‫‪http://nj180degree.

com‬‬

‫أنطونيو غرامشي‬

‫كراسات السجن‬

‫)*(‬

‫»لقد كانت ھذه الكراسات بؤرة حياتي الداخلية«‬

‫القسم الثاني‬

‫مالحظات حول السياسة‬
‫)‪( 2‬‬
‫الدولة والمجتمع المدني‬
‫مدخل‬
‫يتضمن ھذا القسم بعض المالحظات الحاسمة في فھم فكر‬
‫غرامشي السياسي‪ .‬فھي تعالج طبيعة الفاشية‪ ،‬وإستراتيجية‬
‫الثورة المالئمة للغرب )أو في العصر الذي كان يكتب فيه‬
‫غرامشي )أنظر الصفحات التالية(‪ ،‬ونظرية الدولة‪ .‬وقد يكون‬
‫أفضل سبيل لتناول ھذه القضايا‪ ،‬من خالل ثالثة مفاھيم‬
‫مترابطة ھي‪ :‬القيصرية ‪ ،Caecarism‬وحرب المواقع ‪War‬‬
‫‪ ،of position‬والمجتمع المدني ‪.Civil Society‬‬
‫وال يقتصر تطبيق مفھوم »القيصرية« عند غرامشي على‬
‫الفاشية‪ ،‬بل يتسع ليشمل على سبيل المثال‪ :‬الحكومة القومية‬
‫البريطانية عام ‪ ...1930‬الخ‪ .‬فھو إذن ال يتطابق مع مفھوم‬
‫ماركس لـ»البونابرتية« ‪ ،Bonapartism‬وإن كان من‬
‫الواضح أنه يتصل به‪.‬‬
‫‪225‬‬

‫‪http://nj180degree.com‬‬

‫وتمثل القيصرية تسوية ‪ conpromise‬بين قوتين اجتماعيتين‬
‫»أساسيتين« ولكن‪» -1 ،‬المشكلة ھي معرفة أيھما له الغلبة‬
‫السابق«‪...‬‬
‫الوضع‬
‫»الثورة‪/‬إعادة‬
‫دياليكتيك‬
‫في‬
‫‪ ،revolution/restoration‬الثورة أم إعادة الوضع السابق«‬
‫‪ -2‬سوف نرتكب خطأ منھجيا إذا اعتقدنا أن القيصرية‪...‬‬
‫كظاھرة تاريخية جديدة ترجع برمتھا إلى التوازن بين القوى‬
‫»األساسية«‪ .‬فال بد أيضا أن ندرس التفاعل في العالقات بين‬
‫الجماعات الرئيسية‪ ...‬بين الطبقات األساسية‪ ،‬والقوى‬
‫االحتياطية التي تقودھا وتخضع لنفوذھا المھين«‪.‬‬
‫لذلك كانت المشكلة في نظر غرامشي‪ ،‬في حالة النظام الفاشي‬
‫في ايطاليا بالتحديد ھي‪ -1 :‬تحليل »الثورة السلبية« التي قد‬
‫تمثلھا الفاشية‪ -2 .‬تحليل خصوصية القوى االجتماعية التي‬
‫أنتجتھا –أي الرفض المطلق للمعادلة الساذجة‪ :‬الفاشية =‬
‫الرأسمالية‪.‬‬
‫لقد حاول غرامشي أن يربط في مالحظته المعنوية »مفھوم‬
‫الثورة السلبية«‪ ،‬بين مفھوم »الثورة السلبية« ومفھوم »حرب‬
‫المواقع«‪ .‬وترجع صعوبة ھذا المفھوم األخير‪ ،‬إلى أن‬
‫غرامشي كان يستخدمه بمعنيين متضاربين إلى حد ما‪ :‬فأحيانا‬
‫تكون »حرب المواقع« الشكل الوحيد الممكن للنضال‬
‫السياسي في فترات االستقرار النسبي للتوازن بين الطبقات‪،‬‬
‫أي عندما يكون الھجوم المباشر ‪ frontal attack‬أو حرب‬
‫الحركة ‪ war of manœuvre‬مستحيال‪ .‬وعن ھذه الفترات‬
‫يطرح غرامشي السؤال اآلتي‪ :‬ھل ھناك تطابق مطلق بين‬
‫مفھوم حرب المواقع ومفھوم الثورة السلبية؟ أو على األقل ھل‬
‫توجد أو يتصور أن توجد مرحلة تاريخية كاملة‪ ،‬ينبغي أن‬
‫يعتبرا فيھا مفھوما واحدا –عندما نصل إلى النقطة التي‬
‫تتحول فيھا حرب المواقع الثابتة مرة أخرى إلى حرب‬
‫حركة؟« واآلن‪ ،‬من الواضح أنه في لحظة معينة من التطور‬
‫التاريخي‪ ،‬سوف تحل حرب الحركة محل حرب المواقع‪،‬‬
‫وعندئذ يمكن مرة أخرى‪ ،‬شن »ھجمات مباشرة« على‬
‫الدولة‪ .‬ومع ذلك‪ ،‬نجده في مالحظته‪» :‬النضال السياسي‬
‫والحرب العسكرية« يربط حرب المواقع بالغرب‪ ،‬حيث يوجد‬
‫توازن سليم بين الدولة والمجتمع المدني‪ ،‬على خالف الشرق‬
‫)روسيا(‪ ،‬حيث تكون الحركة ھي المالئمة‪.‬‬

‫‪226‬‬

‫‪http://nj180degree.com‬‬

‫وال نجد توافقا بين ھذين المفھومين لـ»حرب المواقع« إال في‬
‫فقرة وحيدة‪ ،‬ومع كثير من التحفظات‪ ،‬وھي الفقرة التي يرى‬
‫فيھا غرامشي أن في الغرب مجتمع مدني يقاوم‪ ،‬أي ال بد من‬
‫التغلب على مقاومته‪ ،‬قبل شن الھجوم المباشر على الدولة‪.‬‬
‫ويمكن بالطبع‪ ،‬أن ننسب ھذه الفكرة إلى أطروحته الواردة في‬
‫مالحظته »قضايا القيادة السياسية«‪ .‬سالفة الذكر حيث يقول‪:‬‬
‫»يمكن لجماعة سياسية أن تمارس »القيادة« )أي أن تصبح‬
‫مھيمنة( بل ينبغي أن تكون قد مارستھا بالفعل قبل أن تظفر‬
‫بسلطة الحكم )وھذا في الحقيقة ھو احد الشروط الرئيسية‬
‫لكسب مثل ھذه السلطة(«‪.‬‬
‫من الواضح أن ھذه األطروحة تحتمل تأويالت إصالحية‪،‬‬
‫تنطوي على التقليل من شأن الدولة في إستراتيجية الثورة‪.‬‬
‫غير أنه ليس ھناك ما يبرر أن ينسب مثل ھذا الوھم إلى‬
‫غرامشي بالذات‪ .‬فاھتمامه أكثر من أي مفكر ماركسي ثوري‬
‫عظيم آخر بمجال »المجتمع المدني« و»الھيمنة أو القيادة‬
‫‪ ،«hegemony‬ال يمكن دليال على إھمال لحظة المجتمع‬
‫السياسي ‪ moment of political Society‬أي لحظة القوة‬
‫‪ .moment of force‬بل بالعكس‪ ،‬فسجله كله يدل على أن‬
‫ھذا غير صحيح‪ ،‬وأن شغله الشاغل ھو تجنب الفصل غير‬
‫الجدلي بين الجانب األخالقي‪-‬السياسي في علم السياسة أو في‬
‫نظرية الھيمنة‪/‬القيادة‪ ،‬أي جانب القبول‪/‬الرضاء ‪،Consent‬‬
‫و»جانب القوة واالقتصاد«‪.‬‬
‫غير أن غرامشي لم ينجح في الحقيقة في التواصل إلى مفھوم‬
‫واحد مرض لـ»المجتمع المدني« أو لـ»الدولة«‪ .‬وليس ھذا‬
‫المكان المناسب لمحاولة مناقشته نظريته في الدولة )ويمكن‬
‫للمھتمين بالموضوع أن يطلعوا على األخص على الحوار‬
‫الھام بين نوربرتو ‪ Norberto Bobio‬وجاك تكسييه‬
‫‪Gramsci e la cultura‬‬
‫في‪:‬‬
‫‪Jacques Texier‬‬
‫‪.(contemporena Ed.Riuniti, 1969‬‬
‫ومع ذلك ال بد من إشارة موجزة إلى محاوالته المختلفة‬
‫لصياغة وجھة نظره‪.‬‬

‫‪227‬‬

‫‪http://nj180degree.com‬‬

‫في الفقرة المشار إليھا أعاله‪ ،‬المجتمع المدني يقاوم قبل‬
‫الوقوع الھجوم المباشر على الدولة‪ .‬ومع ذلك‪ ،‬نجد غرامشي‬
‫يصف الدولة في الغرب‪ ،‬في إحدى مالحظته المجمعة تحت‬
‫عنوان »النضال السياسي والحرب العسكرية«‪ ،‬بأنھا أشبه‬
‫بـ»خندق« تنتصب وراءه شبكة قوية من الحصون‬
‫والمتاريس‪ ،‬وھو بالتحديد عكس الوصف السابق‪ .‬وفي‬
‫موضع آخر‪ ،‬يعرف الدولة بأنھا توازن بين المجتمع السياسي‬
‫والمجتمع المدني‪.‬‬
‫وھو في موضع آخر‪ ،‬يعرف الدولة بأنھا »المجتمع السياسي‬
‫‪ +‬المجتمع المدني«‪ ،‬ثم يعود مرة أخرى فيعرفھا بأنھا توازن‬
‫بين المجتمع السياسي والمجتمع المدني‪ .‬غير أننا نجده يؤكد‬
‫في فقرة أخرى‪ ،‬على »أن المجتمع المدني والدولة ھما في‬
‫الواقع الملموس شيء واحد«‪.‬‬
‫ھذا التباين في مفھوم غرامشي للدولة يقابله تباين مماثل في‬
‫مفھومه للمجتمع المدني )أنظر المالحظات‪.(71 ،49 ،5 ،4 :‬‬
‫كتب غرامشي‪:‬‬
‫»ينبغي التمييز بين المجتمع المدني كما تصوره ھيغل وكما‬
‫نستخدمه في ھذه المالحظات )أي بمعنى الھيمنة السياسية‬
‫والثقافية لجماعة اجتماعية على المجتمع كله‪ ،‬باعتبارھا‬
‫المضمون األخالقي للدولة( من جھة‪ ،‬وبين المجتمع المدني‬
‫كما يتصوره الكاثوليك‪ ،‬فھو عندھم المجتمع السياسي للدولة‪،‬‬
‫الذي يقابله مجتمع األسرة ومجتمع الكنيسة«‪.‬‬
‫وعند استخدام مفھوم المجتمع المدني بالمعنى »الھيغلي«‪،‬‬
‫توضع الدولة‪/‬المجتمع السياسي في مقابل المجتمع المدني‬
‫باعتبارھما لحظتين في البنية الفوقية ‪as moments of the‬‬
‫‪ ،Superstructure‬بل يشمل المجتمع المدني في فلسفة الحق‬
‫لھيغل العالقات االقتصادية‪ .‬وھذا ھو المعنى الذي استخدم به‬
‫ماركس ھذا المصطلح في المسألة اليھودية مثال‪ .‬وغرامشي‬
‫أيضا‪ ،‬يستخدمه أحيانا بھذا المعنى‪ ،‬وعلى سبيل المثال في‬
‫مالحظة حول كتاب المادية التاريخية وفلسفة بنيدتو كروتشه‬
‫‪IL materialismo Storico e la filosofia di 1949‬‬
‫‪.Benedetto Croce, 1949‬‬

‫‪228‬‬

‫‪http://nj180degree.com‬‬

‫ص ‪– 266‬ص ‪ 276‬التي يقول فيھا‪:‬‬
‫»إن لكل تشكيل اجتماعي إنسانه االقتصادي ‪its homo‬‬
‫‪ ،oeconomocus‬أي نشاطه االقتصادي الخاص به‪ .‬والقول‬
‫بأن فكرة اإلنسان االقتصادي ليس لھا قيمة علمية‪ ،‬إنما يعني‬
‫القول بأن البنية االقتصادية والسلوك المالئم لھا قد تغيرا تغيرا‬
‫جذريا‪ ،‬أي أنھا تغيرت لدرجة أنه يتعين أيضا‪ ،‬أن يتغير‬
‫السلوك االقتصادي ليالءم البنية االقتصادية الجديدة‪ .‬وھنا‬
‫بالتحديد‪ ،‬يكمن الخالف‪ ،‬وھو ليس خالفا موضوعيا وعلميا‪،‬‬
‫بقدر ما ھو خالف سياسي‪.‬‬
‫فماذا يعني –على أي حال‪ -‬التسليم علميا بأن البنية االقتصادية‬
‫قد تغيرت‪ ،‬وأن السلوك االقتصادي ال بد أن يتغير ليتالءم مع‬
‫البنية الجديدة؟ إنه سيكون حافزا سياسيا‪ ،‬ال أكثر‪ .‬وبين البنية‬
‫االقتصادية والدولة بتشريعاتھا وقھرھا‪ ،‬ينتصب المجتمع‬
‫المدني‪ ،‬الذي ال بد أن يتغير في الواقع الملموس ال في‬
‫التقنيات والكتب العلمية‪ .‬والدولة ھي أداة تكييف المجتمع‬
‫المدني ليالءم البنية االقتصادية‪ .‬ولكن‪ ،‬ال بد أن تكون الدولة‬
‫»راغبة ومستعدة« أن تفعل ذلك‪ ،‬أي ال بد أن يكون ممثلو‬
‫التغيير الذي حدث في البنية االقتصادية مسيطرين على‬
‫الدولة‪.‬‬
‫أما أن نتوقع أن المجتمع المدني سوف يتكيف مع البنية‬
‫الجديدة نتيجة للدعاية واإلقناع‪ ،‬أو أن »اإلنسان االقتصادي«‬
‫القديم سوف يختفي قبل أن يدفن مع كل ما يستحقه من‬
‫التكريم‪ ،‬فليس إال نوعا من الخطابة التي تستخدم لغة‬
‫االقتصاد‪ ،‬وشكال جديدا من الوعظ األخالقي االقتصادي‬
‫‪ economic moralism‬الفارغ الذي ال طائل من ورائه‪.‬‬
‫المجتمع المدني ھنا‪ ،‬مرادف لـ»أسلوب السلوك االقتصادي«‪.‬‬
‫***‬
‫مالحظات حول بعض جوانب بنية األحزاب السياسية‬
‫في فترات األزمة العضوية‬
‫في لحظة معينة من حياتھا التاريخية تنفصل الطبقات‬
‫االجتماعية عن أحزابھا التقليدية‪ ،‬وبعبارة أخرى‪ ،‬لم تعد تلك‬
‫األحزاب‪ ،‬بشكلھا التنظيمي الخاص‪ ،‬وبرجالھا الذين يكونونھا‬
‫‪229‬‬

‫‪http://nj180degree.com‬‬

‫ويمثلونھا ويقودونھا‪ ،‬معترفا بھا من طبقتھا )أو أحد أقسام‬
‫الطبقة( التي تعبر عنھا‪ .‬عندما تقع مثل ھذه األزمات‪ ،‬يصبح‬
‫الوضع حرجا‪ ،‬ألن المجال ينفسح أمام الحلول العنيفة‪،‬‬
‫ونشاطات القوى المجھولة التي يمثلھا »رجال القدر«‬
‫الكاريزميون ‪.charismatic men of destiny‬‬
‫ھذه األوضاع الصراعية ‪ stuations of conflict‬حيث‬
‫ﱠ‬
‫◌لين والممثﱢلين«‪ ،‬ينتقل صداھا من‬
‫يثور النزاع بين »‬
‫الممث َ‬
‫ساحة األحزاب )التنظيمات الحزبية بمعناھا الدقيق‪ ،‬وميدان‬
‫االنتخابات البرلمانية‪ ،‬والتنظيم الصحفي( إلى جھاز الدولة‬
‫كله‪ ،‬معززة القوة النسبية للبيروقراطية )المدنية والعسكرية(‪،‬‬
‫ودوائر المال العليا‪ ،‬والكنيسة‪ ،‬وبصفة عامة‪ ،‬كل الھيئات‬
‫المستقلة نسبيا عن تقلبات الرأي العام‪ .‬ولكن كيف نشأت أوال‬
‫ھذه األوضاع؟ تختلف العملية من بلد إلى آخر‪ ،‬وإن كان‬
‫مضمونھا واحدا‪ .‬وھو أزمة ھيمنة الطبقة الحاكمة ‪crisis of‬‬
‫‪ ،the ruling class's hegrmony‬التي تحدث إما بسبب‬
‫فشلھا في مشروع سياسي كبير )حرب مثال(‪ ،‬أو ألن جماھير‬
‫غفيرة )وخاصة من الفالحين ومثقفي البرجوازية الصغيرة(‬
‫قد انتقلت فجأة من حالة السلبية السياسية إلى نوع من النشاط‪،‬‬
‫طارحة مطالبھا‪ ،‬وھي وإن تكون غير محكمة الصياغة‪ ،‬إال‬
‫أنھا في مجموعھا تغذي الثورة‪ .‬عندئذ نكون بصدد »أزمة‬
‫سلطة« ‪ :crisis of the authority‬إنھا بالتحديد أزمة‬
‫ھيمنة‪ ،‬أو أزمة ھيمنة‪ ،‬أو أزمة عامة للدولة‪.‬‬
‫وتخلق ھذه األزمة‪ ،‬في األجل القصير‪ ،‬أوضاعا خطيرة‪ ،‬لعدم‬
‫قدرة شرائح السكان المختلفة على تحديد توجھھا‪ ،‬وإعادة‬
‫تنظيم صفوفھا بنفس السرعة‪ .‬أما الطبقة الحاكمة التقليدية التي‬
‫تمتلك كوادر كثيرة مدربة‪ ،‬فأسرع من الطبقات المحكومة في‬
‫تغيير الرجال والبرامج‪ .‬وسرعان ما تستعيد زمام السيطرة‬
‫الذي كاد أن يفلت من قبضتھا‪ .‬وربما تقدم تنازالت‪ ،‬وتعرض‬
‫نفسھا لمستقبل غير مضمون‪ ،‬بتقديم الوعود المضللة‪ ،‬ولكنھا‬
‫تحتفظ بالسلطة‪ ،‬وتعزز أركانھا إلى حين‪ ،‬وتستخدمھا في‬
‫سحق عدوھا‪ ،‬وتشتيت كوادره الرئيسية‪ ،‬التي ال يمكن أن‬
‫تكون أن تكون كبيرة العدد أو عالية التدريب‪.‬‬
‫إن انتقال أعضاء أحزاب كثيرة متباينة بأعداد كبيرة إلى‬
‫حزب واحد‪ ،‬والتفافھم حول رايته‪ ،‬حزب يمثل ويبلور على‬
‫نحو أفضل احتياجات الطبقة بأسرھا‪ ،‬ھو ظاھرة أساسية‬
‫‪230‬‬

‫‪http://nj180degree.com‬‬

‫وطبيعية‪ ،‬حتى وإن كان إيقاعھا بالغ السرعة‪ ،‬خاطفا كالبرق‪،‬‬
‫إذا ما قورن بفترات الھدوء‪ .‬إنھا تمثل اندماج طبقة بأسرھا‬
‫تحت قيادة واحدة قادرة على حل مشكلة من مشاكل وجودھا‪،‬‬
‫وإنقاذھا من خطر ماحق‪.‬‬
‫فإذا لم تجد األزمة ھذا الحل العضوي‪ ،‬وكان الزعيم‬
‫الكاريزمي ھو الحل‪ ،‬فھذا يعني وجود توازن استاتيكي )قد‬
‫تتباين عوامله‪ ،‬ولكن العامل الحاسم من بينھا ھو عدم نضج‬
‫القوى التقدمية‪ ،‬إنه يعني أنه ليست ھناك جماعة سواء كانت‬
‫محافظة أو تقدمية قادرة على تحقيق النصر‪ ،‬وحتى الجماعة‬
‫المحافظة في حاجة إلى سيد‪ :1934-1932} .‬الصيغة األولى‬
‫‪ {1932-1930‬انظر‪ 18» :‬برومير لويس بونابرت«(‪.‬‬
‫ويتصل ھذا النوع من الظواھر بواحدة من أھم قضايا الحزب‬
‫السياسي‪ ،‬ھي قدرة الحزب على مقاومة قوة العادة‪ ،‬والميل‬
‫إلى أن يتحول إلى مومياء وأن يصبح شيئا باليا‪.‬‬
‫فاألحزاب تنشأ وتتشكل كتنظيمات لكي تؤثر في الوضع القائم‬
‫في لحظات تاريخية حاسمة بالنسبة لطبقتھا‪ .‬ولكنھا ليست‬
‫قادرة دائما على التكيف مع المھام الجديدة‪ ،‬والعھود الجديدة‬
‫أو مسايرة تطور مجمل عالقات القوى )وبالتالي المركز‬
‫النسبي لطبقتھا( في البلد موضوع البحث‪ ،‬وفي الميدان‬
‫الدولي‪.‬‬
‫وفي تحليل تطور األحزاب ال بد من التمييز بين‪ :‬جماعتھا‬
‫االجتماعية‪ ،‬وجماھير أعضائھا‪ ،‬وبيروقراطيتھا‪ ،‬وھيئة‬
‫أركانھا‪ .‬وتصبح بيروقراطيتھا أكثر القوى محافظة وغباء إذا‬
‫ما تحولت إلى كيان يعتمد على نفسه ويشعر باستقالله عن‬
‫األغلبية الساحقة‪ ،‬فإن الحزب يصبح شيئا باليا‪ .‬وفي لحظات‬
‫األزمات الحادة‪ ،‬يفرغ من مضمونه االجتماعي ويتخلف‪،‬‬
‫ويترك معلقا في الھواء‪ .‬ونحن نعرف ماذا حدث لعدد من‬
‫األحزاب األلمانية نتيجة لتوسع الھتلرية‪ .‬واألحزاب الفرنسية‬
‫حقل خصب لمثل ھذا البحث‪ :‬لقد تحولت جميعھا إلى‬
‫مومياوات‪ ،‬عفا عليھا الزمن‪ .‬إن أزمتھا قد تصبح أشد‬
‫مأساوية حتى من أزمة األحزاب األلمانية‪ ،‬فھي ال تزال تردد‬
‫المصطلحات البالية التي تحفل بھا الوثائق السياسية التاريخية‬
‫لمختلف مراحل التاريخ الفرنسي‪ 1934-1932} .‬الصيغة‬
‫األولى ‪.{1931-1930‬‬
‫‪231‬‬

‫‪http://nj180degree.com‬‬

‫وعند تحليل مثل ھذه الظاھرة‪ ،‬كثيرا ما يھمل البعض عنصر‬
‫البيروقراطية المدنية والعسكرية‪ ،‬فال يعطونه ما يستحقه من‬
‫االھتمام‪ .‬فضال عن أنھم ينسون أن مثل ھذا التحليل ينبغي أال‬
‫يقتصر على العناصر العسكرية والمدنية الحالية‪ ،‬بل ينبغي أن‬
‫يتضمن أيضا تلك الشريحة االجتماعية من البنية الوطنية التي‬
‫تجند ھذه العناصر من صفوفھا‪ .‬فيمكن أن يكون لحركة‬
‫سياسية طبيعة عسكرية حتى وإن لم يشارك فيھا الجيش بما‬
‫ھو كذلك صراحة‪.‬‬
‫وقد يكون من األفضل في أوضاع معينة أال يظھر الجيش‪،‬‬
‫وأال يتجاوز حدود الدستور‪ ،‬وأال تدخل السياسة إلى صفوفه‬
‫كما يقول المثل‪ ،‬حتى يمكن المحافظة على االنسجام بين‬
‫ضباطه وجنوده ومراتبه األخرى‪ ،‬استنادا إلى حياده الظاھري‬
‫وإلى أنه يعلو على األحزاب‪ .‬غير أن الجيش أي ھيمنة‬
‫األركان العامة والضباط‪ ،‬ھو الذي يقرر الوضع الجديد‪،‬‬
‫ويسيطر عليه‪ ،‬فليس صحيحا‪ ،‬أن الدستور يمنع الجيش من‬
‫االشتغال بالسياسة‪ .‬فواجب الجيش ھو بالتحديد الدفاع عن‬
‫الدستور‪ .‬وبعبارة أخرى‪ ،‬الدفاع عن الشكل القانوني للدولة‬
‫ومؤسساتھا‪ .‬فما يسمى حيادا ال يعني إذن سوى تأييد الجانب‬
‫الرجعي‪ .‬ومع ذلك‪ ،‬ينبغي في مثل ھذه األوضاع أن تطرح‬
‫المسألة طرحا يحول دون انتقال القالقل واالضطرابات التي‬
‫تشھدھا البالد إلى داخل الجيش‪ ،‬فتتبخر السلطة الحاسمة لھيئة‬
‫األركان بانھيار أداتھا العسكرية‪.‬‬
‫من الواضح‪ ،‬أنه ليس ألي من ھذه المالحظات قيمة مطلقة‪،‬‬
‫فمغزاھا يختلف من لحظة إلى أخرى‪ ،‬ومن بلد إلى آخر‬
‫اختالفا بينا‪.‬‬
‫والمشكلة األولى التي تحتاج إلى دراسة ھي‪ :‬ھل توجد في‬
‫البلد المعين‪ ،‬شريحة اجتماعية واسعة‪ ،‬تمثل الوظيفة‬
‫البيروقراطية‪ ،‬سواء كانت مدنية أم عسكرية‪ ،‬بالنسبة لھا‬
‫عنصرا بالغ األھمية في حياتھا االقتصادية‪ ،‬ولتأكيد ذاتھا‬
‫سياسيا )المشاركة الفعلية في السلطة‪ ،‬ولو بطريقة مباشرة‪،‬‬
‫عن طريق »االبتزاز«(؟‬
‫وفي أوروبا الحديثة‪ ،‬تتمثل ھذه الشريحة في البرجوازية‬
‫الريفية المتوسطة والصغيرة الكبيرة العدد نسبيا‪ ،‬والتي‬
‫‪232‬‬

‫‪http://nj180degree.com‬‬

‫تتفاوت عددا من بلد إلى آخر‪ ،‬تبعا لدرجة تطورھا الصناعي‬
‫من جھة واإلصالح الزراعي من جھة أخرى‪ .‬وليست المھنة‬
‫البيروقراطية )المدنية والعسكرية( حكرا على ھذه الشريحة‬
‫االجتماعية‪ ،‬وإن كانت ھذه المھنة بالذات أكثر مالءمة‬
‫للوظيفة االجتماعية التي تؤديھا ھذه الشريحة‪ ،‬وتتفق مع‬
‫الميول النفسية التي تولدھا أو تشجعھا‪ .‬ويضفي ھذان‬
‫العنصران على أھداف ھذه الشريحة ككل نوعا من التجانس‬
‫والقوة‪ ،‬ومن ثم قيمة سياسة ودورا غالبا ما يكون حاسما في‬
‫النظام االجتماعي‪.‬‬
‫لقد اعتاد أعضاء ھذه الشريحة أن يوجھوا األوامر إلى نواة‬
‫من البشر وإن تكن صغيرة العدد‪ ،‬وأن يقودوا »سياسيا«‬
‫وليس »اقتصاديا«‪ .‬أي أن فن القيادة عندھم ال يتطلب أية‬
‫مقدرة على تنظيم »األشياء«‪ ،‬أو تنظيم »األشياء والبشر« في‬
‫كل عضوي‪ ،‬كما ھو الحال في اإلنتاج الصناعي‪ ،‬طالما أنه‬
‫ليس لھا وظائف اقتصادية بالمعنى الحديث‪ .‬إن لديھا دخال‬
‫ألنھا تملك قانونا جزءا من أرض الوطن‪ ،‬ويتمثل دورھا في‬
‫المعارضة »السياسية« لمحاوالت الفالح المستأجر ‪peasant‬‬
‫‪ farmer‬تحسين حياته‪ ،‬ألن تحسّن الوضع النسبي للفالح‬
‫يكون كارثة تحيق بمكانتھا االجتماعية‪ ،‬ففقر الفالح المزمن‬
‫وعمله المديد‪ ،‬بما يجلبانه من انحطاط وھوان‪ ،‬ھو بالنسبة لھا‬
‫ضرورة أساسية‪.‬‬
‫وھذا يفسر النشاط الضخم الذي تبديه ھذه الشريحة لمقاومة‬
‫أدنى محاولة للتنظيم المستقل للعمال الزراعيين‪ ،‬أو ألية‬
‫حركة ثقافية فالحية تتجاوز حدود الدين الرسمي‪.‬‬
‫وتجد ھذه الشريحة االجتماعية حدودھا وأسباب ضعفھا‬
‫األساسي في تشتتھا إقليميا وفي »عدم تجانسھا« الذي يرتبط‬
‫ارتباطا وثيقا بھذا التشتت‪ .‬وھذا يفسر أيضا بعض خصائصھا‬
‫األخرى‪ :‬الفھلوة‪ ،‬وكثرة المذاھب اإليديولوجية التي تتبعھا‪،‬‬
‫وحتى اإليديولوجيات الغريبة التي تعتنقھا أحيانا‪ .‬وتتجه‬
‫إرادتھا إلى تحقيق غاية محددة‪ ،‬ولكنھا متخلفة‪ ،‬وتحتاج عادة‬
‫إلى عملية طويلة‪ ،‬لكي تتبلور سياسيا وتنظيميا‪ .‬وتتسارع ھذه‬
‫العملية عندما تطابق »اإلرادة« المتميزة لھذه الشريحة مع‬
‫إرادة الطبقة الحاكمة ومصالحھا المباشرة‪ .‬عندئذ تظھر فجأة‬
‫»قوتھا العسكرية«‪ ،‬فھي إذا ما نظمت أمكنھا أن تملي إرادتھا‬

‫‪233‬‬

‫‪http://nj180degree.com‬‬

‫على الطبقة الحاكمة‪ ،‬على األقل فيما يتعلق »بشكل« الحل‪،‬‬
‫إن لم يكن مضمونه أيضا‪.‬‬
‫والقوانين التي نراھا تعمل ھنا‪ ،‬ھي ذات القوانين –التي‬
‫الحظنا‪ -‬أنھا تعمل في مجال العالقات بين المدينة والريف في‬
‫حالة الطبقات التابعة‪ .‬السلطة في المدن تصبح تلقائيا سلطة في‬
‫الريف‪ .‬غير أن غياب الھوامش االقتصادية ‪economic‬‬
‫‪ margins‬في الريف‪ ،‬والقمع الذي يكون عادة أشد وطأة‪،‬‬
‫والذي يمارس من القمة إلى القاعدة‪ ،‬قد جعل المنازعات تتخذ‬
‫فورا طابعا حادا و»شخصيا«‪ ،‬ولھذا كان ال بد أن تكون‬
‫الھجمات المضادة أسرع وأكثر تعميما‪.‬‬
‫وترى الشريحة موضوع البحث في المدن‪ ،‬في السلطة‬
‫الحضرية ‪ ،urban power‬مصدر المتاعب التي تعاني منھا‪.‬‬
‫إنھا تدرك إذن أن »عليھا« أن تملي الحل على الطبقات‬
‫الحاكمة الحضرية حتى يمكن إطفاء بؤرة النيران الرئيسية‪،‬‬
‫حتى وإن كان ذلك الحل ال يروق في حينه للطبقات الحاكمة‬
‫ذاتھا‪ ،‬إما ألنه باھظ الثمن أو لخطورته في األجل الطويل‬
‫)تدرك ھذه الطبقات أنه يمكنھا في دورات التطور األجل‬
‫‪ Longer cycles of development‬أن تناور بدال من‬
‫مجرد الجري وراء مصالحھا »المادية«(‪.‬‬
‫ھكذا ينبغي أن يكون فھمنا لوظيفة ھذه الشريحة باعتبارھا‬
‫وظيفة قيادية ‪ directive function‬بھذا المعنى‪ ،‬وليس‬
‫بالمعنى المطلق‪ .‬ومع ذلك‪ ،‬ليست المسألة بھذه البساطة‪(*1).‬‬
‫وعلينا أن نالحظ كيف أصبح ھذا الطابع العسكري للجماعة‬
‫موضوع البحث‪ ،‬وھو في العادة رد فعل تلقائي لظروف‬
‫خاصة تتعلق بحياتھا‪ ،‬أصبح يلقي التشجيع بوعي‪ ،‬تحسبا‬
‫للمستقبل‪ .‬ويدخل في ھذه العملية الواعية الجھود المنظمة‬
‫لخلق ودعم روابط ضباط االحتياط والمحاربين القدامى‬
‫وخاصة الضباط‪ .‬ويتم ربط كال منھا بھيئة أركانه بحيث يمكن‬
‫تعبئتھا‪ ،‬إذا اقتضى األمر‪ ،‬بغير حاجة إلى تعبئة الجيش الذي‬
‫يتعمد على التجنيد اإلجباري‪ .‬وبھذا يمكن للجيش أن يحافظ‬
‫على طابعه كقوة احتياطية‪ ،‬تعززه ھذه »القوات الخاصة‬
‫‪ ،«private forces‬تنبھه إلى المخاطر‪ ،‬وتحصنه ضد‬
‫الغرغرينة السياسية ‪ ،political gangrine‬وھي ال بد وأن‬
‫تؤثر في معنوياته فترفعھا وتقويھا‪ .‬ويمكن القول أن ھذا‬
‫سيؤدي إلى قيام حركة على »نمط« القوقاز ‪Cossack‬‬
‫‪234‬‬

‫‪http://nj180degree.com‬‬

‫‪ .type‬غير أن تشكيالتھا ال تمتد كتشكيالت قوقاز القيصر‬
‫على طول الحدود القومية‪ ،‬بل تمتد على طول »حدود«‬
‫الطبقة االجتماعية‪.‬‬
‫ليس المقصود إذن بالنفوذ العسكري في الحياة الوطنية‬
‫لمجموعة بأكملھا من البلدان‪ ،‬نفوذ العسكريين بالمعنى الفني‪،‬‬
‫ووزنھم فيھا فحسب‪ ،‬بل أيضا نفوذ ووزن الشريحة‬
‫االجتماعية التي ينتمي إليھا معظمھم بأصوله االجتماعية‬
‫)وخاصة صغار الضباط(‪.‬‬
‫ھذه المجموعة من المالحظات‪ ،‬ال غنى عنھا في أي تحليل‬
‫عميق حقا لذلك الشكل السياسي‪ ،‬الذي يطلق عليه عادة‬
‫اصطالح القيصرية‪ ،‬أو البونابرتية‪ ،‬تمييزا له عن األشكال‬
‫السياسية األخرى‪ ،‬حيث يكون العنصر العسكري‪ ،‬بالمعنى‬
‫الفني‪ ،‬ھو العنصر الغالب في المواجھات‪ ،‬واألكثر وضوحا‬
‫وتفردا‪.‬‬
‫وتقدم لنا أسبانيا واليونان ممثلين نموذجين متشابھين ومتباينين‬
‫في خصائصھما‪.‬‬
‫في أسبانيا‪ ،‬ال بد أن نأخذ في االعتبار بعض الخصوصيات‪:‬‬
‫حجم اإلقليم الوطني‪ ،‬والكثافة المنخفضة للفالحين كجزء من‬
‫السكان‪ .‬وال يوجد بين المالك الكبير االرستقراطي والفالح‪،‬‬
‫برجوازية ريفية كبيرة العدد‪ .‬ومن ھنا كانت ضآلة أھمية‬
‫صغار الضباط كقوة في ذاتھا )ومن ناحية أخرى‪ ،‬يتمتع‬
‫ضباط األسلحة الفنية‪ :‬سالح المدفعية وسالح المھندسين وھم‬
‫من أصل برجوازي خضري ببعض األھمية كقوة معارضة‬
‫للجنراالت‪ ،‬ويحاولون أن تكون لھم سياستھم الخاصة(‪ .‬ولھذا‬
‫كانت الحكومات العسكرية في أسبانيا‪ ،‬حكومات الجنراالت‬
‫»الكبار«‪ ،‬ومن ھنا كانت سلبية جماھير الفالحين كمواطنين‬
‫وكجنود‪ .‬وإذا ما انھار الجيش سياسيا‪ ،‬فإن االنھيار يحدث‬
‫رأسيا ال أفقيا‪ ،‬نتيجة للتنافس بين الزمر في القمة‪ ،‬وينقسم‬
‫الجنود تبعا لقياداتھم المختلفة المتنافسة‪ .‬والحكومة العسكرية‬
‫دستوريتين‪.‬‬
‫حكومتين‬
‫بين‬
‫اعتراضية‬
‫بجملة‬
‫أشبه‬
‫والعسكريون ھم االحتياطي الدائم للنظام وللقوى المحافظة‪،‬‬
‫فھم يشكلون القوة السياسية التي تتحرك »علنا« عندما تصبح‬
‫»الشرعية« في خطر‪.‬‬

‫‪235‬‬

‫‪http://nj180degree.com‬‬

‫وفي اليونان‪ ،‬تتخذ األحداث مسارا مشابھا‪ ،‬مع فارق ھو أن‬
‫إقليمھا مجزء ومبعثر إلى مجموعة بأكملھا من الجزر‪ ،‬وأن‬
‫قسما من أنشط العاملين من سكانھا موجود دائما في البحار‪،‬‬
‫مما يسھل المكائد والمؤامرات العسكرية‪ .‬والفالحون في‬
‫أسبانيا كاليونان سلبيين ولكن إذا نظرنا إلى السكان ككل‪ ،‬فإننا‬
‫نجد أن أكثر العناصر فاعلية ونشاطا ھم المالحون‪ ،‬الذين‬
‫يكادوا أن يكونوا دائما في البحر‪ ،‬بعيدا عن مركز الحياة‬
‫السياسية‪ .‬لذا ينبغي أن يختلف تحليل ظاھرة السلبية العامة في‬
‫الحالتين‪ ،‬وال يمكن أن يكون حل المشكلة واحدا في البلدين‪.‬‬
‫عندما أعدم أعضاء الحكومة اليونانية المعزولة رميا‬
‫بالرصاص منذ بضع سنوات )‪ ،(2‬فسّر ھذا بأنه تعبير عن‬
‫انفجار ثورة غضب تلك العناصر الفعالة النشطة التي أشرنا‬
‫إليھا‪ ،‬ليكون درسا دمويا‪.‬‬
‫وأھم مالحظة يمكن إبداؤھا في ھذا الخصوص‪ ،‬ھي أن‬
‫اليونان وأسبانيا لم تعرفا حكومة عسكرية أبدعت إيديولوجية‬
‫سياسية واجتماعية دائمة ومتسقة شكليا كتلك التي عرفتھا‬
‫البلدان المرشحة ألن تصبح بونابرتية‪.‬‬
‫الظروف التاريخية العامة في النمطين واحدة‪ :‬توازن بين‬
‫الطبقات الحضرية المتصارعة يعوق اآللية »الطبيعية«‬
‫للديموقراطية‪ ،‬أي »النظام البرلماني«‪ .‬غير أن تأثير الريف‬
‫في ھذا التوازن يختلف في الحالتين‪ .‬ففي بلد كاسبانيا‪ ،‬تمكن‬
‫السلبية المطلقة للريف‪ ،‬جنراالت االرستقراطية المالكة‬
‫لألرض من استخدام الجيش سياسيا‪ ،‬الستعادة التوازن المھدد‪،‬‬
‫أي استعادة سيادة الطبقات الحاكمة‪.‬‬
‫وفي بلدان أخرى‪ ،‬الريف غير سلبي‪ ،‬ولكن ال يوجد تنسيق‬
‫سياسي بين حركة الفالحين وحركة الحضر‪ :‬وھنا يتعين على‬
‫الجيش أن يبقى على الحياد )إلى حد معين بالطبع(‪ ،‬وإال فإنه‬
‫قد ينقسم أفقيا‪ ،‬وبدال من ذلك‪ ،‬تتدخل الطبقة البيروقراطية‬
‫العسكرية لتخنق الحركة )األخطر حاليا( في الريف بالوسائل‬
‫العسكرية‪.‬‬
‫إنھا تجد في ھذا الصراع‪ ،‬نوعا من التوحيد السياسي‬
‫واإليديولوجي‪ ،‬وتجد حلفاء في الطبقات الوسطى الحضرية‬
‫)وسطى بالمعنى االيطالي للكلمة( )‪ ،(3‬وتلقى الدعم من‬
‫‪236‬‬

‫‪http://nj180degree.com‬‬

‫الطلبة ذوي األصل الريفي‪ ،‬الذين يعيشون اآلن في المدن‪،‬‬
‫وتفرض أساليبھا السياسية على الطبقات العليا‪ ،‬التي تضطر‬
‫إلى تقديم التنازالت الكثيرة لھا‪ ،‬والسماح ببعض التشريعات‬
‫التي تستجيب لمصالحھا‪.‬‬
‫وھي باختصار‪ ،‬باستمرار بقائھا مسلحة وسط نزع عام‬
‫للسالح‪ ،‬وتلويحھا بخطر نشوب الحرب األھلية بين قواتھا‪،‬‬
‫والجيش النظامي الذي يعتمد على التجنيد اإلجباري‪ ،‬إذا ما‬
‫أبدت الطبقة الحاكمة رغبة شديدة في المقاومة‪ ،‬تنجح إلى حد‬
‫ما في اختراق الدولة لتحقيق مصالحھا‪ ،‬وتحل محل قسم من‬
‫كوادرھا الرئيسية‪.‬‬
‫ال ينبغي النظر إلى ھذه المالحظات كتخطيط جامد‪ ،‬بل‬
‫كقاعدة للتفسير التاريخي السياسي‪ .‬ففي التحليالت العينية‬
‫‪historical‬‬
‫لألحداث الحقيقية‪ ،‬تتفرد األشكال التاريخية‬
‫‪ forms‬ويمكن أن نقول أنھا »نسيج وحدة« ‪ .unique‬فقيصر‬
‫يجسد توليفة من الظروف التاريخية الحقيقية التي تختلف‬
‫اختالفا بينا عن تلك التي يجسدھا نابليون األول‪ ،‬كذلك يختلف‬
‫ما يمثله بريمو دي ريفيرا ‪ Primo de Revera‬عما يمثله‬
‫جيفكوفيتش ‪ ...Zivkovic‬الخ )‪ :1934-1933} .(4‬الصيغة‬
‫األولى ‪.{1932-1930‬‬
‫قد يكون من المفيد في تحليل المستوى الثالث‪ ،‬أو اللحظة‬
‫الثالثة في نسق عالقات القوة القائم في وضع معين‪ ،‬االستعانة‬
‫بمفھوم يطلق عليه في العلم العسكري »الوضع االستراتيجي«‬
‫‪ ،Stratigic conjuncture‬أو بتعبير أدق مستوى اإلعداد‬
‫االستراتيجي لمسرح الصراع‪ .‬وأحد العناصر الرئيسية في‬
‫»الوضع االستراتيجي« مستوى نوعية الكوادر القيادية‪ ،‬وما‬
‫يسمى بقوات »الخط األمامي« )والھجوم(‪ .‬ويمكن أن يسمح‬
‫مستوى إعداد الوضع االستراتيجي بانتصار قوات »تبدو«‬
‫)أي كميا( دون مستوى قوات العدو‪ .‬ويمكن القول أن اإلعداد‬
‫االستراتيجي يھدف إلى إلغاء تأثير ما يسمى »العوامل التي‬
‫يصعب تقدريھا بدقة« أي ردود الفعل الفورية العضوية‪ ،‬لتلك‬
‫القوى التي تكون عادة خاملة وسلبية في لحظة معينة‪.‬‬
‫ومن العوامل التي يقتضيھا إعداد وضع استراتجي موات‪،‬‬
‫والتي ينبغي أن يتضمنھا ھذا اإلعداد‪ ،‬العوامل التي درسناھا‬

‫‪237‬‬

‫‪http://nj180degree.com‬‬

‫في مالحظاتنا السابقة حول وجود شريحة اجتماعية عسكرية‪،‬‬
‫وتنظيمھا‪ ،‬على جانب الجيش الوطني بمعناه الفني )‪.(*5‬‬
‫ويمكننا أن نستخلص بعض النقاط الرئيسية األخرى من الفقرة‬
‫التالية‪ ،‬التي اقتبسناھا من خطاب الجنرال جزيرا ‪General‬‬
‫‪ Gazzera‬وزير الحربية الذي ألقاه في مجلس الشيوخ في ‪19‬‬
‫مايو‪/‬أيار ‪) 1932‬انظر‪ :‬كوريير ديلالسيرا‪ 20 ،‬مايو‪/‬أيار(‬
‫التي يقول فيھا‪:‬‬
‫»إن نظام االنضباط السائد في جيشنا بفضل الفاشية‪ ،‬يرسي‬
‫اليوم قاعدة للسلوك تصلح لألمة بأسرھا‪ .‬لقد كان للجيوش‬
‫األخرى‪ ،‬انضباط شكلي وصارم‪ ،‬وما زالت تحافظ عليه‪ .‬إننا‬
‫نضع نصب أعيننا دائما المبدأ القائل بأن الجيش أنشئ‬
‫للحرب‪ ،‬وأن عليه أن يستعد لھا‪ .‬وأن االنضباط وقت السلم‬
‫ينبغي أن يكون كاالنضباط وقت الحرب‪ .‬وينبغي أن تتوفر‬
‫لھذا األخير أسسه الروحية في أوقات السلم‪ .‬إن انضباطنا‬
‫يستند إلى روح التماسك بين القادة والمقودين‪ ،‬التي تنبع تلقائيا‬
‫من النظام المتبع‪ .‬لقد صمد ھذا النظام صمودا رائعا في حرب‬
‫ضروس وطويلة حتى النصر النھائي‪ .‬وإلى الفاشية يرجع‬
‫الفصل في امتداد تقاليد ھذا االنضباط المتميز إلى الشعب‬
‫االيطالي كله‪ .‬وتتوقف النتائج المترتبة على المفاھيم‬
‫اإلستراتيجية والعمليات التكتيكية على االنضباط الفردي‪ .‬لقد‬
‫علمتنا الحرب أشياء كثيرة‪ ،‬منھا‪ ،‬أن ھناك ھوة عميقة تفصل‬
‫ما بين االستعداد وقت السلم‪ ،‬وواقع الحرب‪ .‬ومھما تكن‬
‫استعداداتنا‪ ،‬فمن المؤكد أن العمليات األولى للحملة العسكرية‬
‫سوف تضع المتحاربين أمام مشاكل جديدة‪ ،‬تحمل المفاجآت‬
‫للطرفين المتقاتلين‪ .‬غير أن ھذا ال يعني عدم جدوى أية‬
‫»تصورات مسبقة«‪ .‬فيمكننا في الحقيقة أن نستخلص منھا‬
‫نظرية للحرب‪ .‬وينبغي أن يكون فھمنا لھذه النظرية من خالل‬
‫االنضباط الفكري ‪ intellectual discipline‬باعتباره‬
‫وسيلة لتشجيع طرائق مختلفة للتفكير‪ ،‬ولكنھا ليست متنافرة‪،‬‬
‫ولغة واحدة يفھمھا الجميع‪ ،‬ويفھمھا اآلخرون‪.‬‬
‫وإذا كانت وحدة النظرية قد تعرضت أحيانا لحظر التحلل‬
‫والتحول إلى رؤية تخطيطية ‪ ،Schematism‬فقد كان رد‬
‫الفعل الفوري فرض تجديد سريع للتكتيكات‪ ،‬وھز ما يمليه‬
‫أيضا التقدم التكنيكي‪ .‬ينبغي أن ننظر إلى التقليد ‪tradition‬‬
‫باعتباره قوة معنوية فحسب‪ .‬أما القواعد فھي موضع مراجعة‬
‫‪238‬‬

‫‪http://nj180degree.com‬‬

‫دائمة‪ ،‬ال لمجرد التغيير‪ ،‬وإنما لكي تالئم الواقع«‪) .‬ونجد‬
‫نموذجا لـ »إعداد الوضع اإلستراتيجية« في »مذكرات«‬
‫شرشل التي يتحدث فيھا عن معركة جوتالند ‪.(jutland‬‬
‫}‪ :1934-1933‬الصيغة األولى ‪{1932‬‬
‫القيصرية )‪(6‬‬
‫‪Cesarism‬‬
‫قيصر ونابليون األول ونابليون الثالث وكرومويل‪ ...‬وغيرھم‪،‬‬
‫يمثلون سجال لألحداث التاريخية التي كان ذروتھا شخصية‬
‫»بطولية« عظيمة‪.‬‬
‫ويمكن القول‪ ،‬أن القيصرية ھي تعبير عن وضع التوازن‬
‫‪catastrophic‬‬
‫المأساوي بين القوتين المتصارعتين‬
‫‪ .balance‬بمعنى أنھما تتوازنان بحيث ال بد أن يؤدي‬
‫استمرار الصراع بينھما إلى تدمير كل منھما لألخرى‪ .‬فعندما‬
‫تتصارع القوة التقدمية أ‪ ،‬والقوة الرجعية ب‪ ،‬قد تھزم أ ب أو‬
‫تھزم ب أ‪ .‬ولكن قد يحدث أيضا‪ ،‬أال تھزم إحداھما األخرى‬
‫وتدمرھا تماما‪ ،‬وعندئذ تتدخل القوة ج من الخارج‪ ،‬وتخضع‬
‫ما تبقى منھما‪ .‬وھذا ھو بالتحديد ما حدث في ايطاليا بعد وفاة‬
‫لورنزو إلمانيفيكو ‪.(7) Loenzo il Magnifico‬‬
‫والقيصرية وإن كانت دائما تعبيرا عن حل خاص‪ ،‬يعھد فيه‬
‫إلى شخصية عظيمة بمھمة »التحكيم« ‪ arbitration‬في‬
‫وضع تاريخي‪-‬سياسي‪ ،‬يتميز بتوازن بين قوى متصارعة‬
‫تسير نحو الكارثة‪ ،‬إال أن داللتھا التاريخية ليست واحدة دائما‪.‬‬
‫ويمكن أن يكون للقصيرية أشكاال تقدمية‪ ،‬كما يمكن أن يكون‬
‫لھا أشكاال رجعية‪ .‬والتاريخ العيني وحده‪ ،‬وليس أية قاعدة‬
‫سوسيولوجية أولية‪ ،‬ھو الذي يحدد في النھاية المغزى الحقيقي‬
‫لكل منھما‪ .‬والقيصرية تكون تقدمية عندما يساعد تدخلھا القوة‬
‫التقدمية على تحقيق النصر‪ ،‬وأن يكون نصرا تقلل منه القيود‬
‫والحلول الوسط‪ .‬وتكون رجعية عندما يعين تدخلھا القوة‬
‫الرجعية على االنتصار المقترن أيضا ببعض القيود‬
‫والتنازالت‪ ،‬وإن اختلفت قيمتھا ومداھا ومغزاھا‪ .‬وكان قيصر‬
‫ونابليون األول نموذجين للقيصرية التقدمية‪ ،‬وكان نابليون‬
‫الثالث وبسمارك نموذجين للقيصرية الرجعية‪.‬‬
‫‪239‬‬

‫‪http://nj180degree.com‬‬

‫والمشكلة ھي معرفة أيھما له الغلبة في دياليكتيك‬
‫‪dilectic‬‬
‫السابق«‬
‫الوضع‬
‫»الثورة‪/‬إعادة‬
‫‪ ،revolution/resoration‬الثورة أم إعادة الوضع السابق؟‬
‫ألن التاريخ ال يعرف الردة الكاملة وعودة الوضع إلى ما كان‬
‫عليه تماما ‪ ،resoration in toto‬فضال عن أن القيصرية‬
‫‪a polimical-ideological‬‬
‫صيغة سجالية‪-‬إيديولوجية‬
‫‪ ،formaula‬وليست مبدأ لتفسير التاريخ‪ .‬وقد يوجد الحل‬
‫القيصري حتى وإن لم يوجد قيصر أي الشخصية العظيمة‬
‫»البطولية« النموذجية التي تجسدھا‪.‬‬
‫وقد ھيأ النظام البرلماني أيضا‪ ،‬آلية لمثل ھذه الحلول الوسط‪.‬‬
‫وتمثل حكومات ماكدونالد ‪» Mac Donald‬العمالية« ‪-‬إلى‬
‫حد ما‪ -‬حلوال من ھذا النوع‪ ،‬وتشتد نزعتھا القيصرية عندما‬
‫تكون مشكلة برئاسته‪ ،‬ويكون حزب المحافظين حزب‬
‫األغلبية )‪ .(8‬كذلك الحال في ايطاليا التي شھدت –ابتداء من‬
‫أكتوبر‪/‬تشرين األول ‪ 1922‬حتى ارتداد الحزب الشعبي‬
‫‪ ،Popolari‬ثم بعد ذلك‪ ،‬وعلى مراحل حتى ‪ 3‬يناير‪/‬كانون‬
‫الثاني ‪ ،1925‬وبعد ذلك في ‪ 8‬نوفمبر‪/‬تشرين الثاني ‪1926‬‬
‫)‪– (9‬حركة سياسية‪-‬تاريخية تعاقب فيھا أشكال القيصرية‬
‫بتدرجاتھا المختلفة‪ ،‬التي بلغت ذروتھا في أكثر أشكالھا نقاء‬
‫ودواما‪ .‬وحتى ھذا الشكل‪ ،‬لم يكن ثابتا أو جامدا‪ .‬وأي حكومة‬
‫ائتالفية ھي المرحلة األولى من مراحل القيصرية‪ ،‬قد تتطور‬
‫إلى مراحل أكثر أھمية )وبالطبع‪ ،‬الرأي الشائع ھو أن‬
‫الحكومات االئتالفية ھي بالعكس‪» ،‬الحصن الحصين« ضد‬
‫القيصرية(‪.‬‬
‫وتختلف آلية الظاھرة القيصرية في العالم الحديث بتحالفاته‬
‫النقابية‪-‬االقتصادية والحزبية‪ -‬السياسية الكبرى اختالفا بينا‬
‫عما كان عليه الحال حتى عھد نابليون الثالث‪ ،‬حيث كانت‬
‫القوات العسكرية النظامية أو الجنود العنصر الحاسم في‬
‫مجيء القيصرية عن طريق »االنقالب« أي عن طريق العمل‬
‫العسكري‪ ...‬الخ‪ .‬أما في العالم الحديث‪ ،‬فوجود النقابات‬
‫والقوى السياسية بما لديھا من إمكانيات مالية غير محدودة‪ ،‬قد‬
‫توضع تحت تصرف مجموعات صغيرة من المواطنين‪ ،‬قد‬
‫يعقد المشكلة‪ .‬فيمكن إفساد العاملين في األحزاب والنقابات‬
‫االقتصادية ‪ economic unions‬أو إرھابھم‪ ،‬بغير حاجة‬
‫إلى عمل عسكري‪ ،‬على طريقة قيصر أو ‪ 18‬برومير‪.‬‬
‫‪240‬‬

‫‪http://nj180degree.com‬‬

‫ومرة أخرى‪ ،‬يحدث ذات الوضع في ذات المجال‪ ،‬الذي سبق‬
‫‪the‬‬
‫أن بحثناه بصدد الصيغة اليعقوبية‪/‬صيغة ‪48‬‬
‫‪ Jacobin/Forty-eightist formula‬لما يسمى بـ»الثورة‬
‫الدائمة«‪.‬‬
‫لقد تغير التكنيك السياسي تغيرا كامال بعد ‪ ،1848‬بعد انتشار‬
‫النظام البرلماني وأنظمة الجمعيات ‪associative Systems‬‬
‫وتكون ونمو بيروقراطيات الدولة‪،‬‬
‫من اتحادات وأحزاب‪،‬‬
‫ﱡ‬
‫والبيروقراطيات »الخاصة« الواسعة )أي البيروقراطيات‬
‫السياسية‪-‬الخاصة‪ ،-‬أي بيروقراطيات األحزاب والنقابات(‪،‬‬
‫وبعد التغيرات التي طرأت على تنظيم قوى النظام بمعناه‬
‫الواسع‪ ،‬وليس فقط مرفق األمن العام المصمم لقمع الجريمة‪،‬‬
‫بل كل القوى التي تنظمھا الدولة‪ ،‬واألفراد الخاصين‪ ،‬لضمان‬
‫السيطرة السياسية واالقتصادية للطبقة الحاكمة‪ .‬بھذا المعنى‪،‬‬
‫ينبغي اعتبار كل األحزاب »السياسية«‪ ،‬والمنظمات األخرى‪،‬‬
‫االقتصادية وغير االقتصادية‪ ،‬أدوات للنظام السياسي‪ ،‬ذات‬
‫‪investigative‬‬
‫‪and‬‬
‫ووقائي‬
‫استقصائي‬
‫طابع‬
‫‪.preventive‬‬
‫وھذا التصور العام المبسط لصراع القوتين )أ( و)ب( بآفاقه‬
‫المأساوية‪ ،‬أي الصراع الذي لن يكتب فيه النصر ال لـ )أ( وال‬
‫لـ )ب(‪ ،‬من أجل تكوين )أو إعادة تكوين( توازن عضوي‬
‫‪constitue (or reconstitue) organic equilibrium‬‬
‫قد يولد ظاھرة القيصرية‪ .‬ھذا التصور بالتحديد‪ ،‬ھو فرض‬
‫عام‪ ،‬أي تصور سوسيولوجي مبسط )يناسب فن السياسة(‪.‬‬
‫ويمكننا أن نجعل ھذا الفرض أكثر عينية بأن نجعله أقرب قدر‬
‫اإلمكان من الواقع التاريخي‪ ،‬وذلك بتحديد بعض العناصر‬
‫األساسية‪.‬‬
‫تحدثنا حتى اآلن عن القوة )ا( والقوة )ب( بصفة عامة‪،‬‬
‫باعتبار األولى تقدمية والثانية رجعية‪ .‬واآلن يمكننا أن نحدد‬
‫نوع القوة التقدمية‪ ،‬ونوع القوة الرجعية موضوع البحث‪،‬‬
‫وبھذا نصل إلى تصورات أكثر اقترابا من الواقع‪.‬‬
‫وفي حالة قيصر ونابليون األول‪ ،‬يمكن أن نقول أنه بالرغم‬
‫من تميز القوتين )أ( و)ب( وتصارعھما‪ ،‬لم تعجزا »تماما«‬
‫عنة الوصول –بعد عملية التحلل‪ -‬إلى حالة االندماج‬
‫‪241‬‬

‫‪http://nj180degree.com‬‬

‫‪reciprocal‬‬
‫‪fusion‬‬
‫‪and‬‬
‫المتبادل‬
‫واالستيعاب‬
‫‪ .assimilation‬وھذا ھو ما حدث في الواقع‪ ،‬إلى حد ما على‬
‫األقل )كاف مع ذلك‪ ،‬لتحقيق األھداف التاريخية‪-‬السياسية التي‬
‫نحن بصددھا‪ ،‬أي لوضع حد للصراع األساسي العضوي‬
‫‪ fundamental organic Struggle‬ومن ثم تجاوز الطور‬
‫المأساوي(‪.‬‬
‫ھذا ھو أحد العناصر الالزمة لالقتراب أكثر من الواقع‪ .‬وثمة‬
‫عنصر آخر ھو‪ :‬أن يكون الطور المأساوي ناشئا عن عجز‬
‫سياسي »مؤقت« للقوة التقليدية المسيطرة‪ ،‬وليس بالضرورة‬
‫نتيجة عجز عضوي ال عالج له‪ .‬وھذا يصدق على نابليون‬
‫الثالث‪ .‬خالل الفترة من ‪ 1815‬حتى ‪ 1848‬انقسمت القوة‬
‫المسيطرة في فرنسا سياسيا )حزبيا( إلى أربع معسكرات‪:‬‬
‫أنصار عودة البوروبن ‪ legitimists‬والمطالبون بالعرش‬
‫لالورليان ‪ Orleanists‬والبونابرتيون ‪Bonapartists‬‬
‫والجمھوريون اليعاقبة ‪.Jacobin-republicans‬‬
‫لقد مكن الصراع الداخلي الحزبي القوة )ب( )التقدمية(‬
‫المناوئة من التقدم‪ ،‬الذي اتخذ شكال سابقا لزمانه‪ ،‬بالرغم من‬
‫أن الشكل االجتماعي القائم لم يكن قد استنفذ بعد إمكانات‬
‫تطوره‪ ،‬وھو ما أثبتته شواھد التاريخ الالحق الكثيرة‪.‬‬
‫كان نابليون الثالث يمثل )بطريقته الخاصة‪ ،‬التي تليق بقامته‬
‫ومكانته التي لم تكن عظيمة( ھذه اإلمكانات الكامنة األصيلة‪.‬‬
‫ولھذا كان لقيصريته لونھا المتميز‪ .‬أم قيصرية قيصر أو‬
‫نابليون األول‪ ،‬فكانت ذات طبيعة كمية‪/‬كيفية‪/‬إذا جاز التعبير‪.‬‬
‫وبعبارة أخرى‪ ،‬كانت تمثل طور االنتقال التاريخي من نمط‬
‫من أنماط الدولة إلى نمط آخر‪ ،‬طور انتقال يمثل بالنظر إلى‬
‫طبيعة وكثرة التجديدات التي شھدھا ثورة كاملة‪ .‬بينما كانت‬
‫قيصرية نابليون الثالث تعبيرا عن تغيرات كمية محدودة‪ .‬ولم‬
‫يكن ھناك انتقال من نمط على آخر من أنماط الدولة بل‬
‫»تطور« لذات النمط في مسار لم ينقطع‪.‬‬
‫ويختلف نمط الظواھر القيصرية في العالم الحديث اختالفا‬
‫بينا‪ ،‬سواء عن النمط التقدمي الذي يمثله قيصر‪/‬نابليون األول‪،‬‬
‫أو عن النمط الذي يمثله نابليون الثالث‪ ،‬وإن كانت أقرب إلى‬
‫ھذا النمط األخير‪.‬‬

‫‪242‬‬

‫‪http://nj180degree.com‬‬

‫وفي العالم الحدث‪ ،‬ال يحدث التوازن الذي ينطوي على‬
‫احتماالت مأساوية بين قوى يمكن أن تندمج وتتحد في النھاية‪،‬‬
‫ولو بعد عملية شاقة ودموية‪ ،‬بل يحدث بين قوى ال يوجد حل‬
‫تاريخي لتناقضھا الذي يحتدم مع مقدم األشكال القيصرية‪.‬‬
‫ومع ذلك‪ ،‬فللقيصرية أيضا‪ ،‬في العالم الحديث‪ ،‬ھامشا معينا‪،‬‬
‫كبر أم صغر حسب البلد ووزنه النسبي في السياق العالمي‪.‬‬
‫فألي شكل اجتماعي »دائما« ھامش إلمكانات تحقيق تطوره‬
‫ُعول على الضعف‬
‫وتحسين تنظيمه‪ ،‬ويمكنه بصفة خاصة أن ي ﱠ‬
‫النسبي للقوة التقدمية المناوئة له‪ ،‬الناجم عن طبيعتھا الخاصة‬
‫وأسلوب حياتھا‪ .‬واإلبقاء على ھذا الضعف‪ ،‬أمر ضروري‬
‫بالنسبة للشكل االجتماعي السائد‪ :‬من ھنا كان القول أن‬
‫القيصرية الحديثة‪ ،‬ھي أقرب إلى النظام البوليسي منه إلى‬
‫النظام العسكري‪ :1934-1933} .‬الصيغة األولى ‪{1932‬‬
‫إنه لخطأ منھجي )ھو مظھر للنزعة السوسيولوجية‬
‫الميكانيكية ‪ (Sociological mechanicism‬اعتقاد أن‬
‫ظاھرة القيصرية برمتھا –سواء كانت تقدمية أم رجعية‪ ،‬أو‬
‫كانت ذات طابع آلي وعرضي‪ -‬ترجع إلى التوازن بين القوى‬
‫»األساسية«‪ .‬فال بد أيضا من بحث تفاعل العالقات بين‬
‫الجماعات الرئيسية )على اختالف أنواعھا‪ ،‬اجتماعية‪-‬‬
‫اقتصادية‪ ،‬وتكنيكية‪-‬اقتصادية( للطبقات األساسية‪ ،‬والقوى‬
‫االحتياطية ‪ ،auxilary of forces‬التي تخضع لنفوذھا‬
‫المھمين وتوجيھھا‪ .‬لھذا يستحيل فھم انقالب ‪ 3‬ديسمبر‪/‬كانون‬
‫األول )‪ (10‬بدون دراسة وظيفة الجماعات العسكرية‬
‫الفرنسية والفالحين‪.‬‬
‫وثمة حادثة تاريخية لھا‪ ،‬من ھذه الزاوية‪ ،‬أھمية بالغة‪ ،‬ھي ما‬
‫يسمى في فرنسا بقضية دريفوس ‪ ،Dreyfus affair‬وھي‬
‫أيضا‪ ،‬تدخل في إطار مجموعة المالحظات الراھنة‪ ،‬ال ألنھا‬
‫أدت إلى »القيصرية«‪ ،‬وإنما لعكس ھذا السبب بالتحديد‪ :‬ألنھا‬
‫حالت دون ميالد قيصرية ذات طابع رجعي صريح‪ .‬غير أن‬
‫حركة دريفوس حركة ذات طابع خاص‪ ،‬ألنھا حالة‪ ،‬أحبطت‬
‫فيھا عناصر من الكتلة االجتماعية المسيطرة ذاتھا‪ ،‬نزعة‬
‫القيصرية لدى أكثر أقسامھا رجعية‪ ،‬مستندة ال إلى تأييد‬
‫الفالحين بل إلى تأييد الطبقات التابعة في المدن بقيادة‬
‫االشتراكيين اإلصالحيين )وإن كانوا في الحقيقة قد كسبوا‬
‫أيضا تأييد القسم األكثر تقدما من الفالحين(‪.‬‬

‫‪243‬‬

‫‪http://nj180degree.com‬‬

‫وھناك حركات تاريخية‪-‬سياسية حديثة أخرى من نوع حركة‬
‫دريفوس‪ ،‬لم تكن بالقطع ثورات‪ ،‬ولكنھا لم تكن أيضا رجعية‬
‫تماما‪ ،‬ألنھا على األقل قوضت ھياكل الدولة الخانقة‬
‫والمتحجرة في المعسكر المسيطر أيضا‪ ،‬وقدمت إلى الحياة‬
‫الوطنية والنشاط االجتماعي‪ ،‬كوادر مختلفة وأكثر عددا‪ .‬وھي‬
‫حركات يمكن أن يكون لھا مضمونا »تقدميا« نسبيا‪ ،‬بقدر ما‬
‫تدل على وجود قوى فعالة كامنة في المجتمع القديم‪ ،‬لم يعرف‬
‫القادة القدامى كيف يستغلونھا –حتى وإن كانت »قوى‬
‫ھامشية«‪ .‬غير أن ھذه القوى ال يمكن أن تكون تقدمية بصورة‬
‫مطلقة‪ ،‬بمعنى أنھا ليست »صانعة لعصر جديد«‪ .‬إن عجز‬
‫الخصم عن البناء‪ ،‬ھو ما جعل لھم فاعلية تاريخية‪ ،‬وليس‬
‫قوتھم الذاتية الكامنة‪ .‬ومن ھنا كان ارتباطھم بوضع معين‬
‫يتسم بالتوازن بين قوتين متصارعتين‪ ،‬كالھما عاجز عن‬
‫التعبير المستقل‪ ،‬داخل معسكره‪ ،‬عن إرادة إعادة البناء‪.‬‬
‫}‪{1933‬‬
‫أسطورة القندس‬
‫‪The fable of the Beaver‬‬
‫)قطع القندس ‪ the Beaver‬خصيته لينقذ حياته من صائديه‬
‫الذين يطاردونه‪ ،‬ألنھم يريدون خصيته التي يستخلص منھا‬
‫العقاقير( لماذا لم تدافع األحزاب عن نفسھا؟ ألضعف‬
‫إحساسھا بكرامتھا اإلنسانية والسياسية‪ .‬ولكن مثل ھذه‬
‫العوامل ليست ظواھر طبيعية‪ ،‬ليست عيوبا متأصلة في الناس‬
‫باعتبارھا خصائص دائمة‪ .‬إنھا »حقائق تاريخية« تجد‬
‫تفسيرھا في التاريخ السابق‪ ،‬وفي ظروف الحاضر‬
‫االجتماعية‪ .‬تناقضات ظاھرة‪ :‬ھنالك‪ ،‬سادت رؤية قدرية‬
‫وميكانيكية للتاريخ )فلورنسا‪ ،1917 ،‬اتھام بالنزعة‬
‫البرجسونية ‪ ،(11) (Bergsonism‬ومع ذلك‪ ،‬اتسمت‬
‫المواقف التي اتخذت بنزعة إرادوية ‪ Voluntarism‬شكلية‬
‫فجة وسطحية‪ .‬ومثال ذلك‪ ،‬مشروع ‪ 1920‬إلقامة مجلس‬
‫مدينة في بولونيا يقتصر على العناصر المنظمة )‪ .(12‬وھذا‬
‫يعني خلق صورة أخرى طبق األصل ال فائدة منھا‪ ،‬فتستبدل‬
‫بھيئة لھا جذور تاريخية بين الجماھير مثل مجلس العمل‬
‫‪ ،Camera del Lavoro‬نظاما نظريا بحتا مستمدا من‬
‫الكتب‪ ،‬ال من الخبرة العملية‪ .‬ھل لھذا المشروع –على األقل‪-‬‬
‫ھدف سياسي‪ ،‬ھو نقل القيادة إلى العنصر الحضري ‪urban‬‬
‫‪244‬‬

‫‪http://nj180degree.com‬‬

‫‪} element‬البروليتاريا{؟ )كان يمكن‬
‫مركز خاص إذا ما أنشئ ھذا المجلس‪.‬‬
‫العمل نُ ﱢ‬
‫ظم على أساس أن يكون مجلسا‬
‫ھناك أية نية في ھذا االتجاه‪ .‬وعلى‬
‫المشروع النور‪.‬‬

‫أن يكون لھذه األخيرة‬
‫إذا افترضنا أن مجلس‬
‫محليا‪ .‬غير أنه لم تكن‬
‫أية حال‪ ،‬لم ير ھذا‬

‫لخطاب تريفر ‪ ،(13) Trevers‬خطاب »التكفير عن ذنوبه«‬
‫‪ expiation speech‬أھمية جوھرية لفھم االرتباك السياسي‬
‫للقادة وولعھم بالسجال‪ .‬ولقد أخفت مثل ھذه المناوشات خوف‬
‫القادة من تحمل مسؤوليات محددة‪ ،‬وأخفى ھذا بدوره غياب‬
‫أية وحدة مع الطبقة التي يمثلونھا‪ ،‬وأي إدراك لحاجاتھا‬
‫األساسية‪ ،‬ولطموحاتھا وطاقاتھا الكامنة‪ .‬إنھم حزب أبوي‪،‬‬
‫من البرجوازيين الصغار الذين يتضخم لديھم اإلحساس‬
‫بأھميتھم‪ .‬لماذا ال يكون ھناك دفاع؟! إنھا فكرة جنون الحرب‬
‫‪ war pschosis‬واإليمان بأن المجتمع المتحضر ال يمكن أن‬
‫»يسمح« بوقوع بعض أعمال الضعف‪.‬‬
‫لقد كانت ھذه العموميات أقنعة لدوافع أخرى أكثر عمقا‪،‬‬
‫جوھرھا ھو مرة أخرى‪ ،‬واقع االنفصال عن الطبقة‪ ،‬أي‬
‫وجود »طبقتين« )فضال عن تناقضھا مع ما يرددونه كلما‬
‫وقعت مذبحة‪ :‬لقد قلنا –من ناحيتنا‪ -‬أن الطبقة الحاكمة‬
‫رجعية!(‬
‫كانوا عاجزين عن تصور ما يمكن أن يحدث إذا انتصرت‬
‫الرجعية‪ ،‬ألنھم لم يعيشوا الصراع الحقيقي‪ ،‬ولم يعرفوا‬
‫الصراع إال كمبدأ مذھبي‪ .‬وثمة تناقض آخر‪ ،‬يتعلق بـ»النزعة‬
‫اإلرادوية«‪ :‬إذا كنا ضد اإلرادوية‪ ،‬فينبغي أن نقدر‬
‫»التلقائية«‪ .‬ولكن الحاصل في الواقع ھو العكس‪ .‬فكل‬
‫متدن‪ ،‬ليس جديرا باالعتبار‪ ،‬وال يستحق حتى‬
‫»تلقائي«‬
‫ٍ‬
‫التحليل‪ .‬إن التلقائية في الواقع‪ ،‬ھي الدليل الدامغ على عجز‬
‫الحزب‪ ،‬ألن يثبت الھوة بين البرامج الرنانة‪ ،‬واألفعال الدنيئة‪.‬‬
‫وفي األثناء وقعت أحداث )‪» (1920-1919‬التلقائية«‪ ،‬التي‬
‫دمرت مصالح‪ ،‬وزعزعت مراكز مستقرة‪ ،‬وأثارت الضغائن‬
‫حتى بين الناس المسالمين‪ ،‬وأخرجت شرائح اجتماعية‪ ،‬كانت‬
‫في حالة ركود وتحلل‪ ،‬من سلبيتھا‪ .‬لقد أشاعت »تلقائيتھا«‬
‫على وجه التحديد‪ ،‬وتنصلھا من المسؤولية عن الحركة‪،‬‬

‫‪245‬‬

‫‪http://nj180degree.com‬‬

‫»الذعر« العام والخوف الكبير الذي كان ال بد وأن يوحﱢ د قوى‬
‫القمع لتسحقھا بال رحمة‪.‬‬
‫إن ما يسمى بميثاق التحالف ‪ pact of alliance‬بين االتحاد‬
‫‪ confederation‬والحزب‪ ،‬الذي يمكن أن يقارن بميثاق‬
‫الدولة والكنيسة ‪ ،concordat‬وثيقة نادرة تثبت الھوة القائمة‬
‫بين الممثلين والممثلين‪ .‬والحزب وھو جنين ھيكل الدولة‪ ،‬ال‬
‫يمكن أن يسمح بأي تقسيم لسلطته السياسية فال يمكن أن يسمح‬
‫لقسم من أعضائه بادعاء حقوق مساوية لحقوقه‪ ،‬والظھور‬
‫بمظھر الحلفاء لـ»الكل«‪ ،‬شأنه في ذلك شأن الدولة التي ال‬
‫يمكن أن تسمح لقسم من رعاياھا بإبرام اتفاق خاص )عن‬
‫طريق دولة أجنبية( يضاف إلى القوانين العامة ليحكم‬
‫عالقاتھم بھا‪ ،‬أي عالقاتھم بذات الدولة التي ينتمون إليھا‪ .‬إن‬
‫قبول مثل ھذا الوضع‪ ،‬يعني خضوع الدولة واقعا وقانونا‪،‬‬
‫لمن يسمون بأغلبية الممثلين‪ ،‬أي خضوعھا في الواقع لجماعة‬
‫تطرح نفسھا كنقيض للدولة‪ ،‬وكنقيض للحزب‪ ،‬وتمارس في‬
‫النھاية السلطة بطريقة غير مباشرة‪.‬‬
‫كذلك تماثل العالقات الغريبة القائمة بين الحزب والمجموعة‬
‫البرلمانية ميثاق التحالف‪ ،‬فھي أيضا تتخذ شكل التحالف القائم‬
‫على المساواة في الحقوق‪ .‬ھذا النسق من العالقات‪ ،‬يعني أن‬
‫الحزب ليس له وجود ملموس كجھاز مستقل‪ ،‬وأنه ليس إال‬
‫أحد مكونات جھاز أكثر تعقيدا‪ ،‬له خصائص حزب عمالي‪،‬‬
‫بال مركز وبال قيادة موحدة‪ ...‬الخ‪.‬‬
‫أينبغي أن تخضع النقابات للحزب؟ ليست ھذه ھي الطريقة‬
‫الصحيحة لطرح السؤال‪ :‬وإنما ينبغي أن تطرح المشكلة على‬
‫النحو التالي‪ :‬إن أي عضو في الحزب أيا كان موقعه أو‬
‫مسؤولياته ھو في النھاية عضو في الحزب‪ ،‬يخضع لقيادته‪.‬‬
‫فال ينبغي أن تخضع النقابة للحزب‪ :‬فإذا اختارت النقابة من‬
‫تلقاء نفسھا أحد أعضاء الحزب ليكون رئيسا لھا‪ ،‬فھذا يعني‬
‫قبولھا طواعية لتوجيھاته‪ ،‬ومن ثم قبولھا )بل رغبتھا في‬
‫الحقيقة( إشرافه على موظفيھا‪ .‬لم تطرح ھذه المشكلة طرحا‬
‫صحيحا في ‪ ،1919‬بالرغم من وجود سابقة عظيمة غنية‬
‫بالدروس‪ ،‬تلك التي شھدھا شھر يونيو‪/‬حزيران ‪ .1914‬ألنه‬
‫لم يكن لألجنحة ‪ fractions‬سياسة‪ ،‬وال للحزب بالتبعية‪.‬‬
‫}‪.{1930‬‬

‫‪246‬‬

‫‪http://nj180degree.com‬‬

‫اإلثارة والدعاية‬
‫يتمثل ضعف األحزاب السياسية االيطالية )باستثناء الحزب‬
‫القومي إلى حد ما( طوال فترة نشاطھا‪ ،‬منذ حركة الوحدة فيما‬
‫يمكن أن نسميه اختالل التوازن بين اإلثارة والدعاية‪ ،‬أو ما‬
‫يمكن أن نطلق عليه االفتقار إلى المبدأ أي االنتھازية وغياب‬
‫االستمرارية العضوية ‪ ،organic continuity‬واختالل‬
‫التوازن بين التكتيك واإلستراتيجية‪ ...‬الخ‪.‬‬
‫ينبغي أن نبحث عن السبب الرئيسي لضعف األحزاب في‬
‫‪deliquescence of‬‬
‫ميوعة الطبقات االقتصادية‬
‫االقتصادية‬
‫البنية‬
‫وھالمية‬
‫‪،economic‬‬
‫‪classes‬‬
‫واالجتماعية للبالد‪ .‬غير أن ھذا تفسير قدري‪ .‬والحق أنه إذا‬
‫كان صحيحا أن األحزاب ليست إال أسماء لطبقات‪ ،‬فھي أيضا‬
‫ليست مجرد تعبير ميكانيكي وسلبي عنھا‪ ،‬إذ تعود لتؤثر فيھا‬
‫بقوة من أجل تطويرھا وترسيخھا وتعميمھا‪ .‬وھذا ھو بالتحديد‬
‫ما لم يحدث في ايطاليا‪ .‬وكانت نتيجة ھذا »النقص« اختالل‬
‫التوازن بين اإلثارة والدعاية –أو سمه ما شئت‪.‬‬
‫وتتحمل الدولة‪/‬الحكومة بعض المسؤولية عن ھذا الوضع‪:‬‬
‫ونقول أنھا مسؤولة‪ ،‬ألنھا حالت دون دعم وتقوية الدولة‬
‫ذاتھا‪ ،‬أي أنھا أثبتت أن الدولة‪/‬الحكومة لم تكن عامال قوميا ‪a‬‬
‫‪.national factor‬‬
‫لقد كانت الحكومة تعمل في الحقيقة كـ»حزب«‪ ،‬ووضعت‬
‫نفسھا فوق األحزاب‪ ،‬ال لكي تحقق التوافق واالنسجام بين‬
‫مصالحھا‪ ،‬ونشاطاتھا‪ ،‬ضمن اإلطار الدائم لمصالح األمة‬
‫والدولة‪ ،‬بل لكي تفككھا وتفصلھا عن الجماھير العريضة‪،‬‬
‫لتحصل على »قوة من الرجال غير الحزبيين الذين يرتبطون‬
‫بالحكومة بروابط ذات طابع أبوي من الطراز البونابرتي‪-‬‬
‫القيصري«‪.‬‬
‫ھكذا ينبغي أن يكون تحليل ما يسمى بدكتاتوريات ديبريتس‬
‫‪ Depretis‬وكريسبي ‪ Crispi‬وجيوليتي ‪ ،Gioletti‬وظاھرة‬
‫التحولية البرلمانية ‪the partiamentary phenomenon‬‬
‫‪.of transformism‬‬

‫‪247‬‬

‫‪http://nj180degree.com‬‬

‫تخلق الطبقات األحزاب‪ ،‬وتكون األحزاب كوادر الدولة‬
‫والحكومة‪ ،‬أي قادة المجتمع المدني والمجتمع السياسي‪.‬‬
‫وينبغي أن تكون ھناك عالقة مفيدة ومثمرة بين ھذه الظواھر‬
‫والوظائف‪ .‬فال يمكن تكوين القادة بدون النشاط النظري‬
‫والمذھبي لألحزاب‪ ،‬وبدون المحاولة المنھجية الكتشاف‬
‫ودراسة األسباب التي تحكم طبيعة الطبقة التي تمثلھا وكيفية‬
‫تطورھا‪ .‬ومن ھنا كانت ندرة الكوادر الالزمة للدولة‬
‫والحكومة‪ ،‬وفساد الحياة البرلمانية‪ ،‬وسھولة تفكك األحزاب‬
‫وتحللھا نتيجة للفساد‪ ،‬واستيعاب األفراد القليلين الذي ال غنى‬
‫عنھم‪ .‬ومن ھنا أيضا‪ ،‬كان فساد الحياة الثقافية والنقص‬
‫الرھيب في الثقافة الرفيعة‪ .‬فبدال من التاريخ السياسي نجد‬
‫معرفة واسعة خالية من الحياة‪ ،‬وبدال من الدين‪ ،‬الخرافة‪،‬‬
‫وبدال من الكتب والمجالت العظيمة‪ ،‬الصحف اليومية‪ ،‬وبدال‬
‫من السياسة الجادة‪ ،‬المشاجرات العابرة والمعارك الشخصية‪.‬‬
‫وألن الجامعات‪ ،‬وكل المؤسسات التي تنمي المھارات الفكرية‬
‫والتكنيكية بمنأى عن تأثير الحياة الحزبية والواقع الحي للحياة‬
‫الوطنية‪ ،‬فإنھا تنتج كوادر وطنية غير مسيسة ذات تكوين‬
‫عقلي خطابي ال وطني‪ .‬ومن ھنا كان اغتراب البيروقراطية‬
‫عن الوطن‪ ،‬وصارت من خالل مواقعھا اإلدارية حزبا‬
‫سياسيا حقيقا‪ ،‬وھو أسوأ األحزاب جميعا‪ .‬وحلت الھيراركية‬
‫البيروقراطية ‪ bureaucratic hierarchy‬محل الھيراركية‬
‫الفكرية والسياسية‪ ،‬وأصبحت البيروقراطية حزب الدولة‬
‫البونابرتي ‪{1930} (14) .State/Bonapartist party‬‬
‫»فلسفة العصر«‬
‫‪force and‬‬
‫يثبت النقاش الدائر حول القوة والقبول‬
‫‪ ،consent‬التقدم النسبي الذي أحرزه علم السياسة في ايطاليا‪،‬‬
‫وانه يعامل بقدر من الصراحة‪ ،‬حتى من أفراد يحتلون مواقع‬
‫المسؤولية في الدولة‪ .‬ويدور النقاش الذي نحن بصدده حول‬
‫»فلسفة العصر«‪ ،‬حول التيمة المركزية في حياة مختلف‬
‫الدول في فترة ما بعد الحرب‪ .‬كيف يعاد بناء جھاز ھيمنة‬
‫الطبقة الحاكمة الذي انھار نتيجة للحرب في كل دولة من دول‬
‫العالم؟ ولماذا تفكك ھذا الجھاز؟ ربما لنمو إرادة سياسية‬
‫جماعية قوية معادية؟ )‪ (15‬لو أن األمر كان كذلك‪ ،‬لكانت‬
‫المشكلة قد حلت لصالح ھذه القوة المعادية‪.‬‬

‫‪248‬‬

‫‪http://nj180degree.com‬‬

‫لقد تفكك في الواقع تحت ضغط أسباب ميكانيكية بحتة‬
‫متنوعة‪ -1 :‬نتيجة لدخول جماھير غفيرة‪ ،‬كانت سلبية فيما‬
‫مضى‪ ،‬إلى مجال الحركة‪ ،‬ولكنھا كانت حركة فوضوية غير‬
‫منظمة‪ ،‬وبال قيادة‪ ،‬أي بال إرادة سياسية جماعية موحدة‪-2 .‬‬
‫وألن الطبقات الوسطى التي كانت تحتل مواقع القيادة‬
‫والمسؤولية أثناء الحرب قد حرمت منھا عندما حل السالم‬
‫وتركت نھبا للبطالة‪ ،‬وذلك بالتحديد بعد أن تعلمت كيف تأمر‬
‫وتقود‪ ...‬الخ‪ -3 .‬ألن القوى المعادية أثبتت عجزھا عن‬
‫استغالل حالة الفوضى لمصلحتھا‪ .‬كانت المشكلة‪ ،‬ھي إعادة‬
‫بناء جھاز للھيمنة‪ ،‬لتلك العناصر التي كانت سلبية وغير‬
‫مسيسة‪ .‬كان ذلك مستحيال بدون استخدام القوة‪ ،‬التي لم يكن‬
‫ممكنا أن تكون قوة »مشروعة«‪ ...‬الخ‪ .‬ولما كان تركيب‬
‫العالقات االجتماعية يختلف من دولة إلى أخرى‪ ،‬فقد اختلفت‬
‫أيضا أساليب استخدام القوة‪ ،‬وكيفية الجمع بين القوة‬
‫المشروعة والقوة غير المشروعة‪ .‬وكلما تعاظمت الكتلة غير‬
‫المسيسة كلما تعاظم الدور الذي تلعبه القوى غير المشروعة‪.‬‬
‫وكلما تعاظمت القوى المنظمة والمثقفة سياسيا‪ ،‬كلما زادت‬
‫الحاجة إلى »حماية« دولة القانون‪ ...‬الخ‪{1932-1930} .‬‬
‫الصراع السياسي والحرب العسكرية‬
‫في الحرب العسكرية يأتي السالم عندما يتحقق الھدف‬
‫االستراتيجي للحرب‪ ،‬وھو تدمير جيش العدو واحتالل‬
‫أرضه‪ .‬وما ھو جدير بالمالحظة‪ ،‬أنه يكفي إلنھاء الحرب‪،‬‬
‫مجرد أن يصبح تحقيق الھدف االستراتيجي ممكنا‪ .‬وبعبارة‬
‫أخرى‪ ،‬يكفي أال يكون ھناك شك في أن الجيش لم يعد قادرا‬
‫على القتال‪ ،‬وأن الجيش المنتصر »قادر« على احتالل أرض‬
‫العدو‪.‬‬
‫أما الصراع السياسي فأعقد من ذلك كثيرا‪ :‬ويمكن إلى حد ما‬
‫مقارنته بالحروب الكلونيالية أو بحروب الفتح القديمة ‪wars‬‬
‫‪ ،of conquest‬التي يحتل فيھا الجيش المنتصر‪ ،‬أو يعتزم‬
‫احتالل كل إقليم الدولة التي فتحھا أو جزءا منه بصفة دائمة‪،‬‬
‫ثم يجرد الجيش المھزوم من سالحه ويسرحه‪ ،‬غير أن‬
‫الصراع يستمر في ميدان السياسة و»االستعداد العسكري«‪.‬‬
‫ھكذا عرف كفاح الھند السياسي ضد االنجليز )وإلى حد ما‬
‫كفاح ألمانيا ضد فرنسا والمجر ضد الوفاق الصغير ‪Little‬‬
‫‪249‬‬

‫‪http://nj180degree.com‬‬

‫‪} entente‬التحالف بين تشيكوسلوفاكيا ويوغوسالفيا‬
‫ورومانيا في ‪-1921‬المترجم{( ثالثة أشكال للحرب‪ :‬حرب‬
‫السرية‬
‫والحرب‬
‫الثابتة‪،‬‬
‫المواقع‬
‫وحرب‬
‫الحركة‪،‬‬
‫‪ underground war‬ومقاومة غاندي السلبية‪ ،‬ھي حرب‬
‫مواقع ثابتة‪ ،‬تتحول في لحظة معينة إلى حرب حركة‪ ،‬وفي‬
‫لحظة أخرى تصبح حربا سرية‪ .‬والمقاطعة ھي شكل من‬
‫أشكال حرب المواقع‪ ،‬واإلضرابات حرب حركة‪ .‬واإلعداد‬
‫السري للقوات وتسليحھا تنتمي إلى الحرب السرية‪ .‬وال بد‬
‫أيضا من التوصل إلى نوع من التكتيكات الفدائية )‪ (16‬مع‬
‫مراعاة الحذر الشديد في استخدامھا‪.‬‬
‫وإذا اعتقد االنجليز أنه يجري اإلعداد لحركة عصيان مسلح‬
‫ضخمة تھدف إلى تدمير تفوقھم االستراتيجي الحالي )الذي‬
‫يتمثل –إلى حد ما‪ -‬في قدرتھم على المناورة‪ ،‬بحكم سيطرتھم‬
‫على خطوط المواصالت الداخلية وتركيز قواتھم »المشتتة«‬
‫عند أخطر النقاط( بأن تخنقھم بالجملة‪ ،‬أي أن تجبرھم على‬
‫نشر قواتھم على مسرح حرب أصبحت حربا عامة –عندئذ‬
‫سيكون من مصلحتھم استفزاز القوات الھندية المقاتلة‪ ،‬للقتال‬
‫قبل األوان‪ ،‬حتى يمكنھم تحديد مواقعھا وقطع رأس الحركة‬
‫العامة }أي حرمانھا من قيادتھا ‪-‬المترجم{‪ .‬ومن مصلحة‬
‫فرنسا بأن تورط اليمين القومي األلماني في انقالب مغامر‪،‬‬
‫وبھذا تجبر التنظيم العسكري غير الشرعي المشبوه على أن‬
‫يكشف عن نفسه قبل األوان‪ ،‬مما يسمح لھا بالتدخل في الوقت‬
‫المناسب‪.‬‬
‫من الواضح إذن‪ ،‬أن ھذا النضال بأشكاله المختلطة ھو أساسا‬
‫نضال ذو طابع عسكري‪ ،‬وإن كان يجري بالدرجة األولى في‬
‫الساحة السياسية )وإن كان لكل نضال سياسي دائما أساس‬
‫عسكري ‪ -(military Substratum‬يتطلب استخدام فرق‬
‫الكوماندو تطويرا أصيال للتكتيك‪ ،‬ولن تكون خبرة الحرب‬
‫سوى حافزا له‪ ،‬وليست نموذجا يحتذى‪.‬‬
‫تحتاج قضية جماعات البلقان المسلحة ‪ comitadjis‬إلى‬
‫معالجة مستقلة‪ .‬وترتبط ھذه الجماعات المسلحة بظروف‬
‫البيئة الجيوفزيائية الخاصة‪ ،‬وبالتكوين الخاص للطبقات‬
‫الريفية‪ ،‬وبفاعلية الحكومات الحقيقية ھناك‪ .‬وھذا يصدق أيضا‬
‫على الجماعات المسلحة االيرلندية ‪ ،Irish bands‬التي‬

‫‪250‬‬

‫‪http://nj180degree.com‬‬

‫يرتبط شكلھا‬
‫االيرلندي‪.‬‬

‫التنظيمي‪،‬‬

‫وشكل‬

‫حربھا‪،‬‬

‫ببنية‬

‫المجتمع‬

‫وينبغي التمييز بين جماعات البلقان المسلحة والجماعات‬
‫المسلحة االيرلندية‪ ،‬وغيرھما من أشكال حرب األنصار من‬
‫ناحية‪ ،‬ومسألة الكوماندوز )الفدائيين( من ناحية أخرى‪ ،‬وإن‬
‫بدا أن بينھما نقاط التقاء‪ .‬فھذه األشكال من الكفاح خاصة‬
‫بأقليات ضعيفة‪ ،‬ولكنھا تعيش حالة من التململ والقلق‪،‬‬
‫وتواجه أغلبية جيدة التنظيم‪ ،‬وذلك بعكس فرق الكوماندوز‬
‫الحديثة التي تفترض وجود قوة‪-‬احتياطية كبيرة تساندھا‬
‫وتوفر لھا سبل اإلعاشة في شكل تبرعات فردية‪.‬‬
‫إن االرتباط الذي كان قائما في ‪ 1918-1917‬بين وحدات‬
‫الكوماندوز‪ ،‬والجيش ككل‪ ،‬يمكن أن يؤدي‪ ،‬وقد أدى فعال‪،‬‬
‫إلى أن يضع القادة السياسيون خططا خاطئة للحملة‪ .‬فقد نسوا‪:‬‬
‫‪-1‬أن وحدات الكوماندوز ھي مجرد وحدات تكتيكية وأنھا ال‬
‫تفترض وجود جيش ذي فاعلية كبيرة‪ ،‬فيكفي أال يكون عاجزا‬
‫تماما عن الحركة‪ .‬فبالرغم من تراخي االنضباط‪ ،‬وھبوط‬
‫الروح القتالية إلى الحد الذي يجعل االنتشار التكتيكي للقوات‬
‫أمرا صائبا‪ ،‬فإنھما مع ذلك متوفرين بالقدر الالزم للتشكيل‬
‫التكتيكي الجديد‪ ،‬وإال فلن يكون ھناك سوى الھزيمة المنكرة‬
‫والقرار السريع‪.‬‬
‫‪-2‬إنه ال ينبغي أن نعتبر ظاھرة الكوماندوز عالمة على‬
‫االستعداد القتالي العام لدى غالبية القوات‪ ،‬بل ھي بالعكس‬
‫دليل على سلبيتھا‪ ،‬والتدھور النسبي لمعنوياتھا‪ .‬ومع ذلك‪،‬‬
‫ينبغي أن نتذكر المبدأ العام‪ ،‬وھو أن ننظر إلى المقارنات بين‬
‫الفن العسكري والسياسية كحافز للتفكير‪ .‬ففي الواقع الفعلي‪ ،‬ال‬
‫وجود في الميلشيا السياسية ‪ political militia‬للجزاءات‬
‫الجنائية الصارمة التي توقع على من يخطئ أو ال يلتزم بدقة‬
‫باألوامر‪ ،‬وال وجود للمحاكم العسكرية –بصرف النظر عن‬
‫االختالف البين بين حشد القوى السياسية وحشد القوات‬
‫العسكرية‪.‬‬
‫ويوجد أيضا في الصراع السياسي أشكال أخرى للحرب غير‬
‫حرب الحركة‪ ،‬وحرب الحصار‪ ،‬وحرب المواقع‪ .‬ھذا‬
‫صحيح‪ ،‬فحرب الكوماندوز تنتمي إلى حرب المواقع كما‬
‫‪251‬‬

‫‪http://nj180degree.com‬‬

‫عرفتھا الفترة ‪ .1918-1914‬كذلك عرفت حرب الحركة‬
‫وحرب الحصار في الفترات السابقة نوعا من حرب‬
‫الكوماندوز‪ .‬وكذلك فرق الفرسان الخفيفة والثقيلة‪ ،‬وفرق‬
‫المدفعية السريعة الطلقات‪ ...‬الخ –والقوات المتحركة عامة‪-‬‬
‫عملت جزئيا كوحدات كوماندوز‪ .‬كما نجد في فن تنظيم‬
‫الدوريات بذرة فكرة الكوماندوز الحديثة‪ ،‬التي نجدھا أيضا في‬
‫حرب الحصار‪ ،‬أكثر مما نجدھا في حرب الحركة حيث‬
‫االستخدام األوسع لنظام الدوريات‪ ،‬ولفن تنظيم الطلعات‬
‫المباغتة والھجمات الفجائية التي يقوم بھا رجال مختارون‪.‬‬
‫وثمة نقطة أخرى‪ ،‬علينا أن نتذكرھا‪ ،‬وھي أنه ال ينبغي أن‬
‫نقلد أساليب الطبقات الحاكمة في الصراع السياسي‪ ،‬حتى ال‬
‫نقع فريسة سھلة في الشراك المنصوبة‪ .‬وھو ما يحدث كثيرا‬
‫في المعارك الراھنة‪ .‬إن بنية الدولة المنھكة أشبه بجيش‬
‫منھك‪ ،‬حيث يدخل الكوماندوز أي التنظيمات المسلحة‬
‫الخاصة ميدان القتال‪ ،‬مھمتان‪ :‬استخدام الوسائل غير‬
‫المشروعة‪ ،‬بينما تبقى الدولة في الظاھر ملتزمة بإطار‬
‫الشرعية‪ ،‬وبھذا يعيدون تنظيم الدولة ذاتھا‪ .‬ومن الغباء‬
‫االعتقاد بأنه يمكن مواجھة النشاط غير المشروع بنشاط من‬
‫نفس النوع‪ ،‬أي محاربة تكتيك الكوماندوز بتكتيك مماثل‪ .‬وھذا‬
‫يعني االعتقاد بأن الدولة ستظل عاجزة عن الحركة‪ ،‬وھذا ال‬
‫يحدث أبدا‪ ،‬بصرف عن الظروف األخرى التي قد تختلف‪.‬‬
‫ويترتب على العامل الطبقي اختالف جوھري‪ :‬فالطبقة التي‬
‫عليھا أن تعمل ساعات محددة كل يوم‪ ،‬ال يمكن أن يكون لھا‬
‫تنظيمات ھجومية دائمة ومتخصصة‪ ،‬كما ھو الحال بالنسبة‬
‫لطبقة لديھا موارد مالية كبيرة‪ ،‬وأعضائھا غير مقيدين بعمل‬
‫محدد‪ .‬فتستطيع ھذه التنظيمات التي أصبحت اآلن محترفة‪،‬‬
‫أن توجه ضربات قاضية ومباغتة للعدو‪ .‬ال يمكن إذن‪ ،‬أن‬
‫يكون لتكتيكات الكوماندوز عند بعض الطبقات ذات األھمية‬
‫التي لھا عند طبقات أخرى‪.‬‬
‫فحرب المناورة والحركة ضرورية بالنسبة لبعض الطبقات‪،‬‬
‫ألنھا شكل الحرب الذي يناسبھا‪ .‬وھي قد تقتضي في حالة‬
‫الصراع السياسي‪ ،‬االستفادة بتكتيك الكوماندوز القيم الذي ال‬
‫غنى عنه أحيانا‪ ،‬غير أن تسلط النموذج العسكري على‬
‫التفكير‪ ،‬ھو عالمة الغباء وضيق األفق‪ :‬فالسياسة ھنا أيضا‪،‬‬

‫‪252‬‬

‫‪http://nj180degree.com‬‬

‫ينبغي أن يكون لھا األولوية على جانبھا العسكري‪ .‬والسياسة‬
‫وحدھا ھي التي تخلق إمكانية الحركة والمناورة‪.‬‬
‫يتضح مما تقدم‪ ،‬ضرورة التمييز في ظاھرة الكوماندوز‬
‫العسكرية‪ ،‬بين وظيفة الكوماندوز الفنية‪ ،‬كقوة خاصة ترتبط‬
‫بحرب المواقع الثابتة الحديثة‪ ،‬ووظيفتھم السياسية‪-‬العسكرية‪.‬‬
‫لقد استخدمت كل جيوش العالم الكوماندوز كقوة خاصة في‬
‫الحرب العالمية‪ .‬غير أنه لم يكن لھم غير وظيفة سياسة‪-‬‬
‫عسكرية في البلدان التي تميزت بعدم التجانس والضعف‬
‫السياسي‪ ،‬والتي ال يتمتع جيشھا الوطني بقدرة قتالية‪ ،‬وھيئة‬
‫أركانھا بيروقراطية بالية‪{1930-1929} .‬‬
‫وعن موضوع المقارنات بين مفاھيم حرب الحركة وحرب‬
‫المواقع من جھة‪ ،‬والمفاھيم المقابلة لھا في علم السياسة من‬
‫جھة أخرى‪ ،‬ال بد أن نذكر كتيب روزا لوكسمبورغ‬
‫}اإلضراب العام –الحزب والنقابات‪ -‬المترجم{ الذي ترجمه‬
‫س‪ .‬اليساندري ‪ C.Alessandri‬في ‪) 1919‬من الفرنسية(‬
‫إلى االيطالية )‪.(17‬‬
‫في ھذا الكتيب نظرت روزا على عجل‪ ،‬وبشيء من السطحية‬
‫خبرات ‪ 1905‬التاريخية‪ .‬فقد أھملت في الواقع عنصري‬
‫»اإلدارة« والتنظيم‪ ،‬اللذين كانا أكثر شيوعا وأكثر أھمية في‬
‫تلك األحداث‪ ،‬مما كانت تظن بحكم تحيزھا إلى حد ما‬
‫»االقتصادوية« والتلقائية‪ .‬ومع ذلك‪ ،‬فھذا الكتيب )كغيره من‬
‫ّْ‬
‫تنظر حرب‬
‫مقاالت ذات المؤلف( ھو من أھم الوثائق التي‬
‫الحركة من وجھة نظر علم السياسة‪ .‬حيث ينظر إلى العامل‬
‫االقتصادي المباشر )األزمات‪ ... ،‬الخ( باعتباره مدفعية‬
‫الميدان التي تفتح ثغرة في دفاعات العدو‪ ،‬تكفي القتحام‬
‫القوات وإحراز نصر حاسم )استراتيجي( أو على األقل تحقيق‬
‫نصر كبير في إطار الخط االستراتيجي‪ .‬ومن الطبيعي أن‬
‫يعتبر علم التاريخ العوامل االقتصادية المباشرة‪ ،‬أكثر تعقيدا‬
‫من تأثير المدفعية الثقيلة في حرب الحركة ألن لھا تأثيرا‬
‫مزدوجا‪:‬‬
‫‪-1‬فھي تفتح ثغرة في دفاعات العدو‪ ،‬بعد أن تشيع الفوضى في‬
‫صفوفه‪ ،‬وتجعله يفقد الثقة في نفسه وفي قواته وفي مستقبله‪.‬‬

‫‪253‬‬

‫‪http://nj180degree.com‬‬

‫‪-2‬وفي لمح البصر تُنظم القوات‪ ،‬وتخلق الكوادر الالزمة‪ ،‬أو‬
‫على األقل تضع الكوادر المتاحة )التي تكون حتى تلك اللحظة‬
‫بفعل العملية التاريخية العامة( في المواقع التي تمكنھا من‬
‫اإلحاطة بكوادره المبعثرة‪.‬‬
‫‪-3‬وتُنجز في لمح البصر التعبئة اإليديولوجية الالزمة لتحقيق‬
‫الھدف المشترك‪.‬‬
‫كانت ھذه النظرة شكال من أشكال الحتمية االقتصادية‬
‫الحديدية ‪ ،iron economic determinism‬يزيد من‬
‫خطورتھا تصور أنھا تفعل فعلھا بسرعة البرق في الزمان‬
‫والمكان‪ .‬إنھا ضرب من النزعة الصوفية التاريخية الصريحة‬
‫‪ ،historical mysticism‬انتظار إلھام خارق‪.‬‬
‫زعم الجنرال كراسنوف ‪) Krasnov‬في روايته( )‪ (18‬أن‬
‫التحالف ‪ the Entente‬لم يكن يريد لروسيا اإلمبراطورية أن‬
‫تنتصر )خوفا من أن تحل المسألة الشرقية حال نھائيا لصالح‬
‫النظام القيصري(‪ ،‬ولذلك أجبر ھيئة األركان الروسية على‬
‫انتھاج أسلوب حرب الخنادق )وھذا ھراء‪ ،‬نظرا للطول‬
‫المفرط لجبھة القتال التي تمتد من بحر البلطيق إلى البحر‬
‫األسود‪ ،‬بمستنقعاتھا وغاباتھا الشاسعة‪ ،‬في حين أن حرب‬
‫الحركة ھي اإلستراتيجية الوحيدة الممكنة‪ ،‬وھو زعم سخيف‪،‬‬
‫فقد خبر الجيش الروس حرب الحركة والغزو المباغت‪،‬‬
‫وخاصة في القطاع النمساوي )وأيضا في بروسيا الشرقية(‪،‬‬
‫وحقق نجاحات باھرة وإن كانت عابرة‪.‬‬
‫والحق أنه‪ ،‬ال يمكن لطرف أن يختار شكل الحرب الذي‬
‫يريده‪ ،‬ما لم يكن يتمتع بتفوق ساحق على العدو‪ .‬ومعروف‬
‫حجم الخسائر التي ترتبت على رفض ھيئة األركان الفنية‬
‫العنيد‪ ،‬االعتراف بأن حرب المواقع قد »أمالھا« مجمل‬
‫عالقات القوى المتصارعة‪ .‬فحرب المواقع في الحقيقة ال‬
‫تتمثل فقط في الخنادق الحالية‪ ،‬بل وأيضا في كل النسق‬
‫التنظيمي والصناعي القائم على مقربة من مؤخرة الجيش‬
‫المتواجد في ميدان القتال‪ .‬إن ما أمالھا ھو على األخص‪،‬‬
‫سرعة قوة نيران المدافع‪ ،‬والمدافع الرشاشة والبنادق‪ ،‬أي‬
‫حجم القوة المسلحة التي يمكن تركيزھا على نقطة محددة‪،‬‬
‫ووفرة اإلمدادات التي تضمن التعويض السريع للخسائر‬
‫المادية عقب أي انسحاب أو اختراق من جانب العدو‪.‬‬
‫‪254‬‬

‫‪http://nj180degree.com‬‬

‫وثمة عامل آخر‪ ،‬ھو ضخامة عدد الرجال المسلحين الذين‬
‫تتفاوت قدراتھم القتالية تفاوتا كبيرا‪ ،‬والذين ال يمكنھم الحركة‬
‫إال كقوة جماعية‪ .‬ويمكننا أن نرى كيف أن شن غارة على‬
‫القطاع النمساوي من الجبھة الشرقية ويختلف تماما عن شن‬
‫غارة على القطاع األلماني‪ ،‬وكيف أن تكتيكات اإلغارة‬
‫‪ incursion tactics‬قد أدت إلى كارثة‪ ،‬حتى في لقطاع‬
‫النمساوي المعزز بفرق ألمانية مختارة وبقيادة األلمان‪ .‬وحدث‬
‫نفس الشيء في الحملة البولندية ‪ ،1920‬فقد أوقف الجنرال‬
‫ويجاند ‪ General Weygand‬القوات التي كان يقودھا‬
‫ضباط فرنسيون‪ ،‬والتي بدا أنھا ال تقاوم‪ ،‬وذلك قبل أن تصل‬
‫إلى وارسو‪.‬‬
‫وحتى أولئك الخبراء العسكريون الذين تتسلط على عقولھم‬
‫فكرة حرب المواقع‪ ،‬مثلما تسلطت عليھا من قبل فكرة حرب‬
‫الحركة‪ ،‬ال يزعمون بالطبع أن ھذه األخيرة لم يعدلھا مكان‬
‫في العلم العسكري‪.‬‬
‫وإنما يرون أنه ينبغي أن يكون دور حرب الحركة في‬
‫الحروب بين الدول األكثر تقدما من الناحيتين الصناعية‬
‫واالجتماعية‪ ،‬دورا تكتيكيا أكثر منه دورا استراتيجيا‪ ،‬وأن‬
‫تحتل المكانة التي كانت لحرب الحصار ‪siege warfare‬‬
‫بالنسبة لھا‪.‬‬
‫ينبغي أن يحدث مثل ھذا التحول أيضا في فن وعلم السياسة‪،‬‬
‫على األقل في الدول األكثر تقدما‪ ،‬حيث أصبح »المجتمع‬
‫المدني« بنية بالغة التعقيد‪ ،‬قادرة على المقاومة‪ ،‬مقاومة‬
‫»غارات« العامل االقتصادي المباشر بنتائجھا المأساوية‬
‫)األزمات والكساد‪ ...‬الخ(‪ .‬فأبنية المجتمع المدني الفوقية أشبه‬
‫بمنظومات الخنادق ‪ trench-Systems‬في الحرب الحديثة‪.‬‬
‫وفي الحرب يبدو أحيانا‪ ،‬أن ھجوما ضاريا بالمدفعية قد دمر‬
‫كل النظام الدفاعي للعدو‪ ،‬في حين أنه لم يدمر في الحقيقة‬
‫سوى المحيط الخارجي ‪ ،the outer perimeter‬وعند التقدم‬
‫والھجوم‪ ،‬قد يجد المھاجمون أنفسھم أمام خط دفاعي ال يزال‬
‫ف ّعاال‪.‬‬
‫ونفس الشيء يحدث في السياسة إبان األزمات االقتصادية‬
‫الكبرى‪ .‬فال يمكن أن تتيح األزمة الفرصة لقوى المھاجمة‬
‫‪255‬‬

‫‪http://nj180degree.com‬‬

‫لتنظم صفوفھا في لمح البصر زمانا ومكانا‪ .‬ناھيك عن إذكاء‬
‫روح القتال لديھا‪ .‬وھي بالمثل لم تؤد إلى انھيار معنويات‬
‫المدافعين‪ ،‬وتخليھم عن مواقعھم‪ ،‬وفقدان ثقتھم في قوتھم أو‬
‫في مستقبلھم‪ ،‬وبالطبع‪ ،‬ال تبقى األشياء كما كانت تماما‪ .‬ولكن‬
‫المؤكد أن الزمن لن تتسارع عجلته‪ ،‬ولن نرى الزحف المظفر‬
‫‪political‬‬
‫الذي تنبأ به إستراتيجيو الكادورنية السياسية‬
‫‪.Cadornism‬‬
‫وآخر حادثة من ھذا النوع في تاريخ السياسة‪ ،‬أحداث ‪1917‬‬
‫التي كانت نقطة تحول حاسمة في تاريخ فن وعلم السياسة‪.‬‬
‫المطلوب إذن ھو دراسة » ُمتع ﱢمقة« لمعرفة أي عناصر‬
‫المجتمع المدني يناظر األنظمة الدفاعية في حرب المواقع‬
‫الثابتة‪.‬‬
‫لقد استخدمنا عن قصد كلمة »متعمقة« ألن أحداث ‪ 1917‬لم‬
‫تدرس إال من وجھة نظر سطحية ومبتذلة‪ ،‬مثلما يدرس بعض‬
‫مؤرخي المجتمع تقلبات المودة في أزياء السيدات‪ .‬أو من‬
‫وجھة نظر »عقالنية«‪ ،‬معتقدين انه يمكن القضاء على بعض‬
‫الظواھر بمجرد تفسيرھا تفسيرا »عقالنيا« كما لو كانت‬
‫خرافات شعبية )وھي أيضا لم يقض عليھا‪ ،‬على أي حال‪،‬‬
‫لمجرد أنھا فسرت(‪.‬‬
‫وتتصل قضية النجاح الھزيل الذي أحرزته االتجاھات الحديثة‬
‫في الحركة النقابية بھذه الطائفة من القضايا )‪ .(19‬وربما‬
‫تكون أول محاولة للبدء في مراجعة األساليب التكتيكية الحالية‬
‫ھي تلك التي أوجزھا ‪} L.Dav.Br‬تروتسكي{ في االجتماع‬
‫الرابع )لمؤتمر الكومنترن ‪-‬المترجم( عندما قارن بين الجبھة‬
‫الشرقية والجبھة الغربية )‪ .(20‬فالجبھة األولى سقطت في‬
‫الحال‪ ،‬ولكن أعقبتھا صراعات لم يسبق لھا مثيل‪ ،‬أما في‬
‫الجبھة الثانية فكان ال بد أن تقع ھذه الصراعات »أوال«‪.‬‬
‫المشكلة إذن‪ ،‬ھي معرفة ما إذا المجتمع المدني سيقاوم قبل أم‬
‫بعد محاولة االستيالء على السلطة؟ وأين ستقع ھذه‬
‫المحاولة‪ ...‬الخ‪ .‬لقد لخصت المشكلة بأسلوب أدبي رائع‪،‬‬
‫ولكنه خال من التوجيھات العملية‪ :1934-1933} .‬الصيغة‬
‫األولى ‪.{1932-1930‬‬

‫‪256‬‬

‫‪http://nj180degree.com‬‬

‫علينا أن نعرف ما إذا كانت نظرية برونشتين ‪Bronstien‬‬
‫}تروتسكي ‪-‬المترجم{ الشھيرة عن الطبيعة الدائمة للحركة‬
‫)‪ (21‬ھي انعكاس سياسي لنظرية حرب الحركة )تذكر‬
‫مالحظة كراسنوف الجنرال القوقازي(‪ ،‬أي ما إذا كانت في‬
‫النھاية انعكاسا للظروف االقتصادية‪-‬االجتماعية‪-‬الثقافية‬
‫العامة‪ ،‬في بلد ھياكل الحياة الوطنية فيه رخوة وجنينية‪،‬‬
‫ويستحيل أن تصبح بمثابة »الخندق أو القلعة«‪ .‬يمكننا أن نقول‬
‫–في ھذه الحالة‪ -‬أن برونشتين الذي يبدو »غربي« التفكير‪،‬‬
‫ھو في الحقيقة كوزموبوليتاني ‪ ،cosmopolilitan‬أي قومي‬
‫سطحي‪ ،‬وغربي أو أوربي سطحي بعكس اليتش ‪Ilitch‬‬
‫}لينين{ الذي كان قوميا وأوروبيا حتى النخاع‪.‬‬
‫يذكرنا برنشتين في مذكراته بما قيل له من أن نظريته أثبتت‬
‫صحتھا‪ ...‬بعد مضي خمسة عشر عاما‪ .‬وھو بھذا يرد على‬
‫السخرية الالذعة بسخرية مماثلة‪ .‬والحق أن نظريته لم تكن‬
‫صحيحة‪ ،‬ال بقل وال بعد مضي خمسة عشر عاما‪ .‬مثله في‬
‫ذلك‪ ،‬مثل الرجل العنيد الذي حدثنا عنه جويتشيارديني‪ ،‬والذي‬
‫كان تخمينه صحيحا إلى حد ما أي من الناحية العملية العامة‪.‬‬
‫كمن يتنبأ بأن طفلة في الرابعة من عمرھا ستصبح زوجة في‬
‫يوم من األيام‪ .‬فإذا تزوجت في العشرين‪ ،‬قال‪» :‬ألم أتنبأ بأنھا‬
‫ستصبح زوجة؟« متجاھال أن شخصاھا حاول اغتصابھا‬
‫عندما كانت في الرابعة معتقدا عندئذ أنھا ستصبح أما‪.‬‬
‫يبدو لي أن اليتش أدرك ضرورة التحول من حرب الحركة‬
‫التي طبقت بنجاح في الشرق في ‪ ،1918‬إلى حرب المواقع‪،‬‬
‫التي كانت الشكل الوحيد الممكن في الغرب‪ ،‬حيث يمكن‬
‫للجيوش –كما الحظ كراسنوف‪ -‬أن تجمع كميات ال حد لھا‬
‫من الذخيرة‪ ،‬وحيث ال تزال الھياكل االجتماعية قادرة على‬
‫التحول إلى تحصينات مدججة بالسالح‪ .‬ھذا في رأيي ما تعنيه‬
‫صيغة »الجبھة المتحدة« التي تضع مفھوم الجبھة الواحدة في‬
‫مقابل مفھوم التحالف تحت قيادة فوش ‪ Foch‬المنفردة‪.‬‬
‫غير أنه لم يكن لدى اليتش الوقت لتفصيل صيغته‪ .‬ومع ذلك‪،‬‬
‫علينا أن نتذكر أن كل ما كان يمكنه أن يفعله ھو أن يفصلھا‬
‫نظريا‪ ،‬أما المھمة األساسية فكانت مھمة قومية‪ ،‬أي أنھا كانت‬
‫تتطلب استكشاف األرضية‪ ،‬وتحديد العناصر التي تمثل‬
‫الخندق والقلعة في المجتمع المدني‪ ...‬الخ‪ .‬كانت الدولة في‬
‫روسيا كل شيء‪ ،‬وكان المجتمع المدني بدائيا وھالميا‪ ،‬أما في‬
‫‪257‬‬

‫‪http://nj180degree.com‬‬

‫الغرب فكان ھناك تناسب سليم بين الدولة والمجتمع المدني‪.‬‬
‫فعندما تتزعزع أركان الدولة‪ ،‬تظھر على الفور البنية القوية‬
‫للمجتمع المدني‪ .‬فالدولة خندق خارجي تقف وراءه منظومة‬
‫جبارة من القالع والمتاريس‪ ،‬التي يتفاوت عددھا من بلد إلى‬
‫آخر‪ .‬وھذا بالتحديد‪ ،‬يقتضي استكشافا دقيقا لكل بلد على حدة‪.‬‬
‫ويمكننا أن نقارن بين نظرية برونشتين ونظرية بعض‬
‫السندكاليين الفرنسيين حول اإلضراب العام‪ ،‬وبنظرية روزا‬
‫}لوكسمبورغ{ في العمل الذي ترجمته اليساندري‬
‫‪ ،Alessandri‬ولقد أثر كتاب ونظريات روزا لوكسمبورغ‬
‫على أية حال في السندكاليين الفرنسيين‪ ،‬كما يتضح من بعض‬
‫مقاالت روزمر ‪ (22) Rosmer‬عن ألمانيا في صحيفة الحياة‬
‫العمالية ‪) Vie Ouvrière‬ظھرت المجموعة األولى في شكل‬
‫كتب(‪ .‬وھي أيضا تعتمد جزئيا على نظرية التلقائية أو العفوية‬
‫‪{1932-1930} .theory of spontaneity‬‬
‫االنتقال من حرب الحركة )الھجوم المباشر ‪Frontal‬‬
‫‪ (attack‬إلى حرب المواقع –في الميدان السياسي أيضا‬
‫يبدو لي أن ھذه أھم قضايا النظرية السياسية‪ ،‬التي طرحتھا‬
‫فترة ما بعد الحرب‪ ،‬واألصعب في حلھا حال صحيحا‪ .‬وھي‬
‫تتصل بالمشكالت التي أثارھا برونشتين }تروتسكي{ الذي‬
‫يعد المنظر السياسي للھجوم المباشر"‪ ،‬في فترة ال بد أن‬
‫يؤدي فيھا ھذا الھجوم إلى الھزائم‪ .‬وصلة ھذا التحول في علم‬
‫السياسة بالتحول الذي حدث في الميدان العسكري ليست إال‬
‫صلة )غير مباشرة(‪ ،‬وھي مع ذلك‪ ،‬صلة قائمة وجوھرية‪.‬‬
‫إن حرب المواقع تتطلب تضحيات ھائلة من جماھير غفيرة‪.‬‬
‫ومن ھنا كانت ضرورة تركز القيادة بصورة لم يسبق لھا‬
‫مثيل‪ ،‬وبالتالي ضرورة وجود حكومة أكثر »تدخال«‬
‫ضد‬
‫السافر‬
‫الھجوم‬
‫موقف‬
‫تتخذ‬
‫‪،intervtionist‬‬
‫المعارضين‪ ،‬وتھيئ باستمرار الشروط الالزمة التي تضمن‬
‫»استحالة« االنھيار الداخلي‪ ،‬مستخدمة الضوابط ‪controls‬‬
‫على اختالف أنواعھا‪ ،‬السياسية واإلدارية‪ ...‬الخ‪ ،‬ومعززة‬
‫»مواقع« ھيمنة الجماعة المسيطرة‪ ... ،‬الخ‪ .‬وھذا كله على‬
‫أننا دخلنا طور الذروة في الوضع السياسي التاريخي‪ ،‬ألن‬
‫كسب حرب »المواقع الثابتة« يعني كسبھا نھائيا‪ .‬وبعبارة‬
‫‪258‬‬

‫‪http://nj180degree.com‬‬

‫أخرى‪ ،‬تبقى حرب الحركة في السياسة مستمرة‪ ،‬طالما أن‬
‫المسألة ھي كسب مواقع غير حاسمة‪ ،‬وبالتالي ال تع ْبّئ الدولة‬
‫كل موارد ھيمنتھا ‪the resources of the States's‬‬
‫‪ .hegemongy‬ولكن إذا فقدت ھذه المواقع أھميتھا لسبب أو‬
‫آلخر‪ ،‬وأصبحت المواقع الحاسمة ھي وحدھا المعرضة‬
‫للخطر‪ ،‬عندئذ يتعين االنتقال إلى حرب الحصار‪ ،‬وھي حرب‬
‫مركزة وشاقة‪ ،‬وتتطلب التحلي بالصبر‪ ،‬والقدرة على اإلبداع‪،‬‬
‫وفي السياسة‪ ،‬وبالرغم من كل المظاھر‪ ،‬يكون الحصار‬
‫متبادال‪ ،‬وعلى الحاكم أن يحشد كل موارده‪ .‬ھذه الحقيقة‬
‫وحدھا كافية إلثبات أنه يأخذ خصومه مأخذ الجد‪-1930} .‬‬
‫‪{1932‬‬
‫»إن المقاومة الطويلة للغاية في معسكر محاصر ھي في‬
‫ذاتھا مثبطة للمعنويات‪ .‬إنھا تعني المعاناة واإلرھاق‪،‬‬
‫والحرمان من الراحة‪ ،‬والمرض‪ ،‬والخطر الشديد المستمر‬
‫المدمر وليس الخطر المزمن الذي يزيد صالبة اإلنسان«‪.‬‬
‫كارل ماركس‪ :‬المسألة الشرقية‪ 14 .‬سبتمبر‪/‬أيلول ‪.1855‬‬
‫السياسة والعلم العسكري‬
‫يندرج تكتيك الجماھير الكبيرة ‪tactic of great masses‬‬
‫وتكتيك الجماعات الصغيرة المباشر ‪immediate tactic of‬‬
‫‪ small groups‬في إطار النقاش حول حرب المواقع وحرب‬
‫الحركة لما لھما من انعكاس على سيكولوجية القادة العظام‬
‫)االستراتيجيين( ومرءوسيھم على السواء‪ .‬إنھما )إذا جاز‬
‫التعبير( ھمزة الوصل بين اإلستراتيجية والتكتيك في علم‬
‫السياسة وفي العلم العسكري‪.‬‬
‫ويميل األفراد )حتى باعتبارھم العناصر المكونة للجماھير‬
‫العريضة( بغريزتھم إلى تصور الحرب كـ»حرب أنصار«‬
‫‪ partisan war‬أو على غرار »حرب غريبالدي«‬
‫‪) Garibaldine warfare‬وھي شكل أرقى لـ»حرب‬
‫أنصار«(‪.‬‬
‫في السياسة يكون الخطأ نتيجة لعدم الفھم الدقيق لحقيقة ماھية‬
‫الدولة )بمعناھا المتكامل‪ :‬دكتاتورية ‪ +‬قيادة(‪ .‬وفي الحرب‬
‫خطأ مماثل انتقل إلى معسكر العدو )الفشل ال في فھم دولته‬
‫‪259‬‬

‫‪http://nj180degree.com‬‬

‫فحسب بل وفي فھم دولة العدو أيضا(‪ .‬والخطأ في الحالتين‬
‫‪individual‬‬
‫الفردية‬
‫الخصوصية‬
‫إلى‬
‫يرجع‬
‫‪ particularism‬للمدينة أو اإلقليم‪ ،‬مما يؤدي إلى االستخفاف‬
‫بقوة العدو وبتنظيمه القتالي‪.{1932-1930} .‬‬
‫األممية والسياسة القومية‬
‫لجوزيف فيساريا نوفتش }ستالين{ كتاب )في صورة أسئلة‬
‫وأجوبة( يرجع تاريخه إلى سبتمبر‪/‬أيلول ‪ :1927‬يعالج‬
‫القضايا الرئيسية في علم وفن السياسة‪ .‬والقضية التي يبدو لي‬
‫أنھا تحتاج المزيد من التفصيل ھي‪ :‬كيف ندرس الوضع‬
‫الدولي في جانبه القومي‪ ،‬في ضوء فلسفة الممارسة )كما‬
‫تتجلى سياسيا(‪ ،‬سواء كما صاغھا مؤسسھا }ماركس{‪ ،‬أو‬
‫كما أعاد صياغتھا أحدث وأعظم منظريھا }لينين{‪ .‬إن‬
‫العالقات الداخلية ألية أمة ھي في الحقيقة نتاج لتركيبة‬
‫»أصيلة« وفريدة )بمعنى ما(‪ :‬ينبغي أن نفھم ھذه العالقات‬
‫وأن نتصورھا في أصالتھا وتفردھا‪ ،‬إذا أردنا أن نسيطر‬
‫عليھا وأن نوجھھا‪.‬‬
‫إن خط التطور يتجه بالتأكيد نحو األممية‪ ،‬ولكن ينبغي أن‬
‫يكون المنطلق »قوميا« "غير أن المنظور أممي‪ ،‬وال يمكن‬
‫إال أن يكون كذلك‪ .‬ولذلك‪ ،‬ال بد أن ندرس بدقة ائتالف القوى‬
‫الوطنية ‪ the combination of national forces‬التي‬
‫سيكون على الطبقة األممية أن تقود وتطوه وفقا للمنظور‬
‫والتوجيھات األممية }أي منظور وتوجيھات الكومنترن{‪.‬‬
‫ولكي تكون الطبقة قائدة ال بد أن تعتبر بدقة عن ھذا االئتالف‪،‬‬
‫التي تُعد أحد مكوناته‪ ،‬والتي تكون لھذا السبب بالتحديد‪ ،‬قادرة‬
‫على توجي الحركة في اتجاه معين وفي إطار منظورات‬
‫محددة‪ .‬ھذه النقطة ھي في رأيي محور الخالف األساسي بين‬
‫ليود دافيدفوفيتش ‪} Leo Davidovitch‬تروتسكي{‬
‫وفيسريانوفيش ‪}Vissarianovitch‬ستالين{ باعتباره المعبر‬
‫عن أغلبية الحركة }‪.{Bolshevism‬‬
‫وال محل لالتھام بالنزعة القومية إذا كان المقصود ھو لب‬
‫المسألة‪ ،‬وإذا درسنا ضال األغلبية }البالشفة{ في الفترة من‬
‫‪ 1902‬حتى ‪ 1917‬لوجدنا أن أصالته تتمثل في تنقية مفھوم‬
‫األممية من أي عنصر غامض أو إيديولوجي محض )بالمعنى‬
‫القبيح للكلمة(‪ ،‬وإعطاء ھذا النضال مضمونا سياسيا واقعيا‪.‬‬
‫‪260‬‬

‫‪http://nj180degree.com‬‬

‫ومفھوم الھيمنة‪/‬القيادة ھو المفھوم الذي تتضافر فيه ھذه‬
‫المتطلبات ھذا الطابع القومي‪ .‬ونحن نفھم لماذا ال تذكر بعض‬
‫االتجاھات ھذا المفھوم‪ ،‬أو تمر عليه مر الكرام‪.‬‬
‫تتقومن« بمعنى ما ‪to‬‬
‫وعلى الطبقة األممية بطبيعتھا أن »‬
‫َ‬
‫‪ ،natinalis itself‬طالما أنھا تقود فئات اجتماعية ذات نزعة‬
‫قومية ضيقة األفق )المثقفون(‪ ،‬بل كثيرا ما تكون رؤيتھا دون‬
‫المستوى القومي‪ :‬إقليمية ومحلية النزعة )الفالحون( فضال‬
‫عن أنه ليس »تَقومنا« بمعناه الضيق للغاية‪ ،‬فال بد من المرور‬
‫فيھا أنواع االتحادات اإلقليمية‬
‫براحل كثيرة قد تتباين‬
‫‪) regional combinations‬بين مجموعات من األمم(‪،‬‬
‫وذك قبل خلق الشروط الالزمة لقيام اقتصاد يسير وفقا لخطة‬
‫عالمية‪ .‬كذلك ال ينبغي أن نسى أبدا‪ ،‬أن التطور يسير وفقا‬
‫لقوانين الضرورة‪ ،‬إلى أن ينتقل زمام البادرة نھائيا إلى أيدي‬
‫القوى التي تتجه إلى البناء وفق لخطة لتقسيم العمل‪ ،‬تقوم على‬
‫السالم والتضامن }أي تنتقل إلى أيدي القوى االشتراكية{‪.‬‬
‫وخطأ المفاھيم الالقومية‪ ،‬و مجافاتھا للمنطق السليم واضح‪:‬‬
‫فقد أدت إلى السلبية والعجز في مرحلتين متميزتين‪ -1 :‬ففي‬
‫المرحلة األولى لم يكن أحد يعتقد أن عليه أن يبدأ –أي أن‬
‫الناس كانوا يعتقدون أنھم إذا ما بدءوا سوف يجدون أنفسھم‬
‫معزولين‪ ،‬فانتظروا حتى يتحرك الجميع‪ .‬غير أن أحدا لم‬
‫يتحرك‪ ،‬أو يتصدى لتنظيم الحركة‪.‬‬
‫‪ -2‬والمرحلة الثانية أسوأ من األولى ألن ما كانوا ينتظرون‬
‫كان شكال باليا من »النابليونية« "‪ "Napoleonism‬مناف‬
‫للطبيعة )ألن األطوار التاريخية ال تتكرر كلھا بنفس الشكل(‬
‫)‪.(23‬‬
‫وتتخفى جوانب الضعف النظرية لھذا الشكل الحديث للنظرة‬
‫الميكانيكية القديمة وراء قناع النظرية العامة للثورة الدائمة‪،‬‬
‫وھي ليست إال تنبؤا عاما‪ ،‬يق ّدم على أنه عقيدة‪ ،‬ويتقوض ألنه‬
‫ال يتحقق في الواقع‪{1933} .‬‬
‫قضية »اإلنسان الجماعي« أو قضية »االتباعية الجماعية«‬
‫‪Problem of the Collective Man or of Social‬‬
‫‪Conformism‬‬
‫‪261‬‬

‫‪http://nj180degree.com‬‬

‫دور الدولة التربوي والتكويني‪ ،‬وھدفھا ھو دائما خلق أنماط‬
‫جديدة وأرقى من الحضارة‪ ،‬وھو تكييف »حضارة« وأخالق‬
‫الجماھير الشعبية العريضة لتالئم ضرورات التطور المطرد‬
‫للجھاز االقتصادي لإلنتاج‪ ،‬وبالتالي تنمية أنماط جديدة من‬
‫البشر حتى من الناحية البدنية‪.‬‬
‫ولكن كيف يتسنى لكل فرد على حدة‪ ،‬أن يتوحد مع اإلنسان‬
‫الجماعي ‪ .collective man‬وكيف يستخدم الضغط التربوي‬
‫‪ educative pressure‬على كل فرد من األفراد على حدة‪،‬‬
‫لكسب رضاھم وتعاونھم‪ ،‬فتتحول الضرورة والقسر إلى‬
‫»حرية«؟‬
‫قضية »القانون«‪ :‬ينبغي توسيع ھذا المفھوم ليشمل تلك‬
‫األنشطة التي تصنف حاليا باعتبارھا »محايدة قانونا«‬
‫‪ ، legally neutral‬والتي تنتمي إلى مجال المجتمع المدني‪،‬‬
‫الذي يعمل بغير حاجة إلى جزاءات أو »التزامات« إجبارية‬
‫تتمثل في تطور العادات‪ ،‬وطرائق التفكير‪ ،‬والسلوك‪،‬‬
‫واألخالق‪ ...‬الخ‪.‬‬
‫نشأ المفھوم السياسي لما يسمى بـ»الثورة الدائمة« قبل ‪1848‬‬
‫كتعبير علمي متطور عن التجربة اليعقوبية ابتداء من ‪1789‬‬
‫حتى ترميدور ‪ .Thermidor‬وينتمي ھذا التعبير إلى فترة‬
‫تاريخية لم تكن قد وجدت فيھا بعد األحزاب السياسية‬
‫الجماھيرية الضخمة‪ ،‬والنقابات االقتصادية الكبرى‪ .‬وكان‬
‫المجتمع ال يزال في حالة سيولة من عدة نواحي‪ :‬ريف أكثر‬
‫تخلفا‪ ،‬واحتكار بضعة مدن أو حتى مدينة واحدة )باريس في‬
‫حالة فرنسا( للسلطة السياسية ولسلطة الدولة احتكارا يكاد أن‬
‫يكون كامال‪ ،‬وجھاز دولة بدائي نسبيا‪ ،‬واستقاللية أكبر‬
‫للمجتمع المدني عن نشاط الدولة ومنظومة خاصة للقوات‬
‫المسلحة‪ ،‬وللھيئات القومية المسلحة‪ ،‬واستقاللية أكبر‬
‫لالقتصاديات القومية عن العالقات االقتصادية للسوق‬
‫العالمية‪ ...‬الخ‪.‬‬
‫ولقد تغيرت كل ھذه العناصر في الفترة التي أعقبت ‪،1870‬‬
‫مع توسيع أوروبا االستعماري‪ :‬أصبحت عالقات الدولة‬
‫التنظيمية الداخلية والدولية أكثر تعقيدا وشموال‪ .‬ووسعت‬

‫‪262‬‬

‫‪http://nj180degree.com‬‬

‫صيغة »الھيمنة المدنية« ‪ Civil hegemony‬صيغة »الثورة‬
‫الدائمة« لعام ‪ 1848‬في علم السياسة وتجاوزتھا‪.‬‬
‫وما حدث في فن السياسة‪ ،‬حدث في فن الحرب‪ :‬فأصبحت‬
‫حرب الحركة بصورة متزايدة حرب مواقع ويمكن القول أن‬
‫الدولة ستكسب الحرب إذا أُعدت في السلم إعدادا دقيقا‪.‬‬
‫والھياكل الصلبة للديموقراطيات الحديثة‪ ،‬سواء كانت‬
‫منظمات الدولة‪ ،‬أو تجمعا من الجمعيات ‪complex of‬‬
‫‪ associations‬في المجتمع المدني‪ ،‬تمثل بالنسبة لفن‬
‫السياسة‪ ،‬ما تمثله »الخنادق« والتحصينات الدائمة على‬
‫الجبھة في حرب المواقع‪ :‬لقد جعلت من عنصر الحركة مجرد‬
‫»جزء« من الحرب بعد أن كانت الحرب كلھا‪ ...‬الخ‪.‬‬
‫ھذه القضية مطروحة على الدول الحديثة ال على الدول‬
‫المتخلفة أو المستعمرات‪ ،‬حيث ال تزال األشكال البالية التي تم‬
‫تجاوزھا فعالة‪ .‬وال بد أيضا‪ ،‬من دراسة قضية أھمية‬
‫اإليديولوجيات في أي بحث في علم السياسة‪-1933} .‬‬
‫‪{1934‬‬
‫علم االجتماع وعلم السياسة‬
‫ترتبط نشأة علم االجتماع بانحطاط مفھوم علم وفن السياسة‬
‫في القرن التاسع عشر )أو بالدقة في النصف الثاني من القرن‬
‫التاسع عشر‪ ،‬مع النجاح الذي حققته النظريات التطورية‬
‫والوضعية(‪ .‬فكل ما له أھمية حقيقية في علم االجتماع ليس‬
‫شيئا آخر غير علم السياسة‪ .‬وأضحت »السياسة« ‪Politics‬‬
‫مرادفا للسياسة البرلمانية‪ ،‬أو السياسة الشللية‪ .‬واعتقاد أن‬
‫الدساتير والبرلمانات ھي فاتحة عصر التطور »الطبيعي«‪،‬‬
‫وأن المجتمع قد اكتشف أسسه المحددة ألنھا أسس عقالنية‪...‬‬
‫الخ‪ .‬ويا للعجب‪ ،‬لقد أصبح في إمكاننا اآلن دراسة المجتمع‬
‫باستخدام مناھج الطبيعة! إن مثل ھذه اآلراء تؤدي إلى إفقار‬
‫مفھوم الدولة‪ .‬وإذا كان علم السياسة يعني علم الدولة‬
‫‪ ،Science of the State‬وكانت الدولة ھي كل ذلك‬
‫المركب من األنشطة العملية والنظرية التي تبرر بھا الطبقة‬
‫الحاكمة سيطرتھا وتحافظ عليھا‪ ،‬بل وتمكنھا من كسب رضاء‬
‫من تحكمھم‪ ،‬فمن البديھي أن تكون كل قضايا علم االجتماع‬

‫‪263‬‬

‫‪http://nj180degree.com‬‬

‫الجوھرية‪ ،‬ھي ذاتھا قضايا علم السياسة‪ .‬ولن يتبقى بعد ذلك‬
‫غير القضايا الزائفة والتافھة‪.‬‬
‫ولھذا كانت المشكلة التي واجھت بوخارين عندما كتب كتيبه‬
‫الشعبي )نظرية المادية التاريخية‪ :‬موجز شعبي لعلم االجتماع‬
‫الماركسي ‪-‬المترجم( ھو تحديد المكانة التي يمكن أن يحتلھا‬
‫علم السياسة بالنسبة لفلسفة الممارسة‪ :‬أي معرفة ما إذا كانا‬
‫شيئا واحدا )وھو زعم ال يمكن الدفاع عنه إال من وجھة نظر‬
‫وضعية فجة للغاية(‪ ،‬أم أن علم السياسة ھو مجموعة المبادئ‬
‫االمبريقية أو العلمية المستنبطة من رؤية أوسع للعالم‪ ،‬أو‬
‫فلسفة بالمعنى الصحيح‪ ،‬أم أن ھذه الفلسفة ليست إال علم‬
‫المفاھيم والمقوالت العامة التي أنشاھا علم السياسة‪ ...‬الخ‪.‬‬
‫إذا صح أنه ال يمكن تصور اإلنسان إال باعتباره إنسانا محددا‬
‫تاريخيا‪ ،‬أي إنسانا عاش وتطور في ظروف محددة‪ ،‬في ظل‬
‫تركيبة‪ ،‬أو وحدة متكاملة من العالقات االجتماعية‪ ،‬أال يمكن‬
‫عندئذ‪ ،‬النظر على علم االجتماع‪ ،‬باعتباره ببساطة‪ ،‬دراسة‬
‫تلك الظروف والقوانين التي تحكم تطورھا؟ طالما أنه ال يمكن‬
‫إسقاط إرادة البشر ومبادراتھم من الحساب‪ ،‬فال بد أن تكون‬
‫ھذه الفكرة خاطئة‪.‬‬
‫وقضية »العلم« ذاته ال بد أن تطرح‪ .‬أليس العلم ذاته‬
‫»نشاطا« سياسيا‪ ،‬وفكرا سياسيا‪ ،‬طالما أنه يغير البشر‪،‬‬
‫ويجعلھم مختلفين عما كانوا عليه من قبل؟ وإذا كان كل شيء‬
‫»سياسة«‪ ،‬فال بد إذن‪ ،‬حتى نتجنب االنزالق إلى المالحظات‬
‫التافھة المملة‪ ،‬أن نميز بين السياسة بمعنى علم »الفلسفة« من‬
‫جھة‪ ،‬والسياسة بمعنى علم السياسة بمعناه الضيق من جھة‬
‫أخرى‪.‬‬
‫وإذا كان العلم ھو »اكتشاف« حقيقة لم تكن معروفة من قبل‪،‬‬
‫أفال ينظر إلى ھذه الحقيقة باعتبارھا متعالية بمعنى ما‬
‫أال يعتقد أن ھناك شيئا ال يزال‬
‫‪transcendent‬؟‬
‫»مجھوال«‪ ،‬ومن ثم »متعاليا«؟ أال يعني إذن تصور العلم كـ‬
‫»إبداع« ‪ creation‬أنه ھو أيضا »سياسة«؟ األمر يتوقف‬
‫على معرفة إذا كان ھذا اإلبداع »اعتباطيا« أم »رشيدا«‬
‫‪ ،rational‬أي علما ينفع الناس‪ ،‬إذ بوسع رؤيتھم للحياة‪،‬‬
‫ويرتقي بالحياة ذاتھا إلى مستويات أعلى )يطورھا( )‪.(*24‬‬

‫‪264‬‬

‫‪http://nj180degree.com‬‬

‫الھيمنة )المجتمع المدني( والفصل بين السلطات‬
‫إن مبدأ الفصل بين السلطات )‪ (25‬وكل ما أثار تطبيقه من‬
‫مناقشات وما تمخض عنه من مذاھب قانونية‪ ،‬ھو نتاج‬
‫للصراع بين المجتمع المدني والمجتمع السياسي في فترة‬
‫تاريخية محددة‪ .‬وتتميز ھذه الفترة بنوع من التوازن غير‬
‫المستقر بين الطبقات ھو نتاج لواقع أن بعض فئات المثقفين‬
‫)الذين في خدمة الدولة مباشرة‪ ،‬وخاصة البيروقراطية المدنية‬
‫والعسكرية( ال يزال يرتبط ارتباطا وثيقا بالطبقات المسيطرة‬
‫القديمة‪ .‬وبعبارة أخرى‪ ،‬يدور داخل المجتمع المدني ما أسماه‬
‫كروتشه »الصراع« الدائم بين الكنيسة والدولة على اعتبار‬
‫أن الكنيسة تمثل المجتمع المدني ككل )في حين أنھا ليست إال‬
‫عنصرا‪ ،‬تتناقض أھميته داخله(‪ ،‬والدولة تمثل كل محاولة‬
‫لبلورة مرحلة معينة من مراحل التطور‪ ،‬أي بلورة وضع‬
‫معين وتثبيته‪.‬‬
‫في ھذا السياق‪ ،‬تصبح الكنيسة ذاتھا دولة‪ .‬وقد ينشب الصراع‬
‫بين المجتمع المدني العلماني )أو المعلمن ‪(Secularising‬‬
‫من جھة‪ ،‬والدولة‪/‬الكنيسة من جھة أخرى )عندما تصبح‬
‫الكنيسة جزءا ال يتجزأ من الدولة‪ ،‬أي من المجتمع السياسي‬
‫الذي تحتكره جماعة متميزة‪ ،‬تستحوذ على الكنيسة لتحافظ‬
‫على احتكارھا‪ ،‬استنادا إلى تأييد ذلك القطاع من المجتمع الذي‬
‫تمثله الكنيسة(‪.‬‬
‫للفصل بين السلطات أھمية جوھرية بالنسبة لليبرالية السياسة‬
‫واالقتصادية‪ .‬ويمكن إيجاز كل اإليديولوجية الليبرالية بما فيھا‬
‫من مواطن القوة والضعف في مبدأ الفصل بين السلطات‪.‬‬
‫وھو‪:‬‬
‫الليبرالية‬
‫في‬
‫الضعف‬
‫موطن‬
‫يظھر‬
‫عندئذ‬
‫البيروقراطية‪ ،‬أي تبلور الكوادر العليا ‪the crystalisation‬‬
‫‪ ،of the leading personnel‬التي تمارس سلطة القھر‪،‬‬
‫والتي تتحول في لحظة معينة إلى طبقة مغلقة ‪ .caste‬ومن‬
‫ھنا كان المطلب الشعبي‪ ،‬أن تكون كل المناصب باالنتخاب‪،‬‬
‫وھو مطلب ليبرالي متطرف‪ .‬وھو يعني في نفس الوقت‬
‫تصفية الليبرالية )مبدأ الجمعية التأسيسية الدائمة‪ ...‬الخ‪ .‬وفي‬
‫الجمھوريات‪ ،‬يوھم انتخاب رئيس الدولة لفترات محددة‪،‬‬
‫بتلبية ھذا المطلب الشعبي(‪.‬‬

‫‪265‬‬

‫‪http://nj180degree.com‬‬

‫وحدة الدولة من خالل السلطات ‪unity of the state in‬‬
‫‪ :the differentiation‬برلمان أوثق ارتباطا بالمجتمع‬
‫المدني‪ ،‬وسلطة قضائية تنتصب ما بين الحكومة والبرلمان‪،‬‬
‫وتمثل استمرارية القانون )حتى ضد الحكومة(‪ .‬والسلطات‬
‫الثالث ھي أيضا‪ ،‬بطبيعة الحال‪ ،‬أجھزة الھيمنة السياسة‬
‫‪ ،organs of political hegemony‬وإن يكن بدرجات‬
‫متفاوتة‪ -1 :‬السلطة التشريعية‪ -2 .‬السلطة القضائية‪-3 .‬‬
‫السلطة التنفيذية‪ .‬وتجدر اإلشارة إلى التأثير المدمر‬
‫لالنحرافات في إدارة العدالة بالذات وانعكاسه على الجمھور‪:‬‬
‫فھذا ھو أكثر قطاعات جھاز الھيمنة حساسية‪ ،‬الجھاز الذي قد‬
‫يحال إليه أيضا األعمال التعسفية للبوليس واإلدارة السياسة‪.‬‬
‫}‪{1932-1930‬‬
‫مفھوم القانون‬
‫ال نجد مفھوما متكامال ومجدﱢدا في جوھره في أي مذھب من‬
‫المذاھب السابقة )وال حتى فيما يسمى بالمدرسة الوضعية‪،‬‬
‫وعلى األخص مذھب فيرﱟ ي )‪ .(26‬وإذا أرادت أي دولة أن‬
‫تخلق حضارة من طراز جديد ومواطنا من نوع جديد‬
‫)وبالتالي نمطا جديدا من الحياة الجماعية والعالقات بين‬
‫األفراد( وأن تتخلص من بعض العادات والميول‪ ،‬وأن تنشر‬
‫عادات وميول جديدة‪ .‬عندئذ يصبح القانون أداة تحقيق ھذه‬
‫الغاية‪) ،‬إلى جانب نظام التعليم‪ ،‬والمؤسسات واألنشطة‬
‫األخرى( وال بد من تطويره ليالءم تحقيق ھذه الغاية‪ ،‬ولكي‬
‫يكون فعاال إلى أقصى درجة‪ ،‬ويحقق نتائج ايجابية‪.‬‬
‫وينبغي تنقية مفھوم القانون )‪ (27‬من كل مخلفات الفلسفة‬
‫الترنسندنتالية ‪ transcendetalism‬ومن كل التصورات‬
‫المطلقة‪ ،‬وتخليصه في الممارسة من كل نزعات التزمت‬
‫الخلقي‪.‬‬
‫ومع ذلك‪ ،‬يبدو لي أنه ينبغي أال ننطلق من وجھة النظر القائلة‬
‫بأن الدولة ال »تعاقب« )مع اختزال ھذا التعبير إلى معناه‬
‫اإلنساني(‪ ،‬بل تكافح فقط ما »يمثل خطرا« على المجتمع‪.‬‬
‫فينبغي في الواقع‪ ،‬أن ننظر إلى الدولة كـ»مرب« ‪educator‬‬
‫طالما أنھا تتجه إلى خلق نمط أو مستوى جديد من الحضارة‪.‬‬
‫ألن التأثير أساسا في القوى االقتصادية‪ ،‬وإعادة تنظيم جھاز‬
‫‪266‬‬

‫‪http://nj180degree.com‬‬

‫اإلنتاج االقتصادي وتطويره‪ ،‬أي خلق بنية جديدة‪ ،‬ال يعني أن‬
‫تترك العوامل البنيوية الفوقية وشأنھا لتنشأ اعتباطا وتتطور‬
‫تلقائيا‪ .‬فالدولة في ھذا الميدان أيضا‪ ،‬أداة لـ»الترشيد«‬
‫والتيلرة‬
‫‪acceleration‬‬
‫وللتعجيل‬
‫‪rationalisation‬‬
‫‪ ،Taylorisation‬فھي تعمل وفقا لخطة‪ ،‬إنھا تستحث‬
‫وتحرض و»تعاقب«‪ .‬فإذا ما خلقت الظروف التي تجعل‬
‫أسلوبا معينا للحياة »ممكنا«‪ ،‬وجب أن يكون لكل فعل‬
‫إجرامي أو امتناع جزاءا عقابيا له نتائج األدبية‪ .‬فال يكفي‬
‫الحكم عليه حكما عاما بأنه »خطر«‪ .‬القانون ھو الوجه‬
‫القمعي والسلبي لكل نشاط الدولة االيجابي والتمديني‬
‫‪ .civilising activity‬وينبغي أن يشمل أيضا مفھوم‬
‫القانون‪ ،‬جھود األفراد والجماعات في »منح الجوائز«‪ ...‬الخ‪.‬‬
‫فيكافئ على األعمال التي تستحق الثناء‪ ،‬مثلما يعاقب على‬
‫األعمال اإلجرامية )ويكون العقاب بأساليب جديدة‪ ،‬حيث‬
‫يستخدم »الرأي العام« كنوع من العقاب(‪:1934-1933} .‬‬
‫الصيغة األولى ‪.{1932-1931‬‬
‫علم السياسة والقانون الدستوري‬
‫نشرت مجلة االنطولوجيا الجديدة ‪ Nuova Antologia‬في‬
‫‪ 16‬ديسمبر‪/‬كانون األول ‪ 1929‬مالحظة موجزة لـ م‪.‬‬
‫أتزاليني ‪ M.Azzalini‬بعنوان‪ :‬السياسة علم وفن الدولة ‪La‬‬
‫‪ Politica scienza ed arte di Stato‬وقد يكون لھذه‬
‫المالحظة أھمية‪ ،‬باعتبارھا عرضا للمبادئ التي تتخبط بينھا‬
‫نزعة التبسيط العلمي المخل‪.‬‬
‫يستھل أتزاليني مالحظته مؤكدا أن من مآثر مكيافيلي المبھرة‬
‫أنه »حصر مفھوم السياسة داخل حدود الدولة«‪ .‬أما ما يعنيه‬
‫أتزاليني بھذا القول‪ ،‬فليس من السھل معرفته‪ ،‬فھو يستشھد‬
‫بفقرة من الفصل الثالث من األمير تقول‪:‬‬
‫»عندما قال لي كاردينال روين ‪ Cardinal of Rouen‬أن‬
‫االيطاليين ال يفھمون شيئا في الحرب‪ ،‬كان ردي أن‬
‫الفرنسيين ال يعرفون شيئا عن الدولة‪ ،‬واستند إلى ذا إلى‬
‫االقتباس الوحيد‪ ،‬ليؤكد أنه »ينبغي« إذن النظر إلى السياسة‬
‫)عند مكيافيلي( باعتبارھا علما‪ ،‬ھو علم الدولة‪ ،‬وھنا تكمن‬
‫عظمته‪...‬الخ«‪.‬‬

‫‪267‬‬

‫‪http://nj180degree.com‬‬

‫)ومارسيللو وھو من بدوا ‪(28) Marsillo of Padua‬‬
‫الوحيد –على ما يبدو‪ -‬الذي استخدم قبل مكيافيلي تعبير »علم‬
‫الدولة« بمعنى علم السياسة(‪ .‬ولم يكن ألتزاليني وزن يذكر‪،‬‬
‫وكان ضحال سطحي التفكير‪ .‬وحكاية الكاردينال روين‬
‫المنتزعة من سياقھا‪ ،‬ال معنى ال‪ .‬والمعنى الذي تحمل في‬
‫سياقھا ال يسمح باستنتاجات علمية‪ :‬فمن الواضح أنھا كانت‬
‫مجرد سخرية بارعة‪ ،‬وردا تلقائيا مفحما‪ .‬فعندما زعم‬
‫الكاردينال روين أن االيطاليين ال يفھمون شيئا في الحرب‪،‬‬
‫كان رد ميكيافيلي الفوري أن الفرنسيين ال يعرفون شيئا عن‬
‫الدولة‪ .‬وإال لم سمحوا للباب ببسط سلطته على ايطاليا‪ ،‬وھو‬
‫ما يتعارض مع مصالح الدول الفرنسية‪ .‬لقد كان مكيافيلي في‬
‫الحقيقة أبعد ما يكون عن االعتقاد بأن الفرنسيين ال يعرفون‬
‫شيئا عن الدولة‪ ،‬بل بالعكس‪ ،‬كان معجبا بالطريقة التي لمت‬
‫بھا الملكية )لويس الحادي عشر( شمل فرنسا في دولة موحدة‪.‬‬
‫وجعل من تصرفات الدولة الفرنسية مقياسا لألوضاع في‬
‫ايطاليا‪ .‬ومناقشته ھذه مع الكاردينال روين »عمل سياسي«‪،‬‬
‫وليست »علما سياسيا«‪ .‬ففي رأيي أنه إذا كان تزايد قوة البابا‬
‫يضر بـ»السياسة الخارجية« الفرنسية‪ ،‬فھو أشد إضرارا‬
‫بشئون ايطاليا الداخلية‪.‬‬
‫والشيء الغريب‪ ،‬أن أتزاليني الذي اختار ھذه الفقرة‬
‫المتناقضة لتكون مدخال لحديثه‪ ،‬يستطرد قائال أنه بالرغم من‬
‫الزعم بأن ھذا العلم يدرس الدولة‪ ،‬وھو تعريف )؟!( غير‬
‫دقيق بالمرة )!(‪ ،‬فال توجد أية إشارة إلى المعيار الذي يستخدم‬
‫في فحص موضوع البحث‪ .‬وعدم الدقة ھنا مطلقة‪ ،‬نظرا إلى‬
‫أن كل العلوم القانونية بصفة عامة‪ ،‬والقانون الدستوري بصفة‬
‫خاصة‪ ،‬تشير بصورة مباشرة أو غير مباشرة إلى الدولة«‪.‬‬
‫ماذا يعني ھذا كله‪ ،‬إذا ما طبقناه على مكيافيلي؟ ال أقل من‬
‫البلبلة الفكرية‪ :‬لقد ألف ميكافليي كتبا في »العمل السياسي‬
‫المباشر«‪ ،‬ال في الطوبويات التي تعبر عن التوق إلى دولة‬
‫جاھزة‪ ،‬بكل وظائفھا‪ ،‬وعناصرھا أيضا‪ .‬وعبر في معالجته‬
‫للحاضر ونقده‪ ،‬له عن مفاھيم عامة‪ ،‬وإن كان يعرضھا في‬
‫شكل أقرب إلى الحكم واألمثال المأثورة منه إلى الشكل‬
‫المنھجي‪ .‬كما عبر عن رؤية فريدة للعالم يمكن أن نسميھا ھي‬
‫أيضا »فلسفة الممارسة« أو »الھيومانية الجديدة« ‪neo-‬‬
‫‪ ،humanism‬طالما أنھا ال تعترف بالعوامل المتعالية‬
‫)بالمعنى‬
‫‪immanent‬‬
‫الباطنية‬
‫أو‬
‫‪transcendent‬‬
‫‪268‬‬

‫‪http://nj180degree.com‬‬

‫الميتافيزيقي(‪ ،‬بل تعتمد »كلية« على فعل اإلنسان الملموس‪،‬‬
‫الذي تجبره الضرورة التاريخية‪ ،‬على العمل وتغيير الواقع‪.‬‬
‫وليس صحيحا‪ ،‬أن مكيافيلي لم يأخذ القانون الدستوري في‬
‫االعتبار‪ ،‬كما يعتقد أتزاليني على ما يبدو‪ ،‬ألننا نجد المبادئ‬
‫العامة للقانون الدستوري متناثرة في كل عمل مكيافيلي‪.‬‬
‫والحق أنه قد أكد بوضوح ضرورة أن تحكم الدولة بالقانون‪،‬‬
‫أي بمبادئ ثابتة يمكن أن يتيحھا المواطنون الفاضلون وھم‬
‫واثقين أن ضربات القدر األعمى لن تقوضھا‪ .‬غير أن ما فعله‬
‫مكيافيلي في الحقيقة ھو رد كل شيء إلى السياسة‪ ،‬أي إلى فن‬
‫حكم البشر‪ ،‬وضمان استمرار رضائھم‪ ،‬ومن ثم فھم فن‬
‫تأسيس »دول عظمى«‪) .‬ينبغي أن نتذكر أنه في رأي‬
‫مكيافيلي‪ ،‬لم يكن الكوميون ‪ ،Commune‬وال الجمھورية‪،‬‬
‫وال مجلس األعيان‬
‫‪ (29) communal Signoria‬دولة‪،‬‬
‫ال الفتقارھا إلى إقليم كبير فحسب‪ ،‬بل وإلى سكان قادرين‬
‫على دعم القوة العسكرية التي تتطلبھا سياسة دولية مستقلة‪.‬‬
‫فھو يرى أن وضع الالدولة ‪ non-State‬كان وال يزال قائما‬
‫في ايطاليا في ظل الحكم البابوي‪ .‬وأن ھذا الوضع سوف‬
‫يستمر إلى أن يصبح الدين أيضا »سياسة« للدولة‪ ،‬بعد أن كان‬
‫سياسة للبابا لمنع تكوين دويالت قوية في ايطاليا –سياسة‬
‫تنطوي على التدخل في الشؤون الداخلية لشعوب ال تخضع‬
‫لسلطته الزمنية‪ ،‬تحقيقا لمصالح أخرى‪ ،‬غير مصالح الدول‬
‫المعنية‪ ،‬مما يشي فيھا الفوضى والتمرد(‪.‬‬
‫ويمكننا أن نجد في كتابات مكيافيلي ما يثبت ما سبق أن‬
‫الحظناه في موضع آخر‪ :‬من أن برجوازية العصور الوسطى‬
‫االيطالية لم يمكنھا االنتقال من الطور الطائفي ‪corporate‬‬
‫‪ phase‬إلى الطور السياسي‪ ،‬ألنھا لم تكن قادرة على التحرر‬
‫تماما من رؤية العصور الوسطى الكوزنوبوليتانية‪ ،‬التي‬
‫يمثلھا البابا‪ ،‬ورجال الدين‪ ،‬وأيضا المثقفون العلمانيون‬
‫)الھيومانيون( ‪ humanists‬وبعبارة أرى‪ ،‬كانت عاجزة عن‬
‫خلق دولة مستقلة‪ ،‬بل بقيت في إطار العصور الوسطى‬
‫اإلقطاعي‪ ،‬الكوزموبوليتاني‪.‬‬
‫كتب أتزاليني أن تعريف أولبيان ‪ (30) Ulpian‬في ذاته‪ ،‬أو‬
‫على األصح‪ ،‬األمثلة التي ضربھا في وجيزة ‪ digest‬كافية‬
‫لبيان عدم تطابق موضوع العلمين من حيث الجوھر‪) ،‬ليكن؟(‬
‫‪269‬‬

‫‪http://nj180degree.com‬‬

‫»يُعنى القانون العام بدولة الجمھورية الرومانية‪ .‬القانون العام‬
‫عبارة عن طقوس‪ ،‬وكھنة‪ ،‬وقضاة!«‪.‬‬
‫ھناك إذن تطابق من حيث الموضوع بين القانون الدستوري‬
‫وعلم السياسة‪ ،‬ولكنه ليس تطابقا جوھريا‪ .‬ألن القواعد التي‬
‫يستخدمھا العلمان لمعالجة ذات الموضوع‪ ،‬مختلفة كل‬
‫االختالف‪ .‬ويختلف مجال النظام القانوني في الحقيقة عن‬
‫مجال النظام السياسي‪ .‬فبينما ينظر األول إلى النظام العام من‬
‫منظور سكوني باعتباره نتاجا طبيعيا لتطور تاريخي معين‪،‬‬
‫ينظر إليه الثاني من منظور ديناميكي باعتباره نتاجا يمكن‬
‫تقييم مزاياه وعيوبه‪ ،‬وبالتالي ينبغي تغييره في ضوء‬
‫المتطلبات الجديدة والتطورات الحديثة‪ .‬يمكننا إذن أن نقول أن‬
‫»النظام القانوني أنطولوجي ‪) Ontological‬أي وجود في‬
‫ذاته ‪-‬المترجم( وتحليلي ‪ ،analitical‬ألنه يدرس ويحلل‬
‫المؤسسات العامة المختلفة من حيث جوھرھا الحقيقي« في‬
‫حين أن »النظام السياسي ال أنطولوجي ‪non-ontological‬‬
‫ونقدي‪ ،‬ألنه ال يدرس المؤسسات المختلفة كما ھي‪ ،‬بل كما‬
‫ينبغي أن تكون‪ ،‬أي استنادا إلى معايير تقويمية ‪evauative‬‬
‫‪ criteria‬وإلى اعتبارات المالءمة ‪ ،expediency‬التي ال‬
‫يمكن أن تكون اعتبارات قانونية«‪.‬‬
‫ھذا ال ّدعي المتعالم‪ ،‬يعتبر نفسه واحدا من المعجبين‬
‫بمكيافيلي‪ ،‬وتلميذا له‪ ،‬بل يعتقد أنه حسن فكر مكيافيلي‬
‫وأكمله‪.‬‬
‫»يترتب على ذلك منطقيا‪ ،‬بالرغم من الوحدة الشكلية‬
‫لموضوع ھذين العلمين‪ ،‬التي سبق وصفھا‪ ،‬وجود اختالف‬
‫جوھري وعميق ومذل بينھما‪ ،‬قد يثبت فساد رأي واحد من‬
‫أعظم رجال القانون العام المعاصرين‪ ،‬الذي يقول أنه‬
‫يصعب‪ ،‬بل يستحيل خلق علم سياسة يختلف كل االختالف‬
‫عن علم القانون الدستوري‪.‬‬
‫ويبدو لنا أن ھذا الرأي صحيح‪ ،‬إذا اقتصر التحليل على‬
‫الجوانب السياسية والقانونية‪ ،‬ولم يتجاوزھا إلى ما ھو أبعد‪.‬‬
‫أي إلى تلك المنطقة التي يختص بھا علم السياسة وحده‪ .‬وال‬
‫يقتصر ھذا األخير على دراسة تنظيم الدولة استنادا إلى معيار‬
‫ال أنطولوجي ونقدي‪ ،‬وبالتالي يختلف عن المعيار الذي‬
‫يستمده علم القانون الدستوري في تناول ذات الموضوع‪ ،‬بل‬
‫‪270‬‬

‫‪http://nj180degree.com‬‬

‫يوسع مجاله ليشمل ميدان اختصاصه‪ ،‬فيحلل القوانين التي‬
‫تنظم نشأة أنماط الدول وتطورھا وانحطاطھا‪ .‬كما ال يمكن‬
‫القول بأن مثل ھذه الدراسة تنتمي إلى علم التاريخ )!( بمعناه‬
‫العام )!(‪ .‬ألننا حتى لو سلمنا بأن البحث عن األسباب والنتائج‬
‫وروابط االعتماد المتبادل بين القوانين الطبيعية‪ ،‬التي تحكم‬
‫طبيعة‪ ،‬وتطور الدول‪ ،‬ھو بحث تاريخي –فإن البحث عن‬
‫الوسائل المالئمة للتحقق عمليا من صحة اإلستراتيجية العامة‪،‬‬
‫سيبقى دائما من اختصاص علم السياسة وحده‪ ،‬وليس من‬
‫اختصاص علم التاريخ‪ ،‬وال من اختصاص علم القانون‪.‬‬
‫ﱠ‬
‫لخص مكيافيلي المھمة التي وعد مرة ثانية القيام بھا بقوله‬
‫»سوف أناقش كيف ينبغي أن تحكم ھذه اإلمارات‪ ،‬وكيف‬
‫تصان«‪ .‬ھذه المشكلة الجوھرية‪ ،‬ھذه المھمة بالتحديد‪ ،‬ھي‬
‫التي تبر استقاللية علم السياسة‪ ،‬بل وتسمح –على األقل من‬
‫وجھة النظر التي أوجزناھا بالتمييز الشكلي على األقل بينه‬
‫وبين علم القانون الدستوري‪ .‬وھذا ھو معنى استقاللية علم‬
‫السياسة‪.‬‬
‫ولكن ھناك –كما يقول أتزاليني‪ -‬فن السياسة‪ ،‬كما أن ھناك‬
‫علم السياسة‪» .‬ھناك رجال يستمدون من حدسھم الذاتي‬
‫رؤيتھم الحتياجات ومصالح البالد التي يحكمونھا‪ ،‬ويجسدون‬
‫ھذه الرؤية في العالم الخارجي من خالل نشاطھم كحكام‪.‬‬
‫ولكن ھذا ال يعني بالتأكيد أن النشاط الملھَم‪ ،‬ومن ثم النشاط‬
‫الفني ھو النشاط الوحيد أو الغالب لرجل الدولة‪ .‬وكل ما‬
‫نعنيه‪ ،‬أن على رجل الدولة أن يحرص على ممارسة ھذا‬
‫النشاط النظري )سواء اتخذ شكل الحدس الذاتي أو‬
‫الموضوعي )!(‪ ،‬إلى جانب األنشطة العملية واالقتصادية‬
‫واألخالقية‪.‬‬
‫وإذا لم تتوفر ھذه الشروط األولية‪ ،‬لن يكون ھناك رجل‬
‫سياسة‪ ،‬ومن باب أولي لن يكون ھناك رجل دولة بارز‪ ،‬يتميز‬
‫بھذه المقدرة التي ال يمكن أن تكتسب بالتعلم )؟(‪.‬‬
‫وھكذا يبقى في الحقل السياسي‪ ،‬أيضا‪ ،‬إلى جانب رجل العلم‬
‫الذي يغلب على نشاطه الطابع النظري المعرفي‪ ،‬الفنان الذي‬
‫يغلب على نشاطه الطابع النظري الحدسي‪ .‬غير أن ھذا ال‬
‫يستنفذ كل المجال الذي يؤثر فيه فن السياسة‪ ،‬والذي يتجسد‬
‫في ممارسة رجل الدولة لوظائف الحكم‪ ،‬والتي تعبر عن‬
‫‪271‬‬

‫‪http://nj180degree.com‬‬

‫رؤيته الحدسية‪ ،‬بل وفي أعمال الكاتب الذي يجسد فيھا العالم‬
‫الخارجي )!( أي الحقيقة السياسية التي يحدسھا‪ .‬ومثال ذلك‪:‬‬
‫كامانداكا ‪ Kamandaka‬الھندي )القرن الثالث قبل الميالد(‬
‫وبترارك ‪ Petrarch‬في ‪،Trttarello pei Carraresssi‬‬
‫بوتيرو ‪ Botero‬في ‪ ،Ragion di Stato‬وإلى حد ما‬
‫مكيافيلي ومتزيني«‪.‬‬
‫ھذا الخليط الرائع من اآلراء ال يليق في الحقيقة بمكيافيلي‬
‫بقدر ما يليق بـ تي ﱡتوني ‪ Tittoni‬رئيس تحرير نوفا انطولوجيا‬
‫‪ .Nuova Antologia‬لقد ضل أتزاليني طريقه سواء في‬
‫الفلسفة أو في علم السياسة‪ .‬والقصد من كل ھذه المالحظات‬
‫ھو محاولة فھمه‪ ،‬ومحاولة التوصل إلى تصورات واضحة‪.‬‬
‫فمن الضروري مثال‪ ،‬إيضاح المقصود بـ»الحدس« في‬
‫السياسة‪ ،‬وبتعبير »فن« السياسة‪ ،‬الخ‪ ،‬وھنا‪ ،‬ينبغي أن‬
‫نستدعي بعض آراء برجسون‪:‬‬
‫»ال يعطينا العقل إال صورة جامدة للحياة )الواقع في حركته(‪.‬‬
‫فھو يدور حول الموضوع ‪ ،object‬ويلتقط له أكبر عدد‬
‫ممكن من الصور من الخارج‪ .‬وبدال من التغلغل فيه يرتد إلى‬
‫ذاته‪ .‬أما الحدس ‪ intuition‬فيقودنا إلى قلب الحياة ذاتھا‪،‬‬
‫وأعني بذلك‪ :‬الغريزة التي أصبحت محايدة«‪.‬‬
‫»ترى عيننا قسمات الكائن الحي‪ ،‬ولكنھا تراھا بعضھا إلى‬
‫جوار بعض‪ ،‬بدال من رؤيتھا في ترابطھا العضوي‪ .‬أما غاية‬
‫الحياة‪ ،‬تلك الحركة البسيطة التي تسري في القسمات فتربطھا‬
‫بعضھا ببعض‪ ،‬وتجعل لھا معنى‪ ،‬فتفلت من العقل‪ .‬ھذه الغاية‬
‫ھي التي يسعى الفنان إلى اإلمساك بھا‪ ،‬واضعا نفسه في قلب‬
‫الموضوع بالتعاطف معه‪ ،‬محطما بجھد حدسي ‪and effort‬‬
‫‪ of intrution‬حاجز المسافة بينه وبين نموذجه ‪.model‬‬
‫وإن كان الحدس الجمالي ‪ aesthetic intuition‬ال يمسك في‬
‫الحقيقة إال بما ھو متفرد« ‪Henri Bergson-Creative-‬‬
‫‪} evolution London, 1945, passim‬المترجمان‬
‫االنجليزيان{ »يتميز العقل بعجزه عن فھم الحياة‪ ،‬ألنه ال‬
‫يتمثل بوضوح إال ما ھو غير مستمر‪ ،‬وما ثابت«‪.‬‬
‫إن اختالف الحدس السياسي ‪ political intuition‬اختالفا‬
‫بيﱟنا عن الحدس الجمالي والشعري والفني‪ ،‬يجعل الحديث عن‬
‫‪272‬‬

‫‪http://nj180degree.com‬‬

‫فن السياسة من قبيل المجاز‪ .‬و»الزعيم«‪ ،‬وليس الفنان ھو‬
‫الذي يجسد الحدس السياسي‪ .‬وليس معنى »الحدس« »معرفة‬
‫الطبيعة البشرية«‪ ،‬بل سرعة الربط بين الحقائق التي تبدو‬
‫غير مترابطة‪ ،‬وتصور الوسائل المالئمة لتحقيق غايات‬
‫محددة‪ ،‬ومن ثم اكتشاف المصالح التي تنطوي عليھا‪ ،‬وإثارة‬
‫عواطف الناس وتوجيھھا للقيام بعمل محدد‪ .‬و»التعبير« عن‬
‫»الزعيم« يتجسد في »فعله« )االيجابي أو السلبي‪ ،‬أي القيام‬
‫بعمل معين أو االمتناع عن القيام به‪ ،‬سواء كان يتفق أو ال‬
‫يتفق مع الغاية المنشودة(‪.‬‬
‫غير أن »الزعيم« في السياسة قد يكون فردا قد يكون جماعة‬
‫سياسية تتألف من عدد كبير نسبيا من األفراد‪ :‬وفي ھذه الحالة‬
‫األخيرة يحقق فرد وحده الھدف )أو فرد داخل مجموعة‬
‫ضيقة(‪ ،‬وقد يتغير ھذا الفرد‪ ،‬ومع ذلك تبقى الجماعة متحدة‪،‬‬
‫ثابتة على مبادئھا في نشاطھا المستمر‪.‬‬
‫فكرة »األمير« "‪ ،"Prince‬كما‬
‫وإذا أردنا أن تترجم‬
‫استخدمھا ميكافيلي إلى اللغة السياسية الحديثة‪ ،‬فال بد من‬
‫التمييز بين عدة معان‪ :‬فقد يكون »األمير« رئيس دولة أو‬
‫رئيس حكومة‪ ،‬غير أنه قد يكون أيضا‪ ،‬قائدا سياسيا‪ ،‬ھدفه‪،‬‬
‫إخضاع دولة‪ ،‬أو تأسيس دولة من طراز جديد‪ .‬و»األمير«‬
‫بھذا المعنى‪ ،‬يمكن أن يترجم في اللغة الحديثة إلى »الحزب‬
‫السياسي«‪ ،‬وفي بعض الدول يكون »رئيس دولة«‪ ،‬أي ذلك‬
‫العنصر الذي يوازن المصالح المختلفة التي تناضل ضد‬
‫المصلحة المسيطرة )وھي ليست بالسيطرة المنفردة المطلقة(‪.‬‬
‫ھو بالتحديد الـ»حزب السياسي«‪ ،‬ولكن مع الفارق‪ ،‬وھو أنه‬
‫ال يسود وال يحكم‪ .‬وإنما له »سلطة فعلية« ‪de facto‬‬
‫‪hegemonic‬‬
‫‪ ،power‬ويمارس وظيفة الھيمنة‪/‬القيادة‬
‫‪ ،function‬ومن ثم‪ ،‬فوظيفته ھي تحقيق التوازن بين‬
‫المصالح المختلفة في »المجتمع المدني« المتداخل مع‬
‫»المجتمع السياسي« إلى درجة أن كل المواطنين يشعرون‬
‫بالعكس‪ ،‬أن الحزب يسود ويحكم أيضا‪ .‬ويستحيل ابتداع‬
‫قانون دستوري من النوع التقليدي استنادا إلى ھذا الواقع الدائم‬
‫الحركة‪ ،‬بل ينبغي خلق نسق من المبادئ التي تؤكد أن ھدف‬
‫الدولة ھو انتھاؤھا أي اختفاؤھا‪ ،‬أي ذوبان المجتمع السياسي‬
‫مرة أخرى في المجتمع المدني‪{1930} .‬‬
‫البرلمان والدولة‬
‫‪273‬‬

‫‪http://nj180degree.com‬‬

‫كتب األستاذ يوليوس مسكولسكي ‪ Julius Miskolczy‬مدير‬
‫‪Magyzar‬‬
‫األكاديمية الھنغارية في روما‪ ،‬في مجلة‬
‫‪ Szemle‬أن »البرلمان )في ايطاليا( الذي كان فيما مضى‬
‫خارج الدولة إذا جاز التعبير –قد يصبح اآلن‪ ،‬بالرغم من‬
‫المساھمة القيمة التي ال يزال يقدمھا‪ ،‬يندرج في إطار الدولة‪،‬‬
‫وتغير تركيبة تغيرا أساسيا‪«...‬‬
‫إن الفكرة القائلة إن البرلمان أصبح يندرج في إطار الدولة‪،‬‬
‫اكتشاف في علم وفن السياسة يليق بأمثال كرستوفر‬
‫كولومباس من الرجعيين المعاصرين‪ .‬ومع ذلك‪ ،‬فلھذا الزعم‬
‫أھميته كشاھد على كيفية تصور سياسيين كثيرين للدولة في‬
‫الواقع العملي‪ .‬وال بد أن نتساءل‪ :‬ھل تشكل البرلمانات ‪-‬حتى‬
‫في البلدان التي يبدو أن لھا فيھا سلطة قوية‪ -‬جزءا من ھيكل‬
‫الدولة؟ وبعبارة أخرى‪ ،‬ما ھي وظيفتھا الحقيقية؟ فإذا كانت‬
‫اإلجابة باإليجاب‪ ،‬فماذا يعني أنھا تشكل جزءا من الدولة؟‬
‫وكيف تمارس وظيفتھا الخاصة؟ ومن ناحية أخرى‪ ،‬أيكون‬
‫لوجودھا أھمية بالنسبة للدولة حتى وإن لم تكن تشكل جزءا‬
‫عضويا منھا؟ وما ھي مبررات االتھامات الموجھة إلى النظام‬
‫البرلماني والنظام الحزبي الذي يرتبط به ارتباطا ال ينفصم؟‬
‫)مبررات موضوعية بالطبع‪ ،‬ترتبط بحقيقة أن وجود البرلمان‬
‫في ذاته يعوق األنشطة التقنية للحكومة ويؤخرھا(‪ .‬أما أن‬
‫يكون النظام النيابي »مزعجا« ‪-‬من الناحية السياسية‪-‬‬
‫للبيروقراطية المحترفة‪ ،‬فأمر مفھوم‪ .‬غير أن ھذا ليس ھو‬
‫القضية‪ .‬فالقضية ھي معرفة ما إذا كان النظام النيابي‬
‫والحزبي‪ ،‬بدال من أن يكون آلية مناسبة الختيار موظفين‬
‫باالنتخاب‪ ،‬وإلدماج الموظفين المدنيين وموازنة نفوذھم‬
‫والحيلولة دون تحجرھم‪ ،‬قد أصبح عائقا وآلية تعمل في‬
‫االتجاه العكسي‪ .‬فإذا كان كذلك‪ ،‬فما ھي األسباب؟ غير أنه‬
‫حتى ولو كانت اإلجابة على ھذه األسئلة باإليجاب‪ ،‬فھي ال‬
‫تستنفذ المشكلة‪ ،‬ألننا حتى لو سلمنا )ھو ما ينبغي أن نفعله(‬
‫بأن النظام النيابي قد أصبح غير فعال‪ ،‬بل وضار‪ ،‬فإن ھذا ال‬
‫يعني بالضرورة رد االعتبار للنظام البيروقراطي‪ ،‬واإلشادة‬
‫به‪ .‬وعلينا أن نعرف ما إذا كان النظام البرلماني والنظام‬
‫النيابي مترادفين‪ ،‬وما إذا كان يمكن إيجاد حل آخر‪ ،‬لكل من‬
‫النظامين البرلماني والبيروقراطي‪ ،‬يتمثل في نظام نيابي من‬
‫نوع جديد‪{1933} .‬‬

‫‪274‬‬

‫‪http://nj180degree.com‬‬

‫النقد الذاتي والنقد الذاتي المنافق‬
‫يظھر أن تعبير النقد الذاتي قد أصبح مودة )‪ .(31‬فھناك إدعاء‬
‫بأنه قد وجد البديل للنقد المتمثل في الصراع السياسي »الحر«‬
‫في النظام النيابي‪ ،‬بديل ھو في الحقيقة أكثر فاعلية وثراء‪ ،‬إذا‬
‫ما طبق بجدية‪ .‬غير أن جوھر األمر ھو‪ :‬أنه ينبغي أن يطبق‬
‫ھذا البديل بجدية‪ ،‬أي ينبغي أن يكون فعاال‪ ،‬ال »يرحم«‪.‬‬
‫وتكمن فاعليته بالتحديد في أنه ال يرحم‪.‬‬
‫والواقع أن النقد الذاتي قد اثبت في النھاية‪ ،‬أنه يتسع للخطب‬
‫الرنانة والبيانات الفارغة‪ .‬ولسبب غير مفھوم اصطبغ النقد‬
‫الذاتي »بالصيغة البرلمانية« ألنه »يبدو أن أحدا لم يالحظ أنه‬
‫ليس من السھل تقويض النظام البرلماني‪.‬‬
‫والبرلمانية »غير الصريحة« و»الضمنية« ‪implicit and‬‬
‫‪ tacit parliamentarism‬أخطر من البرلمانية الصريحة‪،‬‬
‫ألن فيھا كل عيوبھا دون أن تحمل قيمھا االيجابية‪ .‬وكثيرا ما‬
‫يوجد نظام حزبي »ضمني«‪ ،‬أي نظام برلماني »غير‬
‫صريح« و»ضمني« حيث ال يخطر على بال أحد‪.‬‬
‫ويستحيل إلغاء »النظام البرلماني كشكل »مجرد«‪ ،‬دون إلغاء‬
‫مضمونه من أساسه‪ ،‬أي دون إلغاء النزعة الفردية‬
‫‪ ndivualism‬بمعناھا الدقيق‪ ،‬أي »االستحواز الفردي على‬
‫الربح‪ ،‬والمبادرة االقتصادية من أجل الربح الرأسمالي‬
‫والفردي‪ .‬والنقد الذاتي المنافق ھو أحد مظاھر ھذا الوضع‪.‬‬
‫فضال عن أن اإلحصاءات تعطينا مؤشرا للوضع الحقيقي‪ .‬إال‬
‫إذا كان ھناك من يزعم أن الجرائم قد اختفت –وھو على أية‬
‫حال أمر تثبت اإلحصاءات عدم صحته )وكيف!(‪.‬‬
‫إن الموضوع برمته بحاجة إلى إعادة بحث وتمحيص‪،‬‬
‫وخاصة فيما يتعلق بالنظام الحزبي والبرلماني »غير‬
‫الصريح«‪ ،‬ذلك النظام الذي يعمل كـ»السوق السوداء«‬
‫و»اليانصيب غير المشروع«‪ .‬عندما ال تكون ھناك سوقا‬
‫رسمية‪ ،‬ويانصيب تنظمه الدولة‪.‬‬
‫وما يعنينا من الناحية النظرية‪ ،‬ھو أن نبين أن ھناك فارقا‬
‫جوھريا بين النظم الدستورية االستبدادية القديمة المھزومة‪،‬‬
‫والنظم االستبدادية الجديدة ‪ .new absolutism‬وھذا يعني‬
‫‪275‬‬

‫‪http://nj180degree.com‬‬

‫انه ال محل للحديث عن ردة أو انتكاسة‪ ،‬بل وأن نبين أيضا‪،‬‬
‫أن ھذه البرلمانية السوداء ‪ black parliamentarism‬ھي‬
‫نتاج للضرورات التاريخية الراھنة وأنھا تمثل »تقدما«‪ ،‬وأن‬
‫العودة إلى »البرلمانية« التقليدية سيكون ردة مضادة للتاريخ‪،‬‬
‫ألنه حتى عندما يعمل ھذا النظام عالنية‪ ،‬سوف تكون‬
‫البرلمانية »السوداء« ھي النظام الفعلي‪.‬‬
‫ويمكننا أن نفسر ھذه الظاھرة نظريا استنادا إلى مفھوم‬
‫»الھيمنة«‪ ،‬أي بالرجوع إلى »الطائفية« ‪ ،corporatism‬ال‬
‫بمعناھا في النظام القديم ‪ ancien régime‬بل بالمعنى‬
‫الحديث لھذه الكلمة‪ ،‬حيث ال يمكن أن يكون لـ»الطائفية«‬
‫‪ corporation‬حدودا مطلقة ومانعة كما كانت في الماضي‬
‫)فھي اليوم طائفية »الوظيفة االجتماعية«‪corporatism ،‬‬
‫‪ ،of social function‬غير المقيدة بشرط الوراثة أو أي‬
‫شرط آخر –وھو على أي حال‪ ،‬لم يكن في الماضي أيضا‪،‬‬
‫‪legal‬‬
‫سوى قيد نسبي عندما كان »االمتياز القانوني«‬
‫‪ privilege‬أبرز سمات النظام الطائفي(‪ .‬وال بد من الحرص‬
‫عند مناقشتنا لھذا الموضوع‪ ،‬على تج ﱡنب أية شبھة للظھور‬
‫بمظھر المؤدين »لالستبداد«‪ ،absolutism ،‬وذلك بالتأكيد‬
‫على الطابع »االنتقالي« للظاھرة )بمعنى أنھا ال تمثل عصرا‪،‬‬
‫ال ألنھا ظاھرة )»قصيرة األمد«(‪ .‬فيالحظ في ھذا‬
‫الخصوص‪ ،‬أنه كثيرا ما يقع الخلط بين واقع أنھا ال تمثل‬
‫عصرا‪ ،‬وبين قصر »أمدھا«‪ .‬فقد تبقى الظاھرة زمنا طويال‬
‫نسبيا‪ ،‬ومع ذلك ال »تمثل عصرا«‪:‬‬
‫القوى الرخوة ‪ viscous forces‬في بعض األنظمة ال تثير‬
‫عادة الشبھات‪ ،‬ال يسما إذا كانت تستمد »قوتھا« من ضعف‬
‫القوى األخرى )بما في ذلك المكان الذي حدث فيه ذلك(‪.‬‬
‫ينبغي أن نتذكر في ھذا الخصوص‪ ،‬أراء سيزارينو روسيي‬
‫‪ ،(32) Cesariono Rossi‬فھي وإن كانت »في النھاية«‬
‫أراء خاطئة‪ ،‬غال أنھا تنطوي على واقعية حقيقة‪.‬‬
‫يبدو أن البرلمانية »السوداء« موضوع ينبغي اإلفاضة في‬
‫تفصيله‪ ،‬وذلك حتى يتسنى لنا تحديد المفاھيم السياسية التي‬
‫تشكل مفھوم »البرلمانية« }النظام البرلماني{‪) .‬والمقارنات‬
‫مع البلدان األخرى أھميتھا في ھذا الخصوص‪ :‬أليست تصفية‬
‫ليون دافيدوفي }تروتسكي{ حدثا عابرا من أحداث تصفية‬
‫البرلمانية »السوداء« »أيضا«‪ ،‬والتي كانت قائمة قبل إلغاء‬
‫‪276‬‬

‫‪http://nj180degree.com‬‬

‫البرلمان »الشرعي«؟( الحقيقة الفعلية والحقيقة القانونية‪ ،‬نسق‬
‫غير مستقر لتوازن القوى يجد في الساحة البرلمانية األرضية‬
‫»القانونية« لتحقيق توازن »اقتصادي أفضل«‪ ،‬والقضاء على‬
‫ھذه األرضية القانونية‪ ،‬ألنھا أصبحت تتيح تنظيم وإيقاظ‬
‫القوى االجتماعية من سباتھا مرة أخرى‪ .‬ومن ھنا كان ھذا‬
‫اإللغاء شاھدا )ونذيرا( على احتدام الصراعات‪ ،‬وليس‬
‫العكس‪ .‬عندما يمكن حل صراع حال قانونيا‪ ،‬فإنه ال يكون‬
‫بالتأكيد صراعا خطرا‪ ،‬ولكنه يصبح كذلك بالتحديد عندما‬
‫يصبح تحقيق التوازن القانوني أمرا مستحيال )وھذا ال يعني‬
‫أنه يمكننا القضاء على الطقس السيئ إذا ألغينا البارومتر(‪.‬‬
‫}‪{1933‬‬
‫الدولة‬
‫ينبغي اإلشارة على الخلط بين مفھوم الدولة‪-‬الطبقة ‪class-‬‬
‫‪regulated‬‬
‫‪ State‬ومفھوم المجتمع المنضبط‪/‬المنظم‬
‫‪ (33) Society‬باعتبارھا نقطة البدء في نقد االتجاھات‬
‫القانونية الجديدة التي تمثلھا مجلة ‪ ،Nuovi Studi‬التي‬
‫يصدرھا فولبسيللي ‪ Volpicelli‬وسبرتيو ‪ .Sprito‬وھذا‬
‫الخلط جدير بالمالحظة بوجه خاص في الورقة التي قدمھا‬
‫سبريتو حول »الحرية االقتصادية« إلى المؤتمر التاسع عشر‬
‫لجمعية التقدم العلمي الذي انعقد في بولزانو ‪ Bolzano‬في‬
‫سبتمبر‪/‬أيلول ‪ ،1930‬والمنشورة في ‪ Nuovi Studi‬عدد‬
‫سبتمبر في عدد سبتمبر‪/‬أيلول‪-‬أكتوبر‪/‬تشرين األول ‪.1930‬‬
‫طالما أن الدولة الطبقية قائمة‪ ،‬فال يمكن أن يوجد المجتمع‬
‫المنظم إال مجازا‪ ،‬أي إال إذا اعتبرنا الدولة الطبقية ھي أيضا‬
‫مجتمع منظم‪ .‬لقد كان الطوبويون يدركون جيدا‪ ،‬كنقاد‬
‫للمجتمع القائم في عصرھم‪ ،‬أن الدولة الطبقية ال يمكن أن‬
‫تكون المجتمع المنظم‪ .‬ھذا صحيح‪ ،‬لدرجة أنھم اعتبروا‬
‫المساواة االقتصادية في نماذج المجتمعات التي تصوروھا‪،‬‬
‫ھي األساس الذي ال غنى عنه لإلصالح المنشود‪ .‬ھذا يدل‬
‫على أنھم لم يكونوا طوبويين‪ ،‬بل كانوا علماء سياسة واقعيين‬
‫ونقادا راسخين‪ .‬ويرجع الطابع الطوبوي لبعضھم إلى اعتقاده‬
‫إمكان تحقيق المساواة االقتصادية بقوانين تحكيمية‪ ،‬أي بعمل‬
‫إرادي ‪ ،and act of will‬غير أن الفكرة القائلة أنه ال يمكن‬
‫تحقيق الحرية السياسية الكاملة والمثالية بدون المساواة‬
‫االقتصادية تبقى مع ذلك صحيحة )وھذا ھو أيضا‪ ،‬رأي كتاب‬
‫‪277‬‬

‫‪http://nj180degree.com‬‬

‫سياسيين آخرين‪ ،‬حتى اليمينيين منھم‪ ،‬أي بين نقاد‬
‫الديموقراطية الذين يستغلون النموذج السويسري أو‬
‫الدنماركي الدعاء صالحيته لكل البلدان(‪ .‬ونجد ھذه الفكرة‬
‫أيضا‪ ،‬عند كتاب القرن السابع عشر‪ ،‬عند لودوفيكو زوكولو‬
‫‪ Ludovico Zuccolo‬مثال‪ ،‬في كتابه ‪ ،IL Belluzzi‬وعند‬
‫ميكافيلي أيضا على ما أعتقد‪ .‬ويعتقد مورا ‪ Maurras‬أن ما‬
‫جعل ھذا الشكل المتميز من الديموقراطية ممكنا في سويسرا‪،‬‬
‫ھو توفر قدر من المساواة في الحظوظ االقتصادية‪ ...‬الخ‪.‬‬
‫والخلط بين الدولة الطبقية والمجتمع المنظم‪ ،‬سمة مميزة‬
‫للطبقات الوسطى وصغار المثقفين‪ ،‬الذين يفرحون بأي إجراء‬
‫الحادة‬
‫الصراعات‬
‫يمنع‬
‫‪regularisation‬‬
‫تنظيمي‬
‫واالضطرابات‪ .‬إنه نموذج للرؤية الرجعية والماضوية‪.‬‬
‫}‪{1932-1930‬‬
‫في رأيي‪ ،‬أن أكثر ما يمكن أن يقال معقولية وواقعية عن‬
‫الدولة األخالقية ‪ ،(34) the ethical State‬والدولة الثقافية‬
‫‪ ،the cultural state‬ھو‪ :‬أن كل دولة ھي دولة أخالقية‬
‫طالما أن من أھم وظائفھا رفع مستوى غالبية السكان الساحقة‬
‫إلى مستوى ثقافي وأخالقي معين‪ ،‬مستوى )أو نمط ‪(type‬‬
‫يالئم احتياجات تطور القوى اإلنتاجية‪ ،‬ويتفق بالتالي مع‬
‫مصالح الطبقات الحاكمة‪ .‬الوظيفة التربوية االيجابية‬
‫للمدرسة‪ ،‬والوظيفة التربوية القمعية والسلبية للمحاكم ھي أھم‬
‫نشاطات الدولة في ھذا الخصوص‪ :‬غير أن ھناك في الواقع‬
‫الكثير مما يسمى بالمبادرات واألنشطة األخرى‪ ،‬الخاصة‪،‬‬
‫التي تتجه إلى تحقيق ذات الغاية‪ ،‬وتشكل ھذه المبادرات وتلك‬
‫األنشطة جھاز الھيمنة السياسية والثقافية للطبقات الحاكمة‪.‬‬
‫وتنتمي رؤية ھيغل إلى عصر بدا فيه أن نمو البرجوازية بال‬
‫حدود‪ ،‬مما سمح لھا بادعاء األخالقية والعالمية‪ :‬أي أن كل‬
‫البشرية سوف تصبح برجوازية‪ .‬غير أن الجماعة االجتماعية‬
‫التي تطرح ھدف الدولة وھدفھا ھي‪ ،‬باعتباره الھدف الذي‬
‫ينبغي تحقيقه‪ ،‬ھي وحدھا التي يمكنھا في الواقع خلق دولة‬
‫أخالقية‪ ،‬دولة تتجه إلى وضع حد لالنقسامات في صفوف‬
‫المحكومين‪ ...‬الخ‪ ،‬وتخلق نظاما اجتماعيا متكامال تكنيكيا‬
‫وأخالقيا‪{1932-1931} .‬‬

‫‪278‬‬

‫‪http://nj180degree.com‬‬

‫استمد ھيغل مذھبه في األحزاب والجمعيات‪ ،‬باعتبارھا نسيج‬
‫الدولة »الخاص« ولحمتھا ‪،the private woof the State‬‬
‫تاريخيا من التجارب التاريخية للثورة الفرنسية‪ .‬وأفاده ھذا‬
‫المذھب في إضفاء طابع أكثر تحديدا على مبادئ الحكم‬
‫الدستوري ‪ constitutionalism‬أي الحكم استنادا إلى‬
‫رضاء المحكومين وقبولھم‪ .‬غير أنه قبول منظم‪ ،‬وليس قبوال‬
‫عاما وغامضا‪ ،‬كذلك الذي تعبر عنه لحظة االنتخاب‪ .‬والدولة‬
‫تحظى بھذا القبول وتنشده‪ ،‬وھي أيضا »تنميه«‪ ،‬من خالل‬
‫الجمعيات السياسية والنقابية‪ ،‬التي تعتبر مع ذلك منظمات‬
‫خاصة‪ ،‬متروكة للمبادرة الخاصة للطبقة الحاكمة‪.‬‬
‫وبھذا يكون ھيغل قد تجاوز إلى حد ما المبادئ الدستورية‬
‫ّ‬
‫ونظر الدولة البرلمانية بنظامھا الحزبي‪ .‬غير أن‬
‫المجردة‪،‬‬
‫ھذا المفھوم للجمعية ‪ association‬كان ال بد وأن يجئ‬
‫غامضا وبدائيا‪ ،‬وأن يكون وسطا بين التنظيم السياسي‬
‫والتنظيم االقتصادي‪ ،‬ومتفقا مع التجربة التاريخية للعصر‬
‫التي كانت محدودة للغاية‪ ،‬وال تقدم سوى نموذجا واحدا كامال‬
‫للتنظيم ھو التنظيم الطائفي ‪) corporative‬االقتصاد المطعم‬
‫بالسياسة(‪.‬‬
‫لم يكن ممكنا أن يكون لماركس خبرات تاريخية أرقى من‬
‫خبرات ھيغل )أو على األقل أرقى منھا كثيرا(‪ ،‬غير أنه كان‬
‫يملك حسما جماھيريا بحكم نشاطه اإلثاري والصحفي‪.‬‬
‫وظل مفھوم ماركس للتنظيم يتخبط بين العناصر اآلتية‪:‬‬
‫التنظيم الحزبي‪ ،‬ونوادي اليعاقبة‪ ،‬والجماعات السرية التآمرية‬
‫الصغيرة‪ ،‬والتنظيم الصحفي‪.‬‬
‫قدمت الثورة الفرنسية نمطين شائعين للتنظيم‪ ،‬ھما »النوادي«‬
‫‪ ،the clabs‬وھي تنظيمات فضفاضة على نمط »الجمعيات‬
‫الشعبية« ‪ ،popular assembly‬تتمحور كل منھا حول‬
‫شخصية سياسية‪ ،‬ولكل منھا صحيفة يحافظ بھا على حيوية‬
‫وعي واھتمام جمھور أتباعه ‪ ،clientel‬الذي يدافع عن‬
‫أطروحات الصحيفة في اجتماعات النادي‪ .‬وال بد أنه كان‬
‫ھناك من بين المترددين على تلك النوادي‪ ،‬مجموعات مختارة‬
‫من الناس الذين يعرف بعضھم بعضا‪ ،‬والذين يلتقون على‬
‫انفراد لتھيئة مناخ االجتماعات لتأييد ھذا االتجاه أو ذاك حسب‬
‫الظروف والمصالح الملموسة المتصارعة‪.‬‬
‫‪279‬‬

‫‪http://nj180degree.com‬‬

‫وال بد أن تكون المؤامرات السرية التي انتشرت انتشارا‬
‫واسعا في ايطاليا قبيل ‪ ،1848‬قد نمت أيضا في فرنسا بعد‬
‫ترميدور بين الصف الثاني من أتباع اليعاقبة‪ :‬بمشقة كبيرة في‬
‫الحقبة النابليونية‪ ،‬نظرا للرقابة البوليسية اليقظة‪ ،‬وبسھولة‬
‫أكبر ابتداء من ‪ 1815‬حتى ‪ 1830‬في ظل عودة الملكية‪ :‬التي‬
‫كانت ليبرالية في األساس‪ ،‬ومتحررة من بعض المشاغل‪.‬‬
‫شھدت ھذه الفترة عملية الفرز في المعسكر السياسي الشعبي‪،‬‬
‫وتجلى ھذا الفرز بوضوح إبان »األيام المجيدة« عام ‪1830‬‬
‫)‪ ،(35‬عندما طفت على السطح التشكيالت التي تبلورت‬
‫خالل الخمسة عشر عاما السابقة‪ .‬وبعد ‪ 1830‬وحتى ‪1848‬‬
‫اكتملت عملية الفرز‪ ،‬وخلقت بعض النماذج البالغة التطور‪،‬‬
‫أمثال بالنكي ‪ Blanqui‬وبوناروتي ‪.Bounarroti‬‬
‫ويستبعد أن يكون ھيغل قد تعرف بنفسه على ھذه الخبرات‬
‫التاريخية‪ ،‬التي تنبض بالحياة في أعمال ماركس )‪.(36‬‬
‫وتتمثل الثورة التي أحدثتھا الطبقة البرجوازية في مفھوم‬
‫القانون‪ ،‬ومن ثم في مفھوم وظيفة الدولة‪ ،‬تتمثل بصفة خاصة‬
‫في الرغبة في االمتثال ‪) the will to conform‬ومن ھنا‬
‫كانت أخالقية ‪ ethecity‬القانون وأخالقية الدولة(‪ .‬لقد كانت‬
‫الطبقات السابقة محافظة ھي في جوھرھا‪ ،‬فلم تتجه إلى تنظيم‬
‫االنتقال العضوي ‪ organic transition‬للطبقات األخرى‬
‫إلى مواقعھا‪ ،‬أي أنھا لم تكن معنية بتوسيع مجالھا الطبقي‬
‫»تكتيكيا« وإيديولوجيا‪ :‬فكانت رؤيتھا رؤية طائفة مغلقة‪.‬‬
‫أما الطبقة البرجوازية فقد قدمت نفسھا باعتبارھا الكائن‬
‫الدائب الحركة‪ ،‬القادر على استيعاب المجتمع كله واالرتقاء‬
‫به إلى مستواھا الثقافي واالقتصادي‪ .‬لقد تغيرت وظيفة الدولة‬
‫بأكملھا‪ ،‬أصبحت الدولة »مربيا« ‪ ...،an educator‬الخ‪.‬‬
‫لماذا توقفت ھذه العملية‪ ،‬وعاد مفھوم الدولة كقوة مجردة‪...‬‬
‫الخ؟ لقد »تشبعت« الطبقة البرجوازية‪ :‬أي أنھا لم تعد تتوسع‪،‬‬
‫بل أخذت أيضا في التفكك والتحلل‪ .‬لم تعد تستوعب عناصر‬
‫جديدة بل فقدت أيضا جزءا من ذاتھا‪) .‬إن ما تفقده على األقل‬
‫أكثر كثيرا مما تستوعبه( إن الطبقة التي تدعي القدرة على‬
‫استيعاب المجتمع كله والقادرة فعال على أن تجسد في نفس‬
‫الوقت ھذه العملية سوف تحسن ھذا المفھوم للدولة وللقانون‪،‬‬
‫‪280‬‬

‫‪http://nj180degree.com‬‬

‫بحيث يمكن تصور نھاية الدولة والقانون‪ ،‬الذين سيصبحان‬
‫بال فائدة بعد أن يكونا قد فقدا وظيفتيھما واستوعبھما المجتمع‬
‫المدني‪{1932-1931} .‬‬
‫المفھوم الدارج للدولة مفھوم أحادي الجانب‪ ،‬ويؤدي إلى‬
‫الوقوع في أخطاء مضحكة‪ ،‬والدليل على ذلك‪ ،‬كتاب ھاليفي‬
‫‪ Halévy‬الجديد »انحطاط الحرية« ‪décadence de la‬‬
‫‪ ،liberté‬الذي قرأت عرضا له في مجلة األدباء الجدد‬
‫‪» .nouvelles Littéraires‬الدولة« عند ھالفي ھي الجھاز‬
‫النيابي ‪ .the representative apparatus‬فقد اكتشف أن‬
‫أھم أحداث التاريخ الفرنسي منذ ‪ 1870‬حتى اآلن‪ ،‬لم تكن‬
‫نتيجة لمبادرات الھيئات السياسية التي تكونت باالقتراع العام‪،‬‬
‫بل نتيجة لمبادرات الھيئات الخاصة )الشركات الرأسمالية‪،‬‬
‫ھيئات األركان العامة‪ ...‬الخ(‪ ،‬أو كبار الموظفين المدنيين‬
‫غير المعروفين في البالد عامة‪ ... ،‬الخ‪.‬‬
‫ولكن‪ ،‬أليس معنى ھذا‪ ،‬أنه ينبغي أن ننظر إلى »الدولة«‪ ،‬ال‬
‫باعتبارھا جھازا للحكم فحسب‪ ،‬بل باعتبارھا أيضا‪ ،‬جھاز‬
‫»الھيمنة« »الخاص« ‪،private apparatus hegemony‬‬
‫أو المجتمع المدني؟‬
‫وينبغي أال ننسى كيف ولد من ھذا النقد للدولة التي ال تتدخل‪،‬‬
‫والتي تلھث وراء األحداث‪ ،‬التيار اإليديولوجي الدكتاتوري‬
‫اليميني‪ ،‬بما ينطوي عليه من دعم للسلطة التنفيذية‪ ...‬الخ‪ .‬ومع‬
‫ذلك‪ ،‬ينبغي أن نقرأ كتاب ھاليفي‪ ،‬لنعرف ما إذا كان ھو‬
‫أيضا‪ ،‬قد سار في ھذا االتجاه‪ :‬وھذا ليس مستبعدا من حيث‬
‫المبدأ‪ ،‬إذا أخذنا في االعتبار سوابقه )تعاطفه مع سوريل‪،‬‬
‫ومورّ ا ‪ ... ،Maurras‬الخ(‪{1932-1930} .‬‬
‫يبدو أن كورزيو ماالبارت ‪ Curzio Malaparte‬يؤكد في‬
‫مقدمة كتيبه‪» :‬تكنيك االنقالب« ‪technique of the coup‬‬
‫‪ d'Etat‬أن الصيغة القائلة أن »كل شيء موجود داخل الدولة‪،‬‬
‫وال يوجد شيء خارجھا« ھي مرادف للصيغة القائلة أنه‬
‫»حيث توجد الحرية ال توجد الدولة«‪ .‬وال ينبغي أن تحمل‬
‫كلمة »الحرية« في ھذه الصيغة األخيرة على معناھا الدارج‪،‬‬
‫أي الحرية السياسية‪ ،‬بل كنقيض لـ»الضرورة«‪ .‬فھي تتصل‬
‫بمقولة انجلز عن االنتقال من حكم الضرورة إلى حكم الحرية‪،‬‬
‫التي لم يفھم ماالبارت شيئا منھا‪{1932-1931} .‬‬
‫‪281‬‬

‫‪http://nj180degree.com‬‬

‫في السجال )السطحي على أية حال( الدائر حول وظائف‬
‫الدولة )ونعني ھنا‪ ،‬الدولة كتنظيم سياسي‪-‬قانوني بالمعنى‬
‫الضيق(‪ ،‬يقابل تعبير »الدولة الحارس الليلي« ‪the State as‬‬
‫‪ ،veilleur de nuit‬التعبير االيطالي »الدولة الشرطي«‬
‫‪ ،State carabiniere‬ويعني الدولة التي تقتصر وظائفھا‬
‫على المحافظة على النظام العام‪ ،‬واحترام القانون‪ .‬ويخفي ھذا‬
‫التعبير‪ ،‬حقيقة أن القوى المھيمنة على التطور التاريخي لنظام‬
‫من ھذا النوع )وھو نظام لم يوجد أبدا إال على الورق‪،‬‬
‫كفرض حدي( ھي القوى الخاصة ‪ ،private forces‬أي‬
‫المجتمع المدني‪ ،‬الذي ھو أيضا »دولة«‪ ،‬وھو في الحقيقة‬
‫الدولة ذاتھا‪.‬‬
‫والسال ھو‪ ،‬على ما يبدو‪ :‬صاحب تعبير الحارس الليلي‪ ،‬وھو‬
‫أشد تھكما من تعبير »الدولة الشرطي«‪ ،‬ويقابله تعبير »الدولة‬
‫األخالقية«‪ ،‬أو »الدولة التدخلية« عامة ‪interventionist‬‬
‫‪ .State‬غير أن ھناك فروقا بين ھذين التعبيرين‪ ،‬فمفھوم‬
‫الدولة األخالقية مفھوم أصله فلسفي وثقافي )خاصة بالمثقفين‪:‬‬
‫ھيغل( ويمكن في الحقيقة‪ ،‬الربط بينه وبين مفھوم الدولة‬
‫»الحارس الليلي« ‪ ،‬ألنه يشير‪ ،‬على األخص‪ ،‬إلى النشاط‬
‫التربوي األخالقي المستقل للدولة العلمانية‪ ،‬وھو نقيض‬
‫كوزموليتانية‪ ،‬وتدخل التنظيم الديني الكنسي باعتباره من‬
‫مخلفات العصور الوسطى‪.‬‬
‫ومفھوم الدولة التدخلية ھو أصال مفھوم اقتصادي‪ ،‬يرتبط‬
‫باالتجاھات المؤيدة للحماية‪ ،‬والنزعة الوطنية االقتصادية‬
‫‪ economic nationalism‬من جھة‪ ،‬وبمحاولة فرض فئة‬
‫معينة من موظفي الدولة ينتمون بأصولھم إلى كبار مالك‬
‫األرض واإلقطاع‪ ،‬لتتولى »حماية« الطبقات العاملة من‬
‫تجاوزات الرأسمالية من جھة أخرى )سياسة بسمارك‬
‫ودزرائيلي( )‪.(37‬‬
‫قد تأتلف ھذه النزاعات المتباينة بصور مختلفة‪ ،‬وقد ائتلفت‬
‫بالفعل‪ .‬ومن الطبيعي أن يؤيد الليبراليون )االقتصاديون(‬
‫»الدولة كحارس ليلي«‪ ،‬ويؤيدون أن تترك المبادرة التاريخية‬
‫للمجتمع المدني‪ ،‬ولمختلف القوى التي تنشأ داخله‪ ،‬على أن‬
‫تقوم الدولة بدور الحارس لـ»األمانة في اللعب« ومراعاة‬
‫قواعد اللعبة‪.‬‬
‫‪282‬‬

‫‪http://nj180degree.com‬‬

‫ويفرق المثقفون تفرقة بالغة األھمية‪ :‬متى يكونون ليبراليون‪،‬‬
‫متى يكونون دعاة لتدخل الدولة ‪) interventionlists‬فيمكن‬
‫أن يكونوا ليبراليين في الميدان االقتصادي‪ ،‬ودعاة تدخل في‬
‫الميدان الثقافي‪ ...‬الخ(‪ .‬والكاثوليك يودون أن يكون تدخل‬
‫الدولة لصالحھم مائة في المائة‪ ،‬فإذا لم يتسن ذلك‪ ،‬أو كانوا‬
‫في األقلية‪ ،‬طالبوا بدولة »محايدة«‪ ،‬حتى ال تساند خصومھم‪.‬‬
‫}‪ :1935‬الصيغة األولى ‪.{1930‬‬
‫الحجة اآلتية جديرة بالتأمل‪ :‬أليس مفھوم الدولة‪-‬الشرطي‪-‬‬
‫الحارس الليلي )بصرف النظر عن الجدل حو التسمية‪:‬‬
‫شرطي‪ ،‬حارس ليلي‪ ... ،‬الخ( في الحقيقة‪ ،‬المفھوم الوحيد‬
‫للدولة الذي يتجاوز المراحل »االقتصادية‪-‬الطائفية« البحتة؟‬
‫الزلنا في مجال تعريف الدولة والحكومة‪ ،‬وھو تعريف يعبر‬
‫بالتحديد عن الشكل االقتصادي‪-‬الطائفي ‪economic-‬‬
‫‪ ،corporate form‬أي أنه بعبارة أخرى‪ ،‬تعبير عن الخلط‬
‫بين المجتمع المدني والمجتمع السياسي‪ .‬ومما ھو جدير‬
‫بالمالحظة‪ ،‬أن المفھوم العام للدولة يتضمن عناصر ينبغي أن‬
‫ندرجھا ضمن مفھوم المجتمع المدني )فيمكننا أن نقول أن‬
‫الدولة= المجتمع المدني ‪ +‬المجتمع السياسي‪ ،‬أي الھيمنة التي‬
‫يحميھا درع القھر‪ .‬ولھذا الرأي أھمية جوھرية في نظرية‬
‫للدولة تتصور إمكانية ذبول الدولة وتالشيھا‪ ،‬وأن يستوعبھا‬
‫المجتمع المدني‪ .‬ويمكن تصور تالشي عنصر اإلكراه في‬
‫الدولة تدريجيا‪ ،‬مع ظھور عناصر المجتمع المنظم )أو الدولة‬
‫األخالقية أو المجتمع المدني( بوضوح أكثر فأكثر‪.‬‬
‫تعبير »الدولة األخالقية«‪ ،‬أو »المجتمع المدني« يعني إذن أن‬
‫ھذه »الصورة«‪ ،‬صورة دولة بال دولة ‪a State without a‬‬
‫‪ ،State‬كانت ماثلة في أذھان أعظم المفكرين السياسيين‬
‫والقانونيين‪ ،‬ما طالما أنھم يقفون على أرضية العلم المحض‬
‫)أي محض يوتوبيا‪ ،‬ألنھا تقوم على افتراض أن كل البشر‬
‫متساوون حقيقة‪ ،‬في العقل واألخالق‪ ،‬أي يمكن أن يقبلوا‬
‫االنصياع للقانون تلقائيا وطواعية‪ ،‬ال بالقسر واإلكراه‪،‬‬
‫باعتباره مفروضا عليھم من طبقة أخرى‪ ،‬أي كشيء خارجي‬
‫بالنسبة لوعيھم(‪.‬‬

‫‪283‬‬

‫‪http://nj180degree.com‬‬

‫ينبغي أال ننسى أن السال ھو الذي جاء بتعبير »الحارس‬
‫الليلي« ليصف الدولة الليبرالية‪ ،‬أي أنه تعبير صادر من‬
‫دولوي ‪) Statalist‬داعية لتدخل الدولة في حياة المجتمع ‪-‬‬
‫المترجم( دوغمائي‪ ،‬وغير جدلي )أمعن النظر في تعاليم‬
‫السال في ھذه القضية‪ ،‬وفي قضية الدولة عامة‪ ،‬بالمقارنة‬
‫بالماركسية(‪.‬‬
‫في المذھب الذي يرى أن الدولة ھي المجتمع المنظم‪ ،‬ال بد‬
‫من االنتقال من طور تكون فيه »الدولة« مرادفا لـ»الحكومة«‬
‫‪ ،gouvernment‬وتتطابق فيه »الدولة« مع »المجتمع‬
‫المدني«‪ ،‬إلى طور تكون فيه الدولة الحارس الليلي أي تنظيما‬
‫قھريا يؤمن عناصر المجتمع المنظم التي تتوالد وتتكاثر‬
‫باستمرار‪ ،‬ومن ثم يقلل تدريجيا من تدخالتھا السلطوية‬
‫والقسرية‪ .‬وال يتصور أن يستدعي ھذا المذھب‪ ،‬فكرة‬
‫»ليبرالية« جديدة‪ ،‬حتى مع البداية الوشيكة لعصر الحرية‬
‫العضوية ‪{1932-1930}.‬‬
‫وإذا صح أنه ال يمكن ألي نمط من أنماط الدولة أن يتجنب‬
‫المرور بالطور االقتصادي‪-‬الطائفي البدائي‪ ،‬ألمكننا أن‬
‫نستنتج أنه ال بد أن يغلب الطابع االقتصادي على محتوى‬
‫الھيمنة السياسية للجماعة االجتماعية الجديدة‪ ،‬التي أسست‬
‫نمط الدولة الجديد‪ :‬فالمطلوب ھو إعادة تنظيم البنية والعالقات‬
‫الحقيقية بين البشر من جھة‪ ،‬وعالم االقتصاد واإلنتاج من جھة‬
‫أخرى‪ .‬سوف تكون عناصر البنية الفوقية حتما قليلة العدد‪،‬‬
‫تتميز ببعد النظر والكفاح‪ ،‬غير أن العناصر »المنظمة« ال‬
‫تزال قليلة العدد‪.‬‬
‫ستكون السياسة الثقافية سلبية بالدرجة األولى‪ ،‬أي نقدا‬
‫للماضي‪ ،‬ھدفھا التدمير ومحو الذاكرة‪ .‬وستكون خطط البناء‬
‫مجرد »خطوطا عريضة«‪ ،‬أي تخطيطات قد تتغير )بل ينبغي‬
‫أن تتغير( في أي وقت‪ ،‬لتتسق مع البنية الجديدة التي تتشكل‪.‬‬
‫وھذا ھو بالتحديد ما لم يحدث في عھد كوميونات العصور‬
‫الوسطى‪ ،‬ألن الثقافة التي كانت إحدى وظائف الكنيسة‪،‬‬
‫اتسمت بطابع معاد لالقتصاد ‪) anti-economic‬أي معا ٍد‬
‫لالقتصاد الرأسمالي الوليد( فلم يكن ھدفھا ھيمنة الطبقة‬
‫الجديدة‪ ،‬بل الحيلولة دون ھيمنتھا‪ .‬ومن ھنا كانت رجعية‬
‫الھيومانزم والرنيسانس‪ ،‬ألنھما كانتا إيذانا بھزيمة الطبقة‬

‫‪284‬‬

‫‪http://nj180degree.com‬‬

‫الجديدة‪ ،‬ونفيا للعالم االقتصادي المالئم لھا‪ ...‬الخ‪-1931} .‬‬
‫‪{1932‬‬
‫ھناك عنصر آخر جدير بالفحص‪ ،‬ھو العالقة بين سياسة‬
‫الدولة الداخلية وسياستھا الخارجية‪ .‬ھل السياسة الداخلية ھي‬
‫التي تحدد السياسة الخارجية أم العكس؟ وفي ھذه الحالة أيضا‬
‫ال بد من التمييز‪ :‬بين القوى العظمى التي تتمتع باستقاللية‬
‫دولية نسبية‪ ،‬والقوى األخرى‪ .‬وال بد أيضا‪ ،‬من التمييز بين‬
‫أشكال الحكم المختلفة )لحكومة نابليون الثالث‪ ،‬فيما يبدو‪،‬‬
‫سياستان‪ ،‬سياسة رجعية في الداخل‪ ،‬وسياسة ليبرالية في‬
‫الخارج(‪.‬‬
‫األحوال في الدولة قبل الحرب وبعدھا‪ .‬الشيء المھم في أي‬
‫تحالف‪ ،‬ھو بداھة الظروف التي تجد الدولة نفسھا فيھا وقت‬
‫السلم‪ .‬ولذا قد تفقد الدولة‪ ،‬التي كانت لھا الغلبة أثناء الحرب‪،‬‬
‫ھيمنتھا في النھاية‪ ،‬نتيجة لضعف قواھا التي أنھكھا الصراع‪.‬‬
‫وتنظر صاغرة إلى من كان »خاضعا« لھا‪ ،‬وقد أصبح‬
‫المھيمن‪ ،‬ألنه كان »أبرع منھا« و»أوفر حظا«‪ .‬ھذا ھو ما‬
‫يحدث في »الحروب العالمية«‪ ،‬عندما يفرض الوضع‬
‫الجغرافي على دولة من الدول أن تلقي بكل مواردھا في بوتقة‬
‫الحرب‪ .‬إنھا تكسب بفضل تحالفاتھا‪ ،‬ولكنھا تجد نفسھا عندما‬
‫تنتصر‪ ،‬مقھورة منھكة‪ ...،‬الخ‪ .‬ولذا ينبغي أن يأخذ مفھوم‬
‫»القوة العظمى« ‪ great power‬عدة عوامل في االعتبار‪،‬‬
‫وخاصة العوامل »الدائمة«‪ ،‬أي »القدرات االقتصادية‬
‫والمالية« والسكان‪{1932} .‬‬
‫تنظيم الجمعيات الوطنية‬
‫سبق أن أشرت في موضع آخر إلى أنه ال يوجد أحد في أي‬
‫مجتمع‪ ،‬بال تنظيم وبال حزب‪ ،‬إذا أخذنا التنظيم والحزب‬
‫بالمعنى الواسع‪ ،‬وليس بالمعنى الشكلي‪ .‬ومن بين ھذه‬
‫الجمعيات الخاصة الكثيرة ‪) private organisations‬وھي‬
‫نوعان‪ :‬طبيعي‪ ،‬وتعاقدي أو طوعي( جمعية واحدة أو أكثر‬
‫ھي التي لھا الغلبة المطلقة أو النسبية وتشكل جھاز ھيمنة‬
‫جماعة اجتماعية واحدة على باقي األھالي )أو المجتمع‬
‫المدني(‪ :‬قاعدة الدولة بمعناھا الضيق‪ ،‬كجھاز حكومي‪-‬قھري‬
‫‪.gouvernmental-coercive organisation‬‬

‫‪285‬‬

‫‪http://nj180degree.com‬‬

‫ينتمي األفراد عادة إلى أكثر من جمعية خاصة‪ ،‬وغالبا ما‬
‫تكون متناقضة موضوعيا في أھدافھا‪.‬‬
‫وتھدف أية سياسة شمولية ‪ totalitarian policy‬بالتحديد‬
‫إلى‪:‬‬
‫‪-1‬ضمان أن يجد أعضاء حزب معين‪ ،‬في ھذا الحزب كل ما‬
‫كان يشبع رغباتھم في منظمات أخرى كثيرة‪ .‬أي ضمان قطع‬
‫كل الخيوط التي كانت تربطھم تنظيمات ثقافية خارج الحزب‪.‬‬
‫‪-2‬تحطيم المنظمات األخرى‪ ،‬أو إدماجھا في نسق يكون‬
‫الحزب فيه ھو الضابط الوحيد ‪.the sole regulator‬‬
‫ولقد عرض لويجي إنودي ‪ Luigi Einaudi‬في مجلة‬
‫اإلصالح االجتماعي ‪ ،Riforma Sociale‬مايو‪/‬أيار‪-‬‬
‫يونيو‪/‬حزيران ‪ 1931‬كتابا فرنسيا بعنوان‪ :‬جمعيات األمة‪،‬‬
‫دراسة حول العناصر المكونة لألمة الفرنسية إلتيين مارتان‬
‫سان ليون ‪) Etienne Martin Saint-Leon‬وھو مجلد من‬
‫‪ 415‬صفحة‪ ،‬طبعة خاصة‪ ،‬باريس‪ (1930 ،‬وفيه دراسة‬
‫لبعض ھذه المنظمات )فمثال‪ ،‬ھل يعد قراء إحدى الصحف‬
‫تنظيما أم ال؟‪ ...‬الخ(‪ .‬على أي حال‪ ،‬راجع الكتاب وعرض‬
‫إنودي له‪ ،‬طالما أنھما يعالجان ھذا الموضوع‪-1930} .‬‬
‫‪{1932‬‬
‫من ھو المشرع؟‬
‫ال بد أن يتوحد مفھوم »المشرع«‪ ،‬ومفھوم »السياسي«‪.‬‬
‫فطالما أن كل الناس »كائنات سياسية«‪ ،‬فكلھم أيضا‬
‫مشرعون‪ .‬ومع ذلك‪ ،‬ال بد أن نفرق بين المفھومين‪ .‬فلكلمة‬
‫»مشرع« معنى قانوني ورسمي محدد‪ .‬فھي تعني أولئك‬
‫األشخاص الذين يخولھم القانون سلطة سن القوانين‪ .‬وقد يكون‬
‫معان أخرى‪.‬‬
‫للكلمة مع ذلك‬
‫ٍ‬
‫كل إنسان فاعل‪ ،‬أي حي‪ ،‬يساھم في تغيير البيئة التي يتطور‬
‫فيھا )في تغيير بعض سماتھا‪ ،‬وفي المحافظة على سمات‬
‫أخرى(‪ .‬إنه بعبارة أخرى‪ ،‬ينزع إلى وضع »معايير«‬
‫‪ ،norms‬أي قواعد للعيش والسلوك‪ .‬وقد تتسع دائرة نشاط‬
‫المرء أو تضيق‪ ،‬ويتفاوت وعيه بأفعاله وأھدافه‪ .‬وقد يتمتع‬
‫‪286‬‬

‫‪http://nj180degree.com‬‬

‫أيضا بسلطة تمثيلية ‪ ،representative power‬صغرت أم‬
‫‪the‬‬
‫كبرت‪ ،‬تتمثل في القواعد التي يطبقھا »المم ﱟثلون«‬
‫‪ represented‬أو بأخرى‪ .‬فاألب يشرع ألوالده‪ ،‬وإن تفاوت‬
‫الوعي بالسلطة األبوية‪ ،‬وتفاوتت طاعتھا‪ ،‬وھلم جرا‪.‬‬
‫قد يقال بوجه عام‪ ،‬أن الفرق بين الناس العاديين‪،‬‬
‫والمتخصصين في التشريع‪ ،‬يتمثل في أن المجموعة الثانية‬
‫تصوغ التوجيھات‪ ،‬التي ستصبح قاعدة لسلوك اآلخرين‪ ،‬بل‬
‫وسوف تخلق أيضا‪ ،‬في نفس الوقت‪ ،‬األدوات الالزمة‬
‫لـ»فرض« ھذه التوجيھات‪ ،‬والتحقق من تنفيذھا‪ .‬وداخل ھذه‬
‫المجموعة الثانية‪ ،‬سيكون معظم السلطة التشريعية من نصيب‬
‫موظفي الدولة ‪) State personnel‬المنتخبين والموظفين‬
‫المحترفين(‪ ،‬الذين يملكون سلطات الدولة القانونية القھرية‪.‬‬
‫غير أن ھذا ال يعني أن قادة المنظمات الخاصة ال يملكون ھم‬
‫أيضا سلطة توقيع جزاءات قھرية تصل إلى اإلعدام‪.‬‬
‫وتبلغ قوة التشريع أوجھا‪ ،‬إذا ما اقترنت الصياغة السليمة‬
‫للتوجيھات‪ ،‬بالتنظيم السليم للھيئات القائمة على التنفيذ‬
‫والرقابة‪ ،‬وباإلعداد السليم لقبول الجماھير التلقائي لھا‪ ،‬والتي‬
‫ينبغي أن »تطبقھا«‪ ،‬فتغير عاداتھا‪ ،‬ورغباتھا‪ ،‬ومعتقداتھا‪،‬‬
‫بما يتفق معھا‪ ،‬ومع الغايات التي تتوخاھا‪.‬‬
‫فإذا كان كل شخص مشرع بأوسع المعاني التي لھذا المفھوم‪،‬‬
‫فإنه يبقى كذلك‪ ،‬حتى وإن قبل توجيھات اآلخرين‪ ،‬طالما أنه‬
‫يتأكد وھو ينفذھا أن اآلخرين أيضا ينفذوھا‪ ،‬وطالما أنه يفھم‬
‫روحھا‪ ،‬وينشرھا‪ ،‬عاجال منھا قواعد قابلة للتطبيق في الحياة‬
‫في مجاالت محددة‪{1933} .‬‬
‫الدين‪ ،‬الدولة‪ ،‬الحزب‬
‫كتب ھتلر في »كفاحي« ‪» :Mein Kampf‬إن تأسيس دين‬
‫أو تقويضه‪ ،‬عمل تفوق أھميته كثيرا تأسيس دولة أو‬
‫تقويضھا‪ :‬فما بالك بالحزب‪ «...‬وھو قول سطحي وال نقدي‪...‬‬
‫فالعناصر الثالثة مترابطة ترابطا ال ينفصم‪ ،‬ويفضي كل منھا‬
‫بالضرورة إلى اآلخر في العملية التاريخية‪-‬السياسية الحقيقية‪.‬‬
‫ونلحظ في فكر مكيافيلي‪ ،‬وفي أساليب ولغة عصره إدراكا‬
‫لھذا التجانس والترابط الضروريين بين ھذه العناصر الثالث‪.‬‬
‫‪287‬‬

‫‪http://nj180degree.com‬‬

‫إن تضحية اإلنسان بروحه في سبيل إنقاذ وطنه ودولته‪ ،‬ھو‬
‫أحد العناصر المكونة للعلمانية المطلقة ‪،absolute laicism‬‬
‫للرؤية االيجابية والسلبية للعالم )ضد التدين‪ ،‬أو ضد الرؤية‬
‫السائدة(‪.‬‬
‫وفي العالم الحديث‪ ،‬يكون الحزب حزبا –ككل متكامل‪ ،‬ال‬
‫كجزء من حزب أكبر‪ ،‬كما يحدث أحيانا‪ -‬عندما يُعد ويُنظم‬
‫ويُقاد باألساليب واألشكال التي سوف تجعله يتحول ككل إلى‬
‫دولة )دولة متكاملة ‪ ،an integral State‬ال إلى حكومة‬
‫بالمعنى الفني(‪ ،‬وإلى رؤية للعالم‪ .‬وينعكس تحول الحزب إلى‬
‫دولة على الحزب ذاته‪ ،‬ويتطلب منه ذلك أن يعيد تنظيم نفسه‪،‬‬
‫وأن يتطور باستمرار‪ ،‬مثلما ينعكس تحول الحزب والدولة‬
‫إلى رؤية للعالم –أي التحول الكلي والجزئي ‪molecular‬‬
‫)فردي( في طرائق التفكير والسلوك –على الدولة والحزب‪،‬‬
‫فيفرض عليھما ضرورة إعادة التنظيم باستمرار‪ ،‬ويواجھھا‬
‫بمشاكل جديدة وفريدة لحلھا‪.‬‬
‫ويعوق التطور العملي لمثل ھذه الرؤية للعالم‪ ،‬بداھة‪،‬‬
‫التعصب »الحزبي« األعمى )وھو في ھذه الحالة تعصب‬
‫لطائفة‪ ،‬أو جناح في حزب أكبر ھو الذي يدور فيه الصراع(‪،‬‬
‫أي يعقوبية إما غياب مفھوم للدولة‪ ،‬أو غياب رؤية للعالم قابلة‬
‫للتطور ألنھا أضحت ضرورة تاريخية‪.‬‬
‫والحياة السياسية المعاصرة زاخرة بالشواھد على وجود ھذه‬
‫النواقص والعيوب الفكرية‪ ،‬التي من شأنھا أن تثير أيضا‬
‫صراعات درامية‪ ،‬ألنھا ھي ذاتھا‪ ،‬الوسائل التي يتحقق بھا‬
‫التطور التاريخي في الواقع الملموس‪ .‬غير أن الماضي‪،‬‬
‫والماضي االيطالي خاصة‪ ،‬وھو ما يعنينا‪ ،‬ابتداء من مكيافيلي‬
‫حتى اليوم‪ ،‬ليس أقل ثراء بالخبرات‪ ،‬فالتاريخ خير شاھد على‬
‫الحاضر‪{1933} .‬‬
‫الدولة والحزب‬
‫تقاس وظيفة الھيمنة ‪ ،the function of hegemony‬أو‬
‫القيادة السياسية‪ ،‬التي تمارسھا األحزاب بتطور الحياة الداخلية‬
‫لألحزاب ذاتھا… وإذا كانت الدولة تمثل قوة القھر والعقاب‬
‫الالزمة لالنضباط القانوني في البالد‪ ،‬فعلى األحزاب‪ ،‬وھي‬
‫‪288‬‬

‫‪http://nj180degree.com‬‬

‫تمثل خضوع نخبة لھذا االنضباط من تلقاء نفسھا‪ ،‬باعتباره‬
‫نمطا من الحياة االجتماعية التي ينبغي تثقيف كل الجماھير‬
‫بروحھا‪ ،‬على األحزاب أن تبرھن في حياتھا الداخلية على‬
‫أنھا قد تمثلت تلك القواعد باعتبارھا قواعد للسلوك األخالقي‪،‬‬
‫تعد بالنسبة للدولة التزامات قانونية‪.‬‬
‫وفي األحزاب‪ ،‬أصبحت الضرورة حرية‪ ،‬ومن ھنا كانت‬
‫القيمة السياسية الھائلة لالنضباط الداخلي للحزب )أي قيمته‬
‫بالنسبة للقيادة السياسية(‪ ،‬ومن ثم قيمته كمقياس إلمكانات نمو‬
‫األحزاب المختلفة‪ .‬وتعتبر األحزاب‪ ،‬من ھذه الناحية‪ ،‬مدرسة‬
‫لتعلم فن إدارة الدولة ومبادئ الحياة الحزبية ھي‪ :‬الخلق‬
‫)مقاومة ضغوط الثقافات البالية(‪ ،‬والشرف )التصميم الجسور‬
‫على المحافظة على النمط الجديد للثقافة والحياة(‪ ،‬والكرامة‬
‫)الوعي بالحاجة إلى العمل من أجل غاية أسمى(…الخ‪.‬‬
‫}‪{1932-1930‬‬
‫استقاللية الدولة‬
‫‪Statolary‬‬
‫لن يكون تحليلنا لموقف أية جماعة اجتماعية من دولتھا دقيقا‪،‬‬
‫ما لم نأخذ في االعتبار الشكلين الذين تتجلى فيھما الدولة‪ ،‬في‬
‫لغة وثقافة عصر معين‪ ،‬وھما‪ :‬المجتمع المدني‪ ،‬والمجتمع‬
‫السياسي‪ .‬وينطبق تعبير »استقاللية الدولة« ‪ Statolary‬على‬
‫موقف معين من »الحكم بواسطة الموظفين« ‪government‬‬
‫‪ ،by officials‬أو المجتمع السياسي‪ .‬أي ذلك الشكل من‬
‫أشكال حياة الدولة الذي يعبر عنه لفظ الدولة في اللغة‬
‫الدارجة‪ ،‬والذي يقصد به عادة الدولة بأكملھا‪.‬‬
‫القول بأن الدولة يمكن أن تتوحد مع أفراد )أفراد جماعة‬
‫اجتماعية( باعتبارھا عنصرا من عناصر ثقافة نشطة ‪active‬‬
‫‪) culture‬أي باعتبارھا حركة من أجل خلق حضارة جديدة‪،‬‬
‫وإنسان ومواطن من نوع جديد(‪ ،‬ينبغي أن يحكم إرادة بناء‬
‫مجتمع مدني مركب ومتماسك في قلب المجتمع السياسي‪،‬‬
‫يمكن فيه أن يحكم الفرد نفسه بنفسه‪ ،‬دون الدخول في نزاع‬
‫مع المجتمع السياسي‪ ،‬فاألفضل أن يصبح امتدادا طبيعيا له‬
‫ويكمله عضويا‪.‬‬

‫‪289‬‬

‫‪http://nj180degree.com‬‬

‫ومرحلة استقاللية الدولة مرحلة ضرورية ومالئمة في الواقع‬
‫لتلك الجماعات االجتماعية‪ ،‬التي لم تمر بمرحلة طويلة من‬
‫التطور الثقافي واألخالقي المستقل )مثل تلك التي أتاحھا‬
‫الوجود القانوني للطبقات ‪ Estates‬والمراتب ‪Orders‬‬
‫المميزة في مجتمع العصر الوسيط‪ ،‬وفي ظل نظم الحكم‬
‫المطلق( قبل أن ترقى إلى مستوى حياة الدولة المستقلة‬
‫‪.autonomus State life‬‬
‫ھذه االستقاللية ھي الشكل الطبيعي لـ»حياة الدولة‪ ،‬أو على‬
‫األقل الشكل الذي يھيؤھا لحياة مستقلة‪ ،‬ولخلق مجتمع مدني‪،‬‬
‫لم يكن ممكنا تاريخيا أن يخلق قبل االرتقاء إلى مستوى حياة‬
‫الدولة المستقلة‪ .‬ومع ذلك‪ ،‬ال ينبغي أن يترك ھذا النوع من‬
‫»استقاللية الدولة« وشأنه‪ ،‬وال ينبغي على األخص التعصب‬
‫النظري لھذه االستقاللية‪ ،‬أو ينظر إليھا باعتبارھا شيئا دائما‪،‬‬
‫بل ينبغي نقدھا‪ ،‬بالتحديد‪ ،‬من أجل خلق وتنمية أشكال جديدة‬
‫لحياة الدولة‪ ،‬تكتسي فيھا مبادرات األفراد والجماعات طابع‬
‫»الدولة«‪ ،‬وإن لم تكن ترجع إلى مبادرات »حكومة‬
‫الموظفين« )أي أن تصبح حياة الدولة »تلقائية«(‪-1931} .‬‬
‫‪{1932‬‬
‫»حسنات« الطبقات الحاكمة‬
‫نظرا لصعوبة فھم فكرة وحدة الدولة‪/‬الطبقة‪ ،‬تبدو بعض‬
‫الغرابة في الطريقة التي تنعكس بھا أعمال الحكومة )الدولة(‬
‫على الطبقة التي تمثلھا‪ .‬فتجعل الحكومة )الدولة( من األعمال‬
‫التي قامت بھا أخيرا‪ ،‬وكان يتعين عليھا القيام منذ أكثر من‬
‫خمسين عاما أو أكثر‪ ،‬تبدو كما لو كانت فضال وحسنة من‬
‫حسنات ھذه الطبقة‪ ،‬ومصدرا لھيبتھا ونفوذھا‪ ،‬بدال من أن‬
‫تكون نقيصة ومدعاة للخزي والعار‪ .‬كمن يترك إنسانا يتضور‬
‫جوعا‪ ،‬خمسين عاما‪ ،‬ثم يكتشف أنه جائع‪ .‬لو أن ھذا حدث في‬
‫الحياة الخاصة الستحق ركلة قوية‪ .‬أما في حالة الدولة فإنه‬
‫يبدو »فضيلة«‪ .‬بل أن من »يغتسل« ألول مرة في سن‬
‫الخمسين‪ ،‬يبدو أرقى ممن في سنه‪ ،‬و»يغتسلون« دائما‪ .‬ھذا‬
‫ما نسمعه عند الحديث عن مشروعات الصرف الصحي‪،‬‬
‫واألشغال العامة‪ ،‬والطرق‪ ... ،‬الخ‪ ،‬أي تجھيز مرافق البالد‬
‫االجتماعية األساسية‪ .‬ويقابل توفير ھذه المرافق‪ ،‬التي وفرھا‬
‫اآلخرون ألنفسھم في الوقت المناسب‪ ،‬بالتھليل والتطبيل‪.‬‬
‫ويقال لآلخرين‪ ،‬افعلوا مثل ما فعلنا إن كنتم قادرين‪ .‬ولن‬
‫‪290‬‬

‫‪http://nj180degree.com‬‬

‫يفعلوا ألنھم قاموا بتوفيرھا في الوقت المناسب‪ .‬وھذا ما‬
‫يصورونه على أنه دليل على »العجز«‪.‬‬
‫ﱟ‬
‫وھيبة الدولة‪/‬الحكومة باعتبارھا قوة مستقلة ‪autonomous‬‬
‫‪ force‬ال بد أن تنعكس على الطبقة التي تستند إليھا‪ .‬ھذه‬
‫الحقيقة لھا أھمية عملية ونظرية بالغة‪ ،‬وتستحق تحليال‬
‫مستفيضا‪ ،‬إذا أردنا التوصل إلى تصور أكثر واقعية للدولة‬
‫ذاتھا‪ .‬فضال عن أنھا ليست ظاھرة استثنائية‪ ،‬أو سمة خاصة‬
‫بنمط واحد فقط من أنماط الدولة‪ ،‬فيمكن إدراجھا ضمن وظيفة‬
‫النخب أو الطالئع‪ ،‬أي وظيفة األحزاب بالنسبة للطبقة التي‬
‫تمثلھا‪ .‬وقد ال تتمتع ھذه الطبقة‪ ،‬التي تعتبر عادة حقيقة‬
‫اقتصادية )كل طبقة ھي كذلك في جوھرھا(‪ ،‬بأي نفوذ فكري‬
‫أو أدبي‪ ،‬أي أنھا قد تعجز عن تحقيق ھيمنتھا‪ ،‬ومن ثم تعجز‬
‫عن تأسيس دولة‪.‬‬
‫ومن ھنا كانت وظيفة النظم الملكية في العصر الحديث‪ ،‬ومن‬
‫ھنا أيضا‪ ،‬كانت تلك الظاھرة الفريدة )وخاصة في انجلترا أو‬
‫ألمانيا(‪ ،‬ظاھرة تكوين الكوادر القيادية للطبقة البرجوازية‬
‫المنظمة في دولة‪ ،‬من عناصر من الطبقات اإلقطاعية القديمة‪،‬‬
‫التي جردت من سطوتھا االقتصادية التقليدية )اليونكز‬
‫واللوردات(‪ ،‬والتي وجدت‪ ،‬مع ذلك‪ ،‬في الصناعة والبنوك‬
‫أشكاال جديدة للقوة االقتصادية‪ ،‬ولم تندمج في البرجوازية‪،‬‬
‫وظلت مرتبطة بجماعتھا االجتماعية التقليدية‪{1932} .‬‬
‫األدب التاريخي‬
‫إن الموقف العملي الذي اتخذه كروتشه عنصر جوھري في‬
‫تحليل ونقد موقفه الفلسفي‪ .‬وھو في الحقيقة العنصر األساسي‪.‬‬
‫لقد أصبحت الفلسفة و»االيديولوجيا« عنده في النھاية شيئا‬
‫واحدا‪ .‬وظھر أن الفلسفة ليست إال »أداة عملية« للتنظيم‬
‫والفعل‪ ،‬أي أداة لتنظيم الحزب‪ ،‬وھي في الحقيقة أداة لتنظيم‬
‫دولية من األحزاب ‪ an international of parties‬ولتحديد‬
‫مسار الفعل في ميدان الممارسة‪.‬‬
‫وفي عالم اليوم‪ ،‬يمكننا أن‬
‫لظاھرة »االنفصام« بين‬
‫عرفتھا العصور الوسطى‪،‬‬
‫تعقد الحياة الحديثة ذاتھا‪.‬‬

‫نتبين‪ ،‬بوجه عام‪ ،‬ظاھرة مشابھة‬
‫»الروحي« و»الزمني«‪ ،‬التي‬
‫وإن كانت أكثر منھا تعقيدا‪ ،‬بقدر‬
‫فقد أخذت الجماعات االجتماعية‬
‫‪291‬‬

‫‪http://nj180degree.com‬‬

‫الرجعية والمحافظة ترتد أكثر فأكثر إلى أول أطوارھا‪ ،‬إلى‬
‫طورھا االقتصادي‪-‬الطائفي‪ ،‬بينما ال تزال الجماعات التقدمية‬
‫والمجددة في أول أطوارھا‪ ،‬في طورھا االقتصادي‪-‬النقابي‪.‬‬
‫وأخذ المثقفون التقليديون ينسلخون عن الجماعة االجتماعية‬
‫التي كانوا وال زالوا يصيغون وعيھا في أرقى وأشمل صورة‪.‬‬
‫ولذا أصبح وعي الدولة الحديثة ھو األكمل واألشمل‪ .‬وھم‬
‫بھذا االنسالخ ينجزون عمال تاريخيا بالغ األھمية‪ ،‬وھو إبراز‬
‫وتكريس أزمة الدولة في أحد صورھا‪.‬‬
‫غير أن ھؤالء المثقفين ال يملكون ال التنظيم الذي كانت تملكه‬
‫الكنيسة‪ ،‬وال شيء آخر يضاھيه‪ .‬واألزمة الراھنة ھي من ھذه‬
‫الناحية أشد حدة من أزمة العصور الوسطى‪ ،‬التي استمرت‬
‫عدة قرون‪ ،‬إلى أن قامت الثورة الفرنسية‪ ،‬عندما أصبح في‬
‫إمكان الجماعة االجتماعية التي كانت طوال ألف عام القوة‬
‫االقتصادية المحركة في أوروبا أن تقدم نفسھا كـ»دولة«‬
‫متكاملة‪ ،‬تملك كل القوى الفكرية والمعنوية الالزمة لتنظيم‬
‫مجتمع سليم ومتكامل‪.‬‬
‫أما »الروحي« الذي ينفصل اليوم عن »الزمني«‪ ،‬ويتميز‬
‫عنه‪ ،‬باعتباره شيئا مستقال‪ ،‬فھو شيء ال عضوي‬
‫‪ ،diagonstic‬بال مركز‪ ،‬ويتمثل في كبار المثقفين الذين‬
‫يعيشون حالة من التشتت وعدم االستقرار‪» ،‬بال باب‪ ،‬وبال‬
‫إقليم«‪.‬‬
‫غير ن عملية تفكك الدولة الحديثة ھذه‪ ،‬تفوق كثيرا من حيث‬
‫طابعھا المأساوي‪ ،‬العملية التاريخية التي شھدتھا العصور‬
‫الوسطى‪ ،‬والتي كانت عملية تفكك وتوحد في آن واحد‪ ،‬إذا‬
‫أخذنا في االعتبار الجماعة المتميزة‪ ،‬التي كانت محركا‬
‫للعملية التاريخية ذاتھا‪ ،‬ونمط الدولة الذي كان قائما من بداية‬
‫األلفية في أوروبا‪ .‬وھي دولة لم تعرف المركزية الراھنة‪،‬‬
‫ويمكن أن نسميھا دولة »اتحاد الطبقات المسيطرة«‬
‫‪ ،federative of the dominant classes‬ال دولة الطبقة‬
‫الواحدة المسيطرة‪.‬‬
‫يجدر بنا أن نعرف إلى أي حد تتفق فلسفة جنتيلي »الواقعية«‬
‫‪ actualism‬مع الطور االيجابي في حياة الدولة ‪positive‬‬
‫‪.phase of the state‬بينما يقدم لنا كروتشه رأيا مناقضا‪.‬‬
‫ويسمح مفھوم »الوحدة التي تتحقق من خالل الفعل« ‪unity‬‬
‫‪292‬‬

‫‪http://nj180degree.com‬‬

‫‪ in the act‬لجنتيلي بأن يعتبر تاريخيا ما يعتبره كروتشه‬
‫ضدا للتاريخ ‪ ،anti-history‬فالتاريخ عند جنتيلي ليس إال‬
‫تاريخ الدولة‪ ،‬بينما ھو عند كروتشه تاريخ »سياسي‪-‬أخالقي«‬
‫‪ .ethical-political‬وبعبارة أخرى‪ ،‬حرص كروتشه على‬
‫التمييز بين المجتمع المدني والمجتمع السياسي‪ ،‬بين الھيمنة‬
‫‪ hegemony‬والدكتاتورية‪ .‬ويمارس كبار المثقفين الھيمنة‪،‬‬
‫التي تفرض قدرا من التعاون‪ ،‬أي قبوال ايجابيا وطوعيا‬
‫)حرا(‪ ،‬أي أنھا تفرض وجود نظام ليبرالي ديموقراطي‪.‬‬
‫وينظر جنتيلي إلى الطور االقتصادي‪-‬الطائفي باعتباره طورا‬
‫أخالقيا ‪ ethical-phase‬في إطار الفعل التاريخي‬
‫‪ :historical act‬حيث يستحيل التمييز بين الھيمنة‬
‫والدكتاتورية‪ ،‬وبين القوة والقبول فھما مترادفين‪ ،‬فال يمكن‬
‫التمييز بين المجتمع السياسي والمجتمع المدني‪ ،‬حيث ال‬
‫وجود إال للدولة‪ ،‬وبالطبع الدولة كحكومة‪ ... ،‬الخ‪.‬‬
‫لقد عاد ذات الصراع الذي نشأ بين مواقف كروتشه وجنتيلي‬
‫في ميدان الفلسفة ليظھر من جديد في حقل االقتصاد السياسي‪،‬‬
‫بين إنودي وأتباع جنتيلي )‪ .(38‬فمفھوم سبريتو للمواطن‬
‫كموظف للدولة ‪ ،State functionary‬يرجع مباشرة إلى‬
‫عدم الفصل بين مفھوم المجتمع السياسي‪ ،‬ومفھوم المجتمع‬
‫المدني‪ ،‬بين الھيمنة السياسية‪ ،‬والدولة‪-‬الحكومة السياسية‬
‫‪ State political-government‬أي أنھا ترجع إلى‬
‫التصور المناھض للتاريخانية‪ ،‬أو إلى ال تاريخية مفھوم‬
‫الدولة المتضمن في موقف إسبريتو‪ ،‬بالرغم من تأكيداته‬
‫القاطعة ومساجالته الصاخبة‪ .‬ويرفض إسبريتو التسليم بأن‬
‫الدولة تتدخل في كل لحظة في الحياة االقتصادية‪ ،‬التي ھي‬
‫شبكة متصلة من التصرفات القانونية الناقلة للملكية‪ ،‬طالما أن‬
‫كل أشكال الملكية ترتبط بالدولة حتى في رأي االقتصاديين‬
‫الكالسيكيين‪.‬‬
‫ويمثل موقف سبريتو عمليا عودة إلى االقتصادية البحتة التي‬
‫يتھم خصومه بھا‪.‬‬
‫وينبغي أال ننسى أن ھذا الموقف يتضمن جوھر »الطريقة‬
‫األمريكية في الحياة« ‪ ،Americanism‬طالما أن أمريكا لم‬
‫تخرج بعد من التطور االقتصادي‪-‬الطائفي‪ ،‬الذي مرت به‬
‫أوروبا في العصور الوسطى‪ .‬أي أنھا لم تكن قد خلقت بعد‬
‫‪293‬‬

‫‪http://nj180degree.com‬‬

‫رؤية للعالم‪ ،‬أو مجموعة من كبار المفكرين لتقود الناس في‬
‫إطار مجتمع مدني‪ .‬والحق أن أمريكا تخضع‪ ،‬من ھذه‬
‫الناحية‪ ،‬لتأثير أوروبا وتأثير التاريخ األوروبي )ھذه القضية‪،‬‬
‫قضية الشكل األساسي للدولة في الواليات المتحدة األمريكية‪،‬‬
‫قضية بالغة التعقيد‪ ،‬ويبدو لي أن ھذا بالتحديد ھو جوھرھا(‪.‬‬
‫}‪{1932-1930‬‬
‫»ھدﱠام«‬
‫يمكن شرح التصور االيطالي القح للـ»ھ ﱠدام« ‪Subversive‬‬
‫)‪ (39‬على النحو التالي‪ :‬إن موقفه‪ ،‬أقرب إلى الموقف الطبقي‬
‫السلبي منه إلى الموقف االيجابي‪»-‬الشعب« يدرك أن له‬
‫أعداء‪ ،‬ھم كمما يحددھم من واقع تجربته »السادة« ‪Signori‬‬
‫)‪ (40‬وينطوي مفھوم »السيد« ‪ signore‬على الكثير من‬
‫كراھية أھل الريف القديمة للمدينة‪ .‬والملبس ھنا‪ ،‬عنصر‬
‫أساسي للتميز‪ ،‬وھناك أيضا كراھية طبقة الموظفين‪ ،‬الشكل‬
‫الوحيد للدولة كما يتصورونھا‪ .‬والفالح‪ ،‬وحتى المزارع‬
‫الصغير يمقت الموظف‪ ،‬وال يمقت الدولة ألنه ال يراھا‪.‬‬
‫وينظر إلى الموظف كـ»سيد«‪ ،‬حتى وإن كان أحسن منه حاال‬
‫من الناحية االقتصادية‪.‬‬
‫ومن ھنا كانت المفارقة الواضحة‪ ،‬فغالبا ما يكون »السيد«‬
‫أيضا‪ ،‬ممن يتضورون جوعا ‪ ،morto di fame‬إذا ما‬
‫قورن بالفالح‪.‬‬
‫ويغلب على ھذه الكراھية »العامة« الطابع شبه اإلقطاعي ال‬
‫الطابع الحديث‪ .‬وال يمكن اعتبارھا دليال على الوعي الطبقي‪،‬‬
‫وإنما ھي بداية تفتحه‪ ،‬وتعبيرا عن الموقف السلبي البدائي‬
‫األساسي‪ .‬فليس لدى الشعب وعي صحيح بھويته التاريخية‪،‬‬
‫وال حتى بھوية عدوه التاريخية‪ ،‬وحدوده الطبقية‪ .‬فال يمكن‬
‫للطبقات الدنيا أن تحقق وعيھا الذاتي أال بصورة سلبية‪ ،‬من‬
‫خالل وعيھا بھوية عدوھا‪ ،‬وبحدوده الطبقية‪ ،‬غير أن ھذه‬
‫العملية بالتحديد‪ ،‬لم تبرز بعد إلى السطح على المستوى‬
‫القومي‪.‬‬
‫وثمة عنصرا آخر‪ ،‬يساعدنا على فھم المقصود بلفظة‬
‫»ھ ّدام«‪ ،‬ھو تلك الشريحة التي تعد نموذجا للمتضورين‬

‫‪294‬‬

‫‪http://nj180degree.com‬‬

‫جوعا‪ ،‬وقد يترتب على تعريفھا تعريفا مجردا أخطاء جسيمة‪.‬‬
‫وھي شريحة غير متجانسة‪.‬‬
‫ويشكل ھؤالء في القرية وفي المدن الحضرية الصغيرة‬
‫شريحتان متميزتان ھما‪ :‬عمال اليومية‪ ،‬وصغار المثقفين‬
‫‪ .petty intellectuals‬وليس الوضع االقتصادي ھو السمة‬
‫الجوھرية المميزة لعمال اليومية‪ ،‬بل حالتھم الفكرية‬
‫واألخالقية‪ .‬ونموذج الفالح في تلك المناطق‪ ،‬ھو الحائز‬
‫الصغير‪ ،‬أو الفالح في نظام المشاركة وھو أكثر منه بدائية‬
‫)يتخذ الريع الذي يدفعه للمالك صورة حصة من محصله‪،‬‬
‫الثلث أو النصف أو الثلثين‪ ،‬حسب خصوبة وموقع حيازته(‪،‬‬
‫ويملك أدوات قليلة‪ ،‬وزوج من الثيران وكوخ بناه في الغالب‬
‫بنفسه في األيام التي ال يعمل فيھا‪ ،‬وحصل على المال الالزم‪،‬‬
‫إما بالھجرة للعمل بضع سنوات أو بالعمل بضع سنوات »في‬
‫المناجم« أو بالخدمة في الدرك ‪ ... ،(41) carabinieri‬الخ‪.‬‬
‫أو كخادم لدى مالك كبير‪ ،‬أي أنه حصل عليه »بتدبير أموره«‬
‫وباالدخار‪ .‬أما العامل المياوم‪ ،‬فغير قادر أو غير راغب في‬
‫»تدبير أموره«‪ ،‬وال يملك شيئا‪ .‬وھو يتضور جوعا‪ ،‬ألن‬
‫العمل المياوم نادر وغير منتظم‪.‬‬
‫أما البرجوازي الصغير الذي يتضور جوعا فقد جاء أصال من‬
‫البرجوازية الريفية‪ .‬فالملكية تتفتت بالتوزيع على أفراد األسر‬
‫الكبيرة العدد إلى أن تختفي تماما‪ .‬وأعضاء ھذه الطبقة ليسوا‬
‫مستعدين مع ذلك للعمل اليدوي‪ .‬وھكذا تكونت شريحة من‬
‫الجياع الذين يتطلعون إلى التعيين في الوظائف المحلية‬
‫الصغيرة ككتبة وسعاة‪ ... ،‬الخ‪ .‬وتمثل ھذه الشريحة عنصرا‬
‫من عناصر إشاعة الفوضى في حياة الريف‪ ،‬المتعطشة دائما‬
‫إلى التغيير )االنتخابات‪ ... ،‬الخ(‪ ،‬وتُقدم العنصر »الھدام«‬
‫‪ the local Subversive‬المحلي ولھذه الشريحة بعض‬
‫األھمية ألنھا كبيرة العدد نسبيا‪ .‬وتتحالف بصفة خاصة مع‬
‫البرجوازية الريفية ضد الفالحين‪ ،‬وتنظم الجياع لتحقيق‬
‫مصالحھا‪ .‬وھذه الشريحة موجودة في كل المناطق‪ ،‬ولھا أيضا‬
‫امتدادات في المدن‪ ،‬حيث تندمج في عالم الجريمة السفلى أو‬
‫في البيئة المحيطة به‪ .‬وترجع األصول االجتماعية لكثير من‬
‫صغار الموظفين إلى ھذه الشرائح‪ ،‬وال تزال عقليتھم ھي‬
‫عقلية النبيل أو مالك األرض المتعجرف الذي افتقر وأصبح‬
‫مضطرا للعمل‪.‬‬

‫‪295‬‬

‫‪http://nj180degree.com‬‬

‫ولـ»النزعة الھ ﱠدامة« ‪ Subversivism‬لدى ھذه الشرائح‬
‫وجھان‪ ،‬وجه يتجه إلى اليسار‪ ،‬واآلخر يتجه إلى اليمين‪ .‬غير‬
‫أن الوجه اليساري ليس إال وسيلة لالبتزاز‪ .‬وھم في اللحظات‬
‫الحاسمة‪ ،‬ينتقلون دائما إلى صف اليمين‪ .‬وھم بالرغم من‬
‫»شجاعتھم« التي تقسم بالتھور يفضلون دائما أن تكون‬
‫الشرطة في جانبھم‪.‬‬
‫وثمة عنصر آخر يستحق الفحص والتحليل‪ ،‬وھو ما يسمى‬
‫بـ»أممية« ‪ internationalism‬الشعب االيطالي يرتبط‬
‫بمفھوم »النزعة الھدامة«‪ .‬ھذه األممية ھي في الحقيقة ضرب‬
‫من »الكوزموبوليتانية«‪ ،‬يرجع إلى ظاھرة تاريخية يمكن‬
‫تحديھا بسھولة‪ :‬ھي ظاھرة كوزموبوليتانية وعالمية‬
‫‪ universalism‬العصور الوسطى الكاثوليكية‪ ،‬التي اتخذت‬
‫من ايطاليا مركزا لھا‪ ،‬وصمدت للزمن نتيجة الفتقار ايطاليا‬
‫إلى أي »تاريخ سياسي أو قومي«‪ ،‬أي لضعف الوعي القومي‬
‫والدولوي ‪ State conciousness‬بالمعنى الحديث‪.‬‬
‫وكما سبق أن أشرت في موضع آخر‪ ،‬كان وال يزال ھناك‬
‫شكال متميزا من الشوفينية االيطالية‪ ،‬أكثر انتشارا مما قد يبدو‬
‫ألول وھلة‪ .‬وليس ثمة تناقض بين ھاتين المالحظتين‪ .‬فترات‬
‫الوحدة السياسية واإلقليمية والقومية‪ ،‬تراث ھزيل )وقد ال‬
‫يكون لھا أي تراث على اإلطالق‪ .‬فايطاليا لم تكن موحدة في‬
‫أي وقت من األوقات قبل ‪ .1870‬وحتى اسم ايطاليا الذي كان‬
‫يطلق في العصر الروماني على جنوب ووسط ايطاليا حتى‬
‫ماجرا ‪ Magra‬وروبيكون ‪ Rubicon‬شماال‪ ،‬تغير في‬
‫لونجوبارديا‬
‫اسمھا‬
‫وأصبح‬
‫الوسطى‬
‫العصور‬
‫‪ :Longobardia‬انظر دراسة س‪.‬تشبوال ‪ C.Cipola‬حول‬
‫اسم ايطاليا المنشورة في ‪Att del-L'Accademia di‬‬
‫‪.(Torino‬‬
‫ومع ذلك‪ ،‬كان ايطاليا تراثھا الثقافي الذي حافظت عليه‪،‬‬
‫والذي يرجع إلى الفترة ‪ ،1700-1300‬وإن كان ال يرجع إلى‬
‫العصر الكالسيكي القديم‪ ،‬بالرغم من ادعاء الھيومانزم‬
‫والرينسانس أنھما امتداد له‪ .‬كانت ھذه الوحدة الثقافية أساس‬
‫حركة النھضة والوحدة القومية االيطالية ‪،Risorgimento‬‬
‫وإن كان أساسا واھيا‪ .‬ومع ذلك‪ ،‬فقد أفاد في تجميع أنشط‬
‫شرائح السكان وأذكاھا حول البرجوازية‪ ،‬وھو ال يزال أساس‬
‫النزعة القومية الشعبية ‪.popular nationalism‬‬
‫‪296‬‬

‫‪http://nj180degree.com‬‬

‫ونتيجة الفتقار ھذا االدعاء العاطفي للعناصر السياسية‪-‬‬
‫العسكرية أو السياسية‪-‬االقتصادية‪ ،‬أي للعناصر التي تشكل‬
‫أساس السيكولوجية القومية الفرنسية واأللمانية واألمريكية‪،‬‬
‫كان الكثيرون ممن يسمون »ھدامين« و»أمميين«‪،‬‬
‫و»شوفنيين« بھذا المعنى‪ ،‬دون أن يكونوا واعين بأي تناقض‬
‫في موقفھم‪.‬‬
‫وإذا أردنا أن نفھم سبب الشراسة التي تتسم بھا أحيانا ھذه‬
‫الشوفينية الثقافية ‪ ،cultural chauvinism‬ال بد أن نشير‬
‫إلى أن االزدھار العلمي والفني واألدبي الذي شھدته ايطاليا‪،‬‬
‫كان في فترة االنحطاط السياسي والعسكري‪ ،‬وانحطاط الدولة‬
‫)ويفسر ھذه الظاھرة ثقافة النبالء والبالط في القرنين السادس‬
‫عشر والسابع عشر‪ ،‬وبعد أن تحللت برجوازية الكوميونات‪،‬‬
‫وصارت الثروة ربوية‪ ،‬بعد أن كانت إنتاجية‪ ،‬ومظاھر‬
‫»الترف واإلسراف« الذي كان المدخل إلى االنحطاط‬
‫االقتصادي الشامل(‪.‬‬
‫ويرتبط مفھوم الثوري واألممي بالمعنى الحديث‪ ،‬بالمفھوم‬
‫الدقيق للدولة والطبقة‪ :‬فعدم الفھم الكافي لطبيعة الدولة يعني‬
‫ضعف الوعي الطبقي )وفھم طبيعة الدولة ال يكون عند الدفاع‬
‫عنھا فحسب‪ ،‬بل وعند الھجوم عليھا لإلطاحة بھا(‪ ،‬ومن ھنا‬
‫كان انخفاض مستوى فاعلية األحزاب‪ ... ،‬الخ‪ ،‬ففرق الفجر‬
‫‪poliical‬‬
‫‪ ،Gypsy bands‬أو البداوة السياسية‬
‫‪ ،nomadism‬ليست ظواھر خطرة‪ .‬كذلك لم تكن النزعات‬
‫الھدامة واألممية االيطالية بالظواھر الخطرة‪ .‬وترتبط‬
‫»النزعة الھدامة« الشعبية بـ»النزعة الھدامة« في القمة‪ ،‬أي‬
‫بواقع أنه لم يكن لـ»حكم القانون« وجود في أي وقت من‬
‫األوقات‪ ،‬وإنما كانت ھناك فقط سياسة تتسم بالسلطة المطلقة‪،‬‬
‫وبوجود الزمر التي تلتف حول أفراد أو جماعات‪.‬‬
‫وال يمكن بطبيعة الحال‪ ،‬اعتبار كل ھذه المالحظات قاطعة أو‬
‫مطلقة‪ :‬وإنما ھي محاولة لوصف بعض جوانب الوضع‪،‬‬
‫وذلك أوال‪ ،‬من أجل تقييم أفضل للنشاط المبذول لتغييره )أو‬
‫الالنشاط ‪ non-activity‬أي فشل المرء في فھم مھمته(‪ .‬ثانيا‬
‫إبراز تلك المجموعات التي ارتفعت إلى مستوى الموقف‪،‬‬
‫نتيجة لفھمھا له‪ ،‬وغيرته داخل صفوفھا‪{1930} .‬‬

‫‪297‬‬

‫‪http://nj180degree.com‬‬

‫»موجة المادية« و»أزمة السلطة«‬
‫يتصل ما يسمونه بـ»الموجة المادية«‪ ،‬ذلك المظھر من‬
‫مظاھر األزمة الحديثة‪ ،‬الذي ينوحون ويتباكون عليه‪ ،‬بما‬
‫يسمى »أزمة السلطة« ‪ .crisis of authority‬فإذا فقدت‬
‫الطبقة الحاكمة اإلجماع الذي تستند إليه ‪ ،consensus‬أي لم‬
‫تعد »تقود« بل »تسيطر« فقط‪ ،‬مستخدمة القوة الجبرية‬
‫وحدھا"‪ ،‬فھذا يعني بالتحديد‪ ،‬أن غالبية الجماھير الساحقة‪ ،‬قد‬
‫تحررت من إيديولوجيتھا التقليدية‪ ،‬وأنھا لم تعد تؤمن بما‬
‫كانت تؤمن به من قبل‪ ... ،‬الخ‪ .‬وتتمثل األزمة بالتحديد في أن‬
‫القديم يحتضر‪ ،‬والجديد لم يولد بعد‪ .‬وفي ظل ھذا الفراغ‬
‫تظھر أعراض مرضية غاية في التنوع‪ .‬ملحوظة ‪ :NB‬كان‬
‫ينبغي أن استكمل ھذه الفقرة ببعض المالحظات‪ ،‬التي أبديتھا‬
‫حول ما يسمى بـ»مشكلة الجيل األصغر«‪ .‬وھي مشكلة ناجمة‬
‫عن »أزمة سلطة« األجيال القديمة الحاكمة‪ ،‬وعن القيود‬
‫الحاكمة‪ ،‬وعن القيود المادية التي فرضت على أولئك الذين‬
‫كان يمكنھم أن يمارسوا القيادة‪ ،‬والتي منعتھم من أداء‬
‫رسالتھم‪.‬‬
‫المشكلة ھي‪ :‬ھل يمكن رأب »صدع« خطير‪ ،‬أصاب ارتباط‬
‫الجماھير الشعبية باإليديولوجيات السائدة بعد الحرب‬
‫باستخدام القوة وحدھا‪ ،‬لمنع اإليديولوجيات الجديدة من أن‬
‫تفرض نفسھا؟ ھل سيُمأل ھذا الفراغ‪ ،‬وتحل األزمة –التي سد‬
‫السبيل الطبيعي لحلھا على ھذا النحو‪ -‬بالضرورة لصالح‬
‫إعادة القديم؟ ھذا مستبعد )على األرجح( إذا أخذنا في االعتبار‬
‫طبيعة اإليديولوجيات‪ .‬وفي األثناء‪ ،‬سوف يؤدي اإلنھاك‬
‫المادي‪ ،‬في المدى الطويل‪ ،‬إلى ذيوع نزعة الشك‬
‫‪ ،scepticism‬وسوف يتم التوصل إلى »ترتيب« جديد‬
‫تتحول بمقتضاه الكاثوليكية مثال‪ ،‬أكثر فأكثر لتصبح نزعة‬
‫جزويتية ‪ ...Jesuitism‬الخ‪.‬‬
‫ويمكننا أن نستنتج من ھذا أيضا‪ ،‬أن ظروفا مواتية للغاية قد‬
‫نشأت‪ ،‬النتشار المادية التاريخية انتشارا لم يسبق له مثيل‪.‬‬
‫والفقر الذي كان ال بد وأن تتسم به المادية التاريخية‪ ،‬في‬
‫البداية‪ ،‬كنظرية واسعة االنتشار بين الجماھير‪ ،‬ھو بالتحديد ما‬
‫ساعدھا على االنتشار‪.‬‬

‫‪298‬‬

‫‪http://nj180degree.com‬‬

‫لقد اتخذ موت اإليديولوجيات القديمة صورة الشك في كل‬
‫النظريات‪ ،‬والصيغ العامة‪ ،‬واستخدام الحقائق االقتصادية‬
‫المجردة )الدخول‪ ،‬وغيرھا‪ (...‬وفي السياسة غير الواقعية‬
‫)وھذا ھو ما يحدث دائما(‪ ،‬التي ال تؤمن بطيبة الدوافع‬
‫البشرية‪.‬‬
‫)تذكر قصة كتاب »مدخل إلى مكيافيلي« )‪ (42‬الذي ربما‬
‫يكون قد تأثر باألستاذ رنسي ‪ ،Rensi‬الذي أشاد في وقت من‬
‫األوقات )في ‪ 1920‬أو ‪ (1922‬بنظام الرق باعتباره أحد‬
‫الوسائل الحديثة في االقتصاد السياسي(‪.‬‬
‫غير أن اختزال اإليديولوجيات إلى االقتصاد والسياسة على‬
‫ھذا النحو‪ ،‬يعني بالتحديد‪ ،‬اختزال أعلى األبنية الفوقية إلى‬
‫أكثرھا التصاقا بالبنية }االقتصادية‪-‬المترجم{ ذاتھا‪ .‬إنه يعني‬
‫بعبارة أخرى‪ ،‬إمكانية وضرورة خلق حضارة جديدة‪.‬‬
‫}‪{1930‬‬
‫مالحظة‪ :‬مالحظات المترجمين إلى االنجليزية مرقمة في‬
‫الھوامش‪ .‬أما مالحظات المترجم إلى العربية فمرقمة‬
‫ومرفوقة بالعالمة *‬
‫ھوامش ومالحظات‬
‫)‪ (*1‬ويتجلى فكر الشريحة في النشاط اإليديولوجي لمثقفي‬
‫اليمين المحافظ‪ .‬وبعد كتاب جيتانو موسكا ‪Teorica dei‬‬
‫‪e‬‬
‫‪) governi‬الطبعة األولى ‪ ،1883‬والثانية ‪(1925‬‬
‫‪ ،governo parlamentare‬في ھذا الخصوص‪ ،‬مثال‬
‫نموذجيا ]أنشأ موسكا )‪ (1941-1858‬مع باريتو وميشيلز‬
‫نظرية »النخب« في علم االجتماع‪ .‬وكانت »الطبقة‬
‫السياسية« ھي مفھومه األساسي‪ .‬وكانت النظرية الماركسية‬
‫في الصراع الطبقي‪ ،‬ومفھوم الطبقة الحاكمة ھو الھدف‬
‫الرئيسي لھجومه[‪ ،‬وحتى في عام ‪ 1883‬كان يفزعه احتمال‬
‫اتصال المدن بالريف‪ .‬وبحكم موقفه الدفاعي في ‪1883‬‬
‫)موقف الھجوم المضاد(‪ ،‬كان أقدر على فھم التكنيك السياسي‬
‫للطبقات المحكومة‪ ،‬من ممثلي تلك الطبقات ذاتھا‪ ،‬حتى في‬
‫المدن‪ ،‬وحتى بعد مضي عدة عقود‪.‬‬

‫‪299‬‬

‫‪http://nj180degree.com‬‬

‫)‪ (2‬كانت اليونان في ‪ 1920‬ممزقة بين جناحي الطبقة‬
‫الحاكمة‪ ،‬بين أنصار الملك قسطنطين المعزول‪ ،‬الذي كان‬
‫يميل إلى ألمانيا‪ ،‬من جھة‪ ،‬و»الليبراليين« بزعامة فنيزيلوس‬
‫‪ Venizelos‬الذي يظاھره البريطانيون من جھة أخرى‪ .‬وبعد‬
‫تغييرات كثيرة في السلطة‪ ،‬وقعت في أغسطس ‪1920‬‬
‫محاولة فاشلة الغتيال فيزيلوس‪ ،‬الذي كان حينئذ رئيسا‬
‫للوزراء‪ ،‬وأعقبھا أعمال انتقامية وحشية‪ .‬وكان من بين‬
‫ضحايا المذبحة دراجوميس ‪ ،Dragoumis‬الوزير السابق‬
‫وھو من أنصار الملكية‪.‬‬
‫)‪ (3‬كتب غرامشي‪ ...» :‬لم تعرف ايطاليا الطبقة »العليا«‬
‫التقليدية حيث قضت كوميونات العصور الوسطى على‬
‫االرستقراطية اإلقطاعية )قضي عليھا ماديا في الحروب‬
‫األھلية باستثناء جنوب ايطاليا وصقلية(‪ ،‬ولذا ھبط المقصود‬
‫بتعبير »الوسطى« درجة‪ .‬فأصبح تعبير الطبقة الوسطى يعني‬
‫»سلبا«‪ ،‬الطبقة غير الشعبية‪ ،‬أي غير العمال والفالحين‪،‬‬
‫وتعني »إيجابا« شريحة المثقفين‪ ،‬شريحة المھنيين‪،‬‬
‫والموظفين العموميين«‪.‬‬
‫)‪ (4‬بريمو دي ريفيرا ‪(1930-1870) Primo de Revera‬‬
‫دكتاتور اسبانيا )‪ (1930-1923‬المؤيد من النظام الملكي‪.‬‬
‫بيتار جيتكوفتش ‪ (1847-1879) Petar Zivkovic‬رئيس‬
‫وزراء يوغوسالفيا )‪ ،(1932-1929‬وأداة حكم الملك اسكندر‬
‫الدكتاتوري خالل تلك الفترة‪.‬‬
‫)‪ (*5‬إن ما كتبه ت‪.‬تتوني ‪ T.Tittoni‬عن »الشريحة‬
‫العسكرية« في‪:‬‬
‫‪Ricordi personali di politica interna (Nuova‬‬
‫‪ ( Antologia 1-16 April 1929‬مثير لالھتمام‪ .‬وفيه‬
‫يحكي أنه كان يتساءل‪ ،‬كيف أن حشد قوى النظام الالزمة‬
‫لمواجھة القالقل التي تثور في إحدى المناطق‪ ،‬كان يعني‬
‫تعرض مناطق أخرى للنھب والسلب‪ .‬فلقمع االضطرابات في‬
‫أنكونا إبان األسبوع األحمر من شھر يونيو‪/‬حزيران ‪،1914‬‬
‫كان البد أن تنھب رافينّا ‪ Ravenna‬على ھذا النحو‪ ،‬واضطر‬
‫عمدتھا الذي حرم من قواته النظامية‪ ،‬إلى أن يحبس نفسه في‬
‫مقر العمل تاركا المدينة للثوار‪» :‬لقد تساءلت كثيرا‪ ،‬ماذا كان‬
‫في وسع الحكومة أن تفعل‪ ،‬لو أن حركة التمرد اندلعت في‬
‫‪300‬‬

‫‪http://nj180degree.com‬‬

‫كل شبه الجزيرة في وقت واحد؟«‪ .‬واقترح تيتوني على‬
‫الحكومة تجنيد المحاربين القدامى كمتطوعين تحت قيادة‬
‫ضباط متقاعدين للدفاع عن النظام العام‪ .‬وبدا أن مشروعه‬
‫يستحق االھتمام‪ ،‬غير أنه لم ير النور‪.‬‬
‫)‪ (6‬استوحى غرامشي تعبير »القيصرية« من المماثلة‬
‫الشائعة في ايطاليا بين قيصر ومسوليني‪ .‬وكان يسخر من‬
‫»نظرية القيصرية« القائلة أن قيصر حول روما من مدينة‪-‬‬
‫دولة إلى عاصمة لإلمبراطورية‪ ،‬ويتضمن ھذا التعبير‬
‫السخرية من الفكرة القائلة أن مسوليني أحدث تحوال مماثال‬
‫في مكانه ايطاليا الحديثة‪.‬‬
‫)‪ (7‬بموت لورنزو ‪ Lorenzo‬في ‪ 1492‬انتھى توازن القوى‬
‫بين الدويالت االيطالية‪ ،‬وبدأ عصر السيطرة األجنبية‪ ،‬الذي‬
‫استمر إلى أن تحققت الوحدة االيطالية‪.‬‬
‫)‪ (8‬أي تشكيل الحكومة القومية بعد استقالة ماكدونالد من‬
‫حزب العمال في ‪.1931‬‬
‫)‪ (9‬أكتوبر ‪ ،1922‬تاريخ الزحف على روما‪ .‬أيد الحزب‬
‫الشعبي في البداية الفاشيين في البرلمان‪ ،‬وانضم إلى الحكومة‪.‬‬
‫غير أنه انقسم في صيف ‪ 1923‬حول قضية الموقف السياسي‬
‫من الفاشيين‪ .‬وفي انتخابات يناير‪/‬كانون الثاني ‪ 1924‬تقدم‬
‫بقائمة بمرشحيه‪ .‬ورفض االنضمام إلى جبھة مشتركة‬
‫ألحزاب المعارضة‪ .‬وفي يناير ‪ 1925‬ألغت الحكومة الفاشية‬
‫حرية الصحافة‪ .‬وفي ‪ 8‬نوفمبر‪/‬تشرين الثاني ‪ 1926‬تم حل‬
‫أحزاب المعارضة رسميا‪ ،‬وأسقطت العضوية عن األعضاء‬
‫غير الفاشيين في البرلمان‪ ،‬ومن بينھم غرامشي )الذي اعتقل‬
‫في ذات اليوم(‪.‬‬
‫)‪ (10‬أي االنقالب الذي جاء بلويس بنابرت إلى السلطة‪.‬‬
‫)‪ (11‬تحلل ھذه الفقرة الموقف السلبي االنتحاري لألقصويين‬
‫واإلصالحيين االيطاليين‪.‬‬
‫)‪ (12‬كان ھناك سجال طويل في ‪ 1920-1919‬بين أوردين‬
‫نوفو التي تعتبر مجالس المصانع أجھزة لكل الطبقة العاملة‬
‫)بما في ذلك العمال غير المنظمين في الحزب االشتراكي أو‬
‫‪301‬‬

‫‪http://nj180degree.com‬‬

‫في النقابات( وأصحاب الرأي الغالب في الحزب االشتراكي‬
‫الذي أفزعته ھذه الفكرة‪.‬‬
‫)‪ (13‬كان كلوديو تريفز ‪-1869) Claudio Treves‬‬
‫‪ (1933‬مع توراتي ‪ Turati‬القائدين الرئيسيين للجناح‬
‫اإلصالحي‪ ،‬بعد طردھما من الحزب االشتراكي االيطالي‪ ،‬ثم‬
‫للحزب االشتراكي االيطالي الموحد اإلصالحي‪ ،‬بعد طردھما‬
‫من الحزب االشتراكي حتى نفيھما في ‪ .1926‬وفي ‪30‬‬
‫مارس‪/‬آذار ‪ 1920‬ألقى كلوديو خطابه الذي عرف بـ»خطاب‬
‫التكفير عن الذنوب«‪ ،‬وصف فيه الوضع المأساوي للطبقات‬
‫الحاكمة‪ ،‬حيث كانت البرجوازية عاجزة عن االستمرار في‬
‫الحكم في الوقت الذي لم تكن فيه البروليتاريا مستعدة بعد‬
‫لتولي السلطة‪.‬‬
‫)‪ (*14‬انظر أيضا الكتب الصادرة بعد ‪ ،1929‬التي انتقدت‬
‫أوضاعا »مماثلة« في ألمانيا القيصرية )وإن كانت أكثر ثراء‬
‫فيما يتعلق بحياة »المجتمع المدني«(‪ .‬على سبيل المثال‪ ،‬كتاب‬
‫ماكس فبر‪» ،‬البرلمان والحكومة في ظل النظام األلماني‬
‫الجديد‪ :‬نقد سياسي للبيروقراطية والحياة الحزبية‪ .‬ترجمة‬
‫وتقديم أنريكو روتا‪ ،‬ص ‪ ،16‬ص ‪ 200‬وما بعدھا‪ ،‬وھي‬
‫ترجمة أبعد ما تكون عن الكمال والدقة‪.‬‬
‫)‪ (15‬أي المعارضة للنظام الرأسمالي والبرجوازي القائم‪.‬‬
‫)‪ (16‬كانت تركيا في نھاية القرن التاسع عشر ال تزال تحتل‬
‫أجزاء كبيرة من البلقان‪ ،‬وفي ‪ 1883‬شكل المقدونيون لجنة‬
‫ثورية إلرسال الكتائب المسلحة إلى األراضي التركية عبر‬
‫الحدود‪ ،‬من أجل تحقيق قدر من االستقالل لمقدونيا‪.‬‬
‫)‪ (17‬روزا لكسمبورغ‪ :‬اإلضراب العام‪-‬الحزب والنقابات‪.‬‬
‫)‪P.N.Krasnov: From two-headed Eagle to (18‬‬
‫‪Red Flag, Berlin, 1921. Italian Ed. Florence‬‬
‫‪.1928‬‬
‫)‪ (19‬المفروض أنه يشير ھنا إلى فشل الشيوعيين في ايطاليا‬
‫في تحقيق ما ھو أكثر من وضع األقلية داخل الحركة النقابية‪،‬‬
‫بالرغم من خيانة زعماء نقابات العمال اإلصالحيين‪.‬‬
‫‪302‬‬

‫‪http://nj180degree.com‬‬

‫)‪» (20‬االجتماع الرابع« وھو‬
‫للكومنترن الذي حضره غرامشي‪.‬‬

‫المؤتمر‬

‫الدولي‬

‫الرابع‬

‫)‪ (21‬أي »نظرية الثورة الدائمة« لتروتسكي‪ .‬ومن المفارقات‬
‫أن يكون تروتسكي خالل الجدل حول القضايا العسكرية في‬
‫‪ ،1921-1920‬المعارض الرئيسي لحرب الحركة‪ ،‬أي‬
‫تكيتيك الھجوم الثوري‪ ،‬الذي اقترحه جنراالت الحرب‬
‫األھلية‪ ،‬الذين كانوا يؤيدون فكرة »العلم العسكري‬
‫البروليتاري«‪ -‬فرونزه‪ ،‬وبوديني‪ ،‬وتوخاتشيفسكي أيضا‪ .‬كما‬
‫وجه أيضا ھجومه الرئيسي إلى مؤتمر الكومنترن الثالث‬
‫حول »نظرية الھجوم« في الميدان السياسي التي كان الحزب‬
‫الشيوعي االيطالي واليسار في الحزب األلماني وبالّكون‬
‫مؤيديه الرئيسين‪.‬‬
‫)‪ (22‬كان الفريد روزمر ‪ Alfred Rosmer‬مناضال نقابيا‬
‫ثوريا إبان الحرب العالمية األولى‪ .‬كان يحرر مع بيير مونات‬
‫صحيفة الحياة العمالية‪ ،‬وھما من القادة األوائل للحزب‬
‫الشيوعي الفرنسي‪ .‬كان روزمر رئيسا لتحرير األومانيتيه‬
‫)‪ .(1924-1923‬وفي عام ‪ 1926‬طرد من الحزب لتأييده‬
‫للمعارضة المشتركة في الحزب الروسي‪.‬‬
‫)‪ (*24‬ينبغي الرجوع فيما يتعلق بالكتيب الشعبي وملحقه‪،‬‬
‫إلى العرض الفلسفي الذي قدمه أرماندو كارليني ‪Armando‬‬
‫‪،(Carlini (Nuova Antologia, 16 March 1933‬‬
‫ومنه يتضح أن االنجليزي‪ ،‬ويتاكر ‪ Wittaker‬ھو الذي صاغ‬
‫المعادلة‪» :‬النظرية‪ :‬الممارسة = الرياضة البحتة‪ :‬الرياضة«‪.‬‬
‫)‪ (25‬المذھب الذي شرحه مونتسكيو في كتابه‪» :‬روح‬
‫الشرائع«‪ ،‬الذي استند فيه إلى النظام السياسي البرجوازي في‬
‫انجلترا كما رآه‪ ،‬حيث تستقل الوظائف التنفيذية والتشريعية‬
‫والقضائية عن بعضھا البعض‪ .‬وقد ألھم ھذا المبدأ الدستور‬
‫األمريكي والدساتير التي وضعت على غراره‪.‬‬
‫)‪ (26‬أنريكو فيري ‪(1929-1856) Enrico Ferri‬‬
‫متخصص في علم إدارة السجون ومعاملة المسجونين‬
‫‪ .Penologist‬كان اشتراكيا في بداية حياته السياسية )محرر‬
‫صحيفة أفانتي! !‪ .(1905-1900) Avanti‬غير أنه أيد‬
‫‪303‬‬

‫‪http://nj180degree.com‬‬

‫الفاشية في ‪– 1922‬وكان من أبرز أعضاء ما يسمى بجمعية‬
‫البنولوجيا الوضعية‪ ،‬ومؤسس علم اإلجرام االيطالي‪ .‬وتقوم‬
‫نظرياته الجنائية على رفض فكرة الجزاء المعنوي كعقوبة‬
‫جنائية‪ ،‬وتفضيل فكرة الردع في العقاب‪.‬‬
‫)‪ (*27‬كل فلسفة تقول أن اكتشاف الحقيقة يتم بدراسة‬
‫عمليات الفكر‪ ،‬ال عن طريق الخبرة والتجربة‪} .‬المترجم‪:‬‬
‫قاموس المورد انجليزي‪/‬عربي{‪.‬‬
‫)‪ (28‬مارسيللو بادوا ‪-1375) Marsilio of Padua‬‬
‫‪ (1432‬مؤلف ‪ ، Defensor Pacis‬عزا الحروب المستمرة‬
‫في شمال ايطاليا إلى دعاوي البابا الزمنية‪ .‬وقال أنه ينبغي‬
‫إخضاع الكنيسة للدولة‪ .‬ودافع عن وضع قيود عامة على‬
‫سلطات الكنيسة‪ .‬وأثر في مفكري حركة اإلصالح الديني‪،‬‬
‫أمثال لوثر‪.‬‬
‫)‪ Signoria (29‬أو مجلس األعيان‪ ،‬أصبح السلطة الفعلية‬
‫في الدول‪-‬المدن ‪ City-states‬في القرن الرابع عشر‪ ،‬فحل‬
‫محل ديموقراطية الكوميونات في المراحل األولى من‬
‫تطورھا وتمثل طورا انتقاليا‪ ،‬قبل ظھور أسرة مالكة واحدة‬
‫مسيطرة‪ .‬وقد اعترف البابا أو اإلمبراطور بشرعيته في القرن‬
‫الخامس عشر باعتباره إمارة ‪.principato‬‬
‫)‪ (30‬أولبيان ‪ Ulpian‬رجل قانون روماني توفي عام ‪.228‬‬
‫)‪ (31‬يصعب القول بأن غرامشي يقصد بھذه المالحظة النقد‬
‫الذاتي الشيوعي‪ .‬فمن الواضح مما جاء بعدھا أنه يشير إلى‬
‫الفاشية في ايطاليا‪.‬‬
‫)‪ (32‬سيزار روسي ‪ ، Cesare Rossi‬ولد في ‪ .1887‬كان‬
‫في بداية الحركة الفاشية من أعوان مسوليني المقربين‪،‬‬
‫والمسئول عن مكتبه الصحفي حتى اغتيال ماتيوتي في‬
‫‪ ،1924‬فجعلوا منه كبش الفداء في ھذا الحادث‪ .‬فقطع عالقته‬
‫بمسوليني وبالفاشية‪ .‬وكتب »مذكرة« شھيرة عن تورط‬
‫مسوليني في عدد من أشھر األعمال الوحشية‪ ،‬التي ارتكبتھا‬
‫الفاشية خالل الفترة ‪ ،1924-1920‬وسلم ھذه المذكرة إلى‬
‫أحزاب المعارضة‪ ،‬ونشرھا أمندوال الليبرالي في صحيفة ‪IL‬‬
‫‪ Mondo‬في ‪ .1925‬ويصعب تحديد »اآلراء« التي يقصدھا‬
‫‪304‬‬

‫‪http://nj180degree.com‬‬

‫غرامشي ھنا‪ ،‬ربما كان يقصد ما قاله روسي في مذكراته‪:‬‬
‫»إن ضعف النظام الفاشي ھو الذي خلق المناخ العام النعدام‬
‫الشرعية والجبن«‪.‬‬
‫)‪ (33‬كان سبريتو ‪ Spirito‬وفولبسيللي ‪Volpicelli‬‬
‫المنظرين الرئيسيين لـ»االقتصاد االندماجي« ‪corporate‬‬
‫‪ economy‬في ايطاليا الفاشية‪ ،‬زاعمين أن النظام االندماجي‬
‫‪ corporatism‬يمثل اقتصاد ما بعد الرأسمالية‪ ،‬وأنه قضى‬
‫على فوضى الرأسمالية الليبرالية‪ .‬ويشير غرامشي ھنا إلى‬
‫المجتمع‬
‫تعايش‬
‫إمكانية‬
‫فكرة‬
‫تثيرھا‬
‫التي‬
‫البلبلة‬
‫المنضبط‪/‬المنظم ‪ regulated Society‬والنظام الرأسمالي‪-‬‬
‫الدولة الطبقة‪ .‬ويستخدم غرامشي تعبير المجتمع المنظم‬
‫بمعنى الشيوعية‪ .‬ويحتمل أن يكون قد قصد اإلشارة إلى الفقرة‬
‫الختامية في كتاب »االشتراكية الخيالية واالشتراكية العلمية«‪،‬‬
‫التي ناقش فيھا انجلز فكرة تالشي الدولة‪ ،‬والتي يقول فيھا أنه‬
‫باستيالء المجتمع على وسائل اإلنتاج‪ ،‬يتم في آن واحد القضاء‬
‫على اإلنتاج السﱢلعي‪ ،‬وعلى سيادة المنتج‪ .‬ويحل التنظيم‬
‫المنھجي المحدد محل فوضى اإلنتاج االجتماعي‪ .‬ويزعم‬
‫سبريتو وفوليسيللي أن االقتصاد االندماجي قد حقق االندماج‬
‫واالنسجام‪ .‬وعلق غرامشي على ھذا‪ ،‬بأن ذلك لن يكون ممكنا‬
‫إال في ظل الشيوعية‪ .‬وإلى أن يتحقق ھذا‪ ،‬سوف يستمر‬
‫وجود الدولة‪-‬الطبقة ومن ثم لن يكون ھناك مجتمع منظم‪.‬‬
‫)‪ (34‬ارتبطت فكرة الدولة »األخالقية« بكروتشه‪ ،‬الذي يرى‬
‫أن ھناك لحظتان في حياة الدولة‪ :‬اللحظة »األخالقية«‬
‫‪the‬‬
‫و»اللحظة السياسية« )أو »المعنوية« و»المفيدة«‬
‫‪ (usefull‬وينظر إليھما‪ ،‬باعتبارھما في حالة تناقض جدلي‬
‫دائم‪ .‬والصراع بين الكنيسة والدولة ھو‪ ،‬في تصوره‪ ،‬رمز‬
‫لھذا الصراع‪ .‬ولقد تبنت الفاشية أيضا ھذا التعبير‪ .‬انظر مثال‬
‫مسوليني الذي يقول في كتابه »مذھب الفاشية«‪» :1932 ،‬أن‬
‫للدولة الفاشية وعيھا الخاص‪ ،‬وإرادتھا الخاصة‪ ،‬ولھذا تسمى‬
‫دولة »أخالقية«‪ .‬وفي ‪ ...1929‬قلت أن الدولة بالنسبة للفاشية‬
‫ليست حارسا ليليا‪ ...‬إنھا حقيقة روحية وأخالقية‪ ...‬إنھا تربي‬
‫المواطنين على الفضيلة المدنية ‪ ... civil vertue‬الخ‪.‬‬
‫)‪ (35‬األيام الثالثة التي ثار فيھا أھالي باريس وطردوا شارل‬
‫العاشر‪.‬‬

‫‪305‬‬

‫‪http://nj180degree.com‬‬

‫)‪ (*36‬كمادة أولية عن ھذه المجموعة من الوقائع انظر‪the :‬‬
‫‪publications of Paul Louis and Morice Block's‬‬
‫‪Political Dictionary‬‬
‫وعن الثورة الفرنسية‪ ،‬انظر بصفة خاصة ‪ ،Aulard‬وانظر‬
‫أيضا‪ Andler's notes to the Manifesto :‬وفيما يتعلق‬
‫بايطاليا انظر‪ :‬كتاب لوزيو ‪ Luzio‬عن الماسونية والوحدة‬
‫االيطالية‪ ،‬وھو كتاب متحيز للغاية‪.‬‬
‫)‪ (37‬أصدر بسمارك قانونا يقرر للعامل معاشا في حالة‬
‫المرض والشيخوخة‪ .‬ولقد فضح ذزرائيلي في رواياته أسوء‬
‫تجاوزات رأسمالية منتصف العصر الفكتوري‪ .‬وحددت‬
‫وزارته )‪ (1880-1874‬يوم العمل بالنسبة للنساء واألطفال‪،‬‬
‫وفي ‪ 1875‬أصدرت قانون الجمعيات‪ ،‬الذي يعترف بشرعية‬
‫محدودة للنقابات‪ ،‬وقانون الصحة العامة‪ ،‬وقانون إسكان‬
‫الحرفيين في نفس العام‪ ...‬الخ‪.‬‬
‫)‪ (*38‬انظر السجال بين إنودي وبنيني في‪Nuovi 1931 :‬‬
‫‪.Studi‬‬
‫)‪ (39‬كان كل من االشتراكيين والفاشيين يستخدم تعبير‬
‫‪ Souversivo‬ليصفوا أنفسھم كما استخدمه اآلخرون‬
‫ليصفوھم‪ .‬وھذا يعطينا فكرة عن الفرق بينه وبين المرادف‬
‫االنجليزي ‪.Subvesive‬‬
‫)‪Genteleman (40‬‬
‫االنجليزية لـ ‪.Signore‬‬

‫يكون‬

‫أقرب‬

‫مرادف‬

‫في‬

‫اللغة‬

‫)‪ (41‬تأسست الكارا بينييري }الشرطة{ ‪ carabinieri‬في‬
‫بيدمونت عام ‪ 1814‬كقوة عسكرية لحفظ األمن الداخلي بعد‬
‫أن أصبحت حركة الوحدة االيطالية ‪ Risorgimento‬تملك‬
‫قوة شرطية وطنية منظمة على أسس عسكرية ومستقلة عن‬
‫الشرطة العادية‪ .‬والزالت كذلك حتى اليوم‪.‬‬
‫)‪ (42‬بقلم مسوليني‬

‫‪306‬‬

http://nj180degree.com

===========================
‫)*( ھذا الكتاب ترجمة عربية للنسخة االنجليزية من كتاب‬
Antonio Gramsci
Selctions from Prison Notebooks
:Edited and translated by
QUINTIN HOARE
And
GEOFFERY NOWELL SMITH
:‫الصادر عن دار‬
LAWRENCE AND WISHART-LONDON-1978
‫ترجمة عادل غنيم‬
‫ دار المستقبل العربي‬:‫الناشر‬

‫ة‬-‫ جريدة المناضل‬:‫النسخ االلكتروني‬

307

Sign up to vote on this title
UsefulNot useful