You are on page 1of 57

‫محمد صلى الله‬

‫عليه وسلم‬
‫كأنك تراه‬
‫د‪ .‬عائض بن عبدال القرني‬

‫الطبعة الولى‬
‫‪ 1422‬هـ ـ ‪ 2002‬م‬

‫دار ابن حزم‬


‫بيروت لبنان‬

‫شبكة مجاهد مسلم السلمية الدعوية‬


‫‪www.islammi.jeeran.com‬‬
‫‪www.geocities.com/moujahedmouslem‬‬
‫بيروت ـ لبنان‬
‫نشره موقع صيد الفوائد‬
‫‪/http://www.saaid.net‬‬
‫المؤلف في سطور‬
‫عائض بن عبدال بن عائض آل مجدوع القرني‪.‬‬ ‫•‬
‫من مواليد عام ‪ 1379‬هـ ببلد القرن جنوب المملكة العربية السعودية‪.‬‬ ‫•‬
‫حصل على الشهادة الجامعية من كلية أصول الدين جامعة المام محمد بن سعود‬ ‫•‬
‫السلمية عام ‪ 1403‬ـ ‪ 1404‬هـ‪.‬‬
‫حصل على الماجستير في الحديث النبوي عام ‪ 1408‬هـ وعنوان رسالته "‬ ‫•‬
‫البدعة وأثرها في الدراية والرواية"‪.‬‬
‫حصل على الدكتوراه من جامعة المام عام ‪ 1422‬هـ بعنوان " دراسة وتحقيق‬ ‫•‬
‫كتاب‪ :‬الفهم على صحيح مسلم للقرطبي"‪.‬‬
‫له أكثر من ثمانمائة شريط كاسيت إسلمي في الخطب والدروس والمحاضرات‬ ‫•‬
‫والمسيات الشعرية والندوات الدبية‪.‬‬
‫يحفظ القرآن الكريم وكتاب بلوغ المرام ويستحضر ما يقارب من خمسة آلف‬ ‫•‬
‫حديث وأكثر من عشرة آلف بيت شعر‪.‬‬
‫له أربعة دواوين شعرية هي‪:‬‬ ‫•‬
‫لحن الخلود‪.‬‬ ‫‪-1‬‬
‫تاج المدائح‪.‬‬ ‫‪-2‬‬
‫هدايا وتحايا‪.‬‬ ‫‪-3‬‬
‫قصة الطموح‪.‬‬ ‫‪-4‬‬
‫أما مؤلفاته‪ :‬فقد ألف في الحديث والتفسير والفقه والدب والسيرة والتراجم‪،‬‬ ‫•‬
‫ومن مؤلفاته التي أصدرها دار ابن حزم بلبنان‪:‬‬

‫‪ -2‬تاج المدائح‪.‬‬ ‫‪ -1‬السلم وقضايا العصر‪.‬‬


‫‪ -4‬دروس المسجد في رمضان‪.‬‬ ‫‪ -3‬ثلثون سببا للسعادة‪.‬‬
‫‪ -6‬مجتمع المثل‪.‬‬ ‫‪ -5‬فاعلم أنه ل إله إل ال‪.‬‬
‫‪ -8‬فقه الديل‪.‬‬ ‫‪ -7‬ورد المسلم والمسلمة‪.‬‬
‫‪ -10‬المعجزة الخالدة‪.‬‬ ‫‪ -9‬نونية القرني‪.‬‬
‫‪ -12‬تحف نبوية‪.‬‬ ‫‪ -11‬اقرأ باسم ربك‪.‬‬
‫‪ -14‬سياط القلوب‪.‬‬ ‫‪ -13‬حتى تكون أسعد الناس‪.‬‬
‫‪ -16‬هكذا قال لنا المعلم‪.‬‬ ‫‪ -15‬فتية آمنوا بربهم‪.‬‬
‫‪ -18‬من موحد الى ملحد‪.‬‬ ‫‪ -17‬ولكن كونوا ربانيين‪.‬‬
‫‪ -20‬وحي الذاكرة‪.‬‬ ‫‪ -19‬إمبراطور الشعراء‪.‬‬
‫‪ -22‬ترجمان السنة‪.‬‬ ‫‪ -21‬الى الذين أسرفوا على أنفسهم‪.‬‬
‫‪ -24‬العظمة‪.‬‬ ‫‪ -23‬حدائق ذات بهجة‪.‬‬
‫‪ -26‬وجاءت سكرة الموت بالحق‪.‬‬ ‫‪ -25‬ل تحزن‪.‬‬
‫‪ -28‬احفظ ال يحفظك‪.‬‬ ‫‪ -27‬مقامات القرني‪.‬‬
‫‪ -29‬أعذب الشعر‪.‬‬

‫حضر عشرات الحاضرات والمسيات‪ ،‬وحضر مؤتمر الشباب العربي المسلم‬ ‫•‬
‫ومؤتمر الكتاب والسنة بالوليات المتحدة الميركية‪ ،‬وحاضر في الندية الدبية‬
‫والرياضية‪ ،‬وحاضر في الجامعات والملتقيات الثقافية‪.‬‬
‫مقدمة‬
‫الحمد ل‪ ،‬والصلة والسلم على عبدال ورسوله محمد‪ ،‬وآله وصحبه‪ ،‬أما بعد‪:‬‬

‫ب إنسان الى قلبي‪ :‬محمد رسول ال صلى ال‬


‫فل أستطيع أن ألزم الحياد في كتابتي عن أح ّ‬
‫عليه وسلم‪ ،‬إنني ل أكتب عن زعيم سياسي قّدم لشعبه أطروحته وعرض على أتباعه فكرته‪،‬‬
‫ب العالمين‪ ،‬المبعوث رحمة‬
‫ليقيم دولة في زاوية من زوايا الرض‪ ،‬بل أكتب عن رسول ر ّ‬
‫للناس أجمعين‪.‬‬

‫ولن ألزم الحياد وأنا أكتب عنه؛ لنني ل أكتب عن خليفة من الخلفاء له جنود وبنود ولديه‬
‫سومة والنعام والحرث‪ ،‬ولكنني‬ ‫حشود وعنده قناطير مقنطرة من الذهب والفضة والخيل الم ّ‬
‫أكتب عن الرحمة المهداة والنعمة المسداة‪ :‬محمد رسول ال صلى ال عليه وسلم‪.‬‬

‫ولن ألزم الحياد لنني ل أتكلم عن سلطان من السلطين قهر الناس بسيفه وسوطه‪ ،‬وأخاف‬
‫الناس بسلطانه وهيمانه وصولجانه‪ ،‬لكنني أتكلم عن معصوم شرح ال صدره ووضع عنه‬
‫وزره‪ ،‬ورفع له ذكره‪.‬‬

‫ولن ألزم الحياد لنني ل أتكلم عن شاعر هّدار‪ ،‬أو خطيب ثرثار‪ ،‬أو متكلم مّوار‪ ،‬أو‬
‫فيلسوف هائم‪ ،‬أو روائي متخيل‪ ،‬أو كاتب متصّنعن أو تاجر منعم‪ ،‬بل أتحدث عن نبي خاتم‪،‬‬
‫نزل عليه الوحي‪ ،‬وهبط عليه جبريل‪ ،‬ووصل سدرة المنتهى‪ ،‬له شفاعة كبرى‪ ،‬ومنزلة‬
‫عظمى‪ ،‬وحوض مورود‪ ،‬ومقام محمود‪ ،‬ولواء معقود‪ ،‬فكيف ألزم الحياد إذًا؟‬

‫أتريد أن أحبس عواطفي وأن أقيد ميولي وأن أربط على نبضات قلبي وأنا أكتب عن أحب‬
‫إنسان إلى قلبي وأغلى رجل وأعز مخلوق على نفسي؟ إن هذا لشسء عجاب!‬

‫طر أخباره‪،‬‬
‫ط سيرته‪ ،‬وأن أخمد لهيب روحي وأنا أس ّ‬
‫أتريد مني أن أكفكف دموعي وأنا أخ ّ‬
‫وأن أجمد خلجات فؤادي وأنا أدبج ذكرياته؟! لن أستطيع هذا‪ ،‬كل وألف كل‪.‬‬

‫لنني أكتب عن أسوة وإمام معي بهداه في كل شاردة وواردة‪ ،‬أصلي فأذكره لنه يقول‪:‬‬
‫ج فأذكره لنه يقول‪ ":‬لتأخذوا عني‬ ‫"صلوا كما رأيتموني أصلي" البخاري ‪ ،631‬أح ّ‬
‫مناسككم" مسلم ‪ ،1297‬في كل طرفة عين أذكره لنه يقول‪ ":‬من رغب عن سنتي فليس‬
‫ن ل َك ُ ْ‬
‫م‬ ‫مني" البخاري ‪ 5063‬ومسلم ‪ ،1401‬وفي كل لحظة أذكره لن ال يقول‪ }:‬ل َ َ‬
‫قد ْ َ‬
‫كا َ‬
‫ُ‬
‫سن ٌَة { الحزاب ‪.21‬‬
‫ح َ‬ ‫ل الل ّهِ أ ْ‬
‫سوَة ٌ َ‬ ‫سو ِ‬
‫ِفي َر ُ‬

‫ل الناس وأفضل البشر وأزكى العالمين‪ ،‬مرجعي في ذلك‬


‫إنني أكتب عن أغلى الرجال وأج ّ‬
‫دفتر الحب المحفوظ في قلبي‪ ،‬ومصدري في ذلك ديوان العجاب المخطوط في ذاكرتي‪،‬‬
‫فكأنني أكتب بأعصاب جسمي وشرايين قلبي‪ ،‬وكأن مدادي دمي ودموعي‪:‬‬

‫إن كان أحببت بعد ال مثله في‬


‫بدو وحضر ومن عرب ومن عجم‬
‫فل اشتفى ناظري من منظر حسن‬
‫ول تفّوه بالقول السديد فمي‬
‫**‬
‫زمانك بستان وعهدك أخضر‬
‫وذكراك عصفور من القلب ينقر‬
‫وكنت فكانت في الحقول سنابل‬
‫وكانت عصافير وكان صنوبر‬
‫لمست أمانينا فصارت جداول‬
‫وأمطرتنا حبا ول زلت تمطر‬
‫ل عشّية‬
‫تعاودني ذكراك ك ّ‬
‫ويورق فكري حين فيك أفّكر‬
‫وتأبى جراحي أن تضّم شفاهها‬
‫كأن جرح الحب ل يتخثر‬
‫أحّبك ل تفسير عندي لصبوتي‬
‫سر‬
‫سر ماذا والهوى ل ُيف ّ‬
‫أف ّ‬
‫تأخرت يا أعلى الرجال فليلنا‬
‫طويل وأضواء القناديل تسهر‬

‫**‬
‫قصة النبوة‬
‫محمد رسول ال صلى ال عليه وسلم كأنك تراه‬
‫اسمه‪:‬‬
‫محمد صلى ال عليه وسلم‪ ،‬اسم على مسّمى‪ ،‬علم على رمز‪ ،‬ووصف على إمام‪ ،‬جمع المحامد‪،‬‬
‫وحاز المكارم‪ ،‬واستولى على القيم‪ ،‬وتفّرد بالمثل‪ ،‬وتمّيز بالريادة‪ ،‬محمود عند ال لنه رسوله‬
‫المعصوم‪ ،‬ونبّيه الخاتم‪ ،‬وعبده الصالح‪ ،‬وصفوته من خلقه‪ ،‬وخليله من أهل الرض‪ ،‬ومحمود‬
‫عند الناس لنه قريب من القلوب‪ ،‬حبيب الى النفوس‪ ،‬رحمة مهداة‪ ،‬ونعمة مسداة‪ ،‬مبارك أينما‬
‫ل وارتحل‪ ،‬حمدت طبائعه لنها هّذبت‬ ‫كان‪ ،‬محفوف بالعناية أينما وجد‪ ،‬محاط بالتقدير أينما ح ّ‬
‫بالوحي‪ ،‬وشرفت طباعه لنها صقلت بالنبوة‪ ،‬فال محمود ورسوله محمد‪:‬‬

‫ق له من اسمه ليجّله‬
‫وش ّ‬
‫فذو العرش محمود وهذا محّمد‬

‫شر بذلك عيسى قومه‪ ،‬واسمه العاقب والحاشر والماحي‪ ،‬وهو خاتم الرسل‬ ‫واسمه أحمد‪ ،‬ب ّ‬
‫وخيرة النبياء‪ ،‬وخطيبهم إذا وفدوا‪ ،‬وإمامهم إذا وردوا‪.‬‬

‫صاحب الحوض المورود‪ ،‬واللواء المعقود‪ ،‬والمقام المحمود‪ ،‬صاحب الغّرة والتحجيل‪،‬‬
‫المذكور في التوراة والنجيل‪ ،‬المؤّيد بجبريل‪ ،‬حامل لواء العّز في بني لؤي‪ ،‬وصاحب الطود‬
‫المنيف في بني عبدمناف بن قصي‪ ،‬أشرف من ُذكر في الفؤاد‪ ،‬وصفوة الحواضر والبوادي‪،‬‬
‫ل مصلح وهاد‪ ،‬جليل القدر‪ ،‬مشروح الصدر‪ ،‬مرفوع الذكر‪ ،‬رشيد المر‪ ،‬القائم بالشكر‪،‬‬ ‫وأج ّ‬
‫المحفوظ بالنصر‪ ،‬البريء من الوزر‪ ،‬المبارك في كل عصر‪ ،‬المعروف في كل مصر‪ ،‬في همة‬
‫الدهر‪ ،‬وجود البحر‪ ،‬وسخاء القطر‪ ،‬صلوات ال وسلمه عليه وآله وصحبه‪ ،‬ما نجٌم بدا‪ ،‬وطائر‬
‫شدا‪ ،‬ونسيم غدا‪ ،‬ومسافر حدا‪.‬‬

‫واما نسبه‪:‬‬
‫فالرسول صلى ال عليه وسلم خيار من خيار‪ ،‬الى نسبه يعود كل مخار‪ ،‬وهو من نكاح ل من‬
‫سفاح‪ ،‬آباؤه سادات الناس‪ ،‬وأجداده رؤوس القبائل‪ ،‬جمعوا المكارم كابرا عن كابر‪ ،‬واستولى‬
‫ل منه‪ ،‬ول في قرن هاشم أنبل منه‪ ،‬ول في‬ ‫على معالي المور‪ ،‬فلن تجد في صفة عبدالمطلب أج ّ‬
‫ي أعلى كعبا منه‪ ،‬وهكذا دواليك‪ ..‬حتى ىدم عليه‬
‫أتراب عبدمناف اكرم منه‪ ،‬ول في رعيل قص ّ‬
‫السلم‪ ،‬فهو صلى ال عليه وسلم سيد من سيد يروي المكارم أبا عن جد‪:‬‬

‫ب كأن عليه من شمس الضحى‬


‫نس ٌ‬
‫نورا ومن فلق الصباح عمودا‬

‫وأما موطنه عليه الصلة والسلم‪:‬‬


‫ب البلد إليه سبحانه‪ ،‬البلد الحرام‪ ،‬والتربة‬
‫فقد اختار ال له من بقاع العالم ومن بين أصقاعها أح ّ‬
‫الطاهرة‪ ،‬والرض المقدسة‪ ،‬والوطن المحاط بالعناية المحروس بالرعايةن فولد صلى ال عليه‬
‫جد المرسلون‪ ،‬وهبط الوحي‪ ،‬وطلع النور‪ ،‬وأشرقت‬ ‫وسلم في مكة حيث صلى النبياء‪ ،‬وته ّ‬
‫الرسالة‪ ،‬وسطعت النبوة‪ ،‬وانبلج فجر البعثة‪ ،‬وحيث البيت العتيق‪ ،‬والعهد الوثيق‪ ،‬والحب العميق‪،‬‬
‫فمكة مسقط رأس المعصوم‪ ،‬وفيها مهد طفولته‪ ،‬وملعب صباه‪ ،‬ومعاهد شبابه‪ ،‬ومراتع فتّوته‪،‬‬
‫ورياض أنسه‪.‬‬

‫ي تمائمي‬
‫بلٌد نيطت عل ّ‬
‫س جلدي ترابها‬
‫وأّول أرض م ّ‬

‫ففيها رضع لبن الطهر‪ ،‬ورشف ماء النبل‪ ،‬وحسا ينبوع الفضيلة‪ ،‬وفيها درج‪ ،‬ودخل وخرج‪،‬‬
‫وطلع وولج‪ ،‬فهي وطنه الول‪ ،‬بأبي هو وأمي‪ ،‬وهي بلدته العزيزة الى فؤاده‪ ،‬الحبيبة الى قلبه‪،‬‬
‫الثيرة الى روحه بنفسي هو‪.‬‬

‫وحّبب أوطان الرجال إليهم‬


‫معاهد قضاها الشباب هنالكا‬
‫إذا ذكروا أوطانهم ذكرتهمو‬
‫عهود الصبا منها فحّنوا لذالكا‬

‫ث دعوته العظمى‪ ،‬وأرسل للعالمين خطابه الحارّ‬ ‫فهناك في مكة صنع ملحمته الكبرى‪ ،‬وب ّ‬
‫الصادق‪ ،‬وبعث لهل الرض رسالته المشرقة الساطعة‪ ،‬حتى إنه لما أخرج من مكة وّدعها وداع‬
‫َ‬ ‫ُ‬
‫ذا ال ْب َل َ ِ‬
‫د)‪(2‬‬ ‫ح ّ‬
‫ل ب ِهَ َ‬ ‫ذا ال ْب َل َد ِ )‪ (1‬وَأن َ‬
‫ت ِ‬ ‫م ب ِهَ َ‬ ‫الوفياء وفارقها وما كاد يتحّمل هذا الفراق‪َ }:‬ل أقْ ِ‬
‫س ُ‬
‫{ البلد‪.‬‬

‫محمد صلى ال عليه وسلم طفل‪:‬‬


‫فإن الطهر ولد معه والِبشر صاحبه‪ ،‬والتوفيق رافقه‪ ،‬فهو طفل لكن ل كالطفال‪ ،‬براءة في‬
‫نجابة‪ ،‬وذكاء مع زكاء‪ ،‬وفطنه مع عناية‪ ،،‬فعين الرعاية تلحظه‪ ،‬ويد الحفظ تعاونه‪ ،‬وأغضان‬
‫الولية تظلله‪ ،‬فهو هالة النور بين الطفال‪ ،‬حفظه ال من الرعونة ومن كل خلق رديء ووصف‬
‫مقيت ومذهب سيء‪ ،‬لنه من ثغره مرشح لصلح العالم‪ ،‬مهيأ لسعاد البشرية‪ ،‬معّد بعناية‬
‫لخراج الناس من الظلمات الى التور‪ ،‬فهو الرجل لكن النبي‪ ،‬والنسان لكن الرسول‪ ،‬والعبد لكن‬
‫المعصوم‪ ،‬والبشر لكن الموحى إليه‪.‬‬

‫محمد صلى ال عليه وسلم ليس زعيما فحسب‪ ،‬لن الزعماء عدد شعر الرأس‪ ،‬لهم طموحات‬
‫من العلوم ومقاصد من الرئاسة ومآرب من الدنيا‪ ،‬أما هو فصالح مصلح‪ ،‬هاٍد مهدي‪ ،‬معه كتاب‬
‫سنة‪ ،‬ونور وهدى‪ ،‬وعلم نافع وعمل صالح‪ ،‬فهو لصلح الدنيا والخرة‪ ،‬ولسعادة الروح والجسد‪.‬‬

‫ومحمد صلى ال عليه وسلم ليس عالما فحسب‪ ،‬بل يعّلم بإذن ال العلماء‪ ،‬ويفقه الفقهاء‪ ،‬ويرشد‬
‫م)‪(52‬‬
‫قي ٍ‬
‫ست َ ِ‬
‫م ْ‬
‫ط ّ‬ ‫دي إ َِلى ِ‬
‫صَرا ٍ‬ ‫ك ل َت َهْ ِ‬
‫الخطباء‪ ،‬ويهدي الحكماء‪ ،‬ويدل الناس الى الصواب } وَإ ِن ّ َ‬
‫{ الشورى‪.‬‬

‫فكلهم من رسول ال ملتم ٌ‬


‫س‬
‫غرفًا من البحر أو رشفًا من اليّم‬
‫ومحمد صلى ال عليه وسلم ليس ملكا يبسط سلطانه وينشر جنوده وأعوانه‪ ،‬بل إمام معصوم‬
‫ونبي نرسل‪ ،‬وبشير ونذير لكل ملك ومملوك‪ ،‬وحر وعبد‪ ،‬وغني وفقير‪ ،‬وأبيض وأسود‪ ،‬وعربي‬
‫َ‬
‫ن )‪ { (107‬النبياء‪ ،‬ويقول عليه الصلة والسلم‪":‬‬ ‫ة ل ّل َْعال َ ِ‬
‫مي َ‬ ‫م ً‬ ‫ك إ ِّل َر ْ‬
‫ح َ‬ ‫سل َْنا َ‬ ‫وعجمي } وَ َ‬
‫ما أْر َ‬
‫والذي نفسي بيده ل يسمع بي أحد من هذه المة يهودي ول نصراني ثم يموت ولم يؤمن بالذي‬
‫أرسلت به إل كان من أصحاب النار"‪ .‬أخرجه مسلم ‪ 153‬عن أبي هريرة رضي ال عنه‪.‬‬

‫وأما شبابه‪ ،‬فهو زينة الشباب وجمال الفتيان‪ ،‬عفة ومروءة وعقل وأمانة وفصاحة‪ ،‬لم يكن‬
‫يكذب كذبة واحدة‪ ،‬ولم تعلم له عثرة واحدة ول زلة واحدة ول منقصة واحدة‪ ،‬فهو طاهر الزار‬
‫ي الخلق‪ ،‬عذب‬ ‫مأمون الدخيلة‪ ،‬زاكي السر والعلن‪ ،‬وقور المقام‪ ،‬محترم الجانب‪ ،‬أريح ّ‬
‫ف الخصال‪ ،‬حسن الخلل‪.‬‬ ‫السجايا‪ ،‬صادق المنطق‪ ،‬ع ّ‬

‫لم يستطع أعداؤه حفظ زلة عليه مع شدة عداوتهم وعظيم مكرهم وضراوة حقدهم‪ ،‬بل لم يعثروا‬
‫في ملف خلقه الكريم على ما يعيب‪ ،‬بل وجدوا والحمد ل كل ما غاظهم من نبل الهمة ونظافة‬
‫السجل‪ ،‬وطهر في السيرة‪ ،‬وجدوا الصدق الذي يباهي سناء الشمس‪ ،‬ووجدوا الطهر الذي يتطهر‬
‫به ماء الغمام‪ ،‬فهو بنفس الغاية في كل خلق شريف وفي كل مذهب عفيف‪ ،‬فكان في عنفوان‬
‫شبابه مستودع المانات ومرّد الراء ومرجع المحاكمات ومضرب المثل في البّر والسموّ والرشد‬
‫م)‪ { (4‬القلم‪.‬‬
‫ظي ٍ‬ ‫خل ُ ٍ‬
‫ق عَ ِ‬ ‫ك ل ََعلى ُ‬
‫والفصاحة }وَإ ِن ّ َ‬

‫محمد صلى ال عليه وسلم رسول‪:‬‬


‫فهو النبأ العظيم‪ ،‬والحدث الهائل‪ ،‬والخبر العجيب‪ ،‬والشأن الفخم‪ ،‬والمر الضخم }ع َ ّ‬
‫م‬
‫ن )‪ {(3‬النبأ‪ ،‬فمبعثه حقيقة هو‬
‫فو َ‬
‫خت َل ِ ُ‬
‫م ْ‬
‫م ِفيهِ ُ‬ ‫ظيم ِ )‪ (2‬ال ّ ِ‬
‫ذي هُ ْ‬ ‫ن الن ّب َإ ِ ال ْعَ ِ‬ ‫ساءُلو َ‬
‫ن )‪ (1‬ع َ ِ‬ ‫ي َت َ َ‬
‫أروع النباء وأعظم الخبار الذي سارت به الخبار‪ ،‬وتحّدث به السّمار‪ ،‬ورعاه الركبان‪،‬‬
‫واندهش منه الدهر‪ ،‬وذهب منه الزمن‪ ،‬فقد استدار له التاريخ ووقفت له اليام‪ ،‬فقصة إرساله عليه‬
‫الصلة والسلم ل يلفها الظلم ول تغطيها الريح ول يحجبها الغمام‪ ،‬فإنما هي قصة عبرت‬
‫البحار واجتازت القفار‪ ،‬ونزلت على العالم نزول الغيث‪ ،‬وأشرقت إشراق الشمس‪ ،‬فهو بإختصار‬
‫َ‬
‫م ُنورِهِ وَل َوْ ك َرِهَ‬
‫مت ِ ّ‬ ‫م َوالل ّ ُ‬
‫ه ُ‬ ‫ؤوا ُنوَر الل ّهِ ب ِأفْ َ‬
‫واه ِهِ ْ‬ ‫ن ل ِي ُط ْ ِ‬
‫ف ُ‬ ‫دو َ‬ ‫نور‪ ،‬وهل يخفى النور؟ }ي ُ ِ‬
‫ري ُ‬
‫ن )‪ {(8‬الصف‪.‬‬ ‫ال ْ َ‬
‫كافُِرو َ‬

‫ح عنه صلى ال عليه وسلم أنه قال‪ ":‬مثل ما بعثني ال به من الهدى والعلم كمثل الغيث"‬
‫وص ّ‬
‫أخرجه البخاري ‪ ،79‬ومسلم ‪ 2282‬عن أبي موسى الشعري رضي ال عنه‪.‬‬

‫عدّوك مذموٌم بكل لسان‬


‫وإن كان أعداءك القمران‬
‫ول سّر في علك وإنما‬
‫كلم الورى ضرب من الهذيان‬

‫فهو عليه الصلة والسلم بعث ليعبد ال وحده ل شريك له‪ ،‬بعث ليوحد ال‪ ،‬بعث ليقال في‬
‫ق الحق ويبطل الباطل‪ ،‬بعث بالمحجة البيضاء‬
‫الرض‪ :‬ل اله إل ال محمد رسول ال‪ ،‬بعث ليح ّ‬
‫والملة الغّراء والشريعة السمحاء‪ ،‬بعث بالعدل والحسان وإيتاء ذي القربى‪ ،‬بعث بالخير والسلم‬
‫والبّر والمحبة والسعادة والصلح‪ ،‬والمن واليمان‪ ،‬بعث بالطهارة والصلة والزكاة والصوم‬
‫والحج والجهاد والمر بالمعروف والنهي عن المنكر‪ ،‬بعث بمعالي المور ومكارم الخلق‬
‫ومحاسن الطباع ومجامع الفضيلة‪ ،‬بعث لدحض الشرك وسحق الصنام وكسر الوثان وطرد‬
‫ل عليه‪ ،‬وما من شّر إل‬
‫الجهل ومحاربة الظلم وإزهاق الباطل ونفي الرذيلة‪ ،‬فما من خير إل د ّ‬
‫حّذر منه‪.‬‬

‫وأما خلقه عليه الصلة والسلم فإن ال هو الذي أّدبه فأحسن تأديبه‪ ،‬فهو أحسن الناس خلقا‪،‬‬
‫وأسّدهم قول‪ ،‬وأمثلهم طريقة‪ ،‬وأصدقهم خبرا‪ ،‬وأعدلهم حكما‪ ،‬وأطهرهم سريرة‪ ،‬وأنقاهم سيرة‪،‬‬
‫وأفضلهم سجايا‪ ،‬وأجودهم يدا‪ ،‬وأسمحهم خاطرا‪ ،‬وأصفاهم صدرا‪ ،‬وأتقاهم لربه‪ ،‬وأخشاهم‬
‫لموله‪ ،‬وأعلمهم بالمة‪ ،‬وأوصلهم رحمة‪ ،‬وأزكاهم منبتا‪ ،‬وأكرمهم محتدا‪ ،‬وأشجعهم قلبا‪ ،‬وأثبتهم‬
‫جنانا‪ ،‬وأمضاهم حجة‪ ،‬وخيرهم نفسا ونسبا وخلقا ودينا‪.‬‬

‫سر‬ ‫فهو جميل الصفات مشرق المحّيا‪ ،‬قريب من القلوب‪ ،‬حبيب الى الرواح‪ ،‬سهل الخليقة‪ ،‬مي ّ‬
‫الطريقة‪ ،‬مبارك الحال‪ ،‬تعلوه مهابة وترافقه جللة‪ ،‬على وجهه نور الرسالة‪ ،‬وعلى ثغره بسمة‬
‫ي القلب‪ ،‬ذكي الخاطر‪ ،‬عظيم الفطنة‪ ،‬سديد الرأي‪ ،‬ريان المشاعر بالخير‪ ،‬يسعد به‬
‫المحبة‪ ،‬ح ّ‬
‫ب الفأل ويكره الطيرة‪ ،‬يعفو ويصفح‪ ،‬ويسخو‬ ‫جليسه‪ ،‬وينعم به رفيقه‪ ،‬ويرتاح له صاحبه‪ ،‬يح ّ‬
‫ويمنح‪ ،‬أجود من الريح المرسلة‪ ،‬وأكرم من الغيث الهاطل‪ ،‬وأبهى من البدر‪ ،‬وسع الناس بأخلقه‬
‫وطّوق الرجال بكرمه‪ ،‬وأسعد البشرية بدعوته‪ ،‬من رآه أحّبه‪ ،‬ومن عرفه هابه‪ ،‬ومن داخله أجّله‪،‬‬
‫كلمه يأخذ بالقلوب‪ ،‬وسجاياه تأسر الرواح‪.‬‬

‫صن لسانه فل يزل‪،‬‬ ‫ثّبت ال قلبه فل يزيغ‪ ،‬وسّدد كلمه فل يجهل‪ ،‬وحفظ عينهفل تخون‪ ،‬وح ّ‬
‫خل ُ ٍ‬
‫ق‬ ‫ك ل ََعلى ُ‬
‫ورعى دينه فل يضل‪ ،‬وتولى أمره فل يضيع‪ ،‬فهو محفوظ مبارك ميمون }وَإ ِن ّ َ‬
‫م { آل عمران ‪.159‬يقول عليه الصلة‬ ‫ت ل َهُ ْ‬
‫ن الل ّهِ ِلن َ‬
‫م َ‬
‫مةٍ ّ‬
‫ح َ‬ ‫ظيم ٍ )‪ {(4‬القلم‪ } ،‬فَب ِ َ‬
‫ما َر ْ‬ ‫عَ ِ‬
‫والسلم‪ ":‬إن أتقاكم وأعلمكم بال أنا" أخرجه البخاري ‪ 20‬عن عائشة رضي ال عنها‪ .‬ويقول‪":‬‬
‫خيركم خيركم لهله وأنا خيركم لهله" أخرجه الترمذي ‪ 3895‬والبيهقي في السنن ‪ 15477‬عن‬
‫عائشة‪ .‬ويروى عنه أنه قال‪ ":‬إنما بعثت لتمم مكارم الخلق" أخرجه البيهقي في السنن الكبرى‬
‫‪ .20571‬فسبحان من اجتباه واصطفاه وتوله وحماه ورعاه وكفاه‪ ،‬ومن كل بلء حسن أبله‪.‬‬

‫وأما دينه‪:‬‬
‫من ي َب ْت َِغ‬ ‫ب الديان الى ال }وَ َ‬ ‫فهو السلم‪ ،‬دين الفطرة‪ ،‬دين الوسط‪ ،‬دين الفلح والنجاة‪ ،‬أح ّ‬
‫ن )‪ { (85‬آل عمران‪ ،‬دين‬ ‫ري َ‬
‫س ِ‬
‫خا ِ‬ ‫ن ال ْ َ‬
‫م َ‬‫خَرةِ ِ‬‫ه وَهُوَ ِفي ال ِ‬ ‫من ْ ُ‬
‫ل ِ‬ ‫سل َم ِ ِدينا ً فََلن ي ُ ْ‬
‫قب َ َ‬ ‫غ َي َْر ال ِ ْ‬
‫َ‬
‫ت ل َك ُ ْ‬
‫م‬ ‫مل ْ ُ‬ ‫سر‪ ،‬عام شامل‪ ،‬كامل تام }ال ْي َوْ َ‬
‫م أك ْ َ‬ ‫جاء لوضع الصار والغلل عن المة‪ ،‬سهل مي ّ‬
‫سل ََم ِدينا ً { المائدة ‪.3‬‬ ‫َ‬
‫ت ل َك ُ ُ‬
‫م ال ِ ْ‬ ‫ضي ُ‬
‫مِتي وََر ِ‬ ‫م ن ِعْ َ‬‫ت ع َل َي ْك ُ ْ‬
‫م ُ‬
‫م ْ‬
‫م وَأت ْ َ‬ ‫ِدين َك ُ ْ‬

‫ب العباد‪ ،‬ومن ضيق الدنيا الى سعة الخرة‪،‬‬‫دين جاء ليخرج الناس من عبادة العباد الى عبادة ر ّ‬
‫ومن ظلمات الشرك الى نور التوحيد‪ ،‬ومن شقاء الكفر الى سعادة اليمان‪.‬‬

‫دين صالح لكل زمان ومكان‪ ،‬شرعه من يغفر الزلة‪ ،‬وهو الذي يعلم السّر وأخفى‪ ،‬العالم بعلنية‬
‫العبد والنجوى‪.‬‬

‫وهو الدين الوسط الذي جاء بالعلم النافع والعمل الصالح‪ ،‬خلف ما كان عليه اليهود؛ لن عندهم‬
‫علم غير نافع لم يعملوا به‪ ،‬فغضب ال عليهم‪ ،‬وخلف النصارى؛ لن عندهم عمل بل علم‪،‬‬
‫فضلوا سواء السبيل‪ .‬فدين السلم صراط الذين أنعم ال عليهم غير المغضوب عليهم ول‬
‫الضالين‪ .‬فالرسول صلى ال عليه وشلم بعث أميا من الميين يتلو عليهم آيات ال ويزكيهم‬
‫ويعلمهم الكتاب والحكمة‪ ،‬وإن كانوا من قبله لمن الضالين‪ ،‬فجاء هذا الدين بتحريم الكذب في‬
‫القوال والزور في الشهادة‪ ،‬والظلم في الحكام‪ ،‬والجور في الولية‪ ،‬والتصفيف في المكيال‬
‫والميزان‪ ،‬والبغي على الناس والعتداء على الغير والضرار بالنفس والناس‪ ،‬فحفظ القلب‬
‫باليمان‪ ،‬والجسم بأسباب الصحة‪ ،‬والمال من التلف‪ ،‬والعرض من النتهاك‪ ،‬والدم من السفك‪،‬‬
‫والعقل من إذهابه وتغييره‪.‬‬

‫وأما كتابه‪:‬‬
‫ل المواثيق‪ ،‬وأحسن القصص وأحسن الحديث‪ ،‬فهو الحق المهيب‬ ‫فهو القرآن‪ ،‬أفضل الكتب وأج ّ‬
‫صلت آياته ثم‬
‫الذي ل يأتيه الباطل من بين يديه ول من خلفه‪ ،‬تنزيل من حكيم حميد‪ ،‬كتاب ف ّ‬
‫أحكمت‪ ،‬مبارك في تلوته وتدبره والستشفاء به والتحاكم اليه والعمل به‪ ،‬كل حرف منه بعشر‬
‫حسنات‪ ،‬شافع مشّفع‪ ،‬وشاهد صادق‪ ،‬أنيس ممتع‪ ،‬وسمير مفيد‪ ،‬وصاحب أمين‪ ،‬معجز مؤثر‪ ،‬له‬
‫حلوة وعليه طلوة‪ ،‬يعلو ول يعلى عليه‪ ،‬ليس بسحر ول شعر ول بكهانة ول بقول بشر‪ ،‬بل هو‬
‫ب العالمين ليكون من‬
‫كلم ال‪ ،‬منه بدا وإليه يعود‪ ،‬نزل به الروح المين على قلب رسول ر ّ‬
‫المرسلين‪ ،‬بلسان عربي مبين‪ ،‬فهو الكتاب الذي بّز فصاحة‪ ،‬وفاقها بلغة‪ ،‬وعل عليها حجة‬
‫وبيانا‪ ،‬وهو هدى ورحمة وموعظة وشفاء لما في الصدور‪ ،‬ونور وبرهان ورشد وسداد ونصيحة‬
‫وتعليم‪ ،‬محفوظ من التبديل‪ ،‬محروس من الزيادة والنقص‪ ،‬معجزة خالدة‪ ،‬عصمة لمن اتبعه ونجاة‬
‫لمن عمل به‪ ،‬وسعادة لمن استرشده‪ ،‬وفوز لمن اهتدى بهديه‪ ،‬وفلح لمن حكمه في حياته‪ .‬يقول‬
‫عليه الصلة والسلم‪ ":‬اقرؤوا القرآن فإنه يأتي يوم القيامة شفيعا لصحابه" أخرجه مسلم ‪804‬‬
‫عن أبي أمامة الباهلي رضي ال عنه‪ ،‬وقال‪ ":‬خيركم من تعّلم القرآن وعّلمه" أخرجه البخاري‬
‫‪ 5027‬عن عثمان رضي ال عنه‪ ،‬وقال‪ ":‬إن ال يرفع بهذا الكتاب أقواما ويضع به آخرين"‬
‫أخرجه مسلم ‪ 817‬عن عمر رضي ال عنه‪ .‬وهو الكتاب الذي أفحم الشعراء‪ ،‬وأسكت الخطباء‪،‬‬
‫ن‬‫وغلب البلغاء‪ ،‬وقهر العرب العرباء‪ ،‬وأعجز الفصحاء‪ ،‬وأعجب العلماء وأذهل الحكماء }إ ِ ّ‬
‫ي أ َقْوَُم{ السراء ‪.9‬‬
‫دي ل ِل ِّتي ه ِ َ‬
‫ن ي ِهْ ِ‬ ‫ذا ال ْ ُ‬
‫قْرآ َ‬ ‫هـ َ‬
‫َ‬

‫محمد صلى ال عليه وسلم صادقا‪:‬‬


‫فهو أصدق من تكلم‪ ،‬كلمه حق وصدق وعدل‪ ،‬لم يعرف الكذب في حياته جاّدا أو مازحا‪ ،‬بل‬
‫ن الصدق يهدي الى البر‪ ،‬وإن البّر يهدي الى الجنة‪،‬‬
‫حّرم الكذب وذّم أهله ونهى عنه‪ ،‬وقال‪ ":‬إ ّ‬
‫ول يزال الرجل يصدق ويتحرى الصدق حتى يكتب عند ال صّديقا‪ "..‬الحديث أخرجه البخاري‬
‫‪ 6094‬ومسلم ‪ 2607‬عن عبدال بن مسعود رضي ال عنه‪.‬‬

‫وأخبر ان المؤمن قد يبخل وقد يجبن‪ ،‬لكنه ل يكذب أبدا‪ ،‬وحذر من الكذب في المزاح لضحاك‬
‫القوم‪ ،‬فعاش عليه الصلة والسلم والصدق حبيبه وصاحبه‪ ،‬ويكفيه صدقا صلى ال عليه وسلم‬
‫أنه أخبر عن ال بعلم الغيب‪ ،‬وائتمنه ال على الرسالة‪ ،‬فأداها للمة كاملة تامة‪ ،‬لم ينقص حرفا‬
‫ولم يزد حرفا‪ ،‬وبّلغ المانة عن ربه بأتّم البلغ‪ ،‬فكل قوله وعمله وحاله مبني على الصدق‪ ،‬فهو‬
‫صادق في سلمه وحربه‪ ،‬ورضاه وغضبه‪ ،‬وجّد وهزله‪ ،‬وبيانه وحكمه‪ ،‬صادق مع القريب‬
‫والبعيد‪ ،‬والصديق والعدو‪ ،‬والرجل والمرأة‪ ،‬صادق في نفسه ومع الناس‪ ،‬في حضره وسفره‪،‬‬
‫وحّله وإقامته‪ ،‬ومحاربته ومصالحته‪ ،‬وبيعه وشرائه‪ ،‬وعقوده وعهوده ومواثيقه‪ ،‬وخطبه‬
‫ورسائله‪ ،‬وفتاويه وقصصه‪ ،‬وقوله ونقله‪ ،‬وروايته ودرايته‪ ،‬بل معصوم من أن يكذب‪ ،‬فال مانعه‬
‫وحاميه من هذا الخلق المشين‪ ،‬قد أقام لسانه وسّدد لفظه‪ ،‬وأصلح نطقه وقّوم حديثه‪ ،‬فهو الصادق‬
‫المصدوق‪ ،‬الذي لم يحفظ له حرف واحد غير صادق فيه‪ ،‬ول كلمة واحدة خلف الحق‪ ،‬ولم‬
‫يخالف ظاهره باطنه‪ ،‬بل حتى كان صادقا في لحظاته ولفظاته وإشارات عينيه‪ ،‬وهو الذي يقول‪":‬‬
‫ما كان لنبي أن تكون له خائنة أعين" أخرجه أبو داود ‪ 4359‬والنسائي ‪ ،4067‬وذلك لما قال له‬
‫أصحابه‪ :‬أل أشرت لنا بعينك في قتل السير؟!‬

‫بل هو الذي جاء بالصدق من عند ربه‪ ،‬فكلمه صدق وسّنته صدق‪ ،‬ورضاه صدق وغضبه‬
‫صدق‪ ،‬ومدخله صدق ومخرجه صدق‪ ،‬وضحكه صدق وبكاؤه صدق‪ ،‬ويقظته صدق ومنامه‬
‫كوُنوا ْ‬ ‫قوا ْ الل ّ َ‬
‫ه وَ ُ‬ ‫مُنوا ْ ات ّ ُ‬
‫نآ َ‬
‫ذي َ‬
‫َ‬
‫م { الحزاب ‪َ} ،8‬يا أي َّها ال ّ ِ‬ ‫صد ْقِهِ ْ‬
‫عن ِ‬
‫ن َ‬
‫صاد ِِقي َ‬ ‫سأ َ َ‬
‫ل ال ّ‬ ‫صدق }ل ِي َ ْ‬
‫م )‪ { (21‬محمد‪.‬‬ ‫ّ‬ ‫ً‬
‫خْيرا لهُ ْ‬ ‫ن َ‬ ‫َ‬ ‫َ‬
‫ه لكا َ‬ ‫ّ‬ ‫َ‬
‫ن )‪ {(119‬التوبة‪} ،‬فَلوْ َ‬
‫صد َُقوا الل َ‬ ‫صاد ِِقي َ‬ ‫معَ ال ّ‬
‫َ‬

‫فهو صلى ال عليه وسلم صادق مع ربه‪ ،‬صادق مع نفسه‪ ،‬صادق مع الناس‪ ،‬صادق مع أهله‪،‬‬
‫ل لكان محمدًا صلى ال عليه وسلم‪ ،‬وهل ُيتعلم الصدق إل‬‫صادق مع أعدائه‪ ،‬فلو كان الصدق رج ً‬
‫منه بأبي هو وأم؟ وهل ينقل الصدق إل عنه بنفسي هو؟ فهو الصادق المين في الجاهلية قبل‬
‫السلم والرسالة‪ ،‬فكيف حاله بال بعد الوحي والهداية ونزول جبريل عليه ونبّوته وإكرام ال له‬
‫بالصطفاء والجتباء والختيار؟!‬

‫محمد صلى ال عليه وسلم صابرا‪:‬‬


‫فل يعلم أحد مّر به من المصائب والمصاعب والمشاق والزمات كما مّر به صلى ال عليه‬
‫ك إ ِل ّ ِبالل ّهِ { النحل ‪ ،127‬صبرعلى اليتم والفقر‬‫صب ُْر َ‬
‫ما َ‬ ‫وسلم‪ ،‬وهو صابر محتسب }َوا ْ‬
‫صب ِْر وَ َ‬
‫والعوز والجوع والحاجة والتعب والحسد والشماتة وغلبة العدو أحيانا‪ ،‬وصبر على الطرد من‬
‫الوطن والخراج من الدار والبعاد عن الهل‪ ،‬وصبر على قتل القرابة والفتك بالصحاب‬
‫وتشريد التباع وتكالب العداء وتحّزب الخصوم واجتماع المحاربين وصلف المغرضين وكبر‬
‫الجبارين وجهل العراب وجفاء البادية ومكر اليهود وعتّو النصارى وخبث المنافقين وضرواة‬
‫المحاربين‪ ،‬وصبر على تجّهم القريب وتكالب البعيد‪ ،‬وصولة الباطل وطغيان المكذبين‪ ..‬صبر‬
‫على الدنيا بزينتها وزخرفها وذهبها وفضتها‪ ،‬فلم يتعلق منها بشيء‪ ،‬وصبر على إغراء الولية‬
‫وبريق المنصب وشهوة الرئاسة‪ ،‬فصدف عن ذلك كله طلبا لمرضاة ربه‪ ،‬فهو صلى ال عليه‬
‫وسلم الصابر المحتسب في كل شأن من شؤون حياته‪ ،‬فالصبر درعه وترسه وصاحبه وحليفه‪،‬‬
‫ن { طه ‪ ،130‬وكلما بلغ به الحال أشّده‬ ‫قوُلو َ‬ ‫صب ِْر ع ََلى َ‬
‫ما ي َ ُ‬ ‫كلما أزعجه كلم أعدائه تذّكر }َفا ْ‬
‫ض مضجعه‬ ‫ل { يوسف ‪ ،18‬وكلما راعه هول العدو وأق ّ‬ ‫مي ٌ‬ ‫ج ِ‬‫صب ٌْر َ‬ ‫والمر أضيقه تذّكر }فَ َ‬
‫ُ‬
‫ل { الحقاف ‪.35‬‬ ‫س ِ‬
‫ن الّر ُ‬ ‫صب ََر أوُْلوا ال ْعَْزم ِ ِ‬
‫م َ‬ ‫ما َ‬ ‫صب ِْر ك َ َ‬‫تخطيط الكفار تذّكر}َفا ْ‬

‫وصبره صلى ال عليه وسلم صبر الواثق بنصر ال‪ ،‬المطمئن الى وعد ال‪ ،‬الراكن الى موله‪،‬‬
‫ل في عله‪ ،‬وصبره صبر من علم أن ال سوف ينصره ل محالة‪،‬‬ ‫المحتسب الثواب من رّبه ج ّ‬
‫وأن العاقبة له‪ ،‬وأن ال معه‪ ،‬وأن ال حسبه وكافيه‪ ،‬يصبر صلى ال عليه وسلم على الكلمة النابية‬
‫فل تهزه‪ ،‬وعلى اللفظة الجارحة فل تزعجه‪ ،‬وعلى اليذاء المتعّمد فل ينال منه‪.‬‬

‫مات عمه فصبر‪ ،‬وماتت زوجته فصبر‪ ،‬وقتل حمزة فصبر‪ ،‬وأبعد من مكة فصبر‪ ،‬وتوفي ابنه‬
‫فصبر‪ ،‬وتوفي ابنه فصبر‪ ،‬ورميت زوجته الطاهرة فصبر‪ ،‬وُكّذب فصبر‪ ،‬قالوا له شاعر كاهن‬
‫ساحر مجنون كاذب مفتر فصبر‪ ،‬أخرجوه‪ ،‬آذوه‪ ،‬شتموه‪ ،‬سّبوه‪ ،‬حاربوه‪ ،‬سجنوه‪ ..‬فصبر‪ ،‬وهل‬
‫يتعّلم الصبر إل منه؟ وهل ُيقتدى بأحد في الصبر إل به؟ فهو مضرب المثل في سعة الصدر‬
‫وجليل الصبر وعظيم التجّمل وثبات القلب‪ ،‬وهو إمام الصابرين وقدوة الشاكرين صلى ال عليه‬
‫وسلم‪.‬‬

‫محمد صلى ال عليه وسلم جوادا‪:‬‬


‫فهو أكرم من خلق ال‪ ،‬وأجود البرية نفسا ويدا‪ ،‬فكّفه غمامة بالخير‪ ،‬ويده غيث الجود‪ ،‬بل هو‬
‫أسرع بالخير من الريح المرسلة‪ ،‬ل يعرف "ل" إل في التشهد‪:‬‬

‫كا قال "ل" قط إل في تشهّده‬


‫لول التشهد كانت لؤه نعم‬

‫يعطي عليه الصلة والسلم عطاء من ل يخشى الفقر؛ لنه بعث بمكارم الخلق‪ ،‬فهو سيد‬
‫الجواد على الطلق‪ ،‬أعطى غنما بين جبلين‪ ،‬وأعطى كل رئيس قبيلة من العرب مائة ناقة‪،‬‬
‫وسأله سائل ثوبه الذي يلبسه فخلعه وأعطاه‪ ،‬وكان ل يرّد طالب حاجة‪ ،‬قد وسع الناس بّره‪،‬‬
‫سام‪:‬‬
‫طعامه مبذول وكفه مدرار‪ ،‬وصدره واسع‪ ،‬وخلقه سهل‪ ،‬ووجه ب ّ‬

‫تراه إذا ما جئته متهلل‬


‫كأنك تعطيه الذي أنت سائله‬

‫ينفق مع العدم ويعطي مع الفقر‪ ،‬يجمع الغنائم ثو يوزعها في ساعة‪ ،‬ول يأخذ منها شيئا‪ ،‬مائدته‬
‫صلى ال عليه وسلم معروضة لكل قادم‪ ،‬وبيته قبلة لكل وافد‪ ،‬يضيف وينفق ويعطي الجائع بأكله‪،‬‬
‫ويؤثر المحتاج بذات يده‪ ،‬ويصل القريب بما يملك‪ ،‬ويواسي المحتاج بما عنده‪ ،‬ويقّدم الغريب‬
‫على نفسه‪ ،‬فكان صلى ال عليه وسلم آية في الجود والكرم‪ ،‬حتى ل يقارن به أجواد العرب كحاتم‬
‫وهرم ابن جدعان؛ لنه يعطي عطاء من ل يطلب الخلف إل من ال‪ ،‬ويجود جود من هانت عليه‬
‫نفسه وماله وكل ما يملك في سبيل ربه وموله‪ ،‬فهو أندى العالمين كفا‪ ،‬وأسخاهم يدا‪ ،‬وأكرمهم‬
‫محتدا‪ ،‬قد غمر أصحابه وأحبابه وأتباعه‪ ،‬بل حتى أعداءه ببّره وإحسانه وجوده وكرمه وتفضله‪،‬‬
‫ف المنافقون بسفرته‪ ،‬ولم ُيحفظ عنه‬
‫أكل اليهود على مائدته‪ ،‬وجلس العراب على طعامه‪ ،‬وح ّ‬
‫جر من سائل أو تضايق من طالب‪ ،‬بل جّر أعرابي‬ ‫صلى ال عليه وسلم أنه تبّرم بضيف أو تض ّ‬
‫برده حتى أّثر في عنقه وقال له‪ :‬أعطني من مال ال الذي عندك‪ ،‬ل من مال أبيك وأّمك‪ ،‬فالتفت‬
‫إليه صلى ال عليه وسلم وضحك وأعطاه‪ ،‬وجاءته الكنوز من الذهب والفضة وأنفقها في مجلس‬
‫واحد ولم يّدخر منها درهما ول دينارا ول قطعة‪ ،‬فكان أسعد بالعطية يعطيها من السائل‪ ،‬وكان‬
‫يأمر بالنفاق والكرم والبذل‪ ،‬ويدعو للجود والسخاء‪ ،‬ويذّم البخل والمساك‪ ،‬فيقول‪ ":‬من كان‬
‫بؤمن بال واليوم الخر فليكرم ضيفه" أخرجه البخاري ] ‪ [6138 ،6136 ،6018‬ومسلم ‪47‬‬
‫عن أبي هريرة رضي ال عنه‪ ،‬وقال‪ ":‬كل امرئ في ظل صدقته حتى يفصل بين الناس" أخرجه‬
‫ابن خزيمة في صحيحه ‪ ،2431‬وابن حبان في صحيحه ‪ .3310‬وقال‪ ":‬ما نقصت صدقة من‬
‫مال" أخرجه مسلم ‪ 2588‬عن أبي هريرة رضي ال عنه‪.‬‬

‫محمد صلى ال عليه وسلم شجاعا‪:‬‬


‫هذا مما تناقلته الخبار وسار مسير الشمس في رابعة النهار‪ ،‬فكان أثبت الناس قلبا‪ ،‬وكان‬
‫كالطود ل يتزعزع ول يتزلزل‪ ،‬ول يخاف التهديد والوعيد‪ ،‬ول ترهبه المواقف والزمات‪ ،‬ول‬
‫تهزه الحوادث والملّمات‪ ،‬فّوض أمره لربه وتوكل عليه وأناب إليه‪ ،‬ورضي بحكمه واكتفى‬
‫بنصره ووثق بوعده‪ ،‬فكان عليه الصلة والسلم يخوض المعارك بنفسه ويباشر القتال بشخصه‬
‫الكريم‪ ،‬يعّرض روحه للمنايا ويقّدم نفسه للموت‪ ،‬غير هائب ول خائف‪ ،‬ولم يفّر من معركة قط‪،‬‬
‫وما تراجع خطوة واحدة ساعة يحمي الوطيس وتقوم الحرب على ساق وتشرع السيوف وتمتشق‬
‫الرماح وتهوي الرؤوس ويدور كأس المنايا على النفوس‪ ،‬فهو في تلك اللحظة أقرب أصحابه من‬
‫الخطر‪ ،‬يحتمون أحيانا وهو صامد مجاهد‪ ،‬ل يكترث بالعدوّ ولو كثر عدده‪ ،‬ول يأبه بالخصم ولو‬
‫قوي بأسه‪ ،‬بل كان يعدل الصفوف ويشجع المقاتلين ويتقدم الكتائب‪.‬‬

‫ل‬‫سِبي ِ‬
‫ل ِفي َ‬ ‫ر الناس يوم حنينن وما ثبت إل هو وستة من أصحابه‪ ،‬ونزل عليه }فَ َ‬
‫قات ِ ْ‬ ‫وقد ف ّ‬
‫ن{ النساء ‪ ،84‬وكان صدره بارزا للسيوف والرماح‪،‬‬ ‫مؤ ْ ِ‬
‫مِني َ‬ ‫ْ‬
‫ض ال ُ‬ ‫س َ‬ ‫الل ّهِ ل َ ت ُكل ُ‬
‫ف إ ِل ّ ن َ ْ‬ ‫ّ‬ ‫َ‬
‫حّر ِ‬
‫ك وَ َ‬ ‫ف َ‬
‫يصرع البطال بين يديه ويذبح الكماة أمام ناظريه وهو باسم المحيا‪ ،‬طلق الوجه‪ ،‬ساكن النفس‪.‬‬

‫وقفت وما في الموت شك لواقف‬


‫كأنك في جفن الّردى وهو نائم‬
‫تمّر بك البطال كلمى هزيمة‬
‫ضاح وثغرك باسم‬ ‫ووجهك و ّ‬

‫ج عليه الصلة والسلم في وجهه وكسرت رباعيته‪ ،‬وقتل سبعون من أصحابه‪ ،‬فما وهن‬ ‫شّ‬‫وقد ُ‬
‫ول ضعف ول خار‪ ،‬بل كان أمضى من السيف‪ .‬وبرز يوم بدر وقاد المعركة بنفسه‪ ،‬وخاض‬
‫ن الجهاد‬
‫ب عند سماع المنادي‪ ،‬بل هو الذي س ّ‬
‫غمار الموت بروحه الشريفة‪ .‬وكان أول من يه ّ‬
‫ث وأمر به‪.‬‬
‫وح ّ‬

‫ل الكرب‪ ،‬وبلغت القلوب‬


‫وتكالبت عليه الحزاب يوم الخندق من كل مكان‪ ،‬وضاق المر وح ّ‬
‫الحناجر‪ ،‬وظن بال الظنون‪ ،‬وزلزل المؤمنون زلزال شديدا‪ ،‬فقام صلى ال عليه وسلم يصلي‬
‫ويدعو ويستغيث موله حتى نصره رّبه ورّد كيد عدّوه وأخزى خصومه وأرسل عليهم ريحا‬
‫وجنودا وباؤوا بالخسران والهوان‪.‬‬

‫ونام الناس ليلة بدر وما نام هو صلى ال عليه وسلم‪ ،‬بل قام يدعو ويتضّرع ويتوسل الى ربه‬
‫ويسأله نصره وتأييده‪ ،‬فيا له من إمام وما أشجعه! ل يقوم لغضبه أحد‪ ،‬ول يبلغ مبلغه في ثبات‬
‫الجأش وقوة القلب مخلوق‪ ،‬فهو الشجاع الفريد والصنديد الوحيد الذي كملت فيه صفات الشجاعة‬
‫وتّمت فيه سجايا القدام وقوة البأس‪ ،‬وهو القائل‪ ":‬والذي نفسي بيده لوددت أنني أقتل في سبيل‬
‫ال ثم أحيا ثم أقتل" أخرجه البخاري ]‪ [36،2797‬ومسلم ‪ 1876‬عن أبي هريرة رضي ال عنه‪.‬‬

‫محمد صلى ال عليه وسلم زاهدا‪:‬‬


‫كان زهده صلى ال عليه وسلم زهد من علم فناء الدنيا وسرعة زوالها وقلة زادها وقصر‬
‫عمرها‪ ،‬وبقاء الخرة وما أعّده ال لوليائه فيها من نعيم مقيم وأجر عظيم وخلود دائم‪ ،‬فرفض‬
‫صلى ال عليه وسلم الخذ من الدنيا إل بدقر ما يسّد الرمق ويقيم الود‪ ،‬مع العلم أن الدنيا‬
‫عرضت عليه وتزّينت له وأقبلت إليه‪ ،‬ولو أراد جبال الدنيا أن تكون ذهبا وفضة لكانت‪ ،‬بل آثر‬
‫الزهد والكفاف‪ ،‬فربما بات جائعا ويمّر الشهر ل توقد في بيته نار‪ ،‬ويستمر اليام طاويا ل يجد‬
‫رديء التمر يسّد به جوعه‪ ،‬وما شبع من خبز الشعير ثلث ليال متواليات‪ ،‬وكان ينام على‬
‫الحصير حتى أّثر في جنبه‪ ،‬وربط الحجر على بطنه من الجوع‪ ،‬وكان ربما عرف أصحابه أثر‬
‫الجوع في وجهه عليه الصلة والسلم‪.‬‬
‫وكان بيته من طين‪ ،‬متقارب الطراف‪ ،‬داني السقف‪ ،‬وقد رهن درعه في ثلثين صاعا من‬
‫شعير عند يهودي‪ ،‬وربما لبس إزارا ورداء فحسب‪ ،‬وما أكل على خوان قط‪ ،‬وكان أصحابه ربما‬
‫أرسلوا له الطعام لما يعلمون من حاجته إليه‪ ،‬كل ذلك إكراما لنفسه عن أدران الدنيا‪ ،‬وتهذيبا‬
‫ك َرب ّكَ‬‫طي َ‬
‫ف ي ُعْ ِ‬ ‫لروحه وحفظا لدينه ليبقى أجره كامل عند ربه‪ ،‬وليتحقق له وعد موله } وَل َ َ‬
‫سو ْ َ‬
‫ضى )‪ {(5‬الضحى‪ ،‬فكان يقسم الموال على الناس ثم ل يحوز منها درهما واحدا‪ ،‬ويّوزع‬ ‫فَت َْر َ‬
‫البل والبقر والغنم على الصحاب والتباع والمؤلفة قلوبهم ثم ل يهب بناقة ول بقرة ول شاة‪ ،‬بل‬
‫يقول عليه الصلة والسلم‪ ":‬لو كان لي كعضاة ـ أي شجر ـ تهامة مال لقسمته ثم ل تجدوني‬
‫بخيل ول كذابا ول جبانا"‪ .‬أخرجه مالك في الموطأ ‪ ،977‬والطبراني في الوسط ‪ 1864‬والكامل‬
‫لبن عدي ‪.97\3‬‬

‫وراودته الجبال الشّم من ذهب‬


‫عن نفسه فأراها أيما شمم‬

‫بل وكان عليه الصلة والسلم السوة العظمى في القبال على الخرة وترك الدنيا وعدم‬
‫اللتفات إليها أو الفرح بها أو جمعها أو التلذذ بطيباتها أو التنعم بخيراتها‪ ،‬فلم يبن قصرا‪ ،‬ولم‬
‫يّدحر مال‪ ،‬ولم يكن له كنز ول جنة يأكل منها‪ ،‬ولم يخلف بستانا ول مزروعة‪ ،‬وهو القائل‪ ":‬ل‬
‫نوّرث‪ ،‬ما تركناه صدقة" أخرجه البخاري ]‪ [3712 ،3039‬ومسلم برقم ‪ ،1758‬وكان يدعو‬
‫بقوله وفعله وحاله الى الزهد في الدنيا والستعداد للخرة والعمل‪.‬‬

‫ما نظر إليه صلى ال عليه وسلم وهو إمام المسلمين وقائد المؤمنين وأفضل الناس أجمعين‬
‫يسكن في بيت طين وينام على حصير بال ويبحث عن تمرات تقيم صلبه‪ ،‬وربما اكتفى باللبن‪.‬‬

‫خّير بين أن يكون ملكا رسول أو عبدا رسول فاختار أن يكون عبدا رسول‪ ،‬يشبع يوما‬
‫بل ُ‬
‫ويجوع يوما‪ ،‬حتى لقي ال عز وجل‪.‬‬

‫ومن زهده في الدنيا سخاؤه وجوده كما تقدم‪ ،‬فكان ل يرد سائل ول يحجب طالبا ول يخّيب‬
‫قاصدا‪ ،‬وأخبر أن الدنيا ل تساوي عند ال جناح بعوضة‪ ،‬وقال‪ ":‬كن في الدنيا كأنك غريب او‬
‫عابر سبيل" أخرجه البخاري ‪ 6416‬عن ابن عمر رضي ال عنهما‪ .‬ويروى عنه أنه قال‪":‬‬
‫ازهد في الدنيا يحبك ال‪ ،‬وازهد فيما عند الناس يحبك الناس" أخرجه ابن ماجه ‪4102‬‬
‫والطبراني في الكبير ‪ 10522‬والحاكم ‪ 7833‬عن سهل بن سعد الساعدي‪ .‬وقال‪ ":‬مالي وللدنيا‪،‬‬
‫إنما مثلي ومثل الدنيا كمثل رجل قال في ظل شجرة ثم قام وتركها" أخرجه أحمد ]‪،3701‬‬
‫‪ [4196‬والترمذي ‪ ،2377‬وابن ماجه ‪ 4109‬عن عبدال بن مسعود وقال الترمذي حسن صحيح‪،‬‬
‫وقال‪ ":‬الدنيا ملعونة‪ ،‬ملعون ما فيها إل ذكر ال وما واله وعالما أو متعلما" أخرجه الترمذي‬
‫‪ 2322‬وابن ماجه ‪ 4112‬عن أبي هريرة رضي ال عنه‪ ،‬وقال‪ ":‬ليس لك من مالك إل ما أكلت‬
‫فأفنيت‪ ،‬أو لبست فأبليت‪ ،‬أو تصدقت فأمضيت" أخرجه مسلم ‪.2958‬‬

‫محمد صلى ال عليه وسلم متواضعا‪:‬‬


‫كان صلى ال عليه وسلم عجيبا في ذلك‪ ،‬فتواضعه تواضع من عرف رّبه مهابة‪ ،‬واستحيا منه‬
‫ق قدره‪ ،‬وتطامن له وعرف حقارة الجاه والمال والمنصب‪ ،‬فسافرت روحه الى‬ ‫وعظمه وقّدره ح ّ‬
‫ال وهاجرت نفسه الى الدار الخرة‪ ،‬فما عاد يعجبه شيء مما يعجب أهل الدنيا‪ ،‬فصار عبدا لربه‬
‫بحق‪ :‬يتواضع للمؤمنين‪ ،‬يقف مع العجوز ويزور المريض ويعطف على المسكين‪ ،‬ويصل‬
‫البائس ويواسي المستضعفين ويداعب الطفال ويمازح الهل ويكلم المة‪ ،‬ويواكل الناس ويجلس‬
‫سد الحصير‪ ،‬قد رضي عن رّبه‪ ،‬فما طمع في‬ ‫على التراب وينام على الثرى‪ ،‬ويفترش الرمل ويتو ّ‬
‫شهرة أو منزلة أو مطلب أرضي أو مقصد دنيوي‪ ،‬يكلم النساء بلطف‪ ،‬ويخاطب الغريب بوّد‪،‬‬
‫سم في وجوه أصحابه يقول‪ ":‬إنما أنا عبد‪ :‬آكل كما يأكل العبد واجلس كما‬
‫ويتألف الناس ويتب ّ‬
‫يجلس العبد" أخرجه ابن أبي عاصم في الزهد ‪ ،6\1‬وابن سعد في الطبقات ‪ 371\1‬وانظر كشف‬
‫الخفاء ‪ ، 17\1‬ولما رآه رجل ارتجف من هيبته قال‪":‬هّون عليك‪ ،‬فإني ابن امرأة كانت تاكل‬
‫القديد بمكة" أخرجه ابن ماجه ‪ ،3312‬والحاكم ‪ 4366‬عن ابن مسعود‪ ،‬وانظر الكامل لبن عدي‬
‫‪.286\6‬‬
‫وكان يكره المدح‪ ،‬وينهى عن إطرائه ويقول‪ ":‬ل تطروني كما أطرت النصارى عيسى بن‬
‫مريم‪ ،‬فإنما أنا عبدال ورسوله‪ ،‬فقولوا عبدال ورسوله" أخرجه البخاري ‪ 3445‬عن ابن عباس‬
‫رضي ال عنهما‪ ،‬وكان ينهى أن يقام له‪ ،‬وأن يوقف على رأسه‪ ،‬وكان يجلس حيثما انتهى به‬
‫المجلس‪ ،‬وكان يختلط بالناس كأنه أحدهم‪ ،‬ويجيب الدعوة ويقول‪ ":‬لو دعيت الى كراع لجبت‪،‬‬
‫ي ذراع لقبلت" أخرجه البخاري ]‪.[5178 ،2568‬‬ ‫ولو أهدي إل ّ‬
‫وكان يحب المساكين‪ ،‬ويروى عنه قوله‪ ":‬اللهم أحيني مسكينا وأمتني مسكينا‪ ،‬واحشرني في‬
‫زمرة المساكين" أخرجه الترمذي ‪ 2352‬عن أنس رضي ال عنه‪ ،‬وابن ماجه ‪ 4126‬والحاكم‬
‫‪ 7911‬عن أبي سعيد الخدري وصححه‪ .‬وكان يحّرم الكبر وينهى عنه‪ ،‬ويبغض أهله ويقول‪":‬‬
‫يحشر المتكبرون يوم القيامة في صورة الذر‪ ،‬يغشاهم الذل من كل مكان" أخرجه أحمد ‪،6639‬‬
‫والترمذي ‪ ،2492‬انظر كشف الخفاء ‪ .3236‬ويروي عن ربه أنه قال‪":‬الكبرياء ردائي‪،‬‬
‫والعظمة إزاري‪ ،‬فمن نازعني واحدا منها قذفته في النار" أخرجه مسلم ‪ 2620‬وأبو داود ‪4090‬‬
‫واللفظ له‪.‬‬
‫فكان صلى ال عليه وسلم محببا الى القلوب‪ :‬تأخذه الجارية بيده فيذهب معها‪ ،‬ويزور أم أيمن‬
‫وهي مولة‪ .‬ولما مدحه وفد عامر بن صعصعة وقالوا‪ :‬أنت خيرنا وأفضلنا وسيدنا وابن سيدنا‬
‫قال لهم‪ ":‬يا أيها الناس! قولوا بقولكم أو ببعض قولكم‪ ،‬ل يستجرّينكم الشيطان" أخرجه أحمد‬
‫‪ 15876‬وأبو داود ‪ ،4806‬وغضب لما قال له رجل‪ :‬ما شاء ال وشئت‪ ،‬وقال‪ ":‬ويحك! أجعلتني‬
‫وال عدل؟ بل ما شاء ال وحده" أخرجه أحمد ]‪ [2557 ،1842‬والنسائي في السنن الكبرى‬
‫‪ 10825‬عن ابن عباس رضي ال عنهما‪.‬‬
‫وكان يحمل حاجة أهله ويخصف نعله ويرقع ثوبه ويكنس بيته ويحلب شاته ويقطع اللحم مع‬
‫أهله‪ ،‬ويقّرب الطعام لضيفه‪ ،‬ويباسط زّواره ويسأل عن اخبارهم‪ ،‬ويتناوب ركوب الراحلة مع‬
‫رفيقه‪ ،‬ويلبس الصوف ويأكل الشعير‪ ،‬وربما مشى حافيا‪ ،‬وينام في المسجد‪ ،‬ويركب الحمار‪،‬‬
‫ويردف على الدابة‪ ،‬ويعاون الضعيف ويتفقد السرية‪ ،‬ويكون في آخرهم فيساعد من احتاج‪،‬‬
‫ويرافق الوحيد منهم‪..‬‬

‫فصلى ال عليه وسلم ما تحّرك بذكره اللسان‪ ،‬وسارت بأخباره الركبان‪ ،‬ورّدد حديثه النس‬
‫والجان‪.‬‬
‫محمد صلى ال عليه وسلم حليما‪:‬‬
‫ما دام أنه رسول ال فل بد أن يكون أحلم الناس وأوسعهم صدرا‪ ،‬وألينهم عريكة وأدمثهم خلقا‬
‫ل‪ ،‬ويتنازل عن حقوقه الخاصة‬ ‫وألطفهم عشرة‪ ،‬فقد كان يطظم غيظه ويعفو ويصفح ويغفر لمن ز ّ‬
‫ما لم تكن حقوقا ل‪ .‬وقد عفا عمن ظلمه وطره من وطنه وآذاه وسّبه وشتمه وحاربه‪ ،‬فقال لهم يوم‬
‫الفتح‪ ":‬اذهبوا فأنتم الطلقاء" أخرجه الشافعي في الم ‪ ،361\7‬والطبري في تاريخه ‪161\2‬‬
‫والبيهقي في السنن الكبرى ‪ 18055‬انظر صحيح الجامع ‪ .4815‬وعفا عن ابن عّمه سفيان بن‬
‫الحارث يوم الفتح لما وقف أمامه وقال له‪ :‬تال لقد آثرك ال علينا وإن كنا لخاطئين‪ ،‬فقال عليه‬
‫َ‬
‫ن )‪{(92‬‬ ‫مي َ‬
‫ح ِ‬
‫م الّرا ِ‬
‫ح ُ‬ ‫ه ل َك ُ ْ‬
‫م وَهُوَ أْر َ‬ ‫فُر الل ّ ُ‬ ‫م ال ْي َوْ َ‬
‫م ي َغْ ِ‬ ‫ب ع َل َي ْك ُ ُ‬
‫الصلة والسلم‪ }:‬ل َ ت َث َْري َ‬
‫يوسف‪.‬‬

‫فِح‬ ‫وقد واجهه العراب بالجفاء وسوء الدب‪ ،‬فحلم وصفح‪ ،‬وقد امتثل أمر ربه في قوله‪َ }:‬فا ْ‬
‫ص َ‬
‫ل )‪ {(85‬الحجر‪ ،‬فكان ل يكافئ على السيئة بالسيئة‪ ،‬بل يعفو ويصفح‪ ،‬وكان ل‬
‫مي َ‬ ‫ح ال ْ َ‬
‫ج ِ‬ ‫ف َ‬
‫ص ْ‬
‫ال ّ‬
‫سم في وجه من‬
‫ينفذ غضبه إذا كان لنفسه‪ ،‬ول ينتقم لشخصه‪ ،‬بل إذا غضب ازداد حلما‪ ،‬ورّبما تب ّ‬
‫أغضبه‪ ،‬ونصح أحد أصحابه فقال‪":‬ل تغضب‪ ،‬ل تغضب‪ ،‬ل تغضب" أخرجه البخاري ‪.6116‬‬

‫وكان يبلغه الكلم السيء فيه‪ ،‬فل يبحث عمن قاله ول يعاتبه ول يعاقبه‪ .‬وورد عنه أنه قال‪ ":‬ل‬
‫ي‪ ،‬فإني أحب أن أخرج إليك وأنا سليم الصدر" أخرجه احمد ‪3750‬‬ ‫يبلغني أحد منكم ما قيل ف ّ‬
‫وأبو داود ‪ 4860‬والترمذي ‪ 3896‬عن عبدال بن مسعود‪ .‬وبّلغه ابن مسعود كلما قيل فيه‪ ،‬فتغّير‬
‫وجهه وقال‪ ":‬رحم ال موسى‪ ،‬أوذي بأكثر من هذا فصبر" أخرجه البخاري ] ‪[3405 ،3150‬‬
‫ومسلم ‪.1062‬‬

‫وقد أوذي من خصومه في رسالته وعرضه وسمعته وأهله‪ ،‬فلما قدر عليهم عفا عنهم وحلم‬
‫عليهم‪ ،‬وقال‪ ":‬من كف غضبه كف ال عنه عذابه" أخرجه أبو يعلى ‪ 4338‬والبيهقي في الشعب‬
‫‪ 8311‬وانظر العلل لبن أبي حاتم ‪ 1919‬ومجمع الزاوئد ‪ .298\10‬وقال له رجل‪ :‬اعدل‪،‬‬
‫فقال‪ ":‬خبت وخسرت إذا لم أعدل" أخرجه البخاري ‪ 3138‬ومسلم ‪ 1063‬واللفظ له عن جابر بن‬
‫عبدال‪ ،‬ولم يعاقبه بل صفح عنه‪ .‬وواجه بعص اليهود بما يكره‪ ،‬فعفا وصفح‪ ،‬وقد وسع بخلقه‬
‫َ‬
‫سي ّئ َ َ‬
‫ة‬ ‫ن ال ّ‬
‫س ُ‬
‫ح َ‬
‫يأ ْ‬‫وتسامحه الناس‪ ،‬وأطفأ بحلمه نار العداوات ممتثل قول ربه‪ }:‬اد ْفَعْ ِبال ِّتي ه ِ َ‬
‫نح َ‬
‫ن )‪ {(96‬المؤمنون‪.‬‬ ‫فو َ‬
‫ص ُ‬
‫ما ي َ ِ‬ ‫ن أع ْل َ ُ‬
‫م بِ َ‬ ‫َ ْ ُ‬

‫وكان مع أهله أحلم الناس‪ ،‬يمازحهم ويلطفهم ويعفو عنهم فيما يصدر منهم‪ ،‬ويدخل عليهم باسما‬
‫ضحاكا‪ ،‬يمل قلوبهم وبيوتهم أنسا وسعادة‪ ،‬يقول خادمه أنس بن مالك‪ :‬خدمت رسول ال صلى‬
‫ال عليه وسلم عشر سنين ما قال لي في شيء فعلته‪ :‬لم فعلت هذا؟ ول شيء لم أفعله‪ :‬لم لم تفعل‬
‫هذا؟ وهذا غاية الحلم ونهاية حسن الخلق‪ ،‬وقمة جميل السجايا ولطيف العشرة‪ ،‬بل كان كل من‬
‫رافقه أو صاحبه أو بايعه يجد من لطفه ووّده وحلمه ما يفوق الوصف‪ ،‬حتى تمكن حّبه من‬
‫القلوب فتعلقت به الرواح ومالت له نفوس الناس بالكلية‪:‬‬

‫وإذا رحمت فأنت أّم أو أب‬


‫هذان في الدنيا هم الرحماء‬
‫وإذا سخوت بلغت بالجود المدى‬
‫وفعلت ما لم تفعل النواء‬
‫سما‬
‫وإذا صحبت رأى الوفاء مج ّ‬
‫في ُبردك الصحاب والخلطاء‬
‫وأبديت حلمك للسفيه مداريا‬
‫حتى يضيق بحلمك السفهاء‬
‫محمد صلى ال عليه وسلم رحيما‪:‬‬
‫َ‬
‫ن )‪{(107‬النبياء‪ ،‬فهو رحمة للبشرية‪..‬‬ ‫ة ل ّل َْعال َ ِ‬
‫مي َ‬ ‫م ً‬ ‫ك إ ِّل َر ْ‬
‫ح َ‬ ‫سل َْنا َ‬ ‫وصفه ربه بقوله‪ }:‬وَ َ‬
‫ما أْر َ‬
‫ورد عنه أنه قال‪ ":‬إنما أنا رحمة مهداة" أخرجه الدارمي ‪ 15‬مرسل‪ ،‬والحاكم موصول عن أبي‬
‫هريرة برقم ‪ 100‬وصححه‪ .‬ورأى ولد إحدى بناته تفيض روحه‪ ،‬فبكى‪ ،‬فلما سئل عن ذلك قال‪":‬‬
‫هذه رحمة يضعها ال في قلب من يشاء من عباده‪ ،‬وإنما يرحم ال من عباه الرحماء" أخرجه‬
‫البخاري ] ‪ [6655 ،1284‬ومسلم ‪ 923‬عن أسامة بن زيد رضي ال عنه‪.‬‬

‫وكان رحمة على القريب والبعيد‪ ،‬عزيز عليه أن يدخل على الناس مشقة‪ ،‬فكان يخفف بالناس‬
‫مراعاة لحوالهم‪ ،‬وربما أراد أن يطيل في الصلة فيسمع بكاء الطفل فيخفف لئل يشق على أمه‪.‬‬
‫ولما بكت أمامة بنت زينب ابنته حملها وهو يصلي بالناس‪ ،‬فإذا سجد وضعها‪ ،‬وإذا قام رفعها‪.‬‬
‫أخرجه البخاري ‪ ،516‬ومسلم ‪ 543‬عن أبي قتادة رضي ال عنه‪.‬‬
‫وسجد مرة فصعد الحسن على ظهره‪ ،‬فأطال السجود‪ ،‬فلما سّلم اعتذر للناس وقال‪ ":‬إن إبني هذا‬
‫ارتحلني‪ ،‬فكرهت أن أرفع رأسي حتى ينزل" أخرجه أحمد ‪ 27100‬والنسائي ‪ 1141‬عن شداد‬
‫بن الهاد رضي ال عنه‪ .‬وقال‪ ":‬من أّم منكم الناس فليخفف‪ ،‬فإن فيهم الكبير والصغير والمريض‬
‫وذا الحاجة" أخرجه البخاري ‪ 703‬ومسلم ‪ 467‬عن أبي هريرة رضي ال عنه‪ .‬وقال لمعاذ لّما‬
‫طّول بالناس‪ ":‬أفّتان أنت يا معاذ؟" أخرجه البخاري ] ‪ [6106 ،705‬ومسلم ‪ 465‬عن جابر بن‬
‫عبدال رضي ال عنه‪ .‬وقال‪ ":‬لول أن أشق على أمتي لمرتهم بالسواك عند كل صلة" أخرجه‬
‫البخاري ‪ 887‬ومسلم ‪ 252‬عن أبي هريرة رضي ال عنه‪ .‬وربما ترك العمل خشية أن يفرض‬
‫على الناس‪ ،‬وكان يتخّول أصحابه بالموعظة‪...‬‬

‫كل ذلك رحمة منه صلى ال عليه وسلم‪ ،‬وكان يقول‪ ":‬والقصد القصد تبلغوا" أخرجه البخاري‬
‫‪ 6463‬عن أبي هريرة رضي ال عنه‪ .‬ويقول‪ُ ":‬بعثت بالحنيفية السمحة" أخرجه أحمد ‪21788‬‬
‫عن أبي أمامة رضي ال عنه‪ .‬ويقول‪ ":‬خير دينكم أيسره" أخرجه أحمد ‪ 15506‬وانظر مجمع‬
‫الزوائد ‪ .308\3‬ويقول‪ ":‬عليكم هديًا قاصدًا" أخرجه أحمد ] ‪ [22544 ،22454‬والبيهقي في‬
‫السنن الكبرى ‪ 4519‬عن بريدة السلمي‪ ،‬وانظر البيان والتعريف ‪ .109\2‬ويقول‪ :‬خذوا من‬
‫العمل ما تطيقون‪ ،‬فإن ال ل يمل حتى تملوا" أخرجه البخاري ‪ 5862‬ومسلم ‪ 782‬عن عائشة‬
‫رضي ال عنها‪ .‬وما خّير بين أمرين إل اختار أيسرهما ما لم يكن إثما‪ ،‬وأنكر على الثلثة الذين‬
‫شّددوا على أنفسهم في العبادة‪ ،‬وقال‪ ":‬وال إني لخشاكم ل وأتقاكم له‪ ،‬ولكنني أقوم وأنام‪،‬‬
‫وأصوم وأفطر‪ ،‬فمن رغب عن سنتي فيس مني" أخرجه البخاري ‪ 5063‬ومسلم ‪ 1401‬عن‬
‫أنس بن مالك رضي ال عنه‪ .‬وأفطر في سفر في رمضان‪ ،‬وقصر الرباعية‪ ،‬وجمع بين الظهر‬
‫والعصر‪ ،‬وبين المغرب والعشاء في السفر‪ ،‬ونادى مؤذنه في المطر أن صلوا في رحالكم‪،‬‬
‫وقال‪ ":‬هلك المتنطعون" أخرجه مسلم ‪ 2670‬عن عبدال بن مسعود رضي ال عنه‪ .‬وقال‪ ":‬ما‬
‫كان الرفق في شيء إل زانه‪ ،‬وما نزع من شيء إل شانه" أخرجه مسلم ‪ 2594‬عن عائشة‬
‫رضي ال عنها‪ .‬وأنكر على عبدال بن عمرو بن العاص إرهاق نفسه بالعبادة‪ ،‬ويقول‪ ":‬إّياكم‬
‫والغلو" أخرجه أحمد ] ‪ [3238 ،1854‬والنسائي ‪ ،3057‬وابن ماجه ‪ 3029‬وابن أبي عاصم في‬
‫السنة ‪ 46\1‬عن ابن عباس رضي ال عنهما وصححه‪ .‬ويروى عنه قوله‪ ":‬أمتي أمة مرحومة"‬
‫أخرجه أحمد ] ‪ [19253 ،19179‬وأبو داود ‪ 4276‬والحاكم ‪ 8372‬عن أبي موسى رضي ال‬
‫عنه وصححه‪ ،.‬وقال‪ ":‬إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم" أخرجه البخاري ‪ 7288‬ومسلم‬
‫‪ 1337‬عن أبي هريرة رضي ال عنه‪ .‬وهذا اليسر في حياته عليه الصلة والسلم يوافق يسر‬
‫سَرى )‬ ‫ك ل ِل ْي ُ ْ‬‫سُر َ‬‫الملة وسهولة الشريعة‪ ،‬وهو امتثال منه صلى ال عليه وسلم لقول ربه‪ }:‬وَن ُي َ ّ‬
‫م{‬ ‫َ‬
‫ست َطعْت ُ ْ‬ ‫ما ا ْ‬ ‫ه َ‬ ‫قوا الل ّ َ‬
‫سعََها { البقرة ‪} ،286‬فات ّ ُ‬ ‫فسا ً إ ِل ّ وُ ْ‬ ‫ه نَ ْ‬‫ف الل ّ ُ‬ ‫‪ {(8‬العلى‪} ،‬ل َ ي ُك َل ّ ُ‬
‫ل ع َل َي ْك ُ ْ‬
‫م‬ ‫جع َ َ‬ ‫ما َ‬ ‫سَر { القرة ‪ }،185‬وَ َ‬ ‫م ال ْعُ ْ‬
‫ريد ُ ب ِك ُ ُ‬
‫سَر وَل َ ي ُ ِ‬ ‫م ال ْي ُ ْ‬‫ه ب ِك ُ ُ‬‫ريد ُ الل ّ ُ‬‫التغابن ‪ }،16‬ي ُ ِ‬
‫ن َحَرٍج{ الحج ‪ ..78‬وغيرها من اليات‪.‬‬ ‫م ْ‬
‫ن ِ‬
‫دي ِ‬
‫ِفي ال ّ‬

‫سر رحيم في رسالته ودعوته وعبادته وصلته وصومه‬ ‫فهو صلى ال عليه وسلم سهل مي ّ‬
‫وطعامه وشرابه ولباسه وحله وترحاله وأخلقه‪ ،‬بل حياته مبنية على اليسر؛ لنه جاء لوضع‬
‫الصار والغلل عن المة‪ ،‬فليس اليسر أصل إل معه‪ ،‬ول يوجد اليسر إل في شريعته‪ ،‬فهو‬
‫اليسر كله‪ ،‬وهو الرحمة والرفق بنفسه‪ ،‬صلى ال عليه وسلم‪.‬‬

‫محمد صلى ال عليه وسلم ذاكرا‪:‬‬


‫كان صلى ال عليه وسلم أكثر الناس ذكرا لربه‪ ،‬حياته كلها ذكر لموله‪ ،‬فدعوته ذكر وخطبه‬
‫ذكر ومواعظه ذكر وعبادته ذكر وفتاويه ذكر‪ ،‬وليله ونهاره وسفره وإقامته بل أنفاسه كلها ذكر‬
‫لموله عز وجل‪ ،‬فقلبه معلق بربه‪ ،‬تنام عينه ول ينام قلبه‪ ،‬بل النظر اليه يذّكر الناس برّبهم‪ ،‬وكل‬
‫ل في عله‪.‬‬‫مراسيم حياته ومناسباته وذكر لخالقه ج ّ‬

‫وكان صلى ال عليه وسلم يحث الناس على ذكر ربهم‪ ،‬فيقول‪":‬سبق المفردون‪ :‬الذاكرون ال‬
‫كثيرا والذاكرات" أخرجه مسلم ‪ 2676‬عن أبي هريرة رضي ال عنه‪ ،‬ويقول‪ ":‬مثل الذي يذكر‬
‫ي والميت" أخرجه البخاري ‪ 6407‬ومسلم ‪ 779‬عن أبي موسى‬ ‫ربه والذي ل يذكره كمثل الح ّ‬
‫رضي ال عنه‪ .‬ويقول‪ ":‬ل يزال لسانك رطبا من ذكر ال" أخرجه أحمد ] ‪[17245 ،17227‬‬
‫والترمذي ‪ 3375‬وابن ماجه ‪ 3793‬انظر المشكاة ‪ .2279‬وأخبر أن أفضل الناس أكثرهم ذكرا‬
‫لربه‪ ،‬وروى عن رّبه عز وجل قوله‪ ":‬أنا مع عبدي ما ذكرني وتحركت شفتاه" أخرجه البخاري‬
‫معلقا في كتاب التوحيد‪ ،‬باب قول ال } لتحرك به لسانك{‪ ،‬وأحمد]‪ [10592 ،10585‬زابن‬
‫ماجه ‪ 3792‬عن أبي هريرة رضي ال عنه‪ .‬ويقول‪ ":‬من ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي‪ ،‬ومن‬
‫ذكرني في مل ذكرته في مل خير منهم" أخرجه البخاري ‪ 7405‬ومسلم ‪ 2675‬عن أبي هريرة‬
‫رضي ال عنه‪ .‬وله عليه الصلة والسلم عشرات الحاديث الصحيحة التي تحث على الذكر‬
‫غب فيه‪ ،‬والتهليل والتسبيح والتحميد والتكبير والحوقلة والستغفار والصلة والسلم عليه‬
‫وتر ّ‬
‫صلى ال عليه وسلم‪.‬‬

‫وكان يذّكر الناس بأجر الذكر وما يترتب على ذلك من ثواب‪ ،‬وذكر العداد في ذلك مع ذكر‬
‫المناسبات‪ ،‬وعمل اليوم والليلة‪ ،‬فهو صلى ال عليه وسلم الذاكر الشاكر الصابر‪ ،‬وهو الذي ذّكر‬
‫المة بربها وعلمها تعظيمه وتسبيحه‪ ،‬وبّين لها فوائد الذكر ومنافعه‪ .‬فهو أسعد الناس بذكر ربه‪،‬‬
‫وأهنؤهم عيشا بهذه النعمة‪ ،‬وأصلحهم حال بهذا الفضل‪ ،‬فكان له أوراد من الذكار مع حضور‬
‫قلب وخشوع وخضوع وهيبة وخوف ومحبة ورجاء وطمع في فضل ربه‪.‬‬
‫محمد صلى ال عليه وسلم داعيا‪:‬‬
‫عَباِدي ع َّني فَإ ِّني‬ ‫سأ َل َ َ‬
‫ك ِ‬ ‫ذا َ‬ ‫ب ل َك ُ ْ‬
‫م{ غافر ‪ ،60‬ويقول‪ }:‬وَإ ِ َ‬ ‫ج ْ‬‫ست َ ِ‬
‫َ‬
‫عوِني أ ْ‬ ‫يقول تعالى‪ }:‬اد ْ ُ‬
‫ن { البقرة ‪ ،186‬ويقول صلى ال عليه وسلم‪ ":‬الدعاء هو‬ ‫ُ‬
‫عا ِ‬ ‫داِع إ ِ َ‬
‫ذا د َ َ‬ ‫ب د َع ْوَة َ ال ّ‬
‫جي ُ‬
‫بأ ِ‬ ‫قَ ِ‬
‫ري ٌ‬
‫العبادة" أخرجه أحمد ] ‪ [17919 ،17888‬وأبو داود ‪ 1479‬والترمذي ] ‪ [3247 ،2969‬عن‬
‫النعمان بن بشير وصححه‪ .‬ويقول‪ ":‬من لم يسأل ال يغضب عليه" أخرجه البخاري في الدب‬
‫المفرد ‪ 658‬والترمذي ‪ 3373‬عن أبي هريرة رضي ال عنه وصححه‪ .‬وكان عليه الصلة‬
‫والسلم لهجا بدعاء ربه في كل حالته‪ ،‬قد فّوض أمره لموله‪ ،‬وأكثر اللحاح على خالقه يناشده‬
‫رحمته وعفوه‪ ،‬ويطلب بّره وكرمه‪ ،‬وكان يختار جوامع الدعاء الكامل الشامل كقوله‪ ":‬اللهم آتنا‬
‫في الدنيا حسنة وفي الخرة حسنة وقنا عذاب النار" أخرجه البخاري ] ‪ [6389 ،4522‬ومسلم‬
‫‪ 2688‬عن انس رضي ال عنه‪ .‬وقوله‪ ":‬اللهم إني أسألك العفو والعافية" أخرجه أحمد ‪4770‬‬
‫وأبو داود ‪ 5074‬وابن ماجه ‪ 3871‬والحاكم ‪ 1902‬عن ابن عمر رضي ال عنهما وصححه‪.‬‬

‫وكان يكرر الدعاء ثلثا‪ ،‬ويبدأ بالثناء على ربه‪ ،‬وكان يستقبل القبلة عند دعائه‪ ،‬وربما توضأ‬
‫قبل الدعاء‪ ،‬وكان يعلم المة أدب الدعاء‪ ،‬كالبداية بحمد ال والصلة والسلم على رسوله‪ ،‬ودعاء‬
‫خي أوقات الجابة كأدبار الصلوات‪ ،‬وبين الذان‬ ‫ال بأسمائه الحسنى‪ ،‬واللحاح في الدعاء‪ ،‬وتو ّ‬
‫والقامة‪ ،‬وآخر ساعة من يوم الجمعة‪ ،‬ويوم عرفة‪ ،‬وفي حالة السجود والصوم والسفر‪ ،‬ودعوة‬
‫ح على ربه ويناشده‪ ،‬ويكرر السؤال مع‬ ‫الوالد لولده‪ ،‬وكان عليه الصلة والسلم وقت الزمات يل ّ‬
‫ل والخوف والحب وحسن الظن‪ ،‬وتمام الرجاء‪ ،‬كما فعل يوم بدر ويوم الخندق ويوم‬ ‫تمام الذ ّ‬
‫عرفة‪.‬‬

‫وكان ال يجيب دعوته ويلّبي طلبه‪ ،‬كما حصل له على المنبر يوم استسقى فنزل الغيث مباشرة‪،‬‬
‫ويوم شق له القمر‪ ،‬وبارك له في الطعام والمال‪ ،‬ونصره في حروبه‪ ،‬ورفع دينه وأّيد حزبه‬
‫وخذل أعداءه‪ ،‬وكبت خصومه‪ ،‬حتى حقق ال له مقاصده وأكرم مثواه وجعل له العاقبة صلى ال‬
‫عليه وسلم‪.‬‬

‫محمد صلى ال عليه وسلم طموحا‪:‬‬


‫ولدت همته عليه الصلة والسلم معه يوم ولد‪ ،‬فمنذ طفولته زنفسه مهاجرة الى معالي المور‬
‫ومكارم الخلق‪ ،‬ل يرضى بالدون ول يهوى السفاسف‪ ،‬بل هو الطموح والسّباق المتفّرد والمبرز‬
‫المحظوظ‪ ،‬ولقد ذكر أهل السير أنه عليه الصلة والسلم وهو طفل كان لجده عبدالمطلب فراش‬
‫في ظل الكعبة ل يجلس عليه إل هو لمنزلته‪ ،‬فجاء محمد صلى ال عليه وسلم فنازع الخدم حتى‬
‫جلس عليه‪ ،‬وأبى أن يجلس دونه‪.‬‬

‫وكان فيه قبل النبوة من سمات الريادة والزعامة والقيادة ما جعل قريش يسمونه الصادق‬
‫المين‪ ،‬ويرضون حكمه ويعودون اليه في أمورهم‪.‬‬

‫ن ال عليه بالبعثة تاقت نفسه إلى الوسيلة‪ ،‬وهي أعلى درجة في الجنة‪ ،‬فسأل ال إياها‪،‬‬
‫فلما م ّ‬
‫وعّلمنا ان نسألها له من ربه‪ ،‬بلغ سدرة المنتهى‪ ،‬وحاز الكمال البشري المطلق‪ ،‬والفضيلة‬
‫النسانية‪ .‬ومن علّو هّمته رفضه للدنيا وعدم الوقوف مع مطالبها الزهيدة لولياتها ومناصبها‬
‫وقصورها ودورها‪.‬‬
‫الرسول صلى ال عليه وسلم في القرآن‬
‫} يا أيها النبي حسبك ال{‬
‫حسبك ال يكفيك من كل ما أهّمك‪ ،‬فيحفظك في الزمات‪ ،‬ويرعاك في الملّمات‪ ،‬ويحميك في‬
‫المدلهّمات‪ ،‬فل تخش ول تخف ول تحزن ول تقلق‪.‬‬

‫حسبك ال فهو ناصرك على كل عدو‪ ،‬ومظهرك على كل خصم‪ ،‬ومؤيدك في كل أمر‪ ،‬ويعطيك‬
‫إذا سألت‪ ،‬ويغفر لك إذا استغفرت‪ ،‬ويزيدك إذا شكرت‪ ،‬ويذكرك إذا ذكرت‪ ،‬وينصرك إذا‬
‫حاربت‪ ،‬ويوّفقك إذا حكمت‪.‬‬

‫حسبك ال فيمنحك العز بل عشيرة‪ ،‬والغنى بل مال‪ ،‬والحفظ بل حرس‪ ،‬فأنت المظّفر لن ال‬
‫حسبك! وأنت المنصور لن ال حسبك‪ ،‬وأنت الموفق لن ال حسبك‪ ،‬فل تخف من عين حاسد‬
‫ول من كيد كائد‪ ،‬ول من مكر ماكر‪ ،‬ول من خبث كافر‪ ،‬ول من حيلة فاجر لن ال حسبك‪.‬‬

‫وإذا سمعت صولة الباطل‪ ،‬ودعاية الشرك‪ ،‬وجلبة الخصوم‪ ،‬ووعيد اليهود‪ ،‬وترّبص المنافقين‪،‬‬
‫وشماتة الحاسدين‪ ،‬فاثبت لن حسبك ال‪.‬‬

‫إذا وّلى الزمان‪ ،‬وجفا الخوان‪ ،‬وأعرض القريب‪ ،‬وشمت العدو‪ ،‬وضعفت النفس‪ ،‬وأبطأ‬
‫الفرج‪ ،‬فاثبت لن حسبك ال‪.‬‬

‫إذا داهمتك المصائب‪ ،‬ونازلتك الخطوب‪ ،‬وحّفت بك النكبات‪ ،‬وأحاطت بك الكوارث‪ ،‬فاثبت‬
‫لن حسبك ال‪ ،‬ل تلتفت الى أحد من الناس‪ ،‬ول تدع أحدا من اليشر‪ ،‬ول تتجه لكائن من كان‬
‫غير ال‪ ..‬لن حسبك ال‪.‬‬

‫ل بك فقر‪ ،‬أوعرضت لك حاجة‪ ،‬فل تحزن لن حسبك ال‪.‬‬


‫إذا ألّم بك مرض‪ ،‬وأرهقك دين‪ ،‬وح ّ‬

‫إذا أبطأ النصر‪ ،‬وتأخر الفتح‪ ،‬واشتد الكرب‪ ،‬وثقل الحمل‪ ،‬وادلهّم الخطب‪ ،‬فل تحزن لن‬
‫حسبك ال‪ ،‬أنت محظوظ لنك بأعيننا‪ ،‬وأنت محروس لنك خليلنا‪ ،‬وأنت في رعايتنا لنك‬
‫رسولنا‪ ،‬وأنت في حمايتنا لنك عبدنا المجتبى ونبّينا المصطفى‪.‬‬
‫}ل تحزن إن ال معنا{‬
‫هذه الكلمة الجميلة الشجاعة قالها صلى ال عليه وسلم وهو في الغار مع صاحبه أبي بكر‬
‫الصّديق‪ ،‬وقد أحاط بهما الكفار‪ ،‬فقالها قوية في حزم‪ ،‬صادقة في عزم‪ ،‬صارمة في جزم‪ }:‬ل َ‬
‫ن الل َّه َمعََنا { التوبة ‪ .40‬فما دام ال معنا فلم الحزن ولم الخوف ولم القلق‪ ،‬اسكن‪..‬‬
‫ن إِ ّ‬
‫حَز ْ‬
‫تَ ْ‬
‫اثبت‪ ..‬اهدأ‪ ..‬اطمئن‪ ،‬لن ال معنا‪.‬‬

‫ل ُنغلب‪ ،‬ل ُنهزم‪ ،‬ل نضل‪ ،‬ل نضيع‪ ،‬ل نيأس‪ ،‬ل نقنط‪ ،‬لن ال معنا‪ ،‬النصر حليفنا‪ ،‬الفرج‬
‫رفيقنا‪ ،‬الفتح صاحبنا‪ ،‬الفوز غايتنا‪ ،‬الفلح نهايتنا لن ال معنا‪.‬‬

‫ل من مبدأ‪ ،‬من أحسن منا سيرة‪ ،‬من أرفع مان‬


‫من أقوى منا قلبا‪ ،‬من أهدى منا نهجا‪ ،‬من أج ّ‬
‫قدرا؟! لن ال معنا‪.‬‬

‫ل خصمنا‪ ،‬ما أحقر من حاربنا‪ ،‬ما أجبن من قاتلنا‪ ،‬لن ال معنا‪.‬‬


‫ما أضعف عدّونا‪ ،‬ما أذ ّ‬

‫لن نقصد بشرا‪ ،‬لن نلتجئ الى عبد‪ ،‬لن ندعو إنسانا‪ ،‬لن نخاف مخلوقا‪ ،‬لن ال معنا‪.‬‬

‫نحن أقوى عدة وأمضى سلحا‪ ،‬وأثبت جنانا وأقوم نهجا‪ ،‬لن ال معنا‪.‬‬

‫نحن الكثرون الكرمون العلون العّزون المنصورون‪ ،‬لن ال معنا‪.‬‬

‫يا أبا بكر اهجر هّمك‪ ،‬وأزح غّمك‪ ،‬واطرد حزنك‪ ،‬وأزل يأسك‪ ،‬لن ال معنا‪.‬‬

‫يا أبا بكر ارفع رأسك‪ ،‬وهدئ من روعك‪ ،‬وأرح قلبك‪ ،‬لن ال معنا‪.‬‬

‫يا أبا بكر أبشر بالفوز‪ ،‬وانتظر النصر‪ ،‬وترّقب الفتح‪ ،‬لن ال معنا‪.‬‬

‫غدا سوف تعلو رسالتنا وتظهر دعوتنا وتسمع كلمتنا‪ ،‬لن ال معنا‪.‬‬

‫غدا سوف ُنسمع أهل الرض روعة الذان وكلم الرحمن ونغمة القرآن‪ ،‬لن ال معنا‪.‬‬

‫غدا سوف نخرج النسانية ونحرر البشرية من عبودية الوثان‪ ،‬لن ال معنا‪.‬‬
‫}وإنك لعلى خلق عظيم{‬
‫ي الفطرة‪.‬‬
‫وال إنك لعظيم الخلق‪ ،‬كريم السجايا‪ ،‬مهذب الطباع‪ ،‬نق ّ‬

‫ي العاطفة‪ ،‬جميل السيرة‪ ،‬طاهر السريرة‪.‬‬


‫وال إّنك جّم الحياء‪ ،‬ح ّ‬

‫وال إنك قمة الفضائل‪ ،‬ومنبع الجود‪ ،‬ومطلع الخير‪ ،‬وغاية الحسان‪.‬‬

‫وإنك لعلى خلق عظيم‪ ..‬يظلمونك فتصبر‪ ،‬يؤذونك فتغفر‪ ،‬يشتمونك فتحلك‪ ،‬يسّبونك فتعفو‪،‬‬
‫يجفونك فتصفح‪.‬‬

‫ظيم ٍ )‪ {(4‬القلم‪ ..‬يحّبك الملك والمملوك‪ ،‬والصغير والكبير‪ ،‬والرجل‬ ‫خل ُ ٍ‬


‫ق عَ ِ‬ ‫ك ل ََعلى ُ‬
‫} وَإ ِن ّ َ‬
‫والمرأة‪ ،‬والغني والفقير‪ ،‬والقريب والبعيد‪ ،‬لنك ملكت القلوب بعطفك‪ ،‬وأسرت الرواح بفضلك‪،‬‬
‫وطّوقت العناق بكرمك‪.‬‬

‫ظيم ٍ )‪.. {(4‬هذّبك الوحي‪ ،‬وعلمك جبريل‪ ،‬وهداك ربك‪ ،‬وصاحبتك‬ ‫خل ُ ٍ‬
‫ق عَ ِ‬ ‫ك ل ََعلى ُ‬
‫}وَإ ِن ّ َ‬
‫العناية‪ ،‬ورافقتك الرعاية‪ ،‬وحالفك التوفيق‪.‬‬

‫ظيم ٍ )‪ .. {(4‬البسمة على محياك‪ ،‬الِبشر على طلعتك‪ ،‬النور على جبينك‪،‬‬ ‫خل ُ ٍ‬
‫ق عَ ِ‬ ‫ك ل ََعلى ُ‬
‫}وَإ ِن ّ َ‬
‫الحب في قلبك‪ ،‬الجود في يدك‪ ،‬البركة فيك‪ ،‬الفوز معك‪.‬‬

‫من زار بابك لم تبرح جوارحه‬


‫تروي احاديث ما أوليت من منن‬
‫فالعين عن قّرة والكف عن صلة‬
‫والقلب عن جابر والسمع عن حسن‬

‫ظيم ٍ )‪ .. {(4‬ل تكذب ولو أن السيف على رأسك‪ ،‬ول تخون ولو حزت‬ ‫خل ُ ٍ‬
‫ق عَ ِ‬ ‫ك ل ََعلى ُ‬
‫}وَإ ِن ّ َ‬
‫ي معصوم‪ ،‬وإمام قدوة‪ ،‬وأسوة حسنة‪.‬‬
‫الدنيا‪ ،‬ول تغدر ولو أعطيت الملك‪ ،‬لنبي نب ّ‬

‫ظيم ٍ )‪ ..{(4‬صادق ولو قابلتك المنايا‪ ،‬وشجاع ولو قاتلت السود‪ ،‬وجواد‬ ‫خل ُ ٍ‬
‫ق عَ ِ‬ ‫ك ل ََعلى ُ‬
‫} وَإ ِن ّ َ‬
‫ولو سئلت كل ما تملك‪ ،‬فأنت المثال الراقي والرمز السامي‪.‬‬

‫ظيم ٍ )‪ ..{(4‬سبقت العالم ديانة وأمانة وصيانة ورزانة‪ ،‬وتفوقت على‬ ‫خل ُ ٍ‬
‫ق عَ ِ‬ ‫ك ل ََعلى ُ‬
‫}وَإ ِن ّ َ‬
‫الكل علما وحلما وكرما ونبل وشجاعة وتضحية‪.‬‬

‫}ما أنت بنعمة ربك بمجنون{‬


‫لست مجنونا كما قال أعداؤك لكن عندك دواء المجانين‪ ،‬فلمجنون الطائش والسفيه التافه من‬
‫خالفك وعصاك وحاربك وجفاك‪.‬‬

‫ن )‪ {(2‬القلم‪ ..‬وكيف يكون ذلك وأنت أكملهم عقل‪ ،‬وأتّمهم رشدا‪،‬‬ ‫مةِ َرب ّ َ‬ ‫َ‬
‫جُنو ٍ‬
‫م ْ‬
‫ك بِ َ‬ ‫ت ب ِن ِعْ َ‬ ‫} َ‬
‫ما أن َ‬
‫وأسدهم رأيا‪ ،‬وأعظمهم حكمة‪ ،‬واجلذهم بصيرة!‬

‫وكيف تكون مجنونا وأنت أتيت بوحي يكشف الزيغ‪ ،‬ويزيل الضلل‪ ،‬وينسف الباطل‪ ،‬ويمحو‬
‫الجهل‪ ،‬ويهدي العقل‪ ،‬وينير الطريق‪.‬‬

‫لست مجنونا أنك على هدى من ال‪ ،‬وعلى نور من ربك‪ ،‬وعلى ثقة من منهجك‪ ،‬وعلى بّينة‬
‫من دينك‪ ،‬وعلى رشد من دعوتك‪ ،‬صانك ال من الجنون‪ ،‬بل عندك كل العقل وأكمل الرشد وأتم‬
‫الرأي وأحسن البصيرة‪ ،‬فأنت الذي يهتدي بك العقلء‪ ،‬ويستضيء بحكمتك الحكماء‪ ،‬ويقتدي بك‬
‫الراشدون المهدّيون‪.‬‬

‫كذب وافترى من وصفك بالجنون وقد ملت الرض حكمة والدنيا رشدا والعالم عدل‪ ،‬فأين‬
‫ل البركة إل معك؟ أنت أعقل العقلء‪،‬‬ ‫يوجد الرشد إل عندك؟ وأين تكون الحكمة إل لديم؟ وأين تح ّ‬
‫ل الحكماء‪ .‬كيف يكون محمد مجنونا وقد قّدم للبشرية أحسن تراث على وجه‬ ‫وأفضل النبلء‪ ،‬وأج ّ‬
‫ل تركة عرفها الناس‪ ،‬وأعطى الكون أبرك رسالة عرفها العقلء‪:‬‬ ‫الرض‪ ،‬وأهدى للعالم أج ّ‬

‫أخوك عيسى دعا ميتا فقام له‬


‫وأنت أحييت أجيال من الرمم‬

‫} وإنك لتهدي الى صراط مستقيم{‬


‫أنت يا محمد مهّمتك الهداية‪ ،‬ووظيفتك الدللة‪ ،‬وعملك الصلح‪ ..‬أنت تهدي الى صراط‬
‫مستقيم‪ ،‬لنك تزيل الشبهات وتطرد الغواية وتذهب الضللة‪ ،‬وتمحو الباطل وتشيد الحق والعدل‬
‫والخير‪.‬‬

‫ب الفلح فليقتد بك‪ ،‬ومن‬


‫أنت تهدي الى صراد مستقيم‪ ،‬فمن أراد السعادة فليتبعك‪ ،‬ومن أح ّ‬
‫رغب في النجاة فليهتد بهداك‪.‬‬

‫ج حجك‪ ،‬وأزكى صدقة صدقتك‪ ،‬وأعظم‬


‫أحسن صلة صلتك‪ ،‬وأتّم صيام صيامك‪ ،‬وأكمل ح ّ‬
‫ذكرك لربك‪.‬‬

‫وأنت تهدي الى صراط مستقيم‪ ..‬من ركب سفينة هدايتك نجا‪ ،‬من دخل دار دعوتك أمن‪ ،‬من‬
‫ل والنصر معك؟‬
‫ل وما قل‪ ،‬وكيف يذ ّ‬
‫ل وز ّ‬
‫ل‪ ،‬وما ض ّ‬‫سك بحبل رسالتك سلم‪ .‬فمن تبعك ما ذ ّ‬
‫تم ّ‬
‫ل وال مؤيدك وناصرك‬‫وكيف يضل وكل الهداية لديك؟ وكيف يزل والرشد كله عندك؟ وكيف يق ّ‬
‫وحافظك؟‬

‫وإنك لتهدي الى صراط مستقيم لنك وافقت الفطرة وجئت بحنيفية سمحة‪ ،‬وشريعة غّراء‪ ،‬وملة‬
‫كاملة‪ ،‬ودين تام‪.‬‬

‫هديت العقل من الزيغ‪ ،‬وطّهرت القلب من الريبة‪ ،‬وغسلت الضمير من الخيانة‪ ،‬وأخرجت المة‬
‫من الظلم‪ ،‬وحّررت البشر من الطاغوت‪.‬‬

‫وإنك لتهدي الى صراط مستقيم‪ ،‬فكلمك هدى‪ ،‬وحالك هدى‪ ،‬وفعلك هدى‪ ،‬و مذهبك هدى‪،‬‬
‫فأنت الهادي الى ال‪ ،‬الدال على طريق الخير‪ ،‬المرشد لكل بّر‪ ،‬الداعي الى الجنة‪.‬‬

‫} يا أيها الرسول بّلغ ما أنزل إليك من ربك{‬


‫أّد الرسالة كاملة كما سمعتها كاملة‪ ،‬بّلغها تاّمة مثلما حملتها تامة‪ ،‬ل تنقص منها حرفا‪ ،‬ول‬
‫تحذف كلمة‪ ،‬ول تغفل جملة‪.‬‬

‫صها وروحها ومضمونها‪.‬‬


‫بّلغ ما أنزل إليك فهي أمانة في عنقك سوف ُتسأل عنها‪ ،‬فبلغها بن ّ‬

‫بّلغ ما أنزل إليك من الوحي العظيم والهدى المستقيم والشريعة المطّهرة‪ ،‬فأنت مبّلغ فحسب‪ ،‬ل‬
‫تزد في الرسالة حرفا‪ ،‬ول تضف من عندك على المتن‪ ،‬ل ُتدخل شيئا في المضمون‪ ،‬لنك مرسل‬
‫حّملت فأّد‪.‬‬
‫فحسب‪ ،‬مبعوث ليس إل‪ ،‬مكلف ببلغ‪ ،‬مسؤول عن مهمة‪ .‬فمثلما سمعت بلغ‪ ،‬ومثلما ُ‬

‫بّلغ ما أنزل إليك‪ ،‬عرف من عرف‪ ،‬وأنكر من أنكر‪ ،‬استجاب من استجاب وأعرض من‬
‫أعرض‪ ،‬أقبل من أقبل وأدبرمن أدبر‪.‬‬

‫بلغ ما أنزل إليك‪ ،‬بّلغ الكل وادع الجميع‪ ،‬وانصح الكافة‪ ،‬الكبراء والمستضعفين‪ ،‬السادة والعبيد‪،‬‬
‫والنس والجن‪ ،‬الرجال والنساء‪ ،‬الغنياء والفقراء‪ ،‬الكبار والصغار‪.‬‬

‫بّلغ ما أنزل إليك‪ ..‬فل ترهب العداء ول تخف الخصوم‪ ،‬ول تخش الكفار‪ ،‬ول يهولك سيف‬
‫مصلت‪ ،‬أو رمح مشرع‪ ،‬أو منية كالحة‪ ،‬أو موت عابس‪ ،‬أو جيش مدجج‪ ،‬أو حركة حامية‪.‬‬

‫بّلغ ما أنزل إليك فل يغريك مال‪ ،‬ول يعجبك منصب‪ ،‬ول يزدهيك جاه‪ ،‬ول تغّرك دنيا‪ ،‬ول‬
‫يخدعك متاع‪ ،‬ول يرّدك تحّرج‪.‬‬

‫ب طفل الهدى المحبوب مّتشحا‬‫وش ّ‬


‫بالخير مّتزرا بالنور والنار‬
‫في كّفه شعلة تهدي وفي دمه‬
‫ل جّبار‬
‫عقيدة تتحّدى ك ّ‬
‫وفي ملمحه وعد وفي يده‬
‫عزائم صاغها من قدرة الباري‬

‫} وإن لم تفعل فما بّلغت رسالته{‪:‬‬

‫إذا لم تؤد الرسالة كاملة فكأنك ما فعلت شيئا‪ ،‬وإن لم توصلها تاّمة فكأنك ما قمت بها حق القيام‪،‬‬
‫ولو كتمت منها مقالة أو عطلت منها نصا أو أهملت منها عبارة فما بّلغت رسالة ال وما أّديت‬
‫أمانة ال‪ ،‬نريد منك أن تبّلغ رسالتنا للناس كما ُألقيت عليك‪ ،‬وكما نزل بها جبريل وكما وعاها‬
‫قلبك‪.‬‬

‫}وال يعصمك من الناس{‪:‬‬

‫بلغ الرسالة كاملة ول تخف أحدا‪ ،‬وكيف تخاف من أحد ونحن معك نحفظك ونمنعك ونحميك‬
‫ب عنك؟! لن يقتلك أحد لن ال يعصمك من الناس‪ ،‬ولن يطفئ نورك أحد لن ال يعصمك‬‫ونذ ّ‬
‫طل مسيرتك أحد لن ال يعصمك من الناس‪ ،‬اصدع بما تؤمر‪ ،‬وقل كلمتك‬‫من الناس‪ ،‬ولن يع ّ‬
‫صريحة شجاعة قوية لن ال يعصمك من الناس‪ .‬اشرح دعوتك‪ ،‬وابسط رسالتك‪ ،‬وارفع صوتك‪،‬‬
‫وأعلن منهجك‪ ،‬وما عليك لن ال يعصمك من الناس‪.‬‬
‫ل جبروت في الدنيا ل يهزمك‪ ،‬كل طاغية في المعمورة‬
‫كل قوة في الرض لن تستطيع لك‪ ،‬ك ّ‬
‫لن يقهرك‪ ،‬لن ال يعصمك من الناس‪.‬‬

‫ظّنوا الحمام وظّنوا العنكبوت على‬


‫خير البرّية لم ينسج ولم يحم‬
‫عناية ال أغنت عن مضاعفه‬
‫من الروع وعن عالٍ من الطم‬

‫}ألم نشرح لك صدرك{‬


‫أما شرحنا لك صدرك فصار وسيعا فسيحا ل ضيق فيه‪ ،‬ول حرج ول هّم ول غّم ول حزن‪ ،‬بل‬
‫ملناه لك نورا وسرورا وحبورا‪.‬‬

‫أما شرحنا لك صدرك وملناه حكمة ورحمة وإيمانا وبرا وإحسانا‪.‬‬

‫وشرحنا لك صدرك فوسعت أخلق الناس‪ ،‬وعفوت عن تقصيرهم‪ ،‬وصفحت عن أخطائهم‪،‬‬


‫وسترت عيوبهم‪ ،‬وحلمت على سفيههم‪ ،‬وأعرضت عن جاهلهم‪ ،‬ورحمت ضعيفهم‪.‬‬

‫شرحنا لك صدرك فكنت كالغيث جوادا‪ ،‬وكالبحر كرما‪ ،‬وكالنسيم لطفا‪ ،‬تعطي السائل‪ ،‬وتمنح‬
‫الراغب‪ ،‬وتكرم القاصد‪ ،‬وتجود على المؤّمل‪.‬‬

‫شرحنا لك صدرك فصار بردا وسلما يطفئ الكلمة الجافية‪ ،‬ويبرد العبارة الجارحة‪ ،‬فإذا العفو‬
‫والحلم والصفح والغفران‪.‬‬

‫شرحنا لك صدرك فصبرت على جفاء العراب‪ ،‬ونيل السفهاء‪ ،‬وعجرفة الجبابرة‪ ،‬وتطاول‬
‫التافهين‪ ،‬وإعراض المتكبرين‪ ،‬ومقت الحسدة‪ ،‬وسهام الشامتين‪ ،‬وتجّهم القرابة‪.‬‬

‫حاكا في الملّمات‪ ،‬مسرورا وأنت في عين‬


‫ساما في الزمات‪ ،‬ض ّ‬‫شرحنا لك صدرك فكنت ب ّ‬
‫ف بك الحوادث‬
‫العاصفة‪ ،‬مطمئنا وأنت في جفن الردى‪ ،‬تداهمك المصائب وأنت ساكن‪ ،‬وتلت ّ‬
‫ي النفس‪.‬‬
‫وأنت ثابت‪ ،‬لنك مشروح الصدر‪ ،‬عامر الفؤاد‪ ،‬ح ّ‬

‫شرحنا لك صدرك فلم تكن فظا قاسيا غليظا جافيا‪ ،‬بل كنت رحمة وسلما وبرا وحنانا ولطفا‪،‬‬
‫فالحلم ُيطلب منك‪ ،‬والجود ُيتعّلم من سيرتك‪ ،‬والعفو يؤخذ من ديوانك‪.‬‬

‫}ووضعنا عنك وزرك{‪:‬‬

‫حططنا عنك خطاياك وغسلناك من آثار الذنوب‪.‬‬

‫ي طاهر من كل ذنب وخطيئة‪ ،‬ذنبك‬‫فأنت مغفور لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر‪ ،‬وأنت الن نق ّ‬
‫مغفور‪ ،‬وسعيك مشكور‪ ،‬وعملك مبرور‪ ،‬وأنت في كل شأن من شؤونك مأجور‪ ،‬فهنيئا لك هذا‬
‫الغفران‪ ،‬وطوبى لك هذا الفوز‪ ،‬وقرة عين لك هذا الفلح‪.‬‬

‫}الذي أنقض ظهرك{‪:‬‬

‫أثقل هذا الوزر كاهلك‪ ،‬وأضنى ظهرك حتى كاد ينقضه ويوهنه‪ ،‬فالن أذهبنا هذا الثقل وأزلنا‬
‫هذه التبعة‪ ،‬وأعفيناك من هذا الخطب‪ ،‬وأرحناك من هذا الحمل‪ ،‬فاسعد بهذه البشرى‪ ،‬وتقّبل هذا‬
‫ضل‪.‬‬
‫العطاء‪ ،‬وافرح بهذا التف ّ‬

‫}ورفعنا لك ذكرك{‪:‬‬
‫ل ُأذكر إل تذكر معي‪ ،‬يقرن ذكرك بذكري في الذان والصلة والخطب والمواعظ‪ ،‬فهل تريد‬
‫ج وكل خطيب‪ ،‬فهل تطلب مجدا أعلى من‬‫ل وكل مسّبح وكل حا ّ‬
‫شرفا فوق هذا؟ يذكرك كل مص ّ‬
‫هذا؟‬

‫أنت مذكور في التوراة والنجيل‪ ،‬منّوه باسمك في الصحف الولى والدواوين السابقة‪ ،‬اسمك‬
‫يشاد به في النوادي‪ ،‬وُيتلى في الحواضر والبوادي‪ ،‬وُيمدح في المحافل‪ ،‬وُيكرر في المجامع‪.‬‬

‫رفعنا لك ذكرك فسار في الرض مسير الشمس‪ ،‬وعبر القارات عبور الريح‪ ،‬وسافر في الدنيا‬
‫سفر الضوء‪ ،‬فكل مدينة تدري بك‪ ،‬وكل بلد يسمع بك‪ ،‬وكل قرية تسأل عنك‪.‬‬

‫سمر‪ ،‬وخبر المجالس‪ ،‬وقضية القضايا‪ ،‬والنبأ‬


‫رفعنا لك ذكرك فصرت حديث الّركب‪ ،‬وقصة ال ّ‬
‫العظيم في الحياة‪.‬‬

‫شطب مع قائمة الخلود‪ ،‬وما‬


‫رفعنا لك ذكرك فما ُنسي مع اليام‪ ،‬وما ُمحي مع العوام‪ ،‬وما ُ‬
‫ُنسخ من ديوان التاريخ‪ ،‬وما أغفل من دفتر الوجود‪ُ ،‬نسي الناس إل أنت‪ ،‬وسقطت السماء إل‬
‫حفظ‬‫اسمك‪ ،‬وأغفل العظماء إل ذاتك‪ ،‬فمن ارتفع ذكره من العباد عندنا فبسبب اّتباعك‪ ،‬ومن ُ‬
‫اسمه فبسبب القتداء بك‪ .‬ذهبت آثار الدول وبقيت آثارك‪ ،‬وُمحيت مآثر السلطين وبقيت مآثرك‪،‬‬
‫وزالت أمجاد الملوك وخّلد مجدك‪ ،‬فليس في البشر أشرح منك صدرا‪ ،‬ول أرفع منك ذكرا‪ ،‬ول‬
‫أعظم منك قدرا‪ ،‬ول أحسن منك أثرا‪ ،‬ول أجمل منك سيرا‪.‬‬

‫جد سّماك معنا‪ ،‬وإذا خطب خطيب نّوه بك معنا‪،‬‬


‫جد مته ّ‬
‫إذا تشّهد متشّهد ذكرك معنا‪ ،‬وإذا ته ّ‬
‫فاحمد رّبك لننا رفعنا لك ذكرك‪.‬‬

‫} فإن مع العسر يسرا* إن مع العسر يسرا{‪:‬‬

‫إذا ضاقت عليك السبل وبارت الحيل‪ ،‬وتقطعت الحبال وضاق الحال‪ ،‬فاعلم أن الفرج قريب‬
‫وأن اليسر حاصل‪.‬‬

‫ل تحزن‪ ،‬فإن بعد الفقر غنى‪ ،‬وبعد المرض شفاء‪ ،‬وبعد البلوى عافية‪ ،‬وبعد الضيق سعة‪ ،‬وبعد‬
‫الشّدة فرحا‪.‬‬

‫سوف يصلك اليسر أنت وأتباعك‪ ،‬فترزقون وتنصرون وتكرمون ويفتح عليك‪ ،‬ولكن ليس يسر‬
‫واحد بل يسران‪.‬‬

‫طردة أن مع كل عسر يسرا‪ ،‬بعد الليل فجر صادق‪ ،‬وخلف جبل المشقة‬ ‫إنها سنة ثابتة وقاعدة م ّ‬
‫سهل الراحة‪ ،‬ووراء صحراء الضيق روضة خضراء من السعة‪ ،‬إذا اشتد الحبل انقطع‪ ،‬وإذا‬
‫ك المحبوس‪،‬‬‫اكتمل الخطب ارتفع‪ ،‬سوف يصل الغائب‪ ،‬ويشفى المريض‪ ،‬ويعافى المبتلى‪ ،‬ويف ّ‬
‫ويغنى الفقير‪ ،‬ويشبع الجائع‪ ،‬ويروى الظمآن‪ ،‬ويسّر المهموم‪ ،‬وسيجعل ال بعد عسر يسرا‪.‬‬

‫وهذه السورة نزلت عليه الصلة والسلم وهو في حال من الضيق‪ ،‬وتكالب العداء‪ ،‬واجتماع‬
‫الخصوم‪ ،‬وإعراض الناس‪ ،‬وقلة الناصر‪ ،‬وتعاظم المكر‪ ،‬وكثرة الكيد‪ ،‬فكان ل بد له من عزاء‬
‫وسلوة وتطمين وترويح‪ ،‬فنزلت هذه الكلمات له ولتباعه الى يوم القيامة وعدا صادقا وبشر‬
‫طيبة‪ ،‬وجائزة متقّبلة‪:‬‬
‫اشتدي أزمة تنفرجي‬
‫قد آذن ايلك بالبلج‬

‫}فإذا فرغت فانصب{‪:‬‬

‫جه لنا بالطاعة‪،‬‬


‫إذا انتهيت من أعمالك الدنيوية وأشغالك الشخصية فانصب لنا بالعبادة‪ ،‬وتو ّ‬
‫وأكثر من ذكرنا ودعائنا‪.‬‬

‫إذا فرغت من الناس وقضايا الناس وأسئلة الناس فقم في محراب عظمتنا‪ ،‬وانطرح على بابنا‪،‬‬
‫واقرب منا‪ ،‬ومّرغ جبينك لنا‪ ،‬لتلقى الفوز والفلح والمن والنجاة‪.‬‬

‫إذا فرغت من الهل والولد والقريب والصاحب فاجعل لك وقتا معنا‪ ،‬ارفع فيه سؤالك‪ ،‬اعرض‬
‫فيه حاجتك‪ ،‬أكثر فيه دعاءك‪ ،‬ادعنا وسّبحنا واطلبنا واستغفرنا واشكرنا واذكرنا‪.‬‬

‫إذا فرغت من الحكام والقضايا والموعظة والفتيا والتعليم والرشاد والجهاد والنصيحة‪ ،‬فتعال‬
‫لتزداد من قوتنا قوة‪ ،‬ومن مددنا عونا‪ ،‬ومن رزقنا زادا‪ ،‬ومن فتحنا بصيرة وذخيرة‪.‬‬

‫نحن أولى بك منك‪ ،‬وأحق بفراغك من غيرنا‪ ،‬ويا له من توجيه له ولتباعه عليه الصلة‬
‫ل في عله‪ ،‬ليحصل‬ ‫والسلم في صرف الفراغ في العبودية‪ ،‬وملء هذا الزمن بذكره وشكره ج ّ‬
‫المقصود من الرضا والسكينة والفرج والعاقبة الحسنة وصلح الحال والمال‪ ،‬وعمار الدنيا‬
‫والخرة‪.‬‬

‫}وإلى رّبك فارغب{‪:‬‬

‫إلى ربك وحده فارغب‪ ،‬ول ترغب من غيره شيئا‪ ،‬وإليه وحده فاتجه وعليه توّكل‪ ،‬وفيه فأمل‪،‬‬
‫فإن الرغبة والرهبة ل تكون إل إليه لنه صاحب الثواب لمن أطاعه والعقاب لمن عصاه‪،‬‬
‫والرغائب الجليلة ل يملكها إل ال‪ ،‬فعنده مفاتح الخزائن ومقاليد المور‪ ،‬فهو أهل أن يدعى وأن‬
‫ل في عله‪:‬‬
‫يسأل وأن يؤمل وأن يقصد ج ّ‬

‫إليك وإل ل تشّد الركائب‬


‫ومنك وإل فالمؤّمل خائب‬
‫وفيك وإل فالغرام مضّيع‬
‫وعنك وإل فالمحدث كاذب‬

‫وقد تنزلت هذه الكلمات على رسولنا صلى ال عليه وسلم في فترات عصيبة‪ ،‬وفي لحظات‬
‫حاسمة عاشها صلى ال عليه وسلم وتجّرع غصصها وحسا مرارتها‪.‬‬
‫}إنا فتحنا لك فتحا مبينا{‬
‫لقد فتحنا لك يا محمد فتحا بّينا ظاهرا مباركا‪ ،‬فتحنا لك القلوب فغرست بها اليمان‪ ،‬وفتحنا لك‬
‫الضمائر فبنيت فيها الفضيلة‪ ،‬وفتحنا لك الصدور فرفعت فيها الحق‪ ،‬وفتحنا لك البلدان فنشرت‬
‫بها الهدى‪ ،‬وفتحنا لك كنز المعرفة وديوان العلم ومستودع التوفيق‪ ،‬وفتحنا بدعوتك القلوب الغلف‬
‫والعيون العني والذان الصّم‪ ،‬وأسمعنا رسالتك الثقلين‪.‬‬

‫ح الجود من يمينك‪.‬‬
‫فتحنا لك فتدّفق العلم النافع من لسانك‪ ،‬وفاض الهدى المبارك من قلبك‪ ،‬وس ّ‬

‫وفتحنا لك فحزت الغنائم وقسمتها‪ ،‬وجمعت الرزاق ووزعتها‪ ،‬وحصلت على الموال وأنفقتها‪.‬‬

‫ي الذي ما قرأ وكتب‪ ،‬فصار العلماء ينهلون من بحار علمك‪.‬‬


‫وفتحنا لك باب العلم وأنت الم ّ‬

‫وفتحنا عليك الخير فوصلت القريب وأعطيت البعيد‪ ،‬وأشبعت الجائع وكسوت العاري‪ ،‬وواسيت‬
‫المسكين‪ ،‬وأغنيت الفقير‪ ،‬بفضلنا ورزقنا وكرمنا‪.‬‬

‫وفتحنا لك القلع والمدن والقرى‪ ،‬فهيمن دينك‪ ،‬وارتفعت رايتك‪ ،‬وانتصرت دولتك‪ ،‬فأنت‬
‫مفتوح عليك في كل خير وبّر وإحسان ونصر وتوفيق‪.‬‬
‫}فاعلم أنه ل إله إل ال{‬
‫م أ َن ُّه َل إ ِل ََه إ ِّل الل ُّه{ محمد ‪ ،19‬فل تشرك معه في عبوديته أحدا‪ ،‬ول تعد من دونه إلها‬
‫}َفاع ْل َ ْ‬
‫حد قصدك له ومسألتك ودعاءك‪ ،‬فإذا سألت‬ ‫آخر‪ ،‬بل تصرف له عبادتك‪ ،‬وتخلص له طاعتك‪ ،‬وتو ّ‬
‫فاسأل ال‪ ،‬وإذا استعنت فاستعن بال‪ ،‬فل يستحق العبادة إل هو‪ ،‬ول يكشف الضّر غيره‪ ،‬ول‬
‫يجيب دعوة المضطر سواه‪.‬‬

‫شكر وأعظم من ذكر‪ ،‬وأرأف من ملك‪ ،‬وأجود من‬ ‫م أ َن ُّه َل إ ِل ََه إ ِّل الل ُّه { فهو أحق من ُ‬
‫}َفاع ْل َ ْ‬
‫ل من قصد‪ ،‬وأكرم من ابتغي‪ ،‬فل يدعى إله سواه‪،‬‬‫أعطى‪ ،‬وأحلم من قدر‪ ،‬وأقوى من أخذ‪ ،‬وأج ّ‬
‫حد وأن ُيخاف وأن ُيطاع وأن ُيرهب وأن ُيخشى‬
‫ول رب يطاع غيره‪ ،‬فالواجب أن ُيعبد وأن ُيو ّ‬
‫وأن ُيحب‪.‬‬

‫م أ َن ُّه َل إ ِل ََه إ ِّل الل ُّه{ المتفرد بالجمال والكمال والجلل‪ ،‬خلق الخلق ليعبدوه‪ ،‬وأوجد‬
‫}َفاع ْل َ ْ‬
‫حدوه‪ ،‬وأنشأ البرّية ليطيعوه‪ ،‬فمن أطاعه فاز برضوانه‪ ،‬ومن أحّبه نال قربه‪،‬‬ ‫النس والجن ليو ّ‬
‫ومن خافه أمن عذابه‪ ،‬ومن عظمه أكرمه‪ ،‬ومن عصاه أّدبه‪ ،‬ومن حاربه خذله‪ ،‬يذكر من ذكره‪،‬‬
‫ل من كفره‪ ،‬له الحكم وإليه ترجعون‪.‬‬ ‫ويزيد من شكره‪ ،‬ويذ ّ‬

‫م أ َن ُّه َل إ ِل ََه إ ِّل الل ُّه{ فأخلص له العبادة‪ ،‬لنه ل يقبل الشريك‪ ،‬وفّوض إليه المر لنه‬
‫}َفاع ْل َ ْ‬
‫ي‪ ،‬واسأله فهو الغني‪ ،‬وخف عذابه لنه شديد‪ ،‬واخش أخذه لنه أليم‪ ،‬ول تتعّد حدوده‬ ‫الكافي القو ّ‬
‫لنه يغار‪ ،‬ول تحارب أولياءه‪ ،‬لنه ينتقم‪ ،‬واستغفره فهو واسع المغفرة‪ ،‬واطمع في فضله لنه‬
‫كريم‪ ،‬ولذ بجنابه فهناك المن‪ ،‬وأدم ذكره لتنل محبته‪ ،‬وأدمن شكره لتحظى بالمزيد‪ ،‬وعظم‬
‫صك بنصره‪.‬‬‫شعائره لتفوز بوليته‪ ،‬وحارب أعداءه ليخ ّ‬

‫}إقرأ{‬
‫تبدأ قصة النبوة بكلمة‪}:‬اقَْرأ ْ{ يوم نزلت على رسولنا صلى ال عليه وسلم في الغار‪ ،‬ومن بداية‬
‫}اقَْرأ ْ{ بدأنا‪ ،‬بدأ تاريخنا ومجدنا وحياتنا‪ ،‬ومن تاريخ نزول }اقَْرأ ْ{ بدأت مسيرتنا المقّدسة‪،‬‬
‫وتغّير بها وجه الرض وصفحة اليام ومعالم الدنيا‪ ،‬فتلك اللحظة هي أسعد لحظة في حياتنا نحن‬
‫المسلمين‪ ،‬وهي اللحظة الفاصلة بين الظلم والنور‪ ،‬والكفر واليمان‪ ،‬والجهل والعلم‪ ،‬واختيار‬
‫اقرأ من بين قاموس اللفاظ وديوان اللغة له سر عجيب ونبأ غريب‪ ،‬فلم يكن مكان }اقَْرأ ْ{‬
‫غيرها من الكلمات‪ ،‬ل " اكتب"‪ ،‬ول "ادع" ول "تكلم" ول "قل"‪ ،‬ول "اخطب"‪ ....‬إنما‬
‫}اقَْرأ ْ{‪ ،‬ويا لها من كلمة جليلة جميلة أصيلة‪.‬‬

‫اقرأ يا محمد قبل أن تدعو‪ ،‬واطلب العلم قبل أن تعمل }َفاع ْل َ َ‬


‫فْر‬
‫ست َغْ ِ‬ ‫ه إ ِّل الل ّ ُ‬
‫ه َوا ْ‬ ‫ه َل إ ِل َ َ‬
‫م أن ّ ُ‬
‫ْ‬
‫ك { محمد ‪.19‬‬ ‫ذنب ِ َ‬
‫لِ َ‬

‫إن }اقَْرأ ْ{ منهج حياة‪ ،‬ورسالة حية لكل ح ّ‬


‫ي تطالبه بتحصيل العلم النافع وطلب المعرفة‪ ،‬وأن‬
‫يطرد الجهل عن نفسه وأمته‪.‬‬

‫وأين يقرأ بأبي وأمي وما تعّلم على شيخ ول درس كتابا ول حمل قلما؟‬

‫ضا طريا‪ ،‬ويقرأ في كتاب الكون‬


‫يقرأ أول باسم ربه كلم رّبه‪ ،‬فمصدره الول الوحي يتلوه غ ّ‬
‫المفتوح ليرى أسطر الحكمة تخطها أقلم القدرة‪ ،‬فيقرأ في الشمس الساطعة‪ ،‬والنجوم اللمعة‪،‬‬
‫والجدول والغدير‪ ،‬والتل والرابية‪ ،‬والحديقة والصحراء‪ ،‬والرض والسماء‪:‬‬

‫وكتابي الفضاء اقرأ فيه‬


‫صورا ما قرأتها في كتابي‬

‫وكلمة }اقَْرأ ْ{ تدلك على فضل العلم وعلّو مكانته‪ ،‬وأنه أول منازل الشرف الرافعة‪.‬‬

‫وإن كل سعادة وفلح سببها العلم‪ ،‬فرسالته صلى ال عليه وسلم علمّية عملّية‪ ،‬لنه بعث بالعلم‬
‫النافع والعمل الصالح " مثل ما بعثني ال به من الهدى والعلم كمثل الغيث" أخرجه البخاري ‪79‬‬
‫ومسلم ‪ 2282‬عن أبي موسى رضي ال عنه‪.‬‬

‫فاليهود عندهم علم بل عمل‪ ،‬فغضب عليهم‪ ،‬والنصارى لديهم عمل بل علم فضلوا‪ ،‬فأمرنا‬
‫ضاّلي َ‬
‫ن )‪ { (7‬الفاتحة‪.‬‬ ‫ب ع ََليهِ ْ‬
‫م وَل َ ال ّ‬ ‫ضو ِ‬
‫مغ ُ‬ ‫بالستعاذة من سبيل الطائفتين } َ‬
‫غيرِ ال َ‬

‫الرسول صلى ال عليه وسلم باكيا‪:‬‬


‫البكاء فضيلة عند رؤية التقصير أو خوف سوء المصير‪ ،‬وهو محمدة إذا تذّكر العبد ربه وخاف‬
‫ذنوبه‪ ،‬ودليل على تقوى القلب وسّمو النفس وطهر الضمير ورّقة العاطفة‪ ،‬مدح ال رسله بالبكاء‬
‫جدا ً وَب ُك ِي ّا ً )‪ {(58‬مريم‪.‬‬
‫س ّ‬
‫خّروا ُ‬
‫من َ‬
‫ح َ‬
‫ت الّر ْ‬ ‫ذا ت ُت َْلى ع َل َي ْهِ ْ‬
‫م آَيا ُ‬ ‫فقال‪ }:‬إ ِ َ‬

‫شوعا ً )‪{ (109‬‬ ‫ن ي َب ْ ُ‬ ‫خرو َ َ‬


‫خ ُ‬
‫م ُ‬
‫زيد ُهُ ْ‬
‫ن وَي َ ِ‬
‫كو َ‬ ‫ن ل ِلذ َْقا ِ‬ ‫ووصف أولياءه الصالحين بأنهم} وَي َ ِ ّ‬
‫السراء‪.‬‬

‫ولم أعداءه على القسوة والغلظة فقال‪ }:‬أفمن هذا الحديث تعجبون* وتضحكون ول‬
‫تبكون{‪.‬‬
‫َ‬ ‫ما ُأنزِ َ‬
‫مِع‬
‫ن الد ّ ْ‬
‫م َ‬
‫ض ِ‬
‫في ُ‬
‫م تَ ِ‬
‫ل ت ََرى أع ْي ُن َهُ ْ‬ ‫ل إ َِلى الّر ُ‬
‫سو ِ‬ ‫مُعوا ْ َ‬
‫س ِ‬ ‫وأثنى على قوم فقال‪ }:‬وَإ ِ َ‬
‫ذا َ‬
‫حقّ { المائدة ‪.83‬‬ ‫ن ال ْ َ‬ ‫ما ع ََرُفوا ْ ِ‬
‫م َ‬ ‫م ّ‬
‫ِ‬

‫ب العالمين‪ ،‬وإمام الخائفين من مالك يوم الدين هو خاتم المرسلين صلى ال‬ ‫وسيد الخاشعين لر ّ‬
‫ي الدمع‪ ،‬رقيق القلب‪ ،‬جياش العاطفة‪ ،‬مشبوب‬ ‫ي الجفن‪ ،‬سريع العبرة‪ ،‬سخ ّ‬ ‫عليه وسلم‪ .‬فقد كان ند ّ‬
‫الحشا‪ ،‬تنطلق دمعته في صدق وطهر‪ ،‬ويسمع نشيجه في قنوت وإخبات‪ ،‬يترك بكاؤه في قلوب‬
‫أصحابه آثارا من التربية والقتداء والصلح ما ل تتركه الخطبة البليغة والمواعظ المؤثرة‪ ،‬فهو‬
‫يبكي صلى ال عليه وسلم عند تلوة القرآن‪ ،‬فقد قام ليلة من الليالي يكرر قوله تعالى‪ِ }:‬إن‬
‫ك وإن تغْفر ل َهم فَإن َ َ‬
‫م )‪ { (118‬المائدة‪ ،‬فيبكي‬‫كي ُ‬ ‫زيُز ال ْ َ‬
‫ح ِ‬ ‫ت ال ْعَ ِ‬
‫ك أن َ‬ ‫عَباد ُ َ َ ِ َ ِ ْ ُ ْ ِ ّ‬ ‫م فَإ ِن ّهُ ْ‬
‫م ِ‬ ‫ت ُعَذ ّب ْهُ ْ‬
‫غالب ليله‪.‬‬

‫ح عنه صلى ال عليه وسلم أنه قال لبن مسعود‪":‬اقرأ عليّ‬ ‫وهو يبكي عند سماع القرآن‪ ،‬فقد ص ّ‬
‫ب أن أسمعه من غيري" فيقرأ‬ ‫القرآن"‪ ،‬قال‪ :‬كيف أقرؤه عليك وعليك ُأنزل؟ قال‪ ":‬اقرأ فإني أح ّ‬
‫جئ َْنا ب ِ َ‬
‫ك‬ ‫مةٍ ب ِ َ‬
‫شِهيد ٍ وَ ِ‬ ‫من ك ُ ّ‬
‫لأ ّ‬ ‫جئ َْنا ِ‬ ‫ابن مسعود من أول سورة النساء‪ ،‬حتى بلغ‪ }:‬فَك َي ْ َ‬
‫ف إِ َ‬
‫ذا ِ‬
‫شِهيدا ً )‪ {(41‬النساء‪ .‬قال‪ ":‬حسبك الن" فنظرت فإذا عيناه تذرفان‪ .‬أخرجه‬ ‫ؤلء َ‬ ‫ع ََلى َ‬
‫هـ ُ‬
‫البخاري ] ‪ [5055 ،4582‬ومسلم ‪ 800‬عن عبدال بن مسعود‪.‬‬

‫وهو يخشع صلى ال عليه وسلم عند سماع القرآن‪ ،‬فقد صح أنه قام ليلة يستمع لبي موسى‬
‫الشعري وهو يقرأ القرآن ثم قال له في الصباح‪ ":‬لو رأيتني وأنا أستمع لقراءتك‪ ،‬لقد أوتيت‬
‫مزمارا من مزامير آل داود" أخرجه البخاري ‪ 5048‬ومسلم ‪ 793‬عن أبي موسى‪.‬‬
‫فيقول أبو موسى‪ :‬لو كنت أعلم أنك تستمع لي لحّبرته لك تحبيرا‪ .‬أي‪ :‬جّودته وحسنته وجّملته‪.‬‬
‫هذه الزيادة أخرجها البيهقي في الكبرى ] ‪ [208421 ،4484‬وفي الشعب ‪.2604‬‬

‫وقال عبدال بن الشخير في حديث صحيح‪ :‬دخلت على رسول ال صلى ال عليه وسلم وهو‬
‫يصلي وبصدره أزيز كأزيز المرجل من البكاء‪ ،‬وهو القدر إذا استجمع غليانا‪.‬‬

‫ويحضر صلى ال عليه وسلم جنازة ابنته زينب‪ ،‬ويجلس على القبر وتذرف عيناه من هول‬
‫المنظر‪ ،‬وتذكر العاقبة والتفكير في ذلك المصير‪ ،‬وأصحابه يشاهدون هذا المشهد المؤثر المعّبر‬
‫منه صلى ال عليه وسلم‪.‬‬

‫ويخبر صلى ال عليه وسلم بفضل البكاء من خشية ال‪ ،‬فيذكر السبعة الذين يظلهم ال في ظله‬
‫يوم ل ظل إل ظله‪ ...":‬ورجل ذكر ال خاليا ففاضت عيناه" اخرجه البخاري] ‪،1423 ،660‬‬
‫‪ [6806‬ومسلم ‪ 1031‬عن أبي هريرة رضي ال عنه‪.‬‬
‫سهما النار أبدا‪ :‬عين بكت وجل من خشية‬
‫ح عنه صلى ال عليه وسلم أنه قال‪ ":‬عينان ل تم ّ‬
‫وص ّ‬
‫ال‪ ،‬وعين باتت تحرس في سبيل ال" أخرجه الترمذي ‪ 1639‬والبيهقي في الشعب ‪ 796‬عن ابن‬
‫عباس‪.‬‬

‫فالبكاء السّني الشرعي ما كان من خوف ال عز وجل‪ ،‬وتذّكر القدوم عليه والوقوف بين يديه‬
‫والتفكير في آياته الشرعية والكونية‪ .‬والبكاء من الوفاء‪ ،‬ومن أفضل أعمال الولياء‪ ،‬خاصة إذا‬
‫كان ندما من معصية وعند فوت طاعة‪ ،‬ووجل من عذاب‪ ،‬ورحمة لمصاب‪ ،‬ورقة عند موعظة‪،‬‬
‫وخشية عند تفّكر‪ .‬ول يحمد البكاء على الدنيا‪ ،‬فهي أقل وأرخص من ُيبكى عليها‪ ،‬فليست أهل‬
‫لذلك‪.‬‬

‫ل على يقين وعظمة خوف وشدة‬ ‫ل وأفضل البكاء‪ ،‬وهو ما د ّ‬


‫فكان بكاؤه صلى ال عليه وسلم أج ّ‬
‫رهبة من الجليل‪ ،‬وصدق معرفة وحسن علم بعاقبة‪ ،‬فأعماله صلى ال عليه وسلم كلها في أرقى‬
‫مقامات العمال وأسمى غايات الحوال‪.‬‬

‫ولم يكن صلى ال عليه وسلم بالهلوع الجزوع الذي يأسف على فوات الحظوظ الدنيوية‬
‫ويجزعلى ذهاب المكاسب الدنّية‪ ،‬ولم يكن بالفرح البطر القاسي الذي ل تؤثر فيه المواقف ول‬
‫سمه وضحكه وسروره في‬ ‫تحّركه الزمات‪ ،‬بل كان بكاؤه وندمه وأسفه في مرضاة ربه‪ .‬وكان تب ّ‬
‫طاعة خالقه‪ ،‬ففي كل خصلة من خصال النبل وفي كل صفة من صفات الفضل هو المثل العلى‬
‫ُ‬
‫سن ٌَة{ الحزاب ‪.21‬‬
‫ح َ‬ ‫ل الل ّهِ أ ْ‬
‫سوَة ٌ َ‬ ‫سو ِ‬ ‫ن ل َك ُ ْ‬
‫م ِفي َر ُ‬ ‫كا َ‬ ‫والقدوة الحسنة‪ }:‬ل َ َ‬
‫قد ْ َ‬

‫لقد كان أصحابه صلى ال عليه وسلم ينظرون إليه على المنبر ودموعه تذرف‪ ،‬ونشيجه يتعالى‪،‬‬
‫ل ينكس رأسه ويترك‬‫ولصدره أزيز ولصوته أزيمن حينها يتحول المسجد إلى بكاء ودموع‪ ،‬ك ّ‬
‫التعبير لعينيه أمام هذا المشهد الذي ل تمحوه اليام ول تنسيه الليالي‪.‬‬

‫ح دموعه وتتساقط على وجنتيه وهو‬


‫يا ال! محمد رسول ال هكذا باكيا أمام الناس‪ ،‬هكذا تس ّ‬
‫أعرف الناس بال وأدراهم بالوحي وأعلمهم بالمصير!‬

‫يبكي من قلب ملؤه الخوف من ال‪ ،‬ومن نفس عَمرها حب ال‪ ،‬فتكاد دموعه تتحدث للناس‪،‬‬
‫ويكاد يكون بكاؤه أبلغ من كل موعظة وأفصح من كل كلمة‪.‬‬

‫قد كنت أشفق من دمعي على بصري‬


‫ل عزيز بعدكم هانا‬
‫فاليوم ك ّ‬

‫الرسول صلى ال عليه وسلم ضاحكا‪:‬‬


‫الضحك المعتدل بلسم للروح ودواء للنفس وراحة للخاطر المكدود وبعد الجد والعمل‪ ،‬والمقتصد‬
‫منه دليل على الريحية‪ ،‬وآية على اعتدال المزاج‪ ،‬وعلمة على صفاء الطوّية‪.‬‬

‫وكان رسولنا صلى ال عليه وسلم مع أهله إذا دخل عليهم ضحاكا بساما يمازح زوجاته‬
‫ويلطفهن ويؤنسهن ويحادثهن حديث الود والحب والحنان والعطف؛ لنه ُبعث رحمة للعالمين‪،‬‬
‫وأحق الناس بهذه الرحمة أهله وقرابته وأحبابه وأصحابه‪ .‬وكانت تعلو محّياه الطاهر البسمة‬
‫المشرقة الموحية‪ ،‬فإذا قابل بها الناس أسر قلوبهم أسرا فمالت نفوسهم بالكلية إليه وتهافتت‬
‫أرواحهم عليه‪ ،‬يبتسم عن مثل البرد في وجه أبهى من الشمس‪ ،‬وجبين أزهى من البدر‪ ،‬وفم‬
‫أطهر من القحوان‪ ،‬وخلق أندى من الرياض‪ ،‬ووّد أرق من النسيم‪ ،‬يمزح ول يقول إل حقا‪،‬‬
‫فيكون مزحه على أرواح أصحابه أهنى من قطرات الماء على كبد الصادي وألطف من يد الوالد‬
‫الحاني على رأس ابنه الوديع‪ ،‬يمازحهم فتنشط أرواحهم وتنشرح صدورهم وتنطلق أسارير‬
‫وجوههم‪ ،‬فل وال ما يريدون الدنيا كلها في جلسة واحدة من جلساته‪ ،‬ول وال ل يرغبون في‬
‫القناطير المقنطرة من الذهب والفضة في كلمة حانية وادعة مشرقة من كلماته‪.‬‬

‫سم في وجهي‪،‬‬ ‫يقول جرير بن عبدال البجلي‪ :‬ما رآني رسول ال صلى ال عليه وسلم إل تب ّ‬
‫ل عند‬
‫وجرير يفتخر بهذا العطاء ويعلن هذا السخاء‪ ،‬فهذه البسمة الوارفة الدافئة الصادقة أج ّ‬
‫جرير من كل الذكريات وأسمى من كل المنيات‪.‬‬

‫يبتسم في وجهه فكفى‪ ،‬يمل روحه برا وحنانا ولطفا‪ ،‬ويشبع قلبه سماحة ورحمة وودا‪ ،‬ول تظن‬
‫المسألة عادية أو أن الموقف سهل بسيطن لنك ما عشت الحدث وما لبست القضية‪.‬‬

‫ف خلقه ويبس‬‫والرسول صلى ال عليه وسلم في ضحكه ومزاحه ودعابته وسط بين من ج ّ‬
‫طبعه وتجّهم محّياه وعبس وجهه‪ ،‬وبين من أكثر من الضحك واستهتر في المزاح وأدمن الدعابة‬
‫والخفة‪ ،‬فكان صلى ال عليه وسلم يضحك في مناسبات حتى تبدو نواجذه‪ ،‬ولكنه لم يستغرق في‬
‫الضحك حتى يهتز جسمه أو يتمايل أو تبدو لهواته‪ ،‬وهي أقصى الحق‪.‬‬

‫ح عنه أنه قال‪ ":‬وإّياك والضحك‪ ،‬فإن كثرة الضحك تميت القلب" أخرجه أحمد ‪8034‬‬
‫وقد ص ّ‬
‫والترمذي ‪ 2305‬وابن ماجه ‪ 4217‬عن أبي هريرة رضي ال عنه وانظر البيان والتعريف ‪\1‬‬
‫‪ 22‬وكشف الخفاء ‪.85‬‬

‫وقد ورد أنه مازح بعض أصحابه فقال له‪ :‬أريد أن تحملني يا رسول ال على جمل‪ ،‬قال‪ ":‬ل‬
‫أجد لك إل ولد الناقة" فوّلى الرجال فدعاه وقال‪ ":‬وهل تلد البل إل النوق؟" أي أن الجمل أصل‬
‫ولد ناقة‪ .‬أخرجه أحمد ‪ 13405‬وأبو داود ‪ 4998‬والترمذي ‪ 1991‬عن أنس بن مالك‪.‬‬

‫ويروى أن عجوزا أتته صلى ال عليه وسلم تطلب منه أن يدعو لها بدخول الجنة‪ ،‬فقال‪ ":‬ل‬
‫ن‬ ‫يدخل الجنة عجوز" فوّلت تبكي‪ ،‬فدعاها وقال‪ ":‬أما سمعت قول ال سبحانه‪ }:‬إنا َأن َ ْ‬
‫شأَناهُ ّ‬ ‫ِّ‬
‫كارا ً )‪ (36‬عُُربا ً أ َت َْرابا ً )‪ {(37‬الواقعة‪ .‬أخرجه الطبراني انظر مجمع‬
‫ن أ َب ْ َ‬
‫جعَل َْناهُ ّ‬
‫شاء )‪ (35‬فَ َ‬
‫ِإن َ‬
‫الزوائد ‪.419\10‬‬

‫بل كان ضحكه طاعة لربه تعالى‪ ،‬وفيه من مقاصد القتدء والسوة ما يفوق الوصف‪ ،‬ولم يكن‬
‫ضحكه عبثا أو لهوا أو تزجية للوقت وقتل للزمن‪.‬‬
‫يركب صلى ال عليه وسلم راحلته مسافرا فيدعو بدعاء السفر ثم يقول‪ ":‬اللهم اغفر لي ذنبي‬
‫فإنه ل يغفر الذنوب إل أنت" ثم يضحك صلى ال عليه وسلم‪ ،‬فيسأله أصحابه‪ :‬لم ضحكت يا‬
‫رسول ال؟ فقال‪ ":‬يضحك ربك إذا قال العبد‪ :‬اللهم اغفر لي ذنوبي فإنه ل يغفر الذنوب إل أنت‪،‬‬
‫ويقول‪ :‬علم عبدي أنه ل يغفر الذنوب إل أنا"‪ .‬أخرجه أحمد ‪ 932‬وأبو داود ‪ 2602‬والترمذي‬
‫‪ 3446‬عن علي رضي ال عنه‪.‬‬

‫ويتلو صلى ال عليه وسلم قصة الرجل الذي هو آخر من يدخل الجنة ويخرج من النار‪ ،‬ويسأل‬
‫ربه شيئا فشيئا حتى يعطيه ال عشرة أمثال ما تمّنى‪ ،‬فيقول الرجل‪ :‬أتهزأ بي وأنت رب العالمين؟‬
‫فيضحك صلى ال عليه وسلم عند ذلك‪.‬‬

‫فمن هديه صلى ال عليه وسلم الذي هداه ال إليه ودّله عليه أنه يعطي كل مقام حقه حتى ل‬
‫يصلح في ذلك المقام إل ما فعله صلى ال عليه وسلم‪ ،‬ففي وقت النس والفرح والسرور مزاح‬
‫مقتصد ودعابة وقورة ومرح معتدل‪ ،‬وفي وقت الموعظة والخوف والتذكر بكاء في خشية‬
‫ورهبة في ذكرى وتأثر في سكون‪ ،‬فمزاحه تأليف للقلوب‪ ،‬ودعابته أنس للرواح‪ ،‬وضحكه بلسم‬
‫للنفوس‪ ،‬بل كل مزحة مكتوبة في دواوين الحديث على أنها سنة‪ ،‬وكل دعابة نقلها الرواة على‬
‫أنها أثر وخلق من أخلقه الشريفة‪ ،‬فسبحان من رفع قدره حتى صار ضحكه يحفظ في بطون‬
‫السفار كأنه أعجب قصة من قصص العبر والعظات‪ ،‬وتبارك من شّرف منزلته حتى جعل‬
‫مزحه يرويه الثقات عن الثقات كأنه فريضة قائمة‪ ،‬فصلى ال عليه وعلى أصحابه وآله ما تنفس‬
‫صباح وعسعس ليل‪.‬‬

‫الرسول صلى ال عليه وسلم شجاعا‪:‬‬


‫الرسول صلى ال عليه وسلم أشجع الناس قلبا‪ ،‬ويكفي شجاعته مثل أنه ما فّر من معركة قط‪،‬‬
‫وما تأخر عن القتال‪ ،‬وما نكص عند النزال‪ ،‬بل كان إذا حمي الوطيس وقامت الحرب على ساق‬
‫سرت الرماح على الجماجم‪ ،‬حينها‬ ‫واحمّرت الحدق وتطايرت الرؤوس على أطراف السيوف وتك ّ‬
‫تجد سيد الخلق صلى ال عليه وسلم ثابت الجأش ساكن النفس‪ ،‬عنده من الطمأنينة والثقة برّبه ما‬
‫يكفي أمة وما يفيض على جيش‪.‬‬

‫أما كان في الغار مع أبي بكر الصديق وقد أحاط بالغار كفار قريش معهم السيوف المصلتة‬
‫والقلوب الحاقدة يريدون روحه صلى ال عليه وسلم بأي ثمن‪ ،‬وهو أعزل من السلح؟ فلما رأى‬
‫تخوف أبي بكر عليه قال‪ ":‬يا أبا بكر‪ ،‬ما ظّنك باثنين ال ثالثهما" أخرجه البخاري ] ‪،3653‬‬
‫‪ [4663‬ومسلم ‪ 2381‬عن أبي بكر رضي ال عنه‪.‬‬

‫وهذا غاية الثبات ونهاية الشجاعة‪.‬‬

‫ويفّر المسلمون في حنين ول يبقى إل ستة من الصحابة‪ ،‬فيتقدم صلى ال عليه وسلم على بغلته‬
‫الى جيش الكفار المدجج بالسلح الكثير العدد القوي البأس‪ ،‬فيرميهم بحفنة تراب بيده ويقول‪":‬‬
‫شاهت الوجوه" أخرجه مسلم ‪ 1777‬عن سلمة بن عمرو بن الكوع رضي ال عنه‪.‬‬

‫الرسول صلى ال عليه وسلم ممدوحا‪:‬‬


‫فذو العرش محمود وهذا محمد‪:‬‬
‫حُمودا ً )‪ { (79‬السراء‪.‬‬ ‫قاما ً ّ‬
‫م ْ‬ ‫م َ‬
‫ك َ‬ ‫سى َأن ي َب ْعَث َ َ‬
‫ك َرب ّ َ‬ ‫}ع َ َ‬

‫الشمس من حساده والنصر من‬


‫قرنائه والحمد من أسمائه‬
‫أين الثلثة من ثلث خلله‬
‫من حسنه وإبائه ومضائه‬
‫مضت الدهور وما أتين بمثله‬
‫ولقد أتى فعجزن عن نظرائه‬

‫محمد بن عبدال‪ ..‬هذا السم العلم‪ ،‬إذا ذكر ذكرت معه الفضيلة في أجمل صورها‪ ،‬وذكر‬
‫معه الطهر في أرقى مشاهده‪ ،‬وذكر معه العدل في أسمى معانيه‪.‬‬

‫حدين‪ ،‬فلو شققت كل قلب لرأيته‬


‫محمد بن عبدال‪ ..‬اسم كتب بحروف من نور في قلوب المو ّ‬
‫محفورا في النياط مكتوبا في السويداء‪ ،‬مرسوما في العروق‪.‬‬

‫ق قلبي في الهوى قطعا‬


‫وال لو ش ّ‬
‫وأبصر اللحظ رسما في سويداه‬
‫لكنت أنت الذي في لوحه كتبت‬
‫ذكراه أو رسمت بالحب سيماه‬

‫محمد صاحب الغرة والتبجيل‪ ،‬المذكور في التوراة والنجيل‪ ،‬المؤيد بجبريل‪ ..‬حامل لواء العز‬
‫في بني لؤين وصاحب الطود المنيف في بني عبد مناف بن قصي‪.‬‬

‫شرت به الرسل‪ ،‬وأخبرت به الكتب‪ ،‬وحفلت باسمه التواريخ‪ ،‬وتشّرفت به النوادي‪ ،‬وتضوعت‬ ‫بّ‬
‫بذكره المجامع‪ ،‬وصدحت بذكراه المنائر‪ ،‬ولجلجت بحديثه المنابر‪.‬‬

‫حب ُك ُ ْ‬
‫م وََما غََوى )‪ { (2‬النجم‪ ،‬وحفظ من الهوى‪:‬‬ ‫صا ِ‬ ‫ض ّ‬
‫ل َ‬ ‫ما َ‬‫عصم من الضللة والغواية‪َ }:‬‬
‫ن ال ْهََوى )‪ {(3‬النجم‪...‬‬ ‫} وَ َ‬
‫ما َينط ِقُ ع َ ِ‬

‫ي ُيوَحى )‪{(4‬النجم‪..‬‬ ‫ن هُوَ إ ِّل وَ ْ‬


‫ح ٌ‬ ‫فكلمه شريعة‪ ،‬ولفظه دين‪ ،‬وسنته وحي}إ ِ ْ‬

‫ن)‬ ‫حقّ ال ْ ُ‬
‫مِبي ِ‬ ‫ك ع ََلى ال ْ َ‬
‫سجاياه طاهرة‪ ،‬وطبيعته فاضلة‪ ،‬وخصاله نبيلة‪ ،‬ومواقفه جليلة} إ ِن ّ َ‬
‫‪{ (79‬النمل‪.‬‬

‫تواضعه جّم‪ ،‬وجوده عّم‪ ،‬ونوره تّم‪ ،‬فهو مرضي الفعال‪ ،‬صادق القوال‪ ،‬شريف‬
‫ظيم ٍ )‪ { (4‬القلم‪.‬‬ ‫خل ُ ٍ‬
‫ق عَ ِ‬ ‫ك ل ََعلى ُ‬
‫الخصال}وَإ ِن ّ َ‬

‫ت فَظ ّا ً غ َِلي َ‬
‫ظ‬ ‫م وَل َوْ ُ‬
‫كن َ‬ ‫ت ل َهُ ْ‬
‫ن الل ّهِ ِلن َ‬
‫م َ‬
‫مةٍ ّ‬
‫ح َ‬ ‫لّين الجانب‪ ،‬سهل الخليقة‪ ،‬يسير الطبع}فَب ِ َ‬
‫ما َر ْ‬
‫ك { آل عمران ‪.159‬‬ ‫حوْل ِ َ‬
‫ن َ‬ ‫ضوا ْ ِ‬
‫م ْ‬ ‫ف ّ‬ ‫ب َ‬
‫لن َ‬ ‫قل ْ ِ‬
‫ال ْ َ‬

‫ظاهر العناية‪ ،‬ملحوظ بعين الرعاية‪ ،‬منصور الراية‪ ،‬موفق محظوظ‪ ،‬مظّفر مفتوح عليه }إ ِّنا‬
‫ك فَْتحا ً ّمِبينا ً )‪ { (1‬الفتح‪.‬‬
‫حَنا ل َ َ‬
‫فَت َ ْ‬
‫ك وََما ت َأ َّخَر{‬
‫ذنب ِ َ‬
‫من َ‬
‫م ِ‬
‫قد ّ َ‬
‫ما ت َ َ‬ ‫ك الل ّ ُ‬
‫ه َ‬ ‫فَر ل َ َ‬
‫أصلح ال قلبه‪ ،‬وأنار له دربه‪ ،‬وغفر له ذنبه }ل ِي َغْ ِ‬
‫الفتح ‪.2‬‬

‫فهو المصلح الذي عمر ال به القلوب‪ ،‬وأسعد به الشعوب‪ ،‬وأعتق به الرقاب من عبودية‬
‫ست َِقيم ٍ )‪{(52‬‬
‫م ْ‬
‫ط ّ‬ ‫دي إ َِلى ِ‬
‫صَرا ٍ‬ ‫ك ل َت َهْ ِ‬
‫ق الوثنية } وَإ ِن ّ َ‬
‫الطاغوت‪ ،‬وحّرر به النسان من ر ّ‬
‫الشورى‪.‬‬

‫وهو الذي أعفى البشرية من التكاليف الشاقة‪ ،‬وأراحها من المصاعب‪ ،‬وأبعدها من المعاطب‪،‬‬
‫م َوال َغ ْل َ َ‬
‫ل ال ِّتي‬ ‫صَرهُ ْ‬
‫م إِ ْ‬ ‫صرها بسنن الفطرة }وَي َ َ‬
‫ضعُ ع َن ْهُ ْ‬ ‫وسهل لها بإذن ال أمر الحياة‪ ،‬وب ّ‬
‫م { العراف ‪.157‬‬ ‫ت ع َل َي ْهِ ْ‬ ‫َ‬
‫كان َ ْ‬

‫فهو رحمة للنسان‪ ،‬إذا عّلمه الرحمن‪ ،‬وسكب في قلبه نور اليمان‪ ،‬ودّله على طريق الجنان‪..‬‬

‫وهو رحمة للشيخ الكبير‪ ،‬إذ سّهل له العبادة‪ ،‬وأرشده لحسن الخاتمة‪ ،‬وأيقظه لتدارك العمر‬
‫واغتنام بقية اليام‪..‬‬

‫جه طاقته لنبل‬


‫وهو رحمة للشاب إذ هداه إلى أجمل أعمال الفتوة وأكمل خصال الصبا‪ ،‬فو ّ‬
‫ل الخلق‪..‬‬ ‫السجايا وأج ّ‬

‫وهو رحمة للطفل‪ ،‬إذ سقاه مع لبن أمه دين الفطرة‪ ،‬وأسمعه ساعة المولد أذان التوحيد‪ ،‬وألبسه‬
‫في عهد الطفولة حلة اليمان‪..‬‬

‫وهو رحمة للمرأة‪ ،‬إذ أنصفها في عالم الظلم‪ ،‬وحفظ حقها في دنيا الجور‪ ،‬وصان جانبها في‬
‫مهرجان الحياة‪ ،‬وحفظ لها عفافها وشرفها ومستقبلها‪ ،‬فعاش أبا للمرأة وزوجا وأخا ومربيا‪..‬‬

‫وهو صلى ال عليه وسلم رحمة للولة والحكام‪ ،‬إذ وضع لهم ميزان العدالة‪ ،‬وحّذرهم من‬
‫متالف الجور والتعسف‪ ،‬وحّد لهم حدود التبجيل والحترام والطاعة في طاعة ال ورسوله‪..‬‬

‫وهو رحمة للرعية‪ ،‬إذ وقف مدافعا عن حقوقها محرما الحيف ناهيا عن السلب والنهب والسفك‬
‫والبتزاز والضطهاد والستبداد‪.‬‬
‫َ‬
‫ن )‪ {(107‬النبياء‪.‬‬ ‫ة ل ّل َْعال َ ِ‬
‫مي َ‬ ‫م ً‬ ‫ك إ ِّل َر ْ‬
‫ح َ‬ ‫سل َْنا َ‬ ‫إذا فهو رحمة للجميع ونعمة على الكل‪ }:‬وَ َ‬
‫ما أْر َ‬

‫وكان إذا تكلم عبل كلمه حدود النفس وتجاوز أقطار الروح‪ ،‬فغاص حديثه في أعماق الفئدة‪،‬‬
‫ط على سويداء القلوب‪.‬‬
‫ونقش لفظه في صفحة الذاكرة‪ ،‬وخ ّ‬

‫وكان إذا ضحك مل المكان أنسا‪ ،‬وأتحف الحضور بشرا‪ ،‬وعّبأ جلسه سعادة وحفاوة‪.‬‬

‫وكان إذا بكى خشع لبكائه الناس‪ ،‬وذرفت كل عين مخزونها‪ ،‬وأخرجت كل نفس مكنوناتها‪،‬‬
‫فكأن نذر القيامة على البواب‪ ،‬وكأن رسل الموت وقوف على الرؤوس‪ ،‬فل ترى إل دموعا‬
‫ن وََل ت َب ْ ُ‬ ‫َ‬
‫ن)‬‫كو َ‬ ‫ح ُ‬
‫كو َ‬ ‫ض َ‬
‫ن )‪ (59‬وَت َ ْ‬
‫جُبو َ‬
‫ث ت َعْ َ‬
‫دي ِ‬ ‫ذا ال ْ َ‬
‫ح ِ‬ ‫ن هَ َ‬ ‫وخشوعا وخضوعا وإطراقا‪ }:‬أفَ ِ‬
‫م ْ‬
‫‪ {(60‬النجم‪.‬‬
‫باٍد هواك صبرت أن لم تصبر‬
‫وبكاك إذا لم يجر دمعك أو جرى‬

‫وكان إذا خطب هز المنابر‪ ،‬وأيقظ الضمائر‪ ،‬وحّرك السرائر‪ ،‬وألهب السامعين‪ ،‬وأذهل‬
‫المخاطبين‪ ،‬فلو أن للصخر عينا لبكت‪ ،‬ولو أن للجدار نفسا لخشعت‪ ،‬ولو أن لليام أذنا لنصتت‪.‬‬

‫ليت للدهر مقلة فلعل الذكر‬


‫يبكيه مثلما أبكاني‬
‫بحديث يغوص في القلب غوصا‬
‫وعليه جللة من معان‬

‫ل‬
‫سِبي ِ‬
‫ل ِفي َ‬ ‫وكان إذا قاتل ثبت ثبوت الرجال‪ ،‬وتقّدم تقّدم السيل‪ ،‬وصمد صمود الحق }فَ َ‬
‫قات ِ ْ‬
‫ك{ النساء ‪.84‬‬‫س َ‬ ‫الل ّهِ ل َ ت ُك َل ّ ُ‬
‫ف إ ِل ّ ن َ ْ‬
‫ف َ‬

‫فكان ل يعرف الفرار‪ ،‬ول يسمع بالهزيمة ول يستسلم للحباط‪ ،‬محّياه باسم والغبار يمل‬
‫المكان‪ ،‬وقلبه مطمئن والرؤوس تعاف البدا‪ ،‬ونفسه ساكنة والنفوس شذر مذر على رؤوس‬
‫خل َ ْ‬
‫ت‬ ‫ل قَد ْ َ‬ ‫مد ٌ إ ِل ّ َر ُ‬
‫سو ٌ‬ ‫ح ّ‬
‫م َ‬ ‫ط بالدماء حروف الموت}وَ َ‬
‫ما ُ‬ ‫الرماح‪ ،‬وطلعته ضاحكة والسيوف تخ ّ‬
‫َ‬
‫م ع ََلى أع ْ َ‬ ‫ت أ َوْ قُت ِ َ‬ ‫من قَبل ِه الرس ُ َ‬
‫م { آل عمران ‪.144‬‬ ‫قاب ِك ُ ْ‬ ‫قل َب ْت ُ ْ‬
‫ل ان َ‬ ‫ل أفَِإن ّ‬
‫ما َ‬ ‫ْ ِ ّ ُ‬ ‫ِ‬

‫ك لواقف‬
‫وقفت وما في الموت ش ّ‬
‫كأّنك في جفن الردى وهو نائم‬
‫تمّر بك البطال كلمى هزيمة‬
‫ضاح وثغرك باسم‬
‫ووجهك و ّ‬

‫وكان إذا جاد بلغ المدى في السخاء‪ ،‬وفعل ما لم تفعله النواء‪ ،‬يعطي عطاء من ل يخشى الفقر‪،‬‬
‫ويهب هبة من أرخص الدنيا وزهد في الحطام وعاف البقاء ورجا من ال الخلف‪ ..‬يداه غمامة‬
‫أينما هّلت‪ ،‬وكّفه مدرارا أينما وقع نفع‪ ،‬جاد بمهجته فعّرضها للمنايا في سبيل ال‪ ،‬وقّدمها‬
‫لشفرات السيوف لرفع ل إله إل ال‪ ،‬فما شجاعته إل آية لجوده‪ ،‬وما إقدامه إل برهان على‬
‫سخائه‪:‬‬

‫أنت الشجاع إذا لقيت كتيبة‬


‫أّدبت في هول الردى أبطالها‬
‫وإذا وعدت وفيت فيما قلته‬
‫ل من يكّذب قوله أفعالها‬

‫يعطي ما يملك في ساعة‪ ،‬ويهدي ما عنده في لحظة‪ ،‬هانت عليه الدنيا فمنح أجلف العرب‬
‫مئات البل‪ ،‬ورخصت عنده الموال فجاد بالغنائم على مسلمي الفتح‪ ":‬والذي نفسي بيده‪ ،‬لو أن‬
‫لي بعدد عضاة تهامة مال لنفقته ثم ل تجدوني بخيل ول جبانا ول كذابا" مالك في الموطأ ‪.977‬‬

‫ما قال "ل" إل في التشهد‬


‫وما ترك "نعم" إل عند المناهي‬
‫سئل قميصه فخلعه وأعطاه‪ ،‬وجاد بقوته فعصب بطنه على حّر الجوع وبلواه‪ ..‬جود حاتم‬
‫للصيت والسمعة والرياء‪ ،‬وجود خاتم النبياء لمرضاة رب الرض والسماء‪.‬‬

‫أنفق من فاقة‪ ،‬وأعطى من فقر‪ ،‬وآثر من حاجة‪ ،‬ووصل مع العوز‪.‬‬

‫وكان إذا عفا على الجاني أسره بإحسانه‪ ،‬فل يعاتبه ول يطالبه‪ ..‬ينسى الساءة ويدفن الزلة‬
‫ل )‪ {(85‬الحجر‪.‬‬‫مي َ‬ ‫ح ال ْ َ‬
‫ج ِ‬ ‫ص فْ َ‬
‫فِح ال ّ‬ ‫ويمحو بحلمه لذنب‪ ،‬ويغطي بصفحه الجرم }َفا ْ‬
‫ص َ‬

‫قاتله قومه ونازلوه‪ ،‬فآذوه وسّبوه وشتموه‪ ،‬وطردوه وحاربوه وجرحوه‪ ،‬فلما انتصر عفا‬
‫وصفح‪ ،‬وحلم وسمح‪ ،‬وصاح في الدهر صيحته المشهورة وكلمته العامرة‪":‬اذهبوا فأنتم الطلقاء"‪.‬‬

‫أنشودة أخلقه‪ ":‬إن ال أمرني أن أصل من قطعني‪ ،‬وأن أعفو عمن ظلمني‪ ،‬وأن أعطي من‬
‫حرمني"‪ .‬أخرجه رزين أنظر المشكاة ‪ 5358‬وتفسير القرطبي ‪.346\7‬‬

‫كل خلق كريم في القرآن فهو مترجم في سيرة هذا النسان‪ ،‬ولذلك قالت عائشة عنه صلى ال‬
‫عليه وسلم‪ :‬كان خلقه القرآن‪.‬‬

‫وكان إذا وعد وفى‪ ،‬فلم يحفظ عنه أعداؤه خلفا لوعد‪ ،‬ول خيانة لعهد‪ ،‬مع حرصهم الشديد على‬
‫ى وغضبًا وح ً‬
‫ل‬ ‫الظفر بعثرة له أو زّلة‪ ،‬ولكن هيهات‪ ،‬عاش عمره كله سلمًا وحربا ورض ً‬
‫ل‪ ،‬عاش حالة واحدة من الصدق والمانة‪ ،‬فهل الصدق إل ما كان عليه؟ وهل المانة إل‬ ‫وترحا ً‬
‫منه وإليه؟‬

‫لقد وعده رجل في مكان‪ ،‬فانتظر صلى ال عليه وسلم في ذلك المكان ثلثة أيام‪ ،‬ليفي بوعده‪.‬‬
‫لقد عاهد المشركين واليهود وهم أشد الناس عداوة له‪ ،‬فما خان ول خلف بالعهد‪ ،‬ول نقض‬
‫لميثاق‪ .‬وحق له أن يكون أوفى الناس بوعده وأصدقهم في عهده‪ ،‬وهو الذي جاء بشريعة الصدق‬
‫والوفاء‪ ،‬وحّذر من الخيانة ونقض الميثاق‪ ،‬أليس هو القائل‪ ":‬آية المنافق ثلث‪ :‬إذا حّدث كذب‪،‬‬
‫وإذا وعد أخلف‪ ،‬وإذا اؤتمن خان" أخرجه البخاري ] ‪ [2682 ،33‬ومسلم ‪ 59‬عن أبي هريرة‬
‫ن ال ْعَهْد َ َ‬ ‫َ‬
‫سُؤول ً )‪،{ (34‬‬‫م ْ‬
‫ن َ‬‫كا َ‬ ‫رضي ال عنه‪ .‬وهو الذي نزلت عليه‪ }:‬وَأوُْفوا ْ ِبال ْعَهْد ِ إ ِ ّ‬
‫ن ال ِْميَثاقَ )‪ {(20‬الرعد‪.‬‬ ‫ضو َ‬ ‫ق ُ‬‫ن ب ِعَهْد ِ الل ّهِ وَل َ ِين ُ‬
‫ن ُيوُفو َ‬ ‫وقوله‪ }:‬ال ّ ِ‬
‫ذي َ‬

‫وإذا أخذت العهد أو أعطيته‬


‫فجميع عهدك ذّمة ووفاء‬

‫محمد صلى ال عليه وسلم خطيبا‪:‬‬


‫م قَوْل ً ب َِليغا ً )‪ { (63‬النساء‪.‬‬
‫سهِ ْ‬ ‫م ِفي َأن ُ‬
‫ف ِ‬ ‫}وَُقل ل ّهُ ْ‬

‫ي صارم‬
‫ن صيرف ٌّ‬
‫ولسا ٌ‬
‫س قطع‬
‫كذباب السيف ما م ّ‬
‫منطق كالفجر أو كالغيث ما‬
‫شانه عيب كنوٍر قد سطع‬

‫طالع دفتر بيانه عليه الصلة والسلم‪ ،‬وتأّمل ديوان فصاحته‪ ،‬كلم لعمري يأخذ بالقلوب‪،‬‬
‫وحديث وال يأسر الرواح‪ ،‬صحة مخارج وإشراق عبارة وحسن ديباجة‪ ،‬وانتقاء ألفاظ‪،‬‬
‫ن حديثه روض فّواح‪ ،‬أو حديقة غّناء باكرها الغيث وصحبتها الصبا‪،‬‬
‫ورصانة جمل‪ ،‬حتى كأ ّ‬
‫وداعبها النسيم‪ ،‬وقد آتاه العجاز في إيجاز‪ ،‬والبلغة في اختصار‪ ،‬وقد أخبر بذلك فقال‪ ":‬أوتيت‬
‫جوامع الكلم" أخرجه البخاري ‪ 2977‬ومسلم ‪ 523‬واللفظ له عن أبي هريرة‪ ،‬وفي رواية‪":‬‬
‫واختصر لي الكلم اختصارا"‪ .‬أخرجه البيهقي في الشعب ‪ 1436‬عن عمر رضي ال عنه‬
‫وانظر كشف الخفاء ‪.15-14\1‬‬

‫ح عنه من أحاديث قولية‪ ،‬وهي ما يقارب العشرة آلف حديث‪ ،‬فإذا هي‬ ‫ولكن إن تنظر فيما ص ّ‬
‫شملت كل فصول الحياة وأبواب الخرة وأخبار الماضي ومعجزات المستقبل‪ ،‬وإن شئت أن‬
‫تعرف سمّو كلمه صلى ال عليه وسلم وجزالة لفظه وقوة عبارته ونصاعة بيانه‪ ،‬فقارنه بكلم‬
‫غيره من البشر مهما عظمت فصاحته‪ .‬ولو دخلت ناديا به لوحات من الكلمات الخالدة والعبارات‬
‫المؤثرة لخطباء العالم وشعراء الدنيا ونوابغ الدهر‪ ،‬ثم نظرت الى كلمه صلى ال عليه وسلم‬
‫لرأيت كلمه ناسخا لمحاسن كلم غيره‪ ،‬حتى كأنه ما أعجبك قبل كلمه كلم‪ ،‬ول هزك قبل‬
‫حديثه حديث‪ ،‬بل إّنك لتجد الرجل العامي الذي ما تمّرس على ضروب الكلم ول مّيز بين‬
‫مختلف الكلم‪ ،‬يجد للفظ الرسول صلى ال عليه وسلم وقعا خاصا ومذاقا آخر‪.‬‬

‫يريد عليه الصلة والسلم أن يوصي معاذ بن جبل وصية جامعة مانعة شافية كافية‪ ،‬فيأتي‬
‫بعبارة موجزة مليئة بالفوائد‪ ،‬حافلة بالشوارد‪ ،‬بديعة المنزع‪ ،‬مشرقة الديباجة‪ ،‬فيقول‪ ":‬اتق ال‬
‫حيثما كنت‪ ،‬وأتبع السيئة الحسنة تمحها‪ ،‬وخالق الناس بخلق حسن" أخرجه أحمد ] ‪،20847‬‬
‫‪ [20894‬والترمذي ‪ 1987‬والدارمي ‪ 2791‬والمشكاة ‪ .5083‬ولو أن بليغا أراد أن يقول مثلها‬
‫لسهب في الوصية وأطال في النصح‪ ،‬فإما أن يجعل المعنى على حساب اللفظ فيبسط القول‬
‫ويختزل المعنى‪ ،‬أو أن يجعل اللفظ على حساب المعنى فيوجز الحديث ويشير الى المعنى إشارة‪.‬‬

‫سأله صلى ال عليه وسلم عقبة بن عامر عن النجاة ما هي؟ فل يتلعثم ول يتعثر ول يفكر‪ ،‬إنما‬
‫ينطلق فمه الشريف بجملة راشدة واعية موحية فيقول‪ ":‬كفّ عليك لسانك‪ ،‬وليسعك بيتك‪ ،‬وابك‬
‫على خطيئتك" أخرجه أحمد ‪ 21732‬والترمذي ‪ 2406‬وابن أبي عاصم في الزهد ‪15\1‬‬
‫وصححه عن عقبة بن عامر رضي ال عنه‪ .‬فانظر لحسن التقسيم الثلثي البديع‪ ،‬مع استيفاء‬
‫المعنى واختصار اللفظ دون تحضير سابق ول إعداد متقدم؛ لن السائل واقف يريد الجواب‪،‬‬
‫مستعجل يبتغي النصح‪.‬‬

‫ويركب صلى ال عليه وسلم راحلته ومعه ابن عباس رضي ال عنهما‪ ،‬فيوصيه صلى ال عليه‬
‫وسلم بوصية حضرته في الحال‪ ،‬فيخرجها في حلة من البيان تأسر اللباب‪ ،‬ويضعها في طبق من‬
‫الفصاحة يكاد يذهب ضوؤه بالبصار‪ ،‬يقول‪ ":‬يا غلم! إني أعلمك كلمات‪ :‬احفظ ال يحفظك‪،‬‬
‫احفظ ال تجده تجاهك‪ ،‬تعّرف على ال في الرخاء يعرفك في الشدة‪ ،‬وإذا سألت فاسأل ال وإذا‬
‫استعنت فاستعن بال‪ ،‬واعلم أن المة لو اجتمعوا على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إل بشيء قد‬
‫كتبه ال لك‪ ،‬ولو اجتمعوا ان يضروك لم يضروك إل بشيء قد كتبه ال عليك‪ ،‬رفعت القلم‬
‫وجّفت الصحف‪ .‬واعلم أن النصر مع الصبر‪ ،‬وأن الفرج مع الكرب‪ ،‬وأن مع العسر يسرا"‪.‬‬
‫أخرجه أحمد ]‪ [2800 ،2758 ،2664‬والترمذي ‪ ،2516‬والحاكم ‪ 6304‬عن ابن عباس رضي‬
‫ال عنهما وانظر المشكاة ‪ .5302‬والن أضعك أمام هذا النص الراقي من البيان‪ ،‬وأحاكمك الى‬
‫عقلك‪ :‬هل رأيت في كلم البشر كهذا الكلم؟ حسن فواصل وعذوبة لفظ‪ ،‬وقوة معان‪ ،‬وأسر‬
‫خطاب! فقوله‪ ":‬احفظ ال يحفظك" من الجمل المحفورة في ذاكرة البيان‪ ،‬والتي يسجد لها العقل‬
‫ي في محراب الفصاحة‪ ،‬فإنها جمعت الوصايا في وصية‪ ،‬واختصرت العظات في عظة‪ ،‬فلو‬ ‫السو ّ‬
‫كان غيره صلى ال عليه وسلم المتحدث لقال‪ :‬احفظ ال بأداء أوامره يحفظك بنعمه‪ ،‬واحفظ ال‬
‫بترك نواهيه يحفظك من عقابه‪ ،‬واحفظ ال في شبابك يحفظك في هرمك‪ ..‬إلى آخر تلك‬
‫المقابلت‪ ،‬وإلى قائمة طويلة من المقدمات والنتائج والبدايات والخواتم‪ ،‬ولكنه قال‪":‬احفظ ال‬
‫يحفظك" فل أبدع ول أروع ول أوجز ول أعجز من هذا الكلم الباهي الزاهي‪:‬‬

‫صبا سحرا‬
‫كأنه الروض حّيته ال ّ‬
‫وزاره الغيث فازدانت خمائله‬

‫ثم اقرأ الحديث جملة جملة‪ ،‬وقف إن كنت ذا ذائقة للبيان وذا دربة على سحر الخطاب‪:‬‬

‫إذا تغلغل فكر المرء في طرف‬


‫من حسنه غرقت فيه خمائله‬

‫وخذ أي حديث من أحاديثه العطرة الزكية‪ ،‬هل ترى فيها عوجا من الركاكة‪ ،‬أو أمتا من‬
‫التكلف؟ بل رقة في فخامة‪ ،‬وسهولة في إشراق‪ ،‬وأصالة في عمق‪ ،‬فسبحان من أجرى الحديث‬
‫على لسانه سلسا متدفقا أخاذا‪.‬‬

‫ويقول صلى ال عليه وسلم‪ ":‬إنما العمال بالنيات" أخرجه البخاري ]‪ [54، 1‬ومسلم ‪1907‬‬
‫عن عمر بن الخطاب رضي ال عنه‪ .‬فيكفي ويشفي ويفي المقصود‪ ،‬ويستولي على المعاني‬
‫ويطوي مسافات من الحكام والعقائد والداب والخلق في جملتين زاهيتين جامعتين‪ ،‬فتصبح‬
‫قاعدة للعلماء ومثل للحكماء وكلمة شاردة للدباء‪.‬‬

‫وخذ مثل كلمه على البديهة والفجاءة‪ :‬يدخل طفل من النصار له طائر يلعب به فمات فيقول‪":‬‬
‫يا أبا عمير ما فعل النغير؟" أخرجه البخاري ] ‪ [6203 ،6129‬ومسلم ‪ 2150‬عن أنس بن مالك‬
‫رضي ال عنه‪ .‬انظر الى تقابل العبارة وحسن السجعة وموازنة الجملتين‪ ،‬ل وكس ول شطط‪.‬‬

‫ويقول في حنين على وجه العجلة‪:‬‬

‫" أنا النبي ل كذب‬


‫أنا ابن عبدالمطلب"‬
‫أخرجه البخاري ]‪ ،[2874 ،2864‬ومسلم ‪ 1776‬عن البراء بن عازب رضي ال عنه‪.‬‬

‫فلو أن علماء الكلم وأساطين البيان أرادوا هذا الكلم على عجلة من أمرهم لما تأّتى لهم‪.‬‬

‫ول غرابة ان يكون صلى ال عليه وسلم أفصح الناس فإن معجزته الكبرى وآيته العظمى هو‬
‫القرآن الذي أدهش الفصحاء وأفحم الشعراء وأذهل العرب العرباء‪ ،‬فل بد أن يكون هذا النبي‬
‫الموحى إليه بدرجة سامية من البيان الخلب الجذاب الذي يستولي على اللباب‪.‬‬

‫محمد صلى ال عليه وسلم مفتيا‪:‬‬


‫فِتيك ُ ْ‬
‫م {النساء ‪.127‬‬ ‫ل الل ّ ُ‬
‫ه يُ ْ‬ ‫ساء قُ ِ‬ ‫فُتون َ َ‬
‫ك ِفي الن ّ َ‬ ‫}وَي َ ْ‬
‫ست َ ْ‬

‫ي إذا قضى‬ ‫يطاوعه اللفظ العص ّ‬


‫ويسعفه الرأي الصيل إذا جرى‬
‫ح مؤل ٌ‬
‫ق‬ ‫ن ظّنا قلت صب ٌ‬‫إذا ظ ّ‬
‫كأنه صريح البرق من ظّنه سرى‬

‫كان عليه الصلة والسلم مؤيدا من ربه في علم الفتيا‪ ،‬فقد فتح ال عليه أبواب المعرفة وكنوز‬
‫الفهم‪ ،‬فكان عنده جواب لكل سائل على حسب حاله وما يصلح له وما ينفعه في دنياه وأخراه‪ .‬كان‬
‫صله تماما على الذي أحسن‪ ،‬مع جمال الداء وبهاء اللقاء‬ ‫الجواب ثوبا مفصل على السائل يف ّ‬
‫ومتعة التلقي منه‪ ،‬فكأنه قرأ حياة السائل قبل أن ياتيه‪ ،‬وألّم بدخائله ومذاهبه قبل أن يستفتيه‪ ،‬وما‬
‫ذاك إل لقّوة أنوار النبّوة وبركة الوحي وأثر التوفيق والفتح الرباني‪.‬‬

‫يسأله شيخ كبير أدركه الهرم وأضناه الكبر عن عمل يداوم عليه‪ ،‬فأفتاه بعمل يسير يناسب حاله‬
‫على أفضل عمل وأسهل عبادة وأيسر طاعة‪ ،‬في لفظ وجيز‪ ،‬ول كان غيره لربما أوصى الرجل‬
‫بالجتهاد في الطاعة واغتنام آخر العمر بالجّد في العبادة مع إغفال ضعفه وإهمال شيخوخته‪.‬‬

‫وانظر ما أجمل كلمة‪ ":‬ل يزال لسانك رطبا من ذكر ال" أخرجه أحمد ]‪[17245 ،17227‬‬
‫والترمذي ‪ 3375‬وابن ماجه ‪ 3793‬وانظر المشكاة ‪ .2279‬وما فيها من حسن تصوير وبراعة‬
‫عرض وطلوة عبارة تهيج السامع على هذا العمل الجليل‪.‬‬

‫وجاءه غيلن الثقفي‪ ،‬وكان قوي البنية ضخم العضاء صلب الجسم‪ ،‬فسأله عن عمل يتقرب به‬
‫الى ال تعالى‪ ،‬فقال‪ ":‬عليك بالجهاد في سبيل ال" )لم يجد تخريجه(‪ ،‬فانظر لحسن اختياره للعمل‬
‫وملحظته استعداد الرجل وما يصلح له ويناسب حاله‪ ،‬فيا لها من فطنة باهرة وحكمة عامرة‪.‬‬

‫وسأله أبو ذر ـ وكان غضوبا حاّد الطباع ـ أن يوصيه فقال‪ ":‬ل تغضب" ثلثا‪ ،‬أخرجه البخاري‬
‫‪ 6116‬عن أبي هريرة رضي ال عنه‪ .‬فكان هذا دواءه وعلج حالته وبلسم حاله الذي ل يصرف‬
‫إل من صيدلية النبوة المباركة‪ .‬وصارت هذه الكلمة قاعدة من قواعد الدين وأصل من أصول‬
‫الشريعة‪.‬‬

‫ويرى أبا موسى الشعري يصعد جبل فيقول له‪ ":‬عليك بل حول ول قوة إل بال‪ ،‬فإنها كنز من‬
‫كنوز الجنة" أخرجه البخاري ] ‪ [6610 ،4205‬ومسلم ‪ .2704‬فهذه الكلمة تناسب صعود الجبال‬
‫وحمل الثقال‪ ،‬لن فيها البراءة من قوة العبد وحوله وطلب المعونة من ال والمدد‪ ،‬فما أحسن‬
‫الختيار في هذا الرشاد مع مراعاة مقتضى المقام‪.‬‬

‫ويرى صلى ال عليه وسلم ضعف أبي ذر وقلة تحّمله فيأمره باجتناب المارة‪ ،‬لنه ضعيف‪،‬‬
‫وهي أمانة وخزي وندامة يوم القيامة‪ ،‬لن مثل أبي ذر له أبواب في الخير يجيدها غير باب‬
‫حى )‪(4‬‬
‫ي ُيو َ‬ ‫ن هُوَ إ ِّل وَ ْ‬
‫ح ٌ‬ ‫الولية‪ ،‬فانظر لفطنته صلى ال عليه وسلم ومعرفته بمواهب الناس}إ ِ ْ‬
‫{ النجم‪.‬‬

‫ويقول صلى ال عليه وسلم لمعاذ لما بعثه الى اليمن‪ ":‬إنك تأتي أقواما أهل كتاب" أخرجه‬
‫البخاري ] ‪ [1496 ،1458‬ومسلم ‪ 19‬عن ابن عباس رضي ال عنهما‪ .‬وذلك لينّبه معاذا الى‬
‫معرفة أقدار المخاطبين‪ ،‬والطلع على أحوالهم ليقول لهم ما يناسبهم‪.‬‬
‫ويوصي معاذا ـ وهو رديفه على حمار ـ بحق ال على العبيد وحق العبيد على ال؛ لن معاذا‬
‫عالم داعية تناسبه هذه الوصية الكبرى‪ ،‬وسوف يبلغها للمة‪ ،‬لنه في مكان التوجيه والرشاد‬
‫والنصح‪ ،‬وهذا الذي فعله معذا في حياته‪ .‬ولو كان أعرابيا لما ناسبه هذا الكلم‪.‬‬

‫وجاءه حصين بن عبيد فسأله‪":‬كم تعبد؟" قال‪ :‬سبعة‪ ،‬واحدا في السماء وستة في الرض‪ ،‬قال‪":‬‬
‫من لرغبك ورهبك؟" قال‪ :‬الذي في السماء‪ ،‬قال‪ ":‬فاترك التي في الرض واعبد الذي في‬
‫السماء" ثم قال له‪ ":‬قل اللهم ألهمني رشدي وأعذني من شّر نفسي" اخرجه الترمذي ‪3483‬‬
‫والللكائي في شرح اعتقاد أهل السنة ‪ 1184‬عن عمران بن حصين رضي ال عنه وانظر‬
‫المشكاة ‪ .2476‬فهذا الدعاء يناسب حال حصين بن عبيد وما كان فيه من أمر مريج ومن اشتباه‬
‫ك مريب وفوات رشد وبعد صواب‪ ،‬فناسب أن يطلب الرشد من رّبه وأن يستعيذ من شّر‬ ‫حال وش ّ‬
‫نفسه كل بلء منها‪.‬‬

‫وأرشد صلى ال عليه وسلم علي ابن أبي طالب الى أن يقول‪":‬اللهم اهدني وسّددني" اخرجه‬
‫مسلم ‪ 2725‬عن علي رضي ال عنه‪ .‬وهذا يناسب حال علي‪ ،‬فإنه عاش حتى أدرك اختلف‬
‫المور وظهور الفتن والتباس الحال التي تتطلب الهداية من ال في هذا الجو المظلم‪ ،‬وطلب‬
‫ي القيّوم عند هذه الواردات والراء والهواء‪.‬‬‫السداد من الح ّ‬

‫فسبحان من ألهم رسوله وفتح على نبيه وأفاض عليه من مكنون الفهم ومخزون الفقه ما فاق‬
‫ل عن المدح‪:‬‬
‫الوصف وج ّ‬

‫قطف الرجال القول قبل نباته‬


‫وقطفت أنت القول لّما نّورا‬
‫فهو المشيع بالعيون‬
‫وهو المضاعف حسنه إن كّررا‬

‫وليس كلمه صلى ال عليه وسلم بكلم شعر من الشعراء الذين يهرفون بما ل يعرفونن وفي‬
‫كل واد يهيمون‪ ،‬وإنما زخرفهم من خيالتهم الفاسدة ومن تصوراتهم الكاسدة‪ ،‬فأما هو فصانه ال‬
‫من ذلك‪ ،‬بل كلمه وحي يوحى وشرع يتلى‪ ،‬وليس قوله بقول سياسي يسترضي به المل وينافق‬
‫به الجمهور ويرّوج به بضاعته المزجاة‪ ،‬بل كان صلى ال عليه وسلم نبّيا رّبانيا ورسول‬
‫معصوما ينقل عن جبريل عن رّبه حكمة راشدة وملة هاديةن ودينا قّيما‪.‬‬

‫ولم يكن صلى ال عليه وسلم اديبا يغرف من مخزون ثقافته ومن فيض ذاكرته التي جمعها هذا‬
‫الديب من نتاج الناس وزبد ثقافات البشر أبناء الطين وسللة التراب‪ ،‬بل كان صلى ال عليه‬
‫ل‪ ،‬مصانا أن يجازف‪.‬‬‫وسلم معّلما معصوما أن يزيغ‪ ،‬محفوظا أن يض ّ‬

‫محمد صلى ال عليه وسلم طاهرا مطهرا‬


‫سَراجا ً‬ ‫َ‬ ‫َ‬
‫عيا ً إ َِلى الل ّهِ ب ِإ ِذ ْن ِهِ وَ ِ‬ ‫ذيرا ً )‪ (45‬وَ َ‬
‫دا ِ‬ ‫شرا ً وَن َ ِ‬ ‫هدا ً وَ ُ‬
‫مب َ ّ‬ ‫سل َْنا َ‬
‫ك َ‬
‫شا ِ‬ ‫}َيا أي َّها الن ّب ِ ّ‬
‫ي إ ِّنا أْر َ‬
‫ّمِنيرا ً )‪ { (46‬الحزاب‪.‬‬

‫كأن الثرّيا عّلقت بجبينه‬


‫شعرى وفي وجهه القمر‬ ‫وفي جيده ال ّ‬
‫عليه جلل المجد لو أن وجهه‬
‫أضاء بليل هّلل البدو والحضر‬

‫صه بالعناية‬
‫لقد أكمل ال المحاسن لرسوله صلى ال عليه وسلم وأتّم عليه نعمة الفضل‪ ،‬واخت ّ‬
‫حتى صار السوة الحسنة في كل فضيلة‪ ،‬فمنه تتعلم فنون المكارم‪ ،‬ومن برديه تنبع صفوة‬
‫المناقب؛ لن من لوازم القدوة أن يكون مثاليا جامعا لما تفرق في الخيار من سجايا حميدة‪ ،‬فكان‬
‫عليه الصلة والسلم ذاك النسان المجتبى من ربه المصطفى من خالقه‪ ،‬ليقود الناس الى أحسن‬
‫الخلق وأنبل العمال وأكرم المذاهب‪.‬‬

‫فأما مخبره عليه الصلة والسلم فهو الطاهر المبارك الذي غسل قلبه بماء الحياة فصار أبيض‬
‫ل وغش‪ ،‬فصار أرحم الناس‬ ‫ل غيظ وحسد وحقد وغ ّ‬ ‫نقيا مطهرا‪ ،‬وقد أذهب ال من صدره ك ّ‬
‫قاطبة‪ ،‬وأبّرهم كافة‪ ،‬وأكرمهم جميعا‪ ،‬فعّم حلمه وكرمه وطيبه وجوده الحاضر والبادي والقريب‬
‫حقّ له أن يكون كذلك لنه‬ ‫والبعيد‪ ،‬فنفسه أذكى نفس‪ ،‬وباله أشرح بال‪ ،‬وضميره أطهر ضمير‪ ،‬و ُ‬
‫َ‬
‫ن)‬ ‫ة ل ّل َْعال َ ِ‬
‫مي َ‬ ‫م ً‬ ‫ك إ ِّل َر ْ‬
‫ح َ‬ ‫سل َْنا َ‬ ‫شح لقيادة العالم وإصلح الكون وتقويم البشرية }وَ َ‬
‫ما أْر َ‬ ‫المر ّ‬
‫‪ {(107‬النبياء‪.‬‬

‫إن البرّية يوم مبعث أحمد‬


‫نظر الله لها فبّدل حالها‬
‫بل كّرم النسان يوم اختار من‬
‫خير البرية نجمها وهللها‬

‫ينهى عن الغضب ويقول‪":‬ل تغضب"‪ ،‬ويكون أبعد الناس عن أسباب الغضب المشين دوافعه‪،‬‬
‫بل وسع الناس حلما وأمطرهم كرما وأوسعهم عفوا وصفحا‪.‬‬

‫ويقول‪ ":‬ل تحاسدوا"‪ .‬أخرجه البخاري ]‪ [6076 ،6116‬ومسلم ‪ 2559‬عن أنس بن مالك‬
‫رضي ال عنه‪ .‬ثم يكون المعافى من هذا الداء القاتل‪ ،‬فليس في كيانه ذرة من حسد‪ ،‬أو قطرة من‬
‫حقد‪ ،‬صانه ال من ذلك‪ ،‬بل هو الذي وزع الخير على العالم وقسم الفضل من ال على الناس‪.‬‬

‫ويقول‪ ":‬ول تدابروا‪ ،‬ول تقاطعوا" الحديث السابق‪ ،‬ثم يترجم هذا الخلق النبيل من الصلة والبر‬
‫حت فيه آية‪}:‬‬‫والحسان‪ ،‬فيصل من قطعه ويعفو عمن ظلمه ويعطي من حرمه‪ ،‬فأعظم عبد ص ّ‬
‫س { آل عمران ‪.134‬‬‫ن الّنا ِ‬ ‫ظ َوال َْعاِفي َ‬
‫ن عَ ِ‬ ‫ن ال ْغَي ْ َ‬
‫مي َ‬ ‫َوال ْ َ‬
‫كاظ ِ ِ‬

‫ي أن تواضعوا" أخرجه مسلم ‪ 2865‬عن عياض بن حمار رضي ال‬ ‫ويقول‪ ":‬إن ال أوحى إل ّ‬
‫عنه‪ .‬فيكون هو التواضع كله صورة ماثلة ومشهدا حيا وحقيقة قائمة‪ ،‬يركب الحمار‪ ،‬ويخصف‬
‫النعل‪ ،‬ويجلس على التراب‪ ،‬ويحلب الشاة‪ ،‬ويقف مع العجوز‪ ،‬ويذهب مع الجارية‪ ،‬ويخالط‬
‫المساكين‪ ،‬ويضيف العراب‪ ،‬ويجالس الفقراء‪.‬‬

‫ويقول‪":‬خيركم خيركم لهله وأنا خيركم لهلي" أخرجه الترمذي ‪ 3895‬والبيهقي في السنن‬
‫‪ 15477‬عن عائشة رضي ال عنها‪ .‬فيتمثل فيه هذا الحديث أعظم تمثيل‪ ،‬فإذا الرحيم الودود‬
‫ساما‪ ،‬يداعبهم بأرق العبارات ويلطفهم بأحسن التعامل‪ ،‬يشاركهم‬ ‫حاكا ب ّ‬
‫بأهله يدخل عليهم ض ّ‬
‫الخدمة ويجاذبهم أحلى الحديث ويبادلهم أجمل السمر بل فظاظة ول غلظة ول لوم ول تعنيف }‬
‫ظيم ٍ )‪ {(4‬القلم‪.‬‬ ‫خل ُ ٍ‬
‫ق عَ ِ‬ ‫ك ل ََعلى ُ‬
‫وَإ ِن ّ َ‬
‫خلق أرق من النسيم إذا سرى‬
‫وشمائل كالمنديل الفّواح‬

‫قال له رجل وهو يقسم الغنائم‪ :‬اعدل يا محمد‪ .‬فرّد عليه‪ ":‬خبت وخسرت فمن يعدل إذا لم‬
‫أعدل؟" أخرجه البخاري ‪ 3610‬ومسلم ‪ .1064‬وصدق وبّر فيما قال‪ ،‬فليس في العالم أعدل منه‪،‬‬
‫وإذا لم يكن عادل صلى ال عليه وسلم فقد انتهى العدل في الدنيا‪ ،‬وطوي من الناس‪ ،‬وارتفع من‬
‫الرض‪ ،‬وهل العدل إل حكمه؟ ولو كان العدل شخصا ناطقا ثم سألته من أعدل البرّية؟ لقال‬
‫محمد صلى ال عليه وسلم‪.‬‬

‫وانظر الى عدله في أحكامه وإنصافه حتى من نفسه‪ ،‬بل طلب من بعض أصحابه أن يقتصّ‬
‫منه‪ ،‬وأقسم لو أن فاطمة ابنته سرقت لقطع يدها‪ ،‬فكان ل يحابي أحدا في الحق‪ ،‬ول يشفع عنده‬
‫ب الناس إليه لما شفع في‬
‫بشر في الحدود‪ ،‬وقد صاح في وجه أسامة بن زيد وهو من أح ّ‬
‫المخزومية التي سرقت‪ ":‬أتشفع في حّد من حدود ال" أخرجه البخاري] ‪ [6788 ،3475‬ومسلم‬
‫‪ 1688‬عن عائشة رضي ال عنها‪.‬‬

‫وحكم بين الزبير ورجل من النصار‪ ،‬فقال النصاري‪ :‬أن كان ابن عمتك؟ يعني أن الزبير ابن‬
‫م‬
‫جَر ب َي ْن َهُ ْ‬ ‫ما َ‬
‫ش َ‬ ‫ك ِفي َ‬ ‫حك ّ ُ‬
‫مو َ‬ ‫ى يُ َ‬
‫حت ّ َ‬
‫ن َ‬‫مُنو َ‬ ‫ك ل َ ي ُؤ ْ ِ‬‫عمتك صفية فحكمت له؟ فأنزل ال‪ }:‬فَل َ وََرب ّ َ‬
‫سِليما)‪ {(65‬النساء‪ .‬فكفى بال شهيدا‬ ‫موا ْ ت َ ْ‬‫سل ّ ُ‬‫ت وَي ُ َ‬‫ضي ْ َ‬‫ما قَ َ‬ ‫حَرجا ً ّ‬
‫م ّ‬ ‫م َ‬
‫سهِ ْ‬ ‫دوا ْ ِفي َأن ُ‬
‫ف ِ‬ ‫م ل َ يَ ِ‬
‫ج ُ‬ ‫ثُ ّ‬
‫على عدل رسوله وصدق أحكامه وصحة قضائه‪:‬‬

‫وإذا حكمت فل ارتياب كأنما‬


‫جاء الخصوم من السماء قضاء‬

‫فهو مؤسس العدل في العالم‪ ،‬وهادم صرح الظلم‪ ،‬واعترف بذلك العدو والصديق والكاره‬
‫والمحب‪.‬‬

‫وقس على ذلك أخلقه الشريفة التي دعا إليها وكان أول عامل بها‪ ،‬فصّدق فعله قوله وباطنه‬
‫ظاهره‪ ،‬وجوارحه قلبه‪.‬‬

‫وأما جمال ظاهره صلى ال عليه وسلم فهو عنوان كتاب قيمه المثلى‪ ،‬وبوابة قصر محاسنه‬
‫الجّلى‪ ،‬فكان أجمل الناس وجها وأبهاهم محّيا‪ ،‬وأزهرهم جبينا وأنورهم طلعة‪ ،‬رقيق البشرة طيب‬
‫الرائحة‪ ،‬زكي الشذا‪ .‬عرقه كالجمان‪ ،‬وأنفاسه كالمسك‪ ،‬يقول أنس‪ :‬ما مسست حريرا ول ديباجا‬
‫ألين من كف رسول ال صلى ال عليه وسلم‪ ،‬ول شممت مسكا ول عنبرا أزكى من رائحته‪.‬‬
‫أخرجه البخاري ‪ 3561‬ومسلم ‪ .2330‬يصافحه الرجل فيجد آثار الطيب في كفه أياما عديدة من‬
‫أثر مصافحته‪:‬‬

‫أل إن وادي الجزع أضحى ترابه‬


‫من المسك كافورا وأعواده رندا‬
‫وما ذاك إل أن هندا عشية‬
‫شت وجرت في جوانبه بردا‬
‫تم ّ‬
‫ي العاطفة جّياش الفؤاد‪ ،‬يضحك للنادرة ويهش للدعابة‪ ،‬ويتأثر‬
‫وكان صلى ال عليه وسلم ح ّ‬
‫للموقف ويبكي رحمة‪ ،‬ويلين شفقة ويمتلئ خشية‪ ،‬إذا سالم فأوفى الوفياء وأكرم الصدقاء‪ ،‬وإذا‬
‫حارب فأعتى من الرياح النكباء وأمضى من الصعدة السمراء‪ ،‬وإذا أعطى فأجود من تحت‬
‫السماء وأسخى من شربة الماء‪ ،‬وإذا رضي مل القلوب سعادة وعمر المجلس حفاوة‪ ،‬وإذا غضب‬
‫في الحق كان أمضى من السيف حسما‪ ،‬وأقوى من اليام حزما‪.‬‬

‫ف الغيث‪ ،‬ويقابل بمحّيا كالفجر‪ ،‬ل‬


‫يضحك بأسنان كالبرد‪ ،‬ويبكي بدموع كالمطر‪ ،‬ويعطي بك ّ‬
‫ل جليسه حديثه‪ ،‬ول يسأم رفيقه صحبته‪ ،‬ول يطيق من عرفه فراقه‪.‬‬
‫يم ّ‬

‫يخرج الى العيد في حّلة حمراء زاهية باهية‪ ،‬بوجه طلق بشوش‪ ،‬أجمل من العيد وأجل من تلك‬
‫الفرحة‪ ،‬فكان عيد الصحابة العظم رؤيته وسماع حديثه والتمتع بصحبته‪ ،‬ويحضر الستسقاء‬
‫متخشعا مبتذل متضرعا باكيا‪ ،‬فكان أعظم موعظة عند المسلمين رؤية ذاك الوجه الخاشع والنظر‬
‫الى تلك الدموع الصادقة والمنظر المؤثر‪.‬‬

‫ويخوض صلى ال عليه وسلم الحرب ويشعل المعركة بقلب وّثاب ونفس ثابتة وعزم صادق‪،‬‬
‫فتنهزم أمامه الصفوف وتتراجع من سطوته البطال‪ ،‬فأشجع الصحابة وقت الذروة يتقي به‪،‬‬
‫وأعتى الكماة لحظة الموت يحتمي به‪.‬‬

‫محمد صلى ال عليه وسلم محبوبا‪:‬‬


‫صُروه ُ َوات ّب َُعوا ْ الّنوَر ال ّذ ِيَ ُأنزِ َ‬
‫ل َمعَُه { العراف ‪.157‬‬ ‫مُنوا ْ ب ِهِ وَع َّزُروه ُ وَن َ َ‬
‫نآ َ‬ ‫}َفال ّ ِ‬
‫ذي َ‬

‫" ل يؤمن أحدكم حتى أكون احب إليه من والده وولده والناس أجمعين" أخرجه البخاري ‪15‬‬
‫ومسلم ‪ 44‬عن أنس رضي ال عنه‪.‬‬

‫أحّبك حبا ليس في غضاضة‬


‫وبعض مودات الرجال سراب‬
‫ومنحتك الود الصريح وإنه‬
‫عليه دليل ظاهر وكتاب‬

‫من يطالع سيرة الصحابة يرى ذلك الحب الصادق الفياض لشخص الرسول الكريم صلى ال‬
‫عليه وسلم‪ ،‬حبا يستولي على النفس ويملك المشاعر‪ ،‬حبا ل يعدله حب الولد والوالد والبن‬
‫والزوجة‪ ،‬حبا يصل شغاف القلب ويمازج قرار الروح‪.‬‬

‫ولكن لماذا أحّبوه هذا الحب؟ إذ ل يوجد في التاريخ كله قوم أحّبوا إمامهم أو زعيمهم أو شيخهم‬
‫ب أصحاب محمد محمدا صلى ال عليه وسلم حتى افتدوه بالمهج‪،‬‬ ‫أو قائدهم أو أستاذهم كما أح ّ‬
‫وعّرضوا أجسامهم للسيوف دون جسمه‪ ،‬وضحوا بدمائهم لحمايته‪ ،‬وبذلوا أعراضهم دون‬
‫عرضه‪ ،‬فكان بعضهم ل يمل عينيه من النظر الى رسول ال صلى ال عليه وسلم إجلل له‪،‬‬
‫ومنهم من ذهب الى الموت طائعا ويعلم أنها النهاية وكأنه يذهب الى عرس‪ ،‬ومنهم من احتسى‬
‫ب محمدا ودعوته‪ .‬بل كانوا يتمنون رضاه على‬ ‫الشهادة في سبيل ال كالماء الزلل‪ ،‬لنه أح ّ‬
‫رضاهم‪ ،‬وراحته ولو تعبوا‪ ،‬وشبعه ولو جاعوا‪ ،‬فما كانوا يرفعون أصواتهم على صوته‪ ،‬ول‬
‫يقدمون أمرهم على أمره‪ ،‬ول يقطعون أمرا من دونه‪ ،‬فهو المطاع المحبوب‪ ،‬والسوة الحسنة‪،‬‬
‫والقدوة المباركة‪.‬‬

‫أما دواعي هذا الحب وأسبابه‪ ،‬فأعظمها أن هذا النسان هو رسول الرحمن‪ ،‬وصفوة النس‬
‫والجان‪ ،‬أرسله ال ليخرجهم من الظلمات الى النور‪ ،‬ويقودهم الى جنة عرضها السموات‬
‫والرض‪.‬‬

‫ثم إنهم وجدوا فيه صلى ال عليه وسلم المام الذي كملت فضائله وتّمت محاسنه‪ ،‬فقد أسرهم‬
‫بهذا الخلق العظيم والمذهب الكريم‪ ،‬فوجدوا في قربه واتباعه جنة وارفة من اليمان‪ ،‬بعد نار‬
‫تلظى من الكفر والجاهلية‪ ،‬فهو الذي غسل أرواحهم بإذن ال من أوضار الوثنية‪ ،‬وزّكى نفوسهم‬
‫من آثام الشرك‪ ،‬وطّهر ضمائرهم من لوثة الصنام‪ ،‬وعلمهم الحياة الكريمة‪ .‬مل صدورهم سعادة‬
‫بعد عمر من القلق والضطراب والغموم والهموم‪ ،‬بنى في قلوبهم صروح اليقين بعد خراب‬
‫الشك والريبة والنحراف‪.‬‬

‫كانوا قبل دعوته كالبهائم السائمة‪ ،‬ل إيمان‪ ،‬ول أدب ول صلة‪ ،‬ول زكاة‪ ،‬ول نور‪ ،‬ول‬
‫صلح‪ ،‬حياة مظلمة من عبادة الصنام وملبسة الفواحش ومعاقرة الخمر وسفك الدماء والسلب‬
‫والنهب‪ ،‬فليس لهم في الحياة رسالة‪ ،‬وما عندهم عن ال خبر‪ ،‬وما لديهم من أمر الدنيا نبأ‪ ،‬فهم في‬
‫غّيهم يعمهون‪.‬‬

‫قلوب أقسى من الحجارة‪ ،‬ونفوس أظلم من الليل‪ ،‬وبؤس أشد بشاعة من الموت‪ ،‬فل عقل‬
‫محفوظ‪ ،‬ول دم معصوم‪ ،‬ول مال حلل‪ ،‬ول عرض مصان‪ ،‬ول نفوس راضية‪ ،‬ول أخلق‬
‫قويمة‪ ،‬ول مجتمع يحترم الفضيلة‪ ،‬ول شعب يحمي المبادئ‪.‬‬

‫فلما أراد ال إنقاذ هذه البشرية وإسعادها وصلحها وفلحها بعث محمدا صلى ال عليه وسلم‪،‬‬
‫فكأن الناس ولدوا من جديد‪ ،‬وكأن وجه الدنيا تغير‪ ،‬وكأن الرض لبست ثوبا آخر‪ ،‬فالوحي يتنزل‬
‫على هذا المام من لدن لطيف خبير‪ ،‬وجبريل يغدو ويروح بشريعة نسخت الشرائع‪ ،‬فيها سعادة‬
‫العباد‪ ،‬وصلح البشر‪ ،‬وعمارة الرض‪ ..‬فمسجد يبنى‪ ،‬ورقبة تعتق‪ ،‬وصدر يعمر‪ ،‬وجسد يطهر‪،‬‬
‫سر‪ ،‬وحديث يشرح‪ ،‬وراية تعقد‪ ،‬وحضارة تبنى‪ ،‬وأمة‬ ‫وصلة تؤدى‪ ،‬ومصحف يتلى‪ ،‬وآية تف ّ‬
‫ُ‬
‫م‬ ‫م وَي ُعَل ّ ُ‬
‫مهُ ُ‬ ‫كيهِ ْ‬ ‫م ي َت ُْلو ع َل َي ْهِ ْ‬
‫م آَيات ِهِ وَي َُز ّ‬ ‫سول ً ّ‬
‫من ْهُ ْ‬ ‫ن َر ُ‬ ‫ث ِفي اْل ّ‬
‫مّيي َ‬ ‫ذي ب َعَ َ‬ ‫رر } هُوَ ال ّ ِ‬ ‫تح ّ‬
‫ن )‪ { (2‬الجمعة‪.‬‬ ‫مِبي ٍ‬‫ل ّ‬ ‫ضَل ٍ‬ ‫في َ‬ ‫ل لَ ِ‬‫من قَب ْ ُ‬ ‫ة وَِإن َ‬
‫كاُنوا ِ‬ ‫حك ْ َ‬
‫م َ‬ ‫ب َوال ْ ِ‬
‫ال ْك َِتا َ‬

‫ب الصحابة رسول ال صلى ال عليه وسلم لنه وصلهم بال ودّلهم على رضوانه‪،‬‬ ‫لقد أح ّ‬
‫وهداهم الى صراطه المستقيم‪ .‬وإنهم لمعذورون في هذا الحب لنه أقل ما يجب عليهم نحو هذا‬
‫الرسول المعصوم والنبي الخاتم‪ ،‬الذي جاء إليهم وهم عاكفون على أصنامهم‪ ،‬فصاح بهم ‪":‬قولوا‬
‫ل إله إل ال تفلحوا" أخرجه أحمد ‪ 18525‬والحاكم ‪ ،39‬وصلى بهم وقال‪ ":‬صلوا كما رأيتموني‬
‫ج بهم وقال‪ ":‬خذوا عني مناسككم" أخرجه مسلم ‪،1297‬‬ ‫أصلي" أخرجه البخاري ‪ ،631‬وح ّ‬
‫وعلمهم السنة وقال‪ ":‬من رغب عن سنتي فليس مني" أخرجه البخاري ‪ 5063‬ومسلم ‪،1401‬‬
‫ودعاهم الى التقوى وقال‪ ":‬إن أتقاكم وأعلمكم بال أنا" أخرجه البخاري ‪ .20‬فال أنقذهم به من‬
‫صرهم من العمى‪ ،‬وعّلمهم به من الجهل‪ ،‬وأصلحهم بعد الفساد‪ ،‬وهداهم بعد الضللة‪،‬‬ ‫النار‪ ،‬وب ّ‬
‫وأرشدهم بعد الغي‪.‬‬

‫كيف ل يحبه أصحابه بل كل مسلم وهو ل يزاول طاعة إل والرسول صلى ال عليه وسلم‬
‫جه وذكره وعقيدته وخلقه وسلوكه‪ ،‬كيف‬
‫نصب عينيه في طهارته وصلته وصيامه وزكاته وح ّ‬
‫ل يحبه وكلما فعل خيرا فإنما إمامه محمد صلى ال عليه وسلم‪ ،‬أو قام بقربة فقدوته محمد صلى‬
‫ال عليه وسلم‪ ،‬أو أحسن في حياته فأسوته محمد صلى ال عليه وسلم‪ ،‬أو أسدى جميل أو قّدم‬
‫معروفا فمثله العلى محمد صلى ال عليه وسلم‪.‬‬

‫المصلحون أصابع جمعت يدا‬


‫هي أنت بل أنت اليد البيضاء‬

‫ن في الذن ويعبر الى القلب بكل فضيلة وكل خلق شريف‬ ‫كيف ل يحبه النسان وحديثه ير ّ‬
‫وسجايا نبيلة‪ ،‬داعيا الى الصدق والعدل والسلم والرحمة والتآخي والحسان‪ ،‬محذرا من الفجور‬
‫والفسوق والعصيان والظلم والعتداء والبغي والجرام‪ ..‬فميلد النسان الميلد الثاني يوم اتبع‬
‫هذا الرسول صلى ال عليه وسلم‪ ،‬واقتدى بهذا النبي المي‪:‬‬

‫أخوك عيسى دعا ميتا فقام له‬


‫وأنت أحييت أجيال من الرمم‬

‫وسعادة العبد إنما هي في الهتداء بهدي هذا المام المعصوم‪ ،‬لنه الوحيد من الناس الذي يدور‬
‫معه الحق حيثما دار‪ ،‬فعلى قوله تعرض القوال‪ ،‬وعلى فعله توزن الفعال‪ ،‬وعلى حاله تقاس‬
‫الحوال‪}:‬وإّنك لتهدي الى صراط مستقيم{‪.‬‬

‫من نحن قبلك إل نقطة غرقت‬


‫في اليّم أو دمعة خرساء في القدم‬

‫محمد صلى ال عليه وسلم مباركا‪:‬‬


‫ت َحي ّا ً )‪ { (31‬مريم‪.‬‬ ‫صَلةِ َوالّز َ‬ ‫َ‬ ‫َ‬
‫م ُ‬
‫ما د ُ ْ‬
‫كاةِ َ‬ ‫صاِني ِبال ّ‬
‫ت وَأوْ َ‬ ‫ما ُ‬
‫كن ُ‬ ‫مَباَركا ً أي ْ َ‬
‫ن َ‬ ‫} ُ‬

‫إذا نحن أدلجنا وأنت إمامنا‬


‫كفى بالمطايا طيب ذكرك هاديا‬
‫وإني لستغثي وما بي غشوة‬
‫ل خيال منك يلقى خياليا‬
‫لع ّ‬

‫كانت البركة فيه ومعه وعنده عليه الصلة والسلم‪ ،‬فكلمه مبارك‪ ،‬يقول الكلمة الموجزة‬
‫فتحمل في طياتها العبر والعظات ما يدهش لروعتها العقل حسنا وبلغة‪ ،‬ويلقي الخطبة فيجعل‬
‫ال فيها من النفع والتأثير والبركة ما يبقى صداه في الجيال جيل بعد جيل‪.‬‬

‫والبركة في عمره صلى ال عليه وسلم‪ ،‬فقد عاش ثلثا وعشرين سنة في إبلغ رسالته ليس إل‪،‬‬
‫فكان في هذه الفترة الوجيزة من الفتح والنصر والنفع والعلم واليمان والصلح ما ل يقوم به‬
‫غيره في قرون ول دهور‪ ،‬ففي ثلث وعشرين سنة فحسب‪ ،‬بّلغ الرسالة وأّدى المانة وعّلم‬
‫سس دولة العدل‪ ،‬وأقام أعظم حضارة راشدة عرفتها‬ ‫القرآن ونشر السنة‪ ،‬وقضى على الكفر‪ ،‬وأ ّ‬
‫النسانية‪.‬‬
‫وانظر الى بركة يوم واحد من أيامه عليه الصلة والسلم‪ ،‬وهو يوم النحر‪ ،‬اليوم العاشر من‬
‫حجه صلى ال عليه وسلم على سبيل المثال‪ ،‬ففي هذا اليوم الواحد صلى الفجر بمزدلفة ودفع الى‬
‫منى وهو يلّبي ويذكر ال ويدعوه‪ ،‬ويعلم الناس المناسك‪ ،‬ويفتي الحجاج‪ ،‬ثم رمى جمرة العقبة‪ ،‬ثم‬
‫حلق ثم نحر ثم ذهب الى المسجد الحرام فطاف‪ ،‬ثم صلى الظهر‪ ،‬وهو مع ذلك يرشد الناس‬
‫جههم‪ ..‬هذا إلى صلة الظهر فقط‪ ،‬مع أن وسيلة النقل ناقته صلى ال عليه وسلم‪ ،‬مع بعد‬‫ويو ّ‬
‫المسافة وكثرة الزحام وحرارة الجو ووقوفه للناس يسألونه‪ ،‬فسبحان من بارك في لحظات عمره‬
‫ودقائق حياته‪:‬‬

‫مّرت سنين بالسعود وبالهنا‬


‫فكأنها من حسنها أيام‬

‫وبورك له صلى ال عليه وسلم في آثاره‪ ،‬فقد مّر بصاحب قبرين يعذبان‪ ،‬أحدهما كان ل يتنزه‬
‫ق صلى ال عليه وسلم عصا خضراء كانت‬ ‫من البول‪ ،‬والخر كان يمشي بالنميمة بين الناس‪ ،‬فش ّ‬
‫معه وغرسها على القبرين وقال‪ ":‬أرجو أن يخفف عنهما من العذاب حتى تيبسا" أخرجه‬
‫البخاري ]‪ [218 ،216‬ومسلم ‪ 292‬عن ابن عباس رضي ال عنهما‪ .‬وهذا خاص به‪ ،‬ول يكون‬
‫إل له صلى ال عليه وسلم‪ ،‬لما جعل ال فيه من البركة‪.‬‬

‫ومرض علي ابن أبي طالب بالرمد يوم خيبر‪ ،‬حتى أصبح ل يرى شيئا‪ ،‬فنفث عليه صلى ال‬
‫عليه وسلم فأبصر بإذن ال في الحال لبركة دعائه ونفثه‪:‬‬

‫مرض الحبيب فزرته‬


‫فمرضت من خوفي عليه‬
‫وأتى الحبيب يزورني‬
‫فشفيت من نظري إليه‬

‫وكان الجيش في الخندق ألف رجل قد بلغ بهم الجوع مبلغا عظيما‪ ،‬فدعا جابر بن عبدال‬
‫الرسول صلى ال عليه وسلم وثلثة معه على عناق من ولد الماعز ذبحها وشيء من طعام‬
‫الشعير‪ ،‬فدعا صلى ال عليه وسلم الجيش جميعا وسبقهم‪ ،‬ودعا على الطعام ونفث‪ ،‬ثم أدخلهم‬
‫عشرة عشرة‪ ،‬فأكلوا جميعا وشبعوا جميعا وبقي الطعام بحاله‪ ،‬ووزع على أهل المدينة‪ ،‬فما بقي‬
‫بيت إل دخله من ذلك الطعام‪ .‬فل إله إل ال! يا لها من معجزة باهرة وآية ظاهرة على صدقه‬
‫وبركنه ونبّوته‪:‬‬

‫علّو في الحياة وفي الممات‬


‫بحق فيك كل المعجزات‬
‫عليك تحية الرحمن تسري‬
‫بتبريك عواد رائحات‬
‫وسافر معه جيش قوامه ألف وأربعمائة رجل‪ ،‬فانتهى ماؤهم وأشرفوا على الهلك‪ ،‬وانقطعوا‬
‫في البيداء‪ ،‬فدعا صلى ال عليه وسلم بقربة صغيرة فيها قليل من ماء‪ ،‬فصّبه على يده الشريفة‬
‫الطاهرة المباركة‪ ،‬فثارت من بين أصابعه أنهار الماء‪ ،‬فمل الناس أوعيتهم وعبأوا قربهم وسقوا‬
‫ذا أ َ َ‬ ‫َ‬
‫ن )‪{(15‬‬ ‫م َل ت ُب ْ ِ‬
‫صُرو َ‬ ‫حٌر هَ َ ْ‬
‫م أنت ُ ْ‬ ‫رواحلهم‪ ،‬وشربوا وتوضؤوا واغتسلوا جميعا } أفَ ِ‬
‫س ْ‬
‫الطور‪.‬‬

‫وأبيض يستسقى الغمام بوجهه‬


‫ثمال اليتامى عصمة للرامل‬

‫فحّيا ال ذاك الكف الطاهر المبارك الذي ما خان ول غش ول غدر ول نهب ول سلب ول سرق‬
‫ول سفك‪.‬‬

‫يد بيضاء لو مّدت بليل‬


‫عظيم الهول أشرقت الليالي‬

‫وزار صلى ال عليه وسلم سعد بن أبي وقاص وهو مريض ملتهب الجسم‪ ،‬فوضع يده المباركة‬
‫على صدر سعد‪ ،‬فوجد بردها كالثلج فشفي بإذن ال‪ .‬يقول سعد بعد سنوات طويلة‪ :‬وال لكأني أجد‬
‫بردها الن على صدري‪.‬‬

‫ش صلى ال عليه وسلم بقية وضوئه على جابر بن عبدال وهو مريض فشفي بإذن ال‪،‬‬ ‫ور ّ‬
‫وحلق رأسه صلى ال عليه وسلم بمنى يوم النحر‪ ،‬فأعطى شّقه اليمن أبا طلحة النصاري لن‬
‫صوته في الجيش كمائة فارس جائزة له‪ ،‬والنصف الخر وزع على الناس‪ ،‬فكادوا يقتتلون عليه‪،‬‬
‫فمنهم من حصل على شعرة‪ ،‬ومنهم من تقاسم هو وصاحبه شعرة واحدة‪ ،‬ومنهم من كان يضع‬
‫هذه الشعرة في الماء إذا أراد أن يشرب‪.‬‬

‫جعلت لعّراف اليمامة حكمه‬


‫وعراف نجد إن هما شفياني‬
‫فوال ما من رقية يعلمانها‬
‫ول شربة إل بها سقياني‬
‫فجئت الى المعصوم حتى أعّلني‬
‫ق من هدى وبيان‬‫بشربة ح ّ‬

‫ومسح صلى ال عليه وسلم رأس أبي محذورة وهو صغير‪ ،‬فأقسم أبو محذورة ل يحلق هذا‬
‫سه كف الرسول صلى ال عليه وسلم‪ ،‬فبقي طيلة حياته حتى طال ودفن معه‪.‬‬
‫الشعر الذي م ّ‬

‫وكان الصبيان يأتونه صلى ال عليه وسلم بآنيتهم فيضع كفه المبارك في إناء الماء واللبن‪،‬‬
‫فيجدون فيه البركة والشفاء بإذن ال‪.‬‬

‫وقصص بركته ل تنتهي‪ ،‬وأحاديث معجزاته ل تنقضي‪ ،‬فهو المبارك أينما حل وأينما ارتحل‪،‬‬
‫وهو الموّفق أينما سار وأقام‪.‬‬

‫سلم ما أردت على‬


‫لوّ‬
‫يا رب ص ّ‬
‫نزيل عرشك خير الرسل كلهم‬

‫الرسول صلى ال عليه وسلم مربيا‪:‬‬


‫} يتلوا عليكم ءايته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة{ ‪.‬‬

‫هديتنا لسبيل الحق نسلكه‬


‫سكتنا حبل هدى غير منصرم‬ ‫مّ‬
‫أنت المام الذي نرجو شفاعته‬
‫وأنت قدوتنا في حالك الظلم‬

‫كان صلى ال عليه وسلم مربيا كملت مناقب المربي فيه‪ ،‬فهو رفيق في تعليمه ويقول‪ ":‬إن ال‬
‫رفيق يحب الرفق‪ ،‬ويعطي على الرفق ما ل يعطي على العنف" أخرجه البخاري ‪ 6927‬ومسلم‬
‫‪ 2593‬عن عائشة رضي ال عنها‪ .‬ويقول‪ ":‬ما كان الرفق في شيء إل زانه‪ ،‬وما نزع من شيء‬
‫إل شانه" أخرجه مسلم ‪ 2594‬عن عائشة رضي ال عنها‪ .‬وكان يصل الى قلوب الناس بألين‬
‫ت فَظ ّا ً غ َِلي َ‬
‫ظ‬ ‫م وَل َوْ ُ‬
‫كن َ‬ ‫ت ل َهُ ْ‬
‫ن الل ّهِ ِلن َ‬
‫م َ‬
‫مةٍ ّ‬
‫ح َ‬ ‫السبل حتى قال فيه ربه عز وجل‪ }:‬فَب ِ َ‬
‫ما َر ْ‬
‫ك { آل عمران ‪ .159‬فهو أعظم من تمثل خلق القرآن‪ ،‬فتجده القريب‬ ‫حوْل ِ َ‬
‫ن َ‬ ‫ضوا ْ ِ‬
‫م ْ‬ ‫ف ّ‬ ‫ب َ‬
‫لن َ‬ ‫قل ْ ِ‬
‫ال ْ َ‬
‫منالنفوس‪ ،‬الحبيب الى القلوب‪.‬‬

‫جاءه أعرابي فقال في التشهد‪ :‬ال ارحمني ومحمدا ول ترحم معنا أحدا‪ ،‬فقال له صلى ال عليه‬
‫وسلم‪ ":‬لقد حجرت واسعا" أخرجه البخاري ‪ 6010‬عن أبي هريرة‪ .‬أي أنه ضّيق رحمة ال التي‬
‫وسعت كل شيء‪ ،‬ثم قام العرابي فبال في طرف المسجد‪ ،‬فأراد الصحابة ضرب العرابي‪،‬‬
‫فمنعهم صلى ال عليه وسلم ودعا بدلو من ماء فصّبه على بول العرابي‪ ،‬ثم دعا العرابي برفق‬
‫ولين وحسن خلق فقال‪ ":‬إن هذه المساجد ل يصلح فيها شيء من الذى والقذر‪ ،‬وإنما هي للصلة‬
‫والذكر وقراءة القرآن" أخرجه مسلم ‪ 285‬عن أنس بن مالك رضي ال عنه‪ .‬فذهب هذا العرابي‬
‫الى قومه لما رأى منا لرفق واللين‪ ،‬فدعاهم الى السلم فأسلموا‪.‬‬

‫وجلس معه صلى ال عليه وسلم غلم على مائدة الطعام‪ ،‬فأخذت يد الغلم تطيش في الصحفة‪،‬‬
‫فما نهره ول زجره وإنما قال له برفق‪ ":‬سّم ال وكل بيمينك وكل مما يليك" أخرجه البخاري ]‬
‫‪ [5378 ،5376‬ومسلم ‪ 2022‬عن عمر ابن أبي سلمة رضي ال عنه‪.‬‬

‫ودخل اليهود عليه صلى ال عليه وسلم فقالوا‪ :‬السام عليك‪ ،‬يعني الموت‪ ،‬فقالت عائشة‪ :‬عليكم‬
‫السام واللعنة‪ ،‬فقال صلى ال عليه وسلم‪ ":‬يا عائشة‪ ،‬ما هذا؟ إن ال يكره الفحش والتفاحش‪ ،‬وقد‬
‫رددت عليهم ما قالوا‪ ،‬فقلت‪ :‬وعليكم" أخرجه البخاري ] ‪ [6030 ،2935‬ومسلم ‪ 2165‬عن‬
‫عائشة رضي ال عنها‪ .‬وليس في قاموس حياته صلى ال عليه وسلم ول في معجم أدبه كلمة نابية‬
‫ول بذيئة ول فاحشة‪ ،‬وإنما طهر كله ونقاء وصفاء ولين ووفاء‪ ،‬لنه رحمة مهداة‪ ،‬ونعمة مسداة‪،‬‬
‫وبركة عامة‪ ،‬وخير متصل‪.‬‬

‫وكان صلى ال عليه وسلم يتخّول أصحابه بالموعظة كراهية السآمة والملل عليهم‪ ،‬أي يتركهم‬
‫فترات من الزمن بل وعظ ليكون أنشط لنفوسهم وأروح لقلوبهم‪ ،‬فكان إذا وعظهم أوجز وأبلغ‪،‬‬
‫وكان ينهى عن التطويل على الناس وإدخال المشقة عليهم‪ ،‬سواء في الصلة أو الخطب‪ ،‬ويقول‪":‬‬
‫إن قصر خطبة الرجل وطول صلته مئنة من فقهه" أخرجه مسلم ‪ 869‬عن عمار رضي ال‬
‫صروا الخطبة وأطيلوا الصلة‪.‬‬
‫عنه‪ .‬أي علمة على فقهه‪ ،‬فق ّ‬

‫وأنكر عمر على الحبشة لعبهم بالحراب في مسجده صلى ال عليه وسلم فقال‪ ":‬دعهم يا عمر‪،‬‬
‫ليعلم يهود أن في ديننا فسحة" أخرجه أحمد ] ‪ [25431 ،24334‬عن عائشة رضي ال عنها‬
‫أنظر كشف الخفاء‪.658 :‬‬

‫ودخل أبو بكر عليه صلى ال عليه وسلم في بيت عائشة رضي ال عنها وعندها جاريتان‬
‫تغنيان يوم العيد‪ ،‬فقال أبو بكر‪ :‬أمزمار الشيطان في بيت رسول ال صلى ال عليه وسلم؟ فقال‬
‫صلى ال عليه وسلم‪ ":‬دعهم يا أبا بكر‪ ،‬فإن لكل قوم عيدا وهذا عيدنا" أخرجه البخاري ] ‪،952‬‬
‫‪ [3931‬ومسلم ‪ 892‬عن عائشة رضي ال عنها‪.‬‬

‫وسأل صلى ال عليه وسلم عائشة عن زواج حضرته للنصار‪ ":‬هل كان معكم شيء من لهو؟ ـ‬
‫أي من طرب ـ فإن النصار يعجبهم اللهو" أخرجه البخاري ‪ 5163‬عن عائشة رضي ال عنها‪.‬‬
‫كل هذا في حدود المباح الذي يريح النفس ويذهب عنها السأم والملل‪ ،‬أما الحرام فكان أبعد الناس‬
‫عنه صلى ال عليه وسلم‪.‬‬

‫وكان صلى ال عليه وسلم يربي أصحابه بالقدوة الحّية الماثلة فيه صلى ال عليه وسلم‪ ،‬فكان‬
‫يدعوهم الى تقوى ال وهو أتقاهم‪ ،‬وينهاهم عن الشيء فيكون أشّدهم حذرا منه‪ ،‬ويعظهم ودموعه‬
‫على خّده الشريف‪ ،‬ويوصيهم بأحسن الخلق‪ ،‬فإذا هو أحسنهم خلقا‪ ،‬ويندبهم الى ذكر ال وإذا به‬
‫أكثرهم ذكرا‪ ،‬ويناديهم الى البذل والعطاء ثم يكون أسخاهم يدا وأكرمهم نفسا‪ ،‬وينصحهم بحسن‬
‫العشرة مع الهل‪ ،‬ثم تجده أحسن الناس لهله رحمة وعطفا ورقة ولطفا‪:‬‬

‫يا صاحب الخلق السمى وهل حملت‬


‫روح الرسالت إل روح مختار‬
‫أعلى السجايا التي صاغت لصاحبها‬
‫من الهدى والمعالي نصب تذكار‬

‫صله صلى ال عليه وسلم الى غرس هذه الفضيلة في نفوس أصحابه غرسا بقي‬ ‫والعجيب تو ّ‬
‫بقاء حياتهم‪ ،‬ودام دوام أعمارهم ونقله التباع عنهم‪ ،‬وأتباع التباع عن التباع الى اليوم‪ ،‬فكان‬
‫إذا لقيه الرجل يوما من الدهر أو ساعة من الزمن وآمن به‪ ،‬ترك عليه من الثر ما يبقى ملزما‬
‫له حتى الموت‪ ،‬فكأن ليس في حياة هذا الرجل إل ذلك اليوم أو تلك الساعة التي لقي فيها رسول‬
‫ال صلى ال عليه وسلم‪:‬‬

‫قد يضيق العمر إل ساعة‬


‫وتضيق الرض إل موضعا‬

‫وما ذاك إل لصدق نبوته عليه الصلة والسلم وبركة دعوته‪ ،‬وعظيم إخلصه وجللة خلقه‬
‫ونبل فضائله‪:‬‬

‫فعليه ما سجع الحمام سلمنا‬


‫فيه إله العالمين هدانا‬
‫وجوب الصلة والسلم عليه صلى ال عليه وسلم‪:‬‬
‫سِليما ً )‬ ‫َ‬
‫سل ّ ُ‬
‫موا ت َ ْ‬ ‫صّلوا ع َل َي ْهِ وَ َ‬
‫مُنوا َ‬
‫نآ َ‬ ‫ي َيا أي َّها ال ّ ِ‬
‫ذي َ‬ ‫ن ع ََلى الن ّب ِ ّ‬
‫صّلو َ‬ ‫مَلئ ِك َت َ ُ‬
‫ه يُ َ‬ ‫ن الل ّ َ‬
‫ه وَ َ‬ ‫}إ ِ ّ‬
‫‪ { (56‬الحزاب‪.‬‬

‫صلى عليك ال يا علم الهدى‬


‫ن مشتاق الى لقياكا‬
‫ما ح ّ‬
‫وعليك ملء الرض من صلواتنا‬
‫وقلوبنا ذابت على ذكراك‬
‫الصلة على محمد صلى ال عليه وسلم جلء البصار‪ ،‬ونور البصائر‪ ،‬وبهجة القلوب‪ ،‬وراحة‬
‫الرواح‪ ،‬وقرة العيون‪ ،‬ومسك المجالس‪ ،‬وطيب الحياة‪ ،‬وزكاة العمر‪ ،‬وجمال اليام‪ ،‬وذهاب‬
‫الهموم‪ ،‬وطرد الحزان‪ ،‬وهي الجالبة للسرور وانشراح الصدور وتكامل الحبور وتعاظم النور‪.‬‬

‫ل النس وتحصل البركة وتنزل السكينة‪ ،‬وهي علمة‬ ‫بها يطيب السمر ويحلو الحديث ويح ّ‬
‫الحب وشاهد المتابعة وبرهان الموالة ودليل الصلح وطريق الفلح‪ ،‬يقول صلى ال عليه‬
‫ي صلة واحدة صلى ال عليه بها عشر صلوات‪ ،‬ورفعه عشر درجات‪،‬‬ ‫وسلم‪ ":‬من صلى عل ّ‬
‫وكتبت له عشر حسنات‪ ،‬ومحي عنه عشر سيئات" أخرجه النسائي في الكبرى ‪ 9890‬وفي عمل‬
‫ي من الصلة ليلة الجمعة ويوم الجمعة"‬
‫اليوم والليلة ‪ 63‬عن أنس بن مالك‪ .‬وقال‪ ":‬أكثروا عل ّ‬
‫أخرجه ابن عدي في الكامل ‪ 102\3‬والبيهقي في الكبرى ‪ 5790‬وفي الشعب ‪ 3030‬عن أنس بن‬
‫ي" أخرجه‬ ‫ل عل ّ‬
‫مالك وانظر كشف الخفاء ‪ .190\1‬وقال‪ ":‬رغم أنف من ذكرت عنده ولم يص ّ‬
‫أحمد ‪ 7402‬والترمذي ‪ 3545‬والحاكم ‪ .2016‬وروي مرفوعا‪ ":‬البخيل من ذكرت عنده فلم‬
‫ي" أخرجه أحمد ‪ 1738‬والترمذي ‪ 3546‬عن علي رضي ال عنه وانظر كشف الخفاء‬ ‫ل عل ّ‬‫يص ّ‬
‫‪ .332\1‬وورد‪ ":‬إن ل ملئكة سياحين في الرض يبلغونني من أمتي السلم" أخرجه أحمد ]‬
‫‪ [4198 ،3657‬والنسائي ‪ 1282‬والدارمي ‪ 2774‬والحاكم ‪ 3576‬عن عبدال بن مسعود‪ .‬ولما‬
‫ي بن كعب‪ :‬سوف أجعل لك صلتي كلها‪ ،‬أي دعائي‪ ،‬قال‪ ":‬إذن يغفر ذنبك‪ ،‬وتكفي هّمك"‬ ‫قال أب ّ‬
‫أخرجه الترمذي ‪.2457‬‬

‫فيصلى عليه صلى ال عليه وسلم في التشهد الول والثاني‪ ،‬وعند ذكره‪ ،‬وفي خطبة الجمعة‪،‬‬
‫والعيد‪ ،‬والستسقاء‪ ،‬وفي خطبة النكاح‪ ،‬وفي مجلس العلم والمواعظ‪ ،‬والكتب والرسائل‪،‬‬
‫والمعاهدات‪ ،‬والصكوك‪ ،‬وعند لقاء الحباب‪ ،‬وعند الوداع‪ ،‬وفي الدعاء وأذكار الصباح والمساء‪،‬‬
‫وعند نزول الهموم وترادف الغموم وفقد الغراض وتزاحم الكرب وحدوث المصاب ووصول‬
‫المبشرات‪ ،‬وعند تأليف الكتب وشرح حديثه وكتابة سيرته وذكر أخباره وقصصه‪ ..‬إلى غير ذلك‬
‫من المناسبات‪ ،‬فصّلى ال عليه وسلم ما زهر فاح‪ ،‬وبلبل صاح‪ ،‬وسر باح‪ ،‬وحمام ناح‪ ،‬وصلى‬
‫ال عليه وسلم ما نسيم تّدفق وما دمع ترقرق‪ ،‬وما وجه أشرق‪ ،‬وصلى ال عليه وسلم ما اختلف‬
‫الليل والنهار‪ ،‬وهطلت المطار‪ ،‬ودنت الثمار واهتزت الشجار‪ ،‬وصلى ال عليه وسلم ما بدت‬
‫النجوم‪ ،‬وتلبّدت الغيوم وانقشعت الهموم‪ ،‬وتليت الخبار والعلوم‪ ،‬وعلى آله الطيبين البرار‪،‬‬
‫وأصحابه الخيار من المهاجرين والنصار‪ ،‬ومن تبعهم واقتفى الك الثار‪.‬‬

‫صلى عليه إلهه وخليله‬


‫ما دامت الغبراء والخضراء‬
‫فهو الذي فاق النام كرامة‬
‫واستبشرت بقدومه النباء‬
‫وجوب التأدب مع الرسول صلى ال عليه وسلم‪:‬‬
‫ه ِبال ْ َ‬ ‫َ‬ ‫َ‬
‫ر‬ ‫ل كَ َ‬
‫جهْ ِ‬ ‫قو ْ ِ‬ ‫جهَُروا ل َ ُ‬
‫ي وََل ت َ ْ‬
‫ت الن ّب ِ ّ‬ ‫م فَوْقَ َ‬
‫صو ْ ِ‬ ‫وات َك ُ ْ‬ ‫مُنوا َل ت َْرفَُعوا أ ْ‬
‫ص َ‬ ‫نآ َ‬ ‫}َيا أي َّها ال ّ ِ‬
‫ذي َ‬
‫م َل ت َ ْ‬ ‫َ‬ ‫بعضك ُم ل ِبعض َأن تحب َ َ‬
‫ن )‪ { (2‬الحجرات‪.‬‬ ‫شعُُرو َ‬ ‫م وَأنت ُ ْ‬‫مال ُك ُ ْ‬
‫ط أع ْ َ‬ ‫َ ْ َ‬ ‫َْ ِ ْ َْ ٍ‬

‫قحطان عدنان شادوا منك عّزتهم‬


‫بك التشّرف للتأريخ ل بهم‬
‫أكاد أقتلع الهات من حرقي‬
‫إذا ذكرتك أو أرتاع من ندمي‬

‫الدب معه صلى ال عليه وسلم شريعة يثاب فاعلها ويعاقب تاركها‪ ،‬فالدب مع شخصه الكريم‬
‫بإجلله وإعزازه وتوقيره وتقديره واحترامه وانزاله المنزلة التي أنزله ال إياها‪ :‬ل غلّو ول‬
‫جفاء‪ ،‬وعدم العتراض عليه صلى ال عليه وسلم أو مناقضة أقواله بأقوال غيره من الناس‪ ،‬أو‬
‫تقديم قول كائن من البشر مهما كان على قوله‪ ،‬أو أخذ حديثه على أنه كلم يصيب ويخطئ‪ ،‬بل‬
‫ي معصوم‪ ،‬أو التعّرض لصفة من صفاته بجفاء‪ ،‬أو رد قوله بعد التأكد من صحة‬ ‫هو كلم نب ّ‬
‫نسبته اليه‪ ،‬أو الشك في بعض قضاياه وأحكامه‪ ،‬أو مقارنته بالقادة والزعماء والملوك‪ ،‬فقد رفع‬
‫ال قدره على الجميع وأعلى منزلته على الكل‪.‬‬

‫بل يحرم كل ما فهم منه الجفاء والتنقص والعتراض عليه صلى ال عليه وسلم‪ ،‬والواجب على‬
‫كل من رضي به رسول واتبعه وآمن به حبه حبا صادقا أعظم من حب النفس والولد والوالد‬
‫والناس أجمعين‪ ،‬وتصديق ما أخبر به‪ ،‬وامتثال ما أمر به والنتهاء عما نهى عنه‪ ،‬والهتداء بهداه‬
‫والقتداء بسنته والرضى بحكمه والحرص على متابعته‪ ،‬وتوقير حديثه والصلة والسلم عليه إذا‬
‫ذكر صلى ال عليه وسلم‪ ،‬وعدم رفع الصوت عند ذكره وذكر حديثه‪ ،‬وعدم الضحك وقت تلوة‬
‫أخباره وكلمه وآثاره‪ ،‬والخشوع عند ذكر شيء من سنته‪ ،‬والتأدب عند الستشهاد بقوله‪،‬‬
‫والتسليم عند أمره ونهيه‪ ،‬واليمان بمعجزاته والذب عن جنابه الشريف وأهل بيته وأصحابه }‬
‫فالذين ءامنوا به وعّزروه ونصروه واتبعوا النور الذي أنزل معه أولئك هم المفلحون{‪.‬‬

‫يا من تضّوع طيب القاع منزله‬


‫فطاب من طيب ذاك القاع والكم‬
‫نفسي الفداء لمجٍد أنت حامله‬
‫فيه العفاف وفيه الجود والكرم‬

‫فعلى المسلم أن يفعل فعل أصحاب محمد صلى ال عليه وسلم في التأدب معه‪ ،‬فمنهم من كان ل‬
‫يتكلم عنده إل بصوت خافض خاشع‪ ،‬وكان إذا تحدث كان على رؤوسهم الطير‪ ،‬ومنهم من جلس‬
‫في الطريق خارج المسجد لما سمعه يقول من داخل المسجد‪ ":‬يا أيها الناس اجلسوا" أخرجه أبو‬
‫داود ‪ 1091‬والحاكم ‪ 1056‬عن جابر رضي ال عنه‪ .‬ومنهم من ل يكلم ابنه حتى مات لنه‬
‫عارض حديث الرسول صلى ال عليه وسلم‪ ..‬إلى آخر تلك الفعال الجميلة والخصال الحميدة من‬
‫تأدبهم معه صلى ال عليه وسلم‪.‬‬

‫شرا‪:‬‬
‫الرسول صلى ال عليه وسلم مب ّ‬
‫ضل ً ك َِبيرا ً )‪ { (47‬الحزاب‪.‬‬ ‫َ‬
‫ن الل ّهِ فَ ْ‬ ‫ن ل َُهم ّ‬
‫م َ‬ ‫ن ب ِأ ّ‬ ‫شرِ ال ْ ُ‬
‫مؤ ْ ِ‬
‫مِني َ‬ ‫}وَب َ ّ‬

‫سروا"‪.‬‬
‫سروا ول تع ّ‬
‫شروا ول تنفروا‪ ،‬وي ّ‬
‫"بّ‬

‫بشرى لنا السلم إن لنا‬


‫من العناية ركنا غير منهزم‬
‫لما دعا ال داعينا لطاعته‬
‫بأكرم الرسل كنا أكرم المم‬

‫شرا ً‬ ‫َ‬ ‫َ‬


‫هدا ً وَ ُ‬
‫مب َ ّ‬ ‫سل َْنا َ‬
‫ك َ‬
‫شا ِ‬ ‫من أعظم صفاته صلى ال عليه وسلم أنه مبشر‪َ }:‬يا أي َّها الن ّب ِ ّ‬
‫ي إ ِّنا أْر َ‬
‫وَن َِذيرا ً )‪ {(45‬الحزاب‪ ،‬فهو صلى ال عليه وسلم الذي أتى بالبشارة الكبرى‪ ،‬وهي اليمان بال‬
‫والبشارة بعفوه وغفرانه ورضوانه ورحمته‪ ،‬والبشارة بجنة عرضها السموات والرض‪ ،‬وقد‬
‫شر‬
‫ل الذين بشارة‪ ،‬فقد ب ّ‬
‫شر صلى ال عليه وسلم بتوبة ال على من تاب وعفوه عمن أناب‪ ،‬فج ّ‬ ‫بّ‬
‫ط الخطايا وأن الصلة ورمضان والحج والعمرة كفارات‬ ‫عليه الصلة والسلم بان الوضوء يح ّ‬
‫شر من فقد عينيه بالجنة‪ ،‬وبشر من فقد ابنه بقصر في الجنة‪،‬‬ ‫لما بينها من الذنوب إل الكبائر‪ ،‬وب ّ‬
‫شر من انتظر‬ ‫شر من أصابه مرض بأنه يمحو الخطايا‪ ،‬وأن من أراد ال به خيرا ابتله‪ ،‬وب ّ‬ ‫وب ّ‬
‫شر من سبح تسبيحة واحدة بغرس نخلة‬ ‫الصلة أن الملئكة تصلي عليه وتدعو له ما لم يحدث‪ ،‬وب ّ‬
‫طت خطاياه وإن كانت مثل زبد البحر‪،‬‬ ‫له في الجنة‪ ،‬وأن من قال سبحان ال وبحمده مائة مرة ح ّ‬
‫شر أن من أصابه مرض‬ ‫وأن من أذنب ذنبا ثم توضأ وصلى ركعتين واستغفر ال غفر ال له‪ ،‬وب ّ‬
‫أو وصب أو نصب أو هم أو غّم أو حزن حتى الشوكة يشاكها جعلها ال كفارة له من الذنوب‪.‬‬

‫وجاء بكتاب عظيم وذكر حكيم يبشر المؤمنين الذين يعملون الصالحات بان لهم أجرا حسنا‬
‫م ال ْ َ‬ ‫من ّروِْح الل ّهِ إ ِل ّ ال ْ َ‬ ‫َ‬
‫ن )‪ {(87‬يوسف‪.‬‬ ‫كافُِرو َ‬ ‫قو ْ ُ‬ ‫ه ل َ ي َي ْأ ُ‬
‫س ِ‬ ‫ونهاهم عن اليأس‪ }:‬إ ِن ّ ُ‬

‫وعن القنوط‪}:‬ومن يقنط من رحمة ربه إل الضالون{‪.‬‬

‫ونهاهم عن الحزن‪ }:‬وَل َ ت َهُِنوا وَل َ ت َ ْ‬


‫حَزُنوا { آل عمران ‪.139‬‬

‫م َل‬
‫سهِ ْ‬ ‫سَرُفوا ع ََلى َأن ُ‬
‫ف ِ‬
‫عبادي ال ّذي َ‬
‫نأ ْ‬ ‫ل َيا ِ َ ِ َ ِ َ‬ ‫وفتح باب الغفران للتائبين من المسرفين‪ }:‬قُ ْ‬
‫م )‪ { (53‬الزمر‪.‬‬ ‫حي ُ‬ ‫ه هُوَ ال ْغَ ُ‬
‫فوُر الّر ِ‬ ‫ميعا ً إ ِن ّ ُ‬
‫ج ِ‬
‫ب َ‬‫فُر الذ ُّنو َ‬ ‫ن الل ّ َ‬
‫ه ي َغْ ِ‬ ‫مةِ الل ّهِ إ ِ ّ‬
‫ح َ‬
‫من ّر ْ‬ ‫قن َ ُ‬
‫طوا ِ‬ ‫تَ ْ‬

‫سروا"‪،‬‬‫سروا ول تع ّ‬
‫شروا ول تنّفروا‪ ،‬وي ّ‬
‫ولما أرسل رسله الى البلدان ودعاة الى ال قال لهم‪ ":‬ب ّ‬
‫وحّذر من التشديد والتنفير فقال‪ ":‬يا أيها الناس! إن منكم منّفرين‪ ،‬من صلى بالناس فليخفف‪ ،‬فإن‬
‫فيهم الكبير والصغير والمريض وذا الحاجة" أخرجه البخاري ] ‪ [702 ،90‬ومسلم ‪. 466‬‬

‫شر عائشة ببراءة ال لها‪ ،‬وبشر كعب بن مالك بتوبة ال عليه‪ ،‬وبشر‬ ‫وذّم المتكلفين في الدين‪ ،‬وب ّ‬
‫جابرا بأن ال كلم أباه‪ ،‬وبشر المسلمين بدخول زيد وجعفر وابن أبي رواحة الجنة‪ ،‬وبشر بلل‬
‫شر العشرة‬
‫ي بن كعب بأن ال ذكره في المل العلى‪ ،‬وب ّ‬‫شر أب ّ‬ ‫بأنه سمع دفي نعليه في الجنة‪ ،‬وب ّ‬
‫شر أهل بدر بأن ال قال لهم‪ ":‬اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم" أخرجه البخاري ]‬ ‫بالجنة‪ ،‬وب ّ‬
‫شر أهل البيعة تحت الشجرة برضوان‬ ‫‪ [3983 ،3007‬ومسلم ‪ 2494‬عن علي رضي ال عنه‪ .‬وب ّ‬
‫شر رجل صلى معه‬ ‫ل هُوَ الل ُّه أ ََحد ٌ )‪ {(1‬الخلص‪ ،‬بأن ال يحبه‪ ،‬وب ّ‬
‫شر الذي لزم }قُ ْ‬ ‫ال‪ ،‬وب ّ‬
‫وقد أصاب حّدا بأن ال غفر له‪.‬‬

‫وبالجملة فمن أعظم خصاله الحميدة صلى ال عليه وسلم إدخال البشرى على الناس وإسعادهم‪.‬‬

‫بشرى من الغيب ألقت في فم الغار‬


‫وحيًا وأفضت الى الدنيا بأسرار‬
‫الرسول صلى ال عليه وسلم معلما‪:‬‬
‫ظيما ً )‪ { (113‬النساء‪.‬‬ ‫ل الل ّهِ ع َل َي ْ َ‬
‫ك عَ ِ‬ ‫ن فَ ْ‬
‫ض ُ‬ ‫كا َ‬ ‫ن ت َعْل َ ُ‬
‫م وَ َ‬ ‫ما ل َ ْ‬
‫م ت َك ُ ْ‬ ‫}وَع َل ّ َ‬
‫م َ‬
‫ك َ‬

‫" من سلك طريقا يلتمس فيه علما سّهل ال له به طريقا الى الجنة" أخرجه مسلم ‪ 2699‬عن أبي‬
‫هريرة رضي ال عنه‪.‬‬

‫كفاك بالعلم في المي معجزة‬


‫عند البرّية والتأديب في اليتم‬
‫فهو الذي تم في فضل وفي كرم‬
‫ثم اصطفاه رسول بارئ النسم‬

‫بعث صلى ال عليه وسلم معلما الناس يعلم الناس مكارم الخلق ومعالي المور وأشرف‬
‫الخصال وأنبل السجايا‪.‬‬

‫فعّلم صلى ال عليه وسلم بوعظه الذي كان يهز به القلوب فكأنه منذر جيش يقول صّبحكم‬
‫ومساكم‪ ،‬وكان إذا وعظ عل صوته واشتّد غضبه واحمّرت عيناه‪ ،‬فل تسمع إل بكاء ونحيبا‬
‫جعا وتوجّعا وندما وحسرة وتوبة ورجوعا وإنابة‪.‬‬
‫وحنينا وأنينا وتف ّ‬

‫وعّلم صلى ال عليه وسلم بخطبه القيمة الناعة في مناسبات العبادات‪ ،‬فكانت فيضا من الهدى‬
‫ونهرا من النور‪ ،‬تزيد اليمان وترفع اليقين‪.‬‬

‫وعّلم صلى ال عليه وسلم بفتواه لمن سأله‪ ،‬فكان أفقه الناس وأعظمهم إجابة وأكثرهم إصابة‪،‬‬
‫وأعرفهم بما يصلح للسائل‪.‬‬

‫وعّلم صلى ال عليه وسلم بوصاياه ونصائحه التي تصل الى القلوب وتمل النفوس تقوى‬
‫وصلحا‪.‬‬

‫وعّلم بضرب المثال التي يعرفها الناس‪ ،‬وتوضيح المعاني بأمور محسوسة تقرب المعنى‬
‫وتزيل الشكال وترفع الوهم‪.‬‬

‫وعّلم صلى ال عليه وسلم بالقصص الجذاب الخلب الذي يثير في النفوس العجاب والنصات‬
‫والستجابة‪.‬‬

‫وعّلم صلى ال عليه وسلم بالقدوة الحية المتمثلة في سيرته العطرة وأخلقه السامية وخصاله‬
‫الجليلة التي أجمع على حسنها العقلء وأحبها التقياء واقتدى بها الولياء‪.‬‬

‫وأول كلمة نزلت عليه صلى ال عليه وسلم كلمة "اقرأ"‪ ،‬وهي من أعظم أدلة فضل العلم وقيمة‬
‫المعرفة‪ ،‬وأمره ال أن يقول‪ :‬رب زدني علما‪ ،‬ولم يأمره بطلب زيادة إل من العلم لنه طريق‬
‫ن عليه رّبه بأن عّلمه ما لم يكن يعلم من المعارف‬ ‫الرضوان وباب التوفيق وسبيل الفلح‪ ،‬وامت ّ‬
‫َ‬
‫م أن ُّه َل إ ِل ََه إ ِّل الل ُّه { محمد‬
‫اليمانية والفتوحات الربانية والمواهب اللهية‪ ،‬وقال له ربه‪َ }:‬فاع ْل َ ْ‬
‫‪ .19‬فبدأ بالعلم قبل القول والعمل‪ ،‬فكان صلى ال عليه وسلم أسوة العلماء وقدوة طلبةا لعلم في‬
‫الستزادة من العلم النافع والعمل الصالح‪ ،‬وقال‪ ":‬مثل ما بعثني ال به من الهدى والعلم كمثل‬
‫الغيث" أخرجه البخاري ‪ 79‬ومسلم ‪ .2282‬فكانت مهمته الكبرى تعليم الكتاب والحكمة‪:‬‬
‫حك َْمَة{ البقرة ‪ .129‬حتى خرج من أصحابه صلى ال عليه وسلم علماء‬ ‫ب َوال ْ ِ‬
‫م ال ْك َِتا َ‬ ‫} وَي ُعَل ّ ُ‬
‫مهُ ُ‬
‫وفقهاء وحكماء ومفسرون ومحّدثون ومفتون وخطباء ومرّبون ملؤوا الدنيا علما وحكما ورشدا‬
‫واستفاقة‪:‬‬

‫فكلهم من رسول ال ملتمس‬


‫غرفا من البحر أو رشفا من الديم‬

‫ث عليه الصلة والسلم على العلم ونشره وتعليمه فقال كما في حجة الوداع‪ ":‬فليبلغ‬ ‫وقد ح ّ‬
‫الشاهد الغائب‪ ،‬فرب مبلغ أوعى من سامع" أخرجه البخاري ]‪ [7078 ،1741‬ومسلم ‪ 1679‬عن‬
‫أبي بكرة رضي ال عنه‪ .‬وقال‪ ":‬نضر ال امرءا سمع مقالتي فوعاها وحفظها وبلغها‪ ،‬فرب‬
‫حامل فقه الى من هو أفقه منه" أخرجه الترمذي ‪ 2658‬عن ابن مسعود رضي ال عنه وانظر‪:‬‬
‫كشف الخفاء ‪ .423\2‬وقال‪ ":‬بّلغوا عني ولو آية" أخرجه البخاري ‪ 3461‬عن عبدال بن عمرو‬
‫رضي ال عنهما‪ .‬وكانت حياته صلى ال عليه وسلم كلها تعليما لمته‪ ،‬فصلته وصيامه وصدقته‬
‫وحجه وذكره لربه وكلمه وقيامه وقعوده وأكله وشربه‪ ،‬كل هذا تعليم وأسوة لمن آمن به واتبعه‪،‬‬
‫وكان صلى ال عليه وسلم يتدّرج في التعليم‪ ،‬فما كان يلقي العلم على أصحابه جملة واحدة بل‬
‫ل ع َل َي ْهِ ال ْ ُ‬
‫ث{ السراء ‪} ،106‬ل َوَْل ن ُّز َ‬ ‫شيئا فشيئا }فَرقْناه ل ِت ْ َ‬
‫ن‬‫قْرآ ُ‬ ‫س ع ََلى ُ‬
‫مك ْ ٍ‬ ‫قَرأه ُ ع ََلى الّنا ِ‬ ‫َ َ ُ َ‬
‫ك وََرت ّل َْناهُ ت َْرِتيل ً )‪ { (32‬الفرقان‪ .‬فكان يمتثل هذا في‬‫ؤاد َ َ‬
‫ت ب ِهِ فُ َ‬ ‫حد َة ً ك َذ َل ِ َ‬
‫ك ل ِن ُث َب ّ َ‬ ‫مل َ ً‬
‫ة َوا ِ‬ ‫ج ْ‬
‫ُ‬
‫تدريسه لصحابه‪ ،‬وكان يبدأ صلى ال عليه وسلم بكبار المسائل والهم فالمهم‪ ،‬ويكرر المسألة‬
‫حتى تفهم عنه‪ ،‬ويعّلم تعليما علميا بالقدوة‪ ،‬كالوضوء أمام الناس ليأخذوا عنه‪ ،‬وصلته لهم‬
‫ليصلوا كصلته‪ ،‬وقوله‪ ":‬صلوا كما رأيتموني أصلي" أخرجه البخاري ‪ 631‬عن مالك بن‬
‫الحويرث رضي ال عنه‪ .‬وحجه بهم وقوله‪ ":‬لتأخذوا عني مناسككم" أخرجه مسلم ‪ 1297‬عن‬
‫جابر بن عبدال رضي ال عنهما‪.‬‬

‫**‬

‫تّم والحمد ل‬
‫شبكة مجاهد مسلم السلمية الدعوية‬
‫نسأل ال التوفيق‬
‫‪www.islammi.jeeran.com‬‬
‫بيروت لبنان‬
‫نشره موقع صيد الفوائد‬
‫‪/http://www.saaid.net‬‬