‫حارة النصارى‬

‫أحيانا نتعامل مع ذكرياتنا التي تغتصب لنفسها مقاعد في أوجه الطفولة والصبى بشيء من‬
‫التجاهل والتناسى… ولكنى الن أطرى على … أطرى على كامل ذكرياتي … أرى نفسي مهتما‬
‫بل ومسؤول عن حتمية الوقوف على ذكرياتنا التى دائما تفقأ عين حضور الواقع ‪.‬‬
‫تنهال على الن كل الذكريات … لم أجترها … ولكن قررت فجأة السفر بأخر قطار للحق‬
‫بعرس اللحظات الخوالي التي أستدعيها الن ول أعرف منها سوى طعم الذكرى … مرقت‬
‫بصعوبة وسط الزحام من الباب العالي الحديدي – الذي دائما ما يكون في انتظاري في مثل هذه‬
‫الثناء – باب محطة القطار الذي ما يزال مفتوحا على مصراعيه … لم أكترث ل بقليل ول‬
‫بكثير أثناء حركتي تجاه العربة التي ستقلنى إلى قريتي قرية " ………………" إلى قدس‬
‫أقداس الرصيد الذهبي من عمر أحزاني …‪.‬أفراحي……‪ .‬خواطري ……أينائي …‪ ..‬أبنائي‬
‫الذين يفترشون جدار القلب تحت ملءات العرى الصاخب ‪ -‬الكثر صخبا من قريتي – بقرة‬
‫عيني في ليلة باردة …‪ .‬أبنائي الذين ساهم في وجودهم طقس القرية …‪.‬جهل القرية …‪ .‬وحدة‬
‫اللائتلف في حارتي …‪".‬حارة النصارى" ‪.‬‬
‫على مسافة تقرب من خمسة وعشرين كيلو مترا غرب القاهرة تقع قريتي كلما كانت تقع عيناي‬
‫بسرعة ذلك القطار الذي أقله سنويا كثيرا ‪ -‬بحثا عن الرطوبة مرة وعن الهدوء مرة وعن‬
‫الجذور والهوية مرات ومرات – على المنازل المتراصة بعشوائيتها المنتظمة التي دائما تنبئ عن‬
‫أهلي وتشير إلى دوران الرحى في أنسجة مخيلتي ولكن بغير اتجاه ‪.‬‬
‫دائما كنت أرى لعبي في أكوام الرمال …‪ ..‬وفى الطين الذي نشكله حسب رغباتنا التي نستقيها‬
‫من سقف أحلم جنتنا … كنا نصنع حيوانات معلومة وأخرى خرافية ومن كان يحلم بالمدنية كان‬
‫يصنعها …‪ .‬السيارة …‪.‬وهذه السفينة التي ل يحصل على مقعد فيها سوى خيرة أهل القرية‬
‫" الحجيج" كنا نلعب ول نعرف فروقا للواننا … لم توقفنا مرة نظرتنا في أعين كل منا للخر‬
‫…‪ .‬لم يدخل قاموسنا …‪".‬الصح والغلط " …‪.‬لم ننجح بعد إل في الوحدة والفرح …‪.‬حتى الن‬
‫لم تكن قد اجتاحتني حمى السئلة المرهونة بإجابات تكبرني أو ليست في يدي …‪ .‬ولكن شئ‬
‫واحد كان يثير انتباهي وفضولي في آن …‪.‬كنت أرى رجل يعد منتصف الليل بكثير يركب‬
‫حماره ويحمل فانوسا موقد بشمعة شحيحة …يعلق طبلته المستديرة متدلية على صدره …يدقها‬
‫قائل " سحور …سحور " وفجأة أجد الحياة قد عادت الى طبيعتها في بيتنا بعد سكون طويل …‬
‫فأتراقص فرحا لني سآكل للمرة الرابعة خلل اليوم بدون تحفظ من أهلي !!‬
‫سريعا ما تمر الشهر وفى شهر من أشهر الشتاء ألحظ انتشار القصب بطريقة لفتة للنظر في‬
‫الكثير من المحلت والعديد من البيوت وكنا نشترى " حزمة " ونقطعها إلى " عقل " صغيرة وبعد‬
‫المغرب نجتمع لنقشرها ونرتشف عصارتها اللذيذة والسكرية وعلمت من بعض الناس قد سمعتهم‬
‫يهنئون بعضهم بموسم الغطاس !! ‪.‬‬

‫‪-1-‬‬

‫حارة النصارى‬
‫لم أكن أدرك ما هو الغطاس … أو ماذا يعنى ؟ …‪.‬لكنني كنت أنتظره كل عام ……‪ .‬لكل‬
‫القصب فقط !!!‬
‫وعلى الرغم من امتلء قريتي بالتناقضات المعمارية والدينية والخلقية والعرافية …إل إنني لم‬
‫ألحظ يوما ما أنني أشعر بهذا التناقض يخترقنى مثلما يخترقنى التناقض المعماري بين دوارنا‬
‫ودوار " عم فوزي " والد " مجدي " … مجدي … ما زلت أذكرك يا مفتاحي ومفتاح كياني على‬
‫ذاتي … ما زلت أذكر أنك مستصغر الشرر الذي قد أوقد نار جحيم السئلة في عقلي … يا من‬
‫بوجوده العفوي …قد أيقظ كل مهارات العين على استنباط التناغم المصطنع في أنفس حارتنا ‪.‬‬
‫ترصد عينى الن هذى البيوت التى يعلوها الصليب الطينى على جدرانها يلصقها بيوت أخرى قد‬
‫انتشرت عليها السفن والبواخر التى تعلن عن مشاركة أحد أفرادها في عملية الحج … ترصد‬
‫الن عينى عبارات طبعت بداخلى ولم اكن اعرف لها مكنون أو مردود … ترصد عيناي الن‬
‫" ال محبة " فباب للدار الذى يليه فـ " حج مبرور وذنب مغفور " على الجدار الخر المكسو‬
‫باللون الخضر …‪.‬والمنازل التى لم يشارك أفرادها بالحج تعلو جدرانها " ال أكبر " ………‬
‫…‬
‫" ل اله إل ال " وحتى الن كان كل ما يمكن أن أؤمن به أنها تجميل لشكال بيوتنا … حتى الن‬
‫لم أكن أدرك أن هناك دوافع لهذه الكتابات أو لهذا السعف المجدول ولهذه الصلبان الطينية ……‬
‫……‬
‫الشئ الوحيد المشترك بين كل هذه البيوت القديم منها والحديث هو تعليق فانوس كبير على باب‬
‫كل دار " لمبة نمرة عشرة " يتم إشعاله عند حلول الظلم فتجد الحارة كلها قد أضاءت ‪.‬‬
‫لزلت حتى الن أذكر كيف كانت بنات حارتنا " حارة النصارى " التائهة بين خضم الحارات التى‬
‫تشتهر بها قريتى تستيقظ يوميا بعد ساعات العصر وبدء إشعال اللمبات ملبية للنداء السحري‬
‫المدوي بها " يا مغرفتنا يا منقرشة قومى سامية من ع العشا " وهذا هو نداء قائدة حركة اللعب‬
‫الجماعى لبنات القرية …… زلزال من الفراح ل يعرفن سره … هرولة بالحارة مارين‬
‫بالزروع وصول الى شجرة الجميز المعهودة ‪.‬‬
‫هات هن بنات الحارة جاءوا من منازلهم تشدهم بهجة اللعب سويا …… كانت ألعابهن مألوفة …‬
‫محفوظة … مرتبة … بمجرد سماعهن النداء يخرجن حتى يكتمل عددهن الذى غالبا ل يقل عن‬
‫عشرة فتيات … بينما الولد يلعبون ألعابهم الخشنة العنيفة مثل سباقات الجرى( ولعبة الشجاعة‬
‫ونطة النجليز ) …… ولم يكن لديهم طقوسا في تجمعهم أو في ترتيب ألعابهم بعكس هاته‬
‫الفتيات ………‬
‫………………………… وعند سماعى لهذا النداء انطلقت مندفعا نحو الولد في طريقنا‬
‫الى مكان اللعب وكانت أولى صداماتى في الحياة هو منعى من اللعب معهم بدعوى أنى صغير‬
‫‪-2-‬‬

‫حارة النصارى‬
‫السن …… فذهبت اجر ذيل جلبابي "المقلم " الخشن حافى القدمين …… بى شعور يصعب‬
‫على تحديده في هذه السن أو التعبير عنه ولكن من الجائز أنه كانت تعلو جبهتى امتعاضه أو‬
‫"تكشيره" ل يذهبها سوى حبات الراحة التى سرعان ما تنفرط على صدرى عند وصولى الى‬
‫اختى في مكان تجمع الفتيات وأجلس عند الشجرة أرقبهم وليس هذا فقط بل قد صنعوا لى دورا‬
‫خاصا بى على عكس برود النفور الذى واجهته مع الولد فها هم يسلمونني أحذيتهن أعهدها‬
‫برعايتي وبعد النتهاء من اللعب أعطى كل واحدة منهن حذائها … وكنت أتقاضى نظير هذا‬
‫العمل بعض من الحلوى تليق بمتعهد مثلى !!!!!‬
‫وكم كانت سعادتي لحساسي بقيامي بدور في هذا العمل الجماعى " اللعب " …حتى انهم كانوا إذا‬
‫تأخرت ينتظرونني …… ويسألونها عن " حارس الحذية " !!‬
‫تتتالى على الفصول والسنوات …… ألحقتى والدي في الرابعة من العمر بالكتاب الذى كان‬
‫بمثابة الحضانة …… أبهجتني فكرة دخول الكتاب إذ كان تجمع كبير لكل الولد …… أولد‬
‫الحارة … كما أنني بدأت أتعلم القراءة قيل دخولى المدرسة … ولكن الشئ الغريب في الكتاب‬
‫أننى فوجئت بعدم وجود زملئي جميعا أصدقاء اللعب فكنت أسألهم بعد خروجي …… ورحت‬
‫أسأل مجدى ‪:‬‬
‫ـ‬

‫لماذا لم يدخلك والدك الكتاب معى ؟‬

‫ـ‬

‫ل أدرى …!!!!‬

‫وذات يوم قررت أن أسأل والدى صاحب كنوز الجابات لكل أسئلتي المحيرة ……‬
‫ـ‬

‫بابا … ليه مجدى جارنا … مابيروحش الكتاب معايا ؟‬

‫ـ‬

‫" ضاحكا " ازاى يروح الكتاب ؟! ده " نصراني "‬

‫ـ‬

‫( مأخوذا بالدهشة ) يعنى إيه نصراني ؟!‬

‫ـ‬

‫يعنى مسيحي … اسكت بقى وبلش وجع دماغ ………!!‬

‫عندها تملكنى الضيق …… إذ أحسست أن هناك شئ قوى سيحول بينى وبين صديقى طوال فترة‬
‫الكتاب ‪.‬‬
‫سأحرم من قاموس البتكارات في ألعابنا …… فمجدي هو صاحب أكبر العاب جديدة لم نـألفها‬
‫من قبل … صاحب أكبر إحساس ل أعلمه … ولكن ما أعلمه جيدا هو أننى أحب أن أظل‬
‫بجواره فترات طويلة …أحبه ‪.‬‬

‫‪-3-‬‬

‫حارة النصارى‬
‫وكنت في بعض الوقـات أشعر بالغـيرة من كونه صاحب أفكـارا جديدة في اللعـب فسرعان‬
‫ما سألته ‪:‬‬
‫ـ‬

‫مجدى ازاى انت اتعلمت كل اللعاب دى فين ومين اللى علمها لك ؟‬

‫ـ‬

‫المدرس بتاعنا في مدارس الحد … ولو عايز تتعلم تعالى معايا وهو يعلمك ‪.‬‬

‫تقافزت في الهواء سعادة وفرحا وأسرعت في طريقى الى المنزل قاطعا الحارة بأقصى سرعة‬
‫مندفعا من الباب الخشبى الذى يتوسط جدار المنزل من الخارج وهرعت بطول المسافة بصحن‬
‫الدار حتى غرفة أبى حتى اصطدمت به عند باب غرفته ‪.‬‬
‫ـ‬

‫بتجرى كده ليه ؟‬

‫ـ‬

‫كنت عايز أقولك على حاجة يابا‬

‫ـ‬

‫خير ؟‬

‫ـ‬

‫أنا عاوز أروح مدارس الحد مع مجدى عشان أتعلم لعب جديدة‬

‫يارب يخليك يابا وديني المدرسة دى …‬
‫لم أشعر إل بيد والدى وهى تهوى كالمطرقة على وجهي وسالت الدماء من فمى ولم أدرى‬
‫لماذا ؟ فصرخت في ذهول وكنت أشعر أن الذى ضربنى ليس والدى فاندفعت نحوه أحتضنه‬
‫وأقول ‪:‬‬

‫ـ‬

‫الحقنى يابا‬

‫فدفعني بعيدا عنه وقال ‪:‬‬

‫ـ‬

‫أوعى تقول كده تانى فاهم ول ل ؟‬

‫أحسست أننى قد تحدثت يشئ خطير يغضب منى والدى فاعتذرت وقلت ‪:‬‬
‫ـ‬

‫حاضر يابا … معلش مش هاقول كده تانى‬

‫وفى اليوم التالى قابلت مجدى فسألنى ‪:‬‬
‫ـ‬

‫هاه ‪..‬؟ قولت لبوك ؟‬

‫‪-4-‬‬

‫حارة النصارى‬
‫اسكت يا عم مجدى عشان امبارح أبويا زعل منى وضربنى عشان الموضوع ده ……‬
‫ـ‬
‫أنا خلص يا عم بقى مش هاينفع أروح معاك ‪.‬‬
‫أذكر أننى قد قلت هذا إرضاء لوالدى فقط وتجاوبا معه ولكن كان هذا الوقت هو وقت ميلد أول‬
‫وأكبر علمة استفهام تبتلعني خصوصا بعد أن قام مجدى بالمجيء معى الى الكتاب ولم يعترض‬
‫والده على ذلك …… وأعتقد أنه كان سيظل يحضر معى دروس الكتاب اللهم أن سيدنا كان قد‬
‫قام بطرده من مجلسنا وحرم عليه دخول الكتاب مرة أخرى ………………‬
‫………………………… تمر السنوات وأكبر في العمر وأدخل المدرسة البتدائية ‪.‬‬
‫بدأت معاملة والدى لى يتخللها نوع من التغيير والتطوير فقادني فيما يشبه الدرس وأخذ يشرح لى‬
‫ويصرح بأشياء لم يذكرها من قبل …… فكشف لى لول مرة أن هناك ما يسمى السلم وهو‬
‫ديننا ملتنا ما نؤمن به ومسيحية وهى دين من يعرفون باسم النصارى اللى منهم عم فوزى وولده‬
‫؟‬
‫بص يابنى أنا عايزك تعرف انه ماينفعش تقول عم فوزى دى تانى …… كلمة‬
‫ـ‬
‫عم دى تقدر تقولها لى حد من المسلمين ومش عايز أتكلم تانى في الموضوع ده ‪.‬‬
‫وما كان منى إل أن سمعت وظللت صامتا وقمت بالذهاب الى المدرسة في الصباح بصحبة‬
‫صديقى مجدى‬
‫ذهب اليوم في متعة جديدة بالزي الجديد والتجمع الكبير لولد الحارة والحارات الخرى وبعض‬
‫الولد من القرى المجاورة ‪.‬‬
‫استمتعت كثيرا بطريقة الدراسة هذه " فالمدرس " يقف أمام هذا الجمع من التلميذ الجالسين على‬
‫دكك خشبية نظيفة وتسع لثلثة مجتمعين !!! مقارنة بجلستنا في الكتاب تلك الجلسة على الحصير‬
‫بدون هذا الزى ولكن لم تختلف طريقة مدرسنا عن طريقة سيدنا في التحفيظ أبدا ول في الرعب‬
‫الذي أدخله علينا من أول لحظات هل فيها علينا ‪.‬‬
‫وكان هناك وقتا لم نكن نعرف عنه من قبل أل وهو " الفسحة " فانفردت بمجدى حيث أنني لم أكن‬
‫أعرف غيره من التلميذ إذ أنني أنا ومجدى الوحيدين من الحارة الذين نتمتع بعمر يؤهلنا للذهاب‬
‫الى المدرسة وسألته ‪:‬‬
‫ـ‬

‫صحيح يامجدى انتم نصارى ؟‬

‫ـ‬

‫ل … إحنا مسيحيين !!!!!‬

‫ـ‬

‫ليه يا مجدى ماكنتوش مسلمين عشان بابا ما يزعلش منكم ؟ بأقولك إيه يا مجدى‬

‫‪-5-‬‬

‫حارة النصارى‬
‫ممكن تقول لبوك يخليك تبقى مسلم عشان بابا مايزعلش منك وما يمنعنيش من اللعب‬
‫معاك تانى ؟‬
‫بس أنا أبويا ما بيزعلش منك …… ول بيقوللى ما تلعبش مع محمد عشان كده قول‬
‫ـ‬
‫لبوك يخليك مسيحى أحسن !!!‬
‫حسنت الفكرة في عينى إذ أن المشكلة سوف تنفرج …… ذهبت للمنزل وببراءة الطفال ونشوة‬
‫وجود حل لمشكلتي مع مجدى فقلت لوالدى ‪:‬‬
‫ممكن يابا تخلينى مسيحى ……!! عشان أبقى زى مجدى وتخلينى ألعب معاه من غير‬
‫ـ‬
‫ما تبقى زعلن منى ؟‬

‫( فجأة انفع والدى خارج المنزل مسرعا نحو منزل والد مجدى وعل صوته بالحارة كلها‬
‫وهو يهدد ويتوعد …… )‬
‫ـ‬

‫إن ما بتلطوش اللى بتعملوه مع الواد والمصحف لولعلكم في بيتكم …‬

‫( واخذ ينادى على شيوخ الحارة ليشهدهم على المعلم فوزى …… اللى بيسلط ابنه عشان‬
‫يضحك عليا و أبقى مسيحى )‪.‬‬
‫لم تقف الدنيا عند هذه المشكلة فقط فقد سببت هذه المشكلة مضاعفات ل حصر لها إضافة الى ما‬
‫كان قائما من قبل ……فازدادت كراهية المسلمين من أهل القرية لمسيحييها وازداد خوف‬
‫المسيحيين من المسلمين ومن مضايقاتهم المتزايدة …… شعرت بألم وحسرة شديدين لننى كنت‬
‫السبب في كل ذلك …… علوة على هذا……………………‬
‫فقد خسرت صديقى مجدى …… ومنعنى والدى من التعامل مع مجدى أو حتى مجرد مصافحته‬
‫كما طلب من ناظر المدرسة أن يفرق بيننا فنقل مجدى الى فصل آخر!!!…‬
‫هذا وقد بدأت الواقعة تؤثر تأثيرا مباشرا على هدوء الحارة وعلى نفوس أهلها ‪.‬‬
‫كانت أول واقعة في مسلسل الحتكاك الدائم بين الفئتين تزلزل هذا الهدوء هى واقعة الحتفال‬
‫بالمولد النبوى الشريف ومن المعلوم لنا دائما أن الحتفالية ذات طابع خاص وخاصة الحتفال‬
‫الذى تقيمه الفرق والطرق السلمية المختلفة وعلى الخص الطريقة الحامدية الشاذلية الذى كان‬
‫خالى أحد أقطابها … فكانوا يطوفون القرية بالعلم الخضراء المنقوش عليها الهلل والمكتوب‬
‫عليها " ل اله إل ال " ويحملون السيوف و" السنج " رمز القوة السلمية ‪.‬‬

‫‪-6-‬‬

‫حارة النصارى‬
‫كان الركب الحتفالى يجوب الشارع الرئيسى الذى يتوسط القرية ثم يقومون برفع علم الطريقة‬
‫على صاري خشبى يدقونه في أرض فضاء مقابلة لمنزل الشيخ ثم تتم الجتماعات المسائية لقراءة‬
‫الوراد حتى موعد الليلة الكبيرة‬
‫ولكن هذا العام الذى صادف ما كان من والدى ……… فقد أخذت الحتفالية طابعا آخر ……‬
‫ولول مرة يتعمد شيخ الطريقة اختراق الحارة الضيقة التى يقطنها غالبية مسيحية في ظاهرة لم‬
‫تحدث من قبل ‪.‬‬
‫فيطيلون الوقوف عند منازل المسيحيين ويبدلون إنشادهم بهتافات قائلين ( ل اله إل ال ……‬
‫محمد رسول ال )‬
‫ثم أخذوا بالطرق على البواب وكان الطفال يبالغون لما لديهم من طفولية في ذلك بقذف النوافذ‬
‫بالحجارة وتمزيق سعف النخيل وتحطيم للصلبان الطينية ………… وانفردت بى بعد ذلك كل‬
‫علمات الستفهام والندهاش ثم تملكنى الخوف على صديقى وظللت أبكى بشدة وبهذا الخوف‬
‫اندفعت مخترقا الموكب وجميع الطفال بصورة ل إرادية طالبا منهم عدم قذف هذا المنزل ……‬
‫فدفعنى أحد الشيوخ وهددنى بإبلغ والدى………‬
‫ومرت الليلة طويلة …… كئيبة وأنا قلقا مضطربا …… منتظرا الصباح لطمئن عليه ……‬
‫تتقاذفني السئلة …… هل أصابه ضر ؟……………… هل اصطدم به أحد من الطفال أو‬
‫الشيوخ ؟ …… هل … هل ؟‬
‫وها قد لح الصباح وذهبت في طريقى الى المدرسة فشاهدته متجها للمدرسة ………فطرت‬
‫سعادة وتمنيت لو ذهبت لقبله وأهنئه على سلمته……… لكن منعنى عنه هذا الهلع الذى‬
‫أحاطنى به والدى وصاحبنى في طريقى للمدرسة استعراض رد فعل المسيحيين إبان الحتفال …‬
‫…… ففى هذه الثناء لم يبدر منهم سوى الهدوء …… إغلق البواب والنوافذ …… التزام‬
‫المنازل …… لماذا لم يبدر منهم رد فعل عنيف لذلك التعدى …‪ .‬أهو الخوف أم الذوق الذى‬
‫وان كان فلن يكون في موضعه أبدا هكذا ……………!!‬
‫واستمر حال هذه الحتفالية منذ ذلك الحين وحتى يوم خروجى من الحارة الى القاهرة كما هو‬
‫…… وكان المسيحيون يحفظون ذلك التاريخ جيدا فيشتروا حاجيات المنزل كلها قبل هذا التاريخ‬
‫بيوم أو يومين حتى ل يضطروا الى مغادرة منازلهم في هذا اليوم ……… واستكمال لسلسلة‬
‫التناقضات أن عم فوزى أو المعلم فوزى كما يروق لوالدى أن أناديه يذهب في يومها صباحا‬
‫لوالدى مهنئا إياه‬

‫ـ‬

‫كل سنة وأنت طيب يابو أحمد‬

‫وكان والدى يرد له التحية بالفتور والتحفظ الشديدين والغيظ المستتر ‪.‬‬
‫‪-7-‬‬

‫حارة النصارى‬
‫لقد احتدمت الحالة بينهم وتهديد والدى ل يزال يتردد في أصداء حارتنا كما يتردد في آذان عم‬
‫فوزى……‬
‫والن وقد مر شهر ونصف الشهر على احتفالية المولد النبوى التى كانت بمثابة شبح الذعر الذى‬
‫خيم على مسيحيي البلدة …‪ .‬تدخل بعض من من نطلق عليهم عقلء الحارة في محاولة للصلح‬
‫بين والدى وعم فوزى ……كان يتردد دائما اسم الدكتور "………" وهو طبيب مسيحى يحظى‬
‫باحترام المسلمين والمسيحيين وكان مديرا للوحدة الصحية بالقرية وقد اشترك هذا الرجل مع‬
‫مقاول كبير وعضو مجلس الشعب عن دائرتنا ممن يحظون باحترام الجميع‬
‫وفى دوار العمدة وسط القرية كان لقاء والدى وعم فوزى وكنت أنا ومجدى نقف بخلفية المشهد‬
‫بعيدا عن الحداث والسعادة تغمرنا وننتظر بلهفة التصالح الذى سرعان ما سيسفر عن تلقينا بل‬
‫تحفظ ‪.‬‬
‫وما أن انتهت الجلسة بالصلح حتى قفزت في صدر مجدى أحتضنه ويحتضننى في الوقت الذى‬
‫اخترقت فيه مشاعرى نظرة أبى نافذة الى دفئ صدرى …… !!‬
‫بدأت أكبر وبدأت الشياء والمعارف من حولى في عريها وبدأت تتكشف لى أشياء غير التى‬
‫أألف …… وتفقد المعارف براءتها …… ففجأة علمت أن هذا المنادى صاحب الحمار يدعى…‬
‫………‪.‬‬
‫" المسحراتى " وهو يقوم بهذا الواجب اليومى ليقاظ الناس من سباتهم للكل " السحور " تلك‬
‫الوجبة التى تقض مضجعى أثناء النوم لعسر هضمها وعلمت أن هذا يحدث في شهر اسمه‬
‫" رمضان " واجب فيه الصيام على المسلمين ورغم صغر سنى داهمنى والدى بإرغامي على‬
‫الصوم لعتاد ذلك …… في الحقيقة لم يضايقنى هذا بل كنت سعيدا جدا بهذا الشهر‬
‫فهناك العديد من الطقوس التى أتفاعل معها وأفرح بها كثيرا خاصة عندما يقترب موعد الفطار‬
‫( آذان المغرب ) إذ كنا نجتمع ثلثة أو أربع أفراد ونذهب عند أقرب مسجد قيل المغرب بنصف‬
‫الساعة وكل منا يحمل معه نوعا ما مما في منزله من الفاكهة ليأكله وبمجرد سماع صوت "‬
‫الصافرة " التى كانت تنطلق من ماكينة الغلل على مشارف القرية معلنة آذان المغرب ………‬
‫كانت لبهجة التلقى وخصوصية هذا التجمع عظيم الثر في وجدانى حتى يومنا هذا ولكن ما كان‬
‫يعكر صفو هذا الستمتاع ……… أن الطفال بعدما نأكل ونصلى المغرب يذهبون في طريق‬
‫عودتهم لمنازلهم منشدين ………‬
‫" يا فاطر رمضان يا خاسر دينك قطتنا السودا ها تقطع ديلك" أمام أبواب منازل المسيحيين‪.‬‬
‫في بادئ المر كنت أنهرهم ومع مرور الوقت أصبحت عادة ألفناها ولكن البيت الوحيد الذى ل‬
‫أجد في نفسى الرغبة في قول هذا النداء أمامه هو منزل ……… كنت أسرع وأهرول حتى‬

‫‪-8-‬‬

‫حارة النصارى‬
‫أصل للمنزل الذى يليه … نفس الشئ كان يتكرر مع السحور فكنا نلتف حول المسحراتى‬
‫وحماره ونحمل له الفانوس وهو يدق على طبلته وكالعادة كان المسحراتى مدفوعا من رجال‬
‫الحارة …… فيطيل الوقوف والنداء والدق على طبلته أمام بيوت المسيحيين فسألته ‪:‬‬
‫ـ‬

‫يا عم " على " دول مسيحيين بتخبط لهم كتير ليه ؟‬

‫اسكت انت مش شغلك عاوز تخبط خبط …… مش عايز اسكت أنا عارف انهم زفت‬
‫ـ‬
‫مسيحيين لكن لزم نقلق مناهم الكفرة دول !!‬
‫وتقدم البعض بشكوى للعمدة وشيخ الحارة وعضو مجلس الشعب مما يحدث لهم من إزعاج في‬
‫رمضان فكانت الجابة الذهبية‬
‫ـ‬

‫دول عيال وبيلعبوا نمنع عيالنا من اللعب يعنى عشان المسيحيين يرتاحوا ؟!!!‬

‫والشئ المحزن إن والدى كان بيشجعنى مبتسما وكان بيفرح جدا لما يعرف انى كنت مع الولد ‪.‬‬
‫ظلت الحياة تسير بنفس دورتها وسرعتها الرتيبة نفس الحداث نفس الفراغ نفس الحاسيس التى‬
‫ل تنمو ولترقى بدين ‪.‬‬
‫فكياننا تأثر تأثرا كبيرا بهذا الهدوء الجغرافي الذى يحيط بنا في حقولنا في طريقة بناء منازلنا‬
‫فالطبيعة الطينية قد أورثتنا البرود والحصير قد أورثنا الجفاء ولهيب الشمس في الحقول علمنا‬
‫التناحر على الظل الوارف في طبيعة الفراغ ‪.‬‬
‫الى أن اخترق هذا الهدوء ذلك النبأ الذى طار لنا من خلل راديو " عم إسماعيل " بأن الحرب قد‬
‫نشبت بين مصر وإسرائيل‬
‫وكان الخامس من يونيو ‪. 1967‬‬
‫وفى هذه الثناء كان والدى يعمل بورش الصيانة الميكانيكية بأحد جراجات القوات المسلحة ويوم‬
‫نشوب الحرب لم يعد والدى الى منزلنا ……… تركنا أنا واخوتي تنهشنا مخالب الستفسارات‬
‫تركنا لدوامات الستنتاجات المشوبة بالريبة ‪.‬‬
‫لم يعد والدى في موعده المعتاد يوميا …… تأخر حتى دخل الليل علينا … كنت أسمع أصوات‬
‫القذائف المضادة للطائرات تنطلق من حولنا وصافرات النذار تنتهك جلودنا …… الطيران‬
‫السود في سماء القرية على ارتفاع منخفض وكلما اقترب الليل ازداد خوفى وهلعى وفجأة‬
‫تملكنى الرعب وعل صوتى بالبكاء ولم أكن أدرى أخوفا على والدى أم رهبة المدافع‬
‫والصواريخ وأزيز الطائرات ‪.‬‬

‫‪-9-‬‬

‫حارة النصارى‬
‫كان منزل عم إسماعيل هو مركز تجمع أهالى القرية لمتابعة أخبار الحرب من خلل الراديو‬
‫الكبير والوحيد في البلدة الذى كان يملكه ……… ومضى أكثر من ثلث أيام ولم يعد والدى‬
‫…… لم يصلنا منه أى رسالة وانقطعت كل أخباره الذى صاحب انقطاع ظهور بعض المجندين‬
‫من أهل الحارة ……………‪..‬وفى خضم هذه الحداث حدث ما لم يكن يتوقعه أحد …… إذ‬
‫في اليوم الرابع جاء المعلم فوزى الى منزلنا يسأل عن والدتى ‪:‬‬
‫ـ‬

‫يا محمد فين أمك ؟‬

‫ـ‬

‫(أجبته في سرعة وشرود ذهن ) جوه هاندهالك ‪.‬‬

‫(ثم ذهبت لنداء أمى وظللت أتابع حديثهم )‬
‫ـ‬

‫هاه يا حاجة مفيش أخبار عن أبو أحمد ؟‬

‫أبدا وال ( وانسكبت الدموع من عينيها )مش عارفين ايه اللى حصل له ؟ هوه بخير ول‬
‫ـ‬
‫حصل له حاجه الشر بره وبعيد ‪.‬‬
‫طيب يا حاجة اهدى كده أمال …… ممكن تديني العنوان وأنا هاروح اطمن عليه‬
‫ـ‬
‫بنفسى ؟‬
‫ـ‬

‫ازاى يامعلم …… دى حرب هتطمن عليه ازاى ؟!‬

‫مش عارف بس مش مشكلة برضوا يا حاجة …… ما تقلقيش انتى بس وهاتى‬
‫ـ‬
‫العنوان وأنا هاتصرف ‪.‬‬
‫ـ‬

‫بس العنوان مش معايا …… خلص لما ييجى أحمد من بره هو عارفه …‬

‫ولما عاد أحمد أخى الى الدار كتب العنوان وجاء عم فوزى وأخذ منه العنوان وانطلق … ل‬
‫ندرى الى أين ………………………!؟‬
‫وعند غروب ذلك اليوم العاشر من يونيو ‪ 1967‬عاد عم فوزى وهو مبتسم وعلى وجهه علمات‬
‫السرور …… وأخذ يربت على كتفى ‪:‬‬

‫أمك فين يا محمد ؟ …… اطمن أبوك طيب وبخير يابنى (أسرعت والدتى من الداخل‬
‫ـ‬
‫وهى تزغرد قائلة )‬
‫ـ‬

‫صحيح يابو مجدى …… الحاج كويس … عايش مجرالوش حاجه ؟‬

‫ـ‬

‫أيوه يا حاجة ومعايا أمارة كمان ‪.‬‬
‫‪- 10 -‬‬

‫حارة النصارى‬
‫ـ‬

‫إيه هيا ؟‬

‫ـ‬

‫بطاقة التموين بتاعتكم أهيه ……ادهالى عشان أجيب لكم التموين بكره إن شاء ال ‪.‬‬

‫أحسست ساعتها اننى لم أفقد بعد كل المن بتأخير والدى عنى ولكن عندما انفرد بنفسى وكلما‬
‫يجن علي الليل تنفرد بى كل أحاسيس الخوف وفى مساء ‪ 11‬يونيو ‪ 1967‬سمعت أزيز تلك‬
‫الطيران السود يحلق في سماء غرفتى ……فصرخت صراخا عاليا …… شعرت بأنها‬
‫ستقتلنى بقذائفها على غرفتى فأسرعت خارجا ……… سمع عم فوزى صراخى ……فأتى‬
‫الى نجدتى وضمنى إليه وقال ‪:‬‬
‫ـ‬

‫مالك يابنى ……في إيه ……؟ ما تخافش ‪.‬‬

‫واستأذن والدتى في أن يصحبني الى داره لجلس مع صديقى مجدى وألعب معه حتى أهدأ ‪.‬‬
‫لم أستطع إدراك دافع عم فوزى نحو هذا التصرف وخصوصا أن كل تصرفات المسيحيين معنا‬
‫في القرية لبد لها من تفسير ومردود هكذا تعودنا واعتقدت أن والدى ربما يكون قد مات الن‬
‫وهو يعلم ذلك وهو يفعل ذلك من منطق العطف على طفل يتيم ……… فسألته ‪:‬‬
‫ـ‬

‫والنبى يا عم فوزى ربنا يخليك قوللى …… أبويا عايش صحيح ول مات ؟‬

‫صدقنى يا محمد صدقنى يابنى أبوك بخير وكويس ويعلم ربنا كلها يوم ول اتنين‬
‫ـ‬
‫وهيرجع لكم بالسلمـة يالل يالل تعالى معـايا مش عـاوز تشوف صـاحبك مجدى ول إيه ؟‬
‫كنت قد رأيت عينى أمى وهى تدمع لقولى فدموعها لم تقدر على حجز مقعد لنفسها خلف جفونها‬
‫المنهكة والمبتلة دائما وجرت بعنف فاندفعت داخلة الى منزلنا بينما اتخذت أنا طريقى مع عم‬
‫فوزى ……………… كانت هذه هى المرة الولى التى تطأ فيها قدماى منزل مسيحيا على‬
‫الطلق وأنا ل أخفى اننى طالما راودتنى نفسى بالرغبة في استطلع ذلك المجهول الذى طالما‬
‫أخفوه وأحجبوه عنى أهلى وبيئتى …… وعند وصولى لعتبة الدار تملكنى الرعب إذ قد انصبت‬
‫في آذانى كل العبارات التى كنت أسمعها آنفا من عدم حب المسيحيين لنا وأنهم من الممكن أن‬
‫يضعوا لهم السم في الطعام أو الشراب ……… وأكد ذلك لدى أن والدتى كانت تحضر لى‬
‫الطعام بنفسها في موعد تناوله من منزلنا ……… استعرضت بعينى كل تفاصيل المنزل بداية‬
‫من الصور المعلقة وحتى أضخم قطعة أثاث ……… لقد لفت نظرى بشدة تلك المرأة الجميلة‬
‫التى تحتضن طفل بارع الجمال …… أخبرونى أن هذه المرأة هى مريم العذراء ……أما‬
‫الطفل فهو المسيح ……ثم استعرضت الجدار المقابل لجد صورة أخرى لرجل كثيف اللحية‬
‫……مسبط الشعر ويجلس على مائدة طويلة وحوله رجال كثيرين يتناولون الطعام …… قالوا‬
‫لى أن هذا الرجل هو المسيح والرجال هم اثنى عشر تلميذا " الحواريون " لقد كان البيت‬
‫المسيحى بالنسبة الى مجهول رغبت طيلة ما سبق من عمرى اكتشافه وفى نفس الوقت كنت‬
‫أخشى القتراب منه …… وها هو الن قد أصبح هذا المجهول معلوما وفى هذه الثناء بدأ‬
‫‪- 11 -‬‬

‫حارة النصارى‬
‫يتلشى خوفى تماما …… وبعد يومين من القامة هناك عاد والدى …… بعد انتهاء الحرب‬
‫……فجاء أخى يخبرنى ويطالبنى بالعودة سريعا …… لن والدى يسأل عنى وقال لى ‪:‬‬
‫ـ‬

‫إن سألك كنت فين أوعى تقول انك كنت هنا ‪.‬‬

‫أسرعت نحو منزلى وارتميت في أحضان أبى في أحضان أمنه في دفئه الذى غاب عنى ……‬
‫قبلنى والدى كثيرا في جميع أجزاء وجهى وقال لى ‪:‬‬
‫ـ‬

‫كنت فين يا محمد ؟‬

‫ـ‬

‫كنت بره ……بـ ……ألعب ‪.‬‬

‫لم يعلق والدى وكأنه يفهم أننى أكذب ودخل غرفته ودار بينه بين أمى هذا الحديث ‪:‬‬
‫ـ‬

‫بقى كده يا حاجة………!!؟‬

‫ـ‬

‫في إيه يا حاج ……!؟‬

‫على أخر الزمن تبعتيلى واحد مسيحى نجس يدور عليا …… هو أنا عيل صغير تايه ؟‬
‫ـ‬
‫إيه خلص مفيش ل عقل ولدين …… فوزى العضمة الزرقا المعفن ده يدور على أنا ؟‬
‫وماله يا حاج …… الناس لبعضيها ……… والراجل كتر خيره عمل اللى حتى‬
‫ـ‬
‫اخواتك ما عملوه ……… مفيش ول واحد قريب ول بعيد جه يسأل عليك في غيابك ما احنا‬
‫ما بنتعرفش غير في المشاكل بس …… احنا نشكره ونسيب ملته دى لربنا يا حاج ‪.‬‬
‫لكن في أصول …… على العموم أهى مرة وعدت ودى انشال هتكون آخر مرة يحشر‬
‫ـ‬
‫نفسه فيها الجدع ده ‪.‬‬
‫أنا مش عارفه انت بتكره الجدع ده دون عن خلق ال المسيحيين كلهم ليه ياحاج ……‬
‫ـ‬
‫هو عمل إيه معاك ؟‬
‫ـ‬

‫قلنا خلص …… اتقفل الموضوع على كده ……ومحمد ابنك كان فين كده ؟‬

‫ـ‬

‫كان …… كان…… كان عند المعلم فوزى ‪.‬‬

‫كمان …… كمان يا أم أحمد ابنى أنا يدخل بيت فوزى النصرانى ؟ وأظن ما كان بياكل‬
‫ـ‬
‫ويشرب هناك ؟ …… مش كده ؟‬

‫‪- 12 -‬‬

‫حارة النصارى‬
‫حد ال ياحاج أنا كنت بابعتله الكل من عندنا …… بس أصل الواد كان مخضوض‬
‫ـ‬
‫ياعينى من البتاعة دى ……… اللى اسمها ……أبصر إيه دى …… الطياره‬
‫عندها توقفت أذناى عن السمع ل إراديا…… تألمت كثيرا إذ ما الذى حدث لكى أكذب على‬
‫والدى ثم يتكلم والدى عن عم فوزى بهذا الكلم وهو الذى فعل كل شئ لم يقم به غيره وظللت‬
‫بسؤال واحد لماذا كل هذه الكراهية لرجل لم يفعل معنا إل الخير ‍‍؟‬
‫لماذا ليشترك الناس جميعا فىكسب كراهية والدى ……؟‍‬
‫وكنت ألوم القدار التى جعلتنى أرتبط بشخص يحكم به على …… ولكن الشئ الذى ل نقدر‬
‫على الهرب منه هو الزمن فالزمن يمضى …… يمر … وليتوقف …… الحرب تنتهى‬
‫ووالدى يزداد غضبه ……ويقل ……ويتوقف ……يعلو بحنوه…… تزداد قسوته …… ثم‬
‫يعتدل …… كل الضداد في والدى الذى هو صورة من هذه الحارة‬
‫هذه المدينة‬
‫ذاك الوطن‬
‫ما زلت حتى الن أتكئ بظهري على مقعدي الثابت من الحداث في عربة القطار التى تخترق‬
‫بى أفدنة طويلة وشاسعة وتقع عيناي على هذه الرض المزروعة بالقطن …… القطن‬
‫…………… فقريتنا تشتهر بالقطن وزراعته على مساحات كبيرة فالقطن هو المحصول‬
‫الرئيسى في القرية ويمثل القطن مصدرا أساسيا للدخل هناك إذ أن موسم جنى القطن هو موسم‬
‫الزواج في القرية وفى فترة العطلة الصيفية وبالتحديد في شهر يونيو من كل عام تنظم الجمعية‬
‫الزراعية بقريتنا " فرق " وهى مجموعات من الفراد " ذكور _ إناث " يقودهم شاب " خولى "‬
‫من طلبة الكليات الزراعية ……أو حملة الدبلومات…… تقوم هذه الفرق بالــــ اليدوية "‬
‫لبيض ودودة القطن " المسمى " لطعة " وفى صيف عام ‪ …… 1969‬كنت قد أنهيت المرحلة‬
‫البتدائية وعرضت على والدى أن أشترك في هذه المجموعات واستثمار ما أحصل عليه لقاء‬
‫أجر لشراء مستلزمات العام القادم فوافق والدى على الفور ………… والحقيقة وراء طلبى هذا‬
‫…… هو اننى علمت أن صاحبى مجدى سيشترك هو الخر …ولكم كنت سعيد جدا لهذا‬
‫خرجت في الصباح وعلى رأسي " الطاقية " أحمى بها رأسي من حر الشمس وأحمل في يدي"‬
‫بؤجة " الطعام … إذ لم يكن مسموحا لنا بالعودة إلى منازلنا لبعدها عن الغيطان ……‪.‬‬
‫وكنا كلما حان وقت الغذاء جلسنا سويا أنا ومجدى نأكل طعامنا ونعمل " الغديوه " وكانت في هذه‬
‫الثناء بالذات ترقبنا نظرات جميع الفرق المشتركة وتلحقنا بالشمئزاز المتواصل بل وتقذف‬
‫علينا نظراتهم وابل العتاب والغيظ … وكان الحل الوحيد … أن أتجاهل ما يحدث وأستمر في‬
‫نقائي تجاه من أحب … ثم اننى ل أجد سببا للبتعاد عنه … يحبنى … ويحب اللعب معى …‬
‫ليؤذينى …يعلمنى الكثير والجديد من اللعاب …هو من دفعنى للشتراك في هذه المجموعات‬
‫‪- 13 -‬‬

‫حارة النصارى‬
‫…لم يكذب على … لم يضمر لى شرا … ولكن " الخولى " كان له رأى آخر … إذ كان من‬
‫من نطلق عليهم " متدينين " وكان شديد الكره للمسيحيين بل كان يسئ الى درجات بعيدة في‬
‫معاملتهم … وذات مرة واجهنى ‪:‬‬
‫ـ‬

‫حسك عينك أشوفك قاعد بتاكل مع الواد ده تانى فاهم ول ل ؟‬

‫ـ‬

‫ليه ؟ هوه غلط ؟ أنا بأستريح معاه …‬

‫تركنى ولم يجيب لكنه توعد بأن يخبر والدى فعرفت أن اجابتى البريئة المستفهمة لم تريحه …!!‬
‫وهنا بدأت أكتشف سببا آخر لتعلقى بصديقى وهو اننى أمنع بقسوة وشدة عنه …!!‬
‫وفى المساء بعد عودتى … قامت الدنيا ولم تقعد …‬
‫اياك تقعد مع الواد مجدى ده خالص بعد النهاردة … بقى إحنا بنمنعك من القعدة واللعب‬
‫ـ‬
‫معاه تقوم تروح تاكل معاه …؟‬
‫ـ‬

‫يابا انتوا ليه زعلنين انى بالعب معاه ولحتى باكل ده صاحبى اشمعنى يعنى ده ؟‬

‫لنه كافر …… مشرك واللى ياكل معاه … يبقى زيه فهمت بقى ياسيدى ودا مش‬
‫ـ‬
‫كلمى … دا كلم الرسول " من أكل مع مشرك أو سكن معه فهو مثله " !!!‬
‫طيب خلص … أنا هابطل آكل معاه تانى … بس هابقى صاحبه …هاقعد معاه وألعب‬
‫ـ‬
‫معاه …لهاكل ولهاشرب …‬
‫ـ‬

‫ل‬

‫ـ‬

‫ل … ليه ؟‬

‫ـ‬

‫هى هى !!‬

‫ـ‬

‫بس أنا باحب مجدى ؟! وبعدين هو ولد طيب ومؤدب !!‬

‫يا محمد يابنى دا صحيح لكن الرسول منعنا إن إحنا نصاحبهم أو نحبهم دول مشركين‬
‫ـ‬
‫فقال " يحشر المرء مع من يحب " انت عايز ربنا يحشرك مع الكفار في جهنم !!!!‬
‫ـ‬

‫ل‬

‫ـ‬

‫خلص اعمل اللى باقولك عليه ‪.‬‬
‫‪- 14 -‬‬

‫حارة النصارى‬
‫ولما جاء الصباح … كان بمثابة موعد التنفيذ … أستطيع أن أواجه أبى وكل أهل الحارة من‬
‫أجل صديقى ولكنى ل أستطيع مواجهة ال من أجل كل الحارة !!!‬
‫ذهبت كالعادة الى مكان تجمع الفرقة الخاصة بى …… استعدادا للذهاب الى موقعنا … ولكن‬
‫كانت علمات الضيق والكتئاب تبدو واضحة على قسمات وجهى … في نبرة صوتى …‬
‫وعندما أقبل مجدى … ارتد للخلف خطوات في نفسه …قبل خطواته اللهثة التى استمر فيها‬
‫حتى وصوله الى شجرته العتيدة … التى كان دائب الذهاب إليها بمفرده من وقت لخر ……‬
‫ربما جرى هكذا ليبكى وربما لينفرد بنفسه ليفكر في سبب تحولى عنه … وربما …… وربما‬
‫…‬
‫وعندما جاء وقت الغذاء … أخذت طعامى وذهبت بعيدا وحدى …… حتى ل ير انى …‬
‫وبدأت في الكل……… " بسم ال الرحمن الرحيم " وسمعت ……" باسم الب والبن والروح‬
‫القدس اله واحد آمين " لم أعبأ بوجوده وقبل أن أضع في فمى أول" لقمة " وجدت من يقول لى ‪:‬‬

‫ـ‬

‫إيه يا محمد انت هتاكل من غير ى مش عاويدك ؟!‬

‫(رافعا رأسي مواجها له فإذ بمجدى وعلى فمه ابتسامة غير مكتملة فقلت له باقتضاب )‪:‬‬
‫ـ‬

‫مجدى أنا مش هاكل معاك تانى من النهاردة ماشى ؟‬

‫ـ‬

‫إيه ؟ انت بتقول إيه يا محمد ؟‬

‫ـ‬
‫…‬

‫مش هاكل معاك تانى … كل واحد ياكل لواحده وأرجوك بلش تسلم على قدام الخولى‬

‫ـ‬

‫ليه يا محمد ؟‬

‫ـ‬

‫ماعرفش هو كده وخلص …… اسمع الكلم واسكت‬

‫فلم أجروء على إخباره بأنه سئ في عينى ال وسيحشر في جهنم … وظل مجدى ينظر الى وأنا‬
‫متعمد أن ل أنظر الى عينيه … استمر هذا الوضع قليل ثم قرر مجدى الفوز بكرامته والبتعاد‬
‫عنى … وذهب مجدى الى مكان بالقرب منى وتبادلنا النظرات الحاسرة وفى داخلى أتسائل …‬
‫… ما هذا الذى يحدث لنا ……!؟‬
‫لماذا يرضى ويسر ال لهذا !!؟‬
‫وما أن مرت لحظات إل وقد وجدت هجوم أعضاء الفرقة نحوى لمشاركتى الطعام ………‬
‫‪- 15 -‬‬

‫حارة النصارى‬
‫فتسائلت ‪:‬‬
‫ـ‬

‫ما الذى حدث ؟‬

‫فلقد كنت أطلب منهم مرارا كثيرة أن يأتوا ويشاركوني أنا وصديقى مجدى ولكنهم كان‬
‫يرفضون فما الذى حدث ……؟؟‬
‫ـ‬

‫براوة عليك ياد يا محمد …… طردت النجس ده بعيد لواحده …!!‬

‫وساد الفتور علقتى بمجدى وشيئا فشيئا وجدت نفسى أفقد حبى له واهتمامى به ومحاولة لقاءه‬
‫… ل أدرى !؟‬
‫ولكن ربما كان الفوز بالجنة أفضل بكثير من مصافحة مشرك !!‬
‫وانتهت المرحلة البتدائية هكذا ……‬
‫فحب ال أغلى‬
‫من حب أى مجدى ……‬
‫انتقلت إلى المدرسة العدادية …… وكانت المدرسة تبعد عن القرية بحوالى عشرة كيلو‬
‫مترات فقريتنا بها مدرسة وحيدة ابتدائية ومن يريد إكمال مسيرة التعليم عليه مسيرة نحو عشرة‬
‫كيلو مترات يوميا ذهابا وإيابا للمدينة المجاورة ‪.‬‬
‫وساد العتقاد لدى اننى ببعدى هذا عن القرية سأنجح في اختيار أصحابى بعيدا عن أبراج‬
‫المراقبة البوية …… ولكن لم أكن وحدى …… فقد كان معى كثير من الطلب من حارتى‬
‫…… ينقلون أخبارى لوالدى عندما يطلب منهم ذلك وبعد فترة أصبح ذلك يتم بدون أن يطلب‬
‫منهم ……‬
‫……………………………………………………………‬
‫وكنت أشغل نفسى فى طريق عودتى من المدرسة بعد البيوت …… كم بيت في حارتنا …‬
‫…!؟ بدأت العد وواصلت العد حتى اكتشفت انهم ‪ 75‬منزل بطول الحارة ‪.‬‬
‫وذات يوم فكرت بأن حارتنا " حارة النصارى " هكذا تدعى …… فقررت أن أحصى عدد‬
‫المنازل المسيحية وأحصى كذلك بيوتنا نحن …… فكانوا خمسة عشر منزل لنا ……وستون‬
‫بيتا لحاملى لقب الحارة ……!!‬

‫‪- 16 -‬‬

‫حارة النصارى‬
‫ولكنى اصطدمت بواقع عمرى فيها فهى " حارة المسلمين " إنها حارتنا فهى حارة السلميين …‬
‫… نعم فالنصارى فيها كثرة بل صوت بل فعل بل ……………………………………‬
‫…………‪..‬‬
‫……………………………………………………………‬
‫كـان والـدى يمثـل القطب الكبر بالنسبـة للمسلمين … وعلى الطرف الخر فالمعلم فوزى‬
‫هو القطب الكبر للمسيحيين وكان كلهما موضع احترام وتقدير في عشيرته أو طائفته ……‬
‫وهم أصحاب النفوذ في فض اشتباكات ونزاعات أهل الحارة من الطائفتين ‪.‬‬
‫كانت كل النظار تتجه نحو منزلنا ومنزل المعلم فوزى ولكن شتان الفرق بين كل منهما ……‬
‫فمنزل المعلم فوزى الواسع والمؤسس تأسيسا جيد هو تماما عكس منزلنا المتواضع ……‬
‫وكثيرا ما كنت أسأل نفسى وفى يوم من اليام قررت أن أسأل والدى ‪:‬‬
‫ليه بيتنا فقير وشكله وحش والبيت بتاع المعلم فوزى حلو وهو كافر ومشرك واحنا اللى‬
‫ـ‬
‫ربنا بيحبنا اشمعنى يعنى يابا !؟‬
‫ـ‬

‫هما ليهم الدنيا بنعيمها …… واحنا لينا الجنة بريحها ……… !!!‬

‫وبالتأكيد لم تعجبنى الجابة !!‬
‫وقد مكننى وضع والدى القيادى هذا من الضطلع عن قرب على كل خبايا القرية ومشاكل‬
‫السر بكـل تفاصيلهـا والـتى دائما ما تشير الـى مدى تقدمهم أو تخلفهم وقدرتهـم على‬
‫حـل النزاعات وفهمهم لها ……… والتى تنم كذلك عن مدى التناقض الغريب الذى يسرى‬
‫في عروقهم وكم الزيف الذى يسترون به وجوههم …… كان ما يميز بيوتنا عن بيوت‬
‫المسيحيين أثناء النزاع هو الصخب والعويل والصياح … وكنت أعجب بادئ المر ولكن‬
‫سرعان ما أقنعت نفسى بأنه وضع اضطرارى للنصارى يعيشونه رغما عنهم خوفا من غضب‬
‫المسلمين عليهم ……… إن هم تسببوا في إزعاج جيرانهم الملكيين " المسلمين " !!‬
‫كنت أرقد في ذلك العصر عندما أفاقت الحارة بأجمعها على صراخ شديد وتنابذ باللفاظ فخرج‬
‫الجميع للبحث عن مصدر هذا الصراخ وسببه … وكان هذا الصراخ يأتينا من لدن منزل المعلم‬
‫عبده الجزار … وكانت زوجته هى التى تصيح وتصرخ وعندما وثبت الى النافذة لرقب ما‬
‫يحدث …… وجدت زوجة المعلم عبده تهرول الى منزلنا للستغاثة بوالدى …… وخلفها‬
‫يجرى أطفالها ويبكون بشدة وهم يتبادلون السقوط أثناء الجرى …… صحيح لم تكن هذه هى‬
‫المرة الولى ولكن هذه المرة كانت أشد هول…… لدرجة جعلتنى اندفع الى الباب مستقبل إياها‬
‫لسألها ‪:‬‬
‫ـ‬

‫في إيه يا خالتى ؟‬
‫‪- 17 -‬‬

‫حارة النصارى‬
‫ـ‬

‫فين الحاج يا محمد …… اندهللى الحاج قوام أبوس ايدك …‬

‫( كان والدى قد خرج لتوه من غرفته يكمل إسدال جلبابه ……هدأ والدى من روعها‬
‫وأجلسها …… وطلب من أمى أن تحضر لها كوبا من الماء )……‬
‫ـ‬

‫واعملي لنا كوبيتين شاى يا أم أحمد ‪.‬‬
‫مالك بقى يا أم سيد ؟ اهدى كده واحكيلى اللى حصل …‬

‫ـ‬

‫أحكيلك ايه يا حاج ؟ هى دى أول مرة ما هو على يدك ……‬

‫استمر الحديث الذى يدور دورته كل مرة في نفس التجاه فلقد كان دائم الشجار معها وفى كل‬
‫مرة يصلح بينهما والدى ويتعهد المعلم عبده بعدم تكرار ما بدر منه بل فائدة !!‬
‫وسرعان ما تمر السابيع حتى يحدث ما قد حدث من جديد …… والذى أحيانا يصل للعنف‬
‫وكالعادة جاء عم عبده ليأخذ زوجته وكأن شيئا لم يكن كما اعتاد ‪.‬‬
‫يا راجل خللى عندك دم …… احترم دقنك الى مالية وشك دى يا شيخ دا انت حتى لسه‬
‫ـ‬
‫حاجج بيت ربنا …… بص يأخى للنصارى اللى قدامك ……ضحكتهم علينا كل شوية ‪.‬‬
‫ـ‬

‫أنا محقوق لك يا حاج‬

‫قوم خد مراتك وطيب خاطرها بكلمتين قوم …… قومى معاه يالل يا أم سيد وان حصل‬
‫ـ‬
‫حاجة تانى أنا اللى هأقف له ‪.‬‬
‫لم يمضى سوى أربعة أيام حتى تكرر ما حدث …… نفس الصراخ ولكن هذه المرة كان‬
‫يضرب أولده لنه علم بأنهم يدخنون …… وتطورت الحداث فامسك عليهم السكين ليهدد به‬
‫ابنه فهرعت إلينا زوجته طالبة النجدة ‪ .‬وخرج والدى مسرعا إلى منزل المعلم عبده ليفجأه المعلم‬
‫فوزى وتقابل الثنان معا على باب المنزل ‪:‬‬
‫ـ‬

‫ايه اللى جابك هنا ياسى فوزى ؟‬

‫ـ‬

‫باحاول أساعد يا حاج‬

‫طب مالكش صالح بيناتنا احنا نقدر نحل مشاكلنا من غيرك انت جاى تشمت فينا ……‬
‫ـ‬
‫هى دى عادتكم يا مسيحيين …… شغل الكهانة دا …… تحبوا تصطادوا في الميه العكرة ‪.‬‬
‫عندها انسحب المعلم فوزى الى منزله يضرب كفا على الخر هذا وقد توقف المعلم عبده عن ما‬
‫كان يفعله على صوت والدى ينهر المعلم فوزى …… !!‬
‫‪- 18 -‬‬

‫حارة النصارى‬
‫ثم ما أن لبث المعلم عبده يهدأ‬
‫ـ‬

‫ايه اللى حصل يا معلم ؟‬

‫ـ‬

‫ابن الكلب قال بيشرب دخان‬

‫يعنى يا معلم عبده بتلوم ابنك ع الدخان وانت بتشربه ازاى يا راجل ( أتأمرون الناس‬
‫ـ‬
‫بالبر وتنسون أنفسكم )‬
‫ـ‬

‫كمان يا حاج ابنى اليام دى ماشى مع توفيق ابن المعلم فوزى النصرانى ‪.‬‬

‫بص يا معلم ولد المعلم فوزى والشهادة ل ولد كويسين قوى ومتأدبين كويس ومفيش‬
‫ـ‬
‫واحد فيهم بيشرب دخان وشطار في مدارسهم اياكش بس انهم نيلة مسيحيين ……!!‬
‫عاد والدى للبيت شارد الذهن ل أدرى في ماذا ؟ حتى أنه لم يدرك أو يشعر بوجود خالى عندنا‬
‫… إذ قد جاء لزيارتنا من القرية المجاورة‪:‬‬
‫ـ‬

‫مالك يا حاج في ايه ؟ ايه اللى شاغل بالك ؟‬

‫أهل …… أهل …‪ ..‬يا حاج سعيد …‪ .‬ل مؤاخذة …… حاجة غريبة ياخى المعلم‬
‫ـ‬
‫عبده الجزار عاوز يذبح ابنه عشان بيشرب دخان وآل ايه شافه كمان ماشى مع الواد توفيق‬
‫ابن المعلم فوزى المسيحى ‪.‬‬
‫ـ‬

‫طيب مالمعلم عبده نفسه بيدخن برضوا !‬

‫ـ‬

‫تعرف يا حاج سعيد أنا ايه اللى شاغلنى ؟‬

‫ـ‬

‫ايه يا حاج ؟‬

‫العيال ولد المعلم فوزى النصرانى عيال شطار وطيبين وبينجحوا كل سنة وعيال متأدبة‬
‫ـ‬
‫وعيالنا احنا متنيلين بستين نيلة … أنا عارف ولد فوزى دول ماكنوش مسلمين ليه !؟‬
‫هدى نفسك يا حاج كده‪ :‬الدب والخلق مالهومش دعوة بالدين خليها على ال … انت‬
‫ـ‬
‫عارف ولد فوزى دول لو بقوا مسلمين هيكونوا عاملين ازاى يعنى ؟‬
‫ـ‬

‫هيكونوا مفيش بعد كده‬

‫أبدا ماهم ولد المعلم عبده ليه ما بقوش كويسين…‪ .‬ماهم ماشين معاهم …‪ .‬عاوز‬
‫ـ‬
‫الحق … يبقوا زى ما هما أحسن‬

‫‪- 19 -‬‬

‫حارة النصارى‬
‫وكنت من فترة لخرى أشعر بأن هناك بوادر لذوبان الفوارق الدينية هذه وأشعر كمسلم بأنه ل‬
‫يوجد مسيحى في الحارة وبالرغم من قلة هذه الوقات التى ترمينى في حضن هذا الحساس‬
‫الانها كانت من أروع الفترات التى عشتها في الحارة وقد تجلى في مواقف كثيرة رائعة تناسى‬
‫فيها أهل الحارة معتقداتهم وعبر كل منهم عن انتمائه للحارة …… فقط النتماء للحارة ……‬
‫فحارتنا كان يتوسطها بيت لرجل متوسط الحال ……بناه من الطوب اللبن وسقفه من الحطب‬
‫والخشب والجريد …… وكان يخصص من سطح المنزل مخزنا لوقود الفرن من " القش "‬
‫وسيقان القطن والذرة اليابسة …… وفى يوم الجمعة ووقت كان مسلمى الحارة يفترشون‬
‫مسجدها الذى يبعد مسافة حوالى نصف الكيلو عن الحارة وإذا بالسنة اللهب تتصاعد من هذا‬
‫المنزل البسيط …… وتعالى صوت النساء بالصياح والعويل …… حريقه …… حريقه فخرج‬
‫جميع مسيحي الحارة في مظاهرة احتفالية ل تسفر عن شئ سوى الحب والوحدة والنتماء ……‬
‫خرج كل المسيحيون في لوحة بدأت تتكامل حتى أصبحت بانوراما مضيئة لهذا المشهد‬
‫المأسوى…… بانوراما لهذه الوحدة…… التى سرعان ما تذوب وتنسى …… التى سرعان ما‬
‫تفسر بأوجه شتى …… خرج المسيحيون ومن منهم لم يك قد أكمل ثيابه …… خرجوا‬
‫بالصفائح والقدور ولما بلغنا الخبر تركنا الصلة ………… وأسرعنا …… فوجئنا بذلك‬
‫الحشد …… بتلك المنظر البديع …… عم فوزى … نعيم الترزى … كمال السباك…‬
‫وغيرهم يطفئون النار بصورة فريدة من الخلص وكأن المنزل الذى احترق هو منزلهم‬
‫جميعا…… حتى الطفال كانوا يحملون " الجرادل " الصغيرة ……وأصرح ولول مرة اننى لم‬
‫أساعد في إخماد نيران ذلك الحريق ……إذ اننى عندما أفقت من استتباع هذا المشهد ـ الذى‬
‫ألب على كل ما سمعته عن المسيحيين والنصرانيين ـ كان الحريق قد أخمد …!!‬
‫وما كان من المسلمين إل التقدم بالشكر المشوب بالغيرة وكظم الغيظ للمسيحيين وعلى رأسهم عم‬
‫فوزى ……أقصد ……" المعلم فوزى " !!!‬
‫ولم يكن إخماد الحريق بهذه الطريقة هو النهاية للحداث المأسوية لتلك المنزل البائس من فرط‬
‫بؤس صاحبه وسوء أحواله …… فالنيران قد أتت على محتويات المنزل وأهمها كانت " بقرته "‬
‫التى يعيش على ألبانها وزبدها وكذا " جاموسته " فقد نفقت في الحريق …… وقد جرت العادة‬
‫انه في مثل هذه الظروف أن يتكاتف الجميع ويهبوا لجمع التبرعات لمن لحقت به الكارثة وكان‬
‫من الطبيعى أن يتقدم كل من له المقدرة على المساعدة علوة على مبلغ يقدم من مجلس الحارة‬
‫الذى كان بحوزة المعلم عبده الجزار في تظاهرية اشتراكية بليغة المعنى والهدف خالية من‬
‫التنظير الجاف …… ولكن في حالتنا تلك فكل المور تلك كانت غير كفيلة بحل المشكلة لهذا‬
‫الرجل …… إذ احترق بيته وفراشه ……تقدم أكثر من شخص من المسلمين لستضافته …‬
‫… واستقر الرأى على منزل المعلم عبده الجزار لستضافته هو وأولده وزوجته ‪.‬‬
‫وكانوا جميعا يرقدون في غرفة واحدة …… ولكم كان الوضع سيئا جدا …… وهنا يحدث ما‬
‫ل يتوقع ـ بل الذى أصبح من كثرته لبد وأن يكون متوقعا ـ لقد ذهب المعلم فوزى للمعلم‬
‫عبده طالبا استضافتهم في شقة بالطابق الثانى بمنزله حيث إنها شقة مخصصة لى من أولده في‬

‫‪- 20 -‬‬

‫حارة النصارى‬
‫المستقبل عند زواجهم …… وهنا تعمل الغيرة في نفوس وقلوب سكان الحارة ……‬
‫فيرفضون طلب المعلم فوزى ‪.‬‬
‫ـ‬

‫لما نبقى نقصر في حقه …… ابقى تعالى خده عندك ……!!‬

‫( وهنا تدخل والدى بحدة قائل )‬
‫ـ‬

‫الراجل ده مش ممكن يدخل بيتك حتى لو نام في الشارع يا جدع انت فاهم ول ل‬

‫ليه يعنى يا أبو أحمد ؟…… دا احنا جيران والنبى وصى على سابع جار ……‬
‫ـ‬
‫والناس لبعضيها …… دانا يا راجل لسه ايديا محروقة من حريق الراجل اللى انت مش عايزه‬
‫يقعد عندى ……!!‬
‫اسمع يا معلم فوزى …… صحيح النبى وصى على سابع جار ……لكن وصانا احنا‬
‫ـ‬
‫مش انتم …… انت نسيت انت ايه ولمين ؟‬
‫وهنا ينتهى هذا الحوار وانسحب المعلم فوزى بحدة صامتة واتجه نحو منزله ……………‬
‫وألح على سؤال ألست أنا من قاطنى هذه الحارة " حارة النصارى " !!!!!!!‬
‫كانت زوجـة الرجـل صاحب الكارثـة صغيـرة السن وعلى قـدر من الجمـال وكان‬
‫المعلـم عبده ……يـ……عطف عليها وعلى أولدها !!!‪.‬‬
‫ولكن زوجته قد فسرت ذلك تفسيرا خاصا وما لبثت حتى نشبت بين الزوجين مشاجرة انتهت‬
‫بمنح زوجة المعلم عبده الجزار مهلة يوم واحد لتبحث لها عن مأوى آخر لها ولولدها …‬
‫…!!!‬
‫وهنا يعود نجم المعلم فوزى من جديد في البزوغ …… لعادة المحاولة مرة أخرى ولكن هذه‬
‫المرة بدون استئذان أحد …… بل وأعلن في سابقة هى الولى من نوعها في أذنى ……بل ولم‬
‫أشهدها قط حتى الن أن وقف أمام منزله وأعلن بجرأة !!‬
‫سأستضيفهم عندى مهما حدث ……‬
‫أظن حرام على أى حد في الدنيا إن احنا نسيب عيال صغيرة تنام في الشارع يا‬
‫ـ‬
‫رجالة!!!‬
‫وأسكنهم المعلم فوزى شقته وبدأ في جمع مبالغ من أصدقائه لعادة ترميم المنزل وإزاء هذا‬
‫التصرف لم يقدر أحد من المسلمين أن يعترض عليه كما حدث في السابق ………‬

‫‪- 21 -‬‬

‫حارة النصارى‬
‫ولكن هذا الهدوء ليس من سمات حارتنا ………فسرعان مادعى والدى لجتماع يعرب فيه عن‬
‫استيائه وشجبه من فكرة مكوث حسين وزوجته واقامتهم في شقة هذا النصرانى الذى يدعى‬
‫والدى انه يرغب في تنصيرهم كما كانوا يحاولون معى بمساعدة ابنهم الصغير !!‬
‫وأخيرا قد قدر لى أن أستمع الى اعتراض واضح وصريح على حديث والدى من أحد أفراد‬
‫الجتماع‬
‫ل يا حاج ……… المعلم فوزى معملش حاجة غلط … يعنى كنت عايز حسين وولده‬
‫ـ‬
‫يناموا في الشارع …… بعد ما طردتهم مرات المعلم عبده الجزار ……الراجل فوزى ده‬
‫عمل اللى ماحـدش فينا قدر يعمله ……ونسيبـنا بقى من موضـوع الدين ده …… ده‬
‫موضوع بتاع ربنا ‪.‬‬
‫لم يطرى والدى بهذا التعليق وانتهى الجتماع على أن ل نتفق …… وتمر اليام ويعيد حسين‬
‫بناء بيته …… ويتبرع المعلم فوزى بكامل الثاث من ورشته الخاصة ـ حيث كان من أمهر‬
‫النجارين في القرية بأجمعها بشهادة جميع قاطنيها على السواء ـ مما أثار حقد وغضب الجميع‬
‫…… ولكن ظلوا جميعا يضمرون الغيظ …… وما كنا فقط نستطيع عمله إذ ذاك هو إرسال‬
‫الطعام في أوقاته إلى حسين وأفراد أسرته من نفس طعامنا بانتظام وكذلك المعلم عبده الجزار‬
‫الذى كان يرسل به بين الحين والخر ببعض اللحوم من دكانه الخاص ……والحاج بدوى الذى‬
‫يرسل له بعض حاجيات البقالة كالزيت والسمن والسكر والحبوب…… مدفوعين جميعا بعدم‬
‫ترك الساحة لفوزى‬
‫"واللى زيه" عدا المعلم عبده الجزار الذى كان يفعل هذا بعيدا عن مرأى ومسمع امرأته فقط !!‬
‫ثم ما أن لبث والدى حتى اقترح بأن يرد جميع أفراد الحارة ثمن الثاث الذى تبرع به المعلم‬
‫فوزى لحسين ولكن ما كان من المعلم فوزى إل أن رفض هذا الجراء الذى اعتبره إهانة وأمام‬
‫إصرار الجميع اضطر لخذ المبلغ وعلى الفور أهداه إلى حسين كى ما يبدأ به حياته ……المر‬
‫الذى أثار الموقف اكثر من ذى قبل وكان وقتا عصيبا سرعان ما استتبت المور بعده بعض‬
‫الشئ ولكن لم يسلم الجميع من الشعور بالخجل تجاه المسيحيين أجمعين ………………‬
‫……………… ولم يمضى وقت طويل حتى شاءت القدار وجاءت الرياح بما يشتهى أهل‬
‫الحارة إذ قد هاجم مجموعة من اللصوص محل رجل مسيحى يدعى " زكى " ونهبوا كل ما فيه‬
‫…… وفى الصباح جاءنا الخبر …… وعندها تهلل والدى بالحمد ل ……‬
‫ـ‬

‫أهو جه اليوم اللى نرد فيه للملعين جمايلهم علينا ونخلص……‬

‫وأسرع جميع أهالى الحارة من المسلمين وعلى الفور جمعوا مبلغا من المال يفوق ما جمعوه‬
‫لحسين !؟ واشتروا لزكى ثلجة جديدة وأغدقوا " الدكان " بضاعة وأصلحوا ما قد أتلفه‬
‫اللصوص …… ثم وقفوا في كبرياء المعطى بسخاء وقال والدى ‪:‬‬
‫‪- 22 -‬‬

‫حارة النصارى‬
‫ـ‬

‫ناقصك حاجة ياسى زكى ؟ عايز حاجة تانى ؟‬

‫ـ‬
‫منكم ‪.‬‬

‫أبدا يا حاج هو انتوا خليتو الواحد محتاج حاجة …… كتر خيركم ربنا ما يحرمناش‬

‫طيب …طيب …… أصل احنا برضوا ما حدش أحسن مننا في حاجة … لو احتجت‬
‫ـ‬
‫حاجة ابعتلى ابنك وشوف احنا هانعمل معاك ايه !!‬
‫واستمر الوضع على هذا الحال بيننا نحن المسلمين وبين المسيحيين في حلبة " حارة النصارى "‬
‫…… التى يوميا ما كانت تشهد تخطيطا وتكتيكا لنزال الهزيمة بهذا الجنس البائد " المسيحيين "‬
‫!!!‬
‫كان المأثور الشعبى لدينا في الثقافة " الحارتية " ملئ بعدم انتماء هؤلء النصارى لبلدهم بل انهم‬
‫يتمنون أن تغتصب هذه البلد وأن تقع في أيدى الستعمار الذى بالطبع سيورثهم حريتهم إذ أنهم‬
‫من نفس الدين فهم ل ولء لهم مطلقا وانهم سيسلمون البلد للعداء لبادة جميع المسلمين ……‬
‫بل كنا لنسر بدخولهم الجيش المصرى وكان من الصعب أن تتغير لدينا هذه الفكرة ……‬
‫ولكن دائما تعودنا الرياح بمجيئها بما ل تشتهى السفن …… فلقد جاء ذلك اليوم المهيب الذى كنا‬
‫ننتظره بفارغ الصبر السادس من أكتوبر ‪ 1973‬وهب جميع المجندين في الحارة الى ثكناتهم‬
‫العسكرية …… وقد كان لدينا من حارتنا خمسة عشر شابا مجندا …… عشرة من المسيحيين‬
‫وخمسة من المسلمين !!!‬
‫وطوال أيام الحرب ……لحظنا جميعا اندفاع المسيحيين بقوة التغيير لفكارنا المطبوعة عنهم‬
‫في الذهان ……فكانوا يقدمون جميع المواد الشحيحة بالسوق لكل سكان الحارة …… تبرع‬
‫بالدماء …… تقديم لولدهم في معسكرات الدفاع الشعبي في أثناء ثغرة الدفرسوار …… تقديم‬
‫للتبرعات المادية والعينية …… ولكن ما رواه العائدين المسلمين والمسيحيين كان أروع جمال‬
‫وأشهى من كل ما رأيت وعاصرت ………‬
‫فلقد أصيب هانى ابن المعلم فوزى في المعركة وكان بحاجة الى عملية نقل دم سريع ولم تكن‬
‫فصيلته متاحة ولم يجدوها سوى لدى ابن حسين الفلح صاحب كارثة المنزل المحترق لتسطر‬
‫واحدة من ملحم الخاء الحقيقى الذى ل يفصل فبه حقد أو رغبة في التعالى أو …… أو ……‬
‫ولكم تمنيت أن تظل هذه الملحم قائمة ولكن اصطدمت بحواجز وعقبات تارة باسم الدين وأخرى‬
‫باسم العرف … وتارة باسم الكرامة …!!!‬
‫امتزجت دماء العنصرين وتاهت الدموع وتجلطت الحقاد وتداخلت الضحكات لدرجة اللتمييز‬
‫وعدم القدرة على معرفة من أو من أين يأتى الضحك اللذيذ ……كانت علمات السعادة بنصر‬
‫أكتوبر تمل القلوب والبسمة ل تفارق شفاههم وغاصت حارة النصارى في أحلى أيامها … فلقد‬
‫نام الحقد وهدأ الحسد ……………………………………………‬
‫‪- 23 -‬‬

‫حارة النصارى‬
‫………………………‪ ..‬ولكن كان هذا الهدوء بمثابة الهدوء الذى يسبق العاصفة ……‬
‫فلقد عادت الصيحات والصراخ والعويل تنبعث ثانية من بيوت الحارة …… صرخات ……‬
‫وصرخات ……… هذه المرة من هذا المنزل المسيحى …… منزل نعيم الترزى ‪.‬‬
‫ول أخفى اننى كنت أهيم ولعا بأن أرى ما يحدث في البيوت المسيحية إبان المشاكل التى‬
‫تعترضهم إذ كانت قلما تحدث والتى جميعها تحل بالهدوء ولكن خاب ما تمنيت إذ كان هذا‬
‫الصراخ لوفاة ابن الوسطى نعيم الترزى !!‬
‫توقف القطار فجأة فارتجت أوصالى فجأة وبدأت جفونى فى الستيقاظ من الغفوة التى كنت قد‬
‫ذهبت أغط فيها كان من الواضح أن هناك تعثر في طريق قطارنا الذى عادة ما يقابل مثل هذه‬
‫العطال شأنه في ذلك شأن جميع ليالينا التى نستبق فيها عشق التآلف بدون جدوى ولكن هدوء‬
‫الخارج لتوه من غفلته قد اخترق بصياح امراءة من الكرسى الخلفى يبدو أنها قد لمست أحد‬
‫الوقوف صدفة أو عن قصد المهم أن ملمحها قد سرقتنى لتدخلنى الى ذلك الوجه الذى لم أنساه‬
‫حتى الن انه وجه زينب ففى صباح يوم ما فوجئنا بها وهى زوجة عم عبد الرازق تندفع داخل‬
‫منزلنا باكية ونائحة تلطم خديها وتشق ثيابها عن صدرها …… وحاولت والدتى تهدئتها دون‬
‫جدوى … فصاح والدى ـ لما له من نفوذ على جميع أعضاء الحارة ـ في وجهها طالبا منها‬
‫الهدوء فكان !!‬
‫أخذت زينب تكفكف دموعها بهدوء وهى تحكى ‪:‬‬
‫أنى وحشة يا حاج ؟ …… شوفت على يا حاج حاجة مش كويسة ؟ …… قوللى يا‬
‫ـ‬
‫أبو أحمد ايه رأيك في ……!؟‬
‫جرى ايه يا وليه …… انت بنت ناس طبعا …… ومن أشرف ستات الحارة والدنيا‬
‫ـ‬
‫كلها … في ايه ……!؟‬
‫خمستاشر سنة يا حاج من يوم ما اتنيلت اتجوزت عبد الرازق وأنا خدماه هو وولده‬
‫ـ‬
‫وراضية بعيشتى معاه على الحلوة والمرة ……( صارخة تلطم خديها )‬
‫ـ‬

‫كملى يا ست زينب …… قوليللى ايه اللى حصل ؟‬

‫ـ‬

‫مصيبة يا حاج …… مصيبة !!‬
‫تصدق يا حاج …… عبد الرازق متجوز عليا !!‬

‫ـ‬

‫ايه الكلم ده يا أم خميس !؟‬

‫‪- 24 -‬‬

‫حارة النصارى‬
‫والمصحف الشريف يا حاج زى ما بقوللك متجوز عليا في السر هوه ناقص ايه بس‬
‫ـ‬
‫ياخواتى …… ده حتى مش قادر يصرف على ولده …… ودا انت شايف يا حاج أنا باروح‬
‫أخبز لدى شوية ولدى شوية عشان يطلعلى قرشين يساعدونا ع المعايش …… يرضى ربنا‬
‫بقى اللى هوه بيعمله معايا دا يا حاج‬
‫( لطمة خديها مرة أخرى )‬
‫ـ‬

‫مين اللى قالك يا أم خميس !؟‬

‫كتير …… كتير كانوا بيقولولى من زمان لما كان بيتأخر بره ويقول آل كان عنده شغل‬
‫ـ‬
‫… امبارح بعت الواد خميس وراه عرف العنوان وجه قاللى …… رحت ع العنوان اللى هو‬
‫فيه وشفت اللى ياريتنى ما شوفته …… لقيته هناك في عزبة " العربى " …… في بيت‬
‫مراته التانية … أبوس ايدك يا حاج ( مندفعة الى يده لتقبيلها وهو في سرعة شديدة ساحبا إياها‬
‫) خليه يطلقنى يا حاج أنا مش ممكن أعيش معاه بعد اللى حصل !‬
‫لم أنسى أبدا تلك النكسار وهذى الدموع والثياب الممزقة وكسر الرأس وكأنها فقدت عزتها مع‬
‫هذا التعس ولترى أمامها سوى نظرات الشفاق التى تهرب منها بسرعة أقوى من بكائها للنظر‬
‫في الرض قائل ‪:‬‬
‫ـ‬

‫صحيح الكلم اللى بتقوله أم خميس دا يا عبد الرازق ؟ انت متجوز عليها ؟‬

‫ـ‬

‫حصل يا عم الحاج!‬

‫ـ‬

‫طب وهى قصرت معاك في حاجة يا عبد الرازق ؟‬

‫ـ‬

‫أبدا !!!!‬

‫ـ‬

‫طب ليه بقى يا أخى …… فراغة عين !؟‬

‫بصراحة بقى دا حقى يا حاج والشرع حللى أربعة مش اتنين ؟ ول ايه ؟ يبقى اللى أنا‬
‫ـ‬
‫عملته كده غلط بقى في نظركم !؟‬
‫يعنى هو الشرع في دى بس بيمشى …… ولخمره اللى بتشربها كل يوم دى مش في‬
‫ـ‬
‫الشرع ما فيهاش شرع !!!؟‬
‫ـ‬

‫الحمد ل ……بطلت وأم خميس عارفه حتى اسألها ‪.‬‬

‫طب كويس ياسيدى …… الولد بقى هتعمل معاهم ايه ؟ ولما يجيلك عيال من التانية‬
‫ـ‬
‫هتحب مين فيهم يا عبد الرازق ؟‬
‫‪- 25 -‬‬

‫حارة النصارى‬
‫ـ‬

‫هحبهم زى بعض يا حاج دول من صلبى ودول من صلبى !!‬

‫(هنا تتدخل زينب صارخة ) أبدا يا حاج ل يمكن أعيش معاه وأنا لى ضره إن كان‬
‫ـ‬
‫عايزنى يطلقها وان كان عايزها يطلقنى ‪.‬‬

‫اسمعى يا أم خميس ما هو دا شرع ربنا ( تضرب على صدرها بشدة شاهقة مولولة "‬
‫ـ‬
‫ياخرابى ياخرابى" ) ما احنا ما نقدرش نلومه قدام شرع ربنا يا زينب …… لكن لو هو قصر‬
‫معاكى أو مع عياله هيبقى في كلم تانى ……يالل …… يالل قومى ارجعى لبيتك وعيالك‬
‫وسيبي الموضوع لربنا ولينا ‪.‬‬
‫(انحنى عبد الرازق مقبل يد والدى قائل )‪:‬‬
‫ـ‬

‫ربنا يخليك لينا يا حاج وما يحرمناش منك ‪.‬‬

‫ومع مرور اليام …… وضح تقصير عبد الرازق مع زوجته الولى وأولده منها …… المر‬
‫الذى انطبع على أولده في ملبسهم الرثة وهبوط مستواهم الدراسى وكثرة مشاكلهم مع والدتهم‬
‫بسبب عدم وجود أب ريفى …… تعلم أحدهم التدخين في سن صغيرة وتورط الخر في أعمال‬
‫سرقة ‪.‬‬
‫ـ‬

‫عاجبك حال ولدك يا عبد الرازق ومراتك هوه ده اللى احنا اتفقنا عليه ؟‬

‫وال يا حاج بقى أنا باعمل كل اللى أقدر عليه …… وبعدين ياسيدى ل يكلف ال نفسا‬
‫ـ‬
‫الوسعها ‪!.‬‬
‫ماكان من الول يا عبد الرازق ……لما انت عارف إن ال ل يكلف نفسا الوسعها‬
‫ـ‬
‫رحت اتجوزت تانى ليه ؟‬
‫دا نصيبى يا حاج وكل شئ قسمة ونصيب …… لكن أنا عند وعدى شوفوا اللى انتوا‬
‫ـ‬
‫عايزينه وأنا اعمله ‪!..‬‬
‫ارجع لبيتك وعيالك يا عبد الرازق ……ابنك خميس باظ في المدارس وابنك عربى‬
‫ـ‬
‫بيسرق خيار من مزرعة أبو قاسم ‪.‬‬
‫ما قدرش يا حاج …… مراتى التانية حامل …… لكن إن كانت زينب عايزه تطلق‬
‫ـ‬
‫معنديش مانع !!!‬
‫(هنا بكت زينب وقالت ) ‪:‬‬

‫‪- 26 -‬‬

‫حارة النصارى‬
‫أمرى ل ……حسبى ال ونعم الوكيل فيك يا عبد الرازق … طلقنى … السرقة‬
‫ـ‬
‫والبهدلة أهون من عشرتك يا ناقص …… طلقنى‬
‫ـ‬

‫انت طالق …… طالق …… طالق‬

‫وبالتأكيد لم يكن الطلق هو نهاية المشكلت في هذه السرة المنكوبة بنكبة عائلها ……………‬
‫……‬
‫………فبعد أن وقع الطلق لم يلتزم عبد الرازق بنفقة أولده …… وتضاعفت مشكلت‬
‫الزوجة والبناء ……ولما كانت زينب امراءة جميلة وفى أوائل عقدها الثالث فسرعان ما‬
‫أصبحت مطمع الكثير من رجال الحارة …… وعرض عليها الكثير من رجال القرية الزواج بها‬
‫فرفضت ……لكى ل تعيد ما فعله زوجها وتصبح امراءة ثانية مع رجل يحيا في بيته ووسط‬
‫أسرته … ولكى تستطيع الضطلع بتربية أولدها … ولكن كانت الشكوك تطاردها كلما‬
‫خرجت للعمل هنا أو هناك …… وسرت هذه الشكوك بسرعة النيران حتى خاف السادة‬
‫المسلمين من أن تصبح زينب وسمة عار في جبينهم أمام مسيحي الحارة …… فعرضوا عليها‬
‫أن تلزم دارها لقاء مبلغا من المال سيقام بجمعه لهذا الغرض المر الذى اعتبرته إهانة لكرامتها‬
‫‪..‬وما كان منها إل أن وقفت على باب دارها وهى تقول ‪:‬‬
‫أنا أشرف م الشرف نفسه ومش هامد ايدى لحد طول ما أنا فيا نفس وهاشتغل وهاشقى‬
‫ـ‬
‫على ولدى وأعلى ما فى خيلكم اركبوه … هوه ايه ل بترحموا ول بتخلوا رحمة ربنا تنزل ‪.‬‬
‫ولم يجب عليها أحد من الحارة …… هب كعادته دائما المعلم فوزى وعرض على زينب أن‬
‫تساعده في محله حيث كانت زينب على قدر م الذكاء الفطرى علوة على أنها ملمة بالقراءة‬
‫والكتابة ووعدها براتب مجزى ووافقت على الفور إذ أن هذا العمل افضل من الخبيز ودخول‬
‫بيوت الناس المر الذى يدفع لخروج الشاعات عنها من فترة لخرى …… ولكن اعترض‬
‫طريقها كبار رجال الحارة … لكنها لم تستسلم لضغوطهم ‪.‬‬
‫ـ‬

‫عاوزينى ما أشتغلش عند المسيحى هاتولى انتوا شغل يامسلمين ولهوه احنا بتوع كلم‬
‫وبس … ماله المعلم فوزى …… صحيح هوه مسيحى بس راجل ونعم الرجالة بيضربه‬
‫المثل في أدبه وأمانته وولده ماش ال واحد دكتور والتانى مهندس ( مازالوا طلبة‬
‫ولكن جرت العادة على دعوتهم بألقابهم منذ دخولهم الكلية ) ……‬

‫وبدأت تشعر بكيانها …… وتستشعر أن لها حقوق غافلة عنها في زحام أحداثها "فرفعت" قضية‬
‫نفقة بأثر رجعى لعام ونصف العام ولم يقدر زوجها على دفع شئ وأقام هو الخر قضية ضم‬
‫للولد الولدان والبنت ………!!‬
‫وعلمت زينب بذلك فجن جنونها ولم تستطع عمل شئ أخر ولكنها قررت مساومته فطلب عبد‬
‫الرازق منها التخلى عن القضية "النفقة" في مقابل التنازل عن قضية الضم فرفضت فأخذ الولد‬
‫وتعهد للمحكمة بجدولة ما عليه من التزامات النفقة ‪.‬‬
‫‪- 27 -‬‬

‫حارة النصارى‬
‫وعلمنا بعد ذلك أنه تورط في تجارة المخدرات وبدأ يستخدم أولده في هذه التجارة مقابل النفاق‬
‫عليهم ……… وتحت اصرار زوجته الثانية على إعادة الولد الى زوجته الولى ولنها لم تعد‬
‫قادرة على خدمتهم ول على رؤيتهم التى دائما تذكرها بأنها امراءة ثانية … وخيرته ما بين‬
‫طلقها أو إرجاعهم لزوجته فما كان منه إل أن أعادهم الى أمهم … ولكن سبق السيف العزل فقد‬
‫أدمن الولدين المخدرات ونجت البنت صفاء من براثن والدها وزوجة الب وقضى الولدين ما‬
‫تبقى من عمرهم نزلء في السجون وهنا يسدل الستار على هذه العائلة لتعود المشاكل مرة أخرى‬
‫ولكن في ثوب جديد …… فخطيئة الب ترفض أن ترحل إل بوداع الم لكل أبنائها ‪.‬‬
‫فبعد مرور السنين تكبر الصغيرة صفاء لتصبح فتاة جميلة وسرعان ما خرجت للعمل لمساعدة‬
‫والدتها ويوما بعد اليوم استطاعت الحارة بأسرها أن ترى الفتاة وقد ارتفعت بطنها معلنة عن‬
‫خطأ أخلقى تحمل به …!!‬
‫وبدأت الشاعات تملء الحارة كلها فالقرية عن تورط ابن المعلم فوزى في علقة آثمة بالبنت …‬
‫وحضرت الشرطة للتحقيق في الواقعة ولكن زينب أنكرت وكانت المفاجأة عندما هبت الفتاة‬
‫معلنة الحقيقة بالعتراف والفصاح عن صاحب الجريمة الذى لم يكن ابن المعلم فوزى ………‬
‫………………… الى هنا لم أفق إل على صوت المؤذن يعلن موعد آذان العصر وقد استقر‬
‫القطار الذى أقله على المحطة قبل الخيرة في رحلتى الى قريتي …‬
‫كان صوت المؤذن أقرب في مسامعي إلى صوت عم " عبد الباسط " ( شيخ جامع الفتح ) الذي‬
‫كان على مشارف قريتنا وبالتحديد بالقرب من حارتنا ‪ .‬لقد بنى هذا المسجد خصيصا بالقرب من‬
‫قريتنا التي حرمت من المساجد لعهد قارب الخمسون عاما كما يحكي أكابر رجالت البلدة ولكنه‬
‫ل على صدور أهالينا " الكنيسة " …‬
‫بني الن ملصقا لهذا البناء الجديد الذي جاء زائرا ثقي ً‬
‫وقد علقت على هذا المسجد مكبرات الصوت من جميع اتجاهاته لبعث الصخب والضوضاء على‬
‫ذلك التأثير الموسيقي الذي ينبعث من نوافذ الكنيسة وإخماد ما قد ينبعث منها من أصوات ……‬
‫ولم يكن الجديد الذي دخل قريتنا هو هذا المبنى ( الكنيسة ) بل كذلك كنت قد طالعت لول مرة‬
‫ذلك الرجل المتشح بالسواد ذو اللحية الكثيفة والعمامة السوداء وخشن الثياب … !!‬
‫وكانت تتم كل ليلة عدة دروس دينية في المسجد يقوم بها " عم عبد الباسط " … لم أكن قادر‬
‫على الستماع إليه في كثير من الحيان إذ أن ال قد حباه بمجموعة من الحرف الساقطة من‬
‫نطقه ‪ ..‬المر الذي دفع الجميع لمخاطبة العمدة وعضو مجلس الشعب … فتطور المر إلى‬
‫إرسال وزارة الوقاف عدد من الشيوخ للضطلع بخطبة الجمعة مناوبة مع " عم عبد الباسط "‬
‫وكذلك للستعانة بهم في بعض من هذه الدروس التي تلقى يوميا من بعد صلة العصر وتستمر‬
‫حتى آذان المغرب ثم بعد المغرب درسين حتى آذان العشاء ‪ ..‬وينتهي هنا اليوم …‬
‫ول أنسى هنا أن أضيف أن هذا المتنفس الذي قد تفتق به ذهن القائمين على العملية الدينية قد‬
‫كان بمثابة السهام الحربية الشريفة التي تنطلق في صدور من نبغي بهالة القداسة ‪.‬‬
‫‪- 28 -‬‬

‫حارة النصارى‬
‫وفي ظل هذا النتشار الديني كما ابتغاه أصحاب فكرة إنشائه انتقلت المشاكل الجتماعية في‬
‫منازل أهل الحارة من المسلمين إلى المسيحيين وبالتحديد في منزل كمال السباك ‪ .‬كان رجلً‬
‫على خلق طيب ولكنه كان مدمن للخمر وكانت زوجته تتغيب كثيرا عن المنزل غاضبة ليام ثم‬
‫تعود ولكن لم نكن ندري ماذا كان يدور بداخله … ربما كانت المشكلة هذه المرة أعمق بكثير من‬
‫كل ما سبق بينهم في رحلة العمر ‪ ..‬المر الذي استدعى فيه قس القرية لحل مشكلة بمنزل أحد‬
‫المسيحيين في سابقة هي الولى من نوعها ‪.‬‬
‫لم يكن من عادة المسلمين التدخل في مثل هذه الظروف الصعبة المتصاعدة في منازل المسيحيين‬
‫ولكنهم كانوا يراقبون عن كثب وعن قرب وأحيانا يرسلون الطفال لستجلب الخبار المفصلة‬
‫ولكن في مثل هذه الحالة فالمور واضحة ومسموعة وبينة …‬
‫كانت زوجة كمال كثيرة الشكوى منه منذ سنوات وفي بعض المرات كانت تغادر المنزل بضعة‬
‫أيام وتعود إليه بعد تدخل رجال الدين لكن الوضع لم يتغير فمازال زوجها كما هو لم يتغير ولذا‬
‫قررت عدم الستمرار معه … وفشلت محاولت القس الزائر وبعد مضي ما يقرب من ساعتين‬
‫شاهدنا زوجة كمال تحمل حقيبتها في يدها وتغادر المنزل في هدوء وخلفها ولديها ‪.‬‬
‫ـ‬

‫يا خوانا واحدة مش عاوزة جوزها هو بالعافية ؟‬
‫يطلقها وخلص وكل واحد يروح لحاله ويروح يراضي أبونا بقرشين !!‬

‫( كانت هذه العبارة منطلقة من فم صالح وهو شخص خفيف الظل سريع البديهة ‪ .‬كان مسلما‬
‫ولكنه محبوبا من المسيحيين كما من المسلمين رغم نقده اللذع للمسيحيين ولكن نقده كان نابع‬
‫من القلب…‬
‫تهكمه طاهر برئ غير مملوء حقد أو كراهية ‪ ..‬لذلك كان كلمه مقبول لدى الجميع مهما كان ‪.‬‬
‫قال صالح هذه العبارة عندما كان يجلس مع بعض رجال الحارة المسلمين لدينا بالمنزل والتقط‬
‫صالح الحديث بعبارته هذه التي رد عليها والدي ) ‪:‬‬
‫طلق إيه يا صالح هم دول عندهم طلق زينا … كل ما واحد ول واحدة تزعل من‬
‫ـ‬
‫جوزها تقول طلقني ‪ ..‬ما هيبقى الطلق زي اللبانة في بق كل واحد ‪ ..‬ما تشوف يا أخي ايه‬
‫اللي حصل لعبد لرازق من ورا الطلق اياكش هو بس شريعة ربنا‬

‫( شعر صالح بأن الحديث سيتجه إلى الشق الجاد فلم ينسى أن يتبادل الحوار مع والدي مبتدئا‬
‫بنكتة عن لشيخ والسيس ثم تابع )‬
‫وال يا حاج هو إن جيت للحق الطلق ده مصيبة يخرب الدنيا السليمة ‪ .‬واحد يطلق ويروح‬
‫يتجوز وهي تتجوز وهوه يخلف وهي تخلف وهي عندها عيال منه وهو أصلً عنده عيال منها‬
‫ودول يلقوا أم من غير أب ودول يلقوا أب من غير أم ولو جدع طلعلي مين فيهم ابن مين ؟‬

‫( ضحك الجميع )‬
‫‪- 29 -‬‬

‫حارة النصارى‬
‫ومرت الليلة ككل لياليكِ يا حارة النصارى … كانت الهداف المرجوة من دروس الجامع قد أتت‬
‫ثمارها إذ قد جانب مسلمين الحارة جميع محلت البقالة التي يمتلكها المسيحيين ‪ ،‬ليس في الحارة‬
‫وحدها ولكن امتدت العدوى للقرية بأكملها وليست البقالة فقط بل امتدت تقريبا لكل الحرف التي‬
‫يعمل بها المسيحيين ‪.‬‬
‫وابتدأت حمى مقاطعة المسيحيين تأخذ منحنى جديد في تطور مطرد إذ قد بدأ الصراع يأخذ لونا‬
‫ومذاقا مختلفا ولم يكن الختلف في الصراع فقط بل أخذ ينبئ عن تجذر الحقاد في لقلوب فلم‬
‫تعد مضايقاتهم هي الدافع بل الحقد مرة ودروس المسجد مرة والحضور القتصادي لهم في وسط‬
‫الحارة مرات ومرات ‪ .‬وبدأت مشاورات جديدة في منزلنا للتخطيط والجهاز على المسيحيين في‬
‫عقر دارهم … في " لقمة عيشهم " ‪.‬‬
‫اسمع يا حاج إبراهيم بقى إنت عارف إن السطى نعيم الترزي واكلها والعة في البلد‬
‫ـ‬
‫كلتها مش بس في الحارة وفلوسنا كلها رايحة لجيبه ‪ ..‬وإنت برضوا راسي إن دا ما يرضيش‬
‫ربنا‬
‫ـ‬

‫طبعا … طبعا يا حاج ‪ ..‬بس ايه اللي أنا ممكن أعمله ؟‬

‫ـ‬

‫أنا عرفت إن ابن أختك ترزي شاطر‬

‫ـ‬

‫أيوه يا أبو محمد بس ده في السعودية‬

‫ـ‬

‫ما إحنا عارفين يا حاج إبراهيم ‪ .‬إنت تديلنا العنوان واحنا هنتصرف‬

‫ـ‬

‫حاضر يا حاج حا ًل أجيب لكم العنوان … بس انتوا ناويين تعملوا ايه إنشاء ال ؟‬

‫هنبعت نجيبه يا سيدي وها نفتح له محل في الحارة جنب المعلم عبده الجزار وهنجيب‬
‫ـ‬
‫له أحسن ماكينة خياطة من غير ما يدفع ول مليم ‪.‬‬
‫عندها إنصرف عم إبراهيم خارجا ثم سرعان ما أرسل العنوان لوالدي الذي كلف أحد أبناء‬
‫الحارة بكتابة رسالة عاجلة بنفس المضمون وبعد خمسة عشر يوما جاء الرد بموافقة السطى‬
‫عبد السلم على عرض الحارة وحدد موعدا أقصاه شهرا للحضور ومنذ ذلك الوقت بدأ العداد‬
‫للفتتاح المرتقب يتم على قدم وساق وبل توقف وقد تكاتف جميع مسلمي الحارة حينئذ للمساعدة‬
‫في خروج هذا العمل للنور حتى المعلم عبده الجزار المعروف بالجشع والذي رفض قبل ذلك‬
‫الكثير من العروض التي كانت تنهال عليه للتنازل عن ملحق محله بأعلى السعار طمعا في‬
‫أسعار أعلى تنازل عنه اليوم مقابل ما يقل عن ربع ما كان يعرض عليه للتنازل عنه في السابق‬
‫… وقال " كويس إن الواحد يعمل حاجة ل "‬
‫وفي أقل من خمسة عشر يوما تم تجهيز المحل وشراء أحدث ماكينة خياطة ووضعت على‬
‫المحل لفتة عنوانها " خياطة التوحيد " ‪.‬‬
‫وعاد " السطى المنتظر " حسب الموعد الذي حدده وجاء ليتسلم المحل في احتفالية صاخبة لم‬
‫تخلو من الثارة والستفزاز ‪.‬‬

‫‪- 30 -‬‬

‫حارة النصارى‬
‫وانهالت على المحل الطلبات الكثيفة لدرجة اعتقد فيها أن السطى المنتظر لو كان الطلب عليه‬
‫هكذا في السابق لما فكر في النتقال إلى السعودية مطلقا ‪ .‬وكان مبغى جميع سكان الحارة عندما‬
‫يريدون ثياب جديدة هو " خياطة التوحيد " … وللحقيقة كان هناك بعض زبائن للسطى نعيم‬
‫مترددين في تركه نظرا لمهارته الفائقة ودقة مواعيده وكانوا من أغنى الزبائن بل من أغنى‬
‫أغنياء الناس في البلدة ويمثلون مصدرا مهما لدخل السطى نعيم ولكنهم تعرضوا لضغوط شديدة‬
‫كانت مفادها المتناع عن الذهاب للسطى نعيم والتجاه المباشر للسطى الموحد !!!‬
‫ولم يتسرب الركود إلى محل نعيم بل إن الركود قد داهم " دكانه " وذهب كالطبيعي يشكو حاله‬
‫هذا لرجالت الحارة طالبا منهم التدخل وكانت هذه الشكوى مشفوعة بعروض تخفيض للسعار‬
‫في مصنعيته ولكن دون جدوى وحرمت الحارة لفترات طويلة من أحد أفراد اللوحة التي كانت‬
‫ترسم يوميا في ساعة العصر عندما يعود جميع أصحاب المحلت المسلمين والمسيحيين إلى‬
‫منازلهم من السوق حاملين معهم ما قد اختاروه لولدهم من فاكهة وخلفه فلم يظهر بهذا الكادر‬
‫السطى نعيم من بعد ذلك اليوم أبدا ‪.‬‬
‫وعندما أحس أفراد الحارة بأن خطتهم نجحت وأتت ثمارها ‪ ،‬أحضروا السطى نعيم الذي بدأت‬
‫علمات المرض ترتسم على وجهه فليس ما يعانيه السطى نعيم هو قلة الموال فقط ولكن‬
‫إحساسه أنه مهمل بل ومضطهد ‪ ،‬كان السبب الرئيسي في إبراز كل ملمح الهرم التي أخذت في‬
‫طريقها إلى كل تجاعيد وجهه ورقبته ‪ .‬عرضوا عليه أن يبيع محله لهم لكنه رفض بشدة بل‬
‫عرض عليهم تكوين ما يشبه الشركة بينه وبين السطى عبد السلم هو بخبرته وهم بإمكانياتهم‬
‫وبهذا سيساهمون في حل المشكلة إن كانوا حقا يبتغون حلها وجاء الرد عليه بالرفض وأصروا‬
‫على طلبهم ببيع المحل وما كان منه إل أنه رفض وأصر على التمسك بذكرياته التي كان يحيكها‬
‫منذ الصبا مع كل قطعة ملبس كانت تخرج من بين يديه … وقرر السطى نعيم أن يظل كما‬
‫هو بل أيقن أنه لبد من المحافظة على تلك الذكريات التي لم يبقى سواها ‪ .‬ولكن لم يطل إصرار‬
‫السطى نعيم طويلً ‪ ..‬فالفقر ل يعطي مساحات لن تفكر أو تتشبث فالفقر والعوز هو سهم‬
‫النهيار الذي يخترق جدار عمرك فيصيب عمق قلب ذكرياتك وآنيتك ويمتد إلى نظرة عينيك في‬
‫غدك ‪ .‬هكذا بدأ نعيم يعي … وبعد أن ضاقت به عينيه وضاقت به الدنيا جاء إلى والدي !‬
‫ـ‬

‫يعني يرضيك كده يا حاج أولدي يموتوا من الجوع ‪ ..‬ده يرضي ربنا يا حاج ؟‬

‫طب وأنا هأعملك ايه بس يا نعيم ؟ أروح أقول للناس خيطوا عند نعيم بالعافية ؟ ترزي‬
‫ـ‬
‫وابن الحارة وإيده أحسن من إيدك وسعره حلو ‪.‬‬
‫ي وعلى العموم‬
‫( قاطعه نعيم ) عموما يا حاج إنت عارف كويس إنتم عملتم كده ليه ف َ‬
‫ـ‬
‫أنا جاي لك النهارده ابلغك إني مستعد أنفذ أي حاجة عايزني أعملها ‪ .‬يعني الدكان لو عايزين‬
‫تشتروه هأبيعهلكم ‪.‬‬
‫ـ‬

‫ل يا سطى ! إحنا خلص مش عاوزين الدكان ول عاوزين منك حاجة‬

‫ـ‬

‫بس أنا عاوز يا حاج‬

‫ـ‬

‫عاوز إيه يا اسطي ؟‬

‫‪- 31 -‬‬

‫حارة النصارى‬
‫ـ‬

‫يعني هتعمل يا حاج اللي أنا عاوزه ؟‬

‫ـ‬

‫لو هاقدر‬

‫ـ‬

‫أنا عايز أشتغل مع السطى عبد السلم حتى ولو صبي‬

‫ـ‬

‫ل أنا عارف السطى عبد السلم مش هيرضى يشغل حد مسيحي عنده‬

‫ـ‬

‫ليه ؟ وإيه اللي دخل الدين في الشغل بس يا حاج ؟‬

‫ـ‬

‫ل ل ل يا أسطى ‪ ،‬الدين عندنا إحنا بيدخل في كل حاجة‬

‫ـ‬

‫هو مش القرآن بيقول " لكم دينكم ولي ديني "‬

‫ـ‬

‫ل ‪ ..‬مالكش دعوة بالقرآن وم الخر يا نعيم لو عايز يبقالك أكل عيش في الحارة دي ‪..‬‬
‫اسلم ‪.‬‬

‫وكانت هذه الجملة بمثابة البوابة التي دخلت منها جميع فيروسات الضطهاد الديني المعلن بجرأة‬
‫بداية من أعيننا وحتى مداهمتها لمنازل المسيحية من الداخل ‪.‬‬
‫امتلك أهل الحارة زمام المور وليس مع نعيم فقط ولكن بالقدر الذي مكن والدي بعد كل هذا‬
‫التحرش بالمسيحيين لديه القدرة على المجاهرة بأسلمة المسيحيين أظن أنه أمر يدفعك إلى فهم‬
‫ديناميكية الضطهاد ‪.‬‬
‫أكمل والدي حواره مع نعيم بعد سكوت نعيم الغير معلوم ‪.‬‬
‫إنت لما هتسلم هتكسب ‪ ..‬وهتضرب عصفورين بحجر ‪ ..‬زباينك هترجعلك وكمان‬
‫ـ‬
‫هتدخل الجنة لن ربنا بيقول في كتابه " إن الدين عند ال السلم " وكمان بيقول " في كتابه "‬
‫فإن تابوا وآمنوا وأقاموا الصلة وآتوا الزكاة فإخوانكم في الدين " ولما تسلم هتبقى إيه مش‬
‫السطى نعيم بس ‪ ،‬ل هتبقى أخونا ليك اللي لينا وعليك اللي علينا ‪ ..‬فكر ‪ ..‬فكر يا نعيم على‬
‫مهلك وإنت حر ‪.‬‬
‫وانصرف السطى نعيم من دون إبداء لي رأي بل من دون أن يهمس حتى بكلمة ‪.‬‬
‫ومضى وقت طويل دون عودة السطى نعيم بقرار ‪ ..‬والشئ اللفت فعلً للنظر هو أن ما يحدث‬
‫كان على مسمع ومرأى جميع مسيحيي الحارة الذين لم يتحرك لهم ساكن ‪ .‬المر الذي ينبئ عن‬
‫أن جميع الفعال التي كانوا يقومون بها مع المسلمين في السابق من وقوف بجانب ذوي‬
‫الحتياجات أو ظهورهم في الشدائد كان محاولة لصنع مبرر للتواجد الشرعي بالحارة ‪ .‬فلم‬
‫ينهض أحد لمساعدة نعيم أو وضع حد لما كان يتعرض له من مهازل … حتى جاء اليوم الذي‬
‫طار فيه هذا الخبر الذي أصم جميع الذان المسيحية عندما جاء السطى نعيم طالبا إشهار‬
‫إسلمه ‪.‬‬
‫ويومها خيمت على جميع السكان المسيحية سحابات الصمت السوداء بل والنكسار الذي صاحب‬
‫هذا العلن المباغت من السطى نعيم فهم لم يتوقعوا مطلقا أن يفعلها وكأنه في موقف اختيار !!‬
‫وجاء الثنين السود على سكان حارة النصارى ‪ -‬النصارى ‪ -‬في شهر ربيع الول في هذا‬
‫الحدث الجلل السنوي المولد النبوي ‪.‬‬

‫‪- 32 -‬‬

‫حارة النصارى‬
‫وفي خضم العداد لهذا الحدث جاء السطى نعيم طالبا إشهار إسلمه المر الذي تم بأسرع من‬
‫سرعة كالبروق التي توالت على نصارانا بل قبل إتمام المراسيم القانونية أسرعوا بأن أحضروا‬
‫له جوادا أبيض إمتطاه الفاتح العظم وقد زين بالعلم الخضراء وكتب عليها " عبارة التوحيد "‬
‫ل إله إل ال محمد رسول ال ‪ ،‬وطاف السطى نعيم كل أرجاء القرية وكانت تصاحبه المزامير‬
‫والطبول التي تدق بصخب ويطول الوقوف أمام جميع المنازل المسيحية بالقرية أجمعها ‪.‬‬
‫ويرد المشيعون ل إله إل ال محمد رسول ال في هتاف أقرب إلى هتاف جنودنا في حرب‬
‫السادس من أكتوبر … الجميع يتشاركون ويتقاسمون الدوار ‪ ،‬الطفال يتسابقون في قذف النوافذ‬
‫الزجاجية بالحجار بوابل ل ينقطع إلى ما هو أكثر حدة واستفزاز من ذلك والمسيحيون لم يجرؤ‬
‫أي منهم بالقرية كلها على الخروج وكأنهم أعلنوا الحداد بعد فوات الوان ‪.‬‬
‫وغاص السطى نعيم في نعيم الحياة الجديدة فعاش أحلى وأسعد أيام حياته إذ قد تدافع الناس على‬
‫طلبات عدة وتكاثرت زبائنه وأعيد طلء المحل له مرة أخرى وعلقت على جدرانه اليات‬
‫القرآنية وتم تغيير اسمه من " نعيم شنودة " إلى " محمد عبد ال " وكان كلما ذهب للمسجد للصلة‬
‫يقابل بحفاوة البطال واستقبال الفاتحين ‪.‬‬
‫ولم يدم فرح السطى نعيم طويلً ولم تكن فترة سعادته توازي المساحة التي اخترقها بداخله‬
‫بترك دينه ‪ .‬فبعدما حصلت الحارة منه على ما تريد … بدأ رجال الحارة يعاملونه على أنه‬
‫مواطن درجة خامسة فكان كلما ذهب يشكو لحد شيوخ الحارة يطلبون منه الصبر ومحاولة تفهم‬
‫الموقف ‪.‬‬
‫وبدأ إتجاه محمد نحو السلم يفتر ‪ ..‬فلم يعد يراه أحد يذهب للمسجد كما كان ولم يعد يقابل‬
‫بالحفاوة البالغة كما كان بالسابق ‪.‬‬
‫وكلما مررت من أمام محل محمد عبد ال ل تجد لديه من السلم سوى بعض اليات القرآنية‬
‫المعلقة في أرجاء المحل وأيضا هذه البقعة الدماغية السوداء التي تتوسط جبهته تعبيرا عن‬
‫مداومته للصلة ‪ ،‬ولكنها لم تشفع له لدى أهل الحارة الذين لم يكونوا على استعداد لمناصرة‬
‫الدخيل الجديد على ابنهم الصيل وهكذا إلى هنا أسدل الستار على قضية محمد عبد ال الذي‬
‫نحل جسده وبدا عليه الشحوب كمن يحمل كل مشاكل العالم وأخذت فكرة النتحار تداعب‬
‫السطى " نعيم " ‪ -‬أقصد محمد عبد ال ‪ -‬كثيرا كما كان يصرح مرارا بأن حال النتحار كان‬
‫أهون عليه مما رآه ولمسته أحاسيسه من مهانة وازدراء ‪.‬‬
‫وبينما أهل القرية عامة والحارة على وجه الخصوص منفكين ل يتحدثون في تجمعاتهم إل عن‬
‫قضية السطى نعيم حتى بدت تسري في القرية والحارة معا شائعة مدوية لها أثر النار في‬
‫الهشيم تقول هذه الشائعة أن شابا من القرية كان صديقا لخر مسيحيا وكان يدرسان معا في‬
‫الجامعة ويسكنان معا في المدينة الجامعية للطلبة وأن ذاك الشاب المسلم قد أصبح مسيحيا ‪.‬‬
‫بقي لنا أن نعرف أن شائعة مثل هذه تحمل في ذاتها احتمالت اليقظة لكل عداوة واضطهاد دفين‬
‫في كل من الفريقين الذين من كثرة ما اعتدت على رؤية مواقعهم الحربية أصبحت قاب قوسين‬
‫أو أدنى من تصديق فكرة أزلية هذا العداء ‪.‬‬
‫وبمرور اليام كانت تلك الشائعة تزداد وتنتشر بقوة … ولكن ما هي قصة هذا الشاب ؟!‬

‫‪- 33 -‬‬

‫حارة النصارى‬
‫هناك في منتصف الحارة تماما يقع منزلً من أعرق وأقدم وأجمل وأثرى بيوت الحارة ‪ ،‬هذا‬
‫المنزل يمتلكه الحاج علي عبد الرحمن وهو من أكبر التجار المعروفين ليس بالقرية ول بالحارة‬
‫فقط ولكن في البلدة بأسرها وكان من المقربين للصف الول من عتاة السياسة وأصحاب مقاليد‬
‫المور في بلدتي ‪.‬‬
‫كان للحاج علي عبد الرحمن ولدان وإبنة صغيرة ‪ ،‬الولد الكبر وهو عماد والثاني وهو " عبد‬
‫الرحمن " صاحب شائعة التنصير‬
‫بدأت معرفتي بالقصة وتفاصيلها يوم أن جاء الحاج علي عبد الرحمن لوالدي بمنزلنا وهو على‬
‫مقربة البكاء وسرعان ما شرع فيه عندما بدأ يتكلم وهو يشتكي لوالدي ‪.‬‬
‫ـ‬

‫مالك يا حاج علي كف ال الشر خير ؟‬

‫ـ‬

‫الكلم اللي مالي البلد عن ابني ده صحيح يا حاج‬

‫ـ‬

‫عرفت إزاي يا حاج علي‬

‫أمه وهي بتفضي شنطته علشان تغسل هدومه لما رجع من الجامعة لقيت كتاب غريب زي‬
‫ـ‬
‫المصحف فوريتهوني فلقيته إنجيل يا أبو أحمد … والواد كمان ما بقاش يصلي خالص أعمل ايه يا‬
‫حاج دي فضيحة كبيرة ومصيبة من عندك يا رب‬
‫أصبر يا حاج كل مشكلة وليها حل المهم دلوقتي نعَرف المسيحيين إن الكلم ده محصلش‬
‫ـ‬
‫ول حاجة … عشان نعرف نرفع راسنا في الحارة ‪.‬‬
‫ـ هاتعمل إيه يا حاج‬
‫العمل عمل ربنا لكن اسمع يا أبو عبد الرحمن إنت دلوقتي تروح تقعد في دكان فيصل‬
‫ـ‬
‫الحلق وهو عنده أخبار البلد كلها واعرفلي بالضبط منه موضوع ابنك ‪.‬‬

‫( نفذ أبو عبد الرحمن وصية والدي وعاد إليه قائلً ! )‬
‫ـ‬

‫أيوه يا حاج ‪ ..‬أيوه ‪ ..‬حتى المسيحية بيسألوا الحلق إن كان الواد اتنصر ول ل ؟!‬

‫بص يا حاج لما ييجي عبد الرحمن من الجامعة يوم الخميس الجاي قوله الحاج عاوزك‬
‫ـ‬
‫وهاته وتعالى ‪.‬‬
‫وفي يوم الخميس جاء عبد الرحمن ووالده إلى والدي بعد المغرب وسأل والدي عبد الرحمن‬
‫قائل له قوللى يا عبد الرحمن ‪:‬‬
‫ـ‬

‫إنت صحيح بقيت مسيحي يا عبد الرحمن ؟‬

‫يا عم الحاج دي حاجة تخصني أنا لوحدي والدين هو العلقة اللي بين النسان وربه ودي‬
‫ـ‬
‫خصوصيات وأنا ما حبش حد يتدخل في خصوصياتي‬

‫( ثار والدي )‬
‫خصوصيات إيه يا دكتور هي الفضيحة عندك خصوصيات ‪ ..‬هو لما نمش وروسنا في‬
‫ـ‬
‫الرض خصوصيات ‪ ..‬هو ده اللي إنت اتعلمته في المدرسة والجامعة ‪ ..‬هي الخصوصيات قالتلك‬

‫‪- 34 -‬‬

‫حارة النصارى‬
‫خلي أبوك يمشي مكسور في الناس ‪ .‬قسما بال العظيم ثلثة بال العظيم إن الكلم ده لو كان من‬
‫عيل من عيالي لقطعت رأسه دلوقتي حالً ‪.‬‬

‫( واستطرد والدي بعدما وجد الحاج علي غير مدفوع على إبنه )‬
‫بص لبوك اللي وشه بقى زي الطين ول أمك اللي هتموت من ساعة ما عرفت وأهي ل‬
‫ـ‬
‫بتاكل ول بتشرب ‪ ..‬حرام عليك هي دي وصية ربنا بالب والم‬
‫واستمر حديث والدي في هذا التجاه الذي كان يقابله عبد الرحمن دائما بالتجاه المغاير بالحديث عن‬
‫ال وعلقته بالنسان وخصوصية هذه العلقة بعيدا عن كسر السرة في الرض أو موت الباء‬
‫والمهات ‪ .‬وأمام اصرار عبد الرحمن ولباقته عرض عليه والدي أحد أمرين ‪:‬‬
‫بص بقى يا عبد الرحمن أفندي إما إنك تعزل إنت وأهلك من الحارة وتبيعوا البيت بتاعكم ده‬
‫ـ‬
‫كمان يا إما تحط الجزمة في بقك وتخلي يا سيدي علقتك بربنا بتاعتك دي تنفعك وليك لواحدك‬
‫وعن شرط تيجي كل جمعة للجامع عشان يشوفك كل أهالي الحارة ويفهموا إنها إشاعة ومش بجد‬
‫وقدامك أسبوع واحد وترد علىَ وإل قسما بال العظيم لهد بيتكم بجرار أو أولع فيه النار إحنا‬
‫مش مستعدين نبهدل كرامتنا ونحط روسنا في الطين عشان واحد زيك يا دكتور ‪.‬‬
‫وانصرف عبد الرحمن ووالده من منزلنا وقد كان موقف عبد الرحمن صعب التنبؤ به فهو شخص‬
‫يحمل وجه خالي من النطباعات ولكن يغلب عليه العقل والحكمة أكثر من النطباعات ‪.‬‬
‫وما لبث أن مر يومان حتى جاء يوم الجمعة حاملً معه عبد الرحمن ووالده وأعلن عبد الرحمن‬
‫موافقته على الحل الثاني فطلب منه والدي الحضور إليه قبل الصلة بساعة ليصطحبه معه إلى‬
‫المسجد وكان والدي قد أعد " زفة " لعبد الرحمن لكي يجد عن طريقها أهل الحارة بأنه لم يزل‬
‫مسلما فألبسه والدي‬
‫" الطاقية البيضاء والشال البيض " وقد أمسكه مسبحة في يده وعند خروجهما من المنزل دوت‬
‫زغاريد النساء وبدأن يوزعن الشربات والبعض منهن كن يهتفن هتافات موجهة للمسيحيين ‪.‬‬
‫وهنا فقط وبعد طول انتظار تجرأ أحد المسيحيين من سكان الحارة وكأن كلمة السر " إمرأة " فخرج‬
‫هذا المسيحي ووقف على باب منزله وصاح قائلً ‪:‬‬
‫ما هو مش معقول يا خونا في الرايحة وفي الجاية تفضلوا تشتموا فينا وتخبطوا على بيوتنا‬
‫ـ‬
‫إحنا مالنا ‪ .‬ماللي يسلم يسلم واللي يروح في ستين داهية يروح إحنا عملنا غيه يعني لكل ده ؟‬
‫أمال إزاي بيقولوا النبي وصى على سابع جار وأنا أول مش رابع ول خامس جار حرام عليكم‬
‫بقى … انتم يعني عوزينا نمشي من هنا ول إيه ؟‬
‫رد عليه أحد رجالت الحارة لمسلمين‬
‫أيوه يا سيدي النبي وصى على سابع جار لكن على الجار المسلم مش الكافر النجس اللي‬
‫ـ‬
‫زيك استريحت يالل بقى لم نفسك وخش بيتك أحسن لك‬
‫ـ‬

‫يعني لو ما دخلتش ها تعمل إيه هتضربني ‪ ،‬اتفضل تعالى خدلك قلمين ‪!! ..‬‬

‫وكادا يشتبكان لول فصل بينهما بعض من أهالي الحارة وما أن بدأت تخمد روائح هذا الشتباك إل‬
‫وقد إنطفئت معها نيران شائعة عبد الرحمن وبدأت تنزوي رويدا رويدا حتى لم يعد أحد يذكرها‬
‫واستمر عبد الرحمن في الذهاب إلى المسجد كل صلة جمعة حتى ترك الحارة هو وأسرته ‪ .‬ول‬
‫‪- 35 -‬‬

‫حارة النصارى‬
‫تعلم إلى أين ذهبوا وهكذا أسدل ستارا آخر على رواية أخرى من روايات حارتنا حارة النصارى …‬
‫… التي تنسدل فيها ستائر وقائع عديدة ل تكون ستائر نهاية ولكنها ستائر تعلن عن نهاية بعض‬
‫الفصول الولى من مسرحية طويلة ‪.‬‬
‫وكالعادة التي تفوق أيادينا ‪ -‬عادة مرور عجلة الزمن بدون توقف ‪ -‬بدأ الزمن يلعب دوره في‬
‫تشكيل ملمحي سواء الجسدية أو الفكرية أو النفسية فانتفت عن أفكاري البراءة التي خلعتها علي‬
‫نفسها طيلة فترة كبيرة من حياتي وفقدت سذاجة السئلة البسيطة التي أبحرت فيها جزء كبير من‬
‫حياتي ‪.‬‬
‫فكما أشرت سابقا أن البناء الجديد الذي لم يعد اليوم جديدا ( المسجد ) الذي بنى كرد فعل سريع لذلك‬
‫البناية الوافدة إلينا ( الكنيسة ) ‪ ،‬قد بدأ يؤتي أول ثمار أو بذار للفتنة في داخلي بدأت تتولد بفعل تلك‬
‫الدروس التي كانت تبث في أذني سواء إن كنت حاضرا الدرس نفسه بالمسجد أو أنا في منزلنا أو‬
‫أنا قادم من طرف الحارة المهم أن هذه الدروس قد ملت آذاني الخارجية والداخلية المر الذي‬
‫دفعني عند أول حضور لي في هذا المسجد لدرس بين دروس المغرب كان يقوم بالتعليم فيها الشيخ‬
‫عبد الجليل صاحب الكتاب فوجدتني أسأل‬

‫يا سيدنا هو إحنا ليه بنعمل كده مع النصارى ؟ ( كانت " كده " هذه معلومة لدى سيدنا بل‬
‫ـ‬
‫لدى الحارة بأسرها )‬
‫ـ‬

‫لسه بدري عليك من الموضوع ده يا سيدي !!‬

‫( مندهشا ومأخوذا بالعجب ) ل مش بدري أنا كبرت ولزم أعرف إن كان صح أشارككم‬
‫ـ‬
‫وإن كان غلط يبقى حرام عليكم‬
‫ـ‬

‫آه … طيب يا سيدي مدام عايز تعرف‬

‫ـ‬

‫أيوه ال يكرمك يا سيدنا‬

‫ـ‬

‫يا بني إحنا بنعمل كده من دماغنا ول فيه حاجة بينا وبينهم لكن ده أمر ال ولزم نطيع ربنا‬

‫ـ‬

‫ربنا أمر بكده يا سيدنا بجد ؟‬

‫ـ‬

‫أيوه‬

‫ـ‬

‫فين ؟‬

‫قال ال سبحانه وتعالى في كتابه العزيز في سورة المائدة آية ‪ ( 51‬يا أيها الذين آمنوا ل‬
‫ـ‬
‫تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض ومن يتولهم منكم فهو منهم )‬
‫لكن يا سيدنا في آية برضه بتقول ( لتجدن أشد الناس عداوة للذين آمنوا اليهود والذين‬
‫ـ‬
‫أشركوا ولتجدن أقربهم مودة للذين آمنوا الذين قالوا إنا نصارى ذلك أن منهم قسيسين ورهبانا وهم‬
‫ل يستكبرون )‬
‫أيوه يا بني دي برضه في سورة المائدة آية ‪ 82‬والية صحيحة وكلم ربنا زي السيف لكن‬
‫ـ‬
‫بص الية وشوف بتقول إيه ؟‬
‫ـ‬

‫بتقول إيه يا سيدنا ؟‬

‫ـ‬

‫ربنا بيقول إنهم أهل مودة وده صحيح لكن ده لما كانوا متواضعين ومش مستكبرين‬
‫‪- 36 -‬‬

‫حارة النصارى‬
‫لكن يا سيدنا النصارى اللي في الحارة ناس طيبين ومش مستكبرين أبدا ‪ ،‬ده حتى ما‬
‫ـ‬
‫بيطلعلهمش صوت ويمكن إنت كمان حاسس بكده برضه … صح ؟‬
‫إنت عارف يعني إيه الستكبار اللي في الية يا بني ؟ الستكبار اللي هنا مش زي اللي إنت‬
‫ـ‬
‫فاهمه ‪ ..‬ل ده الستكبار هنا هو استكبار العبادة لنهم استكبروا ورفضوا يؤمنوا بسيدنا محمد‬
‫عليه الصلة والسلم وعشان كده أمرنا ربنا بأننا ما نصاحبش حد فيهم ول نديهم وش عشان‬
‫يعرفوا إنهم كفار ومشركين ولو في البلد دي إسلم حقيقي وبجد دول كانوا لزم يدفعوا الجزية‬
‫غصب عنهم أو تتقطع رقابيهم عشان ربنا بيقول في كتابه العزيز في سورة التوبة آية ‪ ( 29‬قاتلوا‬
‫الذين ل يؤمنون بال واليوم الخر حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون )‬
‫ـ‬

‫لكن يا سيدنا مين اللي قال إنهم مش بيعبدوا ربنا ول بيؤمنوا بيه ؟‬

‫إله مين ده يا بني هما دول ليهم غله ‪ ..‬دول بيقولوا إن سيدنا عيسى عليه السلم هو ربنا‬
‫ـ‬
‫شوفت الكفر دول مجانين ده لول الملمة كنا حرقناهم بنار يا شيخ‬
‫ـ‬

‫معقول بقوا بيقولوا إن سيدنا عيسى هو ربنا ؟‬

‫ـ‬

‫يا خبر إسود ! دول يستاهلوا أكتر من اللي بيجرالهم ال يفتح عليك يا سيدنا ‪.‬‬
‫وفي أثناء هذه المناقشة تحديدا بدأت تتأصل بداخلي كراهية شرعية تجاه النصارى بل وألتمس‬
‫العذر لوالدي ولكل سكان الحارة لكل ما كانوا يصنعونه مع أي مسيحي فقد خرج الموضوع عن‬
‫التماس النساني الذي يصعب على فيه رؤية اضطهاد المسيحية بل أصبح هناك مشروعية بل‬
‫وقداسة لي عمل عنيف موجه لهذه الطبقة من البشر التي تأله بني ال وتجعل منهم آلهة ‪.‬‬
‫ثم أن استطردت الحديث مع سيدنا‬

‫على الكلم اللي إنت بتقوله ده يا سيدنا نبقى إحنا على حق والنصارى على باطل مش كده‬
‫ـ‬
‫برضه ؟‬
‫ـ‬

‫أيوه طبعا‬

‫ـ‬

‫طب إزاي نخليهم يحسوا أو يعرفوا إنهم على باطل ؟‬

‫هما عارفين كل حاجة وفاهمين كل حاجة لكن الستكبار بيمنعهم م العتراف ‪ ..‬دول مية‬
‫ـ‬
‫من تحت تبن ‪ ..‬كهنة ‪..‬‬
‫يعني إحنا ممكن نرغمهم على الحساس بأنهم مشركين وكفار وإن مش من حقهم إنهم‬
‫ـ‬
‫يعيشوا لن ربنا بيقول ( إن الرض يرثها عبادي الصالحون ) وهي مش كده ‪.‬‬
‫ـ‬

‫إنت عايز تقول إيه ؟‬

‫دلوقتي مش ربنا حدد لنا عيدين هي العيد الصغير ( عيد الفطر ) والعيد الكبير ( عيد‬
‫ـ‬
‫الضحى )‬
‫ـ‬

‫أيوه !!‬

‫ـ‬

‫يبقى ليه نسمح للنصارى إنهم يبتدعوا أعياد جديدة من عندهم‬

‫ـ‬

‫واحنا هنعملهم إيه ؟ هنمنعهم إزاي ؟‬

‫‪- 37 -‬‬

‫حارة النصارى‬
‫ما أقصدش نمنع خالص ‪ ..‬ول إحنا نقدر نرغمهم ‪ .‬إنهم ما يشتروش ول يلبسوش هدوم‬
‫ـ‬
‫جديدة لكن اللي أنا عايزه حاجة تانية‬
‫ـ‬

‫أيوه ( وقد نفذ صبره ) إيه يعني ؟‬

‫ـ‬
‫عيد‬

‫يوم الحد الجاي بيقولوا عندهم عيد معرفش اسمه إيه لكن أنا سامع الناس بيقولوا إن فيه‬

‫إحنا ممكن نبوظ عليهم فرصتهم ونخليهم يحسوا إن مفيش عيد غير عيدنا … إحنا هنقول‬
‫ـ‬
‫لصحاب الدكاكين اللي في الحارة إنهم يقفلوا محلتهم اليومين بتوع العيد الحد والثنين فالعيال‬
‫مايلقوش حته يشتروا منها اللعب والبلونات والزمامير فيقعدوا في بيتهم إيه رأيك يا سيدنا ؟‬
‫ال ينور عليك يا بني يحميك لشبابك ؟! هي دي الشباب اللي غيرانة على دينها ‪ ..‬ما هو‬
‫ـ‬
‫صحيح ابن الوز عوام‬
‫ـ‬

‫يعني موافق يا سيدنا‬

‫ـ‬

‫أيوه طبعا‬

‫وبالفعل قد تم التفاق عليه ففي يوم الحد صباحا فوجئ الطفال النصارى بكل المحلت المغلقة‬
‫وظلوا وقوفا منتظرين ليشتروا ألعابهم ولكن لما طال انتظارهم عادوا من حيث أتوا كل إلى منزله‬
‫حاملين أشياء غير التي كانوا يبتغون ‪ ..‬عادوا بدموعهم تلك التي كنت بدأت أبتغيها ‪ ..‬فيا لشدة‬
‫سعادتي بهم وهم يبكون ويا لهذا الفرح الذي انتابتني وأنا أفسد عليهم فرحتهم بعيدهم المبتدع ‪ ..‬ولكن‬
‫بعد أن انتهى اليوم وخيم على الحارة السكون الرهيب الذي يغلفها في كل أيامها ‪ ..‬وعندما استفردت‬
‫بنفسي بداخل حجرتي ‪ ..‬تذكرت مشهد دموع هؤلء الطفال وأنبت نفسي كثيرا ولكن ما كان يعنيني‬
‫على هذا التبكيت هو أنني أفعل ذلك لكي يعرفوا الله الحقيقي وأن يتوبوا عن ابتداعاتهم ‪ .‬وفي‬
‫صباح يوم من أيامي في حارة النصارى استقبلت صباحي كسيح الرجاء في كوني أستطيع قلب كل‬
‫نظام الحارة وحدي ولم تمهلني الحداث كثيرا إذ سرعان ما كان يذاع في الحارة عن وفاة أحد‬
‫رجالتها الفاضل والمعروفين الحاج أحمد وكان لدينا بالقرية مكانا يطلق عليه دار مناسبات يقام‬
‫فيه مثل هذه المناسبات وفي المساء وقف أهل المتوفى يتلقون فيه العزاء كعادتنا وجاء ثلثة من‬
‫النصارى لتأدية واجب العزاء فاستقبلهم الرجل استقبالً حسنا وأجلسهم في أماكنهم ولكن على غرار‬
‫ما دائما يحدث في حارتنا أن تسير الحداث دائما في اتجاه معاكس طلب والدي أثناء جلوس الثلث‬
‫نصارى من المقرئ أن يتلو علينا ربع من سورة المائدة وأخذ المقرئ يتلو إلى أن وصل إلى الية‬
‫‪ ( 17‬لقد كفر الذين قالوا أن ال هو المسيح إبن مريم ) وسرعان ما تتكرر مرة أخرى في الية ‪72‬‬
‫وبمجرد أن سمع الرجال المسيحيون ذلك حتى تصببوا عرقا وبدا عليهم الخجل ‪ ..‬ولكنهم تماسكوا‬
‫وجلسوا حتى ينتهي المقرئ من التلوة ‪ .‬وعندما تكررت مرة أخرى بفعل العادة في التجويد صرخ‬
‫الشيخ عواد المهووس ‪:‬‬
‫‪-‬‬

‫ال ‪ ..‬ال ‪ ..‬ال يا عم الشيخ قول كمان ال يفتح عليك ‪ .‬قول كمان أصل التكرار يعلم ‪.‬‬
‫هنا وقف النصارى الثلث وقالوا ‪:‬‬

‫ـ‬

‫ال يكرمك يا شيخ ( ثم رد الثاني )‬

‫ـ‬

‫كتر خيرك ( فرد الشيخ عواد )‬

‫‪- 38 -‬‬

‫حارة النصارى‬
‫ـ‬
‫إيه‬

‫خيركم سابق يا خويا إنت وهو ‪ ..‬هو في إيه هو اللي على راسه بطحة بيحسس عليها ول‬
‫( رد ثالثهم )‬

‫حسن ملفظك يا شيخ عواد ‪ ..‬دي جنازة ‪ ..‬واحترم المكان يا شيخ وهنا تدخل أهل المتوفى‬
‫ـ‬
‫ووبخوا الشيخ عواد وقبلوا رؤوسهم في سلوك هو الول من نوعه في حارتنا ومن مسلميها ‪..‬‬
‫والحقيقة ما من أحد تجرأ على العتراض عليه ‪.‬‬
‫ولكن كان هذا السلوك خاص بموقف بعينه ولكن الحقيقة هو أن الموقف العام من النصارى بديهي‬
‫ومعروف ومترجم بداخل جميع مسلميك يا حارة النصارى ‪.‬‬
‫ل شك في أن الغموض الذي يكتنف نصارى حارتنا في العبادة إذ أنه محجوب عنا قد أرثنا بعض‬
‫الساطير حول ممارسة الدعارة بدون حرج بين حوائط الكنيسة أثناء الحتفال بعيد رأس السنة في‬
‫منتصف الليل وأصبحت هذه القصة ‪ ..‬قصة حقيقية في رؤوسنا جميعا واستهوت هذه الفكرة بعضا‬
‫من شباب الحارة ممن هم ل ميول دينية لهم فقرروا أن يدخلوا الكنيسة في تلك الليلة تحديدا لينعموا‬
‫بلمسات تروي ظمأ احتياجهم الذي تولده برودة طين منازلنا ‪ ..‬واتفقوا على أن يدخلوا الكنيسة على‬
‫أن يتابع كل منهم فتاة ويدخل في إثرها وعند انطفاء النوار التي نظل في حالة انطفاء لقل من‬
‫عشرة ثوان معلنة عن انقضاء عام آخر في حياتنا على هذه الرض وسرعان ما أمسك كل منهم‬
‫بفتاته فصرخن وتجمع الناس حولهم واقتادوهم إلى نقطة الشرطة وهناك عرف أولياء المور‬
‫النصارى أن الشباب الذين اقترفوا هذه الفعلة هم من المسلمين وما كان من مأمور النقطة إل أن‬
‫أطلق سراحهم في صباح اليوم التالي وأخذ عليهم التعهد بعدم تكرار الواقعة ‪ ..‬ومرت كواقعة عابرة‬
‫‪..‬‬
‫ومررنا جميعا بمشاهد ووقائع وأحداث عديدة جدا في حلبة الصراع البدي بين قطبين كل منهما‬
‫يريد البقاء إلى النهاية ‪ ..‬والنهاية كما أعرفها أنا وتعرفها أنت ‪ ،‬لمن ستكون !! ولكن لبد من أن‬
‫تدور الدائرة دورتها ‪..‬‬
‫فلقد كان بقريتنا كسائر القرى المجاورة ظاهرة بدأت تنتشر وكانت من الظواهر التى أفادت قرانا بعد‬
‫طول سنين وهى ظاهرة الهتمام بالصحة العامة متمثل فى إنشاء الوحدات الصحية الريفية …التى‬
‫تقدم الرعاية الصحية المجانية لهالى القرية ‪.‬‬
‫وفى ذات يوم قامت الحكومة بتعيين طبيبا مسيحيا بهذه الوحدة الصحية وكان من خارج أهالى القرية‬
‫… زادت شهرته بازدياد عدد أيام إقامته بالقرية وكان مثار حديث الناس فى القرية بأسرها عن‬
‫مهارته وأخلقه … ولما كان هذا الطبيب ذائع الصيت _ رغم أنوفنا جميعا ( الغائرين على الدين )‬
‫_ رجل مسيحى … فكرنا واتفقنا على ضرورة إرغام هذا الطبيب على الرحيل … كان منشأ الفكرة‬
‫" شيوخ حارتنا " الفاضل فتقدمنا بشكاوى لمركز الشرطة عن بعض المخالفات من الطبيب لقوانين‬
‫مهنته " شكاوى كيدية " وليس لها أساس من الصحة وكان أنه فى كل مرة يتم فيها التحقيق بهذه‬
‫الشكاوى ل يدان فيها … ثم أن تحفظ …!!‬
‫الى أن قررنا الجتماع بالمسجد ذات ليلة للتفكير فى طريقة لزاحته عن قريتنا … ثم أن هبطت‬
‫علينا فكرة ذات أبعاد دراماتيكية وصفناها آنذاك بأنها الفكرة التى هبطت علينا من السماء …‬
‫فأحضرنا فتاة ممن يتمتعن بسمعة سيئة لدى القرية ومعروفة للشرطة كذلك ولقاء مبلغ من المال‬
‫اتفقنا معها على صياغة الفكرة وبداية تنفيذها ‪.‬‬
‫‪- 39 -‬‬

‫حارة النصارى‬
‫فوجئ الطبيب فى ساعة متأخرة من الليل بالحاج " محمود أبو السيد " يصطحب فتاتنا الى مسكن‬
‫الطبيب الخاص مدعية المرض … وما كان من الطبيب إل أن دعاهم للدخول بسرعة وأثناء ذلك‬
‫انسحب الحاج محمود خارجا بحجة الذهاب الى أهلها لطمأنتهم وأثناء قيام الدكتور بالكشف على "‬
‫ناهد " أخذت تصرخ بأعلى صوتها وتدعى بأن الدكتور قد قام بمحاولة للعتداء عليها … برعت‬
‫فتاتنا جدا فى تصوير وتجسيم فكرة العتداء المصطنعة تلك … وكنا قد سبقناها لبلغ الشرطة …‬
‫لكى تلحق بهذا الجرم الخلقى الذى سيودى بهدوء القرية … والذى سيشعل نار الفتنة بين الطائفتين‬
‫… المر الذى دفع برجال الشرطة لن يتحركوا سريعا على غير المعتاد والمألوف ‪.‬‬
‫و بالطبع كنا نحن تحت المنزل مباشرة وما أن سمعنا صوتها حتى دخلنا بكسر باب المسكن وطلبنا‬
‫من الدكتور أن ل يتحرك من مكانه حتى يأتى رجال الشرطة ‪.‬‬
‫عندها دخل ضابط " المركز " الهمام الى شقة الدكتور فوجد " ناهد " فى حالة يرثى لها … تبكى‬
‫وهى عارية تماما … وعندما سألها ضابطنا قالت ‪:‬‬
‫أنا يابيه … جيت هنا مع عم الحاج محمود أبو السيد باشكى من مغص فى معدتى ولما قاللى‬
‫ـ‬
‫ادخلى اقلعى هدومك دخلت الوضة وأنا مش عارفه إن دى أوضة النوم يابيه … ماكنتش أعرف يا‬
‫بيه انه هيعمل كده ( وأخذت تولول وتصرخ )‬
‫ـ‬

‫" الضابط وهو يرد عليها " خلص بقى يابت يعنى هو انت أول مرة …‬

‫" مقاطعة اياه " أيوه ياباشا بس مش بالغصب مش بالعافية … وبعدين ياباشا بص شوف‬
‫ـ‬
‫عورنى ازاى وهو بيقلعنى غصب عنى … ( كانت هذه الجروح أثناء قيام الدكتور بمنعها من تمزيق‬
‫ملبسها ومحاولة اليقاع به )‬
‫وما كان من رجال الشرطة إل انهم اقتادوه " للمركز " وعندها عند بداية التحقيق الرسمى طلبنا‬
‫جميعا ـ من حضروا وقاموا بالتنفيذ ـ كشهود … وبالطبع أجمعنا أننا أوصينا الحاج محمود أبو‬
‫السيد أن يصطحب الفتاة الى مسكن الدكتور حيث أن الفتاة ليس لها إل أخ صغير وتعيش مع والدتها‬
‫وما أن جاء إلينا الحاج محمود حتى وصلنا صراخها الذى دوى بالقرية كلها واندفعنا جميعا نحو‬
‫منزل الدكتور " رياض " يغلف اندفاعنا صراخها المستغيث الذى ل يتوقف الى أن أعاننا ال على‬
‫كسر باب الشقة … فوجدنا دكتور رياض جاثيا عليها فى محاولة الى تقبيلها عنوة … فجئنا إليكم‬
‫على الفور … كانت هذه هى شهادتنا جميعا ‪.‬‬
‫ولم يستطع الطبيب أ يتفوه بكلمة واحدة من فرط اندهاشه … عندها والحمد ل تم فصل الطبيب من‬
‫مهمة الشراف على الوحدة الصحية وتم نقله الى مكان آخر وعند خروجه من القرية كانت غالبية‬
‫سكان القرية يبكون عليه إل حارتنا " حارة النصارى " !!‬
‫بدأ والدى مع اليام يطعن فى السن ويفتر حماسه وتقل حركته وفى نفس الوقت بدأت بعض العائلت‬
‫المسيحية ترحل عن الحارة نتيجة الضغط الواقع عليهم إما ببيع منازلهم أو تركها مغلقة ول شك أن‬
‫هذا قد شجعنا على الستمرار والتطوير فى طرق اليذاء !!‬

‫‪- 40 -‬‬

‫حارة النصارى‬
‫وبدأت اليام تمن على بظهور مشجع لى حال محل والدى فى هذه النقطة وهو ابن عمى الكبر سنا‬
‫منى … تخرج فى الزهر وقد عمل لفترة طويلة " إمام " مسجد و " خطيب " لحدى مساجد الدول‬
‫العربية ( الردن ) … وأخذ يشجعنى على القراءة فى الفكر السلمى والتعمق فيه … بارك كل‬
‫سلوكى ضد النصارى … بدأت بالفعل أشترى بعض الكتب لكبار الئمة واستهوانى بالطبيعة البحث‬
‫فى علقة الدولة السلمية بالنصارى وبأهل الكتاب بصفة عامة … ووجدت ما فعله النبى " محمد "‬
‫مع " يهود بنى قريظة " عندما حرق مزارعهم وسبى نسائهم وقتل رجالهم … وتعاهدت مع نفسى أل‬
‫أخالف سلوك النبى معهم …فالمشكلة واحدة ولكن الفارق الوحيد بيننا فى حارة النصارى وبين نبينا‬
‫فى يهود بنى قريظة هو أنه كان يتعامل مع اليهود أما نحن فمع قطب آخر من أهل الكتاب هم‬
‫النصارى … ولكنهم فى الكفر سواء فل فرق بينهم إطلقا ‪.‬‬
‫بدأت علقتى بابن العم تتطور انطلقا من كوننا شباب غيور على دينه واسلمه وأخذنا نجمع من‬
‫الشباب ما نقدر عليه ممن لديهم ذاك الحس الدينى المرتفع ونفس الغيرة حتى أصبحنا ما يشابه‬
‫الجماعة … عاهدنا بعضنا البعض وعاهدنا ال على إكمال المسيرة التى بدأناها حتى طرد آخر‬
‫مسيحى وتطهير حارة النصارى نهائيا من جميع مسيحييها ‪.‬‬
‫وبالطبع فلن ينجح هذا التخطيط ول هذه المعاهدات بدون أهل الحارة ومساعدتهم فأحيانا كنا نخطط‬
‫وأهل الحارة يقومون بالتنفيذ وفى مرات أخرى نقوم نحن بالتخطيط والتنفيذ ‪.‬‬
‫وكان من أحد مرات التنفيذ الذاتى أن كان من بين المسيحيين واحدا يمتلك أرضا زراعية تجاور‬
‫أرض رجل من الحارة من المسلمين من أصحاب الدم الحار وكان معروفا بشره وسرعة غضبه‬
‫وإثارته للمشاكل … فكان المسيحى يمتلك " مسقاة " يروى بها أرضه عن طريق " ……… " التى‬
‫تقوم بدورها فى سحب المياه من الترعة المجاورة وقررنا أن يذهب ليل أحد أفرادنا ونفتح المياه‬
‫على أرض الرجل المسيحى من جهة أرض الرجل المسلم وعندما يبدأ المسيحى فى الرى تندفع‬
‫المياه فى أرض المسلم فنسرع عندها ونخبره بذلك … وعندما تأكدنا من اندفاع المياه نحو أرض‬
‫الرجل المسلم أسرعنا بإخباره … وعندما علم أسرع حتى من دون أن يكمل ملبسه ‪.‬‬
‫وحمل فأسه وجرى كالبرق … فوجد أرضه غارقة … ولم يكن صاحبنا المسيحى يعلم شيئا عن‬
‫ترتيبنا هذا فكان أن وجد الرجل المسلم ينهال عليه ضربا بالفأس فشق رأسه وتسبب له فى عاهة‬
‫مستديمة … وفى المركز وعند بداية التحقيق … طلبنا عم عمر صاحب الرض المغرقة للشهادة …‬
‫فقلنا شهادتنا بأن سعد المسيحى قد فتح المياه على غيط عم عمر من القناية القريبة على أرضه‬
‫فأغرقها … وتم تصعيد الموضوع الى النيابة التى أمرت بخروج عم عمر بكفالة ما لم يتوفى سعد‬
‫المسيحى ‪.‬‬
‫أو تظنون أن هذا كذب ؟ حاشا ل … إن هذا الكذب مباح بنص حديث رسول ال " ثلثة أحل ال‬
‫فيهم الكذب ( الحرب ‪ ،‬الرجل وامراءته ‪ ،‬الصلح ) وبما أننا فى حرب مع أهل الكتاب حتى يسلموا‬
‫… فمباح هو الكذب … فل تقرروا أرجوكم أنه كذب ولكن هناك أسباب قامت عليها أفعالنا …!!‬
‫وكان رد فعل النصارى ل يحتاج الى رصد كالمعتاد فرد فعلهم السلبى الممتد على طول دهر أحداث‬
‫حارتنا كما هو مما جعلنى أؤكد دعوى أنهم ليسوا على حق مطلقا !! أو تتفقون معى … لو كانوا‬
‫على حق لكانوا دافعوا عن أنفسهم ولو باللسان وهذا أضعف اليمان …!! أقسم أنهم لو كانوا فعلوا‬
‫‪- 41 -‬‬

‫حارة النصارى‬
‫لحترمتهم … ولكنهم كانوا فى حالة ثبات ول يديرون بال لكل ضربة وأخرى … حتى عندما قررنا‬
‫أن نكتب على جدران منازلهم " إن الدين عند ال السلم " وكذلك " لقد كفر الذين قالوا أن ال هو‬
‫المسيح ابن مريم " … فلم نجد فى أى من المرتين أى أصداء فى الحارة سوى أصداء فرحتنا‬
‫بإحراز تقدم جديد …!!‬
‫وفى يوم من اليام قامت للنصارى قائمة جديدة فودوا فى شراء منزل صغير منهار ومتهدم منذ زمن‬
‫بعيد هذا المنزل هو المنزل الملصق للكنيسة مباشرة فرغبوا فى شراءه لتوسعة الكنيسة … وهبت‬
‫الحارة عن بكرة أبيها واستطاعوا فى أقل من أربعة وعشرين ساعة أن يقوموا بجمع تبرعات …‬
‫مبلغ لشراء ذلك المنزل … ثم تركوه بل وتعمدوا إلقاء القمامة به والكثر من هذا هو تجميع بقايا‬
‫ومخلفات محل جزارة عم عبده والقائها فيه المر الذى يجعل من المكان مكانا ل يطاق … مما‬
‫أثارهم بشدة فل هم استطاعوا شراء المنزل ول هم قادرين على الستمتاع المصطنع الذى يقومون‬
‫به فى الكنيسة من فرط شدة الروائح المنبعثة باستمرار من ذلك المكان … !!‬
‫واستمر الوضع هكذا الى نهاية السنة الثمانين من القرن الماضى عندما فقدت الحارة رجالتها وفقدت‬
‫من نخوة رجالها الجدد من نحو دينهم وغيرتهم عليه … فلقد باعوا المكان وأقيم محله " مينا للملبس‬
‫الجاهزة " لرجل مسيحى من خارج القرية !!‬
‫وعلى الرغم من ذلك إل أن حصارنا لحارة النصارى قد نجح نجاحا ملحوظا لدرجة أنك تستطيع‬
‫بسهولة أن تلحظ السكون الذى يخيم على منازلهم فى العياد مثل … إذ قد بدؤوا يرحلون الى‬
‫المدينة البعيدة فى العياد بعدما تأكدوا تماما بأنه لن يكون لهم عيدا بالحارة مطلقا مدى الحياة أو‬
‫على القل مادمنا بها وطالما أبقوا على نصرا نيتهم ‪.‬‬
‫كانت قريتنا تحظى بمدرستين ابتدائيتين فقبط … وكانت إحدى هاتين المدرستين بالقرب من حارة‬
‫النصارى والخرى تبعد عنها مسيرة الكيلو متر لذا كان من الطبيعى أن يلحق الطفال من الحارة "‬
‫المسلمين " والمسيحيين بالمدرسة القريبة وكان بالمدرسة اثنان من المدرسين من خيرة أهل الحارة‬
‫الذين يتمتعون بغيرة وحمية دينية … وفى أثناء حصة الدين كان المعتاد أن يتم عزل الطفال‬
‫المسيحيين فى فصول منفردة حيث كان يأتيهم مدرس من مدينة أخرى … مدرس للدين المسيحى ‪.‬‬
‫وهنا قررنا بأن يقوم أحد أفراد عائلة الحارة بمتابعة هذا المدرس من الحضور الى المدرسة … إذ‬
‫كيف يتم تدريس الكفر والشرك فى المدارس وان كانت الحكومة ل تلقى بال فسنقوم نحن بالدور‬
‫التى تنأى الحكومة عن القيام به تحت مبرراتها الخاصة وبالفعل تم تكليف أحد الشباب بمتابعة خط‬
‫سير المدرس ورصد تحركاته من ساعة حضوره الى ساعة انصرافه وتبين أنه يأتى عن طريق‬
‫القطار من مدينة بعيدة تاركا دراجة تقله الى المدرسة لدى عامل البلوك بالمحطة وكان يقل الدراجة‬
‫يوميا مسيرة اثنين من الكيلو مترات حتى المدرسة وهنا كان من السهل اليقاع به لتعطيله عن‬
‫الحضور فى موعده ‪.‬‬
‫ذهب أحد رجال الحارة الى عامل البلوك بمحطة السكة الحديد الذى لم يكن من أهالى القرية بل من‬
‫قرية أخرى مجاورة مسلما عاديا تقليديا وتفاوض معه رجلنا على عدم السماح للمدرس المرصود‬
‫بترك الدراجة لديه مرة أخرى ونحن سندفع له ما كان يدفعه ذلك المدرس وتم تحفيزه عن طريق‬

‫‪- 42 -‬‬

‫حارة النصارى‬
‫إبراز أنه مدرس يدرس للولد الكفر والشرك فى مدارسنا المر الذى يلهب مشاعر أى فرد ويؤلب‬
‫أى " بنى آدم " على آخر …!!‬
‫وبدأ عامل البلوك يمنع المدرس من ترك دراجته لديه … ولم يجد المدرس مكانا آخر وكان من‬
‫الصعب عليه حملها بالقطار فى كل مرة … فبدأ يتعطل عن موعد حصته ولم ينتظم … ولما علم‬
‫أهالى الحارة من النصارى أولياء أمور الطلبة المسيحيين بتأخر المدرس وعدم التزامه وانتظامه‬
‫المر الذى ينعكس على سوء تعليم أبنائهم وبعد التقصى وجدوا أنه ل يجد مكان يترك به دراجته‬
‫ففكروا وقرروا بأن يتولى أحد شباب الحارة من المسيحيين توصيل المدرس ذهابا وإيابا فى اليام‬
‫التى يكون بها حصص دين … وكان هذا الحل غير وارد ول متوقع لنا جميعا‬

‫ولكن كل المشكلت لها حلول … فاجتمعنا بالمسجد وتشاور الشيوخ فيما بينهم ونحن بينهم‬
‫ومعهم وتوصلنا الى التى ‪:‬‬
‫يقوم شاب بقيادة موتوسيكل بشرط أن يكون من خارج القرية … ويقوم بالتصادم بالدراجة فى‬
‫محاولة لتحطيمها وإصابة المدرس ومن يقله ‪.‬‬
‫مقابل مبلغ مجز من المال … وفى أول محاولة … كسرت ساق المدرس وتحطمت الدراجة ولم‬
‫يستطع أحد أن يتعرف على سائق الموتوسيكل … وانقطع المدرس عن المدرسة لمدة شهر كامل‬
‫… فكان أن قامت إدارة المدرسة بإحضار مدرس آخر لكنه كان يأتى للمدرسة سيرا على القدام‬
‫فكان هدفا سهل للتعرض له والعتداء عليه ومنعه نهائيا من الحضور … وبعدها قرر‬
‫المدرسون رفض تدريس المادة بالمدرسة تلك !! وعندها تحرك المدرسان اللذان نشارك بهما فى‬
‫المدرسة لجبار الطفال المسيحيين على حضور حصة الدين السلمى … لكن أهالى التلميذ‬
‫النصارى لما علموا بالواقعة اعترضوا بشدة وكادت تحدث مشاجرة بين الهالي النصارى وبين‬
‫أهل المدرس صاحب الفكرة … وفى أثناء ذلك قال السطى " جورج " ‪:‬‬
‫‪-‬‬

‫احنا معندناش مشكلة من ان الولد تحضر حصة الدين السلمى خالص لكن مش‬
‫بالعافية … ياجماعة دا احنا مسيحيين أة لكن عندنا المصحف فى بيتنا عشان احنا بنحب‬
‫كل الناس … لكن مين فيكم انتم يامسلمين عنده إنجيل ول توراة فى بيته ؟ ( عندها‬
‫التقطت الحوار معه وبادرته بالجابة ) ‪:‬‬

‫‪-‬‬

‫انت محتفظ بالمصحف فى بيتك لنك عارف ومتأكد انه كتاب ربنا وان فيه هدى ونور‬
‫لكن لو كان انجيلك ده فعل كتاب ربنا احنا كنا شيلناه فوق روسنا من فوق وحطيناه فى‬
‫بيوتنا كمان ‪.‬‬

‫عندها شعر السطى " جورج " بأن المر سيتطرق الى مشاجرة كلمية فانصرف ‪.‬‬
‫كان اسم حارتنا مصدر قلق وانزعاج لجميع المسلمين ليس فقط الذين فى الحارة بل جميع القرية‬
‫ول يدرى أحد من ذا الذى أطلق عليها هذا السم وكانت هناك رغبة ملحة فى تغيير وإزالة هذا‬

‫‪- 43 -‬‬

‫حارة النصارى‬
‫السم من ذاكرة الناس بالقرية وخارجها … وكنا نرى أن الحل هو إجبار سكان الحارة من‬
‫المسيحيين على تركها وبرغم النجاح النسبى إل أن السم ما زال قابعا عليها ملتصقا بها‬
‫بجدرانها وأذهاننا جميعا حتى المعترضين من وكأنه القدر المحتوم ‪.‬‬
‫وبعد فتة من الهدوء المؤقت … ترامى الى مسامع شيوخ الحارة أن النصارى مزمعين على بناء‬
‫برج للكنيسة المأفونة والمدفونة وسط منازل المسيحيين وتعليق جرس به وعكف جميع شيوخ‬
‫الحارة على دراسة الظاهرة الجديدة من الناحية الشرعية فوجدوا بعد البحث والتنقيب أنه طبقا لما‬
‫تعاهد عليه الخليفة الثالث عمر بن الخطاب عند دخول بيت المقدس مع بطريرك النصارى فى‬
‫البند الحادى عشر بأنه ليدق جرس ولترمم كنيسة أو دير ول تقام للنصارى أبراج للكنائس …‬
‫فخرجت فتوى الحارة وقالت شيوخ " حارة النصارى " كلمتهم على لسان مشايخها بتحريم ارتفاع‬
‫البرج وترميمه ومقاومة ذلك بكل الطرق وقامت الدنيا فى حملة قومية ثنائية الهدف … هدفها‬
‫الول هو إثارة الغيرة والحمية الدينية ضد النصارى ووقف تطوير الكنيسة والثانى هو جمع‬
‫التبرعات لبناء مسجد عملق ملصق للكنيسة لذاعة القرآن منه ليل نهار للتشويش على‬
‫الصوات المنبعثة من الكنيسة أثناء " قداساتهم " وعند بدء التنفيذ ذهب صفوة شيوخ الحارة الى‬
‫عضو مجلس الشعب شافعين شكواهم بالتبرير الشرعى من تاريخ الدولة السلمية والتشريعات‬
‫التى تحدد تعامل الدولة السلمية مع أهل الكتاب وأهل الذمة … ولكنه لم يفعل شئ … !! ثم‬
‫قاموا بإرسال الشكاوى لوزارة الوقاف وشئون الزهر حول نفس الموضوع ولكن كلهم بدون‬
‫جدوى ‪.‬‬
‫وهنا كان القرار " اللجوء الى القدرات الذاتية " …… " التنفيذ الذاتى " وعقدت مساء يوم‬
‫الخميس جلسة بالمسجد للتشاور حول ما يجب عمله واستمرت الجلسة حتى الفجر … وقد‬
‫حضرها لفيف من الشباب الذين يتمتعون بحمية دينية مرتفعة ويحملون فى صدورهم قلوب‬
‫غيورة وكنت أنا من بينهم … وتضاربت القوال والراء والحلول وطالت المناقشات وفى نهاية‬
‫الجلسة تقدمت بفكرة ‪:‬‬
‫‪-‬‬

‫أنا ومحمد وإبراهيم وياسين هنط على الكنيسة من فوق سطح بيت عم " أبو اسماعيل "‬
‫الذى كان حاضرا أيضا معنا ثم الى الكنيسة لحراقها ليكون بهذا أول انذار … نقول فيه‬
‫ان احنا مش بنهذر ول بنهدد … !!‬

‫واقترعوا على ذلك وفازت الفكرة بالستحسان والغالبية العظمى ممن حضروا الجلسة وتم تحديد‬
‫الموعد … وقمنا بمعاينة مبدأية للمكان الذى سنتسلل منه الى داخل الكنيسة ونفذنا " بروفة كاملة‬
‫" وفى الموعد المحدد قمنا بتنفيذ العملية تحت هتافات مدوية … وبعد انتهائنا من العملية تعثرنا‬
‫فى الرجوع مما أوقع بأحد الفراد فى يد النصارى وتم اصطحابه الى مركز الشرطة وهناك‬
‫أخبر عنا جميعا … فطلبنا للمركز وتم حبسنا مدة ثلثة أشهر … عوملنا خللها أفضل معاملة‬
‫من جميع رجال الشرطة ضباطا وجنودا الذين تعاملوا معنا كما لو كنا أبطال فاتحين … وبعد‬
‫مضى المدة … تم تحرير تعهد من أولياء أمورنا بعدم تكرار ذلك … وكانت المفاجأة عند‬
‫خروجنا من المركز فاذ بحفلة استقبال ل تقل جمال أو كثرة من احتفالية المولد النبوى … حملنا‬
‫‪- 44 -‬‬

‫حارة النصارى‬
‫على العناق وطافوا بنا القرية كلها محفوفين بالهتافات التكبيرية ( ال أكبر ) والزغاريد وبعد أن‬
‫انتهت زفتنا المثالية تم جمع مبلغ كبير من المال لشراء البيت الملصق للكنيسة وهدمه واقامة‬
‫مسجد بدل منه وتم ذلك فى زمن قياسى جدا جدا … وارتفعت المئذنة عالية ووضع عليها أربع‬
‫مكبرات للصوت إحداها موجه صوب الكنيسة …‬
‫كان للحفاوة التى استقبلنا بها عند خروجنا من المركز أكبر الثر فى شحذ هممنا ودافع قوى لنا‬
‫للتمادى فى محاربة أعداء ال … ليس فى حارة النصارى فحسب … بل كل أرجاء القرية …‬
‫المحافظة … الجمهورية بأسرها …!!‬
‫كنا نجتهد فى البحث عن كل نص سواء بالقرآن أو السنة يحدد لنا ملمح علقتنا بالنصارى أو‬
‫ان شئت الدقة يقنن أو يشرع لنا علقتنا بهم التى قد بدأت تحدد … وكانت حارة النصارى هى‬
‫المفرخ الوحيد لقادة محاربة أعداء ال " الضطهاد الدينى " ‪.‬‬
‫وفى قريتنا كسائر قرى جمهوريتنا المنازل متراصة ومتلصقة بجوارها بعضها البعض وكان‬
‫منزلنا الوحيد فى الحارة فى ذاك الوقت الذى يعلو سطحه طبقة عازلة من السمنت تمنع تسرب‬
‫المياه الى داخله وكان به " مزراب " لتسريب هذه المياه وكان يجاور منزل الحاج عبده الجزار‬
‫منزل رجل مسيحى يدع " صفوت " كان هذا الرجل من المزارعين وفى الصيف بعد جمع‬
‫محصول الذرة الشامية يقوم بنثره على السطح بعض الوقت حتى يجف ثم " بقرطه " وبعد ذلك "‬
‫يحمصه " ويذهب به الى المطحنة لتحويله الى دقيق … فكنا أنا وابن المعلم عبده الجزار …‬
‫نقوم " بحل " الغنام واصعادها الى سطح المنزل لتأكل الذرة … وعندما يذهب لحد أو يأتى لنا‬
‫للشكوى يكون قولنا ‪:‬‬
‫‪-‬‬

‫دى غنم يا سى صفوت … هى دى بنى آدمين … هنعمل لها ايه !؟‬

‫ان ماكنش عاجبك … عزل من هنا لبيت مافيهوش غنم هو فى بيت ما فيهوش غنم‬
‫ياجدعان ؟!‬
‫وكنا عندما يحين فصل الشتاء يتفتق ذهننا عن مكيدة جديدة له ولغيره فكنا نسرب المياه المتجمعة‬
‫على سطحنا الى سطح المسيحى المجاور لنا … فتسقط فى داخل منزله … كنا سعداء جدا بل‬
‫شك مع كل صيحة وشكوى لى كافر منهم وكان كل بيت فى القرية به ( فرن ) يخبز به العيش‬
‫الفلحى ومن ل يمتلك الفرن … كان يخبز بالتفاق مع شخص آخر بالذهاب اليه والخبز عنده‬
‫… وكان هذا عرفا شائعا فى القرية كلها يتساوى فى ذلك المسلم والمسيحى ‪.‬‬
‫وذات مرة قررت الحارة منع المسيحيين من دخول منازل المسلمين حتى لخبز العيش ولكن‬
‫التنفيذ تم بصورة مؤلمة … حيث أن القيام بالخبيز عمليات " ستات البيوت " وهن اللتى يتعاملن‬
‫سويا فى مثل هذه المور … !!‬

‫‪- 45 -‬‬

‫حارة النصارى‬
‫جاءت صباح يوم من أيام حارتنا احدى جاراتنا المسيحيات لمى طالبة منها السماح لها بالقيام‬
‫بخبز عجينها فوافقت أمى … فذهبت المسيحية الى منزلها تعد عجينها وتجهزه ثم أن جاءت مرة‬
‫أخرى تستعلم إذ كان الوقت مناسبا الن للمجئ أم ل ؟‬
‫فقالت لها أمى ‪:‬‬
‫‪-‬‬

‫معلش يا أم سعد … " العرسة " بتاعة الفرن انكسرت … حتى أنا نفسى ما خبزتش …‬
‫( لفت نظر أم سعد أن أمى كانت تقوم بادخال أخر خبزتين كانا قد خرجا لتوهما من‬
‫الفرن أثناء دخول أم سعد فقالت ‪:‬‬

‫‬‫‪-‬‬

‫طب أعمل ايه فى العجين ياحاجة …!!؟‬
‫هو احنا كنا مغسلين وضامنين جنة يامو سعد … ول كنا بنعلم الغيب يعنى …!؟‬

‫وذهبت أم سعد لتلقى بعجينها فى الشارع بعد أن فطنت أن المسألة مسألة اتفاق جماعى من كل‬
‫أهل الحارة بعدم دخولهم بيوتنا ‪.‬‬
‫وتستمر أحداث حارتي ‪ ..‬ذات اليقاع السريع ‪ ..‬الذي دائما ما يكون أسرع من تخيلتي‬
‫وتصوراتي ‪ ..‬فاجئني اليوم بوفاة والدي ومعظم شيوخ الحارة أخذوا يرحلون في تظاهرية‬
‫احتفالية لصالح الموت ولغياب عن اليام الحاضرة ‪ ..‬وتدخل حارة النصارى فترة من أهدأ‬
‫الفترات التي مرت عليها لكنها فترة بمثابة الهدوء الذي يسبق ل العاصفة بل العصار ‪ ..‬بدأ‬
‫ذلك العصار يوم طلبني والدي قبل حماته بأيام قليلة ‪ ..‬فقد كان يلحظ حماسي واندفاعي نحو‬
‫معاداة النصارى المر الذي جعله يجادلني على هذا النحو ‪:‬‬
‫دلوقتي يا بني أقدر أموت وأنا مستريح بعدما شفت بعيني ابني ماشي في طريق جهاده‬
‫ـ‬
‫في سبيل إعلء كلمة ربنا ورسوله ‪..‬‬
‫وحقا كان قول والدي فقد نجح ليس وحده فقط بل كل الرعيل الول من الشيوخ قد نجحوا جميعا‬
‫في إعداد رجال الصف الثاني الذي سار على نفس النهج بأشد جرأة وحماسة وبصورة أكثر‬
‫تنظيما ‪.‬‬
‫وبدأنا نحن شباب حارة النصارى رجال اليوم وكبار رجالت الحارة بل تستطيع أن تطلق علينا‬
‫رجال البلدة الن ‪ ..‬نخطط من حين لخر للتنكيل بهم في محاولة منا لردهم وروعهم عما‬
‫يقترفونه في حق ال ويتركوا غيهم ويتجهوا إلى ال الواحد … ولشد ما كان هذا اليوم الذي‬
‫أدعي أنه أسوأ يوم مر على الحارة إذ بدأت عيناي تنفتح على أن الفتيات المسيحيات قد تجرأن‬
‫ويخرجن من منازلهن سافرات ‪ ..‬متبرجات ‪ ..‬يا لليوم السود الذي مر بي ‪ ..‬فما كان‬
‫باستطاعتهم أن يفعلن هذا وقت كان الرعيل الول من أسود السلم ‪ ..‬شيوخ الحارة على قيد‬
‫الحياة ‪ ..‬كظمت غيظي لكن أقسمت أمام ال لنتقمن منهن شر انتقام ولكن يجب علي أولً أن‬
‫أعد لذلك جيدا ‪ ..‬وفي حقيقة المر لم يكن سلوك الفتيات المسيحيات في الحارة وحده هو الذي‬

‫‪- 46 -‬‬

‫حارة النصارى‬
‫كان يشغل تفكيري بل كان هناك أمر أدهى … إذ كان شباب الحارة من المسلمين قد بدأوا‬
‫ولسابقة هي الولى من نوعها يتواجهوا بل أي رادع لمصاحبة شباب الحارة من المسيحيين وها‬
‫أنا الن قد اصبح على أن أحارب في جبهتين الولى ضد النصارى أنفسهم والثانية محاولة إقناع‬
‫الشباب المسلمين من عدم موالة النصارى بإبراز ذلك أنه ضد إرادة ال ولكن كيف أقوم بذلك ؟‬
‫كيف ؟‬
‫بدأت أفكر مع مجموعة من الشباب وهم الذين قاموا معي بعملية تخريب الكنيسة في وضع خطة‬
‫منظمة ومؤيدة ببراهين من القرآن وسنة الرسول نحو التعامل مع هؤلء الكفرة لنه في الحقيقة‬
‫ كما كنا نسكن أرواحنا ‪ -‬ليس بيننا وبينهم شئ ‪ ..‬إل حكم ال لن الرسول أمرنا أل نحب إل‬‫ال ول نكره إل في ال والمسألة التي بيننا وبين النصارى ‪ ..‬هي أنهم كفروا بال ‪ ..‬فكيف نحب‬
‫من يكفر بال ‪.‬‬
‫وبالفعل بدأنا نخطط لذلك ولكن تنقصنا الموال فقمنا فيما بيننا بالتخطيط لبعض عمليات السطو‬
‫المسلح على بعض من محلت المسيحية في القرية للحصول على المال الكافي وبالطبع لم تكن‬
‫هذه سرقة فنحن نقتدي به عملً بقوله ‪:‬‬

‫( أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن ل إله إل ال وأني رسول ال ‪ ..‬فإن قالوها عصموا‬
‫مني دماءهم وأموالهم ) ‪ .‬وقوله ( قولوا ل إله إل ال تعصموا مني دماءكم وأموالكم ) وكان‬
‫سراج سلوكنا نحو أهل الكتاب عامة والنصارى بخاصة هو ما حدث من النبي محمد مع اليهود‬
‫في بني قريظة ‪ ..‬حين أخذ أموالهم وأحرق مزارعهم وقتل رجالهم وسبي نساءهم فتلك كانت‬
‫معالم الطريق نحو سلوكنا في التصدي للكفرة من أهل الكتاب ‪ ..‬كذلك الطريق اللهي للحصول‬
‫على التمويل الخاص لفكارنا ‪.‬‬
‫وبالفعل توفر لدينا مبلغ ل بأس به ‪ ..‬قمنا على أثره بشراء مجموعات من الكتب لمن كنا نعتقد‬
‫فيهم الخلص والمانة أمثال " المام أبو محمد بن حزم الظاهري " فقد كانت كتاباته سيفا بتارا‬
‫على النصارى والمشركين وقد فتح أمامنا الطريق أمامنا هذا في معرفة كلمات الرسول المنيرة‬
‫بإباحته الكذب على العدو وإباحته التخفي بإظهار عكس ما نبطن وأخذت من هنا الحالة بيننا وبين‬
‫المسيحيين تدخلً مدخلً جديدا وتتخذ لنفسها محيطا وشكلً مخالفا فكنا في السابق تظهر لهم‬
‫العداء علنية لكنا اليوم بدأنا نعتبر نفسنا في حرب مقدسة معهم مباح فيها ما أباحه الرسول ‪..‬‬
‫فكنا نظهر للمسيحي المحبة والسلم ولكن قلوبنا مليئة بالعداوة والكراهية والنتقام ‪ ..‬واعتقد أن‬
‫تلك المرحلة هي التي أنهت الهدوء النفسي لدى المسيحيين ‪ ..‬فقد كانت أقسى وأعنف من أي‬
‫فترة سابقة فكنا نتعمد مصاحبتهم حتى يثقوا فينا جيدا ‪ ..‬ثم ننفذ ما أراده ال ؟ ما يسلب أموالهم‬
‫أو سبي نساءهم وعلى الصعيد الخر من الحداث ازدادت شكاوي النصارى لدى أقسام البوليس‬
‫بشكل ملحوظ التي تحكي عن قصص تعرض فتياتهن للعتداء من شباب مسلمين ‪ ..‬والحقيقة أن‬
‫بلغا كهذا كفيل بأن يحرق بلده ريفية كبلدتنا ونسف حارة بسيطة كحارتنا والحقيقة الخرى أنه‬
‫كان يصعب على أي مسيحي أن يدرك من هو الشخص الذي كنا ندفعه للقيام بهذه المهمة إذ‬
‫كانوا جميعهم من خارج القرية والحارة وكان يرتدون الثياب اللئقة بشباب هذا العصر … فل‬
‫يخطر على بال أحد أنه من يلبس الجينز ويربي شعره هذا منا نحن من نلبس الجلباب الواحد ‪..‬‬
‫خشن الملمس ‪ ..‬زاهدي الحياة ‪..‬‬

‫‪- 47 -‬‬

‫حارة النصارى‬
‫وكانت تمر كل تلك الوقائع ولم تتمكن الشرطة من اليقاع بأي منهم أبدا … وبهذا فقد بدأت‬
‫أحقق بالفعل إنجازات على صعيد جبهة المسيحيين بقيت الن الجبهة الخرى ‪ ..‬شباب المسلمين‬
‫الذين يخالون ويصاحبون شباب الحارة الكفرة المسيحيين ‪.‬‬

‫" يا أيها الذين آمنوا ل تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض ومن يتولهم فلكم‬
‫فهو منهم"‪.‬‬
‫إن هذه الموالة في هذا النص هي كل أشكال المحبة والود والعطف والصحيح هو إظهار عكس‬
‫ذلك نحوهم مصداقا لقوله صلى ال عليه وسلم ( ل تسلموا على أهل الكتاب ول تبدءوهم بسلم‬
‫وإن قابلوكم في طريق فاضطروهم لضيقه ) وفي رواية أخرى ( ضيقوا عليهم الطرقات )‬
‫وكذلك قال النبي في تفسير الية ‪ 81‬من سورة البقرة في قوله ( وقولوا للناس حسنا ) أن سبب‬
‫نزول هذه الية أن ابن عباس وجد أسد بن وداعة كلما خرج من منزله ل يلقى يهوديا ول‬
‫نصرانيا إل سلم عليه ‪ ..‬فقال له بن عباس ‪ :‬ما بالك تسلم على اليهود والنصارى ؟ فقال أسد ‪:‬‬
‫إن ال يقول ( وقولوا للناس حسنا ) فقال له ‪ :‬ليس كما تقول ‪ ..‬كيف ذلك ورسول ال نهي عن‬
‫السلم عليهم ‪ ..‬إنما معنى ( قولوا حسنا ) أي أخبروهم بالسلم " ابن كثير ‪.‬‬
‫وجاء في القرطبي كذلك وزاد بأن ابن عباس لما رأي أسد يفعل ذلك قال له ‪ :‬كان ذلك في‬
‫البتداء‬
‫( في أول السلم ) لكن ال نسخ ذلك بآية السيف … كانت هذه هي مقدمة الملزمة أو المذكرة‬
‫التي كنت بدأت في إعدادها لتوزيعها على شباب حارتي من المسلمين وبالفعل فقد جاءت الملزمة‬
‫بجزء ‪ ..‬هو بالفعل قليل إلى حد ما ولكنها نتيجة إيجابية على أي حال ‪..‬‬
‫وبالفعل السحري لمرور الزمن بدا تفكيرنا بتطور اكثر فأكثر وكانت تجربتنا في حارة النصارى‬
‫قد صقلتنا جيدا وأكسبتنا خبرة ومهارة ومقدرة فائقة على المناورة في التعامل التحرشي مع‬
‫المسيحية … وفي النصف الخير من سبعينيات القرض المنقضي بدأت حملتنا ضد نصارى‬
‫الحارة تؤتي ثمارها ‪ ..‬فها هي عائلت غفيرة بدأت ترحل عن الحارة بل عن القرية بأسرها‬
‫تاركين خلفهم الكثير ‪ ..‬ولكنهم كانوا يجرون أذيال اللم والحسرة والشروخ الغائرة في الكرامة‬
‫المفقودة وسط غابة من الذئاب الضارية … هكذا كانوا يرددون ‪ ..‬ولكن مرارة هذه الجملة في‬
‫أذني كانت تذوب عندما كنت أشاهد السيارات تحمل منقولت السر الراحلة ‪ .‬كانت في كل مرة‬
‫تغمرني سعادة عارمة ونشوة خاصة بالنصر حتى سالت دموعي من عيني فرحا وأنا أهتف‬
‫بصوت عال لم اقدر على كتمانه ‪ -‬بالرغم من انتقاد الناس لي ‪ ( -‬ال أكبر ‪ ،‬قل جاء الحق‬
‫وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقا ) ‪ .‬وممن وقتها لم تعد فرحتي هذه تخفي نشوة النتصار في‬
‫حارة النصارى بل امتد الحلم لتغيير كل حارات وشوارع ومدن مصر كلها … في الشارع ‪ ..‬في‬
‫المدرسة ‪ ..‬في الجامعة ‪ ..‬في العمل ‪ ..‬لخضاعهم في كل مكان ولكن يتطلب المر الن بعد‬
‫التحاقي بالجامعة أن أتحور بأسلوب متطور وفكر متحضر ‪ ..‬فمثلً لم يكن من السهل على الفرد‬
‫منا أن يحتفظ بمظهره السلمي الخارجي مثل اللحية ‪ ..‬الجلبية ‪ ..‬عند التقرب من الشخاص‬
‫المسيحية لقامة علقات معهم ‪ ..‬فكنا نغير أشكالنا حسب مقتضيات عملياتنا وأهدافنا ‪ ..‬بدأنا‬
‫نضع خططا أوسع وأكثر تنظيما لماكن تجمع المسيحية سواء في القاهرة أو الصعيد وكان سلحنا‬
‫دائما هو إذكاء روح الحمية الدينية لدى المسلمين ضد المسيحيين وأذكر الن واحدة من هذه‬

‫‪- 48 -‬‬

‫حارة النصارى‬
‫الحوادث في منطقة " شبرا " عندما خططنا لقتحام محل أحد التجار المسلمين والسميين وترك‬
‫سلسلة ذهبية بها صليب في أرضية المحل حتى يعتقد البوليس أو صاحب المحل أن الجاني‬
‫مسيحي إذ هنا سيحتدم الصراع ويشتعل لن ذلك نصرا ل حين يتقاتل الفريقان فالمسلم السمي‬
‫كافر والمسيحي يشاركه الصفة ذاتها وتقاتلهم هو نصر ل كما حدث بين الفرس والروم ( غلبت‬
‫الروم في أدنى الرض وهم من بعد غلبهم سيغلبون في بضع سنين ويومئذ يفرح المؤمنون بنصر‬
‫ال ) وتعددت مثل هذه الحوادث في محافظات الصعيد ‪ ..‬وفي هذه الثناء قد بدأت تبذر على‬
‫ساحة الحداث عدة جماعات إسلمية ‪ ..‬كل منها يدعى أنه على حق والخرون على باطل‬
‫تصديقا للحديث الصحيح الذي يقول ( افترقت اليهود على إحدى وسبعون فرقة وافترقت النصارى‬
‫على اثنتين وسبعون فرقة وستفترق أمتي على ثلث وسبعون فرقة كلهم في النار إل واحدة ‪..‬‬
‫قيل ‪ :‬ومن هي يا رسول ال ؟ قال ‪ :‬التي هي على ما أنا عليه ) ‪.‬‬
‫لذلك كان كل منهم يعتمد في فكرة على الكتاب والسنة ‪ ..‬ولكن الختلف كان في مرجعية كل‬
‫فرقة ‪ ..‬فمنهم من يأخذ من ابن تيميه مرجعا له ‪ ..‬ومنهم من يتخذ من ابن قيم الجوزية مرجعا‬
‫آخر ‪ ..‬وأخرى لبن حزم تنتمي وبالفعل أتيحت لنا الفرصة للطلع على فكر كل جماعة من‬
‫الجماعات ‪ ..‬حتى أن حارة النصارى بشبابها المسلم كانت مزرعة على هذه الجماعات فيما عدا‬
‫جماعة واحدة كانت تدعى ( التكفير والهجرة ) ‪ ..‬فلم يجرأ أحد على النخراط فيها لتشددها‬
‫والتزامها الصارم كما تعلمنا ‍‬
‫وخلل دراستي بالجامعة التي لم تكتمل لم أقدر على أن أحيد عن كراهيتي للنصارى ‪ ..‬رغم‬
‫الفارق الثقافي والحضري الذي كنت قد بلغته لن كراهية النصارى كانت تلزمني ‪ ..‬تطاردني‬
‫في كل ما أقرأ ‪..‬‬

‫( كان رسول ال إذا أمر أميرا على جيش أو سرية أوصاه في خاصته بتقوى ال ثم يقول " اغزوا‬
‫باسم ال ‪ ،‬في سبيل ال ‪ ،‬قاتلوا من كفر بال ‪ ،‬وإذا لقيت عدوك من المشركين فادعهم إلى إحدى‬
‫ثلث خصال ‪ :‬السلم ‪ ،‬الجزية ‪ ،‬القتال ‪ .‬وإذا حاصرت أهل حصن فأرادوك أن تجعل لهم ذمة‬
‫ال وذمة بنيه فل تجعل لهم ذمة ال ول ذمة بنيه ولكن اجعل لهم ذمتك وذمة أصحابك ‪ ،‬وإن‬
‫أرادوك أن تنزلهم على حكم ال فل تنزلهم على حكم ال ولكن أنزلهم على حكمك … ) مسلم حـ‬
‫‪. 462 2‬‬
‫وقد قال عمر بن الخطاب ( ل أكرهم ‪ ،‬إذا أهانهم ال ‪ ،‬ول أعزهم إذا أذلهم ال ‪ ،‬ول أدينهم إذ‬
‫أقصاهم ال ) أحكام أهل الذمة حـ ‪ 1‬صـ ‪211‬‬
‫والنص القرآني يصدمني " قاتلوا الذين ل يؤمنون بال ول باليوم الخر ول يحرمون ما حرم ال‬
‫ورسوله ‪ ،‬ول يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون‬
‫" ( التوبة ‪) 29‬‬
‫وظلت بغضة المسيحيين في قلبي تتسع وتفسح لنفسها مكانا في قلبي أكبر من أي مكانة أخرى‬
‫حتى شعرت بنفسي في وقت من الوقات أن هذا العداء هو الن عملي الذي أكلف به في الدنيا‬
‫وذات يوم ذهبت إلى مسجد الكلية لصلي صلة الظهر ‪ ..‬وها أن انتهيت من الصلة حتى برز‬
‫لي بجواري شابا يدرس معي في الجامعة ‪ ..‬ذا ملمح إسلمية أصولية ‪ ..‬فهيئته الخارجية يحتفظ‬
‫فيها بلحية كثيفة ‪ ..‬المر الذي كان مدعاة للمضايقات المنية المتعددة والكثيرة بالحرم الجامعي‬
‫‪- 49 -‬‬

‫حارة النصارى‬
‫في ذات الفترة ‪ ..‬تعارفنا في المسجد وأخبرني أنه من أعضاء جماعة التكفير والهجرة وطلب‬
‫مني أن نتقابل خارج أسوار الجامعة وحدث هذا بالفعل عدة مرات وتناقشنا في فكر جماعته ‪.‬‬
‫أخبرني أن هناك شخص ما بحارتي ‪ -‬حارة النصارى ‪ -‬من أعضاء الجماعة وأنه هو الذي ألح‬
‫عليهم بالتقاطي ومحاولة ضمي ‪ ..‬وأنه كان يتابع تصرفاتي وأنه قد شعر بإخلصي نحو ال لذا‬
‫كان القرار وهو إقناعي بفكر الجماعة " جماعة التكفير والهجرة " أو جماعة " شكري أحمد‬
‫مصطفى " للستفادة من حماسي وإخلصي ل كما قالوا لي … وبعد طول محادثات اقتنعت تماما‬
‫بفكر الجماعة بل وملني إحساس أكيد بأن كل مسلم ل يدين لهذه الجماعة هو كافر حقا ‪..‬‬
‫ل أنكر أنه بانضمامي للجماعة بعد أن تقابلت مع المير " شكري " وأعطيته " بيعتي " قد طرأ‬
‫تحول جذري في تفكيري نحو كل القضايا الدينية فلم أعد هذا الشخص الذي يتخذ قراره بنفسه ‪..‬‬
‫لم يعد لي حرية التصرف بعيدا عن إطار رؤية الجماعة والمير فبدأت أنضبط بالتقنين السلوكي‬
‫والفكري وهكذا ارتسمت في داخلي ملمحي الجديدة التي أبرزها لي انضمامي لهذه الجماعة التي‬
‫يتطابق فيها فكر الجماعة إلى حد كبير مع اسمها ‪ ..‬إذ كانت نظرتها للدين السلمي قائمة على‬
‫تكفير مرتكب المعصية ‪ ..‬المصر عليها مهما كان نوعها ‪ -‬المعصية ‪ -‬حتى لو كان تقليم‬
‫الظافر ‍‍!!!‬
‫وبدأت الدنيا تضيق جدا جدا في عيني ‪ ..‬فالدنيا الن ليست هي الشخاص الذين نقابلهم في‬
‫الشارع أو في الجامعة ‪ ..‬ل ‪ ..‬ليسوا من نحيا بينهم ‪ ..‬ليسوا جيراننا وزملئنا بل هم هؤلء‬
‫الشخاص حتى الذين يمثلون الدين القديم ‪ ..‬من يرفعون صحيح الدين فوق كل المصالح‬
‫والعلقات ‪ ..‬ومن هذا المنطق أصبحت حارة النصارى ليست هي قراري الول ولكن أصبحت‬
‫عائلتي هي الهم الول ‪ ..‬هذا المنزل الذي أصبح بالنسبة لي حارة أخرى اقصر وأضيق لكنها‬
‫أصعب ‪ ..‬عنق الزجاجة البداية الجهاد ‪ ..‬فأصبحت مطالب الن بيني وبين نفسي ‪ -‬انطلقا من‬
‫إخلص ل وللجماعة وللمير ‪ -‬بأن أتخذ قرارا ستبنى عليه كثيرا من المور ‪ ..‬ل مفر من‬
‫الحكم على عائلتي بأسرها " بالكفر " !! جميعهم أمي واخوتي وأخواتي ‪ ..‬عمي ‪ ..‬خالي ‪ ..‬جدي‬
‫‪ ..‬أبناء عمومتي ‪ ..‬أبناء أخوالي !!!‬
‫إن لم يقبلوا السلم بصحيحه ‪ ..‬السلم الذي نفهمه ‪ ..‬السلم الذي ندين به ويعطون البيعة‬
‫لميرنا فهم ل مفر " كفار " ( ل إسلم بل جماعة ول جماعة بل أمير ) هكذا أخبرنا رسولنا كما‬
‫أخبرنا أيضا بأنه ( من مات وليس في عنقه بيعة مات ميتة جاهلية " أي على الكفر " )‬
‫ولماذا أفكر على عكس هذا وصحيح الحاديث تفاجئني بالبخاري ومسلم كل لحظة بماذا أؤمن‬
‫او أقتنع أمام قول رسول ال ( من فارق الجماعة قيد شبر فقد خلع ربقة السلم من عنقه ) …‬
‫لبد لى من أن أتخذ هذا القرار … لبد لى من تحديد علقتى بأهلى … أقاربى … لبد من‬
‫النصياع لقوله تعالى ( ل تجد قوما يؤمنون بال واليوم الخر يوادون من حاد ال ورسوله ولو‬
‫كانوا آبائهم أو أبنائهم أو أزواجهم أو عشيرتهم ) المجادلة ‪22‬‬

‫ماذا أستطيع أن أفعل أمام هذا التصريح القرآنى ( يا أيها الذين آمنوا ل تتخذوا آبائكم وإخوانكم‬
‫أولياء إن استحيوا الكفر على اليمان … ) التوبة ‪ 23‬بالتأكيد إنني أمام هذه النصوص‬
‫والتصريحات اللهية التى تضعنى كل لحظة لم يكن لدى أي مساحة أو مجال للختيار … ( وما‬
‫كان لمؤمن ول لمؤمنة إذا قضى ال ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم ) الحزاب ‪36‬‬

‫‪- 50 -‬‬

‫حارة النصارى‬
‫‪ .‬كنت كل يوم أطلب من ال أن يسامحنى فى تأجيل هذا القرار الذي أود اتخاذه مع عائلتى إذ لم‬
‫يكن من السهل على … ل أخفى أنني على الرغم من حبي ل ودينه وغيرتى كذلك على دينى‬
‫بكيت كثيرا قبل أن أحاول إقناعهم حتى ل يقعوا فى دينونة ال التى تلزمنى بمعاداتهم شأنهم شأن‬
‫أى كافر بل إن حالهم سيكون أسوأ من حال النصارى … ولقد تمزقت إربا حينما فشلت‬
‫محاولتي لقناعهم وعندها جففت دموعي واستجمعت قواي وأنا أردد ‪ :‬إني أحب ال ورسوله‬
‫أكثر من أهلي وعائلتى …… هنا صدقونى تحولت يداى التى جففت دموعى الى محراث فتت‬
‫المتبقى من أحاسيس بقلبى وتحول عندها قلبى بالفعل الى مجرد حجر أصم ولكن ما كان يهون‬
‫على هذه الصورة أن الرسول‬

‫يقول ‪" :‬ستكون فتن كقطع الليل المظلم يبات الحليم فيها حيران ويمسى الرجل مؤمنا ويصبح‬
‫كافرا ويصبح مؤمنا ويمسى كافرا " فاليوم أنا أحب فلن وغدا سأكرهه ولقد كنت بالمس القريب‬
‫أحب أبى وأمى وأسرتى بأسرها واليوم تبدلت مشاعرى نحوهم ل لشئ إل إنني أحب ال ورسوله‬
‫وتبدلت صورة الحب الصادق المثالى الذى يدعيه مدعون ليس لهم صلة بال مطلقا فالحب‬
‫الصادق الحقيقى هو إنني أفرط فى الحب لمن يبايعني بيعتي وإذا نقض البيعة ل حل وسط فعلجه‬
‫واتجاه قلبى من نحوه هو القتل … ل محالة ول مفر … كل أنواع الولء تختصر الن فى لحظة‬
‫أو ربما لحظتين فارقتهما الحياة … فارقتهما الحياة التى ل دين لها … ولئى اليوم لمن تبع دينى‬
‫… من يؤمنون بفكرى … لم يعد لى وطن انتمى إليه … فديارى أصبحت ديار كفر على أن‬
‫أهاجر منها ولكن قبل ذلك كان على أن أفارق أسرتي حتى ل أقع فى الكفر والشرك … فالرسول‬
‫يقول ‪ ( :‬من أكل مع مشرك أو سكن معه فهو مثله ) والعم من هذا أنه يقول ‪ " :‬أنا برئ من‬
‫كل من أقام بين ظهرانى المشركين " من هنا قررت ترك منزلى الذى أطلقت عليه " زقاق‬
‫الكافرين " وحارتى حارة النصارى واتخذت لى مسكنا خاصا وسط أسوأ الحياء وأشدها انحطاطا‬
‫اجتماعيا …!!‬
‫لم تعد عينى ترى كما كانت ترى فى السابق بيوتا معدودة فى حارة النصارى يجب على مقاومتها‬
‫بل أصبحت عيناي ترى الن آلف بل مليين من المنازل والحارات التى على أن أهجرها أو‬
‫أقاتلها حتى يكون الدين كله ل ورغم ذلك فقد كانت كراهيتى للنصارى على ما هى عليه لنها لم‬
‫تكن مرتبطة بالحارة … بقدر ارتباطها بعقيدتى التى هى طاعة ال فكنت ل أطيق أن أرى أنسانا‬
‫مسيحى ول أعترض طريقه مثل … باليذاء العلني تارة وبطريقة غير مباشرة تارة أخرى …‬
‫ول يمكن لشخص مجتهد محب ل وللسلم مثلى أن ل يلقى الهتمام والتقدير من شخص يقود‬
‫آلف الفراد فى قالب دينى أخلقى إلهي " المير " فبدأ‬
‫" شكرى مصطفى " يطلب مقابلتى على فترات متقطعة ومتباعدة وفى آخر لقاء جمع بيننا قال لى‬
‫‪:‬‬
‫_‬

‫أعرف أن لديك غيرة شديدة على طاعة ال والتى تمثلت فى عدائك الشديد للنصارى ‪.‬‬

‫_‬

‫نعم يا أمير … وهل فى هذا خطأ ؟‬

‫ل بالطبع … ولكننى أريد تغيير سلحنا معهم من الن فصاعدا … فسأعطيك مجموعة‬
‫_‬
‫من الكتب التى تتناول أفكارهم بالنقد وعليك أن تدرسها جيدا وعندما تنتهى من دراستها‬
‫سأخبرك بالخطوة التالية ‪.‬‬
‫‪- 51 -‬‬

‫حارة النصارى‬
‫" كان حوارنا كما استمعتم إليه باللغة العربية الفصحى " فما عدت منذ التحاقى بالجماعة أتحدث‬
‫العامية مطلقا … والسبب بالطبع معروفا !!‬
‫كانت الكتب التى أعطانى إياها " شكرى مصطفى " هى التي ‪ -1‬كتاب الملل والنحل " لبن‬
‫حزم " ‪ -2‬الرد على النصرانية ط لبن تيميه " ‪ -3‬إظهار الحق للمام "رحمة ال الهندى "‬
‫ومكثت على كتبى تلك بالدراسة طيلة ستة أشهر كاملة أدرس وأنقب وأفحص ما فيها من‬
‫نصوص إنجيلية وتوراتية تحفل بالتناقض والختلف … وبمجرد ابلغى ط شكرى " بانتهائي‬
‫من الدراسة بالكتب تلك حدد لى موعدا وذهبت الى ملقاته وأخذ يقص على شيئا غريبا انه‬
‫سيتخذ دور الرجل المسيحي وأنا أتخذ دور الرجل المسلم الذى يحاوره وعليه أخذ المشهد فى‬
‫المسير من هذه النقطة البادية واستمر الحوار لكثر من أربع ساعات على هذا النحو وفى نهاية‬
‫الحوار قد ظهرت نتيجة الختبار العملى الول بينى وبين صاحب مقاليد المور فى جماعتى …‬
‫لقد نجحت … وبتفوق شهد به لى أميرى … وأمام هذا التفوق العجيب الذى بهره … ما كان‬
‫منه إل أن يخبرنى بضرورة التفرغ التام للدعوة … وبدأت المرحلة الحقيقية لى فى وسط هذه‬
‫الجماعة ‪.‬‬
‫طلب منى كذلك ترك الدراسة بالجامعة … وبالتأكيد لم يكن لدى تلك الذى يسمى بالختيار فأنا‬
‫أمام إرادة ال وأمره ول يوجد سوى السمع والطاعة وتركت الدراسة الجامعية لنتقل الى دراسة‬
‫من نوع جديد دراسة كانت بمثابة المدافع اللية التى يحملها أفرادا أخرى من جماعتى لمقاتلة‬
‫أعداء الدين والنصارى المشركين … فزعزعت اليمان من عن طريق البحث والدراسة هو‬
‫أقوى أسلحة الدمار لى عقيدة بل وأصحها … وبدأت دراستى ليست على هذا النحو ولكنها‬
‫بدأت بدراسة علوم الحديث ‪ ،‬علوم الكلم ‪ ،‬كيفية الدفاع عن فكر الجماعة ‪ ،‬إثبات صحته ‪،‬‬
‫واستغرقت الدراسة عاما كامل لم أدرس فيها أية كلمة عن النجيل أو التوراة ـ إذ كنت قد‬
‫قطعت أكبر هذا الشوط بأكبر مجموعة كتب إسلمية ترمى العقيدة المسيحية فى صلبها بالسابق‬
‫ـ وبعد إتمام الدراسة مباشرة طلب منى استخراج جواز سفر وبعد استخراج جواز السفر بدأت‬
‫المرحلة الخرى من دراسة الديان المسيحية واليهودية مستكملة في سلسلة الكتب التى بدأ‬
‫يساعدنى في التقاطها وتعريفى بها أفراد الجماعة ‪ .‬ثم بعدها أرسلوا ل حد الشخاص لستخراج‬
‫جواز سفر لي باسم مستعار ويحمل في الوقت نفسه صورتى وطلب منى التوجه الى " الردن‬
‫دافعين أمامي بهدفين الول ‪ :‬دعوة المسلمين السميين لفكر الجماعة ‪ .‬والثانى ‪ :‬دعوة‬
‫المسيحيين الى السلم من خلل عرض بعض النصوص التى حفظتها عن ظهر قلب وتوضيح‬
‫بعض التناقضات فيها إضافة الى إثبات حقيقة رسالة نبى السلم … في الحقيقة لم تكن هذه‬
‫المهمة … ذات أى طابع خاص … فالمسيحيون هناك مثل يجهلون تماما أشياء عديدة من دينهم‬
‫ول يعرفون سوى القليل الذي يمكنهم بجدارة من احتلل موقع قريب جدا من المسلمين فكانوا‬
‫مثل يطلقون على المسيح " سيدنا عيسى عليه السلم " ورغم عدم نجاحى في إقناع معظمهم إلى‬
‫السلم إل إنني حسبت ذلك نصرا إذ كانوا يرفضون التحول للسلم لسباب إما عاطفية أو‬
‫أسرية ولكن خلل زيارتين للردن نجحت في إقناع ثلث من الشباب من مدينة نابلس والخليل‬
‫للسلم وكانوا ممن هاجروا من فلسطين واستقروا بالردن ‪.‬‬
‫ومن بعدها أخذت رحلتى الخارجية في التعدد والتنوع متمثلة في زياراتى لبعض البلدان ذات‬
‫الكثافة السكانية المسيحية المرتفعة ـ عربية كانت أم أجنبية ـ ولشك في أن هذه الرحلت قد‬
‫‪- 52 -‬‬

‫حارة النصارى‬
‫أصقلتنى … وأعطتني خبرة جديدة وقوية في التعامل مع مع المسيحيين بل وتغيرت معها كذلك‬
‫أيدلوجيات التطاحن وأساليب الحتكاك الضطهادى … وبالفعل كان هناك نتيجة أخرى لهذا‬
‫التطور والتغيير … أل وهو تغيير أسلوب تعاملى مع أهلى وأسرتى … فلقد كانت تعتمل في‬
‫فكرى خطة جديدة ولكن قبل الشروع فيها ينبغى لي أن أقابل المير ومناقشته في فكرتى التى‬
‫أبغيها وأخطط لها … وبالحقيقة أنه ترك لي الباب مفتوحا أمام ما أعلنته له من الفكار التى‬
‫تدور برأسى … بمعنى أنه لم يعارض خطتى تلك التى كانت تهدف الى اعادة الصلة بأواصر‬
‫الود المفقود وترميم آثار الهجر في علقتى بأخواتى الفتيات ـ وكذا علقتى بباقى أفراد السرة‬
‫ـ … وبدأت من هنا بالفعل مرحلة جديدة في علقتى بهن بعد طول هجر وغياب ووحشة‬
‫انقطاع ‪.‬‬
‫فقمت باقناعهن وتشجيعهن على اقامة علقات مع الفتيات المسيحيات …!! وبعد توطيد العلقة‬
‫معهن يكون دورى في الظهور على ساحتهن وتنفيذ الخطة باحداث بلبلة بداخل أفكارهن …‬
‫وبالفعل ما بين عدة محاولت نجحت واحدة منها واستطعت بفعل ما درسته أنا ودينها الذي‬
‫تجهله باختراقها وتحويل مسارها الدينى من المسيحية الى السلم ‪.‬‬
‫كانت فتاة تدرس بالمرحلة الثانوية فقمت بتدبير خطة لهروبها من منزلها الى ل يعلم عنها شيئا‬
‫حتى لحظتنا تلك … وهناك وفى وسط الجماعة وأمام أميرها أعلنت الفتاة اسلمها … ثم‬
‫تزوجت من أحد الخوة …!! كنت سعيدا جدا بحياتى وسط الجماعة وخصوصا بعد هذا النجاح‬
‫المروع والمتمثل في حالة تلك الفتاة وعلى الرغم من كل ما كان يشاع عن جماعتى من تشدد‬
‫وتزمت والتزام صارم … لكننى بحق لم أندم في حياتى كلها وأعلن أننى أيضا لن أندم على أية‬
‫لحظة عشت فيها في كنف هذه الجماعة‬
‫كنت داخل الجماعة ألمس معانى المحبة الصادقة ل والرغبة الشديدة لتقديم كل نفيس وغالى قربانا‬
‫……‬
‫واسمحوا لي ألن أن ولول مرة من أن أعلن أو أستعرض قليل من حياة الجماعة بالغوص داخلها‬
‫ونقل حوائطها باخلص وصدق وابراز ما كان يدور بداخلها وبين أعضاءها وكان مخفيا عليكم ‪.‬‬
‫كان "شكري مصطفى" تلميذا نجيبا للشيخ الراحل "سيد قطب" ـ الب الروحي لجماعة "الخوان‬
‫المسلمون" ـ وكانت أفكار سيد قطب تلقى قبول واسع النطاق داخل جماعتنا اذ كان هو الوحيد الذي‬
‫لم تطله أنصال التكفير في جماعتنا ‪.‬‬
‫وبعد وفاة الشيخ "سيد قطب" … تدهورت أحوال "جماعة الخوان المسلمون" من بعده وبدأوا في‬
‫مرحلة جديدة عليهم متمثلة في نوع من أنواع المهادنة مع الدولة وانفصل على أثر ذلك الفعل المشين‬
‫البعض من المخلصون ل عن هذه الجماعة التى تهادن في حق ال وتتساوم مع الحكومة وبدأوا‬
‫يكونون ما عرف فيما بعد باسم جماعة "التكفير والهجرة" … ولكم أن تعلموا بأنا لم نطلق على أنفسنا‬
‫هذا السم أو اللقب الذي أشيع وأطلق علينا بل كنا "الجماعة المسلمة" وكان التطفير والهجرة هذا هو‬
‫المسمى العلمى الذي أشاعوه عنا والذى كان مشتقا مما كانوا يشعروه من جوهر أفعالنا وصلب‬
‫أفكارنا ‪.‬‬
‫لقد قامت جماعتنا على القرآن والسنة ـ أو قل أن الجماعة بنت أفكارها على القرآن والسنة ـ ولم‬
‫نكن نسمح بقبول أية فكرة أو مبدأ ما لم يكن مدعما بنص قرآنى صريح أو حديث نبوى ‪.‬‬
‫‪- 53 -‬‬

‫حارة النصارى‬
‫كان لدينا مخطوطاتنا التى تحتوى على أفكارنا وعلى كل عضو جديد أن يقرأها جيدا قبل تقديم البيعة‬
‫للمير … فان قبل هذه الفكار … قبلت منه بيعته … وكانت هذه المخطوطات تقع في جزئين ‪:‬‬
‫الول ‪ :‬كتاب الحجيات … وهو الذي يضم كل النصوص التى نستند اليها عند الحكم بتكفير أى فرد‬
‫‪.‬‬
‫الثانى ‪ :‬الحد الدنى ‪ :‬وهو يبين أقل قدر من الفروض التى يجب على الفرد أن يؤديها حتى يصبح‬
‫مسلما واذا انتقض منها واحدة يكون "كافرا" ‪.‬‬
‫وهناك بحث ثالث يبين ما هو اليمان وما هو السلم … وكانت هذه الكتيبات تدرس لكل أفراد‬
‫الجماعة دراسة وافية باتلشرح والتحليل ‪.‬‬
‫والجدير بالذكر أن ذلك يعد تطورا لفكار الجماعة حيث كانت في البدء تعتمد على أفكار سيد قطب‬
‫كما ذكرت بالسابق والتى كانت تتمثل في ‪:‬‬
‫‪ -1‬دراسة كتاب الشيخ "سيد قطب" (معالم على الطريق)‬
‫حفظ ودراسة سورة النعام من خلل تفسير (في ظلل القرآن) وقد كان كتاب سيد‬
‫‪-2‬‬
‫قطب يرسم الطريق نحو ال مبينا من هو المسلم الحقيقى ومن هو الكافر … وتحمل سورة النعام‬
‫معانى التوحيد الذي يجب أن يكون عليه كل مسلم ‪.‬‬
‫كانت هذه هي الفكار والمبادئ التى قامت عليها الجماعة ولكن كيف كانت علقة الشخاص بعضهم‬
‫البعض تحت لواء الجماعة ؟‬
‫كان لدى كل فرد من أفراد الجماعة ايمان راسخ وثابت بأن بقاءه في الجماعة هو العلن الوحيد‬
‫عن اسلمه … وأنه ان فارق الجماعة قيد شبر خسر الدنيا والخرة … لذا كان هناك طاعة عمياء‬
‫للمراء الذين كانوا معينين من قبل المير "شكرى" … كل فرد فينا يقوم بتطبيق الوامر والفروض‬
‫على نفسه دون النتظار أن يبادله الخر نفس المبدأ … ل يتأخر أحد فينا في تنفيذ وتطبيق أية‬
‫فروض ايمانية ‪.‬‬
‫وكنا جميعا نشعر ونعلم ونتعلم أنه ان قال الرسول "ليؤمن أحدكم حتى يحب لخيه ما يحبه لنفسه"‬
‫فالواجب الفعلى علينا جميعا أن نحب اخوتنا كأنفسنا ولو من جانب واحد لنه من ضروريات اليمان‬
‫وكان أيضا الحب والولء للمير من ضروريات اليمان اذ هو مرتبط بقول النبى (من أطاع أميري‬
‫فقد أطاعني ومن عصى أميري فقد عصاني) فطاعة المير طاعة ل ورسوله ومعصية المير‬
‫معصية ل ورسوله ‪.‬‬
‫كان كل فرد من الجماعة يسارع بأن يقدم الخر على نفسه خاصة في الحتياجات مما كان يضفى‬
‫نوعا من اللفة والتعاضد بين الفراد وفى حالت البيع والشراء مثل … كان يتم بين العضاء‬
‫حسب قول الرسول (البيعات بالخيار مالم يتفرقا) فمثل اذا باع فرد من الجماعة شيئا لخر فيمكن‬
‫للمشترى الرجوع عن عملية البيع مادام جالسا مع البائع … أما اذا افترقا الثنان ولو لمسافة متر‬
‫واحد أصبح البيع نافذا ول يجوز الرجوع فيه … ولم تكن حدود البيع والشراء هي السس فقط بل‬
‫كانت هناك أسسا أخرى هيئت لنا مناخا اجتماعيا يسوده الود والمشاركة والحساس بالخر …‬
‫وتمثل هذا مثل فيما يسمى بالعطاء الذي يعطيه الخ لخيه وهذا "العطاء" مجانى ول يجوز رفضه‬
‫ول يجوز استرداده مهما كانت قيمته … فاذا أعطيتك شئ ولأريد استرداده … وجب على أن‬
‫أصرح أمامك بأن هذا الشئ هو "عطية" وعندها وجب عليك تقبله ول يجوز لي استرداده لن‬

‫‪- 54 -‬‬

‫حارة النصارى‬
‫الحديث يقول (ان الذي يسترد عطاءه أشبه بالكلب) وكان عادة يتم ذلك من باب التفانى في حب كل‬
‫منا للخر … ومحاولة كل فرد التغيير عن ذلك الحب بصورة ملموسة لم يكن لى فرد منا‬
‫اعتراض على أى أمر من أوامر المير مالم يكن هذا المر ضد ال ورسوله … فكثيرا كنا نجلس‬
‫ونتشاور حول أسرنا … أباءنا وأمهاتنا واخواتنا واخواننا … فينقل كل منا صورة أسرته الدينية‬
‫حتى نصدر حكما اما بكفرهم أو بصحة اسلمهم ‪ .‬وفى حالة صدور الحكم بكفرهم كان على كل‬
‫فرد منا ضرورة معاملتهم ككفار من حيث الولء‪ ،‬النصرة‪ ،‬الحب‪ ،‬فيحب أخيه في الجماعة أكثر من‬
‫والده ووالدته وأخوته … الكافرين … فكانت علقاتنا بعضنا البعض هي العلقات البديلة التى يهبها‬
‫ال لنا … ولم يكن هناك تردد في قبول ذلك لن الجميع كانوا يحبون بل ويحرصون على طاعة ال‬
‫ورسوله ‪.‬‬
‫ولم تقتصر أوجه التحضر في الجماعة على ذلك النوع من الحب والدفء الجتماعى فقط … بل‬
‫امتد الى ما هو أكثر من ذلك فكان ل يتم اتخاذ قرار من أى نوع من دون انعقاد مجلس للشورى …‬
‫ولم يكن كذلك من حق أى فرد من أفراد الجماعة التعدى على أى من ممتلكات الخر سوى باذن‬
‫مسبق حتى ولو كان مجرد استخدام النعال … وكان لزاما في هذا أن نجلس معا ونعطى بعضنا‬
‫البعض تصريحا أو اذنا مسبقا باستعمال حاجاتنا لنه من دون ذلك نكون قد وقعنا في المصية لن‬
‫ذلك يعتبر (أخذ بسيف الحياء) … كأن تطلب من أن أعطيك شيئا من حاجياتى فيأخذنى الحياء على‬
‫عدم الرفض فاعطيه لك ولكن بدون رضا نفس تام وها هنا يعد هذا العطاء "حراما" مأفونا لنه‬
‫ينطبق على ما قاله الرسول في حديثه (ما أخذ بسيف الحياء فهو حرام" ‪.‬‬
‫كانت المساجد التى قامت ببنائها الحكومة هي مساجد من وجهة نظرنا كجماعة مساجد "ضرار" قال‬
‫عنها ال (لتقم فيه أبدا) ولكن ان وجد مسجدا أو زاوية بناها الهالى بالجهود الذاتية فعندها ندخل‬
‫ونقيم صلواتنا بل حرج ‪.‬‬
‫كنا كذلك نقدر جيدا قيمة الوقت للحد الذي يدفعنا للجلوس والجتماع أسبوعيا لسترجاع دراسة أفكار‬
‫الجماعة والتدريب على قيادة حوار أو مناقشة مع عناصر من الجماعات الخرى … والتى غالبا ما‬
‫يدور الخلف فيما بيننا حول النصوص العامة في القران … والتى غالبا ما نستند عليها في تكفير‬
‫العاصى مهما كانت معصيته … فمثل تقول النصوص ‪:‬‬
‫(ومن يعصى ال ورسوله ويتعد حدوده يدخله نارا خالدا فيها) "النساء‪. " 14:‬‬
‫(ومن يعصى ال ورسوله فقد ضل ضلل مبينا ……) "الحزاب‪. " 36:‬‬
‫(ومن يعصى ال ورسوله فان له نار جهنم خالدين فيها أبدا) "الجن‪" 33:‬‬
‫فهذه النصوص تتحدث عن عموم المعصية ـ أى معصية ـ ومن يفعل المعصية فهو في نار جهنم‬
‫خالدا فيها ول يخلد في النار ال الكافر وبذلك يصبح العاصى كافرا ‪.‬‬
‫كانت الزوجة تعرف وتعى ما هو معنى الخضوع للزواج على اعتبار أن الزوجة اذا باتت وزوجها‬
‫غضبان عليها أو منها "تلعنها" الملئكة حتى تصبح … لذا كانت الزوجة تخشى أن يغضب منها‬
‫زوجها ودائما كانت تشعر بالستضعاف والدونية … وان لم تطيع وتخضع لزوجها فعليها تحمل‬
‫تبعات ذلك من ضرب وهجر … ول تقدر على الهروب من ذلك وفى جميع الحالت التى كانت‬
‫تعرض على المير من مشكلت زوجية كان الحق الدائم في جانب الزوج بطبيعة الحال ولم يكن‬
‫للمرأة الخروج من منزلها لن صريح النص يقول ‪( :‬وقرن في بيوتكن ول تبرجن تبرج الجاهلية‬
‫الولى ) "الحزاب"‬
‫‪- 55 -‬‬

‫حارة النصارى‬
‫كنا نعيش بحق بهدى القران والسنة فيما بيننا بصدق واخلص شديدين وبل حرج فان جاء مثل أخ‬
‫في زيارتى ولم أكن جاهزا لستقباله فعلى أن أطلب منه النصراف ـ ولو من وراء البواب والنوافذ‬
‫من دون أن يرانى ـ وعليه أن يرجع من دون حرج له أو لي !!‬
‫فالنص يقول (فان قيل لكم ارجعوا فارجعوا هو أزكى لكم) "النور‪ " 28:‬هذا بخلف الكراهية الشديدة‬
‫للكفار التى لم نكن نخترعها بل كان يحثنا عليها جميع النصوص التى تملء القرآن بل والسنة أيضا ‪.‬‬
‫وكنا نتجنب التعامل معهم الفى الحدود التى سمح بها رسول ال واعتبرنا أن أى مشاركة منا‬
‫للمجتمع الكافر أو الحكومة هي موالة صريحة لهم ولذا كنا ل نحبذ العمل في المصالح أو الهيئات‬
‫الحكومية أو حتى الدراسة في مدارسهم أو جامعاتهم … حتى تلك المسماه "جامعة الزهر" اذ كان‬
‫القائمون على الحركة التعليمية فيها بالنسبة لنا على القل "كفارا" بل حدث ول حرج فهم أئمة الكفر‬
‫الذين يجب مقاتلتهم بناء على صريح الية (قاتلوا أئمة الكفر انهم ل ايمان لهم) "…… " اذ كانوا‬
‫يخدمون الدولة الكافرة ول يقولون الحقيقة للحاكم ول يكفرونه ويختلقون في ذلك بعض الحاديث‬
‫ويحورون مفهوم النصوص القرآنية لصالح آرائهم وذلك يعد كفرا بينا بناء على الحديث (من قال في‬
‫القرآن برأيه فليتبوأ مقعده في النار) واستنادا وانطلقا من تلك القاعدة لم نكن نقبل بتفسير النصوص‬
‫التى تحدد المسلم من الكافر ونقبلها كما هي بدون تأويل أو تحريف وهذا كان أقرب الى مذهب ابن‬
‫حزم الظاهرى ‪.‬‬
‫كانت نظرتنا فى التحاكم للدولة الكافرة وأجهزتها كفرا صريحا (يريدون أن يتحاكموا الى الطاغوت‬
‫وقد أمروا أن يكفروا به) "النساء‪ . " 60:‬ومن هذا المنطلق كنا نلجأ الى تنفيذ كل أمور الحياة بأنفسنا‬
‫بدون الرجوع للدولة ‪.‬‬
‫·‬

‫المرتد عن الجماعة يقتل بالتنفيذ الذاتى ‪.‬‬

‫مراسيم الزواج والعقد بدون متطلبات معثرة … فقط كان المهر عبارة عن أيات‬
‫·‬
‫قرآنية ‪ ،‬ومايعادل ¼ جنيه ان لم يكن العريس من ذوى المال الوفير ‪.‬‬
‫·‬

‫قبول العتذار ممن يقترف اثما ويتوب عنه بضربه بالسوط على ظهره ‪.‬‬

‫تعليم أولدنا بأنفسنا من دون اللجوء الى مدارس الحكومة الكافرة … فالقرآن‬
‫·‬
‫والسنة يحملوا في طياتهم كل علوم الدنيا التى سنتركها في مدارسهم ‪.‬‬
‫التحريض على عدم حمل البطاقات الشخصية أو العائلية اذ انها من أفعال‬
‫·‬
‫الحكومة الكافرة وهى سمة من سمات المجتمع الكافر ‪.‬‬
‫لم تكن السمات الداخلية هي التى تميز الجماعة فقط بل أيضا السمات الظاهرية من ملبس وهيئة‬
‫وطريقة المأكل التى ربما كان البعض يعتبرها تخلفا … فمثل كنا نؤمن بضرورة مخالفة أهل الكتاب‬
‫من اليهود والنصارى وكنا نعتبر البنطلون والقميص هو تشبه بهم فكنا نرتدى الجلباب القصير ل‬
‫الطويل لن الطويل به خيلء والحديث يقول (من لبس ثوب خيلء ألبسه ال ثوب مذلة يوم القيامة)‬
‫…‬
‫وكنا كذلك ل نأكل مع الكفار حتى ولو كانوا اخواتنا … آبائنا … أمهاتنا … ول نسكن معهم … كنا‬
‫نهجر البيوت ونبحث عن وسيلة هجرة المجتمع حيث كان العيش وسطه كفر ليس لننا من ذوى‬
‫العقول المختلفة ولكن بناء على صحيح الحديث (أنا برئ من كل من أقام بين ظهرانى المشركين) ‪.‬‬

‫‪- 56 -‬‬

‫حارة النصارى‬
‫ولما كان لم يوجد مجتمع مسلم على صحيح السلم نهاجر اليه فكنا نقتصر على قضاء بعض اليام‬
‫في جبال الصعيد في المغارات والكهوف … وكثيرا ما كنا نجد هناك تجارا للمخدرات وعلى الفور‬
‫ننسحب لمكان آخر … كان ل يشغلنا عن ايماننا ل المال ول الترف ول لذة العيش … كان لدينا‬
‫هدف واحد فقط هو طاعة ال ورسوله … أو اننى أستطيع التحدث عن نفسى فقط بشئ أكبر من‬
‫الثقة فلم يكن لدى بالفعل أى رغبة أخرى داخلية أو باطنية في كيانى أو عقلى سوى طاعة ال‬
‫ورسوله والحياة في ظل ال باخلص … للفوز بجنته …!!‬
‫كنا كثيرا ما نقض أيام من دون طعام وفى بعض الحالت كنا نأكل العشب ونتدرب على أكل‬
‫الضفادع والسحالى الجبلية … بحيث يكون كل فرد منا مؤهل لتحمل كل الصعاب والزمات واللم‬
‫في سبيل ارضاء ال ورسوله ‪.‬‬
‫كان تلك بعض من الكثير الذي كان يدور في كواليس الجماعة والذى ل يتسع المجال لذكره هنا‬
‫بالكامل … ولكن باختصار قل اننا "نذرنا أنفسنا ل" ‪ .‬وبقدر هذه اليجابية التى كنا نتمتع بها‬
‫كجماعة ال أنه كان هناك بعض من نواحى القصور في فهم وتنفيذ القيادات للوامر فمثل ‪:‬‬
‫‪-1‬‬

‫كان المير يتلعب بالنصوص ويحول مفاهيمها حسب مايريد‬
‫فمثل ان كان يريد أن يحكم على والدى بالكفر … فهو يقدر … وان شاء أن يحكم‬
‫عليه بالسلم فعل …!! وحيث أن ذلك ل يعد كفرا فلبد لي أن أقبله ‪.‬‬

‫‪-2‬‬

‫كنا في تعاملنا نع الكفار ل ندقق كثيرا في الحكم الذي سنصدره‬
‫عليهم … لننا قد خرجنا في الصل للستيلء على أموالهم … فكان أى خطأ بسيط‬
‫يعتبر بينة على كفره … كأن يكون مثل "واضعا لصورة والده المتوفى" فما يكون‬
‫منا ال أن نسأله ‪ :‬هل تعلم أن الصور حرام ؟ فيرد ‪ :‬نعم فنقول له ‪ :‬لماذا ل تبعدها‬
‫أو تنزلها ألن ؟ فيرد ‪ :‬ل أقدر انها لبى المتوفى !! ‪ .‬وعندئذ يكون رفض أمرا‬
‫من الدين بالضرورة فيكون كافرا ويكون حلل لنا دمه وماله …!!‬

‫‪-3‬‬

‫كانت هناك مبالغة في تنفيذ بعض المور التى ل تدخل في‬
‫نطاق العقيدة مثل الكل … فكنا في المطاعم العامة وبعد النتهاء من الطعام نقوم‬
‫بلعق الناء والصابع في ظل عيون كل من في المحل وهى في حالة رصد مشمئز‬
‫مع أن عدم فعل ذلك ل يخل بالعقيدة ‪.‬‬

‫‪-4‬‬

‫كان من حق المير أن يسطو على كثير من الشياء المملوكة‬
‫للغير بدون اذن مسبق تحت ما يعرف (الضرورات تبيح المحظورات) ‪.‬‬

‫‪-5‬‬

‫عند الدخول في مناقشة أفكار الجماعات الخرى … لم نكن‬
‫نصغى باهتمام الى أفكارهم … فكنا نعرج بالحوار للنتصار لفكارنا وكانت فترة‬
‫استماعنا لرأيه هي مسألة شكلية ليس ال ومسألة وقت فقط نعطيه له حتى ينتهى من‬
‫حديثه ‪.‬‬

‫‪-6‬‬

‫كان هناك تعرض غير منطقى للنصوص … فكنا نبيح أن ينكح‬
‫الرجل زوجته من دبرها اعمال للنص (نساءكم حرث لكم فاتوا حرثكم أنى شئتم)‬
‫"البقرة‪ " 233:‬مع أن هناك بالمقابل حديثا ونصا يخالف ذلك‪.‬‬

‫‪- 57 -‬‬

‫حارة النصارى‬
‫(ثلثة ل يدخلون الجنة ول يشمون ريحها … ناكح المرأة من دبرها …… )‬
‫والنص القرآنى (فان تطهرن فاتوهن من حيث أمركم ال) لم يكن من حق أى فرد‬
‫مراجعة المير في أى تصرف أو قرار أو سلوك أو أمر ال اذا كان كفرا وحتى لو‬
‫كان كفرا فانه يرى نفسه مخول من قبل اله لتجاوز الحدود عند الضرورة وغير مباح‬
‫للخرين بالطبيعة … فعلى الجميع السمع والطاعة … خوفا من الوقوع في الكفر …‬
‫أو الحكم بالرتداد والقتل ‪.‬‬
‫تلك كانت بعض من السلبيات التى كانت بين الجماعة التى ل يعرفها ال من عاش بداخلها وربما‬
‫ليس لكل فرد الطلع على كل هذا … ورغم كل هذه السلبيات ولكنى أعتقد أن جماعة "شكرى‬
‫مصطفى" كانت من أصدق وأقوى الجماعات التى ظهرت في مطلع السبعينات وحتى حادث اغتيال‬
‫الرئيس الراحل "محمد أنور السادات" ومن قبله "الشيخ‪ /‬محمد حسين الذهبى" ‪.‬‬
‫لقد عجزت أجهزة الدولة عن التصدى لهذه الجماعة بالفكر والحوار …لن ذلك سيقود الدولة بالتالى‬
‫الى تكذيب النصوص القرآنية الصريحة …!!‬
‫وفى كثير من المرات وآخرها وقت محاكمة "كارم الناضولى" في عملية الفنية العسكرية و"شكرى‬
‫مصطفى" في عملية مقتل الشيخ الذهبى … طلبت قيادات الجماعة مناقشة علماء الزهر …في معنى‬
‫قوله تعالى ‪:‬‬
‫(ومن لم يحكم بما أنزل ال فأولئك هم الكافرون) "المائدة‪"44:‬‬
‫(ومن لم يحكم بما أنزل ال فأولئك هم الطاغون) "المائدة‪"45:‬‬
‫(ومن لم يحكم بما أنزل ال فأولئك هم الفاسقون) "المائدة ‪"47:‬‬
‫وكان هذا الطلب يقابل بالرفض الدائم على اعتبار أن الجماعة هي امتداد لفكر الخوارج …!!‬
‫ولكن نجحت الدولة وأجهزة الحكومة في اضعاف أو تقليب واثارة الشعب على جماعة "شكرى‬
‫مصطفى" بأن غرست بعض من أعضاء المباحث داخل صفوف الجماعة وعاشوا سنوات يقدمون‬
‫فروض الولء والطاعة للمير ولفكر الجماعة وكذلك التقارير لمباحث أمن الدولة … كانت جهات‬
‫المن تعلن عنهم كل فترة على أنهم من التائبين … المفرج عنهم !! وهم بالحقيقة رجالهم ‪.‬‬
‫وتكررت الحوارات التليفزيونية مع هؤلء التائبين فيقوم المذيع بالقاء أسئلة محددة ومعروفة‬
‫ومعروف أيضا اجابتها والغالب أنهم هم الذين يكتيونها باجاباتها ‪.‬‬
‫فكانوا مثل يدعون بأننا نبيح زواج المرأة من رجلين … ورغم أن هذا حرام وممنوع من القرآن‬
‫والسنة … وكانوا يقولون ويدعون بأننا نحرم أشياء لم يحرمها ال واننا امتداد للخوارج لننا نكفر‬
‫… وكان الهدف من وراء ذلك هو تشويه صورة وأفكار الجماعة لدى عامة الشعب الذين ـ ل‬
‫يعرفون عنا مثلما يعرف هؤلء التائبين المزعزمين …‍‍!! ـ كانوا بالطبيعى يتجاوبون معنا في وقت‬
‫كان ظلم الحكومة واستبدادها على أشده … حتى أن الحكومة أجبرت الشيخ "محمد متولى الشعرواى"‬
‫على تحليل (عدم تحريم) تعامل الدولة بالربا بعدما رأوا الناس وقد عزفت عن وضع مدخراتهم في‬
‫البنوك … وكانت خطة تشويه صورة الجماعة مخطط جيدا ومدروس بعناية فائقة واحكام شديد ‪.‬‬
‫وكان آخر ما فعلته الحكومة معنا هو ذلك الكتاب الذي خطه (محمد حسين الذهبى) ‪ 1977‬والذى قال‬
‫فيه‪" :‬أننا خوارج القرن العشرين" وعندها أرسلنا كقيادة للجماعة الى كاتب الكتاب والذى كان وقتها‬
‫يشغل منصب شيخ الزهر برسالة نحذره فيها من النسياق وراء مخططات الحكومة … وكفاه كفرا‬
‫‪- 58 -‬‬

‫حارة النصارى‬
‫هو الخر الى هنا … على أنه الن أصبح بوقا شرعيا لهم … يستخدمونه لفكارهم … وطلبنا منه‬
‫عدم التعرض للجماعة ول لفكرها الذي ل يعلم عنه شئ … وأرفقنا له في رسالة لحقة مرة أخرى‬
‫بسؤال لتفسير قول ال تعالى ‪( :‬ومن لم يحكم بما أنزل ال فأولئك هم الكافرون) "المائدة‪ "44:‬وكان‬
‫السؤال "هل حاكم مصر يحكم بما أنزل ال أم ل ؟ ……………… ‪.‬‬
‫كان مخطط الدولة هو تأليب كل الشعب ضد جماعة المسلمين أو التكفير والهجرة كما يسموننا … اذ‬
‫كنا في زيادة مضطردة تهدد أمن واستقرار أى حكومة شمولية في العالم … حتى بلغنا آلف في‬
‫جميع أنحاء البلد من شمالها وحتى جنوبها ‪.‬‬
‫وكان الذهبى أداة من الدوات التى حاولت الدولة استخدامها ضدنا خاصة بعد فشل حملتهم العلمية‬
‫وعدم اقتناع وتصديق عامة الناس بما يقال عن أناس وهبوا حياتهم ل وهو المر الذي لم يكن‬
‫متوقعا لدى الحكومة اذ كان اختيارهم للذهبى مبنى على قدرته على الحوار المضاد علوة على‬
‫استغلل شعبيته وشرعية كرسييه في التصدى لنا بالفكار المضادة بداخل طوائف الشعب بأسرها ‪.‬‬
‫ولم يكن علينا بالعسير لن نعرف هذا الفشل أو رصده … فكنا نسمح لبعض الفراد من جماعتنا‬
‫بحلق لحاهم والتخفى في زى عادى ويذهبون للتخالط مع عامة الشعب ومجالستهم ونقل كل ما يقال‬
‫عنا … وكانت كل التقارير التى كانوا يقدمونها تشير الى ارتفاع نسبة التعاطف معنا ومع القضية‬
‫الدينينة التى نتبناها يصل نحو السبعون بالمائة ويتعاطف معنا ضد الدولة ‪.‬‬
‫ولما لم تنجح الرسائل مع الشيخ الذهبى في اسكات صوته الكاذب … قررنا اعتقاله … وذهبت‬
‫مجموعة منا الى مسكنه بالمعادى … وطلبوا منه الحضور الى القسم … فقد كان بيننا ضابط شرطة‬
‫مفصول وكان يحتفظ بزيه العسكرى … ونجحت الخطة … وأعلنا الخبر لوكالة أنباء الشرق‬
‫الوسط التى تطايرته وأعلنته على العالم كله … وقد كانت مطالبنا تتلخص في الفراج عن بعض‬
‫القادة المعتقلين في قضية الفنية العسكرية والتوقف عن الدعاية الكاذبة ضد الجماعة … ولكن الدولة‬
‫ماطلتنا وكانت تخطط لقتحام مكان اعتقاله وقد فطنا الى ذلك … فكنا ننقله في أكثر من مكان حتى‬
‫استقر في مكانه الخير بعزبة النخل الذي صار في غضون أيام مثواه الخير …!!‬
‫تم القبض على معظم قيادات الجماعة وحكم على البعض منهم بالعدام وآخر بالشغال المؤبدة …‬
‫والباقى بفترات تترواح من سنة الى عشر سنوات وكنت أنا ممن حكم عليهم بثلث سنوات ‪.‬‬
‫وبعد انقضاء فترة الحبس غادرنا البلد لنها لم تعد مناسبة لبقاءنا فمعظم القيادات اختفت بدرجة ل‬
‫تسمح بالستمرار بنفس القوة السابقة حتى أن البعض بمجرد خروجنا بدأ يتصارع مع البعض الخر‬
‫من أجل قيادات الجماعة ومناصبها القيادية !!‬
‫وهنا انقسمت الجماعة جماعتان ‪ :‬الولى ‪ :‬سارت على ما كان عليه (شكرى) ‪.‬‬
‫الثانية ‪ :‬مالت الى فكر الجهاد في عدم تكفير العاصى وجواز الشفاعة لمرتكب الكبيرة … الخ ‪.‬‬
‫وكل جماعة اختارت لها أمير والغريب أن الميران كانا خارج البلد وأما أنا ومن معى فقد توجهنا‬
‫الى بلد قريب مجاورا لمصر … وهناك وجدنا كا دعم وتأييد من سكان البلد الصليين … ثم تزايد‬
‫عدد الجماعة مرة أخرى وبدأنا نعيد ترتيب المور … واعادة كتابة فكر الجماعة … وتدريسه‬
‫للخوة الجدد من البلد المضيف الذي نزلناه ورغم قسوة المناخ في بلد المهجر … وظروف حياتها‬
‫الصعبة بما فيها من حرب عرقية والتى كانت ل تزال مشتعلة في أحد مناطقها ال أننا صمدنا أمام‬
‫كل الصعاب من أجل النتصار لدين ال واعلء كلمتة … ثم أن قررنا النتقال من العاصمة الى‬
‫مكان آخر قريب من حدود بلدنا … وهناك بنينا معسكرا … يتسع لكثر من مائة وخمسوزن أسرة‬
‫‪- 59 -‬‬

‫حارة النصارى‬
‫بالطفال والشيوخ والشباب … وأخذنا في البدء لحياتنا مكتفين ذاتيا وتمكنا من خلل مساعدات أهل‬
‫البلد الصليين من شراء كمية من السلحة التى تدربنا عليها جميعا بشكل كاف يضمن لنا براعة‬
‫استخدامها وبتنا في انتظار ساعة الصفر التى سننطلق فيها لقامة دولة السلم في الوطن المهجور‬
‫تلك كانت أمنيات كل الخوة في أن يعودوا من مهجرهم الى ديارهم فاتحين … ولكن في الحقيقة لم‬
‫تكن أمنيتى فقط … بل كانت أحلمى وأمنية المانى هي العودة الى حارة النصارى لقتل كل‬
‫مقاتليهم الشبان وأسبى ذراريهم من النساء … وأستولى على أموالهم غنيمة ل ورسوله … وكنت‬
‫كلما تذكرت لحظة العودة لرض الوطن منتصرا ظافرا … أعض على أطرافى من الترقب والغيظ‬
‫ول أدرى ما هو السر وراء انشغالى بهاجسى الشخصى "حارة النصارى" الذي كان يطاردنى حتى‬
‫أحلمى وأنا في بلد أخرى …!!‬
‫لربما كان هذا الشتعال الداخلى لن تنشئتى الضطهادية كانت هناك ولربما… ولربما … كانت‬
‫حارة النصارى تأتينى أطياف … تارة بالحنين لمراحل الطفولة … حيث مجدى … هذا الشخص‬
‫الذي استطع أن يحصل على مقعده بداخل سرائرى جميعها … بكفره … وشركه بارادتى أحيانا‬
‫وبغير وعى الرادة أحيانا أخرى ‪.‬‬
‫وتارة أخرى أجد نفسى مدفوعا للستغفار على حنينى الداخلى لحد المشركين … اذ لبد وأن تكون‬
‫ذكراهم مصدر حزن ل مصدر فرح واغتباط … وفيما الغبطة اذن أل لنهم مازالوا على شركهم‬
‫وسط المسلمين …!!‬
‫…………………… وبعد أن انتهينا جميعا من التدريب على السلح باستخدامه وحمله بما فينا‬
‫النساء أيضا … بدأنا في ارسال خليا فدائية لتتسلل عبر الحدود … لتنفيذ عمليات ضد أئمة الكفر‬
‫الذين أمرنا ال بقتالهم كما جاء في سورة التوبة والية ‪( 12‬وقاتلوا أئمة الكفر انهم ل ايمان لهم‬
‫لعلهم ينتهون) وقد كانت تلك العمليات تتم بنجاح رغم أن الدولة كانت تطلق عليها مسميات مختلفة‬
‫وتنسبها بدوافعها لغراض مشوهة الصورة في حين كنا عقب كل عملية نهتف ونكبر ال أكبر …‬
‫ال أكبر … وكنا نعزى دائما النتصار فيها ل ‪.‬‬
‫ونردد في داخلنا بألسنة جهارية في بعض المواقف والوقات قول ال تعالى في سورة النساء آية‬
‫‪( 104‬أن تونوا تألمون فانهم يألمون … كما تألمون وترجون من ال ما ل يرجون) … حقا كنا نتألم‬
‫من جميع النواحى وفى كل الظروف لكننا كنا نشعر بسعادة عندما نقرأ هذه الية التى كانت تهبط‬
‫علي مسامعنا بردا وسلما فتزداد حميتنا ويقوى عزمنا على مواصلة مشوار النضال والجهاد فنحن‬
‫وان قاتلنا المشركين فانها احدى اثنتين … النصر أو الشهادة ول بديل آخر لدى أى منا ول نرى‬
‫سوى هذين المرين … وفى كلتا الحالتين فهو خيرا لنا …!!‬
‫وبالحقيقة لم نكن نعتمد فقط على الحلول العسكرية بل كنا نستخدم كامل طاقتنا وأفكارنا على اختلفها‬
‫وتباينها ونجرب كل الطرق … الى أن جاء اليوم الذي قررنا أن نرسل مجموعة من الفراد الى‬
‫منطقة كان معظم سكانها من أهل الكتاب (يهودونصارى) لدعوتهم الى السلم وكانت تلك‬
‫المجموعة تضم ستة أفراد وكنت قائدهم وسافرنا مسيرة ثلث أيام … حتى وصلنا البلد المنشود …‬
‫وهناك طفت بذكريات ـ "الحلم الذي من كثرة الخفاق في النجاح به … أصبح الن … الحلم الغير‬
‫شرعى للجهاد الوطنى ببلدى مصر " ـ (حارة النصارى) أو طافت هي بى على مسرح أحداثى‬
‫الجديد ثانية … ولول وهلة عندما شاهدت الصليب منقوشا على رسغ أول مسيحى قابلته عيني …‬
‫فرحت جدا وكأننى أسد جائع يبحث عن فريسة … وقلت في نفسى الحمد ل الذي رزقنى بحارة‬
‫نصارى أخرى ها هنا …!!‬
‫‪- 60 -‬‬

‫حارة النصارى‬
‫وقررت أن أبدأ من حيث انتهيت بالحارة السابقة … ولكننى فجأة توقف تفكيرى وتذكرت أننى قائد‬
‫مجموعة … وان أنا انجرفت في هذا الحس فلسوف يفعلون مثلى … وبالتأكيد سنضل الهدف الذي‬
‫جئنا لجله … اذ اننى وحدى الذي يعلم ما قد ىلت اليه حارة النصارى في أيامها الخيرة قبل تركى‬
‫اياها … وطلبت من ال أن يقوينى ويعطينى صبرا على رؤية النصارى من دون تعرض مباشر‬
‫وواضح ينهى على الحوار من قبل اقامته ‪ .‬وجلسنا نفكر سويا في كيفية التعامل معهم ونحن‬
‫مأمورون في الوقت ذاته بعدم التعامل بالود مع هؤلء النصارى !!‬
‫وللحق كانت النصوص مرنة في هذه الجزئية فهناك أية تسمح لنا بالتجاوز عن الممنوع في حالة‬
‫الضرورة … وبناء عليه يمكننا استخدامها في أى حالة اضطرار …(انما حرم عليكم الميتة والدم‬
‫ولحم الخنزير وما أهل لغير ال فمن اضطر غير باغ ول عاد فل اثم عليه ان ال غفور رحيم)‬
‫"البقرة‪. "173 :‬‬
‫وعليه فبدأنا نقيم علقاتنا من خلل أفراد حلقوا لحاهم وارتدوا ملبس "متفرنجة" حتى ل يثيروا‬
‫شكوك من يتعامل معهم ‪ .‬وكانت حارة النصارى الجديدة هذه ـ ويشهد على قلبى ال ـ مأساة‬
‫بمعنى الكلمة …اذ كانوا يقبلوا بأى شئ مقابل "لقمة العيش" وعندما وعندما قدمناتقريرنا بذلك الى‬
‫قيادات الجماعة الم … أمدونا بمبالغ كبيرة لنفاقها على اضافة المسيحيين الذين نخطط ليقاعهم في‬
‫الفخ السلمى !! هكذا يبدو ألن ‪.‬أمضينا هناك ما يقرب من تسعة أشهر نجحنا خللها في اقناع‬
‫ثلثة أفراد فقط … وقبلوا منا السلم وأعطونا بيعتهم … وبدأنا نجلس معهم أوقات طويلة من أجل‬
‫تعليمهم صحيح الدين السلمى والستفادة منهم أيضا في استبيان مواطن الضعف التى يرونها في‬
‫عقيدتهم والتى من خللها نقدر على اختراق عقولهم وعقول غيرهم … كانت لغتهم الغير عربية‬
‫مبعث للضيق في نفوسنا … ولكن كان بيننا اناس من بلدهم لهم نفس اللغة علوة على العربية‬
‫فكانوا يقومون بما يشبه الترجمة ‪.‬‬
‫وكانت الطامة الكبرى بالنسبة لي قيام شبه حركة تمرد بين أفراد الجماعة مع بدايات الثمانينات …‬
‫قادها رجل من أهل المهجر … واتهمنا بأننا نحملهم من العباء أكثر من الذين آتوا معنا من مختلف‬
‫البلدان الخرى وقاسوا ذلك على انها تفرقة بين جنس وآخر على أساس الحالة الجتماعية واللون‬
‫وربطوا بين ذلك وبين سورة (عيسى) لكن بذلنا جهودا مضنية لحتواء هذا التمرد وقلنا لهم ان‬
‫الحمل الزائد عليكم من الجهد ليس مبنيا على أساس جنس أو لون أو غنى ‪ .‬بل لنكم أهل الديار‬
‫وعليه فأنتم أعلم بشعبها ودروبها من أى منا … فليس من المنطقى ياأخوة أن تذهب مجموعة من‬
‫الغرباء الى أقصى الشمال بدون دليل منكم على سبيل المثال ثم بررنا لهم تصرفنا بأننا جميعا أخوة‬
‫وذكرناهم بحديث الرسول الذي يقول (لفرق بين عربى وأعجمى ول أبيض واسم البالتقوى) ولم‬
‫يكن يهدأ هذا التمرد حتى نشب تمرد جديد ‪.‬‬
‫بدأ المسلمون من أصل نصرانى يعانوا من اضطهاد بعض الخوة واتهموهم بأنهم يشابهون "المؤلفة‬
‫قلوبهم " ـ وهم اناس كانوا قد دخلوا السلم مقابل النفاق عليهم أيام عصر الرسول محمد ـ‬
‫وانتهى هذا التمرد الثانى على خير … ولكنه قد أفرز بقاع سوداء في قلوب بعض الخوة علوة‬
‫على بعض فيروسات التحزب والنشقاق التى كانت بمثابة السوس الذي يأكل هياكل الخشب حتى‬
‫يسقط البناء كامل …!!وقد حدث ذلك تماما …فقد اتضح لنا فيما بعد أنه كان يتواجد بيننا عميل‬
‫للمخابرات والذى كان يعمل طبيبا وكنا نسمح له بالخروج من معسكر الجماعة كل يوم للعمل …‬
‫للكسب المادى الذي كان الجميع يساهم فيه … ولكنا عرفنا أنه لم يكن يذهب للعيادة التى زعم أنه‬
‫يعمل بها …بل كان يذهب للسفارة في العاصمة وابلغها بكل ما يدور … واستمر هذا الوضع‬
‫سنوات دون أن نكتشف أمره … وذات مرة واجهنا مضايقات في مكان اقامتنا واجتمعنا كمجلس‬
‫‪- 61 -‬‬

‫حارة النصارى‬
‫شورى واتفقنا على تغيير محل اقامتنا الى آخر نائيا جدا … لكى يكون من الصعب الوصول اليه …‬
‫هنا شعر العميل أنه لو انتقل معنا فسيصعب عليه القيام بدوره "اليهوذى القذر" لذا كان يقدم أعذارا‬
‫كثيرة لنسمح له بالبقاء حتى أنه وعدنا أن يعمل أكثر ويرسل لنا بمبالغ طائلة من المال … لكننا‬
‫وباحساسنا المنى الذي تدرب من كثرة احتكاكنا مع جهات المن ساورنا الشك في أمره فذكرناه‬
‫بالية التى تقول ‪( :‬والذين آمنوا أو لم يهاجروا مالكم من وليتهم من شئ حتى يهاجروا وان‬
‫استنصروكم في الدين فعليكم النصر) "النفال‪ ."72:‬أبلغناه انه ان لم يخرج معنا فليس منا وأعطيناه‬
‫مهلة ثلثة أيام … ولكنه قبل انقضاء الثلثة أيام وجدناه وقد هرب وبالتأكيد معه كل معلوماتنا حتى‬
‫مكان توجهنا … فلقد كان على علم بكل شئ ولم يكن لدينا وقت للبحث عن مكان آخر غير الذي‬
‫عرفه صاحبنا ولم يكن أمامنا حل سوى الهرب في مجموعات … وتفرقنا في بلد المهجر مجموعات‬
‫… وتعرضنا لظروف قاسية … كان من الصعب علينا منها استقبال الموال التى كانت تصلنا من‬
‫اخوتنا في بلد المهجر المختلفة التى كانوا يرسلونها اما كصدقة لبيت المال أو كزكاة … وعندها‬
‫فكرنا في العودة للوطن دون أن نحمل معنا أحلمنا وكان عودا مخزيا … اذ سرنا على القدام ثلثة‬
‫أيام اقتصادا للنفقات … وكانت رؤسنا منكسة كالعلم وقت النكسات … أما أنا فقلت في نفسى ان‬
‫أحلمى لم تذهب بعد … بل على العكس سأعود لكمل الحلم الجديد في الحارة العتيقة (حارة‬
‫النصارى) ومع بداية التسعينات من القرن الماضى كانت عودتنا بعد غيبة ‪ 12‬عاما … تغيرت فيها‬
‫كل ملمح الناس وتبدلت أو قل تبلدت مشاعرهم وفقدوا أى حس دينى فما كنا نلقاه من حفاوة ورعب‬
‫منا "كتكفير وهجرة" في السبعينات انقلبت ألن الى ل مبالة وتجاهل …!!‬
‫وعليه فقررنا أن نتغير نحن أيضا كما تغير الناس … تغيرنا في كل شئ … فبدأنا نلبس البنطلون‬
‫والقميص … بدل من الجلباب … تغيرت استراتيجيتنا تغيرا كامل … حتى نستطيع مجابهة ما حدث‬
‫في المجتمع المصرى طوال اثنى عشر عاما … بدأنا نعود الى أسرنا ونعرض عليهم المعاملة‬
‫الحسنى … وبدأنا نعيد أحبال الوصل الممزقة قديما … في محاولة اصلح ما يمكن اصلحه وبدأ‬
‫كل منا يبحث عن عمل حتى ولو كان مع الحكومة التى كنا نقاطعها ول نعمل في أى من مصالحها‬
‫لنها تمثل النظام الكافر الذي يجب أن نتبرأ منه ‪.‬‬
‫في الحقيقة كانت العودة بالنسبة لنا مهزلة وهوان … عودة جئنا فيها نجر أذيال الخيبة والخزى‬
‫والنكسار … حتى المادة … بعضنا لم يكن معه نظير أجرة مواصلت الى منزله … الذي وجدنا‬
‫أنفسنا مضطرين ومجبرين على العودة اليه … اذ ل مأوى ألن ولم يعد بيت المال بالقوة كما كان‬
‫أيام "شكرى مصطفى" عاد كل واحد منا وقلبه كسير مجروح … حتى أن أولياء أمور الذين أهناهم‬
‫كثيرا أخذوا يمنعوا فينا النظر وكأنهم يقولون (لتبصق في البئر فقد تحتاج يوما الى الشرب منه)‬

‫وها نحن قد بصقنا مرارا في أبارنا ورغم ذلك نعود لتشرب منها بكل ما فيها من سمومنا !!‬
‫ل أنسى وجه أمى وهى تقابلنى على باب منزلنا (بحارة النصارى) التى كنت قد أثرت البتعاد‬
‫عنها وعن وجه أمى طيلة الثنى عشر عاما ثقيلى وبطئ الخطو والحمال ‪.‬‬
‫لست أنا فقط ولكن المصريين دائمى القول بأن "الضفر مايطلعش م اللحم" … آوونا ورحبوا بنا‬
‫وأكرمونا … وأجلسونا بين ظهرانيهم وهم الكفار … الذين أسهبنا فيهم من قصائد الكفر والتنديد‬
‫بهم وبايمانهم … أستطيع ألن أن أعترف على ورقى أن ذلك كله بالنسبة لي كان شيئا عاديا بل‬
‫وهينا … اذ كانت همومى وأحزانى كانت من نوع آخر … فهمومى أحملها منذ تركى لميدانى‬

‫‪- 62 -‬‬

‫حارة النصارى‬
‫الرئيسى والول (حارتى) … فأنا ل زلت أحمل أحلما وأمال عظام في القضاء على ؟أعداء ال‬
‫في عقر دارى (حارة النصارى) … وعندما علمت في المهجر أننا سنعود للوطن لم أحزن كما‬
‫حزن اخوتى في الجماعة بل تهللت … وتهلل معى وجهى من الفرح … لننى تصورت أن‬
‫الوقت قد حان لترى أحلمى النور وتتحقق … كنت أود أن أغمس يدى في دم أخر مسيحى‬
‫بحارتى المعهودة … وكنت أود أن أكون شاهدا على خروج آخر مسيحى من الحارة …‬
‫وأقسمت آنذاك أن أشترى (زير) واكسره عند خروج أخر مسيحى الحارة … وها أنا ألن أعود‬
‫بالحلم وقد تقوت لكنى لم أجد لها مسرحا … وجدت عالما آخر … لم يرحل المسيحيسون عن‬
‫الحارة … بل تكاثروا وبدلوا بيوتهم الطينية بأخرى أسمنية من أربع الى خمس طوابق …‬
‫وجدت صعوبة التمييز بين من هو مسلم ومن هو كافر … فالكل في الزى سواء … حتى‬
‫المسجد الذي شهد اجتماعاتنا وتلمذتنا … ها قد تغير شكله ألن … وما كان منى أمام هذه‬
‫التغيرات الكبيرة ال أن أسأل عن الشيخ امام المسجد …فاذا به كهل في أيامه الخيرة وحدثنى‬
‫عن مأساة الحارة … وما آلت اليه أحوال المسلمين فيها … خرجت من لدن الشيخ الجليل‬
‫ومازالت كلماته عالقة بأذناى … ثم أن توقفت بوسط الحارة بمنطقة تسمح برؤية كامل الحارة‬
‫من خلف بعض المبانى وأخذت أتأمل الجدران التى أصبحت تشبه أوجه قاطنى الحارة فوجوههم‬
‫أصبحت صماء …حجرية … أين ايمانهم … أين حميتهم الدينية … أين …؟!‬
‫ماهذا … ؟! لقد وقع بصرى على المسجد الذي بنياه ملصقا للكنيسة أوتدرون ما الذي شاهدته‬
‫لفتا للنظر بقدر أعظم من شكل المسجد شبه المهجور لقد ارتفع البرج العالى الذي يعلوه الصليب‬
‫… ويتوسطه جرس … بالحقيقة لم أستطع أن أصدق عيناي … فقررت أن أسهر طوال الليل‬
‫لرى … هل سيدق هذا الجرس في ديار السلم وفى الساعة السابعة صباحا كنت على موعد‬
‫لم أكن أرغب فيه البتة !!‬
‫صحوت من نومى في السابعة على صوت عدة دقات ربما عشرة أو تزيد ومع كل دقة كان قلبى‬
‫يخفق … ويقطر دما في آن … أسرعت خارج البيت ؟لننى اعتقدت ان الناس لم يسمعوا بهذا‬
‫الجرس من قبل … وانهم عندما أخرج سأجدهم قد أخذوا طريقهم نحوه لتكسيره ‪.‬ولكم شدنى‬
‫شعورى الى الحارة … فاذا بى أجدنى أقف وحدى بطول الحارة ل أحد أمامى أو خلفى … لم‬
‫أجد حتى المارة … اللهم رجل يجلس في زاوية من زوايا الحارة يعد الطعمية ذات الرائحة‬
‫النفاذة … فاتجهت اليه ووجدت لسانى ينطق بهذا السؤال ‪:‬‬

‫‪-‬‬

‫انت سمعت الجرس دا ياحاج ؟‬

‫ (محملقا بنظره دقائق ثم قام منتفضا قائل) ‪ :‬مين … ؟! ابن الحاج محمد … أهل … أهل‬‫… حمدل ع السلمة … خرجت امتى ؟!‬

‫‪-‬‬

‫(مستدركا في دهشة) خرجت منين ؟‬

‫‪-‬‬

‫انت مش كنت في السجن ؟‬

‫‪-‬‬

‫ل ياحاج … أنت كنت مسافر ‪.‬‬

‫‪- 63 -‬‬

‫حارة النصارى‬
‫ وال زمان يابنى … انت بتسأل عن الجرس دا دلوقتى ؟ ده بقالوه عشر سنين بيرن وكل‬‫رنة بتنزل على دماغى زى المرزبة … لكن هنعمل ايه ؟ شباب اليام دى خلص … لبسوا‬
‫المناطيل الجينس … وحلقوا كابوريا … وربنا يسترها بقى ‪.‬‬

‫‪-‬‬

‫معلش ياعم … سليمان ؟! … عم سليمان صح ؟‬

‫‪-‬‬

‫أيوه يابنى‬

‫ كل حاجة هتنعدل باذن ال والرسول اللى قال (ل تزال طائفة من أمتى على الحق … ل‬‫يضرهم من خذلهم حتى تقوم الساعة) وانا واثق ان فيه مسلمين بجد لسه ‪.‬‬
‫وأخذت أفكر بعمق لماذا عدت ؟ لماذا لم أكن أصم حتى ل أسمع قرع هذا الجرس بأذنى في‬
‫حارتى ؟ ما الحل ؟ هل أعود لحرق الكنيسة مرة ثانية ولكنى ل أثق ألن في الكثير من حديثى‬
‫العهد بالجماعة … ولكن حتما سيوجد حل لتدمير هذا المنكر بطريقة ل يعلمها الهو …!!‬
‫كنت كلما اجتمعت مع أفراد الجماعة الباقية سواء عندما كنا نجتمع لدراسة القرآن أو اعادة‬
‫صياغة أفكار الجماعة التى كنا قد أحرقناها قبل دخول مصر … حتى ل تقع أيدى رجال المن‬
‫… كنت دائما ما أستعيد وأجتر ذكرياتى في اليام الخوالى قبل حادث الشيخ ‪ /‬الذهبى … أيام‬
‫أن كنا باللوف وها نحن ألن نعد على أصابع اليد الواحدة … لكننا لميتسلل الينا اليأس فوعد ال‬
‫ورسوله ل يتبدل مهما كانت الظروف والحوال ‪.‬ولكنى مع ذلك كرهت البقاء في حارة‬
‫النصارى … كرهت أن أطالع في كل صباح وجوههم العاثرة وابتساماتهم الصفراء وكأنهم‬
‫يرسلون الى نظرات تحد وامتهان ولسان حالهم يقول (هانحن هنا رغم كل ما حدث دارت الدائرة‬
‫وعادت الينا لتجدنا وستظل الى البد … فهى حارتنا) ‪.‬‬
‫وكنت كلما قابلت مسيحى حولت نظرى عنه واضع قطعة من القطن في أذنى حتى ل أسمع‬
‫صوته وهو يلقى على مسامعى (صباح الخير) !!‬
‫ماعدت أعرف ماهذا التصعيد الدائم والمتوالى للحداث الغريبة … بالفعل ان اثنى عشر عاما‬
‫مدة طويلة كافية وكفيلة بأن تصنع الكثير وتغيير الكثير في حياة الناس ولكن أن تلغى أو تقلل من‬
‫الحس والحمية الدينية … أن تصل الناس لهذه الدرجة من التبلد الحسى واللمبالة …؟! أيكون‬
‫التغيير في أن يصبح في ميدان صراعى الول والعظم (الحارة) برجا يعلوه صليب وينصفه‬
‫جرس يقرع في أذنى ايذانا لقامة صلوات العبادة لغير ال …؟!‬
‫ما هذا يارب ؟ انتظر فرجك … أنتظر أن تنير لي بصيرتى فأعرف ما أنا صانع لجلك …؟!‬
‫الى أن جاء يوم يوم من أوائل عام ……… طالعت الصحف اليومية فوقع نظرى على خبر‬
‫يقول ‪" :‬القبض على مجموعة من المبشرين الذين يحولون الناس من السلم الى المسيحية" …‬
‫أعدت قراءة الخبر أكثر من مرة … وأخذتنى الدهشة الى رفاقى في الجماعة وقرأت عليهم‬
‫الخبر … ول أستطيع أن أصف وجوههم وهم يتلقوا ذلك الخبر …!!‬
‫ولكن كان يمكن تفسير جميع النطباعات في كل الوجوه على أننا شعرنا بالمتهان والتقصير‬
‫تجاه ال وقررنا أن نقوم بدور فعال إزاء عملية التبشير هذه وإيقافها بشتى الطرق ‪ ،‬وبعد‬
‫‪- 64 -‬‬

‫حارة النصارى‬
‫مداولت شديدة وطويلة استبعدنا العمل المسلح لعدة أسباب منها ‪ :‬أن النظام المني في مصر قد‬
‫تطور عما كان في السبعينات ‪ ،‬كذلك الكثير من القيادات النشطة في الجماعة والتي كانت تتولى‬
‫عملية تهريب كل من يشعر أنه في خطر قد انتهت ولم يتم تعويضها بنفس الكفاءة ؛ إذ البعض‬
‫من هذه القيادات قد حكم عليه بالعدام والخر بالسجن المؤبد ‪ ،‬ولهذه السباب استبعدنا الخيار‬
‫المسلح وتوجهنا للبحث عن طريقة أخرى للتعامل مع حركة التبشير هذه ‪ ،‬وأخيرا اهتدينا إلى‬
‫المواجهة الفكرية ‪ ،‬وتعرية الزيف والتزوير في التوراة والنجيل ‪ ،‬ولقى هذا التجاه ترحيبا‬
‫وحماسا من كل القيادات التي كانت مجتمعة ‪ ،‬وبدأنا البحث عمن يقوم بهذا العمل العظيم الذي‬
‫سوف يعلي كلمة الحق ويذهب كيد الكافرين ‪ ،‬لم أكن أتوقع ولو بنسبة ضئيلة جدا أن أكون أنا‬
‫المرشح لهذا العمل ؛ ليس لعدم كفاءتي ولكن لما يعلمه الجميع عني من كراهية شديدة تجاه‬
‫المسيحيين ‪ ،‬وبعد فترة صمت مريبة مرت خللها الدقائق كساعات من ليل الشتاء الطويل انطلق‬
‫صوت المير معلنا الشخص التي اختاره للقيام بهذا العمل ‪ ،‬وعندما سمعت أنه أنا كدت أفقد‬
‫وعيي ‪ ،‬وانتابني شعور بالغيظ والتمرد ؛ إذ كيف يطلبون مني مثل هذا المر الذي بالطبع‬
‫سيتطلب قراءة كتب النصارى واليهود ؟ لكن قضى على غيظي وأخمد تمردي صوت خافت من‬
‫المير قائلً ‪ :‬هذا أمر وما عليك إل أن تنفذ إن كنت تؤمن بال واليوم الخر ‪ ،‬وذكر الية التي‬
‫تقول ‪ :‬ما كان لمؤمن ول مؤمنة إذا قضى ال ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم "‬
‫‪ 36‬الحزاب " ‪ .‬حاولت إقناع المير بتكليف أحد غيري للقيام بذلك إل أنه رفض‬
‫وقال ‪ :‬إنني أشعر بأنك أفضل من يقوم بالعمل هذا ‪ ،‬ولو أنك أتممته جيدا ستكون قد أنجزت‬
‫مهمتين في وقت واحد الولى ‪ :‬أنك تكون قد قدمت لنا ولكل مسلم بل ولكل العالم حقيقة كانت‬
‫وما تزال غامضة عن أذهانهم ‪ ،‬والثانية أنك سوف تجني ثمار هذا العمل الرائع لنه سوف يتم‬
‫ترجمته وبيعه في كل أنحاء العالم لهميته ‪ ،‬وبهذا أيضا تستطيع أن تكسب مبالغ كبيرة بالحلل‬
‫الطاهر ‪ ،‬دفعني حديثه هذا إلى استعجال نوعية وموضوع البحث ‪ ،‬قال المير ‪ :‬إن البحث ينقسم‬
‫إلى قسمين ‪:‬‬
‫الول ‪ :‬إثبات أن نبوة محمد رسول ال ثابتة من التوراة والنجيل تصديقا لقوله ‪ " :‬الذين يتبعون‬
‫الرسول النبي المي الذي يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والنجيل " ‪ 157‬العراف ‪ ،‬أما‬
‫القسم الثاني ‪ :‬إثبات أن التوراة والنجيل المتداولين اليوم ليست هي تلك التي أنزلها ال وإنما تم‬
‫تحريفها وتزويرها من خلل البحث في الختلفات والتناقضات الموجودة فيها ‪.‬‬
‫قبلت هذه المهمة على مضض وقلت للمير إن هذا يتطلب مني أن أشتري توراة وإنجيل‬
‫وأقرأهما ؟ قال ‪ :‬نعم ول بد أن تفعل ذلك ‪ ،‬فذهبنا في صبيحة اليوم التالي إلى القاهرة ‪ ،‬وقطعنا‬
‫شارع الجمهورية نبحث عن مكتبة تبيع هذه الكتب ؛ وجدنا المكتبة ؛ لكن كان من الصعب أن‬
‫ندخل بملبسنا التقليدية هذه المكتبة ؛ لنها مثيرة جدا وقد يطلبوا الشرطة اعتقادا منهم أننا جئنا‬
‫للتخريب ‪ .‬وجدنا رجلً يسير بالشارع فسألناه عن اسمه ولما وجدنا أنه مسيحي طلبنا منه أن‬
‫‪- 65 -‬‬

‫حارة النصارى‬
‫يشتري الكتاب فوافق ‪ ،‬سلمني المير الكتاب وانصرفنا متوجهين إلى منزلي جنوب القاهرة ‪،‬‬
‫كنت خلل السفر الذي استغرق أكثر من ساعتين ونصف أحاول التخلص من الكتاب بأي‬
‫وسيلة ‪ ،‬فتارة أتركه خلفي ‪ ،‬وتارة أتعمد نسيانه ‪ ،‬وفي كل مرة كان يحضره لي وينبهني إليه ‪،‬‬
‫أخيرا وصلنا إلى منزلي ‪ ،‬وبعد فترة غادر المير منزلي إلى مدينته ‪ ،‬من هنا بدأت رحلة‬
‫المتاعب مع التوراة والنجيل ‪.‬‬
‫كان أول يوم أخذت فيه النجيل هو الصعب على ‪ ،‬فقد كان لدي انطباع أنه ليس من عند ال‬
‫وأنه سوف يجلب لي الشياطين بالبيت ولن أقدر أن أصلي ‪ ،‬فوضعته خارج غرفة نومي خوفا‬
‫من إزعاج الشياطين ‪ ،‬وطاردني هذا الهاجس أياما عديدة ؛ فكنت ل أدخله غرفتي أثناء الصلة‬
‫حتى تستطيع الملئكة أن تدخل منزلي ‪ ،‬استمر هذا الخوف والقلق فترة من الوقت أدركت بعدها‬
‫أنني لم اقتن هذا الكتاب بإرادتي بل أنني أنفذ إرادة ال من خلل طاعة المير الذي أوصى‬
‫النبي بطاعته في حديثه ‪:‬‬
‫"من أطاع أميري فقد أطاعني ومن عصى أميري فقد عصاني"‬
‫فأسارع قائلً ‪ :‬ل يارب لن أعصيك أبدا واستغفر ال ثلث مرات ثم أقوم للصلة ‪ .‬ولم يكن‬
‫يشغلني أي شيء عن إتمام هذا العمل ‪ ،‬ولدي الكثير من المراجع التي تساعدني على إخراجه في‬
‫أفضل ما يمكن ‪ ،‬ولدي من الخبرة في أمور النصارى الكثير إذ كانت كل الوسائل ميسرة لي من‬
‫قبل الجماعة ‪ ،‬فأنا أتقاضى ‪ 500‬جنيه شهريا كمصاريف نظير تفرغي لهذا العمل ‪ ،‬قررت بيني‬
‫وبين نفسي أن أبدأ رحلة المتاعب هذه ‪ ،‬لكن ما أقلقني هو أنني لم أكن أدري من أين أو أين‬
‫أبدأ ‪ ،‬ولم يكن لدي طريق واضح المعالم للتعامل مع شقي البحث هاتين ‪ ،‬مثلً بخصوص إثبات‬
‫نبوة محمد ‪ ،‬كنت قد توقعت أنني سأجد نفس السم " محمد " قي التوراة والنجيل وفي أضعف‬
‫الحوال قد أجد أحمد أو محمود ‪ ،‬عن أي اسم في التوراة سأبحث ؟ هل عن محمد ؟ أم محمود‬
‫؟ أ م أحمد ؟ أم ‪ . .‬؟ أم ‪ . . .‬أخيرا التبس علي المر فقررت النتقال للجانب الخر من البحث‬
‫‪ ،‬وهو البحث عن التناقضات والختلفات التي تثبت أن التوراة والنجيل ليستا من عند ال ‪،‬‬
‫وعلى نفس المنوال فشلت في تحديد قالب معين أو معيار ثابت على أساسه أقيس كل ما هو في‬
‫التوراة والنجيل فإن توافق ؛ صحت التوراة والنجيل ‪ ،‬وإن اختلفا أكون قد وصلت إلى ما أريده‬
‫‪ ،‬ذلك دفعني للشك في قدرتي على إتمام هذا البحث مما أثار حفيظتي وأشعل حماسي فقررت‬
‫التركيز الشديد للوصول إلى الهدف لنني لم أعتاد الفشل في كل مهمة كنت أكلف بها طوال‬
‫حياتي ‪.‬‬
‫كنا نلتقي أنا والمير مرة في كل شهر نتشاور ونتحاور حول موضوع البحث وفي كل مرة كنت‬
‫أطلب منه العدول عن قراره وإسناد هذا العمل لحد غيري وأنا مستعد للتعاون معه ‪ ،‬لكن كان‬
‫لديه إصرار غريب على أن أقوم أنا بعمل هذا البحث ‪ ،‬صليت ركعتين استخارة ل ‪ ،‬وتملكتني‬
‫جرأة غير عادية وقررت البدء في قراءة الكتاب لكن بدون نظام أو تحديد أو أي سند يعينني على‬
‫الوصول للهدف ‪ ،‬بدأت بسفر التكوين ولم أكن أدري ما أبحث عنه ‪ ،‬وجدت أسماء غريبة‬
‫أقرأها لول مرة فضقت منها ألقيت بالكتاب بعيدا في أحد أركان غرفتي بطريقة عصبية قائلً ‪:‬‬
‫إن هؤلء اليهود والنصارى أغبياء كيف يقولون عن كتاب يتكلم بهذه الطريق وهذه السماء أنه‬
‫‪- 66 -‬‬

‫حارة النصارى‬
‫من عند ال ‪ ،‬إنهم مجانين ‪ ،‬وتوقفت عن القراءة ‪ ،‬وبعد يومين عاودت القراءة ولكن قررت‬
‫عدم قراءة سفر التكوين لما فيه من أسماء وألفاظ صعبة الفهم ‪ ،‬واسترسلت في القراءة ‪ ،‬أعجبت‬
‫جدا بما هو مدون في سفري العدد والخروج وأيضا التثنية ‪ ،‬حيث وجدت الكثير من المور التي‬
‫تتعلق بموسى وفرعون وبني إسرائيل مذكورة بالتفصيل الذي يشبع رغبتي ‪ ،‬أنهيت العهد القديم‬
‫( التوراة ) قراءة في شهرين لكن بدون تركيز ‪ ،‬أعدت قراءتها ثانية وكنت أبحث عما ينتمي‬
‫لمحمد أو أحمد أو محمود بصلة ولم أجد شيئا ‪ ،‬تطرقت إلى العهد الجديد ( النجيل ) وقرأته‬
‫كاملً ‪ ،‬لكن لم يقودني لشيء فضقت ذرعا بهذا البحث وكانت تنتابني شبه عصبية نحو المير‬
‫الذي أمرني بذلك ‪ ،‬وفي آخر زيارة له لي أخبرته أنني لم أجد أي خيط يمكن أن يساعدني على‬
‫إتمام البحث ‪ ،‬فقد قرأت التوراة والنجيل ولم أجد شيئا ‪ ،‬أخبرني المير بأن هناك كتاب كنا‬
‫نتدارسه في الخارج سوف يساعدني كثيرا في بحثي وهو ‪:‬‬
‫" إظهار الحق للشيخ رحمة ال الهندي " ‪ ،‬بحثت عن هذا الكتاب في مكتبتي فوجدته ‪ ،‬وللحقيقة‬
‫كان هذا الكتاب ذو قيمة عظيمة لنا عندما كنا ندخل في نقاشات مع المسيحيين لقناعهم بالسلم ‪،‬‬
‫فبدأت أنظم طريقة البحث مستعينا بعدة كتب بمعاونة المير مثل "الملل والنحل" للشهرستاني ‪،‬‬
‫و"الفصل في الملل والهواء والنحل" لبن حزم وبعض كتب التاريخ والسيرة ‪ ،‬وكلها كانت تهاجم‬
‫المسيحية ‪ ،‬أخذت كل النصوص التي ذكرها ابن حزم وقال أنها تناقض بعضها البعض ‪ ،‬وبحثت‬
‫عنها في الكتاب الصلي فكنت كثيرا ما أجد النصوص إما مذكورة لكن بنصوص مختلفة أو‬
‫منسوبة لشخاص مختلفين ‪ ،‬ول أخفي سرا أنني وجدت كثيرا من النصوص التي بها اختلفات‬
‫لكن لو أخذنا هذه النصوص كحجة على عدم صحة التوراة فعلينا أن نقبل مثيلتها في القرآن‬
‫ويكون القرآن أيضا من عند غير ال ( قمت فيما بعد بالرد عما كنت أعتقده تناقض واختلف في‬
‫بحث تحت عنوان الرد على ابن حزم ) ‪ ،‬كنت أبحث بإخلص وبمحبة غامرة ل وللرسول ‪ ،‬لم‬
‫أكن مدفوعا بفكر عنصري بل كان الدافع هو النتصار ل ولدينه الحنيف ‪ ،‬وقد لفت انتباه‬
‫المجموعة الصغيرة التي أنا أميرها اهتمامي بالكتاب المقدس وكانوا دائمي السئلة عن سبب ذلك‬
‫كنت كثيرا ما ألجأ للكذب عليهم لن ذلك ضرورة فكنت أبرر ذلك بأننا نتقابل مع شباب مسيحيين‬
‫ندعوهم للسلم مما يحتم علينا ضرورة معرفة ما يقولون ‪ ،‬بعد أن تعثرت محاولتي للبحث عن‬
‫مدخل لهدم التوراة من خلل إيجاد الختلفات والتناقضات ؛ قررت أن أحاول في الشق الثاني‬
‫من البحث ‪ ،‬وهو إثبات نبوة محمد من خلل التوراة والنجيل لتحقيق مصداقية آية سورة‬
‫العراف ‪ ،‬فتشت كثيرا في كتاب رحمة ال الهندي ووجدت ما كنت اصبوا إليه وانتفضت فرحا‬
‫بما وجدت ‪ ،‬وشعرت أنني أخيرا قد وجدت ضالتي ‪ ،‬صليت ركعتين شكر ل على أن هداني إلى‬
‫هذه النصوص ‪ ،‬بدأت في تدوينها بالترتيب كما يلي ‪:‬‬
‫‪.1‬‬

‫تــك ‪20 : 17‬‬

‫‪.2‬‬

‫تــك ‪10 : 49‬‬

‫‪.3‬‬

‫تــث ‪20-18 : 18‬‬

‫‪.4‬‬

‫تــث ‪21 : 32‬‬
‫‪- 67 -‬‬

‫حارة النصارى‬
‫‪.5‬‬

‫تــث ‪3-1 : 33‬‬

‫‪.6‬‬

‫أشعيـاء ‪9 : 42‬‬

‫‪.7‬‬

‫أشعيـاء ‪3-1 : 54‬‬

‫‪.8‬‬

‫أشعيـاء ‪2-1 : 65‬‬

‫‪.9‬‬

‫مــزمور ‪3-1 : 45‬‬

‫‪.10‬‬

‫مزمـور ‪3 : 149‬‬

‫‪.11‬‬

‫دانيـال ‪32-31 : 2‬‬

‫‪.12‬‬

‫مـت ‪2 : 3‬‬

‫‪.13‬‬

‫مــت ‪31 : 13‬‬

‫‪.14‬‬

‫مـت ‪1 : 20‬‬

‫‪.15‬‬

‫مـت ‪33 : 21‬‬

‫‪.16‬‬

‫يـو ‪15 : 14‬‬

‫‪.17‬‬

‫رؤ ‪27 : 2‬‬

‫لم تكن تلك هي كل النصوص التي ذكرها رحمة ال الهندي وزعم أنها إثبات لنبوة محمد ‪ ،‬بل‬
‫كان هناك نصوص أخرى قمت باستبعادها لضعف دللتها ‪ ،‬فلقد كان تعاملي مع هذه النصوص‬
‫غاية في التدقيق والموضوعية لن هذا كان شأننا كجماعة مؤمنة فريدة على ظهر الرض ‪ ،‬فلم‬
‫نكن نقبل لي نص من أي فرد بدون دليل ودليل صادق موثوق فيه ‪ ،‬ل أخفي أن هذه النصوص‬
‫من حيث الظاهر كانت مغرية لي مسلم لن يقبلها ؛ لكن بالتدقيق وهذا حال المسلمون‬
‫الصوليون قد يفاجأ بعدم صحة الستنباط المستنتج من الدليل ؛ لذا قمت بتجميع كل الكتب التي‬
‫رأيت أنها قد تساعدني في بحثي هذا ‪ ،‬وبدأت أرسم مستقبل حياتي بعد نجاحي في هذا البحث ‪،‬‬
‫وكم سأكون قد قدمت خدمة ل وللرسول إضافة إلى الربح المادي الذي ينتظرني والذي بدأت‬
‫معالمه عندما ذهبت أنا والمير إلى مكتبة أنصار السنة وعرضنا عليهم فكرة الكتاب التي نالت‬
‫إعجابهم بل إنهم قد طلبوا مننا فصل واحد فقط من الكتاب وهم سيشترون حقوق طبعه ‪ ،‬كل تلك‬
‫الحلم كانت تراودني لكن كان يطغى عليها انتصاري لدين ال ‪.‬‬

‫‪- 68 -‬‬

‫حارة النصارى‬
‫أخذت أعيد قراءة الكتاب المقدس وأصبحت علقتي به على أحسن وجه حتى أنني أدمنت قراءته‬
‫‪ ،‬وكنت أكتب الدليل تلو الخر وأحاول أن أثبت بالحجج والبراهين أنه ينطبق على محمد ‪،‬‬
‫كانت المفاجئة غير سارة ‪ ،‬وربما كان سبب ذلك أنني كنت مبالغا في تدقيقي ليس لغرض‬
‫المبالغة فقط بل للجزم بصدق نبوة محمد ‪ ،‬فكنت استعين بكتاب ياقوت الحموي ( معجم البلدان )‬
‫عندما تعرضت لسم مدينة تسمى فاران ؛ لعرف أين تقع وما هو اسمها الحالي ؟ وأحيانا‬
‫معاجم لغوية مثل لسان العرب ومعاجم عبرية لعرف ما معنى "شيلون" مثل ‪،‬وكنت أريد أن‬
‫أخرج كتابا ل يمكن لحد أن يطعن أو يحتج عليه ‪ ،‬لكن جاءت الرياح بما ل تشتهي السفن إذ بدأ‬
‫النهيار التدريجي للنصوص واحدا تلو الخر ‪،‬كما يلي ‪:‬‬
‫انهار أمامي أول دليل بمعنى أنني لم أوفق في إثبات أن نص التكوين ينطبق على محمد من عدة‬
‫وجوه ل مجال لذكرها هنا ؛ إذ قد كتبتها في كتيب منفرد تحت عنوان ( الحق المكتوم ) وسجلت‬
‫في هذا الكتيب كل الدلة وكيف كنت أستدل بها ‪ ،‬وكيف اكتشفت أنها ل تدل على شخص‬
‫محمد ‪ ،‬ولذلك لن نتناول التعليق على هذه النصوص هنا ‪.‬‬
‫انتهيت من دراسة كل هذه النصوص ولم أجد فيها ما يدل على ما كنت أبحث عنه ‪ ،‬امتزجت‬
‫لدي مشاعر الحزن والسى بالقلق والضطراب ‪ ،‬لكن لم يتبادر إلى ذهني مجرد التفكير في أن‬
‫يكون محمدا ليس بنبي ‪ ،‬بل كان تعليقي الذي أواسي به نفسي هو أنني قد فشلت في الربط بين‬
‫الدلة وشخص الرسول ‪ ،‬قررت أن أعيد المحاولة ثانية من خلل دراسة كتب أخرى غير إظهار‬
‫الحق ‪ ،‬كان لدي كتاب اسمه دلئل النبوة ‪ ،‬معجم البلدان ‪ ،‬وإعلم الموقعين ‪ ،‬والموسوعة‬
‫العربية الميسرة ‪ ،‬كنت أحاول بكل جهدي لكي ل أفشل لن الفشل يعني بالنسبة لي الدمار الكامل‬
‫لتاريخ حياة مملوءة بالمشقات والضيقات ‪ ،‬فكيف يصبح ذلك سرابا ؟‬
‫لم تكن المحاولة الثانية أفضل من الولى بل على النقيض من ذلك ‪ ،‬قد اكتشفت في المرة الثانية‬
‫أشياء لم أكن أعرفها في المرة الولى ‪ ،‬ولم تكن أشياء في صالح البحث بل كانت ضده ‪ ،‬كنت‬
‫بين لحظة وأخرى استرق نظرات أجول بها هنا وهناك متفرسا في الكم الكبير من الكتب‬
‫والمراجع السلمية التي تمل مكتبتي ‪ ،‬وأجدني أحيانا أخاطب نفسي ‪:‬‬
‫هل من المعقول أن تكون كل هذه الكتب خادعة لنا ‪ ،‬وتقدم لنا شخصية وهمية ؟ إن صح ذلك‬
‫فل يستحق ال منا أن نعبده ‪ ،‬لكن لم أكن أسترسل في ذلك بل على الفور كنت أردد أستغفر ال‬
‫العظيم وأنهض متوضئا لصلي ركعتين أطرد بهما إبليس ‪.‬‬
‫فجأة وبدون مقدمات وجدت نفسي أهمل التفكير في موضوع البحث وأعاود قراءة الكتاب للمرة‬
‫الثالثة وفي كل مرة كنت أقرأ فيها الكتاب كنت أجد حلوة غريبة حتى أنني كنت أخشى على‬
‫نفسي من سحر هذا الكتاب الذي قد يصيبني نتيجة القراءة المستمرة فيه ‪ ،‬لننا كنا نقول أن‬
‫النصارى سحرة ويستمدون سحرهم مما يسمونه التوراة والنجيل ؛ إذ كان يشدني إليه بطريقة‬
‫غريبة ل أستطيع مقاومتها ‪.‬‬
‫كان المير منتظما في زيارته لي ‪ ،‬وفي كل مرة كنت أتوقع منه أن يضيق مني لعدم عمل أي‬
‫شيء ‪ ،‬وتوقعت منه كذلك أن يعفيني من البحث ‪ ،‬لكنه كان في كل مرة أكثر إصرارا من‬
‫‪- 69 -‬‬

‫حارة النصارى‬
‫سابقتها على أنني الفضل لعمل هذا البحث ‪ .‬عاودت القراءة في إنجيل متى وتعثرت من مطلعه‬
‫في الصحاح الول عندما رأيتهم يردون نسب المسيح إلى داود ‪ ،‬فقلت ما هؤلء إل مجانين حقا‬
‫‪ ،‬وكنت أتعزى بذلك وأحتفظ ببعض المل في أن أجد ما أريد ‪ ،‬سحرني إنجيل متى في‬
‫إصحاحاته الرابع والخامس والسادس ‪ ،‬ورغم أنني قد قرأته مرتين من قبل إل أنني في هذه‬
‫المرة وجدت نفسي وكأني أقرأه للمرة الولى‬

‫وشعرت كأن يدا تمتد نحو رأسي لتربت على ذهني ولسان حالها يقول ‪:‬‬
‫أما آن الوان لتفهم ما تقرأ ول تنشغل بال بالخطأ والصواب ‪ ،‬وفي نفس الوقت كنت أشعر‬
‫وكأني أغيب عن الوعي وأحس بقشعريرة خفيفة ل أدري سببها ‪ ،‬وجدت النجيل يتكلم عما نفعله‬
‫مع المسيحيين وكأنه يعيش بيننا ‪ ،‬وجدته يتكلم عن الضطهاد والتعيير والقتل الذي كنا نحسبه‬
‫طاعة ل ‪ ،‬قلت غريب أمر هذا النجيل كيف علم بما نقوله وما نقوم به إزاء المسيحيين ‪ ،‬قد‬
‫يكونوا علموا بذلك وقاموا بتدوينه حديثا ‪ ،‬كنا نفسر محبة المسيحيين وتواضعهم على أنها جبن‬
‫وخوف منا نحن المسلمون لنهم قلة مستضعفون ‪ ،‬وكان ل بد أن ينطبق عليهم قول ال ‪:‬‬
‫"ضربت عليهم الذلة والمسكنة"‬
‫ولكنني وجدت نصوص تحثهم على المحبة والطاعة والخضوع ومحبة العداء ‪ ،‬فكيف يمكن‬
‫لنسان أن يكتب سبب مذلته بنفسه ؟ وللمانة كنت كلما قرأت أمر ال للمسيحيين أن يحبوا حتى‬
‫أعداءهم طافت بذاكرتي معاملتي السيئة لوالدي ووالدتي ‪ ،‬كنت أتفنن في القسوة عليهم ‪ ،‬ولم يكن‬
‫يهدأ لي بال حتى أرى علمات اللم على وجوههم ‪ ،‬وأتمادى في القسوة حتى أرى ثمارها ‪،‬‬
‫وذات مرة مرضت ودخلت أحد المستشفيات وأجريت لي عملية جراحية خطيرة وأراد والدي أن‬
‫يراني ليطمئن عليّ فرفضت وقلت إنه كافر ل أريد أن أراه ‪ ،‬كذلك والدتي التي كانت تتعرض‬
‫لبشع من ذلك ‪ ،‬حتى أنها عندما كانت ترسل لي الطعام كنت أرفضه المر الذى دفعها الى أن‬
‫ترسله عن طريق طرف آخر ‪ ،‬وكانت تقف في الشارع أمام شباك غرفتي بالمستشفى ساعات‬
‫طويلة تلفحها حرارة الشمس الحارقة علها تسترق نظرة أو نظرات لتراني فيها ‪ ،‬كنت كلما‬
‫تذكرت ذلك سالت عيني بالدموع ‪ ،‬وألعن ذلك اليوم الذي عرفت فيه ال ‪ ،‬وكنت أعزي نفسي‬
‫بأن أحاول أن أتذكر ما فعله أبو عبيده ابن الجراح وأبو بكر الصديق بوالديهما ‪ ،‬ومصعب بن‬
‫عمير بوالدته فيهدأ بالي قليلً ‪ ،‬انتهيت من إنجيل متى لكن كلماته لم تنتهي من ذاكرتي‬
‫واستمرت تطاردني ليل نهار كلما هممت بفعل شيء شرير ‪ ،‬وقرأت باقي الناجيل والرسائل‬
‫ووجدت فلسفة وبلغة تفوق ما هي للقرآن ‪ ،‬وحيث أن هذه سابقة للسلم ب ‪ 630‬سنة فكيف‬
‫نقول إن القرآن ل يماثله شيء في البلغة ‪ ،‬وفي إحدى ليالي الشتاء القارس كنت أقرأ أحد‬
‫السور القرآنية علي أستطيع أن أتخلص مما علق بذهني من كلم إنجيل متى ‪.‬‬
‫كنت أنا وبقية الخوة نغار أو نحقد على المسيحيين لنهم كانوا قريبين من الناس ويكسبون‬
‫محبتهم وودهم بسهولة في الوقت الذي كنا نحن عاجزين عن إقامة مجرد علقة يتوافر لها الحد‬
‫‪- 70 -‬‬

‫حارة النصارى‬
‫الدنى من التسامح الذي يمكننا من دعوتهم للسلم ‪ ،‬وكثيرا من الحيان ما كان يمثل ذلك لنا‬
‫عقبة شديدة ؛ إذ أن طريق دعوتنا ل يعطينا أي قدر من التسامح الذي به نقدر أن نبني نوع من‬
‫العلقات التي تقربنا منهم ثم اجتذابهم للسلم ‪ ،‬كانت كل حياتنا عنف وقسوة وإرهاب ‪ ،‬ول‬
‫تستغربوا فلم يكن سلوكنا هذا من عند أنفسنا بل إننا لو لم نفعل ذلك فلسنا من ال في شيء ‪ ،‬إذ‬
‫أن ال قد حدد لنا في القرآن والسنة كيف نعامل الكفار على اختلف كفرهم ‪ ،‬سواء كانوا أهل‬
‫كتاب أو مشركين أو متمسلمين ‪،‬ففي أهل الكتاب قال ‪ :‬يا أيها الذين آمنوا ل تتخذوا اليهود‬
‫والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض ومن يتولهم منكم فإنه منهم إن ال ل يهدي القوم‬
‫الظالمين [‪ " ]1‬هذا بخصوص أهل الكتاب أما بخصوص الكفار من نوعيات أخرى كمسلم ل‬
‫يصلي أو ل يذكي أو ل يطلق لحيته أو يرتكب أي معصية ول يتوب عنها فقال ‪ " :‬يا أيها الذين‬
‫آمنوا ل تتخذوا الكافرين أولياء من دون المؤمنين "[‪ ]2‬وبخصوص الهل والقارب قال ‪ " :‬يا‬
‫أيها الذين آمنوا ل تتخذوا آباءكم وإخوانكم أولياء إن استحبوا الكفر على اليمان ومن يتولهم‬
‫منكم فأولئك هم الظالمون "[‪ ]3‬وهناك آية أعم وأشمل تقول ‪ :‬ل تجد قوما يؤمنون بال واليوم‬
‫[‪]4‬‬
‫الخر يوادون من حاد ال ورسوله ولو كانوا آبائهم أو أبنائهم أو إخوانهم أو عشيرتهم ‪" . .‬‬
‫‪ ،‬ولو أضفنا إلى كل تلك اليات الحديث الصحيح الذي يرويه البخاري ومسلم والترمذي عن ابن‬
‫عمر أن محمد قال ‪ :‬ل تسلموا على أهل الكتاب ول تردوا عليهم السلم وإن قابلوكم في طريق‬
‫فاضطروهم إلى أضيقه " [‪ ]5‬وهناك أضعاف هذه اليات التي كانت تحكم علقتنا بالهل‬
‫والصحاب وغير المسلمين ‪ ،‬لم يكن لنا نحن أي دخل أو أي سلطة في تحديد هذه العلقة ‪،‬‬
‫وببساطة لن الفكر السلمي عامة والقرآن خاصة ل يعطي للمسلم مساحة لستخدام العقل ‪ ،‬لكن‬
‫العكس كل من يستخدم عقله للتأمل في آية أو حديث يعد كافرا إذ عليه أن يقبلها كما فسرها محمد‬
‫ل فليسكت عنها ويعتبرها من المتشابه الذي ل يجوز القتراب منه ومن‬
‫وإن لم يقل محمد فيها قو ً‬
‫هنا كان الحديث الصحيح الذي يرويه البخاري عن ابن عباس ‪ " :‬من قال في القرآن برأيه فليتبوأ‬
‫مقعده من النار" ‪.‬‬
‫ترى بعد هذا الكم من النصوص القرآنية والحاديث الصحيحة هل كان بإمكاننا أن نكون مهادنين‬
‫أو لطفاء أو ودعاء لكل من ليس على شاكلتنا ؟ بالطبع ل ؛ ولو حدث فنحن كما يقول القرآن‬
‫نكون قد ركنّا إلى الذين كفروا " و ل تركنوا للذين كفروا فتمسكم النار " ‪.‬‬

‫[‪ ]1‬الائدة ‪51‬‬
‫[‪ ]2‬النساء ‪114‬‬
‫[‪ 23 ]3‬التوبة‬
‫[‪ ]4‬الجادلة ‪22‬‬

‫‪- 71 -‬‬

‫حارة النصارى‬
‫[‪ ]5‬البخاري كتاب السلم ‪121‬‬

‫نتيجة لذلك كله كنت أتفرس والغيظ يمل قلبي عندما كنت أمر على أي نص في النجيل يتحدث‬
‫عن المحبة والعفو والغفران والتسامح ‪ ،‬حتى أنني كثيرا ما كنت أشعر بالخجل بيني وبين نفسي‬
‫وأنا أقرأ هذا في النجيل الذي نتهمه بالتزوير ‪ ،‬وأقول إذا كانوا هم قد زوروا واكتسبوا محبة‬
‫الناس بشهادة المسلم والكافر فلماذا نحن الذين لم نزور شيء نفتقد لهذا ؟ بالتأكيد هناك شيء !!‬
‫كنت أحاول جاهدا أن أطرد ذاك الشبح الفكري الذي بدأ يطاردني ‪:‬‬
‫ماذا لو لم تستطع أن تصل إلى نتيجة في بحثك ؟ لدرجة أنني كلما تطرقت إلى هذا التفكير‬
‫صرخت بأعلى صوتي قائلً ‪ :‬استغفر ال العظيم ‪ ،‬أشهد أن ل إله إل ال وأشهد أن محمد رسول‬
‫ال ‪ ،‬وأسارع للصلة لتخلص من هذه الهواجس ولسان حالي يقول ‪ :‬كيف ل ‪ .‬ل ‪ . .‬ل ‪. .‬‬
‫محمد رسول ال حتى ولو لم أجد ما يؤكد ذلك في التوراة والنجيل وبمرور اليام بدأت المشكلة‬
‫تتفاقم أمامي ‪ ،‬إذ بدلً من أن أتفكر فيما يثبت صدق نبوة محمد في التوراة والنجيل ‪ ،‬وجدت‬
‫نفسي أمام مشكلة جديدة وهي ‪ :‬كيف ألغي تأثير هذا الكلم العذب الذي عرفته من التوراة‬
‫والنجيل ‪ ،‬أو كيف أقدر أن أثبت أن ما علمته ليس من عند ال بخصوص التوراة والنجيل ‪ ،‬إذ‬
‫أن كل الفكار المدونة فيهما جيدة ويستحيل أن تكون من صنع بشر ‪ ،‬كيف يقدر البشر أن ينفذوا‬
‫بهذه الطريقة إلى أعماق المستقبل ويتكلموا منذ ألفي عام عن أمور تحدث الن ‪ ،‬لو سلمنا بأن‬
‫هذا من صنع البشر لقلبنا كل الموازين اللهية إذ نضع النسان معادلً ل في الفهم والحكمة ‪،‬‬
‫ونحن نعلم أن ال ليس كمثله شيء وهو السميع العليم " وجدت نفسي فجأة أقرأ في سفر المزامير‬
‫وهو المعروف لدينا بالزبور ‪ ،‬وانتقلت لقراءة سفر المثال حتى أنني حفظت آيات من مزمور‬
‫‪ 23 ، 143‬وكنت أرددها في الصلة ‪ ،‬وكلما سمعني أحد يعجب جدا بها ويطلب مني أن أكتبها‬
‫له ليدعوا بها ‪ ،‬تكررت محاولتي في البحث عن أدلة تتعلق بنبوة محمد ‪ ،‬وعدم صحة الكتاب‬
‫المقدس ‪ ،‬كلها باءت بالفشل لكنها لم تتركني وشأني بل قلقلت الكثير من الفكار والشكوك بداخلي‬
‫‪ ،‬تظاهرت بنسيان تلك الشكوك لكنها كانت أقوى مني لنني أحب ال أينما كان ‪ ،‬لكن خلفيتي‬
‫وحبي لديني كانا يمنعاني من مجرد التفكير في أن يكون دين السلم ليس هو طريق ال الذي‬
‫رسمه لنا بدأت حياتي تضطرب وأفكاري ل تهدأ والقلق يملني ‪ ،‬لم أقدر أن أنام كما كنت من‬
‫قبل ‪ ،‬ولول مرة وقفت دقائق معدودة وأنا أصلي الفجر وكنت أقرأ سورة السراء فإذا بي‬
‫أتوقف عن القراءة وأشرد بذهني قائلً ‪ :‬ترى ماذا سيكون موقفك لو فرضنا أن السلم ليس هو‬
‫الطريق المؤدي إلى الجنة ؟‬
‫حاولت الهروب من الجابة لكن لم أستطع ‪ ،‬لم أكمل الصلة وانخرطت في بكاء شديد حتى‬
‫غلبني النعاس فاستلقيت على السجادة حتى أيقظتني والدتي ‪ ،‬ذهبت إلى العمل وأنا شارد الذهن ل‬
‫أدري إلى أين أسير ول إلى من أتكلم ‪ ،‬وبعد عودتي للمنزل وجدت نفسي مدفوعا بقوة للقراءة‬
‫في النجيل فقرأت في إنجيل يوحنا من أول إصحاح حتى الصحاح العاشر ‪ ،‬وجدت فيه كل ما‬
‫يمكن أن يقال من بلغة وفلسفة وتعابير لغوية غاية في الدقة والتناسق خاصة عندما تحدث عن‬
‫الخراف والراعي والكرمة والكرام والغصان المثمرة وغير المثمرة التي يجب أن تقطع وتلقى‬

‫‪- 72 -‬‬

‫حارة النصارى‬
‫في النار فصرخت بصوت عال قائلً ‪ :‬يــارب ارحمنــي أنـا عبـدك قل لي أين أنت‬
‫أرجوك وإلى أي الفئتين تنتمي ‪ ،‬هل أنت عند النصارى أم اليهود أم المسلمين ؟‬
‫من فضلك تحنن علي فأنا عبدك وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت ‪ ..‬أعترف بفضلك علي ‪،‬‬
‫ل أقدر أن أقف أمامك ‪ ،‬ول يليق بك أن تقف ندا أمام نفخة نفختها من روحك ‪ ،‬أنت ال الذي‬
‫يقدر وأنا العبد الذي ل يقدر إل إن أنت سمحت له ‪ ،‬أنت ال الرحمن الرحيم وأنا عبدك بل حول‬
‫ول قوة ناصيتي بيدك كل أموري لديك ‪ ،‬لقد أحببتك من الصغر ‪ ،‬بذلت نفسي ليس طمعا في‬
‫ن ول بعذاب ول بكل المسكونة إن وقفت أمام طريقي إليك ‪،‬‬
‫جنتك ولكن حبا فيك ‪ ،‬لم أبالي بسج ٍ‬
‫لماذا تعاملني هكذا ؟ كنت أسير على درب محبتك التي أعلمنا إياها نبيك وها أنا أجد نفسي‬
‫عاجزا عن أن أستمر على نفس الطريق ‪ ،‬كلهما يقول أنك إله لكن ل أدري أيهم على صواب‬
‫وأيهم على خطأ ؟‬
‫يا رب هل أقسم لك إني أحبك ؟ كل فأنت تعلم ‪ ،‬كم تحملت من الصعاب في مسيرتي نحوك ‪،‬‬
‫تركت دراستي ‪ ،‬وأهلي ‪ ،‬وأصدقائي ‪ ،‬تغربت كثيرا وسجنت كثيرا ‪ ،‬وعُذبت كثيرا لجلك فلماذا‬
‫ل تتجاوب معي ؟ إن كنت أنت إله المسلمين فاخلع من فكري كل شيء عدا السلم وإن كنت‬
‫أنت إله النصارى فأعطني بصيص من نور أقتدي به ؟‬
‫كنت ل أنام من الليل إل سويعات قليلة وكل تفكيري منصبا نحو ‪ ..‬ماذا لو وجدت أن السلم‬
‫ليس طريق ال ؟‬
‫بل أن طريق ال هو من خلل التوراة والنجيل ؟‬
‫هل ستسلك مثلما يسلك النصارى ؟‬
‫كنت عندما تطوف بفكري هذه الجملة أشعر بقشعريرة شديدة وكأنني ذكرت شيئا ألم عليه من‬
‫ال والناس ‪ ،‬وذات يوم تخلى عنى الخوف والشك فوجدت نفسي أقول ‪:‬‬
‫ماذا تريد ؟ كفاك مهاترات أنت الن لست كما كنت من قبل ‪ ،‬أمامك طريقان كل منهم يبدو‬
‫مستقيما فل تضيع الوقت وابحث جاهدا عن طريق ال وليس من المهم أن يكون عند اليهود أو‬
‫النصارى أو المسلمين ‪ ،‬المهم أن يكون طريق ال ‪ ،‬هذا إن كنت حقا تبحث عن ال هذا قدرك‬
‫ول بد أن تسلم بقدرك ‪ ،‬ثق أنه بقدر إخلصك سيكون تجاوب ال معك ‪ ،‬إنسي أنك مسلم وابحث‬
‫من جديد ‪ ،‬ماذا يمنعك ؟‬
‫قلت ل شيء يمنعني ؛ لكن قُد يارب خطواتي أنت واعطني قوة لن هذه تجربة صعبة وإن لم‬
‫تعينني عليها فسوق تتخبطني الشياطين وأمكث في الرض حيران بل سند ‪ ،‬أرجوك يا رب‬
‫ساعدني وأعدك يا رب أن اتبعك أينما كنت حتى لو كنت عند النصارى الذين ل أطيق رؤيتهم ‪،‬‬
‫بعد ذلك شعرت بهدوء غريب يسيطر على كل تفكيري وكياني ولول مرة أجد نفسي أفكر‬
‫بعقلنية وبل عصبية ‪ ،‬فقررت التي ‪:‬‬

‫‪- 73 -‬‬

‫حارة النصارى‬

‫إن النصارى قد كفروا لسببين ‪:‬‬
‫الول ‪ :‬أنهم قالوا إن ال هو المسيح عيسى ابن مريم ‪.‬‬
‫والثاني ‪ :‬أنهم يقولون أنه مات على الصليب وقام مكفرا عن خطايا الناس ‪ ،‬ترى ماذا يحدث لو‬
‫أنني توجهت ببحثي نحو هاتين القضيتين لتحقق من مدى صحة كل منهما بمفهوم إسلمي ‪ ،‬أي‬
‫أن أرى ماذا قال علماء ومفسري السلم بخصوص هاتين القضيتين ؟ ‪.‬‬
‫أولً ‪ :‬بدأت أبحث في كتب التاريخ السلمي والسيرة والتفسير عن كل ما يتعلق بخصوص‬
‫المسيح وهل تحققت في المسيح كل صفات ال المذكورة في القرآن أم ل ؟ كانت مصادر بحثي‬
‫هي الكتب الصحيحة الخالية من الوضع والسرائيليات ‪ ،‬مثل "تفسير ابن كثير" ‪" ،‬تاريخ السلم"‬
‫للذهبي ‪" ،‬البداية والنهاية" لبن كثير ‪"،‬الملل والنحل" للشهرستاني ‪" ،‬الفصل في الهواء‬
‫والنحل"للعلمة ابن حزم المعروف بأبو محمد ‪" ،‬السفار المقدسة قبل السلم" ‪" ،‬النصرانية بين‬
‫العقل والنقل" ‪،‬وكانت نتيجة البحث أنني وجدت صفات للمسيح لم يتناولها المسيحيون أنفسهم في‬
‫كتبهم ‪ ،‬ومن هذه‪:‬‬
‫‪ -1‬القدرة على الخلق ‪ :‬قال القرآن في سورة النعام آية ‪" 102‬ذلكم ال ربكم ل إله إل هو خالق‬
‫كل شيء" ‪ ،‬وفي سورة الحجر "إن ربك هو الخلق العظيم" ‪ ،‬وفي سورة الحج "إن الذين تدعون‬
‫دون ال لن يخلقوا ذبابا ولو اجتمعوا له" ‪ ،‬وفي النحل أيضا "والذين يدعون من دون ال ل‬
‫يخلقون شيئا وهم يخلقون" ‪ ،‬وفي سورة النمل "أم من يخلق كمن ل يخلق"‬
‫هذه بعض من النصوص التي تقصر وتحصر الخلق ل ‪ ،‬بل إن ال عندما أراد أن يقارن ذاته‬
‫باللهة الخرى استخدم خاصية الخلق وجعلها ميزة تجعله فوق كل اللهة ‪ ،‬وكما علمنا فإن‬
‫المسيح كان يخلق وباعتراف صريح وواضح من القرآن ‪ ،‬ففي سورة آل عمران قال المسيح‬
‫عن نفسه ‪ :‬إني أخلق لكم من الطين كهيئة الطير فانفخ فيه فتصير طيرا بإذن ال " وقال أيضا‬
‫في سورة المائدة ‪" :‬وإذ تخلق من الطين كهيئة الطير بإذني " ‪ ،‬وعندما قرأت ذلك قلت في نفسي‬
‫‪:‬‬
‫إن ال هو الذي أعطى المسيح هذه القدرة ‪ ،‬ولم يكن يمتلكها من عند ذاته ‪ ،‬لكن عدت لقول ‪:‬‬
‫حتى ولو أن هذا كان بسماح من ال فيكفي أنه الوحيد الذي أعطاه ال ليكون معادلً له في‬
‫خاصية من خصائصه اللهوتية ‪،‬ولو كانت كرامة لكان محمد أولى بها ‪ ،‬بل إنه قال عن محمد ‪:‬‬
‫"إنك ل تسمع الصم الدعاء" وهذه أبسط من الخلق إن ال قد منع محمد من مجرد أن يعيد السمع‬
‫للصم وهو خير خلق ال وخاتم رسله ‪ ،‬وتحدى ال الخلق أن يخلقوا مجرد ذبابة وهو ها هنا‬
‫يعطي المسيح القدرة على خلق الطير ‪ ،‬والمسألة ل تقف عند حجم المخلوق بل هي من حيث‬
‫المبدأ لن من يخلق القليل يخلق الكثير وهذا ل يمكن أن يكون للناس من دون ال ‪.‬‬
‫‪- 74 -‬‬

‫حارة النصارى‬
‫‪ -2‬عــلم الغيــب ‪ - :‬قال ال عن نفسه في القرآن ‪ " :‬قل ل يعلم من في السموات‬
‫والرض الغيب إل ال " النمل ‪" 65 :‬وعنده مفاتح الغيب ل يعلمها إل هو " النعام ‪ ، 59:‬ففي‬
‫الية الولى أسلوب قصر وحصر أي أن علم الغيب مهما كان محصور ومقصور على ال‬
‫يستحيل أن يشاركه فيه أحد ‪ ،‬والية الثانية تحوى "ل" نافية للجنس أي جنس المخلوقات التي‬
‫يمكن أن تدعي علم الغيب إذ أن مفتاح الغيب عند ال وحده ‪ ،‬وقد حكى القرآن عن محمد أنه‬
‫كان يلوم كل من ينسب إليه علم الغيب فقال ‪ " :‬قل ل أقول لكم عندي خزائن ال ول أعلم الغيب‬
‫" النعام ‪ ، 50‬وقال لمعاذ عندما قال له إن شاء ال وشئت ‪ :‬أجعلتني ل ندا وال ل يعلم من في‬
‫السماوات والرض الغيب إل ال ؟ لكن بخصوص المسيح نجد كل الحواجز تزال والمحذور‬
‫يباح والغير مستطاع للبشر مستطاع لديه فيقول القرآن ‪ " :‬وأنبئكم بما تأكلون وما تدخرون في‬
‫بيوتكم " آل عمران ‪49‬والغريب أن المسيح في كل تلك الصفات يتكلم بضمير المخاطب وكان ل‬
‫بد وأن يكون ال المتكلم لنه المانح له هذه كما كان يحدث مع محمد فيقول له قل ‪ ، :‬لكن‬
‫المسيح تفرد بأن قال عن نفسه ؛ وهذا يعني أن ذلك كان بيده ولم يكتسبه من أحد ‪ ،‬وهناك في‬
‫كتاب البداية والنهاية لبن كثير الجزء الثاني صفحة ‪ 86‬رواية شعرت بالخجل عندما قرأتها إذ‬
‫وجدت فيها إقرار ل يقبل الشك أن المسيح كان يمتلك قدرة غير عادية على الخبار بالغيبيات‬
‫ولطول هذه الرواية أنصح بقراءتها في الشاهد المذكور ‪.‬‬
‫‪ -3‬يشــفي المـرضى ‪ :‬قال القرآن أن ال وحده هو الشافي مرة على لسان إبراهيم ومرة‬
‫على لسان محمد فيقول ‪ " :‬وإذا مرضت فهو يشفين " والحديث الصحيح ‪ :‬اللهم ل شفاء إل‬
‫شفاءك ‪.‬‬
‫والمسيح يقول عن نفسه ‪ " :‬وأبرئ ألكمه والبرص " آل عمران‪49 :‬‬
‫‪ -4‬يحيــي ويميــت ‪ :‬ال وحده هو صاحب سلطان الحياة والموت ول يستطيع أحد أن‬
‫يحيي ويميت فقال القرآن ‪ " :‬وإنا لنحن نحيي ونميت ونحن الوارثون " الحجر‪ ، 33 :‬وقال ‪" :‬‬
‫إنا نحن نحيي الموتى ونكتب ما قدموا وآثارهم " يـس ‪ ، 12 :‬وقال " إنا نحن نحيي ونميت‬
‫وإلينا المصير " ق ‪43:‬‬
‫وبخصوص المسيح يحكي القرآن أنه قال ‪ " :‬وأحيي الموتـى بإذن ال " آل عمران‪49 :‬‬
‫ويروي ابن كثير في كتاب البداية والنهاية الجزء الول صفحة ‪ ،84‬رواية مفادها باختصار أن‬
‫المسيح رأى امرأة تبكي على أبنة لها ماتت منذ زمن طويل فسألها ما يبكيك يا امرأة قالت ‪:‬‬
‫ماتت ابنتي وليس لي ولد غيرها ‪ ،‬فقال أرأيت لو أحييتها لك أتريدين ذلك ؟ قالت نعم يا روح ال‬
‫‪ ،‬فوقف المسيح على رأس القبر ونادى ثلث مرات على الصبية ففي الثالثة قامت تنفض عنها‬
‫التراب وتكلمت مع أمها ‪ ،‬و[‪]1‬بعد ذلك طلبت من المسيح أن يعيدها للموت فقال لها عودي كما‬
‫كنت فانغلق القبر عليها وماتت "‬
‫‪ -5‬القدرة على الرزق ‪ :‬قال القرآن "إن ال هو الرزاق ذو القوة المتين" الذاريات‪ ، 57 :‬وهذا‬
‫أسلوب توكيد أن الرزق من عند ال وحده ‪ ،‬وقد وبخ ال كل من اعتقد أنه يقدر أن يرزق‬
‫‪- 75 -‬‬

‫حارة النصارى‬
‫الناس ‪ ،‬وقد تحقق ذلك بالنسبة للمسيح فقال ابن كثير إن المسيح كان له كرامة أن يرزق من‬
‫يشاء وتجلى ذلك عندما أطعم الخمسة آلف نفس بقليل من الخبز والسمك ‪. #‬‬
‫‪ -6‬ليس كمثله شيء ‪ :‬يقول القرآن عن ال ‪ " :‬ليس كمثله شيء وهو السميع البصير "‬
‫الشورى ‪ 14‬وبخصوص المسيح ل جدال أنه ليس كمثله شيء ‪ ،‬فقد خلق من غير رجل ‪ ،‬وهو‬
‫الوحيد الذي قيل عنه ‪ :‬كلمة ال وروح منه ‪ ،‬وهو الوحيد الذي ليس لبليس سلطان عليه منذ‬
‫ولدته ‪ ،‬وهو الوحيد الذي كان يحيطه حجاب من دون سائر البشر ‪ ،‬وهو الوحيد الذي امتلك‬
‫صفات ال القدرية ‪ -7‬يقول للشيء كن فيكون ‪ :‬يصف القرآن فيما يعدد من صفات ال قائلً ‪":‬‬
‫إنما قولنا لشيء إذا أردناه أن نقول له كن فيكون " النحل ‪ ، 40‬وقوله " إذا قضى أمرا فإنما‬
‫يقول له كن فيكون " هذه صفة فريدة وصف ال بها نفسه أن يقول للشيء كن فيكون وهي ليست‬
‫كالخلق وقد تحقق ذلك للمسيح في حادثة تحويل الماء إلى خمر كما يقول ابن كثير في كتابه‬
‫‪$‬‬
‫البداية والنهاية‬
‫‪ -8‬كان عرشه علــى المـاء ‪ :‬يقول القرآن عن عرش ال ‪ " :‬وكان عرشه على الماء‬
‫ليبلوكم أيكم أحسن عمل" " هود ‪ 7 :‬قال القرطبي والحدثي أن هذه الية كانت تنطبق على‬
‫المسيح الذي تدرع بالجسد وأن ال إنما جعل عرشه على الماء ليس على سبيل الدوام ولكن‬
‫ليختبر إيمان الناس وقد سار المسيح لتلميذه ليلً على سطح بحر طبرية ليختبر إيمانهم ‪ ،‬وقال‬
‫لهم في هذه الواقعة ‪ :‬يا قليلي اليمان‬
‫‪ -9‬لــه الحكم والمــر ‪ :‬قال القرآن عن ال ‪ " :‬إن الحكم إل ل يقص الحق وهو خير‬
‫الفاصلين " النعام ‪ 57‬وقوله " فاصبروا حتى يحكم ال بيننا وهو خير الحاكمين " العراف‬
‫‪ ، 87‬وجاء عن المسيح على لسان محمد فيما يرويه البخاري عن ابن عباس ‪ :‬ل تقوم الساعة‬
‫ل فيقضي بالحق ويمحو الظلم " ‪.‬‬
‫حتى ينزل ابن مريم حكما عد ً‬
‫‪ -10‬يدرك البصار ول تدركه البصار ‪ :‬جاء في سورة النعام ‪ " 103‬ل تدركه البصار وهو‬
‫يدرك البصار وهو اللطيف الخبير " هذه صفة أخرى من صفات ال التي تحققت للمسيح كما‬
‫يروي ابن كثير والقرطبي من أن المسيح كان ذات يوم على الجبل فأراد الرومان أن يقبضوا‬
‫عليه فمرق منهم دون أن يدركوه بينما هو أدركهم وقال بذلك أحمد بن خابط في الفرق بين الفرق‬
‫‪#‬‬

‫‪ -11‬هو الرحمن الرحيم ‪ :‬جاء في سورة البقرة لية ‪ " 163‬وإلهكم إله واحد ل إله إل هو‬
‫الرحمن الرحيم " وجاء في سورة مريم آية ‪ " 93‬إن كل من في السموات والرض إل أتي‬
‫الرحمن عبدا"‬
‫ذكر الشهرستاني في كتابه الملل والنحل والزرقي في دلئل النبوة أن المسيح كان على صورة‬
‫الرحمن وكان رحيما متحننا على شعبه إذ أقام أبنة يايرس من الموت برحمته وترأف كثيرا‬
‫على المرضى برحمته فخلق عينا لرجل ولد بل عين بوضع طين عليها لن هكذا كانت سنة ال‬
‫‪%‬‬
‫في الخلق منذ الزل‬
‫‪- 76 -‬‬

‫حارة النصارى‬
‫‪ -12‬يضـرب المثال ‪ :‬جاء في القرآن أن من اختصاصات ال أنه وحده هو القادر أن يكلم الناس‬
‫بأمثال ففي الية ‪ 35‬من سورة النور و الية ‪ 25‬من سورة إبراهيم " ويضرب ال المثال‬
‫للناس لعلهم يتذكرون " ‪ " ،‬وتلك المثال نضربها للناس لعلهم يتذكرون " ‪ ،‬قال ابن كثير‬
‫والقرطبي والزمخشري في الكشاف أن ال يستخدم المثال لكي يقرب للناس ما يريده حتى يقيم‬
‫عليهم الحجة ‪ ،‬وقد كان المسيح وسط قومه يفعل ذلك ‪ ،‬والكتاب المقدس في عهده الجديد مليء‬
‫بالمثال التي لم يتكلم بها أحد من النبياء ‪.‬‬
‫‪ -13‬يرسل رسلً ويعطيهم سلطان ‪ ،‬ويؤيدهم بروحه ‪ :‬فقد جاء في مطلع سورة يس " واضرب‬
‫لهم مثلً أصحاب القرية إذ جاءها المرسلون ‪ .‬إذ أرسلنا إليهم اثنين فكذبوهما فعززنا بثالث "‬
‫ذكر ابن كثير وجميع المفسرون أن هذه القرية هي إنطاكية وهؤلء الرسل هم رسل المسيح‬
‫وذكر أسماءهم ‪ ،‬وأنهم كان لديهم سلطان من المسيح ‪ ،‬ترى من البشر كان يملك ذلك ؟‬
‫‪ -14‬عبادة غيره كفر وشرك ‪ :‬جاء في الية ‪ 30 / 29‬من سورة التوبة " قالت اليهود عزير ابن‬
‫ال وقالت النصارى المسيح ابن ال تشابهت أقوالهم يضاهئون قول الذين كفروا ‪ . . .‬اتخذوا‬
‫أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون ال والمسيح ابن مريم " قال بن قتيبة أن هذه الية مشكلة‬
‫لن فيها أن عبادة ال والمسيح فرض ول يعبد من دونهما‪ ،‬لذا فيجب أن يُعرب المسيح‬
‫كمفعول ثان وليس مضاف حتى ل يوافق أهل الكتاب من تأليه المسيح ‪.‬‬
‫‪ -15‬يأتي في ظلل من الغمام جاء في سورة البقرة ‪ " 210‬هل ينظرون إل أن يأتيهم ال في‬
‫ظلل من الغمام " قال ابن الفضل الحدثي أن المقصود هنا هو المسيح الذي سيأتي يوم القيامة‬
‫على الغمام وهو المقصود بقوله " وجاء ربك والملك صفا صفا " ‪ ، #‬الحقيقة أنني وجدت أكثر‬
‫مما كنت أطلب أو أريد وقد ل يتسع المجال هنا لذكر كل ما توصلت إليه فقد أعددتها في بحث‬
‫منفصل تحت عنوان " حتمية ألوهية المسيح " ذاك أنني بعد أن انتهيت من البحث ووجدت ما‬
‫وجدت غيرت العنوان من " لهوت المسيح " إلى حتمية لهوت المسيح وختمته بعبارة تقول ‪:‬‬
‫إن لم يقل النصارى أن المسيح إله لكان ل بد وأن يكون إله " ‪.‬‬
‫أما بخصوص الشق الثاني وهو موت المسيح كفارة عن الخطاة أو ما يسمى بالموت الكفاري ‪،‬‬
‫وهو ما كنا نرفضه عملً للية التي تقول " و ل تزر وازرة وزر أخرى " إذ كيف يموت من لم‬
‫يرتكب ذنبا عن آخرين أخطئوا هذا إلى جانب المعضلة الكبرى وهي هل حقا مات المسيح ‪ ،‬ل‬
‫أدري سببا لشعوري بالثقة في إمكانية أل أجد ما يؤكد موت المسيح وكنت متفائلً جدا لنني لن‬
‫أجد ذلك وبالتالي أكون قد أرضيت ضميري وبحثت ولم أجد وعليه فتمسكي بالسلم سيزداد‬
‫أكثر وأكثر لذا اندفعت بكل حماس وقوة عسى أن أعوض ما وجدته من دلئل ل هوت المسيح‬
‫في إثبات أنه لم يمت ول يجوز أن يموت نيابيا ‪ ،‬فوجئت وأنا أبحث عن الموت الكفاري بما‬
‫قرأته في تفسير ابن كثير لسورة البقرة وخاصة الية التي تقول " وإذ قال موسى يا قوم إنكم‬
‫ظلمتم أنفسكم باتخاذكم العجل فتوبوا إلى بارئكم فاقتلوا أنفسكم ذلكم خير لكم عند بارئكم ‪" . .‬‬
‫إذ وجدت نصا صحيحا بخصوص هذه الية فيه أن بني إسرائيل أرادوا أن يتوبوا عن خطيتهم‬
‫بعبادتهم للعجل فلم يتب ال علبهم ‪ ،‬وبعد توسط موسى طلب ال من موسى أب يبلغ بني إسرائيل‬
‫أن السبيل الوحيد للتكفير عن خطيتهم هذه هو أن يقتل كل رجل أو شاب من بني إسرائيل كل من‬
‫‪- 77 -‬‬

‫حارة النصارى‬
‫يقابله ‪ ،‬ول تأخذه به شفقة ‪ ،‬وقيل كانوا يضعون عصابات على أعينهم حتى ل تأخذهم شفقة‬
‫بذويهم فيمتثلوا لحكم ال ويقتل كل منهم الخر ‪ ،‬ويقول ابن كثير أنه قد وقع ما ل يقل عن‬
‫سبعون ألف قتيل ‪ ،‬حتى اكتفى ال وكانت الدماء تسير كالنهار فأمر ال موسى أن يطلب منهم‬
‫الكف فقد قبلت توبتهم وأما من بقي حيا فقد كفر عنه بدم من مات حتى ولو لم يكن قد عبد العجل‬
‫معهم ‪ ،‬أي هناك شخص لم يعبد العجل مات لتتحقق كفارة من عبد العجل ولم يمت ‪ ،‬إذن فلماذا‬
‫نرفض أن يموت المسيح الذي بل خطية عمن أخطأ وما زال حيا فالمرين سواء ‪ ،‬أحسست‬
‫وكأن ال يطاردني بالدلة ويفرض علي حصارا بحيث لم يعد أمامي من سبيل لنكار أو رفض‬
‫دعوة المسيح لي لتبعه ‪ ،‬حتى موت المسيح وجدت الكثير من النصوص تناولها ابن كثير في‬
‫تعليقه على آية النساء ‪ ، 157‬واليات الخرى التي تكلمت عن موت المسيح في آل عمران حتى‬
‫أن الختلف كان يدور ليس على موت المسيح بل على مدة موته فمنهم من قال ثلث ساعات‬
‫ومنهم من قال يومين ومنهم من قال يوم واحد ‪ ،‬وهذا حسب قواعد اللغة يؤكد وقوع الموت ‪،‬‬
‫وإزاء ذلك كله كنت أزداد غيظا وتألما لنني وددت لو لم أجد شيء يبرهن على صحة الفكر‬
‫المسيحي ل لشيء إل لعزة نفسي وتفاخري وكراهيتي لهم ‪ ،‬لكن هذا أمر ال ل مفر منه ‪ ،‬لكن‬
‫كيف أكيف نفسي مع هذا الواقع الجديد ‪ ،‬ل أدري ‪ ،‬؟‬
‫لم انقطع عن القراءة في النجيل وأصبح لي صديقا وكنت في كل مرة أكتشف حلوته أكثر فأكثر‬
‫‪ ،‬وذات مرة ولنا أقرأ فيه تسمرت عيناي على نص يقول ‪ :‬متى صليت فأدخل إلى مخدعك‬
‫وصل لباك الذي في الخفاء فهو يجازيك علنية ‪ ،‬وكذلك حديثه عن المرائين الذين يصلون في‬
‫الزقة والطرقات والحواري وقلت ‪ :‬عجيب أمر هذا الكتاب هل يجول في الشوارع ويكتب ما‬
‫يحدث الن منذ ألفي عام ‪ ،‬وبسرعة تذكرت أيام أن كنت أسجد على جبهتي وأضع شيئا صلبا‬
‫تحتها حتى تبرز ما يسمى بالزبيبة في جبيني أتفاخر بها بين الناس ‪ ،‬وكيف كنت أتباهى بصومي‬
‫وتسبيحي وتعمد ارتداء ثياب محددة لتدل على تديني ‪ ،‬وعلى نفس الوتيرة قمت بالبحث عن موت‬
‫المسيح وصلبه ‪ ،‬وهل حقا مات أمل ‪ ،‬ودرست ما يعرف بالموت الكفاري ووجدت أكثر ما‬
‫تناولته الكتب المسيحية بخصوص هذا الموضوع ‪ ،‬وفي نهاية المر أصبح عندي شبه اقتناع‬
‫عقلي بلهوت المسيح وصلبه ‪ ،‬وقد يعتقد البعض أنني كنت مسرورا بما وجدت ‪ ،‬كل ‪ ،‬لقد كنت‬
‫غاية في الضيق والضجر والتوتر وتمنيت لو أماتني ال قبل أن أكتشف أنني طوال الفترة الماضية‬
‫من عمري كنت أطارد سراب ل أساس له من الصحة ‪ ،‬كان صعبا علي أن أكتشف أن النصارى‬
‫الذلء ‪ ،‬المحتقرين ‪ ،‬ال‪ ، . .‬ال‪ . ,.‬على صواب وأنا مخطيء ‪ ،‬كنت ل أنام ‪ ،‬أسير بالشارع‬
‫أتحدث مع نفسي ‪ ،‬تطاردني الفكار أينما سرت ‪ ،‬سيطر علي شك رهيب خاصة عندما كنت‬
‫أتوضأ لصلي ‪ ،‬فكان أول رد فعل لي إزاء ذلك أن طلبت من الخوة الذين كانوا يترددون علي‬
‫أل يكثروا من زيارتي بدعوى مراقبة المن لي ‪ ،‬وبالتدريج انقطعت علقتي بهم ‪ ،‬كنت أسعر‬
‫بالنعاس كلما حاولت أن أقرأ القرآن كعادتي كل يوم ‪ ،‬وفي نفس الوقت كنت ل أمل من قراءة‬
‫الكتاب ‪ ،‬ل أخفي أنني تعلقت بالكتاب جدا واتضح ذلك عندما زارني المير آخر مرة ولم يجدني‬
‫قد أنجزت شيئا في البحث ‪ ،‬فقال ‪ :‬قدر ال وما شاء فعل هات النجيل سوف نبحث عن شخص‬
‫آخر يقوم بذلك بدلً منك ‪ ،‬لنه يبدوا أنك غير مؤهل لذلك ‪ ،‬كان من الطبيعي أن أسر بذلك لن‬
‫هذا ما كنت أتمناه ‪ ،‬لكن الن تغير الحال وطلبت منه أن يمهلني شهر آخر وإل لسحب البحث‬
‫مني لنني استطعت أن أضع يدي على بداية الطريق ‪ ،‬والحقيقة هي أنني لم أكن أريد أن أفقد‬
‫الرخصة في قراءة الكتاب المقدس ‪ ،‬ول أن أفقده أيضا ‪ ،‬وافق المير على هذا القتراح ‪ ،‬ول‬
‫‪- 78 -‬‬

‫حارة النصارى‬
‫أدري لماذا فعلت ذلك ‪ ،‬كان يمكنني أن أوافق على سحب البحث مني لريح نفسي من التفكير‬
‫والمصير المجهول الذي أحفر مساره بيدي ‪،‬كنت كلما هممت للصلة أسمع وكأن هاتفا يقول لي‬
‫كيف تصلي لله لست متأكدا من وجوده ؟ فانخرط في البكاء ‪ ،‬وفي مرة من المرات التي‬
‫استطعت أن أقاوم وأقرأ القرآن لفت نظري آية في سورة العنكبوت تقول ‪ " :‬ول تجادلوا أهل‬
‫الكتاب إل بالتي هي أحسن إل الذين ظلموا منهم وقولوا آمنا بالذي أنزل إلينا والذي أنزل إليكم‬
‫وإلهنا وإلهكم واحد ونحن له مسلمون " وحاولت أن أتمعن فيها أكثر فرجعت إلى ابن كثير‬
‫والقرطبي وكتاب الكشاف للزمخشري لرى ماذا يقولون في هذه الية ‪ ،‬فأول ما وجدت أن‬
‫الجميع قد قالوا أنها نسخت بآية السيف الشهيرة التي في سورة التوبة ‪ ،‬لكن لفت نظري ما هو‬
‫أكثر من مجرد النسخ إذ الية تقول إن إلهنا وإله أهل الكتاب واحد ‪ ،‬وهنا توقف عقلي عن التفكير‬
‫؛ إذ أن إلهنا نحن المسلمون قد نسخ كل أنواع المهادنة مع غير المسلمين من الناس واستبدل‬
‫مكانها القتل والمضايقة واليذاء ‪ ،‬حتى أنه في بعض اليات يجعل ال عذابه لهم عن طريقنا"‬
‫قاتلوهم يعذبهم ال بأيديكم " وهناك أكثر من ‪ 27‬نص يتكلم عن القتال الواجب على المسلم نحو‬
‫غير المسلم ‪ ،‬في حين إله أهل الكتاب يقول ‪ :‬أحبوا أعداءكم ‪ ،‬باركوا لعنيكم ‪ ،‬أحسنوا إلى‬
‫مبغضيكم ‪ ،‬وصلوا لجل الذين يسيئون إليكم ويطردونكم " ويقول أيضا ‪ :‬ل تقاوم الشر ‪ ،‬بل من‬
‫لطمك على خدك اليمن فحول له الخر أيضا " ‪ ،‬ومن أراد أن يخاصمك ويأخذ ثوبك فاترك له‬
‫الرداء أيضا ‪ ،‬ومن سخرك ميلً واحدا فاذهب معه اثنين ‪ ،‬وأخذت أحدث نفسي أين هذا من قول‬
‫ال ‪ :‬ومن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم ‪ ،‬وقوله ل يكن أحدكم إمعة يؤخذ حقه‬
‫ول يبالي ‪ ،‬ومن قوله أعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ‪،‬وقوله من مات دون ماله‬
‫فهو شهيد ‪ ،‬وقوله ‪ " :‬محمد رسول ال والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم " ‪ ،‬حقا‬
‫يستحيل أن يكون البيض والسمر واحدا ويستحيل أن يكون الخير والشر واحدا ويستحيل أن‬
‫يمكن الليل والنهار معا ‪ ،‬ل بد لحدهما أن ينفرد بذاته ‪ ،‬وعليه ل بد من أن يكون هناك إله واحد‬
‫فقط وأنا واثق إنني سأتوصل إليه لنني أحب ال ولن يمنعني مخلوق من اليمان بالله الحقيقي‬
‫حتى ولو كان عند اليهود ‪ ،‬لكن أريد مساندتك يا رب ‪ ،‬ل تتخلى عني فأنا الن غريب مشتت‬
‫الذهن ل أدري أين أنت ‪ ،‬وإن كنت خُدعت فليس عن قصد أنت تعلم كم أحبك ‪ ،‬وكم تألمت من‬
‫أجل محبتك ‪ ،‬يا رب أن كنت تقتص مني معصيةٍ عملتها فأسألك الرحمة في قضائك ‪ ،‬فأنت الله‬
‫وأنا عبدك على عهدك ووعدك ما استطعت أعترف بذنب فاغفر لي ول تقسوا علي في عقابك ‪،‬‬
‫وبدأت ترد على خاطري أفكار غريبة كنت عند مجرد استعادتها أمام ذاكرتي أشعر بالرهبة‬
‫والخوف والفزع ‪ ،‬إذ قلت إنه ل يمكن أن يكون القرآن كلم ال والكتاب المقدس كلم ال أيضا ل‬
‫بد لحدهما أن يلغي وجود الخر ‪ ،‬عندما تطرقت لهذه الفكرة انتابني شعورا بالرعب والخوف‬
‫وكلما سمعت صوتا اعتقدت أن ال سيدمر البيت فوق رأسي لنني أفكر هكذا في القرآن ‪ ،‬وبدت‬
‫حياتي كأصعب ما يكون ‪ ،‬كانت تلك الفترة أشد علي من فترة سجني بالقلعة وتعذيبي هناك ‪ ،‬لكن‬
‫سرعان ما بدأ هذا الشعور يتلشى وقررت أن أعيد دراسة القرآن من جديد لبحث عن كل جانب‬
‫من جوانبه وأضع الية التي تقول ‪ :‬ولو كان من عند غير ال لوجدوا فيه اختلفا كبيرا" وسأكون‬
‫محايدا جدا ‪ ،‬والحقيقة أنني لم أكن محايدا إذ تمنيت لو لم أجد شيئا في القرآن يقودني للتصديق‬
‫بأنه ليس من عند ال ‪ ،‬كانت بداخلي مرارة تجاه المسيحيين قد أقبل كل شيء لكن أل أكون‬
‫مسيحيا وتمنيت لو أن النجيل هذا لم ينزل على المسيحيين ‪ ،‬كانت كلمة مسيحي تثيرني وتولد‬
‫بداخلي رغبة شديد في النتقام والعدوان تجاه كل ما هو مسيحي ‪ ،‬ولم أدر سبب هذا الشعور الذي‬
‫تملكني ؛ ربما بسبب النشأة التي نشأت عليها وسط أسرة متدينة تحب السلم وتكره المسيحية‬
‫‪- 79 -‬‬

‫حارة النصارى‬
‫بسبب تصورها على أنها كفر وشرك ‪ ،‬حتى أن آبائنا كانوا يحذروننا في طفولتنا من اللعب مع‬
‫المسيحيين لنهم خونة وأل نأكل طعامهم لنهم من الممكن أن يضعوا لنا السم في الطعام ‪ ،‬هم ل‬
‫إله لهم ول إيمان ول أمان لهم ‪.‬‬

‫[‪ ]1‬ابن كثي ف البداية والنهاية ج ‪ 2‬ص ‪84‬‬
‫‪ #‬تفسي ابن كثي لسورة آل عمران وكتاب البداية والنهاية ج ‪ 1‬ص ‪90‬‬
‫‪ $‬ابن كثي ‪ -‬البداية ج ‪ 1‬ص ‪85‬‬
‫‪ #‬اللل والنحل للشهرستان ص ‪27‬‬
‫‪ %‬اللل والنحل للشهرستان‬
‫‪ #‬نفس الرجع ونفس الصفحة‬

‫بدأت أدرس القرآن دراسة دقيقة وعميقة وبدأت تبدوا لي أمور ذهلت عندما وصلت إليها وتعجبت‬
‫لماذا لم أدرك ذلك من قبل ؟‪ ،‬قمت بإعداد بحث تحت عنوان " هل القرآن كلمة ال ؟ " استغرق‬
‫مني هذا البحث قرابة الستة أشهر ‪ ،‬في خللها زارني المير في وقت مفاجئ لم أكن أتوقعه ‪،‬‬
‫وكنت في دورة المياه فاستأذن من والدتي ودخل غرفتي لنه كان معروف عند أسرتي إذ قضينا‬
‫سويا فترة العتقال وكانوا يرونه معي في كل زيارة ‪ ،‬اعتقد المير عندما شاهد الوراق المكتوبة‬
‫مبعثرة هنا وهناك أنني قد أنهيت جزءا من البحث المطلوب مني وسمعته يقول ‪ :‬بارك ال فيك ‪،‬‬
‫هكذا تكون الرجال ‪ ،‬إن نظرتي ل تخيب ‪ ،‬لقد قلت أنك الوحيد القادر على عمل ذلك ‪ ،‬فقلت في‬
‫نفسي ‘إنك ل تدري ما تحتويه هذه الوراق ‪ ،‬وخرجت لملقاته فإذا وجهه قد تغير إلى الحمرة‬
‫وبدا مضطربا فجذبني من ياقتي قائلً ‪ :‬ماذا أقرأ ؟ هل أنت كتبت ذلك ؟ مش معقول أنت ‪ . .‬من‬
‫ضحك عليك ؟ من خدعك ؟ من أغراك لتبيع دينك ؟ قلت له ‪ :‬لو كانت هناك خديعة فأنت‬
‫صاحبها ولو كان هناك إغراء فأنت صاحبه ‪ ،‬ولو ارتكبت إثما فهو عليك ؛ لنك أنت الذي‬
‫دفعتني لذلك كله ‪ ،‬اعتذرت إليك ولم تقبل عذري ‪ ،‬كنتم تعرفون كراهيتي للمسيحية والمسيحيين‬
‫وأصررتم على أن أكون أنا من يقرأ كتبهم ‪ ،‬أقسم لك أنني أتمنى لو أن كل ما عرفته يكون خطأ‬
‫لقد عشت معك أقصى وأصعب فترات حياتنا أليس كذلك ؟ قال نعم ‪ .‬قلت هل كنت تلحظ علي‬
‫شيئا ؟ قال ‪ :‬ل ‪ :‬قلت إذن فاعذرني ؛ المر ليس بيدي ول مجرد معلومات لكنه يتعلق بقلبي الذي‬
‫ل سلطان لي عليه ‪ ،‬يا ليتك تقرأ ما قرأت وتعلم ما علمت ؟ فانتفض هائجا وأراد أن يمزق‬
‫الوراق المكتوبة ( ألوهية المسيح ‪ ،‬القرآن ليس كلم ال ) ‪ ،‬دار بيننا شجار جاءت والدتي على‬
‫آثره وغادر منزلي قائلً ‪ :‬نحن قد علمنا ما بك لكن لي لطلب إن كنت تريد أن تبقى حيا قلت ‪:‬‬
‫ما هو ؟ قال ‪ :‬المجموعة التي أنت أميرها عساك أن تخبرهم بشيء من السموم التي تكتبها ‪ ،‬وأنا‬
‫سأقول إنك قد ارتديت ولن أفصح لهم عن السبب ‪ ،‬وأحذرك لو حدث منك شيء غير هذا فإنك‬
‫‪- 80 -‬‬

‫حارة النصارى‬
‫أفضل من يعرف ما ينتظرك ‪ .‬قلت الحقيقة التي تجهلها أنت هي ‪ :‬أن الوضاع تغيرت واليام‬
‫غير اليام ‪ ،‬وأنت خير من يعلم ذلك ‪ ،‬بصراحة أنا ل أقبل تهديد لسبب واحد هو أنك لن تقدر‬
‫على شيء مما تهددني به ‪ ،‬ولعلمك لقد دفعتني أمانتي أن أطلب ممن معي أل يزوروني هذه اليام‬
‫لنني خشيت أن أستمر أعلمهم شيئا أنا أشك في صحته ولذا صرفتهم عني لنني كنت أمينا‬
‫معهم ‪ ،‬لكن أؤكد لك أنني أحب ال وادع لي أن يعيد ال لي صوابي إن كنت قد فقدته ‪ ،‬انخرطت‬
‫في بكاء شديد واسترجعت الذكريات الجميلة لحياتنا معا في السجون والمعتقلت ‪ ،‬وكيف كنا‬
‫نتحمل الصعاب معا والحقيقة عز علي كل ذلك لكن إن كانت تلك إرادة ال فوداعا لكل ذكرى‬
‫ل بالشواك إلى جوار ال ‪ ،‬بدأت الجماعة من خلل المير تقطع كل صلتها‬
‫طيبة بعيدا عنه وأه ً‬
‫بي حتى الذين كانوا يقابلونني يوميا ل يسلمون علي فعلمت على الفور أنني قد تم تكفيري ‪ ،‬ولم‬
‫يكتفوا بذلك بل سحبوا مني المبالغ التي كنت آخذها من بيت المال لنفق على نفسي منها ‪ ،‬ولم‬
‫أتأثر ‪ ،‬لقد تصوروا أنني سوف أضيق بتصرفهم وسأعود إليهم تائبا هم لم يفهموا ما كان‬
‫بداخلي ‪ ،‬كنا معا قد اشتغلنا في ما يشبه توظيف أموال ‪ ،‬اشتركت أنا والمير وشخص ثالث‬
‫بالموال التي عدنا بها من الخارج وكنا نتاجر في الملبس الجاهزة ‪ ،‬وكنت أنا مسئول الستلم‬
‫وتوقيع الشيكات لدى التجار الذين نتعامل معهم ‪ ،‬ولما حدث ذلك مني لم يسددوا المبالغ المطلوبة‬
‫وأصبحت أنا مطالب بسدادها ‪ ،‬ورفعوا عليّ قضية بالمحكمة ‪ ،‬وتوقعوا من كل ذلك أن اعتذر‬
‫وأتوب عن كفري ‪ ،‬وقالوا لي صراحة في المحكمة ( المير فقط ) إذ اقترب من القفص وقال‬
‫نقدر أن نسحب القضية إذا راجعت نفسك وتبت إلى ال وأخبرتنا من أثر عليك لتسلك هذا‬
‫السلوك ‪ ،‬كنت ل أجاوبهم ‪ ،‬وحكمت المحكمة بأن أرد المبلغ على أقساط قيمة كل قسط ‪ 160‬جنيه‬
‫‪ ،‬وكانت تلك ضربة قوية لهم إذ أنهم كانوا يهدفون لحبسي ‪ ،‬ومرت التجربة بسلم والحمد ل‬
‫لكنني أخذت أكلم ال بحدة وبثورة وأكرر لماذا يا رب تفعل ذلك معي ؟ هل خصصت العذاب لي‬
‫وحدي ‪ .‬منذ الصغر وأنا أقاسي وأتحمل المتاعب ‪،‬لم يعد لي صديق لنهم كفروا بك ‪ ،‬فقدت مودة‬
‫أهلي لنهم لم يقبلوك ‪ ،‬فقدت دراستي لنها كانت عائق بيني وبينك ‪ ،‬والن ل أدري ماذا أخبئت‬
‫لي في جعبتك من اللم ‪ ،‬من فضلك ترفق بي هون عليّ فأنا ضعيف ل حول لي ول قوة ‪ ،‬ل‬
‫تتركني في هذا البحر اللجي تتخبطني المواج ول أدري لي شاطئ تقودني ‪ ،‬قل ليّ أين أنت ؟‬
‫هل أنت الذي تقول عنه النصارى أم أنت إله موسى أم أنت إله محمد ‪ ،‬وإن كنت كذلك لما‬
‫سمحت لي بكل هذا القلق في حياتي ليعكر علي صورتك الشفافة ‪ ،‬أرجوك يا رب ل تتركني‬
‫وحدي وأنا أعدك أن أتبعك أينما كنت لنني ل أخاف سواك وأنت تعلم ذلك علم اليقين ‪ ،‬ولم يقطع‬
‫عليّ مناجاتي هذه سوى صوت والدتي تطلب مني أن آخذ الطعام ‪ ،‬لنني لم أكن آكل معها لنه ل‬
‫يجوز لي أن آكل مع مشرك وكانت والدتي كذلك ‪.‬‬
‫تطرقت بعد ذلك إلى موضوع غاية في الخطورة والهمية أل وهو إذا كان القرآن ليس من عند‬
‫ال إذن فمن يكون محمد هذا ؟ حتما ل بد وأن يكون كاذبا في ادعائه النبوة ‪ ،‬لكن كيف أثبت‬
‫ذلك ‪ ،‬وبمجرد أن حدثتني نفسي بذلك ارتعبت رعبا شديدا وقلت مش ممكن ؛ محمد ليس نبي ؛‬
‫طيب معجزاته وإمبراطوريته التي كانت مترامية الطراف ‪ ،‬وكل هذا الكم من الناس الذين‬
‫ي انتقام ال الشديد ويحيط بي عذابه ‪ ،‬لكن بعد‬
‫اتبعوه ‪ ،‬كنت أشعر وكأنني على وشك أن يحل عل ّ‬
‫أن هدأت ثورتي هذه بدأت أشعر بشجاعة وعزيمة نحو ضرورة أن أبحث في من هو محمد ؟‬
‫وهل هو نبي أم ل ؟ كانت دلئل نبوة محمد ترتكز على عاملين أساسيين هما أنه أمي ونزل عليه‬
‫القرآن ‪ ،‬وأنه كان قبل النبوة معصوما ولم يرتكب منكرا قط ‪.‬‬
‫‪- 81 -‬‬

‫حارة النصارى‬
‫الميـــة ‪ :‬لم يكن في اعتقادي أن أجد ما يدل على أن محمد كان يقرأ ويكتب لن كل الذي‬
‫أعلمه وتعلمته أنه يستحيل أن يكون محمد يكتب ويقرأ ‪ ،‬هذا دفعني لقراءة كتب السيرة مرة ثانية‬
‫والحقيقة وجدت أمور تعجبت كيف كانت تمر عليّ من قبل ولم أدرك ما فيها ‪ ،‬وجدت أن محمد‬
‫كان يخلو في نفس المكان الذي كان يجلس فيه ورقة والنضر بن الحارث وعمرو بن نفيل وابن‬
‫ساعدة القس المشهور ‪ ،‬وجدت أن محمد كان يتاجر بأموال خديجة الكثيرة وأنه قد أبرم عقود‬
‫واتفاقيات مع تجار اليمن والشام ‪ ،‬وما يقال عن أنه كان يحمل خاتم يوثق به اتفاقاته غير صحيح‬
‫كدليل على أميته لنه فعلً كان لديه هذا الختم وإنما هذا كان شيئا متعارف عليه في أمور التجارة‬
‫‪ ،‬أن يكتب البائع والمشتري التفاقية ثم يطبع عليها بالخاتم للتوثيق وهو ما يشابه ختم شعار‬
‫الجمهورية الن ‪ ،‬وجدت أنه بعد النبوة كتب صلح الحديبية بيده ‪ ،‬وجدت أنه كان في كفالة عمه‬
‫أبو طالب وكان أكبر من علي وكان علي يقرأ ويكتب ومن الصعب أل يتعلم محمد من علي‬
‫أمور الكتابة حتى ولو القليل منها ‪ ،‬وجدت أن محمد كان يجلس عند يسار النصراني ويأخذ منه‬
‫نصوص من النجيل ويقرأها ‪ ،‬وجدت أن جبريل عندما نزل عليه طلب منه أن يقرأ ولم يكن من‬
‫المنطقي أن يطلب من محمد أن يقرأ وهو ل يعرف القراءة ‪ ،‬ولو أضفت إلى ذلك ما وجدتنه عند‬
‫البحث عن صدق نبوته الذي قادني لذلك كله فيصبح محمد ل نبي ول صديق ‪ ،‬ويمكن دراسة‬
‫البحث المنفصل عن هذا الموضوع في كتيب أعددته تحت عنوان " محمد في التوراة والنجيل "‬
‫‪.‬‬
‫ثم نأتي إلى مسألة عصمته ‪ ،‬هنا حدث ول حرج وأي كتاب من كتب السيرة مثل السيرة الحلبية‬
‫والطبقات الكبرى ‪ ،‬وسيرة ابن هشام حتى كتب التفسير التي تكلمت عن آية سورة النحل التي‬
‫فيها " ومن ثمرات النخيل والعناب تتخذون منها سكرا لكم " هناك عدة أحاديث صحيحة تقول‬
‫إن محمد كان يشرب النبيذ ‪ ،‬ويوصي صحابته أن إذا وجدوه شديد التركيز أن يكسروه بالماء ‪،‬‬
‫وكان يأكل من الذبائح التي تذبحها قريش عند الكعبة على الوثان ‪ ،‬وكان يحل ما حرم ال‬
‫ويحرم ما أحل ال ‪ ،‬وكان يطمع في نساء أتباعه إن استحسن منهن شيئا كما حدث يوم خيبر‬
‫عندما وقعت صفية بنت حيي بن أخطب في سهم عبد ال بن عمر فأخذها منه وتزوجها ‪ ،‬وكذلك‬
‫زينب بنت جحش زوجة زيد ‪ ،‬كل ذلك أزال الصورة البراقة وهدم الهيكل المقدس الذي كنت‬
‫أضع فيه الرسول ‪ ،‬ول أخفي أنني كنت أتألم كلما اكتشفت شيئا من هذا القبيل ‪.‬‬
‫رغم كل ما وصلت إليه لكن للمانة كنت تواقا لن أجد ولو القليل الذي يعينني على أن أبقى‬
‫مسلما لنه الدين الذي رضعته في طفولتي ‪ ،‬كنت مجرد التفكير في تركه يقلب حياتي إلى جحيم‬
‫وخوف ورعب ‪ ،‬كنت كلما وجدت شيئا أو قرأت نصا في الكتاب المقدس ذو معنى حسن‪ ،‬أزداد‬
‫حقدا وحسدا وغيظا على المسيحيين وتزداد قسوتي عليه ل أدري السبب ‪ ،‬وكان لي زميل يعمل‬
‫معي فكلما وجدت شيئا في النجيل ذهبت لخرج كل غيظي فيه أتلف له متعلقاته الشخصية ‪،‬‬
‫أدفع للخرين فلوس لكي يكيدوا له ويشتكونه للسلطة العليا ‪ ،‬ومرة أحرقت له ملبسه حتى‬
‫اضطر للعودة لمنزله بملبس العمل ‪ ،‬كنت أقف أما أحد المحلت التي يمتلكها رجلٌ مسيحي‬
‫وأحذر الناس من الشراء منه قائلً ‪ :‬إن بضاعته منتهية الصلحية ل تشتروا منه إنهم مخادعون‬
‫ويريدون أن يدمروا السلم ‪ ،‬إنهم كما قال القرآن ‪ ":‬ل إيمان لهم " حتى أن هذا الرجل المسن‬
‫كان يقول لي ‪ :‬يا بني ماذا فعلت لك ؟ حرام عليك عندي أولد أريد أن أربيهم " ‪ ،‬وتارة أخرى‬
‫أحذر زملئي من السلم عليهم وأذكرهم بحديث الرسول ل تسلموا على أهل الكتاب ول تردوا‬
‫‪- 82 -‬‬

‫حارة النصارى‬
‫عليهم السلم وضيقوا عليهم الطرقات ‪ ،‬وأقول بصوت عال ‪ :‬هؤلء خبثاء يتظاهرون بالحب‬
‫وهم أشد عداوة ل وللمؤمنين ل تنخدعوا بما ترونه عليهم من مسكنة إن ذلك إل تصديق لقول‬
‫ال " ضربت عليهم الذلة والمسكنة "‬
‫وذات يوم حافل بمثل هذه التصرفات أحسست بهاتف داخلي يقول لي ‪ :‬كن صادقا مع نفسك ‪،‬‬
‫هل بعملك هذا ستقدر أن تزيل كل ما علمته من كتبهم ؟ أنت قلت أنك سوف تتبع ال أينما كان‬
‫فلماذا كلما أضاء ال لك نورا تحاول أن تطفئه بيدك ؟ كن أمينا مع نفسك حتى تستريح ؟ راجع‬
‫نفسك هل تريد ال أم ماذا تريد ؟ ‪ ،‬المر ما زال في يدك ول أحد يفرض عليك شيء ‪ ،‬رجعت‬
‫إلى المنزل مهموما ‪ ،‬حاولت أن أصلي لكن لم أقدر ‪ ،‬قرأت في الكتاب المقدس في إنجيل مت‬
‫ووقعت عيناي على الصلة التي علمها المسيح للتلميذ وحفظتها ‪ ،‬وفجأة شعرت ببرود وهدوء‬
‫غريب ينسكب عليّ أشبه بمن يسكب ماءً ليغسل من ذاكرتي شيئا ما ‪ ،‬وقلت لنفسي ‪ :‬يا رب هل‬
‫تقدر أن تجعلن على ما أرى المسيحيين عليه من هدوء وصبر وتحمل وبساطة ومحبة إن أنا‬
‫صليت كما هو مكتوب في النجيل ؟ وشعرت بسعادة بالغة وكأني سمعت الرد يقول لي ‪ :‬نعم ‪،‬‬
‫تهلل وجهي فرحا وأخذت أنتظم في الصلة الربانية ‪ ،‬أقوم في الفجر في مواعيد الصلة التقليدية‬
‫التي تعودت عليها وأتوضأ وأبسط السجادة وأقف وأقول ‪ :‬أبانا الذي في السموات ليتقدس اسمك‬
‫ليأت ملكوتك لتكن مشيئتك كما في السماء كذلك على الرض ‪ ،‬خبزنا كفافنا أعطنا اليوم واغفر‬
‫لنا ذنوبنا كما نغفر نحن أيضا للمذنبين إلينا ول تدخلنا في تجربة لكن نجنا من الشرير " وفي‬
‫النهاية أقول ‪ :‬السلم عليكم ورحمة ال السلم عليكم ورحمة ال " استمريت على ذلك كثيرا لكن‬
‫لم أجد تغير إذ ما زلت عدوانيا مع أسرتي ومع المسيحيين مما جعلني أقرر أن أترك كل الديان‬
‫فل السلم نافع ول المسيحية نافع ومن يدري فلعلي بعد أن أقتنع بالمسيحية لفترة ما يحدث أن‬
‫ل بين الديان ‪ ،‬الفضل في مثل‬
‫أقرأ في كتاب ما فأجد دينا آخر أفضل وأبقى طوال حياتي متنق ً‬

‫‪- 83 -‬‬

‫حارة النصارى‬
‫حالتي هذه أن أعيش مثل ما يعيش الناس العاديين لماذا أشغل تفكيري بالدين عندما أموت يفعل‬
‫ل وفجأة طرأت في بالي فكرة قلت إن سبب كل هذه المشاكل‬
‫ال بي ما يريد ‪ ،‬لكن هذا لم يكن ح ً‬
‫هذا الكتاب أي التوراة والنجيل فلمزقه وأسترح ‪ ،‬وهممت بذلك وإذا رعشة خفيفة تسري ببدني‬
‫وهاتف يقول اتركه فقد تحتاجه ‪ ،‬ولماذا هذا بالذات ‪ ،‬لقد سبب لك القرآن أكثر من ذلك فلماذا لم‬
‫تقطعه ؟ كنت إذا ركبت سيارة أقول ‪ :‬يا رب تنقلب السيارة وينجو الجميع إل أنا ‪ ،‬ويا ليت‬
‫البيت ينهار فوقي أنا وحدي يا رب إن كنت ل تريد لي الهداية فخذ نفسي أرحم مما أنا فيه ‪،‬‬
‫وفي خضم هذه الفكار والصراعات والهموم ‪ ،‬وكان ذلك في منتصف النهار أي الساعة الرابعة‬
‫عصرا في يوم من أيام شهر يونيو كنت جالسا أستعيد ذكرياتي الطويلة مع السلم والجماعات‬
‫والرهاب وأخيرا مع النجيل والتوراة وما صار من المير تجاهي وأقول ‪ :‬يا رب أنك تعلم‬
‫أنني في كل هذه الحداث لم أكن أبحث إل عنك فهل من عدلك ومحبتك أن تتركني هكذا ‪ ،‬حتى‬
‫يا رب أن كنت تعاقبني عن جرم بدر مني فأعتقد أنك قد استوفيت حقك ‪ ،‬وأي جريمة تلك التي‬
‫تستحق هذا العقاب ‪ ،‬أرجوك ل تتركني وحدي في هذا الصراع ‪ ،‬وفجأة وجدت باب غرفتي يفتح‬
‫فاعتقدت أنها والدتي تحضر لي الغداء فإذا برجل طويل عريض المنكبين طويل الشعر كثيف‬
‫اللحية وبجواره عمود من نور أبيض فاقع كالضوء المنبعث من لمبة النيون ولم أقدر أن أتتطلع‬
‫آيه أو أوجه نظري نحوه وصوت يناديني قائلً ‪ :‬قم اعتدل المسيح يريدك ‪ ،‬ولم أشعر بنفسي إل‬
‫خارج الغرفة أنادي على والدي ووالدتي وأخوتي ليروا المسيح ( سيدنا عيسى ) لنه مكتوب في‬
‫البخاري من رأى نبيا فقد رأى هدىً لن الشياطين ل تتمثل بالنبياء ‪ ،‬فعسى أن رأى أهلي‬
‫المسيح أن يهتدوا ‪ ،‬ثم عدت لغرفتي ولم أجد شيئا فحزنت جدا وقلت ‪ :‬حتى هذه المرة لم ترد أن‬
‫تنصفني يا رب لماذا لم تنتظر لتبرهن لهم عن صدق حديثي ‪ ،‬إنهم الن لن يقولوا أكثر من أنني‬

‫‪- 84 -‬‬

‫حارة النصارى‬
‫ل نزل كل اخوتي وأهلي وتوجهوا نحو غرفتي فلم يجدوا شيئا وما توقعته حدث‬
‫جننت ‪ ،‬وفع ً‬
‫فقالت والدتي ‪ :‬يا رب لماذا كل ذلك ‪ ،‬لقد فرحنا بعودته وهدايتك له بالستقرار وها أنت الن‬
‫تصيبه بالجنون وأخذت تبكي وتضمني إليها ‪ ،‬ويقول أخي ‪:‬ل تقلق سأذهب بك لفضل طبيب‬
‫نفساني في مصر كلها ‪ ،‬وتقول أخواتي ‪ :‬كل هذا بسبب ما تكتبه طوال الليل هذه نهاية ذلك‬
‫الجنون يا رب اشفيه وبعد أن انتهوا جميعا من مراثيهم ‪ ،‬توجهت ناحيتهم وقلت لهم ‪ :‬الست‬
‫أنت فلن ؟ قال نعم ‪،‬ألست أنت أمي ‪ ،‬وأنتي أختي وأنت أخي إني أعرقكم جميعا ولو كنت‬
‫مجنون ما عرفتكم لماذا ل تصدقوني لقد رأيته كنور عظيم وتكلم إلي ‪ ،‬كان رأيهم أقوى من‬
‫كلمي حتى أنني قلت ‪ :‬ما دام المر كذلك لماذا لكون كما قالوا ؟ صحيح إن هذا الكلم الذي‬
‫أقوله كلم مجانين فعلً أنا مجنون وعلي أن أستمع وأخضع لهم في كل ما يقولون وبدأت استسلم‬
‫لكوني مجنون فرقدت في سريري ل أكلم أحد ‪ ،‬ويتوافد علي اخوتي يعزونني وأنا ل أنطق‬
‫بحرف ‪ ،‬وفي الصباح اصطحبني أخي بالسيارة وذهبنا لكبر طبيب نفساني في مصر ‪ ،‬ودخلت‬
‫للطبيب بعد أن نادى عليّ وجلست أمامه وسألني ماذا بك ؟ قلت ل أدري أخي جاء بي إلى هنا ‪،‬‬
‫قال إن أخيك يقول إنك تقول أنك رأيت سيدنا عيسى ؟ قلت نعم رأيته ‪ ،‬قال هل تقدر أن تصفه‬
‫لي ؟ قلت وهل رأيته أنت من قبل ؟ قال ‪ :‬ل قلت وكيف ستعرف ما إذا كان الذي سأصفه لك‬
‫هو أم ل ؟ قال إن حالتك صعبة وطلب أخي وأخبره أنني مصاب بحالة اكتئاب حاد ويلزمني‬
‫جلسات كهرباء بسرعة تبدأ بست جلسات وتتدرج إلى اثنتين ‪ ،‬وطلب منه أن يحضرني‬
‫للمستشفي مرتين في السبوع فقال أخي إننا بعيدين عن القاهرة بحوالي ساعتين ونصف سفر‬
‫ومن الصعب أن نأتي كما يقول ‪ ،‬لكن من فضلك حدد لنا كيفية ‘جرائها ونبحث عن طبيب يمكنه‬
‫القيام بذلك بالقرب من مدينتنا ‪ ،‬وافق الطبيب ووافقت أنا أيضا قائلً إنني ل أخاف من جلسات‬

‫‪- 85 -‬‬

‫حارة النصارى‬
‫الكهربا فقد أخذتها كنوع من التعذيب بالمعتقل من قبل وبالتأكيد فهي للعلج ستكون أخف ‪،‬‬
‫ولماذا أرفض فلو كنت مجنونا فسأستريح مما يدور بفكري وإن كان غير ذلك فإني أضيفها مع‬
‫سابقتها من ألوان العذاب التي تحملتها في بحثي عن ال عسى ال أن يرحمني ‪ ،‬انتهيت من‬
‫الجلسات والعلج الذي قرره الطبيب وتوقعت أن أنسى كل ما كنت أفكر فيه من قبل إن كان ذلك‬
‫وليد جنون أو توتر نفسي لكن بعد أن أنهيت العلج وجدت نفسي كما كنت بل مدفوعا أكثر‬
‫لقراءة الكتاب المقدس ‪ ،‬ولم أكن أهدأ أو أقدر أن أنام إل بعد قراءة شيء من الكتاب ‪ ،‬لكن أخذت‬
‫على نفسي أل أحدث أحد بأي شيء فيما بعد ‪ ،‬قررت أن أعيش كمسيحي لرى عمل ال إن كان‬
‫هذا هو طريقه فبالتأكيد ل بد وأن أرى ثمار ذلك وأري تأييده لي وإل عدت كما كنت ‪ ،‬كما قلت‬
‫من قبل كنت أواظب على الصلة بطريقتي وهي خمس مرات كل يوم الفجر والظهر والعصر‬
‫والمغرب والعشاء ‪ ،‬لم أكن أقرأ شيء مما كنت أقرأه في صلتي السابقة بل فقط أبانا الذي ‪ ،‬لكن‬
‫احترت كيف أصلي كيف أزكي ما هي الطقوس المطلوبة مني حتى أتي بها كاملة لكون مستحقا‬
‫أن يعمل ال في ‪ ،‬ل بد لي أن أذهب للكنيسة لتعلم كيف أعبد ال ؟ لم يلقى هذا الرأي قبولً لدي‬
‫ل خاضعا وأنا الذي كنت كذا وكذا‬
‫إذ كيف أذهب للكنيسة بهيئتي هذه أو كيف أذهب للكبيسة مذلو ً‬
‫ل ‪ . .‬ل ‪ . .‬نؤجل الكنيسة الن ‪ ،‬ويمكنني أن أسأل بعض الشخاص معي بالعمل لكن من‬
‫منهم يوافق على مقابلتي بعد كل ما صنعته بهم ؟ وفعلً رفضوا جميعا اللتقاء بي لنهم ظنوا فيّ‬
‫إما أن أقتلهم أو أرغمهم على السلم ‪ ،‬لكن واحدا منهم وافق لكن بعد شهر ‪ ،‬كان ذلك طويلً‬
‫علي ففكرت أن أقرأ المزيد عن الفكار التي يفكر فيها المسيحيين ماذا يقولون وهل هناك كتب‬
‫ل ‪ :‬قررت أن أقص لحيتي حتى ل تلفت النتباه إلي ‪ ،‬وأن استعير قميص‬
‫لهم كما للمسلمين ‪،‬أو ً‬
‫وبنطلون لرتديهما بدلً من الجلباب الذي كنت ارتديه طوال حياتي ‪ ،‬وذهبت للمكتبة التي‬

‫‪- 86 -‬‬

‫حارة النصارى‬
‫اشترينا منها الكتاب المقدس من قبل ‪ ،‬ولم يعجبني كتاب فيها فذهبت لمكتبة أخرى بشارع الترعة‬
‫البولقية وأخذت أتفرج على المعروض من الكتب ‪ ،‬وأردت أن أدخل المكتبة لكن ترددت‬
‫وشعرت أنني أرتعش إذ كيف أدخل مكتبة المسيحيين وأنا كنت ل أطيق مجرد النظر إليها ‪،‬‬
‫وربما يطلبون مني بطاقتي ويستدعون المن فأذهب للمباحث وبالطلع على ملفي هناك أكون‬
‫قد ألقيت بنفسي إلى التهلكة ‪ ،‬وبعد تردد شديد دخلت المكتبة ولفت نظري بعض الكتب ‪ ،‬لم أكن‬
‫أعرف ماذا أريد أن أقرأ ‪ ،‬بل كل كتاب يستهويني عنوانه أشتريه ‪ ،‬فأخذت كتاب برهان يتطلب‬
‫قرار ‪ ،‬وإيماني ‪ ،‬وكفارة المسيح ‪ ،‬وكنت كلما أنهيت قراءة كتاب أحرقه ‪ ،‬وعندما انتهيت من‬
‫الكتب كلها ذهبت للمكتبة ثانية لبحث عن كتب أخرى فوجدت كتاب أسمه التوحيد والتثليث ‪،‬‬
‫علم اللهوت الكتابي ‪ ،‬وعندما قرأت السعار ووجدت أن ما معي من نقود لم تكن كافية حاولت‬
‫إرجاع الكتب إلى أماكنها ثاني ؛ فإذا برجل مسن يأتي إلي ويقول ‪ :‬لماذا أرجعت الكتب ؟ قلت ل‬
‫أريدها قال ؟ لو أنك كنت ل تريدها لما أخذتها من مكانها ؟ قلت وما دخلك أنت ؟ هل تحقق‬
‫معي ل أريدها فوضع يده على كتفي وابتسم وهو يربت على كتفي ويقول ‪ :‬يا بني خذ هذه الكتب‬
‫وسأدفع ثمنها وسأريك عنواني إن أعجبتك فيمكنك إرجاع ثمنها إلي وإن لم تعجبك فيمكنك أن‬
‫تمزقها أو تتخلص منها كما تحب ولن تخسر شيئا ‪ .‬فقلت له من أدراك أنني ل أملك ثمن هذه‬
‫الكتب ؟ قال الروح القدس ‪ ،‬قلت في نفسي ما عسى أن يكون الروح القدس هذا ‪ ،‬وأخذت أفكر‬
‫كثيرا في ذلك ‪ ،‬ذهبت معه إلى منزله وجلسنا بضع دقائق وكنت أخشى أن يطلب مني بطاقتي‬
‫فيعرف شخصيتي فيعتقد أنني أريد شيئا ما لكن ال سلم ولم يسألني حتى عن أسمي ‪ ،‬كنت أقرأ‬
‫هذه الكتب وغيرها من الكتب إما بالبيت أو أستأجر غرفة في فندق وأجلس طوال الوقت أقرأ ؛‬
‫كنت ل أريد أن أضيع دقيقة حتى في الكل أريد أن ألتهم كل كلمة تتكلم عن المسيح أو تؤدي بي‬

‫‪- 87 -‬‬

‫حارة النصارى‬
‫ولو خطوة واحدة نحو المسار الجديد للحياة الجديدة التي بدأت تقتحم عزلتي ‪ ،‬وكثيرا ما كنت‬
‫أجلس في مقهى في شارع الترعة البولقية كل رواده من المسيحيين ‪ ،‬أقرأ ما اشتريته من كتب‬
‫‪ ،‬أحببت تعاليم أو بمعنى أصح أحببت أن أكون كما هو مكتوب بالنجيل من صفات وخلق لو‬
‫عشتها بأمانة لصبحت ملكا يسير على الرض ‪ ،‬كان كل تفكيري منصب حول تسائل يخطر‬
‫ببالي دائما وهو ‪ :‬هل من الممكن يا رب لو أنني قبلتك وعملت حسب إنجيلك أن تجعلني على‬
‫صورة أفضل من تلك التي أنا عليها الن ‪ ،‬هل من الممكن أن تخلق فيّ قلبا محبا بدل ذاك القلب‬
‫المملوء عداوة وكراهية ؟ هل من الممكن أن يكون لي أصدقاء حتى ولو لم يؤمنوا بما أنا عليه ؟‬
‫هل من الممكن أن أحب أمي وأبي وأخوتي حتى ولو لم يقبلوا ما أنا عليه ؟ هل من الممكن أن‬
‫يكون لي أصدقاء أحبهم ويحبونني حتى ولو لم يصدقوا ما أقوله ؟ هل تقدر أن تفعل بي ذلك يا‬
‫رب ؟هل من الممكن أن أحب بلدي وأشعر بالنتماء لها كما أرى كل الناس يا ليت هذا يحدث ؟‬
‫لقد كانت أولى الخطوات التي نتبعها في تلمذة كل من ينتمي إلى الجماعة هي أن ننزع عنه أي‬
‫انتماء سواء للبلد الذي هو منها أو أسرته بمن فيها ول يكون له انتماء إلى ل ول ولء إلى‬
‫للمير ‪ ،‬لذا لم أكن أصدق أنني يمكن أن أتغير ‪ ،‬أو أحب ‪ ،‬لقد تركت رؤيتي السابقة للنور‬
‫والشخص الذي قال لي ‪ :‬قم المسيح يريدك انطباعا محيرا إنني أعلم أن رؤية أحد من النبياء‬
‫هي دللة على الهدي لكن أي هدى ذلك في تلك المرحلة هل هو هدى اليمان المسيحي أم هو‬
‫هدى السلم الذي كنت عليه من قبل ؟ كانت تلك الفكار تزاحم تفكيري حتى أنني لم أكن أشعر‬
‫بنفسي وأنا أسير في الشارع ألتفت حولي وكأن أحد يطاردني كانت تسبقني خطوات ول أعرف‬
‫إلى أين أذهب ‪ ،‬حقا كانت مرحلة غاية في الصعوبة ‪ ،‬حتى قررت أن أذهب لحد الكنائس إن‬
‫كنت أريد أن أحيا كما يريد ال وكان لسان حالي يقول لقد سمعت الصوت وعليك أتباعه ‪ ،‬أنت‬

‫‪- 88 -‬‬

‫حارة النصارى‬
‫قد عشت في السلم زمانا هذا قدره ؛ لكنك لم تعش يوما باليمان المسيحي لتعرف أيهما أفضل‬
‫وأقرب إلى ال ‪ ،‬ذهبت فعلً ليس إلى كنيسة واحدة بل إلى عدة كنائس ‪ ،‬ولم يكن ذلك بالشيء‬
‫السهل عليّ ‪ ،‬إذ كنت أصارع إبليس كلما قررت دخول كنيسة من الكنائس فيقول لي ‪ :‬أهكذا‬
‫ل وذهابك من قبل لتعلي‬
‫تدنت حالتك يا ‪ . .‬تذهب للكنيسة شتان الفارق بين ذهابك اليوم مذلو ً‬
‫كلمة ال ‪ ،‬هل نسيت ما فعلته بالكنيسة من قبل ؟ هل نسيت هتافك الذي كان يدوي في كل أرجاء‬
‫الكنيسة يوم حرقتها أنت وإخوانك ‪ ،‬إن كنت نسيت أذكرك ‪ ،‬كنت تقول ‪ :‬جاء الحق وزهق‬
‫الباطل إن الباطل كان زهوقا ‪ ،‬أين هو الحق الذي عرضت نفسك من أجله للموت ؟ ‪ ،‬لم يعد‬
‫أمامك إل الكنيسة ‪ ،‬وكر الكفر والشرك ‪ ،‬هل ستشرك بال بعد تلك الرحلة الطويلة من الوفاء‬
‫والخلص ل ؟ قم من نومك يا ‪ . . .‬استغفر ال وتب إليه واشهد ثانية بأن ل إله إل ال وأن‬
‫محمدا رسول ال ‪ ،‬قم اغتسل وأرفع عنك تلك الفكار الشريرة واستعذ بال من الشيطان‬
‫الرجيم ‪ ،‬وبعد فترة أجد نفسي منقاد بل وعي للكنيسة وكنت أجد صعوبة حتى أنني كنت أشعر‬
‫أن هناك من يجذبني من الخلف ليمنع ذهابي للكنيسة حتى أنني صرخت بصوت مسموع قائلً ‪:‬‬
‫سأذهب للكنيسة سأذهب للكنيسة مهما كان المر ومهما كلفني ‪ .‬كفى ما أنا قيه الن لم يعد لي‬
‫صديق ‪ ،‬ولم يعد لدي إحساس بأن لي أهل مثل باقي الناس ‪ ،‬لم أعرف الرحمة طوال حياتي ‪،‬‬
‫لقد قتلت وسرقت وها أنا اليوم بل أهل ول أصدقاء ول أصحاب ول أي شيء مما خلقه ال لنا ؛‬
‫هل من الممكن أن يكون ال راضيا عني بهذه الصورة أي إله ذاك الذي يأمر بالقتل والكراهية‬
‫والعداوة والبغضاء لكل من ل يقبل ما نقول ‪ ،‬ارحمني يا رب أنا مسكين وضعيف أريد أن أعيش‬
‫ولو لحظات كأي إنسان طبيعي أريد أن أحب بلدي وأهلي وأصدقائي لكن كيف وفي أي‬
‫التجاهين أقدر أن أحقق هذا ؟ إذن فلذهب للكنيسة مهما كلفني حتى ولو كلفني حياتي واندفعت‬

‫‪- 89 -‬‬

‫حارة النصارى‬
‫مسرعا نحو الكنيسة ‪ ،‬لكن لم يكن موقف القسيس مني كما كنت أتوقع بل كان صعبا ‪ ،‬إذ رفض‬
‫الستماع إليّ مما زاد من هجمة إبليس عليً ‪ ،‬لكنني وإن كنت فشلت في أن أقنعه بالستماع لي‬
‫فل أنكر أنني خرجت وبي شيء من الراحة النفسية ‪ ،‬ساعدتني على تكرار المحاولة لكن للسف‬
‫لم تنجح أي محاولة للجلوس مع أي قسيس لعرف منه ما ذا أفعل لكون مستحقا لخلص‬
‫المسيح إذ أن النص يقول ‪ :‬من آمن واعتمد خلص ‪ ،‬وما كان يشغلني هو كيف أؤمن ؟ ما هو‬
‫المطلوب مني ؟ ‪ ،‬كيف أصلي ‪ ،‬كيف أصوم ‪ ،‬كيف أحج ‪ ،‬كيف أزكي ‪ ،‬وفي آخر مرة خرجت‬
‫من الكنيسة مهموما جدا أو كما يقولون أجر أذيال الخزي والعار ويقول إبليس في أذني ‪ :‬لقد‬
‫رفضوك ‪ ،‬إنك تستحق ذلك وسوف يريك ال ما هو أشد من ذلك ‪ ،‬لكن لم يستمر ذلك كثيرا حتى‬
‫سمعت وكأن أحدا يكلمني بصوت خافت ويقول ‪ :‬اسمع يا ‪ . . .‬أنت ل تعبد الناس فل تيأس من‬
‫سلوكهم نحوك ‪،‬لنك تعبد ال وال لن يخذلك ولن يضيعك أبدا فقط اصبر وتمسك به إن كنت حقا‬
‫ي يا جميع‬
‫تبحث عنه ؟ ولن تطول أيام تعبك هذه فال ل يرد من يطلبه ألم تقرأ قوله ‪ :‬تعالوا إل ّ‬
‫المتعبين والثقيلي الحمال وأنا أريحكم ‪ [،‬قلت ‪ :‬قرأته يا رب إن لم يكن الن فقد كانت عيناي‬
‫تطالعان هذا النص الذي كان مكتوبا على جدار أحد الكنائس وكنت أراه كل يوم طوال فترة‬
‫دراستي بالكلية وأنا أركب الوتوبيس من المدينة الجامعية حتى الكلية ‪ ،‬لدرجة أنني حفظت‬
‫المكان فكنت كلما قرب المكان هذا أضع يداي على عيني حتى ل أراه ]‪ ،‬سلم حياتك ل وهو‬
‫يتصرف ‪ ،‬قلت نعم يا رب أنا أسلم حياتي لك لكن ارحمني مما أنا فيه ‪ ،‬علمن طرقك أنا تائه‬
‫حيران ‪ ،‬كثير ما يحدث لي هذا يا رب ‪ .‬كنت كلما مررت بتجربة مثل هذه أعود وأقرأ في‬
‫الكتاب فأشعر براحة نفسية غريبة ‪ ،‬بعد ذلك فكرت في التصال بأحد المسيحيين الذين كانوا‬
‫يعملون معي لكنهم جميعا لم يرحبوا بمقابلتي خوفا من أن أكون قد أعددت لهم كمين ليذائهم‬

‫‪- 90 -‬‬

‫حارة النصارى‬
‫وبعضهم رفض لنه اعتقد أنني أريد أن أدعوهم للسلم ‪ ،‬ولكن إن أراد ال شيئا فل يمنعه‬
‫أحد ‪ ،‬فذات مرة كنت مع أحد المهندسين في زيارة لصديق له وفي طريق عودتنا طلب مني على‬
‫سبيل السخرية والستهزاء أن نزور صديق له مسيحي لنه كان يعلم مدى كراهيتي للمسيحيين‬
‫واعتقد أنه بهذا يريد السخرية بي ‪ ،‬لكنه لم يتوقع أن أقبل ذلك إذ بمجرد أن طلب مني ذلك‬
‫وافقت على الفور ولكنه كان كل دقيقة يقول لي ‪ :‬إنه مسيحي هل تعلم ؟ أقول نعم وأنا موافق‬
‫على زيارته ‪ ،‬فطلب مني أل أتصرف مع المسيحي بطريقة تسيء إليه فقلت له ‪ :‬ل تخف‬
‫سأكون عند حسن ظنك ‪ ،‬وذهبنا لصديقه المسيحي وكان يعلم عني كل شيء بل طالما كنت‬
‫اعترض طريقه واثير المسلمين ضده ونتهجم عليه بالسباب طالبين منه أن يسلم ‪ ،‬بمجرد أن‬
‫رآني أمام شقته ارتعد وأغلق الباب سريعا فعاود زميلي الطرق عليه ثانية ففتح الباب وقال‬
‫لزميلي ‪ :‬لماذا جئت بهذا إلى هنا ؟ ألم يكفك ما يفعله معنا بالمكتب ‪ ،‬حرام عليك إني رجل ل‬
‫أسيء لحد وبعدد مناقشات سمح لنا بالدخول وفي شقته لفت نظري كتاب مقدس على طاولة‬
‫تتوسط غرفته ‪ ،‬فأخذته وتصفحت فيه قائلً هل هذا هو كتابكم المقدس ؟ فأجاب بتلعثم وارتباك‬
‫نعم هذا والقرآن كذلك كله من عند ال وأسرع للمكتبة وأخرج لي مصحفا وقال ‪ :‬انظر هذا‬
‫مصحف كله كويس القرآن والنجيل والمسيح ومحمد كله كويس ‪ ،‬كان يبدوا عليه الخوف‬
‫والفزع مني فأردت أن أقترب منه فإذا به يبتعد كلما اقتربت منه ابتعد هو عني حتى قطعنا‬
‫الصالون ندور كل منا حول الخر وأخيرا اقتربت منه إذ لم يجد مكانا ينزوي فيه فقلت له ‪ :‬لماذا‬
‫تبدوا هكذا أريد أن أتكلم معك ؟ مع العلم أن صديقه الذي كان معي قد دخل أحد غرف الشقة‬
‫ليستريح فقد كانت تربطهما معا علقة قوية ‪ ،‬وانتهزت هذه الفرصة لتحدث معه عسى أن‬
‫يساعدني على بلوغ ما أريد ‪،‬لكنه لم يتجاوب معي فطلبت منه أن أزوره مرة ثانية وحدي ‪ ،‬فقال‬

‫‪- 91 -‬‬

‫حارة النصارى‬
‫ل مانع لكن لن نكون وحدنا بل سيطلب بعض أصدقاءه ‪ ،‬قلت ل مانع لكن اكتب لي العنوان ‪،‬‬
‫كتب لي العنوان وزرته في اليوم المحدد ؛ وإذا به قد جمع نصف دستة من الصدقاء خوفا‬
‫مني ‪ ،‬تكلمت قليلً معه ول أنكر كنت أتكلم كقائد عسكري مهزوم يفاوض المنتصرين كنت أضع‬
‫رأسي وأنظر أسفل قدماي من الخجل وأنا فلن الذي كان وكان ‪ ،‬ها هو يستجدي من المسيحي‬
‫كلمات تقوده نحو ما كان يحاربه من قبل ‪ ،‬لكن هو سلم ال والرغبة في الخلص اللذان دفعاني‬
‫للتنازل عن كل شيء ‪ ،‬في سبيل الظفر بدخول ملكوت ال الذي طالما بحثت عنه قديما وقدمت‬
‫من أجله كل ما استطعت فلماذا ل أقدم الن بعد أن اكتشفت أنني كنت ألهث نحو سراب ل وجود‬
‫له إل على صفحات الكتب ‪ ،‬اصبح عندي رغبة لعمل أي شيء للوصول لطريق الرب ‪ ،‬كان‬
‫صديقي هذا قليل المعرفة بالكتاب لذلك لم يقدم لي جديدا ‪ ،‬وكانت لديه مشاكل عائلية حتى أنني‬
‫قد سمعت من بعض الناس أنه يفكر في السلم ليتزوج مرة أخرى مما أزعجني واحتقرته أ‬
‫وشعرت بأنه لن يقدم لي ما أحتاجه ‪ ،‬لكن بعد أن تقربت أليه وتكررت زيارتي له توطدت عل‬
‫قتي به كثيرا وكان يهيئ لي مكان أقرأ فيه بحريتي ولم يحاول أن يفرض فكراما علي لنني كان‬
‫لي اتجاه واحد محدد وهو الرب يسوع بعيدا عن الفرق والطوائف التي عانيت منها في السلم‬
‫من قبل ‪ ،‬لكن قد تأتي الرياح بما ل تشتهي السفن ‪ ،‬إذ لم تدم تلك العلقة كثيرا ‪ ،‬وعلمت أن‬
‫هناك شخص آخر أكثر منه فقها في الكتاب لكن كانت علقتي به غاية في السوء ‪ ،‬فكان كلما‬
‫طلب مني شيء في العمل أعطه بيانات خاطئة وأحرض الناس عليه بل أمنحهم هدايا كلما أهانوه‬
‫وأضروه ‪ ،‬واستبعدت أن يوافق على مقابلتي ‪ ،‬لكنه وافق و طلب مهلة شهر ليفكر وطلب مني‬
‫أن أعاود التصال به قبل أسبوع من مرور الشهر ‪،‬أحسست أن الدائرة بدأت تضيق حولي فل‬
‫كنيسة تريد أن تسمعني ول أفراد يريدون مقابلتي كانت صورتي عند كل المسيحيين ل تبعث‬

‫‪- 92 -‬‬

‫حارة النصارى‬
‫على الرتياح بل ل أكون مبالغا إن قلت أن من كان يريد تهديد أي مسيحي يقول له سأقول لفلن‬
‫‪ ، . .‬كنت أشبه بالوحش الذي يخيفون به الطفال ‪ ،‬وبعد انقضاء ثلثة أسابيع من الشهر اتصلت‬
‫بالرجل ذاك لعرف هل مازال على موعده أم ل ؟ لم يكن عندي تليفون وكنت كلما خرجت‬
‫خارج منزلي أخذت الوراق التي كتبتها معي خوفا من أن يطلع عليها أحد ويعلم ما فيها ويحدث‬
‫ما ل تحمد عقباه كان لدي كما قلت أبحاث عن ل هوت المسيح ‪ ،‬وهل القرآن كلم ال ‪ ،‬النبوة‬
‫ومحمد ‪ ،‬هل هو نبي أم لماذا ؟ كنت أحمل كل هذه الوراق مع الكتاب المقدس في حقيبة‬
‫بلستيك ‪ ،‬وعندما ذهبت لتكلم في التليفون من أمام محطة القطار السريع في مدينتي فوجئت‬
‫بالحقيبة وقد سرقت بكل ما فيها الكتاب المقدس ‪ ،‬البحاث ‪ ،‬الحافظة ‪ ،‬البطاقة الشخصية ‪ ،‬لم‬
‫يتغير وجهي ولم تبدو عليّ علمات الغضب ‪ ،‬إذ كنت أملك برود أعصاب اكتسبته من كثرة‬
‫احتكاكي بالمباحث ورجال المن ‪ ،‬لكن كل الذي سيطر على تفكيري وشغلني أمرين الول ‪:‬‬
‫ربما السارق يقرأ ما هو مكتوب ويرسله للمن ويكون من السهل عليهم الوصول إلى كاتبه من‬
‫خلل البطاقة وبذا أكون مستحقا لقسى العقوبة لن ما في الوراق هو تهجم على القرآن‬
‫وعقوبته الوحيدة العدام ‪ ،‬لكن هذه النقطة لم تشغلني كثيرا فأنا على يقين أنني عندما تحين‬
‫ساعتي لن أتأخر ولن أستقدم عنها فنحن ول محالة ميتون ‪ ،‬لكن الذي شغلني وقلب كياني هو‬
‫وسواس قوي اجتاح تفكيري وسيطر على كل كياني وهو ‪ :‬إن ال يحبني كثيرا وها هو يقدم لي‬
‫الدليل الواضح القوي على أن سلوكي نحو المسيحية باطل وما هو إل طريق الشيطان والدليل أن‬
‫ال قد أزاح من أمامك كل تهجم على كتابه ورسوله الكريم وأذهب عنك السموم من خلل فقدان‬
‫الكتاب المقدس ‪ ،‬ل يوجد دليل أقوى من هذا لتعرف أنك كنت تسير في الضلل ‪ ،‬قم الن ول‬
‫تتأخر عن التوبة ل فإن ال غفار لمن تاب وآمن وعمل صالحا قم الن اغتسل مما لحق بك من‬

‫‪- 93 -‬‬

‫حارة النصارى‬
‫دنس نتيجة تفكيرك الشيطاني وسلوكك نحو الشرك والفسوق ‪ ،‬لم يكن أمامي سوى الذعان‬
‫لفكار إبليس الشيطانية خاصة وأن صديقي الذي تعرفت عليه من قبل وكان يسمح لي بزيارته‬
‫والجلوس عنده فترات طويلة للقراءة ؛ عندما علم بأنني فقدت الوراق هذه ارتعب ومله‬
‫الخوف ‪ ،‬وطلب مني أن ل أتصل به أو أزوره حتى نري نتيجة ما قد يحدث بسبب فقدان هذا‬
‫الورق ‪ ،‬كان ذلك بمثابة الخيط الخير الذي كنت أتعلق به وها هو يقطع مثل البقية ‪ ،‬فشعرت أن‬
‫ال ل يريد لي هذا الطريق وأنني لن أقدر على الصبر في تلك المعركة إذ أنني بكل صدق رغم‬
‫ما توصلت إليه وما علمته وما لمسته من حلوة وعذوبة في كلمات الكتاب واجتهادي ومواظبتي‬
‫على الصلة " أبانا الذي " باستمرار دون انقطاع لم يحدث في سلوكياتي أو شخصيتي الذاتية أي‬
‫تغير ‪ ،‬إذ كنت مازلت أكن بالحقد والحسد على المسيحيين ‪ ،‬ولم أقدر على مسامحة أحد ولم‬
‫أستطع أن أقول لوالدتي حتى مجرد صباح الخير كنت أخرج من البيت وعلمات الغضب تمل‬
‫وجهي وأتعمد إظهارها أمام والدتي وأخوتي حتى يعلموا أنهم كفار وأنني ل أحبهم ‪ ،‬كنت مازلت‬
‫روح التمرد والعدوانية تمل كياني حتى أنني شككت في مصداقية ما قرأته في النجيل ‪ ،‬كل هذه‬
‫وما حدث من فقدان الوراق اجتمعوا معا علي في هجمة شرسة ربما لتعطيل عمل ال في ‪ ،‬أو‬
‫لكسر الرادة التي تولدت لدي نحو محبتي التي بدأت تنموا نحو النجيل ‪ ،‬ومرة ثانية انخرطت‬
‫في البكاء الشديد معاتبا ال عما يحدث لي وهل هذا عدل منه أنه كلما قررت أن اخطوا نحوه‬
‫وتسير المور على ما يرام يحدث ما يعرقل ذلك ‪ ،‬لماذا يا رب أنت هكذا معي ؟ ماذا فعلت ؟‬
‫إن كنت تعاقبني على ما فعلته في الماضي تجاه المسيحيين فها أنا أتوب وأطلب عفوك وصفحك‬
‫الذي أنت قد عملته بموتك على الصليب أم أن صليبك هذا ليس إل كما كنا نقرأ عنه ‪ ،‬من أنت‬
‫حتى أتقرب إليك وماذا يرضيك لفعله ‪ ،‬بئست الحياة إن كانت كما أحيا أنا ‪ ،‬الموت أهون علي‬

‫‪- 94 -‬‬

‫حارة النصارى‬
‫خذ نفسي يا ال ‪ ،‬وما دمت ل تريد أن ترضى علي فلنتحر ول يضيرني أن أدخل النار بسبب‬
‫ذلك لنه إن لم ترض علي فسأدخلها ؛ فالثنين سواء ‪ ،‬بكيت كثيرا وتألمت كثيرا ‪ ،‬ولم أجد‬
‫أمامي سوى أن أقوم ودموع عيني كالنهار تجري على وجهي حتى لفتت أنظار والدتي فأخذت‬
‫تربت على كتفي وتبكي على بكائي وتسألني ماذا بك يا ولدي فأقول ل شييء اتركوني وحدي ل‬
‫أريد أن أتكلم مع أحد لقد تكلمت معكم مرة فاتهمتموني بالجنون ربنا يسامحكم أسرعت إلى‬
‫غرفتي ‪ ،‬وقمت واغتسلت لزيل ما لحق ببدني من نجاسة نتيجة التفكير في المسيحية وما اقترفته‬
‫يداي وأخذت أفكر هل سيغفر ال لي ما قلته على نبيه وما كتبته عن قرآ نه ؟ وإذا أنا أشعر‬
‫وكأن شخصا يجيب عني قائلً ‪ :‬أنت لم تتهجم على أحد ولم تتكلم بالباطل فكل ما وصلت إليه‬
‫ليس من عندك أنت بل هو نفسه تكلم ‪ ،‬ووقفت باسطا سجادتي وأخذت أنطق بالشهادتين حتى‬
‫أعود إلى السلم ثانية وانتصبت لصلي فلم أقدر أن أنطق بحرف واحد من القرآن ولم أقدر أن‬
‫أنحني لركع فجلست واضعا رأسي بين كفي يدي فترة ثم قمت ولم أنطق سوى كلمات معدودة ‪:‬‬
‫يا رب ‪:‬إن لم يكن بك غضب علي فل يضيرني شيء ‪ ،‬وإن كنت تقتص مني لذنب فعلته فأسألك‬
‫الرحمة في قصاصك‪ ،‬وإن كنت تقف في طريق هدايتي فليس ذلك من طبعك ‪ ،‬يا رب لم يعد‬
‫لدي قوة لقاوم ما أنا فيه وإن لم تظهر لي ذاتك فسأضل ‪ ،‬إنني أحبك سلكت كما أمرت في‬
‫السابق وفعلت مل يستطع أحد أن أفعله اعتقادا أن هذا يرضيك ‪ ،‬وعندما أريتني نورك وسمعت‬
‫النداء أنك تريدني لم أتباطيء فإلى متى تتركني أتخبط في الظلمات‪ ،‬إن كان ما يحدث لي اختبار‬
‫أعددته لي لتقودني إلى حظيرتك أيها الراعي الصالح فزد من ذلك لنني بذلك أكون على موعد‬
‫للقائك ‪ .‬في تلك الليلة نمت نوما عميقا لم أنم مثله ليس من أيام بل من سنوات ‪ ،‬وقرب الفجر‬
‫تقريبا رأيت رؤيا في منامي وإذا برجل عريض المنكبين ‪ ،‬كثيف اللحية فارع الطول محمر‬

‫‪- 95 -‬‬

‫حارة النصارى‬
‫الجبين سبط الشعر ملمحه أجمل ما يكون ‪ ،‬وإذا به يمتلكني من منكبي ويهزني بلطف قائلً ‪:‬‬
‫أما زلت تشك فيّ ؟ قلت من أنت لكي أشك فيك ؟ إني ل أعرفك ‪ .‬قال ‪ :‬أنا من تبحث عنه ؟‬
‫قلت ل أدري ذكرني قٌال ‪ :‬اقرأ في الكتاب لماذا لم تقرأ في الكتاب ؟ قلت ألم تعلم أنني فقدت‬
‫الكتاب وكل أوراقي فكيف أقرأ ؟ قال ‪ :‬إن الكتاب ل يضيع ‪ ،‬قم وافتح دولبك فستجده هناك‬
‫وباقي أوراقك سوف تعود إليك خلل أسبوع ‪ ،‬انتفضت كمن أوقظه أحد بسوط وأسرعت بدون‬
‫تفكير نحو الدولب الصغير الذي كان بأحد أركان غرفتي وفتحته وأنا أرتجف فإذا الكتاب الذي‬
‫فقد بعينه داخل الدولب فوقفت لحظات أرتعش وتخبط نواجذي كمن كان في يوم قارس البرد ‪،‬‬
‫ثم احتضنته كطفل كان غائب عن أمه زمانا ثم عاد ‪ ،‬وأسرعت لدري كيف نحو والدتي‬
‫لوقظها وأقبلها بكل فرح وأعلن لها أن ما حدث اليوم لن أسمح لكم أن تقولوا عني أني جننت ‪،‬‬
‫وأخذت أرتمي في أحضانها باكيا وأردد سامحيني يا أماه على كل ما بدر مني تجاهك ‪ ،‬كنت‬
‫أحسب ذلك من اليمان أم الن فقد علمت ما هو اليمان ‪ ،‬من فضلك دعيني أقبل قدميك لن أقبل‬
‫أقل من ذلك ‪ ،‬قالت ‪ :‬ماذا حدث لك يا بني أخبرني ‪ :‬قلت سأقول لكي لكن أسألك بكل ما هو‬
‫عزيز لديك ل تقولي جننت ‪ ،‬إنني يا أماه قد هداني ال ‪ ،‬قالت ومن قبل أين كنت ؟ قلت إن ال‬
‫الذي هداني ليس هو ما كنت أسير في فلكه من قبل ‪ .‬قالت ‪ :‬هل هناك إله آخر ؟ قلت نعم ‪،‬‬
‫هناك إله آخر يقول لي أن أحبك وأخضع لك ‪ ،‬قالت من هو هذا الله ؟ قلت هو المسيح عيسى‬
‫كما يقول القرآن ‪ ،‬قالت ‪ :‬أرجوك يا بني ل تقل ذلك أمام أخوتك فيتهموك بالجنون ‪ ،‬قلت حاضر‬
‫سأفعل لكن هل تصدقيني أنت ؟ قالت لماذا لم أصدقك وقد رأيت الدليل أمامي إنك منذ عشرون‬
‫عاما لم تفعل معي ما فعلته اليوم أذهب وال لن يتركك لكن تكتم المر عن أخوتك ‪ ،‬قلت لو‬
‫تعلمين ما بداخلي يا أماه لعذرتني في كل شيء أريد أن أقف في وسط الطريق وأعلن أن المسيح‬

‫‪- 96 -‬‬

‫حارة النصارى‬
‫هو ال وأنه غيرني ‪ ،‬وفعل بي ما عجز إله محمد أن يفعله ‪ ،‬فوضعت يدها على فمي لتمنعني‬
‫من الكلم ‪ ،‬ولم أنم بعد ذلك كنت أتوق لضوء النهار لخرج للناس وكأنني قد خرجت إلى الحياة‬
‫للتو ‪ ،‬وذهبت في الصباح الباكر أنظر حولي وإذ أنا أرى كل شيء جميل وكل الناس طيبون ‪،‬‬
‫أخذت أسلم على كل من يقابلني سواء عرفته أم ل ‪ ،‬وذهبت نحو البقال المسيحي الذي كنت‬
‫أسيء إليه فاعتقد أنني قادم إليه لفعل ما كنت أفعله معه من قبل ؛ فأسرع نحو الدكان ليغلقه ‪،‬‬
‫فناديت عليه أرجوك انتظر ‪.‬ل تخف ‪ .‬فوقف متسمرا في مكانه ولم يتفوه بكلمة وإذا أنا أجد‬
‫نفسي أقبله وأطلب منه أن يسامحني ‪ ،‬فلم يكن إل أن بكى وسمعته يقول كلمات لم أدري معناها‬
‫إل بعد ذلك قال ‪ :‬هللويا مجدا ل فقلت ماذا تقول ؟ قال ستعرف ما قلت في حينه ‪ ،‬وانصرفت‬
‫وكنت أرى الناس بصورة غريبة حتى أنني شككت أن يكون قد حدث لعقلي شيء ‪ ،‬كانت‬
‫نظرات الناس تلحقني أينما كنت ؛ مندهشين مما حدث لي ‪ ،‬حتى زملئي في العمل كانوا‬
‫ينظرون إلي بتعجب ويضربون كفا على كف وكأنهم يقولون ‪ :‬ماذا حدث لهذا النسان بالمس‬
‫كان يبصق علينا وها هو الن كالحمل الوديع ‪ ،‬ماذا يدور في خاطره هل هي مكيدة جديدة‬
‫يخطط لها ؟ كنت أرقب في أعينهم الحيرة تجاه سلوكي الذي تغير ‪ 180‬درجة لكن لم يكن‬
‫يشغلني ما يقولون أكثر من انشغالي بالحسان لكل من أسأت إليه ‪ ،‬وكذلك الفرحة العارمة التي‬
‫ملت قلبي والوداعة المتناهية ‪ ،‬والهدوء ‪ ،‬أحيانا كنت أعتقد أنني في حلم جميل ل أريد أن أفيق‬
‫منه ‪ ،‬لكنها هي قوة ال ‪ ،‬كنت متعجل الختبارات التي تثبت أنني حقا قد تغيرت إلى البد وليس‬
‫وقتيا ‪ ،‬وكنت أتفكر في ما قاله لي الرجل الذي رأيته في المنام من أنني سأعثر على الوراق‬
‫خلل أسبوع ‪ ،‬ومرت اليام وبدأ الشك يتسلل إلى وكنت أخشى من أن تفسد فرحتي إن لم أعثر‬
‫على الوراق وفي اليوم السابق لتمام السبوع كنت قريبا من محطة القطار وأردت أن اعمل‬

‫‪- 97 -‬‬

‫حارة النصارى‬
‫تليفون ‪ ،‬ولم يكن أمامي سوى نفس التليفون الذي فقدت عنده الوراق والكتاب من قبل فترددت‬
‫وكنت أتقدم نحو التليفون وأرجع ثانية إلى الخلف حتى لحظ صاحب التليفون ذلك ‪ ،‬فقال ‪ :‬ماذا‬
‫تريد أراك متردد هل حدث شيء ؟ قلت ل لكن تليفونك هذا أتشاءم منه فقد اتصلت منه منذ‬
‫أسبوع وفقدت شنطتي وأنا اليوم أريد التصال لكن ل أدري ماذا سأفقد ‪ ،‬قال هل الشنطة تلك لك‬
‫؟ قلت نعم هل لديك معلومات عنها ؟ قال ‪ :‬هات علمة وأنا أخبرك أين هي ‪ .‬فقلت أنها شنطة‬
‫بلستيك بها مجموعة أوراق وكتاب مثل المصحف وبطاقتي وجواز سفري وليس بها نقود إطلقا‬
‫قال ‪ :‬نعم هي كذلك غدا تعال وأنا آخذك عند من وجدها ‪ ،‬وفي اليوم التالي تمام السبوع ذهبنا‬
‫إلى قرية في ضواحي القاهرة ناحية الجنوب ‪ ،‬وقابلنا الرجل الذي عنده الحقيبة وأعطانا إياها ‪،‬‬
‫وفتحتها ولم أجد الكتاب ‪ ،‬فقلت للرجل إن الحقيبة ناقصة كتاب ‪ ،‬قال ‪ :‬وال ما أخذت منها شيء‬
‫ولم افتحها إلى يوم أخذتها وكان بها أوراق وجواز سفر وبطاقة ومصحف ( الكتاب المقدس )‬
‫ولم أر ما فيها حتى اليوم ‪ ،‬فرحت جدا بما قاله الرجل وأخبرته أني صدقته ‪ ،‬لن ذلك معناه أن‬
‫ال قد أعاد لي الكتاب بعد أن فقدته ‪ ،‬كان سبب سعادتي أنني طوال أيام حياتي السلمية لم أعهد‬
‫أن أطلب من ال أو أن أرى مثل ما حدث هذا ‪ ،‬حقا لقد كان يمثل بالنسبة لي معجزة فوق كل‬
‫المعجزات ‪ ،‬حتى أنني عدت لحقر نفسي أمام عمل ال هذا معي ‪ ،‬فقلت ‪ :‬من أنا يا رب حتى‬
‫تفعل معي هكذا ‪ ،‬وحالً جاءني الجواب ؛ أنا فعلت وسأفعل أعظم من هذا للذين يحبون ال‬
‫ل تغيرت‬
‫كنت أحدث نفسي قائلً لو سمح ال لي أن يدخلني في اختبار لكي أتأكد من أنني فع ً‬
‫سأكون سعيدا ‪ ،‬وسرعان ما استجاب ال لرغبتي وكانت أول اختبار لي في علقتي الجديدة‬
‫بالمسيح ‪ :‬كنا في عملنا نحصل على مكافأت دورية ‪ ،‬نتعاقب غليها لكني كنت فوق ذلك وكنت‬
‫أجبرهم على أن آخذ من هذه المكافأة شهريا لن هذا مال كفار ل يجب العدل فيه وذات يوم حان‬
‫موعد الصرف ‪ ،‬وكان هناك زميل يمر بظروف قاسية في منزله وجاء للمدير المسئول يطلب منه‬
‫أن يمنحه المكفأة هذا الشهر ليخرج من ضائقته هذه ‪ ،‬فقال له المدير ‪ :‬إن الكشوفات قد وضعت‬
‫وبقية زملءك هذا دورهم وكلهم عندهم ظروف مثلك أما بخصوص فلن ‪. . .‬فل نقدر أن نمنع‬
‫‪- 98 -‬‬

‫حارة النصارى‬
‫عنه المكافأة فأنت تعرف أنه إنسان شرير ونحن نتقي شره ‪ ،‬في تلك اللحظة دخلت مكتب المدير‬
‫ووجدته يتهامس مع زميلي فقلت على الفور ‪ :‬ماذا تقولون بنغمة هادئة ‪ ،‬أتتحدثون عن المكافأة ؟‬
‫قال المدير بسرعة وارتباك ‪ :‬أيوه لكن أنت ل تخف فأسمك مدون في رأس الكشف ‪ ،‬فقلت إذن‬
‫فماذا يريد فلن ‪ . .‬قال هو يريد أن نضع اسمه في الكشف هذا الشهر لكن اعتذرت له ‪ ،‬قلت‬
‫ولماذا اعتذرت له ؟ يمكنك أن تضعه بدلً مني ‪ ،‬اعتقد المدير أنني اسخر منه فقال ‪ :‬قلت لك إن‬
‫اسمك في رأس الكشف ولن يقدر أحد أن يمنعك من المكافأة ‪ ،‬قلت لكن أنا أريد أن أتنازل عنها‬
‫هذا الشهر لزميلي ‪ ،‬فقال مش ممكن ؛ أنت ؟ قلت نعم أنا ‪ ،‬قال كيف ؟ قلت هكذا مثل ما سمعت‬
‫أرجوك احذف اسمي وضعه مكاني ومن الفضل أن تتنازلوا جميعا له هذا الشهر ‪ ،‬وسمعته يقول‬
‫‪ :‬سبحان مغير الحوال ‪ ،‬ماذا جرى ؟ القيامة سوف تقوم ‪ ،‬فلن ‪ . .‬يتنازل عن المكافأة ‪ ،‬مش‬
‫ممكن ‪ ،‬قلت لكن ال قادر على كل شيء يخرج من الكل أكلً ومن الجافي حلوة ‪ ،‬كانت عيناي‬
‫مغرورقتان بالدموع من هذا الموقف الذي لم يحدث مثله معي في حياتي ‪ ،‬لقد اعتدت أن آخذ ما‬
‫لي وما ليس لي أما الن فقد علمني المسيح أن أعطي ‪:‬كانت فرحتي ل توصف وأنا أشعر بحلوة‬
‫وطعم العطاء ‪.‬‬
‫بدأ أهلي واخوتي يلمسون هذا التغير فقد كانوا بمجرد أن يروني يغلقون التليفزيون ويهرب كل‬
‫واحد منهم إلى مكانه خاصة أخوتي البنات ‪ ،‬لكن بعد هذا اليوم دخلت عليهم ولم يشعروا بي‬
‫فأسرعوا نحو التليفزيون ليغلقوه وكل منهم يتهم الخر بأنه هو الذي كان يستمع إليه ‪ ،‬فقلت لهم ‪،‬‬
‫مش مهم من الذي فتحه المهم لماذا أراكم مرتبكين وفتحت لهم التليفزيون وقلت لهم شاهدوا ما‬
‫تريدون لكن البرامج التي تخدش الحياء أرجوكم ل تشاهدوها ‪ ،‬قالوا مش ممكن أنت تسمح لنا‬
‫بمشاهدة التليفزيون قلت ولما ل ‪ ،‬لو تعلمون ما في داخلي نحوكم لما صدقتم أنني أحبكم كثيرا‬
‫وأريد منكم أن تسامحوني على كل إساءة بدرت مني نحوكم ‪ ،‬وإذا بي أراهم جميعا يبكون ‪،‬‬
‫وكنت كلما خرجت من المنزل وعدت ثانية أقبل والدتي واحضر لها هدية ‪ ،‬فمل كان منها إل أن‬
‫تبكي من التأثر وأشكر ال كثيرا أنها قد توفت وهي سعيدة بي وأنا أشعر أنني قد كفرت عن القليل‬
‫من إساءتي لها ‪ ،‬وعوضتها قليلً عما بدر مني في السابق وكنت فرحا جدا بهذا الله الذي أعاد‬
‫البسمة على شفاه جميع من بالمنزل مؤمنين وغير مؤمنين ‪.‬‬
‫كان الخوة المسيحيين الذين ذكرتهم يتابعون أخباري باستمرار لكن ساورهم خوف شديد من أن‬
‫يكتشف الناس في القرية أمري فيلقون بالتبعية عليهم فطلبوا مني أن أترك مصر وأغادر للخارج‬
‫لكنني رفضت ذلك بقوة لنني كان يلحقني ما فعلته بالمسيح والمسيحيين لذا أخبرتهم أنني قد‬
‫صليت من أول يوم تغيرت فيه حياتي أن يساعدني ال لن أعمل للمسيح بقدر ما أسأت له وأنا‬
‫أسأت له بمصر فلن أغادر مصر ‪ ،‬ووعدتهم بأنه إذا تم القبض علي فلن أذكر أسمهم في أي حال‬
‫من الحوال ‪ ،‬وذات يوم طلبوا مني أن أذهب معهم لكنيسة لم أذهب إليها من قبل ‪ ،‬فوافقت‬
‫وتقابلت مع أحد الباء هناك وقصصت عليهم ما حدث معي فرأيت الفرحة والبهجة ترتسم على‬
‫وجوههم من عمل ال ‪ ،‬فطلبت منهم المعمودية وتجاوبوا معي وكان ذلك في يوم ‪، 9/5/1993‬‬
‫وما زلت أحفظ هذا اليوم لنني إن كان لي أن أحسب عمري الحقيقي فهو بالتأكيد يرتبط بهذا‬
‫التاريخ الذي فيه ولدت من جديد ‪.‬‬

‫‪- 99 -‬‬

‫حارة النصارى‬
‫إن كنت قد تكلمت باستفاضة عن حياتي قبل اليمان فمن الضروري والمهم أن أتكلم كذلك عن‬
‫عمل ال في حياتي بعد اليمان ‪ ،‬لم يكن لدى كل المقربين لدي أدنى شك في أنه يستحيل أن أتغير‬
‫بهذه الدرجة ‪ ،‬ولم يكن أحد منهم يصدق ما رآه بعينيه فيّ بعد اليمان ‪ ،‬لني إن كنت قد طلبت‬
‫ذات مرة من ال أن يختبرني لعرف هل أنا فعلً تغيرت أم ل ‪ ،‬فهنا ال يدخلني في التجارب‬
‫المتنوعة ليس ليعطيني ثقة في ما حدث لي بل بكل ثقة أقول إنه قد سمح بذلك ليدربني على‬
‫المهمة الشاقة التي قد وضعها على عاتقي ‪ ،‬فأنا لم أختر الطريق الجديد هذا ولم أختر حياتي مع‬
‫المسيح بل على النقيض كنت أحاول تكذيب ما رأيته ‪ ،‬فالمسيح هو الذي اختارني ‪ ،‬ولم يختارني‬
‫اعتباطا بل بالتأكيد لخدمة أعدها لي وأعدني لها ‪ ،‬وهنا سوف أذكر بعضا مما قابلني من‬
‫مضايقات وعمل ال فيها ‪.‬‬
‫كنت أعمل في مكتب يضم بالضافة إلي ثلثة زملء آخرين ل نجتمع سويا إل نادرا فنجلس فيه‬
‫بالتناوب ‪ ،‬وكل منا يملك دولب لخلع الملبس ووضع متعلقاته الشخصية به ‪ ،‬وذات يوم فوجئت‬
‫باختفاء بعض الشياء من دولبي ‪ ،‬ولم أشك في أحد وفي اليوم الثاني تكرر نفس الشيء ‪ ،‬وأيضا‬
‫لم أشك في أحد وكنت ألقي بالمسئولية على زوجتي ومرة ثالثة تكرر نفس الموقف فاكتشفت أن‬
‫قفل الدولب مكسور واختفاء مرتب الذي نسيته بالدولب ‪ ،‬فعلمت يقينا أن الشياء اختفت هنا‬
‫وعن طريق أحد زملئي ‪ ،‬وفجأة سيطرت علي روح شيطانية رهيبة وأخذت أسب وألعن بأسلوب‬
‫النسان العتيق الذي كان في قبل اليمان ‪ ،‬وكنت أردد قائلً ‪ :‬إن كنت قد قبلت المسيح ولرأيتم‬
‫أني وديع وطيب فل يعني هذا أن تضحكوا علي وتجعلوني ألعوبة وأقسمت أن أفعل بهم أشد ما‬
‫فعلوا بي ‪ ،‬وقررت بيني وبين نفسي أن أحطم كل الدواليب الموجودة بالمكتب وآخذ ما بها‬
‫وأحرقهم وأترك كل دولب مفتوح كما فعل إبراهيم بالصنام لكي يعلموا مدى ما يشعر به‬
‫النسان إن سرقت متعلقاته ‪ ،‬وذهبت وأحضرت شاكوش وأجن لنفذ ما قررته وأغلقت المكتب‬
‫بعد أن التفت يمينا وشمالً لكي أتأكد أن أحدا لم يرني ‪ ،‬ورفعت يدي وأنا مملوء غضب وغيظ‬
‫وقبل أن أهوي بيدي على أول قفل إذا بشيء يمسك يدي وصوت خافت يقول ‪ :‬ل تقاوم الشر ‪،‬‬
‫وكن صانع سلم ‪ ،‬فالتفت يمينا ويسارا لحد الصوت فلم أجد شيئا فقلت في نفسي ‪ :‬لكن يا رب‬
‫هل يرضيك ما يحدث لي ‪ ،‬لكن لتكن مشيئتك اذهب عني الغيظ وأخمد النار التي في قلبي ‪ ،‬إني‬
‫أكاد أفقد صوابي من فضلك يا رب هدئني ‪ ،‬وفجأة شعرت بسلم غريب وكأن لم يحدث شيء ‪،‬‬
‫وأسمع من يطلب مني أن أكتب على ورقة من أوراق التقارير اليومية ما يلي ‪ :‬أخي الذي يفتح‬
‫الدولب إني في غاية السف لعد تمكني من تلبية ما تحتاجه ‪ ،‬لكن من فضلك أكتب ما تحتاجه‬
‫وأنا بمشيئة اله سأحاول تلبيته لك ‪ ،‬وللدللة على صدقي لن أستبدل القفل المكسور ‪ ،‬وأعلم أن‬
‫محبة ال لنا نحن البشر فائقة ‪ ،‬وأخيرا لك مني سلم ال الذي يفوق كل عقل والرب يحفظ حياتك‬
‫إلى البد ‪ :‬أخيك ‪ ، . . . .‬وبعد أن انتهيت من كتابة ما سبق وضعت الورقة في الدولب وتركته‬
‫على وضعه المعتاد وصليت لشكر ال إذ منعني من النقياد للفكار الشيطانية ‪ ،‬وعدت لمنزلي‬
‫في غاية الفرح لنني قد انتصرت على إبليس ومجرد أن فتحت لي زوجتي الباب حتى أخذت‬
‫أعانقها وأحكي لها ما تم ‪ ،‬فقالت ‪ :‬ل تخف فإن كان ال معنا فمن علينا ومن جهة الفلوس التي‬
‫فقدت فالكتاب يقول ‪ :‬كنت فتى والن شخت ولم أجد صديقا تُخلي عنه ‪ ،‬ول ذرية له تلتمس خبزا‬
‫إن ال قادر أن يسد حاجتنا لنه هو المتكفل بنا ‪ ،‬وبعد يومين كانت المفاجئة إذ وجدت أحد‬
‫زملئي قد حضر في ورديتي على غير العادة ‪ ،‬فسألته لماذا أتيت الن ؟ قال أريد أن أتكلم معك‬
‫‪ .‬قلت فيما تريد أن تتكلم معي ؟ قال أفضل أن نصعد إلى مكتبنا لنكون وحدنا فصعدت أنا وهو‬
‫‪- 100 -‬‬

‫حارة النصارى‬
‫وجلسنا كل في مواجهة الخر ‪ ،‬ورأيته قد نظر بوجهة إلى الرض وقال ‪ :‬ل أدري ما ذا أقول‬
‫لك ‪ ،‬ول أدري كيف أتصرف ‪ ،‬قلت ماذا حدث أخبرني ؟ فإذا هو يفتح حقيبة صغيرة ويخرج‬
‫منها كل الشياء التي أخذها من دولبي وأنا ل أصدق ما يحدث ليس لرجوع الشياء ‪ ،‬لكن لنني‬
‫لم أكن أتوقع أن يكون هو الذي فعل ذلك فقد كان شابا مصليا ومتدينا ‪ ،‬فقال هذه الشياء التي‬
‫أخذتها من دولبك لكن أرجوك ل تخبر أحد ‪ ،‬أما الفلوس فلن أستطع أن أردها لك لن أولدي‬
‫كانوا مرضى وبحاجة إلى طبيب ‪ ،‬يمكنني أن أردها لك كل شهر مبلغ ‪ ،‬قلت له ‪ :‬خذ كل هذه‬
‫الشياء يا ‪ . . .‬إنها الن ملكك إنني لم أكذب في ما قلته لك بالورقة ‪ ،‬صدقني كان ال يعوضني‬
‫عن كل شيء تأخذه حتى الفلوس أنا واثق أن ال سيدبر كل شيء ‪ ،‬ولو لم أكن صادقا لقمت‬
‫بتغيير القفل بآخر سليم ‪ ،‬فقال لكن أريد أن أسألك سؤال وتجيبني بصراحة ؟ قلت تفضل ‪ ،‬وهل‬
‫جربت علي كذب من قبل ؟ قال ‪ :‬ل ٌلت فما هو سؤالك ؟ قال ‪ :‬إنك تتكلم كما يتكلم المسيحيون ‪،‬‬
‫الرب ‪ ،‬الرب تلك نفس الكلمات التي أسمعها من جرجس النجار الذي يسكن بجواري ‪ ،‬قلت‬
‫الحقيقة يا ‪ . . .‬إنني عندما حدث ما حدث كنت أمام اختيارين الول ‪ :‬أن أرد العدوان بنفس‬
‫ل للحديث من مات دون ماله فهو شهيد ‪ ،‬وكذلك ‪ :‬ل يكن أحدكم‬
‫العدوان ‪ ،‬وأن أخذ حقي عم ً‬
‫إمعة يأُخذ حقه ول يبالي أو بمعنى أصح كان لي حرية الختيار في الطريقة التي آخذ بها ما أخذ‬
‫مني ‪ ،‬والثاني أن ل أرد العدوان بالعدوان ‪ ،‬وأل أقاوم الشر وأل أنتقم لنفسي وأن من أخذ ثوبي‬
‫فلعطه الرداء أيضا ‪ ،‬ترى أي الطريقين أفضل ؟ قال الثاني بل شك ‪ ،‬قلت وهذا ما حدث مني ‪،‬‬
‫أنني تصرفت بما يحفظ العلقة التي بيننا ‪ ،‬ويقوى المحبة ‪ ،‬و ل يهم من أين المصدر السلم أم‬
‫النصارى أم اليهود المهم التصرف السليم ‪ ،‬ولو أنني وجدت مثل ذلك في السلم لما توانيت عن‬
‫العمل به فورا ‪ ،‬قال ‪ :‬من أين لك بكل هذا ؟ ومن أين جئت بهذا الكلم ؟ قلت سوف لقول لك ‪،‬‬
‫لكن ليس الن لنك مشدود مما حدث وعندما تستريح وتهدأ بعد يوم أو يومين أو شهر ‪ ،‬ورأيت‬
‫أنك محتاج لمعرفة من أين جئت بهذا فسأقول لك ‪ ،‬وبعد حوالي أسبوعين قابلني في أثناء تسليم‬
‫المكتب له وقال ‪ :‬الن قد هدأت وأريد أن أعرف منك مصدر هذا الكلم كما وعدت ‪ ،‬قلت له ‪:‬‬
‫غدا أقابلك وأقول لك عما تريد ‪ ،‬وفي الغد قابلني وسأل نفس السؤال فقلت له‪ :‬لحظة واحدة‬
‫وأخرجت له النجيل قائلً ‪ :‬إن كنت حقا تريد أن تعرف من أين كل ما فعلته اقرأ هذا الكتاب ‪،‬‬
‫قال ‪ :‬هذا إنجيل أعوذ بال من الشيطان الرجيم ‪ ،‬قلت نعم هو من النجيل وأنت لك حرية‬
‫الختيار إن أردت أن تعرف خذه وأقرأ وإن لم ترغب فأنت وشأنك ‪ ،‬اخذ مني الكتاب وظل يقلبه‬
‫يمينا ويسارا وينظر إلى باستغراب وأخيرا أخذه وانصرف ‪ ،‬وقلت له إن صعب عليك شيء‬
‫فيمكنك أن تسألني ‪ ،‬وظل طوال أسبوعين يأتي بأسئلة متعددة واستمر هذا الوضع طويلً حتى‬
‫لحظت عليه تغير كبير وحب كبير للكتاب ‪ ،‬وذات يوم قال ‪ :‬إلى فكرة الكتاب هذا فيه بركة‬
‫عظيمة إذ منذ أن أخذته منك وأنا أجد كل الخلفات التي كانت بيني وبين زوجتي تزول ‪ ،‬فقلت له‬
‫اقرأ أكثر لتعرف ما هو المطلوب منك ‪ ،‬استوعب الكتاب بدقة حتى أنه ذات يوم فاجأني بأن طلب‬
‫مني أن أعلمه الصلة المسيحية وهيأتها ‪ ،‬فقلت له ليست لها هيئة معينة ‪ ،‬فيمكنك أن تصلي في‬
‫أي وضع وبأي أسلوب ‪ ،‬وبعد ثلثة أشهر كانت المفاجأة الغير متوقعة فقد جاءني وأخذ يقبلني‬
‫ويسألني كيف يمكنه أن يتعمد ‪ ،‬قبل زميلي الرب وكان سبب بركة لسرته كلها ‪ ،‬فسعدت أنا‬
‫أيضا وأحسست أنني قد اختارني ال حقا للعمل في كرمه ‪ ،‬ولكون من خرافه ‪ ،‬ولكون ممن‬
‫يصطادون الناس لكن هذه المرة ليس للضلل بل للخلص والحياة البدية ‪ ،‬إذ طالما كنت في‬
‫الماضي أصطاد الناس لضمهم إلى حظيرة الهالكين فما أجمل أن أعمل مع رب هذا الزمان‬
‫ومخلصه يسوع المسيح ‪.‬‬
‫‪- 101 -‬‬

‫حارة النصارى‬
‫بدأت أشعر لول مرة بأنني أحب بلدي وأحب الناس وأحب التسامح والعفو ‪ ،‬حقا أصبحت إنسانا‬
‫جديدا واستخدمني الرب في اجتذاب نفوس للمسيح وإعادة بعض الخراف التي ضلت طريقها‬
‫وتركت المسيح إلى حظيرة الب السماوي ‪.‬‬
‫توالت التجارب والختبارات التي كانت تظهر لي ما عما عالقا بي من النسان العتيق ‪ ،‬وتوالت‬
‫معها محاربة إبليس سواء من خلل حياتي الروحية أو الجسد كذلك ‪ ،‬فذات يوم كنت ذاهبا لزيارة‬
‫أسرتي وأخذت ميكروباص من مكان ما إلى حيث تقيم السرة ‪ ،‬وسمعت من ينادي على الركاب‬
‫فأجلسني السائق علي كرسي سعته ثلث ركاب لكن هو جعلني الرابع ‪ ،‬وكان بجواري على نفس‬
‫الكرسي رجل متدين كثيف اللحية وزوجته المتنقبة ‪ ،‬فبدأ يتصرف تجاهي بطريقة غير لئقة فأخذ‬
‫يضيق علي المكان ويبسط رجليه بحيث لم يعد سوى سنتيمترات قليلة ‪ ،‬فنزلت فسألني السائق‬
‫لماذا نزلت ؟ قلت ل يوجد مكان ‪ .‬قال هذا الكرسي لربعة نفر وطلب من الشيخ أن يفسح لي ‪،‬‬
‫لكن أحسست أن هذا الرجل ل يريد أن يجلس أحد بجواره حتى ل يضايق زوجته فنزلت ودفعت‬
‫أجرة الكرسي للسائق وطلبت منه أل يجلس أحد معهم‪ ،‬وهنا ثارت حمية الرجل فقال ل يا أخي‬
‫تفضل اجلس‪ ،‬قلت له ل داعي لن نزاحمك أنت وزوجتك‪ ،‬فأصر على أن أركب فركبت وأفسح‬
‫لي المكان‪ ،‬وسار بنا الميكروباص بضعة أمتار فإذا بالرجل يسألني سؤال لم أكن أتوقعه‪ ،‬إذ قال‬
‫لي‪ :‬هل أنت سلم أم مسيحي؟ قلت لماذا تسأل؟ قال أريد أن أعرف فقط‪ ،‬قلت أنا مسيحي‪ ،‬فقال‪ :‬يا‬
‫خسارة لو كنت مسلما لكان لسلوكك هذا شأن عظيم‪،‬قلت له؟ هل تعرفني؟ قال‪ :‬ل ٌلت وأنا أيضا‬
‫ل أعرفك‪ ،‬لكن ترى لماذا فعلت أنا ذلك معك؟ قال‪ :‬ل أدري‪ ،‬قلت إن لدينا نص في النجيل‬
‫يأمرنا أن نحب كل الناس حتى الذين يسيئون إلينا وأنا قد ل حظت كم كنت قاسيا معي فأردت أن‬
‫أبين لط المحبة التي تملئنا نحو كل من يسيء إلينا فلم أجد سوى هذا التصرف الذي رأيته‪ ،‬قال‬
‫وهل لديكم كتاب؟ قلت نعم‪ ،‬قال هل تعبدون ال؟ قلت ومن نعبد إذن؟قال نعلم أنكم تعبدون المسيح‬
‫والحبار والرهبان كما قال القرآن‪ ،‬قلت ليس كل ما تعلمونه عنا صحيح؟ وإل لما كان ما وجدته‬
‫مني لكن أشير عليك برأي قال‪ :‬تفضل قلت سوف أعطيك كتاب مقدس بعهديه القديم والجديد الذي‬
‫هو النجيل لتقرأه وترى ما به‪ ،‬فإن أعجبك فهذا خير وإن لم يعجبك فلن تخسر شيئا‪ ،‬اتفقنا على‬
‫أن نتقابل في مكان ما وأعطيته الكتاب وكنا نتقابل أسبوعيا‪ ،‬لرد على تساؤلته‪ ،‬وبعد ذلك بدأنا‬
‫نصلي سويا وبدأ هو يتناقش مع زوجته حتى أنه كان يريد تطليقها فأخبرته إن هذا ل يوافق فكر‬
‫ال وصلينا من أجلها واستقر البيت وعم فيه السلم ‪ ،‬وقلت له إن المسيحية حياة تجمع الناس ول‬
‫تفرقهم فالزوج غير المؤمن مقدس في الزوجة المؤمنة والزوجة الغير مؤمنة مقدسة في الزوج‬
‫المؤمن‪ ،‬كان صديقي منبهر جدا بما قرأه في الكتاب ودخل الرب البيت وبناه واستقر وباركه ال‬
‫كثيرا ‪.‬‬
‫ل أريد أن أنهي هذه الشهادة لنها في الحقيقة ل نهاية لها لنه مادام الرب يعمل فيّ فالختبار‬
‫مستمر لكن خلصة ما أريد قوله أنني قد وهبني ال تلك الحياة بدون مقابل بل لو نظرنا للمقابل‬
‫لن نجد سوى التدمير والتخريب والخطايا ‪ ،‬التي لم يعد ال يحسبها علينا ول يذكرها لنا فنحن إذن‬
‫أحرار إن كان الب قد حررنا فالحياة هي المسيح أما الموت فهو ربح وهذا الشعور يملني لول‬
‫مرة إذ كان الموت من قبل يمثل لي شبح مخيف سواء من عذاب القبر أو سؤال الملكين أو ‪. .‬‬
‫أو ‪ . .‬الخ‬

‫‪- 102 -‬‬

‫حارة النصارى‬

‫‪- 103 -‬‬