪.‬‬
‫وقد دخل في هذه الجملة ما وصف به نفسه في سورة الخلص التي تعدل ثلث القرآن‪ ،‬حيث يقول‪{ :‬قُلْ هُوَ الُّ أَ َ‬
‫حدٌ الُّ‬
‫ص َمدُ لَ ْم يَِلدْ وَلَ ْم يُوَلدْ وََل ْم َيكُن لّ ُه كُ ُفوًا أَحَد} [سورة الخلص]‪.‬‬
‫ال ّ‬

‫سنَةٌ َولَ نَ ْومٌ لّ ُه مَا فِي‬


‫خذُهُ ِ‬
‫ل تَ ْأ ُ‬ ‫وما وصف به نفسه في أعظم آية في كتابه‪ ،‬حيث يقول‪{ :‬ا ّ‬
‫ل لَ إِلَـهَ ِإلّ هُوَ الْحَيّ الْ َقيّو ُم َ‬
‫ل ِبمَا شَاء‬
‫ن بِشَيْ ٍء مّنْ عِ ْلمِهِ ِإ ّ‬
‫ل بِِإ ْذنِهِ َيعْلَ ُم مَا َبيْنَ َأ ْيدِيهِمْ َومَا خَلْ َف ُهمْ َولَ ُيحِيطُو َ‬
‫عنْدَهُ ِإ ّ‬
‫شفَعُ ِ‬‫ض مَن ذَا اّلذِي يَ ْ‬
‫سمَاوَاتِ َومَا فِي الَ ْر ِ‬ ‫ال ّ‬
‫ظ ُهمَا وَهُوَ ا ْلعَلِيّ ا ْلعَظِيمُ} [البقرة‪ ،]255 :‬ولهذا كان من قرأ هذه الية في‬ ‫ل يَؤُودُهُ حِفْ ُ‬
‫سمَاوَاتِ وَالَ ْرضَ َو َ‬
‫سيّهُ ال ّ‬
‫وَسِ َع كُ ْر ِ‬
‫ليلة لم يزل عليه من ال حافظ‪ ،‬ول يقربه شيطان حتى يصبح‪ .‬وقوله ـ سبحانه ـ‪َ { :‬وتَ َوكّلْ عَلَى الْ َحيّ اّلذِي َل َيمُوتُ} [‬
‫الفرقان‪.]58 :‬‬

‫يءٍ عَلِيمٌ} [الحديد‪ ،]3 :‬وقوله‪{ :‬وَهُوَ ا ْل َحكِيمُ الْ َخبِيرُ} [‬ ‫وقوله ـ سبحانه ـ‪{ :‬هُوَ الَْوّلُ وَالْخِرُ وَالظّا ِهرُ وَا ْلبَاطِنُ وَهُ َو ِبكُلّ شَ ْ‬
‫ب لَ‬‫ج فِيهَا} [الحديد‪{ ،]4 :‬وَعِندَ ُه مَفَاتِحُ ا ْل َغيْ ِ‬
‫سمَاء َومَا َيعْرُ ُ‬
‫ل مِنَ ال ّ‬‫ج ِم ْنهَا َومَا يَنزِ ُ‬
‫خرُ ُ‬‫لْرْضِ َومَا يَ ْ‬
‫ج فِي ا َ‬ ‫سبأ‪َ { ،]1 :‬يعْلَ ُم مَا يَلِ ُ‬
‫ل فِي ِكتَا ٍ‬
‫ب‬ ‫ل يَابِسٍ ِإ ّ‬
‫حبّ ٍة فِي ظُُلمَاتِ الَرْضِ َولَ َرطْبٍ َو َ‬
‫ل يَعَْل ُمهَا َولَ َ‬
‫ط مِن َو َرقَةٍ ِإ ّ‬
‫َيعَْلمُهَا ِإلّ هُوَ َويَعَْل ُم مَا فِي ا ْلبَرّ وَا ْلبَحْرِ َومَا تَسْ ُق ُ‬
‫ل ِبعِ ْلمِهِ} [فاطر‪ ،]11 :‬وقوله‪ِ{ :‬ل َتعَْلمُوا أَنّ الَّ عَلَى كُلّ َ‬
‫شيْءٍ‬ ‫ل تَضَعُ ِإ ّ‬ ‫ل مِنْ أُنثَى َو َ‬ ‫ّمبِينٍ} [النعام‪ ،]59 :‬وقوله‪َ { :‬ومَا تَ ْ‬
‫حمِ ُ‬
‫ط ِبكُلّ َشيْءٍ عِ ْلمًا} [الطلق‪.]12 :‬‬ ‫لّ َقدْ َأحَا َ‬‫َقدِيرٌ وَأَنّ ا َ‬

‫ق ذُو الْقُوّةِ ا ْل َمتِينُ} [الذاريات‪ ،]85 :‬وقوله‪َ{ :‬ليْ َ‬


‫س َك ِمثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ ال ّسمِيعُ البَصِيرُ} [الشورى‪:‬‬ ‫وقوله‪{ :‬إِنّ الَّ هُوَ الرّزّا ُ‬
‫ل كَانَ َسمِيعًا بَصِيرًا} [النساء‪.]58 :‬‬
‫ظكُم بِهِ إِنّ ا ّ‬ ‫‪ ،]11‬وقوله‪{ :‬إِنّ ا ّ‬
‫ل ِن ِعمّا َيعِ ُ‬

‫ل بِالِّ} [الكهف‪ ،]39 :‬وقوله‪{ :‬شَاء ا ّ‬


‫ل مَا ا ْق َتتَلَ اّلذِينَ مِن َبعْدِهِم مّن َبعْدِ‬ ‫ل قُوّةَ ِإ ّ‬
‫لّ َ‬ ‫ت مَا شَاء ا ُ‬ ‫ك قُلْ َ‬ ‫جّن َت َ‬‫وقوله‪{ :‬وَلَ ْولَ ِإ ْذ دَخَلْتَ َ‬
‫ل يَ ْفعَ ُل مَا يُرِيدُ} [البقرة‪،]253 :‬‬ ‫ل مَا ا ْق َتتَلُواْ وَلَـكِنّ ا ّ‬
‫ن آمَنَ َو ِم ْنهُم مّن َكفَرَ وَلَوْ شَاء ا ّ‬ ‫ختََلفُو ْا َف ِمنْهُم مّ ْ‬
‫مَا جَاء ْتهُمُ ا ْلبَ ّينَاتُ وَلَـكِنِ ا ْ‬
‫ح ُك ُم مَا يُرِيدُ} [المائدة‪ ،]1 :‬وقوله‪{ :‬‬ ‫ل يَ ْ‬
‫حرُمٌ إِنّ ا ّ‬ ‫صيْدِ وَأَنتُمْ ُ‬
‫غيْ َر مُحِلّي ال ّ‬ ‫ل مَا ُيتْلَى عََل ْيكُمْ َ‬
‫ل ْنعَامِ ِإ ّ‬‫وقوله‪{ :‬أُحِلّتْ َلكُم َبهِيمَةُ ا َ‬
‫ص ّعدُ فِي ال ّسمَاء} [النعام‪:‬‬ ‫حرَجًا كََأّنمَا يَ ّ‬‫ضيّقًا َ‬‫صدْرَهُ َ‬ ‫جعَلْ َ‬ ‫لمِ َومَن يُ ِردْ أَن يُضِلّ ُه يَ ْ‬ ‫صدْرَهُ لِلِسْ َ‬ ‫َفمَن يُ ِردِ الّ أَن َي ْهدِيَ ُه يَشْرَحْ َ‬
‫‪.]125‬‬

‫لّ يُحِبّ ا ْل ُمقْسِطِينَ} [الحجرات‪َ { ،]9 :‬فمَا‬ ‫سنِينَ} [البقرة‪{ ،]195 :‬وََأ ْقسِطُوا إِنّ ا َ‬ ‫حبّ ا ْلمُحْ ِ‬‫ل يُ ِ‬
‫سنُوَاْ إِنّ ا ّ‬‫حِ‬ ‫وقوله‪{ :‬وَأَ ْ‬
‫طهّرِينَ} [البقرة‪،]222 :‬‬ ‫حبّ ا ْل ُمتَ َ‬
‫ل يُحِبّ التّوّابِينَ َويُ ِ‬ ‫ل يُحِبّ ا ْل ُمتّقِينَ} [التوبة‪{ ،]7 :‬إِنّ ا ّ‬ ‫ستَقِيمُواْ َلهُمْ إِنّ ا ّ‬
‫ستَقَامُواْ َلكُ ْم فَا ْ‬
‫اْ‬
‫ل ِبقَوْ ٍم يُ ِحّبهُمْ َويُ ِحبّونَهُ} [‬
‫ف يَ ْأتِي ا ّ‬ ‫ح ِب ْبكُمُ الّ} [آل عمران‪ ،]31 :‬وقوله‪{ :‬فَ َ‬
‫سوْ َ‬ ‫ل فَا ّتبِعُونِي يُ ْ‬
‫حبّونَ ا ّ‬ ‫وقوله‪{ :‬قُلْ إِن كُنتُ ْم تُ ِ‬
‫ن مّرْصُوصٌ} [الصف‪ ،]4 :‬وقوله‪{ :‬وَهُوَ ا ْلغَفُورُ‬ ‫صفّا كََأّنهُم بُنيَا ٌ‬
‫سبِيلِهِ َ‬
‫ن يُقَاتِلُونَ فِي َ‬
‫لّ يُحِبّ اّلذِي َ‬‫المائدة‪ ،]54 :‬وقوله‪{ :‬إِنّ ا َ‬
‫الْ َودُودُ} [البروج‪.]14 :‬‬

‫حمَةً وَعِ ْلمًا} [غافر‪َ { ،]7 :‬وكَا َ‬


‫ن بِا ْلمُ ْؤ ِمنِينَ رَحِيمًا}‬ ‫يءٍ رّ ْ‬
‫ت كُلّ شَ ْ‬ ‫وقوله‪{ :‬بِسْمِ الّ الرّحْمـَنِ الرّحِيمِ} [الفاتحة‪َ { ،]1 :‬رّبنَا وَ ِ‬
‫سعْ َ‬
‫حمَةَ} [النعام‪{ ،]45 :‬وَهُوَ‬ ‫شيْءٍ} [العراف‪َ { ،]156 :‬كتَبَ َرّبكُمْ عَلَى نَ ْفسِهِ الرّ ْ‬ ‫ت كُلّ َ‬
‫سعَ ْ‬ ‫[الحزاب‪{،]34 :‬وَ َر ْ‬
‫حمَتِي وَ ِ‬
‫ا ْلغَفُورُ الرّحِيمُ} [يونس‪{ ،]107 :‬فَالّ َخيْرٌ حَا ِفظًا وَهُوَ أَرْ َحمُ الرّا ِحمِينَ} [يوسف‪.]64 :‬‬

‫ضبَ الّ عََليْ ِه‬ ‫جهَنّمُ خَاِلدًا فِيهَا وَغَ ِ‬


‫جزَآؤُهُ َ‬ ‫عنْهُ} [البينة‪ ،]8 :‬وقوله‪َ { :‬ومَن َي ْقتُ ْ‬
‫ل مُ ْؤمِنًا ّم َت َعمّدًا فَ َ‬ ‫ع ْنهُمْ وَ َرضُوا َ‬ ‫وقوله‪{ :‬رّ ِ‬
‫ضيَ الُّ َ‬
‫سخَطَ الَّ َوكَرِهُوا ِرضْوَانَهُ} [محمد‪ ،]28 :‬وقوله‪{ :‬فََلمّا آ َ‬
‫سفُونَا انتَ َق ْمنَا‬ ‫وََل َعنَهُ} [النساء‪ ،]93 :‬وقوله‪{ :‬ذَِلكَ بَِأّنهُ ُم ا ّت َبعُوا مَا أَ ْ‬
‫طهُمْ} [التوبة‪ ،]64 :‬وقوله‪َ { :‬كبُ َر مَ ْقتًا عِندَ الِّ أَن تَقُولُوا مَا لَ‬ ‫ِمنْهُمْ} [الزخرف‪ ،]55 :‬وقوله‪{ :‬وَلَـكِن كَ ِرهَ ا ّ‬
‫ل ان ِبعَاثَهُ ْم َف َثبّ َ‬
‫تَ ْفعَلُونَ} [الصف‪.]3 :‬‬

‫لمْرُ} [البقرة‪ ،]210 :‬وقوله‪{ :‬هَ ْ‬


‫ل يَنظُرُونَ ِإ ّ‬
‫ل‬ ‫ضيَ ا َ‬‫ل مّنَ ا ْل َغمَامِ وَا ْلمَلئِكَةُ َوقُ ِ‬
‫ظلَ ٍ‬
‫ل فِي ُ‬‫ل يَنظُرُونَ ِإلّ أَن يَ ْأ ِت َيهُمُ ا ّ‬ ‫وقوله‪{ :‬هَ ْ‬
‫ض آيَاتِ َرّبكَ يَوْ َم َي ْأتِي َبعْضُ آيَاتِ َرّبكَ} [النعام‪{ ،]158 :‬كَلّ ِإذَا ُدكّتِ الَْرْ ُ‬
‫ض َدكّا‬ ‫ي َبعْ ُ‬
‫أَن تَ ْأتِيهُمُ ا ْلمَلئِكَةُ أَ ْو يَ ْأتِيَ َرّبكَ َأ ْو يَ ْأتِ َ‬
‫لئِكَ ُة تَنزِيلً} [الفرقان‪.]25 :‬‬‫سمَاء بِا ْل َغمَامِ َونُزّلَ ا ْلمَ َ‬ ‫دَكّا وَجَاء َرّبكَ وَا ْلمََلكُ صَفّا صَفّا} [الفجر‪َ { ،]22 ،21 :‬ويَوْ َم تَ َ‬
‫شقّقُ ال ّ‬

‫جهَهُ} [القصص‪ ،]88 :‬وقوله‪{ :‬مَا‬ ‫شيْءٍ هَاِلكٌ ِإلّ وَ ْ‬ ‫لْكْرَامِ} [الرحمن‪{ ،]27 :‬كُلّ َ‬ ‫وقوله‪َ { :‬و َيبْقَى َوجْهُ َرّبكَ ذُو ا ْلجَلَلِ وَا ِ‬
‫ن يُنفِقُ‬
‫طتَا ِ‬
‫ل َيدَا ُه َمبْسُو َ‬ ‫ت بِ َيدَيّ} [ص‪َ { ،]75 :‬وقَاَلتِ ا ْل َيهُودُ َيدُ ا ّ‬
‫ل َمغْلُولَةٌ غُلّتْ َأ ْيدِيهِمْ َوُل ِعنُواْ ِبمَا قَالُو ْا بَ ْ‬ ‫جدَ ِلمَا خَلَ ْق ُ‬
‫َمنَ َعكَ أَن تَسْ ُ‬
‫َكيْفَ يَشَاء} [المائدة‪.]64 :‬‬
‫ن ُكفِرَ }‬
‫جزَاء ّلمَن كَا َ‬
‫ع ُي ِننَا َ‬
‫علَى ذَاتِ أَ ْلوَاحٍ َودُسُ ٍر َتجْرِي بِأَ ْ‬ ‫ع ُينِنَا} [الطور‪{ ،]48 :‬وَ َ‬
‫حمَ ْلنَاهُ َ‬ ‫ك بِأَ ْ‬‫ك فَِإّن َ‬
‫حكْمِ َرّب َ‬ ‫وقوله‪{ :‬وَا ْ‬
‫صبِرْ لِ ُ‬
‫صنَعَ عَلَى َعيْنِي} [طه‪.]39 :‬‬ ‫[القمر‪{ ،]14 ،13 :‬وَأَ ْل َقيْتُ عََل ْيكَ مَ َ‬
‫حبّ ًة ّمنّي وَِلتُ ْ‬

‫سمِيعٌ بَصِيرٌ} [المجادلة‪{ ،]1 :‬‬ ‫سمَ ُع تَحَاوُ َر ُكمَا إِنّ الَّ َ‬
‫لّ يَ ْ‬
‫ش َتكِي إِلَى الِّ وَا ُ‬
‫جهَا َوتَ ْ‬
‫لّ قَ ْولَ اّلتِي تُجَادُِلكَ فِي زَوْ ِ‬‫سمِعَ ا ُ‬ ‫وقوله‪َ { :‬قدْ َ‬
‫سمَعُ سِرّهُمْ َو َنجْوَاهُم بَلَى‬
‫سبُونَ َأنّا لَ نَ ْ‬
‫حَ‬‫غ ِنيَاء} [آل عمران‪{ ،]118 :‬أَ ْم يَ ْ‬ ‫ل َفقِيرٌ َونَحْنُ أَ ْ‬
‫ن قَالُواْ إِنّ ا ّ‬
‫ل قَ ْولَ اّلذِي َ‬
‫سمِعَ ا ّ‬
‫لّ َقدْ َ‬
‫وَ ُرسُُلنَا َل َديْهِ ْم َي ْكُتبُونَ} [الزخرف‪.]80 :‬‬

‫ك فِي‬ ‫لّ يَرَى} [العلق‪{،]14 :‬اّلذِي يَرَاكَ حِي َ‬


‫ن تَقُومُ َوتَقَّل َب َ‬ ‫سمَعُ َوأَرَى} [طه‪ ]46 :‬وقوله‪{ :‬أَلَ ْم َيعْلَ ْم ِبأَنّ ا َ‬
‫وقوله‪ِ{ :‬إّننِي َمعَ ُكمَا َأ ْ‬
‫السّا ِجدِينَ ِإنّهُ هُوَ ال ّسمِيعُ ا ْلعَلِيمُ} [الشعراء‪َ {]218-220 :‬وقُلِ ا ْعمَلُو ْا فَ َسيَرَى الّ َعمََلكُمْ وَ َرسُولُهُ وَا ْلمُ ْؤ ِمنُونَ} [التوبة‪:‬‬
‫‪.]105‬‬

‫خيْرُ ا ْلمَاكِرِينَ} [آل عمران‪ ،]54 :‬وقوله‪{ :‬‬ ‫شدِيدُ ا ْلمِحَالِ} [الرعد‪ ،]13 :‬وقوله‪َ { :‬و َمكَرُواْ َو َمكَرَ الّ وَالّ َ‬ ‫وقوله‪{ :‬وَهُوَ َ‬
‫َو َمكَرُوا َمكْرًا َو َمكَ ْرنَا َمكْرًا وَ ُه ْم َل يَ ْشعُرُونَ} [النمل‪]50 :‬وقوله‪ِ{ :‬إّنهُ ْم َيكِيدُونَ َك ْيدًا وََأكِي ُد َكيْدًا}الطارق‪.]16 ،15 :‬‬

‫حبّونَ أَن‬ ‫ل كَانَ عَفُوّا َقدِيرًا} [النساء‪{ ،]149 :‬وَ ْل َيعْفُوا وَ ْليَ ْ‬
‫صفَحُوا َألَ تُ ِ‬ ‫سوَ ٍء َفإِنّ ا ّ‬ ‫وقوله‪{ :‬إِن ُتبْدُواْ َ‬
‫خيْرًا أَ ْو تُخْفُوهُ أَ ْو َتعْفُواْ عَن ُ‬
‫َيغْفِرَ الُّ َل ُكمْ وَالُّ غَفُورٌ رّحِيمٌ} [النور‪.]22 :‬‬

‫ج َمعِينَ} [ص‪ .]82 :‬وقوله‪{ :‬تَبَا َركَ‬ ‫وقوله‪{ :‬وَلِّ ا ْلعِزّةُ وَلِرَسُولِهِ} [المنافقون‪]8 :‬وقوله عن إبليس‪َ { :‬فبِعِ ّز ِت َ‬
‫ك لَُغْ ِويَ ّنهُمْ َأ ْ‬
‫ا ْسمُ َرّبكَ ذِي الْجَلَلِ وَا ِلْكْرَام} [الرحمن‪.]78 :‬‬

‫جعَلُواْ ّ‬
‫لِ‬ ‫حدٌِ} [الخلص‪{ ،]4 :‬فَ َ‬
‫ل تَ ْ‬ ‫س ِميّا} [مريم‪{ ،]65 :‬وَلَ ْم َيكُن لّ ُه كُفُوًا أَ َ‬ ‫ل َتعْلَمُ لَهُ َ‬‫طبِرْ ِل ِعبَا َدتِهِ هَ ْ‬
‫عُبدْهُ وَاصْ َ‬ ‫وقوله‪{ :‬فَا ْ‬
‫حبّو َنهُ ْم كَحُبّ الّ} [البقرة‪َ { ،]165 :‬وقُلِ ا ْل َ‬
‫حمْدُ‬ ‫خذُ مِن دُونِ الّ أَندَادًا يُ ِ‬ ‫س مَن َيتّ ِ‬‫أَندَاداً وَأَنتُ ْم َتعَْلمُونَ} [البقرة‪َ { ،]22 :‬ومِنَ النّا ِ‬
‫سبّحُ لِّ مَا فِي‬ ‫ي مّنَ الذّلّ َو َكبّرْ ُه تَ ْكبِيرًا} [السراء‪{ ،]111 :‬يُ َ‬ ‫شرِيكٌ فِي ا ْلمُ ْلكِ وَلَ ْم َيكُن لّهُ وَِل ّ‬ ‫خذْ وََلدًا وَلَم َيكُن لّهُ َ‬ ‫لِّ اّلذِي َل ْم يَتّ ِ‬
‫شيْ ٍء َقدِيرٌ} [التغابن‪{ ،]1 :‬تَبَا َركَ اّلذِي نَزّلَ ا ْلفُ ْرقَانَ عَلَى َ‬
‫ع ْبدِهِ‬ ‫ح ْمدُ وَ ُهوَ عَلَى كُلّ َ‬ ‫سمَاوَاتِ َومَا فِي الَْ ْرضِ لَهُ ا ْلمُ ْلكُ وَلَهُ الْ َ‬ ‫ال ّ‬
‫ق كُلّ َشيْ ٍء َف َقدّرَ ُه تَ ْقدِيرًا} [‬ ‫ك فِي ا ْلمُ ْلكِ َوخَلَ َ‬ ‫خذْ َوَلدًا َولَ ْم َيكُن لّهُ شَرِي ٌ‬ ‫سمَاوَاتِ وَالَْرْضِ َولَ ْم َيتّ ِ‬ ‫ِل َيكُونَ لِ ْلعَاَلمِينَ َنذِيرًا اّلذِي لَ ُه مُ ْلكُ ال ّ‬
‫عمّا‬‫سبْحَانَ الِّ َ‬ ‫علَى َبعْضٍ ُ‬ ‫ضهُمْ َ‬ ‫ب كُلّ إِلَ ٍه ِبمَا خَلَقَ وََلعَلَ َبعْ ُ‬ ‫ن َمعَهُ مِنْ إِلَهٍ ِإذًا ّلذَهَ َ‬
‫لّ مِن وََلدٍ َومَا كَا َ‬ ‫خذَ ا ُ‬ ‫الفرقان‪{ ،]2 ،1 :‬مَا اتّ َ‬
‫ل َيعْلَمُ وَأَنتُمْ لَ‬ ‫عمّا يُشْ ِركُونَ} [المؤمنون‪{ ،]92 ،91 :‬فَلَ َتضْ ِربُواْ لِّ ا َ‬
‫ل ْمثَالَ إِنّ ا ّ‬ ‫شهَادَةِ َف َتعَالَى َ‬ ‫يَصِفُونَ عَالِمِ ا ْل َغيْبِ وَال ّ‬
‫ل مَا َلمْ‬ ‫لثْمَ وَا ْل َبغْيَ ِب َغيْرِ ا ْلحَقّ وَأَن تُشْ ِركُو ْا بِا ّ‬
‫ظهَ َر ِم ْنهَا َومَا بَطَنَ وَا ِ‬ ‫ش مَا َ‬ ‫حرّمَ َربّيَ الْفَوَاحِ َ‬ ‫َتعَْلمُونَ} [النحل‪{ ،]74 :‬قُلْ ِإّنمَا َ‬
‫ل مَا َل تَعَْلمُونَ} [العراف‪.]33 :‬‬ ‫ل بِهِ سُلْطَانًا وَأَن تَقُولُواْ عَلَى ا ّ‬ ‫ُينَزّ ْ‬

‫ستَوَى عَلَى ا ْلعَرْشِ} في ستة مواضع‪ :‬في سورة العراف قوله‪{ :‬إِنّ َرّبكُمُ الّ‬ ‫ستَوَى}‪{ ،‬ثُمّ ا ْ‬ ‫حمَنُ عَلَى ا ْلعَ ْرشِ ا ْ‬ ‫وقوله‪{ :‬الرّ ْ‬
‫ض فِي ِستّةِ َأيّا ٍم ثُمّ ا ْستَوَى عَلَى ا ْلعَرْشِ} [العراف‪ ،]54 :‬وقال في سورة يونس ـ عليه السلم ـ‪:‬‬ ‫سمَاوَاتِ وَالَرْ َ‬ ‫خلَقَ ال ّ‬‫اّلذِي َ‬
‫ستَوَى عَلَى ا ْلعَرْشِ} [يونس‪ ،]3 :‬وقال في سورة الرعد‪{ :‬الّ‬ ‫ستّةِ َأيّا ٍم ثُمّ ا ْ‬
‫ض فِي ِ‬ ‫سمَاوَاتِ وَالَرْ َ‬ ‫{إِنّ َربّكُمُ الّ اّلذِي خََلقَ ال ّ‬
‫ستَوَى عَلَى ا ْلعَ ْرشِ} [الرعد‪ ،]2 :‬وقال في سورة طه‪{ :‬الرّ ْ‬
‫حمَنُ عَلَى ا ْلعَرْشِ‬ ‫ع َمدٍ تَ َر ْو َنهَا ثُمّ ا ْ‬
‫ت ِبغَيْرِ َ‬
‫سمَاوَا ِ‬‫اّلذِي َرفَعَ ال ّ‬
‫ا ْستَوَى} [طه‪ ]5 :‬وقال في سورة الفرقان‪{ :‬ثُمّ ا ْستَوَى عَلَى ا ْلعَرْشِ الرّ ْحمَنُ} [الفرقان‪،]59 :‬وقال في سورة الم السجدة‪:‬‬
‫ستَوَى عَلَى ا ْلعَرْشِ} [السجدة‪ ]4 :‬وقال في سورة الحديد‪ { :‬هُوَ‬ ‫ستّةِ َأيّا ٍم ثُمّ ا ْ‬
‫لْرْضَ َومَا َب ْينَ ُهمَا فِي ِ‬ ‫سمَاوَاتِ وَا َ‬ ‫{الُّ اّلذِي خَلَقَ ال ّ‬
‫ض فِي ِستّةِ َأيّا ٍم ثُمّ ا ْستَوَى عَلَى ا ْلعَرْشِ} [الحديد‪.]4 :‬‬ ‫سمَاوَاتِ وَالَْرْ َ‬ ‫خلَقَ ال ّ‬‫اّلذِي َ‬

‫وقوله‪{ :‬يَا عِيسَى ِإنّي ُمتَ َوفّيكَ وَرَا ِف ُعكَ إِلَيّ} [آل عمران‪{ ،]55 :‬بَل ّر َفعَهُ الّ ِإَليْهِ} [النساء‪{ ،]158 :‬إَِليْ ِه يَ ْ‬
‫ص َعدُ ا ْلكَلِ ُم‬
‫ت فََأطّلِعَ إِلَى إِلَ ِه مُوسَى‬ ‫سمَاوَا ِ‬
‫سبَابَ ال ّ‬
‫سبَابَ َأ ْ‬
‫لْ ْ‬
‫ن ابْنِ لِي صَرْحًا ّلعَلّي َأبْلُغُ ا َ‬ ‫ح يَ ْر َفعُهُ} [فاطر‪{ ،]10 :‬يَا هَامَا ُ‬ ‫طيّبُ وَا ْل َعمَلُ الصّالِ ُ‬
‫ال ّ‬
‫سمَاء أَن‬ ‫ي تَمُورُ أَمْ َأمِنتُم مّن فِي ال ّ‬‫ض فَِإذَا ِه َ‬
‫ف ِبكُمُ الَرْ َ‬ ‫س َ‬ ‫ظنّ ُه كَا ِذبًا} [غافر‪{]37 ،36 :‬أََأمِنتُم مّن فِي ال ّ‬
‫سمَاء أَن يَخْ ِ‬ ‫وَِإنّي لَ ُ‬
‫ف َنذِيرِ} [الملك‪.]17 ،16 :‬‬ ‫س َتعَْلمُونَ َكيْ َ‬
‫صبًا فَ َ‬
‫يُرْسِلَ عََل ْيكُمْ حَا ِ‬

‫ج مِ ْنهَا َومَا يَن ِزلُ‬


‫ش َيعْلَ ُم مَا يَلِجُ فِي الَْرْضِ َومَا يَخْ ُر ُ‬ ‫ستَوَى عَلَى ا ْلعَرْ ِ‬ ‫ستّةِ َأيّا ٍم ثُمّ ا ْ‬
‫ض فِي ِ‬ ‫سمَاوَاتِ وَالَْرْ َ‬ ‫خلَقَ ال ّ‬‫وقوله‪{ :‬هُوَ اّلذِي َ‬
‫لّ ِبمَا َت ْعمَلُونَ َبصِيرٌ} [الحديد‪{ ،]4 :‬مَا َيكُونُ مِن نّجْوَى ثَلَثَةٍ ِإلّ هُوَ رَابِ ُعهُمْ‬ ‫ن مَا كُنتُمْ وَا ُ‬
‫ج فِيهَا وَ ُه َو َمعَكُمْ َأيْ َ‬
‫سمَاء َومَا َيعْرُ ُ‬‫مِنَ ال ّ‬
‫يءٍ‬
‫لّ ِبكُلّ شَ ْ‬‫عمِلُوا يَوْمَ ا ْل ِقيَامَةِ إِنّ ا َ‬
‫سهُمْ َولَ َأ ْدنَى مِن ذَِلكَ َولَ َأ ْكثَرَ ِإلّ هُ َو َم َعهُمْ َأيْنَ مَا كَانُوا ثُ ّم ُينَ ّب ُئهُم ِبمَا َ‬ ‫خمْسَةٍ ِإلّ هُوَ سَادِ ُ‬
‫َولَ َ‬
‫عَلِيمٌ} [المجادلة‪.]7 :‬‬
‫ن اتّقَواْ وّاّلذِينَ هُم‬ ‫سمَعُ َوأَرَى} [طه‪{ ،]46 :‬إِنّ ا ّ‬
‫ل مَعَ اّلذِي َ‬ ‫ل َم َعنَا} [التوبة‪ِ{ ،]40 :‬إّننِي َمعَ ُكمَا َأ ْ‬ ‫وقوله‪{ :‬لَ تَ ْ‬
‫حزَنْ إِنّ ا ّ‬
‫ت ِفئَةً َكثِيرَ ًة بِِإذْنِ الّ وَالّ‬ ‫ل مَعَ الصّابِرِينَ} [النفال‪{ ،]46 :‬كَم مّن ِفئَ ٍة قَلِيلَةٍ َ‬
‫غَلبَ ْ‬ ‫سنُونَ} [النحل‪{ ،]128 :‬وَا ْ‬
‫صبِرُواْ إِنّ ا ّ‬ ‫مّحْ ِ‬
‫مَعَ الصّابِرِينَ} [البقرة‪.]249 :‬‬

‫ل يَا عِيسَى ابْنَ‬ ‫ل قِيلً} [النساء‪{ ،]122 :‬وَِإذْ قَالَ ا ّ‬ ‫صدَقُ مِنَ ا ّ‬‫حدِيثًا} [النساء‪َ { ،]78 :‬ومَنْ َأ ْ‬ ‫ق مِنَ الّ َ‬ ‫وقوله‪َ { :‬ومَنْ أَ ْ‬
‫صدَ ُ‬
‫ل مُوسَى َتكْلِيمًا} [النساء‪{ ،]164 :‬‬ ‫ص ْدقًا وَعَ ْدلً} [النعام‪َ { ،]115 :‬وكَلّمَ ا ّ‬ ‫ت كَِلمَتُ َرّبكَ ِ‬‫مَ ْريَمَ} [المائدة‪َ { ،]116 :‬و َتمّ ْ‬
‫ّمنْهُم مّن كَلّمَ الّ} [البقرة‪{ ،]253 :‬وََلمّا جَاء مُوسَى ِلمِيقَا ِتنَا َوكَّلمَهُ َربّهُ} [العراف‪َ { ،]143 :‬ونَا َديْنَا ُه مِن جَانِبِ الطّورِ‬
‫ن ائْتِ ا ْلقَوْمَ الظّاِلمِينَ} [الشعراء‪َ { ،]10 :‬ونَادَا ُهمَا َرّب ُهمَا أََلمْ‬ ‫ك مُوسَى أَ ِ‬ ‫جيّا} [مريم ‪{ ،]52‬وَِإ ْذ نَادَى َرّب َ‬ ‫لْ ْيمَنِ َوقَ ّر ْبنَا ُه نَ ِ‬
‫اَ‬
‫عمُونَ} [القصص‪َ { ،]74 :‬ويَ ْومَ‬ ‫َأ ْن َهكُمَا عَن تِ ْل ُكمَا الشّجَ َرةِ} [العراف‪َ { ،]22 :‬ويَوْ َم ُينَادِيهِ ْم َفيَقُولُ َأيْنَ شُ َركَائِيَ اّلذِي َ‬
‫ن كُنتُ ْم تَزْ ُ‬
‫ُينَادِيهِ ْم َفيَقُو ُل مَاذَا َأ َج ْبتُمُ ا ْلمُرْ َسلِينَ} [القصص‪.]65 :‬‬

‫ل ثُ ّم يُحَ ّرفُونَهُ‬
‫س َمعُونَ كَلَمَ ا ّ‬‫ق ّم ْنهُ ْم يَ ْ‬ ‫سمَ َع كَلَمَ الّ} [التوبة‪َ {،]6 :‬و َق ْد كَا َ‬
‫ن فَرِي ٌ‬ ‫حتّى يَ ْ‬
‫جرْهُ َ‬
‫ستَجَا َركَ َفأَ ِ‬
‫حدٌ مّنَ ا ْل ُمشْ ِركِينَ ا ْ‬
‫{وَإِنْ أَ َ‬
‫لّ مِن َقبْلُ} [الفتح‪،]15 :‬‬ ‫لّ قُل لّن َتتّ ِبعُونَا َكذَِلكُ ْم قَالَ ا ُ‬‫مِن َب ْعدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُ ْم َيعَْلمُونَ} [البقرة‪{ ،]75 :‬يُرِيدُونَ أَن ُيبَدّلُوا كَلَمَ ا ِ‬
‫ن يَقُصّ عَلَى بَنِي ِإسْرَائِيلَ َأ ْكثَرَ اّلذِي هُ ْم فِيهِ‬ ‫ل ُم َبدّلَ ِلكَِلمَاتِهِ} [الكهف‪{ ،]27 :‬إِنّ َهذَا الْ ُقرْآ َ‬ ‫ك مِن ِكتَابِ َرّبكَ َ‬ ‫حيَ إَِل ْي َ‬‫ل مَا أُو ِ‬‫{وَاتْ ُ‬
‫يَ ْختَلِفُونَ} [النمل‪.]76 :‬‬

‫صدّعًا مّنْ خَ ْشيَةِ الِّ} [‬ ‫شعًا ّمتَ َ‬ ‫ركٌ} [النعام‪{ ،]551 :‬لَوْ أَنزَ ْلنَا َهذَا ا ْلقُرْآنَ عَلَى َ‬
‫جبَلٍ لّرََأ ْيتَهُ خَا ِ‬ ‫وَهَـذَا كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ مُبَا َ‬
‫س مِن ّرّبكَ‬
‫ل نَزّلَهُ رُوحُ ا ْل ُقدُ ِ‬
‫ن قُ ْ‬
‫ل َيعَْلمُو َ‬
‫ت مُ ْفتَ ٍر بَلْ َأ ْكثَرُهُ ْم َ‬
‫ل قَالُواْ ِإّنمَا أَن َ‬ ‫الحشر‪{ ،]21 :‬وَِإذَا بَدّ ْلنَا آيَ ًة ّمكَا َ‬
‫ن آيَةٍ وَالّ أَعَْل ُم ِبمَا ُينَزّ ُ‬
‫جمِيّ وَهَـذَا لِسَانٌ‬
‫عَ‬‫حدُونَ ِإَليْهِ أَ ْ‬
‫ن آ َمنُواْ وَ ُهدًى َوبُشْرَى لِ ْلمُسِْلمِينَ وَلَ َق ْد َنعْلَمُ َأّنهُ ْم يَقُولُونَ ِإّنمَا يُعَّلمُ ُه بَشَرٌ لّسَانُ اّلذِي يُ ْل ِ‬
‫حقّ ِل ُيثَبّتَ اّلذِي َ‬‫بِالْ َ‬
‫ي ّمبِينٌ} [النحل‪.]101-103 :‬‬ ‫عَ َربِ ّ‬

‫ك يَنظُرُونَ} [المطففين‪{ ،]35 :‬لّّلذِينَ‬


‫وقوله‪{ :‬وُجُو ٌه يَ ْومَ ِئذٍ نّاضِرَةٌ إِلَى َرّبهَا نَاظِرَةٌ} [القيامة‪{ ،]23 ،22 :‬عَلَى الَْرَا ِئ ِ‬
‫أَ ْح َسنُواْ الْ ُح ْسنَى وَ ِزيَادَةٌ} [يونس‪َ{ ،]26 :‬لهُم مّا يَشَاؤُونَ فِيهَا َوَلدَ ْينَا مَزِيدٌ} [ق‪.]35 :‬‬

‫وهذا الباب في كتاب ال ـ تعالى ـ كثير‪ ،‬من تدبر القرآن طالبًا للهدى منه تبين له طريق الحق‪.‬‬

‫فَصــل‬

‫في سنة رسول ال صلى ال عليه وسلم‪:‬‬

‫فالسنة تفسر القرآن وتبينه‪ ،‬وتدل عليه‪ ،‬وتعبر عنه‪ ،‬وما وصف الرسول صلى ال عليه وسلم به ربه ـ عز وجل ـ من‬
‫الحاديث الصحاح التي تلقاها أهل المعرفة بالقبول وجب اليمان بها كذلك‪.‬‬

‫مثل قوله صلى ال عليه وسلم‪( :‬ينزل ربنا إلى سماء الدنيا كل ليلة‪ ،‬حين يبقى ثلث الليل الخر‪ ،‬فيقول‪ :‬من يدعوني‬
‫فأستجيب [في المطبوعة‪( :‬فأستجب)‪ ،‬والصواب ما أثبتناه] له؟ من يسألني فأعطيه؟ من يستغفرني فأغفر له؟) متفق‬
‫عليه‪.‬‬

‫وقوله صلى ال عليه وسلم‪( :‬ل أشد فرحًا بتوبة عبده من أحدكم براحلته) الحديث متفق عليه‪ .‬وقوله صلى ال عليه‬
‫وسلم‪( :‬يضحك ال إلى رجلين‪ ،‬يقتل أحدهما الخر‪ ،‬كلهما يدخل الجنة) متفق عليه‪.‬‬

‫وقوله‪( :‬عجب ربنا من قنوط عباده وقرب غيره‪ ،‬ينظر إليكم أزلين قنطين‪ ،‬فيظل يضحك‪ ،‬يعلم أن فرجكم قريب)‬
‫حديث حسن‪.‬‬

‫وقوله صلى ال عليه وسلم‪( :‬ل تزال جهنم يلقى فيها وهي تقول‪ :‬هل من مزيد ؟ حتى يضع رب العزة فيها رجله ـ‬
‫وفي رواية‪ :‬عليها قدمه ـ فينزوي بعضها إلى بعض‪ ،‬وتقول‪ :‬قط قط) متفق عليه‪.‬‬
‫وقوله صلى ال عليه وسلم‪( :‬يقول ال تعالى‪ :‬يا آدم‪ ،‬فيقول‪ :‬لبيك وسعديك‪ .‬فينادي بصوت‪ :‬إن ال يأمرك أن تخرج‬
‫من ذريتك بعثًا إلى النار) متفق عليه‪ ،‬وقوله‪ ):‬ما منكم من أحد إل سيكلمه ربه ليس بينه وبينه ترجمان)‪ .‬وقوله صلى‬
‫ال عليه وسلم في رقية المريض‪( :‬ربنا ال الذي في السماء‪ ،‬تقدس اسمك‪ ،‬أمرك في السماء والرض كما رحمتك في‬
‫السماء‪ ،‬اجعل رحمتك في الرض‪،‬اغفر لنا حوْبَنا [وقوله‪( :‬حوبنا)‪ :‬أي‪ :‬إثمنا] وخطايانا‪ ،‬أنت رب الطيبين‪ ،‬أنزل‬
‫رحمة من رحمتك وشفاء من شفائك على هذا الوجع‪ ،‬فيبرأ) حديث حسن‪ .‬رواه أبو داود وغيره‪.‬‬

‫وقوله‪( :‬أل تأمنوني وأنا أمين من في السماء) حديث صحيح‪ .‬وقوله‪( :‬والعرش فوق الماء وال فوق العرش‪ ،‬وهو‬
‫يعلم ما أنتم عليه) حديث حسن رواه أبو داود وغيره‪ .‬وقوله صلى ال عليه وسلم للجارية‪( :‬أين ال؟) قالت‪ :‬في‬
‫السماء‪ .‬قال‪( :‬من أنا؟) قالت‪ :‬أنت رسول ال‪ .‬قال‪( :‬أعتقها فإنها مؤمنة) رواه مسلم‪.‬‬

‫صقْ‬
‫وقوله‪( :‬أفضل اليمان‪ :‬أن تعلم أن ال معك حيثما كنت) حديث حسن‪ .‬وقوله‪( :‬إذا قام أحدكم إلى الصلة فل ي ْب ُ‬
‫قبل وجهه‪ ،‬ول عن يمينه‪ ،‬فإن ال قبل وجهه‪ ،‬ولكن عن يساره أو تحت قدمه)‪ .‬متفق عليه‪.‬‬

‫وقوله صلى ال عليه وسلم‪( :‬اللهم رب السموات السبع‪ ،‬ورب العرش العظيم‪ ،‬ربنا ورب كل شيء فالق الحب‬
‫والنوى‪ ،‬منزل التوراة والنجيل والقرآن‪ ،‬أعوذ بك من شر نفسي ومن شر كل دابة أنت آخذ بناصيتها‪ ،‬أنت الول‬
‫فليس قبلك شيء‪ ،‬وأنت الخر فليس بعدك شيء‪ ،‬وأنت الظاهر فليس فوقك شيء‪ ،‬وأنت الباطن فليس دونك شيء‪،‬‬
‫اقض عني الدين واغنني من الفقر) رواه مسلم‪.‬‬

‫وقوله ـ لما رفع أصحابه أصواتهم بالذكرـ‪( :‬أيها الناس‪،‬ارْبعُوا على أنفسكم‪ ،‬فإنكم ل تدعون أصم ول غائال‪ ،‬إنما‬
‫تدعون سميعًا قريال‪ ،‬إن الذي تدعونه أقرب إلى أحدكم من عنق راحلته) متفق عليه [قوله‪( :‬اربعُوا)‪ :‬أي‪ :‬ارفقوا]‬

‫وقوله صلى ال عليه وسلم‪( :‬إنكم سترون ربكم كما ترون القمر ليلة البدر ل تضامون في رؤيته‪ ،‬فإن استطعتم أل‬
‫تغلبوا على صلة قبل طلوع الشمس وصلة قبل غروبها‪ ،‬فافعلوا) متفق عليه‪.‬‬

‫إلى أمثال هذه الحاديث التي يخبر فيها رسول ال صلى ال عليه وسلم عن ربه بما يخبر به‪.‬‬

‫فإن الفرقة الناجية ـ أهل السنة والجماعة ـ يؤمنون بذلك‪ ،‬كما يؤمنون بما أخبر ال به في كتابه العزيز‪ ،‬من غير‬
‫تحريف ول تعطيل‪ ،‬ومن غير تكييف ول تمثيل‪ ،‬بل هم الوسط في فرق المة‪ ،‬كما أن المة هي الوسط في المم‪.‬‬

‫فهم وسط في باب صفات ال ـ سبحانه وتعالى ـ بين أهل التعطيل الجهمية‪ ،‬وأهل التمثيل المشبهة‪.‬‬

‫وهم وسط في باب أفعال ال ـ تعالى ـ بين القدرية والجبرية‪.‬‬

‫وفي باب وعيد ال بين المرجئة والوعيدية‪ ،‬من القدرية وغيرهم‪.‬‬

‫وفي باب أسماء اليمان والدين بين الحرورية والمعتزلة‪ ،‬وبين المرجئة والجهمية‪.‬‬

‫وفي أصحاب رسول ال صلى ال عليه وسلم بين الروافض‪ ،‬والخوارج‪.‬‬

‫فصــل‬

‫وقد دخل فيما ذكرناه من اليمان بال‪ :‬اليمان بما أخبر ال به في كتابه‪ ،‬وتواتر عن رسوله صلى ال عليه وسلم‪،‬‬
‫وأجمع عليه سلف المة‪ ،‬من أنه ـ سبحانه ـ فوق سمواته علىّ عرشه‪ ،‬على على خلقه‪ ،‬وهو سبحانه معهم أينما كانوا‪،‬‬
‫ش َيعْلَمُ‬
‫ستَوَى عَلَى ا ْلعَرْ ِ‬
‫ستّةِ َأيّا ٍم ثُمّ ا ْ‬
‫ض فِي ِ‬ ‫سمَاوَاتِ وَالَْرْ َ‬ ‫يعلم ما هم عاملون‪ ،‬كما جمع بين ذلك في قوله‪{ :‬هُوَ اّلذِي َ‬
‫خلَقَ ال ّ‬
‫لّ ِبمَا َت ْعمَلُو َن بَصِيرٌ} [الحديد‪4:‬‬ ‫ن مَا كُنتُمْ وَا ُ‬
‫ج فِيهَا وَ ُه َو َمعَكُمْ َأيْ َ‬
‫سمَاء َومَا َيعْرُ ُ‬
‫ل مِنَ ال ّ‬
‫ج ِمنْهَا َومَا يَنزِ ُ‬
‫ج فِي الَْ ْرضِ َومَا يَخْ ُر ُ‬
‫مَا يَلِ ُ‬
‫]‪.‬‬
‫وليس معنى قوله‪{ :‬وَ ُهوَ َم َعكُمْ} أنه مختلط بالخلق؛ فإن هذا ل توجبه اللغة‪ ،‬وهو خلف ما أجمع عليه سلف المة‪،‬‬
‫وخلف ما فطر ال عليه الخلق‪ ،‬بل القمر آية من آيات ال من أصغر مخلوقاته‪ ،‬هو موضوع في السماء‪ ،‬وهو مع‬
‫المسافر وغير المسافر أينما كان‪ ،‬وهو سبحانه فوق العرش‪ ،‬رقيب على خلقه مهيمن عليهم‪ ،‬مطلع إليهم‪ ،‬إلى غير‬
‫ذلك من معاني ربوبيته‪.‬‬

‫وكل هذا الكلم الذي ذكره ال ـ سبحانه ـ من أنه فوق العرش‪ ،‬وأنه معنا ـ حق على حقيقته ل يحتاج إلى تحريف‪،‬‬
‫سمَاءِ} أن السماء تقله أو تظله‪ ،‬وهذا باطل‬ ‫ولكن يصان عن الظنون الكاذبة‪ ،‬مثل أن يظن أن ظاهر قوله‪{ :‬فى ال ّ‬
‫بإجماع أهل العلم واليمان‪ ،‬فإن ال قد وسع كرسيه السموات والرض‪ ،‬وهو الذي يمسك السموات والرض أن‬
‫ض بَِأمْرِهِ} [الروم‪.]25:‬‬
‫سمَاء وَالَْرْ ُ‬ ‫تزول‪ ،‬ويمسك السماء أن تقع على الرض إل بإذنه‪َ { ،‬ومِ ْ‬
‫ن آيَاتِهِ أَن تَقُومَ ال ّ‬

‫فصــل‬

‫عنّي فَِإنّي َقرِيبٌ‬


‫عبَادِي َ‬ ‫وقد دخل في ذلك‪ :‬اليمان بأنه قريب من خلقه‪ ،‬مجيب‪ ،‬كما جمع بين ذلك في قوله‪{ :‬وَِإذَا َ‬
‫سأََلكَ ِ‬
‫ب دَعْوَ َة الدّاعِ ِإذَا دَعَانِ} الية [البقرة‪.]186:‬‬
‫أُجِي ُ‬

‫وقوله صلى ال عليه وسلم للصحابة ـ لما رفعوا أصواتهم بالذكر ـ‪( :‬أيها الناس‪ ،‬اربعوا على أنفسكم‪ ،‬فإنكم ل تدعون‬
‫أصم ول غائال‪ ،‬إن الذي تدعونه أقرب إلى أحدكم من عنق راحلته) وما ذكر في الكتاب والسنة ـ من قربه ومعيته ـ‬
‫ل ينافى ما ذكر من علوه وفوقيته‪ ،‬فإنه ـ سبحانه ـ ليس كمثله شيء في جميع نعوته‪ ،‬وهو عليّ في دنوه قريبٌ في‬
‫علوه‪.‬‬

‫فصــل‬

‫ومن اليمان بال وكتبه‪ :‬اليمان بأن القرآن كلم ال منزل غير مخلوق‪ ،‬منه بدأ‪ ،‬وإليه يعود‪،‬وأن ال تعالى تكلم به‬
‫حقيقة‪ ،‬وأن هذا القرآن الذي أنزله على محمد صلى ال عليه وسلم هو كلم ال حقيقة ل كلم غيره‪ ،‬ول يجوز إطلق‬
‫القول بأنه حكاية عن كلم ال أو عبارة عنه‪ ،‬بل إذا قرأه الناس أو كتبوه بذلك في المصاحف‪ ،‬لم يخرج بذلك عن أن‬
‫يكون كلم ال ـ تعالى ـ حقيقة‪ ،‬فإن الكلم إنما يضاف حقيقة إلى من قاله مبتدئًا‪ ،‬ل إلى من قاله مبلغًا مؤديًا‪.‬‬

‫وهو كلم ال‪ ،‬حروفه ومعانيه‪ ،‬ليس كلم ال الحروف دون المعاني‪ ،‬ول المعاني دون الحروف‪.‬‬

‫فصــل‬

‫وقد دخل ـ أيضًا ـ فيما ذكرناه من اليمان به وبكتبه وبرسله‪ :‬اليمان بأن المؤمنين يرونه يوم القيامة عيانًا‬
‫بأبصارهم‪ ،‬كما يرون الشمس صحوًا ليس دونها سحاب‪ ،‬وكما يرون القمر ليلة البدر ل يضامون في رؤيته‪ ،‬يرونه ـ‬
‫سبحانه ـ وهم في عرصات القيامة‪ ،‬ثم يرونه بعد دخول الجنة‪ ،‬كما يشاء ال ـ سبحانه وتعالى‪.‬‬

‫فصــل‬

‫ومن اليمان باليوم الخر‪ :‬اليمان بكل ما أخبر به النبي صلى ال عليه وسلم مما يكون بعد الموت‪ ،‬فيؤمنون بفتنة‬
‫القبر‪ ،‬وبعذاب القبر‪ ،‬وبنعيمه‪.‬‬

‫فأما الفتنة‪ ،‬فإن الناس يفتنون في قبورهم‪ ،‬فيقال للرجل‪ :‬من ربك؟ وما دينك؟ ومن نبيك؟ فيثبت ال الذين آمنوا بالقول‬
‫الثابت في الحياة الدنيا وفي الخرة‪ ،‬فيقول المؤمن‪ :‬ال ربي‪ ،‬والسلم ديني‪ ،‬ومحمد صلى ال عليه وسلم نبيىِ‪ ،‬وأما‬
‫المرتاب فيقول‪ :‬هاه‪ ،‬هاه‪ ،‬ل أدري‪ ،‬سمعت الناس يقولون شيئًا فقلته‪ ،‬فيضرب بمرزبة من حديد‪ ،‬فيصيح صيحة‬
‫يسمعها كل شيء إل النسان‪ ،‬ولو سمعها النسان لصعق‪.‬‬

‫ثم بعد هذه الفتنة‪ ،‬إما نعيم‪ ،‬وإما عذاب‪ ،‬إلى أن تقوم القيامة الكبرى‪ .‬فتعاد الرواح إلى الجساد‪ ،‬وتقوم القيامة التي‬
‫أخبر ال بها في كتابه‪ ،‬وعلى لسان رسوله‪ ،‬وأجمع عليها المسلمون‪ ،‬فيقوم الناس من قبورهم لرب العالمين حفاة‬
‫عراة غُ ْرلً‪ ،‬وتَدْنُو منهم الشمس‪ ،‬ويلجمهم العرق‪.‬‬
‫ت مَوَازِينُ ُه فَأُوَْل ِئكَ اّلذِينَ‬ ‫وتنصب الموازين‪ ،‬فتوزن فيها أعمال العباد‪َ { ،‬فمَن ثَ ُقلَ ْ‬
‫ت مَوَازِينُ ُه فَأُوَْل ِئكَ هُمُ ا ْلمُفِْلحُونَ َومَنْ خَفّ ْ‬
‫خَ ِسرُوا أَن ُف َسهُ ْم فِي َج َهنّمَ خَاِلدُونَ} [المؤمنون‪.]103 ،102:‬‬

‫وتنشر الدواوين ـ وهي صحائف العمال ـ فآخذ كتابه بيمينه‪ ،‬وآخذ كتابه بشماله‪ ،‬أو من وراء ظهره‪ ،‬كما قال ـ‬
‫سكَ ا ْليَوْمَ عََل ْي َ‬
‫ك‬ ‫سبحانه وتعالى‪َ { :‬وكُلّ إِنسَانٍ أَلْ َز ْمنَاهُ طَآئِرَ ُه فِي ُ‬
‫عنُقِهِ َونُخْرِجُ لَ ُه يَوْمَ ا ْل ِقيَامَ ِة ِكتَابًا يَلْقَا ُه مَنشُورًا ا ْقرَ ْأ َكتَا َبكَ كَفَى ِبنَفْ ِ‬
‫حَسِيبًا} [السراء‪.]14 ،13:‬‬

‫ويحاسب ال الخلئق‪ ،‬ويخلو بعبده المؤمن فيقرره بذنوبه‪ ،‬كما وصف ذلك في الكتاب والسنة‪.‬‬

‫وأما الكفار‪ ،‬فل يحاسبون محاسبة من توزن حسناته وسيئاته‪ ،‬فإنه ل حسنات لهم‪ ،‬ولكن تعد أعمالهم وتحصى‪،‬‬
‫فيوقفون عليها ويقررون بها ويجزون بها‪.‬‬

‫وفي عرصة القيامة الحوض المورود لمحمد صلى ال عليه وسلم‪ ،‬ماؤه أشد بياضًا من اللبن‪ ،‬وأحلى من العسل‪ ،‬آنيته‬
‫عدد نجوم السماء‪ ،‬طوله شهر وعرضه شهر‪ ،‬من يشرب منه شربة لم يظمأ بعدها أبدا‪.‬‬

‫والصراط منصوب على متن جهنم ـ وهو الجسر الذي بين الجنة والنار ـ يمر الناس عليه على قدر أعمالهم‪ ،‬فمنهم‬
‫من يمر كلمح البصر‪ ،‬ومنهم من يمر كالبرق الخاطف‪ ،‬ومنهم من يمر كالريح‪ ،‬ومنهم من يمر كالفرس الجواد‪،‬‬
‫ومنهم من يمر كركاب البل‪ ،‬ومنهم من يعدو عدوًا‪ ،‬ومنهم من يمشى مشيًا‪ ،‬ومنهم من يزحف زحفًا‪ ،‬ومنهم من‬
‫يخطف فليقى في جهنم؛ فإن الجسر عليه كلليب تخطف الناس بأعمالهم‪ ،‬فمن مر على الصراط دخل الجنة‪.‬‬

‫فإذا عبروا عليه وقفوا على قنطرة بين الجنة والنار‪ ،‬فيقتص لبعضهم من بعض‪ ،‬فإذا هذبوا ونقوا أذن لهم في دخول‬
‫الجنة‪.‬‬

‫وأول من يستفتح باب الجنة محمد صلى ال عليه وسلم‪ ،‬وأول من يدخل الجنة من المم أمته‪.‬‬

‫وله صلى ال عليه وسلم ـ في القيامة ـ ثلث شفاعات‪:‬‬

‫أما الشفاعة الولى‪ :‬فيشفع في أهل الموقف‪ ،‬حتى يقضي بينهم بعد أن تتراجع النبياء‪ ،‬آدم‪ ،‬ونوح‪ ،‬وإبراهيم‪،‬‬
‫وموسى‪ ،‬وعيسى ابن مريم عن الشفاعة‪ ،‬حتى تنتهي إليه‪.‬‬

‫وأما الشفاعة الثانية‪ :‬فيشفع في أهل الجنة أن يدخلوا الجنة‪ ،‬وهاتان الشفاعتان خاصتان له‪.‬‬

‫وأما الشفاعة الثالثة‪ :‬فيشفع فيمن استحق النار‪ ،‬وهذه الشفاعة له ولسائر النبيين‪ ،‬والصديقين وغيرهم‪ ،‬فيشفع فيمن‬
‫استحق النار أل يدخلها‪ ،‬ويشفع فيمن دخلها أن يخرج منها‪ ،‬ويخرج ال ـ تعالى ـ من النار أقوامًا بغير شفاعة‪ ،‬بل‬
‫بفضله ورحمته‪ ،‬ويبقى في الجنة فضل عمن دخلها من أهل الدنيا‪ ،‬فينشئ ال لها أقوامًا فيدخلهم الجنة‪.‬‬

‫وأصناف ما تضمنته الدار الخرة من الحساب‪ ،‬والثواب والعقاب‪ ،‬والجنة والنار‪ ،‬وتفاصيل ذلك مذكورة في الكتب‬
‫المنزلة من السماء‪ ،‬والثار من العلم المأثورة عن النبياء‪ ،‬وفي العلم الموروث عن محمد صلى ال عليه وسلم من‬
‫ذلك ما يشفى ويكفي‪ ،‬فمن ابتغاه وجده‪.‬‬

‫وتؤمن الفرقة الناجية ـ أهل السنة والجماعة ـ بالقدر؛ خيره وشره‪ ،‬واليمان بالقدر على درجتين‪ ،‬كل درجة تتضمن‬
‫شيئين‪:‬‬

‫فالدرجة الولى‪ :‬اليمان بأن ال ـ تعالى ـ علم ما الخلق عاملون بعلمه القديم‪ ،‬الذي هو موصوف به أزلً‪ ،‬وعلم جميع‬
‫أحوالهم من الطاعات والمعاصي والرزاق والجال‪.‬‬

‫ثم كتب ال في اللوح المحفوظ مقادير الخلق‪( :‬فأول ما خلق ال القلم قال له‪ :‬اكتب قال‪ :‬ما أكتب؟ قال‪ :‬اكتب ما هو‬
‫كائن إلى يوم القيامة) فما أصاب النسان لم يكن ليخطئه‪ ،‬وما أخطأه لم يكن ليصيبه‪ ،‬جفت القلم وطويت الصحف‬
‫لّ يَسِيرٌ} [الحج‪،]70:‬‬
‫ن ذَِلكَ عَلَى ا ِ‬‫ن ذَِلكَ فِي ِكتَابٍ إِ ّ‬ ‫سمَاء وَالَْرْضِ إِ ّ‬ ‫كما قال سبحانه وتعالى‪{ :‬أََل ْم َتعْلَمْ أَنّ ا َ‬
‫لّ َيعْلَ ُم مَا فِي ال ّ‬
‫لّ يَسِيرٌ} [الحديد‪.]22:‬‬
‫ن ذَِلكَ عَلَى ا ِ‬‫ب مّن َقبْلِ أَن ّنبْرَأَهَا إِ ّ‬ ‫ل فِي ِكتَا ٍ‬
‫سكُمْ ِإ ّ‬
‫ل فِي أَن ُف ِ‬
‫لْرْضِ َو َ‬ ‫ب مِن مّصِيبَةٍ فِي ا َ‬ ‫وقال‪{ :‬مَا أَصَا َ‬

‫وهذا التقدير ـ التابع لعلمه سبحانه ـ يكون في مواضع جملة وتفصيل‪ ،‬فقد كتب في اللوح المحفوظ ما شاء‪ .‬وإذا خلق‬
‫جسد الجنين قبل نفخ الروح فيه بعث إليه ملكًا‪ ،‬فيؤمر بأربع كلمات‪ ،‬فيقال له‪ :‬اكتب رزقه‪ ،‬وأجله‪ ،‬وعمله‪ ،‬وشقي أو‬
‫سعيد‪ ،‬ونحو ذلك‪ ،‬فهذا القدر قد كان ينكره غلة القدرية قديمًا‪ ،‬ومنكره اليوم قليل‪.‬‬

‫وأما الدرجة الثانية‪ :‬فهو مشيئة ال النافذة‪ ،‬وقدرته الشاملة‪ ،‬وهو اليمان بأن ما شاء ال كان‪ ،‬وما لم يشأ لم يكن‪ ،‬وأنه‬
‫ما في السموات والرض من حركة ول سكون إل بمشيئة ال ـ سبحانه ـ ل يكون في ملكه إل ما يريد‪ ،‬وأنه ـ سبحانه‬
‫وتعالى ـ على كل شيء قدير من الموجودات والمعدومات‪.‬‬

‫فما من مخلوق في الرض ول في السماء إل ال خالقه ـ سبحانه ـ ل خالق غيره ول رب سواه‪.‬‬

‫ومع ذلك‪ ،‬فقد أمر العباد بطاعته وطاعة رسله‪ ،‬ونهاهم عن معصيته‪.‬‬

‫وهو ـ سبحانه ـ يحب المتقين‪ ،‬والمحسنين والمقسطين‪ ،‬ويرضى عن الذين آمنوا وعملوا الصالحات‪ ،‬ول يحب‬
‫الكافرين‪ ،‬ول يرضى عن القوم الفاسقين ول يأمر بالفحشاء‪ ،‬ول يرضى لعباده الكفر‪ ،‬ول يحب الفساد‪.‬‬

‫والعباد فاعلون حقيقة‪ ،‬وال خالق أفعالهم‪ ،‬والعبد هو المؤمن والكافر والبر والفاجر‪ ،‬والمصلي والصائم‪ ،‬وللعباد قدرة‬
‫على أعمالهم ولهم إرادة‪ ،‬وال خالقهم وخالق قدرتهم وإرادتهم‪ ،‬كما قال تعالى‪ِ{ :‬لمَن شَاء مِنكُمْ أَن يَ ْ‬
‫ستَقِيمَ َومَا تَشَاؤُونَ ِإلّ‬
‫أَن يَشَاء الُّ َربّ ا ْلعَاَلمِينَ} [التكوير‪.]29 ،28:‬‬

‫وهذه الدرجة من القدر‪ ،‬يكذب بها عامة القدرية‪ ،‬الذين سماهم النبي صلى ال عليه وسلم مجوس هذه المة‪ ،‬ويغلو‬
‫فيها قوم من أهل الثبات‪ ،‬حتى سلبوا العبد قدرته واختياره‪ ،‬ويخرجون عن أفعال ال وأحكامه حكمها ومصالحها‪.‬‬

‫فصــل‬

‫ومن أصول أهل السنة‪ :‬أن الدين واليمان قول وعمل؛ قول القلب واللسان‪ ،‬وعمل القلب واللسان والجوارح‪ ،‬وأن‬
‫اليمان يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية‪.‬‬

‫وهم مع ذلك ل يكفرون أهل القبلة بمطلق المعاصي والكبائر‪ ،‬كما يفعله الخوارج‪ ،‬بل الخوة اليمانية ثابتة مع‬
‫ي ٌء فَاّتبَا ٌع بِا ْل َمعْرُوفِ} [البقرة‪]178 :‬‬ ‫المعاصي‪ ،‬كما قال ـ سبحانه وتعالى ـ في آية القصاص‪َ { :‬فمَنْ عُ ِفيَ لَ ُه مِنْ أَخِيهِ شَ ْ‬
‫حتّى تَفِيءَ إِلَى َأمْرِ‬
‫خرَى َفقَاتِلُوا اّلتِي َتبْغِي َ‬‫حدَا ُهمَا عَلَى الُْ ْ‬ ‫‪ ،‬وقال‪{ :‬وَإِن طَائِ َفتَا ِ‬
‫ن مِنَ ا ْلمُ ْؤ ِمنِينَ ا ْق َتتَلُوا َفأَصِْلحُوا َبيْ َن ُهمَا فَإِن َبغَتْ ِإ ْ‬
‫لّ يُحِبّ ا ْلمُقْسِطِينَ ِإّنمَا ا ْلمُ ْؤ ِمنُونَ إِ ْخوَ ٌة فََأصْلِحُوا َبيْنَ أَخَ َو ْيكُمْ} [الحجرات‪،9:‬‬ ‫صلِحُوا َب ْي َنهُمَا بِا ْلعَدْلِ َوَأقْسِطُوا إِنّ ا َ‬ ‫ت فَأَ ْ‬
‫لّ فَإِن فَاء ْ‬
‫ا ِ‬
‫‪.]10‬‬

‫ول يسلبون الفاسق المِّليّ [المِلّي‪ :‬نسبة إلى أهل الملل من المسلمين واليهود والنصارى] اسم اليمان بالكلية ول‬
‫يخلدونه في النار‪ ،‬كما تقوله المعتزلة‪ ،‬بل الفاسق يدخل في اسم اليمان في مثل قوله تعالى‪َ { :‬فتَحْرِيرُ َر َقبَ ٍة مّ ْؤ ِمنَةٍ} [‬
‫النساء‪.]92:‬‬

‫وقد ل يدخل في اسم اليمان المطلق‪ ،‬كما في قوله تعالى‪ِ{ :‬إّنمَا ا ْلمُ ْؤمِنُونَ اّلذِينَ ِإذَا ُذكِرَ الّ َوجِلَ ْ‬
‫ت قُلُو ُبهُمْ َوِإذَا تُِليَتْ عََل ْيهِمْ‬
‫آيَاتُهُ زَا َد ْتهُمْ إِيمَانًا} [النفال‪ ،]2:‬وقوله صلى ال عليه وسلم‪( :‬ل يزنى الزاني حين يزني وهو مؤمن‪ ،‬ول يسرق‬
‫السارق حين يسرق وهو مؤمن‪ ،‬ول يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن‪ ،‬ول ينتهب ُنهْبةً ذات شرف يرفع الناس‬
‫إليه فيها أبصارهم حين ينتهبها وهو مؤمن)‪[ .‬قوله‪( :‬ل ينتهب نهبة)‪ :‬النهب‪ :‬الغارة والسلب‪ ،‬أي‪:‬ل يختلس شيئًا له‬
‫قيمة عالية]‬

‫ويقولون‪ :‬هو مؤمن ناقص اليمان‪ ،‬أو مؤمن بإيمانه فاسق بكبيرته‪ ،‬فل يعطى السم المطلق‪ ،‬ول يسلب مطلق السم‪.‬‬
‫فصــل‬

‫ومن أصول أهل السنة والجماعة‪ :‬سلمة قلوبهم وألسنتهم لصحاب رسول ال صلى ال عليه وسلم‪ ،‬كما وصفهم ال‬
‫ل فِي قُلُو ِبنَا غِلّ لّّلذِينَ‬
‫جعَ ْ‬
‫ل تَ ْ‬
‫س َبقُونَا بِالِْيمَانِ َو َ‬ ‫به في قوله تعالى‪{ :‬وَاّلذِينَ جَاؤُوا مِن َبعْدِهِ ْم يَقُولُونَ َرّبنَا اغْ ِفرْ َلنَا َولِ ْ‬
‫خوَا ِننَا اّلذِينَ َ‬
‫آ َمنُوا َرّبنَا ِإّنكَ رَؤُوفٌ رّحِيمٌ} [الحشر‪.]10:‬‬

‫وطاعة النبي صلى ال عليه وسلم في قوله‪( :‬ل تسبوا أصحابي‪ ،‬فوالذي نفسي بيده‪ ،‬لو أن أحدكم أنفق مثل أحد ذهال‬
‫ما بلغ ُمدّ أحدهم ول َنصِيفَه)‪ .‬ويقبلون ما جاء به الكتاب والسنة والجماع‪ ،‬من فضائلهم ومراتبهم‪ ،‬فيفضلون من أنفق‬
‫من قبل الفتح ـ وهو صلح الحديبية ـ وقاتل على من أنفق من بعده وقاتل‪ ،‬ويقدمون المهاجرين على النصار‪،‬‬
‫ويؤمنون بأن ال قال لهل بدر ـ وكانوا ثلثمائة وبضعة عشر ـ‪( :‬اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم)‪ ،‬وبأنه ل يدخل‬
‫النار أحد بايع تحت الشجرة‪ ،‬كما أخبر به النبي صلى ال عليه وسلم‪ ،‬بل قد رضي ال عنهم ورضوا عنه‪ ،‬وكانوا‬
‫أكثر من ألف وأربعمائة‪.‬‬

‫ويشهدون بالجنة لمن شهد له رسول ال صلى ال عليه وسلم بالجنة‪ ،‬كالعشرة‪ ،‬وكثابت بن قيس بن شماس‪ ،‬وغيرهم‬
‫من الصحابة‪.‬‬

‫ويقرون بما تواتر به النقل عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ـ رضي ال عنه ـ وعن غيره‪ ،‬من أن خير هذه‬
‫المة بعد نبيها أبو بكر‪ ،‬ثم عمر‪ ،‬ويثلثون بعثمان‪ ،‬ويربعون بعلي ـ رضي ال عنهم ـ كما دلت عليه الثار‪ ،‬وكما‬
‫أجمع الصحابة ـ رضي ال عنهم ـ على تقديم عثمان في البيعة‪ ،‬مع أن بعض أهل السنة كانوا قد اختلفوا في عثمان‬
‫وعلي ـ رضي ال عنهما ـ بعد اتفاقهم على تقديم أبي بكر وعمر ـ أيهما أفضل‪ ،‬فقدم قوم عثمان وسكتوا‪ ،‬أو ربعوا‬
‫بعلي‪ ،‬وقدم قوم عليًا‪ ،‬وقوم توقفوا‪ ،‬لكن استقر أمر أهل السنة على تقديم عثمان‪ ،‬وإن كانت هذه المسألة ـ مسألة‬
‫عثمان وعلي ـ ليست من الصول التي يضلل المخالف فيها عند جمهور أهل السنة‪ ،‬لكن المسألة التي يضلل المخالف‬
‫فيها هي مسألة الخلفة‪.‬‬

‫وذلك أنهم يؤمنون بأن الخليفة بعد رسول ال صلى ال عليه وسلم أبو بكر‪ ،‬ثم عمر‪ ،‬ثم عثمان‪ ،‬ثم علي‪ ،‬ومن طعن‬
‫في خلفة أحد من هؤلء الئمة فهو أضل من حمار أهله‪.‬‬

‫ويحبون أهل بيت رسول ال صلى ال عليه وسلم‪ ،‬ويتولونهم‪ ،‬ويحفظون فيهم وصية رسول ال صلى ال عليه وسلم‬
‫خمّ‪( :‬أذكركم ال في أهل بيتي‪ ،‬أذكركم ال في أهل بيتي)‪ ،‬وقال ـ أيضًا ـ للعباس عمه ـ وقد‬
‫غدِير ُ‬
‫حيث قال يوم َ‬
‫اشتكى إليه أن بعض قريش يجفو بني هاشم ـ فقال‪( :‬والذي نفسي بيده‪ ،‬ل يؤمنون حتى يحبوكم ل ولقرابتي)‪ ،‬وقال‬
‫صلى ال عليه وسلم‪( :‬إن ال اصطفى بني إسماعيل‪ ،‬واصطفى من بني إسماعيل كنانة‪ ،‬واصطفى من كنانة قريشًا‪،‬‬
‫واصطفى من قريش بني هاشم‪ ،‬واصطفاني من بني هاشم)‪.‬‬

‫ويتولون أزواج رسول ال صلى ال عليه وسلم أمهات المؤمنين‪ ،‬ويؤمنون بأنهن أزواجه في الخرة‪ ،‬خصوصًا‬
‫خديجة ـ رضي ال عنها ـ أم أكثر أولده‪ ،‬وأول من آمن به وعاضده على أمره‪ ،‬وكان لها منه المنزلة العالية‪.‬‬

‫والصديقة بنت الصديق ـ رضي ال عنهما ـ التي قال فيها النبي صلى ال عليه وسلم‪( :‬فضل عائشة على النساء‬
‫كفضل الثريد على سائر الطعام)‪.‬‬

‫ويتبرؤون من طريقة الروافض‪ ،‬الذين يبغضون الصحابة ويسبونهم‪ ،‬ومن طريقة النواصب‪ ،‬الذين يؤذون أهل البيت‬
‫بقول أو عمل‪ ،‬و يمسكون عما شجر بين الصحابة‪.‬‬

‫ويقولون‪ :‬إن هذه الثار المروية في مساويهم منها ما هو كذب‪ ،‬ومنها ما قد زيد فيه ونقص وغير عن وجهه‬
‫والصحيح منه هم فيه معذورون‪ ،‬إما مجتهدون مصيبون‪ ،‬وإما مجتهدون مخطئون‪.‬‬

‫وهم مع ذلك ل يعتقدون أن كل واحد من الصحابة معصوم عن كبائر الثم وصغائره‪ ،‬بل تجوز عليهم الذنوب في‬
‫الجملة‪ ،‬ولهم من السوابق والفضائل ما يوجب مغفرة ما يصدر منهم إن صدر‪ ،‬حتى إنه يغفر لهم من السيئات ما ل‬
‫يغفر لمن بعدهم؛ لن لهم من الحسنات التي تمحو السيئات ما ليس لمن بعدهم‪ ،‬وقد ثبت بقول رسول ال صلى ال‬
‫عليه وسلم‪( :‬أنهم خير القرون) وأن المد من أحدهم إذا تصدق به‪ ،‬كان أفضل من جبل أحد ذهال ممن بعدهم‪.‬‬

‫ثم إذا كان قد صدر من أحدهم ذنب فيكون قد تاب منه‪ ،‬أو أتى بحسنات تمحوه‪ ،‬أو غفر له بفضل سابقته‪ ،‬أو بشفاعة‬
‫محمد صلى ال عليه وسلم الذي هم أحق الناس بشفاعته‪ ،‬أو ابتلى ببلء في الدنيا كفر به عنه‪ ،‬فإذا كان هذا في‬
‫الذنوب المحققة‪ ،‬فكيف بالمور التي كانوا فيها مجتهدين‪ ،‬إن أصابوا فلهم أجران‪ ،‬وإن أخطؤوا فلهم أجر واحد‪،‬‬
‫والخطأ مغفور لهم؟‬

‫ثم القدر الذي ينكر من فعل بعضهم قليل نزر‪ ،‬مغمور في جنب فضائل القوم ومحاسنهم‪ ،‬من اليمان بال ورسوله‪،‬‬
‫والجهاد في سبيله‪ ،‬والهجرة والنصرة‪ ،‬والعلم النافع‪ ،‬والعمل الصالح‪.‬‬

‫ومن نظر في سيرة القوم بعلم وبصيرة‪ ،‬وما مَنّ ال به عليهم من الفضائل‪ ،‬علم يقينًا أنهم خير الخلق بعد النبياء‪ ،‬ل‬
‫كان ول يكون مثلهم‪ ،‬وأنهم هم الصفوة من قرون هذه المة‪ ،‬التي هي خير المم وأكرمها على ال تعالى‪.‬‬

‫ومن أصول أهل السنة والجماعة‪ :‬التصديق بكرامات [في المطبوعة‪[ :‬بكرمات] والصواب ما أثبتناه] الولياء‪ ،‬وما‬
‫يجرى ال على أيديهم من خوارق العادات‪ ،‬في أنواع العلوم والمكاشفات‪ ،‬وأنواع القدرة والتأثيرات‪ ،‬كالمأثور عن‬
‫سالف المم في سورة الكهف وغيرها‪ ،‬وعن صدر هذه المة من الصحابة والتابعين وسائر قرون المة‪ ،‬وهي‬
‫موجودة فيها إلى يوم القيامة‪.‬‬

‫فصــل‬

‫ثم من طريقة أهل السنة والجماعة‪:‬اتباع آثار رسول ال صلى ال عليه وسلم باطنًا وظاهرًا‪ ،‬واتباع سبيل السابقين‬
‫الولين من المهاجرين والنصار‪ ،‬واتباع وصية رسول ال صلى ال عليه وسلم‪ ،‬حيث قال‪( :‬عليكم بسنتي وسنة‬
‫الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي‪ ،‬تمسكوا بها‪ ،‬وعضوا عليها بالنواجذ‪ ،‬وإياكم ومحدثات المور‪ ،‬فإن كل محدثة‬
‫بدعة‪ ،‬وكل بدعة ضللة)‪.‬‬

‫ويعلمون أن أصدق الكلم كلم ال‪ ،‬وخير الهدى هدى محمد صلى ال عليه وسلم‪ ،‬ويؤثرون كلم ال على كلم غيره‬
‫من كلم أصناف الناس‪ ،‬ويقدمون هدى محمد صلى ال عليه وسلم على هدى كل أحد‪ ،‬وبهذا سموا‪ :‬أهل الكتاب‬
‫والسنة‪.‬‬

‫وسموا أهل الجماعة؛ لن الجماعة هى الجتماع وضدها الفرقة‪ ،‬وإن كان لفظ الجماعة قد صار اسمًا لنفس القوم‬
‫المجتمعين‪ ،‬والجماع هو الصل الثالث الذى يعتمد عليه فى العلم والدين‪.‬‬

‫وهم يزنون بهذه الصول الثلثة جميع ما عليه الناس من أقوال وأعمال باطنة أو ظاهرة مما له تعلق بالدين‪،‬‬
‫والجماع الذى ينضبط هو ما كان عليه السلف الصالح؛ إذ بعدهم كثر الختلف وانتشرت المة‪.‬‬

‫فصل‬

‫ثم هم مع هذه الصول يأمرون بالمعروف‪ ،‬وينهون عن المنكر على ما توجبه الشريعة‪ .‬ويرون إقامة الحج والجهاد‬
‫والجمع والعياد مع المراء‪ ،‬أبرارًا كانوا أو فجارًا‪ ،‬ويحافظون على الجماعات‪.‬‬

‫ويدينون بالنصيحة للمة‪ ،‬ويعتقدون معنى قوله صلى ال عليه وسلم‪( :‬المؤمن للمؤمن كالبنيان‪ ،‬يشد بعضه بعضًا)‪،‬‬
‫وشبك بين أصابعه صلى ال عليه وسلم‪ ،‬وقوله صلى ال عليه وسلم ‪( :‬مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم‬
‫كمثل الجسد‪ ،‬إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر)‪.‬‬

‫ويأمرون بالصبر عند البلء‪ ،‬والشكر عند الرخاء‪ ،‬والرضا بمر القضاء‪ ،‬ويدعون إلى مكارم الخلق ومحاسن‬
‫العمال‪ ،‬ويعتقدون معنى قوله صلى ال عليه وسلم‪( :‬أكمل المؤمنين إيمانًا أحسنهم خلقًا)‪.‬‬
‫ويندبون إلى أن تصل من قطعك‪ ،‬وتعطى من حرمك‪ ،‬وتعفو عمن ظلمك‪ ،‬ويأمرون ببر الوالدين‪ ،‬وصلة الرحام‪،‬‬
‫وحسن الجوار‪ ،‬والحسان إلى اليتامى والمساكين وابن السبيل‪ ،‬والرفق بالمملوك‪ ،‬وينهون عن الفخر والخُيَلء‬
‫والبغي‪ ،‬والستطالة على الخلق بحق أو بغير حق‪ ،‬ويأمرون بمعالى الخلق‪ ،‬وينهون عن سفسافها وكل ما يقولونه‬
‫أو يفعلونه من هذا أو غيره‪ ،‬فإنما هم فيه متبعون للكتاب والسنة‪.‬‬

‫وطريقتهم هي دين السلم‪ ،‬الذي بعث ال به محمدًا صلى ال عليه وسلم‪ ،‬لكن لما أخبر النبي صلى ال عليه وسلم أن‬
‫أمته ستفترق على ثلث وسبعين فرقة‪ ،‬كلها في النار إل واحدة وهي الجماعة‪ ،‬وفي حديث عنه صلى ال عليه وسلم‬
‫أنه قال‪( :‬هم من كان على مثل ما أنا عليه اليوم وأصحابي) ‪ ،‬صار المتمسكون بالسلم المحض الخالص عن‬
‫الشوب هم أهل السنة والجماعة‪ ،‬وفيهم الصديقون والشهداء والصالحون‪ ،‬ومنهم أعلم الهدى ومصابيح الدجى‪ ،‬أولو‬
‫المناقب المأثورة‪ ،‬والفضائل المذكورة‪ ،‬وفيهم البدال الئمة الذين أجمع المسلمون على هدايتهم ودرايتهم‪.‬وهم الطائفة‬
‫المنصورة‪ ،‬الذين قال فيهم النبي صلى ال عليه وسلم‪( :‬ل تزال طائفة من أمتي على الحق ظاهرين‪ ،‬ل يضرهم من‬
‫خذلهم ول من خالفهم حتى تقوم الساعة)‪.‬‬

‫فنسأل ال العظيم أن يجعلنا منهم‪ ،‬وأل يزيغ قلوبنا بعد إذ هدانا‪ ،‬ويهب لنا من لدنه رحمة‪ ،‬إنه هو الوهاب‪ .‬وال أعلم‪.‬‬

‫وصلى ال على محمد وآله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا‪.‬‬

‫قال ــ رحمه ال تعالى ‪:‬‬

‫بسم ال الرحمن الرحيم‬

‫الحمد ل رب العالمين ‪.‬الرحمن الرحيم‪.‬مالك يوم الدين‪.‬‬

‫وأشهد أن ل إله إل ال وحده ل شريك له ول ظهير له‪ ،‬ول معين‪.‬‬

‫وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله؛ الذي أرسله إلى الخلق أجمعين‪.‬صلى ال عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرًا‪،‬‬
‫وعلى سائر عباد ال الصالحين‪.‬‬

‫أما بعد‪ :‬فقد سئلت غير مرة‪ ،‬أن أكتب ما حضرنى ذكره مما جرى في المجالس الثلثة‪ ،‬المعقودة للمناظرة‪ ،‬في أمر‬
‫العتقاد بمقتضى ما ورد به كتاب السلطان‪ ،‬من الديار المصرية إلى نائبه أمير البلد‪ .‬لما سعى إليه قوم من‬
‫الجهمية‪،‬والتحادية‪ ،‬والرافضة‪ ،‬وغيرهم من ذوى الحقاد‪.‬‬

‫فأمر المير بجمع القضاة الربعة ـ قضاة المذاهب الربعة ـ وغيرهم من نوابهم والمفتين والمشائخ‪ ،‬ممن له حرمة‬
‫وبه اعتداد‪ .‬وهم ل يدرون ما قصد بجمعهم في هذا الميعاد‪ ،‬وذلك يوم الثنين ثامن رجب المبارك عام خمس‬
‫وسبعمائة‪.‬‬

‫فقال لى‪ :‬هذا المجلس عقد لك‪ ،‬فقد ورد مرسوم السلطان بأن أسألك عن اعتقادك‪ ،‬وعما كتبت به إلى الديار المصرية‪،‬‬
‫من الكتب التي تدعو بها الناس إلى العتقاد‪ ،‬وأظنه قال‪ :‬وأن أجمع القضاة والفقهاء ‪ ،‬وتتباحثون في ذلك‪.‬‬

‫فقلت‪ :‬أما العتقاد‪ ،‬فل يؤخذ عنى ول عمن هو أكبر منى‪ ،‬بل يؤخذ عن ال ورسوله صلى ال عليه وسلم‪ ،‬وما أجمع‬
‫عليه سلف المة‪ ،‬فما كان في القرآن وجب اعتقاده‪ ،‬وكذلك ما ثبت في الحاديث الصحيحة‪ ،‬مثل صحيح البخاري‪،‬‬
‫ومسلم‪.‬‬

‫وأما الكتب‪ ،‬فما كتبت إلى أحد كتابًا ابتداءً أدعوه به إلى شيء من ذلك‪ ،‬ولكني كتبت أجوبة أجبت بها من يسألنى من‬
‫أهل الديار المصرية وغيرهم‪ ،‬وكان قد بلغنى أنه زور على كتاب إلى المير ركن الدين الجاشنكير‪ ،‬أستاذ دار‬
‫السلطان‪ ،‬يتضمن ذكر عقيدة محرفة‪ ،‬ولم أعلم بحقيقته‪ ،‬لكن علمت أنه مكذوب‪.‬‬
‫وكان يرد عليّ من مصر وغيرها من يسألني عن مسائل في العتقاد وغيره‪ ،‬فأجيبه بالكتاب والسنة‪ ،‬وما كان عليه‬
‫سلف المة‪.‬‬

‫فقال‪ :‬نريد أن تكتب لنا عقيدتك‪.‬‬

‫فقلت‪ :‬اكتبوا‪ .‬فأمر الشيخ كمال الدين أن يكتب‪ ،‬فكتب له جمل العتقاد في أبواب الصفات والقدر‪ ،‬ومسائل اليمان‬
‫والوعيد‪ ،‬والمامة والتفضيل‪.‬‬

‫وهو أن اعتقاد أهل السنة والجماعة‪ :‬اليمان بما وصف ال به نفسه‪ ،‬وبما وصفه به رسوله صلى ال عليه وسلم‪ ،‬من‬
‫غير تحريف ول تعطيل ول تكييف ول تمثيل‪ ،‬وأن القرآن كلم ال غير مخلوق‪ ،‬منه بدأ وإليه يعود‪.‬‬

‫واليمان بأن ال خالق كل شيء من أفعال العباد وغيرها‪ ،‬وأنه ما شاء ال كان وما لم يشأ لم يكن‪ ،‬وأنه أمر بالطاعة‪،‬‬
‫وأحبها ورضيها‪ ،‬ونهي عن المعصية وكرهها‪ ،‬والعبد فاعل حقيقة‪،‬وال خالق فعله‪،‬وأن اليمان والدين قول وعمل‪،‬‬
‫يزيد وينقص‪،‬وأل نكفر أحدًا من أهل القبلة بالذنوب‪ ،‬ول نخلد في النار من أهل اليمان أحدًا‪ ،‬وأن الخلفاء بعد رسول‬
‫ال صلى ال عليه وسلم أبو بكر‪ ،‬ثم عمر‪ ،‬ثم عثمان‪ ،‬ثم علي‪ ،‬وأن مرتبتهم في الفضل كترتيبهم في الخلفة‪،‬ومن قدم‬
‫عليًا على عثمان فقد أزرى بالمهاجرين والنصار [أزرى بالمهاجرين والنصار‪ :‬أي قلل من شأنهم وعابهم] وذكرت‬
‫هذا أو نحوه؛ فإني الن قد بعد عهدي‪ ،‬ولم أحفظ لفظ ما أمليته‪ ،‬لكنه كتب إذ ذاك‪.‬‬

‫ثم قلت للمير والحاضرين‪ :‬أنا أعلم أن أقوامًا يكذبون على‪ ،‬كما قد كذبوا علىّ غير مرة‪ ،‬وإن أمليت العتقاد من‬
‫حفظي‪ ،‬ربما يقولون‪ :‬كتم بعضه‪ ،‬أو داهن وداري‪ ،‬فأنا أحضر عقيدة مكتوبة‪ ،‬من نحو سبع سنين قبل مجيء التتر‬
‫إلى الشام‪.‬‬

‫وقلت قبل حضورها كلمًا قد بعد عهدي به‪ ،‬وغضبت غضبًا شديدًا‪ ،‬لكني أذكر أني قلت‪ :‬أنا أعلم أن أقوامًا كذبوا‬
‫على وقالوا للسلطان أشياء‪ ،‬وتكلمت بكلم احتجت إليه‪ ،‬مثل أن قلت‪ :‬من قام بالسلم أوقات الحاجة غيرى؟ ومن‬
‫الذي أوضح دلئله وبينه؟ وجاهد أعداءه وأقامه لما مال حين تخلى عنه كل أحد‪ ،‬ول أحد ينطق بحجته ول أحد يجاهد‬
‫عنه‪ ،‬وقمت مظهرًا لحجته مجاهدًا عنه‪ ،‬مرغبًا فيه؟‬

‫فإذا كان هؤلء يطمعون في الكلم في فكيف يصنعون بغيري؟ ! ولو أن يهوديًا طلب من السلطان النصاف‪ ،‬لوجب‬
‫عليه أن ينصفه‪ ،‬وأنا قد أعفو عن حقى وقد ل أعفو‪ ،‬بل قد أطلب النصاف منه‪ ،‬وأن يحضر هؤلء الذين يكذبون؛‬
‫ليوافقوا على افترائهم‪ ،‬وقلت كلمًا أطول من هذا الجنس‪ ،‬لكن بعد عهدي به‪.‬‬

‫فأشار المير إلى كاتب الدرج محيي الدين بأن يكتب ذلك‪.‬‬

‫وقلت ـ أيضًا ‪ :‬كل من خالفني في شيء مما كتبته فأنا أعلم بمذهبه منه‪ ،‬وما أدري هل قلت هذا قبل حضورها أو‬
‫بعده‪ ،‬لكننى قلت ـ أيضًا ـ بعد حضورها وقراءتها‪ :‬ما ذكرت فيها فصلً إل وفيه مخالف من المنتسبين إلى القبلة‪،‬‬
‫وكل جملة فيها خلف لطائفة من الطوائف‪ ،‬ثم أرسلت من أحضرها‪ ،‬ومعها كراريس بخطى من المنزل‪ ،‬فحضرت [‬
‫العقيدة الواسطية]‪.‬‬

‫وقلت لهم‪ :‬هذه كان سبب كتابتها أنه قدم عليّ من أرض واسط بعض قضاة نواحيها ـ شيخ يقال له‪ :‬رضى الدين‬
‫الواسطى من أصحاب الشافعي ـ قدم علينا حاجًا‪ ،‬وكان من أهل الخير والدين‪ ،‬وشكا ما الناس فيه بتلك البلد‪ ،‬وفي‬
‫دولة التتر من غلبة الجهل‪ ،‬والظلم‪،‬ودروس الدين والعلم‪ ،‬وسألنى أن أكتب له عقيدة تكون عمدة له ولهل بيته‪،‬‬
‫فاستعفيت من ذلك‪ ،‬وقلت‪ :‬قد كتب الناس عقائد متعددة‪ ،‬فخذ بعض عقائد أئمة السنة‪ .‬فألح في السؤال‪ ،‬وقال‪:‬ما أحب‬
‫إل عقيدة تكتبها أنت‪،‬فكتبت له هذه العقيدة‪ ،‬وأنا قاعد بعد العصر‪ ،‬وقد انتشرت بها نسخ كثيرة في مصر والعراق‪،‬‬
‫وغيرهما‪.‬‬

‫فأشار المير بأل أقرأها أنا لرفع الريبة‪ ،‬وأعطاها لكاتبه الشيخ كمال الدين‪ ،‬فقرأها على الحاضرين حرفًا حرفًا‪،‬‬
‫والجماعة الحاضرون يسمعونها‪ ،‬ويورد المورد منهم ما شاء ويعارض فيما شاء‪.‬والمير ـ أيضًا‪ :‬يسأل عن مواضع‬
‫فيها‪ ،‬وقد علم الناس ما كان في نفوس طائفة من الحاضرين‪ ،‬من الخلف والهوى‪ ،‬ما قد علم الناس بعضه ‪ ،‬وبعضه‬
‫بسبب العتقاد‪ ،‬وبعضه بغير ذلك‪.‬‬

‫ول يمكن ذكر ما جرى من الكلم والمناظرات في هذه المجالس؛ فإنه كثير ل ينضبط‪ ،‬لكن أكتب ملخص ما‬
‫حضرنى في ذلك‪ ،‬مع بعد العهد بذلك‪ ،‬ومع أنه كان يجرى رفع أصوات ولغط ل ينضبط‪.‬‬

‫ي بعضهم ـ لما ذكر في أولها‪ ،‬ومن اليمان بال‪ :‬اليمان بما وصف به نفسه‪ ،‬ووصفه به‬ ‫فكان مما اعترض عل ّ‬
‫رسوله‪ ،‬من غير تحريف ول تعطيل‪ ،‬ول تكييف ول تمثيل ـ فقال‪ :‬ما المراد بالتحريف والتعطيل؟ ومقصوده أن هذا‬
‫ينفي التأويل‪ ،‬الذي أثبته أهل التأويل‪ ،‬الذي هو صرف اللفظ عن ظاهره‪ ،‬إما وجوبًا‪ ،‬وإما جوازًا‪.‬‬

‫فقلت‪ :‬تحريف الكلم عن مواضعه كما ذمه ال ـ تعالى ـ في كتابه‪ ،‬وهو إزالة اللفظ عما دل عليه من المعنى‪،‬مثل‬
‫ل مُوسَى َتكْلِيمًا} [النساء‪ .]164 :‬أي جَرّ َ‬
‫حهُ بأظافير الحكمة تجريحًا‪ .‬ومثل‬ ‫تأويل بعض الجهمية لقوله تعالى‪َ { :‬وكَلّمَ ا ّ‬
‫تأويلت القرامطة والباطنية وغيرهم من الجهمية والرافضة والقدرية‪ ،‬وغيرهم فسكت وفي نفسه ما فيها‪.‬‬

‫وذكرت في غير هذا المجلس أنى عدلت عن لفظ التأويل إلى لفظ التحريف؛ لن التحريف اسم جاء القرآن بذمه‪ ،‬وأنا‬
‫تحريت في هذه العقيدة اتباع الكتاب والسنة‪ ،‬فنفيت ما ذمه ال من التحريف‪ ،‬ولم أذكر فيها لفظ التأويل بنفي ول‬
‫إثبات؛ لنه لفظ له عدة معان‪ ،‬كما بينته في موضعه من القواعد‪.‬‬

‫فإن معنى لفظ التأويل في كتاب ال غير معنى لفظ التأويل في اصطلح المتأخرين‪ ،‬من أهل الصول والفقه‪ ،‬وغير‬
‫معنى لفظ التأويل في اصطلح كثير من أهل التفسير والسلف؛ لن من المعانى التي قد تسمى تأويلً ما هو صحيح‪،‬‬
‫منقول عن بعض السلف‪ ،‬فلم أنف ما تقوم الحجة على صحته‪ ،‬فإذا ما قامت الحجة على صحته وهو منقول عن‬
‫السلف‪ ،‬فليس من التحريف‪.‬‬

‫وقلت له ـ أيضًا‪ :‬ذكرت في النفي التمثيل‪ ،‬ولم أذكر التشبيه؛ لن التمثيل نفاه ال بنص كتابه حيث قال‪َ{ :‬ليْ َ‬
‫س َك ِمثْلِهِ‬
‫يءٌ} [الشورى‪ ،]11 :‬وقال‪{ :‬هَ ْل َتعْلَمُ لَهُ َس ِميّا} [مريم‪ ،]65 :‬وكان أحب إلى من لفظ ليس في كتاب ال‪ ،‬ول في‬ ‫شَ ْ‬
‫سنة رسول ال صلى ال عليه وسلم‪ ،‬وإن كان قد يعنى بنفيه معنى صحيح‪ ،‬كما قد يعنى به معنى فاسد‪.‬‬

‫ولما ذكرت أنهم ل ينفون عنه ما وصف به نفسه‪ ،‬ول يحرفون الكلم عن مواضعه‪ ،‬ول يلحدون في أسماء ال وآياته‪،‬‬
‫جعل بعض الحاضرين يتمعض من ذلك؛ لستشعاره ما في ذلك من الرد الظاهر عليه‪ ،‬ولكن لم يتوجه له ما يقوله‪،‬‬
‫وأراد أن يدور بالسئلة التي أعلمها‪ ،‬فلم يتمكن لعلمه بالجواب‪.‬‬

‫ولما ذكرت آية الكرسى ـ أظنه سأل المير عن قولنا‪ :‬ل يقربه شيطان حتى يصبح ـ فذكرت حديث أبي هريرة في‬
‫الذي كان يسرق صدقة الفطر‪ ،‬وذكرت أن البخاري رواه في صحيحه‪ ،‬وأخذوا يذكرون نفي التشبيه والتجسيم‪،‬‬
‫ويطنبون في هذا‪ ،‬ويعرضون لما ينسبه بعض الناس إلينا من ذلك‪.‬‬

‫فقلت‪ :‬قولى‪ :‬من غير تكييف ول تمثيل ينفي كل باطل‪ ،‬وإنما اخترت هذين السمين؛ لن التكييف مأثور نفيه عن‬
‫السلف كما قال ربيعة‪ ،‬ومالك‪ ،‬وابن عيينة وغيرهم ـ المقالة التي تلقاها العلماء بالقبول‪ :‬الستواء معلوم‪ ،‬والكيف‬
‫مجهول‪ ،‬واليمان به واجب‪ ،‬والسؤال عنه بدعة‪.‬‬

‫فاتفق هؤلء السلف على أن التكييف غير معلوم لنا‪،‬فنفيت ذلك اتباعًا لسلف المة‪.‬‬

‫وهو ـ أيضًا ـ منفي بالنص‪ ،‬فإن تأويل آيات الصفات يدخل فيها حقيقة الموصوف‪ ،‬وحقيقة صفاته‪.‬وهذا من التأويل‬
‫الذي ل يعلمه إل ال‪ ،‬كما قد قررت ذلك في قاعدة مفردة‪ ،‬ذكرتها في التأويل والمعنى‪ ،‬والفرق بين علمنا بمعنى‬
‫الكلم وبين علمنا بتأويله‪.‬‬

‫وكذلك التمثيل‪ ،‬منفي بالنص‪ ،‬والجماع القديم‪ ،‬مع دللة العقل على نفيه‪ ،‬ونفي التكييف؛ إذ كُنْه البارى غير معلوم‬
‫للبشر‪ ،‬وذكرت في ضمن ذلك كلم الخطأبي الذي نقل أنه مذهب السلف‪ ،‬وهو إجراء آيات الصفات‪ ،‬وأحاديث‬
‫الصفات على ظاهرها‪ ،‬مع نفي الكيفية والتشبيه عنها؛ إذ الكلم في الصفات فرع على الكلم في الذات‪ ،‬يحتذى فيه‬
‫حذوه‪ ،‬ويتبع فيه مثاله‪ ،‬فإذا كان إثبات الذات إثبات وجود ل إثبات تكييف‪ ،‬فكذلك إثبات الصفات إثبات وجود ل إثبات‬
‫تكييف‪.‬‬

‫فقال أحد كبار المخالفين‪ :‬فحينئذ يجوز أن يقال‪ :‬هو جسم ل كالجسام‪ ،‬فقلت له أنا وبعض الفضلء الحاضرين‪ :‬إنما‬
‫قيل‪:‬إنه يوصف ال بما وصف به نفسه‪ ،‬وبما وصفه به رسوله صلى ال عليه وسلم‪ ،‬وليس في الكتاب والسنة أن ال‬
‫جسم‪ ،‬حتى يلزم هذا السؤال‪.‬‬

‫وأخذ بعض القضاة الحاضرين والمعروفين بالديانة يريد إظهار أن ينفي عنا ما يقول وينسبه البعض إلينا‪ ،‬فجعل يزيد‬
‫في المبالغة في نفي التشبيه والتجسيم‪ ،‬فقلت‪ :‬ذكرت فيها في غير موضع من غير تحريف ول تعطيل‪ ،‬ومن غير‬
‫تكييف ول تمثيل‪ ،‬وقلت في صدرها‪ :‬ومن اليمان بال اليمان بما وصف به نفسه في كتابه‪ ،‬وبما وصفه به رسوله‬
‫محمد صلى ال عليه وسلم من غير تحريف ول تعطيل‪ ،‬ومن غير تكييف ول تمثيل‪.‬‬

‫ثم قلت‪ :‬وما وصف الرسول به ربه من الحاديث الصحاح‪ ،‬التي تلقاها أهل المعرفة بالقبول‪ ،‬وجب اليمان بها‬
‫كذلك‪،‬إلى أن قلت‪ :‬إلى أمثال هذه الحاديث الصحاح‪ ،‬التي يخبر فيها رسول ال صلى ال عليه وسلم بما يخبر به‪،‬‬
‫فإن الفرقة الناجية ـ أهل السنة والجماعة ـ يؤمنون بذلك‪ ،‬كما يؤمنون بما أخبر ال في كتابه‪ ،‬من غير تحريف ول‬
‫تعطيل‪ ،‬ومن غير تكييف ول تمثيل‪ ،‬بل هم وسط في فرق المة‪ ،‬كما أن المة هي الوسط في المم‪.‬‬

‫فهم وسط في باب صفات ال بين أهل التعطيل الجهمية‪،‬وبين أهل التمثيل المشبهة‪.‬‬

‫ولما رأى هذا الحاكم العدل ممالتهم‪ ،‬وتعصبهم‪ ،‬ورأي قلة العارف الناصر‪ ،‬وخافهم قال‪ :‬أنت صنفت اعتقاد المام‬
‫أحمد‪ ،‬فتقول‪ :‬هذا اعتقاد أحمد‪ ،‬يعني والرجل يصنف على مذهبه فل يعترض عليه‪ ،‬فإن هذا مذهب متبوع‪ ،‬وغرضه‬
‫بذلك قطع مخاصمة الخصوم‪.‬‬

‫فقلت‪ :‬ما جمعت إل عقيدة السلف الصالح جميعهم‪ ،‬ليس للمام أحمد اختصاص بهذا‪ ،‬والمام أحمد إنما هو مبلغ العلم‬
‫الذي جاء به النبي صلى ال عليه وسلم‪ ،‬ولو قال أحمد من تلقاء نفسه ما لم يجئ به الرسول لم نقبله‪ ،‬وهذه عقيدة‬
‫محمد صلى ال عليه وسلم‪.‬‬

‫وقلت مرات‪ :‬قد أمهلت كل من خالفنى في شيء منها ثلث سنين‪ ،‬فإن جاء بحرف واحد عن أحد من القرون الثلثة ـ‬
‫التي أثنى عليها النبي صلى ال عليه وسلم‪ ،‬حيث قال‪( :‬خير القرون القرن الذي بعثت فيه‪ ،‬ثم الذين يلونهم‪ ،‬ثم الذين‬
‫يلونهم) ـ يخالف ما ذكرته فأنا أرجع عن ذلك‪ ،‬وعلىّ أن آتى بنقول جميع الطوائف ـ عن القرون الثلثة‪ ،‬توافق ما‬
‫ذكرته ـ من الحنفية‪ ،‬والمالكية‪ ،‬والشافعية‪ ،‬والحنبلية‪ ،‬والشعرية‪ ،‬وأهل الحديث‪ ،‬والصوفية‪ ،‬وغيرهم‪.‬‬

‫وقلت ـ أيضًا ـ في غير هذا المجلس‪ :‬المام أحمد ـ رحمه ال ـ لما انتهي إليه من السنة‪ ،‬ونصوص رسول ال صلى‬
‫ال عليه وسلم‪ ،‬أكثر مما انتهي إلى غيره‪ ،‬وابتلى بالمحنة‪ ،‬والرد على أهل البدع‪ ،‬أكثر من غيره‪ ،‬كان كلمه وعلمه‬
‫في هذا الباب أكثر من غيره‪ ،‬فصار إمامًا في السنة أظهر من غيره‪ ،‬وإل فالمر كما قاله بعض شيوخ المغاربة ـ‬
‫العلماء الصلحاء ـ قال‪ :‬المذهب لمالك والشافعي‪ ،‬والظهور لحمد بن حنبل‪ .‬يعني‪ :‬أن الذي كان عليه أحمد عليه‬
‫جميع أئمة السلم‪ ،‬وإن كان لبعضهم من زيادة العلم والبيان‪ ،‬وإظهار الحق‪ ،‬ودفع الباطل ما ليس لبعض‪.‬‬

‫ولما جاء فيها‪ :‬وما وصف به النبي صلى ال عليه وسلم ربه في الحاديث الصحاح التي تلقاها أهل العلم بالقبول‪.‬‬
‫ولما جاء حديث أبي سعيد ـ المتفق عليه في الصحيحين عن النبي صلى ال عليه وسلم‪ ،‬يقول ال يوم القيامة‪( :‬يا آدم‪،‬‬
‫فيقول‪ :‬لبيك وسعديك‪ ،‬فينادى بصوت‪ :‬إن ال يأمرك أن تبعث بعثًا إلى النار) الحديث ـ سألهم المير هل هذا الحديث‬
‫صحيح؟ فقلت‪ :‬نعم‪ .‬هو في الصحيحين‪ ،‬ولم يخالف في ذلك أحد‪ ،‬واحتاج المنازع إلى القرار به‪ ،‬ووافق الجماعة‬
‫على ذلك‪.‬‬

‫وطلب المير الكلم في مسألة الحرف والصوت؛ لن ذلك طلب منه‪.‬‬


‫فقلت‪ :‬هذا الذي يحكيه كثير من الناس عن المام أحمد وأصحابه‪ ،‬أن صوت القارئين‪ ،‬ومداد الصحف قديم أزلي ـ‬
‫كما نقله مجد الدين ابن الخطيب وغيره ـ كذب مفترى‪ ،‬لم يقل ذلك أحمد‪ ،‬ول أحد من علماء المسلمين‪ ،‬ل من‬
‫أصحاب أحمد ول غيرهم‪.‬‬

‫وأخرجت كراسًا قد أحضرته مع العقيدة‪ ،‬فيه ألفاظ أحمد‪ ،‬مما ذكره الشيخ أبو بكر الخلل في كتاب السنة عن المام‬
‫أحمد‪ ،‬وما جمعه صاحبه أبو بكر المروذى من كلم المام أحمد‪،‬وكلم أئمة زمانه وسائر أصحابه‪ :‬أن من قال‪ :‬لفظي‬
‫بالقرآن مخلوق‪ ،‬فهو جهمي‪ .‬ومن قال‪ :‬غير مخلوق‪ ،‬فهو مبتدع‪.‬‬

‫قلت‪ :‬وهذا هو الذي نقله الشعري في كتاب المقالت عن أهل السنة وأصحاب الحديث‪.‬وقال‪ :‬إنه يقول به‪.‬قلت‪ :‬فكيف‬
‫بمن يقول‪ :‬لفظى قديم؟ فكيف بمن يقول‪ :‬صوتي غير مخلوق؟ فكيف بمن يقول‪ :‬صوتي قديم؟‬

‫ونصوص المام أحمد في الفرق بين تكلم ال بصوت‪ ،‬وبين صوت العبد ـ كما نقله البخاري صاحب الصحيح في‬
‫كتاب خلق أفعال العباد وغيره من أئمة السنة‪.‬‬

‫وأحضرت جواب مسألة كنت سئلت عنها قديمًا‪ ،‬فيمن حلف بالطلق‪ ،‬في مسألة الحرف والصوت‪ ،‬ومسألة الظاهر‬
‫في العرش‪ ،‬فذكرت من الجواب القديم في هذه المسألة‪ ،‬وتفصيل القول فيها‪ ،‬وأن إطلق القول أن القرآن هو الحرف‬
‫والصوت‪ ،‬أو ليس بحرف ول صوت‪ ،‬كلهما بدعة‪ ،‬حدثت بعد المائة الثالثة‪ .‬وقلت‪ :‬هذا جوابي‪.‬‬

‫وكانت هذه المسألة قد أرسل بها طائفة من المعاندين المتجهمة‪ ،‬ممن كان بعضهم حاضرا في المجلس‪ ،‬فلما وصل‬
‫إليهم الجواب أسكتهم‪ ،‬وكانوا قد ظنوا أنى إن أجبت بما في ظنهم أن أهل السنة تقوله‪ ،‬حصل مقصودهم من الشناعة‪،‬‬
‫وإن أجبت بما يقولونه هم‪ ،‬حصل مقصودهم من الموافقة‪ ،‬فلما أجيبوا بالفرقان الذي عليه أهل السنة ـ وليس هو ما‬
‫يقولونه هم‪ ،‬ول ما ينقولونه عن أهل السنة؛ إذ قد يقوله بعض الجهال ـ بهتوا لذلك وفيه‪ :‬أن القرآن كله كلم ال‬
‫حروفه ومعانيه‪ ،‬ليس القرآن اسمًا لمجرد الحروف‪ ،‬ول لمجرد المعاني‪.‬‬

‫وقلت في ضمن الكلم لصدر الدين ابن الوكيل ـ لبيان كثرة تناقضه‪ ،‬وأنه ل يستقر على مقالة واحدة‪ ،‬وإنما يسعى في‬
‫الفتن والتفريق بين المسلمين‪ :‬عندى عقيدة للشيخ أبي البيان‪ ،‬فيها‪ :‬أن من قال‪ :‬إن حرفًا من القرآن مخلوق‪ ،‬فقد كفر‪.‬‬

‫وقد كتبت عليها بخطك‪ :‬أن هذا مذهب الشافعي‪ ،‬وأئمة أصحابه‪ ،‬وأنك تدين ال بها فاعترف بذلك‪ ،‬فأنكر عليه الشيخ‬
‫كمال الدين بن الزملكاني ذلك‪.‬‬

‫فقال ابن الوكيل‪ :‬هذا نص الشافعي‪ ،‬وراجعه في ذلك مرارا‪ ،‬فلما اجتمعنا في المجلس الثاني‪ ،‬ذكر لبن الوكيل أن‬
‫ابن درباس [هو أبو القاسم عبد الملك بن عيسى بن درباس بـن عبدوس الكردي‪ ،‬قاضي الديار المصرية‪ ،‬ولد سنة‬
‫‪ 615‬هـ تقريبًا‪ ،‬توفي سنة ‪ 650‬هـ] نقل في كتاب النتصار عن الشافعي مثل ما نقلت‪ ،‬فلما كان في المجلس‬
‫الثالث‪ ،‬أعاد ابن الوكيل الكلم في ذلك‪.‬‬

‫فقال الشيخ كمال الدين لصدر الدين ابن الوكيل‪ :‬قد قلت في ذلك المجلس للشيخ تقى الدين‪ :‬إنه من قال‪ :‬إن حرفًا من‬
‫القرآن مخلوق فهو كافر‪ ،‬فأعاده مرارًا‪ ،‬فغضب هنا الشيخ كمال الدين غضبًا شديدًا‪ ،‬ورفع صوته‪ .‬وقال‪ :‬هذا يكفر‬
‫أصحابنا المتكلمين الشعرية‪ ،‬الذين يقولون‪ :‬إن حروف القرآن مخلوقة مثل إمام الحرمين وغيره‪ ،‬وما نصبر على‬
‫تكفير أصحابنا‪.‬‬

‫فأنكر ابن الوكيل أنه قال ذلك‪ ،‬وقال‪ :‬ما قلت ذلك‪ ،‬وإنما قلت‪ :‬إن من أنكر حرفًا من القرآن فقد كفر‪ ،‬فرد ذلك عليه‬
‫الحاضرون وقالوا‪ :‬ما قلت إل كذا وكذا‪ ،‬وقالوا‪ :‬ما ينبغى لك أن تقول قولً وترجع عنه‪.‬وقال بعضهم‪ :‬ما قال هذا‪.‬فلما‬
‫حرفوا‪ ،‬قال‪ :‬ما سمعناه قال هذا‪ ،‬حتى قال نائب السلطان‪ :‬واحد يكذب‪ ،‬وآخر يشهد‪ ،‬والشيخ كمال الدين مغضب‪.‬‬
‫فالتفت إلى قاضى القضاة نجم الدين الشافعي يستصرخه للنتصار على ابن الوكيل‪ ،‬حيث كفر أصحابه‪.‬فقال القاضى‬
‫نجم الدين‪ :‬ما سمعت هذا‪ ،‬فغضب الشيخ كمال الدين‪ ،‬وقال كلما لم أضبط لفظه‪ ،‬إل أن معناه‪ :‬أن هذا غضاضة على‬
‫الشافعي‪ ،‬وعار عليهم أن أئمتهم يكفرون‪ ،‬ول ينتصر لهم‪.‬‬
‫ولم أسمع من الشيخ كمال الدين ما قال في حق القاضي نجم الدين‪ ،‬واستثبت غيري ممن حضر‪ ،‬هل سمع منه في‬
‫حقه شيئًا؟ فقالوا‪ :‬ل‪.‬لكن القاضى اعتقد أن التعيير لجله‪ ،‬ولكونه قاضي المذهب‪ ،‬ولم ينتصر لصحابه‪ ،‬وأن الشيخ‬
‫كمال الدين قصده بذلك‪ ،‬فغضب قاضي القضاة نجم الدين‪ .‬وقال‪ :‬اشهدوا على أني عزلت نفسي‪ ،‬وأخذ يذكر ما‬
‫يستحق به التقديم‪ ،‬والستحقاق‪ ،‬وعفته عن التكلم في أعراض الجماعة‪ ،‬ويستشهد بنائب السلطان في ذلك‪ .‬وقلت له‬
‫كلمًا مضمونه تعظيمه واستحقاقه لدوام المباشرة في هذه الحال‪.‬‬

‫ولما جاءت مسألة القرآن ومن اليمان به اليمان بأن القرآن كلم ال‪ .‬غير مخلوق‪ ،‬منه بدأ وإليه يعود‪ ،‬نازع بعضهم‬
‫في كونه منه بدأ وإليه يعود‪ ،‬وطلبوا تفسير ذلك‪.‬‬

‫فقلت‪ :‬أما هذا القول‪ ،‬فهو المأثور الثابت عن السلف‪،‬مثل ما نقله عمرو بن دينار‪ ،‬قال‪ :‬أدركت الناس منذ سبعين سنة‪،‬‬
‫يقولون‪ :‬ال الخالق‪ ،‬وما سواه مخلوق إل القرآن‪ ،‬فإنه كلم ال غير مخلوق‪ ،‬منه بدأ وإليه يعود‪.‬‬

‫وقد جمع غير واحد ما في ذلك من الثار عن النبي صلى ال تعالى عليه وسلم‪ ،‬والصحابة والتابعين‪ ،‬كالحافظ أبي‬
‫الفضل ابن ناصر‪ ،‬والحافظ أبي عبد ال المقدسي‪ .‬وأما معناه‪ :‬فإن قولهم‪ :‬منه بدأ‪ ،‬أي‪ :‬هو المتكلم به‪ ،‬وهو الذي أنزله‬
‫من لدنه‪ ،‬ليس هو كما تقول الجهمية‪ :‬إنه خلق في الهوى أو غيره‪ ،‬أو بدأ من عند غيره‪.‬وأما إليه يعود‪ :‬فإنه يسري به‬
‫في آخر الزمان‪ ،‬من المصاحف والصدور‪،‬فل يبقى في الصدر منه كلمة‪ ،‬ول في المصاحف منه حرف‪ ،‬ووافق على‬
‫ذلك غالب الحاضرين‪ ،‬وسكت المنازعون‪.‬‬

‫وخاطبت بعضهم في غير هذا المجلس‪ ،‬بأن أريته العقيدة التي جمعها المام القادرى‪ ،‬التي فيها أن القرآن كلم ال‪،‬‬
‫خرج منه‪ ،‬فتوقف في هذا اللفظ‪ .‬فقلت‪ :‬هكذا قال النبي صلى ال عليه وسلم‪( :‬ما تقرب العباد إلى ال بمثل ما خرج‬
‫منه) يعني‪ :‬القرآن‪ ،‬وقال خباب بن الرت‪ :‬يا هنتاه‪ ،‬تقرب إلى ال بما استطعت‪ ،‬فلن يتقرب إليه بشيء أحب إليه مما‬
‫خرج منه‪.‬‬

‫وقال أبو بكر الصديق ـ لمـا قرأ قرآن ُمسَيْلَمة الكذاب‪ :‬إن هذا الكـلم لم يخرج من إلّ ـ يعنى رب‪.‬‬

‫وجاء فيها‪ :‬ومن اليمان به‪ :‬اليمان بأن القرآن كلم ال‪ ،‬منزل غير مخلوق‪ ،‬منه بدأ وإليه يعود‪ ،‬وأن ال تكلم به‬
‫حقيقة‪ ،‬وأن هذا القرآن ـ الذي أنزله ال على محمد صلى ال عليه وسلم ـ هو كلم ال حقيقة‪ ،‬ل كلم غيره‪ ،‬ول يجوز‬
‫إطلق القول بأنه حكاية عن كلم ال‪ ،‬أو عبارة‪ ،‬بل إذا قرأه الناس‪ ،‬أو كتبوه في المصاحف‪ ،‬لم يخرج بذلك عن أن‬
‫يكون كلم ال؛ فإن الكلم إنما يضاف حقيقة إلى من قاله مبتدئًا‪ ،‬ل إلى من قاله مبلغًا مؤديًا‪ ،‬فتمعض بعضهم من‬
‫إثبات كونه كلم ال حقيقة‪ ،‬بعد تسليمه أن ال تعالى تكلم به حقيقة‪.‬‬

‫ثم إنه سلّم ذلك لمّا بين له أن المجاز يصح نفيه‪ ،‬وهذا ل يصح نفيه‪ ،‬ولما بين له أن أقوال المتقدمين المأثورة عنهم‪،‬‬
‫وشعر الشعراء المضاف إليهم‪ ،‬هو كلمهم حقيقة‪ ،‬فل يكون نسبة القرآن إلى ال بأقل من ذلك‪.‬‬

‫فوافق الجماعة كلهم على ما ذكر في مسألة القرآن‪ ،‬وأن ال تكلم حقيقة‪ ،‬وأن القرآن كلم ال حقيقة ل كلم غيره‪.‬‬

‫ولما ذكر فيها‪ :‬أن الكلم إنما يضاف حقيقة إلى من قاله مبتدئًا‪ ،‬ل إلى من قاله مبلغًا مؤديًا‪ ،‬استحسنوا هذا الكلم‬
‫وعظموه‪ ،‬وأخذ أكبر الخصوم يظهر تعظيم هذا الكلم‪ ،‬كابن الوكيل وغيره‪ ،‬وأظهر الفرح بهذا التلخيص‪ ،‬وقال‪ :‬إنك‬
‫قد أزلت عنا هذه الشبهة‪ ،‬وشفيت الصدور ويذكر أشياء من هذا النمط‪.‬‬

‫ولما جاء ما ذكر من اليمان باليوم الخر‪ ،‬وتفصيله ونظمه‪ ،‬استحسنوا ذلك وعظموه‪.‬‬

‫وكذلك لما جاء ذكر اليمان بالقدر وأنه على درجتين‪ ،‬إلى غير ذلك مما فيها من القواعد الجليلة‪.‬‬

‫وكذا لما جاء ذكر الكلم في الفاسق المّلىّ‪ ،‬وفي اليمان‪ ،‬لكن اعترضه على ذلك بما سأذكره‪.‬‬

‫وكان مجموع ما اعترض به المنازعون المعاندون‪ ،‬بعد انقضاء قراءة جميعها‪ ،‬والبحث فيها عن أربعة أسئلة‪:‬‬
‫الول‪ :‬قولنا‪ :‬ومن أصول الفرقة الناجية‪ :‬أن اليمان والدين قول وعمل‪ ،‬يزيد وينقص‪ ،‬قول القلب واللسان‪ ،‬وعمل‬
‫القلب واللسان والجوارح‪.‬‬

‫قالوا‪ :‬فإذا قيل‪ :‬إن هذا من أصول الفرقة الناجية‪ ،‬خرج عن الفرقة الناجية من لم يقل بذلك‪،‬مثل أصحابنا‬
‫المتكلمين‪،‬الذين يقولون‪ :‬إن اليمان هو التصديق‪ ،‬ومن يقول‪ :‬اليمان هو التصديق والقرار‪ ،‬وإذا لم يكونوا من‬
‫الناجحين‪ ،‬لزم أن يكونوا هالكين‪.‬‬

‫وأما السئلة الثلثة ـ وهي التي كانت عمدتهم ـ فأوردوها على قولنا‪ ،‬وقد دخل فيما ذكرناه من اليمان بال‪ :‬اليمان‬
‫بما أخبر ال في كتابه‪ ،‬وتواتر عن رسول ال صلى ال عليه وسلم‪ ،‬وأجمع عليه سلف المة‪،‬من أنه ـ سبحانه ـ فوق‬
‫سمواته على عرشه‪،‬علىّ على خلقه‪ ،‬وهو معهم أينما كانوا يعلم ما هم عاملون‪ ،‬كما جمع بين ذلك في قوله تعالى‪{ :‬‬
‫سمَاء‬
‫ل مِنَ ال ّ‬
‫ج ِمنْهَا َومَا يَنزِ ُ‬
‫ج فِي الَْرْضِ َومَا يَخْ ُر ُ‬
‫ش يَعَْل ُم مَا يَلِ ُ‬
‫ستَوَى عَلَى ا ْلعَ ْر ِ‬
‫ستّةِ َأيّا ٍم ثُمّ ا ْ‬
‫ض فِي ِ‬ ‫سمَاوَاتِ وَالَْرْ َ‬ ‫هُوَ اّلذِي خَلَقَ ال ّ‬
‫لّ ِبمَا َت ْعمَلُونَ بَصِيرٌ} [الحديد‪.]4 :‬وليس معنى قوله‪{ :‬وَ ُهوَ َم َعكُمْ}‪ :‬أنه مختلط‬ ‫ن مَا كُنتُمْ وَا ُ‬
‫ج فِيهَا وَهُ َو َم َعكُمْ َأيْ َ‬‫َومَا َيعْرُ ُ‬
‫بالخلق‪ ،‬فإن هذا ل توجبه اللغة‪ ،‬وهو خلف ما أجمع عليه سلف المة‪ ،‬وخلف ما فطر ال عليه الخلق‪ ،‬بل القمر آية‬
‫من آيات ال من أصغر مخلوقاته‪ ،‬وهو موضوع في السماء‪ ،‬وهو مع المسافر أينما كان‪ ،‬وغير المسافر‪ ،‬وهو ـ‬
‫سبحانه ـ فوق العرش‪ ،‬رقيب على خلقه‪ ،‬مهيمن عليهم‪ ،‬مطلع إليهم‪ ،‬إلى غير ذلك من معانى ربوبيته‪.‬وكل هذا الكلم‬
‫الذي ذكره ال ـ تعالى ـ من أنه فوق العرش‪ ،‬وأنه معنا حق على حقيقته‪ ،‬ل يحتاج إلى تحريف‪ ،‬ولكن يصان على‬
‫الظنون الكاذبة‪.‬‬

‫السؤال الثاني‪ :‬قال بعضهم‪:‬نقر باللفظ الوارد‪ ،‬مثل حديث العباس‪ ،‬حديث الوعال‪ ،‬وال فوق العرش‪،‬ول نقول‪:‬فوق‬
‫السموات‪،‬ول نقول‪ :‬على العرش‪ .‬وقالوا أيضًا‪ :‬نقول‪{ :‬الرّ ْحمَنُ عَلَى ا ْلعَرْشِ ا ْستَوَى} [ طه‪ ]5 :‬ول نقول‪ :‬ال على‬
‫العرش استوى‪ ،‬ول نقول‪ :‬مستو‪ ،‬وأعادوا هذا المعنى مرارا‪ ،‬أي أن اللفظ الذي ورد‪ ،‬يقال اللفظ بعينه‪ ،‬ول يبدل بلفظ‬
‫يرادفه‪ ،‬ول يفهم له معنى أصل‪ .‬ول يقال‪ :‬إنه يدل على صفة ال أصل‪ ،‬ونبسط الكلم في هذا في المجلس الثاني‪،‬‬
‫كما سنذكره إن شاء ال تعالى‪.‬‬

‫السؤال الثالث‪ :‬قالوا‪ :‬التشبيه بالقمر فيه تشبيه كون ال في السماء‪ ،‬بكون القمر في السماء‪.‬‬

‫السؤال الرابع‪ :‬قالوا‪ :‬قولك حق على حقيقته‪ ،‬الحقيقة هي المعنى اللغوي‪ ،‬ول يفهم من الحقيقة اللغوية إل استواء‬
‫الجسام وفوقيتها‪،‬ولم تضع العرب ذلك إل لها‪ ،‬فإثبات الحقيقة هو محض التجسيم‪ ،‬ونفي التجسيم مع هذا تناقض أو‬
‫مصانعة‪.‬‬

‫فأجبتهم عن السئلة ‪ ،‬بأن قولى‪ :‬اعتقاد الفرقة الناجية‪ :‬هي الفرقة التي وصفها النبي صلى ال عليه وسلم بالنجاة‪،‬‬
‫حيث قال‪( :‬تفترق أمتى على ثلث وسبعين فرقة‪ ،‬اثنتان وسبعون في النار وواحدة في الجنة‪ ،‬وهي من كان على مثل‬
‫ما أنا عليه اليوم وأصحابي)‪.‬‬

‫فهذا العتقاد هو المأثور عن النبي صلى ال عليه وسلم‪ ،‬وأصحابه ـ رضي ال عنهم ـ وهم ومن اتبعهم الفرقة‬
‫الناجية‪ ،‬فإنه قد ثبت عن غير واحد من الصحابة أنه قال‪ :‬اليمان يزيد وينقص‪ ،‬وكل ما ذكرته في ذلك فإنه مأثور‬
‫عن الصحابة بالسانيد الثابتة لفظه ومعناه‪ ،‬وإذا خالفهم من بعدهم لم يضر في ذلك‪.‬‬

‫ثم قلت لهم‪ :‬وليس كل من خالف في شيء من هذا العتقاد يجب أن يكون هالكًا‪ ،‬فإن المنازع قد يكون مجتهدًا مخطئًا‬
‫يغفر ال خطأه‪ ،‬وقد ل يكون بلغه في ذلك من العلم ما تقوم به عليه الحجة‪ ،‬وقد يكون له من الحسنات ما يمحو ال به‬
‫سيئاته‪ ،‬وإذا كانت ألفاظ الوعيد المتناولة له ل يجب أن يدخل فيها المتأول والقانت‪ ،‬وذو الحسنات الماحية‪ ،‬والمغفور‬
‫له وغير ذلك‪ ،‬فهذا أولى‪ ،‬بل موجب هذا الكلم أن من اعتقد ذلك نجا في هذا العتقاد‪ ،‬ومن اعتقد ضده فقد يكون‬
‫ناجيًا‪ ،‬وقد ل يكون ناجيًا‪ ،‬كما يقال‪ :‬من صمت نجا‪.‬‬

‫وأما السؤال الثاني‪ :‬فأجبتهم أولً بأن كل لفظ قلته فهو مأثور عن النبي صلى ال عليه وسلم‪ ،‬مثل لفظ‪ :‬فوق السموات‪،‬‬
‫ولفظ‪ :‬على العرش‪ ،‬وفوق العرش‪ ،‬وقلت‪ :‬اكتبوا الجواب‪ ،‬فأخذ الكاتب في كتابته‪ ،‬ثم قال بعض الجماعة‪ :‬قد طال‬
‫المجلس اليوم‪ ،‬فيؤخر هذا إلى مجلس آخر‪ ،‬وتكتبون أنتم الجواب‪ ،‬وتحضرونه في ذلك المجلس‪.‬‬
‫فأشار بعض الموافقين بأن يتمم الكلم بكتابة الجواب؛ لئل تنتشر أسئلتهم واعتراضهم وكان الخصوم لهم غرض في‬
‫تأخير كتابة الجواب‪ ،‬ليستعدوا لنفسهم‪ ،‬ويطالعوا‪ ،‬ويحضروا من غاب من أصحابهم‪ ،‬ويتأملوا العقيدة فيما بينهم؛‬
‫ليتمكنوا من الطعن والعتراض‪ ،‬فحصل التفاق على أن يكون تمام الكلم يوم الجمعة‪ ،‬وقمنا على ذلك‪.‬‬

‫وقد أظهر ال من قيام الحجة‪ ،‬وبيان المحجة‪ ،‬ما أعز ال به السنة والجماعة‪ ،‬وأرغم به أهل البدعة والضللة‪ ،‬وفي‬
‫نفوس كثير من الناس أمور لما يحدث في المجلس الثاني‪ ،‬وأخذوا في تلك اليام يتأملونها‪ ،‬ويتأملون ما أجبت به في‬
‫مسائل تتعلق بالعتقاد‪ ،‬مثل‪[ :‬المسألة الحموية في الستواء]‪ ،‬والصفات الخبرية وغيرها‪.‬‬

‫فصــل‬

‫فلما كان المجلس الثاني يوم الجمعة في اثني عشر رجب‪ ،‬وقد أحضروا أكثر شيوخهم ممن لم يكن حاضرًا ذلك‬
‫المجلس‪ ،‬وأحضروا معهم زيادة صفي الدين الهندي [هو محمد بن عبد الرحيم بن محمد صفي الدين الهــندي‪ ،‬الفقيه‬
‫الشافعي الصولي‪ ،‬ولد بالهند سنة ‪ 446‬هـ‪ ،‬صنف في أصول الدين‪[ :‬الفائق] وفي أصول الفقه‪[ :‬النهاية]‪ ،‬و[‬
‫الزبدة] في علم الكلم]‪ ،‬وقالوا‪ :‬هذا أفضل الجماعة وشيخهم في علم الكلم‪ ،‬وبحثوا فيما بينهم‪ ،‬واتفقوا وتواطؤوا‪،‬‬
‫وحضروا بقوة واستعداد غير ما كانوا عليه؛ لن المجلس الول أتاهم بغتة‪ ،‬وإن كان ـ أيضًا ـ بغتة للمخاطب‪ ،‬الذي‬
‫هو المسؤول والمجيب والمناظر‪.‬‬

‫فلما اجتمعنا ـ وقد أحضرت ما كتبته من الجواب عن أسئلتهم المتقدمة‪ ،‬الذي طلبوا تأخيره إلى اليوم ـ حمدت ال‬
‫بخطبة الحاجة ـ خطبة ابن مسعود رضي ال عنه ـ ثم قلت‪ :‬إن ال تعالى أمرنا بالجماعة والئتلف‪ ،‬ونهانا عن‬
‫الفرقة والختلف‪.‬‬

‫ش َيعًا‬ ‫ل تَفَ ّرقُواْ} [ آل عمران‪ ]103 :‬وقال‪{ :‬إِنّ اّلذِي َ‬


‫ن فَ ّرقُو ْا دِي َنهُمْ َوكَانُواْ ِ‬ ‫جمِيعًا َو َ‬
‫حبْلِ الّ َ‬
‫صمُو ْا بِ َ‬ ‫وقال لنا في القرآن‪{ :‬وَا ْ‬
‫عتَ ِ‬
‫يءٍ} [النعام‪ ،] 159 :‬وقال‪َ {:‬و َل َتكُونُو ْا كَاّلذِينَ تَ َف ّرقُواْ وَا ْختَلَفُو ْا مِن َبعْ ِد مَا جَاءهُمُ ا ْل َبّينَاتُ} [آل عمران‪:‬‬ ‫ت ِمنْهُ ْم فِي شَ ْ‬
‫س َ‬
‫لّ ْ‬
‫‪.]105‬‬

‫وربنا واحد‪ ،‬وكتابنا واحد‪ ،‬ونبينا واحد‪،‬وأصول الدين ل تحتمل التفرق والختلف‪ ،‬وأنا أقول ما يوجب الجماعة بين‬
‫المسلمين‪ ،‬وهو متفق عليه بين السلف‪ ،‬فإن وافق الجماعة فالحمد ل‪ ،‬وإل فمن خالفنى بعد ذلك كشفت له السرار‪،‬‬
‫وهتكت الستار‪ ،‬وبينت المذاهب الفاسدة‪ ،‬التي أفسدت الملل والدول‪ ،‬وأنا أذهب إلى سلطان الوقت على البريد‪،‬‬
‫وأعرفه من المور ما ل أقوله في هذا المجلس‪ ،‬فإن للسلم كلمًا‪ ،‬وللحرب كلمًا‪.‬‬

‫وقلت‪ :‬ل شك أن الناس يتنازعون‪ ،‬يقول هذا‪ :‬أنا حنبلي‪ ،‬ويقول هذا‪ :‬أنا أشعري‪ ،‬ويجري بينهم تفرق وفتن‪ ،‬واختلف‬
‫على أمور ل يعرفون حقيقتها‪.‬‬

‫وأنا قد أحضرت ما يبين اتفاق المذاهب فيما ذكرته‪ ،‬وأحضرت كتاب تبيين كذب المفتري‪ ،‬فيما ينسب إلى الشيخ أبي‬
‫الحسن الشعري ـ رحمه ال ـ تأليف الحافظ أبي القاسم ابن عساكر ـ رحمه ال‪.‬‬

‫وقلت‪ :‬لم يصنف في أخبار الشعري المحمودة كتاب مثل هذا‪ ،‬وقد ذكر فيه لفظه الذي ذكره في كتابه‪ :‬البانة‪.‬‬

‫فلما انتهيت إلى ذكر المعتزلة‪ ،‬سأل المير عن معنى المعتزلة‪ ،‬فقلت‪ :‬كان الناس في قديم الزمان قد اختلفوا في‬
‫الفاسق المّليّ‪ ،‬وهو أول اختلف حدث في الملة‪ ،‬هل هو كافر أو مؤمن؟ فقالت الخوارج‪ :‬إنه كافر‪ .‬وقالت الجماعة‪:‬‬
‫إنه مؤمن‪ .‬وقالت طائفة‪ :‬نقول‪ :‬هو فاسق‪ ،‬ل مؤمن ول كافر‪ ،‬ننزله منزلة بين المنزلتين‪ ،‬وخلدوه في النار‪ ،‬واعتزلوا‬
‫حلقة الحسن البصري وأصحابه ـ رحمه ال تعالى ـ فسموا معتزلة‪.‬‬

‫وقال الشيخ الكبير بجبته وردائه‪ :‬ليس كما قلت‪ ،‬ولكن أول مسألة اختلف فيها المسلمون مسألة الكلم‪ ،‬وسمى‬
‫المتكلمون متكلمين لجل تكلمهم في ذلك‪ ،‬وكان أول من قالها عمرو بن عبيد‪ ،‬ثم خلفه بعد موته عطاء بن واصل‪،‬‬
‫هكذا قال‪ ،‬وذكر نحوًا من هذا‪.‬‬
‫فغضبت عليه وقلت‪ :‬أخطأت‪ ،‬وهذا كذب مخالف للجماع‪ .‬وقلت له‪ :‬ل أدب ول فضيلة‪ ،‬ل تأدبت معي في الخطاب‪،‬‬
‫ول أصبت في الجواب؟‬

‫ثم قلت‪ :‬الناس اختلفوا في مسألة الكلم في خلفة المأمون‪ ،‬وبعدها في أواخر المائة الثانية‪ ،‬وأما المعتزلة فقد كانوا‬
‫قبل ذلك بكثير‪ ،‬في زمن عمرو بن عبيد بعد موت الحسن البصري‪ ،‬في أوائل المائة الثانية‪ ،‬ولم يكن أولئك قد تكلموا‬
‫في مسألة الكلم‪ ،‬ول تنازعوا فيها‪ ،‬وإنما أول بدعتهم تكلمهم في مسائل السماء والحكام والوعيد‪.‬‬

‫فقال‪ :‬هذا ذكره الشهرستاني في كتاب الملل والنحل‪ .‬فقلت‪ :‬الشهرستاني ذكر ذلك في اسم المتكلمين‪ ،‬لم سموا‬
‫متكلمين؟ لم يذكره في اسم المعتزلة‪ ،‬والمير إنما سأل عن اسم المعتزلة‪ ،‬وأنكر الحاضرون عليه‪ ،‬وقالوا‪ :‬غلطت‪.‬‬
‫وقلت في ضمن كلمي‪ :‬أنا أعلم كل بدعة حدثت في السلم‪ ،‬وأول من ابتدعها‪ ،‬وما كان سبب ابتداعها‪.‬‬

‫وأيضًا‪ ،‬فما ذكره الشهرستاني ليس بصحيح في اسم المتكلمين‪ ،‬فإن المتكلمين كانوا يسمون بهذا السم‪ ،‬قبل منازعتهم‬
‫في مسألة الكلم‪ ،‬وكانوا يقولون عن واصل بن عطاء‪ :‬إنه متكلم‪ ،‬ويصفونه بالكلم‪ ،‬ولم يكن الناس اختلفوا في مسألة‬
‫الكلم‪.‬‬

‫وقلت‪ :‬أنا وغيري‪ :‬إنما هو واصل بن عطاء‪ ،‬أي‪ :‬ل عطاء بن واصل كما ذكره المعترض‪ ،‬قلت‪ :‬وواصل لم يكن بعد‬
‫موت عمرو بن عبيد وإنما كان قرينه‪.‬‬

‫وقد روى أن واصلً تكلم مرة بكلم‪ ،‬فقال عمرو بن عبيد‪ :‬لو بعث نبى ما كان يتكلم بأحسن من هذا‪ ،‬وفصاحته‬
‫مشهورة‪ ،‬حتى قيل‪ :‬إنه كان ألثغ‪ ،‬وكان يحترز عن الراء‪ ،‬حتى قيل له‪ :‬أمر المير أن يحفر بئر‪.‬فقال‪ :‬أوعز القائد أن‬
‫يقلب قليب في الجادة‪.‬‬

‫ولما انتهي الكلم إلى ما قاله الشعري‪ ،‬قال الشيخ المقدم فيهم‪ :‬ل ريب أن المام أحمد إمام عظيم القدر‪ ،‬ومن أكبر‬
‫أئمة السلم‪ ،‬لكن قد انتسب إليه أناس ابتدعوا أشياء‪.‬‬

‫فقلت‪ :‬أما هذا فحق‪ ،‬وليس هذا من خصائص أحمد‪ ،‬بل ما من إمام إل وقد انتسب إليه أقوام هو منهم بريء‪ ،‬قد انتسب‬
‫إلى مالك أناس مالك بريء منهم‪ ،‬وانتسب إلى الشافعي أناس هو بريء منهم‪ ،‬وانتسب إلى أبي حنيفة أناس هو بريء‬
‫منهم‪ ،‬وقد انتسب إلى موسى ـ عليه السلم ـ أناس هو منهم بريء‪ ،‬وانتسب إلى عيسى ـ عليه السلم ـ أناس هو منهم‬
‫بريء‪ ،‬وقد انتسب إلى على بن أبي طالب أناس هو بريء منهم‪ ،‬ونبينا صلى ال عليه وسلم قد انتسب إليه من‬
‫القرامطة والباطنية وغيرهم من أصناف الملحدة والمنافقين‪ ،‬من هو بريء منهم‪.‬‬

‫وذكر في كلمه أنه انتسب إلى أحمد ناس من الحشوية والمشبهة‪ ،‬ونحو هذا الكلم‪.‬‬

‫فقلت‪ :‬المشبهة والمجسمة في غير أصحاب المام أحمد أكثر منهم فيهم‪ ،‬هؤلء أصناف‪ ،‬الكراد كلهم شافعية‪ ،‬وفيهم‬
‫من التشبيه والتجسيم ما ل يوجد في صنف آخر‪ ،‬وأهل جيلن فيهم شافعية وحنبلية‪.‬قلت‪ :‬وأما الحنبلية المحضة فليس‬
‫فيهم من ذلك ما في غيرهم‪.‬‬

‫وكان من تمام الجواب أن الكرامية المجسمة كلهم حنفية‪ ،‬وتكلمت على لفظ الحشوية ـ ما أدرى جوابًا عن سؤال‬
‫المير أو غيره‪ ،‬أو عن غير جواب ـ فقلت‪ :‬هذا اللفظ أول من ابتدعه المعتزلة؛ فإنهم يسمون الجماعة والسواد‬
‫العظم الحشو‪ ،‬كما تسميهم الرافضة الجمهور‪ ،‬وحشو الناس هم عموم الناس وجمهورهم‪ ،‬وهم غير العيان‬
‫المتميزين‪ ،‬يقولون هذا من حشو الناس‪ ،‬كما يقال هذا من جمهورهم‪.‬‬

‫وأول من تكلم بهذا عمرو بن عبيد‪ ،‬وقال‪ :‬كان عبد ال بن عمر رضي ال عنه حشويا فالمعتزلة سموا الجماعة حشوا‬
‫كما تسميهم الرافضة الجمهور‪.‬‬

‫وقلت ل أدري ـ في المجلس الول أو الثاني ـ أول من قال أن ال جسم هشام بن الحكم الرافضي‪.‬‬
‫وقلت لهذا الشيخ‪ :‬من في أصحاب المام أحمد رحمه ال حشوي بالمعنى الذي تريده ؟ الثرم‪ ،‬أبو داود‪ ،‬المروذى‪،‬‬
‫الخلل‪ ،‬أبو بكر عبدالعزيز‪ ،‬أبو الحسن التميمي‪ ،‬ابن حامد‪ ،‬القاضي أبو يعلى‪ ،‬أبو الخطاب‪ ،‬ابن عقيل؟ ورفعت‬
‫صوتي وقلت‪ :‬سمهم‪ ،‬قل لي منهم‪ ،‬من هم؟‬

‫أبكذب ابن الخطيب وافترائه على الناس في مذاهبهم تبطل الشريعة‪ ،‬وتندرس معالم الدين؟ كما نقل هو وغيره عنهم‬
‫أنهم يقولون‪ :‬إن القرآن القديم هو أصوات القارئين ومداد الكاتبين‪ ،‬وأن الصوت والمداد قديم أزلي‪ ،‬من قال هذا؟ وفي‬
‫أي كتاب وجد هذا عنهم؟ قل لي؟!‬

‫وكما نقل عنهم أن ال ل يرى في الخرة باللزوم الذي ادعاه‪ ،‬والمقدمة التي نقلها عنهم؛ وأخذت أذكر ما يستحقه هذا‬
‫الشيخ؛ من أنه كبير الجماعة وشيخهم وأن فيه من العقل والدين ما يستحق أن يعامل بموجبه‪ ،‬وأمرت بقراءة العقيدة‬
‫جميعها عليه فإنه لم يكن حاضرا في المجلس الول‪ ،‬وإنما أحضروه في الثاني انتصارًا به‪.‬‬

‫وحدثني الثقة عنه بعد خروجه من المجلس أنه اجتمع به وقال له‪ :‬أخبرني عن هذا المجلس‪ ،‬فقال‪ :‬ما لفلن ذنب ول‬
‫لي فإن المير سأل عن شيء فأجابه عنه فظننته سأل عن شيء آخر ‪.‬‬

‫وقال‪ :‬قلت لهم أنتم ما لكم على الرجل اعتراض‪ ،‬فإنه نصر ترك التأويل‪ ،‬وأنتم تنصرون قول التأويل‪ ،‬وهما قولن‬
‫للشعري‪.‬‬

‫وقال أنا أختار قول ترك التأويل‪ ،‬وأخرج وصيته التي أوصى بها‪ ،‬وفيها قول ترك التأويل‪.‬‬

‫قال الحاكي لي‪ :‬فقلت له‪ :‬بلغني عنك أنك قلت في آخر المجلس ـ لما أشهد الجماعة على انفسهم بالموافقة ـ ل تكتبوا‬
‫عني نفيًا ول إثباتًا فلم ذاك؟ فقال‪ :‬لوجهين‪:‬‬

‫أحدهما‪ :‬أني لم أحضر قراءة جميع العقيدة في المجلس الول‪.‬‬

‫والثاني‪ :‬لن أصحابي طلبوني لينتصروا بي فما كان يليق أن أظهر مخالفتهم‪ ،‬فسكت عن الطائفتين‪.‬‬

‫وأمرت غير مرة أن يعاد قراءة العقيدة جميعها على هذا الشيخ‪ ،‬فرأي بعض الجماعة أن ذلك تطويل‪ ،‬وأنه ل يقرأ‬
‫عليه إل الموضع الذي لهم عليه سؤال وأعظمه لفظ الحقيقة‪ ،‬فقرءوه عليه‪ ،‬فذكر هو بحثًا حسنًا يتعلق بدللة اللفظ‪،‬‬
‫فحسنته ومدحته عليه وقلت‪ :‬ل ريب ان ال حي حقيقة؛ عليم حقيقة؛ سميع حقيقة؛ بصير حقيقة وهذا متفق عليه بين‬
‫أهل السنة والصفاتية من جميع الطوائف؛ ولو نازع بعض أهل البدع في بعض ذلك‪ ،‬فل ريب أن ال موجود؛‬
‫والمخلوق موجود؛ ولفظ الوجود سواء كان مقولً عليهما بطريق الشتراك اللفظي فقط أو بطريق التواطئ المتضمن‬
‫للشتراك لفظًا ومعنى أو بالتشكيك الذي هو نوع من التواطئ‪.‬‬

‫فعلى كل قول‪ :‬فال موجود حقيقة‪ ،‬والمخلوق موجود حقيقة‪ ،‬ول يلزم من إطلق السم على الخالق والمخلوق بطريق‬
‫الحقيقة محذور‪ ،‬ولم أرجح في ذلك المقام قولً من هذه الثلثة على الخر لن غرضي تحصل على كل مقصودي‪.‬‬

‫وكان مقصودي تقرير ما ذكرته على قول جميع الطوائف‪ ،‬وأن أبين إتفاق السلف ومن تبعهم على ما ذكرت‪ ،‬وأن‬
‫أعيان المذاهب الربعة والشعري وأكابر أصحابه على ما ذكرته‪ ،‬فإنه قبل المجلس الثاني اجتمع بي من أكابر علماء‬
‫الشافعية والمنتسبين إلى الشعرية والحنفية وغيرهم ممن عظم خوفهم من هذا المجلس وخافوا انتصار الخصوم فيه‬
‫وخافوا على نفوسهم أيضًا من تفرق الكلمة فلو أظهرت الحجة التي ينتصر بها ما ذكرته أو لم يكن من أئمة أصحابهم‬
‫من يوافقها لصارت فرقة‪ ،‬ولصعب عليهم أن يظهروا في المجالس العامة الخروج عن أقوال طوائفهم بما في ذلك من‬
‫تمكن أعدائهم من أغراضهم‪.‬‬

‫فإذا كان من أئمة مذاهبهم من يقول ذلك وقامت عليه الحجة وبان أنه مذهب السلف‪ :‬أمكنهم إظهار القول به مع ما‬
‫يعتقدونه في الباطن من أنه الحق حتى قال لي بعض الكابر من الحنفية ـ وقد اجتمع بي ـ لو قلت هذا مذهب أحمد‬
‫وثبت على ذلك ل انقطع النزاع‪.‬‬
‫ومقصوده أنه يحصل دفع الخصوم عنك بأنه مذهب متبوع ويستريح المنتصر والمنازع من إظهار الموافقة‪.‬‬

‫فقلت‪ :‬ل وال‪ ،‬ليس لحمد بن حنبل في هذا اختصاص‪ ،‬وإنما هذا اعتقاد سلف المة وأئمة أهل الحديث‪ ،‬وقلت أيضًا‪:‬‬
‫هذا اعتقاد رسول ال صلى ال عليه وسلم‪ ،‬وكل لفظ ذكرته فأنا أذكر به آية أو حديثا أو إجماعا سلفيا‪ ،‬وأذكر من ينقل‬
‫الجماع عن السلف من جميع طوائف المسلمين‪ ،‬والفقهاء الربعة والمتكلمين وأهل الحديث والصوفية‪ .‬وقلت لمن‬
‫خاطبني من أكابر الشافعية ـ لبين أن ما ذكرته هو قول السلف وقول أئمة أصحاب الشافعي‪ ،‬وأذكر قول الشعري‬
‫وأئمة أصحابه التي ترد على هؤلء الخصوم‪ ،‬ولينتصرن كل شافعي وكل من قال بقول الشعري الموافق لمذهب‬
‫السلف‪ ،‬وأبين أن القول المحكى عنه في تأويل الصفات الخبرية قول ل أصل له في كلمه وإنما هو قول طائفة من‬
‫أصحابه فللشعرية قولن ليس للشعري قولن‪.‬‬

‫فلما ذكرت في المجلس أن جميع أسماء ال التي سمى بها المخلوق كلفظ الوجود الذي هو مقول بالحقيقة على‬
‫الواجب‪ ،‬والممكن‪ ،‬على القوال الثلثة‪ :‬تنازع كبيران‪ ،‬هل هو مقول بالشتراك أو بالتواطئ؟‬

‫فقال أحدهما‪ :‬هو متواطئ‪ ،‬وقال الخر‪ :‬هو مشترك؛ لئل يلزم التركيب‪.‬‬

‫وقال هذا‪ :‬قد ذكر فخر دين أن هذا النزاع مبني على أن وجوده هل هو عين ماهيته أم ل؟ فمن قال أن وجود كل شيء‬
‫عين ماهيته‪ ،‬قال‪ :‬إنه مقول بالشتراك ومن قال أن وجوده قدر زائد على ماهيته قال أنه مقول بالتواطئ‪.‬‬

‫فأخذ الول يرجح قول من يقول‪ :‬أن الوجود زائد على الماهية؛ لينصر أنه مقول بالتواطئ‪.‬‬

‫فقال الثاني‪ :‬ليس مذهب الشعري وأهل السنة أن وجوده عين ماهيته؛ فأنكر الول ذلك‪.‬‬

‫فقلت‪ :‬أما متكلموا أهل السنة فعندهم أن وجود كل شيء عين ماهيته؛ وأما القول الخر فهو قول المعتزلة أن وجود‬
‫كل شيء قدر زائد على ماهيته‪ ،‬وكل منهما أصاب من وجه‪ ،‬فإن الصواب أن هذه السماء مقولة بالتواطئ‪ ،‬كما قد‬
‫قررته في غير هذا الموضع وأجبت عن شبهة التركيب بالجوابين المعروفين‪.‬‬

‫وأما بناء ذلك على كون وجود الشيء عين ماهيته أو ليس عينه‪ :‬فهو من الغلط المضاف إلى ابن الخطيب‪ ،‬فإنا وإن‬
‫قلنا أن وجود الشيء عين ماهيته ل يجب أن يكون السم مقول عليه وعلى نظيره بالشتراك اللفظى فقط كما في‬
‫جميع أسماء الجناس فإن اسم السواد مقول على هذا السواد وهذا السواد بالتواطئ وليس عين هذا السواد هو عين‬
‫هذا السواد إذ السم دال على القدر المشترك بينهما وهو المطلق الكلي لكنه ل يوجد مطلقا بشرط الطلق إل في‬
‫الذهن ول يلزم من ذلك نفي القدر المشترك بين العيان الموجودة في الخارج فإنه على ذلك تنتفي السماء المتواطئة‬
‫وهي جمهور السماء الموجودة في الغالب وهي أسماء الجناس اللغوية وهو السم المطلق على الشيء وعلى كل ما‬
‫أشبهه سواء كان اسم عين أو اسم صفة جامدا أو مشتقا وسواء كان جنسا منطقيا أو فقهيا أو لم يكن بل اسم الجنس في‬
‫اللغة يدخل فيه الجناس والصناف والنواع ونحو ذلك وكلها أسماء متواطئة وأعيان مسمياتها في الخارج متميزة‪.‬‬

‫وطلب بعضهم إعادة قراءة الحاديث المذكورة في العقيدة ليطعن في بعضها‪ ،‬فعرفت مقصوده‪ ،‬فقلت‪ :‬كأنك قد‬
‫استعددت للطعن في حديث الوعال حديث العباس بن عبد المطلب ـ وكانوا قد تعنتوا حتى ظفروا بما تكلم به زكي‬
‫الدين عبد العظيم من قول البخاري في تأريخه عبد ال بن عميرة ل يعرف له سماع من الحنف فقلت هذا الحديث مع‬
‫أنه رواه أهل السنن كأبي داود وابن ماجه والترمذى وغيرهم فهو مروي من طريقين مشهورين‪ ،‬فالقدح في أحدهما‬
‫ل يقدح في الخر‪.‬‬

‫فقال‪ :‬أليس مداره على ابن عميرة‪ ،‬وقد قال البخاري‪ :‬ل يعرف له سماع من الحنف؟‬

‫فقلت‪ :‬قد رواه إمام الئمة ابن خزيمة؛ في كتاب التوحيد الذي اشترط فيه أنه ل يحتج فيه إل بما نقله العدل عن العدل‬
‫موصولً إلى النبي صلى ال عليه وسلم‪ ،‬قلت والثبات مقدم على النفي‪ ،‬والبخاري انما نفي معرفة سماعه من‬
‫الحنف لم ينف معرفة الناس بهذا‪ ،‬فإذا عرف غيره كإمام الئمة ابن خزيمة ما ثبت به السناد كانت معرفته وإثباته‬
‫مقدمًا على نفي غيره وعدم معرفته‪.‬‬
‫ووافق الجماعة على ذلك‪ ،‬وأخذ بعض الجماعة يذكر من المدح ما ل يليق أن أحكيه‪ ،‬وأخذوا يناظرون في أشياء لم‬
‫تكن في العقيدة ولكن لها تعلق بما أجبت به في مسائل ولها تعلق بما قد يفهمونه من العقيدة‪ ،‬فأحضر بعض أكابرهم‬
‫كتاب السماء والصفات للبيهقي رحمه ال تعالى فقال‪ :‬هذا فيه تأويل الوجه عن السلف‪ ،‬فقلت‪ :‬لعلك تعني قوله تعالى‪:‬‬
‫ب َفَأيْ َنمَا تُوَلّو ْا َفثَمّ وَجْهُ الّ} [البقرة‪ .]115 :‬فقال‪ :‬نعم‪ .‬قد قال مجاهد والشافعي يعنى قبلة ال‪،‬‬
‫{وَلِّ ا ْلمَشْرِقُ وَا ْل َمغْرِ ُ‬
‫فقلت‪ :‬نعم هذا صحيح عن مجاهد والشافعي وغيرهما ‪ ،‬وهذا حق‪ ،‬وليست هذه الية من آيات الصفات‪.‬‬

‫ومن عدها في الصفات فقد غلط كما فعل طائفة فإن سياق الكلم يدل على المراد حيث قال ‪{ :‬وَلِّ ا ْلمَ ْ‬
‫شرِقُ وَا ْل َمغْ ِربُ‬
‫فََأ ْي َنمَا تُوَلّو ْا َفثَمّ َوجْهُ الّ} [البقرة‪ .]115 :‬والمشرق والمغرب الجهات‪.‬‬

‫والوجه هو الجهة؛ يقال‪ :‬أي وجه تريده؟ أي أي جهة‪ ،‬وأنا أريد هذا الوجه أي هذه الجهة‪ ،‬كما قال تعالى‪{ :‬وَِلكُلّ وِ ْ‬
‫جهَةٌ‬
‫هُ َو مُوَلّيهَا} [البقرة ‪ ]148‬ولهذا قال‪{ :‬فََأ ْي َنمَا تُوَلّو ْا َفثَمّ َوجْهُ الّ} [البقرة‪ ]115 :‬أي تستقبلوا وتتوجهوا وال أعلم‬
‫وصلى ال على محمد‪.‬‬

‫نقل الشيخ علم الدين ‪:‬‬

‫أن الشيخ قدس ال روحه قال‪:‬‬

‫في مجلس نائب السلطنة الفرم لما سأله عن اعتقاده‪ ،‬وكان الشيخ أحضر عقيدته [الواسطية] قال هذه كتبتها من نحو‬
‫سبع سنين قبل مجيء التتار إلى الشام فقرئت في المجلس‪.‬‬

‫ثم نقل علم الدين عن الشيخ أنه قال‪ :‬كان سبب كتابتها أن بعض قضاة واسط من أهل الخير والدين شكى ما الناس فيه‬
‫ببلدهم في دولة التتر من غلبة الجهل والظلم ودروس الدين والعلم‪ ،‬وسألني أن أكتب له عقيدة‪ ،‬فقلت له‪ :‬قد كتب‬
‫الناس عقائد أئمة السنة‪ ،‬فألح في السؤال وقال‪ :‬ما أحب إل عقيدة تكتبها أنت‪.‬‬

‫فكتبت له هذه العقيدة وأنا قاعد بعد العصر‪ ،‬فأشار المير لكاتبه فقرأها على الحاضرين حرفًا حرفًا‪ ،‬فاعترض‬
‫بعضهم على قولي فيها‪ :‬ومن اليمان بال اليمان بما وصف به نفسه ووصفه به رسوله من غير تحريف ول تعطيل‬
‫ول تكييف ول تمثيل‪ .‬ومقصوده أن هذا ينفي التأويل الذي هو صرف اللفظ عن ظاهره إما وجوبًا وإما جوازًا‪.‬‬

‫فقلت‪ :‬إنى عدلت عن لفظ التأويل إلى لفظ التحريف‪ ،‬لن التحريف اسم جاء القرآن بذمه‪ ،‬وأنا تحريت في هذه العقيدة‬
‫اتباع الكتاب والسنة فنفيت ما ذمه ال من التحريف‪ ،‬ولم أذكر فيها لفظ التأويل لنه لفظ له عدة معان كما بينته في‬
‫موضعه من القواعد‪.‬‬

‫فإن معنى لفظ التأويل في كتاب ال غير لفظ التأويل في اصطلح المتأخرين من أهل الصول والفقه وغير معنى لفظ‬
‫التأويل في اصطلح كثير من أهل التفسير والسلف‪.‬‬

‫س َك ِمثْلِهِ شَيْءٌ} [‬
‫وقلت لهم ذكرت في النفي التمثيل ولم أذكر التشبيه لن التمثيل نفاه ال بنص كتابه حيث قال‪َ{ :‬ليْ َ‬
‫الشورى‪.]11 :‬‬

‫وأخذوا يذكرون نفي التشبيه والتجسيم ويطنبون في هذا‪ ،‬ويعرضون بما ينسبه بعض الناس إلينا من ذلك‪.‬‬

‫فقلت‪ :‬قولي من غير تكييف ول تمثيل ينفي كل باطل‪ ،‬وإنما اخترت هذين السمين لن التكييف مأثور نفيه عن‬
‫السلف‪ ،‬كما قال ربيعة ومالك وابن عيينة وغيرهم المقالة التي تلقاها العلماء بالقبول‪[ :‬الستواء معلوم والكيف‬
‫مجهول واليمان به واجب والسؤال عنه بدعة] فاتفق هؤلء السلف على أن الكيف غير معلوم لنا‪ ،‬فنفيت ذلك اتباعا‬
‫لسلف المة‪.‬‬

‫وهو أيضًا منفي بالنص‪ ،‬فإن تأويل آيات الصفات يدخل فيها حقيقة الموصوف‪ ،‬وحقيقة صفاته غير معلومة‪ ،‬وهذا‬
‫من التأويل الذي ل يعلمه إل ال كما قررت ذلك في قاعدة مفردة ذكرتها في [التأويل والمعنى] والفرق بين علمنا‬
‫بمعنى الكلم وبين علمنا بتأويله‪.‬‬
‫وكذلك التمثيل منفي بالنص والجماع القديم مع دللة العقل على نفيه ونفي التكييف إذ كنه الباري غير معلوم للبشر‪.‬‬

‫وذكرت في ضمن ذلك كلم الخطابي الذي نقل أنه مذهب السلف وهو‪[ :‬إجراء آيات الصفات وأحاديثها على ظاهرها‬
‫مع نفي الكيفية والتشبيه عنها إذ الكلم في الصفات فرع الكلم في الذات يحتذى حذوه ويتبع فيه مثاله‪ ،‬فإذا كان إثبات‬
‫الذات إثبات وجود ل إثبات تكييف فكذلك إثبات الصفات إثبات وجود ل اثبات تكييف]‪.‬‬

‫فقال أحد كبراء المخالفين فحينئذ يجوز أن يقال هو جسم ل كالجسام‪ ،‬فقلت له‪ :‬أنا وبعض الفضلء إنما قيل‪ :‬أنه‬
‫يوصف ال بما وصف به نفسه وبما وصفه به رسوله وليس في الكتاب والسنة أن ال جسم حتى يلزم هذا‪ .‬وأول من‬
‫قال إن ال جسم هشام بن الحكم الرافضي‪.‬‬

‫وأما قولنا‪ :‬فهم الوسط في فرق المة كما أن المة هي الوسط في المم‪ .‬فهم وسط في باب صفات ال بين أهل‬
‫التعطيل الجهمية وأهل التمثيل المشبهة‪ ،‬فقيل لي‪ :‬أنت صنفت اعتقاد المام أحمد وأرادوا قطع النزاع لكونه مذهبًا‬
‫متبوعًا‪.‬‬

‫فقلت‪ :‬ما خرجت إل عقيدة السلف الصالح جميعهم ليس للمام أحمد اختصاص بهذا‪ ،‬وقلت‪ :‬قد أمهلت من خالفنى في‬
‫شيء منها ثلث سنين فإن جاء بحرف واحد عن القرون الثلثة يخالف ما ذكرته فأنا أرجع عن ذلك‪ ،‬وعلي أن آتى‬
‫بنقول جميع الطوائف عن القرون الثلثة يوافق ما ذكرته من الحنفية والمالكية والشافعية والحنبلية والشعرية وأهل‬
‫الحديث وغيرهم‪.‬‬

‫ثم طلب المنازع الكلم في [مسألة الحرف والصوت] فقلت‪ :‬هذا الذي يُحكى عن أحمد وأصحابه أن صوت القارئين‬
‫ومداد المصاحف قديم أزلى كذب مفترى‪ ،‬لم يقل ذلك أحمد‪ ،‬ول أحد من علماء المسلمين‪.‬‬

‫وأخرجت كراسًا وفيه ما ذكره أبو بكر الخلل في [كتاب السنة] عن المام أحمد وما جمعه صاحبه أبو بكر المروذي‬
‫من كلم أحمد وكلم أئمة زمانه في أن من قال‪ :‬لفظي بالقرآن مخلوق فهو جهمي‪ ،‬ومن قال‪ :‬غير مخلوق فهو‬
‫مبتدع‪ ،‬قلت‪ :‬فكيف بمن يقول لفظي أزلي؟! فكيف بمن يقول صوتي قديم؟!‬

‫فقال المنازع‪ :‬أنه انتسب إلى أحمد أناس من الحشوية والمشبهة ونحو هذا الكلم‪ ،‬فقلت‪ :‬المشبهة والمجسمة في غير‬
‫أصحاب المام أحمد أكثر منهم فيهم‪ ،‬فهؤلء أصناف الكراد كلهم شافعية وفيهم من التشبيه والتجسيم مال يوجد في‬
‫صنف آخر‪ ،‬وأهل جيلن فيهم شافعية وحنبلية‪ ،‬وأما الحنبلية المحضة فليس فيهم من ذلك ما في غيرهم والكرامية‬
‫المجسمة كلهم حنفية‪.‬‬

‫وقلت له‪ :‬من في أصحابنا حشوي بالمعنى الذي تريده؟! الثرم؛ أبو داود؛ المروزي؛ الخلل؛ أبو بكر عبد العزيز‪،‬‬
‫أبو الحسن التميمي؛ ابن حامد؛ القاضي أبو يعلى؛ أبو الخطاب؛ ابن عقيل؛ ورفعت صوتي وقلت‪ :‬سمهم‪ ،‬قل لي من‬
‫منهم؟ !‬

‫أبكذب ابن الخطيب وافترائه على الناس في مذاهبهم تبطل الشريعة‪ ،‬وتندرس معالم الدين‪ ،‬كما نقل هو وغيره عنهم‬
‫أنهم يقولون‪ :‬القرآن القديم هو أصوات القارئين ومداد الكاتبين‪ ،‬وأن الصوت والمداد قديم أزلي‪ ،‬من قال هذا؟ وفي أي‬
‫كتاب وجد عنهم هذا؟ قل لى‪ .‬وكما نقل عنهم أن ال ل يرى في الخرة باللزوم الذي ادعاه والمقدمة التي نقلها عنهم‪.‬‬

‫ولما جاءت مسألة القرآن وأنه كلم ال غير مخلوق‪ ،‬منه بدء وإليه يعود‪ ،‬نازع بعضهم في كونه منه بدا وإليه يعود‪،‬‬
‫وطلبوا تفسير ذلك‪ ،‬فقلت‪ :‬أما هذا القول فهو المأثور والثابت عن السلف مثل ما نقله عمرو بن دينار قال‪ :‬أدركت‬
‫الناس منذ سبعين سنة يقولون ال الخالق وما سواه مخلوق إل القرآن فإنه كلم ال غير مخلوق منه بدا وإليه يعود‪.‬‬

‫ومعنى منه بدا أي هو المتكلم به وهو الذي أنزله من لدنه ليس هو كما تقوله الجهمية انه خلق في الهواء أو غيره وبدأ‬
‫من غيره‪ ،‬وأما إليه يعود فإنه يسري به في آخر فل يبقى في الصدور منه كلمة ول في المصاحف منه حرف‪.‬‬
‫ووافق على ذلك غالب الحاضرين فقلت‪ :‬هكذا قال النبي صلى ال عليه وسلم ما تقرب العباد إلى ال بمثل ما خرج‬
‫منه يعني القرآن‪ ،‬وقال خباب بن الرت‪ :‬يا هنتاه تقرب إلى ال بما استطعت فلن يتقرب إلى ال بشيء أحب إليه مما‬
‫خرج منه‪.‬‬

‫وقلت‪ :‬وأن ال تكلم به حقيقة‪ ،‬وأن هذا القرآن الذي أنزله ال على محمد صلى ال عليه وسلم هو كلم ال حقيقة ل‬
‫كلم غيره ول يجوز إطلق القول بأنه حكاية عن كلم ال أو عبارة؛ بل إذا قرأ الناس القرآن أو كتبوه في المصاحف‬
‫لم يخرج بذلك عن أن يكون كلم ال تعالى حقيقة‪ ،‬فإن الكلم إنما يضاف حقيقة إلى من قاله مبتدئا ل إلى من قاله‬
‫مبلغا مؤديا‪ ،‬فامتعض بعضهم من إثبات كونه كلم ال حقيقة بعد تسليمه أن ال تكلم به حقيقة‪ ،‬ثم أنه سلم ذلك لما بين‬
‫له أن المجاز يصح نفيه وهذا ل يصح نفيه‪ ،‬وأن أقوال المتقدمين المأثورة عنهم وشعر الشعراء المضاف إليهم هو‬
‫كلمهم حقيقة‪.‬‬

‫ولما ذكرت فيها أن الكلم إنما يضاف حقيقة إلى من قاله مبتدئًا ل إلى من قاله مبلغا استحسنوا هذا الكلم وعظموه‪،‬‬
‫وذكرت ما أجمع عليه سلف المة من أنه سبحانه فوق العرش وأنه معنا حق على حقيقته ل يحتاج إلى تحريف ولكن‬
‫يصان عن الظنون الكاذبة‪ ،‬وليس معنى قوله {وَهُ َو َم َعكُمْ َأيْنَ مَا كُنتُمْ} [الحديد‪ .]4 :‬أنه مختلط بالخلق‪ ،‬فإن هذا ل‬
‫توجبه اللغة؛ وهو خلف ما أجمع عليه سلف المة وخلف ما فطر ال عليه الخلق؛ بل القمر آية من آيات ال من‬
‫أصغر مخلوقاته وهو موضوع في السماء وهو مع المسافر أينما كان‪.‬‬

‫ولما ذكرت أن جميع أسماء ال التي يسمى بها المخلوق كلفظ الوجود الذي هو مقول بالحقيقة على الواجب والممكن‬
‫تنازع كبيران‪ ،‬هل هو مقول بالشتراك؟ أو بالتواطئ؟ فقال أحدهما‪ :‬هو متواطئ وقال آخر‪ :‬هو مشترك لئل يلزم‬
‫التركيب وقال هذا قد ذكر فخر الدين أن هذا النزاع مبني على أن وجوده هل هو عين ماهيته أم ل؟! فمن قال إن‬
‫وجود كل شيء عين ماهيته قال أنه مقول بالشتراك؛ ومن قال أن وجوده قدر زائد على ماهيته قال أنه مقول‬
‫بالتواطئ‪ ،‬فأخذ الول يرجح قول من يقول أن الوجود زائد على الماهية لينصر أنه مقول بالتواطئ‪ ،‬فقال الثاني‬
‫مذهب الشعري وأهل السنة أن وجوده عين ماهيته‪ ،‬فأنكر الول ذلك فقلت أما متكلموا أهل السنة فعندهم أن وجود‬
‫كل شيء عين ماهيته وأما القول الخر فهو قول المعتزلة أن وجود كل شيء قدر زائد على ماهيته وكل منهما أصاب‬
‫من وجه فإن الصواب أن هذه السماء مقولة بالتواطئ كما قد قررته في غير هذا الموضع‪.‬‬

‫وأما بناء ذلك على كون وجود الشيء عين ماهيته أو ليس عين وجود ماهيته فهو من الغلط المضاف إلى ابن‬
‫الخطيب‪ ،‬فإنا وإن قلنا إن وجود الشيء عين ماهيته ل يجب أن يكون السم مقول عليه وعلى غيره بالشتراك اللفظي‬
‫فقط كما في جميع أسماء الجناس‪ ،‬فإن اسم السواد مقول على هذا السواد وهذا السواد بالتواطئ وليس عين هذا‬
‫السواد هو عين هذا السواد اذ السم دال على القدر المشترك بينهما وهو المطلق الكلي لكنه ل يوجد مطلقا بشرط‬
‫الطلق إل في الذهن ول يلزم من ذلك نفي القدر المشترك بين العيان الموجودة في الخارج فإنه على ذلك تنتفي‬
‫السماء المتواطئة وهي جمهور السماء الموجودة في اللغات وهي أسماء الجناس اللغوية وهو السم المعلق على‬
‫الشيء وما أشبهه سواء كان اسم عين أو اسم صفة جامدا أو مشتقًا‪ ،‬وسواء كان جنسًا منطقيًا أو فقهيًا أو لم يكن‪ ،‬بل‬
‫اسم الجنس في اللغة تدخل فيه الجناس والصناف والنواع ونحو ذلك وكلها أسماء متواطئة وأعيان مسمياتها في‬
‫الخارج متميزة ‪ ،‬قال الذهبى‪ :‬ثم وقع التفاق على أن هذا معتقد سلفي جيد‪.‬‬

‫وكتب عبد ال بن تيمية لخيه زين الدين‪:‬‬

‫بسم ال الرحمن الرحيم‬

‫من أخيه عبد ال بن تيمية إلى الشيخ المام العالم الفاضل الصدر الكبير زين الدين _ ـ زينه ال تعالى بحلية أوليائه‬
‫وأكرمه في الدنيا والخرة بكرامة أصفيائه وجعل له البشرى بالنصر الكبر على أعدائه وأوزعه شكر النعماء‬
‫خصوصا أفضل نعمائه بما من ال به سبحانه من النصر العزيز للسلم وللسنة وأهلها على حزب الشيطان وأوليائه‬
‫ـ أما بعد فإنى أحمد اليك ال الذي ل اله إل هو وهو للحمد أهل وأصلي على نبيه محمد عليه أفضل الصلة والسلم‬
‫وأعرفه بما من ال سبحانه علينا وعلى المسلمين أجمعين بالنصر الكبر والفتح المبين‪ ،‬وهو وإن كانت العقول تعجز‬
‫عن دركه على التفضيل واللسن عن وصفه عن التكميل لكن نذكر منه ما يسر ال سبحانه ملخصا خاليا عن‬
‫التطويل‪.‬‬

‫وهو أنه لما كان يوم الثنين ثامن من رجب جمع نائب السلطان القضاة الربعة ونوابهم والمفتين والمشايخ نجم‬
‫الدين؛ وشمس الدين؛ وتقي الدين؛ وجمال الدين؛ وجلل الدين نائب نجم الدين؛ وشمس الدين بن العز نائب شمس‬
‫الدين؛ وعز الدين نائب تقي الدين؛ ونجم الدين نائب جمال الدين؛ والشيخ كمال الدين بن الزملكاني؛ والشيخ كمال‬
‫الدين بن الشرشي؛ وابن الوكيل من الشافعية؛ والشيخ برهان الدين بن عبدالحق من الحنفية؛ والشيخ شمس الدين‬
‫الحريرى من المالكية؛ والشيخ شهاب الدين المجد من الشافعية؛ والشيخ محمد بن قوام؛ والشيخ محمد بن إبراهيم‬
‫الرموي؛ ثم سأل نائب السلطان عن العتقاد فقال ليس العتقاد لي ول لمن هو أكبر مني بل العتقاد يؤخذ عن ال‬
‫سبحانه وتعالى ورسوله صلى ال عليه وسلم وما أجمع عليه سلف المة يؤخذ من كتاب ال تعالى ومن أحاديث‬
‫البخاري ومسلم وغيرهما من الحاديث المعروفة وما ثبت عن سلف المة‪ ،‬فقال المير نريد أن تكتب لنا صورة‬
‫العتقاد‪ ،‬فقال الشيخ‪ :‬إذا قلت الساعة شيئًا من حفظي قد يقول الكذابون قد كتم بعضه أو داهن بل أنا أحضر ما كتبته‬
‫قبل هذا المجلس بسنين متعددة قبل مجيء التتار‪ ،‬فأحضرت الواسطية وسبب تسميتها بذلك أن الذي طلبها من الشيخ‬
‫رجل من قضاة واسط من أصحاب الشافعي قدم حاجًا من نحو عشر سنين ـ وكان فيه صلح كبير وديانة كبيرة ـ‬
‫فالتمس من الشيخ أن يكتب له عقيدة‪ ،‬فقال له الشيخ‪ :‬الناس قد كتبوا في هذا الباب شيئًا كثيرًا فخذ بعض عقائد أهل‬
‫السنة‪ ،‬فقال‪ :‬أحب أن تكتب لي أنت‪ ،‬فكتب له وهو قاعد في مجلسه بعد العصر هذه العقيدة‪.‬‬

‫ذكر الشيخ للمير معنى هذا الكلم ثم قرئت على الحاضرين من أولها إلى آخرها كلمه كلمة وبحث في مواضع منها‬
‫وفيهم من في قلبه من الشيخ ما ل يعلمه ال ال‪ ،‬وكان ظنهم أنهم اذا تكلموا معه في هذا الكتاب أظهروا أنه يخالف ما‬
‫عليه أهل السنة والجماعة وأوردوا ثلثة أسئلة في ثلث مواضع وهي تسميتها باعتقاد أهل الفرقة الناجية؛ وقول‬
‫استوى حقيقة؛ وقول فوق السموات‪.‬‬

‫فقال الشيخ للكاتب الذي أقعده نائب السلطان وهو الشيخ كمال الدين بن الزملكاني اكتب جوابها ـ وكان المجلس قد‬
‫طال من الضحى إلى قريب العصر ـ فأشاروا بتأخير ذلك إلى مجلس ثان وهو يوم الجمعة ثانى عشر رجب‪،‬‬
‫فاجتمعوا هم وحضر معهم الصفي الهندي‪ ،‬وحضرت أنا المجلس الثاني وما علمت بالمجلس الول حين حضروا وقد‬
‫كانوا بحثوا في تلك اليام بالفصوص وطالعوه واتفقوا على أنهم ل يبقوا ممكنا‪ ،‬فلما حضرت بعد صلة الجمعة‬
‫واستقر المجلس أثنى الناس على الصفي الهندي وقال جماعة منهم هو شيخ الجماعة وكبيرهم في هذا وعليه اشتغل‬
‫الناس في هذا الفن واتفقوا على أنه يتكلم مع الشيخ وحده فإذا فرغ تكلم واحد بعد واحد‪.‬‬

‫فخطب الشيخ فحمد ال وأثنى عليه بخطبة ابن مسعود رضي ال عنه ثم قال‪ :‬إن ال تعالى أمرنا بالجماعة والئتلف‬
‫ونهي عن الفرقة والختلف‪ ،‬وربنا واحد ورسولنا واحد وكتابنا واحد وديننا واحد‪ ،‬وأصول الدين ليس بين السلف‬
‫صمُو ْا بِ َحبْلِ الّ َجمِيعًا َولَ تَ َف ّرقُواْ} [آل‬ ‫وأئمة السلم فيها خلف‪ ،‬ول يحل فيها الفتراق لن ال تعالى يقول‪{ :‬وَا ْ‬
‫عتَ ِ‬
‫يءٍ} [النعام‪ .]159 :‬وهذا الباب قد تنازع‬ ‫ت ِمنْهُ ْم فِي شَ ْ‬
‫س َ‬
‫ش َيعًا لّ ْ‬ ‫عمران‪ .]103 :‬ويقول‪{ :‬إِنّ اّلذِي َ‬
‫ن فَ ّرقُو ْا دِي َنهُمْ َوكَانُواْ ِ‬
‫الناس فيه ويقول هذا أنا حنبلي ويقول هذا أنا أشعري‪ ،‬وقد أحضرت كتب الشعري وكتب أكابر أصحابه مثل كتب‬
‫أبي بكر بن الباقلني‪ ،‬وأحضرت أيضًا من نقل مذاهب السلف من المالكية والشافعية والحنبلية وأهل الحديث وشيوخ‬
‫الصوفية وأنهم كلهم متفقون على اعتقاد واحد وكذلك أحضر نقل شيوخ أصحاب أبي حنيفة مثل محمد بن الحسن‬
‫والطحاوي وما ذكروه من الصفات وغيرها في أصول الدين‪ ،‬وقرأ فصل مما ذكره الحافظ ابن عساكر في كتابه [‬
‫البانة] وأنه يقول بقول المام أحمد‪ ،‬وأحضر كتاب التمهيد للقاضي أبي بكر بن الباقلني‪ ،‬وأحضر النقول عن مالك‬
‫وأكابر أصحابه مثل ابن أبي زيد والقاضي عبد الوهاب وغيرهما من كبار أصحاب مالك بتصريحهم أن ال مستو‬
‫بذاته على العرش‪ ،‬وقال‪ :‬أما الذي أذكره فهو مذهب السلف وأحضر ألفاظهم وألفاظ من نقل مذاهبهم من الطوائف‬
‫الربعة وأهل الحديث والمتكلمين والصوفية‪ ،‬وأذكر موافقة ذلك من الكتاب والسنة‪ ،‬وأنه ليس في ذلك ما ينفيه العقل‪،‬‬
‫وإن كان ال تعالى يجمع قلوب الجماعة على ذلك فالحمد ل رب العالمين وان خالف مخالف لذلك كان في كلم الخر‬
‫ما أقوله وأكشف السرار وأهتك الستار وأبين ما يحتاج إليه بيانه واجتمع بالسلطان‪ ،‬وأقول له كلما آخر وكان يومًا‬
‫عظيمًا مشهودًا بين فيه للحاضرين من البحث والنقل أمر عظيم وبحث عن أشياء خارجة عن العقيدة الواسطية لما‬
‫أحضر لهم جوابه في مسألة القرآن ومسألة الستواء لما سئل عنها قديما من نحو اثني عشر سنة‪ ،‬وقرأ عليهم من ذلك‬
‫الجواب‪ ،‬وسألوه عن ألفاظ في المسألة الحموية وأوردوا عليه جميع ما في أنفسهم من الجوبة وقالوا هذا سؤالنا وما‬
‫بقي في أنفسنا شيء‪ ،‬فلما أجاب الشيخ عن أسئلتهم وافقوه وانفصل المجلس على ذلك‪ ،‬وكان قال لهم كل من خالف‬
‫شيئًا مما قلته فليكتب بخطه خلفه ولينقل فيما خالف في ذلك عن السلف أو يكتب كل شخص عقيدة وتعرض هذه‬
‫العقائد على ولة المور ويعرف أيها الموافق للكتاب والسنة‪ ،‬وقال أيضًا‪ :‬من جاء بحرف واحد عن السلف بخلف‬
‫ما ذكرت فأنا أصير إليه وأنا أحضر نقل جميع الطوائف أنهم ذكروا مذهب السلف كما وضعته‪ ،‬وأنا موافق السلف‬
‫ومناظر على ذلك‪ ،‬وجميع أئمة الطوائف من الحنفية والمالكية والشافعية والحنبلية والشعرية وأهل الحديث‬
‫والصوفية موافقون ما أقوله‪.‬‬

‫وسألوه عن الظاهر‪ ،‬هل هو موافق؟ أم ل؟ فقال‪ :‬هذا ليس في العقيدة وأنا أتبرع بالجواب عن أكثر من حكى مذهب‬
‫السلف كالخطابي وأبي بكر الخطيب والبغوي وأبي بكر وأبي القاسم التميمي وأبي الحسن الشعري وابن الباقلني‬
‫وأبي عثمان الصابوني وأبي عمر بن عبد البر والقاضي أبي يعلى والسيف المدي وغيرهم في نفي الكيفية والتشبيه‬
‫عنها‪ ،‬وأن الكلم في الصفات فرع على الكلم في الذات يحتذي فيه حذوه ويتبع فيه مثاله‪ ،‬فإذا كان إثبات الذات‬
‫إثبات وجود ل إثبات كيفية فكذلك إثبات الصفات إثبات وجود ل إثبات كيفية‪ ،‬وقد نقل طائفة أن مذهب السلف أن‬
‫الظاهر غير مراد‪ ،‬قال‪ :‬والجمع بين النقلين أن الظاهر لفظ مشترك‪ ،‬فالظاهر الذي ل يليق إل بالمخلوق غير مراد‪،‬‬
‫وأما الظاهر اللئق بجلل ال تعالى وعظمته فهو مراد أنه هو المراد في أسماء ال تعالى وصفاته مثل الحي والعليم‬
‫والقدير والسميع والبصير وجرت بحوث دقيقة ل يفهمها إل قليل من الناس‪ ،‬وبين أن ال تعالى فوق عرشه على‬
‫الوجه الذي يليق بجلله‪ ،‬ول أقول فوقه كالمخلوق على المخلوق كما تقوله المشبهة‪ ،‬ول يقال أنه ل فوق السموات‬
‫ول على العرش رب كما تقوله المعطلة الجهمية‪ ،‬بل يقال أنه فوق سمواته على عرشه بائن من خلقه‪.‬‬

‫وتكلم على لفظ الجهة وأنه معنى مشترك‪ ،‬وعلى لفظ الحقيقة‪.‬‬

‫وسئل عن مسألة القرآن والصوت‬

‫فأجاب بالتفصيل‪ ،‬وكان أجاب به قديمًا فقال‪ :‬من قال‪ :‬إن صوت العبد بالقرآن ومداد المصحف قديم فهو مخطئ‬
‫ضال‪ ،‬ولم يقل بهذا أحد من علماء أصحاب المام أحمد ول غيرهم‪ ،‬وما نقل عنهم أنهم يقولون ليس القرآن إل‬
‫الصوت المسموع من القارئ والمداد الذي في المصحف وهو مع ذلك قديم فهذا كذب مفترى‪.‬‬

‫ما قاله أحمد وأحضر نصوص المام أحمد وأصحابه وأصحاب مالك والشافعي والشعري وغيرهم‪ :‬أن من قال‬
‫لفظي بالقرآن غير مخلوق فهو مبتدع فكيف بمن يقول صوتي به غير مخلوق!! أو يقول صوتي به قديم! وحرر‬
‫الكلم فيها‪ ،‬وأن إطلق القول بنفي الحرف بدعة لم يتلكم به المام أحمد ول غيره من الئمة المتبوعين‪ ،‬بل مذهب‬
‫السلف أن القرآن كلم ال حروفه ومعانيه والكلم يضاف حقيقة إلى من قاله مبتدئًا ل إلى من قاله مبلغًا مؤديًا وأن ال‬
‫تكلم بصوت وذكر حديث أبي سعيد رضي ال عنه الذي في الصحيحين‪ ،‬فأخذ نائب المالكي يقول‪ :‬أنت تقول إن ال‬
‫ينادي بصوت؟ فقال له الشيخ‪ :‬هكذا قال نبيك إن كنت مؤمنا به وهكذا قال محمد بن عبدال إن كان رسول عندك‪،‬‬
‫وجعل نائب السلطان كلما ذكر حديثا وعزاه إلى الصحيحين يقول لهم‪ :‬هكذا قاله النبي صلى ال عليه وسلم‪ ،‬يقولون‪:‬‬
‫نعم‪ ،‬فيقول‪ :‬فمن قال بقول النبي صلى ال عليه وسلم أي شيء يقال له؟! وقال له كل شيء قلته من عندك قلته‪ ،‬فقال‪:‬‬
‫بل أنقله جميعا عن نبي المة صلى ال عليه وسلم‪ ،‬وأبين أن طوائف السلم تنقله عن السلف كما نقلته‪ ،‬وأن أئمة‬
‫السلم عليه وأنا أناظر عليه وأعلم كل من يخالفني بمذهبه‪ .‬وانزعج الشيخ انزاعاجا عظيما على نائب المالكي‬
‫والصفي الهندي‪ ،‬وأسكتهما سكوتًا لم يتكلما بعده بما يذكر‪ ،‬وجزئيات المور ل يتسع لها هذا الورق‪ ،‬وبعد المجلس‬
‫حمل بعض الشافعية النقل من تفسير القرطبي بأن السلف لم ينكر أحد منهم أن ال تعالى استوى على العرش حقيقة‬
‫وأنهم ل يقولون بنفي ول ينطقون إل بما أخبرت به رسله‪ ،‬وخص العرش بذلك لنه أعظم المخلوقات وإنما جهلوا‬
‫كيفية الستواء وأنه ل تعلم حقيقته كما قال مالك رحمه ال‪ :‬الستواء معلوم ـ يعني في اللغة ـ والكيف مجهول‬
‫واليمان به واجب والسؤال عنه بدعة‪ ،‬فقال المالكي‪ :‬ما كنا نعرف هذا‪.‬‬

‫وبعد المجلس حصل من ابن الوكيل وغيره من الكذب والختلق والتناقض بما عليه الحال ما ل يوصف‪ ،‬فجميع ما‬
‫يرد اليك مما يناقض ما ذكرت من الكإذيب والختلقات فتعلم ذلك‪ ،‬ولم ندر إلى الن كيف وقع المر في مصر إل‬
‫ما في كتاب السلطان‪ :‬أنه بلغنا أن الشيخ فلنا كتب عقيدة يدعو إليها وأن بعض الناس أنكرها فليعقد له مجلس لذلك‪،‬‬
‫ولتطالع ما يقع‪ ،‬وتكشف أنت ذلك كشفا شافيا‪ ،‬وتعرفنا به والسلم عليك ورحمة ال وبركاته‪ ،‬وعلى الشيخ المام‬
‫الكبير العالم الفاضل قرة العين عز الدين أفضل السلم وكذلك كل فرد من الهل والصحاب والمعارف والسلم‬
‫قال المام أبو العباس أحمد بن تيمية في جواب ورقة أرسلت إليه في السجن في رمضان سنة ست وسبعمائة‪:‬‬

‫الحمد ل نحمده ونستعينه ونستغفره‪ ،‬ونعوذ بال من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا‪ ،‬من يهد ال فل مضل له‪ ،‬ومن‬
‫يضلل فل هادي له‪ ،‬وأشهد أن ل اله إل ال وحده ل شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله‪ ،‬أرسله بالهدى ودين‬
‫الحق ليظهره على الدين كله وكفى بال شهيدا صلى ال عليه وآله وسلم تسليما أما بعد‪:‬‬

‫قد وصلت الورقة التي فيها رسالة الشيخين الجليلين العالمين الناسكين القدوتين أيدهما ال وسائر الخوان بروح منه‬
‫وكتب في قلوبهم اليمان وأدخلهم مدخل صدق وأخرجهم مخرج صدق وجعلهم ممن ينصر به السلطان سلطان العلم‬
‫والحجة والبيان والبرهان وسلطان القدرة والنصر بالسنان والعوان وجعلهم من أوليائه المتقين وجنده الغالبين لمن‬
‫ناواهم من القران ومن أئمة المتقين الذين جمعوا بين الصبر واليقان وال محقق ذلك ومنجز وعده في السر‬
‫والعلن‪ ،‬ومنتقم من حزب الشيطان لعباد الرحمن لكن بما اقتضته حكمته ومضت به سنته من البتلء والمتحان‬
‫الذي يخلص ال به أهل الصدق واليمان من أهل النفاق والبهتان‪ ،‬إذ قد دل كتابه على أنه لبد من الفتنة لكل من‬
‫الداعي إلى اليمان‪ ،‬والعقوبة لذوي السيئات والطغيان قال ال تعالى {الم‪ .‬أَحَ ِ‬
‫سبَ النّاسُ أَن ُيتْ َركُوا أَن يَقُولُوا آ َمنّا وَهُ ْم لَ‬
‫سبِقُونَا سَاء مَا‬
‫سّيئَاتِ أَن يَ ْ‬
‫ن َيعْمَلُونَ ال ّ‬
‫حسِبَ اّلذِي َ‬
‫ص َدقُوا وََل َيعَْلمَنّ ا ْلكَإذبِينَ‪ .‬أَمْ َ‬
‫ن مِن َقبِْلهِ ْم فََل َيعَْلمَنّ الُّ اّلذِينَ َ‬
‫يُ ْف َتنُونَ‪َ .‬ولَ َق ْد َفتَنّا اّلذِي َ‬
‫يَ ْح ُكمُونَ} [العنكبوت‪ .]4 :1:‬فأنكر سبحانه على من يظن أن أهل السيئات يفوتون الطالب؛ وأن مدعي اليمان‬
‫يتركون بل فتنة تميز بين الصادق والكإذب‪ ،‬وأخبر في كتابه أن الصدق في اليمان ل يكون إل بالجهاد في سبيله‬
‫ب آ َمنّا قُل لّ ْم تُ ْؤ ِمنُوا وََلكِن قُولُوا أَسَْل ْمنَا} إلى قوله‪ِ{ :‬إّنمَا ا ْلمُ ْؤ ِمنُونَ اّلذِي َ‬
‫ن آ َمنُوا بِالِّ َورَسُولِ ِه ثُمّ َلمْ‬ ‫فقال تعالى‪{ :‬قَاَلتِ العْرَا ُ‬
‫يَ ْرتَابُوا وَجَا َهدُوا بَِأمْوَاِلهِمْ وَأَنفُ ِسهِ ْم فِي َسبِيلِ الِّ أُوَْل ِئكَ هُمُ الصّادِقُونَ} [الحجرات‪ .]15 ،14 :‬وأخبر في كتابه بخسران‬
‫المنقلب على وجهه عند الفتنة الذي يعبد ال فيها على حرف وهو الجانب والطرف الذي ل يستقر من هو عليه‪ ،‬بل ل‬
‫س مَن يَ ْعُبدُ الَّ عَلَى َحرْفٍ} [الحج‪ ،]11:‬وقال‬ ‫يثبت اليمان إل عند وجود ما يهواه من خير الدنيا‪ ،‬قال تعالى‪َ { :‬ومِنَ النّا ِ‬
‫حتّى َنعْلَمَ‬ ‫خلُواْ الْجَنّ َة وََلمّا َيعْلَمِ الّ الّذِينَ جَاهَدُواْ مِنكُمْ وَ َيعْلَمَ الصّابِرِينَ}‪ ،‬وقال تعالى‪{ :‬وََل َنبْلُ َوّنكُمْ َ‬ ‫حسِبْتُمْ أَن تَدْ ُ‬
‫تعالى‪ :‬أَمْ َ‬
‫ا ْلمُجَا ِهدِي َن مِنكُمْ وَالصّابِرِينَ َونَبْلُوَ َأ ْخبَا َركُمْ} [محمد ‪]31‬‬

‫ل بِقَ ْومٍ‬ ‫وأخبر ـ سبحانه ـ أنه عند وجود المرتدين؛ فلبد من وجود المحبين المحبوبين المجاهدين‪ ،‬فقال‪{ :‬فَسَوْ َ‬
‫ف َي ْأتِي ا ّ‬
‫يُ ِحّبهُمْ َويُ ِحبّونَهُ} [المائدة‪.]45:‬‬

‫ت مِن َقبْلِهِ‬
‫ل َقدْ خَلَ ْ‬ ‫حمّدٌ إل َرسُو ٌ‬ ‫وهؤلء هم الشاكرون لنعمة اليمان‪ ،‬الصابرون على المتحان‪ ،‬كما قال تعالى‪َ { :‬ومَا مُ َ‬
‫سيَجْزِي الّ الشّاكِرِينَ َومَا كَانَ ِل َنفْسٍ أَنْ‬ ‫ش ْيئًا َو َ‬
‫عقَا ِبكُمْ َومَن يَنقَلِبْ عََلىَ عَ ِق َبيْهِ َفلَن َيضُرّ الّ َ‬ ‫الرّسُلُ َأ َفإِن مّاتَ أَ ْو ُقتِلَ انقََل ْبتُمْ عَلَى أَ ْ‬
‫سنَجْزِي الشّاكِرِينَ َو َكَأيّن مّن ّنبِيّ‬ ‫ب ال ّدنْيَا نُ ْؤتِ ِه ِمنْهَا َومَن يُ ِر ْد ثَوَابَ الخرة نُ ْؤتِهِ ِم ْنهَا َو َ‬ ‫ت إل بِإذنِ ال ِكتَابًا مّؤَجّلً َومَن يُ ِردْ ثَوَا َ‬ ‫َتمُو َ‬
‫ل يُحِبّ الصّابِرِينَ َومَا كَانَ َقوَْلهُمْ إل أَن قَالُواْ‬ ‫س َتكَانُواْ وَا ّ‬
‫ضعُفُواْ َومَا ا ْ‬ ‫سبِيلِ الّ َومَا َ‬ ‫ل َمعَهُ ِرّبيّونَ َكثِي ٌر َفمَا وَ َهنُواْ ِلمَا أَصَابَهُ ْم فِي َ‬ ‫قَاتَ َ‬
‫ن ثَوَابِ الخرة وَالّ‬ ‫ب ال ّدنْيَا وَحُسْ َ‬
‫ل ثَوَا َ‬ ‫ص ْرنَا عَلَى الْقَ ْومِ ا ْلكَا ِفرِينَ فَآتَاهُمُ ا ّ‬
‫ر ّبنَا اغْ ِفرْ َلنَا ُذنُوبَنَا َوإِسْرَا َفنَا فِي َأمْ ِرنَا َو َثبّتْ َأ ْقدَا َمنَا وان ُ‬
‫يُحِبّ ا ْلمُحْ ِسنِينَ} [آل عمران‪.]144-148 :‬‬

‫فإذا أنعم ال على النسان بالصبر‪ ،‬والشكر‪ ،‬كان جميع ما يقضي ال له من القضاء خيرًا له‪ ،‬كما قال النبي صلى ال‬
‫عليه وسلم‪( :‬ليقضي ال للمؤمن من قضاء إل كان خيرًا له‪ .‬إن أصابته سراء فشكر كان خيرًا له‪ ،‬وإن أصابته‬
‫ضراء َفصَبر كان خيرًا له)‪ .‬والصابر الشكور هو المؤمن الذي ذكره ال في غير موضع من كتابه‪.‬‬

‫ومن لم ينعم ال عليه بالصبر والشكر فهو بشر حال‪ ،‬وكل واحد من السراء والضراء في حقه يفضي إلى قبيح المآل‪،‬‬
‫فكيف إذا كان ذلك في المور العظيمة التي هي من محن النبياء والصديقين‪ ،‬وفيها تثبيت أصول الدين‪ ،‬وحفظ‬
‫اليمان‪ ،‬والقرآن من كيد أهل النفاق واللحاد والبهتان‪.‬‬

‫فالحمد ل حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه كما يحب ربنا ويرضى‪ ،‬وكما ينبغي لكرم وجهه وعز جلله‪.‬‬

‫وال هو المسؤول أن يثبتكم‪ ،‬وسائر المؤمنين‪ ،‬بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الخرة‪ ،‬ويتم عليكم نعمه الباطنة‬
‫والظاهرة‪ ،‬وينصر دينه وكتابه‪ ،‬وعباده المؤمنين على الكافرين‪ ،‬والمنافقين الذي أمرنا بجهادهم والغلظ عليهم في‬
‫كتابه المبين‪.‬‬
‫وأنتم فأبشروا من أنواع الخير والسرور بما لم يخطر في الصدور‪ .‬وشأن هذه [القضية] وما يتعلق بها أكبر مما يظنه‬
‫من ل يراعى إل جزئيات المور؛ ولهذا كان فيما خاطبت به أمين الرسول علء الدين الطيبرسي إن قلت‪ :‬هذه [‬
‫القضية] ليس الحق فيها لي بل ل ولرسوله وللمؤمنين من شرق الرض إلى مغربها‪ ،‬وأنا ل يمكنني أن أبدل الدين‪،‬‬
‫ول أنكس راية المسلمين‪ .‬ول أرتد عن دين السلم لجل فلن‪ ،‬وفلن‪.‬‬

‫نعم يمكنني أل أنتصر لنفسي‪ ،‬ول أجازي من أساء إليّ وافترى عليّ‪ ،‬ول أطلب حظي‪ ،‬ول أقصد إيذاء أحد بحقي‪،‬‬
‫وهذا كله مبذول مني ول الحمد‪ ،‬ونفسي طيبة بذلك‪ ،‬وكنت قد قلت له‪ :‬الضرر في هذه [القضية] ليس عليّ‪ ،‬بل‬
‫عليكم‪ ،‬فإن الذين أثاروها من أعداء السلم الذين يبغضونه‪ ،‬ويبغضون أولياءه والمجاهدين عنه‪ ،‬ويختارون انتصار‬
‫أعدائه من التتار ونحوهم‪.‬‬

‫وهم دبّروا عليكم حيلة يفسدون بها ملتكم ودولتكم‪ ،‬وقد ذهب بعضهم إلى بلدان التتار‪ ،‬وبعضهم مقيم بالشام وغيره‪،‬‬
‫ولهذه القضية أسرار ل يمكنني أن إذكرها‪ ،‬ول أسمّي من دخل في ذلك حتى تشاوروا نائب السلطان‪ ،‬فإن إذن في‬
‫ذلك ذكرت لك ذلك‪ ،‬وإل فل يقال ذلك له‪ ،‬وما أقوله فاكشفوه أنتم‪ ،‬فاستعجب من ذلك وقال‪ :‬يا مولنا‪ ،‬إل تسمى لي‬
‫أنت أحدًا؟ فقلت‪ :‬وأنا ل أفعل ذلك‪ ،‬فإن هذا ل يصلح‪.‬‬

‫لكن تعرفون من حيث الجملة أنهم قصدوا فساد دينكم‪ ،‬ودنياكم‪ ،‬وجعلوني إمامًا تسترًا‪ ،‬لعلمهم بأني أواليكم‪ ،‬وأسعى‬
‫في صلح دينكم ودنياكم‪ ،‬وسوف ـ إن شاء ال ـ ينكشف المر‪.‬‬

‫قلت له‪ :‬وإل فأنا على أي شيء أخاف! إن قتلت كنت من أفضل الشهداء! وكان عليّ الرحمة والرضوان إلى يوم‬
‫القيامة! وكان على من قتلني اللعنة الدائمة في الدنيا‪ ،‬والعذاب في الخرة! ليعلم كل من يؤمن بال ورسوله أني إن‬
‫قتلت لجل دين ال‪ ،‬وإن حبست فالحبس في حقي من أعظم نعم ال عليّ‪ ،‬ووال ما أطيق أن أشكر نعمة ال على في‬
‫هذا الحبس‪ ،‬وليس لي ما أخاف الناس عليه! ل أقطاعي ! ول مدرستي! ول مالي! ول رياستي وجاهي‪.‬‬

‫وإنما الخوف عليكم إذا ذهب ما أنتم فيه من الرياسة والمال‪ ،‬وفسد دينكم الذي تنالون به سعادة الدنيا والخرة‪ ،‬وهذا‬
‫كان مقصود العدو الذي أثار هذه الفتنة‪.‬‬

‫وقلت‪ :‬هؤلء الذين بمصر من المراء ‪ ،‬والقضاة‪ ،‬والمشائخ ‪ ،‬إخواني وأصحابي ‪ ،‬أنا ما أسأت إلى أحد منهم قط‪،‬‬
‫وما زلت محسنًا إليهم‪ ،‬فأي شيء بيني وبينهم؟! ولكن لَبّس عليهم المنافقون أعداء السلم‪ .‬وأنا أقول لكم ‪ -‬لكن لم‬
‫يتفق أني قلت هذا له‪ :‬إن في المؤمنين من يسمع كلم المنافقين ويطيعهم‪ ،‬وإن لم يكن منافقًا‪ ،‬كما قال تعالى‪َ { :‬وفِيكُمْ‬
‫َسمّاعُونَ َل ُهمْ} [التوبة‪ ،]74 :‬وقد قال ال لنبيه صلى ال عليه وسلم‪{ :‬ول تُطِعِ ا ْلكَافِرِينَ وَا ْل ُمنَا ِفقِينَ َو َد ْع إذاهُمْ} [الحزاب‪:‬‬
‫‪]48‬‬

‫والنفاق له شعب ودعائم‪ ،‬كما أن لليمان شعبًا ودعائم‪ ،‬ففي الصحيحين عن النبي صلى ال عليه وسلم أنه قال‪( :‬آية‬
‫المنافق ثلث‪ :‬إذا حدث كذب‪ ،‬وإذا وعد أخلف‪ ،‬وإذا اؤتمن خان)‪ .‬وفيهما أيضا أنه قال‪( :‬أربع من كن فيه كان منافقًا‬
‫خالصًا‪ ،‬ومن كانت فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها‪ ،‬إذا حدث كذب‪ ،‬وإذا عاهد غدر‪ ،‬وإذا‬
‫خاصم فَجَر‪ ،‬وإذا اؤتمن خان) ‪.‬‬

‫وقلت له‪ :‬هذه القضية أكبر مما في نفوسكم‪ ،‬فإن طائفة من هؤلء العداء ذهبوا إلى بلد التتر‪ .‬فقال‪ :‬إلى بلد التتر؟‬
‫فقلت‪ :‬نعم‪ .‬هم من أحرص الناس على تحريك الشر عليكم إلى أمور أخرى ل يصلح أن إذكرها لك‪.‬‬

‫وكان قد قال لي‪ :‬فأنت تخالف المذاهب الربعة‪ ،‬وذكر حكم القضاة الربعة‪ ،‬فقلت له‪ :‬بل الذي قلته عليه الئمة‬
‫الربعة المذاهب‪ ،‬وقد أحضرت في الشام أكثر من خمسين كتابًا‪ ،‬من كتب الحنفية‪ ،‬والمالكية‪ ،‬والشافعية‪ ،‬وأهل‬
‫الحديث‪ .‬والمتكلمين‪ ،‬والصوفية‪ ،‬كلها توافق ما قلته بألفاظه‪ ،‬وفي ذلك نصوص سلف المة وأئمتها‪.‬‬

‫ولم يستطع المنازعون ـ مع طول تفتيشهم كتب البلد وخزائنه ـ أن يخرجوا ما يناقض ذلك عن أحد من أئمة السلم‬
‫وسلفه‪ ،‬وكان لما أعطاني الدرج‪ .‬فتأملته فقلت له‪ :‬هذا كله كذب؛ إل كلمة واحدة‪ ،‬وهي أنه استوى على العرش‬
‫حقيقة‪ ،‬لكن بل تكييف‪ ،‬ول تشبيه‪ .‬قلت‪ :‬وهذا هو في [العقيدة] بهذا اللفظ‪ :‬بل تكييف‪ ،‬ول تمثيل‪ ،‬ول تحريف‪ ،‬ول‬
‫تعطيل‪ .‬فقال‪ :‬فاكتب خطك بهذا‪ .‬قلت‪ :‬هذا مكتوب قبل ذلك في [العقيدة] ولم أقل بما يناقضه فأي فائدة في تجديد‬
‫الخط؟!‪.‬‬

‫وقلت‪ :‬هذا اللفظ قد حكى إجماع أهل السنة والجماعة عليه غير واحد من العلماء‪ ،‬المالكية‪ ،‬والشافعية‪ ،‬وأهل الحديث‪،‬‬
‫وغيرهم‪ ،‬وما في علماء السلم من ينكر ذلك‪ ،‬إل هؤلء الخصوم‪.‬‬

‫قلت‪ :‬فإن هؤلء يقولون‪ :‬ما فوق العرش رب يُدْعى‪ ،‬ول فوق السماء إله ُيعْبَد‪ ،‬وما هناك إل العدم المحض والنفي‬
‫الصرف‪ ،‬وأن الرسول صلى ال عليه وسلم لم يعرج به إلى ال تعالى‪ ،‬ولكن صعد إلى السماء‪ ،‬ونزل‪ .‬وأن الداعي ل‬
‫يرفع يديه إلى ال‪ .‬ومنهم من يقول‪ :‬إن ال هو هذا الوجود‪ ،‬وأنا ال‪ ،‬وأنت ال‪ ،‬والكلب والخنزير والعذرة! ويقول‪ :‬إن‬
‫ال حالّ في ذلك‪.‬‬

‫فاستعظم ذلك‪ ،‬وهاله أن أحدًا يقول هذا‪ .‬فقال‪ :‬هؤلء يعني؟ ابن مخلوف وذويه‪ .‬ففلت‪ :‬هؤلء ما سمعت كلمهم‪ ،‬ول‬
‫خاطبوني بشيء؛ فما يحل لي أن أقول عنهم ما لم أعلمه‪ ،‬ولكن هذا قول الذين نازعوني بالشام‪ ،‬وناظروني وصرحوا‬
‫لي بذلك‪ ،‬وصرح أحدهم بأنه ل يقبل من الرسول صلى ال عليه وسلم ما يقوله في هذا الباب مما يخالفهم‪.‬‬

‫وجعل الرجل في أثناء الكلم يصغى لما أقوله‪ ،‬ويعيه‪ ،‬لما رأى غضبي؛ ولهذا بلغني من غير وجه أنه خرج فرحًا‬
‫مسرورًا بما سمعه مني‪ .‬وقال‪ :‬هذا على الحق‪ ،‬وهؤلء قد ضيعوا ال‪ ،‬وإل فأين هو ال؟! وهكذا يقول كل ذي فطرة‬
‫سليمة‪ .‬كما قاله جمال الدين الخرم للملك الكامل لما خاطبه الملك الكامل في أمر هؤلء ‪ ،‬فقال له الخرم‪ :‬هؤلء قد‬
‫ضيعوا إلهك‪ ،‬فاطلب لك إلهًا تعبده‪.‬‬

‫ومن المعلوم باتفاق المسلمين أن ال حي حقيقة‪ ،‬عليم حقيقة‪ ،‬قدير حقيقة‪ ،‬سميع حقيقة‪ ،‬بصيرحقيقة‪ ،‬إلى غير ذلك من‬
‫أسمائه وصفاته‪ ،‬وإنما ينكر ذلك الفلسفة الباطنية‪ .‬فيقولون‪ :‬نطلق عليه هذه السماء‪ ،‬ول نقول‪ :‬إنها حقيقة‪.‬‬
‫وغرضهم بذلك جواز نفيها‪ ،‬فإنهم يقولون‪ :‬ل حي حقيقة‪ ،‬ول ميت حقيقة‪ ،‬ول عالم ول جاهل‪ ،‬ول قادر ول عاجز‪،‬‬
‫ول سميع ول أصم‪.‬‬

‫فإذا قالوا‪ :‬إن هذه السماء مجاز‪ ،‬أمكنهم نفي ذلك؛ لن علمة المجاز صحة نفيه‪ .‬فكل من أنكر أن يكون اللفظ حقيقة‬
‫لزمه جواز إطلق نفيه‪ ،‬فمن أنكر أن يكون استوى على العرش حقيقة‪ ،‬فإنه يقول‪ :‬ليس الرحمن على العرش استوى‪،‬‬
‫كما أن من قال‪ :‬إن لفظ السد للرجل الشجاع‪ ،‬والحمار للبليد ليس بحقيقة‪ ،‬فإنه يلزمه صحة نفيه‪ .‬فيقول‪ :‬هذا ليس‬
‫بأسد‪ ،‬ول بحمار‪ ،‬ولكنه آدمي‪.‬‬

‫وهؤلء يقولون لهم‪ :‬ل يستوى ال على العرش‪ .‬كقول إخوانهم‪ :‬ليس هو بسميع ول بصير‪ ،‬ول متكلم؛ لن هذه‬
‫اللفاظ عندهم مجاز‪ .‬فيأتون إلى محض ما أخبرت به الرسل عن ال ـ سبحانه ـ يقابلونه بالنفي والرد‪ ،‬كما يقابله‬
‫المشركون بالتكذيب‪ ،‬لكن هؤلء ل ينفون اللفظ مطلقًا‪.‬‬

‫وقال الطلمنكي [هو أبو عمرو أحمد بن محمد بن عبد ال بن يحيى المعافري الندلسي‪ ،‬صنف كتبًا كثيرة في السنة‪،‬‬
‫وكان سيفًا مجردًا على أهل الهواء والبدع ‪ ،‬توفي سنة ‪924‬هـ] ـ أحد أئمة المالكية ـ قبل ابن عبد البر‪ ،‬والباجي‪،‬‬
‫وطبقتهما ـ في [كتاب الوصول إلى معرفة الصول]‪ :‬أجمع المسلمون من أهل السنة على أن معنى {وَهُ َو َم َعكُمْ َأيْنَ مَا‬
‫كُنتُمْ} [الحديد‪ ،]4 :‬ونحو ذلك من القرآن‪ :‬أن ذلك علمه‪ ،‬وأن ال فوق السموات بذاته مستو على العرش كيف شاء‪.‬‬

‫وقال ـ أيضًا‪ :‬قال أهل السنة في قول ال تعالى‪{ :‬الرّ ْحمَنُ عَلَى ا ْلعَرْشِ ا ْستَوَى} [طه‪ :]5 :‬إن الستواء من ال على‬
‫عرشه المجيد على الحقيقة‪ ،‬ل على المجاز‪ .‬وقال ابن عبد البر في [التمهيد] ـ شرح الموطأ‪ ،‬وهو أشرف كتاب صنف‬
‫في فنه ـ لما تكلم على حديث النزول قال‪ :‬هذا حديث ثابت ل يختلف أهل الحديث في صحته‪ .‬وفيه دليل على أن ال‬
‫في السماء على العرش من فوق سبع سموات كما قالت الجماعة‪ ،‬وهو من حجتهم على المعتزلة في قولهم‪ :‬إنه في كل‬
‫مكان‪ ،‬وليس على العرش‪.‬‬

‫قال‪ :‬والدليل على صحة ما قاله أهل الحق‪ ،‬قول ال تعالى‪{ :‬الرّ ْحمَنُ عَلَى ا ْلعَ ْرشِ ا ْستَوَى} [طه‪.]5 :‬‬
‫ل ِئكَةُ وَالرّوحُ إَِليْهِ} [المعارج‪،]4 :‬‬
‫ح يَ ْر َفعُهُ} [فاطر‪ ،]10:‬وقال‪َ { :‬تعْرُجُ ا ْلمَ َ‬
‫طيّبُ وَا ْل َعمَلُ الصّالِ ُ‬ ‫وقال‪{ :‬إَِليْ ِه يَ ْ‬
‫ص َعدُ ا ْلكَلِمُ ال ّ‬
‫وقال‪{ :‬يَا عِيسَى ِإنّي ُمتَ َوفّيكَ وَرَا ِف ُعكَ إَِليّ} [آل عمران‪ ]55 :‬وذكر آيات‪.‬‬

‫إلى أن قال‪ :‬وهذا أشهر عند العامة والخاصة من أن يحتاج إلى أكثر من حكايته؛ لنه اضطرار لم يوقفهم عليه أحد‬
‫ول خالفهم فيه مسلم‪.‬‬

‫وهذا مثل ما ذكر محمد بن طاهر عن أبي جعفر الهمداني‪ :‬أنه حضر مجلس بعض المتكلمين فقال‪[ :‬كان ال ول‬
‫عرش] فقال‪ :‬يا أستاذ ‪ ،‬دعنا من ذكر العرش‪ .‬أخبرنا عن هذه الضرورات التي نجدها في قلوبنا‪ :‬ما قال عارف قط يا‬
‫ال ‪ ،‬إل وجد في قلبه ضرورة تطلب العلو‪ ،‬ل تلتفت ُيمْنة ول يسْ َرةً‪ .‬فضرب بيده على رأسه وقال‪ :‬حيرني الهمداني‪،‬‬
‫حيرني الهمداني‪ .‬أراد الشيخ أن إقرار الفطر بأن معبودها ‪ ،‬ومدعوها فوق‪ ،‬هو أمر ضروري ‪ ،‬عقلي ‪ ،‬فطري‪ ،‬لم‬
‫تستفده من مجرد السمع‪ ،‬بخلف الستواء على العرش ـ بعد خلق السموات والرض في ستة أيام ـ فإن هذا علم من‬
‫جهة السمع‪.‬‬

‫ولهذا ل تعرف أيام السبوع إل من جهة المقرين بالنبوات‪ ،‬فأما من ل يعرف ذلك كالترك المشركين ‪ ،‬فليس في‬
‫لغتهم أسماء أيام السبوع‪ .‬وهذا من حكمة اجتماع أهل كل ملة في يوم واحد في السبوع ‪ ،‬كما قال النبي صلى ال‬
‫عليه وسلم‪( :‬اليوم لنا‪ ،‬وغدًا لليهود‪ ،‬وبعد غد للنصارى)‪ .‬وبسط ابن عبد البر الكلم في ذلك‪.‬‬

‫إلى أن قال‪ :‬وأما احتجاجهم بقوله تعالى‪{ :‬مَا َيكُونُ مِن نّجْوَى ثَلَثَةٍ إل هُوَ رَابِ ُعهُمْ َولَ َخ ْمسَةٍ إل ُهوَ سَادِ ُسهُمْ} [المجادلة‪7 :‬‬
‫]‪ ،‬فل حجة فيه لهم؛ لن علماء الصحابة‪ ،‬والتابعين قالوا في تأويل هذه الية‪ :‬هو على العرش ‪ ،‬وعلمه في كل مكان‪،‬‬
‫وما خالفهم في ذلك أحد يحتج بقوله‪.‬‬

‫قال أبو عمر‪ :‬أهل السنة مجمعون على القرار بالصفات الواردة كلها في القرآن والسنة‪ ،‬واليمان بها‪ ،‬وحملها على‬
‫الحقيقة‪ ،‬ل على المجاز‪ ،‬إل أنهم ل يكيفون شيئًا‪ ،‬ول يحدون فيه صفة محصورة‪ .‬وأما أهل البدع ـ الجهمية والمعتزلة‬
‫والخوارج ـ فكلهم ينكرها‪ ،‬ول يحمل شيئًا منها على الحقيقة ‪ ،‬ويزعمون أن من أقرّ بها مشبه‪ ،‬وهم ـ عند من أقرّ بها‬
‫ـ نافون للمعبود‪ ،‬والحق ما نطق به كتاب ال‪ ،‬وسنة نبيه صلى ال عليه وسلم‪ ،‬وهم أئمة الجماعة‪.‬‬

‫وقال ـ أيضًا‪ :‬الذي عليه أهل السنة‪ ،‬وأئمة الفقه‪ ،‬والثر‪ ،‬في هذه المسألة وما أشبهها‪ :‬اليمان بما جاء عن النبي صلى‬
‫ال عليه وسلم‪ ،‬والتصديق بذلك‪ ،‬وترك التحديد‪ ،‬والكيفية في شيء منه‪.‬‬

‫وقال السجزي في [البانة]‪ :‬وأئمتنا كالثوري‪ ،‬ومالك ‪ ،‬وابن عيينة‪ ،‬وحماد بن سلمة‪ ،‬وحماد بن زيد ‪ ،‬وابن المبارك‪،‬‬
‫والفضيل‪ ،‬وأحمد‪ ،‬وإسحاق‪ ،‬متفقون على أن ال ـ سبحانه ـ بذاته فوق العرش‪ ،‬وأن علمه بكل مكان‪ ،‬وأنه يرى يوم‬
‫القيامة بالبصار فوق العرش‪ ،‬وأنه ينزل إلى سماء الدنيا‪ ،‬وأنه يغضب‪ ،‬ويرضى‪ ،‬ويتكلم بما شاء‪ ،‬فمن خالف شيئًا‬
‫من ذلك فهو منهم بريء‪ ،‬وهم منه برءاء‪.‬‬

‫وقال الشيخ عبد القادر في [الغنية]‪ :‬أما معرفة الصانع باليات‪ ،‬والدللت ـ على وجه الختصار ـ فهو أن يعرف‬
‫ويتيقن أن ال واحد أحد صمد‪ ،‬إلى أن قال‪ :‬وهو بجهة العلو‪ ،‬مستو على العرش ‪ ،‬محتو على الملك‪ ،‬محيط علمه‬
‫بالشياء‪ .‬قال‪ :‬ول يجوز وصفه بأنه في كل مكان‪ ،‬بل يقال‪ :‬إنه في السماء على العرش‪ ،‬إلى أن قال‪ :‬وينبغي إطلق‬
‫صفة الستواء من غير تأويل‪ ،‬وأنه استواء الذات على العرش‪ .‬قال‪ :‬وكونه على العرش في كل كتاب أنزل على كل‬
‫نبي أرسل بل تكييف‪.‬‬

‫عةَ عن مذاهب أهل السنة؟‬‫وذكر الشيخ نصر المقدسي في [كتاب الحجة] عن ابن أبي حاتم قال‪ :‬سألت أبي وأبا زُرْ َ‬
‫فقال‪ :‬أدركنا العلماء في جميع المصار‪ ،‬حجازًا‪ ،‬وعراقًا‪ ،‬ومصر‪ ،‬وشامًا ويمنًا؛ فكان من مذاهبهم‪ :‬أن اليمان قول‬
‫وعمل‪ ،‬يزيد وينقص والقرآن كلم ال منزل‪ ،‬غير مخلوق‪ ،‬بجميع جهاته‪ ،‬إلى أن قال‪ :‬وإن ال على عرشه بائن من‬
‫خلقه‪ ،‬كما وصف نفسه في كتابه‪ ،‬وعلى لسان رسوله صلى ال عليه وسلم بل كيف‪ ،‬أحاط بكل شيء علمًا‪.‬‬

‫وقال الشيخ نصر في أثناء الكتاب‪ :‬إن قال قائل‪ :‬قد ذكرت ما يجب على أهل السلم من اتباع كتاب ال وسنة رسول‬
‫ال صلى ال عليه وسلم‪ ،‬وما أجمع عليه الئمة والعلماء فإذكر مذهبهم وما أجمعوا عليه‪.‬‬
‫فالجواب‪ :‬أن الذي أدركنا عليه أهل العلم‪ ،‬ومن بلغني قوله من غيرهم‪ ...‬فذكر جمل [اعتقاد أهل السنة] وفيه‪ :‬وأن ال‬
‫مستو على عرشه‪ ،‬بائن من خلقه‪ .‬كما قال في كتابه‪.‬‬

‫وقال أبو الحسن الكجي الشافعي في [قصيدته المشهورة في السنة]‪:‬‬

‫عقيدتهم أن الله بذاته ** على عرشه مع علمه بالغوائب‬

‫وقال القرطبي ‪ -‬صاحب التفسير الكبير ـ في قوله تعالى‪{ :‬ثُمّ ا ْستَوَى عَلَى ا ْلعَرْشِ الرّ ْحمَنُ} [الفرقان‪ .]59 :‬قال‪ :‬هذه [‬
‫مسألة الستواء] وللعلماء فيها كلم‪ .‬فذكر قول المتكلمين‪ .‬ثم قال‪ :‬كان السلف الول ل يقولون‪ :‬بنفي الجهة‪ ،‬ول‬
‫ينطقون بذلك‪ .‬بل نطقوا هم والكافة بإثباتها ل؛ كما نطق به كتابه‪ ،‬وأخبرت به رسله‪ .‬قال‪ :‬ولم ينكر أحد من السلف‬
‫الصالح أنه استوى على عرشه حقيقة؛ وإنما جهلوا كيفية الستواء‪ .‬فإنه ل تعلم حقيقته‪.‬‬

‫ثم قال ـ بعد أن حكى أربعة عشر قولً‪ :‬وأظهر القوال ما تظاهرت عليه الي‪ ،‬والخبار‪ ،‬والفضلء الخيار أن ال‬
‫على عرشه ‪ ،‬كما أخبر في كتابه‪ ،‬وعلى لسان نبيه بل كيف‪ ،‬بائن من جميع خلقه‪ .‬هذا مذهب السلف الصالح فيما نقله‬
‫الثقات عنهم‪.‬‬

‫ولما اجتمعنا بدمشق‪ ،‬وأحضر فيمن أحضر كتب أبي الحسن الشعري‪ :‬مثل [المقالت]‪ ،‬و[البانة] وأئمة أصحابه‬
‫كالقاضي أبي بكر‪ ،‬وابن فُورَك‪ ،‬والبيهقي‪ ،‬وغيرهم‪ .‬وأحضر كتاب [البانة]‪ ،‬وما ذكر ابن عساكر في كتاب [تبيين‬
‫كذب المفتري فيما نسب إلى الشعري] وقد نقله بخطه أبو زكريا النووي‪.‬‬

‫وقال فيه‪ :‬فإن قال قائل‪ :‬قد أنكرتم قول المعتزلة‪ ،‬والقدرية‪ ،‬والجهمية‪ ،‬والحرورية‪ ،‬والرافضة‪ ،‬والمرجئة‪ :‬فعرفونا‬
‫قولكم الذي به تقولون‪.‬‬

‫قيل له‪ :‬قولنا‪ :‬التمسك بكتاب ال وسنة رسوله صلى ال عليه وسلم‪ ،‬وما روي عن الصحابة والتابعين وأئمة الحديث‪.‬‬
‫ونحن بذلك معتصمون‪ ،‬وبما كان يقول أحمد بن حنبل ـ نضر ال وجهه‪ ،‬ورفع درجته‪ ،‬وأجزل مثوبته ـ قائلون‪ ،‬ولما‬
‫خالف قوله مجانبون؛ لنه المام الفاضل الذي أبان ال به الحق عند ظهور الضلل وأوضح به المنهاج‪ ،‬وقمع به بدع‬
‫المبتدعين‪ ،‬وزيغ الزائغين‪ ،‬وشك الشاكين‪.‬‬

‫وذكر العتقاد الذي ذكره في [المقالت] عن أهل السنة ثم احتج على أبواب الصول مثل‪[ :‬مسألة القرآن]‪ ،‬و[‬
‫الرؤية] و[الصفات] ثم قال‪:‬‬

‫[باب ذكر الستواء]‬

‫ستَوَى}‬ ‫حمَنُ عَلَى ا ْلعَرْشِ ا ْ‬ ‫فإن قال قائل‪ :‬ما تقولون في الستواء ؟ قيل بأن ال مستو على عرشه‪ .‬كما قال سبحانه‪{ :‬الرّ ْ‬
‫طيّبُ وَا ْل َعمَلُ الصّالِ ُح يَ ْر َفعُهُ} [فاطر‪ ،]10:‬وقال سبحانه‪{ :‬بَل ّر َفعَهُ الّ إَِليْهِ} [النساء‪:‬‬ ‫[طه‪ ]5:‬وقال‪{ :‬إَِليْ ِه يَ ْ‬
‫صعَدُ ا ْلكَِلمُ ال ّ‬
‫ت َفأَطّلِعَ إِلَى إِلَ ِه مُوسَى وَِإنّي‬
‫سمَاوَا ِ‬
‫سبَابَ ال ّ‬
‫سبَابَ أَ ْ‬
‫ن ابْنِ لِي صَ ْرحًا ّلعَلّي َأبْلُغُ ال ْ‬
‫ن يَا هَامَا ُ‬
‫ل فِرْعَوْ ُ‬‫‪ ،]158‬وقال فرعون‪َ { :‬وقَا َ‬
‫ظنّهُ كَإذبًا} [غافر‪ 36:‬ـ ‪]37‬‬ ‫لَ ُ‬

‫كذّب موسى في قوله‪ :‬إن ال فوق السموات‪.‬‬

‫ف ِبكُمُ ال ْرضَ} [الملك‪ ، ]16 :‬والسموات فوقها العرش‪ ،‬وإنما أراد العرش الذي‬ ‫وقال‪{ :‬أََأمِنتُم مّن فِي ال ّ‬
‫سمَاء أَن َيخْسِ َ‬
‫هو على السموات‪ ،‬أل ترى أن ال ذكر السموات فقال‪َ { :‬و َجعَلَ ا ْل َقمَ َر فِيهِ ّن نُورًا} [نوح‪ ]16 :‬لم يرد أن القمر يملهن‬
‫جميعًا‪ ،‬وأنه فيهن جميعًا‪ .‬ورأينا المسلمين جميعًا يرفعون أيديهم إذا دعوا نحو العرش‪.‬‬

‫قال‪ :‬وقد قال قائلون من المعتزلة‪ ،‬والجهمية‪ ،‬والحرورية‪ :‬إن معنى قوله‪{ :‬الرّ ْحمَنُ عَلَى ا ْلعَرْشِ ا ْستَوَى} [طه‪ ]5 :‬أي‪:‬‬
‫استولى‪ ،‬وملك‪ ،‬وقهر‪ ،‬وال في كل مكان‪ ،‬وجحدوا أن يكون ال على عرشه‪ ،‬كما قاله أهل الحق‪ .‬قال‪ :‬ولو كان كما‬
‫قالوا‪ ،‬كان ل فرق بين العرش وبين الرض السابعة السفلى؛ لن ال قادر على كل شيء ‪ ،‬وقدر ذلك‪.‬‬
‫وساق الكلم إلى أن قال‪ :‬ومما يؤكد لكم أن ال مستو على عرشه دون الشياء كلها‪ ،‬ما نقله أهل الرواية عن رسول‬
‫ال صلى ال عليه وسلم من قوله‪( :‬ينزل ال إلى سماء الدنيا كل ليلة فيقول‪ :‬هل من سائل فأعطيه؟ هل من مستغفر‬
‫فأغفر له؟ حتى يطلع الفجر) ثم ذكر الحاديث‪.‬‬

‫طهّ ُركَ مِنَ اّلذِينَ َكفَرُواْ} [آل عمران‪ ]55 :‬قال‪ :‬وأجمعت المة على أن‬
‫وقال تعالى‪{ :‬يَا عِيسَى ِإنّي ُمتَ َوفّيكَ وَرَا ِف ُعكَ إِلَيّ َومُ َ‬
‫ال رفع عيسى إلى السماء‪ .‬وذكر دلئل‪ .‬إلى أن قال‪ :‬كل ذلك يدل على أن ال ليس في خلقه ول خلقه فيه‪ ،‬وأنه عز‬
‫وجل مستو على عرشه جل وعز وتعالى عما يقول الظالمون علوًا كبيرًا‪ .‬جل عما يقول الذين لم يثبتوا له في وصفهم‬
‫له حقيقة‪ ،‬ول أوجبوا له بذكرهم إياه وحدانية؛ إذ كان كلمهم يؤول إلى التعطيل‪ ،‬وجميع أوصافهم على النفي في‬
‫التأويل ‪ ،‬يريدون بذلك ـ فيما زعموا ـ التنزيه ‪ ،‬ونفي التشبيه‪ .‬فنعوذ بال من تنزيه يوجب النفي‪ ،‬والتعطيل‪.‬‬

‫وهذا باب واسع ل يحصر فيه كلم العلماء من جميع الطوائف‪ ،‬وما في ذلك من الدلئل العقلية والنقلية‪ ،‬وما يعارض‬
‫ذلك أيضًا من حجج النفاة‪ ،‬والجواب عنها‪.‬‬

‫وقد كتبت في هذا ما يجىء عدة مجلدات‪ ،‬وذكرت فيها مقالت الطوائف جميعها‪ ،‬وحججها الشرعية والعقلية‪،‬‬
‫واستوعبت ما ذكره الرازي في كتاب [تأسيس التقديس] و[نهاية العقول] وغير ذلك‪ ،‬حتى أتيت على مذاهب الفلسفة‬
‫المشائين أصحاب أرسطو‪ ،‬وغير المشائين متقدميهم ومتأخريهم‪ ،‬كأفضل متأخريهم [ابن سينا] وأوحدهم في زمانه [‬
‫أبي البركات] وذكرت حججهم‪.‬‬

‫فإني أعلم أن هذا الباب قد كثر فيه الضطراب‪ ،‬وحار فيه طوائف من الفضلء الذكياء؛ لتعارض الدلة عندهم‪.‬‬
‫وقررت الدلة اللفظية الصحيحة‪ ،‬وميزت بينها وبين الشبهات الفاسدة‪ ،‬مع ما يجيء في ضمن ذلك من أصول عظيمة‬
‫وقواعد جسيمة‪.‬‬

‫من أولها ـ وهو من أجل المور عند كثير من الناس ـ من تقرير استدارة الفلك‪ .‬فإني قررت ذلك‪ ،‬وذكرت كلم من‬
‫ذكر إجماع المسلمين على ذلك‪ ،‬مثل ابن المنادي‪ ،‬وابن حزم‪ ،‬وابن الجوزي‪ ،‬وما يتعلق بذلك من المور الحسابية‬
‫السمعية من الكتاب والسنة‪ ،‬إلى أمثال ذلك مما يطول وصفه‪.‬‬

‫وأيضًا ‪ ،‬لما كنت في البرج ذكر لي أن بعض الناس علق مؤاخذة على الفتيا [الحموية] وأرسلت إلى ‪ ،‬وقد كتبت فيما‬
‫بلغ مجلدات‪ ،‬ول حول ول قوة إل بال‪.‬‬

‫والناس يعلمون أنه كان بين الحنبلية والشعرية وحشة ومنافرة‪ .‬وأنا كنت من أعظم الناس تأليفًا لقلوب المسلمين‪،‬‬
‫وطلبًا لتفاق كلمتهم‪ ،‬واتباعًا لما أمرنا به من العتصام بحبل ال‪ ،‬وأزلت عامة ما كان في النفوس من الوحشة ‪،‬‬
‫وبينت لهم أن الشعري كان من أجل المتكلمين المنتسبين إلى المام أحمد ـ رحمه ال ـ ونحوه‪ ،‬المنتصرين لطريقه‪،‬‬
‫كما يذكر الشعري ذلك في كتبه‪.‬‬

‫وكما قال أبو إسحاق الشيرازي [هو أبو إسحاق إبراهيم بن علي بن يوسف الشيرازي‪ ،‬ولد سنة ‪393‬هـ‪ ،‬له تصانيف‬
‫كثيرة‪ ،‬منها‪[ :‬التنبيه] و[اللمع] وغيرهما‪ ،‬توفي سنة ‪674‬هـ]‪ :‬إنما نفقت الشعرية عند الناس بانتسابهم إلى الحنابلة‪،‬‬
‫وكان أئمة الحنابلة المتقدمين كأبي بكر عبد العزيز‪ ،‬وأبي الحسن التميمي‪ ،‬ونحوهما‪ ،‬يذكرون كلمه في كتبهم‪ ،‬بل‬
‫كان عند متقدميهم كابن عقيل عند المتأخرين‪ ،‬لكن ابن عقيل له اختصاص بمعرفة الفقه وأصوله‪ ،‬وأما الشعري فهو‬
‫أقرب إلى أصول أحمد من ابن عقيل وأتبع لها‪ ،‬فإنه كلما كان عهد النسان بالسلف أقرب‪ ،‬كان أعلم بالمعقول‬
‫والمنقول‪.‬‬

‫وكنت أقرر هذا للحنبلية‪ ،‬وأبين أن الشعري‪ ،‬وإن كان من تلمذة المعتزلة ثم تاب‪ .‬فإنه كان تلميذ الجبائي‪ ،‬ومال إلى‬
‫طريقة ابن كلب‪ ،‬وأخذ عن زكريا الساجي أصول الحديث بالبصرة‪ ،‬ثم لما قدم بغداد أخذ عن حنبلية بغداد أمورًا‬
‫أخرى‪ ،‬وذلك آخر أمره كما ذكره هو وأصحابه في كتبهم‪.‬‬
‫وكذلك ابن عقيل كان تلميذ ابن الوليد وابن التبان المعتزليين ثم تاب من ذلك‪ .‬وتوبته مشهورة بحضرة الشريف أبي‬
‫جعفر‪ .‬وكما أن في أصحاب أحمد من يبغض ابن عقيل ويذمه ‪ ،‬فالذين يذمون الشعري ليسوا مختصين بأصحاب‬
‫أحمد‪ ،‬بل في جميع الطوائف من هو كذلك‪.‬‬

‫ولما أظهرت كلم الشعري ـ ورآه الحنبلية ـ قالوا‪ :‬هذا خير من كلم الشيخ الموفق‪ ،‬وفرح المسلمون باتفاق الكلمة‪.‬‬
‫وأظهرت ما ذكره ابن عساكر في مناقبه أنه لم تزل الحنابلة والشاعرة متفقين إلى زمن القشيري ‪ ،‬فإنه لما جرت‬
‫تلك الفتنة ببغداد تفرقت الكلمة‪ ،‬ومعلوم أن في جميع الطوائف من هو زائغ ومستقيم‪.‬‬

‫مع أني في عمري إلى ساعتي هذه لم أدع أحدًا قط في أصول الدين إلى مذهب حنبلي وغير حنبلي‪ ،‬ول انتصرت‬
‫لذلك‪ ،‬ول إذكره في كلمي ‪ ،‬ول إذكر إل ما اتفق عليه سلف المة وأئمتها‪ .‬وقد قلت لهم غير مرة‪ :‬أنا أمهل من‬
‫يخالفني ثلث سنين إن جاء بحرف واحد عن أحد من أئمة القرون الثلثة يخالف ما قلته فأنا أقر بذلك‪ ،‬وأما ما إذكره‬
‫فإذكره عن أئمة القرون الثلثة بألفاظهم‪ ،‬وبألفاظ من نقل إجماعهم من عامة الطوائف‪.‬‬

‫هذا‪ ،‬مع أني دائمًا ـ ومن جالسني يعلم ذلك مني ـ أني من أعظم الناس نهيًا عن أن ينسب معين إلى تكفير‪ ،‬وتفسيق‪،‬‬
‫ومعصية‪ ،‬إل إذا علم أنه قد قامت عليه الحجة الرسالية التي من خالفها كان كافرًا تارة‪ ،‬وفاسقًا أخرى ‪ ،‬وعاصيًا‬
‫أخرى‪ ،‬وإني أقرر أن ال قد غفر لهذه المة خطأها‪ ،‬وذلك يعم الخطأ في المسائل الخبرية القولية والمسائل العملية‪.‬‬

‫وما زال السلف يتنازعون في كثير من هذه المسائل ولم يشهد أحد منهم على أحد ل بكفر ول بفـسق ول معصيـة‪،‬‬
‫كمـا أنكر شريح قراءة من قرأ‪{ :‬بَلْ عَ ِجبْتُ َويَسْخَرُونَ} [الصافات‪ ]12 :‬وقال‪ :‬إن ال ل يعجب ‪ ،‬فبلغ ذلك إبراهيم‬
‫عجِ ْبتُ}‪.‬‬
‫النخعي فقال‪ :‬إنما شريح شاعر يعجبه علمه‪ .‬كان عبد ال أعلم منه وكان يقرأ‪َ { :‬بلْ َ‬

‫وكما نازعت عائشة وغيرها من الصحابة في رؤية محمد صلى ال عليه وسلم ربه‪ ،‬وقالت‪ :‬من زعم أن محمدًا رأى‬
‫ربه فقد أعظم على ال الفريَةَ‪ .‬ومع هذا ل نقول لبن عباس ونحوه من المنازعين لها‪ :‬إنه مفتر على ال‪ .‬وكما‬
‫نازعت في سماع الميت كلم الحي‪ ،‬وفي تعذيب الميت ببكاء أهله ‪ ،‬وغير ذلك‪.‬‬

‫وقد آل الشر بين السلف إلى القتتال مع اتفاق أهل السنة على أن الطائفتين جميعًا مؤمنتان؛ وأن القتتال ل يمنع‬
‫العدالة الثابتة لهم؛ لن المقاتل وإن كان باغيًا فهو متأول‪ ،‬والتأويل يمنع الفسوق‪.‬‬

‫وكنت أبين لهم أن ما نقل لهم عن السلف والئمة من إطلق القول بتكفير من يقول كذا وكذا‪ ،‬فهو أيضًا حق‪ ،‬لكن‬
‫يجب التفريق بين الطلق والتعيين‪ .‬وهذه أول مسألة تنازعت فيها المة من مسائل الصول الكبار وهي مسألة [‬
‫الوعيد]‪ ،‬فإن نصوص القرآن في الوعيد مطلقة‪ ،‬كقوله‪{ :‬إِنّ اّلذِي َن يَ ْأكُلُونَ َأمْوَالَ ا ْليَتَامَى ظُ ْلمًا} الية [النساء‪،]10:‬‬
‫وكذلك سائر ما ورد‪ :‬من فعل كذا فله كذا‪ ،‬فإن هذه مطلقة عامة‪.‬‬

‫وهي بمنزلة قول من قال من السلف‪ :‬من قال كذا‪ ،‬فهو كذا‪ .‬ثم الشخص المعين يلتغي حكم الوعيد فيه بتوبة‪ ،‬أو‬
‫حسنات ماحية‪ ،‬أو مصائب مكفرة‪ ،‬أو شفاعة مقبولة‪.‬‬

‫والتكفير هو من الوعيد ‪ ،‬فإنه وإن كان القول تكذيبًا لما قاله الرسول صلى ال عليه وسلم ‪ ،‬لكن قد يكون الرجل‬
‫حديث عهد بإسلم‪ ،‬أو نشأ ببادية بعيدة‪ ،‬ومثل هذا ل يكفر بجحد ما يجحده حتى تقوم عليه الحجة‪ .‬وقد يكون الرجل لم‬
‫يسمع تلك النصوص‪ ،‬أو سمعها ولم تثبت عنده‪ ،‬أو عارضها عنده معارض آخر أوجب تأويلها‪ ،‬وإن كان مخطئًا‪.‬‬

‫وكنت دائمًا إذكر الحديث الذي في الصحيحين في الرجل الذي قال‪ :‬إذا أنا مت فأحرقوني‪ ،‬ثم اسحقوني‪ .‬ثم ذروني‬
‫في اليم‪ ،‬فوال لئن قدر ال علي ليعذبني عذابًا ما عذبه أحدًا من العالمين‪ .‬ففعلوا به ذلك‪ ،‬فقال ال له‪ :‬ما حملك على ما‬
‫فعلت؟ قال‪ :‬خشيتك فغفر له‪.‬‬

‫فهذا رجل شك في قدرة ال‪ ،‬وفي إعادته إذا ذُرىَ‪ ،‬بل اعتقد أنه ل يعاد‪ .‬وهذا كفر باتفاق المسلمين‪ ،‬لكن كان جاهل ل‬
‫يعلم ذلك‪ ،‬وكان مؤمنًا يخاف ال أن يعاقبه‪ ،‬فغفر له بذلك‪.‬‬

‫والمتأول من أهل الجتهاد‪ ،‬الحريص على متابعة الرسول صلى ال عليه وسلم أولى بالمغفرة من مثل هذا‪.‬‬
‫فصــل‬

‫ما ذكرتم من لين الكلم‪ ،‬والمخاطبة بالتي هي أحسن‪ ،‬فأنتم تعلمون أني من أكثر الناس استعمالً لهذا‪ ،‬لكن كل شيء‬
‫في موضعه حسن‪ ،‬وحيث أمر ال ورسوله بالغلظ على المتكلم لبغيه وعدوانه على الكتاب والسنة ‪ ،‬فنحن‬
‫مأمورون بمقابلته‪ ،‬لم نكن مأمورين أن نخاطبه بالتي هي أحسن‪ .‬ومن المعلوم أن ال تعالى يقول‪َ { :‬و َ‬
‫ل تَ ِهنُوا َولَ‬
‫تَحْ َزنُوا وَأَنتُمُ الَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مّ ْؤ ِمنِينَ} [آل عمران‪ ]139:‬فمن كان مؤمنًا فإنه العلى بنص القرآن‪.‬‬

‫لّ لَغِْلبَنّ‬
‫لذَلّينَ‪َ .‬كتَبَ ا ُ‬ ‫وقال‪{ :‬وَلِّ ا ْلعِزّةُ وَِلرَسُولِهِ َولِ ْلمُ ْؤ ِمنِينَ} [المنافقون‪ ]8 :‬وقال‪{ :‬إِنّ اّلذِينَ يُحَادّونَ الَّ وَرَسُولَهُ أُوَْل ِئ َ‬
‫ك فِي ا َ‬
‫َأنَا َورُسُلِي} [المجادلة ‪ ]21 :20‬وال محقق وعده لمن هو كذلك كائنًا من كان‪.‬‬

‫ومما يجب أن يعلم‪ :‬أنه ل يسوغ في العقل ول الدين طلب رضا المخلوقين لوجهين [في المطبوعة ـ لوجين ـ‬
‫والصواب ما أثبتناه]‪:‬‬

‫أحدهما‪ :‬أن هذا غير ممكن‪ ،‬كما قال الشافعي ـ رضي ال عنه‪ :‬الناس غاية ل تدرك‪ ،‬فعليك بالمر الذي يصلحك‬
‫فالزمه‪ ،‬ودع ما سواه ول تعانه‪.‬‬

‫والثاني‪ :‬أنا مأمورون بأن نتحرى رضا ال ورسوله‪ ،‬كما قال تعالى‪{ :‬وَالّ وَرَسُولُهُ أَ َحقّ أَن يُرْضُوهُ إِن كَانُو ْا مُ ْؤ ِمنِينَ} [‬
‫التوبة‪ ،]62 :‬وعلينا أن نخاف ال فل نخاف أحدًا إل ال‪ ،‬كما قال تعالى‪{ :‬فَلَ َتخَافُو ُهمْ وَخَافُونِ إِن كُنتُم مّ ْؤ ِمنِينَ} [آل‬
‫عمران‪ ،]175 :‬وقال‪{ :‬فَلَ َتخْشَوُاْ النّاسَ وَاخْشَوْنِ} [المائدة‪ ،]44 :‬وقال‪{ :‬فَإيّايَ فَارْهَبُونِ} [النحل‪{ ،]51 :‬وَإِيّايَ‬
‫فَا ّتقُونِ} [البقرة‪ .]41 :‬فعلينا أن نخاف ال‪ ،‬ونتقيه في الناس‪ ،‬فل نظلمهم بقلوبنا‪ ،‬ول جوارحنا‪ ،‬ونؤدي إليهم حقوقهم‬
‫بقلوبنا وجوارحنا‪ ،‬ول نخافهم في ال فنترك ما أمر ال به ورسوله خيفة منهم‪.‬‬

‫ومن لزم هذه الطريقة كانت العاقبة له كما كتبت عائشة إلى معاوية‪ :‬أما بعد‪ :‬فإنه من التمس رضا الناس بسخط ال‬
‫سخط ال عليه‪ ،‬وأسخط عليه الناس‪ ،‬وعاد حامده من الناس ذامًا‪ .‬ومن التمس رضا ال بسخط الناس رضى ال عنه‪،‬‬
‫وأرضى عنه الناس‪.‬‬

‫فالمؤمن ل تكون فكرته وقصده إل رضا ربه‪ ،‬واجتناب سخطه والعاقبة له‪ ،‬ول حول ول قوة إل بال‪.‬‬

‫جوّانيه في الباطن‪ ،‬وكل ما يظهره فإنه مراءاة لقرينه‪ ،‬وإل فهما في الباطن‬
‫هذا مع أن المرسل فرح بهذه المور ُ‬
‫متباينان‪ .‬وثم أمور تعرفها خاصتهم‪ ،‬ويكفيك الطيبرسي قد تواتر عنه الفرح والستبشار بما جرى مع أنه المخاصم‪،‬‬
‫المغلظ عليه‪.‬‬

‫وهذا ـ سواء كان أو لم يكن ـ الصل الذي يجب اتباعه هو الول وقول النبي صلى ال عليه وسلم‪( :‬ل تبدؤوهم بقتال‪،‬‬
‫وإن أكثبوكم فارموهم بالنبل)‪ .‬على الرأس والعين‪ ،‬ولم نرم إل بعد أن قصدوا شرنا وبعد أن أكثبونا ؛ ولهذا نفع ال‬
‫بذلك‪.‬‬

‫فصــل‬

‫[ذكرتم من أني أطلب تفويض الحكم إلى شخص معين]‪.‬فهذا ل يصلح‪ ،‬بل فيه ضرر على ذلك الشخص‪ ،‬وعلى‪،‬‬
‫وفساد عام‪ .‬وذلك أنكم تعلمون أن القاضي [بدر الدين] أني كنت من أعظم الناس موالة له‪ ،‬ومناصرة‪ ،‬ومعاونة له‬
‫ومدافعه لعدائه عنه في أمور متعددة‪ ،‬بل ما أعلم أحدًا أكثر في مخالصة له ومعاونة‪ .‬وذلك ل وحده‪ .‬ل لرغبة‪ ،‬ول‬
‫لرهبة مني‪.‬‬

‫وقطعة قوية مما حصل لي من الذى ـ بدمشق وبمصر أيضًا ـ إنما هو بسبب انتصاري له‪ ،‬ولنوابه‪ ،‬مثل الزرعي‪،‬‬
‫والتبريزي‪ ،‬وغيرهما من حاشيته‪ ،‬وتنويهي بمحاسنه في مصر أيضًا‪ ،‬قد عرفت بذلك فإنه حزب الردى ‪ ،‬وغيره‬
‫يعادوني على ذلك‪.‬‬
‫وال يعلم أن منزلته عندي‪ ،‬ومكانته من قبلي‪ ،‬ليست قريبة من منزلة غيره‪ .‬فضل عن أن تكون مثلها‪ .‬وحاشا ل أن‬
‫يشبه بدر الدين بمن فرق ال بينه وبينه من وجوه كثيرة زائدة‪ .‬وفي سنن أبي داود عن عائشة قالت‪ :‬أمرنا رسول ال‬
‫صلى ال عليه وسلم أن ننزل الناس منازلهم وعندي من أظلم الناس من يقرن بينه وبين غيره في مرتبة واحدة‬
‫بالشام ‪ ،‬أو بمصر وما زال بدر الدين مظلومًا بمثل هذا من القران‪ ،‬وأنا أعتقد من أعظم ما أتقرب به إلى ال نصره‪،‬‬
‫وموالته‪ ،‬ومعاونته‪[...‬بياض بالصل] أنتم تعرفون في هذا خصوصًا بهذه الديار فإنه ينبغي أن تكون معاونةٌ له‬
‫ومناصرةٌ له أكثر مما كانت بالشام؛ لن في كثير من هؤلء من النفرة عنه‪ ،‬والكذب والفجور ما ليس في غيرهم‪.‬‬

‫فأنا أحب وأختار كل ما فيه علو قدره في الدنيا والدين‪ ،‬ول أحب أن أجعله غرضًا لسهم العداء‪ ،‬بل ما عملت معه‪،‬‬
‫ل ذَرّةٍ شَرّا‬
‫ل ِمثْقَا َ‬
‫خيْرًا يَ َرهُ َومَن َي ْعمَ ْ‬
‫ل ذَرّةٍ َ‬ ‫ومع غيره‪ ،‬وما أعمل معهم فأجرى فيه على ال الذي يقول‪َ { :‬فمَن َيعْمَ ْ‬
‫ل ِمثْقَا َ‬
‫يَرَهُ} [الزلزلـة‪.]8 ،7 :‬‬

‫ولهذا لما ذكر الطيبرسي القضاة وأجملهم‪ ،‬قلت له‪ :‬إنما دخل في هذه القضية [ابن مخلوف] وذاك رجل كذاب فاجر‬
‫قليل العلم والدين‪ .‬فجعل يتبسم لما جعلت أقول هذا‪ ،‬كأنه يعرفه‪ ،‬وكأنه مشهور بقبح السيرة‪.‬‬

‫وقلت‪ :‬ما لبن مخلوف والدخول في هذا؟ هل ادعى أحد عليّ دعوى مما يحكم به؟ أم هذا الذي تكلمت فيه هو من أمر‬
‫العلم العام؟ مثل تفسير القرآن‪ ،‬ومعاني الحاديث‪ ،‬والكلم في الفقه‪ ،‬وأصول الدين‪ .‬وهذه المرجع فيها إلى من كان‬
‫من أهل العلم بها‪ ،‬والتقوى ل فيها‪ ،‬وإن كان السلطان والحاكم من أهل ذلك تكلم فيها من هذه الجهة‪ ،‬وإذ عزل الحاكم‬
‫لم ينعزل ما يستحقه من ذلك‪ ،‬كالفتاء ونحوه‪ ،‬ولم يقيد الكلم في ذلك بالولية‪.‬‬

‫وإن كان السلطان والحاكم ليس من أهل العلم بذلك ول التقوى فيه لم يحل له الكلم فيه‪ ،‬فضلً عن أن يكون حاكمًا‪.‬‬
‫وابن مخلوف ليس من أهل العلم بذلك ول التقوى فيه‪.‬‬

‫قلت‪ :‬فأما القاضي بدر الدين فحاشا ل‪ ،‬ذاك فيه من الفضيلة والديانة ما يمنعه أن يدخل في هذا الحكم المخالف‬
‫لجماع المسلمين من بضعة وعشرين وجهًا‪.‬‬

‫قلت‪ :‬ومن أصر على أن هذا الحكم الذي حكم به ابن مخلوف هو حكم شرع محمد صلى ال عليه وسلم‪ ،‬فهو بعد قيام‬
‫الحجة عليه كافر‪ .‬فإن صبيان المسلمين يعلمون بالضطرار من دين السلم أن هذا الحكم ل يرضى به اليهود ‪ ،‬ول‬
‫النصارى ‪ ،‬فضل عن المسلمين!‪.‬‬

‫وذكرت له بعض الوجوه الذي يعلم بها فساد هذا الحكم‪ ،‬وهي مكتوبة مع [الشرف محمد]‪ .‬وكذلك نزهت القاضي [‬
‫شمس الدين السروجي] عن الدخول في مثل هذا الحكم‪.‬‬

‫وقلت له‪ :‬أنتم ما كان مقصودكم الحكم الشرعي‪ ،‬وإنما كان مقصودكم دفع ما سمعتموه من تهمة الملك‪ ،‬ولما علمت‬
‫الحكام أن في القضية أمر الملك أحجموا وخافوا من الكلم‪ ،‬خوفًا يعذرهم ال فيه‪ ،‬أو ل يعذرهم‪ .‬لكن لول هذا لتكلموا‬
‫بأشياء ‪ ،‬ولو كان هذا الحكم شاذًا أو فيه غرض لذي سيف لكان عجائب‪.‬‬

‫فقالوا‪ :‬يا مولنا ‪ ،‬من يتكلم في أمر الملك؟ نحن ما نتكلم‪ .‬دعنا من الكلم في الملك‪ .‬فقلت‪ :‬أيها النائم‪ ،‬أخليكم من‬
‫الملك؟! وهذه الفتنة التي قد ملتم بها الدنيا هل أثارها إل ذلك؟! ونحن قد سمعنا هذا بدمشق ‪ ،‬لكن ما اعتقدنا أن‬
‫عاقلً يصدق بذلك‪.‬‬

‫وهؤلء القوم بعد أن خرج من أنفسهم تهمة الملك إذا ذكر لهم بعض ما يقوله المنازعون لي يستعظمونه جدًا ويرون‬
‫ظهِرَهُ عَلَى الدّينِ كُلّهِ َوكَفَى‬ ‫مقابلة قائلها بأعظم العقوبة‪ ،‬فإن ال سبحانه يقول‪{ :‬هُوَ اّلذِي أَرْ َ‬
‫سلَ رَسُولَ ُه بِا ْل ُهدَى َودِينِ ا ْلحَقّ ِليُ ْ‬
‫بِالِّ َشهِيدًا} [الفتح‪ ]28:‬فيعلم أني لو أطلب هذا ذهبت الطيور بي‪ ،‬وببدر الدين كل مذهب‪ ،‬وقيل‪ :‬إن بيننا في الباطن‬
‫اتفاقات‪ .‬فأنا أعمل معه ما أرجو جزاءه من ال‪ ،‬وهو يعمل بموجب دينه‪.‬‬
‫وأيضًا‪ ،‬فـ [بدر الدين] ل يحتمل من كلم الناس وأذاهم ـ مايفعله مثل هؤلء ـ رجل له منصب‪ ،‬وله أعداء وأنا ـ ول‬
‫حول ول قوة إل بال ـ فقد فعلوا غاية ما قدروا عليه‪ ،‬وما بقي إل نصر ال الذي وعد به رسوله والذين آمنوا في‬
‫الحياة الدنيا ويوم يقوم الشهاد‪.‬‬

‫وأيضًا‪ ،‬فيعلم أن هذا إما أن يتعلق بالحاكم أول فإن تعلق به لم يكن للخصم المدعى عليه أن يختار حكم حاكم معين‪،‬‬
‫بل يجب إلى من يحكم بالعلم والعدل‪ ،‬وإن لم يتعلق بالحاكم فذاك أبعد‪.‬‬

‫وأيضًا‪ ،‬فأنا لم يدع على دعوى يختص بها الحاكم من الحدود والحقوق‪ ،‬مثل‪ :‬قتل‪ ،‬أو قذف‪ ،‬أو مال‪ ،‬ونحوه‪ ،‬بل في‬
‫مسائل العلم الكلية‪ :‬مثل التفسير‪ ،‬والحديث‪ ،‬والفقه‪ ،‬وغير ذلك‪ .‬وهذا فيه ما اتفقت عليه المة وفيه ما تنازعت فيه‪،‬‬
‫والمة إذا تنازعت ـ في معنى آية‪ ،‬أو حديث‪ ،‬أو حكم خبري‪ ،‬أو طلبي ـ لم يكن صحة أحد القولين‪ ،‬وفساد الخر ثابتًا‬
‫بمجرد حكم حاكم‪ ،‬فإنه إنما ينفذ حكمه في المور المعينة دون العامة‪.‬‬

‫لثَةَ ُقرُوَءٍ } [البقرة‪ ]228 :‬هو الحيض‬ ‫ن ثَ َ‬


‫سهِ ّ‬ ‫ولو جاز هذا لجاز أن يحكم حاكم بأن قوله تعالى { َيتَ َربّصْ َ‬
‫ن بِأَنفُ ِ‬
‫والطهار‪ ،‬ويكون هذا حكمًا يلزم جميع الناس قوله‪ ،‬أو يحكم بأن اللمس في قوله تعالى‪{ :‬أَ ْو َلمَ ْستُمُ النّسَاء} [المائدة‪:‬‬
‫‪ ]6‬هو الوطء‪ ،‬والمباشرة فيما دونه‪ ،‬أو بأن الذي بيده عقدة النكاح هو الزوج‪ ،‬أو الب‪ ،‬والسيد وهذا ل يقوله أحد‪.‬‬

‫وكذلك الناس إذا تنازعوا في قوله‪{ :‬الرّ ْحمَنُ عَلَى ا ْلعَرْشِ ا ْستَوَى} [طه‪ ]5:‬فقال‪:‬هو استواؤه بنفسه وذاته فوق العرش‪،‬‬
‫ومعنى الستواء معلوم‪ ،‬ولكن كيفيته مجهولة‪ .‬وقال قوم‪ :‬ليس فوق العرش رب‪ ،‬ول هناك شيء أصل‪ ،‬ولكن معنى‬
‫الية‪ :‬أنه قدر على العرش‪ ،‬ونحو ذلك‪ .‬لم يكن حكم الحاكم لصحة أحد القولين وفساد الخر مما فيه فائدة‪.‬‬

‫ولو كان كذلك لكان من ينصر القول الخر يحكم بصحته إذ يقول‪ :‬وكذلك باب العبادات‪ ،‬مثل كون مس الذكر ينقض‬
‫أو ل‪ ،‬وكون العصر يستحب تعجيلها أو تأخيرها‪ ،‬والفجر يقنت فيه دائمًا أو ل‪ ،‬أو يقنت عند النوازل ونحو ذلك‪.‬‬

‫والذي على السلطان في مسائل النزاع بين المة أحد أمرين‪ :‬إما أن يحملهم كلهم على ما جاء به الكتاب والسنة‪،‬‬
‫ي ٍء فَ ُردّوهُ إِلَى الّ وَالرّسُولِ} [النساء‪ .]95 :‬وإذا تنازعوا فهم‬ ‫واتفق عليه سلف المة؛ لقوله تعالى {فَإِن َتنَازَ ْ‬
‫عتُ ْم فِي شَ ْ‬
‫كلمهم‪ :‬إن كان ممن يمكنه فهم الحق‪ ،‬فإذا تبين له ما جاء به الكتاب والسنة دعا الناس إليه‪ ،‬وأن يقر الناس على ما‬
‫هم عليه‪ ،‬كما يقرهم على مذاهبهم العملية‪.‬‬

‫فأما إذا كانت البدعة ظاهرة ‪ -‬تعرف العامة أنها مخالفة للشريعة ‪ -‬كبدعة الخوارج‪ ،‬والروافض والقدرية والجهمية‪،‬‬
‫فهذه على السلطان إنكارها لن علمها عام‪ ،‬كما عليه النكار على من يستحل الفواحش‪ ،‬والخمر ‪ ،‬وترك الصلة‪،‬‬
‫ونحو ذلك‪.‬‬

‫ومع هذا فقد يكثر أهل هذه الهواء في بعض المكنة‪ ،‬والزمنة‪ ،‬حتى يصير بسبب كثرة كلمهم مكافئًا ‪ -‬عند الجهال‬
‫‪ -‬لكلم أهل العلم والسنة حتى يشتبه المر على من يتولى أمر هؤلء‪ ،‬فيحتاج حينئذ إلى من يقوم بإظهار حجة ال‪،‬‬
‫وتبيينها حتي تكون العقوبة بعد الحجة‪.‬‬

‫وإل فالعقوبة قبل الحجة ليست مشروعة‪ ،‬قال تعالى‪َ { :‬ومَا ُكنّا ُمعَ ّذبِينَ َحتّى َنبْعَثَ رَسُولً} [السراء‪.]15 :‬‬

‫ولهذا قال الفقهاء في البغاة إن المام يراسلهم فإن ذكروا شبهة بينها وإن ذكروا مظلمة أزالها كما أرسل علي ابن‬
‫عباس إلى الخوارج فناظرهم حتى رجع منهم أربعة آلف‪ ،‬وكما طلب عمر بن عبد العزيز دعاة القدرية والخوارج‬
‫فناظرهم حتى ظهر لهم الحق وأقروا به ثم بعد موته نقض غيلن القدري التوبة فصلب‪.‬‬

‫وأما إلزام السلطان في مسائل النزاع بالتزام قول بل حجة من الكتاب والسنة فهذا ل يجوز باتفاق المسلمين‪ ،‬ول يفيد‬
‫حكم حاكم بصحة قول دون قول في مثل ذلك إل اذا كان معه حجة يجب الرجوع إليها‪ ،‬فيكون كلمه قبل الولية‬
‫وبعدها سواءً وهذا بمنزلة الكتب التي يصنفها في العلم‪.‬‬
‫نعم الولية قد تمكنه من قول حق ونشر علم قد كان يعجز عنه بدونها‪ ،‬وباب القدرة والعجز غير باب الستحقاق‬
‫وعدمه‪ ،‬نعم للحاكم إثبات ما قاله زيد أو عمرو ثم بعد ذلك إن كان ذلك القول مختصا به كان مما يحكم فيه الحكام؛‬
‫وإن كان من القوال العامة كان من باب مذاهب الناس‪ ،‬فأما كون هذا القول ثابت عند زيد ببينة أو اقرار أو خط فهذا‬
‫يتعلق بالحكام‪.‬‬

‫ول ريب أن مثل بدر الدين من أعدل الناس وأحبهم في أهل الصدق والعدل؛ ومن أشهد الناس بغضا لشهود الزور‬
‫ولو كان متمكنًا منهم لعمل أشياء‪ ،‬فهذا لو احتيج فيه إلى مثل بدر الدين لكان هو الحاكم الذي ينبغي أن يتوله دون من‬
‫هو مشهور بالفجور‪.‬‬

‫لكن هذه المحاضر التي عندهم ما تساوي مدادها وهم يعرفون كذبها وبطلنها وأنا ل أكره المحاقه عليها عنده ليثبت‬
‫عنده الحق دون الباطل فإن كان يجيب إلى ذلك فيا حبذا‪ ،‬لكني أخاف أن يحصل له أذى في بالقدح في بعض الناس‬
‫فهو يستخير ال فيما يفعله وال يخير له في جميع المور‪.‬‬

‫بل أختار أنا وغيرى المحاقة على ذلك عند بعض نوابه كالقاضى جمال الدين الزرعى فإنه من عدول القضاة‪ ،‬وإل‬
‫فبدر الدين أجل قدرًا من أن يكلف ذلك لو كنت محتاجًا إلى ذلك فأما والمر ظهر عند الخاصة والعامة فل يحتاج اليه‬
‫كما قلت للطيبرسي الكتاب من السلطان الذي كتب على لسان السلطان وأخبر عن ذلك بجميع ما أخبر من الكذب‬
‫ومخالفة الشريعة أمور عظيمة بنحو عشرة أوجه‪.‬‬

‫والكتاب الذي كتب على لسان غازان كان أقرب إلى الشريعة من هذا الكتاب الذي كتب على لسان السلطان‪ ،‬وسواء‬
‫بأن فعل ذلك أو لم يفعله فإني أعتقد وأدين ال بأن نصره ومعاونته على البر والتقوى؛ وعلى نفوذ صدقه وعدله دون‬
‫كذب الغير وظلمه؛ وعلى رفع قدره على الغير من أعظم الواجبات ول حول ول قوة ال بال‪.‬‬

‫وقد أرسل الي الشيخ نصر يعرض علي إن كنت أختار إحضار المحاضر لتمكن من القدح فيها‪ ،‬فقلت له‪ :‬في‬
‫الجواب هي أحقر وأقل من أن يحتاج دفعها إلى حضورها‪ ،‬فإني قد بينت بضعة وعشرين وجها أن هذا الحاكم خارج‬
‫عن شريعة السلم بإجماع المسلمين أهل المذاهب الربعة وغيرهم‪.‬‬

‫فصل‬

‫وما ينبغى أن تعلمه أن القوم مستضعفون عن المحاقة إلى الغاية ـ ابن مخلوف وغيره ـ وقد أداروا الرأي بينهم‬
‫وعلموا أنهم عند المحاقة مقهورون متهوكون‪ ،‬والطيرسي طلب مني غير مرة ترك المحاقة فقلت له‪ :‬أنا ما بغيت‬
‫على أحد ول قلت لحد وافقني على اعتقادي وإل فعلت بك؛ ول أكرهت أحدا بقول ول عمل بل ما كتبت في ذلك‬
‫شيئًا قط إل أن يكون جواب استفتاء بعد إلحاح السائل واحتراقه وكثرة مراجعته‪ ،‬ول عادتي مخاطبة في هذا ابتداء‪.‬‬

‫وهؤلء هم الذين دعوا الناس إلى ما دعوهم اليه وأكرهوهم عليه‪ ،‬فيبينون للناس ما الذي أمروهم به وما الذي نهوهم‬
‫عنه فإن كانوا أمروهم بما أمرهم ال به ورسوله فالسمع والطاعة ل ولرسوله ولمن أمر بما أمر ال به ورسوله؛ وإن‬
‫كانوا أمروا بحق وباطل ونهوا عن حق وباطل وأمروا ونهوا عن أمور ل يعرفون حقيقتها كانوا بذلك من الجاهلين‬
‫الظالمين وكان الحاكم بذلك من القاضيين الذين في النار ولم تجز طاعتهم في ذلك بل تحرم‪.‬‬

‫وأنا لو شئت المحاقة كانت أمور عظيمة لكن من أنكر شيئًا مما قلته فليقل إنى أنكر كذا وكذا ويكتب خطه بما أنكره‬
‫ويوجه إنكاره له‪.‬‬

‫وأنا أكتب خطي بالجواب ويعرض الكلمان على جميع علماء المسلمين شرقًا وغربًا‪ ،‬وأنا قائل ذلك وقد قلت قبل‬
‫ذلك بدمشق هذه النكارات المجملة ل تفيد شيئًا‪ ،‬بل من أنكر شيئًا فليكتب خطه بما أنكره وبحجته‪ ،‬وأنا أكتب خطى‬
‫بجواب ذلك ويرى أهل العلم واليمان الكلمين فهذا هو الطريق في المور العامة‪ ،‬وأما اللفاظ التي ل تكتب فيكثر‬
‫فيها التخليط والزيادة والنقصان‪ ،‬كما قد وقع‪ ،‬وقد قلت فيما قلته للطيبرسي‪ :‬هذا المر الذي عملتموه‬
‫فساد في ملتكم ودولتكم وشريعتكم والكتاب السلطاني الذي كتب على لسان السلطان فيه من الكذب عليكم ومخالفة‬
‫الشريعة أمور كثيرة تزيد على عشرة أوجه‪ ،‬وكتاب غازان الذي قرئ على منبر الشام أقرب إلى شريعة السلم من‬
‫هذا الذي كتب على لسان سلطان المسلمين وقرئ على منابر السلم‪ ،‬فاذ كان بحضورهم يكتب على الكذب عليكم‬
‫وعلى القضاة ويبدل دين السلم فكيف فيما سوى ذلك مما غاب عنكم‪ ،‬وكذلك أرسلت مع الفتاح إلى نائب السلطان‬
‫أقول هذا العتقاد عندكم وهو الذي بحثه علماء الشام فمن كان منكر منه شيئًا فليبينه‪.‬‬

‫ومما يجب أن يعلم أن الذي يريد أن ينكر على الناس ليس له أن ينكر إل بحجة وبيان إذ ليس لحد أن يلزم أحدا‬
‫بشيء ول يحظر على أحد شيئًا بل حجة خاصة إل رسول ال صلى ال عليه وسلم المبلغ عن ال الذي أوجب على‬
‫الخلق طاعته فيما أدركته عقولهم وما لم تدركه وخبره مصدق فيما علمناه وما لم نعلمه وأما غيره إذا قال هذا صواب‬
‫أو خطأ فإن‬

‫لم يبين ذلك بما يجب به اتباعه‪ ،‬فأول درجات النكار أن يكون المنكر عالما بما ينكره وما يقدر الناس عليه فليس‬
‫لحد من خلق ال كائنًا من كان أن يبطل قول أو يحرم فعل إل بسلطان الحجة وإل كان ممن قال ال فيه‪{ :‬اّلذِينَ‬
‫ن فِي‬ ‫ل ِكبْ ٌر مّا هُم ِببَاِلغِيهِ} [غافر‪ ،]56 :‬وقال فيه‪{ :‬اّلذِي َ‬
‫ن يُجَادِلُو َ‬ ‫صدُورِهِمْ ِإ ّ‬ ‫لّ ِب َغيْرِ سُ ْلطَانٍ َأتَا ُهمْ إِن فِي ُ‬ ‫ن فِي آيَاتِ ا ِ‬ ‫يُجَادِلُو َ‬
‫ب ُم َت َكبّرٍ َجبّارٍ} [غافر‪.]35 :‬‬
‫ل قَلْ ِ‬
‫طبَعُ الُّ عَلَى كُ ّ‬
‫سلْطَانٍ َأتَاهُ ْم َكبُ َر مَ ْقتًا عِندَ الِّ وَعِندَ اّلذِينَ آ َمنُوا َكذَِلكَ يَ ْ‬
‫لّ ِبغَيْرِ ُ‬
‫آيَاتِ ا ِ‬

‫هذا وأنا في سعة صدر لمن يخالفني‪ ،‬فإنه وإن تعدى حدود ال في بتكفير أو تفسيق أو افتراء أو عصبية جاهلية‪ ،‬فأنا‬
‫ل أتعدى حدود ال فيه‪ ،‬بل أضبط ما أقوله وأفعله وأزنه بميزان العدل وأجعله مؤتمًا بالكتاب الذي أنزله ال وجعله‬
‫ل َم َعهُمُ‬
‫ن ُمبَشّرِينَ َومُنذِرِينَ وَأَنزَ َ‬ ‫هدى للناس حاكما فيما اختلفوا فيه‪ ،‬قال ال تعالى‪{ :‬كَانَ النّاسُ ُأمّةً وَا ِ‬
‫حدَ ًة َف َبعَثَ الّ ال ّن ِبيّي َ‬
‫شيْ ٍء فَ ُردّوهُ ِإلَى الّ وَالرّسُولِ}‬ ‫عتُ ْم فِي َ‬ ‫ختََلفُو ْا فِيهِ} [البقرة‪ ]213 :‬وقال تعالى‪َ { :‬فإِن َتنَازَ ْ‬ ‫س فِيمَا ا ْ‬
‫حكُ َم َبيْنَ النّا ِ‬
‫ب بِالْحَقّ ِليَ ْ‬
‫ا ْل ِكتَا َ‬
‫س بِالْ ِقسْطِ} [الحديد‪]25:‬‬ ‫[النساء‪ ]59 :‬الية وقال تعالى‪{ :‬لَ َقدْ أَ ْرسَ ْلنَا ُرسَُلنَا بِا ْل َبّينَاتِ َوأَنزَ ْلنَا َم َعهُمُ ا ْل ِكتَابَ وَا ْلمِيزَانَ ِليَقُومَ النّا ُ‬
‫‪ ،‬وذلك أنك ما جزيت من عصى ال فيك بمثل أن تطيع ال فيه وال مع الذين اتقوا والذين هم محسنون وقال تعالى‪{ :‬‬
‫ل ِبمَا َيعْمَلُو َن مُحِيطٌ} [آل عمران ‪.]120‬‬ ‫صبِرُواْ َوتَتّقُو ْا لَ َيضُ ّركُ ْم َكيْدُهُ ْم شيئًا إِنّ ا ّ‬ ‫وَإِن تَ ْ‬

‫وإن أرادوا أن ينكروا بما شاءوا من حجج عقلية أو سمعية فأنا أجيبهم إلى ذلك كله وأبينه بيانا يفهمه الخاص والعام‬
‫أن الذي أقوله هو الموافق لضرورة العقل والفطرة وأنه الموافق للكتاب والسنة وإجماع سلف المة‪ ،‬وأن المخالف‬
‫لذلك هو المخالف لصريح المعقول وصحيح المنقول‪ ،‬فلو كنت أنا المبتدىء بالنكار والتحديث بمثل هذا لكانت الحجة‬
‫متوجهة عليهم‪ ،‬فكيف إذا كان الغير هو المبتدئ بالنكار{وََلمَ ِن انتَصَ َر َبعْدَ ظُ ْلمِ ِه فَُأوَْل ِئكَ مَا َعَليْهِم مّن َسبِيلٍ} [الشورى‪:‬‬
‫ت كَِل َمُتنَا ِل ِعبَا ِدنَا ا ْلمُرْ َسلِينَ ِإّنهُمْ َلهُمُ ا ْلمَنصُورُونَ َوإِنّ جُندَنَا َل ُهمُ ا ْلغَاِلبُونَ} [الصافات‪ 171 :‬ـ ‪]173‬‬ ‫‪ ،]41‬اليتين {وََل َقدْ َ‬
‫سبَقَ ْ‬
‫صرُ رُ ُسَلنَا وَاّلذِينَ آ َمنُوا فِي الْ َحيَا ِة ال ّدنْيَا َويَ ْو َم يَقُومُ ا َلْ ْشهَادُ} [غافر‪ ،]51 :‬والسلم عليكم ورحمة ال وبركاته وعلى‬ ‫{ِإنّا َلنَن ُ‬
‫سائر الجماعة‪ ،‬وتخص بدر الدين بأكرم تحية وسلم وتوقفه على هذه الوراق إن شئت فإنه كان يقول في بعض‬
‫المور ما عن المحبوب سر محجوب وبشر بكل ما يسر ال به عباده المؤمنين وينتقم به من الكافرين والمنافقين فإني‬
‫أعرف جمل مما يتجرعه هو وذووه من أهل الترؤس بالباطل من ذوي الكذب والمحال وال ناصر دينه وناصر‬
‫عباده المؤمنين على مناويهم بالباطل‪ ،‬لكن ليس هذا موضع الخبار بتفاصيل سارة‪ ،‬والحمد ل رب العالمين وصلى‬
‫ال على محمد وعلى آله وصحبه وسلم‪.‬‬

‫قال شيخ السلم رحمه ال تعالى‪:‬‬

‫بسم ال الرحمن الرحيم‬

‫الحمد ل نستعينه ونستغفره ونعوذ بال من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا من يهد ال فل مضل له ومن يضلل فل‬
‫هادي له ونشهد أن ل إله إل ال ونشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى ال عليه وسلم تسليمًا‪ ،‬أما بعد‪:‬‬

‫فقد وصلت ورقتك التي ذكرت فيها إخبارك الشيخ باجتماع الرسول بي‪ ،‬وما أخبرته من الكلم وأن الشيخ قال‪ :‬أعلم‬
‫أني وال قد عظم عندي كيف وقعت الصورة على هذا إلى آخره‪ ،‬وأنه قال‪ :‬تجتمع بالشيخ وتتفق معه على ما يراه هو‬
‫ويختاره إن يكن كما قلت‪ ،‬أو غيره فتسلم عليه وتقول له أما هذه القضية ليس لي فيها غرض معين أصلً ولست فيها‬
‫إل واحدًا من المسلمين لي ما لهم وعلي ما عليهم‪ ،‬وليس لي ول الحمد حاجة إلى شيء معين يطلب من المخلوق ول‬
‫في ضرر يطلب زواله من المخلوق‪ ،‬بل أنا في نعمة من ال سابغة ورحمة عظيمة أعجز عن شكرها‪ ،‬ولكن علي أن‬
‫أطيع ال ورسوله وأطيع أولي المر إذا أمروني بطاعة ال‪ ،‬فإذا أمروني بمعصية ال فل طاعة لمخلوق في معصية‬
‫الخالق هكذا دل عليه الكتاب والسنة واتفق عليه أئمة المة قال ال تعالى‪{ :‬يَا َأّيهَا اّلذِينَ آ َمنُواْ َأطِيعُواْ الّ وَأَطِيعُواْ الرّسُولَ‬
‫وَأُوْلِي ا َلمْ ِر مِنكُ ْم َفإِن َتنَازَ ْعتُ ْم فِي شَيْ ٍء َف ُردّوهُ إِلَى الّ وَالرّسُولِ إِن كُنتُ ْم تُ ْؤمِنُو َن بِالّ وَا ْليَوْمِ ال ِخ ِر ذَِلكَ َخيْرٌ وَأَ ْحسَ ُن تَأْوِيلً} [‬
‫النساء‪ ،.]59:‬وقد ثبت في الصحيح عن النبي صلى ال عليه وسلم أنه قال‪( :‬ل طاعة لمخلوق في معصية ال‪ ،‬إنما‬
‫الطاعة في المعروف)‪ ،‬وأن أصبر على جور الئمة وأن ل أخرج عليهم في فتنة لما في الصحيح عن ابن عباس قال‬
‫قال رسول ال صلى ال عليه وسلم‪( :‬من رأى من أميره شيئًا يكرهه فليصبر عليه فإنه من فارق الجماعة قيد شبر‬
‫فمات فميتته جاهلية)‪.‬‬

‫ومأمور أيضًا مع ذلك أن أقول أو أقوم بالحق حيث ما كنت ل أخاف في ال لومة لئم كما أخرجا في الصحيحين عن‬
‫عبادة بن الصامت قال‪( :‬بايعنا رسول ال صلى ال عليه وسلم على السمع والطاعة في يسرنا وعسرنا ومنشطنا‬
‫ومكرهنا وأثرة علينا وأن ل ننازع المر أهله وأن نقول أو نقوم بالحق حيث ما كنا ل نخاف في ال لومة لئم)‬
‫فبايعهم على هذه الصول الثلثة الجامعة وهي الطاعة في طاعة ال وإن كان المر ظالما‪ ،‬وترك منازعة المر‬
‫أهله‪ ،‬والقيام بالحق بل مخافة من الخلق‪.‬‬

‫وال سبحانه قد أمر في كتابه عند تنازع المة بالرد إلى ال ورسوله لم يأمر عند التنازع إلى شيء معين أصلً‪ ،‬وقد‬
‫قال الئمة إن أولي المر صنفان‪ :‬العلماء؛ والمراء وهذا يدخل فيه مشائخ الدين وملوك المسلمين كل منهم يطاع فيما‬
‫إليه من المر كما يطاع هؤلء بما يؤمرون به من العبادات ويرجع إليهم في معاني القرآن والحديث والخبار عن‬
‫ال‪ ،‬وكما يطاع هؤلء في الجهاد وإقامة الحد وغير ذلك مما يباشرونه من الفعال التي أمرهم ال بها‪ ،‬وإذا اتفق‬
‫هؤلء على أمر فإجماعهم حجة قاطعة فإن أمة محمد صلى ال عليه وسلم ل تجتمع على ضللة‪.‬‬

‫وإن تنازعوا فالمرد إلى الكتاب والسنة‪ ،‬وهذه القضية قد جرى فيها ما جرى مما ليس هذا موضع ذكره‪ ،‬وكنت‬
‫تبلغني بخطابك وكتابك عن الشيخ ما تبلغني‪ ،‬وقد رأيت وسمعت موافقتي على كل ما فيه طاعة ال ورسوله‪ ،‬وعدم‬
‫التفاتي إلى المطالبة بحظوظي‪ ،‬أو مقابلة من يؤذيني‪ ،‬وتيقنت هذا مني فما الذي يطلب من المسلم فوق هذا وأشرت‬
‫بترك المخافة ولين الجانب وأنا مجيب إلى هذا‬

‫كله‪.‬‬

‫فجاء الفتاح أول فقال‪ :‬يسلم عليك النائب‪ ،‬وقال‪ :‬إلى متى يكون المقام في الحبس؟ أما تخرج؟ هل أنت مقيم على تلك‬
‫الكلمة أم ل؟ ـ وعلمت أن الفتاح ليس في استقلله بالرسالة مصلحة لمور ل تخفى ـ فقلت له‪ :‬سلم على النائب وقل له‬
‫أنا ما أدري ما هذه الكلمة؟ وإلى الساعة لم أدر على أي شيء حبست! ول علمت ذنبي! وأن جواب هذه الرسالة ل‬
‫يكون مع خدمتك‪ ،‬بل يرسل من ثقاته ـ الذين يفهمون ويصدقون ـ أربعة أمراء ليكون الكلم معهم مضبوطًا عن‬
‫الزيادة والنقصان فأنا قد علمت ما وقع في هذه القصة من الكاذيب‪.‬‬

‫فجاء بعد ذلك الفتاح ومعه شخص ما عرفته‪ ،‬لكن ذكر لي أنه يقال له علء الدين الطيبرسي ورأيت الذين عرفوه‬
‫أثنوا عليه بعد ذلك خيرًا وذكروه بالحسنى‪ ،‬لكنه لم يقل ابتداء من الكلم ما يحتمل الجواب بالحسنى؛ فلم يقل الكلمة‬
‫التي أنكرت كيت وكيت؟ ول أستفهم هل أنت مجيب إلى كيت وكيت؟ ولو قال ما قال من الكذب علي والكفر‬
‫والمجادلة على الوجه الذي يقتضي الجواب بالحسنى لفعلت ذلك فإن الناس يعلمون أني من أطول الناس روحًا‬
‫وصبرًا على مر الكلم؛ وأعظم الناس عدل في المخاطبة لقل الناس دع لولة المور لكنه جاء مجيء المكره على‬
‫أن أوافق إلى ما دعا إليه وأخرج درجا فيه من الكذب والظلم والدعاء إلى معصية ال والنهي عن طاعته ما ال به‬
‫عليم‪ ،‬وجعلت كلما أردت أن أجيبه وأحمله رسالة يبلغها ل يريد أن يسمع شيئًا من ذلك ويبلغه؛ بل ل يريد إل ما‬
‫ل بِاّلتِي هِيَ أَحْسَنُ ِإلّ اّلذِينَ‬ ‫مضمونه القرار بما ذكر والتزام عدم العود إليه وال تعالى يقول‪َ { :‬و َ‬
‫ل تُجَادِلُوا أَهْلَ ا ْل ِكتَابِ ِإ ّ‬
‫ظََلمُوا ِم ْنهُمْ} [العنكبوت‪ .]46:‬فمتى ظلم المخاطب لم نكن مأمورين أن نجيبه بالتي هي أحسن‪ ،‬بل قال أبو بكر‬
‫الصديق رضي ال عنه لعروة بن مسعود بحضرة النبي صلى ال عليه وسلم ـ لما قال إني لرى أوباشًا من الناس‬
‫خليقا أن يفروا ويدعوك ـ‪ :‬امصص بضر اللت أنحن نفر عنه وندعه‪.‬‬
‫ومعلوم أن العزة ل ولرسوله وللمؤمنين من كانوا وقد قال تعالى‪َ { :‬و َل تَ ِهنُوا َو َل تَحْ َزنُوا َوأَنتُمُ الَعَْلوْنَ إِن كُنتُم مّ ْؤ ِمنِينَ} [‬
‫آل عمران‪ .]139 :‬فمن كان مؤمنا فهو العلى كائنا من كان‪ ،‬ومن حاد ال ورسوله فقد قال تعالى‪{ :‬إِنّ اّلذِينَ يُحَادّونَ‬
‫الَّ وَ َرسُولَهُ أُ ْوَل ِئكَ فِي ا َلذَلّينَ} [المجادلة‪.]20:‬‬

‫وأنا أو غيري من أي القسمين كنت؟ فإن ال يعاملني وغيري بما وعده‪ ،‬فإن قوله الحق وعد ال ل يخلف ال وعده‪.‬‬

‫فقلت له ـ في ضمن الكلم الحق في هذه القصة ـ‪ :‬ليس لي ولكن ل ولرسوله ولسائر المؤمنين من شرق الرض إلى‬
‫غربها وأنا ل أعني تبديل الدين وتغييره؛ وليس لجلك أو أجل غيرك أرتد عن دين السلم وأقر بالكفر والكذب‬
‫والبهتان راجعًا عنه أو موافقًا عليه‪.‬‬

‫ولما رأيته يلح في المر بذلك أغلظت عليه في الكلم وقلت‪ :‬دع هذا الفشار؛ وقم رح في شغلك فأنا ما طلبت منكم أن‬
‫تخرجوني ـ وكانوا قد أغلقوا الباب القائم الذي يدخل منه إلى الباب المطبق ـ فقلت أنا‪ :‬افتحوا لى الباب حتى أنزل ـ‬
‫يعني فرغ الكلم ـ وجعل غير مرة يقول لي‪ :‬أتخالف المذاهب الربعة؟ فقلت‪ :‬أنا ما قلت إل ما يوافق المذاهب‬
‫الربعة‪ ،‬ولم يحكم علي أحد من الحكام ـ إل ابن مخلوف ـ وأنت كنت ذلك اليوم حاضرا وقلت له‪:‬‬

‫أنت وحدك تحكم أو أنت وهؤلء؟ فقال‪ :‬بل أنا وحدي‪ .‬فقلت له‪ :‬أنت خصمي فكيف تحكم علي؟ فقال كذا ومد صوته‬
‫وانزوى إلى الزاوية وقال‪ :‬قم قم‪ ،‬فأقاموني وأمروا بي إلى الحبس‪ ،‬ثم جعلت أقول أنا وإخوتي غير مرة‪ :‬أنا أرجع‬
‫وأجيب وإن كنت أنت الحاكم وحدك فلم يقبل ذلك مني‪ ،‬فلما ذهبوا بي إلى الحبس حكم بما حكم به وأثبت ما أثبت‬
‫وأمر في الكتاب السلطاني بما أمر به‪ ،‬فهل يقول أحد من اليهود أو النصارى دع المسلمين أن هذا حبس بالشرع‬
‫فضل عن أن يقال شرع محمد بن عبدال؟ وهذا مما يعلم‬

‫الصبيان الصغار بالضطرار من دين السلم أنه مخالف لشرع محمد بن عبدال‪ ،‬وهذا الحاكم هو وذووه دائما‬
‫يقولون فعلنا ما فعلنا بشرع محمد بن عبدال‪ .‬وهذا الحكم مخالفا لشرع ال الذي أجمع المسلمون عليه من أكثر من‬
‫عشرين وجهًا‪.‬‬

‫ثم النصارى في حبس حسن يشركون فيه بال ويتخذون فيه الكنائس؛ فياليت حبسنا كان من جنس حبس النصارى؛‬
‫ويا ليتنا سوينا بالمشركين وعباد الوثان؛ بل لولئك الكرامة ولنا الهوان! فهل يقول من يؤمن بال واليوم الخر إن‬
‫رسول ال صلى ال عليه وسلم أمر بهذا؟ وبأي ذنب حبس إخوتي في دين السلم ـ غير الكذب والبهتان ـ؟ ومن قال‬
‫إن ذلك فعل بالشرع فقد كفر بإجماع المسلمين‪.‬‬

‫وقلت له في ضمن الكلم‪ :‬أنت لو ادعى عليك رجل بعشرة دراهم وأنت حاضر في البلد غير ممتنع من حضور‬
‫مجلس الحاكم لم يكن للحاكم أن يحكم عليكم في غيبتك‪ ،‬هذا في الحقوق فكيف بالعقوبات التي يحرم فيها ذلك بإجماع‬
‫المسلمين؟ ثم هذا الرجل قد ظهر كذبه غير مرة ذلك اليوم؛ كذب علي في أكثر ما قاله وهذه الورقة التي أمر بكتابتها‬
‫أكثرها كذب‪ ،‬والكتاب السلطاني الذي كتب بأمره مخالف للشريعة من نحو عشرة أوجه؛ وفيه من الكذب على‬
‫المجلس الذي عقد أمور عظيمة قد علمها الخاص والعام‪ ،‬فإذا كان الكتاب الذي كتب على لسان السلطان وقرئ على‬
‫منابر السلم أخبر فيه عن أهل المجلس من المراء والقضاة بما هو من أظهر الكذب والبهتان فكيف فيما غاب‬
‫عنهم؟ قلت‪ :‬وهو دائما يقول عني أني أقول إن ال في زاوية ولد ولدا‪ ،‬وهذا كله كذب وشهرته بالكذب والفجور يعلمه‬
‫الخاص والعام؛ فهل يصلح مثل هذا أن يحكم في أصول الدين ومعاني الكتاب والسنة وهو ل يعرف ذلك؟‬

‫ورأيته هنا يتبسم تبسم العارف بصحة ما قلته فكأن سيرة هذا الحاكم مشهورة بالشر بين المسلمين‪ ،‬وأخذ يقول لي هذه‬
‫المحاضر؛ ووجدوا بخطك‪ ،‬فقلت‪ :‬أنت كنت حاضرًا ذلك اليوم هل أراني أحد ذلك اليوم خطأ أو محضرًا أو قيل لي‬
‫شهد عليك بكذا أو سمع لي كلم؟ بل حين شرعت أحمد ال وأثنى عليه لقول النبي صلى ال عليه وسلم كل أمر ذي‬
‫بال ل يبدأ فيه بالحمد ل فهو أجذم منعوني من حمد ال وقالوا ل تحمد ال بل أجب فقلت لبن مخلوف ألك أجيب أو‬
‫لهذا المدعي وكان كل منهما قد ذكر كلما أكثره كذب فقال‪ :‬أجب المدعي‪ ،‬فقلت‪ :‬فأنت وحدك تحكم أو أنت وهؤلء‬
‫القضاة؟ فقال‪ :‬بل أنا وحدى فقلت‪ :‬فأنت خصمي فكيف يصح حكمك علي؟ فلم تطلب مني الستفسار عن وجه‬
‫المخاصمة فإن هذا كان خصما من جوه متعددة معروفة عند جميع المسلمين‪ ،‬ثم قلت أما ما كان بخطي فأنا مقم عليه؛‬
‫وأما المحاضر فالشهود فيها فيهم من المور القادحة في شهادتهم وجوه متعددة تمنع قبول شهادتهم بإجماع المسلمين‬
‫والذي شهدوا به فقد علم المسلمون خاصتهم وعامتهم بالشام وغيره ضد ما شهدوا به‪ ،‬وهذا القاضي شرف الدين ابن‬
‫المقدسي قد سمع منه الناس العدول‬

‫أنه كان يقول أنا على عقيدة فلن حتى قبل موته بثلث دخلت عليه فيما يرى مع طائفة فقال قدامهم‪ :‬أنا أموت على‬
‫عقيدتك يا فلن لست على عقيدة هؤلء يعني الخصوم‪ ،‬وكذلك القاضي شهاب الدين الخولي غير مرة يقول‪ :‬في قفاك‬
‫أنا على عقيدته‪ ،‬والقاضي إمام الدين قد شهد على العدول أنه قال‪ :‬ما ظهر في كلمه شيء ومن تكلم فيه عزرته؛‬
‫وقال لي في أثناء كلمه‪ :‬فقد قال بعض القضاة إنهم أنزلوك عن الكرسي‪ ،‬فقلت‪ :‬هذا من أظهر الكذب الذي يعلمه‬
‫جميع الناس ما أنزلت من الكرسي قط ول استنابني أحد قط عن شيء ول استرجعني؛ وقلت‪ :‬قد وصل إليكم المحضر‬
‫الذي فيه خطوط مشائخ الشام وسادات السلم والكتاب الذي فيه كلم الحكام الذين هم خصومي كجمال الدين المالكي‬
‫وجلل الدين الحنفي‪ ،‬وما ذكروا فيه مما يناقض هذه المحاضر‪ ،‬قول المالكي‪ :‬ما بلغني قط أنه استنيب ول منع من‬
‫فتيا ول أنزل ول كذا ول كذا ول ثبت عليه عندي قط شيء يقدح في دينه‪ ،‬وكذلك قول سائر العلماء والحكام في‬
‫غيبتي‪.‬‬

‫وأما الشهادات ففيها أمور عظيمة فتدبروها فكيف وشهود المحضر فيهم من موانع الشهادة أمور تقال عند الحاجة!!‬

‫فصل معترض‬

‫ذكرت في ورقتك أنك قلت للشيخ في نفسي أن تطلب لي المحاضر حتى ينظر هو فيها‪ ،‬فإن كان له دافع وإل‬
‫فالجماعة كلهم معذورون وهذا مما ل حاجة إليه أصلً‪ ،‬وهذه المحاضر أقل وأحقر من أن يحتاج الرد عليها إلى‬
‫حضرتها؛ فإني قد بينت ببضع وعشرين وجهًا أن هذا الحكم خارج عن شريعة السلم بإجماع المسلمين المذاهب‬
‫الربعة وسائر أئمة الدين‪.‬‬

‫وقلت للرسول‪ :‬ما لبن مخلوف ونحوه في أن يتعرض إلى علم الدين الذي غيره أعلم به منه مثل تفسير القرآن‬
‫وأحاديث النبي صلى ال عليه وسلم ومقالت السلف وأصول الدين التي ل يعرفها وهذه المور إنما يرجع فيها إلى‬
‫من يعرفها فإن كان السلطان أو نائبه الحاكم يعرفها كان في ذلك كسائر العارفين بها‪ ،‬وإل فل أمر لهم فيها كما ل‬
‫يراجع في الستفتاء إل من يحسن الفتيا‪ ،‬وقلت له‪ :‬أنا لم يصدر مني قط إل جواب مسائل وإفتاء مستفت‪ ،‬ما كاتبت‬
‫أحدًا أبدًا ول خاطبته في شيء من هذا‪ ،‬بل يجيئني الرجل المسترشد المستفتي بما أنزل ال على رسوله فيسألني ـ مع‬
‫بعده وهو محترق على طلب الهدى ـ أفيسعني في ديني أن أكتمه العلم؟ وقد قال النبي صلى ال عليه وسلم‪( :‬من سئل‬
‫عن علم يعلمه فكتمه ألجمه ال يوم القيامة بلجام من نار) وقد قال ال تعالى‪{ :‬إِنّ اّلذِينَ َي ْكتُمُو َ‬
‫ن مَا أَن َز ْلنَا مِنَ ا ْل َبيّنَاتِ‬
‫س فِي ا ْل ِكتَابِ أُولَـ ِئكَ يَل َعُنهُمُ الّ َويَ ْل َعُنهُمُ اللّ ِعنُونَ} [البقرة‪ .]159 :‬أفعلى أمرك أمتنع عن جواب‬
‫وَا ْل ُهدَى مِن بَ ْعدِ مَا َبيّنّاهُ لِلنّا ِ‬
‫المسترشد لكون كذلك؟ وهل يأمرني بهذا السلطان أو غيره من المسلمين؟‬

‫ولكن أنتم ما كان مقصودكم إل دفع أمر الملك لما بلغكم من الكاذيب؟ فقال‪ :‬يا مولنا دع أمر الملك أحد ما يتكلم في‬
‫الملك‪ ،‬فقلت‪ :‬إيه الساعة ما بقي أحد يتكلم في الملك! وهل قامت هذه الفتنة إل لجل ذلك؟ ونحن سمعنا بهذا ونحن‬
‫بالشام أن المثير لها تهمة الملك لكن ما اعتقدنا أن أحدا يصدق هذا وذكرت له أن هذه القصة ليس ضررها علي‪ ،‬فإني‬
‫أنا من أي شيء أخاف؟‬

‫إن قتلت كنت من أفضل الشهداء‪ ،‬وكان ذلك سعادة في حقي يترضى بها علي إلى يوم القيامة‪ ،‬ويلعن الساعي في ذلك‬
‫إلى يوم القيامة‪ ،‬فإن جميع أمة محمد يعلموني أني أقتل على الحق الذي بعث ال به رسوله؛ وإن حبست فوال إن‬
‫حبسي لمن أعظم نعم ال علي وليس لي ما أخاف الناس عليه ل مدرسة ول أقطاع ول مال ول رئاسة ول شيء من‬
‫الشياء‪.‬‬

‫ولكن هذه القصة ضررها يعود عليكم فإن الذين سعوا فيها من الشام أنا أعلم أن قصدهم فيها كيدكم وفساد ملتكم‬
‫ودولتكم وقد ذهب بعضهم إلى بلد التتر وبعضهم مقيم هناك فهم الذين فصدوا فساد دينكم ودنياكم وجعلوني إماما‬
‫بالتستر لعلمهم بأني أواليكم وأنصح لكم وأريد لكم خير الدنيا والخرة‪.‬‬
‫والقضية لها أسرار كلما جاءت تنكشف‪ ،‬وإل فأنا لم يكن بيني وبين أحد بمصر عداوة ول بغضا وما زلت محبا لهم‬
‫مواليهم أمرائهم ومشائخهم وقضاتهم‪.‬‬

‫فقال لي‪ :‬فما الذي أقوله لنائب السلطان؟ فقلت‪ :‬سلم عليه وبلغه كلما سمعت‪ ،‬فقال‪ :‬هذا كثير‪ ،‬فقلت‪ :‬ملخصه أن الذي‬
‫في هذا الدرج أكثره كذب وأما هذه الكلمة [استوى]‪ .‬حقيقة فهذه قد ذكر غير واحد من علماء الطوائف المالكية وغير‬
‫المالكية أنه أجمع عليها أهل السنة والجماعة وما أنكر ذلك أحد من سلف المة ول أئمتها بل ما علمت عالما أنكر ذلك‬
‫فكيف أترك ما أجمع عليه أهل السنة ولم ينكره أحد من العلماء‪.‬‬

‫وأشرت بذلك إلى أمور منها ما ذكره المام أبو عمر الطلمنكي وهو أحد أئمة المالكية قبل الباجي وابن عبدالبر وهذه‬
‫الطبقة قال‪ :‬وأجمع المسلمون من أهل السنة أن معنى‪{ :‬وَهُ َو َم َعكُمْ َأ ْينَمَا كُنتُمْ} [الحديد‪ .]4:‬ونحو ذلك من القرآن أن‬
‫ذلك علمه وأن ال فوق السموات بذاته مستو على عرشه كيف شاء‪.‬‬

‫وقال أيضًا‪ :‬قال أهل السنة في قول ال {الرّ ْحمَنُ عَلَى ا ْلعَ ْرشِ ا ْستَوَى} [طه‪.]5 :‬إن الستواء من ال على عرشه المجيد‬
‫على الحقيقة ل على المجاز‪.‬‬

‫وقال أبو عبدال القرطبي صاحب التفسير المشهور في قوله تعالى {ثُمّ ا ْستَوَى َعلَى ا ْلعَ ْرشِ} [يونس‪ .]3:‬قال‪ :‬هذه‬
‫مسألة الستواء للعلماء فيها كلم وأجزاء وقد بينا أقوال العلماء فيها في كتاب [السنى في شرح أسماء ال الحسنى]‪.‬‬
‫وذكرنا فيها أربعة عشر قولً‪ ،‬إلى أن قال‪ :‬وقد كان السلف الول رضي ال عنهم ل يقولون بنفي الجهة ول ينطقون‬
‫بذلك بل نطقوا هم والكافة بإثباتها ل تعالى كما نطق به كتابه وأخبرت رسله‪ ،‬قال‪ :‬ولم ينكر أحد من السلف الصالح‬
‫أنه استوى على عرشه حقيقة‪ ،‬وخص العرش بذلك لنه أعظم مخلوقاته‪ ،‬وإنما جهلوا كيفية الستواء فإنه ل تعلم‬
‫حقيقته ـ كما قال مالك ـ‪ :‬الستواء معلوم ـ يعني في اللغة ـ والكيف مجهول والسؤال عن هذا بدعة‪ ،‬وكذا قالت أم‬
‫سلمة رضي ال عنها‪ ،‬وقال هذا الشيخ المشهور بمصر وغيرها في كتاب شرح السماء‪.‬‬

‫قال وذكر المام أبو بكر محمد بن الحسن الحضرمي القيرواني الذي له الرسالة التي سماها [برسالة السماء إلى‬
‫مسألة الستواء]‪ .‬لما ذكر اختلف المتأخرين في الستواء قول الطبري ـ يعني أبا جعفر صاحب التفسير الكبير ـ‬
‫وأبي محمد بن أبي زيد‪ ،‬والقاضي عبدالوهاب‪ ،‬وجماعة من شيوخ الحديث والفقه قال‪ :‬وهو ظاهر بعض كتب‬
‫القاضي أبي بكر‪ ،‬وأبي الحسن يعني الشعري‪ ،‬وحكاه عنه ـ يعني القاضي أبا بكر ـ القاضي عبدالوهاب أيضا‪ ،‬وهو‬
‫أنه سبحانه مستو على العرش بذاته وأطلقوا في بعض الماكن فوق عرشه‪ ،‬قال المام أبو بكر‪[ :‬وهو الصحيح الذي‬
‫أقول به من غير تحديد ول تمكن في مكان ول كون فيه ول مماسة]‪ .‬قال الشيخ أبو عبدال‪ :‬هذا قول القاضي أبي بكر‬
‫في كتاب [تمهيد الوائل]‪ .‬له‪.‬‬

‫وقاله الستاذ أبو بكر بن فورك في [شرح أوائل الدلة]‪ .‬له وهو قول أبي عمر بن عبدالبر والطلمنكي وغيرهما من‬
‫الندلسيين وقول الخطابي في شعار الدين‪ ،‬ثم قال بعد أن حكى أربعة عشر قول‪[ :‬وأظهر القوال ما تظاهرت عليه‬
‫الي والخبار والفضلء الخيار أن ال على عرشه كما أخبر في كتابه وعلى لسان نبيه بل كيف بائن من جميع خلقه‬
‫هذا مذهب السلف الصالح فيما نقله عنهم الثقات]‪ .‬هذا كله لفظه‪.‬‬

‫وقال الشيخ أبو نصر السجزي في كتاب [البانة]‪ .‬له‪[ :‬وأئمتنا سفيان الثوري ومالك بن أنس وسفيان بن عيينة وحماد‬
‫بن سلمة وحماد بن زيد وعبدال بن المبارك وفضيل بن عياض وأحمد بن حنبل وإسحاق بن راهوية متفقون على أن‬
‫ال سبحانه بذاته فوق العرش؛ وأن علمه بكل مكان؛ وأنه يرى يوم القيامة بالبصار فوق العرش؛ وأنه ينزل إلى‬
‫سماء الدنيا؛ وأنه يغضب ويرضى ويتكلم بما شاء؛ فمن خالف شيئًا من ذلك فهو منهم برىء وهم منه براء]‪.‬‬

‫وقال أبو عمر بن عبد البر في كتاب [التمهيد]‪ .‬في شرح الموطأ وهو أجل ما صنف فيه فنه لما تكلم على حديث‬
‫النزول قال‪ :‬هذا حديث ثابت من جهة النقل؛ صحيح السناد؛ ل يختلف أهل الحديث في صحته‪ ،‬وهو حديث منقول‬
‫من طرق سوى هذه من أخبار العدول عن النبي صلى ال عليه وسلم‪ ،‬وفيه دليل على أن ال في السماء على العرش‬
‫من فوق سبع سموات كما قالت الجماعة وهو من حجتهم على المعتزلة في قولهم إن ال بكل مكان وليس على‬
‫ستَوَى} [طه‪ .]5 :‬وقال‪{ :‬إَِليْهِ‬ ‫العرش‪ ،‬قال في الدليل على صحة ما قاله أهل الحق قول ال‪{ :‬الرّ ْ‬
‫حمَنُ عَلَى ا ْلعَ ْرشِ ا ْ‬
‫طيّبُ} [فاطر‪ .]10 :‬وقال‪َ { :‬تعْرُجُ ا ْلمَلَ ِئكَةُ وَالرّوحُ إَِليْهِ} [المعارج ‪ .]4‬وقال لعيسى‪ِ{ :‬إنّي ُمتَ َوفّيكَ وَرَا ِف ُعكَ‬
‫ص َعدُ ا ْلكَِلمُ ال ّ‬
‫يَ ْ‬
‫إِلَيّ} [ال عمران‪ ،.]55 :‬وذكر آيات إلى أن قال‪ :‬وهذا أشهر عند العامة والخاصة من أن يحتاج إلى أكثر من حكايته‬
‫لنه اضطرار لم يوقفهم عليه أحد ول خالفهم فيه مسلم‪ ،‬وبسط الكلم في ذلك إلى أن قال‪ :‬وأما احتجاجهم بقوله تعالى‬
‫لثَةٍ ِإلّ ُهوَ رَا ِب ُعهُمْ َولَ َخمْسَةٍ ِإلّ هُوَ سَادِ ُسهُمْ َولَ َأ ْدنَى مِن ذَِلكَ َولَ َأ ْكثَرَ ِإلّ هُ َو َمعَهُمْ َأيْنَ مَا كَانُوا} [‬
‫ن مِن نّجْوَى ثَ َ‬
‫{مَا َيكُو ُ‬
‫المجادلة‪ .]7 :‬فل حجة لهم في ظاهر الية لن علماء الصحابة والتابعين الذين حمل عنهم التأويل قالوا في تأويل هذه‬
‫الية هو على العرش وعلمه في كل مكان وما خالفهم في ذلك أحد يحتج بقوله‪.‬‬

‫وذكر عن الضحاك بن زاحم أنه قال في قوله‪{ :‬مَا َيكُونُ مِن نّجْوَى ثَلَثَةٍ} [المجادلة‪.]7:‬قال‪ :‬هو على عرشه وعلمه‬
‫معهم أينما كانوا‪ ،‬وعن سفيان الثوري مثل ذلك‪ ،‬وعن ابن مسعود قال‪ :‬ال فوق العرش ول يخفى عليه شيء من‬
‫أعمالكم‪.‬‬

‫قال أبو عمر بن عبد البر‪ :‬أهل السنة مجمعون على القرار بالصفات الواردة كلها في القرآن والسنة واليمان بها‬
‫وحملها على الحقيقة ل على المجاز‪ ،‬إل أنهم ل يكيفون شيئًا من ذلك ول يحدون فيه صفة محصورة‪ ،‬وأما أهل البدع‬
‫الجهمية والمعتزلة كلها والخوارج فكلهم ينكرها ول يحمل شيئًا منها على الحقيقة ويزعمون أن من أقر بها مشبه وهم‬
‫عند من أقر بها نافون للمعبود والحق فيها ما قال القائلون بما نطق به كتاب ال وسنة رسوله وهم أئمة الجماعة‪ ،‬وقال‬
‫أبو عمر‪ :‬الذي عليه أهل السنة وأئمة الفقه والثر في هذه المسألة وما أشبهها اليمان بما جاء عن النبي صلى ال‬
‫عليه وسلم فيها والتصديق بذلك وترك التحديد والكيفية في شيء منه‪.‬‬

‫وقال الشيخ العارف أبو محمد عبدالقادر بن أبي صالح الكيلني في كتاب [الغنية]‪ .‬له‪ :‬أما معرفة الصانع باليات‬
‫والدللت على وجه الختصار فهو أن يعرف ويتيقن أن ال واحد واحد‪..‬إلى أن قال‪ :‬وهو بجهة العلو؛ مستو على‬
‫العرش؛ محتو على الملك؛ محيط علمه بالشياء‪ .‬قال‪ :‬ول يجوز وصفه بأنه في كل مكان‪ ،‬بل يقال إنه في السماء‬
‫على العرش كما قال‪{ :‬الرّ ْحمَنُ عَلَى ا ْلعَ ْرشِ ا ْستَوَى} [طه‪ .]5 :‬وذكر اليات والحاديث‪..‬إلى أن قال‪ :‬وينبغي إطلق‬
‫صفة الستواء من غير تأويل‪ ،‬وأنه استواء الذات على العرش‪ .‬قال‪ :‬وكونه على العرش مذكور في كل كتاب أنزل‬
‫على نبي أرسل بل كيف وذكر كلمًا طويلً‪.‬‬

‫وقال المام أبو الحسن الكرخي الشافعي في مقدمته المشهورة في اعتقاد أهل السنة وهي منقولة من خط الشيخ أبي‬
‫عمرو بن الصلح‪:‬‬

‫عقيدتهم أن الله بذاته ** على عرشه مع علمه بالغوائب‬

‫وهذه الثار لم أذكرها كلها للرسول لكن هي مما أشرت إليه بقولي‪ :‬إني لم أقل شيئًا من نفسي وإنما قلت ما اتفق عليه‬
‫سلف المة وأئمتها‪ ،‬وهذا الموضع يضيق بما في ذلك من كلم المة فقال لي‪ :‬نعم هو مستو على العرش حقيقة بذاته‬
‫بل تكييف ول تشبيه‪ ،‬قلت‪ :‬نعم وهذا هو في العقيدة‪ ،‬فقال‪ :‬فاكتب هذه الساعة أو قال اكتب هذا أو نحو هذا‪ ،‬فقلت‪ :‬هذا‬
‫هو مكتوب بهذا اللفظ في العقيدة التي عندكم التي بحثت بدمشق واتفق عليها المسلمون فأي شيء هو الذي أريده؟‬
‫وقلت له‪ :‬أنا قد أحضرت أكثر من خمسين كتابا من كتب أهل الحديث والتصوف والمتكلين والفقهاء الربعة الحنيفة‬
‫والمالكية والشافعية والحنبلية وتوافق ما قلت؛ وقلت أنا أمهل من خالفني ثلث سنين أن يجيء بحرف واحد عن أئمة‬
‫السلم يخالف ما قلته فما الذي أصنعه‪.‬‬

‫فلما خرج الطيبرسي والفتاح عاد الفتاح بعد ساعة فقال‪ :‬يسلم عليك نائب السلطان؛ وقال‪ :‬فاكتب لنا الن عقيدة‬
‫بخطك‪ ،‬فقلت‪ :‬سلم على نائب السلطان؛ وقل له‪ :‬لو كتبت الساعة شيئًا لقال القائل قد زاد ونقص أو غير العتقاد‪،‬‬
‫وهكذا بدمشق لما طلبوا العتقاد لم اتهم إل بشيء قد كتب متقدمًا‪.‬‬

‫قلت‪ :‬وهذا العتقاد هو الذي قرىء بالشام في المجالس الثلثة‪ ،‬وقد أرسله إليكم نائبكم مع البريد‪ ،‬والجميع عندكم‪ ،‬ثم‬
‫أرسل لكم مع العمري ثانيا لما جاء الكتاب الثاني ما قاله القضاة والعلماء والمحضر وكتاب البخاري الذي قرأه‬
‫المزي‪ ،‬والعتقاد ليس هو شيئًا ابتدئه من عندي حتى يكون كل يوم لي اعتقاد‪ ،‬وهو ذلك العتقاد بعينه؛ والنسخة‬
‫بعينها‪ ،‬فانظروا فيها فراح‪.‬‬
‫ثم عاد وطلب أن أكتب بخطي أي شيء كان‪ .‬فقلت‪ :‬فما الذي أكتبه؟ قال‪ :‬مثل العفو‪ ،‬وأل تتعرض لحد‪ .‬فقلت‪ :‬نعم‬
‫هذا أنا مجيب إليه‪ ،‬ليس غرضي في إيذاء أحد ول النتقام منه ول مؤاخذته‪ ،‬وأنا عاف عمن ظلمني‪ .‬وأردت أن أكتب‬
‫هذا ثم قلت‪ :‬مثل هذا ما جرت العادة بكتابته؛ فإن عفو النسان عن حقه ل يحتاج إلى هذا‪.‬‬

‫وتعلم أن المر لما جرى على هذا الوجه كاد بعض القلوب يتغير على الشيخ‪ ،‬وظنوا أن هذا الدرج قد أقر به؛ وأن‬
‫ذلك يناقض ما كان يقوله ويرسل به‪ .‬فجعلت أنا وأخي ندفع ذلك ونقول‪ :‬هذا من فعل ابن مخلوف؛ وقد تحققت أنا أن‬
‫ذلك من عمل ابن مخلوف‪.‬‬

‫ويعرف الشيخ أن مثل هذه القضية التي قد اشتهرت وانتشرت ل تندفع على هذا الوجه فأنا أبذل غاية ما وسعني من‬
‫الحسان‪ ،‬وترك النتقام‪ ،‬وتأليف القلوب؛ لكن هو يعرف خلقا كثيرا ممن بالديار المصرية؛ وأن النسان ل ينجو من‬
‫شرهم وظلمهم إل بأخذ طريقين‪:‬‬

‫أحدهما مستقر‪ ،‬والخر متقلب‪.‬‬

‫الول‪ :‬أن يكون له من ال تأييد وسلطان‪ ،‬والتجاء إليه‪ ،‬واستعانة به‪ ،‬وتوكل عليه‪ ،‬واستغفار له‪ ،‬وطاعة له‪ ،‬يدفع به‬
‫عنه شر شياطين النس والجن‪ .‬وهذه الطريقة هي الثابتة الباقية‪.‬‬

‫والطريق الثاني‪ :‬إن جاء من ذي جاه‪ ،‬فإنهم يراعون ذا الجاه ما دام جاهه قائما؛ فإذا انقلب جاهه كانوا من أعظم‬
‫الناس قياما عليه هم بأعيانهم؛ حتى أنهم قد يضربون القاضي بالمقارع ونحو ذلك مما ل يكاد يعرف لغيرهم‪ ،‬أعداءه‬
‫ومبغضون كثيرون‪ ،‬وقد دخل في إثباتات وأملك وغير ذلك تعلقة بالدولة وغير الدولة‪.‬‬

‫فلو حصل من ذوي الجاه من له غرض في نقض أحكامه ونقل الملك كان ذلك من أيسر المور عليه‪ :‬إما أن يكتب‬
‫ردته؛ وأحكام المرتد ل تنفذ‪ ،‬لنه قد علم منه الخاص والعام أنه جعل ما فعل في هذه القضية شرع محمد بن عبدال‪،‬‬
‫والنسان متى حلل الحرام المجمع عليه؛ أو حرم الحلل المجمع عليه؛ أو بدل الشرع المجمع عليه؛ كان كافرا مرتدا‬
‫ل فَأُ ْولَـ ِئكَ ُهمُ ا ْلكَا ِفرُونَ} [المائدة‪.]44:‬‬ ‫باتفاق الفقهاء‪ .‬وفي مثل هذا نزل قوله على أحد القولين‪َ { :‬ومَن لّ ْم يَ ْ‬
‫حكُم ِبمَا أَن َزلَ ا ّ‬
‫أي هو المستحل للحكم بغير ما أنزل ال‪.‬‬

‫ولفظ الشرع يقال في عرف الناس على ثلثة معان‪:‬‬

‫[الشرع المنزل]‪ .‬وهو ما جاء به الرسول صلى ال عليه وسلم وهذا يجب اتباعه‪ ،‬ومن خالفه وجبت عقوبته‪.‬‬

‫والثاني [الشرع المؤول]‪ .‬وهو آراء العلماء المجتهدين فيها كمذهب مالك ونحوه فهذا يسوغ اتباعه‪ ،‬ول يجب ول‬
‫يحرم وليس لحد أن يلزم عموم الناس به‪ ،‬ول يمنع عموم الناس منه‪.‬‬

‫والثالث [الشرع المبدل]‪ .‬وهو الكذب على ال ورسوله أو على الناس بشهادات الزور ونحوها؛ والظلم البين فمن قال‬
‫إن هذا من شرع ال فقد كفر بل نزاع‪ ،‬كمن قال إن الدم والميتة حلل ـ ولو قال هذا مذهبي ونحو ذلك‪.‬‬

‫فلو كان الذي حكم به ابن مخلوف هو مذهب مالك أو الشعري لم يكن له أن يلزم جميع الناس به‪ ،‬ويعاقب من لم‬
‫يوافقه عليه باتفاق المة‪ ،‬فكيف والقول الذي يقوله ويلزم به هو خلف نص مالك وأئمة أصحابه؛ وخلف نص‬
‫الشعري وأئمة أصحابه كالقاضي أبي بكر وأبي الحسن الطبري وأبي بكر بن فورك وأبي القاسم القشيري وأبي بكر‬
‫البيهقي؟ وغير هؤلء كلهم مصرحون بمثل ما قلناه وبنقيض ما قاله‪.‬‬

‫ولهذا اصطلحت الحنبلية والشعرية واتفق الناس كلهم‪ .‬ولما رأى الحنبلية كلم أبي الحسن الشعري قالوا‪ :‬هذا خير‬
‫من كلم الشيخ الموفق‪ ،‬وزال ما كان في القلوب من الضغان‪ ،‬وصار الفقهاء من الشافعية وغيرهم يقولون‪ :‬الحمد ل‬
‫على اتفاق كلمة المسلمين‪.‬‬

‫ثم لو فرض أن هذا الذي حكم فيه مما يسوغ فيه الجتهاد‪ :‬لم يكن له أن ينقض حكم غيره فكيف إذا نقض حكم حكام‬
‫الشام جميعهم بل شبهة؟ بل بما يخالف دين المسلمين بإجماع المسلمين‪ .‬ولو زعم زاعم أن حكام الشام مكرهون ففيهم‬
‫من يصرح بعدم الكراه غير واحد‪ ،‬وهؤلء بمصر كانوا أظهر إكراها لما اشتهر عند الناس أنه فعل ذلك لجل‬
‫غرض الدولة المتعلق بالملك‪ ،‬وأنه لول ذلك لتكلم الحكام بأشياء‪ ،‬وهذا ثابت عن حكام مصر‪.‬‬

‫فكيف وهذا الحكم الذي حكم به مخالف لشريعة السلم من بضعة وعشرين وجها؟ وعامتها بإجماع المسلمين‪.‬‬
‫والوجوه مكتوبة مع الشرف محمد فينبغي أن يعرف الشيخ [نصر]‪ .‬بحقيقة المر وباطن القضية ليطبها بتدبيره‪.‬‬

‫فأنا ليس مرادي إل في طاعة ال ورسوله وما يخاف على المصريين إل من بعضهم في بعض كما جرت به العادة‪.‬‬
‫وقد سمعتم ما جرى بدمشق ـ مع أن أولئك أقرب إلى التفاق من تجديد القاضي المذكور إسلمه عند القاضي الخر‬
‫وأنا لما كنت هناك كان هذا الذن [يحيى الحنفي]‪ .‬فذهب إلى القاضي تقي الدين الحنبلي وجدد إسلمه وحكم بحقن‬
‫دمه لما قام عليه بعض أصحابهم في أشياء‪.‬‬

‫وكان من مدة لما كان القاضي حسام الدين الحنفي مباشرا لقضاء الشام أراد أن يحلق لحية هذا الذرعي‪ ،‬وأحضر‬
‫الموسى‪ ،‬والحمار ليركبه ويطوف به‪ ،‬فجاء أخوه عرفني ذلك‪ ،‬فقمت إليه ولم أزل به حتى كف عن ذلك‪ ،‬وجرت‬
‫أمور لم أزل فيها محسنا إليهم؛ وهذه المور ليست من فعلي ول فعل أمثالي نحن إنما ندخل فيما يحبه ال ورسوله‬
‫والمؤمنون ليس لنا غرض مع أحد‪ ،‬بل نجزي بالسيئة الحسنة‪ ،‬ونعفو ونغفر‪.‬‬

‫وهذه القضية قد انتشرت‪ ،‬وظهر ما فعل فيها وعلمه الخاص والعام‪ ،‬فلو تغيرت الحوال حتى جاء أمير أو وزير له‬
‫في نقل ملك قد أثبته أو حكم به لكان هذا عند المصريين من أسهل ما يكون فيثبتون ردته والمرتد أحكامه مردودة‬
‫باتفاق العلماء‪ ،‬ويعود ضرره على الذين أعانوه ونصروه بالباطل من أهل الدولة وغيرهم‪ ،‬وهذا أمر كبير ل ينبغي‬
‫إهماله فالشيخ خبير يعرف عواقب المور‪ .‬وأنا وال من أعظم الناس معاونة على إطفاء كل شر فيها وفي غيرها‬
‫وإقامة كل خير‪ ،‬وابن مخلوف لو عمل مهما عمل وال ما أقدر على خير إل وأعمله معه ول أعين عليه عدوه قط ول‬
‫حول ول قوة إل بال‪.‬‬

‫هذه نيتي وعزمي مع علمي بجميع المور فإني أعلم أن الشيطان ينزغ بين المؤمنين‪ ،‬ولن أكون عونا للشيطان على‬
‫إخواني المسلمين‪ ،‬ولو كنت خارجا لكنت أعلم بماذا أعاونه؛ لكن هذه مسألة قد فعلوها زورا وال يختار للمسلمين‬
‫جميعهم ما فيه الخيرة في دينهم ودنياهم‪.‬‬

‫ولن ينقطع الدور وتزول الحيرة إل بالنابة إلى ال؛ والستغفار؛ والتوبة؛ وصدق اللتجاء فإنه سبحانه ل ملجأ منه‬
‫إل إليه ول حول ول قوة إل بال‪.‬‬

‫وأما ما ذكرت عن الشيخ [نصر]‪ .‬أنه قال‪ :‬كنت أوثر أن ل يحسوا به‪ ،‬إل وقد خرج خشية أن يعلم فلن وفلن‬
‫فيطلعوا ويتكلموا فتكثر الغوغاء والكلم! فعرفه‪ :‬أن كل من قال حقا فأنا أحق من سمع الحق والتزمه وقبله‪ ،‬سواء‬
‫كان حلوا أو مرا‪ ،‬وأنا أحق أن يتوب من ذنوبه التي صدرت منه‪ ،‬بل وأحق بالعقوبة إذا كنت أضل المسلمين عن‬
‫دينهم‪.‬‬

‫وقد قلت فيما مضى‪ :‬ما ينبغي لحد أن يحمله تحننه لشخص وموالته له على أن يتعصب معه بالباطل ‪،‬أو يعطل‬
‫لجله حدود ال تعالى‪ ،‬بل قد قال النبي صلى ال عليه وسلم‪( :‬من حالت شفاعته دون حد من حدود ال فقد ضاد ال‬
‫في أمره)‪.‬‬

‫وهذا الذي يخافه من قيام العدو ونحوه في المحضر الذي قدم به من الشام إلى ابن مخلوف فيما يتعلق بالستغاثة‬
‫بالنبي صلى ال عليه وسلم إن أظهروه وكان وباله عليهم‪ ،‬ودل على أنهم مشركون‪ ،‬ل يفرقون بين دين المسلمين‬
‫ودين النصارى‪.‬‬

‫فإن المسلمين متفقون على ما علموه بالضطرار من دين السلم أن العبد ل يجوز له أن يعبد‪ ،‬ول يدعو ول‬
‫يستغيث‪ ،‬ول يتوكل إل على ال‪ ،‬وأن من عبد ملكا مقربا أو نبيا مرسل أو دعاه أو استغاث به فهو مشرك‪ ،‬فل يجوز‬
‫عند أحد من المسلمين أن يقول القائل يا جبرائيل أو يا ميكائيل أو يا إبراهيم أو يا موسى أو يا رسول ال اغفر لي أو‬
‫ارحمني أو ارزقني أو انصرني أو أغثني أو أجرني من عدوي أو نحو ذلك‪ ،‬بل هذا كله من خصائص اللهية‪ ،‬وهذه‬
‫مسائل شريفة معروفة قد بينها العلماء وذكروا الفرق بين حقوق ال التي يختص بها الرسل والحقوق التي له ولرسله‬
‫كما يميز سبحانه بين ذلك في مثل قوله‪َ { :‬وُتعَزّرُوهُ َوتُ َوقّرُوهُ َوتُ َسبّحُو ُه ُبكْرَةً َوأَصِيلً} [الفتح‪ .]9 :‬فالتعزير والتوقير‬
‫للرسول والتسبيح بكرة وأصيل ل‪.‬‬

‫وكما قال‪َ {:‬ومَن يُطِعِ الَّ وَرَسُولَهُ َويَخْشَ الَّ َو َيتّقْ ِه فَأُوَْل ِئكَ هُمُ الْفَائِزُونَ} [النور‪ .]52 :‬فالطاعة ل ولرسوله‪ ،‬والخشية‬
‫والتقوى ل وحده‪ .‬وكما يقول المرسلون‪{ :‬أَنِ ا ْعبُدُوا الَّ وَاتّقُوهُ وَأَطِيعُونِ} [نوح‪ .]3 :‬فيجعلون العبادة والتقوى ل‬
‫لّ َيدْعُو ُه كَادُوا َيكُونُونَ عََليْهِ‬
‫عبْدُ ا ِ‬
‫حدًا َوَأنّهُ َلمّا قَامَ َ‬
‫ل تَدْعُوا مَعَ الِّ َأ َ‬ ‫وحده‪ ،‬ويجعلون لهم الطاعة قال تعالى‪{ :‬وَأَنّ ا ْلمَسَا ِ‬
‫جدَ لِّ فَ َ‬
‫ج َد مِن دُونِهِ‬
‫حدٌ وَلَنْ أَ ِ‬
‫شدًا قُلْ ِإنّي لَن يُجِي َرنِي مِنَ الِّ َأ َ‬
‫حدًا قُلْ ِإنّي لَ َأمِْلكُ َل ُكمْ ضَرّا َولَ رَ َ‬
‫ك بِهِ أَ َ‬
‫ِل َبدًا قُلْ ِإنّمَا َأدْعُو َربّي َولَ أُشْ ِر ُ‬
‫ل َتدْ ُع مَعَ الِّ إَِلهًا آخَ َر َف َتكُو َن مِنَ ا ْل ُمعَ ّذبِينَ} [الشعراء‪ ،.]213:‬وقال تعالى‪:‬‬
‫حدًا} [الجن‪ 18 :‬ـ ‪ .]22‬وقال تعالى‪{ :‬فَ َ‬
‫مُ ْلتَ َ‬
‫لْرْضِ َومَا َل ُه ْم فِي ِهمَا مِن شِ ْركٍ َومَا لَ ُه ِم ْنهُم مّن‬ ‫ل فِي ا َ‬ ‫سمَاوَاتِ َو َ‬ ‫ل ذَرّ ٍة فِي ال ّ‬ ‫ل َيمِْلكُونَ ِمثْقَا َ‬
‫لّ َ‬
‫ع ْمتُم مّن دُونِ ا ِ‬ ‫ل ادْعُوا اّلذِينَ زَ َ‬ ‫{قُ ِ‬
‫ظهِيرٍ َو َل تَنفَعُ الشّفَاعَةُ عِندَهُ ِإلّ ِلمَنْ َأذِنَ لَهُ} [سبأ‪.]23 ،22 :‬وقال تعالى‪{ :‬مَن ذَا اّلذِي يَشْفَعُ ِع ْندَهُ ِإلّ ِبِإذْنِهِ} [البقرة‪:‬‬ ‫َ‬
‫ن َيبْ َتغُونَ إِلَى‬ ‫ن يَدْعُو َ‬ ‫ل تَحْوِيلً أُولَـ ِئكَ اّلذِي َ‬ ‫ن كَشْفَ الضّرّ عَنكُمْ َو َ‬ ‫ل يَمِْلكُو َ‬ ‫ع ْمتُم مّن دُونِ ِه فَ َ‬‫ل ادْعُواْ اّلذِينَ زَ َ‬ ‫‪ .]255‬وقال تعالى‪{ :‬قُ ِ‬
‫َرّبهِمُ الْ َوسِيلَةَ َأّيهُمْ َأقْرَبُ َويَرْجُونَ َر ْح َمتَهُ َويَخَافُونَ َعذَابَهُ إِنّ َعذَابَ َرّبكَ كَا َن مَ ْحذُورًا} [السراء‪ .]57 ،56 :‬وقال تعالى‪{ :‬‬
‫عمّا‬
‫سبْحَانَهُ َ‬ ‫حدًا لّ إِلَـهَ ِإلّ هُوَ ُ‬ ‫ن مَ ْريَمَ َومَا ُأمِرُواْ ِإلّ ِل َي ْعبُدُواْ ِإلَـهًا وَا ِ‬‫حبَارَهُمْ َورُ ْهبَا َنهُمْ أَ ْربَابًا مّن دُونِ الّ وَا ْلمَسِيحَ ابْ َ‬
‫خذُواْ أَ ْ‬
‫اتّ َ‬
‫عبَادًا لّي مِن دُونِ‬ ‫س كُونُواْ ِ‬ ‫حكْمَ وَال ّنبُوّةَ ُث ّم يَقُولَ لِلنّا ِ‬ ‫يُشْ ِركُونَ} [التوبة‪ .]31:‬وقال تعالى‪{ :‬مَا كَانَ ِلبَشَرٍ أَن يُ ْؤ ِتيَهُ الّ ا ْل ِكتَابَ وَالْ ُ‬
‫لئِكَةَ وَال ّن ِبّييْنَ أَ ْربَابًا َأيَ ْأمُ ُركُم بِا ْلكُفْرِ‬
‫خذُواْ ا ْلمَ َ‬
‫الّ وَلَـكِن كُونُواْ َربّانِيّينَ ِبمَا كُنتُ ْم ُتعَّلمُونَ ا ْل ِكتَابَ َو ِبمَا كُنتُ ْم تَدْرُسُونَ َولَ َي ْأمُ َركُمْ أَن َتتّ ِ‬
‫َبعْدَ ِإذْ أَنتُم مّسِْلمُونَ} [آل عمران‪ .]80 ،79 :‬فمن اتخذ الملئكة والنبيين أربابًا فقد كفر بعد إسلمه باتفاق المسلمين‪.‬‬

‫ولجل هذا نهى النبي صلى ال عليه وسلم عن اتخاذ المساجد على القبور‪ ،‬وعن أن يجعل ل ندًا في خصائص‬
‫الربوبية‪ ،‬ففي الصحيحين عنه أنه قال صلى ال عليه وسلم‪( :‬لعن ال اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد)‬
‫يحذر ما فعلوا وفي الصحيح عنه أنه قال‪( :‬إن من كان قبلكم كانوا يتخذون القبور مساجد أل فل تتخذوا القبور مساجد‬
‫فإني أنهاكم عن ذلك) وفي السنن عنه أنه قال‪( :‬ل تتخذوا قبري عيدًا) وروي عنه أنه قال‪( :‬اللهم ل تجعل قبري وثنا‬
‫يعبد)‪ ،‬وقال له رجل‪ :‬ما شاء ال وشئت فقال‪( :‬أجعلتني ل ندا! قل ما شاء ال وحده)‪.‬‬

‫ولهذا قال العلماء من زار قبر النبي صلى ال عليه وسلم فإنه ل يستلمه ول يقبله‪ ،‬ول يشبه بيت المخلوق ببيت الخالق‬
‫الذي يستلم ويقبل منه الركن السود؛ ويستلم الركن اليماني ولهذا اتفق العلماء على أنه ل يشرع تقبيل شيء من‬
‫الحجار ول استلمه إل الركنان اليمانيان‪ ،‬حتى مقام إبراهيم الذي بمكة ل يقبل ول يتمسح به فكيف بما سواه من‬
‫المقامات والمشاهد!!‬

‫وأنت لما ذكرت في ذلك اليوم هذا قلت لك‪ :‬هذا من أصول السلم‪ ،‬فإذا كان القاضي ل يفرق بين دين السلم ودين‬
‫النصارى الذين يدعون المسيح وأمه فكيف أصنع أنا؟‪.‬‬

‫ولكن من يتخذ نفيسة ربا‪ ،‬ويقول‪ :‬أنها تجبر الخائف؛ وتغيث الملهوف؛ وأنا في حسبها‪ ،‬ويسجد لها‪ ،‬ويتضرع في‬
‫دعائها مثل ما يتضرع في دعاء رب الرض والسموات‪ ،‬ويتوكل على حي قد مات ول يتوكل على الحق الذي ل‬
‫ل يُجَارُ‬
‫ت كُلّ شَيْءٍ وَهُ َو يُجِيرُ َو َ‬ ‫يموت‪ ،‬فل ريب أن إشراكه بمن هو أفضل منها يكون أقوى قال تعالى‪{ :‬قُ ْ‬
‫ل مَن ِبيَدِ ِه مََلكُو ُ‬
‫عََليْهِ إِن كُنتُ ْم َتعَْلمُونَ َسيَقُولُونَ لِّ ُق ْل فََأنّى تُ ْسحَرُونَ} [المؤمنون‪.]89 ،88 :‬‬

‫وحديث معاذ لما رجع من الشام فسجد للنبي صلى ال عليه وسلم فقال‪ :‬ما هذا يا معاذ‪ .‬فقال‪ :‬رأيتهم في الشام‬
‫يسجدون لساقفتهم‪ ،‬ويذكرون ذلك عن أنبيائهم‪ .‬فقال‪ :‬يا معاذ أرأيت لو مررت بقبري أكنت ساجدا له‪ .‬قال‪ :‬ل‪ .‬قال‪:‬‬
‫فل تسجد لي‪ ،‬فلو كنت آمرا أحدا أن يسجد لحد لمرت المرأة أن تسجد لزوجها‪.‬‬

‫فمن ل ينهى الضالين عن مثل هذا الشرك المحرم بإجماع المسلمين كيف ينهى عما هو أقل منه؟ ومن دعى رجل أو‬
‫امرأة من دون ال فهو مضاه لمن اتخذ المسيح وأمه إلهين من دون ال‪ .‬وفي الصحيح عن النبي صلى ال عليه وسلم‬
‫أنه قال‪( :‬ل تطروني كما أطرت النصارى عيسى بن مريم‪ ،‬فإنما أنا عبد فقولوا‪ :‬عبدال ورسوله)‪.‬‬

‫بل من سوغ أن يدعى المخلوق‪ ،‬ومنع من دعاء الخالق الذي فيه تحقيق صمديته وإلهيته فقد ناقض السلم في النفي‬
‫والثبات‪:‬‬
‫وهو شهادة أن ل إله إل ال‪.‬‬

‫وأما حقوق رسول ال صلى ال عليه وسلم ـ بأبي هو وأمي ـ مثل تقديم محبته على النفس والهل والمال‪ ،‬وتعزيره‬
‫وتوقيره‪ ،‬وإجلله وطاعته‪ ،‬واتباع سنته وغير ذلك فعظيمة جدًا وكذلك مما يشرع التوسل به في الدعاء كما في‬
‫الحديث الذي رواه الترمذي وصححه أن النبي صلى ال عليه وسلم علم شخصا أن يقول‪( :‬اللهم إني أسألك وأتوسل‬
‫إليك بنبيك محمد نبي الرحمة يا محمد يا رسول ال إني أتوسل بك إلى ربي في حاجتي ليقضيها اللهم فشفعه في) فهذا‬
‫التوسل به حسن‪.‬‬

‫وأما دعاؤه والستغاثة به فحرام‪ ،‬والفرق بين هذين متفق عليه بين المسلمين‪ ،‬المتوسل إنما يدعو ال ويخاطبه‬
‫ويطلب منه ل يدعو غيره إل على سبيل استحضاره ل على سبيل الطلب منه‪ ،‬وأما الداعي والمستغيث فهو الذي‬
‫يسأل المدعو ويطلب منه ويستغيثه ويتوكل عليه‪ .‬وال هو رب العالمين‪ ،‬ومالك الملك‪ ،‬وخالق كل شيء‪ ،‬وهو الذي‬
‫يجيب المضطر إذا دعاه‪ ،‬وهو القريب الذي يجيب دعوة الداعي إذا دعاه‪ ،‬وهو سميع الدعاء سبحانه وتعالى عما‬
‫يقول الظالمون علوا كبيرًا‪.‬‬

‫وأنا قد صنفت كتابا كبيرًا سميته [الصارم المسلول على شاتم الرسول]‪ .‬وذكرت في هذه المسألة ما لم أعرف احدا‬
‫سبق إليه‪ ،‬وكذلك هذه القواعد اليمانية قد كتبت فيها فصول هي من أنفع‬

‫الشياء في أمر الدين‪.‬‬

‫ومما ينبغي أن يعرف به الشيخ أني أخاف أن القضية تخرج عن أمره بالكلية ويكون فيها ما فيه ضرر عليه وعلى‬
‫ابن مخلوف ونحوهما‪ ،‬فإنه قد طلب مني ما يجعل سببا لذلك ولم أجب إليه فإني إنما أنا لون واحد‪ ،‬وال ما غششتهما‬
‫قط‪ ،‬ولو غششتهما كتمت ذلك‪ .‬وأنا مساعد لهما على كل بر وتقوى‪.‬‬

‫ول ريب أن الصل الذي تصلح عليه المور رجوع كل شخص إلى ال وتوبته إليه في هذا العشر المبارك‪ ،‬فإذا‬
‫حسنت السرائر أصلح ال الظواهر‪ ،‬فإن ال مع الذين اتقوا والذين هم محسنون‪.‬‬

‫وهذه قضية كبيرة كلما كانت تزداد ظهورا تزداد انتشارًا‪ .‬والسلم عليكم ورحمة ال وبركاته والحمد ل وحده وصلى‬
‫ال على محمد وآله وسلم تسليمًا ‪.‬‬

‫قال شيخ السلم‪:‬‬

‫تقي الدين أحمد بن تيمية رحمه ال‬

‫بسم ال الرحمن الرحيم‬

‫جمِيعًا َولَ َتفَ ّرقُواْ‬ ‫حبْلِ الّ َ‬ ‫صمُو ْا بِ َ‬


‫عتَ ِ‬ ‫ل تَمُوتُنّ ِإلّ وَأَنتُم مّسِْلمُونَ وَا ْ‬ ‫ق تُقَاتِهِ َو َ‬
‫ن آ َمنُو ْا اتّقُواْ الّ حَ ّ‬ ‫قال ال تعالى وتقدس‪{ :‬يَا َأّيهَا اّلذِي َ‬
‫شفَا حُ ْفرَ ٍة مّنَ النّا ِر َفأَن َق َذكُم ّمنْهَا َكذَِلكَ‬
‫خوَانًا َوكُنتُمْ عَلَىَ َ‬
‫حتُم ِب ِن ْعمَتِهِ إِ ْ‬
‫صبَ ْ‬
‫ف َبيْنَ قُلُوبِكُ ْم َفأَ ْ‬
‫عدَاء َفأَلّ َ‬ ‫وَا ْذكُرُو ْا ِن ْعمَتَ الّ عََل ْيكُمْ ِإذْ كُنتُمْ أَ ْ‬
‫خيْرِ َويَ ْأمُرُونَ بِا ْل َمعْرُوفِ َو َي ْنهَوْنَ عَنِ ا ْلمُنكَرِ وَُأوْلَـ ِئكَ ُهمُ ا ْلمُ ْفلِحُونَ َولَ‬ ‫ُيبَيّنُ الّ َلكُ ْم آيَاتِهِ َلعَّلكُ ْم َت ْه َتدُونَ وَ ْل َتكُن مّنكُمْ ُأمّةٌ َيدْعُونَ إِلَى الْ َ‬
‫َتكُونُو ْا كَاّلذِي َن تَفَ ّرقُواْ وَا ْختََلفُو ْا مِن َبعْ ِد مَا جَاء ُهمُ ا ْل َبيّنَاتُ وَأُ ْولَـ ِئكَ َل ُهمْ عَذَابٌ عَظِي ٌم يَوْ َم َت ْبيَضّ ُوجُوهٌ َوتَ ْس َودّ ُوجُوهٌ} [آل عمران‪:‬‬
‫‪102‬ـ ‪ .]106‬قال ابن عباس وغيره‪ :‬تبيض وجوه أهل السنة والجماعة‪ ،‬وتسود وجوه أهل البدعة والفرقة { َفَأمّا‬
‫حمَةِ الّ هُ ْم فِيهَا‬ ‫ب ِبمَا ُك ْنتُ ْم َتكْفُرُونَ وََأمّا اّلذِينَ ا ْبيَضّتْ وُجُو ُههُ ْم َففِي َر ْ‬ ‫اّلذِينَ اسْ َودّتْ وُجُو ُه ُهمْ َأكْفَ ْرتُم َب ْعدَ إِيمَا ِنكُ ْم َفذُوقُواْ ا ْل َعذَا َ‬
‫خَاِلدُونَ} [آل عمران‪.]107 ،106 :‬‬

‫وفي الترمذي عن أبي أمامة الباهلي عن النبي صلى ال عليه وسلم في الخوارج‪( :‬أنهم كلب أهل النار) وقرأ هذه‬
‫الية {يَوْ َم َت ْبيَضّ وُجُوهٌ َوتَسْ َودّ وُجُوهٌ} [آل عمران‪ .]106 :‬قال المام أحمد بن حنبل صح الحديث في الخوارج من‬
‫عشرة أوجه‪ ،‬وقد خرجها مسلم في صحيحه‪ ،‬وخرج البخاري طائفة منها قال النبي صلى ال عليه وسلم‪( :‬يحقر‬
‫أحدكم صلته مع صلتهم وصيامه مع صيامهم وقراءته مع قراءتهم يقرءون القرآن ل يجاوز حناجرهم يمرقون من‬
‫السلم كما يمرق السهم من الرمية) وفي رواية (يقتلون أهل السلم ويدعون أهل الوثان)‪.‬‬
‫والخوارج هم أول من كفر المسلمين‪ ،‬يكفرون بالذنوب‪ ،‬ويكفرون من خالفهم في بدعتهم‪ ،‬ويستحلون دمه وماله‪،‬‬
‫وهذه حال أهل البدع يبتدعون بدعة ويكفرون من خالفهم فيها‪.‬‬

‫وأهل السنة والجماعة يتبعون الكتاب والسنة‪ ،‬ويطيعون ال ورسوله‪ ،‬فيتبعون الحق‪ ،‬ويرحمون الخلق‪.‬‬

‫وأول بدعة حدثت في السلم بدعة الخوارج والشيعة حدثتا في أثناء خلفة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب‪ ،‬فعاقب‬
‫الطائفتين‪ .‬أما الخوارج فقاتلوه فقتلهم‪ ،‬وأما الشيعة فحرق غاليتهم بالنار‪ ،‬وطلب قتل عبدال بن سبأ فهرب منه‪ ،‬وأمر‬
‫بجلد من يفضله على أبي بكر وعمر‪ .‬وروى عنه من وجوه كثيرة أنه قال‪( :‬خير هذه المة بعد نبيها أبو بكر ثم عمر)‬
‫ورواه عنه البخاري في صحيحه‪.‬‬

‫فصل‬

‫ومن أصول أهل السنة والجماعة أنهم يصلون الجمع والعياد والجماعات‪ ،‬ل يدعون الجمعة والجماعة كما فعل أهل‬
‫البدع من الرافضة وغيرهم‪ ،‬فإن كان المام مستورا لم يظهر منه بدعة ول فجور صلى خلفه الجمعة والجماعة‬
‫باتفاق الئمة الربعة وغيرهم من أئمة المسلمين‪ ،‬ولم يقل أحد من الئمة إنه ل تجوز الصلة إل خلف من علم باطن‬
‫أمره‪ ،‬بل مازال المسلمون من بعد نبيهم يصلون خلف المسلم المستور‪ ،‬ولكن إذا ظهر من المصلي بدعة أو فجور‬
‫وأمكن الصلة خلف من يعلم أنه مبتدع أو فاسق مع إمكان الصلة خلف غيره فأكثر أهل العلم يصححون صلة‬
‫المأموم وهذا مذهب الشافعي وأبي حنيفة وهو أحد القولين في مذهب مالك وأحمد‪ .‬وأما إذا لم يمكن الصلة إل خلف‬
‫المبتدع أو الفاجر كالجمعة التي إمامها مبتدع أو فاجر وليس هناك جمعة أخرى فهذه تصلى خلف المبتدع والفاجر‬
‫عند عامة أهل السنة والجماعة وهذا مذهب الشافعي وأبي حنيفة وأحمد بن حنبل وغيرهم من أئمة أهل السنة بل‬
‫خلف عندهم‪.‬‬

‫وكان بعض الناس إذا كثرت الهواء يحب أن ل يصلي إل خلف من يعرفه على سبيل الستحباب‪ ،‬كما نقل ذلك عن‬
‫أحمد أنه ذكر ذلك لمن سأله ‪،‬ولم يقل أحمد إنه ل تصح إل خلف من أعرف حاله‪.‬‬

‫ولما قدم أبو عمرو عثمان بن مرزوق إلى ديار مصر وكان ملوكها في ذلك الزمان مظهرين للتشيع؛ وكانوا باطنية‬
‫ملحدة‪ ،‬وكان بسبب ذلك قد كثرت البدع وظهرت بالديار المصرية أمر أصحابه أن ل يصلوا إل خلف من يعرفونه‬
‫لجل ذلك‪ .‬ثم بعد موته فتحها ملوك السنة مثل صلح الدين وظهرت فيها كلمة السنة المخالفة للرافضة‪ ،‬ثم صار‬
‫العلم والسنة يكثر بها ويظهر‪.‬‬

‫فالصلة خلف المستور جائزة باتفاق علماء المسلمين‪ ،‬ومن قال أن الصلة محرمة أو باطلة خلف من ل يعرف حاله‬
‫فقد خالف إجماع أهل السنة والجماعة‪ ،‬وقد كان الصحابة رضوان ال عليهم يصلون خلف من يعرفون فجوره كما‬
‫صلى عبدال بن مسعود وغيره من الصحابة خلف الوليد بن عقبة بن أبي معيط وكان قد يشرب الخمر وصلى مرة‬
‫الصبح أربعا وجلده عثمان بن عفان على ذلك‪.‬‬

‫وكان عبدال بن عمر وغيره من الصحابة يصلون خلف الحجاج بن يوسف‪ ،‬وكان الصحابة والتابعون يصلون خلف‬
‫ابن أبي عبيد وكان متهما باللحاد وداعيا إلى الضلل‪.‬‬

‫فصل‬

‫ول يجوز تكفير المسلم بذنب فعله ول بخطأ فيه‪ ،‬كالمسائل التي تنازع فيها أهل القبلة فإن ال تعالى قال‪{ :‬آمَنَ الرّسُولُ‬
‫ط ْعنَا غُ ْفرَا َنكَ َربّنَا‬
‫س ِمعْنَا َوأَ َ‬
‫ح ٍد مّن رّسُلِهِ َوقَالُواْ َ‬
‫ق َبيْنَ أَ َ‬
‫ل نُفَرّ ُ‬
‫ل آمَنَ بِالّ َومَلئِ َكتِهِ َو ُكتُبِهِ وَ ُرسُلِ ِه َ‬
‫ن كُ ّ‬
‫ِبمَا أُنزِلَ إَِليْ ِه مِن ّربّهِ وَا ْلمُ ْؤ ِمنُو َ‬
‫وَإَِل ْيكَ ا ْلمَصِيرُ} [البقرة‪ .]285 :‬وقد ثبت في الصحيح أن ال تعالى أجاب هذا الدعاء وغفر للمؤمنين خطأهم‪.‬‬

‫والخوارج المارقون الذين أمر النبي صلى ال عليه وسلم بقتالهم قاتلهم أمير المؤمنين علي بن أبي طالب أحد الخلفاء‬
‫الراشدين‪ ،‬واتفق على قتالهم أئمة الدين من الصحابة والتابعين ومن بعدهم‪ ،‬ولم يكفرهم علي بن أبي طالب وسعد بن‬
‫أبي وقاص وغيرهما من الصحابة بل جعلوهم مسلمين مع قتالهم ولم يقاتلهم علي حتى سفكوا الدم الحرام وأغاروا‬
‫على أموال المسلمين‪ .‬فقاتلهم لدفع ظلمهم وبغيهم ل لنهم كفار ولهذا لم يسب حريمهم؛ ولم يغنم أموالهم‪.‬‬
‫وإذا كان هؤلء الذين ثبت ضللهم بالنص والجماع لم يكفروا مع أمر ال ورسوله صلى ال عليه وسلم بقتالهم فكيف‬
‫بالطوائف المختلفين الذين اشتبه عليهم الحق في مسائل غلط فيها من هو أعلم منهم؟ فل يحل لحد من هذه الطوائف‬
‫أن تكفر الخرى‪ ،‬ول تستحل دمها ومالها ـ وإن كانت فيها بدعة محققة ـ فكيف إذا كانت المكفرة لها مبتدعة أيضًا؟‬
‫وقد تكون بدعة هؤلء أغلظ‪ ،‬والغالب أنهم جميعا جهال بحقائق ما يختلفون فيه‪.‬‬

‫والصل أن دماء المسلمين وأموالهم وأعراضهم محرمة من بعضهم على بعض‪ ،‬ل تحل إل بإذن ال ورسوله قال‬
‫النبي صلى ال عليه وسلم لما خطبهم في حجة الوداع‪( :‬إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام كحرمة يومكم‬
‫هذا في بلدكم هذا في شهركم هذا) وقال صلى ال عليه وسلم‪( :‬كل المسلم على المسلم حرام دمه وماله وعرضه)‬
‫وقال صلى ال عليه وسلم‪( :‬من صلى صلتنا واستقبل قبلتنا وأكل ذبيحتنا فهو المسلم له ذمة ال ورسوله) وقال‪( :‬إذا‬
‫التقى المسلمان بسيفهما فالقاتل والمقتول في النار) قيل‪ :‬يا رسول ال هذا القاتل فما بال المقتول؟ قال‪( :‬إنه أراد قتل‬
‫صاحبه) وقال‪( :‬ل ترجعوا بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض) وقال‪( :‬إذا قال المسلم لخيه يا كافر فقد باء بها‬
‫أحدهما)‪ .‬وهذه الحاديث كلها في الصحاح‪.‬‬

‫وإذا كان المسلم متأولً في القتال أو التكفير لم يكفر بذلك‪ ،‬كما قال عمر بن الخطاب لحاطب بن أبي بلتعة‪ :‬يا رسول‬
‫ال دعني أضرب عنق هذا المنافق‪ .‬فقال النبي صلى ال عليه وسلم‪( :‬إنه قد شهد بدرًا‪ ،‬وما يدريك أن ال قد اطلع‬
‫على أهل بدل فقال‪ :‬اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم) وهذا في الصحيحين‪ .‬وفيها أيضًا من حديث الفك أن أسيد بن‬
‫الحضير قال لسعد بن عبادة‪ :‬أنك منافق تجادل عن المنافقين‪ ،‬واختصم الفريقان‪ ،‬فأصلح النبي صلى ال عليه وسلم‬
‫بينهم‪ .‬فهؤلء البدريون فيهم من قال لخر منهم إنك منافق‪ ،‬ولم يكفر النبي صلى ال عليه وسلم ل هذا ول هذا بل‬
‫شهد للجميع بالجنة‪.‬‬

‫وكذلك ثبت في الصحيحين عن أسامة بن زيد أنه قتل رجلً بعد ما قال ل إله إل ال‪ ،‬وعظم النبي صلى ال عليه‬
‫وسلم ذلك لما أخبروه وقال‪( :‬يا أسامة أقتلته بعد ما قال ل إله إل ال) وكرر ذلك عليه حتى قال أسامة‪ :‬تمنيت أني لم‬
‫أكن أسلمت إل يومئذ‪ .‬ومع هذا لم يوجب عليه قودا ول دية ول كفارة لنه كان متأول ظن جواز قتل ذلك القائل لظنه‬
‫أنه قالها تعوذًا‪.‬‬

‫فهكذا السلف قاتل بعضهم بعضا من أهل الجمل وصفين ونحوهم وكلهم مسلمون مؤمنون كما قال تعالى‪{ :‬وَإِن‬
‫لّ َفإِن فَاءتْ‬
‫حتّى تَفِيءَ إِلَى َأمْرِ ا ِ‬
‫لْخْرَى فَقَاتِلُوا اّلتِي َت ْبغِي َ‬
‫حدَا ُهمَا عَلَى ا ُ‬
‫صلِحُوا َب ْي َنهُمَا َفإِن َبغَتْ إِ ْ‬
‫ن مِنَ ا ْلمُ ْؤ ِمنِينَ ا ْق َتتَلُوا فَأَ ْ‬
‫طَا ِئ َفتَا ِ‬
‫لّ يُحِبّ ا ْلمُقْسِطِينَ} [الحجرات‪ ،.]9 :‬فقد بين ال تعالى أنهم مع اقتتالهم وبغي بعضهم‬ ‫فََأصْلِحُوا َب ْي َنهُمَا بِا ْل َعدْلِ َوَأقْسِطُوا إِنّ ا َ‬
‫على بعض إخوة مؤمنون‪ ،‬وأمر بالصلح بينهم بالعدل‪.‬‬

‫ولهذا كان السلف مع القتتال يوالي بعضهم بعضا مولة الدين‪ ،‬ل يعادون كمعاداة الكفار‪ ،‬فيقبل بعضهم شهادة‬
‫بعض؛ ويأخذ بعضهم العلم عن بعض؛ ويتوارثون؛ ويتناكحون؛ ويتعاملون بمعاملة المسلمين بعضهم مع بعض مع‬
‫ما كان بينهم من القتال والتلعن وغير ذلك‪.‬‬

‫وقد ثبت في الصحيح أن النبي صلى ال عليه وسلم سأل ربه‪( :‬أن ل يهلك أمته بسنة عامة فأعطاه ذلك‪ ،‬وسأله أن ل‬
‫يسلط عليهم عدوا من غيرهم فأعطاه ذلك‪ ،‬وسأله أن ل يجعل بأسهم بينهم فلم يعط ذلك) وأخبر أن ال ل يسلط عليهم‬
‫عدوا من غيرهم يغلبهم كلهم حتى يكون بعضهم يقتل بعضا وبعضهم يسبي بعضًا‪.‬‬

‫وثبت في الصحيحين لما نزل قوله تعالى {قُلْ هُوَ ا ْلقَادِرُ عَلَى أَن َيبْعَثَ عََل ْيكُمْ َعذَابًا مّن فَ ْو ِقكُمْ} [النعام‪ .]65:‬قال‪( :‬أعوذ‬
‫س َبعْضٍ} قال‪( :‬هاتان أهون)‪.‬‬ ‫ضكُم َبأْ َ‬
‫شيَعاً َوُيذِيقَ َبعْ َ‬ ‫سكُمْ ِ‬‫حتِ أَ ْرجُِلكُمْ} قال‪( :‬أعوذ بوجهك) {أَ ْو يَ ْلبِ َ‬
‫بوجهك) {أَ ْو مِن تَ ْ‬

‫ت ِم ْنهُمْ‬ ‫هذا مع أن ال أمر بالجماعة الئتلف‪ ،‬ونهى عن البدعة والختلف وقال‪{ :‬إِنّ اّلذِينَ فَ ّرقُو ْا دِي َنهُمْ َوكَانُواْ ِ‬
‫ش َيعًا لّسْ َ‬
‫فِي َشيْءٍ} [النعام‪ .]159:‬وقال النبي صلى ال عليه وسلم‪( :‬عليكم بالجماعة فإن يد ال على الجماعة) وقال‪( :‬‬
‫الشيطان مع الواحد وهو من الثنين أبعد) وقال‪( :‬الشيطان ذئب النسان كذئب الغنم والذئب إنما يأخذ القاصية والنائية‬
‫من الغنم)‪.‬‬
‫فالواجب على المسلم إذا صار في مدينة من مدائن المسلمين أن يصلي معهم الجمعة والجماعة ويوالي المؤمنين ول‬
‫يعاديهم‪ ،‬وإن رأى بعضهم ضالً أو غاويًا وأمكن أن يهديه ويرشده فعل ذلك وإل فل يكلف ال نفسًا إل وسعها‪ ،‬وإذا‬
‫كان قادرًا على أن يولي في إمامة المسلمين الفضل وله‪ ،‬وإن قدر أن يمنع من يظهر البدع والفجور منعه‪ ،‬وإن لم‬
‫يقدر على ذلك فالصلة خلف العلم بكتاب ال وسنة نبيه السبق إلى طاعة ال ورسوله أفضل‪ ،‬كما قال النبي صلى‬
‫ال عليه وسلم في الحديث الصحيح‪( :‬يؤم القوم أقرأهم لكتاب ال‪ ،‬فإن كانوا في القراءة سواء فأعلمهم بالسنة‪ ،‬فإن‬
‫كانوا في السنة سواء فأقدمهم هجرة‪ ،‬فإن كانوا في الهجرة سواء فأقدمهم سنًا)‪.‬‬

‫وإن كان في هجره لمظهر البدعة والفجور مصلحة راجحة هجره كما هجر النبي صلى ال عليه وسلم الثلثة الذين‬
‫خلفوا حتى تاب ال عليهم‪ ،‬وأما إذا ولى غيره بغير إذنه وليس في ترك الصلة خلفه مصلحة شرعية كان تفويت هذه‬
‫الجمعة والجماعة جهل وضلل وكان قد رد بدعة ببدعة‪ .‬حتى أن المصلي الجمعة خلف الفاجر اختلف الناس في‬
‫إعادته الصلة وكرهها أكثرهم حتى قال أحمد بن حنبل في رواية عبدوس‪ :‬من أعادها فهو مبتدع‪ .‬وهذا أظهر‬
‫القولين‪ ،‬لن الصحابة لم يكونوا يعيدون الصلة إذا صلوا خلف أهل الفجور والبدع‪ ،‬ولم يأمر ال تعالى قط أحدا إذا‬
‫صلى كما أمر بحسب استطاعته أن يعيد الصلة‪ .‬ولهذا كان أصح قولي العلماء‪ :‬أن من صلى بحسب استطاعته أن ل‬
‫يعيد حتى المتيمم لخشية البرد ومن عدم الماء والتراب إذا صلى بحسب حاله‪ ،‬والمحبوس وذووا العذار النادرة‬
‫والمعتادة والمتصلة والمنقطة ل يجب على أحد منهم أن يعيد الصلة إذا صلى الولى بحسب استطاعته‪.‬‬

‫وقد ثبت في الصحيح أن الصحابة صلوا بغير ماء ول تيمم لما فقدت عائشة عقدها ولم يأمرهم النبي صلى ال عليه‬
‫وسلم بالعادة‪ ،‬بل أبلغ من ذلك أن من كان يترك الصلة جهلً بوجوبها لم يأمره بالقضاء‪ ،‬فعمرو وعمار لما أجنبا‬
‫وعمرو لم يصل وعمار تمرغ كما تتمرغ الدابة لم يأمرهما بالقضاء‪ ،‬وأبو ذر لما كان يجنب ول يصلي لم يأمره‬
‫بالقضاء والمستحاضة لما استحاضت حيضة شديدة منكرة منعتها الصلة والصوم لم يأمرها بالقضاء‪.‬‬

‫والذين أكلوا في رمضان حتى يتبين لحدهم الحبل البيض من الحبل السود لم يأمرهم بالقضاء ـ وكانوا قد غلطوا‬
‫ض مِنَ الْ َخيْطِ الَسْ َو ِد مِنَ الْ َفجْرِ} [البقرة‪ .]187 :‬هو‬
‫ل ْبيَ ُ‬
‫خيْطُ ا َ‬ ‫في معنى الية فظنوا أن قوله تعالى { َ‬
‫حتّى يَ َت َبيّنَ َل ُكمُ الْ َ‬
‫الحبل ـ فقال النبي صلى ال عليه وسلم (إنما هو سواد الليل وبياض النهار) ولم يأمرهم بالقضاء‪ ،‬والمسيء في‬
‫صلته لم يأمره بإعادة ما تقدم من الصلوات‪ ،‬والذين صلوا إلى بيت المقدس بمكة والحبشة وغيرهما بعد أن نسخت‬
‫بالمر بالصلة إلى الكعبة وصاروا يصلون إلى الصخرة حتى بلغهم النسخ لم يأمرهم بإعادة ما صلوا وإن كان‬
‫هؤلء أعذر من غيرهم لتمسكهم بشرع منسوخ‪.‬‬

‫وقد اختلف العلماء في خطاب ال ورسوله هل يثبت حكمه في حق العبيد قبل البلغ على ثلثة أقوال في مذهب أحمد‬
‫وغيره‪ ،‬قيل يثبت؛ وقيل ل يثبت؛ وقيل يثبت المبتدأ دون الناسخ‪ .‬والصحيح ما دل عليه القرآن في قوله تعالى‪َ { :‬ومَا‬
‫ُكنّا ُمعَ ّذبِينَ َحتّى َن ْبعَثَ َرسُولً} [السراء‪ .]15 :‬وقوله‪ِ{ :‬لئَلّ َيكُونَ لِلنّاسِ عَلَى الّ حُجّ ٌة َب ْعدَ الرّ ُسلِ} [النساء‪ .]165 :‬وفي‬
‫الصحيحين عن النبي صلى ال عليه وسلم‪( :‬ما أحد أحب إليه العذر من ال من أجل ذلك أرسل الرسل مبشرين‬
‫ومنذرين)‪.‬‬

‫فالمتأول والجاهل المعذور ليس حكمه حكم المعاند والفاجر بل قد جعل ال لكل شيء قدرًا‪.‬‬

‫فصل‬

‫أجمع المسلمون على شهادة أن ل إله إل ال‪ ،‬وأن محمدًا رسول ال‪ ،‬وأن ذلك حق يجزم به المسلمون ويقطعون به‬
‫ول يرتابون‪ ،‬وكل ما علمه المسلم جزم به فهو يقطع به‪ ،‬وإن كان ال قادرًا على تغييره‪ ،‬فالمسلم يقطع بما يراه‬
‫ويسمعه‪ ،‬ويقطع بأن ال قادرعلى ما يشاء‪ ،‬وإذا قال المسلم‪ :‬أنا أقطع بذلك؛ فليس مراده إن ال ل يقدر على تغييره‪،‬‬
‫بل من قال‪ :‬إن ال ل يقدر على مثل إماتة الخلق وإحيائهم من قبورهم وعلى تسيير الجبال وتبديل الرض غير‬
‫الرض فإنه يستتاب فإن تاب وإل قتل‪.‬‬

‫والذين يكرهون لفظ القطع من أصحاب أبي عمرو بن مرزوق هم قوم أحدثوا ذلك من عندهم‪ ،‬ولم يكن هذا الشيخ‬
‫ينكرهذا‪ ،‬ولكن أصل هذا أنهم كانوا يستثنون في اليمان‪ ،‬كما نقل ذلك عن السلف فيقول أحدهم‪ :‬أنا مؤمن إن شاء‬
‫ال‪ ،‬ويستثنون في أعمال البر فيقول أحدهم‪ :‬صليت إن شاء ال؛ ومراد السلف من ذلك الستثناء إما لكونه ل يقطع‬
‫بأنه فعل الواجب كما أمرال ورسوله‪ ،‬فيشك في قبول ال لذلك فاستثنى ذلك‪ ،‬أو للشك في العاقبة‪ ،‬أو يستثنى لن‬
‫المور جميعًا إنما تكون بمشيئة ال كقوله تعالى‪َ{ :‬لتَدْ ُخلُنّ ا ْلمَسْ ِجدَ ا ْلحَرَامَ إِن شَاء الُّ} [الفتح‪ ]27 :‬مع أن ال علم بأنهم‬
‫يدخلون ل شك في ذلك‪ ،‬أو لئل يزكي أحدهم نفسه‪.‬‬

‫وكان أولئك يمتنعون عن القطع في مثل هذه المور؛ ثم جاء بعدهم قوم جهال‪ ،‬فكرهوا لفظ القطع في كل شيء‪،‬‬
‫ورووا في ذلك أحاديث مكذوبة‪ ،‬وكل من روى عن النبي صلى ال عليه وسلم‪ ،‬أو عن أصحابه‪ ،‬أو واحد من علماء‬
‫المسلمين‪ ،‬أنه كره لفظ القطع في المور المجزوم بها‪ ،‬فقد كذب عليه وصار الواحد من هؤلء يظن أنه إذا أقر بهذه‬
‫الكلمة فقد أقر بأمر عظيم في الدين‪ ،‬وهذا جهل وضلل من هؤلء الجهال لم يسبقهم إلى هذا أحد من طوائف‬
‫المسلمين‪ ،‬ول كان شيخهم أبو عمرو بن مرزوق‪ ،‬ول أصحابه في حياته‪ ،‬ول خيار أصحابه بعد موته يمتنعون من‬
‫هذا اللفظ مطلقًا؛ بل إنما فعل هذا طائفة من جهالهم‪.‬‬

‫كما أن طائفة أخرى زعموا أن من سب الصحابة ل يقبل ال توبته وإن تاب‪ ،‬ورووا عن النبي صلى ال عليه وسلم‬
‫أنه قال‪( :‬سب أصحابي ذنب ل يغفر) وهذا الحديث كذب على رسول ال صلى ال عليه وسلم‪ ،‬لم يروه أحد من أهل‬
‫ك بِهِ‬
‫ل َيغْفِرُ أَن يُشْ َر َ‬
‫ل َ‬ ‫العلم‪ ،‬ول هو في شيء من كتب المسلمين المعتمدة‪ ،‬وهو مخالف للقرآن؛ لن ال قال‪{ :‬إِنّ ا ّ‬
‫عبَادِيَ اّلذِينَ أَسْ َرفُوا‬ ‫ن ذَِلكَ ِلمَن يَشَاء} [النساء‪ ]48 :‬هذا في حق من لم يتب وقال في حق التائبين‪{ :‬قُ ْ‬
‫ل يَا ِ‬ ‫َو َيغْفِ ُر مَا دُو َ‬
‫لّ َيغْفِرُ الذّنُوبَ َجمِيعًا ِإنّهُ هُوَ ا ْلغَفُورُ الرّحِيمُ} [الزمر‪ ]53 :‬فثبت بكتاب ال‪ ،‬وسنة‬
‫حمَةِ الِّ إِنّ ا َ‬
‫ل تَ ْقنَطُوا مِن رّ ْ‬
‫سهِ ْم َ‬
‫عَلَى أَنفُ ِ‬
‫رسوله صلى ال عليه وسلم أن كل من تاب تاب ال عليه‪.‬‬

‫ومعلوم أن من سب الرسول من الكفار المحاربين وقال‪ :‬هو ساحر‪ ،‬أو شاعر‪ ،‬أو مجنون‪ ،‬أو معلم‪ ،‬أو مفتر وتاب‬
‫تاب ال عليه‪.‬‬

‫وقد كان طائفة يسبون النبي صلى ال عليه وسلم من أهل الحرب ثم أسلموا وحسن إسلمهم وقبل النبي صلى ال‬
‫عليه وسلم منهم‪ :‬أبو سفيان بن الحارث بن عبدالمطلب بن عم النبي صلى ال عليه وسلم‪ ،‬وعبدال بن سعد بن أبي‬
‫سرح‪ ،‬وكان قد ارتد وكان يكذب على النبي صلى ال عليه وسلم‪ ،‬ويقول‪ :‬أنا كنت أعلمه القرآن‪ ،‬ثم تاب وأسلم وبايعه‬
‫النبي صلى ال عليه وسلم على ذلك‪ .‬وإذا قيل‪ :‬سب الصحابة حق لدمي‪ .‬قيل‪ :‬المستحل لسبهم كالرافضي يعتقد ذلك‬
‫دينا‪ ،‬كما يعتقد الكافر سب النبي صلى ال عليه وسلم دينا‪ .‬فإذا تاب وصار يحبهم‪ ،‬ويثني عليهم‪ ،‬ويدعو لهم محا ال‬
‫سيئاته بالحسنات‪ .‬ومن ظلم إنسانا فقذفه أو اغتابه أو شتمه ثم تاب قبل ال توبته‪ .‬لكن إن عرف المظلوم مكنه من أخذ‬
‫حقه‪ ،‬وإن قذفه أو اغتابه ولم يبلغه ففيه قولن للعلماء‪ ،‬هما روايتان عن أحمد‪ :‬أصحهما أنه ل يعلمه أني اغتبتك وقد‬
‫قيل‪ :‬بل يحسن إليه في غيبته كما أساء إليه في غيبته؛ كما قال الحسن البصري‪ :‬كفارة الغيبة أن تستغفر لمن اغتبته‪.‬‬
‫فإذا كان الرجل قد سب الصحابة أو غير الصحابة وتاب‪ ،‬فإنه يحسن إليهم بالدعاء لهم والثناء عليهم بقدر ما أساء‬
‫إليهم والحسنات يذهبن السيئات‪ .‬كما أن الكافر الذي كان يسب النبي صلى ال عليه وسلم‪ ،‬ويقول‪ :‬أنه كذاب إذا تاب‬
‫وشهد أن محمدًا رسول ال الصادق المصدوق‪ ،‬وصار يحبه‪ ،‬ويثني عليه‪ ،‬ويصلي عليه كانت حسناته ماحية لسيئاته‪،‬‬
‫وال تعالى يقبل التوبة عن عباده‪ ،‬ويعفو عن السيئات‪ ،‬ويعلم ما تفعلون‪ .‬وقد قال تعالى‪{ :‬حم تَنزِيلُ ا ْل ِكتَا ِ‬
‫ب مِنَ الِّ ا ْل َعزِيزِ‬
‫ب ذِي الطّوْ ِل لَ إِلَهَ ِإلّ هُوَ ِإَليْهِ ا ْلمَصِيرُ} [غافر‪ ]3 :1 :‬وصلى ال على محمد‬
‫شدِيدِ ا ْلعِقَا ِ‬
‫ا ْلعَلِيمِ غَا ِف ِر الذّنبِ َوقَابِلِ التّ ْوبِ َ‬
‫وصحبه وسلم‪.‬‬

‫سئل شيخ السلم قدس ال روحه‬

‫هل يجوز الخوض فيما تكلم الناس فيه من مسائل في أصول الدين لم ينقل عن سيدنا محمد صلى ال عليه وسلم فيها‬
‫كلم أم ل؟ فإن قيل بالجواز‪ :‬فما وجهه؟ وقد فهمنا منه عليه السلم النهي عن الكلم في بعض المسائل‪.‬‬

‫وإذا قيل بالجواز‪ :‬فهل يجب ذلك؟ وهل نقل عنه عليه السلم ما يقتضي وجوبه؟ وهل يكفي في ذلك ما يصل إليه‬
‫المجتهد من غلبة الظن أو ل بد من الوصول إلى القطع؟ وإذا تعذر عليه الوصول إلى القطع فهل يعذر في ذلك أو‬
‫يكون مكلفًا به؟ وهل ذلك من باب تكليف ما ل يطاق والحالة هذه أم ل؟‬

‫وإذا قيل بالوجوب‪ :‬فما الحكمة في أنه لم يوجد فيه من الشارع نص يعصم من الوقوع في المهالك ـ وقد كان عليه‬
‫السلم حريصًا على هدى أمته؟ وال أعلم‪.‬‬
‫فأجاب‪ :‬الحمد ل رب العالمين‬

‫[أما المسألة الولى] فقول السائل ـ هل يجوز الخوض فيما تكلم الناس فيه من مسائل في أصول الدين لم ينقل عن‬
‫سيدنا محمد صلى ال عليه وسلم فيها كلم أم ل؟ ـ سؤال ورد بحسب ما عهد من الوضاع المبتدعة الباطلة‪.‬‬

‫فإن المسائل التي هي من أصول الدين _ التي تستحق أن تسمى أصول الدين _ أعني الدين الذي أرسل ال به‬
‫رسوله‪ ،‬وأنزل به كتابه‪ :‬ل يجوز أن يقال‪ :‬لم ينقل عن النبي صلى ال عليه وسلم فيها كلم؛ بل هذا كلم متناقض في‬
‫نفسه إذ كونها من أصول الدين يوجب أن تكون من أهم أمور الدين؛ وأنها مما يحتاج إليه الدين‪ ،‬ثم نفى نقل الكلم‬
‫فيها عن الرسول يوجب أحد أمرين‪:‬‬

‫إما أن الرسول أهمل المور المهمة التي يحتاج الدين إليها فلم يبينها‪ ،‬أو أنه بينها فلم تنقلها المة‪ ،‬وكل هذين باطل‬
‫قطعا‪ .‬وهو من أعظم مطاعن المنافقين في الدين؛ وإنما يظن هذا وأمثاله من هو جاهل بحقائق ما جاء به الرسول‪ ،‬أو‬
‫جاهل بمايعقله الناس بقلوبهم‪ ،‬أو جاهل بهما جميعا‪.‬‬

‫فإن جهله بالول‪ :‬يوجب عدم علمه بما اشتمل عليه ذلك من أصول الدين وفروعه‪.‬‬

‫وجهله بالثاني‪ :‬يوجب أن يدخل في الحقائق المعقولة ما يسميه هو وأشكاله عقليات؛ وإنما هي جهليات‪.‬‬

‫وجهله بالمرين‪ :‬يوجب أن يظن من أصول الدين ما ليس منها من المسائل والوسائل الباطلة‪ ،‬وأن يظن عدم بيان‬
‫الرسول لما ينبغي أن يعتقد في ذلك كما هو الواقع لطوائف من أصناف الناس‪ :‬حذاقهم؛ فضل عن عامتهم‪.‬‬

‫ل أو قولً وعملً كمسائل التوحيد‪ ،‬والصفات‪ ،‬والقدر‪،‬‬


‫وذلك أن أصول الدين إما أن تكون مسائل يجب اعتقادها قو ً‬
‫والنبوة‪ ،‬والمعاد‪ .‬أو دلئل هذه المسائل‪.‬‬

‫[أما القسم الول]‪ :‬فكل ما يحتاج الناس إلى معرفته‪ ،‬واعتقاده‪ ،‬والتصديق به من هذه المسائل فقد بينه ال ورسوله‬
‫بيانا شافيا قاطعا للعذر‪ .‬إذ هذا من أعظم ما بلغه الرسول البلغ المبين‪ ،‬وبينه للناس‪ ،‬وهو من أعظم ما أقام ال به‬
‫الحجة على عباده فيه بالرسل الذين بينوه وبلغوه‪ .‬وكتاب ال الذي نقل الصحابة ثم التابعون عن الرسول لفظه‬
‫ومعانيه‪ ،‬والحكمة التي هي سنة رسول ال صلى ال عليه وسلم التي نقلوها أيضًا عن الرسول مشتملة من ذلك على‬
‫غاية المراد‪ ،‬وتمام الواجب‪ ،‬والمستحب‪.‬‬

‫والحمد ل الذي بعث إلينا رسول من أنفسنا يتلو علينا آياته‪ ،‬ويزكينا‪ ،‬ويعلمنا الكتاب والحكمة‪ .‬الذي أكمل لنا الدين‪،‬‬
‫وأتم علينا النعمة‪ ،‬ورضى لنا بالسلم دينا الذي أنزل الكتاب تفصيلً لكل شيء‪ ،‬وهدى ورحمة وبشرى للمسلمين {‬
‫صدِيقَ اّلذِي َبيْ َن يَ َديْهِ َوتَفْصِي َل كُلّ َشيْءٍ وَ ُهدًى وَرَ ْحمَةً لّقَوْ ٍم يُ ْؤ ِمنُونَ} [يوسف‪]111 :‬‬
‫حدِيثًا يُ ْفتَرَى وَلَـكِن تَ ْ‬
‫مَا كَانَ َ‬

‫وإنما يظن عدم اشتمال الكتاب والحكمة على بيان ذلك من كان ناقصًا في عقله‪ ،‬وسمعه‪ ،‬ومن له نصيب من قول أهل‬
‫صحَابِ ال ّسعِيرِ} [الملك‪ ]10:‬وإن كان ذلك كثيرًا في كثير من‬
‫ل مَا ُكنّا فِي أَ ْ‬ ‫النار الذين قالوا‪{ :‬لَ ْو ُكنّا نَ ْ‬
‫سمَعُ أَ ْو َنعْقِ ُ‬
‫المتفلسفة‪ ،‬والمتكلمة‪ ،‬وجهال أهل الحديث‪ ،‬والمتفقهة‪ ،‬والمتصوفة‪.‬‬

‫[وأما القسم الثاني]‪ :‬وهو دلئل هذه المسائل الصولية‪ ،‬فإنه وإن كان يظن طوائف من المتكلمين‪ ،‬والمتفلسفة أن‬
‫الشرع إنما يدل بطريق الخبر الصادق‪ .‬فدللته موقوفة على العلم بصدق المخبر‪ ،‬ويجعلون ما يبنى عليه صدق‬
‫المخبر معقولت محضة‪ .‬فقد غلطوا في ذلك غلطا عظيما؛ بل ضلوا ضلل مبينا في ظنهم‪ :‬أن دللة الكتاب والسنة‬
‫إنما هي بطريق الخبر المجرد؛ بل المر ما عليه سلف المة وأئمتها ـ أهل العلم واليمان ـ من أن ال سبحانه وتعالى‬
‫بين من الدلة العقلية التي يحتاج إليها في العلم بذلك ما ل يقدر أحد من هؤلء قدره‪.‬‬

‫ونهاية ما يذكرونه جاء القرآن بخلصته على أحسن وجه وذلك كالمثال المضروبة التي يذكرها ال تعالى في كتابه‬
‫س فِي َهذَا الْ ُقرْآ ِن مِن كُ ّل َمثَلٍ} [الزمر‪ ]27:‬فإن المثال المضروبة هي [القيسة العقلية]‬ ‫التي قال فيها‪{ :‬وَلَ َقدْ َ‬
‫ض َر ْبنَا لِلنّا ِ‬
‫سواء كانت قياس شمول‪ ،‬أو قياس تمثيل‪ .‬ويدخل في ذلك ما يسمونه براهين وهو القياس الشمولي المؤلف من‬
‫المقدمات اليقينية‪ .‬وإن كان لفظ البرهان في اللغة أعم من ذلك كما سمى ال آيتي موسى برهانين‪.‬‬

‫ومما يوضح هذا أن العلم اللهي ل يجوز أن يستدل فيه بقياس تمثيل يستوي فيه الصل والفرع‪ ،‬ول بقياس شمولي‬
‫تستوي أفراده؛ فإن ال سبحانه وتعالى ليس كمثله شيء‪ ،‬فل يجوز أن يمثل بغيره‪ ،‬ول يجوز أن يدخل هو وغيره‬
‫تحت قضية كلية تستوي أفرادها ـ ولهذا لما سلك طوائف من المتفلسفة والمتكلمة مثل هذه القيسة في المطالب اللهية‬
‫لم يصلوا بها إلى يقين بل تناقضت أدلتهم‪ ،‬وغلب عليهم بعد التناهي الحيرة‪ ،‬والضطراب؛ لما يرونه من فساد أدلتهم‬
‫أو تكافئها‪.‬‬

‫ل كما قال تعالى‪{ :‬وَلِّ ا ْل َمثَلُ الَعَْلىَ} [النحل‪ ]60:‬مثل‬


‫ل أو شمو ً‬
‫ولكن يستعمل في ذلك قياس الولى سواء كان تمثي ً‬
‫أن نعلم أن كل كمال ثبت للممكن‪ ،‬أو المحدث ل نقص فيه بوجه من الوجوه‪ :‬وهو ما كان كمال للموجود غير مستلزم‬
‫للعدم فالواجب القديم أولى به‪ .‬وكل كمال ل نقص فيه بوجه من الوجوه ثبت نوعه للمخلوق _ المربوب المعلول‬
‫المدبر فإنما استفاده من خالقه وربه ومدبره ـ فهو أحق به منه‪ .‬وأن كل نقص وعيب في نفسه ـ وهو ما تضمن سلب‬
‫هذا الكمال إذا وجب نفيه عن شيء ما من أنواع المخلوقات والمحدثات والممكنات ـ فإنه يجب نفيه عن الرب تبارك‬
‫وتعالى بطريق الولى‪ .‬وأنه أحق بالمور الوجودية من كل موجود‪ ،‬أما المور العدمية فالممكن بها أحق ونحو ذلك‪.‬‬

‫ومثل هذه الطرق هي التي كان يستعملها السلف والئمة في مثل هذه المطالب‪ ،‬كما استعمل نحوها المام أحمد‪ .‬ومن‬
‫قبله‪ ،‬وبعده من أئمة أهل السلم‪ ،‬وبمثل ذلك جاء القرآن في تقرير [أصول الدين] من مسائل التوحيد والصفات‪،‬‬
‫والمعاد ونحو ذلك‪.‬‬

‫ومثال ذلك أنه سبحانه لما أخبر بالمعاد؛ والعلم به تابع للعلم بإمكانه‪ ،‬فإن الممتنع ل يجوز أن يكون بين سبحانه إمكانه‬
‫أتم بيان؛ ولم يسلك في ذلك ما يسلكه [طوائف من أهل الكلم] حيث يثبتون المكان الخارجي بمجرد المكان الذهني‪،‬‬
‫فيقولون‪ :‬هذا ممكن لنه لو قدر وجوده لم يلزم من تقدير وجوده محال‪ ،‬فإن الشأن في هذه المقدمة‪ ،‬فمن أين يعلم أنه‬
‫ل يلزم من تقدير وجوده محال‪ .‬والمحال هنا أعم من المحال لذاته أو لغيره‪ ،‬والمكان الذهني حقيقته عدم العلم‬
‫بالمتناع‪ .‬وعدم العلم بالمتناع ل يستلزم العلم بالمكان الخارجي؛ بل يبقى الشيء في الذهن غير معلوم المتناع‪.‬‬
‫ول معلوم المكان الخارجي وهذا هو المكان الذهني‪.‬‬

‫فال سبحانه وتعالى لم يكتف في بيان إمكان المعاد بهذا‪ .‬إذ يمكن أن يكون الشي ممتنعا ولو لغيره وإن لم يعلم الذهن‬
‫امتناعه؛ بخلف المكان الخارجي‪ .‬فإنه إذا علم بطل أن يكون ممتنعًا‪ .‬والنسان يعلم المكان الخارجي‪ :‬تارة بعلمه‬
‫بوجود الشيء‪ ،‬وتارة بعلمه بوجود نظيره‪ ،‬وتارة بعلمه بوجود ما هو أبلغ منه‪ ،‬فإن وجود الشئ دليل على أن ما هو‬
‫دونه أولى بالمكان منه‪.‬‬

‫ثم إنه إذا بين كون الشيء ممكنا فل بد من بيان قدرة الرب عليه‪ ،‬وإل فمجرد العلم بإمكانه ل يكفي في إمكان وقوعه‬
‫إن لم تعلم قدرة الرب على ذلك‪.‬‬

‫ل ّ‬
‫ل‬ ‫جعَلَ َل ُهمْ أَجَ ً‬‫ق ِمثَْلهُمْ وَ َ‬
‫ض قَادِرٌ عَلَى أَن َيخْلُ َ‬ ‫سمَاوَاتِ وَالَ ْر َ‬ ‫فبين سبحانه هذا كله بمثل قوله‪{ :‬أَوََل ْم يَرَوْاْ أَنّ الّ اّلذِي خَلَقَ ال ّ‬
‫ق ِمثَْلهُم‬
‫ن يَخُْل َ‬‫ض بِقَادِرٍ عَلَى أَ ْ‬ ‫سمَاوَاتِ وَالَْرْ َ‬ ‫ل كُفُورًا} [السراء‪ ]99 :‬وقوله‪{ :‬أَ َوَليْسَ اّلذِي َ‬
‫خلَقَ ال ّ‬ ‫ب فِي ِه فََأبَى الظّاِلمُونَ َإ ّ‬
‫َريْ َ‬
‫حيِيَ ا ْلمَ ْوتَى بَلَى‬
‫ن يُ ْ‬
‫ن بِقَادِرٍ عَلَى أَ ْ‬ ‫ي بِخَ ْل ِقهِ ّ‬
‫سمَاوَاتِ وَالَْ ْرضَ وَلَ ْم َيعْ َ‬‫بَلَى وَهُوَ الْخَلّقُ ا ْلعَلِيمُ} وقوله‪{ :‬أَوََل ْم يَرَوْا أَنّ الَّ اّلذِي خَلَقَ ال ّ‬
‫ِإنّهُ عَلَى كُلّ َشيْ ٍء َقدِيرٌ} [الحقاف‪ ]33 :‬وقوله‪{ :‬لَخَ ْلقُ ال ّسمَاوَاتِ وَالَْرْضِ َأ ْكبَ ُر مِنْ خَلْقِ النّاسِ} [غافر‪ ]57 :‬فإنه من‬
‫المعلوم ببداهة العقول أن خلق السموات والرض أعظم من خلق أمثال بني آدم‪ ،‬والقدرة عليه أبلغ‪ ،‬وأن هذا اليسر‬
‫أولى بالمكان‪ ،‬والقدرة من ذلك‪.‬‬

‫ق ثُ ّم ُيعِيدُهُ وَ ُهوَ أَهْوَنُ عََليْهِ} [الروم‪]27 :‬‬ ‫وكذلك استدللة على ذلك بالنشأة الولى في مثل قوله‪{ :‬وَهُوَ اّلذِي َي ْبدَأُ الْخَلْ َ‬
‫ث َفِإنّا خََل ْقنَاكُم‬ ‫سمَاوَاتِ وَالَْرْضِ} [الروم‪ ]27 :‬وقال‪{ :‬إِن كُنتُ ْم فِي َريْ ٍ‬
‫ب مّنَ ا ْل َبعْ ِ‬ ‫ولهذا قال بعد ذلك‪{ :‬وَلَهُ ا ْل َمثَلُ الَْعْلَى فِي ال ّ‬
‫مّن تُرَابٍ} الية [الحج‪.]5 :‬‬
‫وكذلك ما ذكره في قوله‪َ { :‬وضَرَبَ َلنَا َمثَلً َونَ ِسيَ خَ ْلقَ ُه قَا َل مَ ْن يُ ْحيِي ا ْلعِظَامَ وَهِيَ َرمِي ٌم قُ ْل ُي ْحيِيهَا اّلذِي أَنشَأَهَا أَوّ َل مَرّةٍ} [يس‪:‬‬
‫‪ ]79 ،78‬اليات‪ .‬فإن قوله تعالى‪{ :‬مَنْ يُ ْحيِي ا ْلعِظَامَ وَهِيَ َرمِيمٌ} [يس‪ ]78:‬قياس حذفت إحدى مقدمتيه لظهورها‬
‫حيِي‬
‫ن يُ ْ‬
‫ل مَ ْ‬ ‫والخرى سالبة كلية قرن معها دليلها وهو المثل المضروب الذي ذكره بقوله‪{ :‬وَ َ‬
‫ضرَبَ َلنَا َمثَلً َونَسِيَ خَلْقَ ُه قَا َ‬
‫ا ْلعِظَامَ وَ ِهيَ َرمِيمٌ} [يس‪ ]78:‬وهذا استفهام إنكار متضمن للنفي‪ :‬أي ل أحد يحي العظام وهي رميم‪ .‬فإن كونها رميما‬
‫يمنع عنده إحياءها لمصيرها إلى حال اليبس والبرودة المنافية للحياة التي مبناها على الحرارة والرطوبة‪ ،‬ولتفرق‬
‫أجزائها‪ ،‬واختلطها بغيرها ولنحو ذلك من الشبهات‪ .‬والتقدير هذه العظام رميم ول أحد يحي العظام وهي رميم‪ ،‬فل‬
‫أحد يحييها؛ ولكن هذه السالبة كاذبة ومضمونها امتناع الحياء‪.‬‬

‫وبين سبحانه إمكانه من وجوه ببيان إنكان ما هو أبعد من ذلك وقدرته عليه‪ ،‬فقال‪{ :‬يُ ْحيِيهَا اّلذِي أَنشَأَهَا أَوّ َل مَرّةٍ} [يس‪:‬‬
‫‪ ]79‬وقد أنشأها من التراب ثم قال‪{ :‬وَهُ َو ِبكُلّ خَلْقٍ َعلِيمٌ} [يس‪ ]79 :‬ليبين علمه بما تفرق من الجزاء واستحال‪.‬‬

‫ثم قال‪{ :‬اّلذِي َجعَلَ َلكُم مّنَ الشّجَرِ ا َلْخْضَ ِر نَارًا} [يس‪ ]80 :‬فبين أنه أخرج النار الحارة اليابسة من البارد الرطب‪،‬‬
‫وذلك أبلغ في المنافاة لن اجتماع الحرارة والرطوبة أيسر من اجتماع الحرارة واليبوسة؛ فالرطوبة تقبل من النفعال‬
‫مال تقبله اليبوسة‪.‬‬

‫ق ِمثَْلهُم} [يس‪ ]81 :‬وهذه مقدمة معلومة بالبديهة‪ ،‬ولهذا‬ ‫ن يَخُْل َ‬


‫ض بِقَادِرٍ عَلَى أَ ْ‬
‫سمَاوَاتِ وَالَْرْ َ‬ ‫ثم قال‪{ :‬أَ َوَليْسَ اّلذِي َ‬
‫خلَقَ ال ّ‬
‫ج ْئنَاكَ‬
‫ك بِ َمثَلٍ ِإلّ ِ‬ ‫جاء فيها باستفهام التقرير الدال على أن ذلك مستقر معلوم عند المخاطب كما قال سبحانه‪َ { :‬و َ‬
‫ل يَ ْأتُو َن َ‬
‫بِالْ َحقّ وَأَ ْحسَ َن تَفْسِيرًا} [الفرقان‪ ]33 :‬ثم بين قدرته العامة بقوله‪ِ{ :‬إّنمَا َأمْرُهُ ِإذَا أَرَادَ َش ْيئًا أَ ْن َيقُولَ لَ ُه كُ ْن َف َيكُونُ} [يس‪:‬‬
‫‪.]82‬‬

‫وفي هذا الموضع وغيره من القرآن من السرار‪ ،‬وبيان الدلة القطعية على المطالب الدينية ما ليس هذاموضعه‪،‬‬
‫وإنما الغرض التنبيه‪.‬‬

‫وكذلك ما استعمله سبحانه في تنزيهه وتقديسه عما أضافوه إليه من الولدة سواء سموها حسية أو عقلية كما تزعمه‬
‫النصارى من تولد الكلمة ـ التي جعلوها جوهر البن ـ منه‪ ،‬وكما تزعمه الفلسفة الصابئون من تولد العقول العشرة‪،‬‬
‫والنفوس الفلكية التسعة‪ :‬التي هم مضطربون فيها هل هي جواهر أو أعراض؟ وقد يجعلون العقول بمنزلة الذكور‪،‬‬
‫والنفوس بمنزلة الناث‪ ،‬ويجعلون ذلك آباءهم‪ ،‬وأمهاتهم‪ ،‬وآلهتهم وأربابهم القريبة‪ ،‬وعلمهم بالنفوس أظهر لوجود‬
‫الحركة الدورية الدالة على الحركة الرادية الدالة على النفس المحركة؛ لكن أكثرهم يجعلون النفس الفلكية عرضا ل‬
‫جعَلُواْ لِّ‬‫جوهرا قائما بنفسه‪ ،‬وذلك شبيه بقول مشركي العرب وغيرهم‪ :‬الذين جعلوا له بنين وبنات‪ .‬قال تعالى‪َ { :‬و َ‬
‫صفُونَ} [النعام‪ ]100 :‬وقال تعالى‪َ{ :‬ألَ ِإّنهُم مّنْ‬ ‫عمّا يَ ِ‬
‫سبْحَانَهُ َوتَعَالَى َ‬
‫ت ِبغَيْرِ عِ ْلمٍ ُ‬
‫خلَ َقهُمْ َوخَ َرقُواْ لَ ُه بَنِينَ َوبَنَا ٍ‬
‫شُ َركَاء ا ْلجِنّ وَ َ‬
‫ِإ ْف ِكهِمْ َليَقُولُونَ وََلدَ الُّ وَِإّنهُمْ َلكَا ِذبُونَ} [الصافات‪ ]152 ،151:‬وكانوا يقولون الملئكة بنات ال كما يزعم هؤلء أن‬
‫سبْحَانَهُ وََلهُم مّا‬ ‫العقول‪ ،‬أو العقول والنفوس [هي الملئكة] وهي متولدة عن ال فقال ال تعالى‪َ { :‬ويَ ْ‬
‫جعَلُونَ لِّ ا ْل َبنَاتِ ُ‬
‫سكُهُ عَلَى هُونٍ أَ ْم َيدُسّ ُه فِي‬
‫جهُ ُه مُسْ َودّا وَهُ َو كَظِي ٌم َيتَوَارَى مِنَ ا ْلقَوْ ِم مِن سُو ِء مَا بُشّ َر بِهِ َأ ُيمْ ِ‬
‫حدُهُ ْم بِالُنثَى ظَلّ َو ْ‬
‫ش َتهُونَ َوِإذَا بُشّرَ أَ َ‬
‫يَ ْ‬
‫التّرَابِ َألَ سَاء مَا يَ ْح ُكمُونَ لِّلذِينَ َل يُ ْؤ ِمنُونَ بِالخِرَ ِة َمثَلُ السّوْءِ وَلِّ ا ْل َمثَلُ الَعَْلىَ وَهُوَ ا ْل َعزِيزُ الْ َحكِيمُ} [النحل‪ ]60 :57 :‬إلى‬
‫صفُ أَلْ ِس َنُتهُمُ ا ْل َكذِبَ أَنّ َلهُمُ الْحُ ْسنَى لَ جَرَمَ أَنّ َلهُمُ ا ْلنّارَ وََأّنهُم مّفْ َرطُونَ} [النحل‪ ]62 :‬وقال‬ ‫لِ مَا َيكْرَهُونَ َوتَ ِ‬ ‫جعَلُونَ ّ‬ ‫قوله‪َ { :‬ويَ ْ‬
‫جهُ ُه مُسْ َودّا وَهُ َو كَظِيمٌ أَ َومَن يُنَشّأُ‬
‫ن َمثَلً ظَلّ وَ ْ‬ ‫حمَ ِ‬ ‫حدُهُم ِبمَا ضَرَبَ لِلرّ ْ‬ ‫ق َبنَاتٍ َوأَصْفَاكُم بِا ْل َبنِينَ وَِإذَا بُشّرَ أَ َ‬ ‫تعالى‪َ{ :‬أ ِم اتّ َ‬
‫خذَ ِممّا َيخْلُ ُ‬
‫ل ِئكَةَ اّلذِينَ هُمْ ِعبَادُ الرّ ْحمَنِ إِناثًا َأ َشهِدُوا خَلْ َق ُهمْ َسُتكْتَبُ َشهَا َدتُهُمْ َويُ ْسأَلُونَ} [‬‫جعَلُوا ا ْلمَ َ‬ ‫غيْ ُر ُمبِينٍ َو َ‬
‫فِي ا ْلحِ ْليَةِ وَهُ َو فِي الْخِصَامِ َ‬
‫الزخرف‪ ]19 :16 :‬وقال تعالى‪َ{ :‬أفَرََأ ْيتُمُ اللّتَ وَا ْلعُزّى َو َمنَاةَ الثّاِلثَةَ ا ُلْخْرَى َأَلكُ ُم ال ّذكَرُ وَلَهُ الُْنثَى تِ ْلكَ ِإذًا قِ ْسمَةٌ ضِيزَى} [‬
‫النجم‪ ]22: 19 :‬أي جائرة وغير ذلك في القرآن‪.‬‬

‫فبين سبحانه أن الرب الخالق أولى بأن ينزه عن المور الناقصة منكم فيكف تجعلون له ما تكرهون أن يكون لكم؟!‬
‫وتستخفون من إضافته إليكم مع أنه واقع ل محالة‪ ،‬ول تنزهونه عن ذلك‪ ،‬وتنفونه عنه‪ ،‬وهو أحق بنفي المكروهات‬
‫المنقصات منكم‪.‬‬

‫ش َركَاء فِي مَا َر َز ْقنَاكُ ْم فَأَنتُ ْم فِيهِ سَوَاء‬


‫سكُمْ هَل ّلكُم مّن مّا مََل َكتْ َأ ْيمَا ُنكُم مّن ُ‬ ‫وكذلك قوله في التوحيد‪{ :‬ضَ َربَ َلكُم ّمثَلً مِنْ أَن ُف ِ‬
‫تَخَافُو َنهُ ْم كَخِي َفتِكُمْ أَنفُ َسكُمْ} [الروم‪ ]28 :‬أي كخيفة بعضكم بعضا كما في قوله‪{ :‬ثُمّ أَنتُمْ هَـؤُلء تَ ْقتُلُونَ أَنفُ َسكُمْ} [البقرة‪:‬‬
‫ت بِأَنفُ ِسهِمْ َخيْرًا} [النور‪ ]12:‬وفي قوله‪َ { :‬و َل تَ ْلمِزُوا أَنفُ َس ُكمْ} [‬ ‫‪ ]85‬وفي قوله‪{ :‬لَ ْولَ ِإذْ َ‬
‫س ِمعْ ُتمُوهُ ظَنّ ا ْلمُ ْؤ ِمنُونَ وَا ْلمُ ْؤ ِمنَا ُ‬
‫سكُم مّن ِديَا ِر ُكمْ}‬ ‫سكُمْ} [البقرة‪ ]54 :‬وفي قوله‪َ { :‬و َ‬
‫ل تُخْ ِرجُونَ أَن ُف َ‬ ‫الحجرات‪ ]11:‬وفي قوله‪َ { :‬فتُوبُواْ إِلَى بَا ِر ِئكُ ْم فَا ْقتُلُواْ أَنفُ َ‬
‫[البقرة‪ ]84 :‬إلى قوله‪{ :‬ثُمّ أَنتُمْ هَـؤُلء تَ ْقتُلُونَ أَنفُ َسكُمْ} [البقرة‪ ]85 :‬فإن المراد في هذا كله من نوع واحد‪ .‬فبين‬
‫سبحانه أن المخلوق ل يكون مملوكه شريكه فيما له حتى يخاف مملوكه كما يخاف نظيره‪ ،‬بل تمتنعون أن يكون‬
‫المملوك لكم نظيرًا‪ ،‬فكيف ترضون لي أن تجعلوا ما هو مخلوقي ومملوكي شريكًا لي‪ :‬يدعى ويعبد ـ كما أدعى وأعبد‬
‫ـ كما كانوا يقولون في تلبيتهم لبيك ل شريك لك إل شريك هو لك تملكه وما ملك ـ وهذا باب واسع عظيم جدًا ليس‬
‫هذا موضعه‪.‬‬

‫وإنما الغرض التنبيه على أن في القرآن‪ ،‬والحكمة النبوية عامة أصول الدين من المسائل والدلئل التي تستحق أن‬
‫تكون أصول الدين‪ .‬وأماما يدخله بعض الناس في هذا المسمى من الباطل فليس ذلك من أصول الدين؛ وإن أدخله فيه‬
‫مثل [المسائل] [والدلئل] الفاسدة‪ :‬مثل نفي الصفات‪ ،‬والقدر‪ ،‬ونحو ذلك من المسائل‪.‬‬

‫ومثل [الستدلل] على حدوث العالم بحدوث [العراض] التي هي صفات الجسام القائمة بها‪ :‬إما الكوان‪ ،‬وإما‬
‫غيرها‪ ،‬وتقرير المقدمات التي يحتاج إليها هذا الدليل‪ :‬من إثبات [العراض] التي هي الصفات أول‪ .‬أو إثبات [‬
‫بعضها] كالكوان التي هي الحركة‪ ،‬والسكون‪ ،‬والجتماع‪ ،‬والفتراق‪[ ،‬وإثبات حدوثها] ثانيا بإبطال ظهورها بعد‬
‫الكمون وإبطال انتقالها من محل إلى محل ـ ثم إثبات [امتناع خلو الجسم] ثالثا؛ إما عن كل جنس من أجناس‬
‫العراض‪ :‬بإثبات أن الجسم قابل لها‪ ،‬وإن القابل للشيء ل يخلو عنه‪ ،‬وعن ضده؛ وإما عن الكوان ـ وإثبات [امتناع‬
‫حوادث ل أول لها]رابعا‪ ،‬وهو مبني على مقدمتين‪:‬‬

‫[إحداهما]‪ :‬إن الجسم ل يخلو عن [العراض] التي هي الصفات‪[ .‬والثانية]‪ :‬أن ما ل يخلو عن [الصفات] التي هي‬
‫العراض فهو محدث لن الصفات التي هي العراض ل تكون إل محدثة‪ ،‬وقد يفرضون ذلك في بعض الصفات‬
‫التي هي العراض كالكوان‪ ،‬وما ل يخلو عن جنس الحوادث فهو حادث لمتناع حوادث ل تتناهى‪.‬‬

‫فهذه الطريقة مما يعلم بالضطرار أن محمد صلى ال عليه وسلم لم يدع الناس بها إلى القرار بالخالق ونبوة أنبيائه‬
‫ولهذا قد اعترف حذاق [أهل الكلم] كالشعري وغيره بأنها ليست طريقة الرسل وأتباعهم‪ ،‬ول سلف المة وأئمتها‪،‬‬
‫وذكروا أنها محرمة عندهم‪.‬‬

‫بل المحققون على أنها طريقة باطلة‪ ،‬وأن مقدماتها فيها تفصيل وتقسيم يمنع ثبوت المدعي بها مطلقا‪ .‬ولهذا تجد من‬
‫اعتمد عليها في أصول دينه فأحد المرين له لزم؛ إما أن يطلع على ضعفها ويقابل بينها وبين أدلة القائلين يقدم العالم‬
‫فتتكافأ عنده الدلة‪ ،‬أو يرجح هذا تارة وهذا تارة‪ .‬كما هو حال طوائف منهم‪.‬‬

‫وإما أن يلتزم لجلها لوازم معلومة الفساد في الشرع والعقل؛ كما التزم جهم لجلها فناء الجنة والنار‪ ،‬والتزم أبو‬
‫الهذيل لجلها انقطاع حركات أهل الجنة‪ .‬والتزم قوم لجلهاـ كالشعري وغيره ـ أن الماء والهواء والنار له طعم‬
‫ولون وريح ونحو ذلك‪ .‬والتزم قوم لجلها‪ ،‬وأجل غيرها‪ :‬أن جميع [العراض] كالطعم واللون وغيرهما ل يجوز‬
‫بقاؤها بحال لنهم احتاجوا إلى جواب النقض الوارد عليهم لما أثبتوا الصفات ل مع الستدلل على حدوث الجسام‬
‫بصفاتها‪ .‬فقالوا‪ :‬صفات [الجسام] أعراض أي أنها تعرض وتزول فل تبقى بحال بخلف صفات ال فإنها باقية‪.‬‬
‫وأما جمهور عقلء بني آدم فقالوا‪ :‬هذه مخالفة للمعلوم بالحس‪.‬‬

‫والتزم طوائف من أهل الكلم من المعتزلة وغيرهم لجلها نفى صفات الرب مطلقًا‪ ،‬أو نفي بعضها لن الدال عندهم‬
‫على حدوث هذه الشياء هو قيام الصفات بها والدليل يجب طرده‪ .‬والتزموا حدوث كل موصوف بصفة قائمة به وهو‬
‫أيضا في غاية الفساد والضلل‪ .‬ولهذا التزموا القول بخلق القرآن‪ ،‬وإنكار رؤية ال في الخرة‪ ،‬وعلوه على عرشه‪.‬‬
‫إلى أمثال ذلك من اللوازم التي التزمها من طرد مقدمات هذه الحجة التي جعلها المعتزلة‪ ،‬ومن اتبعهم أصل دينهم‪.‬‬

‫فهذه داخلة فيما سماه هؤلء أصول الدين؛ ولكن ليست في الحقيقة من أصول الدين الذي شرعه ال لعباده‪.‬‬

‫وأما الدين الذي قال ال فيه‪{ :‬أَمْ َل ُهمْ شُ َركَاء َشرَعُوا َلهُم مّ َن الدّينِ مَا لَ ْم يَ ْأذَن بِهِ الُّ} [الشورى‪ ]21 :‬فذاك له أصول‬
‫وفروع بحسبه‪.‬‬
‫وإذا عرف أن مسمى أصول الدين في عرف الناطقين بهذا السم فيه إجمال وإبهام ـ لما فيه من الشتراك بحسب‬
‫الوضاع والصطلحات ـ تبين أن الذي هو عند ال‪ ،‬ورسوله‪ ،‬وعباده المؤمنين أصول الدين؛ فهو موروث عن‬
‫الرسول‪ .‬وأما من شرع دينا لم يأذن به ال فمعلوم أن أصوله المستلزمة له ل يجوز أن تكون منقولة عن النبي صلى‬
‫ال عليه وسلم إذ هو باطل‪ ،‬وملزوم الباطل باطل كما أن لزم الحق حق‪.‬‬

‫وهذا التقسيم ينبه أيضا على مراد السلف‪ ،‬والئمة بذم الكلم وأهله؛ إذ ذلك يتناول لمن استدل بالدلة الفاسدة‪ ،‬أو‬
‫استدل على المقالت الباطلة‪ .‬فأما من قال الحق الذي أذن ال فيه حكما ودليل فهو من أهل العلم واليمان وال يقول‬
‫الحق وهو يهدي السبيل‪.‬‬

‫وأما مخاطبة أهل اصطلح باصطلحهم ولغتهم فليس بمكروه ـ إذا احتيج إلى ذلك وكانت المعاني صحيحة ـ‬
‫كمخاطبة العجم‪ :‬من الروم‪ ،‬والفرس‪ ،‬والترك بلغتهم وعرفهم‪ .‬فإن هذا جائز حسن للحاجة‪.‬‬

‫وإنما كرهه الئمة إذا لم يحتج إليه‪ ،‬ولهذا قال النبي صلى ال عليه وسلم لم خالد بنت خالد بن سعيد بن العاص ـ‬
‫وكانت صغيرة ولدت بأرض الحبشة‪ ،‬لن أباها كان من المهاجرين إليها فقال لها ـ (يا أم خالد هذا سنا) والسنا بلسان‬
‫الحبشة الحسن ‪.‬لنها كانت من أهل هذه اللغة‪ .‬وكذلك يترجم القرآن‪ ،‬والحديث لمن يحتاج إلى تفهيمه إياه بالترجمة‪،‬‬
‫وكذلك يقرأ المسلم ما يحتاج إليه من كتب المم‪ ،‬وكلمهم بلغتهم‪ ،‬ويترجمها بالعربية‪ .‬كما أمر النبي صلى ال عليه‬
‫وسلم زيد بن ثابت أن يتعلم كتاب اليهود ليقرأ له‪ ،‬ويكتب له ذلك حيث لم يأمن من اليهود عليه‪.‬‬

‫فالسلف والئمة لم يكرهوا الكلم لمجرد ما فيه من الصطلحات المولدة كلفظ [الجوهر] و[العرض] و[الجسم]‬
‫وغير ذلك؛ بل لن المعاني التي يعبرون عنها بهذه العبارات فيها من الباطل المذموم في الدلة والحكام ما يجب‬
‫النهي عنه لشتمال هذه اللفاظ على معاني مجملة في النفي والثبات‪ .‬كما قال المام أحمد في وصفه لهل البدع‬
‫فقال‪ :‬هم مختلفون في الكتاب‪ ،‬مخالفون للكتاب‪ ،‬متفقون على مخالفة الكتاب‪ ،‬يتكلمون بالمتشابه من الكلم‪ ،‬ويلبسون‬
‫على جهال الناس بما يتكلمون به من المتشابه‪.‬‬

‫فإذا عرفت المعاني التي يقصدونها بأمثال هذه العبارات‪ ،‬ووزنت بالكتاب والسنة‪ ،‬بحيث يثبت الحق الذي أثبته‬
‫الكتاب والسنة‪ ،‬وينفي الباطل الذي نفاه الكتاب والسنة كان ذلك هو الحق؛ بخلف ما سلكه أهل الهواء من التكلم‬
‫بهذه اللفاظ‪ :‬نفيا وإثباتا في الوسائل والمسائل؛ من غير بيان التفصيل والتقسيم الذي هو الصراط المستقيم‪ .‬وهذا من‬
‫مثارات الشبهة‪.‬‬

‫فإنه ل يوجد في كلم النبي صلى ال عليه وسلم‪ ،‬ول أحد من الصحابة والتابعين‪ ،‬ول أحد من الئمة المتبوعين‪ ،‬أنه‬
‫علق بمسمى لفظ [الجوهر] و[الجسم] و[التحيز] و[العرض] ونحو ذلك شيء من أصول الدين ل الدلئل ول‬
‫المسائل؛ والمتكلمون بهذه العبارات يختلف مرادهم بها‪ .‬تارة لختلف الوضع‪ .‬وتارة لختلفهم في المعنى الذي هو‬
‫مدلول اللفظ كمن يقول [الجسم] هو المؤلف‪ ،‬ثم يتنازعون هل هو الجوهر الواحد بشرط تأليفه؟ أو الجوهران‬
‫فصاعدا؟ أو الستة؟ أو الثمانية؟ أو غير ذلك؟ ومن يقول هو الذي يمكن فرض البعاد الثلثة فيه‪ ،‬وأنه مركب من‬
‫المادة والصورة‪ ،‬ومن يقول هو الموجود‪ ،‬أو الموجود القائم بنفسه؛ وأن الموجود ل يكون إل كذلك‪.‬‬

‫والسلف والئمة ـ الذين ذموا وبدعوا الكلم في الجوهر والجسم والعرض تضمن كلمهم ذم من يدخل المعاني التي‬
‫يقصدها هؤلء بهذه اللفاظ في أصول الدين في دلئله‪ ،‬وفي مسائله نفيا وإثباتا‪ .‬فأما إذا عرف المعاني الصحيحة‬
‫الثابتة بالكتاب والسنة‪ ،‬وعبر عنها لمن يفهم بهذه اللفاظ ليتبين ما وافق الحق من معاني هؤلء‪ ،‬وما خالفه‪ .‬فهذا‬
‫عظيم المنفعة‪ ،‬وهو من الحكم بالكتاب بين الناس فيما اختلفوا فيه كما قال تعالى‪{ :‬كَانَ النّاسُ ُأمّةً وَا ِ‬
‫حدَ ًة َف َبعَثَ الّ ال ّن ِبيّينَ‬
‫س فِيمَا ا ْختََلفُو ْا فِيهِ} [البقرة‪ ]213 :‬وهو مثل الحكم بين سائر‬ ‫حكُ َم َبيْنَ النّا ِ‬
‫ب بِالْحَقّ ِل َي ْ‬
‫ل َم َعهُمُ ا ْل ِكتَا َ‬
‫ُمبَشّرِينَ َومُنذِرِينَ وَأَنزَ َ‬
‫المم بالكتاب فيما اختلفوا فيه من المعاني التي يعبرون عنها بوضعهم وعرفهم‪ .‬وذلك يحتاج إلى معرفة معاني‬
‫الكتاب‪ ،‬والسنة‪ ،‬ومعرفة معاني هؤلء بألفاظهم‪ .‬ثم اعتبار هذه المعاني بهذه المعاني ليظهر الموافق والمخالف‪ .‬وأما‬
‫قول السائل فإن قيل بالجواز‪ :‬فما وجهه‪ ،‬وقد فهمنا منه عليه السلم النهي عن الكلم في بعض المسائل؟ فيقال‪ :‬قد‬
‫تقدم الستفسار والتفصيل في جواب السؤال‪ ،‬وأن ما هو في الحقيقة أصول الدين الذي بعث ال به رسوله فل يجوز‬
‫أن ينهى عنها بحال‪ ،‬بخلف ما سمى أصول الدين وليس هو أصول في الحقيقة ل دلئل ول مسائل‪ .‬أو هو أصول‬
‫لدين لم يشرعه ال بل شرعه من شرع من الدين ما لم يأذن به ال‪.‬‬
‫وأما ما ذكره السائل من نهيه فالذي جاء به الكتاب والسنة النهي عن أمور‪.‬‬

‫ي ِب َغيْرِ الْحَقّ وَأَن تُشْ ِركُواْ‬


‫لثْمَ وَا ْل َبغْ َ‬
‫ظ َه َر مِ ْنهَا َومَا بَطَنَ وَا ِ‬ ‫منها القول على ال بل علم‪ ،‬كقوله‪{ :‬قُلْ ِإّنمَا حَرّمَ َربّيَ ا ْلفَوَاحِ َ‬
‫ش مَا َ‬
‫ك بِهِ عِلْمٌ} [السراء‪:‬‬ ‫ف مَا َليْسَ َل َ‬ ‫ل َتعْلَمُونَ} [العراف‪ ]33:‬وقوله‪َ { :‬و َ‬
‫ل تَ ْق ُ‬ ‫ل مَا َ‬ ‫ل بِهِ سُلْطَانًا وَأَن تَقُولُواْ عَلَى ا ّ‬
‫ل مَا َل ْم ُينَزّ ْ‬
‫بِا ّ‬
‫‪]36‬‬

‫ومنها أن يقال عليه غير الحق كقوله‪{ :‬أََل ْم يُؤْ َخذْ عََل ْيهِم مّيثَاقُ ا ْل ِكتَابِ أَن ّل يِقُولُواْ عَلَى الّ ِإلّ الْحَقّ} [العراف‪]169:‬‬
‫ل تَقُولُواْ عَلَى الّ ِإلّ ا ْلحَقّ} [النساء‪ ]171 :‬ومنها الجدل بغير علم كقوله‪{ :‬هَاأَنتُمْ هَؤُلء‬ ‫وقوله‪{ :‬لَ َتغْلُو ْا فِي دِي ِنكُمْ َو َ‬
‫جُت ْم فِيمَا َلكُم بِهِ عِل ٌم فَلِ َم تُحَآجّونَ فِيمَا َل ْيسَ َلكُم بِهِ عِلْمٌ} [آل عمران‪ ]66:‬ومنها الجدل في الحق بعد ظهوره كقوله‪{ :‬‬ ‫حَاجَ ْ‬
‫ق َبعْ َدمَا َت َبيّنَ} [النفال‪.]6 :‬‬‫ك فِي ا ْلحَ ّ‬ ‫يُجَادِلُو َن َ‬

‫ومنها الجدل بالباطل كقوله‪َ { :‬وجَادَلُوا بِا ْلبَاطِلِ ِلُيدْحِضُوا بِهِ الْحَقّ} [غافر‪ .]5 :‬ومنها الجدل في آياته كقوله‪{ :‬وَجَادَلُوا‬
‫لّ ِب َغيْرِ سُلْطَانٍ َأتَا ُه ْم كَبُ َر َم ْقتًا عِندَ الِّ وَعِندَ اّلذِينَ‬
‫ن فِي آيَاتِ ا ِ‬ ‫طلِ ِلُيدْحِضُوا بِهِ ا ْلحَقّ} [غافر‪ ]4 :‬وقوله‪{ :‬اّلذِي َ‬
‫ن يُجَادِلُو َ‬ ‫بِا ْلبَا ِ‬
‫ن فِي آيَا ِتنَا مَا‬ ‫صدُورِهِمْ ِإلّ ِكبْ ٌر مّا هُم ِببَاِلغِيهِ} [غافر‪ ]56:‬وقوله‪َ { :‬و َيعْلَمَ اّلذِي َ‬
‫ن يُجَادِلُو َ‬ ‫آ َمنُوا} [غافر‪ ]35 :‬وقوله‪{ :‬إِن فِي ُ‬
‫ج ُتهُ ْم دَاحِضَةٌ عِندَ َرّبهِمْ}‬ ‫حّ‬ ‫ستُجِيبَ لَهُ ُ‬ ‫لّ مِن َبعْ ِد مَا ا ْ‬‫ن فِي ا ِ‬ ‫َلهُم مّن مّحِيصٍ} [الشورى‪ ]35 :‬ونحو ذلك قوله‪{ :‬وَاّلذِي َ‬
‫ن يُحَاجّو َ‬
‫لّ ِب َغيْرِ‬
‫س مَن يُجَادِلُ فِي ا ِ‬ ‫شدِيدُ ا ْلمِحَالِ} [الرعد‪ ]13 :‬وقوله‪َ { :‬ومِنَ النّا ِ‬ ‫[الشورى‪ ]16 :‬وقوله‪{ :‬وَهُ ْم يُجَادِلُو َ‬
‫ن فِي الّ وَهُوَ َ‬
‫ب ّمنِيرٍ} [الحج‪.]8 :‬‬ ‫ل ِكتَا ٍ‬
‫عِلْمٍ َولَ ُهدًى َو َ‬

‫جمِيعًا َولَ تَ َف ّرقُواْ}إلى قوله‪{ :‬‬


‫حبْلِ الّ َ‬
‫صمُو ْا بِ َ‬
‫عتَ ِ‬‫ومن المور التي نهى ال عنها في كتابه التفرق والختلف كقوله‪{ :‬وَا ْ‬
‫َو َل َتكُونُو ْا كَاّلذِي َن تَفَ ّرقُواْ وَا ْختََلفُو ْا مِن بَ ْعدِ مَا جَاء ُهمُ ا ْل َبيّنَاتُ وَأُوْلَـ ِئكَ َلهُمْ َعذَابٌ َعظِي ٌم يَوْ َم َتبْيَضّ ُوجُوهٌ َوتَسْ َودّ ُوجُوهٌ} [آل‬
‫عمران‪ .]106 ،103 :‬قال ابن عباس تبيض وجوه أهل السنة والجماعة‪ ،‬وتسود وجوه أهل البدعة والفرقة وقال‬
‫حنِيفًا فِطْرَةَ‬ ‫يءٍ} [النعام‪ ]159 :‬وقال تعالى‪{ :‬فََأقِمْ وَ ْ‬
‫ج َهكَ لِلدّينِ َ‬ ‫ت ِمنْهُ ْم فِي شَ ْ‬
‫س َ‬
‫ش َيعًا لّ ْ‬ ‫تعالى‪{ :‬إِنّ اّلذِي َ‬
‫ن فَ ّرقُو ْا دِي َنهُمْ َوكَانُواْ ِ‬
‫الِّ اّلتِي َفطَرَ النّاسَ عََل ْيهَا َل تَ ْبدِيلَ ِلخَلْقِ الِّ} إلى قوله‪َ { :‬و َل َتكُونُوا مِنَ ا ْلمُشْ ِركِينَ مِنَ اّلذِينَ َف ّرقُوا دِي َنهُمْ َوكَانُوا ِش َيعًا} [الروم‪:‬‬
‫‪.]32 :30‬‬

‫وقد ذم أهل التفرق والختلف في مثل قوله‪َ { :‬ومَا تَفَ ّرقُوا ِإ ّل مِن َبعْ ِد مَا جَاء ُهمُ ا ْلعِ ْل ُم بَ ْغيًا َب ْينَهُمْ} [الشورى‪ ]14 :‬وفي مثل‬
‫حمَ َرّبكَ} [هود‪ ]119 ،118 :‬وفي مثل قوله‪{ :‬وَإِنّ اّلذِينَ ا ْ‬
‫ختََلفُو ْا فِي ا ْل ِكتَابِ َلفِي‬ ‫ل مَن رّ ِ‬
‫ختَلِفِينَ ِإ ّ‬
‫ن مُ ْ‬ ‫قوله‪َ { :‬و َ‬
‫ل يَزَالُو َ‬
‫ق َبعِيدٍ} [البقرة‪ .]176 :‬وكذلك سنة رسول ال صلى ال عليه وسلم توافق كتاب ال كالحديث المشهور عنه الذي‬ ‫شقَا ٍ‬
‫ِ‬
‫روى مسلم بعضه عن عبدال بن عمرو‪ ،‬وسائره معروف في مسند أحمد‪ ،‬وغيره من حديث عمرو بن شعيب عن‬
‫أبيه عن جده أن رسول ال صلى ال عليه وسلم خرج على أصحابه ـ وهم يتناظرون في القدر ـ ورجل يقول‪ :‬ألم يقل‬
‫ال كذا‪ ،‬ورجل يقول‪ :‬ألم يقل ال كذا فكأنما فقىء وجهه حب الرمان فقال‪( :‬أبهذا أمرتم إنما هلك من كان قبلكم بهذا‬
‫ضربوا كتاب ال بعضه ببعض‪ ،‬وإنما نزل كتاب ال ليصدق بعضه بعضا‪ ،‬ل ليكذب بعضه بعضا انظروا ما أمرتم‬
‫به فافعلوه‪ ،‬وما نهيتم عنه فاجتنبوه) هذا الحديث أو نحوه‪.‬‬

‫وكذلك قوله‪( :‬المرآء في القرآن كفر) وكذلك ما أخرجاه في الصحيحين عن عائشة أن النبي صلى ال عليه وسلم قرأ‬
‫ن مَا تَشَابَهَ‬
‫ت فََأمّا اّلذِينَ في قُلُو ِبهِمْ َزيْغٌ َف َيّتبِعُو َ‬
‫ح َكمَاتٌ هُنّ أُمّ ا ْل ِكتَابِ وَُأخَ ُر ُمتَشَا ِبهَا ٌ‬
‫ت مّ ْ‬ ‫قوله‪{( :‬هُوَ اّلذِيَ أَنزَلَ عََل ْيكَ ا ْل ِكتَا َ‬
‫ب ِمنْ ُه آيَا ٌ‬
‫ِمنْهُ ا ْب ِتغَاء الْ ِف ْتنَةِ وَا ْبتِغَاء تَأْوِيلِهِ} [آل عمران‪ ]7:‬فقال النبي صلى ال عليه وسلم‪:‬إذا رأيتم الذين يتبعون ما تشابه منه‬
‫فأولئك الذين سمى ال فاحذروهم)‪.‬‬

‫وأما أن يكون الكتاب أو السنة نهي عن معرفة المسائل التي يدخل فيما يستحق أن يكون من أصول دين ال فهذا ل‬
‫يكون اللهم إل أن ننهى عن بعض ذلك في بعض الحوال مثل مخاطبة شخص بما يعجز عنه فهمه فيضل‪ .‬كقول عبد‬
‫ال بن مسعود‪[ :‬ما من رجل يحدث قومًا حديثًا ل تبلغه عقولهم إل كان فتنة لبعضهم] وكقول علي‪ :‬رضي ال عنه [‬
‫حدثوا الناس بما يعرفون ودعوا ما ينكرون أتحبون أن يكذب ال ورسوله]‪ .‬أو مثل قول حق يستلزم فسادا أعظم من‬
‫تركه فيدخل في قوله صلى ال عليه وسلم‪( :‬من رأى منكم منكرا فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع‬
‫فبقلبه وذلك أضعف اليمان) رواه مسلم‪.‬‬

‫وأما قول السائل إذا قيل بالجواز فهل يجب؟ وهل نقل عنه عليه السلم ما يقتضي وجوبه‪.‬‬
‫فيقال‪ :‬ل ريب أنه يجب على كل أحد أن يؤمن بما جاء به الرسول إيمانًا عامًا مجملً‪ ،‬ول ريب أن معرفة ما جاء به‬
‫الرسول على التفصيل فرض على الكفاية فإن ذلك داخل في تبليغ ما بعث ال به رسوله‪ ،‬وداخل في تدبر القرآن‬
‫وعقله وفهمه‪ ،‬وعلم الكتاب‪ ،‬والحكمة‪ ،‬وحفظ الذكر‪ ،‬والدعاء إلى سبيل الرب بالحكمة والموعظة الحسنة‪ ،‬والمجادلة‬
‫بالتي هي أحسن‪ ،‬ونحو ذلك ـ مما أوجبه ال على المؤمنين ـ فهو واجب على الكفاية منهم‪.‬‬

‫وأما ما يجب على أعيانهم فهذا يتنوع بتنوع قدرهم‪ ،‬ومعرفتهم‪ ،‬وحاجتهم وما أمر به أعيانهم فل يجب على العاجز‬
‫عن سماع بعض العلم‪ ،‬أو عن فهم دقيقه ما يجب على القادر على ذلك‪ ،‬ويجب على من سمع النصوص وفهمها من‬
‫علم التفصيل ما ل يجب على من لم يسمعها‪ ،‬ويجب على المفتي‪ ،‬والمحدث‪ ،‬والمجادل ما ل يجب على من ليس‬
‫كذلك‪.‬‬

‫وأما قوله هل يكفي في ذلك ما يصل إليه المجتهد من غلبة الظن أو ل بد من الوصول إلى القطع؟ فيقال‪ :‬الصواب في‬
‫ذلك التفصيل‪ .‬فإنه وإن كان طوائف من أهل الكلم يزعمون أن المسائل الخبرية التي قد يسمونها مسائل الصول‬
‫يجب القطع فيها جميعا‪ ،‬ول يجوز الستدلل فيها بغير دليل يفيد اليقين‪ ،‬وقد يوجبون القطع فيها كلها على كل أحد‪.‬‬
‫فهذا الذي قالوه على إطلقه وعمومه خطأ مخالف للكتاب‪ ،‬والسنة‪ ،‬وإجماع سلف المة‪ ،‬وأئمتها‪.‬‬

‫ثم هم مع ذلك من أبعد الناس عما أوجبوه فإنهم كثيرًا ما يحتجون فيها بالدلة التي يزعمونها قطعيات‪ ،‬وتكون في‬
‫الحقيقة من الغلوطات فضلً عن أن تكون من الظنيات؛ حتى إن الشخص الواحد منهم كثيرًا ما يقطع بصحة حجة‬
‫في موضع‪ ،‬ويقطع ببطلنها في موضع آخر‪ ،‬بل منهم من غاية كلمه كذلك؛ وحتى قد يدعى كل من المتناظرين‬
‫العلم الضروري بنقيض ما ادعاه الخر‪ .‬وأما التفصيل فما أوجب ال فيه العلم واليقين وجب فيه ما أوجبه ال من‬
‫غفُورٌ رّحِيمٌ} [المائدة‪ ]98 :‬وقوله‪{ :‬فَاعَْلمْ َأنّهُ لَ إِلَهَ ِإلّ الُّ وَا ْ‬
‫س َتغْ ِفرْ ِلذَن ِبكَ}‬ ‫ذلك‪ ،‬كقوله‪{ :‬اعَْلمُواْ أَنّ الّ َ‬
‫شدِيدُ ا ْلعِقَابِ وَأَنّ الّ َ‬
‫[محمد‪ ]19 :‬وكذلك يجب اليمان بما أوجب ال اليمان به‪.‬‬

‫طعْتُمْ} [التغابن‪ ]16:‬وقوله صلى ال‬


‫ستَ َ‬ ‫وقد تقرر في الشريعة أن الوجوب معلق باستطاعة العبد كقوله‪{ :‬فَاتّقُوا ا َ‬
‫لّ مَا ا ْ‬
‫عليه وسلم‪( :‬إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم) أخرجاه في الصحيحين‪.‬‬

‫فإذا كان كثير مما تنازعت فيه المة ـ من هذه المسائل الدقيقة ـ قد يكون عند كثير من الناس مشتبها ل يقدر فيه على‬
‫دليل يفيده اليقين؛ ل شرعي‪ ،‬ول غيره لم يجب علي مثل هذا في ذلك ما ل يقدر عليه‪ ،‬وليس عليه أن يترك ما يقدر‬
‫عليه من اعتقاد قوي غالب على ظنه لعجزه عن تمام اليقين؛ بل ذلك هو الذي يقدر عليه‪ ،‬ل سيما إذا كان مطابقا‬
‫للحق‪ .‬فالعتقاد المطابق للحق ينفع صاحبه ويثاب عليه ويسقط به الفرض إذا لم يقدر على أكثر منه‪.‬‬

‫لكن ينبغي أن يعرف أن عامة من ضل في هذا الباب‪ ،‬أو عجز فيه عن معرفة الحق‪ ،‬فإنما هو لتفريطه في اتباع ما‬
‫جاء به الرسول‪ ،‬وترك النظر‪ ،‬والستدلل الموصل إلى معرفته‪ ،‬فلما أعرضوا عن كتاب ال ضلوا‪ .‬كما قال تعالى‪:‬‬
‫شرُ ُه يَوْمَ ا ْل ِقيَامَةِ‬
‫شقَى َومَنْ أَعْ َرضَ عَن ِذكْرِي َفإِنّ لَ ُه َمعِيشَةً ضَنكًا َونَحْ ُ‬
‫ل يَ ْ‬
‫ل يَضِلّ َو َ‬
‫ي فَ َ‬
‫{ َفِإمّا يَ ْأ ِتيَ ّنكُم ّمنّي ُهدًى َفمَنِ ا ّتبَعَ ُهدَا َ‬
‫أَ ْعمَى} [طه‪ ]124 ،123 :‬قال ابن عباس‪ :‬تكفل ال لمن قرأ القرآن وعمل بما فيه أن ل يضل في الدنيا ول يشقى‬
‫في الخرة ثم قرأ هذه الية‪.‬‬

‫وكما في الحديث الذي رواه الترمذي وغيره عن علي عن النبي صلى ال عليه وسلم أنه قال‪( :‬ستكون فتن قلت فما‬
‫المخرج منها يا رسول ال قال كتاب ال فيه نبأ ما قبلكم وخبر ما بعدكم وحكم ما بينكم هو الفصل ليس بالهزل من‬
‫تركه من جبار قصمه ال ومن ابتغى الهدى في غيره أضله ال وهو حبل ال المتين وهو الذكر الحكيم وهو الصراط‬
‫المستقيم وهو الذي ل تزيغ به الهواء ول تلتبس به اللسن ول تنقضي عجائبه ول يخلق عن كثرة الرد ول تشبع منه‬
‫جبًا يَ ْهدِي إِلَى‬ ‫العلماء وفي رواية ول تختلف به الراء وهو الذي لم تنته الجن إذ سمعته أن قالوا‪ِ{ :‬إنّا َ‬
‫س ِمعْنَا ُقرْآنًا عَ َ‬
‫الرّ ْشدِ} [الجن‪ ]2 ،1:‬من قال به صدق ومن عمل به أجر ومن حكم به عدل ومن دعا إليه هدى إلى صراط مستقيم)‪.‬‬
‫سبِيلِهِ} [النعام‪]153 :‬وقال تعالى‪{ :‬المص‬ ‫ق ِبكُمْ عَن َ‬‫ل َفتَ َفرّ َ‬ ‫سبُ َ‬
‫ل َتتّ ِبعُواْ ال ّ‬
‫ستَقِيمًا فَا ّت ِبعُوهُ َو َ‬ ‫قال تعالى‪{ :‬وَأَنّ هَـذَا صِرَاطِي مُ ْ‬
‫صدْ ِركَ َحرَ ٌج ّمنْهُ} إلى قوله‪{ :‬اّت ِبعُو ْا مَا أُنزِلَ إَِل ْيكُم مّن ّربّكُمْ َولَ َتّت ِبعُواْ مِن دُونِهِ أَوِْليَاء} [العراف‪:‬‬ ‫ل َيكُن فِي َ‬‫ِكتَابٌ أُنزِلَ إَِل ْيكَ فَ َ‬
‫علَى طَآئِ َف َتيْنِ مِن َقبِْلنَا‬
‫حمُونَ أَن َتقُولُواْ ِإّنمَا أُنزِلَ ا ْل ِكتَابُ َ‬ ‫‪ ]3 ،1‬وقال تعالى‪{ :‬وَهَـذَا ِكتَابٌ أَنزَ ْلنَا ُه ُمبَا َر ٌ‬
‫ك فَاتّ ِبعُوهُ وَاتّقُواْ َلعَّلكُ ْم تُ ْر َ‬
‫حمَ ٌة َفمَنْ َأظْلَمُ‬
‫س ِتهِمْ َلغَافِلِينَ أَ ْو تَقُولُواْ لَوْ َأنّا أُنزِلَ عََل ْينَا ا ْل ِكتَابُ َل ُكنّا أَ ْهدَى ِم ْنهُ ْم فَ َقدْ جَاءكُم َبّينَةٌ مّن ّرّبكُمْ وَ ُهدًى وَ َر ْ‬
‫وَإِن ُكنّا عَن دِرَا َ‬
‫ص ِدفُونَ} [النعام‪.]157 :155 :‬‬ ‫ب ِبمَا كَانُو ْا يَ ْ‬‫ن آيَا ِتنَا سُوءَ ا ْلعَذَا ِ‬ ‫ص ِدفُونَ عَ ْ‬ ‫ن يَ ْ‬‫جزِي اّلذِي َ‬ ‫سنَ ْ‬
‫ع ْنهَا َ‬ ‫صدَفَ َ‬ ‫ب بِآيَاتِ الّ وَ َ‬ ‫ِممّن َكذّ َ‬
‫فذكر سبحانه أنه سيجزي الصادف عن آياته مطلقًا ـ سواء كان مكذبًا أو لم يكن ـ سوء العذاب بما كانوا يصدفون يبين‬
‫ذلك أن كل من لم يقر بما جاء به الرسول فهو كافر‪ .‬سواء اعتقد كذبه‪ ،‬أو استكبر عن اليمان به‪ ،‬أو أعرض عنه‬
‫اتباعًا لما يهواه‪ ،‬أو ارتاب فيما جاء به فكل مكذب بما جاء به فهو كافر‪ .‬وقد يكون كافرًا من ل يكذبه إذا لم يؤمن به‪.‬‬

‫ولهذا أخبر ال في غير موضع من كتابه بالضلل والعذاب لمن ترك اتباع ما أنزله وإن كان له نظر‪ ،‬وجدل‪،‬‬
‫س ْمعًا وََأبْصَارًا‬ ‫واجتهاد في عقليات وأمور غير ذلك‪ ،‬جعل ذلك من نعوت الكفار والمنافقين قال تعالى‪{ :‬وَ َ‬
‫جعَ ْلنَا َل ُهمْ َ‬
‫ق ِبهِم مّا كَانُوا بِ ِه يَ ْس َتهْزِؤُون} [‬ ‫ن بِآيَاتِ الِّ وَحَا َ‬ ‫حدُو َ‬
‫يءٍ ِإذْ كَانُوا يَجْ َ‬
‫س ْمعُهُمْ َولَ َأ ْبصَارُ ُهمْ َولَ َأ ْفئِ َد ُتهُم مّن شَ ْ‬
‫عنْهُمْ َ‬
‫غنَى َ‬
‫وََأ ْف ِئدَةً َفمَا أَ ْ‬
‫س َتهْزِؤُون فََلمّا رَأَوْا‬
‫ق ِبهِم مّا كَانُوا بِ ِه يَ ْ‬
‫ت فَ ِرحُوا ِبمَا عِندَهُم مّنَ ا ْلعِ ْلمِ وَحَا َ‬ ‫الحقاف‪ ]26 :‬وقال تعالى‪{ :‬فََلمّا جَاء ْتهُمْ رُ ُ‬
‫سُلهُم بِا ْل َبّينَا ِ‬
‫عبَادِهِ َوخَسِ َر‬ ‫ت فِي ِ‬ ‫سنّتَ الِّ اّلتِي َقدْ خَلَ ْ‬ ‫سنَا ُ‬‫ش ِركِينَ فََل ْم َيكُ يَن َف ُعهُمْ إِيمَا ُنهُمْ َلمّا َرأَوْا بَأْ َ‬
‫حدَهُ َوكَ َف ْرنَا ِبمَا ُكنّا بِهِ مُ ْ‬
‫سنَا قَالُوا آ َمنّا بِالِّ وَ ْ‬
‫بَأْ َ‬
‫لّ ِب َغيْرِ سُلْطَانٍ َأتَا ُه ْم كَبُ َر َم ْقتًا عِندَ الِّ وَعِندَ اّلذِينَ‬
‫ن فِي آيَاتِ ا ِ‬ ‫ن يُجَادِلُو َ‬ ‫ُهنَاِلكَ ا ْلكَا ِفرُونَ} [غافر‪ .]85 :83 :‬وقال تعالى‪{ :‬اّلذِي َ‬
‫صدُورِ ِهمْ ِإ ّل ِكبْ ٌر مّا هُم ِببَاِلغِي ِه فَا ْس َت ِعذْ بِالِّ} [غافر‪ ]56 :‬والسلطان هو الحجة‬ ‫آ َمنُوا} [غافر‪ .]35 :‬وقال تعالى‪{ :‬إِن فِي ُ‬
‫ش ِركُونَ} [الروم‪ ]35 :‬وقال تعالى‪{ :‬أَمْ‬ ‫المنزلة من عند ال كما قال تعالى‪{ :‬أَمْ أَن َز ْلنَا عََل ْيهِمْ سُلْطَانًا َفهُ َو َيتَكَلّ ُم بِمَا كَانُوا بِهِ يُ ْ‬
‫س ّميْ ُتمُوهَا أَنتُمْ‬ ‫ن ّمبِينٌ َف ْأتُوا ِبكِتَا ِبكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ} [الصافات‪ ]157، 156 :‬وقال تعالى‪{ :‬إِنْ هِيَ ِإلّ َأ ْ‬
‫سمَاء َ‬ ‫سلْطَا ٌ‬‫َلكُمْ ُ‬
‫لّ ِبهَا مِن ُسلْطَانٍ} [النجم‪.]23 :‬‬ ‫وَآبَا ُؤكُم مّا أَنزَلَ ا ُ‬

‫ب مّن َقبْلِ َهذَا أَوْ َأثَارَ ٍة مّنْ عِ ْلمٍ} [الحقاف‪.]4 :‬‬


‫وقد طالب سبحانه من اتخذ دينا بقوله‪ِ{ :‬ا ْئتُونِي ِب ِكتَا ٍ‬

‫فالكتاب الكتاب‪ ،‬والثارة كما قال من قال من السلف هي الرواية والسناد‪ .‬وقالوا‪ :‬هي الخط أيضًا‪ .‬إذ الرواية‬
‫والسناد يكتب بالخط؛ وذلك لن الثارة من الثرة؛ فالعلم الذي يقوله من يقبل قوله يؤثر بالسناد ويقيد بالخط فيكون‬
‫كل ذلك من آثاره‪.‬‬

‫ك يُرِيدُونَ أَن َيتَحَا َكمُواْ إِلَى‬ ‫ل مِن َقبِْل َ‬ ‫وقال تعالى في نعت المنافقين‪{ :‬أََل ْم تَرَ إِلَى اّلذِينَ يَزْ ُ‬
‫عمُونَ َأّنهُ ْم آ َمنُو ْا ِبمَا أُنزِلَ إَِل ْيكَ َومَا أُن ِز َ‬
‫ل َبعِيدًا وَِإذَا قِيلَ َل ُه ْم َتعَالَوْاْ إِلَى مَا أَنزَلَ الّ وَإِلَى الرّسُولِ َرَأيْتَ‬ ‫لً‬ ‫شيْطَانُ أَن يُضِّل ُهمْ ضَ َ‬ ‫الطّاغُوتِ َو َقدْ ُأمِرُواْ أَن يَكْ ُفرُو ْا بِهِ َويُرِيدُ ال ّ‬
‫ن بِالّ إِنْ أَ َر ْدنَا ِإلّ إِحْسَانًا َوتَ ْوفِيقًا أُولَـ ِئكَ‬‫ك يَحِْلفُو َ‬
‫صدُودًا َف َكيْفَ ِإذَا َأصَا َب ْتهُم مّصِيبَةٌ ِبمَا َق ّدمَتْ َأ ْيدِيهِ ْم ثُمّ جَآؤُو َ‬ ‫صدّونَ عَنكَ ُ‬ ‫ن يَ ُ‬‫ا ْل ُمنَافِقِي َ‬
‫ظهُمْ َوقُل ّلهُ ْم فِي أَنفُ ِسهِ ْم قَ ْو ًل بَلِيغًا} [النساء‪.]63 :60 :‬‬ ‫ع ْنهُمْ وَعِ ْ‬
‫عرِضْ َ‬ ‫ل مَا فِي قُلُو ِبهِ ْم فَأَ ْ‬
‫اّلذِينَ َيعْلَمُ ا ّ‬

‫وفي هذه اليات أنواع من العبر من الدللة على ضلل من يحاكم إلى غير الكتاب والسنة‪ ،‬وعلى نفاقه‪ ،‬وإن زعم أنه‬
‫يريد التوفيق بيد الدلة الشرعية وبين ما يسميه هو [عقليات] من المور المأخوذة عن بعض الطواغيت من‬
‫المشركين وأهل الكتاب وغير ذلك من أنواع العتبار‪.‬‬

‫فمن كان خطؤه لتفريطه فيما يجب عليه من اتباع القرآن واليمان مثل‪ ،‬أو لتعديه حدود ال بسلوك السبل التي نهى‬
‫عنها‪ ،‬أو لتباع هواه بغير هدى من ال‪ ،‬فهوالظالم لنفسه‪ ،‬وهو من أهل الوعيد؛ بخلف المجتهد في طاعة ال‪،‬‬
‫ورسوله باطنا وظاهرًا الذي يطلب الحق باجتهاده كما أمره ال ورسوله؛ فهذا مغفور له خطؤه‪.‬‬

‫ق َبيْنَ َأ َحدٍ مّن رّسُلِهِ} [‬‫سلِ ِه لَ نُ َفرّ ُ‬


‫ن بِالّ َومَل ِئ َكتِهِ َو ُك ُتبِهِ وَرُ ُ‬ ‫ل آمَ َ‬ ‫كما قال تعالى‪{ :‬آمَنَ الرّسُو ُ‬
‫ل ِبمَا أُن ِزلَ إَِليْ ِه مِن ّربّهِ وَا ْلمُ ْؤ ِمنُونَ كُ ّ‬
‫ط ْأنَا} [‬
‫خذْنَا إِن نّسِينَا أَوْ أَخْ َ‬ ‫ل تُؤَا ِ‬‫سبَتْ َربّنَا َ‬ ‫سبَتْ وَعََل ْيهَا مَا ا ْكتَ َ‬‫س َعهَا َلهَا مَا كَ َ‬ ‫ل نَفْسًا ِإلّ وُ ْ‬ ‫البقرة‪ ]285 :‬إلى قوله‪{ :‬لَ ُيكَلّفُ ا ّ‬
‫البقرة‪ .]286 :‬وقد ثبت في صحيح مسلم أن ال قال قد فعلت‪ ،‬وكذلك ثبت فيه من حديث ابن عباس أن النبي صلى‬
‫ال عليه وسلم لم يقرأ بحرف من هاتين اليتين ومن سورة الفاتحة إل أعطى ذلك‪.‬‬

‫فهذا يبين استجابة هذا الدعاء للنبي والمؤمنين‪ ،‬وأن ال ل يؤاخذهم إن نسوا أو أخطؤا‪.‬‬

‫وأما قول السائل هل ذلك من باب تكليف ما ل يطاق ـ والحال هذه ـ فيقال‪ :‬هذه العبارة وإن كثر تنازع الناس فيها نفيا‬
‫وإثباتا فينبغي أن يعرف أن الخلف المحقق فيها نوعان‪:‬‬

‫[أحدهما]‪ :‬ما اتفق الناس على جوازه‪ ،‬ووقوعه‪ ،‬وإنما تنازعوا في إطلق القول عليه بأنه ل يطاق‪.‬‬

‫[والثاني]‪ :‬ما اتفقوا على أنه ل يطاق؛ لكن تنازعوا في جواز المر به‪ ،‬ولم يتنازعوا في عدم وقوعه‪ .‬فأما أن يكون‬
‫أمر اتفق أهل العلم واليمان على أنه ل يطاق‪ ،‬وتنازعوا في وقوع المر به فليس كذلك‪.‬‬
‫[فالنوع الول]‪ :‬كتنازع المتكلمين من مثبتة القدر ونفاته في [استطاعة العبد] وهي قدرته‪ ،‬وطاقته‪ .‬هل يجب أن‬
‫تكون مع الفعل ل قبله‪ ،‬أو يجب أن تكون متقدمة على الفعل أو يجب أن تكون معه وإن كانت متقدمة عليه؟‬

‫فمن قال بالول لزمه أن يكون كل عبد لم يفعل ما أمر به قد كلف ما ل يطيقه إذا لم يكن عنده قدرة إل مع الفعل‪.‬‬
‫ولهذا كان الصواب الذي عليه محققوا المتكلمين‪ ،‬وأهل الفقه‪ ،‬والحديث‪ ،‬والتصوف‪ ،‬وغيرهم ما دل عليه القرآن‪،‬‬
‫وهو