‫بب ــيان عدة التزويــج وعدة الـرجـعـة‬

‫" ال مينعنل قضاءٌ قضيته اليوم فراجعت فيه عقلل وهديت فيه لرشدك‬
‫أى ترجع إىل احلق فئى احلق قدينٌ؛ و هراجعة احلق خري هي التوادي يف‬
‫الباطل‪[ ".‬أهري ادلؤهنني عور بي اخلطاب ‪ -‬رسالة القضاء]‬

‫بحث من تأليــف‬

‫عبداهلل سعيد عبداهلل عبداللطيف العثمان‬

‫ُّون أَن يُحْ َم ُدوا ِب َما لَ ْم َي ْف َعلُوا َف ََل‬
‫حُون ِب َما أَ َتوا َّو ُي ِحب َ‬
‫ِين َي ْف َر َ‬
‫ََل َتحْ َس َبنَّ الَّذ َ‬
‫َتحْ َس َب َّنهُم ِب َم َف َ‬
‫ب َولَ ُه ْم َع َذابٌ أَلِي ٌم [آل عمران‪]188:‬‬
‫از ٍة م َِّن ْال َع َذا ِۖ ِ‬

‫إعاقة ترويج الخدعة‬
‫ببيان عدة التزويج وعدة الرجعة‬
‫مقارنظ بين المطمول به في الفقه المالكي وقانون األحوال الذخصيظ الكويتي‬
‫حول ردة المطلقات من ذوات األقراء‬
‫" ال ٌونعنل قضاء قضٍته الٍوم فراجعت فٍه عقلل وهذٌت فٍه لرشذك أى‬
‫ترجع إلى الحق فئى الحق قذٌن؛ و هراجعة الحق خٍر هي التوادي فً‬

‫الباطل‪[ ".‬أهٍر الوؤهنٍي عور بي الخطاب ‪ -‬رسالة القضاء]‬

‫تقديم البحث وادتطراض مواضيطه‬
‫اإلهداء‬
‫دليل البحث‬
‫املدقدة‬
‫التمويد‬
‫الدقسم األول‪ :‬بيان العدة‬
‫‪ .1‬تعرٌف العدة مع التعلٌق‬
‫‪ .1.1‬تعرٌف الشٌخ السٌد سابق رحمه هللا‬
‫‪ .1.1.1‬تطبٌق العدة فً الجاهلٌة‬
‫‪ .1.1.1‬تكلٌف المرأة بإحصاء العدة‬
‫‪ .1.1‬تعرٌف الشٌخ ابن باز رحمه هللا‬
‫‪ .1.1‬تعرٌف العالمة محمد بن شهاب الدٌن الرملً‬
‫‪ .1.1‬تعرٌف العدة فً إطار البحث‬
‫‪ .1.1‬تفكٌك وتحلٌل لفظ العدة‬
‫‪ .1.1‬مواطن ظهور لفظ العدة فً كتاب هللا‬
‫‪ .1.1.1‬العدة كاشتقاق وعرض اشتقاقات مقاربة‬
‫‪1‬‬

‫‪ .1.1.1‬العدة المقصودة‪ :‬القرء‬
‫‪ .1.1.1.1‬القرء هو الطهر‬
‫‪ .1.1.1.1‬القرء هو الحٌض‬
‫‪ .1.1.1.1‬القرء هو فترة انتقال‬
‫‪ .1.1.1.1‬القرء هو زمان‬
‫مكانة العدة فً شرع هللا‬
‫‪.1‬‬
‫‪ .1.1‬العدة حد من حدود هللا‬
‫‪ .1.1‬الحكمة من تشرٌع العدة‬
‫‪ .1.1.1‬العدة لبراءة الرحم‬
‫‪ .1.1.1‬العدة كآخر حبل للحفاظ على األسرة‬
‫أنواع العدة وما ٌلحق بها من أحكام‬
‫‪.1‬‬
‫‪ .1.1‬عدة الحرائر‬
‫‪ .1.1.1‬عدة ذوات األقراء‬
‫‪ .1.1.1‬عدة المتوفى عنها زوجها‬
‫‪ .1.1.1‬عدة ذوات األحمال‬
‫‪ .1.1.1‬عدة الٌائسة‬
‫‪ .1.1.1‬عدة الصغٌرة‬
‫‪ .1.1‬عدة ملك الٌمٌن‬
‫‪ .1‬قانون األحوال الشخصٌة والمعمول به قبل تطبٌق القانون‪.‬‬
‫‪ .1.1‬مكانة الفقه المالكً فً القانون الكوٌتً‬
‫‪ .1.1‬قانون األحوال الشخصٌة الصادر عام ‪1941‬‬
‫‪ .1.1‬نموذج لوقائع حصلت فً ظل تطبٌق الفقه المالكً‬
‫‪ .1.1‬المشكلة التً غفل عنها قانون األحوال الشخصٌة الكوٌتً‬
‫الدقسم الثاني‪ :‬أحكام الفدقى املالكي‬
‫‪ .1‬نظرة إلى الحكم والرأي الفقهً والفتٌا‬
‫‪ .1.1‬الفرق بٌن حكم القاضً وفتوى المفتً‬
‫‪ .1.1‬الفرق بٌن حكم القاضً ورأي الفقٌه‬
‫‪ .1.1‬الفرق بٌن رأي الفقٌه وفتوى المفتً‬
‫‪ .1.1‬موازنة الرأي الراجح مع الرأي المشهور مقابل حكم القاضً‬
‫‪ .1‬اإلمام القرطبً ٌبٌن العلة‬
‫‪ .1‬حكم القاضً أبو بكر بن العربً‬
‫‪2‬‬

‫‪ .1‬حكم القاضً ابن فرحون المالكً‬
‫‪ .1‬أثر حكم القاضً ابن العربً وابن فرحون‬
‫‪ .1.1‬موجز رأي الشٌخ مٌارة الفاسً‬
‫‪ .1.1‬شرح القاضً الحسن بن رحال المعدانً‬
‫‪ .1.1‬رأي اإلمام أبو عبدهللا التاودي‬
‫‪ .1.1‬المعمول به لدى القاضً أبو الحسن التسولً‬
‫الدقسم الثالث‪ :‬إشكالي قانون األحوال الشخصي الكوييت‬
‫‪ .1‬عدم وجود تصنٌف ٌوافق ما استقر علٌه الفقه المالكً‬
‫‪ .1‬فوائد تصنٌف العدة إلى عدة رجعة وعدة تزوٌج‬
‫‪ .1.1‬استخدام لألزمنة القصٌرة للتٌسٌر على الزوجٌن‬
‫‪ .1.1‬استخدام الثالثة أشهر لقطع الشك بالٌقٌن‬
‫‪ .1.1‬منع التحاٌل على شرع هللا‬
‫‪ .1.1‬تحقٌق االتزان بٌن الغلو والفلتان‬
‫الدقسم الرابع‪ :‬الرد على االنتدقادات املوجو إىل تصهيف البحث‬
‫‪ .1‬وجوب اتخاذ الرأي المشهور على حساب الراجح‬
‫‪ .1‬المطلقة مستؤمنة على رحمها وٌجب تصدٌقها‬
‫‪ .3‬العبرة بقول الفقهاء ولٌس بؤحكام القضاة‬
‫‪ .4‬أحكام العدة تنطبق بؤثر رجعً ومن شؤن ذلك إبطال األنساب‬
‫اخلامت‬
‫قائم املراجع‬

‫‪3‬‬

‫‪@ @õa‡ç⁄a‬‬
‫إلى كل من تتبع الحقيقة وثابر على إظھارھا ولم يخشى في ﷲ لومة الئم‪.‬‬
‫إلى كل من قبض الحقيقة وتواضع وھي بين يديه‪.‬‬
‫إلى كل من رأى الباطل ُي ّتبع ولم يستزد ّإال تمسكا في رفضه‪.‬‬
‫إلى كل من أنصف وحالً وجد فيه زھرة‪.‬‬
‫وإلى كل من علمني حرفاً‪ ،‬سواء رأيته أو لم أره‪.‬‬

‫‪ ‬‬
‫‪ ‬‬
‫‪ ‬‬

‫‪٤‬‬

‫دليل البحث‬
‫اتبعت طرٌقة مغاٌرة فً هذا البحث عما حوته المذكرات وما أوصت به‪ ،‬فعمدت‬
‫إلى طرٌقة تستخدم فً األبحاث ذات الطابع الفنً (العلمً) بحٌث ال ٌكون البحث‬
‫مقسما ً إلى أقسام وأبواب وفصول ومباحث ومطالب وفروع وما إلى ذلك‪ ،‬بل اعتمد‬
‫على تقسٌم البحث إلى أقسام‪ ،‬ثم ٌنحدر كل قسم تحته رقمٌا ً – وهذا التقسٌم ٌعمد إلٌه‬
‫فً إعداد أبحاث علم الحاسب أو إعداد الكتب االرشادٌة للنظم‪ .‬فتحت كل قسم‬
‫تندرج أرقام عشرٌة مفردة مثل‪ .3 ،2 ،1 :‬والعنوان المتفرع من الرقم األول‪،‬‬
‫ٌضاف إلٌه رقما إضافٌا ٌبٌن عنوان الجزء تسلسلٌا (‪،.1.1.1 >= .1.1 >= 1‬‬
‫‪.)1.1.3 ،1.1.2‬‬
‫ثم لتأثري بالكتابات اإلسالمٌة‪ ،‬آثرت أن تكون الهوامش مبدوءة باسم المرجع‪ ،‬وٌلٌه‬
‫اسم مؤلفه‪ .‬ولكون موضوع البحث فٌه من الحساسٌة‪ ،‬أكثرت من االقتباسات‪ ،‬كً‬
‫ٌتحرر الباحث من نسبة القول إلٌه‪ ،‬واعتذر على ذلك‪ .‬ذلك أن الموضوع ٌتطلب‬
‫االستشهاد برأي العلماء بحٌث ٌقتصر دور الباحث على استخدام هذه األقوال‬
‫لالستدالل إلى ما وصلوا إلٌه‪.‬‬
‫القسم الثانً ٌتضمن جمٌع األدلة التً ٌمكن استخدامها ألي غرض‪.‬‬
‫القسم الرابع ٌتضمن االعتراضات التً قد ٌواجها القارئ‪ ،‬وهً بالفعل اعتراضات‬
‫حقٌقٌة واجهها الباحث‪ ،‬ومع ذلك فإن هناك اعتراضات تستحق التدبر واالعتبار‪.‬‬
‫أصعب هذه األقسام كان القسم األول‪ٌ ،‬رجى التدبر فٌه كونه هو األساس الذي ٌجمع‬
‫االعتراضات وٌمهد للحجج‪.‬‬
‫وقد وضعت نسخة إلكترونٌة من البحث على الموقع التالً‪:‬‬
‫‪?force=1‬إعاقة‪-‬ترويج‪-‬الخدعة‪http://www.scribd.com/doc/57446093/‬‬

‫ومع مالحظة أن البحث مازال قيد المراجعة‪.‬‬

‫‪5‬‬

‫املقدمة‬
‫يتناول هذا البحث موضوعا ً شرعيا ً قانونيا ً يتمثل في مدة العدة التي تقضيها المطلقة‬
‫إذا ما أرادت التزويج تحديداً‪ .‬مع مالحظة أن البحث مازال قيد المراجعة‪.‬‬
‫وحيث يتضمن قانون األحوال الشخصية الكويتي بالنص على ما يلي‪:‬‬
‫أ‪ -‬تتربص المتوفي عنها زوجها في زواج صحيح اربعة اشهر وعشرة ايام منذ‬
‫وفاته ‪ ،‬ان لم تكن حامال‪.‬‬
‫ب‪ -‬عدة الحامل تنقضي بوضع حملها ‪ ،‬او سقوطه مستبينا بعض اعضائه‪.‬‬
‫ج‪ -‬عدة غير الحامل ‪ ،‬في غير حالة الوفاة ‪:‬‬
‫‪ -1‬ثالث حيضات كوامل في مدة ال تقل عن ستين يوما لذوات الحيض‪.‬‬
‫‪ -2‬تسعون يوما لمن لم تر الحيض اصال ‪ ،‬او بلغت سن اليأس ‪ ،‬وانقطع حيضها ‪،‬‬
‫فان جاءها الحيض قبل اقتضائها ‪ ،‬استؤنفت العدة بثالث حيضات‪.‬‬
‫‪ -3‬تسعون يوما لممتدة الدم ‪ ،‬ان لم تكن لها عادة معروفة ‪ ،‬فان كان لها عادة‬
‫تذكرها اتبعتها في حساب العدة‪.‬‬
‫‪ -4‬اقل االجلين من ثالث حيضات ‪ ،‬او سنة لمن انقطع حيضها قبل سن اليأس‪.‬‬
‫‪ -5‬ابعد االجلين من عدة الطالق ‪ ،‬او عدة الوفاة للمبانة بطالق الفرار من االرث ‪،‬‬
‫اذا توفي مطلقها قبل تمام عدتها‪.‬‬
‫المادة ‪ 751‬مه قاوون األحوال الشخصية الكويتي‬

‫وكان األصل أن قانون األحوال الشخصية الصادر في عام ‪ 1914‬كان امتداداً للفقه‬
‫المالكي المعمول به قبل ذلك‪ .‬وأن الفقرة المطروحة للبحث هي الفقرة ج‪ ،1/‬وهي‬
‫عدة المطلقة من ذوات األقراء كما بينا‪.‬‬
‫‪6‬‬

‫التمهيد‬
‫الحمد هلل الذي أنزل على عبده الكتاب ولم ٌجعل له عوجا ً قٌما لٌنذر بؤسا ً شدٌداً من‬
‫لدنه وٌبشر المإمنٌن الذٌن ٌعملون الصالحات أن لهم أجراً حسنا ماكثٌن فٌه أبدا‪.‬‬
‫ٌطرح هذا البحث المتواضع مسؤلة عدة المطلقة – خاصة المطلقات ذوات األقراء –‬
‫مستعٌنا ً بذلك إلى ما استقرت علٌه األحكام الراجحة والقاطعة فً الفقه المالكً‬
‫والذي ٌمثل المصدر التارٌخً لقانون األحوال الشخصٌة الكوٌتً الصادر عام‬
‫‪ . 4894‬فإن ما قبل صدور ذلك القانون‪ ،‬كانت أحكام الفقه المالكً هً المطبقة على‬
‫أحكام المناكحات والمٌراث والوصٌة‪ ،‬وحٌث مازال ٌنص القانون سالف الذكر فً‬
‫المادة ‪ 343‬منه على ما ٌلً‪:‬‬
‫"كل ما لم ٌرد له حكم فً هذا القانون ٌرجع فٌه إلى المشهور فً مذهب اإلمام مالك‬
‫فان لم ٌوجد المشهور طبق غٌره‪ ،‬فان لم ٌوجد حكم أصلً‪ ،‬طبقت المبادئ العامة‬
‫فً المذهب‪".‬‬
‫المشكلة التً ٌعالجها الموضوع‬
‫تكمن المشكلة التً ٌعالجها موضوع هذا البحث المتواضع فً تسلٌط الضوء على‬
‫اإلشكال الواقع حول تزوٌج المطلقة من غٌر الذي طلقها مع األخذ بالحسبان فترة‬
‫العدة الشرعٌة‪ ،‬وتقتصر المسؤلة على المطلقات المعتدات بعدة األقراء‪.‬‬
‫ذلك أن منذ وقت طوٌل – ٌمتد إلى قرون مضت – اعتمد الموثقون على االكتفاء‬
‫بمدة شهرٌن كعدة لتزوٌج المطلقة (المعتادة بالقروء) برجل آخر‪ .‬وقد ٌبدو فً ذلك‬
‫مشكلة كبٌرة قد تصل إلى التجاوز على حد من حدود هللا تعالى‪ ،‬مما استدعى اختٌار‬
‫هذا الموضوع تحدٌداً‪ .‬وأصل هذه المشكلة ظهر بشكل ممٌز فً الفقه المالكً‪ ،‬ذلك‬
‫أن أحكام المذهب ارتؤت أن هناك من البدٌهٌات فً مسؤلة العدة ال داعً إلى‬
‫التفصٌل فٌها‪ ،‬ولكن – ومع اندثار الدٌن – اختلطت األمور فٌما ٌتعلق بهذا المسؤلة‪:‬‬
‫حساب عدة المطلقة المعتدة بالقروء[‪ ]4‬للتزوٌج من رجل غٌر الذي طلقها‪.‬‬

‫‪1‬‬

‫‪ ْٙٔ .‬انًطهقخ انت‪ ٙ‬تؼتذ ثبنقشٔء كًب ركش هللا تؼبنٗ ف‪ ٙ‬ا‪ٜٚ‬خ ‪ 222‬يٍ سٕسح انجقشح‪ ،‬ثخالف ػذح‬
‫انًتٕفٗ ػُٓب صٔجٓب ٔان‪ٛ‬بئسخ ٔانظغ‪ٛ‬شح انت‪ ٙ‬نى تحغ ٔانًشتبثخ‪ٔ .‬كزنك ‪ٚ‬ختهف احتسبة انؼذح ث‪ْ ٍٛ‬ؤالء‬
‫إٌ كٍ أحشاساً أٔ سقبً‪.‬‬

‫‪7‬‬

‫ثم تصدى أعلم الفقه المالكً لهذه الظاهرة بشراسة للمحافظة على شرع هللا‪ ،‬وإنه‬
‫ولئن كان حاجز المذاهب ٌحول أحٌانا ً فً االعتراف بالحق‪ ،‬فإن بعضا ً من المالكٌة‬
‫طرح الحقٌقة على استحٌاء وتروي‪ ،‬ولكن جمع منهم واجه هذه المسؤلة بصلبة‬
‫وحزم وأحكام فاصلة طبقت وتم العمل بها كما سٌتبٌن‪.‬‬
‫ومن الذٌن ترددوا فً إظهار الحقٌقة جلٌة‪ ،‬اإلمام القرطبً رحمه هللا‪ ،‬والقاضً أبو‬
‫الولٌد ابن رشد الحفٌد (وهو لٌس ابن رشد الفٌلسوف)‪ .‬أما الذٌن تصدوا لهذه المسؤلة‬
‫بحزم‪ ،‬على رأس الهرم ٌؤتً القاضً أبو بكر بن العربً[‪ 543-469( ]4‬هـ) رحمه‬
‫هللا تعالى والذي أصدر مقولته الشهٌرة فً هذا الصدد‪:‬‬
‫"وعادة النساء عندنا مرة واحدة فً الشهر‪ ،‬وقد قلّت األدٌان بالذكران فكٌف‬
‫بالنسوان[‪]2‬؟ فل أرى أن تمكن المطلقة من الزواج ّاال بعد ثلثة أشهر من ٌوم‬
‫الطلق‪ ،‬وال ٌسؤل عن الطلق كان فً أول الطهر أم آخره‪".‬‬
‫أحكبو انقشآٌ‪ ،‬نهقبػ‪ ٙ‬أثٕ ثكش ثٍ انؼشث‪ ٙ‬االشج‪ٛ‬ه‪ ٙ‬انًبنك‪ .ٙ‬ص‪ .213‬تفس‪ٛ‬ش ا‪ٜٚ‬خ ‪ 222‬يٍ سٕسح انجقشح‬

‫ّ‬
‫الخلبة الملٌئة بالجرأة‪ ،‬توقعت أنها رأي شخصً اقتصر‬
‫وعند مواجهة هذه المقولة‬
‫على صاحبه‪ّ ،‬إال أن ذلك كان استنتاج خاطئاً‪ ،‬فقد انتشرت هذه المقولة بٌن علماء‬
‫المالكٌة – خاصة قضاتهم[‪ ]3‬حتى صارت سابقة ٌحتذي بها القضاة‪.‬‬
‫والسبب فً نعت هذه المقولة "بالجرٌئة" ألن عند مصادفتها‪ ،‬ما كان هناك رأٌا ً‬
‫ٌستطٌع مناقشة الثلثة قروء وإقرانها بفتر ٍة زمنٌة نظراً لتعصب بعض أهل اإلفتاء‪،‬‬
‫ربما مكابر ًة منهم‪ ،‬ولٌس هذا بمستغرب عندما نطرح ما ذكره القاضً المعدانً‬
‫‪1‬‬

‫‪ ْٕ .‬أثٕ ثكش يحًذ ثٍ ػجذهللا االشج‪ٛ‬ه‪ ٙ‬انًبنك‪ – ٙ‬قبػ‪ ٙ‬اشج‪ٛ‬ه‪ٛ‬خ ٔإيبو يٍ أئًخ انفقّ انًبنك‪ٙ‬‬
‫ٔأػاليٓى‪ ،‬قبل ػُّ اإليبو انزْج‪ ٙ‬سحًّ هللا تؼبنٗ ف‪ ٙ‬تزكشح انح ّفبظ‪" :‬أدخم األَذنس ػهًبً شش‪ٚ‬فبً‬
‫ٔإسُبداً يُ‪ٛ‬فبً ٔكبَت يتجشاً ف‪ ٙ‬انؼهى‪ ،‬ثبقت انزٍْ‪ ،‬ػزة انؼجبسح‪ ،‬يٕؽأ األكُبف كش‪ٚ‬ى انشًبئم‪ ،‬كث‪ٛ‬ش‬
‫‪ ٙ‬قؼبء اشج‪ٛ‬ه‪ٛ‬خ فحًذ ٔأجبد انس‪ٛ‬بسخ‪"...‬‬
‫األيٕال‪ٔ ،‬ن ّ‬

‫‪2‬‬

‫‪ .‬إ َّ ٔنئٍ كبٌ انجحث ‪ٚ‬ؼتًذ ػهٗ أكثش يٍ يظذس‪ ،‬إال أٌ انًظذس األسبس‪ ٙ‬ف‪ْ ٙ‬زا انجحث تٕنذ يٍ اثٍ‬
‫انؼشث‪ ٙ‬سحًّ هللا تؼبنٗ‪ .‬فكًب سُشٖ‪ ،‬أٌ يقٕنخ اثٍ انؼشث‪ ٙ‬استشٓذ ثٓب انؼذ‪ٚ‬ذ يٍ انفقٓبء ٔانقؼبح‪،‬‬
‫ْٔ‪" ٙ‬قذ قه ّت األد‪ٚ‬بٌ ثبنزكشاٌ‪ ،‬فك‪ٛ‬ف ثبنُسٕاٌ؟" ٔفحٕٖ ْزِ انًقٕنخ حذ‪ٚ‬ث انشسٕل ‪ ‬انز٘ سٔاِ‬
‫يسهى ف‪ ٙ‬ثبة اإل‪ًٚ‬بٌ حٕل ٔطف انُسبء ثُقض انؼقم ٔانذ‪ٔ – ٍٚ‬ػهٗ أٌ ‪ٚ‬فٓى ْزا انحذ‪ٚ‬ث ثًُظٕسِ‬
‫َٔظبثّ انظح‪ٛ‬ح‪ .‬فكأٌ يقٕنخ اثٍ انؼشث‪ ٙ‬يفبدْب‪" :‬أَّ إرا كبٌ انُقض ف‪ ٙ‬انذ‪ ٍٚ‬قذ اكتسح انزكشاٌ‪ ،‬فًب‬
‫ثبل انُسٕاٌ انالئ‪ٚ ٙ‬شٓذٌ ػهٗ أسحبيٍٓ؟"‬

‫‪3‬‬

‫‪ٔ .‬قذ ‪ٚ‬ثٕس انُضاع ػُذ انجؼغ يًٍ ‪ٕٚ‬اجٌٕٓ ْزِ األحكبو انفبطهخ ثبالػتشاع ػهٗ أحكبو انقؼبح ثبػتجبسْب‬
‫ٔ‪ٚ‬هتفت ػٍ انشاجح‬
‫سأ٘ ال ق‪ًٛ‬خ نّ ٔأٌ انؼجشح ثًب أقشِ انفقٓبء دٌٔ غ‪ٛ‬شْى كبنقؼبح‪ ،‬ف‪ٛ‬ؤخز يٍ انًشٕٓس‪ُ ،‬‬
‫يٍ األحك بو‪ْٔ .‬زا ثبنطجغ سأ٘ ف‪ ّٛ‬ش‪ٙ‬ء يٍ انتؼسف ٔ‪ٚ‬فتقذ انح‪ٛ‬بد ٔانًٕػٕػ‪ٛ‬خ ف‪ ٙ‬تق‪ٛٛ‬ى األحكبو‪،‬‬
‫ٔكأٌ انقؼبح ‪ٚ‬فتقشٌٔ نهؼهى‪ ،‬ػهًبً أٌ يٍ ششٔؽ تٕن‪ٛ‬خ انقبػ‪ ٙ‬ف‪ ٙ‬تهك انؼظٕس انتجحش ٔانتؼًق ف‪ ٙ‬انفقّ‪.‬‬
‫ٔسُشّد إَشبء هللا تؼبنٗ ػهٗ ْزِ انجضئ‪ٛ‬خ – ْٕٔ َقذ فؼه‪ ٙ‬يٕجّ نفكشح انجحث – ف‪ًٛ‬ب ثؼذ‪.‬‬

‫‪2‬‬

‫والشٌخ مٌارة الفاسً وابن فرحون والقاضً التسولً والشٌخ خلٌل‪ .‬وجاءت‬
‫مصادفة مقولة ابن العربً لتفتح أبوابا ً من التؤمل والمراجعة‪ ،‬خاصة وأن مقولته قد‬
‫تداولها عدد من العلماء لمواجهة ذات الظاهرة التً انتشرت بٌن شعوب المسلمٌن‬
‫فً كافة األمصار‪ ،‬وهً تزوٌج المطلقة التً ال تواجه مشكلة فً حٌضها بمجرد‬
‫ادعائها أنها أنهت العدة بنا ًء على إفادتها وأنها تصدق كونها مستؤمنة على رحمها‪.‬‬
‫دور الطالب فً استعراض األحكام‬
‫ٌقتصر دور الطالب فً هذا البحث المتواضع بتبٌان األحكام التً استقر علٌها الفقه‬
‫المالكً والتً كانت تتغٌب أحٌاناً‪ ،‬فٌتجاهلها المسلمون باإلقبال على ما ٌخالفها‪،‬‬
‫وبالتالً تقع المخالفة – وكما سنرى – على ما نص علٌه صرٌح القرآن‪ .‬وأنه وإن‬
‫كان للطالب رأٌه الشخصً فً هذا الصدد والذي ٌمكن استشفافه بسلسة‪ّ ،‬إال أن‬
‫الطالب ٌمتنع عن إقحام نفسه بٌن من ٌفوقونه مرتبة فً العلم والدٌن والشرف‪.‬‬
‫ولذلك‪ٌ ،‬قتصر دور الطالب على ما سلف‪ ،‬ومع بٌان ما آل إلٌه القانون الكوٌتً من‬
‫أحكام العدة المنصوص علٌها فً قانون األحوال الشخصٌة الكوٌتً‪.‬‬
‫علماً‪ ،‬بؤن قانون األحوال الشخصٌة الكوٌتً‪ ،‬وإن خالف أحكام الفقه الذي أشارت‬
‫إلٌه المادة ‪ ،343‬ونظراً لكون المسؤلة حداً من حدود هللا‪ ،‬فكؤن إرادة هللا تعالى قد‬
‫تدخلّت إلعادة األمر إلى نصابه الصحٌح وقاٌة من أن ٌقع العباد فً آثار الجهل فً‬
‫هذه المسؤلة الدقٌقة الواردة فً اآلٌة ‪ 229‬من سورة البقرة‪ ،‬والتً عبّر عنها ابن‬
‫العربً بؤنها أشكل آٌة فً كتاب هللا‪.‬‬
‫ذلك أن الفقه المالكً قد استقرت أحكامه أن عدة المطلقة التً تحٌض بانتظام‪ ،‬تكون‬
‫عدتها ثلثة أشهر‪ ،‬وأن القانون الكوٌتً اشترط ستون ٌوما ً كحد أدنى النتهاء العدة‪،‬‬
‫وال شك أن للوهلة األولى ٌكون القانون قد خالفه مصدره التارٌخً‪ :‬الفقه المالكً‪،‬‬
‫ّإال أن ذلك ٌمكن تصحٌحه إجرائٌا ً لٌكون متسقا ً مع ما كان دارجا ً فً الفقه المالكً‬
‫وإن كان القانون ٌشترط ستون ٌوما ً كحد أدنى الستكمال العدة (لذات األقراء)‪:‬‬
‫أ ‪ -‬تتربص المتوفً عنها زوجها فً زواج صحٌح اربعة اشهر وعشرة اٌام منذ‬
‫وفاته‪ ،‬ان لم تكن حامل‪.‬‬
‫ب ‪ -‬عدة الحامل تنقضً بوضع حملها‪ ،‬او سقوطه مستبٌنا بعض اعضائه‪.‬‬
‫ج ‪ -‬عدة غٌر الحامل‪ ،‬فً غٌر حالة الوفاة ‪:‬‬
‫‪ -4‬ثلث حٌضات كوامل فً مدة ال تقل عن ستٌن ٌوما لذوات الحٌض‪.‬‬
‫‪9‬‬

‫‪ - 2‬تسعون ٌوما لمن لم تر الحٌض اصلً ‪ ،‬او بلغت سن الٌؤس‪ ،‬وانقطع حٌضها‪،‬‬
‫فان جاءها الحٌض قبل اقتضائها‪ ،‬استإنفت العدة بثلث حٌضات‪.‬‬
‫‪ -3‬تسعون ٌوما لممتدة الدم‪ ،‬ان لم تكن لها عادة معروفة‪ ،‬فان كان لها عادة تذكرها‬
‫اتبعتها فً حساب العدة‪.‬‬
‫‪ -4‬اقل االجلٌن من ثلث حٌضات‪ ،‬او سنة لمن انقطع حٌضها قبل سن الٌؤس‪.‬‬
‫‪ -5‬ابعد االجلٌن من عدة الطلق‪ ،‬او عدة الوفاة للمبانة بطلق الفرار من االرث‪ ،‬اذا‬
‫توفً مطلقها قبل تمام عدتها‪.‬‬
‫انًبدح ‪ 157‬يٍ قبٌَٕ األحٕال انشخظ‪ٛ‬خ انكٕ‪ٚ‬ت‪ ٙ‬انظبدس ف‪ ٙ‬ػبو ‪1924‬‬

‫فإنه ولئن كان المقنن قد استقر على فترة ال تقل عن ستٌن ٌوماً‪ ،‬فإن باستطاعة‬
‫المقنن إما أن ٌعدل نص المادة أو أن ٌضفً إجراءات ٌستوجب اتخاذها كً تكون‬
‫المدة ‪ٌ 66‬وما ً ‪ٌ 36 +‬وما ً ٌتم فٌها استٌفاء إجراءات معٌنة لتمام المدة التً أخذ بها‬
‫الفقه المالكً‪ ،‬فتتم بذلك الموازنة بٌن ما اعتبره المقنن مشهوراً مع الراجح الثابت‬
‫الذي ُعمِل به فً الفقه المالكً وما تجاوز عنه المقنن العتبارات غٌر معلومة‪.‬‬
‫وللمزٌد فً هذا الشؤن‪ٌ ،‬رجى مراجعة الجزء [‪ ].2.4‬من القسم الثالث فً صفحة‬
‫رقم ‪ 85‬من هذا البحث‪.‬‬
‫الجدٌد الذي ٌضٌفه هذا البحث‬
‫ٌضٌف هذا البحث تصنٌفا ً جدٌداً على عدة المطلقة وهو تصنٌف ٌتعلق باألزمنة‬
‫القصٌرة الحتساب عدة المطلقات من ذوات األقراء‪ ،‬واألزمنة الطوٌلة المتمثلة فً‬
‫ثلثة أشهر‪ .‬فٌنشؤ التصنٌف بنا ًء على عدة الرجعة التً تنتهً فٌها فترة المراجعة‪،‬‬
‫وعدة التزوٌج والتً ٌمكن للمطلقة أن تزوّ ج لرجل آخر غٌر الذي طلقها‪.‬‬
‫ولهذا التصنٌف مسببات ستطرح فً طٌات هذا البحث‪ .‬فبعد استعراض الرأٌٌن‬
‫القائلٌ ن باألزمنة القصٌرة والرأي المرجِّ ح لفترة الثلثة أشهر العتداد ذوات األقراء‪،‬‬
‫ٌتبٌن أن المطلقة إذا ما ادعت انقضاء عدتها فً فترة تطابق األزمنة القصٌر‪ ،‬فإنها‬
‫تصدق وفق شروط وضوابط‪ ،‬ولكن ال تزوج آلخر إال إذا بعد مضً ثلثة أشهر‪،‬‬
‫وال ٌنعقد الزواج من الغٌر فً الٌوم الذي تنتهً به الثلثة أشهر‪ .‬وهذا ٌبٌن جلٌا ً أن‬
‫هناك اعتباران لتقٌٌم ادعاء المطلقة بانقضاء عدتها‪ ،‬فبالتالً ال ضٌر من طرح هذا‬
‫الممٌز بٌن عدة الرجعة وعدة التزوٌج‪.‬‬
‫التصنٌف‬
‫ِ‬

‫‪10‬‬

‫فٌكون مقتضى عدة الرجعة‪ :‬أن المطلقة المعتدة باألقراء تصدق وفق قٌود شرعٌة‬
‫بادعائها أن عدتها انقضت‪ ،‬وترجع إلى زوجها بعقد جدٌد‪ .‬وٌكون مقتضى عدة‬
‫التزوٌج‪ :‬أن المطلقة المعتدة باألقراء ال تم َّكن من الزواج بآخر ّإال بعد مضً ثلثة‬
‫أشهر على ٌوم الطلق‪ ،‬وال ٌُبحث عن مسؤلة الطهر والحٌض فً هذا الشؤن‪.‬‬
‫وإن كان التصنٌف ٌؤتً من مجرد باحث‪ّ ،‬إال أن التصنٌف ٌخضع لشواهد وأدلة‬
‫وشروح ُتشكِل االستخفاف بها‪ .‬وأن معظم – إن لم ٌكن جمٌع – المنتقدٌن لهذا‬
‫البحث‪ ،‬انصب انتقادهم على شخص الباحث دون التطرق لما ٌطرحه الموضوع من‬
‫براهٌن‪ ،‬وأما األدلة التً طرحها البحث فتم مواجهتها بالصمت والعجز‪ .‬فإنه ولئن‬
‫كان البحث ٌطرح وجهة فً موضوعة‪ّ ،‬إال أنه ٌسعى كذلك إلى التقاط اآلراء‬
‫المخالفة المفٌدة التً تنصب فً موضوع البحث وال تمتد إلى الباحث أو أراء ال‬
‫جدوى من مناقشتها لتضمنها حجج ضعٌفة ال تستدعً المراجعة أو حجج ٌتضح بعد‬
‫تحلٌلها أنها مركبة على أخطاء منطقٌة‪.‬‬
‫فمثال ذلك التذرع بالمشهور من المذهب إلسناد مدة الـ ‪ٌ 66‬وم‪ :‬فإن هذه الحجة‬
‫مركبة على خطؤ تقدٌري وآخر منطقً‪ ،‬باإلضافة إلى أنها تخالف ما عمل به إمام‬
‫المذهب بتقدٌمه الراجح على المشهور‪ ،‬ونذكر هذا النقاش فً الجزء [‪ ].4.4‬من‬
‫القسم الثانً من هذا البحث فً صفحة رقم ‪.69‬‬
‫تقسٌمة موضوع البحث‬
‫ٌبدأ البحث فً قسمه األول ببٌان مضمون العدة‪ ،‬وأنواعها‪ ،‬ومواضع ظهورها فً‬
‫كتاب هللا‪ ،‬والحكمة من العدة ببٌان ما إن كانت تقتصر على براءة الرحم أم الحفاظ‬
‫على أواصر األسرة‪ ،‬أم كل الفرضٌن‪ .‬ثم نختم القسم األول بجزء ٌعرض وقائع‬
‫غٌر محددة أُدرجت من ضمن موروثات الفقه المالكً وكٌف تطرق لها المذهب‬
‫المالكً‪ .‬وهذه الوقائع هً موضوع البحث‪ ،‬ونطرحها فً آخر أجزاء القسم األول‬
‫تمهٌداً للقسم الثانً‪ ،‬وذلك لبٌان أن المسؤلة التً ٌعالجها موضوع البحث لم‬
‫ٌستحدثها مقنن األحوال الشخصٌة الكوٌتً‪ ،‬بل خطؤ ٌشٌع فً بعض األقالٌم التً‬
‫تبنت تطبٌق الفقه المالكً‪.‬‬
‫ثم نبدأ القسم الثانً ببٌان أحكام الفقه المالكً وإن األصل الذي استقر علٌه الفقه لعدة‬
‫المطلقة – إن كانت من ذوي األقراء – هو أن تعتد بثلثة شهور إن أرادت‬
‫التزوٌج‪ ،‬وإن كان العلماء قد تعاملوا مع الوضع بدقة أكثر‪ .‬ذلك أن المطلقة إذا‬
‫‪11‬‬

‫أرادت التزوٌج ال "تمكن" عند القاضً أبو بكر بن العربً أو ال "تصدق" كما جرى‬
‫به العمل – ومقتضى ذلك إعادة المطلقة إلى العدة‪ .‬ولبٌان المسؤلة نستعٌن بعدة‬
‫مصادر منها ما ٌثبت ذلك الحكم‪ ،‬ومنها ما ٌستعرض حاالت ووقائع كانت تحدث‬
‫على مر القرون وذلك لمطابقتها ومقارنتها مع الحالة التً اخترناها فً القسم الثالث‪.‬‬
‫وفً القسم الثالث ترجع تارة أخرى إلى ما افتتحناه فً القسم األول بما ٌخص قانون‬
‫األحوال الشخصٌة الكوٌتً ونبٌن نقاط االتفاق والمفارقة بٌن القانون الكوٌتً وأصله‬
‫التارٌخً‪ :‬أحكام الفقه المالكً‪ .‬ونسلط الضوء كذلك على االستحٌاء الذي مر به‬
‫القضاء الكوٌتً (النٌابة العامة تحدٌداً) مقارنة بالحرج الذي مر به قلة من أعلم‬
‫الفقه المالكً بما ٌخص موضوع البحث‪.‬‬
‫أمّا فً القسم الرابع‪ ،‬فنطرح بعض االنتقادات التً واجهت هذا التصنٌف المعروض‬
‫فً طٌات هذا البحث ونلحق الردود على هذه االنتقادات‪ .‬ومنها أن التصنٌف ٌؤتً‬
‫من أحكام القضاة المالكٌة وأن العبرة بما أقره الفقهاء – وهذا أسذج ما قٌل‪ .‬والرأي‬
‫اآلخر استند إلى أن العبرة بالمشهور فً الفقه المالكً وال عبرة للراجح أو ما‬
‫أجمعت علٌه األمة – وهذا فٌه إنكار للحق واصرار على استمرار الباطل‪ .‬والرأي‬
‫الرسمً عجز عن التطرق لألدلة المطروحة فً هذا البحث وآثر أن ٌحرّ ف فٌها‪ .‬ثم‬
‫نبٌن أهمٌة أن ٌكون الفقه كمصد للقانون محٌّداً ومحرراً عن مذهب بعٌنه‪.‬‬
‫مصادر البحث‬
‫اعتمد الطالب على عدة مصادر منها ما ٌقف بذاته‪ ،‬ومنه ما ورد فً حواشً‬
‫المصادر التً سنستعٌن بها‪ .‬ونذكرها كما ٌلً‪:‬‬
‫‪ ‬أوالً‪ :‬جاءت المقولة بناء على حكم تبناه القاضً ابو بكر بن العربً ُذكر فً‬
‫كتابه أحكام القرآن‪.‬‬
‫‪ ‬ثانٌاُ‪ :‬قبل الفترة الزمنٌة التً ولد فٌها أبو بكر بن العربً‪ ،‬ذكر اإلمام القرطبً‬
‫عدة مسائل وفرضٌات مرت علٌه ال نستغنً عنها‪.‬‬
‫‪ ‬ثالثاً‪ :‬وكذلك فإن المصادر التً استند علٌها البحث‪ ،‬ذكرت "نهاٌة الحفٌد‪ "،‬وهو‬
‫كتاب بداٌة المجتهد ونهاٌة المقتصد للقاضً أبو الولٌد ابن رشد الحفٌد‪.‬‬

‫‪12‬‬

‫‪ ‬رابعاً‪َ :‬ن َظم القاضً ابن عاصم األندلسً أرجوزة سماها تحفة الحكام فً نكت‬
‫العقود واألحكام‪ ،‬وهً تتضمن خلصة الفقه المالكً فً أرجوزة شعرٌة بلٌغة‪.‬‬
‫وسنوفرها الستئناس القارئ‪ :)4( .‬جاء من بعد ابن عاصم اإلمام أبو عبدهللا‬
‫التاودي شارحا ً لألرجوزة‪ )2( ،‬وجاء شرحه فً هوامش كتاب البهجة فً‬
‫شرح التحفة ألبو الحسن التسولً‪.‬‬
‫‪ ‬خامساً‪ :‬ثم قام أٌضا ً الشٌخ مٌارة الفاسً بشرح التحفة سالفة الذكر مستعٌنا ً‬
‫بشروح القاضً المعدانً علٌها‪.‬‬
‫‪ ‬سادساً‪ :‬وقد أشارت المصادر إلى تعلٌقا ً البن فرحون وجدته فً كتابه تبصرة‬
‫الحكام‪.‬‬
‫‪ ‬سابعاً‪ :‬للتحقق من ولمعرفة أولئك األعلم‪ ،‬تم االستعانة بكتاب ترتٌب المدارك‬
‫و تقرٌب المسالك لمعرفة أعلم مذهب مالك‪ ،‬للقاضً عٌاض رحمه هللا تعالى‪.‬‬
‫‪ ‬ثامناً‪ :‬وكذلك اطلع الطالب على عقود زواج أبرمت قبل صدور قانون األحوال‬
‫الشخصٌة الكوٌتً‪ ،‬وفٌه تنعقد عقدة النكاح على مطلقة مضى على طلقها من‬
‫زوجها األول فترة شهر واثنٌن وعشرون ٌوماً‪ .‬وللحفاظ على خصوصٌة‬
‫أطراف العقد وشاهدٌه وعاقده‪ ،‬فل أرى داعٌا ً الستعراض األسماء الواردة فٌه‪.‬‬
‫‪ ‬تاسعاً‪ :‬وكذلك وقع فً ٌدنا تقرٌر من نٌابة األحوال الشخصٌة تقتبس فٌه من‬
‫إحدى المراجع التً استعنت بها‪ ،‬ولكن عند مصادفة النص على االعتداد‬
‫بالثلثة أشهر‪ ،‬قامت النٌابة العامة ببتر المعلومة وحجبها عن المحكمة ووضع‬
‫نقطة بدالً منها‪ .‬وكذلك لكون المسؤلة تخص أشخاص‪ ،‬فإننا سنقوم بطمس تلك‬
‫األسماء فً التقرٌر المذكور للمحافظة على خصوصٌة أطراف الدعوى‪.‬‬
‫وألن الطالب ٌؤتً من خلفٌة برمجٌة (هندسة البرمجٌات) فقد صمم هذا البحث‬
‫باألخذ باالعتبار قابلٌته للتنقٌح باإلضافة (‪ )Extensibility‬وإعادة استعمال مكوناته‬
‫فً تصمٌم آخر (‪ )Reuse‬وعلى أمل أن تكون لهذا البحث فائدة عندما ٌسمح الوقت‪،‬‬
‫وكما ال ٌخفى فإن الفترة المقررة إلنجاز هذا البحث وإتمام ما ٌتضمنه قصٌرة وال‬
‫تكفً‪ .‬وسنوفر صوراً ضوئٌة لهذه المراجع فً حافظة ترفق مع هذا البحث‪.‬‬
‫ونبدأ‪ ،‬وباهلل التوفٌق‪.‬‬
‫عبدهللا سعٌد عبدهللا عبداللطٌف العثمان‪.‬‬
‫الكوٌت فً ‪.2644/5/22‬‬
‫‪13‬‬

‫إعاقة ترويج اخلدعة ببيان عدة التزويج وعدة الرجعة‬
‫بيـــان العــدة‬

‫القسم األول‪ :‬بيـان العدة‬
‫قد ٌُ َظن أن مسؤلة العدة هً كسابر المسابل الفقهٌة والتً وإن تنوعت وتعددت‬
‫أحكامها‪ّ ،‬إال أن الحصول على حكمها أمر ٌسٌر لما خلّفه علماء هذه األمة من‬
‫موروثات علمٌة‪ّ .‬إال أن الحقٌقة مختلفة تماما ً عن هذا التصور‪ ،‬وٌقول القاضً أبو‬
‫بكر بن العربً فً شؤنها‪:‬‬
‫َق ْوله َت َعالَى ‪َ { :‬و ْال ُم َطلَّ َق ُ‬
‫ات ٌَ َت َربَّصْ َن ِبؤ َ ْنفُسِ ِهنَّ َث َبل َث َة قُرُو ٍء َو َال ٌَ ِح ُّل لَهُنَّ أَنْ ٌَ ْك ُتمْ َن َما‬
‫َخلَ َق َّ‬
‫ِك‬
‫َّللا ُ فًِ أَرْ َحام ِِهنَّ إنْ ُكنَّ ٌ ُْإمِنَّ ِبا َ َّ ِ‬
‫َّلل َو ْال ٌَ ْو ِم ْاْلخ ِِر َو ُبعُو َل ُتهُنَّ أَ َح ُّق ِب َر ِّدهِنَّ فًِ َذل َ‬
‫ال َعلٌَ ِْهنَّ د ََر َج ٌة َو َ َّ‬
‫َّللا ُ‬
‫إنْ أَ َرا ُدوا إصْ َبلحً ا َولَهُنَّ م ِْث ُل الَّذِي َعلٌَ ِْهنَّ ِب ْال َمعْ رُوؾِ َولِلرِّ َج ِ‬
‫َع ِزٌ ٌز َحكٌِ ٌم }‬
‫َ‬
‫اإلسْ َبل ِم‪،‬‬
‫َه ِذ ِه ْاْل ٌَ ُة مِنْ أَ ْش َك ِل آ ٌَ ٍة فًِ ِك َتا ِ‬
‫ب َّ ِ‬
‫َّللا َت َعالَى مِنْ ْاألحْ َك ِام‪َ ،‬ت َر َّد َد فٌِ َها ُعلَ َما ُء ْ ِ‬
‫ؾ فٌِ َها الص ََّحا َب ُة َقدٌِمًا َو َحد ً‬
‫َو ْ‬
‫ض َح َتحْ قٌِ َق َها‪،‬‬
‫ٌِثا‪َ ،‬ولَ ْو َشا َء َربُّك لَ َبٌ ََّن َط ِرٌ َق َها َوأَ ْو َ‬
‫اخ َتلَ َ‬
‫ت‬
‫ان إلَى اجْ ِت َها ِد ْال ُعلَ َما ِء لِ ٌَ ْظ َه َر َفضْ ُل ْال َمعْ ِر َف ِة فًِ ال َّد َر َجا ِ‬
‫َولَ ِك َّن ُه َو َّك َل َدرْ َ‬
‫ك ْال َب ٌَ ِ‬
‫س‪َ ،‬و َال َحلُّوا‬
‫س‪َ ،‬ف َما اسْ َت َ‬
‫ْال َم ْوعُو ِد ِبالرَّ ْف ِع فٌِ َها؛ َو َق ْد أَ َطا َل ْال َخ ْل ُق فٌِ َها ال َّن ْف َ‬
‫ضاءُوا ِب َق َب ٍ‬
‫[ٔ]‬
‫س‪.‬‬
‫ُع ْق َد َة ْال َج ْل ِ‬
‫فكٌؾ تكون هذه اْلٌة من أشكل آٌات كتاب َّللا‪ ،‬فً حٌن أن حكمها ٌتعلق بحد من‬
‫حدود َّللا ٌستوجب أن ٌكون واضحا ً لٌعرؾ المسلم اإلطار الذي ٌخطه هذا الحد؟‬
‫وهذه إجابة نتركها الستنتاج القارئ بعد التفصٌل فً العدة ومباحثها وبٌان‪ ،‬أنها‬
‫لٌست حكم منفرد‪ ،‬بل هً كوكبة من األحكام ٌتصل بعضها باْلخر‪ ،‬منها ما ٌكون‬
‫الحكم فٌه سلس ومنه ما ٌستوجب الحزم ألنه ٌتعلق بنزاع ٌجب الفصل فٌه من قبل‬
‫والة األمور‪.‬‬
‫كما جرت العادة‪ ،‬ال بد لنا من الكشؾ عن العدة وتبٌان موقعها لفظا ً ثم تعرٌفها‬
‫وإظهار مواضع ظهورها فً كتاب َّللا للمقارنة أحكام العدة بما ٌشابهها من ألفاظ‪.‬‬
‫وفً هذا السٌاق فإن التعرٌج على العدة سٌكون لفظً وحكمً وعلمً‪ ،‬مما ٌقتضً‬
‫االطبلع المبدبً على مفهوم العدة ابتدا ًء من تعرٌفها وتحلٌل ما ٌتوافر من تعارٌؾ‬
‫طرحها الفقهاء والمفسرون‪.‬‬
‫‪ .1‬أؼىاَ اٌمهآْ‪٤ ،‬ت‪ ٟ‬تىه تٓ اٌؼهت‪ ،ٟ‬صفؽح ‪202‬‬

‫‪14‬‬

‫إعاقة ترويج اخلدعة ببيان عدة التزويج وعدة الرجعة‬
‫بيـــان العــدة‬

‫كذلك وقد تمٌز اإلسبلم عن باقً األدٌان المنسوبة للسماء بفرض العدة‪ ،‬ولبن‬
‫استثنٌنا الدٌن المسٌحً (والذي مازال ٌطلق علٌه دٌن النصارى ومع أنه لٌس كذلك)‬
‫كونه دٌن ٌخلو من التشرٌع الربانً الحقٌقً ألن األصل أن عٌسى علٌه السبلم ما‬
‫جاء بدٌن جدٌد‪ ،‬بل جاء لٌعدل جزبٌات بسٌطة فً دٌن موسى علٌه السبلم‪:‬‬
‫ض الَّذِي حُرِّ َم َعلَ ٌْ ُك ْم َو ِج ْب ُت ُكم ِبآ ٌَ ٍة‬
‫ص ِّد ًقا لِّ َما َبٌ َْن ٌَدَ يَّ م َِن ال َّت ْو َرا ِة َو ِأل ُ ِح َّل لَ ُكم َبعْ َ‬
‫" َو ُم َ‬
‫ُون" [سورة آل عمران‪ – ]٘ٓ:‬وهذا هو مكمن رسالة‬
‫مِّن رَّ ِّب ُك ْم َفا َّتقُوا َّ َ‬
‫َّللا َوأَطِ ٌع ِ‬
‫عٌسى علٌه السبلم‪ .‬وبذلك تبقى الشرٌعة الٌهودٌة‪.‬‬
‫أما الشرٌعة الٌهودٌة فقد تطرقت للطبلق فً عدة مواضع من مجموعة الكتب التً‬
‫ٌطلق علٌها الٌهود والمسٌحٌٌن بانها التوراة‪ ،‬وجاء ذلك فً سفر التثنٌة فً‬
‫االصحاحٌن الثانً والعشرون والرابع والعشرون‪ ،‬وكذلك وردت تفاسٌر أو‬
‫تطبٌقات لحاالت الطبلق فً التلمود المصاغ كتابٌا ً بعدة قرون بعد المٌبلد‪ ،‬ولم‬
‫ٌتطرق أٌضا ً إلى العدة رؼم تؤثر ٌهود األندلس باإلسبلم واختٌارهم لبقاع اإلسبلم‬
‫كمواطنهم المفضلة[ٔ]‪ .‬وبذلك ٌكون اإلسبلم أحد الشرابع التً انفردت بوضع العدة‬
‫للمطلقة واألرملة‪.‬‬
‫و بما أنه ال ٌوجد أي خبلفات جوهرٌة حول عدة المتوفى عنها زوجها وعدة الٌابسة‬
‫وعدة ذوات األحمال وعدة الصؽٌرة‪ ،‬وإن كان ٌوجد خبلفات فرعٌة فً هذه‬
‫الحاالت سالفة الذكر‪ّ ،‬إال أن الخبلؾ – وهو خبلؾ اقتصر على التطبٌق ولٌس فً‬
‫الحكم إذ أن الحكم ٌمثل إجماع األمة كما سٌتبٌن فً القسم الثانً – ظهر فً عدة‬
‫المطلقة عندما تكون من ذوات األقراء وعند التزوٌج من آخر تحدٌداً‪.‬‬
‫وكون العدة حد من حدود َّللا‪ ،‬فتظهر هذه المسؤلة على أنها من أؼرب الحدود ألن‬
‫الحدود واضحة وبٌنة ال ٌندر ما ٌقع علٌها الخبلؾ‪ .‬أمّا العدة‪ ،‬فكان أمرها بدٌهً‪،‬‬
‫ّإال أن اختبلؾ الناس من بعد أن ٌؤتٌهم العلم ٌكاد ٌكون سنة من سنن َّللا فً عبادة‪.‬‬
‫وعلى ذلك‪ ،‬وقع الناس – حسب ما ارتؤى علماء المالكٌة – فً أخطاء جسٌمة حول‬
‫العدة وصلت إلى وصؾ من وقع بتلك األخطاء بالجهل والعار والفضٌحة‪ .‬فما هو‬

‫‪٠ . 1‬هاظغ ف‪٘ ٟ‬ما اٌصكق وراب اٌمث‪ٍ١‬ح اٌصاٌصح ػشه (‪ٌ )The Thirteenth Tribe, By Arthur Koestler‬ىاذثٗ‬
‫آنشه و‪ٛ‬ئٍرٍه ‪ٚ‬اٌم‪ ٞ‬طهغ ِهاٌالخ اٌطث‪١‬ة اٌ‪ٛٙ١‬ق‪ ٞ‬ا‪ٔ٤‬كٌٍ‪ ٌِٝٛ ٟ‬اتٓ ِ‪ِ ّْٛ١‬غ ‪ٛٙ٠‬ق اٌفىن‪ٚ .‬اتٓ‬
‫ِ‪ ٛ٘ ّْٛ١‬أؼك ‪ٚ‬اضؼ‪ ٟ‬وراب اٌّشٕا ‪ ٛ٘ٚ‬أُ٘ ِا ‪٠‬رضّٕٗ اٌرٍّ‪ٛ‬ق اٌثاتٍ‪ٚ ،ٟ‬اٌم‪ ٛ٘ ٞ‬ف‪ ٟ‬ؼم‪١‬مرٗ ظّغ‬
‫ٌ‪٣‬شان اٌ‪ٛٙ١‬ق‪٠‬ح اٌّشرٍّح ػٍ‪ ٝ‬ل‪ٛ‬أ‪ ٓ١‬اٌشه‪٠‬ؼح اٌ‪ٛٙ١‬ق‪٠‬ح ‪ٚ‬ػثاقاذ‪ٙ‬ا ‪ِٚ‬ا إٌ‪ ٝ‬لٌه ِٓ ذصٕ‪١‬ف ا‪٤‬ػشاب‬
‫‪ٚ‬اٌرفكاِاذ‪ٙ‬ا ‪ٚ‬غ‪١‬هٖ ِّا ف‪ ٗ١‬صكِح ٌٍؼم‪ٛ‬ي‪.‬‬

‫‪15‬‬

‫إعاقة ترويج اخلدعة ببيان عدة التزويج وعدة الرجعة‬
‫بيـــان العــدة‬

‫السبب فً وقوع الناس فً هذه األخطاء؟ هل هو قلة العلم‪ ،‬أم االندفاع والتسرع فً‬
‫التطبٌق أم كبلهما؟‬
‫وإنه ولبن كانت العدة حد شرعه َّللا تعالى وأوصى بإحصابه فكٌؾ ٌكون السبٌل‬
‫إلى احصابه من قبل القاضً وكان المقرر أن عبا اإلخبار عن الرحم كان منوطا ً‬
‫بالمرأة المطلقة‪ ،‬فمتى أخبرت عن انتهاء عدتها كانت مصدقة – أو على األقل هذا‬
‫ما ٌفترضه الكثٌر ممن وقعوا فً الخطؤ الذي عالجه علماء المالكٌة‪ .‬فإن كان‬
‫المؽزى من العدة براءة الرحم فحسب‪ ،‬فإن لذلك سنداً وهو عدة ذوات األحمال‬
‫بوضعهن أحمالهن‪ ،‬فهل ٌزوجن ْلخر بمجرد الوضع‪ ،‬أم أن هناك اعتبارات سابؽة‬
‫ٌنبؽً أخذها فً الحسبان؟ فهل من المستساغ أن تزوج ذات الحمل بمجرد وضعها‬
‫للجنٌن‪ ،‬أم أنها تعتبر النفاس وتقضً فترة للرضاعة والتً من شؤنها تؽٌٌر نفس‬
‫المرأة بإضفاء المزٌد من الحنان على ذلك الجنٌن وعدم النظر سوى إلٌه؟ ولذلك‬
‫ٌصعب الجزم أن براءة الرحم هو الفٌصل األوحد للفصل فً انتهاء العدة أم خبلفه‪،‬‬
‫ولهذا الرأي من ٌتبناه من كثٌر من علماء التفسٌر والفقه كما سٌتبٌن فً هذا القسم‬
‫والذي ٌلٌه‪.‬‬
‫ٔ‪ .‬تعرٌؾ العدة مع التعلٌق‬
‫سنتناول أصل اللفظ بعد قلٌل‪ ،‬وحٌث أن اللفظ معلوم لدى معظم المسلمٌن‪ ،‬ولكن‬
‫نبٌن فً هذا الصدد معنى لفظ العدة كما وضعه نخبة من العلماء‪ ،‬ونطرح أوالً‬
‫تعارٌؾ عامة للعدة ثم نفصل فٌها‪.‬‬
‫[ٔ‪ ].ٔ.‬تعرٌؾ الشٌخ السٌد سابق‬
‫اختٌار تعرٌؾ الشٌخ السٌد سابق من أهم التعارٌؾ المعاصرة التً وصعت للعدة‪،‬‬
‫ذلك أن فً التعرٌؾ الذي وضعه تثار فٌه مسؤلتٌن ٌمكن اعتبارهما من المسابل‬
‫المهمة التً سٌتناوله البحث فً القسم الثانً والثالث‪ ،‬ذلك أن رأي الفقه المعاصر له‬
‫تؤثٌر مباشر على قوانٌن األحوال الشخصٌة فً دول المسلمٌن[ٔ]‪ .‬وتعرٌؾ العدة كما‬
‫أورده الشٌخ السٌد سابق رحمه َّللا فق فقه السنة‪ ،‬حٌث عرّؾ العدة على أنها‪:‬‬
‫‪ٔٚ .1‬م‪ٛ‬ي "ق‪ٚ‬ي اٌٍٍّّ‪ "ٓ١‬تكال ً ِٓ "ق‪ٚ‬ي اإلٌالَ" ‪ ْ٤‬ا‪٤‬صً أْ اإلٌالَ ق‪ٌٚ‬ح ‪ٚ‬اؼكج‪ٚ ،‬أْ ِا ٌؽك تك‪٠‬ان‬
‫اإلٌالَ ِٓ اٌرؼّان ‪ٚ‬اؼرالي أق‪ ٜ‬إٌ‪ ٝ‬ذفىه ق‪ٌٚ‬ح اإلٌالَ‪ٚ ،‬نأ‪ٕ٠‬ا أْ ٔش‪١‬ه إٌ‪ ٝ‬اٌك‪ٚ‬ي اٌر‪٠ ٟ‬مطٕ‪ٙ‬ا‬
‫اٌٍٍّّ‪ٌٍ ْٛ‬رّ‪١١‬ى أْ ذٍه اٌك‪ٚ‬ي ‪٠‬مطٕ‪ٙ‬ا ٍٍِّ‪ٌٚ ،ْٛ‬ىٓ شه‪٠‬ؼح اإلٌالَ ف‪ٙ١‬ا ِؼطٍح ٌؽىّح ِٓ اٌفاٌك‬
‫ظً شأٔٗ‪.‬‬

‫‪16‬‬

‫إعاقة ترويج اخلدعة ببيان عدة التزويج وعدة الرجعة‬
‫بيـــان العــدة‬

‫"العدة‪ :‬مؤخوذة من العد واإلحصاء‪ ،‬أي؛ ما تحصٌه المرأة‪ ،‬وتعده من األٌام‬
‫واألقراء‪ .‬وهً اسم للمدة التً تنتظر فٌها المرأة‪ ،‬وتمتنع عن التزوٌج‪ ،‬بعد وفاة‬
‫زوجها‪ ،‬أو فراقه لها‪ .‬وكانت العدة معروفة فً الجاهلٌة‪ ،‬وكانوا ال ٌكادون‬
‫[ٔ]‬
‫ٌتركونها‪ ،‬فلما جاء اإلسبلم‪ ،‬أق ّرها؛ لما فٌها من مصالح"‬
‫وهذا التعرٌؾ من أهم التعارٌؾ التً سنطرحها ألنها تمثل الفكر الفقهً المعاصر‪،‬‬
‫حٌث ٌظهر فً التعرٌؾ عناصر تطرق لها علماء األمة‪ ،‬ومنها‪:‬‬
‫‪ ‬أن العدة كانت معروفة فً الجاهلٌة وال ٌكاد المشركون أن ٌتركوها‪.‬‬
‫‪ ‬أن المرأة هً التً تحصً العدة‬
‫وكذلك تضمن التعرٌؾ المعنى اللؽوي للعدة‪ ،‬وهو اإلحصاء والع ّد والذي سنتناوله‬
‫فٌما بعد‪ .‬ولكن تجدر اإلشارة إلى أن ما ٌعٌق دون تقبل التصنٌؾ الذي ٌضٌفه هذا‬
‫البحث هو ما بٌنه الشٌخ السٌد سابق رحمه َّللا تعالى‪ ،‬والذي بٌّناه أعبله‪ .‬فمكمن عدم‬
‫قبول التصنٌؾ ٌكمن فً أن الفقه المعاصر ٌنقل مهمة احتساب العدة إلى المرأة‬
‫كونها مستؤمنة على رحمها‪ ،‬وهو ما سٌخالفه قضاة المالكٌة بؤحكام فاصلة عند إثارة‬
‫المنازعات فً هذا الشؤن‪.‬‬
‫[ٔ‪ ].ٔ.ٔ.‬تطبٌق العدة فً الجاهلٌة‬
‫أمّا فً قول الشٌخ السٌد سابق رحمه َّللا تعالى‪ ،‬أن العدة كانت معروفة فً الجاهلٌة‪،‬‬
‫فهو قول ٌلقى قبول لدى العلماء المعاصرٌن‪ ،‬وقد تكون العدة المعروفة فً الجاهلٌة‬
‫المشار إلٌها هً عدة اإلحداد تحدٌداً‪ ،‬وَّللا تعالى أعلم‪ .‬وحٌث أننا بٌّنا فً افتتاحٌة‬
‫القسم األول أن اإلسبلم مازال ٌتفوق على ؼٌره من األدٌان بحكم العدة‪ ،‬ولوجد‬
‫الرأي أن العدة كانت معروفة فً الجاهلٌة‪ ،‬فإن ذلك ٌستوجب بؤن نستشهد بؤقوال‬
‫العلماء‪ ،‬ونبدأ بما ساقه اإلمام القرطبً رحمه َّللا والذي استند على قول القاضً ابن‬
‫العربً‪:‬‬
‫اج ْه َعنْ َسعٌِد بْن ُج َبٌْر َعنْ ِابْن َعبَّاس َعنْ ُع َمر بْن ْال َخ َّطاب أَنَّ‬
‫َوفًِ ُس َنن ِابْن َم َ‬
‫صة َرضِ ًَ َّ‬
‫صلَّى َّ‬
‫َرسُول َّ‬
‫اج َع َها‪َ .‬و َر َوى َق َتا َدة‬
‫َّللا َع ْن َها ُث َّم َر َ‬
‫َّللا َعلَ ٌْ ِه َو َسلَّ َم َطلَّ َق َح ْف َ‬
‫َّللا َ‬
‫صة َرضِ ًَ َّ‬
‫صلَّى َّ‬
‫َعنْ أَ َنس َقا َل‪َ :‬طلَّ َق َرسُول َّ‬
‫َّللا َع ْن َها َفؤ َ َت ْ‬
‫ت‬
‫َّللا َعلَ ٌْ ِه َو َسلَّ َم َح ْف َ‬
‫َّللا َ‬
‫‪ .1‬فمٗ إٌٍح‪ ،‬اٌٍ‪١‬ك ٌاتك‪ ،‬وراب اٌطالق‪ :‬اٌؼكج‪.‬‬

‫‪17‬‬

‫إعاقة ترويج اخلدعة ببيان عدة التزويج وعدة الرجعة‬
‫بيـــان العــدة‬

‫أَهْ ل َها‪َ ،‬فؤ َ ْن َز َل َّ‬
‫َّللا َت َعالَى َعلَ ٌْهِ‪ٌَ "{ :‬ا أَ ٌّ َها ال َّن ِبًّ إِ َذا َطلَّ ْق ُت ْم ال ِّن َساء َف َطلِّقُوهُنَّ لِ ِع َّدت ِِهنَّ "}‪.‬‬
‫ًِ مِنْ أَ ْز َواجك فًِ ا ْل َج َّنة}‪َ .‬ذ َك َرهُ‬
‫ص َّوا َمة‪َ ،‬وه َ‬
‫َوقٌِ َل لَ ُه‪َ { :‬را ِجعْ َها َفإِ َّن َها َق َّوا َمة َ‬
‫ْال َم َاورْ دِيّ َو ْالقُ َشٌْريّ َو َّ‬
‫الثعْ لَ ِبًّ ‪َ .‬زا َد ا ْلقُ َشٌ ِْريّ ‪َ :‬و َن َز َل فًِ ُخرُوج َها إِلَى أَهْ ل َها َق ْوله‬
‫ِ‬
‫ْ‬
‫ْ‬
‫ْ‬
‫ُ‬
‫ُ‬
‫ضب‬
‫َت َعالَى‪َ " :‬ال ُت ْخ ِرجُوهُنَّ مِنْ ُبٌُوتهنَّ "‪َ .‬و َقا َل ال َكل ِبًّ ‪َ :‬س َبب نزول َه ِذ ِه اْل ٌَة َؼ َ‬
‫صة‪ ،‬لَمَّا أَ َسرَّ إلَ ٌْ َها َحد ً‬
‫صلَّى َّ‬
‫َرسُول َّ‬
‫ٌِثا َفؤ َ ْظ َه َر ْت ُه لِ َعا ِب َشة‬
‫َّللا َع َل ٌْ ِه َو َسلَّ َم َعلَى َح ْف َ‬
‫َّللا َ‬
‫ِ‬
‫ت فًِ َعبْد َّ‬
‫ت ْاْل ٌَة‪َ .‬و َقا َل ال ُّس ِّديّ ‪َ :‬ن َزلَ ْ‬
‫َف َطلَّ َق َها َت ْطلٌِ َقة‪َ ،‬ف َن َزلَ ْ‬
‫َّللا بْن ُع َمر‪َ ،‬طلَّ َق ِام َْرأَته‬
‫صلَّى َّ‬
‫ضا َت ْطلٌِ َقة َوا ِح َدة َفؤ َ َم َرهُ َرسُول َّ‬
‫َحا ِب ً‬
‫َّللا َعلَ ٌْ ِه َو َسلَّ َم ِبؤَنْ ٌ َُرا ِجع َها ُث َّم ٌُ ْمسِ ك َها‬
‫َّللا َ‬
‫َح َّتى َت ْطهُر َو َتحٌِض ُث َّم َت ْطهُر‪َ ،‬فإِ َذا أَ َرا َد أَنْ ٌُ َطلِّق َها َف ْل ٌُ َطلِّ ْق َها حٌِن َت ْطهُر مِنْ َقبْل أَنْ‬
‫ك ْال ِع َّدة الَّتًِ أَ َم َر َّ‬
‫َّللا َت َعالَى أَنْ ٌ َ‬
‫ُطلَّق لَ َها ال ِّن َساء‪َ .‬و َق ْد قٌِ َل ‪ :‬إِنَّ ِر َج ًاال‬
‫ٌ َُجامِع َها‪َ .‬فت ِْل َ‬
‫َّللا بْن ُع َمر‪ِ ،‬م ْن ُه ْم َعبْد َّ‬
‫َف َعلُوا م ِْثل َما َف َع َل َعبْد َّ‬
‫َّللا بْن َع ْمرو بْن ْال َعاص‪َ ،‬و َع ْمرو بْن‬
‫َسعْ د بْن ْال َعاص‪َ ،‬و ُع ْت َبة بْن َؼ ْز َوان‪َ ،‬ف َن َزلَ ْ‬
‫ٌِه ْم‪َ .‬قا َل ِابْن ْال َع َر ِبًّ ‪َ :‬و َه َذا ُكلّه‬
‫ت ْاْل ٌَة ف ِ‬
‫[ٔ]‬
‫ص ّح فٌِ ِه أَ َّن ُه َب ٌَان لِ َشرْ ٍع ُم ْب َت َدأ‪.‬‬
‫ص ِحٌحً ا َف ْال َق ْول ْاألَ َّول أَ ْم َثل ‪َ .‬و ْاألَ َ‬
‫َوإِنْ لَ ْم ٌَ ُكنْ َ‬
‫وإن ما استدل علٌه القرطبً هو حدٌث أسماء بنت ٌزٌد بن السكن‪ ،‬واخذ القرطبً‬
‫الحدٌث للداللة على أن العدة لم تك معروفة فً الجاهلٌة‪ ،‬وعنده أن هذا الحدٌث هو‬
‫األصح من حدٌث أم المإمنٌن حفصة رضً َّللا عنها‪:‬‬
‫قُ ْلت‪َ :‬و ٌَ ُد ّل َعلَى صِ حَّ ة َه َذا ْال َق ْول ُن ُزول ْال ِع َّدة فًِ أَسْ َماء ِب ْنت ٌَ ِزٌد بْن ال َّس َكن‬
‫صلَّى َّ‬
‫ارٌَّة‪َ .‬ففًِ ِك َتاب أَ ِبً َداوُ د َع ْن َها أَ َّن َها َطل ُ َق ْ‬
‫َّللا َعلَ ٌْ ِه‬
‫ت َعلَى َعهْد ال َّن ِبًّ َ‬
‫ْاألَ ْن َ‬
‫ص ِ‬
‫ت أَسْ َماء ِب ْال ِع َّد ِة ل َّ‬
‫َو َسلَّ َم‪َ ،‬ولَ ْم ٌَ ُكنْ ل ِْل ُم َطلَّ َق ِة عِ َّدة‪َ ،‬فؤ َ ْن َز َل َّ‬
‫َّللا َت َعالَى حٌِن َطل ُ َق ْ‬
‫ِلط َبل ِق‪،‬‬
‫[ٕ]‬
‫ت أَ َّول َمنْ أ ُ ْنز َل فٌِ َها ْال ِع َّدة ل َّ‬
‫َف َكا َن ْ‬
‫ِلط َبل ِق‪.‬‬
‫ِ‬
‫وأما حدٌث حفصة‪ ،‬فقد أشار إلٌه الحافظ ابن كثٌر رحمه َّللا فً تفسٌره‪ ،‬وأنه ولبن‬
‫اختلؾ تعلٌقه على الحدٌث فإنه لم ٌحد عن القرطبً وابن العربً‪:‬‬
‫َ‬
‫َّاري َث َنا أَسْ َباط بْن م َُحمَّد َعنْ‬
‫" َو َقا َل ِابْن أ ِبً َحاتِم َث َنا م َُحمَّد بْن َث َواب بْن َس ِعٌد ْال َهب ِ‬
‫صلَّى َّ‬
‫َسعٌِد َعنْ َق َتا َدة َعنْ أَ َنس َقا َل ‪َ :‬طلَّ َق َرسُول َّ‬
‫صة َفؤ َ َت ْ‬
‫ت‬
‫َّللا َع َل ٌْ ِه َو َسلَّ َم َح ْف َ‬
‫َّللا َ‬
‫أَهْ لَ َها َفؤ َ ْن َز َل َّ‬
‫َّللا ُ َت َعالَى " ٌَا أَ ٌّ َها ال َّن ِبًّ إِ َذا َطلَّ ْق ُت ْم ال ِّن َساء َف َطلِّقُوهُنَّ لِ ِع َّدت ِِهنَّ " َفقٌِ َل لَ ُه‬
‫ًِ مِنْ أَ ْز َوا ِجك َو ِن َسابِك فًِ ْال َج َّنة َو َر َواهُ ِابْن َج ِرٌر‬
‫ص َّوا َمة َق َّوا َمة َوه َ‬
‫َرا ِج ِع َها َفإِ َّن َها َ‬

‫‪ .1‬اٌعاِغ ‪٤‬ؼىاَ اٌمهطث‪ – ٟ‬ذفٍ‪١‬ه ا‪٠٢‬ح ا‪ٌٍٛ ٌٝٚ٤‬نج اٌطالق‪ٚ .‬لك صهّغ اٌماض‪ ٟ‬أت‪ ٛ‬تىه تٓ اٌؼهت‪ ٟ‬تّا‬
‫ٔمٍٗ اٌمهطث‪ ٟ‬ف‪ ٟ‬وراب أؼىاَ اٌمهآْ‪ ،‬ف‪ ٟ‬ذفٍ‪١‬ه ٌ‪ٛ‬نج اٌطالق (اٌمٍُ اٌهاتغ‪ ،‬صفؽح ‪)205‬‬
‫‪ٔ .2‬فً اٌّصكن‪.‬‬

‫‪12‬‬

‫إعاقة ترويج اخلدعة ببيان عدة التزويج وعدة الرجعة‬
‫بيـــان العــدة‬

‫َعنْ ِابْن َب َّشار َعنْ َعبْد ْاألَعْ لَى َعنْ َسعٌِد َعنْ َق َتا َدة َف َذ َك َرهُ مُرْ َس ًبل َو َق ْد َو َر َد مِنْ َؼٌْر‬
‫[ٔ]‬
‫صلَّى َّ‬
‫َوجْ ه أَنَّ َرسُول َّ‬
‫اج َع َها‪".‬‬
‫صة ُث َّم َر َ‬
‫َّللا َعلَ ٌْ ِه َو َسلَّ َم َطلَّ َق َح ْف َ‬
‫َّللا َ‬
‫وكذلك تتشابه الرواٌات وتتزاٌد لبٌان أن عدة المطلقة لم تكن معروفة فً الجاهلٌة‪،‬‬
‫وذلك استكماالً لما أورده ابن كثٌر‪:‬‬
‫" َو َق ْد َقا َل ِابْن أَ ِبً َحاتِم ‪َ :‬ح َّد َث َنا أَ ِبً َح َّد َث َنا أَبُو ْال ٌَ َمان َح َّد َث َنا إِسْ مَاعِ ٌل ٌَعْ نًِ ِابْن َعٌَّاش‬
‫ارٌَّة َقالَ ْ‬
‫ت ‪:‬‬
‫َعنْ َع ْمرو بْن ُم َها ِجر َعنْ أَ ِبٌ ِه أَنَّ أَسْ َماء ِب ْنت ٌَ ِزٌد بْن ال َّس َكن ْاألَ ْن َ‬
‫ص ِ‬
‫ُ‬
‫َّللا َعلَ ٌْ ِه َو َسلَّ َم ‪َ -‬ولَ ْم ٌَ ُكنْ ل ِْل ُم َطلَّ َق ِة عِ َّدة َفؤ َ ْن َز َل َّ‬
‫صلَّى َّ‬
‫ت َعلَى َعهْد َرسُول َّ‬
‫طلِّ َق ْ‬
‫َّللا‬
‫َّللا ‪َ -‬‬
‫َع َّز َو َج َّل حٌِن ُ‬
‫ت فٌِ َها ْال ِع َّدة ل َّ‬
‫ت أَسْ َماء ْال ِع َّدة ل َّ‬
‫ت أَ َّول َمنْ َن َزلَ ْ‬
‫ِلط َبل ِق َف َكا َن ْ‬
‫طلِّ َق ْ‬
‫ِلط َبل ِق‬
‫ٌَعْ نًِ { َو ْال ُم َطلَّ َقات ٌَ َت َربَّصْ َن ِبؤ َ ْنفُسِ ِهنَّ َث َبل َثة قُرُوء} َو َه َذا َحدٌِث َؼ ِرٌب مِنْ َه َذا‬
‫[ٕ]‬
‫ْال َوجْ ه‪".‬‬
‫والؽالب أن ابن كثٌر رأى ؼرابة الحدٌث فً متنه كونه أقرب أن ٌكون المتن راجعا ً‬
‫إلى حفصة لورود الرواٌة بؤكثر من وجه‪ .‬وحاصل األمر أنه ولبن كان الحدٌث‬
‫مشكبلً‪ ،‬فإنه ٌُستصعب أن ٌدعً راوٌه أمر ثابت ومعروؾ لدى جماعة ٌمكنهم أن‬
‫ٌخالفوه لتناقض الخبر مع ما هو معلوم علما ً قطعٌاً‪ ،‬كؤن ٌكون للمطلقة عدة فً‬
‫الجاهلٌة‪ ،‬وٌإٌد ذلك قول القاضً ابن العربً – والذي أٌده اإلمام القاضً القرطبً‬
‫– وقد سبق المرور على تلك اْلراء‪.‬‬
‫[ٔ‪ ].ٕ .ٔ.‬تكلٌؾ المرأة بإحصاء العدة‬
‫وإن كان األصل تكلٌؾ المرأة بإحصاء عدتها عند الطبلق‪ٌ ،‬ظهر اإلشكال إذا ما‬
‫اق ُتصر التكلٌؾ علٌها وحدها دون ؼٌرها وهو أن ما سٌإول إلٌه هذا اإلحصاء‬
‫سٌقتصر علمه على المرأة – صاحبة الشؤن – فقط‪ ،‬فٌكون اإلخبار عن عملٌة‬
‫االحصاء مناط بها‪ ،‬وأن الخبر ٌجب أن ٌإخذ بحسب ما تخبر عنه المطلقة‪ .‬وفً‬
‫ذلك إشكال واضح شرعا ً وقضا ًء ( من حٌث اإلجرا ًء) فً مسؤلة اإلثبات وحتى‬
‫ً‬
‫مدعٌة كانت أم مدعى علٌها – هً الشاهد والخصم فً‬
‫قانونا ً حٌث تكون المطلقة –‬
‫آن واحد وهو ما ال ٌستساغ العمل به‪.‬‬

‫‪ .1‬ذفٍ‪١‬ه اتٓ وص‪١‬ه ٌ‪٠٣‬ح ا‪ٌٛ ِٓ ٌٝٚ٤‬نج اٌطالق‪.‬‬
‫‪ .2‬ذفٍ‪١‬ه اتٓ وص‪١‬ه ٌ‪٠٣‬ح ‪ٌٛ ِٓ 222‬نج اٌثمهج – ‪٠‬هاظغ أ‪ٚ‬ي ِا افررػ تٗ اٌرفٍ‪١‬ه‪.‬‬

‫‪19‬‬

‫إعاقة ترويج اخلدعة ببيان عدة التزويج وعدة الرجعة‬
‫بيـــان العــدة‬

‫وإذ نصت القاعدة العامة على أن‪" :‬البٌنة على من ادعى‪ ،‬والٌمٌن على من أنكر[ٔ]‪"،‬‬
‫ّإال أنه من المستصعب فصل النزاعات بنا ًء على شهادة أحد الخصوم دون المقدرة‬
‫على التحري عن صحة ذلك القول‪ .‬وفً هذا الصدد ٌطرح اإلمام (والقاضً)‬
‫القرطبً حجم المشكلة حٌن تتفاقم المسؤلة وتصبح نزاعا ً مطروحا ً أمام القاضً‬
‫وٌجب الفصل فٌه‪ ،‬فؤورد القرطبً فً معرض قوله تعالى {" َو َال ٌَ ِح ّل لَهُنَّ أَنْ ٌَ ْك ُتم َْن‬
‫َما َخلَ َق َّ‬
‫َّللا فًِ أَرْ َحامهنَّ "} [البقرة‪ ]ٕٕ2:‬ما ٌلً‪:‬‬
‫" َو َقا َل ُسلَ ٌْ َمان بْن ٌَ َسار‪َ :‬ولَ ْم ُن ْإ َمر أَنْ َن ْف َتح ال ِّن َساء َف َن ْن ُ‬
‫ظر إِ َلى فُرُوجهنَّ ‪َ ،‬ولَكِنْ وُ ِّك َل‬
‫ْ‬
‫اإلضْ َرار ِب َّ‬
‫الز ْو ِج‬
‫َذلِ َ‬
‫ك إِلٌَ ِْهنَّ إِذ ُكنَّ م ُْإ َت َم َنات‪َ .‬و َمعْ َنى ال َّنهًْ َعنْ ْال ِك ْت َمان ال َّنهًْ َعنْ ْ ِ‬
‫ًِ لَ ْم َتحِضْ ‪َ ،‬ذ َه َب ْ‬
‫َوإِ ْذ َهاب َحقّه‪َ ،‬فإِ َذا َقالَ ْ‬
‫ت ِب َح ِّق ِه مِنْ‬
‫ت ْال ُم َطلَّ َقة‪ :‬حِضْ ت‪َ ،‬وه َ‬
‫ض ْ‬
‫ِاالرْ ت َِجاع‪َ ،‬وإِ َذا َقالَ ْ‬
‫ت‪ ،‬أَ ْل َز َم ْت ُه مِنْ ال َّن َف َقة َما لَ ْم ٌَ ْل َزم ُه‬
‫ًِ َق ْد َحا َ‬
‫ت‪ :‬لَ ْم أَحِضْ ‪َ ،‬وه َ‬
‫ضرَّ ْ‬
‫ت ِب ِه‪ ،‬أَ ْو َت ْقصِ د ِب َكذ ِِب َها فًِ َن ْفً ْال َحٌْض أَ َّال َترْ َت ِجع َح َّتى َت ْن َقضِ ً ْال ِع َّدة َو ٌَ ْق َطع‬
‫َفؤ َ َ‬
‫[ٕ]‬
‫ال َّشرْ ع َحقّه‪".‬‬
‫إثر هذه الحاالت‪ ،‬استلزم القضاء اإلسبلمً فً أوج ازدهاره‪ ،‬أن ٌؤخذ رأٌا ً مؽاٌراً‬
‫لما ارتضاه القضاء المعاصر‪ .‬وقد ٌنتقل ضرب االفتراء الذي ذكره القرطبً لٌكون‬
‫من الرجل على المرأة فً الزمان الحالً‪ ،‬فٌؤتً بالشهود وٌحلؾ األٌمان أن عدة‬
‫مطلقته ٌحوم حول األزمنة القصٌرة لٌناطحها فً نفقة المتعة وما قد ترتجٌه المطلقة‬
‫من نفقات أخرى‪ ،‬وعلى ذلك بٌّن القاضً ابن العربً ما ٌجب اعتباره فً مسؤلة‬
‫االحصاء‪:‬‬
‫ال‪ :‬أَ َح ُد َها أَ َّن ُه ْم ا ْألَ ْز َواجُ‪َّ .‬‬
‫الثانًِ‪ :‬أَ َّن ُه ْم‬
‫مَنْ ىاْلمُخَاطَبُ ىبَِأمْرِ ىالْإِحْصَاءِ‪َ :‬وفٌِ ِه َث َبل َث ُة أَ ْق َو ٍ‬
‫ات‪َّ .‬‬
‫الثال ُ‬
‫َّ‬
‫الز ْو َج ُ‬
‫ب ِب َه َذا اللَّ ْفظِ ْاألَ ْز َوا ُج؛ ِألَنَّ‬
‫ُون‪َ .‬وال َّ‬
‫صحٌِ ُح أَنَّ ْالم َُخا َط َ‬
‫ِث‪ :‬أَ َّن ُه ْم ْالمُسْ لِم َ‬
‫{وأَحْ صُوا} َو َ‬
‫{ال ُت ْخ ِرجُوهُنَّ } َعلَى ِن َظ ٍام َوا ِح ٍد ٌَرْ ِج ُع إلَى‬
‫ال َّ‬
‫ض َماب َِر ُكلَّ َها مِنْ { َطلَّ ْق ُت ْم} َ‬
‫َْ‬
‫الز ْو ِج؛ ِألَنَّ َّ‬
‫اق ِب َّ‬
‫اج‪َ ،‬ولَكِنَّ َّ‬
‫الز ْو َج ٌُحْ صِ ً لٌِ َُرا ِج َع‪،‬‬
‫الز ْو َجا ِ‬
‫اإل ْل َح ِ‬
‫ت َدا ِخلَ ٌة فٌِ ِه ِب ْ ِ‬
‫األ ْز َو ِ‬
‫َو ٌُ ْنف َِق أَ ْو ٌَ ْق َط َع‪َ ،‬ولٌُِسْ ك َِن أَ ْو ٌ ُْخ ِر َج‪َ ،‬ولٌِ ُْلح َِق َن َس َب ُه أَ ْو ٌَ ْق َط َع‪َ .‬و َه ِذ ِه ُكلُّ َها أُمُو ٌر ُم ْش َت َر َك ٌة‬
‫صا ِء‬
‫اإلحْ َ‬
‫ِك‪َ .‬و َك َذلِ َ‬
‫َب ٌْ َن ُه َو َبٌ َْن ْال َمرْ أَةِ‪َ ،‬و َت ْن َف ِر ُد ْال َمرْ أَةُ ُدو َن ُه ِب َؽٌ ِْر َذل َ‬
‫ك ْال َحا ِك ُم ٌَ ْف َت ِق ُر إلَى ْ ِ‬
‫‪1‬‬

‫‪٘ٚ .‬مٖ لاػكج ذؼكخ ؼ‪ّ١‬ى اٌمأ‪ِٕ ْٛ‬م له‪ٚ ْٚ‬اصثؽد لاػكج ػاِح ف‪ِ ٟ‬عاي اٌؼٍ‪ٚ َٛ‬إٌّطك ‪ٚ‬اٌٍ‪١‬اٌح‪،‬‬
‫تً ‪ٚ‬ؼر‪ ٝ‬اٌرٍ‪٠ٛ‬ك‪ ٟ٘ٚ ،‬ا‪٤‬صً اٌم‪ ٞ‬ذم‪ َٛ‬ػٍ‪ ٗ١‬لاػكج ػثئ اإلشثاخ (‪ )Burden of Proof‬أ‪٠ ٚ‬ؼهف أ‪٠‬ضاً‬
‫تــ(‪ٚ .)Onus of Proof‬وص‪١‬ه ِا ذىهن ٘مٖ اٌّم‪ٌٛ‬ح ف‪ ٟ‬اٌّؽاوُ إال أْ لٍ‪٠ ِٓ ً١‬ؼهف أْ اٌماػكج اشرمد‬

‫ِٓ نٌاٌح اٌمضاء ٌؼّه تٓ اٌفطاب‪ٚ ،‬ن‪٠ٚ‬د ومٌه ػٓ نٌ‪ٛ‬ي هللا ‪‬‬

‫تإٌٕاق ؼٍٓ ف‪ ٟ‬ؼك‪٠‬س أـهظٗ‬

‫اٌث‪ٙ١‬م‪ ٟ‬ف‪ ٟ‬إٌٍٓ (‪.)252/10‬‬
‫‪2‬‬
‫‪ .‬اٌعاِغ ‪٤‬ؼىاَ اٌمهآْ‪ٌ ،‬إلِاَ اٌمهطث‪ .ٟ‬ذفٍ‪١‬ه ا‪٠٢‬ح ‪ٌٛ ِٓ 222‬نج اٌثمهج‪.‬‬

‫‪20‬‬

‫إعاقة ترويج اخلدعة ببيان عدة التزويج وعدة الرجعة‬
‫بيـــان العــدة‬

‫ل ِْل ِع َّد ِة ل ِْل َف ْت َوى َعلَ ٌْ َها َو َفصْ ُل ْال ُخصُو َم ِة عِ ْن َد ْال ُم َن َ‬
‫صا ِء‬
‫اإلحْ َ‬
‫از َع ِة فٌِ َها؛ َو َه ِذ ِه َف َوا ِب ُد ْ ِ‬
‫[ٔ]‬
‫ْ‬
‫ُور ِبهِ‪.‬‬
‫ْال َمؤم ِ‬
‫وبذلك ٌتضح أن إحصاء العدة ال ٌقتصر على المطلقة فقط‪ ،‬بل إن إحصاء العدة من‬
‫قبل الزوجة ٌكون ثانوي بالنسبة للزوج – هذا من الناحٌة‪ .‬وكذلك ٌتبٌن أن قضاة‬
‫المسلمٌن فً رونق عصر اإلسبلم تصدوا لبلحتماالت التً أثارها القرطبً‪ ،‬فإنه‬
‫باشتمال الحكم إلحصاء الحاكم‪ ،‬فإن فً ذلك داللة على أن القضاء اإلسبلمً لم‬
‫ٌكتفً بقول المطلقة "انقضت عدتً" نظراً لئلشكالٌات التً ساقها القرطبً عند‬
‫احتمال كذب المطلقة – إمّا لكً تستنزؾ الزواج مالٌاً‪ ،‬أو لئلذهاب بحقه فً‬
‫الرجعة‪ .‬وٌظهر ذلك جلٌا ً إذ كان من واجبات الحاكم احصاء العدة للفصل فً‬
‫النزاعات‪ ،‬ومع مبلحظة أن شمول اْلٌة للحاكم لٌس مجرد تفسٌر‪ ،‬بل هو حكم عمل‬
‫به‪ ،‬ومع مبلحظة الفارق الزمنً بٌن أبو بكر بن العبً واإلمام القرطبً – فالواضح‬
‫أن القرطبً نقل حكما ً كان معموالً به‪ ،‬ولكن هذا من مواضٌع القسم الثانً‪.‬‬
‫واشتمال الحكم للحاكم بؤن ٌحصً العدة‪ ،‬فإن فً ذلك صحة القول الثالث الذي ساقه‬
‫القاضً أبو بكر بن العربً بدخول المسلمٌن بؤمر االحصاء‪ ،‬وإن كان ٌقتصر على‬
‫خاصتهم وهم أولوا األمر ممن أنٌط بهم الفصل فً نزاعات المسلمٌن‪.‬‬
‫[ٕ‪ ].ٔ.‬تعرٌؾ العبلمة ابن باز‬
‫أمّا العبلمة ابن باز رحمه َّللا تعالى‪ ،‬فٌعرّؾ العدة على أنها‪:‬‬
‫"العدة ٌعنً انحباسها عن الزواج فً أٌام العدة وهً األٌام التً تنحبس فٌها عن‬
‫التزوج‪ ،‬ال ٌحل فٌها أن تتزوج حتى تنتهً ٌقال لها عدة سواء كان من طبلق‪ ،‬أو‬
‫من خلع‪ ،‬أو من موت تسمى عدة‪ ،‬كما فً قوله – جل وعبل – ‪َ :‬و ُبعُولَ ُتهُنَّ أَ َح ُّق‬
‫ك (البقرة‪ :‬من اْلٌة ‪ٌ )ٕٕ2‬عنً فً العدة‪ ،‬وقال – تعالى – ‪:‬‬
‫ِب َر ِّدهِنَّ فًِ َذ ِل َ‬
‫[ٕ]‬
‫َو ْال ُم َطلَّ َق ُ‬
‫ات ٌَ َت َربَّصْ َن ِبؤ َ ْنفُسِ ِهنَّ َثبل َث َة قُرُو ٍء (البقرة‪ :‬من اْلٌة‪ ،)ٕٕ2‬هذه العدة"‬
‫وإن كان هذا التعرٌؾ واؾ بعض الشًء إال أنه ٌُدخل ال ُم َعرَّ ؾ فً التعرٌؾ وهو‬
‫بصدد تعرٌؾ العدة‪ ،‬كقوله‪" :‬انحباسها عن الزواج فً أٌام العدة‪ "..‬ثم عند الشرح‬
‫أضٌؾ التعرٌؾ فً الشرح كقوله‪" ،‬األٌام التً تنحبس فٌها عن التزوٌج‪".‬‬
‫‪ .1‬أؼىاَ اٌمهآْ‪٤ ،‬ت‪ ٟ‬تىه تٓ اٌؼهت‪ ،ٟ‬اٌمٍُ اٌهاتغ‪ ،‬صفؽح ‪ٔٚ .202‬مٍٗ اٌمهطث‪ ٟ‬ػٓ اتٓ اٌؼهت‪.ٟ‬‬
‫‪ِ 2‬مرثً ِٓ ِ‪ٛ‬لغ ٌّاؼح اٌش‪١‬ؿ ػثكاٌؼى‪٠‬ى تٓ تاو نؼّٗ هللا ذؼاٌ‪.ٝ‬‬

‫‪21‬‬

‫إعاقة ترويج اخلدعة ببيان عدة التزويج وعدة الرجعة‬
‫بيـــان العــدة‬

‫[ٖ‪ ].ٔ.‬تعرٌؾ العبلمة محمد بن شهاب الدٌن الرملً‬
‫وٌؤتً قول العبلمة محمد بن شهاب الرملً المنوفً المصري والمشهور بالشافعً‬
‫الصؽٌر‪ ،‬وذلك فً معرض شرحه للعدة فً الفقه الشافعً بتعرٌؾ آخر فٌه من‬
‫التفصٌل اللؽوي وهو‪:‬‬
‫" العدد جمع عدة من العدد الشتمالها على أقراء أو أشهر ؼالبا‪ ،‬وهً شرعا‪ :‬مدة‬
‫تتربص فٌها المرأة لمعرفة براءة رحمها من الحمل أو للتعبد ‪ ،‬وهو اصطبلحا‪ :‬ما‬
‫ال ٌعقل معناه عبادة كان أو ؼٌرها‪ ،‬فقول الزركشً ال ٌقال فٌها تعبد ألنها لٌست من‬
‫العبادات المحضة ؼٌر ظاهر أو لتفجعها على زوج مات‪ ،‬وأخرت إلى هنا لترتبها‬
‫ؼالبا على الطبلق واللعان‪ ،‬وألحق اإلٌبلء والظهار بالطبلق ألنهما كانا طبلقا‬
‫وللطبلق تعلق بهما واألصل فٌها الكتاب والسنة واإلجماع وهً من حٌث الجملة‬
‫[ٔ]‬
‫معلومة من الد ٌن بالضرورة كما هو واضح‪".‬‬
‫[ٗ‪ ].ٔ.‬تعرٌؾ العدة فً إطار البحث‬
‫‪ ‬وٌرى الباحث‪ :‬أن العدة ومباحثها تعتبر أحكاما ً فرعٌة تتفرع من أحكام المفارقة‬
‫بٌن األزواج وتتعلق فً الفترة الزمنٌة المحصٌة والتً ال ٌجوز أن تتزوج فٌها‬
‫المرأة ّإال وفقا ً لحكم المفارقة األصلً‪.‬‬
‫[ٔ] والحكم األصلً الذي تتفرع منه أحكام العدة ٌنصب على أحكام المفارقة وهً‬
‫على نوعٌن ال ٌخرج كل نوع بؤن ٌكون بإرادة األزواج أو ال ٌكون بإرادة‬
‫الزوجٌن‪:‬‬
‫ٔ‪ .‬الطبلق‪ ،‬وٌضاؾ إلٌه الخلع والفسخ‪.‬‬
‫ٕ‪ .‬الوفاة‪ ،‬وٌدخل فً حكمه الؽٌاب والفقدان‪.‬‬
‫أما الطبلق‪ :‬فإنه ال ٌُن َكر أن الشرع قد قسمه إلى قسمٌن‪ ،‬طبلق بابن وآخر رجعً‪،‬‬
‫وٌمكن أٌضا ً فً صدد معاٌنة أحكام العدة إدراج العدة فً الخلع ألن المفارقة فً هذه‬
‫الحاالت تخرج عن الوفاة‪ .‬والبٌّن ببل رٌبة هو ارتباط أحكام العدة بؤحكام الطبلق‪،‬‬
‫‪ٙٔ . 1‬ا‪٠‬ح اٌّؽراض إٌ‪ ٝ‬شهغ إٌّ‪ٙ‬اض‪ٌّ ،‬ؽّك تٓ ش‪ٙ‬اب اٌك‪ ٓ٠‬اٌهٍِ‪ٟ‬؛ اٌعىء اٌٍاتغ‪ ،‬صفؽح ‪.126‬‬

‫‪22‬‬

‫إعاقة ترويج اخلدعة ببيان عدة التزويج وعدة الرجعة‬
‫بيـــان العــدة‬

‫أو المفارقة اإلرادٌة حٌث تتنوع المفارقة وٌختلؾ بمقتضاها أحكام العدة‪ّ ،‬إال أنه ال‬
‫ٌوجد تصنٌؾ خاص للعدة فً هذا الشؤن‪.‬‬
‫أمّا الوفاة‪ :‬فالعدة فٌها مدة زمانٌة تتعلق بفقدان الزوجة لزوجها‪ ،‬واألرجح أن تلك‬
‫العدة هً التً كانت معروفة فً الجاهلٌة‪ ،‬ذلك أنه قد تكون العزباء حِمل فً بعض‬
‫المجتمعات الصؽٌرة المتنقلة‪ ،‬وقد ٌؽلب علٌها أمر ولٌها بتزوجها فور مرور المدة‬
‫المحددة لبراءة الرحم‪ ،‬فسن المولى عز وجل حكمها مختلفا ً عن عدة المطلقة بإلحاق‬
‫مدة اعتباراً لمشاعر حداد المرأة لفقدان زوجها وكبح كل من له سٌطرة على التؤثٌر‬
‫على المرأة بتزوجٌها ْلخر بؤن أمد فترة عدتها لكً ال تقحم فً زواج ومشاعرها‬
‫مشؽولة بزوج فارقته‪.‬‬
‫[ٕ ] وبالنسبة للفترة الزمنٌة‪ ،‬فإن بها تتحدد نوع المفارقة وتفصٌل كل نوع مما سبق‪.‬‬
‫فإن الفترة الزمنٌة هً التً تحدد مدة العدة بالنسبة للحامل المطلقة‪ ،‬والحامل المتوفى‬
‫عنها زوجها‪ .‬وكذلك المرأة التً تحٌض حٌضا ً عادٌا ً بالنسبة للحالتٌن‪ ،‬وكذلك‬
‫الصؽٌرة التً لم تحض‪ ،‬والٌابسة والتً لم ٌُدخل بها‪.‬‬
‫[٘‪ ].ٔ.‬تفكٌك وتحلٌل لفظ العدة‬
‫فً هذا الطور من البحث والذي ٌلٌه (٘‪ .ٔ.‬و ‪ ،).ٔ.ٙ‬نقدم أداتان حٌوٌتان لتحلٌل‬
‫مسؤلة البحث فٌما تبقى منه‪ ،‬فاألداة األولى تسلط الضوء على االستخدام اللؽوي لِلفظ‬
‫العدة وكما مررنا علٌه فً فٌما سبق عند التعرٌؾ‪ ،‬واألداة الثانٌة تظهر اللفظ وتنوع‬
‫استخدامه فً محكم كتاب َّللا‪.‬‬
‫أما فابدة طرح هاتٌن األداتٌن ٌكمن فً توفٌر القدرة على التمٌٌز فً حكم العدة بما‬
‫ٌخص نٌة الشرع‪ .‬فإذا عرؾ استخدام العدة أنه مإشر على فترة زمنٌة محددة ال‬
‫خبلؾ فٌها‪ٌ ،‬مكن من خبلل ذلك استثناء المسابل التً ٌثور فٌها الجدل مثل معرفة‬
‫ما إن كانت المطلقة حاضت أو ال وما ٌتبع ذلك من تفاوت األزمنة بالنسبة للمطلقات‬
‫من الجنس الواحد‪ .‬وعلى هذا ٌستقر الرأي‪ ،‬حٌث بٌّن القرطبً ما ٌلً‪:‬‬
‫اإل َمام ال َّشا ِفعًِّ ِب َظاه ِِر َق ْوله َت َعالَى‪َ " :‬ف َطلِّقُوهُنَّ لِ ِع َّدت ِِهنَّ " َو َه َذا َعا ّم فًِ ُك ّل‬
‫َو َت َعلَّ َق ْ ِ‬
‫اعى َّ‬
‫َّللا ُسب َْحانه َّ‬
‫الز َمان فًِ َه ِذ ِه ْاْل ٌَة‬
‫ْن أَ ْو أَ ْك َثر‪َ .‬وإِ َّن َما َر َ‬
‫َط َبلق َك َ‬
‫ان َوا ِح َدة أَ ْو ا ِْث َن َتٌ ِ‬
‫صلَّى َّ‬
‫َّللا َعلَ ٌْ ِه َو َسلَّ َم َعلَّ َم ُه ْال َو ْقت‬
‫ك َحدٌِث ِا ْبن ُع َمر ِألَنَّ ال َّن ِبًّ َ‬
‫َولَ ْم َي ْع َت ِبر ا ْل َع َدد‪َ .‬و َك َذلِ َ‬
‫‪23‬‬

‫إعاقة ترويج اخلدعة ببيان عدة التزويج وعدة الرجعة‬
‫بيـــان العــدة‬

‫صحٌِح؛ َفإِ َّن ُه َقا َل‪( :‬مُرْ هُ‬
‫َال ْال َع َدد‪َ .‬قا َل ِابْن ْال َع َر ِبًّ ‪َ :‬و َه ِذ ِه َؼ ْفلَة َعنْ ْال َحدٌِث ال َّ‬
‫[ٔ]‬
‫َف ْلٌ َُرا ِجعْ َها) َو َه َذا ٌَ ْد َفع َّ‬
‫الث َبلث‪.‬‬
‫فإذا كان المراد من شرع َّللا اعتبار الزمان فً العدة ال عدد فترات االنتقال من‬
‫حٌص وطهر‪ ،‬فمن شؤن ذلك اضفاء االستقرار فً الفصل فً موضوع العدة بالنسبة‬
‫للمطلقة من ذوات األقراء‪ ،‬ألن الفٌصل فً فصل النزاعات ٌكون زمان ثابت‪ ،‬وهو‬
‫ما ال خبلؾ فٌه خاصة وأننا نتعامل مع حد من حدود َّللا‪ .‬وإن فٌما بٌنه القرطبً‬
‫أعبله عذراً لمن ثار من العلماء على من خرج عن تلك القاعدة والتً رأوها من‬
‫شرع َّللا‪ ،‬إذ أن الذي بٌنه القرطبً ٌنحصر تحدٌداً على زمان معٌن‪ ،‬وال ٌعبه بعدد‬
‫معٌن‪ .‬وهذا ٌظهر فً كبلم القرطبً كثٌراً كقوله‪:‬‬
‫َو َقا َل َت َعالَى‪َ " :‬واَ َّ‬
‫لبلبًِ ٌَبِسْ َن ِمنْ ْال َمحٌِض مِنْ ن َِسا ِب ُك ْم إِنْ اِرْ َت ْب ُت ْم َف ِع َّدتهنَّ َث َبل َثة أَ ْشهُر"‬
‫َّ‬
‫[الط َبلق‪َ .]ٗ:‬ف َج َع َل ْال َم ٌْ ُبوس ِم ْن ُه ْال َمحٌِض‪َ ،‬ف َد َّل َعلَى أَ َّن ُه ه َُو ْال ِع َّدة‪َ ،‬و َج َع َل ْالع َِوض‬
‫[ٕ]‬
‫ان َمعْ ُدومًا‪.‬‬
‫ِم ْن ُه ه َُو ْاألَ ْشهُر إِ َذا َك َ‬
‫أي أن الحٌض المعتاد ٌكون فً الزمان المحدد للٌابسة‪ .‬وسنرى عند شرح هذا القول‬
‫أن المعمول به كان بؤال تعتد ذات األقراء بعدة الٌابسة‪ ،‬بل إنها تصدق بعد الزمان‬
‫المحدد للٌابسة وهذا أقرب للعقل كون أن الٌابسة أولى برفع الحرج عن ذات‬
‫األقراء‪ .‬ومع معقولٌة هذا القول بؤن تخرج المطلقة من العدة فً ثبلثة قروء‪ ،‬ولكنها‬
‫ال تصدق بانقضاء العدة إن أرادت التزوٌج‪ ،‬فإن منتهى ذلك التقٌٌد ما هو ّإال إعادتها‬
‫إلى العدة مرة أخرى‪ .‬وقول القرطبً أن "العوض" عن الحٌص هو األشهر‪ ،‬فٌخرج‬
‫بهذا القول اعتبار األزمنة القصٌرة‪ ،‬كؤن تقول المطلقة أنها اعتدت فً شهر ونصؾ‬
‫بؽٌة التزوج من شخص آخر‪ ،‬ذلك أن العوض ٌكون مماثبلً بالكم والقدر بالمستعاض‬
‫عنه‪ ،‬فمن ؼٌر المستساغ عقبلً أن تكون فترة خمس وخمسون ٌوما ً – على سبٌل‬
‫المثال – عوضا ً عن تسعٌن ٌوم؛ وهذا موضوع سنتناوله بالشرح فٌما بعد وال ٌضر‬
‫التمهٌد له‪.‬‬
‫لذلك‪ ،‬فإن لؤلداتٌن المطروحتان فابدة لتحلٌل األقوال التً سٌتناولها البحث فٌما بعد‪.‬‬
‫والحاصل أن استخدامات العدة فً التداوالت الدارجة تتنوع حسب ما تقتضً‬
‫األحوال‪ ،‬ومع ذلك تظل تلك التشعبات فً االستخدام ؼٌر خارجة عن المعنى‬
‫‪ .1‬ذفٍ‪١‬ه اٌمهطث‪( ٟ‬اٌعاِغ ‪٤‬ؼىاَ اٌمهآْ) – ذفٍ‪١‬ه ٌ‪ٛ‬نج اٌطالق‪.‬‬
‫‪ .2‬اٌعاِغ ‪٤‬ؼىاَ اٌمهآْ‪ٌٍ ،‬مهطث‪ ،ٟ‬ا‪٠٢‬ح ‪ٌٛ ِٓ 222‬نج اٌثمهج‪.‬‬

‫‪24‬‬

‫إعاقة ترويج اخلدعة ببيان عدة التزويج وعدة الرجعة‬
‫بيـــان العــدة‬

‫األصلً للفظ‪ ،‬فٌظل الجذر محافظا ً على معناه وإن تنوعت االشتقاقات فً اللفظ‬
‫المحدد بسٌاقه‪ ،‬وٌخرج عن ذلك االشتقاقات البعٌدة عن الموضوع مثل "وعد‪".‬‬
‫واألصل أن العدة وكل ما ٌماثلها من اشتقاقات تنحل إلى الجذر‪ :‬عد ومنه‬
‫االشتقاقات اْلتٌة‪:‬‬
‫ال ِع ّدة‬
‫عِ دة‬
‫عدة‬
‫عدة‬
‫عدة‬

‫بمعناها الشرعً المعروؾ‬
‫بإظهار التاء‪ ،‬ومنها التنوع فً األشٌاء {لديَّ‬
‫عدة أقبلم}‬
‫بمعنى اإلعداد بؤخذ التجهٌزات‪{ :‬واعدوا لهم‬
‫ما استطعتم من قوة ومن ركاب الخٌل‪}.‬‬
‫التقلٌل والتبعٌض معاً‪{ :‬عدةٌ من أٌام أُخر‪}.‬‬
‫بمعنى االعتٌاد والعادة‬

‫وفً كل من هذه االستخدام ات للجذر‪ ،‬نجد أن المشتقات تحتفظ على معنى الجذر‬
‫وال تخرج عنه‪.‬‬
‫[‪ ].ٔ.ٙ‬مواطن ظهور لفظ العدة فً كتاب َّللا‬
‫تعدد ورود لفظ العدة فً كتاب َّللا المجٌد‪ ،‬فورد اللفظ بما ٌعٌن فهم المقصود بالعدة‬
‫الشرعٌة وورد بما ٌخص العدة الشرعٌة‪ .‬وٌهمنا أن نستجمع هذه المواطن لتحلٌل‬
‫العدة فٌما بعد‪ .‬ونبٌن أوالً ظهور اللفظ كاشتقاق مع بٌان االشتقاقات المقاربة للفظ‬
‫المستهدؾ الخاص بالعدة الشرعٌة‪ ،‬ثم نبٌن اْلٌات التً خصت العدة الشرعٌة‪.‬‬
‫وبعد أن نبٌن اْلٌات الخاصة بالعدة الشرعٌة والتً تنصب فً محور هذه البحث‪،‬‬
‫نزٌد فً التفصٌل بقدر ما أمكن حتى ٌنحل اللفظ تلقابٌا ً إلى معناه المقصود وبعد‬
‫استثناء العدد التً ال تتعلق بموضوع البحث‪.‬‬
‫[ٔ‪ ].ٔ.ٙ.‬العدة كاشتقاق وعرض اشتقاقات مقاربة‬
‫ار الَّتًِ أُعِ َّد ْ‬
‫ٌن [آل عمران‪]ٖٔٔ:‬‬
‫ت ل ِْل َكاف ِِر َ‬
‫ٔ‪َ .‬وا َّتقُوا ال َّن َ‬
‫ب ِبالسَّا َع ِة َس ِعٌرً ا [الفرقان‪]ٔٔ:‬‬
‫ٕ‪َ .‬ب ْل َك َّذبُوا ِبالسَّا َع ِة َوأَعْ َت ْد َنا ِل َمن َك َّذ َ‬

‫‪25‬‬

‫إعاقة ترويج اخلدعة ببيان عدة التزويج وعدة الرجعة‬
‫بيـــان العــدة‬

‫ٌِن َك َفرُوا‪...‬‬
‫ار إِ َّال َم َبل ِب َك ًة َو َما َج َع ْل َنا عِ َّد َت ُه ْم إِ َّال ِف ْت َن ًة لِّلَّذ َ‬
‫ٖ‪َ .‬و َما َج َع ْل َنا أَصْ َح َ‬
‫اب ال َّن ِ‬
‫[المدثر‪]ٖٔ:‬‬
‫َ‬
‫ان مِن ُكم مَّرٌ ً َ‬
‫َّام أ ُ َخ َر ‪[ ...‬البقرة‪]ٔ2ٗ:‬‬
‫ٗ‪َ ]...[ .‬ف َمن َك َ‬
‫ِ‬
‫ضا أ ْو َعلَى َس َف ٍر َف ِع َّدةٌ مِّنْ أٌ ٍ‬
‫ُ‬
‫اس َو َب ٌِّ َنا ٍ‬
‫ان َف َمن‬
‫ض َ‬
‫٘‪َ .‬ش ْه ُر َر َم َ‬
‫ت م َِّن ْال ُهدَى َو ْالفُرْ َق ِ‬
‫نز َل فٌِ ِه ْالقُرْ آنُ ُه ًدى لِّل َّن ِ‬
‫ان الَّذِي أ ِ‬
‫ضا أَ ْو َعلَى َس َف ٍر َف ِع َّدةٌ مِّنْ أَ ٌَّام أ ُ َخ َر ٌ ُِرٌ ُد َّ‬
‫ان َم ِرٌ ً‬
‫َش ِه َد مِن ُك ُم ال َّشه َْر َف ْل ٌَصُمْ ُه َو َمن َك َ‬
‫َّللاُ‬
‫ٍ‬
‫َّللا َعلَى َما َه َدا ُك ْم َولَ َعلَّ ُك ْم‬
‫ِب ُك ُم ْالٌُسْ َر َو َال ٌ ُِرٌ ُد ِب ُك ُم ْالعُسْ َر َولِ ُت ْك ِملُوا ْال ِع َّد َة َولِ ُت َك ِّبرُوا َّ َ‬
‫ُون‪[ .‬البقرة‪]ٔ2٘:‬‬
‫َت ْش ُكر َ‬
‫ٌِن َك َفرُوا ٌُ ِحلُّو َن ُه َعامًا َوٌ َُحرِّ مُو َن ُه َعامًا‬
‫ض ُّل ِب ِه الَّذ َ‬
‫‪ .ٙ‬إ َّن َما ال َّنسِ ً ُء ِز ٌَا َدةٌ فًِ ْال ُك ْف ِر ٌُ َ‬
‫َّللاُ َف ٌُ ِحلُّوا َما َحرَّ َم َّ‬
‫لٌِّ َُواطِ ُبوا عِ َّد َة َما َحرَّ َم َّ‬
‫َّللا ُ ‪[ ...‬التوبة‪]ٖ3:‬‬
‫ت‬
‫َّللا ٌَ ْو َم َخلَ َق ال َّس َم َاوا ِ‬
‫َّللا ْاث َنا َع َش َر َشهْرً ا فًِ ِك َتا ِ‬
‫ب َّ ِ‬
‫ُور عِ ن َد َّ ِ‬
‫‪ .3‬إِنَّ عِ َّد َة ال ُّشه ِ‬
‫ض ِم ْن َها أَرْ َب َع ٌة ُح ُر ٌم ‪[ ...‬التوبة‪]ٖٙ:‬‬
‫َو ْاألَرْ َ‬
‫[ٕ‪ ].ٔ.ٙ.‬العدة المقصودة‪ :‬القرء‬
‫ت ُث َّم َطلَّ ْق ُتمُوهُنَّ مِن َقب ِْل أَن َت َم ُّسوهُنَّ َف َما لَ ُك ْم‬
‫ٌِن آ َم ُنوا إِ َذا َن َكحْ ُت ُم ْالم ُْإ ِم َنا ِ‬
‫ٔ‪ٌَ .‬ا أَ ٌُّ َها الَّذ َ‬
‫َعلٌَ ِْهنَّ مِنْ عِ َّد ٍة َتعْ َت ُّدو َن َها َف َم ِّتعُوهُنَّ َو َسرِّ حُوهُنَّ َس َراحً ا َجم ً‬
‫ٌِبل‪[ .‬األحزاب‪]ٗ4:‬‬
‫وهذه اْلٌة من سورة األحزاب هً التً تبٌن عدة ؼٌر المدخول بها‪ ،‬وهً خارجة‬
‫عن نطاق هذا البحث ولذلك تستثنى‪.‬‬
‫ٕ‪ٌَ .‬ا أَ ٌُّ َها ال َّن ِبًُّ إِ َذا َطلَّ ْق ُت ُم ال ِّن َسا َء َف َطلِّقُوهُنَّ لِ ِع َّدت ِِهنَّ َوأَحْ صُوا ْال ِع َّد َة ‪[ ...‬الطبلق‪]ٔ:‬‬
‫أما هذه اْلٌة فتنصب فً صمٌم موضوع البحث‪ ،‬وتتعلق بالعدة إجماالً وبموضوع‬
‫احصاء العدة والذي مهدنا له فٌما سبق‪.‬‬
‫ٌِض مِن ِّن َسا ِب ُك ْم إِ ِن ارْ َت ْب ُت ْم َف ِع َّد ُتهُنَّ َث َبل َث ُة أَ ْشه ٍُر َو َّ‬
‫ٖ‪َ .‬و َّ‬
‫البلبًِ لَ ْم‬
‫البلبًِ ٌَبِسْ َن م َِن ْال َمح ِ‬
‫ٌَحِضْ َن َوأ ُ َ‬
‫وال ُ‬
‫َّللا ٌَجْ َعل لَّ ُه مِنْ أَم ِْر ِه‬
‫ال أَ َجلُهُنَّ أَن ٌَ َ‬
‫ت ْاألَحْ َم ِ‬
‫ضعْ َن َح ْملَهُنَّ َو َمن ٌَ َّت ِق َّ َ‬
‫ٌُسْ رً ا‪[ .‬الطبلق‪]ٗ:‬‬

‫‪26‬‬

‫إعاقة ترويج اخلدعة ببيان عدة التزويج وعدة الرجعة‬
‫بيـــان العــدة‬

‫وهذه اْلٌة تبٌن عدة الٌابسة والصؽٌرة التً لم تحض‪ ،‬عدتهن ثبلثة أشهر‪ .‬وإنه‬
‫ولبن كان موضوع البحث ٌقتصر على عدة ذوات األقراء‪ّ ،‬إال أن عبلقة ذوات‬
‫األقراء بالٌابسات والصؽٌرات ٌرتبط بالفترة الزمنٌة‪ ،‬أال وهً الثبلثة أشهر‪.‬‬
‫ات ٌَ َت َربَّصْ َن ِبؤَنفُسِ ِهنَّ َث َبل َث َة قُرُو ٍء َو َال ٌَ ِح ُّل لَهُنَّ أَن ٌَ ْك ُتمْ َن َما َخلَ َق َّ‬
‫ٗ‪َ .‬و ْال ُم َطلَّ َق ُ‬
‫َّللا ُ فًِ‬
‫ك إِنْ أَ َرا ُدوا‬
‫أَرْ َحام ِِهنَّ إِن ُكنَّ ٌ ُْإمِنَّ ِب َّ ِ‬
‫اَّلل َو ْال ٌَ ْو ِم ْاْلخ ِِر َو ُبعُو َل ُتهُنَّ أَ َح ُّق ِب َر ِّدهِنَّ فًِ َذلِ َ‬
‫ال َعلٌَ ِْهنَّ َد َر َج ٌة َو َّ‬
‫َّللا ُ َع ِزٌ ٌز َحكٌِ ٌم‪.‬‬
‫إِصْ َبلحً ا َولَهُنَّ م ِْث ُل الَّذِي َعلٌَ ِْهنَّ ِب ْال َمعْ رُوؾِ َولِلرِّ َج ِ‬
‫[البقرة‪]ٕٕ2:‬‬
‫وهذه هً اْلٌة التً وصفها القاضً ابن العربً بؤنها أشكل آٌات َّللا فً األحكام‪،‬‬
‫وقد اخ ُتلِؾ فٌها رؼم أنها وضعت لتبٌن حداً من حدود َّللا‪ .‬وبٌد أن حكم العدة فً‬
‫هذه اْلٌة ٌؤتً تفرعا ً من حكم الطبلق‪ ،‬فهو حكم تبعً لحكم آخر‪ .‬وحٌث أن الحكم‬
‫فً العدة ٌتوقؾ تنفٌذه على حكم آخر‪ ،‬وهو حكم القرء فً اإلسبلم‪ .‬وعند تحلٌل‬
‫القرء ٌتضح لنا أنه أٌضا ً ٌُولد أحكاما ً أخرى‪ ،‬وهً التً سنستقر عندها‪.‬‬
‫ولبٌان ما سبق نطرح المخطط التالً لبٌان تشعبات األحكام التً تتعلق بعدة المطلقة‬
‫ذات األقراء‪:‬‬
‫رجعً‬
‫ذات قرء‬
‫طهر‬
‫حٌض‬

‫الطبلق‬

‫بابن‬

‫ؼٌر ذات قرء‬

‫العدة‬
‫القرء‬

‫انتقال‬
‫زمان‬
‫فالمبلحظ من المخطط ٌتسلسل وٌتشعب إلى ما ٌلً‪:‬‬
‫‪‬‬
‫‪‬‬
‫‪‬‬
‫‪‬‬

‫وقوع الطبلق بؤنواعه وأحكامه المتنوعة‪.‬‬
‫بدء أحكام العدة‪ ،‬وهً أٌضا ً أحكام متنوعة‪.‬‬
‫اختبلؾ أحكام العدة بالنسبة لذات األقراء والٌابسة والصؽٌرة وؼٌرهن‪.‬‬
‫إذا كان الحكم ٌخص ذات األقراء‪ ،‬فٌستوجب بٌان القرء وهو عدة أحكام‪.‬‬

‫‪27‬‬

‫إعاقة ترويج اخلدعة ببيان عدة التزويج وعدة الرجعة‬
‫بيـــان العــدة‬

‫فإذا ما اخذنا باالعتبار أن القرء هو العدة‪ ،‬فهل تكون العدة مٌقات لزمان‪ ،‬أم وحدة‬
‫انتقالٌة تتكون من دخول المرأة فً الحٌض وخروجها إلى الطهر؟ أم دخولها من‬
‫الطهر إلى الحٌض؟ أم إن القرء هو الطهر؟ أو ربما ٌكون القرء هو الحٌض؟‬
‫ال شك أن العلماء قد اختلفوا فً هذه المسؤلة‪ ،‬وال شك أن استعراض الخبلؾ ذا‬
‫طابع فقهً ٌتعدى المتطلب القانونً لهذا البحث‪ .‬وإنه ولبن كان القاء النظر على‬
‫الخبلؾ مفٌد لؤلكادٌمٌٌن ّإال أننا لن نصل به إلى األحكام المطلوبة وهً ما ٌهدؾ‬
‫البحث إلى الوصول إلٌه‪ ،‬وعلى هذا نبدأ بطرح موجز لهذه المسؤلة‪ ،‬ألن فً الدخول‬
‫فً هذه المسؤلة ؼٌر مج ٍد إذا ما وزن الخبلؾ بمنظور قضابً أو تشرٌعً ألن‬
‫األصل عند استقاء الحكم أن المطلقة – إذا أرادت الزواج من ؼٌر الذي طلقها‬
‫(وهذا هو محور البحث) – ال تسؤل إن كان وقع الطبلق فً أول الطهر أو آخره‪،‬‬
‫ومع ذلك نبٌن المسؤلة للفابدة‪.‬‬
‫وقد بٌّن ابن رشد الجد موقؾ الفقه المالكً جملة من هذه المسؤلة‪ ،‬أمّا ابن رشد‬
‫الحفٌد فقد أسهب فٌها وبٌّن الدلٌل على اتخاذ الفقه المالكً لهذا المنحى مبٌنا ً األدلة‬
‫والحجج وأوجه الخبلؾ‪.‬‬
‫أما ّ اإلمام القرطبً رحمه َّللا فقد تحفظ من هذه المسؤلة وأشار إلى أن القرء هو فترة‬
‫انتقالٌة متقٌداً بعامل الزمن‪ ،‬ومحاوالً بؤال ٌخرج عن ما رسمه القاضً ابن العربً‬
‫فً هذا الشؤن‪ .‬فإن البٌّن أن القرطبً قد تؤثر تؤثراً شدٌداً فً أحكام القاضً ابن‬
‫العربً فً عدة مسابل من ضمنها مسؤلة العدة‪ ،‬إذ اقتبس منه ك ّما ً هاببلً منه إما دون‬
‫أن ٌذكر أو باالقتباس المباشر والصرٌح والمتعدد‪.‬‬
‫أمّا القاضً أبو بكر بن العربً‪ ،‬فقد حسم الموضوع حسما ً انتشر بٌن فقهاء المالكٌة‬
‫وقضاتهم وأصبح حكمه هو المعمول به‪ ،‬إذ فصل بٌن مسؤلة القرء أٌا ً كانت وبٌن ما‬
‫تهدؾ إلٌه مسؤلة القرء‪ :‬وهو تزوٌج المطلقة لؽٌر الذي طلقها‪ ،‬فبذلك فإن تقٌد اإلمام‬
‫الق رطبً بعامل الزمن عند بٌان القرء‪ ،‬فإن القاضً ابن العربً قد تحرر من‬
‫الخوض فً مسؤلة خبلفٌة والتزم التزاما ً محضا ً بعامل الزمان خاصة عند تزوٌج‬
‫المطلقة بزوج آخر ؼٌر الذي طلقها‪.‬‬

‫‪22‬‬

‫إعاقة ترويج اخلدعة ببيان عدة التزويج وعدة الرجعة‬
‫بيـــان العــدة‬

‫[ٔ‪ ].ٔ.ٙ.ٕ.‬القرء هو الطهر‬
‫فً هذا الموطن‪ٌ ،‬قول ابن رشد الجد (جد الحفٌد)[ٔ] فً المقدمات الممهدات أن‬
‫األقراء هً األطهار على مذهب أهل الحجاز وأن ذلك مذهب اإلمام مالك وأصحابه‬
‫[ٕ]‬
‫دون أي خبلؾ‪ ،‬فً حٌن ذهب أهل العراق إلى اعتبار الحٌض هو القرء‪.‬‬
‫ثم ٌؤتً ابن رشد الحفٌد وٌفصل فً هذا القول موضحا ً‪:‬‬
‫"واختلفوا من هذه اْلٌة فً األقراء ما هً؟ فقال قوم‪ :‬هً األطهار‪ :‬أعنً األزمنة‬
‫[ٖ]‬
‫التً بٌن ال ّد ّمٌن‪ :‬وقال قوم‪ :‬هً الدم نفسه‪ ،‬وممن قال إن األقراء هً األطهار‪".‬‬
‫وبعد أن بٌّن من قال ان القرء هو الحٌض‪ ،‬استطرد شارحاً‪:‬‬
‫"فالذٌن قالوا إنها األطهار قالوا‪ :‬إن هذا الجمع خاص بالقرء الذي هو الطهر‪ ،‬وذلك‬
‫أن القرء الذي هو الحٌض ٌجمع على أقراء ال على قروء‪ ،‬وحكوا ذلك عن ابن‬
‫األنباري‪ ،‬وأٌضا فإنهم قالوا‪ :‬إن الحٌضة مإنثة والطهر مذكر‪ ،‬فلو كان القرء الذي‬
‫ٌراد به الحٌض لما ثبت فً جمعه الهاء‪ ،‬ألن الهاء ال تثبت فً جمع المإنث فٌما‬
‫دون العشرة‪ ،‬وقالوا أٌضا‪ :‬إن االشتقاق ٌدل على ذلك‪ ،‬ألن القرء مشتق من قرأت‬
‫الماء فً الحوض‪ :‬أي جمعته‪ ،‬فزمان اجتماع الدم هو زمان الطهر‪ ،‬فهذا هو أقوى‬
‫[ٗ]‬
‫ما تمسك به الفرٌق األول من ظاهر اْلٌة‪".‬‬
‫وعلى ما سبق لزم توفٌر الدلٌل على هذا الرأي والذي بٌنه ابن رشد الحفٌد كما ٌلً‪:‬‬
‫"فمن أقوى ما تمسك به من رأى أن األقراء هً األطهار حدٌث ابن عمر المتقدم‪،‬‬
‫وقوله صلى َّللا علٌه وسلم {مره فلٌراجعها حتى تحٌض ثم تطهر ثم تحٌض ثم‬
‫تطهر‪ ،‬ثم ٌطلقها إن شاء قبل أن ٌمسها‪ ،‬فتلك العدة التً أمر َّللا أن ٌطلق لها‬
‫النساء} قالوا‪ :‬وإجماعهم على أن طبلق السنة ال ٌكون إال فً طهر لم تمس فٌه‪،‬‬
‫‪1‬‬

‫‪ .‬لك ‪٠‬ؽران اٌثؼض ف‪٘ ٟ‬ما ا‪ِ٤‬ه‪ ،‬فىال اٌعك ‪ٚ‬اٌؽف‪١‬ك ‪٠‬ىٕ‪ ٝ‬تاتٓ نشك‪ٚ ،‬والّ٘ا ‪٠‬ىٕ‪ ٝ‬تأت‪ ٟ‬اٌ‪١ٌٛ‬ك‪،‬‬
‫‪ٚ‬والّ٘ا ‪٠‬ىٕ‪ ٝ‬تاٌماض‪ .ٟ‬أ ِّا اٌؽف‪١‬ك (‪ )595 – 520‬ف‪ ٛٙ‬اٌم‪ٔ ٞ‬اي تؼضاً ِٓ إٌمك ٔظهاً الٔفهاطٗ ف‪ٟ‬‬
‫اٌفٍٍفح ‪ٚ‬لك ذؽاًِ ػٍ‪ ٗ١‬اٌثؼض‪ ٛ٘ٚ ،‬اٌم‪ ٞ‬ػاصه ق‪ٌٚ‬ح اٌّ‪ٛ‬ؼك‪ٚ ٓ٠‬ػًّ لاض‪١‬اً ف‪ٙ١‬ا‪ .‬أ ِّا اٌعك (‪– 450‬‬
‫‪٘ 520‬ـ) ف‪ ٛٙ‬لاض‪ ٟ‬اٌعّاػح ف‪ ٟ‬لهطثح ‪ٚ‬صاؼة وراب اٌث‪١‬اْ ‪ٚ‬اٌرؽص‪ٚ ً١‬اٌّمكِاخ اٌّّ‪ٙ‬كاخ ‪ٚ‬إٌ‪ٛ‬اوي‪...‬‬
‫‪2‬‬
‫‪ .‬اٌّمكِاخ اٌّّ‪ٙ‬كاخ‪ ،‬التٓ نشك اٌعك‪ ،‬اٌّعٍك ا‪ٚ٤‬ي‪ ،‬صفؽح ‪.273‬‬
‫‪3‬‬
‫‪ .‬تكا‪٠‬ح اٌّعر‪ٙ‬ك ‪ٙٔٚ‬ا‪٠‬ح اٌّمرصك‪ٌٍ ،‬ماض‪ ٟ‬اتٓ نشك اٌؽف‪١‬ك‪ ،‬اٌّعٍك اٌصأ‪ ،ٟ‬تاب اٌؼكج‪ ،‬صفؽح ‪.27-26‬‬
‫‪4‬‬
‫‪ٔ .‬فً اٌّصكن‪.‬‬

‫‪29‬‬

‫إعاقة ترويج اخلدعة ببيان عدة التزويج وعدة الرجعة‬
‫بيـــان العــدة‬

‫وقوله علٌه الصبلة والسبلم {فتلك العدة التً أمر َّللا أن ٌطلق لها النساء} دلٌل‬
‫واضح على أن العدة هً األطهار لكً ٌكون الطبلق متصبل بالعدة‪ .‬وٌمكن أن‬
‫ٌتؤول قوله {فتلك العدة} أي فتلك مدة استقبال العدة لببل ٌتبعض القرء بالطبلق فً‬
‫الحٌض‪".‬‬

‫[ٔ]‬

‫وبهذا احتج من قال أن القرء هو الطهر‪:‬‬
‫واحتج من قال األقراء هً األطهار بؤن المعتبر فً براءة الرحم هو النقلة من‬
‫الطهر إلى الحٌض ال انقضاء الحٌض‪ ،‬فبل معنى العتبار الحٌضة األخٌرة‪ ،‬وإذا‬
‫كان ذلك فالثبلث المعتبر فٌهن التمام‪ :‬أعنً المشترط هً األطهار التً بٌن‬
‫[ٕ]‬
‫الحٌضتٌن‪ ،‬ولكبل الفرٌقٌن احتجاجات طوٌلة‪.‬‬
‫وبٌّن ابن رشد أن موقؾ من قال بؤن القرء هو األطهار أقرب لبلستقرار وٌدعم ذلك‬
‫أن الخبلؾ فً األطهر ٌنعدم عند هذا الفرٌق‪ ،‬وأما من قالوا أن القرء هو الحٌض‬
‫فقد انتشر الخبلؾ بٌنهم ونطرح موجز ما ذكره ابن رشد من تلك الخبلفات‪:‬‬
‫ولم ٌختلؾ القابلون أن العدة هً األطهار أنها تنقضً بدخولها فً الحٌضة الثالثة‪.‬‬
‫واختلؾ الذٌن قالوا إنها الحٌض‪ ،‬فقٌل تنقضً بانقطاع الدم من الحٌضة الثالثة‪ ،‬وبه‬
‫قال األوزاعً؛ وقٌل حٌن تؽتسل من الحٌضة الثالثة‪ ،‬وبه قال من الصحابة عمر بن‬
‫الخطاب وعلً وابن مسعود‪ ،‬ومن الفقهاء الثوري وإسحاق ابن عبٌد؛ وقٌل حتى‬
‫ٌمضً وقت الصبلة التً طهرت فً وقتها؛ وقٌل إن للزوج علٌها الرجعة وإن‬
‫فرطت فً الؽسل عشرٌن سنة‪ ،‬حكى هذا عن شرٌك وقد قٌل تنقضً بدخولها فً‬
‫[ٖ]‬
‫الحٌضة الثالثة‪ ،‬وهو أٌضا شاذ‪ ،‬فهذه هً حال الحابض التً تحٌض‪....‬‬
‫وبذلك بٌّن ابن رشد موقؾ من قال أن القرء هو الطهر‪ ،‬ونستعرض ما أورده فٌمن‬
‫قال أن القرء هو الحٌض فٌما ٌتبع‪.‬‬

‫‪1‬‬

‫‪ٔ .‬فً اٌّصكن اٌٍاتك‪.‬‬
‫‪2‬‬
‫‪ٔ .‬فً اٌّصكن اٌٍاتك‪.‬‬
‫‪3‬‬
‫‪ٔ .‬فً اٌّصكن‪.‬‬

‫‪30‬‬

‫إعاقة ترويج اخلدعة ببيان عدة التزويج وعدة الرجعة‬
‫بيـــان العــدة‬

‫[ٕ‪ ].ٔ.ٙ.ٕ.‬القرء هو الحٌض‬
‫ومن العلماء وؼالبٌة الصحابة من قال أن القرء هو الحٌض‪ .‬والحٌض له مرادفات‬
‫قد اختلط مفهومها ً‬
‫لؽة مع ما كان شابعاً‪ ،‬ومثال ذلك ما أورده القاضً ابن العربً‪:‬‬
‫اض ٌَحٌِضُ إ َذا َسا َل َح ٌْ ً‬
‫ضا‪َ ،‬تقُو ُل ْال َع َربُ ‪:‬‬
‫ٌِض‪َ :‬وه َُو َم ْف َع ُل‪ ،‬مِنْ َح َ‬
‫ٌر ْال َمح ِ‬
‫فًِ َت ْفسِ ِ‬
‫تر ُ‬
‫ت ال َّش َج َرةُ َوال َّسم َُرةُ‪ :‬إ َذا َسالَ ْ‬
‫ض ْ‬
‫اض ال َّس ٌْ ُل إ َذا َسا َل‪َ .‬قا َل ال َّشاعِ رُ‪:‬‬
‫ُطو َب ُت َها‪َ ،‬و َح َ‬
‫َحا َ‬
‫ُول َّ‬
‫َّ‬
‫ض ْ‬
‫أَ َجالَ ْ‬
‫ض ُ‬
‫الط َواح ِِم‬
‫ت َعلٌَ ِْهنَّ َح ٌْ َ‬
‫اري َو َح ٌَّ َ‬
‫ت َح َ‬
‫ات ال ُّسٌ ِ‬
‫صاهُنَّ الذ َو ِ‬
‫ارةٌ َعنْ ال َّد ِم الَّ ِذي ٌُرْ خٌِ ِه الرَّ ِح ُم َف ٌَفٌِضُ ‪َ ،‬ولَ َها َث َما ِن ٌَ ُة أَسْ َما ٍء‪:‬‬
‫َوه َُو عِ َب َ‬
‫ْاألَ َّولُ‪َ :‬حا ِبضٌ ‪.‬‬
‫َّ‬
‫ار ٌ‬
‫ك‪.‬‬
‫الثانًِ‪َ :‬ع ِ‬
‫َّ‬
‫الثال ُ‬
‫ار ٌ‬
‫ك‪.‬‬
‫ِث‪َ :‬ف ِ‬
‫الرَّ ِابعُ‪َ :‬طا ِمسٌ ‪.‬‬
‫ارسٌ ‪.‬‬
‫ْال َخامِسُ ‪َ :‬د ِ‬
‫السَّادِسُ ‪َ :‬ك ِاب ٌر‪.‬‬
‫ضا ِحكٌ‪.‬‬
‫َّابعُ‪َ :‬‬
‫الس ِ‬
‫َّ‬
‫الثامِنُ ‪َ :‬طام ٌ‬
‫ِث‪.‬‬
‫[ٔ]‬
‫ض ْ‬
‫ض ِح َك ْ‬
‫ت‪َ .‬و َقا َل ال َّشاعِ ُر‪َ { :‬و ٌَ ْه ُج ُر َها‬
‫ت} ٌَعْ ِنً َحا َ‬
‫َقا َل م َُجا ِه ٌد فًِ َق ْوله َت َعالَى‪َ { :‬ف َ‬
‫َ‬
‫ضا ِح ٌ‬
‫ٌر‪َ { :‬فلَمَّا َرأَ ٌْ َن ُه أَ ْك َبرْ َنهُ}[ٕ] ٌَعْ نًِ ِحضْ َن‪،‬‬
‫ًِ َ‬
‫ٌَ ْومًا إ َذا ه َ‬
‫ك} َو َقا َل أهْ ُل ال َّت ْفسِ ِ‬
‫[ٖ]‬
‫َوأَ ْن َش ُدوا فًِ َذلِ َ ْ‬
‫َ ْ‬
‫ارهِنَّ َو َال ٌَؤْتًِ ال ِّن َسا َء إ َذا أَ ْك َبرْ َن إ ْك َبارً ا}‪.‬‬
‫ك‪ٌَ { :‬ؤتًِ ال ِّن َسا َء َعلَى أط َه ِ‬

‫وقد بٌّن ابن رشد أن مإٌدي هذا الرأي هم من أكابر الصحابة والعلماء‪:‬‬
‫"وممن قال إن األقراء هً الحٌض أما من فقهاء األمصار فؤبو حنٌفة والثوري‬
‫واألوزاعً وابن أبً لٌلى وجماعة‪ ،‬وأما من الصحابة فعلً وعمر بن الخطاب‬
‫‪1‬‬

‫‪ٌٛ .‬نج ٘‪ٛ‬ق‪71:‬‬
‫‪2‬‬
‫‪ٌٛ .‬نج ‪ٌٛ٠‬ف‪31:‬‬
‫‪3‬‬
‫‪ .‬أؼىاَ اٌمهآْ‪٤ ،‬ت‪ ٟ‬تىه تٓ اٌؼهت‪ ،ٟ‬ذفٍ‪١‬ه ا‪٠٢‬ح ‪ٌٛ ِٓ 222‬نج اٌثمهج‪ ،‬صفؽح ‪.123‬‬

‫‪31‬‬

‫إعاقة ترويج اخلدعة ببيان عدة التزويج وعدة الرجعة‬
‫بيـــان العــدة‬

‫وابن مسعود وأبو موسى األشعري‪ .‬وحكى األثرم عن أحمد أنه قال‪ :‬األكابر من‬
‫أصحاب رسول َّللا صلى َّللا علٌه وسلم ٌقولون‪ :‬األقراء هً الحٌض‪ .‬وحكى أٌضا‬
‫عن الشعبً أنه قول أحد عشر أو اثنً عشر من أصحاب رسول َّللا صلى َّللا علٌه‬
‫وسلم‪ .‬وأما أحمد بن حنبل فاختلفت الرواٌة عنه‪ ،‬فروي عنه أنه كان ٌقول‪ :‬إنها‬
‫األطهار على قول زٌد بن ثابت وابن عمر وعابشة‪ ،‬ثم توقفت اْلن من أجل قول‬
‫[ٔ]‬
‫ابن مسعود وعلً هو أنها الحٌض‪".‬‬
‫وزاد القرطبً‪َ "[ :‬و ْ‬
‫ًِ ْال َحٌْض‪َ ،‬وه َُو‬
‫ؾ ْال ُعلَ َماء فًِ ْاألَ ْق َراء‪َ ،‬ف َقا َل أَهْ ل ْال ُكو َفة‪ :‬ه َ‬
‫اخ َتلَ َ‬
‫َق ْول ُع َمر َو َعلًِّ َوابْن َمسْ عُود َوأَ ِبً مُو َسى َوم َُجاهِد َو َق َتا َدة َوالضَّحَّ اك َوعِ ْك ِر َمة‬
‫َوال ُّس ِّديّ ‪ – ".‬تفسٌر القرطبً لآلٌة ‪ ٕٕ2‬من سورة البقرة]‬
‫وقبل االستكمال ال بد من اإلشارة إلى مبلحظتٌن‪:‬‬
‫األولــى‪ :‬إن سلسلة الصحابة التً ذكرها ابن رشد تضمن علٌا ً وعمرا‪ ،‬وهإالء‬
‫عاد ًة ما ٌمثبلن فرٌقا ً صؽٌراً كثٌراً ما ٌتفق بالرأي‪ ،‬وهما أشبه بالقاضً أبو بكر بن‬
‫العربً واإلمام القرطبً‪ ،‬وإنه ولبن لم ٌلتقٌا ّإال أن من خبلل بحثً وجدت القرطبً‬
‫كثٌراً ما ٌبلزم وٌستشهد بما أورده ابن العربً‪.‬‬
‫الثـانيـة ‪ :‬أن االختبلؾ فً مسؤلة القرء وما إن كان هو الحٌض أم الطهر ٌعكس‬
‫مدى المرونة الفكرٌة فً اإلسبلم‪ ،‬فإن كان الخلٌفة عمر قد رأى القرء على أنه‬
‫الحٌض‪ ،‬فإن ابن عمر رآه على أنه الطهر كما فً الرواٌة التً تبناها اإلمام أحمد‬
‫بن حنبل‪ ،‬فإن البٌّن أن اْلراء قد اختلفت فً عهد الصحابة‪ ،‬ال بٌن البلحقٌن علٌهم‬
‫على وجه القصر‪.‬‬
‫وبٌن ابن رشد الفرق بٌن الفرٌقٌن شارحاً‪:‬‬
‫" والفرق بٌن المذهبٌن هو أن من رأى أنها األطهار رأى أنها إذا دخلت الرجعٌة‬
‫عنده فً الحٌضة الثالثة لم ٌكن للزوج علٌها رجعة وحلت لؤلزواج‪ ،‬ومن رأى أنها‬
‫[ٕ]‬
‫الحٌض لم تحل عنده حتى تنقضً الحٌضة الثالثة‪".‬‬

‫‪1‬‬

‫‪ .‬تكا‪٠‬ح اٌّعر‪ٙ‬ك ‪ٙٔٚ‬ا‪٠‬ح اٌّمرصك‪ٌٍ ،‬ماض‪ ٟ‬اتٓ نشك اٌؽف‪١‬ك‪ ،‬اٌّعٍك اٌصأ‪ ،ٟ‬تاب اٌؼكج‪ ،‬صفؽح ‪.27-26‬‬
‫‪2‬‬
‫‪ٔ .‬فً اٌّصكن‪.‬‬

‫‪32‬‬

‫إعاقة ترويج اخلدعة ببيان عدة التزويج وعدة الرجعة‬
‫بيـــان العــدة‬

‫أما سبب الخبلؾ فمرجعه إلى استخدام العرب لكلمة القرء‪ ،‬وفً هذا الصدد ٌبٌن‬
‫القرطبً كٌؾ ٌزن العرب هذا اللفظ‪:‬‬
‫" َق َرأَ ُج ْمهُور ال َّناس {قُرُوء} َعلَى َو ْزن فُعُول‪َّ ،‬‬
‫البلم َهم َْزة‪َ .‬وٌُرْ َوى َعنْ َنافِع {قُرُوٍّ }‬
‫ِب َكسْ ِر ْال َواو َو َش ّد َها مِنْ َؼٌْر َهمْز‪َ .‬و َق َرأَ ْال َح َسن { َقرْ ء} ِب َف ْت ِح ْال َقاؾ َو ُس ُكون الرَّ اء‬
‫ض ِّم ْال َقاؾ‪َ ،‬قالَ ُه ْاألَصْ َمعًِّ ‪َ .‬و َقا َل‬
‫َوال َّت ْن ِوٌن‪َ .‬وقُرُوء َجمْع أَ ْقرُإ َوأَ ْق َراء‪َ ،‬و ْال َواحِد قُرْ ٌء ِب َ‬
‫ض ْ‬
‫أَبُو َزٌْد‪{ :‬قُرْ ء} ِب َف ْت ِح ْال َقاؾ‪َ ،‬وك َِبل ُه َما َقا َل‪ :‬أَ ْق َرأَ ْ‬
‫ت‪َ ،‬ف ِه ًَ ُم ْق ِرئ‪.‬‬
‫ت ْال َمرْ أَة إِ َذا َحا َ‬
‫ار ْ‬
‫ت‪َ .‬و َقا َل ْاألَ ْخ َفش‪ :‬أَ ْق َرأَ ْ‬
‫ت َطه َُر ْ‬
‫َوأَ ْق َرأَ ْ‬
‫صا ِح َبة َحٌْض‪َ ،‬فإِ َذا‬
‫ت َ‬
‫ص َ‬
‫ت ْال َمرْ أَة إِ َذا َ‬
‫ت‪ِ ،‬ب َبل أَلِؾ‪َ ٌُ .‬قال‪ :‬أَ ْق َرأَ ْ‬
‫ت قُ ْلت‪َ :‬ق َرأَ ْ‬
‫ض ْ‬
‫ْن‪َ .‬و ْالقُرْ ء‪:‬‬
‫ضة أَ ْو َح ٌْ َ‬
‫ت ْال َمرْ أَة َح ٌْ َ‬
‫َحا َ‬
‫ض َتٌ ِ‬
‫اجتك‪َ :‬د َن ْ‬
‫ْن َوأَ ْق َرأَ ْ‬
‫ت‪َ ،‬عنْ‬
‫ت َح َ‬
‫ِا ْن ِق َطاع ْال َحٌْض‪َ .‬و َقا َل َبعْ ضه ْم‪َ :‬ما َبٌْن ْال َح ٌْ َ‬
‫ض َتٌ ِ‬
‫ْال َج ْو َه ِريّ ‪َ .‬و َقا َل أَبُو َعمْرو بْن ْال َع َبلء‪ :‬مِنْ ْال َع َرب َمنْ ٌُ َسمًِّ ْال َحٌْض قُرْ ءًا‪َ ،‬و ِم ْن ُه ْم‬
‫الطهْر قُرْ ءًا‪َ ،‬و ِم ْن ُه ْم َمنْ ٌَجْ َمع ُه َما َجمٌِ ًعا‪َ ،‬ف ٌُ َسمًِّ ُّ‬
‫َمنْ ٌُ َسمًِّ ُّ‬
‫الطهْر َم َع ْال َحٌْض قُرْ ءًا‪،‬‬
‫[ٔ]‬
‫َذ َك َرهُ ال َّنحَّ اس‪".‬‬
‫فكون أن القرء ٌطلق على الحٌض‪ ،‬والطهر‪ ،‬والطهر والحٌض معاً‪ ،‬فإن ذلك هو‬
‫سبب الخبلؾ الذي ثار منذ عهد الصحابة فً هذا الشؤن‪ .‬وإثر ذلك بٌن ابن رشد‬
‫سبب الخبلؾ مثنٌا ً على المعلومات التً بٌنها القرطبً‪:‬‬
‫"وسبب الخبلؾ اشتراك اسم القرء‪ ،‬فإنه ٌقال فً كبلم العرب على حد سواء على‬
‫الدم وعلى األطهار‪ ،‬وقد رام كبل الفرٌقٌن أن ٌدل على أن اسم القرء فً اْلٌة ظاهر‬
‫[ٕ]‬
‫فً المعنى الذي ٌراه‪".‬‬
‫وكما بٌّن ابن رشد الحفٌد سند فرٌق األطهار‪ ،‬بٌّن كذلك ما سند به فرٌق الحٌض‬
‫مبٌناً‪:‬‬
‫" وأما ما تمسك به الفرٌق الثانً من ظاهر اْلٌة فإنهم قالوا‪ :‬إن قوله تعالى {ثبلثة‬
‫قروء} ظاهر فً تمام كل قرء منها‪ ،‬ألنه لٌس ٌنطلق اسم القرء على بعضه إال‬
‫تجوزا‪ ،‬وإذا وصفت األقراء بؤنها هً األطهار أمكن أن تكون العدة عندهم بقرءٌن‬
‫وبعض قرء‪ ،‬ألنها عندهم تعتد بالطهر الذي تطلق فٌه وإن مضى أكثره وإذا كان‬
‫ذلك كذلك فبل ٌنطلق علٌها اسم الثبلثة إال تجوزا‪ ،‬واسم الثبلثة ظاهر فً كمال كل‬
‫‪1‬‬

‫‪ .‬اٌعاِغ ‪٤‬ؼىاَ اٌمهطث‪ ،ٟ‬ذفٍ‪١‬ه ا‪٠٢‬ح ‪ٌٛ ِٓ 222‬نج اٌثمهج‪.‬‬
‫‪2‬‬
‫‪ .‬تكا‪٠‬ح اٌّعر‪ٙ‬ك ‪ٙٔٚ‬ا‪٠‬ح اٌّمرصك‪ٌٍ ،‬ماض‪ ٟ‬اتٓ نشك اٌؽف‪١‬ك‪ ،‬اٌّعٍك اٌصأ‪ ،ٟ‬تاب اٌؼكج‪ ،‬صفؽح ‪.27-26‬‬

‫‪33‬‬

‫إعاقة ترويج اخلدعة ببيان عدة التزويج وعدة الرجعة‬
‫بيـــان العــدة‬

‫قرء منها‪ ،‬وذلك ال ٌتفق إال بؤن تكون األقراء هً الحٌض ألن اإلجماع منعقد على‬
‫[ٔ]‬
‫أنها إن طلقت فً حٌضة أنها ال تعتد بها‪".‬‬
‫وأقوى رأي تمسك به هذا الفرٌق هو قولهم أن براءة الرحم إنما ٌستدل بها بالحٌض‪:‬‬
‫" وأقوى ما تمسك به الفرٌق الثانً أن العدة إنما شرعت لبراءة الرحم‪ ،‬وبراءتها إنما‬
‫تكون بالحٌض ال باألطهار‪ ،‬ولذلك كان عدة من ارتفع الحٌض عنها باألٌام‪،‬‬
‫[ٕ]‬
‫والحٌض هو سبب العدة باألقراء‪ ،‬فوجب أن تكون األقراء هً الحٌض"‬
‫[ٖ‪ ].ٔ.ٙ.ٕ.‬القرء هو فترة انتقال‬
‫أما من قال أن القرء هو فترة انتقال من بٌن المالكٌة هو اإلمام القرطبً والذي‬
‫ساوى بٌن قول الشافعً فً هذا الصدد مع مجمل قول ابن العربً فً العدة‪ .‬فكان‬
‫البٌّن تؤثر اإلمام القرطبً برأي ابن العربً‪ ،‬فؤقدم على طرح الرأي بتمهٌد مطول‬
‫مستنداً على تحلٌل لؽوي مطول‪.‬‬
‫ذلك أن ابن العربً رأى أن القرء إنما ٌشٌر إلى زمان‪ ،‬وإن هذا الزمان هو القٌصل‬
‫فً األحكام‪ .‬ولزم لتحقق الحكم مراعاة أمر ٌتحقق خبلل هذا الزمان المرتقب‪،‬‬
‫وعلى ذلك رجح القرطبً قول الشافعً مع تصحٌحه لٌتساوى الرأي بٌن ما طرحه‬
‫ابن العربً ورأي الشافعً‪ ،‬وظهر ذلك فً تعلٌق القرطبً على اْلٌة األولى من‬
‫سورة الطبلق‪ ،‬وكما ٌلً‪:‬‬
‫اإل َمام ال َّشا ِفعًِّ ِب َظاه ِِر َق ْوله َت َعالَى‪َ " :‬ف َطلِّقُوهُنَّ لِ ِع َّدت ِِهنَّ " َو َه َذا َعا ّم فًِ ُك ّل‬
‫َو َت َعلَّ َق ْ ِ‬
‫اعى َّ‬
‫َّللا ُسب َْحانه َّ‬
‫الز َمان فًِ َه ِذ ِه ْاْل ٌَة‬
‫ْن أَ ْو أَ ْك َثر‪َ .‬وإِ َّن َما َر َ‬
‫َط َبلق َك َ‬
‫ان َوا ِح َدة أَ ْو ا ِْث َن َتٌ ِ‬
‫صلَّى َّ‬
‫َّللا َعلَ ٌْ ِه َو َسلَّ َم َعلَّ َم ُه ْال َو ْقت‬
‫ك َحدٌِث ِابْن ُع َمر ِألَنَّ ال َّن ِبًّ َ‬
‫َولَ ْم َي ْع َت ِبر ا ْل َع َدد‪َ .‬و َك َذلِ َ‬
‫صحٌِح؛ َفإِ َّن ُه َقا َل‪( :‬مُرْ هُ‬
‫َال ْال َع َدد‪َ .‬قا َل ِابْن ْال َع َر ِبًّ ‪َ :‬و َه ِذ ِه َؼ ْفلَة َعنْ ْال َحدٌِث ال َّ‬
‫[ٖ]‬
‫َف ْلٌ َُرا ِجعْ َها) َو َه َذا ٌَ ْد َفع َّ‬
‫الث َبلث‪.‬‬
‫وإن هذا القول للقرطبً له نقاش مطول أورده فً تعلٌقه على اْلٌة ‪ ٕٕ2‬من سورة‬
‫البقرة‪ ،‬وبعد أن مهد له بالقول الذي مررنا علٌه آنفا ً‪َ [ :‬و َقا َل أَبُو َعمْرو بْن ْال َع َبلء‪ :‬مِنْ‬
‫‪1‬‬

‫‪ٔ .‬فً اٌّصكن اٌٍاتك‪.‬‬
‫‪2‬‬
‫‪ٔ .‬فً اٌّصكن اٌٍاتك‪.‬‬
‫‪3‬‬
‫‪ .‬اٌعاِغ ‪٤‬ؼىاَ اٌمهطث‪ ،ٟ‬ا‪٠٢‬ح ا‪ٌٛ ِٓ ٌٝٚ٤‬نج اٌطالق‪.‬‬

‫‪34‬‬

‫إعاقة ترويج اخلدعة ببيان عدة التزويج وعدة الرجعة‬
‫بيـــان العــدة‬

‫ْال َع َرب َمنْ ٌُ َسمًِّ ْال َحٌْض قُرْ ءًا‪َ ،‬و ِم ْن ُه ْم َمنْ ٌ َُسمًِّ ُّ‬
‫الطهْر قُرْ ءًا‪َ ،‬و ِم ْن ُه ْم َمنْ ٌَجْ َمع ُه َما‬
‫َجمٌِ ًعا‪َ ،‬ف ٌُ َسمًِّ ُّ‬
‫الطهْر َم َع ْال َحٌْض قُرْ ءًا‪َ ،‬ذ َك َرهُ ال َّنحَّ اس‪ – .‬سبق اإلشارة إلٌه]‬
‫وعلى هذا التمهٌد ٌصبح طالب العلم مهٌؤ ً بؤن ٌستقبل ما تبقى من الشرح‪ ،‬وأن وجه‬
‫التسوٌة بٌن حكم ابن العربً ورأي الشافعً الذي سٌقوم به القرطبً ٌظهر فً آخر‬
‫جملة من االقتباس اْلتً وحٌث بٌن أن االتفاق وقع على أن القرء هو الـوقـت –‬
‫وهو حكم ابن العربً وكما سٌتبٌن‪:‬‬
‫طهْر إِلَى َحٌْض أَ ْو مِنْ َحٌْض إِلَى ُ‬
‫َوقٌِ َل ‪ْ :‬القُرْ ء – ْال ُخرُوج إِمَّا مِنْ ُ‬
‫طهْر‪َ ،‬و َعلَى َه َذا‬
‫َقا َل ال َّشا ِفعًِّ فًِ َق ْول ْالقُرْ ء ِاال ْن ِت َقال مِنْ ُّ‬
‫الطهْر إِلَى ْال َحٌْض‪َ ،‬و َال ٌَ َرى ْال ُخرُوج مِنْ‬
‫ْال َحٌْض إِلَى ُّ‬
‫ان ٌَ ْل َزم ِب ُح ْك ِم ِاال ْش ِت َقاق أَنْ ٌَ ُكون قُرْ ءًا‪َ ،‬و ٌَ ُكون َمعْ َنى‬
‫الطهْر قُرْ ءًا‪َ .‬و َك َ‬
‫َق ْوله َت َعالَى‪َ {:‬و ْال ُم َطلَّ َقات ٌَ َت َربَّصْ َن ِبؤ َ ْنفُسِ ِهنَّ َث َبل َثة قُرُوء} – أَيْ َث َبل َثة أَ ْد َوار أَ ْو َث َبل َثة‬
‫ارة َت ْن َتقِل مِنْ ُ‬
‫ارة مِنْ‬
‫طهْر إِلَى َحٌْض‪َ ،‬و َت َ‬
‫ْن َف َق ْط‪َ :‬ف َت َ‬
‫ِا ْن ِت َق َاالت‪َ .‬و ْال ُم َطلَّ َقة ُم َّتصِ َفة ِب َحالَ َتٌ ِ‬
‫َحٌْض إِلَى ُ‬
‫طهْر – َف ٌَسْ َتقٌِم َمعْ َنى ْال َك َبلم‪َ .‬ودَ َاللَته َعلَى ُّ‬
‫الطهْر َو ْال َحٌْض َجمٌِ ًعا‪،‬‬
‫َفٌَصِ ٌر ِاالسْ م ُم ْش َت َر ًكا‪.‬‬
‫ت أَنَّ ْالقُرْ ء ِاال ْن ِت َقال َف ُخ ُروج َها مِنْ ُ‬
‫َو ٌُ َقال‪ :‬إِ َذا َث َب َ‬
‫طهْر إِلَى َحٌْض َؼٌْر م َُراد ِب ْاْل ٌَ ِة‬
‫الط َبلق فًِ ْال َحٌْض َط َبل ًقا ُس ِّن ًٌّا َمؤْمُورً ا ِب ِه‪َ ،‬وه َُو َّ‬
‫ك لَ ْم ٌَ ُكنْ َّ‬
‫الط َبلق ل ِْل ِع َّد ِة‪،‬‬
‫أَصْ ًبل‪َ ،‬ولِ َذلِ َ‬
‫ك ٌَ ُد ّل َعلَى َك ْون ْالقُرْ ء َمؤْ ُخ ً‬
‫ان فًِ ُّ‬
‫َفإِنَّ َّ‬
‫وذا مِنْ ِاال ْن ِت َقال‪.‬‬
‫الطهْر‪َ ،‬و َذلِ َ‬
‫الط َبلق ل ِْل ِع َّد ِة َما َك َ‬
‫الط َبلق فًِ ُّ‬
‫ان َّ‬
‫الطهْر ُس ِّن ًٌّا َف َت ْقدٌِر ْال َك َبلم‪َ :‬ف ِع َّدتهنَّ َث َبل َثة ِا ْن ِت َق َاالت‪َ ،‬فؤ َ َّول َها ِاال ْن ِت َقال‬
‫َفإِ َذا َك َ‬
‫الط َبلق‪َ ،‬واَلَّذِي ه َُو ِاال ْن ِت َقال مِنْ َحٌْض إِلَى ُ‬
‫الطهْر الَّذِي َو َق َع فٌِ ِه َّ‬
‫مِنْ ُّ‬
‫طهْر لَ ْم ٌُجْ َعل‬
‫آخر‪ :‬إِنَّ َّ‬
‫ٌِل َ‬
‫َّللا َت َعالَى لَ ْم ٌ ُِر ْد ِاال ْن ِت َقال‬
‫قُرْ ءًا؛ ِألَنَّ اللُّ َؽة َال َت ُد ّل َعلَ ٌْ ِه‪َ ،‬ولَكِنْ َع َر ْف َنا ِب َدل ٍ‬
‫مِنْ َحٌْض إِلَى ُ‬
‫طهْر‪َ ،‬فإِ َذا َخ َر َج أَ َحده َما َعنْ أَنْ ٌَ ُكون م َُرا ًدا َبق ًَِ ْاْل َخر َوه َُو ِاال ْن ِت َقال‬
‫الطهْر إِلَى ْال َحٌْض م َُرا ًدا‪َ ،‬ف َعلَى َه َذا عِ َّدت َها َث َبل َثة ِا ْن ِت َق َاالت‪ ،‬أَ َّول َها ُّ‬
‫مِنْ ُّ‬
‫الطهْر‪َ ،‬و َعلَى‬
‫الط َبلق فًِ َحالَة ُّ‬
‫ان َّ‬
‫ِك‬
‫الطهْر‪َ ،‬و َال ٌَ ُكون َذل َ‬
‫َه َذا ٌُمْ كِن اِسْ تٌِ َفاء َث َبل َثة أَ ْق َراء َكا ِملَة إِ َذا َك َ‬
‫َحم ًْبل َع َلى ْال َم َجاز ِب َوجْ ٍه َما ‪.‬‬
‫َقا َل ْال ِك ٌَا َّ‬
‫ب ال َّشا ِفعًِّ ‪َ ،‬وٌُمْ كِن أَنْ‬
‫الط َب ِريّ ‪َ :‬و َه َذا َن َظر َدقٌِق فًِ َؼا ٌَة ِاال ِّت َجاه ِل َم ْذ َه ِ‬
‫ك سِ ًّرا َال ٌَ ْبعُد َفهْمه مِنْ َد َقابِق ُح ْكم ال َّشرٌ َعة‪َ ،‬وه َُو أَنَّ ِاال ْن ِت َقال مِنْ ُّ‬
‫الطهْر‬
‫َن ْذ ُكر فًِ َذلِ َ‬
‫ِ‬
‫إِلَى ْال َحٌْض إِ َّن َما ُج ِع َل قُرْ ءًا لِد ََاللَ ِت ِه َعلَى َب َرا َءة الرَّ حِم‪َ ،‬فإِنَّ ْال َحامِل َال َتحٌِض فًِ‬
‫ْال َؽالِب َف ِب َح ٌْضِ َها ُعلِ َم َب َرا َءة َرحِم َها‪َ .‬و ِاال ْن ِت َقال مِنْ َحٌْض إِلَى ُ‬
‫طهْر ِبخ َِبل ِف ِه‪َ ،‬فإِنَّ‬
‫‪35‬‬

‫إعاقة ترويج اخلدعة ببيان عدة التزويج وعدة الرجعة‬
‫بيـــان العــدة‬

‫ي ْال َولَد‬
‫ْال َحابِض ٌَجُوز أَنْ َتحْ َبل فًِ أَعْ َقاب َحٌْض َها‪َ ،‬وإِ َذا َت َمادَى أَ َمد ْال َحمْ ل َو َق ِو َ‬
‫ك َت ْم َتدِح ْال َع َرب ِب َحم ِْل ِن َساب ِِه ْم فًِ َحالَة ُّ‬
‫الطهْر‪َ .‬و َق ْد َمدَ َح ْ‬
‫ت َعا ِب َشة‬
‫ِا ْن َق َط َع َدم َها‪َ ،‬و ِل َذ ِل َ‬
‫صلَّى َّ‬
‫َرسُول َّ‬
‫ضة َو َف َساد‬
‫َّللا َعلَ ٌْ ِه َو َسلَّ َم ِب َق ْو ِل ال َّشاعِر ‪َ :‬و ُم َبرَّ إٍ مِنْ ُك ّل ُؼبَّر َح ٌْ َ‬
‫َّللا َ‬
‫مُرْ ضِ َعة َو َداء م ُْؽ ٌَل ٌَعْ نًِ أَنَّ أُمّه لَ ْم َتحْ مِل ِب ِه فًِ َب ِقٌَّة َحٌْض َها ‪َ .‬ف َه َذا َما ل ِْل ُعلَ َما ِء َوأَهْ ل‬
‫ت‪َ .‬و َق َرأَ ْ‬
‫ت أَ ْو َطه َُر ْ‬
‫ض ْ‬
‫اللِّ َسان فًِ َتؤْ ِوٌل ْالقُرْ ء‪َ .‬و َقالُوا‪َ :‬ق َرأَ ْ‬
‫ت أَ ٌْ ً‬
‫ضا إِ َذا‬
‫ت ْال َمرْ أَة إِ َذا َحا َ‬
‫[ٔ]‬
‫َح َملَ ْ‬
‫ت‪َ .‬وا َّت َفقُوا َعلَى أَنَّ ْالقُرْ ء ْال َو ْقت‪.‬‬
‫وبذلك تتم التسوٌة حٌث ساوى القرطبً بٌن الزمن هو المقدار الذي ٌُقاس به زمن‬
‫القرء‪ ،‬بالتالً ٌكون القرء هو العدة بتحقق الزمن‪ ،‬وهو ما سٌتبٌن أدناه‪:‬‬
‫ار ْ‬
‫ت ْاْل ٌَة ُم َفس ََّرة فًِ‬
‫ص َ‬
‫" َفإِ َذا قُ ْلت‪َ :‬و ْال ُم َطلَّ َقات ٌَ َت َربَّصْ َن ِبؤ َ ْنفُسِ ِهنَّ َث َبل َثة أَ ْو َقات‪َ ،‬‬
‫[ٕ]‬
‫ب َطلَب ْال َب ٌَان ل ِْل َمعْ ُدو ِد مِنْ َؼٌْر َها‪".‬‬
‫ْال َعدَد مُحْ َت َملَة فًِ ْال َمعْ ُدود‪َ ،‬ف َو َج َ‬
‫وإن توافر العدد وهو ما ال خبلؾ فٌه (وهو العدد‪ :‬ثبلثة)‪ ،‬فكٌؾ قطع القرطبً‬
‫االحتماالت بالمعدود (القرء)؟ فإن فصل القرطبً فً االحتماالت الواقعة على‬
‫المعدود جاء متسقا ً مع ما قطع فٌه ابن العربً‪ ،‬وقد أورده القرطبً بوضوح عندما‬
‫تابع تعلٌقه قاببلً‪:‬‬
‫َو َقا َل َت َعالَى‪َ { :‬واَ َّ‬
‫لبلبًِ ٌَبِسْ َن مِنْ ْال َمحٌِض مِنْ ن َِسا ِب ُك ْم إِنْ اِرْ َت ْب ُت ْم َف ِع َّدتهنَّ َث َبل َثة أَ ْشهُر}‬
‫َّ‬
‫[الط َبلق‪َ .]ٗ:‬ف َج َع َل ْال َم ٌْ ُبوس ِم ْن ُه ْال َمحٌِض‪َ ،‬ف َد َّل َعلَى أَ َّن ُه ه َُو ْال ِع َّدة‪َ ،‬و َج َع َل ْالع َِوض‬
‫[ٖ]‬
‫ان َمعْ ُدومًا‪".‬‬
‫ِم ْن ُه ه َُو ْاألَ ْشهُر إِ َذا َك َ‬
‫وبذلك ٌكون الراجع أن الثالثة انتقاالت هً الثبلثة أشهر‪ ،‬كونها العوض المثلً‪،‬‬
‫وهو ما ٌرجحه القرطبً‪ .‬أي أن المعدود الذي شابه االحتمال أصبح قطعٌا ً ببٌان أنه‬
‫األش ُهر‪ .‬وإن القرطبً وعلى ما جاء به من شروح مفصلة‪ ،‬كان البٌن فٌها شدة تؤثره‬
‫بالقاضً أبو بكر بن العربً‪ ،‬والذي بٌّن أن العدة تنتهً بعد ثبلثة أشهر من الطبلق‬
‫حٌث ال تمكن المطلقة من التزوٌج إال بمرور هذا الزمن ولٌس بمجرد إتمام الثبلثة‬
‫أشهر – وهو ما أوضحه العلماء الذٌن سنستعرض أقوالهم فً هذا البحث‪.‬‬

‫‪1‬‬

‫‪ .‬اٌعاِغ ‪٤‬ؼىاَ اٌمهطث‪ ،ٟ‬ا‪٠٢‬ح ‪ٌٛ ِٓ 222‬نج اٌثمهج‪.‬‬
‫‪2‬‬
‫‪ٔ .‬فً اٌّصكن اٌٍاتك‪.‬‬
‫‪3‬‬
‫‪ٔ .‬فً اٌّصكن اٌٍاتك‪.‬‬

‫‪36‬‬

‫إعاقة ترويج اخلدعة ببيان عدة التزويج وعدة الرجعة‬
‫بيـــان العــدة‬

‫وأما تؤثر القرطبً بابن العربً فهذا ظاهر فً الكثٌر من تعلٌقاته‪ ،‬فإما أن ٌشٌر إلى‬
‫ابن العربً صراحة (كؤن ٌقول‪ :‬قال ابن العربً‪ )...‬أو أنه ٌقتبس منه دون ذكره‪،‬‬
‫اَّلل َو ْال ٌَ ْو ِم ْاْلخ ِِر")‪:‬‬
‫ومثال ذلك تعلٌق القرطبً على قوله تعالى ("إِنْ ُكنَّ ٌ ُْإمِنَّ ِب َّ ِ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫اإل ْخ َبار َعنْ‬
‫" َه َذا َوعِ ٌد َعظِ ٌم َشدٌِد لِ َتؤْكٌِ ِد َتحْ ِرٌم ْال ِك ْت َمان‪َ ،‬وإِ َ‬
‫ٌجاب ِأل َدا ِء ْاأل َما َنة فًِ ْ ِ‬
‫الرَّ حِم ِب َحقٌِ َق ِة َما فٌِهِ‪".‬‬
‫وهذا القول فً أصله البن العربً ورد فً صفحة ٕٔٔ فً كتاب أحكام القرآن‪.‬‬
‫ٗ‪ .ٔ.ٙ.ٕ.‬القرء هو زمان‬
‫وفً هذا اإلطار‪ ،‬فإن كل اْلراء مقبولة وال خبلؾ فٌها‪ ،‬وكل ما تقدر على أنه القرء‬
‫مبسوط وقابل لبلعتبار‪ ،‬وكل زمان تدعٌه المطلقة ٌمكن البحث فٌه‪ ،‬ولكن متى ما‬
‫أرادت المطلقة التزوٌج من رجل ؼٌر الذي طلقها‪ ،‬فإنها تمنع من ذلك وٌصبح‬
‫المعدود الذي أشار إلٌه القرطبً هو ما ٌطبق‪ :‬أي ال تزوج المطلق من آخر إال بعد‬
‫مرود ثبلثة أشهر‪ ،‬وهو حكم القاضً أبو بكر بن العربً‪ ،‬حٌث استعرض ما هو‬
‫توافر من أحكام‪:‬‬
‫ض ْ‬
‫اب َع ُة ‪َ ٌَ :‬ت َر َّكبُ َع َل ٌْ ِه إ َذا َقا َل ْ‬
‫ت عِ َّدتًِ قُ ِب َل َق ْول ُ َها فًِ ُم َّد ٍة‬
‫ت ْال َمرْ أَةُ ‪ :‬ا ْن َق َ‬
‫ا ْل َم ْسأ َ َل ُة ال َّ‬
‫س ِ‬
‫ؾ ‪َ .‬فإِنْ أَ ْخ َب َر ْ‬
‫َت ْن َقضِ ً فًِ م ِْثلِ َها ْال ِع َّدةُ َعا َد ًة مِنْ َؼٌ ِْر خ َِبل ٍ‬
‫ضا ِب َها فًِ ُم َّد ِة َت َق ُع‬
‫ت ِبا ْن ِق َ‬
‫ت ‪ :‬حِضْ ت َث َبل َ‬
‫ص ِّد َق ْ‬
‫َنا ِدرً ا َف َق ْو َال ِن ‪َ :‬قا َل فًِ ْال ُم َد َّو َن ِة ‪ :‬إ َذا َقالَ ْ‬
‫ت إ َذا‬
‫ض فًِ َشه ٍْر ُ‬
‫ث ِح ٌَ ٍ‬
‫ص َّد ُق فًِ َشه ٍْر َو َال فًِ َشه ٍْر َونِصْ ٍ‬
‫ؾ‪،‬‬
‫ص َّد َق َها ال ِّن َسا ُء ‪َ .‬و َقا َل فًِ ِك َتا ِ‬
‫ب م َُح َّم ٍد ‪َ :‬ال ُت َ‬
‫َ‬
‫ك إنْ َط َّولَ ْ‬
‫ب م َُح َّم ٍد ‪ ،‬فًِ ْال ُم َطلَّ َق ِة ُت ِقٌ ُم َس َن ًة لِ َتقُو َل لَ ْم أَحِضْ َّإال‬
‫ت ; َف َقا َل فًِ ِك َتا ِ‬
‫َو َك َذلِ َ‬
‫ك َو َكا َن ْ‬
‫ص َّد ْق َوإِنْ لَ ْم َت ُكنْ َذ َك َر ْ‬
‫ْن ‪ :‬إ َذا‬
‫ت َذلِ َ‬
‫ض ًة ‪ :‬لَ ْم ُت َ‬
‫َح ٌْ َ‬
‫ت َؼٌ َْر مُرْ ضِ ٍع ‪َ .‬قا َل ابْنُ م َُزٌ ٍ‬
‫ض ْ‬
‫ت َتؤ َ ُّخ َر َحٌْضِ َها َبعْ دَ ْال ِف َط ِام َس َن ًة َحلَ َف ْ‬
‫ا َّد َع ْ‬
‫ت ‪َ ،‬و َه َذا إ َذا َل ْم ُتعْ لَ ْم لَ َها‬
‫ت ِبا َ َّ ِ‬
‫َّلل َما َحا َ‬
‫[ٔ]‬
‫َعا َدةٌ‪.‬‬
‫وقبل ذلك‪ ،‬بٌّن أنه على علم بعدة الٌابسة والصؽٌرة‪:‬‬
‫آن َخصَّ ِم ْن َها ْاْل ٌِ َس َة‬
‫ا ْل َم ْسأَلَ ُة ال َّثانِ َي ُة ‪َ :‬ه ِذ ِه ْاْل ٌَ ُة َعام ٌَّة فًِ ُك ِّل ُم َطلَّ َق ٍة‪ ،‬لَكِنَّ ْالقُرْ َ‬
‫ور ِة َّ‬
‫الط َبل ِق ِب ْاألَ ْشه ُِر‪َ ،‬و َخصَّ ِم ْن َها الَّتًِ لَ ْم ٌ ُْد َخ ْل ِب َها لِ َق ْولِ ِه َت َعالَى‬
‫َوال َّ‬
‫ٌِر َة فًِ ُس َ‬
‫صؽ َ‬
‫‪1‬‬

‫‪ .‬أؼىاَ اٌمهآْ‪ٌٍ ،‬ماض‪ ٟ‬أت‪ ٛ‬تىه تٓ اٌؼهت‪ ،ٟ‬ا‪٠٢‬ح ‪ٌٛ ِٓ 222‬نج اٌثمهج‪ ،‬صفؽح ‪.213-212‬‬

‫‪37‬‬

‫إعاقة ترويج اخلدعة ببيان عدة التزويج وعدة الرجعة‬
‫بيـــان العــدة‬

‫ض ْ‬
‫ًِ ْاألَ َم ُة‪َ ،‬فإِنَّ‬
‫ت َها ُه َنا َمسْ ؤ َ َل ٌة َر ِاب َع ٌة َوه َ‬
‫{ َف َما لَ ُك ْم َعلٌَ ِْهنَّ مِنْ عِ َّد ٍة َتعْ َت ُّدو َن َها} َوع ُِر َ‬
‫[ٔ]‬
‫ان ‪َ ،‬خ َر َج ْ‬
‫اع‪.‬‬
‫عِ َّد َت َها َح ٌْ َ‬
‫ض َت ِ‬
‫ت ِب ْ ِ‬
‫اإلجْ َم ِ‬
‫وإثر ذلك‪ ،‬بٌن ابن العربً الحكم الفاصل الذي ٌعفً عن جمٌع المسابل الخبلفٌة‪:‬‬
‫ت ْاألَ ْد ٌَانُ فًِ ُّ‬
‫َقا َل ْال َقاضِ ً‪َ :‬و َعا َدةُ ال ِّن َسا ِء عِ ْن َد َنا َمرَّ ةٌ َوا ِح َدةٌ فًِ ال َّشه ِْر‪َ ،‬و َق ْد َقلَّ ْ‬
‫ان‬
‫الذ ْك َر ِ‬
‫ان؟ َف َبل أَ َرى أَنْ ُت َم َّك َن ْال ُم َطلَّ َق ُة مِنْ َّ‬
‫اج َّإال َبعْ َد َث َبل َث ِة أَ ْشه ٍُر مِنْ ٌَ ْو ِم‬
‫َف َكٌ َ‬
‫ْؾ ِبال ِّنسْ َو ِ‬
‫الز َو ِ‬
‫[ٕ]‬
‫ان فًِ أَ َّو ِل ُّ‬
‫الط َبل ِق‪َ ،‬و َال ٌُسْ ؤ َ ُل َعنْ َّ‬
‫َّ‬
‫الطه ِْر أَ ْو آخ ِِرهِ‪.‬‬
‫الط َبل ِق َك َ‬
‫وفً هذا الحكم قطع االحتمال بالمعدود الذي ذكره القرطبً آنفاً‪ ،‬فإن العادة‬
‫المعروفة أن تؤتً مرة واحدة فً شهر‪ ،‬فؤصبح العدد هو ثبلثة‪ ،‬والمعدود أشهراً‪،‬‬
‫وإنه ولبن كانت عدة المطلقة تنتهً فً أقل من ٓ٘ ٌوماً‪ ،‬فإن ذلك للرجعة‪ ،‬والحكم‬
‫أنها ال تزوج بؤقل من ٓ‪ٌ 4‬وماً‪ ،‬وإن المطلقة إن ادعت أن عدتها انتهت فً أقل من‬
‫ٓ‪ٌ 4‬وماً‪ ،‬فجاز تصدٌقها إن أرادت أن تفلت من زوجها ولترجع إلٌه بعقد جدٌد‪،‬‬
‫وأما إن أرادت التزوٌج‪ ،‬فبل تمكن من ذلك إال بـــعـــد مرور ثبلثة أشهر‪ ،‬وإن هذا‬
‫هو ما جرى علٌه الفقه المالكً كما سٌتبٌن‪ ،‬وسنعلّق على هذه المقولة وما و رد بها‬
‫بؤكثر من موضع من هذا البحث فٌما تبقى منه ّإال أنه ٌجب بٌان على ماذا حُمل‬
‫حٌث بُنً الحكم على مسوؼٌن هما‪:‬‬
‫‪ ‬إن الدارج والمعتاد أن العادة تؤتً مرة واحدة فً الشهر‪ .‬وسٌكون هذا المسلك‬
‫رداً على من قال أن العبرة بالمشهور فً الفقه المالكً‪ ،‬فإن كانت األخذ‬
‫بالمشهور فً الفقه‪ ،‬فإن كون العدة مرة واحد فً شهر فإن هذه معلومة‬
‫مشهورة فً أوساط الفقه والعلم والواقع معاً‪ ،‬وهً أولى من أن تتبع‪.‬‬
‫‪ ‬وأن فً عصر أبو بكر بن العربً (‪ ٖ٘ٗ-ٗٙ2‬هـ) انحدر الدٌن فً قلوب‬
‫المسلمٌن عما كان علٌه‪ ،‬ومن شؤن ذلك أن ٌحتاط القاضً فٌما ٌقال وٌعرض‬
‫أمامه‪ ،‬وحٌث أن األصل أن العادة محكمة وأن االستثناء هو للضرورة‪ ،‬وال‬
‫ٌتصور أن عدم استطاعة المطلقة االنتظار لفترة معتادة مدتها ٓ‪ٌ 4‬وما ً هً‬
‫ضرب من ضروب الضرورة‪.‬‬

‫‪1‬‬

‫‪ٔ .‬فً اٌّصكن‪ ،‬صفؽح ‪.211‬‬
‫‪2‬‬
‫‪ٔ .‬فً اٌّصكن‪ ،‬صفؽح ‪ ٛ٘ٚ ،213‬اٌرىّاي ٌاللرثاي نلُ (‪.)1‬‬

‫‪32‬‬

‫إعاقة ترويج اخلدعة ببيان عدة التزويج وعدة الرجعة‬
‫بيـــان العــدة‬

‫ٕ‪ .‬مكانة العدة فً شرع َّللا‬
‫أ ّما فٌما ٌتعلق بمكانة العدة فً شرع َّللا‪ ،‬فإن العدة مقرونة بالطبلق‪ ،‬وهو من أوسع‬
‫أبواب األحكام فً الفقه اإلسبلمً‪ .‬وقد بٌّنا أن العدة ومباحثها هً حكم متفرع من‬
‫الطبلق ٌترتب علٌه صحة الطبلق وتمامه وصحة الزواج الثانً – بالنسبة للمرأة إن‬
‫تزوجت من ؼٌر الذي طلقها – وفساد ذلك الزواج‪.‬‬
‫تختلؾ وجهة النظر من العبرة فً تشرٌع العدة‪ ،‬وما إن كانت العبرة تقتصر على‬
‫براءة الرحم فقط‪ ،‬أم لصٌانة أواصر األسرة والمحافظة على إبقاءها‪ .‬ولذلك صان‬
‫المولى جل شؤنه العدة بؤن جعلها حداً من حدود َّللا‪ .‬وسنشرح هاتٌن النقطتٌن فٌما‬
‫ٌلً‪.‬‬
‫[ٔ‪ ].ٕ.‬العدة حد من حدود َّللا‬
‫وفً هذا الشؤن ٌقول المولى عز وجل فً سورة الطبلق‪:‬‬
‫َّللا َر َّب ُك ْم َال‬
‫" ٌَا أَ ٌُّ َها ال َّن ِبًُّ إِ َذا َطلَّ ْق ُت ُم ال ِّن َسا َء َف َطلِّقُو ُهنَّ لِ ِع َّدت ِِهنَّ َوأَحْ صُوا ْال ِع َّد َة َوا َّتقُوا َّ َ‬
‫َّللا َو َمنْ‬
‫ك ُح ُدو ُد َّ ِ‬
‫ٌِن ِب َفا ِح َش ٍة ُم َب ٌِّ َن ٍة َوت ِْل َ‬
‫ُت ْخ ِرجُوهُنَّ مِنْ ُبٌُوت ِِهنَّ َو َال ٌَ ْخرُجْ َن إِ َّال أَنْ ٌَؤْت َ‬
‫َّللا ٌُحْ د ُ‬
‫ك أَمْرً ا " [الطبلق‪]ٔ:‬‬
‫ٌَ َت َع َّد ُح ُدو َد َّ ِ‬
‫ِث َبعْ َد َذلِ َ‬
‫َّللا َف َق ْد َظلَ َم َن ْف َس ُه َال َت ْد ِري لَ َع َّل َّ َ‬
‫وذهب البعض إلى أن ما تشٌر إلٌه هذه اْلٌة من حدود ٌقتصر على عدم إخراج‬
‫المطلقة من بٌت الزوجٌة إال إذا اتت بفاحشة مبٌنة‪ ،‬وهو رأي مستمد من الحافظ ابن‬
‫كثٌر‪ .‬والصحٌح هو ما أشار إلٌه القرطبً من أن مجموعة األحكام التً جاءت بها‬
‫اْلٌة هً الحدود التً أشار إلٌها َّللا[ٔ]‪ ،‬وهً تتمثل فً ثبلثة أحكام (وٌراعى أن‬
‫حصر الحدود فً ثبلثة له مدلوله االعجازي الذي سنبٌنه بعد قلٌل)‪:‬‬
‫ٔ ‪ .‬التطلٌق للعدة‪ :‬أي فً عدتهم‪ ،‬أي فً الوقت الذي ٌمكن للمطلقة أن تعتد فٌه‪،‬‬
‫وفٌه إشارة إلى الطبلق السنً والبدعً‪.‬‬
‫ٕ‪ .‬احصاء العدة‪ .‬وقد تقدم شرحه‪.‬‬
‫‪1‬‬

‫‪ .‬اٌعاِغ ‪٤‬ؼىاَ اٌمهطث‪ ،ٟ‬ذفٍ‪١‬ه ٌ‪ٛ‬نج اٌطالق‪ ،‬ا‪٠٢‬ح نلُ ‪.1‬‬

‫‪39‬‬

‫إعاقة ترويج اخلدعة ببيان عدة التزويج وعدة الرجعة‬
‫بيـــان العــدة‬

‫ٖ‪ .‬عدم اخراج المطلقة من بٌت الزوجٌة إال بشرط المجًء بفاحشة مبٌنة‬
‫ومكمن االعجاز فً هذه اْلٌة ٌتمثل فً تخدٌد َّللا تعالى لعدة ذات األقراء بثبلثة‬
‫قروء وعند الشك أو إذا ما أرادت المطلقة الزواج بآخر فٌكون بعد ثبلثة أشهر[]ٔ‪،‬‬
‫وعدة ؼٌر األقراء تكون عادة ثبلثة أشهر‪ ،‬وهذه هً العدة‪ ...‬وقد أحكمها َّللا تعالى‬
‫بحماٌتها بثبلثة أحكام‪ ،‬كل حكم حد من حدود َّللا‪.‬‬
‫الدليل األول‪:‬‬
‫أن َّللا تعالى قد منع خروج المطلقة من بٌت الزوجٌة أثناء العدة‪ ،‬وإن أجاز بعض‬
‫العلماء أنها تخرج لقضاء حاجاتها أو ربما لزٌارة أهلها‪ ،‬ولكنها ال تترك البٌت‬
‫لبلنتقال إلى بٌت آخر ّ‬
‫وإال دل ذلك على نشوزها‪ .‬وفً هذا الصدد ذكر القرطبً عدة‬
‫ٌِن‬
‫أوجه – فً قوله تعالى‪َ "{ :‬ال ُت ْخ ِرجُوهُنَّ مِنْ ُبٌُوت ِِهنَّ َو َال ٌَ ْخرُجْ َن إِ َّال أَنْ ٌَؤْت َ‬
‫ِب َفا ِح َش ٍة ُم َب ٌِّ َن ٍة"} – انتهى فٌها إلى رأي ابن عمر والسدي‪ ،‬ثم وكالعادة‪ ،‬ختمها بالحكم‬
‫الذي اتبعه القاضً أبو بكر بن العربً‪:‬‬
‫" َو َعنْ ِابْن ُع َمر أَ ٌْ ً‬
‫ضا َوال ُّس ِّديّ ‪ْ :‬ال َفا ِح َشة ُخرُوج َها مِنْ َبٌْت َها فًِ ْال ِع َّدة‪َ .‬و َت ْقدٌِر ْاْل ٌَة‪:‬‬
‫ت َكا َن ْ‬
‫ٌِن ِب َفا ِح َش ٍة ُم َب ٌِّ َنة ِب ُخرُو ِج ِهنَّ مِنْ ُبٌُوتهنَّ ِب َؽٌ ِْر َح ّق؛ أَيْ لَ ْو َخ َر َج ْ‬
‫ت‬
‫إِ َّال أَنْ ٌَؤْت َ‬
‫ك أَنْ ٌُ َطلِّ َق َها َعلَى ال ُّن ُ‬
‫َعاصِ ٌَة‪َ .‬و َقا َل َق َتا َدة ‪ْ :‬ال َفا ِح َشة ال ُّن ُ‬
‫شوز َف َت َت َح َّول َعنْ‬
‫شوز‪َ ،‬و َذ ِل َ‬
‫َبٌْته‪َ .‬قا َل ِابْن ْال َع َر ِبًّ ‪ :‬أَمَّا َمنْ َقا َل إِ َّن ُه ْال ُخرُوج ل ِّ‬
‫ك‬
‫ِلز َنى؛ َف َبل َوجْ ه لَ ُه؛ ِألَنَّ َذلِ َ‬
‫ِك ِبمُسْ َت ْث ًنى فًِ َح َبلل َو َال َح َرام‪َ .‬وأَمَّا‬
‫ْس َذل َ‬
‫اإلعْ َدام‪َ :‬ولٌَ َ‬
‫ْال ُخرُوج ه َُو ُخرُوج ْال َق ْتل َو ْ ِ‬
‫َمنْ َقا َل‪ :‬إِ َّن ُه ْال َب َذاء؛ َفه َُو ُم َفسَّر فًِ َحدٌِث َفاطِ َمة ِب ْنت َقٌْس‪َ .‬وأَمَّا َمنْ َقا َل‪ :‬إِ َّن ُه ُك ّل‬
‫َ‬
‫اإل ْخ َراج َو َال ْال ُخرُوج‪َ .‬وأَمَّا‬
‫َمعْ صِ ٌَة؛ َف َو ِه َم ِألنَّ ْالؽٌِ َبة َو َنحْ و َها مِنْ ْال َم َعاصِ ً َال ُت ِبٌح ْ ِ‬
‫صحٌِح‪َ .‬و َت ْقدٌِر ْال َك َبلم‪َ :‬ال ُت ْخ ِرجُوهُنَّ مِنْ‬
‫َمنْ َقا َل‪ :‬إِ َّن ُه ْال ُخرُوج ِب َؽٌ ِْر َح ّق؛ َفه َُو َ‬
‫[ٕ]‬
‫ُبٌُوتهنَّ َو َال ٌَ ْخرُجْ َن َشرْ ًعا إِ َّال أَنْ ٌَ ْخرُجْ َن َت َع ِّدًٌا‪".‬‬

‫‪1‬‬

‫‪ٚ .‬اٌم‪ ٞ‬ذ‪ٛ‬صٍد إٌ‪ ٗ١‬أْ اٌؼكج ٌماخ ا‪٤‬لهاء ذٕر‪ ٟٙ‬صراحة ترؽمك اٌصالشح له‪ٚ‬ء‪ٚ .‬تّا أْ اٌّهأج ال ذٕىػ ِٓ‬
‫غ‪١‬ه اٌم‪ ٞ‬طٍم‪ٙ‬ا إال تؼك ِه‪ٚ‬ن شالشح أش‪ٙ‬ه‪ ،‬ف‪ٙ‬ما ‪٠‬ؼ‪١‬ك٘ا إٌ‪ ٝ‬اٌرم‪١١‬ك ِهج أـه‪ – ٜ‬أ‪ ٞ‬أْ اٌؼكج ذّرك إٌ‪ٝ‬‬
‫أر‪ٙ‬اء اٌّؼ‪١‬ان اٌىِٕ‪ ٛ٘ٚ – ٟ‬أر‪ٙ‬اء ضمني ٌٍؼكج ‪٠‬ؼرّك ػٍ‪ ٝ‬اترغاء اٌرى‪٠ٚ‬ط ِٓ آـه‪ .‬لٌه أْ اٌؽىُ ٘‪ٛ‬‬
‫ػكَ اٌرصك‪٠‬ك‪ .‬اٌرصك‪٠‬ك تّالا؟ تأمضاء اٌؼكج‪٘ٚ ...‬مٖ إػاقج ‪ٚ‬اضؽح إٌ‪ ٝ‬لفص اٌؼكج‪.‬‬
‫‪2‬‬
‫‪ .‬اٌعاِغ ‪٤‬ؼىاَ اٌمهطث‪ ،ٟ‬ذفٍ‪١‬ه ٌ‪ٛ‬نج اٌطالق‪ ،‬ا‪٠٢‬ح نلُ ‪.1‬‬

‫‪40‬‬

‫إعاقة ترويج اخلدعة ببيان عدة التزويج وعدة الرجعة‬
‫بيـــان العــدة‬

‫الدليل الثاني‪:‬‬
‫والدلٌل على أن العدة وأحكامها حد من حدود َّللا‪ ،‬أن الفقه منع التزوٌج فً وقت‬
‫العدة‪ .‬وفً هذا ٌقول ابن رشد الحفٌد‪:‬‬
‫" واتفقوا على أن النكاح ال ٌجوز فً العدة كانت عدة حٌض أو عدة حمل أو عدة‬
‫أشهر‪ .‬واختلفوا فٌمن تزوج امرأة فً عدتها ودخل بها‪ ،‬فقال مالك واألوزاعً‬
‫واللٌث‪ٌ :‬فرق بٌنهما وال تحل له أبدا؛ وقال أبو حنٌفة والشافعً والثوري‪ٌ :‬فرق‬
‫بٌنهما‪ ،‬وإذا انقضت العدة بٌنهما فبل بؤس فً تزوٌجه إٌاها مرة ثانٌة‪ .‬وسبب‬
‫اختبلفهم هل قول الصاحب حجة أم لٌس بحجة[ٔ]؟ وذلك أن مالكا روى عن ابن‬
‫شهاب عن سعٌد بن المسٌب وسلٌمان بن ٌسار أن عمر ابن الخطاب فرق بٌن‬
‫طلٌحة األسدٌة وبٌن زوجها راشدا الثقفً لما تزوجها فً العدة من زوج ثان وقال‪:‬‬
‫أٌما امرأة نكحت فً عدتها فإن كان زوجها الذي تزوجها لم ٌدخل بها فرق بٌنهما‪،‬‬
‫ثم اعتد ت بقٌة عدتها من األول‪ ،‬ثم كان اْلخر خاطبا من الخطاب؛ وإن كان دخل‬
‫بها فرق بٌنهما‪ ،‬ثم اعتدت بقٌة عدتها من األول‪ ،‬ثم اعتدت من اْلخر‪ ،‬ثم ال‬
‫ٌجتمعان أبدا ‪ .‬قال سعٌد‪ :‬ولها مهرها بما استحل منها‪ .‬وربما عضدوا هذا القٌاس‬
‫بقٌاس شبه ضعٌؾ مختلؾ فً أصله‪ ،‬وهو أنه أدخل فً النسب شبهة فؤشبه‬
‫المبلعن‪ .‬وروي عن علً وابن مسعود مخالفة عمر فً هذا‪ .‬واألصل أنها ال تحرم‬
‫إال أن ٌقوم على ذلك دلٌل من كتاب أو سنة أو إجماع من األمة‪ .‬وفً بعض‬
‫الرواٌات أن عمر كان قضى بتحرٌمها‪ ،‬وكون المهر فً بٌت المال‪ ،‬فلما بلػ ذلك‬
‫علٌا أنكره فرجع عن ذلك عمر‪ ،‬وجعل الصداق على الزوج ولم ٌقض بتحرٌمها‬
‫علٌه‪ ،‬رواه الثوري عن أشعث عن الشعبً عن مسروق‪ .‬وأما من قال بتحرٌمها‬
‫[ٕ]‬
‫بالعقد فهو ضعٌؾ‪".‬‬
‫والثابت أن المطلقة ال تنكح فً العدة‪ ،‬وفً هذا التحرٌم تطوٌق للحد الذي شرعه َّللا‬
‫تعالى‪ .‬وكذلك فإن كتاب َّللا تعالى كتاب حً‪ ،‬بمعنى أنه ٌإسس مبادبا ً وأحكاما ً‬
‫وعادات بٌن المسلمٌن من شؤنها أن تزٌد من شدة اإلحكام على حكم من أحكام َّللا‪.‬‬
‫فٌكفً َّلل تعالى أن ٌشرع أمراً بالنهً عنه‪ ،‬فتتواكب األجٌال على نبذ هذا األمر‬
‫المنهً عنه‪ ،‬فٌكون اقترافه مإثراً على سمعة من اقترفه‪ .‬ومثال ذلك‪ ،‬تحرٌم َّللا‬
‫تعالى للحم الخنزٌر‪ ،‬فإن النتٌجة الحالٌة فً هذا العصر التً ترتبت على تحرٌم لحم‬
‫‪1‬‬

‫‪٠ٚ .‬هظغ لٌه إٌ‪ ٝ‬ذهذ‪١‬ة ِصاقن اٌرشه‪٠‬غ ػٕك ِاٌه‪ ،‬فؼٕكٖ أْ ػًّ أً٘ اٌّك‪ٕ٠‬ح ِمكَ ػٍ‪ ٝ‬غ‪١‬هٖ ِٓ‬
‫اٌّصاقن اٌرثؼ‪١‬ح‪ ،‬فّٓ تاب أ‪ ٌٝٚ‬أْ ‪٠‬ى‪ ْٛ‬ل‪ٛ‬ي اٌصؽات‪ِ ٟ‬مكِاً ِٓ تاب أ‪.ٌٝٚ‬‬
‫‪2‬‬
‫‪ .‬تكا‪٠‬ح اٌّعر‪ٙ‬ك ‪ٙٔٚ‬ا‪٠‬ح اٌّمرصك‪ٌٍ ،‬ماض‪ ٟ‬أت‪ ٛ‬اٌ‪١ٌٛ‬ك‪ ،‬اتٓ نشك اٌؽف‪١‬ك‪ ،‬اٌّعٍك اٌصأ‪ ،ٟ‬صفؽح‪45 :‬‬

‫‪41‬‬

‫إعاقة ترويج اخلدعة ببيان عدة التزويج وعدة الرجعة‬
‫بيـــان العــدة‬

‫الخنزٌر هو بؽض الناس للخنزٌر بؤسره فؤصبح من أبشع المخلوقات للمسلم‪ ،‬وكذلك‬
‫صار مسبة لسب المعتدي ذا الخلق المشٌن‪ ،‬وحتى أن بلػ األمر عند العلماء إلى‬
‫تحرٌم كل مشتقات الخنزٌر من صابون وجلد وؼٌره‪ ،‬رؼم أن َّللا تعالى اكتفى فقط‬
‫بتحرٌم لحم هذا الحٌوان‪ ،‬فكان ذلك كفٌبلً بؤن ٌكون حاجزاً بٌن المسلم والخنزٌر‪.‬‬
‫وهذ ٌعتبر نموذجا ً ٌبٌن أن كتاب َّللا‪ ،‬وإن أُنزل قبل ما ٌزٌد عن ٗٔ قرن‪ّ ،‬إال أنه‬
‫مازال ٌساهم فً تطوٌر وتوجٌه أمة اإلسبلم (وؼٌره من األمم والحدٌث فً إثبات‬
‫هذا ٌطول وٌخرجنا عن موضوع البحث)‪.‬‬
‫فصل خارج موضوع البحث‬
‫ســورة مــن مــثـلـه؟‬

‫ومن اعجازات التشرٌع اإلسبلمً أنه ٌإسس قواعداً تخرج وعادات لم تكن مؤلوفة‪،‬‬
‫وهو بعكس القواعد القانونٌة التً قد تؤتً بناء على عادة أو عرؾ (العرؾ المنشا)‬
‫ٌتبناه القانون فٌص بح قاعدة قانونٌة‪ .‬وبالمثل‪ ،‬فإن كتاب َّللا تعالى بمجمله ٌحقق‬
‫انجازات طالما بقٌت هذه الحٌاة وإلى أن ٌرث َّللا األرض ومن علٌها‪.‬‬
‫وقد صادفت فً أواخر التسعٌنات تحدٌا ً من المبشرٌن ثار له الكثٌر من المسلمٌن‬
‫بسور ظنوا أنها مشابهة‬
‫الؽٌورٌن‪ .‬وٌتمثل هذا التحدي بؤن جاء نخبة من المبشرٌن‬
‫ٍ‬
‫لسور كتاب َّللا‪ ،‬وظنوا أنهم حققوا رؼبة القرآن الذي تحداهم بؤن ٌؤتوا بسورة من‬
‫مثله‪ ،‬وأنهم تمكنوا من تحدي كتاب َّللا ونجحوا فً ذلك‪.‬‬
‫وانشق هإالء المبشرٌن‪ ،‬فصار ألحدهم كتاب عنوانه "الفرقان الحق" (‬
‫‪ ،)Furqan‬وأما اْلخرون فاستمروا فً ابداعاتهم بصٌاؼة "سور" جدٌدة لتحدي‬
‫القرآن ونشر تلك السور فً موقع خاص بهم على شبكة اإلنترنت (‪)suralikeit.com‬‬
‫– وٌعنً اسم الموقع‪ :‬سورة من مثله‪ .‬وكانت ردت فعل المسلمون على وجهٌن‪:‬‬
‫فرٌق وقع فً مجاراة هإالء المبشرٌن وانشؽلوا بمناقشتهم بمحتوٌات انتاجهم‪،‬‬
‫وفرٌق اكتفً بإبداء الؽضب ورفع االحتجاج إلى الحكومات مطالبٌن بحجب الموقع‪،‬‬
‫فلُب ًَّ طلبهم و ُح ِجب الموقع‪.‬‬
‫‪The True‬‬

‫وهذا نموذج إلحدى "السور" التً خرجوا بها سورة اسمها "سورة المسلمون" جاء‬
‫فٌها‪" :‬انًص * قم يا أيها انًسهًىٌ إَكى نفي ضالل بعيد‬
‫* ‪ ....‬وإذ قال هللا يا يحًد أغىيت عبادي وجعهتهى يٍ‬
‫‪42‬‬

‫إعاقة ترويج اخلدعة ببيان عدة التزويج وعدة الرجعة‬
‫بيـــان العــدة‬

‫انكافريٍ * قال ربي إًَا اغىاَي انشيطاٌ إَه كاٌ‬

‫نبُي آدو أعظى انًفسديٍ‪ ...‬إلخ"‬
‫اتفهم أن هذا كفٌل باستثارة أي مسلم‪ ،‬ولكن فً الحقٌقة أن ما جاء به هإالء‬
‫المبشرون بعٌد كل البعد عن تحقٌق أي تحد ٌرجى‪ .‬ذلك أنهم جاءوا بادعاءات هم‬
‫نفسهم ال ٌإمنون بها ولٌس لدٌهم أي دلٌل على صحتها‪ ،‬وفً المقابل بلّػ الرسول‬
‫‪ ‬كل حرؾ فً القرآن وهو مإمن به‪ ،‬فكٌؾ تكون سورتهم مثل أي سورة من‬
‫سور القرآن؟ وكذلك فإن القرآن انزل على من قال صراحة بؤنه رسول من عند َّللا‪،‬‬
‫وال تكون سورهم مثل سورة من سور القرآن ّإال إن ادعى كاتبها من أنها أوحٌت له‬
‫من عند َّللا‪ ،‬وٌترتب على هذا انتفاء الدلٌل على أن َّللا تعالى سٌخاطب سٌد الخلق‬
‫‪ ‬بما ٌزعمون‪ ،‬ألن ذلك ٌستدعً دلٌبلً أو أن ٌكون من عند من ٌدعً أنه رسول‬
‫أو نبً‪.‬‬
‫من ناحٌة أخرى فإن تحدي َّللا للمشركٌن بؤن ٌؤتوا بسورة من مثله ٌقتضً مواكبة‬
‫التحدي للمرحلة الحالٌة التً ستصل إلٌها السورة (أي سورة كانت)‪ .‬مثبلً‪ :‬هناك‬
‫مبات الصفحات كتبت فقط فً تفسٌر آٌة الكرسً‪ ،‬فٌستوجب أن تكون احدى‬
‫"اْلٌات" فً سورهم المزعومة قد حظٌت بالنفس ما نالته تلك اْلٌات من اهتمام‪.‬‬
‫ومن ناحٌة أخرى‪ ،‬فإن كتاب َّللا الذي ٌتكون من سور متعددة‪ ،‬تكفل بإخراج إمم من‬
‫الظلمات إلى النور‪ :‬أي أن بكتاب َّللا خرجت أمم عما كانت تدٌن به إلى دٌن‬
‫اإلسبلم؛ فٌستوجب فً سورهم أن تخرج أمم من أدٌانها إلى دٌنهم‪ ،‬وهم فً األصل‬
‫ال ٌستخدمون هذه السور للتبشٌر لدٌنهم‪ .‬وهذا الذي أردنا الوصول إلٌه‪ ،‬فإنه ولبن‬
‫كان شرع َّللا ثابت ال ٌتؽٌر‪ّ ،‬إال أنه ٌساهم فً التؽٌٌر الجذري وٌساهم بتحقٌق‬
‫الكثٌر من االنجازات فً حٌاة الفرد والشعوب‪ .‬فكان هإالء المبشرون منشؽلون‬
‫بالتحدي الذي طرحه رب العزة‪ ،‬ولكنهم فشلوا فً مواكبة ما آل إلٌه كتاب َّللا‪ .‬فإنه‬
‫وإن كان التحدي فً بداٌته ٌقتصر على حٌاة المشركٌن البسٌطة‪ّ ،‬إال أن التحدي‬
‫تطور بانتشار الدٌن‪ ،‬وٌجب علٌهم مواكبته‪ ،‬وهذا ما فاتهم‪ ،‬فٌكون تحدٌهم – ومع‬
‫بالػ أسفنا – ؼٌر صالح للوقت الحالً‪.‬‬
‫والبٌّن الذي ٌجب أن نسلم له أن الدعوى فً تحدي الكفار بالمجٌا بسورة من مثل‬
‫القرآن هً آخر ما استقر علٌه تحدي العزٌز القهّار‪ ،‬فهً أتفه ما ٌمكن أن ٌتحدى به‬
‫َّللا الكافرٌن‪ .‬وقد ناقشت كتب كثٌر تدرج هذا التحدي وال أود اإلطالة فٌه‪ ،‬فقد بدأ‬
‫الرحمن بتحدٌهم بالمجٌا بكتاب مثل القرآن‪ ،‬ثم تدرج ذلك فكان عشر سور‪ ،‬ثم‬
‫تدرج ذلك إلى أن حُدد التحدي بسورة‪ ،‬ووقؾ أهل العلم والدراٌة عند هذا الحد‪ ،‬وما‬
‫أود أن أبٌنه هو التالً‪:‬‬

‫‪43‬‬

‫إعاقة ترويج اخلدعة ببيان عدة التزويج وعدة الرجعة‬
‫بيـــان العــدة‬

‫فقد قال َّللا تعالى متحدٌا ً الكفار من أمثال هإالء المبشرٌن‪" :‬أَ ْم‬
‫َّللا إِن ُكن ُت ْم‬
‫ون َّ ِ‬
‫َفؤْ ُتوا ِبس َ‬
‫ُور ٍة م ِّْث ِل ِه َو ْادعُوا َم ِن اسْ َت َطعْ ُتم مِّن ُد ِ‬
‫ٌونس‪]ٖ2:‬‬

‫ون ا ْف َت َراهُ قُ ْل‬
‫ٌَقُول ُ َ‬
‫ٌِن" [سورة‬
‫صا ِدق َ‬
‫َ‬

‫وقال جل شؤنه وعلت عزته‪َ " :‬وإِن ُكن ُت ْم فًِ َر ٌْ ٍ‬
‫ُور ٍة‬
‫ب ِّممَّا َن َّز ْل َنا َع َلى َع ْب ِد َنا َفؤْ ُتوا ِبس َ‬
‫مِّن م ِّْثلِ ِه َو ْادعُوا ُ‬
‫ٌِن" [البقرة‪]ٕٖ:‬‬
‫ون َّ ِ‬
‫صا ِدق َ‬
‫َّللا إِن ُكن ُت ْم َ‬
‫ش َه َدا َء ُكم مِّن ُد ِ‬
‫وقد ٌظن البعض أن كبل اْلٌتٌن متشابهتٌن فً التحدي‪ّ ،‬إال أن ذلك ؼٌر صحٌح‪ ،‬فإن‬
‫آٌة سور ة البقرة هً التً ٌختم عندها التحدي‪ ،‬ألن اْلٌة األولى – وهً التً انصاع‬
‫لها المبشرون – طلبت سورة مثل سور كتاب َّللا‪ ،‬أمّا آٌة سورة البقرة فهً تعكس‬
‫حال الذي مل انتظاره وهو ٌنتظر من ٌتحداه‪ ،‬فتقلص الطلب إلى أن ٌكون النتاج‬
‫شًء ٌشبه أي سورة من سور القرآن‪ ،‬وما معنى هذا؟ فإن َّللا تعالى بدٌع السموات‬
‫واألرض أبدع فً استخدام الفكر وطرح الفكر واللؽة فً جمٌع سور القرآن‪ ،‬ومثال‬
‫ذلك سورة الطبلق – كً ال نخرج كثٌراً عن موضوع البحث – ففٌها ما هو كفٌل‬
‫بؤن ٌشل فكر االنسان‪ ،‬وكؤن اله تعالى كتب هذه السورة وهو ٌخاطب المطلقة‬
‫مباشرة من دون حجاب‪ ،‬فكلما جاء بحكم فً آٌة من آٌات سورة الطبلق‪ ،‬ختم اْلٌة‬
‫بما ٌرق له قلب القارئ‪ ،‬فعند قوله‪" :‬لٌُِنف ِْق ُذو َس َع ٍة مِّن َس َع ِت ِه َو َمن قُد َِر َعلَ ٌْ ِه ِر ْزقُ ُه‬
‫َّللاُ َال ٌُ َكلِّؾُ َّ‬
‫َف ْلٌُنف ِْق ِممَّا آ َتاهُ َّ‬
‫َّللا ُ َن ْف ًسا إِ َّال َما آ َتا َها‪ "....‬فختم الحدٌث فً هذا الصدد‬
‫بقوله‪َ " :‬س ٌَجْ َع ُل َّ‬
‫َّللا ُ َبعْ دَ عُسْ ٍر ٌُسْ رً ا"‪ ،‬فكؤن َّللا تعالى ٌُعلِم الزوجٌن بؤنه ٌتابع ما‬
‫ٌجري فً البٌت! وشتان بٌن ما أنزله َّللا تعالى وبٌن كل "السور" المزعومة التً‬
‫انتجها هإالء المبشرون‪.‬‬
‫فمن األفضل للمسلمٌن ّأال ٌثوروا عند مرورهم على هإالء‪ ،‬ألن فً الثابت أن كل‬
‫مشارٌعهم ال تنتهً ّإال بإثبات وجه جدٌد إلعجاز كتاب َّللا‪.‬‬

‫ٕ‪ .ٕ.‬الحكمة من تشرٌع العدة‬
‫فً اإلطار الذي ٌطوّ ق عدة الوفاة‪ ،‬من البدٌهً أن الحكمة من تلك العدة ٌدخل فً‬
‫حسبنها عذراً إلحداد‪ ،‬كون أن المرأة فقدت شرٌك حٌاتها‪ .‬وكون أن المطلقة رجعٌة‬
‫كانت أم بابنة‪ ،‬فإنها تنتقل إلى عدة الوافة إذا ما توفً طلٌقها وهً فً فترة العدة‪،‬‬
‫وال شك أنها ترث إن لم تخرج من العدة‪.‬‬
‫‪44‬‬

‫إعاقة ترويج اخلدعة ببيان عدة التزويج وعدة الرجعة‬
‫بيـــان العــدة‬

‫وكذلك ٌنتفً االختبلؾ حول الحكمة من تشرٌع العدة بما ٌخص أنها شرعت لبراءة‬
‫الرحم‪ ،‬ولكن ٌظهر االختبلؾ إن كانت الحكمة تتعدى هذا المطلب إلى ؼٌره‪ ،‬وهو‬
‫ما سنبٌنه فً هذا الشق من القسم األول‪.‬‬
‫[ٔ‪ ]ٕ.ٕ.‬العدة لبراءة الرحم‬
‫والحكمة من العدة كما بٌنها ابن رشد الجد تتلخص بقوله‪ :‬العدة أوجبها َّللا وأمر بها‬
‫حفظا ً لؤلنساب [ٔ]‪ .‬فإن الحكم الظاهر والثابت أن َّللا تعالى قد شرع العدة لبراءة‬
‫الرحم‪ّ ،‬إال أن هذا هو السبب األساسً لتشرٌع العدة‪ ،‬وال ٌبدو للناظر فً تشرٌعات‬
‫َّللا تعالى أن الحكمة من تشرٌع العدة اقتصرت على هذا الحد فحسب‪.‬‬
‫والبٌّن عند تحلٌل الطبلق فً المجتمعات األخرى – ؼٌر المسلمة – هو تعدي‬
‫اختبلط األنساب والدخول فً تعددها‪ ،‬إذ لو استثنٌنا تطور العلم فً استخراج نسب‬
‫البنوة إلى األب األقرب (‪ ،)Parental Test‬لكان من الصعب نسبة الحمل لؤلب‬
‫الصحٌح‪ .‬وإنه ولبن كان الؽرب بحمبلته التبشٌرٌة واالستشراقٌة – باإلضافة إلى‬
‫ؼٌرهم من المنتسبٌن لئلسبلم – قد ؼالوا فً النٌل من زواج النبً ‪ ‬من أم‬
‫المإمنٌن عابشة‪ّ ،‬إال أن مؽاالتهم مردود علٌها بما ٌثبته واقعهم االجتماعً‪ .‬فإن‬
‫كانوا ٌعٌبون على زواج النبً من عابشة‪ ،‬فإن واقعهم الحالً قد تشبّع بحاالت تكون‬
‫فٌها ذات االثنا عشر ربٌعا ً أما ّ لطفل‪ّ ،‬إال أنها ال تعلم من أبوه‪ ،‬فتضطر إلى اللجوء‬
‫إلى البرامج التلفزٌونٌة لتستفٌد من الظهور فً برنامج ما لكً ٌؽطً البرنامج‬
‫التكالٌؾ الباهظة إلجراء االختبار الجٌنً لمعرفة نسب الولد‪.‬‬
‫فإن الحل لمشاكلهم هو استعارة العدة من اإلسبلم واالستفادة منها وال داعً بؤن‬
‫ٌشعروا باالحراج كونهم سٌستعٌرون من المسلمٌن‪ .‬والحاصل أن الفقهاء‪ ،‬ومنذ‬
‫قرون‪ ،‬قد استقر وجه الرأي عندهم أن الحمل ال ٌستبٌن ّإال بعد ثبلثة أشهر‪ ،‬وعلٌه‬
‫ٌبٌن ابن العربً فً معرض حدٌثه عن سورة الطبلق فابدة العدة الصحٌحة‪:‬‬
‫ت مِنْ َعلَ َق ٍة أَ ْو مُضْ َؽ ٍة َحلَّ ْ‬
‫ض َع ْ‬
‫ض َع ْ‬
‫ت ‪َ .‬و َقا َل‬
‫ت ْال َحا ِم ُل َما َو َ‬
‫" ْال َمسْ ؤَلَ ُة السَّا ِد َس ُة ‪ :‬إ َذا َو َ‬
‫ضحْ َنا أَنَّ‬
‫ال َّشا ِفعًُِّ َوأَبُو َحنٌِ َف َة ‪َ :‬ال َت ِح ُّل َّإال ِب َما ٌَ ُكونُ َولَ ًدا‪َ .‬و َق ْد َت َق َّد َم َب ٌَا ُنهُ‪َ ،‬وأَ ْو َ‬
‫َّللا ْال ِع َّد َة َث َبل َث َة أَ ْشه ٍُر أَ َّن َها ْال ُم َّدةُ الَّتًِ فٌِ َها ٌ ُْخلَ ُق ْال َولَ ُد َفوُ ضِ َع ْ‬
‫ت‬
‫ْال ِح ْك َم َة فًِ َوضْ ِع َّ ِ‬
‫[ٕ]‬
‫ْ‬
‫اخ ِت َبارً ا لِ َش ْؽ ِل الرَّ ح ِِم مِنْ َف َراؼِ ِه‪".‬‬
‫[ٕ‪ ].ٕ.ٕ.‬العدة كآخر حبل للحفاظ على األسرة‬
‫‪1‬‬

‫‪ .‬اٌّمكِاخ اٌّّ‪ٙ‬كاخ‪ٌ ،‬ماض‪ ٟ‬اٌعّاػح اتٓ نشك اٌعك‪ ،‬اٌّعٍك ا‪ٚ٤‬ي‪ ،‬صفؽح ‪.267‬‬
‫‪2‬‬
‫‪ .‬أؼىاَ اٌمهآْ‪٤ ،‬ت‪ ٛ‬تىه تٓ اٌؼهت‪ ،ٟ‬اٌّعٍك اٌهاتغ – ذفٍ‪١‬ه ٌ‪ٛ‬نج اٌطالق – صفؽح ‪.213‬‬

‫‪45‬‬

‫إعاقة ترويج اخلدعة ببيان عدة التزويج وعدة الرجعة‬
‫بيـــان العــدة‬

‫لما كان هو نواة المجتمع‪ ،‬ترتب على ذلك صٌانة األسرة ألنها المعسكر التدرٌبً‬
‫الذي ٌتلقى فٌه الفرد األخبلق وٌكتسب فٌها ما ٌعٌنه على تكوٌن فطرته‪ ،‬سواء كان‬
‫ذلك ذكاءه وسرعة البدٌهة‪ ،‬أم تلقً العلم‪ ،‬أو كٌفٌة التصرؾ فً المجتمع بذوق‬
‫ٌعكس من خبلله األسرة التً ٌمثلها‪.‬‬
‫ولما كانت الحكمة الثابتة من تشرٌع العدة هً براءة الرحم‪ّ ،‬إال أن الكثٌر ؼفل من‬
‫أن الحكمة األخرى من تشرٌع العدة هً تمكٌن الرجعة‪ ،‬إذ ال رجعة ببل عدة‪ ،‬حٌث‬
‫تنتفً الرجعة إذا ما كانت العدة معدومة‪ .‬فنظراً لكون هذه الحكمة منطقٌة بالدرجة‬
‫األولى لم ٌتطرق لها الفقه بالتكرار‪ .‬والمبلحظ أن أبواب الرجعة ال تخلو من ذكر‬
‫العدة‪ ،‬وبالمثل‪ ،‬فإن أبواب العدة ال تكاد تخلو من ذكر الرجعة وما ٌتبعها من أحكام‪.‬‬
‫ولذلك‪ ،‬كانت العدة مشرعة من َّللا تعالى صٌانة لحق الرجعة‪.‬‬
‫وأمّا أحكام الرجعة فالبٌن أنها صارمة‪ ،‬حتى شبهها بعض الفقهاء بؤنها مرحلة شبٌهة‬
‫بمرحلة العبودٌة‪ ،‬وشدد َّللا تعالى على األزواج بتجنب التعسؾ باستخدام حق‬
‫الرجعة فؤمر باإلمساك بمعروؾ أو تسرٌح بإحسان‪ .‬فإما تسرٌع الطبلق‪ ،‬فمنتهاه ال‬
‫ٌتحقق إال مروراً بالعدة‪ ،‬والعدة هً فترة الرجعة‪ ،‬بل وقد تعدى الفقه هذه‬
‫االعتبارات‪ ،‬كما بٌن ابن رشد الحفٌد حٌث أقر ما أجمع علٌه علماء األمة على‬
‫حساب اإلمام مالك رحمه َّللا – وهذ فصل ٌنبؽً عدم االلتفات عنه إذ هو احد‬
‫النماذج الكثٌرة التً ٌستسلم بها العلماء للرأي الراجع وإن كان ذلك فٌه خروج على‬
‫قول إمام المذهب‪:‬‬
‫"واختلفوا فً هذا الباب فً الرجل ٌطلق زوجته طلقة رجعٌة وهو ؼابب ثم‬
‫ٌراجعها فٌبلؽها الطبلق وال تبلؽها الرجعة فتتزوج إذا انقضت عدتها‪ ،‬فذهب مالك‬
‫إلى أنها للذي عقد علٌها النكاح دخل بها أو لم ٌدخل‪ ،‬هذا قوله فً الموطؤ‪ ،‬وبه قال‬
‫األوزاعً واللٌث‪ .‬وروى عنه ابن القاسم أنه رجع عن القول األول‪ ،‬وأنه قال‪:‬‬
‫األول أولى بها إال أن ٌدخل الثانً‪ ،‬وبالقول األول قال المدنٌون من أصحابه قالوا‪:‬‬
‫ولم ٌرجع عنه ألنه أثبته فً موطبه إلى ٌوم مات وهو ٌقرأ علٌه‪ ،‬وهو قول عمر بن‬
‫الخطاب ورواه عنه مالك فً الموطؤ‪.‬‬
‫وأما الشافعً والكوفٌون وأبو حنٌفة وؼٌرهم فقالوا‪ :‬زوجها األول الذي ارتجعها‬
‫أحق بها دخل بها الثانً أو لم ٌدخل‪ ،‬وبه قال داود وأبو ثور‪ ،‬وهو مروي عن علً‬
‫‪46‬‬

‫إعاقة ترويج اخلدعة ببيان عدة التزويج وعدة الرجعة‬
‫بيـــان العــدة‬

‫وهو األبٌن‪ ،‬وقد روي عن عمر بن الخطاب رضً َّللا عنه أنه قال فً هذه المسؤلة‪:‬‬
‫إن الزوج الذي ارتجعها مخٌر بٌن أن تكون امرأته أو أن ٌرجع علٌها بما كان‬
‫أصدقها‪ ،‬وحجة مالك فً الرواٌة األولى ما رواه ابن وهب عن ٌونس عن ابن‬
‫شهاب عن سعٌد بن المسٌب أنه قال‪{ :‬مضت السنة فً الذي ٌطلق امرأته ثم‬
‫ٌراجعها فٌكتمها رجعتها حتى تحل فتنكح زوجا ؼٌره أنه لٌس له من أمرها شًء‬
‫ولكنها لمن تزوجها} وقد قٌل إن هذا الحدٌث إنما ٌروى عن ابن شهاب فقط‪.‬‬
‫وحجة الفرٌق األول أن العلماء قد أجمعوا على أن الرجعة صحٌحة وإن لم تعلم بها‬
‫المرأة‪ ،‬بدلٌل أنهم قد أجمعوا على أن األول أحق بها قبل أن تتزوج‪ ،‬وإذا كانت‬
‫الرجعة صحٌحة كان زواج الثانً فاسدا‪ ،‬فإن نكاح الؽٌر ال تؤثٌر له فً إبطال‬
‫الرجعة ال قبل الدخول وال بعد الدخول‪ ،‬وهو األظهر إن شاء َّللا‪ ،‬وٌشهد لهذا ما‬
‫خرجه الترمذي عن سمرة بن جندب أن النبً صلى َّللا علٌه وسلم قال {أٌما امرأة‬
‫[ٔ]‬
‫تزوجها اثنان فهً لؤلول منهما‪ ،‬ومن باع بٌعا من رجلٌن فهو لؤلول منهما}"‬
‫ٌُبلحظ فً منهج ابن الرشد الذي مررنا علٌه مبادئ ثمٌنة تستدعً االنتباه‪ ،‬ألنها‬
‫ستكون محور البحث ومحط الدفاع فً مواجهة ما تلقاه البحث من انتقاد‪ ،‬إذ لٌس‬
‫فقط ابن رشد‪ ،‬بل وحتى القرطبً وؼٌره من العلماء‪ ،‬رأوا مساٌرة إجماع األمة وإن‬
‫كان ذلك مخالفا ً لما انتهجه اإلمام مالك وهو إمام المذهب والمدرسة التً ٌمثلها كل‬
‫هإالء النخبة‪.‬‬
‫فإن كانت المواثٌق الؽلٌظة – وهً عقود الزواج – ُتنسؾ نسفا ً بؤحكام الرجعة‪ ،‬فمن‬
‫باب أولى اعتبار الرجعة حكمة لتشرٌع العدة‪ ،‬فتكون العدة ال تقتصر على فترة‬
‫اختبار الرحم‪ ،‬بل هً فترة احتراز توجب على ال الرجعة‪ ،‬فمن باب أولى اعتبار‬
‫ا لرجعة حكمة لتشرٌع العدة‪ ،‬فتكون العدة ال تقتصر على فترة اختبار الرحم‪ ،‬بل هً‬
‫ً‬
‫فترة احتراز توجب على المطلقة التروي والحذر ّ‬
‫عرضة لحوادث ال‬
‫وإال كانت‬
‫ٌحمد عقباها‪.‬‬
‫ولذلك‪ ،‬شرع العدة للحفاظ على األسرة‪ ،‬إذ ٌقع الطبلق وٌتبعه أحكام الرجعة‪ ،‬وهذه‬
‫األحكام تتحقق طالما ب قٌت المرأة فً العدة‪ ،‬وإن خرجت انهالت األسرة ووصلت‬
‫إلى النهاٌة‪ .‬فبذلك تكون العدة هً اإلطار الذي تمارس فٌه الرجعة‪ ،‬وكما قال تعالى‪:‬‬

‫‪1‬‬

‫‪ .‬تكا‪٠‬ح اٌّعر‪ٙ‬ك ‪ٙٔٚ‬ا‪٠‬ح اٌّمرصك‪ ،‬التٓ نشك‪ .‬اٌّعٍك اٌصأ‪ ،ٟ‬صفؽح ‪.23-22‬‬

‫‪47‬‬

‫إعاقة ترويج اخلدعة ببيان عدة التزويج وعدة الرجعة‬
‫بيـــان العــدة‬

‫َّللا ٌُحْ د ُ‬
‫ك أَمْرً ا" [سورة الطبلق‪]ٔ:‬‬
‫ِث َبعْ َد َذلِ َ‬
‫" َال َت ْد ِري لَ َع َّل َّ َ‬
‫وفً هذا داللة واضحة إلى الرجعة وإعادة تؤلٌؾ القلوب وانتزاع األسرة من قبضة‬
‫الشٌطان ونوازل الزمان – وٌتم ذلك بالجعة‪ ،‬وال تتم الرجعة ّاال أثناء العدة‪.‬‬
‫ٖ‪ .‬أنواع العدة وما ٌلحق بها من أحكام‬
‫نرجا هذا الجزء من البحث إلى مقرر قاعة البحث رقم ٕ‪ ،‬إذ بدأنا هذا البحث فً‬
‫وقت بدأ ٌضٌق نظراً لكثرة االمتحانات والمشاؼل والمسإولٌات الشخصٌة‪ ،‬آملٌن‬
‫أن ٌوفقنا َّللا تعالى إلى إتمامه فً الوقت المإجل‪ .‬وٌحتوي هذا الجزء من البحث‬
‫على التقسٌمة والمواضٌع التالٌة‪:‬‬
‫ٖ‪ .‬أنواع العدة وما ٌلحق بها من أحكام‬
‫ٔ‪ .ٖ.‬عدة الحرابر‬
‫ٔ‪ .ٖ.ٔ.‬عدة ذوات األقراء‬
‫ٕ‪ .ٖ.ٔ.‬عدة المتوفى عنها زوجها‬
‫ٖ‪ .ٖ.ٔ.‬عدة ذوات األحمال‬
‫ٗ‪ .ٖ.ٔ.‬عدة الٌابسة‬
‫٘‪ .ٖ.ٔ.‬عدة الصؽٌرة‬
‫ٕ‪ .ٖ.‬عدة ملك الٌمٌن‬
‫ومن ثم‪ ،‬نترك القارئ الكرٌم االطبلع على محتوٌات هذا الجزء والبحث فٌها‪ ،‬إذ‬
‫تؽطً كل كتب الفقه الشاملة على هذا المحتوى‪.‬‬
‫ٗ‪ .‬قانون األحوال الشخصٌة والمعمول به قبل تطبٌق القانون‬
‫ٌعتبر قضاء األحوال الشخصٌة من أقدم صور التقاضً فً تارٌخ الكوٌت‪ ،‬إذ أن‬
‫نشؤت الدولة كما ٌثبت التارٌخ أنها مجتمع بدابً بسٌط ولٌست دولة ازدهرت بها‬
‫العلم والعلوم‪ .‬على ذلك فإن القاضً ال ٌمكن أن ٌُتحقق به كما هو حال القضاة فً‬
‫األندلس – والتً سقطت قبل نشؤة الكوٌت بثبلثة قرون‪ّ ،‬إال وأن المصادر التً بٌن‬
‫أٌدٌنا تجعله من الٌسٌر التحقق من قضاة األندلس وعلمهم ومن أٌن أخذوا العلم‪،‬‬
‫وهذا ال ٌمكن تطبٌقه على قضاة الكوٌت‪.‬‬

‫‪42‬‬

‫إعاقة ترويج اخلدعة ببيان عدة التزويج وعدة الرجعة‬
‫بيـــان العــدة‬

‫ومثال ذلك‪ٌ ،‬قترح تارٌخ الكوٌت أن من قضاة الكوٌت الشٌخ ‪ /‬محمد بن فٌروز وقد‬
‫توفً هذا الشٌخ فً عام ٕٕ‪ ٔ3‬مٌبلدٌة‪ ،‬ولكن ال ٌمكن معرفة من أٌن حصّل هذا‬
‫الشٌخ على علمه‪ .‬ولكن فً المقابل‪ٌ ،‬مكن بسهولة مراجعة مصادر وفٌرة تبٌن لنا‬
‫ترجمة القضاة الذٌن استندنا على مراجعهم‪ ،‬وفً تلك التراجم شٌوخ هإالء القضاة‬
‫وصور تفوقهم فً العلم‪.‬‬
‫ومرجع هذا القصور هو بدابٌة إقلٌم أهل الكوٌت‪.‬‬
‫ومع إن بدابٌة أي مجتمع إسبلمً فً الدولة اإلسبلمٌة ال ٌمنع أن ٌقوم الناس على‬
‫ممارسة القضاء‪ ،‬إذ هو سنة واجبة التطبٌق‪ ،‬وهو ما حصل بالنسبة للكوٌت‪ .‬فإن‬
‫القضاء تم ممارسته على وجهٌن‪:‬‬
‫‪ ‬أقٌم القضاء بحساب أن فقه األسرة الحاكمة واجب التطبٌق‪ ،‬وهو الفقه‬
‫المالكً‪.‬‬
‫‪ ‬نظراً لخضوع األقالٌم اإلسبلمٌة للخبلفة العثمانٌة‪ ،‬فإن األقالٌم لم تجد مناصا ً‬
‫عن الخضوع أٌضا ً للفقه التً تبنته الدولة العثمانٌة‪ ،‬وهو الفقه الحنفً‪ ،‬الذي‬
‫كان ٌحٌط بنشرات الخبلفة التً سمٌت حٌنذاك بمجلة األحكام العدلٌة‪.‬‬
‫‪ ‬بنا ًء على النقطة السابقة‪ ،‬كان الحكم فً الكوٌت مقٌداً بوجوب تطبٌق فقه‬
‫الخبلفة فً المعامبلت كلها ما عدا األحوال الشخصٌة‪ ،‬فكان المعمول به هو‬
‫الفقه المالكً‪.‬‬
‫وفً فرض الخبلفة للفقه التً تبنته فابدة‪ :‬فبذلك تتحقق وحدة األحكام ووجه الرأي‬
‫فٌها فً كافة األمصار واألقالٌم‪ ،‬وكذلك ٌتسنى للقضاة تبادل ما تداولوه من أحكام‬
‫فً الدعاوى الشابكة‪ ،‬وكذلك ٌمكن لدولة الخبلفة تحقٌق شًء من الرقابة على‬
‫طبٌعة األحكام الصادرة وتتبع تطور القضاء وعلم القضاة‪.‬‬
‫أمّا عندما ٌكون مصر من األمصار مقٌداً بفقه آخر‪ ،‬فإنه ٌشذ عن باقً األمصار‪،‬‬
‫فعند نشوء مسؤلة فً نزاع وٌفصل فٌها قاضً المصر بناء على فقه مؽاٌر للفقه‬
‫السابد‪ ،‬فإن ذلك ٌإدي إلى حرمان القضاء المحلً من االستعانة بخبرات باقً‬
‫القضاة فً كاؾ األمصار‪ ،‬خاصة وأن فطاحلة الفقه المالكً كانوا مستقرٌن فً‬
‫‪49‬‬

‫إعاقة ترويج اخلدعة ببيان عدة التزويج وعدة الرجعة‬
‫بيـــان العــدة‬

‫موقع جٌوؼرافً قاصً وهو ببلد المؽرب‪ .‬فاطبلعهم وتحققهم على ما قضى به‬
‫إقلٌم الكوٌت ال ٌكون باألمر الٌسٌر فً ذلك الوقت‪ ،‬بٌد أن خزانة الفقه المالكً فً‬
‫ذلك الوقت ازدهارها كان فً ببلد المؽرب‪ ،‬وهو ما خلفه المرابطون والموحدون‪ ،‬و‬
‫قبلهم اإلمام سحنون وؼٌرهم الكثٌر – فتلك المصر كان الموروث الحقٌقً للفقه‬
‫المالكً‪.‬‬
‫[ٕ‪ ].ٗ.‬مكانة الفقه المالكً فً القانون الكوٌتً‬
‫إن الدلٌل على عظمة قدر الفقه المالكً فً القانونً الكوٌتً ٌثبته التارٌخ‪ ،‬ذلك أن‬
‫البٌّن أن حكام الكوٌت من آل الصباح تبنوا هذ الفقه الذي كان شابعا ً لدى شعب إقلٌم‬
‫الكوٌت‪ ،‬وأنه حتى وإن كان اإلقلٌم خاضعا ً لحكم الخبلفة العثمانٌة – الدولة‬
‫اإلسبلمٌة – فإن ذلك لم ٌحول دون تطبٌق الفقه المالكً‪.‬‬
‫والجدٌر بالذكر أن الدولة فً وقتها الراهن تبنت قوانٌنها من القانون المصري‪،‬‬
‫وٌشٌر الفقه إلى أن القانون المصري اقتبس مصادره من القانون الفرنسً‪ .‬فالكل‬
‫ٌعرؾ ذلك‪ ،‬ولكنها فً الحقٌقة معلومة قاصرة‪ ،‬إذ أن القانون الفرنسً لم ٌؤتً من‬
‫العدم‪ ،‬بل تؤثر بالدولة األندلسٌة حتى ثار الفرنسٌون مطالبٌن أن تكون العدالة فً‬
‫دولتهم بمقربة على ما كانت علٌه الدولة األندلسٌة‪.‬‬
‫فلم ٌكن للؽرب أي إطبلع أو ممارسة للتقاضً على درجات‪ ،‬فؤصل ذلك هو‬
‫القضاء اإلسبلمً‪ .‬ولم ٌكن للؽرب محكمة مدنٌة‪ ،‬فكانت الكنٌسة هً التً تحكم بٌن‬
‫الناس‪ ،‬وأصل فكرة "المحكمة" فً العالم الؽربً من الدولة اإلسبلمٌة‪ .‬وكذلك تعدد‬
‫القضاة فً النزاع الواحد – فإن أصل هذا المبدأ مستعار من القضاء اإلسبلمً‪.‬‬
‫وأما أمرٌكا‪ ،‬فقد كان تؤثره شدٌداً بالفقه الحنفً والدولة العثمانٌة‪ ،‬وإن النموذج‬
‫السٌاسً والدستور الذي تقوم علٌه الوالٌات المتحدة هو فً أصله نموذج الخبلفة‬
‫العثمانٌة‪ ،‬لٌس لتمٌز الخبلفة العثمانٌة‪ ،‬بل ألنها آخر الخبلفات التً كان ٌمكن للدولة‬
‫األمرٌكٌة اقتباس نموذجها وتطبٌقه فً الفٌدرالٌة األمرٌكٌة والقضاء األمرٌكً‪.‬‬
‫فالحاصل أن الفقه اإلسبلمً – المالكً والحنفً تحدٌداً – هو المصدر التارٌخً‬
‫لؽالبٌة القوانٌن الؽربٌة‪ ،‬فبالتالً ال ٌصح القول أن دولة مصر أخذت القانون من‬
‫فرنسا‪ ،‬وإنما أخذت صورة مشوهة للفقه المالكً من فرنسا‪.‬‬

‫‪50‬‬

‫إعاقة ترويج اخلدعة ببيان عدة التزويج وعدة الرجعة‬
‫بيـــان العــدة‬

‫ومثال ذلك القاعدة التً وضعها عمر بن الخطاب فً رسالة القضاء‪:‬‬
‫البٌنة على من ادعى والٌمٌن على من أنكر‬

‫[ٔ]‬

‫فإن أصل هذه القاعدة القضاء اإلسبلمً‪ .‬وكثٌر ما تردد هذه القاعدة فً المحاكمة‬
‫دون أن تنسب إلى صاحبها ‪ٌ( ‬رجى مراجعة هامش صفحة ‪.)ٔ3‬‬
‫وقول عمر فً ذات الرسالة‪:‬‬
‫ال ٌمنعنك قضا ٌء قضٌته الٌوم فراجعت فٌه عقلك‪ ،‬وهدٌت فٌه لرشدك‪ ،‬أن ترجع إلى‬
‫الحق فإن الحق قدٌ ٌم‪ ،‬و مراجعة الحق خٌر من التمادي فً الباطل‪.‬‬
‫وهذا هو المبدأ الذي صار من خبلله القضاء على درجات فً كل بقاع األرض‪.‬‬
‫وقول عمر فً ذات الرسالة‪:‬‬
‫ثم اعرؾ األشباه و األمثال‪ ،‬فقس األمور عند ذلك‪ ،‬و اعمد إلى أقربها إلى َّللا‪ ،‬و‬
‫أشبهها بالحق‪.‬‬
‫فإن هذا المبدأ هو أصل نظام السوابق القضابٌة‪ .‬ولم ٌعرؾ العالم نظام السوابق قبل‬
‫ما أشار إلٌه أمٌر المإمنٌن عمر‪.‬‬
‫[ٕ‪ ].ٗ.‬قانون األحوال الشخصٌة الكوٌتً الصادر فً عام ٗ‪ٔ42‬‬
‫وعلى ما سبق‪ ،‬فإن ما ٌثبته التارٌخ أن حكام الكوٌت تمسكوا فً الفقه المالكً وإن‬
‫كان ذلك مؽاٌراً لما اختارته دولة الخبلفة لؤلمصار‪.‬‬
‫والحاصل أن الكوٌت قد اكتفت بتطبٌق الفقه المالكً إلى عام ٗ‪ ،ٔ42‬إذ لم ٌكن‬
‫هناك أي داعً الستصدار تقنٌن خاص لؤلحوال الشخصٌة ألن مسابل األحوال‬

‫‪1‬‬

‫‪ .‬اٌىاًِ ف‪ ٟ‬اٌٍغح‪ٌٍّ ،‬ثهق‪ ،‬اٌعىء ا‪ٚ٤‬ي‬
‫اٌىاًِ_ف‪_ٟ‬اٌٍغح‪/‬اٌعىء_ا‪ٚ٤‬ي‪http://ar.wikisource.org/wiki/‬‬

‫‪51‬‬

‫إعاقة ترويج اخلدعة ببيان عدة التزويج وعدة الرجعة‬
‫بيـــان العــدة‬

‫الشخصٌة ٌحكم فٌها من خبلل ما هو متوافر فً دفات الفقه‪ .‬وعلى ذلك‪ ،‬صدر‬
‫قانون األحوال الشخصٌة المذكور ناصا ً على أنه‪:‬‬
‫"كل ما لم ٌرد له حكم فً هذا القانون ٌرجع فٌه الى المشهور فً مذهب االمام مالك‬
‫فان لم ٌوجد المشهور طبق ؼٌره ‪ ،‬فان لم ٌوجد حكم اصبل ‪ ،‬طبقت المبادئ العامة‬
‫فً المذهب‪".‬‬
‫المادة ٖٖٗ من قانون األحوال الشخصٌة الكوٌتً‬

‫وهذه المادة فٌها العدٌد من اإلشكالٌات‪ ،‬وهً من مواضٌع القسم األخٌر من هذا‬
‫البحث‪ ،‬إذ قررت المادة تطبٌق المبادئ العامة فً المذهب‪ ،‬وهً ما رجح من‬
‫أحكام‪ ،‬ثم قبل ذلك قد أسبقت األخذ بالمشهور‪ ،‬فٌكون المشهور مسبوقا ً على الراجح‪،‬‬
‫وهو خبلؾ ما قرره المذهب‪ ،‬بل هو خبلؾ ما عمل به اإلمام مالك بنفسه‪.‬‬
‫باإلضافة إلى أن األخذ بالمشهور على المبادئ العامة الراجحة‪ ،‬والراجح من‬
‫األحكام ما هو إال مؽالطة منطقٌة[ٔ] (‪ ،)Logical Fallacy‬ومن محاسن الصدؾ أن اسم‬
‫هذه المؽالطة استبناؾ‪ ،‬أو طلب‪ ،‬أو التعذر‪ ،‬أو اللجوء إلى المشهور‪:‬‬
‫(بالبلتٌنً‪ Ad Populum :‬أو باالنجلٌزٌة‪.]ٕ[)Appeal to Popularity :‬‬
‫إال أن الهدؾ من طرح المادة ٖٖٗ فً هذا المقام بٌان مكانة الفقه المالكً فً‬
‫القانون الكوٌتً‪ ،‬وإما إشكالٌات المادة‪ ،‬فنرجبها إلً موضع أنسب‪.‬‬
‫وإن حكم العدة فً القانون الكوٌتً هً كما ٌلً‪:‬‬
‫أ‪ -‬تتربص المتوفً عنها زوجها فً زواج صحٌح اربعة اشهر وعشرة اٌام منذ‬
‫وفاته ‪ ،‬ان لم تكن حامبل‪.‬‬

‫‪1‬‬

‫‪ .‬إٕٔا ‪ٚ‬إْ وٕا ٌٍٕرؼ‪ ٓ١‬تإٌّطك إلشثاخ ؼع‪١‬ح نأ‪ ٞ‬ػٍ‪ ٝ‬آـه‪ ،‬ف‪١‬هظ‪ِ ٝ‬الؼظح أْ ِا ٍٔرؼ‪ ٓ١‬تٗ ٘‪ٛ‬‬
‫ِٓ ل‪ٛ‬اػك إٌّطك اٌه‪٠‬اض‪ ً١ٌٚ ٟ‬إٌّطك اٌ‪ٔٛ١‬أ‪ ٟ‬اٌّشىً‪ٚ .‬لك اٌرفكَ اتٓ ذ‪١ّ١‬ح ِصً ٘مٖ اٌم‪ٛ‬اػك‬
‫ف‪ ٟ‬وراتٗ "الــــرد علـــى المنطقييـــن" ٌٍهق ػٍ‪ ٝ‬فالٌفح اٌ‪ٔٛ١‬اْ ‪ٚ‬اٌّرىٍّ‪ .ٓ١‬ف‪ٙ‬مٖ ل‪ٛ‬اػك ِٕطم‪١‬ح‬
‫ٌ‪ٍ١‬د ٌ‪ٙ‬ا شّح ػاللح تاٌؼم‪١‬كج‪ٌٚ ،‬ىٓ لك ‪ٍ٠‬اء اٌرفكاِ‪ٙ‬ا ف‪ ٟ‬إٔشاء ‪ٚ‬ص‪١‬اغح اٌعكاي اٌغ‪١‬ه ِٕرط‪ِ ٛ٘ٚ ،‬ا‬
‫أشان إٌ‪ ٗ١‬اتٓ ذ‪١ّ١‬ح تــــ‪" :‬الجدل الباطل‪ "،‬إال أْ اتٓ ذ‪١ّ١‬ح نؼّٗ هللا ص ّٕف اٌعكي اٌثاطً ت‪ٙ‬مٖ اٌم‪ٛ‬اػك‬
‫اٌر‪ٌٍٕ ٟ‬رؼ‪ ٓ١‬ت‪ٙ‬ا أ‪٠‬ضاً‪.‬‬

‫‪2‬‬

‫‪http://en.wikipedia.org/wiki/Argumentum_ad_populum .‬‬
‫‪http://www.nizkor.org/features/fallacies/appeal-to-popularity.html‬‬

‫‪52‬‬

‫إعاقة ترويج اخلدعة ببيان عدة التزويج وعدة الرجعة‬
‫بيـــان العــدة‬

‫ب‪ -‬عدة الحامل تنقضً بوضع حملها ‪ ،‬او سقوطه مستبٌنا بعض اعضابه‪.‬‬
‫ج‪ -‬عدة ؼٌر الحامل ‪ ،‬فً ؼٌر حالة الوفاة ‪:‬‬
‫ٔ‪ -‬ثبلث حٌضات كوامل فً مدة ال تقل عن ستٌن ٌوما لذوات الحٌض‪.‬‬
‫ٕ‪ -‬تسعون ٌوما لمن لم تر الحٌض اصبل ‪ ،‬او بلؽت سن الٌؤس ‪ ،‬وانقطع حٌضها ‪،‬‬
‫فان جاءها الحٌض قبل اقتضابها ‪ ،‬استإنفت العدة بثبلث حٌضات‪.‬‬
‫ٖ‪ -‬تسعون ٌوما لممتدة الدم ‪ ،‬ان لم تكن لها عادة معروفة ‪ ،‬فان كان لها عادة‬
‫تذكرها اتبعتها فً حساب العدة‪.‬‬
‫ٗ‪ -‬اقل االجلٌن من ثبلث حٌضات ‪ ،‬او سنة لمن انقطع حٌضها قبل سن الٌؤس‪.‬‬
‫٘‪ -‬ابعد االجلٌن من عدة الطبلق ‪ ،‬او عدة الوفاة للمبانة بطبلق الفرار من االرث ‪،‬‬
‫اذا توفً مطلقها قبل تمام عدتها‪.‬‬
‫اٌّاقج ‪ ِٓ 157‬لأ‪ ْٛ‬ا‪٤‬ؼ‪ٛ‬اي اٌشفص‪١‬ح اٌى‪٠ٛ‬ر‪ٟ‬‬

‫إذاً‪ ،‬فإن تلك المادة تقتضً أن المقنن قد استرشد لها من خبلل الفقه المالكً‪ .‬وما‬
‫ٌخصنا تحدٌداً هً الفقرة رقم (ٔ) من البند (ج)‪ :‬وهً أن تتربص المطلقة بثبلثة‬
‫حٌضات كوامل‪ ،‬فً مدة أدناها س ّتون ٌوماً‪.‬‬
‫فمن أٌن جاء المقنن بهذه المدة (ٓ‪ٌ ٙ‬وماً) من صمٌم الفقه المالكً؟ نعم‪ ،‬إنها مدة‬
‫أخذ بها بعض األحناؾ‪ ،‬ولكن البٌّن هو تؤثر المقنن الكوٌتً بالفقه المالكً‪ ،‬وال شك‬
‫أن فً الجانب العملً فً الفقه المالكً هناك مإشر على تلك المدة‪ ،‬وهً فعبلً مدة‬
‫كانت شابعة عند البعض‪ ،‬وهو ما سنسلط علٌه الضوء فً الجزء التالً‪.‬‬
‫[ٖ‪ ].ٗ.‬نموذج لوقابع حصلت فً ظل تطبٌق الفقه المالكً‬
‫بعد بٌان أهمٌة الفقه المالكً فً قانون األحوال الشخصٌة الكوٌتً‪ ،‬وبعد بٌان أن‬
‫القانون قد طوّ ق سلطات قاضً األحوال الشخصٌة فً حٌّز الفقه المالكً‪ ،‬فبل شك‬
‫أن نص المادة ‪ ٔ٘3‬قد استمده المقنن من الفقه المالكً‪.‬‬
‫‪53‬‬

‫إعاقة ترويج اخلدعة ببيان عدة التزويج وعدة الرجعة‬
‫بيـــان العــدة‬

‫وال شك أٌضا ً بؤن هناك وقابع أخذت نصٌبها من التدقٌق والتمحٌص وقعت فً‬
‫األمصار التً كان ٌشٌع بها الفقه المالكً‪ ،‬إذ كان السابد هو أن عدة المطلقة تنتهً‬
‫فً ٓ‪ٌ ٙ‬وما ً – أي شهرٌن‪.‬‬
‫وفً هذا المعرض‪ٌ ،‬قول القاضً المالكً ابن فرحون‬
‫على هذه المدة بما ٌلً‪:‬‬

‫[ٔ]‬

‫(‪ 344 – 3ٔ4‬هـ) معلقا ً‬

‫"ومن ذلك ما أهملوه من سإال المعتدة إذاىأرادتىالنكاح ومباحثتها عن انقضاء‬
‫العدة بما تفهم به أحكامها من تفصٌل وتعٌٌن االقراء ونحو ذلك من شرط الحٌضة‬
‫فً عدة الوفاة فٌنبؽً االجتهاد فً ذلك‪ ،‬وال ىوكتغى ىبػولؼا‪ :‬ىقد ىانػضت ىردتيى‬
‫رلىىاإلجمالىفإنىالنداءىالوومىقدىجؼلنىذلكىجؼالًىكثوراً‪،‬ىبلىجؼلهىكثورىممنى‬
‫وظن ىبه ىرلم ىوورى ىلنغده ىحظاً ىوتػدماً‪ .‬قال‪ :‬وقد عاٌنت بعض الجؼلظ ىمنى‬
‫الموثػون ٌستؽنً عن سإال المرأة جملة إذا هو وجد لتارٌخ الطبلق شهرين‬
‫فصاعدا‪ ،‬واتخذ الٌوم هذا المقدار من المدة كثٌر من الرجال والنساء أصبلً فً إكمال‬
‫عدة الطبلق‪ ،‬وماىأدريىكوفىكانىأصلىهذاىالعلطىالػبوح"‬

‫[ٕ]‬

‫أوالً‪ٌ :‬بلحظ القارئ الكرٌم إشارة القاضً ابن فرحون إلى ما بدأ به من شرط‪ ،‬وهو‬
‫قوله‪ :‬إذا ىأرادت ىالنكاح‪ .‬وهذا هو محور البحث والذي ٌطرح تصنٌفان للعدة‪،‬‬
‫واحدة للرجعة وأخرى للتزوٌج‪ ،‬فإن ما آلت إلٌه المادة ‪ ٔ٘3‬من قانون األحوال‬
‫الشخصٌة كان كفٌل بؤال ٌرفع اللبس الذي كان ٌجري قبل صدور القانون‪ ،‬وهو عدم‬
‫التفرقة بٌن المدة لعدة المطلقة إذا أرادت الرجعة وإذا أرادت النكاح‪.‬‬
‫ومقتضى الشرط فً قول ابن فرحون‪ ،‬إذا ىأرادتىالنكاح‪ٌ ،‬قتضً بمفهوم المقابلة‬
‫أن الشرط ال ٌنطبق إذا أرادتىالرجطظ‪.‬‬
‫‪1‬‬

‫‪ ٛ٘ٚ .‬إتها٘‪ ُ١‬تٓ ػٍ‪ ٟ‬تٓ ِؽّك‪ ،‬اتٓ فهؼ‪ ،ْٛ‬ته٘اْ اٌك‪ ٓ٠‬اٌ‪١‬ؼّه‪ :ٞ‬ػاٌُ تؽاز‪ٌٚ ،‬ك ‪ٔٚ‬شأ ‪ِٚ‬اخ ف‪ٟ‬‬
‫اٌّك‪ٕ٠‬ح‪ِ ٛ٘ٚ .‬غهت‪ ٟ‬ا‪٤‬صً‪ٍٔ ،‬ثرٗ إٌ‪٠ ٝ‬ؼّه تٓ ِاٌه‪ ِٓ ،‬ػكٔاْ‪ .‬نؼً إٌ‪ِ ٝ‬صه ‪ٚ‬اٌمكي ‪ٚ‬اٌشاَ ٌٕح‬
‫‪٘ 792‬ـ‪ٚ .‬ذ‪ ٌٝٛ‬اٌمضاء تاٌّك‪ٕ٠‬ح ٌٕح ‪ 793‬شُ أص‪١‬ة تاٌفاٌط ف‪ ٟ‬شمٗ ا‪ٍ٠٤‬ه‪ ،‬فّاخ تؼٍرٗ ػٓ ٔؽ‪70 ٛ‬‬
‫ػاِا‪ ِٓ ٛ٘ٚ .‬ش‪ٛ١‬ؾ اٌّاٌى‪١‬ح‪.‬‬
‫‪2‬‬
‫‪ .‬أصً ٘ما اٌم‪ٛ‬ي ف‪ ٟ‬وراب ذثصهج اٌؽىاَ‪ٌٍ ،‬ماض‪ ٟ‬اتٓ فهؼ‪ ْٛ‬اٌّاٌى‪ ،ٟ‬صفؽح‪ٔٚ ،223-222 :‬مٍٗ‬
‫اٌماض‪ ٟ‬اٌّؼكأ‪ ٟ‬وّا ٌ‪١‬أذ‪.ٟ‬‬

‫‪54‬‬

‫إعاقة ترويج اخلدعة ببيان عدة التزويج وعدة الرجعة‬
‫بيـــان العــدة‬

‫ثانٌاً‪ٌ :‬بلحظ أٌضا ً النقد ال ُم َب ّ‬
‫طن الذي ٌوجهه ابن فرحون إلى بعض الفقهاء والقضاة‬
‫دون ذكرهم من خبلل اإلشارة إلٌهم بقوله‪" :‬من ٌ ّ‬
‫ُظن به علم وٌرى لنفسه حظا ً‬
‫وتقدما‪"...‬‬
‫ثالثا‪ :‬وختاماً‪ ٌ ،‬بلحظ كٌؾ وصل النقد إلى حد السخرٌة بوصؾ تزوٌج المطلقة بعد‬
‫ٓ‪ٌ ٙ‬وما ً من طبلقها بؤنه ؼلط قبٌح‪ ،‬وأن تزوٌج تقبل أن تتزوج المطلقة بعد ٓ‪ٌ ٙ‬وم‬
‫من تارٌخ الطبلق ال أصل له‪ ،‬ال فً الفقه المالكً وال فً الفقه النصٌري وال حتى‬
‫الفقه الدرزي وال ؼٌره‪.‬‬
‫وأول ما وجدت هذا القول‪ ،‬كان أثناء البحث فً تتبع مقولة ابن العربً المشهورة‬
‫(قد قلّت األدٌان بالذكران‪ ،‬فكٌؾ بالنسوان؟")حٌث وجدت مقولة ابن العربً‬
‫مصحوبة بالقول المنقول عن ابن فرحون‪ ،‬وكان ذلك فً كتاب شرح مٌارة الفاسً‬
‫(وٌسمى أٌضا ً االتقان واإلحكام فً شرح تحفة الح ّكام) للشٌخ مٌارة الفاسً‪ ،‬وفً‬
‫حاشٌته‪ :‬شرح الشٌخ مٌارة‪ ،‬للقاضً المعدانً المالكً (ت ٓٗٔٔ هـ)‪.‬‬
‫وبعد أن نقل القاضً المعدانً قول ابن فرحون السالؾ‪ ،‬فبعد أن قال ابن فرحون‪:‬‬
‫"وال أدري كٌؾ كان أصل هذا الؽلط القبٌح‪ "،‬علّق علٌه القاضً المعدانً[ٔ] بالقول‪:‬‬
‫"وماىأحدنىهذهىالنصوحظىإذىتركؼاىلخزيىوفضوحظ‪".‬‬

‫[ٕ]‬

‫فالواضح أن تزوٌج المطلقة فً الفقه المالكً لٌس باألمر الذي ٌستهان به‪ ،‬فهو‬
‫عرضة للتوبٌخ والسخرٌة‪ ،‬وبذلك ال ٌكون تزوٌج المطلقة فً ٓ‪ٌ ٙ‬وما ً رأٌا ً ٌمكن‬
‫أن ٌإخذ وٌؽض عنه البصر ألسباب نرجا ذكرها إلى القسم الثانً‪ .‬ولكن بعد أن‬
‫أثنى القاضً المعدانً وساهم مع ابن فرحون فً السخرٌة والتوبٌخ‪ ،‬أوضح مشكلة‬
‫الـ ٓ‪ٌ ٙ‬وما ً قبل أن ٌستشهد بقول ابن فرحون‪ ،‬أن المشكلة تبدو مزمنة مع الموثقٌن‬
‫فً تلك العصور‪:‬‬
‫"(تنكيت)‪ :‬قال ابن العربً ‪ :‬عادة الناس عندنا أن تحٌض المرأة مرة فً الشهر وقد‬
‫قلت األدٌان فبل تصدق فً أقل من ثبلثة أشهر الخ‪ .‬ونقله صاحب التوضٌح وؼٌره‪.‬‬
‫‪1‬‬

‫‪ ٛ٘ٚ .‬أتا ػٍ‪ ،ٟ‬اٌؽٍٓ تٓ نؼاي تٓ أؼّك تٓ ػٍ‪ ٟ‬اٌركال‪ ،ٞٚ‬شُ اٌّؼكأ‪ ٟ‬اٌّغهت‪ ٟ‬اٌّاٌى‪٠ٚ ،ٟ‬كػ‪ٝ‬‬
‫‪ ٟ‬اٌمضاء تاٌكان اٌث‪١‬ضاء ‪ٚ‬ذ‪ٛ‬ف‪ ٟ‬ف‪ ٟ‬ػاَ ‪٘ 1140‬ـ‪.‬‬
‫تصاػمح اٌؼٍ‪ .َٛ‬فم‪ِ ٗ١‬شانن ف‪ ٟ‬أٔ‪ٛ‬اع ِٓ اٌؼٍ‪ ،َٛ‬ذ‪ّ ٌٛ‬‬
‫‪2‬‬
‫‪ .‬ؼاش‪١‬ح شهغ ِ‪١‬انج اٌفاٌ‪ٌٍ ،ٟ‬ماض‪ ٟ‬اتٓ نؼاي اٌّؼكأ‪ .ٟ‬اٌّعٍك ا‪ٚ٤‬ي‪ ،‬صفؽح ‪.392‬‬

‫‪55‬‬

‫إعاقة ترويج اخلدعة ببيان عدة التزويج وعدة الرجعة‬
‫بيـــان العــدة‬

‫ولما نقله أبو الحسن قال بعده ما نصّه الشٌخ أبو محمد صالح فجعل نساء مدٌنة فاس‬
‫كلهن مسنات الشٌخ وتسؤل بعد ثبلثة أشهر هل حاضت ثبلث حٌض أم ال؟ انظر‬
‫على قول ابن العربً هل للزوج الرجعة؟ فقد عورض بهذا بعض الموثقٌن ولكن ال‬
‫تكون الرجعة الخ وهذا منه بلفظه‪ ،‬وكبلم أبً محمد صالح ؼٌر ظاهر‪ ،‬فإن كبلم‬
‫ابن العربً دال على اعتبار االقراء الذي هو فً القرآن وكذا تخصٌصه نساء‬
‫[ٔ]‬
‫فاس"‬
‫ثم استشهد المعدانً بقول ابن فرحون الذي مررنا عٌله موضحا ً مبتؽاه‪:‬‬
‫" وقوله [ٌقصد ابن فرحون]‪{ :‬فٌنبؽً} ربما ٌحمل على الوجوب‪ .‬وقوله‪{ :‬من‬
‫شرط الحٌضة الخ} أشار به لمضمون قول المختصر فً فصل العدد ما نصّه‪ :‬إن‬
‫تمّت قبل زمن حٌضها وقال النساء ال رٌبة بها الخ‪ .‬وقوله‪{ :‬فصاعداً الخ} سبب‬
‫الؽلط فً ثبلثة أشهر لعله هو العمل على الؽالب من حٌضة المرأة فً كل شهر مرة‬
‫كما رأٌته فً كبلم ابن العربً وذات األقراء اعتدادها بها إجماعا ً كما فً نهاٌة‬
‫الحفٌد وؼٌرها إذ هو كذلك فً القرآن‪ ،‬وإن اختلؾ فً المراد باألقراء هل هو‬
‫األطهار أو الحٌض؟ وحاصل األمر أن المرأة إذا لم ٌمض لطبلقها ثبلثة أشهر فإنها‬
‫ال تزوج على ما قاله ابن العربً أنها ال تصدق فً أنها حاضت ثبلثا ً قبل ثبلثة‬
‫[ٕ]‬
‫أشهر‪" ...‬‬
‫فالحاصل أن هناك بالفعل وقابع مإداها أنه كان ٌعمل على أن تنقضً عدة المطلقة‬
‫فً ٓ‪ٌ ٙ‬وماً‪ ،‬ولكن هذا هو الخطؤ الذي انتشر بٌن المسلمٌن وكان العمل مستمراً‬
‫على تصحٌحه‪ ،‬وال شك أن مثل هذه األخطاء سرٌعة التسرب وسرٌعا ً ما تستقر فً‬
‫المجتمعات البدابٌة حتى ٌظن أهل اإلقلٌم البدابً على أن ما ٌعملون به هو‬
‫الصواب‪ .‬وألن الكوٌت كانت فً معزل عن منارات علم وعلوم الفقه المالكً‪ ،‬فإن‬
‫تدارك الخطؤ ال ٌكون بسبلسة ودٌنامٌكٌة كما هو الحال فً بلدان المؽرب قبل نشؤة‬
‫الكوٌت‪ ،‬ألن مثل تلك البلدان كانت بمثابة خزٌنة للفقه المالكً‪ ،‬فإذا ما أخطؤ موثقا ً‬
‫وجد فً مقالبة خطبه مابة عالم ٌنتقدون وٌصححون الخطؤ‪ ،‬أما فً الكوٌت‪ ،‬فكان‬
‫العلم والقضاء ٌإخذ من عدد قلٌل من العلماء والقضاة‪ ،‬حتى ٌظن أنهم‪ ....‬بهم علما ً‬
‫وٌُظن أن فٌهم تقدماً‪ ...‬أو كما قال صاحب تبصرة الح ّكام‪.‬‬

‫‪1‬‬

‫‪ .‬ؼاش‪١‬ح شهغ ِ‪١‬انج اٌفاٌ‪ٌٍ ،ٟ‬ماض‪ ٟ‬اتٓ نؼاي اٌّؼكأ‪ .ٟ‬اٌّعٍك ا‪ٚ٤‬ي‪ ،‬صفؽح ‪.391‬‬
‫‪2‬‬
‫‪ٔ .‬فً اٌّصكن اٌٍاتك‪ ،‬صفؽح ‪.392‬‬

‫‪56‬‬

‫إعاقة ترويج اخلدعة ببيان عدة التزويج وعدة الرجعة‬
‫بيـــان العــدة‬

‫[ٗ‪ ].ٗ.‬المشكلة التً تؽافل عنها قانون األحوال الشخصٌة الكوٌتً‬
‫فإن موضوع البحث ٌمثل مشكلة كبٌرة وتعدٌا ً صارخا ً على شرع َّللا‪ ،‬والذي هو‬
‫أصل قوانٌن الدولة‪ ،‬وهو تزوٌج المطلقة من رجل جدٌد ؼٌر الذي طلقها فً إثناء‬
‫عدتها‪ .‬وقد بٌّنا كٌؾ كانت ردت الفعل لدى فقهاء وقضاة المذهب المالكً فً هذا‬
‫الشؤن‪ ،‬فإن درجة النقد خرجت عن المؤلوؾ حتى وصموا من ٌزوج المطلقة بعد‬
‫شهرٌن وصاعداً (وهو ما نصت علٌه المادة ‪/ٔ٘3‬ج‪ ٔ/‬من قانون األحوال‬
‫الشخصٌة الكوٌتً) بؤنه اعتنق الجهل‪ ،‬وتبنى الؽلط القبٌح‪ ،‬وأن مثل ذلك ال ٌترك اال‬
‫للخزي والعار والفضٌحة‪.‬‬
‫ذلك أن جوهر المادة ‪/ٔ٘3‬ج‪ ٔ/‬ما هو إال تزوٌج المطلقة من آخر ؼٌر الذي طلقها‪،‬‬
‫وإن هذه مسؤلة تعتبر فً الفقه عموما ً مانعا ً من موانع النكاح‪ ،‬إذ ال ٌجوز‪ ،‬بل‬
‫ٌحرم‪ ،‬تزوٌج المطلقة من آخر أثناء العدة لما فً ذلك من‪:‬‬
‫ٔ‪ .‬اختبلط لؤلنساب‪.‬‬
‫ٕ‪ .‬وهدم ألواصر األسرة‪.‬‬
‫ٖ‪ .‬وهدر حق الزوج فً االرتجاع – وهو حق شرعه َّللا بصرٌح القرآن‪.‬‬
‫وهً أمور لما نذكرها وأسهبنا فً شرحها فً هذا القسم عبثا ً لئلطالة‪ .‬وقد‬
‫تطرق إلى هذه المسؤلة الكثٌر من كتب الفقه علماء األمة قاطبة‪ ،‬ومنهم ابن رشد‬
‫الحفٌد‪ ،‬حٌث أوضح ما ٌلً‪:‬‬
‫" واتفقوا على أن النكاح ال ٌجوز فً العدة كانت عدة حٌض أو عدة حمل أو عدة‬
‫أشهر‪.‬‬
‫واختلفوا فٌمن تزوج امرأة فً عدتها ودخل بها‪ ،‬فقال مالك واألوزاعً واللٌث‪:‬‬
‫ٌفرق بٌنهما وال تحل له أبدا؛ وقال أبو حنٌفة والشافعً والثوري‪ٌ :‬فرق بٌنهما‪ ،‬وإذا‬
‫انقضت العدة بٌنهما فبل بؤس فً تزوٌجه إٌاها مرة ثانٌة‪.‬‬
‫وسبب اختبلفهم هل قول الصاحب حجة أم لٌس بحجة؟‬

‫‪57‬‬

‫إعاقة ترويج اخلدعة ببيان عدة التزويج وعدة الرجعة‬
‫بيـــان العــدة‬

‫وذلك أن مالكا روى عن ابن شهاب عن سعٌد بن المسٌب وسلٌمان بن ٌسار أن‬
‫عمر ابن الخطاب فرق بٌن طلٌحة األسدٌة وبٌن زوجها راشدا الثقفً لما تزوجها‬
‫فً العدة من زوج ثان وقال‪ :‬أٌما امرأة نكحت فً عدتها فإن كان زوجها الذي‬
‫تزوجها لم ٌ دخل بها فرق بٌنهما‪ ،‬ثم اعتدت بقٌة عدتها من األول‪ ،‬ثم كان اْلخر‬
‫خاطبا من الخطاب؛ وإن كان دخل بها فرق بٌنهما‪ ،‬ثم اعتدت بقٌة عدتها من األول‪،‬‬
‫ثم اعتدت من اْلخر‪ ،‬ثم ال ٌجتمعان أبدا‪ .‬قال سعٌد‪ :‬ولها مهرها بما استحل منها‪.‬‬
‫وربما عضدوا هذا القٌاس بقٌاس شبه ضعٌؾ مختلؾ فً أصله‪ ،‬وهو أنه أدخل فً‬
‫النسب شبهة فؤشبه المبلعن‪.‬‬
‫وروي عن علً وابن مسعود مخالفة عمر فً هذا‪ .‬واألصل أنها ال تحرم إال أن‬
‫ٌقوم على ذلك دلٌل من كتاب أو سنة أو إجماع من األمة‪ .‬وفً بعض الرواٌات أن‬
‫عمر كان قضى بتحرٌمها‪ ،‬وكون المهر فً بٌت المال‪ ،‬فلما بلػ ذلك علٌا أنكره‬
‫فرجع عن ذلك عمر‪ ،‬وجعل الصداق على الزوج ولم ٌقض بتحرٌمها علٌه‪ ،‬رواه‬
‫الثوري عن أشعث عن الشعبً عن مسروق‪.‬‬
‫وأما من قال بتحرٌمها بالعقد فهو ضعٌؾ‪ .‬وأجمعوا على أنه ال توطؤ حامل مسبٌة‬
‫حتى تضع‪ ،‬لتواتر األخبار بذلك عن رسول َّللا صلى َّللا علٌه وسلم‪ .‬واختلفوا إن‬
‫وطًء هل ٌعتق علٌه الولد أو ال ٌعتق‪ ،‬والجمهور على أنه ال ٌعتق‪ .‬وسبب‬
‫اختبلفهم هل ماإه مإثر فً خلقته أو ؼٌر مإثر؟ فإن قلنا أنه مإثر كان له ابنا بجهة‬
‫ما‪ ،‬وإن قلنا أنه لٌس بمإثر لم ٌكن ذلك‪ .‬وروي عن النبً علٌه الصبلة والسبلم أنه‬
‫قال {كٌؾ ٌستعبده وقد ؼذاه فً سمعه وبصره}‪ .‬وأما النظر فً مانع التطلٌق ثبلثا‪،‬‬
‫[ٔ]‬
‫فسٌؤتً فً كتاب الطبلق‪".‬‬
‫والمستخلص من هذا القول أن تحرٌم إعادة الزوجة للزوج المإقت الذي نكحها أثناء‬
‫العدة ٌستند على التحاٌل‪ ،‬وإن علٌا ً رضً َّللا عنه‪ ،‬أقر الفرقة بٌن الزوجٌن‪ ،‬ولكن‬
‫أنكر على عمر رضً َّللا عنه بؤنه حرّم اجتماعهما‪ .‬وذلك ربما العتبار الخطؤ‬
‫البشري‪ ،‬وربما لتدارك الوضع إن كان الزوج الجدٌد قد دخل بمعتدة الؽٌر ونتج عن‬
‫ذلك حمبلً‪ .‬فإن نسب الولد والحالة برمتها أولى بتدارك المسؤلة‪ ،‬حٌث ٌقضى‬
‫بطبلقها من األول والسماح للزوج الثانً بؤن ٌعاود الزواج منها‪ ،‬وذلك أٌضا ً حفاظا ً‬

‫‪1‬‬

‫‪ .‬تكا‪٠‬ح اٌّعر‪ٙ‬ك ‪ٙٔٚ‬ا‪٠‬ح اٌّمرصك‪ ،‬التٓ نشك اٌؽف‪١‬ك‪ .‬اٌّعٍك اٌصأ‪ ،ٟ‬صفؽح ‪.46-45‬‬

‫‪52‬‬

‫إعاقة ترويج اخلدعة ببيان عدة التزويج وعدة الرجعة‬
‫بيـــان العــدة‬

‫على الحمل إن نتج‪ ،‬والذي ال ٌظهر إال لبعد ثبلثة أشهر كما استقر هذا الوجه للرأي‬
‫لدى كافة الفقهاء‪.‬‬
‫والحاصل أن اإلشكالٌة التً ستقع حال تزوٌج المرأة أثناء عدتها شابكة وأن تبلفً‬
‫مثل هذا الخطؤ أحوط‪ ،‬ولكن فً حال وقوع الخطؤ ال بد من التضحٌة‪ .‬وإن تحرٌم‬
‫اجتماع المطلقة مع من الرجل اْلخر الذي تزوجها فً عدتها‪ ،‬ال ٌدلل سوى أن‬
‫ٌكون عقابا ً على التحاٌل على شرع َّللا‪ ،‬بدلٌل أن َّللا تعالى قال فً كتابه‪:‬‬
‫الزانًِ َال ٌَن ِك ُح إِ َّال َزا ِن ٌَ ًة أَ ْو ُم ْش ِر َك ًة َو َّ‬
‫" َّ‬
‫ان أَ ْو ُم ْش ِر ٌ‬
‫ك َوحُرِّ َم‬
‫الزا ِن ٌَ ُة َال ٌَن ِك ُح َها إِ َّال َز ٍ‬
‫ٌِن" [سورة النور‪]ٖ:‬‬
‫ك َعلَى ْالم ُْإ ِمن َ‬
‫َذلِ َ‬
‫أوالً‪ :‬الظاهر فً قوله تعالى أنه استبعد الزانً والزانٌة عن دابرة المإمنٌن‪.‬‬
‫ثانٌاً‪ :‬أنه بخبلؾ رأي اإلمام مالك – وهو الرأي الذي ٌجب أن تسلم له محاكم‬
‫األحوال الشخصٌة فً الكوٌت – الذي ٌقتضً بالفرقة وتحرٌم الجمع بٌن الرجل‬
‫الذي ٌنكح معتدة الؽٌر‪ ،‬فإن َّللا تعالى ألزم الزانً أن ٌنكح زانٌة أو مشركة إن أراد‬
‫النكاح‪ ،‬ولكن وجه الرأي الذي تبناه اإلمام مالك ٌعكس القاعدة األصولٌة‪:‬‬
‫منىادتطجلىالذيءىقبلىأوانه‪،‬ىروقبىبحرمانه ى‬
‫فحرم الزوج الذي نكح معتدة الؽٌر من أن ٌنكحها بعد التفرٌق بٌنهما‪ ،‬إذ جاء‬
‫ً‬
‫حٌلة على شرع َّللا وهو ما رآه عمراً رضً َّللا عنه وأخذه عنه مالكاً‪،‬‬
‫االستعجال‬
‫وأما رأي علً رضً َّللا عنه فإنه ٌؤتً متجانسا ً مع ما أقرته القاعدة العامة‪:‬‬
‫الضررىاألذدىوزالىبالضررىاألخف ى‬
‫إذ أن الضرر األخؾ هو إنهاء الزواج األول وإعادة الزواج الثانً الذي تم فً ؼٌر‬
‫موعده لما قد ٌنتج عنه من حمل‪ ،‬وما قد ٌلحق باألسرة األولى عار وخزي وفضٌحة‬
‫أشد من العار والخزي والذي ال جرم سٌلحق بإعادة تزوٌج المرأة للذي تزوجها‬
‫أثناء عدتها من األول‪ .‬وَّللا تعالى أعلم بؤي الرأٌٌن أصوب‪.‬‬

‫‪59‬‬

‫إعاقة ترويج اخلدعة ببيان عدة التزويج وعدة الرجعة‬
‫بيـــان العــدة‬

‫وهذا ما ٌحصل عندما تترك األمور ببل ضابط‪ ،‬وهو ما كان معمول به قبل تطبٌق‬
‫قانون األحوال الشخصٌة الصادر فً عام ٗ‪.ٔ42‬‬
‫فإن مثل هذه الحاالت كانت تقع‪ ،‬ولدٌنا ما ٌكفً من أدلة‪ّ ،‬إال أننا نمتنع عن تقدٌم‬
‫مثل هذه المستندات صٌانة لضحاٌا هذه األخطاء ولعدم تجرٌح العدٌد من القضاة‬
‫والعاقدٌن والموثقٌن‪ ،‬وكل منهم ٌظن به علم وٌرى لنفسه حظا ً وتقدماً‪ ...‬أو كما قال‬
‫القاضً ابن فرحون المالكً رحمه َّللا تعالى‪.‬‬
‫وفً كل األحوال فإن القانون الحالً فً مادته ‪/ٔ٘3‬ج‪ ٔ/‬قد خالؾ ما ألزم به نفسه‪،‬‬
‫فقد أخذ األخطاء المطبقة فً الفقه المالكً بدالً من التحري عن األحكام المعمول‬
‫بها‪ ،‬وأجاز تزوٌج المطلقة أثناء عدتها من حٌث ال ٌعلم‪ ....‬وكذلك فقد قٌّد القاضً‬
‫باألخذ بالمشهور فً مذهب اإلمام مالك وترك الراجح‪ ،‬وهو خبلؾ المذهب الذي‬
‫اتبعه اإلمام مالك بذاته‪ .‬وهذه مواضٌع القسم الثانً انشاء َّللا تعالى‪.‬‬

‫‪60‬‬

‫‪‬א‪‬א‪‬א‪  ‬‬
‫‪‬א‪‬א‪‬‬

‫‪@ @ïØÛb¾a@éÔÐÛa@âbØyc@ZïãbrÛa@áÔÛa‬‬
‫بيّنا في القسم األول من ھذا البحث عدة مسائل تحوم حول العدة مبينين أن آية العدة‬
‫– فيما يخص المطلقة من ذوات األقراء – الواردة في اآلية ‪ ٢٢٨‬من سورة البقرة‬
‫ھي من أشكل آيات ﷲ بشھادة اإلمام القرطبي والقاضي أبو بكر بن العربي رحمھما‬
‫ﷲ‪ .‬وفي معرض استعراضنا للعدة كيفھا عالجھا العلماء‪ ،‬كان ال بد من التحليل‬
‫العميق لربط أقوال العلماء فيما بينھا إلثبات أن حكم القاضي ابن العربي كان‬
‫مسوغاته تكفي لحمله‪ .‬ذلك أن القاضي ابن العربي آثر أن يصرح بحكم في ھذه‬
‫المسألة لبتر الخالف وطرحه جانبا ً مبينا ً أن المسائل الخالفية في العدة محمودة في‬
‫أصلھا‪ .‬وقد أيد ابن العربي في ذلك العديد ممن جاءوا من بعده مثل القاضي‬
‫المعداني الذي بيّن أن المراد من الخالف ھو تصديق المطلقة في كل ما يمكن‬
‫تصديقھا فيه وإن كانت الدة تقارب الشھر‪.‬‬
‫وكذلك بيّنا قول القاضي ابن فرحون المالكي أن ما وجھه من انتقاد الذع وساخر‬
‫كان مشروطا ً في إنكاح المطلقة من غير الذي طلقھا في فترة شھرين وصاعدا‪ ،‬وأن‬
‫ما عدى ذلك‪ ،‬فإنه ال حرج فيه‪ .‬ألنه إذا قالت المطلقة‪" :‬لم تنتھي عدتي" في أكثر أو‬
‫أقر من ثالثة أشھر‪ ،‬فإن المسألة تخضع لتقديرات وتدابير أخرى‪ ،‬وأن المحظور ال‬
‫يقع‪ .‬أما إذا قالت‪" :‬انقضت عدتي" في فترة أقل من ثالثة أشھر‪ ،‬فإن المحظور يقع‪،‬‬
‫حيث يتم تزويج المطلقة آلخر أثناء فترة العدة الشرعية‪ ،‬وھي ثالثة أشھر سواء كان‬
‫الطالق في الطھر أم الحيض وسواء تحقق الحيص ثالثا ً أم لم يتحقق‪.‬‬
‫وقد بي ّنا قول القرطبي في ھذا الشأن‪ ،‬وال مفر من إعادة ما قاله في ھذا القسم أيضا ً‪.‬‬
‫ثم استعرضنا بإيجاز الوضع التاريخي للفقه المالكي وأثره على قانون األحوال‬
‫الشخصية الكويتي‪ ،‬و تبين لنا أنه لغزارة الموروثات في الفقه المالكي‪ ،‬فقد استغنى‬
‫المقنن الكويتي من تصنيف الفقه المالكي وتبويبه في ھيئة قانون يكون تحت يد‬
‫المحاكم‪ .‬فإن تأخر اصدار قانون األحوال الشخصية من قبل المقنن ال مؤاخذة فيه‪،‬‬
‫ولكن ما يؤخذ على المقنن الكويتي أنه لم يبالي في التفرقة والبحث بين الخطأ‬
‫والصواب في الفقه المالكي‪.‬‬
‫ورأينا أن تقدير زمان العدة في ‪ ٦٠‬يوماً‪ ،‬وھو المعمول به في قانون األحوال‬
‫الشخصية الكويتي‪ ،‬ھو من األخطاء التي تسللت إلى الفقه المالكي‪ .‬ولكن‪ ،‬ليس ھذا‬
‫الخطأ مطلقاً‪ ،‬فإن المدة تصح إذا كانت المطلقة تواجه الرجعة‪ ،‬وإنما الخطأ ھو عدم‬
‫‪ ‬‬
‫‪ ‬‬

‫‪  ٦١‬‬

‫‪‬א‪‬א‪‬א‪  ‬‬
‫‪‬א‪‬א‪‬‬

‫التفريق بين الرجعة والتزويج من آخر‪ ،‬حيث يكون الخطأ في الحالة الثانية‪ .‬ويالحظ‬
‫أن المسألة في غاية الدقة‪ ،‬وإنه بغض النظر عن انتقادات ابن فرحون الالذعة‪ ،‬وما‬
‫ّ‬
‫خطاء في نھاية‬
‫سنزيد عليه من انتقادات من علماء آخرين‪ ،‬فإن كل ابن آدم‬
‫المطاف‪ .‬ولكن من طبيعة البشر مقاومة التغيير والتمسك بالغزة على حساب‬
‫تصحيح األخطاء‪ ،‬فھذا ھو حال ابن آدم ويشھد على ذلك العديد من القصص التي‬
‫ثبّتھا ﷲ تعالى خلّدھا في كتابه الخالد‪.‬‬
‫وإن ابن آدم ليعذر أيضا ً فيما فطره ﷲ عليه‪ ،‬فطبيعة البشر ال تقبل التغيير‪ ،‬خاصة‬
‫إذا كان التغيير مقدم من شخص واحد أو قلة في المجتمع‪ ،‬فيقول ﷲ تعالى واصفا ً‬
‫ھذا الحال بسرد قصة نبيه صالح عليه السالم مع قومه‪ ") :‬أَأ ُ ْلق َِي ِّ‬
‫الذ ْك ُر َع َل ْي ِه مِن َب ْي ِن َنا‬
‫َب ْل ھ َُو َك َّذابٌ أَشِ ٌر" ]سورة القمر‪ .([٢٥:‬وكذلك يصف ﷲ تعالى حال نبيه شعيبا ً مع‬
‫ضعِي ًف ۖا َو َل ْو َال َرھْ ُ‬
‫قومه‪َ ") :‬قالُوا َيا ُ‬
‫ط َك‬
‫اك فِي َنا َ‬
‫ش َعيْبُ َما َن ْف َق ُه َك ِثيرً ا ِّممَّا َتقُو ُل َوإِ َّنا َل َن َر َ‬
‫اك َو َما أَ َ‬
‫يز" ]سورة ھود‪ .([٩١:‬وكذلك نوح‪ ،‬فقد بيّن ﷲ تعالى‬
‫َل َر َجمْ َن ۖ َ‬
‫نت َع َل ْي َنا ِب َع ِز ٍ‬
‫أن قومه امتنعوا عن اتباع الحق فقط ألنھم رفضوا االنصياع للحق كون أن قليلو‬
‫اك إِ َّال َب َشرً ا‬
‫ِين َك َفرُوا مِن َق ْو ِم ِه َما َن َر َ‬
‫الشأن انضموا إلى دائرة الحق‪َ ") :‬ف َقا َل ْال َم َأل ُ الَّذ َ‬
‫ِي الرَّ ْأيِ َو َما َن َر ٰى َل ُك ْم َع َل ْي َنا مِن َفضْ ٍل‬
‫م ِّْث َل َنا َو َما َن َر َ‬
‫ِين ُھ ْم أَ َرا ِذلُ َنا َباد َ‬
‫اك ا َّت َب َع َك إِ َّال الَّذ َ‬
‫َب ْل َن ُ‬
‫ين" ]سورة ھود‪ .([٢٧:‬وإن االنسان ال يصل إلى القناعة إذا ما طلب‬
‫ظ ُّن ُك ْم َكاذ ِِب َ‬
‫منه ما اعتاد القيام به‪ ،‬وإن ذلك خطأ‪ ،‬بل يقاوم التغيير‪ ،‬وإن كان مفلسا ً من األعذار‪،‬‬
‫وقد بيّن ﷲ تعالى ذلك في قصة موسى وھارون وردت فعل فرعون الذي لم يقر‬
‫ون‬
‫ج ْئ َت َنا لِ َت ْلفِ َت َنا َعمَّا َو َج ْد َنا َع َل ْي ِه آ َبا َء َنا َو َت ُك َ‬
‫بخطئه إال عندما رأى الموت‪َ ") :‬قالُوا أَ ِ‬
‫ِين" ]سورة يونس‪.([٧٨:‬‬
‫ض َو َما َنحْ نُ َل ُك َما ِبم ُْؤ ِمن َ‬
‫َل ُك َما ْال ِكب ِْر َيا ُء فِي ْاألَرْ ِ‬
‫وعندما يكون الخطأ دارجا ً محدثا ً آلثار مستتبة في المجتمع‪ ،‬ثم يظھر أن تلك اآلثار‬
‫مبنية على غلط‪ ،‬وقيل فيه غلط فاحش ال أصل له ن قبل ابن فرحون والقاضي‬
‫المعداني‪ ،‬فإن المقاومة تظھر وبشدة وتكون مدرعة ومطوقة بأتفه األعذار‬
‫والمغالطات المنطقية التي ال تزيد من حجة المعترضين ّإال الھوان والخذالن‪.‬‬
‫فإن الثابت أن عدة المطلقة – متى ما أرادت التزويج من آخر غير الذي طلقھا –‬
‫ھي ثالثة أشھر في الفقه المالكي‪ .‬وإن ھذه المدة محددة بأحكام‪ ،‬وليس فقط أراء‬
‫فقھية وفتاوى‪ .‬وإنه ولألسف‪ ،‬أن الخطأ الذي تبناه المقنن الكويتي دخل في القانون‬
‫من المعمول به قبل صدور القانون‪ ،‬أي منذ تطور القضاء في الكويت في عام‬
‫‪ ١٩٢١‬م عما كان عليه من قضاء عرفي يختار بموجبه الخصوم من يرتضون‬
‫تحكيمه بينھم من القضاة )وكانوا قلة ال يتجاوزن أصابع اليد الواحدة(‪ ،‬إلى قضاء‬
‫‪ ‬‬
‫‪ ‬‬

‫‪  ٦٢‬‬

‫‪‬א‪‬א‪‬א‪  ‬‬
‫‪‬א‪‬א‪‬‬

‫أكثر تطوراً‪ّ ،‬إال أنه وفي نھاية المطاف كانت الكويت دولة بسيطة وبدائية لم تتيح‬
‫لھا السبل االطالع على كل خزائن الفقه المالكي الذي تبناه الشعب وارتضاه في‬
‫تحكيم نزاعاتھم في االحوال الشخصية‪.‬‬
‫ونظراً ألن موضوع البحث ووجه بعدة انتقادات المطروحة من باب مقاومة التغيير‬
‫وعدم األخذ برأي لم يطرحه سوى شخص واحد كما يتوھمون‪ ،‬فقد كانت أول وأكثر‬
‫حجة للمعترضين على ما ساقه ابن العربي وغيره من العلماء أن ما نقلناه ھو أراء‬
‫شخصية‪ ،‬ليست مشھورة‪ .‬وفي ھذا ال بد من بيان مكونات الفقه وما يتضمنه من‬
‫أحكام‪ ،‬وآراء‪ ،‬وفتاوى‪ .‬والفرق بين الحكم والرأي الفقھي‪ ،‬والحكم والفتوى‪ ،‬والفتوى‬
‫والرأي الفقھي‪ .‬ثم ال بد من بيان الفرق بين تقديم الراجح على المشھور متى ما‬
‫نشب الخالف في المشھور‪ .‬ثم نعيد بيان ما ساقه اإلمام القرطبي متبوعا ً بما قيّمه‬
‫القاضي ابن فرحون المالكي‪ ،‬وكال القاضيين لم يخرجا عن حكم القاضي أبو بكر بن‬
‫العربي‪ .‬ثم نبين مكمن الخطأ عند الذين ظنوا أن العدة للمطلقة إن أرادت التزويج‬
‫ينطبق عليھا األخذ باألزمنة القصيرة‪ ،‬وھذه قصة وردت في المدونة مصدرھا‬
‫قضاء القاضي أ َبان بن عثمان]‪ [١‬رضي ﷲ عنه‪ ،‬وقد أخذھا الكثير لتطبيق األزمنة‬
‫القصيرة على المطلقة إن ارادت التزويج من آخر غير الذي طلقھا‪ ،‬وھي في الحقيقة‬
‫حكم طبق للرجعة‪.‬‬
‫بالتجاوز عن المالبسات التاريخية – سواء ما كان عليه الحال في الكويت قبل‬
‫صدور قانون األحوال الشخصية ورا ًء إلى بداية نشأة الكويت‪ ،‬أو العصور المتقدمة‬
‫في الفقه المالكي في الحقبة التي نستدل فيھا – فإن مكمن اإلشكال من وجھة نظر‬
‫الباحث المتواضعة يقع في نص المادة ‪ ٣٤٣‬من قانون األحوال الشخصية‪ ،‬والتي‬
‫تنص على‪:‬‬
‫"كل ما لم يرد له حكم في ھذا القانون يرجع فيه الى المشھور في مذھب االمام مالك‬
‫فان لم يوجد المشھور طبق غيره ‪ ،‬فان لم يوجد حكم اصال ‪ ،‬طبقت المبادئ العامة‬
‫في المذھب‪".‬‬
‫المادة ‪ ٣٤٣‬من قانون األحوال الشخصية الكويتي‬

‫فلكي يتم فرض الحقائق واألدلة القاطعة على أولوا األمر فيما يخص عدة المطلقة‪،‬‬
‫ال بد من إيضاح الخلل الذي تتضمنه ھذه المادة‪ ،‬حيث أنھا قيدت محكمة األحوال‬
‫‪                                                             ‬‬

‫‪ .١‬أبان بن عثمان‪ ،‬وھو ابن الخليفة عثمان بن ع ّفان رضي ﷲ عنه‪ ،‬وھو من التابعين ومن الثقات‪  .‬‬

‫‪ ‬‬
‫‪ ‬‬

‫‪  ٦٣‬‬

‫‪‬א‪‬א‪‬א‪  ‬‬
‫‪‬א‪‬א‪‬‬

‫الشخصية بالفقه المالكي‪ ،‬وخالفت ما ذھب إليه اإلمام مالك رحمه ﷲ تعالى بتقديم‬
‫الراجح على المشھور‪ ،‬وذلك على فرض أن المشھور مطبّق وھو في محله‬
‫)والحقيقة أن حتى المشھور يطبق في غير محلة فيما يخص المادة ‪/١٥٧‬ج‪.(١/‬‬
‫فلكي يمكن فتح باب النقاش للمادة ‪/١٥٧‬ج‪ ،١/‬والتي تنص على‪:‬‬
‫ج‪ -‬عدة غير الحامل ‪ ،‬في غير حالة الوفاة ‪:‬‬
‫‪ -١‬ثالث حيضات كوامل في مدة ال تقل عن ستين يوما لذوات الحيض‪.‬‬
‫المادة ‪/١٥٧‬ج‪ ١/‬من قانون األحوال الشخصية الكويتي‬

‫ولفرض التصحيح على ھذه المادة‪ ،‬ال بد أوالً من بيان الخلل في المادة ‪،٣٤٣‬‬
‫ولبيان الخلل في المادة ‪ ،٣٤٣‬ال بد من التطرق إلى رأي اإلمام مالك وعمله على‬
‫تقديم الراجح على المشھور‪ ،‬ولبيان ذلك‪ ،‬ال بد للتمھيد له ببيان الفوارق بين مكونات‬
‫الفقه‪ ،‬وھي الرأي‪ ،‬والفتاوى‪ ،‬واألحكام )أحكام قضاة المذھب(‪.‬‬
‫‪ .١‬نظرة إلى الحكم والرأي الفقھي والفتيا‬
‫يتنوع موروث الفقه إلى حكم ورأي وفتيا‪ .‬وتجدر اإلشارة أن ممن انتقد موضوع‬
‫البحث الماثل‪ ،‬لجأ إلى مغالطة وھي التفرقة بين الحكم القضائي المعمول به في‬
‫المذھب مع فتوى الفقيه مؤثراً بذلك ما جاء في المدونة لإلمام سحنون على قضاء‬
‫أبو بكر بن العربي الذي مررنا عليه‪ ،‬ذلك أن قول الفقيه أولى من قول القاضي‪ .‬وال‬
‫شك أن في ھذا الوجه من رأي خلل‪ ،‬وحيث نقل اإلمام الذھبي – رحمه ﷲ تعالى –‬
‫قي ترجمة سحنون أثراً مشھوراً مفاده‪ ،‬أن سحنونا ً وليّ القضاء في نھاية المطاف‪،‬‬
‫وأن صاحب المدونة‪ ،‬باإلضافة إلى كونه قاض‪ ،‬فإنه يرى أن الفتيا ما ھي ّإال‬
‫القضاء‪:‬‬
‫ون م َِن ْال ُعبَّا ِد أَ ْك َث َر‬
‫ِين َيحْ ُ‬
‫" َقا َل أَبُو ْال َع َر ِ‬
‫ُون َمجْ ل َ‬
‫ضر َ‬
‫ان الَّذ َ‬
‫ب َعمَّنْ َح َّد َث ُه ‪َ :‬ك َ‬
‫ِس َسحْ ُن ٍ‬
‫َ‬
‫م َِن َّ‬
‫ضا َء ِبأ َ َخ َر ٍة‬
‫ض‪َ .‬و َلمَّا َول َِي َسحْ ُنونٌ ْال َق َ‬
‫الط َل َب ِة ‪َ ،‬كا ُنوا َيأْ ُت َ‬
‫ار ْاألَرْ ِ‬
‫ون إِ َل ْي ِه ِمنْ أ ْق َط ِ‬
‫]‪[١‬‬
‫ِب ‪َ ،‬ف َقا َل ‪َ :‬ما ِز ْل ُ‬
‫ضا ُء؟"‬
‫ِين َس َن ًة‪َ ،‬ھ ِل ْالفُ ْت َيا إِ َّال ْال َق َ‬
‫ضا ِء ُم ْن ُذ أَرْ َبع َ‬
‫ت فِي ْال َق َ‬
‫عُوت َ‬
‫‪                                                             ‬‬

‫‪ .١‬سير أعالم النبالء‪ ،‬لإلمام الذھبي‪ ،‬الطبقة الثالثة عشرة‪ ،‬الجزء الثاني عشر‪ ،‬صفحة ‪.٦٨‬‬
‫إلكترونياً‪:‬‬
‫‪http://www.islamweb.net/newlibrary/display_book.php?idfrom=2143&idto=2143&bk_no=60&ID=2005‬‬

‫‪ ‬‬
‫‪ ‬‬

‫‪  ٦٤‬‬

‫‪‬א‪‬א‪‬א‪  ‬‬
‫‪‬א‪‬א‪‬‬

‫ونفس الكالم جاء به القاضي عياض‪ ،‬إذ بيّن أن موقف الفقه المالكي يساوي بين‬
‫الفتيا والقضاء‪ ،‬وذلك بنا ًء لما ارتآه اإلمام سحنون رحمه ﷲ‪ ،‬إذ جاءه كتاب فيه‬
‫عتب من عبدالرحيم الزاھد )وھذا م يرويه القاضي عياض رحمه ﷲ( على قبول‬
‫سحنون للقضاء‪ ،‬فرد عليه اإلمام سحنون مبينا ً له أن عمله في السابق ال يختلف عن‬
‫ٍ‬
‫قبول القضاء‪ ،‬فأضاف القاضي عياض ما يلي‪:‬‬
‫"قال ابن أبي جعفر‪ :‬فرأيت في المنام إنما المفتي قاض يجوز قوله في أبشار‬
‫]‪[١‬‬
‫المسلمين وأموالھم‪".‬‬
‫بعد إزالة اللبس المحقون من قبل المعترضين على موضوع البحث‪ ،‬يستوجب بيان‬
‫أھمية الحكم القضائي في فقه المذھب‪ ،‬ذلك أن األساس الذي يستند عليه المعترض‬
‫يأتي أصالً من حكم قضائي من حيث ال يشعر المعترض‪ ،‬وھو الحكم الذي أشارت‬
‫إليه المدونة والصادر من القاضي أَ َبان بن عثمان‪ ،‬ويبين ذلك اإلمام التاودي‬
‫)‪ ١٢٠٩ – ١١١١‬ھـ( رحمه ﷲ‪:‬‬
‫"وفي اختصار المتيطية قال في الكتاب‪ :‬وقضى عثمان بن أبان في مطلقة ادعت‬
‫انقضاء عدتھا بعد خمسة وأربعين يوما ً أن عدتھا قد انقضت أنھا مصدقة وتحلف‪،‬‬
‫وليس العمل على أن تحلف قال في غير المدونة‪ :‬وال تصدق في أقل من ذلك وبه‬
‫جرى عمل الشيوخ اھـ‪ .‬وھو مراد الزقاق بقوله‪:‬‬
‫وذات قرء في اعتداد بأشھر‬
‫أي‪ :‬ال تصدق في أقل من بثالثة أشھر‪ ،‬ال أنھا تخرج من العدة بثالثة أشھر ولو لم‬
‫]‪[٢‬‬
‫تحصل األقراء الثالثة‪ ،‬فإن ھذا لم يقله أحد‪ ،‬وھو خالف نص القرآن العظيم اھـ‪".‬‬
‫وھذه أحكام في أبواب الرجعة‪ ،‬تطرق لھا القاضي المعداني وبيّن قضية القاضي‬
‫أبان بإيراده ما يلي‪:‬‬

‫‪                                                             ‬‬

‫‪ .١‬ترتيب المدارك وتقريب المسالك‪ ،‬للقاضي عياض‪ ،‬المجلد األول‪ ،‬صفحة ‪  .٣٤٦‬‬
‫‪ .٢‬حلى المعاصم لفكر ابن عاصم‪ ،‬لإلمام التاودي )حاشية على كتاب البھجة في شرح التحفة‪ ،‬للقاضي‬
‫التسولي(‪ ،‬المجلد األول‪ ،‬صفحة ‪  .٥٩٧‬‬

‫‪ ‬‬
‫‪ ‬‬

‫‪  ٦٥‬‬

‫‪‬א‪‬א‪‬א‪  ‬‬
‫‪‬א‪‬א‪‬‬

‫"وكتب عليه أبو الحسن ما نصه‪} :‬ليس ھذا )إشارة إلى قضية القاضي أبان( في‬
‫األمھات عن مالك‪ ،‬وإنما أدخله سحنون عن أشھب]‪ ،[١‬وأشھب ھو الذي حكى قضية‬
‫أبان الخ{ والقضية ھي أن امرأة ادعت أنھا انقضت عدتھا في خمسة وأربعين يوما ً‬
‫]‪[٢‬‬
‫فصدقھا أبان وقال تحلف"‬
‫وسيتبين أن قضية أبان برمتھا ھي حكم في الرجعة‪ ،‬ونرجئ ذلك إلى مقامه‪.‬‬
‫فالبيّن أن احتجاج المعترضين على موضوع البحث أنه ال يجوز العمل بحكم قضاة‬
‫المذھب وتفضيل عليه قول الفقيه ما ھو إ ّال مغالطة‪ ،‬ألن األصل أن أقوال الفقيه‬
‫استندت إلى أحكام القضاة‪ ،‬مثل القاضي أبان بن عثمان‪ ،‬والذي أسس قضاؤه في‬
‫معرض الرجعة ال التزويج‪ ،‬ثم روى القضية أشھب‪ ،‬وأدخلھا سحنون في المدونة‪.‬‬
‫إذاً‪ ،‬أحكام القضاة ھي تطبيق للراجح في المذھب‪ ،‬وأن القضاء ما ھو ّاال الفتيا وذلك‬
‫بشھادة القاضي سحنون‪ ،‬صاحب ثاني مصدر من مصادر المذھب‪ ،‬وھو أحد قضاة‬
‫المالكية‪.‬‬
‫وعلى ما سبق‪ ،‬ص ّنف العلماء]‪ [٣‬ترتيب مراتب الحكم تدرجيا ً ابتدا ًء من اإلمام‪ ،‬أو‬
‫الخليفة‪ ،‬أو أمير المؤمنين‪ .‬ثم يليه القاضي‪ ،‬ثم المفتي‪ ،‬ثم الفقيه‪ .‬ذلك أن للحاكم‬
‫الرئيس أن يقضي ويفتي‪ ،‬وإن عمل القاضي بطبيعته فتيا ألنه إمّا أن ينشئ أو يظھر‬
‫أحكاما ً]‪ .[٤‬أما المفتي‪ ،‬فھو يبين األحكام ويخبر عنھا وال يستطيع أن يقضي في أي‬
‫خصومة ّإال أن تناط به والية القضاء من قبل الحاكم‪ ،‬ومؤدى ذلك أن المفتي ال‬
‫يستطيع أن ينشئ أحكاما ً كما يتوجب على القاضي‪ .‬وھذه أمور نبينھا فيما يلحق‪.‬‬
‫]‪ [.١.١‬الفرق بين حكم القاضي وفتوى المفتي‬
‫]‪[٥‬‬

‫يقول ابن رشد‪" :‬حقيقة القضاء اإلخبار عن حكم شرعي على سبيل اإللزام‪".‬‬
‫واألصل أن القاضي ھو من تمكن من قبص العلم وفاق متطلبات االجتھاد‪ ،‬فإن شاء‬
‫قضى وإن شاء أفتى‪ ،‬بشرط ّأال يكون موضوع الفتوى متعلقا ً بحكم منظور في‬
‫‪                                                             ‬‬

‫‪ .١‬والمقصود ھو اإلمام أشھب بن عبدالعزيز العامري رحمه ﷲ‪ ،‬وھو مفتي مصر وأحد تالمذة اإلمام مالك‪  .‬‬
‫‪ .٢‬شرح ميارة الفاسي‪ ،‬للقاضي المعداني‪ ،‬المجلد األول‪ ،‬صفحة ‪  .٣٩١‬‬
‫‪ .٣‬ومنھم الدكتور إسماعيل البدوي‪ .‬انظر كتابه‪ :‬نظام القضاء اإلسالمي – صفحة ‪ ،١٣٥‬وابن فرحون‬
‫المالكي في كتابه تبصرة الحكام‪ ،‬المجلد األول‪ ،‬صفحة ‪ ،٢٠‬ناقال ً أقوال الفراء‪  .‬‬
‫‪ .٤‬الدكتور إسماعيل إبراھيم البدوي‪ ،‬المرجع السابق – صفحة ‪  .١١٧‬‬
‫‪ . ٥‬تبصرة الحكام‪ ،‬البن فرحون‪ .‬المجلد األول‪ ،‬صفحة ‪  .١٣‬‬

‫‪ ‬‬
‫‪ ‬‬

‫‪  ٦٦‬‬

‫‪‬א‪‬א‪‬א‪  ‬‬
‫‪‬א‪‬א‪‬‬

‫خصومة بين يديه أو بيد قاض آخر‪ ،‬وفي ھذا المقام يقول القاضي ابن فرحون‬
‫المالكي‪:‬‬
‫"ومنھا‪ :‬قال مالك‪ :‬ال يفتي القاضي في مسائل القضاة وأما في غير ذلك فال بأس به‪.‬‬
‫وكان سحنون – رحمه ﷲ – إذا أتاه رجل يسأله عن مسألة من مسائل األحكام لم‬
‫]‪[١‬‬
‫يجبه‪ ،‬وقال‪ :‬ھذه مسألة خصومة من ابن يونس‪".‬‬
‫وكل من الفتيا والقضاء يعدان التطبيق العملي للفقه ويلتقيان في بعض األوجه‪،‬‬
‫ويفترقان بأوجه أكثر‪ .‬ويبين الدكتور ‪ /‬إسماعيل إبراھيم البدوي أن الحكم القضائي‬
‫أقوى وھو المحرك للفتوى‪ ،‬فمن خالل الحكم القضائي تتغير الفتوى لمواكبة التطور‬
‫الذي عكسه الحكم‪ ،‬وأن ليس للمفتي أن يصدر فتوى مخالفة لحكم القاضي‪ ،‬وإن‬
‫حصل ذلك كان خطأ ال يجوز من خالله أن يقوم المستفتي باتباع الفتوى وإھمال‬
‫حكم القاضي ألن األخير كالنص الذي ال يجوز مخالفته]‪.[٢‬‬
‫ولإلمام أحمد القرافي المالكي كتاب في ھذا الشأن عنوانه‪ :‬اإلحكام في تمييز الفتاوى‬
‫عن األحكام‪ ،‬وھو يوفي ھذا الموضوع بالشرح المبين ويبين قوة الحكم القضائي في‬
‫المذھب‪.‬‬
‫]‪ [.١.٢‬الفرق بين حكم القاضي ورأي الفقيه‬
‫ويبين الدكتور إسماعيل إبراھيم البدوي وجه المفارقة بين حكم القضاء ورأي الفقيه‬
‫موجزاً فيما يلي‪:‬‬
‫"ومن ثم‪ ،‬فإن كالً من القضاء واالفتاء يختلف عن الفقه‪ ،‬ألن الفقه ھو‪ :‬العلم‬
‫باألحكام الشرعية واألمور الفرعية المستنبطة من األدلة التفصيلية‪ ،‬وال يطالب‬
‫]‪[٣‬‬
‫الفقيه بتطبيق األحكام الشرعية على الوقائع الجزئية‪".‬‬
‫وبربط ما بينه الدكتور البدوي مع ما نقله ابن فرحون عن اإلمام القرافي‪"] :‬قال‬
‫القرافي‪ :‬حقيقة الحكم إنشاء إلزام أو إطالق" ]‪ ،[[٤‬وبذلك يتوجب على الفقيه تتبع‬
‫‪                                                             ‬‬

‫‪ .١‬تبصرة الحكّام‪ ،‬البن فرحون المالكي‪ .‬المجلد األول‪ ،‬صفحة ‪٤٤‬‬
‫‪ .٢‬نظام القضاء اإلسالمي‪ ،‬للدكتور إسماعيل إبراھيم البدوي‪ ،‬صفحة ‪ .١١٤‬ويبين الدكتور عدة فوارق بين‬
‫الفتوى والحكم القضائي من صفحة ‪ ،١٢١ – ١١٤‬وما طرحه ثمين للغاية لمن أراد أن يطلع على الموضوع‪  .‬‬
‫‪ .٣‬المرجح السابق‪ ،‬صفحة ‪  .١١٦-١١٥‬‬
‫‪ .٤‬تبصرة الحكام‪ ،‬البن فرحون المالكي‪ .‬المجلد األول‪ ،‬صفحة ‪  .١٣‬‬

‫‪ ‬‬
‫‪ ‬‬

‫‪  ٦٧‬‬

‫‪‬א‪‬א‪‬א‪  ‬‬
‫‪‬א‪‬א‪‬‬

‫األحكام والتسلح بھا واإللمام بھا واإلخبار عنھا ونشرھا‪ ،‬فأحكام قضاة المذھب ھي‬
‫من مكونات الفقه‪ .‬وبذلك فإن من يقول أن في مسألة العدة‪ ،‬يجب التقييد بالفقه‬
‫واستثناء أحكام القضاة‪ ،‬كقضاء ابن العربي في مسألة العدة – فإن ذلك قول غير‬
‫مستساغ وال أساس له‪.‬‬
‫]‪ [.١.٣‬الفرق بين رأي الفقيه وفتوى المفتي‬
‫لما كان الفقه ھو العلم باألحكام الشرعية واألمور الفرعية المستنبطة من أدلتھا‬
‫التفصيلية‪ ،‬فإن مفاد ذلك أن الفقيه يتسلح بما استخلصه المفتون في فتاواھم‪ ،‬ألن ذلك‬
‫ھو عين االجتھاد الذي يستنبط من األدلة الشرعية‪ .‬وإنه ولئن كان يحق للفقيه‬
‫االجتھاد‪ّ ،‬إال أن اجتھاده ال ينصرف إلى غيره‪ .‬فمناط الفتوى‪ ،‬سؤال المستفتي‬
‫والذي له الحرية باألخذ بالفتوى أو إطراحھا‪ .‬وھذا بخالف حكم القاضي‪ ،‬والذي‬
‫يلتزم به من صدر الحكم عليه أو في حقه‪ .‬واالشتراك بينھما‪ ،‬أن كالً من الفتوى‬
‫والحكم القضائي يقتصر على واقعة معينة‪ ،‬متى ما وجدت في شخص أو أشخاص‬
‫انطبق عليھم الحكم ال محالة‪ ،‬ونفس الشيء للفتوى‪.‬‬
‫أما الفقيه‪ ،‬فإن رأيه ال ينصرف إلى أحد‪ ،‬وإن خرج رأي الفقيه عن الفتوى أصبح‬
‫خارج الفقه‪ ،‬إذ أنه علم باألصول والفروع المستنبطة‪ ،‬وخالفھا بال مسوغ‪ .‬وأما‬
‫الفتوى‪ ،‬فقد بيّنا أنھا ال يجوز أن تخالف حكم القضاء في أي حال من األحول إذا ما‬
‫كان حكم القاضي له أسبابه المسوغة التي تكفي لحمله‪.‬‬
‫وعلى ذلك‪ ،‬فإن الفقيه ال يطبق العلم الذي حصله بشكل رسمي‪ ،‬وإنما يطرح رأيا ً‬
‫يترك تقديره ألولى الرأي والعلم والحكمة‪.‬‬
‫]‪ [.١.٤‬موازنة الرأي الراجح مع الرأي المشھور مقابل الحكم القضائي‬
‫بيّنا فيما سبق – في ھذا القسم والقسم األول – أن أثقل إشكالية لمناقشة ومراجعة أو‬
‫ربما تعديل المادة ‪/١٥٧‬ج‪ ١/‬تكمن فيما نصت عليه المادة ‪ ٣٤٣‬من قانون األحوال‬
‫الشخصية‪ ،‬وما عدا ذلك من إشكاليات فال وزن له وال يؤخذ بمحمل الجد‪ .‬وإذ نصت‬
‫المدة ‪ ٣٤٣‬من قانون األحوال الشخصية على ما يلي‪:‬‬

‫‪ ‬‬
‫‪ ‬‬

‫‪  ٦٨‬‬

‫‪‬א‪‬א‪‬א‪  ‬‬
‫‪‬א‪‬א‪‬‬

‫"كل ما لم يرد له حكم في ھذا القانون يرجع فيه الى المشھور في مذھب االمام مالك‬
‫فان لم يوجد المشھور طبق غيره ‪ ،‬فان لم يوجد حكم اصال ‪ ،‬طبقت المبادئ العامة‬
‫في المذھب‪".‬‬
‫المادة ‪ ٣٤٣‬من قانون األحوال الشخصية الكويتي‬

‫فإن تلك المادة قد وقعت في التناقض من جھتين‪:‬‬
‫‪ ‬قيّدت المقنن القاضي باألخذ بالمشھور دون الراجح‪.‬‬
‫‪ ‬أنزلت درجة الراجح مع ما ھو غير المشھور!‬
‫‪ ‬ثم جعلت الراجح لما ال حكم له‪ ،‬وھو المبادئ العامة في المذھب‪.‬‬
‫فالحاصل أن المادة قد خالفت ما رآه اإلمام مالك‪ ،‬ولكن قبل تبيان ھذه الخلل المطبق‬
‫في تلك المادة نبين الفرق بين الراجح والمشھور‪.‬‬
‫فالمشھور ھو ما كثر قائله‪ ،‬أي ھو الرأي المتفشي الذي انتشر‪ .‬وأما الراجح‪ ،‬فھو ما‬
‫قوي دليله‪ .‬وعلى ذلك‪ ،‬يبين الھاللي المالكي أن‪":‬ومقتضى نصوص الفقھاء‬
‫واألصوليين أن العمل بالراجح واجب‪ [١]".‬وصاغ أبو الشتاء المالكي بيتا ً قال فيه‪:‬‬

‫‪@b  šŠb  Ém@|  ua‹ Ü@â èŠí é“à‬‬

‫@@‪ô›m‹   ¾a@í èì@|  ua‹  Üa@ã‡ Õî‬‬

‫]‪[٢‬‬

‫واألصل ما بينه ابن عزوز المالكي عن مالك رحمه ﷲ تعالى في موازنة الراجح‬
‫مع المشھور‪:‬‬
‫"في الفرق بينھما أن المشھور ما كثر قائله‪ ،‬والراجح ما قوي دليله كما اعتمده‬
‫القرافي‪ .‬وقال بعده ‪ :‬وكان مالك يراعي ما قوي دليله ال ما كثر قائله‪ ،‬ومثله قاله‬
‫ابن عبد السالم‪ .‬فھذا أصل مھم من أصول مالك ينبغي أن ال يغفل عنه في‬
‫الخالفيات ولذا قال المحققون‪ :‬إذا تعارض الراجح والمشھور فالواجب العمل‬
‫]‪[٣‬‬
‫بالراجح "‬

‫‪                                                             ‬‬

‫‪ .١‬نور البصر في شرح المختصر‪ ،‬للھاللي المالكي‪ .‬صفحة ‪  .١٥٦‬‬
‫‪ .٢‬مواھب الخالق‪ ،‬على شرح التاودي لالمية الزقاق‪ .‬المجلد الثاني‪ ،‬صفحة ‪.٢٣٧‬‬
‫‪ .٣‬ھيئة الناسك في أن القبض في الصالة ھو مذھب اإلمام مالك‪ ،‬البن عزوز المالكي‪ .‬صفحة ‪  .١٣٣‬‬

‫‪ ‬‬
‫‪ ‬‬

‫‪  ٦٩‬‬

‫‪‬א‪‬א‪‬א‪  ‬‬
‫‪‬א‪‬א‪‬‬

‫وعلى ذلك‪ ،‬فإن تقديم الراجح على المشھور مطلوب‪ ،‬وذلك حسب ما أوضحه‬
‫ّ‬
‫العالمة محمد بن أبي مدين الشنقيطي‪:‬‬
‫"ألن قوة نشأت الراجح من الدليل نفسه من غير نظر للقائل‪ ،‬والمشھور نشأت قوته‬
‫]‪[١‬‬
‫من القائل‪".‬‬
‫وقد حالف الفقه المالكي الصواب في ھذا الشأن‪ ،‬حيث أن األخذ بالمشھور عند‬
‫معارضته للراجح مغالطة منطقية‪ .‬ونقصد ھنا بالمغالطة المنطقية‪ ،‬بأن المغالطة ال‬
‫تخضع للمنطق اليوناني المھزوز المتطاير‪ ،‬بل المنطق الرياضي السليم والذي يجب‬
‫العمل به‪.‬‬
‫فإن المغالطات المنطقية تصانيف عديدة قد يتفرع من كل مغالطة عدة مغالطات‪.‬‬
‫ومن محاسن الصدف أن إھمال الراجح على المشھور مغالطة منطقية اسمھا‬
‫"‪ ،(Appeal to Popularity) "‬ومن أمثلتھا المشھورة‪:‬‬
‫}أن المنتج الفالني صاحب العالمة التجارية المعروفة يقتنيه عامة الناس‪ ،‬فال شك‬
‫أنه يتفوق على غيره‪{...‬‬
‫فھذه مغالطة تتضمن في جوھرھا االنحياز وسد البصر والبصيرة‪ ،‬وألن المنتج‬
‫انتشر بين جميع الناس‪ ،‬فذلك أصبح ھو المتفوق‪ .‬ومن شأن ھذه الطريقة بالفكر أن‬
‫تجعل الباطل طامسا ً للحق‪ ،‬والبن حزم في ھذا الصدد مقولة مشھورة‪:‬‬
‫"والحـق حـق صـدقـه الناس أو كذبـوه‪ ،‬والباطـل باطـل صـدقه النـاس أم كذبـوه‪.‬‬
‫وال يزيد الحـق درجـة في أنـه حق إطبـاق النـاس كلھم على تصـديقه‪ ،‬وال يـزيده‬
‫]‪[٢‬‬
‫مرتبة فـي أنه باطـل تكذيب الناس كلھـم له‪".‬‬
‫وعلى ذلك‪ ،‬فإن المادة ‪ ٣٤٣‬قد خالفت ما استقر عليه الفقه المالكي‪ ،‬بل وخالفت ما‬
‫عمل به مالكا ً بنفسه‪ .‬وعلى ذلك‪ ،‬فإن الراجح ھو أولى بالمشھور إن كان مبتغى‬
‫المقنن تقييد القاضي بالفقه المالكي‪ّ ،‬‬
‫وإال وجب اتباع الفقه عامة وأخذ الراجح منه‬

‫‪                                                             ‬‬

‫للعالمة محمد بن أبي مدين الشنقيطي‪ .‬صفحة ‪  .٦٦‬‬
‫‪ .١‬الصوارم واألسنة‪،‬‬
‫ّ‬
‫‪ .٢‬الفِصل في الملل واألھواء والنحل‪ ،‬البن حزم األندلسي‪ .‬انظر‪ :‬الحديث عن اليھود‪  .‬‬

‫‪ ‬‬
‫‪ ‬‬

‫‪  ٧٠‬‬

‫‪‬א‪‬א‪‬א‪  ‬‬
‫‪‬א‪‬א‪‬‬

‫بناء على األدوات المتوافرة والمعلومة والتي يستطيع المجتھد من خاللھا الوصول‬
‫للحقيقة دون التعصب لمذھب بعينه‪.‬‬
‫وأمثلة أخذ علماء المالكية بالراجح على المشھور كثيرة‪ ،‬ففي القسم األول تحدثنا عن‬
‫العدة كآخر حبل للحفاظ على األسرة‪ ،‬وأوردنا قول ابن رشد في شأن زواج المطلقة‬
‫في عدتھا‪ ،‬وكيف أنه ق ّدم الراجح ال على المشھور فحسب‪ ،‬بل على ما عمل به إمام‬
‫المذھب ألن العبرة في قوة الدليل ال شھرة القول أو قائله‪ ،‬فاألخير يمنع الحياد في‬
‫االجتھاد والوصول إلى الحق‪ ،‬واألول يجرد الحق عما سواه بقوة الدليل‪.‬‬
‫فلو اكتفى المقنن بمبادئ فقه المذھب المالكي‪ ،‬لكان ذلك أفضل‪ ،‬حيث يأخذ الراجح‬
‫مكانته الطبيعية في الصدارة‪ ،‬وإن أراد المقنن إبقاء المادة على ما ھي عليه وعلى‬
‫أنھا أكثر دقة‪ ،‬فاألفضل استبدال شرط "المشھور" بالـ "الراجح‪".‬‬
‫وبعد بيان أن الراجح ھو الواجب تقديمه‪ ،‬يمكننا أن نبين بعد ذلك إشكالية المادة‬
‫‪/١٥٧‬ج‪ – ١/‬وھي من أطول مواد قانون األحوال الشخصية‪ ،‬وحيث نصت على‬
‫مايلي‪:‬‬
‫ج‪ -‬عدة غير الحامل ‪ ،‬في غير حالة الوفاة ‪:‬‬
‫‪ -١‬ثالث حيضات كوامل في مدة ال تقل عن ستين يوما لذوات الحيض‪.‬‬
‫المادة ‪/١٥٧‬ج‪ ١/‬من قانون األحوال الشخصية الكويتي‬

‫وھذه المادة اعتمدت على أقوال مشھورة كلھا تقع في إطار ‪. ‬‬
‫واألزمنة القصيرة ھي مواقيت قصيرة دون الثالثة أشھر‪ ،‬تصدق المطلقة بموجبھا‬
‫بانقضاء عدتھا‪ .‬وقد بيّن العديد من العلماء ھذه األقوال‪ ،‬منھم القاضي أبو بكر بن‬
‫العربي‪ ،‬إذ بينھا جميعا ً‪:‬‬
‫ض ْ‬
‫س ِاب َع ُة ‪َ :‬ي َت َر َّكبُ َع َل ْي ِه َإذا َقا َل ْ‬
‫ت عِ َّدتِي قُ ِب َل َق ْولُ َھا فِي ُم َّد ٍة‬
‫ت ْال َمرْ أَةُ ‪ :‬ا ْن َق َ‬
‫ا ْل َم ْسأ َ َل ُة ال َّ‬
‫ف ‪َ .‬فإِنْ أَ ْخ َب َر ْ‬
‫َت ْن َقضِ ي فِي م ِْثلِ َھا ْال ِع َّدةُ َعادَ ًة ِمنْ َغي ِْر خ َِال ٍ‬
‫ِضا ِئ َھا فِي ُم َّد ِة َت َق ُع‬
‫ت ِبا ْنق َ‬
‫ت ‪ِ :‬حضْ ت َث َال َ‬
‫ص ِّد َق ْ‬
‫َنا ِدرً ا َف َق ْو َال ِن ‪َ :‬قا َل فِي ْالمُدَوَّ َن ِة ‪َ :‬إذا َقا َل ْ‬
‫ت َإذا‬
‫ض فِي َشھ ٍْر ُ‬
‫ث ِ‬
‫ح َي ٍ‬
‫ص َّد ُق فِي َشھ ٍْر َو َال فِي َشھ ٍْر َو ِنصْ ٍ‬
‫ف‪،‬‬
‫ص َّد َق َھا ال ِّن َسا ُء ‪َ .‬و َقا َل فِي ِك َتا ِ‬
‫ب م َُح َّم ٍد ‪َ :‬ال ُت َ‬
‫َ‬
‫َو َك َذل َِك إنْ َطوَّ َل ْ‬
‫ب م َُح َّم ٍد ‪ ،‬فِي ْال ُم َطلَّ َق ِة ُتقِي ُم َس َن ًة لِ َتقُو َل َل ْم أَ ِحضْ َّإال‬
‫ت ; َف َقا َل فِي ِك َتا ِ‬
‫‪ ‬‬
‫‪ ‬‬

‫‪  ٧١‬‬

‫‪‬א‪‬א‪‬א‪  ‬‬
‫‪‬א‪‬א‪‬‬

‫ت َذل َِك َو َكا َن ْ‬
‫ص َّد ْق َوإِنْ َل ْم َت ُكنْ َذ َك َر ْ‬
‫ْن ‪َ :‬إذا‬
‫ْض ًة ‪َ :‬ل ْم ُت َ‬
‫َحي َ‬
‫ت َغي َْر مُرْ ضِ ٍع ‪َ .‬قا َل ابْنُ م َُزي ٍ‬
‫اض ْ‬
‫ت َتأ َ ُّخ َر َح ْيضِ َھا َبعْ دَ ْالف َِط ِام َس َن ًة َح َل َف ْ‬
‫ا َّد َع ْ‬
‫ت ‪َ ،‬و َھ َذا إ َذا َل ْم ُتعْ َل ْم َل َھا‬
‫ت ِبا َ َّ ِ َما َح َ‬
‫]‪[١‬‬
‫َعادَ ةٌ‪.‬‬
‫والمعروف أن القاضي ابن العربي خالف كل ھذه اآلراء‪ ،‬ألنھا اقتصرت على‬
‫الرجعة كما بين ذلك القاضي أبو الحسن التسولي )ت ‪ ١٢٥٨‬ھـ(‪:‬‬
‫"واختلف فيما يمكن انقضاء عدتھا فيه فقال سحنون ‪ :‬أقل ما تصدق فيه أربعون‬
‫يوما ً ‪ .‬وقال ابن الماجشون ‪ :‬خمسون يوما ً ‪ .‬وفي اختصار المتيطية قال في غير‬
‫المدونة ‪ :‬وال تصدق في أقل من خمسة وأربعين يوما ً ‪ .‬قال ‪ :‬وبه جرى عمل‬
‫]‪[٢‬‬
‫الشيوخ انظره في باب الرجعة‪".‬‬
‫وھذه األقوال ھي التي استند عليھا المقنن‪ ،‬واستند عليھا نيابة األحوال الشخصية في‬
‫الكويت في نزاعات كانت تنصب على تزويج المطلقة أثناء عدتھا لزوج آخر غير‬
‫الذي طلقھا‪ ،‬فالخطأ واضح وبيّن‪ ،‬فإن ما اعتمدته المادة ‪/١٥٧‬ج‪ ١/‬مناطه في الفقه‬
‫المالكي أحكام الرجعة )وھي كثيرة ال تقتصر على ما ذكر فحسب(‪ ،‬في حين أن‬
‫القانون الكويتي يطبق ھذه األحكام المتنوعة والتي استقر على واحد منھا )‪ ٦٠‬يوما ً(‬
‫على الرجعة والتزويج وھو خطأ طبقا ً لما استعرضناه من معلومات‪.‬‬
‫وإنه ولئن تعذر البعض في أن القانون في مادته الماثلة إنما اتبع المشھور‪ ،‬فإن ذلك‬
‫غير صحيح‪ .‬فصحي ٌح أن األقوال مشھورة‪ ،‬ولكن تطبيقھا يخالف التطبيق الذي‬
‫انتھجه المقنن الكويتي‪ .‬فالمالكية ال يمنعھم تطبيق أي من األزمنة القصير )‪ ٦٠‬يوما ً‬
‫أو حتى ‪ ٤٠‬يوما ً(‪ ،‬ولكن في حدود أحكام الرجعة‪ ،‬ال التزويج من آخر وإال كان‬
‫ذلك تزويج المطلقة أثناء عدتھا وھو المحظور‪.‬‬
‫فلماذا اتخذ الفقھاء معياراً محدداً للفصل في طلب المطلقة إذا ما أرادت التزويج من‬
‫آخر غير الذي طلقھا‪ ،‬ولماذا جعلوا ھذا المعيار الزمني يعتلي قول المطلقة من أن‬
‫عدتھا قد انقضت؟‬

‫‪                                                             ‬‬

‫‪ .١‬أحكام القرآن‪ ،‬للقاضي أبو بكر بن العربي‪ ،‬اآلية ‪ ٢٢٨‬من سورة البقرة‪ ،‬صفحة ‪  .٢١٣-٢١٢‬‬
‫‪ .٢‬البھجة في شرح التحفة‪ ،‬ألبي الحسن التسولي‪ ،‬المجلد األول‪ ،‬صفحة ‪.٥٩٦‬‬

‫‪ ‬‬
‫‪ ‬‬

‫‪  ٧٢‬‬

‫‪‬א‪‬א‪‬א‪  ‬‬
‫‪‬א‪‬א‪‬‬

‫‪ .٢‬اإلمام القرطبي يبين العلة‬
‫وقد بيّن اإلمام القرطبي )ت ‪ ٦٧١‬ھـ( أھم مسوغات المذھب المالكي باألخذ بالثالثة‬
‫أشھر كمعيار زمني للفصل في انقضاء عدة المطلقة متى ما أرادت الزواج من آخر‬
‫غير الذي طلقھا‪ .‬وقد بيّن أوال قول التابعين في ھذا الشأن‪ ،‬ثم طرح اإلشكاليات التي‬
‫قد تظھر‪:‬‬
‫" َو َقا َل ُس َل ْي َمان بْن َي َسار‪َ :‬و َل ْم ُن ْؤ َمر أَنْ َن ْف َتح ال ِّن َساء َف َن ْن ُ‬
‫ظر إِ َلى فُرُوجھنَّ ‪َ ،‬و َل ِكنْ وُ ِّك َل‬
‫ْ‬
‫اإلضْ َرار ِب َّ‬
‫الز ْو ِج‬
‫َذل َِك إِ َلي ِْھنَّ إِذ ُكنَّ م ُْؤ َت َم َنات‪َ .‬و َمعْ َنى ال َّنھْي َعنْ ْال ِك ْت َمان ال َّنھْي َعنْ ْ ِ‬
‫ت ْالم َ‬
‫ِي َل ْم َت ِحضْ ‪َ ،‬ذ َھ َب ْ‬
‫َوإِ ْذ َھاب َح ّقه‪َ ،‬فإِ َذا َقا َل ْ‬
‫ت ِب َح ِّق ِه ِمنْ‬
‫ُطلَّ َقة‪ِ :‬‬
‫حضْ ت‪َ ،‬وھ َ‬
‫اض ْ‬
‫ِاالرْ ت َِجاع‪َ ،‬وإِ َذا َقا َل ْ‬
‫ت‪ ،‬أَ ْل َز َم ْت ُه ِمنْ ال َّن َف َقة َما َل ْم َي ْل َزم ُه‬
‫ِي َق ْد َح َ‬
‫ت‪َ :‬ل ْم أَ ِحضْ ‪َ ،‬وھ َ‬
‫ضرَّ ْ‬
‫ت ِب ِه‪ ،‬أَ ْو َت ْقصِ د ِب َكذ ِِب َھا فِي َن ْفي ْال َحيْض أَ َّال َترْ َت ِجع َح َّتى َت ْن َقضِ ي ْال ِع َّدة َو َي ْق َطع‬
‫َفأ َ َ‬
‫]‪[١‬‬
‫ال َّشرْ ع َح ّقه‪".‬‬
‫واإلمام القرطبي الحق على ابن العربي‪ ،‬وھو شديد التأثر به‪ ،‬وقد أوضح العالقة‬
‫بين العدد والمعدود في القرء‪ ،‬وبين المارد من المعدود وھو ما أوضحناه في القسم‬
‫األول )‪ (١.٦.٢.٣‬من ھذا البحث تحت ماھية القرء‪ ،‬وأن ‪.‬‬
‫إذ استقر األمر عند القرطبي أن القرء وإن كان فترة انتقال‪ ،‬فإن الميئوس منه‬
‫المذكور في سورة الطالق‪ ،‬ھو الحيض‪ ،‬فكان المعدود )الفترة( ھي المبينة في‬
‫سورة الطالق‪ ،‬أي أن العدة تكون بثالثة أشھر‪ ،‬وھو حكم ابن العربي المعمول به‬
‫كما سنبين‪.‬‬
‫‪ .٣‬حكم القاضي ابن العربي المالكي‬
‫وقد بيّن القاضي ابن العربي )‪ ٥٤٣-٤٦٨‬ھـ( أن ھناك عدة أقوال في شأن انقضاء‬
‫العدة‪ّ ،‬إال أن المطلقة إذا أرادت التزويج تخضع لثالثة أشھر‪ ،‬أي أن جميع ھذه‬
‫األقوال تنطبق في أحكام الرجعة‪.‬‬
‫ض ْ‬
‫الس ِاب َع ُة ‪َ :‬ي َت َر َّكبُ َع َل ْي ِه َإذا َقا َل ْ‬
‫ت عِ َّدتِي قُ ِب َل َق ْولُ َھا فِي ُم َّد ٍة‬
‫ت ْال َمرْ أَةُ‪ :‬ا ْن َق َ‬
‫ا ْل َم ْسأ َ َل ُة َّ‬
‫ف ‪َ .‬فإِنْ أَ ْخ َب َر ْ‬
‫َت ْن َقضِ ي فِي م ِْثلِ َھا ْال ِع َّدةُ َعادَ ًة ِمنْ َغي ِْر خ َِال ٍ‬
‫ِضا ِئ َھا فِي ُم َّد ِة َت َق ُع‬
‫ت ِبا ْنق َ‬
‫ت ‪ِ :‬حضْ ت َث َال َ‬
‫ص ِّد َق ْ‬
‫َنا ِدرً ا َف َق ْو َال ِن ‪َ :‬قا َل فِي ْالمُدَوَّ َن ِة ‪َ :‬إذا َقا َل ْ‬
‫ت َإذا‬
‫ض فِي َشھ ٍْر ُ‬
‫ث ِح َي ٍ‬
‫‪                                                             ‬‬

‫‪ .١‬الجامع ألحكام القرآن‪ ،‬لإلمام القرطبي‪ .‬تفسير اآلية ‪ ٢٢٨‬من سورة البقرة‪  .‬‬

‫‪ ‬‬
‫‪ ‬‬

‫‪  ٧٣‬‬

‫‪‬א‪‬א‪‬א‪  ‬‬
‫‪‬א‪‬א‪‬‬

‫ص َّد ُق فِي َشھ ٍْر َو َال فِي َشھ ٍْر َو ِنصْ ٍ‬
‫ف‪،‬‬
‫ص َّد َق َھا ال ِّن َسا ُء ‪َ .‬و َقا َل فِي ِك َتا ِ‬
‫ب م َُح َّم ٍد ‪َ :‬ال ُت َ‬
‫َ‬
‫ب م َُح َّم ٍد‪ ،‬فِي ْالم َ‬
‫َو َك َذل َِك إنْ َطوَّ َل ْ‬
‫ُطلَّ َق ِة ُتقِي ُم َس َن ًة لِ َتقُو َل َل ْم أَ ِحضْ َّإال‬
‫ت؛ َف َقا َل فِي ِك َتا ِ‬
‫ت َذل َِك َو َكا َن ْ‬
‫ص َّد ْق َوإِنْ َل ْم َت ُكنْ َذ َك َر ْ‬
‫ْن ‪َ :‬إذا‬
‫ْض ًة ‪َ :‬ل ْم ُت َ‬
‫َحي َ‬
‫ت َغي َْر مُرْ ضِ ٍع‪َ .‬قا َل ابْنُ م َُزي ٍ‬
‫اض ْ‬
‫ت َتأ َ ُّخ َر َح ْيضِ َھا َبعْ دَ ْالف َِط ِام َس َن ًة َح َل َف ْ‬
‫ا َّد َع ْ‬
‫ت‪َ ،‬و َھ َذا إ َذا َل ْم ُتعْ َل ْم َل َھا‬
‫ت ِبا َ َّ ِ َما َح َ‬
‫َعادَ ةٌ‪َ .‬قا َل ْال َقاضِ ي‪َ :‬و َعادَ ةُ ال ِّن َسا ِء عِ ْندَ َنا َمرَّ ةٌ َواحِدَ ةٌ فِي ال َّشھ ِْر‪َ ،‬و َق ْد َقلَّ ْ‬
‫ت ْاألَ ْد َيانُ فِي‬
‫ُّ‬
‫ان؟ َف َال أَ َرى أَنْ ُت َم َّك َن ْالم َ‬
‫ُطلَّ َق ُة ِمنْ َّ‬
‫اج َّإال َبعْ دَ َث َال َث ِة أَ ْش ُھ ٍر‬
‫ان َف َكي َ‬
‫ْف ِبال ِّنسْ َو ِ‬
‫الذ ْك َر ِ‬
‫الز َو ِ‬
‫]‪[١‬‬
‫ان فِي أَوَّ ِل ُّ‬
‫الط َال ِق‪َ ،‬و َال يُسْ أ َ ُل َعنْ َّ‬
‫ِمنْ َي ْوم َّ‬
‫الطھ ِْر أَ ْو آخ ِِرهِ‪.‬‬
‫الط َال ِق َك َ‬
‫ِ‬
‫وأنه لفساد الزمان ال يمكن التسليم لقول المطلقة وحده‪ ،‬وألنه وكما مر من قول‬
‫التابعي سليمان بن يسار‪ ،‬فإن القاضي غير مأمور بالتحقق بقول المطلقة بالنظر إلى‬
‫فرجھا كما ذكر القرطبي‪ .‬وقد بيّن القرطبي مسألة الوقائع التي تثور بفساد الزمان‪،‬‬
‫ولذلك أخذ القاضي ابن العربي بفساد الزمان ولم يعتبر لقول المطلقة ولكن وبال‬
‫شك‪ ،‬فإن األمر يختلف في الرجعة‪ .‬ولذلك كان ھذا البحث مبينا ً أن تصنيف العدة في‬
‫المادة ‪/١٥٧‬ج‪ ،١/‬يجب أن يتضمن تفرعين آخرين‪ ،‬وھما ميقات العدة في الرجعة‬
‫وميقاتھا للفصل في طلب التزويج‪.‬‬
‫‪ .٤‬حكم القاضي ابن فرحون المالكي‬
‫إن كان القاضي ابن العربي وصف زمانه )‪ ٥٤٣-٤٦٨‬ھـ( بالفساد وانحدار الدين‬
‫مما جعله مسوغا ً لحمل قضاءه في مسألة تحديد انتھاء عدة المطلقة‪ ،‬فإن القاضي‬
‫ابن فرحون المالكي )‪ ٧٩٩ – ٧١٩‬ھـ( قد ذھب ألكثر مما ذھب إليه ابن العربي‬
‫لتراكم فساد الزمان‪ ،‬فإن كانت علة الحكم عند ابن العربي مرتبطة بفساد الدين عند‬
‫العامة‪ ،‬فإن حكم ابن فرحون المالكي يمكن أن يستدل به فيما ساقه عن الموثقين‬
‫و‪" ....‬من يظن به علم ويرى لنفسه حظا ً وتقدما ً" وھما قصار الباع من العلماء‬
‫وغيرھم‪ ،‬ومع مالحظة أن ابن فرحون كان يباشر عمله كقاض في الجزيرة‪ ،‬حيث‬
‫ساق ما يلي‪:‬‬
‫"ومن ذلك ما أھملوه من سؤال المعتدة ‪ ‬ومباحثتھا عن انقضاء‬
‫العدة بما تفھم به أحكامھا من تفصيل وتعيين االقراء ونحو ذلك من شرط الحيضة‬
‫في عدة الوفاة فينبغي االجتھاد في ذلك‪      ،‬‬
‫‪                                                             ‬‬

‫‪ .١‬أحكام القرآن‪ ،‬البن العربي‪ .‬المجلد األول‪ ،‬صفحة ‪  .٢١٣ - ٢١٢‬‬

‫‪ ‬‬
‫‪ ‬‬

‫‪  ٧٤‬‬

‫‪‬א‪‬א‪‬א‪  ‬‬
‫‪‬א‪‬א‪‬‬

‫‪‬‬
‫‪ .      ‬قال‪ :‬وقد عاينت بعض ‪ ‬‬
‫‪ ‬يستغني عن سؤال المرأة جملة إذا ھو وجد لتاريخ الطالق شھرين‬
‫فصاعداً‪ ،‬واتخذ اليوم ھذا المقدار من المدة كثير من الرجال والنساء أصالً في إكمال‬
‫]‪[١‬‬
‫عدة الطالق‪" ،‬‬
‫وھذا القول ھو أقرب إلى معالجة المادة ‪/١٥٧‬ج‪ ١/‬ألن بتطور الزمان ازداد الفساد‪،‬‬
‫وصار المقدار المحدد النتھاء العدة شھرين )‪ ٦٠‬يوما ً( فصاعدا‪ ،‬وھو غلط قبيح عند‬
‫ابن فرحون‪ ،‬فإن قيل أن فترة الـ ‪ ٦٠‬يوما ً ھو رأي مشھور‪ :‬فقد يكون ذلك‪ ،‬ولكن‬
‫بالنسبة للرجعة‪ ،‬ولكن إن أرادت المطلقة النكاح‪ ،‬فإن تزويجھا في شھرين وصاعداً‬
‫ما ھو إال غلط قبيح‪ .‬وما أكثر اآلراء في الفقه‪ ،‬مثل ما ساقه ابن العربي عمن‬
‫سبقوه‪ ،‬ولكنه لم ينتقدھم أو يذمھم ألن مناط األزمنة القصيرة عندھم كان الرجعة‪،‬‬
‫وھو تطبيق للحكم في محله‪ .‬وأما في زمان ابن فرحون‪ ،‬فقد اشتد الجھل والفساد‪،‬‬
‫فصاروا يظنون أن العدة تنقضي بشھرين )‪ ٦٠‬يوما ً( وصاعداً‪ ،‬وھو جھل وغلط‬
‫قبيح – وال يقال مثل ھذا في الرأي المخالف في المذھب‪ّ ،‬إال إن كان جھال وإساءة‬
‫لتطبيق الحكم‪ ،‬والذي ھو ثالثة أشھر بال شك بالنسبة للمطلقة إن أرادت التزويج‪.‬‬
‫‪ .٥‬أثر حكم القاضي ابن العربي وابن فرحون‬
‫بعد انتھاء زمان القاضي ابن العربي )‪ ٥٤٣-٤٦٨‬ھـ( وابن فرحون المالكي )‪٧١٩‬‬
‫– ‪ ٧٩٩‬ھـ( جاءت فترة أخرى تستأنف ما عالجه كال القاضيين ابتدأت بأرجوزة‬
‫جميلة صاغھا القاضي أبو بكر بن عاصم األندلسي]‪ ٨٢٩ – ٧٦٠) [٢‬ھـ( سماھا‬
‫تحفة الح ّكام في نكت العقود واألحكام‪ ،‬قال في أحد أبياتھا‪:‬‬
‫َو َمنْ ي َ‬
‫ُطلِّ ْق َط ْل َق ًة َرجْ ِعيَّهْ‬
‫َفال َقو ُل َّ‬
‫للز ْو َجـ ِة وال َيميـنُ‬

‫الع ْودَ َّ‬
‫جيَّهْ‬
‫ُث َّم أَرادَ َ‬
‫للز ْو ِ‬
‫ِضا ِء عِ َّد ٍة ُتبينُ‬
‫َع َلى ا ْنق َ‬

‫‪                                                             ‬‬

‫‪ .١‬أصل ھذا القول في كتاب تبصرة الحكام‪ ،‬للقاضي ابن فرحون المالكي‪ ،‬صفحة‪ ،٢٨٣-٢٨٢ :‬ونقله‬
‫القاضي المعداني كما سيأتي‪  .‬‬
‫‪ .٢‬ھو محمد بن محمد بن محمد‪ ،‬أبو بكر ابن عاصم القيسي الغرناطي‪ .‬أحد القضاة‪ ،‬من فقھاء المالكية‬
‫باألندلس‪ .‬مولده ووفاته بغرناطة‪ .‬كان يجلد الكتب في صباه‪ ،‬وتقدم حتى ولي قضاء القضاة ببلده‪  .‬‬

‫‪ ‬‬
‫‪ ‬‬

‫‪  ٧٥‬‬

‫‪‬א‪‬א‪‬א‪  ‬‬
‫‪‬א‪‬א‪‬‬

‫وإثر ذلك‪ ،‬ظھر عدة شرّ اح لھذه األرجوزة‪ ،‬من بينھم القاضي أبو الحسن التسولي‪،‬‬
‫واإلمام أبو عبدﷲ التاودي‪ ،‬والشيخ ميارة الفاسي‪ ،‬والقاضي الحسن بن رحال‬
‫المعداني‪ .‬وقد استشھدوا بما قاله ابن العربي وابن فرحون وغيرھم مثل الزقاق في‬
‫الميته‪ .‬وبينوا أن المعمول به في الفقه المالكي ھو أن المطلقة تعتد بثالثة أشھر إن‬
‫أرادت التزويج‪ ،‬وأن انقضاء ھذا الزمان ال يعني خروجھا من العدة وإمكانية‬
‫تزويجھا‪.‬‬
‫بطرح ما سنسوقه من أقوال ھؤالء العلماء‪ ،‬سيتبين أن المعمول به ھو أن المطلقة‬
‫من ذوات األقراء تنقضي عدتھا فيما يمكن تصديقھا بأقل األزمنة إن أرادت الرجعة‪،‬‬
‫أما إن أرادت التزويج‪ ،‬فال محالة من انقضاء الثالثة أشھر‪ ،‬ألن في أقل من ذلك‬
‫مخالفة لنص القرآن‪ ،‬وھو ليس برأي الباحث‪ ،‬وال مجرد أراء يُستأنس بھا‪ ،‬إنما ھي‬
‫أحكام معمول بھا‪ ،‬وال ينال من صحة ھذه األحكام عدم إلمام القارئ بتفرقة الفقه‬
‫المالكي بين زمان العدة للرجعة‪ ،‬وزمان العدة للتزويج‪.‬‬
‫وتنقسم المصادر التي ستبين أراء العلماء إلى كتابين‪ ،‬الكتاب األول ھو شرح الشيخ‬
‫ميارة الفاسي لتحفة الحكام‪ ،‬وقد جاء ھذا الشرح وجيزا في أصله وتضمن في‬
‫حاشيته شرحا للقاضي الحسن بن رحال المعداني‪ .‬وأما الكتاب الثاني‪ ،‬فھو البھجة‬
‫في شرح التحفة‪ ،‬وھو شرح القاضي أبا الحسن التسولي‪ ،‬وفي حاشيته شرح آخر‬
‫لإلمام أبو عبدﷲ التاودي‪.‬‬
‫ونظراً ألن البحث قد طال واستفاض في محتواه‪ ،‬فإننا نلجأ إلى التعليق الرسمي‬
‫المختصر على ما ساقه كل من ھؤالء العلماء لتالفي المزيد من االطالة‪.‬‬
‫]‪ [.٥.١‬موجز رأي الشيخ ميارة الفاسي‬
‫ويأتي رأي الشيخ ميارة الفاسي]‪) [١‬ت ‪ ١٠٧٢‬ھـ( عما عبر عنه شارح شرحه‪،‬‬
‫القاضي الحسن بن رحّ ال المعداني‪ ،‬حيث بيّن وجه الرأي عند الشيخ ميارة‪:‬‬
‫"وبعض كالم شارحھا الشيخ ميارة يقتضي أن العمل جرى بفاس على أن اعتدادھا‬
‫بثالثة أشھر كاليائسة‪ ،‬وليس األمر كذلك بل ذلك غلط فاحش‪ ،‬وكأن ھذا جاءھما من‬
‫‪                                                             ‬‬

‫‪ .١‬الشيخ محمد بن أحمد ميّارة المغربي الفاسي المتوفى عام ‪١٠٧٢‬ھـ‪ ،‬يعد صاحب أشھر شرح‬
‫لمنظومة "المرشد المعين على الضروري من علوم الدين"‪ .‬لعبد الواحد بن عاشر‪ ،‬كما يعتبر من أھم‬
‫أعالم المغرب اإلسالمي‪ ،‬والمغرب األقصى بالخصوص‪  .‬‬

‫‪ ‬‬
‫‪ ‬‬

‫‪  ٧٦‬‬

‫‪‬א‪‬א‪‬א‪  ‬‬
‫‪‬א‪‬א‪‬‬

‫كالم أبي محمد صالح ‪ ،‬وابن العربي لم يقل ذلك‪ ،‬وبعض كالم الشيخ ميارة صريح‬
‫]‪[١‬‬
‫في الحق أو كالصريح وذلك ھو الصواب‪".‬‬
‫والحاصل أن العمل جرى على أن تعتد المطلقة من ذوات األقراء بعدة اليائسة‪،‬‬
‫سواء أكان ينظر بالرجعة أو التزويج‪ ،‬وھو خطأ فاحش كما وصفه المعداني‪،‬‬
‫وسيأتي ھذا القول المختصر في سياقه‪ ،‬وإنما نكتفي ببيان أن المعمول به ھو الثالثة‬
‫أشھر في ھذا المقام‪ ،‬فال تزوج المطلقة من ذوات األقراء في مدة تقل عن ثالثة‬
‫أشھر‪.‬‬
‫]‪ [.٥.٢‬شرح القاضي الحسن بن رحال المعداني‬
‫وأطال القاضي المعداني]‪) [٢‬ت ‪ ١١٤٠‬ھـ( في شرح األبيات المعنية الواردة في‬
‫تحفة الحكام لسد الفراغ الذي تركه الشيخ ميارة الفاسي لكون األمر بديھي‪ ،‬وبيّن‬
‫المعمول به في الفقه المالكي حينذاك من أن حكم ابن العربي ھو الحكم المعمول به‬
‫وعلى ھذا المنوال‪:‬‬
‫" ومن يطلق طلقة رجعية‪ .‬إلى آخر األبيات األربعة‪.‬‬
‫ھذه المسائل ھي قول المختصر‪ :‬وصدقت في انقضاء عدة األقراء والوضع بال يمين‬
‫ما أمكن‪ ،‬وسئل النساء الخ‪ .‬فقوله‪ :‬وصدقت أي المعتدة رجعية كانت أو بائناً‪ ،‬غير‬
‫أن الرجعية انقضاء عدتھا يتضمن حكمين‪ :‬رجعة زوجھا لھا وإباحتھا لألزواج‪ ،‬بل‬
‫يتضمن أموراً أخر كإرادته تزويج غيرھا والرجعية ھي الرابعة أو أختھا واإلنفاق‬
‫والسكنى‪.‬‬
‫وقوله‪ :‬زوجاتي طوالق إلى غير ممّا ذكروه عند قول المتن‪ ،‬والرجعية كالزوجة‬
‫واإلرث وما يشبه ذلك‪ ،‬وغير الرجعية يتضمن انقضاء عدتھا وإباحتھا لألزواج‬
‫وانقطاع السكنى والنفقة إن كانت حامالً إلى غير ذلك‪ ،‬ھذا الذي دلّت عليه‬
‫النصوص الصريحة‪ .‬وقوله‪ :‬وصدقت كانت حرة أو أمة وھو كذلك‪ ،‬وبيّنا ذلك عند‬
‫‪                                                             ‬‬

‫‪ .١‬حاشية المعداني على شرح الشيخ ميارة الفاسي‪ .‬المجلد األول‪ ،‬صفحة ‪  .٣٩٢‬‬
‫‪ .٢‬ھو الفقيه الكبير‪ ،‬حافظ زمانه‪ ،‬صاعقة المطالعة والتدريس‪ ،‬أبو علي الحسن بن رحال بن أحمد بن‬
‫علي المعداني التدالوي‪ .‬جمع بين القضاء والتدريس‪ ،‬رحل إلى فاس ومكناسة طمعا في زيادة طلب‬
‫وتحصيل العلم‪ .‬وأخذ عن فطاحل كبار علماء المغرب في عصره‪ ،‬أمثال‪ :‬عبد القادر بن علي بن الشيخ‬
‫أبي المحاسن الفاسي )ت ‪ ١٠٩١‬ھـ(‪ ،‬ومحمد بن عبد الخالق بن عبد القادر بن محمد الشرقي الملقب‬
‫بالمعطى )ت ‪ ١٠٩٢‬ھـ(‪ ،‬وعلي بن مسعود اليوسي )ت ‪ ١١٠٢‬ھـ(‪ ،‬ومحمد بن أحمد بن المسناوي )ت‬
‫‪ ١١٣٠‬ھـ(‪ ،‬وسعيد بن أبي القاسم ال َعميري )ت ‪ ١١٣١‬ھـ(‪ ،‬وغيرھم‪  .‬‬

‫‪ ‬‬
‫‪ ‬‬

‫‪  ٧٧‬‬

‫‪‬א‪‬א‪‬א‪  ‬‬
‫‪‬א‪‬א‪‬‬

‫قول المتن ووجب إن وطئت بزنا وظاھره أيضا ً ولو كانت نصرانية وھو كذلك وفي‬
‫حكمھا اليھودية كما بيّناه في الشرح‪ ،‬وقوله‪ :‬عدة االقراء والوضع احترز به من عدة‬
‫األشھر فإن النساء والرجال فيھا سواء‪ .‬وقوله‪ :‬بال يمين ھو المصرَّ ح بأنه المشھور‪،‬‬
‫وما قاله ابن الناظم تبعا ً لوالده حسن حيث قال‪ :‬ولعل الشيخ رحمه ﷲ يعني والده‬
‫اعتمد القول باليمين لفساد األزمنة أو وقف على أن العمل به اليوم‪ ،‬وعبارة التھذيب‪:‬‬
‫وليس العمل على أن تحلف الخ فكتب عليه أبو الحسن ما نصّه‪ :‬ليس ھذا في‬
‫األمھات عن مالك وإنما أدخله سحنون عن أشھب ‪ ،‬وأشھب ھو الذي حكى قضية‬
‫أبان الخ‪ ،‬والقضية ھي أن امرأة ادعت أنھا انقضت عدتھا في خمسة وأربعين يوما ً‬
‫فصدقھا أبان وقال تحلف‪.‬‬
‫وقوله‪ :‬ما أمكن مفھومه أن ما ال يمكن فيه االنقضاء لم تصدق وھو كذلك‪ .‬وقوله‪:‬‬
‫وسئل النساء أي في الممكن إذ ال سؤال إالَّ فيما يشكل كما في كالم أبي الحسن ولكن‬
‫عبر باألمر الغامض فالممكن قسمان‪ :‬ما ھو غالب تنقضي فيه العدة فتصدق فيه بال‬
‫سؤال‪ ،‬وما ھو نادر فھو الذي يسأل عنه الخ فافھم ھذا‪ .‬واإلسقاط إن ادعته فھو‬
‫ممكن ولو قرب فيدخل في قوله ما أمكن ولو لم يعلم الجيران بإسقاطھا‪ ،‬ولكن انظر‬
‫في الشرح كالما ً في يمين المرأة ھنا وفي مسائل كثيرة‪.‬‬
‫)تنكيت(‪ :‬قال ابن العربي ‪ :‬عادة الناس عندنا أن تحيض المرأة مرة في الشھر وقد‬
‫]‪[١‬‬
‫قلت األديان فال تصدق في أقل من ثالثة أشھر الخ‪ .‬ونقله صاحب التوضيح‬
‫وغيره‪ .‬ولما نقله أبو الحسن قال بعده ما نصّه الشيخ أبو محمد صالح‪ :‬فجعل نساء‬
‫مدينة فاس كلھن مسنات الشيخ وتسأل بعد ثالثة أشھر ھل حاضت ثالث حيض أم‬
‫ال؟ انظر على قول ابن العربي ھل للزوج الرجعة؟ فقد عورض بھذا بعض الموثقين‬
‫ولكن ال تكون الرجعة الخ وھذا منه بلفظه‪ ،‬وكالم أبي محمد صالح غير ظاھر‪ ،‬فإن‬
‫كالم ابن العربي دال على اعتبار االقراء الذي ھو في القرآن وكذا تخصيصه نساء‬
‫فاس‪.‬‬
‫وقال ابن فرحون في ترجمة ما ينبغي للشھود أن يتفطنوا له ما نصّه‪} :‬ومن ذلك ما‬
‫أھملوه من سؤال المعتدة إذا أرادت النكاح ومباحثتھا عن انقضاء العدة بما تفھم به‬
‫أحكامھا من تفصيل وتعيين االقراء ونحو ذلك من شرط الحيضة في عدة الوفاة‬
‫فينبغي االجتھاد في ذلك‪ ،‬وال يكتفى بقولھا‪ :‬قد انقضت عدتي على اإلجمال فإن‬
‫النساء اليوم قد جھلن ذلك جھالً كثيراً‪ ،‬بل جھله كثير ممن يظن به علم ويرى لنفسه‬
‫‪                                                             ‬‬

‫‪ .١‬صاحب التوضيح ھو ذاته صاحب المختصر‪ :‬الشيخ خليل بن اسحاق المالكي )ت ‪ ٧٧٦‬ھـ( رحمه ﷲ‪  .‬‬

‫‪ ‬‬
‫‪ ‬‬

‫‪  ٧٨‬‬

‫‪‬א‪‬א‪‬א‪  ‬‬
‫‪‬א‪‬א‪‬‬

‫حظا ً وتقدما ً‪ .‬قال‪ :‬وقد عاينت ‪      ‬‬
‫‪   ،        ‬‬
‫‪            ‬‬
‫‪ {‬ا‪.‬ھـ‪ .‬بلفظه]‪ .[١‬‬
‫‪.‬‬
‫وقوله ]يعني ابن فرحون[‪ :‬وينبغي ربما يحمل على الوجوب‪ .‬وقوله‪ :‬من شرط‬
‫الحيضة الخ أشار به لمضمون قول المختصر في فصل العدد ما نصّه‪ :‬إن تمّت قبل‬
‫زمن حيضھا وقال النساء ال ريبة بھا الخ‪ .‬وقوله‪ :‬فصاعداً الخ سبب الغلط في ثالثة‬
‫أشھر لعله ھو العمل على الغالب من حيضة المرأة في كل شھر مرة كما رأيته في‬
‫كالم ابن العربي وذات األقراء اعتدادھا بھا إجماعا ً كما في نھاية الحفيد وغيرھا ‪‬‬
‫‪ ،‬وإن اختلف في المراد باألقراء ھل ھو األطھار أو الحيض؟‬
‫وحاصل األمر أن المرأة إذا لم يمض لطالقھا ثالثة أشھر فإنھا ال تزوج على ما قاله‬
‫ابن العربي أنھا ال تصدق في أنھا حاضت ثالثا ً قبل ثالثة أشھر‪ ،‬وكذلك المعتدة من‬
‫وفاة ال تزوج قبل تمام أربعة أشھر وعشر‪ ،‬وبعدھا ينظر في قول المختصر‪ :‬إن‬
‫]‪[٢‬‬
‫تمّت قبل زمنھا الخ من قبل سؤالھا‪ ،‬وكالم النساء العارفات وكالم الالمية للزقاق‬
‫وبعض كالم شارحھا الشيخ ميارة يقتضي أن العمل جرى بفاس على أن اعتدادھا‬
‫بثالثة أشھر كاليائسة‪ ،‬وليس األمر كذلك بل ذلك غلط فاحش‪ ،‬وكأن ھذا جاءھما من‬
‫كالم أبي محمد صالح ‪ ،‬وابن العربي لم يقل ذلك‪ ،‬وبعض كالم الشيخ ميارة صريح‬
‫في الحق أو كالصريح وذلك ھو الصواب‪.‬‬
‫وقد كان من أدركنا من عدول فاس أدامھا ﷲ ألھلھا وأمنھم بھا ممّن له علم منھم‬
‫وديانة ينبّه على ھذا كثيراً‪ ،‬وأكثرھم تنبيھا ً على ذلك الرجل الصالح سيدي العربي‬
‫الفشتالي جزاھم ﷲ عنا خيراً‪ ،‬وابن العربي إنما منع التصديق في ثالث حيض قبل‬
‫تمام ثالثة أشھر‪ ،‬وأما إن قالت المرأة لم أحض أصالً أو حضت واحدة أو اثنتين‬

‫‪                                                             ‬‬

‫‪ .١‬أصل ھذا القول في كتاب تبصرة الحكام‪ ،‬للقاضي ابن فرحون المالكي‪ ،‬صفحة‪ ،٢٨٣-٢٨٢ :‬ونقله‬
‫القاضي المعداني كما سيأتي‪  .‬‬
‫‪ .٢‬وقد قال كما أوضحنا سلفاً‪" :‬وذات قرء في اعتداد بأشھر"‬

‫‪ ‬‬
‫‪ ‬‬

‫‪  ٧٩‬‬

‫‪‬א‪‬א‪‬א‪  ‬‬
‫‪‬א‪‬א‪‬‬

‫فقط فإنھا ال تزوج ولو مرَّ لھا أكثر من ثالثة أشھر وھو قول المختصر ولو مات‬
‫زوجھا بعد كسنة الخ تلك المسائل وما شرحوھا في فصل الرجعة‪.‬‬
‫وقال اليزناسني]‪ [١‬عند قول التحفة‪ :‬ومن يطلق طلقة رجعية‪ .‬الخ ما نصّه‪ :‬فينبغي‬
‫في ھذا الزمان الذي لم يبق فيه من اإلسالم إالَّ اسمه أن يعمل بقول ابن العربي على‬
‫ما نقل القلشاني عن ابن عرفة عنه قال‪ :‬قلت األديان في الذكران فكيف بالنسوان؟‬
‫فال تمكن المطلقة من التزوج إالَّ بعد ثالثة أشھر الخ‪ .‬وانظر كالم ابن العربي مع‬
‫دخول الكتابية في مضمون قول المتن وصدقت في انقضاء عدة األقراء والوضع‬
‫الخ‪ .‬لكن كالم ابن العربي تشھد له أمور انظرھا في الشرح‪ ،‬وبھذا يضعف‬
‫]‪[٢‬‬
‫اعتراض من اعترض على ابن العربي‪".‬‬
‫والغريب أنني لم أصادف أي اعتراض على كالم ابن العربي‪ ،‬ربما لسبب بسيط‬
‫وھو ما أوضحه القاضي المعداني فيما أوردناه وقبله القرطبي‪ :‬أن فترة الثالثة أشھر‬
‫– كعدة للمطلقة من ذوات األقراء إذا ما أرادت الزواج بآخر غير الذي طلقھا – ھو‬
‫ما نص عليه القرآن‪ .‬ولذلك انتشرت مقولة ابن العربي بين العلماء في األمصار‬
‫وتفشت حتى أصبح ما يعارضه ينطبق عليه األوصاف التي ساقھا ابن فرحون‬
‫وعلّق عليھا المعداني‪.‬‬
‫فھذا ھو اإلثبات أن الثالثة أشھر ھو المعمول به في الفقه المالكي‪ ،‬بشھادة أوردھا‬
‫أحد العلماء تتضمن شھادة أكثر من عالم‪ .‬والذي يصح عند الباحث أن المطلقة‬
‫تصدق فيما أمكن تصديقھا فيه إن ادعت انقضاء عدتھا‪ ،‬ولكن ال تزوج‪ ،‬وھو ما‬
‫سيوضحه القاضي التسولي فيما بعد‪ .‬فيعتمد تصديق القاضي لھا على ما ينبني عليه‬
‫التصديق‪ ،‬فإن أرادت التزويج امتنع‪ ،‬وإن أرادت الرجعة كان لھا ذلك‪ .‬وأن ما ساقه‬
‫القاضي ابن رحال المعداني إنما يبين وجه الخلل في أن العادة جرت على عدم‬
‫تصديق المطلقة في أقل من ثالثة أشھر بصحة انقضاء عدتھا‪ .‬فمن باب االنصاف‬
‫اإلشارة إلى أنه وقع الغلط في تطبيق حكم القاضي ابن العربي‪ ،‬فإن ابن العربي لم‬
‫يقل أن المطلقة ال تصدق‪ ،‬بل ھذا ما قاله‪:‬‬

‫‪                                                             ‬‬

‫‪ .١‬ورد اسمه في الكتاب بـ "اليرتاسني‪ .‬والصحيح أنه‪ :‬أحمد بن عبدﷲ اليزناسني‪ ،‬وھو أحد شرّاح تحفة‬
‫الحكّام‪ ،‬وعنوان كتابه‪ :‬وشي المعاصم في شرح تحفة ابن عاصم‪  .‬‬
‫‪ .٢‬حاشية المعداني على شرح ميارة الفاسي للتحفة‪ .‬المجلد األول‪ ،‬صفحة ‪  .٣٩٢- ٣٩١‬‬

‫‪ ‬‬
‫‪ ‬‬

‫‪  ٨٠‬‬

‫‪‬א‪‬א‪‬א‪  ‬‬
‫‪‬א‪‬א‪‬‬

‫ت ْاألَ ْد َيانُ فِي ُّ‬
‫َقا َل ْال َقاضِ ي‪َ :‬و َعادَ ةُ ال ِّن َسا ِء عِ ْندَ َنا َمرَّ ةٌ َواحِدَ ةٌ فِي ال َّشھ ِْر‪َ ،‬و َق ْد َقلَّ ْ‬
‫ان‬
‫الذ ْك َر ِ‬
‫ان؟ َف َال أَ َرى أَنْ ُت َم َّك َن ْالم َ‬
‫ُطلَّ َق ُة ِمنْ َّ‬
‫اج َّإال َبعْ دَ َث َال َث ِة أَ ْشھ ٍُر ِمنْ َي ْو ِم‬
‫َف َكي َ‬
‫ْف ِبال ِّنسْ َو ِ‬
‫الز َو ِ‬
‫]‪[١‬‬
‫ان فِي أَوَّ ِل ُّ‬
‫الط َال ِق‪َ ،‬و َال يُسْ أ َ ُل َعنْ َّ‬
‫َّ‬
‫الطھ ِْر أَ ْو آخ ِِرهِ‪.‬‬
‫الط َال ِق َك َ‬
‫أي ال حرج من تصديقھا‪ ،‬ولكن مكمن المنع يقع على عدم تمكينھا من الزواج بآخر‬
‫غير الذي طلقھا باعتبار أن عادة النساء عادة محكمة وھي مرة واحدة في الشھر‪،‬‬
‫فذلك ھو المعيار الزمني الذي يغني عن الخوض في التفاصيل التي ساقھا القرطبي‬
‫نقالً عن التابعي سليمان بن يسار‪.‬‬
‫وبذلك نكون قد انتھينا من السياحة في كتاب شرح ميارة الفاسى‪ ،‬ومع التذكير أن‬
‫الشيخ ميارة الفاسي والقاضي المعداني يتطرقان إلى ثبات المعيار الزمني لعدة‬
‫المطلقة – وھو ثالثة أشھر عندھم – في أكثر من موضع من الكتاب‪ّ ،‬إال أننا لزمنا‬
‫الوقوف عند قول ناظم التحفة‪" :‬ومن يطلق طلقة رجعية‪ ،‬ثم أراد العود للزوجية‪".‬‬
‫]‪ [.٥.٣‬رأي اإلمام أبو عبدﷲ التاودي‬
‫]‪[٢‬‬

‫وجاء قول اإلمام أبو عبدﷲ التاودي‬
‫البھجة في شرح التحفة‪ ،‬وقد أقر من قبله‬

‫)‪ ١٢٠٩ – ١١١١‬ھـ( في ھامش كتاب‬

‫")ومن يطلق طلقة رجعية ثم أراد العود للزوجية( أي أراد رجعتھا فزعمت انقضاء‬
‫عدتھا وأنھا قد بانت وكذبھا في ذلك )فالقول للزوجة واليمين على انقضاء عدة تبين(‬
‫بضم التاء أي عصمتھا وھو خبر عن قوله‪ :‬واليمين‪ ،‬وھذا إذا اعتدت باإلقراء‬
‫وادعت االنقضاء فيما يمكن غالبا ً كثالثة أشھر‪ ،‬فإن أمكن نادراً كشھر سئل النساء‪،‬‬
‫وقال سحنون‪ :‬أقل ما تصدق فيه أربعون يوما ً‪ .‬وقال ابن الماجشون‪ :‬خمسون يوماً‪،‬‬
‫وإن ادعته فيما ال يمكن كأقل من شھر‪ ،‬فأقول له وتصح رجعته وھو قوله‪:‬‬
‫)ثم له ارتجاعھا حيث الكذب مستوضح من( أجل )الزمان المقترب( ابن فتحون‪ :‬إن‬
‫استبان كذبھا لقصر المدة راجعھا على ما أحبت أو كرھت اھـ‪ .‬وما ذكره الناظم من‬
‫‪                                                             ‬‬

‫‪ .١‬أحكام القرآن‪ ،‬البن العربي‪ .‬المجلد األول‪ ،‬صفحة ‪  .٢١٣‬‬
‫‪ .٢‬ھو شيخ الجماعة بفاس العالمة المحدث الصالح المعمر إمام فقھاء المغرب أبو عبد ﷲ محمد التاودي‬
‫ي بن قاسم بن أبي محمد القاسم بن محمد بن أبي‬
‫ي ابن قاسم بن محمد بن عل ّ‬
‫بن الطالب بن عل ّ‬
‫القاسم ابن سودة المري الفاسي المتوفى بفاس سنة ‪١٢٠٩‬ھـ وقد جاوز التسعين‪ .‬قال عنه أبو عبد‬
‫ﷲ الرھوني أول " أوضح المسالك " ‪ " :‬حاز رياسة فاس والمغرب كله‪ ،‬فال أعلم اآلن أحداً ممن ينتمي‬
‫إلى العلم بالمغرب إال وله عليه منة التعليم‪ ،‬إما بواسطة أو بغير واسطة أو بھما معاً‪.‬‬

‫‪ ‬‬
‫‪ ‬‬

‫‪  ٨١‬‬

‫‪‬א‪‬א‪‬א‪  ‬‬
‫‪‬א‪‬א‪‬‬

‫اليمين ھو ما حكاه ابن الھندي عن مقاالت ابن مغيث‪ ،‬وليس بمشھور وال معمول به‬
‫)خ(‪ :‬وصدقت في انقضاء عدة اإلقراء والوضع بال يمين ما أمكن‪ ،‬وفي اختصار‬
‫المتيطية قال في الكتاب‪ :‬وقضى عثمان بن أبان في مطلقة ادعت انقضاء عدتھا بعد‬
‫خمسة وأربعين يوما ً أن عدتھا قد انقضت أنھا مصدقة وتحلف وليس العمل على أن‬
‫تحلف قال في غير المدونة‪ :‬وال تصدق في أقل من ذلك وبه جرى عمل الشيوخ اھـ‪.‬‬
‫وذات قرء في اعتداد بأشھر‬
‫وھو مراد الزقاق]‪ [١‬بقوله‪:‬‬
‫أي‪ ، :‬ال أنھا تخرج من العدة بثالثة أشھر ولو لم‬
‫تحصل اإلقراء الثالث‪ ،‬فإن ھذا لم يقله أحد‪      ،‬اھـ‪.‬‬
‫)وما ادعت من ذلك( أي من انقضاء عدتھا )المطلقة بالسقط( متعلق باالنقضاء‬
‫المعبر عنه بذلك )فھي أبداً( أي قرب الزمان أو بعد )مصدقة( ويريد بال يمين كما‬
‫]‪[٢‬‬
‫مر‪".‬‬
‫وبذلك يتأكد أن المطلقة متى ما أرادت التزويج فإنھا ال تمكن من ذلك قبل ثالثة‬
‫أشھر‪ .‬والحاصل أنھا تخرج من العدة تمكينا ً للرجعة‪ ،‬وال تخرج من العدة لكي تمكن‬
‫من التزويج‪.‬‬
‫وننتقل اآلن إلى ما فيه زيادة في التفصيل مقاربا ً إلى ما ساقه القاضي ابن رحال‬
‫المعداني‪ ،‬وھو رأي القاضي أبو الحسن التسولي‪.‬‬
‫]‪ [.٥.٤‬المعمول به لدى القاضي أبو الحسن التسولي‬
‫من أھم ما بيّنه القاضي أبو الحسن التسولي]‪) [٣‬ت ‪ (١٢٥٨‬ھو أن محط األزمنة‬
‫القصيرة محله أحكام الرجعة‪ ،‬وأن عدم تصديق المطلة في أقل من ثالثة أشھر ھو‬
‫المعمول به آنذاك‪.‬‬
‫‪                                                             ‬‬

‫‪ .١‬ھو‪ :‬علي بن قاسم محمد التجيبي الفاسي المالكي‪ ،‬المشھور بالزقاق‪ .‬من أعيان فقھاء فاس في‬
‫وقته‪ ،‬من كتبه ‪ :‬المنظومة الالمية وتقييد على مختصر الشيخ خليل‪ ،‬والمنھج المنتخب إلى أصول‬
‫المذھب‪ .‬توفي رحمه ﷲ عام ‪٩١٢‬ھـ‪ ،‬انظر ترجمته في االستقصا للناصري ج ‪ ٢‬ص ‪ ،١٨٢‬وفي شجرة‬
‫النور الزكية لمخلوف ص ‪ ٢٧٤‬رقم الترجمة ‪ ،١٠٢٠‬وفي األعالم للزركلي ج ‪ ٤‬ص ‪ ،٣٢٠‬وفي الفكر‬
‫السامي للحجوي ج ‪ ٢‬ص ‪ ٣١٢‬رقم الترجمة ‪ ،٦٩٨‬وفي جذوة اإلقتباس البن القاضي ص ‪ ٤٧٦‬رقم‬
‫الترجمة ‪  .٥٣٢‬‬
‫‪ .٢‬حلى المعاصم في شرح فكر ابن عاصم‪ ،‬وقد ورد في حاشية كتاب البھجة في شرح التحفة‬
‫للتسولي‪ .‬المجلد األول‪ ،‬صفحة ‪  .٥٩٧-٥٩٦‬‬
‫ي األصل‬
‫تسول‬
‫المالكية‪،‬‬
‫علماء‬
‫من‬
‫فقيه‪،‬‬
‫‪:‬‬
‫التسولي‬
‫الحسن‬
‫‪ .٣‬ھو‪ :‬علي بن عبد السالم بن علي‪ ،‬أبو‬
‫ّ‬
‫والمولد‪ .‬يلقب »مديدش« نشأ بفاس‪ .‬وولي القضاء بھا‪ ،‬ثم بتطوان وغيرا‪ .‬وتوفي بفاس‪  .‬‬

‫‪ ‬‬
‫‪ ‬‬

‫‪  ٨٢‬‬

‫‪‬א‪‬א‪‬א‪  ‬‬
‫‪‬א‪‬א‪‬‬

‫وقبل أن يشرح قول الناظم )ابن عاصم األندلس( الذي نستعرض األقوال فيه‪ :‬ومن‬
‫يطلق طلقة رجعية‪ ،‬ثم أراد العود للزوجية‪ ،‬شرح القاضي التسولي قول الناظم‪:‬‬
‫ك الرَّ جْ َع َة في الرَّ جْ عِيِّ‬
‫َو َيمْ لِ ُ‬
‫ِضا ِء األ َم ِد ال َمرْ عِ يِّ‬
‫َق ْب َل ا ْنق َ‬
‫وعلّق عليه فيما يلي‪:‬‬
‫") قبل انقضاء األمد المرعي ( في بينونتھا وھو انقضاء العدة اآلتي بيانھا من‬
‫اإلقراء أو الشھور أو الوضع فالظرف يتعلق بقوله ‪ :‬يملك والمرعي صفة لألمد فإن‬
‫زعمت انقضاء عدتھا فال يملك ارتجاعھا إن مضى من العدة ما يشبه أن تنقضي فيه‬
‫) خ ( وصدقت في انقضاء عدة اإلقراء والوضع بال يمين ما أمكن الخ ‪ .‬وال يجري‬
‫ھھنا ما به العمل من أنھا ال تصدق في أقل من ثالثة أشھر كما قد يتوھمه قصير‬
‫]‪[١‬‬
‫الباع ‪ ،‬إذ ليس ذلك في مثل ھذا ألن الفروج يحتاط لھا‪".‬‬
‫وھذا أول موضع يبين فيه القاضي التسولي أنه جرى العمل على أن ال تصدق‬
‫المطلقة في أقل من ثالثة أشھر‪ .‬أي أن القضاة ملزمون بعدم تصديق المطلقة قبل‬
‫انقضاء المعيار الزمني المحدد بثالثة أشھر‪ .‬وأن ھذا المعيار وضع حيطة للفروج‬
‫التي ال يمكن التحقق منھا‪ .‬ثم بين التسولي وأسھب في ھذا الشرح عند قول الناظم‪،‬‬
‫َو َمنْ ي َ‬
‫ُطلِّ ْق َط ْل َق ًة َرجْ ِعيَّهْ‬
‫جيَّهْ‬
‫أرادَ َ‬
‫ُث َّم َ‬
‫العــ ْودَ لِلـ َّز ْو ِ‬
‫وبين ما يلي‪:‬‬
‫)فالقول( مبتدأ )للزوجة( خبره والجملة جواب الشرط )واليمين( مبتدأ )على انقضاء‬
‫عدة( يتعلق باليمين )تبين( بضم التاء مضارع أبان خبر عن اليمين أي‪ :‬أن يمينھا‬
‫على انقضاء العدة تبين عصمتھا وتخرجھا من العدة قاله )م( ويحتمل أن خبر اليمين‬
‫محذوف أي‪ :‬واليمين على انقضاء عدتھا واجبة عليھا وال تصدق بمجرد دعواھا‬
‫االنقضاء‪ ،‬وتبين حينئذ بفتح التاء مضارع بان إذا ظھر صفة لعدة وحاصل معنى‬

‫‪                                                             ‬‬

‫‪ .١‬البھجة في شرح التحفة‪ ،‬ألبي الحسن التسولي‪ .‬المجلد األول‪ ،‬صفحة ‪  .٥٤٠‬‬

‫‪ ‬‬
‫‪ ‬‬

‫‪  ٨٣‬‬

‫‪‬א‪‬א‪‬א‪  ‬‬
‫‪‬א‪‬א‪‬‬

‫البيتين أن الطالق إذا كان رجعيا ً واختلفا في انقضاء العدة‪ ،‬فالقول للزوجة مع يمينھا‬
‫على ما درج عليه الناظم ‪ ،‬وحكاه ابن الھندي عن مقاالت ابن مغيث‪.‬‬
‫والمشھور أن ال يمين عليھا )خ(‪ :‬وصدقت في انقضاء عدة اإلقراء والوضع بال‬
‫يمين ما أمكن اھـ‪ .‬واختلف فيما يمكن انقضاء عدتھا فيه فقال سحنون‪ :‬أقل ما تصدق‬
‫فيه أربعون يوما ً‪ .‬وقال ابن الماجشون‪ :‬خمسون يوما ً‪ .‬وفي اختصار المتيطية قال‬
‫في غير المدونة‪ :‬وال تصدق في أقل من خمسة وأربعين يوما ً‪ .‬قال‪   :‬‬
‫‪.‬‬
‫ولعل الناظم إنما اعتمد القول باليمين مع أن المتيطي قد صرح إثر ما مرّ عنه بأنه‬
‫ليس العمل على أن تحلف لفساد الزمان ‪  :   ‬‬
‫‪          ‬‬
‫‪             ‬وعليه‬
‫صاحب الالمية حيث قال‪ :‬وذات قرء في اعتداد بأشھر الخ‪ .‬أي ال تصدق في أقل‬
‫من ثالثة أشھر ال أنھا تخرج من العدة بثالثة أشھر‪ ،‬ولو لم تحصل اإلقراء الثالث‬
‫فإن ھذا خالف نص القرآن كما مرّ عند قول الناظم‪ :‬ويملك الرجعة بالرجعي إلى‬
‫قوله‪ :‬وفي المملك الخالف الخ‪.‬‬
‫ثم محل كونھا ال تصدق في أقل من ثالثة أشھر ‪     ‬إنما ھو‬
‫‪   ‬كما مر‪ ،‬وأما بالنسبة ‪ ‬التي الكالم فيھا فإنھا تصدق في‬
‫كل ما يمكن انقضاؤھا فيه كالشھر ونصفه على ما مر أن العمل عليه‪ ،‬بل ولو في‬
‫الشھر فقط على ما مر في المدونة من أنھا تصدق إذا قالت النساء إن ذلك ممكن‬
‫وإال لزم القدوم على فرج مشكوك‪ ،‬والفروج يحتاط لھا‪.‬‬
‫وال سيما وقد علمت أنه روعي حق ﷲ في عدم تصديقھا في أقل من ثالثة أشھر‬
‫بالنسبة للتزوج ‪    ‬فيقال‪ :‬كذلك يراعى حق ﷲ أيضا ً في‬
‫تصديقھا فيما يمكن بالنسبة للرجعة باألحرى‪ ،‬نعم إذا ادعت انقضاءھا فيما ال يمكن‬
‫]‪[١‬‬
‫أصالً كأقل من شھر فال تصدق وله ارتجاعھا كما قال‪".‬‬
‫‪                                                             ‬‬

‫‪ .١‬البھجة‪ ،‬ألبي الحسن التسولي‪ .‬المجلد األول‪ ،‬صفحة ‪  .٥٩٦-٥٩٥‬‬

‫‪ ‬‬
‫‪ ‬‬

‫‪  ٨٤‬‬

‫‪‬א‪‬א‪‬א‪  ‬‬
‫‪‬א‪‬א‪‬‬

‫وھذا يكفي مسوغا ً كافيا ً لتعيم موضوع البحث‪ ،‬فإن المادة ‪/١٥٧‬ج‪ ١/‬قد خالفت‬
‫المعمول به في الفقه المالكي‪ .‬وإن المادة ‪ ٣٤٣‬من ذات القانون قد أخطأت في‬
‫تطبيق المشھور فيما يتعلق بنص المادة ‪/١٥٧‬ج‪ ،١/‬ذلك أن األزمنة القصير‪ ،‬ومن‬
‫بينھا الـ ‪ ٦٠‬يوماً‪ ،‬كانت موضوعة مراعا ًة ألحكام الرجعة‪ ،‬وأمّا في التزويج‪،‬‬
‫فاألمر يختلف وال مفر من مراعاة المعيار الزمني المحدد بثالثة أشھر‪ ،‬وال تصدق‬
‫المطلقة بانقضاء عدتھا اال بعد مرور ھذا الزمان على تاريخ الطالق‪.‬‬
‫فقد أوضح القاضي التسولي رحمه ﷲ أن العمل جرى على تطبيق المعيار الزمني‬
‫المحدد‪ ،‬وال يمكن أن يكون ھناك رأيا ً مشھوراً في الفقه يحدد مدة العدة – للمطلقة‬
‫إن أرادت التزويج من آخر غير الذي طلقھا – في مدة أدناھا ‪ ٦٠‬يوما ً وال يعمل به‪،‬‬
‫فإن كان ذلك فمفاده ضعف ذلك الرأي ورجحان المعمول به‪ .‬ومن الصدف أن‬
‫المعمول به يرتبط بشكل مباشر ووثيق بما أورده القاضي ابن العربي‪ ،‬وكما بين‬
‫القاضي المعداني‪ ،‬فإنما يضعف كل رأي مخالف لما قضى به ابن العربي‪ ،‬ومع إني‬
‫لما أر رأيا ً آخراً فيه اعتراض على ما قرره ابن العربي و جرى العمل به‪.‬‬
‫وكذلك‪ ،‬عندما بيّن اإلمام القرطبي أن المطلقة تستطيع التالعب في شرع ﷲ عند‬
‫اإلخبار عن حال رحمھا‪ ،‬فإن القاضي التسولي أكد ذلك بقوله أن الفروج يحتاط لھا‪.‬‬
‫وحيث أن قول التابعي سليمان بن يسار قد بيّن أنھم ال يستطيعون الكشف عن حال‬
‫الرحم‪ ،‬فقد أخذوا بقول ﷲ تعالى وطبقوا معياراً زمنيا ً يمكن من خالله السماح‬
‫للمطلقة بالتزوج من آخر وحدد ھذا المعيار بثالثة أشھر‪ ،‬وال خالف عليه مطلقا ً‪.‬‬

‫‪ ‬‬
‫‪ ‬‬

‫‪  ٨٥‬‬

‫إعاقة ترويج اخلدعة ببيان عدة التزويج وعدة الرجعة‬
‫إشكالية فانون األحوال الشخصية الكوييت‬

‫القسم الثالث‪ :‬إشكالية قانون األحول الشخصية الكوييت‬
‫وبعد أن تبٌن حجم الخطؤ الذي عكسته المادة ‪/ٔ٘1‬ج‪ ،ٔ/‬وجب اقتراح التؽٌٌر‪ .‬ذلك‬
‫أن المادة المذكورة أوردت حكم خلطت فٌه بٌن حكمٌن‪ ،‬أولهما ٌخص الرجعة‬
‫واآلخر ٌخص التزوٌج‪ ،‬فمزجت الحكمٌن فً حكم واحد وهو خطؤ ٌجب تداركه‪.‬‬
‫وال ٌعنٌنا فً هذا الصدد معالجة األخطاء الكثٌر التً حصلت قبل صدور قانون‬
‫األحوال الشخصٌة فً عام ٗ‪ ،ٔ89‬وإن كانت تلك الحاالت محرجة‪ .‬ففً ‪ٕٓٓٙ‬‬
‫طرح أمام محكمة االستبناؾ (احوال شخصٌة) دعوى حول عقد زواج أبرم فً‬
‫ٕٕ‪ .ٔ89ٔ/ٖ/‬ونمتنع عن ذكر أطرافه وشهوده ورقم توثٌقه‪ .‬وكان نفاذ هذا العقد‬
‫وتوثٌقه وتصدٌقه ٌعتمد على إقرار الزوجة أن عدتها من زوجها األول من الطبلق‬
‫المإرخ فً ‪ ٔ89ٔ/ٔ/ٕ9‬قد انقضت‪ ،‬وبذلك صح العقد ونفذ وتم تزوٌجها من رجل‬
‫آخر‪ .‬وال داعً من إخفاء اسم العاقد‪ ،‬فهو الشٌخ ‪ /‬ناصر عبدالوهاب المعٌلً‪.‬‬
‫وفً ‪ ،ٕٓٓٙ‬وبعد مرور سنوات عدٌدة‪ ،‬طرح هذا العقد كمحور للنزاع أمام محكمة‬
‫االستبناؾ‪ ،‬والبٌّن من أوراقها أنها شابكة‪ّ ،‬إال أن اعتراض المدعً كان ٌستند إلى‬
‫بعض ما سقناه من مراجع قدمت أمام المحكمة‪ ،‬وإثر ذلك أحالت الدابرة االستبنافٌة‬
‫النزاع إلى نٌابة األحوال الشخصٌة‪ ،‬والتً ورد تقرٌرها لمحكمة االستبناؾ بتارٌخ‬
‫ٓٔ‪ .ٕٓٓ1/ٖ/‬وقررت فٌه ما ٌلً‪:‬‬
‫"وأقل مدة الحٌض وأقصاها استناداً لمذهب اإلمام مالك باعتبار أن القرء هو الطهر‬
‫وكان زواج المستؤنؾ ضدها األولى من والد المستؤنفٌن قد تم بعد انتهاء عدتها من‬
‫زوجها األول باعتبار أن فقهاء المالكٌة ومن بٌنهم سحنون قد ذهبوا إلى أقل ما‬
‫تصدق به المرأة بشؤن انقضاء عدتها أربعون ٌوما ً وقال ابن الماشجون خمسون‬
‫ٌوما وفً اختصار المتٌطٌة قال فً ؼٌر المدونة وال تصدق فً أقل من خمسة‬
‫وأربعٌن ٌوما ً وبه جرى عمل الشٌوخ‪ .‬وقد ثبت أن المستؤنؾ ضدها األولى قد‬
‫[ٔ]‬
‫تزوجت بوالد المستؤنفٌن بعد انقضاء ٕ٘ من طبلقها عمن سبقه‪"....‬‬
‫ووقع على هذا التقرٌر كل من السٌد ‪ )***( /‬ربٌس نٌابة األحوال الشخصٌة‪،‬‬
‫وربٌس الناٌبة‪ ،‬السٌد (***)‪.‬‬
‫‪1‬‬

‫‪ْٔ .‬زا حمش‪ٚ‬ش سفعخّ َ‪ٛ‬ببت األدٕال انشخص‪ٛ‬ت إنٗ انذائشة االسخئُبف‪ٛ‬ت انسبدست بخبس‪ٚ‬خ ‪،7112/3/11‬‬
‫ٔأخزث انًذكًت ف‪ٔ ،ّٛ‬لضج بشفض االسخئُبف انًشفٕع اعخشاضبً عهٗ عمذ انضٔاج سبنف انب‪ٛ‬بٌ‪ٔ ،‬صذس‬
‫انذكى بخبس‪ٚ‬خ ‪َٔ .7112/4/73‬خذفظ عٍ حمذ‪ٚ‬ى ْزِ األٔساق يشاعب ًة نخصٕص‪ٛ‬ت أطشاف انذعٕٖ‪ٔ ،‬سًعت‬
‫انمضبة ٔأعضبء َ‪ٛ‬ببت األدٕال انشخص‪ٛ‬ت‪.‬‬

‫‪86‬‬

‫إعاقة ترويج اخلدعة ببيان عدة التزويج وعدة الرجعة‬
‫إشكالية فانون األحوال الشخصية الكوييت‬

‫وحسب ما ثبت لدٌنا أن من المصادر التً أحٌلت إلى النٌابة العامة هو المجلد األول‬
‫من كتاب البهجة فً شرح التحفة‪ ،‬وفٌه قال القاضً التسولً ما نصه بالحرؾ‪:‬‬
‫"واختلؾ فٌما ٌمكن انقضاء عدتها فٌه فقال سحنون ‪ :‬أقل ما تصدق فٌه أربعون‬
‫ٌوما ً ‪ .‬وقال ابن الماجشون ‪ :‬خمسون ٌوما ً ‪ .‬وفً اختصار المتٌطٌة قال فً ؼٌر‬
‫المدونة ‪ :‬وال تصدق فً أقل من خمسة وأربعٌن ٌوما ً ‪ .‬قال ‪ :‬وبه جرى عمل‬
‫الشٌوخ انظره في باب الرجعة‪".‬‬

‫[ٔ]‬

‫فإن الناٌبة نقلت قول التسولً فً تقرٌرها دون أن تنسب القول إلٌه‪ ،‬ثم األعظم من‬
‫ذلك واألمر واألدهى‪ ،‬أنها استبدلت قول التسولً‪" :‬انظره في باب الرجعة" بنقطة‬
‫(‪ُ ).‬ختم فٌها رأي النٌابة وكؤن التسولً وقؾ عند "وبه جرى عمل الشٌوخ‪ ".‬فتكون‬
‫نٌابة األحوال الشخصٌة قد تداركت الخطؤ بخطؤ أفدح نتٌجة لئلحراج ولم تراع فً‬
‫ذلك المقتضٌات السلٌمة النقل‪ .‬وحٌث تنص المادة ‪ ٕ٘1‬من قانون الجزاء على ما‬
‫ٌلً‪:‬‬
‫"ٌعد تزوٌرا كل تؽٌٌر للحقٌقة فً محرر بقصد استعماله على نحو ٌوهم بؤنه مطابق‬
‫للحقٌقة‪ ،‬إذا كان المحرر بعد تؽٌٌره صالحا ألن ٌستعمل على هذا النحو‪ .‬وٌقع‬
‫التزوٌر إذا اصطنع الفاعل محررا ونسبه إلى شخص لم ٌصدر منه‪ ،‬أو أدخل تؽٌٌرا‬
‫على محرر موجود سواء بحذؾ بعض ألفاظه أو بإضافة ألفاظ لم تكن موجودة أو‬
‫بتؽٌٌر بعض األلفاظ‪ )...( ،‬وٌقع التزوٌر أٌضا إذا ؼٌر الشخص المكلؾ بكتابة‬
‫المحرر معناه أثناء تحرٌره بإثباته فٌه واقعة ؼٌر صحٌحة على أنها واقعة صحٌحة‪،‬‬
‫وٌقع التزوٌر من استؽل حسن نٌة المكلؾ بكتابة المحرر فؤملى علٌه بٌانات كاذبة‬
‫موهما أنها بٌانات صحٌحة‪".‬‬
‫انًبدة ‪ 752‬يٍ لبٌَٕ انجضاء انكٕ‪ٚ‬خ‪ٙ‬‬

‫وال شك أن ما مالت إلٌه نٌابة األحول الشخصٌة ٌقتضٌه الصالح العام‪ ،‬فإن مسؤلة‬
‫النزاع المطروح لم تكن طبٌعٌة وٌترتب علٌها مفسدة أعظم من المصلحة التً قد‬
‫ٌقررها القضاء‪ .‬والمبلحظ أن من أعد تقرٌر النٌابة استند على المراجع التً أحٌلت‬
‫إلٌه‪ ،‬وفٌها ما نقله حرفٌا ً وحذؾ ما ٌسبب اإلحراج مما بٌنه القاضً التسولً‪.‬‬
‫‪1‬‬

‫‪ .‬انبٓجت ف‪ ٙ‬ششح انخذفت‪ ،‬ألب‪ ٙ‬انذسٍ انخسٕن‪ ،ٙ‬انًجهذ األٔل‪ ،‬صفذت ‪.596‬‬

‫‪82‬‬

‫إعاقة ترويج اخلدعة ببيان عدة التزويج وعدة الرجعة‬
‫إشكالية فانون األحوال الشخصية الكوييت‬

‫وكذلك تم إعداد التقرٌر للمحكمة وبتكلٌؾ منها‪ ،‬فٌستوجب أن تستعرض النٌابة‬
‫الحقٌقة التً نقلت منها دون تؽٌٌر‪ ،‬وال ٌكون ذلك إال ببٌان أن األزمنة القصٌرة التً‬
‫اقتبستها النٌابة من قول القاضً التسولً كانت تنطبق على أحكام الرجعة‪ ،‬فً حٌن‬
‫أن النزاع المحال إلى النٌابة ٌقتضً تطبٌق أحكام التزوٌج‪ ،‬ألن المستؤنؾ ضدها‬
‫تزوجت من ؼٌر الذي طلقها‪.‬‬
‫ومرد تصرؾ النٌابة وتعاملها مع ما أحٌل إلٌها من مصادر تثبت وجوب تطبٌق‬
‫المعٌار الزمنً المحدد بثبلثة أشهر كؤدنى حد لعدة المطلقة متى ما أرادت التزوٌج‬
‫من آخر ؼٌر الذي طلقها – ٌتبٌن من خبلله اضطراب أجهزة العدالة فً معالجة‬
‫المشكلة‪ّ ،‬‬
‫وإال لما اضطرت إلى تؽٌٌر النصوص التً ثبتت لدٌها وحذؾ ما ٌبٌن‬
‫الخلل فً نص المادة ‪/ٔ٘1‬ج‪ ٔ/‬من قانون األحوال الشخصٌة والمعمول به قبل‬
‫تطبٌق القانون سالؾ الذكر والصادر فً عام ٗ‪ ،ٔ89‬أي قبل إبرام العقد محل‬
‫النزاع بعامٌن فقط‪ ،‬وال شك أن نٌابة األحوال الشخصٌة قد فعلت ذلك لتدارك األمر‪،‬‬
‫وهو األصلح‪ ،‬ولكن لم توفق فً وسٌلة التدارك‪ ،‬حٌث كان بإمكان النٌابة إثارة‬
‫مسابل أخرى وإهمال المصادر المحالة إلٌها وتبٌان أن المصلحة تقتضً عدم النظر‬
‫إلى المصادر‪ ،‬وإن كان ذلك فٌه تعدٌا ً على شرع هللا وإخبلل بواجب الحاكم بمعرفة‬
‫العدة واحصابها بالطرٌق الصحٌح[ٔ]‪.‬‬
‫ٔ‪ .‬عدم وجود تصنٌؾ ٌوافق ما استقر علٌه الفقه المالكً‬
‫لما كانت المادة ٖٖٗ تنص على أن القاضً مقٌد بؤحكام الفقه المالكً‪ ،‬كان مقتضى‬
‫ذلك امتداد المعمول به قبل صدور القانون باستمرار اعتبار الفقه المالكً المصدر‬
‫الربٌسً والتارٌخً لقانون االحوال الشخصٌة الصادر فً ٗ‪.ٔ89‬‬
‫وجاءت نص المادة ٖٖٗ على ما ٌلً‪:‬‬

‫‪1‬‬

‫‪ ُِٕٚٔ .‬انببدث إنٗ أَّ ال ‪ًٚ‬بَع بإعبدة يسبئهخّ َخ‪ٛ‬جت إلفصبدّ ببنخهً‪ٛ‬خ إنٗ حمش‪ٚ‬ش انُ‪ٛ‬ببت انًزكٕس‪ٔ .‬نكٍ‬
‫ال حجذ٘ أ٘ يسبءنت َفعبً إال إرا ج‪ٙ‬ء ببنًصذ انز٘ الخبسج يُّ انُ‪ٛ‬ببت رنك انمٕل‪ ،‬فإٌ انًصذس انٕد‪ٛ‬ذ‬
‫انز٘ ركش لٕل انُ‪ٛ‬ببت ٔبُفس انخسهسم ْٕ يب أٔسدِ انمبض‪ ٙ‬انخسٕن‪ ٙ‬ف‪ ٙ‬كخبة انبٓجت ف‪ ٙ‬ششح‬
‫انخذفت‪ٔ ،‬أٌ انب‪ ٍٛ‬أَّ أشبس إنٗ حهك األصيُت كَٕٓب ف‪ ٙ‬أدكبو انشجعت – ْٔ‪ ٙ‬انعببسة انخ‪ ٙ‬دزفخٓب انُ‪ٛ‬ببت‬
‫– ٔال ‪ٚ‬عمم أٌ حكٌٕ انُ‪ٛ‬ببت لذ أنفج ْزا انمٕل بًذض انصذفت‪ .‬فهِخكٌٕ أ٘ يسبءنت يجذ‪ٚ‬ت‪ٚ ،‬فضم حذض‪ٛ‬ش‬
‫انًصذس لبم يسبءنت انببدث ٔاحٓبيّ ببإلسبءة إنٗ انمضبء ٔيب غ‪ٛ‬ش رنك يٍ احٓبيبث سبك ٔأٌ نصمج‬
‫عُٕة ببنببدث دٌٔ أٌ حجذ٘ ببنًُفعت‪.‬‬

‫‪88‬‬

‫إعاقة ترويج اخلدعة ببيان عدة التزويج وعدة الرجعة‬
‫إشكالية فانون األحوال الشخصية الكوييت‬

‫"كل ما لم ٌرد له حكم فً هذا القانون ٌرجع فٌه الى المشهور فً مذهب االمام مالك‬
‫فان لم ٌوجد المشهور طبق ؼٌره ‪ ،‬فان لم ٌوجد حكم اصبل ‪ ،‬طبقت المبادئ العامة‬
‫فً المذهب‪".‬‬
‫انًبدة ‪ 343‬يٍ لبٌَٕ األدٕال انشخص‪ٛ‬ت انكٕ‪ٚ‬خ‪ٙ‬‬

‫ولما كان ذلك‪ ،‬جاءت نص المادة ‪/ٔ٘1‬ج‪ ٔ/‬بالنص على ما ٌلً‪:‬‬
‫ج‪ -‬عدة ؼٌر الحامل ‪ ،‬فً ؼٌر حالة الوفاة ‪:‬‬
‫ٔ‪ -‬ثبلث حٌضات كوامل فً مدة ال تقل عن ستٌن ٌوما لذوات الحٌض‪.‬‬
‫انًبدة ‪/152‬ج‪ 1/‬يٍ لبٌَٕ األدٕال انشخص‪ٛ‬ت انكٕ‪ٚ‬خ‪ٙ‬‬

‫فإن الخلط قد وقع بمزج أحكام الرجعة وأحكام التزوٌج‪ ،‬وهو ما أوضحاه القاضً‬
‫المعدانً والتسولً مع بٌان المعمول به فً الفقه المالكً وما جرى العمل به فً‬
‫دٌار المؽرب‪ .‬وكان األفضل أن تكون المادة على هذا الشكل‪:‬‬
‫ج‪ -‬عدة ؼٌر الحامل‪ ،‬فً ؼٌر حالة الوفاة‪:‬‬
‫ٔ‪ -‬ثبلث حٌضات كوامل لذوات الحٌض فً مدة ال تقل عن‪:‬‬
‫ ستٌن ٌوما ً فً حالة الرجعة‬‫ تسعٌن ٌوما ً للزواج من آخر‬‫أو ٌمكن إعادة صٌاؼة المادة لتكون‪ -ٔ"[ :‬ثبلث حٌضات كوامل لذوات الحٌض فً‬
‫مدة ال تقل عن ستٌن ٌوما ً فً حالة الرجعة‪ ،‬وتسعٌن ٌوما ً فً حالة الزواج من‬
‫آخر‪]".‬‬
‫وبذلك تكون نص المادة أكثر توافقا ً مع المذهب المالكً وأكثر انسجاما ً مع شرع هللا‬
‫تعالى‪.‬‬

‫‪89‬‬

‫إعاقة ترويج اخلدعة ببيان عدة التزويج وعدة الرجعة‬
‫إشكالية فانون األحوال الشخصية الكوييت‬

‫ٕ‪ .‬فوابد تصنٌؾ العدة إلى عدة للرجعة وعدة للتزوٌج‬
‫كان الثابت‪ ،‬ومنذ عصر القاضً ابن العربً‪ ،‬أن شٌوع األقوال فً األزمنة‬
‫القصٌرة كان مإداه الرجعة‪ .‬والدلٌل على ذلك أن التراخً فً األحكام إنما ٌكون فً‬
‫صالح األسرة‪ ،‬ولما كان ذلك وكانت األزمنة القصٌرة تساعد الزوجة فً أحكام‬
‫الرجعة – كؤن ترجع إلى زوجها بعقد جدٌد قد ٌتضمن شروط تطمبن لها الزوجة –‬
‫كان تطبٌق تلك األزمان الستبناؾ الزوجٌة بٌن الزوجٌن وإعادة الحٌاة بٌنهما إلى‬
‫نصابها التً كانت علٌه وربما إلى األفضل‪.‬‬
‫وقد استعرض القاضً ابن العربً تلك األزمنة ثم بٌّن أنها أقوال لها حجٌتها‪ ،‬ولكنها‬
‫ال تنصب إذا ما أرادت المطلقة التزوٌج من آخر‪ ،‬ونعٌد استعراض ما بٌنه‪:‬‬
‫ض ْ‬
‫اب َع ُة ‪َ ٌَ :‬ت َر َّكبُ َعلَ ٌْ ِه إ َذا َقالَ ْ‬
‫ت عِ َّدتًِ قُ ِب َل َق ْول ُ َها فًِ ُم َّد ٍة‬
‫ت ْال َمرْ أَةُ‪ :‬ا ْن َق َ‬
‫ا ْل َم ْسأَلَ ُة َّ‬
‫الس ِ‬
‫ؾ ‪َ .‬فإِنْ أَ ْخ َب َر ْ‬
‫َت ْن َقضِ ً فًِ م ِْثلِ َها ْال ِع َّدةُ َعا َد ًة مِنْ َؼٌ ِْر خ َِبل ٍ‬
‫ضا ِب َها فًِ ُم َّد ِة َت َق ُع‬
‫ت ِبا ْن ِق َ‬
‫ت ‪ :‬حِضْ ت َث َبل َ‬
‫ص ِّد َق ْ‬
‫َنا ِدرً ا َف َق ْو َال ِن ‪َ :‬قا َل فًِ ْال ُم َد َّو َن ِة ‪ :‬إ َذا َقالَ ْ‬
‫ت إ َذا‬
‫ض فًِ َشه ٍْر ُ‬
‫ث ِح ٌَ ٍ‬
‫ص َّد ُق فًِ َشه ٍْر َو َال فًِ َشه ٍْر َونِصْ ؾٍ ‪،‬‬
‫ص َّد َق َها ال ِّن َسا ُء ‪َ .‬و َقا َل فًِ ِك َتا ِ‬
‫ب م َُح َّم ٍد ‪َ :‬ال ُت َ‬
‫َ‬
‫ك إنْ َط َّولَ ْ‬
‫ب م َُح َّم ٍد‪ ،‬فًِ ْال ُم َطلَّ َق ِة ُتقٌِ ُم َس َن ًة لِ َتقُو َل َل ْم أَحِضْ َّإال‬
‫ت؛ َف َقا َل فًِ ِك َتا ِ‬
‫َو َك َذلِ َ‬
‫ك َو َكا َن ْ‬
‫ص َّد ْق َوإِنْ لَ ْم َت ُكنْ َذ َك َر ْ‬
‫ْن ‪ :‬إ َذا‬
‫ت َذلِ َ‬
‫ض ًة ‪ :‬لَ ْم ُت َ‬
‫َح ٌْ َ‬
‫ت َؼٌ َْر مُرْ ضِ ٍع‪َ .‬قا َل ابْنُ م َُزٌ ٍ‬
‫ض ْ‬
‫ت َتؤ َ ُّخ َر َحٌْضِ َها َبعْ َد ْال ِف َط ِام َس َن ًة َحلَ َف ْ‬
‫ا َّد َع ْ‬
‫ت‪َ ،‬و َه َذا إ َذا لَ ْم ُتعْ لَ ْم لَ َها‬
‫ت ِبا َ َّ ِ‬
‫َّلل َما َحا َ‬
‫َعا َدة‪َ .‬قا َل ْال َقاضِ ً‪َ :‬و َعا َدةُ ال ِّن َسا ِء عِ ْن َد َنا َمرَّ ة َوا ِح َدة فًِ ال َّشه ِْر‪َ ،‬و َق ْد َقلَّ ْ‬
‫ت ْاألَ ْد ٌَانُ فًِ‬
‫ُّ‬
‫ْؾ ِبال ِّنسْ َوا ِن؟ َف َبل أَ َرى أَنْ ُت َم َّك َن ْال ُم َطلَّ َق ُة مِنْ َّ‬
‫اج َّإال َبعْ َد َث َبل َث ِة أَ ْشه ٍُر‬
‫ان َف َكٌ َ‬
‫الذ ْك َر ِ‬
‫الز َو ِ‬
‫[ٔ]‬
‫ان فًِ أَ َّو ِل ُّ‬
‫الط َبل ِق‪َ ،‬و َال ٌُسْ ؤ َ ُل َعنْ َّ‬
‫مِنْ ٌَ ْوم َّ‬
‫الطه ِْر أَ ْو آخ ِِرهِ‪.‬‬
‫الط َبل ِق َك َ‬
‫ِ‬
‫وعلى ذلك بٌّن القاضً التسولً مناط هذا الحكم مبٌنا ً أن األزمنة القصٌرة إنما هً‬
‫للرجعة‪:‬‬
‫ثم محل كونها ال تصدق فً أقل من ثبلثة أشهر على ما به العمل الٌوم إنما هو إذا‬
‫أرادت التزوٌج كما مر‪ ،‬وأما بالنسبة للرجعة التً الكبلم فٌها فإنها تصدق فً كل ما‬
‫ٌمكن انقضاإها فٌه كالشهر ونصفه على ما مر أن العمل علٌه‪ ،‬بل ولو فً الشهر‬
‫فقط على ما مر فً المدونة من أنها تصدق إذا قالت النساء إن ذلك ممكن وإال لزم‬
‫القدوم على فرج مشكوك‪ ،‬والفروج ٌحتاط لها‪.‬‬
‫‪1‬‬

‫‪ .‬أدكبو انمشآٌ‪ ،‬البٍ انعشب‪ .ٙ‬انًجهذ األٔل‪ ،‬صفذت ‪.713 - 717‬‬

‫‪91‬‬

‫إعاقة ترويج اخلدعة ببيان عدة التزويج وعدة الرجعة‬
‫إشكالية فانون األحوال الشخصية الكوييت‬

‫وال سٌما وقد علمت أنه روعً حق هللا فً عدم تصدٌقها فً أقل من ثبلثة أشهر‬
‫بالنسبة للتزوج على المعمول به الٌوم فٌقال‪ :‬كذلك ٌراعى حق هللا أٌضا ً فً‬
‫تصدٌقها فٌما ٌمكن بالنسبة للرجعة باألحرى‪ ،‬نعم إذا ادعت انقضاءها فٌما ال ٌمكن‬
‫[ٔ]‬
‫أصبلً كؤقل من شهر فبل تصدق وله ارتجاعها كما قال‪".‬‬
‫[ٔ‪ ].ٕ.‬استخدام لؤلزمنة القصٌرة للتٌسٌر على الزوجٌن‬
‫إن استخدام المقنن الكوٌتً مدة ٓ‪ٌ ٙ‬وما ً له أصله فً الفقه المالكً‪ ،‬وقد ذكره الشٌخ‬
‫خلٌل فً كتاب التوضٌح فً المجلد الخامس – كتاب العدد – وبٌّن أنها فً األصل‬
‫شهران وخمس لٌال‪ ،‬وأن المسؤلة ٌثار حولها اإلشكال‪ ،‬ولكن تظل المدة محكومة‬
‫بؤحكام الرجعة – أي إذا أرادت المطلقة الرجوع إلى زوجها الذي طلقها بعقد جدٌد‪.‬‬
‫ولكن ال ٌضر المقنن أن ٌتبنى أٌا ً من األزمنة التً نقلتها نٌابة األحوال الشخصٌة فً‬
‫تقرٌرها سالؾ الذكر من القاضً التسولً‪ ،‬وهً كما ٌلً‪:‬‬
‫"واختلؾ فٌما ٌمكن انقضاء عدتها فٌه فقال سحنون ‪ :‬أقل ما تصدق فٌه أربعون‬
‫ٌوما ً ‪ .‬وقال ابن الماجشون ‪ :‬خمسون ٌوما ً ‪ .‬وفً اختصار المتٌطٌة قال فً ؼٌر‬
‫المدونة ‪ :‬وال تصدق فً أقل من خمسة وأربعٌن ٌوما ً ‪ .‬قال ‪ :‬وبه جرى عمل‬
‫الشٌوخ انظره في باب الرجعة‪".‬‬

‫[ٕ]‬

‫فبل ضٌر أن ٌحدد المقنن مدة العدة فً المادة ‪/ٔ٘1‬ج‪ – ٔ/‬بعد تنقٌحها واعتبار مدة‬
‫التزوٌج المحسومة – على أنها تكون من ٓٗ – ٓ‪ٌ ٙ‬وماً‪ ،‬وذلك لتسهٌل األمر على‬
‫القاضً‪ ،‬السٌما وأن التسولً قد بٌّن‪"[ :‬أنه روعً حق هللا فً عدم تصدٌقها فً أقل‬
‫من ثبلثة أشهر بالنسبة للتزوج على المعمول به الٌوم فٌقال‪ :‬كذلك ٌراعى حق هللا‬
‫أٌضا ً فً تصدٌقها فٌما ٌمكن بالنسبة للرجعة باألحرى‪ ،‬نعم إذا ادعت انقضاءها فٌما‬
‫ال ٌمكن أصبلً كؤقل من شهر فبل تصدق وله ارتجاعها كما قال‪]".‬‬
‫وبذلك ٌقع التسهٌل فً أمور المسلمٌن والحٌطة لحدود هللا وعدم تجاوزها‪.‬‬

‫‪1‬‬

‫‪ .‬انبٓجت‪ ،‬ألب‪ ٙ‬انذسٍ انخسٕن‪ .ٙ‬انًجهذ األٔل‪ ،‬صفذت ‪.596-595‬‬
‫‪7‬‬
‫‪ .‬انبٓجت ف‪ ٙ‬ششح انخذفت‪ ،‬ألب‪ ٙ‬انذسٍ انخسٕن‪ ،ٙ‬انًجهذ األٔل‪ ،‬صفذت ‪.596‬‬

‫‪91‬‬

‫إعاقة ترويج اخلدعة ببيان عدة التزويج وعدة الرجعة‬
‫إشكالية فانون األحوال الشخصية الكوييت‬

‫فمحط األزمنة القصٌرة هو التٌسٌر بٌن الزوجٌن وٌترك األمر من بعد ذلك إلى‬
‫تقدٌر القاضً وإلى ما ٌفرضه واقع النزاع وما ٌستخلصه من أدلة وقرابن ببل معقب‬
‫علٌه متى ما كان استخبلصه سابؽا ً ٌكفً لحمل قضابه‪.‬‬
‫وعلى ذلك‪ٌ ،‬مكن إعادة صٌاؼة المادة ‪/ٔ٘1‬ج‪ ٔ/‬بهذا الشكل مع اعتبار حكم‬
‫التزوٌج والرجعة‪:‬‬
‫ج‪ -‬عدة ؼٌر الحامل‪ ،‬فً ؼٌر حالة الوفاة‪:‬‬
‫ٔ‪ -‬ثبلث حٌضات كوامل لذوات الحٌض فً مدة ال تقل عن‪:‬‬
‫ من أربعٌن إلى ستٌن ٌوما ً فً حالة الرجعة‬‫‪ -‬تسعٌن ٌوما ً للزواج من آخر‬

‫[ٕ‪ ].ٕ.‬استخدام الثبلثة أشهر لقطع الشك بالٌقٌن‬
‫استعرضنا ما ساقه اإلمام القطبً حول اإلشكالٌات التً قد تظهر عند ثوران‬
‫النزاعات بٌن الزوجٌن أمام القضاء فٌما ٌخص انقضاء العدة‪ .‬وقد بٌّن اإلمام‬
‫القرطبً رحمه نموذج لتلك النزاعات‪:‬‬
‫" َو َقا َل ُسلَ ٌْ َمان بْن ٌَ َسار‪َ :‬ولَ ْم ُن ْإ َمر أَنْ َن ْف َتح ال ِّن َساء َف َن ْن ُ‬
‫ظر إِلَى فُرُوجهنَّ ‪َ ،‬ولَكِنْ وُ ِّك َل‬
‫ْ‬
‫اإلضْ َرار ِب َّ‬
‫الز ْو ِج‬
‫َذلِ َ‬
‫ك إِلٌَ ِْهنَّ إِذ ُكنَّ م ُْإ َت َم َنات‪َ .‬و َمعْ َنى ال َّنهًْ َعنْ ْال ِك ْت َمان ال َّنهًْ َعنْ ْ ِ‬
‫ًِ لَ ْم َتحِضْ ‪َ ،‬ذ َه َب ْ‬
‫َوإِ ْذ َهاب َحقّه‪َ ،‬فإِ َذا َقالَ ْ‬
‫ت ِب َح ِّق ِه مِنْ‬
‫ت ْال ُم َطلَّ َقة‪ :‬حِضْ ت‪َ ،‬وه َ‬
‫ض ْ‬
‫ِاالرْ ت َِجاع‪َ ،‬وإِ َذا َقالَ ْ‬
‫ت‪ ،‬أَ ْل َز َم ْت ُه مِنْ ال َّن َف َقة َما لَ ْم ٌَ ْل َزم ُه‬
‫ًِ َق ْد َحا َ‬
‫ت‪ :‬لَ ْم أَحِضْ ‪َ ،‬وه َ‬
‫ضرَّ ْ‬
‫ت ِب ِه‪ ،‬أَ ْو َت ْقصِ د ِب َكذ ِِب َها فًِ َن ْفً ْال َحٌْض أَ َّال َترْ َت ِجع َح َّتى َت ْن َقضِ ً ْال ِع َّدة َو ٌَ ْق َطع‬
‫َفؤ َ َ‬
‫[ٔ]‬
‫ال َّشرْ ع َحقّه‪".‬‬
‫أوالً‪ٌ :‬ملً الواقع مإٌداً ما بٌنه التابعً سلٌمان بن ٌسار – رضً هللا عنه – من أن‬
‫التحقق من ادعاء المطلقة أن عدتها انقضت أو لم تنقضً ٌتطلب فحصهن‪ ،‬وهو‬
‫ؼٌر مستساغ فً الماضً‪ ،‬وحتى فً الحاضر ٌخطا من ٌظن أن الطب ٌستطٌع‬
‫الكشؾ عن هذه الحقٌقة بسهولة‪ ،‬ألن النزاع ٌترتب علٌه ما كان علٌه حال الرحم‬
‫قبل النظر فً النزاع‪ ،‬وهو أمر قد ٌكون مشكل‪.‬‬
‫‪1‬‬

‫‪ .‬انجبيع ألدكبو انمشآٌ‪ ،‬نإليبو انمشطب‪ .ٙ‬حفس‪ٛ‬ش ا‪ٜٚ‬ت ‪ 778‬يٍ سٕسة انبمشة‪.‬‬

‫‪97‬‬

‫إعاقة ترويج اخلدعة ببيان عدة التزويج وعدة الرجعة‬
‫إشكالية فانون األحوال الشخصية الكوييت‬

‫ثانٌاً‪ :‬إن النموذج الذي طرحه اإلمام القرطبً رحمه هللا تعالى ما انفك حاله عما كان‬
‫علٌه منذ قرون‪ ،‬فمتى ما شاءت المرأة أن تستنزؾ أموال الزوج‪ ،‬زعمت أن عدتها‬
‫لم تنقضً‪ .‬وإذا ما أرادت حل الزواج‪ ،‬فإن ذلك ٌكون بٌدها بمجرد قولها أن عدتها‬
‫قد انقضت‪ ،‬وهو ما ٌذهب حق الزوج فً االرتجاع‪.‬‬
‫وٌكون ذهاب الحق فً االرتجاع على ثبلثة وجوه‪:‬‬
‫ٔ ‪ .‬أن تدعً المرأة انقضاء عدتها لتنسؾ العقد القدٌم على حساب عقد جدٌد‪ .‬فٌكون‬
‫حق الزوج قد ذهب مع العقد القدٌم‪ ،‬وٌلزم بمهر جدٌد وشروط جدٌدة‪.‬‬
‫ٕ ‪ .‬إن فصل القاضً بانقضاء العدة‪ ،‬ال ٌعنً بالضرورة تحقق إعادة الزواج بٌن‬
‫الزوجٌن بعقد جدٌد‪ ،‬إذ قد تتقاعس المرأة بعد صدور الحكم وتماطل أو تضع شروط‬
‫معجزة أو تؽالً فً تحدٌد المهر الجدٌد‪.‬‬
‫ٖ‪ .‬وأما الوجه الثالث فٌنصب فً حالة ما إن اراد الزوج تدارك خطؤه فً تطلٌق‬
‫زوجته‪ ،‬وإعادتها إلى الزوجٌة حفاظا ً على األسرة أو ربما لسبب آخر ٌفترض أنه‬
‫مقبول شرعا ً وانسانٌاً‪ .‬فإذا ادعت المطلقة انقضاء عدتها‪ ،‬وإنها وإن لم تزوج فوراً‬
‫ّإال بعد ثبلثة أشهر‪ ،‬فإنها تكون قد ذهبت بحق الرجل بارتجاعها للحفاظ على األسرة‬
‫وإعادتها على ما كانت علٌه أو ربما لؤلفضل‪.‬‬
‫وعلى ذلك تضطرب األحكام ألن القرٌنة والدلٌل الوحٌد الذي ٌترتب علٌه الحكم‬
‫ٌعتمد على أمانة المطلقة فً اإلخبار عن حال رحمها‪ ،‬وهو أمر تطرق له العلماء‬
‫من أنه ٌتعذر لفساد الزمان ووجب االحتراز من هذه االشكالٌات بوضع المعٌار‬
‫الزمنً الذي حددوه‪ ،‬وهو الثبلثة أشهر‪.‬‬
‫وقد بٌّن القاضً المعدانً وضح داللته‪"[ :‬وقوله‪ :‬عدة االقراء والوضع احترز به‬
‫من عدة األشهر فإن النساء والرجال فٌها سواء"] وهو مشابه لقول القرطبً فً‬
‫تفسٌره لآلٌة ‪ ٕٕ9‬من سورة الطلق بقوله‪:‬‬

‫‪93‬‬

‫إعاقة ترويج اخلدعة ببيان عدة التزويج وعدة الرجعة‬
‫إشكالية فانون األحوال الشخصية الكوييت‬

‫َو َقا َل َت َعالَى‪َ " :‬واَ َّ‬
‫لبلبًِ ٌَبِسْ َن مِنْ ْال َمحٌِض مِنْ ن َِسا ِب ُك ْم إِنْ اِرْ َت ْب ُت ْم َف ِع َّدتهنَّ َث َبل َثة أَ ْشهُر"‬
‫َّ‬
‫[الط َبلق‪َ .]ٗ:‬ف َج َع َل ْال َم ٌْ ُبوس ِم ْن ُه ْال َمحٌِض‪َ ،‬ف َد َّل َعلَى أَ َّن ُه ه َُو ْال ِع َّدة‪َ ،‬و َج َع َل ْالع َِوض‬
‫[ٔ]‬
‫ان َمعْ ُدومًا‪.‬‬
‫ِم ْن ُه ه َُو ْاألَ ْشهُر إِ َذا َك َ‬
‫وبذلك ٌتحقق للجمٌع معٌاراً ٌمكن من خبلله الفصل فً هذه المسابل‪ ،‬وهو معٌار‬
‫ٌقبله القاصً والدانً‪.‬‬
‫[ٖ‪ ].ٕ.‬منع التحاٌل على شرع هللا‬
‫وإنه ولبن كان قطع الشك بالٌقٌن من الفوابد التً ٌستفٌد منها القاضً والزوج‬
‫وؼٌرهما‪ ،‬فإن العمل بالمعٌار الزمنً المحدد بثبلثة أشهر فٌه تطوٌق ٌحمً شرع‬
‫هللا‪ ،‬إذ بٌّنا ما قٌل فً قوله تعلى أن العدة حد من حدود هللا‪:‬‬
‫هللا َر َّب ُك ْم َال‬
‫" ٌَا أَ ٌُّ َها ال َّن ِبًُّ إِ َذا َطلَّ ْق ُت ُم ال ِّن َسا َء َف َطلِّقُوهُنَّ لِ ِع َّدت ِِهنَّ َوأَحْ صُوا ْال ِع َّد َة َوا َّتقُوا َّ َ‬
‫هللا َو َمنْ‬
‫ك ُح ُدو ُد َّ ِ‬
‫ٌِن ِب َفا ِح َش ٍة ُم َب ٌِّ َن ٍة َوت ِْل َ‬
‫ُت ْخ ِرجُوهُنَّ مِنْ ُبٌُوت ِِهنَّ َو َال ٌَ ْخرُجْ َن إِ َّال أَنْ ٌَؤْت َ‬
‫هللا ٌُحْ د ُ‬
‫ك أَمْرً ا " [الطبلق‪]ٔ:‬‬
‫ٌَ َت َع َّد ُح ُدو َد َّ ِ‬
‫ِث َبعْ َد َذلِ َ‬
‫هللا َف َق ْد َظلَ َم َن ْف َس ُه َال َت ْد ِري لَ َع َّل َّ َ‬
‫وعلٌه بٌّن القاضً التسولً ذلك وكما مر بقوله‪:‬‬
‫"أنه روعي حق الله فً عدم تصدٌقها فً أقل من ثبلثة أشهر بالنسبة للتزوج على‬
‫المعمول به الٌوم فٌقال‪ :‬كذلك ٌراعى حق هللا أٌضا ً فً تصدٌقها فٌما ٌمكن بالنسبة‬
‫للرجعة باألحرى‪ ،‬نعم إذا ادعت انقضاءها فٌما ال ٌمكن أصبلً كؤقل من شهر فبل‬
‫[ٕ]‬
‫تصدق وله ارتجاعها كما قال‪".‬‬
‫وبنا ًء علٌه‪ ،‬فإن المعٌار الزمنً هو أٌضا ً صٌانة لحدود هللا‪ ،‬إذ أنه وكما ٌقطع الشك‬
‫بالٌقٌن بالنسبة للقاضً أو الزوج أو كلٌهما‪ ،‬فإنه أٌضا ً ٌحفظ حق هللا وعدم االعتداء‬
‫على حدوده‪ ،‬بحٌث ال ٌعتمد على شهادة الخصم فقط – وأقصد المطلقة‪.‬‬

‫‪ .1‬انجبيع ألدكبو انمشآٌ‪ ،‬نهمشطب‪ ،ٙ‬ا‪ٜٚ‬ت ‪ 778‬يٍ سٕسة انبمشة‪.‬‬
‫‪7‬‬
‫‪ .‬انبٓجت‪ ،‬ألب‪ ٙ‬انذسٍ انخسٕن‪ .ٙ‬انًجهذ األٔل‪ ،‬صفذت ‪.596‬‬

‫‪94‬‬

‫إعاقة ترويج اخلدعة ببيان عدة التزويج وعدة الرجعة‬
‫إشكالية فانون األحوال الشخصية الكوييت‬

‫[ٗ‪ ].ٕ.‬تحقٌق االتزان بٌن الؽلو والفلتان‬
‫إن التصنٌؾ الذي ٌطرحه هذا البحث من شؤنه أن ٌحدث الموازنة فً العصور‬
‫البلحقة على عصر ابن العربً خاصة األخطاء المتضادة وهً على وجهٌن‪:‬‬
‫اخلطأ األول ‪ :‬وٌمثل الفلتان فً تطبٌق شرع هللا‪ ،‬وهو ما تطرق له القاضً ابن‬
‫فرحون رحمه هللا تعالى من أن الناس بلػ فٌهم الجهل (على حد قوله‪ ،‬وٌرجى‬
‫مراجعة قوله فً القسم الثانً من هذا البحث) أنهم إذا ما وجدوا لتارٌخ الطبلق‬
‫شهرٌن فصاعداً فإنهم ٌزوجون المطلقة بؽٌر الذي طلقها‪ .‬وكان هذا ؼلط قبٌح عند‬
‫ابن فرحون‪ ،‬ووافقه على ذلك الجمٌع وال ٌوجد معترض على كبلمه‪.‬‬
‫اخلطأ الثاني‪ :‬وهو ما ذكره القاضٌان المعدانً والتسولً باإلضافة إلى التاودي‪،‬‬
‫فكان الحال أن فً بعض القرى فً ببلد المؽرب أخطؤوا فً تطبٌق حكم القاضً‬
‫ابن العربً وما أشار إلٌه فرحون‪ .‬فكانت النتٌجة أن المطلقة ذات األقراء ال تخرج‬
‫من العدة إال بعد ثبلثة أشهر‪ ،‬والصحٌح المعمول به إنها ال تصدق فً ثبلثة أشهر‬
‫إذا ما أرادت التزوٌج – و َز ٌّدوا أسانٌدهم بقول الزقاق‪" :‬وذات قرء في اعتداد‬
‫بأشهر" – وعلقوا على ذلك بؤنها ال تصدق فً أقل من ثبلثة أشهر[ٔ]‪.‬‬
‫والحقٌقة أن عدم تصدٌقها ما هو إال إعادتها للعدة‪ .‬ذلك أن المطلقة إذا ما ادعت‬
‫انتهاء األقراء بؽٌا ً الستبناؾ الرجعة‪ ،‬حازت على حكم بانقضاء عدتها‪ .‬وإذا ما‬
‫استؽلت الفترة بٌن صدور الحكم واستكمال الرجعة بالسعً وراء التزوج من شخص‬
‫آخر‪ ،‬وجب على القاضً أن ٌرجع فً حكمه وٌمنعها من التزوٌج من آخر ألن‬
‫مبتؽى الحكم كان للرجعة ولٌس للتزوٌج المرفوض قبل إتمام الثبلثة أشهر‪ .‬وٌتحقق‬
‫فً ذلك تضارب األحكام وتناقضها‪ ،‬ألن الحكم الثانً أعادها إلى العدة‪ ،‬بخبلؾ‬
‫الحكم األول الذي أخرجها من العدة‪.‬‬
‫فلذلك‪ ،‬ال حرج من تصنٌؾ العدة إلى رجعة وتزوٌج طبقا ً للمعمول به والذي انتهٌنا‬
‫من استعراضه‪ .‬ذلك أن عدم تصدٌق المطلقة إذا ما أرادت التزوٌج من آخر‪ ،‬ما هو‬
‫إال بقابها فً العدة‪ .‬والفرق بٌن التصنٌؾ الذي نطرحه والخطؤ الذي عالجه كل من‬
‫‪1‬‬

‫‪ٚ .‬شجٗ يشاجعت انمسى انثبَ‪ ٙ‬يٍ ْزا انبذث‪ ،‬د‪ٛ‬ث اسخشٓذ انخسٕن‪ٔ ٙ‬انخبٔد٘ ببنب‪ٛ‬ج انًزكٕس‪،‬‬
‫ٔاكخفٗ انًعذاَ‪ ٙ‬ببإلشبسة إنٗ يشاد انضلبق ف‪ ٙ‬انالي‪ٛ‬ت‪.‬‬

‫‪95‬‬

‫إعاقة ترويج اخلدعة ببيان عدة التزويج وعدة الرجعة‬
‫إشكالية فانون األحوال الشخصية الكوييت‬

‫المعدانً والتسولً والتاودي هو أن ما أشٌع خطؤ بٌن الناس أن المطلقة تستمر فً‬
‫ا لعدة‪ ،‬سواء أرادت التزوٌج أو الرجعة‪ ،‬أما فً التصنٌؾ الذي نطرحه‪ ،‬فإنه ٌخرج‬
‫المطلقة من العدة فً حالة الرجعة‪ ،‬وٌمنعها من التزوٌج‪ ،‬فالتصنٌؾ فً واقعه ما هو‬
‫إال منع المطلقة من التزوٌج بآخر قبل تمام ثبلثة أشهر‪ ،‬تماما ً كما كان المعمول به‪.‬‬
‫وبذلك ٌتحقق بهذا التصنٌؾ الموازنة بٌن الخطؤٌن اللذٌن تطرق لهما كل من ابن‬
‫فرحون من جهة‪ ،‬والمعدانً والتسولً من جهة أخرى‪ .‬فابن فرحون واجه الفلتان‪،‬‬
‫وكل من المعدانً والتسولً واجهو الؽلو الناتج عن الفهم الخاطا لحكم ابن عربً‬
‫وابن فرحون‪ .‬وٌرجى مراجعة كبلم المعدانً والتسولً فً هذا الشؤن فً القسم‬
‫الثانً‪.‬‬

‫‪96‬‬

‫إعاقة ترويج اخلدعة ببيان عدة التزويج وعدة الرجعة‬
‫الرد على االنتقادات املوجهة إىل تصنيف البحث‬

‫القسم الرابع‪ :‬الرد على االنتقادات املوجهة إىل تصنيف البحث‬
‫وضعت هذا البحث إلى من أراد أن ٌحتج به أٌا ً كان القانون المقابل المخالف إلى ما‬
‫ٌبٌنه هذا البحث من أحكام واضحة ال تحتمل النقاش واالعتراض‪ .‬ومع األسف فقد‬
‫واجه هذا التصنٌف الذي استعرضه البحث بعضا ً من االنتقادات‪ ،‬منها ما ٌستوجب‬
‫النظر فٌه‪ ،‬ومنها ما ال ٌستحق الرد أجملتها فً النقطة الخامسة من هذا القسم‬
‫ولكونها ال تعدو سوى أن تكون هجوما ً شخصٌا ً ٌهدف فً جوهره إلى التهرب من‬
‫األدلة التً استند علٌها البحث‪.‬‬
‫[ٔ]‬

‫وفً معرض ردنا على تلك االنتقادات نلجؤ إلى الكشف عن المغالطات المنطقٌة‬
‫والتً عادة ما ٌرتكبها االنسان بقصد أو دون قصد‪ .‬وإن كانت هذه المغالطات تحوم‬
‫حول دائرة المنطق‪ّ ،‬إال أنها بعٌدة كل البعد عن المنطق المنبوذ (منطق الٌونانٌون‬
‫وأمثالهم) فتحدٌد تلك المغالطات ٌخضع إلى تقدٌر المنطق الرٌاضً بالدرجة‬
‫األولى‪ .‬فهذه المغالطات التً ٌطلق علٌها حدٌثا ً بالمغالطات المنطقٌة – وهً قائمة‬
‫طوٌلة ومتفرعة تتضمن عناوٌن للكثٌر من المغالطات التً ٌقع فٌها الناس‬
‫والشركات التجارٌة عند ممارسة التسوٌق‪ ،‬والحمالت االنتخابٌة‪ ،‬وما إلى آخره –‬
‫وقد أشار إلٌها ابن تٌمٌة رحمه هللا بـ "الجدل الباطل‪ "،‬وقد تفوق رحمه هللا فً رصد‬
‫الجدل الباطل أٌا ً كان مصدره وأبدع فً تفنٌده مما أثار عداوات كثٌرة له أدت إلى‬
‫سجنه‪.‬‬
‫وكان من ضمن رده على أهل الصلٌب‪ ،‬أن أحدهم حاج المسلمٌن بالقول أن األدلة‬
‫المشتركة بٌن المسلمٌن وأهل الصلٌب كافٌة إلثبات ألوهٌة عٌسى علٌه السالم‪ ،‬ذلك‬
‫أنه أحٌا الموتى‪ .‬فكان رد ابن تٌمٌة ٌعتمد على مغالطة منطقٌة تسمى فً وقتنا‬
‫الراهن بالقٌاس المختل ([ٕ]‪ ،)False Analogy‬ومقتضى الخلل عندهم انحصر فً أن‬
‫النتٌجة الطبٌعٌة إلحٌاء الموتى هً األلوهٌة‪ .‬بٌّن ابن تٌمٌة ذلك الخلل بقٌاس مشابه‬
‫لقٌاسهم‪ ،‬وهو أن موسى علٌه السالم أٌضا ً ٌجب أن ٌكون إلها ً بمقتضى قٌاسهم ألنه‬
‫أحٌا الجمادات‪ ،‬و ذلك أفضل من إحٌاء الموتى ألن المٌت كان حٌا ً وفً جسده‬
‫مقومات الحٌاة‪ ،‬أم عصى موسى علٌه السالم فكانت جماداً لٌس فً هٌئته مقوما ً‬
‫للحٌاة‪ ،‬فصارت ثعبان حًّ ‪ ،‬وحسب ما قال‪" ،‬له عٌنان على رأسه‪ "،‬فٌستوجب‬
‫‪1‬‬

‫‪Logical Fallacies .‬‬
‫‪2‬‬
‫‪ْٔ .‬زِ انًغبنطبد نٍسذ يٍ رأنفٍُب ثم ًْ لبئًخ طٌٕهخ رُذسج رذذ انفكش انُمذي ٔانًُطك‪.‬‬

‫‪97‬‬

‫إعاقة ترويج اخلدعة ببيان عدة التزويج وعدة الرجعة‬
‫الرد على االنتقادات املوجهة إىل تصنيف البحث‬

‫علٌهم أن ٌتخذوا من موسى إلهاً‪ .‬فإنْ رد أهل الصلٌب بؤن حالة موسى تختلف‪ ،‬ألن‬
‫هللا هو الذي بث الروح فً الجماد‪ ،‬كان ردهم حجة علٌهم ألن ذلك هو القٌاس القوٌم‬
‫على حالة عٌسى وإحٌائه للموتى‪.‬‬
‫ثم بعد الكشف عن المغالطة المنطقٌة[ٔ] التً قد تلحق بؤي من االعتراضات التً‬
‫جمعناها‪ ،‬نبٌن الغلط الشرعً من األدلة التً جمعناها واستعرضناها فً أقسام‬
‫البحث‪.‬‬
‫ٔ‪ .‬وجوب إتباع الرأي المشهور على الرأي الراجح‬
‫وفحوى هذا االعتراض مفند قبل والدته‪ .‬أما استناده‪ ،‬فٌرتكز على نص المادة ٖٖٗ‬
‫من قانون األحوال الشخصٌة‪ ،‬وأما مفاده فهو أن الرأي المشهور مقدم على دون‬
‫غٌره بما فً ذلك الراجح‪ ،‬وهو ما بٌنته المادة ٖٖٗ‪:‬‬
‫"كل ما لم ٌرد له حكم فً هذا القانون ٌرجع فٌه الى المشهور فً مذهب االمام مالك‬
‫فان لم ٌوجد المشهور طبق غٌره ‪ ،‬فان لم ٌوجد حكم اصال ‪ ،‬طبقت المبادئ العامة‬
‫فً المذهب‪".‬‬
‫انًبدح ‪ 343‬يٍ لبٌَٕ األدٕال انشخصٍخ انكٌٕزً‬

‫فنص المادة أنزلت الراجح إلى مرتبة أدنى من المشهور بنصها‪" :‬فإن لم ٌوجد‬
‫المشهور طبق غٌره" وٌفهم ذلك من أنه ٌشمل الراجح‪ .‬وبٌنت أن القانون ما هو اال‬
‫امتداد للفقه المالكً المطبق قبل صدور القانون‪ ،‬وقٌدت القاضً بالفقه المالكً دون‬
‫غٌره‪ .‬ثم بعد ذلك أقصت فً النهاٌة المبادئ العامة فً المذهب‪ ،‬وهً تتضمن ما‬
‫رجح من المبادئ‪ .‬ونرد على هذا االعتراض باآلتً‪.‬‬
‫بٌان المغالطة المنطقٌة‬
‫تتضمن المغالطات المنطقٌة مغالطتان‪:‬‬
‫‪1‬‬

‫‪ .‬انًٕلعبٌ انزبنٍبٌ ٌزضًُبٌ عذح لٕائى نًغبنطبد يُطمٍخ شبئعخ‪:‬‬
‫‪http://www.nizkor.org/features/fallacies/index.html‬‬
‫‪http://en.wikipedia.org/wiki/List_of_fallacies‬‬

‫‪98‬‬

‫إعاقة ترويج اخلدعة ببيان عدة التزويج وعدة الرجعة‬
‫الرد على االنتقادات املوجهة إىل تصنيف البحث‬

‫‪ ‬االنجذاب إلى المشهور (‪ )Appeal to Popularity‬أو (‪)Ad Populum‬‬
‫‪ ‬االنجذاب للتراث السائد (‪)Appeal to Tradition‬‬
‫وٌقع هذا االعتراض على مغالطة من المصادفة أن اسمها االنجذاب للمشهور‪،‬‬
‫وذات االعتراض أٌضا ً ٌتحقق به مغالطة أخرى تسمى االنجذاب للتراث السائد‪.‬‬
‫وخالصة االنجذاب للمشهور مضمونها أن الجدل ٌتسم بالحق ألنه ٌنبنً على ما‬
‫شاع بٌن الناس‪ .‬وأما المغالطة الثانٌة – االنجذاب للتراث السائد – فمضمونها أن‬
‫الجدل إذا ما استند إلى ما تعارف علٌه الناس فإنه ٌنال من الحق فً طرحه فٌكتسح‬
‫ما دونه وسواه نظراً لقدم وشٌوع األمر بٌن الناس‪.‬‬
‫ومثال للمغالطتٌن‪:‬‬
‫[االنجذاب للمشهور]‪ .ٔ :‬بما أن معظم الناس ٌقرون األمر (م) فً معامالتهم‪،‬‬
‫ٕ‪ .‬إذاً‪ ،‬األمر (م) هو الحق الواجب االتباع‪.‬‬
‫فلو طبقنا هذا المنهج على الكثر من شعوب المسلمٌن فً أفرٌقٌا حول تختٌن النساء‪،‬‬
‫لقلنا أن‪ :‬تختٌن النساء صائب‪ ،‬ألنه مشهور‪ .‬وهذا منطق معتل ال ٌستقٌم‪.‬‬
‫[االنجذاب إلى التراث السائد]‪ .ٔ :‬بما أن األمر (م) ٌعد من التراث‪،‬‬
‫ٕ‪ .‬فال شك أنه صحٌح ومقبول‪.‬‬
‫وتطبٌق ذلك هو فً بعض المجتمعات المسلمة‪ ،‬حٌث ٌتبعون عادة تراثٌة ٌتداولونها‬
‫منذ قرون‪ٌ ،‬قوم بموجبها العرٌس بخطف العروس من منزل والدها ثم ٌطلق النار‬
‫معلنا ً أن الزواج سٌنعقد‪ .‬وهذا مخالف للشرع‪.‬‬
‫الرد على االعتراض‬
‫أوالً‪ :‬إن خٌر رد ٌمكن تقدٌمه لتفنٌد هذا االعتراض نقتبسه مما أورده ابن عزوز‬
‫المالكً‪:‬‬

‫‪99‬‬

‫إعاقة ترويج اخلدعة ببيان عدة التزويج وعدة الرجعة‬
‫الرد على االنتقادات املوجهة إىل تصنيف البحث‬

‫"فً الفرق بٌنهما أن المشهور ما كثر قائله‪ ،‬والراجح ما قوي دلٌله كما اعتمده‬
‫القرافً‪ .‬وقال بعده ‪ :‬وكان مالك ٌراعً ما قوي دلٌله ال ما كثر قائله‪ ،‬ومثله قاله‬
‫ابن عبد السالم‪ .‬فهذا أصل مهم من أصول مالك ٌنبغً أن ال ٌغفل عنه فً‬
‫الخالفٌات ولذا قال المحققون‪ :‬إذا تعارض الراجح والمشهور فالواجب العمل‬
‫[ٔ]‬
‫بالراجح "‬
‫وبٌّن الهاللً المالكً أن‪:‬‬
‫"ومقتضى نصوص الفقهاء واألصولٌٌن أن العمل بالراجح واجب‪".‬‬

‫[ٕ]‬

‫وذكر أبو الشتاء المالكً بٌتا ً قال فٌه‪:‬‬

‫مشهـــورهــم لـــراجــــح تعـــــارضـــــا‬

‫يقـــدم الــــراجــــح وهـــو املـــــــرتضــــــى‬

‫[ٖ]‬

‫ثانٌاً‪ :‬ما ٌظنه المعترضون أنه مشهور فً المادة ‪/ٔ٘1‬ج‪ ٔ/‬لٌس بمشهور‪.‬‬
‫‪ ‬ذلك أن االزمنة القصٌرة برمتها تنطبق على حاالت الرجعة‪ ،‬وهً تقتصر‬
‫على الرجعة دون التزوٌج‪ ،‬والمادة ‪/ٔ٘1‬ج‪ ٔ/‬خلطت بٌن الرجعة والتزوٌج‪.‬‬
‫‪ ‬إن الفترة التً حددها القانون لٌست بفترة المشهور‪ ،‬بل إن المشهور فً‬
‫األزمنة القصٌرة هً فترة األربعون ٌوما ً والخمسة وأربعٌن ٌوماً‪:‬‬
‫"واختلف فٌما ٌمكن انقضاء عدتها فٌه فقال سحنون ‪ :‬أقل ما تصدق فٌه‬
‫أربعون ٌوما ً ‪ .‬وقال ابن الماجشون ‪ :‬خمسون ٌوما ً ‪ .‬وفً اختصار المتٌطٌة‬
‫قال فً غٌر المدونة ‪ :‬وال تصدق فً أقل من خمسة وأربعٌن ٌوما ً ‪ .‬قال ‪:‬‬
‫وبه جرى عمل الشٌوخ انظرهىفيىبابىالرجطظ‪".‬‬

‫[ٗ]‬

‫فبعض النظر عن كون هذه األزمنة للرجعة‪ّ ،‬إال أن عمل الشٌوخ – وعلى‬
‫فرض أن هذه األزمنة تمتد إلى حاالت التزوٌج – لم ٌتضمن فترة الـ ٓ‪ٙ‬‬
‫‪1‬‬

‫‪ٍْ .‬ئخ انُبسك فً أٌ انمجض فً انصالح ْٕ يزْت اإليبو يبنك‪ ،‬الثٍ عضٔص انًبنكً‪ .‬صفذخ ‪.133‬‬
‫‪2‬‬
‫‪َٕ .‬س انجصش فً ششح انًخزصش‪ ،‬نهٓالنً انًبنكً‪ .‬صفذخ ‪.156‬‬
‫‪3‬‬
‫‪ .‬يٕاْت انخالق‪ ،‬عهى ششح انزبٔدي ناليٍخ انضلبق‪ .‬انًجهذ انثبًَ‪ ،‬صفذخ ‪.237‬‬
‫‪4‬‬
‫‪ .‬انجٓجخ فً ششح انزذفخ‪ ،‬ألثً انذسٍ انزسٕنً‪ ،‬انًجهذ األٔل‪ ،‬صفذخ ‪.596‬‬

‫‪100‬‬

‫إعاقة ترويج اخلدعة ببيان عدة التزويج وعدة الرجعة‬
‫الرد على االنتقادات املوجهة إىل تصنيف البحث‬

‫ٌوماً‪ ،‬فال ٌوجد سبب مقنع لألخذ بالـ ٓ‪ٌ ٙ‬وما ً على أنه من المشهور الذي‬
‫تبناه القانون‪ ،‬وأن حكم التزوٌج المحدد فً ٓ‪ٌ 0‬وما ال ٌإخذ به‪.‬‬
‫‪ ‬إن المعمول به هو المشهور والراجح معاً‪ .‬فال ٌقبل أن ٌإخذ أحد اآلراء بؤنه‬
‫مشهوراً وال ٌطبق فً عواصم الفقه المالكً فً بالد األندلس والمغرب!‬
‫وفً هذا الشؤن أوردنا ما ساقه القاضً التسولً‪:‬‬
‫"( قبل انقضاء األمد المرعً ) فً بٌنونتها وهو انقضاء العدة اآلتً بٌانها‬
‫من اإلقراء أو الشهور أو الوضع فالظرف ٌتعلق بقوله ‪ٌ :‬ملك والمرعً‬
‫صفة لألمد فإن زعمت انقضاء عدتها فال ٌملك ارتجاعها إن مضى من العدة‬
‫ما ٌشبه أن تنقضً فٌه ( خ ) وصدقت فً انقضاء عدة اإلقراء والوضع بال‬
‫ٌمٌن ما أمكن الخ ‪ .‬وال ٌجري ههنا ماىبهىالطمل من أنها ال تصدق فً أقل‬
‫من ثالثة أشهر كما قد ٌتوهمه قصٌر الباع ‪ ،‬إذ لٌس ذلك فً مثل هذا ألن‬
‫[ٔ]‬
‫الفروج ٌحتاط لها‪".‬‬
‫وكما بٌنه القاضً المعدانً أٌضاً‪:‬‬
‫قال ابن العربً ‪ :‬عادة الناس عندنا أن تحٌض المرأة مرة فً الشهر وقد قلت‬
‫[ٕ]‬
‫األدٌان فال تصدق فً أقل من ثالثة أشهر الخ‪ .‬ونقله صاحب التوضٌح‬
‫وغٌره‪ .‬ولما نقله أبو الحسن قال بعده ما نصّه الشٌخ أبو محمد صالح‪ :‬فجعل‬
‫نساء مدٌنة فاس كلهن مسنات الشٌخ وتسؤل بعد ثالثة أشهر هل حاضت‬
‫[ٖ]‬
‫ثالث حٌض أم ال؟‬
‫فمن غٌر المقبول الظن أن المعمول به غٌر مشهور وغٌر راجح‪ .‬فهو راجح‬
‫ألننا بصدد أحكام قررها القضاء المالكً‪ ،‬وإنه مشهور ألن العمل ال ٌكون‬
‫بما هو غرٌب أو غٌر مؤلوف‪ ،‬بل إن العمل على الشًء الجدٌد كفٌل بإلحاق‬
‫الشهرة فٌه‪ ،‬فمن المحتم أن تكون الشهرة المصٌر التبعً للمعمول به‪.‬‬
‫‪1‬‬

‫‪ .‬انجٓجخ فً ششح انزذفخ‪ ،‬ألثً انذسٍ انزسٕنً‪ .‬انًجهذ األٔل‪ ،‬صفذخ ‪.540‬‬
‫‪2‬‬
‫‪ .‬صبدت انزٕضٍخ ْٕ رارّ صبدت انًخزصش‪ :‬انشٍخ خهٍم ثٍ اسذبق انًبنكً (د ‪ْ 776‬ـ) سدًّ هللا‪.‬‬
‫‪3‬‬
‫‪ .‬دبشٍخ انًعذاًَ عهى ششح يٍبسح انفبسً نهزذفخ‪ .‬انًجهذ األٔل‪ ،‬صفذخ ‪.392- 391‬‬

‫‪101‬‬

‫إعاقة ترويج اخلدعة ببيان عدة التزويج وعدة الرجعة‬
‫الرد على االنتقادات املوجهة إىل تصنيف البحث‬

‫ثالثاً‪ :‬من المسلم به أن القاضً ٌحكم بٌن الناس بالعدل‪ ،‬وإن من أشهر قضاة المذهب‬
‫المالكً هو القاضً ابن فرحون المالكً‪ ،‬وقد رأٌنا كٌف كانت ردة الفعل عنده‬
‫عندما وجد أن هناك من ٌزوج المطلقة إذا ما وجد لتارٌخ طالقها شهرٌن فصاعداً‪.‬‬
‫فال ٌحلو للقاضً أن ٌوبخ وٌسخر من الغٌر إذا ما ارتكب غلط عابر‪ ،‬وإنما ما‬
‫رأٌناه هو أن تعلٌقه وثورة غضبه كان على أمر أثار حفٌظته وأخرجه الحلم‬
‫والتناصح بالموعظة الحسنة‪ ،‬وقد نقل قوله القاضً المعدانً وعلق علٌه‪:‬‬
‫"وقال ابن فرحون فً ترجمة ما ٌنبغً للشهود أن ٌتفطنوا له ما نصّه‪{ :‬ومن ذلك ما‬
‫أهملوه من سإال المعتدة إذا أرادت النكاح ومباحثتها عن انقضاء العدة بما تفهم به‬
‫أحكامها من تفصٌل وتعٌٌن االقراء ونحو ذلك من شرط الحٌضة فً عدة الوفاة‬
‫فٌنبغً االجتهاد فً ذلك‪ ،‬وال ٌكتفى بقولها‪ :‬قد انقضت عدتً على اإلجمال فإن‬
‫النساء الٌوم قد جهلن ذلك جهالً كثٌراً‪ ،‬بل جهله كثٌر ممن ٌظن به علم وٌرى لنفسه‬
‫حظا ً وتقدما ً‪ .‬قال‪ :‬وقد عاٌنت بطض ىالجؼلظ ىمن ىالموثػون ىودتعني ىرن ىدؤالى‬
‫المرأة ىجملظ ىإذا ىهو ىوجد ىلتاروخ ىالطالق ىذؼرون ىفصارداً‪ ،‬واتخذ ىالووم ىهذاى‬
‫المػدار ىمن ىالمدة ىكثور ىمن ىالرجال ىوالنداء ىأصالً ىفي ىإكمال ىردة ىالطالق‪ ،‬ىوماى‬
‫أدريىكوفىكانىأصلىهذاىالعلطىالػبوح} ا‪.‬هـ‪ .‬بلفظه[ٔ]‪ .‬وماىأحدنىهذهىالنصوحظى‬
‫إذىتركؼاىلخزيىوفضوحظ"‬

‫[ٕ]‬

‫فمن غٌر المقبول أن ٌكون ما استقرت علٌه نص الماجة ‪/ٔ٘1‬ج‪ ٔ/‬حكما مشهور‪،‬‬
‫فً حٌن أن سلسلة من العلماء ٌرونه جهل وغلط قبٌح وخزي وفضٌحة‪ .‬وبالمقابل‪،‬‬
‫فمن غٌر المقبول أن ٌكون ما عمل به هإالء العلماء لٌس بالمشهور‪ ،‬بل إنه‬
‫المشهور والراجح‪.‬‬
‫وبالتالً ال ٌعدو الجدل المطروح فً هذا االعتراض سوى أن ٌكون ضرب من‬
‫ضروب الجدل الباطل المفتقر ألساساته وقوامه الذي ٌجعله صامداً أمام ما طرحناه‬
‫من أدلة‪.‬‬
‫‪1‬‬

‫‪ .‬أصم ْزا انمٕل فً كزبة رجصشح انذكبو‪ ،‬نهمبضً اثٍ فشدٌٕ انًبنكً‪ ،‬صفذخ‪َٔ ،283-282 :‬مهّ‬
‫انمبضً انًعذاًَ كًب سٍأرً‪.‬‬
‫‪2‬‬
‫‪ .‬دبشٍخ انًعذاًَ عهى ششح يٍبسح انفبسً نهزذفخ‪ .‬انًجهذ األٔل‪ ،‬صفذخ ‪.392- 391‬‬

‫‪102‬‬

‫إعاقة ترويج اخلدعة ببيان عدة التزويج وعدة الرجعة‬
‫الرد على االنتقادات املوجهة إىل تصنيف البحث‬

‫ٕ‪ .‬المطلقة مستؤمنة على رحمها وٌجب تصدٌقها‬
‫جوهر هذا االعتراض أن انقضاء العدة ال ٌمكن معرفته إال بإخبار المطلقة عن حال‬
‫رحمها وأنها خاضت ثالثا ً بعد الطالق‪ ،‬وبذلك تحقق األقراء الثالثة المنصوص‬
‫علٌها فً القرآن‪ ،‬ومن ثم ٌحق لها التزوٌج من آخر أو تفعل ما تشاء‪.‬‬
‫وفً هذا األخطاء مغالطات كثٌرة‪ ،‬منها ما ٌخالف المنطق‪ ،‬ومنه ما ٌخالف الشرع‬
‫واألحكام الشرعٌة التً استقر علٌها الفقه المالكً‪ .‬ذلك أن انقضاء العدة بوقوع‬
‫األقراء الثالثة ال ٌعنً استطاعة المطلقة أن تتزوج بآخر غٌر الذي طلقها‪ .‬وكون أن‬
‫المطلقة ادعت بانقضاء عدتها بتمام األقراء الثالثة ال ٌعنً أنها صادقة فٌما تقول‪،‬‬
‫وأن على الحاكم االنصٌاع لخبرها والسماح لها بالزواج من آخر فً أقل من ثالثة‬
‫أشهر‪.‬‬
‫بٌان المغالطة المنطقٌة‬
‫ٌنبنً هذا على تصدٌق المطلقة كونها الوحٌدة المخولة باإلخبار عن حال رحمها‪.‬‬
‫واالعتراض فً جوهره ٌنحدر تحت مغالطة منطقٌة تسمى االنجذاب للسلطة‬
‫(‪ ،)Appeal to Authority‬ومقتضاه أن صاحب الخبر ٌعفى من الدلٌل لكونه السلطة‬
‫الوحٌدة المخولة بإعطاء الخبر‪.‬‬
‫[ومثال لهذه المغالطة]‪ .ٔ :‬أن السٌد ‪ /‬فالن هو السلطة المتخصصة والمخولة من‬
‫الدولة لمعرفة حقٌقة األمر (م)‪،‬‬
‫ٕ‪ .‬لذلك‪ ،‬تكون إفادة السٌد ‪ /‬فالن هً الحاسمة والصحٌحة‪.‬‬
‫وتطبٌق هذا المثال ٌقاس على رأي الخبٌر الذي تستعٌن به المحكمة للتحقق من‬
‫حسابات معٌنة وصحة أوراق معٌنة فً نزاع ما‪ ،‬فإذا ما أودع الخبٌر تقرٌره‪ ،‬كان‬
‫بموجب هذه المغالطة أن تلتزم المحكمة باألخذ بهذا التقرٌر‪ .‬والواقع ٌملً غٌر ذلك‪،‬‬
‫إذ ٌجوز بموجب أحكام ال تحصى وال تعد صادرة من محكمة التمٌٌز تقرر أن‬
‫لمحكمة الموضوع السلطة التامة بؤن تؤخذ بتقرٌر الخبٌر أو أن تلقٌه جانبا ً أو أن‬
‫تنتفً منه ما تطمئن إلٌه وتترك ما عداه‪.‬‬

‫‪103‬‬

‫إعاقة ترويج اخلدعة ببيان عدة التزويج وعدة الرجعة‬
‫الرد على االنتقادات املوجهة إىل تصنيف البحث‬

‫وكذلك األمر بالنسبة للشهود‪ ،‬فإذا كانت المحكمة ال تقبل شهادة كل الشهود‪ ،‬وقد‬
‫تتشكك فً إحداها‪ ،‬فمن باب أولى أنها تتشكك فً قول المطلقة إذا ما ادعت انقضاء‬
‫عدتها‪ ،‬وال مانع من ذلك‪.‬‬
‫الرد على االعتراض‬
‫أورد اإلمام القرطبً ما نصه‪:‬‬
‫" َو َقا َل ُسلَ ٌْ َمان بْن ٌَ َسار‪َ :‬ولَ ْم ُن ْإ َمر أَنْ َن ْف َتح ال ِّن َساء َف َن ْن ُ‬
‫ظر إِلَى فُرُوجهن‪َ ،‬ولَكِنْ وُ ِّك َل‬
‫ْ‬
‫اإلضْ َرار ِبالز ْو ِج‬
‫َذلِ َ‬
‫ك إِلٌَ ِْهن إِذ ُكن م ُْإ َت َم َنات‪َ .‬و َمعْ َنى النهًْ َعنْ ْال ِك ْت َمان النهًْ َعنْ ْ ِ‬
‫ًِ لَ ْم َتحِضْ ‪َ ،‬ذ َه َب ْ‬
‫َوإِ ْذ َهاب َحقّه‪َ ،‬فإِ َذا َقالَ ْ‬
‫ت ِب َح ِّق ِه مِنْ‬
‫ت ْال ُم َطل َقة‪ :‬حِضْ ت‪َ ،‬وه َ‬
‫ض ْ‬
‫ِاالرْ ت َِجاع‪َ ،‬وإِ َذا َقالَ ْ‬
‫ت‪ ،‬أَ ْل َز َم ْت ُه مِنْ الن َف َقة َما لَ ْم ٌَ ْل َزم ُه‬
‫ًِ َق ْد َحا َ‬
‫ت‪ :‬لَ ْم أَحِضْ ‪َ ،‬وه َ‬
‫ضر ْ‬
‫ت ِب ِه‪ ،‬أَ ْو َت ْقصِ د ِب َكذ ِِب َها فًِ َن ْفً ْال َحٌْض أَال َترْ َت ِجع َحتى َت ْن َقضِ ً ْالعِدة َو ٌَ ْق َطع‬
‫َفؤ َ َ‬
‫[ٔ]‬
‫الشرْ ع َحقّه‪".‬‬
‫ومفاد ذلك أن القضاء اإلسالمً لم ٌعتد األخذ بقول المطلقة دون تمحٌص‪ ،‬وهذا ما‬
‫أكده سلسلة من العلماء الذي استشهدنا بهم فً هذا البحث‪ ،‬فقول التسولً مثالً‪:‬‬
‫وال سٌما وقد علمت أنه روعً حق هللا فً ردمىتصدوػؼا فً أقل من ثالثة أشهر‬
‫بالنسبة للتزوج رلى ىالمطمول ىبه ىالووم فٌقال‪ :‬كذلك ٌراعى حق هللا أٌضا ً فً‬
‫تصدٌقها فٌما ٌمكن بالنسبة للرجعة باألحرى‪ ،‬نعم إذا ادعت انقضاءها فٌما ال ٌمكن‬
‫[ٕ]‬
‫أصالً كؤقل من شهر فال تصدق وله ارتجاعها كما قال‪".‬‬
‫وكذلك ٌمكن الرجوع إلى ما قاله ابن فرحون وقد أوردناه فً هذا القسم أٌضاً‪.‬‬
‫فبالتالً ٌكون القول بال قٌمة تستحق الوقوف علٌه‪ ،‬إذ أن الثابت أن القضاء ال ٌؤخذ‬
‫على إطالق قول المطلقة‪ ،‬وإنما قولها قابل للتمحٌص حتى فً حالة الرجعة‪ ،‬وأما‬
‫فً التزوٌج – وهو موضوع هذا البحث – فإنها تخضع لمعٌار زمنً مدته ثالثة‬
‫‪1‬‬

‫‪ .‬انجبيع ألدكبو انمشآٌ‪ ،‬نإليبو انمشطجً‪ .‬رفسٍش اٌَخ ‪ 228‬يٍ سٕسح انجمشح‪.‬‬
‫‪2‬‬
‫‪ .‬انجٓجخ‪ ،‬ألثً انذسٍ انزسٕنً‪ .‬انًجهذ األٔل‪ ،‬صفذخ ‪.596-595‬‬

‫‪104‬‬

‫إعاقة ترويج اخلدعة ببيان عدة التزويج وعدة الرجعة‬
‫الرد على االنتقادات املوجهة إىل تصنيف البحث‬

‫أشهر وال تصدق فً أقل من ذلك‪ ،‬وهو المعمول به‪ ،‬أي هو المشهور والراجح‬
‫والواجب التطبٌق إنشاء هللا تعالى‪.‬‬
‫ٖ‪ .‬العبرة بقول الفقهاء ولٌس بؤحكام القضاة‬
‫وال ٌقل هذا االعتراض عن توأمٌه السابقٌن‪ ،‬فهو طرح ٌحتج به المعترض لٌوحً‬
‫أن القانون استوجب األخذ من الفقهاء دون غٌرهم‪ ،‬وال شك أن هذا طرح ضال‬
‫مبٌن‪ ،‬وقد أوضحنا الفرق بٌن حكم القاضً فً اإلسالم ورأي الفقٌه‪ ،‬وبٌنا أن الفقٌه‬
‫إنما تكون مهمته تجمٌع أحكام المذهب واإللمام بها وفهمها ودراستها والتبحر بها‪.‬‬
‫وبٌنا كذلك فً القسم الثانً من هذا البحث درجة القضاء بالنسبة لإلفتاء والفقه‪.‬‬
‫بٌان المغالطة المنطقٌة‬
‫و َتنح ّل هذه المغالطة إلى مغالطة منطقٌة تسمى السمكة الحمراء (‪،)Red Herring‬‬
‫وهً مغالطة كثٌرة الشٌوع خاصة فً العالم العربً‪ ،‬وكذلك تنتشر بٌن السٌاسٌٌن‬
‫وخاصة فً حمالتهم االنتخابٌة‪ .‬وشرح الترجمة أن هناك سمكة نوعها ٌعرف بالـ‬
‫(‪ )Herring‬وهً عادة ما تكون سوداء أو فضٌة‪ .‬فٌقوم الخصم بطرح سمكة ذلك‬
‫النوع ولكن تكون حمراء‪ ،‬وهو لون غٌر معروف فً هذه الفصٌلة من األسماك‪،‬‬
‫وإذا ما وجد فتكون السمكة من نوع الـ (‪.)Kipper‬‬
‫ومفاد المغالطة أنها جدال غٌر منطقً ٌكون فً أصله تكتٌكا ً ٌقوم بموجبه الخصم‬
‫بطرح موضوع مقارب للموضوع المطروح بهدف لفت النظر وإحالة انتباه‬
‫الجمهور عن الموضوع األصلً‪ .‬فؤصل المغالطة تقنٌع طرح على أنه طرح مقابل‬
‫أو متعلق بالطرح األصلً‪ ،‬ولكن فً الحقٌقة هو ال ٌتعلق به وإنما هو اعتراض‬
‫إلضاعة الوقت ولفت النظر‪.‬‬
‫[مثال للمغالطة]‪ٌ .ٔ :‬تم تداول الموضوع (م) تحت النقاش‪،‬‬
‫ٕ‪ٌ .‬حقن السٌد ‪( /‬خ) الموضوع (و) فً النقاش إلنهاء النقاش فً‬
‫(م)‬
‫ٖ‪ٌ .‬تحول النقاش عن (م) إلى (خ)‪.‬‬

‫‪105‬‬

‫إعاقة ترويج اخلدعة ببيان عدة التزويج وعدة الرجعة‬
‫الرد على االنتقادات املوجهة إىل تصنيف البحث‬

‫ونظٌر ذلك فً الواقع أن ٌرفع المدعً استئنافا ً بطلبات جدٌدة بعد أن حكمت له‬
‫المحكمة بطلباته وٌعرضها على محكمة االستئناف ربما للنٌل من المستؤنف ضده‪.‬‬
‫فتقوم المحكمة برفض هذه الطلبات ألنه ال ٌجوز بموجب القانون طرح طلبات‬
‫جدٌدة أمام محكمة االستئناف‪ ،‬وإنما تنقل الدعوى على ما كانت علٌه أمام المحكمة‬
‫االبتدائٌة‪ .‬وبذلك‪ٌ ،‬تفطن القانون لمثل هذه المغالطات‪ ،‬وكذلك االنسان الطبٌعً‪ ،‬فإنه‬
‫ال ٌقبل تحول الموضوع لغٌره قبل االنتهاء منه‪.‬‬
‫الرد على االعتراض‬
‫أوالً‪ :‬إن ثانً مصدر فً الفقه المالكً هو المدونة لسحنون‪ ،‬وسحنون قاضً‪.‬‬
‫فٌتوجب على المعترض بؤال ٌستدل بالمدونة وما طوته من أحكام ألن سحنون‬
‫قاض‪.‬‬
‫ثانٌاً‪ :‬إن أشهر األقوال فً المذهب المالكً على انقضاء العدة هو خمسة وأربعٌن‬
‫ٌوماً‪ .‬فمن إٌن جًء بهذا المقدار إن لم ٌكن مصدره أبان بن عثمان‪ ،‬وهو الذي حكم‬
‫بهذا المقدار بصفته قاضٌا ً‬
‫رابعاً‪ٌ :‬قول الدكتور إسماعٌل إبراهٌم البدوي‪" :‬وورد وعٌد وتخوٌف شدٌد فً‬
‫[ٔ]‬
‫القضاء دون االفتاء‪"....‬‬
‫ثم أورد عدة آثار فً هذا الشؤن‪ ،‬ومفاد ذلك أن مهنة القاضً فً إنشاء الحكم الملزم‬
‫مهنة حساسة أعفً من تبعاتها المفتً‪ .‬وإذا كان الفقٌه ال ٌرتقً إلى االفتاء إلى وفق‬
‫شروط‪ ،‬فإن مفاد ذلك أن بٌن القاضً والفقٌه درجة كبٌر هً االفتاء ما وصل إلٌها‬
‫الفقٌه كً ٌإخذ برأٌه وٌستثنى القاضً‪.‬‬
‫خامساً‪ :‬نقل ابن فرحون المالكً رواٌة عن الحسٌن رضً هللا عنه ثم علق علٌها بما‬
‫ٌلً‪:‬‬
‫"وال غرابة فً امتٌاز علم القضاء عن فقه فروع المذهب‪ ،‬ألن علم القضاء ٌفتقر‬
‫إلى معرفة أحكام تجري مجرى المقدمات بٌن ٌدي العلم بؤحكام الوقائع لجزئٌات‬
‫‪1‬‬

‫‪َ .‬ظبو انمضبء اإلساليً‪ ،‬نهذكزٕس إسًبعٍم إثشاٍْى انجذٔي‪ .‬صفذخ ‪.119‬‬

‫‪106‬‬

‫إعاقة ترويج اخلدعة ببيان عدة التزويج وعدة الرجعة‬
‫الرد على االنتقادات املوجهة إىل تصنيف البحث‬

‫وغالب تلك المقدمات لم ٌجر لها فً دواوٌن الفقه ذكراً وال أحاط بها الفقٌه خبراً‬
‫[ٔ]‬
‫وعلٌها مدار األحكام والجاهل بها ٌخبط خبط عشواء فً الظالم‪".‬‬
‫ٗ‪ .‬أحكام العدة تنطبق بؤثر رجعً ومن شؤن ذلك إبطال األنساب‬
‫وفً هذا االحتجاج ٌلجؤ المعترض إلى تهوٌل الموضوع ببٌان أن المصلحة تقتضً‬
‫إبقاء الحال كما هو علٌه ألن الحكم فٌه من شؤنه جلب مفسدة‪ ،‬إذ ٌتم بموجب الحكم‬
‫إبطال األنساب‪ ،‬ذلك أن أثر الحكم فً مثل هذه المسائل موازٌا ً لتقرٌر الزنى‪ ،‬فإن‬
‫كان أثر الحكم ٌط ول من ثمار عقد الزواج‪ ،‬فمن شؤن إبطال العقد استثناء الولد من‬
‫المٌراث‪.‬‬
‫وال شك أن هذا الرأي ٌستوجب الوقوف علٌه والتؤمل فٌه‪ .‬فهو رأي ٌستحق‬
‫المراجعة‪ .‬ولكن فً نفس الوقت‪ ،‬فإن هذا االعتراض ٌغفل حالة‪ ،‬وهً‪ :‬إذا كان‬
‫الولد سٌستثنى من المٌراث‪ ،‬وكانت صلة والدته بوالده منقطعة كوقوع الطالق‪،‬‬
‫وكان الزواج مبنً على تزوٌجها لوالد الولد فً أقل من ثالثة أشهر‪ ،‬فإن ذلك فٌه‬
‫مفسدة أٌضاً‪ ،‬بحٌث إن مات الولد أصبحت والدته تحل محله فً المٌراث وتشارك‬
‫بقٌة الورثة فً مٌراث ال تجوز أن تشاركهم فٌه شرعاً‪.‬‬
‫فبذلك ٌكون المعترض قد اقترف مخالفتٌن‪ ،‬أوالهما هً السكوت عن حد هللا فٌما‬
‫ٌخص العدة‪ .‬والثانٌة هً السماح فً من ال حق له بؤن ٌرث‪.‬‬
‫٘‪ .‬مواجهة ضخ األدلة بما ٌتعلق باألزمنة القصٌرة‬
‫ومما وقع تحت ٌد الباحث فتوى صدرت من إدارة االفتاء بوزارة العدل بشؤن‬
‫دعوى مقامة أمام محكمة األحوال الشخصٌة تتعلق أٌضا ً بمسؤلة عقد زواج انعقد‬
‫أثناء عدة المطلقة‪ .‬فكان من شؤن ضخ األدلة بطرٌقة مشوشة أن صدر حكم أول‬
‫درجة مإٌداً لما ارتؤته إدارة االفتاء‪ ،‬وهذا أٌضا ً من المغالطات المنطقٌة الدارجة‬
‫ٌتؤسس فً بداٌته على مجاورة للمسؤلة األصلٌة ثم التطرق لها حتى النهاٌة فٌكون‬
‫الجمهور قد انخدع ظنا ً أن التطرق للمسؤلة المشابهة هو تطرق إلى المسؤلة األصلٌة‪.‬‬

‫‪1‬‬

‫‪ .‬رجصشح انذكبو‪ ،‬الثٍ فشدٌٕ انًبنكً‪ .‬انًجهذ األٔل‪ ،‬صفذخ ‪.4‬‬

‫‪107‬‬

‫إعاقة ترويج اخلدعة ببيان عدة التزويج وعدة الرجعة‬
‫الرد على االنتقادات املوجهة إىل تصنيف البحث‬

‫وما أن ٌضمن الخصم أو أحد األطراف نجاحه بجلب االنتباه إلى المسؤلة المختلقة‪،‬‬
‫فٌقوم بتحوٌطها بس ٌَل من األدلة‪.‬‬
‫والحاصل فً هذا الشؤن أن إدارة االفتاء استخرجت كل ما بوسعها استخراجه فٌما‬
‫ٌخص العدة فً األزمنة القصٌرة – وقد ب ٌّ ّنا فً هذا البحث أن مناط األزمنة‬
‫القصٌرة ٌقع على أحكام االرتجاع ال التزوٌج بآخر غٌر الذي وقع منه الطالق‪.‬‬
‫فب االستناد إلى ما طرحناه‪ٌ ،‬تبٌن لنا أن جمٌع العلماء كانوا على علم باألزمنة‬
‫القصٌرة‪ ،‬ولكن شددوا على أن هذه األزمنة محلها باب الرجعة‪ ،‬وأن المعمول به‬
‫فٌما ٌخص تزوٌج المطلقة لغٌر الذي طلقها ٌقع علٌه حكم مغاٌر لتلك األزمنة وهو‬
‫مضً ثالثة أشهر على ٌوم الطالق‪ .‬وفً ذلك نذكر بما قاله القاضً التسولً‪:‬‬
‫" ثم محل كونها ال تصدق فً أقل من ثالثة أشهر رلىىماىبهىالطملىالووم إنما هو‬
‫إذاىأرادتىالتزووج كما مر‪ ،‬وأما بالنسبة للرجطظ التيىالكالمىفوؼاىفإنؼاىتصدقى‬
‫فيىكلىماىومكنىانػضاؤهاىفوهىكالذؼرىونصغهىرلىىماىمرىأنىالطملىرلوه‪،‬ىبلى‬
‫ولوىفيىالذؼرىفػطىرلىىماىمرىفيىالمدونظ من أنها تصدق إذا قالت النساء إن ذلك‬
‫ممكن وإال لزم القدوم على فرج مشكوك‪ ،‬والفروج ٌحتاط لها‪.‬‬
‫وال سٌما وقد علمت أنه روعً حق هللا فً عدم تصدٌقها فً أقل من ثالثة أشهر‬
‫بالنسبة للتزوج رلى ىالمطمول ىبه ىالووم فٌقال‪ :‬كذلك ٌراعى حق هللا أٌضا ً فً‬
‫تصدٌقها فٌما ٌمكن بالنسبة للرجعة باألحرى‪ ،‬نعم إذا ادعت انقضاءها فٌما ال ٌمكن‬
‫[ٔ]‬
‫أصالً كؤقل من شهر فال تصدق وله ارتجاعها كما قال‪".‬‬
‫وهذه حجة دامغة على كل من أراد أن ٌدعً العمل بالفقه المالكً بتزوٌج المطلقة‬
‫من غٌر الذي طلقها فً فترة تقل عن ثالثة أشهر‪ .‬فٌنبغً مناقشة هذه األدلة‪ ،‬والتً‬
‫ال تؤتً بمفردها‪ ،‬وإنما ذلك أٌضا ً ما أوضحه ابن فرحون كما سبق البٌان‪:‬‬

‫‪1‬‬

‫‪ .‬انجٓجخ‪ ،‬ألثً انذسٍ انزسٕنً‪ .‬انًجهذ األٔل‪ ،‬صفذخ ‪.596-595‬‬

‫‪108‬‬

‫إعاقة ترويج اخلدعة ببيان عدة التزويج وعدة الرجعة‬
‫الرد على االنتقادات املوجهة إىل تصنيف البحث‬

‫ومن ذلك ما أهملوه من سإال المعتدة إذا ىأرادت ىالنكاح ومباحثتها عن انقضاء‬
‫العدة بما تفهم به أحكامها من تفصٌل وتعٌٌن االقراء ونحو ذلك من شرط الحٌضة‬
‫فً عدة الوفاة فٌنبغً االجتهاد فً ذلك‪ ،‬وال ىوكتغى ىبػولؼا‪ :‬ىقد ىانػضت ىردتيى‬
‫رلىىاإلجمالىفإنىالنداءىالوومىقدىجؼلنىذلكىجؼالًىكثوراً‪،‬ىبلىجؼلهىكثورىممنى‬
‫وظن ىبه ىرلم ىوورى ىلنغده ىحظاً ىوتػدماً‪ .‬قال‪ :‬وقد عاٌنت بعض الجؼلظ ىمنى‬
‫الموثػون ٌستغنً عن سإال المرأة جملة إذا هو وجد لتارٌخ الطالق شهرين‬
‫فصاعدا‪ ،‬واتخذ الٌوم هذا المقدار من المدة كثٌر من الرجال والنساء أصالً فً إكمال‬
‫عدة الطالق‪ ،‬وماىأدريىكوفىكانىأصلىهذاىالعلطىالػبوح"‬

‫[ٔ]‬

‫وما أورده ابن فرحون رحمه هللا ٌبٌن الصراحة أن الحكم ٌختلف إذا أرادت المطلقة‬
‫النكاح عما إذا أرادت االرتجاع‪ ،‬فمحط الثالثة أشهر هو إرادة النكاح بآخر غٌر‬
‫الذي طلقها‪ ،‬وأن تزوٌجها فً شهرٌن وصاعداً هو خطؤ قبٌح عنده‪ ،‬ومن‬
‫المصادفات أن قانون األحوال الشخصٌة المعمول به حالٌا ً ٌنص على‪:‬‬
‫ج‪ -‬عدة غٌر الحامل ‪ ،‬فً غٌر حالة الوفاة ‪:‬‬
‫ٔ‪ -‬ثالث حٌضات كوامل فً مدة ال تقل عن ستين ٌوما لذوات الحٌض‪.‬‬
‫انًبدح ‪/157‬ج‪ 1/‬يٍ لبٌَٕ األدٕال انشخصٍخ انكٌٕزً‬

‫فلو ُ‬
‫طرحت هذه المادة من القانون على ابن فرحون لكان تعلٌقه فً غاٌة اإلحراج‪،‬‬
‫إذ أن النص صرٌح‪ ،‬فإنه ٌتطلب مدة ال تقل عن ستٌن ٌوماً‪ ،‬وأما ما تصدى له ابن‬
‫فرحون فهو ستون ٌوما ً فصاعداً‪ ،‬فٌكون القانون المطبق أسوأ حاالً مما من الوقائع‬
‫التً تصدى لها ابن فرحون‪ .‬فالحكم المبٌن فً القانون قد ٌكون غلط أقبح عند ابن‬
‫فرحون‪ ،‬وقد ٌكون عار وخزي وفضٌحة كما علّق القاضً المعدانً[ٕ] على قول‬
‫ابن فرحون‪.‬‬

‫‪1‬‬

‫‪ .‬أصم ْزا انمٕل فً كزبة رجصشح انذكبو‪ ،‬نهمبضً اثٍ فشدٌٕ انًبنكً‪ ،‬صفذخ‪َٔ ،283-282 :‬مهّ‬
‫انمبضً انًعذاًَ كًب سٍأرً‪.‬‬
‫‪2‬‬
‫‪ٌ .‬شاجع انمسى انثبًَ يٍ ْزا انجذث‪.‬‬

‫‪109‬‬

‫إعاقة ترويج اخلدعة ببيان عدة التزويج وعدة الرجعة‬
‫الرد على االنتقادات املوجهة إىل تصنيف البحث‬

‫وبذلك فإن ضخ المئات من األدلة على جواز انتهاء العدة فً األزمنة القصٌرة‪ ،‬فإن‬
‫ذلك ال ٌعدو سوى أن ٌكون قصوراً فً استدالل ألن محط تلك األزمنة هو للرجعة‬
‫وال ٌمتد إلى التزوٌج‪ .‬وأن توافر المئات من األدلة على جواز انتهاء العدة فً مدة‬
‫قصٌرة ال ٌتعارض بؤي حال من األحوال مع االحكام التً استعرضناها وال ٌختلف‬
‫علٌها أحد‪ ،‬إنما الخالف هو تطبٌق تلك األحكام فً غٌر محلها‪.‬‬
‫‪ .ٙ‬التهرب بتغٌٌر المذهب الفقهً‬
‫ومن االعتراضات التً قد اطرأ أن المإٌد للمادة ‪/ٔ٘1‬ج‪ ٔ/‬قد ٌتعذر بؤن الفقه الذي‬
‫كان مطبق هو الفقه المالكً‪ ،‬وإن القانون الحالً إنما تبنى من أحكام الفقه الحنبلً‬
‫فؤقر مدة ال تقل عن ستٌن ٌوم استناداً على المعمول به فً الفقه الحنبلً‪.‬‬
‫والخطؤ فً هذا االعتذار ٌكمن فً وجهٌن‪:‬‬
‫أوالً‪ :‬تنص المادة ٖٖٗ على ما ٌلً‪:‬‬
‫"كل ما لم ٌرد له حكم فً هذا القانون ٌرجع فٌه الى المشهور فً مذهب االمام مالك‬
‫فان لم ٌوجد المشهور طبق غٌره ‪ ،‬فان لم ٌوجد حكم اصال ‪ ،‬طبقت المبادئ العامة‬
‫فً المذهب‪".‬‬
‫انًبدح ‪ 343‬يٍ لبٌَٕ األدٕال انشخصٍخ انكٌٕزً‬

‫فإذا كان واضع القانون أن ٌتخذ أحكاما ً من مذهب آخر‪ ،‬فكان حرٌا ً بؤن ٌحٌل‬
‫القاضً ومن ٌتعامل مع القانون إلى ذلك المذهب‪.‬‬
‫ثانياً‪ :‬أن العدة وما ٌتعلق بها من أحكام هً كلها تندرج تحد أحكام الطالق‪ ،‬والذي‬
‫هو مكروه بطبٌعة الحال‪ ،‬ولكن األمر ٌختلف بالنسبة للعدة حٌث أنها حد من حدود‬
‫هللا ٌجب أن ٌتسم بالثبات واالستقرار‪ ،‬وهو فعالً كذلك‪ .‬إن أحكام الرجعة ٌحٌط بها‬
‫التساهل واعتبار األزمنة القصٌر مراعاة لصالح األسرة‪ .‬وأن التزوٌج من آخر‬
‫ٌستوجب الموازنة بٌن كل من ٌشملهم الحكم‪ ،‬فال ٌعقل أن الٌائسة والصغٌرة‬

‫‪110‬‬

‫إعاقة ترويج اخلدعة ببيان عدة التزويج وعدة الرجعة‬
‫الرد على االنتقادات املوجهة إىل تصنيف البحث‬

‫وغٌرهم ٌنتظرون ثالثة أشهر مع العلم أن حالهم معلوم وال ٌحتاج للتفحص‪ ،‬ثم‬
‫ٌختلف الحكم بالنسبة لذات األقراء‪.‬‬
‫وبتفنٌد هذا االعتراض نكون قد وصلنا إلى خاتمة البحث‪.‬‬

‫‪111‬‬

‫اخلامتة‬
‫وإذ نصت المادة ‪ 343‬على ما يلي‪:‬‬
‫"كل ما لم يرد له حكم في هذا القانون يرجع فيه الى المشهور في مذهب االمام مالك‬
‫فان لم يوجد المشهور طبق غيره ‪ ،‬فان لم يوجد حكم اصال ‪ ،‬طبقت المبادئ العامة‬
‫في المذهب‪".‬‬
‫المادة ‪ 343‬مه قاوون األحوال الشخصية الكويتي‬

‫فنتمنى أن تكون على ما يلي‪:‬‬
‫"كل ما لم يرد له حكم في هذا القانون يرجع فيه الى الراجح في مذهب االمام مالك‬
‫فان لم يوجد الراجح طبق غيره ‪ ،‬فان لم يوجد حكم اصال ‪ ،‬طبقت المبادئ العامة‬
‫في المذهب‪".‬‬
‫وإن كانت المادة ‪/751‬ج‪ 7/‬تنص على اآلتي‪:‬‬
‫ج‪ -‬عدة غير الحامل ‪ ،‬في غير حالة الوفاة ‪:‬‬
‫‪ -7‬ثالث حيضات كوامل في مدة ال تقل عن ستين يوما لذوات الحيض‪.‬‬
‫المادة ‪/151‬ج‪ 1/‬مه قاوون األحوال الشخصية الكويتي‬

‫فنتمنى أن تتغير إلى اآلتي‪:‬‬
‫ج‪ -‬عدة غير الحامل‪ ،‬في غير حالة الوفاة‪:‬‬
‫‪ -7‬ثالث حيضات كوامل لذوات الحيض في مدة ال تقل عن‪:‬‬
‫ ستين يوما ً في حالة الرجعة‬‫ تسعين يوما ً للزواج من آخر‬‫‪112‬‬

‫أو‪:‬‬
‫ج‪ -‬عدة غير الحامل‪ ،‬في غير حالة الوفاة‪:‬‬
‫‪ -7‬ثالث حيضات كوامل لذوات الحيض في مدة ال تقل عن ستين يوما ً في حالة‬
‫الرجعة‪ ،‬وتسعين يوما ً في حالة الزواج من آخر‪.‬‬

‫وسال ٌم على المرسلين والحم ُد هلل ربِّ العالمين‬
‫عبدهللا سعيد عبدهللا عبداللطيف العثمان‪.‬‬
‫نقّال‪+965-666-22-595 :‬‬
‫الكويت‪ ،‬في ‪2177/5/1‬‬

‫‪113‬‬

‫قائمة املراجع‬
‫أوالً‪ :‬الكتب العربية‬
‫‪ .1‬ابو بكر بن العربي‪:‬‬
‫أحكام القرآن‪ ،‬المكتبة العصرية‪ ،‬صيدا – بيروت‪2005 ،‬‬
‫‪ .2‬ابن فرحون المالكي‪:‬‬
‫تبصرة الح ّكام في أصول األقضية ومناهج األحكام‪ ،‬المكتبة األزهرية للتراث –‬
‫األزهر الشريف‪.2005 ،‬‬
‫‪ .3‬أبو الحسن بن رحال المعداني‪:‬‬
‫شرح ميارة الفاسي‪ ،‬المجلد األول‪ .‬دار الكتب العلمية‪ ،‬بيروت ‪ -‬لبنان‪2000 .‬‬
‫‪ .4‬ميارة الفاسي‪:‬‬
‫نفس المرجع السابق‬
‫‪ .5‬أبو بكر بن محمد بن محمد بن محمد بن عاصم األندلسي‪:‬‬
‫نفس المرجع السابق‪.‬‬
‫‪ .6‬أبو الحسن التسولي‪:‬‬
‫البهجة في شرح التحفة‪ ،‬المجلد األول‪ .‬دار الكتب العلمية‪ ،‬بيروت – لبنان‪1991 .‬‬
‫‪ .7‬الدكتور إسماعيل إبراهيم أبو الليل‪:‬‬
‫نظام القضاء في اإلسالم‪ .‬جامعة األزهر‪.2000 .‬‬
‫‪ .1‬ابن رشد الحفيد‪:‬‬
‫بداية لمجتهد ونهاية المقتصد‪ .‬المكتبة العصرية‪ ،‬صيدا – بيروت‪.2004 .‬‬
‫‪ .9‬ابن رشد الجد‪:‬‬
‫المقدمات الممهدات‪ .‬دار الكتب ال‪2002 .‬‬
‫‪114‬‬

:‫ القاضي عياض‬.10
.‫ بيروت – لبنان‬،‫ دار الكتب العلمية‬.‫ المجلد األول‬،‫ترتيب المدارك وتقريب المسالك‬
.1991
‫ المراجع اإللكترونية‬:ً‫ثانيا‬
:‫ اإلمام القرطبي‬.1
:‫ من سورة الطالق‬1 ‫ من سورة البقرة واآلية رقم‬221 ‫تفسير اآلية‬
http://quran.al-islam.com/Page.aspx?pageid=221&BookID=14&Page=1

:‫ مراجع إلكترونية إنجليزية‬:ً‫ثالثا‬
1. Wikipedia:
Common List of Logical Fallacies.
http://en.wikipedia.org/wiki/List_of_fallacies
2. The Nizkor Project’s List of Fallacies:
http://www.nizkor.org/features/fallacies/index.html

115

Sign up to vote on this title
UsefulNot useful