You are on page 1of 123

‫قواعد الدعوة إى ﷲ‬

Qawa’id ad-
ad-Dakwah
ilaLlah

Prof . Dr. Hamam Sa’eed

Terbitan KITA Publication 2010

1
‫كتاب ‪ :‬قواعد الدعوة إى ﷲ‬
‫] د ‪ .‬همام سعيد [‬

‫بسم ﷲ الرحمن الرحيم‬


‫مقدمة الطبعة ٔالاوى‬
‫إن الحمد هلل تعا"ى ‪ ،‬نحمدﻩ ونستعينه ونستغفرﻩ ‪ ،‬ونعوذ باهلل من شرور أنفسنا وسيئات‬
‫ً‬ ‫ً‬
‫أعمالنا من ‪*+‬دﻩ ﷲ فال ُمضل له ‪ ،‬ومن ُيضلل فلن تجد له وليا مرشدا‪.‬‬
‫والصالة والسالم ع‪C‬ى محمد عبدﷲ ورسوله‪ ،‬وع‪C‬ى آله وصحبه والتابع>ن لهم بإحسان‪،‬‬
‫وأشهد أنه بلغ الرسالة‪ ،‬وأدى ٔالامانة‪ ،‬ونصح ٔالامة‪ ،‬وجاهد ‪N‬ي ﷲ حق الجهاد ح‪ HI‬أتاﻩ‬
‫اليق>ن من ربه‪ ،‬وبعد‪:‬‬
‫فإن الدعوة إ"ى ﷲ تعا"ى أشرف ٔالاعمال وأرفع العبادات ‪ ،‬و]ي أخص خصائص الرسل‬
‫الكرام ‪ ،‬وأبرز مهام ٔالاولياء ؤالاصفياء من عبادﻩ الصالح>ن‪.‬‬
‫وال يصبح املرء داعية إ"ى فكرة من ٔالافكار إال بعد تحقق انتسابه إل‪*j‬ا وتفاعله مع قضاياها‪.‬‬
‫ُ‬
‫وصاحب الدعوة يعيش ‪*o‬ا وتعيش به وتحسب عليه كما ُيحسب عل‪*j‬ا ‪.‬‬
‫ولقد شاء ﷲ تعا"ى أن تشق دعوة ٕالاسالم طريقها ‪N‬ي التاريخ الحديث ‪N‬ي جميع بالد العالم‪،‬‬
‫وأصبح لها ‪N‬ي كل قطر لسان ينطق ‪*o‬ا ويع‪ xy‬ع‪*w‬ا‪.‬‬
‫ً‬
‫ودخلت الدعوة إ"ى قطاعات املجتمع املختلفة ‪ ،‬ولم تعد الدعوة حكرا ع‪C‬ى املوظف>ن‬
‫الرسمي>ن أو ع‪C‬ى من يطلق عل‪*j‬م" ارباب الشعائر الدينية " بل شارك ف‪*j‬ا الرجال والنساء‬
‫والصغار والكبار واملشتغلون بالتخصصات العلمية وٕالانسانية‪ .‬وهذا املد الذي نجدﻩ ‪N‬ي‬
‫ً‬ ‫ً‬
‫جامعات العالم ٕالاسالمي أصبح بناء عضويا أصيال ‪N‬ي بنية هذﻩ الجامعات‪ ،‬بل و‪N‬ي‬
‫الجامعات الغربية كذلك‪.‬‬
‫خل من مصاعب وعقبات داخلية وخارجية ‪،‬‬ ‫وهذا التقدم الذي أحرزته دعوة ٕالاسالم لم َي ُ‬
‫أذكر م‪*w‬ا ‪:‬‬
‫قلة املرب>ن واملوجه>ن ٔالاكفاء بالنسبة إ"ى حجم ٕالاقبال الكب>‪ .x‬ولعل هذﻩ الظاهرة من‬
‫أخطر ٔالامور ال‪ ‹I‬تحتاج إ"ى عالج؛ ألن قطاعات كب>‪x‬ة من الناس تعيش خارج املحاضن‬
‫ً‬
‫املالئمة ‪ ،‬مما ينعكس ع‪C‬ى تكوي‪*w‬ا وبنا•*ا ‪ ،‬وكث>‪x‬ا ما يندب بعض غ>‪ x‬املؤهل>ن أنفسهم لدور‬
‫ال™‪x‬بية والتكوين وإعطاء ٓالاراء ‪N‬ي أخطر املسائل وأعوصها لخلو امليدان من املؤهل>ن لذلك ‪.‬‬

‫‪2‬‬
‫ً‬ ‫ُ‬
‫النقص ‪N‬ي ال‪xy‬امج ال‪ ‹I‬تعد الداعية واملوجه إعدادا وفق مستويات مختلفة لتالئم حاجات‬
‫متنوعة ‪ .‬ويبدو أن النقص أظهر ما يكون ‪N‬ي مجال التأصيل والتقعيد‪ .‬وأصبح من ٔالامور‬
‫ُ‬
‫امللحة أن تتلقى الدعوة ع‪C‬ى شكل تصور متكامل من البداية إ"ى ال‪*w‬اية ‪ ،‬مع استيعاب‬
‫كلياž*ا ومعرفة ٔالاولويات ف‪*j‬ا‪.‬‬
‫تأخر سن العطاء ‪ :‬إذ أن الزمن الذي ينفق قبل أن يصل الفرد إ"ى مرحلة التأث>‪ x‬هو زمن‬
‫طويل‪ .‬ومنشأ ذلك انتشار املعارف واملعلومات واتساع القراءات والتجارب‪ .‬ولعل التأصيل هو‬
‫أحد العوامل املساعدة ع‪C‬ى ٕالاسراع ‪N‬ي الوصول إ"ى مرحلة العطاء وٕالانجاز وبمعرفة‬
‫القواعد الضابطة نستغ‪ ‹¢‬عن كث>‪ x‬من الفروع‪ ،‬ونستطيع املواءمة ب>ن اتساع حقول‬
‫الدعوة وقصر الزمن املحدد للتكوين‪.‬‬
‫الجهود املعادية للدعوة ‪ .‬و]ي جهود متنوعة ذات إمكانيات كب>‪x‬ة ‪ ،‬ولها خ‪xy‬ات واسعة ‪N‬ي‬
‫الصد عن سبيل ﷲ ‪ .‬ورغم الخالفات الحادة ب>ن الشيوعية والرأسمالية وب>ن الوجودية‬
‫والقومية وغ>‪x‬ها من ٔالاهواء والفرق الضالة إال أن الجميع يلتقون ع‪C‬ى حرب ٕالاسالم‬
‫ً‬ ‫ً‬
‫ودعوته‪ .‬وهذﻩ الجهود تلقي عبئا كب>‪x‬ا ع‪C‬ى دعاة ٕالاسالم الذين عل‪*j‬م أن يدركوا مخططات‬
‫أعدا•*م وأن يصونوا الناس من شرور هؤالء ٔالاعداء بأسلوب الوقاية والعالج ‪.‬‬
‫وإن مغريات الحياة ومشاغلها وتعقيداž*ا عقبة ‪N‬ي طريق الدعوة والدعاة‪ .‬والبد أن يفهم‬
‫الدعاة حركة الحياة ؤالاحياء‪ ،‬وأن ُيلموا بالنفس البشرية وطرق التأث>‪ x‬ف‪*j‬ا‪ ،‬ووسائل‬
‫تزكي‪*¥‬ا‪ .‬ولعل من املظاهر امللفتة للنظر تقدم الدعوة ‪N‬ي صفوف ٔالاغنياء وأولئك الذين‬
‫عاشوا ‪N‬ي غمار الحضارة الغربية وتعرضوا ملغريات الجاهلية الحديثة‪ .‬وهذﻩ الظواهر‬
‫تساعد ع‪C‬ى تكوين مناعات ودفاعات أمام املغريات‪.‬‬
‫ويجد الداعية نفسه أما تيارات فكرية ‪ .‬تتحرك وتتقلب بسرعة هائلة ‪ ،‬وتصل إ"ى ٕالانسان‬
‫أينما كان ‪ ،‬وإن كالداعية مطالب بالوقوف ‪N‬ي وجه هذﻩ التيارات الفكرية‪ ،‬وأن يكون وقوفه‬
‫ً‬
‫أمامها قائما ع‪C‬ى العلم واملوضوعية‪.‬‬
‫ُ‬
‫هذﻩ ٔالاعباء وغ>‪x‬ها تلح علينا أن ننقل الدعوة من ميدان املشاعر والانفعاالت والخطب‬
‫واملقاالت إ"ى ميدان التخطيط والتنظيم وال‪xy‬مجة والتأهيل والتقعيد ‪.‬‬
‫ً‬
‫وليس غريبا أن ت‪xy‬ز هذﻩ الحاجات ‪N‬ي هذﻩ ٓالاونة؛ ألن الدعوة اتسعت وتشعبت وك¨‪x‬ت‬
‫ممارس‪*¥‬ا وتجار‪*o‬ا وأسالي©*ا‪ .‬وهذا الاتساع والتشعب ال ُيضبط إال بالكشف عن ٔالاصول‬
‫والقواعد‪.‬‬

‫‪3‬‬
‫ً‬
‫وليس أمر الدعوة بدعا من أمور العلوم ٕالاسالمية ٔالاخرى‪ .‬فقد تناول املسلمون حديث‬
‫رسول ﷲ  بالرواية والدراية ح‪ HI‬وجدوا أنفسهم بحاجة إ"ى علم أصول الحديث‬
‫ومصطلحه‪ ،‬وكذلك الحال ‪N‬ي النحو والصرف والعقيدة والتفس>‪ x‬والتاريخ والفقه‪ ،‬فإن‬
‫أصول العلوم وقواعدها جاءت ‪N‬ي مرحلة متأخرة ع‪*w‬ا ‪.‬‬
‫ً‬
‫و‪N‬ي الوقت الذي اتجهت فيه العلوم إ"ى التأصيل والتقعيد كان علم الدعوة أقوالا مأثورة‬
‫ً‬
‫وشذرات منثورة ‪ ،‬ولم يكن علما باملع‪ H¢‬الاصطال«ي للعلم‪ ،‬ألن مبعث العلم الحاجة إليه‪،‬‬
‫ً‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫ً‬
‫ولم يكن املجتمع ٕالاسالمي مهجورا أو غريبا ‪،‬وإنما كان قائما فاعال ناشطا ‪ ،‬وأك¨‪ x‬أفرادﻩ‬
‫يمارسون الدعوة كما يعيشون ويأكلون ويشربون وعندما دالت دولة ٕالاسالم ونقضت عرى‬
‫ً‬
‫ٕالايمان‪ ،‬وجد املسلم نفسه غريبا ‪N‬ي املجتمع ‪ ،‬ورجعت ّأمية العقيدة والفكر والنظم كما‬
‫كانت ‪N‬ي عهد الجاهلية ٔالاو"ى ‪ ،‬فأخذ بعض الدعاة ع‪C‬ى عاتقهم إعادة التأسيس وشرعوا ‪N‬ي‬
‫ž*يئة املكان والسكان الستئناف الحياة ٕالاسالمية‪ ،‬ودب ٔالامل بعد اليأس ‪ ،‬وانطلق الدعاة‬
‫ً‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫ً‬
‫شرقا وغربا عربا وعجما ‪ ،‬ودرس العلماء هذﻩ التجارب وكشفوا عن جوان©*ا ٕالايجابية‬
‫والسلبية‪.‬‬
‫ورغم النتائج ٕالايجابية ال‪ ‹I‬حقق‪*¥‬ا الدعوة إ"ى ﷲ ‪N‬ي جميع ٔالاقطار ‪ ،‬إال أ‪*°‬ا وكما سبق أن‬
‫أشرت بحاجة إ"ى املزيد من توظيف الطاقات وٕالامكانيات‪ ،‬وحشد كل الجهود ‪N‬ي سبيل‬
‫البناء‪ ،‬وال نصل إ"ى هذا التوظيف إال بإعداد ٔالافراد للعطاء ع‪C‬ى مستويات متفاوته ‪ ،‬وأن‬
‫يكون لكل وظيفة من وظائف الدعوة إعدادها الخاص وزم‪*w‬ا املناسب ‪ ،‬وال يتحقق هذا إال‬
‫عن طريق نظام تربوي محدد الخطوات‪ ،‬يعتمد القواعد ؤالاطر العامة دون الخوض ‪N‬ي‬
‫الكث>‪ x‬من الدقائق والتفاصيل‪ ،‬ويقدم للداعية خالصة ُمركزة ‪N‬ي ال™‪x‬بية والتكوين والقيادة‬
‫والتنظيم والتخطيط واملتابعة‪.‬‬
‫والكتاب الذي أقدمه إلخواني محاولة ‪N‬ي تقعيد الدعوة وتأصيلها‪ ،‬ع‪C‬ى شكل عدد من‬
‫القواعد‪ ،‬بعضها ‪N‬ي التصورات‪ ،‬وبعضها ‪N‬ي ٔالاساليب والوسائل‪.‬‬
‫وفيه وجهة نظر أقدمها للدراسة والنقد‪ ،‬و]ي بداية وليست ‪*°‬اية إن شاء ﷲ تعا"ى ‪.‬‬
‫وﷲ من وراء القصد ‪.‬‬
‫همام عبد الرحيم سعيد‬

‫‪4‬‬
‫بسم ﷲ الرحمن الرحيم‬

‫مقدمة الطبعة الثانية‬


‫إن الحمد هلل نحمدﻩ ونستعينه ونستغفرﻩ ‪ ،‬ونعوذ باهلل من شرور أنفسنا ومن سيئات‬
‫ً‬ ‫ً‬
‫أعمالنا ‪ ،‬من ‪*+‬دﻩ ﷲ فالمضل له ‪ ،‬ومن يضلل فلن تجد له وليا مرشدا ‪ ،‬وأشهد أن ال إله‬
‫ً‬
‫إال ﷲ وحدﻩ ال شريك له‪ ،‬وأشهد أن محمدا عبدﻩ ورسوله‪ ،‬بلغ الرسالة وأدى ٔالامانة‬
‫ً‬ ‫ً‬
‫ونصح ٔالامة‪ ،‬فصلوات ﷲ وسالمه ع‪C‬ى هذا الن´‹ الكريم وع‪C‬ى آله وصحبه تسليما كث>‪x‬ا ‪،‬‬
‫وبعد ‪:‬‬
‫فهذﻩ طبعة جديدة من كتاب قواعد الدعوة إ"ى ﷲ تأتي مزيدة بعد ما يزيد ع‪C‬ى خمس‬
‫عشرة سنة من الطبعة ٔالاو"ى ‪ ،‬فقد احتوى الكتاب ‪N‬ي طبعته ٔالاو"ى ع‪C‬ى خمس عشرة‬
‫قاعدة ‪ ،‬وها هو اليوم يظهر مع إضافة ست قواعد أخرى ‪ .‬وقد جاء ‪N‬ي هذﻩ القواعد‬
‫تأصيل شر‪µ‬ي لعدة جوانب من العمل ٕالاسالمي ‪ ،‬كالتأصيل للجماعة ال‪ ‹I‬ك¨‪ x‬الكالم عن‬
‫مشروعي‪*¥‬ا وأحقي‪*¥‬ا وصفاž*ا ‪ ،‬وقد ناقشت هذﻩ القاعدة املوقف من الف™ن وطرحت مفهوم‬
‫الاقتحام بدل مفهوم الانسحاب‪ ،‬وتناولت خطر العزلة ع‪C‬ى ٔالامة ‪N‬ي الوقت الذي تحتاج‬
‫ٔالامة إ"ى املجاهدين العامل>ن‪.‬‬
‫كما احتوت هذﻩ ٕالاضافة ع‪C‬ى قاعدت>ن رئيسيت>ن ‪N‬ي الفهم ‪ٔ ،‬الاو"ى تؤصل للفهم وأهميته‬
‫وضوابطه وأركانه وأثرﻩ ع‪C‬ى املس>‪x‬ة ٕالاسالمية العامة ‪ ،‬والثانية تناقش الفهم السائد ‪N‬ي‬
‫مقابل الفهم الواجب ‪.‬‬
‫كما احتوت هذﻩ ٕالاضافة ع‪C‬ى قاعدت>ن رئيسيت>ن لألمر باملعروف والن·‹ عن املنكر ‪ٔ ،‬الاو"ى‬
‫تؤصل لهذا الركن ٔالاساس من أركان الدعوة ٕالاسالمية‪ ،‬وتب>ن املجاالت ال‪ ‹I‬يعمل ف‪*j‬ا كل‬
‫من ٔالامر باملعروف والن·‹ عن املنكر ‪ .‬والثانية تناقش بعض الاتجاهات املنحرفة ‪N‬ي فهم‬
‫القرآن ‪ ،‬وتأتي للدفع باتجاﻩ الحركة ٕالايجابية ‪N‬ي مقابل الحركة السلبية ٕالانسحابية‬
‫الا‪*°‬زامية ال‪ ‹I‬يلجأ إل‪*j‬ا بعض املسلم>ن‪.‬‬
‫أما قاعدة العمل العام فقد جاءت تفصل وتؤسس وتؤصل للعمل ٕالاسالمي العام الذي‬
‫يفتح الباب ألسلمة املجتمع وجمهورﻩ ‪.‬‬

‫‪5‬‬
‫وقد جاءت هذا ٕالاضافات نتيجة جهد ومعاناة ‪ ،‬ف·‹ رشحات قلب قبل أن تكون رشحات‬
‫قلم ‪ ،‬فإن ُوفقت فمن ﷲ تعا"ى ‪ ،‬وإن أخطأت فمن نف»‪ ‹º‬ومن الشيطان ‪ ،‬وأدعو ﷲ أن ال‬
‫يحرم‪ ‹¢‬من واعظ ناصح ‪ .‬والحمد هلل رب العامل>ن ‪.‬‬

‫الدكتور همام عبد الرحيم سعيد‬


‫عمان ‪H‬ي ‪ 4‬جمادي ٔالاوى ‪1419‬هـ‬
‫املوافق ‪1998/8/26‬م‬

‫‪6‬‬
‫القاعدة ٔالاوى‬
‫الدعوة إى ﷲ سبيل النجاة ‪H‬ي الدنيا وٓالاخرة‬
‫ع‪C‬ى الداعية أن يعلم أن ﷲ تعا"ى إنما خلق ٕالانسان لعبادته لقوله تعا"ى ‪  :‬وما خلقت‬
‫الجن وٕالانس إال ليعبدون )‪ (1‬والعبادة ال تكون إال ع‪C‬ى بص>‪x‬ة‪ ،‬والبص>‪x‬ة ال تكون إال وفق‬
‫منهج ﷲ الذي أنزله ع‪C‬ى رسله وأنبيائه ‪ ،‬فكان هؤالء املرسلون ؤالانبياء دعاة ‪*+‬دون إ"ى‬
‫ً‬
‫الحق‪ ،‬وكان هذا هو شغلهم الشاغل تحقيقا ملراد ﷲ الذي جعل آدم خليفة ‪N‬ي ٔالارض‪،‬‬
‫يق‪ ‹ºÁ‬بقضاء ﷲ وينفذ أمر ﷲ ‪ ،‬فقال تعا"ى ‪  :‬وإذ قال ربك للمالئكة إني جاعل ‪N‬ي‬
‫ً‬
‫ٔالارض خليفة)‪ .(2‬فكان مراد ﷲ تعا"ى من خلق ٕالانسان أن يكون مشتغال بأمرﻩ وهو القائل‬
‫سبحانه‪:‬وما خلقت الجن وٕالانس إال ليعبدون‬
‫يقول الرازي ‪ " :‬ما العبادة ال‪ ‹I‬خلق الجن وٕالانس من أجلها؟ قلنا ‪ :‬التعظيم ألمر ﷲ‬
‫والشفقة ع‪C‬ى خلق ﷲ " )‪ .(3‬ثم يقول ‪ " :‬وملا كان التعظيم الالئق بذي الجالل وٕالاكرام ال‬
‫ُيعلم عقال‪ ،‬لزم اتباع الشرائع ف‪*j‬ا ؤالاخذ بقول الرسل عل‪*j‬م السالم‪ ،‬فقد أنعم ﷲ ع‪C‬ى‬
‫عبادﻩ بإرسال الرسل وإيضاح السبل ‪N‬ي نو‪µ‬ي العبادة " )‪ (4‬وهذا التقسيم لوظائف العبادة‬
‫تقسيم موجز وشامل‪.‬‬
‫والدعوة إ"ى ﷲ تعا"ى ]ي أبلغ مظهر من مظاهر تعظيمه ‪،‬والدعوة يدعو إ"ى فكرة أو هدف‬
‫ويصرف جهدﻩ ‪N‬ي سبيله ‪ ،‬وإنما يفعل ذلك المتالئه ‪*o‬ذا الهدف أو هذﻩ الفكرة ‪ .‬ومن دعا‬
‫إ"ى فكرة فإنه يحسب عل‪*j‬ا كما تحسب ]ي عليه كذلك‪.‬‬
‫و‪N‬ي الدعوة إ"ى ﷲ تعا"ى دليل شفقة ع‪C‬ى عباد ﷲ ‪ ،‬ألن الداعية يريد إخراج الناس من‬
‫أوضاع التمزق والشتات تحت وطأة ٔالانظمة الوضعية ‪ ،‬إ"ى سعة الدين وآفاقه الرحيبة ‪،‬‬
‫ونظمه الكفيلة بإسعاد البشر‪ .‬وأن يخرجهم من النار إ"ى الجنة كذلك‪.‬‬
‫ً‬
‫هذان هدفان كريمان من أهداف العبادة‪ ،‬وهما هدفان من أهداف الدعوة إ"ى ﷲ أيضا‪.‬‬
‫والنجاة ‪N‬ي هذين الهدف>ن ‪.‬‬

‫    
 ‪.56 :‬‬ ‫)‪(1‬‬
‫    ‪.30 :‬‬ ‫)‪(2‬‬
‫   ‪.435/28‬‬ ‫)‪(3‬‬
‫!   ‪.‬‬ ‫)‪(4‬‬

‫‪7‬‬
‫ى الغاية من خلق ﷲ‬C‫ي الدعوة إليه والحفاظ ع‬N ‫م أنبياء ﷲ ورسله الكرام أمر ﷲ‬̙‫وقد ال‬
.‫ى دعوة الخلق إ"ى هذﻩ النجاة‬C‫ وحرص كل رسول كريم ع‬،‫لهم‬
ً ً ‫ولقد ﱠ‬
‫ى نجاة الدعاة‬C‫ مؤكدا دائما ع‬. ‫قص القرآن الكريم علينا معركة ٔالانبياء مع أقوامهم‬
: ‫ى هالك الظامل>ن املعرض>ن‬C‫وع‬
Å7ù=àø9$# ’Îû …çµyè¨Β tΒuρ çµ≈uΖø‹¤fuΖsù çνθç/¤‹s3sù  : ‫*اية‬w‫ففي قصة نوح عليه السالم مع قومه كانت ال‬

.(5) ∩∠⊂∪ tÍ‘x‹ΨçRùQ$# èπt7É)≈tã tβ%x. y#ø‹x. öÝàΡ$$sù ( $uΖÏG≈tƒ$t↔Î/ (#θç/¤‹x. tÏ%©!$# $oΨø%{ øîr&uρ y#Íׯ≈n=yz óΟßγ≈uΖù=yèy_uρ

(#θãΖtΒ#u tÏ%©!$#uρ #YŠθèδ $oΨøŠ¯gwΥ $tΡâö∆r& u!%y` $£ϑs9uρ  :‫*اية‬w‫ي قصة هود عليه السالم مع قومه كانت ال‬N‫و‬
.(6)  ∩∈∇∪ 7áŠÎ=xî A>#x‹tã ôÏiΒ Λèι≈oΨ÷Š¯gwΥuρ $¨ΖÏiΒ 7πyϑômtÎ/ …çµyètΒ

šÏ%©!$#uρ $[sÎ=≈|¹ $uΖø‹¯gwΥ $tΡâö∆r& u!$y_ $£ϑn=sù :‫النتيجة‬ ‫ي قصة صالح عليه السالم مع قومه كانت‬N‫و‬
.(7)  ∩∉∉∪ Ⓝ͓yèø9$# ‘“Èθs)ø9$# uθèδ š−/u‘ ¨βÎ) 3 >‹Í≥ÏΒöθtƒ Ä“÷“Åz ôÏΒuρ $¨ΨÏiΒ 7πyϑômtÎ/ …çµyètΒ (#θãΖtΒ#u

Î$ó r'sù ( y7ø‹s9Î) (#þθè=ÅÁtƒ s9 y7În/u‘ ã≅ߙ①$¯ΡÎ) äÞθè=≈tƒ (#θä9$s%  :‫ي قصة لوط عليه السالم كانت النتيجة‬N‫و‬
ãΝèδy‰ÏãöθtΒ ¨βÎ) 4 öΝåκu5$|¹r& !$tΒ $pκâ:6ÅÁãΒ …絯ΡÎ) ( y7s?r&zö∆$# ωÎ) î‰tnr& öΝà6ΖÏΒ ôMÏtGù=tƒ Ÿωuρ È≅ø‹©9$# zÏiΒ 8ìôÜÉ)Î/ šÏ=÷δr'Î/

ÏiΒ Zοu‘$yfÏm $yγøŠn=tã $tΡösÜøΒr&uρ $yγn=Ïù$y™ $yγuŠÎ=≈tã $oΨù=yèy_ $tΡâö∆r& u!$y_ $£ϑn=sù ∩∇⊇∪ 5=ƒÌs)Î/ ßxö6+Á9$# }§øŠs9r& 4 ßxö6+Á9$#

.(8)  ∩∇⊄∪ 7ŠθàÒΖ¨Β 9≅ŠÉdfÅ™

$¨ΖÏiΒ 7πuΗ÷qtÎ/ …çµyètΒ (#θãΖtΒ#u tÏ%©!$#uρ $Y6ø‹yèä© $uΖøŠ¯gwΥ $tΡãøΒr& u!$y_ $£ϑs9uρ :‫قومه‬ ‫ي قصة شعيب عليه السالم مع‬N‫و‬
.(9) ∩⊆∪ šÏϑÏW≈y_ öΝÏδÌ≈tƒÏŠ ’Îû (#θßst7ô¹r'sù èπysøŠ¢Á9$# (#θßϑn=sß tÏ%©!$# ÏNx‹yzr&uρ

’Îû öΝßγ≈oΨø%tøîr'sù öΝåκ÷]ÏΒ $uΖôϑs)tFΡ$$sù  ‫ عليه السالم مع فرعون وقومه كانت النتيجة‬HºÒ‫ي قصة مو‬N‫و‬
šχθàyèôÒtFó¡ç„ (#θçΡ%x. šÏ%©!$# tΠöθs)ø9$# $uΖøOu‘÷ρr&uρ ∩⊇⊂∉∪ šÎ=Ï≈xî $pκ÷]tã (#θçΡ%Ÿ2uρ $uΖÏG≈tƒ$t↔Î/ (#θç/¤‹x. öΝåκ¨Ξr'Î/ ÉdΟuŠø9$#

.73 :  #$   (5)


.58 :  &   (6)
.66  : &   (7)
.82)81  : &   (8)
.94 :  : &   (9)

8
‫‪( (#ρç$y9|¹ $yϑÎ/ Ÿ≅ƒÏℜu$ó Î) ûÍ_t/ 4’n?tã 4o_ó¡ßsø9$# šÎn/u‘ àMyϑÎ=x. ôM£ϑs?uρ ( $pκFÏù $uΖø.t≈t/ ÉL©9$# $yγt/Ì≈tótΒuρ ÇÚö‘F{$# šXÍ≈t±tΒ‬‬

‫ )‪.(10‬‬ ‫‪∩⊇⊂∠∪ šχθä©Ì÷ètƒ (#θçΡ$Ÿ2 $tΒuρ …çµãΒöθs%uρ ÜχöθtãöÏù ßìuΖóÁtƒ šχ%x. $tΒ $tΡö¨ΒyŠuρ‬‬

‫ُ‬
‫و‪N‬ي قصة القرية ال‪ ‹I‬كانت حاضرة البحر كانت النتيجة‪  :‬فلما نسوا ما ذكروا به أنجينا‬
‫السوء وأخذنا الذين ظلموا بعذاب بئيس بما كانوا يفسقون )‪.(11‬‬ ‫الذين ي‪*w‬ون عن ﱡ‬
‫كل هذﻩ ٓالايات تؤكد أن النجاة ‪N‬ي الدعوة إ"ى ﷲ ‪ .‬وهذا وعد ﷲ تعا"ى للمؤمن>ن ‪ :‬ثم نن‪Ô‬ي‬
‫ً‬
‫رسلنا والذين آمنوا كذلك حقا علينا ننج املؤمن>ن)‪.(12‬‬
‫ً‬
‫فتكون نجاة املؤمن>ن الداع>ن إ"ى ﷲ "حقا بسبب الوعد والحكم " )‪.(13‬‬
‫يقول سيد قطب رحمه ﷲ ‪ " :‬هذﻩ سنة ﷲ ‪N‬ي ٔالارض ‪ ،‬وهذا وعد ألوليائه ف‪*j‬ا ‪ ،‬فإذا طال‬
‫الطريق ع‪C‬ى العصبة املؤمنة مرة فيجب أن تعلم أن هذا هو الطريق‪ ،‬وأن تستيقن أن‬
‫العاقبة والاستخالف للمؤمن>ن ‪ ،‬وأال تستعجل وعد ﷲ ح‪ HI‬ي‪Ô‬يء و]ي ماضية ‪N‬ي الطريق‪.‬‬
‫وﷲ ال يخدع أولياءﻩ ‪ ،‬وال يعجز عن نصرهم بقوته وال ُيسلمهم كذلك ألعدائه‪ .‬ولكنه‬
‫يعلمهم ويدر‪*o‬م ويزودهم ـ ‪N‬ي الابتالء ـ بزاد الطريق)‪.(14‬‬
‫ال خسارة ‪H‬ي الدعوة ‪:‬‬
‫وليس أمر الدعوة كما يظن بعض الناس أ‪*°‬ا تعب وخسارة ونصب وألم ‪ ،‬فإ‪*°‬ا وإن كانت ال‬
‫تخلو من املتاعب واملصاعب لك‪*w‬ا لذيذة الطعم ‪ ،‬عزيزة ع‪C‬ى القلب ‪ ،‬ولذلك فإن أصحا‪*o‬ا‬
‫يضحون ‪N‬ي سبيلها بالغا"ي والنفيس‪ ،‬ويستعذبون العذاب ‪ ،‬ويجدون املوت حياة من أجلها ‪.‬‬
‫وهم أسعد ‪*o‬ا من الناس بدو‪*°‬ا‪ .‬أما العاقبة ف·‹ الفوز و‪N‬ي غ>‪x‬ها الفشل و]ي الباقية‬
‫وغ>‪x‬ها الفانية‪.‬‬
‫دعوة محمد  أمان للبشرية ‪.‬‬
‫ويالحظ من سياق ٓالايات الكريمة ال‪ ‹I‬تتحدث عن معركة ٔالانبياء مع أقوامهم أن املكذب>ن‬
‫ً‬
‫من هؤالء ٔالاقوام كانوا ُي ْستأصلون بعذاب ﷲ تعا"ى فال ُيبقى ع‪C‬ى ٔالارض م‪*w‬م ديارا ‪،‬وال‬

‫  ‪.137)136  : , -.‬‬ ‫)‪(10‬‬


‫  ‪.165  : , -.‬‬ ‫)‪(11‬‬
‫  ‪.103  : #$‬‬ ‫)‪(12‬‬
‫   ‪.1171/17 :‬‬ ‫)‪(13‬‬
‫‪1812/3 /0  123 45‬‬ ‫)‪(14‬‬

‫‪9‬‬
‫ي™‪x‬ك ﷲ م‪*w‬م باقية‪ .‬وبم‪Ô‬يء محمد  ُرفع هذا الاستئصال العام بالطوفان والصاعقة‬
‫ً‬
‫والريح ‪ ،‬وذلك تكريما لهذﻩ ٔالامة ال‪ ‹I‬ال تخلو من قائم هلل بالحجة ‪ ،‬وال من الطائفة‬
‫الظاهرة ع‪C‬ى أمر ﷲ ح‪ HI‬يأتي ﷲ بأمرﻩ‪ ،‬وهذﻩ الطائفة هم الدعاة ‪ .‬و‪*o‬م يكتب ﷲ النجاة‬
‫لألمة من أن ž*لك بسنة عامة‪ .‬وعندما تخلو ٔالارض من هذا الصنف الكريم ع‪C‬ى ﷲ ‪ ،‬فإن‬
‫الساعة تقوم ‪ ،‬وقد جاء هذا املع‪N H¢‬ي أحاديث كث>‪x‬ة م‪*w‬ا ‪:‬‬
‫قال  ‪ " :‬ال تقوم الساعة إال ع‪C‬ى أشرار الناس " )‪.(15‬‬
‫وقال  ‪ " :‬ال تقوم الساعة ع‪C‬ى أحد يقول ‪ :‬ﷲ ﷲ " )‪ .(16‬و‪N‬ي رواية ح‪ HI‬ال يقال ‪N‬ي ٔالارض ‪:‬‬
‫ﷲﷲ‪.‬‬
‫وقال  ‪ُ " :‬يقبض الصالحون الاول فاألول ويبقى حثالة كحثالة التمر أو الشع>‪ x‬ال يعبأ ﷲ‬
‫ً‬
‫‪*o‬م شيئا " )‪.(17‬‬
‫وهذﻩ ٔالاحاديث تدل ع‪C‬ى أن قيام الساعة يق™‪x‬ن به ذهاب الدعوة والدعاة ‪ ،‬وال أع‪*o ‹¢‬ذا‬
‫الاق™‪x‬ان اق™‪x‬ان السبب أو الشرط باملسبب أو املشروط ‪ ،‬وإنما أع‪ ‹¢‬أن ﷲ تعا"ى يكرم‬
‫ٕالانسانية بالدعوة والدعاة ‪ ،‬وأنه ما دام الدعاة وما دامت الدعوة ‪ ،‬فإن الغاية من الخلق‬
‫ع‪C‬ى هذﻩ ٔالارض باقية ‪ ،‬فإذا زال الدعاة والدعوة فقد خسر ٕالانسان م‪xy‬ر وجودﻩ ع‪C‬ى هذﻩ‬
‫ٔالارض ‪ .‬وهكذا فإن ٕالانسان يقع ب>ن ‪*°‬ايت>ن‪ ،‬أو بداية و‪*°‬اية‪:‬‬
‫ٔالاو"ى ‪  :‬وإذ قال ربك للمالئكة إني جاعل ‪N‬ي ٔالارض خليفة  )‪.(18‬‬
‫ً‬ ‫ً‬
‫والثانية ‪ :‬قوله  "إن ﷲ يبعث ريحا من اليمن أل>ن من الحرير ‪ ،‬فال تدع أحدا فيه مثقال‬
‫حبة من إيمان إال قبضته " )‪.(19‬‬
‫وأخرج ٕالامام مسلم عن عبد الرحمن بن شماسة ر‪ ‹ºÛ‬ﷲ عنه قال ‪ " :‬كنت عند مسلمة‬
‫بن مخلد وعندﻩ عبدﷲ بن عمرو بن العاص‪ ،‬فقال عبدﷲ ‪ :‬ال تقوم الساعة إال ع‪C‬ى شرار‬
‫الخلق‪ ،‬هم شر من أهل الجاهلية‪ ،‬ال ْيدعون ﷲ ب‪‹ºÜ‬ء إال ردﻩ ﷲ عل‪*j‬م ‪ .‬فبينما هم ع‪C‬ى‬
‫ذلك‪ ،‬أقبل عقبة بن عامر‪ ،‬فقال مسلمة ‪ :‬يا عقبة؛ اسمع ما يقول عبدﷲ‪ .‬فقال عقبة‪ :‬هو‬
‫أعلم ‪ ،‬وأما أنا‪ ،‬فسمعت رسول ﷲ  يقول‪ :‬ال تزال عصابة من أم‪ ‹I‬يقاتلون ع‪C‬ى أمر ﷲ‪،‬‬

‫;‪.2268/4 67! 89 :‬‬ ‫)‪(15‬‬


‫;‪.$ < = 171/1 67! 89 :‬‬ ‫)‪(16‬‬
‫;‪.114/8  : 89 :‬‬ ‫)‪(17‬‬
‫    ‪.30  :‬‬ ‫)‪(18‬‬
‫;‪.$ < = 132/1 67! 89 :‬‬ ‫)‪(19‬‬

‫‪10‬‬
‫قاهرين عدوهم‪ ،‬ال يضرهم من خالفهم ح‪ HI‬تأت‪*j‬م الساعة وهم ع‪C‬ى ذلك‪ ،‬قال عبد ﷲ‪:‬‬
‫ً‬ ‫مسها ﱡ‬ ‫ً‬
‫يحا كريح املسك ﱡ‬
‫مس الحرير ‪ ،‬فال ت™‪x‬ك نفسا ‪N‬ي قلبه مثقال حبة من‬ ‫ثم يبعث ﷲ ر‬
‫إيمان إال قبضته‪ ،‬ثم يبقى شرار الناس عل‪*j‬م تقوم الساعة")‪.(20‬‬
‫ونالحظ ‪N‬ي هذﻩ الرواية التوفيق ب>ن بقاء الطائفة املؤمنة إ"ى قرب قيام الساعة‪ ،‬وقيام‬
‫الساعة ع‪C‬ى شرار الخلق‪ .‬وعندئذ يكون مع‪ H¢‬وجود الطائفة املؤمنة إ"ى قيام الساعة يع‪‹¢‬‬
‫ً‬
‫إ"ى قر‪*o‬ا قيامها‪ .‬وهذا ما ذهب إليه النووي وهو يشرح حديث‪ " :‬إن ﷲ يبعث ريحا من‬
‫اليمن ‪ " . .‬فقال ‪ " :‬وأما الحديث ٓالاخر ال تزال طائفة من أم‪ ‹I‬ظاهرين ع‪C‬ى الحق إ"ى يوم‬
‫ً‬
‫القيامة فليس مخالفا ألن مع‪ H¢‬هذا أ‪*°‬م ال يزالون ع‪C‬ى الحق حق تقبضهم هذﻩ الريح")‪.(21‬‬
‫ّ‬
‫وملا كان الداعية قد وطن نفسه ع‪C‬ى الجهاد وندب نفسه للتضحية ‪N‬ي سبيل ﷲ ‪ ،‬ودخل‬
‫ً‬
‫طرفا ‪N‬ي مواجهة أعداء ٕالاسالم‪ ،‬فإن هذﻩ املؤهالت تجعله أقدر ع‪C‬ى املصاولة واملجاولة‪،‬‬
‫ناج ‪ ،‬وعدوﻩ مخذول هالك‪.‬‬ ‫وهو بإذن ﷲ منصور ٍ‬
‫وليس املقصود بالنجاة نجاة الفرد من ٔالاذى ؤالالم ‪ ،‬وإنما املقصود نجاة الجماعة والفكرة‬
‫‪N‬ي ال‪*w‬اية‪ ،‬وأما ‪N‬ي ٓالاخرة فإن صورة النجاة نعيم مقيم وجنة عرضها السماوات ؤالارض‪،‬‬
‫ف‪*j‬ا ما ال ع>ن رأت وال أذن سمت وال خطر ع‪C‬ى قلب بشر‪.‬‬

‫القاعدة الثانية‬
‫ً‬
‫واحدا خ>‪ x‬لك من ُح ُمر ﱠ‬ ‫ً‬
‫النعم (‬ ‫) ألن ‪*+‬دي ﷲ بك رجال‬
‫ع‪C‬ي بن أبي طالب ر‪ ‹ºÛ‬ﷲ عنه عندما أعطاﻩ الراية يوم خي‪xy‬‬ ‫هذا ما أخ‪ xy‬به رسول ﷲ  ﱠ‬
‫‪ ،‬فقال ﱡ‬
‫ع‪C‬ي ‪ :‬عالم أقاتل الناس‪ ،‬نقاتلهم ح‪ HI‬يكونوا مثلنا ؟ فقال‪ " :‬ع‪C‬ى رسلك ح‪ HI‬ت‪ÌÞ‬ل‬
‫ً‬
‫بساح‪*¥‬م ثم ادعهم إ"ى ٕالاسالم‪ ،‬وأخ‪xy‬هم بما يجب عل‪*j‬م‪ ،‬فوﷲ ألن ‪*+‬دي ﷲ بك رجال‬
‫ً‬
‫واحدا خ>‪ x‬لك من ُح ُمر ﱠ‬
‫النعم" )‪.(22‬‬

‫;‪.$ < = 1524/3 67! 89 :‬‬ ‫)‪(20‬‬


‫?> !‪.133/1 $7 67‬‬ ‫= <‬ ‫)‪(21‬‬
‫;‪.111/6 (   >5 )  : 89 :‬‬ ‫)‪(22‬‬

‫‪11‬‬
‫وذلك ألن هدي ﷲ هو الهدى‪ ،‬وأنه ليس بعد الهدى إال الضالل‪ ،‬وعندما يوفق ﷲ تعا"ى‬
‫داعية من دعاة ٕالاسالم في·‹ء له من يقبل دعوته فإن نتائج هذا القبول عظيمة جليلة ‪،‬‬
‫نذكر م‪*w‬ا‪:‬‬
‫استنقاذا لهذا املهتدي من النار‪ ،‬وصيانة له من سع>‪x‬ها ولظاها‪ ،‬وما ُ‬ ‫ً‬
‫صرف‬ ‫أ‪ -‬أن ‪N‬ي ذلك‬
‫عنه من النار إنما كان ـ بعد فضل ﷲ ـ بجهد الداعية وعنايته ‪ .‬واستبدال مقام خالد ‪N‬ي‬
‫النار بمقام خالد ‪N‬ي الجنة أمر ال يدانيه ‪‹ºà‬ء من أصناف املعروف ‪ ،‬وال تصل إليه رتبة من‬
‫ﱡ‬
‫رتب ٕالاحسان والجود‪ ،‬فالداعية يقدم الجنة هدية للناس من حوله‪ ،‬ويدلهم ع‪C‬ى مقامات‬
‫السعادة‪ ،‬وأي أجر ُيكتب للداعية عند ربه إال ٔالاجر الذي يليق بجالل املعطي سبحانه‬
‫ويتناسب مع قدر العطية؟‬
‫ب‪ -‬أن كل حركة وسكنة يتحركها املهتدي ‪ ،‬وكل تسبيحه أو تكب>‪x‬ة ينطقها وكل ركعة‬
‫وسجدة يفعلها وكل إحسان ُيجريه ﷲ ع‪C‬ى يديه‪ ،‬فإنما كان الداعية سبب كل ذلك وطريقه‬
‫الدال عليه‪ .‬وإن له مثل أجر فاعله لقول الن´‹  ‪ " :‬الدال ع‪C‬ى الخ>‪ x‬كفاعله" )‪ ،(23‬ولقوله‬
‫ً‬
‫أيضا ‪ " :‬من ﱠ‬
‫سن ‪N‬ي ٕالاسالم سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل ‪*o‬ا بعدﻩ من غ>‪ x‬أن‬ ‫‬
‫ينقص من أجورهم ‪‹ºà‬ء")‪.(24‬‬
‫ً‬
‫وهذا باب من ٔالاجر ال ُيغلق‪ ،‬وهو يتنامى يوما بعد يوم‪ .‬وإن ُجهد أبي بكر الصديق‪ ،‬وبالل ‪،‬‬
‫عمار ‪ ،‬وخديجة ‪ ،‬وأسماء ‪ ،‬وغ>‪x‬هم وغ>‪x‬هن‪ ،‬إنما هو أساس ‪N‬ي إقبال كل إنسان ع‪C‬ى ﷲ‬
‫تعا"ى إ"ى قيام الساعة‪ .‬وإن جهد املصطفى  هو مبدأ كل جهد طيب بذله مسلم أو يبذله‪.‬‬
‫ولرسول ﷲ  ـ بعد ﷲ تعا"ى ـ ِم ﱠنة واي ِم ﱠنة ‪N‬ي عنق كل مسلم‪.‬‬
‫ﱡ‬ ‫ً‬
‫ويضم جهدﻩ‬ ‫ج‪ -‬أن من ‪*+‬تدي ع‪C‬ى يد الداعية يكون عونا للداعية ع‪C‬ى أداء رسالته‪،‬‬
‫إلىجهد الداعية‪ .‬وهكذا فإن الدعوة ال تتكاثر إال عن طريق الدعوة وال تتقوى إال بالعناصر‬
‫الجديدة الرافدة‪ .‬وما تغ>‪ x‬حال املسلم>ن من السر إ"ى العلن غال يوم أن دخل عمر وحمزة ‪N‬ي‬
‫دين ﷲ‪ .‬وما تغ>‪ x‬حالهم من الجماعة إ"ى املجتمع إال يوتم أن دخل ٔالانصار ‪N‬ي دين ﷲ‬
‫تعا"ى‪.‬‬

‫?> !‪ 346/5 C 5129 <  4; /$ . 1406/3 C 1893 <  !@ A B 67‬‬ ‫)‪(23‬‬
‫ !  < ‪.43/5 C 2674‬‬
‫?> !‪.2060/4 C 2674 <  704/2 C 1017 < 67‬‬ ‫)‪(24‬‬

‫‪12‬‬
‫د‪ .‬وأن الهداية أسلوب من أساليب النصر املادي‪ ،‬ولكنه ال يتحقق ‪N‬ي معركة ذات جرح‬
‫وقرح وال عن طريق السيف والسهم وإنما عن طريق  ادع إ"ى سبيل ربك بالحكمة‬
‫واملوعظة الحسنة وجادلهم بال‪] ‹I‬ي أحسن )‪.(25‬‬
‫ُ‬
‫هـ‪ -‬وأن من ‪*+‬ديه ﷲ ع‪C‬ى يديك أ‪*+‬ا الداعية إنما هو لبنة نزعت من بناء الجاهلية ووضعت‬
‫‪N‬ي بناء ٕالاسالم‪ ،‬وسيكون هذا ع‪C‬ى حساب الكفر والضالل‪ ،‬وهو خسارة للشيطان وأعوانه‪،‬‬
‫وكسب للرحمن وأنصارﻩ‪ .‬و‪N‬ي كل مرة ‪*+‬تدي ف‪*j‬ا من ‪*+‬تدي فإنما يسقط ركن من أركان‬
‫الجاهلية‪ .‬وهكذا كان أمر الجاهلية ‪N‬ي مكة‪ ،‬ففي كل صباح لهم حديث ‪ ،‬الكفار يتكلمون‬
‫عن الصابئ>ن املفارق>ن الخارج>ن ‪ ،‬واملسلمون يفرحون باملهتدين املؤمن>ن وكأني ببناء الكفر‬
‫يتصدع كل يوم ويفقد من بنائه ما يفتح الثغرة تلو الثغرة فيه‪.‬‬

‫القاعدة الثالثة‬
‫ٔالاجر يقع بمجرد الدعوة وال يتوقف ع‪f‬ى الاستجابة‬
‫ً‬
‫أ‪ -‬وهذﻩ القاعدة تعالج خطأ شائعا عند كث>‪x‬ين ‪ ،‬وهو أن ٔالاجر ي™‪x‬تب ع‪C‬ى النتيجة الدنيوية‬
‫الظاهرية‪ .‬مش©*>ن ذلك باألعمال الدنيوية ال‪ُ ‹I‬ينظر ف‪*j‬ا إ"ى النتائج املحسوسة‪ .‬ولو كان ٔالامر‬
‫ً‬
‫‪N‬ي الدعوة كذلك لكان كث>‪ x‬من أنبياء ﷲ ـ صلوات ﷲ عل‪*j‬م ـ محكوما عليه باإلخفاق ‪،‬‬
‫وحاشا أنبياء ﷲ أن يوصفوا ‪*o‬ذا ‪ ،‬رغم قلة املؤمن>ن بدعوž*م ‪ .‬فهذا نوح عليه السالم‬
‫ً‬ ‫ً‬
‫يدعو قومه ويمكث ف‪*j‬م ألف سنة إال خمس>ن عاما‪ .‬قال ﷲ تعا"ى ‪  :‬ولقد أرسلنا نوحا إ"ى‬
‫ً‬
‫قومه فلبث ف‪*j‬م ألف سنة إال خمس>ن عاما فأخذهم الطوفان وهم ظاملون )‪ (26‬وظاهر‬
‫سياق ٓالاية ـ كما يقول ابن كث>‪ x‬ـ أنه مكث ‪N‬ي قومه يدعوهم إ"ى ﷲ ألف سنة إال خمس>ن‬
‫ً‬
‫عاما)‪.(27‬‬

‫  ‪.125  : 1?$‬‬ ‫)‪(25‬‬


‫  ‪.14 : 
B$D‬‬ ‫)‪(26‬‬
‫ ‪.413/5 EB /‬‬ ‫)‪(27‬‬

‫‪13‬‬
‫ورغم هذا املكث الطويل فإنه لم يؤمن من قومه إال قليل ‪ ،‬قال تعا"ى ‪  :‬ح‪ HI‬إذا جاء‬
‫أمرنا وفار التنور قلنا احمل ف‪*j‬ا من كل زوج>ن اثن>ن وأهلك إال من سبق عليه القول ومن‬
‫آمن وما آمن معه إال قليل )‪.(28‬‬
‫ً‬
‫ويالحظ الاستثناء ‪N‬ي ٓالاية بعد قوله ‪ ) :‬ومن آمن ( ح‪ HI‬ال ُيفهم بأن عدد املؤمن>ن كان كب>‪x‬ا‬
‫قال ‪ ) :‬وما آمن معه إال قليل (‪.‬‬
‫وكذلك أمر أك¨‪ٔ x‬الانبياء فإ‪*°‬م يحشرون يوم القيامة ‪ ،‬ومع بعضهم الواحد والاثنان والثالثة‬
‫‪ ،‬وبعضهم ال يكون معه أحد من املؤمن>ن‪ .‬أخرج ال™‪x‬مذي من طريق ابن عباس ر‪ ‹ºÛ‬ﷲ‬
‫ع‪*w‬ما قال ‪ " :‬ملا أسري بالن´‹  جعل يمر بالن´‹ والنبي>ن ومعهم القوم‪ ،‬والن´‹ والنبي>ن‬
‫ومعهم الرهط ‪ ،‬والن´‹ والنبي>ن وليس معهم أحد" )‪.(29‬‬
‫ً‬
‫ولذلك فقد وجه ﷲ تعا"ى رسول محمدا  إ"ى هذا املع‪ H¢‬عندما أمرﻩ بالدعوة والتبليغ ولم‬
‫ً‬
‫يطالبه بالنتيجة ‪ ،‬فقال ‪  :‬فإن أعرضوا فما أرسلناك عل‪*j‬م حفيظا إن عليك إال‬
‫البالغ)‪ .(30‬وقال ‪  :‬فهل ع‪C‬ى الرسل إال البالغ املب>ن  )‪.(31‬‬
‫وقال ‪  :‬وما ع‪C‬ى الرسول إال البالغ املب>ن  )‪.(32‬‬
‫فأمر الهداية بيد ﷲ تعا"ى ‪ ،‬وهو القائل ‪  :‬إنك ال ž*دي من أحببت ولكن ﷲ ‪*+‬دي من‬
‫يشاء  )‪.(33‬‬
‫ب‪-‬ومن فقه هذﻩ القاعدة أن الداعية ال يقع تحت ٕالاحباط والضغوط النفسية الناشئة‬
‫عن إعراض الناس وعدم استجاب‪*¥‬م‪ .‬ولقد رفع ﷲ تبارك وتعا"ى الحرج عن نبيه  ولم‬
‫يكلفه إال بما يستطيع ‪ ،‬فقال ‪  :‬ليس عليك هداهم  )‪ (34‬وقال له ‪  :‬فلعلك باخع نفسك‬
‫ع‪C‬ى آثارهم إن لم يؤمنوا ‪*o‬ذا الحديث أسفا  )‪ .(35‬وقال ‪ :‬فال تذهب نفسك عل‪*j‬م‬

‫  &  ‪.40 :‬‬ ‫)‪(28‬‬


‫?> ‪.‬‬ ‫;‪/? G? : 1 F 631/4  !  89 :‬‬ ‫)‪(29‬‬
‫  = ‪.48 :  H‬‬ ‫)‪(30‬‬
‫  ‪.35 :  1?$‬‬ ‫)‪(31‬‬
‫  ‪.54 :  $‬‬ ‫)‪(32‬‬
‫   ‪.56 :  C‬‬ ‫)‪(33‬‬
‫     ‪.272 :‬‬ ‫)‪(34‬‬
‫  ‪.6 :  ,IB‬‬ ‫)‪(35‬‬

‫‪14‬‬
‫حسرات)‪ .(36‬وقل ‪  :‬وال تحزن عل‪*j‬م  )‪ .(37‬و‪N‬ي هذﻩ ٓالايات تسلية لرسول ﷲ  حيث‬
‫كان الحريص ع‪C‬ى إيصال الخ>‪ x‬والهداية إل‪*j‬م ولك‪*w‬م عموا ّ‬
‫وصموا‪.‬‬
‫والقلب الرحيم يتقطع عندما يرى الناس ي‪*¥‬افتون ‪N‬ي النار ž*افت الفراش ‪ ،‬وكذلك كان‬
‫ً‬ ‫حال رسول ﷲ  فجاء التوجيه الرباني ‪ ) :‬فلعلك باخع نفسك؟!( أي مهلكها ً‬
‫أ‪ HºÒ‬وأسفا‬
‫ً‬ ‫ً‬
‫عل‪*j‬م أل‪*°‬م لم يؤمنوا بالقرآن الكريم‪ .‬قال قتادة ) لعلك قاتل نفسك غضبا وحزنا عل‪*j‬م ؟!‬
‫ً‬
‫وقال مجاهد ‪ :‬جزعا واملع‪ H¢‬متقارب ‪ ،‬أي ال تأسف عل‪*j‬م بل أبلغهم رسالة ﷲ ‪ ،‬فمن‬
‫اهتدى فلنفسه‪ ،‬ومن ضل فإنما يضل عل‪*j‬اﻩ ( )‪.(38‬‬
‫وكذلك ُرفع هذا الحرج عن الدعاة من أمة محمد  إن لم ‪*+‬تد الناس ولم يستجيبوا لهم‬
‫ً‬
‫بعد استنفاد غاية الجهد معهم؛ ألن ﷲ ال يكلف نفسا إال وسعها ‪.‬‬
‫ج‪-‬و‪N‬ي هذﻩ القاعدة عالج ألولئك املتعجل>ن من الدعاة الذين ينتظرون النتائج الدنيوية‬
‫ً‬
‫الظاهرة‪ ،‬ويجعلو‪*°‬ا شرطا للمواصلة والس>‪N x‬ي طريق الدعوة‪ .‬وهذا التالزم إنما هو سوء‬
‫فهم من جهة‪،‬ومخالفة صريحة لقواعد الدعوة ‪N‬ي القرآن والسنة من جهة أخرى‪.‬‬
‫ولقد أكد القرآن الكريم عدم التالزم ب>ن الدعوة والاستجابة‪ ،‬فقد يبذل الداعية قصارى‬
‫جهدﻩ‪ ،‬وال يجد من املدعو سوى الاعراض ‪ ،‬وقد جعل القرآن الكريم ب>ن الدعوة‬
‫والاستجابة مرحلة وسيطة يبدو أ‪*°‬ا ضرورية ‪ ،‬و]ي مقت‪ HºÁ‬قوله تعا"ى ‪  :‬ح‪ HI‬إذا‬
‫ُ‬ ‫استيأس ُ‬
‫الرسل )‪ .(39‬و]ي مرحلة  وظنوا أ‪*°‬م قد كذبوا والوصول إ"ى هذﻩ املرحلة‬
‫وسيط ب>ن الدعوة وب>ن املرحلة الثالثةجاءهم نصرنا ‪.‬‬
‫قال ابن كث>‪ " : x‬يذكر تعا"ى أن نصرﻩ ي‪ÌÞ‬ل ع‪C‬ى رسله صلوات ﷲ وسالمه عل‪*j‬م أجمع>ن‬
‫عند ضيق الحال وانتظار الفرج من ﷲ ‪N‬ي أحوج ٔالاوقات غليه ‪ ،‬كقوله تعا"ى ‪ :‬وزلزلوا‬
‫ح‪ HI‬يقول الرسلو والذين آمنوا معه م‪ HI‬نصر ﷲ )‪.(40‬‬
‫ظن الرسل أنفسهم ‪،‬‬ ‫وقد فهمت عائشة ر‪ ‹ºÛ‬ﷲ ع‪*w‬ا أن هذا الظن إنما هو ظن ٔالاتباع ال ﱡ‬
‫وذلك عندما قال لها عروة ‪ :‬فقد استيقنوا أن قومهم كذبوهم فما هو بالظن ‪ ،‬قالت‪ :‬أجل‪،‬‬
‫ُ‬
‫لعمري ‪ ،‬لقد استيقنوا بذلك ‪ ،‬فقلت لها ‪ :‬وظنوا أ‪*°‬م قد كذبوا؟ قالت ‪ :‬معاذ ﷲ لم تكن‬

‫  ‪.8 :  J 5‬‬ ‫)‪(36‬‬


‫  ‪. 127 :  1?$‬‬ ‫)‪(37‬‬
‫ ‪.367/4 EB /‬‬ ‫)‪(38‬‬
‫  ‪.110 :  ,‬‬ ‫)‪(39‬‬
‫ ‪.160/4 EB /‬‬ ‫)‪(40‬‬

‫‪15‬‬
‫الرسل تظن ذلك بر‪*o‬ا ‪ .‬قلت فما هذﻩ ٓالاية؟ قالت ‪ :‬هم أتباع الرسل الذين آمنوا بر‪*o‬م‬
‫وصدقوهم‪ ،‬فطال عل‪*j‬م البالء‪ ،‬واستأخر ع‪*w‬م النصر ‪،‬ح‪ HI‬إذا استيأس الرسل ممن‬
‫كذ‪*o‬م من قومهم وظنوا أن أتباعهم قد كذبوهم جاءهم نصر ﷲ عند ذلك)‪ .(41‬وذلك بناء‬
‫ُ‬
‫ع‪C‬ى قراءة عائشة ر‪ ‹ºÛ‬ﷲ ع‪*w‬ا بتشديد )كذبوا( فيكون الفاعل ٔالاتباع ال الرسل)‪ .(42‬وهو‬
‫توجيه يليق بمقام الرسل الكرام‪ .‬وإذا جعلنا الضم>‪ x‬للرسل كان ظ‪*w‬م حينئذ أن قومهم قد‬
‫كذبوهم‪ .‬وال مانع من الجمع ب>ن املكذب>ن من أقوام الرسل وب>ن املتعجل>ن الظان>ن باهلل ظن‬
‫السوء ‪.‬‬
‫د‪-‬وال يع‪ H¢‬هذا أن الداعية غ>‪ x‬مطالب ببذل قصارى جهدﻩ‪ ،‬واستخدام أحسن ما يستطيع‬
‫من ٔالاساليب والوسائل‪ ،‬وهذا ما سنذكرﻩ ‪N‬ي قاعدﻩ البالغ التالية‪.‬‬

‫القاعدة الرابعة‬
‫ُ ّ‬
‫ع‪f‬ى الداعية أن يصل إى رتبة امل َب ِلغ وأن يس‪q‬ى إى البالغ‬
‫ليس أمر الدعوة إ"ى ﷲ بأقل من أمر الدعوة أو الدعاية إ"ى سلعة دنيوية ‪ .‬ونحن ع‪C‬ى يق>ن‬
‫ً‬
‫أن صاحب البضاعة يستخدم أقوى الوسائل وأوسعها انتشارا من أجل إيصال الجمهور إ"ى‬
‫درجة القناعة ببضاعته ‪ ،‬ونراﻩ ‪N‬ي سبيل ذلك يستخدم الكلمة والصورة والهدية وغ>‪ x‬ذلك‬
‫من الوسائل ‪.‬‬
‫وقد جعل ﷲ تعا"ى مهمة رسله وأنبيائه البالغ ‪ ،‬فقال ‪  :‬فهل ع‪C‬ى الرسل إ"ى البالغ‬
‫املب>ن)‪ .(43‬ووصف البالغ بأنه املب>ن‪ .‬وقال تعا"ى‪  : :‬الذين ُيبلغون رساالت ﷲ‬
‫ويخشونه)‪.(44‬‬
‫وعند إعراض الناس عن ٕالايمان كان يأتي التأكيد ع‪C‬ى وصول ٔالانبياء إ"ى رتبة البالغ‪ ،‬قال‬
‫تعا"ى ‪  :‬فتو"ى ع‪*w‬م وقال يا قوم لقد أبلغتكم رسالة ربي )‪.(45‬‬

‫ ‪.61)60/4 EB /‬‬ ‫)‪(41‬‬


‫‪.16/2
K  L9 /- ,=B‬‬ ‫)‪(42‬‬
‫  ‪.35 :  1?$‬‬ ‫)‪(43‬‬
‫  ‪.39 :  A?.‬‬ ‫)‪(44‬‬
‫  ‪.79 :  , -.‬‬ ‫)‪(45‬‬

‫‪16‬‬
‫َ‬
‫وكلمة َبل َغ ‪ :‬تع‪ ‹¢‬وصل أو قارب ع‪C‬ى الوصول‪ ،‬يقول ابن فارس ‪ " :‬الباء والالم والغ>ن أصل‬
‫واحد ) أي مع‪ H¢‬واحد( ‪ ،‬وهو الوصول إ"ى ال‪‹ºÜ‬ء تقول ‪ :‬بلغت املكان إذا وصلت إليه" )‪، (46‬‬
‫ُ‬
‫ويقول ‪ " :‬وكذلك البالغة ال‪ ‹I‬يمدح ‪*o‬ا الفصيح اللسان ألن َيبلغ ‪*o‬ا ما يريدﻩ")‪.(47‬‬
‫ُ ْ‬
‫سمع ال بل ُغ ‪،‬‬ ‫وقال ٔالازهري ‪ " :‬والعرب تقول للخ‪ xy‬يبلغ أحدهم وال يحققونه‪ ،‬وهو يسوءهم ‪:‬‬
‫ً‬ ‫ً‬
‫أي نسمعه وال يبلغنا‪ ،‬ويجوز ‪ :‬سمعا ال بلغا " )‪.(48‬‬
‫وهذا دليل ع‪C‬ى أن استعمال كلمة البالغ إنما كان ملا ف‪*j‬ا من طبيعة الوصول والان‪*¥‬اء‪.‬‬
‫ً‬
‫ب‪ -‬وال معذرة للداعية إذا صر ‪N‬ي البالغ ولقد نبه ﷲ تبارك وتعا"ى نبيه محمدا  إ"ى مثل‬
‫ُ‬ ‫ً‬
‫هذا قائال ‪  :‬يا أ‪*+‬ا الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته وﷲ‬
‫يعصمك من الناس إن ﷲ ال ‪*+‬دي القوم الكافرين )‪.(49‬‬
‫ً‬
‫قال القرط´‹ ‪ " :‬وهذا تأديب للن´‹  وتأديب لحملة العلم من أمته أال يكتموا شيئا من‬
‫شريعته")‪ .(50‬وليس املقصود بالبالغ مجرد ٕالاخبار أو ٕالاعالن‪ ،‬إنما املراد أن تصل رسالته‬
‫للناس‪.‬‬
‫ج‪-‬ومن مقتضيات البالغ أن ي‪è‬ي الداعية ما ُيبلغه ‪ ،‬ألنه ال تبليغ بال و‪µ‬ي‪ ،‬ويستفاد هذا من‬
‫ﱠ‬ ‫ً‬ ‫قوله  ‪َ " :‬ن ﱠ‬
‫وفر ﱠب حامل فقه إ"ى من‬ ‫وبلغها‪َ ،‬‬ ‫ض َر ﷲ امرءا سمع مقال‪ ‹I‬فوعاها وحفظها‬
‫َ‬
‫هو أفقه منه ‪ ،‬ثالث ال ُيغ ّل عل‪*j‬ن قلب مسلم ‪ :‬إخالص العمل هلل ‪ ،‬ومناصحة أئمة‬
‫املسلم>ن ‪ ،‬ولزوم جماع‪*¥‬م ‪ ،‬فإن الدعوة تحيط من وراءهم")‪.(51‬‬
‫ضر ﷲ معناﻩ الدعاء له بالنضارة و]ي النعمة‬ ‫قال الخطابي ‪N‬ي شرحهه لهذا الحديث ‪َ " :‬ن ﱠ‬
‫ُّ‬ ‫ُّ‬
‫والبهجة" )‪ .(52‬وهذﻩ النضارة من آثار التبليغ ع‪C‬ى امل ِبلغ فامل َب ِلغون أصحاب الوجوﻩ الناضرة‬
‫‪N‬ي الدنيا وٓالاخرة‪.‬‬

‫!‪.301/1 M7 # ! 69D‬‬ ‫)‪(46‬‬


‫! ‪.302/1 8$ N9‬‬ ‫)‪(47‬‬
‫‪.140/8 M7 A I‬‬ ‫)‪(48‬‬
‫  ! ‪.66 :  O‬‬ ‫)‪(49‬‬
‫  ‪.242/6 4J‬‬ ‫)‪(50‬‬
‫;‪6 !@ 89 :; 1015/2 84/1 P B 9 ! / 89 :; 34/5 -
 /!  !  89 :‬‬ ‫)‪(51‬‬
‫;?! !‪.24 :!! 45 4!  89 :; 183/5 82 80/4 225/3 437/1
 - /‬‬
‫!‪.187/4 /$ 6 D‬‬ ‫)‪(52‬‬

‫‪17‬‬
‫)‪(53‬‬
‫واستفاد الخطابي من هذا الحديث كراهة اختصار الحديث ملن ليس باملتنا]ي بالفقه‬
‫وع‪C‬ى هذا فإن الو‪µ‬ي يكون بحفظ النص وأدائه كما قيل‪ .‬ويكون للفقيه بمحافظته ع‪C‬ى‬
‫املعاني املستفادة‪ ،‬وي™‪x‬تب ع‪C‬ى هذا الحديث كل ما يتعلق بالرواية والدراية من العلوم‬
‫والتفاصيل‪.‬‬
‫د‪ -‬ومن مقتضيات البالغ البالغة‪.‬‬
‫ً‬ ‫ً ً‬
‫والبالغة ‪N‬ي تفس>‪ x‬قوله تعا"ى ‪  :‬وقل لهم ‪N‬ي أنفسهم قوال بليغا  )‪ :(54‬أن يكون كالما حسن‬
‫ً‬
‫ٔالالفاظ حسن املعاني مشتمال ع‪C‬ى ال™‪x‬غيب وال™‪x‬هيب والتحذير وٕالانذار والثواب والعقاب‪،‬‬
‫ً‬ ‫ُ‬
‫فإن الكالم إذا كان هكذا َعظم وقعه ‪N‬ي القلب ‪ ،‬وإذا كان مختصرا ركيك ٔالالفاظ ركيك‬
‫املع‪ ،H¢‬لم يؤثر البتة ‪N‬ي القلب)‪.(55‬‬
‫ُ‬ ‫ّ‬
‫وقال ‪N‬ي اللسان ‪ :‬رجل بليغ ‪ :‬حسن الكالم فصيحه ‪ُ ،‬ي َب ِلغ بعبارة لسانه ك ْنه ما ‪N‬ي قلبه)‪.(56‬‬
‫وليست البالغة ‪N‬ي صعوبة ٔالالفاظ ؤالاساليب ‪ ،‬والبحث عن وح‪ ‹ºÜ‬الكالم وغريبه‪.‬‬
‫ُّ‬
‫وبناء عليه فإن ع‪C‬ى امل ِبلغ أن يعلم من لغة العرب وأسالي©*م ما يعينه ع‪C‬ى البالغ‪.‬‬
‫ً‬ ‫ً‬
‫ومقت‪ HºÁ‬هذا بحثواطالع ‪ ،‬واعتناء باللغة العربية‪ :‬علما وقراءة وكتابة ومحادثة‪ ،‬ونظرا ‪N‬ي‬
‫ً‬ ‫ً‬
‫أدب العرب ن¨‪x‬ا وشعرا ‪ ،‬و‪N‬ي نظم القرآن مب‪ H¢‬ومعن‪ .‬والدعاة اليوم هم أحوج ما يكونون‬
‫لهذا وال ُيعذرون بالقصور فيه‪.‬‬
‫هـ‪ -‬ولقد جاء القرآن بتأكيد الفصاحة وسالمة النطق‪.‬‬
‫وذلك عندما قال ﷲ تعا"ى ع‪C‬ى لسان مو‪ HºÒ‬عليه السالم‪ :‬واحلل عقدة من لساني يفقهو‬
‫قو"ي)‪ .(57‬فقد علم مو‪ HºÒ‬عليه السالم أن سالمة النطق وفصاحته من أسباب البالغ‬
‫وإقامة الحجة‪ ،‬قال الرازي ‪ " :‬اختلفوا ‪N‬ي أنه عليه السالم ِل َم طلب حل تلك العقدة ع‪C‬ى‬
‫وجوﻩ" ‪.‬‬
‫أحدها ‪ :‬لئال يقع ‪N‬ي أداء رسالته خلل البتة‪.‬‬

‫!  ‪.187/4 8$‬‬ ‫)‪(53‬‬


‫  ‪.67  K $‬‬ ‫)‪(54‬‬
‫   ‪.159/10‬‬ ‫)‪(55‬‬
‫ ‪.302/10 A D /‬‬ ‫)‪(56‬‬
‫  ‪.27 :  8J‬‬ ‫)‪(57‬‬

‫‪18‬‬
‫وثان‪*j‬ا ‪ :‬إلزالة التنف>‪x‬؛ ألن العقدة ‪N‬ي اللسان قد تف‪ ‹ºÁ‬إ"ى الاستخفاف بالقائل وعدم‬
‫الالتفات إليه)‪.(58‬‬
‫ثم قال ورابعها ‪ :‬طلب السهولة ألن إيراد مثل هذﻩ الكالم ع‪C‬ى مثل فرعون ‪N‬ي ج‪xy‬وته ِوك ْ‪xy‬ﻩ‬
‫َ‬ ‫ً‬
‫َع ِس ﱡر جدا ‪ ،‬فإذا انضم إليه ت ﱡعقد اللسان بلغ العسر إ"ى ال‪*w‬اية‪ ،‬فسأل ربه إزالة تلك‬
‫ً‬ ‫ً‬
‫العقدة تخفيفا وتسهيال)‪.(59‬‬
‫عود نفسه ع‪C‬ى النطق الصحيح‪ ،‬وإذا كانت‬ ‫ُ ّ‬
‫ويستفاد من هذﻩ القاعدة أن ع‪C‬ى الداعية أن ي ِ‬
‫‪N‬ي لسانه عقدة فليستعن بمن يفصح عنه ‪ ،‬ويساعدﻩ ‪N‬ي مهمته‪ ،‬وذلك كي يصل بدعوته إ"ى‬
‫درجة البالغ والبيان‪ ،‬وهذا ما سال مو‪ HºÒ‬عليه السالم ربه سبحانه‪  :‬وأ‪é‬ي هارون هو‬
‫والر ْد ُء ‪:‬اسم ما يستعان به ‪ .‬قال الرازي‬
‫)‪ّ (60‬‬ ‫ً ُ‬ ‫ً‬ ‫ُ‬
‫أفصح م‪ ‹¢‬لسانا فأرسله م‪è‬ي ردءا يصدق‪ِ . ‹¢‬‬
‫‪N‬ي تفس>‪ x‬هذﻩ ٓالاية ‪ ) :‬ليس الغرض بتصديق هارون أن يقول له صدقت أو يقول للناس‪:‬‬
‫صدق مو‪ ،HºÒ‬وإنما هو أن يلخص بلسانه الفصيح وجوﻩ الدالئل ويجيب عن الش©*ات‬
‫ُ‬
‫أفصح‬ ‫ويجادل به الكفار‪ ،‬فهذا هو التصديق املفيد‪ ،‬أال ترى إ"ى قوله‪  :‬وأ‪é‬ي هارون هو‬
‫ً‬
‫م‪ ‹¢‬لسانا فأرسله م‪è‬ي وفائدة الفصاحة تظهر فيما ذكرناﻩ ال ‪N‬ي مجرد قوله ‪ :‬صدقت( )‪.(61‬‬
‫و‪ -‬ومما يساعد الداعية ع‪C‬ى البيان والبالغ وجود إخوانه معه إ"ى جانبه ‪ ،‬فإن وجودهم‬
‫يشد من عضدﻩ ويلقي ‪N‬ي روعه الطمأنينة من جهة ‪ ،‬ومن جهة أخرى فإن وقع ذلك ع‪C‬ى‬
‫ً‬ ‫ً‬ ‫ً‬
‫املدعوين كب>‪ .x‬إذ عندما يرى املدعوون أن الداعية ليس وحيدا وأن معه أنصارا وأعوانا‬
‫فإ‪*°‬م يالحظون أثر الدعوة ‪N‬ي الناس ويحملهم هذا ع‪C‬ى إمعان الفكر ‪N‬ي هذﻩ الدعوة‪.‬‬
‫ﱡ‬ ‫ً‬
‫قال تعا"ى مخاطبا مو‪ HºÒ‬عليه السالم‪  :‬سنشد عضدك بأخيك)‪ (62‬وقال ع‪C‬ى لسان‬
‫اشد ْد به أزري وأشركه ‪N‬ي أمري)‪(63‬‬ ‫أيضا  واجعل "ي وزي ًرا من أه‪C‬ي هارون أ‪é‬ي ُ‬ ‫ً‬
‫مو‪HºÒ‬‬
‫قال الرازي ‪N‬ي تفس>‪x‬ﻩ لهذﻩ ٓالاية ‪ " :‬واعلم أن طلب الوزير إما أن يكون ألنه خاف من نفسه‬
‫ُ‬
‫العجز عن القيام بذلك ٔالامر فطلب املع>ن ‪ ،‬أو ألنه رأى أن للتعاون ع‪C‬ى الدين والتظاهر‬
‫الود وزوال ال‪*¥‬مة مزية عظيمة ‪N‬ي أمر الدعاء إ"ى ﷲ‪ .‬ولذلك قال عي»‪Hº‬‬ ‫عليه مع مخالصة ّ‬
‫ِ‬

‫   ‪.48/22‬‬ ‫)‪(58‬‬


‫!  ‪.8$‬‬ ‫)‪(59‬‬
‫   ‪.34 :  C‬‬ ‫)‪(60‬‬
‫   ‪.249/24‬‬ ‫)‪(61‬‬
‫   ‪.35 :  C‬‬ ‫)‪(62‬‬
‫  ‪.30 :  8J‬‬ ‫)‪(63‬‬

‫‪19‬‬
‫عليه السالم‪  :‬قال ‪ :‬من أنصاري إ"ى ﷲ ؟ قال الحواريون ‪ :‬نحن أنصار ﷲ  وقال‬
‫ملحمد‬
‫حسبك ﷲ ومن اتبعك من املؤمن>ن)‪.(64‬‬
‫ز‪ -‬ولكي يصل الداعية إ"ى درجة البالغ فعليه أن يستعمل الوسائل الكاشفة عن مرادﻩ‬
‫ُ‬ ‫ُ ّ‬
‫قربة لدعوته ‪ ،‬وهذا ما يعرف بوسائل ٕالايضاح‪ ،‬والوسائل املعينة‪ .‬وع‪C‬ى الداعية أن‬ ‫امل ِ‬
‫يخاطب الناس بالصورة والفيلم والخارطة والرسم البياني واملقطع التوضي‪ê‬ي والرحلة‬
‫الهادفة والقصة واملثل والقسيدة ومخلوقات ﷲ تعا"ى وعجيب صنعه‪.‬‬
‫الن´‹  يستخدم وسيلة ٕالايضاح‪:‬‬
‫بج َمار)‪ (65‬فقال‬‫أخرج البخاري عن ابن عمر ـ ر‪ ‹ºÛ‬ﷲ ع‪*w‬ما ـ قال ‪ " :‬كنا عند الن´‹  فأتى ُ‬
‫َُ‬
‫‪ :‬إن ‪N‬ي الشجر شجرة َمثلها كمثل املسلم‪ ،‬فأردت أن أقول‪] :‬ي النخلة فإذا أنا أصغر القوم ‪،‬‬
‫فسكت ‪ ،‬فقال الن´‹  ‪] :‬ي النخلة )‪.(66‬‬‫ُ‬
‫فالن´‹  سأل عن شجرة يش©*ها املسلم وتش©*ه وكان عند السؤال يأكل من ّ‬
‫الجمار‪ .‬قال‬
‫الجمار إليه فهم ابن عمر أن املسؤول عنه‬‫ابن حجر‪ " :‬ملا ذكر الن´‹  املسألة عند إحضار ّ‬
‫النخلة")‪.(67‬‬
‫إبراهيم عليه السالم يستخدم وسائل ٕالايضاح‪:‬‬
‫والقرآن الكريم يقص علينا كيف كان إبراهيم عليه الصالة والسالم يستخدم هذﻩ الوسائل‬
‫املعينة عندما أراد أن يدعو قومه إ"ى عبادة ﷲ ويصرفهم عن عبادة النجوم والكواكب‪ .‬قال‬
‫فلما أفل قال ال ُأ ﱡ‬
‫حب ٓالافل>ن*‬
‫ً‬
‫كوكبا قال هذا ربي ﱠ‬ ‫ُ‬
‫الليل رأى‬ ‫جن عليه‬‫ﷲ تعا"ى‪  :‬فلما ﱠ‬
‫ﱠ َ‬ ‫ً‬
‫ﱠ‬
‫ألكونن من القوم‬ ‫فلما أفل قال ‪ :‬ل‪í‬ن لم ‪*+‬دني ربي‬ ‫فلما رأى القمر بازعا قال هذا رّبي‬ ‫ﱠ‬
‫فلما رأى الشمس بازغة قال ‪ :‬هذا ربي هذا أك‪ xy‬ملا أفلت قال يا قوم إني بريء مما‬ ‫الضال>ن ﱠ‬ ‫ﱠ‬
‫ً‬ ‫َ‬ ‫ُتشركون* إني ﱠ‬
‫وج·‹ للذي فطر السماوات ؤالارض حنيفا ومآ أنا من املشرك>ن)‪.(68‬‬ ‫وجهت‬
‫وهذا أسلوب فيه الت‪ÌÞ‬ل مع املدعو والتدرج معه ح‪ HI‬يتوصل إ"ى إبطال ُم ّدعاﻩ وإقامة‬
‫الحجة عليه‪.‬‬

‫   ‪.48/22‬‬ ‫)‪(64‬‬


‫‪.AJ 7? 8DJ A7 /! 7:$ #; 45 !  !Q 9‬‬
‫‪R‬‬ ‫)‪(65‬‬
‫;‪.  >5 N! 165/1  : 89 :‬‬ ‫)‪(66‬‬
‫‪.165/1   >5‬‬ ‫)‪(67‬‬
‫  ‪.79)76 :
 6 D$.‬‬ ‫)‪(68‬‬

‫‪20‬‬
‫ومعاذ ﷲ أن يكون هذا هو معتقد إبراهيم عليه السالم‪ .‬قال الرازي ‪N‬ي تفس>‪x‬ﻩ‪ ":‬إن هذﻩ‬
‫الواقعة إنما حصلت بسبب مناظرة إبراهيم عليه السالم مع قومه‪ ،‬والدليل عليه أن ﷲ‬
‫تعا"ى ملا ذكر هذﻩ القصة قال ‪ :‬وتلك ُح ﱠجتنا آتيناها إبراهيم ع‪C‬ى قومه ولم يقل ع‪C‬ى‬
‫نفسه‪ ،‬فعلم أن هذﻩ املباحثة إنما جرت مع قومه ألجل أن يرشدهم إ"ى ٕالايمان‬
‫والتوحيد")‪.(69‬‬
‫وأما قوله ‪ :‬هذا ربي فمعناﻩ ع‪C‬ى زعمكم واعتقادكم وذلك كقول مو‪ HºÒ‬عليه السالم‬
‫ً‬
‫للسامري‪  :‬وانظر إ"ى إلهك الذي ظلت عليه عاكفا)‪ .(70‬فإن مو‪ HºÒ‬عليه السالم لم يقرﻩ‬
‫ع‪C‬ى مدعاﻩ وإنما حكى زعمه وادعاءﻩ‪ .‬وكذلك قول ﷲ تعا"ى ويوم يناد‪*+‬م فيقول أين‬
‫شركائي)‪ .(71‬فالشركاء هنا ع‪C‬ى حد زعم املشرك>ن وادعا•*م‪ .‬و‪*o‬ذا يكون إبراهيم عليه‬
‫السالم قد دحض عقيدž*م ‪N‬ي عبادة الحوادث واملتغ>‪x‬ات‪ ،‬وأثبت عقيدته ‪N‬ي عبادة الواحد‬
‫البا‪ï‬ي‪ ،‬الذي ال يع™‪x‬يه النقص والتغ>‪.x‬‬
‫ومثال آخر جاء ‪N‬ي قوله تعا"ى‪:‬وإن من شيعته إلبراهيم* إذ جاء ربه بقلب سليم* إذ قال‬
‫أئفكا آلهة دون ﷲ تريدون* فما ﱡ‬ ‫ً‬
‫ظنكم برب العامل>ن* فنظر نظرة‬ ‫ألبيه وقومه ماذا تعبدون*‬
‫‪N‬ي النجوم* فقال إني سقيم* فتولوا عنه مدبرين* فراغ إ"ى آله‪*¥‬م فقال أال تأكلون* ما لكم‬
‫ً‬
‫ال تنطقون* فراغ عل‪*j‬م ضربا باليم>ن)‪.(72‬‬
‫ً‬ ‫ً‬
‫وقال تعا"ى ‪ :‬فجعلهم ُجذاذا إال كب>‪x‬ا لهم لعلهم إليه يرجعون* قالوا من فعل هذا بآلهتنا‬
‫إنه ملن الظامل>ن* قالوا سعنا ف‪ HI‬يذكرهم يقال له إبراهيم* قالوا فأتوا به ع‪C‬ى أع>ن الناس‬
‫لعلهم يشهدون* قالوا أأنت فعلت هذا بآلهتنا يا إبراهيم* قال بل فعله كب>‪x‬هم هذا‬
‫فاسألوهم إن كانوا ينطقون)‪.(73‬‬
‫ً‬
‫ونالحظ أن إبراهيم عليه السالم استخدم أسلوبا من أسالي©*م عندما يمرضون‪ ،‬وهو املكث‬
‫ً‬ ‫ً‬ ‫ً‬
‫عند ٔالاصنام طلبا للشفاء‪ ،‬ونراﻩ يحطم ٔالاصنام إال صنما كب>‪x‬ا ‪ ،‬لعلهم إليه يرجعون‪ ،‬ثم‬
‫ً‬
‫نراﻩ ينسب الفعل لهذا الكب>‪ ،x‬وتأكيدا لهذا فقد جعل الفأس ‪N‬ي رأسه‪ ،‬وهذا كله جعلهم‬
‫يقولون ‪:‬فرجعوا إ"ى أنفسهم فقالوا إنكم أنتم الظاملون* ثم نكسوا ع‪C‬ى رءوسهم لقد‬

‫   ‪.48/13‬‬ ‫)‪(69‬‬


‫  ‪.97 : 8J‬‬ ‫)‪(70‬‬
‫   ‪.62 :  C‬‬ ‫)‪(71‬‬
‫   ‪.91)83 :

5‬‬ ‫)‪(72‬‬
‫  ‪.63)58 :
 K $.‬‬ ‫)‪(73‬‬

‫‪21‬‬
‫علمت ما هؤالء ينطقون )‪ .(74‬و‪*o‬ذا فقد حكم املشركون ع‪C‬ى أنفسهم بالجهل والغباء‪.‬‬
‫ً‬
‫وقرروا عجز آله‪*¥‬م عن حماية نفسها إو إجراء الخ>‪ x‬والضر لها فضال عن تقديمه لغ>‪x‬ها‪.‬‬
‫ح‪-‬وللوصول إ"ى رتبة البالغ فإنه البد من تقليب ٔالاساليب وتنوعها فما ال يصل بالجهر قد‬
‫يصل بالسر‪ ،‬وما ال يصل ‪N‬ي الليل قد يصل ‪N‬ي ال‪*w‬ار‪ ،‬وما ال يستقر ‪N‬ي القلوب مع إنشغالها‬
‫قد يستقر ف‪*j‬ا عند فراغها‪ ،‬وما ال يؤثر ‪N‬ي الصحيح قد يؤثر ‪N‬ي املريض‪ .‬و‪N‬ي سورة نوح‬
‫تطبيق كامل لهذا املبدأ ولهذا القاعدة قال ﷲ تعا"ى ع‪C‬ى لسان نوح ‪:‬قال رب إني دعوت‬
‫ً‬ ‫ً‬ ‫ً‬
‫قومي ليال و‪*°‬ارا * فلم يزدهم دعائي إال قرارا* وإني كلما دعوž*م لتغفر لهم جعلوا أصابعهم‬
‫ً‬ ‫ً‬
‫‪N‬ي آذا‪*°‬م واستغشوا ثيا‪*o‬م وأصروا واستك‪xy‬وا استكبارا* ثم إني دعوž*م جهارا* ثم إني‬
‫ً‬ ‫ً‬
‫أعلنت لهم وأسررت لهم إسرارا* فقلت استغفروا رﱠبكم إنه كان غفارا)‪ .(75‬قال القرط´‹‪":‬‬
‫كل هذا مبالغة ‪N‬ي الدعاء وتلطف باالستدعاء")‪.(76‬‬
‫وقال ابن كث>‪ ": x‬نوع عل‪*j‬م الدعوة لتكون أنجح")‪ .(77‬فدعاهم بالليل حيث السكون الدا‪µ‬ي‬
‫إ"ى حسن الاستماع‪ ،‬وحيث النجوم الدالة ع‪C‬ى خالقها ومنش‪*ò‬ا‪ .‬ودعاهم بال‪*w‬ار حيث العمل‬
‫واللقاء واملحاورة واملناظرة‪ .‬وكان شأ‪*°‬م التنكر له عندما يدعوهم‪ ،‬ولكنه لم يتنكر لهم‪ ،‬بل‬
‫وتلفعوا بثيا‪*o‬م‪ ،‬فصاح‬‫واصل دعوž*م ‪ ،‬وأمعنوا ‪N‬ي التنكر فوضعوا أصابعهم ‪N‬ي آذا‪*°‬م‪ ،‬ﱠ‬
‫ً‬
‫بأع‪C‬ى صوته كي يصل إ"ى أسماعهم‪ ،‬وملا ألقوا بأسماعهم أسر لهم إسرارا‪ .‬قال القرط´‹‪" :‬‬
‫وأسررت لهم ‪ :‬أتي‪*¥‬م ‪N‬ي منازلهم ")‪ .(78‬وهذﻩ التفاتة جيدة من القرط´‹‪ ،‬إذ أن الذهاب‬
‫ً‬
‫باملدعو بعيدا عن أع>ن الناس أبلغ ي التأث>‪x‬ن ‪N‬ي ح>ن أن اللقاء مع املدعو أمام أع>ن الناس‬
‫ً‬
‫قد يسبب حرجا له‪ ،‬باإلضافة إ"ى أنه ينبه أعداء ٕالاسالم الذين يضربون هذﻩ العالقة‬
‫بمجرد معرف‪*¥‬م ‪*o‬ذﻩ الصلة ويحذرون املدعو‪ ،‬ويكون هذا قبل أن نتمكن الفكرة ‪N‬ي نفس‬
‫املدعو‪ ،‬فيؤدي ذلك إ"ى عدم الاستجابة أو يؤخرها‪.‬‬
‫ط‪-‬وللوصول إ"ى رتبة البالغ فإن ع‪C‬ى الداعية أن يخاطب املدعوين بالل>ن ال بالغلظة‬
‫والشدة والل>ن تلطف باملدعو ورفق به‪ ،‬وتخ>‪ x‬ألحب ٔالاسماء إليه‪ ،‬وأقرب ٔالاساليب إ"ى قلبه‪.‬‬

‫  ‪.65)64 :
 K $.‬‬ ‫)‪(74‬‬
‫  ‪.10)5
 <$‬‬ ‫)‪(75‬‬
‫  ‪.301/18 4J‬‬ ‫)‪(76‬‬
‫ ‪.124/7 EB /‬‬ ‫)‪(77‬‬
‫  ‪.300/18 4J‬‬ ‫)‪(78‬‬

‫‪22‬‬
‫وليس الل>ن ‪N‬ي التساهل ‪N‬ي أحكام الشرع وال ‪N‬ي مجاراة أهل الباطل ع‪C‬ى باطلهم وال ‪N‬ي‬
‫السكوت ع‪C‬ى املنكرات‪ .‬فاملؤمن ع‪C‬ى كل حال ال يخ‪ HºÜ‬إال ﷲ وال يرجو إال ثوابه‪.‬‬
‫وإذا كان ﷲ تعا"ى قد أمر مو‪ HºÒ‬بأن يدعو فرعون بالل>ن‪ ،‬فمن باب أو"ى أن يكون الل>ن‬
‫ً ً‬
‫شعار كل دعوة‪ .‬قال تعا"ى‪:‬اذهبا إ"ى فرعون إنه ط‪ó‬ى* فقوال له قوال لينا لعله يتذكر أو‬
‫يخ‪ .(79)HºÜ‬وأمر ﷲ نبيه  بأن يدعو بالحكمة واملوعظة الحسنة‪.‬‬
‫ً‬
‫والل>ن قطع من الشدة وأقدر ع‪C‬ى إيصال الكالم إ"ى القلوب‪ .‬وكث>‪x‬ا ما يجد الداعية العقبات‬
‫‪N‬ي طريقه بسبب كلمة قالها أو تصرف أساء فيه للمدعوين‪.‬‬
‫والدعوة بالحكمة واملوعظة الحسنة تجعل املدعو يقف مباشرة أمام الدعوة‪N ،‬ي ح>ن أن‬
‫الغلظة تجعل املدعو ‪N‬ي حجاب عن الدعوة‪ .‬وكما يضع أعداء ٕالاسالم العقبات ‪N‬ي طريق‬
‫ً‬
‫الدعوة‪ ،‬فقد يضع املسلم ـ وهو ال يعلم ـ عقبات أيضا‪N ،‬ي طريقها‪ ،‬سب©*ا سوء صنيعه‬
‫وضجرﻩ وسأمه وقصر نظرﻩ وضيق صدرﻩ‪ .‬والداعية الناجح هو الذي ال يفقد صوابه واتزانه‬
‫مهما كانت الظروف‪.‬‬
‫يقول الرازي‪" :‬واعلم أن الدعوة إ"ى املذهب واملقالة البد أن تكون مبنية ع‪C‬ى حجة وبينة‪،‬‬
‫واملقصود من ذكر الحجة إما تقرير ذلك املذهب أو ذلك الاعتقاد ‪N‬ي قلوب املستمع>ن‪ ،‬وإما‬
‫أن يكون املقصود إلزام الخصم وإفحامه")‪.(80‬‬
‫والدعاة إ"ى ﷲ يبتغون إيصال الحق والهدي إ"ى قلوب الخلق وليسوا ‪N‬ي حلبة مصارعة‬
‫يبتغون الظفر ع‪C‬ى خصومهم‪ ،‬ويريدون إثبات تفوقهم ‪N‬ي الحجة والدليل‪ .‬ويذهب الرازي إ"ى‬
‫أ‪ ،‬الدعوة بالحكمة واملوعظة الحسنة ]ي ال‪ ‹I‬تؤدي إ"ى كسب ٔالانصار ‪ ،‬بينما تبقى املجادلة‬
‫بال‪] ‹I‬ي أحسن إلقامة الحجة ع‪C‬ى الخصونم‪ .‬فقال ‪ ) :‬ومن لطائف هذﻩ ٓالاية أنه قال‬
‫‪:‬ادع إ"ى سبيل ربك بالحكمة واملوعة الحسنة  فقصر الدعوة ع‪C‬ى ذكر هذين القسم>ن‬
‫‪ ..‬أما الجدل فليس من باب الدعوة بل املقصود منه غرض آخر مغاير للدعوة وهو ٕالالزام‬
‫وٕالافحام‪ .‬فلهذا السبب لم يقل‪ :‬ادع إ"ى سبيل ربك بالحكمة واملوعظة الحسنة والجدل‬
‫ً‬
‫ٔالاحسن‪ ،‬بل قطع الجدل عن باب الدعوة تنب‪*j‬ا ع‪C‬ى أنه ال يحصل الدعوة وإنما الغرض‬
‫منه ‪‹ºà‬ء آخر)‪.(81‬‬

‫  ‪.44)43 : /  8J‬‬ ‫)‪(79‬‬


‫   ‪.138/20‬‬ ‫)‪(80‬‬
‫!  ‪.140)139/20 8$‬‬ ‫)‪(81‬‬

‫‪23‬‬
‫القاعدة الخامسة‬
‫ع‪f‬ى الداعية أن يقدم الجهد البشري وهو يطلب املدد الرباني‬
‫شاء ﷲ تبارك وتعا"ى أن تعمل هذﻩ الدعوة بالوسائل البشرية‪ .‬والداعية الحق هو الذي‬
‫يستطيع أن يوظف عالم ٔالاسباب من أجل دعوته‪ ،‬وهذا رسول ﷲ يواصل ليله ب‪*w‬ارﻩ‬
‫ً‬ ‫ً‬
‫آخذا باألسباب ومستخدما ألساليب عصرﻩ املتاحة ولم يقل ‪ :‬بما أنه يو«ى إ"ي فإن "ي‬
‫طريقة أخرى ‪N‬ي التماس النظر‪ .‬وإننا لنجد ‪N‬ي تفاصيل س>‪x‬ته  تطبيقات واسعة لهذا‬
‫املبدأ‪ .‬ويوم أن خالف بعض الصحابة أمر الن´‹ وقصروا ‪N‬ي ٔالاخذ باألسباب كانت تلك‬
‫النتيجة املفجعة ‪N‬ي معركة أحد رغم أن الرسول  ب>ن ظهران‪*j‬م‪ ،‬والو«ي يت‪ÌÞ‬ل عليه‪.‬‬
‫ً‬
‫و‪N‬ي قول ﷲ تعا"ى‪ :‬ال يكلف ﷲ نفسا إال وسعها)‪ .(82‬بيان شاف لهذا املبدأ‪ ،‬والتكليف هو‬
‫والج ﱠدة‪ ،‬قال القرط´‹‪" :‬‬
‫ٔالامر بما يشق عليه‪ .‬والتكليف هنا مرتبط بالوسع الذي هو الطاقة ِ‬
‫نص ﷲ تعا"ى ع‪C‬ى أنه ال يكلف العباد من وقت نزول ٓالاية عبادة من أعمال القلب أو‬
‫الجوارح إال و]ي ‪N‬ي وسع املكلف و‪N‬ي مقت‪ HºÁ‬إدراكه وبنيته‪ ،‬و‪N‬ي هذا انكشفت الكربة عن‬
‫املسلم>ن ‪N‬ي تأويلهم أمر الخواطر")‪ (83‬أي لم يكلفهم ﷲ بما ‪N‬ي خواطر النفوس وخلجات‬
‫القلوب‪.‬‬
‫فهم خطأ ‪:‬‬
‫والناس اليوم يفهمون هذﻩ ٓالاية ع‪C‬ى أن الوسع هو أدنى ما يستطيعه املرء ولذلك فإن هذا‬
‫الوسع متقلب متغ>‪ x‬حسب الدوافع‪ .‬فقد يد‪µ‬ي املسلم أنه ال يجد سوى ساعة من فراغ‪،‬‬
‫ً‬ ‫ً‬ ‫ً‬
‫قائال ‪ :‬ال يكلف ﷲ نفسا إال وسعها‪ ،‬ثم يزيد هذا الجهد إ"ى ساعت>ن قائال‪ :‬ال يكلف ﷲ‬
‫ً‬ ‫ً‬
‫نفسا إال وسعها‪ ،‬ثم نجد وقته يتسع لثالث ساعات من العمل فيقول ‪ :‬ال يكلف ﷲ نفسا‬
‫إال وسعها‪.‬‬
‫وهذا التقلب والتغ>‪N x‬ي ظرف واحد وزمان واحد دليل ع‪C‬ى أن الادعاء ٔالاول لم يكن‬
‫ً‬
‫صحيحا ‪ ،‬وأنه لم يبذل وسعة ‪N‬ي ّ‬
‫املرة ٔالاو"ى والثانية والثالثة‪.‬‬

‫    ‪.286  :‬‬ ‫)‪(82‬‬


‫  ‪.429/3 4J‬‬ ‫)‪(83‬‬

‫‪24‬‬
‫ونظرة إ"ى الشكل أعالﻩ تب>ن أن الكؤوس أ ‪ ،‬ب ‪ ،‬ج وإن تفاوت ‪N‬ي مقدار سع‪*¥‬ا من املاء إال‬
‫أن الكأس ) د( هو الذي استو‪N‬ى وسعه وطاقته ‪ .‬والدعاة ‪N‬ي فهمهم لهذﻩ ٓالاية كهذﻩ‬
‫ً‬
‫الكؤوس‪ ،‬ير‪ HºÛ‬أحدهم بتقديم ال‪ÌÞ‬ر القليل ثم يطالب بالنتائج الكبار ‪ ،‬علما بأن مهمة‬
‫الدعوة كب>‪x‬ة واسعة‪ .‬وما ين™‪x‬ﻩ العالم من الدعاة كب>‪ x‬كاتساع دعوž*م‪ .‬هذا مع العلم بأن‬
‫التعامل هو مع الحكيم الخب>‪ x‬الذي يعلم مقدورات النفوس‪.‬‬
‫ونحن ال نن»‪ Hº‬أن الناس متفاوتون ‪N‬ي أصل املقدرة والجهد وأن مساحات نفوسهم متفاوتة‬
‫ً‬
‫كذلك‪ ،‬ولكن املطلوب أن تصل هذﻩ النفس إ"ى أك‪ xy‬عطاء لها وأن يكون جهدها م™‪Ì‬ايدا‬
‫ً‬ ‫ً‬ ‫ً‬
‫متصاعدا كل يوم‪ ،‬وإن قدرا كب>‪x‬ا من طاقة العامل>ن والدعاة محكوم عليه بالهدر والضياع‬
‫إن لم ُيستغل ‪N‬ي سبيل الحق والدعوة‪ .‬وإن ك¨‪x‬ة العامل>ن الذين يقدمون بعض ما‬
‫ً‬
‫يستطيعون يعيقون الس>‪ x‬وتزدحم ‪*o‬م الطرق‪ ،‬تماما كالعربات ال‪ ‹I‬تمأل الطريق ‪N‬ي الوقت‬
‫الذي ال تحمل من وسعها سوى ال‪‹ºÜ‬ء القليل‪.‬‬
‫إن ﷲ تعا"ى خلق هذا ٕالانسان وجعل ‪N‬ي وسعه الكث>‪ x‬الكث>‪ ،x‬ونحن ‪N‬ي هذﻩ الحياة نقرأ عن‬
‫ً‬
‫بعض املنحرف>ن ومدم‪ٕ ‹¢‬الاجرام‪ ،‬أ‪*°‬م يبذلون جهدا ‪N‬ي سبيل انحرافهم وإجرامهم ما‬
‫ً‬
‫يجعلهم يواصلون الليل وال‪*w‬ار‪ ،‬ويقطعون شاسع املسافات‪ ،‬ويعانون ضروبا من التحمل‬
‫والص‪ xy‬ما يح>‪ٔ x‬الالباب‪ ،‬ويبذلون من ٔالاموا‪ ،‬ويركبون من ٔالاهوال واملخاطر ما يث>‪ x‬العجب‬
‫العجاب‪ .‬والذي يستطيع فعل الشر فإنه يستطيع فعل الخ>‪ ،x‬ومن يركب املصاعب‬
‫ؤالاهوال ‪N‬ي سبيل الباطل فإنه قادر ع‪C‬ى ذلك ‪N‬ي سبيل الحق والخ>‪.x‬‬

‫الصحابة يلƒ‚مون بمعيار الوسع‪:‬‬


‫وعندما نقرأ س>‪ٔ x‬الاول>ن من ٔالاصحاب ـ رضوان ﷲ عل‪*j‬م ـ نرى أن أك¨‪x‬هم قد مات خارج‬
‫بلدﻩ‪ .‬فهذا " أبو أيوب ٔالانصاري " يرقد عند أسوار القسطنطينية‪ ،‬وهذﻩ " أم حرام بنت‬
‫ملحان" ترقد ‪N‬ي جزيرة ق‪xy‬ص‪ ،‬وهذا " عقبة بن عامر " يرقد ‪N‬ي مصر ‪ ،‬وهذا " بالل " يرقد ‪N‬ي‬
‫دمشق‪ .‬وهكذا فقد اندفع هؤالء ٔالاصحاب ‪N‬ي أصقاع ٔالارض يرفعون راية ٕالاسالم ويبذلون‬
‫ً‬
‫الغا"ي والنفيس ‪N‬ي سبيله‪ ،‬وهذا من منطلق إيما‪*°‬م بقول ﷲ تعا"ى‪ :‬ال ُيكلف ﷲ نفسا إ"ى‬
‫وسعها ونراهم بعد غزوة أحد ال يلبثون ح‪ HI‬يجيبوا دا‪µ‬ي ﷲ فيلحقوا باملشرك>ن" فقال‬
‫ً‬
‫أسيد بن حض>‪ x‬وبه سبع جراحات يريد أن يداو‪*+‬ا‪ :‬سمعا وطاعة هلل ولرسوله‪ .‬وأخذ سالحه‬
‫ً‬
‫ولم يعرج ع‪C‬ى دواء‪ ،‬ولحق برسول ﷲ ‪ .‬وخرج من ب‪ ‹¢‬سلمة أربعون جريحا‪ :‬بالطفيل ابن‬

‫‪25‬‬
‫ّ‬ ‫ً‬
‫الصمة عشر جراحات")‪.(84‬وكان ذلك ‪N‬ي غزوة حمراء‬ ‫النعمان ثالثة عشر جرحا وبخراش بن‬
‫ٔالاسد‪ .‬وهذا خ>‪ x‬دليل ع‪C‬ى أن ٕالارادة القوية تبذل من الجهد ما يتحدى املصاعب وٓالاالم‪.‬‬
‫وأن ٕالارادة الضعيفة عاجزة ح‪ HI‬مع وجود الوسائل وٕالامكانيات‪.‬‬
‫ولقد ذكر ﷲ هؤالء ٔالاصحاب ‪N‬ي قرآن ُيت‪C‬ى حيث قال ‪ :‬الذين استجابوا هلل والرسول من‬
‫أجر عظيم)‪.(85‬‬ ‫بعد ما أصا‪*o‬م القرح للذين أحسنوا م‪*w‬م واتقوا ُ‬
‫الاستطاعة وٕالارادة‪:‬‬
‫والجدير بالذكر أن الاستطاعة ف‪*j‬ا جانب إرادي نف»‪ ‹º‬يدفع إل‪*j‬ا‪ ،‬ويعمل ع‪C‬ى تحقيقها بإذن‬
‫ﷲ تعا"ى‪ .‬وإذا انعدم هذا الجانب فإن املرء يصاب بالعجز‪ .‬ومن هنا فإن الن´‹  علمنا‬
‫بأن ندعو ﷲ قائل>ن‪ " :‬اللهم إني أعوذ بك من الهم والحزن وأعوذ بك من العجز والكسل‪،‬‬
‫ً‬
‫وأعوذ بك من الج‪y‬ن والبخل‪ ،‬وأعوذ بك من غلبة الدين وقهر الرجال")‪ .(86‬وقال أيضا‪" :‬‬
‫للمؤمن القوي خ>‪ x‬وأحب إ"ى ﷲ من املؤمن الضعيف و‪N‬ي كل خ>‪ ،x‬احرص ع‪C‬ى ما ينفعك‬
‫واستعن باهلل وال تعجز")‪ .(87‬وإن الشعور بالعجز وعدم الاستطاعة الذي ي™‪x‬دد ع‪C‬ى ألسنة‬
‫الدعاة ـ وقد يفعلون ذلك ويقولونه من باب التواضع ـ ليعمل ع‪C‬ى هدر الطاقات ٕالاسالمية‬
‫وتأخ>‪ x‬ركب الدعوة‪.‬‬
‫وما لم يزج الداعية نفسه ‪N‬ي غمار دعوته بدون خوف من الفشل‪ ،‬غ>‪ x‬عابئ بما يوجه له‬
‫من النقد‪ ،‬فإنه لن يتقدم ولن يصل إ"ى دفة التوجيه والتغي>‪.x‬‬
‫حدود الوسع ومعيارﻩ‪:‬‬
‫وقد يسأل سائل ‪ :‬وما حدود الوسع والطاقة؟‬
‫والجواب ع‪C‬ى ذلك تضمنته ٓالايات القرآنية الكريمة التالية‪:‬‬
‫والذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا ‪N‬ي سبيل ﷲ والذين آووا ونصروا أولئك هم املؤمنون‬
‫ً‬
‫حقا)‪.(88‬‬
‫الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا ‪N‬ي سبيل ﷲ بأموالهم وأنفسهم أعظم درجة عند ﷲ)‪.(89‬‬

‫‪.167/1 S !. S !T‬‬ ‫)‪(84‬‬


‫  ‪.172 :  / !- 10‬‬ ‫)‪(85‬‬
‫;‪)49 B  A  45 67! 89 :; 231/3 !?; 89 :;
 - /! L  97/8  : 89 :‬‬ ‫)‪(86‬‬
‫‪.51‬‬
‫;‪.370 366/2 $! 45 !?; 31/1 89 ! / 2052/4 67! 89 :‬‬ ‫)‪(87‬‬
‫  ‪.74 :  1 $.‬‬ ‫)‪(88‬‬

‫‪26‬‬
‫إنما املؤمنون الذين آمنوا باهلل ورسوله ثم لم يرتابوا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم ‪N‬ي سبيل‬
‫ﷲ)‪.(90‬‬
‫ُ‬
‫يا أ‪*+‬ا الذين آمنوا هل ُأدلكم ع‪C‬ى تجارة تنجيكم من عذاب أليم* تؤمنون باهلل ورسوله‬
‫وتجاهدون ‪N‬ي سبيل ﷲ بأموالكم وأنفسكم)‪.(91‬‬
‫ً‬ ‫ً‬
‫انفروا خفافا وثقاال وجاهدا بأموالكم وأنفسكم ‪N‬ي سبيل ﷲ)‪.(92‬‬
‫ً‬ ‫ً‬
‫ومع‪ H¢‬قوله تعا"ى ‪ :‬انفروا خفافا وثقاال أي سواء كنتم ع‪C‬ى الصفة ال‪ ‹I‬يخف عليكم‬
‫الجهاد‪ ،‬أو ع‪C‬ى الصفة ال‪ ‹I‬يثقل ‪ ،‬وهذا الوصف يدخل تحته أقسام كث>‪x‬ة‪:‬‬
‫ً‬ ‫ً‬
‫فاألو"ى‪ :‬خفافا ‪N‬ي النفور لنشاطكم ‪ ،‬وثقاال عنه ملشقته عليكم‪.‬‬
‫ً‬ ‫ً‬
‫والثاني‪ :‬خفافا لقلة عيالكم وثقاال لك¨‪*žx‬م‪.‬‬
‫ً‬ ‫ً‬
‫والثالث ‪ :‬خفافا من السالح وثقاال منه‪.‬‬
‫ً‬
‫والرابع ‪ :‬ركبانا ومشاة‪.‬‬
‫ً‬ ‫ً‬
‫والخامس ‪ :‬شبابا وشيوخا‪.‬‬
‫ً‬
‫والسادس ‪ :‬مهازيل وسمانا‪.‬‬
‫ً‬
‫والسابع ‪ :‬صحاحا ومر‪.HºÛ‬‬
‫والصحيح ما ذكرناﻩ إذ الكل داخل فيه‪ ،‬ألن الوصف املذكور وصف ك‪C‬ي)‪.(93‬‬
‫وقد فهم كث>‪ x‬من الصحابة والتابع>ن هذﻩ ٓالاية ع‪C‬ى إطالقها‪ ،‬قال مجاهد ‪ :‬إن ابا أيوب‬
‫ً‬
‫شهد بدرا مع رسول ﷲ ولم يتخلف عن غزوات املسلم>ن‪ .‬ويقول ‪ :‬قال ﷲ ‪ :‬انفروا‬
‫ً‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫ً‬
‫خفافا وثقاال  فال أجدني إال خفيفا أو ثقيال‪.‬‬
‫ً‬ ‫ً‬
‫وعن صفوان بن عمرو قال ‪ :‬كنت واليا ع‪C‬ى حمص فلقيت شيخا قد سقط حاجباﻩ من‬
‫أهل دمشق ع‪C‬ى راحلته يريد الغزو‪ .‬قلت ‪ :‬يا عم؛ أنت معذور عند ﷲ‪ ،‬فرفع حاجبيه وقال‬
‫ً‬ ‫ً‬
‫‪ :‬يا ابن أ‪é‬ي‪ ،‬استنفرنا ﷲ خفافا وثقاال‪ ،‬أال إن من أحبه ﷲ ابتالﻩ‪.‬‬
‫وعن الزهري ‪ :‬خرج سعيد بن املسيب إ"ى الغزوة وقد ذهبت إحدى عينيه ‪ ،‬فقيل له ‪ :‬إنك‬
‫عليل صاحب ضرر ‪ ،‬فقال ‪ :‬استنفر ﷲ الخفيف والثقيل‪ ،‬فإن عجزت عن الجهاد ُ‬
‫ك¨‪x‬ت‬

‫    ‪.20 :‬‬ ‫)‪(89‬‬


‫  ?‪.15 : 
 9‬‬ ‫)‪(90‬‬
‫   ‪.11)10  ,‬‬ ‫)‪(91‬‬
‫    ‪.41‬‬ ‫)‪(92‬‬
‫   ‪.70/16‬‬ ‫)‪(93‬‬

‫‪27‬‬
‫السواد‪ ،‬وحفظت املتاع‪ .‬وقيل للمقداد بن ٔالاسود وهو يريد الغزو‪ :‬أنت معذور ‪ ،‬فقال‪ :‬أنزل‬
‫ً‬ ‫ً‬
‫ﷲ علينا ‪N‬ي سورة براءة‪ :‬انفروا خفافا وثقاال)‪.(94‬‬

‫ُ‬
‫الدعوة نفرة ‪H‬ي سبيل ﷲ‪:‬‬
‫أعم من هذا‪،‬‬‫والنفور ‪N‬ي سبيل ﷲ ال يع‪ ‹¢‬صورة واحدة و]ي صورة القتال‪ ،‬بل هو ّ‬
‫والدعوة إ"ى ﷲ تعا"ى بجميع أشكالها ]ي نفرة ‪N‬ي سبيل ﷲ‪ .‬ولذلك فقد جاء ‪N‬ي سورة‬
‫ُ‬ ‫التوبة نفسها ما يشعر ‪*o‬ذا‪ ،‬وهو قول ﷲ تعا"ى ‪  :‬فلوال َن َ‬
‫فر من ك َل فرقة م‪*w‬م طائفة‬
‫ولينذروا قومهم إذا رجعوا إل‪*j‬م لعلهم يحذرون)‪.(95‬‬ ‫ليتفقهوا ‪N‬ي الدين ُ‬
‫قال الرازي ‪ :‬كان الواجب انقسام أصحاب رسول ﷲ  إ"ى قسم>ن ‪ ،‬أحد القسم>ن‬
‫ينفرون إ"ى الغزو والجهاد‪ ،‬والثاني يكونون مقيم>ن بحضرة الرسول ‪ ،‬فالطائفة النافرة‬
‫إ"ى الغزوة يكونون نائب>ن عن املقيم>ن ‪N‬ي الغزوة‪ ،‬والطائفة املقيمة يكونون نائب>ن عن‬
‫النافرين ‪N‬ي التفقه‪ ،‬و‪*o‬ذا الطريق يتم أمر الدين ‪*o‬ات>ن الطائفت>ن)‪.(96‬‬
‫والن ْف َرة لإلنذار‪.‬‬
‫الن ْف َرة للفقه ﱡ‬
‫ونالحظ ‪N‬ي ٓالاية الربط ب>ن ﱡ‬
‫وبناء عليه فإن املسلم مطالب ببذل قصارى جهدﻩ‪ ،‬ومسؤول عن تكليف نفسه وسعها من‬
‫أجل نصرة هذا ٕالاسالم بصور الجهاد املتنوعة ‪ ،‬وأولها الدعوة بالحكمة واملوعظة الحسنة‪،‬‬
‫ً‬
‫وإذا كان ٕالاسالم ال يطالب الضرير بتقديم ما يستطيعه البص>‪x‬؛ فإن الضرير والبص>‪ x‬كال‬
‫ً‬
‫م‪*w‬ما حسب استطاعته مطالب بتقديم الاستطاعة بمقت‪ٓ HºÁ‬الاية الكريمة‪ :‬انفروا خفافا‬
‫ً‬
‫وثقاال‪.‬‬
‫واملؤمن يعلم بأن كل جهد يبذله ‪N‬ي مجال التقوى فإنما هو جهد يقاس بإمكانياته البشرية‬
‫الضعيفة وال يصل هذا الجهد إ"ى الدرجة ال‪ ‹I‬تليق بجالل ﷲ سبحانه وتعا"ى‪ ،‬ومن هنا‬
‫فهم بعض املفسرين ٓالاية الكريمة‪ :‬اتقوا ﷲ حق تقاته)‪ (97‬ع‪C‬ى أ‪*°‬ا منسوخة بقول ﷲ‬
‫تعا"ى ‪:‬‬

‫   ‪.70/16‬‬ ‫)‪(94‬‬


‫   ‪.122  :‬‬ ‫)‪(95‬‬
‫   ‪.225/16 :‬‬ ‫)‪(96‬‬
‫  ‪.102 : / !- 10‬‬ ‫)‪(97‬‬

‫‪28‬‬
‫فاتقوا ﷲ ما استطعتم)‪ (98‬محتج>ن بما ورد من سبب ال‪ÌÞ‬ول؛ أنه ملا نزلت هذﻩ ٓالاية‬
‫شق ذلك ع‪C‬ى املسلم>ن؛ ألن حق تقاته أن يطاع فال ُيع‪ Hºø‬طرفة ع>ن‪ ،‬وأن ُيشكر فال‬
‫ُيكفر‪ ،‬وأن ُيذكر فال ُين»‪ ،Hº‬والعباد ال طاقة لهم بذلك ‪.‬‬
‫وخ>‪ x‬من النسخ أن ُيقال ـ وﷲ أعلم ـ ‪ :‬هناك معياران للتقوى‪:‬‬
‫معيار يليق باملعبود سبحانه‪.‬‬
‫ومعيار يتناسب مع استطاعة العبد‪ ،‬فهو معيار شخ‪ ‹ºø‬يختلف من شخص إ"ى آخر‪ ،‬ومن‬
‫حال إ"ى حال‪.‬‬
‫وهذا الحدان واملعياران يكون املؤمن بي‪*w‬ما ‪N‬ي صعود باتجاﻩ ما يليق بجالل ﷲ تعا"ى‪ :‬فع‪C‬ى‬
‫ً‬ ‫ً‬
‫املسلم أن يكون يومه خ>‪x‬ا من أمسه‪ .‬وغدﻩ خ>‪x‬ا من يومه‪ .‬وعليه أن يزداد ‪N‬ي مدارج التقوى‬
‫ّ‬ ‫ً‬
‫كلما ازداد علما ‪ ،‬أو حلت به نعمة ‪ ،‬أو تقدم به السن‪.‬‬
‫وإذا أدرك املؤمن هذا املفهوم فإنه يخ‪ HºÜ‬أن ال يكون قد بذل استطاعته‪ ،‬ويحتاط لذلك‬
‫دائما ‪ ،‬فال ير‪ HºÛ‬عن عمله وال عن بذله وال عن جهدﻩ خشية أن يكون قد ﱠ‬ ‫ً‬
‫قصر ‪N‬ي‬
‫املطلوب‪ .‬وهذا شأن املؤمن>ن الذين وصفهم ﷲ تعا"ى بقوله ‪ :‬إن الذين هم من خشية‬
‫ر‪*o‬م مشفقون* والذي¨ن هم بآيات ر‪*o‬م يؤمنون* والذين هم بر‪*o‬م ال يشركون* والذين‬
‫ُيؤتون ما آتوا وقلو‪*o‬م وجلة أ‪*°‬م إ"ى ر‪*o‬م راجعون* أولئك يسارعون ‪N‬ي الخ>‪x‬ات وهم لها‬
‫ً‬
‫وسعا ولدينا ُ‬ ‫ً‬
‫كتاب ينطق بالحق وهم ال يظلمون)‪.(99‬‬ ‫سابقون* وال نكلف نفسا إال‬
‫إشفاق َو َوجل ‪:‬‬
‫وقد ذكرت هذﻩ ٓالايات صفات للمؤمن>ن ‪ :‬م‪*w‬ا ٕالاشفاق والوجل " وٕالاشفاق يتضمن‬
‫الخشية مع زيادة رقة وضعف " )‪ ، (100‬قال الرازي وزاد ‪ " :‬وم‪*w‬م من حمل ٕالاشفاق ع‪C‬ى‬
‫أثرﻩ‪ ،‬وهو الدوام ‪N‬ي الطاعة‪ .‬واملع‪ : H¢‬الذين هم من خشية ر‪*o‬م دائمون ‪N‬ي طاعته‪ ،‬جادون‬
‫‪N‬ي طلب مرضاته‪ ،‬والتحقيق أن من بلغ ‪N‬ي الخشية إ"ى حد ٕالاشفاق ‪ ،‬وهو كمال الشخية‪،‬‬
‫ً‬ ‫ً‬
‫كان ‪N‬ي ‪*°‬اية الخوف من سخط ﷲ عاجال‪ ،‬ومن عقابه آجال‪ ،‬فكان ‪N‬ي ‪*°‬اية الاح™‪x‬از عن‬
‫املعا‪ .(101)"‹ºú‬ومن كان كذلك فإنه يستجيب ألمر ﷲ ‪N‬ي الدعوة إليه والصدع بأمرﻩ و‪*°‬يه‪.‬‬
‫وأما كو‪*°‬م يؤتون ما آتوا وقلو‪*o‬م َو ِجلة‪ " :‬معناﻩ يعطون ما أعطوا‪ ،‬فدخل فيه كل حق يلزم‬
‫  ‪.16:  / M‬‬ ‫)‪(98‬‬
‫  !‪.62)57 :
 /$!U‬‬ ‫)‪(99‬‬
‫   ‪.106/23‬‬ ‫)‪(100‬‬
‫!  ‪.8$‬‬ ‫)‪(101‬‬

‫‪29‬‬
‫وجل من تقص>‪x‬ﻩ وإخالله بنقصان أو غ>‪x‬ﻩ فإنه‬ ‫ُ‬
‫إيتاؤﻩ‪ . .‬ألن من يقدم ع‪C‬ى العبادة وهو ِ‬
‫ً‬
‫يكون ألجل ذلك الوجل مج‪*¥‬دا ‪N‬ي أن يوف‪*j‬ا حقها " )‪.(102‬‬
‫والخوف من التقص>‪ x‬مع كون الخائف يبذل قصارى جهدﻩ ‪N‬ي الاتقاء ‪ ،‬م‪ÌÞ‬لة من منازل‬
‫الو َجل علمهم بأ‪*°‬م إ"ى ر‪*o‬م راجعون‪.‬‬‫الصديق>ن ‪ ،‬وقد ب>ن ﷲ تعا"ى أن سبب هذا َ‬
‫فيا لها من صفات سامية تحمل أصحا‪*o‬ا إ"ى املقامات العلية ‪ ،‬وتجعل نفوسهم نقية من‬
‫الرياء والسمعة ‪ ،‬وتشحذ الهمم إ"ى أحسن العمل‪.‬‬
‫ً‬
‫وبعد هذﻩ التوج‪*j‬ات الدافعة إ"ى رفع الكفاءة واملقدرة تأتي ٓالاية الكريمة‪ :‬وال نكلف نفسا‬
‫إال وسعها ويبدو التكامل ب>ن إعطاء الفرد مسؤولية تقدير الاستطاعة وب>ن ما يعلمه ﷲ‬
‫تعا"ى من حقيقة الاستطاعة ال‪ ‹I‬يراق©*ا ويحاسب عل‪*j‬ا‪ .‬وبلوغ الداعية درجة الخشية‬
‫وٕالاشفاق حافز ع‪C‬ى الصدق ‪N‬ي تقدير الوسع‪.‬‬

‫القاعدة السادسة‬
‫الداعية مرآة دعوته والنموذج املعŒ ع‹Šا‬
‫ال ينفصل الداعية عن دعوته‪ .‬والاق™‪x‬ان ب>ن الداعية والدعوة قائم ‪N‬ي أذهان الناس‪.‬‬
‫والداعية نفسه شهادة للدعوة ‪ ،‬وهذﻩ الشهادة قد تحمل الناس ع‪C‬ى قبل الدعوة ‪ ،‬وقد‬
‫تحملهم ع‪C‬ى ردها ورفضها‪ .‬والذين يتعاملون مع املبادئ مباشرة قلة قليلة ‪N‬ي كل عصر‬
‫ومكان ‪ ،‬وأما أك¨‪ x‬الناس فيتعاملون مع حملة املبادئ والناطق>ن باسمها‪.‬‬
‫ً‬ ‫ً‬
‫وكلما كان املبدأ عظيما وقويا كان ال™‪Ì‬امه أشد ‪ ،‬وكان الوصول فيه إ"ى املطلوب أشق‪.‬‬
‫وٕالاالم فيه من الواجبات والتكاليف ما يجعل املجاهدة ‪N‬ي سبيل بلوغ مقاماته دائمة ال‬
‫تف™‪ ،x‬متصلة ال تنقطع‪.‬‬
‫ً‬
‫وعندما يكون الداعية بعيدا عن الال™‪Ì‬ام بواجبات ٕالاسالم وتكاليفه فإنه يكون فتنة للناس‬
‫يصرفهم بسلوكه عن دين ﷲ‪ ،‬ويقطع الطريق ع‪C‬ى الناس‪ ،‬فمثله كمثل قاطع الطريق‪ ،‬بل‬
‫ً‬
‫هو أسوأ ‪ ،‬وينب‪ó‬ي ع‪C‬ى الداعية أن يدعو دائما بقوله تعا"ى ‪ :‬ربنا ال تجعلنا فتنة للقوم‬
‫ُ‬
‫الظامل>ن)‪ .(103‬وقد ذكر ‪N‬ي تفس>‪ x‬هذﻩ ٓالاية‪ :‬ال تمك‪*w‬م من أن يحملونا بالظلم والقهر ع‪C‬ى أن‬

‫   ‪.107/23‬‬ ‫)‪(102‬‬


‫  ‪.85 :  #$‬‬ ‫)‪(103‬‬

‫‪30‬‬
‫ننصرف عن هذا الدين الحق الذي قبلناﻩ)‪ .(104‬وكذلك فإن الكافرين عندما يتسلطون ع‪C‬ى‬
‫املسلم>ن فإن تسلطهم ش©*ة لهم ‪N‬ي أ‪*°‬م ع‪C‬ى الحق‪ ،‬وأن املسلم>ن ع‪C‬ى الباطل)‪ (105‬فيكون‬
‫تسلطهم ع‪C‬ى املسلم>ن واستضعافهم للمؤمن>ن فتنة تصرف الكافرين عن ٕالايمان‪.‬‬
‫ً‬
‫ُويضم إ"ى هذﻩ املعاني أن يروا سلوك الداعية مخالفا لإلسالم‪ ،‬فيصرفهم هذا السلوك عن‬
‫ٕالايمان‪ ،‬قائل>ن لو كان هذا الدين هو الحق لظهرت أحقيته ع‪C‬ى قسمات أتباعه وتصرفاž*م‪.‬‬
‫نماذج صادقة ‪:‬‬
‫وقد كان أصحاب الن´‹  نماذج صادقة لدعوž*م وإسالمهم ‪ .‬يقول الحسن البصري ‪N‬ي‬
‫صف‪*¥‬م‪ " :‬ظهرت م‪*w‬م عالمات الخ>‪N x‬ي السيماء والسمت والهدى والصدق‪ ،‬وخشونة‬
‫مالبسهم باالقتصاد وممشاهم بالتواضع‪ ،‬ومنطقهم بالعمل‪ .‬ومطعمهم ومشر‪*o‬م بالطيب‬
‫من الرزق‪ ،‬وخضوعهم بالطاعة لر‪*o‬م تعال‪ ،‬واستقادž*م للحق فيما أحبوا وكرهوا‪،‬‬
‫وإعطاؤهم الحق من أنفسهم‪ ،‬ظمئت هواجرهم ونحلت أجسامهم‪ ،‬واستخفوا بسخط‬
‫‪ HºÛ‬للخالق‪ ،‬شغلوا ٔالالسن بالذكر ‪ ،‬بذلوا دماءهم ح>ن استنصرهم‪ ،‬وبذلوا‬ ‫املخلوق>ن ر ً‬
‫أموالهم ح>ن استقرضهم ‪ ،‬حسنت أخالقهم‪ ،‬وهانت مؤن‪*¥‬م")‪.(106‬‬
‫ولقد أعطى الصحابة عن هذا الدين صورة مشرفة للجنس البشري‪ ،‬فثبتوا أمام الابتالء‬
‫واملحن تارك>ن من الرخص ما يمكن أن يكون سبب فتنة لغ>‪ x‬املؤمن>ن‪.‬‬
‫فهذا " عبد ﷲ بن حذافة السهم‹ " صاحب رسول ﷲ  يقع ‪N‬ي أسر الروم ) فقال له‬
‫ُ‬
‫ملك الروم‪ :‬تنصر أشركك ‪N‬ي ملكي‪ ،‬فأبى ‪ ،‬فأمر به فصلب ‪ ،‬ثم أمر برميه بالسهام فلم‬
‫ُ‬ ‫ُ‬ ‫يجزع‪ُ ،‬فأنزل ‪ ،‬وأمر بقدر َف ُ‬
‫صب ف‪*j‬ا املاء‪ ،‬وأغ‪C‬ي عليه وأمر بإلقاء أس>‪ x‬ف‪*j‬ا فإذا عظامه‬
‫تلوح‪ ،‬فأمر بإلقائ إذا لم يتنصر‪ ،‬فلما ذهبوا به بكى‪ ،‬قال‪ :‬ردوﻩ‪ ،‬فقال لم بكيت؟ قال ‪:‬‬
‫ُ‬
‫تمنيت أن "ي مائة نفس‪ ،‬تلقى هكذا ‪N‬ي ﷲ‪ ،‬فعجب ملك الروم( )‪.(107‬‬
‫وعندما رأى سكان البالد املفتوحة صدق هؤالء ٔالاصحاب وثباž*م ع‪C‬ى عقيدž*م‪ ،‬وتمثلهم‬
‫ملنهج دي‪*w‬م‪ ،‬أقبلوا ع‪C‬ى ٕالاسالم‪ .‬قال ابن قيم الجوزية‪ " :‬ولهذا ملا رأى النصارى الصحابة‪،‬‬
‫ً‬ ‫ً‬
‫وما هم عليه‪ ،‬آمن أك¨‪x‬هم اختيارا وطوعا‪ ،‬وقالوا ‪ :‬ما الذين صحبوا املسيح بأفضل من‬
‫ً‬
‫هؤالء"‪ .‬ثم يقول ابن قيم الجوزية‪ " :‬ولقد دعونا‪ ،‬نحن وغ>‪x‬نا كث>‪x‬ا من أهل الكتاب ع‪C‬ى‬
‫   ‪.146/17‬‬ ‫)‪(104‬‬
‫  ‪.370/8 4J‬‬ ‫)‪(105‬‬
‫?‪.150/2 K . 7‬‬ ‫)‪(106‬‬
‫@  ‪.288/2‬‬ ‫)‪(107‬‬

‫‪31‬‬
‫الغسالم فأخ‪xy‬وا أن املانع لهم ما يرون عليه املنسب>ن إ"ى ٕالاسالم"‪ .‬وكالم ابن القيم هذا ‪N‬ي‬
‫القرن الثامن الهجري؛ فكيف لو كان يعيش ‪N‬ي عصرنا هذا‪ ،‬حيث يعطى املسلم صورة‬
‫عكسية لإلسالمة وتعاليمه‪.‬‬
‫ً‬ ‫ً‬
‫والداعية قد يكون معروفا عند الناس وقد يكون مجهوال ‪ .‬فإذا شرع ‪N‬ي الدعوة وكان‬
‫ً‬
‫معروفا باالستقامة والورع فإن كالمه يصل إ"ى مجامع القلوب وكات استقامته وورعه‬
‫تقدمة القبول والحافز عل‪*j‬ا‪.‬‬
‫ً‬
‫وإذا كان الداعية فق>‪x‬ا ‪N‬ي ال™‪Ì‬امه واتباعه فإن كالمه يمر فوق الرؤوس كالسهم الطائش‬
‫الذي ال يصيب الهدف‪.‬‬
‫خ“Œ من القول فاعله‪:‬‬
‫يقول املاوردي ‪N‬ي أدب الدنيا والدين‪ ) :‬وقال ع‪C‬ي بن أبي طالب‪ :‬إنما زند الناس ‪N‬ي طلب‬
‫خ>‪ x‬من القول فاعله‪ ،‬وخ>‪ x‬من‬ ‫العلم ملا يرون من قلة انتفاع َمن َع ِلم بما َع ِلم ‪ . .‬وكان يقال ُ‬
‫حامله‪. .‬‬‫الصواب قائله‪ ،‬وخ>‪ x‬من العلم ُ‬
‫وقال بعض الصلحاء ‪ :‬العلم ‪*+‬تف بالعمل ‪ ،‬فإن أجابه وإال ارتحل‪..‬‬
‫وقال بعض البلغاء‪ ) :‬من تمام العلم استعماله ‪ ،‬من تمام العمل استقالله( )‪ .(108‬وإذا كان‬
‫ً‬ ‫ً‬
‫الداعية مجهوال عند مستمعيه فإن كالمه يبقى معلقا ال هو باملقبول وال هو باملردود ح‪HI‬‬
‫يسألوا عنه‪ ،‬فإن عرفوا منه الاستقامة والابتاع وقع املعلق من كالمه موقع القبول والتأث>‪.x‬‬
‫وإال فإن كالمه يخرج من اعتبارهم‪.‬‬
‫وحياة الداعية الخاصة والعامة موضوع املالحظة ‪ ،‬وع>ن الناس عليه كاملجهر املك‪ ،xy‬وقبل‬
‫أن يطالب الناس ب™‪x‬ك الغيبة فعليه أن يدفع الغيبة وال‪*¥‬مة عن نفسه وأن يصون حياته‬
‫الخاصة والعامة عن كل ما يشي‪*w‬ا‪.‬‬

‫القاعدة السابعة‬
‫خاطبوا الناس ع‪f‬ى قدر عقولهم‬
‫الدعوة إ"ى ﷲ تقوم ع‪C‬ى الحكمة واملوعظة الحسنة‪ .‬وتظهر الحكمة ‪N‬ي معرفة املناسب من‬
‫الدعوة لكل فئة من الناس‪ .‬والداعية الحكيم ال يقول كل ما يعرف لكل من يعرف ‪ .‬وهو‬

‫;‪.V27F L9 /; 82 85 / $ A‬‬ ‫)‪(108‬‬

‫‪32‬‬
‫يتعامل مع العقول حسب مقدرž*ا ال حسب مقدرته ‪ ،‬وال يحملها فوق طاق‪*¥‬ا‪ .‬وقد فهم ابن‬
‫عباس ـ ر‪ ‹ºÛ‬ﷲ ع‪*w‬ما ـ قول ﷲ تعا"ى ولكن كونوا رباني>ن فقال ‪ :‬كونوا حلماء فقهاء‬
‫وقال البخاري ‪ ) :‬ويقال ‪ :‬الرباني الذي يربي الناس بصغار العلم قبل كبارﻩ( )‪.(109‬‬
‫والبدء بصغار العلم مرجعه مراعاة العقول ح‪ HI‬ال تنفر من الدعوة‪ .‬قال ابن حجر‪) :‬واملراد‬
‫دق م‪*w‬ا( )‪ .(110‬ويشهد لهذا ٔالاصل من أصول‬ ‫بصغار العلم ما وضح من مسائله‪ ،‬وبكبا ﻩ ما ّ‬
‫ر‬
‫الدعوة كث>‪ x‬من النصوص نذكر م‪*w‬ا‪:‬‬
‫حديثا ترجم له بقوله ‪ ) :‬باب من ترك بعض الاختيار مخالفة أن ُ‬ ‫ً‬
‫يقصر فهم‬ ‫ساق البخاري‬
‫بعض الناس عنه فيقعوا ‪N‬ي أشد منه‪ .‬ثم أخرج من طريقه إ"ى "ٔالاسود" قال ‪ :‬قال "ي " ابن‬
‫ً‬ ‫ُ‬
‫الزب>‪ ) : "x‬كانت عائشة ت ِس ّر إليك كث>‪x‬ا ‪ ،‬فما حدثتك ‪N‬ي الكعبة؟ قلت ‪ :‬قالت "ي ‪ :‬قال‬
‫الن´‹‪ :‬ياعائشة ‪ ،‬لوال قومك حديث عهدهم ـ قال ابن الزب>‪ : x‬بكفر ـ لنقضت الكعبة‬
‫فجعلت لها باب>ن باب يدخل الناس وباب يخرجون( )‪.(111‬‬
‫قال ابن حجر رحمه ﷲ ـ ) ويستفاد منه ترك املصلحة ألمن الوقوع ‪N‬ي املفسدة( )‪.(112‬‬
‫ً‬ ‫وقال البخاري ـ رحمه ﷲ ـ ) باب من ُخ ﱠ‬
‫ص بالعلم قوما دون قوم كراهية أن ال يفهموا‪،‬‬
‫َ ﱠ‬ ‫وقال" ع‪C‬ى " ‪ّ :‬‬
‫حدثوا الناس بما يعرفون أتحبون أن ُيكذب ﷲ ورسوله( )‪ .(113‬قال ابن حجر ـ‬
‫رحمه ﷲ ـ ‪ ) :‬ومن كرﻩ التحديث ببعض دون بعض)‪ (114‬أحمد ومالك ‪N‬ي أحاديث الصفات ‪،‬‬
‫وأبو يوسف ‪N‬ي الغرائب‪ ،‬ومن قبلهم أبو هريرة ‪N‬ي الجراب>ن)‪ ،(115‬وأنه كرﻩ أن يحدث بأحدهما‬
‫‪ ،‬ونحوﻩ عن حذيفة‪ ،‬وعن الحسن أنه أنكر تحديث أنس للحجاج بقصة العرني>ن؛ ألنه‬
‫اتخذها وسيلة إ"ى ما كان يعتمدﻩ من املبالغة ‪N‬ي سفك الدماء بتأويله الوا]ي( )‪ ، (116‬وقصة‬
‫العرني>ن ]ي قصة قم من عرينة قدموا ع‪C‬ى الن´‹  فاجتووا املدينة‪ ،‬أي لم يناس©*م‬
‫ً‬ ‫ﱡ‬
‫جوها‪ ،‬فأعطاهم الن´‹ إبال من إبل الصدقة يشربون ألبا‪*°‬ا ‪ ،‬ويستشفون بأبوالها‪ ،‬فقتلوا‬
‫?> ‪.160/1   >5 /!  :‬‬ ‫)‪(109‬‬
‫‪.162/1   >5‬‬ ‫)‪(110‬‬
‫?> ‪.224/1   >5 /!  :‬‬ ‫)‪(111‬‬
‫‪.225/1   >5‬‬ ‫)‪(112‬‬
‫?> ‪.225/1   >5 /!  :‬‬ ‫)‪(113‬‬
‫; ‪. 6I 4 P7 / ! D I!I W 4 G ?. XD G? L B‬‬ ‫)‪(114‬‬
‫?‪/K - Z 1 /!
3? " :   & 4; 1F & (   >5 ) 216/1  : 89 :; G‬‬ ‫)‪(115‬‬
‫‪./ G ?; 8  ! .6D7  & NJ 8EE 75 : !; 8EE5 !&?; ![5‬‬
‫‪.225/1   >5‬‬ ‫)‪(116‬‬

‫‪33‬‬
‫الرعاة واستاقوا ٕالابل ‪ ،‬فلحق ‪*o‬م الن´‹  فقطع أيد‪*+‬م وأرجلهم ‪ ،‬وتركهم عط‪N HºÜ‬ي‬
‫الحرة‪ .‬ويالحظ أن تحديث " الحجاج " ‪*o‬ذا يحمله ع‪C‬ى املبالغة ‪N‬ي سفك الدماء‪ ،‬كما قال‬ ‫ﱠ‬
‫ابن حجر‪.‬‬
‫ً‬ ‫ً‬ ‫ً‬
‫أخرج ٕالامام مسلم بسندﻩ إ"ى ابن مسعود قوله ‪ ) :‬ما أنت محدثا قوما حديثا ال تبلغه‬
‫عقولهم إال كان لبعضهم فتنة( )‪.(117‬‬
‫وأخرج البخاري ) إن الن´‹ قال ‪ :‬يا معاذ بن جبل قال ‪ :‬لبيك يا رسول ﷲ وسعديك‪ ،‬قال‬
‫ً‬
‫‪ :‬يا معاذ‪ .‬قال ‪ :‬لبيك يا رسول ﷲ وسعديك ) ثالثا( قال ‪ :‬ما من أحد يشهد أن ال إله إال ﷲ‬
‫محمدا رسول ﷲ من قلبه إال ّ‬ ‫ً‬
‫حرمه ﷲ ع‪C‬ى النار‪ ،‬قال يا رسول ﷲ‪ :‬أفال أخ‪ xy‬به‬ ‫وأن‬
‫ً‬ ‫ً‬
‫الناس فيستبشرون؟ قال إذا يتكلوا‪ .‬وأخ‪*o xy‬ا معاذ عند موته تأثما( )‪.(118‬‬
‫وذلك ألن هذا الحديث إذا سمعه الناس فإ‪*°‬م يحملونه ع‪C‬ى محمل خطأ ‪ ،‬وهو ترك العمل‬
‫ً‬
‫والاكتفاء باإلقرار ‪ ،‬ومع‪ H¢‬أنه أخ‪ xy‬به تأثما أي ‪ :‬أخ‪ xy‬به قبل موته مخافة ٕالاثم ح‪ HI‬يبقى‬
‫الحديث وال ينقطع بوفاة معاذ ر‪ ‹ºÛ‬ﷲ عنه‪.‬‬
‫والناس أمام هذا ٔالاصل أصناف ‪:‬‬
‫الصنف ٔالاول ‪ :‬العوام غ>‪ x‬املتعلم>ن‪ ،‬والتعامل معهم ودعوž*م ‪N‬ي غاية الصعوبة‪ .‬وحالهم‬
‫كحال املبتدئ ‪N‬ي تعلم القراءة والكتابة ‪ ،‬وكل صعوبة أو تعقيد قد يصرفهم عن الدعوة‪.‬‬
‫ُ‬
‫وهؤالء ال تلقى عل‪*j‬م املسائل العويصة ‪ ،‬والتفاصيل الدقيقة ‪ ،‬وال‪xy‬اه>ن العقدة والنظم‬
‫املتشعبة‪ ،‬وهذا الصنف يحتاج املتخصص ‪N‬ي فن دعوž*م ومخاطب‪*¥‬م‪ .‬وهؤالء يعتمدون ع‪C‬ى‬
‫املحسوس أك¨‪ x‬مما يعتمدون ع‪C‬ى املجرد ‪ ،‬وحاجاž*م الخاصة وظروف حياž*م أقرب‬
‫الوسائل إ"ى قلو‪*o‬م ‪ .‬ؤالامثلة املن™‪Ì‬عة من بيئ‪*¥‬م الخاصة ]ي ٔالامثلة املفهومة‪ .‬وهؤالء‬
‫تحركهم العاطفة أك¨‪ x‬مما يحركهم العقل ‪ .‬ولل™‪x‬غيب وال™‪x‬هيب ‪N‬ي نفوسهم أثر كب>‪ . x‬ومما‬
‫يشحذ هممهم قصص الصالح>ن‪ ،‬وأخبار ٔالاولياء ‪ ،‬وأحداث الس>‪x‬ة‪ ،‬ع‪C‬ى طريق السرد ع‪C‬ى‬
‫ع‪C‬ى طريق التحليل‪.‬‬
‫الصنف الثاني ‪ :‬املتعلمون من خري‪Ô‬ي الجامعات ‪ ،‬ومن ‪N‬ي مستواهم ‪N‬ي التقدم املعر‪N‬ي ‪،‬‬
‫وهؤالء يبحثون عن التحليل والاستنتاج واملعنويات ودالئل ٕالاعجاز‪ ،‬وعند مخاطب‪*¥‬م فإنه‬

‫‪.225/1   >5‬‬ ‫)‪(117‬‬


‫?> ‪.226/1 ( : >5 /! )  :‬‬ ‫)‪(118‬‬

‫‪34‬‬
‫البد من مراعاة م‪ÌÞ‬ل‪*¥‬م العلمية‪ .‬ومن يستطيع مخاطبة العوام قد ال يستطيع مخاطبة‬
‫الخواص‪ .‬وإذا خاط©*م من هو دو‪*°‬م فقد يفت‪*w‬م ‪.‬‬
‫الصنف الثالث‪ :‬أصحاب التخصصات العلمية‪ ،‬إذ لكل تخصص مصطلحاته ووسائله‪ ،‬ومن‬
‫يتعرف ع‪C‬ى هذا املناخ الخاص فإنه أقدر ع‪C‬ى توج‪*j‬ه ولفت نظر أصحابه إ"ى الدالئل مما‬
‫ب>ن أيد‪*+‬م‪ .‬فالداعية ب>ن املحام>ن يحتاج إ"ى معرفة ‪‹ºà‬ء عن القوان>ن والصالح والطالح‬
‫ُ‬
‫م‪*w‬ا وأما ب>ن ٔالاطباء فهو بحاجة غلىمعرفة بعض الجوانب ال‪ ‹I‬توقف الطبيب ع‪C‬ى عظمة‬
‫ﷲ وقدرته ‪N‬ي خلق ٕالانسان ووظائف أعضائه‪ .‬وإذا كان الداعية من أهل الاختصاص‬
‫املزودين بالعلم الشر‪µ‬ي فإن املردود يكون أعظم‪ .‬ولذا فإن ع‪C‬ى الداعية صاحب العلم‬
‫الشر‪µ‬ي أن يأخذ نفسه بالتثقيف‪ ،‬وأن ينوع معارفه‪ ،‬وإذا كلف بالدعوة ‪N‬ي قطاع‬
‫متخصص فاألجدر به أن يدرس هذا القطاع‪ ،‬وأن يزداد معرفة ‪*o‬ذا الجانب الثقا‪N‬ي‪.‬‬

‫القاعدة الثامنة‬
‫الابتالء سنة ﷲ تعاى وهو السبيل ع‪f‬ى تمثل الدعوة وصياغة النفس وفق العقيدة‬
‫ً‬ ‫ً‬ ‫ً‬
‫كلما كان العمل شاقا ودقيقا ومعقدا احاج املرء إ"ى بذل جهد أك‪N xy‬ي الاعداد والتدريب لكي‬
‫يكون ع‪C‬ى مستوى ذلك العمل‪ .‬والعمل لدين الهل تعا"ى مستمر ومتنوع وفسيح‪ .‬ومهمته ال‬
‫تقف عند حدود أشكال معينة‪ ،‬بل تتعدى الشكل إ"ى املضمون واملحتوى‪ .‬ومسئولية العامل‬
‫ً‬
‫تزداد يوما بعد يوم‪ .‬ومسئوليته بعد انتصار فكرته أعظم م‪*w‬ا قبل ذلك‪.‬‬
‫من أجل ذلك وغ>‪x‬ﻩ شاءت إرادة ﷲ سبحانه أن يخضع الدعاة لصنوف من الاختبارات‬
‫ً‬
‫الشاقة‪ .‬وال تصل الجماعة املؤمنة إ"ى تحقيق أهدافها إال مرورا باالبتالء‪.‬‬
‫ومن خالل ٓالايات الكريمة ؤالاحاديث النبوية فإننا نتب>ن وظائف الابتالء ونتائجه ‪:‬‬
‫عن أبي ه>‪x‬ة ر‪ ‹ºÛ‬ﷲ عنه قال‪ ،‬قال رسول ﷲ ‪ " :‬مثل املؤمن كمثل الزرع ال تزال الريح‬
‫تميله‪ ،‬وال يزال املؤمن يصيبه البالء‪ .‬ومثل املنافق كمثل شجرة ٔالارز ال ž*™‪ Ì‬ح‪HI‬‬
‫ُ‬
‫تستحصد")‪ .(119‬وهذا الحديث يكشف عن وظيفة الابتالء البنائية بالنسبة للجماعة‬
‫املسلمة‪ ،‬فإن تعرض الزرع للحركة الدائمة يكسبه قدرة ع‪C‬ى الثبات أمام ٔالاعاص>‪N ، x‬ي‬
‫ح>ن أن ٔالارزة اليت ال تحركها الرياح العادية فإ‪*°‬ا ال تقف أمام ٔالاعاص>‪ x‬والرياح الشديدة‪،‬‬

‫;‪.2162/4 67! 89 :‬‬ ‫)‪(119‬‬

‫‪35‬‬
‫ولذلك فإ‪*°‬ا تتحطم‪ .‬وكذلك الدعاة فإن لد‪*+‬م قوة احتمال ع‪C‬ى مواجهة الصعاب لك¨‪x‬ة‬
‫إجراء الابتالء عل‪*j‬م‪.‬‬
‫ً‬
‫والابتالء يعمل ع‪C‬ى اصطفاء العناصر القوية الصالحة‪ ،‬فال يدخل ‪N‬ي العمل من يكون عبئا‬
‫ع‪C‬ى العامل>ن‪ ،‬وإنما يأتي إ"ى الدعوة ويثبت عل‪*j‬ا من تمكن ٕالايمان ‪N‬ي قلبه‪ ،‬ومن يبت‪ó‬ي وجه‬
‫ﷲ والدار ٓالاخرة‪ ،‬ألن املرء إذا علم أن املغارم أك¨‪ x‬من املغانم فإنه ال يختار املغارم إال إذا‬
‫ً‬
‫ر‪ ‹ºÛ‬باآلجلة عوضا عن العاجلة‪.‬‬
‫والابتالء يكشف عن صدق الصادق>ن وحقيقة انتسا‪*o‬م لإليمان‪ ،‬وهذا ما تضمنته آيات‬
‫عقب ع‪C‬ى ما أصاب املسلم>ن يوم أحد ‪ :‬إن يمسسكم قرح فقد‬ ‫من سورة آل عمران و]ي ُت ﱠ‬
‫قرح مثله‪ ،‬وتلك ٔالايام نداولها ب>ن الناس وليعلم ﷲ الذين آمنوا ‪ ،‬ويمحق‬ ‫مس القوم ُ‬
‫الكافرين)‪ .(120‬يقول الرازي ‪N‬ي تفس>‪x‬ﻩ‪ ) :‬واعلم أنه ليس املراد من هذﻩ املداولة أن ﷲ تعا"ى‬
‫ينصر الكافرين ألن نصرة ﷲ منصب شريف وإعزاز عظيم فال يليق بالكافر‪ ،‬بل املراد من‬
‫هذﻩ املداولة أنه تارة يشدد املحنة ع‪C‬ى الكفار وأخرى ع‪C‬ى املؤمن>ن وذلك من وجوﻩ‪:‬‬
‫ٔالاول ‪ :‬أنه تعا"ى لو شدد املحنة ع‪C‬ى الكفار ‪N‬ي جميع ٔالاوقات وأزالها عن املؤمن>ن ‪N‬ي جميع‬
‫ٔالاوقات لحصل العلم الاضطراري بأن ٕالايمان حق وما سواﻩ باطل‪ ،‬ولو كان كذلك لبطل‬
‫التكليف والثواب والعقاب‪ ،‬فلهذا تارة يسلط املحنة ع‪C‬ى أهل ٕالايمان وأخرى ع‪C‬ى أهل‬
‫الكفر‪.‬‬
‫الثاني ‪ :‬أن املؤمن قد يقدم ع‪C‬ى بعض املعا‪ ‹ºú‬فيكون عند ﷲ تشديد املحنة عليه ‪N‬ي‬
‫ً‬
‫الدنيا أدبا له( )‪.(121‬‬
‫ً‬
‫الثالث ‪ :‬والابتالء يعمق الهوة ب>ن املؤمن>ن والكافرين‪ ،‬فال يعود اللقاء ممكنا؛ ألن ممارسات‬
‫الكافرين ‪N‬ي إيقاع ٔالاذى باملؤمن>ن‪ ،‬وحرص الكافرين ع‪C‬ى استئصال ٕالايمان وجندﻩ‪ ،‬كل هذا‬
‫يجعل املعركة دائمة مستمرة ال تنت·‹ إال بخضوع الكفار ألحكام ٕالاسالم‪ .‬ولو ظهر ل>ن الكفار‬
‫مع املؤمن>ن ‪ ،‬وسمح الكفار للمؤمن>ن بأن يدعو لإلسالم كما يشاؤون لقال ضعاف ٕالايمان‪:‬‬
‫إن الكفر ليس تلك الصفة البالغة ‪N‬ي السوء ‪ .‬ومن هنا جاء البيان ٕالال·‹ لهذا املوقف‬
‫َ‬
‫املبدأي الدائم‪ :‬ما يود الذين كفروا من أهل الكتاب وال املشرك>ن أن ُي‪ Þ‬ﱠ‪ُ Ì‬ل عليكم من خ>‪x‬‬

‫  ‪.141 /140 : /  / !- 10‬‬ ‫)‪(120‬‬


‫   ‪.15/9‬‬ ‫)‪(121‬‬

‫‪36‬‬
‫من ربكم)‪ .(122‬وقال سبحانه وال يزالون يقاتلونكم ح‪ HI‬يردوكم عن دينكم إن‬
‫استطاعوا)‪.(123‬‬
‫الرابع‪ :‬والابتالء يربط ب>ن املؤمن>ن بعضهم ببعض برباط عق‪C‬ي وعاطفي‪ ،‬إذ باالبتالء تصل‬
‫عقول املؤمن>ن إ"ى حقيقة البناء ٕالاسالمي امل™‪x‬اص ‪ ،‬وأن الابتالء يعطي هذا البناء قوة‬
‫وصالبة‪ .‬وإن الذين يبتلون من أجل إيما‪*°‬م إنما يسهمون بأعز ما يملكون من النفس واملال‬
‫وأما ما يحققه الابتالء من الرباط العاطفي فإن ٔالالم أد‪µ‬ى إ"ى تحقيق‬ ‫ؤالاهل ؤالاوطان‪ .‬ﱠ‬
‫املشاركة والتعاون‪ ،‬وقد ين»‪ Hº‬املرء من شاركه ‪N‬ي مناسبة سعيدة هنيئة ‪ ،‬ولكنه لن ين»‪Hº‬‬
‫من شاركه ‪N‬ي ٔالالم واملعاناة‪.‬‬
‫الخامس ‪ :‬والابتالء يقدم الدليل القوي ع‪C‬ى جدارة الدعوة؛ ومن هنا فإن كث>‪x‬ين أقبلوا‬
‫ع‪C‬ى الدعوة عندما رأوا ثبات أهلها واصطبارهم ع‪C‬ى تحمل الابتالء الذي ال تثبت له الجبال‬
‫ُ‬
‫الراسيات‪ .‬وتحمل الابتالء شهادة يد"ى ‪*o‬ا املبت‪C‬ى أمام الناس‪ ،‬وما زال قول الصحابي‬
‫الجليل" خثبيب بن عدي " ر‪ ‹ºÛ‬ﷲ عنه يمأل ٔالاسماع عندما قال‪:‬‬
‫ً‬
‫ولست أبا"ي ح>ن أقتل مسلما‬
‫ع‪C‬ى أي جنب كان ‪N‬ي ﷲ مصر‪µ‬ي‬
‫يوقول الرازي ‪ " :‬ومن املعلوم أن التبع إذا عرفوا أن املتبوع ‪N‬ي أعظم املحن بسبب املذهب‬
‫ً‬
‫الذي ينصرﻩ‪ ،‬ثم رأوﻩ مع ذلك مصرا ع‪C‬ى ذلك املذهب‪ ،‬كان ذلك أد‪µ‬ى لهم إ"ى اتباعه مما‬
‫ُ‬ ‫ﱠ‬
‫إذا رأوﻩ ُم َرفه الحال ال كلفة عليه ‪N‬ي هذا املذهب")‪.(124‬‬
‫ً‬
‫السادس ‪ :‬إذا علم املؤمن أنه سيبت‪C‬ى فإنه يبقى دائما ع‪C‬ى حذر وخوف من ﷲ ‪ .‬وهذا‬
‫يدعوﻩ إ"ى إحسان العمل والحرص ع‪C‬ى توافر شروط النصر‪ ،‬والبعد عن أسباب الهزيمة‬
‫من املعصية والعجز والتواكل‪.‬‬
‫السابع ‪ :‬والابتالء يحقق ٕالاخالص ‪N‬ي نفس املؤمن‪ .‬قال الرازي ‪":‬إن إخالص ٕالانسان ‪N‬ي حال‬
‫البالء ورجوعه إ"ى ﷲ تعا"ى أك¨‪ x‬من إخالصه حال إقبال الدنيا عليه")‪.(125‬‬

‫     ‪.105 :‬‬ ‫)‪(122‬‬


‫     ‪.217 :‬‬ ‫)‪(123‬‬
‫   ‪.150/4‬‬ ‫)‪(124‬‬
‫!  ‪.8$‬‬ ‫)‪(125‬‬

‫‪37‬‬
‫الس ﱠن ِة مع املؤمن>ن عندما قال ‪ :‬ولنبلونكم ب‪‹ºÜ‬ء من الخوف‬
‫وقد أخ‪ xy‬ﷲ تعا"ى عن هذﻩ ُ‬
‫والجوع ونقص من ٔالاموال ؤالانفس والثمرات وبشر الصابرين* الذين إذا أصاب‪*¥‬م مصيبة‬
‫قالوا إنا هلل وإنا إليه راجعون)‪.(126‬‬

‫القاعدة التاسعة‬
‫مجال الدعوة واسع فليتخ“Œ الداعية لدعوته‬
‫عندما تكون الدعوة ‪N‬ي طور التأسيس والتكوين فإن الجهد املبذول قد يقع ‪N‬ي مكانه‬
‫ﱡ‬
‫التخ>‪ x‬لدعوته‪.‬‬ ‫املناسب إذا را‪µ‬ى الداعية مبدأ‬
‫فليبدأ بالقريب قبل البعيد‪ ،‬فإنه ال دا‪µ‬ي لقطع املسافات من أجل دعوة إنسان ما‪ ،‬السيما‬
‫إذ كان ال ع‪C‬ى التعي>ن‪N ،‬ي ح>ن أن ٔالاقرب>ن واملجاورين ‪N‬ي السك‪ H¢‬أو العمل محتاجون ملثل‬
‫هذﻩ الدعوة‪ ،‬وهؤالء ٔالاقربون معروفون عند الداعية‪ ،‬وال يحتاج إ"ى جمع املعلومات ع‪*w‬م ‪،‬‬
‫وهم يعرفونه فال دا‪µ‬ي لكث>‪ x‬من املقدمات‪ .‬وهم يعتبون عليه إذا أهملهم وذهب إ"ى‬
‫ٔالابعدين‪ .‬وهو يعيش بي‪*w‬م‪ ،‬فهم الع>ن الساهرة ‪N‬ي الخ>‪ x‬والشر‪ ،‬وهم الشهداء ع‪C‬ى السراء‬
‫والضراء‪ ،‬وهو عند ﷲ مسؤول ع‪*w‬م فقد أخذ الن´‹  ع‪C‬ى قومه أ‪*°‬م ال يفقهون ج>‪x‬ا‪*°‬م‬
‫ّ‬
‫وال ُي َع ِلمو‪*°‬م فتوعدهم بالعقوبة وأمهلهم سنة للقيام ‪*o‬ذا التكليف)‪ .(127‬وعندما بدأ رسول‬
‫ﷲ  بالدعوة أمرﻩ ﷲ تعا"ى أن ينذر عش>‪x‬ته ٔالاقرب>ن‪ ،‬فقال ‪  :‬وأنذر عش>‪x‬تك ٔالاقرب>ن‬
‫ً‬
‫ )‪ .(128‬قال الرازي ‪ ) :‬ثم أمرﻩ بدعوة ٔالاقرب فاألقرب‪ ،‬ذلك ألنه إذا تشدد ع‪C‬ى نفسه أوال‬
‫ً‬
‫ثم ع‪C‬ى ٔالاقرب فاألقرب ثانيا‪ ،‬لم يكن ألحد فيه مطعن البتة‪ ،‬وكان قوله أنفع وكالمه أنجع(‬
‫)‪ .(129‬أخرج البخاري ‪N‬ي صحيحه عن ابن عباس ر‪ ‹ºÛ‬ﷲ ع‪*w‬ما‪ :‬قال ‪ ) :‬ملا نزلت وأنذر‬
‫عش>‪x‬تك ٔالاقرب>ن صعد الن´‹  الصفا فجعل ينادي ‪ :‬يا ب‪ِ ‹¢‬ف ْهر ‪ ،‬يا ب‪َ ‹¢‬ع ِد ّي ـ لبطون‬
‫ً‬
‫قريش ـ ح‪ HI‬اجتمعوا ‪ ،‬فجعل الرجل إذا لم يستطع أن يخرج أرسل رسوال لينظر ما هو‪.‬‬
‫ُ‬ ‫ً‬
‫فجاء أبو لهب وقريش‪ ،‬فقال‪ :‬أرأيتكم لو أخ‪xy‬تكم أن خيال بالوادي تريد أن تغ>‪ x‬عليكم‬

‫    ‪.155/154 : /  :‬‬ ‫)‪(126‬‬


‫!‪.164/1 O N!9‬‬ ‫)‪(127‬‬
‫  =‪.214 : K D‬‬ ‫)‪(128‬‬
‫    ‪.172/24 :‬‬ ‫)‪(129‬‬

‫‪38‬‬
‫ً‬ ‫ﱠ‬
‫مصد‪ï‬ي؟ قالوا ‪ :‬نعم ‪ ،‬ما جربنا عليك إال صدقا‪ ،‬قال ‪ :‬فإني نذير لكم ب>ن يدي عذاب‬ ‫أكنتم‬
‫شديد( )‪.(130‬‬
‫و‪N‬ي رواية أخرى للبخاري ‪ ،‬عن أبي هريرة ‪ :‬قال  ‪ :‬يا معشر قريش ـ أو كلمة نحوهاـ اش™‪x‬وا‬
‫ً‬
‫أنفسكم ‪ ،‬ال أغ‪ ‹¢‬عنكم من ﷲ شيئا ‪ ،‬يا عباس بن عبد املطلب‪ ،‬ال أغ‪ ‹¢‬عنك من ﷲ‬
‫ً‬ ‫ً‬
‫شيئا ‪ ،‬يا صفية عمة رسول ﷲ  ال أغ‪ ‹¢‬عنك من ﷲ شيئا ‪ ،‬ويا فاطمة بنت محمد ‬
‫ً‬
‫سلي‪ ‹¢‬ما شئت من ما"ي‪ ،‬ال أغ‪ ‹¢‬عنك من ﷲ شيئا( )‪.(131‬‬
‫يقول ابن حجر‪:‬‬
‫) والسر ‪N‬ي ٔالامر بإنذار ٔالاقرب>ن أن الحجة إذا قامت عل‪*j‬م تعدž*م إ"ى غ>‪x‬هم وإال كانوا علة‬
‫لألبعدين ‪N‬ي الامتناع( )‪.(132‬‬
‫وليبدأ بالصغ>‪ x‬قبل الكب>‪ : x‬وذلك ألن الصغ>‪ x‬لم يصلب عودﻩ ع‪C‬ى فكر مع>ن أو سلوك‬
‫مع>ن‪ ،‬والتعامل معه أسهل من التعامل مع الكب>‪ x‬الذي اختار طريقه‪ ،‬وك¨‪x‬ت ارتباطاته‬
‫ً‬ ‫ً‬
‫ومسؤولياته‪ ،‬وحقق مركزا اجتماعيا أو مكاسب دنيوية يخ‪ HºÜ‬عل‪*j‬ا‪ .‬ثم إن الصغ>‪ x‬الذي‬
‫ً‬ ‫ً‬
‫ُيقبل ع‪C‬ى الدعوة يدخل مباشرة ‪N‬ي الصياغة والتكوين‪ ،‬وال يبذل الداعية معه وقتا طويال‬
‫‪N‬ي تخليته من الشوائب والعادات الجاهلية‪ ،‬وإنما ينصرف إ"ى تحليته وتعبئته بالفضائل‬
‫والعادات ٕالاسالمية‪ .‬والصغار هم الذرية الذين من طبيع‪*¥‬م أن يكونوا أتباع الرسل‬
‫ُ‬
‫والدعوات‪ .‬ففي قصة مو‪ HºÒ‬عليه السالم يقول ﷲ تعا"ى‪ :‬فما آمن ملو‪ HºÒ‬إال ذرية من‬
‫قومه ع‪C‬ى خوف من فرعون ومألهم أن يفت‪*w‬م )‪ .(133‬وال أع‪ ‹¢‬بقو"ي هذا إهمال الكبار‬
‫‪،‬وإنما أع‪ ‹¢‬أن إقبال الصغار والناشئة ع‪C‬ى الدعوة أسرع‪ .‬وإن صغ>‪ x‬اليوم هو رجل الغد‪،‬‬
‫والناشئة هم مستقبل ٔالامة‪.‬‬
‫وليبدأ باملتواضع قبل املتك‪ ،xy‬ألن التواضع يدل ع‪C‬ى إمكان قبول الحق‪N ،‬ي ح>ن أن التك‪xy‬‬
‫يدل ع‪C‬ى سفه الحق وغمط الناس‪ .‬ومن هنا وجدنا أتباع الرسل هم من فئة الشاكر‬
‫املتواضع أو الفق>‪ x‬الصابر الضعيف‪ .‬والجهد مع هذا الصنف من الناس يؤدي ثمارﻩ ‪N‬ي‬
‫الغالب‪ ،‬وال يع‪ ‹¢‬هذا حرمان ٔالاصناف ٔالاخرى من الدعوة‪.‬‬

‫??‪.193/1 8‬‬ ‫;‪45 67! 501/8 (  >5 )  : \ :‬‬ ‫)‪(130‬‬
‫;‪.192/1 67! 501/8 (   >5 )  : 89 :‬‬ ‫)‪(131‬‬
‫‪.503/8   >5‬‬ ‫)‪(132‬‬
‫  ‪(83)  #$‬‬ ‫)‪(133‬‬

‫‪39‬‬
‫إن كسب املواقع الجديدة القريبة السهلة املمكنة يساعد ع‪C‬ى كسب املواقع البعيدة‬
‫الصعبة‪ ،‬ألن الانتشار الواسع يعطي الدعوة دماء جديدة وحيوية وطاقة تصرف ‪N‬ي الوصول‬
‫إ"ى املواقع ٔالابعد‪ .‬ثم إن الفكرة عندما تشيع ويك¨‪ x‬انصارها فإن كث>‪x‬ين يراجعون موقفهم‬
‫م‪*w‬ا ع‪C‬ى ضوء ذلك‪.‬‬
‫وليبدأ باملثقف قبل ٔالامي‪ ،‬وذلك للدور الذي يقوم به املثقف ‪N‬ي املجتمع‪ ،‬إ"ى جانب أن‬
‫املثقف أقدر من غ>‪x‬ﻩ ع‪C‬ى محاكمة ٓالاراء واختيار ٔالافكار‪ .‬ومن يختار الفكرة عن و‪µ‬ي فإنه‬
‫‪N‬ي الغالب يل™‪Ì‬م ‪*o‬ا‪ ،‬ثم إن املثقف>ن هم موضوع الاختالف ب>ن أصحاب املذاهب واملادة‬
‫املتنازع عل‪*j‬ا بي‪*w‬م‪.‬‬
‫وليبدأ بغ>‪ x‬املنتم‹ قبل املنتم‹‪ ،‬ألن غ>‪ x‬املنتم‹ يقع ‪N‬ي مركز وسط ب>ن املذاهب والتجمعات‪،‬‬
‫وأما املنتم‹ فقد انتقل من املركز إ"ى الطرف ٓالاخر‪ .‬والجهد املطلوب لنقله إ"ى مركز التأثر‬
‫ً‬
‫أضعاف الجهد املطلوب لغ>‪ x‬املنتم‹؛ علما بأن املنتم‹ إذا غ>‪ x‬انتماءﻩ عن قناعة وفكر فإنه‬
‫سيتحول إ"ى الدعوة مع خ‪xy‬ة واسعة واستعدادات كب>‪x‬ة‪ّ ،‬‬
‫ولكن هذا قليل‪.‬‬
‫وليبدأ بزميله ‪N‬ي العمل أو املهنة قبل غ>‪x‬ﻩ؛ ألن أفراد كل مهنة بي‪*w‬م تعاون تلقائي‪ .‬ومجاالت‬
‫الحديث بي‪*w‬م مهيأة‪ ،‬ونقاط الاش™‪x‬اك كث>‪x‬ة‪ .‬فالطبيب مع ٔالاطباء أقدر منه ب>ن املهندس>ن‪،‬‬
‫واملحامي ب>ن املحام>ن أقوى منه ب>ن املعلم>ن‪ .‬وملا كان الداعية يمتاز بنظافة السلوك ـ وهذا‬
‫متوقع ـ وبالبعد عن روح التنافس الدنيوي فإنه مؤهل لالتصال بزمالئه والتأث>‪ x‬ف‪*j‬م‪.‬‬
‫ً‬
‫واملفروض أن يرا‪µ‬ى التخ>‪ x‬وفقا للمرحلة ال‪ ‹I‬تمر ف‪*j‬ا الدعوة ‪ ،‬فقد تكون املرحلة مرحلة‬
‫تجميع وسعة انتشار ‪ ،‬وقد تكون املرحلة مرحلة عمل محدد‪ ،‬تربوي أو اقتصادي أو‬
‫ُ‬
‫اجتما‪µ‬ي أو سيا‪ .‹ºÒ‬و‪N‬ي كل مرحلة ترا‪µ‬ى مقتضياž*ا ويكون التخ>‪ x‬وفق هذﻩ املقتضيات‪.‬‬
‫أعز ٕالاسالم بأحب هذين الرجل>ن إليك‪ ،‬بأبي جهل أو بعمر‬ ‫وقد نفهم قول الن´‹  ) اللهم ّ‬
‫بن الخطاب( )‪ (134‬ع‪C‬ى ضوء املرحلة ال‪ ‹I‬كانت تمر ف‪*j‬ا الدعوة ‪N‬ي مكة فقد انتشرت الدعوة‬
‫ب>ن الضعفاء والفقراء ووصلت إ"ى مرحلة تريد أن تعلن ف‪*j‬ا عن نفسها‪ ،‬وشخصية‬
‫كشخصية عمر تناسب املرحلة الجديدة ‪،‬وهذا ما حدث يوم أن دخل عمر ر‪ ‹ºÛ‬ﷲ عنه‬
‫ً‬ ‫ً‬
‫‪N‬ي دين ﷲ‪ ،‬فقد دخلت الدعوة طورا جديدا هو طور العلن بعد السر‪.‬‬
‫ُ‬
‫وعندما ذهب مصعب بن عم>‪ x‬ر‪ ‹ºÛ‬ﷲ عنه إ"ى املدينة جاءﻩ " أسيد بن ُحض>‪" x‬وكان‬
‫ً‬
‫مشركا فقال " ملصعب" و " ألسعد بن زرارة" ما جاء بكما إلينا‪ :‬تسفهان ضعفاءنا؟ وكان‬

‫;‪.617/5  !  \ :‬‬ ‫)‪(134‬‬

‫‪40‬‬
‫أسعد قد قال ملصعب‪ :‬هذا سيد قومه قد جاءك ‪ ،‬فاصدق ﷲ فيه‪ ،‬فدعاﻩ مصعب إ"ى‬
‫ﷲ تعا"ى‪ ،‬وقرأ عليه القرآن ‪ ،‬ثم قال‪ :‬ما أحسن هذا الكالم وأجمله! كيف تصنعون إذا‬
‫َ َ‬
‫أردتم أن تدخلوا ‪N‬ي هذا الدين؟ قاال له ‪ :‬تغتسل ف َتط ّه ُر وتطهر ثوبيك ‪ ،‬ثم تشهد شهادة‬
‫الحق ‪ ،‬ثم تص‪C‬ي‪ .‬فقام فاغتسل‪ ،‬وطهر ثوبيه ‪ ،‬وتشهد شهادة الحق‪ ،‬ثم ركع ركعت>ن ‪ ،‬ثم‬
‫ً‬
‫قال لهما‪ :‬إن ورائي رجال إن اتبعكما لم يتخلف عنه أحد من قومه‪ ،‬وسأرسله إليكما ٓالان ‪،‬‬
‫أي مصعب جاءك وﷲ سيد‬ ‫سعد بن معاذ‪ .‬وملا أقبل سعد عل‪*j‬ما ‪ ،‬قال أسعد بن ُزرارة‪ْ :‬‬
‫من وراءﻩ من قومه‪ ،‬إن يتبعك ال يتخلف عنك م‪*w‬م اثنان‪ .‬وملا عرض عليه مصعب ٕالاسالم‬
‫أسلم‪ ،‬ثم انطلق إ"ى قومه ب‪ ‹¢‬عبد ٔالاشهل فقال ‪ :‬كيف تعلمون أمري فيكم؟ قالوا‪ :‬سيدنا ‪،‬‬
‫أيا ‪ ،‬وأيمننا نقيبة ‪ ،‬قال ‪ :‬فإن كالم رجالكم ونسائكم ّ‬ ‫ً‬
‫ع‪C‬ي حرام ح‪HI‬‬ ‫وأوصلنا‪ ،‬وأفضلنا ر‬
‫ً‬
‫تؤمنوا باهلل وبرسوله‪ ،‬قاال ‪ :‬فوﷲ ما أم»‪N Hº‬ي دار ب‪ ‹¢‬عبد ٔالاشهل رجل وال امرأة إال مسلما‬
‫ومسلمة )‪.(135‬‬
‫ً‬ ‫ً‬
‫ونستفيد من هذﻩ الحادثة أمرا مهما ‪ ،‬وهو أن توجيه الدعوة إ"ى بعض مراكز القوة ‪N‬ي‬
‫ً‬
‫املجتمع ُيسهم ‪N‬ي ٕالاسراع ‪N‬ي عملية التغي>‪ ،x‬وقد يغ>‪ x‬كث>‪x‬ا ‪N‬ي املعادلة لصالح الدعوة ‪.‬‬
‫ً‬
‫ونستفيد م‪*w‬ا أيضا مراعاة املرحلية ‪N‬ي الدعوة‪.‬‬

‫القاعدة العاشرة‬
‫الزمن عنصر فعال من عناصر الدعوة‬
‫ً‬
‫كث>‪x‬ا ما يشعر الدعاة بخيبة ٔالامل عندما يدعون إ"ى ﷲ‪ ،‬ويستعملون الحجج وال‪xy‬اه>ن‪،‬‬
‫ولكن ال يجدون استجابة كب>‪x‬ة من قبل املدعوين‪ .‬وهذا الشعور بالخيبة نا‪ ºà‬عن‬
‫إسقاطهم لعنصر مهم من عناصر معادلة الدعوة وهو عنصر الزمن‪.‬‬
‫أول ما يجب أن نعلمه أن الواقع الذي نتعامل معه واقع غ>‪ x‬إسالمي‪ ،‬وأنه تشكل بفعل‬
‫عوامل كث>‪x‬ة‪ ،‬معظمها نشأ بفعل مؤثرات مادية إلحادية أو فاسدة‪ ،‬وقد سيطر هذا الواقع‬
‫ع‪C‬ى أفراد املجتمع‪ ،‬وأصبح الداعية يتعامل مع الفرد القابع تحت هذﻩ ال™‪x‬اكمات الفكرية‬
‫والسلوكية‪ ،‬ال‪] ‹I‬ي بمثابة الحجاب املانع من الاتصال ب>ن الداعية واملدعو‪ ،‬وبعبارة أخرى‬
‫فإن الداعية ‪N‬ي عالم واملدعو ‪N‬ي عالم آخر‪ .‬واملدعو صاحب قيم غ>‪ x‬القيم ال‪ ‹I‬ينادي ‪*o‬ا‬

‫  ‪.,  437)435/1 6 =& /‬‬ ‫)‪(135‬‬

‫‪41‬‬
‫الداعية‪ ،‬ولهذا كله فإن توقع الاستجابة السريعة ‪N‬ي غ>‪ x‬محله‪ ،‬وهو مخالف لطبائع‬
‫ٔالاشياء‪.‬‬
‫ً‬
‫إن أية كلمة يقولها الداعية ال تذهب هباء منثورا ‪ ،‬وإنما تدخل ‪N‬ي مكونات املدعو ‪،‬‬
‫َ‬
‫ويخ™‪*°Ì‬ا عقله وت™‪x‬اكم خ‪xy‬اته الخ ِّ>‪x‬ة ‪ ،‬وقد يظهر أثر كلمة قيلت قبل سنوات بفعل موقف‬
‫محرك أدى إ"ى اس™‪x‬جاع تلك الخ‪xy‬ة‪ ،‬ثم إن ما يقوله الداعية اليوم يجدﻩ داعية آخر‬
‫ً‬ ‫ً‬
‫رصيدا بعد سن>ن‪ .‬وكث>‪x‬ا ما يحدث أنه عندما نتحدث مع إنسان ما يقول ‪ :‬هذا ‪‹ºà‬ء‬
‫سمعته من فالن‪.‬‬
‫وإن اختيار زمن الدعوة أمر ‪N‬ي غاية ٔالاهمية ‪ ،‬وهناك أوقات يخلو املرء ف‪*j‬ا مع نفسه‪ ،‬وال‬
‫ً‬
‫يكون مستعدا ف‪*j‬ا لتقبل ٔالافكار‪ .‬وإن الدعوة تتأثر بالجو العام والظرف الذي يمر فيه‬
‫الداعية واملدعو‪ ،‬ولهذا فإن ع‪C‬ى الداعية أن يختار أنسب ٔالاوقات ال‪ ‹I‬ال إحراج ف‪*j‬ا وال‬
‫مشقة‪ .‬يقول ابن مسعود ر‪ ‹ºÛ‬ﷲ عنه‪ ) :‬كان رسول ﷲ  يتخولنا باملوعظة مخافة‬
‫السآمة علينا( )‪.(136‬‬
‫وال ينب‪ó‬ي أن يطيل الداعية ع‪C‬ى املدعو؛ ألنه قد يضجرﻩ ويمله‪ .‬ومعيار عدم ٕالاطالة أن ي™‪x‬ك‬
‫املدعو ‪N‬ي شوق الستكمال املوضوع‪ ،‬وأن يطلب املزيد‪.‬‬
‫الاستعجال ع‪C‬ى املدعو قد يؤدي إ"ى نتيجة سيئة ؛ إذ أنه قد يفصل ‪N‬ي املسألة ّإما بالرفض‬
‫وإما باالستجابة وٕالاقبال‪ .‬وكال ٔالامرين قبل أوانه خط>‪ ،x‬وهذا من قبيل سلب القرار ‪ ،‬ال من‬
‫قبيل اختيار القرار‪.‬‬
‫ففي حالة قرار الرفض يكون املدعو قد تعجل ‪N‬ي اتخاذ قرارﻩ قبل أن يستكمل وجوﻩ‬
‫ً‬
‫الدعوة ‪ ،‬وبذلك يكون قد اتخذ موقفا من الدعوة ‪ ،‬وليس من السهل أن يغ>‪ x‬موقفه؛ ألن‬
‫املرء حريص ع‪C‬ى أن ُيعرف باملواقف الثابتة ‪ ،‬وهذﻩ النتيجة إنما كانت بفعل الداعية الذي‬
‫أراد أن يج‪ ‹¢‬الثمرة قبل أوا‪*°‬ا‪.‬‬
‫و‪N‬ي حالة قرار الاستجابة املستعجل يجد املدعو نفسه بعد وقت يس>‪ x‬أما تكاليف وواجبات‬
‫ً‬
‫لم يحسب حسا‪*o‬ا‪ ،‬ويتب>ن له أنه لو انتظر قليال ملا اختار هذا املوقف‪ ،‬ويدخل ‪N‬ي صراع ب>ن‬
‫املوقف املعلن واملوقف املبدأي وقد يرتكب محظورات سلوكية كالكذب والنفاق وكل هذا‬
‫بسبب الاستعجال عليه‪ ،‬ولو فتحت أمامه فرصة التفكر والتدبر التخذ املوقف املبدأي‬
‫ٔالاصيل‪.‬‬

‫;‪.162/1(   >5 )  : 89 :‬‬ ‫)‪(136‬‬

‫‪42‬‬
‫والطريقة املث‪C‬ى أن ال نستعجل إصدار القرار ‪ ،‬بل نطلب من املدعو أن يتمهل ‪N‬ي اتخاذ‬
‫املواقف ‪ ،‬وأن نصارحه بالعقبات ‪N‬ي طريق الاستجابة إ"ى جانب ٕالايجابيات املبشرة وٓالامال‬
‫املتوقعة‪.‬‬
‫وإن ادخال الزمن كعنصر من عناصر الدعوة يخفف من حدة الدعاة ‪ ،‬ويقف أمام اليأس‬
‫ً‬
‫الذي يع™‪x‬ي الدعاة أحيانا‪ ،‬ويفتح لهم باب ٔالامل‪ ،‬ذلك عندما يفقهون دور الزمن‪ .‬وإن‬
‫الطبيب ال يقول للمريض خذ العالج جرعة واحدة‪ .‬بل يقول له خذﻩ ع‪C‬ى جرعات و‪N‬ي خالل‬
‫مدة معينة من الزمن‪.‬‬

‫‪43‬‬
‫القاعدة الحادية عشرة‬
‫الدعوة فن وقيادة و¡ي تقوم ع‪f‬ى التخطيط واملتابعة‬
‫يظن كث>‪ x‬من الدعاة أن الدعوة تقوم ع‪C‬ى قول الكلمة الخ>‪x‬ة ‪N‬ي أي وقت و‪N‬ي أي مكان ‪،‬‬
‫وأ‪*°‬ا تس>‪ x‬بطريق عشوائي يستوي فيه الدعاة ع‪C‬ى اختالف امكانياž*م ‪ .‬ومما الشك فيه أن‬
‫هناك دعاة آتاهم ﷲ تعا"ى قدرة فائقة ع‪C‬ى التبليغ ‪ ،‬وتراهم يألفون ُويؤلفون ‪ ،‬وقد وضع‬
‫ﷲ لهم القبول ‪N‬ي قلوب الخلق‪ ،‬وهناك دعاة ال يحالفهم التوفيق ‪N‬ي املنطق ؤالاسلوب‪ .‬وكال‬
‫ً‬
‫الفريق>ن بحاجة إ"ى مبادئ الدعوة وأسالي©*ا والتدرب عل‪*j‬ا‪ ،‬وبذلك تكون الدعوة فنا‬
‫ُ َ‬
‫ُيتلقى‪ ،‬وقواعد وأساليب تط ﱠور‪ ،‬ووسائل تتأثر بالتحديث واملعاصرة‪.‬‬
‫والتخطيط الوا‪µ‬ي هو الذي ينقل الدعوة إ"ى ٕالاطار الف‪ ‹¢‬املنتج‪ .‬والتخطيط هو التصور‬
‫النظري لس>‪ x‬الدعوة وكلما اكتمل التخطيط واستوعب عناصرﻩ أدى إ"ى النتيجة املتوقعة‬
‫بعون ﷲ وبعد الاتكال عليه‪.‬‬
‫وكما ُعرفت أنواع الخطط الاقتصادية والسياسية وال™‪x‬بوية فإن ع‪C‬ى الدعاة أن يتجهوا‬
‫نحو التخطيط للدعوة‪ .‬والخطة الواعية رأسها ٔالاهداف‪ ،‬وجسمها الوسائل‪،‬والربط ب>ن‬
‫ٔالاهداف والوسائل عن طريق ٔالاساليب‪ ،‬ومادž*ا ٕالامكانيات البشرية واملادية واملعنوية‪،‬‬
‫وموجهها املتابعة والتقويم‪ ،‬وثمراž*ا ظهور ٔالاهداف ع‪C‬ى شكل نتائج ملموسة‪.‬‬
‫أما ٔالاهداف ‪ :‬ف·‹ الغايات من وراء ٔالاعمال وتأتي عند ٕالاجابة ع‪C‬ى السؤال الذي يوجهه‬
‫الداعية لنفسه ‪ :‬ملاذا أدعو؟ وماذا أريد؟ وٕالاجابة ع‪C‬ى هذا السؤال ]ي مبدأ كل عمل من‬
‫ٔالاعمال ‪ .‬وع‪C‬ى ضوء الجواب يتحدد الجهد املطلوب والزمن الكا‪N‬ي والوسائل ؤالاساليب‬
‫والتوقعات‪.‬‬
‫والجدير بالذكر أن اختالف الدعاة ‪N‬ي ٕالاجابة ع‪C‬ى هذا السؤال هو الذي يجعلهم يختلفون‬
‫‪N‬ي التجمعات والانتماءات ‪.‬‬
‫وهناك نوعان من ٔالاهداف ‪:‬‬
‫ٔالاول ‪ :‬الهدف ٔالاك‪ ، xy‬الذي هو الثمرة الرئيسة‪.‬‬
‫الثاني ‪ٔ :‬الاهداف املرتبطة بأزمنة محدودة أو أمكنة معينة أو أفراد معين>ن‪ .‬أو تس‪è‬ى لتحقيق‬
‫الوسائل وتوف>‪x‬ها‪ .‬وهذﻩ ٔالاهداف بعضها يسلم لآلخر‪ ،‬وبعضها أك‪ xy‬من بعض ‪ ،‬وكلها‬
‫ً‬
‫يستوع©*ا الهدف الكب>‪x‬ة والغاية العظم‪ ، H‬ويحدث أحيانا خلط ب>ن ٔالاهداف الصغرى‬

‫‪44‬‬
‫ً‬
‫ؤالاهداف الك‪xy‬ى‪ ،‬وعندها تقل انتاجية العمل ‪ ،‬ويستنفد الدعاة جهدهم بعيدا عن‬
‫الهدف ٔالاك‪ .xy‬فبعض الدعاة يجيب ع‪C‬ى سؤال ملاذا أدعو؟‬
‫فيقول ‪ :‬أدعو إ"ى تزكية النفوس لقول ﷲ تعا"ى  قد أفلح من زكاها* وقد خاب من‬
‫ً‬ ‫ﱠ‬
‫دساها)‪ .(137‬وللوصول إ"ى هذا الهدف نجمع املريدين‪ ،‬ونطبق عل‪*j‬م نظاما يقوم ع‪C‬ى ٔالاوامر‬
‫السلوكية ؤالاوراد ؤالاذكار ‪ .‬وينب‪ó‬ي أن ُيصرف الاهتمام كله لهذا الهدف‪.‬‬
‫وداعية آخر يقول ‪ :‬الهدف إعانة الفقراء واملساك>ن وٕالاحسان إل‪*j‬م لقول ﷲ تعا"ى ‪  :‬ما‬
‫سلككم ‪N‬ي سقر؟ قالوا لم نك من املصل>ن* ولم نك نطعم املسك>ن)‪ .(138‬ولتحقيق هذا‬
‫الهدف البد من دعوة أهل الخ>‪ x‬إ"ى ٕالاحسان وبذل الصدقة وإيتاء الزكاة‪ .‬وإنشاء الجمعيات‬
‫الخ>‪x‬ية خ>‪ x‬وسيلة لتحقيق هذا الهدف‪.‬‬
‫وداعية ثالث يقول ‪ :‬الهدف تحرير املسائل العلمية املختلف ف‪*j‬ا‪ ،‬وجمع ٔالاحاديث‬
‫الصحيحة‪ ،‬ولتحقيق هذا الهدف البد من عقد حلقات العلم وإنشاء املدارس واملؤسسات‬
‫املتخصصة وطباعة الكتب‪.‬‬
‫وداعية رابع يقول ‪ :‬الهدف هو الوصول باملسلم>ن إ"ى درجة عالية من الو‪µ‬ي السيا‪ ‹ºÒ‬الذي‬
‫يطلعهم ع‪C‬ى مخططات ٔالاعداء وما يستخدمونه من الوسائل لتنفيذ هذﻩ املخططات‪،‬‬
‫ً‬
‫وتحقيقا لهذا الهدف فالبد من القيام بالدراسات املتخصصة العميقة‪ ،‬والاطالع ع‪C‬ى ما‬
‫يقال وينشر عن ٕالاسالم‪.‬‬
‫إ"ى جانب هذﻩ ٔالاهداف نجد بعض الدعاة ير‪ HºÛ‬بأهداف أصغر من ذلك‪ ،‬كأن يكون‬
‫الهدف تشويه صورة جماعة ما باعتبارها حجر ع¨‪x‬ة ‪N‬ي طريق العمل ٕالاسالمي ‪ ،‬أو صرف‬
‫الاهتمام نحو شخص مع>ن ُيرى أنه السبب الرئي»‪N ‹º‬ي مشاكل املسلم>ن وقضاياهم!!‬
‫ً‬
‫وبالرغم من أهمية بعض هذﻩ ٔالاهداف إال أن السؤال يبقى قائما‪ :‬هل هناك أهداف أك‪xy‬‬
‫وأشمل؟ وإن نظرة سريعة إ"ى مستويات ٔالاهداف تجعلنا نقول ‪ :‬الهدف الك‪C‬ي مقدم ع‪C‬ى‬
‫الهدف الجزئي‪.‬‬
‫ً‬
‫الهدف الذي يستغرق جميع قطاعات املجتمع مقدم ع‪C‬ى الهدف الذي يتناول فردا أو فئة‪.‬‬
‫الهدف الدائم املستمر مقدم ع‪C‬ى الهدف املؤقت املنقطع‪.‬‬
‫الهدف املمكن مقدم ع‪C‬ى الهدف غ>‪ x‬املمكن‪.‬‬

‫  =!‪.10)9 : /  #‬‬ ‫)‪(137‬‬


‫  !‪.44)42 :
 E‬‬ ‫)‪(138‬‬

‫‪45‬‬
‫الهدف ٔالاع‪C‬ى مقدم ع‪C‬ى الهدف ٔالادنى‪.‬‬
‫وهكذا فإنه من املمكن أن يصاغ الهدف ٔالاك‪ xy‬ع‪C‬ى الشكل التا"ي‪ :‬الهدف الك‪C‬ي ٔالاع‪C‬ى‬
‫املمكن املستمر الذي يستغرق جميع قطاعات املجتمع‪.‬‬
‫عبادة ﷲ أعظم ٔالاهداف ‪:‬‬
‫ً‬
‫وال يشك أحد من الدعاة ‪N‬ي أن أعظم ٔالاهداف وأشرفها هو ما قررﻩ ﷲ تعا"ى هدفا‬
‫لإلنسان وغ>‪x‬ﻩ وهو هدف العبادة ‪ ،‬لقول ﷲ سبحانه‪  :‬وما خلقت الجن وٕالانس إال‬
‫ليعبدون)‪ .(139‬وقد حمل املسلمون هذا الهدف‪ ،‬ومن أجله انطلقوا يع‪xy‬ون الصحاري‬
‫ع‪ xy‬عنه رب‪è‬ي بن عامر أمام قائد الفرس ‪ ) :‬جئنا لنخرج‬ ‫والقفار ويقارعون الجبابرة‪ ،‬وقد ﱠ‬
‫العباد من عبادﻩ العباد إ"ى عبادة ﷲ‪ ،‬ومن جور ٔالاديان إ"ى عدل ٕالاسالم‪ ،‬ومن ضيق الدنيا‬
‫إ"ى سعة الدنيا وٓالاخرة( )‪.(140‬‬
‫العبادة هدف للفرد والجماعة والدولة‪:‬‬
‫وبناء ع‪C‬ى هذا فإن هدف الجماعة املسلمة والفرد املسلم والدولة املسلمة هو تحقيق‬
‫العبودية هلل رب العامل>ن ‪ ،‬وأما ٔالاهداف الخاصة ف·‹ جزئية مرحلية أو إقليمية محلية ‪ ،‬أو‬
‫خاصة محدودة‪ .‬والعمل اليومي أو ٔالاسبو‪µ‬ي أو الشهري أو السنوي له أهدافه الخاصة ‪.‬‬
‫والعمل ‪N‬ي القرية أو املدينة أو العش>‪x‬ة أو العمال أو الطالب أو النساء له أهدافه الخاصة‬
‫وكل مكون من مكونات املجتمع إنما يتحقق وفق أهداف خاصة‪.‬‬
‫الوسائل ‪:‬‬
‫وأما الوسائل فم‪*w‬ا الوسائل املباشرة وم‪*w‬ا غ>‪ x‬املباشرة ‪ ،‬ولكل هدف جزئي وسائله الخاصة‬
‫‪ ،‬فإذا قلنا ‪ :‬إن العبادة تتحقق من خالل العابد القوي ‪N‬ي عقله وروحه وجسدﻩ‪ ،‬فإن‬
‫وسائل خاصة كث>‪x‬ة تتوارد من أجل هذا الهدف‪ .‬وٕالامكانيات واملعلومات تتدخل ‪N‬ي‬
‫استخدام الوسائل‪ ،‬ولست هنا بصدد تقديم خطة دعوة إنما املقصود إعطاء صورة عن‬
‫عناصر الخطة ومكوناž*ا‪.‬‬
‫ُ‬
‫والوسائل تستخدم بأشكال مختلفة وأساليب عدة‪ ،‬ؤالاسلوب ٔالافضل يعطي من الوسيلة‬
‫كفاءة أك‪ ، xy‬واختيار ٔالاسلوب املناسب عامل كب>‪N x‬ي نجاح العمل ‪ .‬ومن ٔالاساليب‪ :‬الل>ن‬

‫    
 ‪.56‬‬ ‫)‪(139‬‬
‫ ‪.39/7  I$‬‬ ‫)‪(140‬‬

‫‪46‬‬
‫والشدة ‪ ،‬وال™‪x‬غيب وال™‪x‬هيب‪ ،‬والك¨‪x‬ة والقلة‪ ،‬والسر والجهر ‪ ،‬والفردي والجما‪µ‬ي ‪،‬‬
‫والتاريي والوصفي‪ ،‬والعق‪C‬ي والعاطفي‪ ،‬ؤالالم ؤالامل ‪ ،‬ؤالاخذ والعطاء‪.‬‬
‫جمع املعلومات أساس الخطة‪:‬‬
‫ً‬
‫وملا كانت الخطة تصورا عن عمل ‪N‬ي مكان خاص وزمان محدد ‪ ،‬وأناس محددين كان البد‬
‫من جمع املعلومات عن البيئة ‪ ،‬سواء كانت اقتصادية أو اجتماعية أو سياسية‪ ،‬أو مناخية‪،‬‬
‫أو طبيعية أو فكرية‪ ،‬والبد من معرفة مراكز القوة والضعف‪ .‬والبد من التعرف ع‪C‬ى العوائق‬
‫والحوافز‪ ،‬وبذلك تكون الدعوة إ"ى ﷲ ع‪C‬ى بص>‪x‬ة‪  :‬قل هذﻩ سبي‪C‬ي أدعو إ"ى ﷲ ع‪C‬ى‬
‫بص>‪x‬ة)‪.(141‬‬
‫الزمن عنصر ﱠ‬
‫فعال ‪H‬ي الخطة‪:‬‬
‫فعال ‪N‬ي الخطة يدل ع‪C‬ى مدى النجاح أو الفشل‪ ،‬فما يحتاج إ"ى يوم واحد ال‬ ‫والزمن عنصر ّ‬
‫ً‬
‫ينب‪ó‬ي أن ُيصرف فيه شهر‪ ،‬وما يحتاج شهرا من الزمن ال ينب‪ó‬ي الاسراع ‪N‬ي إنجازﻩ ‪N‬ي يوم أو‬
‫أسبوع‪.‬‬
‫واملراجعة والتقييم بعد ان‪*¥‬اء مدة الخطة تساعد ع‪C‬ى معرفة املمكن من غ>‪ x‬املمكن‪،‬‬
‫ً‬
‫والسهل من الصعب‪ ،‬واملراجعة تقدم هدفا أو تؤخرﻩ‪ ،‬وتحكم ع‪C‬ى فعالية الوسائل أو عدم‬
‫فعالي‪*¥‬ا‪ .‬وتكشف عن جدوى ٔالاساليب أو عدم جدواها‪.‬‬
‫الع“ن الساهرة ‪:‬‬
‫واملتابعة ع>ن ساهرة وأذن صاغية ويد مؤيدة ‪ ،‬والخطة القوية قد تفشل بال متابعة‪،‬‬
‫والخطة الضعيفة قد تنجح مع املتابعة املستمرة‪.‬‬
‫ُ َ‬
‫فإذا توافرت هذﻩ العناصر فقد ُوجدت الخطة العلمية الواعية‪ ،‬ثم يوكل أمر تنفيذها إ"ى‬
‫ً‬
‫العناصر البشرية املدربة املنظمة‪ .‬وإلعداد املنفذين فإن علوما كث>‪x‬ة أصبحت اليوم ع‪C‬ى‬
‫درجة من ٔالاهمية للداعية‪ .‬فالعلوم ٕالادارية‪ ،‬وعلوم الاتصال باألفراد والجماعات ‪ ،‬والعلوم‬
‫عد الداعية املنفذ للخطة ‪.‬‬‫اللغوية والبالغية ‪،‬والعلوم النفسية وال™‪x‬بوية‪ ،‬هذﻩ وغ>‪x‬ها ُت ﱡ‬
‫والداعية الناجح صاحب مبادرة وبد‪*+‬ة حاضرة وقدرة ع‪C‬ى التصرف ‪N‬ي أسوأ الظروف‪.‬‬
‫وقبل أن يفاجأ باملواقف الصعبة فإنه يف™‪x‬ضها ‪،‬ويتصورها‪ ،‬ويلتمس لها الحلول ‪ ،‬وهكذا‬
‫ً‬
‫فإنه يستع>ن باملوقف الوهم‹ الذي اف™‪x‬ضه سابقا ملواجهة املوقف املفائ‪.‬‬

‫  ‪.108  ,‬‬ ‫)‪(141‬‬

‫‪47‬‬
‫القاعدة الثانية عشر‬
‫الدعوة صورة أكيدة من صور الجهاد وتشƒŒك مع القتال ‪H‬ي الهدف والنتيجة‬
‫لم تعد كلمة الجهاد تعطي املدلوالت ال‪ ‹I‬فهمها الصحابة والتابعون‪ ،‬وال‪ ‹I‬جاء ‪*o‬ا القرآن‬
‫الكريم والسنة الشريفة ‪ ،‬إذا أ‪*°‬ا تع‪N ‹¢‬ي عرف بعض الدعاة القتال‪ ،‬وأنه ال جهد بال قتال‪.‬‬
‫ونتيجة لهذا الفهم فقد ظهر ‪N‬ي العالم ٕالاسالمي أناس يريدون القتال ولو لم يحن وقته‬
‫ً‬
‫وتستكمل عدته‪ ،‬شعورا م‪*w‬م بأن ٕالاثم يطاردهم وهم ال يقاتلون ‪.‬‬
‫ً‬
‫وتصويبا لهذا الفهم فإن علينا الرجوع إ"ى لسان الشرع ‪N‬ي كلمة الجهاد ‪ ،‬إذ أن مراجعة‬
‫املعاني الشرعية ضرورة تعصم من الزلل والانحراف؛ قال ‪N‬ي اللسان ‪ ) :‬الجهاد محاربة‬
‫ً‬
‫ٔالاعداء‪ ،‬وهو املبالغة واستفراغ ما ‪N‬ي الوسع والطاقة من قول أو فعل ( )‪ .(142‬وقال أيضا‪:‬‬
‫)والجهاد املبالغ واستفراغ ما ‪N‬ي الوسع ‪N‬ي الحرب‪ ،‬أو اللسان‪ ،‬أو ما أطاق من ‪‹ºà‬ء( )‪.(143‬‬
‫ولبيان هذا املع‪ H¢‬العام للجهاد من سنة رسول ﷲ  نسوق قول ابن قيم الجوزية ‪ ) :‬كان‬
‫رسول ﷲ  ‪N‬ي الذروة العليا منه فاستو"ى ع‪C‬ى أنواعه كلها‪ ،‬فجاهد ‪N‬ي ﷲ حق جهادﻩ‬
‫بالقلب والجنان والدعوة والبيان والسيف والسنان ( )‪ (144‬ثم يقول ‪ :‬أمرﻩ ﷲ تعا"ى بالجهاد‬
‫ً‬
‫من ح>ن بعثه وقال‪:‬ولو شئنا لبعثنا ‪N‬ي كل قرية نذيرا فال تطع الكافرين وجاهدهم به‬
‫ً‬ ‫ً‬
‫جهادا كب>‪x‬ا )‪.(145‬‬
‫ُ‬
‫فهذﻩ سورة مكية أمر ف‪*j‬ا بجهاد الكفار بالحجة والبيان وتبليغ القرآن ‪ ،‬وكذلك جهاد‬
‫املنافق>ن إنما هو بتبليغ الحجة وإال فهم تحت قهر أهل ٕالاسالم‪ ،‬قال تعا"ى‪  :‬يا أ‪*+‬ا الن´‹‬
‫جاهد الكفار واملنافق>ن واغلظ عل‪*j‬م ‪ ،‬ومأواهم جهنم وبئس املص>‪ (146)x‬فجهاد املنافق>ن‬
‫أصعب من جهاد الكفار وهو جهاهد خواص ٔالامة وورثة الرسل‪ .‬والقائمون به أفراد ‪N‬ي‬
‫ً‬
‫العالم ‪ ،‬واملشاركون فيه واملعاونون عليه وإن كانوا هم ٔالاقل عددا فهم ٔالاعظم عند ﷲ‬
‫ً ّ‬
‫قدرا‪ .‬وملا كان من أفضل الجهاد قول الحق مع شدة املعارض مثل أن تتكلم عند من تخاف‬
‫سطوته وأذاﻩ كان للرسل صلوات ﷲ عل‪*j‬م من ذلك الحظ ٔالاوفر‪ .‬وكان لنبينا صلوات ﷲ‬
‫ً‬
‫وسالمه عليه من ذلك أكمل الجهاد وأتمه ‪ .‬وملا كان جهاد العبد ‪N‬ي الخارج فرعا ع‪C‬ى جهاد‬
‫)‪.109/4 A D /  (142‬‬
‫)‪.110/4 A D /  (143‬‬
‫)‪.38/2  D!  (144‬‬
‫)‪.52 51 /  / F    (145‬‬
‫)‪.9  6 ?   73     (146‬‬

‫‪48‬‬
‫العبد نفسه ‪N‬ي ذات ﷲ ‪ ،‬كما قال الن´‹  ‪ ":‬املجاهد من جاهد نفسه ‪N‬ي ذات ﷲ واملهاجر‬
‫ً‬
‫من هجر ما ن·‪ H‬ﷲ عنه"‪ .‬كان جهاد النفس مقدما ع‪C‬ى جهاد العدو ‪N‬ي الخارج( )‪.(147‬‬
‫هدف الجهاد‪:‬‬
‫ونخلص من هذا إ"ى أن الجهاد استفراغ الوسع ‪N‬ي محاربة ٔالاعداء ‪N‬ي الداخل والخارج‪،‬‬
‫وليس الهدف منه هو القضاء ع‪C‬ى العدو‪ ،‬وإنما هو القضاء ع‪C‬ى أسباب العداوة‬
‫والخصومة‪ ،‬فالكفر سبب العداوة ب>ن املؤمن والكافر‪ ،‬فإذا زال السبب ودخل الكفار ‪N‬ي‬
‫ٕالاسالمخ فقد زالت العداوة‪ .‬والنفاق سبب العداوة ب>ن املؤمن واملنافق ‪ ،‬وإذا زال النفق‬
‫زالت العداوة‪.‬‬
‫ومآل الحرب ‪H‬ي ٕالاسالم إى أحد أمور‪:‬‬
‫أن يخل الكافر املحارب ‪N‬ي ٕالاسالم‪.‬‬
‫ً‬
‫أن يدفع الجزية ويخل ‪N‬ي دار ٕالاسالم خاضعا لثقاف‪*¥‬ا ونظامها‪.‬‬
‫فيق‪ HºÁ‬ع‪C‬ى كفرﻩ باستئصاله وهدر دمه‪.‬‬ ‫أن ُيقتل ُ‬
‫الدعوة ¡ي الوسيلة ٔالاوى لكسب ٔالانصار ‪:‬‬
‫وهذا ترتيب توقيفي البد من مراعاته‪ .‬ومن خالله نرى أن الدعوة مقدمة ع‪C‬ى غ>‪x‬ها‪ ،‬و]ي‬
‫الوسيلة ٔالاو"ى لكسب ٔالانصار ولتحويل الكفار إ"ى مؤمن>ن وهدف الدعوة باللسان واليد‬
‫واحد‪ .‬ؤالاصل ‪N‬ي تكوين املجتمع املسلم دعوة ٔالافراد للدخول ‪N‬ي ٕالاسالم فيل™‪Ì‬مون عقيدته‬
‫وشريعته‪.‬‬
‫ً‬
‫والدعوة إ"ى ﷲ بالحكمة واملوعظة ا لحسنة تجلب كل يوم أنصارا لإلسالمم‪ .‬وكلما أقبل‬
‫فرد ع‪C‬ى هذﻩ الدعوة سقط مكون من مكونات الجاهلية‪ ،‬وهكذا فإن الجاهلية ‪N‬ي مكة كان‬
‫لها ‪N‬ي كل يوم حديث عن تحول رجل أوامرأة من ساحة الشرك إ"ى ساحة ٕالايمان‪ ،‬ومن‬
‫جند الشيطان إ"ى جند الرحمن‪.‬‬
‫ما فقدناﻩ بسبب الغزو الفكري‬
‫نسƒŒدﻩ عن طريق الدعوة‬
‫إن الغزو الفكري الذي داهم بالد املسلم>ن قد استحوذ ع‪C‬ى جمهرة كب>‪x‬ة من أبنا•*ا‪،‬‬
‫وسقط هؤالء ٔالابناء صر‪µ‬ى ‪N‬ي معركة فكرية كانت ‪N‬ي غيبة الدعاة غ>‪ x‬متكافئة‪ ،‬وما‬

‫)‪.38/2  D!  (147‬‬

‫‪49‬‬
‫خسرناﻩ عن طريق الفكر ك¨‪ x‬مما خسرناﻩ عن طريق معارك املواجهة‪ ،‬وما نس™‪x‬دﻩ عن طريق‬
‫الفكر بعد هذﻩ الصحوة واليقظة أك¨‪ x‬مما نس™‪x‬دﻩ عن طريق املواجهة ‪.‬‬
‫و‪N‬ي ح>ن أن القتال يكون ب>ن مجتمع>ن ‪ :‬مجتمع ٕالايمان ومجتمع الكفر بسبب العوائق ال‪‹I‬‬
‫يضعها الكافرون ‪N‬ي وجه الدعوة‪ ،‬فإن الدعوة بالحوار واملوعظة تبقى قائمة ‪N‬ي املجتمع‬
‫نفسه الستقطاب ٔالافراد من هذا املجتمع أو من املجتمعات ٔالاخرى‪ .‬وأما انقسام املجتمع‬
‫إ"ى فرقت>ن متصارعت>ن فإنه ُيل‪ó‬ي الدعوة بالحكمة واملوعظة الحسنة‪ُ ،‬وينت·‪ H‬دور الكلمة‬
‫الهادئة الودود‪ ،‬وعندها ال يكون أمام الدعاة من سبيل إال الفرار من املجتمع والرضا‬
‫ً‬
‫بشواهق الجبال أو عميق الكهوف ‪ ،‬وبذلك تتأكل الدعوة وتذوى يوما بعد يوم‪.‬‬
‫إن الفرار من املجتمع أو العزلة عنه أسلوب يدل ع‪C‬ى ضيق ٔالافق ويكشف عن جهل‬
‫ً‬
‫بأوليات الدعوة‪ .‬ويدل أيضا ع‪C‬ى اليأس مناملجتمع ‪،‬وع‪C‬ى فشل الداعية ‪N‬ي ٕالاصالح‪ ،‬وإن‬
‫أعداء الفكرة ٕالاسالمية يطمعون ‪N‬ي إيصال الداعية إ"ى مثل هذﻩ القناعات‪ ،‬وإن خطر هذﻩ‬
‫ٔالافكار أعظم ع‪C‬ى الدعوة من خطر أعدا•*ا عل‪*j‬ا‪.‬‬
‫موقف الن¬«  من العزلة ‪:‬‬
‫ُ‬
‫لقد كان رسول ﷲ  وهو ‪N‬ي شعب أبي طالب يتشوق إ"ى اليوم الذي تمزق فيه صحيفة‬
‫املقاطعة ليعود هو وأصحابه إ"ى املجتمع املكي يقارعونه بالحجة واملوعظة والكلمة‪ .‬وبذلك‬
‫يكون رسول ﷲ  قد رفض العزل عن املجتمع ولم يعد وجودﻩ وأصحابه ‪N‬ي الشعب‬
‫ً‬ ‫ً‬
‫استقالال مباركا للحركة ٕالاسالمية عن املجتمع وذلك ألن ٕالاسالم يقرر أن للدعوة طريق>ن‪.‬‬
‫الطريق ٔالاول ‪ :‬الدعوة بالحكمة واملوعظة الحسنة عندما يكون املسلمون مختلط>ن بغ>‪x‬هم‬
‫وهم قلة ‪N‬ي املجتمع‪.‬‬
‫الطريق الثاني ‪ :‬الدعوة بكل وسائلها بما ف‪*j‬ا القتال وذلك عندما يكون للمسلم>ن مجتمع‬
‫كتب له أسباب الحياة من حيث املوقع الاس™‪x‬اتي‪Ô‬ي والسكاني والاقتصادي‪.‬‬
‫فهم املفسرين لهذﻩ الفكرة‪:‬‬
‫قال ابن ك¨‪N x‬ي تفس>‪ x‬قوله تعا"ى ‪  :‬ألم َتر إ"ى الذين قيل لهم كفوا أيديكم وأقيموا الصالة‬
‫ُ‬
‫وآتوا الزكاة فلما كتب عل‪*j‬م القتال إذا فريق م‪*w‬م يخشون الناس كخشية ﷲ أو أشد‬
‫خشية )‪ (148‬يقول ‪ ) :‬كان املؤمنون ‪N‬ي ابتداء ٕالاسالم وهم بمكة مأمورين بالصالة والزكاة‪،‬‬
‫وكانوا مأمورين بمواساة الفقراء م‪*w‬م‪ ،‬وكانوا مأمورين بالصفح والعفو عن املشكرين‬

‫)‪.77 :  : K $   (148‬‬

‫‪50‬‬
‫ُ‬
‫والص‪ xy‬إ"ى ح>ن‪ .‬وكانوا يتحرقون ويودون لو أمروا بالقتال ليتشفوا من أعدا•*م‪ .‬ولم يكن إذ‬
‫ً‬
‫ذاك مناسبا ألسباب كث>‪x‬ة م‪*w‬ا‪ :‬قلة عددهم بالنسبة إ"ى ك¨‪x‬ة عدد عدوهم‪ ،‬وم‪*w‬ا كو‪*°‬م‬
‫كانوا ‪N‬ي بلدهم وهو بلد حرام( )‪.(149‬‬
‫تحليل ‪:‬‬
‫فابن كث>‪ x‬ـ رحمه ﷲ ـ يستبعد استعمال القوة عند قلة العدد ‪ ،‬الذي هو مظنة عدم الغلبة‬
‫والعدد ع‪C‬ى الاطالق‪ ،‬وأن‬ ‫ُ‬ ‫‪ ،‬وها مخالف للفهم الخطأ ‪ ،‬الذي خالصته أنه ال ع‪xy‬ة بالعدد‬
‫ً‬ ‫ً‬
‫مائة صابرة تغلب ألفا‪ .‬علما بأن القرآن الكريم جاء يفصل هذﻩ القضية‪ .‬و‪N‬ي سورة ٔالانفال‬
‫حرض املؤمن>ن ع‪C‬ى القتال إن يكن منكم عشرون صابرون‬ ‫يقول ﷲ تعا"ى‪  :‬يأ‪*+‬ا الن´‹ ﱠ‬
‫ً‬
‫يغلبوا مائت>ن وإنيكن منكم مائة يغلبوا ألفا من الذين كفروا بأ‪*°‬م قوم ال يفقهون* ٓالان‬
‫ً‬
‫خفف ﷲ عنكم وعلم أن فيكم ضعفا فإن يكن منكم مائة صابرة يغلبوا مائت>ن وإن يكن‬
‫منكم ألف يغلبوا ألف>ن بإذن ﷲ وﷲ مع الصابرين)‪.(150‬‬
‫قال ابن كث>‪ : x‬عن ابن عباس ر‪ ‹ºÛ‬ﷲ ع‪*w‬ما ‪ :‬ملانزلت ‪  :‬إن يكن منكم عشرون صابرون‬
‫يغلبوا مائت>ن ‪‬شق ذلك ع‪C‬ى املسلم>ن‪ ،‬ح>ن فرض ﷲ ع‪*j‬م أال يفر واحد من عشرة‪ ،‬ثم‬
‫جاء التخفيف فقل ‪ٓ  :‬الان خفف ﷲ عنكم ‪‬قال‪ :‬خفف ﷲ عنكم من العدة‪ ،‬ونقص‬
‫منالص‪ xy‬بقدر ما خفف ع‪*w‬م‪ . .‬روى البخاري ) عن ابن عباس ـ ر‪ ‹ºÛ‬ﷲ ع‪*w‬ما ـ ملا نزلت‬
‫ً‬
‫هذﻩ ٓالاية ثقل ع‪C‬ى املسلم>ن‪ ،‬وأعظموا أن يقاتل عشرون مائت>ن ‪ ،‬ومائة ألفا‪ ،‬فخفف ﷲ‬
‫ع‪*w‬م فنسخها باآلية ٔالاخرى‪ ،‬فكانوا إذا كانوا ع‪C‬ى الشطر من عدوهم لم يسغلهم أن يفروا‬
‫من عدوهم‪ ،‬وإذا كانوا دون ذلك لم يجب عل‪*j‬م قتالهم وجاز لهم أن يتجوزوا ع‪*w‬م( )‪.(151‬‬
‫قال الرازي‪ :‬الذي استقر حكم التكليف عليه بمقت‪ HºÁ‬هذﻩ ٓالاية كل مسلم بالغ مكلف‬
‫ً‬
‫وقف بإزاء مشرك>ن فالهزيمة محرما عليه ما دام معه سالح يقاتل به‪ .‬فإن لم يبق معه‬
‫سالح فله أن ي‪*w‬زم‪ ،‬وإن قاتله ثالثة حلت له الهزيمة والص‪ xy‬أحسن)‪.(152‬‬
‫وهذا النمط من ال™‪x‬بية يفتقر إليه كث>‪ x‬من الناس الذين يظنون أن ال‪*¥‬ور قربة إ"ى ﷲ‬
‫تعا"ى ‪ ،‬ويظنون أن رمي ٔالالوف املؤلفة باآلحاد أسلوب مبدع من أساليب العمل ٕالاسالمي‪،‬‬

‫)‪.329/2 EB /  (149‬‬


‫)‪.66)65 : /  1 $   (150‬‬
‫)‪.344/3 EB /  (151‬‬
‫)‪.196/15    (152‬‬

‫‪51‬‬
‫ً‬
‫وٓالايتان السابقتان تبطالن هذاالفهم‪ .‬علما بأن أصحاب رسول ﷲ  هم ‪N‬ي الذؤوابة ‪N‬ي‬
‫طب الفضل والسبق والتماس رضا ﷲ سبحانه وتعا"ى‪.‬‬
‫وهناك فرق كب>‪ x‬ب>ن الرغبة ‪N‬ي تسجيل املواقف البطولية والرغبة ‪N‬ي تحقيق ٔالاهداف‪،‬‬
‫والوصول باملسلم>ن إ"ى شاطئ السالمة ‪ ،‬والخروج ‪*o‬م من املعاناة‪.‬‬
‫وأما قول ابن كث>‪":x‬وم‪*w‬ا كو‪*°‬م كانوا ‪N‬ي بلدهم " فيدل ع‪C‬ى فطنته وحكمته‪ ،‬فقد التفت إ"ى‬
‫أن املسلم>ن ‪N‬ي مكة إنما يعيشون ‪N‬ي بلدهم‪ ،‬وعندما يلجأون إ"ى القوة فإن آثارها ستصيب‬
‫ً‬
‫أوال ‪ .‬واملسلم ُعرف باإلصالح وٕالاحسان والتنمية وال™‪Ì‬كية وصلة الرحم رغم ما يكون‬ ‫بلدهم‬
‫عليه أعداؤﻩ من قومه من القطيعة وٕالاساءة‪.‬‬

‫سورة الفتح تؤكد هذا املع‪:H¢‬‬


‫وقد جاءت سورة الفتح تذكر أن وجود بعض املؤمن>ن الذين يكتمون إيما‪*°‬م ‪N‬ي املجتمع‬
‫صرف أجلها القتال‪ ،‬فقال تعا"ى‪  :‬ولوال رجال مؤمنون ونساء‬ ‫املكي كان من ٔالاسباب ال‪ُ ‹I‬‬
‫معرة بغ>‪ x‬علم ليدخل ﷲ ‪N‬ي رحمته من‬ ‫مؤمنات لم تعلموهم أن تطؤوهم فتصيبكم م‪*w‬م ّ‬
‫ً‬ ‫ً‬
‫يشاء* لو تزيلوا لعذبنا الذين كفروا م‪*w‬م عذابا أليما)‪.(153‬‬
‫يقول القرطي ‪N‬ي تفس>‪ x‬هذﻩ ٓالاية ‪  :‬ولوال رجال مؤمنون يع‪ ‹¢‬املستضعف>ن من املؤمن>ن‬
‫بمكة وسط الكفار‪  ،‬لم تعلموهم أ‪*°‬م مؤمنون ‪  ،‬أن تطؤوهم  بالقتل وٕالايقاع ‬
‫معرة بغ>‪ x‬علم  ‪ ،‬أي يقول املشركون‪ :‬قد قتلوا أهل دي‪*w‬م  لو تزيلوا لو‬ ‫فتصيبكم م‪*w‬م ّ‬
‫زال املؤمنون من ب>ن أظهرالكفار لعذب الكفار بالسيف‪ ،‬ولكن ﷲ يدفع باملؤمن>ن عن‬
‫الكافرين)‪ .(154‬و‪N‬ي ذلك يقول ابن كث>‪ ) :x‬ولوال أن ب>ن أظهرهم ممن يكتم إيمانه ويخفيه‬
‫م‪*w‬مخيفة ع‪C‬ى أنفسهم من قومهم‪ ،‬لكنا سلطناكم عل‪*j‬م ‪ ،‬فقتلتموهم‪ ،‬وأبدتم خضراءهم‬
‫‪ ،‬ولكن ب>ن أفنا•*م من املؤمن>ن واملؤمنات أقوام ال تعرفو‪*°‬م حالة القتال ( )‪.(155‬‬

‫)‪.25  >   (153‬‬


‫)‪.345/64J   (154‬‬
‫)‪.286)285/16 EB /  (155‬‬

‫‪52‬‬
‫نخلص من هذا إ"ى أنه ال مناص من الدعوة بالحكمة واملوعظة الحسنة ‪N‬ي حالة اختالط‬
‫الصالح>ن بغ>‪x‬هم واملسلم>ن بغ>‪x‬هم‪ ،‬وأناستخدام القوة مؤاﻩ خطر ع‪C‬ى الدعوة والدعاة‬
‫لألسباب ٓالاتية‪:‬‬
‫ستتعرض فئات املجتمع أللوان البطش وٕالارهاب وسيذهب ال‪xy‬يء مع غ>‪x‬ﻩ‪.‬‬
‫ست َغ ﱠيب الدعوة بالحكمة واملوعظة والكلمة ‪ ،‬ولن يعود هناك من وسيلة للتفاهم سوى‬ ‫ُ‬
‫القوة‪.‬‬
‫سي™‪x‬ك الدعاة أماكن التأث>‪N x‬ي املجتمع إ"ى املغاور والكهوف ؤالاماكن النائية‪.‬‬
‫ستنفرد ٔالافكار املعادية ب™‪x‬بية املجتمع وتوج‪*j‬ه‪.‬‬
‫سيواجه ٕالاسالم بالدعاية املضادة‪ ،‬واž*ام رجالهبأ‪*°‬م ال يفهمون سوى لغة القوة والبطش‪.‬‬ ‫ُ‬
‫ستخسرالدعوة من رجالها من يصعب تعويضه وسد العجز النا‪ ºà‬عن فقدﻩ‪.‬‬
‫ً‬
‫سيقف هذا ٔالامر مانعا من لحاق كث>‪ x‬من الناس بركب الدعوة‪ ،‬ألن الناس يفهمون عندها‬
‫أن الدعوة ليس لها هدف عميق صبور طموح يعمل ـ بإذن ﷲ ـ ع‪C‬ى إيصال املجتمع إ"ى‬
‫قبول ٕالاسالم ‪ ،‬وإنمايسود التصور القائل بأن املسلم يريد أن يموت ‪N‬ي سبيل ﷲ‪ ،‬وليست‬
‫لديه خطة واعية ناشطة للوقوف ‪N‬ي وجه الف™ن ال‪ ‹I‬ستبقى تالحق أبناءﻩ وأقرباءﻩ وج>‪x‬انه‪.‬‬
‫يحول العمل لإلسالم إ"ى‬ ‫وعندما ال يضع املسلم ‪N‬ي حسبانه مقارنة قوته بقوة أعدائه فإنه ّ‬
‫ضرب من الانتحار‪ ،‬ولكنه ‪N‬ي سبيل ﷲ !!‪.‬‬
‫وقفة ‪:‬‬
‫وهناك خلط كب>‪ x‬ب>ن طبيعة الجماعة وطبيعة املجتمع ‪ ،‬والذين يطالبون الجماعة بما‬
‫يطالبون به املجتمع ‪ ،‬إنما يفعلون ذلك لظ‪*w‬م بأن الجماعة مجتمع ‪.‬‬
‫والصواب أن الجماعة أفراد من الناس التقوا ع‪C‬ى فكر مع>ن ووالء مع>ن وخهطة معينة‬
‫ولهم تنظيم وقيادة ‪ .‬وهؤالء ٔالافراد متناثرون ب>ن فئات املجتمع ال يشكلون أك¨‪x‬ية عددية ‪،‬‬
‫وال يملكون القوة الفاعلة ‪N‬ي أجهزة املجتمع ومؤسساته‪ ،‬وصورة املسلم>ن ‪N‬ي مكة قبل‬
‫الهجرة تمثل حالة الجماعة‪.‬‬
‫وأما املجتمع فهو قطاع عريض من الناس‪ ،‬يحكمهم نظام يخضعون لسلطان‪ ،‬وهذا‬
‫القطاع له مؤسساته وأجهزته ويسيطر ع‪C‬ى هذﻩ املؤسسات ؤالاجهزة ويضع لها السياسات‪.‬‬
‫ويقوم هذا املجتمع ع‪C‬ى أرض ال ينازعه ف‪*j‬ا أحد‪ ،‬وهذا القطاع العريض يعمل ع‪C‬ى صياغة‬
‫ٔالافراد وفق قيمه وتطلعاته‪ .‬واملجتمع ‪N‬ي املدينة بعد الهجرة يمثل هذﻩ الصورة‪.‬‬

‫‪53‬‬
‫نتيجة‪:‬‬
‫إذا اتضح هذا فينب‪ó‬ي أن نفرق ب>ن مواجهة مجتمع ملجتمع آخر ‪ ،‬وب>ن مواجهة جماعة‬
‫ملجتمع‪ .‬والجماعة ال تستطيع أن تواجه املجتمع‪ ،‬وذلك ألن املجتمع نسيج كامل‪ ،‬وأجهزة‬
‫فاعلة ناشطة ال تتوقف عن العطاء والتنمية والتكاثر‪ ،‬ففي املجتمع تبقى املؤسسات‬
‫التعليمية تعمل‪ ،‬وتبقى املؤسسات الاقتصادية تنتج‪ ،‬وتبقى الدوائر ال™‪x‬بوية تربي‪N ،‬ي ح>ن‬
‫أن الجماعة إذا دخلت ‪N‬ي محنة القتال فإن دوائرها ال™‪x‬بوية والاقتصادية والعملية وسائر‬
‫ستضمر وتذوى ‪،‬وإ"ى جانب ذلك فإن‬ ‫ُ‬ ‫وسائلها ستتوقف عن العمل‪ ،‬و‪N‬ي ال‪*w‬اية فإ‪*°‬ا‬
‫ً‬
‫املجتمع ال ‪ ̙*+‬بخسارته فردا من أفرادﻩ‪.‬‬
‫الن´‹  ب>ن الجماعة واملجتمع ‪:‬‬
‫ً‬
‫وتطبيقا لهذا املبدأ فإن الرسول  لم يوافق بعض اأنصار ‪N‬ي بيعة العقبة عندما استأذنوﻩ‬
‫‪N‬ي أن يميلوا ع‪C‬ى أهل م‪ H¢‬بأسيافهم‪ ،‬وذلك بعد أن فهموا أن البيعة ع‪C‬ى حرب ٔالاحمر‬
‫ؤالاسود‪.‬‬
‫قال ‪N‬ي إمتاع ٔالاسماع ‪ ) :‬وكانت هذﻩ البيعة ع‪C‬ى حرب ٔالاحمر ؤالاسود‪ ،‬فلماتمت بيع‪*¥‬م‬
‫استأذنوا رسول ﷲ  أن يميلوا ع‪C‬ى أهل م‪ H¢‬بأسيافهم‪ ،‬فقال‪ " :‬لم نؤمر بذلك " ‪ .‬فرجعوا‬
‫وعادوا إ"ى املدينة ( )‪.(156‬‬
‫ولو كان الهدف منالدعوة مجرد الانتقام من رؤوس الشرك ألمر رسول ﷲ ـ  ـ أتباعه‬
‫بقتلهم ‪،‬ولو كان الهدف من الدعوة أن يصل املؤمنون إ"ى مرتبة الشهادة لقاموا بذلك ‪N‬ي‬
‫بداية أمرهم عند البيعة وهم ‪N‬ي طور الجماعة‪ ،‬وهذا عمل ال ينسجم مع ٔالاهداف واملصالح‬
‫الكب>‪x‬ة ال‪ ‹I‬راعاها هذا الدين‪.‬‬
‫وكذلك الحال ‪N‬ي املدينة؛ فإن أهل املدينة لم يدخلوا ‪N‬ي ٕالاسالم دفعة واحدة‪ ،‬بل بقيت‬
‫ً‬
‫طوائفالنفاق تعيث فسادا وتتآمر ع‪C‬ى املسلم>ن‪ ،‬إال أن رسول ﷲ  استعاض عن حرب‬
‫التصفية الجسدية بحرب الدعوة والجدل وٕالاحسان للخصوم‪.‬‬
‫اختالل املوازين أمام ضغط الواقع ‪:‬‬
‫ً‬ ‫ً‬ ‫ً‬
‫ال شك أن للواقع الذي يعيشه املسلمون تأث>‪x‬ا كب>‪x‬ا ع‪C‬ى فكرهم وممارس‪*¥‬م‪ ،‬وأحيانا يصل‬
‫ضغط هذا الواقع إ"ى درجة يفقد املسلم معهاﻩ قدرته ع‪C‬ى تصور الخط امل‪Ô*w‬ي ‪ ،‬ويتساءل ‪:‬‬

‫)‪.37 S !. S !T (156‬‬

‫‪54‬‬
‫إ"ى م‪ HI‬نبقى تحت وطأة املعاناة ؟ فيقول ‪:‬أليس هناك‪‹ºÜ‬ء غ>‪ x‬الص‪ xy‬واملصابرة؟ وعندها‬
‫يجيب املتحمسون ع‪C‬ى هذا السؤال بطلب املواجهة والانتقام ولو ع‪C‬ى حساب الدعوة‪.‬‬
‫ً‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫والقرآن الكريم يحذرنا م‪*w‬ذا التفك>‪ّ x‬‬
‫الغر ويب>ن أن أك¨‪ x‬الناس حماسا وž*ورا واستعجاال هم‬
‫الذين يصابون بخور العزيمة ‪.‬‬
‫ً‬ ‫ّ‬
‫بكف ٔالايدي وضبط النفس ‪ ،‬ولم يكن هذا جبنا‬ ‫ومن هنا فإن الشجاعة ‪N‬ي مكة كانت ِ‬
‫ً‬
‫أوخوفا ‪ ،‬والشجاعة ‪N‬ي املدينة كانت بالقتال وجهاد ٔالاعداء‪ .‬ومن لم يمتلك الشجاعة ‪N‬ي‬
‫مكة بكف يديه وضبط نفسه نجدﻩ تخور نفسه وت‪*w‬ار عزيمته عندما طلب منه مواجهة‬
‫الكفار ‪N‬ي ساحة املعركة‪ .‬فالتعا"ي ع‪C‬ى ٔالاذى والجراح مع شدة الدوا‪µ‬ي الباعثة ع‪C‬ى الانتقام‬
‫هو قمة الشجاعة‪ .‬إذ أن النفس مجبولة ع‪C‬ى كرﻩ الظلم وحب الانتقام ‪ ،‬وإرغامها ع‪C‬ى‬
‫ً‬
‫الص‪ xy‬حرصا ع‪C‬ى مصلحة الجماعة الناشئة يحتاج إ"ى مجاهدة ومصابرة‪ ،‬فقمة املجاهدة‬
‫الانتصار ع‪C‬ى النفس ال الانتصار لها ‪  :‬ألم تر إ"ى الذين قيل لهم كفوا أيديكم وأقيموا‬
‫الصالة وآتوا الزكاة فلماكتب عل‪*j‬م القتال إذا فريق م‪*w‬م يخشون الناس كخشية ﷲ أو‬
‫أشد خشية وقالوا ربنا لم كتبت علينا القتال لوال أخرتنا إ"ى أجل قريب قل متاع الدنيا‬
‫ُ‬
‫قليل وٓالاخرة خ>‪ x‬ملن اتقى وال تظلمون فتيال)‪.(157‬‬
‫يقول ٔالاستاذ سيد قطب رحمه ﷲ ‪ ) :‬يعجب ﷲ سبحانه من أمر هؤالء الذين كانوا‬
‫يتدافعون حماسة إ"ى القتال ويستعجلونه وهم ‪N‬ي مكة يتلقون ٔالاذى والاضطهاد والفتنة‬
‫ً‬
‫من املشرك>ن ‪ ،‬ح>ن لم يكن مأذونا لهم بالقتال للحكمة ال‪ ‹I‬يريدها ﷲ ‪ ،‬فلما أن جاء‬
‫ُ‬
‫الوقت املناسب الذي قدرﻩ ﷲ‪ ،‬وž*يأت الظروف وكتب عل‪*j‬م القتال‪ ،‬إذا فريق م‪*w‬م شديد‬
‫الجزع شديد الفزع()‪.(158‬‬
‫ً‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫ً‬
‫ويقول أيضا ‪ ) :‬إن أشد الناس حماسة واندفاعا وž*ورا ‪ ،‬قد يكونون هم أشد الناس جزعا‬
‫الجد وتقع الواقعة‪ ،‬بل إن هذﻩ قد تكون القاعدة! وذلك أن‬ ‫وا‪*°‬يا ًا وهزيمة عندما يجد ّ‬
‫ر‬
‫ً‬
‫الاندفاع وال‪*¥‬ور والحماسة الفائقة غالبا ما تكون منبعثة عن عدم التقدير لحقيقة‬
‫التكاليف‪ ،‬ال عن شجاعة واحتمال وإصرا‪ ،‬كما أ‪*°‬ا قد تكون منبعثة عن قلة الاحتمال‪ ،‬قلة‬
‫احتمال الضيق ؤالاذى والهزيمة‪ ،‬فتدفعهم قلة الاحتمال إ"ى طلب الحركة والدفع والانتصار‬
‫بأي شكل‪ ،‬دون تقدير لتكاليف الحركة والدفع والانتصار‪ ،‬ح‪ HI‬إذا ووجهوا ‪*o‬ذﻩ التكاليف‬

‫)‪.77 :  K $   (157‬‬


‫)‪.712/2 /0  123 45 (158‬‬

‫‪55‬‬
‫ً‬ ‫ً‬ ‫ً‬
‫كانت أثقل مما قدروا وأشق مما تصوروا‪ ،‬فكانوا أول الصف جزعا ونكوال وا‪*°‬يارا‪ .‬ع‪C‬ى ح>ن‬
‫يثبت أولئك الذين كانوا يمسكون أنفسهم ويحتملون الضيق ؤالاذى بعض الوقت‪ ،‬ويعدون‬
‫لألمر ُع ﱠدته( )‪.(159‬‬
‫واجب املوجه>ن واملفكرين‪:‬‬
‫قد يبلغ تيار الحماس من الشدة إ"ى درجة ينساق املربي واملوجه واملفكر ‪N‬ي هذا التيار‪،‬‬
‫ويفقد هؤالء قدرž*م ع‪C‬ى السيطرة والقيادة‪ .‬وهذﻩ مجاراة خطرة وكما تكون مجاراة أهل‬
‫املعا‪N ‹ºú‬ي معصي‪*¥‬م فإن مجاراة املتعجل>ن والتنازل عن خط الدعوة املثمر كب>‪x‬ة من‬
‫الكبائر ‪ ،‬بالرغم مما قد يوصف به املوجه من العجز والضعف‪ .‬وإن املوجه الذي آتاﻩ ﷲ‬
‫بص>‪x‬ة ومعرفة مسؤول عن نتائج التعجل أك¨‪ x‬من املتعجل>ن‪.‬‬
‫الحل الصحيح‬
‫إن ضغط الواقع ينب‪ó‬ي أن ال يسوق إ"ى الحل الخطأ ‪ ،‬ومهما طال انتظار الحل الصحيح‬
‫فإن هذا هو الصواب ‪ ،‬وطول الزمن ال يفقد الحق أحقيته ‪ ،‬وقصر الزمن ال ُيصفى ع‪C‬ى‬
‫الخطأ صفة الصواب‪.‬‬
‫عود ع‪C‬ى بدء‬
‫إن الحل الصحيح هو الدعوة مع املعاناة والص‪ xy‬ع‪C‬ى طول الطريق والتمركز ‪N‬ي املجتمع‬
‫والتماس أسباب القوة والبحث عن هذﻩ ٔالاسباب ‪N‬ي كل مجتمعات ٔالارض‪ ،‬وحشد الطاقات‬
‫ً‬
‫‪N‬ي أك¨‪x‬ها توقعا لقبول الدعوة ‪ ،‬وهو جهد ال يعرف الكلل وال امللل ‪ ،‬وعندئذ تقوم القاعدة‬
‫الصلبة‪ ،‬ال‪ ‹I‬يبدأ م‪*w‬ا طريق الحل الشامل‪.‬‬
‫وقبل ذلك ‪:‬‬
‫ً‬
‫وإ"ى أن يصل املسلمون إ"ى تلك املرحلة فإنه سيدفعون الثمن غاليا من الضحايا والدماء‬
‫ؤالاشالء‪ ،‬ولكن سيجدون بعون ﷲ تعا"ى ثمرة جهادهم وجهدهم‪ .‬وبغ>‪ x‬هذا الطريق‬
‫ً‬
‫سيدفعون الثمن مضاعفا مع البعد عن الهدف‪.‬‬
‫وعندما يقبل املجتمع أن يكون ٕالاسالم نظامه وشريعته‪ ،‬وذلك من خالل مراكز القوة فيه‬
‫ً‬
‫فإن املجتمع يصبح إسالميا ‪ ،‬وعندئذ تتكون القاعدة القادرة ع‪C‬ى القيام بأعباء الحرب‪،‬‬
‫ً‬ ‫ً‬
‫ويكون املجتمع عندئذ قادرا ع‪C‬ى استغالل طاقاته ‪ ،‬عامال ع‪C‬ى تعويض كل نقص ينشأ من‬

‫)‪.712/2 /0  123 45 (159‬‬

‫‪56‬‬
‫جراء القتال ‪ ،‬ويصبح القتال وسيلة ممهدة للدعوة تعمل ع‪C‬ى إزالة العقبات املانعة من‬
‫وصول الدعوة إ"ى الناس‪.‬‬
‫فالهدف من الدعوة والقتال واحد‪ ،‬وهو إيصال الخ>‪ x‬إ"ى الناس‪ .‬والفارق بي‪*w‬ما أن الدعوة‬
‫تكون مع احتمال ٔالاذى‪ ،‬والقتال يكون دعوة مع إزالة ٔالاذى‪.‬‬
‫إن أعداء ٕالاسالم يطمعون ‪N‬ي أن تخرج الجماعة املؤمنة عن خطها فتستعجل النصر‬
‫‪،‬وتحاول قطف الثمرة قبل أوا‪*°‬ا‪ .‬والشواهد كث>‪x‬ة ع‪C‬ى عمليات الاستدراجال‪ ‹I‬تنت·‹‬
‫بالبطش والتنكيل بالعامل>ن لإلسالم ‪ ،‬إ"ى جانب النتائج السلبية ال‪ ‹I‬ي™‪x‬كها التعجل ع‪C‬ى‬
‫الجماعة وأنصارها وخططها ومستقبلها‪.‬‬
‫لقد آن ٔالاوان أن يفعل املسلم ما يريدﻩ ال ما ُيراد له وأن يتصرف وفق ما خطط له ‪ ،‬وال‬
‫ً‬
‫ينب‪ó‬ي أن ُيشغل املسلم عن هدفه مؤثرا حظ النفس ‪N‬ي العاجلة ‪ ،‬ع‪C‬ى تحقيق ٔالاهداف‬
‫ٓالاجلة‪.‬‬
‫إن الجماعة ٕالاسالمية لتسجيل كل يوم نتائج إيجابية تقر‪*o‬ا من الهدف ‪ ،‬وإن املراقب‬
‫املنصف ل>‪x‬ى التحوالت الجذرية ‪N‬ي فكر كث>‪ x‬من الناس وسلوكهم ‪ ،‬ويالحظ أن ٔالامة بدأت‬
‫تستجيب لنداء ٕالايمان ‪ ،‬وبدأت تالف ما كانت باألمس تنكرﻩ ‪ .‬وإن العمل الحثيث يصل‬
‫باألمة إ"ى إحداث تغي>‪ x‬كب>‪N x‬ي جميع شؤون حياž*ا‪ .‬وإن العديد من املؤسسات آخذ ‪N‬ي‬
‫الاتجاﻩ نحو ٕالاسالم‪.‬‬
‫وهكذا فإن الدعوة إ"ى ﷲ تعا"ى ]ي الوسيلة إ"ى تكوين مجتمع ٕالاسالم وقاعدته وإن القتال‬
‫حركة اجتماعية تنبثق عن املجتمع وترتكز ع‪C‬ى القاعدة الصلبة وعندها ماذا سيقول‬
‫املتعجلون ؟ هل يقولون ‪  :‬ربنا لم كتبت علينا القتال لوال أخرتنا إ"ى أجل قريب  )‪.(160‬‬

‫القاعدة الثالثة عشرة‬


‫ُ‬
‫الدعوة سلعة شريفة ال تباع باألعراض‬
‫الدنيوية ‪ ،‬ؤالاجرة الدنيوية يفسد املروءة ‪ ،‬وال ُيصلح الدعوة‬
‫الداعية يعمل بمقت‪ HºÁ‬تكليف ﷲ تعا"ى‪ .‬ووظيف الدعوة ليست من جنس الوظائف‬
‫الدنيوية‪ ،‬ف·‹ أسم‪ H‬وأشق‪ .‬وما من وظيفة تحتمل كل صور الهالك والا‪*°‬اك كوظيفة‬

‫)‪.77  : K $   (160‬‬

‫‪57‬‬
‫الدعوة‪ :‬فف‪*j‬ا توقع هالك النفس واملال‪ ،‬وف‪*j‬ا احتمال البعد عن ٔالاهل والولد ؤالاوطان‪.‬‬
‫ووظيفة ف‪*j‬ا مثل هذا الجهد ال تعادلها الدنيا كلها‪.‬‬
‫ً‬ ‫ً‬
‫ولقد كان كل ن´‹ من أنبياء ﷲ الكرام يؤكد هذا املبدأ قائال ‪  :‬ال أسألكم عليه أجرا)‪.(161‬‬
‫ُ‬
‫وقد أمر رسول ﷲ  بال™‪Ì‬ام هذا النهج ‪ ،‬وعندما أعرض أهل مكة عن ٕالايمان جاءت ٓالاية‬
‫ً‬ ‫ً‬
‫تسألهم عن سبب إعراضهم‪ ،‬وتقول ‪  :‬أم تسألهم أجرا فهم من مغرام مثقلون)‪ .(162‬علما‬
‫ً‬
‫بأن طالب الدنيا ال يفعلون شيئا إال بأجر دنيوي‪ .‬وإن قصة السحرة مع مو‪ HºÒ‬ـ عليه السالم‬
‫ً‬
‫ـ تثبت هذا عندما قالوا لفرعون ‪  :‬أئن لنا ألجرا إن كنا نحن الغالب>ن)‪ .(163‬فأكد لهم‬
‫ً‬
‫فرعون ذلك وقال ‪  :‬نعم وإنكم إذا ملن املقرب>ن )‪.(164‬‬
‫قاض‬‫وبعد دخول ٕالايمان إ"ى قلو‪*o‬م لم ي™‪x‬كوا ٔالاجر فقط ‪ ،‬بل قالوا له ‪  :‬فأقض ما أنت ٍ‬
‫إنما تق‪ ‹ºÁ‬هذﻩ الحياة الدنيا )‪.(165‬‬
‫أنواع ٔالاجر الذي يت‪ÌÞ‬ﻩ عنه الداعية ‪:‬‬
‫ؤالاجر الذي ينب‪ó‬ي أن يت‪ÌÞ‬ﻩ عنه الداعية ال يقتصر ع‪C‬ى املال ‪ ،‬وإنما يشمل كل منفعة سب©*ا‬
‫الدعوة ‪ ،‬وينب‪ó‬ي أن ال ينتظر من الناس كلمة الشكر وال إسداء املعروف‪ .‬وكل الذي يريدﻩ‬
‫من املعروف أن تصل الدعوة إ"ى قلوب الخلق ‪.‬‬
‫والتأكيد ع‪C‬ى عدم طلب ٔالاجر له فوائد وحكم‪:‬‬
‫ٔالاول ‪ :‬قد يظن املدعوون أن الداعية إنما شرع ‪N‬ي الدعوة كي يتوصل بالدعوة إ"ى الرزق‬
‫والاكتساب‪ ،‬فرب صاحب دعوة يريد صرف وجوﻩ الناس إليه لينتفع من دعوته‪ ،‬السيما‬
‫وأن معظم الدعاة إ"ى ﷲ فقراء‪ ،‬وع‪C‬ى رأسهم ٔالانبياء الكرام ـ صلوات ﷲ عل‪*j‬م ـ يقول‬
‫ً‬
‫الرازي ‪N‬ي تفس>‪ x‬قوله تعا"ى ‪  :‬ويا قوم ال أسألكم عليه ماال إن أجري إ"ى ع‪C‬ى ﷲ )‪ .(166‬كأﻩ‬
‫ً‬
‫عليه الصالة والسالم قال لهم ‪ :‬إنكم ملا نظرتم إ"ى ظواهر ٔالامور وجدتموني فق>‪x‬ا ‪ ،‬وظننتم‬

‫)‪.90 :  6 D$.   (161‬‬


‫)‪.40 :  J   (162‬‬
‫)‪. 41 : K D=   (163‬‬
‫)‪.42 :  K D=   (164‬‬
‫)‪.72 :  8J   (165‬‬
‫)‪.29 :  &  (166‬‬

‫‪58‬‬
‫أن‪ ‹¢‬إنما اشتغلت ‪*o‬ذﻩ الدعوة ألتوسل ‪*o‬ا إ"ى أخذ أموالكم ‪ ،‬وهذا الظن منكم خطأ‪ ،‬فإني‬
‫ً‬
‫ال أسألكم ع‪C‬ى تبليغ الرسالة أجرا)‪.(167‬‬
‫الثانية ‪ :‬تعودت الشعوب أن تتعامل مع املشعوذين والدجال>ن من الكهنة الذين يتوصلون‬
‫بالدين إ"ى الدنيا وملذاž*ا ‪ ،‬فجاء التأكيد ع‪C‬ى أن هذﻩ الدعوة نقية أصيلة ال يبت‪ó‬ي أهلها‬
‫ً‬
‫عرضا من أعراض الدنيا يتوصلون إليه بسب©*ا‪.‬‬
‫الثالثة ‪ :‬كل عمل مأجور قد يع™‪x‬يه النقص والخلل؛ وصاحبه يس>‪x‬به حسب مقدار ٔالاجر‪.‬‬
‫ودين ﷲ أكرم من أن ُيربط بمتاع الدنيا وتقلبه‪ .‬ومن هنا فالعمل للدعوة مرتبط‬
‫باإلخالص‪.‬‬
‫الرابعة ‪ :‬والعمل املأجور يتأثر بمن يدفع ٔالاجر‪ ،‬وإرادته تتدخل ‪N‬ي العمل‪ .‬وقد عرفت‬
‫ً‬
‫الدعوات نمطا من الناس غ>‪x‬وا وبدلوا تحت ضغط ٔالاجر الدنيوي ‪ .‬وأما ٔالانبياء الكرام‬
‫والصالحون منالدعاة إ"ى ﷲ فقد ثبتوا ع‪C‬ى معالم دعوž*م قاطع>ن طمع كل طامع ‪N‬ي أن‬
‫يغ>‪x‬وا ما جاءوا به أو يبدلوﻩ‪.‬‬
‫الخامسة ‪ :‬وإذا عرف الناس أن الداعية ال يلتمس منفعة دنيوية فإ‪*°‬م يتبينون صدق‬
‫الداعية ‪N‬ي دعوته ‪ ،‬وينجذبون إ"ى الدعوة‪ .‬ومن هنا فقد كانت دعوة رسول ﷲ  أك¨‪x‬‬
‫ً‬ ‫ً‬ ‫ً‬
‫الدعواتتأث>‪x‬ا ‪ ،‬وأعمقها أثرا ‪N‬ي نفوس ٔالاتباع‪ .‬قال الحسن البصري ‪ :‬ال تزال كريما ع‪C‬ى‬
‫الناس ما لم تعاط ما ‪N‬ي أيد‪*+‬م ‪ ،‬فإذا فعلت ذلك استخفوا بك وكرهوا حديثك‬
‫وأبغضوك)‪.(168‬‬
‫ومن لوازم غ‪ H¢‬الداعية عن الناس أن يكون ذا كسب من تجارة أو زراعة أو عمل أو وحرفة‪.‬‬
‫كان أيوب السختياني يقول ألصحابه ‪ :‬الزموا السوق فإن العاقبة ‪N‬ي الغ‪ .(169)H¢‬وقد ُعرف‬
‫أصحاب رسول ﷲ  والسلف الصالح بغناهم عن الناس‪ ،‬وذلك ملا كانوا عليه من‬
‫الكسب‪ ،‬وما اتصفوا به من القناعة‪ .‬ولكن ينب‪ó‬ي أن ال يقود الكسب ـ كحاجة ـ إ"ى الحرص‪،‬‬
‫وال إ"ى تضييع العمر ‪N‬ي جمع املال‪.‬‬
‫قبوال عند الناس ُ‬ ‫ً‬
‫فيع‪xy‬ون عن محب‪*¥‬م له بالهبات والصالت والخدمات‬ ‫وقد يجد الداعية‬
‫والدعوات‪ ،‬وقبول الداعية ملثل هذﻩ ٔالامور يحط من دعوته ‪N‬ي أنظارالناس ‪ ،‬ف‪*j‬ون عل‪*j‬م ‪،‬‬

‫)‪.215/17    (167‬‬


‫)‪.20/3 K . 7? (168‬‬
‫)‪.10/3 K . 7? (169‬‬

‫‪59‬‬
‫ويصبحالداعية مرذول الطريقة مذموم الس>‪x‬ة‪ .‬والصادقون من الدعاة يعطون وال يأخذون‪،‬‬
‫وهم أصحاب ٔالايدي العالية والنفوس الكب>‪x‬ة‪ ،‬ويدخل هذا تحت املروءة ال‪] ‹I‬ي عنصر من‬
‫عناصر الشخصية املسلمة ن ُومكون من ُمكونات الثقة‪ .‬يقول املاوردي ‪ :‬واملروءة ]ي حلية‬
‫النفوس وزينة الهمم)‪ .(170‬وال تكون املروءة إال ‪N‬ي العفة وال‪ÌÞ‬اهة والصيانة‪ .‬والعفة البعد عن‬
‫املحارم واملآثم‪ .‬وال‪ÌÞ‬اهة البعد عن املطامع الذاتية‪ ،‬واملواقف املريبة‪ .‬وأما الصيانة فتكون‬
‫بصيانة النفس عن تحمل امل‪Þ‬ن والاس™‪x‬سال ‪N‬ي الاستعانة بالخلق)‪.(171‬‬
‫َ‬
‫يقول املاوردي‪ :‬واملحتاج إلىالناس ك ﱡل ُمهتضم وذليل ُمستثقل)‪.(172‬‬
‫ومما يجب أن يلتفت إليه أن الوظائف ال‪ُ ‹I‬يحبس عل‪*j‬ا صاح©*ا كالتعليم وٕالامامة‬
‫ً‬ ‫ً‬
‫والخطابة إنما يأخذ ٔالاجر لكونه مشغوال ‪*o‬ا عن الاح™‪x‬اف والاكتساب وهذا جائز شرعا ‪،‬‬
‫ً‬
‫ويدخلفي ذلك أيضا مسئولية ٕالامامة العامة ووالية القضاء وكل ما كان من جنس هذﻩ‬
‫ً‬
‫الاعمال وكان محبوسا عل‪*j‬ا ‪.‬‬

‫القاعدة الرابعة عشر‬


‫ّ‬
‫املدعو عامل أساس ‪H‬ي كسبه‬ ‫التعرف ع‪f‬ى‬
‫ليست الدعوة كما يظن بعد الدعاة أ‪*°‬ا كلمة تقال من أجل إبالغ العذر وإقامة الحجة؛‬
‫ُويتوصل إل‪*j‬ا بأن ُيقال كل ‪‹ºà‬ء ‪N‬ي كل مكان و‪N‬ي أي زمان وألي إنسان‪ ،‬مهما كان ظرفه ‪،‬‬
‫وال فرق ‪N‬ي ذلك ب>ن محزون ومسرور ومريض ومشغول وغ>‪x‬ﻩ‪ .‬وكأن الغاية ]ي إلقاء العبء‬
‫وزرع البذر كيفهما اتفق ‪ ،‬والتوفيق بيد ﷲ تعا"ى‪ .‬وبالرغم من كون هذا ٔالامر دعوة ؛ إال أ‪*°‬ا‬
‫دعوة ع‪C‬ى غ>‪ x‬بص>‪x‬ة ‪ ،‬والداعية مطاب بالبص>‪x‬ة مع الدعوة ‪ ،‬لقول ﷲ تعا"ى ‪  :‬قل هذﻩ‬
‫سبي‪C‬ي أدعو إ"ى ﷲ ع‪C‬ى بص>‪x‬ة أنا ومن اتبع‪ .(173)  ‹¢‬ويقول ٕالامام الرازي ‪N‬ي تفس>‪x‬ﻩ ‪ :‬وهذا‬
‫يدل ع‪C‬ى أن الدعاة إ"ى ﷲ تعا"ى إنما يحسن ويجوز مع هذا الشرط‪ ،‬وهو أن يكون ع‪C‬ى‬
‫بص>‪x‬ة مما يقول‪ ،‬وع‪C‬ى هدي ويق>ن)‪.(174‬‬

‫)‪.306 / $ A; (170‬‬


‫)‪.316/306 ,  / $ A; (171‬‬
‫)‪.316 / $ A; (172‬‬
‫)‪.108 :  ,   (173‬‬
‫)‪.225/18    (174‬‬

‫‪60‬‬
‫وهذﻩ البص>‪x‬ة تظهر ع‪C‬ى شكل أنواع من السلوك‪ ،‬وألوان من التصرف والتعامل ‪ ،‬وطرائق‬
‫من الاختيار‪ ،‬تتقرر بعد معرفة املدعوين وإدراك أحوالهم الاجتماعية والاقتصادية‬
‫والفكرية والنفسية‪ ،‬ومما ال شك فيه أن التعامل مع املجهول شاق وصعب ‪N ،‬ي ح>ن أن‬
‫التعامل مع املعروف يوفر الكث>‪ x‬من الجهد‪.‬‬
‫وأول ما ينب‪ó‬ي معرفته أسماء املدعوين وكناهم وألقا‪*o‬م‪ ،‬وأن يخاط©*م الداعية بأحب‬
‫ٔالاسماء إل‪*j‬م‪ ،‬وأن يتجنب ما يسوؤهم من ٔالالقاب والك‪ .H¢‬والداعية الناجح يعمل جهدﻩ‬
‫ع‪C‬ى أن يذكر أسماء املدعوين‪ ،‬وإذا لم يرزق الذاكرة الحافظة فإن عليه أن يستحفظ‬
‫ٔالاسماء‪ ،‬وقد يجد املدعو ‪N‬ي نفسه إذا تكرر نسيان الداعية السمه‪N ،‬ي ح>ن أن املدعو‬
‫يفاجأ إذا خاطبه الداعية باسمه ويشعر باالهتمام والتقدير‪.‬‬
‫ً‬
‫وإن معرفة ما يحبه املدعو وما يكرهه تجعل الداعية فق‪*j‬ا بلغة املدعو الخاصة‪ ،‬فهذا‬
‫رسول ﷲ  ما أن يعلم حب أبي سفيان للفخر ح‪ HI‬يقول ‪" :‬من دخل دار أبي سفيان فهو‬
‫آمن")‪ .(175‬وإذا بزعيم مكة الذي خرج للدفاع عن قاعدة الشرك يرجع ليحولها قاعدة‬
‫َُ‬
‫الحل ْيس بن علقمة ‪،‬‬ ‫لإلسالم‪ .‬و‪N‬ي صلح الحديبية يأمر الن´‹  بأن ُيعرض الهدي ‪N‬ي وجه‬
‫سيد ٔالاحابيش ‪ ،‬الذي أرسلته قريش إ"ى رسول ﷲ ـ  ـ يقول ابن هشام ‪ ) :‬ثم بعثوا إليه‬
‫َُ‬
‫الحل ْيس بن علقمة ‪ ،‬وكان يومئذ سيد ٔالاحابيش ‪ ،‬فلما رآﻩ الن´‹  قال ‪ " :‬إن هذا من قوم‬
‫يتألهون ـ أي يتعبدون ـ فأبعثوا الهدي ‪N‬ي وجهه ح‪ HI‬يراﻩ " فلما رأى الهدي يسيل عليه من‬
‫عرض الوادي ‪N‬ي قالئدﻩ‪ ،‬وقد أكل أوبارﻩ من طول الحبس عن محله رجع إ"ى قريش ولم‬
‫ً‬
‫يصل إ"ى الرسول ﷲ  إعظاما ملا رأى ‪ ،‬فقال لهم ذلك ‪ ،‬فقالوا له ‪ :‬اجلس فإنما أنت‬
‫أعرابي ال علم لك‪ ،‬فغضب عند ذلك ‪ ،‬وقال ‪ :‬يا معشر قريش ‪ ،‬والهل ما ع‪C‬ى هذا‬
‫ً‬ ‫حالفناكم ‪ ،‬وال ع‪C‬ى هذا عاقدناكم ‪ُ ،‬أي ﱡ‬
‫صد عن بيت ﷲ من جاء معظما له ( )‪.(176‬‬
‫وهاتان الحادثتان وغ>‪x‬هما كث>‪N x‬ي س>‪x‬ة الن´‹  شواهد ع‪C‬ى البص>‪x‬ة ال‪ ‹I‬جاء هذا الدين‬
‫يؤكدها ‪N‬ي كل جزئياته‪ ،‬ويستطيع الداعية إذا أوتي مثل هذﻩ البص>‪x‬ة أن يكسب قلوب‬
‫الناس‪ ،‬وأن يستفيد من طاقاž*م وجهودهم‪.‬‬
‫والداعية الناجح يتعرف ع‪C‬ى أحوال الناس وأوضاعهم‪ ،‬وال تغيب عنه كث>‪ x‬من أمورهم‬
‫ً‬ ‫ً‬
‫الفكرية والاجتماعية والنفسية ‪ ،‬ويعرف م‪ HI‬يكون املدعو مشغوال وم‪ HI‬يكون خاليا ‪ ،‬وهذﻩ‬

‫)‪(175‬‬
‫)‪(176‬‬

‫‪61‬‬
‫املعرفة تأتي من خالل املعايشة والنشاط الاجتما‪µ‬ي ‪ ،‬فالداعية ال يضيع أية فرصة يمكنه‬
‫من خاللها التعرف ع‪C‬ى املدعوين‪ ،‬ويجب أن تتم هذﻩ املعرفة بطريقة ال تث>‪ x‬انتباههم‪.‬‬
‫ً‬
‫ومن جوانب املعرفة الضرورية واملفيدة معرفة أوضاع املدعو الاقتصادية‪ ،‬فإن كان فق>‪x‬ا‬
‫ً‬ ‫ً‬
‫معوزا كانت مساعدته من أهم القضايا ال‪*ž ‹I‬م الداعية ‪ ،‬وإن كان مريضا كانت مواساته‬
‫وإرشادﻩ إ"ى الطبيب املسلم من وظائف الداعية‪.‬‬
‫وإن كان ‪N‬ي نزاع مع أقربائه أو ج>‪x‬انه أو زوجته كان الاصالح وجمع الشمل من اهتمامات‬
‫الداعية‪ .‬وإن كان قد ُهضم حقه ‪N‬ي وظيفة أو عمل كان انصافه ونصرﻩ من طموحات‬
‫ً‬ ‫ً‬ ‫ً‬
‫الداعية‪ .‬وإن كان مس™‪x‬شدا أو طالبا لنصيحة ‪N‬ي دين أو دنيا كان الداعية حاضرا لكل إرشاد‬
‫ونصيحة ممكنة ‪ ،‬وإذا عجز عن ذلك فلن يحرم الداعية من نص>‪ x‬من إخوانه يسد العجز ‪،‬‬
‫ويفرج الكربة‪.‬‬
‫وحضور الداعية ‪N‬ي املناسبات من ٔالافراح ؤالاتراح ؤالاعياد يفتح له ميادين الدعوة‪ ،‬ويقدم‬
‫ً‬
‫له فرصا طبيعية لالتصال بالناس وكسب ُو ِ ّدهم‪ .‬وكم من سؤال عن الولد املريض جعل‬
‫الوالد يفتح قلبه ويلقي بسمعه ويمد يدﻩ‪ .‬وكم من همسة ž*نئة بولد ُرزقه أو فوز حققه‬
‫ً‬
‫كانت سببا ‪N‬ي تحويل اتجاﻩ وتغي>‪ x‬قرار‪ .‬وال يعدم الداعية البص>‪ x‬من وسائل كث>‪x‬ة تساعدﻩ‬
‫ع‪C‬ى كسب القلوب وتكث>‪ٔ x‬الانصار‪.‬‬

‫القاعدة الخامسة عشر‬


‫املعاصرة ومعرفة البيئة العامة من أسباب نجاح الدعوة‬
‫كلما تقدم الزمن ‪ ،‬واتسعت الحياة وتعقدت‪ ،‬كان الداعية أحوج إ"ى مزيد من املعارف‪.‬‬
‫ويصبح من الضروري أن يتعرف الداعية ع‪C‬ى البيئة العامة‪ :‬الاجتماعية والاقتصادية‬
‫ً‬ ‫ً‬
‫والسكانية والسياسية‪ .‬والداعية ٔالاوسع اطالعا هو ٔالاقوى أثرا ‪N‬ي الغالب وملا كان الداعية‬
‫يقوم بدور قيادي ‪N‬ي املجتمع فإن أفراد هذا املجتمع يتوقعون أن يجدوا عند الداعية ثقافة‬
‫واسعة‪ ،‬ومعارف متنوعة املستوى املح‪C‬ي والعالم‹ ‪.‬‬
‫ومعرفة البيئة العامة تساعدالداعية ع‪C‬ى الاستفادة من فرص البيئة‪ ،‬وتساعدﻩ كذلك ع‪C‬ى‬
‫الاستفادة من البيئة املحلية والعاملية؛ فها هو رسول ﷲ  ينظر ‪N‬ي الدول املعاصرة فيجد‬
‫ٔالامن والطمأنينة عند النجا‪N ‹ºà‬ي الحبشة‪ ،‬وإن كان ذلك بو«ي من ﷲ تعا"ى‪ ،‬فإن ع‪C‬ى‬

‫‪62‬‬
‫الداعية أن يبذل جهدﻩ ملعرفة معطيات الزمان واملكان والسكان‪ .‬ومما ال شك فيه أن كل‬
‫بيئة لها مم>‪Ì‬اž*ا ومتطلباž*ا‪ .‬فالبيئة الصحراوية غ>‪ x‬البيئة القروية‪ ،‬والبيئة القروية غ>‪x‬‬
‫البيئة الحضرية‪ ،‬والبيئة التجارية غ>‪ x‬الصناعية والزراعية‪.‬‬
‫والداعية اليوم يعيش ‪N‬ي عالم إسالمي م™‪x‬امي ٔالاطراف‪ ،‬وال يخلو قطر من أقطارﻩ من‬
‫مشكلة مزمنة‪ ،‬و‪N‬ي نفس الوقت فإنه ال يخلو قطر من أسباب القوة واملنعة لإلسالم‬
‫واملسلم>ن‪ .‬ثم إن العمل ٕالاسالمي ‪N‬ي هذﻩ ٔالارجاء املتباعدة أخذ يتجه إ"ى الوحدة والتعاون‪،‬‬
‫ومن أجل ذلك فالبد من املعرفة الواسعة ‪*o‬ذا العالم‪.‬‬
‫والداعية يعيش ‪N‬ي عالم مقسم ب>ن مراكز النفوذ الدو"ي إ"ى مناطق امتياز‪ ،‬ويؤثر هذا ٔالامر‬
‫ً‬ ‫ً‬
‫ع‪C‬ى العالم ٕالاسالمي وع‪C‬ى الدعوة ٕالاسالمية سلبا وإيجابا‪ ،‬ولذلك فالبد من معرفة كيف‬
‫يدور الصراع وكيف يقسم النفوذ ب>ن الدول‪.‬‬
‫والداعية يعيش ‪N‬ي عالم تتصارع فيه ٔالافكار والتيارات والفلسفات‪ ،‬ؤالافكار فيه سريعة‬
‫التقلب والتغ>‪ .x‬والعالم ٕالاسالمي يتلقى عن الغرب والشرق بال اح™‪x‬اس‪ ،‬و‪N‬ي ‪*°‬اية املطاف‬
‫يجد الداعية نفسه أمام هذﻩ ٔالافكار‪ .‬وما كان يمكن تجاهله ‪N‬ي عصر صعوبة الحركة‬
‫والانتقال‪ ،‬أصبح ال يمكن تجاهله ‪N‬ي عصر املحطات الفضائية ؤالاقمار الصناعية‪.‬‬
‫والداعية يعيش ‪N‬ي عصر املخ™‪x‬عات العلمية املتطورة‪ ،‬وم‪*w‬ا ما يفيدﻩ ‪N‬ي دعوته وم‪*w‬ا ما‬
‫يعوق دعوته‪ .‬والداعية الناجح يكتسب من مخ™‪x‬عات عصرﻩ ما ينفعه ‪ ،‬ويتقي ما يضرﻩ‪.‬‬
‫وال يقف الداعية مكتوف اليدين أمام الطبيعة‪ ،‬بل يعت‪xy‬ها مسخرة من ﷲ لخدمته‬
‫ولنصرة دعوته‪ ،‬وهذﻩ النصرة ال تأتي إال بعد معرفة هذﻩ الطبيعة عن كثب‪ ،‬من حيث‬
‫بحارها وأ‪*°‬ارها وجبالها وترا‪*o‬ا وماؤها ّ‬
‫وحرها وبردها‪.‬‬
‫والداعية يعيش وسط كتلة بشرية ذات مذاهب ش‪ ،HI‬م‪*w‬ا البعيد وم‪*w‬ا القريب‪ ،‬وم‪*w‬ا‬
‫املعادي وم‪*w‬ا املسالم ‪ ،‬لذا كان البد من معرفة هذﻩ الفرق معرفة علمية موضوعية‪ ،‬توقف‬
‫الداعية ع‪C‬ى حجم كل مذهب وتأث>‪x‬ﻩ‪ ،‬وتوقفه ع‪C‬ى تاريخ نشوئه وأهافه ووسائله‪.‬‬
‫ٔالامر الذي يوصل الداعية إ"ى بر ٔالامان والسالمة والنجاح له ولدعوته‪.‬‬

‫‪63‬‬
‫القاعدة السادسة عشر‬
‫‪H‬ي الفرق والفƒن والعزلة والجماعة‬
‫إن من أعظم العقبات ‪N‬ي طريق الدعوة والدعاة أن تختلط ٕالافهام وتغيب الحقائق أمام‬
‫النصوص املتعارضة والتأويالت املختلفة واملفاهيم املتناقضة‪ ،‬فيتيه املسلم ب>ن الفرقة‬
‫ُ‬
‫الهالكة والناجية‪ ،‬وب>ن العزلة والخلطة‪ ،‬وب>ن الفتنة ال‪ ‹I‬يفرد م‪*w‬ا والفتنة ال‪ ‹I‬يبادرها‬
‫بالهجوم واملقاومةن وب>ن العمل الفردي والعمل الجما‪µ‬ي‪ ،‬وي™‪x‬تب ع‪C‬ى كل فهم من هذﻩ‬
‫املفاهيم أعمال ومناهج‪ .‬ولتخليص هذﻩ املفاهيم من التعارض والاختالط كانت هذﻩ‬
‫القاعدة وأدعو القارئ الكريم إ"ى تأملها ‪.‬‬
‫إن الناظر ‪N‬ي تاريخ هذﻩ ٔالامة يجدها قد مرت ‪N‬ي حال>ن عظيم>ن ‪:‬‬
‫حال الانتصار والتمك>ن‪:‬‬
‫حيث وقفت هذﻩ ٔالامة ‪N‬ي مواجهة أعدا•*ا مجتمع>ن ومتفرق>ن‪ ،‬وكانت تخرج من كل معركة‬
‫منتصرة ظافرة‪ ،‬وعدوها مدحور مقهور‪.‬‬
‫حال الهزيمة والا‪*°‬يار‪:‬‬
‫ﱠ‬
‫وكان هذا الحال يوم ا‪*°‬ارت حصوننا من الداخل‪ ،‬وتغلب ع‪C‬ى ٔالامة نفر من أبنا•*ا مقوا‬
‫كيا‪*°‬ا الداخ‪C‬ي ونظامها الخاري ‪.‬‬
‫ّ‬
‫يقوض وحدة‬ ‫وقد أخ‪xy‬نا الن´‹  عن هذا الخطر الداهم‪ ،‬وجعله السبب ٔالاعظم الذي ِ‬
‫ٔالامة وكيا‪*°‬ا‪ ،‬فعن ثوبان ـ ري ﷲ عنه ـ قال‪ :‬قال رسول ﷲ  " إن ﷲ زوى "ي ٔالارض‬
‫فرأيت مشارقها ومغار‪*o‬ا‪ ،‬وإن أم‪ ‹I‬سيبلغ ملكها ما ُزوي "ي م‪*w‬ا‪ ،‬وأعطيت الك‪ÌÞ‬ين ٔالاحمر‬
‫ً‬
‫ؤالابيض‪ ،‬وإن سألت ربي ألم‪ ‹I‬أن ال ‪*+‬لكها ِب َس َن ٍة عامة‪ ،‬وأن ال ُيسلط عل‪*j‬م عدوا من‬
‫ً‬
‫قضاء فإنه ال يرد‪،‬‬ ‫سوى أنفسهم فيستبيح بيض‪*¥‬م‪ ،‬وإن ربي قال‪ :‬يا محمد ‪ ،‬إني إذا قضيت‬
‫ً‬
‫وإني أعطيتك ألمتك أن ال أهلكهم ِب َس َن ٍة عامة‪ ،‬وأن ال أسلط عل‪*j‬م عدوا من سوى‬
‫أنفسهم‪ ،‬يستبيح بيض‪*¥‬م ‪ ،‬ولو اجتمع عل‪*j‬م من بأقطارهاـ أو قال من ب>ن أقطارهاـ ح‪HI‬‬
‫ً‬ ‫ً‬
‫يكون بعضهم ُ‪*+‬لك بعضا‪ ،‬ويس´‹ بعضهم بعضا " )‪ .(177‬و‪N‬ي رواية ابن حبان‪ " :‬وسألته أن ال‬
‫ً‬
‫يلبسنا شيعا فمنعن‪*j‬ا")‪.(178‬‬

‫?> !‪(2215/4) 67‬‬ ‫)‪(177‬‬


‫)‪.(453 C ) 4!EI7 / ? / O ]T /^!J  ! (178‬‬

‫‪64‬‬
‫ً‬ ‫ً‬
‫وعند ابن ماجة رواية أتم‪ " :‬وإني سألت ﷲ عز وجل ثالثا‪ :‬أن ال يسلط ع‪C‬ى أم‪ ‹I‬جوعا‬
‫ُ‬ ‫ً‬
‫قضيت‬ ‫ف‪*j‬لكهم به عامة‪ ،‬وأن ال يلبسهم شيعا ويذيق بعضهم بأس بعض‪ ،‬وإنه قيل "ي ‪ :‬إذا‬
‫ً‬ ‫ً‬
‫قضاء فال مرد له‪ ،‬وإني لن أسلط ع‪C‬ى أمتك جوعا ف‪*j‬لكهم فيه‪ ،‬ولن أجمع عل‪*j‬م من ب>ن‬
‫ً‬ ‫ً‬
‫أقطارها ح‪ُ HI‬يف‪ ‹¢‬بعضهم بعضا ويقتل بعضهم بعضا‪ .‬وإذا وضع السيف ‪N‬ي أم‪ ‹I‬فلن يرفع‬
‫ع‪*w‬م إ"ى يوم القيامة‪ .‬وإن مما أتخوف ع‪C‬ى أم‪ ‹I‬أئمة مضل>ن‪ .‬وستعبد قبائل من أم‪‹I‬‬
‫ً‬
‫ٔالاوائل‪ .‬وستلحق قبائل من أم‪ ‹I‬باملشرك>ن‪ ،‬وإن ب>ن يدي الساعة دجال>ن كذاب>ن قريبا من‬
‫ثالث>ن كلهم يزعم أنه ن´‹‪ ،‬ولن تزال طائفة من أم‪ ‹I‬ع‪C‬ى الحق منصورين ال يضرهم من‬
‫خالفهم ح‪ HI‬يأتي أمر ﷲ عز وجل")‪.(179‬‬
‫وكانت الفرقة ال‪ ‹I‬فصل الن´‹ ص‪C‬ى ﷲ عليه وسلم أخبارها أعظم ما ابتليت به ٔالامة وامللة‬
‫ً‬ ‫ً‬
‫فأصبحت ٔالامة أمما وامللة ملال‪.‬‬
‫ولقد كشفت السنة جوانب كث>‪x‬ة من مستقبل ٔالامة من باب ٕالاخبار والتحذير وبيان الداء‬
‫والدواء ‪ ،‬وهذا فتح من الغيب أكرم ﷲ تعا"ى به نبيه  زيادة ‪N‬ي ٔالاعذار لألمة وٕالاشفاق‬
‫عل‪*j‬ا‪ .‬وملا كانت هذﻩ ٔالاخبار جملة غ>‪ x‬مفرقة ع‪C‬ى ٔالاحداث والعصور فقد رأيت ‪N‬ي ضوء‬
‫النسق التاريي والواقع البشري أن أحاول نظمها من جهة ‪ ،‬وفهم مصطلحاž*ا من جهة‬
‫أخرى‪.‬‬
‫ً‬
‫وسأتناول أحاديث الفرق ؤالاهواء مبينا معاني الفتنة والعزلة والجماعة‪:‬‬
‫وإن أجمع حديث ‪N‬ي هذا الباب ما أخرجه البخاري ومسلم من حديث حذيفة بن اليمان‬
‫ر‪ ‹ºÛ‬ﷲ عنه قال ‪ :‬كان الناس يسألون رسول ﷲ ص‪C‬ى عن الخ>‪ ، x‬وكنت أسأله عن الشر‬
‫مخافة أن ُيدرك‪ ،‹¢‬فقلت‪ :‬يا رسول ﷲ‪ ،‬إنا كنا ‪N‬ي جاهلية وشر فجاءنا ﷲ ‪*o‬ذا الخ>‪ ،x‬فهل‬
‫َ‬
‫بعد هذا الخ>‪ x‬من شر؟ قال‪ :‬نعم‪ ،‬قلت ‪ :‬وهل بعد ذلك من خ>‪x‬؟ قال‪ :‬نعم‪ ،‬وفيه دخن‪.‬‬
‫قلت‪:‬وما دخنه قال ‪ :‬قوم ‪*+‬دن بغ>‪ x‬هديي‪ ،‬تعرف م‪*w‬م وتنكر‪ ،‬قلت ‪ :‬فهل بعد ذلك الخ>‪x‬‬
‫من شر؟ قال ‪ :‬نعم‪ ،‬دعاة ع‪C‬ى أبواب جهنم من أجا‪*o‬م إل‪*j‬ا قذفوﻩ ف‪*j‬ا‪ .‬قلت ‪ :‬يا رسول ﷲ‬
‫‪ ،‬صفهم لنا‪ ،‬قال ‪ :‬هم من جلدتنا‪ ،‬ويتكلمون بألسنتنا‪ ،‬قلت‪ :‬فما تأمرني إن أدرك‪ ‹¢‬ذلك؟‬
‫قال‪ :‬تلزم جماعة املسلم>ن وإمامهم‪ .‬قلت ‪ :‬فإن لم يكن لهم جماعة وال إمام؟ قال ‪ :‬فاع™‪Ì‬ل‬
‫تلك الفرق كلها‪ ،‬ولو أن تعض بأصل شجرة ح‪ HI‬يدركك املوت وأنت ع‪C‬ى ذلك)‪.(180‬‬

‫)‪.(1304/2) 9 ! / /$ (179‬‬


‫?> ‪.(35/13)   >5 /!  :‬‬ ‫)‪(180‬‬

‫‪65‬‬
‫ُ‬ ‫ً‬
‫وروي هذا املع‪ H¢‬مفصال ‪N‬ي حديث آخر ‪ ،‬فعن أبي عامر عبد ﷲ بن ل‪ê‬ي قال‪ :‬حججنا مع‬
‫معاوية بن أبي سفيان فلما قدمنا مكة قام ح>ن ص‪C‬ى صالة الظهر‪ ،‬فقال ‪ :‬إن رسول ﷲ‬
‫ قال‪ :‬إن أهل الكتاب اف™‪x‬قوا ‪N‬ي دي‪*w‬م ع‪C‬ى اثنت>ن وسبع>ن ملة ـ يع‪N ‹¢‬ي ٔالاهواء ـ كلها ‪N‬ي‬
‫النار إال واحدة‪ ،‬و]ي الجماعة ‪ .‬وإنه سيخرج ‪N‬ي أم‪ ‹I‬أقوام تجارى ‪*o‬م تلك ٔالاهواء كما‬
‫ََ‬
‫يتجارى الكل ُب بصاحبه‪ ،‬ال يبقى منه عرق وال مفصل إال دخله ‪ ،‬وﷲ يا معشر العرب ل‪í‬ن‬
‫لم تقوموا بما جاء به نبيكم لغ>‪x‬كم من الناس أحرى أن ال يقوم به)‪.(181‬‬
‫و ُروي ‪N‬ي مع‪ H¢‬هذا الحديث من طريق أبي هريرة ر‪ ‹ºÛ‬ﷲ عنه قال ‪ " :‬اف™‪x‬قت ال‪*j‬ود ع‪C‬ى‬
‫إحدى أو اثنت>ن وسبع>ن فرقة‪ ،‬وتفرقت النصارى ع‪C‬ى إحدى أو اثنت>ن وسبع>ن فرقة‪،‬‬
‫وتف™‪x‬ق أم‪ ‹I‬ع‪C‬ى ثالث وسبع>ن فرقة" رواﻩ أبو داود)‪ ،(182‬وأخرجه ال™‪x‬مذي وقال ‪ :‬حسن‬
‫صحيح)‪.(183‬‬
‫ويستفاد من هذﻩ ٔالاحاديث وما يؤيدها من ٔالاحاديث‪ :‬التحذير من وقوع ٔالامة ‪N‬ي حبائل‬
‫الفرقة والشتات‪ ،‬والسيما إذا كانت الفرقة ناشئة عن اختالف العقائد ؤالاصول‪ ،‬فهذا‬
‫ً‬ ‫ً‬ ‫َ ً‬
‫بصلة‪.‬‬
‫النوع من الفرقة ين‪ِ ºÜ‬ملال وأديانا‪ ،‬ويخرج من ٔالامة الواحدة أمما ال تمت إ"ى سلفها ِ‬
‫وال يدخل ‪N‬ي الفرقة ذلك الاختالف ‪N‬ي الفروع وتعدد الاج‪*¥‬ادات‪ .‬وال تدخل ‪N‬ي ذلك مذاهب‬
‫الفقه ما دام أصحا‪*o‬ا يتحرون الدليل ويتفقون ع‪C‬ى ٔالاصول‪.‬‬
‫وال يقال وال ينب‪ó‬ي أن ُيقال‪ ،‬إن أصحاب املذاهب ٔالاربعة ‪ ،‬أو غ>‪x‬هم‪ ،‬ع‪C‬ى الحق ومن‬
‫عداهم ع‪C‬ى الباطل ‪ ،‬وإ‪*°‬م ناجون وغ>‪x‬هم هالك‪ .‬والضابط ‪N‬ي هذا ما ذكرﻩ البغدادي ‪N‬ي‬
‫كتاب الفرق ب>ن الفرق ‪ ) :‬إن أمة ٕالاسالم تجمع املقرين بحدوث العالم‪ ،‬وتوحيد صانعه‪،‬‬
‫وصفاته‪ ،‬وعدله‪ ،‬وحكمته‪ ،‬ونفي التشبيه عنه‪ ،‬وبنبوة محمد  ورسالته إ"ى الكافة ‪،‬‬
‫وبتأييد شريعته‪ ،‬وبأن كل ما جاء به حق‪ ،‬وبأن القرآن منبع أحكام الشريعة ‪ ،‬وأن الكعبة‬
‫ُ‬
‫]ي القبلة ال‪ ‹I‬تجب الصالة إل‪*j‬ا‪ ،‬فكل من اقر بذلك ولم َيش ْب ُه ببدعة تؤدي إ"ى الكفر فهو‬
‫الس‪ ‹¢‬املوحد( )‪.(184‬‬
‫قال ٕالامام ابن تيمية‪ :‬فأما من كان ‪N‬ي قلبه ٕالايمان بالرسول ما جاء به‪ .‬وقد غلط ‪N‬ي‬
‫ً‬
‫بعض ما تأويله من البدع فهذا ليس بكافر أصال‪ ،‬والخوارج كانوا من أظهر الناس بدعة‬
‫)‪(102/4) !?; 6 !@ $! (181‬‬
‫)‪.(4/5)  4; /$ (182‬‬
‫)‪.(25/5)  ! 7 >?  N! 9 (183‬‬
‫)‪_ /   (184‬‬
‫  ‪.(13C) M &  D‬‬

‫‪66‬‬
‫ً‬ ‫ً‬
‫وقتاال لألمة وتكف>‪x‬ا لها‪ ،‬ولم يكن ‪N‬ي الصحابة من يكفرهم ال ع‪C‬ي بن أبي طالب وال غ>‪x‬ﻩ‪،‬‬
‫بل حكموا ف‪*j‬م بحكمهم ‪N‬ي املسلم>ن الظامل>ن‪ .‬ثم قال ‪ :‬ومن قال‪ :‬إن الثنت>ن والسبع>ن‬
‫ً‬
‫فرقة كل واحد م‪*w‬م يكفر كفرا ينقل عن امللة فقد خالف الكتاب والسنة وإجماع الصحابة‬
‫ـ رضوان ﷲ عل‪*j‬م ـ بل وإجماع ٔالائمة ٔالاربعة وغ>‪ٔ x‬الاربعة)‪.(185‬‬
‫وجاء ‪N‬ي العقيدة الطحاوية وشرحها‪ ) :‬ونسم‹ أهل قبلتنا مسلم>ن مؤمن>ن ما داموا بما جاء‬
‫به الن´‹ مع™‪x‬ف>ن ‪ ،‬وله بكل ما قاله وأخ‪ xy‬مصدق>ن‪ .‬ثم قال الشارح‪ :‬املراد بقوله أهل‬
‫قبلتنا‪ :‬من يد‪µ‬ي ٕالاسالم ويستقبل الكعبة‪ ،‬وإن كان من أهل ٔالاهواء‪ ،‬أو من أهل املعا‪(‹ºú‬‬
‫)‪.(186‬‬
‫وما ذهب إليه ابن حجر من القول ‪ ) :‬والدعاة ع‪C‬ى أبواب جهنم من قام ‪N‬ي طلب امللك من‬
‫الخوارج وغ>‪x‬هم( )‪ .(187‬أمر غ>‪ x‬مسلم ‪ ،‬فالخوارج واملع™‪Ì‬لة واملرجئة وأمثالهم متأولون‪ ،‬أق‪Hºø‬‬
‫ما يوصفون به أ‪*°‬م مبتدعة ولم ُيخرجهم علماؤنا من امللة ‪ ،‬ولم يقولوا ‪ :‬إ‪*°‬م من أهل‬
‫ً‬ ‫ً‬
‫النار‪ ،‬فيما عدا أولئك الغالة الذين أحلوا املحرمات‪ ،‬أو عبدوا عليا أو اتخذوا لهم نبيا غ>‪x‬‬
‫ً‬ ‫ً‬
‫محمد  ‪ ،‬كما فعلت القاديانية‪ ،‬أو جعلوا لهم كتابا غ>‪ x‬القرآن الكريم‪ ،‬أو أنكروا معلوما‬
‫من الدين بالضرورة)‪.(188‬‬
‫وإنما املقصود تلك املذاهب الضالة ال‪ ‹I‬هدمت أركان ٕالايمان وقوضت دعائم ٕالاسالم‪،‬‬
‫وخربت عقائدﻩ ونظمه‪ ،‬وتبنت ٕالالحاد ودعت الناس إليه‪ ،‬وأطلقت ع‪C‬ى املنكرات أسماء‬
‫حرم ﷲ تعا"ى‪ ،‬وحرمت ما أحل‪ ،‬وعطلت أكام القرآن‬ ‫براقة لتجعلها مألوفة‪ ،‬وأحلت ما ﱠ‬
‫ً‬
‫الكريم وسنة الن´‹  وأعلنت ع‪C‬ى أهل ٕالايمان حربا شعواء‪ ،‬ورمت كل مؤمن ب‪*¥‬مة‬
‫ً‬ ‫ً‬
‫الجمود والرجعية‪ ،‬واتخذت لها أصوال يرفضها ٕالاسالم جملة وتفصيال ‪ ،‬وتراها توقر ما‬
‫حقرﻩ ﷲ تعا"ى ‪ ،‬وتحقر ما وقرﻩ‪ ،‬فتعت‪ٔ xy‬الاسود العن»‪ ‹º‬املتن´ الكذاب رجل ثورة وإصالح‪،‬‬
‫وتجعل من القرامطة والحشاش>ن والزنج وأتباع بابك حركات تقدم وتحرير‪.‬‬
‫وهذﻩ املذاهب م‪*w‬ا القديم ‪ ،‬وكث>‪ x‬م‪*w‬ا حديث ‪ ،‬فالسبأية والقرامطة وٕالاسماعيلية فرق‬
‫ً‬
‫ضالة عاثت ‪N‬ي ٔالارض ٕالاسالمية فسادا‪ ،‬ونقضت ]ي وأمثالها ٕالاسالم من أصوله‪،‬وادعت‬
‫إلهية البشر من دون ﷲ تعا"ى‪ .‬ثم ظهرت البابية والقاديانية وال©*ائية‪ ،‬ولكل واحدة من هذﻩ‬
‫)‪.(217/7) ! / H 5 (185‬‬
‫)‪.(313C)  ?J D < = (186‬‬
‫)‪.(36/13) 9? /W   >5 (187‬‬
‫)‪.(114/2) 6? /W 1?$ 17! 45 1  (188‬‬

‫‪67‬‬
‫الفرق كتاب غ>‪ x‬القرآن الكريم ون´‹ غ>‪ x‬محمد ‪ .‬ثم ظهرت فرق إلحادية ال تؤمن بدين‬
‫كالشيوعية واملاسونية وما تفرع ع‪*w‬ما من املذاهب والاتجاهات‪.‬‬
‫وأخطر من هذا كله استالم بعض الفرق الضالة الزعامة السياسية والفكرية فقد أشار‬
‫الحديث الذي رواﻩ حذيفة ر‪ ‹ºÛ‬ﷲ عنه إ"ى حالت>ن‪:‬‬
‫الحالة ٔالاو"ى‪:‬‬
‫خ>‪ x‬وفيه دخن‪ .‬قلت ‪ :‬وما دخنه؟ فقال ‪ :‬قوم ‪*+‬دون بغ>‪ x‬هديي تعرف م‪*w‬م وتنكر‪ .‬وإن‬
‫الناظر ‪N‬ي تاريخ املسلم>ن ل>‪x‬ى هذﻩ املراحل ال‪ ‹I‬تتم>‪ Ì‬كل مرحلة م‪*w‬ا ع‪C‬ى سابق‪*¥‬ا والحق‪*¥‬ا‪.‬‬
‫ً‬
‫فقد بدأ ٕالاسالم غريبا ‪N‬ي مكة‪ ،‬ثم عم خ>‪x‬ﻩ وعلت كلمته ‪N‬ي عهد النبوة والخالفة الراشدة‪،‬‬
‫ثم وقعت الفتنة ‪ ،‬ثم استقر ٔالامر لب‪ ‹¢‬أمية ‪ ،‬واستقرت الدولة‪ ،‬وامتدت الفتوح‪ ،‬وانتشر‬
‫واستمدت ٔالاحكام من شريعته‪ ،‬وهذا الخ>‪x‬‬‫ُ‬ ‫ٕالاسالم‪ ،‬وقامت سياسة الدولة ع‪C‬ى ٕالاسالم‪،‬‬
‫فيه دخن ) والدخن الكدورة إ"ى السواد‪ ،‬فالدخن ‪N‬ي الدابة عندما ال يصفو لو‪*°‬ا بل يكدرﻩ‬
‫‪‹ºà‬ء من السواد‪ .‬وقال أبو عبيدة‪ :‬تكون القلوب هكذا‪ ،‬ال يصفو لو‪*°‬ا بل يكدرﻩ ‪‹ºà‬ء من‬
‫)‪(189‬‬
‫السوادـ وقال أبو عبيدة ‪ :‬تكون القلوب هكذا ‪ ،‬ال يصفو بعضها لبعض وال ينصع ح©*ا(‬
‫فأما الخ>‪ x‬فهو عودة ٔالامة إ"ى وحدž*ا‪ ،‬واستمرار روح الجهاد‪ ،‬والاحتكام للشريعة ‪N‬ي‬
‫الشؤون املختلفة‪ ،‬والدخن الذي خالط هذا الخ>‪ x‬ما كان عليه الحكم من تعطيل ملبدأ‬
‫الشورى‪ ،‬وتبديد للمال وٕالاسراف فيه‪ ،‬وما كان يصيب ٔالامة من املظالم وسفك الدماء‬
‫بسبب املذهب واملعتقد‪ .‬وبقي حال املسلم>ن ع‪C‬ى هذا النحو‪ ،‬خ>‪ x‬وفيه دخن‪ ،‬إ"ى أن دالت‬
‫دولة ٕالاسالم‪ ،‬وقامت دول علمانية أو قريبة من العلمانية‪ ،‬وكانت أحكام ٕالاسالم قبل ذلك‬
‫سائدة رغم ظهور بعض املنكرات ال‪ ‹I‬لم تصبغ املجتمع بصبغ‪*¥‬ا‪ ،‬وكان ٔالامر باملعروف‬
‫والن·‹ عن املنكر يؤدي دورﻩ ‪N‬ي املجتمع‪.‬‬
‫الحالة الثانية ‪:‬‬
‫دخل املسلمون ‪N‬ي ش‪ HI‬بالدهم ‪N‬ي مرحلة جديدة سيطرت ف‪*j‬ا ثقافة الغرب وأخالقه‬
‫ُ‬
‫وانتشرت التيارات ٕالالحادية‪ ،‬وغزت مؤسسات الدولة‪ُ ،‬وبدلت الثقافة‪،‬وغ ِّ>‪x‬ت مفاهيم‬
‫الحياة‪ .‬وكان دعاة هذا التغي>‪ x‬من أبناء ٔالامة يتكلمون بلغ‪*¥‬ا‪ ،‬وينتسبون إل‪*j‬ا‪ .‬وقدانقسم‬
‫هؤالء الدعاة إ"ى شيع وأحزاب وملل ش‪ .HI‬وهذا ما أشار إليه حديث حذيفة‪ :‬قلت‪ :‬فهل بعد‬

‫)‪.(17/6) 3$! /W A D /  (189‬‬

‫‪68‬‬
‫ذلك الخ>‪ x‬من شر؟ قال‪ :‬نعم دعاة ع‪C‬ى أبواب جهنم ‪ ،‬من أجا‪*o‬م إل‪*j‬ا قذفوﻩ ف‪*j‬ا‪ .‬قلت‪ :‬يا‬
‫رسول ﷲ‪ ،‬صفهم لنا‪ ،‬قال هم من جلدتنا ويتكلمون بألسنتنا‪.‬‬
‫قال ابن حجر‪ ) :‬أي من قومنا ‪ ،‬ومن أهل لساننا وملتنا إشارة إ"ى أ‪*°‬م العرب ( )‪ .(190‬وهذا‬
‫من أعالم النبوة ومعجزاž*ا‪ ،‬حيث أخ‪ xy‬الحديث عن ظهور هذﻩ الفرق‪ ،‬وفيه إشارة إ"ى‬
‫القوميات ال‪ ‹I‬انتشرت ‪N‬ي العالم ٕالاسالمي‪ ،‬واتخذت من العرق واللغة أساس>ن للتجمع‬
‫والانتماء‪.‬‬
‫ووصل ٔالامر ‪N‬ي كث>‪ x‬من ٔالاقطار إ"ى أن تمتطي هذﻩ ٔالاهواء جماه>‪ x‬الشعوب‪ ،‬مدعية أن‬
‫الشعوب ]ي ال‪ ‹I‬تختار طريقها‪ ،‬وظهرت مصطلحات‪ :‬الجماه>‪ ،x‬والطبقة الكادحة‪ ،‬وٕالارادة‬
‫الشعبية‪ ،‬ونفذت سياسات ضرب القيم ٕالاسالمية ‪*o‬ذا الطريق‪ .‬وهذﻩ أشد الف™ن وأعتاها‬
‫حيث استطاع دعاة الباطل أن يتس™‪x‬وا باإلرادة الشعبية‪ ،‬ولعل هذﻩ الفتنة وأعتاها حيث‬
‫استطاع دعاة الباطل أن يتس™‪x‬وا باإلرادة الشعبية‪ ،‬ولعل هذﻩ الفتنة ]ي فتنة الدهماء‬
‫ً‬ ‫ً‬
‫ال‪ ‹I‬ذكرت ‪N‬ي الحديث الذي أخرجه أبو داد وذكر فيه فتنا أربعا‪ ،‬ومنه‪ " :‬ثم فتنة الدهيماء‬
‫ً‬
‫ال تدع أحدا من هذﻩ ٔالامة إال لطمته لطمة‪ ،‬فإذا قيل انقضت تمادت ‪ ،‬يصبح الرجل ف‪*j‬ا‬
‫ً‬ ‫ً‬
‫مؤمنا ويم»‪ ‹º‬كافرا ‪ ،‬ثم يص>‪ x‬الناس إ"ى فسطاط>ن ‪ :‬فسطاط إيمان ال نفاق فيه‪،‬‬
‫وفسطاط نفاق ال إيمان فيه")‪.(191‬‬
‫وقد تغلغلت هذﻩ ٔالاهواء بأصحا‪*o‬ا كما أخ‪ xy‬الحديث الذي يرويه معاوية ر‪ ‹ºÛ‬ﷲ عنه‪" :‬‬
‫تجاري ‪*o‬م تلك ٔالاهواء كما يتجارى الكلب بصاحبه ال يبقى منه عرق وال مفصل إال دخله "‬
‫قال الشاط´‹ ‪ ) ،‬ت ‪ ) : (790‬مع‪ H¢‬هذﻩ الرواية أنه عليه الصالة والسالم أخ‪ xy‬بما يكون ‪N‬ي‬
‫ُ‬
‫أمته من هذﻩ ٔالاهواء ال‪ ‹I‬اف™‪x‬قوا ف‪*j‬ا إ"ى تلك الفرق‪ ،‬وأنه يكون ف‪*j‬م أقوام تداخل تلك‬
‫ٔالاهواء قلو‪*o‬م ح‪ HI‬ال يمكن ‪N‬ي العادة انفصالهم ع‪*w‬ا وتوب‪*¥‬م م‪*w‬ا‪ ،‬ع‪C‬ى حد ما يداخل داء‬
‫ََ‬
‫الكلب جسم صاحبه ال يبقى من ذلك الجسم جزء من أجزائه وال مفصل وال غ>‪x‬هما إال‬
‫دخله ذلك الداء ‪ ،‬وهو جرييان ال يقبل العالج وال ينفع فيه الدواء( )‪.(192‬‬
‫أما إحصاء هذﻩ الفرق وامللل‪ ،‬فقد حاول بعض العلماء حصرها كما فعل البغدادي )ت‬
‫‪ 429‬هـ ‪1038 /‬م( ‪N‬ي كتاب الفرق فقال ‪ ) :‬فهذﻩ الجملة ال‪ ‹I‬ذكرناها تشتمل ع‪C‬ى ثنت>ن‬

‫)‪.(36/13) 9? /W   >5 (190‬‬


‫)‪.(443/5)  4; /$ (191‬‬
‫)‪.(154/2) 4J =7 6 -W (192‬‬

‫‪69‬‬
‫وسبع>ن فرقة ‪ ،‬م‪*w‬ا عرون روافض‪ ،‬وعشرون خوارج‪ ،‬وعشرون قدرية ‪ ،‬وعشرون مرجئة‪،‬‬
‫وثالث نجارية ‪ ،‬وبكرية ‪ ،‬وضرارية‪ ،‬وجهمية ‪ ،‬وكرامية ‪ ،‬فهذﻩ اثنتان وسبعون فرقة( )‪.(193‬‬
‫ولكن هذا ٕالاحصاء ال يسلم ‪ ،‬وعليه مآخذ‪:‬‬
‫ٔالاو"ى‪ :‬أنه خلط ب>ن الفرق الخارجة عن ٕالاسالم وب>ن الداخة فيه‪.‬‬
‫الثاني ‪:‬أنه يتكلم عن الفرق ح‪ HI‬عصرﻩ‪ ،‬وكأن عجلة الزمن قد توقفت ولم تنشأ فرق‬
‫ً‬ ‫ً‬
‫جديدة‪ ،‬علما بأن فرقا كث>‪x‬ة نشأت بعد البغدادي ولو عايشها ألدخلها ‪N‬ي حسابه ‪ .‬وينب‪ó‬ي‬
‫ً‬
‫أن ي™‪x‬ك الشراح واملفسرون نصيباص كب>‪x‬ا لألحداث الواقعية ال‪ ‹I‬تفسر النص وتشريحه‪.‬‬
‫الثالث‪ :‬أنه ذكر ما يزيد عن تسع>ن فرقة‪ ،‬ثم قال فهذﻩ ثنتان وسبعون فرقة‪.‬‬

‫)‪.F 5 95 ]T 1  $& D /; 3?2 (25 C) M  &  D   /   (193‬‬

‫‪70‬‬
‫موقف املسلم من هذﻩ الفرق ‪:‬‬
‫أما موقف املسلم من هذﻩ الفرق فذو شق>ن سل´‹ وإيجابي‪ .‬أما السل´‹ فعليه أن يع™‪Ì‬ل هذﻩ‬
‫الفرق الضالة ح‪ HI‬ال يصيبه الداء الذي أصاب أهله؛ وألن مخالط‪*¥‬م مخالطة أهل النار‬
‫ودعاž*ا‪ .‬وأما ٕالايجابي فالبحث عن جماعة املسملون والاعتصام ‪*o‬ا‪.‬‬
‫وليست العزلة عزلة الخروج من املجتمع إ"ى ال‪xy‬اري والقفار وقمم الجبال؛ ألن هذا النوع‬
‫من العزلة يعطي الفرصة ألصحاب ٔالاهواء كي يعمموها ويشيعوها ‪N‬ي املجتمع ‪ ،‬ويستأثروا‬
‫بالتوجيه والقيادة ‪ ،‬و‪N‬ي ذلك خذالن للحق وأهله‪ .‬وال بد من التنبيه ع‪C‬ى أمر خط>‪ x‬هو ذلك‬
‫الخطأ النا‪ ºà‬عن تعميم املصطلحات ع‪C‬ى الحاالت املتناقضة املتباينة ‪ ،‬وأن ال يقدر لكل‬
‫حالة قدرها‪ ،‬وأن ال تؤخذ كل كلمة ‪N‬ي إطارها املناسب‪ ،‬كأن نأخذ مفهوم العزلة عند سلف‬
‫ٔالامة فنعمة ع‪C‬ى جميع الظروف ؤالاحوال‪ ،‬فيقال إن ابن عمر ر‪ ‹ºÛ‬ﷲ عنه وسعد بن أبي‬
‫وقاص وأبا بكرة قد اع™‪Ì‬لوا الفتنة‪ ،‬و ِف ْع ُل هؤالء ٔالاصحاب دليل يشهد ملن عزم ع‪C‬ى ترك‬
‫املجتمع‪ ،‬ونجد ٕالامام البخاري ي™‪x‬جم لهذا بباب خاص يقول‪ " :‬التعرب ‪N‬ي الفتنة ‪ :‬أي‬
‫اللحاق باألعراب والبادية عند فشو الف™ن"‪.‬‬
‫وقد أخرج ) عن سلمة بن ٔالاكوع ر‪ ‹ºÛ‬ﷲ عنه أنه دخل ع‪C‬ى الحجاج فقال‪ :‬يا ابن ٔالاكوع‬
‫أرتددت ع‪C‬ى عقبيك ‪ ،‬تعربت ؟ قال ‪ :‬ال‪ ،‬ولكن رسول ﷲ أذن "ي ‪N‬ي البدو(‪ .‬قال ابن‬
‫حجر‪ ) :‬التعرب أي السك‪ H¢‬مع ٔالاعراب ‪ ،‬وهو أن ينتقل املهاجر من البلد ال‪ ‹I‬هاجر إل‪*j‬ا‪،‬‬
‫ً‬ ‫ً‬
‫فيسكن البدو‪ ،‬ف>‪x‬جع بعد هجرته أعرابيا‪ ،‬وكان إذ ذاك محرما إال إن أذن له الشارع ‪N‬ي‬
‫ذلك()‪ .(194‬فاألصل إذن منع املهاجر من العزلة ‪N‬ي ال‪xy‬اري والقفار أو اللحاق بالبادية‪.‬‬
‫وإننا إذا نظرنا إ"ى الحكمة ‪N‬ي منهج املهاجر من التعرب وجدنا أن الهجرة إنما شرعت لنصرة‬
‫ٕالاسالم واملسلم>ن‪ ،‬ولدفع الكفر والنفاق عن املجتمع‪ ،‬فإذا ترك املسلم املجتمع تحت وطأة‬
‫أصحاب الف™ن فإنه يكون قد أسهم ‪N‬ي هذا املنكر وساعد ع‪C‬ى استحكامه‪ .‬قال ابن حجر‪:‬‬
‫"وقيل يمنع ) أي التعرب ( ‪N‬ي زمن الفتنة ملا فيه من خذالن أهل الحق")‪.(195‬‬
‫ومن رغب ‪N‬ي العزلة‪ ‬من سلف ٔالامة فإنه ع‪ H¢‬عدم الاستكثار من ٔالاصحاب واملبالغة ‪N‬ي‬
‫مألوف العادات‪ ،‬وٕالاسراف ‪N‬ي ٔالاسمار واملباحات‪ .‬قال ٕالامام أبو سليمان الخطابي‪ ) :‬ولسنا‬
‫نريد ‪*o‬ذﻩ العزلة ال‪ ‹I‬نختارها مفارقة الناس ‪N‬ي الجماعات والجمعات‪ ،‬وترك حقوقهم ‪N‬ي‬

‫?> ‪.(40/13)   >5 /!  :‬‬ ‫)‪(194‬‬


‫)‪.(40/13)   >5 (195‬‬

‫‪71‬‬
‫العبادات‪ ،‬وإفشاء السالم ورد التحيات‪ ،‬وما جرى مجراها من الحقوق الواجبة لهم‪،‬‬
‫وصنائع الس‪Þ‬ن والعادات املستحسنة فيما بي‪*w‬م فإ‪*°‬ا مستثناة بشرائطها‪ ،‬جارية ع‪C‬ى سبلها‪،‬‬
‫ما لم يحل دو‪*°‬ا حائل شغل ‪ ،‬وال يمنع ع‪*w‬ا مانع عذر‪ ،‬إنما نريد بالعزلة ترك فضول‬
‫الصحبة‪ ،‬ونبذ الزيادة م‪*w‬ا ‪ ،‬وحط العالوة ال‪ ‹I‬ال حاجة ‪*o‬ا إل‪*j‬ا( )‪.(196‬‬
‫ارتباط العزلة بنوع الفتنة‪:‬‬
‫وهناك مسألة البد من بيا‪*°‬ا قبل الفراغ من موضوع العزلة‪ ،‬و]ي تحديد نوع الفتنة‬
‫الداعية إ"ى ترك املجتمع واع™‪Ì‬اله وعدم املشاركة ‪N‬ي أحداثه‪ ،‬أو الداعية إ"ى الثبات ‪N‬ي‬
‫مواقع التأث>‪ x‬ملقاومة الف™ن ومجا‪*¥*o‬ا‪.‬‬
‫فتنة التنافس ع‪C‬ى امللك ‪:‬‬
‫ً‬
‫فقد أخ‪ xy‬الن´‹ عن وقوع الف™ن وتكاثرها ح‪ HI‬كأ‪*°‬ا القطر ال ي™‪x‬ك موضعا إال أصابه‪ ،‬فقد‬
‫أخرج البخاري ) عن أسامة بن زيد قال ‪ :‬أشرف الن´‹  ع‪C‬ى أطم من آطام املدينة فقال ‪:‬‬
‫هل ترون ما أرى؟ قالوا‪ :‬ال‪ ،‬قال‪ :‬ف‪ ‹¢‬ألرى الف™ن تقع خالل بيوتكم كموقع القطر( )‪.(197‬‬
‫وكان مقتل عثمان ر‪ ‹ºÛ‬ﷲ عنه أول فتنة وقعت‪ ،‬وتالها القتال ب>ن ع‪C‬ي وعائشة ر‪ ‹ºÛ‬ﷲ‬
‫ع‪*w‬ما‪ ،‬ثم صف>ن ‪ ،‬وقداختلفت اج‪*¥‬ادات الصحابة ‪N‬ي ترجيح صاحب الحق‪ ،‬وإن كان‬
‫ً‬
‫ٔالاك¨‪x‬ون ع‪C‬ى أن عليا ر‪ ‹ºÛ‬ﷲ عنه هو صاحب ٔالامر‪ ،‬وأن معاوية مج‪*¥‬د مخطئ له أجر‬
‫واحد‪ .‬ثم وقعت ف™ن بعد ذلك كان الباعث عل‪*j‬ا التنافس ع‪C‬ى الحكم والسلطان وهذامن‬
‫ً‬
‫قبيل ٔالاثرة ال‪ ‹I‬أخ‪ xy‬ع‪*w‬ا الن´‹ ‪ ،‬فقد أخرج البخاري عن أسيد بن حض>‪ ) x‬أن رجال أتى‬
‫ً‬
‫الن´‹ ‪ ،‬فقال يا رسول ﷲ استعملت فالنا ولم تستعمل‪ ،‹¢‬قال ‪ :‬إنكم س™‪x‬ون بعدي أثرة‬
‫‪ ،‬فاص‪xy‬وا ح‪ HI‬تلقوني ( )‪ .(198‬وقد جاء معظم الخلفاء العباسي>ن وسالط‪ ‹¢‬املماليك وغ>‪x‬هم‬
‫إ"ى الحكم عن طريق هذﻩ ٔالاثرة‪ .‬وهذا علم من أعالم النبوة‪ .‬إال أن هذﻩ الف™ن لم تخرج‬
‫املجتمع من ٕالاسالم‪ ،‬وبقي استمداد ٔالاحكام الشرعية من الكتاب والسنة‪ ،‬ويمكننا حمل ما‬
‫أخرجه البخاري ع‪C‬ى هذا حيث قال ‪) :‬عن أبي هريرة قال‪ :‬قال رسول ﷲ ‪ :‬ستكون ف™ن‬
‫القاعدة ف‪*j‬ا خ>‪ x‬من القائم‪ ،‬والقائم ف‪*j‬ا خ>‪ x‬من املا‪ ،‹ºà‬واملا‪ ‹ºà‬ف‪*j‬ا خ>‪ x‬من السا‪µ‬ي‪ ،‬من‬

‫)‪.6 C 4 J:7 D (196‬‬


‫?> ‪.(11/13) (  >5 /! )  :‬‬ ‫)‪(197‬‬
‫?> ‪.(5/13) (  >5 /! )  :‬‬ ‫)‪(198‬‬

‫‪72‬‬
‫ً‬
‫تشرف لها تستشرفه‪ ،‬فمن وجد ف‪*j‬ا ملجأ أو معاذا فليعذ به( )‪ .(199‬و‪N‬ي رواية مسلم لهذا‬
‫الحديث‪) :‬فإذا نزلت أو وقعت فمن كان له إبل فليلحق بإبله‪ ،‬ومن كان له غنم فليلحق‬
‫بغنمه‪ ،‬ومن كانت له أرض فليلحق بأرضه‪ ،‬قال‪ :‬فقال‪ :‬يا رسول ﷲ إن لم يكن له إبل وال‬
‫غنم وال أرض؟ قال ‪ :‬يعمد إ"ى سيفه فيدق ع‪C‬ى حدﻩ بحجر‪ ،‬ثم لينج إن استطاع النجاﻩ‪،‬‬
‫ََ‬
‫اللهم هل بلغت؟ اللهم هل بلغت؟ فقال رجل ‪ :‬يا رسول ﷲ أرأيت إن أكرهت ح‪ُ HI‬ينطل َق‬
‫بي إ"ى أحد الصف>ن‪ ،‬أو إحدى الفئت>ن‪ ،‬فضرب‪ ‹¢‬رجل بسيفه‪ ،‬أوي‪Ô‬يء سهم فيقتل‪‹¢‬؟قال ‪:‬‬
‫يبوء بإثمه وإثمك ويكون من أصحاب النار( )‪.(200‬‬
‫وهو ما ذهب إليه ابن حجر ‪N‬ي حمل هذﻩ الفتنة ع‪C‬ى الاختالف ‪N‬ي طلب امللك حيث ال يعلم‬
‫ً‬
‫املحق من املبطل‪ .‬ونقل ابن حجر كالما للط‪xy‬ي يقول فيه‪ :‬والصواب أن ُيقال إن الفتنة‬
‫أصلها الابتالء ‪ ،‬وإنكار املنكر واجب ع‪C‬ى كل من قدر عليه‪ ،‬فمن أعان املحق أصاب‪ ،‬ومن‬
‫أعان املخطئ أخطأ‪ ،‬وإن أشكل ٔالامر ف·‹ الحالة ال‪ ‹I‬ورد الن·‹ عن القتال ف‪*j‬ا‪.‬‬
‫ومن الحديث الذي رواﻩ أبو بكرة نعلم أن الفرار من الفتنة عندما تكون ب>ن صف>ن من‬
‫املسلم>ن حيث يشتبه الحق بالباطل‪ ،‬وال ُيعرف املحق من املبطل ‪.‬‬
‫ً‬
‫وقد جاء هذا الفهم صريحا عن أبي برزة ٔالاسلم‹ ر‪ ‹ºÛ‬ﷲ عنه‪ ،‬فقد أخرج البخاري‪ ) :‬عن‬
‫أبي امل‪*w‬ال‪ ،‬قال ‪ :‬ملا كان ابن زياد ومروان وثب ابن الزب>‪ x‬بمكة‪ ،‬ووثب القراء بالبصرة‪،‬‬
‫ﱠ‬
‫فانطلقت مع أبي إ"ى أبي برزة ٔالاسلم‹ ح‪ HI‬دخلنا عليه ‪N‬ي دارﻩ وهو جالس ‪N‬ي ظل ِعلية له‬
‫من قصب‪ ،‬فجلسنا إليه فأنشأ أبي يستطعمه الحديث‪ ،‬فقال‪ :‬يا أبا برزة أال ترى ما وقع‬
‫ً‬
‫فيه الناس؟ فأول ‪‹ºà‬ء سمعته تكلم به‪ :‬إني احتسبت عند ﷲ أني أصبحت ساخطا ع‪C‬ى‬
‫أحياء قريش‪ ،‬إنكم يا معشر العرب كنتم ع‪C‬ى الحال الذي علمتم من الذلة والقلة الضاللة‬
‫وإن ﷲ أنقذكم باإلسالم‪ ،‬وبمحمد عليه الصالة والسالم‪ ،‬ح‪ HI‬بلغ بكم ما ترون ‪،‬وهذﻩ‬
‫الدنيا ال‪ ‹I‬أفسدت بينكم‪ ،‬إن ذاك الذي بالشام وﷲ إن يقاتل إال ع‪C‬ى الدنيا‪ ،‬وإن هؤالء‬
‫الذين ب>ن أظهركم وﷲ إن ٌيقاتلوا إال ع‪C‬ى الدنيا‪ ،‬وإن ذاك الذي بمكة وﷲ إن ُيقاتل إال‬
‫علىالدنيا( )‪.(201‬‬

‫)‪.(5/13)   N9 ! (199‬‬


‫?> !‪.(2213/4) 67‬‬ ‫)‪(200‬‬
‫?> ‪.(68/13) (  >5 /! )  :‬‬ ‫)‪(201‬‬

‫‪73‬‬
‫ويبدو من هذا النص أن أبا برزة ر‪ ‹ºÛ‬اللهعنه كان يرى اع™‪Ì‬ال الفتنة؛ ألنه ال يوجد صاحب‬
‫ٔالامر املحق ‪ ،‬وكان ابن عمر ر‪ ‹ºÛ‬ﷲ ع‪*w‬ما قد سلك مثل هذاالسلوك عندما اع™‪Ì‬ل ما‬
‫حدث ب>ن عبد امللك بن مروان وابن الزب>‪، x‬فقد أخرج البخاري عن سعيد بن جب>‪ x‬قال‪) :‬‬
‫ً‬ ‫ً‬
‫خرج علينا عبدﷲ بن عمر فرجونا أن يحدثنا حديثا حسنا ‪ ،‬قال ‪:‬فبادرنا إليه رجل فقال ‪:‬‬
‫يا أبا عبد الرحمن حدثنا عن القتال ‪N‬ي الفتنة‪ ،‬وﷲ يقول ‪ :‬وقاتلوهم ح‪ HI‬ال تكون‬
‫فتنة‪ ،‬فقال ‪ :‬هل تدري ما الفتنة ثكلتك أمك؟ إنما كان محمد  يقاتل املشرك>ن‪ ،‬وكان‬
‫الدخول ‪N‬ي دي‪*w‬م فتنة‪ ،‬وليس كقتالكم ع‪C‬ى امللك( )‪ ،(202‬و‪N‬ي روايةأخرى‪ ) :‬فكان الرجل ُيف™ن‬
‫عن دينه إما قتلوﻩ وإما يعذبونه ح‪ HI‬ك¨‪ٕ x‬الاسالم‪ ،‬فلم تكن فتنة( )‪ ،(203‬أي لم يبق فتنة من‬
‫أحد من الكفار ألحد من املؤمن>ن‪.‬‬
‫وأخرج البخاري ) عن ابن عمر ر‪ ‹ºÛ‬ﷲ ع‪*w‬ما أتاﻩ رجالن ‪N‬ي فتنة ابن الزب>‪ x‬فقاال ‪ :‬إن‬
‫ض ِّيعوا وأنت ابن عمر صاحب رسول ﷲ فما يمنعك أن تخرج؟ فقال‪ :‬يمنع‪‹¢‬‬ ‫الناس قد ُ‬
‫أن ﷲ حرم دم أ‪é‬ي ‪ ،‬فقاال‪ :‬ألم يقل ﷲ ‪ :‬وقاتلوهم ح‪ HI‬ال تكون فتنة؟ فقال ‪ :‬قاتلنا‬
‫ح‪ HI‬لم تكن فتنة‪ ،‬وكان الدين هلل ‪ ،‬وأنتم تريدون أن تقالتوا ح‪ HI‬تكون فتنة ‪ ،‬ويكون‬
‫الدين لغ>‪ x‬ﷲ( )‪.(204‬‬
‫ومن خالل هذﻩ الروايات نتعرف ع‪C‬ى نوع>ن منالف™ن‪ .‬والبد من ال™‪x‬ك>‪ Ì‬ع‪C‬ى الفتنة الك‪xy‬ى‬
‫ال‪ ‹I‬تجتاح الدين وž*دد ٕالايمان‪ ،‬و]ي ال‪ ‹I‬ال مهادنة معها‪.‬‬

‫الفتنة بمع‪ H¢‬الكفر‪:‬‬


‫و]ي الفتنة ال‪ ‹I‬يكون هدفها القضاء ع‪C‬ى ٕالاسالم وٕالايمان‪ ،‬و]ي أشد أنواع الف™ن وأوالدها‬
‫بالدفع واملقاومة‪ ،‬وال يجوز للمؤمن أن ‪*+‬اد‪*°‬ا أو يجار‪*+‬ا‪ ،‬و]ي الفتنة الواردة ‪N‬ي قوله تعا"ى ‪:‬‬
‫وقاتلوهم ح‪ HI‬ال تكون فتنة ويكون الدين كله هلل)‪.(205‬‬
‫ً‬
‫قال الرازي ‪N‬ي تفس>‪x‬ﻩ ) املراد بالفتنة ههنا وجوها‪ :‬أحدها أ‪*°‬ا الشرك والكفر‪ ،‬قالوا‪ :‬كانت‬
‫فتن‪*¥‬م أ‪*°‬م كانوا يضربون ويؤذون أصحاب الن´‹  بمكة ح‪ HI‬ذهبوا إ"ى الحبشة‪ ،‬ثم‬

‫?> ‪.(45/13) (  >5 /! )  :‬‬ ‫)‪(202‬‬


‫)‪.(184/18)  N9 ! (203‬‬
‫)‪.(183/8)  N9 ! (204‬‬
‫)‪.(193)    (205‬‬

‫‪74‬‬
‫واظبوا ع‪C‬ى ذلك ٕالايذاء ح‪ HI‬ذهبوا إ"ى املدينة‪ .‬وكان غرضهم من إثارة تلك الفتنة أن ي™‪x‬كوا‬
‫دي‪*w‬م ويرجعوا كفاراص ‪،‬فأنزل ﷲ تعا"ى هذﻩ ٓالاية ‪ .‬واملع‪ : H¢‬قاتلوهم ح‪ HI‬تظهروا عل‪*j‬م‬
‫فال يفتنونكم عن دينم فال تقعوا ‪N‬ي الشرك( )‪.(206‬‬
‫ً‬
‫وهذﻩ الفتنة أك‪ xy‬جرما من القتل؛ أل‪*°‬ا فساد ‪N‬ي ٔالارض يؤدي إ"ى الظلم والقتل‪ ،‬يقول‬
‫الرازي ‪ ) :‬وإنما جعل الكفر أعظم من القتل ؛ ألن الكفر ذنب يستحق صاحبه به العقاب‬
‫الدائم ‪ ،‬والقتل ليس كذلك‪ ،‬والكفر يخرج صاحبه من امللة ‪ ،‬والقتل ليس كذلك( )‪.(207‬‬
‫والقران الكريم يحدد الحالة ال‪ ‹I‬تنت·‹ الفتنة ‪*o‬ا و]ي استقرار أمر الدين واستمرارﻩ‪ ،‬وكونه‬
‫كله هلل تعا"ىويكون الدين هلل‪ ،‬وهذﻩ غاية شريفة ال يتوقف الجهاد دو‪*°‬ا‪ ،‬يقول الرازي‪) :‬‬
‫ليس ب>ن الشرك وب>ن أن يكون الدين كله هلل واسطة‪ ،‬فصار التقدير‪ :‬فقاتلوهم ح‪ HI‬يزول‬
‫الكفر ويثبت ٕالاسالم( )‪.(208‬‬
‫وقد وقع هذا النوع من الف™ن‪ ،‬ووصل الحال باملسلم>ن ‪N‬ي كث>‪ x‬من أقطارهم إ"ى اختيار‬
‫مناهج ونظم ال تمت إ"ى ٕالاسالم بصلة‪ ،‬بل تخالفه كل املخالفة‪ ،‬وأقيمت شؤون الحياة ع‪C‬ى‬
‫مبادئ مستوردة‪ ،‬وأمسك بعض امللحدين والعلماني>ن بدفة القيادة والتوجيه‪ ،‬وانتكست‬
‫بعض فئات ٔالامة فارتدت ع‪C‬ى أعقا‪*o‬ا‪ ،‬وعملت ع‪C‬ى إقصاء ٕالاسالم عن سائر شؤون الحياة‬
‫ً‬
‫وأعلنت حربا ع‪C‬ى كل مسلم‪ .‬وما حذر منه الن´‹ أصبح حقيقة واقعة ‪N‬ي بعض بالد‬
‫ً‬
‫املسلم>ن‪ ،‬وذلك قوله‪) :‬ال ترجعوا بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض( )‪.(209‬‬
‫فر إ"ى شواهق الجبال أو إ"ى‬ ‫ومثل هذﻩ الف™ن تالحق املسلم وال تدعه يسلم من شرها سواء ﱠ‬
‫أعماق الكهوف ‪ ،‬وال يدفعها الخروج من املجتمع‪ ،‬والاعتكاف ‪N‬ي املساجد‪.‬‬
‫املوقف ٕالايجابي من هذﻩ الف™ن‪:‬‬
‫وأما املوقف ٕالايجابي فهو البحث عن الجماعة املؤمنة والطائفة الظاهرة وإعطاؤها ثمرة‬
‫الجهد وصادق الانتماء‪ .‬وهذا أمر ال خيار للمؤمن فيه‪ ،‬وهو قول الن´‹  لحذيفة )تلزم‬
‫جماعة املسلم>ن وإمامهم( قال ابن حجر‪ :‬وورد ٔالامر بلزوم الجماعة ‪N‬ي هذﻩ أحاديث م‪*w‬ا ما‬
‫أخرجه ال™‪x‬مذي مصححاص وفيه ‪ :‬وأنا آمركم بخمس أمرني ﷲ ‪*o‬ن‪ :‬السمع والطاعة‬
‫والجهاد والهجرة والجماعة‪ ،‬فإن من فارق الجماعة قيد ش‪ xy‬فقد خلع ربقة ٕالاسالم من‬
‫)‪.(132/5)  7 B  (206‬‬
‫)‪.(130/5)   N9 ! (207‬‬
‫)‪.(133/5 )   N9 ! (208‬‬
‫?> ‪.(23/13 (  >5 /! )  :‬‬ ‫)‪(209‬‬

‫‪75‬‬
‫علقه‪ .‬و‪N‬ي خطبة عمر املشهورة ال‪ ‹I‬خط©*ا بالجابية ‪ :‬فإن عليكم بالجماعة وإياكم والفرقة‪،‬‬
‫فإن الشيطان مع الواحد‪ ،‬وهو من الاثن>ن أبعد)‪.(210‬‬
‫وقد يتساءل القارئ عن وجود هذﻩ الجماعة‪ .‬وقد يتبادر إ"ى ٔالاذهان خلو املجتمع من مثل‬
‫هذﻩ الجماعة‪ ،‬والجواب ع‪C‬ى ذلك خ‪ xy‬الصادق املصدوق  الذي قال‪ ) :‬ال يزال من أم‪‹I‬‬
‫أمة قائمة بأمر ﷲ ‪ ،‬ال يضرهم من خذلهم وال من خالفهم ح‪ HI‬يأت‪*j‬م أمر ﷲ وهم ع‪C‬ى‬
‫ذلك()‪.(211‬‬
‫و‪N‬ي رواية أخرى ) ح‪ HI‬يأتي أمر ﷲ وهم ظاهرون ع‪C‬ى الناس(‪ .‬و‪N‬ي رواية املغ>‪x‬ة بن شعبة‬
‫قوم من أم‪ ‹I‬ظاهرين ع‪C‬ى الناس ح‪ HI‬يأت‪*j‬م أمر ﷲ وهم‬ ‫ر‪ ‹ºÛ‬ﷲ عنه‪ ) :‬لن يزال ّ‬
‫ظاهرون( )‪.(212‬‬
‫وروايات هذا الحديث كث>‪x‬ة‪ ،‬وألفاظه متقاربة ولها بمجموعها دالالت‪ ،‬م‪*w‬ا‪:‬‬
‫أن هذﻩ ٔالامة لن تخلو من فئة قائمة بأمر ﷲ تعا"ى وفق ما جاء به محمد  ‪ ،‬وهذﻩ الفئة‬
‫يحفظ ﷲ ‪*o‬ا الذكر‪ ،‬ويحقق ‪*o‬ا إقامة الحجة ع‪C‬ى الخلق ويزيل ‪*o‬ا العذر‪ ،‬وين>‪*o x‬ا طريق‬
‫ص َح أن أهل كل عصر ال يجوز أن يخلوا من أن يكون‬ ‫الهداية والرشاد‪ ،‬قال ابن حزم‪َ ) :‬ف َ‬
‫ف‪*j‬م قائل بالحق( )‪.(213‬‬
‫و‪N‬ي الوقت ذاته تكون فئات كث>‪x‬ة قد تخلت عن دين ﷲ‪ ،‬ويكون هذا التخ‪C‬ي إما‬
‫باإلنصراف عنه إ"ى ٔالاهواء الضالة واملبادئ املنحرفة‪ ،‬وهذا شأن املخالف>ن الذين يكيدون‬
‫لكل جماعة مؤمنة ‪ .‬وقد يكون التخ‪C‬ي بإشغال الحياة ‪N‬ي طلب املتاع الزائل‪ ،‬وبالبحث عن‬
‫وسائل الراحة والا‪*°‬ماك ‪N‬ي الشهوات‪ ،‬وهذا شأن القطاع ٔالا‪:‬بر من الناس الذين ال يتجاوز‬
‫تفك>‪x‬هم حدود مصالحهم الشخصية‪ .‬وهكذا فإن الجماعة املؤمنة تقع ب>ن املخالف>ن‬
‫والخاذل>ن‪.‬‬
‫ج( وإن الجماعة املؤمنة تكون ظاهرة ع‪C‬ى من عاداها وناوأها وخذلها‪ ،‬و]ي املؤيدة بنصر ﷲ‬
‫تعا"ى ال يضرها أحد من أعدا•*ا‪ .‬ومع‪ H¢‬قول الن´‹  ) وهم ظاهرون ( ‪ :‬قال ابن حجر ‪ ) :‬أي‬
‫غالبون‪ ،‬أو املراد بالظهور أ‪*°‬م غ>‪ x‬مست™‪x‬ين بل مشهورون‪ .‬ثم قال ابن حجر‪ :‬ؤالاول أو"ى (‬

‫)‪.(316/13) 9? /W   >5 (210‬‬


‫?> ‪.(632/6) (  >5 /! )  :‬‬ ‫)‪(211‬‬
‫?> !‪.(1523/3) 67‬‬ ‫)‪(212‬‬
‫)‪.(47/1) 6? /W 47?! (213‬‬

‫‪76‬‬
‫)‪ ،(214‬ويبدو أن الثاني أو"ى‪ ،‬وأن الظهور هو ظهور وجود واش‪*¥‬ار وإصرار ع‪C‬ى الحق وثبات‬
‫ً‬
‫عليه ‪ ،‬ويشهد لهذا املع‪ H¢‬الرواية ال‪ ‹I‬أخرجها البخاري ‪ ) :‬ولن يزال أمر هذﻩ ٔالامة مستقيما‬
‫ح‪ HI‬تقوم الساعة‪ ،‬أو ح‪ HI‬يأتي أمر ﷲ( )‪ ،(215‬وال يلزم من الاستقامة الغلبة بالقوة املادية‪،‬‬
‫بل تكون الاستقامة ولو كانت الجماعة مستضعفة مضطهدة‪.‬‬
‫ولعل ابن حجر رجح مع‪ H¢‬الغلبة ملا رأى من غلبة بعض أهل الحق ع‪C‬ى قطر أو ناحية من‬
‫ُ‬
‫زمن الن´‹  إ"ى زمانه‪ .‬ولو عاش ‪N‬ي العصور املتأخرة لرأى كيف غلب أهل الحق من قبل‬
‫أهل الباطل‪ ،‬ولكن أهل الحق مصرون ع‪C‬ى حقهم ‪ ،‬ثابتون عليه‪ ،‬معروفون به‪ ،‬وال تقوى‬
‫ٔالاهواء ع‪C‬ى اقتالعهم من فكرهم‪ ،‬وال يض>‪x‬هم ما يجدون من الصعاب والعقبات وصنوف‬
‫ٔالاذى وألوان الاž*امات‪ ،‬بل يواصلون س>‪x‬هم‪ ،‬ويراهم الناس قائم>ن بأمر ﷲ تعا"ى‪ .‬قال‬
‫النووي‪ ) :‬ال يزالون ع‪C‬ى الحق ح‪ HI‬تقبضهم هذﻩ الريح اللينة قرب القيامة( )‪ .(216‬لقد كان‬
‫رسول ﷲ  وأصحابه ظاهرين ع‪C‬ى أهل مكة من املشرك>ن رغم ما كانوا يالقونه من ٔالاذى‬
‫واملطاردة‪ ،‬وكذلك حال الجماعة املؤمنة القائمة بأمر ﷲ ف·‹ ظاهرة وإن لم تكن لها‬
‫السيادة السياسية والاجتماعية‪.‬‬
‫تعي>ن الجماعة وهل ]ي واحدة؟‬
‫ال خالف ‪N‬ي أن جماعة املسلم>ن ‪N‬ي عهد الن´‹  وخلفائه الراشدين ]ي السواد ٔالاعظم من‬
‫ٔالامة الذي يحكم بشرع ﷲ تعا"ى‪ .‬وظلت ٔالامة ‪N‬ي مرحلة الجماعة ال‪ ‹I‬تمثلها دولة إسالمية‬
‫قوية إ"ى أن دالت دولة ٕالاسالم‪ ،‬فانفرط بذلك عقد ٔالامة الواحدة‪ ،‬ونشأت ف‪*j‬ا جماعات‬
‫ش‪.HI‬‬
‫ويبدو أن بعض العلماء قد نظروا إ"ى خصوص النص بفئة‪ ،‬ح‪ HI‬ولو كانت ٔالامة ‪N‬ي خ>‪x‬‬
‫قرو‪*°‬ا‪ ،‬وهاهو ٕالامام أحمد وع‪C‬ي بن املدي‪ ‹¢‬وأبو عبدﷲ الحاكم يحملون النص ع‪C‬ى أن‬
‫املقصود هم أهل الحديث‪ .‬وقد نقل الحاكم عن ٕالامام أحمد قوله‪ ) .‬إن لم يكونوا أصحاب‬
‫الحديث فال أدري من هم(‪ ،‬وقال الحاكم‪ ) :‬فلقد أحسن أحمد بن حنبل ‪N‬ي تفس>‪ x‬هذا‬
‫الخ‪ xy‬أن الطائفة املنصورة ال‪ُ ‹I‬يرفع الخذالن ع‪*w‬م إ"ى قيامة الساعة هم أصحاب‬
‫الحديث( )‪.(217‬‬
‫)‪.(294/13) 9? /W   >5 (214‬‬
‫?> ‪.(293/13) (   >5 /! )  :‬‬ ‫)‪(215‬‬
‫)‪.(132/2)$7 67! < = 45 \ I$! (216‬‬
‫)‪.(2 C) 6B ?7 G? 67- 5 D! (217‬‬

‫‪77‬‬
‫ورغم الدور العظيم الذي قام به املحدثون ‪N‬ي خدمة السنة النبوية وصيان‪*¥‬ا‪ ،‬وإال أننا ال‬
‫نستطيع القول بأن هذﻩ الطائفة مستمرة إ"ى قيام الساعة ‪ ،‬وفقد توقف عطاؤها‬
‫واج‪*¥‬ادهاـ فيما عدا أفراد قالئل ـ كما توقف عطاء غ>‪x‬ها منذ مئات السن>ن‪ ،‬ؤالاصل ‪N‬ي‬
‫نص الحديث الاستمرار‪ ،‬وبقاء الطائفة ح‪ HI‬قبيل الساعة‪.‬‬
‫ً‬ ‫ً‬
‫أما ٕالامام محمد عبدﻩ فقد ذهب مذهبا بعيدا عندما استعرض حديث الفرق ثم قال) إن‬
‫هذا الحديث قد أفادنا أنه يكون ‪N‬ي ٔالامة فرق متفرقة‪ ،‬وأن الناي م‪*w‬م واحدة‪ ،‬وكون ٔالامة‬
‫قد حصل ف‪*j‬ا اف™‪x‬اق ع‪C‬ى فرق ش‪ ،HI‬تبلغ العدد املذكور أو ال تبلغه ثابت‪ ،‬وقد وقع ال‬
‫ً‬
‫محالة‪ ،‬وكون الناي م‪*w‬م واحدة أيضا حق ال كالم فيه‪ . .‬ثم قال‪ّ :‬أما تعي>ن أي فرقة ]ي‬
‫الفرقة الناحية أي ال‪ ‹I‬تكون ع‪C‬ى ما الن´‹ عليه وأصحابه فلم يتب>ن "ي إ"ى ٓالان‪ ،‬فإن كل‬
‫طائفة ممن يذعن لنبينا بالرسالة تذهب تجعل نفسها ع‪C‬ى ما الن´‹ عليه وأصحابه( )‪.(218‬‬
‫وقد اع™‪x‬ض الشيخ رشيد رضا ع‪C‬ى أستاذﻩ ‪N‬ي هذا املذاهب‪ ،‬وعزاﻩ إ"ى تأثر أستاذﻩ باآلراء‬
‫الفلسفية والكالمية‪ ،‬وإ"ى حرصه ع‪C‬ى جمع كلمة املسلم>ن‪ ،‬وأنه كان ينقصه سعة الاطالع‬
‫ع‪C‬ى كتب الحديث‪ .‬ثم عقب ع‪C‬ى مذهب أستاذﻩ‪ ،‬بأن أهل الحديث وعلماء ٔالاثر املهتدين‬
‫‪*o‬دي السلف هم هذﻩ الطائفة‪ ،‬وأ‪*°‬م ثلة من ٔالاول>ن وقليل من ٓالاخرين‪ ،‬وأ‪*°‬م ال يمكن أن‬
‫يكونوا أتباع أحد من علماء الكالم املبتدع‪ ،‬سواء م‪*w‬م من ضر ومن نفع‪ ،‬وال من املقلدين‬
‫ً‬
‫‪N‬ي الفروع أيضا)‪.(219‬‬
‫وذهب صاحب زاد املسلم إ"ى أن هذﻩ الطائفة ]ي الفئة املجاهدة ‪N‬ي فلسط>ن‪ ،‬وذلك ‪N‬ي‬
‫زمان املؤلف)‪.(220‬‬
‫ً‬
‫مذهبا ﱠ‬
‫أعم من كل ما سبق فقال‪ ) :‬إن هذﻩ الطائفة مفرقة ب>ن أنواع‬ ‫أما النووي فقد ذهب‬
‫املؤمن>ن م‪*w‬م شجعان مقاتلون ‪،‬وم‪*w‬م محدثون ‪ ،‬وم‪*w‬م زهاد آمرون باملعروف وناهون عن‬
‫املنكر‪ ،‬وم‪*w‬م أهل أنواع أخرى من الخ>‪ ،x‬وال يلزم أن يكونوا مجتمع>ن بل قد يكونون‬
‫متفرق>ن ‪N‬ي أقطار ٔالارض( )‪.(221‬‬
‫والذي يظهر "ي أن هذﻩ ٔالاقوال محصورة بأزمان قائل‪*j‬ا‪ ،‬ففي زمن ٕالامام أحمد كان‬
‫املحدثون حملة السنة واملنافح>ن ع‪*w‬ا أمام الفلسفة اليونانية والهندية‪ ،‬وأمام الفرق‬

‫)‪.(5C) L- !?! `D O D < = (218‬‬


‫)‪.(222/6) ` = !?! $!  (219‬‬
‫)‪.(193/5) 4J$=7 67!  : 87-  !5 67!  (220‬‬
‫)‪.(132/2)$7 67! < = 45 \ I$! (221‬‬

‫‪78‬‬
‫الباطنية‪ ،‬وقاموا بجهد هائل ‪N‬ي جمع الحديث وتصنيفه وتمي>‪ Ì‬صحيحه من سقيمه‪ .‬ولكن‬
‫هذا الدور الريادي للمحدث>ن توقف أو كاد أن يتوقف مع ظهور الكتب املصنفة ‪N‬ي ٔالابواب‬
‫واملسانيد واملعاجم وال™‪x‬اجم والتواريخ‪ ،‬وساد التقليد ‪N‬ي العصور املتأخرة كما هو الحال ‪N‬ي‬
‫سائر أبواب املعارف ٕالاسالمية‪ ،‬وال يمكننا أن نقول أن فئة املحدث>ن ]ي الفئة الظاهرة إ"ى‬
‫أن يأتي ﷲ بأمرﻩ أي قبيل يوم القيامة‪ ،‬ووجود أفراد قالئل من املحدث>ن ال يع‪ ‹¢‬وجود‬
‫طائفة فاعلة ‪N‬ي املجتمع‪ ،‬وال بأس أن ُيقال إن املحدث>ن كانوا يشكلون بعض هذﻩ الطائفة‬
‫‪N‬ي وقت سابق‪.‬‬
‫وإذا قال قائل إن الصوفية ]ي الطائفة الظاهرة‪ ،‬فإن قوله ُيحمل ع‪C‬ى الزمان الذي كانت‬
‫ً‬ ‫ً‬
‫فيه هذﻩ الفئة فاعلة ‪N‬ي املجتمع‪ ،‬فقد أدت الصوفية دورا رياديا زمن الحروب الصليبية‪،‬‬
‫ً‬
‫وكذلك كان دورها رياديا ‪N‬ي إفريقيا‪ ،‬عندما وقفت ‪N‬ي وجه الوثنية ثم ‪N‬ي وجه الحضارة‬
‫الغربية‪ ،‬وكانت الربط والزوايا قواعد انطالق‪ ،‬انطلق م‪*w‬ا ٕالاسالم إ"ى قلب إفريقيا‪.‬‬
‫وإذا قيل‪ :‬إن املجاهدين الفلسطيني>ن الذين وقفوا ‪N‬ي وجه ٕالانجل>‪ Ì‬وال‪*j‬ود هم هذﻩ الطائفة‬
‫فإن ذلك ممكن ‪N‬ي ذلك الزمان عندما ألف الشنقيطي كتابه زاد املسلم‪ ،‬فيكونون من هذﻩ‬
‫الطائفة‪ ،‬ويمكن أن ُيقال ذلك ‪N‬ي كل من حمل راية جهاد ‪N‬ي سبيل ﷲ ‪N‬ي فلسط>ن و‪N‬ي‬
‫غ>‪x‬ها من بالد املسلم>ن‪.‬‬
‫والذي يحل هذا ٕالاشكال هو البحث عن طائفة متنوعة ‪N‬ي الكفاءات والطاقات وٕالامكانات‬
‫ؤالافراد ‪ ،‬متحدة ‪N‬ي الغاية والهدف‪ .‬وما ذهب إليه النووي قريب من هذا‪ ،‬وينقص عبارته‬
‫عنصر التعميم الزماني‪.‬‬
‫وقوله ‪ ) :‬أنواع من املؤمن>ن م‪*w‬م شجعان مقاتلون‪ ،‬وم‪*w‬م فقهاء‪ ،‬وم‪*w‬م محدثون‪ ،‬وم‪*w‬م‬
‫زهاد آمرون باملعروف وناهون عن املنكر( بيان لهذا التنوع‪ ،‬بل فتح الباب ألنواع أخرى‬
‫عندما قال‪ ) :‬وم‪*w‬م أهل أنواع أخرى من الخ>‪.(x‬‬
‫وإذا أدخلنا ‪N‬ي حسابنا ٔالاحوال ال‪ ‹I‬تعيشها ٔالامة منذ قرن من الزمان فإننا نجد ٔالامة قد‬
‫ابتعدت ‪N‬ي الثقافة والفكر و‪N‬ي النظم والتشريع عن ٕالاسالم وانقسمت ٔالامة إ"ى فئات ثالث‪:‬‬
‫فئة تحارب ٕالاسالم‪ ،‬وتستع>ن بحربه بجميع التيارات الوافدة ؤالافكار املنحرفة‪ .‬وفئة تنافح‬
‫عن ٕالاسالم وتطالب بتحكيم القرآن الكريم وسنة الن´‹  ‪N‬ي حياة ٔالامة‪ .‬وفئة صرفت‬
‫جهدها إ"ى هم املعاش وتلبية الحاجات ‪ ،‬وال تعت‪ ‹¢‬بالصراع ب>ن الحق والباطل‪ ،‬إال إذا‬
‫تعرضت مصالحها للتوقف‪.‬‬

‫‪79‬‬
‫ويمكننا أن نقول بكل ثقة إن هذﻩ الفئة املنافحة عن ٕالاسالم الداعية إ"ى تحكيم شريعته ‪،‬‬
‫القائمة بأمر ﷲ تعا"ى ]ي الطائفة الظاهرة‪ ،‬و]ي متنوعة ‪N‬ي الطاقات وٕالامكانات‪ ،‬متحدة‬
‫‪N‬ي ٔالاهداف والغايات‪ ،‬وال تكون هذﻩ الطائفة ع‪C‬ى املستوى املطلوب إال بالعلم والفقه الذي‬
‫يساعد هذﻩ الطائفة ع‪C‬ى فهم أحكام الشريعة ومعرفة عقيدة ٕالاسالم ونظمه وكيفية‬
‫الدعوة إليه‪ .‬وال تكون الجماعة جماعة إال إذا وجد الوالء ب>ن أفرادها‪ ،‬وال تكون جماعة إال‬
‫إذا قامت ع‪C‬ى السمع والطاعة والال™‪Ì‬ام‪.‬‬
‫فالعلم الشر‪µ‬ي شرط من شروطها‪ ،‬والعمل الشر‪µ‬ي شرط كذلك‪ ،‬والوالء والال™‪Ì‬ام صفتان‬
‫الزمتان لها‪ .‬وقد جاءت بعض روايات الحديث ال‪ ‹I‬يفهم م‪*w‬ا شرط العلم والفقه كالرواية‬
‫ً‬
‫ال‪ ‹I‬أخرجها البخاري وجاء ف‪*j‬ا‪ ) :‬من يرد ﷲ به خ>‪x‬ا يفقهه ‪N‬ي الدين‪ ،‬وإنما أنا قاسم وﷲ‬
‫يعطي‪ ،‬ولن تزال هذﻩ ٔالامة قائمة ع‪C‬ى أمر ر‪*o‬ا‪ ،‬ال يضرهم من خالفهم ح‪ HI‬يأتي أمر ﷲ(‬
‫ً‬
‫)‪ .(222‬و‪N‬ي رواية أخرى‪) :‬ولن يزال أمر هذﻩ ٔالامة مستقيما ح‪ HI‬تقوم الساعة أو ح‪ HI‬يأتي أمر‬
‫ﷲ()‪ .(223‬وقد فهم الكرماني من هذﻩ الرواية أن من جملة الاستقامة التفقه؛ ألنه ٔالاصل ‪،‬‬
‫ثم قال ‪ :‬و‪*o‬ذا ترتبط ٔالاخبار املذكورة)‪.(224‬‬
‫ً‬
‫وقد ترجم ٕالامام البخاري لباب من أبواب كتابه فقال‪ ) :‬باب وكذلك جعلناكم أمة وسطا ‪،‬‬
‫وما أمر الن´‹  من لزوم الجماعة وهم أهل العلم( )‪.(225‬‬
‫قال ابن حجر‪ ) :‬فعرف أن املراد بالوصف املذكور أهل السنة والجماعة‪ ،‬وهم أهل العلم‬
‫الشر‪µ‬ي‪ ،‬ومن سواهم ولو نسب إ"ى العلم ف·‹ نسبة صورية ال حقيقية( )‪.(226‬‬
‫وبقي أن ُيقال إن عامة الناس ال تدخل ‪N‬ي هذﻩ الطائفة إال إذا تفاعلت مع ٕالاسالم‬
‫وأحكامه‪ ،‬ودخلت ‪N‬ي حلبة الصراع لنصرة الحق وأهله‪ ،‬وإذا قيل‪ :‬ما املراد من قوله عليه‬
‫الصالة والسالم "فعليكم بالسواد ٔالاعظم"؟ وهل املراد عامة الناس وجمهورهم؟ أم فئة‬
‫من الناس وخاص‪*¥‬م؟‪.‬‬
‫فيجيب ع‪C‬ى هذا ٕالامام الشاط´‹ ‪N‬ي كتابه الاعتصام حيث يقول ‪ :‬روي أبو نعيم عن محمد‬
‫بن القاسم الطو‪ ‹ºÒ‬قال‪ :‬سمعت إسحاق بن راهوية‪ ،‬وذكر ‪N‬ي حديث رفعه إ"ى الن´‹  قال‬

‫?> ‪.(164/1) (   >5 /! )  :‬‬ ‫)‪(222‬‬


‫?> ‪.(293/13) (   >5 /! )  :‬‬ ‫)‪(223‬‬
‫)‪.(293/13)   >5 (224‬‬
‫?> ‪.(316/13) (  >5 /! )  :‬‬ ‫)‪(225‬‬
‫)‪.(316/13 )   >5 (226‬‬

‫‪80‬‬
‫‪ :‬إن ﷲ لم يكن ليجمع أمة محمد ع‪C‬ى ضاللة‪ ،‬فإذا رأيتم الاختالف فعليكم بالسواد‬
‫ٔالاعظم‪ .‬فقال رجل‪ :‬يا أبا يعقوب ‪ ،‬من السواد ٔالاعظم ؟ فقال‪ :‬محمد بن أسلم وأصحابه‬
‫ومن تبعهم‪ ،‬ثم قال ‪ :‬سأل رجل ابن املبارك‪ :‬من السواد ٔالاعظم؟ قال ‪ :‬أبو حمزة السكري‪.‬‬
‫ثم قال‪N :‬ي ذلك الزمان ) يع‪ ‹¢‬أبا حمزة( و‪N‬ي زماننا محمد بن أسلم ومن تبعه‪ ،‬ثم قال‬
‫إسحاق‪ :‬لو سألت الجهال عن السواد ٔالاعظم‪ ،‬لقالوا جماعة الناس‪ ،‬وال يعلمون أن‬
‫الجماعة عالم متمسك بأثر الن´‹  وطريقه‪ ،‬فما كان معه وتبعه فهو الجماعة‪ .‬ثم قال‬
‫الشاط´‹‪ :‬فانظر ‪N‬ي حكايته تتب>ن غلط من ظن أن الجماعة ]ي جماعة الناس‪ ،‬وإن لم يكن‬
‫ﱠ‬
‫ف‪*j‬م عالم ‪ .‬وهو وهم العوام‪ ،‬ال فهم العلماء فليثبت املوفق ‪N‬ي هذﻩ املزلة قدمه)‪.(227‬‬
‫وما ذهب إليه إسحاق بن راهويه فهم عميق لدور الجماعة املسلمة والطائفة الظاهرة ال‪‹I‬‬
‫تتمتع بدرجة من الو‪µ‬ي تجعلها تستوعب شريعة ٕالاسالم وسنة الن´‹  وتقف ‪N‬ي وجه‬
‫التحديثات الثقافية والاجتماعية والسياسية‪ .‬وال يخرج املسلمون من حالة الغثاء إ"ى‬
‫مجتمع الفتح والنصر إال عن طريق هذﻩ الجماعة املؤمنة والطائفة املل™‪Ì‬مة بما عليه الن´‹‬
‫ وأصحابه‪.‬‬

‫القاعدة السابعة عشرة‬


‫الفهم الصحيح سبيل العمل الصحيح‬

‫الفهم لغة‪:‬‬
‫ب>ن صاحب لسان العرب مع‪ H¢‬كلمة الفهم فقال ‪:‬‬
‫معرفتك ال‪‹ºÜ‬ء بالقلب)‪ .(228‬وعندما تعرض صاحب‬
‫ً‬
‫اللسان لكلمة ) علم (‪ :‬علمت ال‪‹ºÜ‬ء‪ ،‬أعلمه ‪ ،‬علما‪:‬‬
‫عرفته)‪.(229‬‬
‫وهذا يع‪ ‹¢‬أن كلمة ) الفهم ( ف‪*j‬ا مع‪ H¢‬زائد ع‪C‬ى كلمة )العلم(‪ ،‬فالعلم إدراك يقل عن‬
‫الفهم الذي هو إدراك القلب‪ ،‬وهذا يع‪ ‹¢‬أن كلمة الفهم تشارك كلمة العلم ‪N‬ي موضوع‬

‫)‪.(153/2) 4J =7 6 -W (227‬‬


‫ ‪.(357/15) A D /‬‬ ‫)‪(228‬‬
‫ ‪.(311/15) A D /‬‬ ‫)‪(229‬‬

‫‪81‬‬
‫املعرفة وتزيد عل‪*j‬ا فيأمر إقامة نوع عالقة مع ٔالاشياء‪ ،‬من خالل الواقع وممارسة املعارف‪،‬‬
‫مع إدراك أبعادها وعالقاž*ا‪ ،‬لتصبح بعد هذﻩ املمارسة كأ‪*°‬ا جزء من الذات‪.‬‬
‫وقد اعتدنا ع‪C‬ى أن ال نستخدم كلمة ) فهمت( إال بعد استقرار املعلتومات والوصول إ"ى‬
‫تصور كامل لها‪ ،‬وتطبيقها لالطالع ع‪C‬ى جوانب ال نصل إل‪*j‬ا بمجر املعرفة‪ ،‬فالطالب ال يفهم‬
‫املعادلة الكيماوية بمجرد إدراك رموزها ولو ذكر املعلم نتائج التفاعل‪ ،‬ما لم يذهب إ"ى‬
‫املخت‪ xy‬ليشاهد بنفسه تلك املعادلة ع‪C‬ى شكل مواد تتفاعل‪ ،‬وتنتج مواد جديدة يراها‬
‫ً‬
‫الطالب بعينيه ‪ ،‬ويسمع أصواتا جديدة يسمعها بأذنيه ويشم روائح جديدة ‪ ،‬وعندئذ‬
‫تتحول قراءته للمعادلة إ"ى قراءة جديدة و]ي قراءة فهم؛ ألنه يدرك بوجدانه وقلبه أشياء‬
‫كث>‪x‬ة ال يتم تسجيلها أو التعب>‪ x‬ع‪*w‬ا بالرموز‪ ،‬وعندما تتعدد الوسائل املدركة وتك¨‪ x‬فإ‪*°‬ا‬
‫تحتاج إ"ى معرفة بأفرادها‪ ،‬وإ"ى معرفة أخرى بالعالقات فيما بي‪*w‬ا‪.‬‬
‫فإذا اقتصر ع‪C‬ى النوع ٔالاول من املعرفة فإ‪*°‬ا تكون معرفة تحليلية جزئية‪ ،‬واملعرفة‬
‫التحليلية الجزئية ]ي سبب من أسباب تخلف الفهم‪ ،‬فقد ابت‪C‬ى املسلم املعاصر ‪*o‬ذا النوع‬
‫من املعرفة الذي قد يظهر ف‪*j‬ا العلم ‪N‬ي أع‪C‬ى صورﻩ‪ ،‬إ"ى جانب الجهل ‪N‬ي أدنى صورﻩ‪ .‬فقد‬
‫رأينا فقهاء وعلماء لهم حظ كب>‪ x‬من العلم ‪N‬ي تخصصاž*م ولك‪*w‬م ال يستوعبون حركة هذا‬
‫التخصص ضمن مجموعة املعارف‪ ،‬وال يركزون ع‪C‬ى مكان هذا التخصص ضمن ٔالامكنة‬
‫ٔالاخرى‪ ،‬وال يبحثون عن العالقات والروابط ب>ن هذا التخصص والتخصصات ٔالاخرى‪ ،‬وال‬
‫يعيشون بتخصصهم ‪N‬ي البناء املتكامل لقضايا ٕالاسالم‪.‬‬
‫وتكمن خطورة هذا النوع من املعرفة ‪N‬ي ظهور مرض نستطيع أن نسميه تضخم الفهم"‬
‫وهو مرض البد أن ينتج باملقابل ضمور الفهم‪ ،‬فهذا املسلم املستغرق بنشاط واحد ونوع‬
‫واحد من املعارف ٕالاسالمية‪ ،‬يصاب باستيالء هذا النوع عليه ‪ ،‬فيظن أن ٔالامور كلها مبنية‬
‫ً‬
‫عليه ومستمدة منه‪ ،‬وليس هذا الضرب من الخلل أو املرض حديثا ع‪C‬ى ٔالامة بل هو قديم‪،‬‬
‫حيث كان بعض العلماء يرى العلم كله ‪N‬ي الفقه وآخرون يرون العلم كله ‪N‬ي الحديث ‪،‬‬
‫وغ>‪x‬هم يرون العلم كله ‪N‬ي التفس>‪ ، x‬ونشأت مذاهب جديدة‪ ،‬بعضها يرى الحل كله ‪N‬ي‬
‫ال™‪x‬بية الخلقية وال‪*¥‬ذيب‪ ،‬وبعضها يرى الخلل كله ‪N‬ي التفك>‪ x‬السيا‪ ،‹ºÒ‬وبعضها يرى الحل‬
‫كله ‪N‬ي العمل العسكري‪ ،‬إ"ى غ>‪ x‬ذلك من مظاهر تضخم الفهم وضمورﻩ‪.‬‬
‫أركان الفهم‪:‬‬

‫‪82‬‬
‫ً‬
‫وخروجا من أزمات الفهم وأمراضه البد من تحليل منطقي ألركان الفهم كي نتجاوز مرحلة‬
‫املعرفة الجزئية إ"ى مرحلة املعرفة الكلية‪ ،‬وكي نخرج من املرحلة الذرية ال‪ ‹I‬تظهر ف‪*j‬ا‬
‫املعارف ع‪C‬ى شكل ذرات متناثرة‪ ،‬و]ي الحالة ال‪ ‹I‬يعاني م‪*w‬ا املسلمون ‪N‬ي الفكر و‪N‬ي السلوك‬
‫ع‪C‬ى السواء‪ ،‬وهذا يساعدنا ع‪C‬ى عالج املظاهر الاجتماعية والسلوكية بعد معالجة ٔالاساس‬
‫النظري والفكري‪ ،‬و‪N‬ي ضوء هذا التحليل يمكننا أن نضع العالج ملا كان ُيشار إليه من‬
‫ً‬
‫ٔالامراض‪ ،‬كما كان ُينسب إ"ى الشيخ محمد عبدﻩ قوله‪ ) :‬ما أقوى املسلم>ن أفرادا وأضعفهم‬
‫جماعة‪ ،‬وما أعظم ٕالاسالم وأضعف املسلم>ن(‪.‬‬
‫َ‬
‫وهذا املرض البد أن يكون ناشئا عن خلل ‪N‬ي معادلة الفهم بأن يكون ٕالاسالم بوضعه‬
‫النظري املفرق ال بوضعه النظري املركب هو السائد ‪N‬ي العقول والنفوس‪.‬‬
‫وإنه ملن الضروري أن أش>‪ x‬إ"ى ضرورة فرز مرحلة التفهم السقيم من مرحلة الفهم السليم‬
‫‪N‬ي التاريخ ٕالاسالمي ‪ ،‬وإن كانت الحاجة ماسة اليوم إ"ى استنباط الفهم السليم؛ ألن هذا‬
‫الفرز يساعدنا ع‪C‬ى فهم التاريخ ٕالاسالمي ومعرفة أسرار القوة والضعف فيه‪ ،‬إذ لم يعد‬
‫يجدي أن ُيكتفى بالقول إن عصر النبوة والخالفة الراشدة هو عصر قوة ونشاط‪ ،‬والعصور‬
‫قل ف‪*j‬ا النشاط إ"ى أن وصل الحال إ"ى ما ُيسم‪ H‬بعصر الانحطاط‪ ،‬فالبد من‬ ‫التالية عصور ّ‬
‫تحليل الفهم واستحداث معاي>‪ x‬لهذا الفهم كي نتمكن من تجاوز عصور الانحطاط إ"ى‬
‫عصور العمل والنشاط‪ ،‬وبذلك فقط نستطيع أن نتجاوز تلك الهوة السحيقة ب>ن العصور‬
‫ٔالاو"ى والعصر الحديث‪.‬‬
‫خارطة الفهم‪:‬‬
‫ولفهم أركان الفهم فإننا نصور الفهم بخارطة جغرافية البد أن تجتمع ف‪*j‬ا أركان ثالثة‪:‬‬
‫الركن ٔالاول‪:‬‬
‫اشتمال هذﻩ الخارطة ع‪C‬ى جميع ٔالاجزاء من املدن والقرى والتضاريس والطرق والجبال‬
‫ؤالا‪*°‬ار ‪ ،‬وتكون هذﻩ الخارطة مع‪xy‬ة عما ترمز إليه بمقدار اشتمالها ع‪C‬ى مكونات ما ترمز‬
‫إليه‪.‬‬
‫وخارطة الفهم ٕالاسالمي البد أن تشتمل ع‪C‬ى مكونات ٕالاسالم ‪ ،‬فإذا كانت هذﻩ الخارجة‬
‫ً‬ ‫ً‬
‫متكاملة كان الفهم متكامال ‪ ،‬وبمقدار نقصها يكون الفهم ناقصا‪ .‬والجدير بالذكر أن نقص‬
‫الفهم يؤدي إ"ى نقص ‪N‬ي اللوك والعمل ‪ ،‬بل و‪N‬ي التصور‪ ،‬ويقود بالتا"ي إ"ى فهم آخر ُيخرج‬
‫صاحبه عن الصراط املستقيم‪ ،‬فال يصل صاحب هذا الفهم الناقص إ"ى ٔالاهداف املتوخاة‪.‬‬

‫‪83‬‬
‫إن بعض العامل>ن لإلسالم يعانون من فشل نا‪ ºà‬عن نقص خارطة فهمهم ‪ ،‬فعندما يطرح‬
‫ً‬ ‫ً‬
‫مسلم ما فكرﻩ ٕالاسالمي خاليا من تصور الحكم والسياسة‪ ،‬أو خاليا من تربية النفس‬
‫ً‬ ‫ً‬
‫وتزكية الروح ‪ ،‬أو خاليا من تربية العقل وتنشيط الفكر‪ ،‬أو خاليا من تربية البدن وتقوية‬
‫ً‬ ‫ً‬ ‫ً‬
‫ٔالاجساد‪ ،‬أو مركزا ع‪C‬ى صالح الفرد بعيدا عن صالح املجتمع فإن مثل هؤالء جميعا‬
‫يشكلون أزمة فهم ال تسبب تأخ>‪ x‬املس>‪x‬ة فقط بل قد تؤدي إ"ى جنوح املس>‪x‬ة وشطط‬
‫يخرج عن الصراط السوي‪.‬‬
‫إن شمولية ٕالاسالم ليست موضع اج‪*¥‬اد بل ]ي شمولية نصية ال يجوز بحال من ٔالاحوال‬
‫تجاوزها‪ ،‬والذي يريد أن ُيخرج بعض مشتمالت ٕالاسالم منه تحت ضغط واقع مع>ن يحمله‬
‫ع‪C‬ى حذف ‪‹ºà‬ء من ٕالاسالم فإنه يرتكب بذلك كب>‪x‬ة ‪N‬ي الوقت الذي يظن فيه أنه يحسن‬
‫ً‬
‫عمال ‪ ،‬وسيؤدي فعله هذا إ"ى تكوين عقول يتطاول عل‪*j‬ا ٔالامد وتتصلب ع‪C‬ى هذا الفهم‬
‫السقيم‪.‬‬
‫لقد آن ٔالاوان للمسلم>ن أن ينظروا إ"ى نقص الفهم واج™‪Ì‬ائه بالدرجة نفسها ال‪ ‹I‬ينظرون‬
‫ف‪*j‬ا إ"ى نقص ٕالاخالص‪.‬‬
‫إن النتيجة ٔالارضية ال‪ ‹I‬ينتجها نقص الفهم ونقص ٕالاخالص واحدة و]ي الفشل‪ .‬وال‬
‫نتعرض للنتيجة ٔالاخروية؛ ألننا ننظر إ"ى املسألة نظرة عملية‪ ،‬وال ينب‪ó‬ي أن ‪*°‬مل فكرة‬
‫نجاح العمل ‪N‬ي الدنيا ملا ي™‪x‬تب عليه من ظهور الحق وزهوق الباطل‪ ،‬و]ي نتيجة تتحقق‬
‫معها جدية ٕالاسالم‪ ،‬وتظهر من خاللها أحقيته لكل ذي عين>ن‪.‬‬
‫الركن الثاني‪:‬‬
‫ولفهم خارطة الفهم البد من تصور الخارطة الجغرافية املشتملة ع‪C‬ى جميع ٔالاجزاء‪ ،‬وقد‬
‫ً‬ ‫ً‬
‫أخذت أجزاؤها ٔالاحجام الطبيعية‪ ،‬ال تختل هذﻩ ٔالاحجام ال تصغ>‪x‬ا وال تكب>‪x‬ا‪ ،‬وعندما‬
‫تختل ٔالاحجام تكون الخارطة خادعة‪ ،‬وكذلك فإن خارطة الفهم تكون خادعة ألصحا‪*o‬ا‬
‫ُ ّ‬ ‫عندما ُي ّ‬
‫صغرون أجزاء فهمهم‪.‬‬ ‫ك‪xy‬ون وي ِ‬ ‫ِ‬
‫إن من يضع ع‪C‬ى عينيه عدسة مك‪xy‬ة أو ينظر من خالل املجهر البد أن يضع ‪N‬ي اعتبارﻩ أن‬
‫ً‬
‫ما يراﻩ من ٔالاحجام واملسافات ليس حقيقيا‪ ،‬فإذا تصور هذا ٔالاشياء حقيقة فسيتصرف‬
‫ً‬ ‫ً‬
‫تصرفا خاطئا ؛ ألنه سيظن أن الجسم الذي رآﻩ عن طريق املنظار ع‪C‬ى مسافة أمتار منه‬
‫وهو ‪N‬ي الواقع بعيد‪ ،‬وسيتصرو أن الذرة الصغيةر جسم كب>‪ x‬يحتاج إ"ى قوة كب>‪x‬ة‪ ،‬و]ي ‪N‬ي‬
‫الحقيقة ال تقع تحت اللمس أو تحت الحركة‪.‬‬

‫‪84‬‬
‫وقد أصيب بعض املسلم>ن ‪*o‬ذا النوع من التضخم ‪N‬ي فهمهم ألمور ٕالاسالم وقضاياﻩ‪.‬‬
‫فالكالم ‪N‬ي موضوع الخالفة والعمل من أجلها ضروري للفهم الصحيح‪ ،‬ولكن أن يستغرق‬
‫الكالم عن الخالفة مساحة ٕالاسالم إ"ى درجة تصغر معها ٔالاجزاء ٔالاخرى ح‪ HI‬تكاد تخرج‬
‫عن الاهتمام هو أمر يق‪ ‹ºÁ‬ع‪C‬ى الخالفة نفسها‪ ،‬والنظر إ"ى تربية الروح وتزكي‪*¥‬ا نظرة‬
‫استغراق تخضع جميع أنواع النشاط لسيطرž*ا وهيمن‪*¥‬ا بحيث تصغر أمور ٕالاسالم ٔالاخرى‬
‫هو أمر يق‪ ‹ºÁ‬ع‪C‬ى الروح نفسها؛ ألنه ال يقول عاقل بأن التضخم حالة صحية ‪ ،‬بل هو‬
‫حالة مرضية ‪ ،‬وكذلك تضخم الفهم‪.‬‬
‫لقد أصيب بعض العامل>ن للغسالم بمثل هذا التضخم إ"ى درجة أ‪*°‬م ثبتوا اهتمامهم ‪N‬ي‬
‫زاوية من الزوايا ولم يخطر ع‪C‬ى بالهم سوى هذﻩ الزاوية‪ ،‬فأصبحت حال‪*¥‬م حال املريض‬
‫الذي أصيب ‪*o‬ذيان فال تسمع منه سوى كلمة وانحدة يرددها‪ ،‬وكلما حاولت أن تعيدﻩ إ"ى‬
‫التوازن ضجر بمحاولتك ليعود إ"ى هذيانه‪.‬‬
‫إن تصور ٔالاحجام املناسبة لعناصر الفهم شرط أساس للعمل ‪ ،‬فإذا اختلت ٔالاحجام فإنه‬
‫البد أن يعود خللها ع‪C‬ى الخطة والفهم ‪ ،‬وبالتا"ي ع‪C‬ى النتائج والثمرات‪ .‬وإن الانحرافات‬
‫الكب>‪x‬ة ‪N‬ي تاريخ البشرية كانت ترجع ‪N‬ي كث>‪ x‬من ٔالاحيان إ"ى الخلل ‪N‬ي مساحات الفهم‬
‫وأحجامه‪ ،‬فال‪*j‬ود الذين ال يعرفوا من دي‪*w‬م إال أ‪*°‬م شعب ﷲ املختار جعلهم فهمهم هذا‬
‫يتجاوزون حدودهم إ"ى درجة يتصورون معها تفوق عرقهم ع‪C‬ى كل عرق‪ ،‬وطالبوا بإخضاع‬
‫كل ‪‹ºà‬ء لطموحات هذا العرق ورغباته ح‪ HI‬ﷲ تعا"ى ‪ ،‬فقد صورت لهم أنفسهم تفوقهم‬
‫عليه‪.‬‬
‫ً‬
‫وكذلك النصارى الذين رثوا لحال عي»‪ Hº‬عليه السالم فلم يجدوا تعب>‪x‬ا يناسب هذا الرثاء‬
‫ً‬
‫إال نعته بنعوت التأليه والتعظيم ليصبح فيما بعد إلها ع‪C‬ى حد زعمهم ‪ ،‬لقد اختلطت‬
‫العظمة باأللوهية ولم يعد من السهل تمي>‪Ì‬ها فانحرفوا وضلوا‪.‬‬
‫وكذلك أمر مشركي العرب الذين كانوا يعظمون بعض رجالهم‪ ،‬ثم انتقل التعظيم إ"ى ٓالاثار‬
‫ال‪ ‹I‬عاش الرجال ع‪C‬ى مقربة م‪*w‬ا‪ ،‬ثم نسوا أولئك الرجال لتحل ٔالاصنام محلهم وتستو"ي‬
‫ع‪C‬ى عقولهم وقلو‪*o‬م‪ ،‬وهكذا فلو أننا سرنا مع شعوب ٔالارض لوجدنا أن هذﻩ الشعوب قد‬
‫أصيبت ‪N‬ي فهمها أك¨‪ x‬مما أصيبت ‪N‬ي إخالصها للمعتقدات‪.‬‬
‫ً‬
‫وليس أمر كث>‪ x‬من املسلم>ن بعيدا عن هذا‪ ،‬ومع أن املسلم يبقى ‪N‬ي دائرة ٕالاسالم ‪N‬ي كث>‪x‬‬
‫من ٔالاحيان مع تضخم فهمه‪ ،‬لكنه لن يصل إ"ى النتائج ال‪ ‹I‬يطمح للوصول إل‪*j‬ا‪.‬‬

‫‪85‬‬
‫إن الفرق ٕالاسالمية ]ي تعب>‪ x‬عن تضخم الفهم وخلله‪ ،‬فالقدرية الذين أنكروا القدر قوم‬
‫متصفون بالصالح والتقى‪ ،‬ولك‪*w‬م وقعوا ‪N‬ي أزمة فهم جعل‪*¥‬م ينفون القدر ويتصورون أن‬
‫ً‬
‫علم ﷲ تعا"ى ليس أزليا بل هو علم حادث يكون بعد حدوث ٔالاشياء‪ .‬لقد أرادوا ت‪ÌÞ‬يه ﷲ‬
‫تعا"ى عن الظلم‪ ،‬وتضخم هذا الجانب ‪N‬ي نفوسهم وبالغوا فيه ح‪ HI‬أوقعهم بوصف ﷲ‬
‫تعا"ى باجلهل ‪ ،‬فخرجوا عن قاعدة الت‪ÌÞ‬يه وهم يريدون الت‪ÌÞ‬يه‪ ،‬ونجد هذا ‪N‬ي الحديث الذي‬
‫أخرجه ٕالامام مسلم)‪ .(230‬عن ابن عمر عندما جاء يح ‪ H‬بن يعمر وحميد بن عبد الرحمن‬
‫ً‬
‫الحم>‪x‬ي فقاال له ‪ :‬إن قبلنا أناسا يقرؤون القرآن ويتقفرون )‪ (231‬العلم وذكروان من شأ‪*°‬م‬
‫ُُ‬
‫‪ ،‬أي من زهدهم وعبادž*م‪ ،‬وأ‪*°‬م يقولون ‪ :‬ال قدر‪ ،‬وأن ٔالامر أنف ) أي مستأنف ( ال يعلمه‬
‫ابتداء ‪ ،‬فقال ابن عمر‪ :‬إذا لقيت أولئك فأخ‪xy‬هم أني بريء م‪*w‬م وأ‪*°‬م برءاء م‪، ‹¢‬‬ ‫ً‬ ‫ﷲ‬
‫ً‬
‫فوالذي يحلف به عبدﷲ بن عمر لو أن ألحدهم مثل أحد ذهبا فأنفقه ما تقبل منه إال أن‬
‫يؤمن‬
‫بالقدر ‪ ،‬ثم ساق الحديث الذي يتناول قصة م‪Ô‬يء ج‪xy‬يل عليه السالم إ"ى الن´‹  وفيه‬
‫بيان أركان ٕالايمان‪.‬‬
‫وقد وصل ٔالامر ببعض دعاة الت‪ÌÞ‬يه إ"ى درجة نفوا معها الصفات بحجة توحيد ﷲ تعا"ى‬
‫مخلص>ن فيما ذهبوا إليه ‪N‬ي التعطيل‪ ،‬واملش©*ة واملعطلة سواء ‪N‬ي النتيجة ‪ ،‬وال ينب‪ó‬ي أن‬
‫توصف فئة م‪*w‬م بالعبقرية والتم>‪ Ì‬كما حاول املستشرقون وتالمذž*م أن يصفوا املع™‪Ì‬لة‬
‫بأصحاب الفكر الحر والعقل الن>‪ x‬وهم ‪N‬ي الحقيقة أناس جنحوا ‪N‬ي فهمهم‪.‬‬
‫ً‬
‫وكذلك ٔالامر بالنسبة للشيعة الذين أحبوا عليا ر‪ ‹ºÛ‬ﷲ عنه وآله ‪ ،‬ورثوا ملا أصا‪*o‬م‪،‬‬
‫فأخرجهم هذا الرثاء عن جادة الفهم حيث تضخم جانب الحب واملوالاة‪ ،‬وسيطر ع‪C‬ى‬
‫ً‬ ‫ً‬
‫فهمهم ووجه حرك‪*¥‬م ع‪ xy‬التاريخ توج‪*j‬ا خاطئا ‪ ،‬وكان ينب‪ó‬ي أن يعلموا أنه ال يلزم من حب‬
‫إنسان أن نخرجه عن ٔالاطوار البشرية‪ ،‬ونرتب جميع ٔالاوراق التاريخية السابقة والالحقة‬
‫ً‬
‫تبعا لهذا الجانب‪.‬‬
‫وأما الخوارج فهم فئة تم>‪Ì‬ت بجهادها وثباž*ا وصالب‪*¥‬ا وإقبالها ع‪C‬ى العبادة وقراءة القرآن ‪،‬‬
‫وهم كما ُوصفوا ) أنضاء عبادة واطالح سهر ( )‪ (232‬ولك‪*w‬م أصيبوا بتضخم الفهم عندما‬

‫?> !‪. 1< 37/1 / !@ A B 67‬‬ ‫)‪(230‬‬


‫‪.8$D!9 8$7J‬‬ ‫)‪(231‬‬
‫;‪.L -; ]$D! >7J /! : <2J; . D 1J /!  9. 1& : K `$‬‬ ‫)‪(232‬‬

‫‪86‬‬
‫ً‬ ‫ً‬
‫عجزوا عن تصور الجمع ب>ن كون املسلم عاصيا وكونه مؤمنا ‪N‬ي وقت واحد‪ ،‬فحملهم طلب‬
‫وضوح املوقف وتحديدﻩ من املعصية ع‪C‬ى تكف>‪ x‬املسلم>ن فوقعوا ‪N‬ي معصية أك‪ ، xy‬لقد‬
‫غاب ع‪*w‬م أن النصوص الشرعية لها أصول تفهم من خاللها ‪ ،‬وأن التعارض فيما بي‪*w‬ا هو‬
‫تعارض ظاهري يزول بالعلم والرؤية الواسعة‪.‬‬
‫ً‬ ‫ً‬
‫وعند فقدان ٔالاصول والعلم يصبح التعارض شبحا ثقيال ع‪C‬ى العقل‪ ،‬فيحمل املسلم ع‪C‬ى‬
‫اختيار نص وطرح نص آخر‪ ،‬وهو ‪N‬ي الوقت الذي يريد تحكيم شريعة ﷲ من خالل شعار )‬
‫ً‬ ‫ً‬
‫إن الحكم إال هلل ( يكون قد رفض شريعة ﷲ برفضه نصا من النصوص أو حكما من‬
‫ٔالاحكام‪ ،‬ولبيان هذا ٔالامر ملا له من ٔالاهمية نمثل بنص>ن يبدو ف‪*j‬ما التعارض ‪.‬‬
‫ً‬
‫النص ٔالاول ‪ :‬أخرج ٕالامام البخاري ومسلم حديثا جاء فيه ) من قتل نفسه بحديدة فهو ‪N‬ي‬
‫ً‬ ‫ً‬ ‫ً‬
‫نار ج‪*w‬م يتوجأ بحديدته خالدا مخلدا ف‪*j‬ا ‪ ،‬ومن تجرع سما فهو ‪N‬ي نار جهنم يتجرعه‬
‫ً‬ ‫ً‬
‫خالدا مخلدا ف‪*j‬ا( )‪.(233‬‬
‫وظاهر هذا النص يفيد أن من قتل نفسه فهو خالد ‪N‬ي النار ‪ ،‬والخلود ‪N‬ي النار جزاء الكفار‪،‬‬
‫وعليه فقتل النفس كب>‪x‬ة يخلد صاح©*ا ‪N‬ي النار‪.‬‬
‫النص الثاني ‪ :‬أخرج ٕالامام مسلم ‪N‬ي صحيحه من طريق جابر أن الطفيل بن عمرو الدو‪‹ºÒ‬‬
‫أتى الن´‹  فقال ‪ :‬هل لك ‪N‬ي حص>ن حص>ن ومنعة‪ ،‬قال حصن كان لدوس ‪N‬ي الجاهلية‪،‬‬
‫فأبى ذلك الن´‹  للذي ذخر ﷲ لألنصار فلما هاجر الن´‹  إ"ى املدينة هاجر إل‪*j‬ا الطفيل‬
‫بن عمرو وهاجر معه رجل من قومه فاجتووا)‪ (234‬املدينة ‪ ،‬فمرض فجزع فأخذ‬
‫مشاقص)‪ (235‬له فقط ‪*o‬ا براجيمه)‪ (236‬فشخبت يداﻩ ح‪ HI‬مات ‪ ،‬فرآﻩ الطفيل ‪N‬ي منامه‪،‬‬
‫ً‬
‫وهيئته حسنة ‪ ،‬ورآﻩ مغطيا يديه ‪ ،‬فقال له ما صنع بك ربك ؟ ‪ ،‬فقال ‪ :‬غفر "ي بهجرتي إ"ى‬
‫ً‬
‫نبيه  فقال ‪ :‬ما"ي أراك مغطيا يديك ‪ ،‬قال ‪ :‬قيل "ي لن نصلح منك ما أفسدت ‪ ،‬فقصها‬
‫الطفيل ع‪C‬ى رسول ﷲ  فقال رسول ﷲ  ‪ ) :‬اللهم وليديه فاغفر( )‪.(237‬‬

‫?> !‪ 103/1 / !@ A B 67‬‬ ‫?> ‪.5778 < 247/10 7 J (   >5 0  :‬‬ ‫)‪(233‬‬
‫< ‪.175‬‬
‫‪.(6 I5 6I ; ) ,9 A  K H9 /! 87 ; : 4 J: 1 F $! 9 5‬‬ ‫)‪(234‬‬
‫!= ‪.N5 1 $ 85 6I C=! N!9 : CF‬‬ ‫)‪(235‬‬
‫ !‪.N @ 1 ! : 9‬‬ ‫)‪(236‬‬
‫?> !‪.184 < 109/1 / !@ A B 67‬‬ ‫)‪(237‬‬

‫‪87‬‬
‫ً‬
‫وهذا النص يفيد أن قاتل نفسه ليس مخلدا ‪N‬ي النار بل هو ‪N‬ي الجنة كما أخ‪ xy‬الن´‹ ‬
‫بإقرارﻩ رؤيا الطفيل‪ ،‬ودعائه لقاتل نفسه باملغفرة‪.‬‬
‫ويبدو التعارض الظاهري ب>ن هذين النص>ن‪ ،‬ولكن علماء العقيدة أزالوا هذا التعارض من‬
‫خالل فهمهم امل™‪Ì‬ن ‪ ،‬فحملوا النص ٔالاول ع‪C‬ى أن من قتل نفسه وهو مستحل لهذا الفعل‬
‫ً‬
‫أي معتقدا حله‪ ،‬ومن اعتقد حل ‪‹ºà‬ء حرمه ﷲ فهو كافر خالد مخلد ‪N‬ي النار‪.‬‬
‫ً‬
‫وأما النص الثاني‪ :‬فقد كان الفعل ناتجا عن ضجر وسأم ال عن استحالل ما حرم ﷲ‪ ،‬فلم‬
‫ً‬ ‫ً‬ ‫ً‬
‫يكن قاتل نفسه كافرا وال خالدا مخلدا ‪N‬ي النار ‪ ،‬بل هو مق™‪x‬ف ملعصية مع بقاء أصل‬
‫ٕالايمان ‪N‬ي نفسه‪ ،‬ويبقى ‪N‬ي دائرة وزن ٔالاعمال وعرضها ع‪C‬ى ﷲ ال ‪N‬ي دائرة حبوط ٔالاعمال‬
‫وركمها ‪N‬ي جهنم‪ ،‬وإذا دخل املؤمن النار عقوبة ع‪C‬ى معصية فعلها فسيخرج م‪*w‬ا بعد أن‬
‫ينال جزاءﻩ إذ ال خلود ألهل ٕالايمان ‪N‬ي النار‪.‬‬
‫وأما ‪N‬ي العصر الحديث فقد أصيب بعض الدعاة بمثل هذﻩ ٔالازمة ‪N‬ي الفهم فنظروا إ"ى‬
‫ً‬
‫العصاة والجالدين نظرة جعل‪*¥‬م يحكمون عل‪*j‬م بالكفر والخلود ‪N‬ي النار ‪ ،‬ظنا أ‪*°‬م ال‬
‫يستطيعون تعبئة الرأي العام ضدهم‪ ،‬وال يمك‪*w‬م إقناع الناس بفساد هؤالء إال إذا‬
‫استندوا إ"ى نصوص تحكم عل‪*j‬م بالكفر والخلود‪.‬‬
‫وهذﻩ الفئة يمكن أن ُيقال ف‪*j‬ا إن فكرها قد انحرف ‪N‬ي ظل الفتنة ‪ ،‬وكان ينب‪ó‬ي أن يحافظ‬
‫الفكر ع‪C‬ى طبيعته ومنهجه ح‪N HI‬ي ظل الفتنة ‪ ،‬بل نحن أحوج إ"ى الفكر امل™‪Ì‬ن ‪N‬ي الفتنة‬
‫أك¨‪ x‬منه خارجها‪.‬‬
‫فالفكر ال يتعرض لالنحراف ‪N‬ي ٔالاحوال العادية ‪ ،‬وإنما يتعرض لالنحراف ‪N‬ي املنعطفات‬
‫الحادة‪ ،‬فإذا وقعت ٔالاجساد اس>‪x‬ة آلالم السياط فال ينب‪ó‬ي لألفكار أن تلتوي كما تتلوي‬
‫ٔالاجساد‪.‬‬
‫إن قساوة قلب السجان ‪ ،‬وانحراف فطرة الجالد هما مظهران من مظاهر السوء ودليالن‬
‫ع‪C‬ى فساد القلوب ‪ ،‬ولكننا نضعهما ‪N‬ي مكا‪*°‬ما ‪N‬ي مقاييس الشر ‪ ،‬والبد أن ُيقتص من كل‬
‫ظالم‪ ،‬ولكن ال ينب‪ó‬ي أن يصل ٔالامر إ"ى درجة التكف>‪ x‬؛ ألن التكف>‪ x‬ال يكون إذا إذا أنكر‬
‫ً‬
‫املسلم معلوما من الدين بالضرورة ‪ ،‬باإلقرار ع‪C‬ى نفسه بالكفر أو إنكار آية من كتاب ﷲ ‪،‬‬
‫أو باستحالل ما حرم ﷲ أو بتحريم ما أحل ﷲ ‪.‬‬
‫إن الفهم امل™‪Ì‬ن يجعلنا نستطيع أن ندرك هذﻩ املعادلة ‪ ،‬ويمكن عندئذ أن يحكم الرجل‬
‫ع‪C‬ى جالدﻩ باملعصية ال بالكفر‪N ،‬ي ح>ن يحكم بالكفر ع‪C‬ى رجل رثى لحاله ومسح ع‪C‬ى‬

‫‪88‬‬
‫جراحه ووافاﻩ بطعامه وشرابه‪ ،‬ولكنه همس همسة واحدة قال ف‪*j‬ا إن ال‪‹ºÜ‬ء الفالني‬
‫ً‬
‫الذي حرمه ﷲ كان أو"ى أن يكون حالال ‪ ،‬أو إن ال‪‹ºÜ‬ء الفالني الذي أحله ﷲ كان ٔالاو"ى‬
‫ً‬
‫أن يكون حراما‪ .‬ونحن ح>ن نرى شارب الخمر ال يجوز أن نحكم عليه بالكفر‪ ،‬وقد نرى آخر‬
‫ً‬
‫ال يشر‪*o‬ا ويعافها ولكننا نحكم عليه بالكفر عندما يقول ‪ :‬ما ينب‪ó‬ي أن تكون الخمر حراما‪.‬‬
‫الركن الثالث‪:‬‬
‫أن تأخذ عناصر الفهم أماك‪*w‬ا الطبيعية فال تتبدل مواقعها ‪ ،‬بل يظهر كل عنصر ‪N‬ي مكانه‬
‫الطبي‪è‬ي ضمن سلسلة ٔالاولويات؛ وذلك ألن طريقة ترتيب ٔالاولويات تسهم ‪N‬ي تغي>‪ x‬املنهج‬
‫وطريقة التفك>‪ ، x‬فيكون الاختالف ب>ن جماعت>ن ليس ‪N‬ي وجود عناصر الفهم‪ ،‬ولكن ‪N‬ي‬
‫ترتيب هذﻩ العناصر ‪ ،‬كما أن البدء ‪N‬ي املرحلة قبل أوا‪*°‬ا يق‪ ‹ºÁ‬ع‪C‬ى املرحلة نفسها‪ ،‬ولقد‬
‫رأينا صنع أعداء ٕالاسالم وهم يحاولون ‪N‬ي كث>‪ x‬من ٔالاحيان أن يجروا العمل ٕالاسالمي إ"ى‬
‫مرحلة لم ُيعد العدة لها ‪ ،‬ولم يستوعب شروطها ومقوماž*ا ‪ ،‬وكان هذا يؤدي باستمرار إ"ى‬
‫إجهاض العمل ٕالاسالمي باستخدام هذﻩ ٔالامصال القاتلة‪.‬‬
‫فممارسة القتال هو ذروة سنام ٕالاسالم ‪ ،‬ومكون من مكونات ٕالاسالم ‪*+‬دف إ"ى مقارعة‬
‫الفتنة والقضاء عل‪*j‬ا ‪ ،‬وتمهيد الطريق النتشار الدعوة ووصولها إ"ى كل مكان وإزاحة‬
‫العقبات من طريقها ‪ ،‬والبد أن تحتوي عليه خارطة الفهم‪ ،‬ومن يطالب بإلغاء الجهاد من‬
‫الفهم فإنه يكفر ويخرج من امللة‪.‬‬
‫ً‬
‫فقد كفرت القاديانية عندما عطلت هذﻩ الشع>‪x‬ة ع‪C‬ى املستوى النظري وحذف‪*¥‬ا ‪*°‬ائيا من‬
‫خارطة فهمها ‪ ،‬وصور لها دجالها أن ٕالاسالم يمكن أن يتم ويكمل بغ>‪ x‬جهاد‪ .‬ومع أن للجهاد‬
‫ً‬
‫هذها ألهمية وهو فريضة من فرائض الدين إال أن له شروطا ومقدمات البد من اكتمالها‪،‬‬
‫ح‪ HI‬نصل إ"ى مكان القتال وفق ترتيبه ‪N‬ي سلم ٔالاولويات ‪ ،‬وقدوتنا ‪N‬ي هذا سيد املجاهدين‬
‫ً‬
‫الن´‹ محمد  ‪ ،‬الذي لم يأذن ألصحابه بالقتال إال بعد هجرž*م للمدينة‪ ،‬علما بأن‬
‫ٔالاسباب الداعية للقتال كانت موجودة قبل ذلك ‪ ،‬ولكن الشروط الضرورية للقتال لم تكن‬
‫موجودة‪.‬‬
‫ونحن ‪N‬ي هذﻩ ٔالايام نواجه أزمة فكرية عند بعض العامل>ن لإلسالم الذين يظنون أن توافر‬
‫ٔالاسباب وغزارž*ا يغ‪ ‹¢‬عن توافر الشروط‪ ،‬فهم يريدون القتال ع‪C‬ى أي حال ‪ ،‬وهذﻩ معادلة‬
‫ُ‬
‫ذات شق واحد‪ ،‬تؤدي إ"ى نتيجة عكسية ‪ ،‬وقد آن ٔالاوان الذي تعتمد فيه القيادة‬
‫الراشدة‪ ،‬صاحبة املنهج والفهم‪ ،‬كما آن ٔالاوان للمتعجل>ن أن يدركوا ضرورة هذا الرشد ‪،‬‬

‫‪89‬‬
‫ومع‪ H¢‬بعد النظر‪ ،‬واتباع قاعدة ٔالاولويات‪ ،‬ح‪ HI‬ال يقع العمل ٕالاسالمي ‪N‬ي املصيدة ال‪‹I‬‬
‫ً‬ ‫ً‬
‫ينص©*اﻩ له أعداؤﻩ‪ ،‬وقد تب>ن بما ال يدع مجاال للشك أن مثل هذﻩ املمارسات كانت عامال‬
‫‪N‬ي تجريد املجتمع من القوة ٕالاسالمية‪.‬‬
‫مراجعة الفهم‪:‬‬
‫وللمحافظة ع‪C‬ى هذا الفهم ‪N‬ي حدود أركانه البد من استحضار العناصر ؤالاولويات ‪ ،‬وأن ال‬
‫تغيب هذﻩ ٔالامور عن العامل>ن لإلسالم‪ .‬كما ينب‪ó‬ي أن ال يصرفنا الا‪*°‬ماك ‪N‬ي مرحلة من‬
‫املراحل عن استحضار التصور الذه‪ ‹¢‬والنظر لجميع املراحل ‪ ،‬وهذا شرط الستقرار املنهج‬
‫وسالمة التفك>‪ ، x‬وإن أسباب التسرب ‪N‬ي العمل ٕالاسالمي ترجع ‪N‬ي كث>‪ x‬من ٔالاحيان إ"ى عدم‬
‫استحضار هذﻩ ٔالامور أو إ"ى نشاط مبالغ فيه ضمن جزئية من هذﻩ الجزئيات ‪ ،‬ومن أجل‬
‫ذلك نجد بعض الدعاة ليسوا قادرين ع‪C‬ى مواكبة الدعوة‪ ،‬وقد يس>‪x‬ون ف‪*j‬ا بأجسادهم‬
‫أك¨‪ x‬مما يس>‪x‬ون معها بالئحة فهمهم املتكاملة‪ ،‬ومثل هؤالء لد‪*+‬م قابلية التسرب‪ ،‬وعالج‬
‫هذﻩ القابلية يكون بمراجعة الفهم والوصول إ"ى قناعات حول أركانه‪.‬‬
‫واملتتبع لسنة الن´‹  يجد أنه كان باستمرار يعيد ع‪C‬ى الصحابة عناصر فهمهم لإلسالم‪،‬‬
‫فلو نظرنا ‪N‬ي حديث ج‪xy‬يل عليه السالم الذي كان ‪N‬ي آخر عهد النبوة ‪ ،‬حيث ذكرت فيه‬
‫حقائق إسالمية لم تكن مجهولة عند الصحابة بل كانت معلومة‪ ،‬وقد يقول قائل ما الدا‪µ‬ي‬
‫ً‬ ‫ً‬
‫إ"ى إعادž*ا وترتي©*ا؟ علما بأن الحصابة رضوان ﷲ عل‪*j‬م كانوا قد سمعوا كث>‪x‬ا عن الصالة‬
‫والزكاة والصيام والحج وٕالايمان وٕالاحسان والساعة‪ ،‬ولكن منهج هذا الدين يقوم ع‪C‬ى‬
‫طريقه تربوية تعتمد ع‪C‬ى إدخال املعلومة الجديدة ‪N‬ي ظل معلومات سابقة مرتبة ‪،‬لتكون‬
‫العملية الذهنية متكاملة‪ ،‬وإن أفضل طريقة ملراجعة الفهم ]ي معرفة أهداف ٕالاسالم‬
‫الك‪xy‬ى ومقاصدﻩ العظم‪ ، H‬واستحضار هذﻩ ٔالاهداف واملقاصد ‪N‬ي حالة و‪µ‬ي ال تعرف‬
‫الهذيان وال التجزئه ‪ ،‬واملنهج السديد ت™‪x‬كز فيه أهداف ٕالاسالم ومقاصدﻩ و]ي أركان الفهم‪.‬‬
‫والبد من معرفة هذﻩ ٔالاهداف وشرحها للعامل>ن ومعاودة الرح والدراسة لتبقي حية ‪N‬ي‬
‫النفوس ‪ ،‬صيانة لها من الغفلة والنسيان ‪ ،‬وهما أخو الجهل والضالل ‪.‬‬
‫إن استعراض ٔالاهداف يعطي الداعية قناعة بأن دعوته كلية ال جزئية ‪ ،‬وأ‪*°‬ا متنوعة‬
‫املراحل‪ ،‬ويوقفه ع‪C‬ى اتساع حقول الدعوة‪ ،‬ويكشف له عن عظيم الجهد املطلوب لتحقيق‬
‫هذﻩ ٔالاهداف ‪ ،‬ويساعدﻩ ع‪C‬ى قياس الجهد املبذول‪.‬‬

‫‪90‬‬
‫إن ٕالادراك الوا‪µ‬ي لفرق الجهد ب>ن املطلوب واملبذول يدفع الداعية إ"ى مرا‪ï‬ي الجهد‬
‫املطلوب‪ ،‬ويشعرﻩ بالتقص>‪ x‬وبأسباب عدم بلوغ الغاية ‪ ،‬وهذا جزء مهم من عالج حالة‬
‫ٕالاحباط ‪N‬ي نفوس الدعاة‪ .‬فكث>‪ x‬من الدعاة تصي©*م الح>‪x‬ة لعدم وصولهم إ"ى أهدافهم‪،‬‬
‫ﱠ‬
‫ظان>ن أ‪*°‬م وفوا ما عل‪*j‬م وأبرءوا ذم‪*¥‬م ‪ .‬وهذا يجعلهم ي‪*¥‬مون دعوž*م بالقصور‪ ،‬أو‬
‫ُيصابون باإلحباط‪ ،‬والاž*ام بالقصور وٕالاحباط سببان رئيسان يخرجان الداعية عن‬
‫مسارﻩ‪.‬‬
‫وزيادة ‪N‬ي إيضاح هذﻩ الفكرة نقول ‪ :‬إن الجهد املطلوب جهد موضو‪µ‬ي‪ ،‬مثاله أن نقل مائة‬
‫كيلو غرام يحتاج إ"ى قوة حمل تساوي مائة كيلو غرام ‪ 100 ،‬كغم وزن = ‪ 100‬كغم قوة‪.‬‬
‫إن ‪ 90‬كغم قوة ال يمكن أن ترفع وزن ‪ 100‬كغم‪.‬‬
‫إن الجهد املطلوب يبينه قول الل تعا"ى ‪  :‬يا أ‪*+‬ا الذين آمنوا اتقوا ﷲ حق تقاته وال تموتن‬
‫إال وأنتم مسلون  )‪ ،(238‬ويبينه حديث ال‪ٕ " :  ‹¢‬الايمان بضع وستون أو بضع وسبعون‬
‫شعبة‪ ،‬أعالها ال إله إال ﷲ ‪ ،‬وأدناها إماطة ٔالاذى عن الطريق‪ ،‬والحياة شعبة من ٕالايمان"‬
‫متفق عليه)‪.(239‬‬
‫)‪(240‬‬
‫وأما الجهد املبذول فيدل عليه قول ﷲ تعا"ى  فال تزكوا أنفسكم هو أعلم بمن اتقى‬
‫ٓالاية ‪ ،‬وقوله وما أصابكم من ُمصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفو عن كث>‪ٓx‬الاية )‪.(241‬‬

‫‪.102 / !- 10‬‬ ‫)‪(238‬‬


‫?> ‪.58 57 < 63/1 67! >?  . 9 < 51/1 C (   >5 )  :‬‬ ‫)‪(239‬‬
‫‪.32 69$‬‬ ‫)‪(240‬‬
‫= ‪.30 H‬‬ ‫)‪(241‬‬

‫‪91‬‬
‫القاعدة الثامنة عشر‬
‫الفهم السائد والفهم الواجب‬
‫لقد وقع كث>‪ x‬من املسلم>ن ‪N‬ي مشكلة عدم فهم القرآن الكريم ‪ ،‬وهذﻩ ٔالازمة أشد عل‪*j‬م‬
‫ً‬
‫وأفتك ‪*o‬م من عدوهم‪ .‬فلقد أنتج الفهم الخطأ فرقا وطوائف مزقت ٔالامة وأتت ع‪C‬ى كلم‪*¥‬ا‬
‫ووحدž*ا‪ .‬ونحن ‪N‬ي هذﻩ القواعد نقف ع‪C‬ى الفهم السائد ‪N‬ي مقابل الفهم الواجب‪ .‬فقد ساد‬
‫‪N‬ي ٔالامة فهم أناني فردي يتس™‪ x‬بستار النفعية وهو الضرر بعينه ع‪C‬ى الفرد والجماعة‪ ،‬حيث‬
‫نجد أك¨‪ x‬الناس يدورون حول ذواž*م ويشعرون بالسلبية القاتلة عندما يظهور إلحاح‬
‫املصلحة العامة‪ .‬ونجد الدعوة إ"ى الانكباب ع‪C‬ى الذات أو الدائرة الصغرى‪ ،‬ولسان حال‬
‫أحدهم ٓالاية الكريمة‪ :‬يا أ‪*+‬ا الذين آمنوا عليكم أنفسكم ال يضركم من ضل إذ اهتديتم‬
‫)‪ ،(242‬ويفهمون من ٓالاية أن يعت‪ٕ ‹¢‬الانسان بشئون الخاصة ويقطع صلته مع الناس‪ ،‬مع‬
‫تكرار كلمات وشعارات مثل ‪ :‬نحن ‪N‬ي آخر الزمان‪ ،‬وما شابه ذلك من عبارات اليأس‬
‫والقنوط‪ .‬وهذا الفهم مخالف ألهداف القرآن ومقاصه‪ ،‬فقد جاء القرآن الكريم رحمة‬
‫للعامل>ن إلصالح الفرد والجماعة‪ ،‬وطالب املسلم بأن ينفرد للدعوة والجهاد وأن ال يكون مع‬
‫الخوالف‪ ،‬وأن ال يقعد مع القاعدين‪ .‬والقرآن ال تتضارب آياته وال تتناقض مقاصدﻩ‪،‬‬
‫ً‬
‫وليست العوائق والعقبات أسبابا كافية لصرف هذﻩ املقاصد عن بلوغ غاي‪*¥‬ا‪ ،‬ولوال ذلك ملا‬
‫ُ‬
‫شرع الجهاد بجميع صورﻩ وأشكاله‪ ،‬وقد ندب ﷲ املؤمن>ن ملكافحة الف™ن أنى كانت‪.‬‬

‫ولقد التفت أبو بكر إ"ى خطورة هذا الفهم السل´‹ العك»‪ ،‹º‬فقد أخرج ٕالامام أحمد ‪N‬ي‬
‫مسندﻩ وال™‪x‬مذي ‪N‬ي الجامع من طريق التاب‪è‬ي الجليل قيس بن أبي حازم قال‪ :‬قام أبو بكر‬
‫ر‪ ‹ºÛ‬ﷲ عنه فحمد ﷲ وأث‪ H¢‬عليه ثم قال‪ :‬أ‪*+‬ا الناس‪ ،‬إنكم تقرءون هذﻩ ٓالاية ‪  :‬يا أ‪*+‬ا‬
‫الذين آمنوا عليكم أنفسكم ال يضركم من ضل إذا اهتديتم وإنكم تضعو‪*°‬ا ع‪C‬ى غ>‪x‬‬
‫موضعها‪ ،‬وإني سمعت رسول ﷲ  يقول ‪" :‬إن الناس إذا رأو املنكر فلم يغ>‪x‬وﻩ أوشك ﷲ‬
‫ً‬ ‫ً‬
‫عز وجل أن يعمهم بعقابه")‪ ،(243‬ولو فهم أبو بكر هذﻩ ٓالاية فهما سلبيا ملا أصر ع‪C‬ى مقاتلة‬
‫مان‪è‬ي الزكاة‪ ،‬ول™‪x‬ك املرتدين يعودون بالعرب إ"ى جاهلي‪*¥‬م الجهالء‪.‬‬

‫! ‪.205 :  O‬‬ ‫)‪(242‬‬


‫!‪/; P=; 8 ]7-  :[ 675 V ! 3    T # $ /T ) 83(257/5)  !  (2/1) !?; $‬‬ ‫)‪(243‬‬
‫?> ‪.‬‬ ‫‪/? : 1 F (A D Z 6I!D‬‬

‫‪92‬‬
‫وقد أخرج ٕالامام أبو عي»‪ Hº‬ال™‪x‬مذي صاحب الجامع‪ ،‬بسندﻩ عن أبي أمية الشعباني قال ‪:‬‬
‫أتيت أبا ثعلبة الخش‪ ‹¢‬فقلت له ‪ :‬كيف تصنع ‪*o‬ذﻩ ٓالاية؟ قال‪ّ :‬أية آية؟ قلت ‪ :‬قول ﷲ‬
‫تعا"ى ‪ :‬يا أ‪*+‬ا الذين آمنوا عليكم أنفسكم ال يضركم من ضل إذا اهتديتم‪ ،‬قال‪ :‬أما وﷲ‬
‫ً‬
‫لقد سالت ع‪*w‬ا خب>‪x‬ا‪ ،‬سألت رسول ﷲ  فقال ‪" :‬بل ائتمروا باملعروف وتناهوا عن‬
‫ً‬ ‫ً‬ ‫ً‬
‫املنكر‪ ،‬ح‪ HI‬إذا رأيت شحا ُمطاعا وهو ًى متبعا ودنيا مؤثرة‪ ،‬وإعجاب كل ذي رأي برأيه‬
‫ً‬
‫فعليك بخاصة نفسك‪ ،‬ودع العوام‪ ،‬فإن من ورائكم أياما للص‪ xy‬ف‪*j‬ن مثل القبض ع‪C‬ى‬
‫ً‬
‫الجمر‪ ،‬للعامل ف‪*j‬ن مثل أجر خمس>ن رجال يعملون كعملكم")‪.(244‬‬
‫و‪*o‬ذا يكون أبو ثعلبة قد فسر ٓالاية‪ ،‬وحملها ع‪C‬ى الوقت الذي تكون فيه صفات الناس كما‬
‫ذكر من الشح املطاع‪ .‬والشح أعم من البخل غذ هو ‪N‬ي املال وغ>‪x‬ﻩ‪ ،‬فيصبح الشح هو‬
‫ً‬
‫القاعدة العامة املتبعة‪ ،‬والهوى متبعا وهو رغبة النفس‪ُ ،‬ويعجب كل صاحب رأي برأيه فال‬
‫شورى وال اتفاق‪ .‬وقد يقول قائل‪ :‬إن هذﻩ الصفات تنطبق ع‪C‬ى مجتمعاتنا‪ ،‬أال ترى الشح‬
‫املطاع والهوى املتبع إ"ى آخر هذﻩ الصفات؟ وبذلك تكون ٓالاية منطبقة ع‪C‬ى زماننا‪ ،‬ونحن‬
‫املخاطبون ‪*o‬ا! والحق أن هذﻩ الصفات املذكورة ]ي الصفات ال‪ ‹I‬تصبح سائدة عامة فال‬
‫يخرج أحد ‪N‬ي املجتمع ع‪*w‬ا‪ ،‬وما زال ‪N‬ي املجتمع خ>‪ x‬كث>‪ ،x‬هنالك الصالحون ٔالاتقياء والكرام‬
‫ٔالاسخياء‪ ،‬وطالب ٓالاخرة ٔالاولياء‪ ،‬والباحثون عن الدليل من الكتاب والسنة ‪ ،‬وليس املراد‬
‫أان يكون بعض الناس ع‪C‬ى هذﻩ الصفات السيئة‪ ،‬فوجود الشحيح أمر متحقق ‪N‬ي كل عصر‬
‫و‪N‬ي كل مكان ‪ ،‬ووجود املعجب برأيه املعتد بخطئه واملع™‪ Ì‬بخطيئته ممكن ‪N‬ي كل دهر‪ .‬وقد‬
‫مدع أن هذا موجود ح‪N HI‬ي عصر الصحابة الكرام و‪N‬ي عصر التابع>ن ٔالابرار‪ ،‬و هو ما‬ ‫يد‪µ‬ي ٍ‬
‫أشكل ع‪C‬ى بعض الصحابة ح‪ HI‬قام أبو بكر ينفي هذا ٕالاشكال‪ ،‬وما اختلط ع‪C‬ى أبي أمية‬
‫الشعباني فقام يسأل أبا ثعلبة الخش‪ ‹¢‬ر‪ ‹ºÛ‬ﷲ عنه‪ ،‬فصرف أبو ثعلبة زمن تحققها عن‬
‫زمان الصحابة الكرام‪ ،‬وقيد وجودها بالصفات املذكورة ع‪C‬ى وجه ٕالاحكام‪.‬‬
‫ونحن نقول‪ :‬إن الزمان الذي تصل فيه ٔالامور إ"ى هذا الحد من الشح والهوى والدنيا املؤثرة‬
‫ُ‬
‫لم يأت بعد‪ ،‬ويكون ذلك قبيل يوم القيامة؛ ألن القيامة ال تقوم إال ع‪C‬ى شرار الخلق‬
‫وأبغضهم إ"ى ﷲ تعا"ى‪ .‬وإن استغراق هذﻩ الصفات الذميمة ألبناء الجنس البشري يجعل‬
‫الحياة عديمة الجدوى بال هدف‪ ،‬وعندئذ يكون القدر املقدور ‪N‬ي تدم>‪ x‬هذا الكون املعمور‪.‬‬

‫ !  )‪.(257/5‬‬ ‫)‪(244‬‬

‫‪93‬‬
‫ً‬
‫ونقول أيضا‪ :‬إن هذﻩ الصفات تع‪ ‹¢‬فساد الفطرة ٕالانسانية وتنك©*ا عن الخ>‪ x‬وتمحضها‬
‫ُ‬
‫للشر‪ .‬وقد أخ‪xy‬نا الن´‹  عن زمان ال تقبل فيه توبة‪ ،‬وأخ‪xy‬نا القرآن الكريم عن وقت ال‬
‫ً‬ ‫ً‬
‫ينفع فيه نفسا إيما‪*°‬ا لم تكن آمنت من قبل أو كسبت ‪N‬ي إيما‪*°‬ا خ>‪x‬ا‪ .‬قال عليه الصالة‬
‫والسالم‪" :‬ال تنقطع الهجرة ح‪ HI‬تنقطع التوبة‪ ،‬وال تنقطع التوبة ح‪ HI‬تخرج الشمس من‬
‫مغر‪*o‬ا")‪ ،(245‬فباب التوبة مفتوح ع‪C‬ى مصراعيه‪ ،‬والتوبة مبذولة لجميع البشر‪ ،‬وي™‪x‬تب ع‪C‬ى‬
‫ذلك ٔالامر باملعروف والن·‹ عن املنكر ‪ ،‬وعدم اليأس من النسا ‪ ،‬والقيام بواجب ٕالانذار‬
‫والبالغ‪ ،‬ولكن عندما تنقطع التوبة ُويغلق با‪*o‬ا بظهور العالمات الك‪xy‬ى ال‪ ‹I‬ال ينفع ٕالايمان‬
‫فعندئذ ال يفيد ٕالانذار والبالغ إال صاح©*ما ‪N‬ي حصوله ع‪C‬ى أجرهما وثوا‪*o‬ما‪ .‬وهذا ما‬
‫ٍ‬ ‫بعدها‬
‫جعل ابن مسعود يرى أن بعض آيات القرآن الكريم جاء تفس>‪x‬ها‪ ،‬وبعضها لم يأت‬
‫تفس>‪x‬ها‪.‬‬
‫ثم إن مما تفيدﻩ ٓالاية ت حص>ن النفس ووقاي‪*¥‬ا من عوامل الشر بأن يقوم املسلم بعمل>ن‬
‫متالزم>ن‪ٔ :‬الاول ‪ :‬إصالح الذات‪ ،‬والثاني‪ٕ :‬الاصالح خارجها‪ .‬والخطر ع‪C‬ى الذات يكون من‬
‫داخلها‪ ،‬ويكون من خارجها‪ ،‬فإذا تركت الذات دون تحص>ن وحفظ تسربت إل‪*j‬ا العوادي‬
‫الخارجية فأفسدž*ا‪ .‬وٓالاية تأمر املؤمن>ن بأن يحافظوا ع‪C‬ى أنفسهم من هذﻩ العوادي كما‬
‫ً‬
‫‪N‬ي قوله تعا"ى‪ :‬يا أ‪*+‬ا الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم نارا وقودهها الناس‬
‫والحجارة)‪.(246‬‬
‫وقد جاء ‪N‬ي تفس>‪ٓ x‬الاية أن مع‪ H¢‬أنفسكم ‪ :‬قومكم وأمتكم ‪ ،‬كما ‪N‬ي قوله تعا"ى فسلموا‬
‫ع‪C‬ى أنفسكم )‪ ، (247‬وكما ‪N‬ي قوله  وال تلمزوا أنفسكم )‪ (248‬ويكون املع‪ H¢‬احرصوا ع‪C‬ى‬
‫أمتكم وع‪C‬ى أهل دينكم‪.‬‬
‫ونخلص من كل هذا إ"ى أن ٓالاية ف‪*j‬ا دافعية عظيمة للعمل والحرص ع‪C‬ى مصلحة ٔالامة‪،‬‬
‫وليست سلبية عدمية تدعو إ"ى ٕالانكباب ع‪C‬ى الذات فقط‪ ،‬أو ع‪C‬ى املصلحة الخاصة‬
‫فحسب‪.‬‬

‫‪.(7/3)  4; /$‬‬ ‫)‪(245‬‬


‫? ‪.6 :  6‬‬ ‫)‪(246‬‬
‫‪.61 :  $‬‬ ‫)‪(247‬‬
‫?‪.11: 
 9‬‬ ‫)‪(248‬‬

‫‪94‬‬
‫القاعدة التاسعة عشرة‬
‫ٔالامر باملعروف والن‪ «°‬عن املنكر فرض من فروض ٔالامة‬
‫ٔالامر باملعروف والن·‹ عن املنكر أبرز خصائص ٔالامة املسلمة ‪ ،‬وعالمة خ>‪x‬ي‪*¥‬ا ‪ ،‬قال تعا"ى ‪:‬‬
‫ كنتم خ>‪ x‬أمة أخرجت للناس تأمرون باملعروف وت‪*w‬ون عن املنكر وتؤمنون باهلل )‪.(249‬‬
‫ولتحقيق هذﻩ املزية والصفة الشريفة جاء ٔالامر القرآني بذلك‪  :‬ولتكن منكم أمة يدعون‬
‫إ"ى الخ>‪ x‬ويأمرون باملعروف وي‪*w‬ون عن املنكر)‪.(250‬‬
‫فاألمر باملعروف والن·‹ عن املنكر دليل ع‪C‬ى حياة ٕالايمان ‪N‬ي القلب‪ ،‬وبرهان ع‪C‬ى قيام‬
‫الرابطة الحقيقية ب>ن هذا املسلم ٓالامر النا]ي وب>ن دينه‪،‬وأنه ينطلق ‪*o‬ذا الدين بجد‬
‫وعزيمة‪.‬‬
‫املعروف واملنكر ‪N‬ي اللغة والاصطالح‪:‬‬
‫املعروف ‪N‬ي اللغة ما عرفه الناس واعتادوﻩ ‪ ،‬واملنكر ما أنكروﻩ ومقتوﻩ‪.‬‬
‫وأما ‪N‬ي الشرع فاملعروف ما عرفه الناس واعتادوﻩ مما جاء به الشرع‪ ،‬واملنكر ماأنكروﻩ‬
‫ً‬
‫ومقتوﻩ مما ن·‪ H‬عنه الشرع‪ .‬فقد يكون العروف عند الناس منكرا ‪N‬ي الشرع‪ ،‬وقد يكون‬
‫ً‬
‫املنكر عند الناس معروفا ‪N‬ي الشرع‪ .‬ففي غياب شرع ﷲ تعا"ى عن املجتمعات تنشأ أعراف‬
‫جاهلية تبدل املوازين ؤالاذواق ؤالاخالق‪ ،‬وها نحن نجد الكث>‪ x‬من مجتمعاتنا ٕالاسالمية‬
‫ً‬
‫تجعل من املنكرات معروفا يحظى بالدعم املادي واملعنوي ‪،‬وتحميه ٔالانظمة والقوان>ن ‪،‬‬
‫وهذا من الثمامر الخبيثة ال‪ ‹I‬أنتج‪*¥‬ا سلبية ٓالاباء ؤالاجداد ‪ ،‬وموادع‪*¥‬م للمنكر وأهله ‪،‬‬
‫وفسح املجال لدعاة السوء ‪N‬ي مختلف املجاالت ‪.‬‬
‫مسئولية ٔالامر باملعروف والن·‹ عن املنكر عامة ‪:‬‬
‫ً‬ ‫ً‬
‫وليس ٔالامر باملعروف والن·‹ عن املنكر شأنا خاصا ملسلم دون آخر بل ]ي مسئولية عامة‬
‫ً‬
‫مصدرها التكليف الشر‪µ‬ي العام‪ ":‬من رأى منكم منكرا فليغ>‪x‬ﻩ"‪ ،‬وكلمة "من" من ألفاظ‬
‫ً‬ ‫ً‬ ‫ً‬
‫العموم‪ ،‬فكل مسلم آمن باهلل ربا وباإلسالم دينا مكلف شرعا باألمر باملعروف والن·‹ عن‬
‫املنكر‪ .‬وال يستحق والية ﷲ ورسوله والذين آمنوا إال إذا قام ‪*o‬ذا الواجب‪ :‬واملؤمنون‬
‫واملؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون باملعروف وي‪*w‬ون عن املنكر)‪.(251‬‬

‫‪.110  : / !- 10‬‬ ‫)‪(249‬‬


‫‪.104  : / !- 10‬‬ ‫)‪(250‬‬
‫  ‪.71 :‬‬ ‫)‪(251‬‬

‫‪95‬‬
‫والقيام ‪*o‬ذا الواجب فريضة شرعية ‪ ،‬بل هو أصل الفرائض الشرعية‪ ،‬وهو مطلوب ‪N‬ي كل‬
‫ً‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫ً‬
‫حال ‪ ،‬و‪N‬ي كل وقت‪ ،‬سواء أكان املسلم غنيا أو فق>‪x‬ا ‪ ،‬قويا أو ضعيفا‪ ،‬فردا أوجماعة‪ ،‬كث>‪x‬‬
‫العلم أو قليله‪ .‬والذي يتنوع ويختلف إنما هو املنازل والدرجات‪ ،‬فهذﻩ تختلف حسب‬
‫ٔالاحوال ؤالاوضاع‪ ،‬فأع‪C‬ى درجات إنكار املنكر التغي>‪ x‬باليد‪ ،‬وأدناﻩ التغي>‪ x‬بالقلب‪.‬‬
‫بأ‪*+‬ما نبدأ‪:‬‬
‫اق™‪x‬ن ذكر ٔالامر باملعروف بالن·‹ عن املنكر ‪N‬ي أك¨‪ٓ x‬الايات ؤالاحاديث ال‪ ‹I‬تحض ع‪C‬ى القيام‬
‫‪*o‬ذﻩ الفريضة‪ ،‬وجاء ذكر الن·‹ عن املنكر وحدﻩ ‪N‬ي مواضع أخرى‪ ،‬وذلك مثل قوله تعا"ى‬
‫ُ‬
‫عن ب‪ ‹¢‬إسرائيل‪  :‬لعن الذين كفروا من ب‪ ‹¢‬إسرائيل ع‪C‬ى لسان داود وعي»‪ Hº‬بن مريم‪،‬‬
‫ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون* كانوا ال يتناهون عن ُمنكر فعلوﻩ لبئس ماكانوا‬
‫يفعلون)‪.(252‬‬
‫ً‬
‫وجاء إفراد الن·‹ عن املنكر ‪N‬ي الحديث‪ " :‬من رأى منكم منكرا فليغ>‪x‬ﻩ بيدﻩ‪ ،‬فإن لم‬
‫يستطيع فبلسانه‪ ،‬فإن لم يستطع فبقلبه‪ ،‬وذلك أضعف ٕالايمان")‪.(253‬‬
‫ً‬
‫وهذا التنويع ‪N‬ي ذكر ٔالامر باملعروف والن·‹ عن املنكر يدل ع‪C‬ى أن كال م‪*w‬ما قد يطلب ‪N‬ي‬
‫ظروف أو أحوال معينة ‪ ،‬وأ‪*°‬ما قد يجتمعان أو ينفردان‪ .‬والذي يقرر دون كل واحد م‪*w‬ما‬
‫تمكن أحدهما ‪N‬ي املجتمع‪ ،‬فإذا تمكن املنكر كما كان الحال ‪N‬ي مكة قبل الهجرة‪ ،‬أوكما هو‬
‫‪N‬ي بعض املجتمعات ٕالاسالمية املعاصرة فإن ٔالامر باملعروف ي‪xy‬ز ويأخذ دورﻩ ‪N‬ي عملية‬
‫التغي>‪ ، x‬فإذا تمكن املعروف وهيمن ع‪C‬ى املجتمع فإن الن·‹ عن املنكر ي‪xy‬ز ويأخذ دورﻩ‬
‫ملعالجه الظواهر الشاذة ‪ ،‬كما كان الحال بعد الهجرة إ"ى املدينة‪ ،‬وقيام املجتمع املسلم ف‪*j‬ا‬
‫‪ ،‬وكما هو الحال ‪N‬ي مؤسسة إسالمية‪ ،‬أو جماعة من الناس رضيت بحكم ٕالاسالم ف‪*j‬ا‪.‬‬


   ‬ ‫
 ‬

‫الن·‹ عن املنكر‬ ‫ٔالامر باملعروف‬


‫! ‪.(78،79) /  O‬‬ ‫)‪(252‬‬
‫;‪DJ (677/1) ; 47? 4  ]J ! DJ (469/4)  !  (69/1)67! 89 :‬‬ ‫)‪(253‬‬
‫ ?‪U5 !?! ? 47? ]- DJ (406/1)9 ! / # - ? C!? G‬‬
‫‪.4F  -‬‬

‫‪96‬‬
‫) دور إصالح وترميم (‬ ‫) دور تأسيس وبناء(‬
‫طبيعة ٔالامر باملعروف ‪:‬‬
‫تتصف طبيعة ٔالامر باملعروف بالحكمة واملودة والرحمة وال‪، xy‬والنظر إ"ى الجانب ٕالايجابي ‪N‬ي‬
‫الشخصية وتنمية هذا الجانب ‪ ،‬وي‪xy‬ز دور القدوة الصالحة‪،‬إذا ال يكون ٔالامر باملعروف إال‬
‫من أهل املعروف الذين يظهر عل‪*j‬م معروفهم فتكون الدعوة إليه بلسان الحال قبل لسان‬
‫املقال‪.‬‬
‫طبيعة الن·‹ عن املنكر‪:‬‬
‫تتصف طبيعة الن·‹ عن املنكر باملقاومة واملغالبة وروح التحدي وٕالاثارة‪ ،‬فهو يتضمن‬
‫تسفيه ٔالاحالم وتخطئه ٔالاقوال والتصرفات‪ ،‬ومقاومة العادات والرغبات‪.‬‬
‫ومن هنا كان الن·‹ عن املنكر أخطر وأشق من ٔالامر باملعروف‪.‬‬
‫عملية التغي>‪ x‬من خالل ٔالامر باملعروف‪:‬‬
‫يبدأ ٔالامر باملعروف بكلمة ودود‪ ،‬ليس ف‪*j‬ا إثارة أو مغاضبة‪ ،‬وليس ف‪*j‬ا مقاومة أو معاندة‬
‫‪،‬وتكون الكلمة منطقية ذات حجة قوية‪ ،‬وبذلك تبدأ عملية التغي>‪N x‬ي املجتمع من خالل‬
‫مراحل عدة ‪:‬‬
‫املرحلة ٔالاو"ى‪:‬‬
‫عندما ُيلقى قول املعروف أو فعله ‪N‬ي مجتمع املنكر يلقى هذا القول أو الفعل الاستهجان‬
‫والسخرية ‪،‬وهذﻩ ]ي املرحلة ٔالاو"ى؛ ألن عيون أهل املنكر وآذا‪*°‬م وأذواقهم لم تتعود ع‪C‬ى‬
‫مثل هذا القول أو الفعل فيقابل بالسخرية والاس‪*¥‬زاء والاستهجان‪ ،‬كما هو الشأن ‪N‬ي كل‬
‫جديد‪ .‬فلقد أثارت صالة الن´‹  استهجان أهل مكة وسخري‪*¥‬م ‪N‬ي أول ٔالامر‪.‬‬
‫املرحلة الثانية‪:‬‬
‫فإذا واصل أهل املعروف معروفهم فإن مرحلة جديدة تبدأ و]ي مرحلة عدم الرضا واملقت‬
‫مع الحوار والجدل ‪ .‬وهنا تبدأ مرحلة الدفاع عن املعروف‪ ،‬واملحافظة عليه‪ ،‬وإدامة‬
‫ً‬
‫زراعته‪ ،‬وحياطة بذرته بالرعاية الالزمة‪ .‬والجدير بالذكر أن املعروف يصبح مألوفا عند أهل‬
‫املنكر‪.‬‬
‫املرحلة الثالثة‪:‬‬

‫‪97‬‬
‫فإذا واصل أهل املعروف مهم‪*¥‬م ‪N‬ي تأسيسه وتأكيدﻩ‪ ،‬وتثبيت شعاراته‪ ،‬وإبراز محاسنه ‪،‬‬
‫وص‪xy‬وا ع‪C‬ى ذلك‪ ،‬واحتملوا ٔالاذى ‪N‬ي سبيله‪ ،‬وأحسنوا العرض والتأييد ‪ ،‬انتقل أمر‬
‫املعروف إ"ى عدم القبول أو ال™‪x‬ك‪.‬‬
‫املرحلة الرابعة ‪:‬‬
‫ومن خالل املواصلة ‪N‬ي قول املعروف وفعله ينتقل ٔالامر إ"ى املساملة واملوادعة‪ ،‬حيث يصبح‬
‫ً‬ ‫ً‬
‫أصيال ‪N‬ي املجتمع ثابتا فيه‪ ،‬ومع العمل املتواصل ينتقل املعروف إ"ى مرحلة القبول‬ ‫املعروف‬
‫والرضا‪.‬‬
‫املرحلة الخامسة‪:‬‬
‫ثم تأتي مرحلة ٕالايمان والحماس والنصر والتأييد‪.‬‬

‫‬ ‫‬ ‫‬ ‫‬ ‫‬ ‫‬


‫ ‬ ‫ ‬ ‫ ‬ ‫ ‬ ‫ ‬ ‫
‬

‫)‪(5‬‬ ‫)‪(4‬‬ ‫)‪(3‬‬ ‫)‪(2‬‬ ‫)‪(1‬‬

‫إن هذﻩ الخطوات ]ي الخطوات املنطقية لعملية إرساء املعروف ‪N‬ي النفس واملجتمع‪ ،‬وإن‬
‫الانتقال من خطوة إ"ى ال‪ ‹I‬تل‪*j‬ا هو عمل إيجابي‪ ،‬كما أن التحول املطلوب ال يتحقق بسرعة‬
‫‪ ،‬وال يتحقق من خالل مرحلة واحدة ‪،‬وال يقاس النجاح والفشل بحدوث الانقالب املفائ‬
‫ً‬
‫أو عدم حدوثه‪ ،‬لذا فإن فتح مكة ودخول أهلها ‪N‬ي دين ﷲ أفواجا لم يأت فجأة ‪ ،‬بل من‬
‫خالل عمل متواصل بدأ من أول أيام البعثة املباركة‪.‬‬
‫وبعكس هذﻩ الخطوات تس>‪ x‬عملية املنكر ‪N‬ي املجتمع؛ إذ أن أهل املنكر يرضون باليس>‪ x‬من‬
‫التغي>‪ x‬املرح‪C‬ي‪ ،‬ح‪ HI‬يصلوا بمنكرهم إ"ى مرحلة الهيمنة والتحكم‪.‬‬
‫عملية إنكار املنكر‪:‬‬
‫ً‬
‫عندما يكون املنكر مهيمنا ع‪C‬ى مجتمع ما فالبد من أخذ ٔالامور التالية باالعتبار‪:‬‬
‫رسوخ املنكر ‪N‬ي النفس واملجتمع‪ ،‬وقيام مؤسسات قوية لحمايته والدفاع عنه‪.‬‬
‫فساد ٔالاذواق والقيم والعادات ؤالاعراف‪.‬‬
‫يظهر أهل املنكر بمظهر أصحاب الحق املشروع والنظام املؤيد بالقانون‪ ،‬ويظهر النا]ي عن‬
‫املنكر بمظهر الشاذ الخارج عن النظام والقانون‪.‬‬

‫‪98‬‬
‫إن استخدام اليد ) القوة ( ملواجهة املنكر الاجتما‪µ‬ي املتمكن ضرب من الانتحار‪ ،‬وإهدار‬
‫للطاقات دون جدوى‪ ،‬وسيستخدم املنكر جميع مراكز القوة فيه ملقاومة النا]ي وتشويه‬
‫صورته ‪ ،‬والعمل ع‪C‬ى استئصاله‪ ،‬وسيعد عمله ثورة غ>‪ x‬مشروعة يلقى صاح©*ا ألوان‬
‫التنكيل والبطش‪ .‬وال تستخدم اليد إال ‪N‬ي إحدى حالت>ن‪:‬‬
‫ٔالاو"ى ‪ :‬من قبل الدولة املسلمة ؤالام>‪ x‬املسلم‪.‬‬
‫الثانية ‪ :‬من قبل الفرد املسلم ‪N‬ي املجتمع املسلم ‪N‬ي بعض الحاالت‪ ،‬فله أن يكسر قارورة‬
‫الخمر وأن يريقه‪ ،‬وله أن يقتل الخ‪ÌÞ‬ير‪ ،‬وذلك إذاكان الخمر والخ‪ÌÞ‬ير بيد املسلم ‪ ،‬وليس له‬
‫أن يقتل فاعل املنكر بل يحيل أمرﻩ إ"ى الدولة‪.‬‬
‫كيف ننكر املنكر ‪N‬ي مجتمعاتنا‪:‬‬
‫وإذا لم ننكر املنكر باليد فليس مع‪ H¢‬ذلك تعطيل هذﻩ الفريضة ‪ ،‬بل نقوم ‪*o‬ا باللسان‪،‬‬
‫وإذا لم يمكن ذلك فإننا نقوم ‪*o‬ا بالقلب ‪ ،‬وذلك أضعف ٕالايمان‪.‬‬
‫أما إنكار املنكر باللسان فله ضوابط‪ ،‬م‪*w‬ا ‪-:‬‬
‫ً‬
‫أوال ـ أن نتدرج ‪N‬ي هذا ٕالانكار فنستخدم من ٔالالفاظ والعبارات ما نظن أنه يحقق النتيجة ‪،‬‬
‫ً‬
‫فنبدأ بالكلمة الرقيقة الودود‪ ،‬واستعمال صيغ العموم دون ذكر اسم صاحب املنكر ابتاعا‬
‫للسنة وأنفع للعالج ‪ ،‬وما ُيدفع باألدنى ال ُيلجأ فيه إ"ى ٔالاع‪C‬ى ؤالاشد‪ ،‬وقد يكون ٕالاسرار‬
‫باإلنكار أو"ى من ٕالاشهار‪.‬‬
‫ً‬
‫ثانيا ‪ :‬أن يبتعد النا]ي عن املنكر عن ذكر ٔالاسماء ؤالاشخاص والهيئات؛ ألن التسمية‬
‫والتخصيص قد يتعرض معهما النا]ي للعقوبات والجزاءات ال‪ ‹I‬تفرضها القوان>ن‪.‬‬
‫ً‬ ‫ً‬
‫ثالثا ‪ :‬هنالك منكرات ‪N‬ي املجتمع ثبت منكرها عند الناس جميعا ‪ ،‬والن·‹ ع‪*w‬ا مقبول لدى‬
‫قطاع عريض من الناس ‪ ،‬وذلك مثل الزنا والخمر واملخدرات والاختالط‪ ،‬فمثل هذﻩ‬
‫ً‬ ‫ً‬
‫املنكرات لو رفعنا صوتنا بإنكارها فسنجد معنا كث>‪x‬ا من الناس الذين يمقتو‪*°‬ا ويتمنون‬
‫إزال‪*¥‬ا‪.‬‬
‫ً‬
‫رابعا ‪ :‬وإن جمع ٕالاحصائيات والبيانات ؤالاخبار والتقارير حول بعض املنكرات تجعل الحجة‬
‫‪N‬ي املقاومة أقوى وأوسع‪.‬‬
‫ً‬
‫خامسا ‪ :‬إن التحري الدقيق لصدق املعلومات أساس ‪N‬ي إصابة الهدف‪ ،‬واملبالغة والكذب‬
‫يحرمان الداعية من صالبة املوقف وصدق الدعوة‪.‬‬
‫تغي>‪ x‬املنكر بالقلب ‪:‬‬

‫‪99‬‬
‫وقد ذكر الن´‹  التغي>‪ x‬بالقلب فجعله رتبة معت‪xy‬ة‪ ،‬ومن لم ينكر املنكر بقلبه فليس ‪N‬ي‬
‫قلبه ‪‹ºà‬ء من ٕالايمان ؛ إذ أن إنكار املنكر بالقلب هو القاعدة ٔالاساس‪ ،‬وهذﻩ القاعدة‬
‫ً‬
‫مش™‪x‬كة ب>ن جميع املراتب ‪ ،‬فمن أنكر بيدﻩ فالبد أن يكون منكرا بقلبه‪ ،‬ومن أنكر بلسانه‬
‫ً‬ ‫ً‬
‫فالبد أن يكون منكرا بقلبه أيضا‪ ،‬وٕالانكار بالقلب معناﻩ مقت املنكر وكرهه والاشم‪Ìí‬از منه‬
‫ً‬
‫‪ ،‬ومن كرﻩ شيئا وعاداﻩ بقلبه فالبد أن تتحول هذﻩ الكراهية إ"ى عمل إيجابي يظهر ‪N‬ي‬
‫كلماته وحركاته وسكناته‪ ،‬فالعاطفة املتأججة ]ي مصدر الحركة والفعل‪ ،‬وهذﻩ الرتبة رتبة‬
‫عامة يقدر عل‪*j‬ا كل مسلم ‪N‬ي كل زمان ومكان‪ ،‬وشرطها عدم الرضا والشعور بالسخط ع‪C‬ى‬
‫املنكر وأهل املنكر‪ ،‬وأدنى درجات هذﻩ الرتبة اع™‪Ì‬ال املنكر والابتعاد عنه‪.‬‬

‫ترك>‪ Ì‬الجهود‪:‬‬
‫وإن أجدى ٔالاعمال ؤالاقوال وأوالها ما توجه إ"ى إرساء املعروف ٔالاك‪ ،xy‬وهو تحكيم شرع‬
‫ﷲ تعا"ى ورفع لواء دينه‪ ،‬وينب‪ó‬ي أن يكون هذا التوجه شغل املسلم الشاغل ‪N‬ي ليله و‪*°‬ارﻩ‪،‬‬
‫فإذا تركزت الجهود نحو هذا الهدف أوشكت أن تثمر فيجد املسلم عندئذ أك‪ xy‬العون ‪N‬ي‬
‫إنكار املنكر ؤالامر باملعروف ‪.‬‬

‫‪100‬‬
‫القاعدة العشرون‬
‫أشد من هجران القرآن مخالفة مقصودﻩ ومناقضة أهدافه‬
‫لقد أنزل ﷲ تعا"ى القرآن الكريم كتاب هداية يح ‪ H‬به موات النفوس‪ ،‬وينظم الحياة‪،‬‬
‫ويأخذ بأيدي البشر إ"ى أقوم السبل‪ ،‬ويحقق السعادت>ن الدنيوية ؤالاخروية‪ ،‬ولقد حقق‬
‫القرآن الكريم هذا الدور ‪N‬ي حياة الصحابة والتابع>ن وأتباع التابع>ن‪ ،‬وأحدث أعظم حركة‬
‫تغي>‪x‬ية شهدها التاريخ‪ ،‬وقد نتساءل ملاذا ال يحقق القرآن الكريم هذا الدور ‪N‬ي حياة‬
‫البشرية اليوم؟ أليس القرآن هو القرآن الذي أنزل ع‪C‬ى محمد  ؟ أليس هو هو بسورﻩ‬
‫وآياته وحروفه ؟ ب‪C‬ى‪ ،‬إنه الكتاب الذي حفظه ﷲ تعا"ى من التبديل والتغي>‪ ، x‬وهو أصدق‬
‫وثيقة عرفها تاريخ ٕالانسان‪ ،‬والحق أن فهم القرآن الكريم هو الذي تعرض للخلل‪ ،‬فلم يعد‬
‫أك¨‪ x‬املسلم>ن يفهمون القرآن كما أنزل ‪ ،‬ولم يعودوا يتعاملون مع ٓالاية من خالل رصيدها‬
‫الحقيقي من املعاني ‪ ،‬وأصبح املسلم يستعمل ٓالاية ‪N‬ي غ>‪ x‬ما أنزلت له‪،‬‬

‫ولكن ﷲ ‪*+‬دي من يشاء)‪ ،(254‬وهذﻩ آية ال‬ ‫ﱠ‬ ‫ومن ذلك قوله تعا"ى‪  :‬ليس عليك هداهم‬
‫ً‬ ‫ً‬
‫تغيب عن املسلم ‪ ،‬سواء كان متعلما أو أميا ال يقرأ وال يكتب‪ ،‬وأغل©*م يستشهد ‪*o‬ذﻩ ٓالاية‬
‫إما لحسم الخالف ‪N‬ي موضوع ما‪ ،‬أو ملطالبة من يدعو إ"ى ﷲ بدعوة مقنعة أن يقلع عن‬
‫دعوته بحجة أن ٓالاذان ‪N‬ي صمم‪ ،‬والناس ال يستجيبون إ"ى الخ>‪ x‬وقد ذهب الزمان الذي‬
‫ً‬ ‫ً‬
‫كان املرء يجد فيه أعوانا ع‪C‬ى الهدى واملعروف ‪ ،‬وتستخدم أيضا إلعطاء املعاند واملكابر‬
‫م‪xy‬ر ٕالاصرار ع‪C‬ى عنادﻩ وك‪xy‬ﻩ ‪ ،‬فيقول املراقب الخا"ي الطرف من أعباء الحق ‪ ) :‬أترك يا‬
‫شيخ ‪ ،‬ليس عليك هداهم (‪.‬‬
‫وهذا ٔالاسلوب من الاستدالل باآليات الكريمة يناقض مقاصدها وأهدافها‪ ،‬ويجعلها تعمل‬
‫‪N‬ي غ>‪ x‬ميدا‪*°‬ا‪ ،‬وأشد من هجران القرآن مخالفة مقصودﻩ ومناقضة أهدافه‪ ،‬واستخدام‬
‫آياته لت‪xy‬ير القعود والكسل وتعطيل العمل‪.‬‬
‫حفها من القرائن وما سبقها ولحقها من ٓالايات فسيتب>ن لنا الدور‬ ‫وإذا تأملنا ٓالاية وما ﱠ‬
‫ً‬ ‫ً‬
‫العظيم الذي تؤديه ‪N‬ي إيقاظ الهمم ‪ ،‬وإحياء النشاط‪ ،‬وإثارة الجهد ‪ ،‬جهادا وثباتا ودعوة‬
‫إ"ى ﷲ تعا"ى‪.‬‬

‫     ‪.272 :‬‬ ‫)‪(254‬‬

‫‪101‬‬
‫ً‬
‫ومنه أيضا قوله تعا"ى ‪  :‬إنك ال ž*دي من أحببت ولكن ﷲ ‪*+‬دي من يشاء وهو أعلم‬
‫باملهتدين)‪.(255‬‬
‫فقد جاءت هذﻩ ٓالاية ‪N‬ي سياق سورة القصص‪ ،‬بعد الكالم عن قصة مو‪ HºÒ‬عليه السالم‬
‫وفرعون‪ ،‬وبيان ما ‪N‬ي القصة من أع‪C‬ى وجوﻩ البالغ وأقواها ‪N‬ي مواجهة أشرس صور العناد‬
‫والجحود والاستكبار ‪ ،‬ورغم سوق الشواهد والدالئل وال‪xy‬اه>ن‪ ،‬كل ذلك مؤيدة باملعجزة‪،‬‬
‫رغم كل هذا فقد أصم فرعون أذنيه عن سماع الحق ‪ ،‬فالهدي مبذول ‪N‬ي أقوى صورﻩ‬
‫وأوضحها ‪ ،‬ولكن فرعون ومألﻩ أخذوا ع‪C‬ى أنفسهم إغالق جميع املنافذ ‪ ،‬وحجبوا بعنادهم‬
‫قلو‪*o‬م عن الهدى‪.‬‬
‫وهذا ٔالامر يتكرر ع‪ xy‬التاريخ‪ ،‬فهذا محمد  يمكث ي مكة ثالث عشرة سنة ال ي™‪x‬ك قومه‬
‫‪N‬ي ليل وال ‪*°‬ار إال ويأت‪*j‬م بأروع صور البيان وأجالها‪ ،‬وبأيسر ٔالاساليب وأرفق الوسائل‪ ،‬مع‬
‫فجمع له  ‪ :‬البيان العجز والشرف العظيم والقلب الرحيم والحب‬ ‫التحبب والتودد ُ‬
‫الخالص‪ ،‬وبصورة أخرى فقد كانت جميع الدوا‪µ‬ي والظروف مناسبة لإليمان بدعوته‪،‬‬
‫ورغم كل هذا لم يملك هذا الن´‹ الكريم أن يلزم عمه الحبيب وهو النص>‪ x‬الشفيق‬
‫باإليمان بدعوته والاهتداء ‪*o‬ديه‪.‬‬

‫أخرج الشيخان)‪ (256‬بسند‪*+‬ما ‪ :‬ملا حضرت أبا طالب الوفاة جاءﻩ رسول ﷲ  فوجد عندﻩ‬
‫أبا جهل وعبد ﷲ بن أبي أمية بن املغ>‪x‬ة‪ ،‬فقال رسول ﷲ ‪ :‬يا عم ‪ ،‬قل ‪ :‬ال إله إال ﷲ‪،‬‬
‫كلمة أشهد لك ‪*o‬ا عند ﷲ ‪ ،‬فقال أبو جهل وعبد ﷲ أبي أمية‪ :‬يا أبا طالب ‪ ،‬أترغب عن‬
‫ملة عبد املطلب ؟ فلم يزل رسول ﷲ  يعرضها عليه‪ ،‬ويعيد له تلك املقالة ح‪ HI‬قال أبو‬
‫طالب آخر ما كلمهم ‪ :‬هو ع‪C‬ى ملة عبد املطلب ‪ ،‬وأبي أن يقول ‪ :‬ال إله إال ﷲ ‪ ،‬فقال رسول‬
‫ْ‬
‫ﷲ  ‪ :‬وﷲ ألستغفرن لك ما لم أنه عنك ‪ .‬فأنزل ﷲ عز وجل ‪  :‬ما كان للن´‹ والذين‬
‫ُ‬
‫آمنوا أن يستغفروا للمشرك>ن ولو كانوا أو"ي قربى من بعد ما تب>ن لهم أ‪*°‬م أصحاب‬
‫الجحيم)‪ ،(257‬وأنزل ﷲ تعا"ى ‪N‬ي أبي طالب‪ ،‬فقال لرسول ﷲ  ‪  :‬إنك ال ž*دي من‬
‫أحببت ولكن ﷲ ‪*+‬دي من يشاء وهو أعلم باملهتدين ‪.‬‬

‫   ‪.56  C‬‬ ‫)‪(255‬‬


‫;‪.54/1 67! .222/3(  >5 /!) 0  : \ :‬‬ ‫)‪(256‬‬
‫    ‪.113 :‬‬ ‫)‪(257‬‬

‫‪102‬‬
‫إنه ملن أعجب العجب ﱠأن أبا حذيفة بن عتبة بن ربيعة ابن أحد زعماء مكة وصناديدها‬
‫وأعداء ٕالاسالم ف‪*j‬ا يدخل ٕالايمان قلبه‪ ،‬وأبو طالب عم الن´‹ الحبيب  ونص>‪x‬ﻩ وباذل‬
‫املال والنفس ‪N‬ي سبيل الدفاع عنه‪ ،‬الذي يقول ابن كث>‪ x‬فيه‪ :‬كان يحوطه وينصرﻩ ويقوم ‪N‬ي‬
‫ً‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫ً‬
‫صفه ويحبه حبا شديدا طبيعيا ال شرعيا ‪ ،‬ومع هذا يموت ع‪C‬ى غ>‪ٕ x‬الايمان!‪.‬‬

‫ً‬
‫أين العقدة إذا ؟ وهل شاء ﷲ تعا"ى ألبي حذيفة ٕالايمان ولم يشأ البي طالب؟ وهل مع‪H¢‬‬
‫قوله ‪  :‬ولكن ﷲ ‪*+‬دي من يشاء أن ﷲ تعا"ى يصرف ٕالايمان عن أحد من خلقه ويمنحه‬
‫ً‬
‫آلخر؟ وهذا فهم ج‪xy‬ي يتعارض مع رحمة ﷲ تعا"ى لخلقه وال يظلم ربك أحدا)‪ ،(258‬ولم‬
‫تسق ٓالاية لهذا املع‪ ، H¢‬وإنما سيقت لبيان عظمة ﷲ ‪ ،‬وتمام قدرته‪ ،‬فهو وحدﻩ القادر ع‪C‬ى‬
‫ً‬
‫حمل الناس جميعا ع‪C‬ى دين واحد‪ ،‬أو ع‪C‬ى مذهب واحد‪ ،‬لو شاء جعلهم مؤمن>ن ‪ ،‬ولو شاء‬
‫ً‬ ‫ً‬
‫جعلهم كفارا ‪ ،‬ولو شاء لجعلهم أمة واحدة ‪ ،‬ولو شاء ألماž*م جميعا‪ .‬وهذا كالم عن املشيئة‬
‫ً‬
‫والقدرة ‪ ،‬وليس كالما عن فعله ‪N‬ي خلقه ‪ ،‬فنحن عندما نقول ع‪C‬ى سبيل املثال ـ وهلل املثل‬
‫ٔالاع‪C‬ى ـ يستطيع الرئيس أن يعزل جميع املوظف>ن ‪ ،‬ويستطيع أن يبدل وظائفهم‪ ،‬فهل يع‪‹¢‬‬
‫ذلك أن يقوم الرئيس بمثل هذا العمل ملجرد أنه يستطيعه‪ ،‬أو أنه من خصائصه؟‬
‫والجواب ‪ :‬إن الكالم عن الخصائص والصفات غ>‪ x‬الكالم عن ٔالاعمال واملمارسات وال يتم‬
‫ٕالايمان باهلل تعا"ى إال إذا اعتقد املؤمن أن ﷲ وحدﻩ واهب الحياة وخالق ٔالاحياء وسائر‬
‫املوجودات وأنه وحدﻩ بيدﻩ الهدى‪.‬‬

‫ً‬ ‫ً‬
‫لقد كان الكالم ‪N‬ي معرض حرص الن´‹  ع‪C‬ى عمه ‪ ،‬وقد حزن عليه حزنا شديدا وكأنه‬
‫يقول ‪ :‬كيف مات هذا العم العزيز الحبيب هكذا ولم يؤمن؟ ‪ ،‬فكان الجواب ‪ :‬إنك يا محمد‬
‫عبد من عبيد ﷲ مأمور بالبالغ والتبي>ن ‪ ،‬وال سلطان لك ع‪C‬ى قلوب الخلق‪ ،‬إنك تملك أن‬
‫تب>ن حجتك ‪ ،‬وتقرأ القرآن الكريم ع‪C‬ى الناس من حولك‪ ،‬ولكنك ال تملك تحويل القلوب‬
‫إليك وال زج ٕالايمان ‪N‬ي سويدا•*ا‪ .‬وإن مقام العبودية يقت‪ ‹ºÁ‬أن تعلم بأنك ال ž*دي من‬
‫أحببت ح‪ HI‬لو كان عمك الحبيب ‪ ،‬إن ع‪C‬ى البشر أن يعلموا أنه ال سلطان ألحد ع‪C‬ى أحد‬
‫وأن الحكم كله هلل تعا"ى‪ ،‬وال يتحقق التوحيد إال ‪*o‬ذﻩ املعرفة  وهلل الاسماء الحس‪H¢‬‬

‫  ‪.49 :  ,IB‬‬ ‫)‪(258‬‬

‫‪103‬‬
‫فادعوﻩ ‪*o‬ا)‪ ،(259‬وله الصفات العليا‪ ،‬وع‪C‬ى هذا املنوال نفهم كل آية جاء ف‪*j‬ا فإن ﷲ‬
‫يضل من يشاء و‪*+‬دي من يشاء)‪ ،(260‬فاهلل وحدﻩ صاحب ٔالامر والقدرة املطلقة‪ .‬ومن لوازم‬
‫هذا ٔالامر حبه وعبادته والاستعانة به سبحانه‪ ،‬وليس من لوازمه أن يقع املرء تحت مطارق‬
‫الج‪xy‬ية القاتلة ال‪ ‹I‬تسلب اللبيب لبه والعبد اختيارﻩ السامي لعقيدته ودينه‪.‬‬
‫ومفهوم آخر البد من وعيه وهو أن هذﻩ ٓالاية تكا‪N‬ئ العامل ع‪C‬ى عمله‪ ،‬ح‪ HI‬ال يقول قائل‪:‬‬
‫هاهو رسول ﷲ  يعمل تسع سنوات ع‪C‬ى إقناع عمه بدعوته ثم ال يؤمن ‪*o‬ا‪ ،‬وقد يتصور‬
‫ً‬
‫واد أو نفخة ‪N‬ي رماد‪ ،‬وح‪ HI‬ال‬‫السذج أن دعوته ذهبت هباء منثورا وضاعت كصيحة ‪N‬ي ٍ‬
‫يكون مثل هذا التصور يب>ن ﷲ تعا"ى لنبيه  أنه قد بلغ ما عليه وأن ٕالايمان ال ُيفرض‬
‫ً‬
‫فرضا وال يج‪ xy‬عليه الناس؛ ألن ٕالايمان هو تصديق القلب من داخله‪ ،‬وهذا التصديق سر‬
‫ال يطلع أحد عليه إال ﷲ تعا"ى ‪ ،‬وال يملك أحد أن يتدخل ‪N‬ي قرار الفرد واختيارﻩ‪ ،‬والذي‬
‫ً‬
‫يزعم أنه يملك ذلك فقد نصب نفسه إلها ع‪C‬ى الناس‪ ،‬وما ذكرناﻩ ال يتعارض مع علم ﷲ‬
‫القديم منذ ٔالازل بما يص>‪ x‬إليه كل مخلوق ‪ ،‬والعلم الكامل من صفات ﷲ سبحانه وتعا"ى‪،‬‬
‫وهذا يقت‪ ‹ºÁ‬أن يعلم ال‪‹ºÜ‬ء قبل كونه‪ ،‬والعلم بالهدى أو الضالل ‪‹ºà‬ء ‪ ،‬وإحداث الهدى‬
‫والضالل ‪‹ºà‬ء آخر‪ ،‬وهو أعلم باملهتدين‪.‬‬
‫وهكذا فإن دور املسلم هو العمل الجاد بدأب ونشاط دون أن يستسلم لليأس أو للزعم‬
‫القدري بأن ﷲ أراد كذا أو كذا‪ .‬وما أحوج أمتنا اليوم ألن تخلع ع‪*w‬ا هذﻩ ٔالاغالل الج‪xy‬ية‬
‫وأن ال تخلط ب>ن املعرفة التوحيدية الخالصة والسلوك الج‪xy‬ي العاجز‪.‬‬

‫القاعدة الحادية والعشرون‬


‫العمل العام أساس العمل الخاص ورافدﻩ‬
‫ً‬
‫أرسل ﷲ تعا"ى محمدا  للناس كافة‪ ،‬فجعل من الناس كافة أينما كانوا أمة دعوة ‪،‬‬
‫وجعل ﷲ تعا"ى أمانة التبليغ ‪N‬ي أعناق الدعاة‪ ،‬فهم الذين ورثوا مهمة الرسل ؤالانبياء ‪.‬‬
‫ويلزم من هذا أن يتحرك الداعية ب>ن جماه>‪ x‬الناس ألن هؤالء الجماه>‪ x‬هم روافد الدعوة‬
‫‪ ،‬وبمقدار الصلة ‪*o‬ا تتوسع القاعدة ‪ ،‬ويتحقق للدعوة الكسب املادي واملعنوي‪.‬‬

‫‪.180 :  , -.‬‬ ‫)‪(259‬‬


‫‪.8 : J 5‬‬ ‫)‪(260‬‬

‫‪104‬‬
‫وقد أدرك أعداء ٕالاسالم خطورة اتصال الدعوة بالجماه>‪ ، x‬وأدركوا دور الجماه>‪N x‬ي نصرة‬
‫الدعوة وتأييدها‪ ،‬فعلموا بكل ما أوتوا من جهد ع‪C‬ى عزل الدعاة عن هذﻩ الجماه>‪x‬‬
‫ُ‬
‫باإلشاعات املغرضة وال‪*¥‬م امللفقة ‪ ،‬وصوروا للجماه>‪ x‬أن هؤالء الدعاة إرهابيون متطرفون‪،‬‬
‫غرضهم ٕالاساءة لعامة الناس‪ ،‬وهذا كله لتظهر الدعوة ٕالاسالمية بمظهر الطائفة املفارقة‬
‫لعامة املسلم>ن‪ ،‬فيتحقق بذلك الفصل ب>ن الدعاة وب>ن ٔالامة ‪N‬ي ٓالامال وٓالاالم‪.‬‬
‫رد الفعل‪:‬‬
‫ً‬
‫وقد يعمل الدعاة أحيانا تحت ضغط ظرف ما ع‪C‬ى تكريس هذﻩ الفعل وتأكيدﻩ‪ ،‬فينظرون‬
‫إ"ى الجماه>‪ x‬نظرة تقلل من شأ‪*°‬م وأثرهم ‪N‬ي ٔالاحداث‪ ،‬وقد يستعمل بعض الدعاة كلمات‬
‫تع‪ xy‬عن هذﻩ النظرة ‪ ،‬مثل ‪ :‬القطيع ‪ ،‬والغوغاء‪ ،‬والدهماء‪ ،‬والغثاء؛ ومردود هذﻩ الكلمات‬
‫خسران ‪N‬ي جانب الدعوة والدعاة ‪ ،‬وكسب ألعدا•*م من أصحاب ٔالافكار الهدامة والنحل‬
‫املنحرفة‪.‬‬
‫تصويب‪:‬‬
‫وإذا أدركنا أن الدعاة قوم لم يأتوا من خارج هذﻩ ٔالارض ‪ ،‬ولم تلدهم أمهاž*م دعاة‪ ،‬وإنما‬
‫هم جزء من هذﻩ الجماه>‪ ، x‬وقبل أن يكونوا دعاة ربما كان ُينظر إل‪*j‬م بذلك املنظار الاسود‬
‫‪ ،‬ثم تبدل حالهم وحسن مآلهم‪ ،‬ورزقا من العلم والفهم ما ينب‪ó‬ي أن يقر‪*o‬م من الناس ‪ ،‬ال‬
‫قبل فمن ﷲ عليكم )‪ .(261‬وكو‪*°‬م‬ ‫ما يفضلهم ع‪C‬ى الناس قال تعا"ى‪  :‬كذلك ُكنتم من ُ‬
‫كانوا من عامة الناس ثم صاروا من الدعاة يلزم منه أن يدركوا أن جماه>‪ٔ x‬الامة ]ي رافد‬
‫الدعوة‪ ،‬وأن الخ>‪ x‬ال ينقطع وال يتوقف‪.‬‬
‫وأما صيغ التعميم الحاكمة ع‪C‬ى أهل بلدة ‪ ،‬أو مدينة ‪ ،‬أو عش>‪x‬ة بالسوء والفساد ف·‹ ع>ن‬
‫السوء والفساد‪ ،‬وال ينب‪ó‬ي أن ُيقال‪ :‬أهل مدينة كذا سيئون أو فئة كذا سيئة ‪ ،‬وهذﻩ‬
‫ً‬ ‫الصيغ ُ‬
‫ابت‪C‬ي ‪*o‬ا عامة الناس ح‪ HI‬ما نكاد نجد أحدا إال وهو ينسب التقص>‪ x‬والفساد إ"ى‬
‫أهل بلدة أو مدينة‪ .‬وقد تنتقل هذﻩ الصيغ مع ٕالانسان من مرحلة ما قبل الدعوة إ"ى مرحلة‬
‫ما بعد الدعوة‪.‬‬
‫أهلك الناس‬

‫‪.94 :  K $‬‬ ‫)‪(261‬‬

‫‪105‬‬
‫ً‬
‫وهذا رسول ﷲ  يعلمنا كيف نفتح قلوبنا للخلق بعيدا عن ٔالاحكام الجائرة والاطالقات‬
‫العامة‪ ،‬فيقول ‪ " :‬إذا قال الرجل ‪ :‬هلك الناس فهو أهلكهم")‪ ، (262‬قال أبو إسحاق ـ أحد‬
‫ُ‬ ‫َ‬
‫الرواةـ ‪ :‬ال أدري أهلكهم بانلصب ‪ ،‬أو أهلكهم بالرفع ‪ .‬وأخرجه أبو نعيم ‪N‬ي حلية ٔالاولياء‪،‬‬
‫وفيه ‪ " :‬فهو أهلكهم " ‪ ،‬وأخرجه أحمد من رواية أبي هريرة قال ‪ :‬قال رسول ﷲ  ‪ " :‬إذا‬
‫ً‬
‫سمعتم رجال يقول ‪ :‬هلك الناس فهو أهلكهم ‪ ،‬يقول ﷲ ‪ :‬إنه هو هالك")‪ .(263‬وسواء كان‬
‫املع‪ H¢‬أن القائل هو سبب هالك الناس؛ ألنه لم يقم بواجبه ‪N‬ي النصح لهم والحرص عل‪*j‬م‬
‫ً‬
‫‪ ،‬والص‪ xy‬ع‪C‬ى جاهلهم ومسي‪*ò‬م؛ أو أن يكون أك¨‪ x‬الناس هالكا‪ ،‬وهو ‪*o‬ذﻩ الكلمة يع‪ xy‬عن‬
‫هالكه هو وعن عجزﻩ‪.‬‬
‫دعوة ﷲ س‪è‬ى لصالح الناس‪:‬‬
‫و‪N‬ي الوقت الذي تتنافس فيه الدعوات ؤالافكار ع‪C‬ى الجمهور‪ ،‬وكل يحاول أن يحتوي هذا‬
‫الجمهور لصالحه ويوظفه ‪N‬ي صفه‪ ،‬فإن دعوة ﷲ وحدها تعمل لخ>‪ x‬الجمهور‪ ،‬وال تريد من‬
‫ً‬
‫الجمهور أن يكون بقرة حلوبا لصالح فرد أو فئة أو ِحزب‪ ،‬ودعوة ﷲ وحدها تعطي من‬
‫ً‬ ‫ً‬ ‫ً‬
‫يؤمن باهلل ربا‪ ،‬وباإلسالم دينا وم‪*w‬اج حياة أيا كان لونه وجنسه ولغته أرفع الرتب البشرية‬
‫واملقامات العلية‪ .‬والبد أن ُيع´ الدعاة قلو‪*o‬م بمحبة الناس‪ ،‬ح‪ HI‬يتغلغل هذا الحب ‪N‬ي‬
‫ً‬
‫أعماق القلب‪ ،‬وأن تتحول هذا التعبئة سلوكا يشيع منه الرفق والتواد وال™‪x‬احم ‪ ،‬ح‪HI‬‬
‫ُيعرف الداعية من ب>ن سائر الناس بمحبته للناس وحرصه عل‪*j‬م وتفانيه ‪N‬ي خدم‪*¥‬م وسهرﻩ‬
‫ع‪C‬ى صيان‪*¥‬م من آفات ٔالافكار املنحرفة وشرورها‪ .‬فهذا رسول اله  يدخل مكة ‪ ،‬ويعاين‬
‫ف‪*j‬ا أولئك الذي أخرجوﻩ وعذبوا أصحابه وقاتلوﻩ وقتلوا أحب الناس إليه حمزة ‪ ،‬فما زاد‬
‫ع‪C‬ى أن قال لهم ‪ :‬اذهبوا فأنتم الطلقاء‪.‬‬

‫املوقف السابق‪:‬‬
‫ً‬ ‫ً‬
‫والداعية ال ينطلق ب>ن الجماه>‪ x‬وهو يحمل موقفا سابقا ‪ ،‬كونه من خالل العالقات‬
‫ٔالاسرية املشوبة بالتحامل ؤالاحقاد؛ إذ أن أك¨‪ x‬الناس يحتفظون ‪N‬ي عقولهم وقلو‪*o‬م بكل‬
‫تصرف سل´‹ كان قد تصرفه أحد الناس‪ ،‬ح‪ HI‬تجمعت هذﻩ التصرفات ع‪C‬ى شكل ذكريات‬
‫ً‬
‫مؤملة ينقلها الخلف عن السلف‪ ،‬ويتوا‪ Hºú‬الناس كابرا عن كابر بالقطيعة ومقابلة ٕالاساءة‬

‫;‪.(2024/4) : 67! 89 :‬‬ ‫)‪(262‬‬


‫;‪.(141/7) 7? 45 6D$ ; 89 :‬‬ ‫)‪(263‬‬

‫‪106‬‬
‫ً‬
‫باإلساءة؛ وذلك أل‪*°‬م نشأوا بعيدا عن هيمنة ٕالاسالم ع‪C‬ى النفوس والعقول‪ ،‬فأصحبت‬
‫املوجة لكث>‪ x‬من الناس‪ ،‬وأصبح الفرد ينطلق من هذا‬ ‫املشاحنات العصبية وٕالاقليمية ]ي ﱠ‬
‫الركام من العالقات غ>‪ٕ x‬الاسالمية‪ ،‬ومن أوجب الواجبات ع‪C‬ى الداعية أن يعلم الناس‬
‫كيف يستطيعون تجاوز الذكريات السلبية‪ .‬وقد يجد الداعية مقاومة من أقرب الناس إليه‬
‫ً‬ ‫ً‬
‫إذا الحظوا عليه عدم اك™‪x‬اثه ‪*o‬ذﻩ ٔالاحقاد ال‪ ‹I‬قد تعت‪ xy‬رصيدا عزيزا عند أصحا‪*o‬ا‪ ،‬وعليه‬
‫أن يص‪ xy‬ع‪C‬ى هذﻩ املقاومة‪.‬‬
‫العمل ٕالايجابي‪:‬‬
‫والعمل ٕالايجابي ب>ن الجماه>‪ x‬يقوم ع‪C‬ى عنصرين رئيس>ن ‪ :‬املعرفة والسلوك‪.‬‬
‫وميادين العرفة كث>‪x‬ة‪ ،‬وميادين السلوك كث>‪x‬ة كذلك‪ .‬وال بد من مراعاة التخطيط وال‪xy‬مجة‬
‫‪N‬ي التنفيذ كي يصل الداعية إ"ى نتائج إيجابية‪.‬‬
‫واملعرفة مقدمة ع‪C‬ى العمل؛ أل‪*°‬ا البص>‪x‬ة الواعية ال‪ ‹I‬تكشف مجاالت العمل‪ ،‬وهذﻩ‬
‫املعرفة يمكن تحديدها ع‪C‬ى النحو التا"ي ‪:‬‬
‫جمع املعلومات‪:‬‬
‫وأول شرط ‪ :‬ينب‪ó‬ي للداعية أن يقوم به هو معرفة الجمهور الذي يتعامل معه‪ ،‬سواء كان‬
‫ً‬ ‫ً‬
‫هذا الجمهور صغ>‪x‬ا ع‪C‬ى مستوى املؤسسة أو الدائرة‪ ،‬أو كب>‪x‬ا ع‪C‬ى مستوى البلدة أو‬
‫القطر‪ ،‬وتأتي هذﻩ املعرفة من خالل جمع املعلومات‪ ،‬وأول شروط جمع املعلومات مراعاة‬
‫الحذر واليقظة ح‪ HI‬ال يرتاب أحد بالداعية الذي ال يريد من عمله هذا كشف أسرار الناس‬
‫وٕالاطالع ع‪C‬ى عوراž*م‪ ،‬وإنما يريد التعرف ع‪C‬ى مراكز النفوذ الاجتما‪µ‬ي والاتجا]ي الفكرية‬
‫وأصناف الناس‪ ،‬ومدى قر‪*o‬م أو بعدهم عن الدعوة‪.‬‬
‫والشرط الثاني‪ :‬هو مراعاة املوضوعية ‪N‬ي جمع املعلومات وتحليلها‪ ،‬إذ أن كل مبالغة ‪N‬ي‬
‫حكم من ٔالاحكام قد تؤدي إ"ى أخطاء فادحة‪ ،‬ناتجة عن سوء التقدير‪ .‬وقد يصنف‬
‫ً‬
‫الداعية إنسانا ما ‪N‬ي دائرة أعدائه بسبب تصرف الحظه‪ ،‬فجعله هذا التصرف يتعامل مع‬
‫هذا ٕالانسان ع‪C‬ى أنه صاحب فكر مضاد أو اتجاﻩ معاد ‪ ،‬فيكون سوء التقدير والتسرع ‪N‬ي‬
‫ً‬
‫الحكم سببا ‪N‬ي استكثار ٔالاعداء‪ .‬وليس كل سلوك مفرد أو تصرف جزئي يدل ع‪C‬ى صيغة‬
‫ً‬
‫فكرية أو منهجية‪ ،‬فليس كل من تكلم عن العرب والعروبة قوميا ‪ ،‬وليس كل من تكلم عن‬
‫ً‬
‫التأميم اش™‪x‬اكيا‪.‬‬

‫‪107‬‬
‫والشرط الثالث ‪ :‬مراعاة منهجية النقل ‪ ،‬فال نأخذ ٔالاخبار واملعلومات إال عن الصادق>ن‬
‫الضابط>ن ملا ينقلون‪ ،‬والبد من مالحظة أن بعض الصادق>ن ال يتحرون الدقة ‪N‬ي نقلهم‬
‫وأخبارهم؛ ألن ٓالافة ‪N‬ي الذين أخ‪xy‬وهم وزودوهم باملعلومات‪ .‬وإذا أهملت هذﻩ املنهجية فإن‬
‫ٔالاحكام ستكون جائزة غ>‪ x‬عادلة‪.‬‬
‫والشرط الرابع‪ :‬مراجتة املعلومات حول من يتخذهم الداعية أعداء فكري>ن للتخلص من‬
‫آثار املبالغة وسوء التقدير‪ ،‬ومراعاة ملا يطرأ ع‪C‬ى أصحاب ٔالافكار واملذاهب من تغي>‪ x‬سل´‹‬
‫أو إيجابي‪.‬‬

‫استدراك‪:‬‬
‫ً‬
‫وال تقف املعرفة عند حدود الاتجاهات واملذاهب والنشاطات الاجتماعية‪ ،‬بل تتناول أيضا‬
‫التعرف ع‪C‬ى أفراد الجمهور وأمزج‪*¥‬م واحتياجاž*م وما يسرهم وما يحز‪*°‬م‪ ،‬وينب‪ó‬ي أن ال‬
‫يغيب عن الداعية ما يصيب أفراد املجتمع من السراء والضراء‪ ،‬فإذا رزق أحدهم بولد‬
‫كان الداعية أول املهنئ>ن الذين يذكرون الوالد بنعمة ﷲ عليه‪ ،‬وإذا نجح ولد أحدهم ‪N‬ي‬
‫مدرسة أو جامعة كان أول املع‪xy‬ين عن سرورﻩ ‪*o‬ذﻩ املناسبة باعتبارها مناسبة عزيزة ‪*+‬تم‬
‫ً‬
‫‪*o‬ا كما لو أنه صاح©*ا‪ .‬وإذا فقد أحدهم عزيزا أو حل به مرض أو نزلت به مصيبة كان أول‬
‫املواس>ن الذين يمدون أيد‪*+‬م ويفتحون قلو‪*o‬م‪.‬‬
‫ً‬
‫ونظرا التساع دائرة املعلومات ال‪ ‹I‬يحتاج إل‪*j‬ا الداعية فقد يتبادر إ"ى ٔالاذهان ما يجدﻩ‬
‫الداعية من صعوبة ومشقة ‪N‬ي ٕالاحاطة بكل هذﻩ الجوانب‪ ،‬ولكن هذﻩ الصعوبة تزول‬
‫عندما نقسم املجتمع إ"ى دوائر صغ>‪x‬ة ع‪C‬ى شكل أحياء‪ ،‬أو مؤسسات‪ ،‬ثم يتخصص كل‬
‫داعية بدائرة محدودة تتناسب مع قدرته وإمكاناته ويستطيع استيفاء املعلومات حول‬
‫جمهورها‪.‬‬
‫‪ -2‬التصنيف‪:‬‬
‫وتأتي هذﻩ املرحلة بعد جمع املعلومات فيقوم الداعية بتصنيف أفراد الجمهور إ"ى أصناف‪.‬‬
‫الصنف ٔالاول ‪ٔ :‬الانصار واملحبون ؤالاقرباء ؤالارحام‪ ،‬وهؤالء يسرون بسرور الداعية‪ ،‬وال‬
‫يبخلون عليه ‪N‬ي تقديم ما يحتاج إليه لتسهيل مهمته‪.‬‬

‫‪108‬‬
‫الصنف الثاني ‪ٔ :‬الاعداء الفكريون‪ ،‬وهؤالء يحملون عقائد معادية‪ ،‬ويعملون ع‪C‬ى نشرها‪،‬‬
‫ً‬
‫ويعت‪xy‬ون الداعية عقبة ‪N‬ي طريقهم‪ ،‬وذكاء الداعية يظهر ‪N‬ي قدرته ع‪C‬ى ترتي©*م تبعا لسلم‬
‫عداوž*م‪ ،‬وتأث>‪x‬هم ‪N‬ي املجتمع‪.‬‬
‫ً‬
‫الصنف الثالث‪ :‬املحايدون الذين ال يناصرون طرفا ع‪C‬ى طرف ‪ ،‬وينب‪ó‬ي أن يعت‪xy‬هم الداعية‬
‫ً‬ ‫ً‬ ‫ً‬
‫من فئة ٔالانصار؛ لكو‪*°‬م مسلم>ن ال يحملون فكرا آخر‪ ،‬وال يتبنون مذهبا معاديا لإلسالم‬
‫وأهله‪.‬‬
‫مبادئ عامة ‪N‬ي السلوك والتعامل مع الجمهور‪:‬‬
‫ليس من السهل حصر جميع املبادئ العامة ال‪ ‹I‬تساعد الداعية ع‪C‬ى تحقيق أهدافه ‪N‬ي‬
‫ّ‬
‫يكون هذﻩ املبادئ ؤالاخالق‪ ،‬وسنذكر بع املبادئ ال‪‹I‬‬
‫امليدان الجماه>‪x‬ي؛ ألن ٕالاسالم كله ِ‬
‫نرى أ‪*°‬ا جديرة باالهتمام الختصاصها ٔالاكيد ‪*o‬ذا امليدان الدعوي‪.‬‬
‫‪ -1‬الاحتفاظ باملعلومات‪:‬‬
‫فاملعلومات ال‪ ‹I‬يجمعها الداعية ليوظفها ‪N‬ي تعامله مع الجمهور ليست للنشر والتشه>‪.x‬‬
‫والداعية الوا‪µ‬ي يحتفظ ‪*o‬ا لنفسه دون إشاع‪*¥‬ا‪ ،‬وهو يستطيع أن يخفى ‪N‬ي عميق صدرﻩ‬
‫جميع ما يعلمه‪ ،‬دون أن يظهر ‪N‬ي فلتات لسانه أو يبدو ع‪C‬ى قسمات وجهه‪ .‬وهو بذلك‬
‫يحافظ ع‪C‬ى مستوى من الحياء لدى عامة الناس‪ .‬ويستطيع أن يتعامل مع الناس دون أن‬
‫يتحفظوا منه أو ينعزلوا عنه‪.‬‬
‫‪ -2‬املدارة‪:‬‬
‫ولكي يتحرك الداعية ‪N‬ي املجتمع حركة مجدية دون أن تقف ‪N‬ي وجهه العقبات والعوائق‬
‫فإن عليه أن يعرف كيف يداري هؤالء الناس ويجاملهم‪ ،‬وهذﻩ املداراة سنة حميدة س‪*w‬ا لنا‬
‫رسول ﷲ  فعن عائشة ر‪ ‹ºÛ‬ﷲ ع‪*w‬ا أنه استأذن ع‪C‬ى الن´‹  رجل فقال‪ " :‬ائذنوا له‪،‬‬
‫فبئس ابن العش>‪x‬ة‪ ،‬أو بئس أخو العش>‪x‬ة‪ ،‬فلما دخل أالن له الكالم‪ ،‬فقلت له ‪ :‬يا رسول‬
‫ﷲ ‪ :‬قلت ما قلت‪ ،‬ثم ألنت له ‪N‬ي القول فقال‪ :‬أي عائشة إن شر الناس م‪ÌÞ‬لة عند ﷲ من‬
‫تركه الناس اتقاء فحشه")‪ .(264‬و‪N‬ي رواية " إنه منافق أداريه عن نفاقه‪ ،‬وأخ‪ HºÜ‬أن ُيفسد‬
‫ﱠ‬
‫ع‪C‬ي غ>‪x‬ﻩ"‪.‬‬
‫ونستفيد من هذا الحديث أن الن´‹  كان يعلم من سوء أخالق ذلك الرجل ما جعله‬
‫يذمه ويذكرﻩ بما فيه‪ ،‬ولكنه أالن له الحديث وهش له‪ .‬ولم يصارحه بما يعلمه منه ألن‬

‫ ‪.(528/10) (   >5 /! )  : L‬‬ ‫)‪(264‬‬

‫‪109‬‬
‫ً‬
‫وعداء‪ .‬وال يعود ٕالاصالح‬ ‫املصارحة ‪N‬ي مثل هذا املوقف فحش‪ ،‬وال تكون ثمرž*ا إال قطيعة‬
‫ً‬
‫ممكنا‪ ،‬بل تستشري نار الفساد‪.‬‬
‫ْ‬
‫وهذا ما ع‪ xy‬عنه الصحابي الجليل أبو الدرداء عندما قال‪ " :‬إنا َلنك ِشر ‪N‬ي وجوﻩ أقوام وإن‬
‫َ ْ‬
‫قلوبنا لتلع‪*w‬م")‪ .(265‬والكشر أك¨‪ x‬ما يطلق ع‪C‬ى الضحك‪ ،‬و‪N‬ي رواية أخرى‪ " :‬ونضحك"‪.‬‬
‫وقد فهم علماؤنا ٔالاجالء هذا املبدأ من مبادئ التعامل فنجد ع‪C‬ي بن خلف بن بطال أحد‬
‫شراح البخاري املتو‪N‬ي سنة ‪449‬هـ‪ ،‬يقول ‪ :‬املداراة من أخالق املؤمن>ن‪ ،‬و]ي خفض الجناح‬
‫للناس‪ ،‬ول>ن الكالم‪ ،‬وترك ٕالاغالظ لهم بالقول‪ ،‬وذلك من أقوى أسباب ٔالالفة)‪.(266‬‬
‫ً‬
‫الفرق ب>ن املداهنة واملداراة‪ :‬وقد يتبادر إ"ى ٔالاذهان أن املداراة املذكور آنفا ]ي نوع من‬
‫ً‬
‫املداهنة والنفاق‪ ،‬وقد يأباها كث>‪ x‬من الدعاة أخذا بمبدأ الوضوح واملصارحة ‪N‬ي قول كلمة‬
‫الحق وٕالاشارة إ"ى عوج كل ذي عوج ‪،‬وكأ‪*°‬م فهموا أن هذا ٔالاسلوب هو من باب كلمة الحق‬
‫عند سلطان جائر‪ .‬وهذا ‪N‬ي غ>‪ x‬موضعه؛ يقول ٕالامام ابن حجر ‪N‬ي شرحه لصحيح البخاري‪،‬‬
‫ً‬
‫نقال عن القا‪ ‹ºÛ‬عياض ‪N‬ي كالمه ع‪C‬ى الحديث السابق‪:‬‬
‫ً‬
‫والفرق ب>ن املداراة واملداهنة أن املداراة بذل الدنيا لصالح الدنيا أو الدين‪ ،‬أو هما معا ‪،‬‬
‫و]ي مباحة‪ ،‬وربما استحبت ‪ ،‬واملداهنة ترك الدين لصالح الدنيا‪ ،‬والن´‹  إنما بذل له‬
‫من دنياﻩ حسن عشرته والرفق ‪N‬ي مكاملته‪ ،‬ومع ذلك فلم يمدحه بقول‪ ،‬فلم يناقض قوله‬
‫فيه فعله‪ ،‬فإن قوله فيه قول حق‪ ،‬وفعله معه حسن عشرة‪ ،‬ف>‪Ì‬ول مع هذا التقرير‬
‫ٕالاشكال بحمد ﷲ تعا"ى")‪.(267‬‬
‫ونخلص من هذا إ"ى أن املداهنة معاشرة الفاسق وإظهار الر‪ HºÛ‬بما هو عليه واستحسان‬
‫مذهبه من غ>‪ x‬إنكار‪ ،‬فيكون املداهن قد بذل دينه من أجل دنياﻩ ‪N‬ي ر‪ HºÛ‬الناس عنه‪ .‬وأما‬
‫ً‬
‫أن يبذل الداعية شيئا من الدنيا ألي إنسان فهذا أمر محمود‪ ،‬فنحن نجود بدنيانا ونبخل‬
‫بديننا‪ .‬وبناء عليه فإن من الجائز‪ ،‬بل من املندوب أن نكرم من ال نر‪ HºÛ‬دينه وعقيدته‬
‫ً‬ ‫ً‬
‫تألفا لقلبه‪ .‬وهذا مع‪ H¢‬العبارة املنقولة آنفا عن القا‪ ‹ºÛ‬عياض‪ :‬املداراةت بذل الدنيا‬
‫ً‬
‫لصالح الدنيا أو الدين‪ ،‬أو ُهما معا"‪.‬‬

‫‪.(527/10) (   >5 /! )  :‬‬ ‫)‪(265‬‬


‫‪.(528/10)   >5‬‬ ‫)‪(266‬‬
‫‪. =D :; #O : 8 1 F   19   ! .(545/10)   >5‬‬ ‫)‪(267‬‬

‫‪110‬‬
‫فما أحوج الداعية إ"ى فهم هذا املبدأ‪ ،‬وبتطبيقه يستطيع جذب قلوب الناس إليه فهو يج‪xy‬‬
‫وال يكسر ؛ ألن كسر القلوب ال يعتود ع‪C‬ى الدعوة إال بالخسران‪ ،‬والقلب الكس>‪ x‬ال يج‪ xy‬إال‬
‫بمشقة‪ ،‬وإن الرابط النف»‪ ‹º‬ال يوصل إذا انقطع إال بعد جهد كب>‪.x‬‬
‫‪ -3‬إفشاء السالم‪:‬‬
‫والسالم أول الوسائل وأفضلها إلقامة اتصال ب>ن الاعية وب>ن جمهورﻩ‪،‬و‪*o‬ذا السالم يدخل‬
‫الداعية إ"ى قلوب الخلق بما تشيعه هذﻩ الكلمة من ظالل املحبة والوفاء وٕالاخالص‪ .‬وقد‬
‫شاء ﷲ تعا"ى أن يجعل وسائل الاتصال الجماه>‪x‬ية عبادات يتقرب ‪*o‬ا املؤمن إ"ى ﷲ‪،‬‬
‫وجعلت هذﻩ الوسائل من شبع ٕالايمان وخصاله؛ ولنسمع لنبينا العظيم وهو يقول وقد‬
‫َ‬
‫أي ٕالاسالم خ>‪x‬؟ فقال‪ " :‬تطعم الطعام وت ْقرأ السالم ع‪C‬ى من عرفت ومن لم‬ ‫سأله رجل‪ :‬ﱡ‬
‫تعرف")‪ .(268‬وهذا الحديث نص ‪N‬ي أهمية السالم وبذله لجميع املسلم>ن‪ ،‬قال النووي ‪" :‬‬
‫وفيه بذل السالم ملن عرفت ‪ ،‬وملن لم تعرف‪ ،‬وإخالص العمل فيه هلل تعا"ى ال مصانعة ‪،‬‬
‫ً‬
‫وال ملقا‪ ،‬وفيه مع ذلك استعمال خلق التواضع‪ ،‬وإفشاء شعار هذﻩ ٔالامة")‪ .(269‬ويقول ابن‬
‫ً‬ ‫ﱡ ً‬ ‫ﱡ ً‬ ‫ً‬
‫تصنعا ‪ ،‬بل تعظيما لشعار ٕالاسالم‪،‬‬ ‫تك‪xy‬ا أو‬ ‫حجر رحمه ﷲ‪ " :‬أي ال تخص به أحدا ‪،‬‬
‫ومراعاة ألخوة املسلم")‪.(270‬‬
‫والسالم من الحقوق الثابتة للمسلم‪ ،‬قال رسول ﷲ ‪ " :‬حق املسلم ع‪C‬ى املسلم خمس‪،‬‬
‫رد السالم‪ ،‬وتشميت العاطس‪،‬وإجابة الدعوة‪ ،‬و عيادة املريض ‪،‬واتباع الجنائز")‪.(271‬‬
‫وما دام السالم شعار ٕالاسالم فإن ع‪C‬ى الداعية أن يعمم هذا الشعار يلقيه ع‪C‬ى كل أحد‪،‬‬
‫ً‬
‫دون ملل أو سأم‪ ،‬وتكرار إلقاء السالم البد أن يثمر تعارفا ثم تتوثق العالقة‪ ،‬وتنتقل إ"ى ما‬
‫وراء الكلمة من السلوك والعمل املش™‪x‬ك‪.‬‬
‫وقد يظن بعض الدعاة أن السالم ال يليق ببعض الناس ملا هم عليه من خلق أو سلوك‪،‬‬
‫ُ‬
‫وهذا الظن تنعكس سلبياته ع‪C‬ى الدعوة‪ ،‬إذ ت‪*¥‬م بالطبقية‪ ،‬وأ‪*°‬ا تربي أبناءها ع‪C‬ى العزلة‬
‫والانفصال عن املجتمع‪ ،‬ويوصف الداعية بالتك‪ xy‬والتعا"ي‪.‬‬
‫وال يقتصر الداعية ع‪C‬ى الكبار فيخصهم بالسالم‪ ،‬بل يلقي السالم ع‪C‬ى الصغار‪ ،‬وإلقاء‬
‫ً‬ ‫ً‬
‫السالم ع‪C‬ى الصبيان ي™‪x‬ك أثرا حسنا ‪N‬ي نفوسهم‪ ،‬ألن هؤالء محرومون من التقدير‬
‫;‪.(82/1  >5 a! I )  : 89 :; 9/2 $ < = 3$ 67! 89 :‬‬ ‫)‪(268‬‬
‫= < !‪.(11/2) $7 67‬‬ ‫)‪(269‬‬
‫‪.(56/1)   >5‬‬ ‫)‪(270‬‬
‫;‪.(143/14 ) ( $ /! ) 67! 89 :‬‬ ‫)‪(271‬‬

‫‪111‬‬
‫والاح™‪x‬ام فمن يح™‪x‬مهم ويقدرهم هو الذي يكس©*م لصفه‪ ،‬أخرج ٕالامام مسلم‪ ،‬عن سيار‬
‫البناني فمر بصبيان فسلم عل‪*j‬م‪ ،‬وحدث ثابت أنه كان يم‪‹ºÜ‬‬ ‫قال‪ ":‬كنت أم‪ ‹ºÜ‬مع ثابت ُ‬
‫مع أنس فمر بصبيان فسلم عل‪*j‬م‪ ،‬وحدث أنه ) أنس ( كان يم‪ ‹ºÜ‬مع رسول ﷲ  فمر‬
‫بصبيان فسلم عل‪*j‬م")‪.(272‬‬
‫ً‬ ‫ً‬
‫فالداعية الناجح ال ين»‪ Hº‬هدفه ‪N‬ي الوصول إ"ى قلوب الناس كبارا أو صغارا‪ ،‬وهو يق™‪x‬ب كل‬
‫يوم من هدفه‪ ،‬وإذا كان الناس ‪N‬ي غفلة عن هذﻩ ٔالاهداف الكب>‪x‬ة وتشغلهم ٔالاهداف‬
‫الشخصية القريبة‪ ،‬فإن الداعية دائم الفكر دائب العمل مستمر التخطيط ليصل إ"ى‬
‫أهدافه الكب>‪x‬ة‪ ،‬ويرى ‪N‬ي الطفل الصغ>‪ x‬رجل املستقبل‪ ،‬و‪N‬ي العامل الفق>‪ x‬املسؤول الكب>‪،x‬‬
‫فالقليل يك¨‪ x‬والصغ>‪ x‬يك‪ ،xy‬والكسب ملن سبق وص‪ xy‬وأحسن‪.‬‬
‫‪ -4‬تألف الناس ‪- :‬‬
‫والداعية يألف ويؤلف‪ ،‬وذلك بسبب تكوينه الذه‪ ‹¢‬والسلوكي‪ ،‬وملا يتمتع به من رؤية‬
‫ً‬
‫واسعة ُوبعد نظر‪ ،‬وهو يزيد من قوة ارتباطه بالناس يوما بعد يوم‪ .‬ويلتقي عليه عدد كب>‪x‬‬
‫من الناس؛ أل‪*°‬م يشعرون بحرصه عل‪*j‬م‪ ،‬ورفقه ‪*o‬م‪ ،‬فهو قوة جامعة ال قوة طاردة‪.‬‬
‫وتبدأ ٔالالفة من القلب بالنية الصالحة وترك الغلظة‪ ،‬وتشرب الرقة والرحمة والرفق‪ .‬وهذا‬
‫ً‬ ‫ّ‬
‫ما علمه ﷲ تعا"ى لنبيه  ليجذب قلوب الخلق إليه‪ ،‬فقال ‪  :‬ولو كنت فظا غليظ القلب‬
‫النفضوا من حولك فاعف عنه واستغفر لهم وشاورهم ‪N‬ي ٔالامر)‪ ،(273‬أما الفظ فهو‬
‫الغليظ الجانب الس  الخلق‪ .‬والغليظ القلب الذي ال يتأثر قلبه عن ‪‹ºà‬ء‪ ،‬فقد ال يكون‬
‫ً‬
‫س  الخلق وال يؤذي أحدا ‪ ،‬ولكنه ال يرق لهم وال يرحمهم)‪.(274‬‬
‫وإذا كان صاحب بضاعة ما يفهم أن تسويق هذﻩ البضاعة ال يتم إال إذا توافر ٔالاساس‬
‫ُ‬
‫النف»‪ ،‹º‬فإن الخلق الرفيع ول>ن الجانب من أسباب إقبال الناس ع‪C‬ى الشراء من التاجر‪،‬‬
‫فكذلك أمر الداعية الذي يعرض سلعة ٕالايمان‪ .‬يقول الرازي‪" :‬إن املقصود من البعثة أن‬
‫يبلغ الرسول تكاليف ﷲ إ"ى الخلق؛ وهذا املقصود ال يتم إال إذا مالت قلو‪*o‬م إليه‪،‬‬
‫ً‬ ‫ً‬
‫وسكنت نفوسهم لديه‪ .‬وهذا املقصود ال يتم إال إذا كان رحيما كريما‪ ،‬يتجاوز عن ذن©*م‬
‫ويعفو عن إساءž*م‪ ،‬ويخصهم بوجوﻩ ال‪ xy‬واملكرمة والشفقة‪ ،‬فلهذﻩ ٔالاسباب وجب أن يكون‬

‫;‪.(149/14) ( $ /! ) 67! 89 :‬‬ ‫)‪(272‬‬


‫ ‪./ !- 10   /! 159 :‬‬ ‫)‪(273‬‬
‫ ‪.(64)63/9)  7 B‬‬ ‫)‪(274‬‬

‫‪112‬‬
‫الرسول ُم َ‪xّ y‬أ من سوء الخلق‪ .‬وكما يكون كذلك وجب أن يكون غ>‪ x‬غليظ القلب ‪ ،‬بل يكون‬
‫كث>‪ x‬امليل إ"ى إعانة الضعفاء‪ ،‬كث>‪ x‬القيام بإعانة الفقراء‪ ،‬كث>‪ x‬التجاوز عن السيئات")‪.(275‬‬
‫وملكان ٔالالفة ‪N‬ي دين ﷲ تعا"ى اعت‪xy‬ت فريضة من فرائضه؛ قال القا‪ ‹ºÛ‬عياض‪" :‬ؤالالفة‬
‫إحدى فرائض الدين وأركان الشريعة ونظام شمل ٕالاسالم")‪ .(276‬ومن أسباب حصول ٔالالفة‬
‫الورع وصدق السريرة وٕالاخالص‪ ،‬ولذلك جاء الربط ب>ن إفشاء السالم وب>ن الصالة بالليل‬
‫والناس نيام‪ " ،‬عن عبدﷲ بن سالم ر‪ ‹ºÛ‬ﷲ عنه‪ ،‬قال‪ :‬ملا قدم الن´‹  انجفل الناس‬
‫عليه‪ ،‬فكنت فيمن انجفل‪ ،‬فلما تبينت وجهه عرفت أن وجهه ليس بوجه كذاب‪ ،‬فكان أول‬
‫ﱡ‬
‫‪‹ºà‬ء سمعته يقول‪ " :‬أفشوا السالم‪ ،‬وأطعموا الطعام‪ ،‬وصلوا باألرحام‪ ،‬وصلوا والناس‬
‫نيام‪ ،‬تدخلوا الجنة بسالم")‪.(277‬‬
‫فالصالة ‪N‬ي الليل تربط العبد بخالقه ف>‪ HºÛx‬عنه‪ ،‬وإذا ر‪ ‹ºÛ‬ﷲ تعا"ى عن العبد أر‪HºÛ‬‬
‫العباد عنه‪ .‬و‪N‬ي الحديث عن أبي هريرة ر‪ ‹ºÛ‬ﷲ عنه‪ ،‬عن الن´‹  قال‪ " :‬إذا أحب ﷲ‬
‫ً‬ ‫ً‬
‫عبدا نادى ج‪xy‬يل إن ﷲ ُيحب فالنا فأحبه فيحبه ج‪xy‬يل‪ ،‬فينادي ج‪xy‬يل ‪N‬ي أهل السماء‪:‬‬
‫ً‬
‫إن ﷲ يحب فالنا فأحبوﻩ‪ ،‬فيحبه أهل السماء‪ ،‬ثم يوضع له القبول ‪N‬ي أهل ٔالارض")‪.(278‬‬
‫الحجة حاضر البد‪*+‬ة‪ ،‬فإن حجته وبد‪*+‬ته تعجز أمام عدم‬ ‫ومهما كان الداعية قوي ُ‬
‫التوفيق والرضا منه سبحانه وتعا"ى‪.‬‬
‫ومن أسباب ٕالالف عدم منازعة الناس ‪N‬ي دنياهم‪ ،‬أو منافس‪*¥‬م ‪N‬ي املناصب‪ ،‬وهذا هو‬
‫الزهد النافع‪ ،‬أي الزهد بما ‪N‬ي أيدي الناس‪ .‬وأك¨‪ x‬من ذلك فإن الداعية يؤثر الناس ع‪C‬ى‬
‫نفسه ولو كان به خصاصة‪.‬‬
‫ً‬
‫ومن اسبابه كذلك بذل املعروف‪ ،‬فالداعية يفكر دائما بإسعاد الناس وإيصال الخ>‪ x‬إل‪*j‬م‬
‫ولو بالكلمة الطيبة‪ ،‬ومن كان هذا شأنه فإنه ال يعرف الشر وال ٔالاذى‪.‬‬
‫ومن أسبابه إطعام الطعام ملا فيه من أثر بالغ ع‪C‬ى النفس البشرية‪ ،‬ولذلك ورد ‪N‬ي‬
‫الحديث‪":‬أطعموا الطعام"‪ .‬وعن عبد ﷲ بن عمرو ر‪ ‹ºÛ‬ﷲ ع‪*w‬ما‪ ،‬قال ‪ :‬قال رسول ﷲ‬
‫ً‬
‫‪ ":‬إن الجنة لغرفا ُيرى ظاهرها من باط‪*w‬ا وباط‪*w‬ا من ظاهرها‪ ،‬فقال أبو مو‪ٔ HºÒ‬الاشعري‪:‬‬

‫ ‪.(64/9)  7 B‬‬ ‫)‪(275‬‬


‫‪.(11/2) 67! ]7- $‬‬ ‫)‪(276‬‬
‫?> !‪]$D‬‬ ‫;‪/? G? : 1 F (652/4)  !  (451/5) L$! 45 !?; 6 !@ 89 :‬‬ ‫)‪(277‬‬
‫‪./- ! 8T & : # $ 19$‬‬
‫;‪.(461/10) (   >5 /! )  : 89 :‬‬ ‫)‪(278‬‬

‫‪113‬‬
‫ً‬
‫ملن ]ي يا رسول ﷲ ‪ ،‬قال ك ملن أالن الكالم وأطعم الطعام وبات ﷲ قائما والناس‬
‫نيام")‪ .(279‬وكان صهيب ر‪ ‹ºÛ‬ﷲ عنه يطعم الطعام الكث>‪ x‬فراجعه عمر ر‪ ‹ºÛ‬ﷲ عنه ‪N‬ي‬
‫ذلك فقال‪ّ :‬أما قولك ‪N‬ي الطعام فإن رسول ﷲ  كان يقول‪ " :‬خياركم من أطعم الطعام‬
‫ورد السالم")‪.(280‬‬
‫ومن أسباب ٕالالف ال‪*¥‬ادي‪ ،‬فللهدية سحر خاص يصل الداعية بقلوب الناس‪ ،‬وهذﻩ الهدية‬
‫ً‬
‫دليل ع‪C‬ى حب الداعية للمهدي إليه وتقديرﻩ له‪ .‬وإذا كان ال‪*¥‬ادي جائزا ب>ن املسلم>ن‬
‫واملشرك>ن واملحارب>ن فهو أو"ى ب>ن املسلم>ن‪ ،‬وقد جاء ‪N‬ي الصحيح أن عمر ر‪ ‹ºÛ‬ﷲ عنه‬
‫رأى حلة تباع‪ ،‬فقال للن´‹ ‪ :‬ابتع هذﻩ الحلة تلبسها يوم الجمعة وإذا جاءك الوفد‪ ،‬فقال‬
‫ُ‬
‫‪ :‬إنما يلبس هذﻩ من ال خالق له ‪N‬ي ٓالاخرة ـ وكانت من الحرير ـ فأتي رسول ﷲ  م‪*w‬ا بحلل‪،‬‬
‫ّ‬
‫فأرسل إ"ى عمر م‪*w‬ا بحلة‪ ،‬فقال عمر ‪ :‬كيف ألبسها وقد قلت ف‪*j‬ا ما قلت؟ قال‪ :‬إني لم‬
‫أكسكها لتلبسها‪ ،‬تبيعها أو تكسوها‪ ،‬فأرسل ‪*o‬ا عمر إ"ى أخ له من أهل مكة قبل أن‬
‫يسلم")‪" .(281‬وقد كان الن´‹  يقبل الهدية ويثيب عل‪*j‬ا")‪.(282‬‬
‫وكم وصلت الهدية من الحبال املنقطعة؟ ‪ ،‬وكم غ>‪x‬ت من املواقف؟ وكل إنسان يعلم أثر‬
‫الهدية ‪N‬ي تحقيق املودة واملحبة‪ .‬والداعية أو"ى الناس باستخدام هذﻩ الوسيلة الفعالة من‬
‫وسائل الاتصال الجماه>‪x‬ي‪.‬‬
‫‪ -5‬الداعية يخالط الناس ويص‪ xy‬ع‪C‬ى أذاهم‪:‬‬
‫والداعية يتوقع ٕالاساءة قبل ٕالاحسان ويعذر الناس ‪N‬ي س  ٔالاخالق وغليظ الطباع؛ أل‪*°‬م‬
‫ً‬
‫حرموا ردحا من الزمن من توجيه ٕالاسالم وتربيته‪ ،‬ففسدت جوانب مهمة من جوانب‬
‫تركي©*م النف»‪ ‹º‬والاجتما‪µ‬ي‪ ،‬وأصبح دأ‪*o‬م الغيبة والنميمة والهمز اللمز‪ .‬والداعية الحكيم‬
‫يتعامل معهم كما يتعامل الطبيب الرحيم مع مرضاﻩ‪ ،‬ولهذا فإن الداعية مأمور بالص‪xy‬‬
‫والاصطبار وانتظار النتائج دونما يأس أو كلل وشعارﻩ ‪N‬ي ذلك قول الن´‹  ‪" :‬املؤمن الذي‬
‫يخالط الناس ويص‪ xy‬ع‪C‬ى أذاهم خ>‪ x‬من الذي ال يخالط الناس وال يص‪ xy‬ع‪C‬ى أذاهم")‪.(283‬‬
‫وعندما يصل الدعاة إ"ى هذا املستوى الرفيع من إعذار الناس ومسامح‪*¥‬م ع‪C‬ى زالž*م‪،‬‬

‫;‪.(156/1)(173/2) !?; (354/4)  !  89 :‬‬ ‫)‪(279‬‬


‫;‪.(16/5) !?; 6 !@ 89 :‬‬ ‫)‪(280‬‬
‫‪.(232/5)   >5 /!  :‬‬ ‫)‪(281‬‬
‫;‪.(394/3)  ; 89 :‬‬ ‫)‪(282‬‬
‫‪(102)  ! A.‬‬ ‫)‪(283‬‬

‫‪114‬‬
‫فإ‪*°‬م يزيلون عوائق كث>‪x‬ة سب©*ا الحنق والغضب والرغبة باملعاملة باملثل‪ .‬وقدوة الداعية ‪N‬ي‬
‫ذلك رسول ﷲ  الذي ُعرف بسعة صدرﻩ وكظم غيظه‪ ،‬قال عبدﷲ بن مسعود‪ :‬قسم‬
‫الن´‹  قسمة ـ كبعض ما كان يقسم ـ فقال رجل من ٔالانصار‪ :‬وﷲ إ‪*°‬ا لقسمة ما أريد ‪*o‬ا‬
‫وجه ﷲ عز وجل‪ .‬قلت أنا‪ :‬ألقولن للن´‹  ـ فأتيته وهو ‪N‬ي أصحابه ـ فساررته‪ ،‬فشق ذلك‬
‫عليه‪ ،‬وتغ>‪ x‬وجهه‪ ،‬وغضب ح‪ HI‬وددت إني لم أكن أخ‪xy‬ته‪ ،‬ثم قال‪ ":‬قد أوذي مو‪ HºÒ‬بأك¨‪x‬‬
‫من ذلك فص‪.(284)"xy‬‬
‫‪ -6‬الداعية ال يغمط الناس حقهم‪ ،‬وال ينكر ألحد فضله‪:‬‬
‫ً‬ ‫َ‬ ‫وذلك ﱠ‬
‫ألن سفه الحق وغ ْمط الناس من صفات املتك‪xy‬ين‪ ،‬الذين ال يروق لهم أن يروا أحدا‬
‫فوقهم‪ ،‬ويحملهم الحسد والتنافس ع‪C‬ى إخفاء فضل الفضالء وعلم العلماء‪ .‬وأما الداعية‬
‫فهو بريء من هذا العيب‪ ،‬وهو يع™‪x‬ف لكل صاحب فضل بفضله‪ ،‬ويتصف باملوضوعية ‪N‬ي‬
‫تعامله‪ ،‬ويقتدي بسنة الن´‹  الذي يقول‪ " :‬ال يدخل الجنة من كان ‪N‬ي قلبه مثقال ذرة من‬
‫ً‬
‫ك‪ ،xy‬قال رجل ‪ :‬إن الرجل يحب أن يكون ثوبه حسنا ‪ ،‬ونعله حسنة ‪ ،‬قال ‪ :‬إن ﷲ جميل‬
‫يحب الجميل‪ ،‬الك‪ xy‬بطر الحق وغمط الناس")‪.(285‬‬
‫ً‬ ‫ً‬
‫ومع‪ H¢‬بطر الحق‪ :‬دفعه وإنكارﻩ ترفعا وتج‪xy‬ا‪ ،‬ومع‪ H¢‬غمط الناس‪ :‬احتقارهم‪ .‬وهذا املوقف‬
‫من الداعية يحقق السالم بينه وب>ن سائر الناس ويمهد له الطريق إ"ى قلو‪*o‬م‪ ،‬ويقيم‬
‫أفضل وسائل الاتصال معهم‪.‬‬
‫‪-7‬صلة الرحم‪:‬‬
‫ً‬ ‫ً‬
‫ويتصف الداعية بحرصه ع‪C‬ى صلة رحمه‪ ،‬قياما بفريضة من فرائض الدين‪ .‬وتطبيقا لسنة‬
‫من سننه‪ ،‬وصلة ا لرحم تحقق الاتصال الحيوي بجماعة كب>‪x‬ة من الناس يرتبط الداعية‬
‫ً‬
‫‪*o‬م رباط القربى‪ ،‬ويف™‪x‬ض هؤالء الناس أن يكون الداعية وصوال لهم‪ .‬ولذا فإ‪*°‬م ينكرون‬
‫حملونه من املسئولية أك¨‪ x‬من غ>‪x‬ﻩ‪ .‬والداعية الذكي يتوجه‬ ‫ُ ّ‬
‫ع‪C‬ى الداعية عندما يقطعهم‪ ،‬وي ِ‬
‫إ"ى هؤالء من خالل الصلة املعروفة ليقدم إل‪*j‬م دعوته بعد أن يقدم إل‪*j‬م ﱠبرﻩ‪ .‬ولقد أمرنا‬
‫رسول ﷲ  بالتعرف ع‪C‬ى أنسابنا ال من أجل عصبية جاهلية ولكن منأجل تأدية الواجب‬
‫نحو هؤالء ٔالارحام‪ ،‬فقال عليه الصالة والسالم‪ " :‬تعلموا من أنسابكم ما تصلون به‬

‫?> ‪.103  ! A. 45 (512/10)  :‬‬ ‫)‪(284‬‬


‫;‪.(93/1) 67! 89 :‬‬ ‫)‪(285‬‬

‫‪115‬‬
‫ْ‬
‫أرحامكم فإن صلة الرحم محبة ‪N‬ي ٔالاهل‪ ،‬م¨‪x‬اة ‪N‬ي املال‪ ،‬منسأة ‪N‬ي ٔالاجل‪ ،‬مرضاة‬
‫للرب")‪.(286‬‬
‫ً‬
‫وقد اختار ﷲ نبيه محمدا  وله ‪N‬ي كل بيت من بيوت العرب رحم‪ ،‬وقامت ٔالادلة ع‪C‬ى‬
‫ً‬
‫تبعا ُ‬
‫لسلم مرات©*م‪ ،‬وقد ناقش‬ ‫ضرورة معرفة ٔالانساب ؤالارحام‪ ،‬وذلك ألداء الحقوق إل‪*j‬م‬
‫ابن حزم ‪N‬ي كتابه" جمهرة أنساب العرب" قول من قال ‪ ) :‬إن علم النسب علم ال ينفع‬
‫وجهالة ال تضر‪ .‬ثم قال‪ :‬وضح أنه بخالف هذا وأنه علم ينفع ‪ ،‬وجهل يضر‪ .‬وكان من ب>ن‬
‫أصحاب الن´‹  من يتقن علم النسب كابي بكر الصديق وأبي الجهم بن حذيفة وجب>‪ x‬بن‬
‫ً‬
‫مطعم ر‪ ‹ºÛ‬ﷲ ع‪*w‬م‪ .‬وكان أبو بكر أشدهم رسوخا ‪N‬ي العلم بجميع أنساب العرب‪ ،‬وقد أمر‬
‫الن´‹  حسان بن ثابت أن يأخذ ما يحتاج إليه من علم نسب قريش عن أبي بكر‬
‫الصديق( )‪.(287‬‬
‫ً‬
‫وكث>‪ x‬من الدعاة ‪*+‬ملون البحث ‪N‬ي أنسا‪*o‬م ظنا م‪*w‬م أن ذلك من أمر الجاهلية‪ .‬والجاهلية‬
‫]ي الفخر والخيالء والعصبية‪ ،‬ومن الجاهلية القطيعة وإهمال ٔالارحام‪ .‬وقد جعل القرآن‬
‫ً‬
‫الكريم تقطيع ٔالارحام قرينا لإلفساد ‪N‬ي ٔالارض‪ ،‬فقال تعا"ى ‪  :‬فهل عسيتم إن توليتم أن‬
‫ُ‬
‫تفسدوا ‪N‬ي ٔالارض وتقطعوا أرحامكم )‪ .(288‬وقد بلغ من حرص هذا الدين ع‪C‬ى صلة الرحم‬
‫أن أمر بصلة الرحم املشركة‪ ،‬فجاء عن الن´‹  أﻩ قال ‪ " :‬إن آل أبي فالن ليسوا بأوليائي‬
‫ﱡ‬
‫إنما ول ‹ ﷲ وصالح املؤمن>ن‪ ،‬ولكن لهم رحم أبلها بباللها‪ ،‬أي أصلها بصل‪*¥‬ا")‪.(289‬‬
‫ُ‬
‫والرحم سواء كانت مؤمنة أو غ>‪ x‬مؤمنة قريبة أو بعيدة‪ ،‬ف·‹ ش ْجنة من الرحمن كما أخ‪xy‬نا‬
‫ُ‬
‫الن´‹  " إن الرحم ش ْج َنة من الرحمن‪ ،‬فقال ﷲ‪ :‬من وصلك وصلته‪ ،‬ومن قطعك‬
‫قطعته")‪ ،(290‬والشجنة عرق منعروق الشجرة املشتبكة‪ ،‬ومع‪ H¢‬الحديث أن الرحم اشتق‬
‫اسمها من اسم الرحمن فلها به ُعلقة‪.‬‬
‫وقد حرم ﷲ ع‪C‬ى قاطع الرحم دخول الجنة‪ ،‬قال الن´‹ ‪ " :‬ال يدخل الجنة قاطع")‪.(291‬‬

‫;‪.(374/2) !?; (351/4)  !  \ :‬‬ ‫)‪(286‬‬


‫‪. ,  5)3 A D A $;  I!9‬‬ ‫)‪(287‬‬
‫ ‪.!?!   /! 22‬‬ ‫)‪(288‬‬
‫‪.419/10 (   >5 /! )  :‬‬ ‫)‪(289‬‬
‫‪.417/10(   >5 /! )  :‬‬ ‫)‪(290‬‬
‫‪.415/10 (  >5 /! )  :‬‬ ‫)‪(291‬‬

‫‪116‬‬
‫وباملقابل فإن صلة الرحم بركة ‪N‬ي الرزق ؤالاثر‪ ،‬لقوله عليه الصالة والسالم‪ ) :‬من أحب أن‬
‫يبسط له ‪N‬ي رزقه‪ُ ،‬وينسأ له ‪N‬ي أثرﻩ فليصل رحمه( )‪.(292‬‬
‫وتكون صلة الرحم باملال للقادر عليه‪ ،‬بالعون ع‪C‬ى الحاجة‪ ،‬وبدفع الضرر‪ ،‬وبطالقه الوجه‪،‬‬
‫وبالدعاء‪ .‬واملع‪ H¢‬الجامع‪ :‬إيصال ما أمكن من الخ>‪ ،x‬ودفع ما أمكن من الشر بحسب‬
‫الطاقة)‪.(293‬‬
‫ولقد شاع التقاطع ‪N‬ي زماننا هذا‪ ،‬ح‪ HI‬أصبح كل إنسان يميل إ"ى ٔالابعدين عنه‪ ،‬وال يرغب‬
‫بصلة ٔالاقرب>ن ملا يجد من إساءاž*م وقطيع‪*¥‬م‪ ،‬وإذا كان هذا التصرف له ما ي‪xy‬رﻩ عند‬
‫جمهور الناس‪ ،‬فإن الداعية مأمور بإحياء هذﻩ الصالت والحض عل‪*j‬ا‪ ،‬وال تتم عبادته هلل‬
‫تبارك وتعا"ى إال ‪*o‬ا‪ .‬وقد أخ‪ xy‬الن´‹  أن الواصل ال يكون املكا‪N‬ئ‪ ،‬فقال ‪ " :‬ليس الواصل‬
‫ُ‬
‫باملكا‪N‬ئ‪ ،‬ولكن الواصل الذي إذا قطعت رحمه وصلها")‪ .(294‬ومع‪ H¢‬الحديث أن صلة الرحم‬
‫ً‬
‫ال يش™‪x‬ط ف‪*j‬ا التبادل‪ ،‬بل ]ي واجبة ح‪ HI‬مع القطيعة‪ ،‬فمن أراد أن يكون واصال فالبد أن‬
‫يبدأ هو بوصل من قطعه‪ ،‬والبد أن يعطى من منعه‪ .‬وأن يقابل ٕالاساءة باإلحسان‪ .‬وأما إذا‬
‫ً‬
‫انتظر الصلة من الجانب ٓالاخر فإنه ال يكون واصال‪.‬‬
‫ؤالارحام مراتب حسب قر‪*o‬ا وبعدها من النسب‪ ،‬ودرجات حسب قر‪*o‬ا وبعدها عن الدين‪.‬‬
‫وصلة الرحم تبدأ باألقرب ح‪ HI‬تصل إ"ى ٔالابعد‪ .‬وال‪ xy‬واجب ع‪C‬ى كل حال‪ ،‬والوالية تفارقه‬
‫ً‬ ‫ً‬ ‫ً‬
‫‪N‬ي حال كون الرحم فاسقا أو كافرا أو عدوا‪ ،‬لقول ﷲ تعا"ى‪  :‬ال ي‪*w‬اكم ﷲ عن الذين لم‬
‫ُ‬
‫يقاتلوكم ‪N‬ي الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن ت‪xy‬وهم وتقسطوا إل‪*j‬م‪ ،‬إن ﷲ ُيحب‬
‫املقسط>ن* إنما ي‪*w‬اكم ﷲ عن الذين قاتلتوكم ‪N‬ي الدين وأخرجوكم من دياركم وظاهروا‬
‫ع‪C‬ى إخراجكم أن تولوهم ‪،‬ومن يتولهم فأولئك هم الظاملون)‪.(295‬‬
‫ويالحظ قوله ‪N‬ي ٓالاية ٔالاو"ى‪ :‬أن ت‪xy‬وهم‪ ،‬و‪N‬ي الثانية ‪ :‬أن تولوهم‪ ،‬ومع‪ H¢‬ذلك أن الن·‹ عن‬
‫تو"ي هؤالء لشدة عداوž*م‪ ،‬قال الرازي ‪N‬ي تفس>‪x‬ﻩ‪" :‬هذﻩ ٓالاية تدل عن جواز ال‪ xy‬ب>ن‬
‫املشرك>ن واملسلم>ن‪ ،‬وإن كانت املوالاة منقطعة")‪ ،(296‬فإذا علم الداعية كل هذا كانت صلة‬

‫‪.415/10(   >5 /! )  :‬‬ ‫)‪(292‬‬


‫‪.418/10   >5‬‬ ‫)‪(293‬‬
‫‪.423/10 (   >5 /! )  :‬‬ ‫)‪(294‬‬
‫ ‪.$?!!   /! 9)8 /‬‬ ‫)‪(295‬‬
‫ ‪.(304/29) B‬‬ ‫)‪(296‬‬

‫‪117‬‬
‫ً ً‬
‫الرحم ميدانا رحبا لدعوته‪ ،‬تصله بجماه>‪ x‬من الناس‪ .‬ويكون عندئذ قطاع كب>‪ x‬من هؤالء‬
‫الناس ع‪C‬ى صلة بجماعة الدعاة‪ ،‬وهو كسب للدعوة والدعاة‪.‬‬
‫‪ -8‬الرفق‪:‬‬
‫والبد أن يتصف الداعية بالرفق مع سائر الناس‪ .‬والرفق ل>ن الجانب بالقول والفعل‪ .‬ؤالاخذ‬
‫باألسهل ؤالايسر ‪ ،‬وهو ضد العنف ‪ ،‬وقد روى ٕالامام مسلم ‪N‬ي صحيحه عن الن´‹  أنه‬
‫قال ‪ " :‬إن ﷲ رفيق يحب الرفق ‪ ،‬ويعطي ع‪C‬ى الرفق ما ال يعطي ع‪C‬ى العنف " )‪ .(297‬ومن‬
‫خالل الرفق يستطيع الداعية أن يفكر ‪N‬ي ٔالامور وأن يتخذ املواقف الصحيحة‪ ،‬وال يمكن‬
‫ذلك من خالل العنف والتسرع‪ .‬ورب كلمة يندفع الداعية إ"ى قولها ثم يتب>ن أن لها من‬
‫ٓالاثار السلبية ما يجعل جماعة كاملة تبذل وق‪*¥‬ا وجهدها من أجل إصالح ما أفسدﻩ عدم‬
‫الرفق‪ ،‬ورب تصرف أهوج من إنسان محسوب ع‪C‬ى الدعوة والدعاة يؤخر مس>‪x‬ة الدعوة‬
‫والدعاة‪ .‬ولعل من أشد ٔالامراض الفتاكة بالدعوة والدعاة أن يكون ف‪*j‬ا من يربي غ>‪x‬ﻩ ع‪C‬ى‬
‫العنف ويطالبه باستعمال القوة وإنزال العقوبة ع‪C‬ى كل مخالف‪ .‬وهذا السلوك يسلب‬
‫الدعوة أهم مقوماž*ا وعناصر وجودها‪ .‬وهذا ما يس‪è‬ى أعداء ٕالاسالم ليل ‪*°‬ار إليقاع الدعاة‬
‫فيه‪.‬‬
‫وكان دأب الن´‹  الرفق مع الناس كلهم؛ أخرج البخاري ‪N‬ي صحيحه عن أنس بن مالك‬
‫َ‬ ‫ً‬
‫ر‪ ‹ºÛ‬ﷲ عنه" ﱠأن أعرابيا بال ‪N‬ي املسجد فقاموا إليه ‪ ،‬فقال ‪ :‬ال ت ْز ِرموﻩ‪ ،‬ثم دعا بدلو من‬
‫ص ﱠب عليه" ‪ .‬ومع‪ " H¢‬ال تزرموﻩ" ‪ :‬ال تقطعوا عليه بوله‪ .‬و‪N‬ي رواية ال™‪x‬مذي‪" :‬دخل‬ ‫ماء‪َ ،‬ف ُ‬
‫ً‬
‫أعرابي املسجد والن´‹  جالس‪ ،‬فص‪C‬ى فلما فرغ قال ‪ :‬اللهم ارحم‪ ‹¢‬ومحمدا وال ترحم‬
‫ً‬ ‫ً‬
‫معنا أحدا‪ ،‬فالتفت إليه الن´‹ ‪ ،‬فقال‪ :‬لقد تحجرت واسعا ‪ ،‬فلم يلبث أن بال ‪N‬ي‬
‫ً‬ ‫ً‬
‫املسجد‪ ،‬فأسرع إليه الناس‪ ،‬فقال الن´‹  ‪ :‬أهريقوا عليه سجال من ماء‪ ،‬أودلوا من ماء ‪،‬‬
‫ثم قال ‪ :‬إنما ُبعثتم ميسرين ولم تبعثوا معسرين")‪.(298‬‬
‫و‪N‬ي هذﻩ الحادثة كمال رفقه  ‪ ،‬وما أجمل أن يتأ‪ HºÒ‬الدعاة ‪*o‬ذا الخلق الكامل‪.‬‬
‫والبد أن يضع الداعية ‪N‬ي ع>ن الاعتبار طبائع الناس وأمزج‪*¥‬م‪ ،‬وأ‪*°‬م ال يتصرفون بطريقة‬
‫واحدة‪ .‬وهم أنواع وأصناف ‪ ،‬والبد من مراعاة كل هذا‪ ،‬فالجاهل له طبيعة ومزاج ‪،‬‬
‫والبدوي له طبيعة ومزاج‪ ،‬والحضري له طبيعة ومزاج‪.‬‬

‫;‪. 2004/4 67! 89 :‬‬ ‫)‪(297‬‬


‫‪.(276/1)  !  /$‬‬ ‫)‪(298‬‬

‫‪118‬‬
‫وتختلف الطباع ؤالامزجة مع اختالف البالد‪ ،‬وقد يغلب ع‪C‬ى أهل قطر ما روح الدعابة‬
‫واملرح‪ ،‬وع‪C‬ى أهل قطر آخر روح الجد والحزم‪ .‬ويتصف شعب ما بقدرته ع‪C‬ى املجاملة ول>ن‬
‫الكالم‪ ،‬ويتصف غ>‪x‬ﻩ بحدة املزاج وخشونة التعامل‪ .‬والداعية الناجح يستوعب هذﻩ‬
‫الطبائع ؤالامزجة‪.‬‬
‫ومن ُحرم الرفق فقد ُحرم الخ>‪ x‬كله)‪ ،(299‬كما جاء ‪N‬ي الحديث الشريف ‪.‬‬
‫ً‬ ‫ً‬
‫ومن لوازم الرفق أن ال يكون الداعية فاحشا وال متفاحشا‪ .‬والفحش كل ما خرج عن‬
‫مقدارﻩ ح‪ HI‬يستقبح‪ ،‬فالداعية ال يفحش ‪N‬ي كالمه‪ ،‬وال يجيب ع‪C‬ى الفحش بالفحش‪ ،‬وال‬
‫ً‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫ﱠ ً‬ ‫ﱠ ً‬
‫لعانا‪ .‬وكل هذا من جهة كون الداعية أوسع قلبا وأعمق نظرا وأبعد هدفا‬ ‫سبابا وال‬ ‫يكون‬
‫من غ>‪x‬ﻩ‪ .‬فإذا كان الناس يتصفون بسرعة الاستجابة لدوا‪µ‬ي الغضب وال‪ÌÞ‬ق فما ذلك إال‬
‫لقصر ‪N‬ي أهدافهم‪ ،‬ومالحقة لسفاسف ٔالامور وصغائرها‪ .‬والداعية ال يكون كذلك‪ ،‬بل هو‬
‫يعمل ع‪C‬ى ترويض الطباع الشاردة وتربية ٔالاخالق القاسية‪ ،‬ومستلزمات هذﻩ الوظيفة‬
‫كب>‪x‬ة‪.‬‬
‫‪ -9‬مراعاة ذوي الهيئات والوجهاء‪:‬‬
‫وال ‪*+‬مل الداعية وجوﻩ الناس وذوي النفوذ ف‪*j‬م‪ ،‬بل يقبل عل‪*j‬م ويستطيع بحسن إدارته‬
‫وثاقب بص>‪x‬ته أن يوظف الكث>‪ x‬من هؤالء لنصرة دعوته‪ .‬وما يشيع ع‪C‬ى ألسنة الدعاة‬
‫ً‬
‫أحيانا من كلمات تدعو إ"ى إهمال هذﻩ الفئة هو مخالف لسنة الن´‹  ‪N‬ي تعامله مع‬
‫ً‬
‫الوجهاء والزعماء‪ .‬كما جعل لهم القرآن الكريم سهما من الزكاة وهو سهم املؤلفة قلو‪*o‬م‪،‬‬
‫وذلك ألن هؤالء هم أناس تتحرك بحرك‪*¥‬م فئات كب>‪x‬ة من الناس ‪ ،‬فرا‪µ‬ى ٕالاسالم ما لهم‬
‫من نفوذ ‪N‬ي اتباعهم فاستمال قلو‪*o‬م لكي ال يقفوا ‪N‬ي طريق أتباعهم الراغب>ن ‪N‬ي دين ﷲ‬
‫تعا"ى‪.‬‬
‫وهؤالء الوجهاء م‪*w‬م العقالء الحلماء الحكماء‪ ،‬وهؤالء ترا‪µ‬ى مكان‪*¥‬م ويستفاد من صفاž*م‬
‫ومزاياهم‪ ،‬فقد قال الن´‹  ألشج عبد القيس‪ " :‬إن فيك خصلت>ن يح©*ما ﷲ ورسوله‪:‬‬
‫الحلم ؤالاناة")‪ .(300‬وقد يكون م‪*w‬م ٔالاحمق املطاع ومثل هذا يتقى شرﻩ وتستل سخيمة‬
‫صدرﻩ ب‪‹ºÜ‬ء من املداراة والل>ن من غ>‪ x‬مداهنة أو وصفه بما ليس فيه‪ .‬ويشهد لهذا ما رواﻩ‬
‫ً‬
‫عروة عن عائشة" أن رجال استأذن ع‪C‬ى الن´‹  فلما رآﻩ قال ‪ :‬بئس أخو العش>‪x‬ة‪ ،‬أو ابن‬

‫ ‪. 2003/4 67! L‬‬ ‫)‪(299‬‬


‫;‪.192/1($ < = ) 67! 6 !@ 89 :‬‬ ‫)‪(300‬‬

‫‪119‬‬
‫العش>‪x‬ة‪ ،‬فلما جلس تطلق الن´‹  ‪N‬ي وجهه وانبسط إليه‪ ،‬فلما انطلق الرجل قالت له‬
‫عائشة‪ :‬يا رسول ﷲ‪ ،‬ح>ن رأيت الرجل قلت كذا وكذا‪ ،‬ثم تطلقت ‪N‬ي وجهه وانبسطت‬
‫ً‬
‫إليه‪ ،‬فقال رسول ﷲ ‪ :‬يا عائشة‪ ،‬م‪ HI‬عهدت‪ ‹¢‬فاحشا‪ ،‬إن شر الناس عند ﷲ م‪ÌÞ‬لة يوم‬
‫القيامة من تركه الناس اتقاء شرﻩ")‪.(301‬‬
‫وهذا الرجل هو عيينة بن حصن الفزاري‪ ،‬وقد وصفه الن´‹  أنه " أحمق مطاع" وذلك‬
‫عندما جاء إ"ى الن´‹  وعندﻩ عائشة ـ وكان ذلك قبل الحجاب ـ فقال ‪ :‬من هذﻩ ؟ قال‪ :‬أم‬
‫املؤمن>ن ‪ ،‬قال‪ :‬الا أنزل لك عن أجمل م‪*w‬ا‪ ،‬فغضبت عائشة‪ ،‬وقالت ‪ :‬من هذا؟ قال ‪ :‬هذا‬
‫أحمق)‪.(302‬‬
‫وإكرام هؤالء الوجهاء إكرام ألقوامهم‪ ،‬وينعكس هذا ٕالاكرام ع‪C‬ى الدعوة والدعاة‪ .‬وإذا‬
‫تعرض أحدهم ألزمة ما فإن ع‪C‬ى الداعية أن يقيل ع¨‪x‬ته وأن يرحمه ‪N‬ي موقف الذل‪ ،‬بذلك‬
‫أمر الن´‹  عندما قال‪ " :‬أقيلوا ذوي الهيئات ع¨‪x‬اž*م")‪.(303‬‬
‫‪ -10‬الس‪è‬ي ‪N‬ي حوائج الناس وحل مشكالž*م‪:‬‬
‫والداعية الناجح يس‪è‬ى ‪N‬ي حوائج الناس‪ ،‬ويحمل ع‪*w‬م همومهم‪ ،‬ويشاركهم ‪N‬ي آالمهم‬
‫ً‬
‫وأفراحهم‪ ،‬ويعي‪*w‬م ع‪C‬ى نوائب الحق‪ .‬فهو ال يدخر وسعا ‪N‬ي تقديم كل عون ممكن لهم‪،‬‬
‫ً‬
‫وهذا ما وصف به رسول ﷲ  يوم أن ذهب يرجف فؤادﻩ إ"ى خديجة‪ ،‬فقالت له‪":‬كال‬
‫َ‬ ‫ً‬
‫وﷲ ما يخزيك ﷲ أبدا‪ ،‬إنك لتصل الرحم‪ ،‬وتحمل الك َل‪ ،‬وتكسب املعدوم‪ ،‬وتقري‬
‫الضيف‪ ،‬وتع>ن ع‪C‬ى نوائب الحق")‪.(304‬‬
‫ً‬
‫قال ابن حجر‪ " :‬استدلت ع‪C‬ى ما أقسمت عليه من نفي ذلك أبدا بأمر استقرائي‪ ،‬وصفته‬
‫بأصول مكارم ٔالاخالق؛ ألن ٕالاحسان إما إ"ى ٔالاقارب‪ ،‬أو إ"ى ٔالاجانب‪ ،‬وإما بالبدن‪ ،‬أو باملال‪،‬‬
‫وإما ع‪C‬ى من يستقل بأمرﻩ‪ ،‬أو من ال يستقل ‪ ،‬وذلك كله مجموع فيما وصفته به")‪،(305‬‬
‫ً‬
‫وكذلك فقد وصف ابن الدغنة أبا بكر عندما خرج مهاجرا ‪ ،‬فقال له‪ ":‬فوﷲ‪ ،‬إنك ل™‪Ì‬ين‬
‫العش>‪x‬ة‪ ،‬وتع>ن ع‪C‬ى النوائب‪ ،‬وتفعل املعروف ‪ ،‬وتكسب املعدوم‪ ،‬ارجع فأنت ‪N‬ي‬

‫;‪.452/10 (  >5 /! )  : 89 :‬‬ ‫)‪(301‬‬


‫‪.452/1 (  $! / D  /! )   >5‬‬ ‫)‪(302‬‬
‫!‪.181/6 !?; 6 !@ $‬‬ ‫)‪(303‬‬
‫‪.22/1 (   >5 /! )  :‬‬ ‫)‪(304‬‬
‫‪.24/1   >5‬‬ ‫)‪(305‬‬

‫‪120‬‬
‫جواري")‪ .(306‬وهذﻩ الحادثة تب>ن لنا بصورة جلية كيف يكون الداعية مع الناس ‪ ،‬وكيف‬
‫يجد الداعية تقدير الناس ‪N‬ي ٔالازمات وامللمات‪.‬‬
‫ُ‬
‫والداعية ال يمل من فعل الخ>‪ ،x‬ويبذل ‪N‬ي سبيل ذلك قصارى جهدﻩ‪ ،‬ويشتد ساقه مع‬
‫ً‬
‫امللهوف‪ ،‬ويجيب من يستنصرﻩ ويستصرخه‪ ،‬وخالفا ملا يعتقدﻩ بعض الناس من أن‬
‫التدخل ‪N‬ي شئون الناس لحل خصوماž*م شغل بما ال يع‪ ‹¢‬فإن الن´‹  قد جعل العدل‬
‫ب>ن الاثن>ن صدقة وإغاثة امللهوف صدقة فقال ‪" :‬كل ُسالمى من الناس عليه صدقة‪ ،‬كل‬
‫يوم تطلع فيه الشمس‪ ،‬تعدل ب>ن اثن>ن صدقة‪ ،‬والكلمة الطيبة صدقة")‪ .(307‬و‪N‬ي رواية‬
‫أخرى‪ " :‬ع‪C‬ى كل مسلم صدقة‪ ،‬قالوا ‪ :‬فإن لم يجد؟ قال ‪ :‬فيعمل بيدﻩ فينفع نفسه‬
‫ويتصدق‪ ،‬قالوا ‪ :‬فإن لم يستطع أو لم يفعل‪ ،‬قال‪ :‬يع>ن ذا الحاجة امللهوف")‪.(308‬‬
‫والداعية الناجح ال يبخل ع‪C‬ى أحد ببذل شفاعته ووساطته‪ ،‬فإذا طلب إليه أحد الناس أن‬
‫ً‬
‫يس‪è‬ى معه وأن يع‪ xy‬له عن حاجته سار مسرعا إ"ى ذلك‪ .‬والشفاعة سنة محمودة س‪*w‬ا الن´‹‬
‫إ"ي ولتؤجروا وليقض ﷲ ع‪C‬ى لسان نبيه ما شاء "‪ .‬وهذﻩ‬ ‫ عندما قال ‪ " :‬اشفعوا ﱠ‬
‫الشفاعة ال تبدل الحقوق وال تسقط الواجبات‪ ،‬وإنما توصل الحق إ"ى صاحب الحق ويعود‬
‫خ>‪x‬ها ع‪C‬ى كل حال ع‪C‬ى الدعوة والداعية‪.‬‬

‫صناعة القيادات الجماه>‪x‬ية‪:‬‬


‫وينب‪ó‬ي أن ال تكون الدعوة زاهدة ‪N‬ي قيادة الجماه>‪x‬؛ ألن هذا الزهد يدفع غ>‪x‬ها إ"ى قيادة‬
‫ً‬
‫الجماه>‪ x‬وتوج‪*j‬ها‪ ،‬وينب‪ó‬ي أن ال تكون بعض سلبيات العمل الجماه>‪x‬ي سببا ‪N‬ي نسيان‬
‫إيجابياته الكث>‪x‬ة‪ ،‬فقد يرد من ب>ن سلبياته ما يتعرض له القائد من الغرور وحب الجاﻩ‬
‫والفردية واحتمال تكوين املحاور مما يربط ٔالافراد بالشخص ال بالفكرة‪ ،‬وجميع هذﻩ‬
‫السلبيات احتمالية أمام ما يمكن تحقيقه بعون ﷲ من نصر لدعوة ﷲ عن طريق هذﻩ‬
‫القيادات‪.‬‬
‫ولتكوين القيادات الجماه>‪x‬ية ال بأس من مراعاة الوسط الاجتما‪µ‬ي باختيار العناصر‬
‫املرشحة للقيادة من الدعاة ذوي املكانة الاجتماعية العائلية أو العلمية أو املالية إذا أمكن؛‬

‫)‪(306‬‬
‫)‪(307‬‬
‫)‪(308‬‬

‫‪121‬‬
‫ألن العائلة والرتبة واملال ]ي مرتكزات القيادة ‪N‬ي العالم املعاصر ‪ ،‬وستبقى هذﻩ املرتكزات‬
‫معت‪xy‬ة تشد الناس إل‪*j‬ا إ"ى أن ‪*+‬يمن ٕالاسالم ع‪C‬ى املجتمع ‪N‬ي العقيدة والسلوك والنظم‪،‬‬
‫والناس معادن خيارهم ‪N‬ي الجاهلية خيارهم ‪N‬ي ٕالاسالم إذا فقهوا‪.‬‬
‫وللقيادة تكاليفها الكث>‪x‬ة ومن يرشح لهذﻩ املهمة البد أن يعان عل‪*j‬ا ليقوم بمطال©*ا سواء‬
‫كانت هذﻩ املطالب معنوية ‪ ،‬أو مادية ‪ ،‬أما املعنوية فأن يحيطه إخوانه ب‪‹ºÜ‬ء من العناية‬
‫والاهتمام للفت أنظار الناس إ"ى مكانته ‪ ،‬وأن يذكروﻩ بالخ>‪ x‬وٕالاجالل والتوق>‪ ،x‬وأما املادية‬
‫فالتوسعة عليه ‪N‬ي دارﻩ ومعيشته وتحمل املغارم عنه‪.‬‬
‫والبد من تربية واعية لهذﻩ القيادات بأن تدرس الرأي العام وصناعته ومكوناته‪ ،‬وتتعرف‬
‫ع‪C‬ى علم نفس الجهور‪ ،‬والتيارات السائدة ‪N‬ي املجتمع‪ ،‬وأن تتعلم الكث>‪ x‬عن عادات املجتمع‬
‫وأعرافه‪ ،‬وأن تطلع ع‪C‬ى ٔالانظمة والقوان>ن بقر يجعل حرك‪*¥‬ا الاجتماعية واعية‪ ،‬ألن هذﻩ‬
‫القيادات تتعامل مع ٔالاجهزة املختلفة‪.‬‬
‫القيادات الجماه>‪x‬ية قيادات متخصصة ‪:‬‬
‫وال يتحقق كل ما سبق إال إذا كانت القيادات الجماه>‪x‬ية متخصصة ‪N‬ي ميدا‪*°‬ا بأن تكون‬
‫وظيفة القيادة الاجتماعية غ>‪ x‬الوظيفة ال™‪x‬بوية والتنظيمية ‪ .‬ونحن نعيش ‪N‬ي زمن‬
‫التخصص القائم ع‪C‬ى اتساع ميادين املعرفة وع‪C‬ى تعقيد شئون الحياة‪ ،‬فالعمل الاجتما‪µ‬ي‬
‫له ميادينه وتدريباته‪ ،‬والعمل ال™‪x‬بوي له ميادينه وتدريباته‪ ،‬وكذلك العمل التنظيم‹‪،‬‬
‫فالقائد الجماه>‪x‬ي يعيش ب>ن الجماه>‪ x‬ويق‪ ‹ºÁ‬ليله و‪*°‬ارﻩ ‪N‬ي حل مشكالž*م والتعرف‬
‫عل‪*j‬م‪ .‬وعندما يقوم املربي أو املنظم ‪*o‬ذا العمل فسيكون إما ع‪C‬ى حساب ال™‪x‬بية أو‬
‫التنظيم‪.‬‬
‫ضرورة العمل النقابي‪:‬‬
‫وقد أصبحت النقابات املهنية مراكز ثقل اجتما‪µ‬ي ‪ ،‬وتدخلت هذﻩ النقابات ‪N‬ي كث>‪ x‬من بالد‬
‫العالم ‪N‬ي اختيار ال‪xy‬امج السياسية والاقتصادية‪ ،‬وأثرت ‪N‬ي امليادين التشريعية‪ ،‬وتكونت‬
‫النقابات ‪N‬ي بالد العالم ٕالاسالمي وسيطر عل‪*j‬ا ‪N‬ي باية نشأž*ا أصحاب املذاهب الهدامة‬
‫ؤالافكار املستوردة ‪ ،‬وذلك لبعد العنصر ٕالاسالمي املتحرك ع‪*w‬ا ‪ ،‬وكان الظن السائد أن‬
‫العمل النقابي ال يمكن أن ينسجم مع ٕالاسالم‪ ،‬أو أنه صورة من صور ال™‪x‬قيع للواقع‪ .‬ولكن‬
‫تب>ن خطأ هذا الظن عندما قامت أنظمة ودول من خالل هذا العمل النقابي ‪ ،‬وذاق‬
‫ً‬
‫املسلمون ـ أحيانا ـ ع‪C‬ى أيدي هذﻩ النقابات الويالت ‪ ،‬والنقابات تشكل بمجموعها قوة‬

‫‪122‬‬
‫اجتماعية جماه>‪x‬ية‪ ،‬إن لم تكن للدعوة ف·‹ عل‪*j‬ا‪ .‬وإن لم تجد من يأخذها ‪N‬ي طريق‬
‫الهداية فستؤخذ ‪N‬ي طريق الضالل وٕالاضالل‪.‬‬
‫أما القول بأن العمل النقابي ال ينسجم مع عقيدة ٕالاسالم وشريعته فهذا قول مردود؛ ألن‬
‫املجتمع املسلم عرف مثل هذﻩ التجمعات النقابية ‪ ،‬وما زال لقب شيخ النجارين وشيخ‬
‫ً‬
‫الحدادين معروفا ‪N‬ي بعض البالد ٕالاسالمية‪ ،‬وقد نظم املسلمون أصحاب كل فئة بطريقة‬
‫تحدد حقوقهم وواجباž*م‪ .‬وإذا كانت القوان>ن ؤالانظمة النقابية ال تنسجم مع ٕالاسالم فهذا‬
‫ألن املتنفذين ‪N‬ي النقابات صاغوا أنظم‪*¥‬ا وفق مباد•*م وأفكارهم‪ .‬واملسلم مطالب بالعمل‬
‫ع‪C‬ى تغي>‪ x‬كل قانون يتعارض مع قانون ٕالاسالم وشريعته‪.‬‬
‫ﱠ‬
‫وأما القول بأن العمل النقابي صورة من صور ال™‪x‬قيع‪ ،‬فغ>‪ُ x‬م َسلم ألن تكوين املجتمع‬
‫املسلم ال يأتي من الفراغ وال يأتي من فوق‪ ،‬بل يتكون املجتمع من خالل اتجاﻩ أفرادﻩ‬
‫وتجمعاته‪.‬‬
‫ً‬
‫وإذا كان اتجاﻩ ٔالافراد والجماعات مخالفا لالتجاﻩ ٕالاسالمي فإن املحصلة مجتمع ال‬
‫إسالمي‪ ،‬وإذا كان اتجاﻩ ٔالافراد والجماعات ‪N‬ي املسار ٕالاسالمي فاملحصلة مجتمع مسلم‪ .‬ولو‬
‫قبلنا قول دعاة ٕالاصالح الجذري الذين ينتظرون قوة سحرية خارجية تغ>‪ x‬كل ‪‹ºà‬ء لعاش‬
‫املسلمون ‪N‬ي مآس فكرية وسلوكية أك‪ xy‬بكث>‪ x‬مما يجدونه ‪ .‬وما دامت الحياة ال تتوقف بل‬
‫ً‬ ‫ً‬
‫]ي سائرة والبد أن يعيش املسلم ف‪*j‬ا واقعا معينا فإن عليه أن ُيدخل ‪N‬ي الواقع ما يستطيع‬
‫ً‬
‫من نظم ٕالاسالم وأحكامه‪ ،‬فإذا قصر ‪N‬ي بعض ٔالامور انتظارا للكل فهو آثم‪ ،‬ويكون قد‬
‫أعطى بعض ٔالاحكام املخالفة إذن وجودها وهو قادر ع‪C‬ى إزال‪*¥‬ا‪ .‬وال يقول عاقل ب™‪x‬ك نقابة‬
‫ما أل‪*°‬ا تتعامل بالربا؛ بحجة أن العمل ع‪C‬ى إزالة الربا ترقيع ال تزول بإزالته جميع‬
‫املخالفات‪ .‬وإذا استطاع مسلم أن يكون له نفوذ ‪N‬ي نقابة فيحارب موائد الخمر أو أبواق‬
‫الدعاية لألفكار ٕالالحادية والعلمانية ‪ ،‬ثم تخلف عن هذا فهو غاش هلل تعا"ى ولرسوله ‬
‫ولجماعة املسلم>ن‪.‬‬

‫‪Proofed dan aturhuruf oleh KITA (Bru) Publication, B.D.S, © 2010‬‬

‫‪123‬‬