‫زاد المعاد‬

‫في هدي خير‬
‫العباد‬
‫للمام العلمة شيخ السلم‬
‫محمد بن أبى بكر الزرعى‬
‫ابن قيم الجوزية‬
‫الجزء الخامس‬

‫‪1‬‬

‫فصل‬
‫في هديه صلى ال عليه وسلم في القضِيَة والن ِكحَة والبُيُوع‬
‫ض من ذلك ذكر التشريع العام وإن كانت أقضيتهُ الخاصةُ تشريعاً عاماً‪ ،‬وإنما‬
‫وليس الغر ُ‬
‫الغرضُ ذكرُ هديه فى الحكومات الجزئية التى فصل بها بينَ الخصوم‪ ،‬وكيف كان هديهُ فى الحكم‬
‫بين الناس‪ ،‬ونذكرُ مع ذلك قضايا مِن أحكامه الكلية‪.‬‬
‫فصل‬
‫ثبت عنه صلى ال عليه وسلم من حديث بهزِ بن حكيم‪ ،‬عن أبيه‪ ،‬عن جده‪(( ،‬أن النبى صلى ال‬
‫ح َبسَ رجلً فى ُتهْمةٍ))‪ .‬قال أحمد وعلى بن المدينى‪ :‬هذا إسناد صحيح‪.‬‬
‫عليه وسلم َ‬
‫ن زياد عنه صلى ال عليه وسلم فى ((أحكامه))‪ :‬أنه صلى ال عليه وسلم سجن‬
‫وذكر اب ُ‬
‫غ َن ْيمَ ًة له‪.‬‬
‫شرْكاً له فى عبد‪ ،‬فوجب عليه استتمام عتقه حتى باع ُ‬
‫ل أعتق ِ‬
‫رج ً‬
‫فصل‬
‫فى حكمه فيمن َقتَلَ عبده‬
‫روى الوزاعى‪ ،‬عن عمرو بن شعيب‪ ،‬عن أبيه‪ ،‬عن جدّه‪ ،‬أن رجلً قتل عبدَه متعّمداً‪،‬‬
‫فجلده النبىّ صلى ال عليه وسلم مائة جلدةً‪ ،‬ونفاه سنةً‪ ،‬وأمره أن يعتِقَ رقب ًة ولم يُقِ ْد ُه به‪.‬‬
‫س ُم َرةَ رضىَ الُّ عنه‪ ،‬عنه صلى ال عليه‬
‫وروى المام أحمد‪ :‬من حديث الحسن‪ ،‬عن َ‬
‫عبْ َدهُ َق َت ْلنَاه)) فإن كان هذا محفوظاً‪ ،‬وقد سمعه منه الحسن‪ ،‬كان قتلُه تعزيزاً إلى‬
‫وسلم‪(( :‬مَنْ َقتَلَ َ‬
‫المام بحسب ما يراه من المصلحة‪.‬‬
‫ل بملزمة غريمه‪ ،‬كما ذكر أبو داود‪ ،‬عن النّضر بن شُميل‪ ،‬عن الهِرماس بن‬
‫وأمرَ رج ً‬
‫ى صلى ال عليه وسلم بغريم لى‪ ،‬فقال لى‪:‬‬
‫حبيب‪ ،‬عن أبيه‪ ،‬عن جدّه رضى الُّ عنه قال‪ :‬أتيتُ النب ّ‬
‫ل بِأسِيرك))؟ وروى أبو عبيدٍ‪ ،‬أنه صلى ال‬
‫ن تَ ْفعَ َ‬
‫سهْم ما تُري ُد أ ْ‬
‫((ا ْل َزمْهُ)) ثم قال لى‪(( :‬يا أخا بنى َ‬
‫ت حتى يموت‪.‬‬
‫عليه وسلم أمر بقتل القاتل‪ ،‬وص ْبرِ الصابر‪ .‬قال أبو عبيد‪ :‬أى‪ :‬بحبسه للمو ِ‬
‫سكُ فى السّجْنِ حتى يَموتَ‪.‬‬
‫وذكر عب ُد الرزاق فى ((مصنفه)) عن على‪ :‬يُحبس ال ُممْ ِ‬
‫فصل‬
‫فى حكمه فى المحاربين‬
‫ن الرّعاء‪ ،‬وتركهم حتى ماتُوا جوعاً‬
‫سمْلِ أعينهم‪ ،‬كما سملُوا عي َ‬
‫حَكم بقطع أيدِيهم‪ ،‬وأرجُلهِم‪ ،‬و َ‬
‫وعطشاً كما فعلوا بالرّعاء‪.‬‬
‫‪2‬‬

‫فصل‬
‫(يتبع‪)...‬‬
‫@فى حكمه بين القاتل وولى المقتول‬
‫ل أخاهُ‪،‬‬
‫ثبت فى ((صحيح مسلم))‪ :‬عنه صلى ال عليه وسلم أن رجلً ادّعى على آخر أنه قت َ‬
‫ح َبكَ))‪ ،‬فلما ولّى‪ ،‬قال‪(( :‬إنْ َق َتلَهُ‪ ،‬فهو ِم ْثلُه))‪ ،‬فرجعَ فقال‪ :‬إنما أخذتُه‬
‫ك صَا ِ‬
‫فاعترف‪ ،‬فقالَ‪(( :‬دُو َن َ‬
‫ح َبكَ))؟ فقال‪ :‬بلى فخلّى‬
‫ك وِإثْم صَا ِ‬
‫بأمرك‪ ،‬فقال صلى ال عليه وسلم‪(( :‬أمَا تُريدُ أَن يَبوءَ بإ ْث ِم َ‬
‫سبيلَه‪.‬‬
‫وفى قوله‪(( :‬فهو مثلُه))‪ ،‬قولن‪ ،‬أحدهما‪ :‬أن القاتل إذا قِيد منه‪ ،‬سقط ما عليه‪ ،‬فصار هو‬
‫والمستفيدُ بمنزلةٍ واحدة‪ ،‬وهو لم يقل‪ :‬إنه بمنزلته قبل القتل‪ ،‬وإنما قال‪(( :‬إن قتله فهو مثلُه))‪ ،‬وهذا‬
‫ق بترك القود‬
‫يقتضى المماثلةَ بعد قتله‪ ،‬فل إشكالَ فى الحديث‪ ،‬وإنما فيه التعريضُ لصاحب الح ّ‬
‫والعفو‪.‬‬
‫والثانى‪ :‬أنه إن كان لم يُرد قتلَ أخيه قتلَه به‪ ،‬فهو متعدّ مثله إذ كان القاتل متعدياً بالجناية‪،‬‬
‫والمقتصّ متع ٍد بقتل من لم يتعم ِد القتلَ‪ ،‬ويدلّ على التأويل ما روى المام أحمد فى ((مسنده))‪ :‬من‬
‫حديث أبى هُريرة رضى ال عنه قال‪ُ :‬قتِلَ رجل على عهد رسول ال صلى ال عليه وسلم‪َ ،‬فرُفِعَ‬
‫ل ال صلى ال عليه وسلم‪ ،‬فدفَعه إلى ولىّ المقتول‪ ،‬فقال القاتِلُ‪ :‬يا رسولَ ال‪ ،‬ما أردتُ‬
‫إلى رسو ِ‬
‫خ ْلتَ النّار))‪،‬‬
‫ل ال صلى ال عليه وسلم للولى‪(( :‬أمَا إنّ ُه إذَا كَانَ صَادِقاً‪ ،‬ثم َق َت ْلتَه َد َ‬
‫قتلَه‪ ،‬فقال رسو ُ‬
‫فخلّى سبيله‪ .‬وفى كتاب ابن حبيب فى هذا الحديث زيادةُ‪ ،‬وهى‪ :‬قال النبىّ صلى ال عليه وسلم‪:‬‬
‫((عَمْ ُد يَدٍ‪ ،‬وخَطَأُ َق ْلبٍ))‪.‬‬
‫فصل‬
‫فى حكمه بال َقوَ ِد على من قتل جاريةً‪ ،‬وأنه يُفعَلُ به كما َفعَلَ‬
‫ن على أوضاحٍ لها‪ ،‬أى‪:‬‬
‫ض رأسَ جاري ٍة بينَ حجريْ ِ‬
‫ثبت فى ((الصحيحين))‪(( :‬أن يهودياً ر ّ‬
‫ج َريْنِ))‪.‬‬
‫حَ‬
‫لّ صلى ال عليه وسلم أن ُيرَضّ رأسُه بين َ‬
‫ع َت َرفَ‪ ،‬فأمر رسولُ ا ِ‬
‫حِلىّ‪ ،‬فأُخِذَ‪ ،‬فا ْ‬
‫ُ‬
‫ل الرجل بالمرأة‪ ،‬وعلى أن الجانىَ يُفعل به كمَا َفعَلَ‪ ،‬وأن‬
‫ل على قت ِ‬
‫ث دلي ٌ‬
‫وفى هذا الحدي ِ‬
‫لّ صلى ال عليه وسلم لم يدفعه إلى أوليائها‪ ،‬ولم‬
‫القتل غيلة ل يُشترط فيه إذنُ الولى‪ ،‬فإنّ رسولَ ا ِ‬
‫يقل‪ :‬إن شِئتُم فاقتلُوه‪ ،‬وإن شئتم فاعفوا عنه‪ ،‬بل قتله حتماً‪ ،‬وهذا مذهبُ مالك‪ ،‬واختيارُ شيخِ السلم‬

‫‪3‬‬

‫ابن تيمية‪ ،‬ومن قال‪ :‬إنه فعل ذلك لِنقض العهد‪ ،‬لم َيصِحّ‪ ،‬فإن ناقض العهد ل تُرضخُ رأسهُ‬
‫بالحجارة‪ ،‬بل يُقتل بالسيف‪.‬‬
‫فصل‬
‫فى حكمه صلى ال عليه وسلم فيمن ضرب امرأةً حامِلً فَطرحهَا‬
‫جرٍ فقتلتها وما فى‬
‫ن من هُذيل رمت إحداهُما الُخرى بح َ‬
‫فى ((الصحيحين))‪(( :‬أن امرأتي ِ‬
‫عبْ ٍد أَو ولِي َدةٍ فى الجنين‪ ،‬وجعل دِيةَ‬
‫ل ال صلى ال عليه وسلم ب ُغ ّرةً‪َ :‬‬
‫بطنها‪ ،‬فقضى فيها رسو ُ‬
‫عصَبة القاتِلةِ))‪ ،‬هكذا فى ((الصحيحين))‪ .‬وفى النسائى‪(( :‬فقضى فى حملها ب ُغرّة‪،‬‬
‫المقتول ِة على َ‬
‫وأن تُقتل بها))‪ ،‬وكذلك قال غيرُه أيضاً‪ :‬إنه قتلها مكانها‪ ،‬والصحيح‪ :‬أنه لم يقتلها لما تقدم‪ .‬وقد‬
‫ى فى ((صحيحه)) عن أبى هريرة رضى ال عنه‪ ،‬أن رسول ال صلى ال عليه وسلم‬
‫روى البخار ّ‬
‫ن امرأ ٍة من بنى لَحيان ب ُغ ّرةٍ‪ :‬عبدٍ أو وليدةٍ‪ ،‬ثم إن المرأة التى قضى عليها بالغُرة‬
‫((قضى فى جني ِ‬
‫ل على‬
‫تُوفيت‪ ،‬فقضى رسول ال صلى ال عليه وسلم أن ميراثها لبنيها وزوجها‪ ،‬وأن العق َ‬
‫عصبتها))‪.‬‬
‫وفى هذا الحكم أن شِب َه العمدِ ل يُوجب القود‪ ،‬وأن العا ِقلَة تحمل ال ُغ ّرةَ تبعًا للدية‪ ،‬وأن العاقلة‬
‫ل معهم‪ ،‬وأن أولدهَا أيضاً ليسوا مِن العاقِلة‪.‬‬
‫هم العصبةُ‪ ،‬وأن زوجَ القاتلة ل يدخُ ُ‬
‫فصل‬
‫فى حكمه صلى ال عليه وسلم بالقَسامة فيمن لم يُعرف قا ِتلُه‬
‫ثبت فى ((الصحيحين))‪ :‬أنه صلى ال عليه وسلم حكم بها بين النصار واليهود‪ ،‬وقال‬
‫ستَحِقّونَ دَ َم صَاحِبكُم))؟ وقال البخارى‪:‬‬
‫حلِفُونَ وتَ ْ‬
‫عبْدِ الرحمن‪(( :‬أتَ ْ‬
‫ح ّيصَ َة و َ‬
‫ح َو ّيصَةَ ومُ َ‬
‫لِ ُ‬
‫ح َبكُم))‪ ،‬فقالوا‪ :‬أمرُ لم نشهده ولم نره‪ ،‬فقال‪َ (( :‬ف ُتبْرئكُم َيهُودُ بَأ ْيمَانِ‬
‫((وتستحقون قَا ِتَلكُم أو صا ِ‬
‫خمْسِينَ))‪ ،‬فَقَالُوا‪ :‬كيف نقبلُ أيمان َقوْمٍ كفار؟ فوداه رسولُ ال صلى ال عليه وسلم من عنده‪.‬‬
‫َ‬
‫وفى لفظ‪ :‬ويُقْسِمُ خمسون منكم على رجل منهم‪ ،‬فيُدْفَ ُع ِب ُر ّمتِهِ إليه))‪.‬‬
‫واختلف لفظُ الحاديث الصحيحة فى محل الدّية‪ ،‬ففى بعضها أنه صلى ال عليه وسلم وداه‬
‫مِن عنده‪ ،‬وفى بعضها وداه من إبل الصدقة‪.‬‬
‫وفى ((سنن أبى داود))‪ :‬أنه صلى ال عليه وسلم ((ألقى ديتَه على اليهود‪ ،‬لنه وُجِدَ‬
‫بينهم))‪.‬‬

‫‪4‬‬

‫وفى ((مصنف عبد الرزاق))‪ :‬أنه صلى ال عليه وسلم ((بدأ بيهود‪ ،‬فأ َبوْا أن يحلِفُوا‪ ،‬فردّ‬
‫القسام َة على النصار‪ ،‬فأبوا أن يحلِفُوا فجعل عَقلَه على يهود))‪.‬‬
‫وفى ((سنن النسائى))‪(( :‬فجعل عقله على اليهود‪ ،‬وأعانهم ببعضِها))‪.‬‬
‫وقد تضمنت هذه الحكومة أموراً‪:‬‬
‫منها‪ :‬الحكمُ بالقَسامة‪ ،‬وأنها مِن دين ال وشرعه‪.‬‬
‫ومنها‪ :‬القتلُ بها لِقوله‪(( :‬فيدفع بُر ّمتِهِ إليه))‪ ،‬وقوله فى لفظ آخر‪(( :‬وتستحِقّونَ دمَ‬
‫ن الولياء فى القسامة‪ ،‬وهو‬
‫صاحبكم))‪ ،‬فظاه ُر القرآن والسنة القتلُ بأيمان الزوج الملعن وأيما ِ‬
‫مذهبُ أهل المدنية‪ ،‬وأما أهلُ العراق‪ ،‬فل يقتلُونَ فى واحد منهما‪ ،‬وأحمدُ يقتل فى القسام ِة دون‬
‫اللعان‪ ،‬والشافعى عكسه‪.‬‬
‫ومنها‪ :‬أنه يبدأ بأيمان المُدّعِينَ فى القَسامة بخلف غيرِها من الدّعاوى‪.‬‬
‫ل الذّمة إذا منعوا حقًا عليهم‪ ،‬انتقضَ عهدُهم لِقوله صلى ال عليه وسلم‪(( :‬إما‬
‫ومنها‪ :‬أن أه َ‬
‫أن تدوه‪ ،‬وإما أن تأذنُوا بحرب))‪.‬‬
‫خصْهُ‪.‬‬
‫ب إليه‪ ،‬ولم يُشْ ِ‬
‫ومنها‪ :‬أن المدّعىَ عليه إذا َبعُدَ عن مجلس الحكم‪َ ،‬ك َت َ‬
‫ب القاضى وإن لم يُشهد عليه‪.‬‬
‫ومنها‪ :‬جوا ُز العملِ والحُكم بِكتا ِ‬
‫ومنها‪ :‬القضاء على الغائب‪.‬‬
‫ل من خمسين إذا وُجدوا‪.‬‬
‫ومنها‪ :‬أنه ل يُكتفى فى القَسامة بأق ّ‬
‫ومنها‪ :‬الحك ُم على أهل الذمة بحكم السلم‪ ،‬وإن لم يتحاكموا إلينا إذا كان الحك ُم بينهم وبينَ‬
‫المسلمين‪.‬‬
‫ومنها‪ :‬وهو الذى أشكل على كثيرٍ من الناس إعطاؤه الدية مِن إبل الصدقةِ‪ ،‬وقد ظنّ‬
‫ل الذمة ل يُعطى من الزكاة‪،‬‬
‫بعضُ الناس أن ذلك مِن سهم الغارمين‪ ،‬وهذا ل يصِح‪ ،‬فإن غارِ َم أه ِ‬
‫وظن بعضُهم أن ذلك مما َفضَل مِن الصدقة عن أهلها‪ ،‬فللمام أن يصرِفه فى المصالح‪ ،‬وهذا‬
‫ض الدية من إبل‬
‫أقربُ مِن الول‪ ،‬وأقربُ منه‪ :‬أنه صلى ال عليه وسلم وداه مِن عنده‪ ،‬واقتر َ‬
‫الصدقة‪ ،‬ويدل عليه‪:‬‬
‫((فواده من عنده)) وأقربُ من هذا ُكلّه أن يُقال‪ :‬لما تح ّملَها النبىّ صلى ال عليه وسلم‬
‫لصلح ذات البين بين الطائفتين‪ ،‬كان حكمُها حك َم القضاء على الغرم لما غرمه لصلح ذاتِ‬
‫البين‪ ،‬ولعل هذا مرادُ من قَال‪ :‬إن قضاها مِن سهم الغارمين‪ ،‬وهو صلى ال عليه وسلم لم يأخذ‬
‫‪5‬‬

‫ل له‪ ،‬ولكن جرى إعطا ُء الدية منها مجرى إعطاء الغارم منها‬
‫منها لنفسه شيئاً‪ ،‬فإن الصدقةَ ل تحِ ّ‬
‫لصلح ذات البين‪ .‬وال أعلم‪.‬‬
‫فإن قيل‪ :‬فكيف تصنعون بقوله ((فجعل عقلَه على اليهود))؟ فيقال‪ :‬هذا مجمل لم يحفظ‬
‫راويه كيفيةَ جعله عليهم‪ ،‬فإنه صلى ال عليه وسلم لما كتب إليهم أن يدوا القتيلَ‪ ،‬أو يأذنوا بحربٍ‪،‬‬
‫كان هذا كاللزام لهم بالدّية‪ ،‬ولكن الذى حفظوا أنهم أنكروا أن يكونوا قتلوا‪ ،‬وحلفوا على ذلك‪ ،‬وأن‬
‫رسولَ ال صلى ال عليه وسلم وداه من عنده‪ ،‬حفِظُوا زيادة على ذلك‪ ،‬فهم أولى بالتقديم‪.‬‬
‫فإن قيل‪ :‬فكيف تصنعون برواية النسائى‪(( :‬أنه قسمها على اليهود‪ ،‬وأعانهم ببعضها))؟‬
‫قيل‪ :‬هذا ليس بمحفوظ قطعاً‪ ،‬فإن الدية ل تلزم المدّى عليهم بمجرد دعوى أوليا ِء القتيل‪ ،‬بل ل بُد‬
‫ض النبىّ صلى ال عليه‬
‫من إقرار أو بينة‪ ،‬أو أيمان المدعين‪ ،‬ولم يُوجد هنا شىء من ذلك‪ ،‬وقد عر َ‬
‫ن القسامة على المدعين‪ ،‬فَأ َبوْا أن يحلِفُوا‪ ،‬فكيف يلزم اليهود بالدية بمجرد الدعوى‪.‬‬
‫وسلم أيما َ‬
‫فصل‬
‫فى حُكمه صلى ال عليه وسلم فى أربعةً سقطُوا فى بئر‪ ،‬فتعلّق بعضُهم ببعض‪ ،‬فهلكُوا‬
‫ذكر المام أحمد‪ ،‬والبزار‪ ،‬وغيرُهما‪ ،‬أن قوماً احتفروا بئراً باليمن‪ ،‬فسقط فيها رجلٌ‪ ،‬فتعلّق‬
‫بآخر‪ ،‬الثانى بالثالث‪ ،‬والثالث بالرابع‪ ،‬فسقطُوا جميعاً‪ ،‬فماتُوا‪ ،‬فارتفع أولياؤُهم إلى على بن أبى‬
‫ن حفر البئ َر مِن النّاسِ‪ ،‬وقضى للول بُربع الدية‪ ،‬لنه هلك‬
‫طالب رضى ال عنه‪ ،‬فقال‪ :‬اجمعُوا مَ ْ‬
‫فوقَه ثلثة‪ ،‬وللثانى بُثلثها لنه هلك فوقه اثنان‪ ،‬وللثالث بنصفهما لنه هلك فوقَه واحد‪ ،‬وللرابع‬
‫بالدية تامة‪ ،‬فأَتوا رسولَ ال صلى ال عليه وسلم العا َم المقبلَ‪ ،‬فقصّوا عليه القِصّة‪ ،‬فقال‪ُ (( :‬هوَ مَا‬
‫ق البزار‪.‬‬
‫قضَى َبيْنكُمْ))‪ ،‬هكذا سيا ُ‬
‫ل ال صلى ال‬
‫وسياق أحمد نحوه‪ ،‬وقال‪(( :‬إنهم َأ َبوْا أَن يرضوا بقضاء على‪ ،‬فََأتْوا رسو َ‬
‫عليه وسلم وهو عند مقام إبراهيم عليه السلم‪ ،‬فقصّوا عليه القِصة‪ ،‬فأجازه رسولُ ال صلى ال‬
‫عليه وسلم‪ ،‬وجعل الدية على قبائل الذين ازدحموا))‪.‬‬
‫فصل‬
‫فيمن تزوج إمرأة أبيه‬
‫روى المام أحمد‪ ،‬والنسائى وغيرُهما‪ :‬عن البراء رضى ال عنه‪ ،‬قال‪ :‬لقيتُ خالى أبا بُردة‬
‫ل تزوّج امرأة أبيه أن أقتُله‬
‫ل ال صلى ال عليه وسلم إلى رج ٍ‬
‫ومعه الراية‪ ،‬فقال‪(( :‬أرسلنى رسو ُ‬
‫وآخذ ماله))‪.‬‬
‫‪6‬‬

‫وذكر ابن أبى خيثمة فى ((تاريخه))‪ ،‬من حديث معاوية بن قُرة‪ ،‬عن أبيه‪ ،‬عن جده‪ ،‬رضى‬
‫ل ال صلى ال عليه وسلم بعثه إلى رجل‬
‫ال عنه‪ ،‬أن رسو َ‬

‫س بامرأةِ أبيه‪ ،‬فضرب عنقَه‪،‬‬
‫أعْر َ‬

‫وخ ّمسَ ماله‪ .‬قال يحيى بن معين‪ :‬هذا حديث صحيح‪.‬‬
‫وفى ((سنن ابن ماجه)) من حديث ابن عباس قال‪ :‬قال رسولُ ال صلى ال عليه وسلم‪:‬‬
‫ت مَحْرمٍ فَا ْق ُتلُوهُ))‪.‬‬
‫ن وَقَعَ عَلى ذَا ِ‬
‫((مَ ْ‬
‫ل اغتصبَ أختَه على نفسها‪ ،‬فقال‪ :‬احبِسُوهُ‪،‬‬
‫وذكر الجوزجانى‪ ،‬أنه رُفِ َع إلى الحجاجِ رج ٌ‬
‫ب رسول ال صلى ال عليه وسلم‪ ،‬فسألوا عبد ال بن أبى مطرّف‬
‫وسلوا مَنْ هاهنا من أصحا ِ‬
‫حرَ َم ال ُم ْؤ ِمنِينَ‪َ ،‬فخُطّوا وَسَطَه‬
‫رضى ال عنه‪ ،‬فقال‪ :‬سمعتُ رسول ال يقول‪(( :‬مَنْ تَخَطّى ُ‬
‫بالسّيفِ))‪.‬‬
‫وقد نص أحمد فى رواية إسماعيل بن سعيد‪ ،‬فى رجل تزوّج امرأة أبيه أو بذاتِ محرم‪،‬‬
‫فقال‪ :‬يُقتل‪ ،‬ويُدخل مالُه فى بيت المال‪.‬‬
‫ل ال صلى ال عليه وسلم‪.‬‬
‫ل هو الصحيح‪ ،‬وهو مقتضى حكمِ رسو ِ‬
‫وهذا القو ُ‬
‫ع ّزرَ‪،‬‬
‫وقال الشافعى ومالك وأبو حنيفة‪ :‬حدّه ح ّد الزانى‪ ،‬ثم قال أبو حنيفة‪ :‬إن وطئها بعد‪ُ ،‬‬
‫ول حد عليه‪ ،‬وحك ُم رسول ال صلى ال عليه وسلم وقضاؤه أحق وأولى‪.‬‬
‫فصل‬
‫فى حُكمه صلى ال عليه وسلم بقتل من ا ّتهِمَ بأم ولده فلما ظهرت براءتُه‪ ،‬أمسك عنه‬
‫روى ابن أبى خيثمة وابن السكن وغيرُهما من حديث ثابت‪ ،‬عن أنس رضى ال عنه‪ ،‬أن‬
‫ابنَ عمّ ماريةَ كان ُيتّهم بها‪ ،‬فقال النبىّ صلى ال عليه وسلم لعلى بن أبى طالب رضى ال عنه‪:‬‬
‫عنُقَهُ))‪ ،‬فأتا ُه علىّ فإذا هو فى َر ِكىّ يت َبرّدُ فيها‪ ،‬فقال له‬
‫ض ِربْ ُ‬
‫عنْ َد مَا ِريَةَ‪ ،‬فا ْ‬
‫ن وَجَ ْدتَهُ ِ‬
‫((اذْهَبْ فَإ ْ‬
‫ف عنه على‪ ،‬ثم أتى النبىّ‬
‫ب ليس له ذكر‪ ،‬فك ّ‬
‫على‪ :‬اخرج‪ ،‬فناوله يده‪ ،‬فأخرجه‪ ،‬فإذا هو مجبو ٌ‬
‫صلى ال عليه وسلم‪ ،‬فقال‪ :‬يا رسول ال‪ :‬إنه مجبوب‪ ،‬ماله ذكر‪ .‬وفى لفظ آخر‪ :‬أنه وجده فى نخلة‬
‫يجمع تمراً‪ ،‬وهو ملفوفٌ بخرقة‪ ،‬فلما رأى السيفَ‪ ،‬ارتعد وسقطت الخِرقة‪ ،‬فإذا هو مجبوبٌ ل ذكر‬
‫له‪.‬‬
‫وقد أشكلَ هذا القضا ُء على كثي ٍر من الناس‪ ،‬فطعن بعضُهم فى الحديث‪ ،‬ولكن ليس فى‬
‫إسناده من يتعلّق عليه‪ ،‬وتأوّله بعضُهم على أنه صلى ال عليه وسلم لم يُردْ حقيق َة القتل‪ ،‬إنما أرادَ‬
‫جرَ عن مجيئه إليها‪ .‬قال‪ :‬وهذا كما قال سليمان للمرأتين اللتين اختصمتا إليه فى الولد‪:‬‬
‫تخويفَه ليزد ِ‬
‫‪7‬‬

‫ق الولد بينهما))‪ ،‬ولم يرد أن يفعل ذلك‪ ،‬بل قصد استعل َم المر من هذا‬
‫((على بالسّكين حتى أشُ ّ‬
‫القول‪ ،‬ولذلك كان مِن تراجم الئمة على هذا الحديث‪ :‬باب الحاكم يُوهم خلف الحق لِيتوصل به‬
‫ل ال صلى ال عليه وسلم أن يَع ِرفَ الصحابة براءته‪ ،‬وبراءة مارية‪،‬‬
‫إلى معرفة الحق‪ ،‬فأحبّ رسو ُ‬
‫ل ال صلى ال عليه‬
‫وعلم أنه إذا عاين السيفَ‪ ،‬كشف عن حقيقة حاله‪ ،‬فجاء المرُ كما قدّره رسو ُ‬
‫وسلم‪.‬‬
‫ن من هذا أن يقال‪ :‬إن النبى صلى ال عليه وسلم أمر عليًا رضى ال عنه بقتله تعزيراً‬
‫وأحس ُ‬
‫لقدامه وجرأته على خلوته بأم ولده‪ ،‬فلما تبيّن لعلى حقيقة الحال‪ ،‬وأنه برىء من الريبة‪ ،‬كفّ عن‬
‫قتله‪ ،‬واستغنى عن القتل بتبيين الحال‪ ،‬والتعزيرُ بالقتل ليس بلزم كالحدّ‪ ،‬بل هو تاب ٌع للمصلحة‬
‫دائرٌ معها وجوداً وعدماً‪.‬‬
‫فصل‬
‫فى قضائه صلى ال عليه وسلم فى القتيل يُوجد بينَ قريتين‬
‫روى المام أحمد‪ ،‬وابن أبى شيبة‪ ،‬من حديث أبى سعيد الخدرى رضىَ ال عنه قال‪:‬‬
‫ل بَينَ قريتينِ‪ ،‬فأمر النبىّ صلى ال عليه وسلم فَ َذرَعَ ما بينهما‪ ،‬فوُجِدَ إلى أحدهما أقرب‪،‬‬
‫((وُجدَ قتي ٌ‬
‫علَى أقر ِب ِهمَا))‪.‬وفى ((مصنف عبد‬
‫فكأنى أنظر إلى شِبر رسول ال صلى ال عليه وسلم‪ ،‬فألقاهُ َ‬
‫الرزاق)) قال عمرُ بن عبد العزيز‪(( :‬قضى رسولُ ال صلى ال عليه وسلم فيما بلغنا فى القتيل‬
‫حّلفَ المدعون‪،‬‬
‫ن على المدّعى عليهم‪ ،‬فإن َن َكلُوا‪ُ ،‬‬
‫يُوجد بين ظهرانى دِيارِ قومٍ‪ :‬أنّ اليما َ‬
‫ف إذا لم‬
‫واستحقّوا‪ ،‬فإن نكل الفريقانِ‪ ،‬كانت الديةُ نِصفُها على المدّعى عليهم‪ ،‬وبطل النص ُ‬
‫يحلِفُوا))‪.‬‬
‫وقد نص المام أحمد فى رواية المروَزى على القول بمثل رواية أبى سعيد‪ ،‬فقال‪ :‬قلت لبى‬
‫ع ِرفَ القوم‪ .‬قلت‪:‬‬
‫ظلِمَ فيه قوم؟ فقال‪ :‬يُرد عليهم إن ُ‬
‫عبد ال‪ :‬القو ُم إذا أعطوا الشىء‪ ،‬فتبينوا أنه ُ‬
‫فإن لم يُعرفوا؟ قال‪ :‬يُفرّق على مساكين ذلك الموضع‪ ،‬فقلت‪ :‬فما الحُجة فى أن يُفرّق على مساكين‬
‫ن يعنى القرية التى‬
‫ذلك الموضع؟ فقال‪ :‬عمر بنُ الخطاب رضى ال عنه جعل الدي َة على أهل المكا ِ‬
‫ظلِ َم قوم منهم ولم‬
‫وُجِدَ فيها القتيل‪ ،‬فأراه قال‪ :‬كما أن عليهم الدية هكذا يُفرّقُ فيهم‪ ،‬يعنى‪ :‬إذا ُ‬
‫يُعرفوا‪ ،‬فهذا عمر بن الخطاب رضى ال عنه قد قضى بموجب هذا الحديث‪ ،‬وجعل الديةَ على أهل‬
‫المكان الذى وُجِدَ فيه القتيلِ‪ ،‬واحتج به أحمد‪ ،‬وجعل هذا أصلً فى تفريق المال الذى ظُلم فيه أهلُ‬
‫ذلك المكان عليهم إذا لم يُعرفوا بأعيانهم‪.‬‬
‫‪8‬‬

‫ل بمثله‪ ،‬ولم تَجُز‬
‫ح تعيّن القو ُ‬
‫وأما الثر الخر‪ ،‬فمرسل ل تقو ُم بمثله حجة‪ ،‬ولو ص ّ‬
‫مخالفته‪ ،‬ول يُخالف باب الدعاوى‪ ،‬ول باب القسامة‪ ،‬فإنه ليس فيهم َل ْوثٌ ظاهر يُوجب تقديم‬
‫ب المدّعين من وجهين‪ :‬أحدهما‪:‬‬
‫المدعين‪ ،‬فيقدم المدّعى عليهم فى اليمين‪ ،‬فإذا َن َكلُوا‪ ،‬قوىَ جان ُ‬
‫وجو ُد القتيل بين ظهرانيهم‪ .‬والثانى‪ :‬نكولُهم عن براءة ساحتهم باليمن‪ ،‬وهذا يقومُ مقا َم اللوثِ‬
‫حِلفُ المدّعون‪ ،‬ويستحقون‪ ،‬فإذا نكل الفريقانِ كلهما‪ ،‬أورث ذلك شبه ًة مركبة من‬
‫الظاهر‪َ ،‬فيَ ْ‬
‫نكول كُلّ واحد منهما‪ ،‬فلم ينهض ذلك سبباً ليجاب كمال الدية عليهم إذا لم يحلِف غرماؤهم‪ ،‬ول‬
‫إسقاطُها عنهم بالكلية حيث لم يحلِفُوا‪ ،‬فجعلت الدية نصفين‪ ،‬ووجب نصفُها على المدّعى عليهم‬
‫لثبوت الشبهة فى حقهم بترك اليمين‪ ،‬ولم تَجِب عليهم بكمالها‪ ،‬لن خُصومَهم لم يحلِفُوا‪ ،‬فلما كان‬
‫اللوثُ متركبًا من يمين المدعين‪ ،‬ونكول المدّعى عليهم‪ ،‬ولم يتمّ‪ ،‬سقط ما يقابل أيمان المدعين وهو‬
‫النصفُ‪ ،‬ووجب ما يُقابل نكول المدّعى عليهم وهو النصف‪ ،‬وهذا مِن أحسن الحكام وأعدِلها‪،‬‬
‫وبال التوفيق‪.‬‬
‫فصل‬
‫فى قضائه صلى ال عليه وسلم بتأخير القِصاصِ من الجُرح حتى َينْ َدمِلَ‬
‫ذكر عبد الرزاق فى ((مصنفه)) وغيرُه‪ :‬من حديث ابن جريج‪ ،‬عن عمرو بن شعيب قال‪:‬‬
‫ل ال صلى ال عليه وسلم فى رجل طعن آخر بقرن فى رجله‪ ،‬فقال‪ :‬يا رسول ال‪:‬‬
‫((قضى رسو ُ‬
‫ل أن يستقيده‪ ،‬فأقاده النبىّ صلى ال عليه وسلم‪،‬‬
‫حكَ))‪ ،‬فأبى الرجل إ ّ‬
‫جرَا ُ‬
‫حتّى َت ْب َرأَ ِ‬
‫أقِدْنى‪ ،‬فقال‪َ (( :‬‬
‫ى صلى ال عليه وسلم‪:‬‬
‫ت وبرأ صاحبى‪ ،‬فقال النب ّ‬
‫فصحّ المستقا ُد منه‪ ،‬وعرج المستقيد‪ ،‬فقال‪ :‬عرج ُ‬
‫لّ وبطل عَرجك))‪ ،‬ثم أمر رسولُ‬
‫ص ْيتَنى‪ ،‬فَأَبع َدكَ ا ُ‬
‫حكَ َف َع َ‬
‫حتّى َتبْرأَ جِرا ُ‬
‫((أَلَ ْم آ ُم ْركَ أَن ل تَستَقيدَ َ‬
‫عرَجَ أن ل يُستقاد منه حتى يبرأ جرح‬
‫ال صلى ال عليه وسلم من كان به جُرح بعد الرجل الذى َ‬
‫عرَج أو شللَ‪ ،‬فل قود فيه‪ ،‬وهو عقل‪ ،‬ومن‬
‫صاحبه‪ .‬فالجراح على ما بلغ حتى يبرأ‪ ،‬فما كان مِن َ‬
‫استقاد جرحاً‪ ،‬فأصيب المستقادُ منه‪ ،‬فعقل ما فضل من دِيته على جُرح صاحبه له‪.‬‬
‫ث فى ((مسند المام أحمد))‪ .‬من حديث عمرو بن شعيب‪ ،‬عن أبيه‪ ،‬عن جدّه‬
‫قلت‪ :‬الحدي ُ‬
‫ى صلى ال عليه وسلم فقال‪ :‬أقدنى‪ .‬فقال‪:‬‬
‫ل طعن بِ َقرْن فى ُر ْك َبتِهِ فجاء إلى النب ّ‬
‫متصل‪ ((،‬أن رج ً‬
‫حتّى َت ْب َرأَ))‪ ،‬جاء إليه فقال‪ :‬أَقِدْنى‪ .‬فأقاده‪ ،‬ثم جاء إليه‪ ،‬فقال‪ :‬يا رسولَ ال‪ ،‬عرجتُ‪ ،‬فقال‪(( :‬قَدْ‬
‫َ‬
‫ج َتكَ))‪ ،‬ثم نهى رسول ال صلى ال عليه وسلم أن يُقتصّ‬
‫عرْ َ‬
‫ص ْيتَنى‪ ،‬فََأ ْبعَ َدكَ ال وبَطّلَ َ‬
‫َن َه ْي ُتكَ َف َع َ‬
‫مِن جُرح حتى يبَرأ صاحبه))‪.‬‬
‫‪9‬‬

‫جرِحَ‪ ،‬فأرا َد أَن يستقيدَ‪ ،‬فنهى‬
‫وفى سنن الدارقطنى‪ :‬عن جابر رضى ال عنه‪(( ،‬أن رجلً ُ‬
‫رسولُ ال صلى ال عليه وسلم أن يُستقاد مِن الجارح حتى يبرَأ المجروحُ))‪.‬وقد تضمنتَ هذه‬
‫ص مِن الجُرح حتى يسِتق ّر أمرُه‪ ،‬إما باندمالٍ‪ ،‬أو بسِراية مستقرة‪،‬‬
‫الحكومةُ‪ ،‬أنه ل يجوز القتصا ُ‬
‫وأنّ سراية الجناية مضمونة بالقود‪ ،‬وجوازِ القِصاص فى الضربة بالعصا والقَرن ونحوهما‪ ،‬ول‬
‫ناسخ لهذه الحكومة‪ ،‬ول مُعارِضَ لها‪ ،‬والذى نسخ بها تعجيلُ القصاص قبل الندمال ل نفسُ‬
‫القصاص فتأمله‪ ،‬وأن المجنى عليه إذا بادر واقتصّ من الجانى‪ ،‬ثم سرتِ الجناية إلى عُضو من‬
‫أعضائه‪ ،‬أو إلى نفسه بعد القصاص‪ ،‬فالسراي ُة هدر‪.‬وأنه يُكتفى بالقصاص وحدَه دون تعزير‬
‫الجانى وحبسِه‪ ،‬قال عطاء‪ :‬الجروحُ قِصاص‪ ،‬وليس للمام أن يض ِربَه ول يسجِنه‪ ،‬إنما هو‬
‫القصاص‪ ،‬وما كان ربك نسياً‪ ،‬ولو شاء‪ ،‬لمر بالضرب والسجن‪ .‬وقال مالك‪ :‬يُقتص منه بحقّ‬
‫الدمى‪ ،‬ويُعاقب لجرأته‪.‬‬
‫ص يُغنى عن العقوبة الزائدة‪ ،‬فهو كالح ّد إذا أُقيم على المحدود‪ ،‬لم‬
‫والجمهور يقولون‪ :‬القصا ُ‬
‫يحتج معه إلى عقوبة أخرى‪.‬‬
‫والمعاصى ثلثة أنواع‪ :‬نوعٌ عليه حدّ مقدّر‪ ،‬فل يُجمع بينه وبين التعزير‪ .‬ونوعٌ ل‬
‫حدّ فيه‪ ،‬ول كفارة‪ ،‬فهذا يُردع فيه بالتعزير‪ ،‬ونوع فيه كفارة‪ ،‬ول حد فيه‪ ،‬كالوطء فى الحرام‬
‫والصيام‪ ،‬فهل يُجمع فيه بين الكفارة والتعزير؟ على قولين للعلماء‪ ،‬وهما وجهان لصحاب أحمد‪،‬‬
‫والقِصاص يجرى مجرى الحدّ‪ ،‬فل يُجمع بينه وبين التعزير‪.‬‬
‫فصل‬
‫فى قضائِ ِه صلى ال عليه وسلم بالقِصاصِ فى كسرِ السن‬
‫ت ال ّر َبيّعِ لط َمتْ جَارِية‪ ،‬فكسرت‬
‫فى ((الصحيحين))‪ :‬من حديث أنس‪ ،‬أن ابنة النضر أخ َ‬
‫سنّها‪ ،‬فاختصمُوا إلى النبىّ صلى ال عليه وسلم‪ ،‬فأمر بالقِصاصِ‪ ،‬فقالت أُمّ ال ّر َبيّعِ‪ :‬يا رسول ال‪،‬‬
‫ِ‬
‫ن َلوْ‬
‫لّ مَ ْ‬
‫عبَادِ ا ِ‬
‫ن مِنْ ِ‬
‫أَيقتص مِن فُلنة‪ ،‬ل وال ل يُ ْقتَصّ منها‪ ،‬فقال النبى صلى ال عليه وسلم‪(( :‬إ ّ‬
‫ل َب ّرهُ))‪.‬‬
‫علَى الِّ َ‬
‫أَقْسَمَ َ‬
‫فصل‬
‫فى قضائه صلى ال عليه وسلم فيمن عضّ ي َد رَجُلٍ‪ ،‬فانتزع يده من فيه‪ ،‬فسقطت ثنية العاض‬
‫بإهدارها‬

‫‪10‬‬

‫ثبت فى ((الصحيحين))‪ :‬أن رجلً عضّ يدَ رجل‪ ،‬فنزع يدَه من فيه‪ ،‬فوقعت ثناياه‪،‬‬
‫ض الفَحْلُ‪ ،‬ل دِيةَ‬
‫فاختصمُوا إلى النبىّ صلى ال عليه وسلم‪ ،‬فقال‪َ (( :‬يعَضّ أحَ ُدكُم أَخَاهُ كما َيعَ ّ‬
‫َلكَ))‪.‬‬
‫ت هذه الحكومةُ أن مَنْ خلّص نَفَسَه مِن يدِ ظالمٍ له‪َ ،‬ف َتلِ َفتْ نَ ْفسُ الظالم‪ ،‬أو شىءٌ‬
‫وقد تضمّن ْ‬
‫غ ْي ُر مضمون‪.‬‬
‫مِنْ أطرافه أو مَالِ ِه بذلك‪ ،‬فهو هَ ْدرٌ َ‬
‫فصل‬
‫حصَاةٍ أَو عُود‪ ،‬ففقأ‬
‫ل بغير إذنه‪ ،‬فَحذَفَهُ ب َ‬
‫فى قضائه صلى ال عليه وسلم فيمن أطلع فى بيت رجُ ٍ‬
‫عينه‪ ،‬فل شىء عليه‬
‫(يتبع‪)...‬‬
‫@‬
‫ثبت فى ((الصحيحين)) من حديث أبى هريرة رضى ال عنه‪ ،‬عن النبى صلى ال عليه‬
‫عَليْكَ‬
‫ع ْينَهُ‪ ،‬لَ ْم َيكُنْ َ‬
‫حصَاةٍ‪ ،‬فَفَ َقَأتْ َ‬
‫ك ِب َغ ْيرِ إِذْن‪ ،‬فَحذَ ْفتَهُ‪ِ ،‬ب َ‬
‫عَل ْي َ‬
‫وسلم قال‪َ(( :‬ل ْو أَنّ امرءًا اطّلعَ َ‬
‫جنَاحٌ))‪.‬‬
‫ُ‬
‫ع ْينَهُ‪ ،‬فَلَ دِي َة لَهُ ول ِقصَاصِ))‪.‬‬
‫وفى لفظ فيهما‪(( :‬مَنِ اطّلعَ فى َب ْيتِ َقوْمٍ ِب َغ ْي ِر إ ْذ ِنهِمْ‪ ،‬فَفَ َقؤُوا َ‬
‫ى صلى ال عليه وسلم‪ ،‬فقام إليهِ‬
‫ج ِر النب ّ‬
‫حرٍ فى بعضِ حُ َ‬
‫وفيهما‪(( :‬أن رجلً اطلعَ من جُ ْ‬
‫بمِشْقَصٍ‪ ،‬وجعلَ يختِل ُه لِيطعَنه))‪ ،‬فذهب إلى القول بهذه الحكومة‪ ،‬إلى التى قبلها فقهاءُ الحديث‪،‬‬
‫منهم‪ :‬المامُ أحمد‪ ،‬والشافعى ولم يقل بها أبو حنيفة ومالك‪.‬‬
‫[قضاء متنوع في القتل والدية]‬
‫فصل‬
‫ل ال صلى ال عليه وسلم ((أن الحامِلَ إذا َق َتلَت عمداً ل تُقتل حتى تضَعَ ما فى‬
‫وقضَى رسو ُ‬
‫ل َولَدَهَا))‪ .‬ذكره ابن ماجه فى ((سننه))‪.‬‬
‫بطنها وحتّى ُتكَفّ َ‬
‫وقضى ((أن ل يُقتل الوالدُ بالولَدِ))‪ .‬ذكره النسائى وأحمد‪.‬‬
‫ن بكافر))‪.‬‬
‫وقضى ((أن المؤمنين تتكافأ دماؤهم‪ ،‬ول يُ ْقتَل مؤمِ ٌ‬
‫ل له قتيل‪ ،‬فأهله َبيْنَ خِي َر َتيْنِ‪ ،‬إما أن يقتلُوا أو يأخذوا العقل‪.‬‬
‫وقضى أن من ُقتِ َ‬
‫وقضى أن فى دية الصابع من اليدين والرّجلين فى كل واحدة عشرًا مِن البل‪ .‬وقضى فى السنان‬
‫س خمسٍ‪.‬وقضى فى‬
‫فى كل سِن بخمسٍ من البل‪ ،‬وأنها كلها سواء‪ ،‬وقضى فى المواضح بخم ٍ‬
‫‪11‬‬

‫ط َعتْ بثلث ديتها‪ ،‬وفى السّنّ‬
‫ستْ بثلث ديتها‪ ،‬وفى اليد الشلء إذا قُ ِ‬
‫طمِ َ‬
‫العين السّادة لمكانها إذا ُ‬
‫عتْ بثلث ديتها‪.‬‬
‫السوداء إذا نُز َ‬
‫ت أرنبتُه بنصف الدية‪.‬‬
‫ع ْ‬
‫ع ُكلّه بالدية كاملة‪ ،‬وإذا جُدِ َ‬
‫وقضى فى النف إذا جُدِ َ‬
‫وقضى فى المأمومة ب ُثلُث الدية‪ ،‬وفى الجائفة بثلثها‪ ،‬وفى ال ُمنَ ّقلَةِ بخمسةَ عشرَ من البل‪.‬‬
‫ض َتيْنِ بالدية‪ ،‬وفى ال ّذ َكرِ بالدية‪ ،‬وفى‬
‫وقضى فى اللسان بالدية‪ ،‬وفى الشفتين بالدية‪ ،‬وفى ال َبيْ َ‬
‫صلْب بالدية‪ ،‬وفى العينين بالدية‪ ،‬وفى إحداهما بنصفها‪ ،‬وفى الرجل الواحدة بنصف الدية‪ ،‬وفى‬
‫ال ّ‬
‫اليد بنصف الدية‪ ،‬وقضى أن الرجل يُقتل بالمرأة‪.‬‬
‫وقضى أن دية الخطأ على العاقلة مائة من البل‪ ،‬واختلفت الرواية عنه فى أسنانها‪،‬‬
‫ن ِب ْنتَ َمخَاضٍ‪،‬‬
‫لثُو َ‬
‫ففى السنن الربعة عنه من حديث عمرو بن شعيب‪ ،‬عن أبيه‪ ،‬عن جده‪(( :‬ثَ َ‬
‫لثُونَ حِقّةً‪ ،‬وعَشَر ُة بنى َلبُونٍ َذ َكرٍ))‪.‬‬
‫ت َلبُون‪ ،‬وثَ َ‬
‫ن ِب ْن َ‬
‫لثُو َ‬
‫وثَ َ‬
‫قال الخطابى‪ :‬ول أعلم أحدًا مِن الفقهاء قال بهذا‪.‬‬
‫ت مَخَاضٍ‪ ،‬وعشرون بنت‬
‫وفيها أيضا من حديث ابن مسعود‪ :‬أنها أخماسٌ‪((:‬عِشرون بن َ‬
‫لَبون‪ ،‬وعشرون ابن مخاض‪ ،‬وعشرون حِقّة‪ ،‬وعِشرونَ جَذَعَة))‪.‬‬
‫خلِفَة‪ ،‬وما‬
‫وقضى فى العمد إذا رضُوا بالدّية ثلثين حِقّة‪ ،‬وثلثين جَذَعة‪ ،‬وأربعين َ‬
‫صُولحوا عليه‪ ،‬فهو لهم‪.‬‬
‫فذهب أحمد وأبو حنيفة إلى القول بحديث ابن مسعودٍ رضى ال عنهما‪ ،‬وجعل الشافعى‬
‫ومالك بدل ابن مخاض ابن لبون‪ ،‬وليس فى واحد من الحديثين‪.‬‬
‫ى صلى ال عليه وسلم على أهل البل مائة من البل‪ ،‬وعلى أهل البقر مائتى‬
‫وفرضها النب ّ‬
‫حلَلِ مائتى حُلة‪.‬‬
‫بقرة‪ ،‬وعلى أهلِ الشاءِ ألفى شاة‪ ،‬وعلى أهل ال ُ‬
‫وقال عمرو بن شعيب‪ ،‬عن أبيه‪ ،‬عن جده رضى ال عنه أنه صلى ال عليه وسلم ((جعلها‬
‫ثمانمائة دينار‪ ،‬أو ثمانمائة آلف درهم))‪.‬‬
‫وذكر أهل السنن الربعة من حديث عكرمة‪ ،‬عن ابن عباس رضى ال عنهما‪((،‬أن رجلً‬
‫شرَ أَلفاً))‪.‬‬
‫ل النبى صلى ال عليه وسلم ديتَه اثنى ع َ‬
‫ُقتِلَ‪ ،‬فجع َ‬
‫وثبت عن عمر أنه خطب فقال‪ :‬إن البلَ قد غلت‪ ،‬ففرضها على أهلِ الذهب ألفَ دينار‪،‬‬
‫ل البقر مائتى بقرة‪ ،‬وعلى أهل الشا ِء ألفى شاة‪ ،‬وعلى أهل‬
‫وعلى أهل ال َورِقِ عشر ألفاً‪ ،‬وعلى أه ِ‬
‫الحُلل مائتى حلة‪ ،‬وترك دِية أهل الذمة‪ ،‬فلم يرفعها فيما رَفَ َع مِن الدية‪.‬‬
‫‪12‬‬

‫ل السنن الربعة عنه صلى ال عليه وسلم‪:‬‬
‫وقد روى أه ُ‬
‫صفُ عَقْلِ‬
‫ل ال ِكتَابينِ ِن ْ‬
‫ل أَهْ ِ‬
‫حرّ‪ .‬ولفظ ابن ماجه‪ :‬قضى أن عق َ‬
‫صفُ ِديَةِ ال ُ‬
‫(( ِديَةُ المعَاهَ ِد ِن ْ‬
‫المسلمين‪ ،‬وهم اليهود والنصارى))‪.‬‬
‫واختلف الفقهاء فى ذلك‪ ،‬فقال مالك‪ :‬ديتهم نصفُ دية المسلمين فى الخطأ والعمد‪ ،‬وقال‬
‫الشافعى‪ :‬ثلثُها فى الخطأ والعمد‪ .‬وقال أبو حنيفة‪ :‬بل كِدَية المسلم فى الخطأ والعمد‪ .‬وقال المام‬
‫ل دية المسلم فى العمد‪ .‬وعنه فى الخطأ روايتان‪ ،‬إحداهما‪ :‬نصفُ الدية‪ ،‬وهى ظاهر‬
‫أحمد‪ :‬مث ُ‬
‫ع َمرَ جعل‬
‫مذهبه‪ .‬والثانية‪ :‬ثلثها‪ ،‬فأخذ مالك بظاهر حديث عمرو بن شعيب‪ ،‬وأخذ الشافعىّ بأن ُ‬
‫ف الدية‬
‫ضعّ َ‬
‫ث دية المسلم‪ ،‬وأخذ أحمدُ بحديث عمرو إل أنه فى العم ِد َ‬
‫ديته أربعة آلف‪ ،‬وهى ثل ُ‬
‫ضعّفت عليه الدية عقوبة‪،‬‬
‫عقوبة لجل سقوط القصاص‪ ،‬وهكذا عنده مَنْ سقط عنه القصاص‪ُ ،‬‬
‫نص عليه توفيقاً‪ ،‬وأخذ أبو حنيفة بما هو أصلُه من جريان القصاص بينهما‪ ،‬فتتساوى ديتُهما‪.‬‬
‫ل المرأة ِمثْلُ عقل الرجل إلى الثلث من ديتها))‬
‫وقضى صلى ال عليه وسلم ((أن عق َ‬
‫ذكره النسائى‪ .‬فتصير على النصف من ديته‪ ،‬وقَضى بالدية على العاقلة‪ ،‬وبرأ منها الزوج‪ ،‬وولد‬
‫المرأة القاتلة‪.‬‬
‫ل يُودى بقدر ما أَدّى من كتابته دية الحر‪ ،‬وما‬
‫وقضى فى المكاتب أنه إذا ُقتِ َ‬
‫ى بن أبى طالب‪ ،‬وإبراهيم النّخعى‪،‬‬
‫بقى فدية المملوك‪ ،‬قلت‪ :‬يعنى قيمته‪ ،‬وقضى بهذا القضاء عل ّ‬
‫ويُذكر رواية عن أحمد‪ ،‬وقال عمر‪ :‬إذا أَدّى شطرَ كتابته كان غريماً‪ ،‬ول يرجع رقيقاً‪ ،‬وبه قضى‬
‫عبدُ الملك بن مروان‪ .‬وقال ابن مسعود‪ :‬إذا أدّى الثلث‪ ،‬وقال عطاء‪ :‬إذا أدّى ثلثة أرباع الكتابة‪،‬‬
‫ى لم تُجمع المةُ على تركه‪ ،‬ولم يُعلم نسخه‪.‬‬
‫فهو غريم‪ ،‬والمقصود‪ :‬أن هذا القضاء النبو ّ‬
‫عَليْهِ ِدرْهَم)) فل معارضة بينه وبين هذا القضاء‪ ،‬فإنه‬
‫عبْدٌ مَا بَ ِقىَ َ‬
‫وأما حديث ((المكَاتبُ َ‬
‫فى الرق بعد‪ ،‬ول تحصل حريته التامة إل بالداء‪.‬‬
‫فصل‬
‫فى قضائه صلى ال عليه وسلم على من أقر بالزنى‬
‫ى صلى ال عليه وسلم‪،‬‬
‫ل من أسلم جاء إلى النب ّ‬
‫ثبت فى صحيح البخارى ومسلم أن رج ً‬
‫شهِ َد على نفسه أربعَ مرّاتٍ‪ ،‬فقال‬
‫ى صلى ال عليه وسلم‪ ،‬حتى َ‬
‫فاعترف بالزنى‪ ،‬فأعرض عنه النب ّ‬
‫ص ْنتَ))؟ قَالَ‪ :‬نعم‪ ،‬فأ َم َر بهِ‪َ ،‬فرُجمَ‬
‫النبىّ صلى ال عليه وسلم‪َ(( :‬أ ِبكَ جُنونٌ))؟ قال‪ :‬ل‪ .‬قال‪(( :‬أَحْ َ‬

‫‪13‬‬

‫فى المصلّى‪ ،‬فلمّا أذلَ َقتْهُ الحجارةُ‪ ،‬فرّ فأَ ْد ِركَ‪ ،‬فُرجِم حتى مات‪ ،‬فقال النبى صلى ال عليه وسلم‬
‫ى عليه‪.‬‬
‫خيراً‪ ،‬وصل ّ‬
‫ع ْنكَ))‪ ،‬قال‪ :‬وما بلغك عنى‪ ،‬قال‪َ :‬بَلغَنى أ ّنكَ‬
‫ق مََا َبَلغَنى َ‬
‫وفى لفظ لهما‪ :‬أنه قال‪ :‬له ((أَحَ ّ‬
‫ى صلى ال‬
‫شهِ َد على نفسه أربعَ شهاداتٍ‪ ،‬ثم دعاه النب ّ‬
‫وَ َق ْعتَ بجَا ِريَ ِة بنى فُلَنٍ)) فقال‪ :‬نعم‪ ،‬قال‪ :‬فَ َ‬
‫ص ْنتَ)) ؛ قال‪ :‬نعم‪ ،‬ثم أ َم َر بِهِ َفرُجِمَ‪.‬‬
‫ح َ‬
‫جنُونٌ))‪ ،‬قال‪ :‬ل‪ ،‬قَالَ‪(( :‬أ ْ‬
‫عليه وسلم فقال‪(( :‬أ ِبكَ ُ‬
‫وفى لفظ لهما‪ :‬فلما شهد على نفسه أربَعَ شهادات‪ ،‬دعاه النبىّ صلى ال عليه وسلم فقال‪:‬‬
‫جمُوه))‪.‬وفى لفظ‬
‫ص ْنتَ))؟ قال‪ :‬نعم‪ .‬قالَ‪ :‬اذْ َهبُوا بهِ‪ ،‬فَار ُ‬
‫ح َ‬
‫((أ ِبكَ جنُونٌ)) ؛ قال‪ :‬ل‪ .‬قال‪(( :‬أَ ْ‬
‫ظ ْرتَ))‪ ،‬قال‪ :‬ل يا‬
‫غ َم ْزتَ‪ ،‬أو نَ َ‬
‫ت أو َ‬
‫للبخارى‪ :‬أن النبى صلى ال عليه وسلم قال‪َ(( :‬لعَّلكَ َق ّب ْل َ‬
‫رسول ال‪ .‬قال‪(( :‬أَ ِن ْك َتهَا)) ل َيكْنى‪ ،‬قال‪ :‬نعم‪َ ،‬ف ِعنْ َد ذلك أمر برجمه‪.‬‬
‫وفى لفظ لبى داود‪ :‬أنه شَهد على نفسه أربعَ مرات‪ ،‬كُلّ ذلك ُي ْعرِضُ عنه‪ ،‬فَأَقبِل فى‬
‫ك ِم ْنهَا))؟ قال‪ :‬نعم‪ .‬قال‪:‬‬
‫حتّى غَاب ذِلكَ ِم ْنكَ فى ذِل َ‬
‫الخامسة‪ ،‬قال‪َ(( :‬أ ِنكْ َتهَا))؟ قال‪ :‬نعم‪ .‬قال‪َ (( :‬‬
‫ل تَدْرى مَا ال ّزنَى))؟ قال‪:‬‬
‫حلَ ِة والرّشاء فى البئرِ))؟ قال‪ :‬نعم‪ .‬قال‪َ (( :‬فهَ ْ‬
‫ب المِيلُ فى ال ُمكْ ُ‬
‫(( َكمَا يغِي ُ‬
‫ل من امرأته حللً‪ .‬قال‪َ (( :‬فمَا تُري ُد بِهذا ال َقوْلِ))؟ قال‪ :‬أري ُد أن‬
‫نعم أتيتُ منها حراماً ما يأتى الرج ُ‬
‫تطهّرنى قال‪ :‬فَأ َمرَ به َفرُجِمَ‪.‬‬
‫وفى ((السنن))‪ :‬أنه لما وج َد مسّ الحِجارة‪ ،‬قال‪ :‬يا قو ُم رُدّونى إلى رسول ال صلى ال‬
‫ل ال صلى ال عليه وسلم‬
‫عليه وسلم‪ ،‬فإن قومى قتلونى‪ ،‬وغرّونى من نفسى‪ ،‬وأخبرونى أن رسو َ‬
‫غيرُ قاتلى‪.‬‬
‫ل إنى قد زنيتُ فطهّرنى‪ ،‬وأنه‬
‫وفى ((صحيح مسلم))‪(( :‬فجاءت الغامدية فقالت‪ :‬يا رسولَ ا ّ‬
‫ردّها‪ ،‬فلما كان مِن الغد‪ ،‬قالت‪ :‬يا رسول الِّ ثم َترُدّنى‪ ،‬لعلك أن َترُدّنى كما رددتَ ماعزاً؟ فوال‬
‫حتّى َتلِدى))‪ ،‬فلما ولدت‪ ،‬أتته بالصبىّ فى خِرقة‪ ،‬قالت‪ :‬هذا قد‬
‫إنى لحبلى‪ ،‬قال‪ :‬إمّا لَ‪ ،‬فاذْهبى َ‬
‫طمِيهِ))‪ ،‬فلما فطمته‪ ،‬أتته بالصبىّ فى يده كِسرة خبز‪،‬‬
‫حتّى تَفْ ِ‬
‫ضعِيهِ َ‬
‫ولدتُه‪ ،‬قال‪(( :‬اذْهبى فََأ ْر ِ‬
‫فقالت‪ :‬هذا يا نبىّ ال قد فطمتُه‪ ،‬وقد أكل الطعامَ‪ ،‬فدفع الصبىّ إلى رجل من المسلمين‪ ،‬ثم َأ َمرَ بها‪،‬‬
‫فَحُ ِف َر لها إلى صدرها‪ ،‬وأمر الناسِ فرجموها‪ ،‬فأقبل خال ُد بن الوليدِ بحجرٍ‪ ،‬فرمى رأسها‪ ،‬فانتضحَ‬
‫الدمُ على وجهِ‪ ،‬فسبّها‪ ،‬فقال رسول ال صلى ال عليه وسلم‪َ (( :‬مهْلً يا خَالِدُ َفوَالّذى نَفْسى بيَده‪ ،‬لَقَدْ‬
‫س َلغُ ِفرَ لَهُ)) ثم أمر بها‪ ،‬فصلى عليها‪ ،‬ودُفنت‪.‬وفى ((صحيح‬
‫ب َم ْك ٍ‬
‫ح ُ‬
‫ت َت ْوبَةً َل ْو تَا َبهَا‪ ،‬صَا ِ‬
‫تَا َب ْ‬
‫حصِنْ بنفى عامٍ‪ ،‬وإقامةِ‬
‫البخارى))‪ :‬أن رسول ال صلى ال عليه وسلم قضى فيمن زنى‪ ،‬ولم يُ ْ‬
‫‪14‬‬

‫لّ إل قضيتَ بيننا بكتابِ ال‪ ،‬فقام‬
‫الحدّ عليه‪.‬وفى ((الصحيحين))‪ :‬أن رجلً قال له‪ :‬أنشُ ُدكَ با ِ‬
‫خصمه‪ ،‬وكان أفقَه مِنه‪ ،‬فقال‪ :‬صَدَقَ اقْضِ بيننا بكتابِ الِّ‪ ،‬وائذن لى‪ ،‬فقال‪((:‬قل)) قال‪ :‬إن ابنى‬
‫كانَ عسيفًا على هذا‪ ،‬فزنى بامرأته‪ ،‬فافتديتُ منه بمائة شاةٍ وخادِم‪ ،‬وإنى سألتُ أهلَ بالعلم‪،‬‬
‫جلْدَ مائ ٍة وتغريبَ عام‪ ،‬وأن على امرأةِ هذا الرجم‪ ،‬فقال‪(( :‬والّذِى نَفْسِى‬
‫فأخبرونى أن على ابنى َ‬
‫جلْدُ مائَ ٍة و َت ٌغرِيبُ عَامٍ‪ ،‬واغْدُ‬
‫عَل ْيكَ‪ ،‬وعلى ا ْب ِنكَ َ‬
‫ن َب ْي َن ُكمَا ِب ِكتَابِ الِّ‪ ،‬المائَةُ والخَادِمُ رَدّ َ‬
‫ضيْ ّ‬
‫ل ْق ِ‬
‫َبيَ ِدهِ َ‬
‫جمَها‪.‬‬
‫ع َترَ َفتْ َفرَ َ‬
‫جمْها))‪ ،‬فا ْ‬
‫ع َترَ َفتْ فَارْ ُ‬
‫علَى ا ْم َرأَةِ هذَا‪ ،‬فاسَْأ ْلهَا‪ ،‬فإن ا ْ‬
‫يا أُنيسُ َ‬
‫وفى ((صحيح مسلم)) عنه صلىال عليه وسلم‪(( :‬الثّيبُ بالثّيب جلدُ مائ ٍة والرجْمُ‪ ،‬والبِ ْكرُ‬
‫جلْدُ مائَ ٍة وتغريب عام))‪.‬‬
‫بال ِب ْكرِ َ‬
‫فتضمنت هذه القضية رج َم الثيب‪ ،‬وأنه ل يُرجم حتى يُ ِق ّر أربع مراتٍ‪ ،‬وأنه إذا أقر دون‬
‫ض عنه‪ ،‬ويعرض له بعدم تكميل‬
‫الربع‪ ،‬لم يلزم بتكميل نصاب القرار‪ ،‬بل للمام أن ُي ْعرِ َ‬
‫القرار‪.‬وأن إقرارَ زائل العقل بجنون‪ ،‬أو سكر ملغى ل عِبرة به‪ ،‬وكذلك طلق ُه وعِتقُه‪ ،‬وأيمانُه‬
‫ووصيتُه‪.‬‬
‫وأن الحر المحصَن إذا زنى بجارية‪ ،‬فحده الرجم‪ ،‬كما لو زنى بحرة‪.‬‬
‫وأن المام يُستحب له أن يُعرّض للمقر بأن ل يُ ِقرّ‪ ،‬وأنه يجب استفسارُ المقرّ فى محل‬
‫الجمال‪ ،‬لن اليدَ والف َم والعين لما كان استمتاعُها زنى استفسر عنه دفعاً لحتماله‪.‬‬
‫وأن المام له أن يصرح باسم الوطء الخاص به عند الحاجة إليه كالسؤال عن الفعل‪.‬‬
‫وأن الحد ل يجبَ على جاهل بالتحريم‪ ،‬لنه صلى ال عليه وسلم سأله عن حكم الزنى‪،‬‬
‫فقال‪ :‬أأتيتُ منها حراماً ما يأتى الرجل مِن أهله حللً‪.‬‬
‫طمَه‪ ،‬وأن‬
‫ضعَه وتَف ِ‬
‫وأن الحد ل يُقام على الحامل‪ ،‬وأنها إذا ولدت الصبىّ‪ ،‬أمهَلتْ حتى تُر ِ‬
‫ب عليه أن يبدأ بالرجم‪.‬‬
‫ج ُ‬
‫المرأ َة يُحفَر لها دون الرجل‪ ،‬وأن المام ل ي ِ‬
‫ل المعاصى إذا تابوا‪ ،‬وأنه يُصلّى على من ُقتِلَ فى ح ّد الزنى‪ ،‬وأن المُقِ ّر إذا‬
‫ب أه ِ‬
‫وأنه ل يجوز س ّ‬
‫استقال فى أثناء الحد‪ ،‬وفّر‪ ،‬ترك ولم يتمم عليه الحد‪ ،‬فقيل‪ :‬لنه رجوع‪ .‬وقيل‪ :‬لنه توبة قبل تكميل‬
‫الحد‪ ،‬فل يقام عليه كما لو تاب قبل الشروع فيه‪ ،‬وهذا اختيار شيخنا‪.‬‬
‫وأن الرجل إذا أقرّ أنه زنى بفلنة‪ ،‬لم يُقم عليه حَ ّد مع حد الزنى‪.‬‬
‫وأن ما ُقبِضَ من المال بالصلح الباطلِ باطل يجبُ ردّه‪.‬‬
‫وأن المام له أن يُوكّل فى استيفاء الحد‪.‬‬
‫‪15‬‬

‫وأن الثيب ل يُجمع عليه بين الجل ِد والرجم‪ ،‬لنه صلى ال عليه وسلم لم يجلد ماعزاً‬
‫جلِدَ المرأة التى أرسله إليها‪ ،‬وهذا قول الجمهور‪ ،‬وحديث عبادة‪:‬‬
‫ول الغامدية‪ ،‬ولم يأمر أنيسًَا أن َي ْ‬
‫جلْدُ مِائَةٍ والرجم منسوخ))‪ .‬فإن هذا كان‬
‫سبِيلً‪ :‬ال ّث ّيبُ بالثّيبِ َ‬
‫لّ َلهُنّ َ‬
‫جعَلَ ا ُ‬
‫((خذُوا عنى قَدْ َ‬
‫فى أول المر عند نزول حد الزانى‪ ،‬ثم رجم ماعزاً والغامدية‪ ،‬ولم يجلدهما‪ ،‬وهذا كان بعد حديث‬
‫عبادة بل شك‪ ،‬وأما حديث جابر فى ((السنن))‪ :‬أن رجلً زنى‪ ،‬فأم َر به النبىّ صلى ال عليه وسلم‬
‫جلِدَ الحَدّ‪ ،‬ثم أق ّر أنه محصَن‪ ،‬فأمر به فرجم‪ .‬فقد قال جابر فى الحديث نفسه‪ :‬إنه لم يعلم بإحصانه‪،‬‬
‫فَ ُ‬
‫فجلد‪ ،‬ثم علم بإحصانه فرجم‪ .‬رواه أبو داود‪.‬‬
‫وفيه‪ :‬أن الجهل بالعقوبة ل يسقط الحد إذا كان عالماً بالتحريم‪ ،‬فإن ماعزًا لم يعلم أن‬
‫عقوبتَه بالقتل‪ ،‬ولم يُسقط هذا الجهلُ الح ّد عنه‪.‬‬
‫وفيه‪ :‬أنه يجوز للحاكم أن يحكم بالقرار فى مجلسه‪ ،‬وإن لم يسمعه معه‬
‫ع َترَ َفتْ بحضرة‬
‫شاهدان‪ ،‬نص عليه أحمد‪ ،‬فإن النبىّ صلى ال عليه وسلم لم يقل لنيس‪ :‬فإن ا ْ‬
‫شاهدين فارجمها‪.‬‬
‫وأن الحكم إذا كان حقاً محضاً ل لم يشترط الدعوى به عند الحاكم‪.‬‬
‫وأن الح ّد إذا وجب على امرأة‪ ،‬جاز للمام أن يبعث إليها من يُقيمه عليها‪ ،‬ول يحضرها‪،‬‬
‫وترجم النسائى على ذلك‪ :‬صوناً للنساء عن مجلس الحكم‪.‬‬
‫ف على أن هذا حكمُ ال عز وجل إذا تحقق ذلك‪،‬‬
‫حِل ُ‬
‫وأن المام والحاكم والمفتىَ يجوزُ ال َ‬
‫وتيقنه بل ريب‪ ،‬وأنه يجوز التوكيلُ فى إقامة الحدود‪ ،‬وفيه نظر‪ ،‬فإن هذا استناب ُة من النبى صلى‬
‫ال عليه وسلم‪ ،‬وتضمن تغريب المرأة كما يغرب الرجل‪ ،‬لكن يغرب معها محرمُها إن أمكن‪ ،‬وإل‬
‫فل‪ ،‬وقال مالك‪ :‬ول تغريب على النساء‪ ،‬لنهن عورة‪.‬‬
‫فصل‬
‫فى حُكمه صلى ال عليه وسلم على أهلِ الكتاب فى الحدود بحُكم السلم‬
‫ل ال صلى ال عليه‬
‫ثبت فى ((الصحيحين)) و ((المسانيد))‪(( :‬أن اليهودَ جاؤوا إلى رسو ِ‬
‫وسلم‪ ،‬فذكروا له أن رجلً مِنهم وامرأةً زنيا‪ ،‬فقال رسولُ ال صلى ال عليه وسلم‪(( :‬مَا تَجِدُونَ فى‬
‫جلَدُون‪ ،‬فقال عبدُ ال بن سلم‪ :‬كذبتُم إن فيها الرّجمَ‪،‬‬
‫ال ّتوْرَاةِ فى شَأْن الرّجْمِ))؟ ((قالوا‪ :‬نفضحُهم ويُ ْ‬
‫فََأ َتوْا بالتوارة‪ ،‬فنشرُوها‪ ،‬فوضَعَ أحدُهم يدَه على آيةِ الرجم‪ ،‬فقرأ ما قبلَها وما بعدَها‪ ،‬فقال له عبدُ‬

‫‪16‬‬

‫ال بنُ سلم‪ :‬ارفَعْ يدَك‪ ،‬فرفع يدَه‪ ،‬فإذا فيها آيةُ الرجم‪ ،‬فقالوا‪ :‬صَدَقَ يا محمد‪ ،‬إن فيها الرجم‪ ،‬فَأ َمرَ‬
‫جمَا))‪.‬‬
‫بهما رسولُ ال صلى ال عليه وسلم َفرُ ِ‬
‫فتضمنت هذه الحكومةُ أن السلم ليس بشرط فى الحصان‪ ،‬وأن الذّمى يُحصّن الذميةَ‪،‬‬
‫ل بذلك اختلفوا فى وجه هذا الحديث‪ ،‬فقال مالك فى غير‬
‫وإلى هذا ذهب أحمدُ والشافعىّ‪ ،‬ومن لم يَقُ ْ‬
‫ك أن‬
‫((الموطأ))‪ :‬لم يكن اليهودُ بأهل ذمة‪ .‬والذى فى ((صحيح البخارى))‪ :‬أنهم أهلُ ذمة‪ ،‬ول ش ّ‬
‫هذا كان بعدَ العهد الذى وقع بين النبىّ صلى ال عليه وسلم وبينهم‪ ،‬ولم يكونوا إذ ذاك حرباً‪ ،‬كيف‬
‫وقد تحاكمُوا إليه‪ ،‬ورضُوا بحكمه؟ وفى بعضِ طُرق الحديث‪ :‬أنهم قالوا‪ :‬اذهبوا بنا إلى هذا النبىّ‪،‬‬
‫سهِم‪ ،‬فأتاهم وحكم بينهم‪ ،‬فهم كانوا‬
‫فإنه بعث بالتخفيف‪ ،‬وفى بعض طرقه‪ :‬أنهم دعوه إلى بيت مِ ْدرَا ِ‬
‫ل عهد وصُلح بل شك‪.‬‬
‫أه َ‬
‫ق القًصة صريحٌ فى ذلك‪ ،‬وهذا‬
‫وقالت طائفة أخرى‪ :‬إنما رجمهم بحُكم التوراة‪ .‬قالوا‪ :‬وسيا ُ‬
‫مما ل يُجدى عليهم شيئاً ألبتة‪ ،‬فإنه حكم بينهم بالحقّ المحضِ‪ ،‬فيجبُ اتباعُه بكلّ حال‪ ،‬فماذا بعد‬
‫الحقّ إل الضلل‪.‬‬
‫وقالت طائفة‪ :‬رجمهما سياسةً‪ ،‬وهذا مِن أقبح القوال‪ ،‬بل رجمهما بحُكم ال الذى ل حُكم‬
‫سِواه‪.‬‬
‫وتضمنت هذه الحكومةُ أن أهل الذّمة إذا تحاكَموا إلينا ل نحكُم بينهم إل بحُكم‬
‫السلم‪.‬‬
‫ن لم يُ ِقرّا‪ ،‬ولم يشهد عليهما‬
‫ل الذمة بعضهم على بعض لن الزانيي ِ‬
‫وتضمنت قبولَ شهادة أه ِ‬
‫ل ال صلى‬
‫المسلمون‪ ،‬فإنهم لم يحضُروا زِناهما‪ ،‬كيف وفى ((السنن)) فى هذه القصة‪ ،‬فدعا رسو ُ‬
‫ال عليه وسلم بالشّهودِ‪ ،‬فجاؤوا أربعة‪ ،‬فشهدوا أنهم رأوا ذكره فى فرجها مِثل المِيل فى المُكحلة‪.‬‬
‫وفى بعض طرق هذا الحديث‪ :‬فجاء أربع ٌة منهم‪ ،‬وفى بعضها‪ :‬فقال لليهود‪(( :‬ا ْئتُونى‬
‫بَِأ ْر َبعَ ٍة ِم ْنكُم))‪.‬‬
‫وتضمنت الكتفاءَ بالرجم‪ ،‬وأن ل يجمع بينَه وبين الجلد‪ ،‬قال ابنُ عباس‪ :‬الرجمُ فى‬
‫ن َلكُمْ‬
‫ل ال ِكتَابِ قَدْ جَا َءكُمْ رَسُولُنا ُي َبيّ ُ‬
‫ص عليه إل غوّاصٌ‪ ،‬وهو قوله تعالى‪{ :‬يَأَهْ َ‬
‫كتاب ال ل يغو ُ‬
‫ن مِنَ ال ِكتَابِ} [المائدة‪ ]15 :‬واستنبطه غير ُه مِن قوله‪{ :‬إنّا َأ ْن َزلْنا ال ّتوْراةَ فيها‬
‫َكثِيراً ِممّا ُك ْنتُم تُخْفُو َ‬
‫سَلمُوا ِللّذِينَ هَادُوا} [المائدة‪ ]44 :‬قال الزهرى في حديثه‪:‬‬
‫ن أَ ْ‬
‫حكُم ِبهَا ال ّن ِبيّونَ الّذِي َ‬
‫ى َونُورٌ يَ ْ‬
‫هُد ً‬

‫‪17‬‬

‫سَلمُوا}‬
‫ن أَ ْ‬
‫حكُم ِبهَا ال ّن ِبيّونَ الّذِي َ‬
‫ى ونُورٌ ي ْ‬
‫فبلغنا أن هذه الية نزلت فيهم‪{ :‬إنّا َأ ْن َز ْلنَا ال ّتوْرَاةَ فِيهَا هُد ً‬
‫ى صلى ال عليه وسلم منهم‪.‬‬
‫[المائدة‪ ]44 :‬كان النب ّ‬
‫الحكم في الزنى واللواطة وشرب الخمر‬
‫فصل‬
‫فى قضائه صلى ال عليه وسلم فى الرجل يزنى بجارية امرأته‬
‫فى ((المسند)) و((السنن)) الربعة‪ :‬من حديث قتادة‪ ،‬عن حبيب بن سالم‪ ،‬أن رجلً يقال له‪:‬‬
‫عبد الرحمن بن جُنين‪ ،‬وقع على جارية امرأته‪َ ،‬فرُفِ َع إلى النعمان بن بشير‪ ،‬وهو أمير على‬
‫ك بقضيةِ رسول ال صلى ال عليه وسلم‪ ،‬إن كانت أحلّتها لك‪ ،‬جلدتُك مائة‬
‫الكوفة‪ ،‬فقال‪ :‬لقضينّ في َ‬
‫جلدة‪ ،‬وإن لم تكن أحلتها‪ ،‬رجمتُك بالحجارة‪ ،‬فوجدوه أحلتها له‪ ،‬فجلده مائة‪.‬‬
‫قال الترمذى‪ :‬فى إسنادِ هذا الحديثِ اضطرابٌ‪ ،‬سمعتُ محمداً يعنى البخارىّ يقول‪ :‬لم يسمع‬
‫قتاد ُة مِن حبيب بنِ سالم هذا الحديثَ‪ ،‬إنما رواه عن خالد بن عُرفُطة‪ ،‬وأبو بشر لم يسمعه أيضًا من‬
‫حبيب بن سالم‪ ،‬إنما رواه عن خالد بن عرفطة‪ ،‬وسألت محمداً عنه؟ فقال‪ :‬أنا أنفى هذا الحديثَ‪.‬‬
‫وقال النسائى‪ :‬هو مضطرب‪ ،‬وقال أبو حاتم الرازى‪ :‬خالد ابن عرفطة مجهول‪.‬‬
‫حبّقِ‪ ،‬أن رسولَ الِّ‬
‫سَلمَةَ بن المُ َ‬
‫وفى ((المسند)) و ((السنن))‪ :‬عن َق ِبصَة بن حُريثٍ‪ ،‬عن َ‬
‫صلى ال عليه وسلم قضى فى رجل وقَع على جارية امرأته‪ ،‬إن كان استكرهها‪ ،‬فهى حرّة‪ ،‬وعليه‬
‫لسيدتها مثلُها‪ ،‬وإن كانت طاوعته‪ ،‬فهى له‪ ،‬وعليه لسيدتِها مثلُها‪.‬‬
‫فاختلف الناسُ فى القول بهذا الحكم‪ ،‬فأخذ به أحمد فى ظاهر مذهبه‪ ،‬فإن الحديثَ حسن‪،‬‬
‫وخالد بن عُرفطة قد روى عنه ثقتان‪ :‬قتادة‪ ،‬وأبو بشر‪ ،‬ولم يُعرف فيه قدح‪ ،‬والجهالة ترتفِعُ عنه‬
‫برواية ثقتين‪ ،‬القياسُ وقواع ُد الشريعة يقتضى القولَ بموجب هذه الحكومة‪ ،‬فإن إحلل الزوجة‬
‫شبه ْة تُوجب سقوطَ الحد‪ ،‬ول تُسقِط التعزيزَ‪ ،‬فكانت المائ ُة تعزيزاً‪ ،‬فإذا لم تكن أحلتها‪ ،‬كان زنىً ل‬
‫شبهة فيه‪ ،‬ففيه الرجمُ‪ ،‬فأى شىء فى هذه الحكومة مما يُخالف القياس‪.‬‬
‫سلَمة بن المحبّق‪ :‬فإن صحّ‪ ،‬تعيّن القولُ به ولم يُعدَل عنه‪ ،‬ولكن قال النسائى‪ :‬ل‬
‫وأما حديث َ‬
‫َيصِحّ هذا الحديثُ‪.‬قال أبو داود‪ :‬سمعتُ أحمد بن حنبل يقول‪ :‬الذى رواه عن سلمة بن المحبق شيخٌ‬
‫ل يُعرف‪ ،‬ول يُحدث عنه غيرُ الحسن يعنى قَبيصة بن حريث‪ .‬وقال البخارى فى ((التاريخ))‪:‬‬
‫قَبيصة بن حُريث سمع سلمة بن المحبق‪ ،‬فى حديثه نظر‪ ،‬وقال ابن المنذر‪ :‬ل يثُبتُ خبرُ سلمة بن‬

‫‪18‬‬

‫المحبق‪ ،‬وقال البيهقى‪ :‬وقبيصة ابن حُريث غير معروف‪ ،‬وقال الخطابى‪ :‬هذا حديث منكر‪،‬‬
‫ث ممن سمع‪.‬‬
‫وقبيصة غير معروف‪ ،‬والحجة ل تقوم بمثله‪ ،‬وكان الحسن ل يُبالى أن يروىَ الحدي َ‬
‫ل نزول‬
‫وطائفة أخرى قبلت الحديثَ‪ ،‬ثم اختلفوا فيه‪ ،‬فقالت طائفة‪ :‬منسوخ‪ ،‬وكان هذا قب َ‬
‫الحدود‪.‬‬
‫وقالت طائفة‪ :‬بل وجهه أنه إذا استكرهها‪ ،‬فقد أفسدها على سيدتها‪ ،‬ولم تبق ممن تصلُح لها‪،‬‬
‫ولَحِقَ بها العارُ‪ ،‬وهذا ُم ْثلَ ٌة معنوية‪ ،‬فهى كال ُم ْثلَةِ الحِسية‪ ،‬أو أبلغُ منها‪ ،‬وهو قد تضمن أمرين‪:‬‬
‫إتلفها على سيدتها‪ ،‬والمثلة المعنوية بها‪ ،‬فيلزمه غرامتُها لسيدتها‪ ،‬وتُعتق عليه‪ ،‬وأما إن طاوعته‪،‬‬
‫فقد أفسدها على سيدتها‪ ،‬فتلزمه قيمتُها لها‪ ،‬ويملِكُها لن القيمة قد استحقت عليه‪ ،‬وبمطاوعتِها‬
‫وإرادتِها خرجت عن شُبهة المثلة‪ .‬قالوا‪ :‬ول ُبعْد فى تنزيل التلف المعنوى منزلة التلفِ‬
‫ن المالك وبين النتفاع بمُلكه‪ ،‬ول ريبَ أن جاري َة الزوجة إذا صارت‬
‫الحِسى‪ ،‬إذ كلهما يحولُ بي َ‬
‫موطوءة لزوجها‪ ،‬فإنها ل تبقى لسيدتها كما كانت قبلَ الوطء‪ ،‬فهذا الحك ُم مِن أحسن الحكام‪ ،‬وهو‬
‫موافق للقياس الصولى‪.‬‬
‫ل الحديث‪ ،‬ول تضُ ّر كثرةُ المخالفين له‪ ،‬ولو كانوا‬
‫وبالجملة‪ :‬فالقول به مبنى على قبو ِ‬
‫أضعافَ أضعافهم‪.‬‬
‫فصل‬
‫ولم يثبت عنه صلى ال عليه وسلم أنه قضى فى اللواط بشىء‪ ،‬لن هذا لم تكن تعرِفُه‬
‫ل والمَ ْفعُولَ بِهِ))‪.‬‬
‫ت عنه أنه قال‪(( :‬ا ْق ُتلُوا الفَاعِ َ‬
‫العربُ‪ ،‬ولم يُرفع إليه صلى ال عليه وسلم‪ ،‬ولكن ثب َ‬
‫رواه أهل السنن الربعة‪ ،‬وإسناده صحيح‪ ،‬وقال الترمذى‪ :‬حديث حسن‪.‬‬
‫وحكم به أبو بكر الصّديق‪ ،‬وكتب به إلى خالد بعد مشاور ِة الصحابة‪ ،‬وكان علىّ أشدّهم فى‬
‫ذلك‪.‬‬
‫ن القصار‪ :‬وشيخنا‪ :‬أجمعتِ الصحاب ُة على قتله‪ ،‬وإنما اختلفُوا فى كيفية قتله‪ ،‬فقال‬
‫وقال اب ُ‬
‫ى رضى ال عنه‪ :‬يُهدم عليه حائط‪ .‬وقال ابنُ عباس‪:‬‬
‫أبو بكر الصديق‪ :‬يُرمى من شاهق‪ ،‬وقال عل ّ‬
‫ق منهم على قتله‪ ،‬وإن اختلفوا فى كيفيته‪ ،‬وهذا وافق لحُكمه صلى ال‬
‫يُقتلن بالحجارة‪ .‬فهذا اتفا ٌ‬
‫عليه وسلم فيمن وطىء ذات محرم‪ ،‬لن الوطء فى الموضعين ل يُباح للواطىء بحال‪ ،‬ولهذا جمع‬
‫بينهما فى حديث ابن عباس رضى ال عنهما‪ ،‬فإنه روى عنه صلى ال عليه وسلم أنه قال‪(( :‬مَنْ‬

‫‪19‬‬

‫حرَمٍ‪ ،‬فا ْق ُتلُوه))‪،‬‬
‫ت مَ ْ‬
‫عمَلَ قوم لُوطِ فَا ْق ُتلُوهُ))‪ ،‬وروى أيضًا عنه‪(( :‬مَنْ وَقَعَ عَلى ذَا ِ‬
‫وَجَ ْدتّموه َي ْعمَلُ َ‬
‫وفى حديثه أيضاً بالسناد‪(( :‬مَنْ أَتى َبهِيمَةً فَا ْق ُتلُوهُ وا ْق ُتلُوها َمعَهُ))‪.‬‬
‫وهذا الحكم على وفق حكم الشارع‪ ،‬فإن المحرماتِ كلّما تغلّظت‪ ،‬تغلّظت عقوباتُها‪ ،‬ووطءُ‬
‫من ل يُباح بحال أعظمُ جرمًا مِن وطء من يُباح فى بعض الحوال‪ ،‬فيكون حدّه أغلظَ ‪ ،‬وقد نصّ‬
‫أحمدُ فى إحدى الروايتين عنه‪ ،‬أن حُكم من أتى بهيمةً حكْ ُم اللواط سواء‪ ،‬فيُقتل بكل حال‪ ،‬أو يكون‬
‫حدّه ح ّد الزانى‪.‬‬
‫واختلف السلفُ فى ذلك‪ ،‬فقال الحسن‪ :‬حدّه ح ّد الزانى‪ .‬وقال أبو سلمة عنه‪ :‬يقتل بكل حال‪،‬‬
‫وقال الشعبى والنخعى‪ :‬يُعزّر‪ ،‬وبه أخذ الشافعى ومالك وأبو حنيفة وأحمد فى رواية‪ ،‬فإن ابن‬
‫عباس رضى ال عنه أفتى بذلك‪ ،‬وهو راوى الحديث‪.‬‬
‫فصل‬
‫وحكم صلى ال عليه وسلم على من أقرّ بالزّنى بامرأة معينة بح ّد الزنى دون القذف‪ ،‬ففى‬
‫ى صلى ال عليه وسلم‪(( ،‬فأقرّ عنده أنه زنى‬
‫ل أتى النب ّ‬
‫ل بنِ سعد‪ ،‬أن رج ً‬
‫((السنن))‪ :‬من حديث سه ِ‬
‫ت أَنْ تكونَ‬
‫بامرأةٍ سمّاها‪ ،‬فبعثَ رسول ال صلى ال عليه وسلم إلى المرأة فسألها عن ذلك‪ ،‬فأنك َر ْ‬
‫زنت‪ ،‬فجلده الح ّد وتركها))‪.‬‬
‫فتضمنت هذه الحكومةُ أمرين‪:‬‬
‫أحدهما‪ :‬وجوبُ الح ّد على الرجل‪ ،‬وإن كذّبته المرأة خلفاً لبى حنيفة وأبى يوسف أنه ل‬
‫يُحّد‪.‬‬
‫الثانى‪ :‬أنه ل يجب عليه ح ّد القذف للمرأة‪.‬‬
‫(يتبع‪)...‬‬
‫@‬

‫ل أتى‬
‫وأما ما رواه أبو داود فى ((سننه))‪ :‬من حديث ابن عباس رضى ال عنه‪ ،‬أن رج ً‬

‫النبى صلى ال عليه وسلم‪((،‬فأقر أن زنى بامرأ ٍة أربعَ مرات‪ ،‬فجلده مائةَ جلدة وكان بكرا‪ ،‬ثم سأله‬
‫البينةَ على المرأة فقالت‪ :‬كذب وال يا رسول ال‪ ،‬فجلد حد الفرية ثمانين)) ؛ فقال النسائىّ‪ :‬هذا‬
‫حديث منكر‪ .‬انتهى‪ .‬وفى إسناده القاسم بن فياض النبارى الصنعانى‪ ،‬تكلم فيه غير واحد‪ ،‬وقال‬
‫ج به‪.‬‬
‫ابن حبان‪ :‬بطل الحتجا ُ‬
‫فصل‬

‫‪20‬‬

‫حصِنّ فَإنْ‬
‫حكَم فى المة إذا زنت ولم تُحصنْ بالجلد‪ .‬وأما قوله تعالى فى الماء‪{:‬فَإذَا أُ ْ‬
‫وَ‬
‫ت مِنَ العَذَابِ} [النساء‪ ،]25 :‬فهو نص فى أن حدّها‬
‫صنَا ِ‬
‫ح َ‬
‫ف مَا عَلى المُ ْ‬
‫ص ُ‬
‫أ َتيْنَ بِفَاحِشَةٍ َف َعلْيهِنّ ِن ْ‬
‫بعد التزويج نصفُ ح ّد الحرة من الجد‪ ،‬وأما قبل التزويج‪ ،‬فأمرَ بجلدها‪.‬‬
‫وفى هذا الحد قولن‪:‬‬
‫أحدهما‪ :‬أنه الحد‪ ،‬ولكن يختِلفُ الحال قبل التزويج وبعده‪ ،‬فإن للسيد إقامتَه قبله‪ ،‬وأما بعده‪،‬‬
‫فل يُقيمه إل المام‪.‬‬
‫والقول الثانى‪ :‬أن جلدهما قبل الحصان تعزير ل حد‪ ،‬ول يُبطل هذا ما رواه مسلم فى‬
‫جلِدْهَا وَلَ‬
‫((صحيحه))‪ :‬من حديث أبى هريرة رضى ال عنه يرفعُه‪(( :‬إذَا َز َنتْ َأمَ ُة أَحَ ِدكُمْ‪َ ،‬ف ْليَ ْ‬
‫ض ِربْها‬
‫جلِدْهَا َو ْل َي ِبعْها َوَلوْ ِبضَفِير))‪ ،‬وفى لفظ (( َف ْليَ ْ‬
‫ت فى الرّابِعَةِ َف ْليَ ْ‬
‫لثَ َمرّاتٍ‪ ،‬فإِنْ عَا َد ْ‬
‫ُي َع ّيرْها ثَ َ‬
‫كتاب ال))‪.‬‬
‫وفى ((صحيحه)) أيضاً‪ :‬من حديث على رضى ال عنه أنه قال‪َ :‬أيّها الناسُ أقيمُوا على‬
‫ل ال صلى ال عليه وسلم َز َنتْ‪،‬‬
‫ن مِنهن‪ ،‬ومن لم يُحصنْ‪ ،‬فإن أم ًة ِلرَسُو ِ‬
‫ن أحص َ‬
‫أرقائكم الحدّ‪ ،‬مَ ْ‬
‫فأمرنى أن أجلِدَهَا‪ ،‬فإذا هى حديثةُ عهدٍ ِبنِفاس‪ ،‬فخشيتُ إن أنا جلدتُها أن أق ُتلَها‪ ،‬فذكرت ذلك للنبى‬
‫صلى ال عليه وسلم‪ ،‬فقال‪(( :‬أحسنتَ))‪.‬‬
‫فإن التعزير يدخلُ لفظُ الحد فى لسان الشارع‪ ،‬كما فى قوله صلى ال عليه وسلم‪(( :‬ل‬
‫يُضرَبُ فوقَ عشرةِ أسواطٍ إل فى ح ّد مِن حدُود ال تعالى))‪.‬‬
‫وقد ثبت التعزيرُ بالزيادة على العشرة جنساً وقدراً فى مواضِع عديدة لم َي ْث ُبتْ نسخُها‪ ،‬ولم‬
‫جمِع الم ُة على خِلفها‪.‬‬
‫تُ ْ‬
‫وعلى كل حال‪ ،‬فل بد أن يُخاِلفَ حالُها بعد الحصان حالها قبله‪ ،‬وإل لم يكن للتقييد فائدة‪،‬‬
‫فإما أن يُقال قبل الحصان‪ :‬ل حدّ عليها‪ ،‬والسنة الصحيح ُة تبطِلُ ذلك‪ ،‬وإما أن يقال‪ :‬حدّها قبل‬
‫الحصان ح ّد الحرة‪ ،‬وبعده نصفه‪ ،‬وهذا باطل قطعًا مخالف لقواعد الشرع وأصوله‪ ،‬وإما أن يُقال‪:‬‬
‫جلدُها قبل الحصان تعزير‪ ،‬وبعده حد‪ ،‬وهذا أقوى‪ ،‬وإما أن يُقال‪ :‬الفتراقُ بين الحالتين فى إقامة‬
‫الحدّ ل فى قدرِه‪ ،‬وأنه فى إحدى الحالتين للسيد‪ ،‬وفى الخرى للمام‪ ،‬وهذا أقربُ ما يُقال‪.‬‬
‫وقد يقال‪ :‬إن تنصيصه على التنصيفِ بعد الحصان لئل يتوهّم متوهم أن بالحصان يزولُ‬
‫التنصيفٌ‪ ،‬ويصيرُ حدها حدّ الحرة‪ ،‬كما أن الح َد زال عن البِكر بالحصان‪ ،‬وانتقل إلى الرجم‪،‬‬

‫‪21‬‬

‫فبقى على التنصيف فى أكمل حالتيها‪ ،‬وهى الحصان تنبيهًا على أنه إذا اكتُ ِفىَ به فيها‪ ،‬ففيما قبل‬
‫الحصان أولى وأحرى‪ ،‬وال أعلم‪.‬‬
‫ل ال صلى ال عليه وسلم فى ((مريض زنى ولم يَح َتمِلْ إقامةَ الحد‪،‬‬
‫وقضى رسو ُ‬
‫ب بها ضربةً واحدة))‪.‬‬
‫ش ْمرَاخٍ‪ ،‬فيُضر َ‬
‫بأن يُؤخذ له [عِ ْثكَالٌ] فيه مائة ِ‬
‫فصل‬
‫وحكم رسولُ ال صلى ال عليه وسلم بح ّد القذفِ‪ ،‬لما أنزل الُّ سبحانه براءةَ زوجت ِه مِن‬
‫ن ُأثَانَة‪ .‬قال أبو جعفر النّفيلى‪:‬‬
‫حبُ‬
‫ن بن ثابت‪ ،‬ومِسطَ ُ‬
‫السماء‪ ،‬فجلد رجلين وامرأةً‪ .‬وهما‪ :‬حسا ُ‬
‫ويقولون‪ :‬المرأة حَمنة بنتُ جحش‪.‬‬
‫ل من امرأة‪ ،‬وقتل الصديقُ امرأةً ارتدت‬
‫وحكم فيمن بدل دينه بالقتل‪ ،‬ولم يخص رج ً‬
‫بعد إسلمها يقال لها‪ :‬أم قِرفة‪.‬‬
‫وحكم فى شارب الخمر بضربه بالجري ِد والنّعال‪ ،‬وضربه أربعينَ‪ ،‬وتبعه أبو‬
‫بكر رضى ال عنه على الربعين‪.‬‬
‫وفى ((مصنف عبد الرزاق))‪ :‬أنه صلى ال عليه وسلم ((جلد فى الخمر ثمانين))‪.‬‬
‫ل ال صلى ال عليه وسلم شيئاً))‪.‬‬
‫وقال ابنُ عباس رضى ال عنه‪(( :‬لم يُو ّقتْ فيها رسو ُ‬
‫وقال على رضى ال عنه‪(( :‬جلد رسول ال صلى ال عليه وسلم فى الخمر أربعين‪ ،‬وأبو‬
‫بكر أربعينَ‪ ،‬وكمّلها عمرُ ثمانيَ‪ ،‬وكُلّ سنة))‪.‬‬
‫وصح عنه صلى ال عليه وسلم أنه أمر بقتله فى الرابعة أو الخامسة‪ .‬واختلف الناسُ‬
‫فى ذلك‪ ،‬فقيل‪ :‬هو منسوخ‪ ،‬وناسخه ((ل َيحِلّ دمُ امرىء مسلمٍ إل بإحدى ثلث))‪ .‬وقل‪ :‬هو محكم‪،‬‬
‫ض بين الخاص والعام‪ ،‬ول سيما إذا لم يُعلم تأخّر العام‪ .‬وقيل‪ :‬ناسخُه حديث عبد ال‬
‫ول تعار َ‬
‫ى به مراراً إلى رسولِ ال صلى ال عليه وسلم فجلده ولم يقتُله‪.‬‬
‫حِمارٍ‪ ،‬فإنه ُأ ِت َ‬
‫وقيل‪ :‬قتله تعزيزٌ بحسب المصلحة‪ ،‬فإذا كثر منه ولم ينهه الحدّ‪ ،‬واستهان به‪ ،‬فللمام قتلُه‬
‫تعزيزاً ل حداً‪ ،‬وقد صحّ عن عبد ال بن عمر رضى ال‪ .‬عنهما أنه قال‪ :‬أئتونى به فى الرابعة‬
‫فعلىّ أن أق ُتلَه لكم‪ ،‬وهو أح ُد رواة المر بالقتل عن النبى صلى ال عليه وسلم‪ ،‬وهم‪ :‬معاويةُ‪ ،‬وأبو‬
‫هريرة‪ ،‬وعبدُ ال ابن عمر‪ ،‬وعبدُ ال بن عمرو‪ ،‬وقَبيصة بن ذؤيب رضى ال عنهم‪.‬‬

‫‪22‬‬

‫وحديث قبيصة‪ :‬فيه دللة على أن القتلَ ليس بحد‪ ،‬أو أنه منسوخ‪ ،‬فإنه قال فيه‪ :‬فأُتيِ رسولُ‬
‫ال صلى ال عليه وسلم برجل قد شرب‪ ،‬فجلده‪ ،‬ثم أتى به‪ ،‬فجلده‪ ،‬ثم أتى به فجلده‪ ،‬ورفع القتل‪،‬‬
‫وكانت رخصة‪ .‬رواه أبو داود‪.‬‬
‫فإن قيل‪ :‬فما تصنعون بالحديث المتفق عليه‪ ،‬عن على رضى ال أنه قال‪ :‬ما كنت لدرى من أقمتُ‬
‫ل ال صلى ال عليه وسلم لم يَسُنّ فيه شيئاً‪ ،‬إنما هو شىءُ‬
‫عليه الحدّ إل شاربَ الخمر‪ ،‬فإنّ رسو َ‬
‫سنّه‪.‬‬
‫قلناه نحن‪ .‬لفظ أبى داود‪ .‬ولفظهما‪ :‬فإن رسول ال صلى ال عليه وسلم مات ولم يَ ُ‬
‫ل ال صلى ال عليه وسلم لم يُقَ ّد ْر فيه بقوله تقديراً ل يُزاد عليه‬
‫قيل‪ :‬المرا ُد بذلك أن رسو َ‬
‫ل ال صلى ال عليه وسلم قد‬
‫شهِ َد أن رسو َ‬
‫ول يُنقص كسائر الحدود‪ ،‬وإل فعلى رضى ال عنه قد َ‬
‫ضرب فيها أربعين‪.‬‬
‫وقوله‪ :‬إنما هو شىء قلناه نحن‪ ،‬يعنى التقديرَ بثمانين‪ ،‬فإن عم َر رضى ال عنه جمع‬
‫الصحابة رضي ال عنهم واستشارهم‪ ،‬فأشاروا بثمانين‪ ،‬فأمضاها‪ ،‬ثم جلد على فى خلفته أربعين‪،‬‬
‫ب إلىّ‪.‬‬
‫وقال‪ :‬هذا أح ّ‬
‫ومن تأمّل الحاديثَ‪ ،‬رآها تدل على أن الربعينَ حد‪ ،‬والربعون الزائدة عليها تعزيزٌ اتفق‬
‫ك الناسِ‬
‫عليه الصحاب ُة رضى ال عنهم‪ ،‬والقتلُ إما منسوخ‪ ،‬وإما أنه إلى رأى المام بحسب تهال ِ‬
‫فيها واستهانتهم بحدها‪ ،‬فإذا رأى قتلَ واحد لينزجر الباقون‪ ،‬فله ذلك‪ ،‬وقد حلق فيها عمرُ رضى ال‬
‫عنه وغرّب‪ ،‬وهذا من الحكام المتعلقة بالئمة‪ ،‬وبال التوفيق‪.‬‬
‫فصل‬
‫فى حكمه صلى ال عليه وسلم فى السارق‬
‫قطع سارقاً فى ِمجَنّ قيمته ثلث ُة دراهم‪.‬‬
‫ل من ُربُع دينار‪.‬‬
‫وقضى أنه ل تُقطع فى أق ّ‬
‫ن ذلِك)) ذكره‬
‫طعُوا فِيمَا ُهوَ أَ ْدنَى مِ ْ‬
‫طعُوا فى ُربْعِ دينَارٍ‪ ،‬ول تَقْ َ‬
‫وصح عنه أنه قال‪(( :‬اقْ َ‬
‫المام أحمد رحمه ال‪.‬‬
‫ل ال صلى ال عليه‬
‫لّ عنها‪ :‬لم تكن تقطع يدُ السارق فى عهد رسو ِ‬
‫وقالت عائشة رضىَ ا ُ‬
‫جحَفَةٍ‪ ،‬وكان كلٌ منهما ذا ثمن‪.‬‬
‫وسلم فى أدنى من ثمن المِجَنّ‪ُ ،‬ت ْرسٍ أو َ‬
‫سرِقُ ال َب ْيضَةَ َفتُقْطَع يَ ُدهُ))‪.‬‬
‫حبْلَ َفتُقْطَ ُع يَ ُد ُه ويَ ْ‬
‫سرِقَ ال َ‬
‫ق يَ ْ‬
‫لّ السّارِ َ‬
‫وصح عنه أنه قال‪َ(( :‬لعَنَ ا ُ‬
‫حبْل و َبيْضَةٍ‪ ،‬وقيل‪ :‬هو إخبار بالواقع‪ ،‬أى‪:‬‬
‫ل السفينة‪ ،‬و َب ْيضَة الحديد‪ ،‬وقيل‪ :‬بل كل َ‬
‫فقيل‪ :‬هذا حب ُ‬
‫‪23‬‬

‫إنه يسرق هذا‪ ،‬فيكون سبباً لقطع يده بتدرّجه منه إلى ما هو أكبرُ منه‪ .‬قال العمش‪ :‬كانوا يرونَ‬
‫حبْلُ كانوا يرون أن منه ما يُساوى دراهم‪.‬‬
‫بأنه َبيْضُ الحديد‪ ،‬وال َ‬
‫وحكم فى امرأة كانت تستعيرُ المتاع وتَجْحَدُه بقطع يدها‪.‬‬
‫وقال أحمد رحمه ال‪ :‬بهذه الحكومة ول معارض لها‪.‬‬
‫خ َتلِس‪ ،‬والخائن‪ .‬والمراد‬
‫وحكم صلى ال عليه وسلم بإسقاط القطع عن الم ْنتَهب‪ ،‬والمُ ْ‬
‫بالخائن‪ :‬خائن الوديعة‪.‬‬
‫ى صلى ال عليه وسلم‬
‫وأما جاحدُ العارّية‪ ،‬فيدخلُ فى اسم السارق شرعاً‪ ،‬لن النب ّ‬
‫حمّدٍ‬
‫طمَ َة ِب ْنتَ مُ َ‬
‫لما كلّموه فى شأن المستعيرة الجاحدة‪ ،‬قطعها‪ ،‬وقال‪(( :‬والّذِى نَفْسِى بيَ ِد ِه َل ْو أَنّ فَا ِ‬
‫ط ْعتُ يَدَهَا))‪.‬‬
‫ت لَقَ َ‬
‫سرَ َق ْ‬
‫َ‬
‫فإدخاله صلى ال عليه وسلم جاحِد العارّية فى اسم السارق‪ ،‬كإدخاله سائر أنواع المسكر فى‬
‫اسم الخمر‪ ،‬فتأمله‪ ،‬وذلك تعريف للمة بمراد ال من كلمه‪.‬‬
‫وأسقط صلى ال عليه وسلم القطعَ عن سارق ال ّث َم ِر وال َكثَرِ‪ ،‬وحكم أن من أصاب منه شيئاً‬
‫بفمه وهو محتاج‪ ،‬فل شىء عليه‪ ،‬ومن خرج منه بشىء‪ ،‬فعليه غرامة مثليه والعقوبَة‪ ،‬ومن سَرق‬
‫ن فهذا قضاؤه الفصلُ‪ ،‬وحُكمُه العدل‪.‬‬
‫منه شيئاً فى جَرينه وهو بيدره‪ ،‬فعليه القطع إذا بلغ َثمَنَ المج ّ‬
‫وقضى فى الشاة التى تُؤخذ مِن مراتِعها بثمنها مرتين‪ ،‬وضرب نكال‪ ،‬وما أُخِ َذ من عَطَنه‪،‬‬
‫ففيه القطعُ إذا بلغ ثمن المجن‪.‬‬
‫وقضى بقطع سارق رِداء صفوان بن أمية‪ ،‬وهو نائم عليه فى المسجد‪ ،‬فأراد‬
‫ل أَنْ تَ ْأتِينى به))‪.‬‬
‫ل كَانَ َقبْ َ‬
‫ن أن يَهبَه إياه‪ ،‬أو ربيعَه منه‪ ،‬فقال‪(( :‬هَ ّ‬
‫صفوا ُ‬
‫وقطع سارقاً سرق تُرسًا من صُفة النساء فى المسجد‪.‬‬
‫ق َب ْعضُه‬
‫سرَ َ‬
‫ق مِن الخمس‪ .‬وقَالَ‪(( :‬مَالُ الِّ َ‬
‫سرَ َ‬
‫خمُس َ‬
‫و َد َرأَ القطع عن عبد مِن رقيق ال ُ‬
‫َبعْضاً)) رواه ابن ماجه‪.‬‬
‫سرَقَ))؟ قال‪ :‬بلى‬
‫ورُف َع إليه سارق‪ ،‬فاعترف‪ ،‬ولم يُوجد معه متاع‪ ،‬فقال له‪(( :‬مَا إخَالُه َ‬
‫فأعا َد عليه مرتين أو ثلثاً‪ ،‬فأمر به فُقطِع‪.‬‬
‫طعُوهُ‪ ،‬ثُمّ‬
‫سرَقَ))؟ فقال‪ :‬بلى‪ ،‬فقال‪(( :‬اذْ َهبُوا بِهِ فَاقْ َ‬
‫ورفع إليه آخر فقال‪(( :‬مَا إخَالُهُ َ‬
‫ب إلى ال))‪،‬‬
‫سمُوهُ‪ ،‬ثُ ّم أئتُونى بِهِ))‪ ،‬فقطع‪ ،‬ثم أتى به النبى صلى ال عليه وسلم‪ ،‬فقال له‪ُ (( :‬ت ْ‬
‫احْ ِ‬
‫عَل ْيكَ))‪.‬‬
‫فقال‪ :‬تبتُ إلى ال‪ ،‬فقال‪(( :‬تابَ الُّ َ‬
‫‪24‬‬

‫عنُقه‪ .‬قال‪ :‬حديث حسن‪.‬‬
‫وفى الترمذى عنه أن قطع سارقًا وعلق يده فى ُ‬
‫فصل‬
‫فى حكمه صلى ال عليه وسلم على من اتّهم رجلً بسرقة‬
‫سرِقَ لهم متاع‪ ،‬فاتّهموه ناسًا مِن الحَاكَة‪،‬‬
‫روى أبو داود‪ :‬عن أزهر بن عبد ال ((أن قوماً ُ‬
‫فأتوا النعمانَ بْن بشيرٍ صاحب رسول ال صلى ال عليه وسلم‪ ،‬فحبسهم أياماً ثم خلّى سبيلهم‪ ،‬فَأ ُتوْه‬
‫فقالُوا‪ :‬خّل ْيتَ سبيلَهم بغير ضرب ول امتحان‪ ،‬فقال‪ :‬ما شئتُم‪ ،‬إن شئتُم أن أضربَهم‪ ،‬فإن خرجَ‬
‫ح ْك ُمكَ؟ فقال‪:‬‬
‫ت مِن ظهورهم‪ .‬فقالوا‪ :‬هذا ُ‬
‫ل الذى أخذ ُ‬
‫ت مِن ظُهو ِركُم مث َ‬
‫متاعُكم فذاكَ‪ ،‬وإل أخذ ُ‬
‫حكْ ُم رَسُولِه))‪.‬‬
‫حكْمُ الِّ و ُ‬
‫ُ‬
‫فصل‬
‫وقد تضمنت هذه القضيةُ أموراً ‪:‬‬
‫أحدها‪ :‬أنه ل يقطع فى أقل من ثلث ِة دراهم‪ ،‬أو رُبع دينار‪.‬‬
‫ب الكَبائِر بأنواعهم دونَ أعيانهم‪ ،‬كما َلعَنَ السارِقَ‪،‬‬
‫الثانى‪ :‬جوا ُز لعنِ أصحا ِ‬
‫ولعن آكِل الرّبا وموكلَه‪ ،‬ولعن شاربَ الخمر وعاصِرها‪ ،‬ولعن من عمل عمل قو ِم لوط‪ ،‬ونهى عن‬
‫ض بين المرين‪ ،‬فإن الوصف الذى علق اللعن‬
‫لعن عبد ال حِمار وقد شرب الخمر‪ ،‬ول تعار ُ‬
‫مقتض‪ .‬وأما المعين‪ ،‬فقد يقوم به ما يمنعُ لحوقَ اللعن به مِن حسنات ماحية‪ ،‬أو توبة‪ ،‬أو مصائب‬
‫مكفرة‪ ،‬أو عف ٍو من ال عنه‪ ،‬فتُلعن النواعُ دون العيان‪.‬‬
‫ل والبيضة ل تدعُه حتى تقط َع يده‪.‬‬
‫الثالث‪ :‬الشارة إلى سد الذرائع‪ ،‬فإنه أخبر أن سرقة الحب ِ‬
‫الرابع‪ :‬قطعُ جاحد العارية‪ ،‬وهو سارق شرعاً كما تقدم‪.‬‬
‫ف عليه الغرمُ‪ ،‬وقد نص عليه المام‬
‫ع َ‬
‫الخامس‪ :‬أن من سرق مالً قطع فيه‪ ،‬ضُو ِ‬
‫عفَ عليه الغرم‪ ،‬وقد تقدّم الحك ُم النبوىّ به فى‬
‫أحمد رحمه ال‪ ،‬فقال‪ :‬كل مَنْ سقط عنه القطعُ‪ ،‬ضُو ِ‬
‫صورتين‪ :‬سرق ِة الثمار المعلقة‪ ،‬والشا ِة من المرتع‪.‬‬
‫ع التعزيز مع الغُرم‪ ،‬وفى ذلك الجم ُع بين العقوبتين‪ :‬مالية وبدنية‪.‬‬
‫السادس‪ :‬اجتما ُ‬
‫السابع‪ :‬اعتبارُ الحِرز‪ ،‬فإنه صلى ال عليه وسلم أسقط القطعَ عن سارق الثمار من‬
‫الشجرة‪ ،‬وأوجبه على سارقة من الجرين‪ ،‬وعند أبى حنيفة أن هذا لنقصان ماليته‪ ،‬لسراع الفسادِ‬
‫ل الجمهور أصحّ‪ ،‬فإنه‬
‫إليه‪ ،‬وجعل هذا أصلً فى كل ما نقصت ماليتُه بإسراع الفساد إليه‪ ،‬وقو ُ‬
‫صلى ال عليه وسلم جعل له ثلثة أحوال‪ :‬حالةً ل شىء فيها‪ ،‬وهو ما إذا أكل منه بفيه‪ ،‬وحال ًة ُي َعزّم‬
‫‪25‬‬

‫مثليه‪ ،‬ويُضرب مِن غير قطع‪ ،‬وهو ما إذا أخذه من شجره وأخرجه‪ ،‬وحال ًة يُقطع فيها‪ ،‬وهو ما إذا‬
‫سرقه مِن بيدره سواء كان قد انتهى جفافُه أو لم ينته‪ ،‬فالعبرةُ للمكان والحرز ل لُيبسه ورطوبته‪،‬‬
‫ويدل عليه أن صلى ال عليه وسلم أسقط القطعَ عن سارق الشاةِ من مرعاها‪ ،‬وأوجبه على سارقها‬
‫مِن عطنها فإنه حرزُها‪.‬‬
‫الثامن‪ :‬إثبات العقوبات المالية‪ ،‬وفيه عدة سنن ثابتة ل مُعارِضَ لها‪ ،‬وقد‬
‫عمل بها الخلفا ُء الراشدون وغيرُهم مِن الصحابة رضى ال عنهم‪ ،‬وأكث ُر من عمل بها عمر رضى‬
‫ال عنه‪.‬‬
‫التاسع‪ :‬أن النسان حِرز لثيابه ولفراشه الذى هو نائم عليه أين كان‪ ،‬سواء كان فى المسجد‬
‫أو فى غيره‪.‬‬
‫العاشر‪ :‬أن المسجد حِرز لما يعتاد وضعُه فيه‪ ،‬فإن النبى صلى ال عليه وسلم قطع مَن‬
‫سرق منه ترساً‪ ،‬وعلى هذا فيُقطع من سرق مِن حصيره وقناديله وبسطه‪ ،‬وهو أح ُد القولين فى‬
‫مذهب أحمد وغيره‪ .‬ومن لم يقطعه‪ ،‬قال‪ :‬له فيها حق‪ ،‬فإن لم يكن فيها حق‪ ،‬قطع كالذمى‪.‬‬
‫الحادى عشر‪ :‬أن المطالبةُ فى المسروقِ شرط فى القطعِ‪ ،‬فلو وهبه إياه‪ ،‬أو باعه قبل‬
‫رفعه إلى المام‪ ،‬سقط عنه القطع‪ ،‬كما صرح به النبى صلى ال عليه وسلم وقال‪(( :‬هَلّ كَانَ َقبْلَ‬
‫أَنْ َت ْأتِينى بِهِ))‪.‬‬
‫الثانى عشر‪ :‬أن ذلك ل يُسقط القطعَ بعد رفعه إلى المام‪ ،‬وكذلك كُلّ حد بلغ‬
‫المام‪ ،‬وثبت عنده ل يجوز إسقاطُه‪ ،‬وفى ((السنن))‪ :‬عنه‪(( :‬إذا َبَل َغتِ الحُدُودُ المَامَ‪َ ،‬فَلعَنَ الُّ‬
‫الشافِ َع والمُشَفّعَ))‪.‬‬
‫ق لم يُقطع‪.‬‬
‫الثالث عشر‪ :‬أن من سرق من شيء له فيه ح ّ‬
‫الرابع عشر‪ :‬أنه ل يقطع إل بالقرار مرتين‪ ،‬أو بشهادةِ شاهدين‪ ،‬لن السارق أقرّ‬
‫عنده مرة‪ ،‬فقال‪(( :‬ما إخالك سرقت))؟ فقال‪ :‬بي‪ ،‬فقطعه حينئذ‪ ،‬ولم يقطعه حتى أعاد عليه مرتين‪.‬‬
‫الخامس عشر‪ :‬التعريضُ للسارق بعدم القرار‪ ،‬وبالرجوع عنه‪ ،‬وليس هذا‬
‫حُكمَ كل سارق‪ ،‬بل من السّراق من يُقرّ بالعقوبة والتهديد‪ ،‬كما سيأتى إن شاء ال تعالى‪.‬‬
‫السادس عشر‪ :‬أنه يجب على المام حسمُه بعد القطع لئل يتَلفَ‪ .‬وفى‬
‫قوله‪(( :‬احسموه))‪ ،‬دليل على أن مؤنة الحسم ليست على السارق‪.‬‬
‫السابعُ عشر‪ :‬تعليق يد السارق فى عنقه تنكيلً له وبه ليراه غيره‪.‬‬
‫‪26‬‬

‫ب النبى صلى ال عليه‬
‫ب المتهم إذا ظهر منه أمارات الرّيبة‪ ،‬وقد عا َق َ‬
‫الثامن عشر‪ :‬ضر ُ‬
‫وسلم فى تُهمة‪ ،‬وحبس فى تُهمة‪.‬‬
‫ب تخلية المتّهم إذا لم يظهر عنده شىء مما اتّهم به‪ ،‬وأن المتّهِ َم إذا‬
‫التاسع عشر‪ :‬وجو ُ‬
‫ض ِربَ هو مثل ضرب من اتهمه إن أجيب إلى‬
‫رضي بضرب المتُهم‪ ،‬فإن خرج ماله عنده‪ ،‬وإل ُ‬
‫ل عنه‪ ،‬وأخبر أنه قضاء‬
‫ذلك‪ ،‬وهذا ُكلُه مع أمارات الرّيبة‪ ،‬كما قضى به النعمان بن بشير رضى ا ّ‬
‫ل صلى ال عليه وسلم‪.‬‬
‫رسول ا ّ‬
‫العشرون‪ :‬ثبوت القصاص فى الضربة بالسوط والعصا ونحوهما‪.‬‬
‫فصل‬
‫طعُوهُ))‪ ،‬ثم جىء‬
‫وقد روى عنه أبو داود‪ :‬أنه أمر بقتل سارقٍ فقالُوا‪ :‬إنما سرق‪ ،‬فقال‪(( :‬اقْ َ‬
‫طعُوهُ))‪ ،‬ثم جىء به فى الثالثة‪ ،‬فأمر بقتله‪ ،‬فقالوا‪:‬‬
‫به ثانياً‪ ،‬فأمر بقتله‪ ،‬فقالوا‪ :‬إنما سرق‪ ،‬فقال ((اقْ َ‬
‫طعُوهُ)) ثم جىء به رابعة‪ ،‬فقال‪(( :‬ا ْق ُتلُوهُ))‪ ،‬فقالوا‪ :‬إنما سرق‪ ،‬فقال‪:‬‬
‫إنما سرق‪ ،‬فقال‪(( :‬اقْ َ‬
‫طعُوهُ))‪ ،‬فأتى به فى الخامسة‪ ،‬فأمر بقتله‪ ،‬فقتلُوه‪.‬‬
‫((اقْ َ‬
‫ى وغيرُه ل يصححون هذا الحديث‪ .‬قال النسائى‪:‬‬
‫فاختلف الناسُ فى هذه الحكومة‪ :‬فالنسائ ّ‬
‫ث منكَر‪ ،‬ومُصعب بنُ ثابت ليس بالقوى‪ ،‬وغيرُه يُحسنه ويقول‪ :‬هذا حكم خاص بذلك‬
‫هذا حدي ٌ‬
‫ل صلى ال عليه وسلم مِن المصلحة فى قتله‪ ،‬وطائفة ثالثة تقبلُهُ‪،‬‬
‫الرجل وحدَه‪ ،‬لما علم رسولُ ا ّ‬
‫س مرات قتل فى الخامسة‪ ،‬وممن ذهب إلى هذا المذهب أبو‬
‫وتقول به‪ ،‬وأن السارق إذا سرق خم َ‬
‫مصعب من المالكية‪.‬‬
‫ن على أطراف السارق الربعة‪ .‬وقد روى عبد الرزاق فى‬
‫وفى هذه الحكومة التيا ُ‬
‫((مصنفه))‪ :‬أن النبى صلى ال عليه وسلم ((أتى بعبد سرق‪ ،‬فُأ ِتىَ به أرب َع مرات‪ ،‬فتركه‪ ،‬ثم أتَى‬
‫به الخامسة‪ ،‬فقطع يده‪ ،‬ثم السادسة فقطع رجله‪ ،‬ثم السابعة فقطع يده‪ ،‬ثم الثامنة فقطع رجله))‪.‬‬
‫واختلف الصحابة ومَنْ بعدهم‪ ،‬هل يُوتى على أطرافِه ُكلّها‪ ،‬أم ل؟ على قولين‪ .‬فقال الشافعىّ‬
‫ومالكٌ وأحمدُ فى إحدى روايتيه‪ :‬يُؤتى عليها ُكلّها‪ ،‬وقال أبو حنيفة وأحمد فى رواية ثانية‪ :‬ل يُقطع‬
‫ل منفعة الجنس‪ ،‬أو ذهابُ عضوين‬
‫منه أكثرُ من يد ورجل‪ ،‬وعلى هذا القول‪ ،‬فهل المحذو ُر تعطي ُ‬
‫من شق؟ فيه وجهان ظهر أثرُهما فيما لو كان أقط َع اليد اليُمني فقط‪ ،‬أو أقطعَ الرجل اليسرى فقط‪،‬‬
‫ط َعتْ رجلُه اليسرى فى‬
‫فإن قلنا‪ :‬يُؤتى على أطرافه‪ ،‬لم يؤثر ذلك‪ ،‬وإن قلنا‪ :‬ل يُؤتى عليها‪ ،‬قُ ِ‬
‫الصورة الولى‪ ،‬ويدُه اليمنى فى الثانية على العِلتين‪ ،‬وإن كان أقط َع اليد اليُسرى مع الرجل اليُمنى‬
‫‪27‬‬

‫لم يُقطع على العِلتين‪ ،‬وإن كان أقط َع اليد اليُسرى فقط‪ ،‬لم تقطع يُمناه على العلتين‪ ،‬وفيه نظر‪،‬‬
‫فتأمل‪.‬‬
‫طعَت رجلُه‪،‬‬
‫وهل قطع رجله اليُسرى يبتنى على العلتين؟ فإن عللنا بذهاب منفعة الجنس‪ ،‬قُ ِ‬
‫وإن عللنا بذهاب عضوين مِن شق‪ ،‬لم تُقطع‪.‬‬
‫طعَت رجلُه اليسرى‪ ،‬وإن عللنا‬
‫وإن كان أقط َع اليدين فقط‪ ،‬وعللنا بذهاب منفعة الجنس قُ ِ‬
‫بذهاب عضوين مِن شق‪ ،‬لم تُقطع‪ ،‬هذا طردُ هذه القاعدة‪ .‬وقال صاحب ((المحرر)) فيه‪ :‬تقطع‬
‫يُمنى يديه على الروايتين‪ ،‬وفرق بينها وبين مسألة مقطعوع اليدين‪ ،‬والذى يقال فى الفرق‪ :‬إنه إذا‬
‫طعَت إحدى يديه‪ ،‬انتفع بالخرى فى الكل والشرب‬
‫كان أقط َع الرجلين‪ ،‬فهو كالمُقعد‪ ،‬وإذا قُ ِ‬
‫والوضوء والستجمار وغيره‪ ،‬وإذا كان أقط َع اليدين لم ينتفع إل برجليه‪ ،‬فإذا ذهبت إحداهما‪ ،‬لم‬
‫يمكنه النتفاعُ بالرجل الواحدة بل يد‪ ،‬ومن الفرق أن الي َد الواحدة تنفع مع عدم منفعة المشىء‪،‬‬
‫والرجل الواحدة ل تنف ُع مع عدم منفعة البطش‪.‬‬
‫فصل‬
‫فى قضائه صلى ال عليه وسلم فيمن سبّه مِن مسلم أو ِذمّى أو ُمعَاهَدٍ‬
‫ثبت عنه صلى ال عليه وسلم أنه قضى بإهدار دم أ ّم ولد العمى لما قتلَها مولها على‬
‫السبّ‪.‬‬
‫س يوم الفتح إل نفراً ممن كان يُوذيه‬
‫وقتل جماعة من اليهود على سبّه وأذاه‪ ،‬وأمّن النا َ‬
‫ل ورَسُولهُ))‬
‫ب بْنِ الَشرَف‪ ،‬فَِإنّهُ قَ ْد آذى ا ّ‬
‫ويهجوه‪ ،‬وهم أربعة رجال وامرأتان‪ .‬وقال‪(( :‬مَنْ ِل َك ْع ِ‬
‫وأهدر دمه ودم أبى رافع‪.‬‬
‫وقال أبو بكر الصديق رضى الّ عنه لبى برزة السلمى‪ ،‬وقد أراد قتل من سبّه‪ :‬ليس هذا‬
‫ل صلى ال عليه وسلم‪ .‬فهذا قضاؤه صلى ال عليه وسلم وقضاءُ خلفائِه مِن‬
‫لحد بعدَ رسولِ ا ّ‬
‫ل من مخالفة هذا الحكم‪.‬‬
‫بعده‪ ،‬ول مخالف لهم من الصحابة‪ ،‬وقد أعاذهم ا ّ‬
‫ى صلى‬
‫ل عنه أن يهوديةً كانت تشتِمُ النب ّ‬
‫وقد روى أبو داود فى ((سننه))‪ :‬عن على رضى ا ّ‬
‫ل صلى ال عليه وسلم دمَها‪.‬‬
‫ال عليه وسلم وتقع فيه‪ ،‬فخنقها رجل حتى ماتت‪ ،‬فأبطلَ رسولُ ا ّ‬
‫(يتبع‪)...‬‬
‫@‬

‫ت امرأةُ النبىّ‬
‫ب السير والمغازى عن ابن عباس رضى الّ عنهما قال‪ :‬هج ِ‬
‫وذكر أصحا ُ‬

‫ن لى ِبهَا))؟ فقال رجل مِن قومها‪ :‬أنا‪ ،‬فنهضَ فقتلها‪ ،‬فأُخ ِب َر النبى‬
‫صلى ال عليه وسلم‪ ،‬فقال‪(( :‬مَ ْ‬
‫‪28‬‬

‫صلى ال عليه وسلم‪ ،‬فقال‪(( :‬ل َي ْنتَطِحُ فيها عَنزانِ))‪ .‬وفى ذلك بضعة عشر حديثاً ما بين صحاح‬
‫وحِسان ومشاهير‪ ،‬وهو إجماع الصحابة‪.‬وقد ذكر حرب فى ((مسائله))‪ :‬عن مجاهد قال‪ :‬أتَي عمرُ‬
‫ل عنه‪ :‬من سبّ‬
‫ب النبى صلى ال عليه وسلم فقتله‪ ،‬ثم قال عمر رضي ا ّ‬
‫رضى الّ عنه برجُلِ س ّ‬
‫ل عنهما‪ :‬أيّما‬
‫ل ورسوله‪ ،‬أو سبّ أحداً من النبياء فاقتلُوه‪ .‬ثم قال مجاهد عن ابن عباس رضى ا ّ‬
‫ا ّ‬
‫ل صلى ال عليه وسلم وهى‬
‫ل ورسوله‪ ،‬أو سبّ أحدًا من النبياء‪ ،‬فقد ك ّذبَ برسول ا ّ‬
‫مسلم سبّ ا ّ‬
‫لّ أو سبّ أحداً من النبياء‪ ،‬أو جهر‬
‫رِدة‪ ،‬يُستتاب‪ ،‬فإن رجع‪ ،‬وإل ُقتِل‪ ،‬وأيّما ُمعَاهَدٍ عاند‪ ،‬فسبّ ا َ‬
‫به‪ ،‬فقد نقضَ العهد فاقتلوه‪.‬‬
‫ب النبىّ‬
‫ل عنهما أنه م ّر به راهب‪ ،‬فقيل له‪ :‬هذا يس ّ‬
‫وذكر أحمد‪ ،‬عن ابن عمر رضى ا ّ‬
‫ل عنه‪ :‬لو سمعتُه‪ ،‬لقتلته إنا لم نُعطهم الذمة على أن‬
‫صلى ال عليه وسلم‪ ،‬فقال ابنُ عمر رضى ا ّ‬
‫يسبوا نبيّنا‪ .‬والثا ُر عن الصحابة بذلك كثيرة‪ ،‬وحكى غيرُ واحد من الئمة الجماع على قتله‪ .‬قال‬
‫شيخُنا‪ :‬وهو محمول على إجماع الصدر الول من الصحابة والتابعين‪ .‬والمقصود‪ :‬إنما هو ذكر‬
‫حكم النبى صلى ال عليه وسلم وقضائه فيمن سبه‪.‬‬
‫ك لَمْ‬
‫وأما تركه صلى ال عليه وسلم قتل مَن قدح فى عدله بقوله‪(( :‬اعْدِلْ فَإ ّن َ‬
‫سمَةٌ ما ُأرِيدَ بِها‬
‫َتعْدِلْ))‪ ،‬وفى حكمه بقوله‪(( :‬أن كان ابن ع ّمتِك))‪ ،‬وفى قصده بقوله‪(( :‬إن هذهِ قِ ْ‬
‫ك تنهى عن الغى وتستخلى به)) وغير ذلك‪ ،‬فذلك أن‬
‫ل أو فى خلوته بقوله‪(( :‬يَقُولُونَ إ ّن َ‬
‫وَجْهُ ا ّ‬
‫ق له‪ ،‬فله أن يستو ِفيَه‪ ،‬وله أن يترُكه‪ ،‬وليس لمته تركُ استيفاء حقّه صلى ال عليه وسلم‪.‬‬
‫الح ّ‬
‫وأيضاً فإن هذا كان فى أول المر حيث كان صلى ال عليه وسلم مأموراً بالعف ِو والصفح‪.‬‬
‫س عنه‪ ،‬ولئل‬
‫وأيضاً فإنه كان يعفو عن حقّه لمصلحة التأليف وجم ِع الكلمة‪ ،‬ولئل ُينَ ّفرَ النا َ‬
‫يتحدثوا أنه يقتلُ أصحابه‪ ،‬وكل هذا يختصّ بحياته صلى ال عليه وسلم‪.‬‬
‫فصل‬
‫فى حكمه صلى ال عليه وسلم فيمن سمّه‬
‫ثبت فى ((الصحيحين))‪(( :‬أن يهوديةً سمته فى شاة‪ ،‬فأكل منها لُقمة‪ ،‬ثم لفظها‪ ،‬وأكل معه‬
‫بِشر بنُ البراء‪ ،‬فعفا عنها النبىّ صلى ال عليه وسلم ولم يُعاقبها))‪ ،‬هكذا فى ((الصحيحين))‪.‬‬
‫ن البراء‪ ،‬قتلها‬
‫وعند أبى داود‪ :‬أنه أمر بقتلها‪ ،‬فقيل‪ :‬إنه عفا عنها فى حقّه‪ ،‬فلما مات بشر ب ُ‬
‫به‪.‬‬
‫ت به‪ ،‬أُقي َد منه‪.‬‬
‫وفيه دليل على أن من قدّم لغيره طعاماً مسموماً‪ ،‬يعلم به دون آكله‪ ،‬فما َ‬
‫‪29‬‬

‫فصل‬
‫فى حكمه صلى ال عليه وسلم فى الساحر‬
‫س ْيفِ))‪ .‬والصحيح أنه‬
‫ض ْربَةٌ بِال ّ‬
‫ح ِر َ‬
‫فى الترمذى‪ .‬عنه صلى ال عليه وسلم‪(( :‬حَ ّد السّا ِ‬
‫ب بن عبد الّ‪.‬‬
‫جنْ ُد ِ‬
‫موقوف على ُ‬
‫ل عنه أنه أمر بقتله‪ ،‬وصح عن حفصة رضى الّ عنها‪ ،‬أنها قتلت‬
‫وصح عن عمر رضى ا ّ‬
‫ح َرتْها‪ ،‬فأنكر عليها عثمانُ إذ فعلته دون أمره‪ .‬ورُوى عن عائشة رضى الّ عنها أيضاً‬
‫سَ‬
‫مدبّرةً َ‬
‫ن المنذر وغيره‪.‬‬
‫أنها قتلت مدبّرة سحرتها‪ ،‬وروى أنها باعتها‪ ،‬ذكره اب ُ‬
‫ل صلى ال عليه وسلم لم يقتُل مَن سحره من اليهود‪ ،‬فأخذ بهذا‬
‫وقد صح أن رسول ا ّ‬
‫الشافعى‪ ،‬وأبو حنيفة رحمهما الّ‪ ،‬وأما مالك‪ ،‬وأحمد رحمهما الّ‪ ،‬فإنهما يقتلنه‪ ،‬ولكن منصوصُ‬
‫أحمد رحمه الّ‪ ،‬أن ساحر أهل الذمة ل يُقتل‪ ،‬واحتج بأن النبىّ صلى ال عليه وسلم لم يقتل لبيد بن‬
‫العصم اليهودى حين سحره‪ ،‬ومن قال بقتل ساحرهم يُجيب عن هذا بأنه لم يُ ِقرّ‪ ،‬ولم يُقم عليه‬
‫بينة‪ ،‬وبأنه خشى صلى ال عليه وسلم أن يثير على الناس شرًا بترك إخراجِ السحر مِن البئر‪،‬‬
‫فكيف لو قتله‪.‬‬
‫فصل‬
‫فى حكمه صلى ال عليه وسلم فى أول غنيمة كانت فى السلم وأوّل قتيل‬
‫ش ومن معه سري ًة إلى نخل َة َت ْرصُد‬
‫ح ٍ‬
‫ل صلى ال عليه وسلم عبدَ الّ بن جَ ْ‬
‫لما بعث رسولُ ا ّ‬
‫عِيراً لقريش‪ ،‬وأعطاه كِتاباً مختوماً‪ ،‬وأمره أن ل يقرأه إل بع َد يومين‪ ،‬فقتلوا عمرو بن الحضرمى‪،‬‬
‫وأسروا عثمان بنَ عبد الّ‪ ،‬والحكمَ بن كيسان‪ ،‬وكان ذلك فى الشهر الحرام‪ ،‬فعنّفهم المشركون‪،‬‬
‫ل صلى ال عليه وسلم الغنيمةَ والسيرين حتى أنزل الّ سبحانه وتعالى‪{:‬يَسَْألُونَكَ‬
‫ووقف رسولُ ا ّ‬
‫خرَاجُ‬
‫حرَامِ وإ ْ‬
‫لّ َوكُ ْف ٌر بِ ِه والمَسْجِدِ ال َ‬
‫سبِيلِ ا ِ‬
‫حرَامِ ِقتَالٍ فيهِ قُلْ ِقتَالٌ فِي ِه َكبِي ٌر وصَدّ عَنْ َ‬
‫ش ْهرِ ال َ‬
‫عَن ال ّ‬
‫عنْدَ الِّ} [البقرة‪ ]217 :‬فأخَذ رسول الّ صلى ال عليه وسلم العِير والسيرين‪،‬‬
‫أَ ْهلِهِ ِمنْ ُه َأ ْك َبرُ ِ‬
‫وبعثت إليه قريشٌ فى فدائهما‪ ،‬فقال‪ :‬ل‪ ،‬حتى يَقْدَمَ صاحبانا ‪ -‬يعنى سعد بن أبى وقاص‪ ،‬وعُتبة بن‬
‫ل صلى‬
‫غزوان ‪ ،-‬فإنا نخشاكم عليهما‪ ،‬فإن تقتلوهما‪ ،‬نقتُلْ صاحِبيكم‪ ،‬فلما قَ ِدمَا‪ ،‬فأداهما رسولُ ا ّ‬
‫ال عليه وسلم بعثمان والحكم‪ ،‬وقسم الغنيمة‪.‬‬
‫ن وهب‪ :‬أن النبى صلى ال عليه وسلم ر ّد الغنمية‪ ،‬وودَى القتيل‪.‬‬
‫وذكر اب ُ‬
‫والمعروفُ فى السير خلف هذا‪.‬‬
‫‪30‬‬

‫وفى هذه القصة مِن الفقه إجازةُ الشهادة على الوصية المختومة‪ ،‬وهو قولُ مالك‪،‬‬
‫ل عنهما فى ((الصحيحين))‪(( :‬ما حقّ‬
‫وكثير من السلف‪ ،‬ويدل عليه حديث ابن عمر رضى ا ّ‬
‫عنْ َدهُ))‪.‬‬
‫ص ّيتُه م ْكتُوبَة ِ‬
‫سلِم لَهُ شَىء يُوصى به يبيتُ َل ْيَل َتيْنِ إل َو َو ِ‬
‫ا ْمرِىءً مُ ْ‬
‫وفيها‪ :‬أنه ل يُشترط فى كتاب المام والحاكم البينة‪ ،‬ول أن يقرأه المام‬
‫والحاكم على الحامل له‪ ،‬وكُلّ هذا ل أصل له فى كتاب ول سنة‪ ،‬وقد كان رسولُ الّ صلى ال عليه‬
‫وسلم يدفع كُتبه مع رُسله‪ ،‬ويُسيرها إلى من يكتب إليه‪ ،‬ول يقرؤها على حاملها‪ ،‬ول يُقيم عليها‬
‫شاهدين‪ ،‬وهذا معلوم بالضرورة مِن هديه وسنته‪.‬‬
‫فصل‬
‫فى حكمه صلى ال عليه وسلم فى الجاسوس‬
‫ل عنه ضربَ عنقه‪ ،‬فلم‬
‫ثبت أن حاطب بن أبى بَلتعة لما جسّ عليه‪ ،‬سأله عمرُ رضى ا ّ‬
‫ت َلكُمْ))‪ .‬وقد‬
‫ش ْئتُم‪ ،‬فَقَدْ غَ َف ْر ُ‬
‫ع َملُوا مَا ِ‬
‫ل بَ ْدرٍ فَقَالَ‪ :‬ا ْ‬
‫طلَعَ عَلى أَهْ ِ‬
‫لّ ا ّ‬
‫يُمكنه‪ ،‬وقال‪(( :‬مَا يُ ْدرِيكَ َلعَلّ ا َ‬
‫تقدم حكم المسألة مستوفى‪.‬‬
‫واختلف الفقهاء فى ذلك‪ ،‬فقالَ سحنون‪ :‬إذا كاتب المسل ُم أهلَ الحرب‪ُ ،‬قتِلَ‪ ،‬ولم يُستتب‪،‬‬
‫ومالُه لورثته‪ ،‬وقال غيرُه من أصحاب مالك رحمه الّ‪ :‬يُجلد جلداً وجيعاً‪ ،‬ويُطال حبسه‪ ،‬ويُنفى مِن‬
‫موضع يقرب من الكفار‪ .‬وقال ابن القاسم‪ :‬يُقتل ول يعرف لهذا توبة‪ ،‬وهو كالزنديق‪.‬‬
‫وقال الشافعى‪ ،‬وأبو حنيفة‪ ،‬وأحمد رحمهم الّ‪ :‬ل يُقتل‪ ،‬والفريقان احتجوا بقصة حاطب‪،‬‬
‫وقد تقدم ذِكرُ وجه احتجاجهم‪ ،‬ووافق ابنُ عقيل من أصحاب أحمد مالكًا وأصحابه‪.‬‬
‫فصل‬
‫فى حكمه فى السرى‬
‫ثبت عنه صلى ال عليه وسلم فى السرى أنه َقتَل َب ْعضَهم‪ ،‬ومَنّ على بعضهم‪ ،‬وفادى‬
‫س َترِقّ‬
‫بعضَهم بمال‪ ،‬وبعضَهم بأسرى مِن المسلمين‪ ،‬واسترقّ بعضَهم‪ ،‬ولكن المعروف‪ ،‬أنه لم يَ ْ‬
‫رجلً بالغاً‪.‬‬
‫فقتل يومَ بدر من السرى عُقبةَ بن أبى معيط‪ ،‬والنضر بن الحارث‪.‬‬
‫وقتل مِن يهود جماع ًة كثيرين من السرى‪ ،‬وفادى أسرى بدر بالمال بأربعةِ آلف إلى‬
‫ع ّزةَ الشاعر يومَ‬
‫أربعمائةٍ‪ ،‬وفادى بعضَهم على تعليم جماعة من المسلمين الكتابة‪ ،‬ومنّ على أبى َ‬

‫‪31‬‬

‫طلَ ْق ُتهُمْ‬
‫حيّاً‪ ،‬ثُ ّم َكّل َمنِى فى هُؤلَء ال ّنتْنى لَ ْ‬
‫طعِمُ بنُ عَ ِدىّ َ‬
‫ن المُ ْ‬
‫بدر‪ ،‬وقال فى أسارى بدر‪َ(( :‬لوْ كَا َ‬
‫لَهُ))‪ .‬وفدى رجلين من المسلمين برجل من المشركين‪.‬‬
‫ل من المسلمين بامرأة من السبى‪ ،‬استوهبها مِن سلمة بن الكوع‪.‬‬
‫وفدى رجا ً‬
‫ومنّ على ثُمامة بن أُثال‪ ،‬وأطَلَق يوم فتح مكة جماع ًة مِن قريش‪ ،‬فكان يقال لهم‪ :‬الطّلقاء‪.‬‬
‫ب المصلحة‪ ،‬واسترقّ مِن‬
‫وهذه أول أحكام لم يُنسخ منها شىء‪ ،‬بل يُخير المامُ فيها بحس ِ‬
‫أهل الكِتاب وغيرهم‪ ،‬فسبايا أوطاس‪ ،‬وبنى المصطَلِق لم يكونوا كتابين‪ ،‬وإنما كانوا عبدة أوثان مِن‬
‫العرب‪ ،‬واسترق الصحاب ُة مِنْ سبى بنى حنيفة‪ ،‬ولم يكونوا كتابيين‪ .‬قال ابن عباس رضى الّ‬
‫ن والقتلِ والستعباد‪ ،‬يفعلُ‬
‫ل صلى ال عليه وسلم فى السرى بينَ الفداء والم ّ‬
‫عنهما‪ :‬خ ّيرَ رسولُ ا ّ‬
‫ما شاء‪ ،‬وهذا هو الحق الذى ل قول سواه‪.‬‬
‫فصل‬
‫وحكم فى اليهود بعدة قضايا‪ ،‬فعاهدَهم أوّل مقدمه المدينة‪ ،‬ثم حاربه بُنو َق ْينُقَاع‪ ،‬فظَ ِفرَ بهم‪،‬‬
‫ومنّ عليهم‪ ،‬ثم حاربه بنو النضير‪ ،‬فظ ِفرَ بهم‪ ،‬وأجلهم‪ ،‬ثُمّ حارَبه بنو قُريظة‪ ،‬فظ ِفرَ بهم وقتلهم‪ ،‬ثم‬
‫حاربه أهلُ خيبر‪ ،‬فظَ ِف َر بهم وأقرّهم فى أرض خيبرَ ما شاء سِوى مَنْ قتل مِنهم‪.‬‬
‫ولما حكم سع ُد بن معاذ فى بنى قُريظة بأن تُقتَل مقاتلتُهم‪ ،‬وتُسبى ذراريهم وتُغنم أموالُهم‪،‬‬
‫سمَاوات‪.‬‬
‫سبْعِ َ‬
‫ل مِن فوق َ‬
‫لّ عزّ وج ّ‬
‫حكْمُ ا ِ‬
‫ل صلى ال عليه وسلم‪ :‬أن هذا ُ‬
‫أخبره رسولُ ا ّ‬
‫وتضمّن هذا الحكم‪ :‬أن ناقضى العه ِد يسرى نقضُهم إلى نسائهم و ُذ ّر ّيتِهم إذا كان نقضُهم‬
‫لّ عزّ وجل‪.‬‬
‫بالحرب‪ ،‬ويعودون أهلَ حرب‪ ،‬وهذا عينُ حكمِ ا ِ‬
‫فصل‬
‫فى حكمه صلى ال عليه وسلم فى فتح خيبر‬
‫حك َم يومئذ بإقرار يهودَ فيها على شطرِ ما يخرُج منها مِن ثمر أو زرع‪.‬‬
‫وحكم بقتل ابنى أبى الحُ َقيْقِ لما نقضُوا الصّلح بينَهم وبينَه‪ :‬على أن ل يكتُموا ول يُغيّبوا‬
‫شيئًا من أموالهم‪ ،‬فكتمُوا وغيّبوا‪ ،‬وحكم بعقوبة المتّهم بتغييبِ المال حتى أقرّ به‪ ،‬وقد تقدّم ذلك‬
‫مستوفى فى غزوة خيبر‪.‬‬
‫ل صلى‬
‫وكانت لهل الحُديبية خاصة‪ ،‬ولم َي ِغبْ عنها إل جابرُ بن عبد الّ‪ ،‬فقسم له رسولُ ا ّ‬
‫ال عليه وسلم سهمَه‪.‬‬
‫فصل‬
‫‪32‬‬

‫فى حكمه صلى ال عليه وسلم فى فتح مكة‬
‫ل المسجد‪ ،‬أو وضع السلح‪ ،‬فهو‬
‫ل دا َر أبى سفيان‪ ،‬أو دخ َ‬
‫ن من أغلقَ بابَه‪ ،‬أو دخ َ‬
‫حكم بأ ّ‬
‫آمن‪ ،‬وحكم بقتل نفر ستةٍ‪ ،‬منهم‪ :‬مِقْيس بن صبُابة‪ ،‬وابنُ خطل‪ ،‬ومغنيتان كانتا تغنيان بهجائه‪،‬‬
‫وحكم بأنه ل يُجهز على جريح‪ ،‬ول يُتب ُع مدبر‪ ،‬ول يُقتل أسير‪ ،‬ذكره أبو عبيد فى ((الموال))‪.‬‬
‫خزَاعَةَ‪،‬‬
‫شرَ ُ‬
‫وحكم لخُزاعة أن يبذلُوا سُيوفَهم فى بنى بكر إلى صلة العصر‪ ،‬ثم قال لهم‪(( :‬يَا َمعْ َ‬
‫ارْ َفعُوا َأيْ ِد َيكُمْ عَنِ ال َقتْل))‪.‬‬
‫فصل‬
‫فى حكمه صلى ال عليه وسلم فى قسمة الغنائم‬
‫حكم صلى ال عليه وسلم أن للفارِس ثلثَةَ أسهم‪ ،‬وللرّاجِلِ سهم‪ ،‬هذا حكمُه الثابتُ عنه فى‬
‫مغازيه ُكلّها‪ ،‬وبه أخذ جمهورُ الفقهاء‪.‬‬
‫وحكم أن السّلبَ للقاتل‪.‬‬
‫ل يومَ بنى قريظة ست ًة وثلثين‬
‫وأما حُكمه بإخراج الخمس‪ ،‬فقال ابن إسحاق‪ :‬كانت الخي ُ‬
‫فرساً‪ ،‬وكان أوّلَ فىء وقعت فيه السهمان‪ ،‬وأخرج منه الخمس‪ ،‬ومضت به السنة‪ ،‬ووافقه على‬
‫سبُ أن بعضَهم قال‪ :‬ترك أمرَ الخُمس بعد‬
‫ذلك القضاء إسماعيل بن إسحاق‪ ،‬فقال إسماعيل‪ :‬وأحْ ِ‬
‫ذلك‪ ،‬ولم يأت فى ذلك من الحديث ما فيه بيانٌ شاف‪ ،‬وإنما جاء ذكرُ الخمس يقيناً فى غنائم حُنين‪.‬‬
‫وقال الواقدى‪ :‬أول خُمسٍ فى غزوة بنى َق ْينُقاع بعدَ بدرٍ بشهر وثلثة أيام‪ ،‬نزلُوا على‬
‫حُكمه‪ ،‬فصالحهم على أن له أموالَهم‪ ،‬ولهم النسا ُء والذرية‪ ،‬وخمّس أموالهم‪.‬‬
‫ل صلى ال عليه وسلم إلى بدر‪ ،‬فلما َهزَمَ الّ‬
‫وقال عُبادة بن الصامت‪ :‬خرجنا مع رسول ا ّ‬
‫ل صلى ال عليه وسلم‪ ،‬وطائف ٌة استولت‬
‫الع ُدوّ‪ ،‬تبعتهم طائف ٌة يقتلونهم‪ ،‬وأحد َقتْ طائفةٌ برسول ا ّ‬
‫على العسكر والغنيمة‪ ،‬فلما رجع الّذِين طلبوهم‪ ،‬قالوا‪ :‬لنا النّفَلُ نحن طلبنا الع ُدوّ‪ ،‬وقال الذين‬
‫ل عليه وسلم‬
‫ل صلى ا ّ‬
‫أحدقوا برسول الّ صلى ال عليه وسلم‪ :‬نحن أحقّ به‪ ،‬لنا أحدقنا برسول ا ّ‬
‫ح ْو َينَاهُ‪ .‬فأنزل الّ عز وجل‪:‬‬
‫غ ّرتَه‪ ،‬وقال الذين استَوَلوْا على العسكر‪ُ :‬هوَ لنا‪ ،‬نحن َ‬
‫أن ل ينال الع ُدوّ ِ‬
‫ل صلى ال عليه‬
‫لّ وَالرّسُولِ} [النفال‪ ،]1 :‬فقسمه رسولُ ا ّ‬
‫لنْفَالُ ِ‬
‫{يَسَْألُو َنكَ عَن الُنفالِ قُلِ ا َ‬
‫خمُسَهُ} [النفال‪.]41 :‬‬
‫شىْءٍ فَأَنّ لِّ ُ‬
‫غ ِن ْمتُم مِنْ َ‬
‫عَلمُوا أنّما َ‬
‫وسلم عن َبوَاءٍ قبل أن ينزل‪{ :‬وا ْ‬
‫ل بنى النضير‬
‫ل صلى ال عليه وسلم أموا َ‬
‫وقال القاضى إسماعيل‪ :‬إنما قسم رسولُ ا ّ‬
‫ل بنِ حُنيف‪ ،‬وأبى دُجانة‪ ،‬والحارث بن الصّمة لن‬
‫بينَ المهاجرين‪ ،‬وثلث ًة من النصار‪ :‬سه ِ‬
‫‪33‬‬

‫س ْمتُ‬
‫ش ْئتُم قَ َ‬
‫المهاجرين حين قدموا المدينة‪ ،‬شاطرهم النصارُ ثمارَهم‪ ،‬فقال لهم رسول الّ‪(( :‬إنْ ِ‬
‫طيْنَاها ِل ْل ُمهَاجِرينَ‬
‫ش ْئتُ ْم أَعْ َ‬
‫علَى ُموَاسَاتِهم فى ِثمَا ِركُم‪ ،‬وإنْ ِ‬
‫َأ ْموَالَ َبنِى النّضِي ِر َب ْي َنكُمْ و َب ْي َنهُمْ‪ ،‬وأَ َق ْمتُم َ‬
‫سكُ ثمارنا‪،‬‬
‫ع ْنهُ ْم مَا ُك ْنتُم ُتعْطُو َنهُ ْم مِنْ ِثمَا ِركُمْ))‪ ،‬فقالوا‪ :‬بل تُعطيهم دوننا‪ ،‬و ُنمْ ِ‬
‫ط ْعتُم َ‬
‫دُو َنكُمْ‪ ،‬وقَ َ‬
‫ل صلى ال عليه وسلم المهاجرينَ‪ ،‬فاستغنوا بما أخذوا‪ ،‬واستغنى النصارُ بما‬
‫فأعطاها رسولُ ا ّ‬
‫ش َكوْا حَاجَةً‪.‬‬
‫رجع إليهم من ثمارهم‪ ،‬وهؤلء الثلثة من النصار َ‬
‫فصل‬
‫وكان طلح ُة بنُ عبيد الّ‪ ،‬وسعي ُد بن زيد رضى الّ عنهما بالشام لم يشهد بدراً‪ ،‬فقسم لهما‬
‫ل صلى ال عليه وسلم سهميهما‪ ،‬فقال‪ :‬وأجورُنا يا رسولَ الّ؟ فقال‪(( :‬وأُجُور ُكمَا))‪.‬‬
‫رسولَ ا ّ‬
‫وذكر ابن هشام‪ ،‬وابن حبيب أن أبا لبابة‪ ،‬والحارث بنَ حاطب‪ ،‬وعاصِمَ بنَ عدى خرجُوا‬
‫ل صلى ال عليه وسلم‪ ،‬فردّهم‪ ،‬وأ ّمرَ أبا لبابة على المدينة‪ ،‬وابن أم مكتوم على‬
‫مع رسول ا ّ‬
‫الصلة‪ ،‬وأسهم لهم‪.‬‬
‫سرَ بالروحاء‪ ،‬فضرب له رسولُ الّ صلى ال عليه وسلم بسهمه‪.‬‬
‫والحارث بن الصّمة كُ ِ‬
‫ل صلى ال عليه وسلم بسهمه‪.‬‬
‫قال ابن هشام‪ :‬وخّوات بن جُبير ضرب له رسولُ ا ّ‬
‫ل عنه تخلف على امرأته رقية بنت رسول‬
‫ولم يختِلف أحدٌ أن عثمان ابن عفان رضى ا ّ‬
‫ل صلى ال عليه وسلم قال‪:‬‬
‫ل صلى ال عليه وسلم‪ ،‬فضرب له بسهمه‪ ،‬فقال‪ :‬وأجرى يا رسول ا ّ‬
‫ا ّ‬
‫ى صلى ال عليه وسلم‪ ،‬وأجمع المسلمون أن ل يُقسم‬
‫ص للنب ّ‬
‫ج ُركَ)) ؛ قال ابن حبيب‪ :‬وهذا خا ٌ‬
‫((وأَ ْ‬
‫لغائب‪.‬‬
‫قلتُ‪ :‬وقد قال أحم ُد ومالك‪ ،‬وجماع ٌة من السلف والخلف‪ :‬إن الما َم إذا بعث أحداً فى مصالح‬
‫الجيش‪ ،‬فله سهمُه‪.‬‬
‫سهِمُ للنساء والصبيان والعبيد‪ ،‬ولكن‬
‫قال ابن حبيب‪ :‬ولم يكن النبى صلى ال عليه وسلم يُ ْ‬
‫كان يحذيهم مِن الغنيمة‪.‬‬
‫فصل‬
‫وعدل فى قسمة البل والغنم كُلّ عشرة منها ببعير‪ ،‬فهذا فى التقويم‪ ،‬وقسمة المال المشترك‪.‬‬
‫وأما فى الهدى‪ ،‬فقد قال جابر‪ :‬نحرنا مَع رسول الّ صلى ال عليه وسلم عام الحُديبية‪ .‬وأما فى‬
‫ل صلى ال عليه وسلم أن نشترك فى البل والبقر‬
‫حجة الوداع‪ ،‬فقال جابر أيضاً‪(( :‬أمرنا رسول ا ّ‬
‫كُلّ سبعة منا فى بدنة)) ؛ وكلهما فى الصحيح‪.‬‬
‫‪34‬‬

‫وفى ((السنن)) من حديث ابن عباس‪ ،‬أن رجلً‪ :‬أتى النبىّ صلى ال عليه وسلم فقال‪(( :‬إن‬
‫علىّ بدنة وأنا موسِر بها ول أجدها فأشتريها‪ ،‬فأمره أن يبتاعَ سبعَ شياه‪ ،‬فيذبحهن))‪.‬‬
‫فصل‬
‫ب كله للقاتل‪ ،‬ولم يُخمّسْه‪ ،‬ولم يجعله مِن الخُمس‪ ،‬بل‬
‫سَل ِ‬
‫حكم النبىّ صلى ال عليه وسلم بال ّ‬
‫مِن أصل الغنيمة‪ ،‬وهذا حكمه وقضاؤه‪.‬‬
‫قال البخارى فى ((صحيحه))‪ :‬السلبُ للقاتل إنما هو مِن غير الخُمس‪ ،‬وحكم به بشهادة‬
‫ب لمن قتل‬
‫سَل ِ‬
‫واحد‪ ،‬وحكم به بعد القتل‪ ،‬فهذه أربعة أحكام تضمّنها حكمُه صلى ال عليه وسلم بال ّ‬
‫قتيلً‪.‬‬
‫وقال مالك وأصحابهُ‪ :‬السلبُ ل يكون إل من الخمس‪ ،‬وحكمه حُكمُ النفل‪ ،‬قال مالك‪ :‬ولم‬
‫يبُل ْغنَا أن النبىّ صلى ال عليه وسلم قال ذلك‪ ،‬ول فعلَه فى غي ِر يوم حُنين‪ ،‬ول فعلَه َأبُو بكر‪ ،‬ول‬
‫عُمر رضى ال عنهما‪ .‬قال ابن الموّاز‪ :‬ولم يُعط غير البراء بن مالك سلبَ قتيله‪ ،‬وخمّسه‪.‬‬
‫خمُسَهُ }‪ ،‬فجعل أربعة‬
‫غ ِن ْمتُم مِنْ شَىءٍ فأنّ لِّ ُ‬
‫علَمُوا َأ ّنمَا َ‬
‫ل تعالى‪{ :‬وا ْ‬
‫قال أصحابه‪ :‬قال ا ّ‬
‫أخماس الغنيمة لمن غنمها‪ ،‬فل يجوز أن يُؤخذ شىء مما جعله الّ لهم بالحتمال‪.‬‬
‫وأيضاً فلو كانت هذه اليةُ إنما هى فى غير السلب‪ ،‬لم يُؤخر النبى صلى ال عليه وسلم‬
‫سَلبُه))‪ ،‬بعد أن برد‬
‫حكمها إلى حُنين‪ ،‬وقد نزلت فى قصة بدر‪ ،‬وأيضًا إنما قال‪(( :‬مَنْ َقتَلَ َقتِلً فلَهُ َ‬
‫القتالُ‪ ،‬ولو كان أمراً متقدماً‪ ،‬لعلمه أبو قتادة فارسُ رسول الّ صلى ال عليه وسلم‪ ،‬وأحدُ أكابر‬
‫ل ذلك‪.‬‬
‫ل عليه وسلم يقو ُ‬
‫سمِعَ منادىَ رسولِ الّ صلى ا ّ‬
‫أصحابه‪ ،‬وهو لم يطلبه حتى َ‬
‫قالوا‪ :‬وأيضاً فالنبىّ صلى ال عليه وسلم أعطاه إياه بشهادة واحد بل يمين‪ ،‬فلو كان مِن‬
‫رأس الغنيمة‪ ،‬لم يخرج حقّ مغنم إل بما تخرج به الملكُ من البيّنات‪ ،‬أو شاهد ويمين‪.‬‬
‫قالوا‪ :‬وأيضاً فلو وجب للقاتل ولم يجد بيّنة لكان يُوقف‪ ،‬كاللقطة ول يُقسم‪ ،‬وهو إذا لم تكن‬
‫بينة يُقسَم‪ ،‬فخرج من معنى الملك‪ ،‬ودل على أنه إلى اجتهاد المام يجعلُه من الخمس الذى يجعل‬
‫ج به لهذا القول‪.‬‬
‫فى غيره‪ ،‬هذا مجموعُ ما احتُ ّ‬
‫قال الخرون‪ :‬قد قال ذلك رسولُ الّ صلى ال عليه وسلم‪ ،‬وفعله قبل حُنين بستة أعوام‪،‬‬
‫فذكر البخارى فى ((صحيحه))‪ :‬أن معا َذ بن عمرو بنِ الجموح‪ ،‬ومُعا َذ بن عفراء النصاريين‪،‬‬
‫ل صلى ال عليه وسلم‪،‬‬
‫ضرباً أبا جهل بن هشام يوم بدر بسيفهما حتى قتله‪ ،‬فانصرفا إلى رسول ا ّ‬
‫سيْ َف ْي ُكمَا))؟ قال‪:‬‬
‫حتُما َ‬
‫ل مَسَ ْ‬
‫فأخبراه‪ ،‬فقال‪َ(( :‬أيّ ُكمَا َق َتلَهُ))؟ فقال كُلّ واحد منهما‪ :‬أنا قتلته‪ ،‬فقال‪(( :‬هَ ْ‬
‫‪35‬‬

‫جمُوح‪ ،‬وهذا يدل على‬
‫عمْرو بْنِ ال َ‬
‫سَلبُه لمعاذ بْنِ َ‬
‫ل ُكمَا َق َتلَهُ))‪ ،‬و َ‬
‫ل‪ ،‬فنظر إلى السيفين‪ ،‬فقال‪(( :‬كِ َ‬
‫ن السلب للقاتل أم ٌر مقرر معلو ٌم مِن أول المر‪ ،‬وإنما تجدّد يومَ حنين العلمُ العام‪ ،‬والمناداة‬
‫أن كو َ‬
‫به ل شرعيتُه‪.‬‬
‫(يتبع‪)...‬‬
‫@‬

‫ن الموّاز‪ :‬إن أبا بكر وعمر لم يفعله‪ ،‬فجوابُه من وجهين ؛ أحدُهما‪ :‬أن هذا‬
‫وأما قول اب ِ‬

‫شهاد ٌة على النفى‪ ،‬فل تُسمع‪ ،‬الثانى‪ :‬أنه يجوز أن يكون تركُ المناداة بذلك على عهدهما اكتفاءً بما‬
‫ل صلى ال عليه وسلم وقضائه‪ ،‬وحتى لو صحّ عنهما تركُ ذلك‬
‫تقرر‪ ،‬وثبت مِن حكم رسول ا ّ‬
‫ل عليه وسلم‪.‬‬
‫ل صلى ا ّ‬
‫تركاً صحيحاً ل احتمالَ فيه‪ ،‬لم يُقَدّم على حكم رسول ا ّ‬
‫ن الكوع‪،‬‬
‫وأما قولُه‪ :‬ولم يُعط غي َر البراء بن مالك سلبَ قتيله‪ ،‬فد أعطى السلبَ لسلمة اب ِ‬
‫ولمعاذ بن عمرو‪ ،‬ولبى طلحة النصارى‪َ ،‬قتَلَ عِشرين َيوْمَ حنين‪ ،‬فأخذ أسلَبهم‪ ،‬وهذه كلها وقائع‬
‫صحيحة معظمُها فى الصحيح‪ ،‬فالشهاد ُة على النفى ل تكاد تسلمُ من النقض‪.‬‬
‫وأما قولُه‪(( :‬وخمّسَه))‪ ،‬فهذا لم يُحفظ به أثر البتة‪ ،‬بل المحفوظُ خلفه‪ ،‬ففى ((سنن أبى‬
‫سلَب‪.‬‬
‫خمّس ال ّ‬
‫داود))‪ :‬عن خالد‪ ،‬أن النبى صلى ال عليه وسلم‪ ،‬لم يُ َ‬
‫خمُسَهُ} [النفال‪ ،]41 :‬فهذا عام‪،‬‬
‫غ ِن ْمتُم مِنْ شَىءٍ فأَنّ لِّ ُ‬
‫عَلمُوا َأ ّنمَا َ‬
‫وأما قولُه تعالى‪{ :‬وا ْ‬
‫والحكم بالسلب للقاتل خاص‪ ،‬ويجوز تخصيصُ عمومِ الكتاب بالسنة‪ ،‬ونظائرُه معلومة‪ ،‬ول يُمكن‬
‫دفعُها‪.‬‬
‫وقوله‪(( :‬ل يجعل شىء من الغنيم ِة لغير أهلها بالحتمال))‪ ،‬جوابُه من وجهين‪ ،‬أحدهما‪ :‬أنا‬
‫ل صلى ال عليه وسلم ل‬
‫لم نجعل السلب لغير الغانمين‪ .‬الثانى‪ :‬إنما جعلنا للقاتل بقول رسول ا ّ‬
‫بالحتمال‪ ،‬ولم يؤخّر النبى صلى ال عليه وسلم حُك َم الية إلى يوم حُنين كما ذكرتم‪ ،‬بل قد حكم‬
‫ل مِن استحقاقه بالقتل‪.‬وأما كون أبى قتادة لم يطلبه حتى‬
‫بذلك يو َم بدر‪ ،‬ول يمنع كونه قاله بعد القتا ِ‬
‫ل على أنه لم يكن متقرراً معلوماً‪ ،‬وإنما سكت‬
‫سمِ َع منادى النبى صلى ال عليه وسلم يقوله‪ ،‬فل يدُ ّ‬
‫َ‬
‫عنه أبو قتادة لنه لم يكن يأخُذه بمجرد دعواه‪ ،‬فلما شهد له به شاهد أعطاه‪.‬‬
‫والصحيح‪ :‬أن يُكتفى فى هذا بالشاهد الواحد‪ ،‬ول يحتاج إلى شاهد آخر‪ ،‬ول يمين‪ ،‬كما‬
‫جاءت به السن ُة الصحيح ُة الصريحة التى ل مُعارِضَ لها‪ ،‬وقد تقدم هذا فى موضعه‪ .‬وأما قولُه‪:‬‬
‫ق التقديم‪ ،‬فإذا‬
‫((إنه لو كان للقاتل‪ ،‬لوقف‪ ،‬ولم يُقسم كاللقطة))‪ ،‬فجوابُه أنه للغانمين‪ ،‬وإنما للقاتل ح ّ‬
‫لم تُعلم عين القاتل اشترك فيه الغانمين‪ ،‬فإنه حقهم‪ ،‬ولم يظهر مستحق التقديم منهم‪ ،‬فاشتركوا فيه‪.‬‬
‫‪36‬‬

‫فصل‬
‫فى حكمه صلى ال عليه وسلم فيما حازه المشركون من أموال المسلمين‪ ،‬ثم ظهر عليه المسلمون‪،‬‬
‫أو أسلم عليه المشركون‬
‫فى البخارى‪ :‬أن فرساً لبن عمر رضى الّ عنه ذهب‪ ،‬وأخذه العدو‪ ،‬فظه َر عليه المسلمون‪،‬‬
‫ل صلى ال عليه وسلم‪ ،‬وَأبَقَ له عبد‪ ،‬فلحق بالروم‪ ،‬فظهر عليه‬
‫َفرُ ّد عليه فى زمن رسول ا ّ‬
‫ل عنه‪.‬‬
‫المسلمون‪ ،‬فردّه عليه خالد فى زمن أبى بكر رضى ا ّ‬
‫ل صلى ال عليه وسلم هو الذى رَ ّد عليه الغلم‪ .‬وفى‬
‫وفى ((سنن أبى داود))‪ :‬أن رسولَ ا ّ‬
‫ل من المسلمين وجد بعيراً له فى المغانم‪ ،‬فقال له رسول الّ‬
‫((المدونة)) و((الواضحة)) أن رج ً‬
‫ن إن‬
‫ق بِ ِه بِال ّثمَ ِ‬
‫ت أَحَ ّ‬
‫صلى ال عليه وسلم‪(( :‬إنْ وَج ْدتَه لم يُقْسَمْ‪ ،‬فَخُ ْذهُ‪ ،‬وإنْ وج ْدتَهُ قَدْ قُسِمَ فََأ ْن َ‬
‫أرَ ْدتَهُ))‪.‬‬
‫وصح عنه‪ :‬أن المهاجرين طلبوا منه دُورَهم يوم الفتح بمكة‪ ،‬فلم يرد على أحد دارَه‪ .‬وقل‬
‫ل َم ْنزِلً))‪ ،‬وذلك أن الرسولَ صلى‬
‫ك َلنَا عَقِي ٌ‬
‫له‪ :‬أين َت ْنزِلُ غدًا من دارك بمكة؟‪ ،‬فقال‪(( :‬وهَلْ َت َر َ‬
‫ل عليه وسلم بمكة‪ ،‬فحازها‬
‫ال عليه وسلم لما هاجر إلى المدينة‪ ،‬وثب عقل على رباع النبى صلى ا ّ‬
‫ُكلّها‪ ،‬وحوى عليها‪ ،‬ثم أسلم وهى فى يده‪ ،‬وقضى رسولُ الّ صلى ال عليه وسلم أن من أسلم على‬
‫شىء فهو له‪ ،‬وكان عقيل ورث أبا طالب‪ ،‬ولم يرثه على لتقدّم إسلمه على موت أبيه‪ ،‬ولم يكنْ‬
‫ث مِن عبد المطلب‪ ،‬فإن أباه عبدَ الّ مات‪ ،‬وأبوه عبدُ المطلب‬
‫لرسولِ الّ صلى ال عليه وسلم ميرا ٌ‬
‫حىّ‪ ،‬ثمّ مات عبدُ المطلب‪ ،‬فَورِثه أولده‪ ،‬وهم أعمامُ النبى صلى ال عليه وسلم‪ ،‬ومات أكيرُ‬
‫ن على لختلف‬
‫ل دو َ‬
‫أولده‪ ،‬ولم يعقبوا‪ ،‬فحاز أبو طالب رِباعه‪ ،‬ثم مات‪ ،‬فاستولى عليها عَقي ٌ‬
‫ى صلى ال عليه وسلم‪ ،‬فاستولى عقيل على داره‪ ،‬فلذلك قال رسول الّ‪(( :‬وهَلْ‬
‫الدين‪ ،‬ثم هاجر النب ّ‬
‫ل َم ْنزِلً))‪.‬‬
‫َت َركَ َلنَا عَقِي ٌ‬
‫وكان المشركون َي ْعمِدُونَ إلى من هاجر من المسلمين ولحق بالمدينة‪ ،‬فيستولُون على داره‬
‫وعقاره‪ ،‬فمضت السنةُ أن الكفارَ المحاربين إذا أسلموا‪ ،‬لم يضمنُوا ما أتلفُوه على المسلمين مِن‬
‫نفس أو مال‪ ،‬ولم َيرُدّوا عليهم أموَالهم التى غَصبُوهَا عليهم‪ ،‬بل من أسلم على شىء‪ ،‬فهو له ؛ هذا‬
‫حكمه وقضاؤه صلى ال عليه وسلم‪.‬‬
‫فصل‬
‫فى حكمه صلى ال عليه وسلم فيما كان يُهدى إليه‬
‫‪37‬‬

‫ل منهم‪ ،‬ويُكافئهم أضعافَها‪.‬‬
‫ل عنهم يُهدون إليه الطعامَ وغيره‪ ،‬فيقب ُ‬
‫كان أصحابُه رضى ا ّ‬
‫سمُها بينَ أصحابه‪ ،‬ويأخُذُ منها لنفسه ما‬
‫ك تُهدى إليه‪ ،‬فيقبلُ هداياهم‪ ،‬ويَقْ ِ‬
‫وكانت الملو ُ‬
‫ى الذى له من المغنم‪.‬‬
‫يختارُه‪ ،‬فيكون كالصف ّ‬
‫ج مز ّررَة بالذهب‪،‬‬
‫ت إليه أَ ْقبِية دِيبا ٍ‬
‫وفى ((صحيح البخارى))‪ :‬أن النبى صلى ال عليه وسلم أُه ِد َي ْ‬
‫خرَمة بنِ نوفل‪ ،‬فجاء ومعه المِسور ابنُه‪ ،‬فقام‬
‫فقسمها فى ناس مِن أصحابه‪ ،‬وعزل منها واحدًا لِم ْ‬
‫ى صلى ال عليه وسلم صوتَه‪ ،‬فتلقاه به فاستقبلَه‪ ،‬وقال‪(( :‬يا‬
‫على الباب‪ ،‬فقال‪ :‬ادْعُ ُه لى‪ ،‬فسمِع النب ّ‬
‫خبَ ْأتُ هذَا َلكَ))‪.‬‬
‫س َورِ َ‬
‫أَبا المِ ْ‬
‫وأهدى له المُ َقوْ ِقسُ ماري ًة أ ّم ولده‪ ،‬وسِيرين التى وهبها لحسان‪ ،‬وبغلةً شهباء‪ ،‬وحماراً‪.‬‬
‫ل أن‬
‫وأهدى له النجاشىّ هديةً‪ ،‬فَق ِبلَها منه‪ ،‬وبعث إليه هدي ًة عوضها‪ ،‬وأخبر أنّه مات قب َ‬
‫َتصِلَ إليه‪ ،‬وأنها َترْجعُ‪ ،‬فكان المر كما قال‪.‬‬
‫ن نُفَاثَةَ الجذَامِى بغل ًة ببيضاء ركبها يوم حُنين‪ ،‬ذكره مسلم‪.‬‬
‫وأهدى له َف ْر َو ُة بْ ُ‬
‫ل صلى ال عليه وسلم‬
‫ك أيل َة أهدى له بغلةً بيضاء‪ ،‬فكساه رسولُ ا ّ‬
‫وذكر البخارى‪ :‬أن َمِل َ‬
‫حرِهِم‪.‬‬
‫بُردة‪ ،‬وكتب له ِببَ ْ‬
‫وأهدى له أبو سفيان هدية فقبلها‪.‬‬
‫عبَ الْسِنة‪ ،‬أهدى للنبى صلى ال عليه وسلم فرساً‬
‫وذكر أبو عبيد‪ :‬أن عام َر بن مالك مُل ِ‬
‫ل َزبَدَ‬
‫ش ِركٍ)) وكذلك قال لعياض المجاشعى‪(( :‬إنّا ل نَ ْقبَ ُ‬
‫فرده‪ ،‬وقال‪(( :‬إنّا ل نَ ْقبَلُ هَ ِديّ َة مُ ْ‬
‫ش ِركِين)) يعنى‪ :‬رِفدهم‪.‬‬
‫المُ ْ‬
‫قال أبو عبيد‪ :‬وإنما قبل هدية أبى سفيان لنها كانت فى مد ِة الهُدنة بينه وبين أهل مكة‪،‬‬
‫ب بن أبى بلتعة رسوله إليه‪،‬‬
‫وكذلك المقو ِقسُ صاحبُ السكندرية إنما قبل هديته لنه أكرمَ حاط َ‬
‫ب له قطّ‪.‬‬
‫وأقرّ بنبوته‪ ،‬ولم يُؤيسه من إسلمه‪ ،‬ولم يقبل صلى ال عليه وسلم هدي َة مشركٍ محار ٍ‬
‫فصل‬
‫وأما حكم هدايا الئمة بعده‪ ،‬فقال سُحنون من أصحاب مالك‪ :‬إذا أهدى أميرُ الروم هدي ًة إلى‬
‫المام‪ ،‬فل بأس بقبولها‪ ،‬وتكون له خاصة‪ ،‬وقال الوزاعى‪ :‬تكون للمسلمين‪ ،‬ويُكافئه عليها مِن‬
‫بيت يالمال‪ .‬وقال المام أحمد رحمه الّ وأصحابه‪ :‬ما أهداه الكفار للمام‪ ،‬أو لمير الجيش‪ ،‬أو‬
‫قواده‪ ،‬فهو غنيمة‪ ،‬حكمها حكمُ الغنائم‪.‬‬
‫فصل‬
‫‪38‬‬

‫فى حكمه صلى ال عليه وسلم فى قسمة الموال‬
‫سمُها ثلثة‪ :‬الزكاةُ‪ ،‬والغنائم‪ ،‬والفىء فأما‬
‫ى صلى ال عليه وسلم يق ِ‬
‫الموال التى كان النب ّ‬
‫ف الثمانية‪ ،‬وأنه كان رُبما‬
‫عبُ الصنا َ‬
‫الزكاة والغنائم‪ ،‬فقد تقدم حكمها‪ ،‬وبيّنا أنه لم يكن يُستو ِ‬
‫وضعها فى واحد‪.‬‬
‫وأما حُكمه فى الفىء‪ ،‬فثبت فى الصحيح‪ ،‬أنه صلى ال عليه وسلم قسم يومَ حُنين فى‬
‫ن يَذْ َهبَ‬
‫ن أَ ْ‬
‫ل َت ْرضَو َ‬
‫ط النصارَ شيئاً‪َ ،‬ف َع ِتبُوا عليه‪ ،‬فقال لهم‪(( :‬أ َ‬
‫المؤلفة قلوبُهم من الفىء‪ ،‬ولم يُع ِ‬
‫ن ِبرَسُولِ الّ صلى ال عليه وسلم تَقُودُونَ ُه إلى رِحَاِلكُمْ‪َ ،‬فوَالِّ لما‬
‫النّاسُ بالشّا ِء وال َبعِيرِ‪ ،‬و َتنْطَلِقُو َ‬
‫خ ْي ٌر ِممّا َينْ َقِلبُونَ بِهِ)) وقد تقدّم ذك ُر القصة وفوائدها فى موضعها‪.‬‬
‫ن بِهِ َ‬
‫تنقلبو َ‬
‫والقصة هنا أن الّ سبحانه أباح لرسول ِه من الحكم فى مال الفىء ما لم يُبحه لغيره‪ ،‬وفى‬
‫ب إلىّ‬
‫ح ّ‬
‫ع أَ َ‬
‫غ ْيرَهُم‪ ،‬والّذِى أَدَ ُ‬
‫((الصحيح)) عنه صلى ال عليه وسلم‪(( :‬إنى لَعْطِى أَ ْقوَاماً‪َ ،‬وأَدْعُ َ‬
‫عهُمْ‪ ،‬وَأكِلُ أَ ْقوَاماً‬
‫جزَ َ‬
‫ظَل َعهُمْ و َ‬
‫مِنَ الّذِى أُعْطى)) وفى (الصحيح) عنه‪(( :‬إنّى لَعْطى أَ ْقوَاماً أَخَافُ َ‬
‫ع ْمرُو بْن َت ٌغلِب))‪ .‬قال عمرو بن تغلب‪ :‬فما‬
‫خ ْيرِ‪ِ ،‬منْهم َ‬
‫ن الغِنى وال َ‬
‫جعَلَ الُّ فى ُقلُو ِبهِمْ مِ َ‬
‫إلى مَا َ‬
‫ب أن لى بكلمةِ رسول ال صلى ال عليه وسلم حُمرَ ال ّنعَمِ‪.‬وفى ((الصحيح))‪ :‬أن عليًا بعث إليه‬
‫ح ّ‬
‫أُ ِ‬
‫علْ َقمَ َة بنَ‬
‫ع بنَ حابس‪ ،‬وأعطى زيدَ الخيل‪ ،‬وأعطى َ‬
‫بِذُ َه ْيبَةً من اليمن‪ ،‬فقَسمها أرباعاً‪ ،‬فأعطى القر َ‬
‫ق الرأس‪،‬‬
‫ث اللّحية‪ ،‬محلو ُ‬
‫ع َي ْينَ َة بنَ حِصن‪ ،‬فقام إليه رجلٌ غائ ُر العينين‪ ،‬ناتىءُ الجبهة‪ ،‬ك ّ‬
‫عُلثة و ُ‬
‫ق أهلِ‬
‫فقال‪ :‬يا رسول ال اتق ال‪ ،‬فقال رسول ال صلى ال عليه وسلم‪(( :‬ويلك أو لست أح ّ‬
‫ى ال))؟‪ ،‬الحديث‪.‬‬
‫الرض أن يتق َ‬
‫وفى ((السنن))‪ :‬أن رسول ال صلى ال عليه وسلم وضع سهم ذى القُربى فى بنى هاشم‪،‬‬
‫ك بنى نوفل‪ ،‬ونبى عب ِد شمس‪ ،‬فانطلق جُبير بن مُطعم‪ ،‬وعثمانُ ابن عفان‬
‫وفى بنى المطلب‪ ،‬و َت َر َ‬
‫ل إخوانِنا بنى عبد‬
‫ل بنى هاشم لموضعهم منك‪ ،‬فما با ُ‬
‫إليه‪ ،‬فقال‪ :‬يا رسولَ الِّ‪ ،‬ل ُن ْن ِك ُر فض َ‬
‫المطلب‪ ،‬أعطيتَهم وتركتنا‪ ،‬وإنما نحنُ وهم بمنزلةً واحدة‪ ،‬فقال النبىّ صلى ال عليه وسلم‪(( :‬إنّا‬
‫ن َأصَا ِبعِهِ‪.‬‬
‫ش َبكَ َبيْ َ‬
‫ن وَهُمْ شَىءٌ واحدٌِ)) و َ‬
‫طِلبِ ل نَ ْف َترِقُ فى جَاهِليّ ًة وَلَ إسْلمٍ‪ ،‬إنّما نَحْ ُ‬
‫و َبنُوا المُ ّ‬
‫ى صلى ال عليه وسلم‪ ،‬وأن سه َم ذوى القُربى‬
‫وذكر بعضُ الناس بأن هذا الحكمَ خاص بالنب ّ‬
‫يُصرف بعدَه فى بنى عبد شمس‪ ،‬ونبى نوفل‪ ،‬كما يُصرف فى بنى هاشم‪ ،‬وبنى المطلب‪ ،‬قال‪ :‬لن‬
‫عبد شمس‪ ،‬وهاشما‪ ،‬والمطلب‪ ،‬ونوفلً إخوة‪ ،‬وهُم أولدُ عبد مناف‪ .‬ويقال‪ :‬إن عب َد شمس‪ ،‬وهاشما‬
‫توأمان‪.‬‬
‫‪39‬‬

‫والصواب‪ :‬استمرارُ هذا الحكم النبوى‪ ،‬وأنّ سه َم ذوى القربى لبنى هاشم ونبى المطلب‬
‫حيث خصّه رسولُ ال صلى ال عليه وسلم بهم‪ ،‬وقولُ هذا القائل‪ :‬إن هذا خاصُ بالنبىّ صلى ال‬
‫عليه وسلم باطل‪ ،‬فإنه بيّن مواضِعَ الخُمس الذى جعله ال لذوى القُربى‪ ،‬فل يُتعدّى به تلك‬
‫سمُه بينهم على السواء بين أغنيائهم وفقرائهم‪ ،‬ول كان‬
‫المواضع‪ ،‬ول يُقصر عنها‪ ،‬ولكن لم يكن يق ِ‬
‫ظ النثيين‪ ،‬بل كان يَصرفُه فيهم بحسب المصلحة والحاجة‪،‬‬
‫سمُه قِسمَة الميراث للذكر مثلُ ح ّ‬
‫يق ِ‬
‫فيزوّجُ منه عزبَهم‪ ،‬ويقضِى منه عن غارِمهم‪ ،‬ويُعطى منه فقيرَهم كفايته‪.‬‬
‫وفى ((سنن أبى داود))‪ :‬عن على بن أبى طالب رضى ال عنه‪ ،‬قال‪(( :‬ولّنى رسول ال‬
‫ضعَه حياةَ رسول ال صلى ال عليه وسلم‪ ،‬وحياةَ أبى بكر رضى ال‬
‫خ ْمسَ الخمس‪ ،‬فوضعتُه موا ِ‬
‫ُ‬
‫عنه‪ ،‬وحيا َة عمر رضى ال عنه))‪.‬‬
‫صرَفُ فى مصارفه الخمسةِ‪ ،‬ول يقوى هذا الستدلل‪ ،‬إذ غايةُ‬
‫ل به على أنه كان ُي ْ‬
‫وقد استدِ ّ‬
‫ل ال صلى ال عليه وسلم يصرِفُه فيها‪ ،‬ولم َيعُدها إلي‬
‫ما فيه أنه صرفه فى مصارفه التى كان رسو ُ‬
‫سواها‪ ،‬فأين تعميمُ الصناف الخمسة به؟‪ ،‬والذى يدل عليه هدىُ رسولِ ال صلى ال عليه وسلم‬
‫ف الزكاة‪ ،‬ول يخرجُ بها عن الصناف المذكورة‬
‫وأحكامُه أنه كان يجعل مصارِفَ الخمس كمصا ِر ِ‬
‫سمُه بينهم كقِسمة الميراث‪ ،‬ومن تأمل سيرته وهديَه حقّ التأمل لم يشك فى ذلك‪.‬‬
‫ل أنه يق ِ‬
‫ت أموالُ بنى النضير‬
‫وفى ((الصحيحين))‪ :‬عن عمر بن الخطاب رضى ال عنه‪ ،‬قال‪ :‬كا َن ْ‬
‫ف المسلمون عليه بخيل ول رِكاب‪ ،‬فكانت لِرسول ال صلى‬
‫ج ِ‬
‫لّ على رسوله مما لم يُو ِ‬
‫مما أفاء ا ُ‬
‫ق منها على أهله نفقةَ سنة‪ ،‬وفى لفظ‪(( :‬يح ِبسُ لهله قوت سنتهم‪ ،‬ويجعلُ‬
‫ال عليه وسلم خاصة يُنفِ ُ‬
‫ما بقى فى الكراع والسلح عُدة فى سبيل ال))‪.‬‬
‫ل صلى ال عليه‬
‫وفى ((السنن))‪ :‬عن عوف بن مالك رضى ال عنه‪ ،‬قال‪ :‬كان رسولُ ا ّ‬
‫ظيْنِ‪ ،‬وأعطى ال َعزَب حظاً‪.‬فهذا تفصيل منه‬
‫وسلم إذا أتاه الفىء‪ ،‬قسمه مِن يومه‪ ،‬فأعطى الهِل حَ ّ‬
‫للهِلِ بحسب المصلحة والحاجة‪ ،‬وإن لم تكن زوجُه من ذوى القربى‪.‬‬
‫وقد اختلف الفقهاءُ فى الفىء‪ ،‬هل كان مِلكًا لرسول ال صلى ال عليه وسلم يتصرف‬
‫فيه كيف يشاء‪ ،‬أو لم يكن ملكًا له؟ على قولين فى مذهب أحمد وغيره‪.‬‬
‫سمُه‬
‫ث أمره ال‪ ،‬ويق ِ‬
‫والذى تدل عليه سنتُه وهديه‪ ،‬أنه كان يتصرّف فيه بالمر‪ ،‬فيضعه حي ُ‬
‫ف المالك بشهوته وإرادته‪ ،‬يُعطى من‬
‫على من ُأ ِمرَ بقسمته عليهم‪ ،‬فلم يكن يتصرّف فيه تص ّر َ‬
‫ف العبدِ المأمور يُنفّذُ ما أمره به سيده وموله‪،‬‬
‫أحبّ‪ ،‬ويمنعُ من أحبّ‪ ،‬وإنما كان يتصرّف فيه تصرّ َ‬
‫‪40‬‬

‫فيعطى من أمر بإعطائه‪ ،‬ويمنع من ُأ ِم َر بمنعه‪ ،‬وقد صرح رسول ال صلى ال عليه وسلم بهذا‬
‫ح ْيثُ ُأ ِم ْرتُ))‪ ،‬فكان عطاؤه ومنعُه‬
‫لّ إنّى ل أُعطِى أحدًا ول أمنعهُ‪ ،‬إما أنا قاسِ ٌم َأضَعُ ِ‬
‫فقال‪(( :‬وا ِ‬
‫ن عبداً رسولً‪ ،‬وبين أن يكون ملكاً‬
‫وقسمُه بمجرد المر‪ ،‬فإن ال سبحانه خيّره بين أن يكو َ‬
‫رسولً‪ ،‬فاختار أن يكون عبداً رسولً‪.‬‬
‫ك الرسولُ‬
‫والفرقُ بينهما أن العب َد الرسولَ ل يتص ّرفُ إل بأمر سيّده و ُمرْسِله‪ ،‬وال َمِل ُ‬
‫ى مَن يشاء‪ ،‬ويمنعُ من يشاء كما قال تعالى للملك الرسول سليمان‪{ :‬هذا عَطَا ُؤنَا فَا ْمنُنْ‬
‫طَ‬
‫له أن يُع ِ‬
‫سبُك ؛ وهذه المرتبة‬
‫ك ِب َغ ْيرِ حِسَابٍ} [ص‪ ]39 :‬أى‪ :‬أعطِ مَن شئتَ‪ ،‬وامنع من شئت‪ ،‬ل نحا ِ‬
‫س ْ‬
‫َأوْ َأمْ ِ‬
‫غبَ عنها إلى ما هو أعلى منها‪ ،‬وهى مرتبةُ‬
‫ضتْ على نبينا صلى ال عليه وسلم‪ ،‬فَر ِ‬
‫ع َر َ‬
‫هى التى ُ‬
‫العبودية المحضة التى تَصرّفُ صاحبها فيها مقصو ٌر على أم ِر السيد فى كُلّ دقيق وجليل‪.‬‬
‫والمقصود‪ :‬أن تصرفه فى الفىء بهذه المثابة‪ ،‬فهو ملك يُخالف حكم غيره من المالكين‪،‬‬
‫ف المسلمون عليه بخيل ول ركاب على نفسه وأهله‬
‫ج ِ‬
‫ولهذا كان ينفق مما أفاء ال عليه مما لم يُو ِ‬
‫نفقةَ سنتهم‪ ،‬ويجعل الباقى فى الكُراع والسّلح عدة فى سبيل ال عز وجل‪ ،‬وهذا النوعُ مِن الموال‬
‫هو السهمُ الذى وقع بعده فيه مِن النزاع ما وقع إلى اليوم‪.‬‬
‫فأما الزكاوات والغنائم‪ ،‬وقسمة المواريث‪ ،‬فإنها معينة لهلها ل يَشُركُهم غيرُهم‬
‫فيها‪ ،‬فلم يُشكل على ولة المر بعدَه مِن أمرها ما أشكل عليهم مِن الفىء‪ ،‬ولم يقع فيها مِن النزاع‬
‫ت رسول ال صلى ال عليه وسلم ميراثها‬
‫ل أمره عليهم‪ ،‬لما طلبت فاطم ُة بن ُ‬
‫ما وقع فيه‪ ،‬ولول إشكا ُ‬
‫مِن تركته‪ ،‬وظنت أنه يُورث عنه ما كان ملكًا له كسائر المالكين‪ ،‬وخفى عليها رضى ال عنها‬
‫حقيق ُة الملك الذى ليس مما يُورث عنه‪ ،‬بل هو صدقة بعده‪ ،‬ولما علِمَ ذلك خليفتهُ الراشدُ البار‬
‫الصّدّيق‪ ،‬ومَن بعده من الخلفاء الراشدين لم يجعلوه ما خلفه من الفىء ميراثاً يُقسم بين ورثته‪ ،‬بل‬
‫ل رسول ال صلى ال عليه وسلم‪ ،‬حتى تنازعا فيه‪،‬‬
‫دفعوه إلى على والعباس يعملن فيه عم َ‬
‫وترافعا إلى أبى بكر الصديق‪ ،‬وعمر‪ ،‬ولم يَقسم أحد منهما ذلك ميراثاً‪ ،‬ول مكّنا منه عباسًا وعليّا‪،‬‬
‫ل وَلذِى ال ُقرْبى وَال َيتَامَى‬
‫ل ال ُقرَى فَللّه ولِلرّسو ِ‬
‫وقد قال ال تعالى‪{ :‬مَا أَفَاءَ الُّ عَلى رَسُولِ ِه مِنْ أَهْ ِ‬
‫عنْهُ‬
‫غ ِنيَاءِ ِم ْنكُ ْم َومَا آتَاكُ ُم الرّسُولُ فَخَذُوهُ َومَا َنهَاكُمْ َ‬
‫ل َيكُونَ دُولَ ًة َبيْنَ الَ َ‬
‫سبِيلِ َكيْ َ‬
‫ن ال ّ‬
‫والمَسَاكِين وابْ ِ‬
‫خرِجُوا مِنْ ِديَارِهِمْ َوَأ ْموَاِلهِمْ‬
‫ن أُ ْ‬
‫ن الّذِي َ‬
‫جرِي َ‬
‫ب * ِللْفُ َقرَا ِء ال ُمهَا ِ‬
‫لّ إنّ الَّ شَدِي ُد العِقَا ِ‬
‫فَا ْن َتهُوا واتّقُوا ا َ‬
‫ن َت َبوّءو الدّارَ‬
‫ن * والّذِي َ‬
‫ضوَانًا و َي ْنصُرُونَ ال َورَسُولَهُ أُول ِئكَ هُ ُم الصّادِقُو َ‬
‫لّ ورِ ْ‬
‫ل مِنَ ا ِ‬
‫َي ْب َتغُونَ َفضْ ً‬
‫ج َر إَل ْيهِمْ} [الحشر‪ ]9-7 :‬إلى قوله‪{ :‬والّذِينَ جَاؤُوا مِنْ َبعْدِهِمْ}‬
‫ن مَنْ هَا َ‬
‫حبّو َ‬
‫واليمَانَ مِنْ َق ْبِلهِ ْم يُ ِ‬
‫‪41‬‬

‫[الحشر‪ ،]10 :‬إلى آخر الية‪ .‬فأخبر سبحانه أن ما أفاء على رسوله بجملته ِلمَن ُذ ِكرَ فى ه ِذهِ‬
‫ص منه خمسة بالمذكورين‪ ،‬بل عمّ َم وأطلق واستوعب‪.‬‬
‫خ ّ‬
‫اليات‪ ،‬ولم يَ ُ‬
‫ل الخمس‪ ،‬ثم على المصارف‬
‫ويُصرف على المصارف الخاصة‪ ،‬وهم أه ُ‬
‫العامة‪ ،‬وهم المهاجرون والنصار وأتباعهم إلى يوم الدين‪ .‬فالذى عمل به هو وخلفاؤه الراشدون‪،‬‬
‫هو المرادُ من هذه اليات‪ ،‬ولذلك قال عمر بن الخطاب رضى ال عنه فيما رواه أحمد رحمه ال‬
‫ل مِن أحد‪ ،‬وما أنا أحقّ به من أحد‪ ،‬وال ما مِن المسلمين أحد إل‬
‫وغيره عنه‪ :‬ما أحدٌ أحقّ بهذا الما ِ‬
‫وله فى هذا المال نصيب إل عبد مملوك‪ ،‬ولكنا على منَازِلنا مِن كتاب ال‪ ،‬وقسمنا من رسول ال‬
‫ل وبلؤُه فى السلم‪ ،‬والرجل وقِ َدمُه فى السلم‪ ،‬والرجل وغَناؤه فى‬
‫صلى ال عليه وسلم فالرج ُ‬
‫السلم‪ ،‬والرجل وحاجتُه‪ ،‬وال لئن بقيت لهم ليأتين الراعى بجبل صنعاء حظّه مِن هذا المال‪ ،‬وهو‬
‫يَرعى مكانه‪ .‬فهؤلء المس ّموْن فى آية الفىء هم المسمّون فى آية الخمس‪ ،‬ولم يدخُل المهاجرون‬
‫والنصارُ وأتباعُهم فى آية الخمسِ‪ ،‬لنهم المستحقون لجملة الفىء‪ ،‬وأهلُ الخمس لهم استحقاقان‪:‬‬
‫استحقاقٌ خاص مِن الخمس‪ ،‬واستحقاقٌ عام من جملة الفىء‪ ،‬فإنهم داخلون فى ال ّنصِيبَيْنِ‪.‬‬
‫وكما أن قِسمته من جملة الفىء بين مَن جعل له ليس قسمة الملك التى يشترك فيها‬
‫المالكون ؛ كقِسم ِة المواريث والوصايا والملك المطلقة‪ ،‬بل بحسب الحاجة والنفع والغَناء فى‬
‫السلم والبلء فيه‪ ،‬فكذلك قِسمة الخمسِ فى أهله‪ ،‬فإن مخرجَهما واحد فى كتاب ال‪ ،‬والتنصيصُ‬
‫على الصناف الخمسة يُفيد تحقيق إدخالهم‪ .‬وأنهم ل يُخرجون من أهل الفىء بحال‪ ،‬وأن الخمس ل‬
‫يعدوهم إلى غيرهم‪ ،‬كأصناف الزكاة ل تعدوهم إلى غيرهم‪ ،‬كما أن الفىء العام فى آية الحشر‬
‫للمذكورين فيها ل يتعداهم إلى غيرهم‪ ،‬ولهذا أفتى أئمة السلم‪ ،‬كمالك‪ ،‬والمام أحمد وغيرهما‪،‬‬
‫ق لهم فى الفىء لنهم ليسوا من المهاجرين‪ ،‬ول من النصار‪ ،‬ول من الذين‬
‫أن الرافضة ل ح ّ‬
‫سبَقُونَا بِالِيمَانِ} [الحشر‪ ،]10:‬وهذا‬
‫خوَا ِننَا الّذينَ َ‬
‫جاؤوا من بعدهم يقولون‪{:‬رَبّنا اغْ ِف ْر َلنَا وَلِ ْ‬
‫مذهبُ أهل المدينة‪ ،‬واختيارُ شيخ السلم ابن تيمية‪ ،‬وعليه يدل القرآن‪ ،‬وفعل رسول ال صلى ال‬
‫عليه وسلم‪ ،‬وخلفائه الراشدين‪.‬‬
‫س فى آية الزكا ِة وآي ِة الخمس‪ ،‬فقال الشافعى‪ :‬تجب قسم ُة الزكاة‬
‫وقد اختلف النا ُ‬
‫والخمس على الصناف كلّها‪ ،‬ويُعطى مِن كل صنف مَن يطلق عليه اسم الجمع‪.‬‬
‫ل المدينة‪ :‬بل يُعطى فى الصناف المذكورة فيهما‪ ،‬ول يعدوهم‬
‫وقال مالك رحمه ال وأه ُ‬
‫إلى غيرهم‪ ،‬ول تجب قسمةُ الزكاة ول الفىء فى جميعهم‪.‬‬
‫‪42‬‬

‫وقال المام أحمد وأبو حنيفة‪ :‬بقول مالك رحمهم ال فى آية الزكاة‪ ،‬وبقول الشافعى رحمه‬
‫ال فى آية الخمس‪.‬‬
‫عمَلَ رسول ال صلى ال عليه وسلم وخلفائه‪ ،‬وجده يدل على قول‬
‫ومن تأمل النصوصَ‪ ،‬و َ‬
‫أهل المدينة‪ ،‬فإن ال سبحانه جعل أهل الخمس هم أهل الفىء‪ ،‬وعيّنهم اهتماماً بشأنهم‪ ،‬وتقديمًا لهم‪،‬‬
‫ولما كانت الغنائمُ خاصة بأهلها ل يشركهم فيها سواهم‪ ،‬نصّ على خمسها لهل الخمس‪ ،‬ولما كان‬
‫الفىء ل يختصُ بأحد دون أحد‪ ،‬جعل جملته لهم‪ ،‬وللمهاجرين والنصار وتابعيهم‪ ،‬فسوّى بينَ‬
‫ل ال صلى ال عليه وسلم يصِرفُ سهم ال وسهمَه‬
‫الخمسِ وبين الفىء فى المصرِف‪ ،‬وكان رسو ُ‬
‫فى مصالح السلم‪ ،‬وأربعةَ أخماس الخمس فى أهلها مقدمًا لِلهم فالهم‪ ،‬والحوج فالحوج‪،‬‬
‫فيزوج منه عزابَهم‪ ،‬ويقضى منه ديونهم‪ ،‬ويُعين ذا الحاجة منهم‪ ،‬ويُعطى عزبهم حظاً‪ ،‬ومتزوجَهم‬
‫حظّين‪ ،‬ولم يكن هو ول أح ٌد من خلفائه يجمعون اليتامى والمساكين وأبناء السبيل وذوى القربى‪،‬‬
‫ويقسمون أربعة أخماس الفىء بينهم على السوية‪ ،‬ول على التفضيل‪ ،‬كما لم يكونوا يفعلون ذلك فى‬
‫ض الصواب‪.‬‬
‫الزكاة‪ ،‬فهذا هديُه وسيرتُه‪ ،‬وهو فصلُ الخطاب‪ ،‬ومح ُ‬
‫فصل‬
‫فى حكمه صلى ال عليه وسلم فى الوفاء بالعهد لعدوّه وفى رسلهم‪ ،‬أن ل يُقتلوا ول يُحبسوا‪ ،‬وفى‬
‫ض العهد‬
‫ف منه نق َ‬
‫النبذ إلى من عاهده على سواء إذا خا َ‬
‫ن الرّسُلَ لَ‬
‫ثبت عنه أنه قال لرسولى مسلمَة الكذاب لما قال‪ :‬نقول‪ :‬إنه رسولُ الِّ‪َ(( :‬لوْلَ أَ ّ‬
‫ل لَ َق َت ْلتُ ُكمَا))‪.‬‬
‫تُ ْقتَ ُ‬
‫وثبت عنه أنه قال لبى رافع وقد أرسلته إليه قريش‪ ،‬فأراد المقا َم عنده‪ ،‬وأنه ل يرجع إليهم‪،‬‬
‫ك الّذِى فيها‬
‫سَ‬
‫ن كَانَ فى نَفْ ِ‬
‫س ال ُبرُدَ‪ ،‬وَلكِنِ ارْجِ ْع إلى َق ْو ِمكَ‪ ،‬فَإ ْ‬
‫ح ِب ُ‬
‫ل أَخِيسُ بِال َعهْدِ‪ ،‬ول أَ ْ‬
‫فقال‪(( :‬إنى َ‬
‫الن فارْجِعْ))‪.‬‬
‫وثبت عنه أنه ر ّد إليهم أبا جندل للعهد الذى كان بينه وبينهم أن َيرُ ّد إليهم من جاءه منهم‬
‫س َب ْيعَةُ السلميةُ مسلمةً‪ ،‬فخرج زوجُها فى طلبها‪ ،‬فأنزل ال عز‬
‫مسلماً‪ ،‬ولم يرد النساء‪ ،‬وجَادت ُ‬
‫علَمُ بِإيمَا ِنهِنّ فَإنْ‬
‫لّ أَ ْ‬
‫حنُوهُنّ ا ُ‬
‫جرَاتٍ‪ ،‬فَا ْمتَ ِ‬
‫ت ُمهَا ِ‬
‫وجل‪{ :‬يَا َأ ّيهَا الّذِينَ آ َمنُوا إذَا جَا َءكُم ال ُم ْؤ ِمنَا ُ‬
‫جعُوهُنّ إلى الكُفّارِ} [الممتحنة‪ ]10 :‬فاستحلفها رسولُ ال صلى ال عليه‬
‫ل َترْ ِ‬
‫ن ُم ْؤ ِمنَاتٍ فَ َ‬
‫عِل ْم ُتمُوهُ ّ‬
‫َ‬
‫وسلم أنه لم يُخرجها إل الرغبة فى السلمِ‪ ،‬وأنها لم تخرج لحدث أحدثته فى قومها‪ ،‬ول بغضاً‬
‫لزوجها‪ ،‬فحلفت‪ ،‬فأعطى رسول ال صلى ال عليه وسلم زوجَها مهرَها‪ ،‬ولم يردها عليه‪ .‬فهذا‬
‫‪43‬‬

‫حكمه الموافق لحكم ال‪ ،‬ولم يجىء شىء ينسخه البتة‪ ،‬ومن زعم أنه منسوخ‪ ،‬فليس بيده إل‬
‫الدعوى المجردة‪ ،‬وقد تقدم بيان ذلك فى قصة الحُديبية‪.‬‬
‫سوَا ٍء إنّ الَّ ل يُحبّ الخَا ِئنِينَ}‬
‫خيَانةً فا ْنبِ ْذ إَل ْيهِمْ عَلى َ‬
‫ن مِنْ قَومٍ ِ‬
‫وقال تعالى‪{:‬وإمّا تَخَافَ ّ‬
‫[النفال‪]58 :‬‬
‫حتّى‬
‫ل يُشُ ّدنّهُ َ‬
‫حلّنّ عَقْداً‪ ،‬و َ‬
‫ل يَ ُ‬
‫عهْدٌ فَ َ‬
‫ن َب ْينَهُ َو َبيْنَ َقوْمٍ َ‬
‫ن كَا َ‬
‫وقال صلى ال عليه وسلم‪(( :‬مَ ْ‬
‫سوَاء))‪ .‬قال الترمذى‪ :‬حديث حسن صحيح‪.‬‬
‫ى َأمَ ُدهُ‪َ ،‬أوْ َي ْنبِ َذ إَل ْيهِمْ عَلى َ‬
‫َي ْمضِ َ‬
‫ولما أسرت قريشٌ حذيفة بن اليمان وأباه أطلقوهما‪ ،‬وعاهدوهما أن ل يقاتلهم معَ رسول‬
‫جيْن إلى بدر‪ ،‬فقال رسول ال صلى ال عليه وسلم‪:‬‬
‫ال صلى ال عليه وسلم‪ ،‬وكانوا خار َ‬
‫عَل ْيهِمْ))‪.‬‬
‫ى َلهُمْ ِب َعهْدِهِمْ‪ ،‬ونَس َتعِينُ الَّ َ‬
‫صرِفا‪ ،‬نَ َف ِ‬
‫((ا ْن َ‬
‫فصل‬
‫فى حكمه صلى ال عليه وسلم فى المان الصادر من الرجال والنساء‬
‫سعَى بِ ِذ ّم ِتهِ ْم أَ ْدنَاهُمْ))‪.‬‬
‫سِلمُونَ َت َتكَا َفأُ ِدمَاؤُهُم وَي ْ‬
‫ثبت عنه صلى ال عليه وسلم أنه قال‪(( :‬ا ْلمُ ْ‬
‫وثبت عنه أن أجارَ رجلينَ أجار ْتهُما أم هانىء ابنة عمه ؛ وثبت عنه أنه أجار أبا العاص بن‬
‫سِلمِينَ أَ ْدنَاهُمْ))‪ .‬وفى حديث آخر‪(( :‬يُجِيرُ‬
‫علَى المُ ْ‬
‫الربيع لما أجارته ابنتُه زينب‪ ،‬ثم قال‪(( :‬يُجيرُ َ‬
‫عَل ْيهِمْ أَقصَاهُمْ))‪.‬‬
‫سِلمِينَ أَ ْدنَاهُم َو َيرُدّ َ‬
‫على المُ ْ‬
‫فهذه أربع قضايا كلية ؛ أحَدها‪ :‬تكافؤ دمائهم‪ ،‬وهو يمنع قتل مسلمهم بكافرهم‪.‬‬
‫والثانية‪ :‬أنه يَسعى بذمتهم أدناهم‪ ،‬وهو يُوجب قبول أمان المرأة والعبد‪.‬‬
‫وقال ابن الماجشون‪ .‬ل يجوز المان إل لوالى الجيش‪ ،‬أو والى السرية‪ .‬قال ابنُ شعبان‪:‬‬
‫وهذا خلفُ النّاس ُكلّهم‪.‬‬
‫والثالثة‪ :‬أن المسلمين يد على من سواهم‪ ،‬وهذا يمن ُع مثن تولية الكفار شيئًا من الوليات‪،‬‬
‫فإن للوالى يدًا على المولّى عليه‪.‬‬
‫س ِريّة إذا غنمت غنيمة بقوة جيش‬
‫والرابعة‪ :‬أنه يرد عليهم أقصاهم‪ ،‬وهذا يُوجب أن ال ّ‬
‫السلم كانت لهم‪ ،‬وللقاصى من الجيش إذ بقوته غنموها‪ ،‬وأن ما صار فى بيت المال من الفىء‬
‫كان لقاصيهم ودانيهم‪ ،‬وإن كان سبب أخذه دانيهم‪ ،‬فهذه الحكام وغيرها مستفادة من كلماته‬
‫الربعة صلوات ال وسلمه عليه‪.‬‬
‫فصل‬
‫‪44‬‬

‫فى حكمه صلى ال عليه وسلم فى الجزية ومقدارها وممن تقبل‬
‫قد تقدم أنّ أول ما بعث ال عز وجل به نبيّه صلى ال عليه وسلم الدعوة إليه بغير قتال ول‬
‫جزية‪ ،‬فأقام على ذلك ِبضْعَ عشرة سنة بمكة‪ .‬ثم أذِنَ له فى القتال لما هاجر من غير فرض له‪ ،‬ثم‬
‫أمره بقتال من قاتله‪ ،‬والكفّ عمن لم يقاتله‪ ،‬ثم لما نزلت ((براءة)) سنة ثمان أمره بقتال جميع من‬
‫لم يُسلم من العرب‪ :‬مَن قالته‪ ،‬أو كفّ عن قتاله إل من عاهده‪ ،‬ولم َينْ ُقصْهُ من عهده شيئاً‪ ،‬فأمره أن‬
‫يفىَ له بعهده‪ ،‬ولم يأمره بأخذ الجزية من المشركين‪ ،‬وحارب اليهود مراراً‪ ،‬ولم يُؤمر بأخذ الجزية‬
‫منهم‪.‬‬
‫ث ّم أمره بقتال أهل الكتاب كلهم حتى يسلموا أو يعطوا الجزية‪ ،‬فامتثل أمر ربه‪،‬‬
‫فقاتلهم‪ ،‬فأسلم بعضهم‪ ،‬وأعطى بعضُهم الجزية‪ ،‬واستم ّر بعضُهم على محاربته‪ ،‬فأخذها صلى ال‬
‫عليه وسلم مِن أهل نجران وأيلة‪ ،‬وهم من نصارى العرب‪ ،‬ومن أهل دُومَة الجندل وأكثرُهم عرب‪،‬‬
‫وأخذها مِن المجوس ومن أهل الكتاب باليمن‪ ،‬وكانوا يهوداً‪.‬‬
‫ولم يأخذها من مشركى العرب‪ ،‬فقال أحمد‪ ،‬والشافعى‪ :‬ل تؤخذ إل من‬
‫الطوائف الثلث التى أخذها رسول ال صلى ال عليه وسلم منهم‪ ،‬وهم‪ :‬اليهود‪ ،‬والنصارى‪،‬‬
‫والمجوس‪ .‬ومن عداهم فل يُقبل منهم إل السل ُم أو القتل‪ .‬وقالت طائفة‪ :‬فى المم كلها إذا بذلوا‬
‫الجزية‪ُ ،‬ق ِبَلتْ منهم‪ :‬أهل الكتابين بالقرآن‪ ،‬والمجوس بالسنة‪ ،‬ومن عداهم ملحَقٌ بهم لن المجوس‬
‫أهل شرك ل كتاب لهم‪ ،‬فأخذُها منهم دليل على أخذها من جميع المشركين‪ ،‬وإنما لم يأخذها صلى‬
‫ال عليه وسلم من عبدة الوثان من العرب لنهم أسلموا كلهم قبل نزول آية الجزية‪ ،‬فإنها نزلت بعدَ‬
‫تبوك‪ ،‬وكان رسول ال صلى ال عليه وسلم قد فرغ من قتال العرب‪ ،‬واستوثقت ُكلّها له بالسلم‪،‬‬
‫ولهذا يأخذها مِن اليهود الذين حاربوه‪ ،‬لنها لم تكن نزلت بعد‪ ،‬فلما نزلت‪ ،‬أخذها من نصارى‬
‫العرب‪ ،‬ومن المجوس‪ ،‬ولو بقى حينئذ أحدٌ من عبدة الوثان بذلها لقبلها منه‪ ،‬كما قبلها من عبدة‬
‫الصلبان والنيران‪ ،‬ول فرق ول تأثير لتغليظِ كفر بعض الطوائف على بعض‪ ،‬ثم إن كفر عبدةِ‬
‫الوثان ليس أغلظ مِن كفر المجوس‪ ،‬وأىّ فرق بين عبدة الوثان والنيران‪ ،‬بل كف ُر المجوس أغلظ‪،‬‬
‫وعبادُ الوثان كانوا يُقرون بتوحيد الربوبية‪ ،‬وأنه ل خالق إل ال‪ ،‬وأنهم إنما يعبدون آلهتهم لِتقربهم‬
‫إلى ال سبحانه وتعالى ‪ ،‬ولم يكونوا يُ ِقرّون بصان َعيْنِ للعالم‪ ،‬أحدهما‪ :‬خالق للخير‪ ،‬والخر للشر‪،‬‬
‫كما تقوله المجوس‪ ،‬ولم يكونوا يستحلون نكاح المهات والبنات والخوات‪ ،‬وكانوا على بقايا من‬
‫دين إبراهيم صلوات ال وسلمه عليه‪.‬‬
‫‪45‬‬

‫وأما المجوس‪ ،‬فلم يكونوا على كتاب أصلً‪ ،‬ول دانوا بدين أحد من النبياء ل فى عقائدهم‬
‫ول فى شرائِعهم‪ ،‬والثر الذى فيه أنه كان لهم كتاب َفرُفعَ‪ ،‬ورُ ِفعَت شريعتُهم لما وقع َمِلكُهم على‬
‫ح البتة‪ ،‬ولو صحّ لم يكونوا بذلك من أهل الكتاب‪ ،‬فإن كتابَهم رُفِعَ‪ ،‬وشريعتهم بطلت‪،‬‬
‫ابنته ل َيصِ ّ‬
‫فلم يبقوا على شىء منها‪.‬‬
‫ب كانوا على دين إبراهيم عليه السلم‪ ،‬وكان له صحف وشريعة‪ ،‬وليس‬
‫ومعلوم أن العر َ‬
‫ن إبراهيم عليه السلم وشريعته بأعظم من تغيير المجوس لدين نبيهم‬
‫تغييرُ عبدة الوثان لدي ِ‬
‫وكتابهم لو صحّ‪ ،‬فإنه ل يُعرف عنهم التمسك بشىء من شرائع النبياء عليهم الصلوات والسلم‪،‬‬
‫ل من مشركى العرب‪،‬‬
‫بخلف العرب‪ ،‬فكيف يجعل المجوس الذين دينُهم أقبحُ الديان أحسنَ حا ً‬
‫وهذا القول أصحّ فى الدليل كما ترى‪.‬‬
‫وفرقت طائفة ثالثة بين العرب وغيرهم‪ ،‬فقالوا‪ :‬تُؤخذ مِن كل كافر إل مشركى‬
‫العرب‪.‬ورابعة‪ :‬فرقت بين قريش وغيرهم‪ ،‬وهذا ل معنى له‪ ،‬فإن قريشًا لم يبق فيهم كافر يحتاج‬
‫إلى قتاله وأخذ الجزية منه البتة‪ ،‬وقد كتب النبى صلى ال عليه وسلم إلى أهل َهجَر‪ ،‬إلى المنذر بن‬
‫ساوى‪ ،‬وإلى ملوك الطوائف يدعوهم إلى السلم أو الجزية‪ ،‬ولم يفرق بين عربى وغيره‪.‬‬
‫أما حُكمُه فى قدرها‪ ،‬فإنه بعث معاذًا إلى اليمن‪ ،‬وأمره أن يأخذ مِن كُلّ حالم ديناراً‬
‫أو قِيمته َمعَافِر‪ ،‬وهى ثياب معروفة باليمن‪ .‬ثم زاد فيها عمر رضى ال عنه‪ ،‬فجعلها أربعةً دنانير‬
‫على أهل الذهب‪ ،‬وأربعينَ درهمًا على أهل ال َورِقِ فى كل سنة‪ ،‬فرسول ال صلى ال عليه وسلم‬
‫ف أهل اليمن‪ ،‬وعمرُ رضى ال عنه علم غِنى أهل الشام وقوتهم‪.‬‬
‫علم ضع َ‬
‫فصل‬
‫فى حكمه صلى ال عليه وسلم فى الهدنة وما ينقضها‬
‫ل مكة على وضع الحرب بينه وبينهم عشرَ‬
‫ثبت عنه صلى ال عليه وسلم أنه صالح أه َ‬
‫سنين‪ ،‬ودخل حلفاؤهم من بنى بكر معهم‪ ،‬وحلفاؤه من خزاعة معه‪َ ،‬فعَ َدتْ حلفاءُ قريش على‬
‫حلفائه‪ .‬فغدروا بهم‪ ،‬فرضيت قريش ولم تُنكره‪ ،‬فجعلهم بذلك ناقضين للعهد‪ ،‬واستباح غزوهم مِن‬
‫غير نبذ عهدهم إليهم‪ ،‬لنهم صاروا محاربين له‪ ،‬ناقضين لعهده برضاهم وإقرارهم لحلفائهم على‬
‫الغدر بحلفائه‪ ،‬وألحق رِدأهم فى ذلك بمباشرهم‪.‬‬
‫وثبت عنه أنه صالح اليهود‪ ،‬وعاهدهم لما قَدِمَ المدينة‪ ،‬فغدروا به‪ ،‬ونقضوا عهده‬
‫مراراً‪ ،‬وكل ذلك يُحاربهم ويظفر بهم‪ ،‬وآخرُ ما صالح يهود خيبر على أن الرض له‪ ،‬ويُقرهم فيها‬
‫‪46‬‬

‫عمالً له ما شاء‪ ،‬وكان هذا الحكمُ منه فيهم حج ًة على جواز صلح المام لعدوه ما شاء مِن المدة‪،‬‬
‫فيكون العقدُ جائزاً‪ ،‬له فسخه متى شاب‪ ،‬وهذا هو الصواب‪ ،‬وهو موجب حكم رسول ال صلى ال‬
‫خ له‪.‬‬
‫عليه وسلم الذى ل ناس َ‬
‫فصل‬
‫(يتبع‪)...‬‬
‫@‬
‫وكان فى صلحه لهل مكة أن من أحبّ أن يدخل فى عهد محمد وعقده دخل‪ ،‬ومن أحب أن‬
‫يدخل فى عهد قريش وعقدهم دخل‪ ،‬وأن من جاءهم من عنده ل يردّونه إليه‪ ،‬ومن جاءه منهم رده‬
‫جُلبّانِ السلح‪ ،‬وقد تقدم‬
‫إليهم‪ ،‬وأنه يدخل العام القابل إلى مكة‪ ،‬فيخلونها له ثلثاً‪ ،‬ول يدخلها إل بِ ُ‬
‫ذِكرُ هذه القصة وفقهها فى موضعه‪.‬‬
‫ذكر أقضيته وأحكامه صلى ال عليه وسلم فى النكاح وتوابِعه‬
‫فصل‬
‫ب والبِكر يُزوّجُهما أبوهما‬
‫فى حكمه صلى ال عليه وسلم فى ال ّثيّ ِ‬
‫ثبت عنه فى ((الصحيحين))‪ :‬أن خنساء بنت خِدَام زوّجَها أبوها وهى كارِهةٌ‪ ،‬وكانت ثيباً‪،‬‬
‫حهَا‪.‬‬
‫ل ال صلى ال عليه وسلم‪ ،‬فر ّد نِكا َ‬
‫ت رَسُو َ‬
‫فَأ َت ْ‬

‫وفى السنن‪ :‬من حديث ابن عباس‪ :‬أن‬

‫جاري ًة بكراً أتت النّبىّ صلى ال عليه وسلم‪ ،‬فذكرت لَ ُه أنّ أباها زوّجها وَ ِهىَ كَارِهَةٌ‪ ،‬فخيرها النبى‬
‫صلى ال عليه وسلم‪ .‬وهذه غير خنساء‪ ،‬فهما قضيتان قضى فى إحداهما بتخيير الثّيب‪ ،‬وقضى فى‬
‫الخرى بتخيير البكر‪.‬‬
‫س َتأْذَنَ‪ ،‬قالوا‪ :‬يا رسولَ ال‪:‬‬
‫حتّى تُ ْ‬
‫ح ال ِب ْكرُ َ‬
‫وثبت عنه فى ((الصحيح)) أنه قال‪(( :‬ل ُت ْنكَ ُ‬
‫س ُكتَ))‪.‬‬
‫وكيف إذنُها؟ قال‪(( :‬أَنْ تَ ْ‬
‫صمَاتُها))‪.‬‬
‫سهَا‪ ،‬وإ ْذ ُنهَا ُ‬
‫وفى صحيح مسلم‪(( :‬ال ِب ْكرُ تُستأذن فى نَفْ ِ‬
‫وموجب هذا الحكم أنه ل تُجبر البِك ُر البال ُغ على النكاح‪ ،‬ول تُزوج إل برضاها‪ ،‬وهذا قولُ‬
‫جمهور السلف‪ ،‬ومذهبُ أبى حينفة وأحمد فى إحدى الروايات عنه‪ ،‬وهو القولُ الذى ندين ال به‪،‬‬
‫ول نعتقِدُ سواه‪ ،‬وهو الموافِقُ لحكم رسول ال صلى ال عليه وسلم وأمرِه ونهيه‪ ،‬وقواعد شريعته‪،‬‬
‫ومصالح أمته‪.‬‬

‫‪47‬‬

‫حكَم بتخيير البِكرِ الكارِهة‪ ،‬وليس روايةُ هذا الحديث مرسلةً‬
‫أما موافقتُه لِحكمه‪ ،‬فإنه َ‬
‫بعلة فيه‪ ،‬فإنه قد رُوى مسنداً ومرسلً‪ .‬فإن قلنا بقول الفقهاء‪ :‬إن التصال زيادة‪ ،‬ومَنْ وصله مقدّمٌ‬
‫على من أرسله‪ ،‬فظاهر وهذا تصرفهم فى غالب الحاديث‪ ،‬فما بالُ هذا خرج عن حكم أمثاله‪ ،‬وإن‬
‫حكمنا بالرسال‪ ،‬كقول كثير من المحدثين‪ ،‬فهذا مرسل قوى قد عضدته الثارُ الصحيحة‬
‫الصريحة‪ ،‬والقياسُ وقواعِ ُد الشرع كما سنذكره‪ ،‬فيتعين القولُ به‪.‬‬
‫وأما موافقة هذا القول لمره‪ ،‬فإنه قال‪(( :‬وال ِب ْكرُ تُستأذن‪ ،‬وهذا أمر مؤكّد‪،‬‬
‫ق المخبر به وثبوتِه ولزومِه‪ ،‬والصل فى أوامره صلى ال‬
‫لنه ورد بصيغة الخبرِ الدال على تحقّ ِ‬
‫عليه وسلم أن تكون للوجوب ما لم يَقُمْ إجماع على خلفه‪.‬‬
‫س َتأَذَنَ))‪ ،‬فأمر‬
‫حتّى تُ ْ‬
‫ل ُت ْنكَحُ ال ِب ْكرُ َ‬
‫وأما موافقته لنهيه‪ ،‬فلقوله‪َ (( :‬‬
‫ونهى‪ ،‬وحكم بالتخيير‪ ،‬وهذا إثبات للحكم بأبلغ الطرق‪.‬‬
‫ن البِكر البالغة العاقلة الرشيدة‬
‫وأما موافقته لِقواعد شرعِه‪ ،‬فإ ّ‬
‫ل يتصرّف أبوها فى أقلّ شىء من مالها إل برضاها‪ ،‬ول يُجبرها على إخراج اليسي ِر منه بدون‬
‫ج بُضعها منها بغير رضاها إلى من يُريد هو‪ ،‬وهى مِن أكره‬
‫رضاها‪ ،‬فكيف يجوز أن ُيرِقّها‪ ،‬ويُخرِ َ‬
‫الناس فيه‪ ،‬وهو مِن أبغض شىء إليها؟ ومع هذا فيُنكِحها إياه قهرًا بغير رضاها إلى من يُريده‪،‬‬
‫عوَانٍ‬
‫لّ فى النّسَاءِ فَإ ّنهُنّ َ‬
‫ويجعلُها أسيرةً عنده‪ ،‬كما قال النبىّ صلى ال عليه وسلم‪(( :‬اتّقُوا ا َ‬
‫ل عليها من تزويجها بمن ل‬
‫عنْ َدكُمْ)) أى‪ :‬أسرى‪ ،‬ومعلومٌ أن إخراجَ مالها ُكلّه بغير رضاها أسه ُ‬
‫ِ‬
‫ل مَنْ قال‪ :‬إنها عينت كُفْئًا تُحبه‪ ،‬وعيّن أبوها كُفْئاً‪ ،‬فالعبر ُة بتعيينه‪،‬‬
‫تختارُه بغير رضاها‪ ،‬ولقد أبط َ‬
‫ولو كان بغيضاً إليها‪ ،‬قبيحَ الخِلقة‪.‬‬
‫وأما موافقتُه لمصالح المة‪ ،‬فل يخفى مصلحة البنت‬
‫ل ضد ذلك بمن تُب ِغضُه‬
‫فى تزويجها بمن تختاره وترضاه‪ ،‬وحصولُ مقاصد النكاح لها به‪ ،‬وحصو ُ‬
‫س الصحيح‪ ،‬وقواع ُد الشريعة ل‬
‫وتن ِفرُ عنه‪ ،‬فلو لم تأت السنة الصريحة بهذا القول‪ ،‬لكان القيا ُ‬
‫تقتضى غيره‪ ،‬وبال التوفيق‪.‬‬
‫ل ال صلى ال عليه‬
‫فإن قيل‪ :‬قد حكم رسو ُ‬
‫وسلم بالفرق بين البكر والثيب‪ ،‬وقال‪(( :‬ول تُنكَحُ الّيم حتى تُستأمر‪ ،‬ول تُنكح ال ِبكُر حتى‬
‫ليّمَ أحقّ بنفسها من‬
‫ستَأْ َذنُها َأبُوها)) فجعل ا َ‬
‫ن َوِليّها‪ ،‬وال ِبكْ ُر يَ ْ‬
‫ق ِبنَفْسِها مِ ْ‬
‫ليّمُ أَحَ ّ‬
‫تُستأذن)) وقال‪(( :‬ا َ‬
‫ليّم بذلك معنى‪.‬‬
‫وليّها‪ ،‬فعلم أن ولىّ البكرِ أحقّ بها مِن نفسها‪ ،‬وإل لم يكن لتخصيصِ ا َ‬
‫‪48‬‬

‫ب النطقَ‪ ،‬وإذن البِكرِ الصّمتَ‪ ،‬وهذا‬
‫وأيضاً فإنه فرّق بينهما فى صفة الذن‪ ،‬فجعل إذنَ ال ّث ّي ِ‬
‫ُكلّه يدل على عدم اعتبار رضاها‪ ،‬وأنها ل حقّ لها مع أبيها‪.‬‬
‫ل على جواز تزويجها بغير رضاها مع بلوغها وعقلها‬
‫فالجواب‪ :‬أنه ليس فى ذلك ما يَدُ ّ‬
‫ض الخلق إليها إذا كان كُفْئاً‪ ،‬والحاديث التى احتججتُم بها صريحةٌ فى‬
‫ورُشدها‪ ،‬وأن يزوجها بأبغ ِ‬
‫ل بطريق‬
‫إبطال هذا القول‪ ،‬وليس معكم أقوى مِن قوله‪(( :‬الّيم أحق بنفسها من وليّها))‪ ،‬هذا إنما يد ُ‬
‫المفهوم‪ ،‬ومُنازِعوكم يُنازعونكم فى كونه حجة‪ ،‬ولو سلم أنه حجة‪ ،‬فل يجوز تقديمُه على المنطوق‬
‫الصريح‪ ،‬وهذا أيضاً إنما يدل إذا قلت‪ :‬إن للمفهوم عموماً‪ ،‬والصواب أنه ل عموم له‪ ،‬إذ دللتُه‬
‫ترج ُع إلى أن التخصيصَ بالمذكور ل بُدّ له من فائدة‪ ،‬وهى نفىُ الحكم عما عداه‪ ،‬ومعلوم أن انقسام‬
‫ما عداه إلى ثابت الحكم ومنتفيه فائدة‪ ،‬وأن إثبات حكم آخرَ للمسكوت عنه فائدة وإن لم يكن ضدّ‬
‫حكم المنطوق‪ ،‬وأن تفصيله فائدة‪ ،‬كيف وهذا مفهومٌ مخالفٌ للقياس الصريح‪ ،‬بل قياس الولى كما‬
‫ص المذكورة‪.‬‬
‫تقدم‪ ،‬ويُخالف النصو َ‬
‫وتأمل قوله صلى ال عليه وسلم‪(( :‬والبكر يستأذنها أبوها)) عقيبَ قوله‪(( :‬الّيم أحق بنفسها‬
‫من وليها))‪ ،‬قطعًا لتوهم هذا القول‪ ،‬وأن البكر تُزوج بغير رضاها ول إذنها‪ ،‬فل حق لها فى نفسها‬
‫البتة‪ ،‬فوصل إحدى الجملتين بالخرى دفعًا لهذا التوهم‪ .‬ومن المعلوم أنه ل يلزمُ مِن كون الثيّب‬
‫أحق بنفسها من وليها أن ل يكون للِبكر فى نفسها حق البتة‪.‬‬
‫وقد اختلف الفقهاء فى مناط الجبار على ستة أقوال‪.‬‬
‫ل الشَافعى ومالك وأحمد فى رواية‪.‬‬
‫أحدُها‪ :‬أنه يُجبر بالبكارة‪ ،‬وهو قو ُ‬
‫ل أبى حنيفة‪ ،‬وأحمد فى الرواية الثانية‪.‬‬
‫الثانى‪ :‬أنه يُجبر بالصغر‪ ،‬وهو قو ُ‬
‫الثالث‪ :‬أنه يجبر بهما معاً‪ ،‬وهو الروايةُ الثالثة عن أحمد‪.‬‬
‫الرابع‪ :‬أنه يُجبر بأيّهما وجد وهو الرواية الرابعة عنه‪.‬‬
‫الخامس‪ :‬أنه يُجبر باليلد‪ ،‬فُتج َب ُر الثيب البالغ‪ ،‬حكاه القاضى إسماعيل عن الحسن‬
‫البصرى قال‪ :‬وهو خلف الجماع‪ .‬قال‪ :‬وله وجه حسن من الفقه‪ ،‬فيا ليتَ شعرى ما هذا الوجه‬
‫السودُ المظلمُ؟‪،‬‬
‫السادس‪ :‬أنه يُجبر من يكون فى عياله‪ ،‬ول يَخفى عليك الراجحُ مِن هذه المذاهب‪.‬‬
‫فصل‬

‫‪49‬‬

‫وقضى صلى ال عليه وسلم بأن إذن البكر الصّمات‪ ،‬وإذن الثيب الكلم‪ ،‬فإن نطقت البكر‬
‫ح أن تزوج إل بالصمات‪ ،‬وهذا هو اللئق بظاهريته‪.‬‬
‫بالذن بالكلم فهو آكد‪ ،‬وقال ابنُ حزم‪ :‬ل َيصِ ّ‬
‫فصل‬
‫حتِلمٍ‪،‬‬
‫ل ال صلى ال عليه وسلم أن اليتيم َة تُستأمر فى نفسها‪ ،‬ول يُت َم َبعْدَ ا ْ‬
‫وقضى رسو ُ‬
‫ل ذلك على جواز نكاح اليتيمة قبل البلوغ‪ ،‬وهذا مذهبُ عائشة رضى ال عنها‪ ،‬وعليه يَدُلّ‬
‫فد ّ‬
‫القرآن والسنة‪ ،‬وبه قال أحمد وأبو حنيفة وغيرُهما‪.‬‬
‫عَل ْيكُ ْم فى ال ِكتَابِ فى َيتَامَى‬
‫ن َومَا ُيتْلى َ‬
‫لّ يُ ْفتِيكُم فيه ّ‬
‫ك فى النّسَاءِ قُلِ ا ُ‬
‫ستَفتُونَ َ‬
‫قال تعالى‪{:‬ويَ ْ‬
‫ن أَنْ َت ْنكِحُوهُنّ} [النساء‪.]127 :‬‬
‫غبُو َ‬
‫ن و َترْ َ‬
‫ب َلهُ ّ‬
‫النّسَا ِء اللّتى ل ُت ْؤتُو َنهُنّ مَا ُك ِت َ‬
‫قالت عائش ُة رضى ال عنها‪ :‬هى اليتيمةُ تكون فى حجر وليها‪ ،‬فيرغبُ فى نكاحها‪ ،‬ول‬
‫سنّةَ صداقِهن‪.‬‬
‫سنّ َة صَدَاقِها‪َ ،‬فنُهوا عن نكاحهن إل أن يُقْسِطُوا لهن ُ‬
‫يُقْسِطُ لها ُ‬
‫ص َم َتتْ َف ُهوَ‬
‫سهَا فَإنْ َ‬
‫ستَ ْأ َمرُ فى نَفْ ِ‬
‫وفى السنن الربعة‪ :‬عنه صلى ال عليه وسلم‪(( :‬ال َيتِيمَةُ تُ ْ‬
‫عَل ْيهَا))‪.‬‬
‫جوَازَ َ‬
‫إ ْذنُها وإنْ أَبتْ‪ ،‬فَلَ َ‬
‫فصل‬
‫فى حكمه صلى ال عليه وسلم فى النكاح بل ولى‬
‫حتْ نَفْسَها ِب َغيْر إذْن‬
‫فى ((السنن)) عنه من حديث عائشة رضى ال عنها‪َ(( :‬أيّمَا ا ْم َرَأةٍ َن َك َ‬
‫َولّيها َف ِنكَاحُها بَاطِلٌ‪َ ،‬ف ِنكَاحُها باطِلٌ‪َ ،‬ف ِنكَاحُها بَاطِلُ‪ ،‬فَإن َأصَابَها َفلَها َم ْهرُهَا بمَا َأصَابَ ِمنْها‪ ،‬فَإنْ‬
‫ل َوِلىّ لَهُ)) قال الترمذى حديث حسن‪.‬‬
‫سلْطَانُ وَلى مَنْ َ‬
‫جرُوا فَال ّ‬
‫شتَ َ‬
‫اْ‬
‫ل تُزوّجُ ال َم ْرَأةُ المرأةَ‪ ،‬ول‬
‫ل ِبوَلى))‪ .‬وفيها عنه‪َ (( :‬‬
‫ح إِ ّ‬
‫ل ِنكَا َ‬
‫وفى السنن الربعة‪ :‬عنه‪َ (( :‬‬
‫سهَا))‪.‬‬
‫ج نَفْ َ‬
‫ى الّتى َت ُزوّ ُ‬
‫ُت َزوّجُ ال َم ْرَأةُ نَفْسَها‪ ،‬فَإن الزّا ِنيَةَ ِه َ‬
‫فصل‬
‫وحكم أن المرأة إذا زوجها الوليان‪ ،‬فهى للول منهما‪ ،‬وأن الرجل إذا باع للرجلين‪ ،‬فالبيعُ‬
‫للول منهما‪.‬‬
‫فصل‬
‫فى قضائه فى نكاح التفويض‬
‫ثبت عنه أنه قضى فى رجل تزوّج امرأة‪ ،‬ولم يَ ْفرِضْ لها صداقاً‪ ،‬ولم يدخل بها حتّى ماتَ‬
‫أن لها َم ْه َر ِم ْثِلهَا‪ ،‬ل َو ْكسَ ول شَطَطَ‪ ،‬ولها الميراثُ‪ ،‬وعليها العِد ّة أربعة أشهر وعشراً‪.‬‬
‫‪50‬‬

‫جكَ فلنَة))؟ قال‪ :‬نعم‪ ،‬وقال‬
‫ن ُأ َزوّ َ‬
‫وفى سنن أبى داود عنه‪ :‬أنه قال لرجل‪َ(( :‬أ َترْضى أَ ْ‬
‫جكِ فُلَناً))؟ قالت‪ :‬نعم‪ ،‬فزوّج أحدهما صاحبه‪ ،‬فدخل بها الرجلُ‪ ،‬ولم‬
‫ن أَنْ َأ َزوّ َ‬
‫للمرأة‪َ(( :‬أ َت ْرضَيْ َ‬
‫ض لها صَداقاً‪ ،‬ولم يُعطِها شيئاً‪ ،‬فلما كان عند موته ع ّوضَها مِن صداقها سهماً له بخيبر‪.‬‬
‫يَ ْفرِ ْ‬
‫وقد تضمّنت هذه الحكام جوازَ النكاح مِن غير تسمية صداق‪ ،‬وجوازَ الدخول قبل التسمية‪،‬‬
‫واستقرا َر مهر المثل بالموت‪ ،‬وإن لم يدخُلْ بها‪ ،‬ووجوبَ عِدة الوفا ِة بالموت‪ ،‬وإن لم يدخُلْ بها‬
‫الزوج‪ ،‬وبهذا أخذ ابنُ مسعود وفقها ُء العِراق‪ .‬وعلماءُ الحديث‪ ،‬منهم‪ :‬أحمد‪ ،‬والشافعى فى أحد‬
‫قوليه‪.‬‬

‫وقال على بن أبى طالب‪ ،‬وزيد بن ثابت رضى ال عنهما‪ :‬ل صداقَ لها‪ ،‬وبه أخذَ‬

‫ل المدينة‪ ،‬ومالك‪ ،‬والشافعى فى قوله الخر‪.‬‬
‫أه ُ‬
‫طرَفى العقد‪ ،‬كوكيل مِن الطرفين‪ ،‬أو ولى فيهما‪ ،‬أول ولى‬
‫وتضمّنت جواز تولّى الرجل َ‬
‫ج و ّكلَه الولى‪ ،‬ويكفى أن يقول‪ :‬زوجتُ فلنًا فلنة مقتصراً على ذلك‪ ،‬أو‬
‫و ّكلَه الزوجُ‪ ،‬أو زو ٍ‬
‫تزوجت فلنة إذا كان هو الزوج‪ ،‬وهذا ظاهر مذهب أحمد‪ ،‬وعنه رواية ثانية‪ :‬ل يجوز ذلك إل‬
‫للولى المجبر‪ ،‬كمن زوّج أمته أو ابنته المجبرة بعبده المجبر‪ ،‬ووجه هذه الرواية أنه ل يُعتبر‬
‫رضى واحد من الطرفين‪.‬‬
‫ح منه تولى الطرفين لتضاد‬
‫وفى مذهبه قول ثالث‪ :‬أنه يجوز ذلك إل للزوج خاصة‪ ،‬فإنه ل يصِ ّ‬
‫أحكا ِم الطرفين فيه‪.‬‬
‫فصل‬
‫حبَلِ‬
‫فى حكمه صلى ال عليه وسلم فيمن تزوج امرأةً فوجدها فى ال َ‬
‫فى ((السنن)) ((والمصنّف))‪ :‬عن سعيد بن المسيب‪ ،‬عن بصرة بن أكثم‪ ،‬قال‪ :‬تزوجت‬
‫امرأة بكراً فى سترها‪ ،‬فدخلتُ عليها‪ ،‬فإذا هى حُبلى‪ ،‬فقال النبىّ صلى ال عليه وسلم‪َ(( :‬لهَا‬
‫جلِدوُهَا))‪ ،‬وفرّق بينَهما‪.‬‬
‫عبْدُ َلكَ‪ ،‬وإذا َولَ َدتْ فَا ْ‬
‫جهَا وَال َولَدُ َ‬
‫حَل ْلتَ مِنْ َفرْ ِ‬
‫ق ِبمَا اسْت ْ‬
‫الصّدَا ُ‬
‫ل أهل المدينة‪ ،‬والمام أحمد‪،‬‬
‫وقد تضمّن هذا الحكم بطلنَ نِكاح الحامل مِن زنى‪ ،‬وهو قو ُ‬
‫ب المهر المسمى فى النكاح الفاسد‪ ،‬وهذا هو الصحيح من القوال الثلثة‪.‬‬
‫وجمهور الفقهاء‪ ،‬ووجو ُ‬
‫ل المرين‪.‬‬
‫والثانى‪ :‬يجب مهر المثل‪ ،‬وهو قول الشافعى رحمه ال‪ .‬والثالث‪ :‬يجبُ أق ّ‬
‫حبَل وإن لم تقُ ْم بينة ول اعتراف‪ ،‬والحبل من أقوى البينات‪ ،‬وهذا‬
‫وتضمنت وجوبَ الحد بال َ‬
‫مذهبُ عمر بن الخطاب رضى ال عنه‪ ،‬وأهل المدينة‪ ،‬وأحمد فى إحدى الروايتين عنه‪.‬‬

‫‪51‬‬

‫وأما حكمه بكون الولد عبدًا للزوج‪ ،‬فقد قيل‪ :‬إنه لما كان ولد زنى ل أب له‪ ،‬وقد غرّته من‬
‫غرِمَ صداقها أخدمه ولدها‪ ،‬وجعله له بمنزلة العبد ل أنه أرقّه‪ ،‬فإنه انعقد حراً تبعاً لحرية‬
‫نفسها‪ ،‬و َ‬
‫ل أن يكون أرقّه عقوبة لمه على زناها وتغريرها للزوج‪ ،‬ويكون هذا‬
‫أمه‪ ،‬وهذا محتمل‪ ،‬ويحتمِ ُ‬
‫ى صلى ال عليه وسلم‪ ،‬وبذلك الولد ل يتعدّى الحكم إلى غيره‪ ،‬ويحتمِلُ أن يكون هذا‬
‫خاصاً بالنب ّ‬
‫منسوخاً‪ .‬وقد قيل‪ :‬إنه كان فى أول السلم يُسترق الحر فى الدّين‪ ،‬وعليه حمل بيعُه صلى ال عليه‬
‫سرّقٍ فى دَينه‪ .‬وال أعلم‪.‬‬
‫وسلم ل ُ‬
‫فصل‬
‫فى حُكمه صلى ال عليه وسلم فى الشّروط فى النّكاح‬
‫حَل ْلتُم بِهِ ال ُفرُوجَ))‪.‬‬
‫ستَ ْ‬
‫ط أَنْ ُتوَفّوا ما ا ْ‬
‫شرُو ِ‬
‫ق ال ّ‬
‫فى ((الصحيحين))‪ :‬عنه‪(( :‬إنّ أحَ ّ‬
‫ستَفْرغَ صَحْ َفتَها وِل َت ْنكِحَ‪ ،‬فإنّما َلهَا ما قُ ّدرَ‬
‫ق أُخْتها ِلتَ ْ‬
‫ل ال َم ْرأَةُ طَلَ َ‬
‫وفيهما عنه‪(( :‬ل تَسْأَ ِ‬
‫ط المرأةُ طلقَ أختها‪.‬‬
‫لها))‪.‬وفيهما‪ :‬أنه نهى أن تَشْترِ َ‬
‫ن ُت ْنكَحَ ا ْم َرَأ ُة بِطَلقِ أُخْرى))‪.‬‬
‫ل أَ ْ‬
‫وفى مسند أحمد‪ :‬عنه‪(( :‬ل يَحِ ّ‬
‫طتْ فى العقد إذا لم تتضمّن تَغييراً لحكم‬
‫شرِ َ‬
‫فتضمن هذا الحكمُ وجوبَ الوفاء بالشروط التى ُ‬
‫ال ورسوله‪ .‬وقد اتّفق على وجوب الوفاء بتعجيل المهر أو تأجيله والضمين والرهن به‪ ،‬ونحو‬
‫ذلك‪ ،‬وعلى عدم الوفاء باشتراط ترك الوطء‪ ،‬والنفاق‪ ،‬الخلو عن المهر‪ ،‬ونحو ذلك‪.‬‬
‫واخ ُتِلفَ فى شرط القامة فى بلد الزوجة‪ ،‬وشرط دار الزوجة‪ ،‬وأن ل يتسّرى عليها‪ ،‬ول‬
‫يتزوجَ عليها‪ ،‬فأوجب أحم ُد وغيرُه الوفاء به‪ ،‬ومتى لم َيفِ به فلها الفسخ عند أحمد‪.‬‬
‫واخ ُتلِف فى اشتراط البكارة والنسب‪ ،‬والجمال والسّلمة من العيوب التى ل يُفسخ بها‬
‫النكاحُ‪ ،‬وهل يؤ ّثرُ عدمها فى فسخه؟ على ثلثة أقوال‪.‬‬
‫ثالثها‪ :‬الفسخ عند عدم النسب خاصة‪.‬‬
‫وتضمن حكمُه صلى ال عليه وسلم بطلنَ اشتراط المرأة طلقَ أختها‪ ،‬وأنه ل‬
‫يجب الوفاءُ به‪ .‬فإن قيل‪ :‬فما الفرق بين هذا وبين اشتراطها أن ل يتزوج عليها حتى صححتم هذا‬
‫وأبطلتم شرط الضرة؟ قيل‪ :‬الفرقُ بينهما أن فى اشتراط طلقِ الزوجة من الضرار بِها‪ ،‬وكسرِ‬
‫قلبها‪ ،‬وخرابِ بيتها‪ ،‬وشماتةِ أعدائها ما ليس فى اشتراط عدمِ نكاحها‪ ،‬ونكاحِ غيرها‪ ،‬وقد فرق‬
‫النصّ بينهما‪ ،‬فقياس أحدهما على الخر فاسد‪.‬‬
‫فصل‬
‫‪52‬‬

‫ح المُحرِم‪ ،‬ونِكاح الزانيةِ‬
‫فى حكمه صلى ال عليه وسلم فى نِكاح الشّغار والمُحلّل‪ ،‬والمُتعَةِ ونِكا ِ‬
‫ح النهى عنه مِن حديث ابن عمر‪ ،‬وأبى هُريرة‪ ،‬ومعاوية‪.‬‬
‫أما الشّغار‪ :‬فص ّ‬
‫شغَارَ فى السْلَمِ))‪.‬‬
‫وفى صحيح مسلم‪ :‬عن ابن عمر مرفوعًا ((ل ِ‬
‫ن يُزوّجَه الخ ُر ابنتَه وليس‬
‫وفى حديث ابن عمر‪ :‬والشّغار‪ :‬أن يُزوّجَ الرجلُ ابنتَه على أ َ‬
‫بينهما صداق‪.‬‬
‫وفى حديث أبى هُريرة‪ :‬والشّغارُ‪ :‬أن يقولَ الرجُلُ للِرجل‪ :‬زوجنى ابنتَك وأُزوّجك ابنتى‪ ،‬أو‬
‫زوّجنى أختك وأزوجُك أختى‪.‬‬
‫ن عبد ال بن عباس أنكحَ عبدَ الرحمن ابنَ الحكم ابنَته‪،‬‬
‫سبَ‬
‫ن العبا َ‬
‫وفى حديث معاوية‪ :‬أ ّ‬
‫وأنكحه عب ُد الرحمن ابنتَه‪ ،‬وكانا جعل صَدَاقاً‪ ،‬فكتب معاوي ُة رضى ال عنه إلى مروان يأمُره‬
‫شغَا ُر الذى نهى عنه رسولُ ال صلى ال عليه وسلم‪.‬‬
‫بالتفريقِ بينهما‪ ،‬وقال‪ :‬هذا ال ّ‬
‫فاختلف الفقهاء فى ذلك‪ ،‬فقال المام أحمد‪ :‬الشّغار الباطل أن يزوّجه وليته على أن يزوّجه‬
‫ح العقدُ بالمسمّى‬
‫ث ابن عمر‪ ،‬فَإن سمّوا مع ذلك مهراً‪ ،‬ص ّ‬
‫الخر وليته‪ ،‬ول مهر بينهما على حدي ِ‬
‫عنده‪ ،‬وقَال الخرقى‪ :‬ل َيصِحّ ولو سمّوا مهرًا على حديث معاوية‪ .‬وقال أبو البركات ابن تيمية‬
‫وغيرُه مِن أصحاب أحمد‪ :‬إن س ّموْا مهراً وقالوا‪ :‬مع ذلك‪ :‬بُضع كل واحدة مهر الخرة لم َيصِحّ‪،‬‬
‫وإن لم يقولوا ذلك‪ ،‬صح‪.‬‬
‫واخ ُتِلفَ فى علة النهى‪ ،‬فقيل‪ :‬هى جعلُ كل واح ٍد من العقدين شرطاً فى الخر وقيل‪:‬‬
‫ل واحدة مهراً للخرى‪ ،‬وهى ل تنتفِعُ به‪ ،‬فلم يرجع إليها‬
‫ل بُضع ك ّ‬
‫العلة التشريكُ فى البُضع‪ ،‬وجع ُ‬
‫المهر‪ ،‬بل عاد المهرُ إلى الولى‪ ،‬وهو مُلكه لبُضع زوجته بتمليكه لبُضع مُولّيته‪ ،‬وهذا ظلم لكل‬
‫ن المرأتين‪ ،‬وإخلءٌ لنكاحهما عن مهر تنتفع به‪ ،‬وهذا هو الموافق للغة العرب‪ ،‬فإنهم‬
‫واحدة مِ َ‬
‫يقوْلون‪ :‬بلد شاغر مِن أمير‪ ،‬ودار شاغرة مِن أهلها‪ :‬إذا خلت‪ ،‬وشغر الكلبُ‪ :‬إذا رفع رجله‪ ،‬وأخلى‬
‫مكانَها‪ .‬فإذا سمّوا مهراً مع ذلك زال المحذور‪ ،‬ولم يبق إل اشتراطُ كلّ واحد على الخر شرطاً ل‬
‫يُؤثر فى فساد العقد‪ ،‬فهذا منصوص أحمد‪.‬‬
‫وأما من فرق‪ ،‬فقال‪ :‬إن قالوا مع التسمية‪ :‬إن بُضع كُل واحدة مهرٌ للخرى‪ ،‬فسد‪ ،‬لنها لم‬
‫يرج ْع إليها مهرُها‪ ،‬وصار بُضعها لغير المستحق‪ ،‬وإن لم يقولوا ذلك‪ ،‬صحّ‪ ،‬والذى يجىء على‬
‫أصله أنهم متى عقدُوا على ذلك وإن لم يقولوه بألسنتهم أنه ل يصح‪ ،‬لن القصود فى العقود‬

‫‪53‬‬

‫معتبرة‪ ،‬والمشروط عرفاً كالمشروط لفظاً‪ ،‬فيبطل العقدُ بشرط ذلك‪ ،‬والتواطؤ عليه ونيته‪ ،‬فإن‬
‫سمّى لِكل واحدة مهرَ مثلها‪ ،‬صح‪ ،‬وبهذا تظهر حكم ُة النهى واتفاقُ الحاديث فى هذا الباب‪.‬‬
‫فصل‬
‫حلّل‪ ،‬ففى ((المسند)) والترمذى من حديث ابن مسعود رضىَ ال عنه قال‪:‬‬
‫وأما نكاح المُ َ‬
‫ل له))‪ .‬قال الترمذى‪ :‬هذا حديث حسن‬
‫حلّ َ‬
‫حلّلَ وَالمُ َ‬
‫لّ صلى ال عليه وسلم المُ َ‬
‫ن رَسُولُ ا ِ‬
‫((لَعَ َ‬
‫صحيح‪.‬‬
‫ل لَهُ))‪.‬‬
‫حلّ َ‬
‫وفى ((المسند))‪ :‬من حديث أبى هريرة رضى ال عنه مرفوعًا ((َلعَنَ ال المُ َ‬
‫وإسناده حسن‪.‬‬
‫وفيه‪ :‬عن على رضى ال عنه‪ ،‬عن النبى صلى ال عليه وسلم مثله‪.‬‬
‫وفى سنن ابن ماجه‪ :‬مِن حديث عُقبة بن عامر رضى ال عنه قال‪ :‬قال رسولُ ال صلى ال‬
‫س َتعَارِ))؟ قالُوا‪ :‬بلى يا رَسُولَ الِّ‪ .‬قال‪ُ (( :‬ه َو المتُحَللُ َلعَنَ الُّ‬
‫س المُ ْ‬
‫خ ِب ُركُم بال ّتيْ ِ‬
‫ل أُ ْ‬
‫عليه وسلم‪(( :‬أَ َ‬
‫ل لَهُ))‪.‬‬
‫حلّ َ‬
‫حلّلَ والمَ َ‬
‫المُ َ‬
‫فهؤلء الربعةُ مِن سادات الصحابة رضى ال عنهم‪ ،‬وقد شهِدُوا على رسول ال صلى ال‬
‫حلّلُ لَه وهذا خبرٌ عن ال فهو خب ُر صِدق‪،‬‬
‫ل والمُ َ‬
‫حلّ ُ‬
‫عليه وسلم بلعنه أصحابَ التحليل‪ ،‬وهم‪ :‬المُ َ‬
‫ق عند أهل‬
‫علُها‪ ،‬ول فر َ‬
‫وإما دُعاء فهو دُعاء مستجاب قطعاً‪ ،‬وهذا يُفيد أنه مِن الكبائر الملعون فا ِ‬
‫المدينة وأهلِ الحديث وفُقهائهم بين اشتراط ذلك بالقول أو بالتواطؤ‪ ،‬والقصدِ‪ ،‬فإن القُصود فى‬
‫العُقود عندهم معتبرة‪ ،‬والعمالُ بالنيّات‪ ،‬والشرطُ المتواطَأُ عليه دخل عليه المتعاقدان كالملفوظِ‬
‫ع ْبرَة‬
‫عندهم‪ ،‬واللفاظُ ل تُراد لعينها‪ ،‬بل لِلدللَة على المعانى‪ ،‬فإذا ظهرت المعانى والمقاصدُ‪ ،‬فل ِ‬
‫باللفاظ‪ ،‬لنها وسائل‪ ،‬وقد تحقّقت غاياتُها‪ ،‬فتر ّت َبتْ عليها أحكامُها‪.‬‬
‫فصل‬
‫ح المُتعة‪ ،‬فثبت عنه أنه أحلّها عا َم الفتح‪ ،‬وثبت عنه أنّه نهى عنها عَا َم الفتح‬
‫وأما نِكا ُ‬
‫واخ ُتِلفَ هل نهى عنها يومَ خيبر؟ على قولين‪ ،‬والصحيح‪ :‬أن النهى إنما كان عا َم الفتح‪ ،‬وأن النهى‬
‫لّ صلى ال عليه‬
‫ح ُم ِر الهلية‪ ،‬وإنما قال على لبن عباس‪ :‬إنّ رسولَ ا ِ‬
‫يومَ خيبر إنما كان عن ال ُ‬
‫وسلم نهى يومَ خيبرَ عن مُتعة النساء‪ ،‬ونهى عن الحمر الهلية محتجاً عليه فى المسألتين‪ ،‬فظنّ‬
‫ض الرواة أن التقييدَ بيوم خيبر راجع إلى ال َفصْلَين‪ ،‬فرواه بالمعنى‪ ،‬ثم أفرد بعضُهم أح َد الفصلين‬
‫بع ُ‬
‫وقيّده بيومِ خيبر‪ ،‬وقد تقدّم بيانُ المسألة فى غزاة الفتح‪.‬‬
‫‪54‬‬

‫(يتبع‪)...‬‬
‫وظا ِهرُ كل ِم ابن مسعود إباحتُها‪ ،‬فإن فى ((الصحيحين))‪ :‬عنه‪ :‬كنا نغزو مع رسولِ ال‬

‫@‬

‫خصِى؟ فنهانا عن ذلك‪ ،‬ثم‬
‫ستَ ْ‬
‫صلى ال عليه وسلم وليس معنا نِساء‪ ،‬فقلنا‪ :‬يا رسول ال‪ ،‬أل نَ ْ‬
‫ح ّرمُوا‬
‫رخّصَ لنا بع ُد أن َن ْنكِحَ المرأة بال ّثوْب إلى أجَل‪ ،‬ثم قرأ عبدُ ال‪{ :‬يَا َأيّها الّذينَ آ َمنُوا ل تُ َ‬
‫ب ال ُم ْعتَدِينَ} [المائدة‪ ]87 :‬ولكن فى‬
‫ل يُح ّ‬
‫ل َت ْعتَدُوا إنّ ال َ‬
‫لّ َلكُم وَ َ‬
‫ت مَا أحَلّ ا ُ‬
‫طيّبا ِ‬
‫َ‬
‫ل ال صلى ال عليه وسلم حرّم ُم ْتعَةَ النّسَاءِ‪.‬‬
‫((الصحيحين))‪ :‬عن على رضى ال عنه‪ ،‬أن رسو َ‬
‫وهذا التحريمُ‪ :‬إنما كان بعد الباحة‪ ،‬وإل لزم منه النسخُ مرتين ولم يحتج به على علي بن‬
‫عباس رضى ال عنهم‪ ،‬ولكن النظر‪ :‬هل هو تحريمُ َبتَاتٍ‪ ،‬أو تحري ُم ِمثْلُ تحريمِ الميتة والدم‬
‫حلّها‬
‫ن عباس‪ ،‬وأفتى بِ ِ‬
‫وتحريم نكاح المة فيُباح عند الضرورة وخوفِ العنت؟ هذا هو الذى لحظه ب ُ‬
‫صرُوا على موضع الضرورة‪ ،‬أمسك عن فُتياه‪ ،‬ورجع‬
‫للضرورة‪ ،‬فلما توسّع الناسُ فيها‪ ،‬ولم يقت ِ‬
‫عنها‪.‬‬
‫فصل‬
‫حرِمِ‪ ،‬فثبت عنه فى ((صحيح مسلم)) من رواية عثمان بن عفان رضى ال‬
‫ح المُ ْ‬
‫وأما نكا ُ‬
‫ل ُي ْنكَحُ))‪.‬‬
‫حرِ ُم وَ َ‬
‫عنه قال‪ :‬قال رسول ال صلى ال عليه وسلم‪(( :‬ل َي ْنكِحُ المُ ْ‬
‫واخ ُتِلفَ عنه صلى ال عليه وسلم‪ ،‬هل تزوّج ميمونةَ حللً أو حراماً؟ فقال ابنُ‬
‫ل أبى رافع‬
‫ت الرسولَ بينهما‪ .‬وقو ُ‬
‫ح ِرمَاً‪ ،‬وقال أبو رافع‪ :‬تزوّجها حللً‪ ،‬وكن ُ‬
‫عباس‪ :‬تزوّجها مُ ْ‬
‫أرجح لعدة أوجه‪.‬‬
‫أحدها‪ :‬أنه إذ ذاك كان رجلً بالغاً‪ ،‬وابنُ عباس لم يكن حينئذ ممن بلغ الحُلم‪ ،‬بل كان له‬
‫نحو العشر سنين‪ ،‬فأبو رافع إذ ذاك كان أحفظَ منه‪.‬‬
‫الثانى‪ :‬أنه كان الرسولَ بين رسولِ ال صلى ال عليه وسلم وبينها‪ ،‬وعلى يده دارَ الحديثُ‪،‬‬
‫فهو أعلم به مِنه بل شك‪ ،‬وقد أشار بنفسه إلى هذا إشارةَ متحقّق له‪ ،‬ومتيقّن‪ ،‬لم ينقله عن غيره‪ ،‬بل‬
‫باشره بنفسه‪.‬‬
‫الثالث‪ :‬أن ابن عباس لم يكن معه فى تلك العُمرة‪ ،‬فإنها كانت عُمرةَ القضية‪ ،‬وكان ابنُ‬
‫لّ مِن الوِلدان‪ ،‬وإنما سمع ال ِقصّة مِن غير حضور‬
‫عباس إذ ذاك من المستضعفين الذين عَ َذرَهُمُ ا ُ‬
‫منه لها‪.‬‬

‫‪55‬‬

‫الرابع‪ :‬أنه صلى ال عليه وسلم حين دخل مكة‪ ،‬بدأ بالطواف بالبيت‪ ،‬ثم سعى بينَ الصفا‬
‫والمروة‪ ،‬وحلق‪ ،‬ثم حَلّ‪.‬‬
‫ل الطواف بالبيت‪ ،‬ول‬
‫ومن المعلوم‪ :‬أنه لم يتزوج بها فى طريقه‪ ،‬ول بدأ بالتزويج بها قب َ‬
‫تزوّج فى حال طوافه‪ ،‬هذا من المعلوم أنه لم يقع‪ ،‬فصحّ قولُ أبى رافع يقيناً‪.‬‬
‫ن عباس‪ ،‬ولم يُغلّطُوا أبا رافع‪.‬‬
‫غلّطُوا اب َ‬
‫الخامس‪ :‬أن الصحابة رضى عنهم َ‬
‫حرِمِ‪ ،‬وقول‬
‫ق لنهى النبىّ صلى ال عليه وسلم عن نِكاح المُ ْ‬
‫ل أبى رافع موافِ ٌ‬
‫السادس‪ :‬أن قو َ‬
‫ى صلى ال عليه وسلم‬
‫ابن عباس يُخالفه‪ ،‬وهو مستلزِم لحد أمرين‪ ،‬إما لنسخه‪ ،‬وإما لتخصيص النب ّ‬
‫بجواز النّكاحِ محرماً‪ ،‬وكل المرين مخالِف للصل ليس عليه دليل‪ ،‬فل يُقبل‪.‬‬
‫ل ال صلى ال عليه وسلم تزوّجها حللً‬
‫السابع‪ :‬أن ابنَ أختها يزيد بن الصم شهد أن رسو َ‬
‫ن عباس‪ .‬ذكره مسلم‪.‬‬
‫قال وكانت خالتى وخالة اب ِ‬
‫فصل‬
‫ح الزانية‪ ،‬فقد صرّح ال سبحانه وتعالى بتحريمه فى سُورة النور‪ ،‬وأخبر أن مَنْ‬
‫وأما نكا ُ‬
‫نكحها‪ ،‬فهو إما زانٍ أو مشرك‪ ،‬فإنه إما أن يلتزِمَ حُكمَه سبحانه ويعتقد وجوبه عليه‪ ،‬أول‪ ،‬فإن لم‬
‫يلت ِزمْه ولم يعتقده‪ ،‬فهو مشرك‪ .‬وإن التزمه واعتقد وجوبه وخالفه‪ ،‬فهو زانٍ‪ ،‬ثم صرّح بتحريمه‬
‫ى الم ْؤمِنينَ} [النور‪.]3 :‬‬
‫حرّمَ َذِلكَ عَل َ‬
‫فقال‪{ :‬و ُ‬
‫ليَامى ِم ْنكُم} [النور‪ ،]32:‬مِن أضعفِ ما‬
‫ول يخفى أن دعوى نسخ الية بقوله‪َ {:‬وَأ ْنكِحُوا ا َ‬
‫يُقال‪ ،‬وأضعف منه حملُ النكاح على الزنى إذ يصير معنى الية‪ :‬الزانى ل يزنى إل بزانية أو‬
‫مشركة‪ ،‬والزانية ل يزنى بها إل زانٍ أو مشرك‪ ،‬وكلم ال ينبغى أن يُصان عن مثل هذا‪.‬‬
‫ل الية على امرأة بغى مشركة فى غاية البعد عن لفظها وسياقها‪ ،‬كيف‬
‫وكذلك حم ُ‬
‫ح الحرائر والماءِ بشرط الحصان‪ ،‬وهو العِفّة‪ ،‬فقال‪{ :‬فا ْنكِحُوهُنّ بإِذْنِ‬
‫وهو سبحانه إنما أباح نكا َ‬
‫ت أَخْدانٍ} [النساء‪،]25 :‬‬
‫ل ُمتّخِذَا ِ‬
‫غ ْي َر مُسَافِحَاتٍ وَ َ‬
‫صنَاتٍ َ‬
‫ح َ‬
‫ن بِال َم ْعرُوفِ مُ ْ‬
‫أَ ْهِلهِنّ وآتُوهُنّ أُجُورَهُ ّ‬
‫فإنما أبح نكاحَها فى هذه الحالة دُون غيرها‪ ،‬وليس هذا من باب دللة المفهوم‪ ،‬فإن البضاع فى‬
‫الصل على التحريم‪ ،‬فيُقتصرُ فى إباحتها على ما ورد به الشرعُ‪ ،‬وما عداه‪ ،‬فعلى أصل التحريم‪.‬‬
‫خبِيثَاتِ} [النور‪]26 :‬‬
‫خبِيثُونَ للْ َ‬
‫خبِيثينَ وال َ‬
‫ت ِللْ َ‬
‫خبِيثَا ُ‬
‫وأيضاً‪ ،‬فإنه سبحانه قال‪{ :‬ال َ‬
‫ث مثلهن‪.‬‬
‫خبِيثَاتُ‪ :‬الزوانى‪ .‬وهذا يقتضى أن من تزوّج بهن‪ ،‬فهو خبي ٌ‬
‫وال َ‬

‫‪56‬‬

‫وأيضاً‪ .‬فمن أقبح القبائح أن يكون الرجلُ زوجَ بغى‪ ،‬و ُقبْحُ هذا مستقر فى فطر الخلق‪ ،‬وهو‬
‫عندهم غاية المسبّة‪.‬‬
‫وأيضاً‪ :‬فإن ال َب ِغىّ ل يُؤمَن أن تُفْسِدَ على الرجل ِفرَاشه‪ ،‬وتعلّق عليه أولداً مِن غيره‪،‬‬
‫والتحريم يثبت بدونْ هذا‪.‬‬
‫وأيضاً‪ :‬فإن النبى صلى ال عليه وسلم فرق بين الرجل وبين المرأة التى وجدها حُبلى من‬
‫الزنى‪.‬‬
‫عنَاق‬
‫وأيضاً فإن مرثد بن أبى مرثد الغنوى استأذن النبى صلى ال عليه وسلم أن يتزوج َ‬
‫حهَا))‪.‬‬
‫وكانت بغيّاً‪ ،‬فقرأ عليه رسول ال صلى ال عليه وسلم آية النور وقال‪(( :‬ل َت ْنكِ ْ‬
‫فصل‬
‫فى حكمه صلى ال عليه وسلم فيمن أسلم على أكثر مِن أربع نِسوة أو على أختين‬
‫ش ُر نِسوةٍ‪ ،‬فقال له‬
‫فى الترمذى عن ابن عمر رضى ال عنهما‪ :‬أن غَيلن أسلم وتحتَه عَ ْ‬
‫النبى صلى ال عليه وسلم‪(( :‬اختر ِم ْنهُنّ َأ ْربَعاً))‪ .‬وفى طريق أخرى‪(( :‬وفَارِقْ سَائِرهُنّ))‬
‫خ َترْ َأ ّي َتهُما‬
‫وأسلم فيروز الدّيلمى وتحته أختان‪ ،‬فقال له النبىّ صلى ال عليه وسلم‪(( :‬ا ْ‬
‫شِئتَ))‪.‬فتضمن هذا الحكم صِحةَ نكاح الكفار‪ ،‬وأنه له أن يختار مَنْ شاء مِن السوابق واللواحق لنه‬
‫جعل الخِيرة إليه‪ ،‬وهذا قول الجمهور‪ .‬وقال أبو حنيفة‪ :‬إن تزوجهن فى عقد واحد‪ ،‬فسد نكاحُ‬
‫الجميع‪ ،‬وإن تزوجهن مترتباتٍ‪ ،‬ثبت نكاح الربع‪ ،‬وفسد نكاح من بعدهن ول تخيير‪.‬‬
‫فصل‬
‫ن َموَالِيه‪ ،‬فهو عَا ِهرٌ))‪ .‬قال‬
‫وحكم صلى ال عليه وسلم‪ :‬أن العبد ((إذا تزوّج ِب َغ ْيرِ إِذْ ِ‬
‫الترمذى‪ :‬حديث حسن‪.‬‬
‫فصل‬
‫ن أبى طالب رضى ال عنه ابنةَ أبى جهل‪،‬‬
‫ىبَ‬
‫واستأذنه بنو هشام بن المُغيرة أن يُزوّجوا عل َ‬
‫طمَة‬
‫ح ا ْب َن َتهُم‪ ،‬فإ ّنمَا فَا ِ‬
‫ق ا ْبنَتى و َي ْنكِ َ‬
‫طلّ َ‬
‫ب أَنْ يُ َ‬
‫ن ُيرِي َد ابْنُ أبى طَاِل ٍ‬
‫فلم يأذن فى ذلك‪ ،‬وقال‪(( :‬إلّ أَ ْ‬
‫ستُ‬
‫طمَةُ فى دِينِها‪ ،‬وإنى لَ ْ‬
‫ن تُ ْفتَنَ فَا ِ‬
‫ف أَ ْ‬
‫ضعَةٌ ِمنّى َيرِيبُنى ما رَابَها‪ ،‬و ُيؤْذِينى ما آذاهَا‪ ،‬إنّى أَخَا ُ‬
‫َب ْ‬
‫ن وَاحِدٍ‬
‫ت رَسُولِ ال و ِب ْنتُ عدوّ ال فى مَكا ٍ‬
‫ج َتمِع ِب ْن ُ‬
‫ل أُحِلّ حَراماً‪ ،‬ولكِنْ والِّ ل تَ ْ‬
‫حرّمُ حَلَلً‪ ،‬و َ‬
‫أُ َ‬
‫أَبداً))‬
‫وفى لفظ فذكر صِهراً له فأثنى عليه‪ ،‬وقال‪ :‬حَ ّدثَنى َفصَدَقَنى‪َ ،‬ووَعَدَنى فوفى لى‪.‬‬
‫‪57‬‬

‫فتضمّن هذا الحك ُم أموراً‪.‬‬
‫أحدُها‪ :‬أن الرجل إذا شرط لزوجته أن ل يتزوج عليها‪ ،‬لزمه الوفاءُ بالشرط‪،‬‬
‫ومتى تزوّج عليها‪ ،‬فلها الفسخ‪ ،‬ووجه تضمن الحديث لذلك أنه صلى ال عليه وسلم أخبر أن ذلك‬
‫يُؤذى فاطمة ويَريبها‪ ،‬وأنه يؤذيه صلى ال عليه وسلم ويريبه‪ ،‬ومعلوم قطعًا أنه صلى ال عليه‬
‫وسلم إنما زوجه فاطمة رضى ال عنها على أن ل يُؤذيها ول يَريبها‪ ،‬ول يؤذى أباها صلى ال‬
‫عليه وسلم ول يَريبه‪ ،‬وإن لم يكن هذا مشترطًا فى صُلب العقد‪ ،‬فإنه مِن المعلوم بالضرورة أنه إنما‬
‫دخل عليه‪ ،‬وفى ذكره صلى ال عليه وسلم صِهره الخر‪ ،‬وثناءَه عليه بأنه حدّثه فصدقه‪ ،‬ووعده‬
‫ج له على القتداء به‪ ،‬وهذا يُشعر بأنه جرى منه وعد‬
‫فوفى له تعريضٌ بعلى رضى ال عنه‪ ،‬وتهيي ٌ‬
‫له بأنه يَريبها ول يُؤذيها‪ ،‬فهيّجه على الوفاء له‪ ،‬كما وفى له صهرُه الخر‪.‬‬
‫فيُؤخذ مِن هذا أن المشروطَ عُرفاً كالمشروطِ لفظاً‪ ،‬وأن عدمَه يُملّك‬
‫الفسخ لمشترطه‪ ،‬فلو ُفرِضَ من عادة قوم أنهم ل يُخرجون نساءهم من ديارهم ول يُمكنو أزواجَهم‬
‫من ذلك البتة‪ ،‬واستمرت عادتُهم بذلك كان كالمشروط لفظاً‪ ،‬وهو مطّرد على قواعد أهل المدينة‪،‬‬
‫وقواعِد أحمد رحمه ال‪ :‬أن الشرط العرفى كاللفظى سواء‪ ،‬ولهذا أوجبوا الجر َة على من دفع ثوبه‬
‫إلى غسّال أو قصار‪ ،‬أو عجينَه إلى خباز‪ ،‬أو طعامَه إلى طباخ يعملُون بالجرة‪ ،‬أو دخل الحمامَ‪،‬‬
‫أو استخدم من يغسله ممن عادته يغسِل بالجرة ونحو ذلك‪ ،‬ولم يشرط لهم أجرة أنه يلزمه أجرة‬
‫ل على نسائهم ضرةً‪ ،‬ول يُمكنونه‬
‫ض أن المرأة من بيت ل يتزوجُ الرج ُ‬
‫المثل‪ .‬وعلى هذا‪ ،‬فلو ُف ِر َ‬
‫مِن ذلك‪ ،‬وعادتهم مستمرة بذلك‪ ،‬كان كالمشروط لفظاً‪.‬‬
‫ل الضر ِة عليها عادةً لشرفها وحسبها وجَللتها‬
‫وكذلك لو كانت ممن يعلم أنها ل تُمكّن إدخا َ‬
‫كان تركُ التزوّج عليها كالمشروط لفظاً سواء‪.‬‬
‫وعلى هذا فسيّدةُ نساء العالمين‪ ،‬وابنةُ سيد ولد آدمَ أجمعين أحقّ النساء بهذا‪ ،‬فلو شرطه‬
‫على فى صُلب العقد كان تأكيدا ل تأسيساً‪.‬‬
‫فى منع على من الجمع بين فاطمة رضى ال عنها‪ ،‬وبين بنتِ أبى جهل حِكمةٌ‬
‫بديعة‪ ،‬وهى أن المرأةَ مع زوجها فى درجته تبعٌ له‪ ،‬فإن كانت فى نفسها ذاتَ درجة عالية‪،‬‬
‫وزوجُها كذلك‪ ،‬كانت فى درجة عالية بنفسها وبزوجها‪ ،‬وهذا شأنُ فاطمة وعلى رضى ال عنهما‪،‬‬
‫ولم يكن الُّ عز وجل لِيجعل ابن َة أبى جهل مع فاطمة رضى ال عنها فى درجة واحدة ل بنفسها‬
‫ول تبعًا وبينَهما من الفرق ما بينهما‪ ،‬فلم يكن نكاحُها على سيدة نساء العالمين مستحسناً ل شرعاً‬
‫‪58‬‬

‫لّ وبنت عَ ُدوّ‬
‫ت رَسُولِ ا ِ‬
‫ج َتمِ ُع بِن ُ‬
‫ول قدراً‪ ،‬وقد أشار صلى ال عليه وسلم إلى هذا بقوله‪(( :‬وال ل تَ ْ‬
‫ن وَاحِ ٍد أَبداً))‪ ،‬فهذا إما أن يتناولَ درجة الخر بلفظه أو إشارته‪.‬‬
‫الّ فى َمكَا ٍ‬
‫فصل‬
‫حكَم الُّ سبحانه بتحريمه مِن النساء على لسان نبيه صلى ال عليه وسلم‬
‫فيما َ‬
‫حرّم المهاتِ‪ ،‬وهن كل من بينك وبينه إيلد مِن جهة المومة أو البوة‪ ،‬كأُمهاته‪ ،‬وأمهاتِ‬
‫آبائه وأجدادِه من جهة الرجال والنساء وإن علون‪.‬‬
‫ل من انتسب إليه بإيلد‪ ،‬كبناتِ صُلبه وبناتِ بناته‪ ،‬وأبنائِهن‬
‫ن كُ ّ‬
‫وحرّم البناتِ وهُ ّ‬
‫وإن سَ ُفلْنَ‪.‬‬
‫عَلوْنَ‬
‫ت آبائه وإن َ‬
‫ن أخوا ُ‬
‫وحرّم الخواتِ مِن كل جهة‪ ،‬وحرّم العّماتِ وهُ ّ‬
‫مِن كل جهة‪.‬‬
‫وأما عمةُ العمّ فإن كان العمّ لبٍ‪ ،‬فهى عمة أبيه‪ ،‬وإن كان لم‪ ،‬فعمتُه‬
‫أجنبية منه‪ ،‬فل تدخُل فى العمات‪ ،‬وأما الم‪ ،‬فهى داخلة فى عماته‪ ،‬كما دخلت عمةُ أبيه فى عماته‪.‬‬
‫عَلوْنَ‪.‬‬
‫ت وهُنّ أخواتُ أمهاتِه وأمهات آبائه وإن َ‬
‫وحرّم الخال ِ‬
‫وأما خال ُة العمة‪ ،‬فإن كانت العمةُ لب فخالتُها أجنبية‪،‬‬
‫وإن كانت لم فخالتها حرامٌ‪ ،‬لنها خالة‪ ،‬وأما عمةُ الخالة‪ ،‬فإن كانت الخالةُ لم‪ ،‬فعمتُها أجنبية‪،‬‬
‫وإن كانت لبٍ‪ ،‬فعمتها حرام‪ ،‬لنها عمة الم‪.‬‬
‫وحرّم بناتِ الخ‪ ،‬وبناتِ الخت‪ ،‬فيعُمّ الخَ‬
‫والخت مِن كل جهة وبناتهما وإن نزلت درجتُهن‪.‬‬
‫وحرّم المّ مِن الرضاعة‪ ،‬فيدخُل فيه‬
‫أمهاتُها مِن قبل الباء والمهاتِ وإن علون وإذا صارت المرضع ُة أمّه‪ ،‬صار صاحب اللبن وهو‬
‫ج أو السيد إن كانت جارية أباه‪ ،‬وآباؤه أجداده‪ ،‬فنبّه بالمرضعة صاحبة اللبن التى هى مُودع‬
‫الزو ُ‬
‫ل ال صلى‬
‫فيها للب‪ ،‬على كونه أبًَا بطريق الولى‪ ،‬لن اللبن له‪ ،‬وبوطئه ثابَ‪ ،‬ولهذا حكم رسو ُ‬
‫ال عليه وسلم بتحريم لبن الفحل‪ ،‬فثبت بالنص وإيمائه انتشا ُر حرمة الرضاع إلى أم المرتضع‬
‫وأبيه مِن الرضاعة‪ ،‬وأنه قد صار ابناً لهما‪ ،‬وصارا أبوينِ له‪ ،‬فلزم من ذلك أن يكون إخوتهما‬
‫خوَا ُتكُم مِنَ‬
‫وأخواتُهما خالت له وعماتٍ‪ ،‬وأبناؤهما وبناتُهما إخوة له وأخوات‪ ،‬فنبه بقوله‪{:‬وأَ َ‬
‫الرّضَاعَةِ} [النساء‪ ]23 :‬على انتشار حرمة الرضاع إلى إخوتهما وأخواتهما‪ ،‬كما انتشرت منهما‬
‫‪59‬‬

‫إلى أولدهما فكما صاروا إخوةً وأخوت للمرتضع‪ ،‬فأخوالهُما وخالتُهما أخوالٌ وخالتٌ له‪،‬‬
‫وأعمامٌ وعمات له‪ :‬الول بطريق النص‪ ،‬والخر بتنبيهه‪ ،‬كما أن النتشار إلى الم بطريق النص‪،‬‬
‫وإلى الب بطريق تنبيهه‪.‬‬
‫وهذه طريقة عجيبة مطّردة فى القرآن ل يق ُع عليها إل كُلّ غائص على معانيه‪ ،‬ووجوهِ‬
‫حرُ ُم مِنَ‬
‫ع مَا يَ ْ‬
‫ن الرّضَا ِ‬
‫حرُ ُم مِ َ‬
‫ل ال صلى ال عليه وسلم أنه ((يَ ْ‬
‫دللته‪ ،‬ومن هنا قضى رسو ُ‬
‫سبِ)) ولكن الدللة دللتان‪ :‬خفيّةٌ وجليّةٌ‪ ،‬فجمعهما للمة‪ ،‬ليتم البيانُ ويزول اللتباسُ‪ ،‬ويقع على‬
‫النّ َ‬
‫صرَ فهمُه عن الخفية‪.‬‬
‫الدللة الجلية الظاهرة مَنْ َق ُ‬
‫حرّم أمهاتِ النساء‪ ،‬فدخل فى ذلك أ ّم المرأة وإن علت مِن نسب أو رضاع‪ ،‬دخل‬
‫وَ‬
‫بالمرأة أو لم يدخل بها‪ ،‬لصدق السم على هؤلء كلّهن‪.‬‬
‫ت نسائهم المدخول بهن‪،‬‬
‫ب اللتى فى حُجور الزواج وهُنّ بنا ُ‬
‫وحرّم الربا ِئ َ‬
‫فتناول بذلك بناتِهن‪ ،‬وبناتِ بناتهن‪ ،‬وبنات أبنائهن‪ ،‬فإنهنّ داخلتٌ فى اسم الربائب‪ ،‬وقيد التحريم‬
‫بقيدين‪ ،‬أحدُهما‪ :‬كونُهن فى حجور الزواج والثانى‪ :‬الدخولُ بأمهاتهن‪ .‬فإذا لم يُوجد الدخول لم‬
‫يثبت التحريم‪ ،‬وسواء حصلت الفرق ُة بموت أو طلق‪ ،‬هذا مقتضى النص‪.‬‬
‫وذهب زيد بن ثابت‪ ،‬ومَن وافقه‪ ،‬وأحمد فى رواية عنه‪ :‬إلى أن موتَ الم فى تحريم الربيبة‬
‫كالدخول بها‪ ،‬لنه يُكمل الصداق‪ ،‬ويُوجب العدة والتوارث‪ ،‬فصار كالدخول‪ ،‬والجمهور أ َبوْا ذلك‪،‬‬
‫وقالوا‪ :‬الميتة غير مدخول بها‪ ،‬فل تحرم ابنتها‪ ،‬وال تعالى قيّد التحريم بالدخول‪ ،‬وصرح بنفيه‬
‫عند عدم الدخول‪.‬‬
‫وأما كونها فى حَجره‪ ،‬فلما كان الغالبُ ذلك ذكره ل تقييداً للتحريم به‪ ،‬بل هو بمنزلة قوله‪:‬‬
‫شيَ َة إمْلَق} [السراء‪ ]31 :‬ولما كان مِن شأن بنت المرأة أن تكون عند‬
‫ل تَ ْق ُتلُوا َأوْل َدكُم خَ ْ‬
‫{وَ َ‬
‫أمّها‪ ،‬فهى فى حجر الزوج وقوعًا وجوازاً‪ ،‬فكأنه قال‪ :‬اللتى من شأنهن أن يكُنّ فى حُجوركم‪ ،‬ففى‬
‫ذكر هذا فائدة شريفة‪ ،‬وهى جوازُ جعلها فى حَجره‪ ،‬وأنه ل يجب عليه إبعادُها عنه‪ ،‬وتجنب‬
‫مؤاكلتها‪ ،‬والسفر‪ ،‬والخلوة بها‪ ،‬فأفاد هذا الوصفُ عدمَ المتناع مِن ذلك‪.‬‬
‫ولما خفى هذا على بعض أهلِ الظاهر‪ ،‬شرط فى تحريم الربيبة أن تكون فى حَجر الزوج‪،‬‬
‫وقيّد تحريمها بالدخول بأمها‪ ،‬وأطلق تحري َم أ ّم المرأة ولم يُقيده بالدخول‪ ،‬فقال جمهورُ العلماء من‬
‫الصحابة ومن بعدهم‪ :‬إن الم تحرم بمجرد العقد على البنت دخل بها أو لم يدخل‪ ،‬ول تحرم البنتُ‬
‫خ ْلتُ ْم ِبهِنّ}‬
‫إل بالدخول بالم‪ ،‬وقالوا‪ :‬أب ِهمُوا ما أبهمَ ال‪ .‬وذهبت طائفة إلى أن قوله‪{ :‬اللّتى دَ َ‬
‫‪60‬‬

‫[النساء‪ ]23 :‬وصف لنسائكم الولى والثانية‪ ،‬وأنه ل تحرم الم إل بالدخول بالبنت‪ ،‬وهذا يردّه‬
‫نظمُ الكلم‪ ،‬وحيلولة المعطوف بين الصفة والموصوف‪ ،‬وامتناعُ جعل الصفة للمضاف إليه دون‬
‫المضاف إل عند البيان‪ ،‬فإذا قلت‪ :‬مررت بغلم زيد العاقلِ‪ ،‬فهو صفة للغلم ل لزيد إل عند زوال‬
‫اللبس‪ ،‬كقولك‪ :‬مررت بغلم هند الكاتِبة‪ ،‬ويردّه أيضاً جعله صفة واحدة لموصوفين مختلفى الحكم‬
‫والتعلّق والعامل‪ ،‬وهذا ل يُعرف فى اللغة التى نزل بها القرآنُ‪.‬‬
‫وأيضاً فإن الموصوف الذى يلى الصفَة أولى بها لجواره‪ ،‬والجا ُر أحق بصَقَبه ما لم تدعُ‬
‫ضرور ٌة إلى نقلها عنه‪ ،‬أو تخطّيها إياه إلى البعد‪.‬‬
‫فإن قيل‪ :‬فمن أين أدخلتم ربيبَته التى هى بنتُ جاريته التى دخل بها‪ ،‬وليست مِن‬
‫نسائه؟‪.‬‬
‫ح ْر َثكُم‬
‫ث َلكُمْ فَ ْأتُوا َ‬
‫ح ْر ٌ‬
‫قلنا‪ :‬السرية قد تدخل فى جملة نسائه‪ ،‬كما دخلت فى قوله‪{:‬نِسَا ُؤكُم َ‬
‫ث إلى نِسَا ِئكُم} [البقرة‪:‬‬
‫ل َلكُم َل ْيلَ َة الصّيامِ الرّ َف ُ‬
‫ش ْئتُم}[البقرة‪ ،]223 :‬ودخلت فى قوله‪{ :‬أُحِ ّ‬
‫َأنّى ِ‬
‫ح آبَا ُؤكُم مِنَ النّسَاءِ} [النساء‪.]22 :‬‬
‫ل َت ْنكِحُوا مَا َنكَ َ‬
‫‪، ]187‬ودخلت فى قوله‪{ :‬وَ َ‬
‫ت نِسَا ِئكُمْ} [النساء‪ ]23 :‬فتحرم‬
‫فإن قيل‪ :‬فليزمُكم على هذا إدخالها فى قوله‪{ :‬وُأ ّمهَا ُ‬
‫عليه أمّ جاريته؟‬
‫ت عليه أمّها وابنتها‪.‬‬
‫ح ُر َم ْ‬
‫قلنا‪ :‬نعم وكذلك نقول‪ :‬إذا وطىء أمته‪َ ،‬‬
‫فإن قيل‪ :‬فأنتم قد قررتم أنه ل يُشترط الدخولُ بالبنت فى تحريم أمّها فكيف تشترطونه‬
‫هاهنا؟‬
‫قلنا‪ :‬لتصير من نسائه‪ ،‬فإن الزوجة صارت من نسائه بمجرد العقد‪ ،‬وأما المملوكة‪ ،‬فل‬
‫تصي ُر مِن نسائه حتى يطأها‪ ،‬فإذا وطئها‪ ،‬صارت من نسائه‪ ،‬فحرمت عليه أمّها وابنتُها‪.‬‬
‫س ّريّةَ فى نسائه فى آية التحريم‪ ،‬ولم تُدخلوها فى نسائه فى‬
‫فإن قيل‪ :‬فكيف أدخلتم ال ّ‬
‫آية الظهار واليلء؟‬
‫ق والواقع يأبى ذلك‪ ،‬فإن الظهار كان عندهم طلقاً‪ ،‬وإنما محلّه الزواج ل‬
‫قيل‪ :‬السيا ُ‬
‫الماء‪ ،‬فنقله ال سبحانه من الطلق إلى التحريم الذى تُزيله الكفّارة‪ ،‬ونقل حُكمَه وأبقى محله‪ ،‬وأما‬
‫ش ُهرٍ‬
‫ص َأ ْر َبعَ ِة أَ ْ‬
‫اليلء‪ ،‬فصريح فى أن محله الزوجات‪ ،‬لقوله تعالى‪ِ{ :‬للّذين ُي ْؤلُون مِنْ نِسَائِهمْ َت َربّ ُ‬
‫علِيمٌ} [البقرة‪.]227-226 :‬‬
‫سمِيعٌ َ‬
‫ع َزمُوا الطّلَقَ َفإِنّ ال َ‬
‫فَإِنْ فَاءُو َفإِنّ ال غَفُورُ رَحِي ُم * وإِنْ َ‬

‫‪61‬‬

‫وحرّم سبحانه حلئل البناء‪ ،‬وهن موطوآتُ البناء بنكاح أو ملك يمين‪ ،‬فإنها حليلة‬
‫بمعنى محلّلة‪ ،‬ويدخل فى ذلك ابنُ صلبه‪ ،‬وابن ابنه‪ ،‬وابن ابنته‪ ،‬ويخرج بذلك ابن ال ّت َبنّى‪ ،‬وهذا‬
‫التقييدُ ُقصِدَ به إخراجُه‪.‬‬
‫وأما حليلةُ ابنه من الرضاع‪ ،‬فإن الئمة الربعة ومَنْ قال بقولهم يدخلونها‬
‫ل ِبكُمْ} [النساء‪]23 :‬‬
‫ن مِنْ َأصْ َ‬
‫لئِلُ َأبْنا ِئكُم} [النساء‪ ]23 :‬ول يخرجونها بقوله‪{ :‬الّذِي َ‬
‫فى قوله‪{:‬وحَ َ‬
‫سبِ))‪ ،‬قالوا‪:‬‬
‫ن النّ َ‬
‫ن مِ َ‬
‫ح ّرمُو َ‬
‫ن الرّضَاع مَا ُت َ‬
‫ح ّرمُوا مِ َ‬
‫ويحتجون بقول النبى صلى ال عليه وسلم‪َ (( :‬‬
‫وهذه الحليلة تحرم إذا كانت لبن النسب‪ ،‬فتحرم إذا كانت لبن الرضاع‪ .‬قالوا‪ :‬والتقييد لخراج ابن‬
‫حرُمُ بالنسب‪ .‬ونازعهم فى ذلك آخرون‪،‬‬
‫التبنّى ل غير‪ ،‬وحرموا من الرضاع بالصهر نظيرَ ما يَ ْ‬
‫وقالوا‪ :‬ل تحرُم حليل ُة ابنه مِن الرضاعة‪ ،‬لنه ليس مِن صُلبه‪ ،‬والتقييد كما يُخرج حليلة ابن التبنّى‬
‫حرُ ُم مِنَ‬
‫يُخرج حليلةَ ابن الرضاع سواء‪ ،‬ول فرق بينهما‪ .‬قالوا‪ :‬وأما قولُه صلى ال عليه وسلم‪(( :‬يَ ْ‬
‫سبِ)) فهو من أكبر أدلتنا وعمدتنا فى المسألة‪ ،‬فإن تحريمَ حلئلِ الباء‬
‫ن النّ َ‬
‫حرُ ُم مِ َ‬
‫ع مَا يَ ْ‬
‫الرّضَا ِ‬
‫والبناء إنما هو بالصّهر ل بالنَسب‪ ،‬والنبىّ صلى ال عليه وسلم قد قصر تحري َم الرضاع على‬
‫نظيره مِن النسب ل على شقيقه من الصهر‪ ،‬فيجبُ القتصارُ بالتحريم على مورد النص‪.‬‬
‫قالوا‪ :‬والتحريمُ بالرضاع فرع على تحريم النسب‪ ،‬ل على تحريم المصاهرة‪ ،‬فتحريمُ‬
‫المصاهرة أصلٌ قائم بذاته‪ ،‬وال سبحانه لم ي ُنصّ فى كتابه على تحريم الرضاع إل من جهة‬
‫ى صلى‬
‫النسب‪ ،‬ولم ينبه على التحريم به مِن جهة الصهر ألبتة‪ ،‬ل بنص ول إيماءٍ ول إشارة‪ ،‬والنب ّ‬
‫ال عليه وسلم أمر أن يُحرم به ما يحرُم من النسب‪ ،‬وفى ذلك إرشاد وإشارة إلى أنه ل يحرم به ما‬
‫سبِ‬
‫ن ال ّرضَاعِ ما يحرم من النّ َ‬
‫ح ّرمُوا مِ َ‬
‫يحرم بالصهرِ‪ ،‬ولول أنه أراد القتصار على ذلك لقال‪َ (( :‬‬
‫والصّهر))‪.‬‬
‫قالوا‪ :‬وأيضاً فالرّضاع مشبّه بالنسب‪ ،‬ولهذا أخذ منه بعض أحكامه وهو الحرمةُ والمحرمية‬
‫فقط دون التوارث‪ ،‬والنفاق وسائر أحكام النسب‪ ،‬فهو نسبٌ ضعيف‪ ،‬فأخذ بحسب ضعفه بعضَ‬
‫أحكام النسب‪ ،‬ولم يقوى على سائر أحكام النسب‪ ،‬وهو ألصق به من المصاهرة‪ ،‬فكيف يقوى على‬
‫أخذ أحكام المصاهرة مع قصوره عن أحكام مشبهه وشقيقه؟‪.‬‬
‫وأما المصاهرة والرضاع‪ ،‬فإنه ل نسبَ بينهما ول شبهة نسب‪ ،‬ول بعضية‪ ،‬ول اتصال‪.‬‬
‫قالوا‪ :‬ولو كان تحري ُم الصهرية ثابتًا لبينه ال ورسوله بياناً شافيًا يُقيم الحجة ويقطع العذر‪َ ،‬فمِنَ ال‬

‫‪62‬‬

‫البيانُ‪ ،‬وعلى رسولِه البلغُ‪ ،‬وعلينا التسليمُ والنقياد‪ ،‬فهذا منتهى النظر فى هذه المسألة‪ ،‬فمن ظفِر‬
‫فيها بحجة‪ ،‬فليرشد إليها وليدل عليها‪ ،‬فإنا لها منقادون‪ ،‬وبها معتصِمون‪ ،‬وال الموفق للصواب‪.‬‬
‫فصل‬
‫وحرّم سبحانه وتعالى نكاح من نكحهُنّ الباء‪ ،‬وهذا يتناولُ منكوحاتِهم بملك اليمين أو عقد‬
‫سَلفَ} [النساء‪:‬‬
‫ل مَا قَدْ َ‬
‫عَلوْن‪ ،‬والستثناء بقوله‪{ :‬إِ ّ‬
‫نكاح‪ ،‬ويتناول آباء الباء‪ ،‬وآباء المهات وإن َ‬
‫‪ ،]23‬من مضمون جملة النهى وهو التحريم المستلزم للتأثيم والعقوبة‪ ،‬فاستثنى منه ما سلف قبل‬
‫إقامة الحجة بالرسول والكتاب‪.‬‬
‫فصل‬
‫وحرّم سبحانه الجم َع بين الختينِ‪ ،‬وهذا يتناولُ الجم َع بينهما فى عق ِد النكاح‪ ،‬وملكِ اليمين‪،‬‬
‫كسائر محرّمات الية‪ ،‬وهذا قولُ جمهور الصحابة ومَن بعدهم‪ ،‬وهو الصوابُ‪ ،‬وتوقفت طائفةٌ فى‬
‫جهِمْ حَافِظُونَ * إِلّ‬
‫تحريمه بملك اليمين لمعارضة هذا العموم بعموم قوله سبحانه‪{:‬والّذِينَ هُ ْم لِ ُفرُو ِ‬
‫ن } [المؤمنون‪ ]6-5 :‬ولهذا قال أميرُ المؤمنين‬
‫غ ْيرُ َملُومِي َ‬
‫ت َأ ْيمَا ُنهُمْ فَِإ ّنهُمْ َ‬
‫جهِ ْم َأوْ مَا َمَل َك ْ‬
‫على َأزْوا ِ‬
‫ن رضى ال عنه‪ :‬أحلّتهما آية‪ ،‬وحرّمتهما آية‪.‬‬
‫عثمان بن عفا َ‬
‫وقال المام أحمد فى رواية عنه‪ :‬ل أقول‪ :‬هو حرام‪ ،‬ولكن ننهى عنه‪ ،‬فمن أصحابه من‬
‫جعل القولَ بإباحته رواية عنه‪ .‬والصحيح‪ :‬أنه لم يبُحه‪ ،‬ولكن تأدّب مع الصحابة أن يُطلِق لفظ‬
‫الحرامِ على أمرٍ تو ّقفَ فيه عثمانُ‪ ،‬بل قال‪ :‬ننهى عنه‪.‬‬
‫والذين جزموا بتحريمه‪ ،‬رجّحوا آي َة التحريم من وجوه‪.‬‬
‫أحدها‪ :‬أن سائرَ ما ُذ ِكرَ فيها من المحرّمات عام فى النكاح وملك اليمين‪ ،‬فما بالُ هذا وحدَه‬
‫حتى يخرُجَ منها‪ ،‬فإن كانت آيةُ الباحة مقتضية لِحلّ الجمع بالملك‪ ،‬فلتكن مقتضية لِحل أمّ‬
‫موطوءته بالملك‪ ،‬ولموطوءة أبيه وابنه بالملك‪ ،‬إذ ل فرق بينهما ألبتة‪ ،‬ول يُعلم بهذا قائل‪.‬‬
‫الثانى‪ :‬أن آيةَ الباحة بملك اليمين مخصوصةٌ قطعًا بصورٍ عديدة ل يختِلفُ فيها اثنان‪،‬‬
‫كأمه وابنته‪ ،‬وأختِه وعمتِه وخالتِه من الرضاعة‪ ،‬بل كأخِته وخالته مِن النسب عند من ل يرى‬
‫ت َأ ْيمَا ُنكُم} [النساء‪]3 :‬‬
‫عتقهن بالملك‪ ،‬كمالك والشافعى‪ ،‬ولم يكن عموم قوله‪{ :‬أ ْو مَا َمَل َك ْ‬
‫حكْمُ الختين سواء‪.‬‬
‫ومعارضاً لعموم تحريمهن بالعقد والملك‪ ،‬فهذا ُ‬
‫ل الملك ليس فيه أكثرُ من بيان جهة الحل وسببه‪ ،‬ول تعّرض فيه لشروط‬
‫الثالث‪ :‬أن حِ ّ‬
‫ل من النسب والرضاع والصهر وغيره‪ ،‬فل‬
‫ن موانعِ الحِ ّ‬
‫الحِلّ‪ ،‬ول لموانعه‪ ،‬وآيةُ التحريم فيها بيا ُ‬
‫‪63‬‬

‫ط الحل وموانعه معارضًا لمقتضى الحل‪،‬‬
‫ل موضع ذكر فيه شر ُ‬
‫تعارض بينهما البتة‪ ،‬وإل كان كُ ّ‬
‫وهذا باطل قطعاً‪ ،‬بل هو بيان لما سكت عنه دليلُ الحِل من الشروط والموانع‪.‬‬
‫الرابع‪ :‬أنه لو جاز الجم ُع بين الختين المملوكتين فى الوطء‪ ،‬جاز الجم ُع بين الم وابنتها‬
‫ل للصورتين شمولً واحداً‪ ،‬وأن إباحة المملوكات إن عمت‬
‫المملوكتين‪ ،‬فإن نص التحريم شامِ ٌ‬
‫الختين‪ ،‬عمّت الم وابنتها‪.‬‬
‫خرِ‪ ،‬فَلَ يجْمعْ‬
‫لّ وال َيوْمِ ال ِ‬
‫ن ُي ْؤمِنُ بِا ِ‬
‫ن كَا َ‬
‫ى صلى ال عليه وسلم قال‪(( :‬مَ ْ‬
‫الخامس‪ :‬أن النب ّ‬
‫خ َتيْنِ)) ول ريب أن جمع الماء كما يكون بعقد النكاح يكون بملك اليمين‪ ،‬واليمان‬
‫مَا َءهُ فى رَحِ ِم أُ ْ‬
‫يمنَع منه‪.‬‬
‫فصل‬
‫ن المرأة وعمتها‪ ،‬والمرأةِ‬
‫((وقضى رسولُ ال صلى ال عليه وسلم بتحريم الجم ِع بي َ‬
‫وخالتها)) وهذا التحريمُ مأخوذ من تحريم الجمع بينَ الختين‪ ،‬لكن بطريق خفىّ‪ ،‬وما حرّمه رسولُ‬
‫ال صلى ال عليه وسلم مثلُ ما حرّمه ال‪ ،‬ولكن هو مستنبط مِن دللة الكتاب‪.‬‬
‫وكان الصحاب ُة رضى ال عنهم أحرصَ شىء على استنباط أحاديثِ رسول ال‬
‫صلى ال عليه وسلم من القُرآن‪ ،‬ومَن ألزم نفسَه ذلك‪ ،‬وقرعَ بابه‪ ،‬ووجّه قلبه إليه‪ ،‬واعتنى به‬
‫ل للقرآن‪ ،‬وتبيينًا لدللته‪ ،‬وبياناً لمراد الِّ منه‪،‬‬
‫بفطرةٍ سليمة‪ ،‬وقلب ذكى‪ ،‬رأى السنة ُكلّها تفصي ً‬
‫وهذا أعلى مراتب العلم‪ ،‬فمن ظفر به‪ ،‬فليحمد ال‪ ،‬ومن فاته‪ ،‬فل يلومَنّ إل نفسه وهِمتّه‬
‫جزَه‪.‬واستُفِيدَ من تحريم الجمع بين الختين وبينَ المرأة وعمتها‪ ،‬وبينها وبين خالتها‪ ،‬أن كل‬
‫وعَ ْ‬
‫حرُ َم على الخر‪ ،‬فإنه يحرُم الجمعُ بينهما‪ ،‬ول يُستثنى‬
‫امرأتين بينهما قرابة لو كان أحدُهما َذكَراً‪َ ،‬‬
‫من هذا صورةُ واحدة‪ ،‬فإن لم يكن بينهما قرابةُ‪ ،‬لم يحرم الجمع بينهما‪ .‬وهل يكره؟ على قولين‪،‬‬
‫وهذا كالجمع بين امرأةِ رجل وابنتِه من غيرها‪.‬‬
‫حرُمَ‬
‫ن كل امرأة َ‬
‫واستُفِيدَ مِن عموم تحريمه سبحانه المحرّماتِ المذكورة‪ :‬أ ّ‬
‫حهُنّ حرام عند الكثرين‪ ،‬ووطؤهن‬
‫حرُ َم وطؤها بملك اليمين إل إما َء أهلِ الكتاب‪ ،‬فإن نكا َ‬
‫نكاحُها َ‬
‫بملك اليمين جائز‪ ،‬وسوّى أبو حنيفة بينهما‪ ،‬فأباح نكاحهن كما يُباح وطؤهن بالملك‪.‬‬
‫س ْبحَانه وتعالى إنما أباح نِكاح الماء بوصف اليمان‪ .‬فقال‬
‫والجمهور‪ :‬احتجوا عليه بأن ال ُ‬
‫ن مَا َمَل َكتْ َأ ْيمَا ُنكُ ُم مِنْ َف َتيَا ِتكُمُ‬
‫صنَاتِ ال ُم ْؤ ِمنَاتِ َفمِ ْ‬
‫ح َ‬
‫ح المُ ْ‬
‫ل أَنْ َي ْنكِ َ‬
‫طوْ ً‬
‫ستَطِعْ ِم ْنكُم َ‬
‫ن لَ ْم يَ ْ‬
‫تعالى‪َ { :‬ومَ ْ‬
‫حتّى ُي ْؤمِنّ}‬
‫ش ِركَاتِ َ‬
‫علَ ُم بِإيمَا ِنكُم} [النساء‪ ]25 :‬وقالَ تعالى‪{ :‬ول َت ْنكِحُوا المُ ْ‬
‫لّ أَ ْ‬
‫ال ُم ْؤمِنَاتِ وا ُ‬
‫‪64‬‬

‫ص ذلك بحرائ ِر أهل الكتاب‪ ،‬بقى الما ُء على قضية التحريم‪ ،‬وقد فهم عمر‬
‫[البقرة‪ ]221 :‬خ ّ‬
‫رضى ال عنه وغيرُه من الصحابة إدخال الكتابيات فى هذه الية‪ ،‬فقال‪ :‬ل أعلم شِركًا أعظَم من‬
‫أن نقول‪ :‬إن المسيح إلهها‪.‬‬
‫وأيضاً فالصلُ فى البضاعِ الحرمة‪ ،‬وإنما أبيح نِكاحُ الما ِء المؤمناتِ‪َ ،‬فمَن عداهُنّ على‬
‫أصل التحريم‪ ،‬وليس تحريمُهنّ مستفاداً مِن المفهوم‪.‬‬
‫(يتبع‪)...‬‬
‫ل امرأةٍ حرمت‪ ،‬حرمت ابنتها إل العمة‬
‫واستُفِي َد مِن سياق الية ومدلولِها أن كُ ّ‬

‫@‬

‫والخالة‪ ،‬وحليلةَ البن‪ ،‬وحليلَةَ الب‪ ،‬وأ ّم الزوجة‪ ،‬وأن كُلّ القارب حرام إل الربعة المذكوراتِ‬
‫فى سورة الحزاب‪ ،‬وهن بناتُ العمام والعمات‪ ،‬وبناتُ الخوال والخالت‪.‬‬
‫فصل‬
‫ك اليمين‪،‬‬
‫ن المحصَناتُ‪ ،‬واستثنى من ذلك مل َ‬
‫ح المزوّجاتِ‪ ،‬وهُ ّ‬
‫ومما حرّمه النص‪ ،‬نِكا ُ‬
‫فأشكل هذا الستثناء على كثير من الناس‪ ،‬فإن المَ َة المزوّجَةَ يحرُم وطؤُها على مالكها‪ ،‬فأين محلّ‬
‫الستثناء ؟‪.‬‬
‫فقالت طائفة‪ :‬هو منقطع‪ ،‬أى لكن ما ملكت أيمانُكم‪ ،‬ورُدّ هذا لفظاً‪ ،‬ومعنى أما اللفظُ‬
‫فإن النقطاعَ إنما يقعُ حيث يق ُع التفريغ‪ ،‬وباب ُه غير اليجاب مِن النفى والنهى والستفهام‪ ،‬فليس‬
‫الموض ُع موضع انقطاع‪ ،‬وأما المعنى‪ :‬فإن المنقطع لبد فيه من رابط بينه وبين المستثنى منه‬
‫بحيث يخرج ما تُوهّمَ دخولُه فيه بوجهٍ ما‪ ،‬فإنك إذا قلت‪ :‬ما بالدار مِن أحد‪ ،‬دل على انتفاء من بها‬
‫ل المستثنى فى‬
‫ى ونحو ذلك‪ ،‬أزلت توهّمَ دخو ِ‬
‫بدوابّهم وأمتعتهم‪ ،‬فإذا قلت‪ :‬إل حماراً‪ ،‬أو إل الثاف ّ‬
‫س َمعُونَ ِفيَها َلغْواً إل سلماً} [مريم‪]62 :‬‬
‫حكم المستثنى منه‪ .‬وأ ْبيَنُ من هذا قولُه تعالى‪{:‬ل يَ ْ‬
‫فاستثنا ُء السلم أزال توهّمَ نفى السماعِ العام‪ ،‬فإن عدم سماع اللغو يجو ُز أن يكونَ لعدم سماع كلم‬
‫ما‪ ،‬وأن يكونَ مع سماع غيره‪ ،‬وليس فى تحريم نكاحِ المزوّجة ما يُوهم تحريم وطء الماء بملك‬
‫اليمين حتى يُخرجه‬
‫ل المة المزوّجة كان‬
‫وقالت طائفة‪ :‬بل الستثناء على بابه‪ ،‬ومتى ملك الرج ُ‬
‫ملكه طلقاً لها‪ ،‬وحلّ له وطؤها‪ ،‬وهى مسأل ُة بيع المة‪ :‬هل يكون طلقاً لها‪ ،‬أم ل؟ فيه مذهبان‬
‫للصحابة‪ ،‬فابنُ عباس رضي ال عنه يراه طلقاً‪ ،‬ويحتج له بالية‪ ،‬وغيرُه يأبى ذلك‪ ،‬ويقول‪ :‬كما‬
‫يُجامع الملك السابق للنكاح اللحق اتفاقاً ول يتنافيان‪ ،‬كذلك الملكُ اللحق ل يُنافى النكاحَ السابقَ‪،‬‬
‫‪65‬‬

‫ل ال صلى ال عليه وسلم َبرِي َرةَ لما بِيعت ولو انفسخ نِكاحُها لم يُخيّرها‪ .‬قالوا‪:‬‬
‫قالوا‪ :‬وقد خ ّيرَ رسو ُ‬
‫وهذا حجة على ابن عباس رضى ال عنه‪ ،‬فإنه هو راوى الحديث‪ ،‬والخ ُذ برواية الصحابى ل‬
‫برأيه‪.‬‬
‫وقالت طائفة ثالثة‪ :‬إن كان المشترى امرأة‪ ،‬لم ينفسخ النكاح‪ ،‬لنها لم‬
‫ك اليمين أقوى‬
‫تمِلكِ الستمتاع ببُضع الزوجة‪ ،‬وإن كان رجلً انفسخ‪ ،‬لنه يملك الستمتاع َ به‪ ،‬ومل ُ‬
‫مِن مُلك النكاح‪ ،‬وهذا الملك يُبطل النكاح دون العكس‪ ،‬قالوا‪ :‬وعلى هذا فل إشكال فى حديث‬
‫بريرة‪.‬‬
‫وأجاب الولون عن هذا بأن المرأةَ وإن لم تملك الستمتاع‬
‫ببُضع أمتها‪ ،‬فهى تمِلكُ المعاوضة عليه‪ ،‬وتزويجَها‪ ،‬وأخذَ مهرها‪ ،‬وذلك كملك الرجل‪ ،‬وإن لم‬
‫تستمتع بالبُضع‪.‬‬
‫وقالت فرقة أخرى‪ :‬الية خاصة بالمسبيّاتِ‪ ،‬فإن‬
‫س ِب َيتْ‪ ،‬حَلّ وطؤها لِسابيها بعد الستبراء‪ ،‬وإن كانت مزوجة‪ ،‬وهذا قولُ الشافعى وأحدُ‬
‫المسبية إذا ُ‬
‫الوجهين لصحاب أحمد‪ ،‬وهو الصحيح‪ ،‬كما روى مسلم فى ((صحيحه)) عن أبى سعيد الخُدرى‬
‫رضى ال عنه‪ ،‬أن رسولَ ال صلى ال عليه وسلم بعث جيشًا إلى أوطاس‪ ،‬فلقى عدواً‪ ،‬فقاتلوهم‪،‬‬
‫ل ال صلى ال عليه وسلم تحرّجُوا‬
‫فظهرُوا عليهم‪ ،‬وأصابُوا سبايا‪ ،‬وكأنّ ناسًا مِن أصحابِ رسو ِ‬
‫ت مِنَ‬
‫صنَا ُ‬
‫ح َ‬
‫جهِنّ مِن المشركين‪ ،‬فأنزل ال عز وجل فى ذلك {وَالمُ ْ‬
‫ل أزوا ِ‬
‫ن أَجْ ِ‬
‫مِن غِشيَا ِنهِنّ مِ ْ‬
‫النّسَاءِ إلّ مَا َمَل َكتْ َأ ْيمَا ُنكُم} [النساء‪ ]24 :‬أى فهن لكم حلل إذا انقضت عدتهنّ‪.‬‬
‫فتضمّن هذا الحكمُ إباحة وطء المسبيّةِ وإن كان لها زوجٌ من الكفار‪ ،‬وهذا يدل على انفساخِ‬
‫نكاحه‪ ،‬وزوالِ عصمة بُضع امرأته‪ ،‬وهذا هو الصوابُ‪ ،‬لنه قد استولى على محلّ حقه‪ ،‬وعلى‬
‫حرُ ُم بُضعها عليه‪ ،‬فهذا القولُ ل يُعا ِرضُه نصّ‬
‫رقبة زوجته‪ ،‬وصار سابيها أحقّ بها منه‪ ،‬فكيف يَ ْ‬
‫ول قياس‪.‬‬
‫س ِب َيتْ وحدَها‪ .‬قالوا‪:‬‬
‫والذين قالوا من أصحاب أحمد وغيرهم‪ :‬إن وطأها إنما يُباح إذا ُ‬
‫ج يكون بقاؤه مجهولً‪ ،‬والمجهول كالمعدوم‪ ،‬فيجوز وطؤها بعد الستبراء‪ ،‬فإذا كان‬
‫لن الزو َ‬
‫س ِب َيتْ وحدَها وتيقنّا بقاءَ زوجها فى دار‬
‫الزوجُ معها‪ ،‬لم يجز وطؤُها مع بقائه‪ ،‬فأُور َد عليهم ما لو ُ‬
‫ق الفرد بالعم‬
‫الحرب‪ ،‬فإنهم يُج ّوزُون وطأها فأجابُوا بما ل يُجدى شيئاً‪ ،‬وقالوا‪ :‬الصل إلحا ُ‬
‫الغلب‪ ،‬فيُقال لهم‪ :‬العمّ الغلبُ بقا ُء أزواج المسبيات إذا سُبين منفرداتٍ‪ ،‬وموتُهم كلّهم نادر جداً‪،‬‬
‫‪66‬‬

‫ثم يُقال‪ :‬إذا صارت رقبةُ زوجها وأملكُه مِلكاً للسابى‪ ،‬وزالَت العصمةُ عن سائر أملكه وعن‬
‫رقبته‪ ،‬فما الموجبُ لِثبوت العصمة فى فرج امرأته خاصة وقد صارت هى وهو وأملكُهما‬
‫للسابى؟‬
‫ودلّ هذا القضا ُء النبوىّ على جواز وطء الماء الوثنيات بملك اليمين‪ ،‬فإن‬
‫ل ال صلى ال عليه وسلم فى وطئهن إسلمَهن‪،‬‬
‫سبايا أوطاس لم يكنّ كتابيات‪ ،‬ولم يشترِطْ رسو ُ‬
‫ولم يجعل المانع منه إل الستبراء فقط‪ ،‬وتأخيرُ البيان عن وقت الحاجة ممتنع مع أنهم حديثو عهدٍ‬
‫ى عليهم حُكمُ هذه المسألة‪ ،‬وحصولُ السلم من جميع السبايا وكانوا عدةَ آلفٍ‬
‫بالسلم حتّى خف َ‬
‫ف منهم عن السلم جاريةٌ واحدة مِما يُعلم أنه فى غاية البُعد‪ ،‬فإنهن لم ُي ْكرَهْنَ على‬
‫ث لم يتخّل ْ‬
‫بحي ُ‬
‫السلم‪ ،‬ولم يكن لهن مِن البصيرة والرغبة والمحبة فى السلم ما يقتضى مبادرتُهن إليه جميعاً‪،‬‬
‫فمقتضى السنةِ‪ ،‬وعمل الصحابة فى عهد رسول ال صلى ال عليه وسلم وبعده جوازُ وطء‬
‫ب ((المغنى)) فيه‪ ،‬ورجح‬
‫المملوكات على أىّ دين كُنّ‪ ،‬وهذا مذهبُ طاووس وغيره‪ ،‬وقواه صاح ُ‬
‫أدلته وبال التوفيق‪.‬‬
‫ل على عدم اشتراط إسلمهن‪ ،‬ما روى الترمذى فى ((جامعه)) عن عِرباض بن‬
‫ومما يد ّ‬
‫ضعْنَ ما فى بُطُو ِنهِنّ‪ .‬فجعل للتحريم‬
‫حتّى َي َ‬
‫حرّ َم وَطْء السّبايا َ‬
‫سَارية‪ ،‬أن النبى صلى ال عليه وسلم َ‬
‫غاية واحدة وهى وضعُ الحمل‪ ،‬ولو كان متوقفًا على السلم‪ ،‬لكان بيانُه أهمّ من بيان الستبراء‪.‬‬
‫ن يَقَعَ عَلى‬
‫ن بِال وال َيوْمِ الخر أَ ْ‬
‫وفى ((السنن)) و((المسند)) عنه‪(( :‬لَ يَحِلّ لمْرئ ُي ْؤمِ ُ‬
‫لّ وَال َيوْمِ الخِر‬
‫ن بِا ِ‬
‫ن ُي ْؤمِ ُ‬
‫س َت ْبرِئها))‪.‬ولم يقل‪ :‬حتى تُسلِمَ‪ ،‬وَلحمد‪(( :‬مَنْ كَا َ‬
‫حتّى يَ ْ‬
‫سبْى َ‬
‫ن ال ّ‬
‫ا ْمرَأ ِة مِ َ‬
‫حتّى تَحِيضَ)) ولم يقل‪ :‬وتسلم‪.‬‬
‫سبَايَا َ‬
‫ن ال ّ‬
‫ل َي ْنكِحَنّ شَيئًا مِ َ‬
‫فَ َ‬
‫غ ْيرُ حَامِلٍ‬
‫حتّى َتضَعَ وَل َ‬
‫وفى ((السنن)) عنه‪ :‬أنه قال فى سبايا أوطاس‪(( :‬ل تُوطأُ حَامِلٌ َ‬
‫ح ْيضَة وَاحِ َدةً))‪ .‬ولم يقل‪ :‬وتسلم‪ ،‬فلم يجئ عنه اشتراطُ إسلم المسبية فى موضع‬
‫حتّى تَحِيضَ َ‬
‫َ‬
‫واحد البتة‪.‬‬
‫فصل‬
‫فى حُكمِه صلى ال عليه وسلم فى الزوجين يُسِلمُ أحدُهما قبل الخر‬
‫ل ال صلى ال عليه وسلم زينَب ابنَته على أبى‬
‫قال ابنُ عباس رضى ال عنهما‪ :‬ردّ رسو ُ‬
‫ح الوّلِ‪ ،‬ولم يُحْ ِدثْ شيئاً‪ .‬رواه أحمد‪ ،‬وأبو داود‪ ،‬والترمذى‪ .‬وفى لفظ‪ :‬بعد‬
‫ن الرّبيعِ بالنّكا ِ‬
‫العاص بْ ِ‬

‫‪67‬‬

‫ث نِكاحاً قال الترمذى‪ :‬ليس بإسناده بأس‪ ،‬وفى لفظ‪ :‬كان إسلمُها قبل إسلمه‬
‫ست سنين ولم يُح ِد ْ‬
‫بستّ سنين‪ ،‬ولم يُحِدثْ شهاد ًة ول صَداقاً‪.‬‬
‫وقال ابنُ عباس رضى ال عنهما‪(( :‬أسلمت امرأةٌ على عهدِ رسول ال صلى ال عليه‬
‫ى صلى ال عليه وسلم‪ ،‬فقال‪ :‬يا رسول ال‪ ،‬إنى كنتُ‬
‫وسلم‪ ،‬فتزوّجت‪ ،‬فجاء زوجُها إلى النب ّ‬
‫ل ال صلى ال عليه وسلم مِن زوجها الخر‪ ،‬وردّها‬
‫أسلمتُ‪ ،‬وعلمتْ بإسلمى‪ ،‬فانتزعها رسو ُ‬
‫على زوجها الول)) رواه أبو داود‪.‬‬
‫ل ال صلى ال عليه وسلم‪ ،‬ثم جاءت‬
‫وقال أيضا‪(( :‬إن رجلً جاء مسلمًا على عهد رسو ِ‬
‫امرأتُه مسلمة بعدَه‪ ،‬فقال‪ :‬يا رسولَ ال‪ :‬إنها أسلمت معى‪ ،‬فردّها عليه))‪ .‬قال الترمذى‪ :‬حديث‬
‫صحيح‪ .‬وقال مالك إن أم حكيم بنت الحارث بن هشام أسلمت يومَ الفتح بمكة‪ ،‬وهرب زوجها‬
‫عكرمةُ بن أبى جهل من السلم حتى قدمَ اليمن فارتحلت أمّ حكيم حتى قَ ِد َمتْ عليه باليمن‪ ،‬فدعته‬
‫إلى السلم‪ ،‬فأسلم فَقَدِ َم على رسول ال صلى ال عليه وسلم عا َم الفتح‪ ،‬فلما قَدِ َم على رسول ال‬
‫صلى ال عليه وسلم‪ ،‬وثب إليه فرحًا وما عليه رِداء حتى بايعه‪ ،‬فثبتا على نكاحهما ذلك‪ ،‬قال‪ :‬ولم‬
‫يبلغنا أن امرأة هاجرت إلى ال ورسوله صلى ال عليه وسلم وزوجُها كافر مقيم بدار الكفر إل‬
‫فرّقت هجرتُها بينها وبينه إل أن يَقْدمَ زوجُها مهاجراً قبل أن تنقضىَ عِ ّدتُها‪ ،‬ذكره مالك رحمه ال‬
‫فى ((الموطأ)) فتضمّن هذا الحكمُ أن الزوجين إذا أسلما معاً فهما على نكاحهما‪ ،‬ول يُسأل عن‬
‫كيفية وقوعه قبل السلم‪ ،‬هل وقع صحيحاً أم ل؟ ما لم يكن المبطلُ قائماً‪ ،‬كما إذا أسلما وقد نكحها‬
‫وهى فى عِدة مِن غيره‪ ،‬أو تحريماً مجمعًا عليه‪ ،‬أو مؤبّداً كما إذا كانت محرماً له بنسب أو‬
‫رضاع‪ ،‬أو كانت مما ل يجو ُز له الجم ُع بينها وبينَ من معه كالختين والخمس وما فوقَهن‪ ،‬فهذه‬
‫ثلثُ صور أحكامُها مختلفة‪.‬‬
‫ب أو رضاع‪ ،‬أو صِهر‪ ،‬أو كانت أختَ الزوجة أو‬
‫س ٍ‬
‫فإذا أسلما وبينها وبينَه محرمي ٌة مِن نَ َ‬
‫عمّتها أو خالَتها‪ ،‬أو من يَحرُمُ الجمعُ بينها وبينها‪ُ ،‬فرّقَ بينهما بإجماع المة‪ ،‬لكن إن كان التحريمُ‬
‫خ ّي َر بينَ إمساك أيّتهِما شاء‪ ،‬وإن كانت بنته من الزنى‪ ،‬فرّق بينهما أيضاً عند‬
‫لجل الجمع‪ُ ،‬‬
‫ت النسب بالزنى فرق بينهما اتفاقاً‪ ،‬وإن أسلم أحدهما وهى فى عدة‬
‫الجمهور‪ ،‬وإن كان يعتقد ثبو َ‬
‫مِن مسلم متقدّمة على عقده‪ُ ،‬فرّق بينهما اتفاقاً‪ ،‬وإن كانت العدةُ مِن كافر‪ ،‬فإن اعتبرنا دوامَ المفسد‬
‫أو الجماع عليه‪ ،‬لم يُفرّق بينهما لن عدة الكافر ل تدومُ‪ ،‬ول تمنعُ النكاح عند من يُبطِلُ أنكحةَ‬
‫الكفار‪ ،‬ويجعل حكمها حكم الزنى‪.‬‬
‫‪68‬‬

‫وإن أسلم أحدُهما وهى حُبلى من زنى قبلَ العقد‪ ،‬فقولن مبنيان على اعتبار قيامِ المفسد أو‬
‫كونه مجمعًا عليه‪.‬‬
‫وإن أسلما وقد عقداه بل ولى‪ ،‬أو بل شهود‪ ،‬أو فى عِدة وقد انقضت‪ ،‬أو على أخت وقد‬
‫ماتت‪ ،‬أو على خامسة كذلك‪ ،‬أُ ِقرّا عليه‪ ،‬وكذلك إن قهر حربىٌ حربيةً‪ ،‬واعتقداه نكاحًا ثم أسلما‪،‬‬
‫أُ ِقرّا عليه‪.‬‬
‫وتضمن أن أح َد الزوجين إذا أسلَم قبل الخر‪ ،‬لم ينفسِخِ النكاحُ بإسلمه‪َ ،‬فرّقت‬
‫الهجرة بينهما‪ ،‬أو لم تُفرّق‪ ،‬فإنه ل يُعرف أن رسول ال صلى ال عليه وسلم جدّدَ نكاح زوجين‬
‫سلِمُ الرجلُ قبل امرأته‪ ،‬وامرأتُه قبله‪ ،‬ولم‬
‫سبق أحدهما الخر بإسلمه قطّ‪ ،‬ولم يزل الصحاب ُة يُ ْ‬
‫يُعرف عن أحد منهم البتة أنه تلفّظ بإسلمه هو وامرأتُه‪ ،‬وتساويا فيه حرفاً بحرف‪ ،‬هذا مما يُعلم‬
‫ى صلى ال عليه وسلم ابنَته زينَب على أبى العاص بن الربيع‪ ،‬وهو‬
‫أنه لم يقع البتة‪ ،‬وقد ردّ النب ّ‬
‫إنما أسلم زمنَ الحُديبية‪ ،‬وهى أسلمت من أول البعثة‪ ،‬فبين إسلمهما أكث ُر مِن ثمانى عشرة سنة‪.‬‬
‫وأما قوله فى الحديث‪ :‬كان بين إسلمها وإسلمِهِ ستّ سنين‪ ،‬فوهم إنما أراد‪ :‬بينَ هجرتها‬
‫وإسلمه‪.‬‬
‫فإن قيل‪ :‬وعلى ذلك فالعِدةُ تنقضى فى هذه المدة‪ ،‬فكيف لم يُجدّد نكاحها؟ قيل‪ :‬تحريمُ‬
‫صلْحِ الحُديبية ل قبلَ ذلك‪ ،‬فلم ينفسِخِ النكاح فى تلك المدة‬
‫المسلمات على المشركين إنما نزل بعد ُ‬
‫لعدم شرعية هذا الحكم فيها‪ ،‬ولما نزل تحريمهُن على المشركين‪ ،‬أسلم أبو العاص‪َ ،‬فرُدّت عليه‪.‬‬
‫ل عليه مِن نص ول إجماع‪ .‬وقد ذكر حما ُد بن سلمة‪،‬‬
‫وأما مراعاة زمن العِدة‪ ،‬فل دلي َ‬
‫عن قتادة‪ ،‬عن سعي ِد بن المسيّب‪ ،‬أن على بن أبى طالب رضى ال عنه قال فى الزوجين الكافرين‬
‫ك ببُضعها ما دامت فى دار هجرتها‪.‬‬
‫يسلِمُ أحدُهما‪ :‬هو أمل ُ‬
‫وذكر سفيانُ بن عيينة‪ ،‬عن مُطرّف بن طريف‪ ،‬عن الشعبى‪ ،‬عن على‪ :‬هو أحقّ بها ما لم‬
‫يخرج مِن مِصرها‪.‬‬
‫ن أبى شيبة‪ ،‬عن معتمِر بن سليمان‪ ،‬عن معمر‪ ،‬عن الزّهرى‪ ،‬إن أسلمت ولم يُسلم‬
‫وذكر اب ُ‬
‫زوجُها‪ ،‬ف ُهمَا على نكاحهما إل أن يُفرّقَ بينهما سلطان‪.‬‬
‫ى صلى ال عليه وسلم يسأل‬
‫ول يُعرف اعتبا ُر العِدة فى شىء من الحاديث‪ ،‬ول كان النب ّ‬
‫المرأة هل انقضت عدتُها أم ل‪ ،‬ول ريبَ أن السلم لو كان بمجردهِ فرقة‪ ،‬لم تكن فرقةً رجعية بل‬
‫بائنة‪ ،‬فل أثر لِلعدة فى بقاء النكاح‪ ،‬وإنما أثرُها فى منع نكاحها للغير فلو كان السلمُ قد نجز‬
‫‪69‬‬

‫الفُرقة بينهما‪ ،‬لم يكن أحقّ بها فى العِدة‪ ،‬ولكن الذى دلّ عليه حُكمُه صلى ال عليه وسلم‪ ،‬أن النكاح‬
‫ح من شاءت‪،‬‬
‫موقوف‪ ،‬فإن أسلم قبلَ انقضاء عِدتها‪ ،‬فهى زوجتُه وإن انقضت عدتها‪ ،‬فلها أن تنكِ َ‬
‫وإن أحبّت‪ ،‬انتظرته‪ ،‬فإن أسلم‪ ،‬كا َنتْ زوجته مِن غير حاجة إلى تجديد نكاح‪.‬‬
‫ول نعلم أحداً جدّد للسلم نكاحَه ألبتة‪ ،‬بل كان الواقعُ أحد أمرين‪ :‬إما افتراقُهما ونكاحها‬
‫غيره‪ ،‬وإما بقاؤُها عليه وإن تأخر إسلمُها أو إسلمُه‪ ،‬وإما تنجي ُز الفُرقة أو مراعاة العِدة‪ ،‬فل نعلم‬
‫ل ال صلى ال عليه وسلم قضى بواحدة منهما مع كثرة من أسلم فى عهده من الرجال‬
‫أن رسو َ‬
‫وأزواجهن‪ ،‬وقرب إسلم أحد الزوجين من الخر وبعده منه‪ ،‬ولول إقرارُه صلى ال عليه وسلم‬
‫الزوجين على نكاحهما وإن تأخر إسلمُ أحدهما عن الخر بع َد صلح الحديبية وزمن الفتح‪ ،‬لقلنا‬
‫حلّونَ َلهُنّ}‬
‫ل َلهُ ْم وَلَ هُمْ َي ِ‬
‫بتعجيل الفُرقة بالسلم مِن غير اعتبار عدة‪ ،‬لقوله تعالى‪{:‬لَ هُنّ حِ ّ‬
‫س َببُ الفُرقة‪،‬‬
‫سكُوا ِب ِعصَمِ ال َكوَا ِفرِ} [الممتحنة‪ ]10 :‬وأن السلم َ‬
‫ل ُتمْ ِ‬
‫[الممتحنة‪ ]10 :‬وقوله‪{ :‬و َ‬
‫وكل ما كان سبباً للفرقة تعقبه الفرقة‪ ،‬كالرضاع والخلع والطلق‪ ،‬وهذا اختيار الخلل‪ ،‬وأبى بكر‬
‫صاحِبه‪ ،‬وابنِ المنذر‪ ،‬وابنِ حزم‪ ،‬وهو مذهب الحسن‪ ،‬وطاووس‪ ،‬وعكرمة‪ ،‬وقتادة‪ ،‬والحكم‪ .‬قال‬
‫ل عمرَ بن الخطاب رضى ال عنه‪ ،‬وجابِر ابن عبد ال‪ ،‬وابنِ عباس‪ ،‬وبه قال‬
‫ابن حزم‪ :‬وهو قو ُ‬
‫حمادُ بن زيد‪ ،‬والحكمُ بن عُتيبة‪ ،‬وسعيد بن جبير‪ ،‬وعمر بن عبد العزيز‪ ،‬وعدى بن عدى الكندى‪،‬‬
‫والشعبى‪ ،‬وغيرهم‪ .‬قلت‪ :‬وهو أح ُد الروايتين عن أحمد‪ ،‬ولكن الذى أُنزِلَ عليه قولُه تعالى‪{ :‬وَلَ‬
‫ن َلهُنّ} [الممتحنة‪:‬‬
‫حلّو َ‬
‫ل َلهُ ْم وَلَ هُ ْم يَ ِ‬
‫سكُوا بِعصَ ِم الكَوَا ِفرِ} [الممتحنة‪ ]10 :‬وقوله‪{ :‬لَ هُنّ حِ ّ‬
‫ُتمْ ِ‬
‫‪ ]10‬لم يحكم بتعجيل الفرقة‪ ،‬فروى مالك فى ((موطئه)) عن ابن شهاب‪ ،‬قال‪ :‬كان بين إسلم‬
‫صفوان بن أمية‪ ،‬وبين إسلم امرأته بنت الوليد بن المغيرة نح ٌو من شهر‪ ،‬أسلمت يومَ الفتح‪ ،‬وبقى‬
‫صفوانُ حتى شهد حُنيناً والطائف وهو كافر‪ ،‬ثم أسلم‪ ،‬ولم يفرّق النبى صلى ال عليه وسلم بينهما‪،‬‬
‫ن عبد البر‪ :‬وشهرة هذا الحديث أقوى من إسناده‪.‬‬
‫واستقرّت عنده امرأته بذلك النكاح‪ .‬وقال اب ُ‬
‫وقال ابنُ شهاب‪ :‬أسلمت أُمّ حكيم يو َم الفتح‪ ،‬وهرب زوجُها عكرمة حتى أتى اليمن‪ ،‬فدعته‬
‫ى صلى ال عليه وسلم‪ ،‬فبقيا على نكاحهما‪.‬‬
‫إلى السلم‪ ،‬فأسلم وقدم‪ ،‬فباي َع النب ّ‬
‫ل النبى صلى ال‬
‫ومن المعلوم يقيناً‪ ،‬أن أبا سفيان بن حرب خرج‪ ،‬فأسلم عام الفتح قبل دخو ِ‬
‫عليه وسلم مكة‪ ،‬ولم تُسلم هند امرأته حتى فتح رسول ال صلى ال عليه وسلم مكة‪ ،‬فبقيا على‬
‫نكاحهما‪ ،‬وأسلم حكي ُم بنُ حِزام قبل امرأته‪ ،‬وخرج أبو سفيان بن الحارث‪ ،‬وعبد ال بن أبى أمية‬

‫‪70‬‬

‫ى صلى ال عليه وسلم بالبواء‪ ،‬فأسلما قبل منكوحتيهما‪ ،‬فبقيا على نكاحهما‪،‬‬
‫عا َم الفتح‪ ،‬فلقيا النب ّ‬
‫ولم يعلم أن رسول ال صلى ال عليه وسلم فرّق بين أحد ممن أسلم وبين امرأته‪.‬‬
‫وجواب من أجاب بتجديد نكاح من أسلم فى غاية البطلن‪ ،‬ومن القول على رسول‬
‫ق الزوجين فى التلفظ بكلمة السلم معاً فى لحظة واحدة‬
‫ال صلى ال عليه وسلم بل علم‪ ،‬واتفا ُ‬
‫معلومُ النتفاء‪.‬‬
‫ب من يقف الفُرقة على انقضاء العدة مع ما فيه‪ ،‬إذ فيه‬
‫ويلى هذا القول مذه ُ‬
‫س على عهد‬
‫ش ْب ُرمَةَ‪ :‬كان النا ُ‬
‫آثار وإن كانت منقطعة‪ ،‬ولو صحت لم يج ِز القول بغيرها‪ .‬قال ابن ُ‬
‫ل قبل المرأة‪ ،‬والمرأة قبل الرجل‪ ،‬فأيّهما أسلم قبل‬
‫رسول ال صلى ال عليه وسلم يُسلم الرج ُ‬
‫ل الترمذى فى‬
‫انقضاء عِدة المرأة‪ ،‬فهى امرأتُه وإن أسلم بعد العدة‪ ،‬فل نِكاح بينهما‪ ،‬وقد تقدّم قو ُ‬
‫أول الفصل‪ ،‬وما حكاه ابنُ حزم عن عمر رضى ال عنه فما أدرى مِن أين حكاه؟ والمعروف عنه‬
‫خلفُه‪ ،‬فإنه ثبت عنه من طريق حماد بن سلمة‪ ،‬عن أيوب وقتادة كلهما عن ابن سيرين‪ ،‬عن عبد‬
‫ال بن يزيد الخطمى‪ ،‬أن نصرانيًا أسلمت امرأته‪ ،‬فَخيّرها عم ُر بن الخطاب رضى ال عنه إن‬
‫شاءت فارقته‪ ،‬وإن شاءت أقامت عليه‪ .‬ومعلوم بالضرورة‪ ،‬أنه إنما خيرها بين انتظاره إلى أن‬
‫ح عنه‪ :‬أن نصرانيًا أسلمت امرأته‪ ،‬فقال عمرُ‬
‫يسلم‪ ،‬فتكون زوجته كما هى أو تُفارقه‪ ،‬وكذلك ص ّ‬
‫ى امرأتُه‪ ،‬وإن لم يُسلم‪ ،‬فرقَ بينهما‪ ،‬فلم يُسلم‪ ،‬ففرق بينهما‪ .‬وكذلك قال‬
‫رضي ال عنه‪ :‬إن أسلم فه َ‬
‫لعُبادة بن النعمان التغلبى وقد أسلمت امرأتُه‪ :‬إما أن تسلم‪ ،‬وإل نزعتها منكَ‪ ،‬فأبى‪ ،‬فنزعها منه‪.‬‬
‫فهذه الثار صريحة فى خلف ما حكاه أبو محمد ابن حزم عنه‪ ،‬وهو حكاها‪ ،‬وجعلها روايات‬
‫ل وبينَ‬
‫أخر‪ ،‬وإنما تمسّك أبو محمد بآثار فيها‪ ،‬أن عمر‪ ،‬وابن عباس‪ ،‬وجابراً‪ ،‬فرّقوا بين الرج ِ‬
‫امرأته بالسلم‪ ،‬وهى آثار مجملة ليست بصريحة فى تعجيل التفرقة‪ ،‬ولو صحت‪ ،‬فقد صحّ عن‬
‫عمر ما حكيناه‪ ،‬وعن على ما تقدم وبال التوفيق‪.‬‬
‫فصل‬
‫فى حكمه صلى ال عليه وسلم فى العَزْلِ‬
‫ثبت فى ((الصحيحين))‪ :‬عن أبى سعيد قال‪ :‬أصبنا سبياً‪ ،‬ف ُكنّا َن ْعزِلُ‪ ،‬فسألنا رسولَ ال‬
‫ن نَسَمة كَا ِئنَ ٍة إلى َيوْ ِم ال ِقيَامَةِ إل‬
‫صلى ال عليه وسلم فقال‪(( :‬وإ ّنكُمْ َلتَ ْف َعلُون؟)) قالها ثلثاً‪(( .‬مَا مِ ْ‬
‫وَهِى َكَا ِئنَةٌ))‪.‬‬

‫‪71‬‬

‫عزِلُ عنها‪ ،‬وأنا أكره أن‬
‫وفى السنن‪ :‬عنه‪ ،‬أن رجلً قال‪ :‬يا رسولَ ال إن لى جاري ًة وأنا أَ ْ‬
‫ل الموؤدةُ الصّغرى‪ ،‬قال‪(( :‬كَ َذ َبتْ‬
‫ث أن العز َ‬
‫ن اليهو َد تُح ّد ُ‬
‫تحمِلَ‪ ،‬وأنا أريدُ ما يُريدُ الرجال‪ ،‬وإ ّ‬
‫ن َتصْرفَهُ))‪.‬‬
‫ط ْعتَ أَ ْ‬
‫ستَ َ‬
‫خلُقَهُ مَا ا ْ‬
‫لّ أَنْ َي ْ‬
‫يهودُ َل ْو أَرادَ ا ُ‬
‫ل ال صلى ال عليه وسلم‬
‫وفى ((الصحيحين))‪ :‬عن جابر قال‪ :‬كنا نَعزِلُ على عهدِ رسو ِ‬
‫ن َي ْنزِلُ‪.‬‬
‫والقُرآ ُ‬
‫ل على عهد رسول ال صلى ال عليه وسلم‪ ،‬فبلغ ذلك‬
‫وفى ((صحيح مسلم)) عنه‪ :‬كنَا نَعزِ ُ‬
‫رسولَ ال صلى ال عليه وسلم َفلَمْ َي ْن َهنَا‪.‬‬
‫ل النبى صلى ال عليه وسلم فقال‪ :‬إنّ عِندى‬
‫وفى ((صحيح مسلم)) أيضاً‪ :‬عنه قال‪ :‬سألَ رج ٌ‬
‫شيْئًا أرَا َدهُ الُّ))‪،‬‬
‫ل َي ْمنَعُ َ‬
‫جاريةً‪ ،‬وأنا أعزِلُ عنها‪ ،‬فقال رسولُ ال صلى ال عليه وسلم‪(( :‬إنّ ذِلكَ َ‬
‫ح َمَلتْ‪ ،‬فقال رسول ال صلى‬
‫ت ذكرتُها لك َ‬
‫قال‪ :‬فجاء الرجلُ فقال‪ :‬يا رسولَ ال إن الجاريَة التى ُك ْن ُ‬
‫لّ َورَسُولُه))‪.‬‬
‫عبْدُ ا ِ‬
‫ال عليه وسلم‪َ(( :‬أنَا َ‬
‫وفى ((صحيح مسلم)) أيضاً‪ :‬عن أسامة بن زيد‪ ،‬أن رجلً جاء إلى رسول ال صلى ال‬
‫ل ال صلى ال عليه وسلم‪:‬‬
‫ن امرأتى‪ ،‬فقال له رسو ُ‬
‫ل ال‪ ،‬إنى أعزِلُ عَ ِ‬
‫عليه وسلم‪ ،‬فقال‪ :‬يا رسو َ‬
‫ل ال صلى ال‬
‫علَى ولدها‪ ،‬أو قال‪ :‬على أولدِها‪ ،‬فقال رسو ُ‬
‫ل ذِلكَ؟ فقال الرجُلُ‪ :‬أُشْفِقُ َ‬
‫((لِ َم تَ ْفعَ ُ‬
‫ضرّ فَا ِرسَ وَالرّومَ))‪.‬‬
‫ن ضَارّا َ‬
‫عليه وسلم‪َ(( :‬ل ْو كَا َ‬
‫ع َمرَ بنِ الخطاب رضى ال عنه قال‪ :‬نهى‬
‫وفى مسند أحمد‪ ،‬وسنن ابن ماجه‪ ،‬من حديث ُ‬
‫ح ّرةِ إل بإ ْذ ِنهَا‪.‬‬
‫رسولُ ال صلى ال عليه وسلم أن يُعزَلَ عَنِ ال ُ‬
‫وقال أبو داود‪ :‬سمعتُ أبا عبد ال ذكر حديث ابن َلهِيعة‪ ،‬عن جعفر ابن ربيعة عن الزهرى‪،‬‬
‫حرّر بن أبى هريرة‪ ،‬عن أبى هريرة رضى ال عنه قال‪ :‬قال رسول ال صلى ال عليه‬
‫عن المُ َ‬
‫ح ّرةِ إلّ بإذْنها))‪ ،‬فقال‪ :‬ما أن َك َرهُ‪.‬‬
‫وسلم‪(( :‬ل ُي ْعزَلُ عَنِ ال ُ‬
‫ت الرخصةٌ فيه عن عشرة من الصحابة‪:‬‬
‫ث صريحةٌ فى جواز العزلِ‪ ،‬وقد ُروِي ِ‬
‫فهذه الحادي ُ‬
‫ن بن على‪،‬‬
‫ن عباس‪ ،‬والحس ِ‬
‫على‪ ،‬وسع ِد بن أبى وقاص‪ ،‬وأبى أيوب‪ ،‬وزيدِ بن ثابت‪ ،‬وجابرٍ‪ ،‬واب ِ‬
‫ب بن الرتّ‪ ،‬وأبى سعيد الخدرى‪ ،‬وابنِ مسعود‪ ،‬رضى ال عنهم‪.‬‬
‫وخبّا ِ‬
‫قال ابن حزم‪ :‬وجاءت الباحة للعزل صحيحة عن جابر‪ ،‬وابن عباس‪ ،‬وسع ِد بن أبى‬
‫وقاص‪ ،‬وزيدِ بن ثابت‪ ،‬وابنِ مسعود‪ ،‬رضى ال عنهم‪ ،‬وهذا هو الصحيحُ‪.‬‬
‫وحرّمه جماعة‪ ،‬منهم أبو محمد ابن حزم وغيرُه‪.‬‬
‫‪72‬‬

‫وفرّقت طائفة بين أن تأذن له الح ّرةُ‪ ،‬فيبُاح‪ ،‬أول تأذن فيحرُم‪ ،‬وإن كانت زوجته أمةً‪ ،‬أبيحَ‬
‫بإذن سيدها‪ ،‬ولم يبح بدون إذنه‪ ،‬وهذا منصوصُ أحمد‪ ،‬ومن أصحابه من قال‪ :‬ليُباح بحال‪ ،‬ومنهم‬
‫من قال‪ :‬يُباح بكُلّ حال‪ .‬ومنهم من قال‪ :‬يباح بإذن الزوجة حرةً كانت أو أمة‪ ،‬ول يُباح بدون إذنها‬
‫حرة كانت أو أمة‪.‬‬
‫ق المرأة فى ذوق العسيلة‬
‫فمن أباحه مطلقاً‪ ،‬احتج بما ذكرنا من الحاديث‪ ،‬وبأن ح ّ‬
‫ل فى النزال‪ ،‬ومن حرّمه مطلقاً احتج بما رواه مسلم فى ((صحيحه)) من حديث عائشة رضى ال‬
‫ت رسول ال صلى ال عليه وسلم فى‬
‫عكّاشة‪ ،‬قالت‪ :‬حضر ُ‬
‫ت وهبٍ أختِ ُ‬
‫عنها‪ ،‬عن جُدَامة بن ِ‬
‫أناسٍ‪ ،‬فسألُوه عن ال َعزْلِ‪ ،‬فقال رسول ال صلى ال عليه وسلم‪(( :‬ذِلكَ الوَأدُ الخَ ِفىّ))‪ ،‬وهى‪{:‬وإِذَا‬
‫س ِئَلتْ} [التكوير‪.]8 :‬‬
‫ال َموْءُدَةُ ُ‬
‫قالوا‪ :‬وهذا ناسخٌ لخبار الباحة‪ ،‬فإنه ناقل عن الصل‪ ،‬وأحاديثُ الباحة‬
‫على وفق البراءة الصلية‪ ،‬وأحكامُ الشرع ناقلة عن البراءة الصلية‪ .‬قالوا‪ :‬وقولٌ جابر رضي ال‬
‫ن ينزِلُ‪ ،‬فلو كان شيئًا ينهى عنه‪ ،‬لنهى عنه القرآن‪.‬‬
‫ل والقرآ ُ‬
‫عنه‪ :‬كنا نعِز ُ‬
‫ل عليه القرآنُ بقوله‪(( :‬إنّه المَوءُد ُة الصّغرى)) والوأد كله حرام‪.‬‬
‫ن ُأ ْنزِ َ‬
‫فيقال‪ :‬قد نهى عنه مَ ْ‬
‫ن البصرى‪ ،‬النهىَ مِن حديث أبى سعيد الخدرى رضي ال عنه لما ُذ ِك َر العزلُ‬
‫قالوا‪ :‬وقد فهِم الحس ُ‬
‫ل تَ ْف َعلُوا ذَاكُمْ‪ ،‬فإما ُهوَ القَ َدرُ)) قال ابنُ عون‪:‬‬
‫عَل ْيكُم أ ّ‬
‫عند رسول ال صلى ال عليه وسلم قال‪(( :‬ل َ‬
‫فحدّثتُ به الحسنَ‪ ،‬فقال‪ :‬وال لكأنّ هذا زجرٌ‪ .‬قالوا‪ :‬ولن فيه قط َع النسلِ المطلوبِ مِن النكاح‪،‬‬
‫وسوء العشرة‪ ،‬وقط َع اللذة عندَ استدعاء الطبيعة لها‪.‬‬
‫ت أن أحدًا من ولدى‬
‫قالوا‪ :‬ولهذا كان ابنُ عمر رضي ال عنه ل يعزِلُ‪ ،‬وقال‪ :‬لو علم ُ‬
‫َي ْعزِلُ‪ ،‬لن ّك ْلتُه‪ ،‬وكان علىّ يكره العزل‪ ،‬ذكره شعبة عن عاصم عن ز ّر عنه وصح عن ابن مسعود‬
‫رضى ال عنه أنه قال فى العزل‪ :‬هو الموؤود ُة الصغرى‪ .‬وصح عن أبى أُمامة أنه سئل عنه فقال‪:‬‬
‫ض بنيه‪ .‬وقال يحيى‬
‫ت أرى مسلمًا يفعلُه‪ .‬وقال نافع عن ابن عمر‪ :‬ضرب عمر على العزل َبعْ َ‬
‫ما ُك ْن ُ‬
‫بن سعيد النصارى‪ ،‬عن سعيد بن المسيّب‪ ،‬قال‪ :‬كان عمرُ وعثمانُ ينهيان عن العزل‪.‬‬
‫وليس فى هذا ما يُعارضُ أحاديث الباحة مع صراحتها وصحتها أما حديثَ جُدَامة‬
‫بنت وهب‪ ،‬فإنه وإن كان رواه مسلم‪ ،‬فإن الحاديث الكثيرةَ على خلفه‪ ،‬وقد قال أبو داود‪ :‬حدثنا‬
‫موسى بن إسماعيل‪ ،‬حدثنا أبان‪ ،‬حدثنا يحيى‪ ،‬أن محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان حدثه‪ ،‬أنّ رِفاعة‬
‫حدثه عن أبى سعيد الخدرى رضى ال عنه‪ ،‬أن رجلً قال‪ :‬يا رسولَ ال‪ ،‬إن لى جاريةً‪ ،‬وأنا أعزِلُ‬
‫‪73‬‬

‫عنها‪ ،‬وأنا أكره أن تحمِلَ‪ ،‬وأنا أُريدَ ما يُريد الرجال‪ ،‬وإن اليهو َد تُحدّث أن العزل الموؤودة‬
‫صرِفَه)) وحسبك بهذا السناد‬
‫ن َت ْ‬
‫ط ْعتَ أَ ْ‬
‫ستَ َ‬
‫خلُقَه مَا ا ْ‬
‫ن يَ ْ‬
‫لّ أ ْ‬
‫ت يهودُ‪َ ،‬ل ْو َأرَادَ ا ُ‬
‫الصغرى‪ ،‬قال‪(( :‬كَذَ َب ْ‬
‫صحة‪ ،‬ف ُكلّهم ثقات حفاظ‪ ،‬وقد أعلّه بعضُهم بأنه مضطرب فإنه اختلف فيه على يحيى بن أبى‬
‫كثير‪ ،‬فقيل‪ :‬عنه‪ ،‬عن محمد ابن عبد الرحمن ابن ثوبان‪ ،‬عن جابر بن عبد ال‪ ،‬ومن هذه الطريق‪:‬‬
‫أخرجه الترمذى والنسائى‪ .‬وقيل‪ :‬فيه عن أبى مُطيع بن رِفاعة‪ ،‬وقيل‪ :‬عن أبى رفاعة‪ ،‬وقيل‪ :‬عن‬
‫أبى سلمة عن أبى هُريرة‪ ،‬وهذا ل يقدحُ فى الحديث‪ ،‬فإنه قد يكونُ عند يحيى‪ ،‬عن محمد بن عبد‬
‫الرحمن‪ ،‬عن جابر‪ ،‬وعنده عن ابن ثوبان عن أبى سلمة عن أبى هريرة‪ ،‬وعنده عن ابن ثوبان عن‬
‫رفاعة عن أبى سعيد‪ .‬ويبقى الختلفُ فى اسم أبى رفاعة‪ ،‬هل أبو رافع‪ ،‬أو ابنُ رِفاعة‪ ،‬أو أبُو‬
‫ضرّ مع العلم بحال رفاعة‪.‬‬
‫مطيع؟ وهذا ل َي ُ‬
‫ول ريبَ أن أحاديثَ جابر صريحةٌ صحيحة فى جواز العزل‪ ،‬وقد قال الشافعىّ رحمه ال‪:‬‬
‫ب النبى صلى ال عليه وسلم أنهم رخّصوا فى ذلك‪ ،‬ولم َي َروْا به‬
‫ونحن نروى عن عدد من أصحا ِ‬
‫بأساً‪ .‬قال البيهقى‪ :‬وقد روينا الرخصةَ فيه‪ ،‬عن سعد بن أبى قاص‪ ،‬وأبى أيوب النصارى‪ ،‬وزيد‬
‫ل العلم‪.‬‬
‫ابن ثابت‪ ،‬وابن عباس وغيرهم‪ ،‬وهو مذهب مالك‪ ،‬والشافعى‪ ،‬وأهلِ الكوفة‪ ،‬وجمهورِ أه ِ‬
‫وقد أُجيب عن حديث جُدَامة‪ ،‬بأنه على طريق التنزيه‪ ،‬وضعفته طائفةٌ‪ ،‬وقالوا‪ :‬كيفَ‬
‫ب اليهودَ فى ذلك‪ ،‬ثم يُخبر به كخبرهم؟‪ ،‬هذا من‬
‫َيصِحّ أن يكونَ النبىّ صلى ال عليه وسلم ك ّذ َ‬
‫المحال البيّن‪ ،‬وردّت عليه طائفةٌ أخرى‪ ،‬وقالوا‪ :‬حديثُ تكذيبهم فيه اضطراب وحديثُ جُدَامة فى‬
‫((الصحيح))‪.‬‬
‫وجمعت طائفةٌ أخرى بين الحديثين‪ ،‬وقالت‪ :‬إن اليهودَ كانت تقولُ‪ :‬إن العزلَ‬
‫ل عليه قوله صلى‬
‫ل ال صلى ال عليه وسلم فى ذلك‪ ،‬ويَدُ ّ‬
‫ل يكون معه حمل أصلً‪ ،‬فكذّبهم رسو ُ‬
‫ن َتصْرِفَه))‪ ،‬وقوله‪(( :‬إنّهُ ال َوأْدُ الخَ ِفىّ))‪ ،‬فإنه‬
‫ت أَ ْ‬
‫ط ْع َ‬
‫ستَ َ‬
‫خلُقَه َلمَا ا ْ‬
‫لّ أَنْ َي ْ‬
‫ال عليه وسلم‪(( :‬لَ ْو َأرَادَ ا ُ‬
‫ك الوطء‪ ،‬فهو مؤثر فى تقليله‪.‬‬
‫وإن لم يمنع الحملَ بالكلية‪ ،‬كتر ِ‬
‫وقالت طائفة أخرى‪ :‬الحديثان صحيحان‪ ،‬ولكن حديث التحريم ناسخ‪،‬‬
‫وهذه طريقة أبى محمد ابن حزم وغيره‪ .‬قالوا‪ :‬لنه ناقل عن الصل والحكام كانت قبل التحريم‬
‫على الباحة‪ ،‬ودعوى هؤلء تحتاج إلى تاريخ محقّق يبيّن تأخّر أحدِ الحديثين عن الخر وأنّى لهم‬
‫ع َم ُر وَعلى رضي ال عنهما على أنها ل تكونُ موؤودةً حتى َت ُمرّ عليها التاراتُ‬
‫به‪ ،‬وقد اتفق ُ‬
‫السبع‪ ،‬فروى القاضى أبو يعلى وغيرهُ بإسناده‪ ،‬عن عُبيد بن رفاعة‪ ،‬عن أبيه‪ ،‬قال جلس إلى عمر‬
‫‪74‬‬

‫علىّ والزبيرُ وسع ٌد رضى ال عنهم فى نفر من أصحاب رسول ال صلى ال عليه وسلم‪ ،‬وتذاكروا‬
‫العزلَ‪ ،‬فقالوا‪ :‬ل بأس به‪ ،‬فقال رجل‪ :‬إنهم يزعمون أنها الموؤدةُ الصغرى‪ ،‬فقال على رضى ال‬
‫ت السبع‪ :‬حتى تكون مِنْ سُللة من طين‪ ،‬ثم تكونَ‬
‫عنه‪ :‬ل تكون موؤدةً حتى تم ّر عليها التارا ُ‬
‫ن مضغةً‪ ،‬ثم تكون عظاماً‪ ،‬ثم تكون لحماً‪ ،‬ثم تكون خلقاً آخر‪ ،‬فقال‬
‫نُطفةً‪ ،‬ثم تكون عَلقةً‪ ،‬ثم تكو َ‬
‫عمر رضى ال عنه‪ :‬صدقتَ أطال ال بقاءك‪ .‬وبهذا احتجّ من احتج على جواز الدعاء للرجل‬
‫بطول البقاء‪.‬‬
‫ق فى الولد‪ ،‬كما‬
‫ح ّرةِ‪ ،‬فقال‪ :‬للمرأة ح ّ‬
‫وأما من جوّزه بإذن ال ُ‬
‫س ّريّةِ فيه لنها ل حقّ لها فى‬
‫ن ال ّ‬
‫للرجل حقّ فيه‪ ،‬ولهذا كانت أحقّ بحضانته‪ ،‬قالُوا‪ :‬ولو يُع َت َبرْ إذ ُ‬
‫ق فى الوطء لطُولِب المؤلى منها بالفيئة‪.‬‬
‫القسم‪ ،‬ولهذا ل تُطالبه بالفيئة‪ ،‬ولو كان لها ح ّ‬
‫قالوا‪ :‬وأما زوجتُه الرقيقة‪ ،‬فله أن َي ْعزِلَ عنها بغير إذنها صيان ًة لولده عن الرّقّ ولكن يُعتبر‬
‫ل البُضع يحصل للسيدِ‬
‫إذنُ سيدها‪ ،‬لن له حقًا فى الولد‪ ،‬فاع ُت ِبرَ إذنُه فى العزل كالحرة‪ ،‬ولن بد َ‬
‫كما يحصل للحرة‪ ،‬فكان إذنه فى العزل كإذن الحرة‪.‬‬
‫قال أحمد رحمه ال فى رواية أبى طالب فى المة إذا نكحها‪ :‬يستأذِنُ أهَلها‪ ،‬يعنى فى‬
‫العزل‪ ،‬لنهم يُريدون الولد‪ ،‬والمرأةُ لها حق‪ ،‬تُريد الولد‪ ،‬وملكُ يمينه ل يستأذنها‪.‬‬
‫وقال فى رواية صالح‪ ،‬وابن منصور‪ ،‬وحنبل‪ ،‬وأبى الحارث‪ ،‬والفضل ابن زياد‬
‫والمروذى‪ :‬يَعزِلُ عن الحرة بإذنها‪ ،‬والمةِ بغير إذنها‪ ،‬يعنى أمَته‪ ،‬وقال فى رواية ابن هانىء‪ :‬إذا‬
‫ن الولدُ مع العزل‪ .‬وقد قال بعضُ من قال‪ :‬ما لى ولد إل من العزل‪.‬‬
‫عزل عنها‪ ،‬لزمه الولد‪ ،‬قد يكُو ُ‬
‫ل لك؟ ليس لها ذلك‪.‬‬
‫وقال فى رواية المروذى‪ :‬فى العزل عن أم الولد‪ :‬إن شاء‪ ،‬فإن قالت‪ :‬ل يَحِ ّ‬
‫فصل‬
‫ضعَة‬
‫فى حُكمه صلى ال عليه وسلم فى الغَيل‪ ،‬وهو وطءُ المر ِ‬
‫ت أَنّ‬
‫حتّى َذ َك ْر ُ‬
‫ن ال ِغيْلَةِ َ‬
‫ت أَنْ َأنْهى عَ ِ‬
‫ثبت عنه فى ((صحيح مسلم))‪ :‬أنه قال‪(( :‬لَقَدْ َه َم ْم ُ‬
‫ض ّر َأوْلَدَهُم)) وفى سنن أبى داود عنه‪ ،‬من حديث أسماء بنت‬
‫ل َي ُ‬
‫ن ذلكَ فَ َ‬
‫صنَعُو َ‬
‫س َي ْ‬
‫الرّومَ وفَا ِر َ‬
‫ع ِث ُرهُ))‪.‬‬
‫سرّا َفوَالّذِى نَفْسِى ِبيَ ِد ِه إنّه َليُ ْدرِك الفَا ِرسَ َفيُدَ ْ‬
‫يزيد‪(( :‬ل تَ ْق ُتلُوا َأوْل َدكُم ِ‬
‫ل امرأتَه وهى ترضع‪.‬‬
‫قال‪ :‬قلت‪ :‬ما يعنى؟ قلت‪ :‬الغيلة‪ :‬يأتى الرج ُ‬
‫ث الول‪ ،‬فهو حديثُ جُدَامة بنت وهب‪ ،‬وقد تضمّن أمرين لِكلّ منهما‬
‫قلت‪ :‬أما الحدي ُ‬
‫ت أن أنهى عن الغِيلة))‪ ،‬وقد عارضه حديث أسماء‪،‬‬
‫معارض‪ :‬فصدرُه هو الذى تقدّم‪(( :‬لقد همم ُ‬
‫‪75‬‬

‫وعجزه‪ :‬ثم سألوه عن العزل‪ ،‬فقال‪(( :‬ذلك الوأد الخفى)) وقد عارضه حديث أبى سعيد‪(( :‬كذبت‬
‫سرّا)) نهى أن يتسبب إلى ذلك‪ ،‬فإنه شبّه الغَيل بقتل‬
‫يهود))‪ ،‬وقد يُقال‪ :‬إن قوله‪(( :‬ل تَ ْق ُتلُوا َأوْل َدكُمْ ِ‬
‫الولد‪ ،‬وليس بقتلٍ حقيقة‪ ،‬وإل كان من الكبائر‪ ،‬وكان قرينَ الشراك بال‪ ،‬ول ريبَ أن وطء‬
‫المراضع مما َتعُمّ به البلوى‪ ،‬ويتعذّر على الرجل الصبر عن امرأته مدة الرضاع ولو كان وطؤُهن‬
‫لمّةُ‪ ،‬وخي ُر القرون‪ ،‬ول‬
‫حراماً لكان معلوماً من الدين‪ ،‬وكان بيانُه مِن أه ّم المور‪ ،‬ولم تُه ِملْه ا ُ‬
‫يُصرّحُ أحدٌ منهم بتحريمه‪َ ،‬ف ُعلِمَ أن حديث أسماء على وجه الرشاد والحتياط للولد‪ ،‬وأن ل‬
‫ضعُوا لولدهم غيرَ‬
‫ُي َعرّضَه لفساد اللبن بالحمل الطارىء عليه‪ ،‬ولهذا كان عاد ُة العرب أن يستر ِ‬
‫أمهاتهم‪ ،‬والمنع غايُته أن يكون من باب سد الذرائع التى قد تُفضى إلى الضرار بالولد‪ ،‬وقاعدةُ‬
‫ت عليه‪ ،‬كما تقدّم بيانُه مراراً وال أعلم‪.‬‬
‫باب سد الذرائع إذا عارضه مصلحة راجحة‪ ،‬قُ ّد َم ْ‬
‫فصل‬
‫فى حُكمه صلى ال عليه وسلم فى قسم البتداء والدوام بين الزوجات‬
‫ل ال ِب ْكرَ‬
‫ن السّن ِة إذا تزوّج الرّجُ ُ‬
‫ثبت فى ((الصحيحين))‪ :‬عن أنس رضى ال عنه أنه قال‪ :‬مِ َ‬
‫عنْدَهَا ثلثاً‪ ،‬ثم قَسَمَ‪ .‬قال أبو قلبة‪ :‬ولو‬
‫ج ال ّث ّيبَ‪ ،‬أَقَامَ ِ‬
‫سبْعاً وقَسَمَ‪ ،‬وإذا َت َزوّ َ‬
‫عنْدَهَا َ‬
‫على ال ّث ّيبِ‪ ،‬أَقام ِ‬
‫شئتُ‪ ،‬ل ُق ْلتُ‪ :‬إن أنسًا رفعه إلى النبىّ صلى ال عليه وسلم‪.‬‬
‫وهذا الذى قاله أبو قِلبة‪ ،‬قد جاء مصرّحًا به عن أنس‪ ،‬كما رواه البزار فى ((مسنده))‪ ،‬من‬
‫طريق أيوب السّختيانى‪ ،‬عن أبى قِلبة‪ ،‬عن أنس رضى ال عنه أن النبىّ صلى ال عليه وسلم‬
‫ل لِلبِكرِ سبعاً‪ ،‬ولل ّثيّب ثلثاً‪.‬‬
‫جعَ َ‬
‫َ‬
‫وروى الثورى‪ ،‬عن أيوب‪ ،‬وخالد الحذّاء‪ ،‬كِلهما عن أبى قِلبة‪ ،‬عن أنس‪ ،‬أن النبىّ صلى‬
‫عنْدَها ثلثاً))‪.‬‬
‫ج ال ّثيّيبَ‪ ،‬أقَامَ ِ‬
‫سبْعاً‪ ،‬وإِذا َت َزوّ َ‬
‫عنْدَهَا َ‬
‫ج ال ِب ْكرَ‪ ،‬أَقَامَ ِ‬
‫ال عليه وسلم قَالَ‪(( :‬إِذَا َت َزوّ َ‬
‫ل ال صلى ال عليه‬
‫وفى صحيح مسلم‪ :‬عن أ ّم سلمة رضى ال عنها‪ ،‬لما تزوّجها رسو ُ‬
‫ت َلكِ‪،‬‬
‫س ّب ْع ُ‬
‫ش ْئتِ َ‬
‫وسلم‪ ،‬فدخل عليها‪ ،‬أقامَ عندها ثلثاً‪ ،‬ثم قال‪(( :‬إنّ ُه َل ْيسَ ِبكِ عَلى أَ ْهِلكِ هَوانٌ‪ ،‬إنْ ِ‬
‫ش ْئتِ‬
‫ت بثوبه فقال‪(( :‬إنْ ِ‬
‫س ّب ْعتُ ِلنِسَائى))‪ .‬وله فى لفظ‪(( :‬لما أراد أن يخرج‪ ،‬أخَ َذ ْ‬
‫ت َلكِ‪َ ،‬‬
‫س ّب ْع ُ‬
‫وإنْ َ‬
‫لثٌ))‪.‬‬
‫سبْعٌ‪ ،‬وللثّيُب ثَ َ‬
‫سبْتكِ بِهِ‪ِ ،‬ل ْل ِب ْكرِ َ‬
‫زِ ْد ُتكِ وَحَا َ‬
‫ل ال صلى ال عليه وسلم يَقْسِمُ َف َيعْدِلُ‪،‬‬
‫وفى السنن‪ :‬عن عائشة رضى ال عنها‪ ،‬كان رسو ُ‬
‫ل َأ ْمِلكُ))‪ ،‬يعنى القلبَ‪.‬‬
‫ل َتُلمْنى فيمَا َت ْمِلكُ وَ َ‬
‫ويقول‪(( :‬الّلهُ ّم إِنّ هذا قَسْمى فِيما َأمِلكُ‪ ،‬فَ َ‬

‫‪76‬‬

‫ع بين نسائه‪ ،‬فأ ّيتُهن‬
‫وفى ((الصحيحين))‪ :‬أنه صلى ال عليه وسلم كان إذا أرادَ سفراً‪ ،‬أقر َ‬
‫خرَجَ بها معه‪.‬‬
‫خرج سهمُها‪َ ،‬‬
‫ى صلى ال‬
‫وفى ((الصحيحين))‪ :‬أن سود َة وهبت يومها لِعائشة رضى ال عنها‪ ،‬وكان النب ّ‬
‫عليه وسلم يَقْسِمُ لعائشة َي ْومَها و َيوْمَ سودة‪.‬‬
‫ضنَا‬
‫وفى السنن‪ :‬عن عائشة رضى ال عنها‪ ،‬كان النبىّ صلى ال عليه وسلم ل يُ َفضّلُ َب ْع َ‬
‫ن كُلّ‬
‫ل َيوْ ٌم إل و ُه َو يَطُوفُ علينا جميعاً‪ ،‬فيدنو مِ ْ‬
‫على َبعْضٍ فى القَسْ ِم مِن مُكثِه عندنا‪ ،‬وكان قَ ّ‬
‫عنْدَهَا‪.‬‬
‫ت ِ‬
‫ن غير مسيس حتى َي ْبلُغَ إلى التى ُه َو يَومُها‪ ،‬فَيبِي ُ‬
‫امرأة مِ ْ‬
‫ن كُنّ يجت ِمعْنَ كل ليلة فى بيت التى يأتيها‪.‬‬
‫وفى ((صحيح مسلم))‪ :‬إنه ّ‬
‫ت مِنْ َب ْعِلهَا‬
‫ن ا ْمرَأةٌ خَا َف ْ‬
‫وفى ((الصحيحين))‪ :‬عن عائشة رضىَ ال عنها‪ ،‬فى قوله‪{ :‬وإ ِ‬
‫ل صحبتُها‪ ،‬فُيريد‬
‫ن عند الرجل فتطو ُ‬
‫نُشُوزاً أو إعْراضاً} [النساء‪ُ ]128:‬أ ْن ِزلَت في المرأة تكو ُ‬
‫ى والقَسْمِ لى‪ ،‬فذلك قولُه‪{:‬فَلَ‬
‫ل من النفقة عل ّ‬
‫طلقَها‪ ،‬فتقول‪ :‬ل تُطلّقنى وأمسِكنى‪ ،‬وأَنت فى حث ّ‬
‫خ ْيرٌ} [النساء‪.]128:‬‬
‫صلْحًا والصّلْحُ َ‬
‫صلِحَا َب ْي َن ُهمَا ُ‬
‫عَل ْي ِهمَا أَنْ ُي ْ‬
‫جنَاحَ َ‬
‫ُ‬
‫ن عمه علىّ بن أبى طالب رضى ال عنه‪ ،‬أنه إذا تزوّج الحرّة على‬
‫وقضى خليفتُه الراشدُ‪ ،‬واب ُ‬
‫حرّة ليلتين‪ .‬وقضاءُ خلفائه وإن لم يكن مساويًا لقضائه‪ ،‬فهو كقضائه فى‬
‫المة قس َم للمة ليلة‪ ،‬ولل ُ‬
‫وجوبه على المة‪ ،‬وقد احتجّ المام أحمدُ بهذا القضاءِ عن على رضي ال عنه‪ ،‬وقد ضعّفه أبو‬
‫محمد بن حزم بالمنهال بن عمرو‪ ،‬وبابنِ أبى ليلى‪ ،‬ولم يصنع شيئاً‪ ،‬فإنهما ثِقتان حافِظانِ جليلن‪،‬‬
‫ل الناسُ يحتجّونَ بابن أبى ليلى على شىء ما فى حفظه ُيتّقى منه ما خالف فيه الثبات‪ ،‬وما‬
‫ولم يز ِ‬
‫تفرّد به عن الناس‪ ،‬وإل فهو غيرُ مدفوع عن المانة والصدق‪ .‬فتضمّن هذا القضا ُء أموراً‪.‬‬
‫منها وجوبُ قسم البتداء‪ ،‬وهو أنه إذا تزوّج بكراً على ثيب‪ ،‬أقام عندها سبعاً ثم سوّى‬
‫بينهما‪ ،‬وإن كانت ثيّباً‪ ،‬خيّرها بين أن يُقيم عندها سبعاً‪ ،‬ثم يقضِيها للبواقى‪ ،‬وبين أن يُقيم عندها‬
‫ثلثًا ول يُحاسبها‪ ،‬هذا قول الجمهور‪ ،‬وخالف فيه إما ُم أهل الرأى‪ ،‬وإمامُ أهل الظاهر‪ ،‬وقالوا‪ :‬ل‬
‫حقّ للجديدة غيرَ ما تستحقه التى عنده‪ ،‬فيجب عليه التسوية بينهما‪.‬‬
‫ب عليها بالثلث‪ ،‬ولو‬
‫ب إذا اختارت السبعَ‪ ،‬قضاهُن للبواقى‪ ،‬واحتس َ‬
‫ومنها‪ .‬أن الث ّي َ‬
‫ب عليها بها‪ ،‬وعلى هذا من سُومح بثلث دون ما فوقَها‪ ،‬ففعل أكثرَ منها‪،‬‬
‫س ْ‬
‫ت الثلثَ‪ ،‬لم يحت ِ‬
‫اختار ِ‬
‫دخلت الثلث فى الذى لم يُسامح به بحيث لو ترتب عليه إثم‪ ،‬أثِمَ على الجميع‪ ،‬وهذا كما رخّص‬

‫‪77‬‬

‫ج ِر أن يُقيم بعد قضاء نسكه ثلثاً‪ .‬فلو أقام أبداً‪ ،‬ذُمّ على القامة‬
‫النبىّ صلى ال عليه وسلم للمُها ِ‬
‫ُكلّها‪.‬‬
‫ومنها‪ :‬أنه ل تجب التسويةُ بينَ النساء فى المحبة‪ ،‬فإنها ل ُت ْمَلكُ‪ ،‬وكانت‬
‫ب التسوية بينهن فى الوطء‪ ،‬لنه‬
‫ب نسائه إليه‪ .‬وأُخِذَ من هذا أنه ل تج ُ‬
‫عائش ُة رضى ال عنها أح ّ‬
‫موقوف على المحب ِة والميل‪ ،‬وهى بيد مقلّب القلوب‪.‬‬
‫وفى هذا تفصيل‪ ،‬وهو أنه إن تركه لعدم الداعى إليه‪ ،‬وعدم النتشار‪ ،‬فهو معذور‪ ،‬وإن‬
‫تركه مع الداعى إليه‪ ،‬ولكن داعيه إلى الضرة أقوى‪ ،‬فهذا مما يدخُلُ تحت قُدرته وملكه‪ ،‬فإن أدى‬
‫الواجبَ عليه منه‪ ،‬لم َيبْقَ لها حق‪ ،‬ولم يلزمه التسويةُ‪ ،‬وإن ترك الواجبَ منه‪ ،‬فلها المطالب ُة به‪.‬‬
‫ومنها‪ :‬إذا أراد السفرَ‪ ،‬لم يجز له أن يُسافِر بإحداهن إل بقُرعة‪.‬‬
‫(يتبع‪)...‬‬
‫ل ال صلى ال عليه وسلم لم يكن يقضى‬
‫ومنها‪ :‬أنه ل يقضى للبواقى إذا قَدِمَ‪ ،‬فإن رسو َ‬

‫@‬
‫للبواقى‪.‬‬

‫وفى هذا ثلثة مذاهب‪.‬‬
‫ع أو لم يُقرع‪ ،‬وبه قال أبو حنيفة‪ ،‬ومالك‪.‬‬
‫أحدها‪ :‬أنه ل يقضى‪ ،‬سواء أقرَ َ‬
‫والثانى‪ :‬أنه يقضى للبواقى أقرع أو لم يُقرع‪ ،‬وهذا مذهب أهل الظاهر‪.‬‬
‫والثالث‪ :‬أنه إن أقرع لم يقض‪ ،‬وإن لم يُقرع قضى‪ ،‬وهذا قولُ أحمد والشافعى‪.‬‬
‫ومنها‪ :‬أن للمرأ ِة أن َت َهبَ ليلتها لِضرتها‪ ،‬فل يجوزُ له جعلُها لغير الموهبة‪ ،‬وإن‬
‫ق للمرأة فإذا أسقطتها‪ ،‬وجعلتها‬
‫وهبتها للزوج‪ ،‬فله جعلُها لمن شاء منهن‪ ،‬والفرقُ بينهما أن الليلةَ ح ّ‬
‫لضرتها‪ ،‬تعينت لها‪ ،‬وإذا جعلتها للزوج‪ ،‬جعلها لمن شاء مِن نسائه‪ ،‬فإذا اتفق أن تكون ليل ُة الواهبة‬
‫تلى ليلة الموهوبة‪ ،‬قسم لها ليلتين متواليتين‪ ،‬وإن كانت ل تليها فهل له نقلُها إلى مجاورتها‪ ،‬فيجعل‬
‫الليلتين متجاورتين؟ على قولين للفقهاء‪ ،‬وهما فى مذهب أحمد والشافعى‪.‬‬
‫ل له أن يَدْخُلَ على نسائه ُكّلهِنّ فى يوم إحداهن ولكن ل يطؤها في غير‬
‫ومنها‪ :‬أن الرج َ‬
‫نوبتها‪.‬‬
‫ت النوم‪،‬‬
‫ومنها‪ :‬أن لِنسائه ُكّلهِنّ أن يجتمِعن فى بيت صاحبة النوبة يتحدّثن إلى أن يجىء وق ُ‬
‫ل واحدة إلى منزلها‪.‬‬
‫فتؤوب كُ ّ‬

‫‪78‬‬

‫جزَ عن حقوقها‪،‬‬
‫ومنها‪ :‬أن الرجل إذا قضَى وطراً من امرأته‪ ،‬وكرهتْها نفسُه‪ ،‬أو عَ َ‬
‫خيّرها‪ ،‬إن شاءت أقامت عنده ول حقّ لها في القسم والوطء والنفقة‪ ،‬أو فى‬
‫فله أن يُطلّقها‪ ،‬وله أن يُ َ‬
‫بعضِ ذلك بحسب ما يصطلحان عليه‪ ،‬فإذا رضيت بذلك‪ ،‬لزم‪ ،‬وليس لها المطالبةُ به بعد الرضى‪.‬‬
‫غ غيره‪ ،‬وقولُ من قال‪ :‬إن حقها‬
‫هذا موجب السنة ومقتضاها‪ ،‬وهو الصوابُ الذى ل يسو ُ‬
‫يتجدد‪ ،‬فلها الرجوع فى ذلك متى شاءت‪ ،‬فاسد‪ ،‬فإن هذا خرج مخرجَ المعاوضة‪ ،‬وقد سماه ال‬
‫ت مِن طلب حقّها بعد‬
‫تعالى صالحاً‪ ،‬فيلزم كما يلزم ما صالح عليه من الحقوق والموال‪ ،‬ولو ُم ّك َن ْ‬
‫ذلك‪ ،‬لكان فيه تأخيرُ الضرر إلى أكمل حالتيه‪ ،‬ولم يكن صلحاً‪ ،‬بل كان مِن أقرب أسباب المعاداة‪،‬‬
‫والشريع ُة منزّهة عن ذلك‪ ،‬ومن علمات المنافق أنه إذا وعد‪ ،‬أخلف‪ ،‬وإذا عاهد‪ ،‬غدر‪ ،‬القضاء‬
‫النبوي ير ّد هذا‪.‬‬
‫ومنها‪ :‬أن المة المزوّجة على النصف من الحرة‪ ،‬كما قضى به أمير المؤمنين على‬
‫رضى ال عنه‪ ،‬ول يُعرف له فى الصحابة مخالف‪ ،‬وهو قولُ جمهور الفقهاء إل رواية عن مالك‪:‬‬
‫ل الجمهور هو الذى يقتضيه العدلُ‪ ،‬فإن ال سبحانه لم يسو‬
‫أنهما سواء‪ ،‬وبها قال أهل الظاهر‪ ،‬وقو ُ‬
‫بين الحرة والمة‪ ،‬ل فى الطلق‪ ،‬ول فى العدة‪ ،‬ول فى الحدّ‪ ،‬ول فى الملك‪ ،‬ول فى الميراث‪ ،‬ول‬
‫ن عند الزوج ليلً ونهاراً‪ ،‬ول فى أصلِ النكاح‪ ،‬بل جعل نكاحها بمنزلة الضرورة‪ ،‬ول‬
‫فى مدة الكو ِ‬
‫ل الجمهور‪ ،‬وروى المام أحمد‬
‫فى عد ِد المنكوحات‪ ،‬فإن العبد ل يتزوج أكثر من اثنتين‪ ،‬هذا قو ُ‬
‫بإسناده‪ :‬عن عمر بن الخطاب رضى ال عنه قال‪ :‬يتزوّجُ العبد ثنتين‪ ،‬ويطلق ثنتين‪ ،‬وتعت ّد امرأتُه‬
‫حيضتين‪ ،‬واحتج به أحمد‪ .‬ورواه أبو بكر عبد العزيز‪ ،‬عن على بن أبى طالب رضى ال عنه‪،‬‬
‫ل للعبد من النساء إل ثنتان‪.‬‬
‫قال‪ :‬ل يَحِ ّ‬
‫وروى المام أحمد بإسناده‪ ،‬عن محمد بن سيرين قال‪ :‬سأل عمر رضى ال عنه الناس‪ :‬كم‬
‫يتزوجُ العبد؟ فقال عبد الرحمن‪ :‬ثنتين وطلقه ثنتين فهذا عمر‪ ،‬وعلى‪ ،‬وعبد الرحمن‪ ،‬رضى ال‬
‫عنهم‪ ،‬ول يعرف لهم مخالف فى الصحابة مع انتشار هذا القول وظهوره‪ ،‬وموافقته للقياس‪.‬‬
‫فصل‬
‫فى قضائه صلى ال عليه وسلم فى تحريم وطء المرأة الحبلى من غير الوَاطىء‬
‫ثبت فى ((صحيح مسلم))‪ :‬من حديث أبى الدرداء رضىَ ال عنه‪ ،‬أن النبى صلى ال عليه‬
‫ن ُيلِمّ بها))‪ .‬فقالُوا‪َ :‬نعَمْ‪ ،‬فقالَ رسولُ‬
‫ح على بَابِ فُسْطَاطٍ‪ ،‬فقال‪َ(( :‬ل َعلّهُ يُري ُد أَ ْ‬
‫وسلم أتى بامرأ ٍة مُجِ ّ‬

‫‪79‬‬

‫ل لهُ‪،‬‬
‫ف ُي َو ّرثُه و ُهوَ ل يَحِ ّ‬
‫ل َمعَهُ َق ْب َرهُ‪َ ،‬ك ْي َ‬
‫ن َأ ْل َعنَهُ َل ْعنًا يَ ْدخُ ُ‬
‫ال صلى ال عليه وسلم‪(( :‬لَقَدْ َه َم ْمتُ أَ ْ‬
‫ل لهُ))‪.‬‬
‫ل يَحِ ّ‬
‫س َتخْ ِدمُه و ُهوَ َ‬
‫َك ْيفَ يَ ْ‬
‫قال أبو محمد ابن حزم‪ :‬ل َيصِحّ فى تحريم وطءِ الحامِلِ خب ٌر غي ُر هذا‪ .‬انتهى‪ .‬وقد‬
‫روى أهل ((السنن)) من حديث أبى سعيد رضى ال عنه‪ ،‬أن النبى صلى ال عليه وسلم قال فى‬
‫ح ْيضَةً))‪.‬‬
‫حتّى تَحيضَ َ‬
‫غ ْيرُ حَامِلٍ َ‬
‫حتّى َتضَعَ‪ ،‬ول َ‬
‫سبايا أوطاس‪(( :‬ل ُتوَطأْ حَامِلُ َ‬
‫وفى الترمذى وغيره‪ :‬من حديث رُويفع بن ثابت رضى ال عنه‪ ،‬عن النبى صلى ال عليه‬
‫غ ْي ِرهِ)) قال الترمذى حديث‬
‫ق مَاءَه َولَدَ َ‬
‫خرِ فَل يَسْ ِ‬
‫لّ وال َيوْمِ ال ِ‬
‫ن بِا ِ‬
‫وسلم أنه قال‪(( :‬مَنْ كَانَ ُي ْؤمِ ُ‬
‫حسن‪.‬‬
‫وفيه عن العِرباضِ بن سَا ِريَ َة رضى ال عنه‪ ،‬أن النبىّ صلى ال عليه وسلم حرّم وطءَ‬
‫ضعْنَ ما فى بُطونهن‪.‬‬
‫السبايا حتى َي َ‬
‫وقوله صلى ال عليه وسلم‪(( :‬كيف يُورّثه وهو ل يَحلّ له‪ ،‬كيف يستخ ِدمُه وهو ل َيحِلّ‬
‫ل فى معناه‪ :‬كيف يجعلُه عبدًا مَوروثاً عنه‪ ،‬ويستخ ِدمُه استخدا َم العبيدِ وهو‬
‫له))‪ ،‬كان شيخُنا يقو ُ‬
‫خلْقِه؟ قال المام أحمد‪ :‬الوطء يزيد فى سمعه وبصره‪ .‬قال فيمن اشترى‬
‫ولدُه‪ ،‬لن وطأه زاد فى َ‬
‫ل من غيره‪ ،‬فوطئها قبل وضعها‪ ،‬فإن الولد ل يلحَقُ بالمشترى‪ ،‬ول يتبعُه‪ ،‬لكن يعتِقُه‬
‫جاريةً حام ً‬
‫لنه قد شرك فيه‪ ،‬لن الما َء يزي ُد فى الولد‪ ،‬وقد روى عن أبى الدرداء رضى ال عنه‪ ،‬عن النبىّ‬
‫ح على باب فسطاط‪ ،‬فقال‪(( :‬لعله يُريد أن ُيلِمّ بها)) وذكر‬
‫صلى ال عليه وسلم‪ ،‬م ّر بامرأة مُجِ ّ‬
‫الحديثَ‪ .‬يعنى‪ :‬أنه إن استلحقه وشرِكه فى ميراثه‪ ،‬لم يحل له‪ ،‬لنه ليس بولده‪ ،‬وإن أخذه مملوكاً‬
‫ل له لنه قد شرك فيه لكون الماء يزيدُ فى الولد‪.‬‬
‫يستخ ِدمُه لم يَح ّ‬
‫وفى هذا دللة ظاهرةٌ على تحريم نكاح الحامِل‪ ،‬سواء كان حملُها مِن زوج أو سيّ ٍد أو شُبهة‬
‫ل مِن زنى‪ ،‬ففى صحة العقد قولن‪ ،‬أحدهما‪:‬‬
‫أو زنى‪ ،‬وهذا ل خلف فيه إل فيما إذا كان الحم ُ‬
‫بطلنُه وهو مذهبُ أحمد ومالك‪ ،‬والثانى‪ :‬صحتُه وهو مذهب أبى حنيفة والشافعى ثم اختلفا‪ ،‬فمنع‬
‫ى العِ ّدةُ‪ ،‬وكرهه الشافعى‪ ،‬وقال أصحابُه‪ :‬ل يحرم‪.‬‬
‫أبو حنيفة مِن الوطء حتى تنقض َ‬
‫فصل‬
‫ق أمتَه ويجعل عِتقها صداقَها‬
‫فى حكمه صلى ال عليه وسلم فى الرجل يعتِ ُ‬
‫عتْقَها صَدَاقَها))‪ .‬قيل لنس‪ :‬ما‬
‫ثبت عنه فى ((الصحيح))‪(( :‬أنه أعتق صفيّةَ وجعل ِ‬
‫ب إلى جواز ذلك علىّ ابن أبى طالب‪ ،‬وفعله أنس بن مالك‪ ،‬وهو‬
‫َأصْدَقَها؟ قال‪َ :‬أصْدَقَها نَفْسَها وذه َ‬
‫‪80‬‬

‫ن البَصرى‪،‬‬
‫مذهبُ أعلم التابعين‪ ،‬وسيّدهم سعي ِد بن المسيّب‪ ،‬وأبى سلمة بن عبد الرحمن‪ ،‬والحس ِ‬
‫والزهري‪ ،‬وأحمد‪ ،‬وإسحاق‪.‬‬
‫وعن أحمد رواية أخرى‪ ،‬أنه ل َيصِحّ حتى يستأ ِنفَ نكاحها بإذنها‪ ،‬فإن أبت ذلك‪ ،‬فعليها‬
‫قيمتُها‪.‬‬
‫ل يزوّجه إياها‪.‬‬
‫وعنه رواية ثالثة‪ :‬أنه ُي َوكّلُ رج ً‬
‫ل الصحابة والقياس‪ ،‬فإنه كان يمِلك‬
‫والصحيح‪ :‬هو القول الول الموافق للسنة‪ ،‬وأقوا ِ‬
‫رقبتها‪ ،‬فأزال ملكه عن رقبتها‪ ،‬وأبقى ملكَ المنفعة بعقد النكاح‪ ،‬فهو أولى بالجواز مما لو أعتقها‪،‬‬
‫واستثنى خِدمتها‪ ،‬وقدم تقدّم تقري ُر ذلك فى غزاة خيبر‪.‬‬
‫فصل‬
‫فى قضائه صلى ال عليه وسلم فى صحة النكاح الموقوفِ على الجازة‬
‫ى صلى ال عليه‬
‫فى ((السنن))‪ :‬عن ابن عباس رضى ال عنهما‪(( ،‬أن جاريةً بكرًا أتت النب ّ‬
‫وسلم فذكرت أنّ أباها زوّجَها وهى كَارِهَة‪ ،‬فخيّرها النبىّ صلى ال عليه وسلم))‪.‬‬
‫وقد نصّ المامُ أحمد على القول بمقتضى هذا‪ ،‬فقال فى رواية صالح فى صغير‬
‫زوّجه عمه‪ ،‬قال‪ :‬إن رضى به فى وقت من الوقات‪ ،‬جاز‪ ،‬وإن لم يرض فسخ‪.‬‬
‫ونقل عنه ابنه عبد ال‪ ،‬إذا زوجت اليتيمةُ‪ ،‬فإذا بلغت فلها الخيارُ‪ ،‬وكذلك نقل‬
‫ن فى يتيمة ُزوّجَت و َدخَلَ بها الزوجُ‪ ،‬ثم حاضت عند الزوج‬
‫ابنُ منصور عنه حُكى له قولُ سفيا َ‬
‫بعدُ‪ ،‬قال‪ :‬تُخ ّيرُ‪ ،‬فإن اختارت نفسَها لم يقع التزويجُ‪ ،‬وهى أحقّ بنفسها‪ ،‬وإن قالت‪ :‬اخترتُ زوجى؟‬
‫فليشهدوا على نكاحهما‪ .‬قال أحمد‪ :‬جيد‪.‬‬
‫وقال فى رواية حنبل فى العبد إذا تزوّج بغير إذن سيده‪ ،‬ثم علم السيدُ‬
‫ق بيد السيد‪ ،‬وإذا أذن له فى التزويج‪ ،‬فالطلقُ بيد العبد‪ ،‬ومعنى‬
‫بذلك‪ :‬فإن شاء يُطلّق عليه‪ ،‬فالطل ُ‬
‫ل العقد‪ ،‬ويمنع تنفيذَه وإجازته‪ ،‬هكذا أوّله القاضى‪ ،‬وهو خلف ظاهر النص‪،‬‬
‫قوله‪ :‬يطلق‪ ،‬أى‪ُ :‬يبْطِ ُ‬
‫وهذا مذهبُ أبى حنيفة ومالك على تفصيل فى مذهبه‪ ،‬والقياسُ يقتضى صحةَ هذا القول‪ ،‬فإن الذن‬
‫إذا جاز أن يتقدّم القبولَ واليجابَ جاز أن يتراخى عنه‪.‬‬
‫وأيضاً فإنه كما يجوز وقفُه على الفسخ يجوزُ وقفُه على الجازة كالوصية‪ ،‬ولن المعتبرَ‬
‫هو التراضى‪ ،‬وحصولُه فى ثانى الحال كحصولِه فى الول‪ ،‬ولن إثباتَ الخيار فى عقد البيع هو‬
‫ف للعقد فى الحقيقة على إجازة من له الخيار وردّه‪ ،‬وبال التوفيق‪.‬‬
‫وق ٌ‬
‫‪81‬‬

‫فصل‬
‫فى حكمه صلى ال عليه وسلم فى الكفاءة فى النكاح‬
‫ل ِلتَعارَفُوا إنّ‬
‫شعُوباً و َقبَائِ َ‬
‫ج َع ْلنَاكُم ُ‬
‫خلَ ْقنَاكُم مِنْ َذ َك ٍر َوُأ ْنثَى و َ‬
‫س إنّا َ‬
‫قال ال تعالى‪{ :‬يََأ ّيهَا النّا ُ‬
‫خ َوةٌ} [الحجرات‪]10 :‬‬
‫لّ َأتْقَاكُم} [الحجرات‪]13 :‬وقال تعالى‪ِ{ :‬إنّما ال ُم ْؤ ِمنُونَ إ ْ‬
‫عنْدَ ا ِ‬
‫أ ْك َر َمكُمْ ِ‬
‫ستَجَابَ َلهُمْ‬
‫ت َب ْعضُهُم َأ ْوِليَا ُء َبعْضٍ} [التوبة‪ ]71 :‬وقال تعالى‪{ :‬فَا ْ‬
‫وقال‪{ :‬والمُ ْؤ ِمنُونَ وال ُم ْؤ ِمنَا ُ‬
‫ضكُ ْم مِنْ َبعْضٍ} [آل عمران‪.]195 :‬‬
‫ل ِم ْنكُ ْم مِنْ َذ َك ٍر أَو ُأ ْنثَى َب ْع ُ‬
‫عمَلَ عَامِ ٍ‬
‫َر ّبهُمْ َأنّى ل ُأضِيعُ َ‬
‫ل ْبيَضَ‬
‫عرَبى‪ ،‬ول َ‬
‫ج ِمىّ عَلى َ‬
‫ل ِلعَ َ‬
‫جمِى‪ ،‬وَ َ‬
‫ل ِل َعرَبىّ عَلى عَ َ‬
‫وقال صلى ال عليه وسلم‪(( :‬ل َفضْ َ‬
‫ن تُرابٍ))‪.‬‬
‫ن آدَمَ‪ ،‬وآدَمُ م ْ‬
‫ل بِالتّ ْقوَى‪ ،‬النّاس مِ ْ‬
‫سوَدَ ول لسود عَلى أ ْبيَضَ‪ ،‬إِ ّ‬
‫عَلى أَ ْ‬
‫ح ْيثُ‬
‫ن َأ ْولِيائى المتّقُونَ َ‬
‫ن َليْسُوا لى بَِأوْليَاءَ‪ ،‬إِ ّ‬
‫ل بنِى فُلَ ٍ‬
‫وقال صلى ال عليه وسلم‪(( :‬إِنّ آ َ‬
‫ن كَانُوا))‪.‬‬
‫كَانُوا وَأيْ َ‬
‫خلُقَهُ فََأ ْنكِحُوهُ‪ ،‬إلّ‬
‫ن َت ْرضُوْنَ دِينَهُ و ُ‬
‫وفى الترمذى‪ :‬عنه صلى ال عليه وسلم‪(( :‬إذَا جَا َءكُ ْم مَ ْ‬
‫لرْضِ وفَسَا ٌد َكبِيرٌ))‪ .‬قالوا‪ :‬يارسولَ ال‪ ،‬وإن كان فيه؟ فقال‪(( :‬إذَا جَا َءكُم‬
‫تَ ْفعَلوه‪َ ،‬تكُنْ ِف ْتنَةٌ فى ا َ‬
‫خلُقَهُ َفَأ ْنكِحُوه))‪ ،‬ثلث مرات‪.‬‬
‫ضوْنَ دِينَهُ و ُ‬
‫مَنْ َت ْر َ‬
‫وقال النبىّ صلى ال عليه وسلم لبنى َبيَاضَة‪َ(( :‬أنْكِحُوا أَبا ِهنْدٍ‪ ،‬وَأ ْنكِحُوا إَليْهِ))‪ .‬وكان‬
‫حجّاماً‪.‬‬
‫حشٍ القُرشية مِن زيد بن حارثة موله‪،‬‬
‫ب بنتَ جَ ْ‬
‫وزوّج النبىّ صلى ال عليه وسلم زين َ‬
‫وزوّج فاطمة بنت قيس الفِهرية القرشية‪ .‬من أسامة ابنه‪ ،‬وتزوّج بللُ ابن رباح بأخت عبد الرحمن‬
‫طيّبَاتِ} [النور‪ ]26:‬وقد قال‬
‫ن لِل ّ‬
‫ط ّيبِين والطّ ّيبُو َ‬
‫طيّباتُ لِل ّ‬
‫بن عوف‪ ،‬وقد قال ال تعالى‪{:‬وال ّ‬
‫ن النّسَاءِ} [النساء‪.]3:‬‬
‫ب َلكُمْ مِ َ‬
‫تعالى‪{:‬فا ْنكِحُوا مَا طَا َ‬
‫فالذى يقتضيه حُكمُه صلى ال عليه وسلم اعتبا ُر الدّين فى الكفاءة أصلً‪ .‬وكمالً‪،‬‬
‫فل تُزوّجُ مسلمةٌ بكافر‪ ،‬ول عفيفةٌ بفاجر‪ ،‬ولم يعتبرِ القرآنُ والسنةُ فى الكفاءة أمرًا وراءَ ذلك‪ ،‬فإنه‬
‫ح الزانى الخبيثِ‪ ،‬ولم يعتبر نسباً ول صِناعة‪ ،‬ول غِنىً ول حريّةً‪ ،‬فجوّز‬
‫حرّم على المسلمة نكا َ‬
‫للعبد القِنّ نكاحَ الح ّرةِ النسيبة الغنيةِ إذا كان عفيفاً مسلماً‪ ،‬وجوز لغير القرشيين نكاحَ القرشيات‪،‬‬
‫ح الموسرات‪.‬‬
‫ولغير الهاشميين نكاحَ الهاشميات وللفقراءِ نكا َ‬
‫وقد تنازع الفقهاءُ فى أوصاف الكفاءة‪:‬‬

‫‪82‬‬

‫فقال مالك فى ظاهر مذهبه‪ :‬إنها الدّينُ‪ ،‬وفى رواية عنه‪ :‬إنها ثلثة‪:‬‬
‫الدّين‪ ،‬والحريّة‪ ،‬والسلمةُ من العيوب‪.‬‬
‫ب والدين‪.‬‬
‫وقال أبو حنيفة‪ :‬هى النس ُ‬
‫وقال أحمد فى رواية عنه‪ :‬هى الدّين والنسب خاصة‪.‬‬
‫وفى رواية أخرى‪ :‬هى خمسة‪ :‬الدّين‪ ،‬والنسب‪ ،‬والحرية‪ ،‬والصناعة‪ ،‬والمال‪ .‬وإذا اعتبر فيها‬
‫النسب‪ ،‬فعنه فيه روايتان‪ .‬إحداهما‪ :‬أن العرب بعضُهم لبعض أكفاء‪ .‬الثانية‪ :‬أن قريشاً ل يكافئهم إل‬
‫قرشى‪ ،‬وبنو هاشم ل يُكافئهم إل هاشمى‪.‬‬
‫وقال أصحابُ الشافعى‪ :‬يُعتبر فيها الدّينُ‪،‬‬
‫والنسبُ‪ ،‬والحُرية‪ ،‬والصّناعة‪ ،‬والسلمةُ من العيوب ال ُمنَ ّف َرةِ‪.‬‬
‫ولهم فى اليسار ثلثة أوجه‪ :‬اعتبارُه فيها‪ ،‬وإلغاؤُه‪ ،‬واعتبارُه فى أهل المدن دون أهلِ‬
‫ى ليس عندهم كُ ْفئًَا للعربى‪ ،‬ول غي ُر القرشى للقرشية‪ ،‬ول غيرُ الهاشمى للهاشمية‪،‬‬
‫البوادى‪ ،‬فالعجم ّ‬
‫ول غيرُ المنتسبة إلى العلماء والصلحاء المشهورين كفئًا لمن ليس منتسبًا إليهما‪ ،‬ول العبدُ كُ ْفئَاً‬
‫س الرّقّ أحدَ آبائه كفئًا لمن لم يمسّها رِق‪ ،‬ول أحداً‬
‫للحرة‪ ،‬ول العتيق كفئاً لحرة الصل‪ ،‬ول من َم ّ‬
‫من آبائها‪ ،‬وفى تأثير رِق المهات وجهان‪ ،‬ول مَن به عيب مثبت للفسخ كُ ْفئًَا للسليمة منه‪ ،‬فإن لم‬
‫يثبت الفسخ وكان منفّراً كالعمى والقطع‪ ،‬وتشويهِ الخِلقة‪ ،‬فوجهان‪ .‬واختار الرّويانى أن صاحبه‬
‫ليس بكفءٍ‪ ،‬ول الحجام والحائك والحارس كُ ْفئَاً لبنت التاجر والخياط ونحوهما‪ ،‬ول المحترف‬
‫لبنت العالم‪ ،‬ول الفاسق كفئًا للعفيفة‪ ،‬ول المبتدعُ للسنية ولكن الكفاءة عند الجمهور هي حق المرأة‬
‫والولياء‪.‬‬
‫ثم اختلفوا‪ ،‬فقال أصحاب الشافعى‪ :‬هى لمن له ولية فى الحال‪ .‬وقال أحمد فى‬
‫رواية‪ :‬حق لجميع الولياء‪ ،‬قريبهم وبعيدِهم‪ ،‬فمن لم يرض منهم‪ ،‬فله الفسخ وقال أحمد فى رواية‬
‫ثالثة‪ :‬إنها حقّ الِّ‪ ،‬فل َيصِحّ رضاهم بإسقاطه‪ ،‬ولكن على هذه الرواية ل تُعتبر الحريةُ ول اليسار‪،‬‬
‫ول الصناعة ول النسبُ‪ ،‬إنما يُعتبر الدّينُ فقط‪ ،‬فإنه لم يقل أحمد‪ ،‬ول أح ٌد من العلماء‪ :‬إن نكاح‬
‫الفقير للموسرة باطل وإن رضيت‪ ،‬ول يقولُ هو ول أحدٌ‪ :‬إن نكاح الهاشمية لغير الهاشمى‪،‬‬
‫والقرشية لغير القرشى باطل‪ ،‬وإنما نبهنا على هذا لن كثيراً من أصحابنا يحكُون الخلف فى‬
‫ل المذكورة‪ ،‬وفى‬
‫الكفاءة‪ ،‬هل هى حق ل أو للدمى؟ ويطلقون مع قولهم‪ :‬إن الكفاءة هى الخصا ُ‬
‫هذا من التساهلِ وعدمِ التحقيق ما فيه‪.‬‬
‫‪83‬‬

‫فصل‬
‫فى حُكمه صلّى ال عليه وسلّم فى ثُبوتِ الخيا ِر للمعتَقة تحتَ العبدِ‬
‫ل النبىّ صلى ال‬
‫ثبت فى ((الصحيحين))‪ ،‬والسنن‪ :‬أن َبرِي َر َة كاتبت أهلَها‪ ،‬وجاءت تسأ ُ‬
‫ن ولؤك‬
‫ب أهلُك أن أعُدّها لهم‪ ،‬ويكو ُ‬
‫ح ّ‬
‫عليه وسلم فى كتِابتها‪ ،‬فقالت عائش ُة رضى ال عنها‪ :‬إن أ َ‬
‫ن الولءُ لهم فقال النبىّ صلى ال عليه وسلم لعائشة‬
‫لى فعلتُ‪ ،‬فذكرت ذلك لهلها‪ ،‬فأ َبوْا إل أن يكو َ‬
‫ب الناسَ فقال‪(( :‬مَا بَالُ أ ْقوَامٍ‬
‫عتَقَ))‪ ،‬ثم خط َ‬
‫نأ ْ‬
‫ش َترِطى َلهُ ُم الوَلءُ لِم ْ‬
‫شتَرِيها وا ْ‬
‫رضى ال عنها‪(( :‬ا ْ‬
‫شرْطًا ل ْيسَ فى ِكتَابِ الِّ‪َ ،‬ف ُه َو بَاطِلٌ‪ ،‬وإِنْ كَانَ‬
‫ش َترَطَ َ‬
‫ستْ فى ِكتَابِ الِّ‪ ،‬مَنِ ا ْ‬
‫ش َترِطُونَ شروطًا َليْ َ‬
‫يَ ْ‬
‫ل ال صلى‬
‫عتَقَ))‪ ،‬ثم خيّرها رسو ُ‬
‫لّ أ ْوثَقُ‪ ،‬وِإ ّنمَا الولء ِلمَنْ أْ ْ‬
‫شرْطُ ا ِ‬
‫شرْطٍ‪َ ،‬قضَاءُ ال أحَقّ‪ ،‬و َ‬
‫مِائَة َ‬
‫ال عليه وسلم بين أن َتبْقَى على نكاح زوجها‪ ،‬وبين أن تَفْسَخَهُ‪ ،‬فاختارت نفسَها‪ ،‬فقال لها‪(( :‬إنّهُ‬
‫جكِ وأبُو َولَ ِدكِ))‪ ،‬فقالت‪ :‬يا رسولَ ال‪ ،‬تأ ُمرُنى بذلك؟ قال‪(( :‬لَ‪ ،‬إِنمَا َأنَا شَافِعٌ))‪ ،‬قالت‪ :‬فل‬
‫َزوْ ُ‬
‫حاجة لى فيه‪ ،‬وقال لها إذْ خيّرها‪(( :‬إن َق ُر َبكِ‪ ،‬فل خِيارَ لك))‪ ،‬وأمرها أن تعتد‪ ،‬وتُصُدّقَ عليها‬
‫عَليْها صَدَقَةٌ‪ ،‬وَلنَا هَ ِديّةٌ))‪.‬‬
‫بلحم‪ ،‬فأكل منه النبىّ صلى ال عليه وسلم وقال‪ُ (( :‬هوَ َ‬
‫ب وإن لم‬
‫وكان فى قِصةِ بريرة من الفقه جوا ُز مكاتبة المرأة‪ ،‬وجوازُ بي ِع المكات ِ‬
‫جزْه سّيدُه‪ ،‬وهذا مذهبُ أحمد المشهو ُر عنه‪ ،‬وعليه أكث ُر نصوصه‪ ،‬وقال فى رواية أبى طالب‪:‬‬
‫يُع ّ‬
‫ل يطأ مكاتبته‪ ،‬أل ترى أنه ل يقدر أن يبيعَها‪ .‬وبهذا قال أبو حنيفة‪ ،‬ومالكٌ‪ ،‬والشافعى‪ .‬والنبىّ‬
‫صلى ال عليه وسلم أقرّ عائشة رضى ال عنها على شرائها‪ ،‬وأهلَها على بيعها‪ ،‬ولم يسأل‪:‬‬
‫أعجزت أم ل‪ ،‬ومجيئُها تستعينُ فى كتابتها ل يستلزِمُ عجزَها‪ ،‬وليس فى بيع المكاتب محذور‪ ،‬فإن‬
‫عتَقَ‪ ،‬وإن عجز عن‬
‫بيعه ل يُبطل كِتابته‪ ،‬فإنه يبقى عند المشترى كما كان عند البائع‪ ،‬إن أدى إليه‪َ ،‬‬
‫الداء‪ ،‬فله أن ُيعِيدَه إلى الرّق كما كان عند بائعه‪ ،‬فلو لم تأت السنةُ بجواز بيعه‪ ،‬لكان القياسُ‬
‫يقتضيه‪.‬‬
‫ع القديمَ على جواز بيعِ المكاتَب‪ .‬قالوا‪ :‬لن قصة بريرة وردت‬
‫وقد ادعى غيرُ واحد الجما َ‬
‫ف ذلك‪ ،‬لنها صفقةٌ جرت بين أْمّ المؤمنين‪ ،‬وبينَ بعضِ‬
‫بنقل الكافّة‪ ،‬ولم يبق بالمدينة منْ لم َي ْع ِر ْ‬
‫الصحابة رضي ال عنهم‪ ،‬وهم موالى بريرة‪ ،‬ثم خطبَ رسولُ ال صلى ال عليه وسلم الناسَ فى‬
‫أمر بيعها خُطبةُ فى غير وقت الخطبة‪ ،‬ول يكون شىء أشهر مِن هذا‪ ،‬ثم كان مِن مشى زوجِها‬
‫خلفَها باكياً فى أزِقّة المدينةِ ما زاد الم َر شهر ًة عند النساء والصبيان‪ ،‬قالوا‪ :‬فظهر يقينًا أنه إجماعٌ‬
‫من الصحابة‪ ،‬إذ ل يُظن بصاحبٍ أنه يُخالف مِن سنة رسول ال صلى ال عليه وسلم مثلَ هذا‬
‫‪84‬‬

‫المر الظاهر المستفيضِ قالوا‪ :‬ول يُمكن أن تُوجِدُونا عن أحدٍ من الصحابة رضى ال عنهم المنعَ‬
‫من بيع المكاتب إل روايةً شاذة عن ابن عباس ل يُعرف لها إسناد‪.‬‬
‫ن منع بيعَه بعُذرين‪ .‬أحدهما‪ :‬أن بري َرةَ كانت قد عجزَت‪ ،‬وهذا عذرُ‬
‫واعتذر مَ ْ‬
‫أصحاب الشافعى‪ ،‬والثانى‪ :‬أن البي َع ورد على مال الكِتابة ل علي رقبتها‪ ،‬وهذا عذرُ أصحابِ‬
‫مالك‪.‬‬
‫ج إلى أن يُعتذر عنهما مِن الحديث‪ ،‬ول َيصِحّ واحد‬
‫وهذان العُذران أحو ُ‬
‫س وابنُه عبد ال‪ ،‬وكانت‬
‫ب أن هذه القصة كانت بالمدينة‪ ،‬وقد شهدها العبا ُ‬
‫منهما‪ ،‬أما الول‪ :‬فل ري َ‬
‫الكِتابة تسع سنين فى كل سنة أوقية‪ ،‬ولم تكن بع ُد أدّت شيئاً‪ ،‬ول خلف أن العباس وابنَه إنما سكنا‬
‫ض الثالث‪ ،‬فأين‬
‫ش النبىّ صلى ال عليه وسلم بعد ذلك إل عامينِ‪ ،‬وبع َ‬
‫المدينة بعد فتح مكة‪ ،‬ولم يع ِ‬
‫العجزُ وحلولُ النجوم؟‪،‬‬
‫وأيضاً‪ ،‬فإن بريرة لم تَقُلْ‪ :‬عجزتُ‪ ،‬ول قالت لها عائشةُ‪ :‬أعجزتِ؟ ول اعترف أهلُها‬
‫خ َب َر عنها البتة‪،‬‬
‫ل ال صلى ال عليه وسلم بعجزها‪ ،‬ول وَصَفَها به‪ ،‬ول أ ْ‬
‫بعجزها‪ ،‬ول حكم رسو ُ‬
‫جزُونَ عن إثباته؟‪.‬‬
‫فمن أين لكم هذا العجزُ الذى تع ِ‬
‫حبّ‬
‫وأيضاً‪ ،‬فإنها إنما قالت لعائشة‪ :‬كاتبت أهلى على تسع أواق فى كل سنة أوقية‪ ،‬وإنى أُ ِ‬
‫أن تُعينينى‪ ،‬ولم تقل‪ :‬لم أؤدّ لهم شيئاً‪ ،‬ول مضت علىّ نجوم عِ ّدةٌ عجزت عن الداء فيها‪ ،‬ول‬
‫قالت‪ :‬عجّزنى أهلى‪.‬‬
‫وأيضاً فإنهم لو عجّزوها‪ ،‬لعادت فى الرّق‪ ،‬ولم تكن حينئذ لِتسعى فى كتابتها‪ ،‬وتستعِينَ‬
‫بعائشة على أمر قد بَطَلَ‪.‬‬
‫جزِهَا قولُ عائشة‪ :‬إن أحب أهلك أن اشتريَك وأعِتقَك‪ ،‬ويكون‬
‫فإن قيل‪ :‬الذى يدل على عَ ْ‬
‫عتِقيها))‪،‬‬
‫ش َترِيهَا فَأَ ْ‬
‫ولؤكِ لى فعلتُ‪ .‬وقول النبى صلى ال عليه وسلم لعائشة رضى ال عنها‪(( :‬ا ْ‬
‫وهذا يدلّ على إنشاء عتق من عائشة رضى ال عنها‪ ،‬وعتقُ المكاتب بالداء ل بإنشاء مِن السيد‪.‬‬
‫ن المعلوم أنها ل تبطلُ إل بعجز‬
‫ل ببطلنِ الكِتابة‪ .‬قالوا‪ :‬ومِ َ‬
‫قيل‪ :‬هذا هو الذى أوجبَ لهم القو َ‬
‫المكاتب أو تعجِيزِه نفسه‪ ،‬وحينئذ فيعود فى الرّق‪ ،‬فإنما ورد البيعُ على رقيق‪ ،‬ل على مكاتَب‪.‬‬
‫وجوابُ هذا‪ :‬أن ترتيب العِتق على الشراء ل يدُلّ على إنشائه‪ ،‬فإنه ترتيبٌ للمسبب على‬
‫سببه‪ ،‬ول سيما فإن عائشة لما أرادت أن تُعجّل كتابتها جملة واحدة كان هذا سبباً فى إعتاقها‪ ،‬وقد‬

‫‪85‬‬

‫ش َت ِريَهُ‬
‫ل يَجِ َد ُه َم ْملُوكاً َفيَ ْ‬
‫ل يَجْزى َولَ ٌد وَالِ َدهُ إ ّ‬
‫ل النبى صلى ال عليه وسلم‪َ (( :‬‬
‫قلُتم أنتم‪ :‬إن قو َ‬
‫َف ُي ْعتِقَهُ))‪.‬‬
‫إن هذا من ترتيب المسبب على سببه‪ ،‬وأنه بنفس الشراء يُعتق عليه ل يحتاج إلى‬
‫إنشاء عتق‪.‬‬
‫طلُه‪ ،‬فإن أمّ المؤمنين اشترتْها‪ ،‬فأعتقتها‪،‬‬
‫ق القصة يُب ِ‬
‫وأما العذ ُر الثانى‪ :‬فأمرُه أظهرُ‪ ،‬وسيا ُ‬
‫وكان ولؤُها لها‪ ،‬وهذا مما ل ريبَ فيه‪ ،‬ولم تشترِ المالَ‪ ،‬والمال كان تس َع أوراق منجّمة‪ ،‬فعدّتها‬
‫لهم جملةً واحدة‪ ،‬ولم تتعرّض للمال الذى فى ذمتها‪ ،‬ول كان غرضها بوجهِ ما‪ ،‬ول كان لعائشة‬
‫غرض في شراء الدراهم المؤجّلة بعددها حالّة‪.‬‬
‫وفى القصة جوا ُز المعاملة بالنقود عدداً إذا لم يختِلفْ مقدارها‪ ،‬وفيها أنه ل يجوزُ‬
‫ط على الخر شرطًا يُخالف حكم ال ورسوله‪ ،‬وهذا معنى قوله‪:‬‬
‫لحدٍ من المتعاقدَين أن يشترِ َ‬
‫((ليس فى كتاب ال))‪ ،‬أى‪ :‬ليس فى حكم ال جوازُه‪ ،‬وليس المرادُ أنه ليس فى القرآن ذِكرُه‬
‫ط ال أوثق))‪.‬‬
‫وإباحته‪ ،‬ويدل عليه قولُه‪(( :‬كتابُ ال أحق وشر ُ‬
‫وقد استدل به من صحيح العقد الذى شرط فيه شرط فاسد‪ ،‬ولم يبطل العقدُ به‬
‫وهذا فيه نزاع وتفصيلٌ يظهر الصواب منه فى تبيين معنى الحديث‪ ،‬فإنه قد أشكل على الناس‬
‫قوله‪(( :‬اشترطى لهم الولء‪ ،‬فإن الولء لمن أعتق))‪ ،‬فأذن لها فى هذا الشتراط‪ ،‬وأخبر ل يفيد‪.‬‬
‫والشافعى طعن فى هذه اللفظة وقال‪ :‬إن هشام ابن عروة انفردَ بها‪ ،‬وخالفه غيرُه‪ ،‬فردها الشافعى‪،‬‬
‫ولم يثبتْها‪ ،‬ولكن أصحاب ((الصحيحين)) وغيرَهم أخرجوها‪ ،‬ولم يطعنوا فيها‪ ،‬ولم يُعللها أحد‬
‫سوى الشافعى فيما نعلم‪.‬‬
‫ثم اختلفوا فى معناها‪ ،‬فقالت طائفة‪ :‬اللم ليست على بابها‪ ،‬بل هى‬
‫ن أَسَ ْأتُمْ َفَلهَا} [السراء‪ ]7 :‬أى‪ :‬فعليها‪،‬‬
‫سكُمْ وإِ ْ‬
‫لنْفُ ِ‬
‫س ْنتُمْ َ‬
‫س ْنتُ ْم أَحْ َ‬
‫ن أَحْ َ‬
‫بمعنى ((على))‪ ،‬كقوله‪{ :‬إِ ْ‬
‫ن أَسَاءَ َف َعَل ْيهَا} [فصلت‪.]46 :‬‬
‫ل صَالِحاً َفِلنَفْسِهِ ومَ ْ‬
‫عمِ َ‬
‫كما قال تعالى‪{ :‬مَنْ َ‬
‫ورَ ّدتْ طائفة هذا العتذار بخلفه لسياق القصة‪ ،‬ولموضوع الحرف‪ ،‬وليس نظير الية‪،‬‬
‫فإنها قد فرّقت بين ما للنفس وبين ما عليها‪ ،‬بخلف قوله‪(( :‬اشترطى لهم))‪.‬‬
‫وقالت طائفة‪ :‬بل اللم على بابها‪ ،‬ولكن فى الكلم محذوف تقديره‪ :‬اشترطى لهم‪ ،‬أو ل‬
‫تشترطى‪ ،‬فإن الشتراط ل يُفيد شيئاً لمخالفته لكتاب ال‪.‬‬
‫وردّ غيرُهم هذا العتذا َر لستلزامه إضمارَ ما ل دليل عليه‪ ،‬والعلمُ به مِن نوع علم الغيب‪.‬‬
‫‪86‬‬

‫ش ْئتُم}‬
‫ع َملُوا مَا ِ‬
‫وقالت طائفة أخرى‪ :‬بل هذا أمرُ تهديد ل إباحة‪ ،‬كقوله تعالى‪{ :‬ا ْ‬
‫[فصلت‪ ]40 :‬وهذا فى البطلن من جنس ما قبله وأظهرُ فساداً‪ ،‬فما لعائشة‪ ،‬وما للتهديد هنا؟‪ ،‬وأين‬
‫فى السياق ما ينقضى التهديد لها؟ نعم هُمْ أحقّ بالتهديد‪ ،‬ل أ ّم المؤمنين‪.‬‬
‫ل هذا‪ ،‬ويكونُ‬
‫وقالت طائفة‪ :‬بل هو أمر إباحة وإذن‪ ،‬وأنه يجو ُز اشتراط مث ِ‬
‫ولءُ المكاتب للبائع‪ ،‬قاله بعضُ الشافعية‪ ،‬وهذا أفس ُد مِن جميع ما تقدم‪ ،‬وصريحُ الحديث يقتضى‬
‫بطلنَه وردّه‪.‬‬
‫وقالت طائفة‪ :‬إنما أذِنَ لها فى الشتراط‪ ،‬ليكون وسيلة إلى ظهور‬
‫بطلنِ هذا الشرط‪ ،‬وعلم الخاص والعام به‪ ،‬وتقررّ حكمه صلى ال عليه وسلم‪ ،‬وكان القومُ قد‬
‫عِلمُوا حكمه صلى ال عليه وسلم فى ذلك‪ ،‬فلم يقنعوا دون أن يكون الولءُ لهم‪ ،‬فعاقبهم بأن أذِنَ‬
‫لعائشة فى الشتراط‪ ،‬ثم خطبَ الناس فأذّن فيهم ببطلن هذا الشرط‪ ،‬وتضمّن حكماً من أحكام‬
‫شرِطَ فى العقد‪ ،‬لم يجز الوفاء به‪ ،‬ولول الذن فى الشتراط‬
‫الشريعة‪ ،‬وهو أن الشرطَ الباطل إذا ُ‬
‫ث تضمّن فسادَ هذا الحكم‪ ،‬وهو كَونُ الول ِء لغير المعتقِ‪.‬‬
‫علِمَ ذلك‪ ،‬فإن الحدي َ‬
‫لما ُ‬
‫وأما بطلنُه إذا شرط‪ ،‬فإنما استُفِي َد مِن تصريح النبىّ صلى ال عليه وسلم ببطلنه بعد‬
‫ل القومَ اعتقدوا أن اشتراطه يُفيد الوفاءَ به‪ ،‬وإن كان خلفَ مقتضى العقد المطلق‪،‬‬
‫اشتراطه ولع ّ‬
‫فأبطله النبىّ صلى ال عليه وسلم‪ ،‬وإن شرط كما أبطله بدون الشرط‪.‬‬
‫فإن قيل‪ :‬فإذا فات مقصودُ المشترط ببطلن الشرط‪ ،‬فإنه إما أن يُسلّط على الفسخ‪ ،‬أو يُعطى‬
‫من الرش بقدر ما فات من غرضه‪ ،‬والنبىّ صلى ال عليه وسلم لم يَقْضِ بواح ٍد من المرين‪.‬‬
‫قيل‪ :‬هذا إنما يثبت إذا كان المشترط جاهلً بفساد الشرط‪ .‬فأما إذا علم بطلنَه ومخالفتَه‬
‫لحكم ال‪ ،‬كان عاصياً آثماً بإقدامه على اشتراطه‪ ،‬فل فسخ له ول أرش‪ ،‬وهذا أظه ُر المرين فى‬
‫موالى بريرة‪ ،‬وال أعلم‪.‬‬
‫فصل‬
‫وفى قوله صلى ال عليه وسلم‪(( :‬إنما الولء لمن أعتق)) مِن العموم ما يقتضى ثبوتَه لمن‬
‫أعتق سائبةً‪ ،‬أو فى زكاة‪ ،‬أو كفارة‪ ،‬أو عتقٍ واجب‪ ،‬وهذا قولُ الشافعى وأبى حنيفة‪ ،‬وأحمد فى‬
‫إحدى الروايات‪ ،‬وقال فى الرواية الخرى‪ :‬ل ولء عليه‪ ،‬وقال فى الثالثة‪ :‬يُرد ولؤه فى عتق‬
‫ج بعمومه أحمد ومن وافقه فى أن المسلم إذا أعتق عبداً ذميّاً‪ ،‬ثم مات العتيق‪ ،‬ورثه‬
‫مثله‪ ،‬ويحت ّ‬
‫سلِ ُم الكَا ِفرَ)) فيخصصه أو يقيده‪ ،‬وقال الشافعى‬
‫بالولء‪ ،‬وهذا العمومُ أخصّ من قوله‪(( :‬ل َي ِرثُ المُ ْ‬
‫‪87‬‬

‫ت العبدُ مسلماً‪ ،‬ولهم أن يقولوا‪ :‬إن عموم قوله‪:‬‬
‫ومالك وأبو حنيفة‪ :‬ل َي ِرثُه بالولء إل أن يمو َ‬
‫سلِ ُم الكَا ِفرَ))‪.‬‬
‫((الولء لمن أعتق))‪ ،‬مخصوص بقوله‪(( :‬ل َي ِرثُ المُ ْ‬
‫فصل‬
‫في فقه قصة بريرة‬
‫وفى القصة مِن الفقه تخيي ُر المة المزوّجة إذا أُعتقت وزوجُها عبدٌ‪ ،‬وقد اختلفت الروايةُ فى‬
‫زوج بَريرة‪ ،‬هل كان عبداً أو حراً؟ فقال القاسم‪ ،‬عن عائشة رضى ال عنها‪ :‬كان عبداً ولو كان‬
‫حرًا لم يُخيّرها‪ .‬وقال عروة عنها‪ :‬كان حراً‪ .‬وقال ابنُ عباس‪ :‬كان عبداً أسودَ يقال له‪ :‬مغيث‪ ،‬عبداً‬
‫لبنى فلن‪ ،‬كأنى أنظر إليه يطوف وراءها فى سكك المدينة‪ ،‬وكل هذا فى الصحيح‪ .‬وفى سنن أبى‬
‫ل ال صلى ال عليه وسلم وقال‬
‫داود عن عروة عن عائشة‪ :‬كان عبداً لل أبى أحمد‪ ،‬فخيّرها رسو ُ‬
‫لها‪(( :‬إنْ َق ُر َبكِ‪ ،‬فَلَ خيا َر َلكِ))‪.‬‬
‫وفى مسند أحمد‪ ،‬عن عائشة رضى ال عنها‪ ،‬أن بَريرة كانت تحتَ عبد‪ ،‬فلما أعتقها‪ ،‬قال‬
‫ش ْئتِ أنْ‬
‫ت هذا ال َعبْدِ‪ ،‬وإن ِ‬
‫ح َ‬
‫ت أَنْ َت ْم ُكثِى تَ ْ‬
‫ش ْئ ِ‬
‫لها رسولُ ال صلى ال عليه وسلم‪(( :‬اخْتارِى فَإنْ ِ‬
‫تُفَارِقِيهِ))‪.‬‬
‫وقد روى فى ((الصحيح))‪ :‬أنه كان حراً‪.‬‬
‫ن عبداً‪ ،‬وهذا الخب ُر رواه عن عائشة رضى ال عنها‬
‫ح الروايات‪ ،‬وأكثرُها‪ :‬أنه كا َ‬
‫وأص ّ‬
‫ثلثة‪ :‬السود‪ ،‬وعروةُ‪ ،‬والقاسمُ‪ ،‬أما السود‪ ،‬فلم يختلفْ عنه عن عائشة أنه كان حراً‪ ،‬وأما عروة‪،‬‬
‫فعنه روايتان صحيحتان متعارضتان‪ ،‬إحداها‪ :‬أنه كان حراً ؛ والثانية‪ :‬أنه كان عبداً‪ ،‬وأما عبد‬
‫الرحمن بن القاسم‪ ،‬فعنه روايتان صحيحتان‪ ،‬إحداها‪ :‬أنه كان حراً‪ ،‬والثانية‪ :‬الشك‪ .‬قال داود بن‬
‫ف الروايةُ عن ابن عباس أنه كان عبداً‪.‬‬
‫مقاتل‪ :‬ولم تختِل ِ‬
‫(يتبع‪)...‬‬
‫@‬

‫واتفق الفقها ُء على تخيير الم ِة إذا أُعتِقَت وزوجُها عبد‪ ،‬واختلفوا إذا كان حراً ؛‬

‫فقال الشافعىّ ومالك وأحمد فى إحدى الروايتين عنه‪ :‬ل يخيرَ‪ ،‬وقال أبو حنيفة وأحمد فى الرواية‬
‫الثانية‪ :‬تُخيّر‪.‬‬
‫وليست الروايتان مبنيتين على كون زوجها عبداً أو حراً‪ ،‬بل على تحقيق‬
‫المناط فى إثبات الخيار لها‪ ،‬وفيه ثلثةُ مآخذ للفقهاء ؛ أحدها‪ :‬زوالُ الكفاءة‪ ،‬وهو المعبّ ُر عنه‬
‫ت ناقص‪ ،‬الثانى‪ :‬أن عتقها أوجبَ للزوج ملكَ طلقة ثالثة عليها لم تكن مملوكة له‬
‫بقولهم‪ :‬كملت تح َ‬
‫‪88‬‬

‫بالعقد‪ ،‬وهذا مأخذُ أصحابِ أبى حنيفة‪ ،‬وبنوا على أصلهم أن الطلقَ معتبرٌ بالنساء ل بالرجال‪،‬‬
‫الثالث‪ :‬ملكُها نفسها‪ ،‬ونحن نبين ما فى هذه‪.‬‬
‫المأخذ الول‪ :‬وهو كمالُها تحت ناقص‪ ،‬فهذا يرجع إلى أن الكفاءَة‬
‫خيّرتِ المرأةُ‪ ،‬كما تخيّر إذا بان الزوجُ‬
‫معتبرةٌ فى الدوام‪ ،‬كما هى معتبرة فى البتداء‪ ،‬فإذا زالت‪ُ ،‬‬
‫غيرَ كف ٍء لها‪ ،‬وهذا ضعيف من وجهين‪.‬‬
‫أحدهما‪ :‬أن شروطَ النكاح ل يُعتبر دوامُها واستمرارها‪ ،‬وكذلك توابعه المقا ِرنَةُ لعقدة ل‬
‫يُشترط أن تكون توابعَ فى الدوام‪ ،‬فإن رضى الزوجة غير المجبَرة شرط فى البتداء دونَ الدوامِ‪،‬‬
‫ح الزانية‪ ،‬إنما يمنع‬
‫وكذلك الولىّ والشاهدانِ‪ ،‬وكذلك مان ُع الحرام والعدة والزنى عند من يمنع نكا َ‬
‫ابتداء العقد دون استدامته‪ ،‬فل يلزم مِن اشتراط الكفاءة ابتدا ُء اشتراط استمرارها ودوامها‪..‬‬
‫ث عيب موجبٍ للفسخ‪ ،‬لم‬
‫ق الزوج‪ ،‬أو حدو ِ‬
‫الثانى‪ :‬أنه لو زالت الكفاءة فى أثناء النكاح بفس ِ‬
‫َي ْثبُت الخيا ُر على ظاهر المذهب‪ ،‬وهو اختيارُ قدماء الصحاب‪ ،‬ومذهب مالك‪ .‬وأثبت القاضى‬
‫الخيارَ بالعيب الحا ِدثَ‪ ،‬ويلزم إثباتُه بحدوث فسق الزوج‪ ،‬وقال الشافعى‪ :‬إن حدث بالزوج‪ ،‬ثبت‬
‫الخيار‪ ،‬وإن حدث بالزوجة‪ ،‬فعلى قولين‪.‬‬
‫وأما المأخذُ الثانى وهو أن عتقها أوجب للزوج عليها مِلكَ طلقة ثالثة‪ ،‬فمأخذٌ‬
‫ع مِلك‬
‫ن ثبوت الخيا ِر لها؟ وهل نصبَ الشار ُ‬
‫ى مناسبة بين ثبوت طلقة ثالثة‪ ،‬وبي َ‬
‫ضعيف جداً‪ ،‬فأ ّ‬
‫ن منه باثنتين فصارت ل تَبينُ إل‬
‫الطلقة الثالثة سببًا لملك الفسخ‪ ،‬وما يُتوهم من أنها كانت تَبي ُ‬
‫ل يُفارِقَها ألبتة‪ ،‬ويُمسكها حتى‬
‫بثلث‪ ،‬وهو زيادةُ إمساك وحبس لم يقتضِهِ العقدُ فَاسِدٌ‪ ،‬فإنه َي ْمِلكُ أ ّ‬
‫ك استدامة إمساكِها‪ ،‬وعتقها ل يسُلبُه هذا‬
‫يُفرّق الموتُ بينهما‪ ،‬والنكاحُ عقد على مدة العمر‪ ،‬فهو َي ْمِل ُ‬
‫الملك‪ ،‬فكيف يسلبه إياه ملكه عليها طلقةً ثالثة‪ ،‬وهذا لو كان الطلق معتبراً بالنساء‪ ،‬فكيف‬
‫ح أنه معتبر بمن هو بيده وإليه‪ ،‬ومشروع فى جانبه‪.‬‬
‫والصحي ُ‬
‫وأما المأخ ُذ الثالث‪ :‬وهو ملكُها نفسهَا‪ ،‬فهو أرجح المآخ ِذ وأقربُها إلى أصول‬
‫الشرع‪ ،‬وأبعدُها من التناقض‪ ،‬وسر هذا المأخذ أن السيد عقدَ عليها بحكم الملك حيث كان مالكاً‬
‫ك الرقبة والمنافع للمعتق‪ ،‬وهذا مقصوده وحكمته‪ ،‬فإذا ملكت‬
‫لرقبتها ومنافعها‪ ،‬والعتق يقتضى تملي َ‬
‫رقبتها‪ ،‬ملكت بُضعها ومنافعها‪ ،‬ومن جملتها منافِع البُضع‪ ،‬فل يملك عليها إل باختيارها‪ ،‬فخيّرها‬
‫ع بين أن تُقيم مع زوجها‪ ،‬وبين أن تفسخَ نكاحه‪ ،‬إذ قد ملكت منافع بُضعها‪ ،‬وقد جاء فى‬
‫الشار ُ‬
‫ختَارى))‪.‬‬
‫سكِ فَا ْ‬
‫بعض طرق حديث بريرة‪ ،‬أنه صلى ال عليه وسلم قال لها‪َ (( :‬مَل ْكتِ نَفْ َ‬
‫‪89‬‬

‫فإن قيل‪ :‬هذا ينت ِقضُ بما لو زوّجها ثم باعها‪ ،‬فإن المشترى قد ملك رقبتها وبُضعها‬
‫ومنا ِفعَه‪ ،‬ول تسلّطُونه على فسخ النكاح‪ .‬قلنا ل َيرِدُ هذا نقضاً‪ ،‬فإن البائع نقل إلى المشترى ما كان‬
‫مملوكاً له‪ ،‬فصار المشترى خليفته‪ ،‬هو لما زوّجها‪ ،‬أخرج منفعة البُضع عن ملكه إلى الزوج‪ ،‬ثم‬
‫نقلها إلى المشترى مسلوب ًة منفعة البُضع‪ ،‬فصار كما لو آجر عبده مدة‪ ،‬ثم باعه‪ .‬فإن قيل‪ :‬فهب أن‬
‫هذا يستقيم لكم فيما إذا باعها‪ ،‬فهل قلتم ذلك إذا أعتقها‪ ،‬وأنها ملكت نفسَها مسلوبة البُضع‪ ،‬كما لو‬
‫ض عليكم هذا المأخذ؟‬
‫آجرها‪ ،‬ثم أعتقها‪ ،‬ولهذا ينتقِ ُ‬
‫قيل‪ :‬الفرقُ بينهما‪ :‬أن العتق فى تمليك العتيق رقبتَه ومنافعه أقوى من البيع‪ ،‬ولهذا ينفذ فيما‬
‫لم يعتقه ويسرى فى حصة الشريك‪ ،‬بخلف البيع‪ ،‬فالعتق إسقاطُ ما كان السيد يملِك ُه من عتيقه‪،‬‬
‫وجعله له محرراً‪ ،‬وذلك يقتضى إسقاط مُلكِ نفسه ومنافِعها ُكلّها‪ .‬وإذا كان العتق يسرى في ملك‬
‫الغير المحض الذي ل حق له فيه البتة‪ ،‬فكيف ل يسري إلى مُلكه الذى تعلّق به حقّ الزوج‪ ،‬فإذا‬
‫ق الزوج‬
‫ك الذي ل حقّ للمعتق فيه‪ ،‬فسريانُه إلى مُلك الذى يتعلق به ح ّ‬
‫سرى إلى نصيب الشري ِ‬
‫ض العدل والقياس الصحيح‪.‬‬
‫أولى وأحرى‪ ،‬فهذا مح ُ‬
‫ق الزوج من هذه المنفعة بخلف الشريك‪ ،‬فإنه يرجِ ُع إلى القيمة‪.‬‬
‫فإن قيل‪ :‬فهذا فيه إبطال ح ّ‬
‫قيل‪ :‬الزوج قد استوفى المنفعة بالوطء‪ ،‬فطريانُ ما يُزيل دوامَها ل يُسقط له حقاً‪ ،‬كما لو‬
‫خ به‪.‬‬
‫طرأ ما يُفسِدُ أو يفسخُه برضاع أو حدوث عيب‪ ،‬أو زوالِ كفاءة عند من يفس ُ‬
‫فإن قيل‪ :‬فما تقولون فيما رواه النسائى‪ ،‬من حديث ابن َموْهَب‪ ،‬عن القاسم بن‬
‫ت ذلك‬
‫محمد‪ ،‬قال‪ :‬كان لعائشة رضى ال عنها غلم وجارية‪ ،‬قالت‪ :‬فأردت أن أعتِقَهما‪ ،‬فذكر ُ‬
‫لرسول ال صلى ال عليه وسلم‪ ،‬فقال ((ابدَئى بالغُلَم َقبْلَ الجَا ِريَةَ))‪ .‬ولول أن التخيير يمنع إذا‬
‫كان الزوج حرًا لم يكن للبداءة بعتق الغلم فائدة‪ ،‬فإذا بدات به‪ ،‬عتقت تحت حر‪ ،‬فل يكون لها‬
‫اختيار‪.‬‬
‫عبْدٍ‬
‫حتَ َ‬
‫ت تَ ْ‬
‫وفى سنن النسائى أيضاً‪ :‬أن رسول ال صلى ال عليه وسلم قال‪(( :‬أ ّيمَا َأمَ ٍة كَا َن ْ‬
‫خيَا ِر مَا لَ ْم يَطَأْهَا َزوْجُها))‪.‬‬
‫َف ُعتِ َقتْ‪َ ،‬ف ِهىَ بِال ِ‬
‫قيل‪ :‬أما الحديث الول‪ :‬فقال أبو جعفر العقيلى وقد رواه‪ :‬هذا خب ٌر ل يعرف إل بعبيد ال بن‬
‫ح لم يكن فيه حجة‪،‬‬
‫عبد الرحمن بن َموْهَب وهوضعيف‪ .‬وقال ابن حزم‪ :‬هو خبر ل يصح‪ .‬ثم لو ص ّ‬
‫لنه ليس فيه أنهما كانا زوجين‪ ،‬بل قال‪ :‬كان لها عبدٌ وجارية‪ .‬ثم لو كانا زوجين لم يكن فى أمره‬
‫ت الحر‪ ،‬وليس فى الخبر أنه أمرها بالبتداء بالزوج‬
‫لها بعتق العبد أولً ما يُسقط خيا َر المعتقة تح َ‬
‫‪90‬‬

‫لهذا المعنى‪ ،‬بل الظاهر أنه أمرها بأن تبتدىء بال ّذ َكرِ لفضل عتقه على النثى‪ ،‬وأن عتق أنثيين‬
‫يقومُ مقامَ عتق َذ َكرٍ‪ ،‬كما فى الحديث الصحيح مبيناً‪.‬‬
‫ضعّف‪ ،‬لنه من رواية الفضل بن حسن بن عمرو بن أمية الضمرى‬
‫وأما الحديث الثانى‪ :‬ف ُ‬
‫وهو مجهول‪ .‬فإذا تقرر هذا‪ ،‬وظهر حك ُم الشرع فى إثبات الخيار لها‪ ،‬فقد روى المام أحمد‬
‫لمَةُ فهى بِالخِيا ِر مَا لَ ْم يَطَأْهَا‪ ،‬إن شَاءتْ‬
‫عتِ َقتِ ا َ‬
‫بإسناده‪ ،‬عن النبى صلى ال عليه وسلم ((إِذَا أُ ْ‬
‫ستَطِيعُ ِفرَاقَهُ))‪.‬ويُستفاد من هذا قضيتان‪:‬‬
‫ل تَ ْ‬
‫طئَها فَلَ خَيا َر لَها وَ َ‬
‫ن وَ ِ‬
‫فَارَ َقتْهُ‪ ،‬وإِ ْ‬
‫إحداهما‪ :‬أن خيارَها على التراخى ما لم ُت َم ّكنْ ُه مِن وَطئها‪ ،‬وهذا مذهب مالك وأبى‬
‫حنيفة‪ .‬وللشافعى ثلثةُ أقوال‪ .‬هذا أحدُها‪ .‬والثانى‪ :‬أنه على الفور ؛ والثالث‪ :‬أنه إلى ثلثة أيام‪.‬‬
‫الثانية‪ :‬أنها إذا مكّنته من نفسها‪ ،‬فوطئها‪ ،‬سقط خيارُها‪ ،‬وهذا إذا علمت‬
‫بالعتق وثبوتِ الخيار به‪ ،‬فلو جهلتهما‪ ،‬لم يسقط خيارُها بالتمكين من الوطء‪ .‬وعن أحمد رواية‬
‫ثانية‪ :‬أنها ل تُعذر بجهلها بملك الفسخ‪ ،‬بل إذا علمت بالعتق‪ ،‬ومكّنته مِن وطئها‪ ،‬سقط خيارها ولو‬
‫لم تعلم أن لها الفسخ‪ ،‬والرواية الولى أصح فإن عتق الزوج قبل أن تختار وقلنا‪ :‬إنه ل خيار‬
‫للمعتقة تحت حر بطلَ خيارُها لمساواة الزوج لها‪ ،‬وحصول الكفاءة قبل الفسخ‪ .‬قال الشافعى فى‬
‫أحد قوليه وليس هو المنصور عند أصحابه‪ :‬لها الفسخ لتقدّم ملك الخيار على العتق فل يبطله‪،‬‬
‫ب فى البيع والنكاح قبل الفسخ به‪ ،‬وكما‬
‫س لزوال سبب الفسخ بالعتق‪ ،‬وكما لو زال العي ُ‬
‫والوّل أقي ُ‬
‫لو زال العسار فى زمن ملك الزوجة الفسخَ به‪ .‬وإذا قلنا‪ :‬العلة ملكها نفسها‪ ،‬فل أثر لذلك‪ ،‬فإن‬
‫طلقها طلقاً رجعياً‪ ،‬فعتقت فى عدتها‪ ،‬فاختارت الفسخَ‪ ،‬بطلت الرجعةُ‪ ،‬وإن اختارت المقام معه‪،‬‬
‫صح‪ ،‬وسقط اختيارُها للفسخ‪ ،‬لن الرجعية كالزوجة‪.‬‬
‫وقال الشافعى وبعضُ أصحاب أحمد‪ :‬ل يسقُط خيارُها إذا رضيت بالمقام دون الرجعة‪ ،‬ولها أن‬
‫تختار نفسها بعد الرتجاع‪ ،‬ول َيصِحّ اختيارُها فى زمن الطلق فإن الختيارَ فى زمن هى فيه‬
‫صائرة إلى بينوتة‪ ،‬ممتنع فإذا راجعها‪ ،‬صحّ حينئذ أن تختارَه وتُقيم معه‪ ،‬لنها صارت زوجة‪،‬‬
‫وعمل الختيار عمله‪ ،‬وتر ّتبَ أثرُه عليه‪ .‬ونظيرُ هذا إذا ارت ّد زوجُ المة بعد الدخول‪ ،‬ثم عتقت فى‬
‫زمن الرّدّة‪ ،‬فعلى القول الول لها الخيار قبل إسلمه‪ ،‬فإن اختارته‪ ،‬ثم أسلم‪ ،‬سقط ملكُها للفسخ‪،‬‬
‫وعلى قول الشافعى‪ :‬ل َيصِحّ لها خيار قبل إسلمه‪ ،‬لن العقد صائر إلى البطلن فإذا أسلم‪ ،‬صحّ‬
‫خِيارُها‪.‬‬
‫فإن قيل‪ :‬فما تقولون إذا طلقها قبل أن تفسخ‪ ،‬هل يقع الطلق أم ل؟‬
‫‪91‬‬

‫قيل‪ :‬نعم يقع‪ ،‬لنها زوجة ؛ وقال بعضُ أصحاب أحمد وغيرهم‪ :‬يُوقف الطلق‪ ،‬فإن‬
‫فسخت‪ ،‬تبينّا أنه لم يقع‪ ،‬وإن اختارت زوجها تبينّا وقوعه‪ .‬فإن قيل‪ :‬فما حكم المهر إذا اختارت‬
‫الفسخ؟‬
‫قيل‪ :‬إما أن تفسخ قبل الدخول أو بعده‪ .‬فإن فسخت بعدَه‪ ،‬لم يسقط المهر‪ ،‬وهو لِسيدها سواء‬
‫فسخت أو أقامت‪ ،‬وإن فسخت قبله ففيه قولن‪ ،‬هما روايتان عن أحمد إحداهما‪ :‬ل مهر‪ ،‬لن الفرقة‬
‫من جهتها‪ ،‬والثانية‪ ،‬يجب نصفُه‪ ،‬ويكون لسيدها ل لها‪.‬‬
‫فإن قيل‪ :‬فما تقولون فى المعتَق نِصفُها‪ ،‬هل لها خيار؟ قيل‪ :‬فيه قولن‪ ،‬وهما روايتان عن‬
‫أحمد‪ ،‬فإن قلنا‪ :‬ل خيا َر لها كزوج مدبّرة له ل يمِلك غيرها وقيمُتها مائة‪ ،‬فعقد على مائتين مهراً‪،‬‬
‫ط المهرُ‪ ،‬أو انتصف‪ ،‬فلم تخرُجْ‬
‫ثم مات‪ ،‬عتقت‪ ،‬وَلم تمِلك الفسخَ قبل الدخول‪ ،‬لنها لو ملكت‪ ،‬سق َ‬
‫مِن الثلث‪ ،‬فيرق بعضُها‪ ،‬فيمتنِعُ الفسخُ قبل الدخول‪ ،‬بخلف ما إذا لم تملكه‪ ،‬فإنها تخرُج من الثلث‪،‬‬
‫فيعتق جميعُها‪.‬‬
‫فصل‬
‫ج ْعتِهِ)) فقالت‪ :‬أتأمُرنى؟ فقال‪(( :‬ل‪ ،‬إنّما َأنَا شافع))‪،‬‬
‫فى قوله صلى ال عليه وسلم‪(( :‬لو را َ‬
‫فقالت‪ :‬ل حاجة لى فيه‪ ،‬فيه ثلث قضايا‪.‬‬
‫إحداها‪ :‬أن أمره على الوجوب‪ ،‬لهذا فرّق بين أمره وشفاعته‪ ،‬ول ريبَ أن امتثال‬
‫شفاعته من أعظم المستحبات‪.‬‬
‫ضبْ على بريرة‪ ،‬ولم يُنكر عليها إذ لم‬
‫الثانية‪ :‬أنه صلى ال عليه وسلم لم َي ْغ َ‬
‫تقبل شفاعته‪ ،‬لن الشفاعة فى إسقاط المشفوع عنده حقه‪ ،‬وذلك إليه‪ ،‬إن شاء أسقطه‪ ،‬وإن أبقاه‬
‫ن أمره‪.‬‬
‫فلذلك ل يحرُم عصيانُ شفاعته صلى ال عليه وسلم‪ ،‬ويحرم عصيا ُ‬
‫الثالثة‪ :‬أن اسم المراجعة فى لسان الشارع قد يكونُ مع زوال عقد‬
‫النكاح بالكلية‪ ،‬فيكون ابتداءَ عقد‪ ،‬وقد يكون مع تشعثه‪ ،‬فيكون إمساكاً‪ ،‬وقد سمّى سبحانه ابتداء‬
‫جعَا}‬
‫ن َي َترَا َ‬
‫عَل ْي ِهمَا أَ ْ‬
‫جنَاحَ َ‬
‫طلّ َقهَا فَلَ ُ‬
‫النكاح للمطلق ثلثًا بعد الزوج الثانى مُراجعتةً‪ ،‬فقال‪َ { :‬فإِنْ َ‬
‫[البقرة‪ ]230 :‬أى‪ :‬إن طلقها الثانى‪ ،‬فل جناح عليها‪ ،‬وعلى الول أن يتراجعا نكاحاً مستأنفاً‪.‬‬
‫فصل‬
‫عَل ْيهَا‬
‫وفى أكله صلى ال عليه وسلم مِن اللحم الذى تُصدّقَ به على برَيرة‪ ،‬وقال‪ُ (( :‬هوَ َ‬
‫صَدَقَةٌ ولَنا هَ ِديّةٌ))‪ ،‬دليلٌ على جواز أكل الغنى‪ ،‬وبنى هاشم‪ ،‬وكل من تحرم عليه الصدقة مما يُهديه‬
‫‪92‬‬

‫إليه الفقير من الصدقة لختلف جهة المأكول‪ ،‬ولنه قد بلغ محلّه وكذلك يجوزُ له أن يشتريَه منه‬
‫بماله‪ .‬هذا إذا لم تكن صدقَة نفسه‪ ،‬فإن كانت صدقَته‪ ،‬لم يجز له أن يشتر َيهَا‪ ،‬ول يَهبَها‪ ،‬ول يقبلها‬
‫هديةً‪ .‬كما نهى رسول ال صلى ال عليه وسلم عمر رضى ال عنه عن شِراء صدقته وقال‪(( :‬ل‬
‫ن أَعْطَاكَ ُه بِ ِدرْهَم))‪.‬‬
‫ش َترِه وإ ْ‬
‫تَ ْ‬
‫فصل‬
‫ل و َك ُثرَ وقضائه بصحة النكاح على ما مع الزوج‬
‫فى قضائه صلى ال عليه وسلم فى الصداق بما ق ّ‬
‫مِن القُرآن‬
‫ى صلى ال عليه‬
‫ن صَدَاقُ النب ّ‬
‫ثبت فى ((صحيح مسلم))‪ :‬عن عائشة رضى ال عنها‪ :‬كا َ‬
‫وسلم لَزواجه ثنتى عشرة أوقية ونشّاً‪ ،‬فذلك خمسمائة‪.‬‬
‫ل ال صلى ال عليه وسلم َنكَحَ شيئًا مِن نسائه‪،‬‬
‫عِلمْتُ رسو َ‬
‫ع َمرُ رضى ال عنه‪ :‬ما َ‬
‫وقال ُ‬
‫ول َأ ْنكَحَ شيئًا مِن بناتِه على أكث َر مِن ثِنتى عشر َة أُوقية‪ .‬قال الترمذى‪ :‬حديث حسن صحيح‪ .‬انتهى‪.‬‬
‫وفى ((صحيح البخارى))‪ :‬من حديث سهل بن سعد‪ ،‬أن النبىّ صلى ال عليه وسلم قال‬
‫لرجل‪َ (( :‬ت َزوّجْ َوَل ْو بِخَاتَ ٍم مِنْ حَدِيدٍ))‪.‬‬
‫وفى سنن أبى داود‪ :‬مِن حديث جابر‪ ،‬أن النبىّ صلى ال عليه وسلم قال‪(( :‬مَنْ أعْطى فى‬
‫ستَحَلّ))‪.‬‬
‫صَداقٍ مِلءَ كفيه سَويقًا أ ْو تَمراً‪ ،‬فَقَدِ ا ْ‬
‫ل ال صلى ال عليه‬
‫وفى الترمذى‪ :‬أن امرأةً مِن بنى فَزارة تزوّجت على نعلينِ‪ ،‬فقال رسو ُ‬
‫ك بنعلين))؟ قالت‪ :‬نعم‪ ،‬فأجازه‪ .‬قال الترمذى‪ :‬حديث حسن‬
‫ك ومَاِل ِ‬
‫سِ‬
‫ت مِنْ نَفْ ِ‬
‫وسلم‪(( :‬رَضِي ِ‬
‫صحيح‪.‬‬
‫وفى مسند المام أحمد‪ :‬من حديث عائشة رضىَ ال عنها‪ ،‬عن النبىّ صلى ال عليه وسلم‪:‬‬
‫س ُرهُ َمؤُونَة))‪.‬‬
‫ح َب َركَ ًة َأيْ َ‬
‫ن أَعْظَمَ ال ّنكَا ِ‬
‫((إ ّ‬
‫ى صلى ال عليه وسلم‪ ،‬فقالت‪ :‬يا رسولَ ال‪،‬‬
‫وفى ((الصحيحين))‪ :‬أن امرأةً جاءت إلى النب ّ‬
‫جنِيهَا إن لم َيكُن َلكَ ِبهَا حَاجَةٌ‪،‬‬
‫ت نفسى لكَ‪ ،‬فقامَت طويلً‪ ،‬فقال رجل‪ :‬يا رسول ال‪َ ،‬زوّ ْ‬
‫إنى قد وهب ُ‬
‫ك مِنْ شَى ٍء ُتصْدِقُها إيّاهُ))؟ قال‪ :‬ما عندى إل‬
‫عنْ َد َ‬
‫ل ال صلى ال عليه وسلم‪َ (( :‬فهَلْ ِ‬
‫فقالَ رسو ُ‬
‫ل إزَارَ َلكَ‪،‬‬
‫ت وَ َ‬
‫س َ‬
‫جلَ ْ‬
‫ط ْيتَها إزَا َركَ َ‬
‫ك إنْ أَعْ َ‬
‫ل ال صلى ال عليه وسلم‪(( :‬إ ّن َ‬
‫إزارى هذا‪ ،‬فقال رسو ُ‬
‫شيْئاً))‪ ،‬قال‪ :‬ل أجد شيئاً‪ ،‬قال‪(( :‬فَا ْل َت ِمسْ َوَلوْ خَاتَمًا مِنْ حَدِيدٍ))‪ ،‬فالتمس فلم يَجِدْ شيئاً‪ ،‬فقال‬
‫فَا ْل َت ِمسْ َ‬

‫‪93‬‬

‫ن ال ُقرْآنِ))؟ قال‪ :‬نعم سور ُة كذا وسورةُ كذا‬
‫ل َم َعكَ شىء مِ َ‬
‫رسولُ ال صلى ال عليه وسلم‪(( :‬هَ ْ‬
‫ن ال ُقرْآن))‪.‬‬
‫ك مِ َ‬
‫ج ُتكَها ِبمَا َم َع َ‬
‫ل ال صلى ال عليه وسلم‪(( :‬قَدْ َزوّ ْ‬
‫لِسور سماها‪ ،‬فقال رسو ُ‬
‫ك ُيرَدّ ولكنّك‬
‫سَليْمٍ‪ ،‬فقالت‪ :‬والِّ يا َأبَا طلحة‪ ،‬ما ِم ْثُل َ‬
‫وفى النسائى‪ :‬أن أبا طلحة خطب أُمّ ُ‬
‫سلِم‪ ،‬فَذاك َم ْهرِى‪ ،‬وما أسألك غيرَه‪،‬‬
‫ل لى أن أتزوّجَك‪ ،‬فإن تُ ْ‬
‫رجلٌ كافِر‪ ،‬وأنا امرأةٌ مسلمة‪ ،‬ول يَحِ ّ‬
‫ك َم ْهرَهَا‪ .‬قال ثابت‪ :‬فما سمعنا بامرأةٍ قَطّ كانت أكرمَ مهرًا من أمّ سُليم‪ ،‬فدخل بها‪،‬‬
‫فأسلَمَ فكان ذَل َ‬
‫فولدت له‪.‬‬
‫ث أن الصداق ل يتقدّر أقلّه‪ ،‬وأن قبض َة السويق وخاتمَ الحديد والنعلينِ‬
‫فتضمن هذا الحدي ُ‬
‫ل بها الزوجة‪.‬‬
‫َيصِحّ تسميتُها مهراً‪ ،‬وتَحِ ّ‬
‫وتضمّن أن المُغالة فى المهر مكروهة فى النكاح‪ ،‬وأنها مِن قلة بركته وعُسره‪.‬‬
‫وتضمّن أن المرأ ًة إذا َرضِيت بعلم الزوج‪ ،‬وحِفظه للقرآن أو بعضه مِن مهرها‪ ،‬جاز ذلك‪،‬‬
‫عتْقَها صداقَها وكان‬
‫جعَل السيدُ ِ‬
‫وكان ما يحصُل لها من انتفاعها بالقرآن والعلم هو صَداقها‪ ،‬كما إذا َ‬
‫انتفاعُها بحريّتها ومُلكها لرقبتها هو صداقَها‪ ،‬وهذا هو الذى اختَارته أمّ سليم من انتفاعها بإسلم‬
‫أبى طلحة‪ ،‬وبذلِها نفسها له إن أسلم‪ ،‬وهذا أحبّ إليها من المال الذى يب ُذلُه الزوجُ‪ ،‬فإن الصداقَ‬
‫ع فى الصل حقًا للمرأة تنتفع به‪ ،‬فإذا رضيت بالعلم والدّين‪ ،‬وإسلم الزوج‪ ،‬وقراءته للقرآن‪،‬‬
‫شرِ َ‬
‫ُ‬
‫كان هذا من أفضل المهور وأنفعها وأجلّها‪ ،‬فما خل العقد عن مهر‪ ،‬وأين الحكم بتقدير المهر بثلثة‬
‫دراهم‪ ،‬أو عشرة من النص؟ والقياس إلى الحكم بصحة كون المهر ما ذكرنا نصاً وقياساً‪ ،‬وليس‬
‫هذا مستوياً بين هذه المرأة وبين الموهبة التى وهبت نفسها للنبى صلى ال عليه وسلم وهى خالصة‬
‫له من دون المؤمنين‪ ،‬فإن تلك وهبت نفسها هبةً مجردة عن ولى وصداق‪ ،‬بخلف ما نحن فيه‪ ،‬فإنه‬
‫نكاح بولى وصداق‪ ،‬وإن كان غير مالى‪ ،‬فإن المرأة جعلته عوضاً عن المال لما يرجع إليها من‬
‫نفعه‪ ،‬ولم تهب نفسها للزوج هِبةً مجرّ َدةً كهبة شىء من مالها بخلف الموهوبة التى خصّ ال بها‬
‫رسوله صلى ال عليه وسلم‪ ،‬هذا مقتضى هذه الحاديث‪.‬‬
‫وقد خالف فى بعضه من قال‪ :‬ل يكون الصداقُ إل مالً‪ ،‬ول تكون منافع أخرى‪ ،‬ول علمه‪،‬‬
‫ل مِن ثلثة دراهم‬
‫ول تعليمه صداقاً‪ ،‬كقول أبى حنيفة وأحمد فى رواية عنه‪ .‬ومن قال‪ :‬ل يكون أق ّ‬
‫كمالك‪ ،‬وعشرة دراهم كأبى حنيفة‪ ،‬وفيه أقوال أخر شاذة ل دليل عليها من كتاب‪ ،‬ول سنة‪ ،‬ول‬
‫إجماع‪ ،‬ول قياس‪ ،‬ول قولِ صاحب‪.‬‬

‫‪94‬‬

‫ومن ادعى فى هذه الحاديث التى ذكرناها اختصاصَها بالنبى صلى ال عليه وسلم‪ ،‬أو أنها‬
‫ل أهل المدينة على خلفها‪ ،‬فدعوى ل يقومُ عليها دليلٌ‪ .‬والصل يردّها‪ ،‬وقد‬
‫منسوخة‪ ،‬أو أن عم َ‬
‫زوّج سي ُد أهل المدينة من التابعين سعي ُد بن المسيب ابنتَه على درهمين‪ ،‬ولم يُنكر عليه أحد‪ ،‬بل عُدّ‬
‫ذلك فى مناقبه وفضائله‪ ،‬وقد تزوّج عبد الرحمن بن عوف على صداق خمسة دراهم‪ ،‬وأقرّه النبى‬
‫صلى ال عليه وسلم‪ ،‬ول سبيل إلى إثبات المقادير إل من جهة صاحب الشرع‪.‬‬
‫فصل‬
‫فى حكمه صلى ال عليه وسلم‪ ،‬وخلفائه فى أحد الزوجين يجد بصاحبه برصًا أو جنونًا أو جذاماً‪،‬‬
‫عنّيناً‬
‫أو يكون الزوج ِ‬
‫ل ال صلى‬
‫فى ((مسند أحمد))‪ :‬من حديث يزيد بن كعب بن عُجرة رضى ال عنه‪ ،‬أن رسو َ‬
‫عَل ْيهَا‪َ ،‬و َوضَ َع ثوبَه‪ ،‬و َقعَ َد على الفِراش‪ ،‬أبصَرَ‬
‫ج امرأ ًة من بنى غِفَار‪ ،‬فلما َدخَلَ َ‬
‫ال عليه وسلم تزوّ َ‬
‫ك ِثيَا َبكِ‪ ))،‬ولم يأخذ مما آتاها شيئاً‪.‬‬
‫علَي ِ‬
‫ن ال ِفرَاشِ‪ ،‬ثم قال‪(( :‬خُذِى َ‬
‫حهَا بياضاً ؛ فامّاز عَ ِ‬
‫ِبكَشْ ِ‬
‫ن َأوْ جُذامٌ أ ْو َبرَصُ‪،‬‬
‫جنُو ُ‬
‫وفى ((الموطأ))‪ :‬عن عمر أنه قال‪َ :‬أيّما ا ْم َراَ ٍة غرّ بها رجُلٌ‪ ،‬بِها ُ‬
‫غ ّرهُ))‪.‬‬
‫ق الرّجُلِ عَلى مَنْ َ‬
‫ب ِم ْنهَا‪ ،‬وصَدَا ُ‬
‫َفَلهَا ال َم ْهرُ بما أصَا َ‬
‫ق بينَهما‪،‬‬
‫وفى لفظ آخر‪(( :‬قضَى عمر فى ال َبرْصاء‪ ،‬والجذماء‪ ،‬والمجنونة‪ ،‬إذا دخَل بها َفرّ َ‬
‫والصّداقُ لها بمَسِيسِه إياها‪ ،‬وهو له على َوِليّها))‬
‫وفى سنن أبى داود‪ :‬مِن حديث عِكرمة‪ ،‬عن ابن عباس رضى ال عنهما‪ :‬طلّق عب ُد يزيد أبو‬
‫ن ُم ِز ْينَةَ‪ ،‬فجاءت إلى النبىّ صلى ال عليه وسلم فقالت‪ :‬ما‬
‫ح امرأ ًة مِ ْ‬
‫رُكانة زوجتَه أ ّم رُكانة‪ ،‬و َنكَ َ‬
‫ن َرأْسِها‪ ،‬فَ َفرّق بينى وبينَه‪ ،‬فأخذت النبىّ‬
‫ش ْع َرةٍ أَخَ َذتْها مِ ْ‬
‫ش ْع َر ُة لِ َ‬
‫ل كَما ُت ْغنِى ه ِذ ِه ال ّ‬
‫عنّى إ ّ‬
‫ُي ْغنِى َ‬
‫طلّقْها))‪ ،‬ففعل‪،‬‬
‫ح ِميّةُ‪ ،‬فذكر الحديثَ‪ .‬وفيه‪ :‬أنه صلى ال عليه وسلم قال له (( َ‬
‫صلى ال عليه وسلم َ‬
‫عِلمْتُ‪،‬‬
‫ثم قال‪(( :‬رَاجِع ا ْم َرَأ ُتكَ أُ ّم ُركَانَةَ))‪ ،‬فقال‪ :‬إنى طلقتُها ثلثاً يا رَسُولَ الِّ‪ ،‬قال‪(( :‬قَدْ َ‬
‫ن ِلعِ ّد ِتهِنّ} [الطلق‪.]1 :‬‬
‫طلّقُوهُ ّ‬
‫طلّ ْقتُمُ النّسَاءَ فَ َ‬
‫ج ْعهَا))‪ ،‬وتل‪{ :‬يََأ ّيهَا ال ّن ِبىّ إِذَا َ‬
‫ارْ ِ‬
‫علّة لهذا الحديث إل رواي ُة ابن جُريج له عن بعض بنى أبى رافع‪ ،‬وهو مجهول‪ ،‬ولكن‬
‫ول ِ‬
‫هو تابعى‪ ،‬وابنُ جريج من الئمة الثقات العدولِ‪ ،‬وروايةُ العدل عن غيره تعديلٌ له ما لم يُعلم فيه‬
‫جرحٌ‪ ،‬ولم يكن الكذبُ ظاهراً فى التابعين‪ ،‬ول سيما التابعين مِن أهل المدينة‪ ،‬ول سيما موالى‬
‫لّ صلى ال عليه وسلم‪ ،‬ول سيما مثل هذه السنة التى تشتد حاج ُة النّاس إليها ل يُظن بابن‬
‫رسولِ ا ِ‬
‫جريج أنه حملها عن كذّاب‪ ،‬ول عن غي ِر ثقة عنده‪ ،‬ولم يُبيّنْ حاله‪.‬‬
‫‪95‬‬

‫وجاء التفريقُ بال ُعنّ ِة عن عمر‪ ،‬وعثمانَ‪ ،‬وعبدِ ال بن مسعود‪ ،‬وسمر َة بنِ جندب‪،‬‬
‫ومعاويةَ بن أبى سفيان‪ ،‬والحارث بن عبد ال بن أبى ربيعة‪ ،‬والمغيرة بن شعبة‪ ،‬لكن عمر‪ ،‬وابن‬
‫جلَه‬
‫جلُوه سنة‪ ،‬وعثمان ومعاوية وسمرة لم يؤجّلوه‪ ،‬والحارث بن عبد ال أ ّ‬
‫مسعود‪ ،‬والمغيرة‪ ،‬أ ّ‬
‫عشرة أشهر‪.‬‬
‫وذكر سعي ُد بن منصور‪ :‬حدثنا هُشيم‪ ،‬أنبأنا عبدُ ال بن عوف‪ ،‬عن ابن‬
‫سعَاية‪ ،‬فتزوّج امرأةً وكان‬
‫ض ال ّ‬
‫سيرين أن عم َر بنَ الخطاب رضى ال عنه بعثَ رجلً على بع ِ‬
‫عِلمْها‪ ،‬ثم خيّرها‪.‬‬
‫عَل ْمتَها أ ّنكَ عَقِيمُ؟ قال‪ :‬ل‪ ،‬قال‪ :‬فانطلق فأ ْ‬
‫عقيماً‪ ،‬فقال له عمرُ‪ :‬أ ْ‬
‫وأجّلَ مجنوناً سنة‪ ،‬فإن أفاق وإل فرّق بينه وبين امرأته‪.‬‬
‫ح بعيب ألبتة‪،‬‬
‫فاختلف الفقهاءُ فى ذلك‪ ،‬فقال داود‪ ،‬وابنُ حزم‪ ،‬ومَنْ وافقهما‪ :‬ل يُفْسَخْ النكا ُ‬
‫ب وال ُعنّةِ خاصة‪ .‬وقال الشافعى ومالك‪ :‬يُفْسَخُ بالجنونِ وال َبرَصِ‪،‬‬
‫ج ّ‬
‫وقال أبو حنيفة‪ :‬ل يفسخ إل بال َ‬
‫ب وال ُعنّةِ خاصة‪ ،‬وزاد المام أحمد عليهما‪ :‬أن تكونَ المرأة فتقاءَ منخرِقة ما‬
‫ج ّ‬
‫والجُذامِ وال َقرَن‪ ،‬وال َ‬
‫ن الفرج والفم‪ ،‬وانخراقِ مخرجى البول والمنى فى الفرج‪ ،‬والقروح‬
‫بينَ السبيلين‪ ،‬ولصحابه فى َنتَ ِ‬
‫ق البول‪ ،‬والنجو‪ ،‬والخصى وهو قطعُ‬
‫السيالة فيه‪ ،‬والبواسير‪ ،‬والنّاصور‪ ،‬والستحاضة‪ ،‬واستطل ِ‬
‫ل البيضتين‪ ،‬والوجء وهو رضّهما‪ ،‬وكونُ أحدهما خُنثى مشكلً‪ ،‬والعيبِ‬
‫البيضتينِ‪ ،‬والسّل وَهو سَ ّ‬
‫الذى بصاحبه مثلُه مِن العيوب السبعة‪ ،‬والعيبِ الحادث بعد العقد‪ ،‬وجهان‪.‬‬
‫ب تُردّ به الجاري ُة فى البيع وأكثرُهم‬
‫وذهب بعضُ أصحابِ الشافعى إلى ر ّد المرأة بكُلّ عي ٍ‬
‫ظ ّنتَه‪ ،‬ول مَنْ قاله‪ .‬وممن حكاه‪ :‬أبو عاصم العبادانى فى كتاب طبقات‬
‫ل َي ْع ِرفُ هذا الوجهَ ول م ِ‬
‫أصحاب الشافعى‪ ،‬وهذا القولُ هو القياس‪ ،‬أو قولُ ابن حزم ومن وافقه‪.‬‬
‫وأما القتصارُ على عيبين أو ستة أو سبعة أو ثمانية دون ما هو أولى منها أو مساو لها‪ ،‬فل‬
‫وجه له‪ ،‬فالعمى والخرس والطرش‪ ،‬وكونُها مقطوعة اليدين أو الرجلين‪ ،‬أو إحداهُما‪ ،‬أو كونُ‬
‫ف للدين‪،‬‬
‫الرجل كذلك من أعظم المنفّرات‪ ،‬والسكوت عنه من أقبح التدليس والغش‪ ،‬وهو مُنا ٍ‬
‫والطلق إنما ينصرف إلى السلمة‪ ،‬فهو كالمشروط عرفاً‪ ،‬وقد قال أمير المؤمنين عمر بن‬
‫خ ِبرْهَا أ ّنكَ عَقِيمٌ وخ ّيرْهَا‪ .‬فماذا يقول‬
‫الخطاب رضى ال عنه لمن تزوج امرأة وهُو ل يولد له‪ :‬أَ ْ‬
‫رضى ال عنه فى العيوب التى هذا عندها كمالٌ ل نقص؟‬
‫ل عيب ين ِفرُ الزوجُ الخر منه‪ ،‬ول يحصُل به مقصودُ النكاح مِن الرحمة‬
‫والقياس‪ :‬أن كُ ّ‬
‫ط المشترطة فى النكاح أولى بالوفا ِء مِن‬
‫والمودّة يُوجبُ الخيارَ‪ ،‬وهو أولى مِن البيع‪ ،‬كما أن الشرو َ‬
‫‪96‬‬

‫ن به‪ ،‬ومن تدبّر مقاصد‬
‫غبِ َ‬
‫غ ّر به و ُ‬
‫شروط البيع‪ ،‬وما ألزم الُّ ورسولُه مغروراً قطّ‪ ،‬ول مغبوباً بما ُ‬
‫الشرع فى مصادره وموارِده وعدله وحِكمته‪ ،‬وما اشتمل عليه مِن المصالح لم يخفَ عليه رجحانُ‬
‫هذا القول‪ ،‬وقربُه من قواعد الشريعة‪.‬‬
‫جتْ‬
‫وقد روى يحيى بن سعيد النصارى‪ ،‬عن ابن المسيب قال‪ :‬قال عمر‪ :‬أيّما امرأ ٍة ُزوّ َ‬
‫وبها جنونٌ أو جُذام أو َبرَصٌ فدخل بها ثم اطّلع على ذلك‪ ،‬فلها مهرها بمسيسه إياها‪ ،‬وعلى الولى‬
‫الصّداقُ بما دلس كما غرّه‪.‬‬
‫ورَدّ هذا بأن ابن المسيّب لم يسمع من عمر من باب الهذيان البارد المخالف لجماع أهل‬
‫الحديث قاطبة‪ ،‬قال المام أحمد‪ :‬إذا لم يُقبل سعيد بن المسيب عن عمر‪ ،‬فمن يقبل‪ ،‬وأئمة السلم‬
‫ل ال صلى ال عليه وسلم‪ :‬فكيف بروايته‬
‫وجمهورهُم يحتجون بقول سعيد بن المسيب‪ :‬قال رسو ُ‬
‫ع َم َر رضى ال عنه‪ ،‬وكان عبد ال بن عمر يرسل إلى سعيد يسأله عن قضايا عمر‪ ،‬فيُفتى‬
‫عن ُ‬
‫ل معتبر فى رواية‬
‫ط من أهل عصره‪ ،‬ول مَنْ بعدهم ممن له فى السلم قو ٌ‬
‫بها‪ ،‬ولم يطعن أحدٌ ق ّ‬
‫سعيد بن المسيب عن عمر‪ ،‬ول عبرة بغيرهم‪.‬‬
‫وروى الشعبى عن على‪ :‬أيّما امرأةٍ نكحت وبها َبرَصٌ أو جُنون أو جُذام أو َقرَنٌ فزوجُها‬
‫بالخيار ما لم يمسها‪ ،‬إن شاء أمسك‪ ،‬وإن شاء طلق‪ ،‬وإن مسّها فلها المهرُ بما استحل من فرجها‪.‬‬
‫ع َمرَ‪ ،‬قال‪:‬‬
‫وقال وكيع‪ :‬عن سفيان الثورى‪ ،‬عن يحيى بن سعيد‪ ،‬عن سعيد بن المسّيب‪ ،‬عن ُ‬
‫ن غرّه‪ .‬وهذا يدل على‬
‫إذا تزوّجها برصاء‪ ،‬أو عميَاء‪ ،‬فدخل بها‪ ،‬فلها الصداقُ‪ ،‬ويرج ُع به على مَ ْ‬
‫أن عمر لم يذكر تلك العيوب المتقدّمة على وجه الختصاص والحصر دونَ ما عداها‪ ،‬وكذلك حكم‬
‫قاضى السلم حقًا الذى يُضرب المثلُ بعلمِه ودِينه وحُكمه‪ :‬شريحٍ قال عبد الرزاق‪ :‬عن معمر‪،‬‬
‫ش َريْح‪ ،‬فقال‪ :‬إن هؤلء قالوا لى‪ :‬إنا نُزوّجُك بأحْسَنِ‬
‫ل إلى ُ‬
‫عن أيوب‪ ،‬عن ابن سيرين‪ ،‬خاصم رج ٌ‬
‫الناسِ‪ ،‬فجاؤونى بامرأة عمشاءَ‪ ،‬فقال شُريح‪ :‬إن كان دلّس لك بعيب لم يَجُز‪ ،‬فتأمل هذا القضاء‪،‬‬
‫وقوله‪ :‬إن كان دلّس لك بعيب‪ ،‬كيف يقتضى أن كل عيب دلست به المرأةُ‪ ،‬فللزوج الردّ به؟ وقال‬
‫ى يُردّ النكاح مِن كل داءٍ عُضالٍ‪.‬‬
‫الزهر ّ‬
‫ومن تأمل فتاوى الصحابة والسلف‪ ،‬علم أنهم لم يخصّوا الردّ بعيب دون عيب إل‬
‫رواية رُويت عن عمر رضى ال عنه‪ :‬ل تُردّ النساء إل من العُيوب الربعة‪ :‬الجنون‪ ،‬والجذام‪،‬‬
‫والبرص‪ ،‬والداء فى الفرج‪ .‬وهذه الرواية ل نعلم لها إسنادًا أكثر من أصبغ عن ابن وهب‪ ،‬عن‬
‫ع َمرَ وعَلى‪ .‬رُوى عن ابن عباسِ ذلك بإسناد متصل‪ ،‬ذكره سفيان‪ ،‬عن عمرو بن دينار عنه‪ .‬هذا‬
‫ُ‬
‫‪97‬‬

‫ق الزوجُ‪ ،‬وأما إذا اشترط السلمةَ‪ ،‬أو شرطَ الجمَال‪ ،‬فبانت شوهاء‪ ،‬أو شرطَها شابةً‬
‫ُكلّه إذا أطل َ‬
‫حديث َة السن‪ ،‬فبانت عجوزاً شمطاء‪ ،‬أو شرطها بيضاءَ‪ ،‬فبانت سوداء‪ ،‬أو بِكراً فبانت ثيباً‪ ،‬فله‬
‫الفسخُ فى ذلك ُكلّه‪.‬‬
‫غرْمٌ على وليها إن‬
‫فإن كان قبلَ الدخول‪ ،‬فل مهرَ لها‪ ،‬وإن كان بعدَه‪ ،‬فلها المهرُ‪ ،‬وهو ُ‬
‫كان غرّه‪ ،‬وإن كانت هى الغارّة‪ ،‬سقط مهرُها أو رَجَ َع عليها به إن كانت قبضته‪ ،‬ونص على هذا‬
‫أحمد فى إحدى الروايتين عنه‪ ،‬وهو أقيسُهما وأولهما بأصوله فيما إذا كان الزوج هو المشترط‪.‬‬
‫وقال أصحابُه‪ :‬إذا شرطت فيه صفةً‪ ،‬فبان بخلفها‪ ،‬فل خيار لَها إل فى شرط الحفرية إذا‬
‫بان عبداً‪ ،‬فلها الخيارُ‪ ،‬وفى شرط النسب إذا بان بخلفه وجهان‪ ،‬والذى يقتضيه مذهبُه وقواعده‪،‬‬
‫أنه ل فرق بين اشتراطه واشتراطها‪ ،‬بل إثباتُ الخيار لها إذا فات ما اشترطته أولى‪ ،‬لنها ل‬
‫خ مع تمكن ِه من الفراق بغيره‪ ،‬فلن يجوزَ لها الفسخُ‬
‫تتمكّنُ من المفارقة بالطلق‪ ،‬فإذا جاز له الفس ُ‬
‫مع عدم تمكّنها أولى‪ ،‬وإذا جاز لها الفسخ إذا ظهر الزوجُ ذا صناعة دنيئة ل تشينُه فى دِينه ول فى‬
‫عرضه‪ ،‬وإنما تمنع كمال لذتها واستمتاعها به‪ ،‬فإذا شرطته شاباً جميلً صحيحاً فبان شيخاً مشوهاً‬
‫أعمى أطرش أخرس أسود‪ ،‬فكيف تلزم به‪ ،‬وتمنع من الفسخ؟ هذا فى غاية المتناع والتناقض‪،‬‬
‫ل التوفيق‪.‬‬
‫والبعدِ عن القياس‪ ،‬وقواعد الشرع‪ ،‬وبا ّ‬
‫وكيف يمكّن أح ُد الزوجين من الفسخ بقدر العدسَ ِة من ال َبرَصِ‪ ،‬ول يُمكّن منه بالجرب‬
‫المستحكم المتمكّن وهو أش ّد إعدا َء من ذلك البرص اليسير وكذلك غيرُه مِن أنواع الداء العُضال؟‬
‫وإذا كان النبىّ صلى ال عليه وسلم حرّم على البائع كِتمانَ عيب سلعته‪ ،‬وحرّم على مَنْ‬
‫علمه أن يك ُتمَه مِن المشترى‪ ،‬فكيف بالعيوب فى النكاح‪ ،‬وقد قال النبىّ صلى ال عليه وسلم لفاطمة‬
‫ل لَهُ‪ ،‬وأمّا‬
‫ص ْعلُوكٌ ل مَا َ‬
‫بنتِ قيس حين استشارته فى نكاح معاوية‪ ،‬أو أبى الجهم‪(( :‬أمّا ُمعَا ِويَةُ‪َ ،‬ف ُ‬
‫ن العيب فى النكاح أولى وأوجب‪ ،‬فكيف يكون‬
‫عصَاهُ عَنْ عَاتِقِه))‪ ،‬ف ُعلِمَ أن بيا َ‬
‫جهْمِ‪ ،‬فَل َيضَعُ َ‬
‫أبُو َ‬
‫كتمانُه وتدليسُه وال ِغشّ الحرَامُ به سببًا للزومه‪ ،‬وجعل ذا العيب غُلً لزماً فى عُنق صاحبه مع شِدة‬
‫نُفرته عنه‪ ،‬ول سيما مع شرط السلمة منه‪ ،‬وشرطِ خلفه‪ ،‬وهذا مما يُعلم يقينًا أن تصرفات‬
‫ل أعلم‪.‬‬
‫الشريعة وقواعدَها وأحكامَها تأباه وا ّ‬
‫ى عيبٍ‬
‫وقد ذهب أبو محمد ابن حزم إلى أن الزوجَ إذا شرط السلمةَ مِن العيوب‪ ،‬فوجِ َد أ ّ‬
‫كان‪ ،‬فالنكاح باطل من أصله غير منعقد‪ ،‬ول خيار له فيه‪ ،‬ول إجازة ول نفقة‪ ،‬ول ميراث‪ .‬قال‪:‬‬

‫‪98‬‬

‫لَن التى أدخلت عليه غير التى تزوج‪ ،‬إذ السالمةُ غي ُر المعيبة بل شك‪ ،‬فإذا لم يتزوجها‪ ،‬فل‬
‫زوجيةَ بينهما‪.‬‬
‫فصل‬
‫صلّى ال عليه وسلم فى خِ ْدمَ ِة المرأةِ لزوجها‬
‫فى حُكم النبىّ َ‬
‫ى صلى ال عليه وسلم بين على بن أبى طالب‬
‫قال ابنُ حبيب فى ((الواضحة))‪ :‬حكم النب ّ‬
‫رضى ال عنه‪ ،‬وبين زوجته فاطمة رضى ال عنها حين اشتكيا إليه الخِدمة‪ ،‬فحكم على فاطمة‬
‫بالخدمة الباطنة خدمة البيت‪ ،‬وحكم على عليّ بالخدمة الظاهرة‪ ،‬ثم قال ابنُ حبيب‪ :‬والخدمة‬
‫س البيت‪ ،‬واستقا ُء الماء‪ ،‬وعمل البيت كلّه‪.‬‬
‫الباطنة‪ :‬العجينُ‪ ،‬والطبخُ‪ ،‬والفرشُ‪ ،‬وكن ُ‬
‫ى صلى ال عليه وسلم تشكُو إليه ما‬
‫ت النب ّ‬
‫فى ((الصحيحين))‪ :‬أن فاطمة رضى ال عنها أت ِ‬
‫َتلْقى فى يَ َد ْيهَا مِن الرّحى‪ ،‬وتسألُه خادماً فلم تَجِدْه‪ ،‬فذكرت ذلك لِعائشة رضى ال عنها‪ ،‬فلما جاء‬
‫ج َعنَا‪ ،‬فذهبنا نقومُ‪ ،‬فقال‪:‬‬
‫رسولُ ال صلى ال عليه وسلم أخبرتْه‪ .‬قال على‪ :‬فجاءنا وقد أخذنا َمضَا ِ‬
‫خ ْيرٌ‬
‫ل أ ُدّل ُكمَا عَلى مَا ُهوَ َ‬
‫(( َمكَان ُكمَا))‪ ،‬فجاء فقعَ َد بي َننَا حتى وجدت َبرْدَ قَ َد َميْ ِه على بطْنى‪ ،‬فقال‪(( :‬أَ َ‬
‫حمَدا ثلثًا وثلثينَ‪ ،‬و َكبّرا أربعاً‬
‫سبّحا ال ثَلثًَا وثَلثِينَ‪ ،‬وا ْ‬
‫ج َعكُما فَ َ‬
‫َل ُكمَا ِممّا سََأ ْل ُتمَا‪ ،‬إذا أَخَ ْذتُما َمضَا ِ‬
‫علّى‪ :‬فما تركتُها َبعْدُ‪ ،‬قِيلَ‪ :‬ول ليل َة صفين؟ قال‪ :‬ول ليلة‬
‫وثلثين‪ ،‬فهو خير لكما من خادِم‪ .‬قال َ‬
‫صِفّين))‪.‬‬
‫س و ُك ْنتُ‬
‫ت ُكلّه‪ ،‬وكان لَه َف َر ٌ‬
‫وصحّ عن أسماء أنها قالت‪ :‬كنت أخدِ ُم ال ّز َب ْيرَ خِ ْدمَ َة ال َب ْي ِ‬
‫عَليْهِ‪.‬‬
‫ش لَهُ‪ ،‬وأَقُومُ َ‬
‫أَسُوسُه‪ ،‬و ُك ْنتُ أَحْت ّ‬
‫علَى‬
‫خ ِرزُ ال ّد ْل َو و َتعْجِنُ‪ ،‬و َتنْقُلُ النّوى َ‬
‫وصحّ عنها أنها كانت َت ْعِلفُ فرسَه‪ ،‬وتَسْقِى الماءَ‪ ،‬وتَ ْ‬
‫علَى ُثُلثَى َفرْسَخ‪.‬‬
‫ض لَهُ َ‬
‫سهَا مِنْ أَر ٍ‬
‫َرأْ ِ‬
‫خَلفِ خِدمَتها له فى مصالح البيت‪،‬‬
‫فاختلف الفقهاءُ فى ذلك‪ ،‬فأوجب طائف ٌة مِن السّلفِ وال َ‬
‫وقال أبو ثور‪ :‬عليها أن تَخْدِمَ زوجها فى كل شىء‪ ،‬ومنعت طائفةً وجوبَ خدمته عليها فى شىء‪،‬‬
‫وممن ذهب إلى ذلك مالك‪ ،‬والشافعى‪ ،‬وأبو حنيفة‪ ،‬وأهلُ الظاهر‪ ،‬قالوا‪ :‬لن عقدَ النكاح إنما‬
‫ل على التطوّع‬
‫اقتضى الستمتاع‪ ،‬ل الستخدام وبذل المنافع‪ ،‬قالوا‪ :‬والحاديث المذكورة إنما تد ّ‬
‫ومكارِمِ الخلق‪ ،‬فأين الوجوبُ منها؟‬
‫واحتج من أوجب الخدمة‪ ،‬بأن هذا هو المعروف عند من خاطبهم ال سبحانه بكلمه‪ ،‬وأما‬
‫ترفي ُه المرأةِ‪ ،‬وخدم ُة الزوج‪ ،‬وكنسُه‪ ،‬وطحنُه‪ ،‬وعجنُه‪ ،‬وغسيلُه‪ ،‬وفرشُه‪ ،‬وقيامُه بخدمة البيت‪،‬‬
‫‪99‬‬

‫ن ِمثْلُ الّذِى عَليْهنّ بِال َم ْعرُوفِ} [البقرة‪ ]228 :‬وقال‪{:‬الرّجَالُ‬
‫ن المنكر‪ ،‬والّ تعالى يقول‪{:‬وَلهُ ّ‬
‫َفمِ َ‬
‫َقوّامُونَ عَلى النّسَاءِ} [النساء‪ ]34 :‬وإذا لم تخ ِدمْه المرأةُ‪ ،‬بل يكون هو الخادِمَ لها‪ ،‬فهى ال َقوّامَةُ‬
‫عليه‪.‬‬
‫ل مِن الزوجين يقضى وطرَه مِن صاحبه فإنما‬
‫وأيضاً‪ :‬فإن المهر فى مقابلة البُضع‪ ،‬وكُ ّ‬
‫أوجبَ ال سبحانه نفقتَها وكُسوتها ومسكنَها فى مقابلة استمتاعه بها وخدمتها‪ ،‬وما جرت به عادةُ‬
‫الزواج‪.‬‬
‫ل على العرف‪ ،‬والعُرفُ خدم ُة المرأة‪ ،‬وقيامُها بمصالح‬
‫وأيضاً فإن العقود المطلقة إنما ُت َنزّ ُ‬
‫البيت الداخلة‪ ،‬وقولُهم‪ :‬إن خدمة فاطمة وأسماء كانت تبرعاً وإحسانًا يردّه أن فاطمة كانت تشتكى‬
‫ل لعلتى‪ :‬ل خِدمة عليها‪ ،‬وإنما هى عليك‪ ،‬وهو صلى ال عليه وسلم ل‬
‫ما تلقى مِن الخِدمة‪ ،‬فلم يَقُ ْ‬
‫يُحابى فى الحكم أحداً‪ ،‬ولما رأى أسماء والعلفُ على رأسها‪ ،‬والزبي ُر معه‪ ،‬يقل له‪ :‬ل خِدمةَ عليها‪،‬‬
‫وأن هذا ظلمٌ لها‪ ،‬بل أقرّه على استخدامها‪ ،‬وأقرّ سا ِئرَ أصحابه على استخدام أزواجهم مع علمه‬
‫بأن منهن الكارِهَة والراضية‪ ،‬هذا أمر ل ريب فيه‪.‬‬
‫ح التفريقُ بين شريفة ودنيئة‪ ،‬وفقير ٍة وغنية‪ ،‬فهذه أشرفُ نساء العالمين كانت تَخْدِمُ‬
‫ول َيصِ ّ‬
‫ش ِكهَا‪ ،‬وقد سمّى النبىّ صلى ال عليه‬
‫زوجها‪ ،‬وجاءته صلى ال عليه وسلم تشكُو إليه الخدمة‪ ،‬فلم يُ ْ‬
‫عنْ َدكُم))‪.‬‬
‫لّ فى النّساء‪ ،‬فِإ ّنهُنّ عَوانٍ ِ‬
‫وسلم فى الحديث الصحيح المرأة عانيَةُ‪ ،‬فقال‪(( :‬اتّقُوا ا َ‬
‫والعانى‪ :‬السير‪ ،‬ومرتبة السير خدم ُة من هو تحت يده‪ ،‬ول ريبَ أن النكاح نوعٌ من الرّق‪ ،‬كما‬
‫ض السلف‪ :‬النكاح رِق‪ ،‬فلينظر أحدُكم عند من ُيرِقّ كريمته‪ ،‬ول يخفى على المنصف‬
‫قال بع ُ‬
‫الراجحُ من المذهبين‪ ،‬والقوى من الدليلين‪.‬‬
‫ل ال صلى ال عليه وسلم َبيْنَ الزوجين يَقَعُ الشّقَاقُ بينهما‬
‫حكْمُ رسو ِ‬
‫ُ‬
‫روى أبو داود فى ((سننه))‪ :‬من حديث عائشة رضى ال عنها‪ ،‬أن حبيب َة بنتَ سهل كانت‬
‫ت النبىّ صلى ال عليه وسلم بعدَ‬
‫س َر بعضَها‪ ،‬فَأ َت ِ‬
‫عند ثابت بنِ قيس بن شمّاس‪ ،‬فضربها‪ ،‬فكَ َ‬
‫ض مَالِها وفَارِقْها))‪ ،‬فقال‪ :‬ويصلُح‬
‫صبْحِ‪ ،‬فدعا النبىّ صلى ال عليه وسلم ثابتاً‪ ،‬فقال‪(( :‬خُ ْذ َبعْ َ‬
‫ال ّ‬
‫ى صلى ال‬
‫ذلك يا رسولَ ال؟ قال‪(( :‬نعم))‪ ،‬قال‪ :‬فإنى أَصدقتُها حَديقتَينِ‪ ،‬وهُما بيدها‪ ،‬فقال النب ّ‬
‫عليه وسلم‪(( :‬خُذْهُما وفَارِقْها))‪ ،‬فَ َفعَل‪.‬‬

‫‪100‬‬

‫ق َب ْينِهمَا‬
‫ق بينهما بقوله تعالى‪َ {:‬وإِنْ خِ ْفتُمْ شِقَا َ‬
‫وقد حكم ال تعالى بين الزوجين يق ُع الشّقا ُ‬
‫علِيماً خَبيراً}‬
‫لّ كَانَ َ‬
‫لّ َب ْي َن ُهمَا إنّ ا َ‬
‫ن ُيرِيدَا ِإصْلَحًا ُيوَفّقِ ا ُ‬
‫ن أ ْهِلهَا إِ ْ‬
‫حكَمًا مِ ْ‬
‫ن أ ْهلِهِ وَ َ‬
‫حكَمًا مِ ْ‬
‫فَا ْب َعثْوا َ‬
‫[النساء‪.]35 :‬‬
‫حكَمين‪ :‬هل هُما حاكمان‪ ،‬أو وكيلن؟ على قولين‪.‬‬
‫خَلفُ فى ال َ‬
‫وقد اختلف السلفُ وال َ‬
‫أحدهما‪ :‬أنهما وكيلن‪ ،‬وهو قولُ أبى حنيفة‪ ،‬والشافعى فى قول‪ ،‬وأحمد فى رواية‪.‬‬
‫ل أهلِ المدينة‪ ،‬ومالك‪ ،‬وأحمد فى الرواية الخرى‪،‬‬
‫والثانى‪ :‬أنهما حاكمان‪ ،‬وهذا قو ُ‬
‫والشافعى فى القول الخر‪ ،‬وهذا هو الصحيح‪.‬‬
‫(يتبع‪)...‬‬
‫ب كُلّ العجب ممن يقول‪ :‬هما وكيلن ل حاكمان‪ ،‬والّ تعالى قد نصبهما‬
‫والعج ُ‬

‫@‬

‫حكَمين‪ ،‬وجعل نصَبهما إلى غير الزوجين‪ ،‬ولو كانا وكيلين‪ ،‬لقال‪ :‬فليبعث وكيلً مِن أهله‪ ،‬ولتبعث‬
‫َ‬
‫وكيلً من أهلها‪.‬‬
‫وأيضاً فلو كانا وكيلين‪ ،‬لم يختصا بأن يكونا مِن الهل‪.‬‬
‫حكْمَ إليهما فقال‪{ :‬إن يُريدَا ِإصْلحًا ُيوَفّقِ ال َب ْي َن ُهمَا} [النساء‪]35 :‬‬
‫وأيضاً فإنه جعل ال ُ‬
‫والوكيلن ل إرادة لهما‪ ،‬إنما يتصرّفان بإرادة م َوكّليهما‪.‬‬
‫وأيضاً فإن الوكيل ل يُسمى حَكمًا فى لغة القرآن‪ ،‬ول فى لسان الشارع‪ ،‬ول فى العُرف‬
‫العام ول الخاص‪.‬‬
‫حكْ ِم واللزام‪ ،‬وليس للوكيل شىء من ذلك‪.‬‬
‫ن له ولية ال ُ‬
‫حكَمُ مَ ْ‬
‫وأيضاً فال َ‬
‫حكَم أبل ُغ مِن حاكم‪ ،‬لنه صفة مشبهة باسم الفاعل دالة على الثبوت‪ ،‬ول خلف‬
‫وأيضاً فإن ال َ‬
‫بين أهل العربية فى ذلك‪ ،‬فإذا كان اسمُ الحاكم ل يصدُق على الوكيل المحض‪ ،‬فكيف بما هو أبلغُ‬
‫منه‪.‬‬
‫وأيضاً فإنه سبحانه خاطب بذلك غيرَ الزوجين‪ ،‬وكيف َيصِحّ أن يُوكّل عن الرجل والمرأة‬
‫ق َب ْي ِن ِهمَا} [النساء‪ ]35 :‬فمروهما أن‬
‫ج إلى تقدير الية هكذا‪{:‬وإنْ خِ ْفتُمْ شِقَا َ‬
‫غيرَهما‪ ،‬وهذا يُحوِ ُ‬
‫ل من أهلها‪ ،‬ومعلومٌ ُبعْدُ لفظِ الية ومعناها عن هذا التقدير‪،‬‬
‫ل من أهله ووكي ً‬
‫يُوكّل وكيلين‪ :‬وكي ً‬
‫ل عليه بوجه‪ ،‬بل هى دالة على خلفه‪ ،‬وهذا بحمد ال واضح‪.‬‬
‫وأنها ل تد ّ‬
‫ح َك َميْنِ بين عقيل بن أبى طالب وامرأته فاطمةَ‬
‫ن بنُ عفان عبد ال بنَ عباس ومعاويةَ َ‬
‫وبعث عثما ُ‬
‫بنت عُتبة بن ربيعة‪ ،‬فقيل لهما‪ :‬إن رأيتُما أن تُ َفرّقا فرقتما‪.‬‬
‫‪101‬‬

‫عَل ْيكُمَا إن رأيتُما أن تفرّقا‪،‬‬
‫ن بين الزوجين‪َ :‬‬
‫ح عن على بن أبى طالب أنه قال لِلح َك َميْ ِ‬
‫وص ّ‬
‫ج َمعَا‪ ،‬جمعتُما‪.‬‬
‫فرّقتما‪ ،‬وإن رأي ُتمَا أن تَ ْ‬
‫فهذا عثمانُ‪ ،‬وعلىّ‪ ،‬وابنُ عباس‪ ،‬ومعاوية‪ ،‬جعلوا الحكم إلى الحكمين‪ ،‬ول يُعرف لهم من‬
‫ل أعلم‪.‬‬
‫الصحابة مخالف‪ ،‬وإنما يُعرف الخلف بين التابعين فمن بعدهم‪ .‬وا ّ‬
‫ض وغيره‪،‬‬
‫ن على توكيل الزوج فى الفُرقة بعو ٍ‬
‫وإذا قلنا‪ :‬إنهما وكيلن‪ ،‬فهل يُجبر الزوجا ِ‬
‫وتوكيلِ الزوجة فى بذل ال ِعوَضِ‪ ،‬أو ل يُجبران؟ على روايتين‪ ،‬فإن قلنا‪ :‬يجبران‪ ،‬فلم يوكل‪ ،‬جعل‬
‫الحاك ُم ذلك إلى الحكمين بغير رضى الزوجين وإن قلنا‪ :‬إنهما حكمان‪ ،‬لم يحتج إلى رضى‬
‫الزوجين‪.‬‬
‫وعلى هذا النزاع ينبنى ما لو غاب الزوجان أو أحدُهما‪ ،‬فإن قيل‪ :‬إنهما وكيلن لم ينقطع‬
‫نظرُ الحكمين‪ ،‬وإن قيل‪ :‬حكمان‪ ،‬انقطع نظرهُما لعدم الحكم على الغائب‪ ،‬وقيل‪ :‬يبقى نظرهما على‬
‫القولين لنهما يتطرفان لحظهما‪ ،‬فهما كالناظرين‪ .‬وإن جُنّ الزوجانِ‪ ،‬انقطع نظرُ الحكمين‪ ،‬إن‬
‫ع الموكلين‪ ،‬ولم ينقطع إن قيل‪ :‬إنهما حكمان‪ ،‬لن الحاكم يلى على‬
‫قيل‪ :‬إنهما وكيلن‪ ،‬لنهما فر ُ‬
‫المجنون‪ ،‬وقيل‪ :‬ينقطع أيضاً لنهما منصوبان عنهما‪ ،‬فكأنهما وكيلنِ‪ ،‬ول ريبَ أنهما حكمان‬
‫فيهما شائبة الوكالة‪ ،‬ووكيلن منصوبان للحكم‪ ،‬فمِن العلماء من رجّح جانب الحكم‪ ،‬ومنهم من‬
‫رجح جانب الوكالة‪ ،‬ومنهم من اعتبر المرين‪.‬‬
‫حُكم رسول ال صلى ال عليه وسلم في الخُلع‬
‫فى صحيح البخارى‪ :‬عن ابن عباس رضى ال عنه‪ ،‬أن امرأة ثابت بن قيس بن شمّاس‪،‬‬
‫خلُقٍ‪ ،‬ول‬
‫ت بنُ قيس ما أَعِيبُ عليه فى ُ‬
‫ى صلى ال عليه وسلم فقالت‪ :‬يا رسولَ ال‪ ،‬ثاب ُ‬
‫َأ َتتِ ال ّن ِب ّ‬
‫عَليْهِ حَدِي َقتَه؟))‬
‫ل ال صلى ال عليه وسلم‪َ (( :‬ترُدّين َ‬
‫دِين‪ ،‬وَل ِكنّى أكُرهُ الكُ ْفرَ فى الِسْلمِ‪ ،‬فقال رسو ُ‬
‫طلِيقَةً))‪.‬‬
‫طلّ ْقهَا تَ ْ‬
‫قالت‪ :‬نعم‪ ،‬قال رسولُ ال صلى ال عليه وسلم‪(( :‬ا ُقبَل الحَديقَ َة و َ‬
‫سرَ‬
‫ض َربَ امرأته َفكَ َ‬
‫ت ُم َعوّذ‪ ،‬أن ثابتَ بن قيس بن شماس َ‬
‫وفى سنن النسائى‪ ،‬عن ال ّر َبيّع ِب ْن ِ‬
‫ل ال صلى ال عليه وسلم‪،‬‬
‫يدها‪ ،‬وهى جميلة بنت عبد ال بن أبى‪ ،‬فأتى أخوها يشتكيه إلى رسو ِ‬
‫ل ال صلى ال عليه‬
‫سبِيلَها))‪ ،‬قال‪ :‬نعم‪ ،‬فأمرها رسو ُ‬
‫عَل ْيكَ وخَلّ َ‬
‫فأرسل إليه‪ ،‬فقال‪(( :‬خُذْ الذى َلهَا َ‬
‫ص حيض ًة وَاحِ َدةً وتلحق بأهلها‪.‬‬
‫وسلم أن تتربّ َ‬
‫ت بن قيسِ بن شمّاس اختلعت من زوجها‪،‬‬
‫ن امرأة ثَاب ِ‬
‫وفى سنن أبى داود‪ :‬عن ابن عباس‪ ،‬أ ّ‬
‫ح ْيضَة‪.‬‬
‫فأمرها النبىّ صلى ال عليه وسلم أن تعتدّ َ‬
‫‪102‬‬

‫عَليْهِ حَدِي َقتَهُ‬
‫ى صلى ال عليه وسلم‪َ(( :‬أ َترُدّين َ‬
‫وفى سنن الدارقطنى فى هذه القصة‪ :‬فقال النب ّ‬
‫الّتى أَعْطَاكِ))؟ قالت‪َ :‬نعَ ْم َوزِيادَة‪ ،‬فقال النبىّ صلى ال عليه وسلم‪َ(( :‬أمّا الزّيا َدةُ‪ ،‬فَل ولكِنْ‬
‫حَدِي َقتَهُ))‪ ،‬قالت‪ :‬نعم‪ ،‬فأخذ مالَه‪ ،‬وخلّى سبيلها‪ ،‬فلما بلغ ذلك ثابت بن قيس قال‪ :‬قد قبلتُ قضاءَ‬
‫رسولِ ال صلى ال عليه وسلم‪ .‬قال الدارقطنى‪ :‬إسناده صحيح‪.‬‬
‫فتضمّن هذا الحكم النبوى عدة أحكام‪.‬‬
‫ل َلكُ ْم أَنْ تَ ْأخُذُوا ِممّا‬
‫ل يَحِ ّ‬
‫ل عليه القرآن‪ ،‬قال تعالى‪{:‬وَ َ‬
‫خلْع كما د ّ‬
‫أحدُها‪ :‬جوازُ ال ُ‬
‫عَل ْي ِهمَا‬
‫جنَاحَ َ‬
‫ل يُقِيمَا حُدُودَ ال فَل ُ‬
‫ل يُقِيما حُدُودَ الِّ فَإِنْ خِ ْفتُ ْم أَنْ َ‬
‫ن يَخَافَا أَنْ َ‬
‫ل أَ ْ‬
‫شيْئاً إ ّ‬
‫آ َت ْي ُتمُوهُنّ َ‬
‫ت بهِ} [البقرة‪.]229 :‬‬
‫فِيمَا ا ْفتَ َد ْ‬
‫ومنع الخلعَ طائفةٌ شَاذّة من الناس خالفتِ النصّ والجماعَ‪.‬‬
‫وفى الية دليل على جوازه مطلقاً بإذن السلطان وغيره‪ ،‬ومنعه طائفة بدون إذنه‪،‬‬
‫والئمة الربعة والجمهو ُر على خلفه‪.‬‬
‫وفى الية دليل على حصول البينونة به‪ ،‬لنه سبحانه سمّاه فدية‪ ،‬ولو كان رجعيًا كما قاله‬
‫عَل ْي ِهمَا‬
‫جنَاحَ َ‬
‫ض الناسِ لم يحصل للمرأة الفتدا ُء من الزوج بما بذلته له‪ ،‬ودلّ قولُه سبحانه‪{ :‬فَلَ ُ‬
‫بع ُ‬
‫ت بِه} [البقرة‪ ]229 :‬على جوازِه بما قل وكثُر وأن له أن يأخُ َذ منها أكثرَ مما أعطاها‪.‬‬
‫فِيمَا ا ْفتَ َد ْ‬
‫وقد ذكر عبد الرزاق‪ ،‬عن معمر‪ ،‬عن عبد ال بن محمد بن عقيل‪ ،‬أن ال ّر َبيّ َع ب ْنتَ ُم َعوّ ِذ بنِ‬
‫عفراء حدثته‪ ،‬أنها اختلعت مِن زوجها ِبكُلّ شىء تملكه‪ ،‬فخُوصِمَ فى ذلك إلى عثمان بن عفان‪،‬‬
‫فأجازه‪ ،‬وأمره أن يأخُذ عِقَاصَ رأسها فما دُونَه‪.‬‬
‫وذكر أيضًا عن ابن جريج‪ ،‬عن موسى بن عقبة‪ ،‬عن نافع‪ ،‬أن ابن عمر جاءته مولة‬
‫لمرأته اختلعت مِن كل شىء لها وكلّ ثوب لها حتى نُقبتِها‪.‬‬
‫ورفعت إلى عمر بن الخطاب امرأة نشزت عَنْ زوجها‪ ،‬فقال‪ :‬اخلعها ولو مِن قُرطها‪ ،‬ذكره‬
‫حماد بن سلمة‪ ،‬عن أيوب‪ ،‬عن كثير بن أبى كثير عنه‪.‬‬
‫وذكر عبد الرزاق‪ ،‬عن معمر‪ ،‬عن ليث‪ ،‬عن الحكم بن عُتيبة عن على بن أبى طالب رضى‬
‫ال عنه‪ :‬ل يأخُذُ منها فوقَ ما أعطاها‪.‬‬
‫وقال طاووس‪ :‬ل يَحِلّ أن يأخُذَ منها أكثَر مما أعطاها‪ ،‬وقال عطاء‪ :‬إن أخذ زياد ًة على‬
‫ل له أن يأخذ منها أكثرَ مما أعطاها‪ .‬وقال‬
‫صداقها فالزياد ُة مردودة إليها‪ .‬وقال الزهرى‪ :‬ل يَح ّ‬

‫‪103‬‬

‫سرّحُ بإِحسان‪ .‬وقال الوزاعي‪ :‬كانت القضاةُ‬
‫ميمون بن مهران‪ :‬إن أخذ منها أكثر مما أعطاها لم يُ َ‬
‫ل تُجيز أن يأخُذ منها شيئاً إل ما ساق إليها‪.‬‬
‫والذين جوّزوه احتجوا بظاهر القرآن‪ ،‬وآثارِ الصحابة‪ ،‬والذين منعوه‪ ،‬احتجوا بحديث أبى‬
‫خلْ َع امرأته‪ ،‬قال النبىّ صلى ال عليه وسلم‪:‬‬
‫الزبير‪ ،‬أن ثابت بن قيس بن شماس لما أراد َ‬
‫عَليْهِ حَدِي َقتَهُ))؟ قالت‪ :‬نعم َوزِيادة‪ ،‬فقال النبى صلى ال عليه وسلم‪ :‬أما الزيادة‪ ،‬فل‪ .‬قال‬
‫((أَ َترُدّينَ َ‬
‫الدارقطنى‪ :‬سمعه أبو الزبير من غير واحد‪ ،‬وإسناده صحيح‪.‬‬
‫قالوا‪ :‬والثار من الصحابة مختلِفَة‪ ،‬فمنهم من ُر ِوىَ عنه تحري ُم الزيادة‪ ،‬ومنهم من ُر ِوىَ‬
‫ى عنه كراهتُها‪ ،‬كما روى وكيع عن أبى حنيفة‪ ،‬عن عمار بن عمران‬
‫ن ُر ِو َ‬
‫عنه إباحتها‪ ،‬ومنهم مَ ْ‬
‫الهمدانى‪ ،‬عن أبيه‪ ،‬عن على رضى ال عنه‪ ،‬أنه كره أن يأخذ منها أكثر مما أعطاها‪ ،‬والمامُ أحمد‬
‫ص على الكراهة‪ ،‬وأبو بكر من أصحابه حرّم الزيادة‪ ،‬وقال‪ :‬ترد عليها‪.‬‬
‫أخذ بهذا القولِ‪ ،‬ون ّ‬
‫ل ال صلى ال‬
‫وقد ذكر عبد الرزاق‪ ،‬عن ابن جريج‪ ،‬قال‪ :‬قال لى عطاء‪ :‬أتت امرأة رسو َ‬
‫عَليْهِ حَدِي َقتَ ُه التى‬
‫حبّ فراقه‪ ،‬قال‪َ (( :‬ف َترُدّينَ َ‬
‫ض زوجى وأُ ِ‬
‫عليه وسلم‪ ،‬فقالت‪ :‬يا رسولَ ال‪ ،‬إنى ُأ ْبغِ ُ‬
‫َأصْدَ َقكِ))؟ قالت‪ :‬نعم َوزِيادة مِن مالى‪ ،‬فقال رسول ال صلى ال عليه وسلم‪َ(( :‬أمّا الزّيا َد ُة منْ‬
‫مَالِك فَل ولكِنِ الحَدِيقَةُ))‪ ،‬قالت‪ :‬نعم‪ ،‬فقضى بذلك على الزوج وهذا وإن كان مرسلً‪ ،‬فحديث أبى‬
‫الزبير مُ َقوّله‪ ،‬وقد رواه جريج عنهما‪.‬‬
‫فصل‬
‫وفى تسميتة سبحانه الخلعَ فديةً‪ ،‬دليل على أن فيه معنى المعاوضةِ‪ ،‬ولهذا اعتُبر فيه رضى‬
‫الزوجين‪ ،‬فإذا تَقَايَل الخل َع ور ّد عليها ما أخذ منها‪ ،‬وارتجعها فى العِدة‪ ،‬فهل لهما ذلك؟ منعه الئمة‬
‫الربعة وغيرهم وقالوا قد بانت منه بنفس الخلع‪ ،‬وذكر عبد الرازق‪ ،‬عن معمر‪ ،‬عن قتادة‪ ،‬عن‬
‫جعَها‪ ،‬فليردّ عليها ما أخذ منها فى العدة‪،‬‬
‫سعيد بن المسيّب أنه قال فى المختلعة‪ :‬إن شاء أن يُرا ِ‬
‫وليشهد على رجعتها‪ .‬قال معمر‪ :‬وكان الزهرى يقول مثل ذلك‪ .‬قال قتادة‪ :‬وكان الحسن يقول‪ :‬ل‬
‫يُراجعها إل بخطبة‪.‬‬
‫ولقولِ سعيد بن المسيب‪ ،‬والزهرى وجهٌ دقيق مِن الفقه‪ ،‬لطيفُ المأخذ‪ ،‬تتلقاه قواعِ ُد الفقِه‬
‫ل على خلفه‪ ،‬فإن المرأة ما دامت فى العدة فهى فى‬
‫وأصوله بالقبول‪ ،‬ول نكارة فيه‪ ،‬غير أن العم َ‬
‫حبسه‪ ،‬ويلحقُها صريحُ طلقه المنجز عند طائفة من العلماء‪ ،‬فإذا تقايل عقد الخلع‪ ،‬وتراجعا إلى ما‬
‫كان عليه بتراضيهما‪ ،‬لم تمنع قواع ُد الشرع ذلك‪ ،‬وهذا بخلف ما بعدَ العِدة‪ ،‬فإنها قد صارت منه‬
‫‪104‬‬

‫أجنبية محضة‪ ،‬فهو خاطبٌ من الخطاب‪ ،‬ويدل على هذا أن له يتزوجها فى عدتها منه بخلف‬
‫غيره‪.‬‬
‫فصل‬
‫وفى أمره صلى ال عليه وسلم المختلعة أن تعت ّد بحيضة واحدة‪ ،‬دليل على حُكمين‬
‫أحدهما‪ :‬أنه ل يجبُ عليها ثلثُ حيض‪ ،‬بل تكفيها حيضة واحدة‪ ،‬وهذا كما أنه صريحُ السنة‪ ،‬فهو‬
‫مذهبُ أمير المؤمنين عثمان بن عفان‪ ،‬وعبد ال بن عمر بن الخطاب‪ ،‬وال ّر َبيّع ِبنْت ُم َعوّذ‪ ،‬وعمها‬
‫وهو مِن كبار الصحابة‪ ،‬ل يُعرف لهم مخالفٌ منهم‪ ،‬كما رواه الليث بن سعد‪ ،‬عن نافع مولى ابن‬
‫ت معوّ ِذ بن عفراء وهى تُخ ِب ُر عبد ال بن عمر رضى ال عنه أنها اختلعت‬
‫عمر‪ ،‬أنه سمع ال ّر َبيّعَ بن َ‬
‫مِن زوجها على عهد عثمان بن عفان‪ ،‬فجاء عمّها إلى عثمان ابن عفان‪ ،‬فقال له‪ :‬إن ابنة ُم َعوّذٍ‬
‫اختلعت من زوجها اليوم‪ ،‬أفتنتقل؟ فقال عثمان‪ :‬لِتنتقِلْ ول ميراثَ بينهما‪ ،‬ول عِدة عليها إل أنها ل‬
‫ض حيضةُ خشي َة أن يكون بها حبل‪ .‬فقال عبد ال بن عمر‪ :‬فعثمان خيرُنا وأعلمُنا ؛‬
‫َت ْنكِحُ حتى تحي َ‬
‫وذهب إلى هذا المذهب إسحاق بن راهوية‪ ،‬والمام أحمد فى رواية عنه‪ ،‬اختارها‪ ،‬شيخُ السلم‬
‫ابن تيمية‪.‬‬
‫ت ثلثَ حيضِ‬
‫ج ِعَل ْ‬
‫قال من نصر هذا القول‪ :‬هو مقتضى قواعِ ِد الشريعة‪ ،‬فإن العدة إنما ُ‬
‫ليطولَ زمن الرجعة‪ ،‬فيتروّى الزوج‪ ،‬ويتمكّن من الرجعة فى مدة العِدة فإذا لم تكن عليها رجعة‪،‬‬
‫حمِها من الحمل‪ ،‬وذلك يكفى فيه حيضة‪ ،‬كالستبراء‪ .‬قالوا‪ :‬ول ينتقضُ‬
‫فالمقصودُ مجر ُد براءة رَ ِ‬
‫جعِلَ حك ُم العدة فيه واحداً بائنة ورجعية‪.‬‬
‫هذا علينا بالمطلقةِ ثلثاً‪ ،‬فإن باب الطلق ُ‬
‫ب ابن عباس‪،‬‬
‫قالوا‪ :‬وهذا دليل على أن الخلع فسخ‪ ،‬وليس بطلق‪ ،‬وهو مذه ُ‬
‫وعثمان‪ ،‬وابن عمر‪ ،‬والرّبيع‪ ،‬وعمها‪ ،‬ول َيصِحّ عن صحابى أنه طلق ألبتة‪ ،‬فروى المام أحمد‪،‬‬
‫عن يحيى بن سعيد‪ ،‬عن سفيان‪ ،‬عن عمرو‪ ،‬عن طاووس‪ ،‬عن ابن عباس رضى ال عنهم أنه قال‪:‬‬
‫خلْعُ تفريقٌ‪ ،‬وليس بطلق‪.‬‬
‫ال ُ‬
‫وذكر عبد الرزاق‪ ،‬عن سُفيان‪ ،‬عن عمرو‪ ،‬عن طاووس‪ ،‬أن إبراهيم بن سعد ابن أبى‬
‫وقاص سأله عن رجل طلّق امرأته تطليقتين‪ ،‬ثم اختلعت منه‪ ،‬أينكِحُها؟ قال ابنُ عباس‪ :‬نعم ذكر ال‬
‫الطلقَ فى أوّل الية وآخِرها‪ ،‬والخلعَ بين ذلك‪.‬‬
‫فإن قيل‪ :‬كيف تقولون‪ :‬إنه ل مخالف لمن ذكرتُم مِن الصحابة‪ ،‬وقد روى حما ُد ابن سلمة‪،‬‬
‫ج ْمهَانَ‪ ،‬أن أم بكرة السلمية كانت تحتَ عبد ال بن أُسيد‬
‫عن هشام بنِ عُروة‪ ،‬عن أبيه‪ ،‬عن ُ‬
‫‪105‬‬

‫واختلعت منه‪ ،‬فَندِما‪ ،‬فارتفعا إلى عُثمان بن عفان‪ ،‬فأجاز ذلك‪ ،‬وقال‪ :‬هى واحدة إل أن تكونَ سمّت‬
‫شيئاً‪ ،‬فهو على ما سمّت‪.‬‬
‫ن أبى شيبة‪ :‬حدثنا على بن هاشم‪ ،‬عن ابن أبى ليلى‪ ،‬عن طلحة بن مصرّف‪ ،‬عن‬
‫وذكر اب ُ‬
‫إبراهيم النّخعى‪ ،‬عن علقمة‪ ،‬عن ابن مسعود‪ ،‬قال‪ :‬ل تكون تطليقة بائنة إل فى فدية أو إيلء‪.‬‬
‫وروُى عن على بن أبى طالب‪ ،‬فهؤلء ثلث ُة مِن أجلء الصحابة رضى ال عنهم‪.‬‬
‫ح هذا عن واحد منهم‪ ،‬أما أثر عثمان رضى ال عنه‪ ،‬فطعن فيه المام أحمد‪،‬‬
‫قيل‪ :‬ل َيصِ ّ‬
‫والبيهقى‪ ،‬وغيرُهما‪ ،‬قال شيخنا‪ :‬وكيف َيصِحّ عن عثمان‪ ،‬وهو ل يرى فيه عِدة‪ ،‬وإنما يرى‬
‫ن الراوى لهذه القصة عن‬
‫ج ْمهَا ُ‬
‫الستبراء فيه بحيضة؟ فلو كان عنده طلَقاً‪ ،‬لوجب فيه العدة‪ ،‬و ُ‬
‫عثمان ل نعرفه بأكثر من أنه مولى السلميين‪.‬‬
‫وأما أثر على بن أبى طالب‪ ،‬فقال أبو محمد ابن حزم‪ :‬رويناه من طريق ل يصح عن على‬
‫رضى ال عنه‪ .‬وأمثلها‪ :‬أثر ابنِ مسعو َد على سوء حفظ ابن أبى ليلى‪ ،‬ثم غايتُه إن كان محفوظًا أن‬
‫ل على أن الطلقة فى الخلع تقع بائنة ل أن الخلع يكون طلقاً بائناً‪ ،‬وبين المرين فرق ظاهر‪.‬‬
‫يدُ ّ‬
‫ب على الطّلقِ بعد‬
‫ل على أنه ليس بطلق أن ال سبحانه وتعالى ر ّت َ‬
‫والذى يَدُ ّ‬
‫الدّخولِ الذى لم يَستوفِ عدده ثلثة أحكام‪ ،‬كلّها منتفية عن الخلع‪ .‬أحدها‪ :‬أن الزوجَ أحقّ بالرجعة‬
‫فيه‪ .‬الثانى‪ :‬أنه محسوب مِن الثلث‪ ،‬فل تَحِلّ بعد استيفاء العدد إل بعد زوج وإصابة‪ .‬الثالث‪ :‬أن‬
‫العدة فيه ثلثةُ قروء‪ ،‬وقد ثبت بالنصّ والجماع أنه ل رجعة فى الخُلع وثبت بالسنة وأقوالِ‬
‫الصحابة أن العِدة فيه حيضةٌ واحدة‪ ،‬وثبت بالنص جوازه طلقتين‪ ،‬ووقوع ثالثة بعده‪ ،‬وهذا ظاهر‬
‫ح بِإِحْسَانٍ‬
‫سرِي ٌ‬
‫ك ِبمَعرُوفٍ َأ ْو تَ ْ‬
‫ق َم ّرتَانِ فَِإمْسَا ُ‬
‫جداً فى كونه ليس بطلق‪ ،‬فإنه سبحانه قال‪{:‬الطّلَ ُ‬
‫ل يُقِيمَا‬
‫ل يُقِيمَا حُدُودَ ال فَإِنْ خِ ْفتُم أنْ َ‬
‫ن يَخَافَا أنْ َ‬
‫شيْئاً إلّ أ ْ‬
‫ل َلكُم أن تَأْخُذُوا ِممّا آ َت ْي ُتمُوهُنّ َ‬
‫ل يَحِ ّ‬
‫وَ َ‬
‫ت بِهِ} [البقرة‪ ]229 :‬وهذا وإن لم يختص بالمطلقة تطليقتين‪،‬‬
‫عَل ْي ِهمَا فِيمَا ا ْفتَ َد ْ‬
‫حُدُودَ ال فل جُناحَ َ‬
‫فإنه يتناولها وغيرَهما‪ ،‬ول يجو ُز أن يعودَ الضميرُ إلى من لم يذكر‪ ،‬ويُخلى منه المذكور‪ ،‬بل إما‬
‫ن َبعْدُ} [البقرة‪ ]230 :‬وهذا‬
‫ل لَ ُه مِ ْ‬
‫ل تَحِ ّ‬
‫طلّقَها فَ َ‬
‫أن يختصّ بالسابق أو يتناوله وغيره‪ ،‬ثم قال‪{ :‬فَإِنْ َ‬
‫ل مَنْ طلقت بعد فدي ٍة وطلقتين قطعًا لنها هى المذكورة‪ ،‬فل بُدّ من دخولها تحت اللفظ‪ ،‬وهكذا‬
‫يتناو ُ‬
‫ل القُرآن‪ ،‬وهى‬
‫ل ال صلى ال عليه وسلم أن يُعّلمَه الُّ تأوي َ‬
‫ن القرآن الذى دعا له رسو ُ‬
‫َفهِمَ ترجُما ُ‬
‫دعوة مستجابة بل شكّ‪.‬‬

‫‪106‬‬

‫ل على أنها من غيرِ جِنسه‪ ،‬فهذا مقتضى‬
‫وإذا كانت أحكا ُم الفدية غيرَ أحكا ِم الطّلقِ‪ ،‬دَ ّ‬
‫ق العقود ومقاصِدها دون ألفاظها َيعُدّ الخلع‬
‫النصّ‪ ،‬والقياسِ‪ ،‬وأقوالِ الصحابة‪ ،‬ثم من نظر إلى حقائ ِ‬
‫فسخاً بأى لفظٍ كان حتى بلفظ الطّلقِ‪ ،‬وهذا أحدُ الوجهين لصحاب أحمد‪ ،‬وهو اختيارُ شيخنا‪ .‬قال‪:‬‬
‫وهذا ظاهرُ كلمِ أحمد‪ ،‬وكلم ابن عباس وأصحابه‪ .‬قال ابنُ جريج‪ :‬أخبرنى عمر ُو بنُ دينار‪ ،‬أنه‬
‫سمع عكرمة مولى ابن عباس يقول‪ :‬ما أجازَه المالُ‪ ،‬فليسَ بطلقٍ‪ .‬قال عبدُ ال بنُ أحمد‪ :‬رأيتُ‬
‫ب إلى قول ابن عباس‪ .‬وقال عمرو‪ ،‬عن طاووس عن ابن عباس‪ :‬الخل ُع تفريقٌ وليس‬
‫أبى كان يذه ُ‬
‫بطلق‪ ،‬وقال ابنُ جريج‪ ،‬عن ابن طاووس‪ :‬كان أبى ل يرى الفداء طلقًا ويُخّيرُه‪.‬‬
‫ومن اعتبر اللفاظ ووقفَ معها‪ ،‬واعتبرها فى أحكام العُقودِ‪ ،‬جعله بلفظ الطلق طلقاً‪،‬‬
‫ى فى العقود حقائقُها ومعانيها ل صورُها وألفاظُها‪ ،‬وبالّ‬
‫عّ‬
‫وقوَاعِدُ الفقه وأصولُه تشهد أن الرْ ِ‬
‫التوفيق‪.‬‬

‫ت بنَ قيس أن يُطلّق‬
‫ل على هذا‪ ،‬أن النبىّ صلى ال عليه وسلم أمر ثاب َ‬
‫ومما يَدُ ّ‬

‫امرأتَه فى الخُل ِع تطليقةً‪ ،‬ومع هذا أمرها أن تعت ّد بحيضة‪ ،‬وهذا صريحُ فى أنه فسخ‪ ،‬ولو وقع بلفظ‬
‫الطلق‪.‬‬
‫وأيضاً فإنه سبحانه علّق عليه أحكا َم الفدية بكونه فدية‪ ،‬ومعلو ُم أنّ الفِدية ل تختص بلفظ‪،‬‬
‫ق الفداء طلقُ مقيّد‪ ،‬ول يدخل تحت أحكام الطلق‬
‫ولم يُعين ال سبحانه لها لفظًا معيّناً‪ ،‬وطل ُ‬
‫ل التوفيق‪.‬‬
‫المطلق‪ ،‬كما ل يدخلُ تحتها فى ثبوت الرجعة والعتداد بثلثة قروء بالسنة الثابتة‪ ،‬وبا ّ‬
‫ذكرُ أحكام رسولِ ال صلى ال عليه وسلم فى الطلق‬
‫ذكر حكمه صلى ال عليه وسلم فى طلق الهازل‪ ،‬وزائل العقل‪ ،‬والمكرَه والتطليق فى‬
‫نفسه‬
‫فى ((السنن))‪ :‬من حديث أبى هريرة رضى ال عنه‪(( ،‬ثَلَثُ جِدّهُنّ جِدّ‪ ،‬و َه ْزُلهُنّ جِدّ‪:‬‬
‫جعَةُ))‪.‬‬
‫ال ّنكَاحُ‪ ،‬والطّلَقُ‪ ،‬والرّ ْ‬
‫س ُت ْكرِهُوا‬
‫سيَانَ َومَا ا ْ‬
‫ن ُأ ّمتِى الخَطََأ والنّ ْ‬
‫وفيها‪ :‬عنه من حديث ابن عباس‪(( :‬إنّ ال َوضَعَ عَ ْ‬
‫عَليْهِ))‪.‬‬
‫َ‬
‫وفيها‪ :‬عنه صلى ال عليه وسلم‪(( ،‬ل طَلَقَ ول عتاق فى إِغْلقٍ))‪.‬‬
‫جنُونُ))؟‬
‫وصح عنه أنه قال للمُ ِقرّ بالزنى‪(( :‬أ ِبكَ ُ‬
‫وثبت عنه أنه أمرَ بِ ِه أن يُستنكه‪.‬‬

‫‪107‬‬

‫ن القلم رُفِ َع عن ثلث‪:‬‬
‫وذكر البخارى فى ((صحيحه))‪ :‬عن على‪ ،‬أنه قال ِل ُعمَر‪ :‬ألم تعلم أَ ّ‬
‫ص ِبىّ حتى يُد ِركَ‪ ،‬وعن النائم حتى يستيقظ‪.‬‬
‫عن المجنونِ حتى يُفيقَ‪ ،‬وعن ال ّ‬
‫عمّا حَدّثت بِ ِه أنفُسَها مَا‬
‫ل ّمتِى َ‬
‫وفى ((الصحيح)) عنه صلى ال عليه وسلم‪(( :‬إنّ ال تَجَا َوزَ ُ‬
‫لَمْ ت َكلّمْ‪ ،‬أَو َتعْملْ بِه))‪.‬‬
‫فتضمّنت هذه السنن‪ ،‬أن ما لم َينْطِقْ به اللسان مِن طلق أو عِتاق‪ ،‬أو يمين‪ ،‬أو نذر‬
‫ل الجمهور‪ ،‬وفى المسألة قولن آخرانِ‪.‬‬
‫ونح ِو ذلك‪ ،‬عف ٌو غيرُ لزم بالنية والقصد‪ ،‬وهذا قو ُ‬
‫أحدهما‪ :‬التوقف فيها‪ ،‬قال عبد الرزاق‪ ،‬عن معمر‪ :‬سئل ابنُ سيرين عمن طلّق فى نفسه‪،‬‬
‫علِمَ ال ما فى نفسك؟ قال‪ :‬بلى‪ ،‬قال‪ :‬فل أقولُ فيها شيئاً‪.‬‬
‫فقال‪ :‬أليس قد َ‬
‫والثانى‪ :‬وقوعُه إذا جزَم عليه‪ ،‬وهذا روايةُ أشهب عن مالك‪ ،‬ورُوى عن الزهرى وحجةُ‬
‫هذا القول قوله صلى ال عليه وسلم‪(( :‬إنّما العمالُ بال ّنيّاتِ))‪ ،‬وأن من كفر فى نفسه‪ ،‬فهو كفر‪،‬‬
‫س ْبكُم بِهِ ال} [البقرة‪ ،]284 :‬وأن المصرّ على‬
‫سكُم َأوْ ُتخْفُوهُ يُحَا ِ‬
‫وقوله تعالى‪{:‬وإنْ ُتبْدُوا مَا فى َأنْفُ ِ‬
‫ل الجوارح‪،‬‬
‫ل القلوب فى الثواب والعقاب كأعما ِ‬
‫المعصية فاسق مؤاخذ وإن لم يفعلها‪ ،‬وبأن أعما َ‬
‫ولهذا يُثاب على الحبّ والبُغض‪ ،‬والموالة والمعاداة فى ال‪ ،‬وعلى التوكّل والرّضى‪ ،‬والعز ِم على‬
‫ب على الكِبر والحَسَدِ‪ ،‬والعُجب والشكّ‪ ،‬والرّياءِ وظنّ السوء بالبرياء‪.‬‬
‫الطاعة ويُعا َق ُ‬
‫ع الطلق والعتاق بمجرد النيةِ مِن غير تلفظ أما حديثُ‬
‫ول حُجة فى شىء من هذا على وقو ِ‬
‫ل مع النية هو المعتبرُ‪ ،‬ل النية‬
‫((العمال بالنيات))‪ :‬فهو حجةٌ عليهم‪ ،‬لنه أخبر فيه أن العم َ‬
‫وحدَها‪ ،‬وأما من اعتقد الكُ ْف َر بقلبه أو شكّ‪ ،‬فهو كافر لِزوال اليمان الذى هو عق ُد القلب مع‬
‫ن أمر وجودى ثابتٌ قائم بالقلب‪،‬‬
‫ل العقدُ الجازمُ‪ ،‬كان نفسُ زواله كفراً‪ ،‬فإن اليما َ‬
‫القرار‪ ،‬فإذا زا َ‬
‫حصَلَ ضده وهو كفر‪ ،‬وهذا كالعلم والجهل إذا فقد العلم‪ ،‬حصل الجهل‪ ،‬وكذلك‬
‫فما لم يَقُمْ بالقلب‪َ ،‬‬
‫كلّ نقيضين زال أحدُهما خلفه الخر‪.‬‬
‫أما الية فليس فيها أن المحاسبةَ بما يُخفيه العب ُد إلزامه بأحكامه بالشرع‪ ،‬وإنما فيها محاسبتُه‬
‫بما يُبديه أو يُخفيه‪ ،‬ثم هو مغفور له أو معذّب‪ ،‬فأين هذا من وقوع الطلق بالنية‪ .‬وأما أن المصرّ‬
‫ل المعصية‪ ،‬ثم أصرّ عليها‪ ،‬فهُنا عمل اتصل به‬
‫عمِ َ‬
‫على المعصية فاسقٌ مؤاخذ‪ ،‬فهذا إنما هو فيمن َ‬
‫ن عزم على المعصية ولم َي ْع َملْها‪ ،‬فهو بين أمرينِ‪ ،‬إما‬
‫صرّ‪ ،‬وأما مَ ْ‬
‫العزمُ علي معاودته‪ ،‬فهذا هو ال ُم ِ‬
‫ب على أعمال‬
‫أن ل تُكتب عليه‪ ،‬إما أن تُكتب له حسنة إذا تركها لّ عز وجل‪ .‬وأما الثوابُ والعقا ُ‬
‫ع الطلق والعتاق بالنية من غير تلفّظ أمر‬
‫القلوب فحقّ‪ ،‬والقرآنُ والسنة مملوآن به‪ ،‬ولكن وقو ُ‬
‫‪108‬‬

‫خارج عن الثواب والعقاب‪ ،‬ول تلزم بين المرين‪ ،‬فإن ما يُعاقب عليه مِن أعمال القلوب هو‬
‫ق العقوبة عليها‪ ،‬كما يستحقّه على المعاصى البدنية إذ هى مُنافية لعبودية القلب‪،‬‬
‫معاصٍ قلبية يستح ّ‬
‫ن السوء محرّمات على القلب‪ ،‬وهى أمور اختيارية يمكن اجتنابُها‬
‫فإن الكِبر والعُجب والرياء وظ ّ‬
‫فيستحق العقوبة على فعلها‪ ،‬وهى أسماءٌ لمعان مسمياتها قائمةٌ بالقلب‪.‬‬
‫وأما العِتاق والطلق‪ ،‬فاسمان لمسميين قائمين باللسان‪ ،‬أو ما نابَ عنه من إشارة أو كتابة‪،‬‬
‫ولبسا اسمين لما فى القلب مجرداً عن النطق‪.‬‬
‫وتضمنت أن المكلف إذا َهزَلَ بالطلق‪ ،‬أو النّكاح‪ ،‬أو الرجعة‪َ ،‬ل ِزمَهُ ما َهزَلَ به فدل‬
‫ل العقل والمكرَه‪ ،‬والفرقُ‬
‫ذلك على أن كلمَ الهازل معتبر وإن لم يُعتبر كلمُ النائم والناسى‪ ،‬وزائ ِ‬
‫بينهما أن الهازلَ قاص ُد للفظ غيرُ مريد لحكمه‪ ،‬وذلك ليس إليه‪ ،‬فإنما إلى المكلّف السباب‪ ،‬وأما‬
‫ف أو ل َم يقصِدْه‪ ،‬والعبرةُ بقصده السبب‬
‫تر ّتبُ مسبّباتها وأحكامها‪ ،‬فهو إلى الشارع قصده المكل ُ‬
‫اختياراً فى حال عقله وتكليفه‪ ،‬فإذا قصده‪ ،‬ر ّتبَ الشارعُ عليه حُكمه ج ّد به أو َهزَلَ‪ ،‬وهذا بخلف‬
‫ن وزائل العقل‪ ،‬فإنهم ليس لهم قصد صحيح‪ ،‬وليسوا مكلفين‪،‬‬
‫النائم وال ُم َبرْسَمِ‪ ،‬والمجنون والسكرا ِ‬
‫ظ الطفل الذى ل يعقِلُ معناها‪ ،‬ول يقصِدُه‪.‬‬
‫فألفاظُهم لغو بمنزلة ألفا ِ‬
‫ق بين من قصد اللفظ‪ ،‬وهو عالِم به ولم يُرد حكمه‪ ،‬وبين من لم يَقصِدْ‬
‫سرّ المسألة الفر ُ‬
‫وِ‬
‫ب التى اعتبرها الشارع أربعةُ‪.‬‬
‫اللفظ ولم يعلم معناه‪ ،‬فالمرات ُ‬
‫إحداها‪ :‬أن يَقصدَ الحكم ول َي َتلَفّظ به‪.‬‬
‫الثانية‪ :‬أن ل يَقصِدَ اللفظ ول حُكمَه‪.‬‬
‫الثالثة‪ :‬أن يَ ْقصِدَ دُون حكمه‪.‬‬
‫الرابعة‪ :‬أن يقصِ َد اللفظ والحكم‪ .‬فالوليان لغو‪ ،‬والخرتان معتبرتان‪ .‬هذا الذى أستُفِي َد مِن‬
‫مجموع نصوصه وأحكامِه‪ ،‬وعلى هذا فكل ُم المكرَه ُكلّه لغو ل عِبر َة به‪.‬‬
‫ل القرآن على أن من ُأ ْك ِرهَ على التكلم بكلمة الكفر ل َيكْ ُفرُ‪ ،‬ومن أكره على‬
‫وقد د ّ‬
‫السلم ل يصيرُ به مسلماً‪ ،‬ودّلتِ السن ُة على أن ال سبحانه تجاوز عن المكره‪ ،‬فلم يُؤاخِذْه بما‬
‫ُأ ْك ِرهَ عليه‪ ،‬وهذا يُراد به كلمه قطعاً‪ ،‬وأما أفعالهُ‪ ،‬ففيها تفصيلٌ‪ ،‬فما أبيح منها بالكراه فهو‬
‫متجاوز عنه‪ ،‬كالكل فى نهار رمضان‪ ،‬والعملِ فى الصلة‪ ،‬ولبس المخيط فى الحرام ونحو ذلك‪،‬‬
‫وما ل يُباح بالكراه‪ ،‬فهو ُمؤَاخذ به‪ ،‬كقتل المعصوم‪ ،‬وإتلفِ ماله‪ ،‬وما اختلف به كشُرب الخمر‬

‫‪109‬‬

‫والزنى والسرقة هل ُيحَ ّد به أو ل؟ فالختلفُ‪ ،‬هل يباح ذلك بالكراه أو ل؟ فمن لم ُيبِحْه حدّه به‪،‬‬
‫ومن أباحه بالكراه لم يحُدّه‪ ،‬وفيه قولن للعلماء‪ ،‬وهما روايتان عن المام أحمد‪.‬‬
‫ل إذا وقعت‪ ،‬لم ترتفعْ‬
‫والفرق بين القوال والفعال فى الكراه ؛ أن الفعا َ‬
‫مفسدتُها‪ ،‬بل مفسدتُها معها بخلف القوال‪ ،‬فإنها يمكن إلغاؤها‪ .‬وجعلُها بمنزلة أقوالِ النائم‬
‫والمجنون‪ ،‬فمفسد ُة الفعل الذى ل يُباح بالكراه ثابتة بخلف مفسدة القول‪ ،‬فإنها إنما تثبت إذا كان‬
‫قائلُه عالماً به مختارًا له‪ .‬وقد روى وكيع عن ابن أبى ليلى‪ ،‬عن الحكم بن عتيبة‪ ،‬عن خيثمة ابن‬
‫عبد الرحمن‪ ،‬قال‪ :‬قالت امرأةٌ لزوجها‪ :‬سمنى‪ ،‬فسمّاها الظبية‪ ،‬فقالت‪ :‬ما قلت شيئاً‪ ،‬قال‪ :‬فهاتِ ما‬
‫خِليّةٌ طالق‪ ،‬فأتت عمر ابن الخطاب‪ ،‬فقالت‪ :‬إن‬
‫أُسميك به‪ ،‬قالت‪ :‬سمنى خليةً طالقاً‪ ،‬قال‪ :‬أنت َ‬
‫ص عليه القصة‪ ،‬فأوجع عمر رأسَها‪ ،‬وقال لزوجها‪ :‬خذ بيدها‪،‬‬
‫زوجى طلّقنى‪ ،‬فجاء زوجُها‪ ،‬فق ّ‬
‫وأوجعْ رأسها‪.‬‬
‫فهذا الحكمُ من أمير المؤمنين بعدم الوقوع لما لم يقصد الزوجُ اللفظ الذى يقع به الطلقُ‪ ،‬بل‬
‫قصد لفظاً ل يُريد به الطلق‪ ،‬فهو كما لو قال لمتِه أو غُلمِه‪ :‬إنها جرة‪ ،‬وأراد أنها ليست بفاجِرة‪،‬‬
‫أو قال لمرأته‪ :‬أنت مسرّحة‪ ،‬أو سرحتُك‪ ،‬ومرادُه تسريح الشعر ونحو ذلك‪ ،‬فهذا ل يقع عتقُه ول‬
‫طلقُه بينه وبينَ ال تعالى‪ ،‬وإن قامت قرينةٌ أو تصادقا فى الحكم لم يقع به‪.‬‬
‫فإن قيل‪ :‬فهذا من أى القسام؟ فإنكم جعلتم المراتبَ أربعة‪ ،‬ومعلومٌ أن هذا ليس بمكرَه ول‬
‫زائل العقل‪ ،‬ول هازل‪ ،‬ول قاص ٍد لحكم اللفظ؟ قيل‪ :‬هذا متكلم باللفظ مريد به أحدَ معنييه‪ ،‬فلزم حكم‬
‫ما أراده بلفظه دون ما لم يرده‪ ،‬فل يلزم بما لم يرده باللفظ إذا كان صالحًا لما أراده‪ ،‬وقد استحلف‬
‫النبىّ صلى ال عليه وسلم رُكانَة لما طلّق امرأته ألبتة‪ ،‬فقال‪ :‬ما أردتَ؟ قال‪ :‬واحدة‪ ،‬قال‪ :‬آلِّ‪ ،‬قال‪:‬‬
‫هو ما أردتَ‪ ،‬فقبل منه نيّته فى اللفظ المحتمل‪.‬‬
‫ف على شىء ثم بدا له‪،‬‬
‫وقد قال مالك‪ :‬إذا قال‪ :‬أنت طالق البتة‪ ،‬وهو يُريد أن يحِل َ‬
‫فترك اليمين‪ ،‬فليست طالقاً‪ ،‬لنه لم يُرد أن يطلقها‪ ،‬وبهذا أفتى الليث بن سعد‪ ،‬والمامُ أحمد‪ ،‬حتى‬
‫إن أحمد فى رواية عنه‪ :‬يُقبل منه ذلك فى الحكم‪.‬‬
‫ث صور‪.‬‬
‫وهذه المسألة لها ثل ُ‬
‫إحداها‪ :‬أن يرجع عن يمينه ولم يكن التنجيزُ مرادَه‪ ،‬فهذه ل تطلُق عليه فى الحال‪ ،‬ول يكون‬
‫حالفاً‪.‬‬
‫الثانية‪ :‬أن يكون مقصودُه اليمينَ ل التنجيزَ‪ ،‬فيقول‪ :‬أنت طالق‪ ،‬ومقصودُه‪ :‬إن كلمت زيداً‪.‬‬
‫‪110‬‬

‫الثالثة‪ :‬أن يكونَ مقصودُه اليمينَ مِن أول كلمه‪ ،‬ثم يرج ُع عن اليمين فى أثناء الكلم‪،‬‬
‫ويجعل الطلق منجزاً‪ ،‬فهذا ل يقعُ به‪ ،‬لنه ل ينو به اليقاع‪ ،‬وإنما نوى به التعليق‪ ،‬فكان قاصراً‬
‫عن وقوع المنجز‪ ،‬فإذا نوى التنجيزَ بعد ذلك لم يكن قد أتى فى التنجيز بغير النية المجردة‪ ،‬وهذا‬
‫س َبتْ‬
‫ن ُيؤْاخِ ُذكُ ْم ِبمَا كَ َ‬
‫لّ بِالّل ْغوِ فى َأ ْيمَا ِنكُم ولكِ ْ‬
‫قولُ أصحاب أحمد‪ .‬وقد قال تعالى‪{:‬لَ ُيؤَاخِ ُذكُمُ ا ُ‬
‫ُقلُو ُبكُمْ} [البقرة‪.]225 :‬‬
‫ف على الشىء يظنّه كما حلف عليه‪ ،‬فيتبينُ بخلفه‪.‬‬
‫واللغو‪ :‬نوعان‪ ،‬أحدهما‪ :‬بأن يحِل َ‬
‫والثانى‪ :‬أن تجرى اليمين على لِسانه من غير قصد للحلف‪ ،‬كَلَ والِّ‪ ،‬و َبلَى والِّ فى أثناء كلمه‪،‬‬
‫وكلهما رفع ال المؤاخذة به‪ ،‬لعدم قصد الحالف إلى عقد اليمين وحقيقتها‪ ،‬وهذا تشريعٌ منه‬
‫سبحانَه لعباده أل يرتّبوا الحكامَ على اللفاظ التى لم يقصِدِ المتكلمُ بها حقائقَها ومعانيهَا‪ ،‬هذا غيرُ‬
‫الهازل حقيقةَ وحكماً‪.‬‬
‫وقد أفتى الصحابةُ بعدم وقوع طلق المكرَه وإقرارِه‪ ،‬فصحّ عن عمر أنه‬
‫ل تدلّى بحبل‬
‫ح عنه أن رج ً‬
‫ن على نفسه إذا أوجعتَه أو ضربتَه أو أوثقتَه‪ ،‬وص ّ‬
‫قال‪ :‬ليس الرجلُ بأمي ٍ‬
‫ليَشْارَ عسلً‪ ،‬فأتت امرأته فقالت‪ :‬لقطعنّ الحبل‪ ،‬أو لتُطلّقنى‪ ،‬فناشدها ال‪ ،‬فأبت‪ ،‬فطلّقَها‪ ،‬فأتى‬
‫عمر‪ ،‬فذكر له ذلك‪ ،‬فقال له‪ :‬ارجع إلى امرأتك‪ ،‬فإن هذا ليس بطلق‪ .‬وكان علىّ ل يُجيز طلقَ‬
‫ن الزبير عن طلق المكره‪ ،‬فقال جميعاً‪ :‬ليس‬
‫ن عمر‪ ،‬واب َ‬
‫الكره‪ ،‬وقال ثابت العرج‪ :‬سألت اب َ‬
‫بشىءٍ‪.‬‬
‫جبَلة‪ ،‬عن صفوان بن عمران الصم‪ ،‬عن رجلٍ‬
‫فإن قيل‪ :‬فما تصنعون بما رواه الغازى بن َ‬
‫ل ال صلى ال عليه وسلم‪ ،‬أن رجلً جلست امرأتُه على صدره‪ ،‬وجعلت السكينَ‬
‫من أصحاب رسو ِ‬
‫على حلقه‪ ،‬وقالت له‪ :‬طلقنى أو لذبحنّك‪ ،‬فناشدها‪ ،‬فأبت‪ ،‬فطلقها ثلثاً‪ ،‬ف ُذ ِك َر ذلك للنبى صلى ال‬
‫عليه وسلم‪ ،‬فقال‪(( :‬ل َق ْيلُولَة فى الطّلق)) رواه سعيد بن منصور فى ((سننه))‪ .‬وروى عطا ُء ابن‬
‫ل الطّلقِ جَا ِئزٌ إلّ‬
‫عجلن‪ ،‬عن عكرمة‪ ،‬عن ابن عباس‪ ،‬عن النبى صلى ال عليه وسلم قال‪(( :‬كُ ّ‬
‫علَى عَ ْقلِهِ))‪.‬‬
‫طَلقَ ال َم ْعتُو ِه وال َم ْغلُوبِ َ‬
‫وروى سعيد بن منصور‪ :‬حدثنا فرج بن فضَالة‪ ،‬حدثنى عمرو بن شراحِيل المعافرى‪ ،‬أن‬
‫جهَا‪ ،‬وقالت‪ :‬والّ لنفذنّك‪ ،‬أو لُتطلّقنّى‪ ،‬فطلقها ثلثاً‪،‬‬
‫امرأة استّلتْ سيفاً‪ ،‬فوضعته على بطن َزوْ ِ‬
‫ق المعتوه‪.‬‬
‫فرُفِ َع ذلِك إلى عمر بن الخطاب‪ ،‬فأمضى طلقها‪ .‬وقال على‪ .‬كل الطلقِ جائزٌ إل طل َ‬

‫‪111‬‬

‫قيل‪ :‬أما خبر الغازى بن جبلة‪ ،‬ففيه ثلث علل‪ .‬إحداها‪ :‬ضعف صفوان بن عمرو‪،‬‬
‫والثانية‪ :‬لين الغازى بن جبلة‪ ،‬والثالثة‪ .‬تدليس بقية الراوى عنه‪ ،‬ومثل هذا ل يحتج به‪ .‬قال أبو‬
‫محمد ابن حزم‪ :‬وهذا خبر فى غاية السقوط‪.‬‬
‫وأما حديث ابن عباس ((كل الطلق جائز)) فهو من رواية عطاء بن عجلن‪ ،‬وضعفُه‬
‫مشهور‪ ،‬وقد رُمى بالكذب‪ .‬قال أبو محمد ابن حزم‪ :‬وهذا الخبر شر من الول‪.‬‬
‫وأما أثر عمر‪ ،‬فالصحيح عنه خلفه كما تقدم‪ ،‬ول يُعلم معاصرة المعافرى لعمر‪ ،‬وفرج بن‬
‫فضالة فيه ضعف‪.‬‬
‫وأما أثر على‪ ،‬فالذى رواه عنه الناس أنه كان ل يُجيز طلق المكره وروى عبد الرحمن بن‬
‫مهدى‪ ،‬عن حماد بن سلمة‪ ،‬عن حُميد‪ ،‬عن الحسن‪ ،‬أن على ابن أبى طالب رضى ال عنه‪ ،‬كان ل‬
‫يُجيز طلق المكره‪ .‬فإن صح عنه ما ذكرتم‪ ،‬فهو عام مخصوص بهذا‪.‬‬
‫فصل‬
‫حتّى‬
‫سكَارَى َ‬
‫ل َة وَأ ْنتُمْ ُ‬
‫وأما طلق السّكرانِ‪ ،‬فقال تعالى‪{:‬يَأ ّيهَا الّذِينَ آ َمنُوا ل تَ ْق َربُوا الصّ َ‬
‫َت ْعَلمُوا مَا تَقُولُونَ} [النساء‪ ،]43 :‬فجعل سُبحانه قول السكران غي َر معتبر‪ ،‬لنه ل َي ْعلَمُ ما يقولُ‪،‬‬
‫ح عنه صلى ال عليه وسلم َأنّه أمر بالمُ ِقرّ بالزّنى أن يُسَت ْنكَ َه لِيعتبر قولُه الذى أق ّر به أو يُلغى‪.‬‬
‫وص ّ‬
‫وفى صحيح البخارى فى قصة حمزة‪ ،‬لما عَ َقرَ َب ْع ِي َرىْ عَلى‪ ،‬فجاء النبىّ صلى ال عليه‬
‫ل َأ ْنتُمْ إل عَبيدٌ لبى‪،‬‬
‫وسلم‪َ ،‬فوَ َقفَ عليه َيلُومُه‪ ،‬فصعّ َد فيه النّظرَ وصوّبه وهو سكران‪ ،‬ثم قال‪ :‬ه ْ‬
‫فنكص النبىّ صلى ال عليه وسلم على عَقِبيْةِ‪ .‬وهذا القولُ لو قاله غي ُر سكران‪ ،‬لكان رِد ًة وكُفراً‪،‬‬
‫ولم يُؤاخذ بذلك حمزة‪.‬‬
‫وصح عن عُثمانَ بنِ عفان رضى ال عنه أنه قال‪ :‬ليس لِمجنون‪ ،‬ول سكران طلق‪ .‬رواه‬
‫ابن أبى شيبة‪ ،‬عن وكيع‪ ،‬عن ابن أبى ذئب‪ ،‬عن الزهرى‪ ،‬عن أبان بن عثمان‪ ،‬عن أبيه‪.‬‬
‫(يتبع‪)...‬‬
‫@‬

‫ق السكران ل‬
‫ق السكران ل يجوزُ‪ ،‬وقال ابنُ طاووس عن أبيه‪ :‬طل ُ‬
‫وقال عطاء‪ :‬طل ُ‬

‫يجوز‪ .‬وقال القاسم بن محمد‪ :‬ل يجوزُ طلقه‪.‬‬
‫لّ الذى ل إله إل هو‪ :‬لقد‬
‫س ْكرَان طلّق‪ ،‬فاستحلفه با ِ‬
‫ح عن عمر بن عبد العزيز أنه أُتى بِ َ‬
‫وص ّ‬
‫طلّقها وهو ل َيعْقِلُ‪ ،‬فحلف‪ ،‬فرَ ّد إليه امرأته‪ ،‬وضربه الحد‪.‬‬

‫‪112‬‬

‫وهو مذهبُ يحيى بن سعيد النصارى‪ ،‬وحُمي ِد بن عبد الرحمن‪ ،‬وربيعة‪ ،‬والليثِ بن سعد‪،‬‬
‫وعبدِ ال بن الحسن‪ ،‬وإسحاق بن راهويه‪ ،‬وأبى ثور‪ ،‬والشافعى فى أحد قوليه‪ ،‬واختاره المزنىّ‬
‫وغيرُه من الشافعية‪ ،‬ومذهب أحمد فى إحدى الروايات عنه‪ ،‬وهى التى استقرّ عليها مذهبُه‪،‬‬
‫وصرّح برجوعه إليها ؛ فقال فى رواية أبى طالب‪ :‬الذى ليأمر بالطلق‪ ،‬إنما أتى خصلةً واحدة‪،‬‬
‫والذى يأمر بالطلق‪ ،‬فقد أتى خصلتيْنِ حرّمها عليه‪ ،‬وأحلّها لغيره‪ ،‬فهذا خي ٌر مِن هذا‪ ،‬وأنا أتقى‬
‫جميعاً‪ .‬وقال فى رواية الميمونى‪ :‬قد كنتُ أقولُ‪ :‬إن طلق السكران يجو ُز تبينتُه‪ ،‬فغلب على‪ :‬أنه ل‬
‫يجوزُ طلقه‪ ،‬لنه لو أقر‪ ،‬لم يلزمه‪ ،‬ولو باع‪ ،‬لم يجز بيعُه‪ ،‬قال‪ :‬وألزمه الجناية‪ ،‬وما كان من غير‬
‫ب أهلِ الظاهر ُكلّهم‪ ،‬واختاره من‬
‫ذلك‪ ،‬فل يلزمُه‪ .‬قال أبو بكر عبد العزيز‪ :‬وبهذا أقولُ‪ ،‬وهذا مذه ُ‬
‫الحنفية أبو جعفر الطحاوىّ‪ ،‬وأبو الحسن الكرخىّ‪.‬‬
‫والذين أوقعوه لهم سبعة مآخذ‪.‬‬
‫أحدُها‪ :‬أنه مكلّف‪ ،‬ولهذا يُؤاخذ بجناياته‪.‬‬
‫والثانى‪ :‬أن إيقاع الطلق عقوبةٌ له‪.‬‬
‫والثالث‪ :‬أنّ ترتب الطلق على التطليق مِن باب ربط الحكام بأسبابها‪ ،‬فل يُؤثر فيه السُكر‪.‬‬
‫س ِكرَ‪ ،‬وإذا‬
‫والرابع‪ :‬أنّ الصحابة أقاموه مقام الصّاحى فى كلمه‪ ،‬فإنهم قالوا‪ :‬إذا شرب‪َ ،‬‬
‫س ِكرَ‪ ،‬هذى‪ ،‬وإذا هَذَى‪ ،‬افترى‪ ،‬وحَ ّد المفترى ثمانون‪.‬‬
‫َ‬
‫والخامس‪ :‬حديث‪(( :‬ل قيلولة فى الطلق)) وقد تقدم‪.‬‬
‫ق المعتوه))‪ ،‬وقد تقدم‪.‬‬
‫السادس‪ :‬حديث ((كُلّ طلقٍ جائِز إل طل َ‬
‫والسابع‪ :‬أن الصحابة أوقعوا عليه الطلق‪ ،‬فرواه أبو عُبيد عن عمر‪ ،‬معاوية‪ ،‬ورواه غيرُه‬
‫عن ابن عباس‪ .‬قال أبو عبيد‪ :‬حدثنا يزيد بن هارون‪ ،‬عن جرير بن حازم‪ ،‬عن الزبير بن الحارث‪،‬‬
‫ل طلّق امرأتَه وهو سكران‪َ ،‬فرُفِ َع إلى عمر بن الخطاب‪ ،‬وشهد عليه أربعُ‬
‫عن أبى لَبيد‪ ،‬أن رج ً‬
‫نِسوة ففرق عمر بينهما‪.‬‬

‫قال‪ :‬وحدثنا ابنُ أبى مريم‪ ،‬عن نافع بن يزيد‪ ،‬عن جعفر بن ربيعة‪،‬‬

‫ق السكران‪ .‬هذا جميعُ ما احتجوا به‪،‬‬
‫عن ابن شهاب‪ ،‬عن سعيد بن المسيّب‪ ،‬أن معاوية أجاز طل َ‬
‫وليس فى شىء منه حج ٌة أصلً‪.‬‬
‫ط التكليفِ‬
‫فأما المأخ ُذ الوّلُ‪ ،‬وهو‪ :‬أنه مكلف‪ ،‬فباطل‪ ،‬إذ الجماع منعقِ ٌد على أن شر َ‬
‫العقلُ‪ ،‬ومن ل يعقِلُ ما يقول‪ ،‬فليس بمكلّف‪.‬‬

‫‪113‬‬

‫وأيضاً فلو كان مكلفاً‪ ،‬لوجب أن يقع طلقُه إذا كان مكرهًا على شُربها‪ ،‬أو غيرَ عالم بأنها‬
‫خمر‪ ،‬وهم ل يقولون به‪.‬‬
‫وأما خطابُه‪ ،‬فيجب حملُه على الذى يعقِلُ الخطاب‪ ،‬أو على الصاحى‪ ،‬وأنه نُهى عن السكر‬
‫إذا أراد الصلة‪ ،‬وأما من ل َيعْقِلُ‪ ،‬فل يُؤمر ول ينهى‪.‬‬
‫ل نزاع ل محل وفاق‪ ،‬فقال عثمان ال َبتّى‪ :‬ل يلزمُه عقدٌ ول بيع‪،‬‬
‫وأما إلزامُه بجناياته‪ ،‬فمح ّ‬
‫ول حدّ إل حدّ الخمر فقط‪ ،‬وهذا إحدى الروايتين عن أحمد أنه كالمجنون فى كُلّ فعل يُعتبر له‬
‫العقلُ‪.‬‬
‫ن أقواله‪ ،‬فرّقوا بفرقين‪ ،‬أحدهما‪ :‬أن إسقاطَ أفعاله ذريع ٌة إلى‬
‫والذين اعتبروا أفعالَه دو َ‬
‫س ِكرَ وفعل ذلك‪ ،‬فيقام‬
‫ل من أراد قتل غيره أو الزنى أو السرقة أو الحِراب‪َ ،‬‬
‫تعطيل القِصاص‪ ،‬إذ كُ ّ‬
‫عليه الح ّد إذا أتى جرماً واحداً‪ ،‬فإذا تضاعف جُرمُه بالسكر كيف يسقط عنه الحدّ؟ هذا مما تأباه‬
‫ض من يرى طلق السكران‬
‫قواعدُ الشريعة وأصولها‪ ،‬وقال أحمد منكرًا على من قال ذلك‪ :‬وبع ُ‬
‫ليس بجائز‪ ،‬يزعم أن سكران لو جنى جناية‪ ،‬أو أتى حداً‪ ،‬أو تركَ الصيام أو الصلةَ‪ ،‬كان بمنزلة‬
‫ال ْمبَرسَمِ والمجنون‪ ،‬هذا كَلمْ سوء‪.‬‬
‫والفرق الثانى‪ :‬إن إلغاء أقواله ل يتضمّن مفسدة‪ ،‬لن القول المجر َد مِن غير العاقل ل‬
‫مفسدة فيه بخلف الفعال‪ ،‬فإن مفاسدها ل يُمكن إلغاؤها إذا وقعت‪ ،‬فإلغا ُء أفعاله ضررٌ محض‪،‬‬
‫ح هذان الفرقان‪ ،‬بطلَ اللحاق‪ ،‬وإن لم يصحا‪ ،‬كانت التسويةُ‬
‫وفسادٌ منتشر بخلف أقواله‪ ،‬فإن ص ّ‬
‫بين أقواله وأفعاله متعينة‪.‬‬
‫وأما المأخذ الثانى وهو أن إيقاع الطلق به عقوبةٌ له ففى غاية الضعف‪ ،‬فإن الحدّ يكفيه‬
‫عقوبة‪ ،‬وقد حصل رضى ال سُبحانه من هذه العقوبة بالحد‪ ،‬ول عهد لنا فى الشريعة بالعُقوبة‬
‫بالطلق‪ ،‬والتفريق بين الزوجين‪.‬‬
‫ع الطلق به من ربط الحكام بالسباب‪ ،‬ففى غاية الفساد‬
‫وأما المأخ ُذ الثالث‪ :‬أن إيقا َ‬
‫ع الطلق ممن سكر مُكرهاً‪ ،‬أو جاهلً بأنها خمر‪ ،‬وبالمجنون‬
‫والسقوط‪ ،‬فإن هذا يُوجب إيقا َ‬
‫ق السكران سببٌ حتى يُربط الحكمُ به‪ ،‬وهل‬
‫وال ُمبَرْسَم‪ ،‬بل وبالنائم‪ ،‬ثم يُقال‪ :‬وهل ثبت لكم أن طل َ‬
‫النزاعُ إل فى ذلك؟‬
‫س ِكرَ‪ ،‬وإذا‬
‫وأما المأخذ الرابع‪ :‬وهو أن الصحابة جعلوه كالصاحى فى قولهم‪ :‬إذا شرب‪َ ،‬‬
‫س ِكرَ‪ ،‬هذى‪ .‬فهو خبر ل يصح البتة‪.‬‬
‫َ‬
‫‪114‬‬

‫قال أبو محمد ابن حزم‪ :‬وهو خبر مكذوب قد نزه ال عليًا وعبد الرحمن بن عوف منه‪،‬‬
‫وفيه من المناقضة ما يدل على بُطلنه‪ ،‬فإن فيه إيجاب الحد على من هذى‪ ،‬والهاذى ل ح ّد عليه‪.‬‬
‫وأما المأخذْ الخامس‪ ،‬وهو حديث‪(( :‬ل قيلولة فى الطلق))‪ ،‬فخبر ل َيصِحّ‪ ،‬لو صحّ‪،‬‬
‫ل دون من ل يعقِل‪ ،‬ولهذا لم يدخل فيه طلقُ المجنون والمُبرْسَم‬
‫لوجب حملُه على طلق مكلّف يعقِ ُ‬
‫والصبى‪.‬‬

‫وأما المأخذ السادس‪ ،‬وهو خبر‪(( :‬كلّ طلق جائز إل طلق المعتوه))‪ ،‬فمثله‬

‫ل إما معتوه‪،‬‬
‫سواء ل يصح‪ ،‬ولو صح‪ ،‬لكان فى المكلف‪ ،‬وجواب ثالث‪ :‬أن السكران الذى ل يَعقِ ُ‬
‫وإما مُلحق به‪ ،‬وقد ادعت طائفة أنه معتوه‪ .‬وقالوا‪ :‬المعتوه فى اللغة‪ :‬الذى ل عقل له‪ ،‬ول يدرى ما‬
‫يتكلم به‪.‬‬

‫وأما المأخذ السابعُ‪ :‬وهو أن الصحابة أوقعوا عليه الطلقَ‪ ،‬فالصحابةُ مختلفون فى‬

‫ذلك‪ ،‬فصح عن عثمان ما حكيناه عنه‪.‬‬
‫ح عنه‪ ،‬لنه من طريقين‪ ،‬فى أحدهما الحجاج بن أرطأة‪ ،‬وفى الثانية‬
‫ن عباس‪ ،‬فل َيصِ ّ‬
‫وأما أثر اب ِ‬
‫ن عمر ومعاوية‪ ،‬فقد خالفهما عثمان بن عفان‪.‬‬
‫إبراهيم بن أبى يحيى‪ ،‬وأما اب ُ‬
‫فصل‬
‫وأما طلق الغلق‪ ،‬فقد قال المام أحمد فى رواية حنبل‪ :‬وحديثُ عائشة رضى ال عنها‪:‬‬
‫سمعت النبى صلى ال عليه وسلم يَقول‪(( :‬ل طَلقَ ول عِتاق فى إغلق))‪ ،‬يعنى الغضبَ‪ ،‬هذا‬
‫نصّ أحمد حكاه عنه الخلل‪ ،‬وأبو بكر فى ((الشافى)) و((زاد المسافر))‪ .‬فهذا تفسير أحمد‪.‬‬
‫وقال أبو داود فى سننه‪ :‬أظنه الغضب‪ ،‬وترجم عليه‪(( :‬باب الطلق على غلط)) وفسره أبو‬
‫عُبيد وغيرُه‪ :‬بأنه الكراه‪ ،‬وفسره غيرهما‪ :‬بالجنون‪ ،‬وقيل‪ :‬هو نهىُ عن إيقاع الطلقات الثلث‬
‫دفعةً واحدة‪ ،‬فُي ْغلَقُ عليه الطلقُ حتى ل يبقى منه شىء‪ ،‬ك َغلَقِ الرهن‪ ،‬حكاه أبو عُبيد الهروى‪.‬‬
‫قال شيخُنا‪ :‬وحقيقةُ الغلق‪ :‬أن يُغلق على الرجل قلبُه‪ ،‬فل يقصِدُ الكلم‪ ،‬أو ل يعلم به‪،‬‬
‫ق الصدر‪ ،‬وقل ُة الصبر‬
‫كأنه انغلق عليه قصدُه وإرادتُه‪ .‬قلت‪ :‬قال أبو العباس المبرّد‪ :‬ال َغلَق‪ :‬ضي ُ‬
‫بحيث ل يجد مخلصاً قال شيخنا‪ :‬ويدخل فى ذلك طلقُ المكرَه والمجنون‪ ،‬ومن زال عقلُه بسُكر أو‬
‫ل من ل قصد له ول معرفة له بما قال‪.‬‬
‫غضب‪ ،‬وكُ ّ‬
‫والغضب على ثلثة أقسام‪.‬‬
‫أحدها‪ :‬ما يُزيل العقل‪ ،‬فل يش ُعرُ صاحبُه بما قال‪ ،‬هذا ل يقعُ طلقه بل نزاع‪.‬‬
‫ل وقصده‪ ،‬فهذا يقع‬
‫حبَه مِن تصور ما يقو ُ‬
‫الثانى‪ :‬ما يكون فى مباديه بحيث ل يمنع صا ِ‬
‫طلقُه‪.‬‬
‫‪115‬‬

‫ل بينه وبين نيته بحيث يندَمُ‬
‫الثالث‪ :‬أن يستحكِمَ ويشتدّ به‪ ،‬فل يُزيل عقله بالكلية‪ ،‬ولكن يحو ُ‬
‫ل نظر‪ ،‬وعد ُم الوقوع فى هذه الحالة قوى متجه‪.‬‬
‫على ما فرط منه إذا زال‪ ،‬فهذا مح ّ‬
‫حكم رسول ال صلى ال عليه وسلم فى الطلق قبل النكاح‬
‫فى السنن‪ :‬من حديث عمرو بن شعيب‪ ،‬عن أبيه عن جده‪ ،‬قال‪ :‬قال رسول ال صلىال‬
‫ل َي ْمِلكُ))‪.‬‬
‫ق لَهُ فِيمَا َ‬
‫ل َي ْمِلكُ‪ ،‬ول طَلَ َ‬
‫ق لَهُ فِيمَا َ‬
‫عتْ َ‬
‫ل َي ْمِلكُ‪ ،‬ولَ ِ‬
‫عليه وسلم‪(( :‬ل نَ ْذرَ لبْن آدَمَ فِيمَا َ‬
‫قال الترمذى‪ :‬هذا حديث حسن‪ ،‬وهو أحسنُ شىء فى هذا الباب‪ ،‬وسَألت محمد بن إسماعيل‪ .‬فقلت‪:‬‬
‫ث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده‪.‬‬
‫ح فى الطلق قبل النكاح؟ فقال‪ :‬حدي ُ‬
‫أىّ شىء أص ّ‬
‫وروى أبو داود‪(( :‬ل َبيْعَ إلّ فِيمَا َي ْمِلكُ‪ ،‬ول وَفَا َء نَ ْذرِ إلّ فِيما َي ْمِلكُ))‪.‬‬
‫خ َرمَة رضى ال عنه‪ ،‬أن رسول ال صلى ال عليه‬
‫ن مَ ْ‬
‫وفى سنن ابن ماجه‪ :‬عن المِسور ب ِ‬
‫ل ِم ْلكِ))‪.‬‬
‫عتْق َقبْ َ‬
‫ل ال ّنكَاحِ وَلَ ِ‬
‫وسلم قال‪(( :‬لَ طَلَقَ َقبْ َ‬
‫وقال وكيع‪ :‬حدثنا ابنُ أبى ذئب‪ ،‬عن محمد بن المنكدِر‪ ،‬وعطاء بن أبى رباح‪ ،‬كلهما عن‬
‫جابر بن عبد ال يرفعه‪(( :‬لَ طَلَقَ َقبْلَ نكاح))‪.‬‬
‫وذكر عب ُد الرزاق‪ ،‬عن ابن جريج‪ ،‬قال‪ :‬سمعتُ عطا ًء يقول‪ :‬قال ابنُ عباس رضى ال‬
‫ق إل من بعدِ نكاح‪.‬‬
‫عنه‪ :‬ل طل َ‬
‫قال ابنُ جريج‪ :‬بلغ ابن عباس أن ابن مسعود يقول‪ :‬إن طلّق ما لم ينكِحْ فهو جائز‪ ،‬فقال ابن‬
‫طلّ ْق ُتمُوهُنّ} [الحزاب‪،]49 :‬‬
‫ت ثُمّ َ‬
‫حتُ ُم ال ُم ْؤمِنَا ِ‬
‫عباس‪ :‬أخطأ فى هذا‪ ،‬إن ال تعالى يقول‪{:‬إذَا َنكَ ْ‬
‫ولم يقل‪ :‬إذا طلقتم المؤمنات ثم نكحتموهن‪.‬‬
‫سئِل عن رجل قال‪ :‬إن تزوجتُ‬
‫وذكر أبو عُبيد‪ :‬عن على بن أبى طالب رضى ال عنه أنه ُ‬
‫ق إل من بعد ملك‪.‬‬
‫فلنه‪ ،‬فهى طالق‪ ،‬فقال على‪ :‬ليس طل ٌ‬
‫وثبت عنه رضى ال عنه أنه قال‪ :‬ل طلق إل من بعد نكاح وإن سماها‪.‬‬
‫وهذا قولُ عائشة‪ ،‬وإليه ذهب الشافعى‪ ،‬وأحمد‪ ،‬وإسحاق وأصحابُهم‪ ،‬وداود وأصحابُه‪،‬‬
‫وجمهورُ أهل الحديث‪.‬‬
‫طلّقٌ لجنبية‪ ،‬وذلك محال‪،‬‬
‫ومِن حجة هذا القول‪ :‬أن القائل‪ :‬إن تزوجتُ فلنه‪ ،‬فهى طالق مُ َ‬
‫ن الطلق المعلّق أجنبية‪ ،‬والمتجدّدُ هو نِكاحُها‪ ،‬والنكاح ل يكون طلقاً‪ ،‬ف ُعلِمَ أنها لو طلقت‪،‬‬
‫فإنها حِي َ‬
‫فإنما يكون ذلك استنادًا إلى الطلق المتقدّم معلقاً‪ ،‬وهى إذا ذاك أجنبية‪ ،‬وتجدّ ُد الصفة ل يجعلُه‬

‫‪116‬‬

‫متكلماً بالطلق عند وجودها فإن وجودها مختار للنكاح غي ُر مريد للطلق‪ ،‬فل َيصِبحّ‪ ،‬كما لو قال‬
‫لجنبية‪ :‬إن دخلت الدار فأنت طالق‪ ،‬فدخَلتْ وهى زوجتُه‪ ،‬لم تطلق بغير خلف‪.‬‬
‫فإن قيل‪ :‬فما الفرقُ بين تعليق الطلق وتعليق العِتق؟ فإنه لو قال‪ :‬إن ملكت فلناً‪،‬‬
‫فهو حر‪ ،‬صَحّ التعليقُ‪ ،‬وعتق بالملك؟‬
‫قيل‪ :‬فى تعليق العِتق قولن‪ ،‬وهما روايتان عن أحمد‪ ،‬كما عنه روايتان فى تعليق الطلق‪،‬‬
‫ح من مذهبه الذى عليه أكثرُ نصوصه‪ ،‬وعليه أصحابه‪ :‬صح ُة تعليق العتق دون الطلق‪،‬‬
‫والصحي ُ‬
‫ح أن‬
‫ق له قوة وسراية‪ ،‬ول يعتمِ ُد نفوذ الملك‪ ،‬فإنه ينفذ فى ملك الغير‪ ،‬ويَصِ ّ‬
‫والفرقُ بينهما أن العِت َ‬
‫ل ملكه بالعتق عن ذى رحمه المحرَمِ‬
‫يكون الملك سببًا لزواله بالعتق لزواله عقلً وشرعاً‪ ،‬كما يزو ُ‬
‫ل هذا يُشرع فيه‬
‫بشرائه‪ ،‬وكما لو اشترى عبدًا لِيعتقه فى كفارة أو نذر‪ ،‬أو اشتراه بشرط العِتق‪ ،‬وكُ ّ‬
‫جعل الملك سبباً للعتق‪ ،‬فإنه قُربة محبوبة لّ تعالى‪ ،‬فشرع ال سبحانه التوسلَ إليه بكل وسيلة‬
‫ض الحلل إليه‪ ،‬ولم يجعل‬
‫مفضية إلى محبوبه‪ ،‬وليس كذلك الطلقُ‪ ،‬فإنه بغيضُ إلى ال‪ ،‬وهو أبغ ُ‬
‫ن أن تعليق العتق بالملك من باب نذر ال ُق َربِ‬
‫ملك البُضع بالنكاح سببًا لزالته ألبتة‪ ،‬وفرقٌ ثا ٍ‬
‫والطاعات والتبرر‪ ،‬كقوله‪ :‬لئن آتانىَ ال مِن فضله‪ ،‬لتصدقن بكذا وكذا‪ ،‬فإذا وُجِ َد الشرطُ‪ ،‬لزمه ما‬
‫علقه به من الطاعة المقصودة‪ ،‬فهذا لونٌ‪ ،‬وتعليقُ الطلق على الملك لونٌ آخر‪.‬‬
‫ض والنفساء والموطوءةِ فى‬
‫ل ال صلى ال عليه وسلم فى تحريم طلق الحائ ِ‬
‫حكْمُ رسو ِ‬
‫طُهرها‪ ،‬وتحريم إيقاع الثلث جملة‬
‫فى ((الصحيحين))‪ :‬أن ابن عمر رضي ال عنه طلق امرأته وهى حائض على عهد رسول‬
‫ل ال صلى ال عليه‬
‫ال صلى ال عليه وسلم‪ ،‬فسأل عمرُ بن الخطاب رضى ال عنه عن ذلك رسو َ‬
‫ك َبعْدَ‬
‫سَ‬
‫ط ُهرَ‪ ،‬ثُ ّم إنْ شَا َء َأمْ َ‬
‫ط ُه َر ثُمّ تَحيضَ‪ ،‬ثُ ّم تَ ْ‬
‫حتّى تَ ْ‬
‫سكْها َ‬
‫جعْها ثُ ّم ليمْ ِ‬
‫وسلم فقال‪ُ (( :‬م ْرهُ َف ْل ُيرَا ِ‬
‫ق لَها النّسَاءُ))‪.‬‬
‫طلّ َ‬
‫ن تُ َ‬
‫لّ أَ ْ‬
‫ك العِ ّدةُ التى َأ َمرَ ا ُ‬
‫ن َيمَسّ‪َ ،‬ف ِت ْل َ‬
‫ل أَ ْ‬
‫َذِلكَ‪ ،‬وإنْ شَا َء يُطلّقُ َقبْ َ‬
‫طلّقْها طاهِراً أو حامِلً))‪.‬‬
‫جعْها‪ ،‬ثُ ّم ِليُ َ‬
‫ولمسلم‪(( :‬مُ ْرهُ َف ْل ُيرَا ِ‬
‫ق ِل ْلعِدّ ِة َكمَا َأ َم َرهُ ال تَعالى))‪.‬‬
‫ك الطّل ُ‬
‫ن يَمسّ‪ ،‬فذِل َ‬
‫وفى لفظ‪(( :‬إنْ شَا َء طلّقَها طاهِراً َقبْل أ ْ‬
‫طلّقْها فى ُقبُلِ عِ ّدتِها))‪.‬‬
‫جعْها ثُ ّم ليُ َ‬
‫وفى لفظ للبخارى‪(( :‬مُ ْرهُ َف ْل ُيرَا ِ‬
‫وفى لفظ لحمد‪ ،‬وأبى داود‪ ،‬والنسائى‪ ،‬عن ابن عمر رضى ال عنهما‪ :‬قال‪ :‬طلق عبد ال‬
‫بن عمر امرأتَه وهى حائِض‪ ،‬فردّها عليه رسول ال صلى ال عليه وسلم‪ ،‬ولم يرها شيئاً‪ ،‬وقال‪:‬‬

‫‪117‬‬

‫سكْ))‪ .‬وقال ابن عمر رضى ال عنه‪ :‬قرأ رسول ال صلى ال عليه‬
‫ق َأ ْو ِل ُيمْ ِ‬
‫طلّ ْ‬
‫ط ُه َرتْ َف ْليُ َ‬
‫((إذَا َ‬
‫طلّقُوهُنّ} [الطلق‪ ]1 :‬فى ُقبُلِ عِ ّد ِتهِنّ‪.‬‬
‫طلّ ْقتُ ُم النّسَاءَ فَ َ‬
‫ى إذَا َ‬
‫وسلم‪{ :‬يَأيّها النّب ّ‬
‫ق على أربعة أوجه‪ :‬وجهانِ حلل‪ ،‬ووجهان حرام‪.‬‬
‫فتضمّن هذا الحك ُم أن الطل َ‬
‫فالحللن‪ :‬أن يطلّق امرأته طَاهرًا مِن غير جماع‪ ،‬أو يُطلّقها حاملً مستبيناً حملها‪.‬‬
‫طلّقها وهى حائض‪ ،‬أو يُطلّقها فى طهرٍ جامعها فيه هذا فى طلق المدخول‬
‫والحرامان‪ :‬أن يُ َ‬
‫بها‪.‬‬
‫عَل ْيكُمْ إنْ‬
‫جنَاحَ َ‬
‫وأما من لم يدخل بها‪ ،‬فيجوز طلقُها حائضاً وطاهراً‪ ،‬كما قال تعالى‪{ :‬لَ ُ‬
‫ن َأوْ تَ ْف ِرضُوا َلهُنّ َفرِيضَةً} [البقرة‪.]236 :‬‬
‫طلّ ْقتُمُ النّسَا َء مَا لَ ْم َتمَسّوهُ ّ‬
‫َ‬
‫ن َتمَسّوهُنّ َفمَالكُمْ‬
‫لأ ْ‬
‫طلّ ْق ُتمُوهُنّ مِنْ َقبْ ِ‬
‫حتُ ُم ال ُم ْؤ ِمنَاتِ ثُمّ َ‬
‫وقال تعالى‪{ :‬يَأيّها الّذِينَ آ َمنُوا إذَا َنكَ ْ‬
‫طلّقُوهُنّ ِلعِ ّد ِتهِنّ}‬
‫عَل ْيهِنّ مِنْ عِ ّدةٍ َت ْعتَدّونَها} [الحزاب‪ ]49 :‬وقد دل على هذا قولُه تعالى‪{ :‬فَ َ‬
‫َ‬
‫ك العِ ّدةُ الّتى‬
‫ل ال صلى ال عليه وسلم بقوله‪َ (( :‬ف ِت ْل َ‬
‫[الطلق‪ ]1:‬وهذه ل عِدة لها‪ ،‬ونبّه عليه رسو ُ‬
‫ن اللتان فيهما إباح ُة الطلق قبل الدخول‪ ،‬لمنع مِن‬
‫طلّق َلهَا النّسَاء))‪ ،‬ولول هاتان اليتا ِ‬
‫لّ أَنْ تُ َ‬
‫أَمرَ ا ُ‬
‫طلق مَنْ ل عِدة له عليها‪.‬‬
‫خ ِب َر رسول ال صلى ال عليه‬
‫وفى سنن النسائى وغيره‪ :‬من حديث محمود بن لبيد‪ ،‬قال‪ :‬أُ ْ‬
‫لّ وَأنَا َبيْنَ‬
‫ل طلّق امرأته ثلثَ تطليقاتٍ جمعياً‪ ،‬فقا َم غضبان‪ ،‬فقال‪(( :‬أ ُي ْل َعبُ ِب ِكتَابِ ا ِ‬
‫وسلم عن رجُ ِ‬
‫ظ ُه ِركُم))‪ ،‬حتى قام رجلٌ‪ ،‬فقال‪ :‬يا رسولَ ال‪ ،‬أفل أق ُتلُه‪.‬‬
‫أَ ْ‬
‫ع َمرَ رضى ال عنه‪ ،‬أنه كان إذا سئل عن الطلق قال‪َ :‬أمّا‬
‫وفى ((الصحيحين))‪ :‬عن ابن ُ‬
‫ن ُك ْنتَ‬
‫ك َم ّرةً َأ ْو َم ّرتَين‪ ،‬فإِنّ رسول ال صلى ال عليه وسلم أمرنى بهذا‪ ،‬وإ ْ‬
‫ت ا ْمرََأ َت َ‬
‫طلّ ْق َ‬
‫َأ ْنتَ إن َ‬
‫ق ا ْمرََأ ِتكَ‪.‬‬
‫عَليْكَ حتى َت ْنكِحَ زوجًا غي َركَ‪ ،‬وعصيتَ ال فِيمَا أ َمرَك مِنْ طَل ِ‬
‫ح ُر َمتْ َ‬
‫طلّقتها ثلثاً‪ ،‬فقد َ‬
‫ص أن المطلّقة نوعان‪ :‬مدخولٌ بها‪ ،‬وغيرُ مدخول بها‪ ،‬وكلهما ل‬
‫فتض ّم َنتْ هذه النصو ُ‬
‫يجوز تطليقها ثلثاً مجموعة‪ ،‬ويجو ُز تطليقُ غيرِ المدخولِ بها طاهراً وحائضاً‪.‬‬
‫وأما المدخولُ بها‪ ،‬فإن كانت حائضًا أو نفساء‪ ،‬حرم طلقُها‪ ،‬وإن كانت طاهراً فإن كانت‬
‫جزْ طلقها بعد الوطء فى طُهر‬
‫مستبينَةَ الحمل‪ ،‬جاز طلقُها بعد الوط ِء وقبله‪ ،‬وإن كانت حائلً لم يَ ُ‬
‫الصابة‪ ،‬ويجوز قبلَه هذا الذى شرعه الُّ على لسان رسولهِ مِن الطلق‪ ،‬وأجمعَ المسلمون على‬
‫ع الطلق الذى أذن ال فيه‪ ،‬وأباحه إذا كان مِن مكّلفٍ مختارٍ‪ ،‬عالم بمدلول اللفظ‪ ،‬قاصدٍ له‪.‬‬
‫وقو ِ‬
‫واختلفوا فى وقوع المحرّم من ذلك‪ ،‬وفيه مسألتان‪.‬‬
‫‪118‬‬

‫المسألة الولى‪ :‬الطلق فى الحيض‪ ،‬أو فى الطهر الذى واقعها فيه‪.‬‬
‫المسألة الثانية‪ :‬فى جمع الثلث‪ ،‬ونحن نذكر المسألتين تحريرًا وتقريراً‪ ،‬كما ذكرناهما‬
‫حجَجَ الفَريقينِ‪ ،‬ومنتهى أقدام الطائفتينِ‪ ،‬مع العلم بأن المقلّد المتعصّب ل يتركُ مَنْ‬
‫تصويراً‪ ،‬ونذكر ُ‬
‫حكّ ُم إل إياه‪ ،‬ولِكل من الناس َموْردُ ل‬
‫ل آية‪ ،‬وإن طالبَ الدليل ل يأت ّم بسواه‪ ،‬ول يُ َ‬
‫قَلده ولو جاءته كُ ّ‬
‫ل ما انتهت إليه قواه‪ ،‬وسعى إلى حيث انتهت إليه‬
‫حمَ َ‬
‫يتعداه‪ ،‬وسبيل ل يتخطاه‪ ،‬ولقد عُ ِذرَ مَنْ َ‬
‫خُطاه‪.‬‬
‫فأما المسأل ُة الولى‪ ،‬فإن الخلفَ فى وقوع الطلق المحرّم لم يزل ثابتًا بين السلف‬
‫والخلف‪ ،‬وقد وَهِ َم من ادعى الجماعَ على وقوعه‪ ،‬وقال بمبلغ علمه‪ ،‬وخفى عليه مِن الخلف ما‬
‫ل الناسَ‬
‫اطلع عليه غيرُه‪ ،‬وقد قال المامُ أحمد‪ :‬من ادعى الجماع‪ ،‬فهو كاذب‪ ،‬وما يُدريه لع ّ‬
‫اختلفوا‪.‬‬
‫ف بين الناس فى هذه المسألة معلو ُم الثبوت عن المتقدمين والمتأخرين؟ قال‬
‫كيف والخل ُ‬
‫محمد بن عبد السلم الخُشنى‪ :‬حدثنا محمد بن بشار ؛ حدثنا عبد الوهّاب بنُ عبد المجيدِ الثقفى‪،‬‬
‫حدثنا عُبيد ال بن عمر‪ ،‬عن نافع مولى ابن عمر‪ ،‬عن ابن عمر رضى ال عنه أنه قال فى رجل‬
‫طلق امرأته وهى حائض‪ .‬قال ابن عمر‪ :‬ل يعتد بذلك‪ ،‬ذكره أبو محمد ابن حزم فى ((المحلى))‬
‫بإسناده إليه‪.‬‬
‫وقال عبد الرزاق فى ((مصنفه))‪ :‬عن ابن جريج‪ ،‬عن ابن طاووس‪ ،‬عن أبيه أنه قال‪ :‬كان‬
‫طلّقَها طاهِراً مِن‬
‫ل يرى طلقاً ما خالفَ وج َه الطّلقِ‪ ،‬ووجُ َه العِدة‪ ،‬وكان يقول‪ :‬وج ُه الطلقِ‪ :‬أن يُ َ‬
‫غير جماع وإذا استبان حملُها‪.‬‬
‫وقال الخُشنى‪ :‬حدثنا محمد بنُ المثّنى‪ ،‬حدثنا عبدُ الرحمن بن مهدى‪ ،‬حدثنا همّام بن يحيى‪ ،‬عن‬
‫قتادة‪ ،‬عن خِلس بن عمرو أنه قال فى الرجل يُطلّق امرأته وهى حائض‪ :‬قال‪ :‬ل ُي ْعتَدّ بها قال أبو‬
‫ن ادّعى الجماعَ على خلف هذا‪ ،‬وهو ل يجد فيما يُوافق‬
‫محمد ابن حزم‪ :‬والعجبُ من جُرأة م ِ‬
‫قوله فى إمضاء الطلق فى الحيض أو فى طهر جامعها فيه كلمة عن أحدٍ من الصحابة رضى ال‬
‫عنهم غي َر رواية عن ابن عمر قد عارضها ما هو أحسنُ منها عن ابن عمر‪ ،‬وروايتين عن عُثمان‬
‫وزيدِ بن ثابت رضى ال عنهما‪ .‬إحداهما‪ :‬رويناها من طريق ابن وهب عن ابنِ سمعان‪ ،‬عن رجل‬
‫أخبره أن عثمانَ بن عفان رضى ال عنه كان يقضى فى المرأة التى يُطلّقُها زوجها وهى حائض‬
‫أنها ل تعتدّ بحيضتها تلك‪ ،‬وتعتدّ بعدَها بثلثة قروء‪ .‬قلت‪ :‬وابن سمعان هو عبد ال بن زياد بن‬
‫‪119‬‬

‫سمعان الكذاب‪ ،‬وقد رواه عن مجهول ل يُعرف‪ .‬قال أبو محمد‪ :‬والخرى من طريق عبد الرزاق‪،‬‬
‫عن هشام بن حسان‪ ،‬عن قيس بن سعد مولى أبى علقمة‪ ،‬عن رجل سماه‪ ،‬عن زيد بن ثابت أنه قال‬
‫فيمن طلّق امرأَته وهى حائض‪ :‬يلزمه الطلقُ‪ ،‬وتعتد بثلثِ حيض سوى تلك الحيضة‪.‬‬
‫قال أبو محمد‪ :‬بل نحنُ أسعدُ بدعوى الجماع هاهنا لو استجزنا ما يستجيزوُن ونعوذُ بالّ‬
‫من ذلك‪ ،‬وذلك أنه ل خلفَ بين أح ٍد من أهل العلم قاطبة‪ ،‬ومن جملتهم جميع المخالفين لنا فى ذلك‬
‫أن الطلق فى الحيض أو فى طهر جامعها فيه بدعة نهى عنها رسول ال صلى ال عليه وسلم‬
‫مخالفة لمره‪ ،‬فإذا كان ل شك فى هذا عندهم‪ ،‬فكيف يستجيزون الحكم بتجويز البدعة التى يقرون‬
‫أنها بدعةٌ وضللة‪ ،‬أليس بحكم المشاهدة مجيزُ البدعة مخالفاً لجماع القائلين بأنها بدعة؟ قال أبو‬
‫محمد‪ :‬وحتي لو لم يبلغنا الخلفُ‪ ،‬لكان القاط ُع على جميع أهل السلم بما ل يقين عنده‪ ،‬ول بلغه‬
‫عن جميعهم كاذبًا على جميعهم‪.‬‬
‫ح المتيقنُ إل بيقين مثله من‬
‫قال المانعون من وقوع الطلق المحرم‪ :‬ل ُيزَالُ النكا ُ‬
‫حكْ َم النّكاح به‪ ،‬ول‬
‫كتاب‪ ،‬أو سنة‪ ،‬أو إجماع متيقّن‪ .‬فإذا أوجدتمونا واحدًا من هذه الثلثة‪ ،‬رفعنا ُ‬
‫ل إلى رفعه بغير ذلك‪ .‬قالوا‪ :‬وكيف والدل ُة المتكاثِرةٌ تدل على عدم وقوعه‪ ،‬فإن هذا طلق لم‬
‫سَبي َ‬
‫يشرعه ال تعالى ألبتة‪ ،‬ول أذن فيه‪ ،‬فليس من شرعه‪ ،‬فكيف يُقال بنفوذه وصحته؟‬
‫قالوا‪ :‬وإنما يقع من الطلق المحرم ما ملّكه ال تعالى للمطلّق‪ ،‬ولهذا ل يقع‬
‫به الرابعةُ‪ ،‬لنه لم يملّكها إياه‪ ،‬ومن المعلوم أنه لم يملّكه الطلقَ المحرم‪ ،‬ول أذن له فيه‪ ،‬فل‬
‫يصح‪ ،‬ول يقع‪.‬‬
‫ل أن يُطلّق امرأتَه طلقاً جائزاً‪ ،‬فطلّق طلقاً محرماً‪ ،‬لم يقع‪ ،‬لنه غيرُ‬
‫قالوا‪ :‬ولو وكل وكي ً‬
‫مأذون له فيه‪ ،‬فكيف كان إذن المخلوف معتبراً فى صحة إيقاع الطلق دون إذن الشارع‪ ،‬ومِن‬
‫ل للتصرف البتة‪.‬‬
‫المعلوم أن المكّلفَ إنما يتصرف بالذن‪ ،‬فما لم يأذن به ال ورسولُه ل يكون مح ً‬
‫طلّق فى حال الحيض أو بعد الوطءِ‬
‫قالوا‪ :‬وأيضاً فالشارِعُ قد حجر على الزوج أن يُ َ‬
‫فى الطهر‪ ،‬فلو صح طلقُه لم يكن لحجر الشارع معنى‪ ،‬وكان حجرُ القاضى على من منعه‬
‫ل التصرفَ بحجره‪.‬‬
‫التصرف أقوى من حجر الشارع حيث يُبطِ ُ‬
‫ت النداءِ يومَ الجمعة‪ ،‬لنه بيعٌ حجر الشارعُ على بائعه هذا‬
‫قالوا‪ :‬وبهذا أبطلنا البيعَ وق َ‬
‫الوقتَ‪ ،‬فل يجوز تنفيذُه وتصحيحه‪.‬‬

‫‪120‬‬

‫ى يقتضى فسا َد المنهى عنه‪ ،‬فلو‬
‫قالوا‪ :‬ولنه طلقٌ محرم منهى عنه‪ ،‬فالنه ُ‬
‫صححناه‪ ،‬لكان ل فرق بين المنهى عنه والمأذونِ فيه من جهة الصحة والفساد‪.‬‬
‫ع إنما نهى عنه وحرمه‪ ،‬لنه يُب ِغضُه‪ ،‬ول يُحبّ وقوعه‪ ،‬بل وقوعُه‬
‫قالوا‪ :‬وأيضاً فالشارِ ُ‬
‫مكروه إليه‪ ،‬فحرّمه لِئل يقع ما يُبغضه ويكرهه‪ ،‬وفى تصحيحه وتنفيذه ضِد هذا المقصود‪.‬‬
‫قالوا‪ :‬وإذا كان النكاحُ المنهى عنه ل َيصِحّ لجل النهى‪ ،‬فما الفرقُ بينه وبين الطلق‪،‬‬
‫وكيف أبطلتم ما نهى ال عنه من النكاح‪ ،‬وصححتم ما حرّمه ونهى عنه من الطلق‪ ،‬والنهى‬
‫يقتضى البطلن فى الموضعين؟‬
‫قالوا‪ :‬ويكفينا من هذا حُكمُ رسولِ ال صلى ال عليه وسلم العام الذى ل تخصيص‬
‫فيه برد ما خالف أمره وإبطاله وإلغاءه‪ ،‬كما فى ((الصحيح)) عنه‪ ،‬من حديث عائشة رضى ال‬
‫عَليْ ِه َأ ْمرُنا َف ُهوَ‬
‫ل َليْس َ‬
‫عمَ ً‬
‫عمِلَ َ‬
‫عَليْهِ َأ ْمرُنا َف ُه َو رَدّ)) وفى رواية‪(( :‬مَنْ َ‬
‫عمَلٍ َل ْيسَ َ‬
‫عنها‪(( :‬كُلّ َ‬
‫ح أن هذا الطلقَ المحرّم الذى ليس عليه أمرُه صلى ال عليه وسلم مردود باطل‪،‬‬
‫رَدّ))‪ .‬وهذا صري ُ‬
‫فكيف يُقال‪ :‬إنه صحيح لزم نافذ؟ فأين هذا مِن الحكم برده؟‬
‫ق لم يشرعه ال أبداً‪ ،‬وكان مردوداً باطلً كطلق‬
‫قالوا‪ :‬وأيضاً فإنه طل ٌ‬
‫ل للطلق بخلف الزوجة‪ ،‬فإن هذه الزوجة‬
‫الجنبية‪ ،‬ول ينفعُكم الفرقُ بأن الجنبية ليست مح ً‬
‫ع إيّاه‪.‬‬
‫ليست محلً لِلطلق المحرّم‪ ،‬ول هو مما ملّكه الشّارِ ُ‬
‫قالوا‪ :‬وأيضاً فإن ال سبحان إنما أمر بالتسريح بإحسان‪ ،‬ول أشر مِن التسريح الذى حرّمه‬
‫الُّ ورسُوله‪ ،‬وموجب عقدِ النكاح أح ُد أمرين‪ :‬إما إمساك بمعروف‪ ،‬أو تسريح بإحسان‪ ،‬والتسريح‬
‫ث غيرُهما‪ ،‬فل عبرة به البتة‪.‬‬
‫المحرّم أمر ثال ُ‬
‫ن ِلعِ ّد ِتهِنّ} [الطلق‪:‬‬
‫طلّقُوهُ ّ‬
‫طلّ ُقتُمُ النّسَاءَ فَ َ‬
‫ى إذا َ‬
‫قالوا‪ :‬وقد قال الُّ تعالى‪{ :‬يأيّها النّب ّ‬
‫لّ مرادَه مِن كلمه‪ ،‬أن الطلق المشروع‬
‫ى صلى ال عليه وسلم المبيّنِ عن ا ِ‬
‫‪ ]1‬وصحّ عن النب ّ‬
‫المأذون فيه هو الطلقُ فى زمن الطهر الذى لم يُجامع فيه‪ ،‬أو بعدَ استبانة الحمل‪ ،‬وما عداهُما‬
‫فليس بطلق للعدة فى حق المدخول بها‪ ،‬فل يكون طلقاً‪ ،‬فكيف تحرم المرأة به؟‬
‫ق َم ّرتَانِ} [البقرة‪ ،]229:‬ومعلوم أنه إنما أرادَ‬
‫قالوا‪ :‬وقد قال تعالى‪{ :‬الطّلَ ُ‬
‫ق للعدة‪ ،‬فدل على أن ما عداه ليس من الطلق‪ ،‬فإنه حصر الطلقَ‬
‫الطلق المأذونَ فيه‪ ،‬وهو الطل ُ‬
‫المشروع المأذونَ فيه الذى يملك به الرجعة فى مرتين‪ ،‬فل يكون ما عداه طلقاً‪ .‬قالُوا‪ :‬ولهذا كان‬
‫الصحاب ُة رضى ال عنهم يقولون‪ :‬إنهم ل طاقة لهم بالفتوى فى الطلق المحرّم‪ ،‬كما روى ابنُ‬
‫‪121‬‬

‫وهب‪ ،‬عن جرير بن حازم‪ ،‬عن العمش‪ ،‬أن ابن مسعود رضى ال عنه قال‪ :‬من طلق كما أمره‬
‫ال‪ ،‬فقد بيّن ال له‪ ،‬ومن خالف‪ ،‬فإنا ل نُطِيقُ خِلفه‪ ،‬ولو وقع طلقُ المخالف لم يكن الفتا ُء به‬
‫غير مطاق لهم‪ ،‬ولم يكن للتفريق معنى إذ كان النوعانِ واقعينَ نافذين‪.‬‬
‫وقال ابن مسعود رضي ال عنه أيضاً‪ :‬من أتى الم َر على وجهه فقد َبيّنَ ال له وإل فوالِّ‬
‫ما لنا طاقةٌ بكل ما تُحْ ِدثُون‪.‬‬
‫وقال بعض الصحابةِ قد سئل عن الطلق الثلث مجموعة‪ :‬مَنْ طلّق كما أمر‪ ،‬فقد ُبيّن له‪،‬‬
‫ومن لبّس‪ ،‬تركناه وتلبيسه‪.‬‬
‫قالوا‪ :‬ويكفى من ذلك كله ما رواه أبو داود بالسند الصحيح الثابت‪ :‬حدثنا أحمد بن‬
‫صالح‪ ،‬حدثنا عبد الرزاق‪ ،‬حدثنا ابن جريج‪ ،‬قال‪ :‬أخبرنى أبو الزبير أنه سمع عبد الرحمن بن‬
‫ن عمر قال أبو الزبير وأنا أسمع‪ :‬كيف ترى في رجل طلّق امرأته‬
‫أيمن مولى عروة يسأل اب َ‬
‫ع َم ُر عن ذلك رسول‬
‫حائضاً؟ فقال‪ :‬طلّق ابنُ عمر على عهد رسول ال صلى ال عليه وسلم‪ ،‬فسأل ُ‬
‫ال صلى ال عليه وسلم‪ ،‬فقال‪ :‬إن عبد ال بن عمر طلق امرأته وهى حائض‪ ،‬قال عبد ال‪ :‬فردّها‬
‫لّ صلى ال‬
‫سكْ‪ ،‬قال ابن عُمر‪ :‬وقرأ رسول ا ِ‬
‫ق أو ِليُم ِ‬
‫طلّ ْ‬
‫علي ولم َيرَهَا شيئاً‪ ،‬وقال‪ :‬إذا طهرت فليُ َ‬
‫طلّقُوهُنّ} [الطلق‪ ]1 :‬فى قبلِ عِ ّد ِتهِنّ‪ .‬قالوا‪ :‬وهذا إسناد‬
‫طلّ ْقتُ ُم النّسَاءَ فَ َ‬
‫عليه وسلم‪{ :‬يَأ ّيهَا النّبىّ إِذَا َ‬
‫فى غاية الصحة‪ ،‬فإن أبا الزبير غيرُ مدفوع عن الحفظ والثقة‪ ،‬وإنما يُخشى مِن تدليسه‪ ،‬فإذا قال‪:‬‬
‫سمعتُ‪ ،‬أو حدثنى‪ ،‬زال محذو ُر التدليس‪ ،‬وزالت العلةُ المتوهّمة‪ ،‬وأكث ُر أهلِ الحديث يحتجّون به‬
‫إذا قال‪(( :‬عن)) ولم ُيصّرحْ بالسماع‪ ،‬ومسلم يُصحّح ذلك من حديثه‪ ،‬فأما إذا صرّحَ بالسماع‪ ،‬فقد‬
‫زال الشكالُ‪ ،‬وصحّ الحديثُ وقامت الحجة‪.‬‬
‫قالوا‪ :‬ول نعلم فى خبر أبى الزبير هذا ما يُوجب ردّه‪ ،‬وإنما رَدّه مَنْ ردّه استبعاداً واعتقاداً‬
‫أنه خلفُ الحاديث الصحيحة‪ ،‬ونحن نحكى كلم من رده‪ ،‬ونبين أنه ليس فيه ما يُوجب الرّد‪.‬‬
‫ث ُكلّها على خلف ما قال أبو الزبير‪.‬‬
‫قال أبو داود‪ :‬والحادي ُ‬
‫ت مِن الحديثين أولى أن يُقال‬
‫وقال الشافعىّ‪ :‬وناف ٌع أثبتُ عن ابن عمر مِن أبى الزبير‪ ،‬والثب ُ‬
‫به إذا خالفه‪.‬‬
‫ج ْعهَا))‪ ،‬وقوله‪:‬‬
‫ت مِن هذا‪ ،‬يعنى قوله‪((:‬م ْرهُ َف ْل ُيرَا ِ‬
‫وقال الخطابىّ‪ :‬حديثُ يونس بن جبير أثب ُ‬
‫((أرأيتَ إن عجز واستحمق))؟ قال‪ :‬فمه‪.‬‬

‫‪122‬‬

‫جلّةٌ‪ ،‬فلم‬
‫قال ابنُ عبدِ البر‪ :‬وهذا لم ينقله عنه أح ُد غير أبى الزبير‪ ،‬وقد رواه عنه جماع ٌة أَ ِ‬
‫ت منه‪.‬‬
‫يقل ذلك أح ٌد منهم‪ ،‬وأبو الزبير ليس بحجة فيما خالفه فيه مثلُه‪ ،‬فكيف بخلف مَن هو أثب ٌ‬
‫ض أهلِ الحديث‪ :‬لم ير ِو أبو الزبير حديثًا أنكرَ من هذا‪.‬‬
‫وقال بع ُ‬
‫فهذا جملة ما رُد به خب ُر أبى الزبير‪ ،‬وهو عند التأمل ل يوجب رده ول بطلنه‪.‬‬
‫ل أبى داود‪ :‬الحاديثُ كلها على خلفه‪ ،‬فليس بأيديكم سوى تقليدِ أبى داود‪،‬‬
‫أما قو ُ‬
‫ضوْنَ ذلك‪ ،‬وتزعمون أن الحج َة مِن جانبكم‪ ،‬فدعوا التقليدَ‪ ،‬وأخبرونا أين فى الحاديث‬
‫وأنتم ل تر َ‬
‫ث أبى الزّبير؟ فهل فيها حديثٌ واحد أن رسول ال صلى ال عليه وسلم‬
‫الصحيحة ما يُخالف حدي َ‬
‫لّ هذا خلف صريح لحديثِ‬
‫احتسب عليه تلك الطلقة‪ ،‬وأمره أن يعتدّ بها‪ ،‬فإن كان ذلك‪ ،‬فنعم وا ِ‬
‫أبى الزبير‪ ،‬ول تَجِدُون إلى ذلك سبيلً‪ ،‬وغايةُ ما بأيديكم (( ُم ْرهُ فليراجعها))‪ ،‬والرجعة تستلزِمُ‬
‫وقوع الطلق‪ .‬وقول ابن عمر‪ .‬وقد سئل‪ :‬أتعتد بتلك التطليقة؟ فقال‪(( :‬أرأيت إن عجز واستحمق))‬
‫ل على وقوعها‪،‬‬
‫وقول نافع أو مَنْ دونه‪(( :‬فحسبت من طلقها)) وليس وراءَ ذلك حرفٌ واحد يدُ ّ‬
‫ن كُلّ فى معارضتها‪،‬‬
‫والعتداد بها‪ ،‬ول ريبَ فى صحة هذه اللفاظ‪ ،‬ول مطعن فيها‪ ،‬وإنما الشأ ُ‬
‫لقوله‪(( :‬فردّها علىّ ولم يرها شيئاً))‪ ،‬وتقديمها عليه‪ ،‬ومعارضتها لتلك الدلة المتقدمة التى‬
‫سقناها‪ ،‬وعند الموازنة يظهرُ التفاوتُ‪ ،‬وعدمُ المقاومة‪ ،‬ونحن نذكرُ ما فى كلِمةٍ كلمةٍ منها‪.‬‬
‫أما قوله‪(( :‬مره فليراجعها))‪ ،‬فالمراجعة قد وقعت فى كلم ال ورسول ِه على‬
‫ثلث معان‪.‬‬
‫(يتبع‪)...‬‬
‫@‬

‫ظنّا أَنْ‬
‫جعَا إنْ َ‬
‫عَل ْي ِهمَا أَنْ َي َترَا َ‬
‫جنَاحَ َ‬
‫طلّ َقهَا فَلَ ُ‬
‫أحدُها‪ :‬ابتداءُ النكاح‪ ،‬كقوله تعالى‪{:‬فَإِنْ َ‬

‫ل العلم بالقرآن أن المطلّق هاهنا‪ :‬هو‬
‫ف بينَ أح ٍد من أه ِ‬
‫يُقِيمَا حُدُودَ الِّ} [البقرة‪ ،]230 :‬ول خل َ‬
‫الزوج الثانى‪ ،‬وأن التراجُ َع بينها وبين الزوج الول‪ ،‬وذلك نكاح مبتدأ‪.‬‬
‫وثانيهما‪ :‬الرد الحسى إلى الحالة التى كان عليها أولً‪ ،‬كقوله لبى النعمان بن بشير لما نَحَلَ‬
‫ابنه غلماً خصّه به دون ولده‪(( :‬رُدّه))‪ ،‬فهذا رد ما لم تصح فيه الهبةُ الجائزة التى سماها رسولُ‬
‫ال صلى ال عليه وسلم جوراً‪ ،‬وأخبر أنها ل تصلُح‪ ،‬وأنها خلف العدل‪ ،‬كما سيأتى تقريرُه إن‬
‫شاء ال تعالى‪.‬‬
‫ومِن هذا قوله لمن فرّق بين جارية وولدها فى البيع‪ ،‬فنهاه عن ذلك‪ ،‬ورد البيع وليس هذا‬
‫الرد مستلزمًا لصحة البيع‪ ،‬فإنه بيعٌ باطل‪ ،‬بل هو رد شيئين إلى حالة اجتماعهما كما كانا‪ ،‬وهكذا‬
‫‪123‬‬

‫المر بمراجعة ابن عمر امرأته ارتجاع ورد إلى حالة الجتماع كما كانا قبل الطلق‪ ،‬وليس فى‬
‫ذلك ما يقتضى وقوع الطلق فى الحيض البتة‪.‬‬
‫ت إن عجز واستحمق))‪ ،‬فيا سبحانَ ال أين البيان فى هذا اللفظ بأن تلك‬
‫وأما قوله‪(( :‬أرأي َ‬
‫ل ال صلى ال عليه وسلم‪ ،‬والحكام ل تُؤخذ بمثل هذا ولو كان رسولُ ال‬
‫الطلقة حَسبَها عليه رسو ُ‬
‫ل عن الجواب بفعله وشرعه إلى‪:‬‬
‫صلى ال عليه وسلم قد حسبها عليه‪ ،‬واعتدّ عليه بها لم َيعْدِ ْ‬
‫ل للسائل عن صريح السنة إلى لفظة‬
‫أرأيتَ‪ ،‬وكان ابنُ عمر أكره ما إليه ((أرأيت))‪ ،‬فكيف َيعْدِ ُ‬
‫((أرأيت)) الدالة على نوع من الرأى سببُه عجز وحمقُه عن إيقاع الطلق على الوجه الذى أذن ال‬
‫له فيه‪ ،‬والظهر فيما هذه صفتُه أنه ل يُعتدى به‪ ،‬وأنه ساقط من فعل فاعله‪ ،‬لنه ليس فى دين ال‬
‫تعالى حكم نافذ سببُه العجزُ والحمقُ عن امتثال المر‪ ،‬إل أن يكون فعلً ل يمكن ردّه بخلف‬
‫العقود المحرّمة التى مَنْ عقدها على الوجه المحرّم‪ ،‬فقد عجز واستحمق‪ ،‬وحينئذ‪ ،‬فيُقال هذا أدلّ‬
‫ف أمر ال ورسوله‪ ،‬فيكون‬
‫على الر ّد منه على الصحة واللزوم‪ ،‬فإنه عقدُ عاجز أحمق على خل ِ‬
‫مردوداً باطلً‪ ،‬فهذا الرأىُ والقياس أدلّ على بطلن طلق مَن عجز واستحمق منه على صحته‬
‫واعتباره‪.‬‬
‫س ّمىَ فاعله‪ ،‬ظهر‪ ،‬وتبين‪،‬‬
‫ت مِن طلقها‪ .‬ففعل مبنى لما لم يسم فاعله‪ ،‬فإذا ُ‬
‫س َب ْ‬
‫وأما قولُه‪ :‬فحُ ِ‬
‫ل ألبتة‪ .‬وسواء كان القائلُ‪:‬‬
‫ل المجهولِ دلي ٌ‬
‫هل فى حُسبانه حجة أو ل؟ وليس فى حُسبان الفاع ِ‬
‫((فحسبت)) ابن عمر أو نافعًا أو من دونه‪ ،‬وليس فيه بيان أن رسول ال صلى ال عليه وسلم هو‬
‫الذى حسبها حتى تلتزمَ الحجةُ به‪ ،‬وتحرم مخالفته‪ ،‬فقد تبين أن سائرَ الحاديث ل تُخَاِلفُ حديث‬
‫أبى الزبير‪ ،‬وأنه صريح فى أن رسول ال صلى ال عليه وسلم لم يرها شيئاً‪ ،‬وسائر الحاديث‬
‫مجملة ل بيان فيها‪.‬‬
‫ى صعباً‪ ،‬وأبطلتُم أكثرَ طلق‬
‫قال الموقعون‪ :‬لقد ارتقيتُم أيها المانعون مرتق ً‬
‫شوْا خِلفَ الجمهور‪ ،‬وشذذتُم‬
‫طلّقين‪ ،‬فإن غالِبه طلق بدعى‪ ،‬وجاهرتُم بخلف الئمة‪ ،‬ولم تتحا َ‬
‫المُ َ‬
‫ل الذى أفتى جمهو ُر الصحابة ومَنْ بعدهم بخلفه‪ ،‬والقرآنُ والسنن تدل على بطلنه‪ .‬قال‬
‫بهذا القو ِ‬
‫غ ْي َرهُ} [البقرة‪ ،]230:‬وهذا يعم كُلّ طلق‪،‬‬
‫ح َزوْجاً َ‬
‫حتّى َت ْنكِ َ‬
‫ن َبعْدُ َ‬
‫ل لَهُ مِ ْ‬
‫طلّقَها فَلَ َتحِ ّ‬
‫تعالى‪َ { :‬فإِنْ َ‬
‫لثَةَ ُقرُوءٍ} [البقرة‪ ،]228 :‬ولم يفرّق‪ ،‬وكذلك قوله‬
‫ن ثَ َ‬
‫سهِ ّ‬
‫ت َيتَر ّبصْنَ بَأنْفُ ِ‬
‫وكذلك قوله‪{ :‬والمُطَلّقَا ُ‬
‫ت َمتَاعٌ} [البقرة‪ ،]241:‬وهذه مطلّقة‬
‫طلّقَا ِ‬
‫ق َم ّرتَانِ} [البقرة‪ ، ]229:‬وقوله‪{ :‬وِل ْلمُ َ‬
‫تعالى‪{ :‬الطّل ُ‬
‫وهى عمومات ل يجوز تَخصيصُها إل بنص أو إجماع‪.‬‬
‫‪124‬‬

‫ن عمر دليل على وقوع الطلق المحرّم من وجوه‪.‬‬
‫ث اب ِ‬
‫قالوا‪ :‬وحدي ُ‬
‫أحدها‪ :‬المرُ بالمراجعة‪ ،‬وهى لَمّ شعثِ النكاح‪ ،‬وإنما شعثه وقوعُ الطلق‪.‬‬
‫ل ابن عمر‪ ،‬فراجعتُها‪ ،‬وحسبت لها التطليقة التي طلّقها‪ ،‬وكيف يُظن بابن عمر‬
‫الثانى‪ :‬قو ُ‬
‫أنه يخالف رسول ال صلى ال عليه وسلم فيحسبها مِن طلقها ورسولُ ال صلى ال عليه وسلم لم‬
‫يرها شيئاً‪.‬‬
‫ل ابنِ عمر لما قيل له‪ :‬أيحتسب بتلك التطليقة؟ قال‪ :‬أرأيتَ إن عجز واستحمق‪،‬‬
‫الثالث‪ :‬قو ُ‬
‫أى‪ :‬عجزُه وحمقُه ل يكون عذراً له فى عدم احتسابه بها‪.‬‬
‫الرابع‪ :‬أن ابن عمر قال‪ :‬وما يمنعُنى أن أعتدّ بها‪ ،‬وهذا إنكا ٌر منه لعدم العتداد بها‪ ،‬وهذا‬
‫ُيبْطِلُ تلك اللفظة التى رواها عنه أبو الزبير‪ ،‬إذ كيف يقولُ ابن عمر‪ :‬وما يمنعُنى أن أعتد بها؟ وهو‬
‫يرى رسولَ ال قد ردّها عليه‪ ،‬ولم يرها شيئاً‪.‬‬
‫الخامس‪ :‬أن مذهبَ ابن عمر العتداد بالطلقِ فى الحيض‪ ،‬وهو صاحبُ القصة وأعلمُ‬
‫الناس بها‪ ،‬وأشدّهم اتباعًا للسنن‪ ،‬وتحرّجًا من مخالفتها‪ .‬قالوا‪ :‬وقد روى ابن وهب فى ((جامعه))‪،‬‬
‫ع َمرُ‬
‫حدثنا ابن أبى ذئب‪ ،‬أن نافعاً أخبرهم عن ابن عمر‪ ،‬أنه طلق امرأته وهى حائض‪ ،‬فسأل ُ‬
‫ط ُه َر ثُ ّم تَحيضَ‬
‫حتّى تَ ْ‬
‫سكْها َ‬
‫ج ْعهَا ثُ ّم ِل ُيمْ ِ‬
‫رسول ال صلى ال عليه وسلم عن ذلك‪ ،‬فقال‪ُ (( :‬مرْهُ َف ْل ُيرَا ِ‬
‫طلّقَ‬
‫ن تُ َ‬
‫لّ أ ْ‬
‫ك العِدّ َة التى أ َمرَ ا ُ‬
‫ل أَنْ َي َمسّ‪َ ،‬ف ِت ْل َ‬
‫طلّقَ َقبْ َ‬
‫ك وإنْ شَاءَ َ‬
‫ك َبعْدَ َذِل َ‬
‫سَ‬
‫ط ُهرَ‪ ،‬ثُ ّم إنْ شا َء أمْ َ‬
‫ثُ ّم تَ ْ‬
‫َلهَا النّسَاءُ)) وهى واحدة هذا لفظ حديثه‪.‬‬
‫قالوا‪ :‬وروى عبد الرزاق‪ ،‬عن ابن جريج قال‪ :‬أرسلنا إلى نافع وهو يترجّلُ فى دار الندوة‬
‫ذاهبًا إلى المدينة‪ ،‬ونحنُ مع عطاء‪ :‬هل حسبت تطليقة عبد ال بن عمر امرأته حائضًا علي عهد‬
‫رسول ال صلى ال عليه وسلم؟ قال‪ :‬نعم‪.‬‬
‫قالوا‪ :‬وروى حمادُ بن زيد‪ ،‬عن عبد العزيز بن صهيب‪ ،‬عن أنس رضى ال عنه قال‪ :‬قال‬
‫عتَهُ))‪ ،‬رواه عبد الباقى بن قانع‪،‬‬
‫طلّقَ فى بدْعَ ٍة َأ ْل ْز َمنْاهُ بِدْ َ‬
‫رسولُ ال صلى ال عليه وسلم‪(( :‬مَنْ َ‬
‫عن زكريا الساجى حدثنا إسماعيل بن أمية الذارع حدثنا حماد فذكره‪.‬‬
‫قالوا‪ :‬وقد تقدّم مذهبُ عثمان بن عفان‪ ،‬وزيد بن ثابت فى فتواهما بالوقوع‪.‬‬
‫قالوا‪ :‬وتحريمُه ل يمنع ترتب أثره‪ ،‬وحكمه عليه كالظّهار‪ ،‬فإنه منكر من القول وزور‪،‬‬
‫ق البدعى‬
‫وهو محرّم بل شك‪ ،‬وترتب أثره عليه وهو تحري ُم الزوجة إلى أن يك ّفرَ‪ ،‬فهكذا الطل ُ‬
‫محرّم‪ ،‬ويترتب عليه أثره إلى أن يُراجع‪ ،‬ول فرق بينهما‪.‬‬
‫‪125‬‬

‫ح ُر َمتْ عليكَ حتي تنكِحَ زوجًا غيرَك وعصيتَ‬
‫ل للمطلق ثلثاً‪َ :‬‬
‫قالوا‪ :‬وهذا ابنُ عمر يقو ُ‬
‫ربك فيما أمرك به من طلق امرأتك‪ .‬فأوقع عليه الطلق الذى عصى به المطلق ربه عز وجل‪.‬‬
‫قالوا‪ :‬وكذلك القذفُ محرّم‪ ،‬وترتب عليه أثرهُ من الحدّ‪ ،‬وردّ الشهادة وغيرهما‪.‬‬
‫قالوا‪ :‬والفرقُ بين النكاح المحرم‪ ،‬والطلق المحرّم‪ ،‬أن النكاحَ عقد يتضمّن حِلّ‬
‫الزوجة ومُلك بُضعها‪ ،‬فل يكون إل على الوجهِ المأذون فيه شرعاً‪ ،‬فإن البضَاع فى الصل على‬
‫ط لحقه‪ ،‬وإزالةٌ لملكه‪ ،‬وذلك‬
‫التحريم‪ ،‬ول يُباح منها إل ما أباحه الشارع‪ ،‬بخلف الطلق‪ ،‬فإنه إسقا ٌ‬
‫ل يتو ّقفُ على كون السبب المزيل مأذوناً فيه شرعاً‪ ،‬كما يزولُ ملكه عن العين بالتلف المحرّم‪،‬‬
‫وبالقرار الكاذب‪ ،‬وبالتبرع المحرّم‪ ،‬كهبتها لمن يعلم أنه يستعين بها على المعاصى والثام‪.‬‬
‫ن أصلُ العقود وأجلّها وأشرفُها‪ ،‬يزول بالكلم المحرّم إذا كان كفراً فكيف ل‬
‫قالوا‪ :‬واليما ُ‬
‫يزولُ عقدُ النكاح بالطلق المحرّم الذى وضع لزالته‪.‬‬
‫ل له الهزل‬
‫قالوا‪ :‬ولو لَم يكن معنا فى المسألة طلقُ الهازل‪ ،‬فإنه يقع مع تحريمه لنه ل يَحِ ّ‬
‫بآيات ال‪ ،‬وقد قال النبى صلى ال عليه وسلم‪(( :‬ما بالُ أقوا ٍم يتّخِذُون آيات ال هزواً‪ :‬طلقتُك‬
‫راجعتُك‪ ،‬طلقتُك راجعتُك)) فإذا وقع طلقُ الهازل مع تحريمه‪ ،‬فطلقُ الجا ّد أولى أن يقع مع‬
‫تحريمه‪.‬‬
‫قالوا‪ :‬وفرق آخر بين النكاح المحرّم‪ ،‬والطلق المحرم‪ ،‬أن النكاحَ نعمة‪ ،‬فل تُستباح‬
‫بالمحرمات‪ ،‬وإزالتُه وخروجُ البُضع عن ملكه نِقمة‪ ،‬فيجو ُز أن يكون سببها محرماً‪.‬‬
‫ط يقتضى وقوعَ الطلق‪ ،‬وتجديد الرجعة‬
‫قالوا‪ :‬وأيضاً فإن الفروجَ يُحتاط لها‪ ،‬والحتيا ُ‬
‫والعقد‪.‬‬
‫ب والقبول‪ ،‬والولى‬
‫عهِدْنا النكاحَ ل يُدخل فيه إل بالتشدي ِد والتأكيدِ من اليجا ِ‬
‫قالوا‪ :‬وقد َ‬
‫ج الخروج مِنه إلى‬
‫خرَجُ منه بأيسر شىء‪ ،‬فل يحتا ُ‬
‫والشاهدين‪ ،‬ورِضى الزوجة المعتبرِ رضاها‪ ،‬ويُ ْ‬
‫شىء من ذلك‪ ،‬بل يُدخل فيه بالعزيمة‪ ،‬ويُخرج منه بالشبهة‪ ،‬فأين أحدُهما من الخر حتى يُقاسَ‬
‫عليه‪.‬‬
‫ع ُكلّهم قديماً وحديثاً‪ :‬طلق امرأتَه وهى حائض‪،‬‬
‫قالوا‪ :‬ولو لم يكن بأيدينا إل قولُ حملةِ الشر ِ‬
‫ق على أربعة‬
‫والطلق نوعان‪ :‬طلق سنة‪ ،‬وطلق بدعة‪ ،‬وقول ابن عباس رضى ال عنه‪ :‬الطل ُ‬
‫أوجه‪ :‬وجهانِ حللٌ‪ ،‬ووجهانِ حرام‪ ،‬فهذا الطلق والتقسيمُ دليل على أنه عندهم طلق حقيقة‪،‬‬
‫وشمولُ اس ِم الطلق له كشموله للطلق الحللِ‪ ،‬ولو كان لفظاً مجردًا لغواً لم يكن له حقيقة‪ ،‬ول‬
‫‪126‬‬

‫قيل‪ :‬طلق امرأته‪ ،‬فإن هذا اللفظ إذا كان لغواً كان وجودُه كعدمه‪ ،‬ومثلُ هذا ل يقال فيه‪ :‬طلق‪ ،‬ول‬
‫يقسم الطلق وهو غيرُ واقع إليه وإلى الواقع‪ ،‬فإن اللفاظ اللغية التى ليس لها معانٍ ثابتة ل‬
‫تكونُ هى ومعانيها قسماً من الحقيقة الثابتة لفظاً‪ ،‬فهذا أقصى ما تمسّك به الموقعون‪ ،‬وربما ادعى‬
‫بعضهم الجماع لعدم علمه بالنزاع‪.‬‬
‫قال المانعون من الوقوع‪ :‬الكل ُم معكم فى ثلث مقاماتٍ بها يستبينُ الحقّ في‬
‫المسألة‪.‬‬
‫المقام الول‪ :‬بطلنُ ما زعمتم من الجماع‪ ،‬وأنه ل سبيل لكم إلى إثباته ألبتة بل العلمُ‬
‫بانتفائه معلوم‪.‬‬
‫ل الجمهور ليس بحجة‪.‬‬
‫ل على صحته‪ ،‬وقو ُ‬
‫المقام الثانى‪ ،‬أن فتوى الجمهور بالقول ل يد ّ‬
‫المقام الثالث‪ :‬أن الطلق المحرّم ل يدخل تحتَ نصوص الطلق المطلقة التى رتب الشارعُ‬
‫عليها أحكام الطلق‪ ،‬فإن ثبتت لنا هذه المقامات الثلث‪ ،‬كنا أسع َد بالصواب منكم فى‬
‫ن دعوى الجماع‪،‬‬
‫المسألة‪.‬فنقول‪ :‬أما المقام الول‪ ،‬فقد تقدم مِن حكاية النزاع ما يُعلم معه بطل ُ‬
‫ل إلى إثبات الجماع الذى تقومُ به الحجة‪ ،‬وتنقطِعُ معه‬
‫كيف ولو لم يعلم ذلك‪ ،‬لم يكن لكم سبي ٌ‬
‫ع القطعى المعلوم‪.‬‬
‫المعذرة‪ ،‬وتحر ُم معه المخالفة‪ ،‬فإن الجماع الذى يُوجب ذلك هو الجما ُ‬
‫وأما المقام الثانى‪ :‬وهو أن الجمهورَ على هذا القول‪ ،‬فَأ ْوجِدُونا فى الدلة الشرعية أن قولَ‬
‫الجمهور حجةٌ مضافة إلى كتاب ال وسنة رسوله‪ ،‬وإجماع أمته‪.‬‬
‫ومن تأمّل مذاهب العلماء قديماً وحديثًا من عهد الصحابة وإلى الن‪ ،‬واستقرأ‬
‫أحوالهم وجدهم مُجمعين على تسويغ خلف الجمهور‪ ،‬ووجد لِكل منهم أقوالً عديدة انفرد بها عن‬
‫الجمهور‪ ،‬ول يُستثنى من ذلك أحد قط‪ ،‬ولكن مستقِلّ ومستكثِر‪ ،‬فمن شئتم سميتموه من الئمة‬
‫تتبّعوا ما له من القوال التى خالف فيها الجمهور‪ ،‬ولو تتبعنا ذلك وعددناه‪ ،‬لطال الكتابُ به جداً‪،‬‬
‫ونحن نُحيلُكم على الكتب المتضمِنة لمذاهب العلماء واختلفهم‪ ،‬ومن له معرفة بمذاهبهم وطرائقهم‬
‫يأخذُ إجماعَهم على ذلك مِن اختلفهم‪ ،‬ولكن هذا فى المسائل التى يسوغُ فيها الجتها ُد ول تدفعُها‬
‫السنةُ الصحيح ُة الصريحة‪ ،‬وأما ما كان هذا سبيله‪ ،‬فإنهم كالمتفقين على إنكارِه وردّه‪ ،‬وهذا هو‬
‫المعلو ُم مِن مذاهبهم فى الموضعين‪.‬‬
‫وأما المقامُ الثالثُ‪ :‬وهو دعواكم دخول الطلق المحرم تحت نصوص الطلق‪ ،‬وشمولها‬
‫ل أنواع البيعِ المحرّم‪ ،‬والنكاح‬
‫للنوعين إلى آخر كلمكم‪ ،‬فنسألُكم‪ :‬ما تقولُون فيمن ادّعى دخو َ‬
‫‪127‬‬

‫المحرّم تحت نصوص البيع والنكاح‪ ،‬وقال‪ :‬شمولُ السم للصحيح من ذلك والفاسد سواء‪ ،‬بل‬
‫وكذلك سائ ُر العقود المحرمة إذا ادّعى دخلوها تحت ألفاظ العقود الشرعية‪ ،‬وكذلك العباداتُ‬
‫المحرّمة المنهى عنها إذا ادعى دخولَها تحت اللفاظ الشرعية‪ ،‬وحكم لها بالصّحة لشمولِ السم‬
‫ل معلومَ‬
‫ل لكم إلى ذلك‪ ،‬كان قو ً‬
‫لها‪ ،‬هل تكون دعواه صحيحة أو باطلة؟ فإن قُلتُم‪ :‬صحيحة ول سبي َ‬
‫الفسا ِد بالضرورة من الدين‪ ،‬وإن قلتُم‪ :‬دعواه باطلة‪ ،‬تركتُم قولكم ورجعتم إلى ما قلناه‪ ،‬وإن قلتم‪:‬‬
‫طرِد منع ِكسٍ‪ ،‬معكم به برهانُ‬
‫ن صحيح م ّ‬
‫تُقبلُ فى موضع‪ ،‬وتُردّ فى موضع‪ ،‬قيل لكم‪ :‬ففرّقوا بفُرقا ٍ‬
‫من ال بينَ ما يدخل من العقود المحرّمة تحتَ ألفاظ النصوص‪ ،‬فيّثبتُ له حك ُم الصحة‪ ،‬وبينَ ما ل‬
‫يدخل تحتها‪ ،‬فيثبتُ له حك ُم البطلن‪ ،‬وإن عجزتُم عن ذلك‪ ،‬فاعلموا أنه ليس بأيديكم سوى الدعوى‬
‫شفَ الغطاء‬
‫ج لِقوله ل بقوله‪ ،‬وإذا كُ ِ‬
‫حتَ ّ‬
‫ن كُلّ أحدٍ مقابلتها بمثلها‪ ،‬أو العتماد على من يُ ْ‬
‫التى يُحْسِ ُ‬
‫عما قررتموه فى هذه الطريق وُجِ َد عين محل النزاع فقد جعلتموه مقدمة فى الدليل‪ ،‬وذلك عينُ‬
‫المصادرة على المطلوب‪ ،‬فهل وقع النزاعُ إل فى دخول الطلق المحرّم المنهى عنه تحتَ قوله‪:‬‬
‫لثَةَ ُقرُوءٍ}‬
‫ن ثَ َ‬
‫سهِ ّ‬
‫ت َي َت َر ّبصْنَ بَأنْفُ ِ‬
‫{وِل ْلمُطَلقَاتِ َمتَاعٌ} [البقرة‪ ،]241 :‬وتحت قوله‪{ :‬والمُطَلّقَا ُ‬
‫[البقرة‪ ]228:‬وأمثال ذلك‪ ،‬وهل سلّم لكم منازعوكم قطّ ذلك حتى تجعلوه مقدّم ًة لدليلكم؟‬
‫ب منه إلى‬
‫قالوا‪ :‬وأما استدللُكم بحديث ابن عمر‪ ،‬فهو إلى أن يكون حج ًة عليكم أقر َ‬
‫أن يكون حج ًة لكم مِن وجوه‪.‬‬
‫أحدُها‪ :‬صريح قوله‪ :‬فردها علىّ ولم يرها شيئاً‪ ،‬وقد تقدّم بيانُ صحته‪.‬‬
‫قالوا‪ :‬فهذا الصريح ليسَ بأيديكم ما يُقاومه فى الموضعين‪ ،‬بل جمي ُع تلك اللفاظ أما‬
‫صحيحة غيرُ صريحة‪ ،‬وإما صريحةٌ غيرُ صحيحة كما ستقفون عليه‪.‬‬
‫الثانى‪ :‬أنه قد صحّ عن ابن عمر رضى ال عنه بإسناده كالشمس من رواية عبيد ال‪ ،‬عن‬
‫نافع عنه‪ ،‬فى الرجل يُطلّق امرأته وهى حائض‪ ،‬قال‪ :‬ل ُي ْعتَ ّد بذلك وقد تقدم‪.‬‬
‫الثالث‪ :‬أنه لو كان صريحاً فى العتداد به‪ ،‬لما عدل به إلى مجرّد الرأى‪ .‬وقوله للسائل‪:‬‬
‫أرأيتَ؟‬
‫الرابع‪ :‬أن اللفاظ قد اضطربت عن ابن عمر فى ذلك اضطراباً شديداً‪ ،‬وكلها صحيحة‬
‫ص صَريح عن رسول ال صلى ال عليه وسلم فى وقوع‬
‫ل على أنه لم يكن عنده ن ّ‬
‫عنه‪ ،‬وهذا يد ّ‬
‫تلك الطلقة والعتداد بها‪ ،‬وإذا تعارضت تلك اللفاظُ‪ ،‬نظرنا إلى مذهب ابن عمر‪ ،‬وفتواه‪ ،‬فوجدناه‬

‫‪128‬‬

‫صريحاً فى عدم الوقوع‪ ،‬ووجدناه أحد ألفاظ حديثه صريحاً فى ذلك‪ ،‬فقد اجتمع صريحُ روايته‬
‫ظ مجملة مضطربة‪ ،‬كما تقدم بيانه‪.‬‬
‫وفتواه على عدم العتداد‪ ،‬وخالف فى ذلك ألفا ُ‬
‫ل ابن عمر رضى ال عنه‪ :‬وما لى ل أعتدّ بها‪ ،‬وقوله‪ :‬أرأيت إن عجزَ واستحمق‪،‬‬
‫وأما قو ُ‬
‫ن رواية صريحة عنه بالوقوع‪ ،‬ويكون عنه روايتان‪.‬‬
‫فغاية هذا أن يكو َ‬
‫ل ال صلى ال عليه وسلم قد ردّها‬
‫وقولكم‪ .‬كيف يفتى بالوقوع وهو يعلم أن رسو َ‬
‫عليه ولم يعت ّد عليه بها؟ فليس هذا بأوّل حديثٍ خالفه راويه‪ ،‬وله بغيره مِن الحاديث التى خالفها‬
‫س َوةٌ حسنةٌ فى تقديم رواية الصحابى ومن بعده على رأيه‪.‬‬
‫راويها أُ ْ‬
‫وقد روى ابن عباس حديثَ برِيرة‪ ،‬وأن بي َع المة ليس بطلقها‪ ،‬وأفتى بخلفه‪ ،‬فأخذ الناس‬
‫بروايته‪ ،‬وتركوا رأيَه‪ ،‬وهذا هو الصوابُ‪ ،‬فإن الرواية معصومةُ عن معصوم‪ ،‬والرأى بخلفها‪،‬‬
‫كيف وأصرحُ الروايتين عنه موافقتُه لما رواه من عدم الوقوع على أن فى هذا فِقهاً دقيقًا إنما يَعرِفُه‬
‫من له غور على أقوال الصحابة ومذاهبهم‪ ،‬وفهمِهم عن الِّ ورسوله‪ ،‬واحتياطِهم للمة‪ ،‬ولعلك‬
‫تراه قريبًا عند الكلمِ على حُكمه صلى ال عليه وسلم فى إيقاع الطلق الثلث جملة‪.‬‬
‫وأما قوله فى حديث ابن وهب عن ابن أبى ذئب فى آخره‪ :‬وهى واحدة‪ ،‬فلعمرُ ال لو كانت‬
‫ل وهلة‪،‬‬
‫هذه اللفظة من كلم رسول ال صلى ال عليه وسلم ما قدّمنا عليها شيئاً‪ ،‬ولصِرنا إليها بأوّ ِ‬
‫ف إلى رسولِ‬
‫ولكن ل ندرى أقالها ابن وهب من عنده‪ ،‬أم ابن أبى ذئب‪ ،‬أم نافع‪ ،‬فل يجوزُ أن ُيضَا َ‬
‫ال صلى ال عليه وسلم ما ل يُتيقّن أنه من كلمه‪ ،‬ويشهد به عليه‪ ،‬وترتب عليه الحكامُ‪ ،‬ويقال‪:‬‬
‫ن دون ابن عمر رضى ال عنه‪،‬‬
‫ل مَ ْ‬
‫هذا من عند ال بِالوهم والحتمال‪ ،‬والظاهر أنها من قو ِ‬
‫ومراده بها أن ابن عمر إنما طلّقها واحدة‪ ،‬ولم يكن ذلك منه ثلثًا ؛ أى طلق ابن عمر رضى ال‬
‫عنه امرأته واحدة على عهد رسول ال صلى ال عليه وسلم فذكره‪.‬‬
‫س َبتْ عليه‪ ،‬فهذا غايتُه أن‬
‫وأما حديث ابن جريج عن عطاء عن نافع‪ ،‬أن تطليقة عبد ال حُ ِ‬
‫يكون من كلم نافع‪ ،‬ول يعرف من الذى حسبها‪ ،‬أهو عبد ال نفسه‪ ،‬أو أبوه عمر‪ ،‬أو رسول ال‬
‫صلى ال عليه وسلم؟ ول يجوز أن يشهد على رسول ال صلى ال عليه وسلم بالوهم والحسبان‪،‬‬
‫وكيف يعارض صريح قوله‪ :‬ولم يرها شيئاً بهذا المجمل؟ والّ يشهد وكفى بالّ شهيداً أنا لو تيقنا‬
‫أن رسول ال صلى ال عليه وسلم هو الذى حسبها عليه لم نتعد ذلك‪ ،‬ولم نذهب إلى سواه‪.‬‬
‫عتَهُ))‪ ،‬فحديث باطل على رسول‬
‫طلّقَ فى بِدْعَ ٍة َأ ْل َز ْمنَاه بِدْ َ‬
‫وأما حديث أنس‪(( :‬مَنْ َ‬
‫ال صلى ال عليه وسلم‪ ،‬ونحن نشهد بالِّ أنه حديث باطل عليه‪ ،‬ولم يروه أح ُد من الثقات من‬
‫‪129‬‬

‫أصحاب حماد بن زيد‪ ،‬وإنما هو من حديث إسماعيل ابن أمية الذارع الكذاب الذى يذرَع ويفصل‪،‬‬
‫ى وغيرُه‪ ،‬وكان قد اخ ُتلِطَ فى آخر عمره‪،‬‬
‫ثم الراوى له عنه عبد الباقى بن قانع‪ ،‬وقد ضعفه البرقان ّ‬
‫ل هذا إذا تفرد بحديث لم يكن حديثُه حجةً‪.‬‬
‫وقال الدارقطنى‪ :‬يخطىء كثيراً‪ ،‬ومث ُ‬
‫ح ذلك ول‬
‫وأما إفتاء عثمانَ بن عفان‪ ،‬وزي ِد بن ثابت رضى ال عنهما بالوقوع‪ ،‬فلو ص ّ‬
‫يصِحّ أبداً‪ ،‬فإن أثر عثمان‪ ،‬فيه كذّاب عن مجهول ل يعرف عينه ول حاله‪ ،‬فإنه من رواية ابن‬
‫سمعان‪ ،‬عن رجل‪ ،‬وأثر زيد‪ :‬فيه مجهول عن مجهول‪ :‬قيس بن سعد‪ ،‬عن رجل سماه عن زيد‪،‬‬
‫ن الروايتان مِن رواية عبد الوهّاب بن عبد المجيد الثقفى‪ ،‬عن عُبيد ال حافظ‬
‫فيالِّ العجب‪ ،‬أين هاتا ِ‬
‫ن عمر أنه قال‪ :‬ل ُي ْعتَ ّد بهَا‪ .‬فلو كان هذا الثرُ من قبلكم‪ ،‬لصُلتم به وجُلتم‪.‬‬
‫المة‪ ،‬عن نافع‪ ،‬عن اب ِ‬
‫وأما قولكم‪ :‬إن تحريمه ل يمنع ترتّب أثره عليه‪ ،‬كالظهار‪ ،‬فيقال أولً‪ :‬هذا قياسُ‬
‫يدفعه ما ذكرناه من النص‪ ،‬وسائر تلك الدلة التى هى أرجح منه‪ ،‬ثم يقال ثانياً‪ :‬هذا معارَض بمثله‬
‫سواء معارضة القلب بأن يقال‪ :‬تحريمُه يمنع ترتب أثره عليه كالنكاح‪ ،‬ويقال ثالثاً‪ :‬ليس للظهار‬
‫ن أن ينقسِ َم إلى‬
‫جهتانِ‪ :‬جهة حل وجهة حرمة‪ ،‬بل ُكلّه حرام فإنه منكر من القول وزور‪ ،‬فل ُي ْمكِ ُ‬
‫حلل جائز‪ ،‬وحرام باطل‪ ،‬بل هو بمنزلة القذف مِن الجنبى والردة‪ ،‬فإذا وجد لم يُوجد إل مع‬
‫مفسدته‪ ،‬فل يتُصوّر أن يقال‪ :‬منه حلل صحيح‪ ،‬وحرام باطل‪ ،‬بخلف النكاح والطلق والبيع‬
‫فالظهار نظيرُ الفعال المحرمة التى إذا وقعت‪ ،‬قارنتها مفاسدُها فترتبت عليها أحكامُها‪ ،‬وإلحاقُ‬
‫الطلق بالنكاح‪ ،‬والبيع والجارة والعقود المنقسمة إلى حللٍ وحرامٍ‪ ،‬وصحيحٍ وباطلٍ‪ ،‬أولى‪.‬‬
‫وأما قولكم‪ :‬إن النكاح عق ٌد يُملك به البُضع‪ ،‬والطلقُ عقدٌ يخرج به‪ ،‬فنعم‪.‬‬
‫مِن أين لكم برهان من الِّ ورسولِه بالفرق بين العقدين فى اعتبار حُكم أحدهما‪ ،‬واللزام به‬
‫وتنفيذه‪ ،‬وإلغاء الخر وإبطاله؟‬
‫وأما زوالُ ملكه عن العين بالتلف المحرّم‪ ،‬فذلك ملك قَد زال حساً‪ ،‬ولم يبق له محل‪ .‬وأما‬
‫زوالُه بالقرار الكاذب‪ ،‬فأبعد وأبعد‪ ،‬فإنّا صدقناه ظاهراً فى إقراره وألزمنا ُم ْلكَه بالقرار المصدّق‬
‫فيه وإن كان كاذباً‪.‬‬
‫وأما زوال اليمان بالكل ِم الذى هو كفر‪ ،‬فقد تقدم جوابُه‪ ،‬وأنه ليس فى الكفر حلل وحرام‪.‬‬
‫وأما طلقُ الهازِلِ‪ ،‬فإنما وقع‪ ،‬لنه صادف محلً‪ ،‬وهو طهر لم يُجامع فيه فنفذ‬
‫وكونُه هزل به إرادة منه أو ل يترتب أثرُه عليه‪ ،‬وذلك ليس إليه‪ ،‬بل إلى الشارع‪ ،‬فهو قد أتى‬
‫بالسبب التام‪ ،‬وأراد أل يكونَ سببه‪ ،‬فلم ينفعْه ذلك‪ ،‬بخلف من طلّق فى غير زمن الطلق‪ ،‬فإنه لم‬
‫‪130‬‬

‫ب الّذى نصَبه الُّ سبحانه مفضيًا إلى وقوع الطلق‪ ،‬وإنما أتي بسبب مِن عنده‪ ،‬وجعله‬
‫يأت بالسّب ِ‬
‫هو مفضيًا إلى حكمه‪ ،‬وذلك ليس إليه‪.‬‬
‫وأما قولُكم‪ :‬إن النكاح نِعمة‪ ،‬فل يكون سببُه إل طاعةً بخلف الطلق‪ ،‬فإنه‬
‫من باب إزالة النعم‪ ،‬فيجوزُ أن يكونَ س َببَ ُه معصيةً‪ ،‬فيقال‪ :‬قد يكون الطلق من أكبر النعم التى يفك‬
‫لّ على عباده‬
‫بها المطلق الغُل من عنقه‪ ،‬والقيد من رِجله‪ ،‬فليس كُلّ طلقٍ نِقمة‪ ،‬بل مِن تمام نعمة ا ِ‬
‫ن زوج‪ ،‬والتخلّصَ ممن ل يُحبها‬
‫أن مكّنهم مِن المفارقة بالطلق إذا أراد أحدُهم استبدالَ زوج مكا َ‬
‫ل الطلق‪ ،‬ثم كيف يكون نِقمةُ والُّ‬
‫ن مث ُ‬
‫ن مثلُ النكاح‪ ،‬ول للمتباغضي ِ‬
‫ول يُلئمها‪ ،‬فلم يُر للمتحا ّبيْ ِ‬
‫طلّ ْقتُ ُم النّسَا َء مَا لَ ْم َتمَسّوهُنّ} [البقرة‪ ،]236 :‬ويقول‪{ :‬يََأيّها النّبىّ‬
‫عَل ْيكُم إنْ َ‬
‫جنَاحَ َ‬
‫تعالى يقول‪{:‬لَ ُ‬
‫طلّقُوهُنّ ِلعِ ّد ِتهِنّ} [الطلق‪]1 :‬؟‪.‬‬
‫طلّ ْقتُ ُم النّسَاءَ فَ َ‬
‫إذَا َ‬
‫ج يُحتاط لها‪ ،‬فنعم‪ ،‬وهكذا قلنا سواء‪ ،‬فإنا‬
‫وأما قولُكم‪ :‬إن الفرو َ‬
‫ن على يقينِ النكاح حتى يأتى ما يُزيلُه بيقين فإذا أخطأنا‪ ،‬فخطؤُنا فى جهة‬
‫احتطنا‪ ،‬وأبقينا الزوجي ِ‬
‫واحدة‪ ،‬وإن أصبنا‪ ،‬فصوابُنا فى جهتين‪ ،‬جه ِة الزوج الولِ‪ ،‬وجه ِة الثانى‪ ،‬وأنتم ترتكبُون أمرينِ‪:‬‬
‫ل له بيقين‪ ،‬وإحللَه لِغيره‪ .‬فإن كان خطأ‪ ،‬فهو خطأ مِن جهتين‪،‬‬
‫تحري َم الفرج على من كان حل ً‬
‫فتبيّن أنّا أولى بالحتياط منكم‪ ،‬وقد قال الما ُم أحمد فى رواية أبى طالب‪ :‬فى طلق السكران نظير‬
‫هذا الحتياط سواء‪ ،‬فقال‪ :‬الذى ل يأ ُمرُ بالطلق‪ :‬إنما أتى خصلةً واحدةً‪ ،‬والّذى يأمر بالطلق أتى‬
‫خصلتينِ حرّمها عليه‪ ،‬وأحلّها لِغيره‪ ،‬فهذا خي ٌر مِن هذا‪.‬‬
‫وأما قولُكم‪ :‬إن النّكاحَ يدخل فيه بالعزيمة والحتياط‪ ،‬ويُخرج‬
‫منه بأدنى شىء قلنا‪ :‬ولكن ل يُخرج منه إل بما نصبَه ال سببًا يُخرج به منه‪ ،‬وأذن فيه‪ :‬وأما ما‬
‫صبُه المؤمِنُ عنده‪ ،‬ويجعله هو سببًا للخروج منه‪ ،‬فكلّ‪ .‬فهذا منتهى أقدام الطائفتين فى هذه‬
‫ين ِ‬
‫ل لدى‬
‫عنّةَ أدلتها الفرسانُ‪ ،‬وتتضاء ُ‬
‫المسألة الضيق ِة المعتركِ‪ ،‬الوعر ِة المسلك التى يتجاذب أَ ِ‬
‫صولتها شجاعةُ الشجعانِ‪ ،‬وإنما نبهنا على مأخذِها وأدّلتِها ليعلم ال ِغ ّر الذى بِضاعتُه مِن العلم‬
‫صرَ فى العلم باعُه‪ ،‬فضعف خلف‬
‫مزجاة‪ ،‬أن هناك شيئًا آخر وراءَ ما عنده‪ ،‬وأنه إذا كان ممن َق ُ‬
‫ع ْزمِه‪ ،‬وحامَ حولَ آثار رسول‬
‫صرَ عن جنى ثماره ذِراعُه‪َ ،‬ف ْل َيعْ ُذرْ مَنْ ش ّمرَ عن ساق َ‬
‫الدليل‪ ،‬وتقا َ‬
‫ل همة‪ ،‬وإن كانَ غيرَ عاذر لمنازعه فى‬
‫ال صلى ال عليه وسلم وتحكيمِها‪ ،‬والتحاكم إليها بكُ ّ‬
‫قصورِه ورغبته عن هذا الشأن البعيد‪ ،‬فليع ِذ ْر مُنازِعَه فى رغبته عما ارتضاه لنفسه مِن محض‬
‫ى السعيين أحقّ بأن يكون هو السعى المشكور‪ ،‬والُّ‬
‫التقليد‪ ،‬ولينظر مع نفسه أيّهما هو المعذورُ‪ ،‬وأ ّ‬
‫‪131‬‬

‫ح لمن أمّ بابَه طالبًا لمرضاته من الخير كلّ‬
‫المستعان وعليه التّكلن‪ ،‬وهو الموفّقُ للصواب‪ ،‬الفاتِ ُ‬
‫باب‪.‬‬
‫فصل‬
‫فى حكمه صلى ال عليه وسلم فيمن طلق ثلثًا بكلمة واحدة‬
‫قد تقدم حديثُ محمود بن لبيد رضى ال عنه‪ :‬أن رسولَ ال صلى ال عليه وسلم أُخْب َر عن‬
‫لّ وَأنَا َبيْنَ‬
‫ب ِب ِكتَابِ ا ِ‬
‫رجل طلّق امرأته ثلثَ تطليقات جميعاً‪ ،‬فقام مُغضبَاً‪ ،‬ثم قال‪َ(( :‬أ ُي ْلعَ ُ‬
‫ظ ُه ِركُمْ؟!))‪ ،‬وإسناده على شرط مسلم‪ ،‬فإن ابن وهب قد رواه عن مخرمة بن بُكير بن الشج‪ ،‬عن‬
‫أَ ْ‬
‫أبيه قال‪ :‬سمعت محمود بن لبيد فذكره‪ ،‬ومخرمة ثقة بل شك‪ ،‬وقد احتج مسلم فى ((صحيحه))‬
‫بحديثه عن أبيه‪.‬‬
‫والذين أعلوه قالوا‪ :‬لم يسمع منه‪ ،‬وإنما هو كتابٌ‪ .‬قال أبُو طالب‪ :‬سألت أحمد بن حنبل عن‬
‫مخرمة بنِ بُكير؟ فقال‪ :‬هو ثقة‪ ،‬ولم يسمع من أبيه‪ ،‬إنما هو كتابُ‪ ،‬فنظر فيه‪ ،‬كُلّ شىء يقول‪:‬‬
‫بلغنى عن سُليمان بن يسار‪ ،‬فهو مِن كتاب مخرمة‪ .‬وقال أبو بكر بن أبى خيثمة‪ :‬سمعتُ يحيى بنَ‬
‫معين يقول‪ :‬مخرم ُة بن بُكير وقع إليه كتابُ أبيه‪ ،‬ولم يسمعه‪ .‬وقال فى رواية عباس الدّورى‪ :‬هو‬
‫ضعيفٌ‪ ،‬وحديثُه عن أبيه كتاب‪ ،‬ولم يسمعه منه‪ ،‬وقال أبو داود‪ :‬لم يسمع من أبيه إل حديثاً واحداً‪،‬‬
‫ث الوتر‪ ،‬وقال سعيد بن أبى مريم عن خاله موسى بن سلمة‪ :‬أتيتُ مخرمة فقلت‪ :‬حدثك أبُوك؟‬
‫حدي َ‬
‫ك أبى‪ ،‬ولكن هذه كتبه‪.‬‬
‫قال‪ :‬لم أُ ْد ِر ْ‬
‫والجوابُ عن هذا من وجهين‪:‬‬
‫أحدهما‪ :‬أن كِتابَ أبيه كان عنده محفوظًا مضبوطاً‪ ،‬فل فرقَ فى قيامِ الحجة بالحديثِ بينَ ما‬
‫حدّثه به‪ ،‬أو رآه فى كتابه‪ ،‬بل الخذُ عن النسخة أحوطُ إذا تيقّن الراوى أنها نسخة الشيخ بعينها‪،‬‬
‫ل ال صلى ال عليه وسلم يبعث كتبه إلى الملوك‪،‬‬
‫وهذه طريق ُة الصحابة والسلف‪ ،‬وقد كان رسو ُ‬
‫وتقوم عليهم بها الحجة‪ ،‬وكتب كتبه إلى عُماله فى بلد السلم‪ ،‬فعلموا بها‪ ،‬واحتجوا بها‪ ،‬ودفع‬
‫ت به‬
‫عمَِل ْ‬
‫الصديق كتابَ رسول ال صلى ال عليه وسلم فى الزكاة إلى أنسِ بن مالك‪ ،‬فحمله‪ ،‬و َ‬
‫المةُ‪ ،‬وكذلك كتابُه إلى عمرو بن حزم فى الصدقات الذى كان عند آل عمرو‪ ،‬ولم يزل السلفُ‬
‫ب إليه‪ :‬كتب إلى فلن أن فلناً أخبره‪،‬‬
‫ب بعضهم إلى بعض‪ ،‬ويقول المكتو ُ‬
‫والخلفُ يحتجّون بكتا ِ‬
‫ولو بطل الحتجاجُ بال ُكتُب‪ ،‬لم يبق بأيدى المة إل أيس ُر اليسير‪ ،‬فإن العتماد إنما هو على النّسْخِ‬
‫خوّان‪ ،‬والنسخة ل تخون‪ ،‬ول يحفظ فى زمن من الزمان المتقدّمة أن أحداً‬
‫ل على الحفظ‪ ،‬والحفظ َ‬
‫‪132‬‬

‫مِن أهل ال ِعلْ ِم رَدّ الحتجاج بالكتاب‪ ،‬وقال‪ :‬لم يُشافهنى به الكاتبُ‪ ،‬فل أقبلُه‪ ،‬بل ُكلّهم مجمعون على‬
‫قبول الكتابِ والعمل به إذا صح عنده أنه كتابُه‪.‬‬
‫الجواب الثانى‪ :‬أن قول من قال‪ :‬لم يسمع من أبيه‪ ،‬مُعارَض بقول من قال‪ :‬سمع منه‪ ،‬ومعه‬
‫زياد ُة علم وإثبات‪ ،‬قال عبد الرحمن بن أبى حاتم‪ :‬سئل أبى عن مخرمة بن بُكير؟ فقال‪ :‬صالحُ‬
‫الحديث‪ .‬قال‪ :‬وقال ابنُ أبى أويس‪ :‬وجدت فى ظهر كتاب مالك‪ :‬سألت مخرمة عما يُحدّث به عن‬
‫ب هذه ال َبنِيّةِ يعنى المسجدَ سمعتُ من أبى‪ .‬وقال علىُ بنُ‬
‫أبيه‪ ،‬سمعها مِن أبيه؟ فحلف لى‪ :‬و َر ّ‬
‫المدينى‪ :‬سمعتُ معن بن عيسى يقول‪ :‬مخرمةُ سمع من أبيه‪ ،‬وعرض عليه ربيعة أشياء مِن رأى‬
‫سليمان ابن يسار‪ ،‬وقال على‪ :‬ول أظن مخرمَة سمع مِن أبيه كتابَ سليمان‪ ،‬لعلّه سمع منه الشىءَ‬
‫اليسير‪ ،‬ولم أجد أحداً بالمدينة يخبرنى عن مخرمة بن بكير أنه كان يقول فى شىء من حديثه‪:‬‬
‫ج به فى ((موطئه))‪،‬‬
‫سمعت أبى‪ ،‬ومخرمة ثقة‪ .‬انتهى‪ .‬ويكفى أن مالكاً أخذ كِتابه‪ ،‬فنظر فيه‪ ،‬واحت ّ‬
‫وكان يقول‪ :‬حدثنى مخرمة‪ ،‬وكان رجلً صالحاً‪ .‬وقال أبو حاتم‪ :‬سألت إسماعيل بن أبى أويس‪،‬‬
‫قلت‪ :‬هذا الذى يقول مالك بن أنس‪ :‬حدثنى الثقة‪ ،‬من هو؟ قال‪ :‬مخرمة بن بكير‪ .‬وقيل لحمد بن‬
‫صالح المصرى‪ :‬كان مخرمة من ثقات الرجال؟ قال‪ :‬نعم‪ ،‬وقال ابنُ عدى عن ابن وهب ومعن ابن‬
‫عيسى عن مخرمة‪ :‬أحاديثُ حِسانٌ مستقيمة وأرجو أنه ل بأس به‪.‬‬
‫غ ْي َركَ‪،‬‬
‫حتّى َت ْنكِحَ َزوْجاً َ‬
‫عَل ْيكَ َ‬
‫ح ُر َمتْ َ‬
‫ل ابنِ عمر للمطلّق ثلثاً‪َ (( :‬‬
‫وفى ((صحيح مسلم)) قو ُ‬
‫ك بِ ِه مِنْ طَلقِ ا ْم َرَأ ِتكَ))‪ .‬وهذا تفسيرٌ منه للطلق المأمور به‪ ،‬وتفسيرُ‬
‫ت َر ّبكَ فِيمَا َأ َمرَ َ‬
‫ص ْي َ‬
‫وعَ َ‬
‫حجّةٌ‪ ،‬وقال الحاكم‪ :‬هو عندنا مرفوع‪.‬‬
‫الصحابى ُ‬
‫ق المشروعَ بع َد الدخول هو‬
‫ومن تأمّل القرآن حقّ التأمل‪ ،‬تبيّن له ذلك‪ ،‬وعرف أن الطل َ‬
‫ع الثلث جمل ٌة واحدة البتة؛ قال تعالى‪:‬‬
‫الطلقُ الذى يملكُ به الرجعة‪ ،‬ولم يشرعِ ال سبحانه إيقا َ‬
‫ع المرتين إل متعاقبتين‪ ،‬كما قال‬
‫ل العرب فى لغتها وقو َ‬
‫{الطّلَقُ َم ّرتَانِ} [البقرة‪ ، ]229 :‬ول تعقِ ُ‬
‫لثِينَ‪ ،‬وحمِده ثلثًا وثلثين‪،‬‬
‫لةٍ ثلثًا َوثَ َ‬
‫ل صَ َ‬
‫سبّحَ الَّ ُد َبرَ كُ ّ‬
‫النبى صلى ال عليه وسلم‪(( :‬مَنْ َ‬
‫ل يتلو بعضهُ‬
‫لثِينَ))‪ ،‬ونظائره فإنه ل يُعقل من ذلك إل تسبيح وتكبيرٌ وتحميدُ متوا ٍ‬
‫و َكبّرهُ أَر ْبعًَا وث َ‬
‫ل أكبر أربعًا وثلثين بهذا‬
‫بعضاً‪ ،‬فلو قال‪ :‬سبحان ال ثلثًا وثلثين‪ ،‬والحمد لّ ثلثاً وثلثين‪ ،‬وا ّ‬
‫ن َلهُمْ‬
‫جهُ ْم ولم َيكُ ْ‬
‫ن َي ْرمُونَ َأ ْزوَا َ‬
‫ث مرات فقط‪ ،‬وأصرحُ من هذا قوله سبحانه‪{ :‬والّذِي َ‬
‫ن ثل َ‬
‫اللفظ‪ ،‬لكا َ‬
‫شهَاداتٍ بالِّ} [النور‪ ]6 :‬فلو قال‪ :‬أشهدُ بالِّ أربع شهادات‬
‫شهَا َد ُة أَحَدِهِ ْم َأ ْربَعُ َ‬
‫سهُمْ فَ َ‬
‫شهَدَاءُ إلّ َأنْفُ ُ‬
‫ُ‬
‫لّ ِإنّهُ‬
‫شهَادَاتٍ بِا ِ‬
‫شهَ َد َأ ْربَعَ َ‬
‫ن تَ ْ‬
‫ع ْنهَا العَذَابَ أَ ْ‬
‫إنى لمن الصادقين‪ ،‬كانت مرّة‪ ،‬وكذلك قولُه‪َ { :‬ويَ ْدرُؤا َ‬
‫‪133‬‬

‫لّ أربَع شهادات إنه لمن الكاذبين‪ ،‬كانت واحدة‪،‬‬
‫لَمنَ الكَا ِذبِينَ} [النور‪ ]8 :‬فلو قالت‪ :‬أشه ُد با ِ‬
‫س ُنعَ ّذبُهم َم ّر َتيْنِ} [التوبة‪ ]101 :‬فهذا مرة بعد مرة‪ ،‬ول ينتقض هذا‬
‫ح مِن ذلك قولُه تعالى‪َ { :‬‬
‫وأصر ُ‬
‫لثَةٌ ُي ْؤتَونَ‬
‫جرَها َم ّر َتيْنِ} [الحزاب‪ ،]31 :‬وقولهِ صلى ال عليه وسلم‪(( :‬ثَ َ‬
‫بقوله تعالى‪ُ { :‬ن ْؤتِها أَ ْ‬
‫جرَهُم َم ّر َتيْنِ))‪ .‬فإن المرتين هنا هما الضّعفان‪ ،‬وهما المِثلن‪ ،‬وهما مِثلن فى القدر‪ ،‬كقوله‬
‫أَ ْ‬
‫ف َلهَا العَذَاب ضِعفَين} [الحزاب‪ .]30 :‬أي‪ :‬ضعفي ما يعذب به غيرها ‪ ،‬وضعفي‬
‫ع ْ‬
‫تعالى‪ُ { :‬يضَا َ‬
‫ما كانت تؤتي ‪ ،‬ومن هذا قول أنس‪ :‬انشق القمر على عهد رسول ال صلى ال عليه وسلم مرتين ‪،‬‬
‫أي‪ :‬شقتين وفرقتين ‪ ،‬كما قال في اللفظ الخر‪ :‬انشق القمر فلقتين‪ .‬وهذا أمر معلوم قطعًا أنه إنما‬
‫انشق القمر مرة واحدة ‪ ،‬والفرق معلوم بين ما يكون مرتين في الزمان ‪ ،‬وبين ما يكون مثلين‬
‫وجزأين ومرتين في المضاعفة‪ .‬فالثاني‪ :‬يتصور فيه اجتماع المرتين في آن واحد ‪ ،‬والول ل‬
‫يتصور فيه ذلك‪.‬‬
‫لثَةَ‬
‫ن ثَ َ‬
‫سهِ ّ‬
‫ن بَِأنْفُ ِ‬
‫ت َي َت َربّصْ َ‬
‫طلّقا ُ‬
‫ومما يدل على أن ال لم يشرع الثلث جملة ‪ ،‬أنه قال تعالى‪{ :‬وَا ْلمُ َ‬
‫ن َأرَا ُد َواْ ِإصْلَحاً} [البقرة‪:‬‬
‫ق ِبرَدّهنّ فِي َذِلكَ إِ ْ‬
‫ُق ُروَءٍ} [البقرة‪ ]228 :‬إلى أن قال‪َ { :‬و ُبعُوَل ُتهُنّ أَحَ ّ‬
‫‪ ، ]228‬فهذا يدل على أن كل طلق بعد الدخول ‪ ،‬فالمطلق أحق فيه بالرجعة سوى الثالثة‬
‫طلّقُوهُنّ ِلعِ ّد ِتهِنّ} [الطلق‪:‬‬
‫طلّ ْقتُ ُم النّسَاءَ فَ َ‬
‫ى إذَا َ‬
‫المذكورة بعد هذا ‪ ،‬وكذلك قوله تعالى‪{ :‬يََأيّها النّب ّ‬
‫ن ِب َم ْعرُوفٍ} [الطلق‪ ،]2 :‬فهذا‬
‫ن ِب َم ْعرُوفٍ َأوْ فَارِقُوهُ ّ‬
‫سكُوهُ ّ‬
‫جَلهُنّ فََأمْ ِ‬
‫‪ ]1‬إلى قوله‪{ :‬فَإِذَا َبَلغْنَ أَ َ‬
‫هو الطلق المشروع ‪ ،‬وقد ذكر ال سبحانه وتعالى أقسام الطلق كلها في القرآن ‪ ،‬وذكر‬
‫أحكامها ‪ ،‬فذكر الطلق قبل الدخول ‪ ،‬وأنه ل عدة فيه ‪ ،‬وذكر الطلقة الثالثة ‪ ،‬وأنها تحرم الزوجة‬
‫على المطلق حتى تنكح زوجًا غيره ‪ ،‬وذكر طلق الفداء الذي هو الخلع ‪ ،‬وسماه فدية ‪ ،‬ولم يحسبه‬
‫من الثلث كما تقدم ‪ ،‬وذكر الطلق الرجعي الذي المُطلق أحق فيه بالرجعة ‪ ،‬وهو ما عدا هذه‬
‫القسام الثلثة‪.‬‬
‫وبهذا احتج أحمد والشافعي وغيرهما على أنه ليس في الشرع طلقة واحدة بعد الدخول بغير عوض‬
‫بائنة ‪ ،‬وأنه إذا قال لها‪ :‬أنت طالق طلقة بائنة كانت رجعية ‪ ،‬ويلغو وصفُها بالبينونة ‪ ،‬وأنه ل ملك‬
‫إبانتها إل بعوض‪ .‬وأما أبو حنيفة ‪ ،‬فقال‪ :‬تبين بذلك ‪ ،‬لن الرجعة حق له ‪ ،‬وقد أسقطها ‪،‬‬
‫والجمهور يقولون‪ :‬وإن كانت الرجعة حقًا لكن نفقة الرجعية وكسوتها حق عليه ‪ ،‬ل يملك إسقاطه‬
‫إل باختيارها ‪ ،‬وبذلها العوض ‪ ،‬أو سؤالها أن تفتدي نفسها منه بغير عوض في أحد القولين ‪ ،‬وهو‬
‫جواز الخلع بغير عوض‪.‬‬
‫‪134‬‬

‫وأما إسقاط حقها من الكسوة والنفقة بغير سؤالها ول بذلها العوض ‪ ،‬فخلف النص والقياس‪.‬‬
‫قالوا‪ :‬وأيضاً فال سبحانه شرع الطلق على أكمل الوجوه وأنفعها للرجل والمرأة ‪ ،‬فإنهم كانوا‬
‫يطلقون في الجاهلية بغير عدد ‪ ،‬فيطلق أحدهم المرأة كلما شاء ‪ ،‬ويراجعها ‪ ،‬وهذا وإن كان فيه‬
‫رفق بالرجل ‪ ،‬ففيه إضرار بالمرأة ‪ ،‬فنسخ سبحانه ذلك بثلث ‪ ،‬وقصر الزوج عليها ‪ ،‬وجعله أحق‬
‫بالرجعة ما لم تنقض عدتها ‪ ،‬فإذا استوفى العدد الذي ملكه ‪ ،‬حرمت عليه ‪ ،‬فكان في هذا رفق‬
‫بالرجل إذ لم تحرم عليه بأول طلقة ‪ ،‬وبالمرأة حيث لم يجعل إليه أكثر من ثلث ‪ ،‬فهذا شرعه‬
‫وحكمته ‪ ،‬وحدوده التي حدها لعباده ‪ ،‬فلو حرمت عليه بأول طلقة يطلقها كان خلف شرعه‬
‫وحكمته ‪ ،‬وهو لم يملك إيقاع الثلث جملة ‪ ،‬بل إنما ملك واحدة ‪ ،‬فالزائد عليها غير مأذون له فيه‪.‬‬
‫قالوا‪ :‬وهذا كما أنه لم يملك إبانتها بطلقة واحدة ‪ ،‬إذ هو خلف ما شرعه ‪ ،‬لم يملك إبانتها بثلث‬
‫مجموعة ‪ ،‬إذ هو خلف شرعه‪.‬‬
‫ونكتة المسألة أن ال لم يجعل للمة طلقاً بائنًا قط إل في موضعين‪ .‬أحدهما‪ :‬طلق غير المدخول‬
‫بها‪ .‬والثاني‪ :‬الطلقة الثالثة ‪ ،‬وما عداه من الطلق ‪ ،‬فقد جعل للزوج فيه الرجعة ‪ ،‬هذا مقتضى‬
‫الكتاب كما تقدم تقريره ‪ ،‬وهذا قول الجمهور ‪ ،‬منهم‪ :‬المام أحمد ‪ ،‬والشافعي ‪ ،‬وأهل الظاهر ‪،‬‬
‫قالوا‪ :‬ل يملك إبانتها بدون الثلث إل في الخلع‪.‬‬
‫ولصحاب مالك ثلثة أقوال فيما إذا قال‪ :‬أنت طالق طلقة ل رجعة فيها‪ .‬أحدها‪ :‬أنها ثلث ‪ ،‬قاله‬
‫ابن الماجشون لنه قطع حقه من الرجعة ‪ ،‬وهي ل تنقطع إل بثلث ‪ ،‬فجاءت الثلث ضرورة‪.‬‬
‫الثاني‪ :‬أنها واحدة بائنة ‪ ،‬كما قال ‪ ،‬وهذا قول ابن القاسم ‪ ،‬لنه يملك إبانتها بطلقة بعوض ‪ ،‬فملكها‬
‫بدونه ‪ ،‬والخلع عنده طلق‪ .‬الثالث‪ :‬أنها واحدة رجعية ‪ ،‬وهذا قول ابن وهب ‪ ،‬وهو الذي يقتضيه‬
‫الكتاب والسنة والقياس ‪ ،‬وعليه الكثرون‪.‬‬
‫فصل‬
‫وأما المسألة الثانية ‪ ،‬وهي وقوع الثلث بكلمة واحدة ‪ ،‬فاختلف الناس فيها على أربعة‬
‫مذاهب‪.‬‬
‫أحدها‪ :‬أنها تقع ‪ ،‬وهذا قول الئمة الربعة ‪ ،‬وجمهور التابعين ‪ ،‬وكثير من الصحابة رضي‬
‫ال عنهم‪.‬‬

‫‪135‬‬

‫الثاني‪ :‬أنها ل تقع ‪ ،‬بل ترد لنها بدعة محرمة ‪ ،‬والبدعة مردودة لقوله صلى ال عليه‬
‫ل ليس عليه أمرنا فهو رد)) وهذا المذهب حكاه أبو محمد ابن حزم ‪ ،‬وحكي‬
‫وسلم‪(( :‬من عمل عم ً‬
‫للمام أحمد فأنكره ‪ ،‬وقال‪ :‬هو قول الرافضة‪.‬‬
‫الثالث‪ :‬أنه يقع به واحدة رجعية ‪ ،‬وهذا ثابت عن ابن عباس ‪ ،‬ذكره أبو داود عنه‪ .‬قال‬
‫المام أحمد‪ :‬وهذا مذهب ابن إسحاق ‪ ،‬يقول‪ :‬خالف السنة فيرد إلى السنة ‪ ،‬انتهى ‪ ،‬وهو قول‬
‫طاووس ‪ ،‬وعكرمة ‪ ،‬وهو اختيار شيخ السلم ابن تيمية‪.‬‬
‫الرابع‪ :‬أنه يفرق بين المدخول بها وغيرها ‪ ،‬فتقع الثلث بالمدخول بها ‪ ،‬ويقع بغيرها‬
‫واحدة ‪ ،‬وهذا قول جماعة من أصحاب ابن عباس ‪ ،‬وهو مذهب إسحاق بن راهويه فيما حكاه عنه‬
‫محمد بن نصر المروزي في كتاب ((اختلف العلماء))‪.‬‬
‫فأما من لم يوقعها جملة ‪ ،‬فاحتجوا بأنه طلق بدعة محرم ‪ ،‬والبدعة مردودة ‪ ،‬وقد‬
‫اعترف أبو محمد ابن حزم بأنها لو كانت بدعة محرمة ‪ ،‬لوجب أن ترد وتبطل ‪ ،‬ولكنه اختار‬
‫مذهب الشافعي أن جمع الثلث جائز غير محرم ‪ ،‬وستأتي حجة هذا القول‪.‬‬
‫وأما من جعلها واحدة ‪ ،‬فاحتج بالنص والقياس ‪ ،‬فأما النص ‪ ،‬فما رواه معمر‬
‫‪ ،‬وابن جريج عن ابن طاووس ‪ ،‬عن أبيه ‪ ،‬أن أبا الصهباء قال لبن عباس‪ :‬ألم تعلم أن الثلث‬
‫كانت تجعل واحدة على عهد رسول ال صلى ال عليه وسلم ‪ ،‬وأبي بكر ‪ ،‬وصدرًا من إمارة عمر؟‬
‫قال نعم‪ .‬رواه مسلم في ((صحيحة))‪.‬‬
‫وفي لفظ‪ :‬ألم تعلم أن الثلث كانت على عهد رسول صلى ال عليه وسلم ‪ ،‬وأبي بكر ‪،‬‬
‫وصدراً من خلفة عمر ترد إلى واحدة؟ قال‪ :‬نعم‪.‬‬
‫وقال أبو داود‪ :‬حدثنا أحمد بن صالح ‪ ،‬حدثنا عبد الرازق ‪ ،‬أن ابن جريج قال‪ :‬أخبرني‬
‫بعض بني أبي رافع مولى رسول صلى ال عليه وسلم ‪ ،‬عن عكرمة ‪ ،‬عن ابن عباس ‪ ،‬قال‪ :‬طلق‬
‫عبد يزيد ‪ -‬أبو ركانة وإخوته ‪ -‬أم ركانة ‪ ،‬ونكح امرأة من مزينة ‪ ،‬فجاءت النبي صلى ال عليه‬
‫وسلم فقالت‪ :‬ما يغني عني إل كما تغني هذه الشعرة ‪ ،‬لشعرة أخذتها من رأسها ‪ ،‬ففرق بيني‬
‫وبينه ‪ ،‬فأخذت النبي صلى ال عليه وسلم حمية ‪ ،‬فدعا بركانة وإخوته ‪ ،‬ثم قال لجلسائه‪( :‬أل ترون‬
‫أن فلناً يشبه منه كذا وكذا من عبد يزيد ‪ ،‬وفلنًا منه كذا وكذا)؟ قالوا‪ :‬نعم ‪ ،‬قال النبي صلى ال‬
‫عليه وسلم لعبد يزيد‪( :‬طلقها) ‪ ،‬ففعل ثم قال ((راجع امرأتك أم ركانة وإخوته)) فقال‪ :‬إني طلقتها‬

‫‪136‬‬

‫طلّقُوهُنّ‬
‫طلّ ْقتُ ُم النّسَاءَ فَ َ‬
‫ثلثاً يا رسول ال ‪ ،‬قال‪(( :‬قد علمت راجعها)) وتل‪{ :‬يََأيّها النّبىّ إذَا َ‬
‫ِلعِ ّد ِتهِنّ} [الطلق‪.]1 :‬‬
‫وقال المام أحمد‪ :‬حدثنا سعد بن إبراهيم ‪ ،‬قال‪ :‬حدثنا أبي ‪ ،‬عن ابن عباس ‪ ،‬عن عبد ال‬
‫بن عباس ‪ ،‬قال‪ :‬طلق ركانة بن عبد يزيد أخو بن المطلب امرأته ثلثاً في مجلس واحد ‪ ،‬فحزن‬
‫عليها حزناً شديداً ‪ ،‬قال‪ :‬فسأله رسول ال صلى ال عليه وسلم ((كيف طلقتها)) ‪ ،‬فقال‪ :‬طلقتها ثلثاً‬
‫‪ ،‬فقال‪(( :‬في مجلس واحد؟)) قال‪ :‬نعم ‪ ،‬قال‪(( :‬فإنما تلك واحدة فارجعها إن شئت)) قال‪ :‬فراجعها‪.‬‬
‫فكان ابن عباس يرى أنما الطلق عند كل طهر‪.‬‬
‫قالوا‪ :‬وأما القياس ‪ ،‬فقد تقدم أن جمع الثلث محرم وبدعة ‪ ،‬والبدعة مردودة ‪ ،‬لنها‬
‫ليست على أمر رسول ال صلى ال عليه وسلم ‪ ،‬قالوا‪ :‬وسائر ما تقدم في بيان التحريم يدل على‬
‫ت بِال}‬
‫شهَادَا ٍ‬
‫شهَا َد ُة أَحَدِهِ ْم َأ ْربَعُ َ‬
‫عدم وقوعها جملة‪ .‬قالوا‪ :‬ولو لم يكن معنا إل قوله تعالى‪{ :‬فَ َ‬
‫ت بِال} [النور‪ ، ]8 :‬قالوا‪ :‬وكذلك‬
‫شهَادَا ٍ‬
‫شهَ َد َأ ْربَعَ َ‬
‫ب أَن تَ ْ‬
‫ع ْنهَا ا ْلعَذَا َ‬
‫[النور‪ ، ]6 :‬وقوله‪َ { :‬ويَ ْد َر ُؤاْ َ‬
‫كل ما يعتبر له التكرار من حلف أو إقرار أو شهادة ‪ ،‬وقد قال النبي صلى ال عليه وسلم‪:‬‬
‫((تحلفون خمسين يميناً ‪ ،‬وتستحقون دم صاحبكم)) فلو قالوا‪ :‬نحلف بال يميناً‪ :‬إن فلناً قتله ‪ ،‬كانت‬
‫يميناً واحدة‪ .‬قالوا‪ :‬وكذلك القرار بالزنى ‪ ،‬كما في الحديث‪ :‬إن بعض الصحابة قال لماعز‪ :‬إن‬
‫أقررت أربعاً ‪ ،‬رجمك رسول ال صلى ال عليه وسلم ‪ ،‬فهذا ل يعقل أن تكون الربع فيه مجموعة‬
‫بفم واحد‪.‬‬
‫وأما الذين فرقوا بين المدخول بها وغيرها ‪ ،‬فلهم حجتان‪.‬‬
‫إحداهما‪ :‬ما رواه أبو داود بإسناد صحيح ‪ ،‬عن طاووس ‪ ،‬أن رجلً يقال له‪ :‬أبو الصهباء‬
‫كان كثير السؤال لبن عباس ‪ ،‬قال له‪ :‬أما علمت أن الرجل كان إذا طلق امرأته ثلثاً قبل أن يدخل‬
‫بها جعلوها واحدة على عهد رسول ال صلى ال عليه وسلم وأبي بكر وصدراً من إمارة عمر؟‬
‫فلما رأى عمر الناس قد تتايعوا فيها‪ :‬قال‪ :‬أجيزوهن عليهم‪.‬‬
‫الحجة الثانية‪ :‬أنها تبين بقوله‪ :‬أنت طالق ‪ ،‬فيصادقها ذكر الثلث وهي بائن ‪ ،‬فتلغو ورأى‬
‫هؤلء أن إلزام عمر بالثلث هو في حق المدخول بها ‪ ،‬وحديث أبي الصهباء في غير المدخول‬
‫بها‪ .‬قالوا‪ :‬ففي هذا التفريق موافقة المنقول من الجانبين ‪ ،‬وموافقة القياس ‪ ،‬وقال بكل قول من هذه‬
‫القوال جماعة من أهل الفتوى ‪ ،‬كما حكاه أبو محمد ابن حزم وغيره ‪ ،‬ولكن عدم الوقوع جملة هو‬
‫مذهب المامية ‪ ،‬وحكوه عن جماعة من أهل البيت‪.‬‬
‫‪137‬‬

‫قال الموقعون للثلث‪ :‬الكلم معكم في مقامين‪.‬‬
‫أحدهما‪ :‬تحريم جمع الثلث‪ .‬والثاني‪ :‬وقوعها جملة ولو كانت محرمة ‪ ،‬ونحن نتكلم معكم‬
‫في المقامين‪ .‬فأما الول‪:‬‬
‫فقد قال الشافعي ‪ ،‬وأبو ثور ‪ ،‬وأحمد بن حنبل في إحدى الروايات عنه ‪ ،‬وجماعة من أهل‬
‫حتّى‬
‫ل لَ ُه مِن َبعْدُ َ‬
‫ل تَحِ ّ‬
‫طلّقهَا فَ َ‬
‫الظاهر‪ :‬إن جمع الثلث سنة ‪ ،‬واحتجوا عليه بقوله تعالى‪{ :‬فَإِنْ َ‬
‫غ ْي َرهُ} [البقرة‪ ، ]230 :‬ولم يفرق بين أن تكون الثلثُ مجموعةً‪ ،‬أو مفرّقة‪ ،‬ول يجوز‬
‫َت ْنكِحَ َزوْجاً َ‬
‫طلّ ْقتُموُهُنّ مِنْ‬
‫أن نفرّق بينَ ما جمع ال بينه‪ ،‬كما ل نجمع بين ما فرّق ال بينه‪ .‬وقال تعالى‪{ :‬وإِنْ َ‬
‫طلّ ْقتُم النّسا َء مَا لَم‬
‫عَل ْيكُمْ إِنْ َ‬
‫ل أنْ تَمسّوهُنّ} [البقرة‪ ،]237 :‬ولم يفرق وقال‪{ :‬ل جُناَحَ َ‬
‫َقبْ ِ‬
‫ع بِال َم ْعرُوفِ} [البقرة‪ ،]241 :‬وقال‪َ { :‬يَأيّها‬
‫ت متَا ٌ‬
‫طلّقَا ِ‬
‫َتمَسّوهُنّ} الية‪ ،‬ولم يفرق وقال‪{ :‬وَل ْلمُ َ‬
‫ل أَن َتمَسّوهُنّ} [الحزاب‪ ،]49 :‬ولم يفرق‪.‬‬
‫طلّ ْق ُتمُوهُنّ مِن َقبْ ِ‬
‫حتُ ُم ا ْل ُم ْؤ ِمنَاتِ ثُمّ َ‬
‫الّذينَ آ َم ُن َواْ إِذَا َنكَ ْ‬
‫قالوا‪ :‬وفي ((الصحيحين)) ‪ ،‬بطلقها‪ .‬قالوا‪ :‬فلو كان جمع الثلث معصية لما أقر عليه رسول‬
‫صلى ال عليه وسلم ‪ ،‬ول يخلو طلقها أن يكون قد وقع وهي امرأته ‪ ،‬أو حين حرمت عليه‬
‫باللعان‪.‬‬
‫فإن كان الول ‪ ،‬فالحجة منه ظاهرة ‪ ،‬وإن كان الثاني ‪ ،‬فل شك أنه طلقها ‪ ،‬وهو يظنها‬
‫امرأته ‪ ،‬فلو كان حراماً ‪ ،‬لبينها له رسول ال صلى ال عليه وسلم ‪ ،‬وإن كانت قد حرمت عليه‪.‬‬
‫ل طلق‬
‫قالوا‪ :‬وفي صحيح البخاري ‪ ،‬من حديث القاسم بن محمد ‪ ،‬عن عائشة أم المؤمنين ‪ ،‬أن رج ً‬
‫امرأته ثلثاً ‪ ،‬فتزوجت ‪ ،‬فطلقت‪ ،‬فسئل رسول صلى ال عليه وسلم‪ ،‬أتحل للول؟ قال‪(( :‬ل حتى‬
‫يذوق عسيلتها كما ذاق الول)) ‪ ،‬فلم ينكر صلى ال عليه وسلم ذلك ‪ ،‬وهذا يدل على إباحة جمع‬
‫الثلث ‪ ،‬وعلى وقوعها ‪ ،‬إذ لو لم تقع ‪ ،‬لم يوقف رجوعها إلى الول على ذوق الثاني عسيلتها‪.‬‬
‫قالوا‪ :‬وفي ((الصحيحين)) من حديث أبي سلمة بن عبد الرحمن ‪ ،‬أن فاطمة بنت قيس‬
‫أخبرته أن زوجها أبا حفص بن المغيرة المخزومي طلقها ثلثًا ‪ ،‬ثم انطلق إلى اليمن ‪ ،‬فانطلق خالد‬
‫بن الوليد في نفر ‪ ،‬فأتوا رسول ال صلى ال عليه وسلم في بيت ميمونة أم المؤمنين ‪ ،‬فقالوا‪ :‬إن أبا‬
‫حفص طلق امرأته ثلثاً ‪ ،‬فهل لها من نفقة؟ فقال رسول ال صلى ال عليه وسلم‪(( :‬ليس لها نفقة‬
‫وعليها العدة))‪.‬‬
‫وفي ((صحيح مسلم)) في هذه القصة‪ :‬قالت فاطمة ‪ ،‬فأتيت رسول ال صلى ال عليه‬
‫وسلم ‪ ،‬فقال‪(( :‬كم طلّقك))؟ قلت‪ :‬ثلثاً ‪ ،‬فقال‪(( :‬صدوق ليس لك نفقة))‪.‬‬
‫‪138‬‬

‫وفي لفظ له‪ :‬قالت‪ :‬يا رسول ال ‪ ،‬إن زوجي طلقني ثلثاً ‪ ،‬وإني أخاف أن يقتحم علي‪.‬‬
‫(يتبع‪)...‬‬
‫وفي لفظ له‪ :‬عنها ‪ ،‬أن النبي صلى ال عليه وسلم في المطلقة ثلثاً‪(( :‬ليس لها سكنى ول‬

‫@‬
‫نفقة))‪.‬‬

‫قالوا‪ :‬وقد روى عبد الرازق في ((مصنفه)) عن يحيى بن العلء ‪ ،‬عن عبيد ال بن الوليد‬
‫الوصافي ‪ ،‬عن إبراهيم بن عبيد ال بن عبادة بن الصامت ‪ ،‬عن داود بن عبادة بن الصامت ‪ ،‬قال‪:‬‬
‫طلق جدي امرأة له ألف تطليقة ‪ ،‬فانطلق أبي إلى رسول ال صلى ال عليه وسلم ‪ ،‬فذكر له ذلك ‪،‬‬
‫فقال النبي صلى ال عليه وسلم‪(( :‬ما اتقى ال جدك‪ ،‬أما ثلث فله ‪ ،‬وأما تسعمائة وسبعة وتسعون‬
‫فعدوان وظلم ‪ ،‬إن شاء ال عذبه‪ ،‬وإن شاء غفر له))‪.‬‬
‫ورواه بعضهم عن صدقة بن أبي عمران ‪ ،‬عن إبراهيم بن عبيد ال بن عبادة بن الصامت ‪،‬‬
‫عن أبيه ‪ ،‬عن جده ‪ ،‬قال طلق بعض آبائي امرأته ‪ ،‬فانطلق بنوه إلى رسول ال صلى ال عليه‬
‫وسلم ‪ ،‬فقالوا‪ :‬يا رسول ال ‪ ،‬إن أبانا طلق أمنَا إلفاً‪ ،‬فهل له من مخرج؟ فقال‪(( :‬إن أباكم لم يتق ال‬
‫‪ ،‬فيجعل له مخرجًا ‪ ،‬بانت منه بثلث على غير السنة ‪ ،‬وتسعمائة وسبعة وتسعون إثم في عنقة))‪.‬‬
‫قالوا‪ :‬وروى محمد بن شاذان ‪ ،‬عن معلي بن منصور ‪ ،‬عن شعيب ابن زريق ‪ ،‬أن عطاء‬
‫الخراساني حدثهم عن الحسن ‪ ،‬قال‪ :‬حدثنا عبد ال بن عمر رضي ال عنهما ‪ ،‬أنه طلق امرأته‬
‫وهي حائض ‪ ،‬ثم أراد أن يتبعها بطلقتين أخريين عند القرءين الباقيين ‪ ،‬فبلغ ذلك رسول ال صلى‬
‫ال عليه وسلم ‪ ،‬فقال‪(( :‬يا ابن عمر‪ ،‬ما هكذا أمرك ال ‪ ،‬أخطأت السنة))‪ ...‬وذكر الحديث ‪ ،‬وفيه ‪،‬‬
‫فقلت‪ :‬يا رسول ال ‪ ،‬لو كنت طلقتها ثلثاً ‪ ،‬أكان لي أن أجمعها؟ قال‪(( :‬ل‪ ،‬كانت تبين وتكون‬
‫معصية))‪.‬‬
‫قالوا‪ :‬وقد روى أبو داود في ((سننه))‪ :‬عن نافع بن عجير بن عبد يزيد بن ركانة ‪ ،‬أن‬
‫ركانة بن عبد يزيد طلق امرأته سهيمة البتة ‪ ،‬فأخبر النبي صلى ال عليه وسلم بذلك ‪ ،‬فقال رسول‬
‫ال صلى ال عليه وسلم‪(( :‬وال ما أردت إل واحدة))؟ فقال ركانة‪ :‬وال ما أردت إل واحدة ‪،‬‬
‫فردها إليه رسول ال صلى ال عليه وسلم ‪ ،‬فطلقها الثانية في زمن عمر ‪ ،‬والثالثة في زمن عثمان‪.‬‬
‫وفي جامع الترمذي‪ :‬عن عبد ال بن علي بن يزيد بن ركانة ‪ ،‬عن أبيه ‪ ،‬عن جده ‪ ،‬أنه طلق‬
‫امرأته ألبته ‪ ،‬فأتى رسول ال صلى ال عليه وسلم فقال‪(( :‬ما أردت بها))؟ قال‪ :‬واحدة ‪ ،‬قال‪:‬‬

‫‪139‬‬

‫((آل))‪ ،‬قال‪ :‬آل ‪ ،‬قال‪(( :‬هو على ما أردت))‪ .‬قال الترمذي‪ :‬ل نعرفه إل من هذا الوجه ‪ ،‬وسألت‬
‫محمداً ‪ -‬يعني البخاري ‪ -‬عن هذا الحديث؟ فقال‪ :‬فيه اضطراب‪.‬‬
‫ووجه الستدلل بالحديث ‪ ،‬أنه صلى ال عليه وسلم أحلفه أنه أراد بالبتة واحدة ‪،‬‬
‫فدل على أنه لو أراد بها أكثر ‪ ،‬لوقع ما أراده ‪ ،‬ولو لم يفترق الحال لم يحلّفه‪.‬‬
‫قالوا‪ :‬وهذا أصح من حديث ابن جريج عن بعض بني أبي رافع عن عكرمة ‪ ،‬عن ابن‬
‫عباس أنه طلقها ثلثاً‪ .‬قال أبو داود‪ :‬لنهم ولد الرجل ‪ ،‬وأهله أعلم به أن ركانة إنما طلقها البتة‪.‬‬
‫قالوا‪ :‬وابن جريج إنما رواه عن بعض بني أبي رافع‪ .‬فإن كان عبيد ال ‪ ،‬فهو ثقة معروف ‪،‬‬
‫وإن كان غيره من إخوته ‪ ،‬فمجهول العدالة ل تقوم به حجة‪.‬‬
‫قالوا‪ :‬وأما طريق المام أحمد ‪ ،‬ففيها ابن إسحاق ‪ ،‬والكلم فيه معروف ‪ ،‬وقد حكى‬
‫الخطابي ‪ ،‬أن المام أحمد كان يضعف طرق هذا الحديث كلها‪.‬‬
‫قالوا‪ :‬وأصح ما معكم حديث أبي الصهباء عن ابن العباس ‪ ،‬وقد قال البيهقي‪ :‬هذا الحديث‬
‫أحد ما اختلف فيه البخاري ومسلم ‪ ،‬فأخرجه مسلم وتركه البخاري ‪ ،‬وأظنه تركه لمخالفته سائر‬
‫الروايات عن ابن عباس ‪ ،‬ثم ساق الروايات عنه بوقوع الثلث ‪ ،‬ثم قال‪ :‬فهذه رواية سعيد بن جبير‬
‫‪ ،‬وعطاء بن أبي رباح ‪ ،‬ومجاهد وعكرمة ‪ ،‬وعمرو بن دينار ‪ ،‬ومالك بن الحارث ‪ ،‬ومحمد بن‬
‫إياس بن البكير ‪ ،‬قال‪ :‬ورويناه عن معاوية بن أبي عياش النصاري ‪ ،‬كلهم عن ابن عباس ‪ ،‬أنه‬
‫أجاز الثلث وأمضاهن‪.‬‬
‫وقال ابن المنذر فغير جائز أن يظن بابن عباس أنه يحفظ عن النبي صلى ال عليه وسلم‬
‫شيئاً ثم يفتي بخلفه‪.‬‬
‫وقال الشافعي‪ :‬فإن كان معنى قول ابن عباس‪ :‬إن الثلث كانت تحسب على عهد الرسول صلى ال‬
‫عليه وسلم واحدة ‪ ،‬يعني أنه بأمر النبي صلى ال عليه وسلم ‪ ،‬فالذي يشبه ‪ -‬وال أعلم ‪ -‬أن يكون‬
‫ابن عباس قد علم أنه كان شيئاً فنسخ‪ .‬قال البيهقي‪ :‬ورواية عكرمة عن ابن عباس فيها تأكيد لصحة‬
‫هذا التأويل ‪ -‬يريد البيهقي ‪ ، -‬ما رواه أبو داود والنسائي ‪ ،‬من حديث عكرمة في قوله تعالى‪:‬‬
‫لثَةَ ُق ُروَءٍ} [البقرة‪ ]228 :‬الية وذلك أن الرجل كان إذا طلق‬
‫ن ثَ َ‬
‫سهِ ّ‬
‫طلّقاتُ َي َت َر ّبصْنَ بَِأنْفُ ِ‬
‫{وَا ْلمُ َ‬
‫ق َم ّرتَان} [البقرة‪.]229 :‬‬
‫امرأته فهو أحق برجعتها ‪ ،‬وإن طلقها ثلثاً ‪ ،‬فنسخ ذلك ‪ ،‬فقال‪{ :‬الطَلَ ُ‬
‫قالوا‪ :‬فيحتمل أن الثلث كانت تجعل واحدة من هذا الوقت ‪ ،‬بمعنى أن الزوج كان يتمكن‬
‫من المراجعة بعدها ‪ ،‬كما يتمكن من المراجعة بعد الواحدة ‪ ،‬ثم نسخ ذلك‪.‬‬
‫‪140‬‬

‫وقال ابن سريج‪ :‬يمكن أن يكون ذلك إنما جاء في نوع خاص من الطلق الثلث ‪ ،‬وهو أن‬
‫يفرق بين اللفاظ ‪ ،‬كأن يقول‪ :‬أنت طالق ‪ ،‬أنت طالق ‪ ،‬أنت طالق ‪ ،‬وكان في عهد رسول ال‬
‫صلى ال عليه وسلم ‪ ،‬وعهد أبي بكر رضي ال عنه الناس على صدقهم وسلمتهم لم يكن فيهم‬
‫الخِب والخداع ‪ ،‬فكانوا يصدقون أنهم أرادوا به التأكيد‪ .‬ول يُريدون به الثلثَ‪ ،‬فلما رأى عمر‬
‫رضى ال عنه فى زمانه أموراً ظهرت‪ ،‬وأحوالً تغيّرت ‪ ،‬منع من حمل اللفظ على التكرار‪،‬‬
‫وألزمهم الثلث‪.‬‬
‫وقالت طائفة‪ :‬معنى الحديث أنّ الناس كانت عادتُهم على عهدِ رسولِ ال صلى ال عليه‬
‫وسلم إيقاعَ الواحدة‪ ،‬ثم يدعها حتى تنقضىَ عدتُها‪ ،‬ثم اعتادوا الطلقَ الثلثَ جملة‪ ،‬وتتا َيعُوا فيه‪،‬‬
‫ومعنى الحديث على هذا‪ :‬كان الطلقُ الذى يُوقعه المطلق الن ثلثًا يُوقِع ُه على عهد رسول ال‬
‫صلى ال عليه وسلم‪ ،‬وأبى بكر واحدة‪ ،‬فهو إخبا ٌر عن الواقع‪ ،‬ل عن المشروع‪.‬‬
‫ل ال صلى ال عليه وسلم هو الذى كان يجعل‬
‫ن أن رسو َ‬
‫وقالت طائفة‪ :‬ليس فى الحديث بيا ُ‬
‫الثلثَ واحدة‪ ،‬ول أنه أُعلم بذلك فأَق ّر عليه‪ ،‬ول حُجة إل فيما قاله أو فعله‪ ،‬أو علم به فأق ّر عليه‪،‬‬
‫ول يُعلم صحةُ واحد ًة من هذه المور فى حديث أبى الصهباء‪.‬‬
‫ل ال صلى ال عليه‬
‫قالُوا‪ :‬وإذا اختلفت علينا الحاديثُ‪ ،‬نظرنا إلى ما عليه أصحابُ رسو ِ‬
‫ت عنه غيره ما رواه‬
‫وسلم‪ ،‬فإنّهم أعلمُ بسنته‪ ،‬فنظرنا فإذا الثابتُ عن عمر بن الخطاب الذى ل َي ْث ُب ُ‬
‫عبد الرزاق‪ ،‬عن سفيان الثورى‪ ،‬عن سلمة ابن كُهيل‪ ،‬حدثنا زيدُ بن وهب‪ ،‬أنه رُفِ َع إلى عمر بن‬
‫ع َمرُ‬
‫الخطاب رجل طلق امرأته ألفاً‪ ،‬فقال له عمر‪ :‬أطلقتَ امرأتَك؟ فقال‪ :‬إنما كنتُ ألعب‪ ،‬فعالجه ُ‬
‫بال ّد ّرةِ‪ ،‬وقال‪ :‬إنما يكفيك من ذلك ثلث‪.‬‬

‫وروى وكيع‪ ،‬عن العمشِ‪ ،‬عن حبيب بن أبى‬

‫ثابت‪ ،‬قال‪ :‬جاء رجل إلى على ابن أبى طالب‪ ،‬فقال‪ :‬إنى طلقتُ امرأتى ألفاً‪ ،‬فقال له علىّ‪ :‬بانت‬
‫منك بثلث‪ ،‬واقسِمْ سا ِئرَهن بينَ نسائك‪.‬‬
‫ل إلى‬
‫وروى وكيع أيضاً‪ ،‬عن جعفر بن بُرقان‪ ،‬عن معاوية بن أبى يحيى‪ ،‬قال‪ :‬جاء رج ٌ‬
‫ت منك بثلث‪.‬‬
‫ت امرأتى ألفاً‪ ،‬فقال با َن ْ‬
‫عثمان بنِ عفان‪ ،‬فقال‪ :‬طلق ُ‬
‫وروى عب ُد الرزاق‪ ،‬عن سفيان الثورى‪ ،‬عن عمرو بن مرة‪ ،‬عن سعيد بنِ جبير‪ ،‬قال‪ :‬قال‬
‫ث تُح ّرمُها عليك‪ ،‬وبقيتُها عليك‪،‬‬
‫رجلٌ لبنِ عباس‪ :‬طلقتُ امرأتى ألفاً‪ ،‬فقال له ابنُ عباس‪ :‬ثل ٌ‬
‫ِوزْر‪ ،‬اتخذت آيات ال هزواً‪.‬‬

‫‪141‬‬

‫وروى عب ُد الرزاق أيضاً‪ ،‬عن معمر‪ ،‬عن العمش‪ ،‬عن إبراهيم‪ ،‬عن علقمة‪ ،‬قال‪ :‬جاء‬
‫ت امرأتى تسعاً وتسعين‪ ،‬فقال له ابنُ مسعود‪ :‬ثلث تُبينها‬
‫رجل إلى ابن مسعود‪ ،‬فقال‪ :‬إنى طلق ُ‬
‫منك‪ ،‬وسائُرهن عُدوان‪.‬‬
‫وذكر أبو داود فى ((سننه))‪ ،‬عن محمد ابن إياس‪ ،‬أن ابن عباس‪ ،‬وأبا هريرة‪ ،‬وعبد ال بن‬
‫س ِئلُوا عن البِكر يُطلّقُها زوجُها ثلثاً‪َ ،‬ف ُكلّهم قال‪ :‬ل تَحِلّ له حتى تَنكِحَ زوجاً‬
‫عمرو بن العاص‪ُ ،‬‬
‫غيرَه‪.‬‬
‫ب رسول ال صلى ال عليه وسلم كما تسمعون قد أوقعوا الثلثَ جملةً‪،‬‬
‫قالوا‪ :‬فهؤلء أصحا ُ‬
‫ولو لم يكن فيهم إل عمر المحدّث ال ُملْهَمُ وحدَه‪ ،‬لكفى‪ ،‬فإنه ل يُظن به تغييرُ ما شرعه النبى صلى‬
‫ال عليه وسلم مِن الطلق الرجعى‪ ،‬فيجعله محرّماً‪ ،‬وذلك يتضمّن تحريمَ فرج المرأه على من‬
‫ل له‪ ،‬ولو فعل ذلك عمر‪ ،‬لما أقرّه عليه الصحابةُ‪ ،‬فضلً عن أن‬
‫حرُ ْم عليه‪ ،‬وإباحته لمن ل تَحِ ّ‬
‫تَ ْ‬
‫ل صلى ال عليه وسلم أن الثلثَ واحد ٌة لم‬
‫يُوافقوه‪ ،‬ولو كان عندَ ابنِ عباس حجة عن رسول ا ّ‬
‫يُخَالِفْها‪ .‬ويُفتى بغيرها موافق ًة لعمر‪ ،‬وقد علم مخالفته له فى ال َعوْل‪ ،‬وحجب الم بالثنين من الخوة‬
‫والخوات‪ ،‬وغير ذلك‪.‬‬
‫قالوا‪ :‬ونحنُ فى هذه المسألة تبع لصحاب رسول ال صلى ال عليه وسلم‪َ ،‬فهُ ْم أعلمُ بسنته‬
‫خفَ عليهم‪،‬‬
‫ث واحدة وتُوفّى والمر على ذلك لم َي ْ‬
‫وشرعه‪ ،‬ولو كان مستقراً مِن شريعته أن الثل َ‬
‫ن بعدهم‪ ،‬ويروى حبرُ المة وفقيهُها خبرَ‬
‫ح َرمُوا الصّواب فيه‪ ،‬ويُوفّق له مَ ْ‬
‫ن بعدهم‪ ،‬ولم يُ ْ‬
‫ويعلمه مَ ْ‬
‫كونِ الثلث واحدة ويُخالفه‪.‬‬
‫قال المانعون من وقوع الثلث‪ :‬التحاكُم فى هذه المسألة وغيرها إلى من أقسم الُّ‬
‫جرَ بيننا‪ ،‬ثم نَرضى بحُكمِه‪ ،‬ول‬
‫شَ‬
‫ح ّكمَه فيما َ‬
‫سبحانه وتعالى أصدقَ قَسَمٍ‪ ،‬وأبره‪ ،‬أنا ل ُن ْؤمِنُ حتى نُ َ‬
‫يلحقُنا فيه حرجٌ‪ ،‬ونسلّم له تسليمًا ل إلى غيره كائنًا مَنْ كان‪ ،‬اللهم إل أن تُجمِعَ أمته إجماعاً متيقناً‬
‫ل نشكّ فيه على حُكم‪ ،‬فهو الحقّ الذى ل يجوز خلفُه‪ ،‬ويأبى ال أن تجتمع المة على خلف سنة‬
‫ثابتة عنه أبداً‪ ،‬ونحن قد أوجدناكُم من الدلة ما تثبتُ المسألة به‪ ،‬بل وبدُونه‪ ،‬ونحن نُناظركم فيما‬
‫طعنتم به فى تلك الدلة‪ ،‬وفيما عارضتمونا به على أنا ل نحكّم على أنفسنا إل نصّاً عن ال‪ ،‬أو‬
‫نصاً ثابتاً عن رسول ال صلى ال عليه وسلم‪،‬أو إجماعًا متيقّناً ل شكّ فيه‪ ،‬وما عدا هذا فعُرضة‬
‫للنزاع‪ ،‬وغايتُه أن يكون سائ َغ التّباع ل لزمهَ‪ ،‬فلتكن هذه المقدمة سلفاً لنا عندكم‪ ،‬وقد قال تعالى‪:‬‬
‫عتُمْ فى شَىءٍ َفرُدّوهُ إلى ال وَالرّسُولِ} [النساء‪ ،]59 :‬فقد تنازعنا نحن وأنتم فى هذه‬
‫ن َتنَازَ ْ‬
‫{فإ ْ‬
‫‪142‬‬

‫المسألة‪ ،‬فل سبيلَ إلى ردّها إلى غير ال ورسوله ألبتة‪ ،‬وسيأتى أننا أحقّ بالصحابة‪ ،‬وأسع ُد بهم‬
‫فيها‪ ،‬فنقول‪:‬‬
‫أمّا منعُكم لتحريمِ جم ِع الثلث‪ ،‬فل ريبَ أنها مسألة نزاع‪ ،‬ولكن الدلة الدالة‬
‫على التحريم حج ٌة عليكم‪.‬‬
‫أما قولكم‪ :‬إن القرآن دل على جواز الجمع‪ ،‬فدعوى غيرُ مقبولة‪ ،‬بل باطلة‪ ،‬وغايةُ ما‬
‫ق القرآن للفظ الطلق‪ ،‬وذلك ل يعمّ جائزه ومحرّمه‪ ،‬كما ل يدخل تحتَه طلقُ‬
‫تمسكتم به إطل ُ‬
‫ق الموطوءة فى طهرها‪ ،‬وما َم َثُلكُم فى ذلك إل َك َمثَلِ مَنْ عارض السنة الصحيحةَ‬
‫الحائض‪ ،‬وطل ُ‬
‫ل على جواز كل طلق‬
‫فى تحريم الطلق المحرم بهذه الطلقات سواء‪ ،‬ومعلوم أن القرآن لم يد ّ‬
‫ل َبيّنَ حَللَه‬
‫ل على أحكام الطلق‪ ،‬والمُبيّنُ عن الِّ عز وج ّ‬
‫حتى تُحمّلوه ما ل يُطيقه‪ ،‬وإنما د ّ‬
‫حرَامه‪ ،‬ول ريب أنا أسعدُ بظاهر القرآن كما بينا فى صدر الستدلل‪ ،‬وأنه سبحانه لم يشرع قط‬
‫وَ‬
‫طلقاً بائنًا بغيرِ عوض لمدخول بها‪ ،‬إل أن يكونَ آخ َر العدد‪ ،‬وهذا كتابُ ال بيننَا وبينَكم‪ ،‬وغايةُ ما‬
‫تمسكتم به ألفاظ مطلقة قيّدتْها السنة‪ ،‬وبينت شروطها وأحكامها‪.‬‬
‫وأما استدللُكم بأن الملعِنَ طلّق امرأته ثلثًا بحضرة رسولِ ال صلى ال عليه وسلم‪ ،‬فما‬
‫أصحّه مِن حديث‪ ،‬وما أبع َد ُه مِن استدللكم على جواز الطلق الثلث بكلمة واحدة فى نكاح يقصد‬
‫بقاؤه ودوامه‪ ،‬ثم المستدل بهذا إن كان ممن يقول‪ :‬إن الفرقة وقعت عقيبَ لِعان الزوج وحده‪ ،‬كما‬
‫يقولُه الشافعى‪ ،‬أو عَقيبَ لعانهما وإن لم يفرّق الحاكم‪ ،‬كما يقوله أحمد فى إحدى الروايات عنه‪،‬‬
‫فالستدللُ به باطل‪ ،‬لن الطلق الثلث حينئذ لغو لم يفد شيئاً‪ ،‬وإن كان ممن يُوقف الفرقة على‬
‫تفريق الحاكم‪ ،‬لم يصح الستدلل به أيضاً لن هذا النكاح لم يبق سبيلٌ إلى بقائه ودوامه‪ ،‬بل هو‬
‫ق الثلث مؤكّد لمقصود اللعان‪ ،‬ومقرّر له‪ ،‬فإن غايتَه أن‬
‫واجبُ الزالة‪ ،‬ومؤبّدُ التحريم‪ ،‬فالطل ُ‬
‫يُحرّمها عليه حتى تنكح زوجاً غيره‪ ،‬وفرقة اللعان تحرّمها عليه على البد‪ ،‬ول يلزم من نفوذ‬
‫ب البقاء والدوام‪،‬‬
‫ق التحريم على التأبيد نفوذُه فى نكاح قائم مطلو ِ‬
‫الطلق فى نكاح قد صار مستح ّ‬
‫ولهذا لو طلقها فى هذا الحال وهى حائض‪ ،‬أو نفساء‪ ،‬أو فى طُهر جامعها فيه‪ ،‬لم يكن عاصياً‪ ،‬لن‬
‫هذا النكاح مطلوب الزالة مؤبد التحريم‪ ،‬ومن العجب أنكم متمسّكون بتقريرِ رسول ال صلى ال‬
‫ث مِن غير‬
‫عليه وسلم على هذا الطلق المذكور‪ ،‬ول تتمسكون بإنكاره وغضبه للطلق الثل ِ‬
‫الملعن‪ ،‬وتسميته لعباً بكتاب ال كما تقدم‪ ،‬فكم بينَ هذا القرار وهذا النكار؟ ونحن بحمد ال‬
‫قائلون بالمرين‪ ،‬مُ ِقرّون لما أقره رسول ال صلى ال عليه وسلم‪ ،‬منكرون لما أنكره‪.‬‬
‫‪143‬‬

‫ل طلّق امرأته ثلثاً فتزوّجت‪،‬‬
‫وأما استدللُكم بحديث عائشة رضى ال عنها‪ ،‬أن رج ً‬
‫سيْلة))‪ ،‬فهذا ل‬
‫حتّى تَذُوقَ العُ َ‬
‫ل ال صلى ال عليه وسلم‪ ،‬هل تحل للزوج؟ قال‪(( :‬ل‪َ ،‬‬
‫سئِلَ رسو ُ‬
‫فَ ُ‬
‫نُنازِعُكم فيه‪ ،‬نعم هو حج ٌة على من اكتفى بمجرد عقد الثانى‪ ،‬ولكن أينَ فى الحديث أنه طلّق‬
‫الثلثَ بفم واحد‪ ،‬بل الحديثُ حجة لنا‪ ،‬فإنّه ل يُقال‪ :‬فعلَ ذلك ثلثاً‪ ،‬وقال ثلثاً إل من فعل‪ ،‬وقال‪:‬‬
‫مرةً بعد مرةِ‪ ،‬هذا هو المعقولُ فى لغات المم عِربهم وعجمِهم‪ ،‬كما يقال‪ :‬قذفه ثلثاً‪ ،‬وشتمه ثلثاً‪،‬‬
‫وسلّم عليه ثلثاً‪.‬‬
‫ن العجب العُجاب‪ ،‬فإنكم خالفتُموه فيما هو‬
‫قالوا‪ :‬وأما استدللُكم بحديثِ فاطمة بنت قيس‪َ ،‬فمِ َ‬
‫صريحٌ فيه ل يقبلُ تأويلً صحيحاً‪ ،‬وهو سقوطُ النفقة والكِسوة للبائن مع صحته وصراحته‪ ،‬وعدم‬
‫ل تعلّقكم به‪،‬‬
‫ما يُعا ِرضُه مقاومًا له‪ ،‬وتمسكتُم به فيما هو مجمل‪ ،‬بل بيانُه فى نفس الحديث مما يُبطِ ُ‬
‫فإن قوله‪ :‬طلّقها ثلثًا ليس بصريح فى جمعها‪ ،‬بل كما تقدم‪ ،‬كيف وفى ((الصحيح)) فى خبرها‬
‫نفسِه مِن رواية الزهرى‪ ،‬عن عبيد ال بن عبد ال ابن عُتبة‪ ،‬أن زوجَها أرسل إليها بتطليقةٍ كانت‬
‫خ َر ثلثٍ تطليقاتٍ‪ ،‬وهو سند صحيح‬
‫بَقيت لها مِن طلقِها وفى لفظ فى ((الصحيح))‪ :‬أنه طلقها آ ِ‬
‫ل الشمس‪ ،‬فكيف ساغ لكم تركه إلى التمسك بلفظ مجملٍ‪ ،‬وهو أيضاً حجةٌ عليكم كما‬
‫متصل مث ُ‬
‫تقدم؟‪.‬‬
‫ن الصامت الذى رواه عبد الرزاق‪ ،‬فخبر فى‬
‫قالوا‪ :‬وأما استدللُكم بحديثِ عُبادة ب ِ‬
‫غاية السقوط‪ ،‬لن فى طريقه يحيى بن العلء‪ ،‬عن عُبيد ال بن الوليد الوصّافى‪ ،‬عن إبراهيم بن‬
‫ل على كذبه وبُطلنه‪ ،‬أنه لم يعرف فى شىء‬
‫عبيد ال ضعيف‪ ،‬عن هالك‪ ،‬عن مجهول‪ ،‬ثم الذى يد ّ‬
‫من الثار صحيحها ول سقيمها‪ ،‬ول متصلها ول منقطعها‪ ،‬أن والد عبادة بن الصامت أدرك‬
‫السلم‪ ،‬فكيف بجده‪ ،‬فهذا محال بل شك‪ .‬وأما حديث عبد ال بن عمر‪ ،‬فأصلُه صحيحٌ بل شك‪،‬‬
‫ل ال‪ :‬لو طلقتُها ثلثاً أكانت تَحِلّ لى؟ إنما جاءت‬
‫لكن هذه الزيادة والوصلة التى فيه‪ :‬فقلتُ‪ :‬يا رسو َ‬
‫من رواية شعيب بن زُريق‪ ،‬وهو الشامى‪ ،‬وبعضهم يقلبه فيقولُ‪ :‬زُريق بن شعيب‪ ،‬وكيفما كان‪،‬‬
‫فهو ضعيف‪ ،‬ولو صحّ‪ ،‬لم يكن فيه حجة‪ ،‬لن قوله‪ :‬لو طلقتها ثلثًا بمنزلة قوله‪ :‬لو سلمت ثلثاً‪ ،‬أو‬
‫أقررت ثلثاً‪ ،‬أو نحوه مما ل يُعقل جمعُه‪.‬‬
‫وأما حديثُ نافِع بن عجير الذى رواه أبو داود‪ ،‬أن ركانة طلق امرأته ألبتة‪،‬‬
‫ل ال صلى ال عليه وسلم ما أرادَ إل واحدة‪ ،‬فمن العجب تقديمُ نافع ابن عجير‬
‫فأحلفه رسو ُ‬
‫المجهول الذي ل يُعرف حاله ألبتة‪ ،‬ول يُدرى من هو‪ ،‬ول ما هو على ابن جريج‪ ،‬ومعمر‪ ،‬وعبد‬
‫‪144‬‬

‫ال بن طاووس فى قصة أبى الصهباء‪ ،‬وقد شهد إمامُ أهل الحديث محمدُ بن إسماعيل البخارى بأن‬
‫فيه اضطراباً‪ ،‬هكذا قال الترمذى فى الجامع‪ ،‬وذكر عنه فى موضع آخر‪ :‬أنه مضطرب‪ .‬فتارةً‬
‫يقول‪ :‬طلقها ثلثاً‪ ،‬وتار ًة يقول‪ :‬واحدةً‪ ،‬وتارة يقول‪ :‬البتة‪ ،‬وقال المام أحمد‪ :‬وطرقه ُكلّها ضعيفة‪،‬‬
‫وضعفه أيضاً البخارى‪ ،‬حكاه المنذرى عنه‪.‬‬

‫ث المضطربُ المجهولُ‬
‫ثم كيف يُقدّم هذا الحدي ُ‬

‫رواية على حديث عبد الرزاق عن ابن جريج لِجهالة بعض بنى أبى رافع‪ ،‬هذا وأولدُه تابعيون‪،‬‬
‫وإن كان عبيد ال أشهرَهم‪ ،‬وليس فيهم متهم بالكذب‪ ،‬وقد روى عنه ابنُ جُريج‪ ،‬ومَنْ يقبلُ روايةَ‬
‫المجهول‪ ،‬أو يقولُ‪ :‬رواي ُة العدل عنه تعديلٌ له‪ ،‬فهذا حجةٌ عنده‪ ،‬فأمّا أن يُضعّفَه ويُقَدّ َم عليه روايةَ‬
‫من هو مثلُه فى الجهالة‪ ،‬أو أشدّ‪ ،‬فكلّ‪ ،‬فغاي ُة المر أن تتساقَط روايتا هذين المجهولين‪ُ ،‬يعْدَل إلى‬
‫غيرهما‪ ،‬وإذا فعلنا ذلك‪ ،‬نظرنا فى حديث سعد بن إبراهيم‪ ،‬فوجدناه صحيح السناد‪ ،‬وقد زالت علةُ‬
‫تدليسِ محمد ابن إسحاق بقوله‪ :‬حدثنى داود بن الحصين‪ ،‬وقد احتج أحمد بإسناده فى مواضع‪ ،‬وقد‬
‫ب على زوجِها أبى‬
‫صحح هو وغيرُه بهذا السناد بعينه‪ ،‬أن رسول ال صلى ال عليه وسلم ر ّد زين َ‬
‫ح الوّلِ‪ ،‬ولم يُحدث شيئاً‪ .‬وأما داودُ بن الحُصين‪ ،‬عن عكرمة‪ ،‬فلم تزل‬
‫العاص بن الربيع بالنّكا ِ‬
‫جزَ ْم به مِن تقديرها بخمسة‬
‫شكّ فيه‪ ،‬ولم يُ ْ‬
‫الئمة تحتجّ به‪ ،‬وقد احتجّوا به فى حديث ال َعرَايا فيما ُ‬
‫طبِ بالتمرِ‪ ،‬فما ذنبه فى‬
‫أوسُق أو دونَها مع كونِها على خلف الحاديث التى نهى فيها عن بيع الرّ َ‬
‫هذا الحديث سوى رواية ما ل يقولون به‪ ،‬وإن قدحتُم فى عكرمة ولعلكم فاعِلون جاءكم ما ل ِقبَلَ‬
‫لكُم به من التناقض فيما احتججتُم به أنتُم وأئمةُ الحديث مِن روايته‪ ،‬وارتضاء البخارى لدخال‬
‫حديثه فى ((صحيحه))‪.‬‬
‫فصل‬
‫ث أبى الصهباء‪ ،‬فل َيصِحّ شىء منها‪.‬‬
‫وأما تلك المسالك الوَعْ َر ُة التى سلكتموها فى حدي ِ‬
‫شكَاةٌ ظَا ِهرٌ‬
‫أما المسلكُ الول‪ ،‬وهو انفرادُ مسلم بروايته‪ ،‬وإعراضُ البخارى عنه‪َ ،‬ف ِت ْلكَ َ‬
‫عنْهُ عَارُهَا‪ ،‬وما ضرّ ذلك الحديثَ انفرادُ مسلم به شيئاً‪ ،‬ثم هل تقبلون أنتم‪ ،‬أو أحدٌ مثل هذا فى كُلّ‬
‫َ‬
‫خلْه فى كتابى‪ ،‬فهو‬
‫ث َينْ َفرِدُ به مسلم عن البخارى‪ ،‬وهل قال البخارىّ قطّ‪ :‬إن كُلّ حديث لم أُدْ ِ‬
‫حدي ٍ‬
‫باطل‪ ،‬أو ليس بحجة‪ ،‬أو ضعيف‪ ،‬وكم قد احتج البخارىّ بأحاديث خارجَ الصحيح ليس لها ذكر فى‬
‫((صحيحه))‪ ،‬وكم صحّح مِن حديث خارجٍ عن صحيحه‪ .‬فأما مخالفةُ سائ ِر الروايات له عن ابن‬
‫ب أن عن ابن عباس روايتين صحيحتين بل شك‪ .‬إحداهُهما‪ :‬تُوافق هذا الحديثَ‪،‬‬
‫عباس‪ ،‬فل ري َ‬
‫ث على أنه بحمد ال سالم‪ .‬ولو اتفقتِ‬
‫سلِمَ الحدي ُ‬
‫والُخرى‪ :‬تُخالفه‪ ،‬فإن أسقطنا رواية برواية‪َ ،‬‬
‫‪145‬‬

‫ت عنه على مخالفته‪ ،‬فله أسو ُة أمثاله‪ ،‬وليس بأوّلِ حديث خالفه روايه‪ ،‬فنسألكم‪ :‬هل الخذُ‬
‫الروايا ُ‬
‫بما رواه الصحابى عندكم‪ ،‬أو بما رآه؟ فإن قلتم‪ :‬الخ ُذ بروايته‪ ،‬وهو قولُ جمهوركم‪ ،‬بل جمهورُ‬
‫المة على هذا‪ ،‬كفيتُمونا مؤونة الجوابِ‪ .‬إن قلتُم‪ :‬الخ ُذ برأيه‪ ،‬أَريناكُم مِن تناقضكم ما ل حِيلة لكم‬
‫فى دفعه‪ ،‬ول سيما عن ابن عباس نفسِه‪ ،‬فإنه روى حديث بَريرة وتخييرها‪ ،‬ولم يكن بيعُها طلقاً‪،‬‬
‫ورأى خلفَه‪ ،‬وأن بيعَ بالمة طلقُها‪ ،‬فأخذتُم وأصبتُم بِروايته‪ ،‬وتركتم رأيه‪ ،‬فهل فعلتُم ذلك فيما‬
‫ل الصحابى غيرُ معصوم‪ ،‬ومخالفته لما رواه يحتمِلُ‬
‫نحن فيه‪ ،‬وقلتم‪ :‬الرواية معصومة‪ ،‬وقو ُ‬
‫احتمالتٍ عديدة من نسيان أو تأويل‪ ،‬أو اعتقاد مُعارِض راجحٍ فى ظنه‪ ،‬أو اعتقادِ أنه منسوخ أو‬
‫غ ترك روايته مع قيام هذه الحتمالت؟ وهل‬
‫مخصوص‪ ،‬أو غير ذلك من الحتمالت‪ ،‬فكيف يسو ُ‬
‫ث التسبيعِ‬
‫ك معلوم لِمظنون‪ ،‬بل مجهول؟ قالوا‪ :‬وقد روى أبو هريرة رضى ال عنه حدي َ‬
‫هذا إل تر ُ‬
‫من ولُوغ الكلب‪ ،‬وأفتى بخلفه‪ ،‬فأخذتُم بروايته‪ ،‬وتركتُم فتواه‪ .‬ولو تتبعنا ما أخذتُم فيه بروايةِ‬
‫ن فتواه‪ ،‬لطال‪.‬‬
‫الصحابى دو َ‬
‫قالُوا‪ :‬وأما دعواكم نسخ الحديث‪ ،‬فموقوفة على ثبوت معارض مُقاوم متراخ‪ ،‬فأين هذا؟‬
‫ث عكرمة‪ ،‬عن ابن عباس فى نسخ المراجعة بعد الطلق الثلث‪ ،‬فلو صحّ‪ ،‬لم‬
‫وأما حدي ُ‬
‫صرَ‬
‫خ ذلك‪ ،‬و ُق ِ‬
‫طلّقُ امرأته ويُراجعها بغير عدد‪ ،‬فنُسِ َ‬
‫يكن فيه حجة‪ ،‬فإنه إنما فيه أن الرّجل كان يُ َ‬
‫على ثلث‪ ،‬فيها تنقطع الرجعة‪ ،‬فأين فى ذلك اللزام بالثلث بفم واحد‪ ،‬ثم كيف يستمرّ المنسوخ‬
‫على عهد رسول ال صلى ال عليه وسلم وأبى بكر‪ ،‬وصدراً من خلفة عمر‪ ،‬ل تعلم به المة‪،‬‬
‫وهو من أهم المور المتعلقة بحل الفروج‪ ،‬ثم كيف يقول عمر‪ :‬إن الناس قد استعجلوا فى شىء‬
‫كانت لهم فيه أناة‪ ،‬وهل للمة أناة فى المنسوخ بوجه ما؟‪ ،‬ثم كيف يُعارض الحديثُ الصحيحُ بهذا‬
‫الذى فيه على بن الحسين ابن واقد‪ ،‬وضعفُه معلوم؟‬
‫ت طالق‪ ،‬ومقصودُه التأكيد‬
‫ث على قول المطلّق‪ :‬أنتِ طالق‪ ،‬أنتِ طالق‪ ،‬أن ِ‬
‫وأما حملُكم الحدي َ‬
‫ث عليه ل يتغيرُ‬
‫بما بعد الول‪ ،‬فسياقُ الحديث مِن أوله إلى آخره يردّه‪ ،‬فإنّ هذا الذى أوّلتم الحدي َ‬
‫ف على عهده وعهدِ خُلفائه‪ ،‬و َهلُمّ جراً إلى آخر‬
‫بوفاةِ رسولِ ال صلى ال عليه وسلم‪ ،‬ول يختِل ُ‬
‫الدهر‪ ،‬ومن ينويه فى قصد التأكيد ل يُ َفرّقُ بين َبرّ وفاجر‪ ،‬وصادق وكاذب‪ ،‬بل يردّه إلى نيته‪،‬‬
‫وكذلك مَن ل يقبله فى الحكم ل يقبلُه مطلقًا بَراً كان أو فاجراً‪.‬‬
‫وأيضاً فإن قوله‪ :‬إن الناس قد استعجلوا وتتابعوا فى شىء كانت لهم فيه أناة‪ ،‬فلو أنا‬
‫شرَعَهُ‬
‫أمضيناه عليهم‪ .‬إخبار من عمر بأن الناس قد استعجلوا ما جعلهم ال فى فُسحة منه‪ ،‬و َ‬
‫‪146‬‬

‫متراخيًا بعضه عن بعض رحمةً بهم‪ ،‬ورفقاً وأناة لهم‪ ،‬لئل يندم مطلّق‪ ،‬فيذهب حبيبُه مِن يديه مِن‬
‫أول وهلة‪َ ،‬ف َي ِع ّز عليه تدارُكه‪ ،‬فجعل له أنا ًة ومُهلةً يستع ِتبُه فيها‪ ،‬ويرضيه ويَزولُ ما أحدثه العتبُ‬
‫ل منهما الذى عليه بالمعروف‪ ،‬فاستعجلوا فيما جعل لهم فيه أناة‬
‫الداعى إلى الفراقُ‪ ،‬ويُراجع كُ ّ‬
‫علِمَ‬
‫ومُهلة‪ ،‬وأوقعوه بفم واحد‪ ،‬فرأى عمر رضى ال عنه أنه يلزمُهم ما التزموه عقوب ًة لهم‪ ،‬فإذا َ‬
‫المطلّق أن زوجته وسكنه تحرُم عليه من أول مرة بجمعه الثلثَ‪ ،‬كفّ عنها‪ ،‬ورجع إلى الطلق‬
‫المشروع المأذون فيه‪ ،‬وكان هذا مِن تأديب عمر لرعيته لما أكثرُوا مِن الطلق الثلث‪ ،‬كما سيأتى‬
‫مزيدُ تقريره عند العتذار عن عمر رضى ال عنه فى إلزامه بالثلث‪ ،‬هذا وج ُه الحديث الذى ل‬
‫وجه له غيرُه‪ ،‬فأين هذا من تأويلكم المستك َر ِه المستبعَ ِد الذى ل تُوافقه ألفاظُ الحديث‪ ،‬بل تنبُو عنه‪،‬‬
‫وتُنافره‪.‬‬
‫ع الطلق الثلث الن على عهدِ رسول ال صلى ال‬
‫ل مَنْ قال‪ :‬إن معناه كان وقو َ‬
‫وأما قو ُ‬
‫عليه وسلم واحدةً‪ ،‬فإن حقيقة هذا التأويل‪ :‬كان الناس على عهد رسول ال صلى ال عليه وسلم‬
‫ل إذا وصل إلى هذا الحد‪ ،‬كان مِن‬
‫طلّقُونَ واحدة‪ ،‬وعلى عهد عمر صاروا يطلّقون ثلثاً‪ ،‬والتأوي ُ‬
‫يُ َ‬
‫ح ذلك بوجه ما‪ ،‬فإن الناسَ ما زالوا‬
‫باب اللغاز والتحريف‪ ،‬ل من باب بيان المراد‪ ،‬ول َيصِ ّ‬
‫ل ال صلى ال عليه وسلم ثلثاً‪،‬‬
‫يُطلّقون واحدة وثلثاً‪ ،‬وقد طلّق رجالٌ نساءهم على عهد رسو ِ‬
‫ضبَ‪،‬‬
‫غ ِ‬
‫فمنهم من ردّها إلى واحدة‪ ،‬كما فى حديث عكرمة عن ابن عباس‪ .‬ومنهم من أنكر عليه‪ ،‬و َ‬
‫وجعله متلعباً بكتاب ال‪ ،‬ولم ُي ْع َرفْ ما حكم به عليهم‪ ،‬وفيهم من أقّره لتأكيد التحريم الذى أوجبه‬
‫اللعان‪ ،‬ومنهم من ألزمه بالثلث‪ ،‬لكون ما أتى به من الطلق آخر الثلث‪ ،‬فل َيصِحّ أن يقال‪ :‬إن‬
‫ح أن يقال‪ :‬إنهم قد‬
‫الناس ما زالوا يطلقون واحدة إلى أثناء خلفة عمر‪ ،‬فطلقوا ثلثاً‪ ،‬ول َيصِ ّ‬
‫استعجلوا فى شىء كانت لهم فيه أناة‪ ،‬فنمضيه عليهم‪ ،‬ول يُلئم هذا الكلم الفرق بين عهد رسول‬
‫ض منكم على عهده وبعدَ عهده‪.‬‬
‫ال صلى ال عليه وسلم‪ ،‬وبين عهده بوجه ما‪ ،‬فإنه ما ِ‬
‫ج ِعَلتْ وَاحِدَة على عهد‬
‫ثم إن فى بعض ألفاظِ الحديث الصحيحة‪ :‬ألم تعلم أنه من طلّق ثلثاً ُ‬
‫رسولِ ال صلى ال عليه وسلم‪.‬‬
‫عِل ْمتَ أن الرجل كان إذا طلّق امرأته ثلثاً قبل أن يدخل بها جعلوها واحدة‬
‫وفى لفظ‪ :‬أما َ‬
‫على عه ِد رسول ال صلى ال عليه وسلم‪ ،‬وأبى بكر‪ ،‬وصدراً من خلفة عمر‪ ،‬فقال ابن عباس‪:‬‬
‫ل إذا طلّق امرأتَه ثلثاً قبل أن يدخُلَ بها جعلوها واحدة على عهد رسول ال صلى ال‬
‫بلى كان الرج ُ‬
‫عليه وسلم‪ ،‬وأبى بكر‪ ،‬وصدراً من إمارة عمر‪ ،‬فلما رأى الناس يعنى عمر قد تتايعوا فيها‪ ،‬قال‪:‬‬
‫‪147‬‬

‫ظ الحديث‪ ،‬وهو بأصح إسناد‪ ،‬وهو ل يحتمِلُ ما ذكرتُم من التأويل بوجه‬
‫أجيزوهن عليهم‪ ،‬هذا لف ُ‬
‫ل من جعل الدلة تبعاً للمذهب‪ ،‬فاعتقد‪ ،‬ثم استدل‪ .‬وأما من جعل المذهب تبعاً‬
‫عمَ ُ‬
‫ما‪ ،‬ولكن هذا كله َ‬
‫للدليل‪ ،‬واستدل‪ ،‬ثم اعتقد‪ ،‬لم يمكنه هذا العمل‪.‬‬
‫ل ال صلى ال عليه وسلم كان َهوُ الذى‬
‫ن أن رسو َ‬
‫وأما قول من قال‪ :‬ليس فى الحديث بيا ُ‬
‫سبْحَانَك هذا بهتان عظيم أن يست ِم ّر هذا‬
‫ل ذلك‪ ،‬ول أنه علم به‪ ،‬وأقرّه عليه‪ ،‬فجوابه أن يقال‪ُ :‬‬
‫يجع ُ‬
‫ج لمن هو عليه حرامٌ‪ ،‬وتحريمُه على‬
‫ل الحرام المتضمّن لتغيير شرع ال وَدِينه‪ ،‬وإباحة ال َفرْ ِ‬
‫الجع ُ‬
‫ل صلى ال عليه وسلم وأصحابه خير الخلف‪ ،‬وهم يفعلونه‪،‬‬
‫ل على عهدِ رسول ا ّ‬
‫من هو عليه حل ٌ‬
‫ب أن رسولَ ال صلى ال‬
‫ول يعلمونه‪ ،‬ول يعلمه هو‪ ،‬والوحى َي ْنزِلُ عليه‪ ،‬وهو يُ ِقرّهم عليه‪َ ،‬ف َه ْ‬
‫لّ يعل ُم ذلك‪ ،‬ول يُوحيه‬
‫عليه وسلم لم يكن يعلمُه‪ ،‬وكان الصحابةُ يعلمونه‪ ،‬ويُبدّلون دينَه وشرعَه‪ ،‬وا ُ‬
‫لّ رسولَه صلى ال عليه وسلم‪ ،‬والم ُر علي ذلك‪ ،‬فيست ِمرّ هذا‬
‫إلى رسوله‪ ،‬ول يُعلمه به‪ ،‬ثم يتوفّى ا ُ‬
‫ل به ول يُغيّر إلى أن فارق‬
‫ل العظيم‪ ،‬والخطُأ المبين عند كم مدة خِلف ِة الصديق ُكلّها‪ُ ،‬ي ْعمَ ُ‬
‫الضل ُ‬
‫الصديقُ الدنيا‪ ،‬واستمر الخطأ والضللُ المركّب صدراً مِن خلفة عمر‪ ،‬حتى رأي بعد ذلك برأيه‬
‫أن يُلزِ َم الناسَ بالصّواب‪ ،‬فهل فى الجهل بالصحابة‪ ،‬وما كانُوا عليهم فى عهد نبيهم وخلفائه أقبحُ‬
‫ل من هذا الخطأ الذى ارتكبتموه‪،‬‬
‫ل الثَلث واحدةً خطأً محضاً‪ ،‬لكان أسه َ‬
‫لّ لو كان جع ُ‬
‫من هذا‪ ،‬وتَا ِ‬
‫والتأويلِ الذى تأولتموه‪ ،‬ولو تركتم المسألةَ بهيأتها‪ ،‬لكان أقوى لِشأنها من هذه الدلة والجوبة‪.‬‬
‫ب للجمهور‪ ،‬ول مستوحِش‬
‫صبٍ‪ ،‬ول هيّا ٍ‬
‫قالُوا‪ :‬وليس التحاكُم فى هذه المسألة إلى مقلّد متع ّ‬
‫خ فى العلم قد طال فيه باعُه‪،‬‬
‫مِن التفرّد إذا كان الصوابُ فى جانبه‪ ،‬وإنما التحاكُم فيها إلى راس ٍ‬
‫حبَ بنيله ِذرَاعُه‪ ،‬وفرّق بين الشبهة والدليل‪ ،‬وتلقّى الحكا َم مِن نفس مِشكاة الرسول‪ ،‬وعرفَ‬
‫ور ُ‬
‫ح َكمَها البا ِهرَة‪ ،‬وما تضمّنته مِن‬
‫المراتبَ‪ ،‬وقام فيها بالواجبِ‪ ،‬وباشر قلبُه أسرارَ الشريعة و ِ‬
‫ججَها‪،‬‬
‫المصالح الباطنة والظاهرة‪ ،‬وخاض فى مثل هذه المضايق لُججها‪ ،‬واستوفى مِن الجانبين حُ َ‬
‫والّ المستعانُ‪ ،‬وعليه التّكلن‪.‬‬
‫قالوا‪ :‬وأما قولُكم‪ :‬إذا اختلفت علينا الحاديثُ‪ ،‬نظرنا فيما عليه الصحاب ُة رضى ال عنهم‪،‬‬
‫فنعم والِّ وحيّهل ِب َي َركِ السلم‪ ،‬وعِصابة اليمان‪.‬‬
‫ض َبعْدَهُمُ‬
‫عوَا َ‬
‫طّلبْ ِلىَ الَ ْ‬
‫ل تَ َ‬
‫فَ َ‬

‫ل َي ْرضَى ِب َغ ْيرِهم‬
‫فَإِنّ َق ْل ِبىَ َ‬

‫ولكن ل يليق بكم أن تدعونا إلى شىء‪ ،‬وتكونُوا أول نافرٍ عنه‪ ،‬ومخالفٍ له‪ ،‬فقد تُوفى النبىّ‬
‫ح لكُم عن هؤلء‬
‫سمِ َع منه‪ ،‬فهل صَ ّ‬
‫ن ُكلّهم قد رآه و َ‬
‫عيْ ٍ‬
‫صلى ال عليه وسلم عن أكث َر مِن مائة ألف َ‬
‫‪148‬‬

‫شرِهِم القولُ بلزوم الثلثِ بفمٍ واحد؟ هذا ولو‬
‫شرِ عُ ْ‬
‫شرِ عشرهم‪ ،‬أو عُشرِ عُ ْ‬
‫شرِهم‪ ،‬أو عُ ْ‬
‫ُكلّهم‪ ،‬أو عُ ْ‬
‫ف عنهم فى ذلك‪ ،‬فقد صحّ عن‬
‫جهِ ْدتُم كُلّ الجهد لم تُطيقوا نقلَه عن عشرين نفسًا منهم أبداً مع اختل ٍ‬
‫َ‬
‫ح عنه التوقف‪ ،‬ولو كاثرنَاكُم‬
‫ل باللزوم‪ ،‬وص ّ‬
‫ابن عباس القولن‪ ،‬وصحّ عن ابن مسعود القو ُ‬
‫ف ذلك‪ ،‬ونحن‬
‫بالصحابة الذين كان الثلثُ على عهدهم واحدةً‪ ،‬لكانوا أضعافَ من نُقِلَ عنه خل ُ‬
‫ل صحابى مات إلى صد ٍر مِن خلفة عمر‪ ،‬ويكفينا مق ّدمُهم‪ ،‬وخيرُهم وأفضلُهم‪ ،‬ومن‬
‫نُكا ِثرُكم بكُ ّ‬
‫خ َتِلفْ‬
‫كان معه من الصحابة على عهده‪ ،‬بل لو شئنا لقلنا‪ ،‬ولصدقنا‪ :‬إن هذا كان إجماعاً قديمًا لم يَ ْ‬
‫ض عصرُ المجمعين حتى حدث الختلفُ‪ ،‬فلم يستقرّ‬
‫فيه على عهد الصديق اثنانِ‪ ،‬ولكن لم ينقرِ ْ‬
‫الجماعُ الول حتى صار الصحاب ُة على قولين‪ ،‬واستمرّ الخلفُ بين المة فى ذلك إلى اليوم‪ ،‬ثم‬
‫عِلمُوا أنه حرام‪،‬‬
‫ث عقوبةً لهم لما َ‬
‫ع من تقدّمه‪ ،‬بل رأى إلزامَهم بالثل ِ‬
‫نقول‪ :‬لم يُخالف عمر إجما َ‬
‫ب أن هذا سائغ للئمة أن يُلزموا الناسَ بما ضيّقوا به على أنفسهم‪ ،‬ولم يقبلوا‬
‫وتتايعُوا فيه‪ ،‬ول ري َ‬
‫فيه رخصةَ ال عز وجل وتسهيلَه‪ ،‬بل اختاروا الشدة والعُسر‪ ،‬فكيف بأميرِ المؤمنين عم َر بنِ‬
‫ف الزمنة‬
‫الخطاب رضى ال عنه‪ ،‬وكمال نظره للمة‪ ،‬وتأديبه لهم‪ ،‬ولكن العقوبة تختلفُ باختل ِ‬
‫والشخاص‪ ،‬والتمكن من العلم بتحريم الفعل المعاقب عليه وخفائه‪ ،‬وأمير المؤمنين عمر رضى‬
‫ل ال صلى ال عليه وسلم‪ ،‬وإنما هو رأي رآه مصلح ًة للمة‬
‫ل لهم‪ :‬إن هذا عن رسو ِ‬
‫ال عنه لم يَقُ ْ‬
‫يكفّهم بها عن التسارع إلى إيقاع الثلث‪ ،‬ولهذا قال‪ :‬فلو أنا أمضيناهُ عليهم‪ ،‬وفى لفظ آخر‪:‬‬
‫((فأجيزوهن عليهم)) أفل يُرى أن هذا رأي منه رآه للمصلحة ل إخبارٌ عن رسول صلى ال عليه‬
‫وسلم‪ ،‬ولما علم رضى ال عنه أن تلك الناة والرخصة نعمة من ال على المطلّق‪ ،‬ورحمةٌ به‪،‬‬
‫ن إليه‪ ،‬وأنه قابلها بضدّها‪ ،‬ولم يقبل رخصةَ ال‪ ،‬وما جعله له من الناة عاقبه بأن حال بينه‬
‫وإحسا ٌ‬
‫ق لقواعد الشريعة‪ ،‬بل هو موافق لحكمة‬
‫وبينها‪ ،‬وألزمه ما ألزمه مِن الشدة والستعجال‪ ،‬وهذا مواف ٌ‬
‫ال فى خلقه قدراً وشرعاً‪ ،‬فإن الناس إذا تعدّوا حدودَه‪ ،‬ولم يَقِفُوا عندها‪ ،‬ضيّق عليهم ما جعله لمن‬
‫اتقاه من المخرج‪ ،‬وقد أشار إلى هذا المعنى بعينه مَنْ قال مِن الصحابة للمطلّق ثلثاً‪ :‬إنك لو اتقيتَ‬
‫ال‪ ،‬لجعل لك مخرجاً‪ ،‬كما قاله ابن مسعود‪ ،‬وابنُ عباس‪ .‬فهذا نظر أمير المؤمنين‪ ،‬ومن معه من‬
‫الصحابة‪ ،‬ل أنه رضى ال عنه غ ّيرَ أحكام ال‪ ،‬وجعل حللها حراماً‪ ،‬فهذا غاي ُة التوفيق بين‬
‫النصوص‪ ،‬وفعل أمير المؤمنين ومن معه‪ ،‬وأنتم لم يُمكنكم ذلك إل بإلغاء أحد الجانبين‪ ،‬فهذا نهاية‬
‫ل التوفيق‪.‬‬
‫ض ْنكِ‪ ،‬والمعت َركِ الصّعبِ‪ ،‬وبا ّ‬
‫أقدام الفريقين فى هذا المقام ال ّ‬

‫‪149‬‬

‫ل له‬
‫حُكم رسول ال صلى ال عليه وسلم فى العبد يُطلّقُ زوجتَه تطليقتين‪ ،‬ثم يُعتَقُ بعد ذلك‪ ،‬هل تَحِ ّ‬
‫بدون زوج وإصابة؟‬
‫ل السنن‪ :‬مِن حديث أبى الحسن مولى بنى نوفل‪ ،‬أنه استفتى ابنَ عباس فى مملوكٍ‬
‫روى أه ُ‬
‫طبَها؟ قال‪ :‬نعم قضى‬
‫عتِقا بعد ذلك‪ ،‬هل يصلُح له أن يخ ُ‬
‫كانت تحته مملوكة‪ ،‬فطلقها تطليقتين‪ ،‬ثم ُ‬
‫ل ال صلى ال عليه وسلم‪.‬‬
‫بذلك رسو ُ‬
‫ت لك واحدةٌ‪ ،‬قضى به رسولُ ال‪.‬‬
‫ن عباس‪ :‬بَ ِق َي ْ‬
‫وفى لفظ‪ :‬قال اب ُ‬
‫قال المام أحمد‪ :‬عن عبد الرازق‪ ،‬أن ابنَ المبارك قال لمعمر‪ :‬من أبو حسن هذا؟ لقد تحمّل‬
‫صخرةً عظيمة انتهى‪.‬‬
‫قال المنذرى‪ :‬وأبو حسن هذا قد ُذ ِكرَ بخير وصلح‪ ،‬وقد قال على بن المدينى‪ :‬هو منكرُ الحديث‪،‬‬
‫وقال النسائى‪ :‬ليس بالقوى‪.‬‬
‫عتِقَ وقد طلّقها اثنتين‪ ،‬ففيها‬
‫ق العبدُ والزوجة فى حِباله‪ ،‬ملك تما َم الثلث‪ ،‬وإن ُ‬
‫عتِ َ‬
‫وإذا ُ‬
‫أربعةُ أقوال للفقهاء‪.‬‬
‫أحدها‪ :‬أنها ل تحِلّ له حتى تنكِحَ زوجاً غيره حرة كانت أو أمة‪ ،‬وهذا قولُ الشافعى‪ ،‬وأحمد‬
‫ك طلقتين ولو كانت زوجتُه‬
‫فى إحدى الروايتين بناء على أن الطلقَ بالرجال‪ ،‬وأن العبدَ إنما يمِل ُ‬
‫حرة‪.‬‬
‫ل عليه‬
‫والثانى‪ :‬أن له أن يعقِ َد عليها عقداً مستأنفًا مِن غير اشتراط زوج وإصابة‪ ،‬كما د ّ‬
‫ل ابن عباس‪ ،‬وأح ُد الوجهين‬
‫حديثُ عُمر بن معتّب هذا‪ ،‬وهذا إحدى الروايتين عن أحمد‪ ،‬وهو قو ُ‬
‫ق وهى‬
‫عتِ َ‬
‫للشافعية‪ ،‬ولهذا القول فقه دقيق‪ ،‬فإنها إنما حرمتها عليه التطليقتانِ لنقصه بالرق‪ ،‬فإذا ُ‬
‫فى العدة‪ ،‬زال النقصُ‪ ،‬ووُجِدَ سببُ ملك الثلث‪ ،‬وآثارُ النكاح باقية‪ ،‬فملك عليها تمامَ الثلث‪ ،‬وله‬
‫ج وإصابة‪ ،‬فليس هذا القولُ‬
‫رجعتُها‪ ،‬وإن عُتقَ بعد انقضاءِ عدتها‪ ،‬بانت منه‪ ،‬وحلّت له بدون زو ٍ‬
‫ببعيد فى القياس‪.‬‬
‫والثالث‪ :‬أن له أن يَرتَجعَها فى عِدتها‪ ،‬وأن ينكحها بعدها بدون زوج وإصابة‪ ،‬ولو لم يعتق‪،‬‬
‫وهذا مذهبُ أهل الظاهر جميعِهم‪ ،‬فإن عندهم أن العبد والحرّ فى الطلق سواء‪.‬‬
‫وذكر سُفيان بن عيينة‪ ،‬عن عمرو بن دينار‪ ،‬عن أبى معبد مولى ابن عباس‪ ،‬عن ابن عباس‬
‫جعَها‪ ،‬فأبى‪ ،‬فقال ابنُ‬
‫رضى ال عنهما‪ :‬أن عبدًا له طلّق امرأته تطليقتين‪ ،‬فأمره ابنُ عباس أن يُرا ِ‬
‫حلّها بملك اليمين‪.‬‬
‫عباس‪ :‬هى لك فاست ِ‬
‫‪150‬‬

‫والقول الرابع‪ :‬أن زوجتَه إن كانت حرةً‪ ،‬ملك عليها تما َم الثلث‪ ،‬وإن كانت أمةً‪،‬‬
‫حرمت عليه حتى تنكِحَ زوجًا غيره‪ ،‬وهذا قولُ أبى حنيفة‪.‬‬
‫ف والخلف على أربعة أقوال‪.‬‬
‫وهذا موضع اختلف فيه السل ُ‬
‫ق العبد والحر سواء‪ ،‬وهذا مذهبُ أهل الظاهر جميعهم‪ ،‬حكاه عنهم أبو‬
‫أحدها‪ :‬أن طل َ‬
‫محمد بن حزم‪ ،‬واحتجّوا بعُموم النصوص الواردة فى الطلق‪ ،‬وإطلقها‪ ،‬وعدم تفريقها بين حر‬
‫وعبد‪ ،‬ولم تُجمِ ِع الم ُة على التفريق‪ ،‬فقد صحّ عن ابن عباس أنه أفتى غلماً له برجعة زوجته بعد‬
‫ل عن ابن عباس نظر‪ ،‬فإن عبد الرزاق روى عن ابن جريج‪،‬‬
‫طلقتين‪ ،‬وكانت أمة‪ .‬وفى هذا النق ِ‬
‫عن عمرو بن دينار‪ ،‬أن أبا معبد أخبره‪ ،‬أن عبداً كان لبن عباس‪ ،‬وكانت له امرأة جارية لبن‬
‫عباس‪ ،‬فطلقها فبتّها‪ ،‬فقال له ابنُ عباس‪ :‬ل طلق لك فارجعها‪.‬‬
‫قال عب ُد الرزاق‪ :‬حدثنا معمر‪ ،‬عن سِماك بن الفضل‪ ،‬أن العبد سأل ابن عمر رضى ال‬
‫سكَ‪.‬‬
‫ضرِب رأ ُ‬
‫عنهما‪ ،‬فقال‪ :‬ل ترجع إليها وإن ُ‬
‫فمأخذ هذه الفتوى‪ ،‬أن طلق العبد بيد سيده‪ ،‬كما أن نِكاحَه بيده‪ ،‬كما روى عبد الرحمن بن‬
‫مهدى‪ ،‬عن الثورى‪ ،‬عن عبد الكريم الجزرى‪ ،‬عن عطاء‪ ،‬عن ابن عباس قال‪ :‬ليس طلق العبد‬
‫ول فرقته بشىء‪.‬‬
‫وذكر عبد الرزاق‪ ،‬عن ابن جريج‪ ،‬عن أبى الزبير‪ ،‬أنه سمع جابر بن عبد ال يقول فى‬
‫ل المدينة ل‬
‫المة والعبد‪ :‬سيّدُهما يجمعُ بينهما‪ ،‬ويفرق‪ ،‬وهذا قول أبى الشعثاء‪ ،‬وقال الشعبى‪ :‬أه ُ‬
‫يرون للعبد طلقاً إل بإذن سيده‪ ،‬فهذا مأخ ُذ ابن عباس‪ ،‬ل أنه يرى طلق العبد ثلثًا إذا كانت تَحته‬
‫أمة‪ ،‬وما علمنا أحداً من الصحابة قال بذلك‪.‬‬
‫ى الزوجين إن رُق كان الطلقُ بسبب رقه اثنتين‪ ،‬كما روى حما ُد بن‬
‫والقول الثانى‪ :‬أن َأ ّ‬
‫سلمة‪ ،‬عن عبد ال بن عمر‪ ،‬عن نافع‪ ،‬عن ابن عمر رضى ال عنهما قال‪ :‬الحرّ يُطلق المة‬
‫تطليقتين‪ ،‬وتعت ّد بحيضتين‪ ،‬والعبدُ يطلّق الحرة تطليقتين‪ ،‬وتعتد ثلث حِيض‪ ،‬وإلى هذا ذهب‬
‫عثمان البتّى‪.‬‬
‫والقولُ الثالث‪ :‬أن الطلق بالرجال‪ ،‬فيمِلكُ الحرّ ثلثاً‪ .‬وإن كانت زوجته أمة‪ ،‬والعبد ثنتين‬
‫ل زيد بن‬
‫وإن كانت زوجته حرة‪ ،‬وهذا قولُ الشافعى ومالك وأحمد فى ظاهر كلمه‪ ،‬وهذا قو ُ‬
‫ثابت‪ ،‬وعائشة‪ ،‬وأمّ سلمة أمّى المؤمنين‪ ،‬وعثمانَ بن عفان‪ ،‬وعبدِ ال بن عباس‪ ،‬وهذا مذهب‬

‫‪151‬‬

‫القاسم‪ ،‬وسالم‪ ،‬وأبى سلمة‪ ،‬وعمر بن عبد العزيز‪ ،‬ويحيى بن سعيد‪ ،‬وربيعة‪ ،‬وأبى الزناد‪،‬وسليمان‬
‫ن المسيّب‪ ،‬وعطاء‪.‬‬
‫بن يسار‪ ،‬وعمرو بن شعيب‪ ،‬واب ِ‬
‫والقول الرابع‪ :‬أن الطلقَ بالنساء كالعِدة‪ ،‬كما روى شعبة عن أشعث بن سوّار‪ ،‬عن‬
‫الشعبى‪ ،‬عن مسروق‪ ،‬عن ابن مسعود‪ .‬السنة‪ :‬الطلقُ والعِدةُ بالنساء‪.‬‬
‫وروى عبد الرزاق‪ :‬عن محمد بن يحيى وغيرِ واحد‪ ،‬عن عيسى عن الشعبى عن‬
‫اثنى عشر من صحابة النبى صلى ال عليه وسلم‪ ،‬قالوا‪ :‬الطلق والعِدة بالمرأة‪ ،‬هذا لفظُه‪ ،‬وهذا‬
‫قولُ الحسن‪ ،‬وابن سيرين‪ ،‬وقتادة‪ ،‬وإبراهيم‪ ،‬والشعبى‪ ،‬وعكرمة‪ ،‬ومجاهد‪ ،‬والثورى‪ ،‬والحسن بن‬
‫حى‪ ،‬وأبى حنيفة وأصحابه‪.‬‬
‫حكْم رسول ال صلى ال عليه وسلم فى هذه المسألة؟ قيل‪ :‬قد قال أبو داود‪:‬‬
‫فإن قيل‪ :‬فما ُ‬
‫حدثنا محمد بن مسعود‪ ،‬حدثنا أبو عاصم‪ ،‬عن ابن جريج‪ ،‬عن مظاهر بن أسلم‪ ،‬عن القاسم بن‬
‫طلِي َقتَانِ‪،‬‬
‫لمَ ِة تَ ْ‬
‫ى صلى ال عليه وسلم قال‪(( :‬طَلَقُ ا َ‬
‫محمد‪ ،‬عن عائشة رضى ال عنها‪ ،‬عن النب ّ‬
‫ضتَانِ))‪.‬‬
‫ح ْي َ‬
‫و ُق ْرؤُها َ‬
‫ع َمرُ‬
‫وروى زكريا بن يحيى الساجى‪ ،‬حدثنا محمد بن إسماعيل بن سمرة الحمسى‪ ،‬حدثنا ُ‬
‫بن شبيب المُسْلى‪ ،‬حدثنا عبد ال بن عيسي‪ ،‬عن عطيّة‪ ،‬عن ابن عمر رضى ال عنهما‪ ،‬قال‪ :‬قال‬
‫ضتَانِ))‪ .‬وقال عب ُد الرزاق‪ :‬حدثنا بن جريج‪ ،‬قال‪ :‬كتب‬
‫ح ْي َ‬
‫لمَةِ ِث ْنتَانِ‪ ،‬وعِ ّدتُها َ‬
‫رسول ال‪(( :‬طَلَقُ ا َ‬
‫إلىّ عبدُ ال بن زياد بن سمعان‪ ،‬أن عبد ال بن عبد الرحمن النصارى‪ ،‬أخبره عن نافع‪ ،‬عن أمّ‬
‫سلمة أم المؤمنين‪ ،‬أن غلماً لها طلّق امرأةً له حر ًة تطليقتين‪ ،‬فاستفتت أ ّم سلمة النبى صلى ال‬
‫حتّى َت ْنكِحَ َزوْجاً غَيرَه))‪ ،‬وقد تقدّم حديثُ عمر بن معتّب‪ ،‬عن‬
‫عَليْهِ َ‬
‫ح ُر َمتْ َ‬
‫عليه وسلم‪ ،‬فقال‪َ (( :‬‬
‫ى صلى ال عليه وسلم غيرُ هذه‬
‫أبى حسن‪ ،‬عن ابن عباس رضى ال عنه‪ ،‬ول يُعرف عن النب ّ‬
‫جرِهَا‪.‬‬
‫جرِهَا وبُ َ‬
‫الثار الربعة على عُ َ‬
‫أما الولُ‪ :‬فقال أبو داود‪ :‬هو حديث مجهول‪ ،‬وقال الترمذى‪ :‬حديث غريب ل نعِرفه إل من‬
‫حديث مظاهر بن أسلم‪ ،‬ومظاهر ل يُعرف له فى العلم غي ُر هذا الحديث انتهى‪ .‬وقال أبو القاسم ابن‬
‫عساكر فى ((أطرافه)) بعد ذكر هذا الحديث‪ :‬روى أسام ُة بن زيد بن أسلم‪ ،‬عن أبيه‪ ،‬أنه كان جالساً‬
‫عند أبيه‪ ،‬فأتاه رسولُ المير‪ ،‬فأخبره أنه سأل القاسمَ بن محمد‪ ،‬وسالم بن عبد ال عن ذلك‪ ،‬فقال‬
‫عمِل به‬
‫هذا‪ ،‬وقال له‪ :‬إن هذا ليسَ فى كتاب ال‪ ،‬ول سن ِة رسول ال صلى ال عليه وسلم‪ ،‬ولكن َ‬
‫المسلمون‪ .‬قال الحافظ‪ :‬فدّل على أن الحديث المرفوعَ غيرُ محفوظ‪ .‬وقال أبو عاصم النبيل‪ :‬مظاهر‬
‫‪152‬‬

‫ابن أسلم ضعيف‪ ،‬وقال يحيى بن معين‪ :‬ليس بشىء‪ ،‬مع أنه ل يُعرف‪ ،‬وقال أبو حاتم الرازى‪:‬‬
‫منكر الحديث‪ .‬وقال البيهقى‪ :‬لو كان ثابتًا لقُلنا به إل أنّا نُثبتُ حديثًا يرويه من نجهل عدالته‪.‬‬
‫وأما الثر الثانى‪ :‬ففيه عمر بن شبيب المُسْلى ضعيف‪ ،‬وفيه عطية وهو ضعيف أيضاً‪.‬وأما‬
‫الثر الثالث‪ :‬ففيه ابن سمعان الكذاب‪ ،‬وعبد ال بن عبد الرحمن مجهول‪.‬‬
‫وأما الثر الرابع‪ :‬ففيه عمر بن معتّب‪ ،‬وقد تقدم الكلمُ فيه‪.‬‬
‫والذى سلم فى المسألة الثار عن الصحابة رضى ال عنهم والقياس‪.‬‬
‫أما الثار‪ ،‬فهى متعارضة كما تقدم‪ ،‬فليس بعضُها أولى من بعض‪ ،‬بقى القياسُ‪،‬‬
‫طلّق‪ ،‬قال‪ :‬هو الذى يمِلكُ‬
‫وتجاذَبه طرفانِ‪ :‬طرف المطلّق‪ ،‬وطرف المطلّقة‪ .‬فمن راعى طرف الم َ‬
‫ب المنكوحات برقه‪ ،‬ومن راعى طرف‬
‫ف برقه كما يتنصّف نصا ُ‬
‫ص ُ‬
‫الطلق‪ ،‬وهو بيده‪ ،‬فيتن ّ‬
‫المطلّقة‪ ،‬قال‪ :‬الطلقُ يقع عليها‪ ،‬وتلزمُها العدة والتحريم وتوابعُها‪ ،‬فَتنصّف برقها كالعدة‪ ،‬ومن‬
‫ل الشبهين‪ ،‬ومن كملهُ وجعله ثلثًا رأى أن‬
‫نصف برق أىّ الزوجين كان راعى المرين‪ ،‬وأعم َ‬
‫س كذلك‪ ،‬فلم يتعلّق بشىء من ذلك‪،‬‬
‫الثار لم تثبت‪ ،‬والمنقولُ عن الصحابة‪ ،‬متعارِض‪ ،‬والقيا ُ‬
‫وتمسّك بإطلق النصوص الدالة على أن الطلق الرجعى طلقتان‪ ،‬ولم يُفرّقِ الُّ بين حر وعبد‪ ،‬ول‬
‫سيّاً} [مريم‪ ]64 :‬قالوا‪ :‬والحكمة التى لجلها جعل الطلق‬
‫ك نَ ِ‬
‫ن َر ّب َ‬
‫بينَ حرة وأمة‪{ ،‬ومَا كَا َ‬
‫حرّ‪ ،‬لن حاجتَه‬
‫الرجعى اثنتين فى الحر والعبد سواءٌ‪ ،‬قالوا‪ :‬وقد قال مالك‪ :‬إن له أن ينكِحَ أربعاً كال ُ‬
‫إلى ذلك كحاجة الحر‪ ،‬وقال الشافعىّ وأحمدُ‪ :‬أجله فى اليلء كأجلِ الحر‪ ،‬لن ضرر الزوجة فى‬
‫الصورتين سواء‪ .‬وقال أبو حنيفة‪ :‬إن طلقَه وطلقَ الحر سواء إذا كانت امرأتاهما حرتينِ إعمالً‬
‫لطلق نصوص الطلق‪ ،‬وعمومها للحر والعبد‪.‬‬
‫وقال أحمد بن حنبل والناسُ معه‪ :‬صيامُه فى الكفارات كلّها‪ ،‬وصيامُ الحر سواء‪ ،‬وحدّه فى‬
‫السرقة والشراب‪ ،‬وحدّ الحر سواء‪ .‬قالوا‪ :‬ولو كانت هذه الثا ُر أو بعضُها ثابتاً‪ ،‬لما سبقتُمونا إليه‪،‬‬
‫ول غلبتُمونا عليه‪ ،‬ولو اتفقت اثارُ الصحابة لم َنعْدُهَا إلى غيرها‪ ،‬فإن الحقّ ل يعدُوهم‪ ،‬وبالّ‬
‫التوفيق‪.‬‬
‫ل ال صلى ال عليه وسلم بأن الطلق بي ِد الزوج ل بي ِد غيره‬
‫حُكم رسو ِ‬
‫طلّ ْق ُتمُوهُنّ} [الحزاب‪ ،]49 :‬وقال‪:‬‬
‫ت ثُمّ َ‬
‫حتُمُ ال ُم ْؤ ِمنَا ِ‬
‫ن آ َمنُوا إذَا َنكَ ْ‬
‫قال ال تعالى‪{:‬يََأ ّيهَا الّذِي َ‬
‫ن ِب َم ْعرُوفٍ} [البقرة‪]231 :‬‬
‫سرّحوهُ ّ‬
‫سكُوهُنّ ِب َم ْعرُوفٍ َأوْ َ‬
‫جلَهنّ َفَأمْ ِ‬
‫ن أَ َ‬
‫طلّ ْقتُ ُم النّسَاءَ َف َبَلغْ َ‬
‫{وإذا َ‬
‫فجعل الطلق لمن نكح‪ ،‬لن له المساك‪ ،‬وهو الرجعة‪ ،‬وروى ابن ماجه فى ((سننه))‪ :‬من حديث‬
‫‪153‬‬

‫ى صلى ال عليه وسلم رجلٌ فقال‪ :‬يا رسولَ ال‪ ،‬سيّدى زوّجنى أمتَه‪ ،‬وهو‬
‫ابن عباس‪ ،‬قال‪ :‬أتى النب ّ‬
‫صعِدَ رسولُ ال صلى ال عليه وسلم المنبرَ‪ ،‬فقال‪(( :‬يَا َأ ّيهَا النّاسُ‬
‫يُريد أن يفرّق بينى وبينَها‪ .‬قال‪َ :‬ف َ‬
‫ق ِلمَنْ أَخَ َذ بِالسّاقِ))‪.‬‬
‫ق َب ْي َن ُهمَا‪ ،‬إنّما الطّلَ ُ‬
‫ن يُ َفرّ َ‬
‫عبْ َد ُه َأ َمتَ ُه ثُ ّم ُيرِيدُ أَ ْ‬
‫ل أَحَ ِدكُ ْم ُي َزوّجُ َ‬
‫مَا بَا ُ‬
‫وقد روى عب ُد الرزاق‪ ،‬عن ابنِ جُريج‪ ،‬عن عطاء‪ ،‬عن ابنِ عباس رضى ال عنهما ؛ كان‬
‫ق العبدِ بيدِ سيّده‪ ،‬إن طلّق‪ ،‬جاز‪ ،‬إن فرق‪ ،‬فهى واحدة إذا كانا له جميعاً‪ ،‬فإن كان العبدُ‬
‫يقول‪ :‬طل ُ‬
‫له‪ ،‬والمةُ لغيره‪ ،‬طلّق السي ُد أيضاً إن شاء‪.‬‬
‫ق العبد ول فرقتُه‬
‫وروى الثورىّ‪ ،‬عن عبد الكريم الجزرى‪ ،‬عن عطاء‪ ،‬عنه‪ :‬ليس طل ُ‬
‫بشىء‪.‬وذكر عب ُد الرزاق‪ ،‬حدثنا ابن جريج‪ ،‬أخبرنى أبو الزبير سمع جابراً يقول فى المة والعبد‪:‬‬
‫سيدُهما يجمعُ بينهما ويُفرّق‪.‬‬
‫ث ابن عباس رضى ال عنهما‬
‫ق أن يُتبع‪ .‬وحدي ُ‬
‫وقضاءُ رسول ال صلى ال عليه وسلم أح ّ‬
‫ل الناس‪.‬‬
‫ن َيعْضُدُه‪ ،‬وعليه عم ُ‬
‫المتقدّم‪ ،‬وإن كان فى إسناده ما فيه‪ ،‬فالقرآ ُ‬
‫ن الثلث‪ ،‬ثم راجعها بع َد زوج أنها على‬
‫ل ال صلى ال عليه وسلم فيمن طلّق دو َ‬
‫حُكم رسو ِ‬
‫بقية الطلقِ‬
‫ن وهب‪ ،‬يُحدّث عن رجل‬
‫ن مِقْسَمٍ‪ ،‬أنه أخبره‪ ،‬أنه سمع ُن َبيْهَ ب َ‬
‫نبِ‬
‫ن المبارك‪ ،‬عن عثما َ‬
‫ذكر اب ُ‬
‫من قومه‪ ،‬عن رجل من أصحاب رسول ال صلى ال عليه وسلم‪ :‬أن رسولَ ال صلى ال عليه‬
‫جعُها بعد زوج أنها على ما بقى من‬
‫ن الثلث‪ ،‬ثم يرت ِ‬
‫وسلم قضى فى المرأة يُطلّقُها زوجُها دو َ‬
‫الطلق‪.‬‬
‫وهذا الثر وإن كان فيه ضعيف ومجهول‪ ،‬فعليه أكابرُ الصحابة‪ ،‬كما ذكر عبد الرزاق فى‬
‫((مصنفه))‪ ،‬عن مالك‪ ،‬وابن عيينة‪ ،‬عن الزّهرى‪ ،‬عن ابن المسيّب‪ ،‬وحُميد بن عبد الرحمن‪،‬‬
‫وعُبيد ال بن عبد ال بن عتبة ابن مسعود‪ ،‬وسُليمان ابن يسار‪ ،‬كلهم يقول‪ :‬سمعتُ أبا هُريرة يقول‪:‬‬
‫سمعتُ عمر بن الخطاب يقول‪ :‬أيّما امرأةٍ طلّقها زوجُها تطليق ًة أو تطليقتين‪ ،‬ثم تركها حتّى َت ْنكِحَ‬
‫زوجًا غيره‪ ،‬فيموتَ عنها‪ ،‬أو يُطَلقَها ثم ينكحهَا زوجُها الول‪ ،‬فإنها عنده على ما بقى مِن طلقها‪.‬‬
‫وعن على بن أبى طالب‪ ،‬وأبى بن كعب‪ ،‬وعمران بن حصين رضى ال عنهم مثله‪.‬‬
‫قال المام أحمد ‪ :‬هذا قولُ الكابر مِن أصحاب النبىّ صلى ال عليه وسلم ‪.‬‬
‫ن عباس‪ ،‬رضى ال عنهم ‪ :‬تعو ُد على الثلث‪ ،‬قال ابنُ‬
‫ن عمر‪ ،‬واب ُ‬
‫وقال ابنُ مسعود‪ ،‬واب ُ‬
‫عباس رضى ال عنهما ‪ :‬نِكاح جديدٌ‪ ،‬وطلقٌ جديد ‪.‬‬
‫‪154‬‬

‫ل أهلُ الحديث‪ ،‬فيهم أحمدُ‪ ،‬والشافعىّ‪ ،‬ومالكُ‪ ،‬وذهب إلى الثانى‬
‫وذهب إلى القولِ الوّ ِ‬
‫أبو حنيفة‪ ،‬هذا إذا أصابها الثانى‪ ،‬فإن لم يُصبها فهى على ما بقى من طلقها عند الجميع ‪ .‬وقال‬
‫النخعى ‪ :‬لم أسمع فيها اختلفاً‪ ،‬ولو ثبت الحديثُ لكان فصلَ النزاع فى المسألة‪ ،‬ولو اتفقت اثارُ‬
‫ل أيضاً ‪.‬‬
‫الصحابة‪ ،‬لكانت فص ً‬
‫وأما فقه المسألة فمتجاذب‪ ،‬فإن الزّوج الثانى إذا هَ َد َمتْ إصابتُه الثلثَ‪ ،‬وأعادتها إلى‬
‫الول بطلقٍ جديدٍ‪ ،‬فما دُونها أولى‪ ،‬وأصحابُ القول الول يقولون ‪ :‬لما كانت إصابة الثانى‬
‫طلّقَت‬
‫ل المطلقة ثلثًا للول لم يكن بُ ّد مِن هدمها وإعادتها على طلق جديدٍ‪ ،‬وأما مَنْ ُ‬
‫شرطاً فى حِ ّ‬
‫ل للول‪ ،‬فلم‬
‫دونَ الثلث‪ ،‬فلم تُصادِف إصابة الثانى فيها تحريمًا يُزيلُه‪ ،‬ول هى شرطٌ فى الحِ ّ‬
‫َتهْدِمْ شيئاً‪ ،‬فوجودُها كعدمها بالنسبة إلى الول‪ ،‬وإحللها له‪ ،‬فعادت على ما بقى كما لو لم‬
‫يُصبها‪ ،‬فإن إصابتَه ل أثر لها البتة‪ ،‬ول نكاحه‪ ،‬وطلقُه معلّق بها بوجه ما‪ ،‬ول تأثيرَ لها فيه ‪.‬‬
‫ل ال صلى ال عليه وسلم فى المطلقة ثلثاً ل تَحِلّ للول حتى يطأَهَا الزوجُ‬
‫حُكم رسو ِ‬
‫الثانى‬
‫(يتبع‪)...‬‬
‫@‬
‫ظىّ جاءت إلى‬
‫ثبت فى ((الصحيحين))‪ :‬عن عائشة رضىَ الُّ عنها‪ ،‬أن امرأةَ رِفاعة القُر ِ‬
‫رسولِ ال صلى ال عليه وسلم‪ ،‬فقالت‪ :‬يا رسولَ ال‪ ،‬إن رِفاعة طلّقنى‪َ ،‬ف َبتّ طلقى‪ ،‬وإنى‬
‫ل ال صلى ال‬
‫ل الهُ ْدبَةِ‪ ،‬فقال رسو ُ‬
‫نكحتُ بعدَه عب َد الرحمن بنَ الزّبير القُرظى‪ ،‬وإنّ ما معه مث ُ‬
‫س ْيَلتَك))‪.‬‬
‫س ْيَلتَهُ ويَذُوقَ عُ َ‬
‫حتّى تَذُوقى عُ َ‬
‫ن َترْجِعى إلى رِفَاعَةَ‪ .‬لَ‪َ ،‬‬
‫ن أَ ْ‬
‫عليه وسلم‪َ(( :‬ل َعّلكِ تُريدِي َ‬
‫ل ال صلى ال عليه وسلم‪:‬‬
‫وفى سنن النسائى‪ :‬عن عائش َة رضىَ ال عنها‪ ،‬قالت‪ :‬قال رسو ُ‬
‫ع َوَل ْو لَ ْم ُي ْنزِل))‪.‬‬
‫س ْيلَةُ‪ :‬الجِما ُ‬
‫((العُ َ‬
‫طلّقُ امرأتَه‬
‫ل يُ َ‬
‫ن الرّجُ ِ‬
‫لّ صلى ال عليه وسلم عَ ِ‬
‫سئِلَ رسولُ ا ِ‬
‫وفيها عن ابن عمر‪ ،‬قال‪ُ :‬‬
‫ثلثاً‪ ،‬فيتزوّجُها الرجُل‪َ ،‬ف ُي ْغلِقُ البابَ‪ ،‬ويُرخى السّتر‪ ،‬ثم يُطلّقها قبل أن يدخُلَ بها؟ قال‪(( :‬لَ‬
‫خرُ))‪.‬‬
‫حتّى يُجا ِمعَها ال َ‬
‫لوّلِ َ‬
‫ل لِ َ‬
‫تَحِ ّ‬
‫فتضمن هذا الحكم أموراً‪.‬‬
‫ل المرأة على الرجل أنه ل يق ِد ُر على جماعها‪.‬‬
‫أحدهما‪ :‬أنه ل يُقبل قو ُ‬

‫‪155‬‬

‫الثانى‪ :‬أن إصاب َة الزوج الثانى شرط فى حلها للول‪ ،‬خلفًا لمن اكتفى بمجرد العقد‪ ،‬فإن‬
‫قوله مردود بالسنة التى ل مرد لها‪.‬‬
‫الثالث‪ :‬أنه ل يُشترط النزال‪ ،‬بل يكفى مجردُ الجماع الذى هو ذوقُ العسيلة‪.‬‬
‫الرابع‪ :‬أنه صلى ال عليه وسلم لم يجعلْ مجر َد العقد المقصود الذى هو نكاح رغبة كافياً‪،‬‬
‫ول اتصال الخلوة به‪ ،‬وإغلق البواب‪ ،‬وإرخاء الستور حتى يتّصل به الوطءُ‪ ،‬وهذا يدل على‬
‫ض للزوج والزوجة فيه سوى صور ِة العقد‪ ،‬وإحللها‬
‫أنه ل يكفى مجرد عقد التحليل الذى ل غر َ‬
‫للول بطريق الولى‪ ،‬فإنه إذا كان عقد الرغبة المقصود للدوام غيرَ كافٍ حتى يوجد فيه الوطء‪،‬‬
‫فكيف يكفى عق ُد تيسٍ مستعار لِيحلّها ل رغبة له فى إمساكها‪ ،‬إنما هو عا ِريّة كحمار العشرين‬
‫المستعار للضّراب؟‬
‫حُكم رسول ال صلى ال عليه وسلم فى المرأة تُقيم شاهداً واحداً على طلقِ زوجها والزّوجُ‬
‫منكر‬
‫ن وضّاح عن ابن أبى مريم‪ ،‬عن عمرو بن أبى سلمة‪ ،‬عن عمرو بن أبى سلمة‪،‬‬
‫ذكر اب ُ‬
‫عن زهير بن محمد‪ ،‬عن ابن جُريج‪ ،‬عن عمرو بن شعيب‪ ،‬عن أبيه‪ ،‬عن جده‪ ،‬عن النبىّ‬
‫ك بِشَاهِ ٍد وَاحِدٍ عَدْلِ‪،‬‬
‫علَى ذَل َ‬
‫ق َزوْجهَا‪ ،‬فَجَا َءتْ َ‬
‫عتِ ال َم ْرَأةُ طَلَ َ‬
‫صلى ال عليه وسلم‪ ،‬قال‪(( :‬إذَا ادّ َ‬
‫خرَ‪ ،‬وَجَازَ‬
‫ن َنكَلَ َف ُنكُولُه ِب َم ْن ِزلَةِ شَاهِدٍ آ َ‬
‫شهَا َد ُة الشّاهِدِ‪ ،‬وإ ْ‬
‫عنْهُ َ‬
‫طَلتْ َ‬
‫ف بَ َ‬
‫حَل َ‬
‫جهَا‪ ،‬فإِنْ َ‬
‫حِلفَ َزوْ ُ‬
‫استُ ْ‬
‫طَلقُه))‪ ،‬فتضمّن هذا الحك ُم أربع َة أمور‪.‬‬
‫أحدُها‪ :‬أنه ل يُكتفى بشهادة الشاهد الواحِدِ فى الطلق‪ ،‬ول مَع يمين المرأة‪ ،‬قال المام‬
‫أحمد‪ :‬الشاه ُد واليمين إنما يكون فى الموال خاصة ل يقعُ فى حدّ‪ ،‬ول نِكاح‪ ،‬ول طلق‪ ،‬ول‬
‫إعتاق‪ ،‬ول سرقة‪ ،‬ول قتل‪ .‬وقد نصّ فى رواية أخرى عنه على أن العبدَ إذا ادّعى أن سيدَه‬
‫أعتقه‪ ،‬وأتى بشاهد‪ ،‬حلف مع شاهده‪ ،‬وصار حراً‪ ،‬واختاره الخِرقى‪ ،‬ونص أحمد فى شريكين‬
‫س َريْنِ عدلين‪ ،‬فللعبد أن يحلفَ‬
‫فى عبد ادّعى كُلّ واحد منهما أن شريكَه أعتق حقّه منه‪ ،‬وكانا مُع ِ‬
‫مع كُلّ واحد منهما‪ ،‬ويصيرَ حراً‪ ،‬ويحِلفَ مع أحدهما‪ ،‬ويصيرَ نصفُه حراً‪ ،‬ولكن ل يعرف عنه‬
‫أن الطلق يثبتُ بشاه ٍد ويمين‪.‬‬
‫ب إن‬
‫ث عمرو بن شعيب هذا على أنه يثُبت بشاهِ ٍد ونكولِ الزوج‪ ،‬وهو الصوا ُ‬
‫وقد دلّ حدي ُ‬
‫شاء ال تعالى‪ ،‬فإن حديث عمرو بن شعيب‪ ،‬عن أبيه‪ ،‬عن جده‪ ،‬ل يُعرف من أئمة السلم إل‬
‫ض المواضع‪ ،‬وزهي ُر بن محمد‪ ،‬الراوى عن ابن‬
‫من احتج به‪ ،‬وبنى عليه وإن خالفه فى بع ِ‬
‫‪156‬‬

‫جريج‪ ،‬ثقة محتج به فى ((الصحيحين))‪ ،‬وعمرو بن أبى سلمة‪ ،‬هو أبو حفص التنيسى‪ ،‬محتج‬
‫به فى ((الصحيحين)) أيضاً‪ ،‬فمن احتجّ بحديث عمرو بن شعيب‪ ،‬فهذا من أصح حديثه‪.‬‬
‫ج يُستحلف فى دعوى الطلق إذا لم تَقُ ْم للمرأة به بينة‪ ،‬لكن إنما استحلفه مع‬
‫الثانى‪ :‬أن الزو َ‬
‫قوة جانب الدعوى بالشاهد‪.‬‬
‫الثالث‪ :‬أنه يحكم فى الطلق بشاهدٍ‪ ،‬ونكول المدّعى عليه‪ ،‬وأحمد فى إحدى الروايتين عنه‬
‫يحكُم بوقوعه بمجرّد النكول من غير شاهد‪ ،‬فإذا ادّعت المرأة على زوجها الطلقَ‪ ،‬وأحلفناه لها‬
‫فى إحدى الروايتين‪َ ،‬ف َنكَلَ‪ ،‬قضى عليه‪ ،‬فإذا أقامت شاهداً واحدًا ولم يَحلف الزوج على عدم‬
‫دعواها‪ ،‬فالقضاء بالنكول عليه فى هذه الصورة أقوى‪.‬‬
‫وظاهر الحديث‪ :‬أنه ل يُحكم على الزوج بالنكول إل إذا أقامت المرأةُ شاهداً واحداً‪ ،‬كما هو‬
‫إحدى الروايتين عن مالك‪ ،‬وأنه ل يُحكم عليه بمجرد دعواها مع نكوله‪ ،‬لكن من يقضى عليه به‬
‫ض هذا عليه بالنكولِ فى دعوى‬
‫يقول‪ :‬النكولُ إما إقرارٌ‪ ،‬وإما بينة‪ ،‬وكلهما يُحكم به‪ ،‬ولكن ينتقِ ُ‬
‫القِصاص‪ ،‬ويُجاب بأن النكولَ بدل استغنى به فيما يُباح بالبدل‪ ،‬وهو الموالُ وحقوقها دون النكاح‬
‫وتوابعه‪.‬‬
‫ل بمنزلة البينة‪ ،‬فلما أقامت شاهداً واحداً وهو شط ُر البينة كان النكولُ‬
‫الرابع‪ :‬أن النكو َ‬
‫قائماً‪ ،‬مقام تمامها‪.‬‬
‫ونحن نذكرُ مذاهبَ الناس فى هذه المسألة‪ ،‬فقال أبو القاسم بن الجلب فى ((تفريعه))‪:‬‬
‫حلّف بدعواها‪ ،‬فإن أقامت على ذلك شاهداً واحداً‪ ،‬لم‬
‫وإذا ادعت المرأ ُة الطلقَ على زوجها لم يُ َ‬
‫ق على زوجها‪ ،‬وهذا الذى قاله ل يُعلم فيه نزاع بين الئمة‬
‫تُحلف مع شاهدها‪ ،‬ولم يث ُبتِ الطل ُ‬
‫الربعة‪ ،‬قال‪ :‬ولكن يحلف لها زوجُها‪ ،‬فإن حلف‪ ،‬برىءَ من دعواها‪.‬‬
‫قلتُ‪ :‬هذا فيه قولن للفقهاء‪ ،‬وهما روايتان عن المام أحمد‪ .‬إحداهما‪ :‬أنه يحِلفُ لدعواها‪،‬‬
‫وهو مذهب الشافعى‪ ،‬ومالك‪ ،‬وأبى حنيفة‪ .‬والثانية‪ :‬ل يحلف‪ .‬فإن قلنا‪ :‬ل يحلف‪ ،‬فل إشكال‪،‬‬
‫وإن قلنا‪ :‬يحلف‪ ،‬فنكل عن اليمين‪ ،‬فهل يقضى عليه بطلق زوجته بالنكول؟ فيه روايتان عن‬
‫ق عليه بالشاهد والنكول عملً بهذا الحديث‪ ،‬وهذا اختيارُ أشهب‪ ،‬وهذا‬
‫مالك‪ ،‬إحداهما‪ :‬أنها تطلُ ُ‬
‫فيه غاي ُة القوة‪ ،‬لن الشاهد والنكول سببان مِن جهتين مختلفتين‪ ،‬فقوى جانبُ المدعى بهما‪ ،‬فحكم‬
‫له‪ ،‬فهذا مقتضى الثر والقياس‪.‬‬

‫‪157‬‬

‫ح ِبسَ‪ ،‬فإن طال حبسُه‪ُ ،‬ت ِركَ‪.‬‬
‫ل عن اليمين‪ُ ،‬‬
‫والرواية الثانية عنه‪ :‬أن الزوج إذا َنكَ َ‬
‫واختلفت الرواية عن المام أحمد‪ ،‬هل يقضى بالنكول فى دعوى المرأة الطلق؟ على روايتين‪.‬‬
‫ول أثر عنده لقامة الشاهدِ الواحد‪ ،‬بل إذا ادعت عليه الطلقَ‪ ،‬ففيه روايتان فى استحلفه‪ ،‬فإن‬
‫قلنا‪ :‬ل يُستحلف‪ ،‬لم يكن لدعواها أثر‪ ،‬وإن قلنا‪ :‬يستحلف‪ ،‬فأبى فهل يُحكم عليه بالطلق؟ فيه‬
‫روايتان‪ ،‬وسيأتى إن شاء ال تعالى الكلمُ فى القضاء بالنكول‪ ،‬وهل هو إقرار أو بدل‪ ،‬أو قائم‬
‫مقام البينة فى موضعه من هذا الكتاب؟‪.‬‬
‫حكم رسول ال صلى ال عليه وسلم فى تخيير أزواجه بين المُقام معه وبين مفارقتهن له‬
‫ل ال صلى ال عليه‬
‫ثبت فى ((الصحيحين)) عن عائشة رضى ال عنها قالت‪ :‬لما ُأ ِمرَ رسو ُ‬
‫حتّى تَسْت ْأمِرى‬
‫ل َتعْجَلى َ‬
‫عَل ْيكِ أَ ّ‬
‫ك َأمْراً فَلَ َ‬
‫وسلم بتخيير أزواجه‪ ،‬بدأ بى‪ ،‬فقال‪(( :‬إنّى ذَا ِك ٌر َل ِ‬
‫جكَ إنْ‬
‫ل ْزوَا ِ‬
‫َأ َب َو ْيكِ))‪ .‬قالت‪ :‬وقد علم أن أبوى لم يكونا ليأمرانى بفراقه‪ ،‬ثم قرأ‪{:‬يَأ ّيهَا النّبىّ قُلْ َ‬
‫ن ُك ْنتُنّ ُترِدْنَ ال‬
‫ل * َوإِ ْ‬
‫جمِي ً‬
‫سرَاحاً َ‬
‫حكُنّ َ‬
‫سرّ ْ‬
‫ن ُأ َم ّت ْعكُنّ َوأُ َ‬
‫حيَا َة ال ّدنْيا وزينَتَها َف َتعَاَليْ َ‬
‫ُك ْنتُنّ ُترِدْنَ ال َ‬
‫ن أَجْراً عَظِيماً} [الحزاب‪ ]29-28 :‬فقلتُ‪ :‬فى‬
‫ت ِم ْنكُ ّ‬
‫سنَا ِ‬
‫خ َرةَ فَإِنّ ال أَعَدّ ِل ْلمُحْ ِ‬
‫َورَسُولَهُ والدّارَ ال ِ‬
‫هذا استأمر أبوى؟ فإنى أريدُ ال ورسولَه والدارَ الخرةَ‪ .‬قالت عائشة‪ :‬ثم َفعَل أزواجُ النبى صلى‬
‫ال عليه وسلم ِمثْلَ ما فعلتُ‪ ،‬فلم يكن ذلك طلقاً‪.‬‬
‫قال ربيع ُة وابنُ شهاب‪ :‬فاختارت واحدةٌ منهن نفسَها‪ ،‬فذهبت وكانت ألبتة‪ .‬قال ابن شهاب‪:‬‬
‫وكانت بدوية‪ .‬قال عمرو بن شعيب‪ :‬وهى ابنة الضحاك العامرية رجعت إلى أهلها‪ ،‬وقال ابنُ‬
‫حبيب‪ :‬قد كان دخل بها‪ .‬انتهى‪.‬‬
‫ط بعد ذلك البعر‪ ،‬وتقول‪ :‬أنا الشقيّةُ‪.‬‬
‫وقيل‪ :‬لم يدخل بها‪ ،‬وكانت تلتقِ ُ‬
‫واختلف الناسُ فى هذا التخيير‪ ،‬فى موضعين‪ .‬أحدهما‪ :‬فى أى شىء كان؟ والثانى‪ :‬فى‬
‫حكمه‪ ،‬فأما الول‪ :‬فالذى عليه الجمهور أنه كان بين المقام معه والفراق‪ ،‬وذكر عبد الرزاق فى‬
‫ن بين الدنيا والخرة‪ ،‬ولم يُخ ّيرْهُنّ فى الطلق‪،‬‬
‫((مصنفه))‪ ،‬عن الحسن‪ ،‬أن ال تعالى إنما خ ّيرَهُ ّ‬
‫ق القرآن‪ ،‬وقولُ عائشة رضى ال عنها َيرُدّ قوله‪ ،‬ول ريب أنه سبحانه خيّرهن بينَ ال‬
‫وسيا ُ‬
‫جبَ اختيارهن ال ورسولَه والدارَ‬
‫ورسوله والدار الخرة‪ ،‬وبينَ الحياة الدنيا وزينتها‪ ،‬وجعل مَو ِ‬
‫ن ويُسرّحَهن سَراحاً جميلً‪،‬‬
‫الخرة المقا َم مع رسوله‪ ،‬وموجبَ اختيارهن الدنيا وزينتها أن يُم ّتعَه ّ‬
‫وهو الطلقُ بل شك ول نزاع‪.‬‬

‫‪158‬‬

‫وأما اختلفُهم فى حكمه‪ ،‬ففى موضعين‪ .‬أحدهما‪ :‬فى حكم اختيار الزوج‪ ،‬والثانى‪:‬‬
‫ن ومعظم المة أن‬
‫فى حكم اختيار النفس‪ ،‬فأما الول‪ :‬فالذى عليه معظمُ أصحاب النبى ونساؤه ُكّلهُ ّ‬
‫من اختارت زوجها لم تطلق‪ ،‬ول يكون التخييرُ بمجرده طلقاً‪ ،‬صحّ ذلك عن عمر‪ ،‬وابن‬
‫ل ال صلى ال عليه وسلم فاخترناه‪ ،‬فلم‬
‫مسعود‪ ،‬وابن عباس‪ ،‬وعائشة‪ .‬قالت عائشة‪ :‬خيّرنا رسو ُ‬
‫نعدّه طلقاً‪ ،‬وعن أمّ سلمة‪ ،‬وقريبة أختها‪ ،‬وعبد الرحمن بن أبى بكر‪.‬‬
‫وصح عن على‪ ،‬وزيد بن ثابت‪ ،‬وجماعة من الصحابة‪ :‬أنها إن اختارت زوجَها‪ ،‬فهى‬
‫ل الحسن‪ ،‬ورواية عن أحمد رواها عنه إسحاق بن منصور‪ ،‬قال‪ :‬إن‬
‫طلقة رجعية‪ ،‬وهو قو ُ‬
‫اختارت زوجَها‪ ،‬فواحدة يمِلكُ الرجعة‪ ،‬وإن اختارت نفسها‪ ،‬فثلثٌ‪ ،‬قال أبو بكر‪ :‬انفرد بهذا‬
‫إسحاق بن منصورِ‪ ،‬والعملُ على ما رواه الجماعة‪ .‬قال صاحب ((المغنى))‪ :‬ووجه هذه الرواية‬
‫أن التخييرَ كناية نوى بها الطلق‪ ،‬فوقع بمجرّدها كسائر كناياته‪ ،‬وهذا هو الذى صرّحت به‬
‫عائشة رضى ال عنها‪ ،‬والحق معها بإنكاره وردّه‪ ،‬فإن رسولَ ال صلى ال عليه وسلم لما‬
‫اختاره أزواجُه لم يَقُل‪ :‬وقع بكن طلقة‪ ،‬ولم يُراجعهن‪ ،‬وهى أعلم المة بشزن التخيير‪ ،‬وقد صح‬
‫عن عائشة رضى ال عنها أنها قالت‪ :‬لم يكن ذلك طلقاً‪ ،‬وفى لفظ‪(( :‬لم نعده طلقاً))‪ .‬وفى لفظ‪:‬‬
‫((خيّرنا رسول ال صلى ال عليه وسلم‪ ،‬أفكان طلقا ؟ً))‬
‫والذى لحظه من قال‪ :‬إنها طلقة رجعية أن التخيير تمليك‪ ،‬ول تملك المرأةُ نفسها إل وقد‬
‫ك مستلزم لوقوع الطلق‪ ،‬وهذا مبنى على مقدمتين‪ .‬إحداهما‪ :‬أن التخيي َر تمليك‪.‬‬
‫طلقت‪ ،‬فالتملي ُ‬
‫ع الطلق‪ ،‬وكِل المقدمتين ممنوعة‪ ،‬فليس التخيي ُر بتمليك‪ ،‬ولو‬
‫والثانية‪ :‬أن التمليك يستلزِمُ وقو َ‬
‫ع الطلق قبل إيقاع من ملكه‪ ،‬فإن غاية أمره أن تمِلكَه الزوجةُ كما كان‬
‫كان تمليكاً لم يستلزم وقو َ‬
‫الزوج يمِلكُه‪ ،‬فل يقع بدون إيقاع من ملكه‪ ،‬ولو صحّ ما ذكروه‪ ،‬لكان بائناً‪ ،‬لن الرجعية ل‬
‫تمِلكُ نفسها‪.‬‬
‫وقد اختلف الفقهاءُ فى التخيير‪ :‬هل هو تمليك أو توكيلٌ‪ ،‬أو بعضُه تمليك‪ ،‬وبعضُه‬
‫توكيل‪ ،‬أو هو تطليق منجّز‪ ،‬أو لغوٌ ل أثر له ألبتة؟ على مذاهب خمسة‪ .‬التفريقُ هو مذهب أحمد‬
‫ف على القبول‪ ،‬وقال صاحب‬
‫ومالك‪ .‬قال أبو الخطاب فى ((رؤوس المسائل))‪ :‬هو تمليكٌ يق ُ‬
‫ك بيدكِ‪ ،‬أو اختارى‪ ،‬فقالت‪ :‬قبلتُ‪ ،‬لم يقع شىء‪ ،‬لن ((أمرك‬
‫((المغنى)) فيه‪ :‬إذا قال‪ :‬أم ُر ِ‬
‫ت ينصرف إلى قبول الوكالة‪ ،‬فلم يقع شىء‪ ،‬كما لو قال‬
‫بيدك)) توكيل‪ ،‬فقولُها فى جوابه‪ :‬قبل ُ‬
‫لجنبية‪ :‬أم ُر امرأتى بيدكِ‪ ،‬فقالت‪ :‬قبلت‪ ،‬وقوله‪ :‬اختارى‪ :‬فى معناه‪ ،‬وكذلك إن قالت‪ :‬أخذت‬
‫‪159‬‬

‫أمرى‪ ،‬نص عليهما أحمد فى رواية إبراهيم بن هانئ إذا قال لمرأته‪ :‬أمُركِ بيدكِ‪ ،‬فقالت‪ :‬قبلت‪،‬‬
‫ليس بشىء حتى يتبيّن‪ ،‬وقال‪ :‬إذا قالت‪ :‬أخذتُ أمرى‪ ،‬ليس بشىء‪ ،‬قال‪ :‬وإذا قال لمرأته‪:‬‬
‫اختارى‪ ،‬فقالت‪ :‬قبلتُ نفسى‪ ،‬أو اخترت نفسى‪ ،‬كان أبين‪ .‬انتهى‪ .‬وفرق مالك بين ((اختيارى))‪،‬‬
‫ك بيدكِ)) تمليكاً‪ ،‬و ((اختيارى)) تخييراً ل تمليكاً‪ .‬قال‬
‫وبين ((أم ُركِ بيدكِ))‪ ،‬فجعل ((أم ُر ِ‬
‫أصحابُه‪ :‬وهو توكيلٌ‪.‬‬
‫وللشافعى قولن‪ .‬أحدهما‪ :‬أنه تمليك‪ ،‬وهو الصحيح عند أصحابه‪ ،‬والثانى‪ :‬أنه توكيل وهو‬
‫القديم‪ ،‬وقالت الحنفية‪ :‬تمليك‪ .‬وقال الحسنُ وجماعةٌ من الصحابة‪ :‬هو تطليق تقع به واحدة منجّزة‪،‬‬
‫وله رجعتُها‪ ،‬هى رواية ابنِ منصور عن أحمد‪.‬‬
‫وقال أهلُ الظاهر وجماع ٌة من الصحابة‪ :‬ل يقع به طلق‪ ،‬سواءٌ اختارت نفسَها‪ ،‬أو‬
‫اختارت زوجها‪ ،‬ول أثر للتخيير فى وقوع الطلق‪.‬‬
‫ونحن نذكر مآخذ هذه القوال على وجه الشارة إليها‪.‬‬
‫ب التمليك‪ :‬لما كان البُضع يعود إليها بعد ما كان للزوج‪ ،‬كان هذا حقيق َة التمليك‪.‬‬
‫قال أصحا ُ‬
‫قالوا‪ :‬وأيضاً فالتوكيل يستلزِ ُم أهلي َة الوكيل لمباشرة ما ُوكّلَ فيه‪ ،‬والمرأةُ ليست بأهل ليقاع‬
‫الطلق‪ ،‬ولهذا لو وكّل امرأةً فى طلق زوجته‪ ،‬لم يصحّ فى أحد القولين‪ ،‬لنها ل تُباشر الطلق‪،‬‬
‫ل فى طلق امرأته‪َ ،‬يصِحّ أن يوكّل امرأة فى‬
‫والذين صححوه قالوا‪ :‬كما يصح أن يُوكّلَ رج ً‬
‫طلقها‪.‬‬
‫ن الوكيلَ هو الذى يتصرف لموكله ل لنفسه‪،‬‬
‫قالُوا‪ :‬وأيضاً فالتوكيل ل يُعقل معناه هاهنا‪ ،‬فإ ّ‬
‫ف الوكيل‪.‬‬
‫والمرأة ها هنا إنما تتصرّف لنفسها ولحظها‪ ،‬وهذا يُنافى تصر َ‬
‫ب التوكيل‪ ،‬واللفظُ لصاحب ((المغنى))‪ :‬وقولهم‪ :‬إنه توكيل ل َيصِحّ‪،‬‬
‫قال أصحا ُ‬
‫فإن الطلقَ ل يصح تمليكه‪ ،‬ول ينتقِلُ عن الزواج‪ ،‬وإنما ينوبُ فيه غيرُه عنه‪ ،‬فإذا استناب غيره‬
‫فيه‪ ،‬كان توكيلً ل غير‪.‬‬
‫ل الملك إليها فى بُضعها‪ ،‬وهو محال‪ ،‬فإنه لم‬
‫قالوا‪ :‬ولو كان تمليكاً لكان مقتضاه انتقا َ‬
‫ك البُضع‪َ ،‬ل َمَلكَ عِوضه‪،‬‬
‫يخرُج عنها‪ ،‬ولهذا لو وُطئت بشبهة كان المهر لها ل للزوج‪ ،‬ولو َمَل َ‬
‫ض تلك المنفعة له‪.‬‬
‫عوَ ُ‬
‫كمن ملك منفعة عينٍ كان ِ‬
‫قالوا‪ :‬وأيضاً فلو كان تمليكاً‪ ،‬لكانت المرأةُ مالكة للطلق‪ ،‬وحينئذ يجب أن ل يبقى الزوجُ‬
‫مالكاً لستحالة كون الشىء الواحد بجميع أجزائه ملكاً لمالكين فى زمن واحد‪ ،‬والزوجُ مالك‬
‫‪160‬‬

‫للطلق بعد التخيير‪ ،‬فل تكونُ هى مالكة له‪ ،‬بخلف ما إذا قلنا‪ :‬هو توكيل واستتابة‪ ،‬كان الزوجُ‬
‫مالكاً‪ ،‬وهى نائبة ووكيلة عنه‪.‬‬
‫ح ِنثَ‪ ،‬فدل‬
‫قالوا‪ :‬وأيضاً فلو قال لها‪ :‬طلّقى نفسَك‪ ،‬ثم حلف أن ل يُطلّق‪ ،‬فطلقت نفسَها‪َ ،‬‬
‫على أنها نائبة عنه‪ ،‬وأنه هو المطلّق‪.‬‬
‫قالوا‪ :‬وأيضاً فقولُكم‪ :‬إنه تمليك‪ ،‬إما إن تُريدوا به أنه ملّكها نفسَها‪ ،‬أو أنه ملّكها أن تّطلّق‪،‬‬
‫فإن أردتم الول‪ ،‬لزمكم أن يقع الطلقُ بمجرد قولها‪ :‬قبلت‪ ،‬لنه أتى بما يقتضى خروجَ بُضعها‬
‫ت العبارة‪.‬‬
‫غيّر ِ‬
‫عن ملكه‪ ،‬واتصل به القبولُ‪ ،‬وإن أردتم الثانى‪ ،‬فهو معنى التوكيل‪ .‬وإن ُ‬
‫قال المفرّقون بين بعض صوره وبعض‪ ،‬وهُمْ أصحابُ مالك ‪ :‬إذا قال لها‪ :‬أم ُركِ‬
‫بيدكِ‪ ،‬أو جعلت أمرَك إليك‪ ،‬أو ملّكتُك أمرك‪ ،‬فذاك تمليك‪ .‬وإذا قال‪ :‬اختارى فهو تخيير‪ ،‬قالُوا‪:‬‬
‫والفرقُ بينهما حقيقةً وحكماً‪ .‬أما الحقيقةُ‪ ،‬فلن ((اختارى)) لم يتضمن أكثرَ من تخييرها‪ ،‬لم‬
‫يُملكها نفسها‪ ،‬وإنما خيّرها بين أمرين‪ ،‬بخلف قوله‪ :‬أمرُك بيدك‪ ،‬فإنه ل يكون بيدها إل وهى‬
‫مالكته‪ ،‬وأما الحكم‪ ،‬فلنه إذا قال لها‪ :‬أمرُك بيدك‪ ،‬وقال‪ :‬أردتُ به واحدة‪ ،‬فالقولُ قولُه مع‬
‫يمينه‪ ،‬وإذا قال‪ :‬اختارى‪ ،‬فطلقت نفسَها ثلثاً‪ ،‬وقعت‪ ،‬ولو قال‪ :‬أردتُ واحدة إل أن تكونَ غيرَ‬
‫مدخول بها‪ ،‬فالقول قوله فى إرادته الواحدة‪ .‬قالوا‪ :‬لن التخيير يقتضى أن لها أن تختارَ نفسها‪،‬‬
‫ول يحصُل لها ذلك إل بالبينونة‪ ،‬فإن كانت مدخولً بها لم َتبِنْ إل بالثلث‪ ،‬وإن لم تكن مدخولً‬
‫بها‪ ،‬بانت بالواحدة‪ ،‬وهذا بخلفِ‪ :‬أمرُك بيدك‪ ،‬فإنه ل يقتضى تخييرها بين نفسها وبين زوجها‪،‬‬
‫بل تمليكها أمرها‪ ،‬وهو أعمّ مِن تمليكها البانة بثلث أو بواحدة تنقضى بها عدتها‪ ،‬فإن أراد بها‬
‫أحدَ محتمليه‪ُ ،‬قبِلَ قولُه‪ ،‬وهذا بعينه َيرِد عليهم فى ((اختيارى))‪ ،‬فإنه أعم من أن تختار البينونة‬
‫ح فى تمليك الثلث من‬
‫بثلث أو بواحدة تنقضى بها عدتها‪ ،‬بل‪(( :‬أمرك بيدك)) أصر ُ‬
‫((اختارى))‪ ،‬لنه مضاف ومضاف إليه‪ ،‬فيعم جميعَ أمرها‪ .‬بخلف ((اختارى)) فإنه مطلق ل‬
‫عموم له‪ ،‬فمن أين يُستفاد منه الثلث؟ وهذا منصوصُ المام أحمد‪ ،‬فإنه قال فى اختارى‪ :‬إنه ل‬
‫تمِلكُ به المرأة أكث َر مِن طلقة واحدة إل بني ِة الزوج‪ ،‬ونص فى ((أمرك بيدك‪ ،‬وطلقك بيدك‬
‫ووكلتك فى الطلق))‪ :‬على أنها تملك به الثلث‪ .‬وعنه رواية أخرى‪ :‬أنها ل تمِلكُها إل بنيته‪.‬‬
‫وأما من جعله تطليقاً منجّزاً‪ ،‬فقد تقدّم وج ُه قوله وضعفه‪.‬‬
‫وأما من جعله لغواً‪ ،‬فلهم مأخذان‪:‬‬

‫‪161‬‬

‫ق لم يجعله ال بيد النساء‪ ،‬إنما جعله بيد الرّجال‪ ،‬ول‬
‫أحدهما‪ :‬أن الطل َ‬
‫ل الطلق إلى من لم يجعل ال إليه الطلق‬
‫يتغ ّيرُ شرع ال باختيار العبد‪ ،‬فليس له أن يختار نق َ‬
‫البتة‪.‬‬
‫ب ابن أبى ثابت‪ ،‬أن‬
‫ن عياش‪ ،‬حدثنا حبي ُ‬
‫قال أبو عُبيد القاسم بن سلم‪ :‬حدثنا أبو بكر ب ُ‬
‫ل إلى هذا البيت‪ ،‬فأمرُ صاحبتك بيدك‪ ،‬فأدخلتْه‪ ،‬ثم قالت‪:‬‬
‫رجلً قال لمرأة له‪ :‬إن أدخلتِ هذا العِدْ َ‬
‫هى طالق‪َ ،‬فرُفِ َع ذلك إلى عمر بن الخطاب رضى ال عنه‪ ،‬فأبانها منه‪ ،‬فمرّوا بعبد ال بن‬
‫مسعود‪ ،‬فأخبروه‪ ،‬فذهب بهم إلى عمر‪ ،‬فقال‪ :‬يا أميرَ المؤمنين‪ :‬إن ال تبارك وتعالى جعل‬
‫الرّجال قوامِينَ على النساء‪ ،‬ولم يجعل النساء قواماتٍ على الرجال‪ ،‬فقال له عمر‪ :‬فما ترى؟ قال‪:‬‬
‫أراها امرأته‪ .‬قال‪ :‬وأنا أرى ذلك‪ ،‬فجعلها واحدة‪.‬‬
‫قلت‪ :‬يحتمل أنه جعلها واحدة بقول الزوج‪ :‬فأمر صاحبتك بيدك‪ ،‬ويكون كنايةً فى الطلق‪،‬‬
‫ويحتمل أنه جعلها واحدة بقول ضرتها‪ :‬هى طالق‪ ،‬ولم يجعل للضرة إبانتها‪ ،‬لئل تكون هى‬
‫القوامة على الزوج‪ ،‬فليس فى هذا دليل لما ذهبت إليه هذه الفرقة‪ ،‬بل هو حجة عليها‪.‬‬
‫وقال أبو عبيد‪ :‬حدثنا عبد الغفار بن داود‪ ،‬عن ابنِ لهيعة‪ ،‬عن يزيد ابن أبى حبيب‪ ،‬أن‬
‫ُر َم ْيثَةَ الفارسية كانت تحتَ محمد بن عبد الرحمن بن أبى بكر‪ ،‬فملكها أمرها‪ ،‬فقالت‪ :‬أنتَ طالق‬
‫طلّقُ‪.‬‬
‫ثلث مرات‪ ،‬فقال عثمان بن عفان‪ :‬أخطأتَ‪ ،‬ل طلق لها‪ ،‬لن المرأة ل تُ َ‬
‫وهذا أيضاً ل يدل لهذه الفرقة‪ ،‬لنه إنما لم يوقع الطلق لنها أضافته إلى غير محله وهو‬
‫الزوج‪ ،‬وهو لم يقل‪ :‬أنا منك طالق‪ ،‬وهذا نظيرُ ما رواه عبد الرزاق‪ ،‬حدثنا ابن جريج‪ ،‬أخبرنى‬
‫أبو الزبير‪ ،‬أن مجاهداً أخبره‪ ،‬أن رجلً جاء إلى ابن عباس رضى ال عنهما‪ ،‬فقال‪ :‬ملّكتُ‬
‫امرأتى أمرها‪ ،‬فطلّقتْنى ثلثاً‪ ،‬فقال ابنُ عباس‪(( :‬خَطّأَ الُّ فوءها‪ ،‬إنما الطلق لك عليها‪ ،‬وليس‬
‫لها عليك))‪.‬‬
‫قال الثرم‪ :‬سألتُ أبا عبد ال‪ ،‬عن الرجل يقول لمرأته‪ :‬أم ُركِ بيدك؟ فقال‪ :‬قال عثمانُ‪،‬‬
‫وعلىّ رضى ال عنهما‪ :‬القضاء ما قضت‪ ،‬قلت‪ :‬فإن قالت‪ :‬قد طلقتُ نفسى ثلثاً قال‪ :‬القضاءُ ما‬
‫قضت‪ .‬قلت‪ :‬فإن قالت‪ :‬طلقتُك ثلثاً‪ ،‬قال‪ :‬المرأة ل تطلّق‪ ،‬واحتج بحديث ابن عباس رضى ال‬
‫عنهما‪(( :‬خَطَّأ ال نوءها))‪ .‬ورواه عن وكيع‪ ،‬عن شعبة‪ ،‬عن الحكم‪ ،‬عن ابن عباس رضى ال‬
‫عنه‪ ،‬فى رجل جعل أمر امرأتِه فى يدها‪ ،‬فقالت‪ :‬قد طلقتُك ثلثاً‪ ،‬قال ابنُ عباس‪ :‬خَطّأَ ال‬
‫نوءها‪ ،‬أفل طلقت نفسها‪ .‬قال أحمد‪ :‬صحّف أبو مطر‪ ،‬فقال‪(( :‬خطأ ال فوها)) ولكن روى عبد‬
‫‪162‬‬

‫الرزاق‪ ،‬عن ابن جريج‪ ،‬قال‪ :‬سألتُ عبد ال بن طاووس كيف كان أبوك يقول فى رجل ملّك‬
‫امرأتَه أمرَها‪ ،‬أتمِلكُ أن تُطلّق نفسها‪ ،‬أم ل؟ قال‪ :‬كان يقولُ‪ :‬ليس إلى النساء طلقٌ‪ ،‬فقلت له‪:‬‬
‫ل أم َر امرأتِه‪َ ،‬أ َي ْمِلكُ الرجلُ أن يُطلّقَها؟ قال‪ :‬ل‪ .‬فهذا‬
‫فكيف كان أبوك يقول فى رجل ملّك رج ً‬
‫صريح من مذهب طاووس أنه ل يُطلق إل الزوج‪ ،‬وأن تمليكَ الزوجة أمرها لغو‪ ،‬وكذلك توكيلُه‬
‫غيره فى الطلق‪ .‬قال أبو محمد ابن حزم‪ :‬وهذا قول سليمان‪ ،‬وجميع أصحابنا‪.‬‬
‫الحجة الثانية لهؤلء‪ :‬أن ال سبحانه إنما جعل أم َر الطلق إلى الزوج دونَ النساء‪،‬‬
‫لنهن ناقصاتُ عقل ودين‪ ،‬والغالبُ عليهن السفه‪ ،‬وتذهب بهن الشهوة والميل إلى الرجال كُلّ‬
‫جعِلَ أم ُر الطلق إليهن‪ ،‬لم يستقِمْ للرجال معهن أمر‪ ،‬وكان فى ذلك ضرر عظيم‬
‫مذهب‪ ،‬فلو ُ‬
‫بأزواجهن‪ ،‬فاقتضت حِكمتُه ورحمتُه أَنه لم يجعل بأيديهن شيئًا مِن أمر الفراق‪ ،‬وجعله إلى‬
‫ل ذلك إليهن‪ ،‬لناقض حكمةَ ال ورحمتَه‪ ،‬ونظره للزواج‪ .‬قالوا‪:‬‬
‫الزواج‪ .‬فلو جاز للزواج نق ُ‬
‫ن أزواجه‬
‫ل على التخيير فقط‪ ،‬فإن اخترن ال ورسولَه والدارَ الخرَة كما وقع كُ ّ‬
‫والحديث إنما دَ ّ‬
‫سهُنّ‪ ،‬متعهن‪ ،‬وطلقهن هو بنفسه‪ ،‬وهو السّراحُ الجميل‪ ،‬ل أن‬
‫ن أنفُ َ‬
‫بحالهن‪ ،‬وإن اختر َ‬
‫ن هو نفسَ الطلق‪ ،‬وهذا فى غاية الظهور كما ترى‪.‬‬
‫اختيارَهن لنفسهن يكو ُ‬
‫قال هؤلء‪ :‬والثارُ عن الصحابة فى ذلك مختلفة اختلفاً شديداً فصح عن عمر وابن‬
‫مسعود‪ ،‬وزيد بن ثابت فى رجل جعل أم َر امرأته بيدها فطلقت نفسها ثلثاً‪ ،‬أنها طلقةٌ واحدة‬
‫رجعية‪ ،‬وصح عن عثمان رضى ال عنه‪ .‬أن القضاء ما قضت‪ ،‬ورواه سعيد بن منصور‪ ،‬عن‬
‫ابن عمر‪ ،‬وغيره عن ابن الزبير‪ .‬وصح وعن على‪ ،‬وزيد‪ ،‬وجماعة من الصحابة رضى ال‬
‫عنهم‪ :‬أنها إن اختارت نفسها‪ ،‬فواحدة بائنة‪ ،‬وإن اختارت زوجها فواحدة رجعية‪.‬‬
‫وصح عن بعض الصحابة‪ :‬أنها اختارت نفسها‪ ،‬فثلث بكل حال‪ :‬وروى عن ابن مسعود‬
‫فيمن جعل أمر امرأته بيد آخر فطلقها‪ ،‬فليس بشىء‪.‬‬
‫قال أبو محمد ابن حزم‪ :‬وقد تقصّينا مَن روينا عنه مِن الصحابة أنه يقع به الطلقُ‪ ،‬فلم‬
‫ل بعضهم أولى مِن‬
‫ح عنه‪ ،‬ومن لم َيصِحّ عنه إل سبعة‪ ،‬ثم اختلفوا‪ ،‬وليس قو ُ‬
‫يكونوا بين من ص ّ‬
‫قول بعض ول أثر فى شىء منها‪ ،‬إل ما رويناه من طريق النسائى‪ ،‬أخبرنا نصر بن على‬
‫الجهضمى‪ ،‬حدثنا سليمانُ بن حرب‪ ،‬حدثنا حماد بن زيد‪ ،‬قال‪ :‬قلت ليوب السختيانى‪ :‬هل علمتَ‬
‫أحداً قال فى ((أمرك بيدك))‪ :‬إنها ثلثٌ غير الحسن؟ قال‪ :‬ل‪ ،‬اللهم غُفراً إل ما حدثنى به قتادة‪،‬‬
‫عن كثير مولى ابن سمرة‪ ،‬عن أبى سلمة‪ ،‬عن أبى هريرة‪ ،‬عن النبى صلى ال عليه وسلم قال‪:‬‬
‫‪163‬‬

‫ت إلى قتادة‪ ،‬فأخبرتُه‪،‬‬
‫ثلث‪ .‬قال أيوب‪ :‬فلقيت كثيرًا مولى ابن سمرة‪ ،‬فسألتُه‪ ،‬فلم يعرفه‪ ،‬فرجع ُ‬
‫فقال‪ :‬ننسى‪ .‬قال أبو محمد‪ :‬كثير مولى ابن سمرة مجهول‪ ،‬ولو كان مشهوراً بالثقة والحفظ‪ ،‬لما‬
‫ض رواته على أبى هريرة‪ .‬انتهى‪.‬‬
‫خالفنا هذا الخبرَ‪ ،‬وقد أوقفه بع ُ‬
‫خيّرت‪ ،‬فاختارت نفسَها؟ قال‪ :‬قال‬
‫وقال المروذى‪ :‬سألت أبا عبد ال‪ ،‬ما تقول فى امرأة ُ‬
‫فيها خمسةٌ من أصحاب رسول ال صلى ال عليه وسلم‪ :‬إنها واحدة ولها الرجعة‪ :‬عمر‪ ،‬وابن‬
‫مسعود‪ ،‬وابن عمر‪ ،‬وعائشة‪ .‬وذكر آخر‪ ،‬قال غير المروذى‪ :‬هو زيد ابن ثابت‪.‬‬
‫قال أبو محمد‪ ،‬ومن خيّر امرأته‪ ،‬فاختارت نفسَها‪ ،‬أو اختارت الطلقَ‪ ،‬أو اختارت‬
‫ل ذلك سواء‪ ،‬ول تطلق بذلك‪ ،‬ول تحرُم عليه‪،‬‬
‫زوجَها‪ ،‬أو لم تختر شيئاً‪ ،‬فكل ذلك ل شىء‪ ،‬وكُ ّ‬
‫ول لشىءٍ مِن ذلك حكم‪ ،‬ولو كرّر التخييرَ‪ ،‬وكررت هى اختيارَ نفسها‪ ،‬أو اختيا َر الطلق ألف‬
‫مرة‪ ،‬وكذلك إن ملّكها نفسها‪ ،‬أو جعل أمرها بيدها‪ .‬ول فرق‪.‬‬
‫ت فى القرآن‪ ،‬ول‬
‫ل ال صلى ال عليه وسلم‪ ،‬وإذ لم يأ ِ‬
‫ول حُجة فى أحد دونَ رسو ِ‬
‫ك أمركِ‪ ،‬أو‬
‫ل الرجل لمرأته‪ :‬أمرُك بيدك‪ ،‬أو قد َملّكت ِ‬
‫لّ صلى ال عليه وسلم‪ ،‬أن قو َ‬
‫عن رسولِ ا ِ‬
‫حرّمَ‬
‫اختارى يُوجب أن يكون طلقاً‪ ،‬أو أن لها أن تطلّق نفسها‪ ،‬أو تختارَ طلقاً‪ ،‬فل يجو ُز أن ُي َ‬
‫ل لم يُوجبها ال‪ ،‬ول‬
‫لّ تعالى له ورسولُه صلى ال عليه وسلم بأقوا ٍ‬
‫على الرجل فرجٌ أباحه ا ُ‬
‫رسولُه صلى ال عليه وسلم‪ ،‬وهذا فى غاية البيان‪ .‬انتهى كلمه‪.‬‬
‫ب أقوال الموقعين‪ ،‬وتناقُضها‪ ،‬ومعارضةُ بعضها لبعض يدل على فسادِ‬
‫قالوا‪ :‬واضطرا ُ‬
‫أصلها‪ ،‬ولو كان الصل صحيحاً لطردت فروعُه‪ ،‬ولم تتناقض‪ ،‬ولم تختلف‪ ،‬ونحن نُشير إلى‬
‫طرف من اختلفهم‪.‬‬
‫فاختلفوا‪ :‬هل يقع الطلقُ بمجرد التخيير‪ ،‬أو ل يقعُ حتى تختار نفسها؟ على قولين‪ :‬تقدم‬
‫حكايتُهما‪ ،‬ثم اختلف الذين ل يُوقعونه بمجردِ قوله‪ :‬أمرك بيدك‪ :‬هل يختص اختيارُها بالمجلس‪،‬‬
‫ل أبى‬
‫أو يكون فى يدها ما لم يفسح‪ ،‬أو يطأ؟ على قولين‪.‬أحدهما‪ ،‬أنه يتقيّد بالمجلس‪ ،‬وهذا قو ُ‬
‫حنيفة‪ ،‬والشافعى‪ ،‬ومالك فى إحدى الروايتين عنه‪ .‬الثانى‪ :‬أنه فى يدها أبداً حتى يفسخَ أو يطأ‪،‬‬
‫ل أحمد‪ ،‬وابن المنذر‪ ،‬وأبى ثور‪ .‬والرواية الثانية عن مالك‪ .‬ثم قال بعضُ أصحابه‪ :‬وذلك‬
‫وهذا قو ُ‬
‫ما لم تَطُلْ حتى يتبين أنها تركته‪ ،‬وذلك بأن يتعدّى شهرين‪ ،‬ثم اختلفوا‪ ،‬هل عليها يمين‪ :‬أنها‬
‫تركت‪ ،‬أم ل؟ على قولين‪.‬‬

‫‪164‬‬

‫ثم اختلفوا إذا رجع الزوج فيما جعل إليها‪ ،‬فقال أحمد وإسحاق والوزاعى‪ ،‬والشعبى‪،‬‬
‫ومجاهد‪ ،‬وعطاء‪ :‬له ذلك‪ ،‬ويبطلُ خيارها‪ .‬وقال مالك‪ ،‬وأبو حنيفة والثورى‪ ،‬والزهرى‪ :‬ليس له‬
‫ف مبنى على أنه توكيل‪ ،‬فيمِلكُ الموكل الرجوع‪ ،‬أو تمليك‪ ،‬فل يمِلكُه‪،‬‬
‫الرجوعُ‪ ،‬وللشافعية خل ٌ‬
‫ض أصحاب التمليك‪ :‬ول يمتِنعُ الرجوعُ‪ .‬وإن قلنا إنه تمليك‪ ،‬لنه لم يتصل به القبول‪،‬‬
‫قال بع ُ‬
‫ع فيه كالهبة والبيع‪.‬‬
‫فجاز الرجو ُ‬
‫ل ابن‬
‫واختلفوا‪ :‬فيما يلزَم من اختيارها نفسها‪ .‬فقال أحمد والشافعى واحدة رجعية وهو قو ُ‬
‫عمر‪ ،‬وابن مسعود‪ ،‬وابن عباس‪ ،‬واختاره أبو عبيد‪ ،‬وإسحاق‪ .‬وعن على‪ :‬واحدة بائنة‪ ،‬وهو‬
‫قول أبى حنيفة وعن زيد بن ثابت‪ ،‬ثلث‪ ،‬وهو قول الليث‪ ،‬وقال مالك‪ :‬إن كانت مدخولً بها‪،‬‬
‫فثلث‪ ،‬وإن كانت غير مدخول بها‪ُ ،‬قبِل منه دعوى الواحدة‪.‬‬
‫واختلفوا‪ :‬هل يفتِقُر قوله‪ :‬أمرك بيدك إلى نية أم ل؟ فقال أحمد والشافعى وأبو‬
‫ع الطلق إلى نية‬
‫حنيفة‪ :‬يفت ِق ُر إلى نية‪ ،‬وقال مالك‪ ،‬ل يفت ِق ُر إلى نية‪ ،‬واختلفوا‪ :‬هل يفت ِقرُ وقو ُ‬
‫المرأة إذا قالت‪ :‬اخترت نفسى‪ ،‬أو فسخت نِكاحَك؟ فقال أبو حنيفة‪ :‬ل يفت ِق ُر وقوع الطلق إلى نيتها‬
‫إذا نوى الزوج‪ .‬وقال أحمد والشافعى‪ :‬لبد من نيتها إذا اختارت بالكناية‪ ،‬ثم قال أصحابُ مالك‪:‬‬
‫إن قالت‪ :‬اخترتُ نفسى‪ ،‬أو قبلتُ نفسى‪ ،‬لزم الطلقُ‪ ،‬ولو قالت‪ :‬لم أُرده‪ .‬وإن قالت‪ .‬قبلت أمرى‪،‬‬
‫سئلت عما أرادت؟ فإن أرادت الطلق كان طلقاً‪ ،‬وإن لم ُترِ ْد ُه لم يكن طلقاً ثم قال مالك‪ :‬إذا قال‬
‫لها‪ :‬أمُرك بيدك‪ ،‬وقال‪ :‬قصدتُ طلقة واحدة‪ ،‬فالقولُ قوله مع يمينه‪ ،‬وإن لم تكن له نية‪ ،‬فله أن‬
‫يُوقع ما شاء‪ .‬وإذا قال‪ :‬اختارى‪ ،‬وقال‪ :‬أردت واحدة‪ ،‬فاختارت نفسها‪ ،‬طلقت ثلثاً‪ ،‬ول يقبل‬
‫قوله‪.‬‬
‫ع كثيرة مضطربة غاي َة الضطرابِ ل دليل عليها من كتابٍ ول سنة ول‬
‫ثم هاهنا فرو ٌ‬
‫إجماع‪ ،‬والزوجة زوجته حتى يقو َم دليل على زوال عصمته عنها‪.‬‬
‫قالوا‪ :‬ولم يجعل الُّ إلى النساء شيئًا من النكاحِ‪ ،‬ول من الطلق‪ ،‬وإنما جعل ذلك‬
‫إلى الرجل‪ ،‬وقد جعل الُّ سبحانه الرجال قوّامينَ على النساء‪ ،‬إن شاءوا أمسكوا‪ ،‬وإن شاءوا‬
‫طلقوا‪ ،‬فل يجوز للرجل أن يجعل المرأة قوّامة عليه‪ ،‬إن شاءت أمسكت‪ ،‬وإن شاءت طلقت‪.‬‬
‫قالوا‪ :‬ولو أجمع أصحابُ رسول ال صلى ال عليه وسلم على شىء لم نتعد إجماعَهم‪ ،‬ولكن‬
‫اختلفوا‪ ،‬فطلبنا الحُجة لقوالهم مِن غيرها‪ ،‬فلم نجد الحجةَ تقومُ إل على هذا القول‪ .‬وإن كان من‬
‫روى عنه قد روى عنه خلفه أيضاً‪ ،‬وقد أبطل من ادعى الجماع فى ذلك‪ ،‬فالنزاع ثابت بين‬
‫‪165‬‬

‫الصحابة والتابعين كما حكيناه‪ ،‬والحجةُ ل تقوم بالخلف‪ ،‬فهذا ابنُ عباس‪ ،‬وعثمان ابن عفان‪،‬‬
‫قد قال‪ :‬إن تمليك الرجل لمرأته أمرها ليس بشىء‪ ،‬وابنُ مسعود يقول فيمن جعل أمر امرأته بيد‬
‫آخر فطلقها‪ :‬ليس بشىء‪ ،‬وطاووس يقول فيمن ملك امرأته أمرها‪ :‬ليس إلى النساء طلق‪ ،‬ويقول‬
‫ل أمر امرأته‪ ،‬أيملك الرجل أن يطلقها؟ قال‪ :‬ل‪.‬‬
‫فيمن ملك رج ً‬
‫قلت‪ :‬أما المنقولُ عن طاووس‪ ،‬فصحيح صريح ل مطعن فيه سندًا وصراحة‪ .‬وأما المنقول‬
‫عن ابن مسعود‪ ،‬فمختلفٌ‪ ،‬فنقل عنه موافقة على وزيد فى الوقوع‪ ،‬كما رواه ابن أبى ليلى عن‬
‫الشعبى‪ :‬أن أمرك بيدك‪ ،‬واختارى سواء فى قول على وابن مسعود وزيد‪ ،‬ونقل عنه فيمن قال‬
‫لمرأته‪ :‬أمُر فلنة بيدك إن أدخلت هذا العدل البيت‪ ،‬ففعلت‪ ،‬أنها امرأته‪ ،‬ولم يطلقها عليه‪.‬‬
‫ق إلى‬
‫وأما المنقول عن ابن عباس‪ ،‬وعثمان‪ ،‬فإنما هو فيما إذا أضافت المرأةُ الطل َ‬
‫الزوج‪ ،‬وقالت‪ :‬أنت طالق‪ .‬وأحمد ومالك يقولن ذلك مع قولهما بوقوع الطلق إذا اختارت نفسها‪،‬‬
‫أو طلقت نَفسها‪ ،‬فل يُعرف عن أحد من الصحابة إلغاء التخيير والتمليك ألبتة‪ ،‬إل ه ِذ ِه الرواية‬
‫ت عن الصحابة‪ ،‬اعتبا ُر ذلك‪ ،‬ووقوع الطلق به‪،‬‬
‫عن ابن مسعود‪ ،‬وقد ُر ِوىَ عنه خلفُها‪ ،‬والثاب ُ‬
‫وإن اختلفوا فيما َت ْمِلكُ به المرأة كما تقدم‪ ،‬والقولُ بأن ذلك ل أثر له ل يُعرف عن أحد من‬
‫الصحابة ألبتة‪ ،‬وإنما وهم أبو محمد فى المنقول عن ابن عباس وعثمان‪ ،‬ولكن هذا مذهب‬
‫طاووس‪ ،‬وقد نقل عن عطاء ما يدل على ذلك‪ ،‬فروى عبد الرزاق‪ ،‬عن ابن جريج‪ ،‬قلت لعطاء‪:‬‬
‫رجل قال لمرأته‪ :‬أمرك بيدك بعد يوم أو يومين‪ ،‬قال‪ :‬ليس هذا بشىء‪ .‬قلت‪ :‬فأرسل إليها رجلً‬
‫أن أمرها بيدها يوماً أو ساعة‪ ،‬قال‪ :‬ما أدرى ما هذا؟ ما أظن هذا شيئاً‪ .‬قلت لعطاء‪ :‬أملّكت عائشة‬
‫حفصة حين ملّكها المنذر أمرها‪ ،‬قال عطاء‪ :‬ل‪ ،‬إنما عرضت عليها أتطلقها أم ل‪ ،‬ولم تُملّكها‬
‫أمرها‪.‬‬
‫ب رسول ال صلى ال عليه وسلم لما عَ َد ْلنَا عن هذا القول‪ ،‬ولكن‬
‫ولول هيبةُ أصحا ِ‬
‫أصحابُ رسول ال صلى ال عليه وسلم هم القدوةُ وإن اختلفوا فى حكم التخيير‪ ،‬ففى ضمن‬
‫اختلفهم اتفاقُهم على اعتبار التخيير‪ ،‬وعدم إلغائه‪ ،‬ول مفسدة فى ذلك‪ ،‬والمفسدةُ التى ذكرتمُوها‬
‫فى كون الطلق بيد المرأة إنما تكونُ لو كان ذلك بيدها استقللتً‪ ،‬فأما إذا كان الزوج هو‬
‫المستقل بها‪ ،‬فقد تكونُ المصلحة له فى تفويضها إلى المرأة ليصير حاله معها على بينة إن أخبته‪،‬‬
‫أقامت معه‪ ،‬وإن كرهته‪ ،‬فارقتُه‪ ،‬فهذا مصلحة له ولها‪ ،‬وليس فى هذا ما يقتضى تغيير شرع ال‬

‫‪166‬‬

‫ق بين توكيل المرأة فى طلق نفسها وتوكيل الجنبى‪ ،‬ول معنى لمنع توكيل‬
‫وحكمته‪ ،‬ول فر َ‬
‫الجنبى فى الطلق‪ ،‬كما َيصِحّ توكليه فى النكاح والخلع‪.‬‬
‫وقد جعل الُّ سبحانَه للحكمين النظرَ فى حال الزوجين عند الشقاق إن رأيا التفريقَ‬
‫فرّقا‪ ،‬وإن رأيا الجمع‪ ،‬جمعا‪ ،‬وهو طلق أو فسخ من غير الزوج‪ ،‬إما برضاه إن قيل‪ :‬هما‬
‫وكيلنِ‪ ،‬أو بغير رضاه إن قيل‪ :‬هما حكمان‪ ،‬وقد جُعلَ للحاكم أن يطلّق على الزوج فى مواضع‬
‫ج من يُطلّق عنه‪ ،‬أو يُخالع‪ ،‬لم يكن فى هذا تغيير لحكم ال‬
‫ل الزو ُ‬
‫بطريق النيابة عنه‪ ،‬فإذا وكّ َ‬
‫مخالفةٌ لدينه‪ ،‬فإن الزوجَ هو الذى يُطلّق إما بنفسه‪ ،‬أو بوكيله‪ ،‬وقد يكون أتمّ نظراً للرجل من‬
‫نفسه‪ ،‬وأعلم بمصلحته‪ ،‬فيفوض إليه ما هو أعل ُم بوجه المصلحة فيه منه‪ ،‬وإذا جاز التوكيلُ فى‬
‫العتقِ والنكاح‪ ،‬والخلع والبراء‪ ،‬وسائر الحقوق من المطالبة بها وإثباتها واستيفائها‪،‬‬
‫ل فى الطلق؟ نعم الوكيلُ يقوم مقام الموكّل فيما يملكه من‬
‫والمخاصمة فيها‪ ،‬فما الذى حرّم التوكي َ‬
‫الطلق‪ ،‬ومال يمِلكُه‪ ،‬وما يَحلّ له منه‪ ،‬وما يحرم عليه‪ ،‬ففى الحقيقة لم يُطلّق إل الزوج إما‬
‫بنفسه أو بوكيله‪.‬‬
‫حُكم رسول ال صلى ال عليه وسلم بيّنه عن ربه تبارك وتعالى فيمن حرّم أمته أو‬
‫زوجته أو متاعه‬
‫جكَ والُ غَفُورٌ رحيمٌ *‬
‫ت َأ ْزوَا ِ‬
‫ك َت ْب َتغِى َمرْضَا َ‬
‫حرّ ُم مَا أَحَلّ ال َل َ‬
‫قال تعالى‪{ :‬يََأ ّيهَا ال ّن ِبىّ لِ َم تُ َ‬
‫حلّ َة َأ ْيمَا ِنكُم} [التحريم‪ ،]2-1 :‬ثبت فى ((الصحيحين))‪ ،‬أنه صلى ال عليه وسلم‬
‫قَدْ َفرَضَ ال َلكُ ْم تَ ِ‬
‫ل فى بيت زينب بنت جحش‪ ،‬فاحتالت عليه عائش ُة وحفصةُ‪ ،‬حتى قال‪(( :‬لَنْ أَعُو َد لَهُ))‪.‬‬
‫ش ِربَ عس ً‬
‫َ‬
‫وفى لفظ‪ :‬وقد حلفت‪.‬‬
‫وفى ((سنن النسائى))‪ :‬عن أنس رضى ال عنه‪ ،‬أن رسولَ الِّ صلى ال عليه وسلم كانت‬
‫له أمة يطؤُها‪ ،‬فلم تزل به عائش ُة وحفصةُ حتى ح ّرمَها‪ ،‬فأنزل ال عز وجل‪{ :‬يََأ ّيهَا النبىّ لِ َم تُحرّمُ‬
‫مَا أَحلّ ال َلكَ} [التحريم‪.]1:‬‬
‫ل امرأَته‪ ،‬فهي‬
‫حرّمَ الرّجُ ُ‬
‫وفى ((صحيح مسلم))‪ :‬عن ابنِ عباس رضى ال عنهما‪ ،‬قال‪ :‬إذا َ‬
‫يَمينٌ ُيكَ ّفرُهَا‪ ،‬وقال‪ :‬لقد كان لكُم فى رسولِ ال أسوة حسنة‪.‬‬
‫ل ال صلى ال عليه وسلم‬
‫وفى جامع الترمذى‪ :‬عن عائشة رضى ال عنها‪ ،‬قالت‪ :‬آلى رسو ُ‬
‫جعَلَ فى اليمينِ كفارةً‪ .‬هكذا رواه مسلمة بن علقمة‪ ،‬عن‬
‫حرَامَ حَلَلً‪ ،‬و َ‬
‫جعَلَ ال َ‬
‫مِن نسائه وحرّم فَ َ‬

‫‪167‬‬

‫داود‪ ،‬عن الشعبى‪ ،‬عن مسروق‪ ،‬عن عائشة‪ ،‬ورواه على بن مُسهر‪ ،‬وغيره‪ ،‬عن الشعبى‪ ،‬عن‬
‫ل وهو أصح‪ ،‬انتهى كلم أبى عيسى‪.‬‬
‫النبى صلى ال عليه وسلم مرس ً‬
‫وقولُها‪ :‬جعل الحرامَ حللً‪ ،‬أى‪ :‬جعل الشىء الذى حرّمه وهو العسلُ‪ ،‬أو الجاريةُ‪ ،‬حللً‬
‫بعد تحريمه إياه‪.‬‬
‫وقال الليثُ بن سعد‪ :‬عن يزيد بن أبى حبيب‪ ،‬عن عبد ال بن هُبيرة عن قَبيصة بن ذُؤيب‪،‬‬
‫قال‪ :‬سألت زيد بن ثابت‪ ،‬وابن عمر رضى ال عنهم‪ ،‬عمن قال لمرأته‪ :‬أنت علىّ حرام‪ ،‬فقال‬
‫جميعاً‪ :‬كفارة يمين‪ .‬وقال عبد الرزاق‪ ،‬عن ابن عُيينة‪ ،‬عن ابن أبى نجيح‪ ،‬عن مجاهد‪ ،‬عن ابن‬
‫مسعود رضى ال عنه‪ ،‬قال فى التحريم‪ :‬هى يمينٌ يكفّرها‪.‬‬
‫قال ابنُ حزم‪ :‬وروى ذلك عن أبى بكر الصديق‪ ،‬وعائشة أ ّم المؤمنين‪ .‬وقال الحجاج بن‬
‫منهال‪ :‬حدثنا جريرُ بن حازم‪ ،‬قال‪ :‬سألت نافعًا مولى ابن عمر رضى ال عنه عن الحرام‪ ،‬أطلق‬
‫هو؟ قال‪ :‬ل‪ ،‬أوليس قد حرّم رسول ال صلى ال عليه وسلم جاريته فأمره ال عز وجل أن يُكفّر‬
‫عن يمينه‪ ،‬ولم يحرّمها عليه‪.‬‬
‫وقال عبد الرزاق‪ :‬عن معمر‪ ،‬عن يحيى بن أبى كثير‪ ،‬وأيوب السختيانى‪ ،‬كلهما عن‬
‫عكرمة أن عمر بن الخطاب قال‪ :‬هى يمين‪ ،‬يعنى التحريم‪.‬‬
‫وقال إسماعيل بن إسحاق‪ :‬حدثنا المُقَدّمىّ‪ :‬حدثنا حماد بن زيد‪ ،‬عن صخر بن جُويرية‪ ،‬عن‬
‫نافع‪ ،‬عن ابن عمر رضى ال عنهما‪ ،‬قال‪ :‬الحرام يمين‪.‬‬
‫وفى ((صحيح البخارى))‪ :‬عن سعيد بن جبير‪ ،‬أنه سمع ابن عباس رضى ال عنهما‬
‫يقول‪ :‬إذا حرّم امرأته‪ ،‬ليس بشىء‪ ،‬وقال‪ :‬لقد كان لكم فى رسول ال أسوة حسنة فقيل‪ :‬هذا رواية‬
‫أخرى عن ابن عباس‪ .‬وقيل‪ :‬إنما أراد أنه ليس بطلق وفيه كفارة يمين‪ ،‬ولهذا احتجّ بفعل رسول‬
‫ال صلى ال عليه وسلم‪ ،‬وهذا الثانى أظهر‪ ،‬وهذه المسألة فيها عشرون مذهبًا للناس‪ ،‬ونحن‬
‫نذكرها‪ ،‬ونذكر وجوهها ومآخذها‪ ،‬والراجح منها بعون ال تعالى وتوفيقه‪.‬‬
‫أحدها‪ :‬أن التحري َم لغو ل شىء فيه‪ ،‬ل فى الزوجة‪ ،‬ول فى غيرها‪ ،‬ل طلقَ‬
‫ظهَار‪ ،‬روى وكيع‪ ،‬عن إسماعيل بن أبى خالد‪ ،‬عن الشعبى‪ ،‬عن مسروق‪:‬‬
‫ول إيلءَ‪ ،‬ول يمينَ ول ِ‬
‫ما أبالى حرّمتُ امرأتى أو قصع ًة من ثريد‪ .‬وذكر عبد الرزاق‪ ،‬عن الثورى‪ ،‬عن صالح بن مسلم‪،‬‬
‫ن على من نعلى و ُذ ِك َر عن ابن جريج‪ ،‬أخبرنى عبد‬
‫عن الشعبى‪ ،‬أنه قال فى تحريم المرأة‪ :‬لهن أهو ُ‬
‫الكريم‪ ،‬عن أبى سلمة بن عبد الرحمن‪ ،‬أنه قال‪ :‬ما أبالى ح ّرمُتها يعنى امرأته‪ ،‬أو حرّمتُ ماء‬
‫‪168‬‬

‫النهر‪ .‬وقال قتادة‪ :‬سأل رجلٌ حمي َد بن عبد الرحمن الحميرى‪ ،‬عن ذلك؟ فقال‪ :‬قال ال تعالى‪{ :‬فَإِذَا‬
‫غبْ} [الشرح‪ ]8-7 :‬وأنت رجل تلعب‪ ،‬فاذهب فالعب‪ ،‬هذا قول‬
‫صبْ * وإلى َر ّبكَ فَارْ َ‬
‫غتَ فَا ْن َ‬
‫َفرَ ْ‬
‫أهلِ الظاهر كلّهم‪.‬‬
‫المذهب الثانى‪ :‬أن التحريم فى الزوجة طلق ثلث‪ .‬قال ابن حزم‪:‬‬
‫قاله على بن أبى طالب‪ ،‬وزيدُ بن ثَابت‪ ،‬وابنُ عمر‪ ،‬وهو قول الحسن‪ ،‬ومحمد بن عبد الرحمن ابن‬
‫أبى ليلى‪ ،‬وروى عن الحكم بن عتيبة‪ .‬قلت‪ :‬الثابت عن زيد بن ثابت‪ ،‬وابن عمر‪ ،‬ما رواه هو من‬
‫طريق الليث ابن سعد‪ ،‬عن يزيد بن أبى حبيب‪ ،‬عن أبى هُبيرة‪ ،‬عن قَبيصة‪ ،‬أنه سأل زي َد بن ثابت‬
‫وابنَ عمر عمن قال لمرأته‪ .‬أنت علىّ حرام‪ ،‬فقال جميعاً‪ :‬كفارة يمين‪ ،‬ولم يصح عنهما خلف‬
‫ذلك‪ ،‬وأما على‪ ،‬فقد روى أبو محمد بن حزم‪ ،‬من طريق يحيى القطان‪ ،‬حدثنا إسماعيل بن أبى‬
‫خالد‪ ،‬عن الشعبى‪ ،‬قال‪ :‬يقول رجال فى الحرام‪ :‬هى حرام حتى تنكِح زوجًا غيره‪ .‬ول والّ ما قال‬
‫ذلك على‪ ،‬وإنما قال على‪ :‬ما أنا بمحلّها ول بمحرّمها عليك‪ ،‬إن شئت فتقدّم‪ ،‬وإن شئت فتأخر‪ .‬وأما‬
‫الحسن‪ ،‬فقد روى أبو محمد من طريق قتادة عنه‪ ،‬أنه قال‪ :‬كُلّ حلل على حرام‪ ،‬فهو يمين‪ .‬ولعل‬
‫أبا محمد غلط على على وزيد وابن عمر من مسألة الخلية والبرية والبتة‪ ،‬فإن أحمد حكى عنهم أنها‬
‫ثلث‪ .‬وقال هو عن على وابن عمر صحيح‪ ،‬فوهم أبو محمد‪ ،‬وحكاه فى‪ :‬أنت على حرام‪ ،‬وهو‬
‫وهم ظاهر‪ ،‬فإنهم فرّقوا بين التحريم‪ ،‬فأفتوا فيه بأنه يمين‪ ،‬وبين الخلية فأفتوا فيها بالثلث‪ ،‬ول‬
‫أعلم أحداً قال‪ :‬إنه ثلث بكل حال‪.‬‬
‫المذهب الثالث‪ :‬أنه ثلث فى حق المدخول بها ل يُقبل منه‬
‫غيرُ ذلك‪ ،‬وإن كانت غيرَ مدخول بها‪ ،‬وقع ما نواه من واحدة واثنتين وثلث‪ ،‬فإن أطلق‪ ،‬فواحدة‪،‬‬
‫وإن قال‪ :‬لم أرد طلقاً‪ ،‬فإن كان قد تقدّم كلم يجوز صرفه إليه قبل منه‪ ،‬وإن كان ابتداءً لم يقبل‪،‬‬
‫حرّم أمته أو طعامه أو متاعه‪ ،‬فليس بشىء‪ ،‬وهذا مذهب مالك‪.‬‬
‫وإن ِ‬
‫المذهب الرابع‪ :‬أنه إن نوى الطلق كان طلقاً‪ ،‬ثم إن‬
‫نوى به الثلث فثلث‪ ،‬وإن نوى دونها فواحدة بائنة‪ ،‬وإن نوى يميناً فهو يمين فيها كفارة‪ ،‬وإن لم‬
‫ينو شيئاً فهو إيلء فيه حكمُ اليلء‪ .‬فإن نوى الكذبَ‪ ،‬صُدّق فى الفتيا ولم يكن شيئاً‪ ،‬ويكون فى‬
‫القضاء إيلء‪ ،‬وإن صادف غير الزوجة المةِ والطعام وغيره‪ ،‬فهو يمين فيه كفارتها‪ ،‬وهذا مذهب‬
‫أبى حنيفة‪.‬‬

‫‪169‬‬

‫المذهب الخامس‪ :‬أنه إن نوى به الطلقَ‪ ،‬كان‬
‫طلقاً‪ ،‬ويق ُع ما نواه‪ ،‬فإن أطلق وقعت واحدةً‪ ،‬وإن نوى الظهارَ‪ ،‬كان ظهاراً‪ ،‬وإن َنوَى اليمينَ‪ ،‬كان‬
‫يميناً‪ ،‬وإن نوى تحري َم عينها مِن غير طلق ول ظِهار‪ ،‬فعليه كفار ُة يمين‪ ،‬وإن لم ينوِ شيئاً‪ ،‬ففيه‬
‫قولن‪ .‬أحدهما‪ :‬ل يلزمُه شىء‪ .‬والثانى‪ :‬يلزمه كفارة يمين‪ .‬وإن صادف جارية‪ ،‬فنوى عتقها وقع‬
‫العتق‪ ،‬وإن نوى تحريمها لزمه بنفس اللفظ كفار ُة يمين‪ ،‬وإن نوى الظهارَ منها‪ ،‬لم يصح‪ ،‬ولم‬
‫يلزمه شىء‪ ،‬وقيل‪ :‬بل يلزمه كفار ُة يمين‪ ،‬وإن ينو شيئاً‪ ،‬ففيه قولن‪ ،‬أحدهما‪ :‬ل يلزمُه شىء‬
‫ف غيرَ الزوجة والمة لم يحرم‪ ،‬ولم يلزمه به شىء‪ ،‬وهذا‬
‫والثانى‪ :‬عليه كفار ُة يمين‪ .‬وإن صاد َ‬
‫مذهبُ الشافعى‪.‬‬
‫المذهب السادس‪ :‬أنه ظِهار بإطلقه‪،‬‬
‫نواه أو لم ينوِه‪ ،‬إل أن يَصرفَه بالنية إلى الطلق‪ ،‬أو اليمين‪ ،‬فينصرِف إلى ما نواه‪ ،‬هذا ظاهر‬
‫صرِفَه بالنية إلى الظهار أو الطّلق‪،‬‬
‫مذهبِ أحمد‪ .‬وعنه رواية ثانية‪ :‬أنه بإطلقه يمين إل أن َي ْ‬
‫ف إلى ما نواهُ‪ ،‬وعنه رواية أخرى ثالثة‪ :‬أنه ظهار بكل حال ولو نوى غيرَه‪ ،‬وفيه رواية‬
‫صرِ ُ‬
‫فين َ‬
‫رابعة حكاها أبو الحسين فى ((فروعه))‪ ،‬أنه طلق بائن‪،.‬ولو وصله بقوله‪ :‬أعنى به الطلق‪ .‬فعنه‬
‫فيه روايتان‪ .‬إحداهما‪ :‬أنه طلق‪ ،‬فعلى هذا هل تلزمُه الثلث‪ ،‬أو واحدة؟ على روايتين‪ ،‬والثانية‪:‬‬
‫ى كظهر أمى أعنى به الطلق‪ ،‬هذا تلخيصُ مذهبه‪.‬‬
‫أنه ظهار أيضاً كما لو قال‪ :‬أنتِ عل ّ‬
‫المذهب السابع‪ :‬أنه إن نوى به‬
‫ثلثاً‪ ،‬فهى ثلثٌ‪ ،‬وإن نوى به واحدة‪ ،‬فهى واحدة بائنة‪ ،‬وإن نوى به يميناً‪ ،‬فهى يمين‪ ،‬وإن لم ينوِ‬
‫شيئاً‪ ،‬فهى كذبة ل شىءَ فيها‪ ،‬وهذا مذهبُ سفيان الثورى‪ ،‬حكاه عنه أبو محمد ابن حزم‪.‬‬
‫المذهب الثامن‪ :‬أنه طلقةٌ‬
‫واحدة بائنة بكل حال‪ ،‬وهذا مذهبُ حماد بن أبى سليمان‪.‬‬
‫المذهب التاسع‪:‬‬
‫ب إبراهيم‬
‫أنه إن نوى ثلثاً فثلث‪ ،‬وإن نوى واحدة‪ ،‬أو لم ينوِ شيئاً‪ ،‬فواحدة بائنة‪ ،‬وهذا مذه ُ‬
‫النخعى‪ ،‬حكاه عنه أبو محمد بن حزم‪.‬‬
‫المذهب‬
‫العاشر‪ :‬أنه طلقة رجعية‪ ،‬حكاه ابن الصباغ وصاحبُه أبو بكر الشاشى عن الزهرى‪ ،‬عن عمر بن‬
‫الخطاب‪.‬‬
‫‪170‬‬

‫الم‬
‫ذهب الحادى عشر‪ :‬أنها حرمت عليه بذلك فقط‪ ،‬ولم يذكر هؤلء ظهاراً ول طلقاً ول يميناً‪ ،‬بل‬
‫ل من الصحابة لم‬
‫ألزموه موجب تحريمه‪ .‬قال ابن حزم‪ :‬صح هذا عن على بن أبى طالب‪ ،‬ورجا ٍ‬
‫يُس ّموْا‪ ،‬وعن أبى هريرة‪ .‬وصح عن الحسن‪ ،‬وخِلس بن عمرو‪ ،‬وجابر بن زيد‪ ،‬وقتادة‪ ،‬أنهم‬
‫أمروه باجتنابها فقط‪.‬‬
‫المذهب الثانى عشر‪ :‬التوقفُ فى ذلك ل يُحرّمها المفتى على الزوج‪ ،‬ول يحلّلها له‪ ،‬كما رواه‬
‫الشعبى عن على أنه قال‪ :‬ما أنا بمحلها ول محرّمها عليك إن شئتَ فتقدّم‪ ،‬وإن شئت فتأخر‪.‬‬
‫المذهب الثالث عشر‪ :‬الفرقُ بين أن يُوقع التحريم منجزاً أو معلقاً تعليقًا مقصوداً وبين أن يُخرجه‬
‫ج اليمين‪ ،‬فالول‪ :‬ظهار بكل حال ولو نوى به الطلقَ‪ ،‬ولو وصله بقوله‪ :‬أعنى به الطلقَ‪.‬‬
‫مخر َ‬
‫والثانى‪ :‬يمين يلزمه به كفار ُة يمين‪ ،‬فإذا قال‪ :‬أنت علىّ حرام‪ ،‬أو إذا دخل رمضان‪ ،‬فأنتِ علىّ‬
‫حرام‪ ،‬فظهار‪ .‬وإذا قال‪ :‬إن سافرتُ‪ ،‬أو إن أكلتُ هذا الطعامَ أو كلمتُ فلنا‪ ،‬فامرأتى علىّ حرام‪،‬‬
‫ل المذاهب فى هذه المسألة وتتفرّعُ‬
‫فيمين مكفرة‪ ،‬وهذا اختيارُ شيخ السلم ابن تيمية‪ ،‬فهذه أصو ُ‬
‫إلى أكثر من عشرين مذهباً‪.‬‬
‫(يتبع‪)...‬‬
‫@‬
‫فصل‬
‫فأما من قال‪ :‬التحري ُم كلّه لغو ل شىء فيه‪ ،‬فاحتجوّا بأن ال سبحانه لم يجعل للعبد تحريماً‬
‫ل بها العينُ وتحرم‪ ،‬كالطلق والنكاحِ‪ ،‬والبيعِ‬
‫ول تحليلً‪ ،‬وإنما جعل له تعاطى السباب التى تَحِ ّ‬
‫صفُ‬
‫ل تَقُولُوا ِلمَا َت ِ‬
‫والعتقِ‪ ،‬وأما مجردُ قوله‪ :‬حرّمت كذا وهو علىّ حرام‪ ،‬فليس إليه‪ .‬قال تعالى‪{:‬وَ َ‬
‫لّ الكَ ِذبَ} [النحل‪ ]116 :‬وقال تعالى‪{ :‬يَأ ّيهَا‬
‫حرَا ٌم ِلتَ ْف َترُوا عَلى ا ِ‬
‫ل وهذَا َ‬
‫س َن ِتكُم الكَ ِذبَ هذَا حَلَ ٌ‬
‫أَل ِ‬
‫ل لرسوله أن يُحّرمَ ما أحل ال‬
‫لّ َلكَ} [التحريم‪ ،]1:‬فَإذا كَانَ سبحانه لم يجع ْ‬
‫حرّ ُم مَا أَحَلّ ا ُ‬
‫ال ّن ِبىّ ل َم تُ َ‬
‫له‪ ،‬فكيف يجعلُ لِغيره التحريمَ؟‬
‫عَليْهِ َأ ْم ُرنَا َفهُو رَدّ)) وهذا‬
‫عمَلٍ َليْس َ‬
‫ى صلى ال عليه وسلم‪(( :‬كُلّ َ‬
‫قالوا‪ :‬وقد قال النب ّ‬
‫التحريمُ كذلك‪ ،‬فيكون رداً باطلً‪.‬‬
‫‪171‬‬

‫قالوا‪ :‬ولنه ل فرق بين تحريمِ الحلل‪ ،‬وتحليلِ الحرام‪ ،‬وكما أن هذا الثانى لغو ل أثر له‪،‬‬
‫فكذلك الولُ‪.‬‬
‫قالوا‪ :‬ول فرق بين قوله لمرأته‪ :‬أنت علىّ حرام‪ ،‬وبين قول ِه لِطعامه هو علىّ حرام‪.‬‬
‫ت علىّ حرام‪ ،‬إما أن يُريد به إنشاء تحريمها‪ ،‬أو الخبارَ عنها بأنها حرام‪ ،‬وإنشاء‬
‫قالوا‪ :‬وقوله‪ :‬أن ِ‬
‫تحريم محال‪ ،‬فإنه ليس إليه‪ ،‬إنما هو إلى من أحلّ الحلل‪ ،‬وحرّ َم الحرامَ‪ ،‬وشرع الحكام‪ ،‬وإن أراد‬
‫الخبار‪ ،‬فهو كذب‪ ،‬فهو إما خبرٌ كاذب أو إنشاءٌ باطل‪ ،‬وكلهما لغو من القول‪.‬‬
‫ل مضطربة متعارضة يردّ بعضُها بعضاً‪،‬‬
‫قالوا‪ :‬ونظرنا فيما سوى هذا القولِ‪ ،‬فرأيناها أقوا ً‬
‫فلم يحرم الزوجة بشىء منها بغير برهان من ال ورسوله‪ ،‬فنكون قد ارتكبنا أمرين‪ :‬تحريمَها على‬
‫لّ ورسوله على‬
‫الول‪ ،‬وإحللها لغيره‪ ،‬والصلُ بقاءُ النكاح حتي تُجمع المة‪ ،‬أو يأتىَ برهان من ا ِ‬
‫زواله‪ ،‬فيتعيّن القولُ به‪ ،‬فهذا حجة هذا الفريق‪.‬‬
‫فصل‬
‫جعِلَ كناية فى‬
‫وأما من قال‪ :‬إنه ثلث بكل حال‪ ،‬إن ثبت هذا عنه‪ ،‬فيحتجّ له بأن التحريمَ ُ‬
‫الطلق‪ ،‬وأعلى أنواعه تحريمُ الثلث‪ ،‬فُيحمل على أعلى أنواعه احتياطًا للبضاع‪.‬‬
‫وأيضاً فإنّا تي ّقنّا التحريمَ بذلك‪ ،‬وشككنا‪ :‬هل هو تحري ٌم تُزيله الكفارة كالظهار أو يُزيله تجدي ُد العقد‬
‫كالخُلع‪ ،‬أو ل يُزيله إل أوجٌ وإصابة كتحري ِم الثلث؟ وهذا متيقّن‪ ،‬وما دونه مشكوكٌ فيه‪ ،‬فل يَحلّ‬
‫بالشك‪.‬‬
‫قالوا‪ :‬ولن الصحابة أَ ْف َنوْا فى الخلية والبرية بأنها ثلث‪ .‬قال أحمد‪ :‬هو عن على وابنِ عمر‬
‫صحيح‪ ،‬ومعلوم أن غاية الخلية والبرية أن تصير إلى التحريم‪ ،‬فإذا صرّحَ بالغاية‪ ،‬فهى أولى أن‬
‫ن هذا اللفظَ صارَ‬
‫ق إلى وهمه تحريمُ امرأته بدون الثلث‪ ،‬فكأ ّ‬
‫تكونَ ثلثاً‪ ،‬ولن المحرم ل يسب ُ‬
‫حقيقةً عُرفية فى إيقاع الثلث‪.‬‬
‫وأيضاً فالواحدةُ ل تحرمُ إل بعوض‪ ،‬أو قبلَ الدخول‪ ،‬أو عندَ تقييدها بكونها بائنة عند من‬
‫يراه‪ ،‬فالتحريمُ بها مقيّد‪ ،‬فإذا أطلق التحريمُ‪ ،‬ولم يُقيّيد‪ ،‬انصرف إلى التحريم المطلق الذى يثبت قبل‬
‫الدخول أو بعده‪ ،‬وبعوض وغيره وهو الثلث‪.‬‬
‫فصل‬
‫وأما من جعله ثلثاً فى حق المدخول بها‪ ،‬وواحدة بائنة فى حقّ غيرها‪ ،‬فحجتُه أن المدخولَ‬
‫ح ّرمُها إل الثلث‪ ،‬وغيرُ المدخول بها تحرمها الواحدة‪ ،‬فالزائدة عليها ليست من لوازم‬
‫بها ل يُ َ‬
‫‪172‬‬

‫التحريم‪ ،‬فأورد على هؤلء أن المدخول بها يمِلكُ إبانتها بواحدة بائنة‪ ،‬فأجابوا بما ل يُجدى عليهم‬
‫شيئاً‪ ،‬وهو أن البانة بالواحدة الموصوفة بأنها بائنة إبانة مقيّدة‪ ،‬بخلف التحريم‪ ،‬فإن البانة به‬
‫ن ذلك إل بالثلثِ‪ ،‬وهذا القدرُ ل يُخّلصُهم من هذا اللزام‪ ،‬فإن إبانة التحريمِ أعظمُ‬
‫مطلقة‪ ،‬ول يكو ُ‬
‫تقييداً من قوله‪ :‬أنتِ طالق طلقة بائنة‪ ،‬فإن غاي َة البائنة أن تحرمها‪ ،‬وهذا قد صرّح بالتحريم‪ ،‬فهو‬
‫أولى بالبانة من قوله‪ :‬أنت طالق طلقةً بائنة‪.‬‬
‫فصل‬
‫وأما مَن جعلها واحدة بائنة فى حقّ المدخول بها وغيرها‪ ،‬فمأخ ُذ هذا القول أنها ل تُفيد‬
‫بوضعها‪ ،‬وإنما تقتضى بينونةً يحصلُ بها التحريمُ‪ ،‬وهو َيمِلكُ إبانتها بعد الدخول بها بواحدة بدون‬
‫عوض‪ ،‬كما إذا قال‪ :‬أنت طالق طلقة بائنة‪ ،‬فإن الرجعة حقّ له‪ ،‬فإذا أسقطها سقطت‪ ،‬ولنه إذا ملك‬
‫إبانتها بعوض يأخذه منها‪ ،‬ملك البانة بدونه‪ ،‬فإنه محسن بتركه‪ ،‬ولن العِوض مستحق له‪ ،‬ل‬
‫عليه‪ ،‬فإذا أسقطه وأبانها‪ ،‬فله ذلك‪.‬‬
‫فصل‬
‫ع الملك وهو يصدُق‬
‫وأما مَن قال‪ :‬إنها واحدة رجعية‪ ،‬فمأخذه أن التحريمَ يُفيد مطلق انقطا ِ‬
‫ض فى اللفظ له‪ ،‬فل يسوغُ إثباتُه بغير موجب‪.‬‬
‫بالمتيقّنِ منه وهو الواحدةُ‪ ،‬وما زاد عليها‪ ،‬فل تعّر َ‬
‫ل اللفظ فى الواحدة‪ ،‬فقد وفى بموجبه‪ ،‬فالزيادةُ عليه ل موجبَ لها‪ .‬قالوا‪ :‬وهذا‬
‫وإذا أمكن إعما ُ‬
‫ظاهر جدًا على أصل من يجعل الرجعية محرمة‪ ،‬وحينئذ فنقول‪ :‬التحري ُم أعمّ مِن تحريم رجعية‪ ،‬أو‬
‫ص أو‬
‫ل على العم ل يدُل على الخص‪ ،‬وإن شئتَ قلت‪ :‬العمّ ل يستلزِمُ الخ ّ‬
‫تحريم بائن‪ ،‬فالدا ّ‬
‫ص مِن لوازم العم‪ ،‬أو العم ل يُنتج الخصّ‪.‬‬
‫ليس الخ ّ‬
‫فصل‬
‫وأما من قال‪ :‬يُسأل عما أراد من ظهار أو طلق رجعي‪ ،‬أو محرّم‪ ،‬أو يمين‪ ،‬فيكون ما أراد‬
‫ل للطلق والظهار‬
‫مِن ذلك‪ ،‬فمأخذُه أن اللفظ لم يوضع ليقاع الطلق خاصة‪ ،‬بل هو محتمِ ٌ‬
‫ف إلى بعضها بالنية فقد استعمله فيما هو صالح له‪ ،‬وصرفه إليه بنيته‪،‬‬
‫ص ِر َ‬
‫واليلء‪ ،‬فإذا ُ‬
‫ف إلى ما أراده‪ ،‬ول يتجاوز به ول يقصُ ُر عنه‪ ،‬وكذلك لو نوى عتق أمته بذلك‪ ،‬عتقت‪،‬‬
‫فينصر ُ‬
‫وكذلك لو نوى اليلء من الزوجة‪ ،‬واليمين من المة‪ ،‬لزمه ما نواه‪ ،‬قالوا‪ :‬وأما إذا نوى تحريمَ‬
‫عينها‪ ،‬لزمه بنفس اللفظ كفار ُة يمين اتباعًا لظاهر القرآن‪ ،‬وحديث ابن عباس الذى رواه مسلم فى‬
‫س َوةٌ‬
‫ل أُ ْ‬
‫ن َلكُم فى رَسولِ ا ِ‬
‫ل امرأته فهى يمين يكفّرها‪ ،‬وتل‪{ :‬لَقَ ْد كَا َ‬
‫((صحيحه))‪ :‬إذا حرّم الرج ُ‬
‫‪173‬‬

‫سنَةٌ} [الحزاب‪ ،]21 :‬وهذا يُشبه ما قاله مجاهد فى الظّهار‪ :‬إنه ليزمُه بمجرد التكلم به كفارةُ‬
‫حَ َ‬
‫الظهار‪ ،‬وهو فى الحقيقة قولُ الشافعى رحمه ال‪ ،‬فإنه يُوجب الكفارة إذا لم يُطلّق عقيبَه على الفور‪.‬‬
‫قالوا‪ :‬ولن اللفظ يحتمِلُ النشاء والخبار‪ ،‬فإن أراد الخبار‪ ،‬فقد استعمله فيما هو صالحٌ له‪ ،‬فيُقبل‬
‫سئِلَ عن السبب الذى حرّمها به‪ .‬فإن قال‪ :‬أردت ثلثًا أو واحدة‪ ،‬أو اثنتين‪،‬‬
‫منه‪ .‬وإن أراد النشاء ُ‬
‫ل منه لصلحية اللفظ له واقترانه بنيته‪ ،‬وإن نوى الظهار‪ ،‬كان كذلك‪ ،‬لنه صرّح بموجب‬
‫ُقبِ َ‬
‫ى كظهر أمى موجبُه التحريم‪ ،‬فإذا نوى ذلك بلفظ التحريم‪ ،‬كان ظهاراً‪،‬‬
‫الظهار‪ ،‬لن قوله‪ :‬أنتِ عل ّ‬
‫واحتمالُه للطلق بالنية ل يزيدُ على احتماله للظهار بها‪ ،‬وإن أراد تحريمَها مطلقاً‪ ،‬فهو يمين‬
‫مكفرة‪ ،‬لنه امتناع منها بالتحريم‪ ،‬فهو كامتناعه منها باليمين‪.‬‬
‫فصل‬
‫وأما من قال‪ :‬إنه ظهار إل أن ينوىَ به طلقاً‪ ،‬فمأخذُ قوله‪ :‬أن اللفظ موضوعٌ للتحريم‪ ،‬فهو‬
‫منكر من القول وزور‪ ،‬فإن العب َد ليس إليه التحريمُ والتحليل‪ ،‬وإنما إليه إنشاء السباب التى يرتب‬
‫ت علىّ كظهر أمى‪،‬‬
‫عليها ذلك‪ ،‬فإذا حرّم ما أحل ال له‪ ،‬فقد قال ال ُمنْكر والزّورَ‪ ،‬فيكون كقوله‪ :‬أن ِ‬
‫بل هذا أولى أن يكون ظهاراً‪ ،‬لنه إذا شبهها بمن تحرم عليه‪ ،‬دل على التحريم باللزوم‪ ،‬فإذا صرّح‬
‫بتحريمها‪ ،‬فقد صرح بموجب التشبيه فى لفظ الظهار‪ ،‬فهو أولى أن يكون ظهاراً‪ .‬قالوا‪ :‬وإنما‬
‫جعلناه طلقاً بالنية‪ ،‬فصرفناه إليه بها‪ ،‬لنه يصلُح كناي ًة فى الطلق فينصرِف إليه بالنية بخلف‬
‫إطلقه‪ ،‬فإنه ينصرِف إلى الظهار‪ ،‬فإذا نوى به اليمينَ كان يميناً‪ ،‬إذ من أصل أرباب هذا القول أن‬
‫تحريم الطعام ونحوه‪ ،‬يمين مكفرة‪ ،‬فإذا نوى بتحريم الزوجة اليمين‪ ،‬نوى ما يصلُح له اللفظ‪ ،‬ف ُقبِلَ‬
‫منه‪.‬‬
‫فصل‬
‫وأما من قال‪ :‬إنه ظهار وإن نوى به الطلقَ‪ ،‬أو وصله بقوله‪ :‬أعنى به الطلقَ فمأخذُ قوله‬
‫ت علىّ‬
‫ما ذكرنا من تقرير كونه ظهاراً‪ ،‬ول يخُرج عن كونه ظهاراً بنية الطلق كما لو قال‪ :‬أَن ِ‬
‫كظهر أمى ونوى به الطلق‪ ،‬أو قال‪ :‬أعنى به الطلق‪ ،‬فإنه ل يخرُج بذلك عن الظهار‪ ،‬ويصيرُ‬
‫طلقاً عِند الكثرين‪ :‬إل على قول شاذ ل يُلتفت إليه لموافقته ما كان المر عليه فى الجاهلية مِن‬
‫جعل الظهار طلقاً‪ ،‬ونسخ السلم لذلك‪ ،‬وإبطلله‪ ،‬فإذا نوى به الطلقَ‪ ،‬فقد نوى ما أبطله ال‬
‫ورسولُه مما كان عليه أهلُ الجاهلية عند إطلق لفظ الظهار‪ ،‬وقد نوى مال يحت ِملُه شرعاً‪ ،‬فل تؤثّر‬
‫نيته فى تغيير ما استق ّر عليه حكمُ ال الذى حكم به بينَ عباده‪ ،‬ثم جرى أحم ُد وأصحابُه على أصله‬
‫‪174‬‬

‫من التسوية بين إيقاع ذلك‪ ،‬والحلف به كالطلق والعتاق وفرّق شيخ السلم بين البابين على أصله‬
‫فى التفريق بين اليقاع والحلف‪ ،‬كما فرّق الشافعى وأحمد رحمهما ال‪ ،‬ومَنْ وافقهما بين البابين‬
‫ن أن يحلف به‪ ،‬فيكون يمينًا مكفرة‪ ،‬وبين أن ينجزه أو يعلّقه بشرط يقصد وقوعه‪،‬‬
‫فى النذر بي َ‬
‫فيكون نذراً لزم الوفاء كما سيأتى تقريرُه فى اليمان إن شاء ال تعالى‪ .‬قال‪ :‬فيلزمهم على هذا أن‬
‫يفرّقوا بين إنشاء التحريم‪ ،‬وبين الحلف‪ ،‬فيكون فى الحلف به حالفًا يلزمه كفارة يمين‪ ،‬وفى تنجيزه‬
‫أو تعليقه بشرط مقصود مظاهرًا يلزمُه كفارةُ الظهار‪ ،‬وهذا مقتضى المنقول عن ابن عباس رضى‬
‫ال عنهما‪ ،‬فإنه مرة جعله ظهاراً ومرة جعله يميناً‪.‬‬
‫فصل‬
‫ن مكفرة بكلّ حال‪ ،‬فمأخذ قوله‪ :‬أن تحريم الحلل من الطعام والشراب‬
‫وأما من قال‪ :‬إنه يمي ٌ‬
‫حرّ ُم مَا‬
‫واللباس يمينٌ تُكفّر بالنصّ‪ ،‬والمعنى‪ ،‬وآثار الصحابة‪ ،‬فإن ال سبحانه قال‪{ :‬يََأيّها النّبىّ لِ َم تُ َ‬
‫حلّ َة َأ ْيمَا ِنكُم} [التحريم‪:‬‬
‫لّ َلكُ ْم تَ ِ‬
‫جكَ والُّ غَفُو ٌر رَحِيمٌ * قَدْ َفرَضَ ا ُ‬
‫ت َأزْوا ِ‬
‫ك َت ْبتَغى َم ْرضَا َ‬
‫لّ َل َ‬
‫أَحَلّ ا ُ‬
‫‪ ،]2-1‬ولبد أن يكون تحريم الحلل داخلً تحت هذا الفرض‪ ،‬لنه س ُببُه‪ ،‬وتخصيصُ محل السبب‬
‫خصّ لخل سببُ الحكم عن البيان‪،‬‬
‫من جملة العام ممتنع قطعاً‪ ،‬إذ هو المقصودُ بالبيان أولً‪ ،‬فلو ُ‬
‫وهو ممتنع‪ ،‬وهذا استدلل فى غاية القوة‪ ،‬فسألتُ عنه شيخ السلم رحمه ال تعالى‪ ،‬فقال‪َ :‬نعَم‬
‫التحريمُ يمين كُبرى فى الزوجة كفارتُها كفارةُ الظهار‪ ،‬ويمين صغرى فيما عداها كفارتُها كفارةُ‬
‫ل ابن عباس وغيرِه من الصحابة ومَنْ َبعْدَهم‪ ،‬إن التحرِيمَ يمين‬
‫اليمين بالّ‪ .‬قال‪ :‬وهذا معنى قو ِ‬
‫تكفر‪ ،‬فهذا تحري ُر المذاهب فى هذه المسألة نقلً‪،‬وتقريرها استدللً‪ ،‬ول يخفى‪ -‬على من آثر العِلم‬
‫ح مِن المرجوح وبالّ‬
‫والنصاف‪ ،‬وجانب التعصّب ونصرة ما بنى عليه من القوال‪ -‬الراج ُ‬
‫المستعان‪.‬‬
‫فصل‬
‫وقد تبين بما ذكرنا‪ ،‬أن من حرّم شيئًا غير الزوجة من الطعام والشراب واللباس أو أمته‬
‫حرُ ْم عليه بذلك‪ ،‬وعليه كفارةُ يمين‪ ،‬وفى هذا خلف فى ثلثة مواضع‪.‬‬
‫يَ ْ‬
‫أحدها‪ :‬أنه ل يحرم‪ ،‬وهذا قول الجمهور‪ ،‬وقال أبو حنيفة‪ :‬يحرم تحريمًا مقيدًا تُزيله‬
‫ل له وطؤها حتى يُكفّر‪ ،‬ولن ال سبحانه سمّى الكفارة‬
‫الكفارة‪ ،‬كما إذا ظاه َر من امرأته‪ ،‬فإنه ل َيحِ ّ‬
‫حلّةً‪ ،‬وهى ما يُوجب الحِلّ‪ ،‬فدل علي ثبوت التحريم قبلها‪ ،‬ولنه سبحانه قال لنبيه صلى‬
‫فى ذلك َت ِ‬

‫‪175‬‬

‫ل َلكَ} [التحريم‪ ،]1:‬ولنه تحريمٌ لما أبيح له‪ ،‬فيحرم بتحريمه‬
‫حرّ ُم مَا أَحَلّ ا ُ‬
‫ال عليه وسلم‪{ :‬لِ َم تُ َ‬
‫كما لو حرّم زوجته‪.‬‬
‫حلّه مِن الحَل الذى هو ضِ ّد العقدِ ل‬
‫ومنازعوه يقولون‪ :‬إنما سُميت الكفارة ت ِ‬
‫حرّ ُم مَا أَحَلّ ال‬
‫مِن الحِل الذى هو مقابلُ التحريم‪ ،‬فهى تَحُلّ اليمين بعد عقدها‪ ،‬وأما قوله‪{ :‬لِ َم تُ َ‬
‫َلكَ} [التحريم‪ ،]1:‬فالمرادُ تحري ُم المِة أو العسل‪ ،‬ومنعُ نفسه منه‪ ،‬وذلك يُسمى تحريماً‪ ،‬فهو تحريم‬
‫بالقول‪ ،‬ل إثبات للتحريم شرعاً‪.‬‬
‫ح هذا القياس‪ ،‬لوجب‬
‫وأما قياسه على تحريم الزوجة بالظهارِ‪ ،‬أو بقوله‪ :‬أنتِ علىّ حرام‪ ،‬فلو ص ّ‬
‫تقديمُ التكفير على الحنث قياسًا على الظهارِ‪ ،‬إذ كان فى معناه‪ ،‬وعندهم ل يجو ُز التكفيرُ إل بعد‬
‫حلّة اليمين‪ ،‬فيلزم‬
‫الحنث‪ ،‬فعلى قولِهم‪ :‬يلزم أحد أمرين‪ ،‬ول بد إما أن يفعله حراماً وقد فرض ال ت ِ‬
‫حلّةِ إل بفعل المحلوف‬
‫ل إلى التّ ِ‬
‫كون المحرم مفروضاً‪ ،‬أو من ضرورة المفروض‪ ،‬لنه ل َيصِ ُ‬
‫ل له إلى فعله حللً‪ ،‬لنه ل يجوز تقدي ُم الكفارة‪ ،‬فيستفيدُ بها الحل‪ ،‬وإقدامه عليه‬
‫عليه‪ ،‬أو أنه ل سبي َ‬
‫وهو حرامٌ ممتنع‪ ،‬هذا ما قيل فى المسألة من الجانبين‪ ،‬وبعدُ‪ ،‬فلها غور‪ ،‬وفيها دِقة وغموض‪ ،‬فإن‬
‫ل على تركه‪ ،‬ولو حلف على تركه‪ ،‬لم يَجز له هتكُ حرمة‬
‫حَلفَ با ّ‬
‫من حرّم شيئاً‪ ،‬فهو بمنزلة من َ‬
‫المحلوفِ به بفعله إل بالتزام الكفارة‪ ،‬فإذا التزمها‪ ،‬جاز له القدا ُم على فعل المحلوف عليه‪ ،‬فلو‬
‫عزم على تركِ الكفارة‪ ،‬فإن الشارع ل يُبيح له القدامَ على فعل ما حلف عليه‪ ،‬ويأذن له فيه‪ ،‬وإنما‬
‫ن له فيه ويُبيحه إذا التزم ما فرض ال من الكفارة‪ ،‬فيكون إذنه له فيه‪ ،‬وإباحته بعد امتناعه منه‬
‫يأذ ُ‬
‫بالحلف أو التحريم رُخصةً من ال له‪ ،‬ونعمة منه عليه بسبب التزامه لحكمه الذى فرض له من‬
‫الكفارة‪ ،‬فإذا لم يلت ِزمْه بقى المن ُع الذى عقدَه على نفسه إصرًا عليه‪ ،‬فإن ال إنما رفع الصار عمن‬
‫اتقاه‪ ،‬والتزم حُكمه‪ ،‬وقد كانت اليمينُ فى شرع مَن قبلنا يتحتّم الوفاءُ بها‪ ،‬ول يجوز الحنثُ‪ ،‬فوسّع‬
‫ال على هذه المة‪ ،‬وجوّز لها الحنث بشرط الكفارة‪ ،‬فإذا لم يُك ّفرْ ل قبلُ ول بع ُد لم يُوسّع له فى‬
‫الحنث‪ ،‬فهذا معنى قوله‪ :‬إنه يحرم حتى يكفّر‪،.‬وليس هذا من مفردات أبى حنيفة‪ ،‬بل هو أحدُ‬
‫القولين فى مذهب أحمد يُوضحه‪ :‬أن هذا التحري َم والحلف قد تعلّق به مانعان‪ :‬منع من نفسه لفعله‪،‬‬
‫ومنع من الشارع للحنث بدون الكفارة‪ ،‬فلو لم يُحرّمه تحريمه أو يمينه‪ ،‬لم يكن لمنعه نفسه ول لمنع‬
‫الشارع له أثره‪ ،‬بل كان غاي ُة المر أن الشارعَ أوجبَ فى ذمته بهذا المنع صدقةً أو عِتقًا أو صوماً‬
‫ل المحلوف عليه ول تحريمه البته‪ ،‬بل هو قبل المنع وبعده على السواء من غير‬
‫ل يتو ّقفُ عليه ح ّ‬
‫فرق‪ ،‬فل يكونُ للكفارة أثر البته‪ ،‬ل فى المنع منه‪ ،‬ول فى الذن‪ ،‬وهذا ل يخفى فسادُه‪،.‬وأما إلزامه‬
‫‪176‬‬

‫بالقدام عليه مع تحريمه حيثُ ل يجوزُ تقدي ُم الكفارة‪ ،‬فجوابه أنه إنما يجوز له القدام عند عزمه‬
‫على التكفير‪ ،‬فعزمُه على التكفير منع من بقاء تحريمه عليه‪ ،‬وإنما يكونُ التحريمُ ثابتًا إذا لم يلتزم‬
‫الكفارة‪ ،‬ومع التزامها ل يستمرّ التحريم‪.‬‬
‫فصل‬
‫ل مَنْ سميناه من الصحابة‪،‬‬
‫الثانى‪ :‬أن يلزمه كفارة بالتحريم‪ ،‬وهو بمنزلة اليمين‪ ،‬وهذا قو ُ‬
‫وقولُ فقهاء الرأى والحديث إل الشافعىّ ومالكاً‪ ،‬فإنهما قال‪ :‬ل كفارة عليه بذلك‪.‬‬
‫حلّةَ اليمانِ‬
‫والذين أوجبوا الكفارةَ أسعدُ بالنص من الذين أسقطوها‪ ،‬فإن ال سبحانه ذكر تَ ِ‬
‫ل َلكَ} [التحريم‪ ،]1 :‬وهذا صريحٌ فى أن تحريم الحلل قد ُفرِضَ‬
‫حرّ ُم مَا أَحَلّ ا ُ‬
‫عَقبَ قوله‪{ :‬لِ َم تُ َ‬
‫فيه تحلّةُ اليمان‪ ،‬إما مختصاً به‪ ،‬وإما شاملً له ولغيره‪ ،‬فل يجوزُ أن يُخلى سببُ الكفارة المذكورة‬
‫فى السياق عن حك ِم الكفارة‪ ،‬ويُعلّق بغيره‪ ،‬وهذا ظاهرُ المتناع‪.‬‬
‫ن إن تضمن هتكَ‬
‫وأيضاً فإن المنع من فعله بالتحريم كالمنع منه باليمين‪ ،‬بل أقوى‪ ،‬فإن اليمي َ‬
‫حُرمة اسمه سبحانه‪ ،‬فالتحري ُم تضمن هتك حرمة شرعه وأمره‪ ،‬فإنه إذا شرع الشىء حللً فحرّمه‬
‫المكلف‪ ،‬كان تحريمه هتكاً لحرمة ما شرعه‪ ،‬ونحن نقولُ‪ :‬لم يتضمن الحِنث فى اليمين هتكَ حرمِة‬
‫السم‪ ،‬ول التحري ُم هتكَ حرمة الشرع‪ ،‬كما يقولُه من يقول مِن الفقهاء‪ ،‬وهو تعليلٌ فاسد جداً‪ ،‬فإن‬
‫الحِنثَ إما جائز‪ ،‬وإما واجب أو مستحب‪ ،‬وما جوّز ال لحد البتة أن َي ْه ِتكَ حُرمة اسمه‪ ،‬وقد شرع‬
‫لِعباده الحِنث مع الكفارة‪ ،‬وأخبره النبىّ صلى ال عليه وسلم أنه إذا حلف على يمين ورأى غيرها‬
‫خيراً منها كفّر عن يمينه‪ ،‬وأتى المحلوفَ عليه‪ ،‬ومعلوم أن هتك حرمة اسمه تبارك وتعالى لم يُبح‬
‫فى شريعة قطّ‪ ،‬وإنما الكفّارة كما سماها ال تعالى تحلّة وهى تفعلة من الحل‪ ،‬فهى تَحُلّ ما عقد به‬
‫سرّ قوله تعالى‪{ :‬قَدْ َفرَضَ الُ‬
‫اليمين ليس إل‪ ،‬وهذا العقدُ كما يكون باليمين يكونُ بالتحريم‪ ،‬وظهر ِ‬
‫لّ َلكَ} [التحريم‪.]1:‬‬
‫حرّ ُم مَا أَحَلّ ا ُ‬
‫حلّةَ َأ ْيمَا ِنكُم} [التحريم‪ ]2 :‬عقيب قوله‪{ :‬لِ َم تُ َ‬
‫َلكُم َت ِ‬
‫فصل‬
‫الثالث‪ :‬أنه ل فرقَ بينَ التحريم فى غير الزوجة بين المة وغيرها عند الجمهور إل‬
‫الشافعىّ وحدَه‪ ،‬أوجب فى تحريم المة خاصة كفار َة يمين‪ ،‬إذ التحريمُ له تأثير فى البضاع عنده‬
‫دون غيرها‪.‬‬

‫‪177‬‬

‫ل السبب عن الحكم‪ ،‬ويتعلّق بغيره‪،‬‬
‫وأيضاً فإن سببَ نزول الية تحريمُ الجارية‪ ،‬فل يخرُجُ مح ّ‬
‫حلّة اليمين بتحريم الحلل‪ ،‬وهو أع ّم من تحريم المة‬
‫ومنازعوه يقولون‪ :‬النص علق فرض تَ ِ‬
‫وغيرها‪ ،‬فتجب الكفارة حيث وجد سببها‪ ،‬وقد تقدم تقريرهُ‪.‬‬
‫ل ال صلى ال عليه وسلم فى قول الرّجُلِ لمرأته‪ :‬الحقى بأَ ْهِلكِ‬
‫حكمُ رسو ِ‬
‫جوْنِ لما دخلت على رسول ال صلى ال عليه وسلم‪،‬‬
‫ثبت فى صحيح البخارى‪ :‬أن ابنةَ ال َ‬
‫لّ منكَ‪ ،‬فقالَ‪(( :‬عُ ْذتِ ِبعَظِيمٍ الحَقى بِأَ ْهِلكِ))‪.‬‬
‫و َدنَا منها قالت‪ :‬أعوذُ با ِ‬
‫ل ال صلى ال‬
‫وثبت فى ((الصحيحين))‪ :‬أن كعب بنَ مالك رضى ال عنه لما أتاه رسو ُ‬
‫عليه وسلم ((يأ ُمرُه أن يعتزِلَ امرأته‪ ،‬قال لها‪ :‬الحقى بأهلك))‪.‬‬
‫ق نواه أو لم‬
‫فاختلف الناسُ فى هذا‪ ،‬فقالت طائفة‪ :‬ليس هذا بطلق‪ ،‬ول يق ُع به الطل ُ‬
‫جوْنِ‪ ،‬وإنما‬
‫ينوه‪ ،‬وهذا قولُ أهل الظاهر‪ .‬قالوا‪ :‬والنبىّ صلى ال عليه وسلم لم يكن عقد على ابنة ال َ‬
‫أرسل إليها ِليَخطُبها‪ .‬قالوا‪َ :‬ويَدُلّ على ذلك ما فى صحيح البخارى‪ :‬من حديث حمزة بن أبى أُسيد‪،‬‬
‫ج ْونِيةِ‪ ،‬فأُنزلت فى بيت أُميمة بنت‬
‫عن أبيه‪ ،‬أنه كان مع رسولِ ال صلى ال عليه وسلم وقد ُأ ِتىَ بال َ‬
‫ل ال صلى ال عليه وسلم‪ ،‬فقال‪:‬‬
‫النعمان بن شراحبيل فى نخل ومعها دابتُها‪ ،‬فدخل عليها رسو ُ‬
‫سكُنَ‪ ،‬فَقَاَلتْ‪:‬‬
‫عَل ْيهَا لِت ْ‬
‫ب ال َملِكةُ نَفْسَها للسّوقَةِ‪ ،‬فَأَ ْهوَى ِليَضَ َع يَ َدهُ َ‬
‫سكِ))‪ ،‬فقالت‪ :‬وهَلْ َت َه ْ‬
‫((هَبى لى نَفْ َ‬
‫ن وَألْحِ ْقهَا‬
‫سهَا رازِ ِق ّييْ ِ‬
‫سيْد‪ :‬اكْ ُ‬
‫خرَجَ فقال‪(( :‬يَا أَبا أُ َ‬
‫ت ِب َمعَاذ))‪ ،‬ثم َ‬
‫لّ ِم ْنكَ فقالَ‪(( :‬قَدْ عُ ْذ ِ‬
‫أَعُوذُ با ِ‬
‫بأَ ْهِلهَا))‪.‬‬
‫ل ال صلى ال عليه وسلم‬
‫وفى ((صحيح مسلم))‪ :‬عن سهل بن سعد‪ ،‬قال‪ :‬ذُك َرتْ لِرسو ِ‬
‫سيْ ٍد أن ُيرْسِلَ إليها‪ ،‬فأرسل إليها‪،‬فَقَ ِد َمتْ‪ ،‬فنزلت فى أُجُ ِم بنى سَاعِدَة‪،‬‬
‫امرأ ٌة مِن العرب‪ ،‬فأمر أَبا أُ َ‬
‫فخرج رسول ال صلى ال عليه وسلم حتى جاءها فدخل عليها‪ ،‬فإذا امرأة منكّسة رأسها‪ ،‬فلمّا‬
‫لّ منك‪ ،‬قال‪(( :‬قَ ْد أَعَ ْذ ُتكِ ِمنّى))‪ ،‬فقالوا لها‪ :‬أتدرينَ مَنْ هذا؟ قالتْ‪ :‬ل‪ ،‬قالوا‪:‬‬
‫كلمها‪ ،‬قالت‪ :‬أَعوذُ با ِ‬
‫طبَك‪ ،‬قالت‪ :‬أنا كنتُ أشقى من ذلك‪.‬‬
‫هذا رسولُ ال صلى ال عليه وسلم جاءَك لِيخْ ُ‬
‫قالوا‪ :‬وهذه ُكّلهَا أخبا ٌر عن قصة واحدة‪ ،‬فى امرأة واحدة‪ ،‬فى مقام واحد‪ ،‬وهى صريحة أن‬
‫طبَها‪.‬‬
‫رسولَ ال صلى ال عليه وسلم لم يكن تزوّجها بعدُ‪ ،‬وإنما دخل عليها لِيخْ ُ‬
‫وقال الجمهور منهم الئمة الربعة وغيرهم ‪ :‬بل هذا من ألفاظ الطلق إذا نوى به‬
‫الطلق‪ ،‬وقد ثبت فى صحيح البخارى‪ :‬أن أبانا إسماعيل بن إبراهيم طلّق به امرأَته لما قال لها‬
‫ع َتبَةَ بابِهِ))‪ ،‬فقال لها‪ :‬أنتِ العتبةُ‪ ،‬وقد أمرنى أن أُفارِ َقكِ‪ ،‬الحقى بأهلك‬
‫إبراهيم‪ُ (( :‬مرِيه فلّي َغ ّيرْ َ‬
‫‪178‬‬

‫وحديث عائشة كالصريح‪ ،‬فى أنه صلى ال عليه وسلم كان عَقَدَ عليها‪ ،‬فإنه قالت‪ :‬لما أُدخلت عليه‪،‬‬
‫ل الزوج بأهِله‪ ،‬ويُؤكّده قولها‪ :‬ودنا منها‪.‬‬
‫فهذا دخو ُ‬
‫سكِ))‪ ،‬وهذا ل يدل على أنه لم يتقدم‬
‫وأما حديث أبى أُسيد‪ ،‬فغاي ُة ما فيه قوله‪(( :‬هِبى لِى نَفْ َ‬
‫نِكاحُه لها‪ ،‬وجاز أن يكون هذا استدعا ًء منه صلى ال عليه وسلم للدّخول ل للعقد‪.‬‬
‫ن فيه أنه صلى ال عليه‬
‫وأما حديث سهل بن سعد‪ ،‬فهو أصرحُها فى أنه لم يكن وُجدَ عقد‪ ،‬فإ ّ‬
‫ط َبكِ‪ ،‬والظاهرُ أنها هى الجونية‪ ،‬لن سهلً قال فى‬
‫وسلم لما جاء إليها قالُوا‪ :‬هذا رسولُ ال جاء لِيخ ُ‬
‫حديثه‪ :‬فأمر أبا أُسيد أن ُيرْسِلَ إليها‪ ،‬فأرسل إليها‪ .‬فالقصةُ واحدة دارت على عائشة رضى ال‬
‫عنها وأبى أسيد وسهل‪ ،‬وكُلّ منهم رواها‪ ،‬وألفاظُهم فيها متقاربة‪ ،‬ويبقى التعارض بين قوله‪ :‬جاء‬
‫ليخطبك‪ ،‬وبين قوله‪ :‬فلما دخل عليها‪ ،‬ودنا منها‪ :‬فإما أن يكون أح ُد اللفظين وهماً‪ ،‬أو الدخولُ ليس‬
‫دخول الرجل على امرأته‪ ،‬بل الدخول العام‪ ،‬وهذا محتمل‪.‬‬
‫ث ابنِ عباس رضى ال عنهما فى قصة إسماعيل صريح‪ ،‬ولم يزل هذا اللفظُ من‬
‫وحدي ُ‬
‫اللفاظ التى يُطلّقُ بها فى الجاهلية والسلم‪ ،‬ولم يغيره النبى صلى ال عليه وسلم‪ ،‬بل أقرهم عليه‪،‬‬
‫ب رسول ال صلى ال عليه وسلم الطلقَ وهُ ُم القدوةُ‪ :‬بأنتِ حرام‪ ،‬وأمرُك بيدك‪،‬‬
‫وقد أوقع أصحا ُ‬
‫ت مني‪ ،‬وأنت برية وقد أبرأتك‪ ،‬وأنتِ مبرّأة‪،‬‬
‫واختاري‪ ،‬ووهبتُك لهلك‪ ،‬وأنت خلية وقد خلو ِ‬
‫وحبلُك على غاربِك‪ ،‬وأنتِ الحرجُ‪ .‬فقال على وابن عمر‪ :‬الخلي ُة ثلث‪ ،‬وقال عمر‪ :‬واحدة‪ ،‬وهو‬
‫ق بهَا‪ .‬وفرّق معاوية بين رجل وامرأته قال لها‪ :‬إن خرجت فأنت خلية‪ ،‬وقال على وابنُ عمر‬
‫أح ّ‬
‫رضي ال عنهما‪ ،‬وزيد فى البرية‪ :‬إنها ثلث‪ .‬وقال عمر رضى ال عنه‪ :‬هى واحدة وهو أحق بها‪،‬‬
‫وقال على في الحرج‪ :‬هى ثلث‪ ،‬وقال عمر‪ :‬واحدة‪ ،‬وقد تقدم ذكر أقوالهم فى أمرك بيدك‪ ،‬وأنت‬
‫حرام‪،.‬والّ سبحانه ذكر الطلقَ ولم يُعين له لفظاً‪ ،‬فعلم أَنه ر ّد الناسَ إلى ما يتعارفونه طلقاً‪ ،‬فإن‬
‫ق مع النيّة‪ ،‬واللفاظُ ل تُراد لعينها‪ ،‬بل للدللة على مقاصد لفظها‪،‬‬
‫جرى عرفهم به‪ ،‬وقع به الطل ُ‬
‫فإذا تكلّم بلفظ دال على معنى‪ ،‬وقصد به ذلك المعنى‪ ،‬ترتّب عليه حكمه‪ ،‬ولهذا يقع الطلقُ مِن‬
‫ح الطلق بالعربية ولم يفهم معناه‪ ،‬لم‬
‫العجمى والتركى والهندى بألسنتهم‪ ،‬بل لو طلّق أحدهم بصري ِ‬
‫ث كعب بن مالك على أن‬
‫يقع به شىء قطعاً‪ ،‬فإنه تكلّم بما ل يفهم معناه ول قصده‪ ،‬وقدْ دل حدي ُ‬
‫الطلقَ ل يق ُع بهذا اللفظ وأمثاله إل بالنية‪.‬‬
‫والصوابُ أن ذلك جارٍ فى سائر اللفاظ صرِيحِها وكنايِتها‪ ،‬ول فرق بين ألفاظِ‬
‫العتق والطلق‪ ،‬فلو قال‪ :‬غلمى غلمٌ حرٌ ل يأتى الفواحش‪ ،‬أو أمتى أمةٌ حرة ل تبغى الفجورَ‪،‬‬
‫‪179‬‬

‫ولم يخطر بباله العتقُ ول نواه‪ ،‬لم يعتق بذلك قطعاً‪ ،‬وكذلك لو كانت معه امرأته فى طريق فافترقا‪،‬‬
‫فقيل له‪ :‬أين امرأتُكَ؟ فقال‪ :‬فارقتُها‪ ،‬أو سرّح شعرها وقال‪ :‬سرحتُها ولم يُرد طلقاً‪ ،‬لم تطلق‪ .‬كذلك‬
‫إذا ضربها الطلق وقال لغيره إخباراً عنها بذلك‪ :‬إنها طالق‪ ،‬لم تطلق بذلك‪ ،‬وكذلك إذا كانت المرأة‬
‫فى وثَاق فأطلقت منه‪ ،‬فقال لها‪ :‬أنتِ طالق‪ ،‬وأراد من الوثاق‪ .‬هذا كله مذهبُ مالك وأحمد فى‬
‫ق به حتى ينويَه‪ ،‬ويأتى بلفظ دال‬
‫بعض هذه الصور‪ ،‬وبعضها نظير ما نص عليه‪ ،‬ول يق ُع الطل ُ‬
‫عليه‪ ،‬فلو انفرد أح ُد المرين عن الخر‪ ،‬لم يقع الطلق‪ ،‬ول العتاق‪ ،‬وتقسيمُ اللفاظ إلى صريح‬
‫وكناية وإن كان تقسيماً صحيحًا فى أصل الوضع‪ ،‬لكن يختِلفُ بإختلف الشخاص والزمنة‬
‫ظ صريح‪ ،‬عند قوم كناية آخرين‪ ،‬أو صريح فى‬
‫والمكنة‪ ،‬فليس حكماً ثابتًا للفظ لذاته‪ ،‬فُربّ لف ٍ‬
‫زمان أو مكان كنايةٌ فى غير ذلك الزمان والمكان‪ ،‬والواقعُ شاهد بذلك‪ ،‬فهذا لفظ السّراحِ ل يكادُ‬
‫أح ٌد يستعمله فى الطلق ل صريحاً ول كناية‪ ،‬فل يسوغُ أن يقال‪ :‬إن من تكلم به‪ ،‬لزمه طلقُ‬
‫امرأته نواه أو لم ينوه‪ ،‬ويدّعى أنه ثبت له عُرف الشرع والستعمال‪ ،‬فإن هذه دعوة باطلة شرعاً‬
‫واستعمالً‪ ،‬أما الستعمال‪ ،‬فل يكاد أح ٌد يطلق به البتة‪ ،‬وأما الشرعُ‪ ،‬فقد استعمله فى غير الطلق‪،‬‬
‫ن َتمَسّوهُنّ َفمَاَلكُمْ‬
‫ن مِنْ َقبْلِ أَ ْ‬
‫طلّ ْق ُتمُوهُ ّ‬
‫ت ثُمّ َ‬
‫حتُم ال ُم ْؤ ِمنَا ِ‬
‫كقوله تعالى‪{ :‬يَا َأ ّيهَا الّذِينَ آ َمنُوا إِذَا َنكَ ْ‬
‫عَل ْيهِنّ مِنْ عِ ّدةٍ َت ْعتَدّونَها َف َم ّتعُوهُنّ وسرّحُوهُنّ سَراحاً جَميلً} [الحزاب‪ ،]49 :‬فهذا السراح غير‬
‫َ‬
‫طلّ ْقتُمُ‬
‫ى إِذَا َ‬
‫ك الفراق استعمله الشرعُ فى غير الطلق‪ ،‬كقوله تعالى‪{ :‬يََأ ّيهَا النّب ّ‬
‫الطلق قطعاً‪ ،‬وكذل َ‬
‫سكُوهُنّ ِب َم ْعرُوفٍ َأوْ‬
‫جَلهُنّ َفَأمْ ِ‬
‫طلّقُوهُنّ ِلعِ ّد ِتهِنّ} [الطلق‪ ]1 :‬إلى قوله تعالى‪{ :‬فَإِذَا َبَلغْنَ َأ َ‬
‫النّسَاءَ فَ َ‬
‫ن ِب َم ْعرُوفٍ} [الطلق‪ ]2 :‬فالمساك هنا‪ :‬الرجعة‪ ،‬والمفارقةُ‪ :‬تركُ الرجعة ل إنشاء طلقة‬
‫فَارقُوهُ ّ‬
‫ل يجوز أن يُقال‪ :‬إن من تكلم به طلقت زوجته‪ ،‬فهم معناه أو لم‬
‫ثانية‪ ،‬هذا مما ل خلف فيه البتة‪ ،‬ف َ‬
‫ل التوفيق‪.‬‬
‫يفهم‪ ،‬وكلهما فى البطلن سواء‪ ،‬وبا ّ‬
‫ل ال صلى ال عليه وسلم فى الظهار‪ ،‬وبيان ما أنزل ال فيه‪ ،‬ومعني‬
‫حُكم رسو ِ‬
‫العودِ الموجبِ للكفارة‬
‫لئِى َولَ ْد َنهُمْ‬
‫ل ال ّ‬
‫ن ُأمّها ِتهِ ْم إنْ ُأمّها ُتهُ ْم إِ ّ‬
‫ن نِسَا ِئهِ ْم مَا هُ ّ‬
‫ن ِم ْنكُم مِ ْ‬
‫ن يُظَا ِهرُو َ‬
‫قال تعالى‪{ :‬الّذِي َ‬
‫ن مِنْ نِسَا ِئهِمْ ثُمّ‬
‫لّ َلعَ ُفوّ غَفُو ٌر * والّذِينَ يُظَاهِروُ َ‬
‫ل َوزُوراً وإِنّ ا َ‬
‫وِإ ّنهُمْ َليَقُولُونَ ُم ْنكَرًا مِنَ ال َقوْ ِ‬
‫ن لَمْ‬
‫خبِيرٌ * َفمَ ْ‬
‫لّ ِبمَا َت ْع َملُونَ َ‬
‫حرِي ُر رَ َقبَ ٍة مِنْ َقبْل أَنْ َيتَماسّا َذِلكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ وا ُ‬
‫َيعُودُونَ ِلمَا قَالُوا َفتَ ْ‬
‫ك ِل ُتؤْمنُوا بِالِ‬
‫سكِينًا ذِل َ‬
‫ستّينَ مِ ْ‬
‫طعَامُ ِ‬
‫ستَطِعْ َفإِ ْ‬
‫ن لَمْ يَ ْ‬
‫ل أَنْ َيتَماسّا َفمَ ْ‬
‫ن مِنْ َقبْ ِ‬
‫ش ْه َريْن ُم َتتَا ِب َعيْ ِ‬
‫صيَامُ َ‬
‫يَجِدْ َف ِ‬
‫ب ألِيمٌ} [المجادلة‪ ،]4-2 :‬ثبت فى ((السنن)) و‬
‫َورَسُولِه َو ِت ْلكَ حُدُودُ ال وِل ْلكَافِرين عَذَا ٌ‬
‫‪180‬‬

‫((المسانيد))‪ :‬أن أوس بن الصامت ظاهر مِن زوجته خولة بنت مالك بن ثعلبة‪ ،‬وهي التى جادلت‬
‫ل ال صلى ال عليه وسلم‪ ،‬واشتكت إلى ال‪ ،‬وسمع ال شكواها مِن فوقِ سبعِ سماوات‪،‬‬
‫فيه رسو َ‬
‫ن الصامت تزوّجنى وأنا شابة مرغوب فىّ‪ ،‬فلما خل سنى‪ ،‬ونثرت‬
‫فقالت‪ :‬يا رسولَ ال‪ ،‬إن أوسَ ب َ‬
‫عنْدِى فى أمرِك‬
‫ل ال صلى ال عليه وسلم‪(( :‬مَا ِ‬
‫له بطنى‪ ،‬جعلنى كأمّهِ عنده‪ ،‬فقال لها رسو ُ‬
‫شَىءٌ)) فقالت‪ :‬اللهم إنى أشكو إليك‪ ،‬ورُوى أنها قالت‪ :‬إن لى صبي ًة صِغارًا إن ضمّهم إليه‪،‬‬
‫ل القرآنُ‪ ،‬وقالت عائشة‪ :‬الحمدُ لِّ الذى وَسِعَ سمعُه‬
‫ضاعُوا وإن ضممتُهم إلىّ جَاعُوا‪ ،‬فنز َ‬
‫سرِ‬
‫الصواتَ‪ ،‬لقد جاءت خول ُة بنتُ ثعلبة تشكو إلى رسول ال صلى ال عليه وسلم وأنا فى كِ ْ‬
‫جهَا‬
‫ل الّتى ُتجَا ِدُلكَ فى ْزَوْ ِ‬
‫سمِعَ الُّ َقوْ َ‬
‫ض كلمِها‪ ،‬فأنزل ال عزّ وجَلّ‪{:‬قَدْ َ‬
‫البيت يَخْفى علىّ بع ُ‬
‫سمَ ُع تَحا ُورَكما إنّ الَّ سمي ٌع َبصِيرٌ} [المجادلة‪ ]1 :‬فقال النبىّ صلى ال عليه‬
‫لّ يَ ْ‬
‫وتَشْتكى إلى الِّ وا ُ‬
‫ش ْه َريْنِ ُم َتتَا ِب َعيْنِ))‪ ،‬قالت‪ :‬يا رسول ال‪ ،‬إنه‬
‫وسلم ((ِل ُي ْعتِقْ رَ َقبَةً))‪ ،‬قالت‪ :‬ل يجد‪ ،‬قال‪َ (( :‬فيَصُومَ َ‬
‫سكِيناً)) قالت‪ :‬ما عنده من شىء يتصدّقُ به‪،‬‬
‫ن مِ ْ‬
‫ستّي َ‬
‫طعِمْ ِ‬
‫شيخ كبير ما ب ِه مِنْ صيام‪ ،‬قال‪َ (( :‬ف ْليُ ْ‬
‫ن َت ْمرٍ)) قلت‪ :‬يا رسول ال صلى ال عليه وسلم فإنى أعينه بعَرقٍ آخرَ‪،‬‬
‫قالت‪ :‬فأنى ساعتئذ ِبعَرق مِ ْ‬
‫ع ّمكِ))‪.‬‬
‫سكِينًا وارْجِعى إلى ابْنِ َ‬
‫ن مِ ْ‬
‫ستّي َ‬
‫عنْهُ ِ‬
‫طعِمى َ‬
‫س ْنتِ َفأَ ْ‬
‫قالَ‪(( :‬أَحْ َ‬
‫وفى ((السنن))‪ :‬أن سلمة بن صخر البياضى ظاهر مِن امرأته مدةَ شهرِ رمضان‪ ،‬ثم‬
‫ك يَا سَلمة))‪ ،‬قال‪ :‬قلت‪ :‬أنا‬
‫ى صلى ال عليه وسلم‪(( :‬أَنتَ بِذَا َ‬
‫واقعها ليلةً قبل انسلخه‪ ،‬فقال له النب ّ‬
‫ح ّر ْر رَ َقبَةَ))‪ ،‬قلتُ‪:‬‬
‫ى بما أراك ال قال‪َ (( :‬‬
‫بِذَاكَ يا رسولَ ال مرتين وأنا صابر لمر ال‪ ،‬فاحكمْ ف ّ‬
‫ش ْه َريْنِ‬
‫والذى بعثك بالحقّ نبياً ما أمِلكُ رقبة غيرَها‪ ،‬وضربتُ صفحة رقبتى‪ ،‬قال‪(( :‬فَصُمْ َ‬
‫ت الذى أصبتُ إل فى الصيام‪ ،‬قال‪(( :‬فاطعم‪ ،‬وسْقًا مِن تمر بين سِتينَ‬
‫متتا ِبعَين))‪ ،‬قال‪ :‬وهل أصب ُ‬
‫ب صَدَقَةِ‬
‫ح ِ‬
‫طلِقْ إلى صَا ِ‬
‫طعَام‪ ،‬قال‪(( :‬فانْ َ‬
‫شيْنِ ما لنا َ‬
‫مسكيناً)) قلت‪ :‬والّذى بعثك بالحقّ لقد ِب ْتنَا وَحْ َ‬
‫حتُ‬
‫ك بَ ِق ّيتَها))‪ .‬قال‪َ :‬فرُ ْ‬
‫عيَاُل َ‬
‫ل َأ ْنتَ و ِ‬
‫سكِينًا وَسْقًا مِنْ تَم ِر وكُ ْ‬
‫ستّينَ مِ ْ‬
‫طعِمْ ِ‬
‫َبنِى ُز َريْقٍ َف ْليَدْ َف ْعهَا إِل ْيكَ فَأ ْ‬
‫ل ال صلى ال عليه وسلم‬
‫ق وسوء الرأى‪ ،‬ووجدتُ عندَ رسو ِ‬
‫إلى قومى‪ ،‬فقلتُ‪ :‬وجدت عندكم الضي َ‬
‫حسْنَ الرأى‪ ،‬وقد أمر لى بصدَ َقتِكم‪،.‬وفى جامع الترمذى عن ابن عباس‪ ،‬أنّ رجل أتى‬
‫سعَةَ و ُ‬
‫ال ّ‬
‫ت مِن‬
‫النبىّ صلى ال عليه وسلم قد ظا َه َر مِن امرأته فوقع عليها‪ ،‬فقال‪ :‬يا رسولَ ال إنى ظاهر ُ‬
‫خلْخَالَها‬
‫ح ُمكَ ال)) قال‪َ :‬رَأ ْيتُ َ‬
‫ح َمَلكَ عَلى َذِلكَ َيرْ َ‬
‫ل أن أكفّر‪ ،‬قال‪َ (( :‬ومَا َ‬
‫امرأتى‪ ،‬فوقعتُ عليها َقبْ َ‬
‫ل مَا َأ َم َركَ ال))‪ .‬قال‪ :‬هذا حديث حسن غريب‬
‫حتّى تَ ْفعَ َ‬
‫ضوْءِ ال َق َمرِ‪ ،‬قال‪(( :‬فَلَ تَ ْق َربْها َ‬
‫فى َ‬
‫صحيح‪،.‬وفيه أيضاً‪ :‬عن لسمة بن صخر‪ ،‬عن النبى صلى ال عليه وسلم‪ ،‬فى المظاهر يُواقِعُ قبل‬
‫‪181‬‬

‫أن ُيكَفّر‪ ،‬فقال‪(( :‬كَفّا َرةٌ وَاحِ َدةٌ))‪ .‬وقال‪ :‬حسن غريب‪ ،‬انتهى‪ ،‬وفيه انقطاع بين سليمان بن يسار‪،‬‬
‫وسلمة بن صخر‪ ،‬وفى مسند البزار‪ ،‬عن إسماعيل بن مسلم‪ ،‬عن عمرو بن دينار‪ ،‬عن طاووس‪،‬‬
‫ل إلى النبى ال صلى ال عليه وسلم‪ ،‬فقال‪ :‬إنى‬
‫عن ابن عباس رضى ال عنه‪ ،‬قال‪ :‬أتى رج ٌ‬
‫ت من امرأتى‪ ،‬ثم وقعتُ عليها قبل أن أُكفِر‪ ،‬فقال رسولُ ال صلى ال عليه وسلم‪ :‬ألم يقل‬
‫ظاهر ُ‬
‫حتّى ُتكَ ّفرَ)) قال‬
‫سكْ عنها َ‬
‫ج َبتْنى‪ ،‬فقال‪َ(( :‬أمْ ِ‬
‫ال‪{:‬مِنْ َقبْل أَنْ َي َتمَاسّا} [المجادلة‪]3:‬؟ فقال‪ :‬أَعْ َ‬
‫ن من هذا‪ ،‬على أن إسماعيل ابن مسلم قد تُكلّم فيه‪ ،‬وروى عنه‬
‫البزار‪ :‬ل نعلم ُه يُروى بإسناد أحس َ‬
‫جماعة كثيرة من أهل العلم‪.‬‬
‫فتضمنت هذه الحكام أموراً‪.‬‬
‫أحدُها‪ :‬إبطال ما كانوا عليه فى الجاهلية‪ ،‬وفى صدرِ السلم مِن كون الظهار طلقاً‪ ،‬ولو‬
‫ى كظهر أمى‪ ،‬أعنى به الطلق‪ ،‬لم يكن طلقاً وكان ظهاراً‪ ،‬وهذا‬
‫صرّح بنيته له‪ ،‬فقال‪ :‬أنتِ عل ّ‬
‫بالتفاق إل ما عساه مِن خلف شاذ‪ ،‬وقد نصّ عليه أحمد والشافعى وغيرهما‪ .‬قال الشافعى‪ :‬ولو‬
‫ظاهر يُريد طلقاً‪ ،‬كان ظهاراً‪ ،‬أو طلّق يُريد ظهاراً كان طلقاً‪ ،‬هذا لفظه‪ ،‬فل يجوز أن يُنسب إلى‬
‫ف هذا‪ ،‬ونص أحمد‪ :‬على أنه إذا قال‪ :‬أنت علىّ كظهر أمى أعنى به الطلقَ أنه ظهار‪،‬‬
‫مذهبه خل ُ‬
‫ول تطلُق به‪ ،‬وهذا لن الظهار كان طلقًا فى الجاهلية‪ ،‬فنسخ‪ ،‬فلم يج ْز أن يُعاد إلى الحكم‬
‫المنسوخ‪ ،‬وأيضاً فأْوس بن الصامت إنما نوى به الطلقَ على ما كان عليه‪ ،‬وأجرى عليه حكم‬
‫الظهار دون الطلق‪.‬وأيضاً فإنه صريح فى حكمه‪ ،‬فلم يجز جعلُه كناية فى الحكم الذى أبطله عز‬
‫وجل بشرعه‪ ،‬وقضاءُ ال أحقّ‪ ،‬وحكم الِّ أوجبُ‪.‬‬
‫ومنها أن الظهار حرام ل يجوزُ القدامُ عليه لنه كما أخبر ال عنه منكر من القول‬
‫وزور‪ ،‬وكلهما حرام‪ ،‬والفرقُ بين جهة كونه منكراً وجه ِة كونه زورًا أن قوله‪ :‬أنت علىّ كظهر‬
‫أمى يتضمنُ إخباره عنها بذلك‪ ،‬وإنشاءه تحريمها‪ ،‬فهو يتضمن إخباراً وإنشاءً‪ ،‬فهو خبر زُورٌ‬
‫وإنشا ٌء منكر‪ ،‬فإن الزور هو الباطل خلف الحق الثابت‪ ،‬والمنكر خلف المعروف‪ ،‬وختم سبحانه‬
‫لّ َلعَ ُفوّ غَفُور} [المجادلة‪ ]2:‬وفيه شعار بقيام سبب الثم الذى لول عفوُ‬
‫الية بقوله تعالى‪{:‬وَإنّ ا َ‬
‫ال ومغفرتُه لخذ به‬
‫ومنها‪ :‬إن الكفارة ل تجب بنفسِ الظهار‪ ،‬وإنما تجبُ بالعود‪ ،‬وهذا قولُ‬
‫الجمهور‪ ،‬وروى الثورى‪ ،‬عن ابن أبى نَجيح‪ ،‬عن طاووس قال‪ :‬إذا تكلّم بالظهار‪ ،‬فقد َل ِزمَه‪ ،‬وهذه‬
‫ن ِلمَا‬
‫رواية ابن أبى نجيح عنه‪ ،‬وروى معمر‪ ،‬عن طاووس‪ ،‬عن أبيه فى قوله تعالى‪{ :‬ث ّم َيعُودُو َ‬
‫‪182‬‬

‫قَالُوا} [المجادلة‪ ،]3 :‬قال‪ :‬جعلها عليه كظهر أمه‪ ،‬ثم يعودُ‪ ،‬فيطؤها‪ ،‬فتحرير رقبة‪ .‬وحكى الناس‬
‫عن مجاهد‪ :‬أنه تجب الكفارةُ بنفس الظهار‪ ،‬وحكاه ابنُ حزم عن الثورى‪ ،‬وعثمان البتي‪ ،‬وهؤلء‬
‫لم يخف عليهم أن العود شرط فى الكفارة‪ ،‬ولكن العود عندهم هو العود إلى ما كانوا عليه فى‬
‫لّ ِمنْهُ} [المائدة‪ ]95 :‬أى‪:‬‬
‫الجاهلية من التظاهر‪ ،‬كقوله تعالى فى جزاء الصيد‪{:‬ومَنْ عَادَ َف َي ْنتَقِمُ ا ُ‬
‫سَلفَ} [المائدة‪ ]95 :‬قالوا‪ :‬ولن‬
‫عمّا َ‬
‫عاد إلى الصطياد بعد نزول تحريمه‪ ،‬ولهذا قال‪{ :‬عَفَا الُّ َ‬
‫الكفارة إنما وجبت فى مقابلة ما تكلم به من المنكر والزور‪ ،‬وهو الظها ُر دون الوطء‪ ،‬أو العزم‬
‫عليه‪ ،‬قالوا‪ :‬ولن ال سبحانه لما حرّم الظهار‪ ،‬ونهى عنه كان العود هو فعل المنهى عنه‪ ،‬كما قال‬
‫ح َمكُم وإنْ عُ ْدتُم عُ ْدنَا} [السراء‪ ]8:‬أى‪ :‬إن عدتم إلى الذنب‪ ،‬عدنا إلى‬
‫تعالى‪{ :‬عَسى َر ّبكُم أَنْ َيرْ َ‬
‫ل المنهى عنه‪،‬‬
‫العقوبة‪ ،‬فالعودُ هنا نفسُ فع ِ‬
‫قالوا‪ :‬ولن الظهارَ كان طلقاً فى الجاهلية‪ ،‬فنُقِلَ حكمُه من الطلق إلى الظهار‪ ،‬ورتب‬
‫عليه التكفير‪ ،‬وتحريم الزوجة حتى يكفّر‪ ،‬وهذا يقتضى أن يكون حكمُه معتبراً بلفظه كالطلق‪،‬‬
‫ونازعهم الجمهور فى ذلك‪ ،‬وقالوا‪ :‬إن العود أمرٌ وراءه مجرد لفظ الظهار‪ ،‬ول َيصِحّ حمل الية‬
‫على العود إليه فى السلم لثلثة أوجه‪.‬‬
‫أحدها‪ :‬أن هذه الية بيان لحكم من يُظاهر فى السلم‪ ،‬ولهذا أتى فيها بلفظ الفعل مستقبلً‪،‬‬
‫فقال‪ :‬يُظاهرون‪ ،‬وإذا كان هذا بياناً لحكم ظِهار السلم‪ ،‬فهو عندكم نفسُ العود‪ ،‬فكيف يقول بعده‪:‬‬
‫ثم يعودون‪ ،‬وإن معنى هذا العود غير الظهر عندكم؟‬
‫الثانى‪ :‬أنه لو كان العُود ما ذكرتم‪ ،‬وكان المضا ُر بمعنى الماضي‪ ،‬كان تقديرُه‪ :‬والذين‬
‫ظاهروا مِن نسائهم‪ ،‬ثم عادوا فى السلم‪ ،‬ولما وجبت الكفارةُ إل على من تظاهر فى الجاهلية ثم‬
‫عاد فى السلم‪ ،‬فمن أين تُوجبونها على من ابتدأ الظهار فى السلم غيرَ عائد؟ فإن هنا أمرين‪:‬‬
‫ظِهار سابق‪ ،‬وعود إليه‪ ،‬وذلك يبطلُ حكم الظهار الن بالكلية إل أن تجعلوا ((يظاهرون)) لفرقة‬
‫ويعودون لفرقة‪،‬ولفظ المضارع نائباً عن لفظ الماضى‪ ،‬وذلك مخالف للنظم‪ ،‬ومخرج عن‬
‫الفصاحة‪.‬‬
‫لّ أمر أوسَ بن الصَامت‪ ،‬وسلمة بن صخر بالكفارة‪ ،‬ولم يسألهما‪ :‬هل‬
‫الثالث‪ :‬أن رسولَ ا ِ‬
‫تظاهرا فى الجاهلية أم ل؟ فإن قلتُم‪ :‬ولم يسألهُما عن العود الذى تجعلونه شرطاً‪ ،‬لسألهما عنه‪ .‬قبل‪:‬‬
‫ل العود نفس المساك بعد الظهار زمنًا ُي ْمكِنُ وقوع الطلق فيه‪ ،‬فهذا جا ٍر على قوله‪،‬‬
‫أما من يجع ُ‬
‫وهو نفسُ حجته‪ ،‬ومن جعل العودَ هو الوطء والعزم‪ ،‬قال‪ :‬سياق القصة بيّن فى أن المتظاهرين‬
‫‪183‬‬

‫كان قصدُهم الوطء‪ ،‬وإنما أمسكوا له‪ ،‬وسيأتى تقريرُ ذلك إن شاء ال تعالى‪ ،‬وأما كون الظهار‬
‫منكراً من القول وزوراً‪ ،‬فنعم هو كذلك‪ ،‬ولكن ال عز وجل إنما أوجب الكفارة فى هذا المنكر‬
‫والزور بأمرين‪ :‬به‪ ،‬وبالعود‪ ،‬كما أن حكم اليلء إنما يترتب عليه وعلى الوطء ل على أحدهما‪.‬‬
‫فصل‬
‫ب الكفارةُ إل بالعود بعد الظهار‪ ،‬ثم اختلفوا فى معنى العود‪ :‬هل هو‬
‫وقال الجمهور‪ :‬ل تج ُ‬
‫إعادة لفظ الظها ِر بعينه‪ ،‬أو أمر وراءه؟ على قولين‪ ،‬فقال أهلُ الظاهر ُكلّهم‪ :‬هو إعادة لفظِ الظهارِ‪،‬‬
‫ل لم يُسبقوا إليه‪ ،‬وإن كانت هذه الشّكاةُ ل يكاد‬
‫ولم يحكُوا هذا عن أحد من السلف البتة‪ ،‬وهو قو ٌ‬
‫مذهب من المذاهب يخلو عنها‪ .‬قالوا‪ :‬فلم يوجب الُّ سبحانَه الكفارة إل بالظهار المعاد ل المبتدأ‪.‬‬
‫قالوا‪ :‬والستدلل بالية من ثلثة وجوه‪.‬‬
‫أحدهما‪ :‬أن العرب ل يُعقل فى لغاتها العو ُد إلى الشىء إل فعل مثله مرةً ثانية‪ ،‬قالوا‪ :‬وهذا‬
‫عنْهُ}‬
‫كتابُ ال‪ ،‬وكلمُ رسوله‪ ،‬وكل ُم العرب بيننا وبينكم‪ .‬قال تعالى‪َ { :‬وَل ْو رُدّوا َلعَادُوا ِلمَا نُهوا َ‬
‫[النعام‪ ،]28 :‬فهذا نظي ُر الية سواء فى أنه عدّى فعل العود باللم‪ ،‬وهو إتيانُهم مرة ثانية بمثل ما‬
‫أتوا به أولً‪ ،‬وقال تعالى‪َ { :‬وإِنْ عُ ْدتُمْ عُدْنا} [السراء‪ ]8 :‬أى‪ :‬إن كررتم الذنب‪ ،‬كررنا العقوبة‪،‬‬
‫عنْهُ} [المجادلة‪ ]8 :‬وهذا‬
‫ن ِلمَا ُنهُوا َ‬
‫جوَى ثُ ّم َيعُودُو َ‬
‫ن ُنهُوا عَن النّ ْ‬
‫ومنه قوله تعالى‪َ{ :‬ألَمْ َت َر إلى الّذِي َ‬
‫ل وإرادة‪ ،‬والعهد قريب‬
‫فى سورة الظهار نفسها‪ ،‬وهو يُبين المرا َد مِن العود فيه‪ ،‬فإنه نظيرُه فع ً‬
‫بذكره‪.‬‬
‫قالوا‪ :‬وأيضاً‪ ،‬فالذى قالوه‪ :‬هو لفظُ الظهار‪ ،‬فالعود إلى القول هو التيانُ به مرة ثانية ل‬
‫ل العرب غيرَ هذا‪ .‬قالوا‪ :‬وأيضاً فما عدا تكرار اللفظ إما إمساكٌ‪ ،‬وإما عزم‪ ،‬وإما فعل‪ ،‬وليس‬
‫تعقِ ُ‬
‫واضحٌ منها بقول‪ ،‬فل يكون التيان به عوداً‪ ،‬ل لفظًا ول معنى‪ ،‬ولن العزم والوطء َ والمساكَ‬
‫ليس ظهاراً‪ ،‬فيكون التيان بها عودًا إلى الظهار‪.‬‬
‫قالوا‪ :‬ولو أريد بالعودِ الرجوعُ فى الشىء الذى منع منه نفسه كما يُقال‪ ،‬عاد فى الهبة‪ ،‬لقال‪:‬‬
‫ثم يعودون فيما قالوا‪ ،‬كما فى الحديث‪(( :‬العَائِدُ فى هِبتهِ‪ ،‬كَالعَائِدِ فى َقيْئهِ))‪ ،‬واحتج أبو محمد ابن‬
‫حزم‪ ،‬بحديث عائشة رضى ال عنها‪ .‬أن أوس بن الصامت كان به لمم‪ ،‬فكان إذا اشت ّد بِه َل َممُه‪،‬‬
‫ظا َه َر من زوجته‪ ،‬فأنزل الُّ عز وجَلّ فيه كفارةَ الظهار‪ .‬فقال‪ :‬هذا يقتضى التكرارَ ول بُدّ‪ ،‬قال‪:‬‬
‫ول يصِحّ فى الظهارِ إل هذا الخبرُ وحدَه‪ .‬قال‪ :‬وأما تشنيعُكم علينا بأن هذا القولَ لم يَقُلْ به أحد من‬
‫الصحابة‪ ،‬فأرونا مِن الصحابه من قال‪ :‬إن العود هو الوطء‪ ،‬أو العزم‪ ،‬أو المساك‪ ،‬أو هو العود‬
‫‪184‬‬

‫إلى الظهار فى الجاهلية ولو عن رجل واح ٍد من الصحابة‪ ،‬فل تكونون أسعدَ بأصحاب رسول ال‬
‫صلى ال عليه وسلم منا أبداً‪.‬‬
‫فصل‬
‫س معنى العود إعادة اللفظ الول‪ ،‬لن ذلك لو كان هو‬
‫ونازعهم الجمهورُ فى ذلك‪ ،‬وقالوا‪ :‬لي َ‬
‫العود‪ ،‬لقال‪ :‬ثُ ّم يعيدون ما قالوا‪ ،‬لنه يُقال‪ :‬أعاد كلمَه بعينه‪ ،‬وأما عاد‪ ،‬فإنما هو فى الفعال‪ ،‬كما‬
‫يقال‪ :‬عاد فى فعله‪ ،‬وفى هبته‪،‬فهذا استعماله بـ((فى))‪ .‬ويقال‪ :‬عاد إلى عمله وإلى وليته‪ ،‬وإلى‬
‫حاله‪ ،‬وإلى إحسانه وإساءتهِ‪ ،‬ونحو ذلك‪ ،‬وعاد له أيضاً‪.‬‬
‫عَلىّ‬
‫وأما القول‪ :‬فإما يقال‪ :‬أعاده كما قال ضِماد بن ثعلبة للنبى صلى ال عليه وسلم‪(( :‬أَعِدْ َ‬
‫عَلىّ يا رسول ال))‪ ،‬وهذا ليس بلزم‪ ،‬فإنه يقال‪ :‬أعاد‬
‫َكِلمَا ِتكَ)) وكما قال أبو سعيد‪(( :‬أَعِدْهَا َ‬
‫مقالته‪ ،‬وعاد لِمقالته‪ ،‬وعاد لِمقالته‪ ،‬وفى الحديث‪(( :‬فعاد لمقالته))‪ ،‬بمعنى أعادها سواء‪ ،‬وأفسدُ مِن‬
‫ن رَ ّد عليهم بأن إعادةَ القول محال‪ ،‬كإعادة أمس‪ .‬قال‪ :‬لنه ل يتهيأ اجتماعُ زمانين‪ ،‬وهذا‬
‫هذا ردّ مَ ْ‬
‫فى غاية الفساد‪ ،‬فإن إعاد َة القولِ من جنس إعادة الفعل‪ ،‬وهى التيان بمثل الول ل بعينه‪ ،‬والعجبُ‬
‫ث معهم بمثل هذه البحوث‪ ،‬ويردّ عليهم بمثل‬
‫مِن متعصّب يقول‪ :‬ل ُي ْعتَدّ بخلف الظاهرية‪ ،‬ويبح ُ‬
‫هذا الردّ‪ ،‬وكذلك ر ّد من ر ّد عليهم بمثل العائدِ في هبته‪ ،‬فإنه ليس نظي َر الية‪ ،‬وإنما نظيرُها‪َ{ :‬ألَمْ‬
‫عنْهُ} [المجادلة‪ ،]8 :‬ومع هذا فه ِذ ِه الية تُبين‬
‫جوَى ثُ ّم َيعُودونَ ِلمَا ُنهُوا َ‬
‫َترَ إلى الّذِينَ ُنهُوا عَن النّ ْ‬
‫المرا َد مِن آية الظهار‪ ،‬فإن عودَهم ِلمَا ُنهُوا عنه‪ ،‬هو رجوعُهم إلى نفس المنهى عنه‪ ،‬وهو النجوى‪،‬‬
‫وليس المرادُ به إعاد َة تلك النجوي بعينها‪ ،‬بل رجوعُهم إلى المنهى عنه‪ ،‬وكذلك قولُه تعالى فى‬
‫الظهار‪َ { :‬يعُودُونَ ِلمَا قَالُوا} [المجادلة‪ ]3 :‬أى‪ :‬لقولهم‪ .‬فهو مصدر بمعنى المفعول‪ ،‬وهو تحريمُ‬
‫الزوجة بتشبيهها بالمحرّمة‪ ،‬فالعو ُد إلى المحرم هو العودُ إليه‪ ،‬وهو فعلُه‪ ،‬فهذا مأخذُ من قال‪ :‬إنه‬
‫الوطء‪.‬‬
‫ونكتة المسألة‪ :‬أن القولَ فى معنى المقول‪ ،‬والمقول هو التحريم‪ ،‬والعود له هو العو ُد إليه‪،‬‬
‫وهو استباحته عائداً إليه بعد تحريمه‪ ،‬وهذا جار على قواعد اللغة العربية واستعمالها‪ ،‬وهذا الذى‬
‫عليه جمهو ُر السلف والخلف‪ ،‬كما قال قتادة‪ ،‬وطاووس‪ ،‬والحسن‪ ،‬والزهرىّ‪ ،‬ومالك‪ ،‬وغيرُهم‪ ،‬ول‬
‫يُعرف عن أحد مِن السلف أنه فسر الية بإعادة اللفظ البتة ل من الصحابة‪ ،‬ول مِن التابعين‪ ،‬ول‬
‫ى على مَنْ جعله إعاد َة اللفظ‪ ،‬وهو أن العودَ إلى الفعل يستلزِمُ مفارقة‬
‫مَنْ بعدهم‪ ،‬وها هنا أمرٌ خف َ‬
‫الحال التى هو عليها الن‪ ،‬وعودَه إلى الحال التى كان عليها أولً‪،‬كما قال تعالى{وإنْ عُ ْدتُمْ عُ ْدنَا}‬
‫‪185‬‬

‫[السراء‪ ]8 :‬أل ترى أن عودهم مفارقة ما هم عليه من الحسان‪ ،‬وعودُهم إلى الساءة‪ ،‬وكقول‬
‫الشاعر‪:‬‬
‫حمَدُ‪.‬‬
‫وإنْ عَا َد لِلِحْسَانِ فَال َعوْدُ َأ ْ‬
‫جبِ‬
‫ل التى هو عليها الن التحريمُ بالظهار‪ ،‬والتى كان عليها إباح ُة الوطء بالنكاح المو ِ‬
‫والحَا ُ‬
‫للحل‪َ ،‬ف َعوْدُ المظاهر عودٌ حِلّ كان عليهِ قبلَ الظهار‪ ،‬وذلك هو الموجبُ للكفارة فتأمله‪ ،‬فالعودُ‬
‫ن العود فى الهبة‪ ،‬وبينَ العود لما قال‬
‫س ّر الفرق بي َ‬
‫يقتضى أمراً يعو ُد إليه بعدَ مفارقته‪ ،‬وظهر ِ‬
‫ن الهبة بمعنى الموهوب وهو عين يتضمّن عودُه فيه إدخالَه فى مُلكه وتصرّفَه فيه‪ ،‬كما‬
‫المظاهرُ‪ ،‬فإ ّ‬
‫كان أولً‪ ،‬بخلف المظاهر‪ ،‬فإنه بالتحريم قد خرج عن الزوجية‪ ،‬وبالعودِ قد طلب الرجوعَ إلى‬
‫للْيق أن يقال‪ :‬عاد لكذا‪ ،‬يعنى‪ :‬عاد إليه‪ .‬وفى الهبة‪:‬‬
‫ل التى كان عليها معها قبلَ التحريم‪ ،‬فكان ا َ‬
‫الحا ِ‬
‫عاد إليها‪ ،‬وقد أمر النبىّ صلى ال عليه وسلم أوسَ بن الصامِت‪ ،‬وسلم َة ابن صخر بكفارة الظّهار‪،‬‬
‫ولم يتلفظا به مرتين‪ ،‬فإنّهما لم يُخبرا بذلك عن أنفسهما‪ ،‬ول أخبر به أزواجُهما عنهما‪ ،‬ول أح ٌد من‬
‫ى صلى ال عليه وسلم‪ :‬هَلْ قلُتما ذلك مرة أو مرتين؟ ومثلُ هذا لو كان‬
‫الصحابة‪ ،‬ول سألهما النب ّ‬
‫شرطاً لما أهمل بيانه‪.‬‬
‫وسرّ المسألة أن العودَ يتضمن أمرين‪ :‬أمرًا يعود إليه‪ ،‬وأمراً يعود عنه‪ ،‬ول بُدّ منهما فالذى‬
‫يعود عنه يتضمّن نقضَه وإبطاله‪ ،‬والذى يعودُ إليه يتضمّن إيثاره وإرادته‪ ،‬فعودُ المظاهر يقتضى‬
‫ض الظِهار وإبطاله‪ ،‬وإيثار ضدّه وإرادته‪ ،‬وهذا عينُ فهم السلفِ من الية‪ ،‬فبعضُهم يقول‪ :‬إن‬
‫نق َ‬
‫العود هو الصابة‪ ،‬وبعضُهم يقول‪ :‬الوطء‪ ،‬وبعضُهم يقول‪ :‬اللمس‪ ،‬وبعضُهم يقول‪ :‬العزم‪.‬‬
‫وأما قولُكم‪ :‬إنه إنما أوجب الكفارة فى الظهار‪ ،‬إن أردتم به المعاد لفظُه‪ ،‬فدعوى بحسب ما‬
‫ستَلز ْم ذلك إعادة اللفظ الول‪ .‬وأما‬
‫فهمتموه‪ ،‬وإن أردتم به الظهارَ المعادَ فيه لما قال المظا ِهرُ‪ ،‬لم يَ ْ‬
‫حديث عائشة رضى ال عنها فى ظِهار أوس بن الصامت‪ ،‬فما أصحّه‪ ،‬وما أبع َد دللته على‬
‫مذهبكم‪.‬‬
‫فصل‬
‫ث ّم الذين جعلوا العودَ أمراً غي َر إعادة اللفظ اختلفُوا فيه‪ :‬هل هو مجردُ إمساكِها بعد الظهار‪،‬‬
‫أو أم ٌر غيره؟ على قولين‪ .‬فقالت طائفة‪ :‬هو إمساكُها زمنًا يتّس ُع لقوله‪ :‬أنت طالق‪ ،‬فمتى لم َيصِل‬
‫ظ الظّهار‪ ،‬وزمنُ‬
‫الطلق بالظهار عن كونه موجبَ الكفارة‪ ،‬ففى الحقيقة لم يُوجب الكفارة إل لف ُ‬
‫ب به ممتنع‪ ،‬ول تُسمى تلك‬
‫قوله‪ :‬أنت طالق ل تأثيرَ له فى الحكم إيجاباً ول نفياً‪ ،‬فتعليقُ اليجا ِ‬
‫‪186‬‬

‫اللحظةُ والنّفسُ الواحد مِن النفاس عودًا ل فى لغة العرب ول فى عُرف الشارع‪ ،‬وأىّ شىء فى‬
‫هذا الجزء اليسير جدًا مِن الزمان من معنى العود أو حقيقته؟‬
‫ل معقول يفهم‬
‫قالوا‪ :‬وهذا ليس بأقوى مِن قول من قال‪ :‬هو إعادةُ اللفظ بعينه‪ ،‬فإن ذلك قو ٌ‬
‫منه العودُ وحقيقةً‪ ،‬وأما هذا الجزءُ مِن الزمان‪ ،‬فل يفهمُ من النسان فيه العود البتة‪ .‬قالوا‪ :‬ونحنُ‬
‫ب الكفارةَ‬
‫نُطالبكم بما طالبتُم به الظاهرية‪ :‬من قال هذا القولَ قبل الشافعى؟ قالوا‪ :‬والُّ سبحانه أوج َ‬
‫ن بينَ العود وبين الظهار مدةٌ‬
‫بالعودِ بحرف ((ثم)) الدالة على التراخى عن الظهار‪ ،‬فل بد أن يكو َ‬
‫متراخية‪ ،‬وهذا ممتنع عندكم‪ ،‬وبمجردِ انقضاء قوله‪ :‬أنت علىّ كظهر أمى صار عائدًا ما لم يصله‬
‫بقوله‪ :‬أنتِ طالق‪ ،‬فأين التراخى والمهلة بين العود والظهار؟ والشافعى لم ينقل هذا عن أحد من‬
‫س ِم ْعتُ فى‬
‫ت ممّا َ‬
‫الصحابة والتابعين‪ ،‬وإنما أخبر أنه أولى المعانى بالية‪ ،‬فقال‪ :‬الذى عَ َق ْل ُ‬
‫((يعودون لما قالوا))‪ ،‬أنه إذا أتت على المظا ِه ِر مد ٌة بعد القول بالظهار‪ ،‬لم يُح ّر ْمهَا بالطلق الذى‬
‫يحرم به‪ ،‬وجبت عليه الكفارةُ‪ ،‬كأنهم يذهبون إلى أنه إذا أمسكَ ما حرّم على نفسه أنه حلل‪ ،‬فقد‬
‫عاد لما قال‪ ،‬فخالفه‪ ،‬فأحلّ ما حرم‪ ،‬ول أعل ُم له معنى أولى به من هذا‪ .‬انتهى‪.‬‬
‫فصل‬
‫(يتبع‪)...‬‬
‫@‬
‫والذين جعلوه أمراً وراءَ المساك اختلفوا فيه‪ ،‬فقال مالك فى إحدى الروايات الربع عنه‪،‬‬
‫وأبو عُبيد‪ :‬هو العزم على الوطء‪ ،‬وهذا قول القاضى أبى يعلى وأصحابه‪ ،‬وأنكره المام أحمد‪،‬‬
‫وقال مالك‪ :‬يقول‪ :‬إذا أجمع‪ ،‬لزمته الكفارة‪ ،‬فكيف يكون هذا لو طلّقها بعد ما يُجمع‪ ،‬أكان عليه‬
‫ل الطلق؟‬
‫كفارة إل أن يكون يذهبُ إلى قول طاووس إذا تكلم بالظهارِ‪ ،‬لزمه مث ُ‬
‫ب هذا القول فيما لو مات أحدُهما‪ ،‬أو طلّق بعد العزم‪ ،‬وقبل الوطء‪،‬‬
‫ثم اختلف أربا ُ‬
‫هل تستقر عليه الكفارة؟ فقال مالك وأبو الخطاب‪ :‬تست ِقرّ الكفارةُ‪ .‬وقال القاضى وعامةُ أصحابه‪ :‬ل‬
‫تست ِقرّ‪ ،‬وعن مالك رواية ثانية‪ :‬أنه العزم على المساك وحدَه‪ ،‬وروايةُ ((الموطأ)) خلف هذا كله‪:‬‬
‫أنه العز ُم على المساك والوطء معاً‪ .‬وعنه رواية رابعة‪ :‬أنه الوطء نفسه‪ ،‬وهذا قولُ أبى حنيفة‬
‫ن إذا أراد‬
‫وأحمد‪ .‬وقد قال أحمد فى قوله تعالى‪{:‬ثُمّ َيعُودُونَ ِلمَا قَالُوا} [المجادلة‪ ،]3 :‬قال‪ :‬الغشيا ُ‬
‫أن يغشى‪ ،‬كَ ّفرَ‪ ،‬وليس هذا باختلف رواية‪ ،‬بل مذهبُه الذى ل يُعرف عنه غيره أنه الوطء ويلزمه‬
‫إخراجها قبله عند العزم عليه‪.‬‬
‫‪187‬‬

‫ل أن‬
‫واحتج أرباب هذا القول بأن ال سبحانه قال فى الكفارة‪{ :‬مِنْ َقبْ ِ‬
‫يتماساً} [المجادلة‪ ]3 :‬فأوجب الكفارة بعد العودِ‪ ،‬وقبل التماس‪ ،‬وهذا صريح فى أن العود غير‬
‫التماس‪ ،‬وأن ما يحرم قبل الكفارة‪ ،‬ل يجوز كونُه متقدماً عليها‪ .‬قالوا‪ :‬ولنه قصد بالظهار‬
‫تحريمها‪ ،‬والعزم على وطئها عود فيما قصده‪ .‬قالوا‪ :‬ولن الظّهار تحريم‪ ،‬فإذا أراد استباحتها‪ ،‬فقد‬
‫رجع فى ذلك التحريم‪ ،‬فكان عائداً‪.‬‬
‫ل ضدّ قولِه كما تقدم‬
‫قال الذين جعلوه الوطء‪ :‬ل ريب أن العود فع ُ‬
‫ن ِلمَا ُنهُوا‬
‫تقريره‪ ،‬والعائد فيما نهى عنه وإليه وله‪ :‬هو فاعلُه ل مريدُه‪ ،‬كما قال تعالى‪{ :‬ثُ ّم َيعُودو َ‬
‫ب هذا القول ما ألزمهم به‬
‫عنْهُ} [المجادلة‪ ،]8 :‬فهذا فعل المنهى عنه نفسه لرادته‪ ،‬ول يلزم أربا َ‬
‫َ‬
‫أصحابُ العزم‪ ،‬فإن قولهم‪ :‬إن العودَ يتقدم التكفير‪ ،‬والوطءُ متأخر عنه‪ ،‬فهم يقولون‪ :‬إن قوله‬
‫تعالى‪{ :‬ثُ ّم َيعُودُونَ ِلمَا قَالُوا} [المجادلة‪ ]3 :‬أى‪ :‬يريدون العود كما قال تعالى‪{ :‬فَإذَا َق َر ْأتَ ال ُقرْآنَ‬
‫سلُوا وجُو َهكُم} [المائدة‪]6 :‬‬
‫س َتعِ ْذ بالِ} [النحل‪ ،]98 :‬وكقوله تعالى‪{ :‬إذَا ُق ْمتُ ْم إلى الصّلةِ فاغْ ِ‬
‫فا ْ‬
‫ونظائره مما يطلق الفعل فيه على إرادته لوقوعه بها‪ .‬قالوا‪ :‬وهذا أولى مِن تفسير العود بنفس اللفظ‬
‫ق بعده‪،‬‬
‫الول‪ ،‬وبالمساك نَفَساً واحداً بعد الظهار‪ ،‬وبتكرار لفظ الظهار‪ ،‬وبالعزم المجرّدِ لو طلّ َ‬
‫فإن ه ِذهِ القوال ُكلّها قد تبين ضعفها‪ ،‬فأقرب القوال إلى دللة اللفظ وقواعد الشريعة وأقوال‬
‫ل التوفيق‪.‬‬
‫المفسرين‪ ،‬هو هذا‪ ،‬وبا ّ‬
‫فصل‬
‫ى صلى ال عليه وسلم أعان أوسَ‬
‫ومنها‪ :‬أن من عجز عن الكفارة‪ ،‬لم تسقُط عنه‪ ،‬فإن النب ّ‬
‫ابن الصامت ِب َعرَقٍ من تمر‪ ،‬وأعانته امرأته بمثله‪ ،‬حتى كفّر‪ ،‬وأمر سلم َة بن صخر أن يأخذ صدقةَ‬
‫قومه‪ ،‬فيكفّر بها عن نفسه‪ ،‬ولو سقطت بالعجز‪ ،‬لما أمرهما بإخراجها‪ ،‬بل تبقى فى ذمته دينًا عليه‪،‬‬
‫وهذا قول الشافعى‪ ،‬وأحد الروايتين عن أحمد‪.‬‬
‫وذهبت طائفة إلى سقوطِها بالعجز‪ ،‬كما تسقط الواجبات بعجزه عنها‪ ،‬وعن إبدالها‪.‬‬
‫وذهبت طائفة أن كفار َة رمضان ل تبقى فى ذمته‪ ،‬بل تسقُط‪ ،‬وغيرُها من الكفارات ل‬
‫تسقط‪ ،‬وهذا الذى صححه أبو البركات ابن تيمية‪.‬‬
‫صرِفاً‬
‫ن َم ْ‬
‫ت إليه‪ ،‬فإن الرجل ل يكو ُ‬
‫صرِ َف ْ‬
‫واحتجّ من أسقطها بأنها لو وجبت مع العجز‪ ،‬لما ُ‬
‫ب القول الول يقولون‪ :‬إذا عجز عنها‪ ،‬وكفر الغيرُ‬
‫صرِفا لزكاته‪ ،‬وأربا ُ‬
‫لكفارته‪ ،‬كما ل يكون َم ْ‬
‫صرِ َفهَا إليه‪ ،‬كما صرف النبى صلى ال عليه وسلم كفارةَ من جامع فى رمضان إليه‬
‫عنه‪ ،‬جاز أن َي ْ‬
‫‪188‬‬

‫وإلى أهله‪ ،‬وكما أباح لسلمة بن صخر أن يأكُل هو وأهلُه من كفارته التى أخرجها عنه من صدقة‬
‫قومه‪ ،‬وهذا مذهبُ أحمد‪ ،‬رواية واحدة عنه فى كفارة من وطىء أهله فى رمضان‪ ،‬وعنه فى سائر‬
‫الكفارات‪ ،‬وك ّفرَ عن غيرُه‪ ،‬جاز صرف كفارته إليه‪ ،‬وإلى أهله‪.‬‬
‫فإن قيل‪ :‬فهل يجوز له إذا كان فقيرًا له عيال وعليه زكاة يحتاج إليها أن يصرفها إلى نفسه‬
‫وعياله؟ قيل‪ :‬ل يجوز ذلك لعدم الخراج المستحق عليه‪ ،‬ولكن للمام أو الساعى أن يدفع زكاتَه‬
‫إليه بعد قبضها منه فى أصحّ الروايتين عن أحمد‪ ،‬فإن قيل‪ :‬فهل له أن يسقطها عنه؟ قيل‪ :‬ل‪ ،‬نص‬
‫عليه‪ ،‬والفرق بينهما واضح‪ ،‬فإن قيل‪ :‬فإذا أذن السيد لعبده فى التكفير بالعتق‪ ،‬فهل له أن يعتق‬
‫ل عن الصيامِ إليه؟ على‬
‫نفسه؟ قيل‪ :‬اختلفت الرواية فيما إذا أذن له فى التكفير بالمال‪ ،‬هل له أن ينتق َ‬
‫روايتين إحداهما‪ :‬أنه ليس له ذلك‪ ،‬وفرضُه الصيام‪ ،‬والثانية‪ :‬له النتقال إليه‪ ،‬ول يلزمُه لنّ المنع‬
‫لِحقّ السيد‪ ،‬وقد أذن فيه‪ .‬فإذا قلنا‪ :‬له ذلك‪ ،‬فهل العتقُ؟ اختلف الروايةُ فيه عن أحمد‪ ،‬فعنه فى ذلك‬
‫روايتان‪ ،‬ووج ُه المنع‪ :‬أنه ليس من أهل الولء‪ ،‬والعتق َي ْع َتمِدُ الولء‪ ،‬واختار أبو بكر وغيرُه أن له‬
‫العتاق‪ ،‬فعلى هذا‪ ،‬هل له عِتقُ نفسه؟ فيه قولن فى المذهب‪ ،‬ووج ُه الجواز إطلقُ الذن ووجهُ‬
‫المنع أن الذن فى العتاق ينصرفُ إلى إعتاق غيره‪ ،‬كما لو أذن له فى الصدقة انصرف الذن‬
‫إلى الصدقة على غيره‪.‬‬
‫فصل‬
‫ومنها‪ :‬أنه ل يجوز وطء المظاهر منها قبل التكفير‪ ،‬وقد اختلف ها هنا فى موضعين‪.‬‬
‫ن الفرج قبل التكفير‪ ،‬أم ل؟ والثانى‪ :‬أنه إذا كانت كفارتُه الطعام‪ ،‬فهل‬
‫أحدهما‪ :‬هل له ُمبَاشَرتها دُو َ‬
‫له الوطء قبلَه أم ل؟ فى المسألتين قولن للفقهاء‪ ،‬وهما روايتانِ عن أحمد‪ ،‬وقولن للشافعى‪.‬‬
‫ل أَنْ َيتَماسّا} [المجادلة‪،]3 :‬‬
‫ووجه منع الستمتاع بغير الوطء‪ ،‬ظاهرُ قوله تعالى‪{ :‬مِنْ َقبْ ِ‬
‫ولنه شبّهها بمن يحرم وطؤها ودواعيه‪ ،‬ووج ُه الجواز أن التّماسّ كنايةٌ عن الجماع‪ ،‬ول يلزم مِن‬
‫تحريم الجماع تحريمُ دواعيه‪ ،‬فإن الحائضَ يحرم جماعُها دون دواعيه‪ ،‬والصائمُ يحرم منه الوطُء‬
‫ل أبى حنيفة‪.‬‬
‫ن دواعيه‪ ،‬وهذا قو ُ‬
‫دون دواعيه‪ ،‬والمسبية يحرم وطُؤها دو َ‬
‫وأما المسألةُ الثانية وهى وطؤها قبل التكفير‪ :‬إذا كان بالطعام‪ ،‬فوجه الجواز أن ال سبحانه‬
‫قيّد التكفيرَ بكونه قبل المسيس فى العتق والصيام‪ ،‬وأطلقه فى الطعام‪ ،‬ولكل منهما حِكمة‪ ،‬فلو أراد‬
‫التقييدَ فى الطعام‪ ،‬لذكره‪ ،‬كما ذكره فى العتق والصيام‪ ،‬وهو سبحانه لم يقيد هذا ويطلق هذا عبثاً‪،‬‬
‫بل لِفائدة مقصودة‪ ،‬ول فائدة إل تقييد ما قيّده‪ ،‬وإطلقُ ما أطلقه‪ .‬ووجهُ المنع استفادةُ حكم ما أطلقه‬
‫‪189‬‬

‫مماقيده‪ ،‬إما بيانًا على الصحيح‪ ،‬وإما قياساً قد ألغى فيه الفارق بين الصورتين‪ ،‬وهو سبحانه ل‬
‫ل أَنْ َي َتمَاسّا} [المجادلة‪ ]4 :‬مرتين‪ ،‬لو أعاده ثالثاً‪ ،‬لطال به‬
‫يُفرّقُ بين المتماثلين‪ ،‬وقد ذكر‪{ :‬مِنْ َقبْ ِ‬
‫الكلم‪ ،‬ونبّه بذكره مرتين على تكرر حكمه فى الكفارات‪ ،‬ولو ذكره فى آخر الكلم مرةً واحدةً‪،‬‬
‫لوهم اختصاصه بالكفارة الخيرة‪ ،‬ولو ذكره فى أول مرة لوهم اختصاصه بالولى‪ ،‬وإعادته فى‬
‫كُلّ كفارة تطويل‪ ،‬وكان أفصحَ الكلم وابلَغه وأوجزَه ما وقع‪.‬‬
‫وأيضاً فإنه نبه بالتكفير قبل المسيس بالصوم مع تطاول زمنه‪ ،‬وشدة الحاجة إلى مسيس‬
‫الزوجة على أن اشتراط تقدمه فى الطعام الذى ل يطول زمنه أولى‪.‬‬
‫فصل‬
‫ل ونهاراً‪ ،‬ول خلف بين‬
‫ومنها‪ :‬أنه سبحانه أمر بالصيام قبل المسيسِ‪ ،‬وذِلكَ َيعُ ّم المسيسَ لي ً‬
‫ن الصوم ليلً ونهاراً‪ ،‬وإنما اختلفُوا‪ ،‬هل يبطل التتابُع به؟ فيه‬
‫الئمة فى تحريم وطئها فى زم ِ‬
‫ل مالك‪ ،‬وأبى حنيفة‪ ،‬وأحمد فى ظاهر مذهبه‪ ،‬والثانى‪ :‬ل يبطل‪،‬‬
‫قولن‪ .‬أحدهما‪ :‬يبطل وهو قو ُ‬
‫ل الشافعى‪ ،‬وأحمد فى رواية أخرى عنه‪.‬‬
‫وهو قو ُ‬
‫والذين أبطلوا التتاب َع معهم ظاهرُ القرآن‪ ،‬فإنه سبحانه أمر بشهرين متتابعين قبل المسيسِ‪،‬‬
‫ولم يوجد‪ ،‬ولن ذلك يتضمّن النهى عن المسيس قبل إكمال الصيام وتحريمه‪ ،‬وهو يُوجب عدم‬
‫العتدادِ بالصوم‪ ،‬لنه عمل ليس عليه أمرُ رسول ال صلى ال عليه وسلم‪ ،‬فيكون رداً‪.‬‬
‫وسر المسألة أنه سبحانه أوجب أمرين‪ ،‬أحدهما‪ :‬تتابع الشهرين والثانى‪ :‬وقوعُ صيامهما‬
‫قبل التماس‪ ،‬فل يكون قد أتى بما أمر به إل بمجموع المرين‪.‬‬
‫فصل‬
‫ومنها‪ :‬أنه سبحانه وتعالى أطلق إطعا َم المساكين ولم يُقيده بقدر‪ ،‬ول تتابع‪ ،‬وذلك يقتضى‬
‫ب أو تمر‪ ،‬جاز‪ ،‬وكان ممتثلً لمر ال‪ ،‬وهذا قولُ‬
‫أنه لو أطعمهم فغدّاهم وعشاهم مِن غير تمليك ح ّ‬
‫الجمهور ومالك‪ ،‬وأبى حنيفة‪ ،‬وأحمد فى إحدى الروايتين عنه‪ ،‬وسواء أطعمهم جملة أو متفرقين‪.‬‬
‫فصل‬
‫ومنها‪ :‬أنه ل بُدّ من استيفاء عدد الستين‪ ،‬فلو أطعم واحداً ستين يومًا لم يجزه إلّ عن واحدٍ‪،‬‬
‫هذا قول الجمهور‪ :‬مالك‪ ،‬والشافعى‪ ،‬وأحمد فى إحدى الروايتين عنه‪ .‬والثانية‪ :‬أن الواجب إطعام‬
‫ستين مسكيناً‪ ،‬ولو لواح ٍد وهو مذهب أبى حنيفة‪ .‬والثالثة‪ :‬إن وجد غيرَه لم يجز‪ ،‬وإل أجزأه‪ ،‬وهو‬
‫ظاهرُ مذهبه‪ ،‬وهى أصح القوال‪.‬‬
‫‪190‬‬

‫فصل‬
‫ومنها‪ :‬أنه ل يجزئه دفعُ الكفارة إل إلى المساكين‪ ،‬ويدخُلُ فيهم الفقراء كما يدخل المساكينُ‬
‫ل من يأخذ من الزكاة لحاجته‪،‬‬
‫فى لفظ الفقراء عند الطلق‪ ،‬وعمم أصحابُنا وغيرهم الحكمَ فى ك ّ‬
‫ن السبيل‪ ،‬والغار ُم لمصلحته‪ ،‬والمكاتب‪ .‬وظاهر القرآن‬
‫وهم أربعة‪ :‬الفقراء‪ ،‬والمساكين‪ ،‬واب ُ‬
‫اختصاصُها بالمساكين‪ ،‬فل يتعدّاهم‪.‬‬
‫فصل‬
‫ق الرقبةَ هاهنا‪ ،‬ولم يُقيدها باليمان‪ ،‬وقيّدها فى كفارة القتل‬
‫ومنها‪ :‬أن ال سبحانه أطل َ‬
‫باليمان‪ ،‬فاختلف الفقهاء فى اشتراط اليمان فى غير كفارة القتل‪ ،‬على قولين‪ :‬فشرطه الشافعىّ‪،‬‬
‫ل الظاهر‪ ،‬والذين لم يشترطوا‬
‫ومالك‪ ،‬وأحمد فى ظهر مذهبه‪ ،‬ولم يشترطه أبو حنيفة‪ ،‬ول أه ُ‬
‫اليمان قالوا‪ :‬لو كان شرطًا لبيّنه ال سبحانه‪ ،‬كما بينه فى كفارة القتل‪ ،‬بل يُطلق ما أطلقه‪ ،‬ويُقيد ما‬
‫قيده‪ ،‬فيعمل بالمطلق والمقيد‪ .‬وزادت الحنفيّة أن اشتراط اليمان زيادة على النص‪ ،‬وهو نسخ‪،‬‬
‫والقرآن ل يُنسخ إل بالقرآن أو خبرٍ متواترٍ‪ ،‬قال الخرون‪ :‬واللفظ للشافعى‪ :‬شرط ال سبحانه فى‬
‫ط العدلَ فى الشهادة‪ ،‬وأطلق الشهو َد فى مواضع‪ ،‬فاستدللنا به على أن ما‬
‫رقبة القتل مؤمنة‪ ،‬كما شر َ‬
‫شرَطَ وإنما رد ال أموال المسلمين على المسلمين ل على‬
‫أطلقَ مِن الشهادات على مثل معنى ما َ‬
‫ض مِن الرقاب ل يجوزُ إل‬
‫المشركين وفرض ال الصدقاتِ‪ ،‬فلم تجز إل للمؤمنين‪ ،‬فكذلك ما فر َ‬
‫ل المطلق على المقيد إذا كان مِن جنسه‪،‬‬
‫لمؤمن‪ ،‬فاستدل الشافعىّ بأن لسان العرب يقتضى حم َ‬
‫ف الشرع على مقتضى لسانهم‪ ،‬وهاهنا أمران‪.‬‬
‫ل عر َ‬
‫فحم َ‬

‫أحدهما‪ :‬أن حمل المطلق على‬

‫المقيد بيانٌ ل قياس‪ .‬الثانى‪ :‬أنه إنما يحمل عليه بشرطين‪ .‬أحدهما‪ :‬اتحاد الحكم‪ .‬والثانى‪ :‬أن ل‬
‫يكون للمطلق إل أصل واحد‪ .‬فإن كان بين أصلين مختلفين‪ ،‬لم يُحمل إطلقُه على أحدهما إل بدليل‬
‫يُعينه‪ .‬قال الشافعى‪ :‬ولو نذر رقبةً مطلق ًة لم يُجزه إل مؤمنة‪ ،‬وهذا بناء على هذا الصل‪ ،‬وأن النذر‬
‫ب العتق ل يتأدى إل بعتق المسلم‪ .‬ومما يدل على هذا‪ ،‬أن النبى‬
‫ل على واجب الشرع‪ ،‬وواج ُ‬
‫محمو ٌ‬
‫صلى ال عليه وسلم قال لمن استفتى فى عتق رقبة منذورة‪ :‬ائتنى بها‪ ،‬فسألها أينَ الُّ؟ فقالت‪ :‬فى‬
‫السماء‪ ،‬فقال‪ :‬من أنا؟ قالت‪ :‬أنتَ رسولُ الِّ‪ ،‬فقال‪ :‬أعتقها فإنها مُؤمنة‪ .‬قال الشافعى‪ :‬فلما وصفت‬
‫اليمانَ‪ ،‬أمر بعتقها انتهى‪.‬‬
‫وهذا ظاهر جداً أن العِتقَ المأمورَ به شرعاً ل يُجزىء إل فى رقبة مؤمنة‪ ،‬وإل لم يكن‬
‫للتعليل باليمان فائدة‪ ،‬فإن العم متى كان عِلة للحكم كان الخصّ عديمَ التأثير‪ ،‬وأيضاً فإن‬
‫‪191‬‬

‫المقصود من إعتاق المسلم تفريغُه لعبادة ربه‪ ،‬وتخليصُه من عبودية المخلوق إلى عبودية الخالق‪،‬‬
‫ول ريبَ أن هذا أمرٌ مقصودٌ للشارع محبوب له‪ ،‬فل يجو ُز إلغاؤُه‪ ،‬وكيف يستوى عند ال ورسوله‬
‫تفريغُ العبد لعبادته وحدَه‪ ،‬وتفريغُه لعبادة الصليب‪ ،‬أو الشمس والقمر والنار‪ ،‬وقد بيّن سبحانه‬
‫ط العدالة فى‬
‫اشتراط اليمان فى كفارة القتل‪ ،‬وأحال ما سكتَ عنه على بيانه‪ ،‬كما بيّن اشترا َ‬
‫الشاهدين‪ ،‬وأحال ما أطلقه‪ ،‬وسكت عنه على ما بينه‪ ،‬وكذلك غالبُ مطلقات كلمه سبحانه ومقيداته‬
‫لمن تأملها‪ ،‬وهى أكث ُر من أن تُذكر‪ ،‬فمنها‪ :‬قوله تعالى فيمن أمر بصدقة‪ ،‬أو معروف‪ ،‬أو إصلح‬
‫ف نُؤتِي ِه أَجْراَ عَظِيماً} [النساء‪ ]114 :‬وفى‬
‫س ْو َ‬
‫ك ا ْب ِتغَاءَ َم ْرضَاتِ الِّ فَ َ‬
‫ل ذِل َ‬
‫ن يَ ْفعَ ْ‬
‫بين الناس‪َ { :‬ومَ ْ‬
‫موضع آخر‪ ،‬بل مواضع يُعلق الجر بنفس العمل اكتفاءً بالشرط المذكور فى موضعه‪ ،‬وكذلك قولُه‬
‫س ْعيِهِ} [النبياء‪ ،]94 :‬وفى موضع يُعلّق‬
‫ن لِ َ‬
‫ل كُ ْفرَا َ‬
‫ت وَ ُه َو ُم ْؤمِنٌ فَ َ‬
‫ن الصّالِحَا ِ‬
‫ل مِ َ‬
‫ن َي ْعمَ ْ‬
‫تعالى‪َ { :‬فمَ ْ‬
‫الحزاء بنفس العمال الصالحة اكتفاءً بما علم من شرط اليمان‪ ،‬وهذا غالب فى نصوص الوعد‬
‫والوعيد‪.‬‬
‫فصل‬
‫ومنها‪ :‬أنه لو أعتق نِصفي رقبتين لم يكن معتقاً لرقبة‪ ،‬وفى هذا ثلث ُة أقوال للناس‪ ،‬وهى‬
‫روايات عن أحمد‪ ،‬ثانيها الجزاء‪ ،‬وثالثها وهو أصحها‪ :‬أنه إن تكملت الحريةُ فى الرقبتين أجزأه‪،‬‬
‫وإل فل‪ ،‬فإنه َيصْدُقُ عليه أنه حرّر رقبة‪ ،‬أى‪ :‬جعلها حرة بخلف ما إذا لم تكمل الحرية‪.‬‬
‫فصل‬
‫ل التكفير‪ ،‬ول تتضاعف‪ ،‬بل هى بحالها كفارةٌ واحدة‪،‬‬
‫ومنها‪ :‬أن الكفارة ل تسقُط بالوطء قب َ‬
‫ت بنُ دينار‪ :‬سألتُ عشرة‬
‫كما دل عليه حكمُ رسول ال صلى ال عليه وسلم الذى تقدم‪ ،‬قال الصل ُ‬
‫مِن الفقهاء عن المظاهر يُجامع قبل أن يُكفر‪ ،‬فقالوا‪ :‬كفارة واحدة‪ .‬قال‪ :‬وهم الحسنُ‪ ،‬وابنُ سيرين‪،‬‬
‫ومسروق‪ ،‬وبكر‪ ،‬وقتادة‪ ،‬وعطاء‪ ،‬وطاووس‪ ،‬ومجاهد‪ ،‬وعكرمة‪ .‬قال‪ :‬والعاشر‪ :‬أراه نافعاً‪ ،‬وهذا‬
‫ل الئمة الربعة‪.‬‬
‫قو ُ‬
‫ح عن ابن عمر‪ ،‬وعمرو بن العاص‪ ،‬أن عليه كفارتين‪ ،‬وذكر سعيد ابن منصور‪ ،‬عن‬
‫وص ّ‬
‫الحسن‪ ،‬وإبراهيم فى الذى يُظاهر‪ ،‬ثم يطؤها قبل أن يكفّر‪ :‬عليه ثلثُ كفارات‪ ،‬وذكر عن‬
‫الزهرى‪ ،‬وسعيد بن جبير‪ ،‬وأبى يوسف‪ ،‬أن الكفارة تسقُطُ‪ ،‬ووجه هذا أنه فات وقتُها‪ ،‬ولم يبق له‬
‫سبيل إلى إخراجها قبل المسيس‪.‬‬

‫‪192‬‬

‫ط الواجب فى الذمّة كالصلةِ والصيام وسائر‬
‫وجواب هذا‪ ،‬أن فوات وقت الداء ل يُسق ُ‬
‫العبادات‪ ،‬ووجهُ وجوب الكفارتين أن إحداهما للظهار الذى اقترن به العودُ‪ ،‬والثانية للوطء‬
‫المحرّم‪ ،‬كالوطء فى نهار رمضان‪ ،‬وكوطء المحرِمِ‪ ،‬ول يُعلم ليجاب الثلثِ وجه‪ ،‬إل أن يكونَ‬
‫عقوبة على إقدامه على الحرام‪ ،‬وحكم رسول ال صلى ال عليه وسلم يدلّ على خلف هذه‬
‫ل أعلم‪.‬‬
‫القوال‪ ،‬وا ّ‬
‫لّ صلى ال عليه وسلم فى الِيلء‬
‫حكْمُ رسولِ ا ِ‬
‫ُ‬
‫لّ صلى ال عليه وسلم من نسائه‪،‬‬
‫ثبت فى صحيح البخارى‪ :‬عن أنس قال‪ :‬آلى رسولُ ا ِ‬
‫ش ُربَةٍ له تِسعًا وعشرين ليلة‪ ،‬ثم نزل‪ ،‬فقالُوا‪ :‬يا رسَولَ ال‪ :‬آليتَ‬
‫وكانت انفكت رجلُه‪ ،‬فأقام فى مَ ْ‬
‫ن نِسَا ِئهِمْ‬
‫ن مِ ْ‬
‫ن ُي ْؤلُو َ‬
‫شرِينَ))‪ ،‬وقد قال سبحانه‪{ :‬للّذِي َ‬
‫ن تِسْعًا وعِ ْ‬
‫ش ْهرَ َيكُو ُ‬
‫ن ال ّ‬
‫شهراً‪ ،‬فقال‪(( :‬إ ّ‬
‫علِيمٌ}‬
‫سمِيعٌ َ‬
‫ع َزمُوا الطّلَقَ َفإِنّ الَّ َ‬
‫ش ُهرٍ‪ ،‬فَإِنْ فَاءُوا َفإِنّ الَّ غَفُورٌ رَحِي ٌم * َوإِنْ َ‬
‫ص َأ ْر َبعَةِ أَ ْ‬
‫تَربّ ُ‬
‫[البقرة‪.]227-226 :‬‬
‫ن مِن وطء الزوجة‪،‬‬
‫ص فى عرف الشرع بالمتناعِ باليمي ِ‬
‫اليلء‪ :‬لغة‪ :‬المتناع باليمين‪ ،‬وخُ ّ‬
‫ولهذا عُدّى فعلُه بأداة ((من)) تضمينًا له‪ ،‬معنى ((يمتنعون)) من نسائهم‪ ،‬وهو أحسنُ من إقامةِ‬
‫علَى))‪ ،‬وجعل سبحانه للزواج مُ ّدةَ أربعة أشهر يمتنعونَ فيها مِن وطء نسائهم‬
‫((من)) مقام (( َ‬
‫ن عباس‪ ،‬أن اليلء‬
‫باليلء‪ ،‬فإذا مضت فإما أن يَفىء‪ ،‬وإما أن يُطلّق‪ ،‬وفد اشتهر عن على‪ ،‬واب ِ‬
‫إنما يكون فى حال الغضب دون الرضي‪ ،‬كما وقع لِرسول ال صلى ال عليه وسلم مع نسائه‪،‬‬
‫وظاه ُر القرآن مع الجمهور‪.‬‬
‫وقد تناظر فى هذه المسألة محمد بنُ سيرين‪ ،‬ورجل آخر‪ ،‬فاحتج على محمد بقول على‪،‬‬
‫فاحتج عليه محمد بالية‪ ،‬فسكت‪.‬‬
‫وقد دلت الية على أحكام‪.‬‬
‫ل من أربعة أشهر لم يكن مؤلياً‪ ،‬وهذا‬
‫منها‪ :‬هذا‪ .‬ومنها‪ :‬أن من حلف على ترك الوطء أق ّ‬
‫ل الجمهور‪ ،‬وفيه قول شاذ‪ ،‬أنه مؤل‪.‬‬
‫قو ُ‬
‫ف على أكثر من أربعة أشهر‪ ،‬فإن كانت مدة‬
‫حِل َ‬
‫ومنها‪ :‬أنه ل يثبت له حكم اليلء حتى يَ ْ‬
‫المتناع أربعة أشهر‪ ،‬لم يثبت له حكمُ اليلء‪ ،‬لن ال جعل لهم مدةَ أربعة أشهر‪ ،‬وبعدَ انقضائها‬
‫ل الجمهور‪ ،‬منهم‪ ،‬أحمد‪ ،‬والشافعى‪ ،‬ومالك‪ ،‬وجعله أبو‬
‫إما أن يُطلّقوا‪ ،‬وإما أن يفيؤوا‪ ،‬وهذا قو ُ‬
‫ل لوقوع الطلق‬
‫حنيفة مؤلياً بأربعة أشهر سواء‪ ،‬وهذا بناء على أصله أن المدةَ المضروبة أج ٌ‬
‫‪193‬‬

‫بانقضائها‪ ،‬والجمهور يجعلون المدة أجلً لستحقاق المطالبة‪ ،‬وهذا موضع اختلف فيه السلفُ من‬
‫الصحابة رضى ال عنهم والتابعين ومَنْ بعدهم‪ ،‬فقال الشافعى‪ ،‬حدثنا سفيانَ‪ ،‬عن يحيى ابن سعيد‪،‬‬
‫ل مِن الصحابة‪ ،‬كلهم يُو ِقفُ المؤلى‪ .‬يعنى‪ :‬بعد‬
‫عن سليمانَ بن يسار‪ ،‬قال‪ :‬أدركتُ بضعة عشرَ رج ً‬
‫ل مِن أصحابِ‬
‫أربعةِ أشهر‪ .‬وروى سهيل بن أبى صالح‪ ،‬عن أبيه‪ ،‬قال‪ :‬سألتُ اثنى عشر رج ً‬
‫ى أربعةُ أشهر‪ .‬وهذا‬
‫رسولِ ال صلى ال عليه وسلم عن المؤلى‪ ،‬فقالوا‪ :‬ليس عليه شىء حتى تمض َ‬
‫ل الجمهور مِن الصحابة والتابعين‪ ،‬ومن بعدهم‪.‬‬
‫قو ُ‬
‫وقال عبد ال بن مسعود‪ ،‬وزيدُ بن ثابت‪ :‬إذا مضت أربعة أشهر ولم يفىء فيها‪ ،‬طلقت منه‬
‫ق المطالبة‬
‫بمضيها‪ ،‬وهذا قولُ جماع ٍة من التابعين‪ ،‬وقولُ أبى حنيفة وأصحابه‪ ،‬فعند هؤلء يستحِ ّ‬
‫قبل مضى الربعة الشهر‪ ،‬فإن فاء وإل طلقت بمضيها‪ .‬وعند الجمهور‪ ،‬ل يستحق المطالبة حتى‬
‫تمضى الربعة الشهر‪ ،‬فحينئذ يقال‪ :‬إما أن تفىء‪ ،‬وإما أن تُطلق‪ ،‬وإن لم يفىء‪ ،‬أُخِذَ بإيقاع‬
‫الطلق‪ ،‬إما بالحاكم‪ ،‬وإما بحبسه حتى يطلّق‪.‬‬
‫قال الموقعون للطلق بمضى المدة‪ :‬آية اليلء تدل على ذلك من ثلثة أوجه‪.‬‬
‫أحدها‪ :‬أن عبدَ ال بن مسعود قرأ‪{:‬فَإنْ فَاءوا فَإنّ ال غَفُو ٌر رَحِيمٌ} [البقرة‪ ]226 :‬فإضافة‬
‫الفيئة إلى المدة تدل على استحقاق الفيئة فيها‪ ،‬وهذه القراءة إما أن تُجرى مجرى خبر الواحد‪،‬‬
‫فتوجب العمل‪ ،‬وإن لم تُوجب كونها مِن القرآن‪ ،‬وإما أن تكون قرآناً نسخ لفظه‪ ،‬وبقى حكمه ل‬
‫يجوز فيها غير هذا البتة‪.‬‬
‫الثانى‪ :‬أن ال سبحانه جعل مدة اليلء أربعة أشهر‪ ،‬فلو كانت الفيئةُ بعدها‪ ،‬لزادت على مدة‬
‫النص‪ ،‬وذلك غيرُ جائز‪.‬‬
‫الثالث‪ :‬أنه لو وطئها فى مدة اليلء‪ ،‬لوقعت الفيئةُ مو ِقعَها‪ ،‬فدل على استحقاق الفيئة فيها‪.‬‬
‫ص أربعة أشهر‪ ،‬ثم قال‪{ :‬فَإنْ فَاءوا فَإنّ الَ‬
‫قالوا‪ :‬ولن ال سبحانه وتعالى جعل لهم ترب َ‬
‫ع َزمُو الطّلَقَ} [البقرة‪]227-226 :‬وظاهر هذا أن هذا التقسيم فى المدة التى‬
‫غَفُورٌ رَحِي ٌم * وَإن َ‬
‫لهم فيها التربص‪ ،‬كما إذا قال لغريمه‪ :‬أصبر عليك بدينى أربعة أشهر‪ ،‬فإن وفيتنى وإل حبستك‪،‬‬
‫ول يُفهم من هذا إل أن وفّيتنى فى هذه المدة‪ ،‬ول يُفهم منه إن وفيتنى بعدها‪ ،‬وإل كانت مدة الصبر‬
‫ل مراتبها أن‬
‫أكثر من أربعة أشهر‪ ،‬وقراءة ابن مسعود صريحة فى تفسير الفيئة بأنها فى المدة‪ ،‬وأق ّ‬
‫ضرِبَ لوقوع‬
‫ل مضروب للفرقة‪ ،‬فتعقبه الفرقة كالعدة‪ ،‬وكلجل الذى ُ‬
‫تكون تفسيراً‪ .‬قالوا‪ :‬ولنه أج ٌ‬
‫الطلق‪ ،‬كقوله‪ :‬إذا مضت أربعة أشهر‪ ،‬فأنت طالق‪.‬‬
‫‪194‬‬

‫قال الجمهور‪ :‬لنا مِن آية اليلء عشرة أدلة‪.‬‬
‫أحدها‪ :‬أنه أضاف مدة اليلء إلى الزواج‪ ،‬وجعلَها لهم‪ ،‬ولم يجعلها عليهم‪ ،‬فوجبَ أل‬
‫ب المطالبةَ فيها لم يكن عنده أجلً لهم‪ ،‬ول‬
‫ل الدّين‪ ،‬ومن أوج َ‬
‫يستحق المطالبة فيها‪ ،‬بل بعدَها‪ ،‬كأج ِ‬
‫يُعقل كونها أجلً لهم‪ ،‬ويستحق عليهم فيها المطالبة‪.‬‬
‫الدليل الثانى‪ :‬قوله‪{ :‬فَإنْ فَاءُوا فَإنّ الَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [البقرة‪ ،]226 :‬فذكر الفيئ َة بعد المدة‬
‫بفاء التعقيب‪ ،‬وهذا يقتضى أن يكونَ بع َد المدة‪ ،‬ونظيرُه قولُه سبحانه‪{ :‬الطّلَقُ َم ّرتَانِ فَإمْسَاكٌ‬
‫سرِيحٌ بِِإحْسَانٍ} [البقرة‪ ]229 :‬وهذا بعدَ الطلق قطعاً‪.‬‬
‫ف َأ ْو تَ ْ‬
‫ِب َم ْعرُو ٍ‬
‫فإن قيل‪ :‬فاء التعقيب تُوجب أن يكونَ بعد اليلء ل بع َد المدة؟ قيل‪ :‬قَد تقدّمَ فى الية ذكر‬
‫اليلء‪ ،‬ثم تله ذكر المدة‪ ،‬ثم أعقبها بذكر الفيئة‪ ،‬فإذا أوجبت الفا ُء التعقيبُ بعد ما تقدم ذكرُه‪ ،‬لم‬
‫يجز أن يعود إلى أبعدِ المذكورين‪ ،‬ووجب عودُها إليهما أو إلى أقربهما‪.‬‬
‫ع َزمُوا الطّلَقَ} [البقرة‪ ،]227 :‬وإنما العزم ما عزم العاز ُم على‬
‫الدليل الثالث‪ :‬قوله‪{ :‬وإِنْ َ‬
‫جلَهُ} [البقرة‪ ]235 :‬فإن قيل‪:‬‬
‫حتّى َي ْبلُ َغ ال ِكتَابُ أَ َ‬
‫ل َت ْع ِزمُوا عُقْ َدةَ ال ّنكَاحِ َ‬
‫فعله‪ ،‬كقوله تعالى‪{ :‬وَ َ‬
‫فتركُ الفيئة عزم على الطلق؟ قيل‪ :‬العزمُ هو إرادة جازمة لفعل المعزوم عليه أو تركه‪ ،‬وأنتم‬
‫ى المدة وإن لم يكن منه عزم ل على وطء ول على تركه‪ ،‬بل لو عزم‬
‫تُوقعون الطلقَ بمجرد مض ّ‬
‫على الفيئة‪ ،‬ولم يُجامع طلقتم عليه بمضىّ المدة‪ ،‬ولم يعزم الطلق‪ ،‬فكيفما قدرتم‪ ،‬فاليةُ حجة‬
‫عليكم‪.‬‬
‫الدليل الرابع‪ :‬أن ال سبحانه خيّره فى الية بين أمرين‪ :‬الفيئ ِة أو الطلقِ‪ ،‬والتخييرُ بين‬
‫أمرين ل يكون إل فى حالة واحدة كالكفارات‪ ،‬ولو كان فى حالتين‪ ،‬لكانتا ترتيباً ل تخييراً‪ ،‬وإذا‬
‫تقرر هذا‪ ،‬فالفيئة عندكم فى نفس المدة‪ ،‬وعزمُ الطلق بانقضاء المدة‪ ،‬فلم يقع التخييرُ فى حالة‬
‫واحدة‪.‬‬
‫فإن قيل‪ :‬هو مخيّر بين أن يفىء فى المدة‪ ،‬وبين أن يترك الفيئة‪ ،‬فيكون عازمًا للطلق‬
‫بمضى المدة‪.‬‬
‫قيل‪ :‬ترك الفيئة ل يكون عزمًا للطلق وإنما يكون عزمًا عندكم إذا انقضت المدة‪ ،‬فل يتأتّى التخييرُ‬
‫بين عزم الطلق وبين الفيئة البتة‪ ،‬فإنه بمضى المدة يقع الطلق عندكم‪ ،‬فل يُمكنه الفيئة‪ ،‬وفى‬
‫ت عزم الطلق الذى هو مضى المدة‪ ،‬وحينئذ فهذا دليل خامس‬
‫المدة يمكنه الفيئة‪ ،‬ولم يحضر وق ُ‬
‫مستقل‪.‬‬
‫‪195‬‬

‫الدليل السادس‪ :‬أن التخيير بين أمرين يقتضى أن يكون فِعلُهما‪ ،‬إليه ليصح منه اختيارُ فعل‬
‫كل منهما وتركه‪ ،‬وإل لبطل حكمُ خياره‪ ،‬ومضى المدة ليس إليه‪.‬‬
‫علِيمٌ} [البقرة‪.]227 :‬‬
‫سمِيعٌ َ‬
‫ع َزمُوا الطّلَقَ َفإِنّ ال َ‬
‫الدليل السابع‪ :‬أنه سبحانه قال‪{:‬وإِنْ َ‬
‫ل يُسمع‪ ،‬ليحسن ختم الية بصفة السمع‪.‬‬
‫فاقتضى أن يكون الطلقُ قو ً‬
‫ت منك‪ ،‬وإن لم تُوفنى‬
‫ل أربعة أشهر‪ ،‬فإن وفيتنى قبل ُ‬
‫الدليل الثامن‪ :‬أنه لو قال لغريمه‪ :‬لك أج ُ‬
‫ب غي َر هذا‪.‬‬
‫حبستُك‪ ،‬كان مقتضاه أن الوفاء والحبس بعد المدة ل فيها‪ ،‬ول َيعْقِلُ المخاط ُ‬
‫فإن قيل‪ :‬ما نحن فيه نظيرُ قوله‪ :‬لك الخيار ثلثة أيام فإن فسخت البيع وإل لزمك‪ ،‬ومعلومٌ‬
‫ب العقد اللزومُ‪،‬‬
‫أن الفسخَ إنما يقع فى الثلث ل بعدها؟ قيل‪ :‬هذا من أقوى حُججنا عليكم فإن موج َ‬
‫فجعل له الخيار فى مدة ثلثة أيام‪ ،‬فإذا انقضت ولم يفسخ عاد العق ُد إلى حكمه وهو اللزومُ وهكذا‬
‫عَل ْيهِنّ‬
‫ل الّذِى َ‬
‫ن ِمثْ ُ‬
‫ق على الزوج فى الوطء كما له حقّ عليها‪ ،‬قال تعالى‪َ { :‬وَلهُ ّ‬
‫الزوجة لها ح ّ‬
‫ع أربعة أشهر ل حقّ لها فيهن‪ ،‬فإذا انقضت‬
‫بالم ْعرُوف} [البقرة‪ ]228 :‬فجعل له الشارعُ امتنا َ‬
‫ب العَقد‪ ،‬وهو المطالبة ل وقوع الطلق‪ ،‬وحينئذ فهذا دليل تاسع‬
‫المدةُ‪ ،‬عادت على حقّها بموج ِ‬
‫مستقل‪.‬‬
‫الدليل العاشر‪ :‬أنه سبحانه جعل للمؤلين شيئاً‪ ،‬وعليهم شيئين‪ ،‬فالذى لهم تربّصُ‬
‫المدة المذكورة‪ ،‬والذى عليهم إما الفيئةُ وإما الطلقُ‪ ،‬وعندكم ليس عليهم إل الفيئةُ فقط‪ ،‬وأما‬
‫الطلقُ‪ ،‬فليس عليهم‪ ،‬بل ول إليهم‪ ،‬وإنما هو إليه سبحانه عند انقضاء المدة‪ ،‬فيُحكم بطلقها عقيب‬
‫انقضاء المدة شاء أو أبى‪ ،‬ومعلوم أن هذا ليس إلى المؤلى ول عليه‪ ،‬وهو خلفُ ظاهر النص‪.‬‬
‫قالوا‪ :‬ولنها يمين بالّ تعالى توجب الكفارةَ‪ .‬فلم يقع بها الطلق كسائر اليمان‪ ،‬ولنها مدة قدرها‬
‫ح أن يقع به الطلق‬
‫الشرعُ‪ ،‬لم تتقدمها الفرقة‪ ،‬فل يقع بها بينونة‪ ،‬كأجل العنّين‪ ،‬ولنه لفظ ل َيصِ ّ‬
‫المعجّل‪ ،‬فلم يقع به المؤجّلُ كالظهار‪ ،‬ولن اليلء كان طلقًا فى الجاهلية‪ ،‬فنسخ كالظهار‪ ،‬فل‬
‫يجوز أن يقع به الطلق لنه استيفاءٌ للحكم المنسوخ‪ ،‬ولما كان عليه أهلُ الجاهلية‪.‬‬
‫ف بثلثة أشياء‪ :‬بالطّلق‪ ،‬والظّهار‪ ،‬واليلء‪ ،‬فنقل‬
‫قال الشافعى‪ :‬كانت ال ِفرَقُ الجاهلية تَحِل ُ‬
‫ال سبحانه وتعالى اليلء والظّهار عما كانا عليه فى الجاهلية من إيقاع الفرقة على الزوجة إلى ما‬
‫استقّر عليه حكمُهما فى الشرع‪ ،‬وبقى حك ُم الطلق على ما كان عليه‪ ،‬هذا لفظه‪.‬‬
‫قالوا‪ :‬ولن الطلقَ إنما يقع بالصريح والكناية‪ ،‬وليس اليلء واحداً منهما‪ ،‬إذ لو كان‬
‫ل إن أطلقه‪ ،‬أو إلى أجل مسمّى إن قيّده‪ ،‬ولو كان كنايةٍ‪ ،‬لرجع فيه إلى نيته‪ ،‬ول‬
‫صريحاً‪ ،‬لوقع معجّ ً‬
‫‪196‬‬

‫ن الطلق‪ ،‬والفسخُ يقع بغير قول‪ ،‬والطلقُ ل يقع إل‬
‫خ دو َ‬
‫َيرِدُ على هذا اللعان‪ ،‬فإنه يُوجب الفس َ‬
‫بالقول‪.‬‬
‫ل على جواز الفيئة فى مدة التربّص‪ ،‬ل على‬
‫قالوا‪ :‬وأما قراء ُة ابن مسعود‪ ،‬فغايتُها أن تدُ ّ‬
‫ق المطالبة بها فى المدة‪ ،‬وهذا حقّ ل نن ِكرُه‪.‬‬
‫استحقا ِ‬
‫وأما قولُكم‪ :‬جوا ُز الفيئة فى المدة دليلٌ على استحقاقها فيها‪ ،‬فهو باطل بال ّديْنِ المؤجّلِ‪.‬‬
‫وأما قولُكم‪ :‬إنه لو كانت الفيئة بعد المدة‪ ،‬لزادت على أربعة أشهر‪ ،‬فليس بصحيح‪ ،‬لن‬
‫الربعة أشهر مدة لزمن الصبرِ الذي ل يستحِقّ فيه المطالبة‪ ،‬فبمجرد انقضائها يستحِقّ عليه الحقّ‪،‬‬
‫ظرَه‪ ،‬وهذا كسا ِئرِ الحقوق المعلّقة بآجال معدودة‪ ،‬إنما تُستحق‬
‫فلها أن تعجّل المطالبة به‪ .‬وإمّا أن ُتنْ ِ‬
‫عند انقضاء آجالها‪ ،‬ول يُقال‪ :‬إن ذلك يستلزِ ُم الزيادةَ على الجل‪ ،‬فكذا أجلُ اليلء سواء‪.‬‬
‫فصل‬
‫ى يمين حلف‪ ،‬فهو مؤلٍ حتى َي َبرّ‪ ،‬إما أن‬
‫ن صحّ منه اليلء بأ ّ‬
‫ل مَ ْ‬
‫ودلت الية على أن ك ّ‬
‫يفىءَ‪ ،‬وإما أن يُطلّقَ‪ ،‬فكان فى هذا حج ٌة لما ذهب إليه مَن يقول مِن السلف والخلفِ‪ :‬إن المؤلى‬
‫باليمين بالطلق‪ ،‬إما أن يفىء‪ ،‬وإما أن يطلّقَ‪.‬‬
‫ومن يُلزمه الطلق على كل حال لم يُمكنه إدخال هذه اليمين فى حكم اليلء‪ ،‬فإنه‬
‫إذا قال‪ :‬إن وطئتك إلى سنة‪ ،‬فأنت طالق ثلثاً‪ ،‬فإذا مضت أربعةُ أشهر ل يقولون له‪ :‬إما أن تطأ‪،‬‬
‫وإما أن تُطلّقَ‪ ،‬بل يقولون له‪ :‬إن وطئتها طلقت‪ ،‬وإن لم تطأها‪ ،‬طلقنا عليك‪ ،‬وأكثرُهم ل يُمكنه من‬
‫اليلج لوقوع النزع الذى هو جزء الوطء فى أجنبية‪ ،‬ول جواب عن هذا إل أن يقال‪ :‬بأنه غير‬
‫مؤل‪ ،‬وحينئذ فيقال‪ :‬فل تُوقفوه بعد مضى الربعة الشهر‪ ،‬وقولوا‪ :‬إن له أن يمتنع مِن وطئها‬
‫بيمينِ الطلق دائماً‪ ،‬فإن ضربتم له الجل‪ ،‬أثبتم له حكم اليلء مِن غير يمين‪ ،‬وإن جعلتموه مؤلياً‬
‫ولم تجيزوه‪ ،‬خالفتم حكم اليلء‪ ،‬وموجب النص‪ ،‬فهذا بعضُ حجج هؤلء على منازعيهم‪.‬‬
‫فإن قيل‪ :‬فما حكمُ هذه المسألة‪ ،‬وهى إذا قال‪ :‬إن وطئتُك‪ ،‬فأنتِ طالق ثلثاً‪.‬‬
‫قيل‪ :‬اختلف الفقهاءُ فيها‪ ،‬هل يكون مؤلياً أم ل؟ على قولين‪ ،‬وهما روايتان عن أحمد‪،‬‬
‫وقولن للشافعى فى الجديد‪ :‬بأنه يكون مؤلياً‪ ،‬وهو مذهب أبى حنيفة‪ ،‬ومالك‪ .‬وعلى القولين‪ :‬فهل‬
‫يُمكّنُ مِن اليلجِ؟ فيه وجهان لصحاب أحمد والشافعى‪.‬‬
‫أحدهما‪ :‬أنه ل يُمكن منه‪ ،‬بل يحر ُم عليه‪ ،‬لنها باليلج تطلق عندهم ثلثاً‪ ،‬فيصيرُ ما بعد‬
‫اليلج محرماً‪ ،‬فيكون اليلج محرماً‪ ،‬وهذا كالصائم إذا تيقن أنه لم يبق إلى طلوع الفجر إل قدر‬
‫‪197‬‬

‫حرُمَ عليه اليلجُ‪ ،‬وإن كان فى زمن الباحة‪ ،‬لوجود الخراج فى زمن‬
‫إيلج الذكر دون إخراجه‪َ ،‬‬
‫الحظر‪ ،‬كذلك ها هنا يحرُم عليه اليلجُ‪ ،‬وإن كان قبل الطلق لوجود الخراج بعده‪.‬‬
‫والثانى‪ :‬أنه ل يحرم عليه اليلج‪ ،‬قال الماوردى‪ :‬وهو قولُ سائر أصحابنا‪ ،‬لنها زوجته‪،‬‬
‫ول يحرم عليه الخراج‪ ،‬لنه ترك‪ .‬وإن طلقت باليلج‪ ،‬ويكون المحرمُ بهذا الوطء استدامة‬
‫اليلج ل البتداء والنزع‪ ،‬وهذا ظاهر نص الشافعى‪ ،‬فإنه قال‪ :‬لو طلع الفجرُ على الصائم وهو‬
‫مجامع وأخرجه مكانَه كان على صومه‪ ،‬فإن مكث بغير إخراجه‪ ،‬أفطر‪ ،‬ويك ّفرُ‪ .‬وقال فى كتاب‬
‫اليلء‪ :‬ولو قال‪ :‬إن وطئتُك‪ ،‬فأنتِ طالق ثلثاً‪ ،‬وقف‪ ،‬فإن فاء‪ ،‬فإذا غيّب الحشفة‪ ،‬طلقت منه ثلثاً‪،‬‬
‫فإن أخرجه ثم أدخله‪ ،‬فعليه مهرُ مثلها‪ .‬قال هؤلء‪ :‬ويدل على الجواز أن رجلً لو قال لرجل‪ :‬ادخل‬
‫دارى‪ ،‬ول تقم‪ ،‬استباح الدخول لوجوده عن إذن‪ ،‬ووجب عليه الخروجُ لمنعه من المقام‪ ،‬ويكون‬
‫ح أن‬
‫الخروجُ وإن كان فى زمن الحظر مباحاً‪ ،‬لنه تركٌ‪ ،‬كذلك هذا المؤلى يستبيحُ أن يولج‪ ،‬ويستبي ُ‬
‫ينزع‪ ،‬ويحرم عليه استدامةُ اليلج‪ ،‬والخلف فى اليلج قبل الفجر والنزع بعده للصائم‪،‬‬
‫كالخلف فى المؤلى‪ ،‬وقيل‪ :‬يحرم على الصائم اليلج قبل الفجر‪ ،‬ول يحرم على المؤلى‪ ،‬والفرق‬
‫أن التحريم قد يطرأ على الصائم بغير اليلج‪ ،‬فجاز أن يحرُ َم عليه اليلج‪ ،‬والمؤلى ل يطرأ عليه‬
‫التحريم بغير اليلج‪ ،‬فافترقا‪.‬‬
‫وقالت طائفة ثالثة‪ :‬ل يحرُ ٌمُ عليه الوطءُ‪ ،‬ول تطلُق عليه الزوجةُ‪ ،‬بل يُوقف‪ ،‬ويقال له‪ :‬ما‬
‫أمر ال إما أن تفىء‪ ،‬وإما أن تُطلق‪ .‬قالوا‪ :‬وكيف يكون مؤلياً ول يُمكن من الفيئة‪ ،‬بل يلزم‬
‫بالطلق‪ ،‬وإن مكن منها‪ ،‬وقع به الطلق‪ ،‬فالطلق واقع به على التقديرين مع كونه مؤلياً؟ فهذا‬
‫خلفُ ظاه ِر القرآن‪ ،‬بل يقال لهذا‪ :‬إن فاء لم يقع به الطلقُ‪ ،‬وإن لم يفىء‪ ،‬أُلزِمَ بالطلق‪ .،‬وهذا‬
‫ل أهل الظاهر‪،‬‬
‫مذهبُ من يرى اليمينَ بالطلق ل يُوجب طلقاً‪ ،‬وإنما يُجزئه بكفارة يمين‪ ،‬وهو قو ُ‬
‫وطاووس‪ ،‬وعكرمة‪ ،‬وجماعة من أهل الحديث؟ واختيار شيخ السلم ابن تيمية قدس ال روحه‪.‬‬
‫ل ال صلى ال عليه وسلم فى اللعان‬
‫حُكم رسو ِ‬
‫شهَا َد ُة أَحَدِهِ ْم َأ ْربَعُ‬
‫سهُمْ فَ َ‬
‫ل َأنْفُ ُ‬
‫شهَدَاءُ إ ّ‬
‫ن َلهُمْ ُ‬
‫جهُ ْم ولَمْ َيكُ ْ‬
‫ن َي ْرمُونَ َأزْوا َ‬
‫قال تعالى‪{:‬والّذِي َ‬
‫ع ْنهَا‬
‫ن الكَاذِبينَ * ويَ ْد َر ُؤاْ َ‬
‫ن مِ َ‬
‫ن كَا َ‬
‫عَليْهِ إِ ْ‬
‫ن َل ْعنَةَ الِّ َ‬
‫ن الصّادِقِينَ * والخَامِسَ ُة أَ ّ‬
‫ل ِإنّ ُه َلمِ َ‬
‫شهَادَاتٍ با ِ‬
‫َ‬
‫ن مِنَ‬
‫ن كَا َ‬
‫عَل ْيهَا إِ ْ‬
‫ضبَ الِ َ‬
‫غ َ‬
‫ن الكَا ِذبِينَ * وَالخَامِس َة أَنّ َ‬
‫لّ ِإنّهُ َلمِ َ‬
‫ت بِا ِ‬
‫شهَادَا ٍ‬
‫شهَ َد َأ ْربَعَ َ‬
‫ن تَ ْ‬
‫ب أَ ْ‬
‫العَذَا َ‬
‫الصّادِقِينَ} [النور‪.]9-6 :‬‬

‫‪198‬‬

‫ع َو ْيمِرًا العجلنىّ قال ِلعَاصم بن‬
‫وثبت فى ((الصحيحين))‪ :‬من حديث سهل بن سعد‪ ،‬أن ُ‬
‫ل أَيق ُتلُه فتق ُتلُونه‪ ،‬أم كيف يفعلُ؟ فسل لى رَسولَ الِّ‬
‫ل وَجَ َد مَ َع امرأتِهِ رج ً‬
‫عدى‪ :‬أَرأَيتَ لو أن رج ً‬
‫لّ صلى ال عليه وسلم‬
‫ل ال صلى ال عليه وسلم‪ ،‬فكره رسولُ ا ِ‬
‫صلى ال عليه وسلم‪ ،‬فسألَ رسو َ‬
‫لّ صلى ال عليه وسلم‪ ،‬ثم إن عويمراً‬
‫سمِعَ مِنْ رسولِ ا ِ‬
‫ل وعَابَها‪ ،‬حتى َك ْبرَ على عاصمٍ مَا َ‬
‫المَسَائِ َ‬
‫ح َب ِتكَ‪ ،‬فاذْ َهبْ‪َ ،‬ف ْأتِ‬
‫لّ صلى ال عليه وسلم عن ذلك‪ ،‬فقال‪(( :‬قَ ْد َنزَلَ فيكَ وفى صا ِ‬
‫سأل رسولَ ا ِ‬
‫لّ إن‬
‫عَل ْيهَا يا رسولَ ا ِ‬
‫عنْ َد رَسُولِ الِّ صلى ال عليه وسلم‪َ ،‬فَلمّا َفرَغَا قال‪ :‬كذبتُ َ‬
‫عنَا ِ‬
‫ِبهَا‪َ ،‬فتَلَ َ‬
‫لّ صلى ال عليه وسلم‪ .‬قال الزهرىّ‪ :‬فكانت ِت ْلكَ سنةَ‬
‫ل أَن يأ ُم َرهُ رسولُ ا ِ‬
‫أمسكتُها‪ ،‬فطلّقها ثلثاً َقبْ َ‬
‫سبُ إلى أمه‪ ،‬ثم جرت السّن ُة أَن َي ِرثَها و َت ِرثَ‬
‫عنْينِ‪ .‬قال سهل‪ :‬وكانت حَامِلً‪ ،‬وكان اب ُنهَا ُينْ َ‬
‫بالمتل ِ‬
‫ِمنْهُ ما َفرَضَ الُّ لها‪.‬‬
‫ى صلى ال‬
‫وفى لفظ‪ :‬فتلعنا فى المسجد‪ ،‬ففارقها عن َد النبىّ صلى ال عليه وسلم‪ ،‬فقال النب ّ‬
‫عنَيْن))‪.‬‬
‫ل ُمتَل ِ‬
‫ن كُ ّ‬
‫ق َبيْ َ‬
‫عليه وسلم‪(( :‬ذاكُم التّ ْفرِي ُ‬
‫ل إلى آخره‪ ،‬هو عند البخارى مِن قول الزهرى‪ ،‬وللبخارى‪ :‬ثم قالَ‬
‫وقولُ سهل‪ :‬وكانت حام ً‬
‫ج ال َع ْي َنيْنِ عَظي َم ال ْل َيتَيْن‪ ،‬خَ َدلّج‬
‫ت بِه أَسْحَ َم أَدْعَ َ‬
‫ظرُوا فَإنْ جَاء ْ‬
‫رسولُ ال صلى ال عليه وسلم‪(( :‬انْ ُ‬
‫ع َو ْيمِراً‬
‫سبُ ُ‬
‫ل أَحْ ِ‬
‫ح َرةٌ فَ َ‬
‫ح ْي ِم َر كََأنّهُ و ْ‬
‫ت ب ِه أُ َ‬
‫عَل ْيهَا‪ ،‬وإِنْ جَاء ْ‬
‫ع َو ْيمِراً إلّ قَ ْد صَدَقَ َ‬
‫سبُ ُ‬
‫ل أَحْ ِ‬
‫السّا َقيْنِ فَ َ‬
‫ل ال صلى ال عليه وسلم من‬
‫ت الذى نعتَ به رسو ُ‬
‫عَل ْيهَا))‪ ،‬فجاءت به على ال ّنعْ ِ‬
‫إلّ قَ ْد كَ َذبَ َ‬
‫تصديق عويمر‪.‬‬
‫وفى لفظ‪ :‬وكانت حَامِلً‪ ،‬فأنكر حملَها‪.‬‬
‫ن بنَ فلن‪ ،‬قال‪ :‬يا رسولَ الِّ‪ ،‬أرأيتَ لو‬
‫وفى صحيح مسلم‪ :‬من حديث ابن عمر‪ ،‬أن فل َ‬
‫ت على ِمثْل‬
‫س َك َ‬
‫وجد أحدُنا امرأتَه على فاحِشةٍ‪ ،‬كيف يصنعُ‪ ،‬إن تكلم‪ ،‬تكلّم بأمر عظيم‪ ،‬وإن سكت‪َ ،‬‬
‫جبْهُ‪ ،‬فلما كان بعدَ ذلك‪ ،‬أتاه فقال‪(( :‬إنّ الّذِى سََأ ْل ُتكَ‬
‫ى صلى ال عليه وسلم‪ ،‬فلم ُي ِ‬
‫ذِلكَ؟ فسكت النب ّ‬
‫جهُمْ}‬
‫ن َي ْرمُونَ َأزْوا َ‬
‫عزّ وجَلّ هؤلءِ اليات فى سُو َر ِة النّورِ‪{:‬والّذِي َ‬
‫ت بِهِ))‪ ،‬فأنزلَ الُّ َ‬
‫عنْهُ قَ ِد اب ُتلِي ُ‬
‫َ‬
‫ب الدنيا أهونُ مِن عذابِ الخرة‪ ،‬قال‪ :‬ل‬
‫[النور‪ ،]6 :‬فتلهن عليه ووعظَه‪ ،‬وذكّره وأخبره أن عذا َ‬
‫ن مِن‬
‫ظهَا‪ ،‬وذكرها‪ ،‬وأخبرها أن عذابَ الدنيا أهو ُ‬
‫والّذِى َب َعثَك بِالحَقّ ما كذبتُ عليها‪ ،‬ثم دعاها فوع َ‬
‫لّ إنه‬
‫ت با ِ‬
‫عذابِ الخرة‪ ،‬قالَت‪ :‬ل والّذِى َب َع َثكَ بالحَقّ إنه لكا ِذبٌ‪ ،‬فبدأ بالرّجُلِ فَشَه َد أربعَ شهادَا ٍ‬
‫ت أربعَ‬
‫شهِ َد ْ‬
‫لمن الصادقين‪ ،‬والخامسة أنّ لعنةَ الِّ عليه إن كان مِن الكَا ِذبِينَ‪ ،‬ثم ثنّى بالمرأةِ‪ ،‬ف َ‬

‫‪199‬‬

‫غضَبَ الِّ عليها إن كان من الصّادِقينَ‪ ،‬ثم فرّق‬
‫لّ إنّه لمن الكاذبينَ‪ ،‬والخا مسة أنّ َ‬
‫شهادَاتٍ با ِ‬
‫بين ُهمَا‪.‬‬
‫(يتبع‪)...‬‬
‫@‬

‫لّ صلى ال عليه وسلم للمتُلعنين‪(( :‬حِسَا ُبكُما‬
‫وفى ((الصحيحين)) عنه‪ ،‬قال رسولُ ا ِ‬

‫ن ُك ْنتَ‬
‫ل َلكَ‪ ،‬إِ ْ‬
‫ل مَا َ‬
‫عَل ْيهَا))‪ ،‬قال‪ :‬يا رسولَ الِّ‪ ،‬مالى؟ قال‪َ :‬‬
‫ل َلكَ َ‬
‫سبِي َ‬
‫لّ َأحَ ُد ُكمَا كَا ِذبٌ‪ ،‬ل َ‬
‫عَلى ا ِ‬
‫ك ِم ْنهَا))‪.‬‬
‫عَل ْيهَا‪َ ،‬ف ُهوَ َأ ْبعَ ُد َل َ‬
‫ت كَ َذ ْبتَ َ‬
‫جهَا‪َ ،‬وإِنْ ُك ْن َ‬
‫ت مِن َفرْ ِ‬
‫حَل ْل َ‬
‫ستَ ْ‬
‫عَل ْيهَا‪َ ،‬ف ُه َو ِبمَا ا ْ‬
‫صَدَ ْقتَ َ‬
‫لّ إِن أَحَ َد ُكمَا‬
‫ع َنيْنِ‪ ،‬وقال‪ :‬وا ِ‬
‫ن ال ُمتَل ِ‬
‫لّ صلى ال عليه وسلم َبيْ َ‬
‫وفى لفظ لهما‪ :‬فرّق رسولُ ا ِ‬
‫ل ِم ْن ُكمَا تا ِئبٌ))؟‪.‬‬
‫كَا ِذبٌ‪َ ،‬فهَ ْ‬
‫لّ صلى ال عليه وسلم‪ ،‬ففرّقَ رسولُ الِّ‬
‫عهْ ِد رَسُولِ ا ِ‬
‫علَى َ‬
‫وفيهما عنه‪ :‬أن رجلً لعَنَ َ‬
‫صلى ال عليه وسلم َب ْي َن ُهمَا‪ ،‬وألحق الولد بأمّه‪.‬‬
‫وفى صحيح مسلم‪ :‬من حديث ابن مسعود رضى ال عنه فى قِص ِة المتلعنين‪ ،‬فشهد الرجلُ‬
‫ن الكَاذِبينَ‪،‬‬
‫ن مِ َ‬
‫لّ عليه إن كا َ‬
‫ن لعنةَ ا ِ‬
‫ل إنّ ُه َلمِنَ الصادقين‪ ،‬ثم لعن الخامس َة أ ّ‬
‫أربعَ شهادات با ّ‬
‫لّ صلى ال عليه وسلم‪(( :‬مَهْ)) فََأ َبتْ‪َ ،‬فَل َع َنتْ‪ ،‬فلما أدبرا‪ ،‬قال‪َ :‬ل َعّلهَا‬
‫ت لتلعنَ‪ ،‬فقال لها رسولُ ا ِ‬
‫فذهب ْ‬
‫جعْداً‪.‬‬
‫سوَدَ َ‬
‫ت بهِ أ ْ‬
‫جعْ َداً))‪ ،‬فجاء ْ‬
‫سوَدَ َ‬
‫أَنْ َتجِىءَ ب ِه أَ ْ‬
‫شرِيك بْنِ‬
‫ل بن أمية قذف امرأته بِ َ‬
‫وفى ((صحيح مسلم)) من حديث أنس بن مالك‪ ،‬أن هِل َ‬
‫ى صلى ال‬
‫حمَاء‪ ،‬وكان أخا البرَا ِء بنِ مالك لمّه‪ ،‬وكان أوّلَ رجلٍ لعن فى السلم‪ ،‬فقال النب ّ‬
‫سَ ْ‬
‫ت بِ ِه َأ ْبيَضَ سَبطًا قضى َء ال َعيْ َنيْنِ‪َ ،‬ف ُه َو لهلل بْن ُأ َميّة‪ ،‬وَإنْ جَاءتْ‬
‫صرُوهَا فإنْ جَاء ْ‬
‫عليه وسلم‪َ(( :‬أ ْب ِ‬
‫ت أَنها جاءت به أكحلَ جعداً‬
‫حمَاء‪ ،‬قال‪ :‬فأُنبئ ُ‬
‫سْ‬
‫ك ابن َ‬
‫شرِي ِ‬
‫ح ْمشَ السّا َقيْنِ‪َ ،‬ف ُه َو لِ َ‬
‫جعْداً َ‬
‫بِ ِه َأكْحَلَ َ‬
‫حمْش السّاقين‪.‬‬
‫َ‬
‫وفى ((الصحيحين))‪ :‬من حديث ابن عباس نحوُ هذه القصة‪ ،‬فقال له‪ ،‬رجل‪ :‬أهى المرأةُ‬
‫ج ْمتُ ه ِذهِ))‪ ،‬فقال ابنُ‬
‫ت أَحَدًا ِب َغ ْيرِ َب ّينَ ٍة َلرَ َ‬
‫ج ْم ُ‬
‫التى قال رسولُ ال صلى ال عليه وسلم‪َ(( :‬لوْ رَ َ‬
‫ظ ِهرُ فى السْل ِم السّوءَ‪.‬‬
‫عباس‪ :‬ل‪ِ ،‬ت ْلكَ امرأَة كانت تُ ْ‬
‫لّ صلى ال عليه وسلم َب ْي َنهُما‬
‫ولبى داود فى هذا الحديث عن ابن عباس‪ :‬ففرّق رسولُ ا ِ‬
‫وقضى أن ل يُدعى ولدُها لب‪ ،‬ول تُرمى‪ ،‬ول يُرمى ولدُها ومَنْ رماها‪ ،‬أو رمى ولدها‪ ،‬فعليه‬
‫ل َب ْيتَ لها عليه‪ ،‬ول قوت من أجل أنهما يتفرّقان مِن غير طلق‪ ،‬ول متوفى عنها‪.‬‬
‫الحدّ‪ ،‬وقضَى أ ّ‬
‫وفى القصة قال عكرمة‪ :‬فكان بعد ذلك أميراً على مصر وما يُدعى لب‪.‬‬
‫‪200‬‬

‫لّ صلى ال عليه وسلم بشريكِ‬
‫ل بن أمية قذف امرأتهُ عند رسولِ ا ِ‬
‫وذكر البخارى‪ :‬أن هل َ‬
‫ظ ْه ِركَ))‪ ،‬فقال‪ :‬يا رسولَ الِّ‪ :‬إذا‬
‫ى صلى ال عليه وسلم‪(( :‬ال َبيّنَ ُة َأوْ حَدّ فى َ‬
‫حمَاء‪ ،‬فقال النب ّ‬
‫بن سَ ْ‬
‫ل ال صلى ال عليه وسلم يقول‪:‬‬
‫ق يلت ِمسُ البينة؟ فجعل رسو ُ‬
‫ل ينطلِ ُ‬
‫رأى أحدُنا على امرأتِه رج ً‬
‫ظ ْهرِى‬
‫ظ ْه ِركَ))‪ ،‬فقال‪ :‬والذى بعثك بالحق إنى لصَادِق‪ ،‬ول ُي ْن ِزلَنّ الُّ ما يُبرّىءُ َ‬
‫((ال َب ّينَ ُة وإلّ حَدّ فى َ‬
‫جهُم الية} [النور‪،]6 :‬‬
‫ن َأ ْزوَا َ‬
‫ل عليه السلم‪ ،‬وأنزل عليه‪{:‬والّذِينَ َي ْرمُو َ‬
‫مِن الحَدّ‪ ،‬فنزلَ جبري ُ‬
‫ى صلى ال عليه وسلم إليها‪ ،‬فجاء هِلل‪ ،‬فشهِ َد والنبىّ صلى ال عليه وسلم يقول‪:‬‬
‫فانصرفَ النب ّ‬
‫شهِدَت‪ ،‬فلما كانت عند الخامِسة وقّفُوهَا‪،‬‬
‫ل ِم ْن ُكمَا تَائبٌ))؟ فَ َ‬
‫لّ َي ْعلَ ُم أَنّ أَحَ َد ُكمَا كَا ِذبٌ َفهَ ْ‬
‫((إنّ ا َ‬
‫صتْ حتّى ظَننّا أنها َترْجعُ‪ ،‬ثم‬
‫جبَة‪ ،‬قال ابنُ عباس رضى ال عنهما‪ :‬فتلكّأَت و َن َك َ‬
‫وقالوا‪ :‬إنها مُو ِ‬
‫صرُوهَا فَإنْ‬
‫ضتْ‪ ،‬فقال النبىّ صلى ال عليه وسلم‪َ(( :‬أ ْب ِ‬
‫قالت‪ :‬ل أَفْضحُ َق ْومِى سَا ِئ َر اليومِ‪َ ،‬ف َم َ‬
‫حمَاء‪ ،‬فجاءت به كذلكَ‪،‬‬
‫شرِيكِ بن سَ ْ‬
‫ل ْل َي َتيْنِ‪ ،‬خَ َدلّج السّا َقيْن‪َ ،‬ف ُهوَ لَ َ‬
‫ل ال َع ْي َنيْنِ‪ ،‬سَابغَ ا َ‬
‫ت بِ ِه َأكْحَ َ‬
‫جَاء ْ‬
‫ن ِكتَابِ ال كَانَ لى َوَلهَا شَأْنٌ))‪.‬‬
‫ل مَا َمضَى مِ ْ‬
‫فقال النبى صلى ال عليه وسلم‪(( :‬لَوْ َ‬
‫ل يَجِ ُد مع امرأتِهِ‬
‫وفى ((الصحيحين))‪ :‬أن سع َد بنَ عُبادة‪ ،‬قال‪ :‬يا رسولَ الِّ‪ ،‬أرأيتَ الرّجُ َ‬
‫سعْدٌ‪ :‬بلَى والّذِى بعثك بالحقّ‪ ،‬فقال‬
‫ل أيقتلُه؟ فقال رسولُ ال صلى ال عليه وسلم‪(( :‬ل))‪ ،‬فقال َ‬
‫رج ً‬
‫خرَ‪ :‬يا رسولَ الِّ‪ ،‬إن‬
‫سيّ ُدكُم))‪ :‬وفى لفظٍ آ َ‬
‫س َمعُوا إلى مَا يَقُولُ َ‬
‫لّ صلى ال عليه وسلم‪(( :‬ا ْ‬
‫رسولُ ا ِ‬
‫ت مع‬
‫ل ُأ ْم ِهلُه حتى آتىَ بأربعة شهداء؟ قال‪(( :‬نعم))‪ .‬وفى لفظ آخر‪ :‬لو وجَ ْد ُ‬
‫ت مع امرأتى رج ً‬
‫وجد ُ‬
‫لّ صلى ال عليه وسلم‪(( :‬نعم))‪ ،‬قال‪:‬‬
‫شهَدَاءَ؟ قال رسولُ ا ِ‬
‫حتّى آتىَ بَأ ْر َبعَةِ ُ‬
‫أَهْلى رجلً لم أهجْهُ َ‬
‫لّ صلى ال عليه وسلم‪:‬‬
‫ل ذِلكَ‪ ،‬قالَ رسولُ ا ِ‬
‫س ْيفِ َقبْ ِ‬
‫ق نَبيّا إِنْ ُك ْنتُ لُعاجلُهُ بال ّ‬
‫ل والّذِى َب َع َثكَ بالحَ ّ‬
‫كّ‬
‫غ َي ُر ِمنّى))‪.‬‬
‫لّ أَ ْ‬
‫غ َيرُ ِمنْهُ‪ ،‬وا ُ‬
‫سيّ ُدكُم ِإنّه َل َغيُو ٌر وَأنَا أ ْ‬
‫سمَعوا إلى ما يقُولُ َ‬
‫((ا ْ‬
‫غ ْي َر ُمصْفَحٍ‪ ،‬فقال النبىّ صلى ال‬
‫س ْيفِ َ‬
‫وفى لَفْظٍ‪(( :‬لو رأيتُ مَ َع امرأتى رجلً لضربتُه بال ّ‬
‫حرّمَ‬
‫ل ذِلكَ َ‬
‫ن أَجْ ِ‬
‫غ َيرُ ِمنّى‪ ،‬ومِ ْ‬
‫لّ أَ ْ‬
‫غ َيرُ ِمنْهُ‪ ،‬وا ُ‬
‫لنَا أَ ْ‬
‫سعْدٍ‪َ ،‬فوَالِّ َ‬
‫غ ْي َرةِ َ‬
‫جبُونَ مِنْ َ‬
‫عليه وسلم‪َ :‬أ َتعْ َ‬
‫ب ِإَليْهِ العُ ْذ ُر مِنَ الِّ‪،‬‬
‫ح ّ‬
‫ص أَ َ‬
‫خ َ‬
‫غ َيرُ مِنَ الّ‪ ،‬ول شَ ْ‬
‫ص أَ ٌ‬
‫شخْ َ‬
‫ظ َه َر ِم ْنهَا ومَا بَطَنَ‪ ،‬ول َ‬
‫ش مَا َ‬
‫ال َفوَاحِ َ‬
‫ن أَجْلِ‬
‫حبّ إَليْ ِه المِدْحَ ُة مِنَ الِّ‪ ،‬مِ ْ‬
‫ن و ُمنْ َذرِينَ‪ ،‬ول شخص أ َ‬
‫شرِي َ‬
‫سلِينَ ُمبَ ّ‬
‫لّ ال ُمرْ َ‬
‫ل ذِلكَ َب َعثَ ا ُ‬
‫مِنْ َأجْ ِ‬
‫جنّةَ))‪.‬‬
‫ذِلكَ وَعَدَ الُّ ال َ‬
‫فصل‬
‫المستفاد من حديث سعد بن عبادة‬
‫واستُفيدَ من هذا الحكم النبوىّ ع َدةُ أحكام‪.‬‬
‫‪201‬‬

‫ن َيصِحّ من كل زوجين سواءً كانا مسلمين أو كافريْنِ‪ ،‬عدلين فاسقْينِ‬
‫الحكم الول‪ :‬أن اللعا َ‬
‫محدودين فى قذف‪ ،‬أو غير محدودين‪ ،‬أو أحدهما كذلك‪ ،‬قال المام أحمد فى رواية إسحاق بن‬
‫منصور‪ :‬جميعُ الزواج يلت ِعنُونَ‪ ،‬الحُر من الحرة والمة إذا كانت زوجة‪ ،‬والعبد من الحرة والمة‬
‫إذا كانت زوجة‪ ،‬والمسلم من اليهودية والنصرانية‪ ،‬وهذا قول مالك وإسحاق وقولُ سعيد بن‬
‫المسيب‪ ،‬والحسن‪ ،‬وربيعة‪ ،‬وسليمان بن يسار‪.‬‬
‫ل الرأى‪ ،‬والوزاعى‪ ،‬والثورى‪ ،‬وجماعة إلى أن اللّعان ل يكون إل بينَ‬
‫وذهب أه ُ‬
‫زوجينِ مسلمين عدلين حرين غير محدودين فى قذف‪ ،‬وهو روايةٌ عن أحمد‪.‬‬
‫ومأخذ القولين‪ :‬أن اللعان يجمع وصفين‪ ،‬اليمينَ والشهادةَ‪ ،‬وقد سماه ال سبحانه شهادةً‪،‬‬
‫ل اليمَانُ‪َ ،‬لكَانَ لى َوَلهَا شَأْنٌ))‪ ،‬فمن‬
‫لّ صلى ال عليه وسلم يمينًا حيث يقول‪َ(( :‬لوْ َ‬
‫وسماه رسولُ ا ِ‬
‫ح مِن كل من يصح يمينه‪ :‬قالوا‪ :‬ولعموم قوله تعالى‪{ :‬وَالّذِينَ‬
‫غلّب عليه حُكم اليمان قال‪َ :‬يصِ ّ‬
‫جهُمْ } [النور‪ ]6 :‬قالوا‪ :‬وقد سمّاه رسول ال صلى ال عليه وسلم يميناً‪ .‬قالوا‪ :‬ولنه‬
‫َي ْرمُونَ َأزْوا َ‬
‫مفتقِر إلى اسم ال‪ ،‬وإلى ذكر القسم المؤكد وجوابه‪ .‬قالوا‪ :‬ولنه يستوى فيه الذكرُ والنثى‪ ،‬بخلف‬
‫الشهادة‪ .‬قالوا‪ :‬ولو كان شهادة‪ ،‬لما تكرّر لفظُه‪ ،‬بخلف اليمين‪ ،‬فإنه قد يشرع فيها التكرار‪ ،‬كأيمان‬
‫ح منه الشهادة إلى اللعان ونفى الولد‪ ،‬كحاجة من‬
‫القسامة‪ .‬قالوا‪ :‬ولن حاجة الزوج التى ل َتصِ ّ‬
‫تصِحّ شهادته سواء‪ ،‬والمر الذى ينزل به مما يدعو إلى اللعان‪ ،‬كالذى ينزلُ بالعدل الحر‪،‬‬
‫والشريعة ل ترفع ضررَ أح ِد النوعين‪ ،‬وتجعلُ له فرجاً ومخرجاً مما نزل به‪ ،‬وتدعُ النوع الخر‬
‫فى الصار والغلل‪ ،‬ل فرج له مما نزل به‪ ،‬ول مخزج‪ ،‬بل يستغيثُ فل يُغاث‪ ،‬ويستجيرُ فل‬
‫يُجار‪ ،‬إن تكلّمَ تكلّم بأمر عظيم‪ ،‬وإن سكت سكت على مثله‪ ،‬قد ضاقت عنه الرحم ُة التى وسعت من‬
‫َتصِحّ شهادته‪ ،‬وهذا تأباه الشريعةُ الواسعة الحنيفية السمحةُ‪.‬‬
‫سهُم‬
‫ل َأنْفُ ُ‬
‫شهَدَا ُء إِ ّ‬
‫ن َلهُمْ ُ‬
‫جهُمْ َولَ ْم َيكُ ْ‬
‫ن َي ْرمُونَ َأ ْزوَا َ‬
‫قال الخرون‪ :‬قال ال تعالى‪{ :‬وَالّذِي َ‬
‫شهَادَاتٍ بِالِّ} [النور‪ ،]6 :‬وفى الية دليل من ثلثة أوجه‪.‬‬
‫شهَا َد ُة أَحَدِه ْم َأ ْربَعُ َ‬
‫فَ َ‬
‫أحدها‪ :‬أنه سبحانه استثنى أنفسَهم مِن الشهادة‪ ،‬وهذا استثنا ُء م ّتصِلٌ قطعاً‪ ،‬ولهذا جاء‬
‫مرفوعاً‪.‬‬
‫ب أَنْ‬
‫ع ْنهَا العَذَا َ‬
‫والثانى‪ :‬أنه صرح بأن التعانَهم شهادة‪ ،‬ثم زاد سبحانه هذا بياناً‪ ،‬فقال‪َ { :‬ويَ ْد َر ُؤاْ َ‬
‫ن الكَاذِبينَ} [النور‪.]8 :‬‬
‫ل ِإنّهُ َلمِ َ‬
‫ت بِا ِ‬
‫شهَادَا ٍ‬
‫شهَ َد َأ ْربَعَ َ‬
‫تَ ْ‬
‫والثالث‪ :‬أنه جعله بدلً من الشهود‪ ،‬وقائماً مقامَهم عند عدمهم‪.‬‬
‫‪202‬‬

‫ى صلى ال عليه وسلم قال‪:‬‬
‫قالوا‪ :‬وقد روى عمرو بن شعيب‪ ،‬عن أبيه‪ ،‬عن جده‪ ،‬أن النب ّ‬
‫ل كَا ِف َريْنِ))‪ ،‬ذكره أبو عمر بن عبد البر فى ((التمهيد))‪.‬‬
‫ن وَ َ‬
‫ن َم ْملُو َكيْ ِ‬
‫ن َبيْ َ‬
‫((لَ ِلعَا َ‬
‫س َب ْي َنهُمْ ِلعَانٌ‪:‬‬
‫وذكر الدارقطنى من حديثه أيضاً‪ ،‬عن أبيه‪ ،‬عن جده مرفوعاً‪َ(( :‬أ ْر َبعَةٌ َل ْي َ‬
‫سلِم وَال َيهُو ِديّ ِة ِلعَانٌ‪َ ،‬وَليْسَ‬
‫س َبيْنَ المُ ْ‬
‫ح ّرةِ وال َعبْ ِد ِلعَانٌ‪ ،‬وَل ْي َ‬
‫حرّ والم ِة ِلعَانٌ‪َ ،‬وَل ْيسَ َبيْنَ ال ُ‬
‫َل ْيسَ َبيْنَ ال ُ‬
‫صرَا ِنيّةِ ِلعَانٌ))‪.‬‬
‫سلِ ِم والنّ ْ‬
‫َبيْنَ المُ ْ‬
‫وذكر عبد الرزاق فى ((مصنفه))‪ ،‬عن ابن شهاب‪ ،‬قال‪ :‬من وصية النبى صلى ال عليه‬
‫وسلم لِعتّاب بن أَسِيد‪ :‬أن ل لِعان بين أربع‪ ،‬فذكر معناه‪.‬‬

‫جعِلَ بدلَ‬
‫قالوا‪ :‬ولن اللّعانَ ُ‬

‫الشهادة‪ ،‬وقائماً مقامَها عند عدمها‪ ،‬فَل َيصِحّ إل ممن تصح منه‪ ،‬ولهذا تُح ّد المرأة بِلعان الزّوج‪،‬‬
‫ل لللِعانه منزل َة أربعةِ شهود‪.‬‬
‫ونُكولها تنزي ً‬
‫ن لى َوَلهَا شَأْنٌ))‪ ،‬فالمحفوظ فيه‪ :‬لول‬
‫ن ال ْيمَانِ‪َ ،‬لكَا َ‬
‫قالُوا‪ :‬وأما الحديثُ‪(( :‬لول مَا َمضَى مِ َ‬
‫ل ْيمَانِ‪،‬‬
‫ما مضى من كتاب ال‪ ،‬هذا لفظ البخارى فى ((صحيحه))‪ .‬وأما قوله‪َ :‬لوْلَ مَا َمضَى مِنَ ا َ‬
‫فمن رواية عباد ابن منصور‪ ،‬وقد تكلم فيه غير واحد‪ .‬قال يحيى بن معين‪ :‬ليس بشىء‪ .‬وقال على‬
‫بن الحسين بن الجنيد الرازى‪ :‬متروك قدرى‪ .‬وقال النسائي‪ :‬ضعيف‪.‬‬
‫ن على المدّعَى عليه‪ ،‬والزوج ها‬
‫وقد استقرت قاعدة الشريعة أن البين َة على المدّعي‪ ،‬واليمي َ‬
‫هنا مُدّعٍ‪ ،‬فلِعانُه شهادة‪ ،‬ولو كان يمينًا لم تُشرع فى جانبه‪.‬‬

‫قال الولون‪ :‬أما تسميتُه شهادةً‪،‬‬

‫فلِقول الملتعِنِ فى يمينه‪ :‬أشهد بالّ‪ ،‬فسمى بذلك شهادة‪ ،‬وإن كان يمينًا اعتباراً بلفظها‪ .‬قالوا‪ :‬وكيف‬
‫وهو مصرّح فيه بالقسم وجوابه‪ ،‬وكذلك لو قال‪ :‬أشهد بالِّ‪ ،‬انعقدت يمينُه فبذلك‪ ،‬سواء نوى اليمينَ‬
‫ب َتعُ ّد ذلك يميناً فى لغتها واستعمالها‪ .‬قال قيس‪:‬‬
‫أو أطلق‪ ،‬والعر ُ‬
‫ح ّبهَا‬
‫لّ َأنّى أُ ِ‬
‫عنْدَ ا ِ‬
‫شهَدُ ِ‬
‫فَأَ ْ‬

‫عنْدَهَا ِليَا‬
‫عنْدِى َفمَا ِ‬
‫فَهذَا َلهَا ِ‬

‫وفى هذا حجة لمن قال‪ :‬إن قوله‪(( :‬أشهد)) تنعقِد به اليمين‪ ،‬ولو لم يقُلْ‪ :‬بالِّ‪ ،‬كما هو إحدى‬
‫ل الكثرين‪ .‬كما أن قوله‪ :‬أشهد بالّ‬
‫الروايتين عن أحمد‪ .‬والثانية‪ ،‬ل يكون يميناً إل بالنيةِ‪ ،‬وهو قو ُ‬
‫يمين عند الكثرين بمطلقة‪.‬‬
‫قالوا‪ :‬وأما استثناؤُه سبحانه أنفسَهم مِن الشهداء‪ ،‬فيقال أولً‪(( :‬إل)) ها هنا‪ :‬صفة بمعنى‬
‫غير‪ ،‬والمعنى‪ :‬ولم يكن لهم شهداء غيرُ أنفسهم‪ ،‬فإن ((غيراً))‪ ،‬و((وإلّ)) يتعارضان الوصفية‬
‫ل على ((غير))‪.‬‬
‫ل على ((إلّ))‪ ،‬ويُوصف بـ ((إلّ)) حم ً‬
‫والستثناء‪ ،‬فيُستثنى بـ ((غير)) حم ً‬

‫‪203‬‬

‫ويقال ثانياً‪ :‬إن ((أنفسهم)) مستثنى من الشهداء‪ ،‬ولكن يجوز أن يكون منقطعًا على لغة بنى‬
‫تميم‪ ،‬فإنهم يُبذلون فى النقطاع‪ ،‬كما ُيبْدِل أهلُ الحجاز وهم فى التصال‪.‬‬
‫ويقال ثالثاً‪ :‬إنما استثنى ((أنفسهم)) من الشهداء لنه نزّلهم منزلتهم فى قبول قولهم‪ ،‬وهذا‬
‫قوى جدًا على قول من يرجم المرأة بالتعان الزوج إذا نكلت وهو الصحيح‪ ،‬كما يأتى تقريره إن‬
‫شاء ال تعالى‪ .‬والصحيح‪ :‬أن لعانهم يجمع الوصفين‪ ،‬اليمين والشهادة‪ ،‬فهو شهادة مؤكّدة بالقسم‬
‫والتكرار‪ ،‬ويمين مغلّظة بلفظ الشهادة والتكرار لقتضاء الحال تأكيد المر‪.‬‬
‫ولهذا اعتبر فيه من التأكيد عشرة أنواع‪.‬‬
‫أحدها‪ :‬ذكر لفظ الشهادة‪.‬‬
‫الثانى‪ :‬ذكر القسم بأحد أسما ِء الربّ سبحانه وأجمعها لمعانى أسمائه الحسنى‪ ،‬وهو اسم ال‬
‫جَلّ ذِكرُه‪.‬‬
‫الثالث‪ :‬تأكي ُد الجواب بِما يُؤكّد به المقسم عليه‪ ،‬من ((إن‪ ،‬واللم))‪ ،‬وإتيانه باسم الفاعل‬
‫الذي هو صادق وكاذب دون الفعل الذى هو صدق وكذب‪.‬‬
‫الرابع‪ :‬تكرا ُر ذلك أربع مرات‪.‬‬
‫الخامس‪ :‬دعاؤه على نفسه فى الخامسة بلعنة ال إن كان من الكاذبين‪.‬‬
‫السادس‪ :‬إخبارُه عند الخامسة أنها الموجِبةُ لعذاب ال‪ ،‬وهو إما الحدّ أو الحبسُ‪ ،‬وجعل‬
‫لعانها دارئًا للعذاب عنها‪.‬‬
‫الثامن‪ :‬أن هذا اللعان يُوجب العذاب على أحدهما إما فى الدنيا‪ ،‬وإما فى الخرة‪.‬‬
‫التاسع‪ :‬التفريقُ بين المتلعنين‪ ،‬وخرابُ بيتها‪ ،‬وكسرها بالفراق‪.‬‬
‫جعِلَ‬
‫العاشرُ‪ :‬تأبيد تلك الفرقة ودوام التحريم بينهما‪ ،‬فلما كان شأنُ هذا اللعانِ هذا الشأن‪ُ ،‬‬
‫يميناً مقروناً بالشهادة‪ ،‬وشهادة مقرونة باليمين‪ ،‬وجعل الملتعن لقبول قوله كالشاهد‪ ،‬فإن نكلت‬
‫المرأةُ‪ ،‬مضت شهادته وحُ ّدتْ‪ ،‬وأفادت شهادتُه ويمينهُ شيئين‪ :‬سقوط الحد عنه‪ ،‬ووجوبه عليها‪ .‬وإن‬
‫التعنت المرأة وعارضت لعانه بلعان آخر منها‪ ،‬أفاد لعانُه سقوطَ الحد عنه دون وجبه عليها‪ ،‬فكان‬
‫شهادة ويميناً بالنسبة إليه دونها‪ ،‬لنه إن كان يميناً محضة فهى ل تحدّ بمجرد حلفه‪ ،‬وإن كان شهادة‬
‫ب الشهادة واليمين فى حقّه‬
‫فل تحدّ بمجرد شهادته عليها وحده‪ .‬فإذا انضم إلى ذلك نكولُها‪ ،‬قوىَ جان ُ‬
‫بتأكّد ِه ونكولها‪ ،‬فكان دليلً ظاهرًا على صدقة‪ ،‬فأسقط الحد عنه‪ ،‬وأوجبه عليها‪ ،‬وهذا أحسنُ ما‬

‫‪204‬‬

‫يكون من الحكم‪ ،‬ومن أَحْسنُ من الِّ حكمًا لِقوم يُو ِقنُونَ‪ ،‬وقد ظهر بهذا أنه يمين فيها معنى الشهادة‪،‬‬
‫وشهادةٌ فيها معنى اليمين‪.‬‬
‫ث عمرو بن شُعيب‪ ،‬عن أبيه‪ ،‬عن جده‪ ،‬فما أبينَ دللته لو كان صحيحًا بوصوله‬
‫وأما حدي ُ‬
‫إلى عمرو‪ ،‬ولكن فى طريقه إلى عمرو مَهالكُ ومفاوز‪ .‬قال أبو عمر بن عبد البر‪ :‬ليس دون عمرو‬
‫بن شعيب من يحتج به‪.‬‬
‫وأما حديثُه الخر الذي رواه الدارقطنى‪ ،‬فعلى طريق الحديث عثمان بن عبد الرحمن‬
‫الوقاصى‪ ،‬وهو متروك بإجماعهم‪ ،‬فالطريق به مقطوعة‪.‬‬
‫ب بنُ أسيد‬
‫عتّا ُ‬
‫حتَجّ بها‪ ،‬و َ‬
‫ل الزهرىّ عندهم ضعيفة ل ُي ْ‬
‫ث عبد الرزاق‪ ،‬فمراسي ُ‬
‫وأما حدي ُ‬
‫ى صلى ال عليه وسلم على مكة‪ ،‬ولم يكن بمكة يهودىٌ ول نصرانى البتة حتى‬
‫ل للنب ّ‬
‫كان عام ً‬
‫يُوصِيُه أن ل يلعِنَ بينهما‪.‬‬
‫ن لى ولها شأن))‪ ،‬وهو حديث رواه أبو‬
‫قالوا‪ :‬وأما ردّكم لقوله‪(( :‬لول ما مضى من اليمان‪ ،‬لكَا َ‬
‫داود فى سننه‪ ،‬وإسناده ل بأس به‪ ،‬وأما تعلّقكم فيه على عبّاد بن منصور‪ ،‬فأكثر ما عيب عليه أنه‬
‫ن القد ِريّة‬
‫ى داعية إلى القدر‪ ،‬وهذا ل يوجب ردّ حديثهِ‪ ،‬ففى الصحيح‪ :‬الحتجاجُ بجماعة مِ َ‬
‫قدر ّ‬
‫ن قوله‪(( :‬لول ما َمضَى مِن كتاب ال تعالى))‪،‬‬
‫علِ َم صِدْقُه‪ ،‬ول تنافى بي َ‬
‫والمرجئة والشيعة ممن ُ‬
‫((ولول ما مضى من اليمان))‪ ،‬فيحتاج إلى ترجيح أح ِد اللفظين‪ ،‬وتقديمه على الخر‪ ،‬بل اليمان‬
‫المذكورة هى فى كتابِ ال‪ ،‬وكتابُ ال تعالى حكمُه الذى حكم به بين المتلعنين‪ ،‬وأراد صلى ال‬
‫ل بين المتلعنَين‪ ،‬لكان لها شأن آخر‪.‬‬
‫لّ الذى فص َ‬
‫عليه وسلم‪ :‬لول ما مضى مِن حكم ا ِ‬
‫قالوا‪ :‬وأما قولُكم‪ :‬إن قاعد َة الشريعةِ استقرّت على أن الشهادةَ فى جانب المدّعى‪ ،‬واليمين‬
‫فى جانب المدّعَى عليه‪ ،‬فجوابه مِن وجوه‪ ،‬أحدها‪ :‬أن الشريعةَ لم تست ِق ّر على هذا‪ ،‬بل قد استقرت‬
‫فى القَسامة بأن يبدأ بأيمان المدّعينَ‪ ،‬وهذ لقوة جانبهم بالّل ْوثِ‪ ،‬وقاعدةُ الشريعة أن اليمين تكون من‬
‫ب المدّعى عليه قوياً بالبراءة الصلية‪ ،‬شرعت اليمينُ فى‬
‫جنبة أقوى المتداعيين‪ ،‬فلما كان جان ُ‬
‫جانبه‪ ،‬فلما قوى جانبُ المدعى فى القسامة باللوث كانت اليمينُ فى جانبه‪ ،‬فيقال له‪ :‬احلف‬
‫ن مِن‬
‫واستحق‪ ،‬وهذا مِن كمال حكمة الشارع واقتضائه للمصالح بحسب المكان‪ ،‬ولو شرعت اليمي ُ‬
‫جانب واحد دائماً‪ ،‬لذهبت قوةُ الجانب الراجح هدراً‪ ،‬وحكمة الشارع تأبى ذلك‪ ،‬فالذى جاء به هو‬
‫غايةُ الحكمة والمصلحة‪.‬‬

‫‪205‬‬

‫ع ِرفَ هذا‪ ،‬فجانب الزوج ها هنا أقوى من جانبها‪ ،‬فإن المرأة ُت ْن ِكرُ زناها‪ ،‬وتبهتُه‪،‬‬
‫وإذا ُ‬
‫ج ليس له غرضٌ فى هتك حرمته‪ ،‬وإفساد فراشه‪ ،‬ونسبة أهله إلى الفجور‪ ،‬بل ذلك أشوشُ‬
‫والزو ُ‬
‫ل المرأة قوى المرُ جداً فى‬
‫عليه‪ ،‬وأكره شىء إليه‪ ،‬فكان هذا لوثاً ظاهراً‪ ،‬فإذا انضاف إليه نكو ُ‬
‫ت بلعانه‪ ،‬ولكن لما‬
‫ل ذلك بثبوت حكم الزنى عليها شرعاً‪ ،‬فحف ّد ْ‬
‫قلوبِ الناسِ خاصّهم وعامّهم‪ ،‬فاستق ّ‬
‫تكن أيمانُه بمنزلة الشهداء الربعة حقيقةً‪ ،‬كان لها أن تُعارِضَها بأيمان أخرى مثلِها يدرأ عنها بها‬
‫ن ال ُم ْؤ ِمنِينَ} [النور‪ ،]2 :‬ولو‬
‫شهَدْ عَذَا َب ُهمَا طَائِفَ ٌة مِ َ‬
‫ب عذابَ الح ّد المذكور فى قوله تعالى‪َ {:‬و ْليَ ْ‬
‫العذا َ‬
‫كان لِعانُه بينةً حقيقةً‪ ،‬لما دفعت أيمانها عنها شيئاً‪.‬‬
‫ح بالفصل الثانى المستفاد من قضاء رسول ال صلى ال عليه وسلم‪ ،‬وهو‬
‫وهذا ي ّتضِ ُ‬
‫أن المرأةَ إذا لم تلتعِنْ‪ ،‬فهل ُتحَ ّد أو تُح َبسُ حتى تُ ِقرّ‪ ،‬أو تُلعن؟ فيه قولن للفقهاء‪ .‬فقال الشافعى‪،‬‬
‫ل أهلِ الحجاز‪ .‬وقال أحمد‪ :‬تُحبسُ حتى تُ ِق ّر أو تُلعِنَ‪،‬‬
‫وجماعة من السلف والخلف‪ :‬تُحَدّ‪ ،‬وهو قو ُ‬
‫س ويُخلّى سبيلُها‪.‬‬
‫ل أهل العِراق‪ .‬وعنه رواية ثانية‪ :‬ل تح َب ُ‬
‫وهو قو ُ‬
‫جبُ الحدّ عليها‪ ،‬لم‬
‫قال أهل العراق ومَنْ وافقهم‪ :‬لو كان لِعانُ الرجل بين ًة تُو ِ‬
‫تملك إسقاطَه باللعانِ‪ ،‬وتكذيب البينة‪ ،‬كما لو شهد عليها أربعة‪.‬‬
‫قالوا‪ :‬ولنه لو شهد عليها مع ثلثة غيرِه‪ ،‬لم تحد بهذه الشهادة‪ ،‬فلن ل تُحدّ بشهادته وحده‬
‫جبُ حدّ الخر‪ ،‬كما لم يُوجب لِعانُها حدّه‪.‬‬
‫أولى وأحرى‪ .‬قالُوا‪ :‬ولنه أح ُد المتلعنين‪ ،‬فل يُو ِ‬
‫قالوا‪ :‬وقد قال النبى صلى ال عليه وسلم‪(( :‬ال َب ّينَةُ عَلى المُدّعى))‪ .‬ول ريب أن الزوج ها‬
‫هنا مدّع‪.‬‬
‫ب لِعانه إسقاط الحد عن نفسه ل إيجابَ الحد عليها‪ ،‬ولهذا قال النبى صلى‬
‫قالوا‪ :‬ولن موج َ‬
‫ف الزوج‪ ،‬كموجِب قذفِ الجنبى وهو‬
‫جبَ قذ ِ‬
‫ظ ْه ِركَ))‪ ،‬فإن مو ِ‬
‫ال عليه وسلم‪(( :‬ال َب ّينَ ُة وإل حَدّ فى َ‬
‫الحدّ‪ ،‬فجعل ال سبحانه له طريقاً إلى التخلص منه باللعان‪ ،‬وجعل طريق إقامة الحد على المرأة‬
‫ل عند من يَحُ ّد به مِن الصحابة‪ ،‬كعمر بن‬
‫حبَ ُ‬
‫أح َد أمرين‪ :‬إما أربعة شهود‪ ،‬أو اعتراف‪ ،‬أو ال َ‬
‫الخطاب ومن وافقه‪ ،‬وقد قال عمر بن الخطاب على منبر رسول ال صلى ال عليه وسلم‪ :‬والرجمُ‬
‫حبَلُ‪ ،‬أو‬
‫ف من َزنَى مِن الرجال والنساء إذا كان محصَناً إذا قامَت بينةٌ‪ ،‬أو كان ال َ‬
‫جبٌ على ك ّ‬
‫وا ِ‬
‫العترافُ‪ ،‬وكذلك قال علىّ رضى ال عنه‪ ،‬فجعل طريق الحدّ ثلثة لم يجعل فيها اللعان‪.‬‬
‫ب عليها الحد‪ ،‬لن تحقق زناها إما أن يكونُ‬
‫قالوا‪ :‬وأيضاً فهذه لم يتحقق زناها‪ ،‬فل يج ُ‬
‫ط بِلعانها الحدّ‪ ،‬ولما وجب بعد ذلك حد على قاذفها‪،‬‬
‫بِلعان الزوج وحدَه‪ ،‬لنه لو تحقق به‪ ،‬لم يسقُ ْ‬
‫‪206‬‬

‫ول يجوزُ أن يتحقق بنكُولها أيضاً‪ ،‬لن الحدّ ل يثبُت بالنكول‪ ،‬فإن الح ّد يُدرأ بالشّبهاتِ‪ ،‬فكيف يجب‬
‫بالنكولِ‪ ،‬فإن النكولَ‪ ،‬يحتمل أن يكون لِشدة خَ َفرِهَا‪ ،‬أو لعُ ْقلَةِ لِسانها‪ ،‬أو لِدهشها فى ذلك المقام‬
‫ع ِبرَ فى بينته من العدد ضعف‬
‫الفاضح المخزى‪ ،‬أو لغير ذلك من السباب‪ ،‬فكيف يثبتُ الحدّ الذى ا ُ‬
‫ما اعتبر فى سائر الحدود‪ ،‬وفى إقراره أربع مرات بالسنة الصحيحة الصريحة‪ ،‬واع ُت ِبرَ فى كل من‬
‫ف الفعل والتصريح به مبالغة فى الستر‪ ،‬ودفعاً لثبات الحدّ بأبلغ‬
‫القرار والبينة أن يتضمّن وص َ‬
‫الطرق وآكِدها‪ ،‬وتوسلً إلى إسقاط الحدّ بأدنى شُبهة‪ ،‬فكيف يجوزُ أن يقضى فيه بالنكولِ الذي هو‬
‫فى نفسه شبهة ل يُقضي به فى شىء من الحدود والعقوبات البتة ول فيما عد الموال؟‬
‫قالوا‪ :‬والشافعى رحمه ال تعالى ل يرى القضاء بالنكول فى درهم فما دونَه‪ ،‬ول فى أدنى‬
‫تعزير‪ ،‬فكيف يُقضَى به فى أعظم المور وأبعدِها ثبوتاً‪ ،‬وأسرعها سقوطاً‪ ،‬ولنها لو أقرّت‬
‫بلسانها‪ ،‬ثم رجعت‪ ،‬لم يجب عليها الحدّ‪ ،‬فلن ل يجب بمجرد امتناعها مِن اليمين على براءتها‬
‫أولي‪ ،‬وإذا ظهر أنه ل تأثير لواحد منهما فى تحقق زناها‪ ،‬لم يجز أن يُقال بتحققه بهما لوجهين‪.‬‬
‫أحدهما‪ :‬أن ما فى كل واحد منهما من الشبهة ل يزول بضم أحدهما إلى الخر‪ ،‬كشهادة‬
‫ل نكولها لفرط حيائها‪ ،‬وهيبة ذلك المقام‪ ،‬والجمع‪ ،‬وشدة الخَ َفرِ‪ ،‬وعجزها‬
‫مائة فاسق‪ ،‬فإن احتما َ‬
‫عن النطق‪ ،‬وعُقلة لسانها ل يزولُ بلعان الزوج ول بنكولها‪.‬‬
‫الثانى‪ :‬أن ما ل يقضى فيه باليمين المفردة ل يقضى فيه باليمين مع النكول كسائر الحقوق‪.‬‬
‫شهَدَ} [النور‪ ،]8 :‬فالعذاب ها هنا يجوز‬
‫ب أَنْ تَ ْ‬
‫ع ْنهَا العَذَا َ‬
‫قالوا‪ :‬وأما قوله تعالى‪{ :‬ويَ ْدرَؤاْ َ‬
‫أن يُراد به الحدّ‪ ،‬وأن يُرا َد به الحبسُ والعقوبةُ المطلوبة‪ ،‬فل يتعين إرادة الحدّ به‪ ،‬فإنّ الدال على‬
‫ل على المقيد إل بدليل من خارج‪ ،‬وأدنى درجاتِ ذلك الحتمال‪ ،‬فل يثبتُ الح ّد مع‬
‫المطلق ل يد ّ‬
‫قيامه‪ ،‬وقد يُرجّحُ هذا بما تقدم مِن قول عمر وعلى رضى ال عنهما‪ :‬إن الح ّد إنما يكون بالبينة أو‬
‫العتراف أو الحبل‪.‬‬
‫ثم اختلف هؤلء فيما يصنع بها إذا لم تُلعِنْ‪ ،‬فقال أحمد‪ :‬إذا أبت المرأة أن تلتعِنَ بعدًَ التعان‬
‫حكُمَ عليها بالرجم‪ ،‬لنها لو أقرت بلسانها‪ ،‬لم أرجمها إذا‬
‫ت أن أ ْ‬
‫الرجل‪ ،‬أجبرتُها عليه‪ ،‬و ِه ْب ُ‬
‫ت اللعان؟ وعنه رحمه ال تعالى رواية ثانية‪ :‬يخلى سبيلُها‪ ،‬اختارها أبو بكر‪،‬‬
‫رجعت‪ ،‬فكيف إذا أب ِ‬
‫لنها ل يجبُ عليها الحد‪ ،‬فيجب تخلية سبيلها‪ ،‬كما لو لم تكمل البينة‪.‬‬
‫فصل‬

‫‪207‬‬

‫ل عن الشهود‪،‬‬
‫ن الزوج بد ً‬
‫قال الموجبون للحدّ‪ :‬معلومٌ أن ال سبحانه وتعالى جعل التعا َ‬
‫وقائماً مقامهم‪ ،‬بل جعل الزواج الملتعنِينَ شهداءَ كما تقدّم‪ ،‬وصرّحَ بأن لِعانهم شهادةٌ‪ ،‬وأوضح‬
‫شهَادَاتٍ بِالِ} [النور‪ ،]8 :‬وهذا يدلّ على أن سببَ‬
‫شهَ َد َأ ْربَعَ َ‬
‫ن تَ ْ‬
‫ع ْنهَا العَذَابَ أَ ْ‬
‫ذلك بقوله‪{ :‬ويَ ْد َرؤُاْ َ‬
‫العذاب الدنيوى قد وُجِدَ‪ ،‬وأنه ل يدفعه عنها إل لعانُها‪ ،‬والعذاب المدفوع عنها إل لعانُها‪ ،‬والعذاب‬
‫شهَدْ عَذَا َب ُهمَا طَائِفَ ٌة مِنَ ال ُم ْؤ ِمنِينَ} [النور‪:‬‬
‫المدفوع عنها بلعنها هو المَذكُور فى قوله تعالى‪{ :‬و ْليَ ْ‬
‫‪ ،]2‬وهذا عذابُ الحدّ قطعاً‪ ،‬فذكره مضافاً‪ ،‬ومعرّفًا بلم العهد‪ ،‬فل يجو ُز أن ينص ِرفَ إلى عُقوب ٍة لم‬
‫ل عليها بوج ٍه مِن حبس أو غيره‪ ،‬فكيف يُخلّى سبيلُها‪ ،‬ويدرأ عنها العذابُ‬
‫تُذكر فى اللفظ‪ ،‬ول د ّ‬
‫بِغير لِعان‪ ،‬وهل هذا إلّ مخالف ٌة لِظاهر القرآن؟‬
‫ن الزوج دارئاً لح ّد القذف عنه‪ ،‬وجعل لِعانَ الزوجة دارئاً‬
‫قالُوا‪ :‬وقد جعل الُّ سبحانه لِعا َ‬
‫لعذاب ح ّد الزّنى عنها‪ ،‬فكما أن الزوج إذا لم يُلعن يُحدّ حَدّ القذف‪ ،‬فكذلك الزوج ُة إذا لم تُلعن‬
‫يجب عليها الحدّ‪.‬‬
‫ن الزوج لو كان بيّنة تُوجب الح ّد عليها لم تملك هى إسقاطه‬
‫قالُوا‪ :‬وأما قولكم‪ :‬إن لعا َ‬
‫باللعان‪ ،‬كشهادة الجنبى‪.‬‬
‫فالجواب‪ :‬أن حكم اللّعان حُكمٌ مستقلٌ بنفسه غي ُر مردود إلى أحكام الدعاوى والبيّنات‪ ،‬بل‬
‫شرَعَه الذى شرع نظيرَه مِن الحكام‪ ،‬وفصّله الذى فصّل الحللَ والحرام‪،‬‬
‫هو أصل قائم بنفسه َ‬
‫جرَ َم نزل عن مرتبة البينة‪ ،‬فلم يستقِلّ وحدَه بحكم البينة‪،‬‬
‫ولما كان لِعانُ الزوج بدلً عن الشهود ل َ‬
‫وجعل للمرأة معارضته بلعان نظيره‪ ،‬وحينئذ فل يظهر ترجيحُ أحد اللعانين على الخر لنا‪ ،‬والّ‬
‫يعلم أن أحدهما كاذب‪ ،‬فل وجه لحد المرأة بمجردِ لِعان الزوج‪ ،‬فإذا مُكنت من معارضته وإتيانها‬
‫ل المقتضى عمَله‪ ،‬وانضاف إليه قرينة قوّته‬
‫عمِ َ‬
‫بما يُبرىء ساحتها‪ ،‬فلم تفعل‪ ،‬ونكلت عن ذلك‪َ ،‬‬
‫ل المرأة وإعراضُها عما يُخلّصها مِن العذاب‪َ ،‬ويَ ْد َرؤُه عنها‪.‬‬
‫وأكّدته‪ ،‬وهى نكو ُ‬

‫قالوا‪ :‬وأما‬

‫قولُكم‪ :‬إنه لو شهد عليها مع ثلثة غيره لم تُحَدّ بهذه الشهادة‪ ،‬فكيف تُحدّ بشهادته وحدَه؟ فجوابُه أنها‬
‫س مرات‪ ،‬ونكولِها عن معارضته مع قدرتها‬
‫لم تُحد بشهادة مجرّدة‪ ،‬وإما حُدّت بمجموع لِعانه خم َ‬
‫عليها‪ ،‬فقامَ من مجموع ذلك دليل فى غاية الظهور والقوة على صحة قوله‪ ،‬والظنّ المستفاد منه‬
‫أقوى بكثره من الظن المستفاد من شهادة الشهود‪.‬‬
‫وأما قولُكم‪ :‬إنه أحد اللعانين‪ ،‬فل يُوجب حد الخر‪ ،‬كما لم يُوجب لِعانُها حدّه‪ ،‬فجوابه أن‬
‫شهَدَ} [النور‪،]8 :‬‬
‫ن تَ ْ‬
‫ب أَ ْ‬
‫ع ْنهَا العَذَا َ‬
‫لِعانها إنما شرع للدفع‪ ،‬ل لليجاب‪ ،‬كما قال تعالى‪َ {:‬ويَ ْدرَ ُؤاْ َ‬
‫‪208‬‬

‫ص على أن لعانه مقتض ليجاب الحد‪ ،‬ولعانها دافع ودارىء ل موجب‪ ،‬فقياسُ أحد اللعانينِ‬
‫فدلّ الن ّ‬
‫ى صلى ال عليه‬
‫ل النب ّ‬
‫على الخر جمع بين ما فرّق ال سبحانه بينهما وهو باطل‪ .‬قالُوا‪ :‬وأما قو ُ‬
‫علَى المُدّعِى))‪ ،‬فسمعاً وطاع ًة لرسول ال صلى ال عليه وسلم‪ ،‬ول ريبَ أن لِعان‬
‫وسلم‪(( :‬البَ ّينَةُ َ‬
‫ج المذكورِ المكرر بينة‪ ،‬وقد انضم إليها نكولُها الجارى مجرى إقرارها عند قوم‪ ،‬ومجرى بينة‬
‫الزو ِ‬
‫المدعين عند آخرين‪ ،‬وهذا مِن أقوى البينات‪ ،‬ويدل عليه أن النبىّ صلى ال عليه وسلم قال له‪:‬‬
‫((البين ُة وإلّ حَدّ فى ظهرك))‪ ،‬ولم يُبطل الُّ سبحانه هذا‪ ،‬وإنما نقله عند عجزه عن بينة منفصلة‬
‫تُسقط الحد عنه يعجز عن إقامتها‪ ،‬إلى بينة يتمكّن مِن إقامته‪ ،‬ولما كانت دونها فى الرتبة مع قدرتها‬
‫وتمكنها‪ ،‬قالوا‪ :‬وأما قولُكم‪ :‬إن موجب لعانه إسقاط الحد عن نفسه ل إيجابُ الح ّد عليها إلى آخره‪،‬‬
‫فإن أردتُم أن من موجبه إسقاطُ الحد عن نفسه فحق‪ ،‬وإن أردتُم أن سقوطَ الحدّ عنه يسقط جميع‬
‫موجبه‪ ،‬ول موجب له سواه‪ ،‬فباطل قطعاً‪ ،‬فإن وقوع الفرقة‪ ،‬أو وجوب التفريق والتحريم المؤبّد‪،‬‬
‫أو المؤقت‪ ،‬ونفى الولد المصرح بنفيه‪ ،‬أو المكتفى فى نفيه باللعان‪ ،‬ووجوب العذاب على الزوجة‬
‫ل ذلك من موجب اللعان‪ ،‬فل يصح أنه يقال‪ :‬إنما يوجب سقوط‬
‫إما عذاب الحد‪ ،‬أو عذاب الحبس‪ ،‬كُ ّ‬
‫حد القذف عن الزوج فقط‪.‬‬
‫قالوا‪ :‬وأما قولُكم‪ :‬إن الصحابة جعلُوا ح ّد الزنى بأحد ثلثة أشياء‪ :‬إما البينة‪ ،‬أو العترافِ‪،‬‬
‫ن ليس منها‪ ،‬فجوابُه‪ :‬أن منازعيكم يقولُون‪ :‬إن كان إيجاب الحدّ عليها باللعان‬
‫حبَلِ‪ ،‬واللعا ُ‬
‫أو ال َ‬
‫خلفاً لقوال هؤلء الصحابة‪ ،‬فإن إسقاطَ الحدّ بالحبل أدخلُ فى خلفهم وأظهر‪ ،‬فما الذى سوّغ لكم‬
‫إسقاطَ حدّ أوجبوه بالحبل‪ ،‬وصريح مخالفتهم‪ ،‬وحرّم على منازعيكم مخالفتَهم فى إيجاب الح ّد بغير‬
‫هذه الثلثة‪ ،‬مع أنهم أعذ ُر منكم‪ ،‬لثلثة أوجه‪.‬‬
‫أحدُها‪ :‬أنهم لم يُخالفوا صريحَ قولهم‪ ،‬وإنما هو مخالفة لمفهومٍ سكتُوا عنه‪ ،‬فهو مخالفة‬
‫لسكوتهم‪ ،‬وأنتم خالفتهم صريح أقوالهم‪.‬‬
‫الثانى‪ :‬أن غاية ما خالفوه مفهومٌ قد خالفه صريحٌ عن جماعة منهم بإيجاب الحدّ‪ ،‬فلم يُخالفوا‬
‫ما أجم َع عليه الصحابة‪ ،‬وأنتم خالفتُم منطوقاً‪ ،‬ل ُي ْعلَمُ لهم فيه مخالف البتة ها هنا‪ ،‬وهو إيجابُ الحدّ‬
‫بالحبل‪ ،‬فل يُحفظ عن صحابى قطّ مخالفة عمر وعلى رضى ال عنهما فى إيجاب الحد به‪.‬‬
‫الثالث‪ :‬أنهم خالفوا هذا المفهومَ لمنطوق تلك ال ِدلّ ِة التى تقدّمت‪ ،‬ولمفهوم قوله‪{:‬ويَ ْد َر ُؤاْ‬
‫شهَدَ} [النور‪ ،]8 :‬ول ر ْيبَ أن هذا المفهومَ أقوى مِن مفهوم سقوط الحد بقولهم‪:‬‬
‫ن تَ ْ‬
‫ب أَ ْ‬
‫ع ْنهَا العَذَا َ‬
‫َ‬
‫ل أو العترافُ‪ ،‬فهم تركوا مفهومًا لِما هو أقوى منه وأولى‪ ،‬هذا لو كانوا قد‬
‫إذا كانت البين ُة أو الحب ُ‬
‫‪209‬‬

‫ن مع نكولِ المرأة مِن أقوى‬
‫ن اللعا َ‬
‫خالفوا الصحابة‪ ،‬فكيف وقولُهم موافق لقوال الصحابة؟ فإ ّ‬
‫البينات كما تقرر‪.‬‬
‫قالوا‪ :‬وأما قولُكم‪ :‬لَمْ يتحقق زِناها إلى آخره‪ ،‬فجوابُه إن أردتم بالتحقيق اليقينَ المقطوعَ به‬
‫كالمحرمات‪ ،‬فهذا ل يُشترط فى إقامة الحد‪ ،‬ولو كان هذا شرطاً‪ ،‬لما أقيمَ الحدّ بشهاد ِة أربعة‪ ،‬إذ‬
‫ل الزّنى محققًا بهذا العتبار‪ .‬وإن أردتُم بعدم التحقق أنه مشكوكٌ فيه على السواء‪،‬‬
‫شهادتُهم ل تجع ُ‬
‫ب أن‬
‫بحيث ل يترجّح ثبوته‪ ،‬فباطل قطعاً‪ ،‬وإل لما وجب عليها العذابُ المد َرأُ بلعانها‪ ،‬ول ري َ‬
‫التحقّقَ المستفا َد مِن لعانه المؤكد المكرَّْر مع إعراضها عن معارضة ممكنة منه أقوى من التحقق‬
‫بأربع شهود‪ ،‬ولعل لهم غرضاً فى قذفها وهتكِها وإفسادها على زوجها‪ ،‬والزوجُ ل غرض له فى‬
‫ذلك منها‪.‬‬
‫وقولكم‪ :‬إنه لو تحقق‪ ،‬فإما أن يتحقق بلعانِ الزوج‪ ،‬أو بنكولها‪ ،‬أو بهما‪ ،‬فجوابُه‪ :‬أنه تحقّق‬
‫بهما‪ ،‬ول يلزم مِن عدم استقلل أحدِ المرين بالح ّد وضعفه عنه عد ُم استقللهما معاً‪ ،‬إذا هذا شأنُ‬
‫ل مفرد لم يستقِلّ بالحكم بنفسه‪ ،‬ويستقل به مع غي ِرهِ لقوته به‪.‬‬
‫كُ ّ‬
‫وأما قولُكم‪ :‬عجباً للشافعىّ كيف ل يقضى بالنكول فى درهم‪ ،‬ويقضى به فى إقامة ح ٍد بَالَغَ‬
‫ل بيّنة‪ ،‬فهذا موضع ل يُنتصر فيه للشافعى ول لغيره من الئمة‪،‬‬
‫الشّرع فى ستره‪ ،‬واعتبر له أكم َ‬
‫وليس لِهذا وُض َع ِكتَا ُبنَا هذا‪ ،‬ول قصدنا به نُص َرةَ أح ٍد من العالمين‪ ،‬وإنما قصدنا به مجرّد هدى‬
‫رسولِ ال صلى ال عليه وسلم فى سيرته وأقضيته وأحكامه‪ ،‬وما تضمّن سوى ذلك‪ ،‬فتبع مقصودٌ‬
‫ضرّ ذلك هدى رسول ال صلى ال عليه وسلم‪.‬‬
‫لغيره‪ ،‬فهب أن من لم يقض بالنكول تناقض‪ ،‬فماذ َي ُ‬
‫ى رَحمَه ال تعالى لم يتناقض‪ ،‬فإنه فرّق بين نكولٍ‬
‫شكَاةٌ ظَا ِه ٌر عنه عَارُهَا‪ .‬على أن الشّافِع ّ‬
‫و ِت ْلكَ َ‬
‫مجرد ل قولة له‪ ،‬وبين نُكولٍ قد قارنَه التعان مؤكّ ٌد مك ّر ٌر أُقيم فى حق الزوج مقا َم البينة مع شهادة‬
‫الحال بكراهة الزوج‪ ،‬لزنى امرأته‪ ،‬وفضيحتها‪ ،‬وخراب بيتها‪ ،‬وإقامة نفسه وحِبه فى ذلك المقام‬
‫العظيم بمشهد المسلمين وخراب بيتها‪ ،‬وإقامة نفسه وحِبه فى ذلك المقام العظيم بمشهد المسلمين‬
‫جهْ َد أيمانه أرب َع مرات إنه لمن الصادقين‪،‬‬
‫يدعو على نفسه باللعنة إن كان كاذباً بعد حلفه بالّ َ‬
‫والشافعى رحمه ال إنما حكم بنكول قد قارنه ما هذا شأنُه‪ ،‬فمن أين يلزمه أن يحكم بنكول مجرد؟‬
‫جبُ بمجرّدِ‬
‫قالوا‪ :‬وأما قولُكم‪ :‬إنها أقرّت بالزنى ثم رجعت‪ ،‬لسقط عنها الحدّ‪ ،‬فكيف ي ِ‬
‫امتناعِها من اليمين؟ فجوابه‪ :‬ما تقرر آنفاً‪.‬‬

‫‪210‬‬

‫ن العذاب المُ ْد َرأَ عنها بلعانها هو عذابُ الحبس أو غيره‪ ،‬فجوابُه‪ :‬أن‬
‫قالوا‪ :‬وأما قولُكم‪ :‬إ ّ‬
‫ل الية على عذاب الخرة باطل قطعاً‪،‬‬
‫ب المذكورَ‪ ،‬إما عذابُ الدنيا‪ ،‬أو عذابُ الخرة‪ ،‬وحم ُ‬
‫العذا َ‬
‫فإن لِعانها ل يدرؤه إذا وجب عليها‪ ،‬وإنما هو عذابُ الدنيا وهو الحدّ قطعاً فإنه عذابُ المحدود‪،‬‬
‫وهو فِداء له من عذابِ الخرة‪ ،‬ولهذا شرعه سبحانه طُهرةً وفدية من ذلك العذاب‪ ،‬كيف وقد صرّح‬
‫ن ال ُم ْؤ ِمنِينَ} [النور‪ ،]2 :‬ثم أعاده بعينه بقوله‪:‬‬
‫شهَدْ عَذَا َبهُما طَائِفَ ٌة مِ َ‬
‫به فى أول السورة بقوله‪{ :‬وَليَ ْ‬
‫ع ْنهَا العَذَابَ} [النور‪ ،]8 :‬فهذا هو العذابُ المشهو ُد مكّنها مِن دفعه بلعانها‪ ،‬فأين هنا‬
‫{ويَ ْد َر ُؤاْ َ‬
‫سرَ الي ُة به؟ وإذا تبيّن هذا‪ ،‬فهذا هو القولُ الصحيح الذى ل نعتقِ ُد سواه‪ ،‬ول‬
‫عذابُ غيره حتّي تُفَ ّ‬
‫ل التوفيق‪.‬‬
‫نرتضي إل إياه‪ ،‬وبا ّ‬
‫فإن قيل‪ :‬فلو نكل الزوج عن اللعان بعد قذفه‪ ،‬فما حك ُم نكولِهِ؟ قلنا‪ :‬يُحَدّ ح ّد القذفِ عند‬
‫جمهور العلما ِء مِن السلف والخلف‪ ،‬وهو قولُ الشافعى ومالك وأحمد وأصحابهم‪ ،‬وخالف فى ذلك‬
‫أبو حنيفة وقال‪ :‬يُحبس حتى يُلعِنَ‪ ،‬أو تُ ِقرّ الزوجة‪ .،‬وهذا الخلف مبنى على أن موجب قذفِ‬
‫الزوج لمرأته هَل هو الحد‪ ،‬كقذف الجنبى‪ ،‬وله إسقاطه باللعان‪ ،‬أو موجبه اللعان نفسه؟ فالول‪:‬‬
‫قول الجمهور‪ .‬والثانى‪ :‬قول أبو حنيفة‪ ،‬واحتجّوا عليه بعموم قوله تعالى‪{ :‬وَالّذِينَ َي ْرمُونَ‬
‫جلْ َدةً} [النور‪ ،]4 :‬وبقوله صلى ال عليه‬
‫جلِدُوهُم َثمَانِينَ َ‬
‫شهَدَاءَ فَا ْ‬
‫صنَاتِ ثُ ّم لَ ْم يَ ْأتُوا بَأ ْر َبعَةِ ُ‬
‫ح َ‬
‫المُ ْ‬
‫ن مِنْ عَذَابِ‬
‫ب ال ّد ْنيَا أَ ْهوَ ُ‬
‫ظ ْه ِركَ))‪ ،‬وبقوله له‪(( :‬عَذَا ُ‬
‫وسلم لهلل بن أمية‪(( :‬ال َبيّنَ ُة َأوْحَدّ فى َ‬
‫الخ َرةَ))‪ ،‬وهذا قاله لِهلل بن أمية قبل شروعه فى اللعان‪ .‬فلو لم يجب الحدّ بقذفه‪ ،‬لم يكن لهذا‬
‫معنى‪ ،‬وبأنه قَذف حرة عفيفة يجرى بينَه وبينها القود‪ ،‬فَحُدّ بقذفها كالجنبى‪ ،‬وبأنه لو لعنها‪ ،‬ثم‬
‫ب لوجوب الحد عليه‪ ،‬وله إسقاطُه‬
‫أك َذبَ نفسه بعد لعنها‪ ،‬لوجب عليه الحدّ‪ ،‬فدل على أن قذفه سب ٌ‬
‫باللعان‪ ،‬إذ لو لم يكن سبباً لما وجب بإكذابه نفسه بعد اللعان‪ ،‬وأبو حنيفة يقول‪ :‬قذفه لها دعوى‬
‫ح ِبسَ حتى يلعن‪ ،‬إل أن تُ ِقرّ فيزول‬
‫تُوجب أحد أمرين‪ ،‬إما لعانه‪ ،‬وإما إقرارها‪ ،‬فإذا لم يُلعن‪ُ ،‬‬
‫ق له عند المقذوفة‪ ،‬فكانَ قاذفاً محضاً‪،‬‬
‫ب الدعوى‪ ،‬وهذا بخلف قذف الجنبى‪ ،‬فإنه ل ح ّ‬
‫موج ُ‬
‫والجمهور يقولون‪ :‬بل قذفُه جناية منه على عرضها‪ ،‬فكان موجبهاً الحدّ كقذف الجنبى‪ ،‬ولما كان‬
‫فيها شائب ُة الدعوى عليها بإتلفها لحقه وخيانتها فيه‪ ،‬ملك إسقاطَ ما يُوجبه القذفُ مِن الحدّ بلعانه‪،‬‬
‫فإذا لم يُلعِنْ مع قدرته على اللعان‪ ،‬وتمكنه منه‪ ،‬عمل مقتضى القذِف عملَه‪ ،‬واستقل بإيجاب الحدّ‪،‬‬
‫لّ التوفيق‪.‬‬
‫إذ ل معارض له‪ ،‬وبا ِ‬
‫فصل‬
‫‪211‬‬

‫ل ال صلى ال عليه وسلم إنما كان يقضى بالوحي‪ ،‬وبما أراه الُّ‪ ،‬ل بما رآه هو‪،‬‬
‫ومنها‪ :‬أن رسو َ‬
‫ع َنيْن حتّى جاءه الوحىُ‪ ،‬ونزل القرآن‪ ،‬فقال لِعويمر‬
‫ض بين المتل ِ‬
‫فإنه صلى ال عليه وسلم لم يَقْ ِ‬
‫ل يَسَْألُنى‬
‫ت بها))‪ ،‬وقد قال صلى ال عليه وسلم‪َ (( :‬‬
‫حينئذ‪(( :‬قد نزل فيك وفى صاحبتك‪ ،‬فاذهب ف ْأ ِ‬
‫سنّ ٍة أَحْ َد ْث ُتهَا فِيكُم لَ ْم أُو َم ْر ِبهَا)) وهذا فى القضية‪ ،‬والحكام‪ ،‬والسنن الكلية‪ ،‬وأما‬
‫ع ّز وَجَلّ عَنْ ُ‬
‫الُّ َ‬
‫المور الجزئية التى ل َترْجِعُ إلى أحكام‪ ،‬كالنزول فى منزل معيّن‪ ،‬وتأمير رجل معيّن‪ ،‬ونحو ذلك‬
‫ل ْمرِ} [آل عمران‪ ]159 :‬فتلك للرأى‬
‫مما هو متعلق بالمشاور ِة المأمورِ بها بقوله‪{ :‬وشَا ِورْهُم فى ا َ‬
‫ى َرَأ ْيتُه))‪ .‬فهذا‬
‫فيها مدخل‪ ،‬ومن هذا قولُه صلى ال عليه وسلم فى شأن تلقيح النخل‪ِ(( :‬إ ّنمَا ُهوَ َر ْأ ٌ‬
‫ن الكلية شىء آخر‪.‬‬
‫القِسم شىء‪ ،‬والحكا ُم والسن ُ‬
‫فصل‬
‫ومنها‪ :‬أن النبىّ صلى ال عليه وسلم أمره بأن يأتىَ بها‪ ،‬فتلعنا بحضرته‪ ،‬فكان فى هذا‬
‫ن أن اللعان إنما يكونُ بحضرةِ المام أو نائبة‪ ،‬وأنه ليس لحا ِد الرعية أن يُلعِنَ بينهما‪ ،‬كما أنه‬
‫بيا ُ‬
‫ليس له إقامة الحد‪ ،‬بل هو للمام أو نائبه‪.‬‬
‫فصل‬
‫ومنها‪ :‬أنُه يسن التلعن بمحضر جماع ٍة من الناس يشهدُونه‪ ،‬فإن ابن عباس‪ ،‬وابن عمر‪،‬‬
‫ل ذلك على أنه حضره جمع كثير‪ ،‬فإن الصبيان إنما‬
‫وسهل بن سعد‪ ،‬حضروه مع حداثة أسنانهم‪ ،‬فد ّ‬
‫ل هذا المر تبعاً للرجال‪ .‬قال سهل ابنُ سعد‪ :‬فتلعنا وأنا مع الناس عند النبى صلى‬
‫يحضرون مث َ‬
‫ل أعلم ‪ ،‬أن اللعان بنى على التغليظ مبالغ ًة فى الردع والزجر‪،‬‬
‫ال عليه وسلم‪ .‬وحكمة هذا وا ّ‬
‫وفعلُه فى الجماعة أبلغُ فى ذلك‪.‬‬
‫فصل‬
‫ى صلى ال عليه وسلم قال له‪:‬‬
‫ومنها‪ :‬أنهما يتلعنان قياماً‪ ،‬وفى قصة هلل بن أمية أن النب ّ‬
‫((قم فاشهد أربع شهادات بالّ))‪.‬‬
‫ضرُون‪،‬‬
‫وفى ((الصحيحين))‪ :‬فى قصة المرأة‪ ،‬ثم قامت فشهدت‪ ،‬ولنه إذا قام شاهده الحا ِ‬
‫فكان أبلغَ فى شهرته‪ ،‬وأوق َع فى النفوس‪ ،‬وفيه سِر آخر‪ ،‬وهو أن الدعوة التى تُطلب إصابتُها إذا‬
‫ب على المشركين حين صلبوه‪ ،‬أخذ أبو‬
‫صادفت المدع ّو عليه قائماً نفذت فيه‪ ،‬ولهذا لما دعا خُبي ٌ‬
‫سفيان معاوية فأضجعَه‪ ،‬وكانوا يرون أن الرجل إذا لطىء بالرض‪ ،‬زلّت عنه الدعوة‪.‬‬
‫فصل‬
‫‪212‬‬

‫لّ عز وجل ورسولُه به‪ ،‬فلو بدأت هى‪ ،‬لم يُعتدّ‬
‫ومنها‪ :‬البداءة بالرجل فى اللعان‪ ،‬كما بدأ ا ُ‬
‫بلعانها عند الجمهور‪ ،‬واعتدّ به أبو حنيفة‪ .‬وقد بدأ ال سبحانه فى الح ّد بذكر المرأة فقال‪{ :‬الزّا ِنيَةُ‬
‫جلْ َدةٍ} [النور‪ ،]2 :‬وفى اللعان بذكر الزوج‪ ،‬وهذا فى غاية‬
‫ل وَاحِ ٍد ِم ْن ُهمَا مِائَةَ َ‬
‫جلِدُوا كُ ّ‬
‫والزّانى فَا ْ‬
‫المناسبة‪ ،‬لن الزِنى من المرأة أقبحُ منه بالرجل‪ ،‬لنها تزيد على هتكِ حقّ ال إفسا َد فراشِ بعلها‪،‬‬
‫ب من غيره عليه‪ ،‬وفضيحةَ أهلها وأقاربها‪ ،‬وتعييره بإمساك البغى‪ ،‬وغير ذلك من‬
‫وتعليقَ نس ٍ‬
‫ج هو الذى قذفها وعرضها‬
‫مفاسد زناها‪ ،‬فكانت البداءة بها فى الحدّث أهمّ‪ ،‬وأما اللعانُ‪ :‬فالزو ُ‬
‫للّعان‪ ،‬وهتك عرضها‪ ،‬ورماها بالعظيمة‪ ،‬وفضحها عند قومها وأهلها‪ ،‬ولهذا يجب عليه الح ّد إذا لم‬
‫يُلعن‪ ،‬فكانت البُداءة به فى اللعان أولى من البداءة بها‪.‬‬
‫فصل‬
‫(يتبع‪)...‬‬
‫@‬

‫ظ ويُذكّر‪،‬‬
‫ل واحد من المتلعنين عند إرادة الشروع فى اللعان‪ ،‬فيُوع ُ‬
‫ومنها‪ :‬وعظُ ك ّ‬

‫ن مِن عذاب الخرة‪ ،‬فإذا كان عند الخامسة‪ ،‬أُعِي َد ذلك عليهما‪ ،‬كما‬
‫ويقال له‪ :‬عذاب الدنيا أهو ُ‬
‫صحت السنة بهذا وهذا‪.‬‬
‫فصل‬
‫ل من خمس مرات‪ ،‬ول من المرأة‪ ،‬ول يُقبل منه إبدالُ‬
‫ومنها‪ :‬أنه ل يُقبل من الرجل أق ّ‬
‫اللعنة بالغضب والبعاد والسّخط‪ ،‬ول منها إبدالُ الغضب باللعنة والبعاد والسخط‪ ،‬بل يأتى كُلّ‬
‫ح القولين فى مذهب أحمد ومالك وغيرهما‪.‬‬
‫منهما بما قسم ال له من ذلك شرعاً وقدراً‪ ،‬وهذا أص ّ‬
‫ومنها‪ :‬أنه ل يفت ِق ُر أن يزيد على اللفاظ المذكورة فى القرآن والسنة شيئاً‪ ،‬بل ل‬
‫ل الذى ل إله إل هُو عالم الغيب والشهادة الذى يعلم من‬
‫يُستحب ذلك‪ ،‬فل يحتاج أن يقول‪ :‬أشهدُ با ّ‬
‫لّ إنى لمن الصادقين‪ ،‬وهى تقول‪:‬‬
‫السر ما يعلم من العلنية‪ ،‬ونحو ذلك‪ ،‬بل يكفيه أن يقول‪ :‬أشهد با ِ‬
‫ج أن يقول‪ :‬فيما رميتها به من الزنى‪ ،‬ول أن تقول هى‪ :‬إنه‬
‫ل إنّه لمن الكاذبين‪ ،‬ول يحتا ُ‬
‫أشهد با ّ‬
‫لمن الكاذبين فيما رمانى به من الزنى‪ ،‬ول يُشترط أن يقول إذا ادّعى الرؤية‪ :‬رأيتُها تزنى كالمِروَدِ‬
‫ل لذلك فى كتاب ال‪ ،‬ول سنة رسوله‪ ،‬فإن ال سبحانه بعلمه وحكمته كفانا بما‬
‫حلَةِ‪ ،‬ول أص َ‬
‫فى ال ُمكْ ُ‬
‫شرعه لنا وأمرنا به عن تكلّف زيادة عليه‪.‬‬
‫حيَى بن محمد بن هبيرة فى ((إفصاحه))‪ :‬مِن الفقهاء من‬
‫قال صاحب ((الفصاح)) وهو َي ْ‬
‫اشترط أن يزاد بعد قوله من الصادقين‪ :‬فيما رميتها به من الزنى‪ ،‬واشترط فى نفيها عن نفسها أن‬
‫‪213‬‬

‫تقول‪ :‬فيما رمانى به من الزنى‪ .‬قال‪ :‬ول أراه يحتاج إليه‪ ،‬لن ال تعالى أنزل ذلك وبينه‪ ،‬ولم يذكر‬
‫هذا الشتراط‪.‬‬
‫وظاهر كلم أحمد‪ ،‬أنه ل يشترط ذكر الزنى فى اللعان‪ ،‬فإن إسحاق بن منصور قال‪ :‬قلت‬
‫لحمد‪ :‬كيف يُلعِنُ؟ قال‪ :‬على ما فى كتاب ال يقول أرب َع مراتٍ‪ :‬أشهد بالّ إنى فيما رميتُها به‬
‫ل ذلك‪.‬‬
‫لّ عليه إن كان من الكاذبين‪ ،‬والمرأة مث ُ‬
‫لمن الصادقين‪ ،‬ثم يقف عند الخامسة فيقول‪ :‬لعنةُ ا ِ‬
‫ففى هذا النص أنه ل يُشترط أن يقول‪ :‬من الزنى‪ ،‬ول تقولُه هى‪ ،‬ول يُشترط أن يقولَ عند‬
‫الخامسة‪ :‬فيما رميتُها به‪ ،‬وتقول هى‪ :‬فيما رمانى به‪ ،‬والذين اشترطوا ذلك حجتهم أن قالوا‪ :‬ربما‬
‫نوى‪ :‬إنى لمن الصادقين فى شهادة التوحيد أو غيره مِن الخبر الصادق‪ ،‬ونوت‪ :‬إنه لمن الكاذبين‬
‫فى شأن آخر‪ ،‬فإذا ذكرا ما رُميت به من الزنى‪ ،‬انتفى هذا التأويل‪.‬‬
‫قال الخرون‪ :‬هب أنهما نويا ذلك‪ ،‬فإنهما ل ينتفعان بنيتهما‪ ،‬فإن الظالم ل ينفعُه تأويلُه‪،‬‬
‫ويمينه على نية خصمه‪ ،‬ويمينُه بما أمر ال به إذا كان مجاهراً فيها بالباطل‪ ،‬والكذب موجبه عليه‬
‫اللعنة أو الغضب‪ ،‬نوى ما ذكرتم‪ ،‬أو لم ينوه‪ ،‬فإنه ل يموّه على من يعلم السر وأخفى بمثل هذا‪.‬‬
‫فصل‬
‫ل منى‪ ،‬ول يحتاج أن‬
‫ج أن يقول‪ :‬وما هذا الحم ُ‬
‫ومنها‪ :‬أن الحمل ينتفى بلعانه‪ ،‬ول يحتا ُ‬
‫يقول‪ :‬وقد استبرأتُها‪ ،‬هذا قول أبى بكر عبد العزيز من أصحاب أحمد‪ ،‬وقولُ بعضِ أصحاب مالك‪،‬‬
‫ج المرأة إلى ذِكره‪ ،‬وقال الخِرقى‬
‫ج إلى ذِكر الولد‪ ،‬ول تحتا ُ‬
‫وأهل الظاهر‪ ،‬وقال الشافعىّ‪ :‬يحتا ُ‬
‫وغيرُه‪ :‬يحتاجان إلى ذِكره‪ ،‬وقال القاضى‪ :‬يشترط أن يقول‪ :‬هذا الولد من زنى وليس ه َو ِمنّى‪.‬‬
‫ل الشافعى‪ ،‬وقول أبى بكر أصح القوال‪ ،‬وعليه تدل السنة الثابتة‪.‬‬
‫وهو قو ُ‬
‫فإن قيل‪ :‬فقد روى مالك‪ ،‬عن نافع‪ ،‬عن ابن عمر رضى ال عنهما‪ ،‬أن النبى صلى ال عليه‬
‫ن رجل وامرأته‪ ،‬وانتفى من ولدها‪ ،‬ففرّق بينهما‪ ،‬وألحقَ الول َد بالمرأةِ‪.‬‬
‫وسلم لعن َبيْ َ‬
‫وفى حديث سهل بن سعد‪ :‬وكانت حاملً فأنكر حملَها‪.‬‬
‫وقد حكم صلى ال عليه وسلم‪(( :‬بأن الولد للفراش)) وهذه كانت فِراشاً له حال كونها‬
‫حاملً‪ ،‬فالولُد له‪ ،‬فل ينتفى عنه إل بنفيه‪.‬‬
‫قيل‪ :‬هذا موضعُ تفصيل ل بُ ّد منه‪ ،‬وهو أن الحملَ إن كان سابقاً على ما رماها به‪ ،‬وعلم‬
‫ل له أن ينفيَه عنه فى‬
‫أنها زنت وهى حامل منه‪ ،‬فالولد له قطعاً‪ ،‬ول ينتفى عنه بلعانه‪ ،‬ول يَحِ ّ‬
‫اللعان‪ ،‬فإنها لما علقت به‪ ،‬كانت فراشاً له‪ ،‬وكان الحملُ لحقاً به‪ ،‬فزناها ل يُزيل حكم لحوقه به‪،‬‬
‫‪214‬‬

‫ل مِن ستة أشهر‬
‫وإن لم يعلم حملَها حالَ زناها الذى قد قذفها به‪ ،‬فهذا ينظر فيه‪ ،‬فإن جاءت به لق ّ‬
‫من الزنى الذى رماها به‪ ،‬فالولُد له‪ ،‬ول ينتفى عنه بلعانه‪ ،‬وإن ولدته لكثر من ستة أشهر من‬
‫الزنى الذى رماها به‪ ،‬نظر‪ ،‬فإما أن يكون استبرأها قبل زناها‪ ،‬أو لم يستبرئها‪ ،‬فإن كان استبرأها‪،‬‬
‫انتفى الولد عنه بمجرد اللعان‪ ،‬سواء نفاه‪ ،‬أو لم ينفه‪ ،‬ول بُدّ من ذِكره عند من يشترط ذِكره‪ ،‬وإن لم‬
‫يستبرئها‪ ،‬فها هنا أمكن أن يكون الولُد منه‪ ،‬وأن يكون من الزانى‪ ،‬فإن نفاه فى اللعان‪ ،‬انتفى‪ ،‬وإل‬
‫لحق به‪ ،‬لنه أمكن كونُه منه ولم ينفه‪.‬‬
‫شبِ ُه الزوجَ‬
‫فإن قيل‪ :‬فالنبىّ صلى ال عليه وسلم قد حكم بعدَ اللعان‪ ،‬ونفى الولد بأنه إن جاء يُ ْ‬
‫ب الفراش فهو له‪ ،‬وإن جاء يُشبه الذى رميت به‪ ،‬فهو له‪ ،‬فما قولُكم فى مثل هذه الواقعة إذا‬
‫صاح َ‬
‫لعن امرأته وانتفى من ولدها‪ ،‬ثم جاء الولدُ يُشبه‪ ،‬هل ُتلِحقُونه به بالشبه عملً بالقافة‪ ،‬أو تحكمون‬
‫ع ّنتَه اللعانُ‬
‫ض ْنكٌ‪ ،‬وموضع ضيّق تجاذب أ ِ‬
‫بانقطاع نسبه منه عملً بموجب لعانه؟ قيل‪ :‬هذا مجال َ‬
‫المقتضى لنقطاع النسب‪ ،‬وانتفاء الولد‪ ،‬وأنه يُدعى لمه ول يدعى لب‪ ،‬والشبه الدال على ثبوت‬
‫نسبه من الزواج‪ ،‬وأنه ابنُه‪ ،‬مع شهادة النبىّ صلى ال عليه وسلم بأنها إن جاءت به على شبهه‪،‬‬
‫ص منه إل المستبص ُر البصير بأدلة الشرع‬
‫خلّ ُ‬
‫فالول ُد له‪ ،‬وأنه كذب عليها‪ ،‬فهذا مضيق ل يت َ‬
‫وأسراره‪ ،‬والخبيرُ بجمعه وفرقه الذي سافرت به ِه ّمتُه إلى مطلع الحكام‪ ،‬والمشكاة التى منها‬
‫ل المستعان وعليه التكلن‪ ،‬أن حكم اللعان قطع‬
‫ل والحرامُ‪ ،‬والذى يظهر فى هذا‪ ،‬وا ّ‬
‫ظهر الحل ُ‬
‫حكم الشبه‪ ،‬وصار معه بمنزلة أقوى الدليلين مع أضعفهما‪ ،‬فل عبرة للشبه بعد مضى حكم اللعان‬
‫فى تغيير أحكامه‪ ،‬والنبىّ صلى ال عليه وسلم لم يُخِبرْ عن شأن الولد وشبهه ليغير بذلك حكم‬
‫ب اللعنة والغضب‪ ،‬فهو‬
‫اللعان‪ ،‬وإنما أخبر عنه‪ ،‬ليتبين الصادقُ منهما من الكاذب الذي قد استوج َ‬
‫إخبار عن أمر قدرى كونى يتبين به الصادقُ مِن الكاذب بعد تقرر الحكم الدينى‪ ،‬وأن ال سبحانه‬
‫ل على ذلك‪ ،‬ويدل عليه أنه صلى ال عليه وسلم قال ذلك بعد انتفائِه من الود‪،‬‬
‫سيجعل فى الولد دلي ً‬
‫وقال‪(( :‬إن جاءت به كذا وكذا‪ ،‬فل أراه إل صدق عليها‪ ،‬وإن جاءت به كذا وكذا‪ ،‬فل أراه إل كذب‬
‫عليها))‪ ،‬فجاءت به على النعتِ المكروه‪ ،‬فعلم أنه صَدَقَ عليها‪ ،‬ولم َي ْعرِضْ لها‪ ،‬ولم يفسخ حكم‬
‫اللعان‪ ،‬فيحكم عليها بحكم الزانية مع العلم بأنه صدق عليها‪ ،‬فكذلك لو جاءت به على شبه الزوج‬
‫يعلم أنه كَ َذبَ عليها‪ ،‬ول يُغير ذلك حكم اللعان‪ ،‬فيحد الزوج ويلحق به الولد‪ ،‬فليس قوله‪ :‬إن جاءت‬
‫به كذا وكذا فهو الهلل بن أمية إلحاقاً له به فى الحكم‪ ،‬كيف وقد نفاه باللعان‪ ،‬وانقطع نسبُه به‪ ،‬كما‬
‫أن قوله‪ :‬وإن جاءت به كذا وكذا‪ ،‬فهو للذى رميت به‪ .‬ليس إلحاقاً به‪ ،‬وجعله ابنه‪ ،‬وإنما هو إخبارٌ‬
‫‪215‬‬

‫عن الواقع‪ ،‬وهذا كما لو حكم بأيمان القَسَامَةِ ثمَ أظهر ال سبحانه آي ًة تدل على كذب الحالفين‪ ،‬لم‬
‫ح ْكمُها بذلك‪ ،‬وكذا لو حكم بالبراءة مِن الدعوى بيمين‪ ،‬ثم أظهر ال سبحانه آية تدل على‬
‫ينتقض ُ‬
‫أنها يمينٌ فاجرة‪ ،‬لم يبطل الحكم بذلك‪.‬‬
‫فصل‬
‫ل إذا قذف امرأَته بالزنى برجل بعينه‪ ،‬ثم ل عنها‪ ،‬سقطَ الحدّ عنه لهما‪ ،‬ول‬
‫ومنها‪ :‬أن الرج َ‬
‫ج إلى ذِكر الرجل فى لعانه‪ ،‬وإن لم يُلعن‪ ،‬فعليه لكل واحد منهما حَدّه‪ ،‬وهذا موضعٌ اخ ُتِلفَ‬
‫يحتا ُ‬
‫فيه‪ ،‬فقال أبو حنيفة ومالك‪ :‬يُلعن للزوجة‪ ،‬ويحد للجنبى‪ ،‬وقال الشافعى فى أحد قوليه‪ :‬يجب عليه‬
‫حدّ واحد‪ ،‬ويسقط عنه الحَدّ لهما بلعانه‪ ،‬وهو قولُ أحمد‪ ،‬والقول الثانى للشافعى‪ :‬أنه يحد لِكل واحد‬
‫ف اللعان‪،‬‬
‫حداً‪ ،‬فإن ذكر المقذوفَ فى لِعانه‪ ،‬سقط الحدّ‪ ،‬وإن لم يذكره فعلى قولين‪ ،‬أحدهما‪ :‬يستأ ِن ُ‬
‫ويذكره فيه‪ ،‬فإن لم يذكره‪ ،‬حُ ّد له‪ .‬والثانى‪ :‬أنه يسقط حدّه بلعانه‪ ،‬كما يسقط ح ّد الزوجة‪.‬‬
‫وقال بعضُ أصحاب أحمد‪ :‬القذفُ للزوجة وحدها‪ ،‬ول يتعلّق بغيرها حق المطالبة ول الحد‪.‬‬
‫وقال بعضُ أصحاب الشافعى‪ :‬يجبُ الحدّ لهما‪ ،‬وهل يجب حدّ أو حدّانِ؟ على وجهينِ‪ ،‬وقال بعض‬
‫أصحابه‪ :‬ل يجب إل حداً واحداً قولً واحداً‪ ،‬ول خلف بين أصحابه أنه إذا لعن الجنبى فى‬
‫لعانه‪ :‬أنه يسقط عنه حُكمُه‪ ،‬وإن لم يذكره‪ ،‬فعلى قولين‪ :‬الصحيح عندهم‪ :‬أنه ل يسقط‪.‬‬
‫والذين أسقطوا حكم قذفِ الجنبى باللعان‪ ،‬حجتّهم ظاهرة وقوية جداً‪ ،‬فإنه صلى ال عليه‬
‫وسلم لم يحد الزوج بشريك بن سحماء‪ ،‬وقد سماه صريحاً‪ ،‬وأجاب الخرون عن هذا بجوابين‪:‬‬
‫أحدهما‪ :‬أن المقذوفَ كان يهودياً‪ ،‬ول يجب الحدّ بقذف الكافر‪ .‬والثانى‪ :‬أنه لم يُطالب به‪ ،‬وحدّ‬
‫القذف إنما يُقام بعد المطالبة‪.‬‬
‫وأجاب الخرون عن هذين الجوابين‪ ،‬وقالوا‪ :‬قولُ من قال‪ :‬إنه يهودى باطل‪ ،‬فإنه شريك بن‬
‫ف النصار‪ ،‬وهو أخو البراء بن مالك لمه‪ .‬قال عبد العزيز بن بزيزة‬
‫عبدة وأمه سحماء‪ ،‬وهو حلي ُ‬
‫ل العلم فى شريك بن سحماء المقذوف‪ ،‬فقيل‪ :‬إنه كان‬
‫فى شرحه لحكام عبد الحق‪ :‬قد اختلفَ أه ُ‬
‫يهوديًا وهو باطل‪ ،‬والصحيح‪ :‬أنه شريك بن عدة حليف النصار‪ ،‬وهو أخو البراء بن مالك لمه‪.‬‬
‫وأما الجواب الثانى‪ ،‬فهو ينقلب حُجّةَ عليكم‪ ،‬لنه لما استقرّ عنده أنه ل حق له فى هذا القذف لم‬
‫يطالِب به‪ ،‬ولم يتعرّض له‪ ،‬وإل كيف يسكت عن براءة عرضه‪ ،‬وله طريق إلى إظهارها بحدّ‬
‫قاذفة‪ ،‬والقوم كانُوا أشدّ حميّ ًة وأنَفَ ًة مِن ذلك؟ وقد تقدّم أن اللعان أقيمَ مقام البينة للحاجة‪ ،‬وجعل بدلً‬
‫جبُ الح ّد عليها إذا نكلت‪ ،‬فإذا كان بمنزلة الشهادة‬
‫مِن الشهود الربعة‪ ،‬ولهذا كان الصحيح أنه يُو ِ‬
‫‪216‬‬

‫فى أحد الطرفين كان بمنزلتها فى الطرف الخر‪ ،‬ومِن المحال أن تح ّد المرأة باللعان إذا َن َكلَت‪ ،‬ثم‬
‫يُحد القاذف ح ّد القذف وقد أقام البينة على صدق قوله‪ ،‬وكذلك إن جعلناه يميناً فإنها كما درأت عنه‬
‫الح ّد مِن طرف الزوجة‪ ،‬درأت عنه مِن طرف المقذوف‪ ،‬ول فرق‪ ،‬لن به حاجة إلى قذف الزانى‬
‫ج إلى ذِكره ليستدل بشبه الولد له على صدق قاذفه‪ ،‬كما‬
‫لما أفسد عليه مِن فراشه‪ ،‬وربما يحتا ٌ‬
‫ى صلى ال عليه وسلم على صِدق هلل بشبه الولد بشريك بن سحماء‪ ،‬فوجب أن يسقط‬
‫استدل النب ّ‬
‫حكم قذفه ما أسقط حكم قذفها‪ ،‬وقد قال النبى صلى ال عليه وسلم للزوج‪(( :‬البينة وإل حدّ فى‬
‫ظهرك))‪ ،‬ولم يقل‪ :‬وإل حَدّانِ‪ ،‬هذا والمرأةُ لم تُطاِلبْ بح ّد القذف‪ ،‬فإن المطالبة شرطٌ فى إقامة‬
‫الحدّ‪ ،‬ل فى وجوبه‪ ،‬وهذا جواب آخر عن قولهم‪ :‬إن شريكًا لم يُطالب بالحدّ‪ ،‬فإن المرأةَ أيضًا لم‬
‫ى صلى ال عليه وسلم‪(( :‬البينةُ وإل حَ ّد فى ظهرك))‪.‬‬
‫تُطالب به‪ ،‬وقد قال له النب ّ‬
‫فإن قيل‪ :‬فما تقولون‪ :‬لو قذف أجنبية بالزنى برجل سماه؟ فقال‪ :‬زنى بكِ فلن‪ ،‬أو زنيتِ به؟‬
‫قيل‪ :‬هاهنا يجب عليه حدانِ‪ ،‬لنه قاذف لكل واحد منهما‪ ،‬ولم يأتِ بما يُسقط موجبَ قذفه‪ ،‬فوجبَ‬
‫عليه حكمه‪ ،‬إذ ليس هنا بينة بالنسبة إلى أحدهما‪ ،‬ول ما يقومُ مقامَها‪.‬‬
‫فصل‬
‫ج إلى أن يلعن‬
‫حتَ ْ‬
‫ومنها‪ :‬أنه إذا لعنها وهى حامل‪ ،‬وانتفى مِن حملها‪ ،‬انتفى عنه‪ ،‬ولم يَ ْ‬
‫بعد وضعه كما دلت عليه السنةُ الصحيح ُة الصريحةُ‪ ،‬وهذا موضع اختلف فيه‪ .‬فقال أبو حنيفة‬
‫رحمه ال‪ :‬ل يُلعن لِنفيه حتى َتضَعَ لحتمال أن يكون رِيحاً َف َتنْ َفشّ‪ ،‬ول يكون لِلعان حينئذ معنى‪،‬‬
‫ف عنه حتى‬
‫وهذا هو الذى ذكره الخِرقى فى ((مختصره))‪ ،‬فقال‪ :‬وإن نفى الحمل فى التعانه لم َي ْن َت ِ‬
‫ب على ذلك‪ ،‬وخالفهم أبو محمد المقدسى كما يأتى‬
‫بن ِفيَه عند وضعها له ويُلعن‪ ،‬وتبعه الصحا ُ‬
‫كلمُه‪ .‬وقال جمهورُ أهل العلم‪ :‬له أن يُلعِنَ فى حال الحمل اعتماداً على قصة هلل بن أمية‪ ،‬فإنها‬
‫صريحةٌ صحيحه فى اللعان حال الحمل‪ ،‬ونفى الولدِ فى تلك الحال‪ ،‬وقد قال النبى‪(( :‬إن جاءت به‬
‫على صِفَ ِة كذا وكَذَا‪ ،‬فل أراه إل قد صدق عليها )) الحديثَ‪ .‬قال الشيخ فى ((المغنى))‪ :‬وقال‬
‫مالك‪ ،‬والشافعى‪ ،‬وجماعة من أهل الحجاز‪َ :‬يصِحّ نفى الحمل‪ ،‬وينتفى عنه‪ ،‬محتجين بحديثِ هلل‪،‬‬
‫وأنه نفى حملها‪ ،‬فنفاه عنه النبىّ صلى ال عليه وسلم‪ ،‬وألحقه بالمّ‪ ،‬ول خَفَاءَ أنه كان حملً‪ ،‬ولهذا‬
‫قال النبىّ صلى ال عليه وسلم‪(( :‬انظروها‪ ،‬فإن جَا َءتْ به كذا وكذا))‪ ،‬قال‪ :‬ولن الحمل مظنون‬
‫ل من النفقة والفِطر فى الصيام‪،‬‬
‫بأمارات تدل عليه‪ ،‬ولهذا تثبت للحامل أحكا ٌم تُخالف فيها الحائ َ‬
‫وتركِ إقامة الحدّ عليها‪ ،‬وتأخي ِر القِصاص عنها‪ ،‬وغيرِ ذلك مما يطولُ ِذكُره‪ ،‬و َيصِحّ استلحاقُ‬
‫‪217‬‬

‫ل هو الصحيح‪ ،‬لموافقته ظواهر الحاديث‪ ،‬وما‬
‫الحمل‪ ،‬فكان كالولد بعد وضعه قال‪ :‬وهذا القو ُ‬
‫ج إلى‬
‫خالف الحديثَ ل يُعبأ به كائناتً ما كان‪ .‬وقال أبو بكر‪ :‬ينتفى الولد يزوالِ الفراش‪ ،‬ول يحتا ُ‬
‫ث لم ينقل نفىُ الحمل‪ ،‬ول تعرض لنفيه‪.‬‬
‫ذِكره فى اللعان احتجاجاً بظاهر الحاديث‪ ،‬حي َ‬
‫ح نفىُ الحمل واللعان عليه‪ ،‬فإن لعنها حاملً‪،‬‬
‫وأما مذهب أبى حنيفة رحمه ال‪ ،‬فإنه ل َيصِ ّ‬
‫ثم أتت بالولد‪ ،‬لزمه عنده‪ ،‬ولم يتمكن من نفيه أصلً‪ ،‬لن اللعان ل يكون إل بين الزوجين‪ ،‬وهذه قد‬
‫بانت بلعانها فى حال حملها‪.‬‬
‫قال المنازعون له‪ :‬هذا فيه إلزامُه ولداً ليس منه‪ ،‬وسدّ باب النتفاء مِن أولد الزنى‪ ،‬والُّ‬
‫سبحانه قد جعل له إلى ذلك طريقاً‪ ،‬فل يجوز سَدّها‪ ،‬قالوا‪ :‬وإنما تعتبر الزوجية فى الحال التى‬
‫أضاف الزنى إليها فيها‪ ،‬لن الولد الذى تأتى به يلحقُه‪ ،‬إذا لم ينفه‪ ،‬فيحتاج إلى نفيه‪ ،‬وه ِذهِ كانت‬
‫زوجتَه فى تلك الحال‪ ،‬فملك نفىَ ولدها‪ .‬وقال أبو يوسف‪ .‬ومحمد‪ :‬له أن ينفىَ الحمل بين الولدة‬
‫إلى تما ِم أربعينَ ليلة منها‪ .‬وقال عبد الملك بن الماجشُون‪ :‬ل يُلعن لنفى الحمل إل أن ينفيَهُ ثانية‬
‫علِمَ بالحمل فأمكنه الحاكم مِن اللعان‪ ،‬فلم يلعن‪ ،‬لم يكن له أن ينفيَهُ‬
‫بعد الولدة‪ .‬وقال الشافعىّ‪ :‬إذا َ‬
‫بعدُ‪.‬‬
‫فإن قيل‪ :‬فما تقولون‪ :‬لو استحلق الحملَ‪ ،‬وقذفها بالزنى‪ ،‬فقال‪ :‬هذا الولدُ منى وقد‬
‫زنت‪ ،‬ما حُكمُ هذه المسألة؟ قيل‪ :‬قد اختلف العلماء فى هذه المسألة على ثلث أقوال‪:‬‬
‫أحدها‪ :‬أنه ُيحَ ّد ويُلحق به الولدُ‪ ،‬ول يُمكّن من اللعان‪.‬‬
‫والثانى‪ :‬أنه يُلعن‪ ،‬وينتفى الولد‪.‬‬
‫والثالث‪ :‬أنه يُلعن للقذف‪ ،‬ويلحقه الولدُ‪ ،‬والثلثة روايات عن مالِك‪ ،‬والمنصوص عن‬
‫أحمد‪ :‬أنه ل َيصِحّ استلحاقُ الولد كما ل يصح نفيه‪.،‬قال أبو محمد‪ :‬وإن استلحق الحمل‪ ،‬فمن قال‪:‬‬
‫ل َيصِحّ نفيه‪ ،‬قال‪ :‬ل يصح استلحاقُه‪ ،‬وهو المنصوصُ عن أحمد‪ .‬ومن أجاز نفيه‪ ،‬قال‪َ :‬يصِحّ‬
‫استلحقاقُه‪ ،‬وهو مذهبُ الشافعى‪ ،‬لنه محكو ٌم بوجوده بدليل وجوب النفقة ووقف الميراث‪ ،‬فصح‬
‫القرار به كالمولود‪ ،‬وإذا استلحقه‪ ،‬لم يملك نفيَه بعد ذلك‪ ،‬كما لو استلحقه بعد الوضع‪ .‬ومن قال‪ :‬ل‬
‫َيصِحّ استلحاقُه‪ ،‬قال‪ :‬لو صح استلحاقُه‪ ،‬للزمه بترك نفيه كالمولود‪ ،‬ول يلزمُه ذلك بالجماع‪،‬‬
‫ث المُلعنة‪ ،‬وذلك مختص بما بع َد الوضع‪ ،‬فاختص صحة‬
‫شبَه أثرٌ فى اللحاق‪ ،‬بدليل حدي ِ‬
‫وليس لِل ّ‬
‫اللحاق به‪ ،‬فعلى هذا لو استلحقه‪ ،‬ثم نفاه بعد وضعه كان له ذلك‪ ،‬فأما إن سكت عنه‪ ،‬فلم ينفه‪ ،‬ولم‬

‫‪218‬‬

‫يستلحقه‪ ،‬لم يلزمه عند أحد علمنا قولَه‪ ،‬لن تركه محتمل‪ ،‬لنه ل يتحقّقُ وجودُه إل أن يُلعنها‪،‬‬
‫فإن أبا حنيفة ألزمه الولَد على ما أسلفناه‪.‬‬
‫فصل‬
‫ل يُدعى ولدها‬
‫ل ال صلى ال عليه وسلم بينهما‪ ،‬وقضي أ ّ‬
‫ل ابن عباس‪ :‬ففرّق رسو ُ‬
‫وقو ُ‬
‫لب‪ ،‬ول تُرمى‪ ،‬ومن رماها‪ ،‬أو رمى ولدها‪ ،‬فعليه الحدّ‪ ،‬وقضى أن ل بيتَ لها عليه ول قوت‪،‬‬
‫ومن أجل أنهما يفترقان من غير طلق ول متوفى عنها‪.‬‬
‫وقولُ سهل‪ :‬فكان ابنُها يُدعى إلى أمه‪ ،‬ثم جرت السنةُ أنه يرثها وترِث منه ما فرض ال‬
‫لها‪.‬‬
‫وقوله‪ :‬مضت السنة فى المتلعنين أن يُفرّقَ بينهما‪ ،‬ثم ل يجتمعان أبداً‪.‬‬
‫ل ال صلى ال عليه وسلم بينهما‪ ،‬وقال‪ :‬ل‬
‫وقال الزهرى‪ ،‬عن سهل بن سعد‪ :‬فرّق رسو ُ‬
‫يجتمعان أبداً‪.‬‬
‫ت صَدَ ْقتَ عليها‪ ،‬فهو بما‬
‫وقول الزوج‪ :‬يا رسولَ ال‪ ،‬مالى؟ قال‪(( :‬ل مال لك‪ ،‬إن ُك ْن َ‬
‫ت كذبتَ عليها‪ ،‬فهو أبع ُد لك منها))‪.‬‬
‫استحللتَ مِن فرجها‪ ،‬وإن كن َ‬
‫فتضمنت هذه الجملةُ عشرةَ أحكام‪:‬‬
‫ق بين المتلعنين‪ ،‬وفى ذلك خمسة مذاهب‪.‬‬
‫الحكم الول‪ :‬التفري ُ‬
‫ل أبى عبيد‪ ،‬والجمهورُ‬
‫أحدها‪ :‬أن الفرقةَ تحصلُ بمجرد القذفِ‪ ،‬هذا قو ُ‬
‫خالفوه فى ذلك‪ ،‬ثم اختلفوا‪.‬‬
‫فقال جابر بن زيد‪ ،‬وعثمان ال َبتّى‪ ،‬ومحمد بن أبى صُفرة‪ ،‬وطائفة من‬
‫فُقهاء البصرة‪ :‬ل يقع باللعان فرقةٌ البتة‪ ،‬وقال ابن أبى صفرة‪ :‬اللعانُ ل يَقْطَعُ العِصمة‪ ،‬واحتجوا‬
‫بأن النبىّ صلى ال عليه وسلم لم يُنكِر عليه الطلقَ بعد اللعانِ‪ ،‬بل هو أنشأ طلقَها‪ ،‬ونزّه نفسه أن‬
‫ى صلى ال عليه‬
‫سكَ من قد اعترف بأنها زنت‪ ،‬أو أن يقومَ عليه دليل كذب بإمساكها‪ ،‬فجعل النب ّ‬
‫ُيمْ ِ‬
‫جبُ الفرقة‪ ،‬ثم اختلفوا على ثلثة‬
‫وسلم فِعلَه سنة‪ ،‬ونازع هؤلء جمهور العلماء‪ ،‬وقالوا‪ :‬اللعانُ يُو ِ‬
‫مذاهب‪.‬‬
‫أحدها‪ :‬أنها تقع بمجرد لِعان الزوج وحدَه‪ ،‬وإن لم تلتعِن‬
‫المرأة‪ ،‬وهذا القولُ مما تفرّد به الشافعى‪ ،‬واحتج له بأنها فُرقة حاصلة بالقول‪ ،‬فحصلت بقول‬
‫الزوج وحدَه كالطلق‪.‬‬
‫‪219‬‬

‫المذهب الثانى‪ :‬أنها ل تحصلُ إل بلعانهما جميعاً‪ ،‬فإذا‬
‫تَ ّم لِعانهما‪ ،‬وقعت الفرقةُ‪ ،‬ول يعتبر تفريقُ الحاكم‪ ،‬وهذا مذهبُ أحمد فى إحدى الروايتين عنه‬
‫ع إنما ورد بالتفريق بين‬
‫ل مالك وأهلِ الظاهر‪ ،‬واحتج لهذا القول بأن الشر َ‬
‫اختارها أبو بكر‪ ،‬وقو ُ‬
‫المتلعنين‪ ،‬ول يكونان متلعنين بلعان الزوج وحده‪ ،‬وإنما فرّق النبىّ صلى ال عليه وسلم بينهما‬
‫بعد تما ِم اللعان منهما‪ ،‬فالقولُ بوقوع الفرقِة قبلَه مخالفٌ لمدلولِ السنة وفعل النبى صلى ال عليه‬
‫وسلم‪ ،‬واحتجّوا بأن لفظ اللعان ل يقتضى فُرقة‪ ،‬فإنه إما أيمان على زناها‪ ،‬وإما شهادة به‪ ،‬وكلهما‬
‫ل يقتضى فُرقة‪ ،‬وإنما ورد الشرع بالتفريق بينهما بعد تمامِ لعانهما لِمصلحة ظاهرة‪ ،‬وهى أن الَّ‬
‫ل منهما سكناً للخر‪ ،‬وقد زال هذا بالقذف‪،‬‬
‫سبحانه جعل بين الزوجين مودة ورحمة‪ ،‬وجعل ك ً‬
‫وأقامها مقام الخزى والعار والفضيحة‪ ،‬فإنه إن كان كاذباً فقد فضحها وبهتها‪ ،‬ورماها بالداء‬
‫العُضال‪ ،‬ون ّكسَ رأسها ورؤوس قومها‪ ،‬وهتكها على رؤوس الشهاد‪ .‬وإن كانت كاذبة‪ ،‬فقد أفسدت‬
‫فراشه‪ ،‬وعرّضته للفضيحة والخزى والعار بكونه زوجَ بغى‪ ،‬وتعليق ولد غيره عليه‪ ،‬فل يحصلُ‬
‫بعد هذا بينهما مِن المودة والرحمة والسكن ما هو مطلوبٌ بالنكاح‪ ،‬فكان مِن محاسن شريعة‬
‫السلم التفريقُ بينهما‪ ،‬والتحري ُم المؤبد على ما سنذكره‪ ،‬ول يترتب هذا على بعض اللعان كما ل‬
‫يتر ّتبُ على بعض لعان الزوج‪ .‬قالوا‪ :‬ولنه فسخ ثبت بأيمان متحالفين‪ ،‬فلم يثبت بأيمان أحدهما‪،‬‬
‫كالفسخ لتخالف المتبايعين عند الختلف‪.‬‬
‫المذهب الثالث‪ :‬أن الفرقةَ ل تحصُل إل بتمام‬
‫ب أبى حنيفة‪ ،‬وإحدى الروايتين عن أحمد‪ ،‬وهى ظاهر كلم‬
‫لعانهما‪ ،‬وتفريق الحاكم‪ ،‬وهذا مذه ُ‬
‫الخِرقى‪ ،‬فإنه قال‪ :‬ومتى تلعنا‪ ،‬وفرق الحاكمُ بينهما‪ ،‬لم يجتمعا أبداً‪ .‬واحتج أصحابُ هذا القولِ‬
‫بقول ابن عباس فى حديثه‪ :‬ففرّق رسول ال صلى ال عليه وسلم بينهما‪ .‬وهذا يقتضى أن الفُرقة لم‬
‫تتَحصُلْ قبله‪ ،‬واحتجوا بأن عويمراً قال‪ :‬كذبتُ عليها يا رسول ال‪ ،‬إن أمسكتها‪ ،‬فطلقها ثلثاً قبل‬
‫أن يأ ُم َرهُ رسول ال صلى ال عليه وسلم‪ ،‬وهذا حج ٌة مِن وجهين‪ ،‬أحدهما‪ :‬أنه يقتضى إمكان‬
‫إمساكها‪ .‬والثانى‪ :‬وقوع الطلق‪ ،‬ولو حصلت الفرقةُ باللعان وحده‪ ،‬لما ثبت واح ٌد مِن المرين‪،‬‬
‫وفى حديث سهل بن سعد‪ :‬أنه طلقها ثلثاً‪ ،‬فأنفذه رسولُ ال صلى ال عليه وسلم‪ .‬رواه أبو داود‪.‬‬
‫قال الموقعون للفُرقة بتمام اللعان بدون تفريق الحاكم‪ :‬اللعان معنىً يقتضى التحري َم المؤبّد‪،‬‬
‫كما سنذكره‪ ،‬فلم يقف على تفريق الحاكم كالرضاع‪ ،‬قالوا‪ :‬ولن الفُرقة لو وقعت على تفريقِ‬
‫الحاكم‪ ،‬لساغ تركُ التفريق إذا كرهه الزوجان‪ ،‬كالتفريق بالعيب والعسار‪ ،‬قالوا‪ :‬وقولُه‪ :‬فرّق‬
‫‪220‬‬

‫النبى صلى ال عليه وسلم‪ ،‬يحتمل أموراً ثلثة‪ .‬أحدها‪ :‬إنشاء الفرقة‪ .‬والثانى‪ :‬العلمُ بها‪ .‬والثالث‪:‬‬
‫إلزامُه بموجبها من الفرقة الحسية‪.‬‬
‫وأما قوله‪ :‬كذبت عليها إن أمسكتها‪ ،‬فهذا ل يدل على أن إمساكها بعد اللعان مأذون فيه‬
‫شرعاً‪ ،‬بل هو بادر إلى فراقها‪ ،‬وإن كان المر صائرًا إلى ما بادر إليه‪ ،‬وأما طلقُه ثلثةً‪ ،‬فما زاد‬
‫الفُرقة الواقعة إل تأكيداً‪ ،‬فإنها حرمت عليه تحريماً مؤبّداً‪ ،‬فالطلقُ تأكيد لهذا التحريم‪ ،‬وكأنه قال‪:‬‬
‫ل لى بعد هذا وأما إنفا ُذ الطلقِ عليه‪ ،‬فتقريرٌ لموجبه من التحريم‪ ،‬فإنها إذا لم تَحِل له باللعان‬
‫ل تَحِ ّ‬
‫ق الثلث تأكيدًا للتحريم الواقع باللعان‪ ،‬فهذا معنى إنفاذه‪ ،‬فلما لم ينكره عليه‪ ،‬وأَقرّه‬
‫أبداً‪ ،‬كان الطل ُ‬
‫ظ النبىّ‬
‫ك لف َ‬
‫على التكلم به وعلى موجبه‪ ،‬جعل هذا إنفاذاً من النبىّ صلى ال عليه وسلم وسهل لم يح ِ‬
‫صلى ال عليه وسلم أنه قال‪ :‬وقع طلقُك‪ ،‬وإنما شاهد ال ِقصّة‪ ،‬وعد َم إنكار النبى صلى ال عليه‬
‫ل أعلم‪.‬‬
‫وسلم للطلق‪ ،‬فظن ذلك تنفيذاً‪ ،‬وهو صحيح بما ذكرنا من العتبار‪ ،‬وا ّ‬
‫فصل‬
‫الحكم الثانى‪ :‬أن فرقة اللعان فسخ‪ ،‬وليست بطلقٍ‪ ،‬وإلى هذا ذهب الشافعىّ وأحمد‪ ،‬ومن‬
‫قال بقولهما‪ ،‬واحتجوا بأنها فرق ٌة تُوجب تحريمًا مؤبّداً‪ ،‬فكانت فسخاً كفُرقة الرضاع‪ ،‬واحتجوا بأن‬
‫ج به الطلَق‪ ،‬فل يقع به الطلقُ‪ ،‬قالوا‪ :‬ولو كان‬
‫اللعان ليس صريحاً فى الطلق‪ ،‬ول نوى الزو ُ‬
‫اللعان صريحاً فى الطلق‪ ،‬أو كناية فيه‪ ،‬لوقع بمجرد لعان الزوج‪ ،‬ولم يتوقف على لِعان المرأة‪،‬‬
‫قالوا‪ :‬ولنه لو كان طلقاً‪ ،‬فهو طلق من مدخول بها بغير عوض لم ينو به الثلث‪ ،‬فكأن يكون‬
‫ن الطلقَ بيد الزوج‪ ،‬إن شاء طلقَ‪ ،‬وإن شاء أمسكَ‪ ،‬وهذا الفسخُ حاصِل بالشرع‬
‫رجعياً‪ .‬قالوا‪ :‬ول ّ‬
‫وبغير اختياره‪ ،‬قالوا‪ :‬وإذا ثبت بالسنة وأقوالِ الصحابة‪ ،‬ودللةِ القرآن‪ ،‬أن فرقة الخُلع ليست‬
‫بطلقٍ‪ ،‬بل هى فسخ مع كونها بتراضيهما‪ ،‬فكيف تكونُ فرق ُة اللعانِ طلقاً؟‪.‬‬
‫فصل‬
‫الحكم الثالث‪ :‬أن هذه الفُرقة توجب تحريمًا مؤبداً ل يجتمعان بعدها أبداً‪ .‬قال الوزاعى‪:‬‬
‫حدثنا الزبيدى‪ ،‬حدثنا الزهرى‪ ،‬عن سهل بن سعد‪ ،‬فذكر قصة الملعنين‪ ،‬وقال‪ :‬ففرق رسول ال‬
‫صلى ال عليه وسلم بينهما وقال‪ :‬ل يجتمعان أبداً‪.‬‬
‫وذكر البيهقى من حديث سعيد بن جبير‪ ،‬عن ابن عمر‪ ،‬عن النبى صلى ال عليه وسلم قال‪:‬‬
‫المتلعنان إذا تفرقا ل يجتمعان أبداً‪.،‬قال‪ :‬وروينا عن على‪ ،‬وعبد ال بن عباس رضى ال عنهم‪،‬‬
‫قال‪ :‬مضت السنة فى المتلعنين أن ل يجتمعا أبداً‪ .‬قال‪ :‬وروى عن عمر بن الخطاب رضى ال‬
‫‪221‬‬

‫عنه أنه قال‪ :‬يفرق بينهما ول يجتمعان أبداً وإلى هذا ذهب أحمد‪ ،‬والشافعى ومالك‪ ،‬والثورىّ‪ ،‬وأبو‬
‫عُبيد‪ ،‬وأبو يوسف‪.‬‬
‫وعن أحمد رواية أخرى‪ :‬أنه إن أكذب نفسه‪ ،‬حلّت له‪ ،‬وعاد فِراشه بحاله‪ ،‬وهى رواية شاذة‬
‫شذّ بها حنبل عنه‪ .‬قال أبو بكر‪ :‬ل نعلَمُ أحداً رواها غيره‪ ،‬وقال صاحب ((المغنى))‪ :‬وينبغى أن‬
‫تُحمل هذه الرواية على ما إذا لم يُفّرق بينهما‪ .‬فأما مع تفريقِ الحاكم بينهما‪ ،‬فل وجهَ لبقاء النكاح‬
‫بحاله‪.‬‬
‫قلت‪ :‬الروايةُ مطلقة‪ ،‬ول أثر لتفريقِ الحاكم فى دوام التحريم‪ ،‬فإن الفُرقة الواقعة بنفس‬
‫اللعان أقوى من الفُرقة الحاصلة بتفريق الحاكم‪ ،‬فإذا كان إكذاب نفسه مؤثراً فى تلك الفُرقة القوية‪،‬‬
‫رافعًا للتحريم الناشىء منها‪ ،‬فلن يُؤ ّثرَ فى الفُرقة التى هى دونها‪ ،‬ويرفعَ تحريمها أولى‪.‬‬
‫وإنما قُلنا‪ :‬إن الفرقة بنفس اللعان أقوى مِن الفرق ِة بتفريق الحاكم‪ ،‬لن فُرقة اللعان تستنِدُ إلى‬
‫ق أو َأ َب ْوهُ‪ ،‬فهى فُرقة من الشارع بغير‬
‫حكم ال ورسوله‪ ،‬وسوا ٌء رضى الحاك ُم والمتلعِنانِ التفري َ‬
‫رِضى أحدٍ منهم ول اختياره‪ ،‬بخلفِ فُرقة الحاكم فإنه إنما يفرق باختياره‪.‬‬
‫وأيضاً فإن اللعان يكون قد اقتضى بنفسه التفريق لقوته وسلطانه عليه‪ ،‬بخلف ما إذا توقّف‬
‫على تفريق الحاكم‪ ،‬فإنه لم يقو بنفسه على اقتضاء الفرقة‪ ،‬ول كان له سلطانٌ عليها‪ ،‬وهذه الروايةُ‬
‫ب أبى حنيفة‬
‫هى مذهبُ سعي ِد بن المسيب‪ ،‬قال‪ :‬فإن أكذب نفسَه‪ ،‬فهو خاطبٌ من الخُطّاب‪ ،‬ومذه ُ‬
‫ومحمد‪ ،‬وهذا على أصله اطرد‪ ،‬لن فُرقة اللعان عنده طلق‪ .‬وقال سعي ُد بن جبير‪ :‬إن أكذب نفسه‪،‬‬
‫رُدّت إليه ما دامت فى العدة‪.‬‬
‫ل الذى دلت عليه السنةُ الصحيح ُة الصريحةُ‪ ،‬وأقوالُ الصحابة رضى‬
‫ل الوّ ُ‬
‫والصحيح‪ :‬القو ُ‬
‫ال عنهم‪ ،‬وهو الذى تقتضيه حِكمةُ اللعان‪ ،‬ول تقتضى سواه‪ ،‬فإن لعنة ال تعالى وغضَبه قد حَلّ‬
‫جبَةُ))‪ ،‬أى‬
‫بأحدهما ل محالة‪ ،‬ولهذا قال النبى صلى ال عليه وسلم عند الخامسة‪(( :‬إنها المو ِ‬
‫ن هو الملعونَ‬
‫الموجبة لهذا الوعيد‪ ،‬ونحن ل نعلم عينَ مَنْ حلّت به يقيناً‪ ،‬ففرق بينهما خشي َة أن يكو َ‬
‫الذى قد وجبت عليه لعنةُ ال وباءَ بها‪ ،‬فيعلُو امرأ ًة غيرَ ملعونه‪ ،‬وحِكمة الشرع تأبى هذا‪ ،‬كما أبت‬
‫أن َي ْعُلوَ الكا ِفرُ مسلمة والزانى عفيفةً‪.‬‬
‫فإن قيل‪ :‬فهذا يوجب أل يتزوج غيرَها لما ذكرتم بعينه؟‬
‫قيل‪ :‬ل يُوجب ذلك‪ ،‬لنا لم نتحقق أنه هو الملعون‪ ،‬وإنما تحققنا أن أحدهما كذلك‪ ،‬وشككنا‬
‫فى عينه‪ ،‬فإذا اجتمعا‪ ،‬لزمه أح ُد المرين ولبد‪ ،‬إما هذا وإما إمساكُه ملعون ًة مغضوباً عليها قد‬
‫‪222‬‬

‫وجب عليها غضبُ ال‪ ،‬وباءت به‪ ،‬فأما إذا تزوّجت بغيره‪ ،‬أو تزوّج بغيرها‪ ،‬لم تتحقق هذه‬
‫المفسدة فيهما‪.‬‬
‫ل أبداً‪ ،‬فإن الرجل‬
‫وأيضاً فإن النفرة الحاصلة من إساءة كُلّ واح ٍد منهما إلى صاحبه ل تزو ُ‬
‫إن كان صادقاً عليها‪ ،‬فقد أشاعَ فاحِشتها‪ ،‬وفضحَها على رؤوس الشهاد‪ ،‬وأقامها مقام الخزى‪،‬‬
‫وحقق عليها الخزى والغضب‪ ،‬وقطع نسب ولدها‪ ،‬وإن كان كاذباً‪ ،‬فقد أضافَ إلى ذلك بهتَها بهذه‬
‫الفرية العظيمة‪ ،‬وإحراق قلبها بها والمرأة إن كانت صادقة فقد أكذبته على رؤوس الشهاد‪،‬‬
‫وأوجبت عليه لعنة ال‪ .‬وإن كانت كاذبة‪ ،‬فقد أفسدت فراشه وخانته فى نفسها‪ ،‬وألزمته العارَ‬
‫والفضيحة وأحوجتُه إلى هذا المقام المُخزى‪ ،‬فحصل ِلكُلّ واحدٍ منهما من صاحبه من النّفرة‬
‫ح ْكمَةٌ‬
‫شرْعُ ُه ُكلّه ِ‬
‫والوحشة‪ ،‬وسوء الظن ما ل يكاد يلتئم معه شملُهما أبداً‪ ،‬فاقتضت حِكمة مَنْ َ‬
‫ومصلح ٌة وعَدْلٌ ورحمةٌ تحتّم الفرقة بينهما‪ ،‬وقطع الصحبة المتمحّضةِ مفسدة‪.‬‬
‫صنَعَ مِن القبيح‬
‫وأيضاً فإنه إذا كان كاذباً عليها‪ ،‬فل ينبغى أن يُسلّطَ على إمساكها مع ما َ‬
‫ج بغى‪.‬‬
‫س َكهَا مع علمه بحالها‪ ،‬ويرضى لنفسه أن يكون زو َ‬
‫إليها‪ ،‬وإن كان صادقاً‪ ،‬فل ينبغى أن يُم ِ‬
‫ل له وطؤها بملك اليمين؟ قلنا‪ :‬ل‬
‫فإن قيل‪ :‬فما تقولون‪ :‬لو كانت أمة ثم اشتراها‪ ،‬هل يَحِ ّ‬
‫تَحِلّ له لنه تحريم مؤبّد‪ ،‬فحرمت على مشتريها كالرضاع‪ ،‬ولن المطلّق ثلثًا إذا اشترى مطلقته‬
‫ل له قبل زوج وإصابة‪ ،‬فهاهنا أولى‪ ،‬لن هذا التحري َم مؤبد‪ ،‬وتحريم الطلق غير مؤبد‪.‬‬
‫لم َتحِ ّ‬
‫فصل‬
‫ط صداقُها بعد الدخول‪ ،‬فل يَرج ُع به عليها‪ ،‬فإنه إن كان صادقاً‪،‬‬
‫الحكم الرابع‪ :‬أنها ل يَسْقُ ُ‬
‫ض الصداق‪ ،‬وإن كان كاذباً فأولى وأحرى‪.‬‬
‫فقد استحلّ من فرجها عو َ‬
‫فإن قيل‪ :‬فما تقولون‪ :‬لو وقع اللعانُ قبلَ الدخول‪ ،‬هل تحكمون عليه بنصف المهر‪،‬‬
‫أو تقولون‪ :‬يسقط جملة؟‬
‫قيل‪ :‬فى ذلك قولنِ للعلماء‪ ،‬وهما روايتان عن أحمد مأخذهُما‪ :‬أن الفُرقة إذا كانت بسبب‬
‫من الزوجين كلعانهما أو منهما ومن أجنبى‪ ،‬كشرائها لزوجها قبل الدخول‪ ،‬فهل يسقط الصداقُ‬
‫تغليباً لجانبها كما لو كانت مست ِقلّضة بسبب الفُرقة أو نِصفُه تغليباً لجانبه‪ ،‬وأنه هو المشاركُ فى‬
‫سبب السقاط‪ ،‬والسيد الذى باعه متسبب إلى إسقاطه ببيعه إياها؟ فهذا الصل فيه قولن‪ .‬وكُلّ‬
‫شرَطَه‪ ،‬فإنه‬
‫ت الصداق كطلقه‪ ،‬إل فسخه لِعيبها‪ ،‬أو فواتِ شرطٍ َ‬
‫فُرقة جاءت مِن قبل الزوج نصّ َف ِ‬
‫ط ُكلّه‪ ،‬وإن كان هو الذى فسخ‪ ،‬لن سبب الفسخ منها وهى الحاملة له عليه‪ .‬ولو كانت الفرقُة‬
‫يسق ُ‬
‫‪223‬‬

‫بإسلمه‪ ،‬فهل يسقط عنه‪ ،‬أو تُنصفه؟ على روايتين فوجهُ إسقاطه‪ ،‬أنه فعل الواجب عليه‪ ،‬وهى‬
‫الممتنعة من فعل ما يجبُ عليها‪ ،‬فهى المتسببة إلى إسقاط صداقها بامتناعها من السلم‪ ،‬ووجهُ‬
‫ف أن سبب الفسخ من جهته‪.‬‬
‫التنصي ِ‬
‫فإن قيل‪ :‬فما تقولون فى الخلع‪ :‬هل يُنصفه أو يُسقطه؟‬
‫قيل‪ :‬إن قلنا‪ :‬هو طلق َنصّفه‪ ،‬وإن قلنا‪ :‬هو فسخ‪ ،‬فقال أصحابنا‪ :‬فيه وجهان‪ .‬أحدهما‪:‬‬
‫كذلك تغليباً لجانبه‪ .‬والثانى‪ :‬يسقطه لنه لم يستقل بسبب الفسخ‪ ،‬وعندى‪ ،‬أنه إن كان مع أجنبى‬
‫نصفه وجهاً واحداً‪ ،‬وإن كان معها‪ ،‬ففيه وجهان‪.‬‬
‫فإن قيل‪ :‬فما تقولون‪ :‬لو كانت الفُرقة بشرائه لِزوجته من سيدها‪ :‬هل يُسقطه أو يُنصفه؟‬
‫قيل‪ :‬فيه وجهان‪ :‬أحدهما‪ :‬يسقطه‪ ،‬لن مستحق مهرها تسبّب إلى إسقاطه ببيعها‪ ،‬والثانى‪:‬‬
‫ينصّفه لن الزوج تسبب إليه بالشراء‪ ،‬وكُلّ فرقة جاءت من قبلها كردتها‪ ،‬وإرضاعها من يفسَخُ‬
‫إرضاعُه ِنكَاحَها‪ ،‬وفسخها لعسارِه أو عيبه فإنه يسقط مهرُها‪.‬‬
‫فإن قيل‪ :‬فقد قلتم‪ :‬إن المرأة إذا فسخت لعيب فى الزوج سقط مهرها‪ ،‬إذ الفُرقة من جهتها‪،‬‬
‫خ من جهته فتنصفوه‪ ،‬كما‬
‫وقلتم‪ :‬إن الزوجَ إذا فسخ لِعيب فى المرأة سقط أيضًا ولم تجعلوا الفس َ‬
‫جعلتموه لِفسخها لعيبه من جهتها‪ ،‬فأسقطتموه‪ ،‬فما الفرق؟ قيل‪ :‬الفرقُ بينهما أنه إنما بذل المهر فى‬
‫مقابلة بُضع سليم من العيوب‪ ،‬فإذا لم يتبين كذلك‪ ،‬وفسخ‪ ،‬عاد إليها كما خرج منها‪ ،‬ولم يستوفه‪،‬‬
‫ول شيئاً منه‪ ،‬فل يلزمه شىء من الصداق‪ ،‬كما أنها إذا فسخت لِعيبه لم تُسلم إليه المعقود عليه‪ ،‬ول‬
‫ق عليه شيئًا من الصداق‪.‬‬
‫شيئاً منه‪ ،‬فل تستحِ ّ‬
‫فصل‬
‫ل ال صلى ال عليه‬
‫الحكم الخامس‪ :‬أنها ل نفقةَ لها عليه ول سكنى‪ ،‬كما قضى به رسو ُ‬
‫وسلم وهذا موافق لحكمه فى المبتوتة التى ل رجعةَ لزوجها عليها‪ ،‬كما سيأتى بيانُ حكمه فى ذلك‪،‬‬
‫ط النفقة والسكنى للملعنة أولى مِن سقوطها‬
‫وأنه موافقٌ لكتاب ال‪ ،‬ل مخالف له‪ ،‬بل سقو ُ‬
‫ل إلى أن ينكِحهَا فى عِدتها‪ ،‬وهذهِ ل سبيل له إلى نكاحها ل فى العدة‬
‫للمبتوتة‪ ،‬لن المبتوتَة له سبي ُ‬
‫ول بعدَها‪ ،‬فل وجه أصلً لوجوب نفقتها وسُكناها‪ ،‬وقد انقطعت العصمةُ انقطاعاً كلياً‪.‬‬
‫ن الذى‬
‫ب ال والميزا َ‬
‫ق بعضُها بعضاً‪ ،‬وكلها تُوافق كتا َ‬
‫فأقضيتُه صلى ال عليه وسلم يُوافِ ُ‬
‫أنزل ليقو َم الناسُ بالقسط‪ ،‬وهو القياسُ الصحيحُ‪ ،‬كما ستقر عينُك إن شاء ال تعالى بالوقوف عليه‬
‫عن قريب‬
‫‪224‬‬

‫وقال مالك‪ ،‬والشافعي‪ :‬لها السكنى‪ .‬وأنكر القاضى إسماعيل بن إسحاق هذا القول إنكاراً‬
‫شديداً‪.‬‬
‫وقوله‪(( :‬من أحل أنهما يتفرقان من غير طلق‪ ،‬ول متوفى عنها)) ل يدل مفهومه على أن‬
‫كل مطلقة‪ ،‬ومتوفى عنها لها النفقةُ والسكنى‪ ،‬وإنما يدل على أن هاتين الفُرقتين قد يجبُ معهما نفقة‬
‫وسكنى‪ ،‬وذلك إذا كانت المرأة حاملً‪ ،‬فلها ذلك فى فرقة الطلق اتفاقاً‪ ،‬وفى فرقة الموت ثلثة‬
‫أقوال‪ ،‬أحدها‪ :‬أنه ل نفقة لها ول سكنى‪ ،‬كما لو كانت حائلً‪ ،‬وهذا مذهبُ أبى حنيفة وأحمد فى‬
‫إحدى روايتيه‪ ،‬والشافعى فى أحد قوله‪ ،‬لزوال سبب النفقة بالموت على وجه ل يُرجى عودهُ‪ ،‬فلم‬
‫يبق إل نفقةُ قريب‪ ،‬فهى فى مال الطفل إن كان له مال‪ ،‬وإل فعلى من تلزمه نفقته من أقاربه‪.‬‬
‫والثانى‪ :‬أن لها النفقة والسكنى فى تركته تُقدم بها على الميراث‪ ،‬وهذا إحدى الروايتين عن‬
‫أحمد‪ ،‬لن انقطاع العصمة بالموت ل يزيد على انقطاعها بالطلق البائن‪ ،‬بل انقطاعها بالطلق‬
‫ل المرأةُ زوجَها بعد موته عند جمهور العلماء حتى المطلقة الرجعية عند أحمد‬
‫أشد‪ ،‬ولهذا تغس ُ‬
‫ومالك فى إحدى الروايتين عنه‪ ،‬فإذا وجبت النفق ُة والسّكنى للبائن الحامل‪ ،‬فوجوبُها للمتوفى عنها‬
‫زوجها أولى وأحرى‪.‬‬
‫والثالث‪ :‬أن لها السكنى دون النفقة حاملً كانت أو حائلً‪ ،‬وهذا قولُ مالك وأحدُ قولى‬
‫الشافعى إجراء لها مجرى المبتوتة فى الصحة‪ ،‬وليس هذا موضعَ بسطِ هذه المسائل وذكر أدلتها‪،‬‬
‫والتمييز بين راجحها ومرجوحها إذ المقصود أن قوله‪(( :‬من أجل أنهما يفترقان من غير طلق ول‬
‫ت والبيتُ فى‬
‫متوفى عنها زوجها)) إنما يدل على أن المطلقة والمتوفى عنها قد يجب لهما القو ُ‬
‫ج مِن قول‬
‫ل أعلم أن ُه مُ ْدرَ ٌ‬
‫الجملة‪ ،‬فهذا إن كان هذا الكلم مِن كلم الصحابى‪ ،‬والظاهر وا ّ‬
‫الزهرى‪.‬‬
‫فصل‬
‫ل ال صلى ال عليه وسلم‬
‫الحكم السادس‪ :‬انقطاعُ نسب الولد من جهة الب‪ ،‬لن رسو َ‬
‫قضى أل يدعى ولدُها لب‪ ،‬وهذا هو الحقّ‪ ،‬وهو قولُ الجمهور‪ ،‬وهو أجلّ فوائد اللعان‪ ،‬وشذ‬
‫ى صلى ال عليه وسلم قضى‬
‫ض أهل العلم‪ ،‬وقال‪ :‬المولود للفراش ل ينفيه اللعانُ البتة‪ ،‬لن النب ّ‬
‫بع ُ‬
‫أن الولد لِلفراش‪ ،‬وإنما ينفى اللعانُ الحمل‪ ،‬فإن لم يُلعنها حتى ولدت‪ ،‬لعن لسقاط الحد فقط‪ ،‬ول‬
‫ل ال صلى ال عليه وسلم‬
‫ينتفى ولدُها منه‪ ،‬وهذا مذهبُ أبى محمد بن حزم‪ ،‬واحتج عليه بأن رسو َ‬
‫ن ُولِ َد على فراشه ولد‪ ،‬فهو ولدُه إل حيثُ نفاه‬
‫قضى أن الولد لصاحب الفراش‪ ،‬قال‪ :‬فصح أن كل مَ ْ‬
‫‪225‬‬

‫ال على لسان رسوله صلى ال عليه وسلم‪ ،‬أو حيث يوقن بل شك أنه ليس ولده‪ ،‬ولم ينفه صلى ال‬
‫عليه وسلم إل وهى حامل باللعان فقط‪ ،‬فبقى ما عدا ذلك على لحاق النسب‪ ،‬قال‪ :‬ولذلك قلنا‪ :‬إن‬
‫ل َتكْسِب كُلّ‬
‫صدقته فى أن الحمل ليس منه‪ ،‬فإن تصديقها له ل يُلتفت إليه لن ال تعالى يقول‪{ :‬وَ َ‬
‫عَل ْيهَا} [النعام‪ ]164 :‬فوجب أن إقرار البوين يصدُق على نفى الولد‪ ،‬فيكون كسبًا على‬
‫نَ ْفسٍ إلّ َ‬
‫لّ الول َد إذا أكذبته المّ‪