You are on page 1of 24

‫الخطاب السلمي بين القواطع والجتهاد‬

‫معالي الشيخ‪ /‬عبدال بن الشيخ المحفوظ بن بيّـه‬

‫‪-‬ورقة مقدمة لمؤتمر رابطة العالم السلمي "الخطاب السلمي وإشكاليات العصر" المنعقد‬
‫بمكة المكرمة ‪7/12/1428-5‬هـ‬

‫بسم ال الرحمن الرحيم‬


‫الحمد ل والصلة والسلم على سيدنا رسول ال وعلى آله وصحبه‬

‫الخطاب السلمي بين القواطع والجتهاد‬

‫الخطاب هو‪ :‬فعال مصدر من خاطبه خطابا ومخاطبة‪ .‬وهو يعني كلما موجها إلى طرف‬
‫آخر‪ .‬قال تعالى‪ (:‬وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلما) ( ول تخاطبني في الذين ظلموا)‬
‫( وآتيناه الحكمة وفصل الخطاب)‬

‫‪1‬‬
‫والخطاب عند الصوليين حسب عبارة الزركشي في البحر المحيط عرفه المتقدمون بأنه كلم‬
‫المقصود به إفهام من هو متهيئ للفهم‪ .‬وعرفه قوم بأنه ‪ :‬ما يقصد به الفهام فهو أعم من أن‬
‫يكون ما قصد افهامه متهيئا أم ل"‪.‬‬
‫وهو في الصطلح الغربي‪ :‬شرح شفوي يتعلق بموضوع معين يوجه إلى الجمهور وهو‬
‫عبارة عن مجموعة المظاهر القولية والمكتوبة التي تمثل إيديولوجية‪.‬‬
‫وقد ينقسم إلى مستويات كثيرة هي عند فوكو خطاب متغيير وخطاب ثابت فالول هو خطاب‬
‫الناس اليومي المعتاد الذي يفنى وينقضي بانقضاء زمنه والثاني هو خطاب يتردد في حياة‬
‫الناس ول ينقضى كالخطاب الوارد في الكتب المقدسة‪.‬‬
‫كما عبروا عن مستويات الخطاب بأنها ترجع إلى موضوعاته ومصادره وفحواه ومحتواه فمنه‬
‫الخطاب الديني والخطاب الفلسفي والخطاب الخلقي والخطاب القانوني والتاريخي والخطاب‬
‫الجتماعي السياسي إلى غير ذلك من أنواع الخطاب‪.‬‬
‫والخطاب السلمي بالنظر لشموله يحتوي كل هذه المناحى باعتبار عموم مفهوم الدين‬
‫وكونيته التي تلج كل مجالت الحياة ليس بالمعنى الضيق الكنسي للدين الذي يقابل العقل ولكن‬
‫بالمعنى الواسع الفسيح الذي يجعل كل نشاط إنساني وجداني أو عقلي أو سلوكي بمختلف‬
‫تعبيراته النافعة موزونا بميزان القيم ومصالح العباد من الدين‪.‬‬
‫وحيث إن البحث يتعلق بالخطاب السلمي في جوهره في قواطعه واجتهادياته في ثوابته‬
‫ومتغيراته فينبغي أن نقرر أن الخطاب السلمي مبني في أصله على خطاب ال تعالى لعباده‬
‫فهو تقديم لمضمون الخطاب اللهي إلى البشرية سواء تعلق بالكليات أو الجزئيات أو بالشكل‬
‫أو الساس أو بالوسائل أو بالمقاصد‪.‬‬
‫وهنا تكون القواطع والجتهادات الظنية‪.‬‬
‫ومعلوم أن خطاب ال تعالى للعباد ينقسم إلى نوعين خطاب إخباري يجب اليمان بمقتضاه‬
‫كاخباره عن ذاته وصفاته وعن الكون من سموات وأرض وملئكة وجن وعن الخرة وما‬
‫فيها من جنان ونيران وحساب وميزان وثواب وعقاب‪ .‬وخطاب يتعلق بأفعال المكلفين من‬
‫حيث إنهم به مكلفون فهذا هو الذي يسمى بالحكم وينقسم إلى خطاب تكليف وخطاب وضع‬
‫لنه إما أن يكون طلبا أو تخييرا أو وضعا على التفصيل المعروف عند الصوليين‪.‬‬
‫فالقواطع من الخطاب سواء تعلق المر بالخبار أو الحكام هي ما كان دليلها قطعيا وغير‬
‫القواطع هي ما بني على اجتهادات وظنيات‪.‬‬
‫يقول الصفهاني في شرح المحصول‪ :‬من الحكام ما يثبت بأدلة حصل العلم بمقتضاها وذلك‬
‫في الحكام الثابتة بنصوص احتفت بقرائن تدفع الحتمالت المتعارضة عنها بانحصار تعيين‬
‫المدلول في واحد‪ .‬ومنها ما ثبت بأخبار آحاد أو نصوص لم تعتضد بما يدفع الحتمالت فتلك‬

‫‪2‬‬
‫الحكام مظنونة ل معلومة‪ ،‬قال‪ :‬هذا هو الحق الذي ل يأتيه الباطل من بين يديه ول من‬
‫خلفه‪.‬‬
‫وذلك بسبب انقسام الطرق إلى الدلة والمارات‪.‬‬
‫ويرى ابن دقيق العيد أن الحكام تنقسم إلى متواترات وهي مقطوع بها وإلى ما ليس كذلك‪.‬‬
‫والحق انقسام الحكم إلى قطعي وظني وممن صرح بذلك من القدمين الشيخ أبو إسحاق‬
‫الشيرازي في كتاب "الحدود" وابن السمعاني في "القواطع"‪ (.‬الزركشي البحر المحيط ‪) /1‬‬
‫ولشرح ما أشار إليه الصفهاني من كون القواطع تنشئو عن أدلة يحصل بها القطع‪.‬‬
‫فلبد من لمحة هنا عن الدلة القطعية التي إذا ثبت خطاب أو حكم بها يكون قاطعا‪ ،‬إن الدلة‬
‫القطعية من حيث الدللة هي نصوص من الشارع كتابا أوسنة ل تحتمل التأويل ومن حيث‬
‫الثبوت قطعية الورد ل نها في القرآن الكريم بين دفتي المصحف أو في متواتر الحديث على‬
‫الختلف المعروف في حده أو الجماع النطقي المستند إلى دليل ويشترط في الجميع الخلو‬
‫عن المعارض القوي الذي ينهض حجة‪.‬‬
‫وهناك ما هو قريب من القطعي كالمستفيض إذا رواه أربعة فما فوق أو اشتهر ‪ ،‬وكخبر‬
‫الحاد السالم من العلل المروي في الصحيحين عند بعض العلماء وقد ندد إمام الحرمين في‬
‫البرهان بقائل ذلك في خبر الحاد ببداهة احتمال الخطأ على رواية العدل‪.‬‬
‫وكالعام المتكرر عند الشاطبي وكالكلي المستفاد معناه من معقول النصوص المشهود له‬
‫بتفاريق الدلة وبشتى القرائن الحافة والجماع السكوتي على خلف مع الخلو من المعارض‬
‫وكذلك قياس الولى أو المساوي إذا كان مستند الصل قطعيا‬
‫شرط وفي القطع إلى القطع انتمى‬ ‫وجود جامع به متمما‬

‫بهذه المقدمة يراد إثبات نوعين من الخطاب ل ترجع إلى القسمة المعهودة للخطاب بين خطاب‬
‫تكليفي وخطاب وضعي‪ ،‬وإنما ترجع إلى مرتبة الدليل ودرجته قوة وضعفا ووضوحا‬
‫وغموضا تواترا أو انفرادا شيوعا واستفاضة أو خمولً وزمانة‪.‬‬
‫ل يرفعه من درجة العمل‬
‫فيكسب الدليل القوي المتواتر الواضح مدلوله قوة وقبولً وشمو ً‬
‫بمقتضاه إلى مكانة تحتم العتقاد بمحتواه وذلك ما علم من الدين ضرورة‪.‬‬
‫وهذه هي القواطع التي تمثل أساس بناء هذا الدين ومرتكزاته ودعائمه‪.‬‬
‫فالساس هو اليمان وما يجري مجراه وما يتعلق بمقتضياته‪.‬‬
‫أما الدعائم فهي تلك الركان التي ترفع سقف الدين فهي برهان اليمان وتتفاوت بعد الساس‬
‫والدعائم مشمولت البناء التي تمثلها أحكام الشريعة الغراء حيث تتشكل منظومة كاملة وشاملة‬

‫‪3‬‬
‫لمناحي الحياة موزرعة في مختلف المهمات وموجهة إلى مختلف المرامي والغايات‪ ،‬متناغمة‬
‫في اختلفها متجانسة في تنوع أهدافها‪.‬‬
‫فقواطع الخطاب السلمي إنما هي تذكير دائم بالساسيات القطعية في السلم اعتقادا وسلوكا‬
‫ومعاملة‪.‬‬
‫قد ل تكون هناك ضرورة لذكر الدلة من الكتاب والسنة وأقوال الئمة المعروفة والمتداولة‬
‫في مختلف المصادر وإنما التذكير بكبريات قضايا هذا الدين الذي يقوم على التوحيد‬
‫ومقتضياته والنبوة ولوازمها وتكريم النسان وتكليفه والمحافظة على ضرورات ليجاد توازن‬
‫بين الدنيا والخرة وبين الروح والجسد‪.‬‬
‫إيمان بعالم الغيب ل يلغي عالم الشهادة الذي يقوم دليل وبرهانا على عالم الغيب ومعبرا إليه‬
‫(فل أقسم بما تبصرون وما ل تبصرون)‬
‫( إن في خلق السموات والرض)‬

‫القواطع الكبرى‬
‫تمهيد‪ :‬إن معظم القواطع كانت في القرآن المكي فيما يتعلق بالصول العقدية‪ ،‬قال الشاطبي‪:‬‬
‫وغالب المكي أنه مقرر لثلثة معان‪ ،‬أصلها معنى واحد وهو الدعاء إلى عبادة ال تعالى‪:‬‬
‫أحدها‪ :‬تقرير الوحدانية ل الواحد الحق‪ ،‬غير أنه يأتي على وجوه؛ كنفي الشريك بإطلق‪ ،‬أو‬
‫نفيه بقيد ما ادعاه الكفار في وقائع مختلفة من كونه مقربا إلى ال زلفى أو كونه ولدا أو غير‬
‫ذلك من أنواع الدعاوى الفاسدة‪.‬‬
‫والثاني تقرير النبوة للنبي محمد وأنه رسول ال إليهم جميعا صادق فيما جاء به من عند ال‬
‫إل أنه وارد على وجوه أيضا كإثبات كونه رسول حقا ونفي ما ادعوه عليه من أنه كاذب أو‬
‫ساحر أو مجنون أو يعلمه بشر أو ما أشبه ذلك من كفرهم وعنادهم‪.‬‬
‫والثالث إثبات أمر البعث والدار الخرة وأنه حق ل ريب فيه بالدلة الواضحة والرد على من‬
‫أنكر ذلك بكل وجه يمكن الكافر إنكاره به فرد بكل وجه يلزم الحجة ويبكت الخصم ويوضح‬
‫المر‪.‬‬

‫‪4‬‬
‫فهذه المعانى الثلثة هي التي اشتمل عليها المنزل من القرآن بمكة في عامة المر وما ظهر‬
‫ببادي الرأي خروجه عنها فراجع إليها في محصول المر ويتبع ذلك الترغيب والترهيب‬
‫والمثال والقصص وذكر الجنة والنار ووصف يوم القيامة وأشباه ذلك"‪.‬‬
‫وطبق ذلك الشاطبي على سورة المؤمنين قائل إنها‪ " :‬افتتحت بثلث جمل‪:‬‬
‫إحداها وهي الكد في المقام بيان الوصاف المكتسبة للعبد التى إذا اتصف بها رفعة ال‬
‫وأكرمه وذلك قوله قد أفلح المؤمنون إلى قوله هم فيها خالدون‪.‬‬
‫والثانية بيان أصل التكوين للنسان وتطويره الذى حصل له جاريا على مجارى العتبار‬
‫والختيار بحيث ل يجد الطاعن إلى الطعن على من هذا حاله سبيل‪.‬‬
‫والثالثة بيان وجوه المداد له من خارج بما يليق به في التربية والرفق والعانة على إقامة‬
‫الحياة وأن ذلك له بتسخير السموات والرض وما بينهما وكفى بهذا تشريفا وتكريماً‪(.‬‬
‫الموافقات ‪)3/416‬‬
‫مما تقدم ومن قوله تعالى‪ (:‬الرحمن علم القرآن خلق النسان) نتحدث عن ثلث قواطع‪:‬‬
‫الرحمن( اللوهية والتوحيد) القرآن( الرسالة والنبوة) النسان ( مناط الخطاب)‬
‫القاطع الول‪ :‬توحيد ال تعالى الخالص‬
‫وما يتعلق به من قدرة وقدر وعلم ورحمة ورزق وخلق ونفع وضر إلى آخر الصفات‪.‬‬
‫فالخطاب في هذا المجال على ثلثة مستويات‬
‫المستوى الول‪ :‬خطاب التوحيد الموجه إلي المسلمين وإنما يراد منه أن يتمسكوا بالتوحيد‬
‫الخالص الكامل طبقا لقوله تعالى( قل إن صلتي ونسكي ومحياي ومماتي ل رب العالمين ل‬
‫شريك له وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين) دون تشكيك في عقائد المسلمين ونواياهم‪.‬‬
‫وفي سياق هذا الخطاب تجب الشارة إلى شيئين هما ‪ :‬أن تكون دعوة التوحيد مقرونة‬
‫بالحسان الذي هو قرين اليمان مما يعني أن تكون التربية اليمانية الروحية الرامية إلى‬
‫تطهير النفوس والرتقاء بها في مدارج التوكل والرضا والزهد والحب حاضرة‪.‬‬
‫أما الشيء الثاني فهو‪ :‬العمل فاليمان قول وعمل ‪ ،‬عبادة ومعاملة فذلك أدنى إلى الهدي‬
‫النبوي وأنئ عن الجدل والمراء الذي ل يجدي فتيل‪.‬‬
‫المستوى الثاني‪ :‬الدعوة الموجهة إلى أتباع الديانات السماوية السابقة وهي تذكير لهم بما في‬
‫كتبهم ( قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء ‪ ....‬إلى قوله ‪ :‬أن ل نعبد إل ال ول نشرك‬
‫به شيء ول يتخذ بعضنا بعضا من دون ال )‬
‫( وقال المسيح يا بني إسرائيل أعبدوا ال ربي وربكم إنه من يشرك بال فقد حرم ال عليه‬
‫الجنة ومأويه النار)‬
‫( ما كان لبشر أن يأتيه ال الكتاب والحكم والنبوة ثم يقول للناس كونوا عبادا لي من دون ال)‬

‫‪5‬‬
‫إنه تذكير دائم بأن رسالة التوحيد هي رسالة كل النبياء وأنه عليه الصلة والسلم إنما هو‬
‫مكمل لسلسلة النبياء ومتمم لمكارم الخلق‪.‬‬
‫وبهذا الصدد تمكن الستعانة بما في كتبهم كقول عيسى عليه السلم في أنجيل مرقس ‪ :‬إن‬
‫أول الوصايا هي‪ :‬اسمع يا إسرائيل الرب إلهنا ربّ واحد‪ .‬وتحب إلهك من كل قلبك ومن كل‬
‫نفسك ومن كل فكرك ومن كل قدرتك هذه هي الوصية الولى‪ ).‬إلى غير ذلك من النصوص‬
‫الواردة في العهد القديم والجديد‪.‬‬
‫المستوى الثالث‪ :‬خطاب موجه إلى سائر الجناس واللدينين انطلقا من قوله( قل يأيها الناس‬
‫إني رسول ال إليكم جميعا الذي له ما في السموات والرض ل إله إل هو يحي ويميت) وهذا‬
‫الخطاب –وكل خطاب‪ -‬يجب أن يعتمد على المنطق والعلم والدلة الكونية والمنهج القرآني(‬
‫أم خلقوا من غير شيء أم هم الخالقون أم خلقوا السموات والرض )‬
‫لقد كان محمد بن أبي زيد القيرواني موفقا عندما قال في عقيدته ‪ :‬نبهه بآثار صنعته واعذر‬
‫إليه على ألسنة المرسلين‪."....‬‬
‫ومعنى كلمه أنه سبحانه وتعالى أقام على وجوده ووحدانيته دلئل من كونه الذي أبرز فيه‬
‫بالغ حكمته ودقيق صنعته ودليل عنايته وهي دلئل يتلقاها العقل المركب في النسان وكأنها‬
‫كلم ينطق وضوء يشرق فتنتبه الفطرة النسانية إلى التشوف للخالق‪.‬‬
‫فتتدخل العناية اللهية ببيان الوحي الناطق على ألسنة رسله الذين أيدهم باسمى آيات الصدق‬
‫فقامت في نفوسهم وفي نفوس من باشرهم معان اضطرارية بصدق أخبارهم وسطوع أنوارهم‬
‫فكان حديثهم عن الغيب كحال الشاهد الذي ل يتمارى أحد في صدقه يحدثك عن مدينة لم‬
‫ترها فتصدقه لما عرفت قبل ذلك وجربته من صدق لهجته‪.‬‬
‫واليمان بال يقتضى اليمان بدعائم السلم الكبرى المتواترة من صلة وزكاة وصيام وحج‬
‫إذ تلك قواطع معلومة من الدين ضرورة‪.‬‬
‫ولكل مستوى من هذه المستويات أسلوبه في الخطاب ووسائله‪.‬‬
‫وهو خطاب يرد كل الشبهات والمتشابهات إلى المحكمات ككون عيسى يبرئ الكمه‬
‫والبرص ويحي الموتى فإنه يرد إلى أصل التوحيد المحكم وهو أن كل ذلك بقدرة ال تعالى‬
‫وإذنه‪.‬‬
‫وهكذا فإن كرامات الولياء وخوارق العادات لهم أمر واقع ومقبول عند المسلمين لكنه مردود‬
‫إلى الصل الثابت وهو قدرة الباري فهو سبحانه جل وعل الخالق لذلك والمقدر له ( ليهلك‬
‫من هلك عن بينة ويحيا من حيي عن بينة)‬
‫القاطع الثاني‪ :‬النبوة ولوازمها‪.‬‬

‫‪6‬‬
‫وهذا القاطع الثاني يستلزم اليمان بظاهرة الوحي الذي هو إتصال إلهي بالنسان المصطفى‬
‫لطلعه على جملة من الحقائق وإبلغه برسالة إلى البشرية هي مراد الخالق من الخلق تبين‬
‫له أساسيات فوق سقف العقل إل أن العقل ل يحيلها فهو يعرفه على الخالق جل وعل وما‬
‫يجب في حقه جلت قدرته وعلى شرائعه وعلى أصل الكون ومصير البشرية وأحوال الخرة‬
‫والبعث والنشور‪.‬‬
‫بل إن العلماء الكونيين إنما يعرفون العلل الثانوية كما يقول اللودبيرنارد الفيزيولوجي الفرنسي‬
‫في القرن التاسع عشر‪.‬‬
‫تلك هي الحقائق الكبرى التي جاءت بها الرسل ‪ ،‬والسلم يؤكد أن رسالة الرسل هي في‬
‫جوهرها واحدة ( إنا أوحينا إليك كما أوحينا إلى نوح والنبيين من بعده‪)..‬‬
‫ورسالة الرسل تقوم عليها دلئل المعجزات "‪ :‬فعن أبي هريرة رضي ال عنه أن النبي صلى‬
‫ال عليه وسلم قال‪" :‬ما من نبي إل أعطي من اليات ما مثله آمن عليه البشر‪ ،‬وإنما كان الذي‬
‫أوتيته وحيًا أوحاه ال إليّ‪ ،‬فأرجو أن أكون أكثرهم تابعا يوم القيامةً"‪.‬‬
‫وأهم دليل على صدق النبي الخاتم صلى ال عليه وسلم القرآن الصادق الذي تضمن الرسالة‬
‫والدليل في نفس الوقت والدعوى والبينة فكان تحديا للبشرية بنظمه وبمعانيه وأخباره التي لم‬
‫يزدها الزمان إل جدة وصدقا فلم يأت أحد بقرآن يتلى ( إن هو إل وحي يوحى) محفوظ في‬
‫الصدور والسطور فلم تستطيع يد الدهر أن تسطو عليه فيخرج خب الضمائر وينفذ إلى خبايا‬
‫النفوس‪.‬‬
‫وهذا العجاز العلمي في هذا العصر دليل على أنه من عالم الغيب والشهادة‪.‬‬
‫ولقد أقام الباري جل وعل الدليل على النبوة في النسان نفسه ( وفي أنفسكم أفل تبصرون )‬
‫وذلك بواردات استشعار الحداث خارج السياق المعتاد لدراك الموجودات وذلك من خلل‬
‫الرّأي التي ل يتمارى أحد في وقوعها والتي تقدم الحداث مرموزة فتفسرها الوقائع أو يفك‬
‫شفرتها من له علم من الكتاب‪.‬‬
‫وأحيانا تقدم المشهد الذي سيكون كما هو فيكون ولقد نبه عليه الصلة والسلم على الرؤيا في‬
‫الحديث الصحيح الذي يرويه البخاري وغيره فيه ‪ :‬ان الرويا الصالحة جزء من ستة وأربعين‬
‫جزءا من النبوة"‪.‬‬
‫وقد اضطرب شراح الحديث في المراد بهذه التجزئة وفسرها بعضهم بفترة النبوية قبل الوحي‬
‫وسكت البعض الخر ويمكن أن تفسر – وال أعلم‪ -‬بأن الجزء يشير إلى أن النبوة تشتمل‬
‫على معان كثيرة وأن الرؤيا في كشفها للحقيقة الغيبية واستيعابها لها بوضوح تمثل هذا الجزء‬
‫الصغير من حالة انكشاف المغيبات والوضوح والصدق فهي مثال للطلع والصدق لكنه‬
‫ضعيف ل يرقى إلى الطلع الواضح للنبوة كما ليجب العتقاد به فقد يتطرق إليها الوهم‬

‫‪7‬‬
‫والخطإ والضبابية ما ل يتطرق إلى إنكشاف الحقائق في حالة النبوة ما لم تكن رؤيا نبي من‬
‫النبياء فإنها حق سواء كانت مرموزة كرؤيا إبراهيم إنه يذبح ولده فكانت ابتلء لتصدق على‬
‫كبش عظيم يكون سنة وقربة إلى ال تعالى في الغابرين ( وفدينه بذبح عظيم وتركنا عليه في‬
‫الخرين) أو رؤيا يوسف عليه السلم ( إني رأيت أحد عشر كوكبا والشمس والقمر رأيتهم لي‬
‫ساجدين) أو رؤيا دانيال من أنبياء بني اسرائيل التي لم يتأكد شراح أهل الكتاب من إدراك‬
‫حقيقتها‪.‬‬
‫أما رؤى نبينا عليه الصلة والسلم وهي التي بدأ بها الوحي فكان ل يرى رؤيا إل جاءت‬
‫كفلق الصبح‪.‬‬
‫وكثير من الرؤى من غير النبياء كانت صادقة وصحيحة كرؤيا ملك مصر الواردة في‬
‫القرآن الكريم التي فسرها يوسف عليه الصلة والسلم ( أني أرى سبع بقرات سمان يأكلهن‬
‫سبع عجاف وسبع سنبلت خضر وأخر يابسات)‬
‫ورؤيا الموبذان قبل مبعث النبي عليه الصلة والسلم رأى إبل صعابا تقود خيلً عرابا قد‬
‫قطعت دجلة وانتشرت في بلدهم‪.‬‬
‫ورؤيا الرئيس المريكي إبراهام لنكولن الذي رأى أنه قتل وسجل ذلك فكان كما رأى‪.‬‬
‫والكثير من الناس قد رأى أو سمع في نومه إنها شهادة للنبوة قائمة في النسان‪.‬‬
‫ومن مستلزمات النبوة العصمة التي تنافي الكذب والخطأ في البلغ مع وجوب العتقاد‬
‫والقتداء ( وما ينطق عن الهوى إن هو إل وحي إل يوحى)‬
‫وكذلك فإن من مستلزمات ذلك أن ل تكون العصمة لغير النبي إذ من شأن ذلك أن يوجد‬
‫مصدرا للوحي غير المصدر النبوي وهو مناف للعصمة الخاصة ومؤد إلى انتشار المصادر‪.‬‬
‫فمن العقائد أنه ل قول لحد مع قوله الثابت جزما الواضح دللة حتما‪ ،‬ولهذا فقد تبرأ الئمة‬
‫المقتدى بهم من مخالفة ما ثبت عنه عليه الصلة والسلم في عبارات قوية وحاسمة كتلك‬
‫الواردة عن مالك " كل كلم يأخذ منه ويرد إل كلم صاحب هذا القبر‪.‬‬
‫وكقول الشافعي‪ :‬إذا خالف قولي الحديث فاضربوا بقولي عرض الحائط‪ .‬وكقول أبي حنيفة‪:‬‬
‫إذا ثبت الحديث فهو مذهبي"‪ .‬وقول أحمد‪ :‬ضعيف الحديث أحب إلي من رأي الرجال"‪.‬‬
‫ومن مستلزمات النبوة ومكملت إبلغ الرسالة العتراف بمكانة أصحاب رسول ال صلى ال‬
‫عليه وسلم المبلغين لرسالته والمطبقين لوامره والمرآة المينة التي تتراءى من خللها صورة‬
‫الرسالة النبوية الشريفة‪.‬‬
‫ولهذا فإن أي دعوة ترمي إلى تجريح الصحابة حملة الرسالة وأمناء الوحي إنما هي في‬
‫حقيقتها وفي مئالتها تجريح في الرسالة يكاد يصل إلى التشكيك فيها‪ .‬ولهذا فإن تظافر‬
‫النصوص القرآنية والحديثية في الثناء على ذلك الرعيل في الجملة وفي التفصيل لخير دليل‬

‫‪8‬‬
‫على أن تعظيم جنابهم ورعاية حرمتهم والذب عن حريم حماهم بمكانة من الدين فلنقرأ قوله‬
‫تعالى( محمد رسول ال والذين آمنوا معه ‪ ...‬إلى قوله ‪ :‬ليغيظ بهم الكفار ‪)..‬‬
‫وقوله تعالى( كنتم خير أمة أخرجت للناس ) وقوله( فالذين آمنوا به وعزروه ونصره ‪)..‬‬
‫وقوله( للفقراء المهاجرين ‪ ..‬إلى قوله‪ :‬والذين جاءوا من بعدهم‪)...‬‬
‫ولنستمع لقوله عليه الصلة والسلم في الصحيح‪ :‬ل تسبوا أصحابي فلو أن أحدكم أنفق مثل‬
‫جبل أحد ما بلغ مدّ أحدهم ول نصيفه"‪.‬‬
‫وعن أبي بردة قال صلّينا المغرب مع رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ثم قُلنا لو جلسنا حتى‬
‫نُصلّي معه العشاء قال فجلسنا فخرج علينا فقال ما زلتم هاهنا قلنا يا رسول اللّه صلّينا معك‬
‫المغرب ثم قلنا نجلس حتى نُصلِي معك العشاء قال أحسنتم أو أصبتم قال فرفع رأسه إلى‬
‫السماء وكان كثيرًا ما يرفع رأسه إلى السماء فقال النجوم أمنة للسماء فإذا ذهبت النجوم أتى‬
‫صحَابِي َأ َمنَ ٌة ِلُأ ّمتِي‬
‫عدُونَ وََأ ْ‬
‫صحَابِي مَا يُو َ‬
‫ت َأتَى َأ ْ‬
‫السماء ما توعد وأنا أمنة لصحابي فإذا ذَ َهبْ ُ‬
‫فإذا ذهب أصحابي أَتى ُأمّتي ما يُوعدون "‪.‬رواه مسلم‪.‬‬
‫وقوله‪ ::‬يأتي على الناس زمان يغزو فئام من الناس فيُقال لهم ‪ :‬فيكم من رأى رسول ال‬
‫صلى ال عليه وسلم ؟ فيقولون ‪ :‬نعم ‪ ،‬فيُفتح لهم ‪ ،‬ثم يغزو فئام من الناس‪ ،‬فيُقال لهم‪ :‬فيكم‬
‫من رأى من صحب رسول ال صلى ال عليه وسلم؟ فيقولون‪ :‬نعم ‪ ،‬فيُفتح لهم ‪ ،‬ثم يغزو فئام‬
‫صحِب رسول ال صلى ال عليه‬
‫صحِب َمنْ َ‬
‫من الناس‪ ،‬فيقال لهم‪ :‬هل فيكم من رأى َمنْ َ‬
‫وسلم ؟ فيقولون‪ :‬نعم ‪ ،‬فيفتح لهم ‪ .‬رواه البخاري ومسلم‪.‬‬
‫إلى ما ل يحصى‪.‬‬
‫ولهذا أجمع علماؤنا على تقديم أصحابه صلى ال عليه وسلم على غيرهم والكف عما شجر‬
‫بينهم رعاية لحرمة الرسول صلى ال عليه وسلم وحرمة الرسالة ونأيا بجانب الشريعة عن‬
‫الطعن بالضافة إلى أن لوك تاريخ يفرق المة وينشر التفرقة واللعن والسباب ل يفيد المة‬
‫في دينها ول في دنياها ول يرضى ال ورسوله ولهذا فيرد المتشابه إلى المحكم وبنفس المبدإ‬
‫فإن آل بيت رسول ال صلى ال عليه وسلم لهم عظيم الحرمة وجزيل الحترام ابناء وبنات‬
‫وزوجات فقد اذهب ال تعالى عنهم الرجس وجعل حبهم عنوان اليمان وطهارة النفس ( إنما‬
‫يريد ال ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا)‬
‫ولقد أحسن الطحاوي في قوله‪ :‬ومن أحسن القول في أصحاب رسول ال صلى ال عليه وسلم‬
‫وأزواجه الطاهرات من كل دنس وذرياته المقدسين من كل رجس فقد برئ من النفاق"‪.‬‬
‫وكل ما خالف هذا من المتشابهات فيرد إلى المحكمات‪.‬‬
‫ويجب تربية المة على أنه ل يوجد تناقض ول تناف بين حب آل بيت رسول ال صلى ال‬
‫عليه وسلم وحب الصحابة وأن المة المحمدية بريئة ممن ولغوا في دماء آل بيت رسول ال‬

‫‪9‬‬
‫صلى ال عليه وسلم وهم فئة قليلة عليها ما اكتسبت من الثم ( تلك أمة قد خلت لها ما كسبت‬
‫وعليها ما اكتسبت ول تسألون عما كانوا يعملون) وفي هذا المجال يكون الخطاب على‬
‫مستويات طبقا للمخاطبين‪.‬‬
‫القاطع الثالث النسان‬
‫النسان هو هذا المخلوق الذي تحير الفلسفة في وصفه فهو مادة وروح وعقل وعاطفة وعالم‬
‫الغيب والشهادة هذا النسان المكرم بالعلم وتسخير الكائنات ولعل ذلك ما تشير إليه آيتان‬
‫( ولقد كرمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثير‬
‫ممن خلقنا تفضيل) ( خلق النسان علمه البيان)‬
‫ويرجع النسان إلى آدم الذي خلقه ال تعالى ونفخ فيه من روحه وقد كان ذلك اجماع البشرية‬
‫وهو رأي الفلسفة وكل البشر إلى عهد داروين ولمارك ؛ حيث أصبح التمايز بين الجناس‬
‫موضوع مراجعة ‪ ،‬وأصبح البحث جاريًا عن أصل جديد للنسان بين البريمات التي يجمعها به‬
‫كمال السنان والقدرة على المشي على رجلين واستعمال اليدين ‪ ،‬وأصبحت اكتشافات الحفريات‬
‫والخيال تمثل مرجعيات لهذا الصل الذي لم يثبت علميّا ‪.‬‬

‫فنحن نؤمن بالوحي السماوي ‪ ،‬ونعتقد أنه الجهة المؤهلة بجدارة للتحدث عن أصل‬
‫النسان الذي هو من المقولت التي تقع فوق سقف الرؤية العقلية ‪.‬‬

‫ويقول البعض ‪ :‬إن طبيعة النسان ذات أوجه ثلث ‪:‬‬

‫‪-‬الوجه الغريزي البيولوجي كسائر الحيوانات ‪.‬‬

‫‪-‬الوجه الجتماعي فهو اجتماعي يمارس حياته ويتأثر بالمجتمع ‪.‬‬

‫‪-‬الوجه النساني ‪ ،‬الذي يطمح إلى الرقي وإلى ملكوت السماء ‪ ،‬ويتعرف على‬
‫الخالق ‪ ،‬ويتوق إلى عالم القيم والروحانيات ‪.‬‬

‫فهو مزيج من الجسم والروح ‪ ،‬وفي هذا المزيج تتمثل أوجه الطبيعة ‪ :‬الروح الشفافة ‪،‬‬
‫الرفافة ‪ ،‬والمادة الثقيلة وحاجاتها الضاغطة ‪.‬‬

‫(‪ ، )1‬وقد يتعجل‪:‬‬ ‫س َت ْغنَى‬


‫طغَى أَن رّ َآهُ ا ْ‬ ‫ن َل َي ْ‬
‫ل ْنسَا َ‬
‫ناِ‬
‫ولطبيعته المركبة قد يطغى ‪ :‬إِ ّ‬
‫(‪ )3‬فسرها‬ ‫ضعِيفًا‬‫ل ْنسَانُ َ‬ ‫عجَلٍ (‪ ، )2‬وقد يضعف ‪َ :‬وخُِلقَ ا ِ‬ ‫ن مِنْ َ‬
‫ل ْنسَا ُ‬
‫خُِلقَ ا ِ‬
‫ن خُِلقَ هَلُوعًا (‪. )4‬‬ ‫ل ْنسَا َ‬
‫ناِ‬
‫المفسرون بأنه ل يقاوم شهواته ‪ ،‬إِ ّ‬

‫إن الوحي يضع النسان أمام مرآة الحقيقة ليرى صورته بدون مجاملة ول محاباة ‪ ،‬فهو‬
‫العلق ‪. 7 - 6 :‬‬ ‫() سورة‬ ‫‪1‬‬

‫النبياء ‪. 37 :‬‬ ‫() سورة‬ ‫‪2‬‬

‫النساء ‪. 28 :‬‬ ‫() سورة‬ ‫‪3‬‬

‫المعارج ‪. 19 :‬‬ ‫() سورة‬ ‫‪4‬‬

‫‪10‬‬
‫كائن مميز بطبيعته الزدواجية المنسجمة وتركيبه النفسي الفريد في عالم ينسجم مع طبيعته‬
‫وحاجاته وتكوينه في تركيبه العجيب وترتيبه الغريب ‪ -‬سبحان الخالق ‪.-‬‬

‫ل فِي‬
‫ولذا كان مخلوقًا مميزًا سخر له الكون ‪ ،‬وكان ذلك مظهر الستخلف ‪ِ :‬إنّي جَاعِ ٌ‬
‫س َت ْعمَ َر ُكمْ فِيهَا (‪، )6‬‬
‫لرْضِ وَا ْ‬
‫شَأكُم مّنَ ا َ‬‫لرْضِ خَلِيفَةً (‪ ، )5‬والستعمار للرض ‪ :‬أَن َ‬ ‫اَ‬
‫لرْضَ‬‫ووضعت الرض مجهزة بمختلف الحتياجات لستقبال هذا الضيف النساني ‪ :‬وَا َ‬
‫صفِ وَال ّر ْيحَانُ (‪. )7‬‬ ‫ت ال ْكمَامِ وَا ْلحَبّ ذُو ا ْل َع ْ‬
‫ض َعهَا لِلنَامِ فِيهَا فَا ِكهَةٌ وَال ّنخْلُ ذَا ُ‬
‫َو َ‬

‫إن هذا الستخلف للنسان مثّل تشريفًا وتكليفًا أيضًا ‪ ،‬اقتضته حكمة الباري ‪ -‬جل وعل‬
‫‪ -‬ليحمل النسان مسؤولية الخلفة في الرض ‪ :‬أيشكر أم يكفر ؟ أيصلح أم يفسد ؟ وهكذا‬
‫كان النسان مخلوقًا مكرمًا ‪ ،‬وليس سيدًا مطلقًا ‪ ،‬وقد وصف الفيلسوف الفرنسي لمارك‬
‫النسان بأنه مشروع ال في الرض ‪.‬‬

‫إل أنه سبحانه وتعالى انطلقا من هذا التكريم ورحمة بالنسان ومتاعا له إلى حين‪.‬‬
‫أحاطه للمحافظة على كيانه وصيانة لوجوده بكليات تشريعية هي من الثوابت والقطعيات تتمثل‬
‫في حماية دينه ونفسه وعقله ونسله وماله‪.‬‬

‫وتبعا لذلك فهم العلماء مقصدا أعلى للشريعة الغراء أنها إنما جاءت لمصالح العباد حيث‬
‫عيّ ؛ ففيهِ حقّ للعبادِ إما عاجلً وإمّا آجلً ؛ بناء على أنّ‬
‫ل حُكمٍ شر ِ‬‫يقول الشاطبي‪ :‬كما أنّ ك ّ‬
‫ل إذَا عبدُوه‬
‫ح العبادِ‪ ،‬ولذلك قال في الحديث‪« :‬حقّ العبادِ علَى ا ِ‬
‫الشريع َة إنما وُضعتْ لمصال ِ‬
‫ل ُيعَذّبهم»‪.8‬‬
‫شرِكوا بهِ شيئا أ ّ‬
‫ولمْ ُي ْ‬
‫ويقول العز بن عبدالسلم‪ :‬معظم مصالح الدنيا ومفاسدها معروفة بالعقل وذلك معظم‬
‫الشرائع"‪.‬‬

‫ولهذا كانت حقوق النسان الكثيرة بإزاء واجباته خادمة لمصالحه في المعاش والمعاد‬
‫فعلى الخطاب السلمي في هذا القاطع أن ينبه على كبريات قضايا النسان وثوابت حقوقه‬
‫وأن يشارك الخرين في القيم النسانية النبيلة التي تسهم في التعايش البشري وإقامة العدل‬
‫ودرء المفاسد وجلب المصالح ومؤكدا على مصدر القيم والحقوق في السلم وهو الوحي‬
‫الذي جعل النسان مكرما وهذا هو المصدر المتعالى الذي كرم النسان وليس النسان منشئ‬
‫حقوق ول مصدر قيم باستقلله إنها مجالت مهمة يجب أن يلجها الخطاب السلمي‪.‬‬

‫() سورة البقرة ‪. 30 :‬‬ ‫‪5‬‬

‫() سورة هود ‪. 61 :‬‬ ‫‪6‬‬

‫() سورة الرحمن ‪. 12 - 10 :‬‬ ‫‪7‬‬

‫‪ - 8‬جزء من حديث أخرجه البخاري ف صحيحه "كتاب الهاد" وغيه‪ .‬ومسلم ف صحيحه "كتاب اليان"‪.‬‬

‫‪11‬‬
‫ثانيا‪ :‬الجتهاديات في الخطاب‪:‬‬
‫لقد قدمنا في المقدمة أن الخطاب ينقسم إلى قاطع وظني باعتبار الدليل والقرآئن الحافة فإذا‬
‫قوي الدليل إلى حد تحصيل العلم صار قاطعا وإذا ضعف نزل إلى مرتبة الظن وأحيانا إلى‬
‫مرتبة التخمين وقد قدمنا هناك صنفي الدلة الواردة على الحكام والتي مهدت لهذا التصنيف‬
‫ولهذا فسنعرف الجتهاد والمجتهد فيه‬
‫أما الظنيات فهي أخبار الحاد الصحيحة التي يجب العمل بها إذا خلت عن معارض إل أنها ل‬
‫تقيد العلم عند جمهور الصوليين خلفا للبعض‪ .‬قال‪:‬‬
‫ول يفيد العلم بالطلق لدى الجماهير من الحذاق‬
‫والظواهر ومفهوم المخالفة والقيسة والمصالح المرسلة وسد الذرائع والجماع السكوتي وقول‬
‫الصحابي‪....‬‬
‫التعريف وتحرير المصطلح‪ :‬عرف العلماء الجتهاد بأنه‪ :‬بذل الوسع من قبل المجتهد‬
‫للوصول إلى ظن أو قطع بأن حكم ال تعالى هو كذا‪.‬‬
‫قال الرازي‪ :‬وهو في اللغة عبارة عن استفراغ الوسع في أيّ فعل كان يقال‪ :‬استفرغ‬
‫وسعه في حمل الثقيل ول يقال‪ :‬استفرغ وسعه في حمل النواة‪.‬‬
‫وأما في عرف الفقهاء فهو‪ :‬استفراغ الوسع في النظر فيما ل يلحقه فيه لوم مع‬
‫استفراغ الوسع فيه‪.‬‬

‫‪12‬‬
‫وهذا سبيل مسائل الفروع ولذلك تسمى هذه المسائل مسائل الجتهاد والناظر فيها‬
‫مجتهد وليس هذا حال الصول"‪.9‬‬
‫قال‪ :‬الزركشي‪ :‬وهو لغة‪ :‬افتعال من الجهد وهو المشقة وهو الطاقة ويلزم من ذلك‬
‫أن يختص هذا السم بما فيه مشقة لتخرج عنه المور الضرورية التي تدرك ضرورة‬
‫من الشرع إذ ل مشقة في تحصيلها ول شك أنّ ذلك من الحكام الشرعية‪.‬‬
‫وفي الصطلح‪ :‬بذل الوسع في نيل حكم شرعيّ عملي بطريق الستنباط فقولنا‪:‬‬
‫"بذل" أي بحيث يحس من نفسه العجز عن مزيد طلبٍ حتى ل يقع لوم في التقصير‪.‬‬
‫وقال أبو بكر الرازيّ‪ :‬اسم الجتهاد يقع في الشّرع على ثلثة معانٍ‪:‬‬
‫أحدها‪ :‬القياس الشرعي لن العلة لما لم تكن موجبة الحكم لجواز وجودها خالية منه‬
‫لم يوجب ذلك العلم بالمطلوب فلذلك كان طريقه الجتهاد‪.‬‬
‫والثاني‪ :‬ما يغلب في الظن من غير علة كالجتهاد في المياه والوقت والقبلة وتقويم‬
‫المتلفات وجزاء الصيد ومهر المثل والمتعة والنفقة وغير ذلك‪.‬‬
‫والثالث‪ :‬الستدلل بالصول"‪.10‬‬
‫ومع تخصيص ولوج باب الجتهاد بالمجتهد مطلقا أو مقيدا فإن الفقيه المتبصر إذا‬
‫تمكن من ترتيب الدلة الجزئية على المقاصد الكلية وأحسن عملية التنزيل على الواقع‬
‫يكون أهل لتقديم الخطاب‪.‬‬
‫قال في مراقي السعود ‪:‬‬
‫ظَنّا بأنّ ذاكَ حَتْمُ مَثَل‬ ‫بَ ْذلُ الفَقِيهِ الوُسْعَ أن يُحصّل‬
‫فل بد من بذل الجهد و استفراغ الطاقة من الفقيه أما غير الفقيه المجتهد وهو المقلد‬
‫فاستفراغ طاقته ل يكون اجتهادا بالمعنى الخص‪.11‬‬
‫المجتهد فيه وهو كل حكم شرعي عملي أو علمي يقصد به العمل ليس فيه دليل قطعي فخرج‬
‫بالشرعي العقلي فالحق فيها واحد والمراد بالعمل ما هو كسب للمكلف إقداما وإحجاما‪.‬‬
‫وبالعملي ما تضمنه علم الصول من المظنونات التي يستند العمل إليها‪ .‬وقولنا‪ :‬ليس فيها دليل‬
‫قاطع –احترازا‪ -‬عما وجد فيه ذلك من الحكام فإنه إذا ظفر فيه بالدليل حرم الرجوع إلى‬
‫الظن‪.‬‬

‫‪4/513‬‬ ‫نفائس الصول ف شرح الحصول‬ ‫‪ - 9‬القراف‬


‫‪4/488‬‬ ‫البحر الحيط‬ ‫‪ - 10‬الزركشي‬
‫‪2/315‬‬ ‫نشر البنود‬ ‫‪ - 11‬سيدي عبدال‬

‫‪13‬‬
‫ومما يجرى هذا المجرى قول الحناف‪ :‬إن المجتهد فيه الذي يسوغ فيه الجتهاد هو‪ :‬ما لم‬
‫يخالف كتابا ول سنة مشهورة ول إجماعا‪ ،‬إذ لو خالف شيئا من ذلك في رأى المجتهد لم يكن‬
‫مجتهدا فيه حتى لو حكم به حاكم يراه ل ينفذ‪.12‬‬
‫قال في الفتح‪ :‬وعدم تسويغ الجتهاد لوجود الجماع أو النص الغير المحتمل بل معارضة‬
‫نص آخر في نظر المجتهد وإن كانت المعارضة ثابتة في الواقع‪.13‬‬
‫فالمعارضة المشار إليها في كلم صاحب الفتح يردها الحناف بأحد أمرين باحتمال ناشئ‬
‫عن الدللة‪ ،‬كما أن الحتمال قد يكون ناشئا عن الثبوت‪.‬‬

‫إن الجتهادات تتعلق بتفاصيل قيم التسامح والعدل والشورى والتعايش والتواصل والوحدة‬
‫والتعدد في إطار الثوابت وهو تعدد تجليه مرونة الفقه وسعته وتنوع دللت النصوص وتوسع‬
‫نطاق الدلة الجمالية في ضوء الزمان؛ لتحقيق مقولة هي بالتأكيد حق‪ :‬إن الشريعة صالحة‬
‫لكل زمان ومكان؛ وذلك بتسليط الجتهاد على الربط المتواصل بين الزمان وبين الشريعة‬
‫نصوصًا ومقاصد وأصولً وقواعد‪ ،‬انطلقًا من مبدأي‪ :‬العقل المصلحة‪ .‬وترجمة لثلثة‬
‫مقاصد‪ :‬الضروري الحاجي‪ -‬والتحسيني‪.‬‬

‫إن تقرير وجود مساحة واسعة وفسيحة للجتهاد في الشريعة يجب أن يكسو الخطاب‬
‫السلمي ثلث سمات هي ‪:‬‬

‫‪-1‬التسامح‬

‫‪-2‬التصالح‬

‫‪-3‬التيسير‬

‫ويمكن ترجمة ذلك في ثلث قضايا أساسية هي‪ :‬التسامح في الختلف والتصالح مع الخرين‬
‫والكف عن التكفير‪ .‬والتيسير على الناس‪.‬‬
‫السمة الولى‪ :‬التسامح في الختلف‬
‫إن الختلف ظاهرة ل يمكن تحاشيها باعتبارها مظهرا من مظاهر الرادة التي ركبت في‬
‫النسان إذ الرادة بالضرورة يؤديان إلى وقوع الختلف والتفاوت في الرأي‪.‬‬
‫وقد انتبه لذلك العلمة ابن القيم عندما يقول‪" :‬وقوع الختلف بين الناس أمر ضروري ل‬
‫بد منه لتفاوت أغراضهم وأفهامهم وقوى إدراكهم ولكن المذموم بغي بعضهم على بعض‬
‫‪14‬‬
‫وعدوانه"‬
‫‪2/560‬‬ ‫‪ -12‬نفس الرجع‬
‫‪2/574‬‬ ‫‪ -13‬نفس الرجع‬
‫إعلم الوقعي‬ ‫‪ - 14‬ابن القيم‬

‫‪14‬‬
‫قال ابن عابدين في تعليقه على قول صاحب الدر المختار‪" :‬وعلم بأن الختلف من آثار‬
‫الرحمة فمهما كان الختلف أكثر كانت الرحمة أوفر"‪.‬‬
‫وهذا يشير إلى الحديث المشهور على ألسنة الناس وهو اختلف أمتي رحمة قال في‬
‫المقاصد الحسنة‪ :‬رواه البيهقي بسند منقطع عن ابن عباس رضي ال تعالى عنهما بلفظ قال‬
‫رسول ال صلى ال عليه وسلم مهما أوتيتم من كتاب ال فالعمل به ل عذر لحد في تركه‪،‬‬
‫فإن لم يكن في كتاب ال فسنة مني‪ ،‬فإن لم تكن سنة مني فما قال أصحابي‪ ،‬إن أصحابي‬
‫بمنزلة النجوم في السماء‪ ،‬فأيما أخذتم به اهتديتم‪ ،‬واختلف أصحابي لكم رحمة‪ .‬وأورده ابن‬
‫الحاجب في المختصر بلفظ اختلف أمتي رحمة للناس‪.‬‬
‫وقال مل علي القارئ‪ :‬إن السيوطي قال‪ :‬أخرجه نصر المقدسي في الحجة و البيهقي في‬
‫الرسالة الشعرية بغير سند ورواه الحليمي والقاضي حسين وإمام الحرمين وغيرهم ولعله‬
‫خرج في بعض كتب الحفاظ التي لم تصل إلينا‪.‬‬
‫ونقل السيوطي عن عمر بن عبد العزيز أنه كان يقول ما سرني أن أصحاب محمد صلى‬
‫ال عليه وسلم لم يختلفوا لنهم لو لم يختلفوا لم تكن رخصة وأخرج الخطيب أن هارون‬
‫الرشيد قال لمالك بن أنس‪ :‬يا أبا عبد ال نكتب هذه الكتب – يعنى مؤلفات المام مالك‪-‬‬
‫ونفرقها في آفاق السلم لنحمل عليها المة‪ .‬قال‪ :‬يا أمير المؤمنين إن اختلف العلماء رحمة‬
‫من ال تعالى على هذه المة كل يتبع ما صح عنده وكلهم على هدى وكل يريد ال تعالى‪.‬‬
‫وتمامه في كشف الخفاء ومزيل اللباس‪.15‬‬
‫ولهذا اعتبر العلماء معرفة الختلف ضرورية للفقيه حتى يتسع صدره وينفسح أفقه‪.‬‬
‫فقد قال قتادة‪ :‬من لم يعرف الختلف لم يشم أنفه الفقه‪.‬‬
‫وعن هشام بن عبيد ال الرازي‪ :‬من لم يعرف اختلف الفقهاء فليس بفقيه‪.‬‬
‫وعن عطاء‪ :‬ل ينبغي لحد أن يفتي الناس حتى يكون عالما باختلف الناس‪.‬‬
‫وقال يحي بن سلم‪ :‬ل ينبغي لمن ل يعرف الختلف أن يفتي ول يجوز لمن ل يعلم القاويل‬
‫أن يقول‪ :‬هذا أحب ألي‪.‬‬
‫إلى غير ذلك من القوال يراجع الشاطبي في الموافقات‪ ،‬فقد عد معرفة الختلف من المزايا‬
‫التي على المجتهد أن يتصف بها‪.‬‬
‫كما في مسألة أمره عليه الصلة والسلم بصلة العصر في بني قريظة فقد صلها‬
‫بعضهم بالمدينة ولم يصلها البعض الخر إل وقت صلة العشاء ‪ ،‬ولم يعنف أحدا منهم‬
‫كما جاء في الصحيحين‪.‬‬

‫‪47-1/46‬‬ ‫رد الحتار‬ ‫‪ -15‬ابن عابدين‬

‫‪15‬‬
‫وفي السفر كان منهم المفطر والصائم‪ .‬وما عاب أحد على أحد كما جاء في الصحيح حتى‬
‫في الختلف في القراءة في حديث ابن مسعود وحديث عمر وأبي بن كعب‪...‬‬
‫إنها التربية النبوية للصحابة ليتصرفوا داخل دائرة الشريعة حسب جهدهم طبقا لجتهادهم‪.‬‬
‫وبعده عليه الصلة والسلم كانت بينهم اختلفات حسمت أحيانا كثيرة بالتفاق كما في‬
‫اختلفهم حول الخليفة بعده صلى ال عليه وسلم‪.‬‬
‫وكما في اختلفهم حول قتال مانعي الزكاة وحول جمع القرآن الكريم ورجوع عمر إلى‬
‫قول علي في مسألة المنكوحة في العدة حيث كان عمر يرى التفريق بينها وبين من‬
‫تزوجها في العدة وتحريمها أبدا عليه وإعطاءها الصداق من بيت المال ‪ ،‬وكان علي يرى‬
‫أنها ل يتأبد تحريمها فرجع عمر إلى رأيه‪.‬‬
‫وتارة يظل الطرفان على موقفهما وهما في غاية الحترام لبعضهما البعض‪.‬‬
‫كقصة عمر مع ربيعة بن عياش في التفضيل بين مكة المكرمة والمدينة المنورة ‪.‬‬
‫وقصة الراضي المفتوحة هل تصير خراجية أم توزع على الغانمين‪.‬‬
‫وقصة عائشة وابن عباس في رؤيته عليه الصلة والسلم للباري جل وعل‪.‬‬
‫وبين عائشة وبين الصحابة في سماع الموتى‪.‬‬
‫وبين عمر وبين فاطمة بنت قيس في مسألة سكنى المبتوتة ونفقتها حيث قالت بنت قيس‬
‫إنه ل سكنى لها ول نفقة وقال عمر بخلفها قائل‪ :‬ل نترك كتاب ربنا وسنة نبينا لقول‬
‫امرأة ل ندرى أحفظت أم نسيت‪.‬‬
‫واختلف ابن مسعود وأبي موسى الشعري في مسألة إرضاع الكبير حيث رآه الول غير‬
‫مؤثر وراءه الثاني مؤثرا‪.‬‬
‫واختلف أبي هريرة وابن عباس في الوضوء مما مست النار حيث أوجبه الول ولم‬
‫يوجبه الثاني‪.‬‬
‫واختلف عمر مع أبي عبيدة في دخول الرض التي بها وباء حيث رأى عمر المتناع‬
‫من دخولها ورأى أبو عبيدة القدام عليها قبل أن يخبرهما عبدالرحمن بن عوف بالحديث‪.‬‬
‫ويدخل التابعون في بعض الحيان في حلبة الخلف كأبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف‬
‫مع ابن عباس في عدة الحامل المتوفى عنها هل تعتد بأبعد الجلين أو تعتد بالوضع‪.‬‬
‫وتقف عائشة إلى جانب ابن عباس قائلة لبي سلمة إنما أنت فروج – رأى الديكة تصيح‬
‫فصاح – معتبرة أنه لم يبلع بعد درجة الجتهاد ولكن المر ل يتجاوز ذلك‪.‬‬
‫وموضوعات الختلف كثيرة جدا ولكنها تحسم بالتراضي أحيانا ‪ ،‬ويسجل لعمر رضي‬
‫ال عنه كثرة رجوعه إلى آراء إخوانه من الصحابة واعترافه أمام المل بذلك قائل أحيانا‪:‬‬
‫امرأة أصابت ورجل أخطأ‪ .‬وتأصيله للقاعدة الذهبية وهي ‪ " :‬أن الجتهاد ل ينقض‬

‫‪16‬‬
‫بالجتهاد " وهي قاعدة تبناها العلماء فيما بعد فأمضوا أحكام القضاة التي تخالف رأيهم‬
‫واجتهادهم حرصا على مصلحة إنهاء الخصومات وحسم المنازعات وهي مصلحة مقدمة‬
‫في سلم الوليات على الرأي المخالف الذي قد يكون صاحبه مقتنعا به‪.‬‬
‫أقوال العلماء في الختلف ‪-:‬‬
‫يقول الحافظ بن رجب ‪ :‬ولما كثر اختلف الناس في مسائل الدين وكثر تفرقهم كثر بسبب‬
‫ذلك تباغضهم وتلعنهم وكل منهم يظن أنه يبغض ل وقد يكون في نفس المر معذورا وقد ل‬
‫يكون معذورا بل يكون متبعا لهواه مقصرا في البحث عن معرفة ما يبغض فإن كثيرا كذلك‬
‫إنما يقع لمخالفة متبوع يظن أنه ل يقول إل الحق وهذا الظن قد يخطئ ويصيب وقد يكون‬
‫الحامل على الميل إليه مجرد الهوى واللفة أو العادة وكل هذا يقدح في أن يكون هذا البغض‬
‫ل فالواجب على المسلم أن ينصح لنفسه ويتحرز في هذا غاية التحرز وما أشكل منه فل‬
‫يدخل نفسه فيه خشية أن يقع فيما نهى عنه من البغض المحرم‪.‬‬
‫وها هنا أمر خفي ينبغي التفطن له وهو أن كثيرا من أئمة الدين قد يقول قول مرجوحا ويكون‬
‫فيه مجتهدا مأجورا على اجتهاده فيه موضوعا عنه خطؤه فيه ول يكون المنتصر لمقالته تلك‬
‫بمنزلته في هذه الدرجة لنه قد ل ينتصر لهذا القول إل لكون متبوعه قد قاله بحيث لو أنه قد‬
‫قاله غيره من أئمة الدين لما قبله ول انتصر له ول والى من يوافقه ول عادى من خالفه وهو‬
‫مع هذا يظن أنه إنما انتصر للحق بمنزلة متبوعه وليس كذلك فإن متبوعه إنما كان قصد‬
‫النتصار للحق وإن أخطأ في اجتهاده‪.‬‬
‫وأما هذا التابع فقد شاب انتصاره لما يظن أنه الحق إرادة علو متبوعه وظهور كلمته وأنه ل‬
‫ينسب إلى الخطأ وهذه دسيسة تقدح في قصده النتصار للحق فافهم هذا فإنه مهم عظيم وال‬
‫يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم‪) .‬‬
‫انتهى كلم الحافظ وهو كلم في غاية الفضل‪.‬‬
‫قال الشافعي ‪ " :‬أل يستقيم أن نكون إخوانا وإن لم نتفق في مسألة "‬
‫وقال ‪" :‬ما ناظرت أحدا إل قلت اللهم أجر الحق على قلبه ولسانه فإن كان الحق معي اتبعني‬
‫وإذا كان الحق معه اتبعته"‪.‬‬
‫‪ -‬العذر باختلف العلماء ‪:‬‬
‫عدم النكار في مسائل الختلف ومسائل الجتهاد يقول ابن القيم ‪ :‬إذا لم يكن في المسألة‬
‫‪16‬‬
‫سنة ول إجماع وللجتهاد فيها مساغ لم ينكر على من عمل فيها مجتهدا أو مقلدا‪.‬‬

‫‪3/365‬‬ ‫إعلم الوقعي‬ ‫‪ - 16‬ابن القيم‬

‫‪17‬‬
‫ويقول العز بن عبد السلم‪ :‬من أتى شيئا مختلفا في تحريمه إن اعتقد تحليله لم يجز‬
‫‪17‬‬
‫النكار عليه إل أن يكون مأخذ المحلل ضعيفا‪.‬‬
‫ويقول إمام الحرمين ‪ :‬ثم ليس للمجتهد أن يعترض بالردع والزجر على مجتهد آخر في‬
‫موقع الخلف إذ كل مجتهد في الفروع مصيب عندنا ومن قال إن المصيب واحد فهو غير‬
‫متعين عنده فيمتنع زجر أحد المجتهدين الخر على المذهبين‪.18‬‬
‫وكان مالك رحمه ال تعالى يستعظم أن يقول المفتي هذا حرام في مسائل الجتهاد‬
‫الخلفية وإنما يقول‪ :‬أكره‪.‬‬
‫قال ابن رشد في البيان والتحصيل‪ :‬قال مالك‪ :‬لم تكن فتيا الناس أن يقال هذا حلل وهذا‬
‫حرام ولكن يقال أنا أكره هذا ولم أكن لصنع هذا فكان الناس يكتفون بذلك ويرضون به‬
‫وكانوا يقولون إنا لنكره هذا وإن هذا ليتقى لم يكونوا يقولون هذا حلل وهذا حرام‪ .‬وقال‪:‬‬
‫وهذا الذي يعجبني والسنة ببلدنا‪.‬‬
‫أسباب الختلف‬
‫إن أسباب الختلف بعضها يرجع إلى فطرة البشر وإلى طبيعة الدلة فمن الول ما يقول‬
‫فيه ابن القيم ‪ :‬وقوع الختلف بين الناس أمر ضروري لبد منه لتفاوت أغراضهم‬
‫وأفهامهم وقوى إدراكهم‪ ،‬ولكن المذموم بغي بعضهم على بعض وعدوانه‪.‬‬
‫أما طبيعة الدلة فيمكن إجمالها في أربعة أوجه تعتبر عناوين كبيرة لسباب الختلف‬
‫الكثيرة والمتنوعة‪.‬‬
‫‪ -1‬اختلف في دللت اللفاظ وضوحا وغموضا واعتبارا وردا‪.‬‬
‫‪ -2‬اختلف في أدلة معقول النص التي ترجع إلى مقاصد الشريعة قبولً ورفضا‬
‫‪ -3‬اختلف في وسائل ثبوت النصوص الشرعية ودرجات الثبوت‪.‬‬
‫‪ -4‬اختلف في ترتيب الدلة عند التعارض قوة وضعفا‪.‬‬
‫فهذه العناوين الربعة يرجع إليها اختلف العلماء‪ ،‬وقد ذكر ابن السيد ثمانية أسباب‬
‫لختلف العلماء ‪.‬‬
‫وأما الحافظ ابن رجب فقد قال عن أسباب الخلف‪ :‬منها أنه قد يكون النص عليه خفيا‪،‬‬
‫لم ينقله إل قليل من الناس‪ ،‬فلم يبلغ جميع حملة العلم‪.‬‬
‫ومنها‪ :‬أنه قد ينقل فيه نصان‪ ،‬أحدهما‪ :‬بالتحليل والخر‪ :‬بالتحريم‪ ،‬فيبلغ طائفة منهم أحد‬
‫النصين دون الخر فيتمسكون بما بلغهم‪ :‬أو يبلغ النصان معا من ل يبلغه التاريخ فيقف لعدم‬
‫معرفته بالناسخ‪.‬‬

‫قواعد الحكام ‪1/109‬‬ ‫‪ - 17‬العز بن عبد السلم‬


‫ص ‪312‬‬ ‫الرشاد‬ ‫‪ - 18‬إمام الرمي‬

‫‪18‬‬
‫ومنها‪ :‬ما ليس فيه نص صريح‪ ،‬وإنما يؤخذ من عموم أو مفهوم أو قياس‪ ،‬فتختلف أفهام‬
‫العلماء في هذا كثيرا‪.‬‬
‫ومنها‪ :‬ما يكون فيه أمر أو نهي‪ ،‬فتختلف أفهام العلماء في حمل المر على الوجوب أو‬
‫الندب‪ ،‬وفي حمل النهي على التحريم أو التنزيه‪.19‬‬
‫إنه بالنظر إلى منهجية مختلف المذاهب ندرك بداهة أنها ل تختلف في اعتبار الكتاب‬
‫والسنة مصدرين منشأين للتشريع وهو أصل عقدي للمسلم كما أنها تعتبر الجماع والقياس‬
‫مصدرين معرفين على الصلين‪ ،‬وهذا في الجملة‪.‬‬
‫أما في التفصيل فإن ملمح الختلف تتحدد على ضوء اجتهاد يتوسع في معتبر الحديث‬
‫فيعمل بالمراسل والبلغات والمنقطع والضعيف أحيانا مقدما ذلك في الرتبة على معقول النص‬
‫المدرك بالجتهاد‪ .‬وبين مقتصر على اعتبار ما صح بمعايير حديثية صارمة تاركا للجتهاد‬
‫بالقياس وما في حكمه أو للستصحاب مساحة أوسع وربما قدم بعضهم عمل الراوي على‬
‫العمل بمرويه‪.‬‬
‫كما أن تفاصيل التعامل مع الجماع يعرض فيها الختلف بين موسع لمفهوم الجماع‬
‫ي وإجماع سائر القرون والعصور ومعتبر إجماع أهل المدينة‪.‬‬
‫ليشمل الجماع السكوت ّ‬
‫وبين مضيق في مفهوم الجماع لحصره في النطقي ومن يحصره في إجماع الصحابة فقط‪.‬‬
‫وكذلك فإن قياس العلة يتفق على اعتباره أكثر العلماء‪ ،‬غير أن الختلف يعرض في أنواع‬
‫أخرى من القياس كقياس الشبه وقياس العكس وكذلك بعض مسالك العلة‪.‬‬
‫أما الدلة الخرى كالمصالح المرسلة وسد الذرائع والستحسان وقول الصحابي وشرع من‬
‫قبلنا‪.‬‬
‫تتفاوت المذاهب بالخذ بها وأنها ل تعرو عنها والتباين إنما هو في التنائي عن النص‬
‫والشسوع عنه أو اللياطة به واللصوق كما يشير له إمام الحرمين وهو يقرر موقف الشافعي‬
‫من المصالح المرسلة‪.‬‬
‫وبصفة عامة يختلف الئمة في الخذ بالمقاصد فمن متوسع في الخذ بها متعمق في‬
‫أغوارها دائر مع إيرادها وإصدارها ومن متشبث بالنصوص متمسك بأهدابها‪.‬‬
‫وكل المذاهب بدون استثناء اعتمدت قادة مجتهدين ومجتهدى مذهب ومقلدين متبصرين‬
‫ومقلدين ناقلين وجعلت من سلك سبيلهم من عوام المسلمين في سعة في دينه وسداد في أمره‬
‫كما أنها اعتمدت ما اشتهر من أقوال هؤلء وترجح لكنها أيضا ذكرت جواز العمل بغير‬
‫الراجح وبغير المشهور لضرورة أو حاجة منزلة منزلتها‪.‬‬

‫جامع العلوم والكم ‪1/131‬‬ ‫‪ -19‬ابن رجب‬

‫‪19‬‬
‫السمة الثانية‪ :‬التصالح في الخطاب والكف عن التبديع والتكفير‪.‬‬
‫(‪)20‬‬
‫لخطورة التكفير فقد ورد في الحديث‪ :‬من رمي مؤمنًا بكفر فهو كقتله"‪.‬‬
‫(‪)21‬‬
‫‪:‬إذا قال الرجل لخيه‪ :‬يا كافر‪ ،‬فقد باء بها أحدهما"‪.‬‬

‫والحاديث بمثل هذا المعني كثيرة‪ ،‬وما ذلك إل لما يستلزمه الكفر من النتائج الخطيرة التي‬
‫من جملتها إباحة الدم‪ ،‬والمال‪ ،‬وفسخ عصمة الزوجية‪ ،‬وامتناع التوارث‪ ،‬وعدم الصلة عليه‪،‬‬
‫ومنع دفنه في مقابر المسلمين‪ ،‬وغيرها من البليا والرزايا نعوذ بال تعالى منها‪.‬‬

‫هذا وقد اختلف العلماء في مسائل التكفير وتبادلت الطوائف تهمته بحق أو بغير حق‪ ،‬إل‬
‫أنه بسبب ما ورد فيه من الوعيد حذّر أشد التحذير من التكفير جماعة من العلماء حتى قال‬
‫المام السبكي‪ :‬ما دام النسان يعتقد شهادة أن ل إله إل ال وأن محمدًا رسول ال صلى ال‬
‫عليه وسلم فتكفيره صعب"‪.‬‬

‫وقال الستاذ أبو إسحاق السفرائيني‪ :‬ل أكفر إل من كفرني"‪.‬‬

‫وقد بالغ المام أبو حامد الغزالي حتى نفي الكفر عن كل الطوائف فقال‪ :‬هؤلء أمرهم في‬
‫محل الجتهاد‪ ،‬والذي ينبغي الحتراز عن التكفير ما وجد إليه سبيلً‪ ،‬فإن استباحة الدماء‬
‫والموال من المصلين إلى القبلة المصرحين بالتوحيد خطا‪ ،‬والخطأ في ترك ألف كافر في‬
‫الحياة أهون من الخطأ في سفك دم مسلم‪.‬‬

‫وبعد أن ذكر أمثلة لطوائف يكفر بعضها بعضا‪.‬‬

‫قال‪ :‬والسبب في هذه الورطة الجهل بموقع التكذيب والتصديق‪ ،‬ووجهه أن كل من نزل‬
‫قولً من أقوال الشرع على شيء من الدرجات العقلية التي ل تحقق نقصًا فهو من التعبد‪،‬‬
‫وإنما الكذب أن ينفي جميع هذه المعاني ويزعم أن ما قاله ل معني له إنما هو كذب محض‪،‬‬
‫وذلك هو الكفر المحض‪ ،‬ولهذا ل يكفر المبتدع المتأول ما دام ملزمًا لقانون التأويل؛ لقيام‬
‫(‪)22‬‬
‫البرهان عنده على استحالة الظواهر"‪.‬‬

‫"وفي جامع الفصوليين روي الطحاوي عن أصحابنا‪ :‬ل يخرج الرجل من اليمان إل‬
‫جحود ما أدخله فيه‪ ،‬ثم ما تيقن أنه ردة يحكم بها‪ ،‬وما يشك أنه ردة ل يحكم بها؛ إذا السلم‬
‫الثابت ل يزول بالشك‪ ،‬مع أن السلم يعلو وينبغي للعالم إذا رُفع إليه هذا أن ل بادر بتكفير‬
‫أهل السلم مع أنه يقضي بصحة إسلم المُكره"‪.‬‬

‫() هو جزء من حديث أوله‪(( :‬من خلف بلّة غي السلم كاذبًا فهو كما قال))‪ ،‬فتح الباري ‪.8/32‬‬ ‫‪20‬‬

‫() متفق عليه‪ ،‬البخاري‪ ،‬فتح الباري ‪ ،8/32‬مسلم ‪.1/79‬‬ ‫‪21‬‬

‫() الزركشي‪ ،‬النثور ‪.88 -87 /2‬‬ ‫‪22‬‬

‫‪20‬‬
‫أقول‪ :‬قدمت هذا ليصير ميزانًا فيما نقلته في هذا الفصل من المسائل‪ ،‬فإنه قد ذكر في‬
‫بعضها أنه كفر مع أنه ل يكفر على قياس هذه المقدمة‪ ،‬فليتأمل أحد ما في جامع الفصوليين‪.‬‬

‫وفي الفتاوى الصغرى‪ :‬الكفر شيء عظيم فل أجعل المؤمن كافرًا متى وجدت رواية أنه ل‬
‫يكفر"‪.‬‬

‫وفي الخلصة وغيرها‪ :‬إذا كان في المسألة وجوه توجب الكفر ووجه واحد يمنعه‪ ،‬فعلى‬
‫المفتي أن يميل إلى الوجه الذي يمنع التكفير تحسينًا للظن بالمسلم‪ ،‬زاد في البزازية‪ :‬إل إذا‬
‫صرح بإرادة موجب الكفر فل ينفعه التأويل‪ ،‬وفي التتار خانية‪ :‬ل يكفر بالمحتمل؛ لن الكفر‬
‫نهاية في العقوبة فيستدعي نهاية في الجناية والحتمال ل نهاية معه "‪.‬‬

‫"والذي تحرر أنه ل يفتي بكفر مسلم أمكن حمل كلمه على محمل حسن أو كان في كفره‬
‫اختلف ولو رواية ضعيفة‪ ،‬فعلي هذا فأكثر ألفاظ التكفير المذكور ل يفتي بالتكفير فيها‪ ،‬ولقد‬
‫ألزمت نفسي أن ل أفتي بشيء منها"‪ .‬أ‪.‬هـ كلم البحر –باختصار‪.)23(-‬‬

‫ومثله نص عليه في تنوير البصار مع شرحه رد المحتار‪ ،‬وعلق ابن عابدين على قوله‪:‬‬
‫ولو رواية ضعيفة بقوله‪ :‬قال الخير الرملي‪ :‬أقول‪ :‬ولو كانت الرواية في غير أهل مذهبنا‪،‬‬
‫(‪)24‬‬
‫ويدل على ذلك اشتراط كون ما يوجب الكفر مجمعًا عليه"‪.‬‬

‫وقال شيخ السلم ابن تيمية في الفتاوى‪ :‬وأجمع الصحابة وسائر أئمة المسلمين على أن‬
‫ل أخطأ فيه أنه يكفر بذلك وإن كان قوله مخالفًا للسنة‪ ،‬فتكفير كل مخطئ‬
‫ليس كل من قال قو ً‬
‫خلف الجماع‪ ،‬لكن للناس نزاع في مسائل التكفير قد بسطت في غير هذا الموضع –‬
‫والمقصود هنا‪ -‬أن ليس لكل من الطوائف المنتسبين إلى شيخ من الشيوخ أو لمام من الئمة‬
‫أن يكفروا من عداهم‪ ،‬بل في الصحيح عن النبي صلى ال عليه وسلم أنه قال‪ :‬إذا قال الرجل‬
‫(‪)25‬‬
‫لخيه‪ :‬يا كافر‪ ،‬فقد باء بها أحدهما"‪.‬‬
‫ولهذا فالخطاب السلمي ينبغي أن ل يكفر أحدا من المة المحمدية من دخل الدائرة الكبرى‬
‫وهي دائرة التوحيد والعتراف بالنبوة الخاتمة إل أن يأتي بناقض غير محتمل عليه من ال‬
‫برهان قاطع‪.‬‬
‫هذا الذي رجع إليه العلماء وارتضاه الفقهاء ورجع إليه من خاضوا بحور علم الكلم ودونوا‬
‫مقالت أهل البدع وأهل السلم‪.‬‬

‫() حاشية ابن عابدين ‪.289 /3‬‬ ‫‪23‬‬

‫() حاشية ابن عابدين‪.289 /3 :‬‬ ‫‪24‬‬

‫() مموع الفتاوى‪.685 /7 :‬‬ ‫‪25‬‬

‫‪21‬‬
‫ولعلي اختم بكلمات للحافظ الذهبي وهي قوله‪ :‬رأيت للشعري كلمة أعجبتني وهي ثابتة‬
‫رواها البيهقي‪ ،‬سمعت أبا حازم العبدوي‪ ،‬سمعت زاهر بن أحمد السرخسي يقول‪ :‬لما قرب‬
‫حضور أجل أبي الحسن الشعري في داري ببغداد‪ ،‬دعاني فأتيته‪ ،‬فقال‪ :‬أشهد على أني ل‬
‫أكفر أحدا من أهل القبلة‪ ،‬لن الكل يشيرون إلى معبود واحد‪ ،‬وإنما هذا كله اختلف‬
‫العبارات‪..‬‬
‫قلت‪ :‬وبنحو هذا أدين‪ ،‬وكذا كان شيخنا ابن تيمية في أواخر أيامه يقول‪ :‬أنا ل أكفر أحدا من‬
‫المة‪ ،‬ويقول‪ :‬قال النبي صلى ال عليه وسلم ‪ " :‬ل يحافظ على الوضوء إل مؤمن " فمن لزم‬
‫الصلوات بوضوء فهو مسلم"‪ (.‬الذهبي سير أعلم النبلء )‬

‫السمة الثالثة‪ :‬التيسير على الناس ورفع الحرج‬


‫قال أبو إسحاق الشاطبي‪":‬المسألة السادسة" ‪ :‬فإن الشارع لم يقصد إلى التكليف بالشاق‬
‫والعنات فيه والدليل على ذلك أمور‪:‬‬
‫لَغَْلـٰلَ ٱّلتِى‬
‫صرَ ُهمْ وَٱ ْ‬
‫ع ْنهُمْ ِإ ْ‬
‫أحدها‪ :‬النصوص الدالة على ذلك كقوله تعالى‪َ :‬و َيضَعُ َ‬
‫وفي‬ ‫‪27‬‬
‫حمَ ْلتَهُ عَلَى ٱّلذِينَ مِن َقبِْلنَا‬
‫صرًا َكمَا َ‬
‫حمِلْ عََل ْينَآ ِإ ْ‬
‫ل َت ْ‬
‫َر ّبنَا َو َ‬ ‫وقوله‬ ‫‪26‬‬
‫كَانَتْ عََل ْي ِهمْ‬
‫ُيرِيدُ ٱللّهُ‬ ‫‪29‬‬
‫س َعهَا‬
‫ل ُيكَلّفُ ٱللّ ُه نَ ْفسًا ِإلّ ُو ْ‬
‫الحديث‪":‬قال ال تعالى قد فعلت"‪ 28‬وقد جاء‪َ :‬‬
‫و ُيرِيدُ‬ ‫‪31‬‬
‫حرَجٍ‬
‫ن َ‬
‫جعَلَ عََليْكمْ فِى ٱلدّينِ مِ ْ‬
‫َومَا َ‬ ‫و‬ ‫‪30‬‬
‫سرَ‬
‫ِب ُكمُ ٱ ْل ُيسْرَ َولَ ُيرِيدُ ِب ُكمُ ٱ ْل ُع ْ‬
‫حرَجٍ‬
‫جعَلَ عََل ْيكُم ّمنْ َ‬
‫مَا ُيرِي ُد ٱللّ ُه ِل َي ْ‬ ‫و‬ ‫‪32‬‬
‫ضعِيفا‬
‫سـٰنُ َ‬
‫ع ْن ُكمْ َوخُِلقَ ٱلِن َ‬
‫ٱللّ ُه أَن ُيخَ ّففَ َ‬
‫حنِيفية‬
‫وفي الحديث‪ُ ":‬بعِثتُ بال َ‬ ‫‪33‬‬
‫ش ُكرُونَ‬
‫ط ّهرَ ُكمْ وَِل ُي ِتمّ ِن ْعمَتَهُ عََل ْي ُكمْ َلعَّل ُكمْ َت ْ‬
‫ـكِن ُيرِيدُ ِل ُي َ‬
‫وََل ٰ‬
‫سرُ من الخَرِ‬
‫حدُهُما َأ ْي َ‬
‫ن َأ ْم َريْنِ َأ َ‬
‫خّيرَ رسولُ ال صلى ال عليه وسلم َبيْ َ‬
‫السمحة"‪ 34‬وحديث‪":‬ما ُ‬
‫ن كَانَ ِإثْما كَانَ َأ ْب َعدَ النّاسِ ِم ْنهُ"‪.35‬‬
‫ختَار َأ ْيسَرَهُما مَا َل ْم يُكنْ ِإثْما فَإ ْ‬
‫إلّ ا ْ‬
‫وإنما قال‪ ":‬ما لم يكن إثما " لن ترك الثم ل مشقّة فيه من حيث كان مجرد ترك إلى أشباه‬
‫ذلك مما في هذا المعنى‪ .‬ولو كان قاصدا للمشقة لما كان مريدا لليسر ول التخفيف ولكان‬
‫مريدا للحرج والعسر وذلك باطل‪.‬‬
‫الية ‪157‬‬ ‫‪ -26‬سورة العراف‬
‫الية ‪286‬‬ ‫‪ -27‬سورة البقرة‬
‫‪ -28‬أخرجه مسلم عن ابن عباس – باب اليان حديث رقم ‪180‬‬
‫الية ‪286‬‬ ‫‪ -29‬سورة البقرة‬
‫الية ‪185‬‬ ‫‪ -30‬سورة البقرة‬
‫الية ‪78‬‬ ‫‪ -31‬سورة الج‬
‫الية ‪28‬‬ ‫‪ -32‬سورة النساء‬
‫الية ‪6‬‬ ‫‪ -33‬سورة الائدة‬
‫‪ -34‬الديث أخرجه المام أحد عن أب أمامة رضي ال عنه حديث رقم ‪ 21260‬باقي مسند النصار‪.‬‬
‫‪ -35‬الديث أخرجه مسلم عن عائشة رضي ال عنها كتاب الفضائل رقم ‪6047‬‬

‫‪22‬‬
‫والثاني‪ :‬ما ثبت أيضا من مشروعية الرخص وهو أمر مقطوع به ومما علم من دين المة‬
‫ضرورة كرخص القصر والفطر والجمع وتناول المحرمات في الضطرار‪ ،‬فإن هذا نمط يدل‬
‫قطعا على مطلق رفع الحرج والمشقّة ‪ ،‬وكذلك ماجاء من النهي عن التعمق والتكلف والتسبب‬
‫في النقطاع عن دوام العمال‪.‬‬
‫ولو كان الشارع قاصدا للمشقة في التكلف لما كان ثم ترخيص ول تخفيف‪.36‬‬
‫وأطال النفس قائلً‪ :‬إلى جزئيات كثيرة جدا يحصل من مجموعها قصد لرفع الحرج فإنا‬
‫نحكم بمطلق رفع الحرج في البواب كلها عملً بالستقراء‪.37‬‬
‫والتيسير قاعدة من قواعد الترجيح في الخلف لما تقدم ومن مظاهر التيسير التعامل مع عامل‬
‫الزمن‪.‬‬
‫ومن مظاهر التيسير النظر في مئالت الفعال والقوال واعتبار العراف والعادات‪.‬‬
‫فالخطاب السلمي يجب أن يستوعب كل هذه القواعد ليكون أكثر نجاعة وجدة وتأثيرا لنه‬
‫أكثر تيسيرا وتبشيرا‪.‬‬

‫‪122 -2/121‬‬ ‫‪ -36‬الشاطب الوافقات‬


‫‪ -37‬نفس الرجع ‪299 /2‬‬

‫‪23‬‬
‫خلصة القول‪:‬‬
‫إن الخطاب السلمي يقوم على قواطع وثوابت علمت من الدين بالضرورة هي أساس الدين‬
‫ودعائمه كاللوهية والتوحيد والنبوة والرسالة ومكانة النسان في التشريع والكليات التي تحميه‬
‫وتصوب حياته‪.‬‬
‫هذه الثوابت يجب أن توظف كل الساليب العلمية في بيانها وجمع المة حولها وتقديمها‬
‫للبشرية مدعومة بالحجج العلمية والبراهين العقلية ليهدي ال تعالى بها من يشاء من عباده‪.‬‬
‫ولحسن حظنا وحظ النسانية ليس فيها ما يناقض العلم أو ينافي العقل بل إن العلم والعقل خير‬
‫معين على بيان صحة هذا الدين فهل أحسنا العرض وأجدنا البرام والنقض‪.‬‬
‫إن الخطاب الجديد في عصر العولمة والقرية الكونية وطغيان القيم المادية الخالية من كل قيم‬
‫إلهية أو إنسانية نبيلة مما أوجد النسان الحسي أو الجسدي الذي يعيش لذاته مستغرقا في‬
‫لذاته فل نبل ول كرم ول إيثار ول تضامن ول نظر في المئالت إل مئالت الربح بل روح‬
‫والثروة بل رائحة‪ ،‬إنه نذل ل غيرة له حسب ما يقول فوكوياما وهو الهلباجة في مفهوم‬
‫العرابي وخلف الحمر‪.‬‬
‫فالخطاب السلمي متسامح لنه يقبل الختلف ويتسع لمختلف وجهات النظر والراء فل‬
‫انكار في مختلف فيه كما أصلنا ذلك إذا كان اختلفا معتبرا ومن ل يستطيع إدراك طبيعة‬
‫الختلف فليس من أهل الميدان ول من فرسان الشان‪.‬‬
‫والخطاب السلمي متصالح لنه ل يكفر من دخل الدائرة الكبرى إل بناقض مجمع عليه قام‬
‫عليه برهان قاطع‪.‬‬
‫والخطاب الٍسلمي ميسر لنه يتوخى مصالح الناس ويراعى ضعفهم ( يريد ال أن يخفف‬
‫عنكم وخلق النسان ضعيفا)‬
‫والخطاب السلمي إنساني لنه يرفع قيمة النسان‪.‬‬
‫والخطاب السلمي ثابت صلب في جوهره مرن في تعبيراته‪.‬‬
‫ومع ذلك فإن خطابنا بقواطعه وثوابته راسخ رسوخ الجبال الراسيات شامخ شموخ الطواد‬
‫المشمخرات ولكنه في تفريعاته مائس مع رياح المصالح ميس فروع البان بنسائم السحار‬
‫على وعساء الكثبان‪.‬‬
‫ي التوفيق وهو حسبنا ونعم الوكيل‪.‬‬
‫وال سبحانه وتعالى ول ّ‬

‫عبدال بن الشيخ المحفوظ بن بيّـه‬

‫‪24‬‬