A

‫فلسفة التاريخ‬
‫اإلمام‬
‫السيد محمد الحسيني الشيرازي‬
‫أعلى الله مقامه‬

‫اسم املؤلف‪ :‬اإلمام السيد محمد احلسيني الشيرازي أعلى الله مقامه‬
‫عنوان الكتاب‪ :‬فلسفة التاريخ‬
‫الناشر‪ :‬مؤسسة الوعي للطباعة والترجمة والنشر‬
‫الناشر اإللكتروني‪ :‬مؤسسة املستقبل للثقافة واإلعالم‬
‫الطبعة الثانية‪2006 :‬م‬
‫احلقوق محفوظة‬
‫تصميم الصفحات‪ :‬مناف البغدادي‬

‫المستقبل للثقافة واإلعالم‬

‫‪Author: Ayatollah Sayed Mohammed Al-Shirazi‬‬
‫‪Title: Falsafat Al-Tarikh‬‬
‫‪Publisher: Al-Waee‬‬
‫‪Electronic Publishe by: Al-Mostaqbal For Media &Culture‬‬
‫‪Second Edition: year 2006‬‬
‫© ‪Copyright‬‬
‫‪Designed by: Manaf Al-Baghdadi / mananfsh@gawab.com‬‬

‫المحتويات‬

‫مقدمة الناشر‪13/‬‬
‫مقدمة المؤلف‪17/‬‬
‫المدخل‪20/‬‬
‫عالقة الفقه بالتاريخ‪20/‬‬
‫الفرق بين علم التاريخ وفلسفته‪25/‬‬
‫عالقة التاريخ باألخالق‪28/‬‬
‫االستقراء‪32/‬‬
‫أدوار التاريخ‪36/‬‬
‫ورده‪38/‬‬
‫كالم فولتير ُّ‬
‫الدراسة الموضوعية للتاريخ‪40/‬‬
‫التحليل الدقيق للتاريخ‪43/‬‬
‫مناقشات في أدوار التاريخ‪46/‬‬
‫أقوال وردود‪47/‬‬
‫الفلسفة العقلية ومعرفة التاريخ‪49/‬‬
‫دين ال سياسة‪55/‬‬
‫التاريخ ٌ‬
‫التجرد الموضوعي‪61/‬‬

‫تركيب وصياغة المادة التاريخية‪62/‬‬
‫المقارنة بين العلوم الطبيعية والتاريخ‪65/‬‬
‫استيعاب المفردات‪67/‬‬

‫‬

‫المؤرخ‪71/‬‬
‫ّ‬
‫مهمة ّ‬

‫المنهج الماّدي في دراسة العلوم‪74/‬‬
‫دور القيم والمشخص‪77/‬‬

‫عالقة الوجدان االجتماعي باهلل سبحانه‪79/‬‬
‫متطّلبات الباحث في فلسفة التاريخ‪82/‬‬
‫الدراسة التاريخية تجربــة حدسيــة‪85/‬‬
‫التجرد من األهواء فـي دراسة التاريخ‪87/‬‬
‫ّ‬
‫اختالف المقتضي‪90/‬‬

‫الصدق والكذب في التوريخ‪92/‬‬
‫مثالية الفكر والواقع‪94/‬‬
‫اإلدراك وعالقته بالواقع‪94/‬‬
‫‬

‫فلسفة التاريخ وفلسفة الواقع‪97/‬‬
‫الفرق بين التاريخ الصحيح والمزّيف‪101/‬‬
‫أمثلة وشواهد‪103/‬‬
‫رأي وتعليق‪105/‬‬
‫كيفية استنباط السنن التاريخية‪109/‬‬
‫األسباب والمسببات‪111/‬‬
‫التعليل الظاهري والباطني‪113/‬‬
‫فلسفة التاريـــــخ والحتمية التاريخية‪115/‬‬
‫حركة التاريخ أمر بين أمرين‪116/‬‬
‫ّ‬
‫االطراد السكاني والمؤسسات‪120/‬‬
‫للمؤرخ‪123/‬‬
‫األمور الضرورية‬
‫ّ‬
‫الفطرة والعقل‪131/‬‬

‫أقسام اإلدراكات‪132/‬‬
‫روح التاريخ‪134/‬‬
‫من يصنع التاريخ؟‪142/‬‬
‫أقسام االختيار‪143/‬‬
‫معنى البطولة‪144/‬‬
‫الديكتاتور والبطولة‪145/‬‬
‫األنبياء صناع التاريخ‪156/‬‬
‫الماّديون وحركة التاريخ‪156/‬‬
‫تكاملية حركة التأريخ‪159/‬‬

‫مونتسكيو وفلسفة الحضارة‪162/‬‬
‫مسؤولية اإلنسان‪166/‬‬
‫شبهة اآلكل والمأكول‪167/‬‬
‫الجبر واالختيار وعالقتهما بالتاريخ‪172/‬‬
‫حركة التاريخ بحرية الفرد‪177/‬‬
‫النظام بين االستشارية واالستبداد‪181/‬‬
‫بعض المآخذ على الرأسمالية‪187/‬‬
‫بعض المآخذ على نتائج الديمقراطية‪188/‬‬
‫الهجرة ومسيرة التكامل‪194/‬‬
‫مجاالت الحياة‪200/‬‬
‫منطق القوة أم منطق الحقيقة‪204/‬‬
‫عصور التخلف‪211/‬‬
‫علينا أن نمنع الغرب من السقوط‪216/‬‬
‫إمداد اهلل لإلنسان‪221/‬‬

‫‬

‫العطاء حسب االقتضاء‪222/‬‬
‫الشكر سمة ط ّ‬
‫الب اآلخرة‪224/‬‬
‫لئن شكرتم ألزيدنكم‪228/‬‬
‫مقومات الحضارات‪231/‬‬
‫القيم أوال‪235/‬‬
‫معايير حركة التاريخ ‪236/‬‬
‫مالك المؤرخ ‪240/‬‬
‫العلة التاريخية والعلة الفلسفية‪244/‬‬
‫السيطرة على التاريخ‪250/‬‬
‫السيطرة على التاريخ‪253/‬‬
‫معرفة األسباب‪261/‬‬
‫‪10‬‬

‫السنن اإللهية هي األسباب الجامعة‪270/‬‬
‫سنن اهلل تعالى‪271/‬‬
‫السنن الدنيوية‪273/‬‬
‫أقسام السنن االجتماعية‪274/‬‬
‫سنة بعث األنبياء‪276/‬‬
‫االبتالء في الدنيا‪280/‬‬
‫حتى استيأس الرسل‪281/‬‬
‫االمتحان سنة شاملة‪286/‬‬
‫التاريخ ارتداد مستقبلي‪291/‬‬
‫الشرور وموضوعيتها‪292/‬‬
‫حقيقة ُ‬
‫الالعقالنية في أن الغاية تبرر الوسيلة‪294/‬‬
‫المصالح الحقيقية هي األساس‪295/‬‬

‫انتصار الحق على الباطل‪296/‬‬
‫ُسنة انتصار أهل الحق‪303/‬‬

‫حتمية استئصال الباطل‪316/‬‬
‫تعدد العنوان ووحدة المعنون‪322/‬‬
‫يتحمل تبعات أعماله‪324/‬‬
‫اإلنسان ّ‬
‫حكم التاريخ‪328/‬‬

‫األحكام التاريخية في محكمة التاريخ‪330/‬‬
‫إشكال وجواب‪332/‬‬
‫التاريخ بين الرحمة والالرحمة ‪334/‬‬
‫محاكمة الديكتاتور ومؤازريه في التاريخ‪336/‬‬
‫الشهادة على التاريخ‪339/‬‬
‫ماركس ونظرية التغيير المادي للتاريخ‪340/‬‬
‫مقارنات نظمية‪345/‬‬
‫موجز عن الحضارات‪349/‬‬
‫الديانة الهندوكية‪349/‬‬
‫الطائفة السيخية‪354/‬‬
‫الديانة البوذية‪356/‬‬
‫الديانة الكونفوشيوسية‪358/‬‬
‫الديانة المجوسية‪360/‬‬

‫‪11‬‬

‫مقدمة الناشر‬

‫بسم اهلل الرحمن الرحيم‬

‫نهر جاٍر‪ ،‬ال يفتر في تدفقه‪...‬‬
‫التاريخ ٌ‬

‫فمنذ أن عاش اإلنس���ان على األرض‪ ،‬سواءٌ كان في الغابة على رأي‬

‫البعض أو جّنة األرض على رأي آخر ولم يختلف الرأيان‪ ..‬من ُذ ذلك الوقت‬
‫والتاريخ يتدّفق كسيل من األحداث المتعاقبة‪.‬‬

‫تتغير بين حين وآخر كذلك التاريخ‪ ،‬فهو يختلف‬
‫وكما مياه األنهار ّ‬

‫أحداث‬
‫فمرًة ينهمر كالشالل عندما تكون هناك‬
‫ٌ‬
‫في ش���كل حركته وتدفقه‪ّ ،‬‬
‫ال وقوع البعثة النبوية وما تع َّقبها من األحداث‪ ،‬فالتاريخ انهمر‬
‫عظيم���ة‪ ،‬مث ً‬

‫في ذلك الوقت كالشالل‪.‬‬

‫كل شيء‪ .‬وهو ال يبقى هكذا‬
‫وعندما يكون التاريخ كالشالل يكتسح َّ‬
‫حتى النهاية حيث تبدأ س���رعته بالهبوط شيئًا فشيئًا عندما تنخفض األرض‬
‫ويتحول اإليمان إلى‬
‫تجف المبادئ‬
‫وتنتهي الروابي‪ ،‬وكذلك التاريخ عندما ّ‬
‫ّ‬
‫تتغير تضاريس‬
‫أهواء يهبط التاريخ كما األرض المنخفضة‪ .‬لكن‬
‫بمجرد أن ّ‬
‫ّ‬

‫ثم باالنخفاض‪ ،‬ترى يعود النهر إلـى تدفقه‬
‫األرض وتبدأ األرض باالرتفاع ّ‬

‫السريع بعـد فتور قاتل‪.‬‬

‫أي ش���عب من الش���عوب‬
‫ه���ذا هو حال التاريخ؛ فلو تناولنا تاريخ ّ‬

‫وتضحي‬
‫أن هذه الحقيقة صادقةٌ عليه‪ .‬فالشعوب التي تعيش المبادئ‬
‫لوجدنا ّ‬
‫ِّ‬

‫وبمجرد أن تفتر‬
‫بأرواحها من أجل أهدافها الكبيرة تصبح كالشالل المتدّفق‬
‫ّ‬

‫‪13‬‬

‫هذه الحيوية في النفوس تفتر حركة المياه المتدفقة‪.‬‬
‫األمة اإلس�ل�امية في فترة من حياتها من مش���كلة الركود‪،‬‬
‫وقد عانت ّ‬

‫وتمسكت بأهـداب الخرافـة‬
‫عندما تخلّت عـن رس���التها اإلسالمية السمحة‬
‫ّ‬

‫أن زح���ف المـوت البطيء إليهـا‪ ..‬فقـد‬
‫وبحبـ���ال األهواء‪ ،‬وكان نتيجة ذلك ْ‬

‫حول النهار إلى‬
‫ش���هدت القرون (‪9 8 7‬ه‍( حالة مـن الركـود القات���ل الذي ّ‬

‫تعرض فيها العالم اإلس�ل�امي‬
‫ليل‪ ،‬واالنتصار إلى هزيمة‪ ،‬وهي الفترة التي ّ‬

‫دمـ���روا الحضارة اإلس�ل�امية وحطموا المدنية‬
‫إل���ى هجمات المغول الذين ّ‬

‫في البالد اإلس�ل�امية‪ ،‬ولم يكن ذلك إالّ‪ ‬نتيجة عوامل داخلية‪ ،‬فقد تس���لّل‬
‫األمة‪ ،‬األمر الذي جعلها غير قادرة على مقاومة الزحف‬
‫الخمول إلى أوصال ّ‬
‫المغولي‪ ،‬وكما نشاهد مياه األنهار صافية براقة عند المرتفعات وعند األرض‬

‫براقًا مش���عًا عندما ينحدر‬
‫الصخري���ة‪ ،‬كذلك التاريخ يصبح صافيًا ش���فّافًا ّ‬

‫‪14‬‬

‫فوق أكتاف الرجال الصامدين الذين يقاومون اإلغراءات واألهواء كالصخور‬
‫الصلبة التي تقاوم منحدرات المياه‪.‬‬
‫ملوثة‬
‫وبمجرد أن تصل المياه إلى المناطق الرملية‪،‬‬
‫تتحول إلى مياه ّ‬
‫ّ‬
‫ّ‬

‫غامق���ة ال يمكن مش���اهدة قاع النهر من خاللها‪ ،‬والمش���كلة أن هذه المياه‬
‫س���تحمل معها الرمال والتراب‪ ،‬األمر الذي سيؤثّر على حركتها وسرعتها‪.‬‬
‫ال‪ ‬تحس بوجودها‪،‬‬
‫ضيقة فاترة‬
‫ّ‬
‫وكم من األنهار العظيمة تنتهي إلى جداول ّ‬

‫وهك���ذا التاريخ عندما يصل إلى األمم الضعيفة التي تش���ابه الرمال واألتربة‬
‫واألوساخ التي تعرقل سير تدفق المياه‪.‬‬
‫وهذا ما نقرأه على صفحات تاريخنا‪ ،‬فعندما انتكس اإلنسان المسلم‬
‫وتحول إلى كتلة من األهواء والش���هوات بع���د أن كان كتلة من التضحيات‬
‫ّ‬

‫واالس���تعدادات‪ ،‬عند ذلك ينهار التاريخ أيضًا بانهيار اإلنس���ان المس���لم‪،‬‬
‫فازدادت الترس���بات على طرفي التاريخ‪ ،‬فظهرت الصوفية واألفكار القدرية‬

‫مما هم‬
‫تبرر واقع المس���لمين وتوجد له���م بدي ً‬
‫ال للهروب ّ‬
‫التي حاولت أن ّ‬
‫عليه‪.‬‬

‫وكم���ا تنقل األنه���ار األتربة من أماكنها إلى أماك���ن أخرى‪ ،‬نقل لنا‬
‫والتصورات الصوفية التي انتش���رت‬
‫التاريخ الكثير من تلك األفكار التبريرية‬
‫ّ‬

‫في القرون المظلمة‪.‬‬

‫كس���د يمن���ع تدفق المياه كذلك هذه األفكار‬
‫وكما تعمل هذه األتربة‬
‫ٍّ‬

‫كسد بوجه تدفق التاريخ والحضارة اإلنسانية‪.‬‬
‫التخديرية تعمل ّ‬
‫إن دراسة التاريخ ال تختلف عن دراسة األنهار‪..‬‬
‫ّ‬

‫فالجغرافيا هي الوسيلة لمعرفة طبيعة األنهار وكيفية تدفقها‪..‬‬
‫أما التاريخ فوسيلته الفلس���فة‪ ،‬ففلسفة التاريخ هي دراسة تضاريس‬
‫ّ‬

‫التاريخ‪ ،‬متى ينحدر ومتى يتدّفق ومتى يتوّقف‪ ،‬متى يسيل ومتى َّيتسع؟‪.‬‬

‫وقد عني علماء الغرب كثيرًا لدراس���ة هذا العلم‪ ،‬ووضعوا له قواعد‬

‫اهتم المسلمون‬
‫وأصوالً‪ ،‬نذكر من بينهم فيلسوف التاريخ توينبي‪ ،‬وقديمًا ّ‬

‫تخصص فيه علماء كبار كمس���كويه‪ ،‬وابن خلدون‪ ،‬وابن‬
‫بهذا العلم‪ ،‬وقد ّ‬

‫أما اليوم‪ ،‬فال نج���د بحوثًا في هذا‬
‫أب���ي الربيع‪ ،‬والطقطقي‪ ،‬وغيره���م‪ّ ،‬‬
‫المج���ال إ ّ‬
‫أهميته في مج���ال التوجيه‪ ،‬وصياغة‬
‫ال النـ���زر القليل بالرغم من ّ‬

‫األفكار‪ ،‬ونش���رها‪ ،‬وبالرغم من دوره في خ���وض الصراع العقائدي‪ ،‬وفي‬
‫بناء الحضارات‪.‬‬
‫وق���د قام اإلمام الش���يرازي ضمن اهتماماته بما تركه المس���لمون من‬
‫المهمة عن فلسفة التاريخ‪ ،‬ودور‬
‫األبحاث والعلوم‪ ،‬قام بوضع هذه الدراسة‬
‫ّ‬

‫أول مبادرة من قبل علمائنا‬
‫التاريخ في تأس���يس العلوم الدينية‪ ،‬وه���ي تعد ّ‬

‫المعاصرين‪.‬‬

‫حساس���ة من تاريخ‬
‫تكمن ّ‬
‫أهمية هذا البحث‪ ،‬إنّه يأتي ضمن مرحلة ّ‬

‫‪15‬‬

‫واقع آخر‪،‬‬
‫األمة اإلسالمية‪ ،‬حيث االستعدادات جارية‬
‫للتحول من واقع إلى ٍ‬
‫ّ‬

‫فكان الب ّد من إضاءة ش���معة‪ ،‬تكش���ف للس���ائرين في طريق التغيير معالم‬

‫الطريق الذي يمشون فيه‪.‬‬

‫الس���يد محمد‬
‫والكت���اب الحالي ال���ذي كتبه المرجع الديني األعلى ّ‬

‫حساسة‪ ،‬ترتبط بمستقبل‬
‫الشيرازي هو من هذا القبيل‪ ،‬فقد تضمن أبحاثًا ّ‬
‫األمة‪ ،‬وتتعلّق بأمانيها في الحياة الكريمة‪.‬‬
‫ّ‬

‫وقد حرصن���ا على تقديم الكتاب بصورة أنيق���ة‪ ،‬نرجو أن ينتفع به‬

‫النيرة والرؤى الثاقبة لإلمام‬
‫العلم���اء والمث ّقفون‪ ،‬وأن ننتفع جميعًا باألفكار ّ‬

‫الش���يرازي‪ ،‬راجين من العلي القدير أن يحش���ره مع أجداده الطاهرين‪ ،‬إنّه‬

‫نعم المولى ونعم النصير‪.‬‬

‫‪16‬‬

‫مؤسسة الوعي اإلسالمي‬

‫مقدمة المؤلف‬

‫بسم اهلل الرحمن الرحيم‬
‫رب العالمي�ن والصلاة‬
‫الحم�د هلل ّ‬

‫الطيبين‬
‫والسلام عل�ى ّ‬
‫محم�د وآل�ه ّ‬
‫الطاهري�ن واللعنة عل�ى أعدائهم إلى‬

‫قيام يوم الدين‪.‬‬
‫أن األش���جار بأجمعها لها واقع مش���ترك‪ ،‬وإن كانت مختلفة في‬
‫كم���ا ّ‬

‫الحجم‪ ،‬والش���كل‪ ،‬واللون‪ ،‬والثمر‪ ،‬وباصطالح المنطقيين لها جنس واحد‬
‫عامة‪ ،‬وكذلك بالنس���بة‬
‫وفصول مختلفة‪ ،‬كما ولها أعراض مختلفة ّ‬
‫خاصة أو ّ‬

‫إلى األنواع األخرى‪ ،‬وهكذا الحيوان وس���ائر المخلوقات س���واء النباتية منها‬
‫والجن والش���ياطين لها جامع واحد‪،‬‬
‫أو الحيوانية وحّتى اإلنس���ان والمالئكة‬
‫ّ‬
‫كذلك األمر بالنسبة إلى المجرات والكواكب وما أشبه ذلك‪.‬‬

‫فكل الحضارات والبداوات لها‬
‫كذا األمر بالنس���بة إلى أحداث التاريخ ّ‬
‫جامع مشترك من ناحية‪.‬‬
‫وفي نطاق الحضارات هناك جامع مشترك لجميع الحضارات‪ ،‬وكذلك‬
‫جامع مش���ترك‪ ،‬وإنّما األش���كال‪ ،‬والص���ور‪ ،‬والخصوصيات‪،‬‬
‫البداوات لها ٌ‬
‫والمزايا‪ ،‬تختلف اختالفًا نوعيًا أو فصليًا أو نحو ذلك‪ ،‬وحالها حال األمواج‬

‫وتكوين مشترك هو الماء‪.‬‬
‫التي تتقاذف في البحر‪ ،‬فلها واقع واحد‬
‫ٌ‬

‫ومفهومنا لفلس���فة التاريخ‪ ،‬والذي يدور حوله البحث في هذا الكتاب‬

‫الجن ففسق عن أمر ّربه سورة الكهف‪ :‬اآلية ‪.50‬‬
‫ الشيطان قسم من الجن حسب منطوق اآلية الكريمة‪ :‬كان من ّ‬

‫‪17‬‬

‫هو القاس���م المش���ترك الذي يجمع األحداث التاريخية‪ ،‬ويضعها أمام بصيرة‬
‫اإلنسان‪.‬‬
‫فإن العـلم‬
‫وفائدة دراسة فلسفة التاريخ‪،‬‬
‫والتعمق فيها‪ ،‬هـي المعرفة‪ّ ،‬‬
‫ّ‬

‫ميال‬
‫والمعرفة مطلوبان بذاتهما؛ ألنّهما ّ‬
‫يسببان لذّة روحيـة‪ ،‬واإلنسان بطبيعته ّ‬

‫ّـار مـن األلـم جسميًا كان أو روحيـًا‪ ،‬والمـراد بالـروح هنـا األعـم‬
‫إلـى اللذّة نف ٌ‬

‫وروح على ما ذكرنا تفصيله في بعض‬
‫ونفس‬
‫جس���م‬
‫مـن النفس حيث عندنا‬
‫ٌ‬
‫ٌ‬
‫ٌ‬

‫الكتب‪.‬‬

‫أن المعرفة يقال لما س���بق العلم به‪ ،‬ولذا قال س���بحانه‬
‫والفرق بينهما ّ‬

‫فهم َو ُهم له ُمِن ِك ُرو َن}‪ ،‬حيث كانت معرفته‬
‫{فع َر ُ‬
‫وتعالى في ّ‬
‫قصة يوس���ف َ‬
‫وحل‬
‫س���ابقة للعلم‪ ،‬وفي الحديث‪( :‬عرفت اهلل سبحانه وتعالى بفسخ العزائم ّ‬

‫العقود ونقض الهمم) حيث سابق العلم المعرفة بالنسبة إلى موضوع األخوة‬
‫‪18‬‬

‫وبالنسبة إلى اهلل سبحانه وتعالى‪ ،‬بينما العلم ال ّ‬
‫يصح‬
‫يدل على ذلك‪ ،‬ولذا ال ّ‬
‫أن يقال فعلمهم إلى غير ذلك من الشواهد التي ال مجال لذكرها هنا‪.‬‬
‫فإن العلم بالجامع ينتج معرفة اإلنسان بأسباب سقوط‬
‫أضف إلى ذلك‪ّ ،‬‬

‫أمية‪،‬‬
‫ال‬
‫وقيام الحضارات والدول‪ ،‬فمث ً‬
‫س���نتعرف على أس���باب س���قوط بني ّ‬
‫ّ‬

‫ثم روسيا الش���يوعية‪ ،‬وهكذا بالنسبة إلى أسباب‬
‫وس���قوط روسيا القيصرية‪ّ ،‬‬
‫االنتص���ار والنجاح‪ ،‬فلماذا نجح ذو القرنين‪ ،‬ونجح الرس���ول األعظم (ص)‪،‬‬

‫األئمة الطاهرون(ع)؟‪.‬‬
‫ونجح ّ‬

‫ومثل هذه المعرفة‪ ،‬تفيدنا في تجّنب األس���باب الداعية إلى الس���قوط‬

‫واألخذ بأسباب النجاح‪ ،‬لذا نجد في القرآن الكريم وصفًا دقيقًا لذي القرنين‬
‫{ث���م اّتب���ع س���ببًا}‪ ،‬فالدنيا هي محيط األس���باب‪ ،‬واألس���باب تنتهي إلى‬
‫ّ‬
‫ سورة يوسف‪ :‬اآلية ‪.58‬‬
‫ نهج البالغة قصار الحكم‪ ،250 :‬متشابه القران‪ :‬ج‪ 1‬ص ‪ ،46‬غرر الحكم ودرر الكلم‪ :‬ص ‪ ،81‬شرح نهج البالغة البن‬
‫أبي الحديد‪ :‬ج‪ 19‬ص‪ 84‬ب‪.247‬‬
‫ سورة الكهف‪ :‬اآليتان ‪.92 ،89‬‬

‫المس���ببات‪ ،‬ولذا قال سبحانه وتعالى‪{ :‬فس���يروا في األرض}‪ ،‬وقال اإلمام‬
‫ّ‬

‫فإن من يسير في األرض أو في‬
‫علي(ع)‪:‬‬
‫(وس���ر في ديارهم واعتبر آثارهم) ّ‬
‫ْ‬
‫األمة‪ ،‬وسيعرف‬
‫األمة‪ ،‬وكيف نجحت تلك ّ‬
‫الديار‪ ،‬سيعرف لماذا سقطت هذه ّ‬

‫أس���باب ع ّزتها وأس���باب ذلّتها‪ ،‬فالجامع الواحد‪ ،‬يعطي أثرًا واحدًا حسنًا في‬

‫إن الواحد في الطبيعيات‬
‫الجامع الحسن‪ ،‬وأثرًا سيئًا في الجامع السيئ‪ ،‬حيث ّ‬
‫ال يصدر منه إ ّال الواحد‪ ،‬كما ال يصدر إ ّال من الواحد على القاعدة الفلس���فية‬
‫المذك���ورة في الحكمة‪ ،‬وق���د ذكرنا ذلك في األص���ول بالتفصيل‪ ،‬والمراد‬
‫بالواح���د‪ ،‬الواحد من جميع الجه���ات في الطبيعيات‪ ،‬أما اهلل‪ ،‬فهو واحد في‬

‫َ‬
‫ذاته وصفاته الذاتية‪ ،‬أما إرادته فهي متعددة ِ َ‬
‫���يئًا أَ ْن يَُقو َل‬
‫{إ َّن َما أ ْم ُرهُ ِإذَا أ َرا َد َش ْ‬

‫‬
‫‬
‫تنوع خلقه‪ ،‬وإنّما‬
‫ُن فَيَ ُكو ُن} ‪ ،‬و {يَ ْم ُحوا اهللُ َما يَ َشاءُ َويُْثِب ُ‬
‫لَُه ك ْ‬
‫ت} ‪ ،‬ولذا ّ‬

‫جعل اهلل سبحانه وتعالى األمر كذلك؛ ليستقيم العلم وإ ّال لزم على اإلنسان أن‬

‫فإن األشياء إذا لم يكن لها جامع‪ ،‬فال يمكننا‬
‫يجرب ّ‬
‫كل واحد من األش���ياء‪ّ ،‬‬
‫ّ‬

‫وأن النار من طبيعتها الحرارة‪ ،‬إذ‬
‫أن الماء من طبيعته البرودة‪ّ ،‬‬
‫أن نستدل على ّ‬
‫لوال الجامع‪ ،‬كيف نستطيع أن نستخلص هذه القاعدة المشتركة؟‪.‬‬

‫بحث فلس���في ال نطيل الكالم حوله‪ ،‬وقد أوردنا البحث فيه في‬
‫وهذا ُ‬

‫التفسير الموضوعي‪ ،‬نسأل اهلل سبحانه وتعالى أن يوّفقنا لذلك فهو خير من‬
‫يوّفق وهو أفضل رفيق وهو المستعان والمس ّدد‪.‬‬
‫محمد الشيرازي‬
‫ سورة آل عمران‪ :‬اآلية ‪.137‬‬
‫ بحار األنوار‪ :‬ج‪ 77‬ص‪ 202‬ح‪ 1‬ب‪ ،8‬وفي نهج البالغة الكتاب ‪ ،31‬وكتاب شرح نهج البالغة البن أبي الحديد‬
‫ج‪16‬ص‪62‬ح‪ :31‬وسر في ديارهم وآثارهم فيما فعلوا وكما انتقلوا وأين حلوا وأين نزلوا‪.‬‬
‫ انظر كتاب األصول‪ ،‬مباحث األلفاظ‪ ،‬لإلمام المؤلف‪.‬‬
‫ سورة يس‪ :‬اآلية ‪.82‬‬
‫ سورة الرعد‪ :‬اآلية ‪.39‬‬
‫يتسن له النور‪.‬‬
‫ ‪ 1‬وهو كتاب خطي‪ ،‬لم َ‬

‫‪19‬‬

‫المدخل‬

‫عالقة الفقه بالتاريخ‬
‫األحداث قبل أن تقع‪ ..‬هي بانتظار اللحظة التي س���تقع فيها‪ ،‬ولحظة‬
‫وقوعه���ا تدخل في مكون���ات الحاضر‪ ،‬وعندما يمر زم���ان على وقوعها‪،‬‬
‫تصبح شيئًا مـن الماضي؛ وهذا هو التاريخ‪.‬‬
‫كل ش���يء‪ ،‬باس���تثناء اهلل سبحانه وتعالى‬
‫تصدق هذه الحقيقة على ّ‬
‫علمي الفلس���فة والكالم وكذلك‬
‫حيث ال يش���تمل عليه الزمان كما قرر في‬
‫ّ‬

‫‪20‬‬

‫المجردات على بعض األقوال‪.‬‬

‫ولمـا كـان الفقـه ش���يئـًا مـن األشياء‪ ،‬فارتباطه بالتاريخ ارتباط وثيق‬
‫‬

‫يلم ببعض المعرفة عن ذلك‪ .‬فالتاريخ لغة هو معرفة‬
‫ البد أن نذكر تعريف التاريخ لغة واصطالحاً حتى يتسنى للقارئ أن َّ‬
‫الوقت أو اإلعالم بالوقت‪.‬‬
‫قال الجوهري في صحاحه‪ :‬ج‪1‬ص‪ 418‬ما لفظه‪ :‬التاريخ تعريف الوقت والتوريخ مثله‪ ،‬يقال‪ :‬أرخت وورخت‪.‬‬
‫وقال األصمعي في اإلعالن بالتوبيخ ص‪ :6‬هو اإلعالم بين اللغتين‪ ،‬فقال‪ :‬بنو تميم يقولون و ّرخت الكتاب توريخاً‪ .‬وقيس‬
‫تقول‪ :‬أ ّرخته تأريخاً‪.‬‬
‫والتاريخ اصطالحاً كما عن ابن خلدون في مقدمته ص‪ 6‬طبعة دار الفكر‪ :‬التاريخ في ظاهره ال يزيد على أخبا ٍر عن األيام‬
‫غصها االحتفال‪،‬‬
‫والدول‪ ،‬والسوابق من القرون األول‪ ،‬تنمو فيها األقوال‪ ،‬وتضرب فيها األمثال‪ ،‬وتطرف بها األندية إذا ّ‬
‫وعمروا األرض حتى نادى بهم‬
‫وتؤدي لنا شأن الخليقة كيف تقلبت بها األحوال‪ ،‬واتسع للدول فيها النطاق والمجال‪ّ ،‬‬
‫االرتحال‪ ،‬وحان منهم الزوال‪ ،‬وفي باطنه نظر وتحقيق‪ ،‬وتعليل للكائنات ومباديها دقيق‪ ،‬وعلم بكيفيات الوقائع وأسبابها‬
‫عميق‪ ،‬فهو لذلك أصيل في الحكمة‪ ،‬عريق وجدير بأن يعد في علومها وخليق‪.‬‬
‫عما حدث في العالم في الزمان الماضي‪.‬‬
‫وعرفه المقريزي اصطالحاً‪ :‬اإلخبار ّ‬
‫ّ‬
‫وعرفه ثالث‪ :‬علم يبحث فيه عن الزمان وأحواله وعن أحوال ما يتعلق به من حيث تعيين ذلك وتوقيته‪.‬‬
‫ّ‬
‫وعرفه رابع‪ :‬إنه تفسير للحوادث واالهتداء إلى الروابط الظاهرة والخفية التي تجمع بين شتاتها وتجعل منها وحدة متماسكة‬
‫ّ‬
‫الحلقات‪ ،‬متفاعلة الجزئيات‪ ،‬ممتدة مع الزمن والبيئة امتداد الكائن الحي في الزمان والمكان‪.‬‬
‫وعرفه خامس‪ :‬إنه علم نظري إنساني يبحث فيه عن حوادث الزمان من حيث التعيين والتوقيت والتفسير والتعليل‪.‬‬
‫ّ‬
‫وعرفه سادس‪ :‬عبارة عن مجموعة حوادث ناتجة عن فعاليات البشر‪.‬‬
‫ّ‬
‫وعرفه سابع‪ :‬العلم باألحداث واألوضاع وأحوال البشر الكائنة في الزمن الماضي‪.‬‬
‫ّ‬
‫وعرفه ثامن‪ :‬العلم بالقواعد والسنن المهيمنة على الحياة الماضية‪.‬‬
‫ّ‬
‫والتاريخ عند اإلمام المؤلف عبارة عن مفردات من األحداث مترابطة بزمان خاص ومكان خاص وفرد خاص‪.‬‬
‫واختلفوا في أصل كلمة التأريخ هل هي عربية أو معربة‪ ،‬فبعض قالوا‪ :‬إنها عربية كاألصمعي‪ ،‬وبعض قالوا‪ :‬إنها فارسية‬
‫مأخوذة من ماه روز‪ ،‬وثالث‪ :‬إنها سريانية ومعناها الشهر‪.‬‬

‫مر عليه الزمن ال بمعنى‬
‫ال‪ ‬انقطاع‪ ‬له‪ ،‬فالفقه اإلسالمي لم يكن ثم وجد ثم َّ‬

‫انعدامه كانعدام اإلنسان والحيوان بل بمعنى مرور الزمان عليه‪.‬‬

‫تكون عندما قال اإلمام(ع) تلك األقوال‬
‫ً‬
‫مث�ل�ا‪ :‬فقه اإلمام الصادق(ع) ّ‬

‫وبين تل���ك األحكام‪ ،‬فأصبح قولـه وفعلـه وتقريـ���ره(ع) فقهـًا‪ ،‬وعندمـا‬
‫ّ‬

‫ومر على هذا الفقه زمن طويل‪ ،‬أصبح‬
‫رحـ���ل اإلمام(ع) إلى الرفيق األعلى ّ‬

‫ذل���ك الفقه تاريخًا‪ ،‬وتاريخًا بالمعنى الفلس���في للكلمة ال بالمعنى العرفي‬
‫لها؛ أي ليس بمعنى انقضاء العمل به بل يؤخذ به إلى قيام الس���اعة؛ ألنّه‬

‫حقيقة يريدها اهلل سبحانه وتعالى للبشر حتى انقضاء أجلهم المكتوب لهم‬
‫على هذه األرض‪.‬‬
‫فعالق���ة الفقه بالتاريخ أنه جزئي من جزئيات���ه‪ ،‬لكّنه جزئي معنوي‬

‫كسائر المعنويات‪ ،‬وليس جزئيًا ماديًا كالمواليد الثالثة لوضوح أن التاريخ‬
‫ومرور الزمان‪ ،‬ينطبق على كليهما ‪.‬‬
‫قدم الفقيه‬
‫فتطور الفقه تطور تكاملي‪ ،‬فكل فقيه يأتي بما يكمل ما ّ‬

‫فتطور الفقه هو إلى األعلى وليس إلى االنحدار‬
‫الذي قبله‪ ،‬وهكذا دواليك‪ّ ،‬‬

‫كما هو أثر الزمن على األشياء‪.‬‬

‫وهناك عالقة أخرى بين الفقه والتاريخ غير تلك العالقة التي ذكرناها‬
‫نبين هذه العالقة بضرب المثال التالي‪:‬‬
‫وهذا هو مقصود حديثنا‪ ،‬ونحن ِّ‬

‫مرت الصالة بمراحل‬
‫مر تحريم الخمر بمراحل عديدة‪ ،‬كذلك ّ‬
‫لق���د ّ‬

‫تقر من‬
‫عدي���دة من حيث جواز التكلم أثناءها أو عدم���ه‪ ،‬وهذه األدوار لم ّ‬

‫ال منه ثم تداركه لهذا الجهل بل رحمة للناس‪ ،‬فالناس ال‬
‫قبل الش���ارع جه ً‬
‫يتحمل���ون األمور الصعبة مرة واحدة‪ ،‬فالبد من التمهيد لخلق االس���تعداد‬
‫ هذا في مرحلة اإلثبات كما ال يخفى‪ ،‬وإن كان في مرحلة الثبوت‪ :‬إن ما قاله األئمة األطهارع فهو مستقى عبر رسول‬
‫اهلل ص من الوحي‪.‬‬
‫ الحيوان والنبات والجماد‪.‬‬
‫ المعنوي والمادي‪.‬‬

‫‪21‬‬

‫الكاف���ي لتلقي الواج���ب‪ ،‬فربّما يكمل الفاعل‪ ،‬وربم���ا يكمل القابل‪ ،‬كما‬

‫ذكروا في مباحث الفلسفة‪.‬‬

‫فعالقة التاريخ بالفقه‪ ،‬تبدو على نحوين كما ذكرنا‪:‬‬
‫تط���ور الفق���ه على مرور الزمان‪ ،‬وهذا ه���و علم من العلوم‪،‬‬
‫األول‪:‬‬
‫ّ‬

‫نس���ميه بتاريخ التشريع اإلسالمي أو تاريخ الفقه اإلسالمي ‪.‬‬
‫ونستطيع أن‬
‫ّ‬

‫والعلم بالشيء خير من الجهل به‪.‬‬

‫الثان���ي‪ :‬وقوع الفقه ضمن ظروف واقعية‪ ،‬حيث ش���رعت األحكام‬
‫وفق الظروف الموضوعية لحياة الناس في ذلك الزمان‪ ،‬فمعرفة هذه العالقة‬
‫بين التشريع والواقع أو الفقه والتأريخ‪ ،‬تكشف لنا الظروف الطارئة والعوامل‬
‫المؤثّرة في مراحل التش���ريع في الحكم الواحد‪ ،‬األمر الذي يجعلنا قادرين‬
‫على األخذ بها في المس���تقبل إذا كانت الظروف الحاضرة ال تتناس���ب مع‬
‫‪22‬‬

‫األخذ بها‪.‬‬
‫وق���د ورد في كتاب النكاح أن كراهة رضاع���ة الطفل من لبن الزانية‬
‫ترتف���ع إن رف���ع المالك للجارية يده عن ح ّقه في زناه���ا‪ ،‬وقد ّبيّنا تفصيل‬
‫ال أحيانًا على نحو‬
‫ذلك في كتاب النكاح‪ ،‬فالمستقبل مؤثّر في الماضي عق ً‬

‫المتأخر‪ ،‬وشرعًا بالنص ونحوه‪.‬‬
‫الشرط‬
‫ّ‬

‫أهمها‪:‬‬
‫وباإلضافة إل���ى المنافع التي ذكرناها‪ ،‬هناك منافع أخرى من ّ‬

‫إننا عندما ندرس التاريخ الفقهي‪ ،‬س���نالحظ منحى القوة والضعف في هذا‬
‫التاريخ‪ ،‬س���نجد هذا المنحى يرتفع في بعض األوقات‪ ،‬ويهبط في أوقات‬
‫أن الفقه تكامل في خطوطه العامة عند نزول‬
‫أخرى‪ .‬فالمعروف عند العلماء ّ‬

‫يت‬
‫ت َع َل ْي ُك ْم نِ ْع َمِتي َو َر ِض ُ‬
‫ْت لَ ُك ْم ِدينَ ُك ْم َوأَْت َم ْم ُ‬
‫اآلية الكريم���ة‪{ :‬اْليَ ْو َم أَ ْك َمل ُ‬

‫�ل�ا َم ِدينًا}‪ ،‬أما في خطوطه الخاصة‪ ،‬فهو لم يتكامل إ ّ‬
‫اإل ْس َ‬
‫ال خالل‬
‫لَ ُك ُم ِ‬
‫ وبعبارة أخرى التاريخ الفقهي بمعنى الفاعل‪.‬‬
‫ وبعبارة أخرى كشف الظروف عبر القابل‪.‬‬
‫ سورة المائدة‪ :‬اآلية ‪.3‬‬

‫قرن من الزمن‪ ،‬وقد بدىء بكتابة الفقه اإلسالمي منذ ّأيامه األولى‪ ،‬فكتاب‬

‫الجامعة ألمير المؤمنين(ع) الذي يبلغ طوله سبعين ذراعًا كما ورد في الكافي‬

‫يتضمن جميع األحكام الشرعية حتى أرش الخدش‪ ،‬وقد‬
‫هو الكتاب الذي‬
‫ّ‬

‫جدهم أمي���ر المؤمنين(ع)‪ ،‬وانتقل من‬
‫األئم���ة(ع) كتاب الجامعة من ّ‬
‫ورث ّ‬

‫إمام إلى إمام‪ .‬علمًا أن عمل العلماء والمجتهدين عبر التاريخ اإلسالمي إنما‬

‫يكون بالشرح والتوضيح والتبيين وما أشبه ذلك‪.‬‬
‫ي���دون إ ّ‬
‫ال بعد‬
‫ه���ذا‪ ،‬وق���د ذكر المؤرخ���ون أن القانون الروماني لم‬
‫َّ‬

‫مرور ألف س���نة مع أخذ النظر بالفروقات المهمة بين القانونين اإلس�ل�امي‬
‫والرومان���ي‪ ،‬فاألثر ّ‬
‫القوة والضعف‪،‬‬
‫يدل على المؤثّ���ر‪ ،‬فالنتيجة من حيث ّ‬

‫أن االنحراف واالستقامة دليل على‬
‫قوة أو ضعف المس���تند‪ ،‬كما ّ‬
‫دليل على ّ‬

‫البط�ل�ان أو الصحة‪ ،‬وقد ذكر لنا التاريخ كثيرًا من قصص محاكم التفتيش‬

‫في العهد الروماني عندما فرضت الكنيس���ة س���يادتها عل���ى الحياة العامة‪،‬‬
‫فقامت بحرق المس���يحيين المخالفين له���ا‪ ،‬كذلك فعلت الحكومات التي‬
‫جاءت عقب الكنيسة‪ ،‬فانتهجت األساليب نفسها‪ ،‬حتى إنهم كانوا ينتزعون‬
‫االعترافات من القساوس���ة باآلالت الجارحة‪ ،‬وهذا دليل على تدنّي القانون‬
‫رد فعل‪.‬‬
‫الروماني‪ّ ،‬‬
‫ألن لكل فعل ّ‬

‫وكيف كان‪ ،‬فاألمران دليل على ما ذكرناه‪.‬‬
‫ونكتشف حين دراس���تنا لتاريخ التشريع اإلسالمي‪ ،‬إصابة هذا الفقه‬

‫بوابل من الضع���ف في زمن الخلفاء الذين ابتدعوا فقهًا في قبال فقه األئمة‬
‫األطه���ار(ع)‪ ،‬وهذا ليس باألمر الغريب‪ ،‬فق���د ادعى التاريخ لهؤالء ما كان‬
‫فادعوا الزهد حتى ليزيد ب���ن معاوية‪ ،‬وهارون‬
‫لألئم���ة(ع) من فضيل���ة‪ّ ،‬‬

‫ أنظر الكافي أصول‪ :‬ج ‪ 1‬ص‪ 59‬ح‪ 3‬و ص ‪ 239‬ب ‪ 40‬ح ‪ ،1‬بصائر الدرجات‪ :‬ص‪ ،148‬المحاسن‪ :‬ص ‪.273‬‬
‫ ثاني خلفاء بني أمية‪ ،‬رمز التسلّط واالستبداد واالنحراف الديني والسياسي واألخالقي‪ ،‬اشتهر بشرب الخمور وارتكاب‬
‫الفجور واللعب بالنرد والقرود‪ ،‬واشتهر كذلك بنكاح أمهات األوالد والبنات واألخوات وترك الصالة والصيام كما وصفه‬
‫عبد اهلل بن حنظلة‪ ،‬غسيل المالئكة‪ .‬ولد سنة ‪ 25‬ه‍‪ ،‬وقتل سنة ‪ 64‬ه‍‪ ،‬وحكم ثالث سنوات‪ ،‬ففي السنة األولى من‬
‫حكمه قتل سبط الرسول‪ ،‬اإلمام الحسين ع وأهل بيته وأصحابه‪ ،‬وفي السنة الثانية أباح مدينة الرسول ص لجنوده ثالثة‬

‫‪23‬‬

‫العباس���ي في قب���ال زهد اإلمام زي���ن العابدين‪ ،‬واإلم���ام الكاظم‪ ،‬وبقية‬
‫األئمة(ع)‪.‬‬
‫فالتاريخ‪ ،‬يكش���ف لنا عن نقاط الضعف هذه‪ ،‬ويسجلها بوضوح؛‬
‫كي يستطيع من يريد الحقيقة الوصول إلى ذلك‪.‬‬
‫وم���ن عوامل تأثير التاريخ ف���ي الفقه هو ما ذكره الفقهاء عندما يطرأ‬
‫ال كان فهو‬
‫يتغير الحكم حسب هذا العنوان الثانوي‪ ،‬أو ً‬
‫عنوان ثانوي حيث ّ‬

‫حكم أولي‪ ،‬وثانيًا حكـم ثانوي‪ ،‬وإذا انعكس األمـر بأن كـان السابق حكمًا‬
‫ثانوي���ًا ثم ذهب موضوعه‪ ،‬فكان األمر ثانيًا حكمًا أوليًا‪ ،‬وهذا من مصاديق‬
‫التأثي���ر المتبادل بين الفقه والتاريخ؛ حيث يكون من نتائج هذا الترابط آثار‬
‫الحكم األول بعد طرو الحكم الثاني‪ ،‬مثل القضاء والكفارة وما أشبه‪.‬‬
‫والحاص���ل‪ :‬أن الطرو والتغيير والتجديد فيم���ا ذكرناه هنا من نتائج‬
‫‪24‬‬

‫تأثير التاريخ في الفقه‪.‬‬

‫أيام بعد أن قتل وسبى اآلالف من سكانها‪ ،‬وفي السنة الثالثة ضرب الكعبة بالمنجنيق وأحرقها‪.‬‬
‫ خامس خلفاء بني العباس والبالغ عددهم ‪37‬خليفة‪ ،‬ولد سنة ‪148‬ه‍ ‪ 765‬م‪ ،‬ومات في جمادى األولى سنة ‪193‬ه‍ ‪ 809‬م‬
‫في قرية سناباد عن عمر يناهز ‪ 47‬سنة‪ ،‬وحكم سنة ‪170‬ه‍ ‪786‬م‍‪ ،‬وامتد حكمه ‪ 23‬سنة وشهراً وتسعة عشر يوماً‪،‬‬
‫واّتسم حكمه بالظلم واالستبداد وعلى الخصوص لشيعة أهل البيت وأئمتهم ع‪ ،‬فقد قتل اإلمام الكاظم ع بعد أن سجنه‬
‫عشر مرات في البصرة وبغداد‪ ،‬وكذا قتل الطالبيين‪ .‬وكان هارون يسعى دائماً إلى طمس المذهب الشيعي‪ ،‬واآلثار‬
‫وقرب الكثير منهم وأجزل‬
‫اإلسالمية‪ ،‬وعلى الخصوص العتبات المقدسة في مدينة كربالء‪ ،‬واهتم بالغناء والمغنين ّ‬
‫العطاء عليهم وكان يجمعهم في مجلس واحد ويقترح عليهم في األصوات ليطرب هو ومن معه‪ ،‬وقد اختار له إسحاق‬
‫الموصلي من الغناء مائة صوت‪ ،‬وعرفت باألصوات المائة المختارة‪ ،‬التي وضع أبو الفرج األصفهاني فيها كتاب األغاني‪.‬‬
‫وكان أخو هارون‪ ،‬إبراهيم‪ ،‬المعروف بابن شكلة قد بلغ منزلة بالغناء والعزف والمنادمة حتى اشتهر بشيخ المغنين‪،‬‬
‫وقد ذكر في التاريخ أنه لما عجز إبراهيم عن توزيع عطاء الناس ؛ لصرفها في ملذاته‪ ،‬قال قوم من أهل بغداد هازئين‬
‫مستهزئين‪ :‬أخرجوا لنا خليفتنا يغني ألهل هذا الجانب ثالثة أصوات وألهل هذا الجانب ثالثة أصوات فتكون عطاًء‬
‫يزمر لها على الغناء‪.‬‬
‫للجميع‪ ،‬وكانت أخت هارون‪ ،‬علية‪ ،‬تغني وأخوها اآلخر‪ ،‬يعقوب‪ّ ،‬‬

‫الفرق بين علم التاريخ وفلسفته‬

‫مس�ألة‪ :‬من الضروري للباح���ث في التاريخ أن يعرف الفرق بين علم‬
‫التاريخ وفلسفته‪ ،‬فالعلم بما هو علم عبارة عن المفردات أو المجموعات‬
‫الس���طحية الظاهرة من اقتصادية‪ ،‬أو سياسية‪ ،‬أو اجتماعية‪ ،‬أو تربوية‪ ،‬أو‬
‫ما أشبه‪.‬‬
‫كل ذلك في‬
‫أما الفلس���فة‪ ،‬فهي عبارة عن الروح العامة الدارجة في ّ‬
‫ّ‬

‫ال العوائل هي مف���ردات لعائلة زيد‪ ،‬وعائلة‬
‫أي بع���د من أبع���اد الحياة‪ ،‬مث ً‬
‫كل‬
‫كل إنس���ان كيف يصنع ّ‬
‫بأن يعلم ّ‬
‫علي‪ ،‬وعائلة خالد‪ ،‬وهكذا‪ .‬فالعلم‪ْ ،‬‬
‫واحد مع زوجته وأوالده‪ ،‬وكيف تصنع الزوجة واألوالد مع أبيهم‪ ،‬أو كيف‬
‫يصن���ع األقرباء بعضهم مع بعض‪ ،‬بالنس���بة إلى عائل���ة بني تميم‪ ،‬أو بني‬
‫ضبة‪ ،‬أو ما أشبه ذلك‪.‬‬
‫كالب‪ ،‬أو بني ّ‬

‫كل العوائل‪ ،‬فيؤخذ في الفلسفة‬
‫عامة بالنسبة إلى ّ‬
‫أما الفلسفة‪ ،‬فهي ّ‬
‫ّ‬

‫المش���تركات بينها‪ ،‬ويترك الخصوصيات ح���ال ذلك حال الجنس أو النوع‬
‫في االصط�ل�اح المنطقي‪ .‬فالمنطقي ال ينظر إلى ه���ذا الفرد الجزئي وتلك‬
‫ وقد عرف العلماء فلسفة التاريخ تعاريف عديدة‪ ،‬منشؤها اختالف المناهج‪ ،‬منها‪:‬‬
‫‪1‬ـ لورد بو لينغبروك‪ :‬الفلسفة التي تعلّم بالقدوة‪.‬‬
‫‪2‬ـ أنطونيو اليديوال‪ :‬إنها تمحيص للمناهج‪ ،‬والمبادئ‪ ،‬واألنظمة لعلوم التاريخ‪ ،‬إضافة إلى كونها تاريخاً‪ ،‬شامالً‪ ،‬ومكتوباً‪،‬‬
‫وجهته أفكار فلسفية سابقة‪.‬‬
‫َّ‬
‫‪3‬ـ أد كزينو بول‪ :‬إنه وقائع متتابعة على عكس العلوم التي تعتبر وقائع متكررة‪.‬‬
‫‪4‬ـ دور كهايم‪ :‬تبحث في تحديد االتجاه العام لتطور اإلنسانية‪ ،‬وإيجاد قانون لحركة الحياة البشرية في خطوط دائرية أو‬
‫مستقيمة‪.‬‬
‫بعض‪ :‬إنه معرفة الروابط التي تربط األحداث والوقائع المتفرقة ودراستها لتبين دوافعها وارتباطاتها ونتائجها‪،‬‬
‫‪5‬ـ وعرفه ٌ‬
‫واستخالص السنن من خاللها واالعتبار بالدروس والعظات فيها‪.‬‬
‫‪6‬ـ وعرفه الدكتور حسن سلمان في كتابه‪ :‬النظرة القرآنية لتفسير حركة التاريخ ص‪ 36‬بما يلي‪ :‬معرفة التحوالت‪،‬‬
‫والتطورات التي تنقل المجتمع من مرحلة إلى أخرى‪ ،‬ومعرفة القوانين المحكمة في هذه التطورات والتحوالت‪.‬‬

‫‪25‬‬

‫كل واح���دة مفردة عن األخرى‪ ،‬وإنّما‬
‫أما‬
‫المؤرخ فهو ينظر إلى ّ‬
‫كالش���اة‪ّ ،‬‬
‫ّ‬

‫ال بالنسبة إلى النوع‪ ،‬ولذا قال الحاج‬
‫المنطقي يأخذ حال الجزئي الش���اة مث ً‬
‫السبزواري‪:‬‬
‫ف�����ل�����ازم‬

‫ل����ل����ف����ي����ل����س����وف‬

‫املنطقي‬

‫أن ي���ن���ظ���ر ال���ل���ف���ظ ب�����وج� ٍ‬
‫����ه م���ط���ل���ق‬

‫‬

‫ولي���س المراد باللفظ بما هو لف���ظ وإنما اللفظ بما هو مثال‪ ،‬وهكذا‬
‫حال الجنس الش���امل للجزئيات المختلفة للبقر‪ ،‬والش���اة‪ ،‬والمعز‪ ،‬وغير‬
‫ال‪،‬‬
‫ذل���ك‪ .‬وهكذا الحال بالنس���بة إلى مختلف الجزئيات لغي���ر الحيوان مث ً‬
‫أما بالنسبة إلى تاريخ المجموع‬
‫علم‪ّ ،‬‬
‫فتاريخ هذه الشجرة‪ ،‬وتلك الشجرة‪ٌ ،‬‬
‫جنس‪ ،‬وهكذا يكون حال‬
‫سواء كان نوع البرتقال‪ ،‬أو جنس الشجرة‪ ،‬فهو ٌ‬
‫الخاص‪ ،‬والعرض العام باصطالح المنطقيين‪ ،‬فقد يتكلّم حول مال زيد أو‬
‫ّ‬

‫‪26‬‬

‫أما بالنس���بة إلى‬
‫قبح عمرو‪ ،‬وهكذا بالنس���بة إلى خالد‪ ،‬وبكر‪ ،‬أو غيرهم‪ّ .‬‬

‫الفلس���في؛ فينظر إلى الجمال في أش���خاص جميلين بقول مطلق‪ ،‬أو إلى‬
‫القبح في هذا وذاك بقول مطلق‪.‬‬
‫العام هكذا على ما‬
‫هذا بالنس���بة إلى‬
‫ّ‬
‫الخاصة وبالنس���بة إلى العرض ّ‬

‫ّيات الخمسة سواء ما ذكروه في الفقه‪ ،‬أو في الفلسفة‪،‬‬
‫ذكروه في بحث الكلّ‬

‫أو في الحكمة‪ ،‬أو في غيرها‪.‬‬

‫أن موضوع التاريخ‪ ،‬لمفرده‪ ،‬علم مس���تقل‪ ،‬ولمجموعه‬
‫والحاصل‪ّ :‬‬

‫يؤرخ للذين دخل���وا التاريخ‪،‬‬
‫يدخ���ل في نطاق الفلس���فة‪،‬‬
‫فالم���ؤرخ إنّما ّ‬
‫ّ‬

‫وحركوا مساره‪ ،‬سواء دخلوا التاريخ لإلفساد كفرعون‪،‬‬
‫ولعبوا  دورًا فيه‪ّ ،‬‬

‫ شرح منظومة السبزواري‪ ،‬قسم المنطق‪ ،‬مباحث األلفاظ‪ :‬ص‪ 21‬لإلمام المؤلف‪.‬‬
‫ الوليد بن مصعب‪ ،‬ويكنى بأبي مصعب وهو فرعون موسى‪ ،‬الطاغوت والجبار والمتكبر والظالم والساحر والباغي الذي‬
‫قال‪ :‬أنا ربكم األعلى‪ ،‬وقد اختلف أرباب التاريخ في نسبه فبعض قال‪ :‬إنه من اليمن‪ ،‬وآخر‪ :‬إنه من العمالقة‪ ،‬وثالث‪ :‬إنه‬
‫من أقباط مصر كما ذكر ذلك اليعقوبي في تاريخه ج‪ 1‬ص ‪ ،186‬وكلمة فرعون في اللغة المصرية القديمة تعني الملك‬
‫المتصرف أو الرب الذي له حق األمر والنهي في شعبه أو من هم تحت سلطته وقد ورد اسم فرعون في القرآن ‪74‬‬
‫مرة‪ ،‬وتحدث عنه الباري سبحانه وتعالى في ‪27‬سورة‪ ،‬وقد حكم مصر وفلسطين وبالد الشام وبالد ما بين الرافدين‬
‫في العراق واستمر حكمه على أقل التقادير ‪ 200‬عام وقد استعان في ترسيخ حكمه ببعض الكهنة والسحرة وقد وصفه‬

‫وهتل���ر‪ ،‬وس���تالين‪ ،‬أو دخلوا التاري���خ لإلصالح‪ ،‬كما فع���ل األنبياء‬
‫والمصلحون‪ ،‬وال‪ ‬فرق في ذلك بين الساسة‪ ،‬والقادة‪ ،‬والعلماء‪ ،‬والفالسفة‪،‬‬
‫ّ‬
‫والمفكرين‪ ،‬والشعراء‪ ،‬والمخترعين‪ ،‬وأصحاب الصناعات والحرف‪.‬‬
‫وال يقتصر التاريخ والفلسفة على الجانبين السياسي والعسكري‪ ،‬أو‬
‫جانب ثالث‪ ،‬أو جانب رابع‪ ،‬أو ما أش���به ذلك‪ ،‬بل بالنس���بة إلى المجموع‬
‫من حيث المجموع س���واء كانوا ش���خصيات‪ ،‬أو حضارات‪ ،‬أو أديانًا‪ ،‬أو‬
‫فلكل م���ن العلماء الذين ذك���روا المفردات‪،‬‬
‫حروب���ًا‪ ،‬أو غي���ر ذلك‪ ،‬ولذا‬
‫ّ‬
‫العامة للتاريخ‪ٌ ،‬‬
‫فضل كبير بالنسبة إلى العلم‬
‫والفالسفة الذين ذكروا الروح ّ‬
‫التحول في العصر الحديث من تاريخ األفراد إلى تاريخ‬
‫فإن‬
‫واألجيال اآلتية‪ّ ،‬‬
‫ّ‬
‫ألن االستفادة تكون من‬
‫منسيًا؛ ّ‬
‫الحضارات ليس معناه ّ‬
‫أن تاريخ األفراد صار ّ‬
‫الجانبي���ن‪ ،‬فقد يكون بعض العلماء قد اّتخذ التاريخ والفلس���فة معًا معيارًا‬

‫للعلم‪ ،‬فلهم علم التاريخ‪ ،‬ولهم فلسفة التاريخ‪.‬‬

‫ِف َطاِئ َف ًة ِم ْن ُه ْم ُي َذِّب ُح أَْب َناَء ُه ْم َوَي ْسَت ْحِيي‬
‫القرآن الكريم بما يلي‪ :‬إِ َّن ف ِْر َع ْو َن َع َال فِي األ ْر ِض َو َج َع َل أَ ْهلَ َها ِشَيعاً َي ْسَت ْضع ُ‬
‫ِين سورة يونس‪،‬‬
‫ِساَء ُه ْم إَِّن ُه ك َ‬
‫ِن ال ُْم ْس ِرف َ‬
‫ِين سورة القصص‪ ،‬االية ‪ 4‬وإِ َّن ف ِْر َع ْو َن ل ََعا ٍل فِي األ ْر ِض َوإَِّن ُه َلم َ‬
‫ِن ال ُْم ْف ِسد َ‬
‫َان م َ‬
‫نَ‬
‫ِين سورة الدخان‪ ،‬اآلية ‪ .31‬أرسل اهلل سبحانه وتعالى له موسى النبي وآزره بأخيه‬
‫اآلية ‪ .83‬وإِنَّ ُه ك َ‬
‫ِن ال ُْم ْس ِرف َ‬
‫َان َعالِياً م َ‬
‫هارون وبعث معه آيات عديدة منها‪ :‬العصا‪ ،‬والجراد‪ ،‬والقمل‪ ،‬والضفادع‪ .‬لكن فرعون استكبر ولم يؤمن فأغرقه اهلل‬
‫وجنوده والبالغ عددهم مليون شخص في النيل‪.‬‬
‫ أدولف هتلر ولد في النمسا سنة ‪ 1889‬م‪ ،‬وانتحر في برلين سنة ‪1945‬م‪ ،‬تسلم مقاليد الحكم في ألمانيا سنة ‪1934‬م‪،‬‬
‫إنسان‪ ،‬وخسر‬
‫مليون ٍ‬
‫أدت سياسته إلى نشوب الحرب العالمية الثانية ‪1939‬م‪ ،‬والتي ذهب ضحيتها قرابة الخمسين َ‬
‫المعركة بهجومه على روسيا سنة ‪ ،1943‬من مؤلفاته كتاب‪ :‬كفاحي‪.‬‬
‫ جوزيف ستالين ولد سنة ‪1879‬م‪ ،‬ومات سنة ‪1953‬م‪ ،‬أصبح األمين العام للحزب الشيوعي في االتحاد السوفياتي السابق‬
‫سنة ‪1924‬م‪ ،‬واستمر إلى سنة ‪1953‬م وأصبح رئيساً للجمهورية بين الفترة ‪1941‬ـ ‪1953‬م‪ ،‬اّتسم حكمه باالستبداد‬
‫والديكتاتورية‪ ،‬وقد قضى على خصومه في محاكم صورية‪ ،‬وقد قتل من الشعب أكثر من عشرين مليوناً ألجل تحويل‬
‫النظام الزراعي التقليدي إلى المزارع الجماعية أو المزارع الحكومية‪ .‬وقد سبب هذا التحويل سحق الطبقة الوسطى في‬
‫مما أدى إلى خفض اإلنتاج الزراعي‪ ،‬ونقص الماليين من رؤوس الماشية‪ ،‬وإحداث مجاعات في البالد وعلى‬
‫المجتمع ّ‬
‫الخصوص في أوكرانيا وشمال القفقاز‪.‬‬

‫‪27‬‬

‫عالقة التاريخ باألخالق‬

‫مس�ألة‪ :‬من موضوع���ات فلس���فة التاريخ التي يجب عل���ى الباحث‬
‫إن‬
‫األمة بصورة إجمالية‪ ،‬والقول ّ‬
‫التاريخ���ي أن يالحظها‪ :‬النظر إل���ى تاريخ ّ‬
‫تاريخ أخالقي‪ ،‬أو تاريخ غير أخالقي‪.‬‬
‫تاريخها‬
‫ٌ‬

‫إن األخالق ال تتكون عند اإلنسان إ ّ‬
‫ال بالدين‬
‫وفي البدء يمكننا القول‪ّ :‬‬

‫عاء‪ ،‬فاألخالق‬
‫واإليم���ان باهلل س���بحانه‪ ،‬واليوم اآلخر‪ ،‬حقيق ًة ال لفظ�ا�ً ّ‬
‫واد ً‬

‫أن‬
‫ب���دون الدين ال‪ ‬تكون أخالق�ا�ً صحيحة وإنّم���ا أخالقًا‬
‫خيالي���ة‪ ،‬وكما ّ‬
‫ّ‬

‫‪28‬‬

‫لألفراد أخالقيات سليمة وفاسدة‪ ،‬كذلك للدول والحضارات‪ ،‬واألحزاب‪،‬‬
‫ّ‬
‫والمنظمات‪ ،‬والهيئات‪ ،‬واالجتماعات‪ ،‬والعشائر ومن أشبههم‪ ،‬أخالقيات‬
‫صحيحة أو فاس���دة‪ ،‬ف���إذا كان هناك ف���ي الدولة‪ :‬التراح���م‪ ،‬والتعاطف‪،‬‬
‫والش���ورى‪ ،‬والخدمة‪ ،‬وما أش���به ذلك‪ ،‬فهذه الدول���ة لها أخالق صحيحة‬
‫أما إذا لم تكن هذه األمور بل كان االستبداد‪ ،‬واإلسراف‪ ،‬والترف‪،‬‬
‫وسليمة‪ّ .‬‬

‫{وِإذَا بَ َط ْش���تُ ْم بَ َط ْش���تُ ْم‬
‫والتبذي���ر‪ ،‬والبط���ش؛ كما قال س���بحانه وتعالى‪َ :‬‬
‫ي���ن}‪ ،‬بتقريب فئة‪ ،‬وتبعي���د فئة‪ ،‬واّتخاذ بطان���ة للمؤامرة والمكر‬
‫َج َّباِر َ‬

‫دائمًا‪ ،‬فهذه الدولة‪ ،‬تصبح دولة ال أخالقية‪.‬‬

‫أن الف���رد كالمجتمع‪ ،‬والمجتم���ع كالفرد‪ ،‬وكالهما‬
‫وم���ن الواضح ّ‬

‫كالحكومة والحزب‪ ،‬فيكتب لها البقاء‪ ،‬إذا كانت لها أخالقيات صحيحة؛‬
‫ألن األخالقيات الصحيحة هي التي تواكب الحياة‪ ،‬وتكون حس���ب موازين‬
‫ّ‬

‫الكون‪ ،‬والفطرة‪،‬وليس حسب موازين ما يريده اإلنسان‪ ،‬وما تشتهيه نفسه‪.‬‬

‫ سورة الشعراء‪ :‬اآلية ‪.130‬‬

‫البد وأن يصطدم‬
‫فمن يقول‪ :‬ال أعترف بالجاذبية‪ ،‬ويُلقي نفسه من شاهق‪ّ ،‬‬
‫ّ‬
‫ويتقطع جسده قطعًا متناثرة‪ .‬كذلك من يقول‪ :‬إنّي ال أؤمن بالهواء‬
‫باألرض‪،‬‬

‫البد وأن يصيبه‬
‫الطلق النظيف في البيئة السليمة‪ ،‬فأنتقل إلى بيئة موبوءة‪ّ ،‬‬

‫فالبد‬
‫الوباء‪ .‬وهكذا بالنس���بة إلى من ال يعت���رف ّ‬
‫بأن النار محرقة‪ ،‬فيدخلها ّ‬

‫وأن يحترق‪.‬‬

‫وهذه األمور الملموس���ة لإلنسان‪ ،‬تقاس عليها الحكومات والدول‪،‬‬
‫لكل ش���يء موازي���ن وحدودًا من األمور‬
‫فإن اهلل س���بحانه وتعالى كما جعل ّ‬
‫ّ‬

‫المخلوقة‪ ،‬كذلك جعل للمجتمعات واألفراد مثل هذه الموازين‪ .‬فالعصفور‬
‫ال يكب���ر إلى حجم الحمام‪ ،‬والحم���ام ال يكبر إلى حجم النعامة‪ ،‬والنعامة‬
‫ال تكب���ر إلى حجـم الفيل‪ ،‬والعكس صحي���ح أيضًا‪ ،‬فالفيل ال يصغر إلى‬
‫حج���م النعام���ة‪ ،‬والنعامة ال تصغر إلى حجم الحم���ام‪ ،‬والحمام ال يصغر‬
‫إلى حجم العصفور‪ ،‬وهكذا بالنس���بة إلى س���ائر موازين الكون حس���ب ما‬
‫قاله‪ ‬س���بحانه وتعالى‪{ :‬ا َّل ِذي أَ ْع َطى كُلَّ َش ٍ‬
‫ُم َه َدى}‪ ،‬وهكذا‬
‫���يء َخ ْل َق ُه ث َّ‬
‫ْ‬

‫لكل من االقتصاد‪ ،‬واالجتماع‪ ،‬والتربية‪ ،‬والفكر‪،‬‬
‫جعل اهلل‪ ‬سبحانه وتعالى ّ‬
‫خاصة‪ ،‬فـإذا خال���ف كائن ذلك الميزان‪ ،‬اصطدم بموازين‬
‫والثقاف���ة موازين ّ‬

‫ّ‬
‫ليتحطم ويفنى‪.‬‬
‫اهلل‪ ‬سبحانه وتعالى‪ ،‬وسننه؛‬

‫أمية خالف���وا موازين اهلل س���بحانه وتعالى في الحكم؛‬
‫ً‬
‫مث�ل�ا‪ :‬بنو ّ‬

‫ سورة طه‪ :‬اآلية ‪.50‬‬
‫أمية وهو من الروم‪ ،‬استلحقه عبد شمس‪ ،‬حكموا اثنين وتسعين سنة ابتداًء من ‪ 40‬ه‍ ‪ 661‬م وإلى ‪132‬‬
‫ نسبة إلى ّ‬
‫‍ه ‪ 750‬م‪ ،‬وامت ّدت دولتهم من شواطئ المحيط األطلسي وجبال البرانس غرباً إلى نهر السند وتخوم الصين شرقاً‪،‬‬
‫وعدد خلفائهم أربعة عشر خليفة‪ ،‬وهم كالتالي‪ .1 :‬معاويـة بـن أبـي سفيان‪ .2 .‬يزيد بن معاوية‪ .3 .‬معاوية الثاني‪.‬‬
‫‪ .4‬مروان بن الحكم‪ .5 .‬عبد الملك بن مروان‪.6 .‬الوليد بن عبد الملك‪ .7 .‬سليمان بن عبد الملــك‪ .8 .‬عمر بـن‬
‫عبدالعزيـز‪ .9 .‬يزيـد بــن عبـد الملـك‪ .10 .‬هشـام بـن عبـد الـملـك‪ .11 .‬الوليد بن يزيد‪ .12 .‬يزيد بن عبد الملك‪.‬‬
‫‪ .13‬إبراهيم بن الوليد‪ .14 .‬مروان الحمار‪.‬‬
‫اّتسمت سيرتهم باللهو‪ ،‬واللعب‪ ،‬والغناء‪ ،‬والطرب‪ ،‬والشراب‪ ،‬وإحياء الباطل‪ ،‬وإماتة السنة‪ ،‬وإظهار البدعة‪ ،‬ومصادرة األموال‪،‬‬
‫وبث روح العصبية وإثارة النزاعات القبلية‪ ،‬وقتل أهل البيتع‪ .‬وفي زمانهم كانوا يختمون على أعناق الصحابة والتابعين‬
‫على أنهم عبيد للخليفة‪ ،‬وكانوا يسجنون النساء ويأتي من أراد الزنا فيدخل إلى السجان فيختار من النساء ويقضي‬
‫وطره مقابل مبلغ من المال‪.‬‬
‫وقامت في عهدهم عدة ثورات منها‪ .1 :‬ثورة اإلمام الحسينع ‪ .2‬ثورة أهل المدينة بقيادة عبـد اهلل بـن حنظلة ‪ .3‬ثـورة‬
‫أهـل مكـة بقيادة عبد اهلل بن الزبير‪ .4 .‬ثورة المختار ‪ .5‬ثورة مصعب بن الزبير‪ .6 .‬ثورة زيد بن علي‪ .7 .‬ثورة‬

‫‪29‬‬

‫س���ب اإلمام أمير‬
‫وله���ذا تحطموا بعد عهد من الطغيان والجبروت‪ ،‬وكان‬
‫ّ‬

‫أمية نصبوا ‪70‬‬
‫المؤمنين(ع) َمعلمًا لطغيانهم‪ ،‬فقد ذكر لنا الشافعي ّ‬
‫أن بني ّ‬

‫مما ّ‬
‫يدل على كثرة منابر المسلمين في طول البالد‬
‫ألف منبر ّ‬
‫لسب علي(ع)‪ّ ،‬‬

‫لما خالفوا سنن اهلل سبحانه وتعالى في الحكم‪ ،‬قصم‬
‫وعرضها‪ ،‬ومع ذلك‪ّ ،‬‬
‫ظهورهم‪ ،‬وأقصاهم عن الس���لطة‪ ،‬وهكذا رأينا نحن في زماننا كيف سقط‬

‫الش���اهان رضا ش���اه وابنه في إيران‪ ،‬وكيف س���قط ّ‬
‫حكام العراق من عبد‬
‫الكريم قاسم‪ ،‬وعبد السالم عارف‪ ،‬وعبد الرحمن عارف‪ ،‬والبكر‪،‬‬
‫فإن الحكام إذا خالفوا موازين اهلل س���بحانه وتعالى‪ ،‬يكون حالهم حال من‬
‫ّ‬

‫يخالف موازين اهلل في إلقاء نفسه من الشاهق‪.‬‬

‫فأخالقيات ّ‬
‫الحكام س���واء انبعثت عن اإليمان باهلل‬
‫كل حال‪:‬‬
‫وعل���ى ّ‬
‫ّ‬
‫‪30‬‬

‫بني المهلب‪.‬‬
‫ أبو عبد اهلل‪ ،‬محمد بن إدريس‪ ،‬الملقب بالشافعي‪ ،‬نسبة إلى جده‪ ،‬ويعد مؤسس المذهب السني الشافعي‪ ،‬ولد سنة ‪‍ 150‬ه‬
‫‪204‬ه ‪820‬م‪ ،‬هاجر إلى مصر سنة ‪198‬ه‍ ‪813‬م‪ ،‬ثم سافر إلى مكة ومنها إلى بغداد ثم‬
‫‪767‬م وتوفي في مصر سنة ‍‌‬
‫العودة إلى مصر سنة ‪‍ 200‬ه ‪815‬م‪ ،‬من مؤلفاته‪ :‬كتاب األم‪ ،‬رسالة في أدلة األحكام‪ ،‬اختالف الحديث‪ ،‬المسند‪.‬‬
‫للمزيد راجع كتاب اإلمام الصادق ع والمذاهب األربعة‪ :‬ج‪ 3‬ص ‪ ،254 175‬تهذيب األسماء واللغات‪ :‬ج‪ 1‬ص ‪.44‬‬
‫ رضا شاه‪ :‬من ملوك إيران في القرن العشرين‪ ،‬أصبح وزيراً للحربية الدفاع في حكومة القاجار ثم أطاح بهم ولقب نفسه‬
‫واستمر في الحكم لسنة‬
‫ب‍بهلوي إحياًء للفارسية القديمة‪ ،‬ولد سنة ‪ 1295‬ه‍ ‪1878‬م وحكم إيران سنة ‪ 1343‬ه‍ ‪ 1925‬م‪،‬‬
‫ّ‬
‫‪ 1359‬ه‍ ‪1941‬م‪ ،‬اّتسم حكمه بإحياء القومية الفارسية ونشر المذهب البهائي وهدم المساجد والمدارس والحسينيات‬
‫ومنع العلماء ورجال الدين من ممارسة أدوارهم في الحياة‪ ،‬وأشاع الزنا والخمر والقمار في أوساط المجتمع اإلسالمي‪،‬‬
‫ومنع النساء المسلمات من ارتداء الحجاب الذي فرضته الشريعة‪ ،‬وحطم اقتصاد البالد وعلى الخصوص قنوات الري‪،‬‬
‫وقتل في ثورة مسجد كوهر شاد في مدينة مشهد اإليرانية أكثر من ثالثة آالف مسلم‪ .‬نفاه اإلنجليز إلى جزيرة‬
‫وعينوا ولده محمد رضا مكانه‪ ،‬وأصابه في منفاه لوث من الجنون ؛ فكان يقف ك ّل يوم‬
‫موريس في المحيط الهندي‪ّ ،‬‬
‫أمام مرآة في غرفته ويعدد ألقابه ثم يضحك بهستيرية على نفسه‪ ،‬وكان يقضي أكثر أوقاته بهذه الكيفية‪ ،‬ثم قتله‬
‫اإلنجليز هناك سنة ‪‍ 1363‬ه ‪1944‬م‪.‬‬
‫محمد رضا شاه‪ :‬من ملوك إيران في القرن العشرين‪ ،‬عينه اإلنجليز بعد أن خلعوا والده‪ ،‬ولد سنة ‪1337‬ه‍ ‪1919‬م‪ ،‬وتسلم‬
‫الحكم في إيران سنة ‪‍ 1359‬ه ‪ 1941‬م‪ ،‬وأطيح به سنة ‪1399‬ه‍ ‪1979‬م‪ ،‬ومات في المنفى سنة ‪1400‬ه‍ ‪1980‬م‪ ،‬ودفن‬
‫في مصر‪.‬‬
‫ عبد الكريم قاسم‪ :‬ولد في بغداد سنة ‪1332‬ه‍ ‪1914‬م‪ ،‬تسلم الحكم في العراق سنة ‪1377‬ه‍ ‪1958‬م بعد أن أطاح بالنظام‬
‫الملكي‪ ،‬وأعلن النظام الجمهوري‪ ،‬وشكل مجلس السيادة إلدارة البالد‪ ،‬استمر في الحكم لسنة ‪1382‬ه‍ ‪1963‬م‪ ،‬وأعدم‬
‫إثر تعرضه النقالب عسكري ؛ قاده عبد السالم عارف‪.‬‬
‫ عبد السالم عارف‪ :‬ولد سنة ‪‍ 1339‬ه ‪1921‬م‪ ،‬تسلم الحكم في العراق سنة ‪1382‬ه‍ ‪1963‬م‪ ،‬قتل سنة ‪1385‬ه‍ ‪1966‬م‬
‫؛ إثر سقوط طائرته في جنوب العراق‪.‬‬
‫ عبد الرحمن عارف‪ :‬ولد سنة ‪‍ 1334‬ه ‪1916‬م‪ ،‬أصبح رئيساً للعراق سنة ‪ 1385‬ه‍ ‪1966‬م‪ ،‬بعد مقتل أخيه عبد السالم‪،‬‬
‫نحي عن السلطة سنة ‪‍ 1388‬ه ‪1968‬م ؛ إثر انقالب ّدبره أحمد حسن البكر‪ ،‬ونفي إلى تركيا‪.‬‬
‫ أحمد حسن البكر‪ :‬ولد في تكريت سنة ‪1333‬ه‍ ‪1914‬م‪ ،‬تسلم الحكم في العراق ‪1388‬ه‍ ‪1968‬م ؛ إثر انقالب ّدبره‬
‫على عبد الرحمن عارف‪ ،‬واستمر في الحكم إحدى عشرة سنة‪ ،‬وأقصي سنة ‪1399‬ه‍ ‪1979‬م ؛ إثر انقالب ّدبره صدام‬
‫السكر لديه بواسطة الدكتور صادق علوش‪.‬‬
‫سببت ارتفاع نسبة ُّ‬
‫التكريتي‪ .‬وقتله صدام سنة ‪1402‬ه‍ ‪1982‬م بحقنة ّ‬

‫إن األخالقيات المنحرفة‬
‫والي���وم اآلخ���ر أو انبعثت عن العقل الذي يق���ول‪ّ :‬‬
‫فإن الفرد إذا كانت له‬
‫تس���بب س���قوط الحكم حالها حال أخالقيات الفرد‪ّ ،‬‬
‫ّ‬

‫يتقدم‪،‬‬
‫أخالقي���ات صحيحة عن إيمان أو عن تع ّقل‪ ،‬الب ّد وأن يزدهر‪ ،‬وأن ّ‬

‫يلت���ف حول���ه الناس‪ ،‬ويصل إلى هدفه‪ ،‬بينمـ���ا إذا لـم يكـن كذلك‪،‬‬
‫وأن‬
‫ّ‬
‫انفض الناس من حوله‪ .‬كما قال اإلمام أمير المؤمنين(ع)‪( :‬ال وحش َة أوحش‬
‫من العجب) ‪.‬‬

‫‪31‬‬

‫ من ال يحضره الفقيه‪ :‬ج‪ 4‬ص ‪ 372‬ب‪ 2‬ح ‪ ،5762‬كشف الغمة‪ :‬ج‪ 1‬ص‪ ،384‬بحار األنوار‪ :‬ج‪ 1‬ص‪ ،88‬غرر الحكم‬
‫ودرر الكلم‪ :‬ص‪ 308‬ح‪.7088‬‬

‫االستقراء‬

‫إن دراسة التاريخ في منهجه وغايته‪ ،‬تعتمد على االستقراء‪،‬‬
‫مس�ألة‪ّ :‬‬

‫والتمثي���ل‪ ،‬والقي���اس المنطقي‪ ،‬كالعلوم األخرى؛ وذل���ك لوحدة الجامع‬
‫في العلوم‪ ،‬فاالس���تقراء هو تتبع الجزئيات‪ ،‬واألمور المتش���ابهة؛ ليستفاد‬
‫أن الفرس‪ ،‬والبغل‪ ،‬والحمار‪ ،‬وألف حيوان‬
‫منه���ا الكلّي العام مث ً‬
‫ال نالحظ ّ‬

‫يحرك ّ‬
‫كل‬
‫أن ّ‬
‫فكه األس���فل عند المضغ‪ ،‬فنس���تفيد من ذلك ّ‬
‫وحيوان آخر‪ّ ،‬‬
‫يحرك ّ‬
‫فإن كان‬
‫فكه األس���فل عند المضغ‪ ،‬فنجعل ذلك قاعدة كلّية‪ْ ،‬‬
‫حيوان ّ‬

‫‪32‬‬

‫كل الحيوانات‪ ،‬فتك���ون القاعدة قطعية‪ ،‬وإن‬
‫تامًا بالنس���بة إلى ّ‬
‫االس���تقراء ّ‬
‫كل المفردات وإنّما في كثي���ر من المفردات‪،‬‬
‫تامًا ف���ي ّ‬
‫لم يكن االس���تقراء ّ‬
‫الظن يلحق‬
‫فيكون االس���تقراء ناقصًا‪ ،‬وإنّما تأتي بنح���و الكلّية من باب أن ّ‬

‫باألعم األغلب إ ّ‬
‫يتدخل بداهة في األمر‪ ،‬فيكون االستقراء أيضًا‬
‫الشيء‬
‫ال أن ّ‬
‫ّ‬
‫ويسمى االستقراء المعلل‪.‬‬
‫قطعيًا‪،‬‬
‫ّ‬

‫أن النار في العراق‪ ،‬وفي إي���ران‪ ،‬وفي مصر‪ ،‬وفي‬
‫ً‬
‫مث�ل�ا‪ :‬إنّا ن���رى ّ‬

‫الش���ام‪ ،‬وفي الصين‪ ،‬وفي عش���رات األماكن األخرى‪ ،‬تحرق اليابس الذي‬
‫بأن‬
‫تلتقي به من خش���ب‪ ،‬أو عود‪ ،‬أو ورق‪ ،‬أو ما أش���به ذلك‪ ،‬فإنّا نقطع ّ‬

‫الن���ار تحرق اليابس مع أنّه ليس لنا اس���تقراء تام‪ .‬ولذا ال اس���تثناء في ذلك‬
‫إّ‬
‫ار كُونِي بَ ْردًا‬
‫ال إذا كان األم���ر مرتبطًا باهلل‪ ‬س���بحانه وتعالى؛ لقوله‪{ :‬يَ���ا نَ ُ‬

‫‬
‫قصة إبراهيم(ع) ‪.‬‬
‫َو َسالَمًًا} ‪ ،‬كما حدث في ّ‬

‫يحرك ّ‬
‫فكه األسفل عند المضغ‪ ،‬فقد رأينا‬
‫أما بالنسبة إلى ّ‬
‫ّ‬
‫كل حيوان ّ‬

‫ سورة األنبياء‪ :‬اآلية ‪.69‬‬

‫استثناء ذلك في بعض أقسام من الحيوانات البحرية على ما ذكروه‪.‬‬
‫وبالقواع���د الكلّي���ة الت���ي انتهينا إليها‪ ،‬نس���تطيع اس���تيعاب العلوم‬
‫أن كثيرًا من‬
‫أن العلوم تقوم على أس���اس االس���تقراء‪ .‬كما ّ‬
‫المختلفة‪ ،‬فنرى ّ‬
‫العلوم تستفيد من التمثيل‪ ،‬وكثيرًا من العلوم تستفيد من القياس المنطقي‪،‬‬

‫ّ‬
‫كل من‬
‫حيث‬
‫تش���كل الصغرى والكبرى‪ ،‬وتكون النتيجة قطعية إذا كانت ّ‬
‫الكبرى والصغرى قطعية‪ ،‬فنقول‪ :‬زيد إنس���ان‪ ،‬وكل إنس���ان يموت‪ ،‬فزيد‬
‫المكرر‬
‫إن األصغر يدخل تحت األكبر؛ بسبب الح ّد األوسط‬
‫يموت‪ ،‬حيث ّ‬
‫ّ‬

‫المنطقيون‬
‫كل من الصغرى والكبرى حسب األشكال األربعة التي ذكرها‬
‫في ّ‬
‫ّ‬

‫وأما القياس فهو حسب الصورة‪،‬‬
‫والصناعات الخمسة وهي حسب ّ‬
‫المادة‪ّ ،‬‬
‫وهذا كما يأتي في علوم الفيزياء‪ ،‬والكيمياء‪ ،‬والعلوم اإلنسانية‪ ،‬يأتي أيضًا‬

‫ألن منهج‬
‫في فلس���فة التاريخ؛ إذ العلوم لها جام���ع واحد من هذه الجهة؛ ّ‬
‫علم التاريخ‪ ،‬يعتمد على جمع أكبر عدد ممكن من الوقائع التاريخية بهدف‬

‫إما على‬
‫الوص���ول إلى أحكام كلّية عل���ى طبق ما ذكر في العلوم الطبيعية‪ّ ،‬‬
‫نحو القياس‪ ،‬أو على نحو االس���تقراء‪ ،‬أو عل���ى نحو التمثيل‪ .‬وقد أضاف‬

‫خاصة‪،‬‬
‫بعض علماء األصول االستحسان‪ ،‬لكن االستحسان ليس له ضوابط ّ‬

‫فإن الفقهاء أس���قطوا االستحس���ان عن االس���تدالل؛ ألنّه حسب ذوق‬
‫ولهذا ّ‬

‫العالم الذي يستحس���ن‪ .‬ولذا فأحدهم يستحسن شيئًا‪ ،‬وأحدهم يستحسن‬
‫إن الضبع كالظبي؛ وله���ذا فهو حالل‪،‬‬
‫ش���يئًا آخر‪.‬‬
‫ً‬
‫مث�ل�ا‪ :‬أحدهم يق���ول‪ّ :‬‬

‫إن الضبع كالكلب؛ ولذا فهو حرام‪ ،‬إلى غير ذلك من األمثلة‬
‫واآلخر يقول‪ّ :‬‬

‫الموجودة في الفقه‪.‬‬

‫يؤدي االستحس���ان إلى تأسيس أحكام كلية‪ ،‬فهو ليس‬
‫والنتيجة‪ :‬ال ّ‬

‫منهجًا علميًا‪ ،‬وبالتالي ال يوجد قاعدة كلية‪ .‬وهذا من جهة منهج العلم‪.‬‬

‫أن فلسفة التاريخ أيضًا تشابه العلوم الطبيعية واإلنسانية من جهة‬
‫كما ّ‬

‫‪33‬‬

‫غاية العلم وهي الغايات العملية في الطبيعية ألجل تسخير العلوم الطبيعية‬
‫وأما بالنسبة إلى فلسفة التاريخ‪ ،‬فالهدف من ذلك تزويد‬
‫لصالح اإلنس���ان‪ّ ،‬‬
‫اإلنس���ان بأحكام ّ‬
‫تمكنه من أن يفهم معنى األحداث الحاضرة أو المستقبلية‬

‫في ض���وء خبرته بالماضي‪ ،‬وقد ذكرنا في موس���وعة الفقه في كتاب الفقه‬
‫ألن‬
‫المس���تقبل‪ :‬إنّه كيف يمكن اس���تمداد المستقبل من الماضي والحاضر؛ ّ‬
‫الزمان يش���به بعضه بعضًا‪ ،‬والحضارات تش���به بعضها بعضًا‪ ،‬بحس���ب ما‬

‫نس���تفيد من القياس‪ ،‬أو التمثيل‪ ،‬أو االس���تقراء من الجهات المشابهة سواء‬
‫كانت الحضارات صحيحة‪ ،‬أو باطلة‪ ،‬أو كانت أمورًا اقتصادية‪ ،‬أو سياسية‪،‬‬
‫أو اجتماعية‪ ،‬أو تربوية‪ ،‬أو غير ذلك‪ ،‬مس���تقيمة أو غير مس���تقيمة‪ ،‬مثل‬
‫االقتصاد الرأسمالي‪ ،‬أو االقتصاد الشيوعي‪ ،‬أو االقتصاد االشتراكي‪ ،‬أو غير‬
‫ذلك من اتحاد االقتصاد‪.‬‬
‫‪34‬‬

‫فإن فلس���فة التاريخ منهج علمي يس���تفيد من منهج‬
‫وعلى أي حال‪ّ :‬‬

‫العلم ومن غاية العلم‪ ،‬كما أنّه يس���تفاد من ذلك احتياج العلم إلى الدين‪،‬‬
‫وأنّ���ه ال يمكن للعل���م أو الدين أن يؤثر لوحده‪ ،‬فهم���ا جناحان للحضارة‬

‫فإن العلم بدون‬
‫الصحيح���ة‪ ،‬وقد أضحت غاية العلم خدمة أغراض الدين‪ّ ،‬‬
‫الدين ال ّ‬
‫يتمكن أن يخدم اإلنس���ان‪ ،‬بل كثيرًا ما يكون العلم آلة للهدم بيد‬
‫اإلنسان‪ ،‬كما رأيناه في هذين القرنين بالنسبة إلى البالد الغربية‪ ،‬وقبل ذلك‬
‫كان دين المس���يحية دون وجود أي دور للعلم‪ ،‬فأفسدت الكنيسة إفسادًا ال‬
‫مثيل له‪.‬‬
‫وفي هذين القرنين‪ ،‬وبعد أن أضحى العلم بدون وجود الدين‪ ،‬أفسد‬
‫الذرية المدمرة‪.‬‬
‫العلم إفسادًا ال مثيل له‪ ،‬حّتى انتهى إلى صنع القنبلة ّ‬

‫مرت على العالم في القرون الوسطى‪،‬‬
‫ومن هذه التجارب األخيرة التي ّ‬

‫المؤرخون النظرة األخروية التي تجعل‬
‫والنهضة الصناعية إلى اليوم‪ ،‬استقرأ‬
‫ّ‬

‫غاي���ة التاري���خ عالم الدنيا‪ ،‬وعال���م اآلخرة‪ ،‬على ما قاله س���بحانه وتعالى‪:‬‬
‫اب‬
‫الدْنيَا َح َس���نًَة َوِفي ِ‬
‫{وِم ْن ُه ْم َم ْن يَُقو ُل َر َّبنَا آِتنَا ِفي ُّ‬
‫اآلخ َرِة َح َس���نًَة َوِقنَا َع َذ َ‬
‫َ‬
‫ال َّناِر * أُولَِئ َ‬
‫َس���بُوا}‪ ،‬فاالستعمار‪ ،‬واالستثمار‪ ،‬وقتل‬
‫ك لَ ُه ْم نَ ِ‬
‫ص ٌ‬
‫يب ِم َّما ك َ‬
‫األبرياء‪ ،‬والسيطرة على األفراد والشعوب ونهب مواردها وخيراتها‪ ،‬ما هي‬
‫إّ‬
‫أن العلم صار بيد أناس ال‪ ‬يؤمنون باهلل واليوم اآلخر‪.‬‬
‫ال نتيجة ّ‬

‫وعل���ى أي حال‪ :‬فتجرد العلم عن األخالق‪ ،‬واإلنس���انية‪ ،‬والعدل‪،‬‬

‫وكل ما هو سوء‪.‬‬
‫واإلنصاف؛ يولد الظلم‪ ،‬والقهر‪ ،‬واالستبداد‪َّ ،‬‬
‫تحب لنفس���ك)‪ ،‬و (من‬
‫ول���ذا ورد في رواياتنا‬
‫ْ‬
‫(فأحبب لغيرك ما ّ‬

‫نادى يا‪ ‬للمسلمين فلم يجيبوه فليس���وا بمسلمين)‪،‬و (ليس مّنا من ترك‬
‫دنياه آلخرته‪ ،‬وال آخرته لدنياه)‪،‬و (اعمل لدنياك كأنّك تعيش أبدًا واعمل‬

‫‬
‫تبين‬
‫آلخرتك كأنّك تموت غدًا) ‪ ،‬إلى غير ذلك من الروايات الكثيرة التي ّ‬

‫هذا األمر بعد القرآن الحكيم‪ ،‬الذي فيه إشارات كثيرة إلى هذه الجهة‪.‬‬

‫أن الغرب بعد ابتعاده عن الدين خالل القرون الماضية‪،‬‬
‫ولذا نش���اهد ّ‬

‫وبعد أن رأى اآلثار الس���لبية للعلم عندم���ا تجرد عن اإليمان‪ ،‬أخذ يقترب‬
‫تمر مائة سنة القادمة‬
‫منه رويدًا رويدًا حّتى تنبأ أحد فالس���فة بريطانيا أنّه ال ّ‬
‫إّ‬
‫ال والبريطانيون يدخلون في دين اإلسالم كاّفة‪.‬‬

‫ سورة البقرة‪ :‬اآليات ‪.202 201‬‬
‫ نهج البالغة‪ :‬الكتاب ‪ ،31‬شرح نهج البالغة البن أبي الحديد‪ :‬ج‪ 16‬ص ‪ 84‬ب‪ ،31‬وفي األمالي للصدوق‪ :‬ص ‪،323‬‬
‫ومصادقة اإلخوان‪ :‬ص‪ ،40‬واالختصاص‪ :‬ص‪ 27‬بالمعنى‪.‬‬
‫ فقد ورد في الجعفريات‪ :‬ص‪ 88‬من أصبح ال يهتم بأمر المسلمين فليس من المسلمين‪ ،‬ومن شهد رج ًال ينادي يا‬
‫للمسلمين ؛ فلم يجبه‪ ،‬فليس من المسلمين‪ ،‬وفي وسائل الشيعة‪ : ‬ج‪15‬ص‪ 141‬ب‪ 59‬ح‪ 20169‬وج‪ 16‬ص‪ 337‬ب‪18‬‬
‫ح‪ :21702‬من سمع رج ًال ينادي يا للمسلمين فلم يجبه فليس بمسلم‪ ،‬وفي الكافي أصول‪ :‬ج‪ 2‬ص‪ 163‬ح‪ 1‬من أصبح‬
‫ال يهتم بأمور المسلمين‪ ،‬فليس بمسلم‪.‬‬
‫ من ال يحضره الفقيه‪ :‬ج‪ 3‬ص‪ 156‬ب‪ 2‬ح‪ ،3568‬وسائل الشيعة‪ :‬ج‪ 17‬ص‪ 76‬ب‪ 28‬ح‪.22025‬‬
‫ مجموعة ورام‪ :‬ج‪ 2‬ص ‪ ،234‬مستدرك الوسائل‪ :‬ج‪ 1‬ص ‪ 146‬ب‪ 25‬ح‪ ،220‬بحار األنوار‪ :‬ج‪ 44‬ص ‪ 139‬ب‪ 22‬ح‪.6‬‬

‫‪35‬‬

‫أدوار التاريخ‬

‫إن للحضارات أدوارًا كأدوار الليل والنهار‪ ،‬والفصول األربعة‪،‬‬
‫مسألة‪ّ :‬‬

‫وتشب‪،‬‬
‫ثم تكبر‬
‫ّ‬
‫أو سائر ظواهر الكون‪ .‬بمعنى أن الحضارات تبدأ صغيرة‪ّ ،‬‬
‫ثم تأخذ بالسقوط‪ .‬وهذا ما أشار إليه القرآن الكريم في‬
‫ثم تأخذ في الهرم‪ّ ،‬‬
‫ّ‬
‫متعددة‪ ،‬وهنا نذكر جملة من اآليات في س���ورة المؤمنون‪ّ ،‬‬
‫تدل على‬
‫آيات ّ‬

‫‪36‬‬

‫{ولََق ْد أَ ْر َس ْلنَا‬
‫هذا الشيء‪ ،‬وعلى هذه فقس ما سواها‪ ،‬قال سبحانه وتعالى‪َ :‬‬
‫ٍ‬
‫َي ُرهُ أَفَ َ‬
‫ال تَ َّت ُقو َن * فَ َقا َل‬
‫َوِمِه فَ َقا َل يَا ق ْ‬
‫نُوحًا ِإلَى ق ْ‬
‫َوِم ْاعبُ ُدوا اهللَ َما لَ ُك ْم ِم ْن ِإلَه غ ْ‬
‫اْل َم ُ‬
‫َوِمِه َما َه َذا ِإ َّال بَ َش ٌ���ر ِم ْثل ُ‬
‫َض َل َع َل ْي ُك ْم‬
‫ُك ْم يُِري ُد أَ ْن يَتَف َّ‬
‫أل ا َّل ِذ َ‬
‫َروا ِم ْن ق ْ‬
‫ين َكف ُ‬
‫َولَ ْو َشاءَ اهللُ ألَْن َز َل َم َ‬
‫ين * ِإ ْن ُه َو ِإ َّال َر ُج ٌل‬
‫األولِ َ‬
‫الِئ َك ًة َما َسم ْ‬
‫ِعنَا بِ َه َذا ِفي آبَاِئنَا َّ‬

‫صوا بِِه َح َّتى ِح ٍ‬
‫ون * فَأَ ْو َح ْينَا ِإلَْيِه‬
‫ص ْرنِي بِ َما كَذَّ بُ ِ‬
‫ين * قَا َل َر ِّب اْن ُ‬
‫بِِه ِج َّنةٌ فَتَ َر َّب ُ‬
‫اصنَ ِع اْل ُفل َ‬
‫َاسل ْ‬
‫يها ِم ْن ُكلٍّ‬
‫َار َّ‬
‫ُك ِف َ‬
‫أَ ِن ْ‬
‫ْك بِأَ ْعيُِننَا َو َو ْحِينَا فَإِذَا َجاءَ أَ ْم ُرنَا َوف َ‬
‫ور ف ْ‬
‫الت ُّن ُ‬

‫َز ْو َج ْي ِن ا ْثنَْي ِن َوأَ ْه َل َ‬
‫ين‬
‫ك ِإ َّال َم ْن َس���بَ َق َع َل ْيِه اْل َق ْو ُل ِم ْن ُه ْم َوالَ تُ َخ ِ‬
‫اط ْبِني ِفي ا َّل ِذ َ‬
‫ت َو َم ْن َم َع َ‬
‫ْك فَ ُق ِل اْل َح ْم ُد‬
‫ك َع َلى اْل ُفل ِ‬
‫ت أَْن َ‬
‫استَ َوْي َ‬
‫َظ َل ُموا ِإ َّن ُه ْم ُم ْغ َرقُو َن * فَإِذَا ْ‬
‫ت َخ ْي ُر‬
‫ِين * َوق ْ‬
‫ُل َر ِّب أَْن ِزْلِني ُم ْن َز ً‬
‫اركًا َوأَْن َ‬
‫هللِ ا َّل ِذي نَ َّجانَا ِم َن اْل َق ْوِم الظَّ الِم َ‬
‫ال ُمبَ َ‬
‫ك آلي ٍ‬
‫ين * ث َ ْ‬
‫َرنًا‬
‫ات َوِإ ْن ُك َّنا لَ ُم ْبتَِل َ‬
‫اْل ُم ْن ِزلِ َ‬
‫ين * ِإ َّن ِفي َذلِ َ َ‬
‫ُم أْن َشأنَا ِم ْن بَ ْع ِد ِه ْم ق ْ‬
‫َّ‬

‫ٍ‬
‫َ‬
‫َي ُرهُ أَفَ َ‬
‫ال‬
‫ين * فَأَ ْر َس ْلنَا ِفي ِه ْم َر ُسو ً‬
‫َ‬
‫آخ ِر َ‬
‫ال م ْن ُه ْم أ ِن ْاعبُ ُدوا اهللَ َما لَ ُك ْم ِم ْن ِإلَه غ ْ‬

‫تَ َّت ُق���و َن * َوقَا َل اْل َم ُ‬
‫اه ْم‬
‫َروا َوكَذَّ بُوا بِِل َقاِء ِ‬
‫اآلخ َرِة َوأَْت َر ْفنَ ُ‬
‫َوِمِه ا َّل ِذ َ‬
‫أل ِم ْن ق ْ‬
‫ي���ن َكف ُ‬
‫ْ‬
‫الدْنيَا َما َه َذا ِإ َّال بَ َش ٌ���ر ِم ْثل ُ‬
‫ب ِم َّما‬
‫ُك ْم يَْأك ُ‬
‫ِفي اْل َحيَاِة ُّ‬
‫���ر ُ‬
‫ُل ِم َّما تَأ ُكلُو َن ِم ْن ُه َويَ ْش َ‬
‫َ‬
‫ُم أَ َّن ُك ْم ِإذَا‬
‫تَ ْش َربُو َن * َولَِئ ْن أَ َط ْعتُ ْم بَ َشرًا ِم ْث َل ُك ْم ِإ َّن ُك ْم ِإذًا لَ َخ ِ‬
‫اس ُرو َن * أيَِع ُدك ْ‬

‫َ‬
‫ات لِ َما تُو َع ُدو َن *‬
‫ات َه ْي َه َ‬
‫���م ُم ْخ َر ُجو َن * َه ْي َه َ‬
‫���م َو ُك ْنتُ ْم تُ َرابًا َو ِع َظامًا أ َّن ُك ْ‬
‫ِم ُّت ْ‬

‫ين * ِإ ْن ُه َو إ َّال َر ُج ٌل‬
‫ِإ ْن ِه َي ِإ َّال َحيَاتُنَا ُّ‬
‫الدْنيَا نَ ُم ُ‬
‫وت َونَ ْحيَا َو َما نَ ْح ُن بِ َم ْب ُعوِث َ‬
‫ون *‬
‫ص ْرنِي بِ َما كَذَّ بُ ِ‬
‫ا ْفتَ َرى َع َلى اهللِ َك ِذبًا َو َما نَ ْح ُن لَُه بِ ُم ْؤِمِن َ‬
‫ين * قَا َل َر ِّب اْن ُ‬

‫قَ���ا َل َع َّما قَِل ٍ‬
‫اء‬
‫َج َع ْلنَ ُ‬
‫يل لَيُ ْصِب ُح َّن نَاِدِم َ‬
‫الص ْي َحُة بِاْل َح ِّق ف َ‬
‫ين * فَأَ َخ َذ ْت ُه ُم َّ‬
‫اه ْم ُغثَ ً‬
‫ِين * ث َ ْ‬
‫ين * َما تَ ْسِب ُق ِم ْن‬
‫ُرونًا َ‬
‫آخ ِر َ‬
‫فَبُ ْعدًا لِ ْل َق ْوِم الظَّ الِم َ‬
‫َّ‬
‫ُم أْن َش���أنَا ِم ْن بَ ْع ِد ِه ْم ق ُ‬

‫ْ‬
‫ٍَُ‬
‫ُل َما َجاءَ أُ َّم ًة َر ُسولُ َها‬
‫ُم أَ ْر َس ْلنَا ُر ُس َلنَا تَْت َرى ك َّ‬
‫أ َّمة أ َج َل َها َو َما يَ ْس���تَأ ِخ ُرو َن * ث َّ‬
‫يث فَبُ ْعدًا لِ َق ْوٍم الَ يُ ْؤِمنُو َن *‬
‫كَذَّ بُ���وهُ فَأَْتبَ ْعنَا بَ ْع َ‬
‫���م أَ َحاِد َ‬
‫ض ُه ْم بَ ْعضًا َو َج َع ْلنَ ُ‬
‫اه ْ‬

‫ْط ٍ‬
‫ان ُمِب ٍ‬
‫ارو َن بِآيَاِتنَا َو ُس���ل َ‬
‫ين * ِإلَى ِف ْر َع ْو َن َو َم َلِئِه‬
‫ُم أَ ْر َس��� ْلنَا ُم َ‬
‫وسى َوأَ َخاهُ َه ُ‬
‫ث َّ‬

‫َ‬
‫َو ُم ُه َما لَنَا‬
‫َوم���ًا َعالِ َ‬
‫ف ْ‬
‫���رْي ِن ِم ْثِلنَا َوق ْ‬
‫َاس���تَ ْكبَ ُروا َوكَانُوا ق ْ‬
‫ين * فَ َقالُوا أنُ ْؤِم ُن لِبَ َش َ‬

‫وه َما ف َ‬
‫َعابِ��� ُدو َن * ف َ‬
‫اب‬
‫َكذَّ بُ ُ‬
‫َكانُ���وا ِم َن اْل ُم ْه َل ِك َ‬
‫وس���ى اْل ِكتَ َ‬
‫ين * َولََق ْد آتَْينَا ُم َ‬
‫َراٍر‬
‫اه َما ِإلَى َرْب َوٍة ذ ِ‬
‫آوْينَ ُ‬
‫���م يَ ْهتَ ُدو َن * َو َج َع ْلنَا ْاب َن َم ْريَ َم َوأُ َّم ُه آيًَة َو َ‬
‫لَ َعل َُّه ْ‬
‫َات ق َ‬
‫َو َم ِع ٍ‬
‫صالِحًا ِإنِّي بِ َما تَ ْع َملُو َن‬
‫الر ُس ُ‬
‫���ل ُكلُوا ِم َن الطَّ ِّيبَ ِ‬
‫ات َو ْاع َملُوا َ‬
‫ين * يَا أَ ُّي َها ُّ‬
‫ون} ‪.‬‬
‫اح َدًة َوأَنَا َر ُّب ُك ْم فَا َّت ُق ِ‬
‫يم * َوِإ َّن َه ِذِه أُ َّمتُ ُك ْم أُ َّم ًة َو ِ‬
‫َعِل ٌ‬

‫وقد تق ّدمت جملة من اآليات األخرى التي ذكر اهلل س���بحانه وتعالى‬

‫وأن بعضهم كان‬
‫أن جماعة كانت تش���ابه جماعة في تكذيب األنبياء‪ّ ،‬‬
‫فيها ّ‬
‫يش���ابه بعضًا في أخذ اهلل س���بحانه وتعالى لهم بمختلف العقوبات المناسبة‬
‫ألعماله���م المنحرفة وعقائدهم الباطلة‪ ،‬وقد أش���رنا إلى مناس���بة العقاب‬
‫‬
‫مما ال‬
‫بالعم���ل في آيات القرآن الحكيم في كتاب ح���ول القرآن الحكيم ّ‬

‫نريد تكراره هنا‪.‬‬

‫الحية فيها ميالد‪،‬‬
‫وعل���ى أي حال‪ :‬فالحضارات حالها حال الكائنات ّ‬

‫وش���باب وش���يخوخة‪ ،‬وفنـاء‪ ،‬وال يقصـ���د بالفنـاء الفن���اء المطلق بل فناء‬

‫ثم‬
‫الكيفي���ة‪ .‬ومن الممكن أن تك���ون هناك حكومة على الغ���رار المنحرف ّ‬
‫ سورة المؤمنون‪ :‬اآليات ‪.52 23‬‬
‫ وهو التفسير الموضوعي‪.‬‬

‫‪37‬‬

‫يتغير)‪ ،‬بينما ذكرنا قبل‬
‫تس���تقيم‪ ،‬فتبقى كما ذكرنا ذلك في كتاب (الغرب ّ‬

‫أن الش���يوعية تسقط سقوطًا مطلقًا في‬
‫متعددة‪ّ ،‬‬
‫س���قوط الشيوعية بسنوات ّ‬

‫أن الصيغ���ة األخيرة الصحيحـة الباقية‬
‫كت���اب ماركس ينهزم‪ ،‬والذي نراهُ ّ‬

‫هـي صيغة اإلس�ل�ام الصحيح الواقعي حيث لي���س لحكم اهلل منتهى‪ ،‬وقد‬

‫{وأَ َّن ِإلَ���ى َر ِّب َ‬
‫أن‬
‫ك اْل ُم ْنتَ َه���ى}‪ ،‬ونحن اآلن نرى ّ‬
‫ق���ال س���بحانه وتعالى‪َ :‬‬

‫الغرب إذا أخذ باإلس�ل�ام‪ ،‬س���تبقى حكومته بدون حروب‪ ،‬أو ثورات‪ ،‬أو‬
‫مشاكل اقتصادية‪ ،‬أو اجتماعية إ ّ‬
‫ال بالقدر المالزم للبشرية‪ ،‬حيث قال اإلمام‬
‫عل���ي(ع) في وص���ف الدنيا‪( :‬دار بالبالء محفوف���ة وبالغدر معروفة ال‪ ‬تدوم‬
‫أحوالها وال يسـلم ن ّزالها) ‪.‬‬

‫معرضة أيضًا‬
‫ّ‬
‫أما إذا لـم تأخذ البالد الغربية باإلسالم الصحيح‪ ،‬فإنّها ّ‬

‫لالهتزازات والسقوط‪ ،‬واإلسالم ليس إ ّ‬
‫ال صحيحًا‪،‬‬
‫ال عقيدة صحيحة‪ ،‬وقو ً‬
‫‪38‬‬

‫أن عقالء‬
‫وعم�ل�ا صحيحًا‪ ،‬في مختلف جوانب الحياة‪.‬‬
‫ً‬
‫ولك���ن الكالم في ّ‬
‫ّ‬

‫فيغيرونه إلى المس���ار الصحيح الذي هو‬
‫الغ���رب هل يدركون هذه الحقيقة ّ‬

‫باق أم ال؟ حّتى يكون السقوط نهايته؟!‬

‫ورده‬
‫كالم فولتير ُّ‬

‫‬
‫ّ‬
‫المفكر الغربي المش���هور يش���ير إلى هذا المطلب‪ ،‬حيث‬
‫وفولتير‬

‫المؤرخين اهتموا بالحروب والمعاهدات‪ ،‬ولكّني بعد قراءة‬
‫إن بعض‬
‫يقول‪ّ :‬‬
‫ّ‬
‫ما بين ثالثة آالف وأربعة آالف معركة ببضع مئات من المعاهدات‪ ،‬لم أجد‬
‫أتع���رف إ ّ‬
‫مجرد حوادث ال‬
‫نفس���ي أكثر حكمة من قبلها؛ حيث لم‬
‫ال على ّ‬
‫ّ‬
‫ وكما أشار إلى ذلك من قبل في كتاب االقتصاد اإلسالمي المقارن‪.‬‬
‫ سورة النجم‪ :‬اآلية ‪.42‬‬
‫ نهج البالغة‪ :‬الخطبة ‪ ،226‬وفي بحار األنوار‪ :‬ج ‪ 73‬ص ‪ 82‬ب ‪ 122‬ح‪ ،45‬وص‪ 117‬ب‪ 122‬ح‪ ،109‬و ج ‪ 77‬ص ‪298‬‬
‫ب ‪ 14‬ح ‪ 4‬بالمعنى‪.‬‬
‫ اسمه فرانسوا ماري أرويه ومشهور بفولتير‪ ،‬ولد سنة ‪1694‬م في باريس‪ ،‬ومات سنة ‪ 1778‬م‪ ،‬كاتب‪ ،‬ومؤرخ‪،‬‬
‫وفيلسوف‪ ،‬عمل جاهداً ضد أفكار الكنيسة وحكمها المطلق‪ ،‬ويعد المفكر اإليديولوجي للثورة الفرنسية‪.‬‬

‫تستحق عناء المعرفة‪.‬‬
‫أن فولتير درس اإلسالم الصحيح الكامل ال ما ارتكبه ّ‬
‫الحكام‬
‫أقول‪ :‬لو ّ‬

‫المنحرفون‪ ،‬لم يتكلّم بمثل هذا الكالم؛ فقد قال اهلل سبحانه وتعالى‪{ :‬أَالَ‬
‫ُوب}‪ ،‬وليس المراد لقلقة اللس���ان‪ ،‬وإنّما ذكر اهلل‬
‫���ر اهللِ تَ ْط َمِئ ُّ‬
‫���ن اْل ُقل ُ‬
‫بِ ِذ ْك ِ‬
‫واقعًا في أقواله وعقائده وأعماله‪.‬‬

‫َ‬
‫���كينََة ِفي‬
‫الس ِ‬
‫وقال س���بحانه وتعالى في آية أخرى‪ُ :‬‬
‫{ه َو ا َّل ِذي أْن َز َل َّ‬

‫ض‬
‫او ِ‬
‫يمانِ ِه ْم َوهللِ ُجنُ ُ‬
‫ُ���وب اْل ُم ْؤِمِن َ‬
‫قُل ِ‬
‫���م َ‬
‫األر ِ‬
‫ات َو ْ‬
‫الس َ‬
‫يمانًا َم َع ِإ َ‬
‫ين لِيَ ْز َد ُادوا ِإ َ‬
‫ود َّ‬
‫َوكَا َن اهللُ َعِليمًا َح ِكيمًا}‪ ،‬وفي آية أخرى في السورة نفسها‪{ :‬لََق ْد َر ِض َي‬
‫ين ِإ ْذ يُبَاِي ُعونَ َ‬
‫َعِل َم َما ِف���ي قُلُوبِ ِه ْم فَأَْن َز َل‬
‫ت َّ‬
‫ك تَ ْح َ‬
‫���ن اْل ُم ْؤِمِن َ‬
‫الش َ‬
‫اهللُ َع ِ‬
‫���ج َرِة ف َ‬

‫‬
‫{و َم ْن يُ ْؤِم ْن بِاهللِ‬
‫الس ِ‬
‫���كينََة َع َل ْي ِه ْم َوأَثَابَ ُه ْم فَْتحًا ق ِ‬
‫َريب�ا�ً} ‪ ،‬وفي آية رابعة‪َ :‬‬
‫َّ‬

‫يَ ْه ِد قَلْبَُه} ‪.‬‬

‫‪39‬‬

‫ سورة الرعد‪ :‬اآلية ‪.28‬‬
‫ سورة الفتح‪ :‬اآلية ‪.4‬‬
‫ سورة الفتح‪ :‬اآلية ‪.18‬‬
‫ سورة التغابن‪ :‬اآلية ‪.11‬‬

‫الدراسة الموضوعية للتاريخ‬

‫مس�ألة‪ :‬يلزم على من يريد معرفة فلسفة التاريخ‪ ،‬أن يدرس التأريخ‬
‫بتجرد وموضوعية‪ ،‬وأن يفه���م الخصوصيات والمزايا لألحداث والوقائع‪،‬‬
‫فمن يعمل ذلك‪ ،‬سيعرف أن كثيرًا من المكتشفات الحديثة لم تكن حديثة‬
‫القارة األمريكية‪ ،‬واكتشاف الدورة الدموية بل واكتشاف‬
‫كالطائرة‪ ،‬واكتشاف ّ‬

‫آالت الطابعة‪ ،‬وما أشبه ذلك‪ ،‬قد تح ّقق وجودها بفضل سبغ غور التاريخ‪،‬‬

‫ال‬
‫فإن الدورة الدموية مث ً‬
‫إن هذه األمور اكتش���فت قبل ذلك ولعلّها بقرون‪ّ ،‬‬
‫ّ‬

‫‪40‬‬

‫المفضل‪ ،‬والذي أماله‬
‫مذكورة في كالم اإلمام الصادق(ع)‪ ،‬الذّي ألقاه على‬
‫ّ‬

‫القارة األمريكية‬
‫عليه في كتاب (توحيد‬
‫ّ‬
‫المفضل) ‪ ،‬وهكذا كان اكتش���اف ّ‬
‫‬

‫‬
‫مما لس���نا بصدد ذكره‬
‫على يد ّ‬
‫بحار مس���لم اس���مه أحمد‪ ..‬إلى غير ذلك ّ‬

‫اآلن‪.‬‬

‫أي حال‪ :‬فليست فلسفة التاريخ إ ّ‬
‫ال مثل سائر األشياء الوجودية‬
‫وعلى ّ‬

‫المؤرخ‪ ،‬وإ ّ‬
‫ال كانت‬
‫بحاجة إلى واقعية في الفلس���فة‪ ،‬واس���تقامة في أهلية‬
‫ّ‬
‫يا‪ ‬مفضل‪ ،‬في وصول الغذاء إلى البدن‪،‬‬
‫ وقد جاء في إمالء اإلمام جعفر الصادق ع على المفضل بن عمر الجعفي‪ :‬فكّر‬
‫َّ‬
‫وما فيه من التدبير‪ ،‬فإن الطعام يصير إلى المعدة فتطبخه‪ ،‬ويبعث بصفوه إلى الكبد‪ ،‬في عروق دقاق وأشجة بينهما‪،‬‬
‫وقد جعلت كالمص ّفى للغذاء‪ ،‬لكي ال يصل إلى الكبد منه شيء فيتكأها‪ ،‬وذلك أن الكبد رقيقة التحمل العنف‪ .‬ثم إن‬
‫الكبد تقبله فيستحيل بلطف التدبير دماً‪ ،‬وينفذه إلى البدن كله في مجا ٍر مهيئة لذلك‪ ،‬بمنزلة المجاري التي تهيأ للماء‬
‫ليطرد في األرض كلها وينفذ ما يخرج منه من الخبث والفضول إلى مفائض قد أعدت لذلك‪ ،‬فما كان منه من جنس‬
‫ِرة الصفراء جرى إلى المرارة‪ ،‬وما كان من جنس السوداء جرى إلى الطحال‪ ،‬وما كان من البلة والرطوبة جرى إلى‬
‫الم َّ‬
‫المفضل‪ ‬ص‪ .20 19‬وليست الدورة الدموية من مكتشفات العالم اإلنجليزي وليم هارفي‪ ،‬المتوفى‬
‫المثانة‪ .‬راجع توحيد ّ‬
‫في القرن السابع عشر الميالدي‪.‬‬
‫ مث ًال كروية األرض ؛ اكتشفها المسلمون في القرن السادس عشر الميالدي قبل رحلة ماجالن‪ ،‬كما اكتشفت القارة‬
‫السادسة إنتاركتيا والتي تبلغ مساحتها ‪14,107637‬كم‪ ،2‬وتقع في نصف الكرة األرضية الجنوبي‪ ،‬في القرن السادس‬
‫عشر من قبل المسلمين قبل اكتشافها من قبل علماء الغرب سنة ‪1952‬م عبر األجهزة العاكسة للصوت باعتبارها‬
‫منطقة مغطاة بالثلوج طوال عصور التاريخ‪.‬‬

‫النتيجة خطًأ سواء في تخطئة أحدهما‪ ،‬أو في تخطئة كليهما‪.‬‬
‫والحاصل‪ :‬أنّ���ه من أراد الوصول إلى الحريم التاريخي‪ ،‬والفلس���فة‬

‫العامة الس���ارية في التاريخ‬
‫العامة في قضايا مختلفة‪ ،‬ليس���تفيد منها الروح ّ‬
‫ّ‬

‫ال ب���ل وماضيًا‪ ،‬عليه أن يحش���ر موضوع���ات كثيرة من‬
‫حاض���رًا ومس���تقب ً‬
‫المتعددة‪،‬‬
‫التفاصيل التاريخية المشابهة‪ ،‬مثل الحروب المتع ّددة‪ ،‬أو الدول‬
‫ّ‬
‫أو القضايا االقتصادية المتع ّددة‪ ،‬أو ما أش���به ذلك؛ حّتى يحصل االستقراء‬
‫مما يمكن تش���كيل القياس‬
‫التام‪ ،‬أو االس���تقراء الناقص المفيد ولو ّ‬
‫للظن‪ّ ،‬‬

‫المنطقي منها صغرى وكبرى‪ ،‬باإلضافة إلى حصر الوقائع المراد دراس���تها‬
‫من حيث الزمان‪ ،‬والمكان‪ ،‬والخصوصيات والمزايا‪ ،‬حّتى يستطيع الباحث‬
‫أن يس���توفي دراس���تها‪ ،‬ويصل إلى النتيجة المطلوبة السارية في جميعها‪،‬‬
‫متسلحًا بالروح النقلية التي تستند إلى الوثائق والمستندات زيادة ونقيصة‪،‬‬
‫وق���وة‪ ،‬وبعثًا‪ ،‬وإ ّ‬
‫ال لم يصل إلى النتائج المطلوب���ة الموثوق بها بل يكون‬
‫ّ‬

‫ال‪.‬‬
‫منتهى األمر نقصانًا‪ ،‬أو ظّنًا ال يفيد علمًا وال عم ً‬

‫التام بين الجانب الش���خصي والجانب االجتماعي‪،‬‬
‫هذا مع الف���رق ّ‬

‫واالهتمام بالجانب الحضاري‪ .‬إذ ال تفهم روح التاريخ من دراس���ة التاريخ‪،‬‬
‫أو الش���خصيات‪ ،‬أو أعمالهم‪ ،‬أو حروبهم‪ ،‬أو اقتصادياتهم‪ ،‬أو ما أش���به‬
‫ذلك‪ ،‬بدون النقد‪ ،‬والفحص‪ ،‬والبحث‪ ،‬والتدقيق‪ ،‬والمناقشة‪ ،‬والمعادلة‬
‫والتراجيح‪ ،‬وما أشبه ذلك‪.‬‬
‫وتدقي���ق النظر ف���ي زمان ومكان الحدث‪ ،‬وس���ائر جوانبه‪ ،‬كثيرًا ما‬
‫صحة الواقعة أو بطالنه���ا‪ ،‬وزيادتها أو نقيصتها‪ ،‬وقد‬
‫يصل باإلنس���ان إلى ّ‬

‫ورد في التاريخ أن بعضًا من اليهود في منطقة ما عرضوا على أحد الخلفاء‬
‫العباس���يين وثيقة بخط اإلمام علي بن أبي طالب(ع) بإمالء رسول اهلل (ص)‬
‫أن الرس���ول رفع الجزي���ة عن هؤالء أبدًا‪،‬‬
‫وبش���هادة نفرين من األصحاب‪ّ ،‬‬

‫‪41‬‬

‫تبين أن الوثيقة‬
‫وتحير الخليفة في ذلك وأحض���ر العلماء‪ ،‬وبعد التدقيق‪ّ ،‬‬
‫ّ‬
‫وأن الش���اهدين أحدهما لم يكن مسلمًا حين كتابة الوثيقة‪ ،‬والثاني‬
‫َّ‬
‫ملفقةٌ‪ّ ،‬‬
‫الجزية عليهم‪،‬‬
‫ل���م يكن مولودًا‪ ،‬ولذلك أبطلت الوثيقة‪ ،‬وأجرى الخليفة‬
‫ّ‬

‫كما كان يأخذها من سائر اليهود‪.‬‬

‫أن الجزية في اإلسالم لغير المسلم سواء كانوا أهل كتاب‬
‫وال يخفى ّ‬

‫بأن غي���ر أهل الكتاب أيضًا تؤخذ‬
‫أو غي���ر أه���ل كتاب كما نراه في الفقه‪ّ ،‬‬
‫منه���م الجزية‪ ،‬والجزية هي في مقابل حماية الدولة لهم‪ ،‬فالمس���لم تؤخذ‬

‫منه الزكاة والخمس‪ ،‬وغير المسلم تؤخذ منه الجزية‪.‬‬
‫ومن المالحظ في التاريخ اإلس�ل�امي الطويل‪ ،‬وفي عرض اإلس�ل�ام‬
‫وطوله في البالد أن غير أهل الكتاب أيضًا كانوا يعايش���ون المسلمين على‬
‫أن‬
‫إن نهج البالغة تضمن بعض الرس���ائل الدالّة على ّ‬
‫طول التاريخ‪ ،‬وحّتى ّ‬

‫‪42‬‬

‫بعض القرى التي جعل عليها اإلمام واليًا مسلمًا‪ ،‬كانوا مشركين‪.‬‬

‫وخلوها من األخطاء‪،‬‬
‫أي حال‪ :‬فالالزم مالحظة أصالة الوثيقة‬
‫وعلى ّ‬
‫ّ‬

‫وصحة نس���بة الوثيقة إل���ى مؤلّفها‪ ،‬والنقد‬
‫والتزوي���ر‪ ،‬والزيادة والنقيصة‪،‬‬
‫ّ‬

‫يتبين الباحث من درج���ة دّقة الراوي في‬
‫الداخلي الس���لبي عليها‪ ،‬حي���ث ّ‬
‫الرواية‪ ،‬والنقد الداخلي اإليجابي‪ ،‬حيث تفس���ير مضمون الوثيقة خصوصًا‬
‫إذا كان كاتبه���ا يلجأ إلى الغموض والرمز‪ ،‬ومقارن���ة هذه الوثيقة بالوثائق‬

‫األخرى هل بينهما ٍ‬
‫تساو‪ ،‬أو تباين‪ ،‬أو عموم مطلق‪ ،‬أو عموم من وجه‪.‬‬

‫التحليل الدقيق للتاريخ‬

‫مس�ألة‪ :‬يل���زم على من يري���د الوصول إلى فلس���فة التاريخ أن يتأنى‬
‫في قبول التفس���يرات العصرية للنصوص القديمة‪ ،‬وهكذا التفس���يرات في‬
‫العصور الس���ابقة على الوثيقة‪ ،‬أو التفس���يرات ف���ي العصور الالحقة على‬
‫كل زمان اصطالحات ومفاهيم خاصة به‪ ،‬وأحيانًا تكون‬
‫ألن ف���ي ّ‬
‫الوثيقة؛ ّ‬
‫مما ذكره األصوليون في مباحث‬
‫مس���توعبة‪ ،‬وأحيانًا تكون غير مس���توعبة ّ‬

‫فإن مثل ذلك أيضًا‪،‬‬
‫التعادل والتراجيح بالنس���بة إلى الرواي���ات المختلفة‪ّ ،‬‬
‫يأت���ي في مق���ام تحليل التاريخ‪ ،‬وفلس���فـة القضايـا الكلّيـ���ة‪ ،‬أو الجزئيـة‬

‫الشخصية‪ ،‬أو الزمنية‪ ،‬أو المكانية‪ ،‬أو غيرها‪.‬‬
‫وأمة‪،‬‬
‫فالفرق بين االصطالح���ات في ّ‬
‫كل زمان‪ ،‬ومكان‪ ،‬وجماعة‪ّ ،‬‬

‫ال الصالة قبل اإلسالم كانت بمعنى الدعاء‪،‬‬
‫يفيد المحلّل التاريخي كثيرًا مث ً‬

‫صَ‬
‫اء َوتَ ْص ِديًَة}‪،‬‬
‫التُ ُه ْم ِع ْن َد اْلبَْي ِ‬
‫{و َما كَا َن َ‬
‫كما قال‪ ‬سبحانه وتعالى‪َ :‬‬
‫ت ِإ َّال ُم َك ً‬
‫خاصة باألركان المخصوصة‪،‬‬
‫أما الصالة بعد شيوع االصطالح اإلسالمي فهي ّ‬
‫ّ‬

‫والشرائط‪ ،‬واآلداب‪.‬‬

‫وهك���ذا بالنس���بة إلى ال���زكاة‪ ،‬حيث كانت قبل اإلس�ل�ام عبارة عن‬
‫يس���بب تطهير المال بإعطائه الفقراء‪ ،‬والمساكين‪،‬‬
‫خاص من المال‪،‬‬
‫مقدار ّ‬
‫ّ‬
‫ثم بعد االصطالح اإلسالمي‪ ،‬صارت الزكاة‬
‫والمش���اريع‪ ،‬وما أش���به ذلك‪ّ .‬‬
‫الخاصة‪ ،‬أو الذهب‪،‬‬
‫اصطالح�ا�ً خاصًا للمقدار المخصوص من الحيوانات‬
‫ّ‬

‫الفضة‪ ،‬أو الغالّت األربع‪ ،‬وهكذا‪.‬‬
‫أو ّ‬
‫ سورة األنفال‪ :‬اآلية ‪.35‬‬

‫‪43‬‬

‫فعلى محلّل الحدث التاريخي أن يقوم بمقارنة الظواهر االقتصادية‪،‬‬
‫واالجتماعية‪ ،‬والسياس���ية‪ ،‬واللغوية‪ ،‬في مختلف المجتمعات‪ ،‬واألنظمة‪،‬‬
‫والدول‪ ،‬حيث لأللفاظ ٍ‬
‫معان متع ّددة؛ بس���بب اختالف األزمنة‪ ،‬واألمكنة‪،‬‬
‫التخيل إ ّ‬
‫ال بعد توّفر‬
‫يصح االعتماد على‬
‫والمجتمعات‪ ،‬وما أشبه ذلك‪ .‬فال ّ‬
‫ّ‬

‫المتعددة لهذه األمور‪.‬‬
‫الجوانب المختلفة‪ ،‬والمناحي‬
‫ّ‬

‫التخيل الثغرات الموجودة بين شيء وشيء‪ ،‬سواء‬
‫نعم‪ ،‬كثيرًا ما يس ّد‬
‫ّ‬

‫التخيل بالنس���بة إلى المبصرات‪ ،‬أو المس���موعات‪ ،‬أو غير ذلك‪ .‬وإذا‬
‫كان‬
‫ّ‬
‫كانت مرحلة التجريب‪ ،‬والجمع والطرح‪ ،‬والزيادة والنقيصة كفيلة بتمحيص‬

‫المؤرخ الذي يريد التحرير‪ ،‬نفسه‬
‫الفرض‪ ،‬فإنّه بالنسبة إلى التاريخ‪ ،‬يجد‬
‫ّ‬
‫في موقف مماثل لموقف عالم األحياء‪ ،‬الذي يقوم بالتحليل‪ ،‬والتش���بيه‪،‬‬

‫التخيل‪ ،‬والتصنيف وفقًا للفصائل‪ ،‬والس�ل�االت‪،‬‬
‫والتركيب المعتمد على‬
‫ّ‬

‫‪44‬‬

‫وأوجه الشبه واالختالف‪.‬‬

‫وهكذا يفعل الذين يكتش���فون حيوان���ات قديمة مثل الديناصورات‪،‬‬
‫يتمون الجزء المكتش���ف وما يكمله حيوانًا حسب‬
‫وما أش���به ذلك‪ ،‬حيث ّ‬

‫الموازين العلمية المرتبطة بذلك الحيوان‪.‬‬

‫أن تحلي���ل الح���دث التاريخي‪ ،‬يحتاج إل���ى مثل تلك‬
‫والحاص���ل‪ّ :‬‬

‫األمور المرتبطة بالمكتشفات‪ ،‬وما أشبه ذلك‪ .‬وهذا يقوم على ركني العلم‬
‫الكثير‪ ،‬والتجارب الوفيرة‪ ،‬والذهن الخالّق بالنسبة إلى الجمع‪ ،‬والتفريق‪،‬‬
‫والتركيب‪ ،‬وما أشبه‪.‬‬

‫ال ٍ‬
‫ال يطمئن إلى صدق رواية ليس له���ا إ ّ‬
‫والب���د للباح���ث أ ّ‬
‫راو واحد‬

‫ف���إن ذلك من‬
‫غير مس���تجمع للش���رائط خصوص���ًا إذا كان معروفًا بذلك‪ّ ،‬‬
‫أخب���ار اآلحاد على اصط�ل�اح األصوليين‪ ،‬إ ّ‬
‫ال إذا كان ال���راوي الواحد من‬
‫الدّق���ة واإلتقان بمنزلة كبيرة كما ذكر مثل ذلك بالنس���بة إلى نهج البالغة‪،‬‬

‫حيث قال اإلمام(ع)‪( :‬ال عذر ألحد من موالينا في التش���كيك فيما يرويه عنا‬
‫‬
‫وإمـا من‬
‫إما مـن جهة الس���ند‪ّ ،‬‬
‫ثقاتن���ا) ‪ ،‬فالمعيار هو الوثاقة في الرواية؛ ّ‬

‫قوة‬
‫وإما من جهة الش���واهد والقرائن‪ ،‬أو غير ذلك‪ّ ،‬‬
‫جه���ة المضمون‪ّ ،‬‬
‫فإن ّ‬
‫الش���ريف الرضيرحمه اهلل)تعطي روايات نهج البالغة من الوثاقة الش���يء‬

‫ّ‬
‫السيد الرضي سند الرواية‪،‬‬
‫الكبير‪ ،‬ولذا‬
‫يس���تدل العلماء بها‪ ،‬وإن لم يورد ّ‬
‫ولهذا َعم َ‬
‫ِل العلماء بمراسيل ابن أبي عمير ‪.‬‬

‫وعلى أي حال‪ :‬إذا كان للراوي وزنه‪ ،‬وثقله في الرواية‪ ،‬يؤخذ قوله‬

‫وإن كان منفردًا‪.‬‬
‫البد من ش���اهدين على األكث���ر‪ ،‬أو رجل‬
‫نع���م‪ ،‬في باب التن���ازع ّ‬

‫وامرأتين؛ كما ذكر ذلك القرآن الحكيم‪ ،‬والسبب كون اثنتين منهما بمنزلة‬

‫اه َما‬
‫رجل واحد‪ ،‬حيث قال‪ ‬سبحانه وتعالى‪{ :‬أَ ْن تَ ِ‬
‫اه َما فَتُ َذ ِّك َر ِإ ْح َد ُ‬
‫ض َّل ِإ ْح َد ُ‬
‫األخ َرى}‪ ،‬كما ذكرنا تفصيل ذلك في بعض المباحث المرتبطة بالتساوي‬
‫ْ‬

‫والال تساوي بالنسبة إلى الجنسين‪.‬‬

‫ وسائل الشيعة‪ :‬ج ‪ 1‬ص ‪ 38‬ب ‪ 2‬ح ‪ ،61‬و ج ‪ 27‬ص ‪ 150‬ب ‪ 11‬ح ‪ ،33455‬رجال الكشي‪ : ‬ج ‪ 2‬ص ‪.816‬‬
‫ السيد الشريف الرضي‪ :‬محمد بن الحسين الموسوي‪ ،‬الملقب ب‍ذي الحسبين‪ ،‬ولد سنة ‪ 359‬هـ ‪970‬م‪ ،‬وتوفي سنة‬
‫والرقة‪ ،‬ومتكلم حاذق‪،‬‬
‫‪ 406‬هـ ‪1016‬م‪ ،‬وعاش ‪ 46‬سنة‪ ،‬فقيه متبحر‪ ،‬وأديب بارع‪ ،‬وشاعر متميز بالفصاحة والشفافية ّ‬
‫أُعتقل أبوه من قبل عضد الدولة ؛ وسجن سنة ‪369‬ه‍ إلى ‪‍ 376‬ه أي سبعة أعوام ؛ ألسباب سياسية‪ ،‬وكان ُعمره عند‬
‫اعتقال والده عشرة أعوام‪ ،‬لكن اهتمام والدته بالعلم هو الذي دفعها أن ترسله وأخاه السيد المرتضى إلى الشيخ المفيد‬
‫؛ ليعلمهما‪ ،‬كما تتلمذ عند أبي الفتوح عثمان بن جني‪ ،‬تولّى نقابة الطالبيين وإمارة الحج والنظر في المظالم في حياة‬
‫أبيه وعمره اليتجاوز الحادية والعشرين‪ ،‬له مصنفات في التفسير والعقائد واألدب والحديث‪ ،‬وله ديوان شعري‪ ،‬وقد‬
‫قيل في حقه‪ :‬إّنه أشعر الفقهاء‪ ،‬وفي أخيه السيد مرتضى‪ :‬أفقه الشعراء‪ .‬من مؤلفاته‪ :‬حقائق التأويل في متشابه‬
‫التنزيل‪ ،‬مجازات اآلثار النبوية‪ ،‬تلخيص البيان عن مجازات القرآن‪ ،‬الخصائص‪ ،‬أخبار قضاة بغداد‪ ،‬الزيادات في شعر‬
‫أبي تمام‪.‬‬
‫ومحدث عظيم‪ ،‬اشتهر بالزهد‬
‫ محمد بن زياد بن عيسى األزدي‪ ،‬ويكنى بأبي أحمد‪ ،‬ويلقب بإبن أبي عمير‪ ،‬عالم جليل ِّ‬
‫ويعد من أصحاب اإلجماع‪ ،‬عاصر اإلمام الكاظم واإلمام الرضا واإلمام الجوادع وتعرض للمضايقات والسجن‬
‫والورع ُّ‬
‫والتعذيب ع ّدة مرات‪ ،‬فقد سجنه هارون العباسي وضربه بالسياط ؛ ليكشف له عن أصحاب اإلمام الكاظمع وسجنه‬
‫المأمون العباسي أربع سنوات تعرض خاللها للضرب المبرح بالسياط حتى أشرف على الموت وقيل‪ :‬إنه ضرب ألف‬
‫سوط‪ ،‬كما صادروا أمواله وما عنده من ممتلكات‪ ،‬وطلب المأمون العباسي أن يخبره عن أصحاب اإلمام ع لكنه كتم‬
‫ذلك‪ .‬وله أكثر من تسعين مؤلفاً ؛ تلفت بعد أن أخفتها أخته عند سجنه‪ .‬وبعد خروجه من السجن‪ ،‬تح ّدث من مخزون‬
‫ذاكرته وما كان قد رواه األصحاب عنه في كتبهم‪ .‬توفي سنة ‪217‬ه‍ ‪832‬م‪ .‬للمزيد راجع رجال الشيخ الطوسي ورجال‬
‫الكشي وتنقيح المقال للمامقاني‪.‬‬
‫ سورة البقرة‪ :‬اآلية ‪.282‬‬

‫‪45‬‬

‫مناقشات في أدوار التاريخ‬

‫قسم أدوار التاريخ إلى ثالثة أقسام‪:‬‬
‫مسألة‪ :‬البعض ّ‬

‫ظل‬
‫األول‪ :‬دور اآلله���ة‪ ،‬حيث كانت الش���عوب‬
‫األممي���ة تعيش في ّ‬
‫ّ‬
‫ّ‬

‫تش���رع قوانينها بما تعتقد أنّه مش���يئة اآلله���ة‪ ،‬وذلك عن طريق‬
‫حكومات‬
‫ّ‬

‫الكهان‪ ،‬فكان ما يقع في ذهن المش���رع‪،‬‬
‫الرؤس���اء الدينيين أو من وح���ي ّ‬

‫الش���ر‪ ،‬أو إله البحار‪ ،‬أو إله‬
‫يُنس���ب إلى اآللهة‪ ،‬س���واء إله الخير‪ ،‬أو إله‬
‫ّ‬
‫الشمس‪ ،‬أو ما أش���به ذلك‪ .‬ويكون لحكم هؤالء الرؤساء الدينيين أو وحي‬

‫‪46‬‬

‫تخطيها‪ ،‬فمن ّ‬
‫خاصة ال يمك���ن ّ‬
‫تخطاها ي���رون أنّه يعاند‬
‫ّ‬
‫الكهان‪ ،‬قداس���ة ّ‬
‫فيس���تحق العقاب التكويني كالزالزل‪ ،‬والفيضانات‪ ،‬أو‬
‫المش���يئة اإللهية‪،‬‬
‫ّ‬

‫العقاب التش���ريعي مثل اإللقاء في الن���ار‪ ،‬أو في البحر‪ ،‬أو في غابة لتأكله‬
‫السباع‪ ،‬أو في بئر عميق‪ ،‬أو يستحق القتل بالجلد‪ ،‬أو الرجم‪ ،‬أو الذبح‪،‬‬
‫أو قطع األعضاء‪.‬‬
‫الثان���ي‪ :‬دور األبطال‪ ،‬حيث كان االعتراف بأبطال أش��� ّداء محاربين‪،‬‬

‫وكان الناس يعتقدون أنّهم أس���مى من البش���ر‪ ،‬وتس���ود األرستقراطية نُظم‬

‫تمجد الحرب‪.‬‬
‫الحكم هذه‪ ،‬وفي هذا الدور نشأت الفروسية وكانت ِّ‬

‫الثالث‪ :‬دور البش���ر‪ ،‬حيث اإلقرار بسواس���ية الناس‪ ،‬وبذلك ظهرت‬

‫األنظمة الديمقراطية بعد الممالك االستبدادية‪.‬‬
‫قال ه���ؤالء‪ :‬اجتازت كل الش���عوب هذه األدوار وه���ي تجتازها في‬
‫تاريخها‪ ،‬حيث تتوالى في تعاقب دوري‪ ،‬تّتصل نهاية الدور الثالث بالدور‬

‫أمة‪.‬‬
‫أزلية مرسومة ّ‬
‫لكل ّ‬
‫األمة‪ ،‬أو ّ‬
‫إما لنفس ّ‬
‫األول‪ّ :‬‬
‫ألمة أخرى‪ ،‬وهي دائرة ّ‬

‫إن ه���ذه األدوار الثالثة التي ذكروه���ا ال مصدر لها من تاريخ‬
‫أق���ول‪ّ :‬‬

‫مقط���وع‪ ،‬وال دليل عقلي ّ‬
‫يدل عليها‪ ،‬والغالب أنّها من صنع الذين ينكرون‬
‫وجود اهلل س���بحانه وتعالى وش���رائع الس���ماء‪ ،‬وإ ّ‬
‫ال فمن يعترف بوجود اهلل‬
‫أول األنبي���اء جاء إلى األرض‪ ،‬فكان‬
‫س���بحانه وتعالى ّ‬
‫وأن أبانا آدم(ع) هو ّ‬

‫الخليف���ة قبل الخليق���ة‪ ،‬ال يعترف بمثل ه���ذه األدوار‪ ،‬وإنّمـا تختلط هذه‬

‫األدوار بعضها مع بعض من ذلك اليوم وإلى هذا اليوم‪ ،‬كما نجد في الهند‪،‬‬
‫أو الصين‪ ،‬أو بعض بالد أفريقيا‪ ،‬األدوار الثالثة نفسها في وقت واحد‪ ،‬أو‬
‫متعاقبة‪ ،‬على عكس ما ذكروه‪.‬‬

‫أقوال وردود‬
‫ال تطبيقيًا لألدوار‬
‫وقد ذكر بعض العلماء المعتقدين بهذا التقسيم مثا ً‬
‫األول تكلّم المصريون اللغة‬
‫الثالث���ة بطريقة مصر القديمة‪ ،‬قائ ً‬
‫ال‪ :‬في الدور ّ‬

‫ثم س���ادت اللغة العامية للش���عب‪ ،‬وكان‬
‫ثم اللغة الرمزية‪ّ ،‬‬
‫الهيروغيليفية‪ّ ،‬‬

‫المصريون القدماء على علم بهذا التقسيم لتاريخهم‪.‬‬

‫صح�ة له�ذا‬
‫أق�ول‪ :‬أن�ت ت�رى أنّ�ه ال ّ‬

‫التقس�يم‪ ،‬ال في مص�ر القديمة‪ ،‬وال في‬

‫سائر الشعوب‪.‬‬
‫ألهم وقائع‬
‫وأس���وأ من هذا التقس���يم ما قيل‪ّ :‬‬
‫إن هناك لوحة تاريخية ّ‬

‫التاريخ القديم منذ ُخلق العالم مستندًا إلى التوراة‪ ،‬فأبناء نوح بعد الطوفان‬

‫لم يس���يروا على ٍ‬
‫نمط واحد‪ ،‬وبينما حافظ أبناء سام على لغتهم وعاداتهم‪،‬‬
‫تش���تت أبناء حام على س���طح األرض‪ ،‬وعاش���وا عيش���ة أقرب إلى الحياة‬
‫الحيوانية‪ ،‬ففقدوا مزاياهم البش���رية‪ ،‬وأصبحوا ذوي أجسام ضخمة‪ ،‬ومن‬

‫‪47‬‬

‫ثم انقس���م البشر إلى قس���مين‪ :‬من ساللة سام‪ ،‬وإلى عمالقة من نسل يافث‬
‫ّ‬

‫وحام‪.‬‬

‫الجوية‬
‫ثم يضيف هذا القائل‪َ :‬ش َع َر العمالقة بالخوف من بعض الظواهر ّ‬
‫ّ‬

‫َضبًا من اآللهة‪ ،‬فتحايلوا على‬
‫كالب���رق‪ ،‬والرعد‪ ،‬والصواعق‪ ،‬واعتبروها غ َ‬
‫وملكية‬
‫اس���تقرت األُس���ر؛ بسبب حرفة الزراعة‪،‬‬
‫إرضائه بالكهانة‪ ،‬وحينما‬
‫ّ‬
‫ّ‬

‫األرض‪ ،‬أخذ العمالقة يفقدون ضخامة أجسامهم‪ ،‬ولكن بعضهم بقي على‬
‫تش���رده‪ ،‬وأصبح هؤالء في حالة أس���رهم‪ ،‬خدمًا وموالي���ن للمزارعين من‬
‫ّ‬

‫الرق‪ .‬وقد ّ‬
‫شكل اآلباء‪ ،‬أو الرؤساء من‬
‫أصحاب األراضي؛ وبذلك نشأ نظام ّ‬
‫أصحاب األراضي طبقة من النبالء‪ ،‬كما ّ‬
‫شكل الخدم والعبيد طبقة الرقيق‪،‬‬
‫فتكون بذلك المجتمع األرستقراطي‪ ،‬ولكن لما قويت شوكة رقيق األرض‪،‬‬
‫ّ‬

‫ولكن‬
‫فتكون النظام الديمقراطي‪،‬‬
‫ّ‬
‫ب���دأ هؤالء يحصلون على بعض المزايا‪ّ ،‬‬

‫‪48‬‬

‫ذلك أدى إلى الفوضى‪ ،‬فظهر رجل شديد البأس‪ ،‬قبض على زمام األمور‪،‬‬

‫وأعلن نفسه حاكمًا مطلقًا‪ ،‬فتأسس بذلك حكم الفرد‪.‬‬
‫كل المذك�ورات ليس�ت إ ّ‬
‫أق�ول‪ :‬إن ّ‬
‫ال‬
‫أوهامًا من نس�يج الخيال‪ ،‬وعلى أحسن‬
‫الفروض ظنون ال دليل عليها مـن علـم‬
‫وال عم�ل‪ ،‬وال مـ�ن ت�وراة وال من غير‬
‫ت�وراة‪ ،‬وحّت�ى إذا كان�ت مس�تندة إل�ى‬
‫محرف�ة ف�ي اعتقادنا‬
‫الت�وراة‪ ،‬فالت�وراة ّ‬
‫كما ّ‬
‫يدل عل�ى التحريف التوراة نفس�ها‬

‫عل�ى ما ذكرنا تفصيله ف�ي كتاب هؤالء‬
‫اليهود ‪.‬‬
‫ث���م يطبق هذا القائ���ل آراءه في األدوار الثالثة عل���ى تاريخ اليونان‪،‬‬
‫ّ‬

‫ يقع في ‪ 144‬صفحة من القطع المتوسط‪ ،‬أُلِّف في كربالء المق ّدسة‪ ،‬وطبع ع ّدة طبعات بع ّدة لغات‪.‬‬

‫ال‬
‫أن عصور األبطال لم تستمر طوي ً‬
‫ثم العصور الوس���طى‪ ،‬فيرى ّ‬
‫والرومان‪ّ ،‬‬
‫عجل االنتقال من الدور اإللهي إلى الدور‬
‫لدى اليونان‪ّ ،‬‬
‫ألن ظهور الفلسفة ّ‬
‫البش���ري دون أن يبقوا م ّدة طويلة في الدور البطولي‪ ،‬عكس ما حدث في‬
‫ثم عاد الناس في العصور الوس���طى‬
‫عه���د الرومان إذ طال الدور البطولي‪ّ ،‬‬

‫إلى البربرية الشبيهة بالبربرية األولى‪ ،‬فاجتازوا دورًا إلهيًا جديدًا‪ ،‬وهو دور‬
‫يتولّى فيه الملوك المناصب الدينية‪ ،‬ثم اجتازوا دورًا بطوليًا عندما نش���أت‬
‫أما الدور الثالث‪ ،‬فقد بدأ في العصر‬
‫الفروسية‪ ،‬وقامت الحروب الصليبية‪ّ .‬‬

‫الذي عاش فيه هذا القائل‪ .‬انتهى كالمه مع تعليقنا عليه‪.‬‬

‫الفلسفة العقلية ومعرفة التاريخ‬
‫والفلسفة التي تعتمد على آراء عقلية مجردة ال يمكن استخدامها في‬
‫معرفة التاريخ‪ ،‬فالتاريـخ ال يمكـن أن يستكش���ف بالفلس���فة‪ ،‬أو يقال عـن‬
‫ألن التاريخ شيء حقيقي الب ّد أن يكتشفه الحاضر بنفسه‪ ،‬أو ال‬
‫مثل ذلك‪ّ ،‬‬

‫يكتشفه الغائب غير المخبر إ ّ‬
‫ال فـي بعض الحفريات التي ال ّ‬
‫تدل حّتى على‬

‫عشر هذه اآلراء‪ ،‬فلم يبق إ ّ‬
‫ال أن يخبر اإلنسان الصادق المّتصل باهلل سبحانه‬
‫وتعالى‪ ،‬ومثل هذا اإلنسان هو في اعتقادنا نبي اإلسالم وآله المعصومون(ع)‪،‬‬

‫حيث إنّهم يخبرون عن عالم الغيب؛ كما قال س���بحانه وتعالى‪{ :‬فَ َ‬
‫ال يُ ْظ ِه ُر‬
‫َيِبِه أَ َح���دًا}‪ ،‬والذي بأيدينا من تاريخ الحضارات الس���ابقة علـى‬
‫َع َل���ى غ ْ‬

‫فإن الناس‬
‫رسول اإلسالم (ص) هـو تاريخ بعـض األشخاص عادًة ال‪ ‬البشر‪ّ ،‬‬
‫كانـوا يكتبون تاريـخ الحكومات‪ ،‬والحروب‪ ،‬واالنتصارات والهـزائم‪ ،‬ومـا‬

‫أشبـه ذلـك‪ .‬ومثـل هـذا يوجـد أيضـًا بعـد نبـي اإلسالم‪ ،‬حيث كتب بعض‬

‫ سورة الجن‪ :‬اآلية ‪.26‬‬

‫‪49‬‬

‫العباس‪ ،‬والعثمانيين‪ ،‬والقاجاريين‪،‬‬
‫أمية‪ ،‬وبني ّ‬
‫المتزلّفين تاريخ بني ّ‬

‫المؤرخين بعد ظهور اإلسالم بسبب ع ّدة‬
‫ومن أشبههم‪ ،‬بينما نرى كثيرًا من‬
‫ّ‬
‫من العوامل؛ كتبوا تاريخ الحضارة ال ّ‬
‫الحكام‪ ،‬فإنّه كان للقرآن الكريم األثر‬

‫وإن ما ذكره القرآن عن قصص األنبياء‬
‫تصور المسلمين للتاريخ‪ّ ،‬‬
‫األكبر في ّ‬
‫م���ع أقوامهم ومع الطغاة أمثال نمرود‪ ،‬وفرعون‪ ،‬وهامان‪ ،‬إنّما أريد بها‬

‫يجس���دون خط اإلصالح‪ ،‬ولي���س محورية الطغاة‪،‬‬
‫محوري���ة األنبياء الذين‬
‫ِّ‬

‫ّ‬
‫والحكام‪.‬‬
‫والجبابرة من الملوك‬

‫‪50‬‬

‫ بنو العباس‪ :‬حكموا خمسمائة وأرب ٍعاً وعشرين سنة ابتداًء من ‪ 132‬ه‍ ‪750‬م وإلى‪ ‬سقوط بغداد سنة ‪656‬هـ ‪1258‬م‬
‫؛ عندما احتلها هوالكو‪ ،‬وعدد خلفائهم سبعة وثالثون خليفة‪ ،‬وهم‪ .1 :‬السفاح ‪ .2‬المنصور ‪ .3‬المهدي ‪ .4‬الهادي‬
‫‪ .5‬هارون ‪ .6‬األمين ‪ .7‬المأمون ‪ .8‬المعتصم ‪ .9‬الواثق ‪ .10‬المتوكل ‪ .11‬المنتصر ‪ .12‬المستعين ‪ .13‬المعتز‬
‫‪ .14‬المهتدي ‪ .15‬المعتمد ‪ .16‬المعتضد ‪ .17‬المكتفي ‪ .18‬المقتدر ‪ .19‬القاهر ‪.20‬الراضي ‪.21‬المتقي ‪ .22‬المستكفي‬
‫‪ .23‬المطيع ‪ .24‬الطائع ‪ .25‬القادر ‪.26‬القائم ‪ .27‬المقتدي ‪ .28‬المستظهر ‪ .29‬المسترشد ‪ .30‬الراشد ‪ .31‬المقتفي‬
‫‪.32‬المستنجد ‪ .33‬المستضيء ‪ .34‬الناصر ‪ .35‬الظاهر ‪ .36‬المستنصر ‪.37‬المستعصم‪.‬‬
‫وفي زمانهم انفصلت عنهم دول عديدة منها الحمدانية في حلب واإلخشيدية والفاطمية واأليوبية في مصر والغزنوية في‬
‫أفغان والهند والسامانية في خراسان وما وراء النهر‪.‬‬
‫والدولة العباسية لم تختلف عن الدولة األموية في سيرة حكامها من الظلم‪ ،‬والقتل‪ ،‬واللهو‪ ،‬واللعب‪ ،‬وشرب الخمور‪ ،‬وارتكاب‬
‫الفجور‪ ،‬وإحياء الباطل‪ ،‬وإظهار البدعة‪ ،‬ومحاربة التشيع‪ ،‬بل زادوا على األمويين في ظلمهم واضطهادهم وجبروتهم‪.‬‬
‫ تأسست الدولة العثمانية سنة ‪1281‬م وسقطت سنة ‪1922‬م وعدد خلفائها ‪ 37‬خليفة وهم كالتالي‪ .1 :‬عثمان األول‬
‫‪ .2‬أورخان بن عثمان ‪ .3‬مراد األول ‪ .4‬بايزيد خان األول ‪.5‬محمد جلبي األول ‪ .6‬مراد خان الثاني ‪ .7‬محمد الثاني‬
‫الفاتح ‪ .8‬بايزيد خان الثاني ‪ .9‬سليم األول ‪ .10‬سليمان األول القانوني ‪ .11‬سليم الثاني ‪ .12‬مراد الثالث ‪ .13‬محمد‬
‫الثالث ‪ .14‬أحمد األول ‪ .15‬مصطفى األول ‪ .16‬عثمان الثاني ‪ .17‬مراد الرابع ‪ .18‬إبراهيم األول ‪ .19‬محمد الرابع‬
‫‪ .20‬سليمان الثاني ‪ .21‬أحمد الثاني ‪ .22‬مصطفى الثاني ‪ .23‬أحمد الثالث ‪ .24‬محمود األول ‪ .25‬عثمان الثالث ‪.26‬‬
‫مصطفى الثالث ‪ .27‬عبد المجيد األول ‪ .28‬سليم الثالث ‪ .29‬مصطفى الرابع ‪ .30‬محمود الثاني ‪ .31‬عبد المجيد الثاني‬
‫‪ .32‬عبد العزيز ‪ .33‬مراد الخامس ‪ .34‬عبد الحميد الثاني ‪ .35‬محمد رشاد ‪ .36‬محمد السادس ‪ .37‬عبد المجيد الثالث‬
‫الذي نفاه أتاتورك إلى مدينة نيس الفرنسية‪ .‬ومن أخطر مثالبهم إضافة إلى الفساد واالستبداد هو ترك مصادر التشريع‬
‫اإلسالمي والتوسل بالقوانين الغربية الوضعية‪ .‬للمزيد راجع كتاب موجز عن الدولة العثمانية لإلمام المؤلف ‪.‬‬
‫ ساللة إيرانية‪ ،‬حكموا منذ سنة ‪1210‬ه‍ ‪1795‬م وإلى سنة ‪1343‬ه‍ ‪1925‬م ولمدة ‪133‬سنة‪ ،‬وعدد ملوكهم سبعة ؛‬
‫أولهم محمد علي شاه وآخرهم أحمد شاه‪ ،‬وأبرز ملوكهم فتح علي شاه وناصر الدين شاه ومظفر الدين شاه‪ ،‬وفي‬
‫عهدهم دخلت إيران في السلك األوربي‪ ،‬وخسرت مدينة باكو وجورجيا ومعظم أرمينيا الفارسية ؛ بعد أن استولت‬
‫عليها روسيا القيصرية‪ ،‬وأطاح بساللتهم رضا بهلوي سنة ‪‍ 1343‬ه ‪1925‬م للتفصيل عن قبيلة قاجار راجع أعيان‬
‫الشيعة‪ :‬ج‪ 3‬ص ‪.120‬‬
‫ هو نمرود بن كوش بن حام بن نوح أول جبار على وجه األرض وأول ملوك بابل بعد السريانيين وحكم ‪ 96‬سنة‪ ،‬ويقال‪:‬‬
‫إنه بنى مدينة نينوى عاصمة آشور والتي دمرت من قبل ملك بابل‪ ،‬بعث اهلل سبحانه إليه إبراهيم ع ليهديه ولكن‬
‫نمرود أبى واستكبر وسجن إبراهيم ثم أحرقه بالنار ولكن اهلل سبحانه وتعالى أبى إحراقه فجعل النار برداً وسالماً‪.‬‬
‫راجع تاريخ اليعقوبي‪ :‬ج‪ 1‬ص ‪.82‬‬
‫ الوزير المعتمد لدى فرعون وساحره المفضل‪ ،‬والذي ساعده فـي ادعاء الربوبية‪ ،‬وأشار إليـه بإحضار السحرة مـن‬
‫وسى‬
‫جميـع البالد لمواجهة موسى‪ ،‬ولقـد ذمـّه القرآن فـي آيات عديدة منها‪َ :‬وقَا ُر َ‬
‫ون َوف ِْر َع ْو َن َو َه َام َان َوَل َق ْد َجاَء ُه ْم ُم َ‬
‫ين*‬
‫وسى ِبآَياِت َنا َو ُسل َْط ٍان ُمِب ٍ‬
‫ِبال َْبِّي َن ِات َف ْاسَتك َْب ُروا فِي األ ْر ِض َو َما كَانُوا َساِبق َ‬
‫ِين سورة العنكبوت‪ :‬اآلية ‪َ 39‬وَل َق ْد أَ ْر َسْل َنا ُم َ‬
‫َّاب سـورة غافـر‪ :‬اآليتان ‪23‬ـ ‪ ،24‬وقد أشار المفسرون إلى بعض‬
‫إِلـَى فـ ِْر َع ْو َن َو َه َام َان َوقَـا ُر َ‬
‫ون َف َقالـُوا َساحـِ ٌر كـَذ ٌ‬
‫أعماله وتصرفاته في تفسير سورة طه والشعراء والقصص‪.‬‬

‫قصة فرعون ذكره من حيث صلته بموسى(ع)‪،‬‬
‫فإذا ذكر القرآن الكريم ّ‬

‫قصة عاد وثمود‪ ،‬ومن أش���بههم‪ ،‬ذكرهم باعتبار اّتصالهم‬
‫كما أنّه إذا ذكر ّ‬

‫ألن الهدف‬
‫تحول التاريخ إلى الدين ال السياسة‪ .‬وذلك ّ‬
‫باألنبياء وبسبب ذلك ّ‬

‫من قص���ص القرآن هـو الموعظة واالعتبار‪ ،‬فهـ���و هـدف ديني‪ ،‬أخالقي‪،‬‬
‫وشره‬
‫إنس���اني قـد أرجع األمر إلى محلّه‪ ،‬حيث ّ‬
‫إن المعيار اإلنس���ان خيره ّ‬

‫وحقيقت���ه وأخالقه وعمله وقوله‪ ،‬كمـا قـال س���بحانه وتعال���ى‪{ :‬لََق ْد كَا َن‬

‫اب َم���ا كَا َن َح ِديثًا يُ ْفتَ َرى} ‪ .‬وفي المرحلة‬
‫َص ِ‬
‫ِف���ي ق َ‬
‫ص ِه ْم ِع ْب َرةٌ ألُولِي األْلبَ ِ‬
‫الالحق���ة لنزول القرآن الحكيم‪ ،‬فقد ارتبط التاريخ اإلس�ل�امي في نش���أته‬

‫المروي عن رس���ول اهلل (ص)‪ ،‬وبعض أصحابه‪ ،‬أو‬
‫ارتباطًا وثيقًا بالحديث‬
‫ّ‬
‫األئمة الطاهرين(ع)‪ ،‬وتأثّر التاريخ في نش���أته بمنهج رجال الحديث‪،‬‬
‫عن ّ‬

‫وأما من‬
‫والرواية‪ ،‬واإلس���ناد‪ّ ،‬‬
‫صحتهم‪ ،‬وس���قمهم‪ ،‬وصدقهم‪ ،‬وكذبهم‪ّ ،‬‬
‫يس���مى بالمغازي‪ ،‬فلم يكن البدء‬
‫حيث الموضوع‪ ،‬فبالرغم من أنّه بدأ بما‬
‫ّ‬

‫بغزوات الرسول (ص) الّتي تمثل الجانب العسكري‪ ،‬وإنّما بسيرته كرسول‬

‫حّتى إذا ذكروا تاريخ حروب الرسول وخصوصياتها ذكروا ذلك لتكون أسوة‪،‬‬
‫���ول اهللِ أُ ْس َوةٌ َح َسنَةٌ}‪،‬‬
‫كما قال‪ ‬س���بحانه وتعالى‪{ :‬لََق ْد كَا َن لَ ُك ْم ِفي َر ُس ِ‬

‫أن بداية تاريخ التقويم اإلسالمي قد ُح ّدد في عهد الرسول نفسه‪،‬‬
‫وهكذا مع ّ‬
‫ذكر ذلك العالّمة المظفّر في كتابه البش���رى بقدوم البش���ير‪ ،‬فلم يكن ذلك‬
‫فإن السياسة لم تكن إ ّ‬
‫ّ‬
‫ال وسيلة لغاية نبيلة‪،‬‬
‫تاريخًا‬
‫للحكام وما أشبه ذلك‪ّ ،‬‬

‫ش���ريفة‪ ،‬هي نش���ر الدعوة‪ ،‬وإنقاذ الناس من الظلمات إلى النور‪ ،‬وهكذا‬
‫ارتبط التاريخ بالحديث موضوعًا‪ ،‬فالحديث هو أقوال الرس���ول‪ ،‬وأفعاله‪،‬‬
‫وتقريراته‪ .‬فالتاريخ ابتدأ من الكتاب والس���ّنة‪ ،‬وذلك يح ّقق هدفًا مشتركًا؛‬
‫هو تس���جيل نظم الحياة الدينية‪ ،‬والفكري���ة‪ ،‬واالجتماعية‪ ،‬واالقتصادية‪،‬‬

‫ سورة يوسف‪ :‬اآلية ‪.111‬‬
‫ سورة األحزاب‪ :‬اآلية ‪.21‬‬

‫‪51‬‬

‫وكل ذلك‬
‫والسياس���ية‪ ،‬والعائلية‪ ،‬والتربوية‪ ،‬والعسكرية‪ ،‬وما أشبه ذلك‪ّ ،‬‬
‫ل ُه جوانب حضارية‪.‬‬

‫أن التاريخ في اإلسالم‪ ،‬بدأ من تاريخ الشعوب ال من تاريخ‬
‫والحاصل‪ّ :‬‬

‫ّ‬
‫ُم ِم ْن َذ َكٍر َوأُْنثَى‬
‫الحكام والعسكريين‪ ،‬وقد قال سبحانه وتعالى‪ِ :‬‬
‫{إ َّنا َخ َل ْقنَاك ْ‬

‫َ‬
‫َ‬
‫ُم}‪ ،‬فالمحور‬
‫ُم ُش ُعوبًا َوقَبَاِئ َل لِتَ َع َ‬
‫ارفُوا ِإ َّن أ ْك َر َم ُك ْم ِع ْن َد اهللِ أ ْت َقاك ْ‬
‫َو َج َع ْلنَاك ْ‬
‫وخصوصياتهم‪ ،‬ومعامالتهم‪،‬‬
‫هو التعارف بينهم‪ ،‬والتقوى في شرائعهم‪،‬‬
‫ّ‬

‫وبذلك يجب أن نفهم فلس���فة التاريخ اإلس�ل�امي‪ ،‬والتحليل التاريخي من‬
‫هذا المنطق‪ ،‬ال من منطق ّ‬
‫والمستبدين‪ ،‬والعسكريين‪ ،‬والغزاة في‬
‫الحكام‪،‬‬
‫ّ‬

‫سبيل المال‪ ،‬والشهوة الجنسية‪ ،‬والسلطة‪.‬‬

‫أمتي‬
‫أمـا اإلجماع‪ ،‬فهو مستند إلى قول رسول اهلل (ص)‪( :‬ال تجتمع ّ‬
‫ّ‬

‫‬
‫مما ذكر في علم األصول‪ ،‬فليس بش���يء‬
‫عل���ى ضاللة) ‪ ،‬وإلى غير ذلك ّ‬

‫‪52‬‬

‫اهتموا‬
‫جديد سوى الكش���ف عن قول المعصوم‪ .‬ولذا نشاهد المسلمين قد ّ‬

‫األئمة‪ ،‬والعلماء‪،‬‬
‫بس���يرة النبي‪،‬‬
‫واألئمة والصحابة‪ ،‬والتابعين‪ ،‬وأصحاب ّ‬
‫ّ‬

‫أما الذين كتبوا حول‬
‫في س���يرتهم‪ ،‬وأقوالهم‪ ،‬وأعمالهم‪ ،‬وما أش���به ذلك‪ّ .‬‬
‫ّ‬
‫الحكام‪ ،‬فكانوا طالّب رئاس���ة‪ ،‬ومال‪ ،‬وش���هوة جنس���ية‪ ،‬وما أشبه ذلك‪،‬‬
‫السيد‬
‫ولذا ذهب أولئك بسيرهم‪ ،‬وبقي العلماء بتواريخهم‪ ،‬مث ً‬
‫ال من زمان ّ‬

‫ سورة الحجرات‪ :‬اآلية ‪.13‬‬
‫ شرح نهج البالغة البن أبي الحديد‪ :‬ج‪ 8‬ص‪ 123‬ب‪ ،127‬االحتجاج‪ :‬ج‪ 2‬ص‪ ،487‬تحف العقول‪ :‬ص‪ ،458‬الصوارم‬
‫المحرقة‪ :‬ص‪ .270‬وفي كتاب األلفين‪ :‬ص‪ :218‬ال تجتمع أمتي على الضاللة‪.‬‬

‫والسيد الرضي‪ ،‬حيث‬
‫المرتضى‪ ،‬والشيخ المفيد‪ ،‬والشيخ الطوسي‪،‬‬
‫ّ‬

‫أما‬
‫مضى ألف‪ ‬عام وأكثر‪ ،‬الناس يعرفون هؤالء العلماء‪ ،‬ويحبون ذكراهم‪ّ ،‬‬

‫ّ‬
‫حكام زمانهم‪ ،‬والزمان الذي جاء من بعدهم‪ ،‬فال يُعرف عنهم شيء‪ ،‬فهم‬

‫ألن الخلود دائمًا ألصحاب العطاء‪.‬‬
‫نكرات في التاريخ؛ ّ‬

‫فما عطاء أولئك الخلفاء الذين فسقوا في الدنيا‪ ،‬وانغمسوا في شرب‬

‫الخم���ور‪ ،‬وغيرها من الموبقات‪ ،‬فالمس���لمون يريدون أن يعرفوا الحالل‪،‬‬
‫والحرام‪ ،‬والواجب‪ ،‬والمستحب‪ ،‬والمكروه‪ ،‬وهو منشأ الصالح لدينهم‪،‬‬
‫حكام على الناس والعلماء ّ‬
‫ودنياهم‪ ،‬ولذا ورد‪( :‬الملوك ّ‬
‫حكام على الملوك)‬

‫‬

‫ السيد المرتضى‪ :‬أبو القاسم علي بن الحسين بن موسى المشهور بالمرتضى أو َعلَم الهدى‪ ،‬ولد سنة ‪355‬ه‍ ‪966‬م في‬
‫بغداد‪ ،‬وتوفي سنة ‪ 436‬ه‍ ‪1044‬م‪ ،‬ودفن في حرم اإلمام الحسين ع‪ .‬من فقهاء الشيعة‪ ،‬عرف بالعلم والفضل والفقاهة‪،‬‬
‫اهتم بتأسيس المكتبات في بغداد‪ ،‬وكانت مكتبته الشخصية تحتوي على ‪ 80‬ألف كتاب‪ ،‬وقد اهتم بتربية الطالب‬
‫والمفكرين بعد أن أسس مدرسة لهذا الغرض وبعد أن خصص لهم رواتب شهرية‪ ،‬ومن تالمذته‪ :‬الشيخ الطوسي‬
‫وساالر الديلمي وأبو صالح الحلبي والشيخ الكراجكي‪ ،‬وقد بلغت مؤلفاته التسعين منها‪ :‬الشافي في اإلمامة‪ ،‬الطيف‬
‫والخيال‪ ،‬الدرر القالئد وغرر الفوائد والمشهور ب‍األمالي‪ ،‬تنزيه األنبياء‪ .‬ترجمه الكنى واأللقاب ج‪ 2‬ص‪.482‬‬
‫ الشيخ المفيد‪ :‬أبو عبد اهلل محمد بن محمـد بـن النعمـان الملقـب بالمفيد‪ ،‬ولد سنة ‪336‬ه‍ ‪947‬م‪ ،‬وتوفي سنة ‪413‬هـ‬
‫‪1022‬م‪ ،‬وقد وجد على قبره مكتوباً بخط اإلمام الحجة‪ ‬عج‪:‬‬
‫ال صوت الناعي بفقدك أنه‬
‫إن كنت قد غيبت من جدث الثرى‬
‫والقائم المهدي يفرح كلما‬
‫يوم على آل الرسول عظيم‬
‫فالعدل والتوحيد فيك مقيم‬
‫تليت عليك من الدروس علوم‬
‫ويعد من الفقهاء المعروفين بالعلم والزهد والتقوى‪ ،‬آلت إليه الرئاسة الدينية في زمانه‪ ،‬وكان يحظى بمنزلة رفيعة في دولة‬
‫آل بويه‪ ،‬ألّف أكثر من مائتي كتاب منها‪ :‬الرسالة المقنعة‪ ،‬األركان في دعائم الدين‪ ،‬اإليضاح في اإلمامة‪ ،‬اإلرشاد‪،‬‬
‫اإلفصاح‪ ،‬االختصاص‪ ،‬العيون والمحاسن‪ ،‬نقض فضيلة المعتزلة‪ .‬ترجمه روضات الجنات ج‪ 6‬ص‪.153 ‬‬
‫ الشيخ الطوسي‪ :‬أبو جعفر محمد بن الحسن الطوسي‪ ،‬ولد بخراسان سنة ‪ 385‬ه‍ ‪995‬م‪ ،‬وتوفي ‪460‬ه‍ ‪1068‬م‪ ،‬ودفن‬
‫في داره في النجف األشرف‪ ،‬وهي اآلن مسجد يسمى بـمسجد الطوسي‪ ،‬هاجر إلى العراق سنة ‪ 408‬ه‍ ‪1017‬م‪،‬‬
‫واستوطن بغداد ؛ وكان يدرس فيها عند الشيخ المفيد وأدرك شيخه الحسين بن عبد اهلل الغضائري المتوفى سنة‬
‫‪411‬ه‍ كما تتلمذ عند السيد المرتضى قرابة ‪23‬سنة‪ ،‬وفي سنة ‪447‬ه‍ تعرض الشيعة في بغداد للقتل‪ ،‬والنهب‪ ،‬والسلب‪،‬‬
‫من قبل الحاكم السلجوقي طغرك بك‪ ،‬وأحرق كرسيه الكالمي الذي كان يد ّرس عليه والذي يع ّد منصباً مهماً وما كان‬
‫يعطى إال لذوي المرتبة العالية في العلم والمعرفة‪ ،‬وأحرقت المكتبات والمدارس التي أسسها آل بويه سنة ‪ 381‬هـ‪،‬‬
‫وتعرض الشيخ للهجوم وأنقذه اهلل من القتل‪ ،‬وأحرقت داره بما فيها من الكتب المخطوطة والنفيسة‪ ،‬فبعد هذه الحادثة‬
‫هاجر الشيخ إلى النجف األشرف وأسس حوزة علمية هناك‪ .‬وبقي اثني عشر عاماً بين درس وبحث‪ ،‬وهداية وإرشاد‪،‬‬
‫وقد بلغ عدد تالميذه المجتهدين ثالثمائة مجتهدٍ‪ .‬يقول عنه العالمة الحلي في الخالصة صفحة ‪ :72‬شيخ اإلمامية‬
‫ووجيههم‪ ،‬رئيس الطائفة‪ ،‬جليل القدر‪ ،‬عظيم المنزلة‪ ،‬ثقة‪ ،‬صدوق‪ ،‬عين‪ ،‬عارف باألخبار والرجال والفقه واألصول‬
‫والكالم واألدب‪ ،‬وجميع الفضائل تنسب إليه‪.‬‬
‫بلغت مؤلفاته ست ًة وأربعين مؤلفاً في األخبار واألصول والفقه والتفسير والدعاء والرجال‪ ،‬منها‪ :‬التهذيب‪ ،‬االستبصار‪ ،‬العدة‪،‬‬
‫المبسوط‪ ،‬التبيان‪ ،‬والمصباح‪ ،‬الرجال‪ ،‬األمالي‪ ،‬الفهرست‪ ،‬الغيبة‪ ،‬النهاية‪ ،‬الخالف‪.‬‬
‫ شرح نهج البالغة البن أبي الحديد‪ :‬ج‪ 20‬ص‪ 304‬ب‪ 484‬الحكم المنسوبة إلى أمير المؤمنين ع‪ ،‬كنز الفوائد‪ :‬ج‪2‬‬
‫ص‪.33‬‬

‫‪53‬‬

‫وحّتى الخلفاء‪ ،‬واألمراء؛ على طول تاريخهم‪ ،‬كانوا خاضعين بدرجة‪ ،‬أو‬
‫والتقرب إلى القلوب ال‬
‫بأخرى للعلماء؛ ألنّهم يريدون كس���ب القل���وب‪،‬‬
‫ّ‬

‫يكون إ ّ‬
‫ال من طريق العلماء‪.‬‬

‫ب���ل كان لنا الكثير من المؤرخين العلماء‪ ،‬الذين عاكس���وا الخلفاء‪،‬‬
‫سجلوا واقعة صفّين‪،‬‬
‫سجلوا ضد نظرهم‪ ،‬مث ً‬
‫ال ّ‬
‫واألمراء‪ ،‬وما أش���به‪ ،‬فقد ّ‬

‫وسجلوا مقتل اإلمام الحسين(ع)‪،‬‬
‫وغيرها‪ ،‬رغم حكومة معاوية المطلقة‪ّ ،‬‬

‫وأخب���ار المختار بن أبي عبيدة الثقفي‪ ،‬ومناق���ب آل البيت(ع)‪ ،‬وذكروا‬
‫ّ‬
‫بكل نفرة‬
‫الح���كام المعارضي���ن لهم كابن زي���اد‪،‬‬
‫والحجاج‪ ،‬وما أش���به‪ّ ،‬‬
‫ّ‬
‫وانتق���اص‪ ،‬فقد صرف الخلف���اء المبالغ الطائلة؛ ألج���ل توجيه الناس إلى‬

‫مناحيه���م لكن لم يجدوا إ ّ‬
‫األمويون عن أن‬
‫ال عج���ز‬
‫ال من يعاكس���هم‪ ،‬مث ً‬
‫ّ‬
‫المؤرخين مبدأ الجبر‪ ،‬الذي كان���وا يعتنقونه‪ ،‬حّتى يقولوا‬
‫يفرضوا عل���ى‬
‫ّ‬

‫‪54‬‬

‫كل شيء يفعلونه إنّما هو بقضاء من اهلل وقدره‪ ،‬فال حيلة للناس‬
‫إن ّ‬
‫للناس ّ‬

‫ويس���تحق‬
‫في���ه‪ ،‬ومن يعارضهم‪ ،‬فإنّما يعارض قدر اهلل س���بحانه وتعالى‪،‬‬
‫ّ‬

‫المؤرخين تعكس‬
‫العقاب في الدنيا‪ ،‬والعذاب في اآلخرة‪ ،‬بل كانت كتابات‬
‫ّ‬

‫المبدأ المعارض الذي هو عبارة عن مسؤولية اإلنسان عن أفعاله‪ ،‬وأقواله‪،‬‬
‫وحركاته‪ ،‬وسكناته‪.‬‬

‫ مجاهد مقدام‪ ،‬ولد في السنة األولى للهجرة النبوية ‪622‬م‪ ،‬أحد الثوار الذين ثاروا على الطغيان األموي‪ ،‬فسجنه عبيد‬
‫اهلل بن زياد وعذبه وضربه بالقضيب حتى شتر عينه ثم نفاه للحجاز‪ ،‬وحكم الكوفة سنة ‪66‬ه‍ ثم ألحق بها الموصل‬
‫وأرمينيا وآذربيجان بعد أن انتصر قائد جيشه إبراهيم بن مالك األشتر الذي كان مسجوناً في زمن معاوية مع أربعة‬
‫آالف وخمسمائة من الشيعة وأُطلق سراحهم بعد هالك يزيد على الجيش األموي في معركة أنجازر في شمال العراق‬
‫حيث قُتل فيها من األمويين ثمانون ألفاً بما فيهم عبيد اهلل بن زياد والحصين بن النمير‪ .‬وتتبع قتلة اإلمام الحسين‬
‫ع واقتص منهم فأدخل بذلك السرور والفرح على قلب اإلمام السجاد ع وآل الرسول والثكالى واليتامى الذين استشهد‬
‫آباؤهم مع اإلمام الحسين ع في يوم عاشوراء بعد خمس سنوات من استشهاد اإلمام‪ ،‬وأنقذ العلويين من عبد اهلل بن‬
‫الزبير عندما أراد إحراقهم في شعب أبي طالب حيث أرسل المختار إليه أربعة آالف مقاتل كما ذكر ذلك المسعودي‪.‬‬
‫واستشهد سنة ‪‍ 67‬ه ‪687‬م في الدفاع عن الكوفة في الحرب التي دارت بينه وبين مصعب بن الزبير الذي طلب الوالية‬
‫لنفسه في البصرة‪.‬‬

‫دين ال سياسة‬
‫التاريخ ٌ‬
‫وعامتهم‪ ،‬بنوا‬
‫ومن هذه الجهة‪ ،‬نجد ّ‬
‫أن المس���لمين‪ ،‬بعلمائه���م‪ّ ،‬‬

‫ال قبر اإلمامين‬
‫األضرحة‪ ،‬والبنايات الضخمة‪ ،‬سواء عند السّنة أو الشيعة مث ً‬

‫الكاظمية‪ ،‬وهكذا بنى الس���نة قبر أبي حنيفة في بغداد‪،‬‬
‫الكاظمي���ن(ع) في‬
‫ّ‬

‫وقبر الش���افعي في القاهرة‪ ،‬وإلى جانبه مسجد اإلمام الحسين(ع)‪ ،‬وكذلك‬
‫السيدة زينب(ع) في الشام‪.‬‬
‫مقام ّ‬

‫األموية‪ ،‬بينما نجد‬
‫مؤسس الدولة‬
‫ونجد إهما ً‬
‫ّ‬
‫متعمدًا لقبر معاوية‪ّ ،‬‬
‫ال ّ‬

‫ألهل البيت(ع) مقابر‪ ،‬وقبابًا‪ ،‬وأضرحة‪ ،‬ومساجد‪ ،‬حّتى لطفلهم الصغير‬

‫رقية في دمشق‪ ،‬أو حّتى قطرة من دم اإلمام الحسين(ع) الطاهرة‬
‫كالس���يدة ّ‬
‫ّ‬

‫سمي بمشهد النقطة في مدينة حلب‪ ،‬فلم‬
‫لها مش���هد؛ وأقيم عليها مسجد ّ‬
‫ّ‬
‫يتمك���ن الخلفاء بأموالهم الطائلة‪ ،‬وجيوش���هم الجرارة أن يس���يطروا على‬

‫ألن عوامل أخرى أكثر فاعلية‪ ،‬كان لها األثر‪،‬‬
‫أف���كار‪ ،‬وأقالم‬
‫المؤرخين؛ ّ‬
‫ّ‬

‫والتوجيه في مسار الفكر‪ ،‬والثقافة‪ ،‬والعلم‪ ،‬والهداية‪.‬‬

‫العباس���يون على كثرتهم‪ ،‬وامتداد زمانهم ما يقارب خمسة‬
‫والخلفاء ّ‬

‫قرون‪ ،‬ال‪ ‬أثر لقبر ٍ‬
‫أحد منهم إ ّ‬
‫ال قبر هارون‪ ،‬وإنّما بقاء قبر هارون كان سب‬

‫‬
‫بقية أولئك‬
‫معجزة لإلم���ام الرضا(ع)‪ ،‬كما هو مذكور في التاري���خ ‪ّ ،‬‬
‫أما ّ‬

‫الخلفاء فال يعرف لهم قبر‪.‬‬

‫وهكذا قلب اإلس�ل�ام الحضارة السابقة عليه من حضارة ّ‬
‫الحكام إلى‬
‫واألئمة‪ ،‬والعلماء‪ .‬فمن يريد كتابة فلس���فة الحضارة‪ ،‬أو‬
‫حض���ارة األنبياء‪،‬‬
‫ّ‬
‫التاريخ‪ ،‬يجب أن يالحظ ذلك بعين االعتبار‪ ،‬وأن يبدأ بما بدأ اهلل سبحانه‬

‫ يقول الشاعر دعبل الخزاعي في هذا الصدد في مجلس المأمون العباسي عن دفن هارون عند قبر اإلمام الرضا ع‪:‬‬
‫قبران في طوس خير الناس كلهم‬
‫ما ينفع الرجس من قبر الزكي‬
‫هيهات كل امرئ رهن بما كسبت‬
‫وقبر شرهم هذا من العبر‬
‫وال على الزكي بقبر الرجس من ضرر‬
‫له يداه فخذ ما شئت أو فذر‬

‫‪55‬‬

‫مما ذكرناه سابقًا الخليفة قبل الخليقة‪.‬‬
‫وتعالى ّ‬

‫ّ‬
‫للحكام‬
‫أن الخليفة ي���ورث الحكم إلى الخليف���ة ال‬
‫وم���ن الواض���ح ّ‬

‫المستب ّدين‪ ،‬والعس���كريين‪ ،‬والديكتاتوريين‪ ،‬وقد قال رسول اهلل (ص) في‬

‫الصفَا َواْل َم ْر َوةَ‬
‫س���عيه‪( :‬ابدؤوا بما بدأ اهلل‪ ،‬حيث قال سبحانه وتعالى‪َّ :‬‬
‫{إن َّ‬
‫���عاِئ ِر اهللِ} ‪ ،‬فبدأ الرس���ول بالصفا اّتباع���ًا للقرآن الحكيم‪ ،‬حّتى‬
‫ِم ْن َش َ‬

‫وصل األم���ر إلى عصر الديمقراطيين الذين اّتبعوا بعض طريق المس���لمين‬
‫في الحكم ال طريق المس���تب ّدين والديكتاتوريين‪ .‬وليس معنى ذلك أنه قبل‬
‫اإلس�ل�ام لم يكن تاريخ لألنبياء‪ ،‬وعظماء العلم‪ ،‬والزهد‪ ،‬والنسك‪ ،‬وإنّما‬
‫أن الغالب في تواريخ ما قبل اإلس�ل�ام هم ّ‬
‫الحكام‪ ،‬والملوك‪،‬‬
‫معن���ى ذلك ّ‬

‫والفراعنة‪ ،‬ومن أش���بههم‪ ،‬وكان تاريخ األنبياء وم���ن إليهم حاله حال نور‬
‫لما جاء اإلسالم‪ ،‬صار النور‬
‫الحباحب أنوار ضئيلة متفرقة هنا وهناك‪ ،‬بينما ّ‬
‫‪56‬‬

‫والزهاد‪،‬‬
‫كنور الشمس‪ ،‬فصار التاريخ تاريخ األنبياء‪ ،‬واألوصياء‪ ،‬والعلماء‪ّ ،‬‬
‫أن النش���اط‬
‫تصور‬
‫المؤرخين المس���لمين ّ‬
‫ّ‬
‫والعب���اد‪ ،‬ومن إليهم‪ ،‬ولذا صار ّ‬
‫ّ‬

‫لألمة جميعًا ال للفرد حسب اآلية القرآنية‬
‫والفعالية في الحضارة اإلس�ل�امية ّ‬

‫���عوبًا‬
‫حيث قال س���بحانه وتعال���ى‪َ :‬‬
‫ُم ُش ُ‬
‫ُم ِم ْن َذ َكٍر َوأُْنثَى َو َج َع ْلنَاك ْ‬
‫{خ َل ْقنَاك ْ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َوقَبَاِئ َ‬
‫ُم} بل صار في عهد الخلفاء‪،‬‬
‫���ل لِتَ َع َ‬
‫ارفُوا ِإ َّن أ ْك َر َم ُك ْم ِع ْن َد اهللِ أ ْت َقاك ْ‬

‫المقربين منهم‪،‬‬
‫األمة حّتى‬
‫واألمراء‪ ،‬ومن إليهم موضع نقد شديد من كاّفة ّ‬
‫ّ‬
‫فلم يُدرس التاريخ بسير ملوك أو سالطين؛ ألنّهم لم يجدوا في أولئك علمًا‬
‫أن الخليفة المتو ّكل كان من قوم‬
‫نافعًا‪ ،‬أو س���يرة حس���نة‪ ،‬فهل يكتبون ّ‬

‫ سورة البقرة‪ :‬اآلية ‪.158‬‬
‫ وقد ورد في الفصول المختارة‪ :‬ص‪ 192‬الحديث التالي‪ :‬قال رسول اللهص حين بدأ بالصفا‪ ،‬نبدأ بما بدأ اهلل تعالى به‪،‬‬
‫وكـذا في تفسير العياشي‪ :‬ج‪ 1‬ص‪.89‬‬
‫ سورة الحجرات‪ :‬اآلية ‪.13‬‬
‫ المتوكل العباسي‪ :‬جعفر بن المعتصم بن هارون‪ ،‬عاشر خلفاء بني العباس‪ ،‬ولد سنة ‪207‬ه‍ ‪822‬م‪ ،‬وحكم سنة ‪‍ 232‬ه‬
‫‪846‬م‪ ،‬وقتل سنة ‪ 247‬ه‍ ‪861‬م من قبل ولده المنتصر في مجلس لهوه وطربه بين العود والناي‪ .‬اّتسم حكمه بالقتل‬
‫وسفك الدماء وعلى الخصوص ألهل البيت ع وشيعتهم‪ ،‬يقول ابن األثير في كتابه الكامل في حوادث سنة ‪236‬ه‍‪ :‬وكان‬
‫المتوكل شديد البغض لعلي بن أبي طالب وأهل بيته‪ ،‬وكان من يبلغه عنه أنه يتولى علياً يقتله ويصادر أمواله‪ ،‬وقد ذكر‬
‫أبو الفرج اإلصفهاني‪ :‬إن المتوكل أمر واليه على مكة والمدينة أن يعاقب كل من يساعد آل أبي طالب باإلحسان‪ ،‬وقد بلغ‬

‫أن الوليد كان‬
‫لوط وفي الحال نفسه كان له غالمان يلوطان به‪ ،‬أو يكتبون ّ‬

‫يدخل مع جواريه حوض الخمر‪ ،‬فيشربون منها حّتى يتبين عليه النقص‪،‬‬

‫أن حميد بن قحطبة بأمر من هارون العباسي قتل ‪ 60‬علويًا في ليلة‬
‫ويكتبون ّ‬

‫واحدة وألقاهم في البئر‪ ،‬وهذا نزر قليل من جرائم هؤالء ّ‬
‫الحكام العتاة‪.‬‬

‫وهك���ذا جعل المؤرخون موضوع التاريخ‪ ،‬تاريخ األنبياء وس���نتهم‪،‬‬
‫واألوصياء وس���يرتهم‪ ،‬والعلماء ومذاهبهم‪ ،‬والحكم���اء وآراءهم‪ ،‬وال ّزهاد‬

‫ثوب واحدٍ‪ ،‬كن يتناوبن عليه وقت‬
‫بهم الفقر حداً أن العلويات ك َّ‬
‫ُن يرتدين مالبس رثة وممزقة‪ ،‬ولم يكن عندهن سوى ٍ‬
‫يذمون الشيعة فقد أعطى ألبي السمط‬
‫الصالة‪ ،‬واستمر هذا الوضع إلى مقتل المتوكل‪ ،‬وكان يبذل األموال للشعراء الذين ّ‬
‫ثالثة آالف دينار وعقد له على البحرين واليمامة وخلع عليه أربع حلل ؛ ألنه هجا الشيعة‪ ،‬وكان المتوكل أول خليفة‬
‫يسخر في مجالس لهوه من سبطي رسول اللهص ؛ كما ذكر ذلك المسعودي‪ .‬وسعى لهدم قبر اإلمام الحسين ع وما‬
‫حوله من المنازل والمباني أربع مرات ؛ لمنع الناس من الزيارة‪ ،‬أوالها سنة ‪233‬ه‍‪ ،‬وثانيها سنة ‪236‬ه‍‪ ،‬وثالثها ‪ 247‬ه‍‪،‬‬
‫وقد قتل العالم اللغوي يعقوب بن إسحاق المعروف بابن السكيت سنة ‪244‬ه‍ ‪858‬م ؛ ألجل تشيعه‪ .‬للمزيد راجع مروج‬
‫الذهب‪ :‬ج‪ 4‬ص ‪ ،47‬تاريخ الخلفاء للسيوطي‪ :‬ص ‪ ،137‬ثمار القلوب للثعالبي‪ :‬ص‪ ،134‬مقاتل الطالبيين‪ :‬ص‪.385‬‬
‫ الوليد بن يزيد بن عبد الملك‪ :‬ولد سنة ‪‍ 88‬ه ‪707‬م‪ ،‬وقتل من قبل جنده في الحرب التي وقعت بينه وبين عمه يزيد‬
‫بن الوليد سنة ‪‍ 126‬ه ‪744‬م‪ ،‬من حكام بني أمية‪ ،‬ويعد الحاكم الحادي عشر وحكم سنة واحدة وشهرين‪ .‬أجمع أرباب‬
‫التاريخ على كفره وزندقته‪ ،‬وعرف باستحالله لكل حرمة‪ ،‬وارتكابه لكل بدعة‪ ،‬واقترافه لكل موبقة‪ ،‬فقد َّ‬
‫سل سيف البغي‬
‫على رقاب العلويين‪ ،‬وش ّدد الحصار على شيعة أهل البيت وأئمتهم ع‪ ،‬وانتشرت في زمانه الدعارة‪ ،‬والمجون‪ ،‬فقد جاء‬
‫في التاريخ أنه أزال بكارة ابنته وزنا بجواري أبيه الالئي ولدن له أوالداً‪ ،‬وجاء في تاريخ السيوطي ص‪ :451‬إنه اشتهر‬
‫بالتلوط‪ ،‬وكان يتظاهر بالفسق‪ ،‬وحمل المغنين من البلدان إلى البالد اإلسالمية‪ ،‬وأظهر الشراب والعزف في المجالس‪،‬‬
‫حتى ذكر الطبري في تاريخه‪ :‬ج‪ 5‬ص ‪ :557‬إنه شرب سبعين قدحاً في ليلة واحدة‪ .‬كما أنه اتخذ في قصره بركة‬
‫فكان يمألها خمراً ثم يتعرى ويدخل فيها ويشرب منها ويظل هكذا حتى يظهر النقص عليها‪ ،‬وفي إحدى األيام أ ّذن‬
‫المؤذن لصالة الصبح وكان الوليد في حالة سكر ومعه إحدى الجواري وأقسم أن تصلي الجارية بالناس فألبسها لباس‬
‫الخالفة وبعث بها إلى المسجد وهي في حالة سكر وجنابة لتصلّي بالناس‪ ،‬وانتشر في عهده المغنون أمثال ابن السريج‪،‬‬
‫ومعبد‪ ،‬والغريض‪ ،‬وابن عائشة‪ ،‬وابن محرز‪ ،‬ودحمان‪ .‬وفي مصادر التاريخ من أفعاله وأشعاره في الفسق ما يأباه الذوق‬
‫والعرف االجتماعي‪ ،‬وقد عزم على أن يبني أعلى الكعبة في بيت اهلل الحرام ّقبة يشرب فيها الخمر‪ ،‬ويشرف منها‬
‫سكران منتشياً على الطائفين ببيت اهلل الحرام‪.‬‬
‫وفي إحدى المرات‪ ،‬رأى آيات في المصحف الشريف‪ ،‬تتحدث عن الحساب والجزاء‪ ،‬فرمى المصحف بسهام وهو ينشد‪:‬‬
‫تذكرني الحساب ولست أدري*** فقل هلل يمنعني طعامي‬
‫أحقاً ما تقول من الحساب*** وقل هلل يمنعني شرابي‬
‫ومرة فتح القرآن فوجد ورقة فيها قول اهلل سبحانه وتعالى‪ :‬واستفتحوا وخاب كل جبار عنيد‪ ،‬فمزق المصحف بسهمه‬
‫وأنشد‪:‬‬
‫تهددني بجبار عنيد***إذا ما جئت ربك يوم حشر‬
‫فها أنا ذاك جبار عنيد***فقل يا رب مزقني الوليد‬
‫كما ذكر ذلك في كتاب حياة الحيوان‪ :‬ج‪ 1‬ص ‪ ،103‬ومروج الذهب‪ :‬ج‪ ،3‬ص‪.228‬‬
‫كما واعتبر المسلمين عبيداً له‪ ،‬فيحدثنا التاريخ أنه كان يبيع الواليات اإلسالمية بما فيها‪ ،‬من الناس‪ ،‬والموظفين‪ ،‬واإلمكانات‪،‬‬
‫مرة ثانية لمن يدفع أكثر‪ ،‬فباعها‬
‫والثروات ؛ فعلى سبيل المثال‪ :‬باع والية خراسان لنصر بن سياب‪ ،‬ثم بدا له أن يبيعها ّ‬
‫بما في ذلك واليها و ُع ّماله إلى يوسف بن عمر‪ .‬للمزيد راجع تاريخ الطبري وتاريخ السيوطي واألغاني والمستطرف‬
‫ومروج الذهب وحياة الحيوان وعيون أخبار الرضا‪.‬‬
‫ للمزيد راجع كتاب األغاني ألبي الفرج األصفهاني‪ :‬ج‪ 3‬ص ‪.307‬‬
‫ وقد ذكر ذلك عيون أخبار الرضا بسنده عن عبيد اهلل البزاز النيسابوري عن حميد بن قحطبة والي خراسان ؛ إنه قتل‬
‫في ليلة واحدة بأمر هارون في طوس ستين نفساً من العلويين طرح أجسادهم في بئر هناك‪ .‬وال يخفى أن حميد بن‬
‫قحطبة ولي مصر والجزيرة قبل خراسان‪ ،‬ومات سنة ‪159‬ه‍‪.‬‬

‫‪57‬‬

‫يتحرون رضى اهلل سبحانه وتعالى‬
‫أن المس���لمين‬
‫ومواعظهم‪ ،‬ألنّهم علموا ّ‬
‫ّ‬

‫في معامالتهم‪ ،‬ومعاشراتهم‪ ،‬وأخذهم‪ ،‬وعطائهم‪.‬‬

‫أرخوا شيئًا من قضايا ّ‬
‫الحكام وشعرائهم ومن إليهم مع تجّنب‬
‫نعم‪ّ ،‬‬

‫المؤرخين في ذكر أحوالهم نقاط الضعف الكثيرة‪ ،‬فذكروا بعض أخبار‬
‫غالب‬
‫ّ‬

‫الملوك وسياس���تهم وأسباب الدول ورجالها وشروعها وانقراضها وكثيرًا من‬
‫أعوان الملوك والوزراء وما يّتصل بذلك من األقوال واألعمال‪ .‬فكان الجانب‬
‫الحضاري عندهم هو الجانب األهم الذي هو جانب الروح والواقع والفطرة‬
‫يما‬
‫والعقل‪ ،‬ال جانب الجس���د وملذّاته‪ ،‬كما قال سبحانه وتعالى‪َ :‬‬
‫{و ْابتَ ِغ ِف َ‬

‫آتَ َ‬
‫صيبَ َ‬
‫الدْنيَا} فللدنيا نصيب‪ ،‬لكن‬
‫���س نَ ِ‬
‫ار ِ‬
‫ك ِم َن ُّ‬
‫���اك اهللُ َّ‬
‫الد َ‬
‫اآلخ َرةَ َوالَ تَْن َ‬

‫تحري رضى اهلل واآلخرة ورضى أنبيائه وأوليائه‪.‬‬
‫الالزم هو ّ‬

‫المؤرخين الذين كتبوا تاريخ األنبياء واألوصياء والعلماء‬
‫الحق مع‬
‫وكان ّ‬
‫ّ‬

‫‪58‬‬

‫وتركوا تواريخ الطغاة والجبابرة والفراعنة وهم النزر اليس���ير اليس���ير‪ ،‬فهل‬
‫يكتبون قصص ألف ليلة وليلة أو يكتبون قول اإلمام علي(ع) في الخراج‬
‫‬

‫وصى مالك األشتر بقوله‪( :‬وتف ّقد أمر الخراج بما يصلح‬
‫والضرائب عندما ّ‬

‫ سورة القصص‪ :‬اآلية ‪.77‬‬
‫ وهي مجموعة قصص تتحدث أن الملك شهريار يكتشف خيانة زوجته فيقتلها ويقتل الذين شاركوها في الخيانة وينقم‬
‫ويقرر أن يتزوج كل ليلة‪ ،‬واحدةً‪ ،‬ثم يقتلها مع بزوغ الفجر وظ ّل دأبه هذا حتى تزوج من شهرزاد‪،‬‬
‫من النساء جميعاً ّ‬
‫تقص عليه ك ّل ليلة قصة لكي تحمله على استبقائها‪ ،‬وكانت كلما أدركها الصباح‪ ،‬سكتت عن الكالم‪،‬‬
‫ابنة وزيره‪ ،‬فأخذت ُّ‬
‫فكان هو يسألها في الليلة التالية إلتمام حديثها إلى ْأن أتى عليها ألف ليلة فاستعقلها ومال إليها واستبقاها‪ .‬واليخفى أن‬
‫هذه القصص مجهولة المؤلف‪ ،‬ودارت حولها وأصولها ومؤلفها بحوث كثيرة‪ ،‬ولكن الثابت أنها ليست لمؤلف واحد وأنها‬
‫وضعت في أكثر من عصر وأنها متأثرة باألساطير والقصص الشعبية الفارسية والهندية‪ .‬راجع الموسوعة اإلسالمية‬
‫لحسن األمين‪ :‬ج‪ ،4‬ص‪ ،226‬موسوعة المورد‪ :‬ج‪ 9‬ص ‪.207‬‬
‫تسمت به قبيلة من أشهر قبائل‬
‫ مالك بن حارث بن عبد يغوث بن مسلمة بن ربيعة النخعي‪ ،‬وج ّده األعلى مدحج ؛ الذي ّ‬
‫اليمن‪ ،‬ولقب باألشتر ؛ ألنه شترت عينه في إحدى الحروب أيام أبي بكر‪ ،‬ولد قبل بعثة الرسول ص واستشهد سنة‬
‫‪39‬ه‍ ‪659‬م‪ ،‬صحابي جليل‪ ،‬وزعيم متميز‪ ،‬وسياسي محنك‪ ،‬وفارس مقدام‪ ،‬وشاعر قدير‪ ،‬ورئيس عسكر اإلمام ع في‬
‫معاركه وحروبه‪ ،‬اشتهر بالكرم والسخاء والنبل والفضيلة والعلم والتقوى‪ ،‬قال عنه الرسول األكرم ‪ ‬ص‪ :‬إنه المؤمن‬
‫عما اإلسراع إليه أحزم وال إسراعه إلى ما‬
‫حقاً وقال عنه اإلمام علي ع‪ :‬إنه ممن اليخاف رهنه والسقطته و ال بطؤه ّ‬
‫يبطأ عنه أمثل ‪ ,‬تعرض للنفي في عهد عثمان بن عفان حيث نفاه إلى الشام مع تسعة آخرين‪ ،‬ثم جلبه إلى الكوفة‪ ،‬ثم‬
‫الربذة وتولى دفنه‪ .‬شارك في حرب الجمل‬
‫نفاه إلى حمص‪ ،‬وقد تح ّدى عثمان‪ ،‬وزار أبا ذر رحمه اهلل في منفاه في ّ‬
‫وقتل عبد اهلل بن الزبير وكان عمر مالك آنذاك ثمانين سنة‪ ،‬وشارك في حرب صفين‪ ،‬وكان على ميمنة الجيش‪،‬‬
‫وكانت له صوالت وجوالت‪ ،‬أصبح والياً لإلمام علي ع على الجزيرة‪ ،‬ثم أرسله والياً إلى مصر بعد اضطراب أحوالها‬
‫ومقتل واليها محمد بن أبي بكر‪ ،‬فقال له اإلمام ع‪ :‬ليس لها غيرك‪ ،‬فاخرج إليها رحمك اهلل‪ ،..‬وعندما وصل خبر‬
‫يدس السم في طعامه مقابل إعفائه من الخراج عشرين‬
‫إرساله إلى معاوية‪ ،‬بعث إليه مالك في منطقة العريش ؛ أن ّ‬
‫سنة‪ ،‬وعندما وصل مالك إلى العريش استضافه مالك بمقدار من السم المخلوط بالعسل‪ ،‬وكان مالك صائماً في ذلك‬

‫فإن في صالح���ه وصالحهم صالحًا لمن س���واهم‪ ،‬وال صالح لمن‬
‫أهل���ه ّ‬
‫س���واهم إ ّ‬
‫ألن الناس كلّهم عيال على الخراج وأهله‪ ،‬وليكن نظرك‬
‫ال بهم‪ّ ،‬‬

‫ألن ذلك ال يدرك‬
‫في عمارة األرض أبلغ من نظرك في اس���تجالب الخراج‪ّ ،‬‬
‫إّ‬
‫ال بالعمارة‪ ،‬ومن طلب الخراج بغير عمارة أخرب البالد‪ ،‬وأهلك العباد‪،‬‬

‫ولم يس���تقم أمره إ ّ‬
‫ال‪ ...‬وإنّما يؤتى خ���راب األرض من إعواز أهلها‪،‬‬
‫ال قلي ً‬
‫وإنّما يعوز أهلها إلش���راف أنفس الوالة على الجمع‪ ،‬وسوء ظّنهم بالبقاء‪،‬‬

‫وقلّة انتفاعهم بالعبر) ‪.‬‬

‫العباسي وزواجه ببوران وابتهاجه‬
‫أو هل يكتبون مخازي المأمون ّ‬

‫متبرجات في حالة لهو ورقص؟‪،‬‬
‫بيوم العيد وأمامه بنات النصارى سافرات ّ‬

‫أو قول اإلمام علي(ع) في كتابه إلى مصقلة بن هبيرة الشيباني الذي كان من‬
‫أمر إن كنت فعلته فقد أس���خطت‬
‫ّ‬
‫عماله على البالد يقول فيه‪( :‬بلغني عنك ٌ‬
‫رماحهم‬
‫إلهك وعصيت إمامك‪ ،‬إنّك‬
‫تقس���م فيء المس���لمين الذي حازته ُ‬
‫ّ‬

‫وخيولُهم‪ ،‬وأريقت عليه دماؤهم فيمن اعتامك من أعراب قومك‪ ،‬فوالذي‬
‫ولتخفن‬
‫علي هوانا‬
‫فلق الحبة وبرأ النس���مة لئن كان ذلك ح ّقًا‬
‫َّ‬
‫ّ‬
‫لتجدن لك ّ‬
‫بمحق دينك‪،‬‬
‫بح���ق ربّك‪ ،‬وال تصلح دني���اك‬
‫عن���دي ميزانًا‪ ،‬فال تس���تهن‬
‫ّ‬
‫ّ‬

‫فتكون من األخس���رين أعماالً‪ ،‬أ ّ‬
‫حق من ِقبَلك وِقبَلنا من المسلمين‬
‫ال ّ‬
‫وإن ّ‬
‫في قسمة هذا الفيء سواء يردون عندي عليه ويصدرون عنه) إلى غير ذلك‬

‫وما َمال ٌ‬
‫َان‬
‫َان َجَب ًال َلك َ‬
‫ِك واهللِ‪َ ،‬ل ْو ك َ‬
‫السم فيه واستشهد‪ ،‬وقد ّأبنه اإلمام ع كما ورد في نهج البالغة قائالً‪َ :‬‬
‫اليوم فأثر ّ‬
‫ِر والُيوفِي َعلَ ْي ِه َّ‬
‫الطائ ُِر‪ ،‬وقيل إنه ع قال‪ :‬لقد كان لي كما كنت لرسول‬
‫َان َح َجراً َلك َ‬
‫ِفنْداً ول َْو ك َ‬
‫َان َصلْداً ال َي ْرَتقِي ِه ال َْحاف ُ‬
‫اهلل‪ ،‬رحم اهلل مالكاً وما مالك لو كان صخراً لكان صلداً‪ ،‬ولو كان جب ًال لكان فنداً‪ ،‬وكأنه َق ْد ق َُّد مني قداً‪.‬‬
‫ نهج البالغة‪ :‬الكتاب‪ ،53‬شرح نهج البالغة ألبن أبي الحديد‪ :‬ج‪ 17‬ص‪ 70‬ب‪.53‬‬
‫ المأمون العباسي‪ :‬عبداهلل بن هارون الملقب بالمأمون‪ ،‬سابع خلفاء بني العباس‪ ،‬ولد سنة‪ 170 ‬هـ ‪786‬م‪ ،‬حكم سنة‬
‫‪‍  198‬ه ‪813‬م‪ ،‬واستمر في الحكم عشرين عاماً‪ ،‬وقتل سنة ‪ 218‬هـ ‪833‬م وعاش ‪ 48‬سنة‪ ،‬وقد قتل أخاه األمين سنة‬
‫ونصب ابنه الصغير الذي كان عمره خمس سنوات‪ ،‬كما أنه‬
‫‪‍ 198‬ه ؛ وذلك ألن األمين خلع المأمون من والية العهد ّ‬
‫قتل اإلمام الرضاع‪.‬‬
‫ وكان ذلك سنة ‪210‬ه‍ ‪825‬م‪ ،‬ويحدثنا التاريخ أن بعض ما أنفقه الحسن بن سهل وزير المأمون في زواج ابنته بوران على‬
‫أمراء الدولة بلغ خمسين ألف ألف درهم إضافة إلى أربعة ألف ألف دينار‪ .‬وقد ماتت بوران سنة ‪271‬ه‍ ‪884‬م‪.‬‬
‫ اعتامك‪ :‬اختارك‪ ،‬وأصله أخذ من العيمة بالكسرـ وهي خيار المال‪.‬‬
‫ نهج البالغة‪ :‬الكتاب ‪ ،43‬شرح نهج البالغة البن أبي الحديد‪ :‬ج‪ 16‬ص‪ 175‬ب‪.43‬‬

‫‪59‬‬

‫من سيرتهم الطاهرة(ع) وأقوالهم الرفيعة في ِقبال سفاسف الخلفاء واألمراء‬

‫ومن إليهم‪.‬‬

‫‪60‬‬

‫التجرد الموضوعي‬

‫مس�ألة‪ :‬ال�ل�ازم على من يري���د تحليل التاريخ‪ ،‬وذكر فلس���فته‪ ،‬أن‬
‫يعزل موضوعه زمانًا‪ ،‬ومكانًا‪ ،‬وش���رائط‪ ،‬وخصوصيات‪ ،‬ومزايا عن سائر‬
‫العصور‪ ،‬والدول‪ ،‬واألزمنة‪ ،‬واألمكنة‪ ،‬وغير ذلك‪ ،‬حّتى يصل إلى جوهر‬
‫عما هو من حولها‬
‫التاري���خ‪ ،‬كما يع���زل العالم الطبيعي الظاهرة الطبيعي���ة ّ‬
‫العام والكلّي المختفي في‬
‫م���ن الظواهر األخرى‪ ،‬حّتى يصل إل���ى الجوهر ّ‬

‫لكل ش���يء ظاهرًا وباطنًا‪ ،‬وأحيانًا يك���ون الباطن بعد باطن‬
‫فإن ّ‬
‫الظواه���ر‪ّ ،‬‬
‫(إن له‬
‫حّت���ى يصل إلى س���بعين باطنًا‪ ،‬كما ورد بالنس���بة للق���رآن الكريم‪ّ :‬‬

‫‬
‫يقرب من‬
‫س���بعين بطنًا) ‪ ،‬وإذا أردنا أن نمثل ذل���ك بمثال وإن كان المثال ّ‬

‫ويبعد من جهة‪ ،‬نمثله بالجنين؛ المستخلص من المني؛ المستخلص‬
‫جهة ّ‬

‫من الدم؛ المس���تخلص من التفّاح؛ المستخلص من الشجرة؛ المستخلصة‬
‫من التراب‪ ،‬والماء‪ ،‬والنور‪ ،‬والهواء‪.‬‬

‫ تهذيب األصول‪ :‬ج‪ 1‬ص‪.72‬‬

‫‪61‬‬

‫تركيب وصياغة المادة التاريخية‬

‫مس�ألة‪ :‬يلزم على من يريد معرفة فلس���فة التاري���خ‪ ،‬أن يجمع أكبر‬

‫قدٍر ممكن من الحاالت‪ ،‬والمعلومات‪ ،‬والخصوصيات‪ ،‬والمزايا المتعلّقة‬
‫بموضوع الدراس���ة‪ ،‬وأن يقوم بدراس���ة دقيقة للوثائق أهي صحيحة أو غير‬
‫ّ‬
‫ش���كية أو وهمية‪ ،‬وأن يصب ذلك في قوالب‬
‫صحيحة‪ ،‬قطعية أو ظّنية أو‬
‫المنطقيون‬
‫األش���كال األربعة مراعيًا للصناعات الخمس حس���ب ما يقول���ه‬
‫ّ‬

‫المادة‬
‫حّت���ى يصل إلى التحليل الدقيق‪ ،‬وأن يقوم بعملية تركيبية‪ ،‬وصياغة ّ‬

‫‪62‬‬

‫فإن‬
‫التاريخية صياغة علمية‪ ،‬متجاوزًا مرحلة السرد والوصف إلى التعليل‪ّ ،‬‬
‫فيتعرض المحلل التاريخي للوقائع‬
‫مس���ببًا‪،‬‬
‫ولكل شيء‬
‫لكل ش���يء سببًا‪،‬‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫ّ‬

‫التاريخية مع تناول علل وأس���باب يريد اس���تخالصها‪ ،‬فم���ا هو علّة هذا‪،‬‬
‫المس���بب؟ وأن يصل بذلك‬
‫وما هو س���بب هذا‪ ،‬وما هو المعلول‪ ،‬وما هو‬
‫ّ‬
‫إل���ى أحكام كلّية‪ ،‬وتل���ك األحكام الكلّية جارية في الس���ابق‪ ،‬والحاضر‪،‬‬

‫والمستقبل‪ .‬وبذلك ّ‬
‫يتنبأ عن المستقبل تنبؤًا علميًا‪.‬‬
‫يتمكن أن ّ‬

‫ألن الظروف متداخلة‪،‬‬
‫وربّما يخطئ اإلنس���ان بل كثيرًا م���ا يخطئ‪ّ ،‬‬

‫فال ّ‬
‫يتمكن اإلنس���ان من استخالصها حقيقة‪ ،‬وال يتمكن من فهم الشرائط‪،‬‬
‫ّ‬
‫تتحكم بالمستقبل كثيرًا‪،‬‬
‫والخصوصيات‪ ،‬والمتداخالت التي‬
‫والمزايا‪،‬‬
‫ّ‬

‫حال ذلك حال الطبيب الذي يشاهد المريض‪ ،‬فيحكم على حالته أن‬

‫يعيش إلى وقت كذا‪ ،‬أو يموت إلى وقت كذا‪ ،‬ومع ذلك ال يعيش إلى ذلك‬
‫الوق���ت‪ ،‬وال يموت إلى ذلك الوقت‪ ،‬بل األمر أبعد من هذا‪ ،‬فقد قال(ع)‪:‬‬

‫(ل���وال آيةٌ من كتاب اهلل ألخبرتكم بما كان وما يكون وما هو كائن إلى يوم‬

‫‬
‫اب}‬
‫القيامة) ‪ ،‬والمراد باآلية‪{ :‬يَ ْم ُحوا اهللُ َما يَ َش���اءُ َويُْثِب ُ‬
‫ت َو ِع ْن َدهُ أُ ُّم اْلكتَ ِ‬

‫‬

‫فصلنا ش���يئًا منه في‬
‫‪ .‬ومن ذلك نش���أ البداء‪ ،‬الذي يقول العلماء به‪ ،‬وقد ّ‬

‫‬
‫أن الذين يصلون‬
‫فبناء على هذا نشاهد ّ‬
‫كتاب مق ّدمة الفقه كتاب العقائد ‪ً .‬‬

‫إلى روح التاريخ وفلس���فته‪ ،‬إنّما يفعلون ذلك بأسباب‪ ،‬من جملتها القلق‬

‫على مصير الحضارات القائمة س���واء كانت حضارة إس�ل�امية‪ ،‬أو حضارة‬
‫فإن تحليل‬
‫غربي���ة‪ ،‬أو حضارة ش���رقية مثل حضارة الهند إلى غي���ر ذلك‪ّ ،‬‬

‫التاريخ وفلس���فته‪ ،‬يوصل اإلنس���ان إلى أن يكتشف المستقبل من الماضي‬
‫ألن الماضي‪ ،‬والحاضر‪ ،‬والمستقبل كلّها سلسالت بعضها‬
‫ومن الحاضر؛ ّ‬

‫السبزواري‪:‬‬
‫مرتبطة ببعض‪ ،‬وقد قال الحاج ّ‬
‫ك����������ونُ‬

‫امل�������رات�������ب ف������ي االشتداد‬
‫أن��������واع�������� ًا اس�����ت�����ن�����ار ل������ل������م������راد‬

‫‬

‫والذين يريدون مثل ذلك بالنس���بة إلى الحضارات البائدة‪ ،‬والقائمة‪،‬‬
‫والمس���تقبلة بحاجة إلى مقدرة فائقة على المقارنة بين مختلف الحضارات‬
‫كالحضارة اإلس�ل�امية‪ ،‬والحضارة الغربية الحديثة‪ ،‬والحضارة المسيحية‪،‬‬
‫والحضارة اليهودية‪ ،‬والحض���ارة اإلبراهيمية‪ ،‬والحضارة اليونانية القديمة‪،‬‬
‫الفينيقية‪ ،‬والحضارة الخسروية‪ ،‬والحضارة‬
‫والحضارة اآلشورية‪ ،‬والحضارة‬
‫ّ‬

‫الرومانية‪ ،‬وما أشبه ذلك ‪.‬‬

‫ وفي بحار األنوار‪ :‬ج‪ 4‬ص‪ 118‬ب‪ 3‬ح‪ ،52‬وتفسير العياشي‪ :‬ج‪2‬ص‪ 215‬سورة الرعد الحديث التالي‪ :‬عن زرارة عن أبي‬
‫جعفر قال‪ :‬كان علي بن الحسينع يقول‪ :‬لوال آية في كتاب اهلل لحدثتكم بما يكون إلى يوم القيامة‪ ،‬فقلت له‪ :‬أية آية‬
‫؟ قال‪ :‬قول اهلل‪ :‬يمحوا اهلل ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب‪.‬‬
‫ سورة الرعد‪ :‬اآلية ‪.39‬‬
‫ للمزيد راجع موسوعة الفقه كتاب الفقه العقائد‪ :‬ص‪.307‬‬
‫ شرح منظومة السبزواري‪ ،‬قسم الفلسفة‪ :‬ص‪ 172‬لإلمام المؤلف‪.‬‬
‫ وقد أحصى بعض العلماء الحضارات إلى أكثر من عشرين حضارة‪ ،‬وهي‪ :‬الحضارة المدنية‪ ،‬اآلشورية‪ ،‬اإلسالمية‪،‬‬
‫اإلنديزية‪ ،‬اإليجية‪ ،‬البابلية‪ ،‬الرومانية‪ ،‬السومرية‪ ،‬الصينية‪ ،‬العربية‪ ،‬الغربية‪ ،‬الفارسية‪ ،‬الفينيقية‪ ،‬المايانية‪ ،‬المصرية‪،‬‬
‫الهندية‪ ،‬اليونانية‪ ،‬حوض نهر السعد‪ ،‬في البحر األبيض المتوسط‪ ،‬في الشرق األوسط‪ ،‬في وادي نهر هوانع هو‪ .‬راجع‬
‫موسوعة المورد‪ :‬ج‪ 1‬و ج‪.3‬‬

‫‪63‬‬

‫أن األمـر ال يقف عند هـذا الحد‪ ،‬فالعالـم عالـم قديم‬
‫ومـن الواضـح ّ‬

‫إلله أزلي س���رمدي قديـ���م‪ ،‬وإن كـان بينهمـا فـرق‪ ،‬فاهلل س���بحانه وتعالى‬
‫قائـم بذاتـ���ه وأزلي أبدي‪ ،‬بينما العالم القديم قديم قدمًا نس���بيًا‪ ،‬وحادث‬
‫مرت دهور ودهور بما ال‬
‫ذاتًا وزمانًا‪ ،‬مس���تند إلى اإلله تبارك وتعالى‪ ،‬وقد ّ‬
‫تدخل تحت األلفاظ ولم يكن ش���يء إطالقًا‪ ،‬ولذا ورد‪( :‬كان اهلل ولم يكن‬

‫‬
‫وأما بالنسبة إلى المستقبل‪ ،‬فقد‬
‫معه ش���يء) ؛ هذا بالنسبة إلى الماضي‪ّ ،‬‬

‫قال سبحانه وتعالى‪{ :‬ك ُّ‬
‫ُل َش ْيٍء َهالِ ٌ‬
‫ك ِإ َّال َو ْج َه ُه} ‪.‬‬

‫ثم شيخوختها‬
‫ومحلّل التاريخ يتكلّم حول أس���باب قيام الحضارات ّ‬

‫ثم بعد ذلك تقوم حضارة أخرى‪.‬‬
‫ثم سقوطها ّ‬
‫ّ‬

‫ثم كيف‬
‫وقد رأينا نحن بأنفس���نا كيف قامت حضارة الش���يوعيين‪ّ ،‬‬

‫ثم كيف‬
‫ثم كيف ضعفت خصوصًا بعد الح���رب العالمية الثانية‪ّ ،‬‬
‫قوي���ت‪ّ ،‬‬

‫‪64‬‬

‫تصور الشيوعيون بأنهم يمتلكون ما ال حصر له من األسباب‬
‫س���قطت وإن ّ‬

‫واألم���وال والقدرة وغير ذلك ألن تبقى س���لطتهم قرون�ا�ً وقرونًا‪ ،‬حّتى إنّي‬

‫الذرية فقط تكفي إلفناء‬
‫هيأه الشيوعيون من القنابل ّ‬
‫قرأت في التاريخ أن ما ّ‬

‫مرات‪ ،‬وقد قال الشاعر‪:‬‬
‫العالم سبع ّ‬

‫لعمرك ما تدري الطوارق بالحصى‬
‫صانع‬
‫وال زاجرات الطير ما اهلل‬
‫ُ‬

‫‬

‫ الكافي أصول‪ :‬ج‪ 1‬ص ‪ 116‬ح‪ 7‬و ص ‪ 120‬ح‪ 2‬بالمعنى‪.‬‬
‫ سورة القصص‪ :‬اآلية ‪.88‬‬
‫ شرح نهج البالغة البن أبي الحديد‪ :‬ج‪ 19‬ص‪.375‬‬

‫المقارنة بين العلوم الطبيعية والتاريخ‬

‫مس�ألة‪ :‬يجب على من يريد تحليل التاريخ‪ ،‬أن يقارن تحليله بسائر‬
‫العلوم الطبيعية‪ ،‬كالكيمياء‪ ،‬والفيزياء‪ ،‬والحس���اب‪ ،‬والهندسة‪ ،‬والفلك‪،‬‬
‫فإن لألمور الطبيعية ظواه���ر وبواطن‪ ،‬والبواطن على األغلب‬
‫وغي���ر ذلك‪ّ ،‬‬
‫مما يمكن أن يستفاد من تلك الظواهر والمفردات الحكم‬
‫تكون متش���ابهة‪ّ ،‬‬

‫الكلّي الساري في جميع ذلك‪.‬‬

‫���يٍء‬
‫{و َج َع ْلنَا ِم َن اْل َماِء ك َّ‬
‫مثال���ه مثال ما ذكره س���بحانه وتعالى‪َ :‬‬
‫ُل َش ْ‬

‫كل ش���يء نشاهده في هذا العالم هو‬
‫بأن جوهر ّ‬
‫َح ٍّي}‪ ،‬وكما قال القدماء ّ‬
‫مكون من أربعة أشياء‪ :‬الماء‪ ،‬والتراب‪ ،‬والهواء‪ ،‬والنور أو النار‪ ،‬وال يخفى‬
‫ّ‬

‫أن هن���اك فرقًا بين النور والن���ار‪ ،‬ذكره علماء الطبيعة وإن كان بينهما جامع‬
‫مشترك‪.‬‬
‫أن مفردات الحوادث لم تقع مصادفة‪ ،‬وإنّما وفقًا لظروف‬
‫تبين ّ‬
‫وبذلك ّ‬

‫معينة وكلّي عام متحد في جميعها وشرائط وأزمان مختلفة‪.‬‬
‫ّ‬

‫ومنطق التفس���ير في األمور الطبيعية أو في غي���ر الطبيعية واحد في‬

‫كل من التاريخ‪ ،‬والعلوم الطبيعية‪ ،‬وال يكون التنبؤ حينئذ علميًا‬
‫جوهره في ّ‬
‫عامة ال غنى عنها لمن يريد تحليل التاريخ عنها‪.‬‬
‫بل هو قائ���م على قوانين ّ‬

‫كالتدخالت التي ال نعلمها‪،‬‬
‫الحتمية والقطعية‬
‫لكن هذه القواني���ن ال تعني‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫ّ‬

‫وألن إرادة اهلل س���بحانه وتعال���ى التي ال تدع ش���يئًا إ ّ‬
‫وتتدخ���ل فيه زيادة‬
‫ال‬
‫ّ‬

‫وإفناء وإيجادًا‪ ،‬ولذا يبقى المجال لإلمكان واالحتمال‪.‬‬
‫ونقيصة‬
‫ً‬
‫ سورة األنبياء‪ :‬اآلية ‪.30‬‬

‫‪65‬‬

‫نع���م‪ ،‬قد يكون اإلمكان قويًا‪ ،‬وقد يكون االحتمال قويًا‪ ،‬وقد يكون‬
‫اإلم���كان أو االحتمال ضعيفًا بدرج���ات الضعف‪ ،‬فربّما يصل األمر إلى‪%100‬‬
‫وهو القطع‪ ،‬وربّما ال يصل آخذًا في النقيصة إلى الواحد ودون الواحد‪.‬‬

‫‪66‬‬

‫استيعاب المفردات‬

‫مس�ألة‪ :‬يلزم على من يريد معرفة فلس���فة التاري���خ‪ ،‬أن يجمع قدرًا‬
‫ال؛ إ َّننا من دون الجمع‪،‬‬
‫كبيرًا من المفردات‪ ،‬والخصائص‪ ،‬والش���رائط‪ .‬مث ً‬

‫ال ّ‬
‫نتمكـ���ن أن نحكم حكمًا قطعيًا ببقاء هذه الحضارة أو تلك‪،‬وموت هذه‬
‫تلك‪،‬فإن األشياء إنّما يصل علم اإلنسان إليها في حدود شرائط‬
‫الحضارة أو‬
‫ّ‬
‫وأما الغيب فال يعلمه إ ّ‬
‫ال اهلل‪ ،‬والراس���خون في العلم‬
‫خاصة بأزمنة ّ‬
‫ّ‬
‫خاصة‪ّ ،‬‬

‫الذين يريد اهلل لهم أن يعلموا الغيب؛ كما قال سبحانه وتعالى‪{ :‬فَ َ‬
‫ال يُ ْظ ِه ُر‬
‫ضى ِم ْن َرس ٍ‬
‫ال إنّا إذا ألقينا نظرة‬
‫���ول}‪ ،‬مث ّ‬
‫َيِب���ِه أَ َحدًا * ِإ َّال َم ِن ْارتَ َ‬
‫ُ‬
‫َع َل���ى غ ْ‬

‫دقيقة على خريطة جغرافية‪ ،‬ظهرت لنا الحدود بين الدول كخطوط دامية؛‬
‫لكثرة ما جرى فوقها من ح���روب فـي الماضي والتي أثرت في الجغرافيا‪،‬‬
‫ّ‬
‫المنظمة تنظيمًا صارمًا‪.‬‬
‫خاصة بين الدول‬
‫ّ‬

‫تغيرت الحدود بس���بب‬
‫وقد ش���اهدنا نحن ف���ي عمرنا القصير كيف ّ‬

‫الح���رب العالمية الثانية‪ ،‬ومن الواضح أنّه ال يمكن بش���كل عام تغيير هذه‬
‫الح���دود إ ّ‬
‫ال بح���روب جديدة أو ث���ورات غير طبيعية‪ ،‬كال���زالزل‪ ،‬والتقاء‬
‫األرض بالش���هب‪ ،‬أو ما أش���به ذلك‪ ،‬فإنّه يوجد على سطح الكرة األرضية‬

‫فضل األشياء بعضها على بعض‪،‬‬
‫فإن اهلل س���بحانه وتعالى ّ‬
‫متميزة‪ّ ،‬‬
‫مناطق ّ‬

‫المفضل على غيره؛ كما قال س���بحانه‬
‫كالت���راب‪ ،‬والذه���ب‪ ،‬وكاإلنس���ان‬
‫ّ‬
‫ال}‪ ،‬والذي يظهر من‬
‫اه ْم َع َلى َكِثيٍر ِم َّم ْن َخ َل ْقنَا تَف ِ‬
‫ْضي ً‬
‫{وف َّ‬
‫َض ْلنَ ُ‬
‫وتعال���ى‪َ :‬‬
‫ سورة الجن‪ :‬اآليات ‪.27 26‬‬
‫ سورة اإلسراء‪ :‬اآلية ‪.70‬‬

‫‪67‬‬

‫مفضلة بعضها على بعض‪،‬‬
‫الروايات واآليـات ّ‬
‫أن فــي اآلخرة أيضـًا مناطـق ّ‬

‫ض ُه ْم َع َلـى بَ ْع ٍ‬
‫َي َ‬
‫ض َولَ ِ‬
‫َض ْلنَا بَ ْع َ‬
‫ـرةُ‬
‫ف ف َّ‬
‫آلخ َ‬
‫كما قال س���بحانه وتعالى‪{ :‬اْن ُظ ْر ك ْ‬
‫أَ ْكبر َدرج ٍ‬
‫ال} ‪.‬‬
‫ـات َوأَ ْكبَ ُر تَف ِ‬
‫ْضي ً‬
‫َُ َ َ‬
‫أن بعض الناس يس���ألون ع���ن أصدقائهم‪ ،‬فيقال لهم‬
‫وفي الحديث ّ‬
‫إنّ���ه في مرتب���ة كذا فينظر إلى تل���ك المرتبة‪ ،‬كما ينظ���ر أهل األرض إلى‬

‫المفضلة ف���ي األرض على مدى العصور‪ ،‬دلّت‬
‫النج���وم‪ ،‬وهذه المناطق‬
‫ّ‬

‫على أنّها أكثر مالءمة من غيرها لسكنى البشر‪.‬‬

‫المؤرخون الغربيون‬
‫األول‪ ،‬كما يذكره‬
‫وال يخفى ّ‬
‫أن مسألة اإلنسان ّ‬
‫ّ‬

‫تخرص بالغيب‪ ،‬وإ ّ‬
‫ال فإنّنا نحن المسلمين نعتقد‬
‫الجدد ومن إليهم إنّما هو ّ‬
‫األول هو آدم(ع)‪ ،‬وقد جاء من الجّنة إلى الدنيا بحضارة كاملة‪،‬‬
‫ّ‬
‫بأن اإلنسان ّ‬

‫ظهر بعضها ولم يظهر بعضها اآلخر حسب الظروف والمالئمات ‪.‬‬
‫‪68‬‬

‫أي حال‪ :‬ففي هذه المناطق المعتدلة‪ ،‬وجد اإلنس���ان أفضل‬
‫وعل���ى ّ‬

‫توجه إلى تلك المناطق‪ ،‬واالعت���دال إنّما يكون‬
‫الش���روط للعيش‪ ،‬وله���ذا ّ‬
‫أما تلك المناطق التي تقع إلى الش���مال من مدار‬
‫بالم���اء‪ ،‬والهواء‪ ،‬والتربة‪ّ .‬‬

‫ّ‬
‫ال تقريبًا‪ ،‬يمتد من شواطئ األطلسي‬
‫ال‪،‬‬
‫فتشكل ش���ريطًا مّتص ً‬
‫السرطان مث ً‬
‫إلى ش���واطئ المحيط الهادي‪ ،‬ويبلغ طوله آالف الكيلومترات‪ ،‬ويمكن أن‬
‫ندخل فيه الش���ريط الس���احلي في إفريقيا الش���مالية الذي يبدأ من المغرب‬
‫ثم يّتصل بالهالل الخصيب في آسيا الصغرى‪.‬‬
‫ويصل إلى مصر ّ‬

‫وتاريخ هذه المناط���ق مجهول لنا إ ّ‬
‫بالتخرص���ات‪ ،‬والتخمينات‪،‬‬
‫ال‬
‫ّ‬

‫ سورة اإلسراء‪ :‬اآلية ‪.21‬‬
‫ ورد في بحار األنوار‪ :‬ج ‪ 8‬ص‪ 148‬وكان أمير المؤمنين ع يقول‪ :‬إن أهل الجنة ينظرون إلى منازل شيعتنا كما ينظر‬
‫اإلنسان إلى الكواكب‪.‬‬
‫ اإلنسان في العصر الحجري أو ما يسمى باإلنسان جاوه الذي يكون أشبه بالقرد‪.‬‬
‫ ّإن من يراجع علم مقارنة األديان‪ ،‬تتجلى له حقيقة هامة‪ ،‬وهي‪ :‬إن اليهود يحاولون أن يمحوا قداسة األديان ويظهروا‬
‫األنبياء مظهر الدجالين‪ .‬ومن هذا المنطلق روجوا لنظرية دارون في التطور وأشباهها ؛ ألجل القضاء على األديان‬
‫والقوانين السماوية معلنين أن كل شيء بدأ ناقصاً ثم تطور‪ ،‬فال قداسة إذاً لألديان والقوانين !!‪.‬‬

‫{إن الظَّ َّن الَ يُ ْغِني ِم َن اْل َح ِّق َش ْيئًا} كما قاله سبحانه‬
‫والظنون‪ ،‬ومن الواضح َّ‬
‫وتعالى‪ ،‬وقد اكتشف قبل سنوات قرب مدينة مشهد المقدسة اإليرانية مدينة‬

‫أن عمرها ‪ 5‬آالف س���نة‪ ،‬كما اكتشفت في الصين أجساد موميائية‪،‬‬
‫ذكروا ّ‬
‫مدة قرأت في إحدى الصحف العالمية‬
‫ذكروا ّ‬
‫أن عمرها ‪ 10‬آالف سنة‪ ،‬وقبل ّ‬

‫أن ف���ي مصر مدينة ق��� ّدر العلماء عمرها ‪ 150‬ألف س���نة‪ ،‬وهناك في إفريقيا‬
‫ّ‬

‫اكتش���فت جماجم إنس���انية ق ّدروا عمرها بسبعين مليون سنة‪ ،‬واكتشف في‬
‫ألمانيا بعض األسماك التي ق ّدر عمرها بثالثمائة مليون سنة‪ ،‬وهكذا‪.‬‬

‫وك���م يبقى من العالم أيض���ًا فإنّه مختلف فيه أبع���د االختالف عند‬

‫أن بقاء الدنيا بهذه الحضارة والكيفية عمرها‬
‫علماء الغرب‪ ،‬فمنهم من ذكر ّ‬

‫أن عمر الكون‬
‫المستقبلي خمسة مليارات من السنوات‪ ،‬كما ذكر بعضهم ّ‬

‫مما ال يعلمه إ ّ‬
‫ال اهلل سبحانه وتعالى‬
‫حسب موازينهم ‪ 16‬مليار سنة‪ ،‬وذلك ّ‬

‫نعم‪ ،‬في العصر القريب كان الجزء الشرقي من حوض البحر األبيض‬

‫المدون‪ ،‬بل‬
‫المتوس���ط منطقة لقاء بين الحضارات منذ أقدم عصور التاريخ‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫أما ما وراء المحيط‬
‫ومن���ذ عصور ما قبل التاري���خ على االصطالح الحديث‪ّ .‬‬

‫فإن المنطقة المعتدلة تمتد حّتى أواس���ط األمريكيتين‪ ،‬فالمكسيك‬
‫الهادي‪ّ ،‬‬

‫تطورت بدون‬
‫والبيرو كانتا مهد حضارات س���ابقة‪ ،‬ولك���ن هذه الحضارات ّ‬
‫احتكاك مع العالم الخارجي قبل وصول األس���بان أو المس���لمين حسب ما‬
‫ش���ك‬
‫القارة هي بال‬
‫ّ‬
‫يعتقد المس���لمون حوله���ا‪ ،‬وخطوط التص ّدع في هذه ّ‬
‫أق���ل وضوحًا من تلك الخطوط المماثلة الموجودة فوق القارات اآلس���يوية‬
‫ّ‬

‫وألن مـن ينظر إلى هاتين القارتين آسيا وأوربا يراهما ملتحمتين‬
‫واألوربية‪ّ ،‬‬

‫بش���كل يجعل خطوط التص��� ّدع الموجودة فوقهما مّتصلة ب���دون انقطاع‪،‬‬

‫وتطورت منذ آالف‬
‫يس���مونها بالعظمى‬
‫فقد ب���دأت فيهما الحضارات التي‬
‫ّ‬
‫ّ‬

‫ سورة يونس‪ :‬اآلية ‪ ،36‬سورة النجم‪ :‬اآلية ‪.28‬‬
‫ للمزيد راجع كتاب نهاية الكوارث الكونية وأثرها في مسار الكون للمؤلف فرانك كلوز‪ ،‬والصادر عن عالم المعرفة‬
‫الكويتية ترجمة د‪ .‬مصطفى إبراهيم فهمي‪.‬‬

‫‪69‬‬

‫السنين‪.‬‬
‫لمجرد المثال وإ ّ‬
‫ولعل األمثلة في‬
‫وإنّما ذكرنا ذلك‬
‫ال فاألمثلة كثيرة‪ّ ،‬‬
‫ّ‬

‫مجرتنا تكون أروع وأوس���ع‬
‫المج���رات األخرى أو في األنجم األخرى في ّ‬

‫ف���ي الط���ول والعرض والعمق‪ .‬وقد ذكر بعض العلم���اء‪ :‬إنّه ما ال يقل عن‬

‫‪ 100‬ألف كوكب يس���كنها البش���ر‪ .‬وقد ذكر اإلمام علي(ع) حينما س���ئل عن‬

‫الكواكب؟ فقال‪( :‬مدائن مثل المدائن التي في األرض) ‪ .‬لكن الذي يظهر‬
‫مما يكون الزيادة عليه مؤّقتة‪،‬‬
‫من اآليات والروايات ّ‬
‫أن الش���يء الذي يبقى ّ‬

‫ت‬
‫والنقيص���ة عنه مؤّقتة أيضًا هي الفطرة‪ ،‬كما قال س���بحانه وتعالى‪ِ{ :‬ف ْط َر َ‬
‫‬
‫اهللِ ا َّلِت���ي ف َ‬
‫وأما التقالي���د والعادات واألعراف والقوانين‬
‫اس َع َل ْي َها}‬
‫َط َر ال َّن َ‬
‫ّ‬

‫الموضوعة وما أش���به ذلك‪ ،‬فكلّها وقتية س���واء دام وقتها عشرات السنوات‬
‫أو لم تدم إ ّ‬
‫ال س���نوات قالئل‪ .‬ولهذا نش���اهد في البش���رية منذ بداية التاريخ‬
‫‪70‬‬

‫س���واء التاريخ الديني الذي يبتدئ بآدم(ع) وما بع���ده أو التاريخ الحضاري‬
‫وإن كانوا مختلفين‬
‫أو الغربي أنّهم كانوا متش���ابهين في كثير م���ن األمور‪ْ ،‬‬
‫ف���ي العادات والتقاليد واألعراف والقوانين الموضوعة وما أش���به ذلك‪ .‬لكن‬

‫إن‬
‫التاريخ البش���ري ليس منه بأيدينا ال دينيًا وال دنيويًا الش���يء الكثير‪ ،‬بل ّ‬
‫أن نوحًا(ع) كان‬
‫الذي عندنا بعض المجمالت‪ ،‬وكنت في الس���ابق احتمل ّ‬

‫حددوا زمن‬
‫ثم وجدت في كتاب حديث ّ‬
‫أن الغربيين ّ‬
‫قبل مائة مليون سنة‪ّ ،‬‬

‫نوح(ع) حس���ب موازينهم بثمانين مليون سنة‪ ،‬وهكذا فالمحلّل التأريخي‬

‫يحتاج إلى مقدار كبير من المفردات الزمانية والمكانية والشرائطية وما أشبه‬
‫ذلك‪ ،‬حّتى ّ‬
‫يتمكن من تحليل التاريخ وفلس���فته واس���تخالص ذلك الكلّي‬

‫ّ‬
‫المبطن في هذه األمور أو الحضارات‪.‬‬

‫ على ما ذكره الكاتب المصري عبد الرزاق نوفل‪.‬‬
‫الصافات‪ :‬هذه النجوم التي في‬
‫القمي‪ :‬ج‪ ،2‬ص‪ ،218‬في تفسير سورة ّ‬
‫ فقد ورد في تفسير البرغاني‪ :‬ص‪ ،137‬وتفسير ّ‬
‫السماء مدائن مثل المدائن التي في األرض‪.‬‬
‫ سورة الروم‪ :‬اآلية ‪.30‬‬

‫المؤرخ‬
‫مهمة‬
‫ّ‬
‫ّ‬

‫مس�ألة‪ :‬عل���ى المحل���ل التاريخي أن يراعي ظ���روف الزمان والمكان‬
‫والش���رائط والخصوصيات والمالبسات لألحداث واألمم التي أصابتها تلك‬
‫األح���داث‪ ،‬وأالّ‪ ‬يصدر أح���كام الزيغ والضالل عل���ى الماضي‪ ،‬أو إصدار‬
‫أحكام الزيغ والضالل على المستقبل حسب موازينه الشخصية‪.‬‬
‫خاص باهلل سبحانه وتعالى وبأنبيائه‬
‫ّ‬
‫إن إصدار أحكام الزيغ والضالل ّ‬

‫عليهم أفضل الصالة والسالم سواء كان بالنسبة إلى الماضي أو بالنسبة إلى‬
‫للمؤرخ والفيلسوف أن يجعل من نفسه واعظًا عقيديًا‬
‫يحق‬
‫المستقبل‪ ،‬فال ّ‬
‫ّ‬

‫يؤدي إ ّ‬
‫ال إلى أحكام خاطئة إذا‬
‫معتمدًا على ذوقه الش���خصي‪ّ ،‬‬
‫ألن ذلك لن ّ‬

‫قيس���ت بعقلية ذلك العصر‪ ،‬الذي يدرسه سواء بالنسبة إلى العصر الماضي‬
‫ل���كل حقبة ذلك‪ ،‬كما‬
‫لكل عصر تاريخًا بل‬
‫ّ‬
‫فإن ّ‬
‫أو العص���ر المس���تقبلي‪ّ ،‬‬

‫للمؤرخ أن ينظر إلى الماضي‬
‫لكل حضارة ش���خصيتها وقيمه���ا‪ ،‬وليس‬
‫أن ّ‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫م���ن خالل معايير الحاضر‪ ،‬كما أنه لم يكن للمؤرخ الس���ابق أن ينظر إلى‬

‫الحضارة الحاضرة حسب مقاييس الماضي‪ ،‬وإن كان بين الماضي والمستقبل‬
‫أما الوصول إلى‬
‫والحاضر معايير كلّية هي كالروح السائدة في أجزاء البدن‪ّ ،‬‬

‫لك فهو مش���كلة المشاكل‪ ،‬وال يمكن إ ّ‬
‫ال بقدر معين من العلم وقدر معين‬
‫فإن اإلنسانية ليست‬
‫مما ورثه اإلنس���ان عن األنبياء عن اهلل سبحانه وتعالى ‪ّ .‬‬
‫ّ‬
‫ال وال نمطًا متفردًا ماضيه ومستقبله وحاضره‪،‬‬
‫ال واحدًا وال طابعًا مستق ً‬
‫شك ً‬
‫إّ‬
‫خاصة وموازين قطعية‪.‬‬
‫ال في صور ّ‬

‫‪71‬‬

‫لكل عصر‬
‫ألن ّ‬
‫ول����ذا ينبغي التعبير عن ّ‬
‫خاصة به‪ّ ،‬‬
‫كل عصر بتعبيرات ّ‬

‫كل فرد من‬
‫إن ّ‬
‫ول� ّ‬
‫أم����ة طابعًا فريدًا غير قابل للتكرار‪ ،‬بل ق����ال بعضهم‪ّ :‬‬
‫���كل ّ‬
‫اإلنس����ان كلّي منحصر بفرده في الخصوصيات والمزايا والش����رائط واألفكار‬
‫وما أش����به ذلك‪ ،‬وقد أش����ار إلى ذلك القرآن الحكيم فإنّه قابل للتطبيق على‬

‫األمم وعل����ى األفراد وعلى الجماعات قال اهلل س����بحانه وتعال����ى‪{ :‬أَْن َز َل ِم َن‬
‫الس����ماِء َماء فَس����الَ ْت أَ ْوِديَةٌ بِ َق َدِر َها}‪ ،‬فإذا أردنا أن نمثل ذلك ٍ‬
‫بأوان‪ ،‬فهناك‬
‫َّ َ ً َ‬
‫إناء يس����توعب مثقا ًال من الماء وهناك إناء فوق ذلك وفوق ذلك إلى أن يصل‬
‫إل����ى بحار الدنيا‪ ،‬حّتى يصل إلى ما يكون بحار الدنيا جزءًا صغيرًا منها كما‬

‫{وكَا َن َع ْر ُش ُه َع َلى اْل َماِء}‪ ،‬فأفضل ما خلق اهلل الماء‬
‫قال س����بحانه وتعالى‪َ :‬‬

‫{و ِه َي‬
‫ثم جعل من الماء الس����ماء كما قال سبحانه وتعالى‪َ :‬‬
‫في إطار الماديات ّ‬
‫َ‬
‫اه َّن‬
‫ين * فَ َق َ‬
‫ضُ‬
‫َره��ا�ً قَالَتَا أَتَْينَا َطاِئ ِع َ‬
‫ألر ِ‬
‫ُد َخ����ا ٌن فَ َقا َل لَ َها َولِ ْ‬
‫ض اِْئِتيَا َط ْوعًا أ ْو ك ْ‬

‫‪72‬‬

‫أن المراد بسبع سماوات هل العدد أو‬
‫اوات}‪ ،‬وال نعلم إلى اليوم ّ‬
‫���ب َع َس َم َ‬
‫َس� ْ‬
‫بعض‪.‬‬
‫المبالغة كما قال‪ :‬بكلٍّ ٌ‬

‫كل حال‪ :‬فليست الحضارة المصرية القديمة كالحضارة العراقية‪،‬‬
‫وعلى ّ‬

‫أو اآلشورية أو ما أشبه ذلك‪ ،‬كما أنّهما ال يشابهان حضارة الصين‪ ،‬أو حضارة‬
‫اليونان‪ ،‬أو حضارة الرومان‪ ،‬وهكذا ال تش����ابه بين حضارة اليهود الموسوية‪،‬‬

‫المحمدية صلوات اهلل‬
‫وحضارة المسيحيين العيس����وية‪ ،‬وحضارة المسلمين‬
‫ّ‬
‫على أنبياء هذه الحضارات‪ ،‬وإن كان يش����بـه بعضهـا بعضـًا في الجامع الذي‬
‫آم َّنا بِاهللِ َو َما أُْن ِز َل ِإلَْينَا َو َما أُْن ِز َل‬
‫أقره اهلل س����بحانه وتعالى‪ ،‬حيث قال‪{ :‬قُولُوا َ‬
‫ّ‬

‫يل َوِإ ْس َح َ‬
‫اع َ‬
‫يسى‬
‫األسبَ ِ‬
‫ِإلَى ِإْب َر ِ‬
‫يم َوِإ ْس َم ِ‬
‫اق َويَ ْع ُق َ‬
‫اط َو َما أُوِت َي ُم َ‬
‫وب َو ْ‬
‫اه َ‬
‫وسى َو ِع َ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫َر ُق بَْي َن أَ َح ٍد ِم ْن ُه ْم َونَ ْح ُن لَُه ُم ْس����ِل ُمو َن}‪،‬‬
‫َو َم����ا أوِت َي ال َّنِب ُّيو َن ِم ْن َر ِّب ِه ْم ال نُف ِّ‬

‫ سورة الرعد‪ :‬اآلية ‪.17‬‬
‫ سورة هود‪ :‬اآلية ‪.7‬‬
‫ سورة فصلت‪ :‬اآليات ‪.12 11‬‬
‫ سورة البقرة‪ :‬اآلية ‪.136‬‬

‫أمهات شتى) ؛ كما ورد فـي الحديث‪ ،‬وإنّما الفروق‬
‫ّ‬
‫فإن (األنبياء أخوة من ّ‬

‫تكون زمانية ومكانية وحسب خصوصيات األمم‪ .‬ولذا قال عيسى المسيح(ع)‬

‫ُ‬
‫ض ا َّل ِذي ُح ِّر َم‬
‫���م بَ ْع َ‬
‫���ن يَ َد َّي ِم َن َّ‬
‫ص ِّدقًا لِ َما بَْي� َ‬
‫{و ُم َ‬
‫لليه����ود‪َ :‬‬
‫الت ْو َراِة َوأل ِحلَّ لَ ُك� ْ‬
‫‬
‫‬
‫ثم غير‬
‫َع َل ْي ُك ْم} ‪ ،‬وقال سبحانه وتعالى‪َ :‬‬
‫{والَ تُ َح ِّم ْلنَا َما الَ َطاقََة لَنَا بِِه} ‪ّ ،‬‬
‫العامة بالنس����بة إلى الحضارات المختلفة‪ ،‬فقد ّ‬
‫كل منها‬
‫تشكلت ّ‬
‫تلك الجهة ّ‬

‫المؤرخ أن يالحظ العصر الذي‬
‫ثم وجب على‬
‫ّ‬
‫بطريق����ة متمايزة منفردة؛ ومن ّ‬
‫يدرسه والدين الذي يدرسه وما أشبه ذلك‪.‬‬

‫وعليه‪ ،‬فالالزم على من يريد معرفة فلسفة التاريخ أ ّ‬
‫ال يتجاوز ظروف‬
‫الزمان والمكان والشرائط والخصوصيات واألمم‪ ،‬حّتى يصدر أحكامًا مطلقة‪،‬‬
‫فهذا غير صحي����ح‪ ،‬إ ّ‬
‫الكل‪ ،‬مثال ذلك‬
‫العام الدقيق الجاري في ّ‬
‫ال في الكلّي ّ‬

‫لكل‬
‫عام من العناصر األربعة‪ ،‬بينما ّ‬
‫جامع ٌ‬
‫مث����ال الفواكه المختلفة الت����ي فيها ٌ‬

‫وخاصية وغيرها‪.‬‬
‫ومزية‬
‫واحد منها لون وشكل وطعم وخصوصية ّ‬
‫ّ‬

‫وقد قرأت في بع����ض الكتب أنّه يعيش على الكرة األرضية ‪ 30‬مليونًا‬

‫من األحياء سواء كانت أحياء نباتية أو أحياء حيوانية أو أحياء إنسانية‪ ،‬وهذه‬
‫جامع واح ٌد من الحياة النباتية‬
‫الثالثون مليونًا على فرض صحة هذا الرقم فيها ٌ‬
‫ومزية‪ ،‬كما نشاهد‬
‫أو الحيوانية أو اإلنسانية‪ ،‬بينما ّ‬
‫لكل واحد منها خصوصية ّ‬
‫ذلك بالنس����بة إل����ى النباتات المختلفة‪ ،‬فأحدها ال يش����به اآلخر إطالقًا‪ ،‬وإن‬

‫يعبر عنه‬
‫يعبر عنه بالنبات‪ ،‬أو بالنسبة للحيوان ّ‬
‫كان في الجميع جامع واحد ّ‬

‫بالحيوان‪.‬‬

‫ فقد ورد في بعض الكتب عن الرسول ص‪ :‬األنبياء أخوة لعالت دينهم واحد وأمهاتهم شتى كنز العمال‪ :‬ج‪ 14‬ص ‪336‬‬
‫ح‪ ،38566‬تفسير القرطبي‪ :‬ج‪ 16‬ص‪ ،106‬جامع البيان ِ‪ :‬ج‪ 3‬ص‪ ،396‬وقريب منه في مسند الطيالسي‪ :‬ج‪ 1‬ص‪355‬‬
‫وتفسير ابن كثير‪ :‬ج‪ 2‬ص‪ 67‬وتحفة األحوذي‪ :‬ج‪ 10‬ص‪ 14‬ومصنف ابن أبي شيبة‪ :‬ج‪ 7‬ص ‪.499‬‬
‫ سورة آل عمران‪ :‬اآلية ‪.50‬‬
‫ سورة البقرة‪ :‬اآلية ‪.286‬‬

‫‪73‬‬

‫المادي في دراسة العلوم‬
‫المنهج ّ‬

‫األمة‪ ،‬وش���خصيتها المعنوية‪،‬‬
‫التعرف على روح ّ‬
‫مس�ألة‪ :‬ال يتس���نى ّ‬

‫وفلس���فة التاريخ بمنهج العلوم الطبيعية من فيزيـاء وكيمياء؛ إذ هذه العلوم‬
‫الطبيعية ال‪ ‬تكش���ف إ ّ‬
‫أمر‬
‫ال ّ‬
‫عما هو ظاهري وخارجي‪ ،‬بينما فلسفة التاريخ ٌ‬
‫معن���وي‪ ،‬وروح عامة‪ .‬والماضي التاريخي والمس���تقبل اآلتي والحاضر أمر‬
‫التعرف على ال���روح من الظاهر‪ ،‬وإنّما الروح هي التي‬
‫روح���ي‪ ،‬وال‪ ‬يمكن ّ‬

‫ويع���رف الظاهر‪ .‬فالروح الداخلية‬
‫فيعرف بظاهر‬
‫أما الظاهر‬
‫تع���رف الروح‪ّ ،‬‬
‫َّ‬
‫ِّ‬
‫‪74‬‬

‫ال‪،‬‬
‫لإلنسان هي التي يمكن أن تكشف روح العصر سابقًا أو حا ً‬
‫ال أو مستقب ً‬
‫األمة ويصل إلى روحها‬
‫فالب ّد‬
‫يتعرف على ش���خصية ّ‬
‫ِّ‬
‫للمؤرخ الذي يريد أن ّ‬

‫وأن يستشعر فـي‬
‫األمـة ْ‬
‫مما نس���ميه بفلس���فة التاريخ‪ ‬ـ ْ‬
‫أن يتفاعل مـع ّ‬
‫العامة ّ‬

‫األمة‪ ،‬وال يتس���نى فهم ذلك من خ�ل�ال األمور الطبيعية والعلوم‬
‫ذاته تراث ّ‬
‫وال‪ ‬مج���رد عاطفة‪ ،‬وال ما ينبع‬
‫مجرد عقل‪،‬‬
‫الظاهرية‪ّ ،‬‬
‫ّ‬
‫فإن اإلنس���ان ليس ّ‬

‫كل ذلك‪.‬‬
‫عنهما من اإلرادة المنتهية إلى األعمال الخارجية‪ ،‬بل اإلنسان ّ‬

‫وفي هذه األمور الفردية تختفي الروح العامة كما ال تفهم ش���خصية‬
‫اإلنس���ان إالّ‪ ‬ف���ي ضوء هذه الجوان���ب كلّها‪ ،‬أي إنّ���ك إذا أردت أن تعرف‬

‫زي���دًا‪ ،‬فالب ّد أن تس���بر عقله‪ ،‬وتعرف عواطفه‪ ،‬وتدري كيفية اس���تخدامه‬
‫معين‪ ،‬ال تفهم إ ّ‬
‫ال في ضوء‬
‫إلرادت���ه‪ ،‬كذلك الروح‬
‫المميزة ّ‬
‫لألمة في عصر ّ‬
‫ّ‬
‫مجرد أفعال خارجية‪ ،‬وأمور ظاهرية‬
‫ّ‬
‫مكوناتها جميعًا‪ .‬وليس���ت هذه األمور ّ‬

‫من اقتصاد‪ ،‬وسياس���ة‪ ،‬واجتماع‪ ،‬وتربية‪ ،‬وفكر‪ ،‬وما أش���به ذلك‪ ،‬وإنّما‬

‫ّ‬
‫وتش���كلها في صور مختلفة‪،‬‬
‫طبيع���ة باطنية‪ ،‬تكم���ن خلف هذه األفعال‪،‬‬
‫متعددة‪ ،‬وكما ال يمكن فهم اإلنس���ان الواح���د إ ّ‬
‫ال من خالل مرور‬
‫ٍ‬
‫ون���واح ّ‬

‫الزمان‪ ،‬وعبر مظاهر إرادته‪ ،‬وليست البواعث الذاتية مح ّددة تحديدًا جازمًا‬
‫تحدد خصائص الش���جرة وفقًا للبذرة‪ ،‬وكذلك بالنسبة إلى‬
‫لس���لوكه‪ ،‬كما ّ‬

‫فإن البذرة‪ ،‬والحي���وان الصغير‪ ،‬إذا رآه اإلنس���ان‪ ،‬وكان عارفًا‬
‫الحي���وان‪ّ ،‬‬
‫المتحول من هذا‬
‫بنوعيته وخصوصياته‪ ،‬يعرف الش���جرة‪ ،‬والحيوان الكبير‬
‫ّ‬

‫الحيوان الصغير‪ ،‬وليس اإلنسان كذلك من حيث عالقته بالتاريخ الماضي‪،‬‬
‫كل لحظة‪ ،‬ترتبط‬
‫فإن الحياة البشرية طابعها االستمرار ّ‬
‫وكذلك المستقبل‪ّ ،‬‬

‫ويتنوع‬
‫تغيرًا س���ريعًا‪،‬‬
‫بأخرى‬
‫ّ‬
‫ِّ‬
‫يتغير ّ‬
‫لتكون وحدة متكاملة‪ ،‬وهذا اإلنس���ان ّ‬
‫يتغير عن‬
‫أن الحيوان منذ ْ‬
‫تنوعًا مختلفًا‪ ،‬وبينما نشاهد ّ‬
‫ّ‬
‫أن حفظ التاريخ لم ّ‬

‫خاصة‪،‬‬
‫خاصة‪ ،‬والنملة بكيفية ّ‬
‫حالته الس���ابقة‪ ،‬وإنّما يعمل النحل بكيفية ّ‬

‫والدب‪ ،‬وسائر الحيوانات‪ ،‬بينما نرى اإلنسان‬
‫وهكذا بالنس���بة إلى األسد‪،‬‬
‫ّ‬
‫ألن اإلنسان يحمل‬
‫في ارتقاء وانخفاض‪ ،‬وصعود ونزول‪ ،‬وتوقف‬
‫وتحرك‪َّ ،‬‬
‫ّ‬

‫ويتصرف باختيار‪ ،‬وحرية في المواقف التي تواجهه‪ ،‬لذلك ال‬
‫إرادة واعية‪،‬‬
‫ُّ‬
‫يتصرف‬
‫أما الحيوان؛ فإنّه‬
‫يمكن تخمين رد الفعل اإلنس���اني في استجابته‪ّ .‬‬
‫ّ‬

‫رد فعله واحدًا‪.‬‬
‫حسب غريزته؛ لذلك يكون ُّ‬

‫فإن اإلرادة‬
‫األمة‪ّ ،‬‬
‫كما هو بالنس���بة إلى الفرد‪ ،‬كذلك بالنس���بة إل���ى ّ‬

‫واالختيار ش���يء غريب في اإلنس���ان ال يع���رف حقيقتهما إ ّ‬
‫ال اهلل س���بحانه‬
‫‬
‫ٍ‬
‫أي‬
‫عز وجلَّ ‪{ :‬ا َّل ِذي أَ ْع َطى ك َّ‬
‫وتعالى‪ ،‬وقال َّ‬
‫ُم َه َدى} ؛ ّ‬
‫ُل َش ْ���يء َخ ْل َق ُه ث َّ‬

‫مس���تمرًا وهكذا في الحي���وان على نحو واحد‪،‬‬
‫خلق���ه وهداه إلى مصالحه‬
‫ّ‬

‫مع تغيير يسير في س���لوكه وحياته‪ ،‬وكذلك حال الشجرة‪ ،‬والفرق بينهما‬
‫أن هناك فرقًا آخر بين الحيوان‬
‫الروح الحيوانية‪ ،‬وعدم الروح الحيوانية‪ .‬كما ّ‬
‫يتحرك هنا وهناك‪،‬‬
‫إن الش���جر مرتبط باألرض‪ ،‬بينما الحيوان‬
‫والش���جر‪ّ ،‬‬
‫ّ‬

‫ سورة طه‪ :‬اآلية ‪.50‬‬

‫‪75‬‬

‫ويتغير يومًا بعد يوم‪ ،‬ارتفاعًا ونزوالً‪ ،‬وقّل ًة‬
‫بينما اإلنس���ان يختار‪ ،‬ويفعل‪،‬‬
‫ّ‬

‫وتجمدًا‪.‬‬
‫وتجددًا‬
‫وكثرًة‪،‬‬
‫ّ‬
‫ّ‬

‫والتغير في‬
‫والتنوع‪،‬‬
‫وتفهم الحياة اإلنس���انية في ضوء االس���تمرار‪،‬‬
‫ّ‬
‫ّ‬

‫حي آخر تتس���م حياته بذلك حسب علمنا‪،‬‬
‫الزمان‪ ،‬وليس هناك ّ‬
‫أي كائن ّ‬

‫الحية بخصوصياتها‬
‫إذ نحن لم تصل علومنا إلـى معرفة س���ائر الكائن���ات ّ‬

‫أن األنبياء بعثوا‬
‫كالجن‪ ،‬والملك‪ ،‬والشيطان‪ ،‬وما أشبه ذلك‪ ،‬لكن مقتضى ّ‬
‫ّ‬
‫وأن الجن أيضًا له شبه باإلنس في بعض الخصوصيات‪،‬‬
‫إلى الجن واألنس‪ّ ،‬‬
‫ولذا كان عرضة لالمتحان‪ ،‬والس���ؤال والجواب‪ ،‬والثواب والعقوبة‪ ،‬ولكن‬

‫من الظاهر أنّه ال‪ ‬يصل إلى ح ّد اإلنسان في الوصول إلى هذه الخصوصيات‪،‬‬

‫الجن الصالح األعراف ال الجّنة) ‪.‬‬
‫(إن ّ‬
‫ولذا فقد ورد في األحاديث‪ّ :‬‬
‫محل ّ‬

‫أن‬
‫فإن حاضر اإلنسان مشحون في الماضي‪ ،‬كما ّ‬
‫ومن ناحية أخرى‪ّ ،‬‬

‫‪76‬‬

‫الحاضر مش���حون بتوّقعات المستقبل‪ ،‬ولذا نجد آنات الزمان لدى اإلنسان‬
‫وعلو‪ ،‬وهبوط‪ ،‬وتج ّدد‪ ،‬وال نجد مثل‬
‫في ديمومة‪ ،‬وانفصال‪ ،‬واستمرار‪،‬‬
‫ّ‬
‫هذا االّتصال أو االس���تمرار في العال���م الطبيعي‪ ،‬وال في مثل عالم الحيوان‬

‫ال في‬
‫والش���جر‪ .‬وإذا انتقلنا من الف���رد إلى المجتمع‪ ،‬وجدن���ا الماضي ماث ً‬
‫الحاضر على نطاق أكثر اتس���اعًا مّتخذًا ش���كل تراث من أنظمة‪ ،‬وعقائد‪،‬‬

‫وأفكار‪ ،‬ومعارف‪ ،‬وصنائع‪ ،‬واقتصاديات‪ ،‬وسياسيات‪ ،‬واجتماعيات‪ ،‬وغير‬
‫ّ‬
‫يش���كل تراث األمم‪ ،‬ومن ذلك نعرف ش���خصيات أولئك والروح‬
‫مما‬
‫ذلك ّ‬

‫تميز‬
‫العامة فيهم ّ‬
‫مما نس���ميه بفلس���فة التاريخ‪ ،‬والمقوالت األساس���ية التي ّ‬

‫والتغير‪ ،‬والديموم���ة‪ ،‬والصعود‪ ،‬والنزول‪،‬‬
‫التنوع‪،‬‬
‫الزم���ان التاريخي هي ّ‬
‫ّ‬
‫والتجمد‪.‬‬
‫والتج ّدد‪،‬‬
‫ّ‬

‫للمؤرخ الذي يريد دراس���ة التاريخ‪ ،‬والوصول إلى‬
‫والب��� ّد أن تكون‬
‫ّ‬

‫ثم يتجّنب النظر إلى‬
‫الروح العامة منه‪ّ ،‬‬
‫حاسة تاريخية كي يدرك ذلك‪ ،‬ومن ّ‬

‫الماضي باعتباره صورة مماثلة للحاضر من جانب الس���ابق‪ ،‬وهكذا بالنسبة‬
‫إلى المستقبل في الجانب اآلتي‪ .‬فال يستطيع المؤرخ أن يستنسخ الماضي‪،‬‬
‫أو المستقبل حسب محدوديته‪ ،‬ونظرته الضيقة في الحاضر‪.‬‬

‫دور القيم والمشخص‬
‫ف���إن القيم المعنوية هي‬
‫أن الحضارة جوهرها القيم‪ّ ،‬‬
‫ث���م ال يخف���ى ّ‬
‫ّ‬

‫مادية مختلفة‪ ،‬فقيم الش���يوعيين هي التي تدير‬
‫الت���ي تدير الحضارة بصور ّ‬

‫أن القيم الرأسمالية هي التي تدير الرأسمالية‪ ،‬وقيم اإلسالم‬
‫الشيوعية‪ ،‬كما ّ‬
‫ألن اإلنسان‬
‫هي التي تدير بالد المس���لمين‪ ،‬واألمر كان كذلك من القديم‪ّ ،‬‬

‫ولكنه ليس‬
‫يقدمه اإلنس���ان جوه���ره القيم‪،‬‬
‫ه���و الذي أقامها‪ ،‬وإن كان ما ّ‬
‫ّ‬
‫المشخص‪.‬‬
‫ال عن الوجود‬
‫معزو ً‬
‫ّ‬

‫ومـن هنـا لـم تكـن القيم تنتمي إلى اإلنس���ان فقط‪ ،‬بل إلى الوجود‬

‫فإن الكلّي الطبيعي على اصطالح‬
‫تشخص‪ّ ،‬‬
‫المشخص أيضًا‪ .‬إذ ال وجود بغير ّ‬
‫ّ‬

‫المشخص كما قال الحاج السبزواري‪:‬‬
‫المنطقيين هي الماهية بالوجود‬
‫ّ‬

‫�����ي ال����ط����ب����ي����ع����ي ه�������ي املهية‬
‫ك������ل� ّ‬
‫‬
‫���ي����ة‬
‫وج�������������و ُده وج�������وده�������ا ش����خ����ص� ّ‬
‫فعالقة اإلنس���ان بالوجود‪ ،‬وعالقة الوجود باإلنسان‪ ،‬وعالقة اإلنسان‬

‫باهلل‪ ‬س���بحانه وتعالى إنّما تكون عالقة ذات بعدين‪ :‬بعد التش���خيص‪ ،‬وبعد‬

‫الحقيقة‪.‬‬

‫واألخي���ر هو ال���ذي يحمل القيم ويس���ري إلى الوجود الش���خصي‪.‬‬
‫فاإلنسان حقيقة وشخصية وقيم‪ ،‬والقيم مربوطة بكليهما‪ ،‬وهناك شخصية‬
‫وهناك جماعة وهناك نوع وهناك جنس‪ ،‬ولكن الجماعة والنوع والجنس ال‬
‫وجود لها بدون األفراد‪.‬‬

‫ شرح منظومة السبزواري‪ :‬النسب األربعة‪ :‬ص‪ 39‬للمؤلف‪.‬‬

‫‪77‬‬

‫وم���ن هنا كان الب��� ّد لنا أن نالحظ هذه األمور األربع���ة‪ ،‬والقيم إنّما‬

‫تكون منس���وبة إليها جميعًا‪ ،‬فيقال قيم زيد وقيم الحزب الفالني وقيم نوع‬
‫فإن للحيوان أيضًا قيمًا يسير عليها مثل‬
‫اإلنسان‪ ،‬وربما قيم نوع الحيوان‪ّ ،‬‬

‫مما يشترك اإلنسان‬
‫قيمة الغضب أو الرضى أو الش���هوة أو ما أش���به ذلك‪ّ ،‬‬
‫والحي���وان فيها‪ ،‬ولذا يقال الوجدان الفردي والوجدان الجماعي‪ ،‬والوجدان‬

‫الجماعي عبارة عن مجموعة وجدانات فردية تهيمن عليها قيم واحدة‪.‬‬
‫أن الن���وع غير الجماعة‪،‬‬
‫أن القيم غير الن���وع‪ ،‬كما ّ‬
‫وم���ن الواض���ح ّ‬

‫مما يعطي اإلنسان القيم‪ ،‬واإلنسان‬
‫والوجدان هي‬
‫المكونة في داخل اإلنسان ّ‬
‫ّ‬
‫محل القيم‪ ،‬ولوال وجود اإلنسان لما كان هناك شيء نسميه عالم القيم‪،‬‬
‫هو ّ‬
‫إّ‬
‫القيم لتش���مل الحيوان أيضًا على ما ذكرناه‪ .‬ولوال وجود‬
‫ال أن ّ‬
‫نوس���ع في ّ‬

‫القيم لكان اإلنسان في حالة طبيعية ال لون له‪ .‬ولذا قال اهلل سبحانه وتعالى‪:‬‬
‫‪78‬‬

‫{ص ْب َغ َة اهللِ َو َم ْن أَ ْح َس ُن ِم َن اهللِ ِص ْب َغ ًة}‪ ،‬والصبغة تكون في ظاهر اإلنسان‬
‫ِ‬

‫وفي باطنه‪.‬‬

‫تتل���ون بهاتين‬
‫فإن النفس‬
‫ً‬
‫مث�ل�ا‪ :‬صبغ���ة الرحمة أو صبغ���ة العنف‪ّ ،‬‬
‫ّ‬

‫ثم لهاتين الصبغتي���ن مظهر في خارج اإلنس���ان‪ ،‬حيث يكون‬
‫الصبغتي���ن ّ‬

‫{ولَ ْو‬
‫اإلنسان عنيفًا أو يكون في أموره رحيمًا‪ ،‬ولذا قال اهلل سبحانه وتعالى‪َ :‬‬
‫‬
‫َظًا َغِل َ‬
‫َضوا ِم ْن َح ْولِ َ‬
‫ّ‬
‫���ت ف ّ‬
‫والفظ في الظاهر‪ ،‬و غليظ‬
‫ك}‬
‫ْب الَْنف ُّ‬
‫ُك ْن َ‬
‫يظ اْل َقل ِ‬
‫أن قوله س���بحانه‬
‫القل���ب في الباطن‪ ،‬وقد ذكرنا في بعض كتب تفاس���يرنا ّ‬
‫أن‬
‫وتعال���ى‪{ :‬الرحمن الرحيم} حكاية عن ظاهر الرحمة وباطن الرحمة مع ّ‬

‫اهلل سبحانه وتعالى ليس له نفس وظاهر بمعنى اإلنسان‪ ،‬وإذا أردنا أن نقيس‬
‫ذلك باإلنس���ان نج���د أن بعض الناس يظهرون الرحم���ة ويبطنون الفظاظة‪،‬‬
‫أما ظاهرهم فالقسوة‪ ،‬وكالهما خالف موازين‬
‫وبعض الناس باطنهم الرحمة ّ‬
‫ سورة البقرة‪ :‬اآلية ‪.138‬‬
‫ سورة آل عمران‪ :‬اآلية ‪.159‬‬

‫يبين بقوله‪{ :‬الرحمن الرحيم} حسب ما‬
‫اإلنس���ان واإلنسانية‪ ،‬واهلل يريد أن ّ‬
‫يس���تفاد من هاتين الكلمتين أنّه ظاهر الرحمة‪ ،‬وباطن الرحمة أيضًا‪ ،‬وفي‬

‫التعبي���ر العرفي يقال فالن رحيم القل���ب‪ ،‬وال يقال رحمان القلب‪ ،‬وبذلك‬
‫أن فلس���فة التاريخ والروح العامة‬
‫أن الحضارة مرتبطة بالوجدان‪ ،‬كما ّ‬
‫يظهر ّ‬

‫أن الروح العامة ال تظهر في المظهر‪،‬‬
‫أيضًا كذل���ك‪ ،‬لكن ليس معنى ذلك ّ‬
‫وإ ّ‬
‫كل فرد فرد‪ ،‬وجماعة‬
‫أن الروح العامة تظه���ر في مظهر ّ‬
‫ال فم���ن الواضح ّ‬

‫وأمة‪ ،‬وهكذا‪.‬‬
‫وأمة ّ‬
‫وجماعة‪ّ ،‬‬

‫عالقة الوجدان االجتماعي بالله سبحانه‬
‫إن الوج���دان االجتماعي ال يتح ّقق في اإلنس���ان إ ّ‬
‫ال باألمور الخارجة‬
‫ّ‬

‫ال الوجدان الصحيح‬
‫عن ذات���ه وبتفكيره‪ ،‬باإلضافة إلى عوامله الفطرية‪ ،‬مث ً‬
‫إنّما يتكون بعامل الدين‪ ،‬ونتيجة اعتقاد اإلنسان باهلل الرقيب عليه الذي بيده‬

‫وضره‪ ،‬وبإيمانه باليوم اآلخر حيث يحاس���ب عليه‪ ،‬وإحساس اإلنسان‬
‫نفعه ّ‬

‫الفطري بذلك‪.‬‬

‫القيم الصحيحة والوجدان‬
‫ّ‬
‫أما ما يقوله بعض الفالسفة من أن مصدر ّ‬

‫ه���و الذات فقط‪ ،‬فهو غير تاٍم‪ ،‬إذ كيف يمك���ن للوجدان أن يتح ّقق بدون‬

‫اإليم���ان باهلل واليوم اآلخر‪ .‬والعقل وإن كان ينادي باألش���ياء الحس���نة وترك‬
‫األشياء القبيحة‪ ،‬إ ّ‬
‫ال أنّه محدود إذا لم يكن هناك ضوء من الخارج‪ ،‬وخوف‬
‫من اهلل سبحانه وتعالى‪ ،‬لم ّ‬
‫أن العقالء‬
‫يتمكن العقل من القيادة‪ ،‬ولهذا نشاهد ّ‬

‫دائم���ًا في العالم موجودون‪ ،‬ومع ذلك تقع المظالم التي ال حدود لها‪ ،‬وقد‬
‫اعترف بذلك حّتى كبار العلمانيين‪ ،‬ففي كتاب نصر بال حرب‪ ،‬الذي كتبه‬
‫‬
‫النص‪ :‬لقد‬
‫نيكس���ون ‪ ،‬الرئيس األس���بق للواليات المّتحدة‪ ،‬جاء فيه هذا ّ‬

‫ ريتشارد ميلهو نيكسون‪ ،‬ولد سنة ‪1913‬م‪ ،‬ومات سنة ‪1994‬م‪ .‬سياسي أمريكي‪ ،‬تزعم الحزب الجمهوري وأصبح رئيساً‬
‫ويعد الرئيس رقم ‪ ،37‬وأعيد انتخابه سنة ‪1972‬م‪ ،‬واستقال سنة ‪1974‬م ؛ إثر فضيحة‬
‫للجمهورية سنة ‪1969‬م‪ُّ ،،‬‬
‫ووتر غيت السياسية‪.‬‬

‫‪79‬‬

‫الحرية الدينية‪ ،‬وأرادوا أن يكون‬
‫نهض بتأسيس أميركا أفراد كانوا ينشدون ّ‬

‫معنى للحياة حسب‬
‫حق عبادة اهلل بطريقتهم‬
‫لهم ّ‬
‫ّ‬
‫الخاصة‪ ،‬وأن يبحثـوا عن ً‬

‫الخاصة‪ .‬وعلينا أ ّ‬
‫ال نغفل عن هذا المبدأ الموحى من مبادئ بالدنا‪،‬‬
‫شروطهم‬
‫ّ‬

‫وعلينا أ ّ‬
‫ال نس���مح لمنافس���تنا مع موس���كو بأن تنحدر‪ ،‬وتصبح سباقًا بين‬
‫الطرفين على ّأيهما يستطيع إنتاج أكبر عدد من القنابل‪ ،‬وأطول العمارات‪،‬‬
‫فإن كانت الثروة‬
‫وأعلى مع ّدل للدخل الفردي من الناتج القومي اإلجمالي‪ْ ،‬‬

‫المادية هـي هدفنـا الوحيد‪ ،‬لـم نختلف فـي شيء عن الشيوعيين‪ .‬علينا أن‬
‫ّ‬

‫أنانية تصبغ‬
‫نصغي إلى التحذير الذي س���اقه ماركس‪ ،‬وكون ّ‬
‫مخربة ّ‬
‫المادية ّ‬

‫الروح البش���رية بالبيروقراطية في قفص حديدي نق ّدمه إلى الغرب‪ .‬علينا أن‬
‫نوجه المنافس���ة األمريكية الس���وفياتية إلى اّتخاذ طريق الحوار حول أفكار‬
‫ّ‬

‫وأيتها تسفر ال عن أقوى أو أغنى اقتصاد فحسب‪ ،‬بل تسفر كذلك‬
‫الطرفين ّ‬
‫‪80‬‬

‫ولكن ليس هناك‬
‫عن أعدل المجتمعات‪ ،‬والش���يوعيون ينكرون وجود اهلل‪،‬‬
‫ْ‬
‫الرد‬
‫أن الش���يوعية عقيدة‪ ،‬وفي اعتقادنا أنّها عقيدة زائفة‪،‬‬
‫من منكر ّ‬
‫ولكن ّ‬
‫ّ‬

‫عل���ى العقيدة الزائفة ال يمكن أبدًا أن يكمن في إنكار العقيدة‪ ،‬وإنّما كانت‬
‫أميركا ضعيفة‪ ،‬وفقيرة‪ ،‬منذ مائتي س���نة مض���ت‪ ،‬كانت عقيدتنا هي التي‬
‫أبقت علينا‪ ،‬ونحن ندخل القرن الثالث‪ ،‬ونس���تقبل األلف سنة المقبلة‪ ،‬أن‬
‫نبث فيها الحيوية إلى آخر كالمه‪.‬‬
‫نعيد اكتشاف عقيدتنا‪ ،‬وأن ّ‬

‫أن العقيدة المس���يحية التي كانت عقيدة آباء‬
‫ولكن يضاف إلى ذلك ّ‬

‫األميركيي���ن واألوربيين لم ّ‬
‫رد الش���رور‪ ،‬وله���ذا أقاموا الحربين‬
‫تتمكن من ّ‬
‫أقل من نصف قرن‪ ،‬باإلضافة إلى المليارات من المش���اكل‬
‫العالميتين في ّ‬
‫الفردي���ة والجماعية التي تموج فيها أمي���ركا وأوربا‪ ،‬وال عالج إ ّ‬
‫ال بالرجوع‬
‫ الحرب العالمية األولى التي ابتدأت سنة ‪1914‬م بين المانيا والنمسا والمجر من جانب‪ ،‬وفرنسا وانجلترا وبلجيكيا واليابان‬
‫وأمر يكا من جانب آخر‪ ،‬وانتهت في سنة‪1918 ‬م‪ .‬والحرب العالمية الثانية التي ابتدأت سنة ‪ 1939‬م بين دول المانيا‬
‫وإيطاليا‪ ‬واليابان من جانب‪ ،‬وفرنسا وإنجلترا وروسيا وأمريكا والصين من جانب آخر‪ ،‬وانتهت سنة‪1945 ‬م‪ ،‬وقد قتل‬
‫إنسان‪.‬‬
‫إنسان‪ ،‬وفي الحرب العالمية الثانية ما يقارب خمسين مليون ٍ‬
‫في الحرب العالمية األولى تسعة عشر مليون ٍ‬

‫إلى اإلس�ل�ام‪ .‬واإلس�ل�ام هو ما تدعو إليه المسيحية الصحيحة التي تناسب‬

‫أمهات ش���تى) ‪ .‬وورد‬
‫الوق���ت الحاض���ر‪ .‬ولذا ورد ّ‬
‫أن (األنبي���اء أُخوة من ّ‬

‫يم‬
‫آم َّنا بِاهللِ َو َما أُْن ِز َل ِإلَْينَا َو َم���ا أُْن ِز َل ِإلَى ِإْب َر ِ‬
‫ف���ي القرآن الكريم‪{ :‬قُولُ���وا َ‬
‫اه َ‬
‫يل َوِإ ْس َح َ‬
‫اع َ‬
‫يسى َومَـا أُوِت َي‬
‫األسبَ ِ‬
‫َوِإ ْس َم ِ‬
‫اق َويَ ْع ُق َ‬
‫اط َو َما أُوِت َي ُم َ‬
‫وب َو ْ‬
‫وسى َو ِع َ‬
‫ـن رب ِهـم الَ نُفَر ُق ب َ َ ٍ‬
‫ـم َونَ ْح ُن لَـ ُه ُم ْس ِ���لمُـو َن} ‪ .‬إذ‬
‫ِّ َ‬
‫يْـن أ َحـد ِم ْن ُه ْ‬
‫ال َّنِب ُّي���و َن ِم ْ َ ِّ ْ‬

‫وغيرت كثيرًا من مفاهيم المسيح(ع)‪ ،‬فهل قول المسيح‬
‫المس���يحية ّ‬
‫بدلت ّ‬

‫فمد له خ ّدك األيسر‪ ،‬وإذا سلبك‬
‫المش���هور‪( :‬إذا ُ‬
‫ضربت على خ ّدك األيمن ّ‬
‫المطبق في الغرب المس���يحي‪ ،‬وإذا‬
‫العدو ش���يئًا أعطه ش���يئًا آخر)‪ ،‬هو‬
‫ّ‬

‫كان األمر كذلك فلماذا االس���تعمار واالس���تثمار؟ ولماذا فـي أميركا وحدها‬
‫صرحوا هم بذلك؟ ولماذا؟‬
‫فـي الحال الحاض���ر يوجد ‪ 30‬مليون فقير كمـا ّ‬

‫ولماذا؟ وما أكثر هذه التساؤالت‪.‬‬

‫إن الرجوع إلى المسيحية الموجودة كاف‪.‬‬
‫ال يقال‪ّ :‬‬

‫ألنّه يقال‪ :‬المس���يحية ُح ّرفت‪ ،‬والتحريف هو سبب المشاكل التي ال‬

‫تعد‪ ،‬إضافة إلى أنها تلبي بعض الحاجات‪ ،‬وتغطي بعض الجوانب‪ ،‬ولذا‬
‫ّ‬

‫أصبح دين اإلسالم كصيغة متكاملة وصحيحة خاتم ًة لألديان‪.‬‬

‫ فقد ورد في بعض الكتب عن الرسول ص‪ :‬األنبياء أخوة لعالت دينهم واحد وأمهاتهم شتى كنز العمال‪ :‬ج‪ 14‬ص ‪336‬‬
‫البيان‪ :‬ج‪ 3‬ص‪ ،396‬وقريب منه في مسند الطيالسي‪ :‬ج‪ 1‬ص‪355‬‬
‫ح‪ ،38566‬تفسير القرطبي‪ :‬ج‪ 16‬ص‪ ،106‬جامع ِ‬
‫وتفسير ابن كثير‪ :‬ج‪ 2‬ص‪ 67‬وتحفة األحوذي‪ :‬ج‪ 10‬ص‪ 14‬ومصنف إبن أبي شيبة‪ :‬ج‪ 7‬ص ‪.499‬‬
‫ سورة البقرة‪ :‬اآلية ‪.136‬‬
‫فاعط األيسر‪ ،‬وفي تحف‬
‫ وقد ورد في األمالي للصدوق‪ :‬ص‪ 519‬المجلس ‪ 78‬عن عيسى ع‪ :‬وإن لُطم خدك األيمن ِ‬
‫العقول‪ :‬ص‪ 532‬ومن لطم خده منكم فليمكّن من خده اآلخر‪.‬‬

‫‪81‬‬

‫متط ّلبات الباحث في فلسفة التاريخ‬

‫مس�ألة‪ :‬من ينظر إلى فلس���فة التاريخ‪ ،‬يحتاج إلى أمرين‪ :‬النظر إلى‬
‫المفردات‪ ،‬والنظر إلى الظروف‪.‬‬
‫سببت تلك النظرية‪،‬‬
‫ألن ّ‬
‫ّ‬
‫كل واحد من المفردات‪ ،‬والظروف هي التي ّ‬

‫فاإلنس���ان ليس معصومًا إ ّ‬
‫ال من عصمهم اهلل س���جانه وه���م قلّة حتى يدرك‬
‫الواق���ع‪ ،‬فيكتب عن���ه‪ ،‬فإذا لم يعرف المفردات‪ ،‬ال يع���رف الروح العامة‪،‬‬
‫وتلك المفردات‪ ،‬ال تكون معلّقة فـي الفراغ‪ ،‬وإنّما تكون مفردات بظروف‬

‫‪82‬‬

‫وأجزاء‪.‬‬
‫خاصة‪ ،‬زمانًا‪ ،‬ومكانًا‪ ،‬وشرائط‪،‬‬
‫ّ‬
‫ً‬

‫فعلـى سبيل المثال‪ :‬مـن يريد أن يدرس نظرية فالسفة اليونان‪ ،‬الذين‬

‫النص في لغة اليون���ان‪ ،‬التي تكلّم أولئك‬
‫قالوا بش���يء‪ّ ،‬‬
‫مجرد ق���راءة ّ‬
‫فإن ّ‬

‫الفالس���فة بها ليس كافيًا‪ ،‬وإنّما عليه أن يس���توعب المشكلة التي ّ‬
‫تشكلت‬
‫حل تلك المشكلة‪ .‬فعليه أن‬
‫بسببها نظريات أولئك الفالسفة‪ ،‬حيث أرادوا ّ‬
‫يدرس مفردًا مفردًا‪ ،‬كنظرية أفالطون‪ ،‬ونظرية سقراط‪ ،‬ونظرية ديوجنس‪،‬‬

‫تقدم ح ًّ‬
‫ال لإلش���كال‬
‫ثم يدرس النظري���ات البديلة التي يمكن أن ّ‬
‫وهك���ذا‪ّ ..‬‬
‫ثم عليه أن يدرس عوامل اختيار أولئك الفالسفة لتلك النظريات دون‬
‫نفسه‪ّ ،‬‬

‫سائر البدائل‪ ،‬وهذه الدراسة تحتاج إلى معرفة الزمان‪ ،‬والمكان‪ ،‬والمزايا‪،‬‬
‫والشرائط‪ ،‬والخصوصيات‪ ،‬التي منها نشأت نظريات أولئك الفالسفة‪.‬‬
‫ومثال آخر‪ :‬إذا رأينا عش���رة من الفالسفة قالوا بوحدة اإلله‪ ،‬وعشرة‬
‫باالثنينية‪ ،‬وعش���رة قالوا باألكثر من ذلك كما نس���ب ش���رح التجريد‬
‫قالوا‬
‫ّ‬

‫األصح بقدماء خمس���ة ـ‪ .‬وأراد‬
‫الرازي أنّه قائل بآلهة خمس���ة أو على‬
‫ّ‬
‫إل���ى ّ‬

‫الموحدين على ح���دة‪ ،‬فيدرس نظرية‬
‫الباح���ث أن ي���درس نظرية أولئ���ك‬
‫ّ‬
‫فإن نظرية التوحيد‬
‫األول‪ ،‬والثاني‪ ،‬والثالث‪ ،‬والعاش���ر منهم مفردًة مفردًة‪ّ ،‬‬
‫ّ‬
‫أيضًا يمكن أن يكون فيها اختالف‪ ،‬كما نش���اهد أن جماعة من المسلمين‪،‬‬

‫يقولون بالتوحيد ومع ذلك يقولون بالتجس���يم‪ ،‬وجماعة يقولون بالتوحيد‬
‫وال يقولون بالتجس���يم‪ ،‬وهكذا‪ .‬وبعد ذلك يدرس النظريات البديلة للذين‬
‫ثم يدرس ظروف نظريات القائلين بالتوحيد‬
‫يقولون‬
‫ّ‬
‫بالتعدد أو ما أشبه ذلك‪ّ ،‬‬
‫زمانًا‪ ،‬ومكانًا‪ ،‬وش���رائط‪ ،‬وخصوصيات‪ .‬وبذلك يس���تخلص تلك النظرية‬

‫التي كانت ألولئك‪ ،‬وذلك االستخالص يعطي روح التاريخ‪ ،‬وفلسفته‪.‬‬
‫فإن فهم أفكار اآلخري���ن وتجاربهم‪ ،‬ال يقف عند‬
‫وعل���ى كل حال‪ّ :‬‬

‫مجرد فهم المواقف‪ ،‬واألفكار‪ ،‬والس���لـوك‪ ،‬بل الالزم أن يعيش هذا الذي‬
‫ّ‬
‫يريـ���د الوصول إلى فلس���فة التاريخ معيش���تهم‪ ،‬ويجعل نفس���ه كأحدهم‬
‫بش���روطه الزمانية والمكانية‪ ،‬حتى يصبح جزءًا مـ���ن كيانهم‪ ،‬وكأنّه عاش‬

‫ال‪ :‬يفترض نفس���ه س���قراطًا بزمانه‪ ،‬ومكانه‪ ،‬ومزاياه‪،‬‬
‫فـي ذلك الوقت ‪ .‬مث ً‬
‫وخصوصيات���ه‪ ،‬والنظريات المقابلة لنظريته‪ ،‬وذلك لكـي يبعث الروح فـي‬
‫رفات ذلك الماضـي‪ ،‬ويكون كأنّه هـو‪.‬‬

‫ألن الواقع‬
‫مجرد دراسة لما وقع‪ّ ،‬‬
‫ومن الخطأ أيضًا القول‪ّ :‬‬
‫إن التاريخ ّ‬

‫فكل التاريخ تاريخ فكر‬
‫البد أن يتمّثله‬
‫ثم ّ‬
‫يحدد فكرًا ّ‬
‫الفعلي ّ‬
‫ّ‬
‫المؤرخ‪ .‬ومن ّ‬

‫إن العمل إنما ينش���أ مـن الفكر أيضًا‪ ،‬يكون التاريخ تاريخ‬
‫وعمل‪ ،‬وحيث ّ‬

‫الفكر فـي نهاية األمر‪.‬‬

‫ومن الواضح هناك فرق بين دراس���ة التاريخ للوصول إلى فلس���فته‪،‬‬
‫خصوصية‬
‫وبي���ن دراس���ة األمور المرتبطة بالعل���وم الطبيعية‪ ،‬ذلك بأنّ���ه ال‬
‫ّ‬

‫ال‬
‫للزمان‪ ،‬والمكان‪ ،‬والمزايا بالنس���بة إلى األمور الطبيعية كاألش���جار فض ً‬

‫‪83‬‬

‫تتغير وتتب ّدل‬
‫عن الجمادات‪ّ ،‬‬
‫حري���ة لها حّتى ّ‬
‫فإن الجمادات واألش���جار ال ّ‬

‫تغير فيها‪ ،‬وإن كان بعض العلماء‬
‫بخصوصياتها‪ .‬ولذا نج���د أنّها جامدة ال ّ‬
‫ّ‬
‫تتغير‬
‫بأن المس���تقبل البعيد جدًا مث ً‬
‫قال���وا ّ‬
‫ال مليون من الس���نوات يمكن أن ّ‬

‫ال‪ :‬النحل يبني بيوته‬
‫تتغير الحيوانات في مناهجها مث ً‬
‫األشجار‪ ،‬ويمكن أن ّ‬
‫الرمان‬
‫مثمنًا عوض‬
‫وأن ش���جرة البرتقال تعطي برتقا ً‬
‫المس���دس‪ّ ،‬‬
‫ّ‬
‫ال بشكل ّ‬
‫ّ‬

‫إن الحيوانات قابل���ة للنطق لكّنها تحتاج إلى‬
‫وهكذا‪ ،‬بل قال ابن س���ينا‪ّ :‬‬

‫جهود كبيرة كعشر سنوات أو عشرين سنة من التدريب‪.‬‬

‫وقد تمكن البعض من تدريب بعض الحيوانات على بعض األصوات‬
‫المفهومة‪.‬‬
‫وق���د ذك���ر بعض علماء الغ���رب أنّه من الممك���ن أن تصبح الذئاب‬

‫كالكالب‪ ،‬مأنوس���ة بالناس فتأتي إلى البي���وت‪ ،‬ولهذا جماعة منهم أخذوا‬
‫‪84‬‬

‫يربّون الذئاب‪ ،‬ويعيشون معها لعلهم يصلون إلى هذه النتيجة‪.‬‬

‫ الشيخ الرئيس أبو علي الحسين بن عبد اهلل بن سينا البلخي‪ ،‬ولد في بخارى سنة ‪371‬ه‍ ‪981‬م‪ ،‬فيلسوف‪ ،‬وطبيب‬
‫وشاعر‪ ،‬يعرف بالغرب باسم آفيسين‪ ،‬تقلّد منصب وزير الدولة‪ ،‬وكان كثير االهتمام بالدرس والبحث والتأليف رغم‬
‫مشاغله بالوزارة‪ ،‬وكان له تضلع بالتحليل النفسي والعصبي‪ ،‬فكان يرى ّأن للعوامل النفسية والعقلية كالحزن‪ ،‬والخوف‪،‬‬
‫والقلق‪ ،‬والفزع‪ ،‬وما أشبه لها تأثيراً على أعضاء الجسم ووظائفه‪ ،‬ويعد أول من وصف التهاب السحايا‪ ،‬والسكتة‬
‫الدماغية عن كثرة الدم‪ ،‬وهو أول من أشار بوضع كيس الثلج في قطعة من القماش وتغطية الرأس به‪ ،‬وهو أول‬
‫فرق بين الحصى الكلوية والحصى في المثانة‪ .‬تزيد مؤلفاته عن المائة في حقل الطب‪ ،‬والفلسفة‪ ،‬والرياضيات‪،‬‬
‫من ّ‬
‫والنفس‪ ،‬والمنطق‪ ،‬واإللهيات‪ ،‬والفلك‪ ،‬والطبيعيات‪ ،‬وعلم طبقات األرض‪ ،‬وله نظريات مهمة في الفلسفة‪ ،‬وال زالت كتبه‬
‫تدرس في الجامعات الغربية‪ ،‬من أشهر كتبه الطبية‪ :‬القانون‪ ،‬والفلسفية الشفاء‪ ،‬النجاة‪ ،‬الحكمة المشرقية‪ ،‬اإلشارات‬
‫َّ‬
‫والتنبيهات‪ ،‬وله قصيدة في النفس‪ .‬توفي سنة ‪428‬ه‍ ‪1037‬م عن عمر يناهز ‪ 57‬سنة ودفن بهمدان‪.‬‬
‫ترجمه أعيان الشيعة‪ :‬ج‪ 6‬ص‪ 298‬وموسوعة المورد‪ :‬ج‪ 1‬ص ‪.223‬‬

‫الدراسة التاريخية تجربــة حدسيــة‬

‫إن من ينشد فلسفة التاريخ‪ ،‬يحتاج إلى جمع المفردات‪ ،‬إذ‬
‫مس�ألة‪ّ :‬‬

‫الدراس���ة التاريخية تجربة حدسية مباشرة‪ ،‬تجعل شخصيات الماضي جزءًا‬
‫للمؤرخ الذي يدرسها‪ ،‬فإنّـه ينبغي أن يكـون موضوع‬
‫من التجربة الحاضرة‬
‫ّ‬

‫الم���ؤرخ موضوعًا اندماجيًا ذاتيًا‪ ،‬فإنّا إذا انتقلنا م���ن الفرد إلى المجتمع‪،‬‬
‫ّ‬

‫ال في الحاضر على نطاق أكثر اتس���اعـًا‪ ،‬مّتخذًا ش���كل‬
‫وجدنا الماضي ماث ً‬

‫تراث مـن أنظمة‪ ،‬وعقائد‪ ،‬وفكر‪ ،‬ومعرفة‪ ،‬وتكنولوجيا‪ ،‬وبذلك الماضي‬
‫ّ‬
‫ش���خصياتها الكلّية السارية في‬
‫تتش���كل‬
‫ثم‬
‫يتميز تراث األمم‪ ،‬ومن ّ‬
‫ّ‬
‫الماثل ّ‬
‫الماضي‪ ،‬والحاضر‪ ،‬والمس���تقبل‪ ،‬ولذا نستكشف المستقبل أيضًا‪ ،‬ولكن‬

‫إن االس���تقراء ال يكون‬
‫االستكش���اف كما ذكرناه ليس قطعيًا بل ظّنيًا‪ ،‬حيث ّ‬

‫وأما االس���تقراء الناقص فال يفيد إ ّ‬
‫ال‬
‫تامًا‪ ،‬والذي يفيد هو االس���تقراء ّ‬
‫التام‪ّ ،‬‬

‫ظنًا‪ .‬وعلى مبنى االستقراء الناقص‪ ،‬بنى العالم الغربي كما هو المشاهد في‬
‫أقل من ذلك البشر في ناحية‬
‫اّتخاذهم نتائج من فحص مئات‪ ،‬أو ألوف‪ ،‬أو ّ‬
‫للمؤرخ‬
‫ثم يحكمون على البشرية من تلك الناحية‪ ،‬والب ّد أن تكون‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫خاصة ّ‬

‫ثم يتجّنب النظر إلى الماضي باعتباره‬
‫ّ‬
‫حاسة تاريخية؛ كي يدرك ذلك‪ ،‬ومن ّ‬
‫الحاس���ة أخالقها‬
‫مكررة‪ ،‬أو مماثلة للحاضر‪ ،‬وتّتضح خلفية هذه‬
‫ّ‬
‫ص���ورة ّ‬
‫ال مس���ميات م���ن الدولة الرومانية‪ ،‬مثل الش���ريف‪ ،‬والنبيل‬
‫حين يعالج مث ً‬
‫يص���ح أن تفهم هذه‬
‫والرقيق‪ ،‬والعبد‪ ،‬والس���يد‪ ،‬وما أش���به ذلك‪ ،‬فإنّه ال‬
‫ّ‬
‫المس���مّيات كما نفهمها اآلن‪ ،‬وذلك ما ذكروه في األصول حيث قالوا‪ :‬يلزم‬
‫ّ‬

‫‪85‬‬

‫علين���ا أن نعرف مفاهيم األلفاظ في زمان المعصومين(ع)‪ ،‬وكثيرًا ما يكون‬
‫مفهوم لفظ في زمان غير مفهوم لفظ في زمان آخر‪.‬‬
‫ال لفظ النجس بالنس���بة‬
‫أن األمم أيضًا تختلف في المفاهيم مث ً‬
‫كم���ا ّ‬

‫مسه بال رطوبة‪،‬‬
‫إلى الهندوسي عبارة عن أنّه إذا نظر إليه تنجس بصره‪ ،‬أو ّ‬

‫تنجست يده‪ ،‬بينما مفهوم النجس عند المسلمين غير ذلك‪ ،‬وهذا هو الذي‬
‫يسبب التشويش التاريخي‪ ،‬ويقع فيه كثير من الناس‪.‬‬
‫ّ‬
‫وقد قال الحاج السبزواري‪:‬‬

‫ف�����ل�����ازم‬

‫ل����ل����ف����ي����ل����س����وف‬

‫املنطقي‬

‫أن ي���ن���ظ���ر ال���ل���ف���ظ ب�����وج� ٍ‬
‫����ه م���ط���ل���ق‬

‫‬

‫خ���اص بالمنطق‪ ،‬وإ ّ‬
‫ال فالش���أن كذلك بالنس���بة إلى‬
‫لك���ن ما ذكره‬
‫ّ‬

‫الفيلس���وف التاريخي‪ ،‬أو الفيلس���وف الرياضي‪ ،‬أو الفيلسوف الفيزيائي‪،‬‬
‫‪86‬‬

‫ٍ‬
‫حينئذ‪ ،‬وليس ينظر إلى اللفظ فقط‪ ،‬وإنّما‬
‫وإن كان اإلطالق سيكون نسبيًا‬

‫تكون النسبة للمنحى الذي يقصده من التاريخ‪ ،‬أو الرياضيات‪ ،‬أو الفيزياء‪،‬‬
‫أو غير ذلك‪.‬‬

‫ شرح منظومة السبزواري‪ ،‬قسم المنطق‪ ،‬مباحث األلفاظ‪ :‬ص‪ 21‬للمؤلف‪.‬‬

‫التجرد من األهواء فـي دراسة التاريخ‬
‫ّ‬

‫التجرد‬
‫مس�ألة‪ :‬يجب على من يريد تحليل التاريخ وتناول فلس���فته‪،‬‬
‫ّ‬

‫عن العواطف‪ ،‬واألهواء‪ ،‬والميول‪ ،‬واالّتجاهات الس���ابقة‪ ،‬وإ ّ‬
‫ال فاإلنس���ان‬
‫بطبع���ه يميل إلى األه���واء‪ ،‬والتبرير‪ ،‬وبذلك ال ّ‬
‫يتمكن من تناول فلس���فة‬

‫يفسر التاريخ حسب نظره وبعيدًا عن المنطق‪.‬‬
‫التاريخ تناو ً‬
‫ال واقعيًا‪ ،‬وإنّما ّ‬

‫كل ش���يء‪ ،‬وخصوصًا ف���ي التاريخ‪ ،‬ولذا‬
‫فالموضوعية مطلوبة في ّ‬

‫يفسرون التاريخ استنادًا للعامل االقتصادي‪ ،‬وفرويد‪،‬‬
‫نشاهد ّ‬
‫أن الشيوعيين‪ّ ،‬‬

‫‬
‫يفسرون‬
‫يفسر التاريخ حس���ب نظره إلى قضايا الجنس ‪ ،‬والبروتستانت‪ّ ،‬‬
‫ّ‬

‫ زيغموند فرويد‪ ،‬طبيب وعالم نفساني‪ ،‬يهودي األصل‪ ،‬ولد في النمسا سنة ‪1856‬م‪ ،‬ومات في لندن سنة ‪1939‬م‪ ،‬له‬
‫نظرية في التحليل النفسي‪ ،‬عرضها في كتابه عالم األحالم‪ ،‬له عدة مؤلفات‪ ،‬منها‪ :‬المدخل إلى التحليل النفسي‪ ،‬ثالث‬
‫محاوالت في نظرية الجنس‪ ،‬محاوالت في التحليل النفسي‪ ،‬مقدمة عامة للتحليل النفساني‪ ،‬وال يخفى أن فرويد ُيرجع‬
‫كل الميول واآلداب الدينية والخلقية واألسرية الى الغريزة الجنسية ؛ كي يبطل قداستها وُيخجل اإلنسان منها ويسلبه‬
‫إيمانه بسموها ما دامت راجعة إلى أدنى ما يرى في نفسه‪.‬‬
‫ في القرن الماضي‪ ،‬برزت عدة نظريات‪ ،‬تقوم على تفسير األحداث‪ ،‬والوقائع‪ ،‬من بعد واحد‪ ،‬ويعبر عنها بنظريات العامل‬
‫الواحد‪ ،‬نذكر بعضها على نحو اإلجمال‪:‬‬
‫‪ -1‬النظرة المادية أو االقتصادية‪ :‬والتي دعا إليها ماركس‪ ،‬وتنص على أن التاريخ‪ ،‬يعيش في صراع‪ ،‬وتبدل في قيمه‪،‬‬
‫وموازينه حسب تبدل وسائل اإلنتاج وتطورها‪.‬‬
‫وقد ناقش اإلمام المؤلف هذه النظرية في كتابه الفقه االقتصاد‪ ،‬وكتاب نقد المادية الديالكتيكية‪.‬‬
‫‪ -2‬النظرة المثالية‪ :‬والتي دعا إليها هيجل‪ ،‬وتنص على أن التاريخ‪ ،‬يشرف على األحداث من وجهة نظر كلية‪ ،‬غير خاضعة‬
‫للزمن‪ ،‬وهي وجهة نظر عقلية‪ ،‬ألن العقل في نظره جوهر التاريخ‪ ،‬والعقل كما يراه هيجل هو الذي يحكم العالم‪.‬‬
‫وقد ناقش بعض المفكرين هذه النظرية‪ ،‬وأوردوا عليها بعض اإليرادات‪.‬‬
‫‪ -3‬النظرة القومية والعرقية‪ :‬وتنص على أن األحداث التاريخية‪ ،‬وبواعثها‪ ،‬تنشأ من اللغة والتجمع الواحد‪ ،‬فمث ًال ينظرون‬
‫إلى التاريخ اإلسالمي على أنه حلقة من حلقات تأريخ العرب ؛ ولذا يفسرون أحداثه على أساس صراع قومي‪.‬‬
‫وقد ناقش اإلمام المؤلف هذه النظرية في كتابه القوميات في خمسين سنة‪.‬‬
‫‪ -4‬النظرة الغريزية الجنسية‪ :‬والتي دعا إليها فرويد‪ ،‬وتنص على أن الدوافع الجنسية هي المفسرة للتاريخ‪.‬‬
‫وقد ناقش اإلمام المؤلف هذه النظرية في كتابه نقد نظريات فرويد‪.‬‬
‫‪ -5‬النظرة الحضارية‪ :‬والتي دعا إليها أرنولد توينبي‪ ،‬وتنص هذه النظرية على أن نشوء الحضارات‪ ،‬يعتمد على التحدي‪،‬‬
‫واالستجابة‪ ،‬ويفسر األحداث التاريخية على أساس الجانب المادي‪ ،‬والروحي‪.‬‬
‫وإن هذه النظرية ال تخلو من مناقشة‪ ،‬حيث تفقد لبعض مقومات الحدث التاريخي‪ ،‬إضافة إلى الفهم المشوش لعناصر‬
‫الحدث‪.‬‬

‫‪87‬‬

‫‬
‫يفس���رون‬
‫التاريخ حس���ب نظ���ر مارتين لوث���ر اإلصالحي‪ ،‬والكاثوليك‪ّ ،‬‬

‫يفسر التاريخ‬
‫التاريخ على عكس ذلك‪ ،‬وهكذا نش���اهد بين المسلمين من ّ‬
‫حسب وجهة نظر ابن خلدون ؛ ألنّهم يأخذون بمذهبه فـي التاريخ‪ ،‬بينما‬

‫ويفسرون التاريخ خالف ذلك‪ ،‬فتعارض‬
‫هناك من يرفض آراء ابن خلدون‪ّ ،‬‬

‫المؤرخين‪ ،‬لكن‬
‫التفسيرات التاريخية هو نتيجة اختالف وجهات النظر بين‬
‫ّ‬
‫الواقع ال يحمل إ ّ‬
‫ال واحدًا‪ ،‬ال يمكن أن يكون هذا صحيحًا‪ ،‬وهذا‬
‫ال ش���ك ً‬
‫إما في ش���يء ثال���ث‪ ،‬أو في أحدهما فقط‪ ،‬أو يكون‬
‫صحيحًا‪ ،‬والصحيح ّ‬
‫بينهما عموم من وجه‪ ،‬فالبعض من هذا‪ ،‬والبعض من ذاك‪ ،‬أو البعض من‬

‫هذا‪ ،‬والبعض من األمر الثالث‪.‬‬
‫المؤرخين ومن يذك���رون التاريخ التحليلي هو‬
‫وليس الخ�ل�اف بين‬
‫ّ‬

‫نتيجة اختالف العقائد‪ ،‬واألف���كار‪ ،‬والمذاهب‪ ،‬واآلراء‪ ،‬واالّتجاهات فقط‬
‫‪88‬‬

‫س���واء كان األمر مرتبطًا باالقتصاد‪ ،‬أو السياس���ة‪ ،‬أو االجتماع‪ ،‬أو التربية‪،‬‬

‫أن اإلمام الصادق(ع)‪ ،‬كتب إلى ثالثة‬
‫أو الفكر‪ ،‬أو ما أشبه ذلك‪ .‬وقد ورد ّ‬
‫من تالميذه كلمة جي���م‪ ،‬ففهم أحدهم من الجيم جالء الوطن واألمر بترك‬

‫الوط���ن‪ .‬وفهم الثان���ي الذهاب إلى الجبال‪ .‬وفهم الثال���ث الجنون‪ ،‬حّتى ال‬

‫يُعتقلوا ّأيام الخلفاء الجائرين‪.‬‬

‫التجرد عن الميول‪ ،‬واألهواء‪ ،‬واالّتجاهات المسبقة‪،‬‬
‫والحاصل‪ :‬أن‬
‫ّ‬
‫أن امرأة جاءت إلى‬
‫من الش���روط األساسية لذكر فلس���فة التاريخ‪ .‬وقد روي ّ‬

‫رس���ول اهلل (ص)؛ ليقوم الرسول بنهي ابنها عن أكل التمر‪ ،‬فأرجأه الرسول‬
‫ زعيم اإلصالح الديني ومؤسس مذهب البروتستانت‪ ،‬ولد سنة ‪1483‬م‪ ،‬ومات ‪1546‬م‪ ،‬انتقد أفعال الكنيسة كسلطة البابا‬
‫وكان في عهد البابا الون العاشر‪ ،‬والغفران‪ ،‬وإكرام القديسين‪ ،‬والنذور الرهبانية‪ ،‬والمطهر‪ ،‬والقداس‪.‬‬
‫ عبد الرحمن بن محمد الكندي‪ ،‬الملقب بولي الدين‪ ،‬والمشهور بابن خلدون‪ ،‬فيلسوف ومؤرخ‪ ،‬له باع في علم االجتماع‪،‬‬
‫ولد في تونس سنة ‪732‬ه‍ ‪1332‬م‪ ،‬وتوفي في القاهرة سنة ‪808‬ه‍ ‪1406‬م‪ ،‬شغل مناصب رفيعة في دولة بني مرين‪،‬‬
‫فشغل منصب القضاء على المذهب المالكي في عهد السلطان أبي سالم‪ ،‬نزح إلى األندلس وأخذ يمتهن الخطابة‬
‫المقربين لثالث ملوك بني األحمر‪ ،‬أبي عبد اهلل ؛ والذي كلفه باالنكباب على كتابة التاريخ‪ ،‬كما‬
‫والتدريس‪ ،‬وكان من ّ‬
‫استأثر بع ّدة وظائف حكومية وقضائية في األندلس خالل خمس وعشرين سنة‪ ،‬له عدة مؤلفات‪ ،‬منها‪ :‬العبر وديوان‬
‫المبتدأ والخبر في أيام العرب والعجم والبربر ومن عاصرهم من ذوي السلطان األكبر‪ ،‬والذي اشتهر ب‍مقدمة ابن‬
‫خلدون‪ ،‬وله كتاب في الحساب‪ ،‬ورسالة في المنطق‪.‬‬

‫ثم جاءت المرأة إلى الرسول (ص) مع ولدها‪ ،‬فنهاه الرسول‬
‫إلى وقت آخر‪ّ .‬‬

‫ولما س���ألت المرأة عن س���بب‬
‫ع���ن أكل التم���ر؛ ألن التمر كان مضرًا له‪ّ ،‬‬

‫إلي كنت قد‬
‫اإلرجاء؛ علل الرس���ول (ص) أنّه في ذلك الي���وم الذي جئتي َّ‬

‫أكلت التمر‪ ،‬ومن فعل شيئًا ال يؤثّر كالمه في اآلخرين‪ ،‬إذا أراد نصيحتهم‬
‫فإن الرسول األكرم (ص)‪،‬‬
‫فبناء على صحة هذه الواقعة‪ّ ،‬‬
‫في ذلك الش���يء‪ً ،‬‬

‫بأن ال فائدة من األمر بالمعروف‪ ،‬والنهي عن‬
‫أراد تعليم الناس‪ ،‬وتذكيرهم ّ‬

‫المنكر‪ ،‬إذا لم يلتزم الشخص عمليًا باألمر والنهي‪ ،‬يقول الشاعر‪:‬‬
‫ال ت�����ن����� َه ع�����ن خ�����ل� ٍ‬
‫����ق وت�����أت�����ي مثله‬

‫���م‬
‫ع�������ار ع���ل���ي���ك إذا ف���ع���ل���ت ع����ظ����ي� ُ‬
‫ٌ‬

‫‬

‫أن الش���يخ مرتضى األنصاري‪ ،‬س���ئل عـن مس���ألة‪ ،‬فأرجأ‬
‫ونقل ّ‬

‫الجواب‪ .‬فس���ألوا عن سبب إرجائه مع أنّه يعلم جواب المسألة‪ ،‬فقال‪ :‬ألنّي‬
‫أمي���ل إلى ه���ذا الجانب‪ ،‬وما قصدت أن أذكر جواب���ًا يمكن أن يصدر عن‬

‫مرة ثانية‪ ،‬للتدقي���ق فيها‪ ،‬حّتى أقول‬
‫مي���ل‪ ،‬وإنّما أردت مراجعة المس���ألة ّ‬

‫ال فقهية ‪.‬‬
‫الجواب‬
‫المجرد عن الميول‪ ،‬وإن كانت الميول ميو ً‬
‫ّ‬

‫يتجرد عن ميوله‪ ،‬وينظر‬
‫فال�ل�ازم على من يريد تحليل التاريخ‪ ،‬أن ّ‬

‫إل���ى الواقع بما هو واقع‪ .‬وهذا وإن كان صعبًا بالنس���بة إلى غير المعصوم‪،‬‬
‫لكّنه صعب يجب سلوكه‪ ،‬كما قال الشاعر‪:‬‬
‫البد من صنعا وإن طال السفر‬
‫ّ‬

‫إن تعارض التفس���يرات التاريخية نتيجة‬
‫وق���ول بعض علماء الغرب‪ّ :‬‬
‫ شرح نهج البالغة البن أبي الحديد‪ :‬ج‪ 7‬ص‪ ،168‬تأويل اآليات‪ :‬ص‪.124‬‬
‫ ولد في مدينة دزفول ‪ 1214‬هـ‪ ،‬وتوفي في النجف األشرف سنة‪ 1281‬هـ‪ ،‬ينتهي نسبه إلى الصحابي الجليل جابر بن‬
‫عبد اهلل األنصاري‪ ،‬تتلمذ عند السيد المجاهد‪ ،‬وشريف العلماء‪ ،‬والنراقي‪ ،‬والشيخ موسى كاشف الغطاء‪ ،‬والشيخ علي‬
‫جعفر كاشف الغطاء‪ ،‬والشيخ الجواهري‪ ،‬آلت إليه المرجعية سنة ‪1266‬هـ بعد وفاة صاحب الجواهر‪ ،‬من مؤلفاته‪:‬‬
‫الرسائل‪ ،‬المكاسب‪ ،‬االجتهاد والتقليد‪ ،‬التسامح في أدلة السنن‪.‬‬
‫ترجمه الكنى واأللقاب‪ :‬ج‪ 2‬ص ‪ ،359‬مصفى المقال‪ :‬ص‪ 455‬و ‪ ،456‬إيضاح المكنون‪ :‬ج‪ 2‬ص‪ ،181‬الفوائد الرضوية‪:‬‬
‫ص‪ 664‬و ‪.665‬‬
‫ ونظير هذا حدث للعالمة الحلي‪ ،‬عندما أراد أن يبحث في طهارة ماء البئر الذي تنجس بالقليل‪ ،‬فردم البئر الموجود‬
‫في منزله‪ ،‬ثم بحث في أدلة المسألة‪.‬‬

‫‪89‬‬

‫يكمل‬
‫اخت�ل�اف وجهات نظر‬
‫ّ‬
‫المؤرخي���ن‪ ،‬ال يلغي بعضها بعض�ا�ً‪ ،‬وإنّما ّ‬
‫أمر ضروري طالم���ا ال يمكن تحقيق اإلجماع على‬
‫بعضه���ا البعض‪ ،‬وذاك ٌ‬

‫أن التاريخ تاريخ فكر ال وقائع؛ ال يخلو‬
‫معينة‪ ،‬وطالم���ًا ّ‬
‫قب���ول وجهة نظر ّ‬

‫من التأمل‪.‬‬

‫يكمل المتناقضان‬
‫إذ من الواضح ّ‬
‫أن هذا غير صحيح‪ ،‬فهل يمكن أن ّ‬

‫أحدهم���ا اآلخر‪ ،‬أو المتضادان‪ ،‬أو فيما كانت النظريتان على طرفي ارتفاع‬
‫النقيضين‪.‬‬
‫وعلى هذا‪ ،‬يلزم على الباحث أن يعرف وجهة نظر المؤلّف‪ ،‬وفكره‪،‬‬
‫المادة التاريخية‬
‫ومبادئه‪ ،‬وعقائـده‪ ،‬واّتجاهاتـه‪ ،‬ومناحـي نظرياته قبل فهم ّ‬

‫يحررها‪ ،‬وكلّما كان اإلنسان أقرب إلى البحث‪ ،‬والفحص‪ ،‬والتفتيش‪،‬‬
‫التي ّ‬

‫والمناقش���ة‪ ،‬والمباحثة‪ ،‬وما أش���به ذلك‪ ،‬يكون أق���رب إلى الموضوعية‪،‬‬
‫‪90‬‬

‫يقرب اإلنسان إلى الواقع‬
‫والواقعية‪ ،‬وفلس���فة التاريخ‪ ،‬وهذا األمر هو الذي ّ‬

‫في العلوم التي ليست كالهندسة‪ ،‬والرياضيات‪ ،‬وما أشبـه ذلك مـن األمـور‬

‫القطعية أمثال بعض مباحث علم الفلك‪.‬‬

‫اختالف المقتضي‬
‫المؤرخين المختلفين‪ ،‬الذين‬
‫ولما كانت المقتضيات تختلف عن���د‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫كتب���وا الكتب التاريخية‪ ،‬فالالزم أن يحتاط اإلنس���ان في النظر إلى آرائهم‬
‫فإن السرد أيضًا‬
‫س���واء كانوا يس���ردون التاريخ س���ردًا‪ ،‬أو يحلّلون تحلي ً‬
‫ال‪ّ .‬‬

‫يأتي فيه ذلك‪ .‬إذ السارد‪ ،‬يحذف بعض التاريخ‪ ،‬ويزيد في البعض اآلخر‪،‬‬
‫أن رسول اهلل (ص) اّتكأ على الفضل وعلي(ع)‪،‬‬
‫مث ً‬
‫أن الذين رووا ّ‬
‫ال نشاهد ّ‬

‫عليًا‪،‬‬
‫المرة األخيرة‪ ،‬يذكر بعضهم الفضل ال ّ‬
‫عند مجيئه إلى المس���جد في ّ‬
‫ويقولون ٌ‬
‫رجل آخر‪ ،‬ويذكر بعضهم اسم علي ال الفضل؛ ألنّه من العباّسيين‪،‬‬

‫يحبون العباسيين‪ ،‬ويذكر بعضهم الحياديون كليهما‪ ،‬ويذكر الرابع‬
‫وهم ال ّ‬

‫الش���خصين مجهوالً‪ ،‬فيقول‪ :‬اتكأ‪ ‬على نفرين من أصحابه‪ .‬ولذا اشترط في‬
‫راوي الحدي���ث أن يكون ثقة؛ كما قال(ع)‪( :‬ال‪ ‬ع���ذر ألحد من موالينا في‬
‫‬
‫{إ ْن‬
‫التش���كيك فيما يرويه عّنا ثقاتنا) ‪ .‬بل قال قبل‪ ‬ذلك القرآن الحكيم‪ِ :‬‬
‫ٍ‬
‫َع ْلتُ ْم‬
‫���ق بِنَبٍَأ فَتَبَ َّينُوا أَ ْن تُ ِ‬
‫ُم ف ِ‬
‫َاس ٌ‬
‫َومًا بِ َج َهالَة فَتُ ْصِب ُحوا َع َلى َما ف َ‬
‫صيبُ���وا ق ْ‬
‫َجاءَك ْ‬

‫‬
‫يفصله األصوليون في بحث الخبر الواحد ‪.‬‬
‫نَاِدِم َ‬
‫ين} ‪ ،‬على ما ّ‬

‫واالنحراف في تفس���ير التاريخ‪ ،‬أو نقض التاريخ‪ ،‬قد يكون بس���بب‬

‫يؤرخ لهم من الشخصيات‪ ،‬أو المطالب والقضايا‪،‬‬
‫العاطفة الذاتية‪ ،‬إزاء من ّ‬

‫معي���ن‪ ،‬أو طبقة معيّنة‪ ،‬أو اّتجاه‬
‫وأحيانًا بس���بب انتماء‬
‫ّ‬
‫المؤرخ إلى حزب ّ‬
‫يتجرد عن األمرين‪،‬‬
‫خاص‪ .‬ولذا فالالزم على م���ن يريد تحليل التاريخ أن‬
‫ّ‬

‫حّتى يأتي تاريخه موافقًا للواقع‪ ،‬أو أقرب إلى الواقع‪ ،‬وكذلك بالنسبة إلى‬

‫تحليل التاريخ‪.‬‬

‫معينة‪ ،‬فذلك يعني أن‬
‫أما إذا كانت عقلية‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫المؤرخ وانتماؤه إلى طبقة ّ‬

‫ّ‬
‫تش���كل الطبقة التاريخي���ة لذهن المؤرخ وعقله‪ ،‬ومن الطبيعي‬
‫خلفية‬
‫هناك ّ‬

‫تؤيد وجهة نظره‪ ،‬ويتجاهل‪،‬‬
‫يتميز‪،‬‬
‫ويتخير الوقائع واألفراد التي ّ‬
‫ّ‬
‫حينئذ أن ّ‬

‫األقل يبخس من قيمة الوقائع‪ ،‬واألشخاص الذين ال يؤيدون وجهة‬
‫أو على ّ‬
‫نظره‪.‬‬
‫يؤيدون‬
‫وق���د قرأت في كتاب كتبه أحد األش���خاص‪ ،‬الذين كانوا ال ّ‬

‫المش���روطة اسم اآلخوند الخراس���اني بلفظة كاظم الهروي عليه ما عليه‪،‬‬
‫ وسائل الشيعة‪ :‬ج‪ 1‬ص‪ 38‬ب‪ 2‬ح‪ 61‬وج‪ 27‬ص ‪ 150‬ب‪ 11‬ح‪ ،33455‬رجال الكشي‪ :‬ج‪2‬ص‪.816‬‬
‫ سورة الحجرات‪ :‬اآلية ‪.6‬‬
‫ للمزيد راجع كتاب رسائل الشيخ األنصاري بحث الظن أية النبأ وكتاب كفاية األصول لآلخوند وكتاب األصول الجزء‬
‫السادس بحث األدلة العقلية ص‪ 20‬لإلمام المؤلف‪.‬‬
‫ الشيخ محمد كاظم بن حسين الهروي الخراساني‪ ،‬زعيم الحركة الدستورية في إيران‪ ،‬ولد في مشهد الرضا سنة‬
‫‪1255‬ه‍ ‪1839‬م وتوفي في النجف األشرف سنة ‪1329‬ه‍ ‪1911‬م‪ ،‬هاجر إلى العراق سنة ‪1279‬ه‍ ‪1862‬م‪ ،‬تتلمذ عند‬
‫الشيخ األنصاري والسيد محمد حسن الشيرازي‪ ،‬آلت إليه المرجعية بعد وفاة السيد الشيرازي سنة ‪1312‬ه‍ ‪1895‬م‪ ،‬له‬
‫مواقف سياسية عديدة‪ ،‬فقد تزعم الحركة الدستورية والحكم النيابي في البالد التي كان يسودها الحكم الديكتاتوري‪،‬‬
‫حيث شكل سنة ‪1908‬م مجلساً من العلماء يضم ‪ 33‬مجتهداً ثم أصدر فتوى بوجوب إسقاط الشاه محمد علي وحرمة‬

‫‪91‬‬

‫تزعم أحدهما اآلخوند‬
‫بينما المش���روطة والمس���تب ّدة اتجاهان سياس���يان‪ّ ،‬‬

‫‬
‫سرهما‪ ،‬ونشأ هذا االختالف‬
‫الخراس���اني‪ ،‬واآلخر ّ‬
‫السيد اليزدي قدس اهلل ّ‬

‫في االتجاه السياسي نتيجة االختالف في االجتهاد ‪.‬‬

‫وق���د ورد فـ���ي الحدي���ث‪( :‬إن للمصي���ب أجري���ن وللمخطئ أجرًا‬
‫فإن المصيب‬
‫واحدًا)‪ ،‬وبغـض النظـ���ر عـن كونـه حديثـًا يطابـق الواقـع‪ّ ،‬‬

‫حيث س���لك الطريق فله أجر‪ ،‬وحيث أص���اب الواقـع لـه أجـر ٍ‬
‫ثـان‪ ،‬بينمـا‬
‫ٌ‬

‫المخط���ئ حيـث س���ــلك الطـريق لــه أجـر‪ ،‬وحيث لـ���م يُصب الواقع لـم‬
‫يكـن لـه أجـر ثـان‪ .‬وهذا مـا نش���اهده في األحـزاب أيضـًا‪ ،‬كمـا رأينـا ذلـك‬

‫ال حـزب‬
‫فـي العراق قبـل أربعين س���نة‪ ،‬حي���ث كانت األحزاب‬
‫الحـرة‪ ،‬مثـ ً‬
‫ّ‬
‫يفس���ر‬
‫األمـة‪ ‬وحـزب‪ ‬الـدس���تور‪ ،‬كان لهما اتجاهان‪ّ ،‬‬
‫ّ‬
‫وكل واحد منهما ّ‬

‫يبعد األفراد حسب أفراد حزبه‪،‬‬
‫األمور حسب نظر حزبه‪ .‬كما أنّه ّ‬
‫يؤيد‪ ،‬أو ّ‬

‫‪92‬‬

‫وعدم كونه من أفراد حزبه‪.‬‬

‫الصدق والكذب في التوريخ‬
‫إن الصدق صدق‪ ،‬والكذب كذب‪ ،‬سواء عرفهما الناس‬
‫ثم ال يخفـى‪ّ :‬‬
‫ّ‬
‫دفع الضـرائب للدولـة‪ ،‬وأدت جهوده إلـى إسقاط الشاه محمد علـي القاجـاري وإعـالن الدسـتور والحيـاة النيابيـة‪ ،‬ومـن‬
‫مواقفـه أيضاً مساندتـه للشـعب الليبي فـي صراعـه مـع االحتالل اإليطـالي ؛ فأصـدر فتـوى بالجهـاد المقـدس‪ ،‬كمـا‬
‫وجـه دعـوة الجهاد ضد الـروس الذين أرادوا احتالل إيران‪ ،‬وتحـرك ومعـه جمع من العلماء إلى إيران لمقاومة الغزو‬
‫الروسي وبينما هو يستعد لذلك اغتاله الروس بالسم‪ ،‬من أهم مؤلفاته‪ :‬كفاية األصول والذي عليه مدار التدريس في‬
‫الحوزات العلمية والذي عليه قرابة مائتي شرح وتعليقة‪.‬‬
‫ السيد محمد كاظم بن عبد العظيم الطباطبائي اليزدي‪ ،‬ولد سنة ‪1247‬ه‍ ‪1831‬م‪ ،‬توفي في النجف األشرف سنة ‪1337‬ه‍‬
‫‪1918‬م‪ ،‬تتلمذ عند الشيخ مهدي نجل الشيخ كاشف الغطاء والشيخ راضي النجفي والسيد محمد حسن الشيرازي‪ ،‬رفع‬
‫لواء المستب ّدة ومعه بعض العلماء المساندين له كالشيخ فضل اهلل النوري‪ ،‬من مؤلفاته‪ :‬العروة الوثقى‪.‬‬
‫ وقد سعى اإلنجليز والروس إلى تعميق هذا االختالف بين االتجاهين للقضاء على حركة الشعب اإليراني‪.‬‬
‫ حاشية سلطان العلماء على المعالم‪ :‬ص‪.80‬‬
‫ إن حزب األمة االشتراكي‪ ،‬أُجيز تأسيسه في ‪ 24‬حزيران ‪1951‬م برئاسة صالح جبر‪ ،‬وكان للحزب جريدتان إحداهما‬
‫باسم األمة‪ ،‬والثانية النبأ‪ .‬وإن النظام الداخلي للحزب‪ ،‬يتكون من خمسة فصول‪ ،‬ذكرها بالتفصيل عبد الرزاق الحسني‬
‫في كتابه تأريخ األحزاب السياسية العراقية ص‪ -243‬ص‪.252‬‬
‫أما حزب االتحاد الدستوري فأجيز تأسيسه في الرابـع والعشرين مـن تشرين الثاني سنة ‪1949‬م برئاسة نـوري السعيـد‪.‬‬
‫ومنهـاج الحـزب يتكون مـن أربعة فصول‪ ،‬ذكرها عبـد الرزاق الحسنـي فـي كتابـه تاريـخ األحزاب السياسيـة العراقيـة‪:‬‬
‫ص‪.238-232‬‬

‫أو لم يعرفهما‪ ،‬وس���واء كان الذي ال يعرف على نحو الجهل المر ّكب‪ ،‬أو‬
‫ٌ‬
‫صدق؛ ألنّه يطابق الواقع‪،‬‬
‫على نحو الجهل البسيط‪ ،‬وللشيء الواحد يقال‬

‫الحق مطابق له على ما ذكره بعض العلماء‪.‬‬
‫حق؛ ّ‬
‫ألن ّ‬
‫ويقال له ّ‬

‫ومـن الواض���ح‪ :‬إنّنـا قـد ال ّ‬
‫نتمكن أن نحكم على الدعوة التاريخية‪،‬‬

‫ال االقتصاديـ���ة‪ ،‬أو السياس���يـة‪ ،‬أو االجتماعيـة‪ ،‬أو‬
‫أو غي���ر التاريخي���ة مثـ ً‬

‫العقائديـة‪ ،‬أو ما أش���به ذلك بأنّها صادقة‪ ،‬أو أنّها كاذبة‪ ،‬لكن من الواضح‬

‫ال مركبًا‪ ،‬فيرى الصدق كذبًا‪ ،‬أو الكذب صدقًا‪،‬‬
‫أن اإلنسان قد يكون جاه ً‬
‫ّ‬

‫يضر بالواقع أعني كون الك���ذب كذبًا‪ ،‬والصـدق صدقــًا‪ ،‬وعمـل‬
‫وه���ذا ال ّ‬

‫المـؤرخ إنّمــا هـو تسجيل الواقـع بدّقـة وأمـانـة كبيـريـن‪،‬فالالزم أن يالحظ‬
‫ّ‬

‫هل هذه الوثيقة صادقة‪ ،‬أم كاذبة؟‪ .‬وهل نسبتها إلى راويها أو كاتبها مطابق‬
‫للواقع أو غير مطابق للواقع؟ فما وقع‪ ،‬يكون صادقًا‪ ،‬إذا رويناه كما وقع‪،‬‬
‫وما ل���م يقع‪ ،‬يكون كاذبًا‪ ،‬إذا رويناه باعتبار أنّه واقع‪ .‬فالواقع واقع وإن لم‬

‫مؤرخ‪ ،‬أو لم يكتب له كاتب‪ ،‬أو لم ير ِو له راٍو‪.‬‬
‫يؤرخ له ّ‬
‫ّ‬

‫الش���ك أنّن���ا لم نؤت من العلم إ ّ‬
‫قلي�ل�ا‪ ،‬والوثائق التاريخية‬
‫ال‬
‫نعم‪،‬‬
‫ّ‬
‫ً‬

‫قليل���ةٌ حّت���ى أقل من واحد‪ ،‬بالنس���بة إلى مليار مليار جزء س���واء كان من‬

‫أن كثيرًا من‬
‫الح���وادث القديمة‪ ،‬أو الحوادث المتأخرة‪ .‬ه���ذا باإلضافة إلى ّ‬
‫الوقائع التاريخية المعاصرة تكتمها الحكومات خوفًا من إفش���ائها‪ ،‬وحّتى‬

‫إما لهدف سياس���ي‪ ،‬أو لهدف اقتصادي‪ ،‬أو‬
‫ال يطَّ لع عليها الناس إطالقًا‪ّ ،‬‬
‫المؤرخ‪ :‬هل وقع الشيء الفالني أم‬
‫لهدف اجتماعي‪ .‬فهنا أمران بالنسبة إلى‬
‫ّ‬
‫التعرف على ما‬
‫لم يقع؟‪ ،‬والمش���كلة الثانية هي في األمر الثاني‪ ،‬وهو في ّ‬

‫لم يقع‪.‬‬

‫‪93‬‬

‫مثالية الفكر والواقع‬
‫أن الواقع ال مثالية له‪ ،‬وإنّم���ا الفكر له مثالية‪ ،‬فهذا‬
‫أم���ا ما‬
‫يتص���ور ّ‬
‫ّ‬
‫ّ‬

‫فإن‬
‫أن وراءه أفعى‪ّ ،‬‬
‫غير صحيح‪ ،‬وقد شبهوا لذلك باإلنسان الذي ال يدرك ّ‬
‫تحركه‪ ،‬وعدم فراره‪ ،‬بينما اإلنس���ان الذي يدرك‬
‫عدم إدراكه‪ ،‬س���بب لعدم ّ‬
‫يفر وإن لم تكن األفعى واقعًا موجودة‪ .‬فقول بعضهم حيث‬
‫ّ‬
‫أن وراءه أفعى‪ّ ،‬‬
‫ق���ال‪ :‬أنا أق���ول على المنضدة التي أكتب عليها إنّه���ا توجد‪ ،‬أي إني أراها‬

‫تش���م‪ ،‬وأن هناك‬
‫إن هناك رائحة‪ ،‬فالمقصود أنّها‬
‫وأحس���ها‪ ،‬وعندما يقال ّ‬
‫ّ‬
‫ّ‬

‫صوتًا‪ ،‬فالمقصود أنّه يسمع؛ غير صحيح‪.‬‬

‫اإلدراك وعالقته بالواقع‬
‫إن‬
‫الحس���يون على انفصال الواقع ع���ن اإلدراك بقولهم‪ّ :‬‬
‫وقد أش���كل ّ‬

‫‪94‬‬

‫ّ‬
‫مطلق دون ّأية صلّة بكونها مدركة‪،‬‬
‫وجود األش���ياء غير‬
‫ٌ‬
‫المفكر فيها وجودٌ‬
‫فذل���ك ما يتصور على اإلطالق‪ ،‬فوجود األش���ياء هو كونها مدركة بإحدى‬

‫وشم‪ ،‬وذوق‪ ،‬ولمس‪.‬‬
‫الحواس الخمس من بصر‪ ،‬وسمع‪ّ ،‬‬

‫أق�ول‪ :‬وه�ذا ال�كالم خلط واض�ح بين‬

‫اإلدراك وبي�ن الواق�ع‪ ،‬فالواق�ع واق�ع‬

‫ُ‬
‫مُـد َر ٌك‬
‫ـد َر ُك ْ‬
‫والم ْ‬
‫لَـم ُي ْ‬
‫ـ�د َر ْك‪ُ .‬‬
‫أ ْدِر َك أو ْ‬

‫قـ�د يكـون واقعـًا وقـد ال يكون واقعًا‪،‬‬

‫ّ‬
‫وإن‪ ‬اس�ـتدل بهذا بعض اإلسالميين من‬

‫خلال اآلي�ة الكريم�ة‪َ { :‬وا ُ‬
‫هلل َي ْش َ�ه ُد ِإ َّن‬
‫�ون}‪ ،‬مع أنّهم كانوا‬
‫ين َل َك ِاذُب َ‬
‫اْل ُمَن ِافِق َ‬

‫يقولون‪ :‬إنّك لرس�ول اهلل‪ ،‬ورس�ول اهلل‬
‫ سورة المنافقون‪ :‬اآلية ‪.1‬‬

‫(ص) واق�ع‪ ،‬ولكن حيث ل�م يدركوه‪،‬‬
‫قيل‪ :‬إنَّهم كاذبون‪.‬‬
‫بأن المراد بكذبهم أنّهم ال يقولون ذلك عن‬
‫لكن أجيب عن ذل���ك ّ‬

‫عمق وعقيدة والتزام‪ ،‬ال أنّه���م كاذبون بالمعنى المصطلح للكذب‪ ،‬حيث‬
‫لم يكن رسول اهلل (ص) في نظرهم رسوالً‪ ،‬ولذا تداركه اهلل سبحانه وتعالى‬

‫{واهللُ يَ ْع َل ُم ِإ َّن َ‬
‫ك لََر ُسولُُه} ‪.‬‬
‫بقوله‪َ :‬‬

‫أن هناك ثالثة أشياء‪:‬‬
‫والحاصل ّ‬
‫بالحق‪.‬‬
‫يسمى‬
‫ّ‬
‫‪ .1‬الواقع الذي ّ‬
‫‪ .2‬اإلدراك‬

‫‪ .3‬الوثيقة التاريخية‪.‬‬
‫فقـ���د تكـون الوثيقـة التاريخيـة التي ندركهـا واس���طـة للوصـول إلـى‬
‫الواق���ع‪ ،‬وقد ال تكون واس���طة‪ ،‬فالوثيقة قد تكون طريق�ا�ً‪ ،‬وقد ال تكون‬
‫طريق���ًا‪ ،‬حالها حال المق ّدمة التي قد تكون موصلة‪ ،‬وقد ال تكون موصلة‪،‬‬

‫إن اهلل ال ش���ريك‬
‫فالتاريخ كما هو س���واء كان حادثًا أو غير حادث‪ ،‬كقولنا‪ّ :‬‬
‫فإن ذلك ليس بحاجة بل هو حقيقة إذا عرفناها‪ ،‬فقـد وجدنا الس���بيل‬
‫له‪ّ ،‬‬

‫فأما الذي ال يقول‬
‫فإن السلب يعرف كما ّ‬
‫إلى معرفته‪ّ ،‬‬
‫أن اإليجاب يعرف‪ّ ،‬‬
‫ذلك فإنّه يتكلّم حول المعرفة والالمعرفة‪ ،‬والذهن والالذهن‪.‬‬

‫نعـ���م‪ ،‬يترّتب علـى المعرف���ة والالمعرفة‪ ،‬الث���واب والعقاب‪ ،‬ولذا‬

‫(رفع ما ال يعلمون)‪ ،‬فليس المراد بالرفع مطلقًا‪،‬‬
‫قال رس���ول اهلل (ص)‪ُ :‬‬

‫مقصرًا‬
‫ب���ل الرفع في الجملة الذي منه���ا رفع العقاب قطع���ًا‪ ،‬إذا لم يكن ِّ‬
‫بالمق ّدمات‪ ،‬سواء كان عقابًا دنيويًا أو أخرويًا‪.‬‬

‫ عن استدالل بعض اإلسالميين باآلية‪.‬‬
‫ سورة المنافقون‪ :‬اآلية ‪.1‬‬
‫ ونص الحديث‪ :‬رفع عن أمتي تسع‪ :‬الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه وما اليعلمون وما ال يطيقون وما اضطروا‬
‫إليه والحسد والطيرة والتفكر في الوسوسة في الخلق ما لم ينطق بشفة‪ .‬انظر تحف العقول‪ :‬ص‪ ،50‬الخصال‪:‬‬
‫ص‪417‬ح‪ ،27‬التوحيد‪ :‬ص‪ 353‬ح‪ 24‬بالمعنى‪.‬‬

‫‪95‬‬

‫نعم‪ ،‬يمكن أن يكون هناك أثر القضاء‪ ،‬والكفّارة‪ ،‬وما أش���به ذلك‪،‬‬
‫كمن ال‪ ‬يعلم بخ���روج الوقت عن قريب‪ ،‬فال يصلّي ال أنّه يريد العصيان‪،‬‬

‫وإنّما يريد الصالة بعد ساعة‪ ،‬بينما هو جاهل بأنه بعد ساعة يخرج الوقت‪،‬‬

‫الحج أو ما أشبه ذلك‪.‬‬
‫أو بعض أقسام كفّارات‬
‫ّ‬

‫‪96‬‬

‫فلسفة التاريخ وفلسفة الواقع‬

‫إن معرفة الواقع الكلي‪ ،‬أو العام‪ ،‬هو المؤثر في فهم فلسفة‬
‫مس�ألة‪ّ :‬‬

‫فإن ما نسميه بتحليل‬
‫التاريخ‪ ،‬سواء علم اإلنسان هذا الواقع‪ ،‬أو لم يعلمه‪ّ ،‬‬
‫التاري���خ‪ ،‬أو ما أش���به ذلك من األلفاظ إنّما نريد ب���ه الواقع الذي هو عام‪،‬‬
‫وكلّي في المفردات التاريخية ال ما يزعم أنّه عام‪ .‬حال ذلك‪ ،‬حال مفردات‬

‫دواء‪ ،‬إذا كانت للمفردات روح عامة في كونه‬
‫ال���دواء‪ ،‬حيث إنّه إنّما يكون ً‬
‫يس���مى فلسفة‬
‫يصح ْ‬
‫عالجًا‪ّ ،‬‬
‫أما ما ُزعم أنّه عالج‪ ،‬وليس بعالج‪ ،‬فال ّ‬
‫أن ّ‬

‫ال أنّه هو دواء‪.‬‬
‫التاريخ‪ْ ،‬‬
‫وإن زعم الطبيب مث ً‬

‫أن اآلث���ار إنّما تترّتب على الواق���ع ال على الخيال‪،‬‬
‫وم���ن الواضح‪ّ :‬‬

‫فإن البيضة التـي ال تكـ���ون بيضـة واقعيـة‪،‬‬
‫والذه���ن‪ ،‬والفكر‪،‬‬
‫والتص���ور‪ّ .‬‬
‫ّ‬
‫الحبة التي هي في صورة‬
‫وإنّمـا فـ���ي صـورة البيضـة‪ ،‬ال‪ ‬تفرخ‪ ،‬وكذل���ك ّ‬

‫أن هذه البيضة‬
‫حبة‬
‫واقعية‪ ،‬ال تنبت‪ ،‬وبالعكس إذا زعمنا ّ‬
‫الحبة‪ ،‬وال تكون ّ‬
‫ّ‬
‫ّ‬

‫ليس���ت واقعية‪ ،‬وكانت واقعية‪ ،‬فإنها تفرخ‪ ،‬والحنطة إذا زعمنا أنّها ليست‬
‫بحنطة‪ ،‬وإنّما صورة حنطة بينما هي حنطة واقعية‪ ،‬فإنّها تنبت‪.‬‬

‫فإن الواقع هو المؤثّر س���واء علمه اإلنسان أو لم يعلمه‪،‬‬
‫وعلى هذا‪ّ ،‬‬

‫وغير الواقع ال يؤثّر‪ ،‬علمه اإلنسان أو لم يعلمه ‪.‬‬

‫التجري‪ ،‬المذك���ورة في الفقه‪،‬‬
‫وهن���اك مس���ألة أخرى هي مس���ألة‬
‫ّ‬

‫واألصول‪ ،‬حيث يتصور اإلنسان ما ال واقعية له‪ ،‬فيفعله‪ ،‬أو يتركه‪ ،‬فيكون‬
‫بأن هذا المائع خمر‪،‬‬
‫متجريًا‪ .‬مثل ما إذا َعِل َم ذهنًا علمًا غير مطابق للواقع ّ‬
‫ّ‬
‫واقعية وهي تترّتب على الذهن‪.‬‬
‫ نعم‪ ،‬بعض اآلثار إّنما هي آثار ذهنية ال آثار ّ‬

‫‪97‬‬

‫المتجري سواء كان‬
‫فإن هذا اإلنسان هو‬
‫وشربه‪ ،‬ولم يكن في الواقع خمرًا‪ّ ،‬‬
‫ّ‬
‫بالنس���بة إلى ما فعله أو ما تركه‪ ،‬وهذا ينطبق على فلسفة التاريخ‪ ،‬فيمكن‬

‫بالحاس���ة‬
‫أن تكون هناك وثيقة ال يدركها اإلنس���ان‪ ،‬ومع ذلك يدرك الواقع‬
‫ّ‬

‫السادسة‪ ،‬أو ما أشبه ذلك‪.‬‬

‫الحاس���ة‬
‫وعلي���ه‪ :‬فق���د ال تك���ون وثيقة‪ ،‬لكن الواقع يدرك بس���بب‬
‫ّ‬

‫السادسة‪.‬‬

‫وكل‬
‫فهناك ثالثة أشياء‪ :‬الواقع‪ ،‬واإلدراك‪ ،‬والوثيقة كما أسلفنا سابقًا ّ‬
‫واحد منها قد ال يرتبط باآلخر‪ ،‬فقد يكون واقع مع إدراك‪ ،‬أو بدون إدراك‪،‬‬
‫وق���د يكون ال واقع ب���إدراك خطأ‪ ،‬أو ال‪ .‬وقد يك���ون ال واقع بوثيقة خطأ‪،‬‬
‫وبدونها‪ ،‬وقد يكون واقع بوثيقة‪ ،‬أو بدونها‪.‬‬
‫المؤرخ أن ينفذ ببصيرته‪ ،‬وإدراكه‪ ،‬واستقرائه‪،‬‬
‫كل حال‪ :‬فعلى‬
‫وعلى ّ‬
‫ّ‬

‫‪98‬‬

‫من خالل القش���رة التي تغطي س���طح األحداث؛ ليكتش���ف ببصيرته الفكر‬
‫الكام���ن وراءه���ا‪ ،‬ولذا قال أحدهم‪ :‬إن نظرة قدس���ية تكش���ف عن الحيوية‬
‫وتنوع في‬
‫المتدّفقة بما تنطوي عليه من ثراء في األحاس���يس‪ ،‬والمش���اعر‪ّ ،‬‬

‫الكيفيات‪ ،‬وأزمات وحلول‪ ،‬وحرب وسلم‪ ،‬من حب ٍ‬
‫صحيح‬
‫لمنهج‬
‫وكره‬
‫ٍ‬
‫ٍ‬
‫ٍّ‬
‫ّ‬
‫كل ذلك بالنس���بة إلى الحياة‬
‫أي بعد من أبعاد الحياة أو غير صحيح‪ّ .‬‬
‫ف���ي ّ‬
‫بكل فعلها‪ ،‬وانفعالها‪ ،‬وصخبها‪ ،‬وهدوئها‪ .‬وال يمكن الوصول إلى ش���يء‬
‫ّ‬
‫من ذلك إ ّ‬
‫التام‪ ،‬أو باالنكشاف الحدسي القطعي‪ ،‬كمن يشاهد‬
‫ال باالستقراء ّ‬

‫ثم‬
‫النار في العراق‪ ،‬وفي إيران‪ ،‬وفي مصر‪ ،‬وفي سوريا‪ ،‬وما أشبه ذلك‪ّ ،‬‬
‫أن النار في روس���يا‪ ،‬والصين‪ ،‬وفيتن���ام أيضًا محرقة‪ ،‬وتبعث على‬
‫يحكم ّ‬
‫اإلضاءة‪ ،‬وتعطي الحرارة‪ ،‬بينما لم يش���اهد إ ّ‬
‫ال من النيران الموجودة‬
‫ال قلي ً‬

‫المعين‪ ،‬أو األزمنة‬
‫معينة‪ ،‬أو في الزم���ان‬
‫ف���ي المكان‬
‫ّ‬
‫المعين‪ ،‬أو أمكن���ة ّ‬
‫ّ‬
‫المعينة‪.‬‬
‫ّ‬

‫لك���ن الحدس يعطي ما وراء ذلك‪ ،‬الذي هو الروح العامة في النيران‬
‫ّ‬

‫مطلق���ًا‪ ،‬وهذا الحدس هو المعي���ار للمنطقيين في كلماتهم بالنس���بة إلى‬
‫حجية فيه وال اكتش���اف للروح‬
‫الصناع���ات الخم���س ال‪ ‬الحدس ال���ذي ال ّ‬
‫العامة‪.‬‬

‫الحدسيات العلمية التي‬
‫أما االستقراء الناقص؛ الذي ليس من مواضع‬
‫ّ‬
‫ّ‬

‫ظن اإلنس���ان بالجامع والفلس���فة‪،‬‬
‫ذكرناها‪ ،‬فال يفيد علمًا‪ ،‬وعم ً‬
‫ال‪ ،‬وإن ّ‬

‫���يئًا}‪ ،‬فال ينكش���ف الواقع‪ ،‬والكلّي‪،‬‬
‫ّ‬
‫ألن {الظَّ َّ‬
‫���ن الَ يُ ْغِني ِم َن اْل َح ِّق َش ْ‬

‫والفلسفة‪ ،‬في األمور المشتّتة المتباعدة مكانًا‪ ،‬أو ما أشبه ذلك‪.‬‬

‫نعـ���م‪ ،‬هناك مـن يبني األمـور علـى االس���تقـراء الناقـص‪ ،‬وذلك من‬

‫التواض���ع ال من الحقيقة‪ ،‬فهن���اك فرق بين أن يتبنى جماعةٌ أحكامًا على ما‬
‫استقراء ناقصًا‪ ،‬وبين أن يراد الواقع الجامع الذي ال ينكشف إ ّ‬
‫ال‬
‫يس���تقرئونه‬
‫ً‬

‫التام‪ ،‬أو بسبب الحدس العلمي القطعي الذي ذكرناه‪.‬‬
‫باالستقراء ّ‬

‫أن االستقراء الناقص قد ال يصادف الواقع‪ ،‬وإنما‬
‫وليس معنى ما ذكرناه ّ‬

‫والمعلولية‪،‬‬
‫العلية‬
‫ّ‬
‫المعنى أنّه ال يمكن االعتماد على االس���تقراء الناقص في ّ‬

‫التمر‬
‫واّتخ���اذ اآلثار المترّتبة على الواقع العام‪ ،‬مث ً‬
‫خمر ِ‬
‫ال إذا وجد إنس���ا ٌن َ‬
‫ُمس���كرًا‪،‬وكذلك خمر الزبيب‪ ،‬والعنب‪ ،‬والتفّاح‪ ،‬وما أشبه ذلك‪ ،‬فحكم‬
‫فإن االس���تقراء‬
‫أن ّ‬
‫كل خمر مس���كر بدون موازي���ن الحدس التي ذكرناها‪ّ ،‬‬
‫ّ‬

‫وإن كان ناقص���ًا إ ّ‬
‫كل‬
‫ال أنّ���ه أصاب الواقع‪ ،‬ويكون أث���ر الواقع مترّتبًا على ّ‬
‫لكن الكالم هنا في أنه كيف ّ‬
‫ّ‬
‫نستدل على العلّية الواقعية‪،‬‬
‫نتمكن أن‬
‫خمر‪ّ ،‬‬

‫والمعلولية الواقعية‪ ،‬باالس���تقراء الناقص‪ ،‬إذا لم يكن هناك حدس قطعي‪،‬‬
‫المؤرخ‪ ،‬أو‬
‫ول���م تكن هناك مطابقة للواقع‪ ،‬وإن لم يصل الفيلس���وف‪ ،‬أو‬
‫ّ‬

‫التام‪،‬‬
‫العالم إلى ذلك الواقع؛ بس���بب أحد األمرين السابقين من االستقراء ّ‬

‫أو الحدس القطعي؛ بالكاشف للجامع‪.‬‬
‫ سورة النجم‪ :‬اآلية ‪ ،28‬سورة يونس‪ :‬اآلية ‪.36‬‬

‫‪99‬‬

‫مما ذك���روه في الصناعات الخمس‪،‬‬
‫ثم باإلضافة إلى س�ل�امة ّ‬
‫المادة ّ‬
‫ّ‬

‫وكل واحد‬
‫مما ذكروه في األشكال األربعة المنطقية‪ّ ،‬‬
‫وجوب س�ل�امة الهيئة ّ‬
‫منهما ال يغني عن اآلخر على نحو القاعدة الكلّية‪ ،‬وإن كان أحيانًا يصادف‬

‫فإن الالزم في العلوم‪،‬‬
‫بمادة غي���ر‬
‫منطقية‪ّ ،‬‬
‫الواقع بش���كل غير منطقي‪ ،‬أو ّ‬
‫ّ‬
‫فإن الجزئي علـى اصطالح المنطقيين‬
‫القواعد الكلّية ال الجزئيات الخارجية‪ّ .‬‬

‫ال‪ ،‬إ ّ‬
‫ال في نطاق جزئي‬
‫ال يكـون كاسبًا وال مكتسبًا‪ ،‬وال يفيد علمًا وال عم ً‬

‫خارجي‪ ،‬من قبيل القضايا الخارجية التي ذكروها‪.‬‬
‫والكالم في العلوم إنّما ي���دور حول القضايا الحقيقية‪ ،‬بحيث كلّما‬

‫وجد الموضوع‪ ،‬وجد الحكم‪ ،‬أو كلّما رأينا وجدان الحكم‪ ،‬اكتشفنا وجدان‬
‫الموض���وع بالدليل اإلنّي‪ ،‬فإنّه كما يدل األثر عل���ى المؤثّر بالدليل اإلنّي‪،‬‬

‫كذلك ّ‬
‫اللمي؛ لفرض العلّية والمعلولية‪.‬‬
‫يدل المؤثّر على األثر بالدليل ّ‬
‫‪100‬‬

‫والمزيف‬
‫الفرق بين التاريخ الصحيح‬
‫ّ‬

‫العامة للتاريخ‬
‫مسألة‪ :‬المهم في فلسفة التاريخ أن يجد اإلنسان الروح ّ‬

‫المزيف عبارة عن سفس���طة‪،‬‬
‫المزيف‪ّ ،‬‬
‫ف���إن التاريخ ّ‬
‫الواقع���ي ال التاري���خ ّ‬

‫ال‪ ‬تمت إلى الواقع بصلة‪.‬‬
‫ومجموعة أكاذيب‪،‬‬
‫ُّ‬

‫المزيف هو الذي وصفه اإلنس���ان بالعموم والخصوص‪ ،‬أو‬
‫والتاريخ ّ‬

‫التباين‪ ،‬أو من وجه ألجل إدخال فلسفة زمانية‪ ،‬أو مكانية‪ ،‬أو شرائطية‪،‬فإن‬
‫مثل هذه الفلس���فة باإلضافة إلى أنها أمر غير واقعي‪ ،‬ال ينفع في المستقبل‬
‫بل يسبب تحريف المستقبل‪.‬‬
‫الرمان له خاصية دفع الصفراء‪ ،‬فاس���تنتج أن كثرة‬
‫مث ً‬
‫ال‪ :‬قال الطبيب‪ّ :‬‬

‫صحة أجسامهم‪ .‬فالحكم التاريخي‬
‫ألمة من األمم هو السبب في ّ‬
‫الرمان ّ‬
‫تناول ّ‬

‫إن المراد‬
‫المزيف ليقول ّ‬
‫رّت���ب على موضوع أكل ّ‬
‫الرمان‪ ،‬فيأتي الفلس���في ّ‬

‫األخص‬
‫الرمان والبرتقال‪ ،‬أو‬
‫ّ‬
‫بالرمان هو البرتقال بقرينة كذا‪ ،‬أو األعم من ّ‬
‫ّ‬

‫الرمان في الصيف ال‬
‫رمان أو ّ‬
‫مما ال نواة له‪ ،‬ال كل ّ‬
‫ال���ذي هو ّ‬
‫رمان الطائف ّ‬

‫واألخص من‬
‫الرمان في الخريف والش���تاء‪ ،‬وغير ذلك‪ ،‬أو األعم من وجه‪،‬‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫الرمان والبرتقال‪ ،‬فهو‬
‫والرمان‬
‫وجه‪،‬‬
‫كالرمان الحلّو ال ّ‬
‫األعم من ّ‬
‫رمان‪ّ ،‬‬
‫كل ّ‬
‫ّ‬
‫ّ‬

‫وأعم من ناحية‪ ،‬إنّه بهذا العمل ال يفلس���ف التاريخ بل‬
‫ّ‬
‫أخص من ناحية‪ّ ،‬‬

‫يفلسف زعمه‪ ،‬ويبني عليه الحكم المستقبلي‪.‬‬

‫الصحة الجسدية ألولئك الذين كانوا يأكلون‬
‫أن فلسفة‬
‫ومن الواضح ّ‬
‫ّ‬

‫الخاص وال العام وال المباين‬
‫رمان ال الشيء‬
‫ّ‬
‫الرمان بما هو ّ‬
‫الرمان مترّتبة على ّ‬
‫ّ‬

‫‪101‬‬

‫أن األكل كان يراد به األكل‬
‫الرمان عموم من وجه‪ ،‬كما ّ‬
‫وال الذي بينه وبين ّ‬
‫يفس���ر األكل بالتزري���ق أو التقطير في األنف أو‬
‫بالمعنى المصطلح‪ ،‬ال أن ّ‬

‫العين أو األذن‪.‬‬

‫لق���د كان هذا العدول عن الفلس���فة الحقيقية التي جاء بها الش���رع‪،‬‬
‫والتمسك بأنماط من الفلسفة المزيفة هو بعينه سبب سقوط المسلمين بعد‬
‫القوية‪ ،‬حّتى صاروا تبعًا لغيرهم بل صاروا‬
‫تلك الحكومة الطويلـة العريضة ّ‬
‫كل يوم في‬
‫قوة‪ ،‬وليس لهم حال‪ ،‬وال مستقبل بل هم ّ‬
‫أذلّة ال حول لهم وال ّ‬

‫كل مناحي الحياة ‪.‬‬
‫انحطاط أكثر وأكثر في ّ‬

‫محمد حال ٌل إلى يوم القيامة وحرامه حرام إلى يوم القيامة)‬
‫ّ‬
‫إن (حالل ّ‬

‫‬

‫َم} ؛ كما جاء به القرآن‬
‫{إ َّن ِّ‬
‫الد َ‬
‫؛ كما في الحديث‪ ،‬و ِ‬
‫ين ِع ْن َد اهللِ ِ‬
‫اإل ْسال ُ‬

‫فإن ذلك هو الذي جعل‬
‫وبينه الرسول األعظم وآله الطاهرون(ع)‪ّ ،‬‬
‫الحكيم ّ‬
‫‪102‬‬

‫األع َل ْو َن} ؛ حسب التعبير القرآني‪ ،‬أو (اإلسالم يعلو‬
‫{وأَْنتُ ُم ْ‬
‫المسلمين‪َ :‬‬
‫المزيفة‬
‫وال‪ ‬يعلى عليه) ؛ حسب تعبير نبي اإلسالم (ص)‪ ،‬ال الفلسفات ّ‬
‫‬

‫الت���ي جعلها ّ‬
‫الحكام أصحاب األهواء إس�ل�امهم‪ ،‬وحكموا الناس بالحديد‬
‫والّنار‪ ،‬والدعايات المسمومة‪.‬‬

‫مما ّادعاه ّ‬
‫الحكام إس�ل�امًا‪ ،‬وهوال يمت إلى‬
‫وهناك ألف مثال ومثال ّ‬

‫اإلس�ل�ام بصلـة‪ ،‬نذكـر منهـا بعض المـوارد المعدودة التي يعايشها المسلم‬
‫كل بالد اإلسالم‪ ،‬من غير فرق بين عربهم وعجمهم‪.‬‬
‫في ّ‬

‫ وقد تحدث المؤلف عن أسباب سقوط المسلمين دينياً ودنيوياً في كتابه‪ :‬سقوط بعد سقوط‪ ،‬وكتاب لماذا تأخر‬
‫المسلمون ؟ ‪.‬‬
‫ بصائر الدرجات‪ :‬ص‪ 148‬ب ‪ 13‬ح‪ ،7‬وفي الكافي أصول‪ :‬ج‪ 1‬ص‪ 58‬ح‪ 19‬إضافة قيدأبداً‪.‬‬
‫ سورة آل عمران‪ :‬اآلية ‪.19‬‬
‫ سورة محمد‪ :‬اآلية ‪ ،35‬سورة آل عمران‪ :‬اآلية ‪.139‬‬
‫ المناقب‪ :‬ج‪ 3‬ص‪ ،241‬نهج الحق‪ :‬ص‪ ،515‬وسائل الشيعة‪ :‬ج‪ 26‬ص‪ 14‬ب ‪ 1‬ح‪ ،32383‬غوالي الآللي‪ :‬ج‪ 1‬ص ‪ 226‬ح‬
‫‪ 118‬و ج‪ 3‬ص‪ 496‬ح‪ ،15‬مستدرك الوسائل‪ :‬ج‪ 17‬ص‪ 42‬ب‪ 1‬ح ‪.20985‬‬

‫أمثلة وشواهد‬
‫أما إذا أخذ س���كر الخمر‬
‫ال‪ :‬قالوا الخمر‬
‫مث ً‬
‫المحرمة هي المس���كر‪ّ ،‬‬
‫ّ‬

‫محرمة‪ ،‬إذا لم يتوّقف االقتصاد الوطني‬
‫كانت حالالً‪ّ .‬‬
‫وإن الخمر إنّما كانت ّ‬
‫عليه���ا‪ ،‬فإذا توّقف االقتص���اد الوطني عليها‪ ،‬كانت حالالً؛ كما قال رئيس‬

‫مصدق في قبال‬
‫الس���يد الكاشانيرحمه اهلل)‪ .‬أو‬
‫الوزراء اإليراني األس���بق ّ‬
‫ّ‬
‫مضرًا أو باالغتصاب ال ما كان بالرضى‪،‬‬
‫إن الزنا‬
‫قال���وا‪ّ :‬‬
‫المحرم هو ما كان ّ‬
‫ّ‬

‫إن‬
‫وليس خطرًا بس���بب احتمال تفش���ي األمراض الزهرية وغيره���ا‪ .‬وقالوا‪ّ :‬‬
‫ح���رم الضرائب؛ لعدم وجود الحاجة في ذل���ك اليوم ما عدا‬
‫اإلس�ل�ام إنّما ّ‬

‫أما إذا احتاجت‬
‫الضرائ���ب األربع الخمس‪ ،‬والزكاة‪،‬‬
‫والجزي���ة‪ ،‬والخراج‪ّ ،‬‬
‫ّ‬

‫الدولة إلى الضرائب‪ ،‬كحالنا‪ ،‬لتع ّقد األمور‪ ،‬واالحتياجات الكثيرة‪ ،‬فليست‬
‫محرمة حّتى إذا وصلت إلى أكثر من ‪.% 90‬‬
‫الضرائب ّ‬

‫المحرم في اإلس�ل�ام إنّما ه���و التعذيب الذي‬
‫إن التعذي���ب‬
‫وقال���وا‪ّ :‬‬
‫ّ‬

‫ي���راد به االعتب���اط ال التعذيب الذي يراد به أخ���ذ االعترافات من فئات‪ ،‬أو‬
‫إن الس���جن االعتباطي حالل في هذا الحال مثل س���جن‬
‫أفراد محترفين‪ ،‬أو ّ‬
‫القاتل‪.‬‬

‫ألن‬
‫جدًا؛ ّ‬
‫وقالوا‪ّ :‬‬
‫إن اإلعدام إنّما جعله الش���ارع ف���ي موارد محدودة ّ‬

‫أما في هذا اليوم؛ فيجب أن نزيد على‬
‫الناس في ذلك اليوم كانوا بس���طاء‪ّ ،‬‬
‫موارد اإلعدام الش���رعية؛ لتع ّقد الحياة‪ ،‬كما فعله العراق ّأيام الش���يوعيين‪،‬‬

‫والقوميين‪ ،‬والبعثيين حّتى أوصلوا أنواع اإلعدام إلى ‪ 200‬نوع ‪.‬‬

‫ محمد بن هداية مص ّدق‪ :‬ولد في طهران سنة ‪1881‬م ومات سنة ‪1967‬م‪ ،‬سياسي إيراني تقلّد وزارة المالية ثم رئاسة‬
‫الوزراء بين سنة ‪1951‬م ‪1953‬م‪ ،‬وقد ألغى معاهدة النفط اإليرانية البريطانية سنة ‪1951‬م‪ ،‬وقد حاول شاه إيران محمد‬
‫رضا إقالته سنة ‪1953‬م لكن الجماهير الغاضبة أكرهت الشاه على مغادرة البالد وما هي إ ّال أيام حتى تدخل الغرب‬
‫وتمكن من إعادة الشاه إلى الحكم‪ ،‬وقد ُحكم عليه بالسجن لثالث سنوات ثم وضع تحت اإلقامة الجبرية حتى موته‪.‬‬
‫راجع موسوعة المورد‪ :‬ج‪ 7‬ص ‪ 68‬والمنجد في األعالم‪ :‬ص‪.665‬‬
‫ السيد أبو القاسم بن مصطفى الكاشاني‪ :‬ولد سنة ‪‍ 1330‬ه ‪1912‬م‪ ،‬شارك في ثورة العشرين‪ ،‬وكان عضواً في المجلس‬
‫العلمي‪ ،‬وبعد انتكاسة الثورة طارده اإلنجليز ؛ فهرب إلى إيران وفيها خاض صراعاً مريراً مع الطاغية رضا شاه‪ ،‬وله‬
‫مواقف مشرفة في قضية تأميم النفط اإليراني‪.‬‬
‫ وقد تطرق اإلمام المؤلف إلى هذه األنواع في كتاب‪ :‬الصياغة الجديدة لعالم الحرية والرفاه والسالم ص ‪ 582‬ص ‪594‬‬

‫‪103‬‬

‫إن الح���دود الجغرافية ضرورية لحماية الدولة من االعتداءات‬
‫وقالوا‪ّ :‬‬

‫أما‬
‫الخارجية ومن فرق التهريب‪ ،‬وفي السابق لم تكن هذه األمور موجودة‪ّ ،‬‬
‫اليوم حي���ث هذا االحتمال قائم‪ ،‬فمن الضروري أن نح ّد الحدود الجغرافية‬

‫حول أراضي البالد‪ ،‬صغيرًة كانت أو كبيرًة‪.‬‬

‫ض ُع‬
‫وقالوا‪ّ :‬‬
‫{ويَ َ‬
‫الحريات اإلسالمية التي جعلها اهلل سبحانه وتعالى‪َ :‬‬
‫إن ّ‬
‫األغ َ‬
‫ال َل ا َّلِتي كَانَ ْت َع َل ْي ِه ْم}‪ ،‬وبينها الرسول األكرم (ص)‬
‫َع ْن ُه ْم ِإ ْص َر ُه ْم َو ْ‬

‫بقوله‪( :‬الناس مسلّطون على أموالهم وأنفسهم) بزيادة مستفادة من {ال َّنِب ُّي‬
‫ُس ِه ْم}‪ ،‬إنّما كانت حيث ال احتياج للدولة للمال‪،‬‬
‫ين ِم ْن أَْنف ِ‬
‫أَ ْولَى بِاْل ُم ْؤِمِن َ‬
‫ّ‬
‫فكل هذه االحتياجات‬
‫وال لتكثي���ر‬
‫أم���ا في هذا اليوم ّ‬
‫الموظفين‪ ،‬وال‪ ،‬وال‪ّ ..‬‬

‫الحريات وتحديدها‪.‬‬
‫قائمة‪ ،‬ولهذا نحتاج إلى كبت ّ‬

‫أما إذا‬
‫وقالوا‪ّ :‬‬
‫إن األخوة اإلس�ل�امية كانت إذا لم يكن العصر حديثًا‪ّ ،‬‬

‫‪104‬‬

‫{إ َّن َما اْل ُم ْؤِمنُو َن ِإ ْخ َوةٌ} ‪.‬‬
‫صار العصر الحديث فال عمل بآية‪ِ :‬‬

‫إن الزواج باألربعة إنّما كانت حيث النس���اء الكثيرات؛ بسبب‬
‫وقالوا‪ّ :‬‬

‫يحق للرجل إ ّ‬
‫ال الزوجة‬
‫أما في هذا الي���وم؛ فال ّ‬
‫حص���اد الحروب للرجال‪ّ ،‬‬

‫ثم من الضروري أن يس���تأذن الزوج من الزوجة األولى إذا أراد أن‬
‫الواحدة‪ّ ،‬‬
‫يتزوج زوجة ثانية؛ ألجل زيادة النسل‪ ،‬أو ما أشبه ذلك‪.‬‬
‫ّ‬

‫إن حرمة االس���تمناء إنّما كان في الس���ابق نتيجة عدم وجود‬
‫وقال���وا‪ّ :‬‬

‫أما اليوم؛ فحيث‬
‫يسبب ضعف األعصاب‪ّ ،‬‬
‫الدواء لضعف األعصاب‪ ،‬حيث ّ‬

‫توجد األدوية لضعف األعصاب؛ فال حرمة لالستمناء‪.‬‬

‫محرمًا كما قال اإلمام علي(ع)‪( :‬من‬
‫وقالوا‪ :‬إن االس���تبداد إنّما يكون‬
‫َّ‬
‫تحت عنوان التعذيب في سجون بغداد‪.‬‬
‫ سورة األعراف‪ :‬اآلية ‪.157‬‬
‫ الناس مسلطون على أموالهم‪ ،‬حديث شريف ورد في كتاب غوالي الآللي‪ :‬ج‪ 1‬ص‪ 222‬ح‪ 99‬الفصل التاسع وص‪457‬‬
‫ح‪ ،198‬وج‪ 2‬ص‪ 138‬ح‪ ،383‬وكتاب نهج الحق‪ :‬ص‪ ،504‬وبحار األنوار‪ :‬ج‪ 2‬ص‪ 272‬ب‪ 33‬ح‪.7‬‬
‫ سورة األحزاب‪ :‬اآلية ‪.6‬‬
‫ سورة الحجرات‪ :‬اآلية ‪.10‬‬

‫اس���تب ّد برأيه هل���ك)‪ ،‬وغير ذلك من الرواي���ات‪ ،‬واآليات‪ ،‬حيث قال اهلل‬
‫األم ِر}‬
‫ورى بَْينَ ُه ْم}‪ ،‬و َ‬
‫س���بحانه وتعالى‪َ :‬‬
‫{ش���ا ِو ْر ُه ْم ِفي ْ‬
‫{وأَ ْم ُر ُه ْم ُش َ‬

‫‬

‫؛ ألج���ل أنّه لم يكن باإلمكان تس���يير الحكومة إ ّ‬
‫أما اليوم؛‬
‫ال بالش���ورى‪ّ ،‬‬

‫فلما أصبح باإلمكان االس���تغناء عن المشورة باألجهزة المتطورة‪ ،‬فال حاجة‬
‫ّ‬
‫كل حكم‪ ،‬فإذا‬
‫ف���إن مصلحة النظام هي المق ّدمة عل���ى ّ‬
‫لنا إلى الش���ورى‪ّ ،‬‬
‫محرم أو واج���ب وحّتى مع التوحيد‪ ،‬أمكن‬
‫تعارض���ت مصلحة النظام مع ّ‬

‫تقديم المصلحة على األحكام اإلس�ل�امية بل والعقائد اإلس�ل�امية كما قال‬
‫بكل ذلك جماعة من الطغاة‪.‬‬
‫أقول‪ :‬نعم ال إش���كال في التوس���يعات الش���رعية مث���ل الخمر حرام‬
‫كل مس���كر حس���ب الدليل‪ ،‬والتضييقات الش���رعية مثل‬
‫يوس���ع إلى ّ‬
‫حيث ّ‬
‫يعينه ش���ورى الفقهاء‬
‫تقيد األحكام بال ضرر حيث قاله الش���ارع‪ ،‬وذلك ما ّ‬
‫ّ‬

‫الحرة‪،‬‬
‫المتعاونين مع أهل الخبرة واالختصاص‪ ،‬الذين نسميهم باألحزاب ّ‬
‫أو األفراد المس���تقلّين‪ ،‬وكم هو الفرق بين األمرين؟ فالتوسيعات الشرعية‪،‬‬
‫أو التضييقات الشرعية‪ ،‬إنما تكون مع استنباط شورى الفقهاء ذلك التضييق‬
‫أو التوس���يع في الحكم حس���ب األدلّة األربعة المشهورة‪ :‬الكتاب‪ ،‬والسّنة‪،‬‬

‫واإلجماع‪ ،‬والعقل‪ ،‬وقد فصلنا هذا البحث في موضع آخر‪.‬‬

‫رأي وتعليق‬
‫وقد ق���رأت في أكثر م���ن كتاب تمس���ك بعض المس���لمين بأقوال‬
‫مونتس���كيو‪ ،‬أو فولتير‪ ،‬والتي هي بمنأى عن اإلس�ل�ام‪ ،‬وسننقل بعض‬
‫ تصنيف غرر الحكم ودرر الكلم‪ :‬ص‪ 443‬ح‪ ،10111‬نهج البالغة قصار الحكم‪ :‬الحكمة ‪ ،161‬شرح نهج البالغة البن‬
‫أبي الحديد‪ :‬ج‪ 18‬ص‪ 382‬ب ‪ ،163‬بحار األنوار‪ :‬ج‪ 72‬ص‪ 104‬ب‪ 49‬ح‪ ،38‬وسائل الشيعة‪ :‬ج‪ 12‬ص‪ 40‬ب‪ 21‬ح‪،15587‬‬
‫خصائص األمة‪ :‬ص‪.108‬‬
‫ سورة الشورى‪ :‬اآلية ‪.38‬‬
‫ سورة آل عمران‪ :‬اآلية ‪.159‬‬
‫ شارل دي سيكوندا‪ ،‬بارون دي اليريد ودي المشهور ب‍مونتسكيو‪ ،‬ولد سنة ‪1689‬م‪ ،‬ومات سنة ‪1755‬م‪ ،‬كاتب‪ ،‬ومؤرخ‪،‬‬
‫وفيلسوف فرنسي‪ ،‬له باع في تنظير أيديولوجية الملكية الدستورية‪ ،‬وله عدة مؤلفات منها‪ :‬روح القوانين‪ ،‬رسائل‬

‫‪105‬‬

‫المقاطع من أحدهما مع شرحه لها‪.‬‬
‫يحدد العوامل التي ّ‬
‫تشكل قوانين الدولة‪،‬‬
‫يقول الكاتب‪ :‬مونتس���كيو ّ‬

‫مادية طبيعية‪،‬‬
‫إما ّ‬
‫األمـة‪ ،‬فيرجعها إلى عوامل ّ‬
‫وشكل الحكومة‪ ،‬وشخصيـة ّ‬

‫أو معنوي���ة اجتماعية‪ .‬ومن العوامل الطبيعية‪ ،‬عامل الجغرافية‪ ،‬التي يوليها‬

‫يميز‬
‫مونتس���كيو اهتمامًا خاصًا إلى ّ‬
‫حد أن اعتبرها أغلب الباحثين ّ‬
‫أهم ما ّ‬

‫يتكون من س���ّتة أجزاء في ‪ 31‬بابًا‪ ،‬فمن نتائج بحثه‪ :‬يختلف‬
‫مؤلّفه‪ ،‬الذي ّ‬

‫الناس في مختلف األقاليم تبعًا لعوامل المناخ‪ ،‬وطبيعة األرض‪ ،‬والموقع‪،‬‬
‫كل أجزاء الجس���م اإلنس���اني وما‬
‫أن للمناخ أثرًا على ّ‬
‫ونوع األراضي‪ ،‬ذلك ّ‬

‫ّ‬
‫يتش���كل مزاج اإلنس���ان‪ ،‬وأخالقه‪،‬‬
‫ثم‬
‫به من عصارات‪ ،‬وإفرازات‪ ،‬ومن ّ‬

‫وعادات���ه‪ ،‬وطباعه‪ ،‬فحيوية الناس في المناطق الب���اردة غيرها في المناطق‬
‫الح���ارة‪ .‬وقد ترتب عل���ى ذلك كثير من األنظم���ة االجتماعية‪ ،‬ذات الطابع‬
‫ّ‬

‫‪106‬‬

‫كتعدد الزوجات‪ ،‬وتحريم الخمر‪ ،‬وإنجاب‬
‫الخاص في المناطق‬
‫الح���ارة‪ّ ،‬‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫الحارة‪ ،‬ومن‬
‫األمة؛ إذ العبودية طابع المناطق‬
‫النس���اء‪ ،‬كذلك يتأثّر به نظام ّ‬
‫ّ‬
‫الحرية في‬
‫ّ‬
‫ثم س���ادها النظام االستبدادي في الحكم‪ ،‬كذلك يختلف مفهوم ّ‬

‫األنظم���ة االقتصادية‪ ،‬كالضرائب‪ ،‬وأنظمة الحرب ف���ي هذه المجتمعات‪،‬‬
‫ّ‬
‫إن‬
‫وفقًا لش���كل الحكم فيها‪ ،‬وهذا بدوره قد‬
‫ش���كلته العوامل الجغرافية؛ ّ‬
‫ّ‬
‫والتعطش للدماء‪،‬‬
‫أدت بالّتتار إلى االندفاع نحو الحروب‪،‬‬
‫حالة القحط قد ّ‬

‫الحرية؛ وإن عانت من القحط‬
‫والتدمي���ر‪ ،‬بينما تميل األقضية العربي���ة إلى ّ‬
‫أيضًا‪.‬‬

‫أما العوامل المعنوية واالجتماعية؛ التي ّ‬
‫تشكل‬
‫وأضاف هذا الكاتب‪ّ :‬‬

‫فأهمها المزايا االقتصادية‪ ،‬وأمور‬
‫بدوره���ا قوانين الدولة‪ ،‬ونظام الحكومة‪ّ ،‬‬

‫الدين‪.‬‬

‫أما حول المس���ائل االقتصادية؛ فيعرض مونتس���كيو أنظمة التجارة‪،‬‬
‫ّ‬

‫فارسية‪ ،‬نظرات في أسباب عظمة الرومان وانحطاطهم‪.‬‬

‫والضرائب في بعض المجتمعات القديمة‪ ،‬خصوصًا الدولة الرومانية‪ ،‬وعوامل‬
‫تطورها‪ ،‬وأثر القوانين الوضعية في النقد‪ ،‬وحركة التجارة‪ ،‬وانعكاس ذلك‬
‫ّ‬

‫ّ‬
‫فإن‬
‫على عدد‬
‫الس���كان‪ ،‬وحركتهم‪ ،‬ونموهم‪ ،‬وثقافته���م‪ ،‬أو تخلخلهم‪ّ .‬‬
‫المش���رع‪ ،‬والحكومة القائمة‪،‬‬
‫القواني���ن الوضعية‪ ،‬وإن كانت تعكس رغبة‬
‫ّ‬

‫فإنّها بدورها الب ّد أن تتأثّر بالقوانين الطبيعية‪.‬‬

‫أن اإلسالم أكثر مالءمة لشعوب الشرق‪،‬‬
‫أما الدين؛ فيرى مونتسكيو ّ‬
‫ّ‬

‫بينما المسيحية تناس���ب األوروبيين؛ ألسباب جغرافية من جهة‪ ،‬وألسباب‬
‫تتعلّق بشكل الحكومة من جهة أخرى‪ ،‬وهو إذ يفصل القول في الجوانب‬
‫االجتماعي���ة في الدين‪ ،‬واألعياد‪ ،‬فإنّه يحمل حملة ش���عواء على االضطهاد‬

‫الديني‪ ،‬ومحاكم التفتيش‪.‬‬

‫خالص���ة القول‪ :‬لقد درس مونتس���كيو بإس���هاب مس���تخدمًا المنهج‬
‫التاريخي‪ ،‬والمنهج المقارن‪،‬كيف يتح ّدد نظام الحكم بالعوامل الجغرافية‪،‬‬
‫والمادية‪ ،‬واالجتماعية‪ ،‬أو الثقافية‪ .‬وهو وإن أولى العوامل الجغرافية اهتمامًا‬
‫ّ‬
‫أن العوامل الجغرافية‬
‫خاصًا في بيان أثرها بش���كل المجتمع‪ ،‬فإنّه أشار إلى ّ‬
‫فإن هذا يعني جمود‬
‫إن س���اد تأثيرها على العوامل الثقافية‪ ،‬واالجتماعية‪ّ ،‬‬

‫التطور؛ نظرًا لثبات العامل الجغرافي إن‬
‫المجتمع‪ ،‬وضعف مقدرت���ه على‬
‫ّ‬

‫يف إلى العامل الثقافي‪.‬‬
‫أُ ِض َ‬

‫أن هذه الكلمات ليس���ت إ ّ‬
‫ال تضخيمًا من جانب‪،‬‬
‫أقول‪ :‬وأنت ترى ّ‬

‫وتصغيرًا من جانب آخر‪ ،‬ولم يقم أي دليل على ما ذكره مونتس���كيو‪ ،‬أو‬
‫الكاتب‪ ،‬ولكن لو كان األمر كذلك‪ ،‬كانت الدول األوربية في الزمان السابق‬
‫المتع ّددة اللغ���ات‪ ،‬واألديان‪ ،‬واالقتصادي���ات‪ ،‬والمناخات‪ ،‬لم ّ‬
‫تتمكن أن‬
‫توحد جهوده���ا في دولة أوربية برفع الحدود الجغرافية عنها بعملة موحدة‬
‫ّ‬

‫وبرلمان مش���ترك و… وكذلك بالنس���بة إلى ال���دول األمريكية التي اّتحدت‬

‫‪107‬‬

‫فصارت دولة واحدة‪ ،‬إلى غير ذلك من التناقض‪ ،‬واإلش���كاالت التي لسنا‬
‫تحدد في واحد‪ ،‬أو اثنين‪ ،‬أو ثالثة‪ ،‬أو‬
‫بص���دد ذكرها‪ ،‬وهي أكثر من أن ّ‬

‫عشرة‪ ،‬أو عشرين‪ ،‬أو حّتى مائة‪.‬‬

‫‪108‬‬

‫ فقد شكلت جمعية تأسيسية‪ ،‬تتكون من ‪ 55‬عضواً‪ ،‬يترأسها جورج واشنطن من أجل وضع دستور‪ ،‬يوفق بين حرية‬
‫الواليات‪ ،‬وضرورة السلطة المركزية القوية المتمتعة بالموارد الكافية إلدارة مجموع الشعب األمريكي‪ ،‬واجتمعت الجمعية‬
‫ألول مرة في ‪ 25‬آيار ‪1778‬م‪ ،‬وخرجت بقرارات‪ ،‬حددت فيها حقوق الحكومة الفدرالية وواجباتها‪ .‬واتحدت الواليات‬
‫األمريكية على شكل مراحل آخرها في ‪ 4‬تموز ‪1909‬م بعد انضمام ألسكا‪ ،‬وهاواي‪ ،‬وأصبح َعل َُمهم يحتوي على خمسين‬
‫نجمة‪ ،‬يمثل خمسين والية‪ .‬لمزيد من التفصيل راجع جريدة العالم‪ :‬ج‪ 4‬ص‪ 236‬ترجمة سمير شيخاني‪.‬‬

‫كيفية استنباط السنن التاريخية‬

‫مسألة‪ :‬فلسفة التاريخ هي قواعد كلّية مستنبطة من مجموعة األحداث‪،‬‬
‫المقدمات متعلّقة بالتاريخ العالمي باستقراء المواد المختلفة‬
‫بمعنى أن تكون‬
‫ّ‬

‫من األمم والشعوب‪ ،‬والشرق والغرب‪ ،‬واإلمبراطوريات القديمة والحديثة‪،‬‬
‫واالنتصارات واالنكسارات‪.‬‬
‫أن هذه القواعد ال تحتاج إلى االس���تقراء الكلّي‪ ،‬الذي‬
‫ومن الواضح ّ‬

‫ال يمكن تحقيقه بالنس���بة إلى اإلنس���ان في هذا العص���ر‪ ،‬فكيف بالعصور‬
‫القديمة‪ ،‬وقد كتب جماعة من العلماء فلس���فة التاريخ‪ ،‬ولم يشكل عليهم‬
‫ألن االستقراء إذا كان‬
‫بأنّهم الحظوا بعض العصور‪ ،‬أو بعض األمم‪ ،‬وذلك ّ‬
‫ال‪ ،‬لم يحتج إلى تصفح جميع الجزئيات‪.‬‬
‫معّل ً‬

‫يحرك ّ‬
‫فكه األس���فل عند المضغ‬
‫مث�ل�ا‪ :‬من يريد أن يقول ّ‬
‫ً‬
‫كل حيوان ّ‬

‫حيث ال‪ ‬يس���تند هذا اإلدعاء إلى علّة عامة مش���تركة‪ ،‬يحتاج إلى أن يشاهد‬
‫كل حيوان حيوان‪ ،‬بينما إذا وصل األمر إلى االستقراء المعلّل‪ ،‬لم‬
‫اإلنس���ان ّ‬
‫المنطقيون بين االس���تقراء التام وبيـن‬
‫فرق‬
‫يحتج إلى االس���تقراء ّ‬
‫ّ‬
‫التام‪ ،‬ولذا ّ‬

‫االس���تقراء الناقص‪ ،‬وبين االس���تقراء المعلل وغيره‪ ،‬فكما أنّا ال نشاهد إ ّ‬
‫ال‬
‫حارٍة‪ ،‬أوال نش���اهد إ ّ‬
‫ال بعض أقسام‬
‫بعض النيران‪ ،‬ومع ذلك نقول‪ّ :‬‬
‫كل ناٍر ّ‬

‫أمر غير محبذ‪ ،‬كذلك بالنس���بة إلى‬
‫الض���رب‪ ،‬ومع ذلك‪ ‬نقول ّ‬
‫إن الضرب ٌ‬

‫متع���ددة‪ ،‬فإنّها تكمن‬
‫فلس���فة التاريخ لوحدة الطبيعة اإلنس���انية من جهات‬
‫ّ‬
‫ثم فمن النتائج‬
‫خلف اختالف الش���عوب‪ ،‬وتمايز ألوانه���ا وعوائدها‪ ،‬ومن ّ‬

‫‪109‬‬

‫تطبق على غيرها من‬
‫الكلّية المس���تخلصة من ّ‬
‫مادتها المحدودة يمك���ن أن ّ‬
‫المجتمعات‪.‬‬

‫قوة االندفاع‪ ،‬فإنّه ال يحتاج األمر إلى أن‬
‫مث ً‬
‫ال‪ :‬إذا رأينا ّ‬
‫أن الشاب له ّ‬

‫الخاصية‪،‬‬
‫شاب ش���اب‪ .‬بل إذا رأينا ألوفًا من الشباب لهم هذه‬
‫كل‬
‫نش���اهد ّ‬
‫ٍّ‬
‫ّ‬

‫قوة اندفاعية إ ّ‬
‫ال الشاب المريض‪ ،‬أو ما أشبه ذلك‪،‬‬
‫بأن ّ‬
‫نقول ّ‬
‫كل شاب‪ ،‬له ّ‬

‫وهكذا إذا رأينا الشيوخ لهم هدوء‪ ،‬وسكينة‪ ،‬وعدم اندفاع‪ ،‬فإنّه ال يحتاج‬
‫كل الشيوخ؛ الكتشاف‬
‫كل الشيوخ‪ ،‬بل نقول ذلك بالنسبة إلى ّ‬
‫إلى أن نرى ّ‬

‫ذلك الكلّي من عشرات المئات من الشيوخ الذين شاهدناهم‪ ،‬وكذلك الحال‬
‫في كثير من القضايا مثل قولهم‪ :‬الربا ش���رارة الحروب‪ ،‬والخمارون ينتهون‬
‫للمخدرات ينتهون إلى ضعف األعصاب‪،‬‬
‫إل���ى أمراض القلب‪ ،‬والمدمنون‬
‫ّ‬
‫أن التاريخ‬
‫إلى غير ذلك من القضايا الكلّية التي ال اختالف فيها إطالقًا‪ ،‬مع ّ‬

‫‪110‬‬

‫مركزة على مجتمعات‬
‫العالمي لدى معظم فالس���فة التاريخ كانت أبحاث���ه َّ‬
‫أول الخلقة إلى‬
‫معينة‪ّ ،‬‬
‫ألن اإلنس���ان ليس في طول الزمان من ّ‬
‫معينة وأزمنة ّ‬
‫ّ‬

‫آخرها‪ ،‬وال في س���عة األمر من الناس الذين هم في عصره من األش���خاص‬
‫المتشّتتين في شرق األرض وغربها‪.‬‬

‫كل القضايا باستثناء الضروريات الحسابية‪،‬‬
‫وعلى هذه األمور تترّتب ّ‬

‫كالطب‪ ،‬والهندسة المعمارية‪ ،‬والمحاماة‪،‬‬
‫أو الرياضية‪ ،‬أو ما أشبه ذلك‪،‬‬
‫ّ‬

‫والقضاء‪ ،‬وألف علم وعلم‪ ،‬كلّها حاصلة من مثل تلك المفردات‪.‬‬

‫نعم‪ ،‬العل���وم الضرورية كالحس���اب‪ ،‬والهندس���ة العلمية‪ ،‬وبعض‬
‫مس���ائل الفيزياء‪ ،‬والكيمياء‪ ،‬وما أش���به ذلك هي من الضرورات بحيث ال‬
‫تحت���اج إلى جمع المفردات الكثيرة وإ ّ‬
‫التجريبية كاّفة بحاجة إلى‬
‫ال فالعلوم‬
‫ّ‬

‫العام‪ ،‬والفلسفة الجامعة‬
‫السر ّ‬
‫جمع المفردات الكثيرة حّتى يكتش���ف منها ّ‬
‫لكل تلك المفردات في المنحى الذي قصده العالم‪.‬‬
‫ّ‬

‫األسباب والمسببات‬

‫مس�ألة‪ :‬إن معرف���ة فلس���فة التاريخ تحت���اج إلى استكش���اف العلل‬
‫والمسببات‪ ،‬وذلك كما في الحديث‪( :‬أبى اهلل أن‬
‫والمعلوالت‪ ،‬واألس���باب‬
‫ّ‬
‫يجري األشياء إ ّ‬
‫ال بأسباب)‪ ،‬وفي القرآن الحكيم ذكر مرتين قوله سبحانه‬

‫ومسببات باستثناء‬
‫فإن اهلل جعل الدنيا دار أسباب‬
‫ُم أَْتبَ َع َسبَبًا} ّ‬
‫وتعالى‪{ :‬ث َّ‬
‫ّ‬

‫ما قد يفعله من المعجزات الخارقة‪.‬‬

‫ال‪ :‬اإلنس���ان إذا صار مريضًا؛ احتاج إلى الدواء‪ ،‬لكن اهلل سبحانه‬
‫مث ً‬
‫وتعالى أجرى على يد عيسى المسيح(ع) الشفاء بدون الدواء‪ .‬كما أنّه جعل‬

‫فإن النار تكون محرقة‪ ،‬بينما جعل اهلل س���بحانه‬
‫كذل���ك في نار إبراهي���م‪ّ ،‬‬

‫وتعالى النار إلبراهيم(ع) بردًا وسالمًا‪.‬‬

‫والحاص���ل‪ :‬أنّه بدون الصور المس���تثناة‪ ،‬تكون الدنيا دنيا األس���باب‬

‫والمس���ببات‪ ،‬ومن يريد فلسفة التاريخ‪ ،‬واكتشاف الروح العامة؛ يجب أن‬
‫ّ‬

‫والمسببات كأسباب النهوض‪ ،‬وأسباب السقوط‪ ،‬وأسباب‬
‫يعرف األس���باب‬
‫ّ‬

‫العامة‪ ،‬وأسباب المرض العام‪.‬‬
‫الغنى‪ ،‬وأسباب الفقر‪ ،‬وأسباب‬
‫ّ‬
‫الصحة ّ‬

‫الصحة العامة‪ ،‬تكمن في مراعاة الماء‪ ،‬والهواء‪ ،‬والنوم‬
‫ال‪ :‬أسباب‬
‫مث ً‬
‫ّ‬

‫صحي‪،‬‬
‫نقي‪ ،‬أو الماء غير ّ‬
‫واليقظة‪ ،‬واإلمالء‪ ،‬واإلفراغ‪ ،‬فإذا كان الهواء غير ٍّ‬
‫يسبب ذلك أمراضًا لإلنسان بل والحيوان والنبات أيضًا‪ ،‬إلى غير ذلك من العلل‬
‫ّ‬

‫متعددة حّتى‬
‫والمعلوالت‪ ،‬واألسباب‬
‫ومسببات ّ‬
‫والمسببات‪ّ ،‬‬
‫مما قد يكون أسبابًا ّ‬
‫ّ‬

‫ الكافي أصول‪ :‬ج‪ 1‬ص‪ 183‬ح‪ 7‬وبصائر الدرجات‪ :‬ص‪ 6‬و ص‪ 505‬باب معرفة العالم‪ ،‬وقريب منه في غوالي الآللي‪:‬‬
‫ج‪ 3‬ص ‪ 286‬باب النكاح‪.‬‬
‫ سورة الكهف‪ :‬اآليات ‪ 89‬و‪.92‬‬

‫‪111‬‬

‫الوصول إلى النتيجة المطلوبة‪ ،‬وقد يكفي في الوصول للنتيجة وجود سبب‬
‫ومسبب واحد‪.‬‬
‫ّ‬

‫وعلى أي حال‪ :‬فمن يريد فلس���فة التاريخ يجب أن يالحظ هذا األمر‬

‫مقدماته‪.‬‬
‫في ّ‬
‫كل شيء يريد تحصيل النتيجة من ّ‬

‫ال‪:‬‬
‫إن ه���ذه المق ّدمات قد تك���ون قريبة‪ ،‬وقد تك���ون بعيدة‪ ،‬مث ً‬
‫ث���م ّ‬

‫مقدمة للحصول على المركب‪ ،‬أو‬
‫الم���اء‪ ،‬والهواء‪ ،‬والتراب‪ ،‬والح���رارة؛ ّ‬
‫المعج���ون الفالني‪ ،‬الذي هو ناتج عن ماء التفّاح‪ ،‬وش���جرة التفّاح الناتج‬
‫ع���ن األرض الخصبة‪ ،‬إلى غير ذلك من األمثلة‪ .‬من غير فرق بين أن تكون‬
‫األس���باب مترّتبة بعضها على بعض كالمث���ال المتق ّدم‪ ،‬أو في عرض واحد‬
‫مث���ل احتياج الفقه إل���ى اللغة‪ ،‬والصرف‪ ،‬والنح���و‪ ،‬والبالغة‪ ،‬والمنطق‪،‬‬
‫واألصول‪ ،‬والحديث‪ ،‬والرجال‪ ،‬وما أش���به ذل���ك‪ ،‬فإنّها ال تترّتب بعضها‬

‫‪112‬‬

‫على بعض بل كلّها في عرض واحد‪.‬‬

‫ال لجملة من األمور‬
‫أن التعليل يجب أن يك���ون تعلي ً‬
‫وم���ن الواضح ّ‬

‫الكافية لالستكشاف ال أمرًا جزئيًا خارجيًا‪ ،‬كما هو حال التاريخ‪ ،‬إذ التاريخ‬
‫يكتفي في س���رد حالة زيد‪ ،‬وعمر‪ ،‬وبك���ر‪ ،‬وتجارة خالد وخويلد‪ ،‬وعلم‬
‫فالن وفالن‪ ،‬وفي التاريخ يجب أن يالحظ ذلك‪.‬‬

‫التعليل الظاهري والباطني‬

‫مس�ألة‪ :‬مـن يريد معرفـة فلس���فـة التاريخ‪ ،‬واكتش���اف الروح العامة‪،‬‬
‫فإن‬
‫يجب عليه معـرفة التعليـ���ل الباطنـي‪ ،‬وال يكتفي بالتعليل الظاهـري‪ّ ،‬‬

‫العامـة‪ ،‬وإنّمـا الذي يكشـف‬
‫التعليالت الظاهريـة ال تكفـي لكش���ف الـروح ّ‬
‫الـروح العامـة هو التعليالت الباطنية‪ ،‬بأن ينظر إلى ما وراء أحداث التاريخ‬

‫واألسباب الواقعية‪.‬‬
‫العباسي ذهب إلـى خراسان ألجل االصطياف‪ ،‬هذا كـان‬
‫مث ً‬
‫ال‪ :‬هـارون ّ‬

‫أم���ا باطن األمر هـو رغبته فـي إخماد الفتن التي نش���بت هناك‬
‫اه���ر األمر‪ّ ،‬‬

‫جراء أخذ علي بن ماهان حاكمه في خراس���ان الضرائب المرهقة التي‬
‫مـن ّ‬
‫ثم الثورة ‪ .‬وهكذا ف���ي كثير من األمور علل‬
‫س���ببت هيجان الن���اس ومن ّ‬
‫ّ‬

‫ظاهرية وعلل باطنية‪ ،‬والعلل الظاهرية بمفردها ال ّ‬
‫تتمكن من كشف الروح‬
‫العامة وفلسفة التاريخ‪.‬‬
‫أن التعلي���ل التاريخي بحاجة إلى جمل���ة من العلوم‬
‫وم���ن الواضح ّ‬

‫كالمنطق‪ ،‬والحكمـة‪ ،‬واألصول المصطلـح فـي أصـول الفقـه‪ ،‬والحساب‪،‬‬
‫فإن اكتشـاف الـروح العامـة بحاجـة إلى هذه األمـور‪ .‬ومنـه‬
‫ومـا أشبه ذلك‪ّ ،‬‬

‫يعلـم أنّـه ال‪ ‬يراد بالفلس���فـة هنـا الفلس���فـة عنـد الفالسفـة الحكمـاء كابـن‬

‫سيره‬
‫ علي بن عيسى بن ماهان‪ ،‬تولى ديوان الجند في عهد المهدي العباسي‪ ،‬حكم خراسان في عهد هارون العباسي‪ّ ،‬‬
‫األمين العباسي لمحاربة أخيه المأمون‪ ،‬قتل سنة ‪‍ 195‬ه ‪811‬م‪.‬‬
‫ وكان ذلك في شعبان سنة ‪‍ 192‬ه حيث خرج عليه رافع بن الليث واستولى على ما وراء النهر ؛ ألن واليه علي بن ماهان‬
‫قد أرهق األهالي بالضرائب ما يقدر بحمل ألف وخمسمائة جمل‪.‬‬

‫‪113‬‬

‫س���ينا‪ ،‬والفارابي‪ ،‬وقبل ذلك أرس���طو‪ ،‬وبعد ذلك الحاج السبزواري‪،‬‬
‫األعم من وجه‬
‫ال صدرا‪ ،‬ومن أش���بههم‪ ،‬بل المراد بالفلس���فة هن���ا‬
‫والم ّ‬
‫ّ‬

‫واألخص بالوجه من الفلسفة المصطلحة‪.‬‬

‫‪114‬‬

‫ أبو نصير محمد بن محمد بن طرخان الفارابي‪ ،‬عالم وفيلسوف وحكيم‪ ،‬أتقن العلوم الحكمية وبرع في العلوم الرياضية‪،‬‬
‫وكتب في الفلسفة والفلك والمنطق والرياضيات والهندسة والموسيقى والنبات‪ ،‬ولد في إقليم خراسان سنة ‪‍ 260‬ه‬
‫‪873‬م‪ ،‬وقيل‪257 :‬ه‍ ‪870‬م‪ ،‬عاش ثمانين سنة‪ ،‬وكان يجيد اللغة التركية والعربية والفارسية واليونانية والالتينية‬
‫والعبرية‪ ،‬وكان يسعى للتوفيق بين فلسفة أرسطو وأفالطون‪ ،‬ودرس في بغداد الرياضيات والطب والفلسفة‪ ،‬وكان على‬
‫اتصال بالصاحب بن عباد وغادرها لما أصابها من اضطرابات اجتماعية وسياسية وهجوم الديلم عليها وما أحدثوه من‬
‫فتن ومصائب وتقتيل ثم سافر إلى حلب سنة ‪329‬ه‍ ‪941‬م فاّتصل بسلطانها‪ ،‬سيف الدولة بن حمدان ؛ وأقام في كنفه‬
‫مدة وأكرمه وقربه‪ ،‬ثم سافر معه إلى دمشق عندما استولى عليها ثم توجه إلى مصر سنة ‪338‬ه‍ ‪949‬م ؛ وتوفي فيها‬
‫سنة ‪339‬ه‍ ‪950‬م وصلى عليه سيف الدولة الحمداني‪ ،‬بلغت مؤلفاته المائة غير أن أغلبها فقد‪ ،‬والموجود منها حوالي‬
‫األربعين‪ 31 :‬بالعربية و‪ 6‬بالعبرية و‪ 2‬بالالتينية‪ ،‬من مؤلفاته‪ :‬المدينة الفاضلة‪ ،‬التعليم الثاني‪ ،‬إحصاء العلوم والتعريف‬
‫بأغراضها‪ ،‬السياسة المدنية والسيرة الفاضلة‪ ،‬ماينبغي أن يتقدم قبل تعلم الفلسفة‪ ،‬الموسيقى الكبير‪.‬‬
‫ المولى هادي بن مهدي السبزواري‪ ،‬حكيم وفيلسوف وفقيه وشاعر وعارف‪ ،‬ولد في مدينة سبزوار اإليرانية سنة‬
‫‪1212‬ه‍‪ ،‬ثم هاجر منها إلى أصفهان للدراسة وبقي فيها عشر سنوات‪ ،‬تتلمذ عند الشيخ محمد تقي ؛ صاحب هداية‬
‫المسترشدين‪ ،‬والشيخ محمد إبراهيم الكلباسي ؛ صاحب إشارات األصول‪ ،‬والم ّال إسماعيل اإلصفهاني‪ ،‬والم ّال علي‬
‫نوري‪ ،‬ثم انتقل إلى مدينة مشهد الرضا سنة ‪1242‬ه‍ ؛ وأخذ يدرس فيها‪ ،‬ثم انتقل إلى سبزوار سنة ‪1252‬ه‍ وطفق‬
‫يدرس فيها الفلسفة والعلوم اإللهية ‪ 37‬سنة‪ ،‬توفي سنة ‪1289‬ه‍ ودفن في مسقط رأسه‪ ،‬ومن تالمذته الشيخ محمد‬
‫كاظم الخراساني ؛ صاحب كفاية األصول‪ ،‬والم ّال عبد الكريم القوجاني‪ ،‬وله أكثر من عشرين مؤلفاً منها‪ :‬شرح‬
‫المنظومة وهي على قسمين‪ :‬في المنطق والفلسفة‪ ،‬وكتاب شرح األسماء الحسنى وشرح على المثنوي ؛ لجالل الدين‬
‫وحواش على رسالة المبدأ والمعاد ؛‬
‫الرومي‪ ،‬وتعليقات على كتاب األسفار األربعة‪ ،‬وحاشية على الشواهد الربوبية‪،‬‬
‫ٍ‬
‫لصدر المتألهين‪ ،‬ومجموعة رسائل و إرجوزة في الفقه ؛ سماها النبراس و الجبر واالختيار و شرح دعاء الصباح و‬
‫غرر الفوائد في الحكمة‪ .‬ترجمه المآثر واآلثار‪ :‬ص‪.147‬‬
‫ محمد بن إبراهيم صدر الدين الشيرازي‪ ،‬المشهور ب‍المال صدرا أو صدر المحققين‪ ،‬فيلسوف وحكيم وعارف ومفكر‬
‫إسالمي‪ ،‬ولد في شيراز في الربع األخير للقرن العاشر الهجري‪ ،‬وتوفي في البصرة سنة ‪1050‬ه‍ ‪1640‬م في طريقه‬
‫لحج بيت اهلل الحرام للمرة السابعة‪ ،‬تتلمذ عند السيد الميرداماد والشيخ البهائي‪ ،‬ومن أبرز تالمذته الفيض الكاشاني‬
‫والالهيجي ؛ صاحب الشوارق‪ ،‬من مؤلفاته‪ :‬الحكمة المتعالية في المسائل الربوبية‪ ،‬المسمى ب‍األسفار األربعة‪ ،‬والمبدأ‬
‫المشائيين واإلشراقيين وعلى تطابق الشرع‬
‫والمعاد‪ ،‬ومفاتيح الغيب‪ ،‬واليخفى أن فلسفته قائمة على التوفيق بين ّ‬
‫والعقل‪ .‬ترجمه روضات الجنات‪ :‬ص‪ ،331‬المنجد في األعالم‪ :‬ص‪ ،398‬الموسوعة اإلسالمية‪ :‬ج‪ 5‬ص‪.281 280‬‬

‫فلسفة التاريـــــخ والحتمية التاريخية‬

‫إن اإلنسان بما أنّه مريد‪ ،‬له تقلّبات من حال إلى حال‪ ،‬بسبب‬
‫مسألة‪ّ :‬‬

‫ش���روط الزمـان والمكان‪ ،‬ومــا أش���به ذلـك‪ ،‬فليست فلسفة التاريخ مّتصفة‬
‫بالحتمية التاريخية‪ ،‬وليس معنى كون األمر من سّنة اهلل سبحانه وتعالى أنّها‬
‫ّ‬
‫ألن س���نن اهلل سبحانه وتعالى تنقسم إلى سنن دائمة‪،‬‬
‫أبدية‪ّ ،‬‬
‫س���ّنة دائمة أو ّ‬

‫التغير في هذه السّنة‪ ،‬واكتشاف‬
‫متغيرة‪ّ ،‬‬
‫ألن اهلل سبحانه وتعالى جعل ّ‬
‫وسنن ّ‬
‫المتغيرة أيضًا‬
‫نفس هذا الش���يء‪ ،‬وإنّه من س���نن اهلل الدائمة‪ ،‬ومن سنن اهلل‬
‫ّ‬

‫يحتاج إلى سعة علم‪ّ ،‬‬
‫وإطالع‪ ،‬ومالحظة للمفردات‪.‬‬

‫ال‪ :‬قضايا المنطق‪ ،‬والحساب‪ ،‬والهندسة من سنن اهلل الدائمة‪ ،‬فال‬
‫مث ً‬
‫تتغير حاالت الجمع‪ ،‬والضرب‪ ،‬والطرح‪ ،‬والتقس���يم‪ ،‬والجبر‪،‬‬
‫يعقل ْ‬
‫أن ّ‬

‫والمدور‪،‬‬
‫والمخمس‪ ،‬والمعين‪،‬‬
‫والمقابلة‪ ،‬أو حاالت المثلّث‪ ،‬والمربّع‪،‬‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫وما أشبه‪ ،‬أو حاالت األقيسة األربعة من كون الصغرى مندرجة في الكبرى‪،‬‬
‫تتغير أحوال‬
‫أو مث���ل ك���ون ّ‬
‫الكل أعظم من الج���زء‪ ،‬إلى غير ذلك‪ .‬بينم���ا ّ‬

‫وصحة‪ ،‬ومرضًا‪ ،‬وش���جاعة‪،‬‬
‫ال‪،‬‬
‫قوة‪ ،‬وضعفًا‪ ،‬وعلمًا‪ ،‬وجه ً‬
‫ّ‬
‫الش���عوب ّ‬
‫والمسببات التي‬
‫ال‪ ،‬وما أش���به ذلك حس���ب األسباب‬
‫وجبنًا‪ ،‬وكرمًا‪ ،‬وبخ ً‬
‫ّ‬

‫جعلها اهلل سبحانه وتعالى في هذه الحياة‪.‬‬

‫‪115‬‬

‫حركة التاريخ أمر بين أمرين‬

‫مس�ألة‪ :‬ينطبق على فلس���فة التاريخ ما ذكره علماء العقائد من مسألة‬
‫الجبر والتفويض واألمر بين األمرين‪.‬‬
‫إن أحوال األمم ليس���ت علـى نحو التكامل‬
‫ومثا ً‬
‫ال علـى ذلك نقـول‪ّ :‬‬

‫ٌ‬
‫تكامل في حال‪،‬‬
‫الدائم‪ ،‬وال على نحو االنحطاط الدائم‪ ،‬وإنّما يكون لألمم‬

‫وانحطاط فـي حال آخر‪.‬‬

‫النسبية كثيرًة‪ ،‬فليس من الغريب أن يكون‬
‫ولما كان عـدد الكماالت‬
‫ّ‬
‫ّ‬

‫‪116‬‬

‫أحـ���د المجتمعات‪ ،‬أو إحدى المراحل التاريخية‪ ،‬أكمل من مجتمع آخر‪،‬‬
‫أو مرحل���ة تاريخية أخرى مـن حيث إحدى تلك الكماالت‪ ،‬ولكّنه أنقص‬

‫معين‪ ،‬أو‬
‫منه م���ن حيث كمال آخر‪ ،‬فإنّـه ال يمكـن إثب���ات كـون مجتمع ّ‬

‫معين‪ ،‬أكمل مـ���ن مجتمـع آخر‪ ،‬أو‬
‫مرحل���ة تاريخية ّ‬
‫خاص���ة فـي مجتمع ّ‬

‫مرحلة أخرى في جميع الكمـاالت النسبية التـي هـي مق ّدمـة لغيرها‪.‬‬

‫مث�ل�ا‪ :‬اليون���ان القديمة؛ تكامل���ت مـن حيث العلـم‪ ،‬والفلس���فـة‪،‬‬
‫ً‬

‫ثـم س���قطـت‬
‫والتجـ���ارب اإلنس���انية التـي عاصرت تلك الحقبة مـن الزمان ّ‬

‫حّت���ى ال تـرى فيها اليوم حّتى عالمًا واح���دًا من أولئك العلمـاء مـن أمثـال‪:‬‬

‫سقـراط‪ ،‬وأفـالطـون‪ ،‬وأرخميدس ومن أشبههم‪ ،‬بينما أخذت األمم‬
‫بالشرق األوسط وما أش���به ذلك إبّان أخذهم باإلسالم في التكامل حّتى إن‬
‫أن في ٍ‬
‫قرن واحد كان من العلم���اء لمختلف الفنون من‬
‫أح���د العلماء ذك���ر ّ‬
‫الرياضيات‪ ،‬والفلك‪ ،‬والهندسة‪ ،‬والحساب‪ ،‬والفقه‪ ،‬واألصول‪ ،‬والقانون‬
‫ّ‬
‫أن حركة التاريخ‬
‫خمس���ة آالف عالم حس���ب ما حفظه التاريخ‪ ،‬فمن يزعم ّ‬

‫تكاملي���ة ال دليل له ال‪ ‬من الماضي‪ ،‬وال من الحاضر‪ ،‬وال في المس���تقبل‪،‬‬

‫بأن مس���يرة المجتمع���ات‪ ،‬أو الحركة التاريخية‪ ،‬كانت‬
‫حّتى إنّه لو فرض ّ‬

‫ف���ي الزمان الماضي تكاملي���ة إ ّ‬
‫أن هذا ال‪ ‬يعني أنُّه يكون في اآلتي هكذا‪،‬‬
‫ال ّ‬

‫أن آخر‬
‫وهذا هو األمر الذي سبب سقوط ماركس في خطئه المعروف من ّ‬

‫ثم‬
‫مرحلة لإلنسان هي الشيوعية وس���تبقى هذه الشيوعية على طول الزمان ّ‬
‫تتسع حّتى تشمل الكرة األرضية بكاملها‪.‬‬

‫أم���ا اعتقاد المس���لمين بأنّ���ه‪{ :‬لِيُ ْظ ِه َرهُ َع َل���ى ِّ‬
‫���و ك ِ‬
‫َرهَ‬
‫الد ِ‬
‫ّ‬
‫ين ُك ِّلِه َولَ ْ‬

‫ فيلسوف مثالي‪ ،‬ولد في أثينا سنة ‪470‬ق‪ .‬م‪ ،‬وقتل بالسم بعد أن سجن وكان في سن السبعين بتهمة ازدراء اآللهة‬
‫والتأليب ضد الحكم سنة ‪399‬ق‪ .‬م‪ ،‬من مبادئه أنه نادى بمعرفة النفس من النفس‪ ،‬وكان يقول عن نفسه‪ :‬أنا ال أعرف‬
‫إ ّال شيئاً واحداً وهو أّنني ال أعرف شيئاً‪ ،‬وكان يدعو إلى نشر الفضيلة ونبذ الخرافات واألفكار االعتباطية‪ ،‬لم يترك‬
‫أي أثر مكتوب‪ ،‬وكان من دأبه التجول في الشوارع واألسواق ؛ ليتحدث مع الشباب والشعراء والسياسيين عن الخير‬
‫والشر‪ ،‬ومن تالمذته أفالطون‪.‬‬
‫ ولد أفالطون سنة ‪ 427‬ق‪ .‬م في أثينا‪ ،‬ومات سنة ‪347‬ق‪ .‬م‪ ،‬ويعد من الفالسفة والمصلحين‪ ،‬وكان يعتبر التحليل‬
‫الرياضي طريقة فعالة للتوصل عبر فصل األفكار إلى معرفة الكون‪ ،‬ومثل هذه المعرفة في تقديره ال يمكن اكتسابها‬
‫بالحواس وحدها‪ ،‬معلّ ًال ذلك أن ثمة وراء ظواهر األشياء حقيقة عليا‪ ،‬معرفتها هي هدف الفلسفة الحقيقي‪ ،‬وفي اعتقاده‬
‫أن العقل وحده يتيح لنا تجاوز عالم الحواس وبلوغ الحقيقة التي يعكسها بطريقة غير مثالية‪ ،‬وفي رأيه كذلك أن‬
‫ويعد من تالمذة سقراط‪ ،‬فقد‬
‫اإلنسان السعيد هو اإلنسان الفاضل‪ ،‬فال َّبد من معرفة الطريق المؤدية إلى الفضيلة‪ُّ ،‬‬
‫سجل مناقشاته وأدى حبه للدراسة والتعليم إلى تأسيس أكاديمية بأثينا سنة ‪ 387‬ق‪ .‬م‪ ،‬وقد بلغت مؤلفاته الثالثين‬
‫منها‪ :‬الجمهورية‪ ،‬القوانين‪ ،‬المأدبة‪ ،‬فيدو‪ ،‬المحاورات‪ ،‬السياسي‪ ،‬تيمه‪ ،‬االعتذار‪.‬‬
‫ ولد أرخميدس بصقلية في مدينة سيراقوسه سنة ‪ 287‬ق‪ .‬م‪ ،‬وقتل سنة ‪212‬ق‪ .‬م‪ ،‬عالـم الرياضيات والفيزيـاء‬
‫تسمى بقاعـدة أرخميـدس‪ ،‬وتوصـل كـذلك إلـى اختـراع جهاز لرفع‬
‫والفلسفـة‪ ،‬توصـل إلـى فكرة الوزن النوعي والتي ّ‬
‫يسمى ب‍‍لولب أرخميدس وكـذلك تـوصل إلـى مبدأ أرخميدس وهو قانون ينص على أنه حين يغمر جسم في سائل‬
‫الماء ّ‬
‫وتوصل إلى المبادئ الرياضية الناجمة عن اسـتعمال‬
‫ما‪ّ ،‬‬
‫فإن ما يفقده من وزنـه يكون معاد ًال لوزن السائل المزاح‪ّ ،‬‬
‫الـرافعة‪ ،‬فالقـوة المطلوبـة عنـد نهايتـي الرافعـة لتحريـك ثقـل فـي النهايـة األخـرى تتوقف على بعد النهايتين من‬
‫المحور الموضوع عليه الرافعة‪.‬‬
‫ كارل ماركس األلماني‪ ،‬مؤسس الحركة االشتراكية‪ ،‬ولد بمدينة ترير سنة ‪1818‬م‪ ،‬من أبوين يهودين‪ ،‬ومات في لندن‬
‫سنة ‪1883‬م‪ ،‬دخل العمل السياسي واالجتماعي سنة ‪1841‬م ؛ فأبعد من ألمانيا إلى فرنسا ومنها إلى لندن ؛ فعمل‬
‫بالصحافة فيها سنة ‪1848‬م‪ ،‬وكتب مع فردريك إنجلز البيان الشيوعي في نفس السنة‪ ،‬والذي حددا فيه مبادئ الشيوعية‬
‫الحديثة ووجها فيه نداًء إلى عمال العالم يدعوهم إلى االتحاد والتعاون‪ .‬وقد أصبح هذا البيان أحد الركائز الرئيسية التي‬
‫قامت عليها األحزاب االشتراكية والشيوعية‪ ،‬وخالل تواجده في لندن د ّون الكتب التالية‪ :‬نقد االقتصاد السياسي‪/‬سنة‬
‫‪1859‬م‪ ،‬وكتاب نداء إلى الطبقات العاملة في أوربا‪/‬سنة ‪1864‬م‪ ،‬وكتاب رأس المال‪/‬سنة ‪1867‬م‪.‬‬

‫‪117‬‬

‫اْل ُم ْش ِركُو َن}‪ ،‬فذلك بسبب الغيب ال بسبب الموازين التاريخية‪.‬‬

‫ين كَانُوا‬
‫{وأَ ْو َر ْثنَا اْل َق ْو َم ا َّل ِذ َ‬
‫نعم‪ ،‬ما ذكره س���بحانه وتعالى من قوله‪َ :‬‬

‫‬
‫{ونُِر َي‬
‫ض َو َم َغاِربَ َها} ‪ ،‬ومن قوله سبحانه وتعالى‪َ :‬‬
‫األر ِ‬
‫يُ ْستَ ْض َعفُو َن َم َشاِر َق ْ‬

‫‬
‫العامة التي‬
‫ِف ْر َع ْو َن َو َه َ‬
‫اما َن َو ُجنُو َد ُه َما ِم ْن ُه ْم َما كَانُوا يَ ْح َذ ُرو َن} من السنن ّ‬

‫تبدل األرض‬
‫كانت س���ابقًا‪ ،‬وفي العصر الحاضر‪ ،‬وفي المس���تقبل إلى ّ‬
‫أن ّ‬
‫غير األرض‪ ،‬إذ يكون ذلك حينئذ من انتفاء الموضوع ال انتفاء الحكم على‬

‫اصطالح األصوليي���ن‪ .‬وذلك لوحدة الطبيعة البش���رية‪ ،‬وتماثل الطبائع في‬
‫أن عامل‬
‫القوة‪ ،‬والضع���ف‪ ،‬والغرور‪ ،‬واالهتمام‪ ،‬وقد ذكر أح���د العلماء ّ‬
‫ّ‬

‫القوة‬
‫قيام الحضارة هو نفس���ه عامل تدهورها وفنائها‪ّ ،‬‬
‫فإن العصبية أساس ّ‬

‫القبلية وال تكون الرئاسة إ ّ‬
‫وإن العصبية تهدف‬
‫ال في أهل أقوى العصبيات‪ّ ،‬‬
‫التحضر‪ ،‬ولكن إذا كان صاحب‬
‫إلى الملك وتنقل المجتمع من البداوة إلى‬
‫ّ‬

‫‪118‬‬

‫فإن الرئاس���ة ال تستحكم‬
‫الدولة قد وصل إلى الرئاس���ة بمقتضى العصبية‪ّ ،‬‬

‫إّ‬
‫ثم‬
‫ال إذا جدع أنوف أهل‬
‫عصبيته وعشيرته المتقاسمين له في نسبه‪ .‬ومـن ّ‬
‫ّ‬
‫فإنّـه يدافعهم عن األمر وال يطيب له الملك إ ّ‬
‫ال باالستغناء عن العصبية التي‬

‫اكتسب بها المجد‪.‬‬

‫تتم الرئاسة‪،‬‬
‫قضيتان متعارضتان في مسار التاريخ‪ ،‬في العصبية ّ‬
‫فهنا ّ‬

‫وال تطيب الرئاسة إ ّ‬
‫العصبية‪ ،‬أو بتعبير آخر أهل العصبية‬
‫ال باالستغناء عن‬
‫ّ‬
‫عون لصاحب الدولة في قيامها‪ ،‬وأهل العصبية مناوئون لصاحب الدولة في‬

‫القضيتين اّتخاذ الموالي والصنائع كبديل عن‬
‫مكمل لهاتين‬
‫وثمة ّ‬
‫رئاس���ته‪ّ ،‬‬
‫ّ‬

‫تتم حركة التاريخ‪ ،‬وتكون بداية تدهور الدولة‪.‬‬
‫ثم ّ‬
‫أهل العصبية‪ .‬ومن ّ‬

‫أولها‬
‫ومث���ال آخر في نفس الموضوع‪ :‬هـو ّ‬
‫أن الترف يزيـد الدولة في ّ‬

‫المتحضرة‪،‬‬
‫قوتها‪ ،‬إنّـه غايـة الحض���ارة‪ ،‬وبالملك تتباهى الدول‬
‫ّ‬
‫ق���وة إلى ّ‬
‫ّ‬

‫ سورة التوبة‪ :‬اآلية ‪.33‬‬
‫ سورة األعراف‪ :‬اآلية ‪.137‬‬
‫ سورة القصص‪ :‬اآلية ‪.6‬‬

‫ولكن الترف‬
‫وقوتها‪ ،‬وبه ترهب الدول المج���اورة‪،‬‬
‫ّ‬
‫وب���ه تقاس حضارته���ا ّ‬

‫األساس���ية لطرو الخلل في الدولة‪ ،‬إنّه مؤذن بالفساد‪ ،‬وإذا حصل‬
‫هو العلّة‬
‫ّ‬

‫الترف‪ ،‬أقبلت الدولة على التراجع‪ ،‬فالترف مظهر الحضارة‪ ،‬والترف هادم‬
‫للحضارة‪ ،‬وكذلك الترف غاية العمران‪ ،‬والترف مؤذن بنهاية العمران‪ .‬فالترف‬
‫يرهب األمم المجاورة‪ ،‬وهو يغري القبائل وأهل البداوة باالنقراض‪.‬‬
‫الهمة بس���بب الضعف‪ ،‬والغرور بسبب‬
‫ويجب أن يضاف إلى ذلك‪ّ ،‬‬

‫همتهم حّتى يصلوا إلى الحكم وإلى المراتب‬
‫القوة‪ّ ،‬‬
‫فإن الضعفاء ّ‬
‫يوجهون ّ‬
‫ّ‬

‫العالية من الس���لطة‪ ،‬فإذا وصلوا إلى الحكم وإلى المراتب العالية يأخذهم‬
‫الغرور وبذلك يأخذون بالضعف‪ .‬وقد قال اإلمام علي(ع)‪( :‬أوحش الوحشة‬
‫فإن المغرور المعجب بنفس���ه‪ ،‬يس���تغني عن هذا‪ ،‬وعن هذا‪،‬‬
‫العجب)‪ّ ،‬‬

‫فإن س���قوطه ونهوض���ه إنّما كان بهذا‪،‬‬
‫وعن هذا‪ ،‬وبذلك يكون س���قوطه‪ّ ،‬‬
‫وهذا‪ ،‬وهذا‪ .‬وقد ش���اهدنا ذلك في تاريخ األمويين والعباسيين والعثمانيين‬

‫والقاجاريين‪ ،‬ومن إليهم‪،‬كما ش���اهدنا مثل هذا األمر في تاريخ الش���يوعية‬
‫تبدلت إلى قومية‪ ،‬والقومية‬
‫العامة بل والش���يوعية‬
‫الخاصة في العراق التي ّ‬
‫ّ‬
‫ّ‬

‫الخاص���ة في العراق التي تم َّثلت بالبعثية والبعثيين وهم في العراق في هذه‬
‫ّ‬
‫يتغير األمر إلى الديمقراطية‪ ،‬أو ما أش���به‬
‫ّ‬
‫األي���ام يلفظون أنفاس���هم‪ ،‬حّتى ّ‬
‫ذلك ‪.‬‬

‫كل حال‪ :‬فك���ون قانون التكام���ل في األمم قانون�ا�ً‪ ،‬عامًا‪،‬‬
‫وعل���ى ّ‬
‫كل حرك���ة المجتمع أو التاريخ‪،‬‬
‫جبريًا‪ ،‬مس���يطرًا على ّ‬
‫دائم���ًا‪ ،‬ضروريًا‪ّ ،‬‬
‫يصح على نحو الجزئية ال على نح���و الكلّية‪ ،‬باإلضافة إلى أنّه‬
‫فإنّ���ه إنّم���ا ّ‬
‫ف���إن التكامل الذي‬
‫ص���ادق في بعض أبعاد المجتم���ع أو التاريخ ال مطلقًا‪ّ .‬‬

‫ نهج البالغة‪ :‬قصار الحكم‪ :‬الحكمة ‪ ،38‬مشكاة األنوار‪ :‬ص‪ ،314‬معدن الجواهر‪ :‬ص‪ ،42‬غرر الحكم ودرر الكلم‪:‬‬
‫ص‪ ،309‬شرح نهج البالغة البن أبي الحديد‪ :‬ج‪ 18‬ص‪ 157‬ب ‪.38‬‬
‫ ونحن إذ نهيئ هذا الكتاب للطباعة ؛ ُز ّفت إلينا أنباء انهيار النظام البعثي في العراق‪ ،‬وبهذا تحققت أمنية المؤلف‪ ،‬وقد‬
‫رسم اإلمام المؤلف مالمح مستقبل العراق‪ :‬في كتابه إذا قام اإلسالم في العراق‪.‬‬

‫‪119‬‬

‫بمعن���ى التعقيد المتزايد في عالقات الناس بعضه���م ببعض‪ ،‬وارتباطاتهـم‬
‫االجتماعيـة واالقتصاديـة إنّمـا يمكـن قبولــه إذا كـان بشكـل جزئـي ال بنحو‬
‫ألن ذلك تقتضيه زيادة النفوس البش���رية وطبيعة اإلنس���ان بما‬
‫قان���ون عام‪ّ ،‬‬

‫وحب‬
‫هو موجود‪ ،‬تقتضي قدرته على التوالد والتناس���ل والزيادة السكانية‬
‫ّ‬
‫فإن االرتباطات‬
‫األوالد واألحفاد واألقرباء‪ ،‬وهكذا‪ .‬ألنّه كلّما ازداد السكان‪ّ ،‬‬

‫االجتماعية واالقتصاديـة والسياسيـة والتربوية والفكرية والعائلية والعسكرية؛‬
‫تكثر بطبيعة الحال‪.‬‬
‫وأشد‬
‫أن العالقات االجتماعية في المجتمع المدني أكثر‬
‫ولذلك نرى ّ‬
‫ّ‬

‫كل في‬
‫تعقيدًا من العالقات في المجتمع القروي‪ ،‬أو القبلي‪ ،‬أو الحزبي‪ّ ،‬‬
‫مؤسس���ات ودوائر‪ ،‬يستغني‬
‫بعده‪ .‬ولهذا يكون المجتمع المدني بحاجة إلى ّ‬
‫يصح بالنسبة إلى الدوائر التي‬
‫عنها المجتمع القروي‪ ،‬أو القبلي‪ .‬وهذا إنّما ّ‬

‫‪120‬‬

‫يس���ببها الديكتاتوريون حيث‬
‫تحتاج إليها المجتمعات‪ ،‬ال إلى الزوائد التي‬
‫ّ‬

‫يحتاجون إلى كثرة المصفّقين‪.‬‬

‫أن علماء اإلحصاء في الغ���رب ذكروا عن مصر في عهد‬
‫وق���د ذكرنا ّ‬

‫عبد الناص���ر أنّها كانت بحاجة إلى مائتي ألف ّ‬
‫موظف حس���ب الموازين‬
‫لكن الحكومة جمعت حولها مليون���ًا ومائة ألف‪ ،‬وجوهر القضية‬
‫الدقيق���ة ّ‬
‫إنم���ا احتاجت إلى تس���عمائة ألف من المصفقين والمهللين‪ ،‬وما أش���به‬

‫ذلك‪.‬‬

‫االطراد السكاني والمؤسسات‬
‫ّ‬
‫ومن السنن في هذا الحقل أن النمو التدريجي للسكان يسبب احتياج‬
‫ ولد سنة ‪1336‬ه‍ ‪1918‬م وتوفي سنة ‪1390‬ه‍ ‪1970‬م‪ ،‬قائد ثورة تموز ‪1952‬م‪ ،‬تولّى رئاسة الوزراء سنة ‪‍ 1373‬ه‬
‫‪1954‬م‪ ،‬واّتخذ االشتراكية كنظام إلدارة البلد‪ ،‬تولّى رئاسة الجمهورية سنة ‪ 1375‬ه‍ ‪1956‬م‪ ،‬واستمر حكمه إلى سنة‬
‫‪‍ 1390‬ه ‪1970‬م‪.‬‬
‫ للمزيد من التفصيل راجع كتاب إلى حكومة واحدة إسالمية لإلمام المؤلف‪.‬‬

‫المؤسسات والدوائر العالمية أيضًا كالمحاكم الدولية‪ ،‬واألمم‬
‫اإلنس���ان إلى‬
‫ّ‬

‫المّتحدة‪ ،‬وما أش���به ذلك‪ .‬وكلّما تق ّدم اإلنس���ان ف���ي المدنية والحضارة‪،‬‬
‫وتقدم في النمو والزيادة‪ ،‬اشت ّدت التعقيدات‪ ،‬بحيث تحتاج البشرية لتسيير‬
‫ّ‬

‫مؤسسات‪ ،‬ودوائر أعظم مما عليه اآلن‪.‬‬
‫نفسها‪ ،‬وتنظيم ذاتها إلى ّ‬

‫مؤسس���ات قليل���ة بقدر المدينة‪،‬‬
‫ً‬
‫مث�ل�ا‪ :‬المدينة الواحدة بحاجة إلى ّ‬

‫مؤسس���ة ثالثة هي التي تدير‬
‫ّ‬
‫أم���ا إذا صارت مدينت���ان‪ ،‬فهما تحتاجان إلى ّ‬

‫المدينتين ّ‬
‫وتنظم العالقة بينهما‪.‬‬

‫لكن هذه القاعدة التي ذكرناها إنّما هي فيما إذا ّ‬
‫تقدم اإلنس���ان‬
‫اطرد ّ‬

‫ّ‬
‫وأما إذا توّقف هذا الشيء بسبب ال نعلمه‪،‬‬
‫في النس���ل والنمو‬
‫الس���كاني‪ّ ،‬‬

‫أو ارت ّد إلى ال���وراء؛ ينعكس األمر حكمًا كما انعكس موضوعًا‪ ،‬إذ حينئذ‬
‫تتوّقف كثرة العالقات وتع ّقدها بل تتقهقر إلى الوراء‪.‬‬

‫ٌ‬
‫صادق أيضًا في التق ّدم العلم���ي‪ ،‬والتجريبي‪ ،‬والفّني‪،‬‬
‫وم���ا ذكرناه‬

‫ميزات‬
‫والصناع���ي‪ ،‬والتكنولوجي‪ ،‬وما أش���به ذلك‪ ،‬وذلك ألنّ���ه من أبرز ّ‬
‫ليفجر في نفسه القوى الكامنة‬
‫اإلنسان أنّه يست ّغل علوم السابقين وتجاربهم ّ‬

‫باإلضافة إلى تلك االس���تعدادات الكاملة ويربّ���ي الطاقات المخبأة‪ ،‬وبذلك‬

‫لكن الس���ؤال هل سيس���تمر هذا التق ّدم‪ ،‬أو ينطفئ بفعل‬
‫يأخذ في ّ‬
‫التقدم‪ّ ،‬‬

‫قنبلة ذرية والعياذ باهلل‪ ،‬أو بعوامل أخرى؟‪.‬‬

‫التقدم‬
‫يدعي ّ‬
‫أن علوم اإلنس���انية وفنونها قد س���ارت في طريق ّ‬
‫ومن ّ‬

‫لحد اآلن‪ ،‬فهو كالم بدون دليل‪ ،‬فإنا ال نعرف عن عمر اإلنس���ان أكثر من‬
‫ّ‬

‫عشرة آالف سنة‪.‬‬

‫تأخرًا‪ ،‬فال‬
‫تقدمًا‪ ،‬أو توّقفًا‪ ،‬أو ّ‬
‫أما قبل ذلك كيف س���ار المجتم���ع ّ‬
‫ّ‬

‫أن عمر اإلنسان في الكرة‬
‫نعلمه‪ ،‬وقد أشرنا في بعض كتبنا إلى أنّا نحتمل ّ‬

‫األرضي���ة أكثر من مائة مليون س���نة؛ كما دلّت على ذلك بعض الش���واهد‬

‫‪121‬‬

‫وأما بالنس���بة إلى الحيوان؛ فقد دلّ���ت الحفريات ونحوها على‬
‫التاريخية‪ّ .‬‬

‫أن عمر بعضها أكثر من ‪ 300‬مليون س���نة‪ .‬وبذلك ال نعلم سابق الزمان حّتى‬
‫ألن الحكم تابع للموضوع‪،‬‬
‫نحك���م عليه أو ل���ه‪ ،‬أو بأنّه كان كذا وك���ذا‪ّ ،‬‬

‫والموضوع تابع للعلم‪ ،‬ففاقد العلم ال‪ ‬يتمكن من الحكم‪.‬‬

‫‪122‬‬

‫للمؤرخ‬
‫األمور الضرورية‬
‫ّ‬

‫يهتم بثالثة أمور‬
‫مس�ألة‪ :‬من يريد استكش���اف فلسفة التاريخ عليه أن ّ‬

‫الصغرى‪ ،‬والكبرى‪ ،‬والنتيجة بأن تكون مفردات الصغرى صحيحة واقعية‬
‫ال‪ ‬خيالية ناش���ئة عن األهواء‪ ،‬والشهوات‪ ،‬أو اآلالت‪ ،‬أو االشتباهات‪ ،‬وأن‬
‫تكون الكبرى صحيحة واقعية ال ناشئة عن الغلط والخطأ‪ ،‬وتكون النتيجة‬
‫أيضًا صحيحة مترّتبة على هذه الكبرى وهذه الصغرى‪.‬‬

‫متغير حادث‪ ،‬فالعالم حادث‪،‬‬
‫متغير‪ّ ،‬‬
‫ً‬
‫مث�ل�ا‪ :‬إذا قلنا ّ‬
‫وكل ّ‬
‫إن العالم ّ‬

‫متغيرًا‪ ،‬وأن تكون كبراه‬
‫يالحظ أن تك���ون صغراه صحيحة بأن كان العالم ّ‬
‫متغير حادثًا حس���ب المنط���ق والدليل‪ ،‬وأن تكون‬
‫صحيحة بأن يكون ّ‬
‫كل ّ‬

‫النتيج���ة التي هي العال���م حادث أيض���ًا مترّتبة عبـر اجتماع ش���رائط أحد‬

‫األش���كال األربعة على تل���ك الصغرى والكبرى‪ ،‬وإ ّ‬
‫ال فإذا أخطأ اإلنس���ان‬

‫ف���ي أحد الثالثة؛ ال يصل إلى الفهم الصحيح‪ ،‬الذي هو طريق إلى الواقع‬
‫الصحيح‪.‬‬
‫ومادته مطابق ًة للواقع‬
‫وبعبارة أخـرى؛ يجب أن تكـون صورة القياس ّ‬

‫وصحيح ًة‪ ،‬فالص���ورة كما ذكرها علماء المنطق‪ ،‬والفلس���فة‪ ،‬على أربعة‬
‫والمادة على ما ذكرها أيضًا هي على األقس���ام الخمسة‬
‫أقس���ام مش���هورة‪،‬‬
‫ّ‬

‫وكل الخالف في العالم أخذا‌ً من المبدأ إلى المعاد‪ ،‬وإلى أكبر‬
‫الصناعي���ة‪ّ ،‬‬
‫ذرة‪ ،‬إنّما حصل بس���بب أح���د هذه الثالثة‪ ،‬أو أحد هذين‬
‫مجرة‪ ،‬وأصغر ّ‬
‫ّ‬

‫االثنين‪.‬‬

‫‪123‬‬

‫محل الكالم في‬
‫أما االختالف بس���بب اختالف المصالح؛ فليس من ّ‬
‫ّ‬

‫إن زيدًا‬
‫ش���يء‪ ،‬إذ االختالف قـد يكـون اختالفًا فـي الواقع والجوهر‪ ،‬مثل ّ‬
‫وأن عمرًا عادل أو ليس بعادل‪ ،‬وقد يكون باختالف‬
‫طبيب أو ليس بطبيب‪ّ ،‬‬

‫تضرر مصلحة الطبي���ب والمريض؛ حيث مصلحة المريض‬
‫المصالح مثل ّ‬
‫تقتض���ي أن يراجع الطبيب ولو في نصف الليل‪ ،‬ومصلحة الطبيب تقتضي‬

‫أن ينام في هذا الوقت وإ ّ‬
‫فإن اختالف مصالحهما هو‬
‫ال‬
‫تس���بب له المرض‪ّ ،‬‬
‫ّ‬
‫يس���بب التضارب‪ ،‬وكذلك اختالف البائع والمشتري‪ ،‬إذ المشتري؛‬
‫الذي‬
‫ّ‬

‫مصلحته تقتضي ش���راء الش���يء الرخيص‪ ،‬بينما مصلحة البائع تقتضي أن‬
‫يعطي البضاعة غاليًا أو فوق الرخص‪ .‬وهكذا حال مصلحة الزوجين‪ ،‬وسائر‬
‫الشركاء‪.‬‬
‫وق���د نُِق َ‬
‫القضية في‬
‫ص���ب‬
‫قضية‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫���ل عن ابن س���ينا أنّه إذا قيل���ت له ّ‬

‫‪124‬‬

‫البرهانيات‪،‬‬
‫أي الصناعات الخمس‪:‬‬
‫الصغ���رى والكبرى‪ ،‬والحظ أنّهـا مـن ّ‬
‫ّ‬

‫بصحتها أو سقمها وفسادها‬
‫ثم حكم ّ‬
‫أو المش���هـورات‪ ،‬أو ما أش���به ذلك‪ّ .‬‬

‫مطلقًا أو في الجملة‪.‬‬

‫يذمونه‪ ،‬أو‬
‫ومن أظه���ر األمثلة لذلك؛ من كانوا يمدح���ون يزيد أو ّ‬

‫فإن هناك‬
‫يذمونه‪ّ ،‬‬
‫يمدح���ون ّ‬
‫يذمونه‪ ،‬أو يمدحون الش���يطان أو ّ‬
‫الحجاج أو ّ‬
‫أول العابدين‪ ،‬وباعتباره‬
‫فرق ًة تعبُ ُد الشيطان باعتباره طاووس المالئكة وأنّه ّ‬

‫إن اهلل أراد‬
‫أنّه لم ينخدع بخدعة اهلل‪ ‬سبحانه وتعالى حسب تعبيرهم‪ .‬حيث ّ‬

‫لكن‬
‫تعليم آدم وحواء أش���ياء في حال س���جود المالئكة فأمرهم بالس���جود ّ‬
‫الموحدين!‪.‬‬
‫بسيد‬
‫ّ‬
‫الش���يطان ّ‬
‫لما عرف ذلك أبى السجود‪ ،‬ولذا ّ‬
‫يعبرون عنه ّ‬

‫إلى غير ذلك من األمور الغريبة المذكورة في التواريخ‪ .‬وقد قال الشاعر في‬
‫علي(ع)‪:‬‬
‫ّ‬
‫حق ّ‬

‫ش�������ك ف������ي خالفته‬
‫ك������م ب���ي��ن َم�������ن‬
‫ّ‬
‫وب�����ي����ن َم����������ن ق����������ال إ ّن������������ه الله‬

‫خاصة بالزمان السابق بل وحّتى في زماننا هذا‪،‬‬
‫ولم تكن هذه األمور ّ‬

‫فقس���م كبير من الناس‬
‫والذرة والرحالت الفضائية‪،‬‬
‫وهو زمان العلم والنور‬
‫ّ‬
‫ٌ‬

‫الجادة بأبشع انحراف‪.‬‬
‫ينحدرون عن‬
‫ّ‬

‫صدام وهو الش���خص الذي تفوق همجيته همجية الحجاج‬
‫مث ً‬
‫ال‪ّ :‬‬

‫‬

‫أشد المدح‪،‬‬
‫كما ذكرنا ذلك في البيانات المرتبطة بالعراق‪ ،‬نجد من يمدحه ّ‬

‫وال ب���أس أن ننقل هنا مقالة ألحد العراقيين والموالين له في مجلّة المجلّـة‬
‫نص المقالة‪:‬‬
‫العربيـة في السابع عشر من جمادى اآلخرة سنة ‪1408‬ه‍‪ ،‬وهذا ّ‬

‫ لقد حول صدام العراق إلى جحيم ال يطاق‪ ،‬فالذي يسلم من السجن والتعذيب والقتل‪ ،‬لم يسلم من هدر كرامته‪ ،‬وقد قتل‬
‫من الشعب العراقي خمسة ماليين وثمانمائة ألف إنسان عدا من قتل في حروبه‪ ،‬وأطيح به وهلل الحمد في ‪2003/4/9‬م‪.‬‬
‫عن صدام راجع كتاب تلك األيام للمؤلف‪ :‬ص‪.79‬‬
‫ الحجاج بن يوسف الثقفي‪ ،‬ولد في الطائف سنة ‪‍ 41‬ه ‪661‬م‪ ،‬وانتقل إلى الشام ودخل في خدمة الدولة األموية ؛ فاشترك‬
‫في الجيش الذي قاده عبد الملك بن مروان لقتال مصعب بن الزبير‪ ،‬وفي سنة ‪ 70‬ه‍ ‪689‬م والّه عبد الملك قيادة‬
‫الجيش الذي أرسله لقتال عبد اهلل بن الزبير في الحجاز فسار نحو مكة وضرب الكعبة بالمنجنيق من جبل أبي قبيس‬
‫وتغلب على ابن الزبير وصلبه‪ ،‬وظ ّل بالحجاز حتى سنة ‪74‬ه‍ ‪694‬م‪ ،‬ثم والّه عبد الملك ابن مروان الكوفة‪ ،‬وقتل سنة‬
‫عمال بني أمية‪ ،‬أسهم في توطيد حكمهم‪ ،‬وقد‬
‫‪‍ 95‬ه ‪714‬م بعد أن سجن في دمشق‪ ،‬وعاش ‪ 53‬سنة‪ُّ ،‬‬
‫يعد من أسوأ ّ‬
‫وصف الحجاج نفسه كما عن ابن سعد في الطبقات ج‪ 6‬ص‪ :66‬ما أعلم اليوم رج ًال على ظهر األرض هو أجرأ على‬
‫دم مني‪ ،‬وقد وصفه خير الدين الزركلي في كتابه األعالم‪ :‬وكان سفاكاً سفاحاً باتفاق معظم المؤرخين‪ ،‬وقال عنه‬
‫ٍ‬
‫اليافعي في مرآة الجنان‪ّ :‬إن أكبر ل ّذته سفك الدماء‪ ،‬اّتسم حكمه بالقتل والبطش‪ ،‬ومثال على ذلك فقد قال الحجاج‬
‫لخالد بن يزيد ابن معاوية‪ :‬ولقد ضربت بسيفي هذا أكثر من مائة ألف‪ ،‬كلهم يشهد أنك وأباك وجدك من أهل النار‬
‫انظر مسالك اإلبصار‪ :‬ص‪ ،123‬كما ذكر المسعودي في التنبيه واإلشراف ص‪ :318‬إن عدد من قتلهم الحجاج صبراً‬
‫بلغ مائة وثالثين ألفاً عدا من قتل في زحوفه وحروبه‪ ،‬وفي تاريخ الخلفاء للسيوطي واإلمامة والسياسة البن قتيبة‪،‬‬
‫أن عبد الملك لما كتب إلى الحجاج يأمره بالمسير إلى العراقيين ويحتال لقتلهم‪ ،‬فلما دخل المسجد في البصرة وقد‬
‫إياي‬
‫حان وقت الصالة صعد المنبر فحمد اهلل ثم قال‪ :‬أيها الناس‪ ،‬إن األمير عبد الملك قلدني بسيفين حين توليته ّ‬
‫عليكم سيف رحمة وسيف عذاب ونقمة‪ ،‬فأما سيف الرحمة فسقط في الطريق‪ ،‬وأما سيف النقمة فهو هذا‪ ،‬فجعل‬
‫السيوف تبرى الرقاب فقتلوا من المسلمين بضعة وسبعين ألفاً حتى سالت الدماء إلى باب المسجد وإلى السكك‪ .‬وقد‬
‫ذكر الميرزا حبيب اهلل الخوئي في منهاج البراعة‪ :‬ج‪ 3‬ص ‪ 359‬ما لفظه‪ :‬وأحصي من قتل بأمره الحجاج سوى من‬
‫قتل في حروبه فكان مائة ألف وعشرين ألفاً ووجد في سجنه خمسون ألف رجل وثالثون ألف امرأة‪ ،‬ولم يجب على‬
‫أحد منهم قتل وال قطع‪ ،‬وكان يحبس الرجال والنساء في موضع واحد ال سقف له‪ ،‬فإذا آوى المسجونون إلى الجدران‬
‫حر الشمس‪ ،‬رمتهم الحرس بالحجارة‪ ،‬وكان طعامهم خبز الشعير مخلوطاً بالملح والرماد‪ .‬وقريب‬
‫؛ يستظلون بها من ّ‬
‫من هذا المعنى في كتاب‪ :‬شجرة طوبى‪ :‬ج‪ 1‬ص‪ ،128‬وقـال الشيخ عباس القمي في وقائع األيام‪ّ :‬إن ‪ 15‬ألف امرأة من‬
‫سجنائه كن حافيات عاريات‪ .‬وقـد أذ ّل المسلمين ؛ يقـول صـاحب كتـاب أسد الغابة‪ :‬عندما ولـي الحجـاج المدينـة ثالثـة‬
‫أشـهر‪ ،‬عبـث فيـها واستهـزأ بأصحـاب الرسـول ص وختـم علـى أعناقهم بالرصاص ؛ إلذاللهم أمثال سهيل الساعدي‬
‫وأنس بن مالك وختم في يد جابر بن عبد اهلل األنصاري ‪ .0‬وقتل‪ :‬كميل بن زياد وسليم بن قيس وقنبر مولى اإلمام‬
‫عليع وسعيد بن جبير الذي كان عمره ‪ 99‬سنة وعبد الرحمن بن أبي ليلى وابن أم طويل‪ 4‬وهو من حواريي اإلمام‬
‫السجادع بعد أن قطع يديه ورجليه‪ .‬للمزيد من المعلومات عن جرائمه راجع كتاب الشيعة والحاكمون وكتاب الشيعة‬
‫في الميزان لمحمد جواد مغنية‪.‬‬

‫‪125‬‬

‫العباسية‪ ،‬ينجح‬
‫أول قائد عربي منذ زمن الخالفة‬
‫يع ّد ص ّدام حسين ّ‬
‫ّ‬

‫متقدم���ة ومجتمع مرّفه‪ ،‬فالعراق قبل ثورت���ه التي قادها كان‬
‫ف���ي بناء دولة ّ‬

‫أمّيين‪ ،‬يفتقرون ألبسط مقومات‬
‫فقيرًا رغم ثرائه وكان ‪ %80‬من شعبه حفاة ّ‬
‫األمية‪ ،‬واس���تئصال‬
‫الحي���اة‪ ،‬فانقلب الوضع جذريًا‪ ،‬وتجلّى ذلك في محو ّ‬

‫األمراض الش���ائعة‪ ،‬والقضاء على الفقر‪ ،‬وم���ا ينجم عنه أمراض اجتماعية‬
‫معروف���ة‪ ،‬وتحقي���ق العدالة االجتماعية بصورة نموذجي���ة‪ ،‬وبناء جيش من‬
‫مرة في تاريخ العصر‬
‫العلماء‪ ،‬والمهندس���ين‪ ،‬جعلوا العرب قادرين ّ‬
‫وألول ّ‬

‫إن هذه بعض‬
‫الحدي���ث على دخول عص���ر التصنيع في مجاالت مع ّق���دة‪ّ .‬‬

‫كل عراقي‬
‫صدام حس���ين وهي وجوهًا تكفي لجعل ّ‬
‫وليس���ت ّ‬
‫كل إنجازات ّ‬
‫صدام حسين بأنّه‬
‫تميز ّ‬
‫يتمسك بقيادة ّ‬
‫ّ‬
‫صدام حسين‪ .‬وعلى المستوى العربي ّ‬
‫يتميزون بثب���ات عليها‪ ،‬وعدم الوقوع في‬
‫صاحب مبدأ‪ ،‬ورس���الة‪ ،‬وهؤالء ّ‬

‫‪126‬‬

‫أن‬
‫إغ���راءات الحياة العابرة‪ ،‬فإذا نظرنا إلى المس���ؤولين العرب اآلن لوجدنا ّ‬
‫بالتمس���ك بمسيرته وهو لن يتخلّى عن إيمانه بالقومية‬
‫يتميز‬
‫ّ‬
‫الرئيس ص ّدام ّ‬
‫العربية وهو لم يقبل باسم السالم التخلّي عن ‪ %90‬من األراضي الفلسطينية‬

‫بأن‬
‫يغي���ر قناعاته ّ‬
‫الت���ي احتلّ���ت عام ‪1948‬م كما فع���ل بعض العرب‪ ،‬ولم ّ‬

‫األول‬
‫عدوة العرب اللدود‪ ،‬وأن أميركا هي الداعم ّ‬
‫الصهيونية كانت وستبقى ّ‬
‫الصهيونية وأميركا‪ ،‬واعتبار‬
‫ضد‬
‫لها‪ ،‬األمر الذي يتطلّب مواصل���ة النضال ّ‬
‫ّ‬

‫والحق‪ .‬وقد ارتد أغلب الزعماء العرب‬
‫ذلك معيارًا لألصالة‪ ،‬والص���واب‪،‬‬
‫ّ‬

‫ففرطـوا بمصالـح‪ ،‬وحقوق‬
‫عن ش���عارات وأهداف أعلنوا ّ‬
‫تمس���كهم بها‪ّ ،‬‬

‫صدام‬
‫العرب‪ .‬ونحن شعب ال يكره ش���يئًا بقدر كراهية‬
‫المرتدين‪ ،‬فتمسك ّ‬
‫ّ‬
‫حد‬
‫حب وتقدير لدى العراقيين‪،‬‬
‫وص���دام لم يتوّقف عند ّ‬
‫ّ‬
‫برس���الته مبعث ّ‬

‫حول الش���عارات إلى أعمال‬
‫التمس���ك بالمبادئ العروبية بل هو القائد الذي ّ‬
‫ّ‬
‫وهو ال���ذي نقل الحرب إلى داخل فلس���طين المحتلّة بإطالق ‪ 43‬صاروخًا‬

‫نظريـة األمـن اإلسرائيليـة‪ ،‬وأنهت أسطورة إسرائيل التي‬
‫هدمـت مرتكـزات ّ‬
‫وصدام هو الوحي���د الذي لم يرتعد من وحش���ية أميركا‪ ،‬ودخل‬
‫ال تقه���ر‪ّ .‬‬
‫الحرب العالمية الثالثة ض ّدها ومعها اثنتان وثالثون دولة‪ ،‬وخرج من الحرب‬
‫منتص���رًا بعد أن أحرق الغزو العراق وزرع حكوم���ة عميلة فيه‪ ،‬وذلك من‬

‫كل تاريخهم وكانت مظاهرات عشرات الماليين‬
‫أعظم انتصارات العرب في ّ‬
‫أن ص��� ّدام يتمّتع بث ّقة‬
‫من العرب في المش���رق والمغرب‬
‫حرًا أ ّكد ّ‬
‫ً‬
‫اس���تفتاء ّ‬
‫وتقدير الش���عب العربي بعكس أغلب ّ‬
‫وصدام من وجهة‬
‫الحكام الع���رب‪ّ ،‬‬
‫حرر نفط بلده‪،‬‬
‫نظر المواطن العربي العادي هو القائد العربي الوحيد الذي ّ‬
‫ومتطورة في‬
‫متحضرة‪،‬‬
‫قوية‪،‬‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫وس���خره لخدمة شعبه‪ ،‬وأشقائه‪ ،‬لبناء دولة ّ‬
‫ّ‬

‫سخروا هذه الثروة لبناء مجتمع استهالكي ضعيف ولخدمة‬
‫حين ّ‬
‫أن آخرين َّ‬
‫األجانب‪.‬‬

‫فإن ص ّدام م َّثل أنموذجًا واضحًا للبطولة‬
‫وأما على المستوى العالمي‪ّ ،‬‬
‫ّ‬

‫في عصر االس���تذالل والخضوع للديكتاتورية األمريكية‪ ،‬فهو وحده من قال‬
‫ال للهيمن���ة األميركية وأردفها بفعل ه ّز العالم وس���يأتي أثره اإليجابي على‬

‫مستقبله‪.‬‬

‫صدام‪ ،‬فكلمة تأييد هزيلة بل أنا مقاتل ثابت في جيش‬
‫إنّني ال أؤيد ّ‬

‫ص ّدام بصفتي عراقيًا وعربيًا أق ّدس اإلنجازات واألعمال وحيثما أدرت رأسي‬

‫قـوة بـه ونحن نالحـظ‬
‫وجدت إنجـازًا عظيمـًا ح ّققـه ّ‬
‫صـدام‪ ،‬وتزداد صلتنا ّ‬

‫أن اآلخـري���ن بال إنجازات وبال ٍ‬
‫ماض وال حاضٍر‪ ،‬وتتقاذفهم رياح الضعف‬
‫ّ‬
‫والصهينة‪.‬‬

‫إن العرب���ي األصيل هو الذي ال يكتفي بعداء‬
‫البد من القول ّ‬
‫وأخي���رًا ّ‬

‫الصهيونية وأميركا وحس���ب‪ ،‬بل ويختار الوقوف إلى جانب ص ّدام‪ ،‬وذلك‬

‫ألي عربي‬
‫معيار ال يخطئ أبدًا‪ ،‬فحيثما وقفت أميركا والصهيونية ال يجوز ّ‬

‫‪127‬‬

‫أرضه محتلّة أن يصافحهم���ا‪ ،‬وبخالف ذلك تكون صداقة أميركا والصلح‬
‫والتحول إلى مخلوقات‬
‫الهـوية والحقـوق‬
‫مع الكيان الصهيوني تَ َخـليًا عـن‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫ال تمتلك الكرامة اإلنسانية وال احترام الذات‪ ،‬ومن ال يحترم ذاته ال يحترمه‬

‫صدام انتهت المقالة ـ‪.‬‬
‫أحد‪ ..‬إنّنا ّ‬
‫نحب ّ‬
‫لكل ذلك ّ‬

‫ل���كل جانب ما كان‬
‫الواقعية تقتض���ي ذكر األمثلة‬
‫أن‬
‫ّ‬
‫أق���ول‪ :‬ول���وال ّ‬
‫ّ‬

‫تهجم الكفّار‬
‫ينبغ���ي لن���ا أن نذكرها هنا‪ ،‬ألم يذكر اهلل س���بحانه وتعال���ى ّ‬

‫والمجرمين لألنبياء والمرس���لين‪ ،‬فقد قالوا لرسول اهلل (ص) الذي هـو فـي‬

‫القمة مـن البش���رية إطالقًا‪{ :‬ساحر}‪ ،‬و {كاهن}‪ ،‬و {مجنون}‪ ،‬و‬
‫ّ‬

‫{مسحور}‪ ،‬إلى غيـر ذلك من األوصاف‪ .‬وهكذا ذكر سبحانه وتعالى مدح‬
‫بعض الناس للطواغيت‪ ،‬أو مدح الطواغيت ألنفسهم حّتى قال أحدهم‪{ :‬أَنَا‬

‫األع َلى} ‪.‬‬
‫َر ُّب ُك ُم ْ‬
‫‪128‬‬

‫إن أمثال هذا الكاتب ونحوه يستح ّقون ما ذكره سبحانه وتعالى‪:‬‬
‫نعـم‪ّ ،‬‬

‫{وِإذَا ِق َ‬
‫فإن جهّنم هي‬
‫َح ْس ُ���ب ُه َج َه َّن ُم} ‪ّ ،‬‬
‫يل لَُه ا َّت ِق اهللَ أَ َخ َذ ْت ُه اْل ِع َّزةُ بِ ِ‬
‫ْم ف َ‬
‫َ‬
‫اإلث ِ‬
‫‬

‫خير عالج لهؤالء المرضى‪.‬‬

‫وقد قال الحس���ن البصري‪ :‬إنّه إذا ج���اء أهل العالم بمجرميهم في‬

‫صف آخ���ر ُ‬
‫لكّنا جئنا بأكثر من جميعهم‬
‫ص���ف وجئنا‬
‫بالحجاج وحده في ّ‬
‫ّ‬
‫إجرامًا ‪ .‬ومع ذلك نجد الحس���ن البصري هذا يقول ربّما س���معت خطبة‬

‫ سورة يونس‪ :‬اآلية ‪ ،2‬سورة الزخرف‪ :‬اآلية ‪ ،49‬سورة الذاريات‪ :‬اآلية ‪ 39‬و‪.52‬‬
‫ سورة الطور‪ :‬اآلية ‪ ،29‬سورة الحاقة‪ :‬اآلية ‪.42‬‬
‫ سورة الذاريات‪ :‬اآلية ‪ 39‬و‪.52‬‬
‫ سورة اإلسراء‪ :‬اآلية ‪ ،47‬سورة الفرقان‪ :‬اآلية ‪.8‬‬
‫ سورة النازعات‪ :‬اآلية ‪.24‬‬
‫ سورة البقرة‪ :‬اآلية ‪.206‬‬
‫ أبو سعيد الحسن بن أبي الحسن يسار البصري‪ ،‬ولد سنة ‪11‬ه‍ ‪633‬م وقيل ‪21‬ه‍ ‪642‬م كما عن المنجد في األعالم‬
‫وكما في موسوعة المورد‪ :‬ج‪ 1‬ص ‪ 68‬وأقام في البصرة لذلك نسب إليها‪ ،‬ومات في البصرة سنة ‪110‬ه‍ ‪728‬م يعتبره‬
‫الصوفية من أوئل المتصوفة ويعتبره المعتزلة واحداً منهم باعتبار أن عمرو بن عبيد وواصل بن عطاء من تالمذته‪،‬‬
‫وقد ذكرت ترجمته في الجرح والتعديل‪ :‬ج‪ 3‬ص‪ ،40‬وميزان االعتدال‪ :‬ج‪ 1‬ص‪ ،527‬ووفيات األعيان‪ :‬ج‪ 2‬ص‪ ،69‬وسير‬
‫أعالم النبالء‪ :‬ج‪ 4‬ص‪ ،563‬وتهذيب التهذيب‪ :‬ج‪ 2‬ص‪ 263‬والمنجد في األعالم‪ :‬ص‪ ،236‬والموسوعة اإلسالمية‪ :‬ج‪5‬‬
‫ص ‪.265‬‬
‫عما اشتهر بين المؤرخين‪ :‬لو جاءت كل أمة بخبيثها وفاسقها‬
‫ وقد ذكر صاحب كتاب منهاج البراعة‪ :‬ج‪ 3‬ص‪ّ 358‬‬

‫مرًا فكاد أن يخدعني‪.‬‬
‫الحجاج في التقوى‬
‫ُ‬
‫ّ‬
‫فبكيت ً‬
‫بكاء ّ‬

‫الحج���اج كان ينصح الن���اس بالتقوى‪،‬‬
‫أق���ول‪ :‬ذك���ر‬
‫المؤرخون ّ‬
‫أن ّ‬
‫ّ‬

‫وأن الالزم‬
‫وأن الدنيا ال اعتبار لها‪ّ ،‬‬
‫ويأمرهم بالطاعة هلل س���بحانه وتعالى‪ّ ،‬‬
‫أّ‬
‫ثم يبكي‬
‫ال يعص���ي اإلنس���ا ُن اهلل حّتى في أصغر صغيرة ّ‬
‫ف���إن وراءه جهّنم‪ّ .‬‬
‫جدًا وكان‬
‫عمة كبيرة ّ‬
‫ً‬
‫مرًا حّتى تتقاطر الدموع من لحيته‪ .‬وكان يلبس ّ‬
‫ب���كاء ّ‬

‫يقول في شعر له‪:‬‬

‫ّ‬
‫وط�����ل�����اع الثنايا‬
‫أن��������ا اب��������ن ج���ل��ا‬
‫���م����ام����ة ت����ع����رف����ون����ي‬
‫م���ت���ى أض������ع ال����ع� ّ‬

‫‬

‫الحجاج بما نُِق َل عنه‪ ،‬وش���اهدنا من أعماله في‬
‫ّ‬
‫وصدام أس���وأ من ّ‬

‫القت���ل‪ ،‬والتعذيب‪ ،‬ومصادرة األموال‪ ،‬واالنس���ياق وراء الش���هوات بل إنّي‬
‫‬
‫لما‬
‫حاكم أطغى من‬
‫أظ���ن أنه جاء في العراق‬
‫ال‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫ص���دام‪ ،‬وحّتى هوالكو ّ‬
‫ٌ‬

‫أحت���ل العراق ذهب إليه جماعة من العلماء طلبوا منه اس���تثناء مدن الحلة‪،‬‬
‫ّ‬
‫المقدس���ة عن مذابح جيشه فَ َقِب َل منهم ذلك‪،‬‬
‫والنجف األش���رف‪ ،‬وكربالء‬
‫ّ‬

‫و ترك الحلّ���ة؛ لكونها مركزًا للعلماء‪ ،‬والنجف وكربالء باعتبارهما مراكز‬
‫أن األسوأ من المغول جعل كربالء المق ّدسة‪ ،‬والنجف‬
‫عبادية‪ ،‬بينما نشاهد ّ‬

‫لعملياته‪ ،‬وقتله‪ ،‬وسائر فضائحه‪ ،‬وقد ورد ذكر‬
‫األشرف‪ ،‬والحلّة‪ ،‬مسرحًا‬
‫ّ‬
‫بعض ذلك في كتاب العراق بين الماضي والحاضر والمستقبل لجماعة من‬

‫الكّتاب‪.‬‬
‫وفاجرها وجئنا بالحجاج وحده لزدنا عليهم‪ ،‬واليخفى أن الحسن البصري قد عاشر الحجاج عن قرب‪ ،‬وعندما سمع‬
‫بموته سجد هلل شكراً قائالً‪ :‬اللهم كما أمّته فأمت ع ّنا سنته‬
‫ شرح نهج البالغة البن أبي الحديد‪ :‬ج‪ 20‬ص ‪.188‬‬
‫ للتفصيل راجع كتاب العراق دولة المنظمة السرية‪ ،‬وكتاب دولة االستعارة القومية لحسن العلوي‪ ،‬وكتاب الجنراالت‬
‫آخر من يعلم لسعد الب ّزاز‪ ،‬وكتاب شبيه صدام لميخائيل مخلف رمضان‪ ،‬وكتاب من مذكرات حردان التكريتي‪ ،‬وكتاب‬
‫شخصية الطاغوت للسيد هادي المدرسي‪.‬‬
‫وحبه للحروب‪ ،‬احتل مصر سنة‬
‫ هوالكو بن قان تولي بن جنكيز خان‪ ،‬أحد القادة المغول‪ ،‬الذي عرف بسطوته ودهائه ّ‬
‫‪654‬ه‍ ‪1256‬م وبغداد سنة ‪‍ 656‬ه ‪1258‬م وأباحها أربع ًة وثالثين يوماً‪ ،‬وبلغ عدد القتلى فيها مليوناً وثمانمائة ألف‪،‬‬
‫وقتل في هجومه على بغداد المستعصم العباسي‪ ،‬مات سنة ‪664‬ه‍ ‪1265‬م‪ ،‬وخلف عدة أوالد منهم‪ :‬أبغى‪ ،‬منكوتمر‪،‬‬
‫أحمد‪ ،‬كنجو‪.‬‬

‫‪129‬‬

‫فإن أي انحراف ول���و بحجم صغير ال بهذا الحجم‬
‫وعل���ى أي حال‪ّ :‬‬

‫الذي تكاد السماوات ّ‬
‫وتخر الجبال ه ّدًا يوجب‬
‫يتفطرن منه‪ ،‬وتنشق األرض‪،‬‬
‫ّ‬
‫ال في فلس���فة التاريخ التي نحن بصددها‪ ،‬واآلية المباركة وإن كانت في‬
‫خل ً‬

‫{وقَالُوا ا َّت َخ َذ‬
‫االعتقاد بغير اهلل‪ ‬سبحانه وتعالى‪ ،‬حيث قال سبحانه وتعالى‪َ :‬‬

‫ات يَتَفَطَّ ْر َن ِم ْن ُه َوتَْن َش ُّق‬
‫او ُ‬
‫���يئًا ِإّدًا * تَ َك ُ‬
‫���م َ‬
‫الس َ‬
‫الر ْح َم ُن َولَدًا * لََق ْد ِج ْئتُ ْم َش ْ‬
‫اد َّ‬
‫َّ‬

‫َ‬
‫لر ْح َم ِن أَ ْن‬
‫األر ُ‬
‫ْ‬
‫لر ْح َم ِن َولَدًا * َو َما يَْنبَِغي لِ َّ‬
‫ض َوتَ ِخ ُّر اْل ِجبَا ُل َه ّدًا * أ ْن َد َع ْوا لِ َّ‬

‫يَ َّت ِخ َذ َولَدًا * ِإ ْن ك ُّ‬
‫الر ْح َم ِن َع ْبدًا}‪،‬‬
‫او ِ‬
‫الس َ���م َ‬
‫األر ِ‬
‫ات َو ْ‬
‫ُل َم ْن ِفي َّ‬
‫ض ِإ َّال آِتي َّ‬
‫إّ‬
‫أن ه���ذه اآلي���ات والتي هي من أصول الدين تناس���ب أمثال ص ّدام الذي‬
‫ال ّ‬

‫حد س���واء وإن كان ينطق بالشهادتين فهو‬
‫حارب أصول الدين وفروعه على ّ‬
‫آمنُوا‬
‫{وِإذَا لَُقوا ا َّل ِذ َ‬
‫ين َ‬
‫من المنافقين الذين قال اهلل س���بحانه وتعالى فيه���م‪َ :‬‬

‫اطيِن ِه ْم قَالُوا ِإ َّنا َم َع ُك ْم ِإ َّن َما نَ ْح ُن ُم ْستَ ْه ِزئُو َن}‪،‬‬
‫آم َّنا َوِإذَا َخ َل ْوا ِإلَى َشيَ ِ‬
‫قَالُوا َ‬
‫‪130‬‬

‫فهو كاذب حّتى في ألفاظ الش���هادة كما قال س���بحانه وتعالى بالنس���بة إلى‬

‫ك لََر ُسولُُه َواهللُ‬
‫ك لََر ُس���و ُل اهللِ َواهللُ يَ ْع َل ُم ِإ َّن َ‬
‫���ه ُد ِإ َّن َ‬
‫المنافقين الذين {قَالُوا نَ ْش َ‬
‫ين لَ َكاِذبُو َن} ‪.‬‬
‫يَ ْش َه ُد ِإ َّن اْل ُمنَاِفِق َ‬

‫ سورة مريم‪ :‬اآليات ‪.93 - 88‬‬
‫ سورة البقرة‪ :‬اآلية ‪.14‬‬
‫ سورة المنافقون‪ :‬اآلية ‪.1‬‬

‫الفطرة والعقل‬

‫مس�ألة‪ :‬خل���ق اهلل س���بحانه وتعالى في اإلنس���ان عنصري���ن‪ :‬الفطرة‬
‫والعقل‪ ،‬فالفطرة في نفس اإلنس���ان‪ ،‬وداخله‪ ،‬وذاته‪ ،‬والعقل شيء ير ّكب‬
‫السيارة ر ّكبت بحيث‬
‫السيارة حيث ّ‬
‫إن ذات ّ‬
‫فيه‪ ،‬مثالهما مثال السائق وذات ّ‬
‫ّ‬
‫والتأخر‪ ،‬والتيامن والتياس���ر‪ ،‬والسرعة والبطء‪ ،‬وما أشبه‬
‫التقدم‬
‫ّ‬
‫تتمكن من ّ‬

‫ذلك‪ ،‬ولوال‪ ‬ذلك؛ لم ّ‬
‫يتمكن الس���ائق أن يقود الس���يارة‪ ،‬بينما السائق هو‬

‫الذي يقود الس���يارة‪ ،‬وأشير إلى ذلك في قول المعصوم(ع)‪ٌّ :‬‬
‫ميسر لما‬
‫(كل َّ‬
‫لق له)‪ ،‬فخارج الخلق ال يس���ر وإنّما اليس���ر في داخل الخلق‪ ،‬س���واء‬
‫ُخ َ‬

‫اإلنسان الذي يريد االنحراف أو الذي يريد االستقامة‪.‬‬

‫المؤرخ‪ ،‬كليهما يؤثّران‬
‫الم���ادة التاريخية‪ ،‬وعقلية‬
‫أن‬
‫ومن الواضح ّ‬
‫ّ‬
‫ّ‬

‫المؤرخ عقلية‬
‫في الرؤية‪ ،‬فإن كانت المادة التاريخية مادة صحيحة‪ ،‬وعقلية‬
‫ّ‬

‫انحراف‬
‫أما إذا كان‬
‫ٌ‬
‫مس���تقيمة‪ ،‬يكون اإلنس���ان قد وصل إلى روح التاريخ‪ّ ،‬‬

‫المؤرخ؛ بس���بب الشهوات‪ ،‬أو األهواء‪،‬‬
‫المادة التاريخية‪ ،‬أو في عقلية‬
‫في ّ‬
‫ّ‬

‫أو األعراف‪ ،‬أو العادات‪ ،‬أو الرش���وة‪ ،‬أو ما أشبه ذلك‪ ،‬لم يكن المستفاد‬
‫من ذلك هو روح التاريخ‪ ،‬وإنّما يكون ش���يئًا منحرفًا‪ .‬وإنكار بعض علماء‬

‫الغرب لفطرية األفكار ناشىء من إنكارهم لألفكار المنحرفة التي رأوها عند‬
‫الكنيسة في حال انحرافها‪.‬‬
‫والعقل قـ���ادر علـى إدراك الـ���روح العـامة للتاري���خ كإدراكه للروح‬
‫ شرح نهج البالغة البن أبي الحديد‪ :‬ج‪11‬ص‪ 82‬ب‪ ،207‬التوحيد‪ :‬ص‪ ،356‬نهج الحق‪ :‬ص‪ ،120 ‬بحار األنوار‪ :‬ج‪4‬‬
‫ص‪ 282‬ب‪ 4‬ح‪ ،16‬كنز العمال‪ :‬ج‪ 1‬ص‪ ،516‬الجامع الصغير‪ :‬ج‪ 2‬ص‪.287‬‬

‫‪131‬‬

‫لكل فـرد‪ ،‬إضافـة إلـى ذلك فإنّـه قادر على إدراك الواقعيات التي ال‬
‫الخاصة ّ‬
‫ّ‬

‫المادة كان‬
‫خارجية لها إطالقًا‪ ،‬فلو فرض أنّه ال خارجية للحساب من جهة ّ‬
‫‪ .16 = 4 × 4‬وكذلك بالنسبة إلى األشكال الهندسية‪ ،‬وحسن اإلحسان‪ ،‬وقبح‬

‫الكل أعظم من الجزء‪ ،‬وكون اس���تحالة اجتماع النقيضين‪،‬‬
‫الظل���م‪ ،‬وكون ّ‬
‫أو ارتفاع النقيضين‪ ،‬أو اجتماع الض ّدين‪ ،‬أو ما أشبه ذلك؛ كلّها من قبيل‬
‫العقالنيات‪.‬‬

‫وبعـ���ض علمـاء الغرب‪ ،‬الذين أنكـ���روا العقالنيات‪ ،‬يريدون بذلك‬
‫ألن علماء الغرب بعد إسقاط الكنيسة هاجموها بأعمالها‬
‫عقالنية الكنيسة‪ّ ،‬‬

‫الت���ي كانت كلّها خالف العق���ل والمنطق‪ ،‬وخالف ما جاء به عيس���ى ابن‬
‫مريم  (عليهما السالم)‪.‬‬

‫‪132‬‬

‫أقسام اإلدراكات‬
‫وعل���ى أي حال‪ :‬فهناك إدراكات ع���ن طريق الحواس الخمس‪ ،‬ولذا‬
‫أن هناك إدراكات من‬
‫حس���ًا‪ ،‬فقد فَ َق َد علما‪ ،‬كم���ا ّ‬
‫قال ابن س���ينا‪ :‬من فَ َق َد ّ‬

‫جهة ّ‬
‫التفكر والتع ّقل وإن لـم يكن لها وجودٌ خارجي إطالقًا ال موضوعًا وال‬

‫ألن ش���ريك الباري غير موجود إطالقًا‬
‫حكمًا‪ ،‬مثل قولنا‪ :‬ش���ريك الباري‪ّ ،‬‬
‫ومحال‪ ،‬والمحمول المرّتب على هذا الموضوع أيضًا غير موجود إطالقًا؛‬
‫على ما ذكره الفالسفة في كتبهم‪ ،‬وذكرناه أيضًا في شرح التجريد‪ ،‬وفي‬

‫شرح المنظومة‪ ،‬وغيرهما‪.‬‬
‫إن الطبيعة البشرية على غرار الطبيعة الخارجة عن البشر‬
‫والخالصة‪ّ :‬‬

‫إن األفكار التقليدية واألفكار الزمنية لم يكونا على‬
‫من هذا الحيث‪ ،‬وحيث ّ‬

‫توافق اصط���دم بعضهما ببعض‪ ،‬وجوبه���ت آراء جماعة من علماء الغرب‬
‫مثل آرائهم في الفلك‪ ،‬وآرائهم في الفيزياء والكيمياء برفض من الكنيس���ة‬
‫ القول السديد في شرح التجريد‪.‬‬

‫التي اس���تخدمت حربتها باس���م الكتاب المق ّدس لرفض العلم‪ ،‬واإلبداع‪،‬‬
‫المحرف‬
‫المقدس حّتى‬
‫والتق���دم حيث إنّه���م لم يكونوا قد فهموا الكت���اب‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫منه‪ ،‬باإلضافة إلى أنّهم لو فهموه لم يكن مق ّدسًا في كلّه‪ ،‬فقد قال سبحانه‬

‫ُك ُروا بِِه}‪ ،‬ولذا وقع العلم والدين في مواجهة‬
‫وتعالى‪{ :‬نَ ُس���وا َح ّظًا ِم َّما ذ ِّ‬
‫وتصادم‪ ،‬ولما لم يكن لدين الكنيس���ة جواب على تساؤالت العلماء‪ ،‬نجد‬
‫أما عندنا فالعلم‬
‫أنّ���ه خس���ر معركته مع العلم‪ ،‬هذا ما حدث في الغ���رب‪ّ ،‬‬

‫أن الدين الصحي���ح ال ينافي العلم‪ ،‬فهما‬
‫الصحيح ال ينس���ف الدين‪ ،‬كما ّ‬
‫متكامالن ومتوافقان‪.‬‬

‫‪133‬‬

‫ سورة المائدة‪ :‬اآلية ‪.13‬‬

‫روح التاريخ‬

‫عامة وتحليل وفلسفة‪ ،‬كما يقول جماعة من‬
‫مسألة‪ :‬هل للتاريخ روح ّ‬

‫العلماء؟‪ ،‬أو ليس له مثل ذلك‪ ،‬بدليل فردية أحداث التاريخ‪ ،‬وعدم تشابه‬
‫بعضها مع البعض‪ ،‬وتعذر استخالص قوانين كلّية منها أو التنبؤ بها‪.‬‬
‫تغير مصير‬
‫ويس���تدل هـ���ؤالء لـذلك بمـا نش���اهد مـن قضايا فردي���ة ّ‬

‫ال لـو كش���ف الكفّار مكـان الرس���ول (ص) فـي غـار حـراء لقتلـوه‬
‫األمم‪ ،‬مث ً‬
‫أن ابن ملجم‬
‫وتغير وجـه التاريخ منـذ خمسة عشر قرنـًا تقريبًا‪ .‬وهكذا لو ّ‬
‫ّ‬

‫‬

‫‪134‬‬

‫لتغي���ر وجه التاريخ‪ ،‬ولم تكن‬
‫لم يضرب عليًا(ع) علـى مفرقه الش���ريف؛ ّ‬

‫وانتهاء بآخـر حاكـم لـهم هـو مـروان‬
‫ابتداء من معاوية‬
‫أموية‬
‫هن���اك حكومة ّ‬
‫ً‬
‫ً‬
‫الحـمار‪ ،‬ولـم تلفّـق آالف األحاديث علـى لس���ان رس���ول اهلل (ص) التـي‬

‫يتحرك اإلمام الحسين(ع) من المدينة‬
‫تعطـي مفعولها إلى اآلن‪ .‬وهكذا لو‪ ‬لم ّ‬

‫لتغير وجه التاريخ ولم تقع الثورات وما ش���ابه ذلك‪ ،‬األمر الذي‬
‫ّ‬
‫المن���ورة؛ ّ‬
‫أمي���ة‪ ،‬وإقامة حكومة بن���ي العباس باإلضافة‬
‫ّ‬
‫أدى إل���ى نهاية حكومة بني ّ‬

‫ عبد الرحمن بن ملجم المرادي الحميري‪ ،‬من قيادات الخوارج‪ ،‬قتل سنة ‪40‬ه‍‪ .‬ترجمه لسان الميزان‪ :‬ج‪ 3‬ص‪،439‬‬
‫األعالم‪ :‬ج‪ 3‬ص‪.339‬‬
‫ آخر ملوك بني أمية‪ ،‬حكم سنة ‪128‬ه‍‍‪745‬م واستمر حكمه إلى سنة ‪132‬ه‍ ‪750‬م‪ ،‬ولقب بالحمار ؛ ألنه كان يجف له‬
‫لبد في محاربة الخارجين عليه‪ ،‬وكان يصل السير بالسير‪ ،‬وقد ذكر ابن صبري في تأريخ مختصر الدول ص‪:205‬‬
‫لقب بذلك لصبره في الحروب‪ .‬ثار عليه أهل حمص ودمشق وفلسطين وتدمر‪ ،‬وأخفق في معركة الزاب وفر إلى‬
‫مصر‪ ،‬وقتله بنو العباس‪.‬‬

‫إلى حكومات أخ���رى كالفاطمية فـي مصر‪ ،‬واألدارس���ة في المغرب‪،‬‬
‫والحمدانية في حلب‪ ،‬وغير ذلك‪.‬‬
‫ويذكـرون م���ن األمثلة على ذلك أنّـه حينما مات االس���كندر‪ ،‬ملك‬

‫عضــة قـرد مدلّل‪ ،‬أدى ذلك إلى سلسلة من الحوادث الفجيعة‬
‫اليونان؛ إثـر ّ‬

‫إلى ح ّد أنّه أشار بعض ّ‬
‫إن ربع مليون شخص قد ماتوا‬
‫حكام الغرب بقوله‪ّ :‬‬

‫عضة قرد‪.‬‬
‫بسبب ّ‬

‫واستمر حكمها إلى ‪567‬ه‍ ‪1171‬م‪ ،‬وكان عدد حكّامها أربعة عشر خليفة‬
‫ الدولة الفاطمية‪ ،‬حكمت من ‪ 297‬ه‍ ‪909‬م‪،‬‬
‫ّ‬
‫؛ وهم كالتالي‪ .1 :‬عبيد اهلل المهتدي باهلل ‪ .2‬محمد بن عبيد اهلل القائم بأمر اهلل ‪ .3‬إسماعيل بن محمد المنصور‬
‫باهلل ‪ .4‬مع ّد بن إسماعيل المعز لدين اهلل ‪ .5‬نزار بن مع ّد العزيز باهلل ‪ .6‬منصور بن عبد العزيز الحاكم بأمر اهلل ‪.7‬‬
‫علي بن عبد العزيز الظاهر بأمر اهلل ‪ .8‬مع ّد بن علي المستنصر باهلل ‪ .9‬أحمد بن مع ّد المستعلي باهلل ‪ .10‬المنصور‬
‫بن أحمد اآلمر بأحكام اهلل ‪ .11‬عبد المجيد بن محمد الحافظ لدين اهلل ‪.12‬إسماعيل الظافر باهلل ‪ .13‬عيسى الفائز‬
‫بنصر اهلل ‪ .14‬عبد اهلل العاضد لدين اهلل‪ ،‬في بادئ األمر حكموا تونس ثم أخضعوا الشمال اإلفريقي كله ثم مصر ؛‬
‫في عهد الخليفة المعز لدين اهلل‪ ،‬الذي م ّد حدود حكمه إلى شواطئ األطلسي وأنشأ مدينة القاهرة وبسط نفوذه على‬
‫سورية وفلسطين ولبنان‪ ،‬ومجموع خالفتهم مائتا سنة واثنتان وسبعون وبضعة أيام‪ ،‬منها مائتان وثمان سنين في‬
‫القاهرة‪ ،‬ومن إنجازاتهم‪ :‬إيجاد وحدة التكامل السياسي بين المغرب والمشرق ؛ فأصبح المغرب وملحقاته‪ :‬صقلية‬
‫وقوصرة وفلورية‪ ،‬ومصر وملحقاتها‪ :‬وهي الشام والحجاز واليمن ؛ وحدة سياسية قاعدتها القاهرة‪ .‬ومن إنجازاتهم‬
‫أسسوا جامع األزهر وجامع الحاكم ودار الحكمة ودار العلم‪ .‬راجع‬
‫أيضاً‪ :‬وقوفهم في وجه الدولة البيزنطية والروم‪ ،‬كما ّ‬
‫المجالس والمسايرات للقاضي النعمان‪ ،‬تأريخ الخلفاء الفاطميين في المغرب‪ ،‬أعيان الشيعة‪.‬‬
‫مؤسسها إدريس بن عبد اهلل بن الحسن المثنى بن‬
‫ ساللة حكمت المغرب من سنة ‪173‬ه‍ ‪789‬م وإلى ‪‍ 314‬ه ‪926‬م‪ّ ،‬‬
‫الحسن بن علي بن أبي طالب ع‪ ،‬الذي نجا من مجزرة فخ التي حدثت في عهد الهادي العباسي بعد أن حاصرت قواته‬
‫مجموعة من العلويين بالقرب من مكة في منطقة اسمها الفخ‪ ،‬وقتل أكثر العلويين ولم ينج منهم إ ّال عدد قليل كان‬
‫منهم إدريس‪ ،‬الذي هرب إلى مدينة وليلي في المغرب‪ ،‬واستقبله زعيم قبيلة أو َربه سنة ‪ 172‬ه‍ ‪788‬م وبايعه على‬
‫الزعامة وتبعته بقية القبائل ؛ فاّتخذ مدينة وليلي عاصمة له‪ ،‬ثم وسع نشاطه ودولته في المغرب حتى شملت شمال‬
‫بالسم سنة ‪177‬ه‍ ‪793‬م‪،‬‬
‫مما أغاظ هارون العباسي‪ ،‬الذي رأى ّأن ال قبل له بهزيمته عسكرياً ؛ ففكّر باغتياله ُّ‬
‫إفريقيا ؛ ّ‬
‫وقد حكم خمس سنوات ثم تولّى الحكم مولى األدارسة راشد حتى وفاته سنة ‪186‬ه‍ ‪802‬م ثم حكم أبو خالد العبدي‬
‫ولما بلغ إدريس الثالثة عشرة من عمره‪ ،‬بويع بالخالفة وكان‬
‫إلى أن بلغ إدريس الثاني الذي كان حم ًال عند مقتل والده‪ّ ،‬‬
‫ٌسمت البالد‬
‫ذلك سنة ‪‍ 192‬ه ‪808‬م‪ ،‬واستمر في الحكم إلى موته سنة ‪215‬ه‍ ‪830‬م‪ ،‬وعاش ستاً وثالثين سنة‪ ،‬ثم ق ّ‬
‫مما حدا باألمويين في األندلس والفاطميين في مصر من‬
‫بين أبناء إدريس واستق ّل كل واحد منهم بجزء من البالد ّ‬
‫السيطرة على بالدهم‪.‬‬
‫وبفضل األدارسة انتشر اإلسالم في كثير من مناطق العالم‪ ،‬وأسست الكثير من المدن وعلى رأسها مدينة فاس‪ ،‬وبفضلهم‬
‫تحضر البالد وازدهارها‪.‬‬
‫مما أدى إلى ّ‬
‫أنشئت المدارس والمكتبات وتوسع العمران ؛ ّ‬
‫ أسرة علوية‪ ،‬حكمت الموصل وحلب والمناطق المحيطة بها وشمال سورية من سنة ‪276‬ه‍ ‪890‬م وإلى ‪395‬ه‍ ‪1004‬م‪،‬‬
‫مؤسسها أبو الهيجا‪ ،‬حمدان بن حمدون‪ ،‬الذي كان والياً علـى الموصـل مـن قبـل العباسيين‪ ،‬واّتخـذ مارديـن قاعـدة‬
‫ّ‬
‫لـه سنـة ‪‍ 279‬ه ‪892‬م‪ ،‬وتـولّى بعـد حمـدان الحـكم ابنـه الحسن ؛ ويعبـّر عنـه ب‍ناصـر الدولة‪ ،‬الذي حكم من سنـة‬
‫ووسع حكمـه ليشمـل حمـص‪ ،‬والـذي اشتهـر‬
‫‪317‬ه‍ ‪929‬م‬
‫ّ‬
‫واستمـر إلـى ‪‍ 358‬ه ‪969‬م‪ ،‬ثـم جـاء بعـده سيف الدولة ؛ ّ‬
‫بثقافته الرفيعة ورعايته للعلماء والفالسفة واألدباء والشعراء وجهاده ض ّد البيزنطينيين‪ ،‬وبلغت حلب في عهده أوج‬
‫تقدمها وازدهارها‪.‬‬
‫أبـرز األعمال التـي أ ّداهـا الحمدانيـون‪ :‬بذلـوا مـا بوسعهـم في الدفـاع عن ثغور المسلمين من شمال سوريا حتى أرمينيا‪،‬‬
‫مما جعل‬
‫خاص ًة في عهد سيف الدولة‪ ،‬كما اعتنوا بالعلماء والشعراء واألدباء وبنوا المدارس والجامعات والمساجد ؛ ّ‬
‫بالدهم مركزاً للعلوم واآلداب‪.‬‬

‫‪135‬‬

‫‬
‫بحمى‬
‫بـرر تـروتس���كي في صراعه مع س���تالين ‪1342‬ه‍‬
‫وهكـ���ذا ّ‬
‫ّ‬

‫ٍ‬
‫رحلة لصيد البط‪ ،‬وقال‪ :‬يمكن���ك أن تتوّقع ثورة أو حربًا‪،‬‬
‫أصابت���ه عق���ب‬

‫ٍ‬
‫رحلة لصيد ّ‬
‫البط‬
‫تتنبأ بالنتائج التي ترتبت ف���ي‬
‫ولك���ن من المس���تحيل أن ّ‬
‫البري ‪.‬‬
‫ّ‬

‫ول���و لم ينتخب مجل���س ألمانيا هتلر؛ لما وقع���ت الحرب العالمية‬

‫غيرت وجه العالم‪ ،‬إلـى غير ذلك مـن األمثلـة التي يس���ردهـا‬
‫الثاني���ة‪ّ ،‬‬
‫مما ّ‬
‫عامة وال فلس���فة له‪ ،‬فليس األمر‬
‫الذين يقولون ال كلّي للتاريخ‪ ،‬وال روح ّ‬
‫في التاريخ كالحس���اب‪ ،‬أو الهندسة‪ ،‬أو المنطق‪ ،‬أو ما أشبه ذلك‪ ،‬حيث‬

‫عامة وفلسفة كلّية‪ ،‬تسري في جميع مفردات تلك الكلّية‪.‬‬
‫لها روح ّ‬

‫عامة للتاريخ‪،‬‬
‫أما المشهور بين العلماء في هذا الباب هو وجود روح ّ‬
‫ّ‬

‫العامة‬
‫وإن م���ا ذك���ره النافون من األمثلة وما أش���به ذلك ال تس���قط ال���روح ّ‬
‫‪136‬‬

‫فإن ما‬
‫للتاريخ‪ ،‬والفلس���فة التحليلية للمفردات التي يجمعها شيء واحد‪ّ ،‬‬

‫لكل ش���يء‬
‫أن ّ‬
‫ذكر من األمثلة الفردية إنّما هي من الش���رائط‪ ،‬ومن الواضح ّ‬
‫شرائط؛ إذا توّفرت تتحقق النتيجة‪ ،‬وإذا لم تتوّفر ال تتحقق النتيجة‪.‬‬

‫أن هذه األمثلة سالح تبريري‪ ،‬يحمله الفاشلون في الحياة‪.‬‬
‫والغالب ّ‬

‫أن اليونايين كانوا يواسون أنفسهم بسبب هزيمة من‬
‫فقد ذكر أحد الغربيين ّ‬

‫ٍ‬
‫بميزة للرومان عليهم وإنّما إلى ّ‬
‫حظهم العاثر‪ .‬فلو‬
‫بأن ذلك ال يرجع‬
‫الرومان ّ‬
‫لم يمت االسكندر شابًا لقهر الغرب وألصبح أهل روما رعايا لملوك اليونان‪،‬‬

‫فإن‬
‫وهذا دليل على اإلفالس في‬
‫المؤرخ من جراء مصائب حلّت في بالده‪ّ ،‬‬
‫ّ‬

‫ّ‬
‫بالحظ‬
‫المؤرخ حينئذ كحال الطالب الفاش���لين الذين يعلّلون رسوبهم‬
‫حال‬
‫ّ‬

‫ ليون تروتسكي‪ ،‬ولد في خرسون سنة ‪1879‬م‪ ،‬وقتـل في ‪ 21‬آب ‪1940‬م‪ ،‬وكان في الثالثـة والستين مـن عمـره‪ ،‬تقلّد‬
‫عـ ّدة منـاصب سياسية وحربية‪ ،‬منهـا‪ :‬رئـاسة مجـلس السوفيـات فـي بتروغـراد‪ ،‬ومفوضيـة الشـؤون الخارجيـة‪،‬‬
‫ومفوضيـة الشـؤون الحربيـة بـين سنـة ‪1918‬م ‪1925‬م‪ .‬ويعود إليه تنظيم الجيش السوفياتي السابق‪ ،‬أفل نجمه عند‬
‫موت لينين‪ ،‬نفاه ستالين إلى الخارج إثر صراع بينهما ؛ فلجأ إلى تركيا ثم المكسيك‪.‬‬
‫ خريف سنة ‪1923‬م‪.‬‬
‫ واليخفى أن الصراع الذي دار بين تروتسكي وستالين بعد موت لينين كان على أساس السيطرة على الحزب الشيوعي‬
‫؛ والذي تغلب فيه ستالين‪.‬‬

‫أن الدنيا فيها‬
‫ويش���بهون االمتحانات بأوراق اليانصيب‪ ،‬فإنّه‬
‫العاثر‪،‬‬
‫ّ‬
‫الشك ّ‬
‫ّ‬
‫فإن المصادف���ات ال تمنع الروح العامة‪.‬‬
‫مصادف���ات‪ ،‬وفيها غير مصادفات‪ّ ،‬‬

‫أن اختالف األفراد في المصادفات ال تمنع كون اإلنس���ان حيوانًا ناطقًا‪،‬‬
‫كما ّ‬

‫أو كون األش���جار تمتص الكاربون‪ ،‬وتعطي الهواء النقي‪ .‬فالدول إنّما تقوم‬
‫وتأخر‬
‫بالهمم‪ ،‬وتس���قط بالغرور‪ّ ،‬‬
‫فإن الجماعات التي ترى فس���اد البالد‪ّ ،‬‬

‫العباد‪ ،‬وتغض الطرف عن ذلك‪ ،‬حفاظًا على مصالحهم‪ ،‬وما أشبه ذلك‪،‬‬
‫أن الحكومة التي تس���قط إنّما يسقطها‬
‫لهي جماعات يصيبها االنهيار‪ ،‬كما ّ‬

‫بقوّتها‪ ،‬وإمكانيّتها‪ ،‬وسعتها‪ ،‬وما أشبه ذلك‪ ،‬فال تأخذ في العمل‬
‫الغرور ّ‬
‫الجاد في التغيير واإلصالح وذلك يوجب سقوطها‪.‬‬
‫ّ‬

‫وبالنتيجة العلوم الطبيعية كالهندسة‪ ،‬والحساب‪ ،‬والرياضيات‪ ،‬وما‬

‫أش���به ذلك تقوم على منطق الكلّيات دائمًا‪ ،‬بينما يقوم التاريخ على منطق‬
‫أن ال كلّيات وليس األمور كلّها‬
‫الكلّيات بش���رائطها‪ ،‬فليس معنى الشرائط ّ‬
‫بالمصادفة كما يزعم أولئك الذين ينكرون روح التاريخ‪ ،‬وفلس���فة األحداث‬

‫العام���ة التي هي كالروح الس���ارية في األب���دان المختلفة‪ ،‬وفي األش���جار‬
‫ّ‬

‫المختلفة‪ ،‬وفي المياه المختلفة‪ ،‬وما إلى ذلك‪.‬‬

‫وما ينقل عن أرسطو بفردية وقائع التاريخ وأنّه ال يتعلّق بما هو كلّي‬

‫عامة‪ ،‬وال فلس���فة للحضارات قيامًا‬
‫لي���س معنى ذلك الكلّي وأنّه ال أحكام ّ‬

‫فإن التاريخ الماضي‪ ،‬والحاضر‪ ،‬والمستقبل كلّه بروح ٍ‬
‫عامة‪ .‬ولذا‬
‫وسقوطًا‪ّ .‬‬

‫ض}‪ ،‬وقال اإلمام علي(ع)‪( :‬وسر‬
‫قال القرآن الحكيم‪{ :‬ف ِ‬
‫األر ِ‬
‫���يروا ِفي ْ‬
‫َس ُ‬

‫ ولد بمدينة ستاجيرا‪ ،‬التي تقع عند الطرف الشمالي لبحر إيجا‪ ،‬وكان والده طبيباً للبالط الملكي‪ ،‬لج ّد االسكندر األكبر‪،‬‬
‫ولد سنة ‪ 384‬ق‪ .‬م‪ ،‬وفي سنة ‪ 367‬ق‪ .‬م ذهب إلى أثينا ودرس فيها على يد أفالطون م ّدة عشرين عاماً‪ ،‬وتن ّقل بين‬
‫الدول لمدة أربع سنوات‪ ،‬ود ّرس ثالثة عشر عاماً‪ ،‬واهتم باألخالق‪ ،‬والمنطق‪ ،‬وكان مولعاً بالمعرفة‪ ،‬وكان يميل للملموس‬
‫والممكن‪ ،‬وقد ألّف أكثر من ‪ 400‬كتاب تشتمل كتبه على فروع واسعة من النشاط العلمي‪ ،‬وهو أول من قام بتشريح‬
‫الحيوانات‪ ،‬وكشف بذلك بعض االختالفات في التكوين الداخلي‪ .‬توفي سنة ‪ 322‬ق‪ .‬م من مؤلفاته‪ :‬الجدل‪ ،‬السياسة‪،‬‬
‫النفس‪ ،‬الخطابة‪ ،‬ما وراء الطبيعة‪.‬‬
‫ سورة آل عمران‪ :‬اآلية ‪.137‬‬

‫‪137‬‬

‫ف���ي دياره���م وآثارهم فانظر فيما فعلوا)‪ ،‬وقال أح���د علماء األلمان‪ :‬كان‬
‫من المس���تحيل قيام اإلصالح الديني في هذا البلد قبل أن تصل التناقضات‬
‫يغير الوجوه‪ ،‬وأنّـه كان‬
‫إل���ى هذا الح ّد من أن تصل إلى ص���راع‪ ،‬والصراع ّ‬

‫اش���تد التخريب‬
‫الب���د أن يثير التعطش بالتخريب معارضـة ناجحـة‪ ،‬وكلّما‬
‫ّ‬
‫ّ‬

‫كان العداء له أش ّد‪ ،‬وبهذا الصدد قال رسول اهلل (ص)‪( :‬تضايقي تنفرجي)‬

‫‬

‫وذلك مّتخذًا من قوله سبحانه وتعالى‪{ :‬فَإِ َّن َم َع اْل ُع ْس ِر يُ ْسرًا * ِإ َّن َم َع اْل ُع ْس ِر‬

‫يُ ْسرًا} ‪.‬‬

‫وحينمـ���ا يتح ّدث العالـم األلماني عـن إخف���اق الدعوة العالمية لدى‬

‫فإن قانونًا آخر للحياة تمليه الظروف‬
‫الباباوات‪ ،‬يقول‪ :‬إذا لم نخدع أنفس���نا ّ‬
‫ف���إن الروح العامة في‬
‫تطور العقل اإلنس���اني‪ّ ،‬‬
‫فإنّه ّ‬
‫البد أن ينش���أ من أجل ّ‬

‫خاصة‪ ،‬وأزمنة‬
‫التاريخ كما ذكرناه في المسائل السابقة يكون حصيلة أفراد ّ‬
‫‪138‬‬

‫خاصة‪ ،‬وقضايا مختلفة بحدود عامة‪ ،‬وال سبيل للتاريخ أن‬
‫خاصة‪ ،‬وأمكنة ّ‬

‫يتجاوز هذه المقوالت إ ّ‬
‫ال بالتجريد‪ ،‬والتأمين‪ ،‬والكلّية‪ ،‬وما أشبه ذلك‪.‬‬

‫يتنبأ العلماء بالمس���تقبل‪ ،‬وإ ّ‬
‫التنبؤ‬
‫ال فكيف يمكن ّ‬
‫وم���ن هذه الجهة ّ‬

‫بالمس���تقبل وهو من الغيب المستور عن اإلنسان‪ ،‬كما قال سبحانه وتعالى‪:‬‬

‫ضى ِم ْن َرس ٍ‬
‫{فَ َ‬
‫ول} ‪.‬‬
‫َيِبِه أَ َحدًا * ِإ َّال َم ِن ْارتَ َ‬
‫ُ‬
‫ال يُ ْظ ِه ُر َع َلى غ ْ‬

‫وقد ص���ار في الوقت الراهن للمس���تقبل رجال كثي���رون‪ ،‬وخبراء‪،‬‬

‫وأخصائيون في السياس���ة‪ ،‬واالجتماع‪ ،‬واالقتص���اد‪ ،‬والتربية‪ ،‬وغير ذلك‪.‬‬
‫وأحيان���ًا يصل عددهم في مختل���ف البالد الغربية وغير الغربية إلى ‪ 30‬ألف‬
‫عال���م‪ ،‬ولهم مدارس���هم‪ ،‬واّتجاهاتهم‪ ،‬وأفكارهم‪ ،‬ومنازعاتهم‪ ،‬وس���ائر‬
‫قضاي���ا العل���وم‪ .‬حال ذلك حال عل���وم الفلك حيث ال يّتف���ق الجميع على‬

‫ نهج البالغة‪ :‬الكتاب ‪ ،31‬شرح نهج البالغة البن أبي الحديد‪ :‬ج‪ 16‬ص‪ 62‬ب‪ ،31‬وقريب منه في بحار األنوار‪ :‬ج‪77‬‬
‫ص‪ 219‬ب‪ 8‬ح‪.2‬‬
‫ شرح نهج البالغة البن أبي الحديد‪ :‬ج‪ 19‬ص‪ 267‬ب‪.357‬‬
‫ سورة الشرح‪ :‬اآليات ‪.6 5‬‬
‫ سورة الجن‪ :‬اآليات ‪.27 26‬‬

‫إن الضرب‪،‬‬
‫أي ش���يء‪ ،‬إذ ليس���ت علوم الفلك مثل علم الحس���اب حيث ّ‬
‫ّ‬
‫والجمع‪ ،‬والطرح‪ ،‬والجبر‪ ،‬والمقابلة‪ ،‬وما أش���به ذلك‪ ،‬كلّها تأتي بنتيجة‬

‫الكل‪ ،‬والتحليل والعموم ال يجب‬
‫معينة في أذهان ّ‬
‫واحدة‪ ،‬وكلّها لها حدود ّ‬

‫أن يكون مثل الحس���اب‪ ،‬والهندس���ة دائمًا‪ ،‬إذ التحليل والعموم قد يكون‬
‫مثل الحس���اب‪ ،‬والهندسة‪ ،‬وقد يكون مثل علم الفلك‪ .‬والتحليل التاريخي‬
‫أن الطبيب قد يخطئ‬
‫األول‪ .‬وكما ّ‬
‫إنّم���ا يكون من قبيل الثاني ال من قبي���ل ّ‬

‫يتعج���ل النبوءة بوقوع الحادثة‬
‫وق���د يصيب كذلك المحلّل التاريخي‪ .‬وقد ّ‬

‫المحددة‬
‫المتنب���أ بها كقيام الثورات‪ ،‬ونش���وب المعارك قبل س���اعة الصفر‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫وتس���رب أسرارها العسكرية‪ ،‬وهكذا تفقد النبوءة‬
‫لها نتيجة انفضاح أمرها‬
‫ّ‬

‫المتنبأ‬
‫وأهميتها نتيجة ما لها من أثر إيجابي أو س���لبي على الحادثة‬
‫قيمتها ّ‬
‫ّ‬
‫وتغير‬
‫بها‪ ،‬وهذا أيضًا تابع لقاعدة كلّية استثنائية مث ً‬
‫ال يقال ّ‬
‫إن الثورات تقوم ّ‬

‫وجه الحياة في المكان الذي قامت الثورة فيه بشرط أ ّ‬
‫ال ينفضح أمر الثورات‬
‫وأ ّ‬
‫تتسرب أسرار عسكرية إلى الجهة المضادة حّتى يخنقها في مهدها‪.‬‬
‫ال ّ‬

‫يدع���ون المطلقية فيها‬
‫والحاص���ل‪ّ :‬‬
‫أن القائلي���ن بفلس���فة التاريخ ال َّ‬

‫كمطلقية الحساب‪ ،‬أو الهندسة‪ ،‬وإنّما ي ّدعون النسبية كعلم الفلك‪ ،‬وعلم‬
‫أن الشيوعيين يقولون بفلسفة للتاريخ من‬
‫الطب‪ ،‬أو ما أشبه ذلك‪ ،‬ولذا نرى ّ‬
‫ّ‬

‫وجهة نظرهم‪ ،‬بينما الرأس���ماليون يقولون بفلسفة أخرى للتاريخ من وجهة‬
‫أن كلتا النظريتين ليس���تا على الصواب‪ ،‬الس���تحالة‬
‫نظره���م‪ .‬ومن الواضح ّ‬

‫فالحق ال يكون إ ّ‬
‫ال‬
‫الضدين أو النقيضين‪ ،‬أو ارتفاع النقيضين‪.‬‬
‫ّ‬
‫الجم���ع بين ّ‬

‫مع إحداهما‪ ،‬أو في أمٍر ثالث‪ ،‬مثل أن يقول إنسان إن ‪ ،10 = 3 × 3‬ويقول‬
‫الحق واحد واألباطيل كثيرة؛‬
‫آخ���ر ‪ 8 = 3 × 3‬وكالهما على باطل‪ّ ،‬‬
‫ف���إن ّ‬

‫بمد ٍّ‬
‫ومد خطوط‬
‫خط مستقيم على األرض‪ّ ،‬‬
‫كما مّثل لذلك رسول اهلل (ص) ّ‬

‫ّ‬
‫الخط‪.‬‬
‫أخرى غير مستقيمة إلى جانب ذلك‬

‫‪139‬‬

‫المادي���ة الديالكتيكي���ة؛ فقد أثبت‬
‫أم���ا م���ا يقوله الماركس���يون من ّ‬
‫ّ‬

‫‬
‫المادية الديالكتيكية‪،‬‬
‫بصح���ة ّ‬
‫العلم دحضها ‪ ،‬إذ من المس���تحيل اإلقرار ّ‬

‫ول���م يدحضه���ا العلم في إطارها النظري وحس���ب ب���ل وتعداها‪ ،‬وأثبتت‬

‫الش���يوعية فش���لها في الواقع العملي‪ ،‬فهذا االّتحاد الس���وفياتي شاه ٌد على‬
‫فشل الماركسية‪ ،‬وكذلك الصين‪ ،‬وأوربا الشرقية‪ ،‬وغيرها شاه ٌد على هذا‬
‫الفشل‪.‬‬

‫إن التاري���خ حاله حال االقتص���اد‪ ،‬فإنّه ال ينكر الفردية في النش���اط‬
‫ّ‬

‫ال‪ :‬م���ن يبني مصنعًا‪ ،‬أو‬
‫االقتص���ادي وال���روح العامة في جميع مفرداته‪ .‬مث ً‬
‫يؤسس مصرفًا‪ ،‬له منطقه وفكره‪ ،‬وكذلك لغيره منطقه وفكره‪ ،‬وربما يكون‬
‫ّ‬
‫المؤسس‬
‫ال لهذا الش���خص االقتصادي‪ ،‬الباني للمصنع‪ ،‬أو‬
‫ذلك الغير عمي ً‬
‫ّ‬

‫العمال حينما يضربون ألجل تحس���ين وضعهم‬
‫للمصرف‪ ،‬ولذا نش���اهد ّ‬
‫أن ّ‬
‫‪140‬‬

‫المعيشي‪ ،‬أو أجورهم‪ ،‬أو ما أشبه ذلك‪ ،‬لهم حججهم‪ ،‬ومطالبهم العادلة‬

‫أسسوا المصرف‪ ،‬لهم‬
‫بنظرهم‪ ،‬بينما الرأس���ماليون الذين بنوا المصنع‪ ،‬أو ّ‬

‫العمال المضربين‪.‬‬
‫منطق آخر‪ ،‬وفكرة مغايرة لفكرة أولئك ّ‬

‫العامة للتحليل ال فرق فيهما بين‬
‫والحاصل‪ّ :‬‬
‫أن فلسفة التاريخ والروح ّ‬

‫السياسة‪ ،‬واالقتصاد‪ ،‬واألخالق‪ ،‬والدين‪ ،‬واالجتماع‪ ،‬والتربية‪ ،‬والجيش‪،‬‬
‫كل واحد من ه���ذه األمور روحًا‬
‫إن لمف���ردات ّ‬
‫واألم���ة وغي���ر ذلك‪ ،‬حيث ّ‬
‫ّ‬
‫تكون حضارة‬
‫ّ‬
‫عامة تس���ري في تلك الجهة‪ .‬وهذه الجهات كلّه���ا مجتمعة ّ‬

‫م���ن الحضارات‪ .‬فإذا قلنا حض���ارة الرومان‪ ،‬أو حضارة اليونان‪ ،‬أو حضارة‬
‫المس���يحيين‪ ،‬أو ما أش���به‪ ،‬نريد بذلك تق ّدمهم االجتماعي‪ ،‬والسياس���ي‪،‬‬
‫واالقتصادي‪ ،‬والثقافي‪ ،‬والتربوي‪ ،‬واألخالقي‪ ،‬واألسري‪ ،‬والديني‪ .‬وهكذا‬
‫نعبر عنها بالحضارة بالمعنى الواسع‪،‬‬
‫إذا قلنا حضارة الشيوعيين ْ‬
‫إن ّ‬
‫صح أن ّ‬

‫مما‬
‫وأيض���ًا حضارة الرأس���ماليين‪ ،‬أو حضارة اإلس�ل�اميين‪ ،‬إلى غير ذلك ّ‬

‫ وقد تعرض اإلمام المؤلف لنقدها في كتاب‪ :‬نقد المادية الديالكتيكية‪.‬‬

‫إما حقيقة‪ ،‬أو توسعًا‪ ،‬أو مجازًا‪.‬‬
‫يسمى بالحضارات ّ‬
‫ّ‬

‫‪141‬‬

‫من يصنع التاريخ؟‬

‫مس�ألة‪ :‬التاريخ يصنع من ناحية األش���خاص ومن ناحية الحضارات‪،‬‬

‫والش���خصيات تصنعها الحضارات أو األش���خاص‪ ،‬إ ّ‬
‫ال إذا كان الش���خص‬
‫فإن الغيب يصنعه‪ ،‬وهو الذي يصنع التاريخ‪ ،‬وال ش���أن‬
‫مرتبط���ًا بالغيب‪ّ ،‬‬

‫للحضارة السابقة أو األشخاص في صنعه وفي صنع التاريخ‪.‬‬

‫الخاصة ه���ي التي أوجدت‬
‫مث�ل�ا‪ :‬الحضارة اإلس�ل�امية بمقوماته���ا‬
‫ً‬
‫ّ‬

‫فكل واحد‬
‫الصفويي���ن‪ ،‬والصفويون بدورهم هم الذي���ن صنعوا التاريخ‪ّ ،‬‬
‫‪142‬‬

‫ال لآلخر‪.‬‬
‫مكم ً‬
‫منهما يتفاعل مع اآلخر ويكون ّ‬

‫وهكذا بالنس���بة للحضارات التي نش���اهدها على األرض سواء كانت‬

‫حضارة صحيحة‪ ،‬أو حضارة باطلة‪ ،‬هذا باس���تثناء الرس���ول األكرم (ص)‬
‫ومن أشبه من الشخصيات المرتبطة بالغيب التي صنعها اهلل سبحانه وتعالى‬
‫فصنعت التاريخ‪ ،‬ولم تكن الجاهلية إبان رسول اهلل (ص) هي التي صنعت‬
‫ألن الرس���الة لم تكن مربوطة بالجاهلية من قريب وال من‬
‫رس���ول اهلل (ص) ّ‬

‫بعيد‪ ،‬وفي المقابل فرعون‪ ،‬وهتلر‪ ،‬وس���تالين قد صنع���وا التاريخ‪ ،‬بينما‬
‫ وهي ساللة إسالمية شيعية‪ ،‬تأسست على أنقاض الحكم المغولي التيموري‪ ،‬وتنسب إلى صفي الدين األردبيلي‪ ،‬المولود‬
‫سنة ‪‍ 650‬ه ‪1252‬م والمتوفى سنة ‪735‬ه‍ ‪1334‬م ؛ والذي قضى على اآلق قيونلو واتخذ تبريز عاصمة له‪ ،‬ول ّقب ب‍شاه‪،‬‬
‫وحكمت هذه الساللة إيران مدة مائتين وخمس وثالثين سنة منذ سنة ‪905‬ه‍ ‪1500‬م وإلى ‪1140‬ه‍ ‪1728‬م‪ ،‬ثم جاء بعده‬
‫شاه إسماعيل بن حيدر الصفوي‪ ،‬المولود سنة ‪‍ 893‬ه ‪1488‬م‪ ،‬والذي حكم من سنة ‪905‬ه‍ ‪1500‬م واستمر إلى ‪930‬ه‍‬
‫‪1524‬م‪ ،‬وقد خاض حروباً متعددة مع العثمانيين ؛ والذين هزموه في معركة جالدران قرب مدينة تبريز سنة ‪920‬ه‍‬
‫‪1514‬م‪ ،‬ثم حكم من بعده ابنه طهماسب األول‪ ،‬الذي اّتخذ قزوين عاصمة له سنة ‪962‬ه‍ ‪1555‬م‪ ،‬والذي حكم ‪ 54‬سنة‪،‬‬
‫ثم جاء بعده إسماعيل الثاني وحكم سنتين‪ ،‬ثم من بعده محمد خدابنده بن طهماسب األول وحكم عشر سنوات‪ ،‬ثم‬
‫شاه عباس األول ابن محمد‪ ،‬الذي نقل العاصمة إلى أصفهان سنة ‪1001‬ه‍ ‪1593‬م‪ ،‬وحكم أربعاً وأربعين سنة‪ ،‬ثم جاء‬
‫بعده شاه سليمان‪ ،‬حفيد شاه عباس األول‪ .‬وكان آخر ملوكهم شاه حسين‪ ،‬الذي حدثت في عهده فتنة األفغان ؛ عندما‬
‫احت ّل ملكها شرف األفغاني أصفهان‪ ،‬واعتقل شاه حسين وقتله سنة ‪1140‬ه‍ ‪1728‬م وتركه ثالثة أيام بدون غسل وال‬
‫والحمامات في إيران‪.‬‬
‫كفن‪ ،‬وأمر ملك األفغان بهدم المدارس والمساجد ّ‬

‫الخاصة قبل ظهور هؤالء هي الت���ي صنعت هؤالء‪ ،‬فإن لم تكن‬
‫الحض���ارة‬
‫ّ‬

‫الحضارة المصرية قب���ل فرعون‪ ،‬والحضارة األلمانية قبل هتلر‪ ،‬والحضارة‬
‫الروس���ية قبل س���تالين‪ ،‬لم يكن هؤالء أبدًا‪ .‬كما أنّه إذا لم يكن هؤالء‪ ،‬لم‬

‫يصطبغ التاريخ بالصبغة الفرعونية‪ ،‬والصبغة النازية‪ ،‬والصبغة االستالينية‪.‬‬

‫أقسام االختيار‬
‫ممن يختاره اهلل سبحانه وتعالى‬
‫ثـم ّ‬
‫إن البطل‪ ،‬والقائد‪ ،‬والملك ليس ّ‬

‫بمعنى اختيار الرضى دائمًا بل قـد يكـون اختيـاره اختيـار األس���بـاب‪ ،‬وإنّما‬
‫ْك تُ ْؤِتي اْل ُمل َ‬
‫ُل الل َُّه َّم َمالِ َ‬
‫ْك َم ْن تَ َشاءُ َوتَْن ِز ُع‬
‫ك اْل ُمل ِ‬
‫قولهس���بحانه وتعالى‪{ :‬ق ِ‬

‫ْك ِم َّم ْن تَ َش���اءُ َوتُ ِع ُّز َم ْن تَ َش���اءُ َوتُ ِذ ُّل َم ْن تَ َشاءُ بِيَ ِد َك اْل َخ ْي ُر ِإ َّن َ‬
‫اْل ُمل َ‬
‫ُل‬
‫ك َع َلى ك ِّ‬
‫فـإن اهلل سبحانه وتعالى جعـل فـي الدنيـا األسـباب‪ ،‬فمـن‬
‫ير}‪ّ ،‬‬
‫���يٍء ق ِ‬
‫َد ٌ‬
‫َش ْ‬
‫أخـذ بتلك األسـباب وصـل إلـى تلـك المسببـات والنتائـج‪ .‬ولـذا قال سبحانه‬
‫ُل ك ٌّ‬
‫ادو َن يَ ْف َق ُهو َن َح ِديثًا}‪،‬‬
‫وتعالى‪{ :‬ق ْ‬
‫َم ِ‬
‫ال َه ُؤالَِء اْل َق ْوِم الَ يَ َك ُ‬
‫ُل ِم ْن ِع ْن ِد اهللِ ف َ‬

‫خاص‬
‫أما اختيار الرضى فهو ّ‬
‫فهناك اختيار الرضى وهناك اختيار األس���باب‪ّ .‬‬

‫باألنبياء‪ ،‬واألوصياء بل والصالحين من عباده أمثال سلمان‪ ،‬والمقداد‪،‬‬

‫ سورة آل عمران‪ :‬اآلية ‪.26‬‬
‫ سورة النساء‪ :‬اآلية ‪.78‬‬
‫وسماه الرسول األكرم ص بـسلمان‪ ،‬عالم ومحدث وقائد إسالمي‪ ،‬ترك أهله‬
‫ سلمان الفارسي‪ :‬زوريه بن خشفوذان‪ّ ،‬‬
‫ووطنه أصفهان‪ ،‬هاجر في سبيل الوصول إلى المنهج الروحي‪ ،‬الذي يستقي منه تعاليم الدين ؛ فذهب إلى الشام‬
‫واإلسكندرية والحجاز والقى في رحلته هذه من المصائب والمحن ما يعجز البيان عن ذكره‪ .‬أسلم على يد الرسول‬
‫ص في السنة األولى للهجرة ؛ وقالص في حقه‪ :‬سلمان م ّنا أهل البيت وآخى الرسولص بينه وبين أبي ذر‪ ،0‬واشترك‬
‫معه في غزواته وحروبه‪ ،‬فشارك في غزوة الخندق سنة ‪ 5‬ه‍‪ ،‬وأشار بحفر الخندق ؛ ليقي المسلمين من هجمات‬
‫قريش‪ ،‬وشارك في حرب ثقيف بالطائف ؛ وأشار باستعمال المنجنيق‪ ،‬كما وشارك في فتح المدائن الغربية بهرسير‪،‬‬
‫وفتح المدائن توسفون ؛ وتولى إمارتها في عهد عمر بن الخطاب وبقي فيها إلى أن وافاه األجل سنة ‪34‬هـ‪ ،‬وقيل‪:‬‬
‫‪36‬ه‍‪ .‬وعاش على أقل التقادير مائتين وخمسين سنة‪ ،‬وقيل‪ :‬ثالثمائة وخمسين سنة‪ ،‬وقيل‪ :‬إنه أدرك بعض أوصياء‬
‫عيسى ع‪ .‬ترجمه سفينة البحار‪ :‬ج‪ 1‬ص ‪ ،648‬تهذيب األسماء واللغات‪ :‬ج‪ 1‬ص ‪ ،226‬االستيعاب بهامش اإلصابة‪ :‬ج‪2‬‬
‫ص ‪.59 58‬‬
‫ المقداد بن األسود الكندي‪ ،‬وهو ابن عمرو بن ثعلبة بن مالك بن ربيعة البهرائي‪ ،‬لُ ّقب باألسود ؛ نسب ًة لحليفه األسود‬
‫بن عبد يغوث الزُّهري‪ ،‬وبالكندي ؛ نسبة إلى حلفاء أبيه‪ ،‬صحابي جليل ومجتهد كبير وفارس شجاع‪ ،‬وكان يعادل ألف‬
‫فارس على ح ّد تعبير عمرو ابن العاص ؛ كما ذكر ذلك اليعقوبي في تاريخه‪ :‬ج‪ 1‬ص ‪ ،148‬اشترك في غزوة بدر سنة‬
‫‪ 2‬ه‍ وقد وصف اإلمام أمير المؤمنين ع شجاعته قائالً‪ :‬ما كان فينا فارس يوم بدر غير المقداد بن عمرو‪ ،‬اشترك في‬
‫معركة أحد سنة ‪ 3‬ه‍ والغابة وخيبر وفتح مصر ؛ كما ذكر ذلك في الغدير‪ :‬ج‪ 9‬ص ‪ ،116‬وتهذيب األسماء‪ :‬ج‪ 2‬ص‬

‫‪143‬‬

‫أما االختيار المطلق حس���ب‬
‫وأصحاب عيس���ى وأصحاب موس���ى الطيبين‪ّ .‬‬

‫ٍ‬
‫بسبب‪ ،‬كجمع الجنود‪،‬‬
‫المش���ي باألس���باب للوصول إلى النتائج‪ ،‬فيكون‬
‫ال وحرامًا‪ ،‬أمث���ال فرعون‪ ،‬ونمرود‪،‬‬
‫واألصحاب‪ ،‬والس���لع‪ ،‬والم���ال حال ً‬
‫وستالين‪ ،‬وهتلر‪ ،‬وص ّدام‪ ،‬ومن إليهم‪.‬‬

‫واألمر ليس بمعنى الجبرية وإنما األمر بين األمرين‪.‬‬
‫إذا عرف���ت هذا‪ :‬فالبطل ال يكون إ ّ‬
‫ال ش���جاعًا ف���ي ناحية من نواحي‬

‫حياته س���واء الناحية العلمية‪ ،‬أو الناحية التسليحية‪ ،‬أو الناحية المالية‪ ،‬أو‬
‫ما إلى ذلك من مختلف مناحي الحياة‪ ،‬فيما إذا كان البطل هو الذي حصل‬
‫على ذلك‪.‬‬
‫ال في الناحية العسكرية حيث‬
‫أما إذا لم يحصل على ذلك بنفس���ه مث ً‬
‫ّ‬

‫ورثها االبن عن أبي���ه كما في الملوك‪ .‬أو الناحية المالية حيث يرث الوارث‬
‫‪144‬‬

‫مورثه صاحب الماليين فليس ذلك من البطولة في شيء‪.‬‬
‫ّ‬

‫التص���رف بحيث كان االمتداد منه‬
‫نعم‪ ،‬إذا أحس���ن االبن أو الوارث‬
‫ّ‬

‫ال من هذه الناحية‪ ،‬فعلى هذا‪ ،‬فالبطولة قد تكون ح ّقة‬
‫يكون حين ذلك بط ً‬

‫كبطولة األنبياء‪ ،‬وقد تكون زائفة كبطولة الطواغيت الذين يغتصبون الحكم‬
‫ألنفسهم اغتصابًا‪.‬‬

‫معنى البطولة‬
‫فليس���ت البطول���ة بالش���عارات‪ ،‬وإنش���اء الخطاب���ات‪ ،‬والتهريج‪،‬‬
‫‪ ،112‬واإلصابة‪ :‬ج‪ 3‬ص‪ .454‬قال عنه الرسول األكرمص‪ :‬أمرني ّربي بحب أربعة من أصحابي وأخبرني أنه يحبهم‪.‬‬
‫فقيل‪ :‬يا رسول اهلل‪ ،‬من هم؟ قال ص‪ :‬علي والمقداد وسلمان وأبو ذر‪ ،‬وقالص في حقه‪ :‬وذاك منا‪ ،‬أبغض اهلل من‬
‫أبغضه وأحب اهلل من أحبه‪ ،‬وقالص أيضاً‪ :‬الجنة تشتاق إليك يا علي وإلى عمار وسلمان وأبي ذر والمقداد‪ ،‬وأشهر‬
‫ألقابه‪ :‬حارس رسول اللهص ؛ كما نقل ذلك مستدرك الوسائل‪ :‬ج‪ 3‬ص ‪ ،348‬ز ّوجه الرسولص ب‍رباعة بنت الزبير بن‬
‫عبد المطلب‪ ،‬وقف في وجه الخط االنحرافي الذي سرى في القيادة بعد وفاة رسول اللهص‪ ،‬وجاهر بالمخالفة للثالثة‪،‬‬
‫وكان يقول‪ :‬واعجباً من قريش واستئثارهم بهذا األمر على أهل هذا البيت‪ ،‬معدن الفضل‪ ،‬ونجوم األرض ‪ ,‬ونور‬
‫البالد‪ ،‬واهلل‪ّ ،‬إن فيهم لرج ًال ما رأيت رج ًال بعد رسول اللهص أولى منه بالحق وال أقضى بالعدل وال آمر بالمعروف‪،‬‬
‫وال أنهى عن المنكر‪ ،‬وعارض تصرفات ثالثهم بالخصوص عثمان في نهب أموال المسلمين وتقسيمها بين أقربائه‪،‬‬
‫توفي سنة ‪33‬ه‍ ‪653‬م‪ ،‬وعاش سبعين سنة‪.‬‬

‫واالستبداد‪ ،‬واألضواء‪ ،‬فهـذه ليست إ ّ‬
‫ال بطولـة قسرية أو فرضية التي نجدهـا‬
‫عند الطواغيت والجبابرة‪ ،‬وال تقاس بطولـة وعظمــة الرجـال بتيجـان الملـوك‬
‫بهتهم‪ ،‬وال‪ ‬بصليل الس���ــيوف‪ ،‬وال بترديد الصحف أخبارهم وأسماءهم‬
‫وأُ ّ‬
‫صباح مس���اء‪ ،‬وما ذلك إ ّ‬
‫ال أكذوبة‪ ،‬ومظه���ر باطل‪ ،‬وعرض زائل‪ ،‬وبريق‬
‫َ‬
‫القوية‪ ،‬وهي الش���جاعة واألقدام‪ ،‬وهي‬
‫باه���ت‪ ،‬وإنّما البطولة هـي اإلدارة ّ‬

‫الثبات واالستقامة‪.‬‬

‫واألمة البطلة هي التي ال تت���رك مصيرها في األوقات الحرجة معلقًا‬
‫ّ‬

‫على قرار يصدره فرد واحد يخطئ في األكثر ويصيب أحيانًا‪.‬‬

‫المؤسسات‬
‫وليست البطولة باستئثار السلطات‪ ،‬والعمل على إضعاف‬
‫ّ‬

‫يعبر عنها بالديمقراطية وال بالقضاء عليها‪ ،‬كما كان يقول‬
‫االستش���ارية التي ّ‬

‫َ‬
‫س لِي ُمل ُ‬
‫ار تَ ْج ِري ِم ْن تَ ْحِتي} أو {ا َّل ِذي‬
‫ْك ِم ْص َر َو َه ِذِه األْن َه ُ‬
‫فرعون‪{ :‬ألَْي َ‬
‫يم ِفي َر ِّب���ِه أَ ْن آتَاهُ اهللُ اْل ُمل َ‬
‫ي���م َر ِّب َي ا َّل ِذي يُ ْحِيي‬
‫ْك ِإ ْذ قَا َل ِإْب َر ِ‬
‫���اج ِإْب َر ِ‬
‫َح َّ‬
‫اه َ‬
‫اه ُ‬

‫كل جاهل مس���تبد‬
‫فإن أمثال ذلك ش���أن ّ‬
‫يت}‪ّ ،‬‬
‫ِيت قَا َل أَنَا أُ ْحِيي َوأُِم ُ‬
‫َويُم ُ‬
‫يستولي على مباهج الدنيا ولذائذها‪.‬‬

‫الديكتاتور والبطولة‬
‫المستبد أنّه يؤثّر على الجماهير بتقديم وعود لهم‬
‫ومن شأن الجاهل‬
‫ّ‬

‫كما أنّه ينس���ب كل إنجاز ناجح إلى ش���خصه ودون غيره حّتى إنّه إذا جاء‬

‫فإن ذلك ال يعود إل���ى ظروف الطقس‪ ،‬وأتعاب‬
‫المحص���ول الزراعي وفيرًا ّ‬

‫الفالحين‪ ،‬والرحمة اإللهية‪ ،‬وما أشبه ذلك‪ ،‬وإنّما ينسبه إلى عبقرية نفسه‪.‬‬

‫���د أَ َخ ْذنَا آ َل‬
‫{ولََق ْ‬
‫فكم���ا حكى اهلل س���بحانه وتعالى عن فرعون حيث قال‪َ :‬‬

‫ين َونَ ْق ٍ‬
‫ات لَ َعل َُّه ْم يَذَّ َّك ُرو َن * فَإِذَا َجاءَْت ُه ُم اْل َح َسنَُة‬
‫ص ِم َن ال َّث َم َر ِ‬
‫الس���ِن َ‬
‫ِف ْر َع ْو َن بِ ِّ‬
‫ سورة الزخرف‪ :‬اآلية ‪.51‬‬
‫ سورة البقرة‪ :‬اآلية ‪.258‬‬

‫‪145‬‬

‫وس���ى َو َم ْن َم َع ُه أَالَ ِإ َّن َما َطاِئ ُر ُه ْم‬
‫قَالُوا لَنَا َه ِذِه َوِإ ْن تُ ِ‬
‫���يئَةٌ يَطَّ َّي ُروا بِ ُم َ‬
‫ص ْب ُه ْم َس ِّ‬
‫���ن أَ ْكثَ َر ُه ْم الَ يَ ْع َل ُمو َن}‪ ،‬فلو كانت الحس���نة لهم فلماذا لم‬
‫ِع ْن��� َد اهللِ َولَ ِك َّ‬
‫يفعلوا الحس���نة طول عمرهم؟ بل قال اهلل سبحانه وتعالى‪{ :‬فَأَ ْر َس ْلنَا َع َل ْي ِه ُم‬
‫ٍ‬
‫ٍ‬
‫ُّ‬
‫َاستَ ْكبَ ُروا َوكَانُوا‬
‫الطوفَا َن َواْل َج َرا َد َواْل ُق َّم َل َو َّ‬
‫الضفَاِد َع َو َّ‬
‫الد َم آيَات ُمف َّ‬
‫َصالَت ف ْ‬
‫بأن الحس���نات لهم‪ ،‬بل الحسنات والسيئات‬
‫ين} وقالوا أخيرًا ّ‬
‫َومًا ُم ْج ِرِم َ‬
‫قْ‬

‫‬
‫لما وقع‬
‫من اهلل سبحانه وتعالى حيث قال‪ِ :‬‬
‫{إ َّن َما َطاِئ ُر ُه ْم ِع ْن َد اهللِ} ‪ ،‬ولذا ّ‬

‫وس���ى ا ْد ُع لَنَا َر َّب َ‬
‫ْت َع َّنا‬
‫ك بِ َما َع ِه َد ِع ْن َد َك لَِئ ْن ك َ‬
‫َشف َ‬
‫عليهم الرجز قالوا‪{ :‬يَا ُم َ‬

‫ك َولَنُ ْر ِس��� َل َّن َم َع َ‬
‫الر ْج َز لَنُ ْؤِمنَ َّن لَ َ‬
‫ك بَِني ِإ ْس َراِئ َ‬
‫الر ْج َز‬
‫يل * فََل َّما ك َ‬
‫َش ْفنَا َع ْن ُه ُم ِّ‬
‫ِّ‬
‫َ‬
‫اه ْم ِفي اْليَ ِّم‬
‫���م فَأَ ْغ َر ْقنَ ُ‬
‫ِإلَ���ى أ َج ٍل ُه ْم بَالِ ُغ���وهُ ِإذَا ُه ْم يَْن ُكثُو َن * فَاْنتََق ْمنَا ِم ْن ُه ْ‬
‫ين} ‪.‬‬
‫بِأَ َّن ُه ْم كَذَّ بُوا بِآيَاِتنَا َوكَانُوا َع ْن َها غَاِفِل َ‬
‫ولم���ا كان الن���اس يتطلّعون ف���ي األزمات الحرجة م���ن فيضان‪ ،‬أو‬
‫ّ‬

‫‪146‬‬

‫يبث‬
‫زالزل‪ ،‬أو ح���روب‪ ،‬أو قحط‪ ،‬أو ما أش���به ذلك إلى من ينقذهم فإنّه ّ‬
‫ثم يثير فيهم‬
‫يمرون بفترة حرجة م���ن تاريخهم ّ‬
‫ف���ي أذهان الجماهير أنّهم ّ‬

‫الشعور بالحاجة إلى بطل ومخلّص وأنّه هو ذلك البطل الذي سيخلّصهم‪،‬‬
‫كاذب في الحقيقة‪ ،‬وقد رأينا حكامًا في العراق كيف تح ّدثوا عن‬
‫بينما هو ٌ‬
‫أنفسهم على أنّهم منقذون ومخلصون للشعب العراقي لكن في التطبيق لم‬

‫يستفد منهم الشعب س���وى الديكتاتورية واالستبداد‪ .‬فقد قضى صدام على‬
‫كل الزعامات المنافس���ة له‪ ،‬فإنه يقدم نفس���ه باعتب���اره المخلِّص الوحيد‪،‬‬
‫وإنّه ممدودٌ بعناية من اهلل ليخدع الش���عب‪ .‬والجماهير غير الواعية بطبيعتها‬

‫تيس���ر للزعيم أن يصبح حاكمًا مطلقًا يأمر كما يش���اء ويحكم كما يريد‪،‬‬
‫ّ‬
‫ضجة كما كان يفعل هتلر‬
‫ألنّها بطبيعتها تستسلم للحاكم المثير كلّما آثار ّ‬

‫ سورة األعراف‪ :‬اآليات ‪.131 -130‬‬
‫ سورة األعراف‪ :‬اآلية ‪.133‬‬
‫ سورة اإلسراء‪ :‬اآلية ‪.131‬‬
‫ سورة األعراف‪ :‬اآليات ‪.136 -134‬‬

‫كل واحد من الناس مقالة أهل الكوفة‪:‬‬
‫وس���تالين ومن إليهم‪ ،‬وعندما يقول ّ‬
‫يتحملوا‬
‫ما لنا والدخول بين السالطين سيتحملون مش ّقة شروره أكثر من أن ّ‬
‫أقل‪،‬‬
‫أن محاولة العزل قد تكون أيس���ر بكثير وضريبته ّ‬
‫محاول���ة عزله‪ ،‬مع ّ‬

‫والتاريخ اإلس�ل�امي يح ّدثنا عن الذين أزالوا الوليد على صعوبته‪ ،‬أو أزالوا‬

‫مما لم يزيلوا‬
‫المت���و ّكل عل���ى صعوبة اإلزالة‪ ،‬كان لهم من الخي���رات أكثر ّ‬
‫بأن رسول اهلل (ص) قال‪( :‬إذا رأيتم‬
‫معاوية حّتى عمل فيهم ما عمل‪ ،‬علمًا ّ‬

‫‬
‫تطوع‬
‫معاوية بن أبي س���فيان يخطب على منبري فاضرب���وا عنقه) ‪ ،‬فلو ّ‬

‫واحد أو جماعة لقتله يوم ش���اهدوه على منبر رس���ول اهلل (ص) لما حدث‬
‫ما حدث‪ ،‬إذ لم يكن قتله إ ّ‬
‫ال أمرًا يس���يرًا بينما تركوه وش���أنه ففعل فيهم‬
‫أن معاوية أحرق في اليمن ذات‬
‫األفاعيل‪ ،‬حّتى إنّي قرأت في بعض الكتب ّ‬

‫‪147‬‬
‫وأمه هند بنت عتبة‪ ،‬المشهورة بالزنا‬
‫ معاوية بن صخر بن حرب بن أمية األموي‪ ،‬مؤسس الدولة األموية في بالد الشام‪ّ ،‬‬
‫والملقبة ب‍آكلة األكباد‪ ،‬أسلم يوم الفتح‪ ،‬والّه عمر بن الخطاب األردن ثم دمشق معها‪ ،‬ووالّه عثمان بن ع ّفان ك ّل بالد‬
‫الشام‪ ،‬عزله اإلمام أمير المؤمنين ع مـن منصبـه ثـم حـاربـه فـي واقعـة صفين‪ ،‬التي كانت الميزان فـي تشخيص‬
‫الباغي لدى الصحابة‪ ،‬حيث قال النبي ص لعمار بن ياسر‪ :‬يا عمار‪ ،‬تقتلك الفئة الباغية‪ ،‬مات في دمشق سنة ‪60‬ه‍‬
‫‪680‬م بعد أن حكم ‪ 20‬سنة في الخالفة وحكم أربعين سنة في اإلمارة‪ ،‬أشهر فضائله ؛ كما عن ابن خلكان في ترجمة‬
‫النسائي‪ ،‬عندما سئل عن معاوية وما روي من فضائله‪ ،‬قال‪ :‬ما أعرف له فضيلة إ ّال‍ ال أشبع اهلل بطنه ؛ وهذه الكلمة‬
‫قالها الرسولص في ح ّقه‪ ،‬انظر شرح نهج البالغة البن أبي الحديد‪ :‬ج‪ 4‬ص‪.55‬‬
‫حول الحكومة‬
‫من مثالب معاوية أنه كتب إلى عماله في جميع األمصار ْأن يسبوا الصحابة أمثال علي بن أبي طالبع‪ ،‬كما أنه ّ‬
‫وجمد الحركة الفكرية اإلسالمية عبر القضاء على الصحابة ؛‬
‫إلى استبدادية وشخصية وجعل البالد إرثاً له وألقربائه‪ّ ،‬‬
‫فقد قتل عمار ابن ياسر وحجر بن عدي الكندي وأصحابه ومحمد بن أبي بكر ومالك األشتر وعمرو بن الحمق الخزاعي‬
‫‪ 4‬واإلمام علي واإلمام الحسن(عليهما السالم)‪ ،‬وقضى على المعارضة الداخلية بتوجيه الناس إلى الحروب الخارجية ؛‬
‫وقد أشار لعثمان بذلك حيث قال له‪ :‬رأي لك يا أمير المؤمنين‪ْ ،‬أن تأمرهم بالجهاد يشغلهم عنك وأن تجمهرهم في‬
‫هم أحدهم إ ّال نفسه‪ ،‬وكان يأخذ على التهمة والظنة حتى كان الرجل يسقط بكلمة‬
‫المغازي حتى يذلّوا لك فال يكون ُّ‬
‫فيضرب عنقه‪ ،‬وكتب إلى عماله ووالته في جميع البالد واألمصار أمثال بسر بن أرطأة‪ ،‬واليه على المدينة ومكة واليمن‬
‫؛ والغامدي واليه على األنبار أال يجيز ألحد من شيعة عليع وال من أهل بيته وال من أهل واليته‪ ،‬الذين يرون فضله‬
‫ويتحدثون بمناقبه شهادةً‪ ،‬وكتب أيضاً‪ :‬انظروا من يحب علياً وأهل بيته فامحوه من الديوان وال تجيزوا له شهادة‪ ،‬وفي‬
‫كتاب آخر‪ :‬من اتهمتموه أنه محب لعلي ولم تقم عليه بينة فاقتلوه‪ ،‬وأمر سفيان بن عون الغامدي حين أرسله للعراق‪:‬‬
‫اقتل من لقيته ممن هو ليس على مثل رأيك واخرب كل ما مررت به من قرى‪ ،‬للمزيد راجع تاريخ بغداد‪ :‬ج‪1‬ص‪،207‬‬
‫أسد الغابة‪ :‬ج‪ 4‬ص‪ ،385‬اإلصابة‪ :‬ج‪3‬ص‪ ،33‬شذرات الذهب‪ :‬ج‪1‬ص‪ ،65‬تهذيب التهذيب‪ :‬ج‪10‬ص‪ ،207‬الكامل في‬
‫التاريخ‪ :‬ج‪ ،3‬وفيات األعيان‪ :‬ج‪ 1‬ص‪ ،77‬منهاج البراعة‪ :‬ج‪ 7‬ص‪142‬ـ ‪.143‬‬
‫ وقعة صفين‪ :‬ص‪ ،216‬شرح نهج البالغة البن أبي الحديد‪ :‬ج‪ 4‬ص ‪ 32‬ب ‪ ،54‬وفي شرح نهج البالغة البن أبي الحديد‪:‬‬
‫ج‪ 15‬ص‪ 176‬ب‪ ،27‬ونهج الحق‪ :‬ص ‪» 309‬إذا رأيتم معاوية على منبري فاقتلوه «‪.‬‬

‫وقضية مسرف بن عقبة ومن أشبهه مذكورة في‬
‫مرة أربعين ألف إنسان‪،‬‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫التاريخ‪ .‬ولذا فالالزم أن ينظر إلى الزعيم من هذا القبيل نظرة ازدراء وكراهة‬

‫حّتى لو كان مؤمنًا بوطنه مخلصًا لما يرى‪ ،‬فهتلر فعل في العالم وبألمانيا‬
‫حمل الش���عب األلماني وسائر الشعوب ويالت تلك الـحروب‬
‫مما ّ‬
‫ما فعل‪ّ ،‬‬

‫إلى الحال الحاضر‪ ،‬وقد مضى على هتلر نصف قرن‪.‬‬

‫أن الجماهير على ما تش���اهده م���ن ديكتاتورية‬
‫والغري���ب في األمر ّ‬

‫وديكتاتوريين تق ّدس���هم حّتى بعد موتهم‪ ،‬إذا لم يُزالوا بس���بب حرب‪ ،‬أو‬
‫انقالب‪ ،‬أو ما أش���به ذلك‪ ،‬وقد ح ّدثني بعض األصدقاء الذين س���افروا إلى‬

‫كل يوم أمام قبر ماو تس���ي تونغ بمقدار ربع‬
‫الصي���ن أن الجماهي���ر تقف ّ‬

‫‪148‬‬

‫ مسلم بن عقبة وسمي ب‍مسرف ؛ لكثرة سفكه للدماء ؛ قاد جيشاً من أهل الشام لقتال أهل المدينة قوامه خمسة آالف‬
‫في ‪ 28‬ذي الحجة سنة ‪64‬ه‍‪ ،‬وقيل‪63 :‬ه‍‪ ،‬حيث قال له معاوية‪ :‬واجعل طريقك على المدينة فإن حاربوك فحاربهم‬
‫وإن ظفرت بهم فأبحهم ثالثاً‪ .‬وتقاتل مع أهل المدينة وكان أميرهم عبد اهلل بن حنظلة‪ ،‬غسيل المالئكة‪ ،‬وقُتل عبد‬
‫اهلل مع سبعمائة من المهاجرين واألنصار والموالين ؛ كما ذكر ذلك في البداية والنهاية‪ :‬ج‪ 8‬ص‪ ،222‬باإلضافة إلى‬
‫عشرة آالف شخص من الرجال والنساء واألطفال‪ ،‬ودخل مسرف المدينة وأباحها ثالثة أيام لجنوده وسرقوا أموالهم‬
‫وممتلكاتهم وهتكوا أعراضهم وقد ورد في التاريخ أنهم زنوا في المسجد النبوي حتى َولَدت ألف امرأة بكر من الزنا‬
‫بأوالدالحرة‪ ،‬وأخذ الناس على أن يبايعوا أنهم عبيد ليزيد ؛ فكان الرجل من قريش يؤتى به فيقال‪:‬‬
‫بعد الواقعة وعرفوا‬
‫ّ‬
‫بايع على أنك عبد قن للخليفة‪ ،‬فيقول‪ :‬ال‪ ،‬فيضرب عنقه‪ ،‬وبعد أن فعل األفاعيل بالمدينة‪ ،‬توجه إلى مكة لقتال عبد‬
‫اهلل بن الزبير الذي رفض البيعة ليزيد بن معاوية‪ ،‬ومات في الطريق في منطقة تعرف ب‍ الغدير‪ ،‬واستخلف الحصين‬
‫بن النمير لقيادة الجيش‪.‬‬
‫ أمثال بسر بن أرطأة العامري‪ ،‬الذي أرسله معاوية لمحاربة أهل مكة والمدينة سنة ‪40‬ه‍ ؛ حيث قال له‪ :‬سر حتى تمر‬
‫ممن لم يكن قد دخل في طاعتنا‪،‬‬
‫بالمدنية فاطرد الناس وأخف من مررت به وانهب أموال كل من أصبت له ما ًال ّ‬
‫وعندما دخل المدينة قتل الرجال واألطفال وسبى النساء فكن أول مسلمات سبين في اإلسالم‪ ،‬وقد باع معاوية النساء‬
‫المسلمات المسبيات في األسواق‪ ،‬فكان يكشف عن سيقانهن فأّيها أعظم ساقاً تشترى بثمن غا ٍل‪ ،‬وعندما أرسل معاوية‬
‫بسر بن أرطأة …إلى اليمن وكان عليها عبيد اهلل بن العباس والي اإلمام علي بن أبي طالبع‪ ،‬هرب عبيداهلل حين أحس‬
‫بهجوم ُب ُسر عليه وعندما دخل ُب ُسر اليمن‪ ،‬فعل ما فعل بأهل المدينة‪ ،‬وسبى النساء وقتل األطفال حتى إنه ذبح القثم‬
‫وعبد الرحمن‪ ،‬أطفال عبيد اهلل بن العباس‪ ،‬وكانا في حجر أمهما‪ ،‬وعندما شاهدت أمهما هذا المنظر انهارت وأخذت‬
‫تنشد‪:‬‬
‫ها من أحس بابني اللذين هما*** حدثت بسراً وما صدقت ما زعموا من‬
‫انحى على ودجي ابني مرهفه مشحوذة*** سمعي وعقلي فعقلي اليوم مختطف‬
‫قبلهم ومن اإلثم الذي اقترفوا***وكذاك اإلثم يقترف‬
‫وفي أيام واليته على البصرة‪ ،‬فتك بأهلها وقتلهم حتى ضج الناس لما أصابهم منه‪.‬‬
‫َّاس َم ْن ُي ْع ِجُب َك ق َْولُ ُه فِي‬
‫ِن الن ِ‬
‫وأمثال سمرة بن جندب‪ ،‬الذي بذل له معاوية أربعمائة ألف درهم لروايته أن قوله تعالى‪َ :‬وم َ‬
‫الدنَْيا َوُي ْش ِه ُد ا َ‬
‫ِن‬
‫ال َْحَياِة ُّ‬
‫هلل َعلَى َما فِي َقْلِب ِه َو ُه َو أَل َُّد ال ِْخ َص ِام البقرة ‪ ،204‬نزلت في حق علي ع‪ ،‬وأن قوله تعالى‪َ :‬وم َ‬
‫ُ‬
‫هلل َواهلل َرُء ٌ‬
‫وف ِبا ْلع َِباِد البقرة ‪ 207‬؛ نزلت في حق ابن ملجم‪ ،‬وقد قتل سمرة‬
‫َّاس َم ْن َي ْش ِري َن ْف َس ُه ا ْبِت َغاَء َم ْر َضاِة ا ِ‬
‫الن ِ‬
‫ثمانية آالف شخص في الكوفة ؛ فقيل له‪ :‬هل تخاف أن تكون قتلت أحداً بريئاً؟ فأجاب‪ :‬لو قتلت مثلهم ما خشيت !!‪،‬‬
‫راجع في ترجمته اإلصابة‪ :‬ج‪ 2‬ص ‪ ،78‬الكافي روضة‪ :‬ج‪ 8‬ص ‪ ،332‬أسد الغابة‪ :‬ج‪ 2‬ص ‪ ،354‬الجرح والتعديل‪ :‬ج‪4‬‬
‫ص ‪ ،154‬شذرات الذهب‪ :‬ج‪ 1‬ص ‪ ،65‬الكنى واأللقاب‪ :‬ج‪ 3‬ص ‪ ،23‬تهذيب التهذيب‪ :‬ج‪ 4‬ص‪ ،236‬تاريخ الطبري‪ :‬ج‪4‬‬
‫ص ‪ ،215‬الكامل في التاريخ‪ :‬ج‪ 3‬ص‪ 462‬و ‪ ،495‬شرح نهج البالغة البن أبي الحديد‪ :‬ج‪ 4‬ص ‪.79 73‬‬
‫ زعيم صيني‪ ،‬ولد سنة ‪1893‬م‪ ،‬ومات سنة ‪1976‬م‪ ،‬قاد ثورة على الحكم سنة ‪1927‬م وقاد مسيرة سنة ‪1934‬م ثم‬

‫س���اعة فينظرون إلى موميائه المحنط داخل صندوق زجاجي‪ ،‬وماو تس���ي‬
‫إن إذاعة موس���كو‬
‫تون���غ هو الذي فعل بالصين ما فعل من الجرائم‪ ،‬حّتى ّ‬

‫أن الش���عب الصيني‬
‫اّتهمت���ه بأنّه قتل ما يقارب أربعين مليونًا باإلضافة إلى ّ‬
‫إن تحية بعضهم لبعض إذا رآه بدل السالم عليه‬
‫كان جائعًا في زمانه بحيث ّ‬
‫كل الشعب‬
‫إن ّ‬
‫أو السؤال عن صحته يقول له هل أنت شبعان أم ال؟‪ ،‬حيث ّ‬
‫كان ف���ي حالة من الجوع‪ ،‬والمرض‪ ،‬والفقر‪ ،‬والجهل‪ ،‬وما أش���به ذلك‪،‬‬
‫ال‪.‬‬
‫وإنّما التهريج هو الذي جعل منه بط ً‬

‫العامة‪،‬‬
‫نع���م‪ ،‬أصلح بعض األمور الظاهرية‪ ،‬وجعل بعض الحدائق ّ‬

‫األول في إيران فإنّه ّ‬
‫حطم مراعي إيران‬
‫ومـا أش���به ذلك‪ ،‬كما فعله البهلوي ّ‬
‫العامة‪ ،‬والشوارع‪ ،‬والمتنزهات‪،‬‬
‫وأش���غل الناس ببعض المظاهر كالحدائق ّ‬
‫وما أش���به ذلك‪ ،‬بينما كانت إليران قب���ل بهلوي ‪ 33‬ألف قناة للمياه تحت‬

‫كل إيران‪ ،‬حّتى إنهم لم يكونوا يحتاجون إلى الخارج‪ ،‬بينما‬
‫األرض تروي ّ‬
‫نش���اهد بعد ذلك الش���عب اإليراني يحتاج إلى الخ���ارج حّتى في لحومه‪،‬‬

‫وأرزه‪ ،‬وحنطته‪.‬‬

‫متعددة‬
‫وعل���ى ّ‬
‫كل ح���ال‪ :‬فظهر مم���ا ذكرناه الج���واب عن أس���ئلة ّ‬

‫وهي‪ :‬من يصنع الش���خصية؟ ومن يصنع الحضارة؟ وهل الشخصية تصنع‬
‫الحضارة أو الحضارة تصنع الشخصية؟ وما هو محور التاريخ؟ هل األفراد‬
‫لش���خصيات يراها صنعت التاريخ‬
‫المؤرخ؟ هل‬
‫يؤرخ‬
‫ّ‬
‫أم الحض���ارة؟ ولمن ّ‬
‫ّ‬
‫يؤرخ للحض���ارات؟ ومن الذي يصنع أحداث التاريخ ويؤثر‬
‫وأثّ���رت فيه أم ّ‬
‫في مس���اره؟ هل هم األفراد أم الجماعات‪ ،‬أو ّ‬
‫الحكام أو الش���عوب؟ وهل‬

‫األحداث التي تصل إلى درجة التأثير والفاعلية من خلق ساس���ة وقادة بلغوا‬
‫أن هذه الحضارة حصيلة بطولة أسهم فيها شعب بجميع‬
‫مرتبة البطولة؟ أم ّ‬
‫تراجع أمام الجيش‪ ،‬مؤسس الحزب الشيوعي الصيني‪ ،‬أصبح رئيساً للصين الشعبية سنة ‪1954‬م‪ ،‬واستمر في الحكم‬
‫إلى سنة ‪1959‬م‪ ،‬نادى بالثورة الثقافية سنة ‪1966‬م‪ ،‬من مؤلفاته‪ :‬الكتاب األحمر‪.‬‬

‫‪149‬‬

‫أوجه نشاطه االقتصادي‪ ،‬واالجتماعي‪ ،‬والعلمي‪ ،‬والسياسي‪ ،‬والفكـري‪،‬‬
‫ال عـن أنظمته مـ���ن قوانين‪ ،‬وعادات‪،‬‬
‫والفّني‪ ،‬واألدبي‪ ،‬واألس���ري‪ ،‬فض ً‬
‫محل تس���اؤل واختالف بين‬
‫كل واحد من هذه المفردات ّ‬
‫وتقاليد‪ ،‬وإن كان ّ‬

‫فكل‬
‫الطوائ���ف المختلفة‪ ،‬لكن الذي ذكرن���اه هو مقتضى المنطق والعقل‪ّ ،‬‬
‫من الش���خصية والحضارة يصنع اآلخر‪ ،‬وال نري���د بالحضارة هنا الحضارة‬
‫الصحيح���ة الح ّق���ة المزدهرة بل عم���وم الحضارة‪ ،‬وهي تش���مل مختلف‬

‫الحضارات حّت���ى القائمة على االس���تبداد‪ ،‬والديكتاتورية‪ ،‬والتخلّف مثل‬
‫العباس إن صح أن نس���مي مثل ذلك‬
‫أمية‪ ،‬وحض���ارة بني ّ‬
‫حض���ارة‪ ،‬بني ّ‬
‫حضارة‪ ،‬فهي تس���مى أيضًا بالحضارة لغ���ة؛ ألنّها مأخوذة من الحضر في‬

‫مقابل البدو الرحل‪ .‬البيئة وأثرها في تكوين الشخصية‬

‫إن الش���خصية الكبيرة والبط���ل المغوار ال يس���تطيع التأثير في‬
‫ث���م ّ‬

‫‪150‬‬

‫مهيأة‬
‫التاريخ ما لم يكن الزمان والمكان مؤاتيين له‪ ،‬ولما لم تكن الظروف ّ‬

‫وإن البطولة يح ّددها نوع العالم والبيئة التي ينش���أ فيها البطل‪،‬‬
‫لظه���وره‪ّ ،‬‬

‫لف‬
‫أو الزعيم‪ ،‬أو الش���خصية‪ ،‬وقد ذكرنا س���ابقًا هذا باستثناء األنبياء ومن ّ‬
‫ال هل كان هتلر يصبح هتلر إذا كان يعيش في لندن‪ ،‬وهل كان‬
‫لفّه���م‪ ،‬مث ً‬
‫س���تالين يمكن أن يكون ستالين إذا كان يعيش في باريس؟ هذا بالنسبة إلى‬
‫أما األبطال الحقيقيون كاألنبياء فبعضهم لم يكن الزمان‬
‫األبط���ال المزيفين‪ّ ،‬‬

‫ال النبي‬
‫أو المكان مؤاتيًا لهم‪ ،‬ولهذا كان الناس يقتلونهم أو يطردونهم‪ ،‬مث ً‬
‫ث���م من بابل جاؤوا‬
‫داني���ال‪ ،‬والنبي حبق���وق‪ُ ،‬ط ِردوا من مكانهم إلى بابل ّ‬

‫كل واحد منه���م يبلّغ تبليغًا محدودًا‪،‬‬
‫إلى إي���ران في قرية صغيرة‪ ،‬وأخذ ّ‬
‫وهكذا بالنس���بة لألنبياء الذي���ن كانوا يُقتلون كما قال اهلل س���بحانه وتعالى‪:‬‬
‫َ‬
‫ين} ‪ .‬وهكذا بالنس���بة إلى‬
‫َب ُل ِإ ْن ُك ْنتُ ْم ُم ْؤِمِن َ‬
‫{فَِل َ‬
‫���م تَ ْقتُلُو َن أْنِبيَاءَ اهللِ ِم ْن ق ْ‬

‫أبطال الفكر‪ ،‬والعلم‪ ،‬والفلس���فة‪ ،‬واألدب‪ ،‬والدين‪ ،‬وما أش���به ذلك‪ ،‬إذ‬

‫ سورة البقرة‪ :‬اآلية ‪.91‬‬

‫المتعسر‬
‫يح ّددهم إلى حد ما الزمان‪ ،‬والمكان‪ ،‬والش���رائط‪ ،‬والمزايا‪ ،‬فمن‬
‫ّ‬

‫أن ينش���أ عباقرة الفكر‪ ،‬وعباقرة العلم‪ ،‬أو الفلسفة‪ ،‬أو األدب‪ ،‬أو ما أشبه‬
‫ذل���ك في أمم على درجة كبيرة من التخلّف االجتماعي‪ ،‬أو االقتصادي‪ ،‬أو‬
‫السياسي‪ ،‬أو ما أشبه ذلك‪.‬‬
‫والديمقراطية إنّما نش���أت ف���ي الغرب بعد مق ّدم���ات فكرية قام بها‬

‫ّ‬
‫أن مجموع ما كتب حول‬
‫ع���دد كبير من‬
‫المفكرين‪ ،‬وقد قرأت في كت���اب ّ‬

‫الديمقراطية في الغرب قبل ظهور الديمقراطية قد بلغ عش���رين ألف كتاب‪،‬‬
‫وعش���رين ألف كتاب يحتاج إلى عش���رين ألف ّ‬
‫أن كل واحد‬
‫مفكر إن قلنا ّ‬

‫كتب كتابًا واحدًا‪.‬‬

‫وتشرشل الذي انتصر في الحرب العالمية الثانية‪ ،‬لم يكن بوسعه االنتصار‬
‫لما رفضه الش���عب البريطاني بعد الحرب‬
‫لوال مؤازرة قوى عديدة له‪ ،‬ولذا ّ‬
‫ألن الش���عب لم يكن‬
‫بعد أن كان منتصرًا في الحرب س���قط س���قوطًا ذريعًا ّ‬

‫‬
‫محررًا‬
‫يريده‪ ،‬وهكذا ّ‬
‫لما رفض الش���عب الفرنسي ديغول وقد دخل فرنسا ّ‬

‫لها من بطش النازيين سقط ديغول على أنّه أيضًا انتصر في الحرب‪ ،‬فالالزم‬

‫أن تك���ون هناك قوى مؤاتية زمانًا ومكانًا بالنس���بة إلى ما يطلق عليه البطل‬
‫مزيفًا‪.‬‬
‫ال واقعيًا أو بط ً‬
‫ال‪ ،‬سواء كان بط ً‬
‫بط ً‬
‫ال ّ‬

‫مزيفًا‪ ،‬تسبقه ظروف‬
‫أي حال‪ّ :‬‬
‫وعلى ّ‬
‫فإن البطل س���واء كان واقعيًا أو ّ‬

‫ ونستون تشرشل‪ ،‬أحد القيادات السياسية البريطانية‪ ،‬الذي أنقذ بالده من الهزيمة إلى النصر في الحرب العالمية الثانية‬
‫والتي عبر عنها‪ :‬الحرب التي ال ضرورة لها‪.‬‬
‫ولد في مدينة أكسفورد في ‪ 30‬تشرين الثاني سنة ‪1874‬م‪ ،‬تخرج ضابطاً في الجيش برتبة مالزم سنة ‪1895‬م‪ ،‬تولّى‬
‫وزارة البحرية سنة ‪1911‬م ‪1915‬م‪ ،‬وتولّى وزارة التموين سنة ‪1917‬م والحربية سنة ‪1918‬م ثم وزارة المستعمرات‬
‫مرة ثالثة سنة ‪1939‬م‪ ،‬أصبح رئيساً للوزراء بين سنة ‪1940‬ـ ‪1945‬م وسنة ‪1951‬ـ ‪1955‬م‬
‫والمالية ‪1925‬م والحربية ّ‬
‫كما ترأس حزب المحافظين‪ ،‬مات في ‪ 25‬كانون الثاني ‪ 1965‬عن عمر يناهز ‪91‬سنة‪ ،‬له أكثر من ثالثين مؤلفاً‪،‬‬
‫منها‪ :‬مذكرات تشرشل‪ ،‬رحلتي إلفريقيا‪ ،‬األزمة العالمية‪ ،‬أفكار ومغامرات‪ ،‬خطوة خطوة‪ ،‬الحرب الكونية الثانية‪ ،‬تاريخ‬
‫الشعوب الناطقة باإلنجليزية‪.‬‬
‫ الجنرال شارل ديغول‪ ،‬ولد سنة ‪1890‬م‪ ،‬قائد فرنسي‪ ،‬دعا إلى مقاومة األلمان بعد هزيمة ‪1940‬م في نداء مشهور‬
‫أطلقه من لندن ؛ كما رفض االعتراف بحكومة فيش في نفس السنة‪ ،‬ترأس الحكومة المؤقتة بين سنة ‪1944‬م ‪1946‬م‪،‬‬
‫أصبح رئيساً للجمهورية الخامسة بين سنة ‪1959‬ـ ‪1969‬م حيث قدم استقالته‪ ،‬ومات سنة ‪1970‬م‪ ،‬من مؤلفاته‪:‬‬
‫مذكرات ديغول‪.‬‬

‫‪151‬‬

‫خاصة‪ ،‬تبعث إل���ى الحاجة إليه فيما إذا‬
‫اجتماعية‪ ،‬واقتصادية‪ ،‬وسياس���ية ّ‬

‫فإن مثل ذلك يوجب ظهور البطل‪ ،‬فالبطل‬
‫حد األزمة‪ّ ،‬‬
‫كان���ت الحاجة إلى ّ‬
‫أن المجتمع أيضًا بدوره ه���و نتاج البطل‪ ،‬يؤثّر‬
‫ه���و نتاج المجتمع‪ ،‬كم���ا ّ‬

‫أحدهما على اآلخر كما ذكرنا س���ابقًا‪ ،‬وليس للتاريخ حركة حتمية مطلقة‬
‫ف���إن نظرية الحتمية االجتماعية‬
‫وإنّم���ا الحركة تكون حتمية واختيارية معًا‪ّ .‬‬

‫تجعل الفرد أس���ير قوى تاريخية ال‪ ‬يس���تطيع أن يفلت منها بل الفرد ضئيل‬

‫يسمى بالبطل من ّفذًا فقط لحركة‬
‫إلى جانب هذه القوى ويكون حينئذ الذي ّ‬

‫بأن حركة التاري���خ هي حتمية‪ ،‬زعم‬
‫التاري���خ الحتمية‪ .‬والزعم الش���يوعي ّ‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫وتحطم االّتحاد الس���وفياتي بنفس���ه خير دليل على‬
‫دل الدليل على خالفه‪،‬‬

‫ذلك‪.‬‬

‫أن أمثال لينين‪ ،‬وستالين‪ ،‬ونابليون‪ ،‬ومن أشبه لو كان‬
‫ومن يزعم ّ‬

‫‪152‬‬

‫غيرهم مكانهم‪ ،‬لم تظهر تلك الحركات‪ ،‬واالنتصارات‪ ،‬واالنكس���ارات‪،‬‬
‫رجم بالغيب‪ ،‬فما هو الدليل على ذلك؟‬
‫وما أشبه ذلك ٌ‬

‫يق���ول أحد علماء الغرب‪  :‬إنّك إن ش���ئت أن تدرك‪ ،‬وتفهم خوارق‬

‫نظ���ام المجتمع‪ ،‬فإنّ���ك لن تصل إلى ذلك عبر االعتكاف على قراءة س���ير‬

‫ّ‬
‫أن‬
‫الح���كام العظام في التاري���خ من القديم حّتى نابلي���ون وفردريك‪ ،‬ذلك ّ‬

‫المرء يجد نفس���ه تائهًا س���ائرًا إلى طريق مسدود‪ ،‬لو نسب أي حادث طبع‬
‫أن فردًا ما‪ ،‬هو‬
‫عص���رًا تاريخي���ًا بطابعه إلى فرد ما‪ ،‬وقد يالح���ظ المؤلّف ّ‬
‫ فالديمير إيليتش أوليانوف‪ ،‬المشهور ب‍لينين نسبة إلى اسم نهر لينا حيث كان منفياً على ضفافه في العهد الملكي‬
‫اإلمبراطوري‪ ،‬زعيم وكاتب روسي‪ ،‬ولد سنة ‪1870‬م ومات سنة ‪1924‬م‪ ،‬دخل المعترك السياسي بتأسيس الحزب‬
‫الشيوعي في روسيا وقاد الثورة البلشفية سنة ‪1917‬م وأطاح بحكومة كيرنسكي‪ ،‬أسس االتحاد السوفياتي السابق‬
‫وأصبح رئيساً للبالد بين سنة ‪1917‬م ‪1924‬م‪ ،‬أهم مؤلفاته‪ :‬االستعمار أعلى مراتب الرأسمالية‪.‬‬
‫كورسيكَا‪ ،‬أحد أبرز القادة العسكريين في فرنسا‪ ،‬قاد الحملة الفرنسية‬
‫ َناِبْلُيون ُبوَناَب ْرت‪ ،‬وِل َد سنة ‪1769‬م في جزيرة ِ‬
‫على مصر سنة ‪1798‬م‪ ،‬واستطاع أن يحتل اإلسكندرية بعد معارك دامية ثم احتل القاهرة في ‪ 27‬تموز سنة ‪1798‬م‪ ،‬ثم‬
‫احتل الشام في شباط ‪1799‬م ثم مدينة يافا‪ ،‬التي أحدث فيها مجازر مروعة ثم حاصر عكا في ‪ 19‬آذار ‪1799‬م‪ ،‬ولم‬
‫يستطع أن يحتلها‪ ،‬كما خاض حروباً مع العثمانيين سنة ‪1799‬م في تل طابور و أبو قير‪ ،‬حكم سنة ‪1804‬م واستمر في‬
‫الحكم الى سنة ‪1814‬م‪ ،‬وغزا روسيا ‪ ،1812‬وتنازل عن العرش سنة ‪1814‬م ؛ إثر حربه مع روسيا وبريطانيا والسويد‬
‫والنمسا الذين شكلوا تحالفاً ضده وانتصروا عليه في معركة األمم سنة ‪1813‬م‪ ،‬ونفي إلى جزيرة إليا ثم إلى سانت‬
‫هيالنة التي مات فيها سنة ‪1821‬م‪.‬‬

‫المؤرخ أن يتجاوز ذلك ليدرس‬
‫السبب المباشر لواقعة حاسمة‪ ،‬ولكن على‬
‫ّ‬

‫وحتمت عليه أن يفعل ما يفعل‪ .‬فالمجتمع‬
‫العوام���ل التي أنتجت هذا الفرد َّ‬
‫ّ‬
‫يش���كل الرجل العظيم قبل أن يس���تطيع الرج���ل العظيم أن يعيد‬
‫هو الذي‬

‫تشكيل المجتمع‪.‬‬
‫كل واحد من الش���خصية والمجتمع‪ ،‬يؤثّر‬
‫ف���إن ّ‬
‫أق���ول‪ :‬وكما ذكرنا ّ‬

‫أحدهم���ا في اآلخر‪ ،‬ويكون النتاج ما نراه‪ ،‬س���واء كان ش���خصية دينية أو‬
‫دنيوية‪ ،‬مصلحًا كغاندي في بالد الهند‪ ،‬أو مفس���دًا كس���تالين في روسيا‪.‬‬
‫أن الذي يريد أن يذكر‪ ،‬ويصل إلى فلسفة التاريخ‪ ،‬ويحلّل‬
‫فمن الضروري ّ‬

‫األحداث‪ ،‬أن ينظر إلى األمرين معًا نظير قوله‪:‬‬

‫أحب‬
‫م��س��أل��ة ال�����دور ج���رت ب��ي��ن��ي وب�ي�ن م���ن ّ‬
‫ل���وال مشيبي م��ا ج��ف��ت ل���وال ج��ف��اه��ا ل��م أشب‬
‫كل مناح���ي الحي���اة االجتماعية‪،‬‬
‫وهك���ذا نجد األم���ر كذلك ف���ي ّ‬
‫واالقتصادية‪ ،‬والسياس���ية‪ ،‬والتربوية‪ ،‬والعس���كرية‪ ،‬والعائلية‪ ،‬فالمجتمع‬
‫ه���و ال���ذي يوج���د الش���خص االقتص���ادي‪ ،‬والش���خص االقتص���ادي هو‬
‫يوج���ه المجتمع إل���ى االقتص���اد‪ ،‬س���واء كان االقتصاد س���ليمًا أو‬
‫ال���ذي ّ‬

‫منحرف���ًا بح���ق أو بباط���ل‪ ،‬وهكذا ب���دا االقتص���اد لماركس كأنّ���ه العامل‬
‫أن‬
‫األول واألخي���ر ف���ي تحريك دوالي���ب الحياة‪ ،‬وكما يرى هيج���ل من ّ‬
‫ّ‬

‫أن الجنس ه���و المؤثر‬
‫ال���روح هي الت���ي تؤثّر‪ ،‬أو كم���ا يراه فرويد م���ن ّ‬

‫على حياة المجتمعات‪ ،‬كل ذلك انحراف عن الواقع‪،‬والنظر إلى ش���يء من‬

‫ المهاتما غاندي‪ ،‬ولد في بور بند الهندية سنة ‪1286‬ه‍ ‪1869‬م‪ ،‬واغتيل سنة ‪1367‬ه‍ ‪1948‬م‪ ،‬بدأ كفاحه السلمي لتحرير‬
‫الهند سنة‪‍ 1337‬ه ‪1919‬م‪ ،‬وتزعم حزب المؤتمر‪ ،‬سعت جهوده إلى تحرير الهند من االستعمار البريطاني‪ ،‬عبر وسيلة‬
‫المقاومة السلبية الالعنف والعصيان المدني والصوم‪ ،‬وقد كلّفه صراعه أن يدخل السجن ع ّدة مرات‪ ،‬من مؤلفاته‪:‬‬
‫قصة تجاربي مع الحقيقة‪.‬‬
‫ جورج ولهام فريد يريك‪ ،‬المشهور بهيجل‪ ،‬صاحب النظرية الديالكتيكية أو الجدلية‪ ،‬ولد سنة ‪1770‬م‪ ،‬ومات في برلين‬
‫بسبب الكوليرا سنة‪1831‬م‪ ،‬درس في جامعة هير لبرغ وبرلين قرابة الخمسة عشر عاماً‪ ،‬له سبعة مؤلفات هي‪:‬‬
‫موسوعة العلوم الفلسفية‪ ،‬منطق وفلسفة الطبيعة‪ ،‬فلسفة الجمال‪ ،‬تاريخ الفلسفة‪ ،‬دروس في فلسفة الدين‪ ،‬مبادئ‬
‫فلسفة الفقه‪ ،‬فينومولوجيا الذهن ؛ والذي يتعرض فيه للظواهر الذهنية وآثارها في حياة اإلنسان‪ .‬للتفصيل راجع حياة‬
‫هيجل للدكتور عبد الرحمن البدوي‪.‬‬

‫‪153‬‬

‫زاوية واحدة ال من زوايا مختلفة‪.‬‬
‫والشخص الذي يكتب فلسفة التاريخ‪ ،‬ال يمكن أن يعتمد على مثل‬
‫هذه األفكار التي تخالف الفطرة البشرية‪.‬‬
‫أن الفطرة والعقل هي أساس الحركات االجتماعية‪،‬‬
‫نعم‪ ،‬من الصحيح ّ‬

‫فالصحة تكون منهما‪ ،‬والزيف يكون بالزيغ عنهما‪.‬‬

‫أما ما ال‬
‫ومن الواضح أن الزيف إنّما يكون زيفًا عن ش���يء صحيح‪ّ .‬‬

‫زيف‪.‬‬
‫صحيح له‪ ،‬فال يعقل أن يكون فيه ٌ‬

‫المزيف؛ فإنّ���ه إذا لـم يكن دينارًا صحيحًا‪،‬‬
‫مث���ال ذلك مثل الدينار ّ‬

‫الحق حّتى يكون له‬
‫مزيفًا‪ّ ،‬‬
‫فإن الباطل يظهر نفس���ه بمظهر ّ‬
‫ل���م يكن دينارًا ّ‬
‫حق في ناحية من نواحي الحياة‪ ،‬لم يكن هنالك‬
‫سوق‪ ،‬وإذا لم يكن هنالك ٌّ‬
‫باطل‪.‬‬
‫‪154‬‬

‫مث�ل�ا آخر‪ :‬الجبان يُظهر نفس���ه بمظهر الش���جاع‪ ،‬والش���جاع كائن‬

‫خارجًا‪ ،‬والبخيل يظهر نفس���ه بمظهر الكريم‪ ،‬وإذا لم يكن كريم لم يكن‬
‫المزيفة والقوانين الفاس���دة تظهر‬
‫هنالك بخيل بهذا المعنى‪ ،‬وهكذا األديان ّ‬

‫نفسها بمظهر األديان الصحيحة والقوانين المستقيمة‪.‬‬

‫وهناك بعض الش���واهد التاريخية التي تدل���ل على ذلك‪ ،‬يقول أحد‬
‫الرواة‪ :‬رأيت ش���مرًا قاتل الحسين(ع) في مسجد الكوفة يصلّي جماعة قبل‬
‫أني‬
‫فلما أكمل صالته رفـع يدي���ه وقال‪ :‬يا ّ‬
‫ظه���ور المختار ّ‬
‫رب‪ ،‬إنّك تعلم ّ‬
‫شريف!‪ ،‬فقلت له‪ :‬ويلك قتلت الحسين‪ ،‬وسبيت أهله‪ ،‬وحرقت خيامه‪،‬‬
‫ومع ذلك أنت شريف‪ ،‬قال‪ :‬كنت مأمورًا‪ ،‬والمأمور معذور‪.‬‬
‫وحّتى شمر بن ذي الجوش���ن بهذه الجرائم‪ ،‬يحاول أن يتظاهر بأنه‬

‫شريف‪ ،‬لوجود بعض الشرفاء في المجتمع‪.‬‬

‫ومثله قال عمر بن س���عد حيث لم يسلّم عليه بُرير‪ ،‬قال يا بُرير‪ ،‬لم‬

‫علي‪ ،‬أ ِزعمت أنّي لست بمسلم؟‪.‬‬
‫ال تسلّم ّ‬

‫قال له بُرير‪ :‬ويلك‪ ،‬تفعل هذه األفاعيل ثم تزعم أنك مسلم‪.‬‬

‫فإن‬
‫فإذا لم يكن هناك مسلم‪ ،‬ما كان عمر بن سعد يزعم أنّه مسلم‪ّ ،‬‬

‫يروج نفسه باسم المتاع الصحيح‪.‬‬
‫المتاع‬
‫المزيف إنّما ّ‬
‫ّ‬

‫ويدون ما يحصل من‬
‫والحاصل‪ّ :‬‬
‫أن من يريد البحث في فلسفة التاريخ ّ‬

‫نتائج بكتابة‪ ،‬أو مقالة‪ ،‬فالمفترض أن يراعي الجانبين الشخصي والمجتمع‪،‬‬
‫فبدون هذه النظرة ال ّ‬
‫يتمكن أن يصل إلى رؤية صحيحة للتاريخ‪.‬‬

‫‪155‬‬

‫األنبياء صناع التاريخ‬

‫مس�ألة‪ :‬من الضروري أن تستقيم نظرة اإلنسان للتاريخ والحياة‪ ،‬بأن‬
‫واألئمة‪ ،‬واألوصياء(ع)‪ ،‬المرتبطين بالسماء‪ ،‬الذين يربطون‬
‫يعتبر األنبياء‪،‬‬
‫ّ‬

‫ويبشرون الناس بالحياة السعيدة؛ هم صّناع التاريخ‪،‬‬
‫الحياة بعضها ببعض‪ّ ،‬‬
‫فهم فخر البش���رية؛ ألنّهم َهدوا البش���رية لطريق الحياة الس���عيدة؛ وألنّهم‬

‫الماديين بالحياة‬
‫ه���م الذين أعطوا‬
‫المادة ّ‬
‫ّ‬
‫وحق الروح‪ .‬وعدم اعت���راف ّ‬
‫ح���ق ّ‬

‫الباقية وبالروح ال ينقص األمر قيمته الواقعية‪ .‬مثل اإلنس���ان األعمى الذي ال‬
‫‪156‬‬

‫األصم الذي ال يعترف باألصوات‪ ،‬ولذا قال اهلل‬
‫يعترف بالمناظر‪ ،‬واإلنس���ان‬
‫ّ‬

‫اآلخ َرِة بَ ْل ُه ْم ِفي َش ٍّك م ْن َها بَ ْل ُه ْم‬
‫ْم ُه ْم ِفي ِ‬
‫س���بحانه وتعالى‪{ :‬بَ ِل َّاد َ‬
‫ار َك ِعل ُ‬
‫عبر‬
‫م ْن َها َع ُمو َن}‪ ،‬فاألعمى أحيانًا ّ‬
‫يشك باآلخرة وينتهي إلى العدم الذي ّ‬

‫اآلخ َرِة}‪ ،‬وهؤالء‬
‫ْم ُه ْم ِفي ِ‬
‫���ل َّاد َ‬
‫اهلل عنه بقوله س���بحانه وتعالى‪{ :‬بَ ِ‬
‫ار َك ِعل ُ‬
‫عندهم فلسفة واحدة للتاريخ؛ على ما ذكرناه سابقًا‪.‬‬

‫الماديون وحركة التاريخ‬
‫ّ‬

‫والماديون ينقسمون في آرائهم إلى نظريتين‪:‬‬
‫ّ‬

‫النظري���ة األولى‪ :‬النظرية الهيجلية‪ ،‬وتق���وم على وجود فكرة هي‬
‫س���ر هذا العالم‪ ،‬فالفكر المطلق المتعالي الح���ر‪ ،‬ينبع من الخالق‪ ،‬وينال‬
‫ّ‬

‫ماديًا‪،‬‬
‫هويته‪ ،‬ومش���روعيته‪ ،‬ومحدوديته‪ ،‬وال ينافي ذلك كونه ّ‬
‫في الخارج ّ‬
‫ سورة النمل‪ :‬اآلية ‪.66‬‬
‫ سورة النمل‪ :‬اآلية ‪.66‬‬
‫ نسبة إلى الفيلسوف األلماني جورج ولهام فردريك المشهور ب‍هيجل‪.‬‬

‫وبمجرد أن‬
‫ماديًا‪ ،‬فهذا العالم عندهم هو ذهن اهلل‪،‬‬
‫ألنّهم يعتبرون اإلله أيضًا ّ‬
‫ّ‬

‫تتحق���ق هذه الفكرة في الخارج‪ ،‬وتنفصل عن صاحبها فإنّها تبتلى بالفراق‬

‫والغرب���ة عن الذّات‪ ،‬وهي في حالة مس���تمرة للتغلّب على هذا االنفصال‪،‬‬
‫قصة الناي‬
‫والع���ودة من جديد لالرتباط بأصله���ا‪ ،‬وعلى هذا‪ ،‬فالتاريخ هو ّ‬

‫الذي ينوح باستمرار‪ ،‬والذي أشار إليه المثنوي‪:‬‬
‫أس���م���ع م���ن ال���ن���اي وه����و ي��ح��ك��ي احلكايات‬

‫وه������و ي���ش���ت���ك���ي م�����ن أل���������وان الفراق‬
‫فحركة التاريخ عندهم تجلّي���ات متعاقبة ومتتالية للفكرة المتعالية‪،‬‬
‫وف���ك األغالل عن‬
‫لف���ك القيود عن قدميها‪،‬‬
‫التي هي في نش���اط مس���تمر‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫عنقها وأيديها‪ ،‬وهي تبحث عن يوم الوصال ورجوع اإلنس���ان إلى معدنه‪،‬‬
‫ويمثلون لذلك بانفصال قطرات البحر عن البحر بارتفاعها نحو الس���ماء في‬
‫دوري‪ .‬فجوهر‬
‫ثم إنّها تحاول الرجوع إلى البحر‪ ،‬فاألمر إذًا‬
‫ٌّ‬
‫عملي���ة تبخير ّ‬

‫الحرية وتحطيم القيود‪،‬‬
‫الفكرة المتعالية عند هؤالء تركيبية‪ ،‬وأساسها هي ّ‬
‫إّ‬
‫وللتحرر من هذا القيد والعودة إلى‬
‫قيدها‪،‬‬
‫ال ّ‬
‫أن دخولها إلى أجواء العالم‪ّ ،‬‬
‫ّ‬

‫السجينة‪ .‬فالفكرة‬
‫الراسخ للفكرة المجهولة ّ‬
‫الحرية؛ تحتاج إلى العزم ّ‬
‫عالم ّ‬

‫فتذب عـن نفسها درجـة مـن‬
‫المتعالية؛ تعيش حالة صراع‬
‫مستمر مع ذاتها‪ّ ،‬‬
‫ّ‬

‫التحرر النهائـي‪ .‬فالحـوادث‬
‫الغرب���ة عـن الذات لتقترب خطـوة خطـوة نحـو‬
‫ّ‬

‫س���ـواء كانـت فِـراقًا أو وصـاالً‪ ،‬بُعـدًا أو قـربـًا‪ ،‬اشتياقـًا أو هجرانًا‪ّ ،‬‬
‫تشكل‬

‫مهد الحركة التاريخية العالمية‪.‬‬

‫‬
‫المادة أس���اس العالم‬
‫والنظرية الثانية‪ :‬النظرية الماركس���ية ‪ ،‬وتعتبر ّ‬

‫إن هرم التفكير‬
‫وليست الفكرة كما تقول النظرية األولى‪ ،‬ولذا قال ماركس‪ّ :‬‬
‫ بشنو از ني جون حكايت ميكند واز جدائيها شكايت ميكند‬
‫ نسبة إلى كارل ماركس‪ ،‬مؤسس العقيدة الماركسية‪ ،‬التي تحددت في البيان الشيوعي‪  ‬الذي كتبه ماركس‪ ،‬وفريد ريك‬
‫إنجلس في بروكسل‪ ،‬وأصدرا معاً كذلك كتاب‪ :‬العائلة المقدسة‪ ،‬وبمساعدة األخير‪ ،‬أصدر ماركس الكثير من النظريات‬
‫الشيوعية واالشتراكية‪.‬‬

‫‪157‬‬

‫الهيجلي كان مقلوبًا حيث كان واقفًا على رأسه فأجلسته أنا على قاعدته‪،‬‬
‫فالمادة هي التي تنتج الفكر‪،‬‬
‫كل شيء وليس الفكر‪،‬‬
‫المادة هي ّ‬
‫بمعنى ّ‬
‫ّ‬
‫أن ّ‬
‫ومحرك الحرك���ة التاريخية‬
‫المادة كما يق���ول هيجل‪،‬‬
‫ولي���س الفك���ر ينتج ّ‬
‫ّ‬

‫للتحرر‬
‫العامة للتاريخ عند ماركس ليس هو عشق الفكرة المطلقة‬
‫والفلسفة ّ‬
‫ّ‬
‫من الفراق‪ ،‬وإنّما هو نمو وسائل اإلنتاج ونجاح الطبقة الجديدة الناشئة مع‬

‫متنوعة‬
‫الطبقة القديمة‪ ،‬وهو ال يرى مس���يرة التاريخ بعن���وان أنّها تجلِّيات ّ‬
‫ومتعاقب���ة للفكرة المطلّقة تح���ت غطاء األمم والناس‪ ،‬وإنّم���ا اعتقاده أنّها‬

‫مراحل مختلفة لنمو وسائل اإلنتاج واألبنية الفوقية المترّتبة عليها والمناسبة‬
‫لها‪ .‬وعلى أس���اس هذه الفكرة‪ ،‬يؤمن ماركس بمرحلة االشتراكية البدائية‪،‬‬
‫ثم مرحلة‬
‫ثم مرحلة الرأس���مالية‪ّ ،‬‬
‫ثم مرحلة اإلقطاع‪ّ ،‬‬
‫ثم مرحلة العبودية‪ّ ،‬‬
‫ّ‬

‫فكل مرحلة من هذه المراحل تس���ود‬
‫االش���تراكية المنتهية إلى الش���يوعية‪ّ ،‬‬
‫‪158‬‬

‫وتعم مقطعًا زمنيًا معينًا‪ ،‬يتناس���ب مع مستوى نضج ونمو وسائل اإلنتاج‪،‬‬
‫التحرر من الطبقات االقتصادية‪ .‬وقد أش���رنا‬
‫بأن هدفه هو‬
‫فمارك���س‬
‫يصرح ّ‬
‫ّ‬
‫ِّ‬
‫إلى مثل ذلك وإلى نقده في جملة من كتبنا االقتصادية‪ ،‬وقد تنبأنا بسقوط‬

‫‬
‫أوالً‪ ،‬وقس���رية‬
‫الماركس���ية قبل س���قوطها بع ّدة س���نوات ؛ ألنّها منحرفة ّ‬

‫فإن الحياة بنيت‬
‫أن االنحراف ال يالئم الحياة‪ّ ،‬‬
‫ثانيًا‪ ،‬والقس���ر ال يدوم كما ّ‬

‫{إ َّن ربي َع َلى ِصر ٍ‬
‫اط‬
‫على‬
‫ّ‬
‫الصحة واالس���تقامة‪ ،‬كما قال س���بحانه وتعالى‪ِّ َ ِ :‬‬
‫َ‬
‫أن اهلل‬
‫أن اهلل جسم على صراط مستقيم بل معناه ّ‬
‫قيم}‪ ،‬وليس معناه ّ‬
‫ُم ْستَ ٍ‬
‫كل شيء على نحو االستقامة‪ ،‬ولذا ورد في الحديث‪:‬‬
‫سبحانه وتعالى جعل ّ‬

‫(بالعدل قامت السماوات واألرض) ‪.‬‬
‫ راجع موسوعة الفقه‪ :‬ج ‪107‬و‪ 108‬كتاب االقتصاد وكتاب االقتصاد بين المشاكل والحلول وكتاب ماركس ينهزم لإلمام‬
‫المؤلف‪.‬‬
‫ ماركس ينهزم‪ ،‬وقد طبع سنة ‪1410‬ه‍ ‪1990‬م‍‪ ،‬وكان تنبؤ اإلمام المؤلف بسقوطها قبل عشر سنوات من تحقق ذلك‪،‬‬
‫والجدير بالذكر أنه حد ّد زمانها بعشر سنوات وبالفعل حصل ذلك التنبؤ‪.‬‬
‫ سورة هود‪ :‬اآلية ‪.56‬‬
‫ غوالي الآللي‪ :‬ج‪ 4‬ص‪ 102‬ح‪.151‬‬

‫تكاملية حركة التأريخ‬
‫والنظريتان اللتان ذكرناهما‪ ،‬وإن كانت إحداهما مثالية‪ ،‬واألخرى‬
‫مادية‪ ،‬لكن كلتيهما منحرفتان عن الواقع‪ ،‬وإن كانتا تشتركان في أمور‪:‬‬
‫ّ‬

‫‪ .1‬أنّهما تعدان حركة التاريخ معلولة للتضاد الداخلي في أعماق التاريخ‬

‫تتصوران‬
‫نفس���ه‪ ،‬وليس���ت معلولة بعامل‪ ،‬أو عوامل خارجية عنه‪ ،‬فإنّهما‬
‫ّ‬

‫قس���رية ميكانيكية‪ ،‬وقد‬
‫جدلية ديالكتيكية‪ ،‬وليس���ت‬
‫حركة التاريخ حركة‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫ذكرن���ا في بعض كتبنا بطالن الحركة الجدلية الديالكتيكية‪ ،‬وإنّما الصحيح‬

‫هو المنطق الذي يقوم عليه اإلسالم‪ ،‬وقبل ذلك قام عليه العقل‪.‬‬

‫‪ .2‬وأنّهما ال تنس���بان دورًا إلرادة اإلنسان في مجال التأثير على إرادة‬

‫التاريخ‪ ،‬وعزمه‪ ،‬وحركته‪ ،‬ومبدئه‪ ،‬ومسيره‪ ،‬فإنّهما ال تعدان الناس قادرين‬
‫تصرحان بكون هذه‬
‫على إلغاء‪ ،‬أو تغيير جه���ة الحركة التاريخية‪ ،‬وإنّهما ّ‬

‫التأخر‪.‬‬
‫تكاملية‪ ،‬وليست‬
‫مية‪،‬‬
‫رجعية داعية إلى ّ‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫الحركة تق ّد ّ‬

‫اهتم���وا بالحروب والمعاهدات‪،‬‬
‫إن بعض‬
‫يق���ول فولتير‪ّ :‬‬
‫ّ‬
‫المؤرخين ّ‬

‫ولكّن���ي بعد ّ‬
‫االط�ل�اع على ثالثة أو أربع���ة آالف معركة‪ ،‬وبضع مئات من‬
‫أتعرف إ ّ‬
‫ال على‬
‫المعاهدات‪ ،‬لم أجد نفسي أكثر حكمة من قبلها؛ حيث لم ّ‬

‫وأي حكمة تكتسب من العلم بسيادة‬
‫مجرد حوادث ال‬
‫ّ‬
‫تستحق عناء المعرفة‪ّ ،‬‬
‫ّ‬

‫حاك���م طاغية على ش���عب بريء ال‪ ‬هم له إ ّ‬
‫إن مجال‬
‫ويدمر؟!‪ّ .‬‬
‫ال أن يغ���زو ّ‬

‫أهم من ذلك‪ ،‬ليتتبع سير العقل البشري في‬
‫التاريخ يجب أن يّتسع لما هو ّ‬
‫الفلس���فة‪ ،‬والبالغة‪ ،‬وفي الشعر‪ ،‬والنقد وفي التصوير‪ ،‬والنحت والرسم‪،‬‬

‫وكل ما يُم ِّثل شخصية الشعب‪،‬‬
‫وحّتى في النس���يج‪ ،‬وصناعة الس���اعات‪ّ ،‬‬
‫إن‬
‫إنّه���ا أج���در اهتمامًا من معرفة جزئية بأخبار المل���وك‪ ،‬وحوادث البالد‪ّ .‬‬

‫التقدم الحقيقي لإلنسانية ليس في قادتها العسكريين‪ ،‬ولكن في فالسفتها‪،‬‬
‫ّ‬
‫أي هؤالء الرجال أعظم‪ ،‬اإلسكندر‪ ،‬أم‬
‫وعلمائها‪ ،‬وش���عرائها‪ ،‬وإن سألت ّ‬

‫ النظرية الهيجلية والنظرية الماركسية‪.‬‬

‫‪159‬‬

‫أن إس���حاق نيوتن هو‬
‫قيصر‪ ،‬أم تيمورلنك‪ ،‬أم كرومويل ؟ ألجابوك ّ‬

‫ألن العظمة الح ّقة هـ���ي التي تتجلّى فـي‬
‫أعظمه���م جميعًا بال ش���ك! ذلك ّ‬
‫العبقرية التي تجود بها السماء إلنسان مـا‪ ،‬فتمهد الطريق له ولغيره من أبناء‬

‫ال مثل نيوتن الذي ال يجود الزمان بمثله إ ّ‬
‫ال في‬
‫فإن رج ً‬
‫ثم ّ‬
‫المجتم���ع‪ .‬ومن ّ‬
‫مرة واحدة‪ ،‬أصبح عظيمًا بخدماته التي ق ّدمها للبشرية‪،‬‬
‫ّ‬
‫كل عش���رة قرون ّ‬
‫والقواد العسكريون‪ ،‬فال يكاد يخلو‬
‫أما هؤالء الساسة‪،‬‬
‫س���ر عبقريته‪ّ .‬‬
‫ّ‬
‫وهي ّ‬
‫منهم قرن بل ليس���وا في الحقيقة إ ّ‬
‫ثم نجد أنفسنا ملزمين‬
‫ال أش���رارًا‪ ،‬ومن ّ‬

‫فس���ر الك���ون‪ ،‬ال أولئك الذين‬
‫أن نحن���ي رؤوس���نا إجال ً‬
‫ال إلى ذلك الذي ّ‬
‫يشوهونه‪.‬‬
‫ّ‬

‫أق�ول‪ :‬ول�ذا ق�ال رس�ول اهلل (ص)‪:‬‬
‫(أش�جع الناس من غلب هواه) ؛ هذا‬

‫‪160‬‬

‫إن من‬
‫بالنس�بة إلى اإلنسان نفسه‪ ،‬حيث ّ‬
‫يك�ون تح�ت تأثير اله�وى ال قيم�ة له‪،‬‬
‫س�ن‬
‫وقال الرس�ول األكرم (ص)‪( :‬من ّ‬

‫س�ّنة حس�نة فله أجرها وأجر م�ن َعمل‬
‫به�ا إلى ي�وم القيام�ة من غي�ر أن يمحق‬

‫س�ن س�ّنة‬
‫من أجورهم ش�يء‪ّ ،‬‬
‫وإن من ّ‬
‫س�يئة فله وزرها ووزر َم�ن َع ِم َل بها إلى‬
‫ّ‬

‫ تيمورلنك أحد أحفاد جنكيز خان‪ ،‬ولد في سمرقند سنة ‪737‬ه‍ ‪1336‬م‪ ،‬ومات سنة ‪807‬ه‍ ‪1405‬م‪ ،‬ولقب ب‍لنك وهي‬
‫كلمة فارسية بمعنى األعرج ؛ ألنه أصيب بسهم في ساقه‪ ،‬عرف بقسوته وبطشه وظلمه‪ ،‬اعتلى العرش واتخذ سمرقند‬
‫عاصمة له‪ ،‬وفتح بالد فارس وسوريا ومصر‪ ،‬وامتد سلطانه من األناضول غرباً إلى نهر الكنج شرقاً وإلى ما يعرف‬
‫بتركستان الصينية شما ًال بما فيه خوارزم وكشفر‪ ،‬دخل في صراع مع العثمانيين في عهدبايزيد الثاني في معركة أنقرة‬
‫سنة ‪804‬ه‍ ‪1402‬م‪ ،‬وانتصر عليهم‪ ،‬ومات تيمور وهو يستعد إلكمال احتالل الصين‪.‬‬
‫ أوليفر كرومويل‪ ،‬ولد سنة ‪1007‬ه‍ ‪1599‬م‪ ،‬ومات سنة ‪1069‬ه‍ ‪1658‬م‪ ،‬سياسي إنجليزي وعضو برلماني‪ ،‬تزعم حركة‬
‫المعارضة للملك شارلس األول وحكم عليه باإلعدام سنة ‪1059‬ه‍ ‪1649‬م‪ ،‬تولّى الحكم سنة ‪1063‬ه‍ ‪1653‬م‪.‬‬
‫ ولد سنة ‪1643‬م‪ ،‬وتوفي سنة ‪1727‬م‪ ،‬عالم إنجليزي في الرياضيات والفيزياء والفلك والفلسفة والطبيعة‪ ،‬اكتشف مبدأ‬
‫الجاذبية العام بتحليل النور‪ ،‬واكتشف قوانين الحركة واخترع التلسكوب العاكس‪ ،‬وله نظرية التفاضل والتكامل‪ ،‬من‬
‫مؤلفاته‪ :‬علم البصريات‪ ،‬قوانين الحركة‪ ،‬المبادئ الرياضية للفلسفة الطبيعية‪.‬‬
‫ من ال يحضره الفقيه‪ :‬ج‪ 4‬ص‪ 395‬ب‪ 2‬ح‪ ،5840‬بحار األنوار‪ :‬ج‪ 70‬ص‪ 76‬ب ‪46‬ح‪.5‬‬

‫ي�وم القيامة من غير أن ينقص من أوزاره‬
‫ش�يء)‪ ،‬فالمعيار؛ إنس�انية اإلنس�ان‬
‫أو ً‬
‫ث�م خدمت�ه للمجتم�ع وتقديم�ه‬
‫ّ‬
‫ال‪ّ ،‬‬

‫لألمام ثانيًا‪.‬‬

‫وهنا س���ؤال يُطرح علين���ا‪ :‬هل يثاب ويؤجر العظم���اء حّتى لو كانوا‬

‫كافرين؟ وهل من المعقول أ ّ‬
‫أناس‬
‫ال يثاب من نفع الناس بعلمه‪ ،‬بينما هناك ٌ‬
‫كل ما عندهم‬
‫يثابون في اآلخرة بالرغم من أنّهم لم يق ّدموا شيئًا للبشرية بل ّ‬

‫ال يتجاوز الصالة‪ ،‬والصيام‪ ،‬والحج‪.‬‬

‫فإن ذلك المؤمن العامي إذا َعمِل هلل سبحانه وتعالى‬
‫والجواب واضح‪ّ :‬‬

‫اهلل‪ ،‬أما إذا بنى إنس���ان قصرًا ش���امخًا‪ ،‬ولم يفعل ذلك ألجل‬
‫فله أجر عند‬
‫ّ‬
‫حق له في‪ ‬أن يأخ���ذ أجره من اهلل‪ ،‬مثال ذلك مثال إنس���ان يأتي‬
‫اهلل‪ ،‬ف�ل�ا ّ‬

‫فإن أجر هذا الكّناس‬
‫بكّناس في بيته ليكنس بيته‪ ‬بما قيمته عش���رة فلوس‪ّ ،‬‬

‫على ذلك اآلمر بكنس بيته‪ ،‬بينما إذا‪ ‬ش���اهد عند جيرانه إنسانًا يبني قصرًا‬
‫ش���امخًا قيمته مليارات من‪ ‬ال���دوالرات‪ ،‬فإنّه ليس أجر ذلك البّناء على هذا‬

‫أما أش���خاص من أمثال أديسون ؛ فمن‬
‫اإلنس���ان الذي ال يرتبط البناء‪ ‬به‪ّ ،‬‬

‫كان عمله هلل س���بحانه وتعالى‪،‬‬
‫ال لهوى‬
‫أما إذا كان عام ً‬
‫ّ‬
‫فاهلل‪ ‬يؤجره أيضًا‪ّ ،‬‬

‫نفس���ه‪ ،‬أو لشهرته‪ ،‬أو لزيادة ماله‪ ،‬فال أجر له عند اهلل سبحانه وتعالى في‬

‫يع َع َم َل َعاِم ٍل‬
‫اآلخرة‪ ،‬وإنما يأخذ أجره في الدنيا‪ ،‬قال تعالى‪{ :‬أَنّي الَ أُ ِض ُ‬

‫ُ‬
‫أن حاتمًا ال يُحرق في‬
‫���م ِم ْن َذكَ���ٍر أَ ْو أُْنثَى}‪ ،‬لذا ورد في الحديث ّ‬
‫منك ْ‬

‫يحبها اهلل س���بحانه وتعالى‪ ،‬وإن مات‬
‫النار؛ ألنّه كان كريمًا‪ ،‬والكرم صفة ّ‬
‫ الكافي فروع‪ :‬ج‪ 5‬ص‪ 9‬ح‪ ،1‬تهذيب األحكام‪ :‬ج‪ 6‬ص‪ 124‬ب‪ 22‬ح‪ 155‬بالمعنى‪.‬‬
‫ توما أديسون‪ ،‬ولد سنة ‪1847‬م‪ ،‬وتوفي سنة ‪1931‬م‪ ،‬عالم فيزيائي إمريكي‪ ،‬مخترع اآلالت الكهربائية ومنها المصباح‬
‫الكهربائي‪ ،‬وقد سجل له مئتا اختراع‪.‬‬
‫ سورة آل عمران‪ :‬اآلية ‪.195‬‬
‫ حاتم بن عبد اهلل بن سعد بن الحشرج بن امرؤ القيس بن عدي‪ ،‬شاعر جاهلي‪ ،‬اشتهر بشجاعته وسخائه وكرمه وضرب‬
‫به المثل‪ ،‬له ديوان شعري‪ ،‬توفي سنة ‪605‬م‪ ،‬وقيل‪607 :‬م‪.‬‬

‫‪161‬‬

‫أن كس���رى ال‪ ‬يحتـرق ف���ي النار؛ ألنّـه كـان عـادالً‪،‬‬
‫كافرًا‪ ،‬وكـذلك ورد ّ‬
‫وإن لـم يكـن عدلـه هلل س���بحانه وتعالى‪ ،‬وهكذا بالنسبة إلى أبي لهب ؛‬

‫حيث أعتق عبده بش���ارة بوالدة رسول اهلل (ص) فإنّه في مثل ذلك اليوم من‬
‫كل س���نة يخفّف عنه العذاب‪ ،‬وهك���ذا ورد في راحي اليهودي بندارـ الذي‬
‫ّ‬

‫يحب عليًا(ع)‪ ،‬إلى غير ذلك من األمثلة‬
‫لم يس���لم حّتى مات؛ ألنّه كان ّ‬

‫الشخصية‪.‬‬
‫الكثيرة على نحو الكلّية‪ ،‬أو على نحو الجزئية‬
‫ّ‬

‫هذا ُّ‬
‫كله إضاف���ة إلى أن الجاهل منهم بالحقيقة يعاد امتحانه إن كان‬

‫وإن عاند فله ما أراد‪.‬‬
‫فإن نجح فإلى الجّنة‪ْ ،‬‬
‫قاصرًا يوم القيامة‪ْ ،‬‬

‫أن التاريخ يصنعه اإلنس���ان‪ ،‬وأعلى مراتبه هم األنبياء‪،‬‬
‫والحاص���ل‪ّ :‬‬

‫الذين جعلوا من التاريخ حضارة‪ ،‬وسموًا‪ ،‬عبر القيم اإللهية التي حملوها‪،‬‬
‫فنش���روا األخالق‪ ،‬والفضيل���ة‪ ،‬والحرية‪ ،‬وعبر هذا كت���ب التاريخ النقي‪.‬‬
‫‪162‬‬

‫والتاريخ األسود كتبه الطغاة‪ ،‬والمستب ّدون‪ ،‬الذين نشروا الفساد‪ ،‬والرذيلة‪،‬‬

‫واالستعباد‪ ،‬والدمار‪.‬‬

‫مونتسكيو وفلسفة الحضارة‬
‫ومن هذا المنطلق بالذات بحث مونتسكيو فلسفة الحضارة في العصر‬
‫الحديث‪ ،‬وذلك فيما عرضه في كتابه روح القوانين‪ ،‬فقد عرض مونتسكيو‬
‫قسم أنظمة الحكم‬
‫العوامل التي ّ‬
‫تحدد نظام الحكم في مجتمع ما‪ ،‬بعد أن ّ‬

‫إلى اس���تبدادية‪ ،‬وأرس���تقراطية‪ ،‬وديمقراطية‪ .‬وقد حمل مونتس���كيو حمل ًة‬

‫ كسرى األول‪ :‬ويعرف ب‍خسرو أنو شيروان‪ ،‬من ملوك الساسانيين‪ ،‬حكم من سنة ‪531‬م إلى ‪579‬م‪ ،‬حارب يوستينيانس‬
‫واحتل أنطاكيا والذق‪ ،‬أجبر على عقد هدنة مع البيزنطينيين سنة ‪555‬م‪ ،‬استولى على اليمن سنة ‪570‬م‪ ،‬امتدت‬
‫إمبراطوريته حتى البحر األسود وجبال القوقاز‪ ،‬اشتهر بعدله‪ ،‬أهم مشاريعه‪ :‬مسح األراضي وإصالح نظام الضرائب‪،‬‬
‫توفي سنة ‪579‬م‪ .‬راجع موسوعة المورد‪ :‬ج‪ 6‬ص ‪ ،51‬المنجد في األعالم‪ :‬ص‪.589 588‬‬
‫ عبد العزى بن عبد المطلب‪ ،‬عم الرسول األكرمص‪ ،‬كان هو وامرأته أشد الكفار بغضاً وكراهية للرسولص‪ ،‬نزلت‬
‫بحقهما سورة المسد‪ ،‬ومن شدة عدائه للرسول األكرمص ‪ ‬؛ عندما كان الرسولص يعرض دعوته في المواسم على‬
‫قبائل العرب‪ ،‬كان أبو لهب يسير خلفه‪ ‬؛ ليصد الناس عنه وكان يقول‪ :‬إن هذا ابن أخي وهو ك ّذاب فاحذروه ؛ كما ذكر‬
‫ابن هشام في سيرته واليعقوبي في تاريخه‪ ،‬توفي سنة ‪2‬ه‍ بعد واقعة بدر بأيام‪.‬‬
‫ راجع زبدة المنهاج‪ :‬ص ‪ ،293‬وأسرار الشهادة‪ :‬ص ‪ ،419‬طبعة قديمة‪.‬‬

‫تجردت عن‬
‫ش���عواء على الحكومات االس���تبدادية‪ ،‬واعتبرها حكومات قد ّ‬
‫الش���رف‪ ،‬والفضيلة‪ ،‬ولم تكن حملته على ّ‬
‫الحكام فحس���ب‪ ،‬وإنّما على‬

‫كل‬
‫الحاش���ية والبطانة‪ ،‬ولذلك يق���ول تتألّف أخالق معظ���م البطانات في ّ‬

‫زمان ومكان من الطموح في كنف البطالة‪ ،‬والضعة‪ ‬المتسّترة وراء الكبرياء‪،‬‬

‫والرغبة في الث���راء دون عناء‪ ،‬والتملّق‪ ،‬والخيانة في الطباع‪ ،‬والمؤامرات‪،‬‬
‫والتخلّ���ي عن الوع���ود‪ ،‬وازدراء واجبات المواطن‪ ،‬والف���زع إن كان األمير‬
‫ال يتمّنى أن يكون ضعيفًا مع االس���تهزاء الدائم من الفضيلة ومعتنقيها‪.‬‬
‫فاض ً‬

‫أن أكثر أكابر الدولة فاقد األمانة‪ ،‬بينما أصاغرها هم‬
‫إنّ���ه من المزعج ح ّق���ًا ّ‬
‫أهل الصالح‪ .‬وقد اس���تغرق كتاب مونتسكيو روح القوانين ‪ 14‬عامًا‪ ،‬وحذّره‬

‫أصر على نش���ره‪ ،‬وقد وضع في القائمة‬
‫أصدقاؤه من نش���ر الكتاب‪ ،‬ولكّنه ّ‬

‫أصر على نش���ره‪ ،‬فظهر في سنة ‪1163‬ه‍‪ ،‬وطبع عشرين‬
‫الس���وداء‪ ،‬ولكّنه ّ‬
‫يدرس‬
‫طبعة في عامين‪ .‬وانتش���رت آراؤه في معظم بالد العالم‪ ،‬وأخذ كتابه ّ‬

‫وطبقت أفكاره في كثير من بالد العالم ‪.‬‬
‫في المدارس‪ ،‬والجامعات‪ِّ ،‬‬

‫إن أفكار الديمقراطية‪ ،‬والحرية‪،‬‬
‫أقول‪ّ :‬‬

‫والتعددي�ة‪ ،‬التي طرحها مونتس�كيو في‬
‫كتابه لمعالجة الفس�اد‪ ،‬واالستبداد‪ ،‬لم‬
‫تكن جديدة‪ ،‬فقد طرحها اإلسلام قبله‬
‫بقرون‪.‬‬
‫ففكرة التع ّددية الحزبية‪ ،‬عمل بها اإلس�ل�ام من قبل‪ ،‬فقد قال رسول‬

‫‬
‫يقس���م‬
‫اهلل (ص)‪( :‬أن���ا م���ع الحزب ال���ذي فيه ابن األدرع) ‪ ،‬و نراه (ص) ّ‬

‫المس���لمين‪ ‬إلى مهاجرين وأنصارًا‪ ،‬وال يخفى أنّهما من ألف اإلس�ل�ام إلى‬

‫ ‪1750‬م‪.‬‬
‫وباألخص فكرة فصل السلطات‪ .‬ومن المحتمل أنه أخذ آراءه من اإلسالم‪ ،‬ألن اإلسالم سبقه في الكثير من آرائه‪،‬‬
‫‬
‫ّ‬
‫قصة اإلمام علي ع‪ ،‬وخصومته مع اليهودي‪ ،‬وجلوسه إلى جانبه أمام قاضيه ُشريح‪ ،‬دلي ٌل على أخذ اإلسالم بمبدأ‬
‫ففي ّ‬
‫فصل السلطات‪.‬‬
‫ غوالي الآللي‪ :‬ج‪ 3‬ص‪ 266‬باب السبق والرماية‪ ،‬وفيه أنا في الحزب الذي فيه ابن األدرع‪.‬‬

‫‪163‬‬

‫قسمهم الرسول األكرم (ص) إلى قسمين‬
‫يائه‪ ،‬كان لهما ٌ‬
‫حكم واحد‪ ،‬وإنّما ّ‬

‫المطهرة‪ ،‬حّتى يكون أحدهما‬
‫كما في القرآن الحكيم‪ ،‬والروايات‪ ،‬والسيرة‬
‫ّ‬

‫{وفي ذ َ‬
‫َس‬
‫منافس���ًا لآلخر‪ ،‬ولقد قال القرآن الحكيم قب���ل ذلك‪َ :‬‬
‫َلك فَلْيَتَنَاف ِ‬
‫‬
‫‬
‫َاستَب ُقوا‬
‫{و َساِر ُعوا ِإلَى َم ْغِف َرٍة ْ‬
‫اْل ُمتَنَاِف ُسو َن} ‪،‬وقال‪َ :‬‬
‫من َربّ ُك ْم} ‪ ،‬وقال‪{ :‬ف ْ‬

‫ات} ‪.‬‬
‫اْل َخ ْي َر ِ‬

‫أن الرس���ول األكرم (ص) كان يلتجئ إلى هؤالء‬
‫وقد ورد في التاريخ ّ‬

‫وصيته األخيرة‪ ،‬لماّ قال أحد أصحابه‬
‫مرة حّتى إنّه ف���ي ّ‬
‫م���رة‪ ،‬وإلى‪ ‬هؤالء ّ‬
‫ّ‬

‫(إن الرجل‪ ‬ليهج���ر)‪ ،‬وكان���وا م���ن المهاجرين طرده���م وطلب األنصار‪.‬‬
‫ّ‬

‫العباس‪ ،‬وبني عثمان‪ ،‬جعلوا الحكم قيصرية‪،‬‬
‫أن‬
‫ولوال ّ‬
‫بني‪ ‬أمية‪ ،‬وبن���ي ّ‬
‫ّ‬
‫وكس���روية‪ ،‬ضاربين منه���ج الش���ورى‪ ،‬وغيره من مناهج اإلس�ل�ام عرض‬

‫الحائط؛ لكان المسلمون قد سادوا مشارق األرض ومغاربها في أقصر م ّدة‪،‬‬
‫‪164‬‬

‫‬
‫ثم قال سبحانه‬
‫بينما قال اهلل س���بحانه وتعالى‪َ :‬‬
‫{وأَ ْم ُر ُه ْم ُش َ‬
‫ورى بَْينَ ُه ْم} ‪ّ ،‬‬

‫األم ِر} ‪ ،‬إلى غير ذلك‪.‬‬
‫وتعالى‪َ :‬‬
‫{و َشا ِو ْر ُه ْم ِفي ْ‬
‫‬

‫وقد ع ّددت في بعض كتبي ‪ 18‬موضعًا‪ ،‬استش���ار فيه الرسول (ص)‪،‬‬

‫وغني عن المش���ورة‪ ،‬وأنّه العقل الكامل‪ ،‬ال‬
‫والح���ال أنه مّتصل بالوحي‪،‬‬
‫ٌ‬
‫مرس�ل�ا من قبل اهلل س���بحانه‬
‫نبيًا‬
‫ً‬
‫باعتقاد المس���لمين فحس���ب الذين يرونه ّ‬
‫وتعال���ى بل ب���رأي جماعة من الغربيين المس���يحيين وغيرهم أيضًا‪ ،‬الذين‬

‫إن أحد الغربيين في األزمنة الحاضرة‪ ،‬كتب‬
‫يعدونه من أفضل البشر‪ ،‬حّتى ّ‬
‫ّ‬

‫غيرت وجه العالم‪ ،‬فذكر في قائمة أولئك الرسول‬
‫كتابًا حول مائة شخصية ّ‬

‫األعظم (ص) ‪.‬‬

‫ سورة المطففين‪ :‬اآلية ‪.26‬‬
‫ سورة آل عمران‪ :‬اآلية ‪.133‬‬
‫ سورة البقرة‪ :‬اآلية ‪ ،148‬سورة المائدة‪ :‬اآلية ‪.48‬‬
‫ كشف الغمة‪ :‬ج‪ 1‬ص ‪ ،420‬كشف اليقين‪ :‬ص‪ 472‬المبحث السادس والثالثون‪.‬‬
‫ سورة الشورى‪ :‬اآلية ‪.38‬‬
‫ سورة آل عمران‪ :‬اآلية ‪.159‬‬
‫ اسم الكتاب هو الخالدون المائة‪ ،‬للمؤلف األمريكي مايكل مارت‪ .‬يقول في كتابه‪ :‬لقد اخترت محمداً في أول هذه القائمة‪،‬‬

‫والخالص���ة‪ :‬فالالزم لمن يريد ذكر الحض���ارات أن يعتبر األنبياء هم‬
‫الش���خصيات النافعة غير‬
‫صن���اع التاريخ‪ ،‬وأن يالحظ ف���ي تدوين التاريخ‬
‫ّ‬

‫المستبدون؛ فال يس���تح ّقون ذكرًا إ ّ‬
‫ال للتنفّر من أعمالهم‪،‬‬
‫أما‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫المس���تبدة‪ّ ،‬‬

‫وتنفير الناس عن سلوك أمثالهم‪ ،‬وسلوك أمثال سلوكهم‪.‬‬

‫والمس���لمون في العصر األخير إنّما س���قطوا؛ ألنّهم اّتبعوا الش���رق‬

‫والغرب‪ ،‬بينما عندهم اإلس�ل�ام وهو األفضل من مناهج الغرب ومن مناهج‬
‫الش���رق‪ ،‬وال عالج لهم وال للبش���رية إ ّ‬
‫ال بالرجوع إلى اإلس�ل�ام واعتناقها‬
‫لعقائده‪ ،‬وأخالقه‪ ،‬وآدابه‪ ،‬وش���رائعه‪ ،‬وسائر شؤونه‪ ،‬فإنّه الدين الوحيد‪،‬‬

‫المطابق للعقل‪ ،‬والفطرة‪ ،‬والبرهان‪ ،‬والمنطق‪.‬‬

‫‪165‬‬

‫والبد أن يندهش كثيرون لهذا االختيار‪ ،‬ومعهم حق في ذلك‪ ،‬ولكن محمداً هو اإلنسان الوحيد في التاريخ الذي نجح‬
‫نجاحاً مطلقاً على المستوى الديني والدنيوي‪ ،‬فهو قد دعا إلى اإلسالم‪ ،‬ونشره كواحد من أعظم الديانات‪ ،‬وأصبح قائداً‬
‫سياسياً‪ ،‬وعسكرياً‪ ،‬ودينياً‪ ،‬وبعد ثالثة عشر قرناً من وفاته‪ ،‬فإن أثر محمد ما زال قوياً متجدداً‪.‬‬

‫مسؤولية اإلنسان‬

‫مس�ألة‪ :‬على اإلنس���ان أن يدين المفسد‪ ،‬فردًا كان أو جماعة‪ ،‬حاكمًا‬
‫ألن المعيار‬
‫أو محكومًا‪،‬‬
‫ويحس���ن األشخاص الذين يفعلون الحسن‪ ،‬ذلك ّ‬
‫ّ‬
‫الحسن والقبح العقليان سواء كانا في األفكار‪ ،‬أو األقوال‪ ،‬أو األعمال‪،‬‬
‫هو ُ‬

‫أمـة‪ٌّ ،‬‬
‫وكل مرتهن بعملـه‬
‫في فرد‪ ،‬أو جماعة‪ ،‬أو حكومة‪ ،‬أو ش���عب‪ ،‬أو ّ‬

‫َم ْن يَ ْع َم ْل‬
‫فشر‪ ،‬كمـا قال اهلل سبحانه وتعالى‪{ :‬ف َ‬
‫ش���رًا ّ‬
‫إن خيرًا فخير‪ ،‬وإن ّ‬

‫م ْث َقا َل ذ ٍ‬
‫َرٍة َش ّ���رًا يَ َرهُ}‪ ،‬وقوله س���بحانه‬
‫َرة َخ ْيرًا يَ َرهُ * َو َم ْن يَ ْع َم ْل م ْث َقا َل ذ َّ‬
‫َّ‬
‫‪166‬‬

‫ُس ُك ْم َوِإ ْن أَ َس ْأتُ ْم فََل َها} ‪.‬‬
‫{إ ْن أَ ْح َس ْنتُ ْم أَ ْح َس ْنتُ ْم ألَْنف ِ‬
‫وتعالى‪ِ :‬‬

‫أن‬
‫عامة؛ باعتبار ّ‬
‫أما المثل الصيني الذي يقول‪ :‬الرجل العظيم مصيبة ّ‬
‫ّ‬

‫األبطال قـد ش��� ّقوا طريقهم إلى العظمة‪ ،‬وصدارة األحداث‪ ،‬في الحروب‪،‬‬

‫تطور الحضارة‪ ،‬وتق ّدم‬
‫وسفك الدماء‪ ،‬وباعتبار أن بعض األبطال قد عرقلوا ّ‬
‫التاريخ إلى األمام‪ ،‬فهو غير صحيح على إطالقه‪ ،‬إذ إن كثيرًا من العظماء‪،‬‬

‫تطور الحضارة‪ ،‬وق ّدموا التاريخ‬
‫ومنهم األنبياء‪ ،‬والمصلحين‪ ،‬ساعدوا على ّ‬
‫إلى األمام‪.‬‬

‫وأما قول‪ :‬إنه ال يمكن أن تدور عجلة التاريخ دون أن تدفع البش���رية‬
‫ثمن دورانها بعدد م���ن الكوارث والمعاصي‪ ،‬وقول هير قليطس‪ :‬الحرب‬
‫أبو األش���ياء جميعه���ا بملكها‪ ،‬وإن التن���ازع لو زال بين البش���ر‪ ،‬لتوقفت‬
‫الحياة‪ ،‬وس���كن الوجود‪ ،‬فالالزم أ ّ‬
‫ال يدان الفاس���د إذا كان قائدًا عسكريًا‪،‬‬
‫ سورة الزلزلة‪ :‬اآليات ‪.8 7‬‬
‫ سورة اإلسراء‪ :‬اآلية ‪.7‬‬
‫ويعد أحد مؤسسي الديالكتيك‪.‬‬
‫ فيلسوف يوناني‪ ،‬ولد سنة ‪ 540‬ق‪ .‬م‪ ،‬ومات سنة ‪ 480‬ق‪ .‬م‪ُّ ،‬‬

‫أو حاكم���ًا مدنيًا‪ ،‬فهي أقوال غير مدعومـ���ة بدليل مـن الفطرة‪ ،‬أو العقل‪،‬‬
‫الرجحان‪ ،‬وعدم س���لوك الطريق‬
‫أو المنط���ق‪ ،‬أو العق�ل�اء‪ ،‬واإلمكان غير ّ‬

‫الصحيح المس���تلزم للنتائج الطيبة‪ ،‬ال يصحح الدفاع عن س���الكي الطرق‬
‫وإن الفاس���د فاسد سواء كان حاكمًا كبيرًا له ماليين من االتباع‪،‬‬
‫المنحرفة‪ّ ،‬‬

‫أو فردًا صغيرًا ال يملك إ ّ‬
‫ال نفسه‪.‬‬

‫شبهة اآلكل والمأكول‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫أقره اهلل‬
‫بصحة المفاس���د الكبيرة‬
‫وربما يُ‬
‫س���تدل ّ‬
‫للحكام الكب���ار بما ّ‬

‫س���بحانه وتعالى في الحياة من معادلة اآلكـل والمأكول‪ ،‬كمـا نشاهـد ذلك‬
‫فـي الطيور‪ ،‬والس���باع‪ ،‬واألس���ماك‪ .‬وأنّه لوال ذلك لضعف النسل‪ ،‬وانتشر‬

‫المرض‪ ،‬والوباء‪ ،‬وما أشبه ذلك‪.‬‬

‫الحر‬
‫وف���ي الجواب نق���ول‪ :‬فهو قياس في غير موقعه‪ّ ،‬‬
‫فإن اإلنس���ان ّ‬
‫صح س���حب حالة‬
‫العاق���ل‪ ،‬يؤخذ بما ال يؤاخ���ذ به الحيوان الجاهل‪ .‬وإذا ّ‬

‫كل عمل إجرامي من س���رقة‪،‬‬
‫الحي���وان على اإلنس���ان‪ ،‬يجب أن‬
‫يص���ح ّ‬
‫ّ‬

‫واختطاف‪ ،‬واغتصاب‪ ،‬وقتل‪ ،‬وما أشبه ذلك‪.‬‬

‫وقـ���د يقال‪ :‬ما هي الفلس���فة في جعل اهلل س���بحانه وتعالى الحكيم‬
‫ال���رؤوف هذه الحالة في الحيوان؟‪ ،‬ألـم يكـن مـن األفضل أن يكون جميع‬
‫الحيوانات آكالت للعشب؛ حتى ال يؤذي حيـوان حيـوانًا مهمـا كـان الـذي‬
‫يؤذي صغيرًا كالنملة‪ ،‬والذبابـة‪ ،‬والبعوض؟‪.‬‬
‫إن النبات‪ ،‬والعشب‪ ،‬أيضًا له إحساس‪ ،‬وألم‪،‬‬
‫وفي الجواب نقول‪ّ :‬‬

‫وما أش���به ذلك‪ ،‬فكان الالزم على هذا االلتزام بعدم أكلها أيضًا‪ ،‬وال فرق‬
‫أذية‬
‫بي���ن الحيواني والنباتي من هذه الجهة أيضًا؛ ثم ّ‬
‫إن اآلالم التي توجب ّ‬

‫حيوان بحيوان آخر حالها حـال اإلنسان‪ ،‬حيث يؤلـم بسبب أخيه اإلنسان‪،‬‬

‫‪167‬‬

‫فالمؤلِّم بالكس���ر يجازى بالعقاب‪ ،‬والمؤلَّ���م بالفتح يجازى بالثواب‪ ،‬كما‬
‫وش ُح ِش َر ْت}‪ ،‬وفي الحديث‪( :‬يقتص‬
‫{وِإذَا اْل ُو ُح ُ‬
‫قال اهلل سبحانه وتعالى‪َ :‬‬

‫للجماء من القرناء) ‪.‬‬
‫ّ‬

‫ث���م إن���ه إذا لم يكن األمر في اإلنس���ان‪ ،‬والحي���وان‪ ،‬والنبات أيضًا‬

‫عل���ى هذا المنوال‪ ،‬كان العال���م عالمًا آخر‪ ،‬كما هو كذلك في زمان اإلمام‬
‫واألئمة الطاهرين(ع)‪ ،‬وكذلك‬
‫المهدي‪ ،‬حسب األحاديث الواردة عن النبي‬
‫ّ‬

‫بكل ش���ؤونه قسم من‬
‫في الجّنة‪ ،‬وما أش���به‪ ،‬وهذا العالم الذي نحن فيه ّ‬
‫كل متطلّب وجوده‪،‬‬
‫العوالم المتطلّب للوجود‪ ،‬واهلل سبحانه وتعالى يعطي ّ‬

‫وكيفيات���ه‪ ،‬وخصوصياته المختلفة‪ ،‬فقد قال س���بحانه وتعالى‪{ :‬أَْن َز َل ِم َن‬
‫َسالَ ْت أَ ْوِديَةٌ بِ َق َدِر َها}‪ ،‬وكما األمر في اإلنسان‪ ،‬كذلك يكون‬
‫الس َماِء َم ً‬
‫اء ف َ‬
‫َّ‬
‫األمر في الحيوان‪ ،‬حيث إن الحيوان أيضًا‪ ،‬له ش���عور‪ ،‬وإدراك‪ ،‬حسب ما‬
‫‪168‬‬

‫اس‬
‫يس���تفاد من تواتر اآليات والروايات‪ ،‬قال‪ ‬س���بحانه وتعالى‪{ :‬يَا أَ ُّي َها ال َّن ُ‬
‫‬
‫���ت نَ ْم َلةٌ يَا أَ ُّي َها ال َّن ْم ُل‬
‫ّمنَا َم ْن َ‬
‫طق الطَّ ْي ِر} ‪ ،‬وقال س���بحانه وتعالى‪{ :‬قَالَ ْ‬
‫ُعل ْ‬

‫ث في‬
‫ا ْد ُخلُوا َم َس���اكنَ ُك ْم}‪ ،‬وقال س���بحانه وتعالى‪{ :‬فَبَ َع َ‬
‫ُرابًا يَْب َح ُ‬
‫ث اهللُ غ َ‬
‫ف يُ َواِري َس ْوءةَ أَ ِخيِه}‪ ،‬إلى غير ذلك من اآليات‪.‬‬
‫َي َ‬
‫األر ِ‬
‫ْ‬
‫ض لِيُِريَُه ك ْ‬

‫نعـم‪ ،‬يفهـم مـن األحاديث واآليات أن فـي اآلخرة يعطى كل ذي حق‬

‫ْم اْليَ ْو َم}‪،‬‬
‫حقه بال زيادة وال نقيصة‪ ،‬كما قال س���بحانه وتعال���ى‪{ :‬الَ ُظل َ‬

‫لكن الناس بعضهم يظلمون‬
‫ففي الدنيا ّ‬
‫أن اهلل‪ ‬سبحانه وتعالى ال يظلم أحدًا ّ‬

‫بعض���ًا‪ ،‬بينما ف���ي اآلخرة ال ظلم إطالقًا وال اختالف في إعطاء اس���تحقاق‬

‫ سورة التكوير‪ :‬اآلية ‪.5‬‬
‫ بحار األنوار‪ :‬ج‪ 7‬ص‪ 91‬ب ‪ 5‬و ج ‪ 64‬ص‪ 4‬ب‪.1‬‬
‫ وقد أسهب اإلمام المؤلف في الحديث عن ذلك في موسوعة الفقه كتاب المستقبل‪.‬‬
‫ سورة الرعد‪ :‬اآلية ‪.17‬‬
‫ سورة النمل‪ :‬اآلية ‪.16‬‬
‫ سورة النمل‪ :‬اآلية ‪.18‬‬
‫ سورة المائدة‪ :‬اآلية ‪.31‬‬
‫ سورة غافر‪ :‬اآلية ‪.17‬‬

‫ح���ق ح ّقه إ ّ‬
‫ال في الثواب‪ ،‬ول���ذا ورد في الدعاء‪( :‬يا من في الميزان‬
‫كل ذي‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫فإن قضاء اهلل س���بحانه وتعالى في الدنيا متس���اٍو مع االختالف‬
‫قض���اؤه)‪ّ ،‬‬

‫والخصوصيات‪ ،‬واألزمنة‪ ،‬واألمكنة‪ ،‬والشرائط‪ ،‬إلى غير‬
‫النفسيات‪،‬‬
‫فـي‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫كل إنسان هناك فردًا‪،‬‬
‫ذلك‪ ،‬فإذا أساء شخص كانت إساءته لنفسه‪ ،‬إذ يأتي ّ‬
‫ُم أَ َّو َل َم َّرٍة}‪،‬‬
‫كما قال سبحانه وتعالى‪َ :‬‬
‫{ولََق ْد ج ْئتُ ُمونَا فُ َرا َدى ك َ‬
‫َما َخ َل ْقنَاك ْ‬

‫فال‪ ‬يثاب ش���خص بعمل ش���خص آخر‪ ،‬وال يعاقب بذنب شخص آخر إ ّ‬
‫ال‬
‫َ‬
‫ُر َّيتَ ُه ْم َو َما‬
‫إذا كان الثواب ّ‬
‫بهم ذ ِّ‬
‫تفضل كمــا قـال س���بحانه وتعالى‪{ :‬أْل َح ْقنَا ْ‬

‫اه ْم ِم ْن َع َمِل ِه ْم ِم ْن َش ْيٍء} ‪.‬‬
‫أَلَْتنَ ُ‬

‫النفس���يات أيضًا ال األقوال واألعمال‬
‫إن الثواب والعقاب حس���ب‬
‫ثم ّ‬
‫ّ‬

‫فقط‪ ،‬ولذا قال س���بحانه وتعالى‪{ :‬ق ْ‬
‫ُل ِإ ْن تُ ْخفُوا َما ِفي ُ‬
‫ُم أَ ْو تُْب ُدوهُ‬
‫ص ُدوِرك ْ‬
‫���يٍء‬
‫او ِ‬
‫ض َواهللُ َع َلى ك ِّ‬
‫���م َ‬
‫األر ِ‬
‫ات َو َما ِفي ْ‬
‫الس َ‬
‫يَ ْع َل ْم��� ُه اهللُ َويَ ْع َل ُ‬
‫���م َما ِفي َّ‬
‫ُل َش ْ‬
‫‬
‫ض َوِإ ْن‬
‫او ِ‬
‫قِ‬
‫الس َم َ‬
‫األر ِ‬
‫ات َو َما ِفي ْ‬
‫َد ٌ‬
‫ير} ‪ ،‬وقال س���بحانه وتعالى‪{ :‬هللِ َما ِفي َّ‬

‫ب َم ْن‬
‫ُس ُك ْم أَ ْو تُ ْخفُوهُ يُ َح ِ‬
‫تُْب ُدوا َما ِفي أَْنف ِ‬
‫اس ْب ُك ْم بِِه اهللُ فَيَ ْغِف ُر لِ َم ْن يَ َشاءُ َويُ َعذِّ ُ‬
‫ير}‪ ،‬وقال الرسول األكرم (ص)‪( :‬إنّما األعمال‬
‫يَ َشاءُ َواهللُ َع َلى ك ِّ‬
‫ُل َش ْيٍء ق ِ‬
‫َد ٌ‬
‫بالنيات)‪ ،‬وهكذا‪.‬‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫فتصور‬
‫وي���دل عليه أيضًا حديث ذلك العاب���د‪ ،‬الذي كان يعبد اهلل‪،‬‬
‫ّ‬

‫ولما نظر ذلك الملك في حسابه رأى‬
‫ملك من المالئكة أن له أجرًا كبيرًا‪ّ ،‬‬

‫ال‪ ،‬فس���أل اهلل س���بحانه وتعالى عن وجه ذلك؟‪ ،‬فأذن اهلل للملك‬
‫أجره قلي ً‬
‫ليهبط إلى األرض؛ ليتعرف على ذلك العابد‪ ،‬فعرف نفس���يته‪ ،‬وأنّه يفكر‪:‬‬
‫ البلد األمين‪ :‬ص‪ 406‬دعاء الجوشن الكبير‪ ،‬الدعاء والزيارة‪ :‬ص‪ 196‬للمؤلف‪.‬‬
‫ سورة األنعام‪ :‬اآلية ‪.94‬‬
‫ سورة الطور‪ :‬اآلية ‪.21‬‬
‫ سورة آل عمران‪ :‬اآلية ‪.29‬‬
‫ سورة البقرة‪ :‬اآلية ‪.284‬‬
‫ تهذيب األحكام‪ :‬ج‪ 1‬ص‪ 83‬ح‪ 67‬ب‪ ،4‬وج‪ 4‬ص‪ 186‬ح‪ 2‬ب‪ ،1‬وسائل الشيعة‪ :‬ج‪ 1‬ص‪ 48‬ب‪ 5‬ح ‪ 89‬و ج ‪ 6‬ص ‪ 5‬ب ‪1‬‬
‫ح ‪ 7197‬و ج ‪ 10‬ص ‪ 13‬ب ‪ 2‬ح ‪.12713‬‬

‫‪169‬‬

‫حبذا لو كان هلل حمار؛ حّتى ال تذهب هذه األعشاب هدرًا ‪ ..‬إلى غير ذلك‬

‫المؤيدات الواردة في الكتاب‪ ،‬والسّنة‪ ،‬والعقل‪.‬‬
‫من‬
‫ّ‬

‫أي حال‪ :‬فهل يصح أ َّال ندين أمثال هتلر‪ ،‬وستالين‪ ،‬ونيرون‪،‬‬
‫وعلى ّ‬

‫العباس���ي‪ ،‬والمتو ّكل‪ ،‬وما أشبه ذلك من المجرمين في‬
‫ومعاوية‪ ،‬وهارون ّ‬

‫َ‬
‫َع َل َر ُّب َ‬
‫بع ٍاد‬
‫َي َ‬
‫ك َ‬
‫ف فَ‬
‫التاريخ‪ ،‬الذين قال اهلل س���بحانه وتعالى فيهم‪{ :‬ألَ ْم تَ َر ك ْ‬

‫ُها ِفي اْلِب َ‬
‫ين َجابُوا‬
‫* ِإ َر َم ذ ِ‬
‫َمو َد ا َّل ِذ َ‬
‫���م يُ ْخ َل ْق ِم ْثل َ‬
‫الِد * َوث ُ‬
‫َات اْل ِع َم���اِد * ا َّلِتي لَ ْ‬
‫ين َط َغ ْوا ِفي اْلِب َ‬
‫يها‬
‫األوتَاِد * ا َّل ِذ َ‬
‫الِد * فَأَ ْكثَ ُروا ِف َ‬
‫الص ْخ َر بِاْل َواِد * َوِف ْر َع ْو َن ِذي ْ‬
‫َّ‬
‫ك َس ْو َط َع َذ ٍ‬
‫اب * ِإ َّن َر َّب َ‬
‫َص َّب َع َل ْي ِه ْم َر ُّب َ‬
‫صاِد} ‪.‬‬
‫ِر َ‬
‫َسا َد * ف َ‬
‫اْلف َ‬
‫ك لَِباْلم ْ‬

‫إن عدوان اإلنسان وحروبه التي تبدو ظواهر ال اجتماعية‬
‫فقول كانط‪ّ :‬‬

‫وال أخالقية‪ ،‬تكش���ف آخر األمر عن وجود نظام قانوني‪ ،‬ليس ذلك تبريرًا‬
‫للح���رب‪ ،‬ولكّنه تخفيف من حكم اإلدانة القاس���ية على الساس���ة والقواد‪،‬‬
‫‪170‬‬

‫طالما أصبحت الحروب نواميس للوجود‪ ،‬أو من س���مات الحياة اإلنسانية‪،‬‬

‫قو ٌل بال دليل‪ ،‬بل الدليل على خالفه‪ ،‬وغاية ما يكشفه ذلك هو أن أولئك‬
‫الطغاة‪ ،‬اتبعوا ش���هواتهم‪ ،‬وأهواءهم‪ ،‬واستجابوا لنداء الشيطان‪ ،‬وأعرضوا‬
‫ أن رج ًال من بني إسرائيل كان يعبد اهلل عز وجل في جزيرة من جزائر البحر‪ ،‬خضراء نضرة‪ ،‬كثيرة الشجر‪ ،‬طاهرة‬
‫مر به‪ .‬فقال‪ :‬يا رب‪ ،‬أرني ثواب عبدك هذا‪ .‬فأراه اهلل عز وجل ذلك‪ .‬فاستقله الملك‪.‬‬
‫الماء‪ ،‬وأن ملكاً من المالئكة ّ‬
‫فأوحى اهلل عز وجل إليه أن اصحبه‪ ،‬فأتاه الملك في صورة إنس‪ ،‬فقال له‪ :‬من أنت ؟‪ ،‬قال‪ :‬أنا رجل عابد‪ ،‬بلغنا مكانك‬
‫وعبادتك بهذا المكان‪ ،‬فجئت ألعبد معك‪ ،‬فكان معه يومه ذلك‪ .‬فلما أصبح قال له الملك‪ :‬إن مكانك لنزهة‪ ،‬قال‪ :‬ليت‬
‫لربنا بهيمة‪ ،‬فلو كان لدينا حمار لرعيناه في هذا الموضع‪ ،‬فإن هذا الحشيش يضيع‪ .‬فقال له الملك‪ :‬وما لربك حمار‪.‬‬
‫فقال‪ :‬لو كان له حمار ما كان يضيع مثل هذا الحشيش‪ ،‬فأوحى اهلل عز وجل إلى الملك إنما أثيبه على قدر عقله‪.‬‬
‫بحار األنوار‪ :‬ج‪ 1‬ص‪ 84‬ب ‪ 1‬ح ‪ ،6‬وقريب منه في‪ :‬ج‪ 1‬ص ‪ 91‬ب‪ 1‬ح ‪ 21‬و ج‪ 14‬ص‪ 506‬ب‪ 31‬ح‪.32‬‬
‫ لوسيوس دو ميتيوس والمشهور ب‍نيرون‪ ،‬رابع أباطرة وملوك الرومان‪ ،‬الذين حكموا البالد بالحديد والنار من سنة ‪14‬م‬
‫وإلى ‪117‬م والبالغ عددهم اثني عشر شخصاً ؛ وهم‪ .1 :‬تيبيريوس ‪ .2‬كاليغوال ‪ .3‬كلوديوس ‪ .4‬نيرون ‪ .5‬غالبا ‪.6‬‬
‫أوتون ‪ .7‬فيتيليوس ‪ .8‬فسيازيانوس ‪ .9‬تيتوس ‪ .10‬دومبسيانوس ‪ .11‬نيرقا ‪ .12‬تراجانوس‪ .‬ولد نيرون سنة ‪37‬م‪،‬‬
‫وحكم أربع عشرة سنة منذ سنة ‪54‬م وإلى ‪68‬م‪ ،‬واّتسم حكمه باالستبداد والديكتاتورية والطغيان والوحشية حتى إنه‬
‫قتل ّأمه سنة ‪59‬م وزوجته سنة ‪62‬م وأحرق روما سنة ‪64‬م‪ ،‬ومثا ُال على استبداده أنه‪ :‬سأل آغربين‪ ،‬الشاعر ؛ وهو‬
‫تحت النطع‪ :‬من أشقى الناس ؟‪ ،‬فأجابه معرضاً به‪ّ :‬من إذا ذكر الناس االستبداد‪ ،‬كان مثا ًال له في الخيال ؛ كما ورد‬
‫عن طبائع االستبداد ص‪ 58‬للكواكبي‪ ،‬انتحر بخنجر أغرزه في عنقه سنة ‪68‬م ؛ بعد أن ثار عليه القادة العسكريون‬
‫في إفريقيا وإسبانيا‪ ،‬وعاش ‪ 31‬سنة‪.‬‬
‫ سورة الفجر‪ :‬اآليات ‪.14 6‬‬
‫ إيما نويل كانط‪ ،‬ولد سنة ‪1724‬م‪ ،‬ومات سنة ‪ ،1804‬فيلسوف ألماني‪ ،‬عمل في جامعة كونيغسبرغ أستاذاَ للمنطق‪ ،‬وله‬
‫مؤلفات في األخالق‪ ،‬والمنطق‪ ،‬والسياسة‪ ،‬والميتافيزيقيا‪ .‬ومن أشهر مؤلفاته‪ :‬نقد العقل الخاص‪ ،‬نقد العقل العملي‪،‬نقد‬
‫المحاكمة العقلية‪ ،‬أسس ما ورائية األخالق‪.‬‬

‫ورجحوا الحقد‪ ،‬والعمى على الخلق السامي والهدى‪،‬‬
‫عن دعوات الرحمن‪ّ ،‬‬
‫َوٌم َطاغُو َن}‪،‬‬
‫وكانوا كما قال اهلل س���بحانه وتعالى‪{ :‬أَتَ َو َ‬
‫���وا بِِه بَ ْل ُه ْم ق ْ‬
‫اص ْ‬
‫أن في أقوال بعضهم مبالغة غير س���ليمة‪ ،‬لذلك ينبغي تجّنب المبالغة‬
‫كما ّ‬

‫فإن المبالغة غير صحيحة إ ّ‬
‫ال على‬
‫المفرط���ة في تقدير دور الرجل العظيم‪ّ ،‬‬

‫س���بيل المجاز في موقعه البالغي سواء بالنسبة إلى الرجل العظيم إفسادًا‪،‬‬
‫{إ َّن��� ُه كَا َن َعالِيًا‬
‫أو الرج���ل العظيم إصالحًا‪ .‬فقد قال اهلل‪ ‬س���بحانه وتعالى‪ِ :‬‬
‫‬
‫ك لَ َعلى ُخل ٍ‬
‫{إ َّن َ‬
‫ُق‬
‫���رِف َ‬
‫ين} ‪ ،‬كما قال س���بحانه وتعالى في عكسه‪ِ :‬‬
‫ِم َن اْل ُم ْس ِ‬
‫‬
‫{والَ تَْب َخ ُسوا‬
‫َع ٍ‬
‫الخيرين‪َ :‬‬
‫ظيم} ‪ ،‬فقد قال س���بحانه وتعالى بالنس���بة إلى ّ‬

‫اس أَ ْشيَاءَ ُه ْم} ‪.‬‬
‫ال َّن َ‬

‫‪171‬‬

‫ سورة الذاريات‪ :‬اآلية ‪.53‬‬
‫ سورة الدخان‪ :‬اآلية ‪.31‬‬
‫ سورة القلم‪ :‬اآلية ‪.4‬‬
‫ سورة األعراف‪ :‬اآلية ‪ ،85‬سورة هود‪ :‬اآلية ‪ ،85‬سورة الشعراء اآلية ‪.183‬‬

‫الجبر واالختيار وعالقتهما بالتاريخ‬

‫إن أحداث التاريخ على قسمين‪:‬‬
‫مسألة‪ّ :‬‬

‫قسم منها أحداث خارجة عن إرادة اإلنسان مثل الزالزل‪ ،‬والفيضانات‪،‬‬

‫مما ليس لإلنسان‬
‫والصواعق‪ ،‬والبرد‪،‬‬
‫والحر‪ ،‬والفصول األربعة‪ ،‬وما أشبه‪ّ ،‬‬
‫ّ‬
‫أي ٍ‬
‫وغيرت كثيرًا‬
‫ي���د في صنعه‪ّ ،‬‬
‫فإن الزالزل إذا جاءت ّ‬
‫هدمت‪ ،‬وخربت‪ّ ،‬‬

‫من معالم البلد‪ ،‬وكذلك سائر األحداث التي ليس لإلنسان دخل فيها‪.‬‬

‫جبرية في التاريخ مطلقًا‪،‬‬
‫وقس���م بيد اإلنس���ان‪ ،‬يصنعه بإرادته‪ .‬فال ّ‬

‫‪172‬‬

‫وال‪ ‬اختيارية في التاريخ مطلقًا‪ ،‬بل التاريخ هو هذان األمران‪.‬‬

‫المنطقيون إن كـل حقيقة ممكنة‪ ،‬لها علة صحيحة‪ ،‬أو علّة‬
‫يقـ���ول‬
‫ّ‬

‫غير صحيحة‪.‬‬

‫ال‪ :‬فقد يحارب المحاربون لعلّة صحيحة مثل الدفاع عن أنفسهم‪،‬‬
‫مث ً‬
‫أو إزال���ة الديكتاتور ال���ذي يمأل البالد فس���ادًا‪ ،‬وقد يح���ارب المحاربون‬
‫لالس���تعمار‪ ،‬واالس���تثمار‪ ،‬والس���يطرة على اآلخرين‪ ،‬فالعلّ���ة األولى علّة‬
‫صحيح���ة‪ ،‬والعلّة الثانية علّة غير صحيحة‪ ،‬بالنس���بة إلى ما تحت اختيار‬
‫اإلنسان‪.‬‬
‫فالظواهر االجتماعي���ة‪ ،‬والحوادث التاريخية‪ ،‬مثل ّأية ظاهرة أخرى‬

‫خاص جعله اهلل س���بحانه‬
‫تابعة ألص���ل العلّية والمعلولية‪ ،‬وخاضعة لنظام ّ‬

‫مبردًا لألشياء‪،‬‬
‫وتعالى في هذا الكون‪ ،‬مثل كون النار ِ‬
‫محرقَة‪ ،‬وكون الماء ّ‬

‫وكون ‪ ،9=3×3‬وإنّما الفرق أنّه في الظواهر‪ ،‬والحوادث اإلنسانية االختيارية‪،‬‬

‫ّ‬
‫فإن لبعض‬
‫التي‬
‫التامة‪ّ ،‬‬
‫تش���كل إرادة اإلنسان نفس���ها جزءًا من أجزاء العلّة ّ‬
‫تامة‪،‬‬
‫تامة‪ ،‬ولبعض األشياء علة ناقصة‪ ،‬ولبعض األشياء علّية ّ‬
‫األش���ياء علّة ّ‬

‫إن‬
‫ولبعض األش���ياء علّية ناقصة‪ .‬فإرادة اإلنس���ان من العلّي���ة الناقصـة حيث ّ‬
‫ّ‬
‫خاص مجعول هلل س���بحانه‬
‫اإلنس���ان ال‬
‫يتمـكن من إرادة التنفيذ إالّ‪ ‬في إطار ّ‬

‫وتعالى ‪.‬‬

‫ال‪ :‬اإلنسان ال ّ‬
‫يتمكن أن يخلق حيوانًا؛ ألنّه ليس في إطار قدرته‪،‬‬
‫مث ً‬

‫وإنّما ّ‬
‫يتمكن أن يأتي بالشرط‪ ،‬أو السبب‪ ،‬أو المع ّد‪ ،‬أو المانع‪ ،‬أو ما أشبه‬

‫المفصلة‪.‬‬
‫ذلك‪ ،‬من المق ّدمات التي ذكرها األصوليون في مباحثهم‬
‫ّ‬

‫يتمكن اإلنسان من التنبؤ المستقبلي إ ّ‬
‫ومن هذه الجهة ال ّ‬
‫ال في حدود‬

‫ومسببًا‪،‬‬
‫لكل العالم س���ببًا‬
‫خاصة‪ ،‬فإنّه مع االعتراف بش���مول أصل العلّية ّ‬
‫ّ‬
‫ّ‬

‫وصحة كون الش���يء ما لم يجب لم يوج���ب‪ ،‬ومعنى الوجوب توّفر جميع‬
‫ّ‬

‫أج���زاء علّته‪ ،‬ال يمكن الق���ول بإمكانية التنبؤ اليقيني لمس���تقبل المجتمع‬
‫والتاري���خ حّتى مع اإللمام الكامل بالقواني���ن االجتماعية والتاريخية‪ ،‬وذلك‬
‫التدخالت الخارجية التي ال يعلم بها‪ ،‬وإلى هذا أشار‬
‫ألن اإلنسان ال يعرف‬
‫ّ‬
‫ّ‬

‫{و َما تَ َش���اءُو َن ِإ َّال أَ ْن يَ َش���اءَ اهللُ}‪ ،‬ومش���يئة اهلل قد‬
‫القرآن الحكيم بقوله‪َ :‬‬
‫تكون مباش���رة وقد تكون لألس���باب التي جعلها اهلل سبحانه وتعالى إيجابًا‬
‫يصح‬
‫أو س���لبًا‪ ،‬فاإلنس���ان له جهتان‪ ،‬جهة جبرية‪ ،‬وجه���ة اختيارية‪ ،‬فال ّ‬
‫إن أفراد اإلنس���ان خاضعون للجبر االجتماعي‪ ،‬أو التاريخي‪ ،‬نعم‬
‫أن يقال ّ‬
‫بحرية‬
‫أفراد اإلنس���ان خاضعون للجبر التكويني‪ .‬فالناس في الواقع يتمّتعون ّ‬

‫تامة ف���ي المجتمع والتاريخ‪ ،‬ف���ي اإلطار الذي ح ّدده اهلل س���بحانه وتعالى‬
‫ّ‬
‫ضد مسيرة المجتمع والتاريخ بل إنّهم‬
‫لهم‪ ،‬وحّتى إنّهم يستطيعون‬
‫التحرك ّ‬
‫ّ‬

‫قادرون على تغيير مسيرة المجتمع والتاريخ‪.‬‬

‫فاعتقاد بعضه���م بالضرورة التاريخية وجبريتها‪ ،‬وأنّها تش���به تمامًا‬

‫ سورة اإلنسان‪ :‬اآلية ‪.30‬‬

‫‪173‬‬

‫القواني���ن الطبيعية‪ ،‬والفيزيائية‪ ،‬والحس���ابية‪ ،‬وما أش���به ذلك‪ ،‬من حيث‬
‫تام‪ ،‬ولذا ال ّ‬
‫يتمكن عالم االجتماع‪ ،‬أو فيلسوف‬
‫ضرورتها‪ ،‬وحتميتها‪ ،‬غير ّ‬
‫معين‪ ،‬أو مستقبل‬
‫التاريخ أن ّ‬
‫يتنبأ بصورة يقينية حتمية لمس���تقبل مجتمع ّ‬

‫يسمى بالتاريخ‪.‬‬
‫مما ّ‬
‫المجتمع البشري بأكمله ّ‬

‫نعم‪ ،‬حدود اإلنسان وجهاته المخلوقة هلل سبحانه وتعالى ككونه ذكرًا‪،‬‬

‫ال‪ ،‬أو قبيحًا‪ .‬وكذلك بالنس���بة إل���ى الجمادات‪ ،‬والنباتات‪،‬‬
‫أو أنثى‪ ،‬جمي ً‬
‫والحيوانات‪ ،‬التي هي موضوع دراس���ة العلوم الطبيعية‪ ،‬والفيزيائية‪ ،‬واقعة‬
‫تحت هيمنة جبرية القوانين الطبيعية‪ ،‬والفيزيائية‪ ،‬وال يملك اإلنس���ان لها‪،‬‬
‫أو لنفسه ّأية إرادة‪.‬‬

‫وما ذكرناه من خصوصيات اإلنس���ان إنّما هي قابلة للتغيير أيضًا في‬

‫تحول رجل إلى امرأة‪ ،‬أو امرأة‬
‫اإلطار الذي جعله اهلل س���بحانه وتعالى مثل ّ‬
‫‪174‬‬

‫إل���ى رج���ل؛ كما يقوم به العلم ف���ي النادر من الن���اس‪ ،‬أو تبديل الجميل‬
‫العمليات الجراحية التجميلية‪ ،‬أو ما‬
‫ال‪ ،‬باس���تخدام‬
‫قبيحًا‪ ،‬أو القبيح جمي ً‬
‫ّ‬

‫مما كشف عنه العلم‪.‬‬
‫أشبه‪ ،‬وذلك أيضًا في إطار محدود ج ّدًا ّ‬

‫أن نظرية القوانين‬
‫وقب���ال أولئك الجبريين‪ ،‬يعتق���د البعض اآلخ���ر ّ‬

‫الحد‬
‫وقوتها إلى ّ‬
‫االجتماعي���ة والتاريخي���ة وجبريتها‪ ،‬ال تصل في ّ‬
‫ش���دتها ّ‬
‫مسيرة‬
‫حرياتهم‪ .‬فاإلنسان ليس أداة ّ‬
‫الذي تُسلب فيه اختيار الناس‪ ،‬وتصادر ّ‬

‫بي���د روح المجتمع‪ ،‬أو التاريخ‪ ،‬بحيث يوجهه المجتمع أنّى ش���اء لينفّذوا‬

‫يتخيل أنّه يشبع رغباته الشخصية‪.‬‬
‫أهدافه‪ ،‬وهو ّ‬

‫والحرية ليست وهمـًا‬
‫أقول‪ :‬الناس ليسـوا مسلوبي االختيـار واإلرادة‪،‬‬
‫ّ‬

‫أمر بين‬
‫جبر وال تفويض ولكن ٌ‬
‫وخياالً‪ .‬وقد ّبين اإلسالم حدود ذلك بقوله‪( :‬ال ٌ‬

‫مؤخرتها‪،‬‬
‫أمرين) ‪ .‬فاإلنسان قادر على أن يكون في مق ّدمة القافلة‪ ،‬وفي ّ‬
‫وفي وسطهـا‪ .‬ويستطيع أن يسرع فـي مشيـه أو يبطـئ‪ ،‬ويستطيـع أن يكـون‬
‫ الكافي أصول‪ :‬ج‪ 1‬ص‪ 160‬ح‪ ،13‬بحار األنوار‪ :‬ج‪ 4‬ص ‪ 197‬ب ‪ 3‬ح ‪ 2‬بالمعنى‪.‬‬

‫يتزوج أو يبقى‬
‫راكبـًا أو راج ً‬
‫ال‪ ،‬ويستطيع أن يأكل أو يصوم‪ ،‬ويستطيع أن ّ‬

‫أقرها اهلل سبحانه وتعالى لإلنسان‪.‬‬
‫عزبًا‪ ،‬إلى غير ذلك في الحدود التي ّ‬

‫وكذلك بالنسبة إلى الحيوان‪ ،‬لكن الحيوان يختلف عن اإلنسان بأنّه‬

‫في الدرجة النازلة‪.‬‬

‫ال باالصطالح‬
‫أم���ا الجماد‪ ،‬والذي من���ه الماء أيضًا‪ ،‬وإن كان س���ائ ً‬
‫ّ‬

‫وأقل من حدود الحيوان‪ ،‬هذا مع أنّا ال نعرف إطالقًا‬
‫أقل‪ّ ،‬‬
‫الع���ام‪ ،‬فحدوده ّ‬

‫عن الحيوان والجماد ش���يئًا إ ّ‬
‫أقل من واحد في‬
‫ال الق���در الضئيل‪ ،‬الذي هو ّ‬
‫أقل‪.‬‬
‫المليار أو ّ‬
‫وعلى ه���ذا‪ ،‬فالقوانين االجتماعية‪ ،‬والقواني���ن الطبيعية‪ ،‬والقوانين‬
‫حرية اإلنس���ان‪ ،‬وإرادته‪ ،‬واختياره‪ ،‬لكّنها ال تُلغيها‪،‬‬
‫التاريخية‪ّ ،‬‬
‫تحد من ّ‬
‫فناء مطلقًا‪ ،‬فالقوانين االجتماعية‪ ،‬والقوانين‬
‫إلغاء مطلقًا‪ ،‬أو ً‬
‫وال‪ ‬تفنيه���ا‪ً ،‬‬
‫بحرية اإلنس���ان إ ّ‬
‫حرية‬
‫ال بالق���در‬
‫المقرر له‪ ،‬كما ّ‬
‫أن ّ‬
‫ّ‬
‫التاريخية؛ ال تصطدم ّ‬
‫المقرر له؛ ال تلغي القوانين االجتماعية والتاريخية‪ ،‬فبينهما‬
‫اإلنسان بالقدر‬
‫ّ‬
‫نس���ب جزئية ال‪ ‬مطلقًا‪ .‬فاإلنسان مستس���لم بقدر فقط وفي بعض الجهات‬

‫لجبر التاريخ وفلسفته‪ ،‬وجبر المجتمع‪.‬‬
‫كل القواني���ن واألديان س���واء كانت س���ماوية أو غير‬
‫وه���ذا أس���اس ّ‬
‫وكل نظام خلقي‪ ،‬أو حقوقي‪ ،‬قائم على كون إرادة‬
‫كل دين‪ّ ،‬‬
‫فإن ّ‬
‫سماوية‪ّ ،‬‬
‫يصح أمره أو‬
‫حر‪ ،‬فكيف ّ‬
‫حرة‪ ،‬ولو كان اإلنسان غير مختار وغير ّ‬
‫اإلنسان ّ‬

‫ذمه‪ ،‬إنذاره أو تبشيره‪،‬تحذيره أو ترهيبه‪ ،‬توبته أو عقوبته‪،‬‬
‫نهيه‪،‬مدحه أو ّ‬

‫توجيهه أو إرش���اده؟ ولذا نش���اهد أن كثيرًا من اآلي���ات القرآنية وكثيرًا من‬
‫أن القوانين االجتماعية‬
‫الروايات فيها تصريح‪ ،‬أو تلويح‪ ،‬أو تلميح‪ ،‬على ّ‬
‫بأي ش���كل من األشكال‪ ،‬قال‬
‫والتاريخية‪ ،‬ال تس���لب من اإلنس���ان اختياره ّ‬
‫س���بحانه وتعالى‪{ :‬قَا َل ُم ْت َرفُو َها ِإ َّنا َو َج ْدنَا آبَاءَنَا َع َلى أُ َّمٍة َوِإ َّنا َع َلى آثَاِر ِه ْم‬

‫‪175‬‬

‫‬
‫���يئًا َوالَ‬
‫ُم ْقتَ��� ُدو َن} ‪ ،‬وفي آي���ة أخرى‪{ :‬أَ َولَ ْ‬
‫���و كَا َن آبَا ُؤ ُه ْم الَ يَ ْع َل ُمو َن َش ْ‬

‫تح���ول المجتمعات من حالة إلى حالة‪،‬‬
‫يَ ْهتَ ُدون}‪ ،‬هذا هو الس���بب في‬
‫ّ‬

‫تحول المجتمع من اإلس�ل�ام الذي كان سائدًا عليه حوالي خمسة قرون‬
‫مثل ّ‬

‫إلى مجتمع مسيحي ولإلسالم والمسيحية مفاهيم متضادة أحيانًا مثل مفهوم‬

‫التثلي���ث أو التوحيد‪ ،‬ومفه���وم تع ّدد األزواج أو وحدته���ا إلى غير ذلك‪،‬‬
‫خاصة‬
‫تحول األمر من المس���يحية إلى الش���يوعية التي لها خصوصيات ّ‬
‫ثم ّ‬
‫ّ‬
‫حد التناقض مع المس���يحية‪ ،‬وهكذا بالنسبة إلى الغربيين‬
‫أحيانًا تصل إلى ّ‬
‫تحول بعضهم مثل‬
‫ثم ّ‬
‫ثم ّ‬
‫تحولوا إلى مس���يحيين ّ‬
‫م���ن حيث كانوا وطنيين ّ‬

‫تحول المسيحية إلى الشيوعية بالنسبة إلى‬
‫البوسنيين إلى مسلمين‪ ،‬أو مثل ّ‬

‫أوربا الشرقية أو ما أشبه ذلك‪.‬‬

‫يبين فلس���فة التاريخ‬
‫والمقص���ود من هذا البح���ث ّ‬
‫أن الذي يريد أن ّ‬

‫‪176‬‬

‫فإن‬
‫الغابر‪ ،‬أو روح التاريخ للمس���تقبل‪ ،‬عليه أن يالحظ هذه الخصوصية‪ّ ،‬‬
‫كل انحراف عن هذا الوس���ط‪ ،‬يكون خالف الواقع سابقًا‪ ،‬وخالف المتوّقع‬
‫ّ‬
‫ال‪.‬‬
‫مستقب ً‬

‫ سورة الزخرف‪ :‬اآلية ‪.23‬‬
‫ سورة المائدة‪ :‬اآلية ‪.104‬‬

‫حركة التاريخ بحرية الفرد‬

‫الخاص‬
‫بقية أشياء الكون‬
‫مس�ألة‪ّ :‬‬
‫ّ‬
‫إن التاريخ ينفرد بمنهج ّ‬
‫خاص عن ّ‬

‫به‪ ،‬ألنّه يريد أن يدرس أفعال اإلنسان التي ال تخضع للضرورات والحتميات‪،‬‬
‫بالحرية بشروطها الزمانية والمكانية‪ ،‬وغير ذلك‪،‬‬
‫تتميز‬
‫والجامدات‪ ،‬وإنّما ّ‬
‫ّ‬
‫يتكرر‪،‬‬
‫كل فرد فرد‬
‫وألن الواقع���ة التاريخي���ة فردية فريدة في ّ‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫مش���خص ال ّ‬

‫كل إنس���ان كلّي‪ ،‬منحصر بفرده‪ ،‬وإن‬
‫بأن ّ‬
‫إن بعض المنطقيين قالوا ّ‬
‫حّتى ّ‬

‫معين‪ ،‬وشرائط‬
‫تشابه بعضهم مع بعض‪ّ ،‬‬
‫فكل فرد له زمان مح ّدد‪ ،‬ومكان ّ‬
‫خاص���ة‪ ،‬والف���رد اآلخر وإن كان في الزمان نفس���ه‪ ،‬أو لنفرض فـي المكان‬
‫ّ‬

‫الوس���يع نفس���ـه‪ ،‬إ ّ‬
‫ال أن ش���رائطه وخصوصياته‪ ،‬تختل���ف اختالفًا كبيرًا‪،‬‬
‫فمقوالت التاريخ هي اإلنس���ان‪ ،‬والفردية والزمان‪ ،‬والمكان‪ ،‬والش���رائط‪،‬‬
‫المادة‪،‬‬
‫والخصوصيات‪ ،‬والمزايا‪ ،‬وليس���ت كذلك مقوالت العلم الطبيعي ّ‬
‫والجزئية‪ ،‬وما أش���به ذلك‪ .‬ولذا فاإلنسان الذي‬
‫والعلّية والمعلولية‪ ،‬والكلّية‬
‫ّ‬
‫كل ذلك في التاريخ‬
‫يريد التوصل إلى فلس���فة التاريخ‪ ،‬يحتاج إلى دراس���ة ّ‬

‫القريب‪ ،‬أو التاريخ البعيد‪.‬‬
‫وس���ر التق ّدم ف���ي العلوم الطبيعية هو في وصوله���ا إلى قوانين كلّية‬
‫ّ‬

‫ّ‬
‫تمكن العالم من التنبؤ العلمي الدقيق؛ إذ إنّها ليست خاضعة لحركة األزمنة‬

‫واألمكنة‪ ،‬والخصوصيات والش���رائط‪ ،‬وليس���ت كذلك العلوم اإلنس���انية‪،‬‬
‫كل العلوم التجريبية أن تق ّدم تقريرًا عن موضوعاتها في أحكام‬
‫فتس���تطيع ّ‬
‫أما التاريخ فال ّ‬
‫يتمكن أن يستوعب األفراد بشرط واحد وأمر فارد حّتى‬
‫عامة‪ّ .‬‬
‫ّ‬

‫‪177‬‬

‫ال‪،‬‬
‫تكون نتائج فلسفة التاريخ كنتائج الفيزياء‪ ،‬والكيمياء‪ ،‬وما أشبه ذلك‪ .‬مث ً‬

‫كيف ّ‬
‫يفسر الشخص المربوط‬
‫يفسر سقوط الشيوعية كما ّ‬
‫يتمكن المؤرخ أن ّ‬
‫إن هن���اك فرقًا بين األمرين‪ ،‬فوقوع‬
‫بعل���م طبقات األرض وقوع الزالزل؟ ‪ّ .‬‬

‫الزالزل له فلسفة كونية واحدة‪ ،‬مثالها مثال ‪ ،16 = 4 × 4‬وليس كذلك مثل‬
‫ظن‬
‫التنبؤ بسقوط الشيوعية بالدّقة واالستيعاب‪ ،‬فإنّه وإن أمكن التخلّف في ّ‬
‫ذلك العالم بطبقات األرض بالنس���بة إلى وقوع زلزال كما حدث ويحدث‪،‬‬
‫ّ‬
‫المحكم‪ ،‬بينما ليس األمر كذلك بالنس���بة إلى فلس���فة‬
‫لكن العام دائمًا هو‬
‫التاريخ وبالنسبة إلى اإلنسان‪ ،‬ولذا ال تكون درجة الدّقة في العلوم اإلنسانية‬
‫مثل درجة ال ّدّق���ة في العلوم الطبيعية؛ ألنّه يمكن أن توجد تنبؤات‪ ،‬بعيدة‬
‫المدى‪ ،‬واس���عة النطاق‪ ،‬ال تتناول التفصيالت الجزئي���ة؛ إذ إنّها ثانوية ال‬

‫تفقد بسببها أصل قيمة التنبؤ‪.‬‬
‫‪178‬‬

‫نعم‪ ،‬التنبؤات التاريخي���ة تكون في إطار فضفاض‪ّ ،‬‬
‫المؤرخ‬
‫يتمكن‬
‫ّ‬

‫الذي وصل إلى روح التاريخ وفلسفة الحياة أن يصل إلى كثير منها‪.‬‬

‫وقد م َّث َل أحد علماء الغرب ما ذكرناه بقوله‪ :‬إنّه ال يمكنك أن تستحدث‬

‫إصالحًا سياس���يًا أو اجتماعيًا دون أن تثير قوى معارضة‪ ،‬وتتناس���ب ش ّدة‬

‫المعارض���ة طرديًا مع مدى هذا اإلصالح‪ ،‬وذلك إن كان هناك دائمًا مصالح‬
‫مرتبط���ة بالوضع القائم المراد تغييره أو إصالحه‪ .‬وال يمكن أن تح ّقق ثورة‬
‫ناجحة إ ّ‬
‫ال إذا كانت الطبقة الحاكمة قد اعتراها الوهن نتيجة انقس���امها على‬
‫نفس���ها‪ ،‬ونتيجة الهزيمة في الحرب‪ ،‬وإنّه ال يمكنك أن تمنح إنسانًا سلطة‬

‫يغيره ذلك بإس���اءة اس���تخدامها ويزداد اإلغراء‬
‫على غيره من الناس دون أن ّ‬
‫المخولة له وال يقدر‬
‫بإس���اءة استخدام الس���لطة كلّما ازدادت هذه الس���لطة‬
‫ّ‬

‫على مقاومة إغراء االس���تبداد بالس���لطة إ ّ‬
‫ال القليل���ون‪ ،‬وال يمكنك أن تقيم‬
‫ألن النظم تعتمد ف���ي تركيبها على العامل‬
‫يتطرق إليه الفس���اد‪ّ ،‬‬
‫نظام���ًا ال ّ‬

‫ال لمظاهر‬
‫اإلنساني إلى ح ّد كبير‪ ،‬وكلّما كان التخطيط في النظام أكثر شمو ً‬

‫النش���اط البش���ري كان الخلل الناتج عن العامل اإلنساني أكثر تأثيرًا‪ ،‬وهذا‬
‫أن أفضل األنظمة تح���دث فيها انحرافات ف���ي التطبيق نتيجة أهواء‬
‫يعن���ي ّ‬

‫ألن‬
‫األش���خاص الذين يمارسون سلطة التنفيذ‪ ،‬واألهواء تكون مختلفة ذاتًا ّ‬

‫خاصة‪،‬‬
‫اهلل س���بحانه وتعالى خلق ّ‬
‫خاص ومعنويات ّ‬
‫كل إنس���ان على شكل ّ‬
‫تتدخل في األفراد‬
‫ّ‬
‫وألن األموال‪ ،‬واإلغراءات‪ ،‬والضغوط‪ ،‬وما أش���به ذلك‪ّ ،‬‬

‫القائمين بالنظام‪.‬‬

‫أن األق�وام تتغي�ر‬
‫أق�ول‪ :‬وله�ذا نج�د ّ‬
‫تغي�ر الزم�ان والم�كان‪،‬‬
‫آراؤه�م م�ع ّ‬
‫ً‬
‫مثلا‪ :‬في البل�د الفالن�ي الغرب�ي‪ ،‬نجد‬
‫حرم�ت تحريم�ًا قطعي�ًا‬
‫ّ‬
‫أن الخم�ر ّ‬
‫ف�ي بره�ة م�ن الزم�ان؛ بس�بب ضغوط‬
‫ث�م بعد تلك‬
‫جماع�ة من عقلاء القوم‪ّ ،‬‬

‫البرهة‪ ،‬حّللت بس�بب ضغ�وط جماعة‬
‫أن‬
‫م�ن نف�س القوم أيض�ًا‪ .‬وهك�ذا نجد ّ‬
‫مملك� ًة واح�دة‪ ،‬أو جمهوري�ة واحدة‪،‬‬
‫تختل�ف مدنه�ا بعضه�ا ع�ن بع�ض في‬
‫يق�رر قانون كذا‪،‬‬
‫قواني�ن ّ‬
‫خاص�ة‪ ،‬فهذا ّ‬

‫يقرر قانون�ًا خالف ذلك القانون‪،‬‬
‫وذاك ّ‬
‫وهكذا بالنس�بة إل�ى التواريخ الماضية‪،‬‬

‫ً‬
‫مثلا‪ :‬إذا‬
‫والتنب�ؤات المس�تقبلية‪،‬‬
‫ازده�رت دولة ما‪ ،‬وغرق�ت في الترف‪،‬‬
‫وجنحت إلى السلم‪ ،‬وكان إلى جوارها‬

‫‪179‬‬

‫دولة جائعة‪ ،‬ولكّنها كثيرة التس�ليح‪ ،‬أو‬
‫قوة كبيرة من‬
‫كثيرة النفوس‪ ،‬أو تسندها ّ‬

‫الدول‪ً ،‬‬
‫مثلا‪ :‬فإنّه لم يم�ض من الوقت‬
‫فترة حّتى تجتاح الدولة الجائعة جارتها‬
‫المترف�ة حالم�ا تج�د مب�ررًا للهج�وم‬
‫عليها‪ ،‬إذ الجائع كثيرًا ال يمتلك القدرة‬
‫عل�ى التفكير ف�ي القب�ول الع�ام‪ ،‬وإنّما‬
‫ّ‬
‫يفك�ر بالنس�بة إلى قناعته بنفس�ه س�واء‬
‫كانت قناعة واقعية‪ ،‬أو قناعة تبريرية‪.‬‬
‫المنظمة الديمقراطية التي تحالفت مع ّ‬
‫وهكذا شأن ّ‬
‫منظمة ديكتاتورية‪،‬‬
‫المنظمة الديمقراطية ستصبح مخلب ّ‬
‫فإن ّ‬
‫قط ألغراض‬
‫تسعى لتحقيق هدفها‪ّ ،‬‬

‫‪180‬‬

‫تح���ل بكيانها‪ .‬وهكذا إذا صفّق‬
‫غريبة عن الديمقراطية‪ ،‬أو س���تواجه كارثة‬
‫ّ‬
‫مبرر ما‪ ،‬رفعه أولئك الرؤساء‬
‫الناس لدولة حديثة وصلت إلى الحكم بسبب ّ‬
‫مبررات ألن يصبحوا ديكتاتوريين‪ ،‬فيفعلوا كما يفعل سائر‬
‫لهذه الدولة من ّ‬

‫عامة بالنس���بة إلى‬
‫الديكتاتوريين‪ ،‬إلى غير ذلك من األمثلة‪ .‬وهذه القواعد ّ‬
‫ألن فلسفة التاريخ تهدي إلى مثل هذه القوانين‪ ،‬فإنّه وإن‬
‫السابق والالحق‪ّ ،‬‬

‫أمكن االستثناء نادرًا إ ّ‬
‫العامة هي ما ذكرناه‪.‬‬
‫ال ّ‬
‫أن القاعدة ّ‬

‫النظام بين االستشارية واالستبداد‬

‫مسألة‪ :‬من فلسفة التاريخ‪ ،‬المفيد للمستقبل‪ ،‬والكاشف عن الماضي‪،‬‬
‫كون النفس لحسن ظّنها بذاتها من جهة‪ ،‬والحرص والجشع من جهة ثانية‪،‬‬
‫كل خير من مال‪ ،‬وجاه‪ ،‬وش���هوة‪ ،‬وس���لطة لنفس���ها‪ ،‬كما تريد دفع‬
‫تريد ّ‬
‫توجه المكروه إلى النفس‪ ،‬أو إلى غيرها دفع‬
‫ّ‬
‫كل مكروه عن نفس���ها‪ ،‬وإذا ّ‬

‫المكروه عن نفس���ها إلى غيرها وحّتى لو كانت نفسًا واحدة والغير ماليين‬
‫كما فعله هتلر‪ ،‬فإذا خافت النفس شيئًا‪ ،‬توّقفت عن األذى‪ ،‬وإ ّ‬
‫ال سارت في‬
‫يسمى باالس���تبداد‪،‬واألمر الثاني يسمى بالديمقراطية‪،‬‬
‫غيها‪ ،‬واألمر األول‪ّ :‬‬
‫ّ‬

‫لهويتها التي تبعث على االس���تقامة‪ ،‬أو االنحراف‪ ،‬ال‬
‫ث���م ّ‬
‫إن إظه���ار ّ‬
‫األمة ّ‬
‫يكون إ ّ‬
‫ال بأحد األمرين‪.‬‬

‫هذا في عرف الغرب الذي ال ينطلق من منطلقات اإلسالم والشورى‪،‬‬
‫أما الذي ينطلق من منطلق اإلسالم فيسمي الديمقراطية استشارية‪.‬‬
‫ث���م لنا بعض المآخذ على الديمقراطية‪ ،‬نذكرها بإيجاز‪ :‬الديمقراطية‬
‫تش���كل ضابط���ًا ظاهريًا‪ ،‬وال تش���كل ضابطًا داخليًا‪ ،‬فه���ي تضطر األفراد‬
‫للسير باس���تقامة حذرًا مـن الجناح المنافس‪ ،‬أو رقابـة الناس‪ ،‬وبهذا تمتاز‬
‫االستش���ارية على الديمقراطية‪ ،‬إذ إن االستش���ارية تضيف الرقابة الداخلية‪،‬‬
‫فالذين يخافون اهلل س���بحانه وتعالى واليوم اآلخر في باطن أمرهم‪ ،‬يكونون‬
‫مس���تقيمين‪ ،‬وإن لم يخافوا حزبًا‪ ،‬أو جماعة‪ ،‬بينما األمر ينحصر بالظاهر‬
‫سمينا الديمقراطية استشارية‪ ،‬أخذًا من قوله سبحانه‬
‫في الديمقراطية‪ ،‬وإنّما ّ‬

‫‪181‬‬

‫‬
‫األم ِر} ‪.‬‬
‫ورى بَْينَ ُه ْم} ‪ ،‬وقوله‪َ :‬‬
‫وتعالى‪َ :‬‬
‫{و َشا ِو ْر ُه ْم ِفي ْ‬
‫{وأَ ْم ُر ُه ْم ُش َ‬

‫والمأخذ اآلخر أن في الديمقراطية؛ األكثرية هي التي تضع القوانين‪،‬‬

‫ل���ذا يتناقض القانون من زمان إلى زمان‪ ،‬وم���ن مكان إلى مكان‪ ،‬بينما في‬
‫حق ألحد حّتى لو‬
‫االستشارية؛ مصدر التشريع هو اهلل سبحانه وتعالى‪ ،‬وال ّ‬

‫كانوا أكثرية في التشريع‪.‬‬

‫نعم‪ ،‬يمكن لألكثرية تقنين اللوائح والقوانين اس���تنادًا لألدلّة األربعة‬
‫وس���ّنها بما يناس���ب الزمان‪ ،‬والمكان‪ ،‬والجهات مع مالحظة االستثناءات‬

‫الشرعية كالضرر‪ ،‬والحرج‪ ،‬وما أشبه ذلك‪ ،‬والمستفاد من األدلّة األربعة‪،‬‬
‫محمد حالل إلـى يـوم القيامة‪،‬‬
‫له الديمومة والبقاء‪ ،‬كما قـال (ص)‪( :‬حـالل ّ‬

‫وحرامه حرام إلـى يوم القيامة) ‪.‬‬

‫إن الديمقراطية في االصطالح الغربي‪ ،‬أو‬
‫إذا عرفت ذلك‪ ،‬فنق���ول‪ّ :‬‬

‫‪182‬‬

‫االستش���ارية في اصطالح المسلمين‪ ،‬أفضل أس���اليب الحكم؛ ألنّها تهيئ‬
‫الحرية تظهر الكرامة اإلنس���انية من جانب‪،‬‬
‫الج���و الكامل‬
‫للحرية‪ ،‬وف���ي ّ‬
‫ّ‬

‫يس���بب‬
‫إن التقابل بين جبهتين‪،‬‬
‫والكفاءة اإلنس���انية من جانب آخر‪ ،‬حيث ّ‬
‫ّ‬
‫كل جبهة لنفس���ها‪ ،‬واالس���تقامة في طريق الهداية والرش���اد‪ .‬فتكمل‬
‫جمع ّ‬

‫المل���كات‪ ،‬وتبرز العبقري���ات‪ ،‬ويعمل النقد األخوي عل���ى إظهار عيوب‬
‫االس���تنباطات للجهة األخرى‪ ،‬ومؤاخذة التطبيقات للقوانين‪ ،‬وبذلك يظهر‬
‫منصة الحكم‬
‫ث���م ّ‬
‫ف���ي الحياة األصلح فاألصلح‪ ،‬واألحس���ن فاألحس���ن‪ّ ،‬‬
‫ألن التنافس‬
‫تقدم المجتمع والفرد‪ّ ،‬‬
‫يتسلّمها األكفأ فاألكفأ‪ .‬ويؤثّر ذلك في ّ‬
‫تقدم اإلنس���ان‪ ،‬وقد ّنبه القرآن الحكيم إلى ذلك في‬
‫في الخير ش���رط في ّ‬

‫{وِفي َذلِ َ‬
‫َس اْل ُمتَنَاِف ُسو َن}‪،‬‬
‫آيات ّ‬
‫متعددة كقوله سبحانه وتعالى‪َ :‬‬
‫ك فَلْيَتَنَاف ِ‬

‫ سورة الشورى‪ :‬اآلية ‪.38‬‬
‫ سورة آل عمران‪ :‬اآلية ‪ .159‬هذا ويرى اإلمام المؤلف بعض الفروق األخرى بين الديمقراطية الغربية واالستشارية‬
‫اإلسالمية ؛ ولم يذكرهما هنا تماشياً مع البحث أو لالشتراك اإلجمالي في بعض الخطوط العامة‪.‬‬
‫ بصائر الدرجات‪ :‬ص‪ 148‬ب‪ 13‬ح ‪ ،7‬وفي الكافي أصول‪ :‬ج‪ 1‬ص‪ 58‬ح ‪ 19‬إضافة قيد أبداً‪.‬‬
‫ سورة المطففين‪ :‬اآلية ‪.26‬‬

‫محل التنافس فكيف ال‪ ‬تكون الدنيا هكذا والحال أن (الدنيا‬
‫فإذا كانت الجّنة ّ‬

‫‬
‫���رٍة ِم ْن َر ِّب ُك ْم‬
‫مزرعة اآلخرة) ‪ ،‬وقال س���بحانه وتعالى‪َ :‬‬
‫{س���اِر ُعوا ِإلَى َم ْغِف َ‬
‫أن المس���ابقة بحاجة‬
‫ض}‪ ،‬ومن الواضح ّ‬
‫األر ُ‬
‫َو َج َّنٍة َع ْر ُ‬
‫او ُ‬
‫���م َ‬
‫ات َو ْ‬
‫الس َ‬
‫ض َها َّ‬

‫فإن‬
‫َاستَِب ُقوا اْل َخ ْي َرات}‪ّ ،‬‬
‫إلى التنافس والتراقب‪ ،‬وقال سبحانه وتعالى‪{ :‬ف ْ‬

‫التنافس الدائم بين المتنافس���ين‪ :‬يوجب س��� ّد اإلنسان خلله‪ ،‬وستر عيوبه‪،‬‬

‫والخوف من ألس���نة الحزب المخالف‪ ،‬وصحفه‪ ،‬وإعالمه‪ ،‬وندواته‪ ،‬وما‬
‫أشبه ذلك‪ .‬فتقف السلطة التنفيذية موقف الحذر أ ّ‬
‫ال تبدو لها عورة‪ ،‬فتوجب‬
‫المرة‬
‫مرة ثانية‪ ،‬أو يسقطونها في ّ‬
‫س���قوطها في أذهان الناس فال ينتخبونها ّ‬

‫أن‬
‫األولى نفس���ها‪ ،‬كما حدث لنيكس���ون‪ ،‬وغيره‪ ،‬من الذين سقطوا‪ ،‬كما ّ‬

‫النواب الب ّد لهم من عمل جاد مثمر؛ ألنّهم جاؤوا للمجلس من أجل ذلك‪،‬‬
‫ّ‬
‫كل صغيرة وكبيرة‪ ،‬فإذا‬
‫والذين انتخبوهم‪ ،‬يراقبونهم‪ ،‬ويحاس���بونهم على ّ‬

‫حادوا أُس���قطت حرمتهم عند الجماهير‪ ،‬وفضحتهم الصحافة المس���ؤولة‪،‬‬
‫س���مي في الش���رع باألمر بالمع���روف‪ ،‬والنهي عن المنكر‪،‬‬
‫ونظير ذلك ما ّ‬

‫{وْلتَ ُك ْن ِم ْن ُك ْم أُ َّمةٌ يَ ْد ُعو َن ِإلَى‬
‫والدعوة إلى الخير‪ ،‬فقد قال سبحانه وتعالى‪َ :‬‬
‫وف َويَْن َه ْو َن َع ِن اْل ُم ْن َك ِر َوأُولَِئ َ‬
‫ْلحو َن}‪،‬‬
‫���ر َويَْأ ُم ُرو َن بِاْل َم ْع ُر ِ‬
‫اْل َخ ْي ِ‬
‫ك ُه ُم اْل ُمف ُ‬
‫لكل فرد‬
‫أن األمر ّ‬
‫وقد ذكرنا في التفسير الموضوعي أنه يظهر من آخر اآلية ّ‬
‫ال‪ ‬أمة من المس���لمين‪ ،‬ومراده من قوله سبحانه وتعالى‪:‬‬
‫فرد من المس���لمين ّ‬

‫{وْلتَ ُك ْن ِم ْن ُك ْم أُ َّمةٌ يَ ْد ُعون}‪ ،‬يعني‪ :‬كونوا كذا ال أنّه لتكن منكم جماعة‪ ،‬و‬
‫َ‬

‫كل فرد من‬
‫{م���ن} للتبيين ال للتبعيض على اصطالح النحويين‪ .‬فإذا عرف ّ‬
‫الس���لطة أنّه في معرض النقد اس���تقام؛ ألنّه يعلم أنّه إذا لـم يستقم‪ ،‬انقطع‬

‫األمة له في المستقبل‪ ،‬أو أنّه يسقط سقوطًا ذريعًا‪.‬‬
‫أمله في انتخاب ّ‬

‫ كشف الخفاء‪ :‬ج‪ 1‬ص‪ 495‬ح ‪ ،1320‬وسائل الشيعة‪ :‬ج‪ 30‬ص‪ ،196‬خاتمة الوسائل الفائدة السادسة‪ ،‬وفي مجموعة ورام‪:‬‬
‫ج‪ 1‬ص‪ 92‬وإرشاد القلوب‪ :‬ص‪ 89‬بيان‪.‬‬
‫ سورة آل عمران‪ :‬اآلية ‪.133‬‬
‫ سورة المائدة‪ :‬اآلية ‪ ،48‬سورة البقرة‪ :‬اآلية ‪.148‬‬
‫ سورة آل عمران‪ :‬اآلية ‪.104‬‬

‫‪183‬‬

‫أن االستشارية اإلسالمية‪ ،‬أو الديمقراطية الغربية‪ ،‬ليست‬
‫ومن الواضح ّ‬

‫الحريات‪ ،‬والعدالة‪ ،‬وحقوق اإلنسان‬
‫باأللفاظ‪ ،‬وال بتسطير دستور‬
‫ّ‬
‫يتضمن ّ‬

‫تدخل‬
‫لنوابها ّ‬
‫حرية‪ ،‬بدون ّ‬
‫بل االستش���ارية الصادقة هي انتخاب ّ‬
‫األمة ّ‬
‫بكل ّ‬

‫الحاكم المس���تب ّد بس���بب أالعيبه‪ ،‬ومكره‪ ،‬وخدعه‪ ،‬وباستخدامه ألساليب‬
‫يؤدوا مس���ؤولية النيابة‬
‫النواب أن ّ‬
‫الترهي���ب‪ ،‬والترغيب‪ ،‬وبذلك يس���تطيع ّ‬
‫لألم���ة بجدارة من إبداء الرأي‪ ،‬وتأطير القوانين‪ ،‬وتطبيقها على ما ينبغي‪،‬‬
‫ّ‬

‫حريته في نطاق الدس���تور اإلسالمي الذي نحن‬
‫وأن يعطى ّ‬
‫كل فرد وجماعة ّ‬
‫ٍ‬
‫عندئذ مثل هذه الس���جون الطويلة العريضة‪ ،‬وال تعذيب‬
‫بصدده‪ ،‬وال ترى‬

‫في السجون إطالقًا‪ ،‬فال تفرقة بين مسلم ومسلم‪ ،‬وال إهانة لغير المسلم‪،‬‬
‫وال حدود جغرافية ترفع أمام أحد‪ ،‬مس���لمًا كان أو غير مس���لم‪ ،‬كما كان‬
‫األمر س���ابقًا في بالد اإلسالم‪ .‬فالمسلم وغير المس���لم يسافرون من أقصى‬
‫‪184‬‬

‫أي مكان شاؤوا‪ ،‬ولم يكونوا يهانون‬
‫البلد إلى أقصى البلد‪ ،‬ويس���كنون في ّ‬
‫التقدم‪ :‬الكفاءة‪،‬‬
‫في مال‪ ،‬أو عرض‪ ،‬أو نفس‪ ،‬وحينذاك يكون الميزان في ّ‬
‫والكل أن يعمل حس���ب ما يجد في إطار الدس���تور‪،‬‬
‫واألفضل فاألفضل‪،‬‬
‫ّ‬
‫وحريته‪ ،‬ومجاله الفس���يح في العلم‪ ،‬والمال‬
‫ويكون ّ‬
‫لكل إنس���ان كرامته‪ّ ،‬‬

‫ويتقدم‪.‬‬
‫يتقدم‬
‫ّ‬
‫والسلطة‪ ،‬وأن ّ‬

‫ال إذا لم يقدر اإلنس���ان‪ ،‬فعلى الدولة أن‬
‫فف���ي مجال طلب العلم مث ً‬

‫ثم ما فوق‬
‫ثم الجامعة‪ّ ،‬‬
‫تجعل���ه قادرًا على أن يدخل االبتدائية‪ ،‬والثانوية‪ّ ،‬‬

‫ألن العلم م���ن المهد إلى اللحد ‪ .‬وق���د ذكرنا في بعض كتبنا‬
‫الجامع���ة‪ّ ،‬‬

‫أمه كما ثبت‬
‫أن معنى من المهد ّ‬
‫ّ‬
‫أن اإلنس���ان يتعلّم ومنذ خروجه من بطن ّ‬
‫أمه‪ .‬وقد ذك���ر ذلك عبد الر ّزاق‬
‫ف���ي علم النفس ب���ل ويتعلّم وهو في بطن ّ‬
‫ألن‬
‫نوف���ل في بعض كتبه كما ذك���ره غيره‪ ،‬وكذلك ينته���ي العلم باللحد ّ‬

‫الميت وهو ٌ‬
‫نمط م���ن التعليم أيضًا‪ .‬وكما في الروايات إنّه‬
‫ف���ي اللحد يل ّقن ّ‬
‫ إشارة إلى الحديث الوارد‪ :‬اطلبوا العلم من المهد إلى اللحد‪.‬‬

‫يفهم‪ ،‬ويس���مع‪ ،‬ويحفظ حّت���ى يجيب الملكين الكريمي���ن نكير ومنكر‪،‬‬

‫ومبشر‪ ،‬حسب التعبير الروائي‪.‬‬
‫وبشير ّ‬

‫لكل إنس���ان العيش الكريم‪ ،‬حيث تكون الدولة سائرة‬
‫وبذلك يتوّفر ّ‬

‫الجو يكون الرفاه‬
‫عل���ى مصلحة ّ‬
‫األمة وتقديمها إل���ى األمام‪ ،‬وفي مثل هذا ّ‬

‫أن الغربيين بسبب‬
‫من ناحية‪،‬‬
‫والتقدم من ناحية ثانية‪ ،‬حيث إنّنـا نش���اهـد ّ‬
‫ّ‬
‫والحريـة التي عندهم‪ ،‬قد وصلوا إلى القمر‪ ،‬بينما العراق ال‬
‫الديمقراطيـ���ة‬
‫ّ‬

‫يس���تطيع أن يصن���ع حّتى األبرة‪ ،‬والفرق ليس في الزم���ان‪ ،‬أو المكان‪ ،‬أو‬

‫في األف���راد‪ ،‬وإنّما في النظام حيث النظام الديمقراطي في الغرب‪ ،‬والنظام‬

‫االس���تبدادي في العراق‪ ،‬وليس العراق إالّ‪ ‬نموذجًا صارخًا في االستبدادية‪،‬‬
‫حي���ث الغالب على الدول اإلس�ل�امية هذه الحالة المتخلّفة‪ ،‬فاالستش���ارية‬

‫حقيقة في باطن الحكم حالها حال الروح السائدة في الجسد ال في األلفاظ‪،‬‬
‫واإلعالم‪ ،‬والدستور فحسب‪ ،‬وإ ّ‬
‫إن الديمقراطية الصحيحة‬
‫ال فقد قال ستالين‪ّ :‬‬
‫ِ‬

‫األول في إيران‪ ،‬وقاله عبد الكريم قاسم‪ ،‬وعبد‬
‫عندنا!‪ ،‬كذلك قاله البهلوي ّ‬
‫الس�ل�ام عارف‪ ،‬وصدام في العراق‪ ،‬فإن الدع���وة تحتاج إلى الظهور‪ ،‬فإن‬
‫ظهرت تلك اآلثار التي ذكرناها‪ ،‬فاالستش���ارية موجودة وإ ّ‬
‫ال فهي مفقودة‪،‬‬
‫يس���بب مرارته‪.‬‬
‫أن ذكر الحنظل ال‬
‫ومجرد ذكر العس���ل ال يحلّي الفم‪ ،‬كما ّ‬
‫ّ‬
‫ّ‬

‫ال‪،‬‬
‫ال‪ ،‬وإن قال أنا مستب ّد ال يكون مستبدًا‪،‬‬
‫والمستبد عم ً‬
‫فالديمقراطي عم ً‬
‫ّ‬
‫وإن ق���ال إنّي ديمقراطي ال يكون ديمقراطيًا‪ ،‬هذا هو الميزان وهو ما يقوله‬
‫ويؤيده اإلسالم‪ ،‬وتنساق إليه الفطرة‪.‬‬
‫العقل‪ّ ،‬‬

‫فإن ما ه���و قائم في العالم الثالث ويش���مل العالم‬
‫وعل���ى أي حال‪ّ :‬‬

‫اإلسالمي هو االستبداد وليس الديمقراطية‪ ،‬وقد ّادعت حكومات االنقالبات‬

‫العسكرية أنها حكومات ديمقراطية بإعطاء بعض مظاهر الديمقراطية‪ ،‬لكن‬
‫في أية لحظة يمكن لهذه الحكومات أن تكشف عن وجهها الطالح‪ ،‬وتأخذ‬

‫‪185‬‬

‫فإن بين االستشارية وبينها تضادًا‬
‫بالقتل والسجن كوس���يلة لتثبيت حكمها‪ّ .‬‬

‫ال يمك���ن جمعهما‪ ،‬فهل الذي جاء إلى الحكم باالنقالب العس���كري‪ ،‬أو‬
‫اس���تولى على الس�ل�اح‪ ،‬يمكن أن يقتنع باالستش���ارية‪ ،‬أو يحافظ عليها‪،‬‬
‫االدعاء‪ ،‬كذلك ال تنفع الص���ورة الديمقراطية الكاذبة‪ ،‬وإنّما‬
‫وكم���ا ال ينفع ّ‬
‫الحق في الس���لوك والعمل‪ ،‬وقد جاء في الحديث‪( :‬ال ينظر اهلل إلى‬
‫يكمن ّ‬

‫صوركم وإنّما ينظر إلى قلوبكم)‪ ،‬وهذا أرفع مستوى للديمقراطية والتي‬
‫مس���ماها االستشارية أن يكون األمر نابعًا من القلب ال عن الخوف الظاهري‬
‫ّ‬

‫أن الخوف النابع من القلب‬
‫من الحزب المخالف أو ما أشبه ذلك‪ ،‬لوضوح ّ‬

‫كل زمان ومكان‬
‫يسبب االستقامة ظاهرًا وباطنًا في ّ‬
‫والمس���تقر فيه هو الذي ّ‬
‫ّ‬
‫ألن اهلل س���بحانه وتعالى حينئذ يكون رقيبًا على اإلنس���ان‬
‫أي ش���رط‪ّ ،‬‬
‫ومع ّ‬

‫حسب ما يرى‪ ،‬فهو دائمًا تحت الرقابة الدائمة‪.‬‬
‫‪186‬‬

‫وأظه���ر دليل على عدم وج���ود االستش���ارية والديمقراطية في تلك‬
‫حرية األحزاب‪،‬‬
‫البالد التي‬
‫ّ‬
‫يس���ميها الناس بالعالم الثالث عدم العمل بمبدأ ّ‬
‫حرية الصح���ف‪ ،‬وعدم وجود العدالة‬
‫الحرية الواقعية‪ ،‬وعدم وجود ّ‬
‫تل���ك ّ‬

‫حري���ة بناء الم���دارس والمعاه���د والجامعات‬
‫االجتماعي���ة‪ ،‬وع���دم وجود ّ‬
‫والمستش���فيات والمس���اجد والمطارات‪ .‬وبالعكس يك���ون الحكم لألقرباء‬
‫مدة حياته‬
‫واألصدقاء ال‪ ‬للناضجين واألكفّاء‪ ،‬ويبقى الديكتاتور في الحكم ّ‬

‫ينتقل بين األسماء كما يقول المثل‪ :‬حّتى يشيب الغراب‪.‬‬

‫وقد ذكرنا في كتاب ممارس���ة التغيير عددًا كبيرًا من اآلثار الس���لبية‬

‫التي يتركها االستبداد‪ ،‬وكان ما ذكرناه جملة من األمور الظاهرة‪ ،‬فإنّه قد‬
‫ال يكون الحكم ديمقراطيًا بمعنى الكلمة واستش���اريًا كما أراده اإلسالم وإن‬
‫الس���يئات‪،‬‬
‫تظاهر بمظهر الديمقراطية واالستش���ارية‪ ،‬وحينذاك يكون منبع‬
‫ّ‬

‫ فقد ورد في بحار األنوار‪ :‬ج‪ 77‬ص ‪ 90‬ب‪ 4‬ح ‪ 2‬الحديث التالي‪ :‬قال رسول اهلل ص‪ :‬يا‪ ‬أبا ذر‪ ،‬إن اهلل تبارك وتعالى‬
‫ال ينظر إلى صوركم وال إلى أموالكم ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم‪.‬‬
‫ للمزيد من التفصيل راجع كتاب ممارسة التغيير‪ :‬ص ‪ 277‬تحت عنوان بحوث في الديكتاتورية‪.‬‬

‫فالذنب يكون تارة على التقنين‪ ،‬وتارة على التطبيق ال على المبادئ‪ ،‬حيث‬
‫يس���مى بالصغ���رى‪ ،‬أو يكون المبدأ خطأ كما‬
‫مما‬
‫ّ‬
‫قد يكون التطبيق غلطًا ّ‬
‫أن‬
‫يس���مى بالكبرى‪ ،‬فهو كما إذا قال هذا إنس���ان‪ّ ،‬‬
‫وكل إنسان ناطق‪ ،‬مع ّ‬
‫ّ‬

‫إن المتكلّم أشار إلى صورة اإلنسان‬
‫الصغرى خطأ‪ ،‬فلم يكن إنسانًا‪ .‬حيث ّ‬
‫وكل إنسان‬
‫المجسمة ال اإلنسان الخارجي بلحمه ودمه‪ .‬أو يقول هذا إنسان‪ّ ،‬‬
‫ّ‬

‫فإن الكبرى هي الخطأ‪ ،‬وإن أشار إلى اإلنسان بلحمه ودمه‪.‬‬
‫عبقري‪ّ ،‬‬

‫بعض المآخذ على الرأسمالية‬
‫بأن الحكم‬
‫ويختلف اإلسالم عن الديمقراطية الغربية إضافة لما سبق ّ‬

‫في اإلسالم مس���تند إلى اهلل سبحانه وتعالى ال إلى اإلنسان ذاته‪ ،‬حيث قال‬
‫اإل ْس َ‬
‫�ل�اِم ِدينًا فََل ْن يُ ْقبَ َ‬
‫���ل ِم ْن ُه}‪ ،‬وقال‬
‫َي َر ِ‬
‫س���بحانه وتعال���ى‪َ :‬‬
‫{و َم ْن يَْبتَ ِغ غ ْ‬
‫{و َم ْن لَ ْم يَ ْح ُك ْم بِ َما أَْن��� َز َل اهللُ فَأُولَِئ َ‬
‫ك ُه ُم الظَّ الِ ُمو َن}‪،‬‬
‫س���بحانه وتعالى‪َ :‬‬

‫بأزمة الب�ل�اد األوربية‪ ،‬واألمريكية‪،‬‬
‫وبذلك نش���اهد ّ‬
‫أن رأس المال قد أخذ ّ‬

‫مؤدى الرأسمال‪ ،‬صعود البعض في سلّم الغنى حّتى‬
‫واليابانية‪ ،‬وما إليها‪ .‬إذ ّ‬

‫أن ثالثين‬
‫التخمة‪ ،‬ونزول اآلخرين إلى القاع‪ .‬وقد قرأت في صحيفة غربية ّ‬

‫مليون فقير في أميركا‪ ،‬يعيش���ون دون ّ‬
‫أن ألوفًا من‬
‫خط الفقر‪ ،‬بينما نشاهد ّ‬
‫الناس في أميركا وصلوا إلى أعلى مس���توى م���ن الغنى وأصبحت أموالهم‬

‫تع ّد بالمليارات وليس بالماليين‪.‬‬

‫فالحكم الرأس���مالي ال يمكن أن يكون ديمقراطيًا بالمعنى الحقيقي‬

‫أن‬
‫للكلمة؛ ألنّه يعمل على خلق ظروف التمييز العنصري‪ ،‬إذ من الواضح ّ‬
‫رأس المال يعمل لنفس���ه ال للبشر س���واء كان البشر داخل البالد الرأسمالية‬

‫أو خارجها‪ ،‬ولذا كان البؤس المدقع في الداخل واالستعمار اآلخذ بالخناق‬
‫ سورة آل عمران‪ :‬اآلية ‪.85‬‬
‫ سورة المائدة‪ :‬اآلية ‪.45‬‬

‫‪187‬‬

‫في الخارج‪ ،‬ومن هذا المنطلق المنحرف نفسه‪ ،‬قامت الحربان العالميتان‪،‬‬
‫ونش���بت الصراعات الدولية الت���ي ال تزال تفتك بالبش���رية وتهيء للحرب‬
‫العالمية الثالثة التي ال تبقي وال تذر إن وقعت والعياذ باهلل‪.‬‬
‫فالغ���رب األوربي‪ ،‬أو األمريكي‪ ،‬وإن كان ديمقراطيًا من جهة‪ ،‬لكّنه‬

‫برزخ بي���ن الحكم الديمقراطي‬
‫اس���تبدادي من جهة أخرى‪ ،‬فهناك‬
‫الحكم ٌ‬
‫ُ‬
‫الواقعي وبين االستبداد المطلق‪ ،‬بينما االستشارية اإلسالمية تدفع المجتمع‬

‫البش���ري إلى أعلى المستويات فال تجد إنس���انًا يبيت جائعًا وجاره شبعان‪.‬‬
‫فقد تمّثل أمير المؤمنين بهذا البيت‪:‬‬
‫وح����س����ب����ك‬

‫داء‬
‫ً‬

‫أن‬

‫ت���ب���ي���ت‬

‫ببطنة‬

‫����د‬
‫وح����ول����ك أك�����ب�����ا ٌد‬
‫حت�����ن إل�����ى ال�����ق� ّ‬
‫ُّ‬

‫‬

‫‪188‬‬

‫بعض المآخذ على نتائج الديمقراطية‬
‫ثم إنّه أش���كل جماعة على الديمقراطية ومثل ذلك االستشارية؛ ألنّه‬
‫ّ‬

‫الحريات الكثي���رة للناس في مثل هذه الحكومات‪ ،‬س���يجد‬
‫حيث تتوّف���ر ّ‬
‫الحريات‬
‫المخربون والمتآمرون مأربهم في ّ‬
‫ظل القانون الذي يفقد حرمته عند ّ‬
‫ّ‬

‫الكثيرة‪ ،‬فتنحرف الديمقراطية عن مس���يرها الشعبي إلى المسير التآمري‪،‬‬
‫المتوخاة‪ ،‬ولذا كان المحكي عن أرسطو أنّه قال‪ :‬إذا كان‬
‫فال تعطي ثمارها ّ‬
‫ال إنشاء حكومة ديمقراطية‪ ،‬فإنّه يصعب السهر على تقويمها واالحتفاظ‬
‫سه ً‬

‫بكيانه���ا‪ ،‬وقال غاندي‪ :‬إنّها أفضل صيغة وصلت إليها البش���رية وإن كانت‬

‫فيها مآخذ‪.‬‬

‫أن الخطأ يضيع بين الفئات‪ ،‬واألحزاب التشريعية‬
‫أهم المآخذ‪ّ ،‬‬
‫ومن ّ‬

‫ال منهـم يلقـي الخطأ علـى عاتق اآلخـر‬
‫إن ك ً‬
‫والتنفيذي���ة والقضائية‪ ،‬حيث ّ‬

‫ ديوان اإلمام أمير المؤمنين‪ :‬ص ‪ ،62‬بناء المقالة الفاطمية‪ :‬ص ‪ ،247‬وفي شرح نهج البالغة البن أبي الحديد‪ :‬ج‪16‬‬
‫ص‪ 282‬وحسبك عاراً‪.‬‬

‫ويتّنصل من المس���ؤولية‪ ،‬فإذا عقدت صفقة أسلحة وظهر خطأ ذلك‪ ،‬قال‬
‫يشخص المجرم حّتى‬
‫ّ‬
‫كل واحد‪ :‬إن اآلخر هو الس���بب في هذا العقد‪ ،‬وال ّ‬

‫ينال عقابه الذي يس���تح ّقه‪ ،‬هذا وإن أمكن تداركه بإظهار المجرم الحقيقي‬

‫ّ‪ ‬أن الغالب إضاعة الخطأ في متاهات السياس���ة‪،‬‬
‫بس���بب القضاء العالي‪ ،‬إال ّ‬
‫الحرة‪ ،‬تتستر تحت محامين أقوياء‪،‬‬
‫وهذا هو المشاهد‪ ،‬حيث ّ‬
‫إن األحزاب ّ‬

‫مس���تحق العقاب‪ ،‬حزب���ًا‪ ،‬أو جماعة‪ ،‬أو‬
‫فتتملّص من العقاب س���واء كان‬
‫ّ‬

‫أن الرقاب���ة والتنافس بين األحزاب‪ ،‬والكتل‬
‫هيئ���ة‪ ،‬أو فردًا‪ ،‬باإلضافة إلى ّ‬
‫كل فئة تتربّص‬
‫إن ّ‬
‫األمة حي���ث ّ‬
‫البرلماني���ة‪ ،‬وما أش���به‪ ،‬توجب عدم ّ‬
‫تقدم ّ‬
‫التقدم‪ ،‬يكون‬
‫تتقدم‪ ،‬فإنّه كما يك���ون التنافس في ّ‬
‫بالفئ���ة األخرى حّتى ال ّ‬

‫كل حزب عيوب اآلخر‪،‬‬
‫التنافس في عدم تقدم أحدهما على اآلخر‪ ،‬فيُظهر ّ‬
‫وخوفًا من الوقوع في دائرة العيب‪ ،‬تعمل الفئات على تجميد نفس���ها‪ ،‬بل‬

‫وأحيان���ًا تنتكس فترفع الي ّد عن مش���روع حيوي خوفًا م���ن توجيه النقد أو‬
‫فإن عنصر الخوف‬
‫تح���رزًا عن تفاقم األم���ر ض ّد الفئة‬
‫المتبنية للمش���روع‪ّ ،‬‬
‫ّ‬
‫ّ‬

‫كل واحد‬
‫القيمين في وقت واحد‪ ،‬حيث يّتخذ ّ‬
‫يس���يطر على الساسة وعلى ّ‬

‫التقدم‬
‫منهم حذره من اآلخر‪ ،‬وذلك سبب آخر من أسباب‬
‫التجمد‪ ،‬وعدم ّ‬
‫ّ‬

‫بل االنتكاسة‪.‬‬

‫أن الدوائر ض��� ّد الحكم من المتنفّذين‪ ،‬واألحزاب‪،‬‬
‫ه���ذا مضافًا إلى ّ‬

‫والكتل‪ ،‬ومن يجعل من نفس���ه وجماعته لولبًا للضغط تقوم على أنشط ما‬
‫أي‬
‫يكون‪ ،‬وبذلك أحيانًا تتس���اقط الحكومات‪ ،‬إحداها تلو األخرى بدون ّ‬
‫مبرر س���وى المؤامرات الحزبية‪ ،‬والمخادع���ات الجماعية‪ ،‬وبذلك تضعف‬
‫ّ‬

‫الحكومة‪.‬‬

‫عامة‪ ،‬تقوم بدور‬
‫كما ّ‬
‫أن رأس المال‪ ،‬والصحافة‪ ،‬واإلعالم‪ ،‬بصورة ّ‬

‫كبير في هذا األمر‪ ،‬وإذا ضعفت الحكومة‪ ،‬لم ّ‬
‫تتمكن من القيام بالخطوات‬

‫‪189‬‬

‫اإلصالحي���ة في الداخ���ل‪ ،‬وال كبح جماح األعداء في الخ���ارج‪ ،‬أو أحيانًا‬
‫المس���ببة للضعف‬
‫تكون الحكومات المتع ّددة التي تتوالى على الحكم هي‬
‫ّ‬

‫في جميع مناحي الحياة االقتصادية‪ ،‬والسياس���ية‪ ،‬واالجتماعية‪ ،‬والتربوية‪،‬‬
‫والعسكرية‪.‬‬
‫أن الش���عب خصوصًا المجرمين منهم في الحكم‬
‫ه���ذا باإلضافة إلى ّ‬

‫ألن‬
‫الديمقراطي‪ ،‬كثيرًا ما يستهينون بالقانون‪ ،‬وبالقائمين بالحكم‪ ،‬وذلك ّ‬
‫ظل الحكومة الديمقراطية سير‬
‫القانون وخصوصًا الجزائي منه‪ ،‬يس���ير في ّ‬

‫إن تشابك ّ‬
‫الحكام مع الشعب‪ ،‬تقف دون إجراء القانون‪،‬‬
‫السلحفاة‪ ،‬حيث ّ‬
‫فإن المحس���وبية‪ ،‬والمنسوبية‪ ،‬والرشاوى‪ ،‬والدفـاع الكاذب الـذي يمارسه‬
‫ّ‬

‫بع���ض المحامين‪ ،‬تجد فـ���ي الحكم الديمقراطي س���وقًا رائجة‪ .‬ولذا تكثر‬
‫الجرائم في الحكومات الديمقراطية‪ ،‬والس���بب ليس الديمقراطية بل النتائج‬
‫‪190‬‬

‫التي يفرزها التطبيق السيئ للديمقراطية‪.‬‬
‫دائر بين األهم‬
‫أق�ول‪ :‬ال يخفى ّ‬
‫أن األم�ر ٌ‬

‫فإن ّ‬
‫كل هذه المشاكل موجودة‬
‫والمهم‪ّ ،‬‬
‫في الحكومة الديكتاتورية بصورة أوسع‬

‫وأش�مل وأكث�ر‪ ،‬ب�ل ق�د تطغ�ى ه�ذه‬
‫المشاكل على المحاسن القليلة للحكم‬
‫الديكتات�وري‪ ،‬م�ن هن�ا فالمش�كالت‬
‫في الحك�م الديمقراطي ه�ي ّ‬
‫أقل بكثير‬
‫مما هي عليه ف�ي الحكم الديكتاتوري‪،‬‬
‫ّ‬

‫حيث ال يمكن قياس ذلك‪.‬‬

‫ّ‬
‫الح���كام في الدول‬
‫أن اإليم���ان‪ ،‬الذي يتمّتع به‬
‫ه���ذا باإلضاف���ة إلى ّ‬

‫فإن الخوف الداخلي‪ ،‬الذي ينشأ في‬
‫مقوم لإلنس���ان‪ّ ،‬‬
‫اإلس�ل�امية‪ ،‬أفضل ّ‬

‫الحكومة الديمقراطية المؤمنة‪ ،‬هو الضمان لسير الحكومة‪ ،‬وقلّة الجرائم‪،‬‬
‫أن القانون اإلسالمي نفسه‬
‫والخوف من اهلل س���بحانه وتعالى‪ ،‬باإلضافة إلى ّ‬
‫قانون إلهي ال يمكن التالعب به‪ ،‬وفي ظلّه ال يمكن االنحراف‪ ،‬والمنحرف‬
‫حي���ث ْ‬
‫يك َرهُ كُره المجتمع له يح���ذر من االنحراف‪ ،‬وهذه عبارة أخرى عن‬
‫ُ‬

‫األمة لقانون األمـر بالمعروف والنهي عـن المنكـر‪ ،‬وإرشاد الجاهل‪،‬‬
‫تمثيـل ّ‬

‫وتنبيه الغافل‪ ،‬وقد ورد ف���ي الحديث‪( :‬الدين النصيحة)‪ ،‬وغير ذلك من‬
‫ثم وجود ش���ورى الفقهاء‬
‫المعايي���ر اإلس�ل�امية التي تقف بوجه االنحراف‪ّ ،‬‬
‫الذين هم على رأس الحكم حس���ب الموازين اإلس�ل�امية‪ ،‬حيث قال اإلمام‬

‫الحجة ‪( :‬فارجعوا فيهـا إلـى رواة حديثنــا)‪ ،‬وقــال الرسـول األكـرم (ص)‪:‬‬
‫(اللهـ���م ارحـم خلفائـي)‪ ،‬وغير ذلك من صي���غ الجمع الدالّة على لزوم‬
‫األول واألخير وهم الحصانة‬
‫الش���ورى في الفقهاء‪ ،‬فهؤالء يكونون المرجع ّ‬
‫ّ‬
‫للتقدم إلى األمام‪ ،‬فقد قال‬
‫تش���كل أفضل عامل‬
‫ضد انحراف الدولة‪ ،‬وهي‬
‫ّ‬
‫ّ‬

‫اإلم���ام الصادق(ع)‪( :‬من اس���توى يوماه فهو مغبون‪ ...‬وم���ن كان آخر يومه‬

‫شرهما فهو ملعون) ‪.‬‬
‫ّ‬

‫ويمك���ن إتمام مقولة غاندي ب���أن يعمل بالقانون الذي وضعه الزعيم‬

‫ال‪ :‬الب��� ّد من بقاء زم���رة صالحة من‬
‫الهن���دي بعد تس���لّم حزب���ه الحكم قائ ً‬

‫المكافحين خارج الحكم ليكونوا قائمين على سالمة الحكم بدون طمع أو‬
‫رهبة)‪ ،‬ولذا بقي هو وجماعة آخرون من الذين كافحوا من أجل االستقالل‬
‫خارج الحكم‪ ،‬وكان ّ‬
‫الحكام يحترمونهم‪ ،‬ويس���معون منهم‪ ،‬ومن هنا فال‬
‫ روضة الواعظين‪ :‬ص ‪ ،424‬ودعائم اإلسالم‪ :‬ج‪2‬ص ‪ ،47‬وشرح نهج البالغة البن أبي الحديد‪ :‬ج‪ 18‬ص‪ 195‬ب‪.57‬‬
‫ راجع كشف الغمة‪ :‬ج‪ 2‬ص ‪ ،531‬كمال الدين‪ :‬ص‪ ،484‬غيبة الطوسي‪ :‬ص‪ ،290‬بحار األنوار‪ :‬ج‪ 2‬ص‪ 90‬ب‪ 14‬ح‪،13‬‬
‫أعالم الورى‪ :‬ص‪ ،452‬الخرائج‪ :‬ص ‪ ،1113‬وسائل الشيعة‪ :‬ج‪ 27‬ص‪ 140‬ب‪ 11‬ح‪.33424‬‬
‫ من ال يحضره الفقيه‪ :‬ج‪ 4‬ص‪ 420‬ب‪ 2‬ح‪ 5919‬ووسائل الشيعة‪ :‬ج‪ 27‬ص‪ 91‬ب‪ 8‬ح‪ 33295‬ونص الحديث عن أمير‬
‫المؤمنين ع قال‪ :‬قال رسول اهلل ص‪ :‬اللهم ارحم خلفائي‪ ،‬قيل يا رسول اهلل ومن خلفاؤك‪ .‬قال‪ :‬الذين يأتون من‬
‫بعدي يروون حديثي وسنتي‪ .‬وقريب من هذا الحديث في بحار األنوار‪ :‬ج‪ 2‬ص‪ 144‬ب‪ 19‬ح‪ 3‬وح‪ ،4‬ووسائل الشيعة‪:‬‬
‫ج‪ 27‬ص‪ 139‬ب‪ 11‬ح‪.33422‬‬
‫ بحار األنوار‪ :‬ج‪ 78‬ص‪ 327‬ب‪ 25‬ح‪ ،5‬وج‪ 71‬ص‪ 173‬ب‪ 62‬ح‪.5‬‬

‫‪191‬‬

‫صيغة أحس���ن من الصيغة الديمقراطية‪ ،‬وباالصطالح اإلس�ل�امي‪ ،‬الصيغة‬
‫االستشارية‪.‬‬
‫تقدم‪ ،‬فاالستش���ارية اإلسالمية وبسبب نزوعها نحو‬
‫باإلضافة إلى ما ّ‬

‫ألن اإلسالم‬
‫تؤدي إلى االستقامة‬
‫والتقدم‪ ،‬ذلك ّ‬
‫ّ‬
‫القانون اإللهي السليم‪ ،‬فهي ّ‬

‫يقر الحدود اللغوية‪ ،‬والجغرافية‪ ،‬والجنسية‪ ،‬مثلما نرى ذلك في الكثير‬
‫ال ّ‬

‫َ‬
‫من دول العالم‪ ،‬فقانون اإلسالم هو‪َ ِ :‬‬
‫ُم} ‪.‬‬
‫{إ َّن أ ْك َر َم ُك ْم ِع ْن َد اهللِ أ ْت َقاك ْ‬

‫خاصة‪ ،‬أو ما أشبه‬
‫ومن الواضح ّ‬
‫خاصة‪ ،‬أو لغة ّ‬
‫أن التقولب بجنسية ّ‬

‫األمة على الفاضل‪ ،‬أو‬
‫ذلك‪ ،‬كثيرًا ما يكون س���ببًا في تق ّدم المفضول في ّ‬

‫الفاض���ل على األفضل‪ ،‬بينما موقف اإلس�ل�ام هو أن يتق��� ّدم األفضل على‬

‫الفاضل‪ ،‬وباإلضافة إلى كون هذه القاعدة عقلية فهي قاعدة شرعية أيضًا‪.‬‬

‫ومن اإلشكاالت على الديمقراطية‪ ،‬أنها تساوي بين العالم والجاهل‪،‬‬
‫‪192‬‬

‫والمجرب‬
‫والشاب الجديد البلـوغ والفتاة المراهقة‬
‫والخبير وغيـر الخبيـر‪،‬‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫الذي عمره ستون سن ًة؛ فتجعل الجميع بمنزلة واحدة؟‪.‬‬

‫تقدم من أنه أفضل الطرق إل���ى الحكم وأنه الطريق‬
‫والج���واب كما ّ‬

‫كل الشؤون‪،‬‬
‫األقل إش���كا ً‬
‫أن العالم هكذا في ّ‬
‫ال ومحذورًا هذا باإلضافة إلى ّ‬
‫فالقانون واح ٌد وإن كان من يش���ملهم مختلفي���ن غاية االختالف وال يمكن‬

‫جعل ذلك االختالف س���ببًا الختالف القانون في جميع القوانين المجعولة‪،‬‬
‫أن اهلل س���بحانه وتعالى لم يجعل العالم الذي نحن فيه إ ّ‬
‫ال كذلك‪،‬‬
‫والس���ر ّ‬
‫ّ‬
‫ولذا إذا سرق ابن شخصية يجزى السارق وإن كان في ذلك إهانة لوالده بل‬

‫لعائلته‪ ،‬بينما الوالد أو العائلة ليس لهم ي ٌد في ذلك وهم منه براء‪ ،‬وكذلك‬

‫في سائر الجرائم المشابهة‪ ،‬فما ذنب أولئك حّتى تشملهم اإلهانة‪ ،‬إلى غير‬
‫ذلك من االختالفات االقتصادية‪ ،‬واالجتماعية‪ ،‬والعس���كرية‪ ،‬والسياسية‪،‬‬
‫وغيرها‪.‬‬

‫ سورة الحجرات‪ :‬اآلية ‪.13‬‬

‫فإن من يريد مالحظة فلسفة التاريخ كتابة‪ ،‬أو خطابة‪،‬‬
‫وعلى أي حال‪ّ :‬‬

‫األمة أو الحضارة ف���ي الديمقراطية‪،‬‬
‫أو نحوهم���ا‪ ،‬عليه أن يالحظ حال���ة ّ‬

‫أو االس���تبداد‪ ،‬ففي االس���تبداد؛ تكون نفس���يات األمم والحضارات معتادة‬
‫على النف���اق‪ ،‬والتملّ���ق‪ ،‬والخض���وع‪ ،‬وإطاعة األوامر بص���ورة صارمة‪،‬‬

‫أن القلوب في ٍ‬
‫ّ‬
‫واد آخ���ر‪ ،‬بينما العكس يقع في‬
‫والتصفي���ق‬
‫للحكام م���ع ّ‬
‫الديمقراطيات‪.‬‬

‫أن الم���ؤرخ الحكيم هو من يقرأ م���ا وراء المفردات‬
‫وم���ن المعلوم ّ‬

‫أم���ة بما ال إمكانية لها فيه‪ ،‬وال بما ال‬
‫التاريخي���ة‪ ،‬فليس‬
‫للمؤرخ أن يظلم ّ‬
‫ّ‬

‫{والَ تُ َح ِّم ْلنَا َما الَ َطاقََة لَنَا بِِه}‪،‬‬
‫قدرة لها عليه‪ ،‬وقد قال‪ ‬سبحانه وتعالى‪َ :‬‬
‫وهكذا يرى العقالء‪.‬‬

‫‪193‬‬

‫ أخبر الفرزدق اإلمام الحسين ع عندما سأله عن أهل العراق‪ ،‬قال‪ :‬قلوب الناس معكم وسيوفهم عليكم‪.‬‬
‫ سورة البقرة‪ :‬اآلية ‪.286‬‬

‫الهجرة ومسيرة التكامل‬

‫تفجر‬
‫التغرب والهجرة هي من عوامل ّ‬
‫مس�ألة‪ :‬من فلس���فة التاريخ أن ّ‬

‫الطاقات‪ ،‬وتحريك األمم‪ ،‬وبزوغ الحضارات‪ ،‬ونمو المواهب‪ ،‬ولذلك لم‬
‫يعترف اإلس�ل�ام بالحدود الجغرافية‪ ،‬إذ إنها تحد مس���يرة التكامل‪ ،‬وعلى‬
‫ال واس���تنادًا لقوانينها التي ما‬
‫عكس ذلك‪ ،‬نجد القوانين الوضعية‪ ،‬تؤكد مث ً‬
‫أنزل اهلل بها من س���لطان أنه ال يسمح لألفغاني أن يكون رئيسًا إليران‪ ،‬وال‬
‫الباكس���تاني أن يكون رئيسًا في العراق‪ ،‬بينما في إطار المرجعية اإلسالمية‬
‫‪194‬‬

‫ال من أي بلد إسالمي‪ ،‬ويمكن أن‬
‫من الممكن أن يكون المرجع الديني رج ً‬
‫يكون ضمن شورى الفقهاء أش���خاص من باكستان‪ ،‬وإيران‪ ،‬وأفغانستان‪،‬‬
‫والعراق‪ ،‬ففي تاريخنا المعاصر الحظنا كيف أصبح اآلخوند األفغاني مرجعًا‬
‫والسيد اليزدي مرجعًا للعراق‪ ،‬وهذه القاعدة ليست حصرًا على‬
‫في إيران‪،‬‬
‫ّ‬

‫فالمتقدم يتق ّدم حّتى في غير مجال الحكم‪ ،‬كمجال االقتصاد‪،‬‬
‫المرجعية‪،‬‬
‫ّ‬
‫ال‪ .‬فليس التمايز‬
‫والجيش‪ ،‬وما أشبه ذلك‪ ،‬س���واء كان‬
‫المتقدم ح ّقًا أو باط ً‬
‫ّ‬

‫باللغة‪ ،‬أو القومية‪ ،‬وما أشبه ذلك‪.‬‬

‫ونذكر مثال ذلك في التاريخ اإلس�ل�امي ف���ي مختلف مناحي الحياة‬
‫عباس العربي‪،‬‬
‫كس���لمان الفارس���ي‪ ،‬حيث اختير حاكمًا للعراق‪ ،‬واب���ن ّ‬

‫ عبد اهلل بن عباس بن عبد المطلب‪ ،‬ابن عم الرسول األكرم ص‪ ،‬والمشهور ب‍حبر األمة‪ ،‬عالم وفقيه ومفسر وشاعر‪ ،‬ولد‬
‫بمكة سنة ‪‍ 3‬ه ‪624‬م‪ ،‬الزم الرسولص وروى عنه‪ ،‬ع ّده الشيخ الطوسي من أصحاب الرسول األكرمص تارة ألنه شهد‬
‫معه الفتح وحنين والطائف وحجة الوداع وتارة أخرى من أصحاب اإلمام أمير المؤمنينع ألنه شهد معه الجمل وصفين‬
‫والنهروان استنابه اإلمامع على البصرة‪ .‬روى عن النبيص وأمير المؤمنين وأبيه العباس وأبي ذر الغفاري وغيرهم‪ ،‬وقد‬
‫أولى اهتماماً كبيراً بالتفسير‪ ،‬يقول عمرو بن دينار‪ :‬ما رأيت مجلساً كان أجمع لكل خير من مجلس ابن عباس‪ ،‬الحالل‬
‫والحرام والعربية واألنساب والشعر ‪ ,‬ويقول ابن كثير‪ :‬حبر هذه األمة ومفسر كتاب اهلل وترجمانه‪ ،‬كُف بصره في آخر‬
‫حياته فسكن الطائف ومات فيها وذلك سنة ‪68‬ه‍‪ ،‬وقيل‪69 :‬ه‍‪ ،‬وقيل‪70 :‬ه‍‪ .‬ترجمه‪ :‬تنقيح المقال‪ :‬ج‪ 2‬ص‪ ،191‬رجال‬

‫حي���ث اُختير حاكمًا إلي���ران وذلك في عهد رس���ول اهلل (ص) ومن بعده‪،‬‬
‫وظلّت هذه القاع���دة جارية حّتى ما قبل قرن من الزمان‪ ،‬حيث كان األمراء‬
‫إلى حد ما يعيّنون على أس���اس الكفاءة وليس على أس���اس اللسان واللون‪.‬‬

‫تغير هذا المنهج‪.‬‬
‫ولكن عندما دخلت األفكار الغربية بالد المسلمين ّ‬

‫والتاري���خ يحدثنا أن نور الدين الزن���دي التركي‪ ،‬وصالح الدين‬

‫‬

‫الكردي المملوكي‪ ،‬ونابليون الكورس���يكي‪ ،‬وهتلر النمس���اوي‪ ،‬وجيفارا‬
‫األرجنتيني؛ أصبحوا قادة‪ ،‬ورؤساء‪ ،‬يحكمون شعوبًا غير شعوبهم‪ ،‬وقبل‬
‫هؤالء‪ ،‬كان اإلس���كندر قد أصبح رئيسًا لبلدان كثيرة‪ ،‬كما قاد أبو مسلم‬
‫الشيخ‪ :‬ص‪ 23‬و‪ ،46‬أسد الغابة‪ :‬ج‪ 3‬ص‪ ،290‬تذكرة الحفاظ‪ :‬ج‪ 1‬ص‪ ،40‬شذرات الذهب‪ :‬ج‪ 1‬ص‪ ،75‬تهذيب األسماء‬
‫واللغات‪ :‬ج‪ 1‬ص‪ ،274‬العبر‪ :‬ج‪ 1‬ص‪ ،76‬البداية والنهاية‪ :‬ج‪ 8‬ص‪ ،290‬موسوعة المورد‪ :‬ج‪ 5‬ص‪.146‬‬
‫ محمود بن عماد الدين الزندي التركي‪ ،‬ويلقب ب‍نور الدين‪ ،‬حكم سوريا بعد أن اقتسم البالد التي كان يحكمها أبوه‪،‬‬
‫اقتسمها مع أخيه غازي‪ ،‬الملقب بسيف الدين‪ ،‬والذي حكم شمال العراق‪ ،‬فحكم نور الدين سوريا من سنة ‪1146‬م وإلى‬
‫سنة ‪1174‬م ثم ضم إليها دمشق سنة ‪1154‬م ومصر سنة ‪1168‬م‪ ،‬وكان أحد قواده في مصر صالح الدين األيوبي‪.‬‬
‫ صالح الدين بن يوسف بن نجم الدين بن شاذي األيوبي ‪ ,‬هاجر جده شاذي مع ولديه نجم الدين وأسد الدين إلى‬
‫بغداد وعين على قلعة تكريت‪ ،‬مؤسس الدولة األيوبية والتي أسماها باسم عائلته واستمر حكمها من سنة ‪1169‬م وإلى‬
‫‪1250‬م‪ ،‬وأطيح بها من قبل المماليك‪ ،‬وقد حكموا مصر والشام وبعض بالد العراق والجزء الجنوبي من شبه جزيرة‬
‫العرب‪ ،‬وعدد حكامها ثمانية أشخاص أولهم‪ :‬صالح الدين وآخرهم نوران شاه‪ ،‬ولد صالح الدين في تكريت سنة ‪532‬ه‍‬
‫‪1137‬م‪ ،‬وعاش في دمشق عشر سنوات‪ ،‬في عهد نور الدين محمود ثم ذهب مع عمه شيركوه إلى مصر‪ ،‬استجاب ًة‬
‫للخليفة الفاطمي العاضد الذي طلب مساعدته للرد على الصليبيين‪ ،‬الذين زحفوا على عسقالن حتى وصلوا إلى بليس‬
‫وهددوا القاهرة ثم تقهقروا عنها دون قتال‪ ،‬وعندما وصل شيركوه إلى القاهرة عهد إليه العاضد منصب الوزارة ثم‬
‫من بعده لصالح الدين‪ ،‬ولكن صالح الدين سعى للتخلص من العاضد‪ ،‬فانقلب على الحكم وقضى على الدولة الفاطمية‬
‫وخطب للعباسيين واعترف بسلطة الخليفة العباسي سنة ‪566‬ه‍ ‪1171‬م‪ ،‬وقد حكم مصر أربعاً وعشرين سنة من ‪564‬ه‍‬
‫‪1169‬م‪ ،‬ومات سنة ‪‍ 589‬ه ‪1193‬م عن عمر يناهز السبع والخمسين سنة‪ ،‬اتسم حكمه بالديكتاتورية واالستبداد وأجبر‬
‫الناس على اعتناق المذهب الشافعي‪ ،‬وحارب مذهب الشعب المصري وهو مذهب التشيع‪ ،‬وحبس علماءهم وكان يتتبع‬
‫آثارهم لقتلهـم‪ ،‬وعـزل قضـاة الشيعة وصلب بعضهم أمثال‪ :‬هبة اهلل بن كامل وعبد الصمد الكاتب وداعـي الدعاة بن‬
‫عبد القوي‪ ،‬وكان يقتل كل من يمدح أهل البيت أو يذكر فضائلهم فيقطع لسانه ويديه ثم يرجمه‪ ،‬وكان يأخذ الضرائب‬
‫والمكوس من الشيعة لتشيعهم وأقلها خمسمائة ألف درهم وستمائة ألف دينار‪ ،‬ومن الجرائم التي تفرد بها أنه فرق‬
‫بين رجال الشيعة ونسائهم حتى ال يتناسلوا ‪ ,‬وجعل يوم العاشر من محرم يوم استشهاد سبط الرسول األكرمص‬
‫يوم عيد‪ ،‬نكاية بالحسينع‪ ،‬ومنع ذكر حي على خير العمل في األذان وصادر أموال الناس وأعطاها لجنده وقام بإحراق‬
‫المكتبات سنة ‪574‬ه‍ و جعل بعضها كالتالل في سيناء وصب عليها القير والبعض اآلخر أحرقها وغير ذلك مما يندى‬
‫له جبين كل صاحب شرف وغيرة ودين وإنسانية‪ ،‬ومن مثالبه أيضاً أنه قسم البالد بين أوالده أيام الزحف الصليبي‬
‫على بالد اإلسالم فأعطى لولده عثمان الملقب بالعزيزـ مصر‪ ،‬وأعطى لولده‪ ،‬األفضل دمشق‪ ،‬ولولده‪ ،‬الظاهر حلب‪،‬‬
‫والبن أخيه حماه‪ ،‬والبن عمه‪ ،‬محمد بن شيركوه حمص‪ ،‬وألخيه العادل الجزيرة‪ ،‬وألخويه اليمن‪ ،‬وأن أوالده بدل أن‬
‫يحاربوا الزحف الصليبي حارب بعضهم بعضاً وذلك سنة ‪596‬ه‍ ‪1200‬م‪.‬‬
‫ اإلسكندر ملك اليونان‪ ،‬الملقب بذي القرنين‪ ،‬ولد سنة ‪356‬ق‪.‬م‪ ،‬ومات بالحمى في بابل سنة ‪324‬ق‪ .‬م‪ ،.‬ودفن في‬
‫اإلسكندرية بمصر‪ ،‬تسلم الحكم سنة ‪336‬ق‪.‬م‪ ،.‬واستمر إلى سنة ‪324‬ق‪.‬م‪ ،.‬بدأ فتوحاته سنة ‪334‬ق‪.‬م‪ ،.‬فخاض‬
‫حروباً مع داريوش‪ ،‬الملك الفارسي وهزمه وذلك سنة ‪333‬ق‪.‬م‪ ..‬واستولى على سواحل فينيقيا والقدس وبابل بعد أن‬
‫قضى على ملكها دارا بن دارا وتزوج ابنته‪ ،‬واحتل مصر سنة ‪332‬ق‪.‬م‪ ،.‬وامتد ملكه إلى شطر الشرق على ضفاف نهر‬
‫هيداسب في الهند سنة ‪ 327‬ق‪ .‬م‪ ،.‬واحتل الهند بعد بالد فارس وكان حاكمها آنذاك فور ونصب حاكماً عليها يسمى‬
‫كيهن‪ ،‬بنى مدينة اإلسكندرية سنة ‪322‬ق‪ .‬م‪ ،.‬ويعد من تالميذ أرسطو‪ ،‬وخلف عند وفاته إمبراطورية تمتد من اليونان‬

‫‪195‬‬

‫‬
‫عربيها‪ ،‬ولذا نج���د كثيرًا من المفكرين‬
‫عربيه���ا وغير ّ‬
‫الخراس���اني البالد ّ‬

‫وحيوية األقلّيات‪،‬‬
‫الغربيين‪ ،‬يؤكدون على جذب الغرباء‪ ،‬ونشاط المغتربين‪،‬‬
‫ّ‬
‫مؤسس���ي االمبراطوريات‪،‬‬
‫يميز به���ا أهل العل���وم االجتماعية بعض ّ‬
‫الت���ي ّ‬

‫والدول والعقائد واألشكال‪ ،‬وهي تكاد تتحول بسبب االغتراب الجغرافي‪،‬‬
‫العادية‪.‬‬
‫أو االجتماعي‪ ،‬أو النفسي إلى الطاقة االقتحامية غير ّ‬

‫وال عجب في ذلك‪ ،‬فقد قال رس���ول اهلل (ص) عن لسان اهلل سبحانه‬

‫وتعالى‪( :‬وضعت العلم والحكمة في الجوع والناس يطلبون في الشبع)‪،‬‬
‫أن اهلل س���بحانه وتعالى قال‪( :‬إني جعلت العلم في‬
‫وفي الحديث القدس���ي ّ‬
‫ألن‬
‫الجوع والغربة والناس يطلبونه في الشبع والوطن فال يجدوه)‪ ،‬وذلك ّ‬
‫اإلنس���ان المغترب والجائع أكثر اندفاعًا إلى طلب الشيء من غيرهما‪ .‬وهذا‬

‫كل مجاالت الحياة‪.‬‬
‫هو سبب التق ّدم ال بالنسبة للعلم بل في ّ‬
‫‪196‬‬

‫وتغربـوا‪ ،‬وفي هذا المجال يقول‬
‫وال عجب‪ ،‬فقـد اغتـرب أكثـر األنبيـاء ّ‬

‫الحديث الشريف‪( :‬ولد اإلسالم غريبًا وسيعود غريبًا فطوبى للغرباء) ‪ ،‬وقد‬
‫‬

‫(ولِ َد اإلس�ل�ام غريبًا في أرض غريبة)‪ ،‬وقد كان‬
‫العامة‪ُ :‬‬
‫رأيت حديثًا رواه ّ‬

‫الغربية إلى الهند ومن الهيلسبونت إلى مصر الجنوبية‪.‬‬
‫ عبد الرحمن بن مسلم المروزي‪ ،‬المشهور بأبي مسلم‪ ،‬مؤسس الدولة العباسية‪ ،‬ولد سنة ‪100‬ه‍ ‪718‬م‪ ،‬أرسله إبراهيم‬
‫بن محمد بن علي زعيم الدعوة العباسية قبل \ الدعوة العباسية قبل ظهورها‪ ،‬داعية إلى خراسان ووالياً عليها بعد‬
‫أن كاتبه أهل خراسان فحارب أبو مسلم والي بني أمية في خراسان علي بن الكرماني وانتصر عليه ثم استولى على‬
‫نيسابور‪ ،‬وقد عرف أبو مسلم ببطشه وسفكه للدماء وقد بلغ عدد قتاله ستمائة ألف ؛ كما عن كتاب وقائع األيام‬
‫للشيخ عباس القمي‪ :‬ص‪ .370‬قتله المنصور الدوانيقي بالسم سنة ‪137‬ه‍ ‪755‬م بعد أن أودعه السجن‪ ،‬عاش سبعاً‬
‫وثالثين سنة‪.‬‬
‫ ونص الحديث‪ :‬روي عن النبيص أنه قال‪ :‬قال تعالى‪ :‬إني وضعت خمسة أشياء في خمسة والناس يطلبون في خمسة‬
‫أخرى فمتى يجدون‪ ،‬إني وضعت الع ّز في طاعتي والناس يطلبون في أبواب السالطين فمتى يجدون‪ ،‬ووضعت العلم‬
‫والحكمة في الجوع والناس يطلبون في الشبع فمتى يجدون‪ ،‬ووضعت الراحة في الجنة والناس يطلبون في الدنيا فمتى‬
‫يجدون‪ ،‬وإني وضعت الغنى في القناعة والناس يطلبون في المال فمتى يجدون‪ ،‬ووضعت رضاي في مخالفة الهوى‬
‫والناس يطلبون في مخالفتي فمتى يجدون‪ .‬جامع األخبار‪ :‬ص‪.184‬‬
‫ وفي عدة الداعي‪ :‬ص‪ 179‬ففيما أوحى اهلل تعالى إلى داود‪ ،‬ياداود إني وضعت خمسة في خمسة والناس يطلبونها في‬
‫خمسة غيرها فال يجدونها‪ ،‬وضعت العلم في الجوع والجهد وهم يطلبونه في الشبع والراحة فال يجدونه‪ ،‬ووضعت‬
‫العز في طاعتي وهم يطلبونه في خدمة السلطان فال يجدونه‪ ،‬ووضعت الغنى في القناعة وهم يطلبونه في كثرة المال‬
‫فال يجدونه‪ ،‬ووضعت رضائي في سخط النفس وهم يطلبونه في رضى النفس فال يجدونه‪ ،‬ووضعت الراحة في الجنة‬
‫وهم يطلبونها في الدنيا فال يجدونها‪.‬‬
‫ غيبة النعماني‪ :‬ص‪ 32‬وص‪ ،320‬بحار األنوار‪ :‬ج‪ 8‬ص‪ 12‬ب‪ 19‬ح‪ 10‬بالمعنى وقريب منه في إرشاد القلوب‪ :‬ص‪313‬‬
‫ومكارم األخالق‪ :‬ص‪ 449‬والجامع الصغير‪ :‬ج‪ 1‬ص‪.77‬‬
‫ وقريب منه في مصنف ابن أبي شيبة‪ :‬ج‪ 7‬ص ‪ 83‬ح ‪.34366‬‬

‫النبـي إبراهي���م(ع) عراقيًا لكّنه بلّغ في غير العراق‪ ،‬ومثل اغتراب األنبياء‪،‬‬

‫مـوس���ى‪ ،‬ويـوسف‪ ،‬وعيس���ى‪ ،‬واغتراب نبي اإلسالم (ص) فقد هاجر من‬

‫ّ‬
‫يؤرخـون‬
‫مكة إلى المدينة‪ .‬بـل بـدأ المس���لمـون منذ زمـن الـرس���ول (ص) ّ‬
‫بالتاريـخ الهجـري‪ ،‬إذ اعتبروا هجـرة الرس���ول بداية للحضارة اإلس�ل�امية‪.‬‬

‫فالنبي (ص) الذي ُولِ َد في ّ‬
‫مكة أنشـأ دولته فـي المدينة‪ ،‬وجان جاك روسو‬

‫‬

‫هـو ّ‬
‫مفكـر سويسري؛ قـاد الشـعب الفرنسي فكـريًا إلــى الثورة‪ ،‬ومـاركس‬

‫ّ‬
‫مفـكـ���ر ألمانــي‪ ،‬طــرح نظريته فـي روس���يا‪ ،‬وقبلهما كـان آريوس‪ ،‬بطـل‬
‫الث���ورة الدينية في بيزنطا‪ ،‬وهو في األصـل مــن ليبيـ���ا‪ ،‬التــي كـان منهــا‬
‫إن فرعون مصر كان من اصبهان‬
‫أيضـًا فرعــون مصــر‪ ،‬بــل قـال بعضهـم ّ‬

‫‬

‫إيران‪.‬‬

‫والتأمـل‪،‬‬
‫وبالهج���رة وّفر اإلس�ل�ام من���اخ التس���امح‪ ،‬والتفكيـ���ر‪،‬‬
‫ّ‬

‫واإلبـداع‪ ،‬لعشـرات المفكــرين‪ ،‬والفالسفـة مـن غيـر العـرب كابـن سينـاء‪،‬‬
‫والفارابـي‪ ،‬ومحمد الغـزالـي‪ ،‬وجمـال الديـن األفغـانـي‪،‬والشيـرا ّزييـن‬

‫ جان جاك روسو‪ ،‬كاتـب وفيلسـوف وعالـم اجتمـاع فـي عصـر التنوير‪ ،‬ولد في جنيف سنة ‪1712‬م‪ ،‬ومات سنة ‪1778‬م‪،‬‬
‫مهدت مؤلفاتـه النـدالع الثـورة الفرنسيـة وانبثـاق الحـركة الرومانتيكيـة فـي آن واحـد‪ ،‬مـن اعتقاداتـه‪ :‬إن المجتمـع‬
‫يفسـد اإلنسان الصالح بفطرته‪ .‬كما كـان يعتقـد بالمذهب التجريدي‪ ،‬لـه عدة مؤلفات منها‪ :‬العقد االجتماعـي‪ ،‬أصل‬
‫التعاون بين البشر‪ ،‬االعترافات‪ ،‬أحالم المتنزه المتوحد‪ ،‬أميل‪.‬‬
‫ وتعرف حالياً بأصفهان‪.‬‬
‫ محمد بن محمد بن أحمد الطوسي الشافعي والمشهور ب‍الغزالي‪ ،‬ولد في خراسان سنة ‪‍ 450‬ه ‪1058‬م‪ ،‬درس في جرجان‬
‫ونيسابور وبغداد‪ ،‬وأخذ يدرس في المدرسة النظامية ببغداد عدة سنوات ثم تنقل بين الحجاز ودمشق وبقي في األخيرة‬
‫مرة أخرى ؛ وتوفي فيها سنة ‪505‬ه‍ ‪1111‬م‪ ،‬بلغت‬
‫عشرة سنوات ثم انتقل إلى القدس واإلسكندرية ثم رجع إلى طوس ّ‬
‫مؤلفاته المائتين منها‪ :‬إحياء علوم الدين‪ ،‬الحصن الحصين في التجريد والتوحيد‪ ،‬تهافت الفالسفة‪ ،‬الوجيز في فروع‬
‫الفقه الشافعي‪ ،‬فيصل التفرقة بين ا ٍإلسالم والزندقة‪ ،‬المستصفى في أصول الفقه‪.‬‬
‫ جمال الدين األفغاني‪ ،‬ولد في أفغانستان سنة ‪1254‬ه‍ ‪1838‬م وقيل‪ :‬ولد في أسد‪ ‬آباد من توابع مدينة همدان اإليرانية‪،‬‬
‫ومات سنة ‪‍ 1315‬ه ‪1897‬م في تركيا‪ ،‬كاتب وخطيب ومصلح ديني واجتماعي وسياسي وداعية في القرن التاسع عشر‬
‫الميالدي‪ ،‬سعى إلى تحرير المسلمين من االستعمار والتدخل األجنبي‪ ،‬وفي عام ‪1273‬ه‍ ‪1857‬م‪ ،‬دعا إلى فكرة الجامعة‬
‫اإلسالمية وأنشأ جمعية أم القرى‪ ،‬كافح االستعمار البريطاني في أفغانستان والهند‪ ،‬وأُبعد إلى مصر سنة ‪1286‬ه‍‬
‫‪1870‬م‪ ،‬ثم رحل إلى الهند سنة ‪1296‬ه‍ ‪1879‬م ثم انتقل إلى فرنسا سنة ‪‍ 1300‬ه‍‪1883‬م وفيها أنشأ مع محمد عبده‬
‫جمعية باسم العروة الوثقى‪ ،‬ومجلة تحمل نفس االسم‪ ،‬كما أنشأ في أنجلترا مجلة ضياء الخافقين بعد أن رحل إليها‪،‬‬
‫ونفي إلى اسطنبول سنة ‪‍ 1309‬ه ‪1892‬م في عهد عبد الحميد الثاني العثماني إلى أن وافاه األجل‪ ،‬من مؤلفاته‪ :‬الرد‬
‫على الدهريين‪.‬‬

‫‪197‬‬

‫والطـوسيين‪ ،‬ومن إليهم‪.‬‬
‫‪،‬‬
‫ّ‬

‫ومثـل الغربـاء‪ ،‬كان هناك المغتربون‪ ،‬من هو س���يئ من الذي هاجر‬

‫من فرنسـا‪ ،‬حيث عمـل هنـاك‪ ،‬فانتقل إلى بالده‪ ،‬وبدأ بالثورة هناك‪.‬‬
‫وهكذا كاس���ترو‪ ،‬الـ���ذي هاجـر إلـى المكس���يك‪ ،‬ولينـين الـذي‬
‫اغترب فـي سويس���را‪ ،‬وكـانت مهاجـر مصر‪ ،‬وفرنس���ا‪ ،‬وأمريكا الشمالية‬
‫ّ‬
‫للمفكرين من العرب‪ ،‬وغير العرب‪ ،‬وهكذا أصبح سعدي‬
‫مقرًا‬
‫والجنوبية‪ّ ،‬‬
‫الش���يرازي مغتربًا في بغداد؛ ألنّه درس في المدرسة النظامية ثالثين سنة‪.‬‬

‫‪198‬‬

‫ وهما‪ :‬أ‪ .‬آية اهلل العظمى السيد محمد حسن بن محمود الشيرازي المشهور ب‍المجدد‪ ،‬ولد في شيراز سنة ‪‍ 1230‬ه‬
‫‪1814‬م وتوفي سنة ‪‍ 1312‬ه ‪1895‬م في مدينة سامراء ودفن في النجف األشرف‪ ،‬تتلمذ عند العلماء األعالم أمثال‪:‬‬
‫السيد حسين المدرس والمحقق الكلباسي والشيخ محمد حسن الجواهري والشيخ مرتضى األنصاري‪ ،‬تص ّدى لمهام‬
‫المرجعية بعد وفاة األنصاري سنة ‪1281‬ه‍‪ ،‬قارع االستعمار البريطاني وحكومة ناصر الدين شاه القاجاري في ثورته‬
‫المعروفة التنباك بعد أن منح الشاه امتياز حصر التبغ لشركة إنجليزية بشروط مجحفة بح ّق إيران بعد أن قادت‬
‫بريطانيا في ربيع الثاني سنة ‪‍ 1309‬ه جيشاً قوامه أربعمائة ألف مقاتل الحتالل إيران‪ ،‬وهذه الثورة أيقظت العالم‬
‫اإلسالمي وأعطته الوعي السياسي في تاريخه الحديث‪ ،‬كما وقف الشيرازي بوجه الفتنة الطائفية التي أحدثها ملك‬
‫أفغانستان عبد الرحمن خان ؛ حيث أخذ يقتل الشيعة ويجعل من رؤوسهم منائر في كل مكان وأخذ يعتقل النساء‬
‫ويجعلهن إماًء ويبيعهن بأبخس األثمان‪.‬‬
‫ب‪ .‬آية اهلل العظمى الشيخ محمد تقي الشيرازي‪ ،‬قائد ثورة العشرين التحررية في العراق ضد االستعمار البريطاني‪ ،‬الذي‬
‫اغتيل بالسم سنة ‪‍ 1338‬ه ‪1920‬م‪ ،‬ودفن في حرم اإلمام الحسينع‪ ،‬له باع طويل في حفظ الحوزات العلمية ونشر علوم‬
‫أهل البيتع من مواقفه السياسية‪ :‬إصداره فتوى ضد االحتالل اإلنجليزي للعراق سنة ‪1914‬م وتخطيطه للثورة ضدهم‪،‬‬
‫وإصداره فتوى سنة ‪1337‬ه‍ ‪1919‬م ضد المعتمد السامي الذي نصب نفسه حاكماً على العراق عبر االنتخابات الصورية‪،‬‬
‫كما أصدر فتوى أخرى جعل اإلنجليز يجرون أذيال الخيبة واالنكسار ويسحبون جيوشهم من أرض الرافدين‪ ،‬ومن‬
‫مواقفه أيضاً استنكاره للمعاهدة البريطانية اإليرانية سنة ‪1336‬ه‍ ؛ والذي أدى موقفه إلى إلغائها‪ ،‬قال عنه السيد حسن‬
‫الصدر في التكملة‪ :‬عاشرته عشرين عاماً فما رأيت منه زلة وال أنكرت عليه خلة‪ ،‬من مؤلفاته‪ :‬حاشية على المكاسب‪،‬‬
‫رسالة في صالة الجمعة‪ ،‬رسالة في الخلل‪.‬‬
‫مرت ترجمته في ص ‪52‬ـ‪ ،53‬وثانيهما الشيخ محمد بن محمد بن الحسن الجهرودي‬
‫ أولهما الشيخ الطوسي‪ ،‬والذي ّ‬
‫الطوسي والمشهور ب‍نصير الدين‪ ،‬ولد في خراسان سنة ‪597‬ه‍ ‪1201‬م وتوفي في الكاظمية سنة ‪672‬ه‍ ‪1273‬م‪ ،‬عالم‬
‫فر منها خالل اجتياح جنكيز خان لها‬
‫وفقيه وفيلسوف ورياضي وفلكي وسياسي‪ ،‬درس في طوس ونيسابور التي ّ‬
‫ولجأ إلى قالع اإلسماعيليين التي هي األخرى تعرضت لغزو هوالكو واستسلم من فيها وقتلهم هوالكو جميعاً باستثناء‬
‫طبيبين والشيخ الطوسي‪ ،‬وحمل هوالكو الثالثة معه‪ ،‬وبطريقة ذكية استغل الطوسي هوالكو ؛ فأنقذ الكثير من علماء‬
‫المسلمين من القتل‪ ،‬وحفظ الكثير من الكتب اإلسالمية من الحرق والتلف عبر إنشاء مرصد في مدينة مراغة سنة‬
‫‪657‬ه‍‪ ،‬والذي اشتهر بآالته وراصديه‪ ،‬وجمع الكثير من العلماء من البلدان وجلبهم ليساعدوه في هذا األمر وأسس‬
‫المكتبات والمدارس‪ ،‬وضمت إحدى المكتبات في زمانه أربعمائة ألف كتاب‪ ،‬واألكثر من هذا جعل الكثير من المغول‬
‫يعتنقون اإلسالم‪ ،‬وأسهم في تطوير علم المثلثات‪ ،‬من مؤلفاته‪ :‬شكل القطاع‪ ،‬تربيع الدائرة‪ ،‬تحرير أصول إقليدس‪،‬‬
‫تجريد الكالم‪ ،‬التذكرة النصيرية‪ ،‬تحرير المجسطي‪ ،‬األخالق الناصرية‪ ،‬تلخيص المحصل‪ ،‬الفصول النصيرية‪ ،‬شرح‬
‫اإلشارات‪ ،‬الفرائض النصيرية‪ .‬ترجمه روضات الجنات‪ :‬ج‪ 6‬ص ‪.300‬‬
‫ فيـدل كاستـرو‪ ،‬سياسـي كوبـي‪ ،‬ولـد سنـة ‪1927‬م‪ ،‬قـاد حـرب العصـابـات وأسقـط حكـم باتيمتـا سنـة ‪1959‬م‪ ،‬أصبـح‬
‫رئيسـاً للـوزراء ثـم رئيسـاً للبـالد سنـة ‪1976‬م وال يزال يحكم البالد‪.‬‬
‫ مصلح الدين مشرف بن عبد اهلل المشهور ب‍سعدي الشيرازي‪ ،‬شاعر فارسي‪ ،‬ولد في شيراز سنة ‪1213‬م وتوفي سنة‬
‫‪1292‬م‪ ،‬هاجر إلى األناضول وسوريا ومصر والعراق في العهد المغولي‪ ،‬ودرس في المدرسة النظامية في بغداد‪ ،‬من‬
‫مؤلفاته‪ :‬كتاب كلستان أي حديقة الورد وهو مجموعة نثرية من القصص األخالقية تتخللها أبيات من الشعر‪ ،‬وكتاب‬
‫بوستان أي البستان ويتحدث فيه عن األخالق‪ ،‬وقد ترجمت دواوينه إلى عدة لغات‪.‬‬

‫وجب���ران‪ ،‬والريحان���ي‪ ،‬وميخائيل نعيمة‪ ،‬وطه حس���ين‪ ،‬وتوفيق‬
‫‬
‫شميل‪ ،‬وفرح أنطون‪ ،‬وجرجي زيدان‪ ،‬ويعقوب‬
‫الحكيم ‪ ،‬وشبلي ّ‬

‫صروف‪ ،‬كلّه���م هاجروا‪ ،‬وتفتقت قرائحهم في الهج���رة‪ ،(1‬إذ القاعدة‬
‫ّ‬

‫ال‪ ‬تنطبق على المصلحين فحسب بل وتشمل المفسدين أيضًا الذين ملؤوا‬
‫ويبعد من جهـة‪،‬‬
‫البـالد فسادًا‪ ،‬فقـد ذكر األدباء ّ‬
‫يقرب من جهة‪ّ ،‬‬
‫أن المثال ّ‬

‫وهذا هـو فلسفـة مـا قاله الرسول األكرم (ص)‪( :‬اطلبوا العلم ولو بالصين)‪،(1‬‬

‫وقبل ذلك قال عيس���ى المس���يح(ع)‪( :‬الحكمة ضالّة المؤمن يلتقطها حيث‬
‫فإن اإلنسان إذا أراد أن يأخذ الجوهرة‬
‫وجدها مثل الجوهر في فم كلب)‪ّ ،(1‬‬
‫ جـبران خليـل جبران‪ ،‬ولد في بشري اللبنانية سنة ‪1883‬م‪ ،‬ومات في نيويورك سنة ‪1931‬م‪ ،‬أديب لبناني وشاعر‪،‬‬
‫هاجر إلى أمريكا وأصبح رئيساً للرابطة العلمية في نيويورك‪ ،‬برع في فن التصوير‪ ،‬وتوجد بعض تصاويره في متحف‬
‫جبران في بشرى اللبنانية‪.‬‬
‫من مؤلفاته‪ :‬األرواح المتمردة‪ ،‬األجنحة المتكسرة‪ ،‬دمعة وابتسامة‪ ،‬ال ّنبي‪ ،‬العواصف‪ ،‬البدائع والطرائف‪ ،‬آلهة األرض‪ ،‬يسوع‬
‫ابن اإلنسان‪ ،‬المواكب‪.‬‬
‫ أمين الريحاني‪ ،‬كاتب ومؤلف‪ ،‬ولد سنة ‪1876‬م‪ ،‬ومات سنة ‪1940‬م‪ ،‬من مؤلفاته‪ :‬ملوك العرب‪ ،‬تاريخ نجد الحديث‪،‬‬
‫المغرب األقصى‪.‬‬
‫ ميخائيل نعيمة‪ ،‬أديب ومفكر وشاعر وناقد لبناني‪ ،‬ولد سنة ‪1889‬م‪ ،‬وعاش في المهجر األمريكي سنوات طوال‪ ،‬له أكثر‬
‫من ثالثين مؤلفاً‪ ،‬منها‪ :‬الغربال‪ ،‬المراجل‪ ،‬زاد المعاد‪ ،‬البيادر‪ ،‬النور والديجور‪ ،‬مذكرات األرقش‪ ،‬في مهب الريح‪ ،‬في‬
‫الغربال الجديد‪ ،‬نجوى الغروب‪ ،‬ومضات‪ ،‬مِرداد‪ ،‬سبعون‪.‬‬
‫ طـه حسين‪ ،‬أديب وناقـد مصـري‪ ،‬ولـد في الصعيد سنة ‪1889‬م‪ ،‬أصيب في السادسة مـن عمـره برمـد ؛ ففقـد بصـره‪،‬‬
‫انتسب إلـى الجامعـة المصريـة سنـة ‪1908‬م ونال الدكتوراه سنة ‪1914‬م‪ ،‬هاجر إلى باريس للدراسة ونال شهادة‬
‫الدكتوراه فيها سنة ‪1918‬م‪ ،‬تقلد وزارة المعارف سنة ‪1950‬م‪ ،‬وأصبح رئيساً لمجمع اللغة العربية إلى أن وافاه األجل‬
‫في القاهرة سنة ‪1973‬م‪ ،‬من مؤلفاته‪ :‬األيام‪ ،‬على هامش السيرة‪ ،‬حديث األربعاء‪ ،‬الفتنة الكبرى‪ ،‬في الشعر الجاهلي‪،‬‬
‫المعذبون في األرض‪ ،‬من تاريخ األدب العربي‪.‬‬
‫ توفيق الحكيم‪ ،‬روائي وكاتب مسرحي مصري‪ ،‬ولد سنة ‪1898‬م‪ ،‬له عدة مؤلفات‪ ،‬منها‪ :‬عودة الروح‪ ،‬يوميات نائب في‬
‫األرياف‪ ،‬عصفور من الشرق‪ ،‬ومن أهم أعماله المسرحية‪ :‬شهرزاد‪ ،‬أهل الكهف‪.‬‬
‫شميل‪ ،‬طبيب لبناني‪ ،‬ولد سنة ‪1853‬م‪ ،‬هاجر إلى مصر وأصدر منها مجلة الشفاء سنة ‪1886‬م واستمرت في‬
‫ شبلي ّ‬
‫شميل‪.‬‬
‫الصدور لخمس سنوات‪ ،‬توفي سنة ‪1917‬م‪ ،‬من مؤلفاته‪ :‬فلسفة النشوء واالرتقاء‪ ،‬آراء الدكتور ّ‬
‫ فرح أنطون‪ ،‬كاتب قصصي وصحفي‪ ،‬ولد سنة ‪1861‬م‪ ،‬ومات سنة ‪1922‬م‪.‬‬
‫ جرجـي زيـدان‪ ،‬ولـد سنـة ‪1861‬م‪ ،‬ومـات سنـة ‪1914‬م‪ ،‬أديـب ومـؤرخ وصحفـي ومؤلـف لبنانـي‪ ،‬هاجـر إلـى مصـر‬
‫إبـان شبابـه حيـث أصـدر مجلـة الهـالل سنـة ‪1892‬م‪ ،‬ولـه سلسلـة روايـات عـن تاريـخ اإلســالم وتـراجم مشاهير‬
‫الشرق وتاريخ العرب قبل اإلسالم مــن أهـم مؤلفاتــه‪ :‬تاريـخ التمـدن اإلسالمـي‪ ،‬تاريـخ آداب اللغــة العربـيـة‪.‬‬
‫صروف‪ ،‬أديب ومترجم‪ ،‬ولد في لبنان سنة ‪1852‬م‪ ،‬هاجر إلى مصر ومات فيها سنة ‪1927‬م‪ ،‬أصدر مجلة‬
‫ يعقوب ّ‬
‫المقتطف المصرية سنة ‪1876‬م‪ ،‬وساهم في إصدار جريدة المقطم سنة ‪1889‬م‪ ،‬وساهم في ترجمة عدة كتب إلى‬
‫العربية في الرياضيات والفلسفة‪.‬‬
‫‪ (1‬وأمثال هؤالء‪ :‬العالم النحوي سيبويه‪ ،‬وابن مالك‪ ،‬والشاعر الفارسي ناصر خسرو‪.‬‬
‫‪ (1‬منية المريد‪ :‬ص‪ ،103‬روضة الواعظين‪ :‬ص‪ ،10‬غوالي اللئالي‪ :‬ج‪ 4‬ص‪ 70‬ح‪ ،38‬مشكاة األنوار‪ :‬ص ‪ ،135‬وسائل‬
‫الشيعة‪ :‬ج‪ 15‬ص‪ 27‬ب‪ 4‬ح ‪ ،33119‬وفي مصباح الشريعة‪ :‬ص‪ 13‬عن علي ع‪.‬‬
‫‪ (1‬وقريب منه عن الصادق ع في الكافي روضة‪ :‬ج‪ 8‬ص‪ 167‬ب‪ 8‬ح‪ 186‬ونهج البالغة قصار الحكم‪ :‬الحكمة ‪ 80‬وشرح‬
‫نهج البالغة البن أبي الحديد‪ :‬ج‪ 18‬ص‪ 229‬ب‪.77‬‬

‫‪199‬‬

‫ال ينظر إلى الظرف‪ ،‬وإنّما ينظر إلى قيمة الجوهرة‪.‬‬

‫يحد‬
‫مما ّ‬
‫ّ‬
‫أما التقيد بالقومية‪ ،‬واللغوية‪ ،‬والجنسية‪ ،‬ونحوها‪ ،‬فذلك ّ‬

‫من نش���اط المصلحين‪ ،‬ويوجب تقديم المفضول على الفاضل‪ ،‬والفاضل‬
‫(إن مثل هؤالء ال يزال أمرهم إلى سفال) ‪.‬‬
‫على األفضل‪ .‬ففي الحديث‪ّ :‬‬

‫مجاالت الحياة‬
‫وتغربـوا‪ ،‬وفي هذا المجال يقول‬
‫وال عجب‪ ،‬فقـد اغتـرب أكثـر األنبيـاء ّ‬

‫الحديث الشريف‪( :‬ولد اإلسالم غريبًا وسيعود غريبًا فطوبى للغرباء)‪ ،‬وقد‬
‫(ولِ َد اإلس�ل�ام غريبًا في أرض غريبة)‪ ،‬وقد كان‬
‫العامة‪ُ :‬‬
‫رأيت حديثًا رواه ّ‬
‫النبـي إبراهي���م(ع) عراقيًا لكّنه بلّغ في غير العراق‪ ،‬ومثل اغتراب األنبياء‪،‬‬

‫مـوس���ى‪ ،‬ويـوسف‪ ،‬وعيس���ى‪ ،‬واغتراب نبي اإلسالم (ص) فقد هاجر من‬

‫‪200‬‬

‫ّ‬
‫يؤرخـون‬
‫مكة إلى المدينة‪ .‬بـل بـدأ المس���لمـون منذ زمـن الـرس���ول (ص) ّ‬
‫بالتاريـخ الهجـري‪ ،‬إذ اعتبروا هجـرة الرس���ول بداية للحضارة اإلس�ل�امية‪.‬‬

‫فالنبي (ص) الذي ُولِ َد في ّ‬
‫مكة أنشـأ دولته فـي المدينة‪.‬‬

‫وجان جاك روس���و هـو ّ‬
‫مفكـر سويس���ري؛ قـاد الشـعب الفرنسي‬

‫فكـريًا إلــى الثورة‪ ،‬ومـاركس ّ‬
‫مفـكـر ألمانــي‪ ،‬طــرح نظريته فـي روس���يا‪،‬‬
‫وقبلهما كـان آريوس‪ ،‬بطـل الثورة الدينية في بيزنطا‪ ،‬وهو في األصـل مــن‬
‫إن فرعون‬
‫ليبيـا‪ ،‬التــي كـان منهــا أيضـًا فرعــون مصــر‪ ،‬بــل قـال بعضهـم ّ‬

‫مصر كان من إصبهان إيران‪.‬‬

‫ األمالي للصدوق‪ :‬ص‪ 644‬المجلس الثالث والتسعون‪.‬‬
‫ غيبة النعماني‪ :‬ص‪ 32‬وص‪ ،320‬بحار األنوار‪ :‬ج‪ 8‬ص‪ 12‬ب‪ 19‬ح‪ 10‬بالمعنى وقريب منه في إرشاد القلوب‪ :‬ص‪313‬‬
‫ومكارم األخالق‪ :‬ص‪ 449‬والجامع الصغير‪ :‬ج‪ 1‬ص‪.77‬‬
‫ وقريب منه في مصنف ابن أبي شيبة‪ :‬ج‪ 7‬ص ‪ 83‬ح ‪.34366‬‬
‫ جان جاك روسو‪ ،‬كاتـب وفيلسـوف وعالـم اجتمـاع فـي عصـر التنوير‪ ،‬ولد في جنيف سنة ‪1712‬م‪ ،‬ومات سنة ‪1778‬م‪،‬‬
‫مهدت مؤلفاتـه النـدالع الثـورة الفرنسيـة وانبثـاق الحـركة الرومانتيكيـة فـي آن واحـد‪ ،‬مـن اعتقاداتـه‪ :‬أن المجتمـع‬
‫يفسـد اإلنسان الصالح بفطرته‪ .‬كما كـان يعتقـد بالمذهب التجريدي‪ ،‬لـه عدة مؤلفات منها‪ :‬العقد االجتماعـي‪ ،‬أصل‬
‫التعاون بين البشر‪ ،‬االعترافات‪ ،‬أحالم المتنزه المتوحد‪ ،‬أميل‪.‬‬
‫ وتعرف حالياً باصفهان‪.‬‬

‫والتأمـل‪،‬‬
‫وبالهج���رة وّفر اإلس�ل�ام من���اخ التس���امح‪ ،‬والتفكيـ���ر‪،‬‬
‫ّ‬

‫واإلبـداع‪ ،‬لعشـرات المفكــرين والفالسفـة مـن غيـر العـرب كابـن سينـاء‪،‬‬
‫والفارابـي‪ ،‬محمد الغـزالـي‪ ،‬وجمـال الديـن األفغـانـي‪،‬والشيـرا ّزييـن‬

‫‬

‫‪،‬‬
‫والطـوسيين‪ ،‬ومن إليهم‪.‬‬
‫ّ‬

‫ محمد بن محمد بن أحمد الطوسي الشافعي والمشهور ب‍الغزالي‪ ،‬ولد في خراسان سنة ‪450‬ه‍ ‪1058‬م‪ ،‬درس في جرجان‬
‫ونيسابور وبغداد‪ ،‬وأخذ يدرس في المدرسة النظامية ببغداد عدة سنوات ثم تنقل بين الحجاز ودمشق وبقي في األخيرة‬
‫مرة أخرى ؛ وتوفي فيها سنة ‪505‬ه‍ ‪1111‬م‪ ،‬بلغت‬
‫عشر سنوات ثم انتقل إلى القدس واإلسكندرية ثم رجع إلى طوس ّ‬
‫مؤلفاته المائتين منها‪ :‬إحياء علوم الدين‪ ،‬الحصن الحصين في التجريد والتوحيد‪ ،‬تهافت الفالسفة‪ ،‬الوجيز في فروع‬
‫الفقه الشافعي‪ ،‬فيصل التفرقة بين ا ٍإلسالم والزندقة‪ ،‬المستصفى في أصول الفقه‪.‬‬
‫ جمال الدين األفغاني‪ ،‬ولد في أفغانستان سنة ‪‍ 1254‬ه ‪1838‬م وقيل‪ :‬ولد في أسد‪ ‬آباد من توابع مدينة همدان اإليرانية‪،‬‬
‫ومات سنة ‪‍ 1315‬ه ‪1897‬م في تركيا‪ ،‬كاتب وخطيب ومصلح ديني واجتماعي وسياسي وداعية في القرن التاسع عشر‬
‫الميالدي‪ ،‬سعى إلى تحرير المسلمين من االستعمار والتدخل األجنبي‪ ،‬وفي عام ‪1273‬ه‍ ‪1857‬م‪ ،‬دعا إلى فكرة الجامعة‬
‫اإلسالمية وأنشأ جمعية أم القرى‪ ،‬كافح االستعمار البريطاني في أفغانستان والهند‪ ،‬وأُبعد إلى مصر سنة ‪1286‬ه‍‬
‫‪1300‬ه ‪1883‬م وفيها أنشأ مع محمد عبده‬
‫‍‍‬
‫‪1870‬م‪ ،‬ثم رحل إلى الهند سنة ‪1296‬ه‍ ‪1879‬م ثم انتقل إلى فرنسا سنة‬
‫جمعية باسم العروة الوثقى‪ ،‬ومجلة تحمل نفس االسم‪ ،‬كما أنشأ في أنجلترا مجلة ضياء الخافقين بعد أن رحل إليها‪،‬‬
‫ونفي إلى اسطنبول سنة ‪‍ 1309‬ه ‪1892‬م في عهد عبد الحميد الثاني العثماني إلى أن وافاه األجل‪ ،‬من مؤلفاته‪ :‬الرد‬
‫على الدهريين‪.‬‬
‫ وهما‪ :‬أ‪ .‬آية اهلل العظمى السيد محمد حسن بن محمود الشيرازي المشهور ب‍المجدد‪ ،‬ولد في شيراز سنة ‪‍ 1230‬ه‬
‫‪1814‬م وتوفي سنة ‪1312‬ه‍ ‪1895‬م في مدينة سامراء ودفن في النجف األشرف‪ ،‬تتلمذ عند العلماء األعالم أمثال‪:‬‬
‫السيد حسين المدرس والمحقق الكلباسي والشيخ محمد حسن الجواهري والشيخ مرتضى األنصاري‪ ،‬تص ّدى لمهام‬
‫المرجعية بعد وفاة األنصاري سنة ‪1281‬ه‍‪ ،‬قارع االستعمار البريطاني وحكومة ناصر الدين شاه القاجاري في ثورته‬
‫بحق إيران بعد أن قادت‬
‫المعروفة التنباك بعد أن منح الشاه امتياز حصر التبغ لشركة إنجليزية بشروط مجحفة ّ‬
‫بريطانيا في ربيع الثاني سنة ‪1309‬ه‍جيشاً قوامه أربعمائة ألف مقاتل الحتالل إيران‪ ،‬وهذه الثورة أيقظت العالم‬
‫اإلسالمي وأعطته الوعي السياسي في تاريخه الحديث‪ ،‬كما وقف الشيرازي بوجه الفتنة الطائفية التي أحدثها ملك‬
‫أفغانستان عبد الرحمن خان ؛ حيث أخذ يقتل الشيعة ويجعل من رؤوسهم منائر في كل مكان وأخذ يعتقل النساء‬
‫ويجعلهن إماًء ويبيعهن بأبخس األثمان‪.‬‬
‫ب‪ .‬آية اهلل العظمى الشيخ محمد تقي الشيرازي‪ ،‬قائد ثورة العشرين التحررية في العراق ضد االستعمار البريطاني‪ ،‬الذي‬
‫اغتيل بالسم سنة ‪1338‬ه‍ ‪1920‬م‪ ،‬ودفن في حرم اإلمام الحسينع‪ ،‬له باع طويل في حفظ الحوزات العلمية ونشر‬
‫علوم أهل البيتع من مواقفه السياسية‪ :‬إصداره فتوى ضد االحتالل اإلنجليزي للعراق سنة ‪1914‬م وتخطيطه للثورة‬
‫ضدهم‪ ،‬وإصداره فتوى سنة ‪1337‬ه‍ ‪1919‬م ضد المعتمد السامي الذي نصب نفسه حاكماً على العراق عبر االنتخابات‬
‫الصورية‪ ،‬كما أصدر فتوى أخرى جعل اإلنجليز يجرون أذيال الخيبة واالنكسار ويسحبون جيوشهم من أرض الرافدين‪،‬‬
‫ومن مواقفه أيضاً استنكاره للمعاهدة البريطانية اإليرانية سنة ‪1336‬ه‍ ؛ والذي أدى موقفه إلى إلغائها‪ ،‬قال عنه السيد‬
‫حسن الصدر في التكملة‪ :‬عاشرته عشرين عاماً فما رأيت منه زلة وال أنكرت عليه خلة‪ ،‬من مؤلفاته‪ :‬حاشية على‬
‫المكاسب‪ ،‬رسالة في صالة الجمعة‪ ،‬رسالة في أحكام الخلل‪ .‬ترجمه أعيان الشيعة‪ ،‬معارف الرجال‪ ،‬نقباء البشر في‬
‫القرن الرابع عشر‪.‬‬
‫مرت ترجمته في ص ‪52‬ـ‪ ،53‬وثانيهما الشيخ محمد بن محمد بن الحسن الجهرودي‬
‫ أولهما الشيخ الطوسي‪ ،‬والذي ّ‬
‫الطوسي والمشهور ب‍نصير الدين‪ ،‬ولد في خراسان سنة ‪597‬ه‍ ‪1201‬م وتوفي في الكاظمية سنة ‪672‬ه‍ ‪1273‬م‪ ،‬عالم‬
‫فر منها خالل اجتياح جنكيز خان لها‬
‫وفقيه وفيلسوف ورياضي وفلكي وسياسي‪ ،‬درس في طوس ونيسابور التي ّ‬
‫ولجأ إلى قالع اإلسماعيليين التي هي األخرى تعرضت لغزو هوالكو واستسلم من فيها وقتلهم هوالكو جميعاً باستثناء‬
‫طبيبين والشيخ الطوسي‪ ،‬وحمل هوالكو الثالثة معه‪ ،‬وبطريقة ذكية استغل الطوسي هوالكو ؛ فأنقذ الكثير من علماء‬
‫المسلمين من القتل‪ ،‬وحفظ الكثير من الكتب اإلسالمية من الحرق والتلف عبر إنشاء مرصد في مدينة مراغة سنة‬
‫‪657‬ه‍‪ ،‬والذي اشتهر بآالته وراصديه‪ ،‬وجمع الكثير من العلماء من البلدان وجلبهم ليساعدوه في هذا األمر وأسس‬
‫المكتبات والمدارس‪ ،‬وضمت إحدى المكتبات في زمانه أربعمائة ألف كتاب‪ ،‬واألكثر من هذا جعل الكثير من المغول‬
‫يعتنقون اإلسالم‪ ،‬وأسهم في تطوير علم المثلثات‪ ،‬من مؤلفاته‪ :‬شكل القطاع‪ ،‬تربيع الدائرة‪ ،‬تحرير أصول إقليدس‪،‬‬

‫‪201‬‬

‫ومثـل الغربـاء‪ ،‬كان هناك المغتربون‪ ،‬من هو سيئ من الذين هاجروا‬
‫من فرنسـا‪ ،‬حيث عمـل هنـاك‪ ،‬فانتقل إلى بالده‪ ،‬وبدأ بالثورة هناك‪.‬‬
‫وهكذا كاس���ترو‪ ،‬الـذي هاجـ���ر إلـى المكس���يك‪ ،‬ولينـين الـذي‬
‫اغترب فـي سويس���را‪ ،‬وكـانت مهاجـر مصر‪ ،‬وفرنس���ا‪ ،‬وأمريكا الشمالية‬
‫ّ‬
‫للمفكرين م���ن العرب‪ ،‬وغير الع���رب‪ ،‬وهكذا أصبح‬
‫مق���رًا‬
‫والجنوبي���ة‪،‬‬
‫ّ‬
‫س���عدي الش���يرازي مغتربًا في بغ���داد؛ ألنّه درس في المدرس���ة النظامية‬

‫ثالثين سنة‪ .‬وجبران‪ ،‬والريحاني‪ ،‬وميخائيل نعيمة‪ ،‬وطه حسين‪،‬‬
‫‬
‫شميل‪ ،‬وفرح أنطون‪ ،‬وجرجي زيدان‪،(1‬‬
‫وتوفيق الحكيم ‪ ،‬وش���بلي ّ‬

‫‪202‬‬

‫تجريد الكالم‪ ،‬التذكرة النصيرية‪ ،‬تحرير المجسطي‪ ،‬األخالق الناصرية‪ ،‬تلخيص المحصل‪ ،‬الفصول النصيرية‪ ،‬شرح‬
‫اإلشارات‪ ،‬الفرائض النصيرية‪ .‬ترجمه روضات الجنات‪ :‬ج‪ 6‬ص ‪.300‬‬
‫ فيـدل كاستـرو‪ ،‬سياسـي كوبـي‪ ،‬ولـد سنـة ‪1927‬م‪ ،‬قـاد حـرب العصـابـات وأسقـط حكـم باتيمتـا سنـة ‪1959‬م‪ ،‬أصبـح‬
‫رئيسـاً للـوزراء ثـم رئيسـاً للبـالد سنـة ‪1976‬م وال‪ ‬يزال يحكم البالد‪.‬‬
‫ مصلح الدين مشرف بن عبد اهلل المشهور ب‍سعدي الشيرازي‪ ،‬شاعر فارسي‪ ،‬ولد في شيراز سنة ‪1213‬م وتوفي سنة‬
‫‪1292‬م‪ ،‬هاجر إلى األناضول وسوريا ومصر والعراق في العهد المغولي‪ ،‬ودرس في المدرسة النظامية في بغداد‪ ،‬من‬
‫مؤلفاته‪ :‬كتاب كلستان أي حديقة الورد وهو مجموعة نثرية من القصص األخالقية تتخللها أبيات من الشعر‪ ،‬وكتاب‬
‫بوستان أي البستان ويتحدث فيه عن األخالق‪ ،‬وقد ترجمت دواوينه إلى عدة لغات‪.‬‬
‫ جـبران خليـل جبران‪ ،‬ولد في بشري اللبنانية سنة ‪1883‬م‪ ،‬ومات في نيويورك سنة ‪1931‬م‪ ،‬أديب لبناني وشاعر‪،‬‬
‫هاجر إلى أمريكا وأصبح رئيساً للرابطة العلمية في نيويورك‪ ،‬برع في فن التصوير‪ ،‬وتوجد بعض تصاويره في متحف‬
‫جبران في بشري اللبنانية‪.‬‬
‫من مؤلفاته‪ :‬األرواح المتمردة‪ ،‬األجنحة المتكسرة‪ ،‬دمعة وابتسامة‪ ،‬ال ّنبي‪ ،‬العواصف‪ ،‬البدائع والطرائف‪ ،‬آلهة األرض‪ ،‬يسوع‬
‫ابن اإلنسان‪ ،‬المواكب‪.‬‬
‫ أمين الريحاني‪ ،‬كاتب ومؤلف‪ ،‬ولد سنة ‪1876‬م‪ ،‬ومات سنة ‪1940‬م‪ ،‬من مؤلفاته‪ :‬ملوك العرب‪ ،‬تاريخ نجد الحديث‪،‬‬
‫المغرب األقصى‪.‬‬
‫ ميخائيل نعيمة‪ ،‬أديب ومفكر وشاعر وناقد لبناني‪ ،‬ولد سنة ‪1889‬م‪ ،‬وعاش في المهجر األمريكي سنوات طوال‪ ،‬له أكثر‬
‫من ثالثين مؤلفاً‪ ،‬منها‪ :‬الغربال‪ ،‬المراجل‪ ،‬زاد المعاد‪ ،‬البيادر‪ ،‬النور والديجور‪ ،‬مذكرات األرقش‪ ،‬في مهب الريح‪ ،‬في‬
‫الغربال الجديد‪ ،‬نجوى الغروب‪ ،‬ومضات‪ ،‬مِرداد‪ ،‬سبعون‪.‬‬
‫ طـه حسين‪ ،‬أديب وناقـد مصـري‪ ،‬ولـد في الصعيد سنة ‪1889‬م‪ ،‬أصيب في السادسة مـن عمـره برمـد ؛ ففقـد بصـره‪،‬‬
‫انتسب إلـى الجامعـة المصريـة سنـة ‪1908‬م ونال الدكتوراه سنة ‪1914‬م‪ ،‬هاجر إلى باريس للدراسة ونال شهادة‬
‫الدكتوراه فيها سنة ‪1918‬م‪ ،‬تقلد وزارة المعارف سنة ‪1950‬م‪ ،‬وأصبح رئيساً لمجمع اللغة العربية إلى أن وافاه األجل‬
‫في القاهرة سنة ‪1973‬م‪ ،‬من مؤلفاته‪ :‬األيام‪ ،‬على هامش السيرة‪ ،‬حديث األربعاء‪ ،‬الفتنة الكبرى‪ ،‬في الشعر الجاهلي‪،‬‬
‫المعذبون في األرض‪ ،‬من تاريخ األدب العربي‪.‬‬
‫ توفيق الحكيم‪ ،‬روائي وكاتب مسرحي مصري‪ ،‬ولد سنة ‪1898‬م‪ ،‬له عدة مؤلفات‪ ،‬منها‪ :‬عودة الروح‪ ،‬يوميات نائب في‬
‫األرياف‪ ،‬عصفور من الشرق‪ ،‬ومن أهم أعماله المسرحية‪ :‬شهرزاد‪ ،‬أهل الكهف‪.‬‬
‫شميل‪ ،‬طبيب لبناني‪ ،‬ولد سنة ‪1853‬م‪ ،‬هاجر إلى مصر وأصدر منها مجلة الشفاء سنة ‪1886‬م واستمرت في‬
‫ شبلي ّ‬
‫شميل‪.‬‬
‫الصدور لخمس سنوات‪ ،‬توفي سنة ‪1917‬م‪ ،‬من مؤلفاته‪ :‬فلسفة النشوء واالرتقاء‪ ،‬آراء الدكتور ّ‬
‫ فرح أنطون‪ ،‬كاتب قصصي وصحفي‪ ،‬ولد سنة ‪1861‬م‪ ،‬ومات سنة ‪1922‬م‪.‬‬
‫‪ (1‬جرجـي زيـدان‪ ،‬ولـد سنـة ‪1861‬م‪ ،‬ومـات سنـة ‪1914‬م‪ ،‬أديـب ومـؤرخ وصحفـي ومؤلـف لبنانـي‪ ،‬هاجـر إلـى مصـر‬
‫إبـان شبابـه حيـث أصـدر مجلـة الهـالل سنـة ‪1892‬م‪ ،‬ولـه سلسلـة روايـات عـن تاريـخ اإلســالم وتـراجم مشاهير‬
‫الشرق وتاريخ العرب قبل اإلسالم مــن أهـم مؤلفاتــه‪ :‬تاريـخ التمـدن اإلسالمـي‪ ،‬تاريـخ آداب اللغــة العربـيـة‪.‬‬

‫صروف‪ ،‬كلّهم هاجروا‪ ،‬وتفتق���ت قرائحهم في الهجرة‪ ،‬إذ‬
‫ويعق���وب ّ‬

‫القاعدة ال‪ ‬تنطبق على المصلحين فحس���ب بل وتش���مل المفس���دين أيضًا‬
‫ويبعد‬
‫الذين ملؤوا البـالد فسادًا‪ ،‬فقـد ذكر األدباء ّ‬
‫يقرب من جهة‪ّ ،‬‬
‫أن المثال ّ‬

‫من جهـة‪ ،‬وهذا هـو فلس���فـة مـا قاله الرس���ول األكرم (ص)‪( :‬اطلبوا العلم‬
‫ولو بالصين)‪ ،‬وقبل ذلك قال عيسى المسيح(ع)‪( :‬الحكمة ضالّة المؤمن‬
‫فإن اإلنسان إذا أراد أن‬
‫يلتقطها حيث وجدها مثل الجوهر في فم كلب)‪ّ ،‬‬

‫يأخذ الجوهرة ال ينظر إلى الظرف‪ ،‬وإنّما ينظر إلى قيمة الجوهرة‪.‬‬

‫يحد‬
‫مما ّ‬
‫ّ‬
‫أما التقيد بالقومية‪ ،‬واللغوية‪ ،‬والجنسية‪ ،‬ونحوها‪ ،‬فذلك ّ‬

‫من نش���اط المصلحين‪ ،‬ويوجب تقديم المفضول على الفاضل‪ ،‬والفاضل‬
‫(إن مثل هؤالء ال يزال أمرهم إلى سفال) ‪.‬‬
‫على األفضل‪ .‬ففي الحديث‪ّ :‬‬

‫‪203‬‬

‫صروف‪ ،‬أديب ومترجم‪ ،‬ولد في لبنان سنة ‪1852‬م‪ ،‬هاجر إلى مصر ومات فيها سنة ‪1927‬م‪ ،‬أصدر مجلة‬
‫ يعقوب ّ‬
‫المقتطف المصرية سنة ‪1876‬م‪ ،‬وساهم في إصدار جريدة المقطم سنة ‪1889‬م‪ ،‬وساهم في ترجمة عدة كتب إلى‬
‫العربية في الرياضيات والفلسفة‪.‬‬
‫ وأمثال هؤالء‪ :‬العالم النحوي سيبويه‪ ،‬وابن مالك‪ ،‬والشاعر الفارسي ناصر خسرو‪.‬‬
‫ منية المريد‪ :‬ص‪ ،103‬روضة الواعظين‪ :‬ص‪ ،10‬غوالي الآللي‪ :‬ج‪ 4‬ص‪ 70‬ح‪ ،38‬مشكاة األنوار‪ :‬ص ‪ ،135‬وسائل‬
‫الشيعة‪ :‬ج‪ 27‬ص‪ 27‬ب‪ 4‬ح ‪ ،33119‬بحار األنوار‪ :‬ج‪ 1‬ص‪ ،77‬وفي مصباح الشريعة‪ :‬ص‪ 13‬عن علي ع‪.‬‬
‫ وقريب منه عن الصادق ع في الكافي روضة‪ :‬ج‪ 8‬ص‪ 167‬ب‪ 8‬ح‪ 186‬ونهج البالغة قصار الحكم‪ :‬الحكمة ‪ 80‬وشرح‬
‫نهج البالغة البن أبي الحديد‪ :‬ج‪ 18‬ص‪ 229‬ب‪.77‬‬
‫ األمالي للصدوق‪ :‬ص‪ 644‬المجلس الثالث والتسعون‪.‬‬

‫منطق القوة أم منطق الحقيقة‬

‫مسألـة‪ :‬مـن القواعـد العامـة المستقـاة مـن روح التاريـخ ولهـا مدخليـة‬
‫القـوة وبين‬
‫أيضـًا فـي الديمقراطيـة واالس���تبـداد‪ّ ،‬‬
‫أن هناك تنازعـًا دائمـًا بين ّ‬

‫قوة‬
‫قوة سالح‪ ،‬أو ّ‬
‫قوة عشيرة‪ ،‬أو ّ‬
‫قوة مال‪ ،‬أو ّ‬
‫القوة ّ‬
‫الحقيقـة سـواء كانت ّ‬
‫علم غير مستقيم‪.‬‬

‫فالقوة تريد تزييف الحقيقة واس���تخدامها في سبيل تحقيق مآربها؛‬
‫ّ‬

‫والمس���تبدون‪ ،‬والعلم���اء المنحرفون‪ ،‬حيث قال‬
‫كما يفعله الديكتاتوريون‬
‫ّ‬
‫‪204‬‬

‫َمثَ ِل‬
‫ين ُح ِّملُوا َّ‬
‫{مثَ ُل ا َّل ِذ َ‬
‫س���بحانه وتعالى عنهم‪َ :‬‬
‫ُ���م لَ ْم يَ ْح ِملُو َها ك َ‬
‫الت ْو َراةَ ث َّ‬
‫‬
‫{وا ْت ُل َع َل ْي ِه ْم نَبَأَ ا َّل ِذي‬
‫اْل ِح َماِر يَ ْحم ُ‬
‫ِل أَ ْس���فَارًا} ‪ ،‬وقال‪ ‬س���بحانه وتعالى‪َ :‬‬

‫���ي َطا ُن ف َ‬
‫ين}‪ ،‬بينما‬
‫آتَْينَ���اهُ آيَاِتنَا فَاْن َس��� َل َخ ِم ْن َها فَأَْتبَ َع ُه َّ‬
‫���ن اْل َغا ِو َ‬
‫َكا َن ِم َ‬
‫الش ْ‬

‫القوة اإلنسانية والواقع؛ كما‬
‫القوة وترويضها لصالح ّ‬
‫الحقيقة تريد استخدام ّ‬
‫يفعله األكفّاء االستشاريون‪ ،‬والديمقراطيون الذين ينتهجون نهجًا سليمًا في‬

‫الديمقراطية‪.‬‬
‫األول قد يجول في الس���احة‪ ،‬ولذا‬
‫والغلب���ة أخيرًا للثاني‪ ،‬وإن كان ّ‬

‫ورد‪( :‬للحق دولة وللباطل جولة)‪ ،‬وقد قال تعالى قبله في القرآن الكريم‪:‬‬
‫ض}‪،‬‬
‫اس فَيَ ْم ُك ُ‬
‫{فَأَ َّم���ا َّ‬
‫األر ِ‬
‫الزبَ ُد فَيَ ْذ َه ُ‬
‫َع ال َّن َ‬
‫َاء َوأَ َّم���ا َما يَْنف ُ‬
‫���ث ِفي ْ‬
‫ب ُجف ً‬

‫وقال‪ ‬س���بحانه وتعالى في آي���ة أخرى‪{ :‬الَ يَ ُغ َّر َّن َ‬
‫َروا ِفي‬
‫���ب ا َّل ِذ َ‬
‫ك تَ َق ُّل ُ‬
‫ين َكف ُ‬

‫ سورة الجمعة‪ :‬اآلية ‪.5‬‬
‫ سورة األعراف‪ :‬اآلية ‪.175‬‬
‫ شرح نهج البالغة البن أبي الحديد‪ :‬ج‪ 9‬ص‪ 73‬ب‪ ،141‬بحار األنوار‪ :‬ج‪ 52‬ص‪ 365‬ب‪ 27‬ح‪.143‬‬
‫ سورة الرعد‪ :‬اآلية ‪.17‬‬

‫اْلِب َ‬
‫�ل�اِد * َمتَا ٌع قَِل ٌ‬
‫اط ِل‬
‫يل}‪ ،‬وفي آية أخرى‪{ :‬بَ ْل نَ ْق��� ِذ ُ‬
‫ف بِاْل َح ِّق َع َلى اْلبَ ِ‬
‫ألن الباطل دائمًا ينفخ نفسه بما ال واقع له‪ ،‬فحال‬
‫اه ٌق}‪ّ ،‬‬
‫فَيَ ْد َم ُغ ُه فَإِذَا ُه َو َز ِ‬

‫الباطل حال البالون الذي ينفخ فيه فيظهر بمظهر الكبير بينما حجمه الواقعي‬
‫أقل من ذلك بكثير‪ ،‬فهذه اآليات‪ ،‬والروايات‪ ،‬تش���ير في الواقع إلى حقيقة‬
‫ّ‬
‫أن الباطل سواء كان في العقيدة‪ ،‬أو في القول‪ ،‬أو في العمل‪،‬‬
‫واحدة وهي ّ‬
‫الحق‪ ،‬والعدل‪ ،‬والصدق‪ .‬والسائر في طريق‬
‫خالف نظام الكون المبني على ّ‬

‫الباطل‪ ،‬يصطدم كثيرًا بالقوانين الكونية‪ ،‬والقوانين الكونية توجب سقوطه‬
‫في الطريق الذي يس���ير فيه‪ ،‬وفي الطريق المنحرف الذي فيه عوج وأمت‪،‬‬
‫الحق والحقيقة‪ ،‬يس���يران في الطريق المفتوح المس���تقيم‪ ،‬كما قال‬
‫بينم���ا ّ‬

‫{إ َّن ربي َع َلى ِصر ٍ‬
‫يم}‪ ،‬ولذا يسيران دائمًا في‬
‫اط ُم ْستَِق ٍ‬
‫س���بحانه وتعالى‪ِّ َ ِ :‬‬
‫َ‬
‫ال ما‪ ،‬وقصص التاريخ مليئة‬
‫طريق مستقيم وإن انحرف األمر في الوسط قلي ً‬

‫بالعبر والعظات من هذه الجهة‪.‬‬
‫القوة واستخدامها في سبيل إقامة‬
‫واالستش���ارية دائمة تحاول إخضاع ّ‬

‫لكن {اْل َعاِقبَُة‬
‫العدل‪،‬‬
‫ّ‬
‫والحق‪ ،‬والحقيقة‪ ،‬بينما االس���تبداد يطلب العكس‪ّ ،‬‬
‫ين} كما قال تعالى‪ ،‬وكما قال الشاعر‪:‬‬
‫ْم َّتِق َ‬
‫لِل ُ‬
‫ل���ل���م��� ّت���ق�ي�ن م�����ن ال����دن����ي����ا عواقبها‬

‫ت���ع���ج���ل ف���ي���ه���ا ال����ظ����ال����م األثم‬
‫وإن‬
‫ّ‬

‫وأما في الدنيا‬
‫أما في اآلخرة فللمّتق���ي إطالقًا‪ّ ،‬‬
‫والعاقب���ة الصحيحة ّ‬

‫الحق‪ ،‬كما حدث‬
‫إما بانتصار صاحب ّ‬
‫فتك���ون العاقبة للمّتقي بأحد أم���ور‪ّ :‬‬

‫أن يكون االنتصار‬
‫بالنسبة إلى رسول اهلل (ص) انتصارًا واقعيًا وظاهريًا‪ ،‬وإما ْ‬
‫اج َع ْل‬
‫س���معة‪ ،‬مثل تحسين صـاحب ّ‬
‫الحق كمـا قـال س���بحانه وتعالى‪َ :‬‬
‫{و ْ‬

‫ سورة آل عمران‪ :‬اآليات ‪196‬ـ‪.197‬‬
‫ سورة األنبياء‪ :‬اآلية ‪.18‬‬
‫ سورة هود‪ :‬اآلية ‪.56‬‬
‫ سورة األعراف‪ :‬اآلية ‪ ،128‬سورة هود‪ :‬اآلية ‪ ،49‬سورة القصص‪ :‬اآلية ‪.83‬‬

‫‪205‬‬

‫ين}‪ ،‬وإما يكـون االنتصـار للمبدأ الـذي َع َ‬
‫مِـل‬
‫لِي لِ َس���ا َن ِص ْد ٍق ِفي ِ‬
‫اآلخ ِر َ‬
‫أهـم أقس���ـام االنتصار‪ ،‬ولذا قال سبحانه‬
‫ألجلـه صاحب‬
‫ّ‬
‫الحـق بـل الثـالث ّ‬

‫الدْنيَا}‪ ،‬إذ صاحب‬
‫آمنُ���وا ِفي اْل َحيَاِة ُّ‬
‫ص ُر ُر ُس��� َلنَا َوا َّل ِذ َ‬
‫وتعالى‪ِ :‬‬
‫{إ َّنا لَنَْن ُ‬
‫ين َ‬

‫الحق إنما يعمل دائمًا ألجل الهدف ال ألجل الش���خص والس���معة وإن أراد‬
‫السمعة فإرادته لها لذلك أيضًا‪.‬‬
‫الغض عن األمثلة المش���هورة المس���تقاة من الكتاب‪ ،‬والسّنة‪،‬‬
‫ومع‬
‫ّ‬

‫ال واحدًا‪،‬‬
‫الكل‪ ،‬نذكر مثا ً‬
‫مما هي معروفة لدى ّ‬
‫وتاريخ األنبياء والصالحين‪ّ ،‬‬
‫ببقاء االستش���ارية‪ ،‬وانهيار الديكتاتورية واالس���تبداد‪ ،‬وهي حكومة أثينا‬

‫‬

‫وإسبارطة على ما ذكروا‪.‬‬
‫الحرية إلبراز‬
‫فاألول���ى كانت ديمقراطي���ة‪ ،‬تعمل على تقوي���ة روح ّ‬

‫القوة في حفظ العدل‬
‫المواهب اإلنس���انية‪ ،‬والفكرية‪،‬‬
‫والعملية‪ ،‬واستخدام ّ‬
‫ّ‬
‫‪206‬‬

‫وتقديمه إلى األمام‪ ،‬وقد أثم���رت تلك الجهود في والدة دولة ديمقراطية‪،‬‬

‫وتقدم فيها العلم‪ ،‬والمعرفة‪،‬‬
‫تنعمت‬
‫الطيبة‪ّ ،‬‬
‫ّ‬
‫بالحرية‪ ،‬والرفاه‪ ،‬والس���معة ّ‬
‫ّ‬

‫وتفّتقت فيها المواهب اإلنس���انية وصارت نبراس�ا�ً للكثيرين منذ عش���رات‬

‫القرون إلى هذا اليوم‪ ،‬وأصبحت مدينة أثينا الصغيرة تربة خصبة للعلوم‪،‬‬
‫ّ‬
‫والمفكرين ‪.‬‬
‫والعلماء‪ ،‬والحكماء‪ ،‬والفالسفة‪،‬‬
‫لكن األشواك تسقى ألجل‬
‫صحيح ّ‬
‫أن االنحراف أصاب البعض منهم‪ّ ،‬‬

‫الورود لفلسفة في الخلقة‪ ،‬وهكذا بالنسبة إلى المبادئ‪ ،‬واألشخاص؛ فأبو‬

‫ سورة الشعراء‪ :‬اآلية ‪.84‬‬
‫ سورة غافر‪ :‬اآلية ‪.51‬‬
‫ وازدهرت في عهد الحكيم سولون الذي ولد سنة ‪658‬ق‪.‬م‪ .‬والذي وضع القوانين واألنظمة التي تتناسب مع اإلصالح‪،‬‬
‫وأنشأ ما يسمى بمجلس الشيوخ المؤلف من أربعمائة عضو منتخب من الشعب‪.‬‬
‫ مدينة يونانية قديمة‪ ،‬تقع في الجزء الجنوبي من شبه جزيرة البيلوبونيز قرب البلدة الحالية التي تحمل نفس االسم‪،‬‬
‫أُنشئت في القرن التاسع قبل الميالد ولعبت دوراً في صد الغزوات الفارسية خالل الحروب اليونانية الفارسية‪.‬‬
‫مما أدى إلى نشوب حروب بين‬
‫ وإن التقدم الذي أنعمت به أثينا‪ ،‬أصبح مدعاة لتحريك أسبارطة ومحاولتها لتقويضها ؛ ّ‬
‫الطرفين‪ ،‬دامت ثالثين سنة‪.‬‬

‫‬
‫يتنعم باإلس�ل�ام ألجل أبي ذر الغفاري‪ ،‬وفرعون يكون مشهورًا‬
‫سفيان‬
‫ّ‬

‫يستحق تلك الشهرة؛ ألنّه كان من القتلة والسفّاكين والمجرمين‪،‬‬
‫مع أنّه ال‬
‫ّ‬
‫وشهرته ألنّه وقف ِقبال موسى(ع) ‪.‬‬

‫أن المطر إذا نزل من الس���ماء‪ ،‬اس���تفاد منه التفّاح‪ ،‬والحنظل‪،‬‬
‫كما ّ‬

‫والورد‪ ،‬والشوك‪ ،‬والحدائـق‪ ،‬والمزابـل‪ ،‬وعلـى ح ّد سواء فكذلك األنبياء‪،‬‬

‫واألوصياء‪ ،‬والطغاة‪ ،‬والمس���تبدين‪ ،‬وإنّي ال أس���تبعد كما ذكرت ذلك في‬
‫عدة مواطن أن تكون تلك الحضارة مس���تندة إلى بعض األنبياء الذين بعثوا‬

‫فيها‪ ،‬وقد قال س���بحانه وتعالى‪{ :‬وِإ ْن ِم ْن أُم ٍ‬
‫���ة ِإ َّال َخ َ‬
‫ير}‪ ،‬بل‬
‫ال ِف َ‬
‫َ‬
‫َّ‬
‫يها نَِذ ٌ‬
‫شخص بعض علماء الغرب نبي ذلك الزمان بأحد الحكماء المعروفين‪،‬‬
‫قد ّ‬
‫وإنّي أحتمل أن يكون سقراط من األنبياء إ ّ‬
‫أن بعض تعاليمه حرفت‪.‬‬
‫ال ّ‬

‫ صخر بن حرب بن أمية‪ ،‬قاد المشركين في حروبهم ضد الرسولص كحرب بدر وأحد والخندق‪ ،‬وما من فتنة إال وشارك‬
‫فيها‪ ،‬أسلم مضطراً يوم الفتح وكان يشتهر بالنفاق‪ ،‬يقول الزبير لولده عبد اهلل في حق أبي سفيان‪ :‬قاتله اهلل يأبى‬
‫إال نفاقاً‪ ،‬عندما أصبح عثمان خليفة‪ ،‬ذهب بنو أمية إليه ؛ ليباركوا له خالفته‪ ،‬فقام أبو سفيان خطيباً قائالً‪:‬هل بيننا‬
‫من غير بني أمية ؟ فقالوا‪ :‬ال‪ ،‬فقال‪ :‬تالقفوها يا بني أمية‪ ،‬تلقف الكرة‪ ،‬فالذي يحلف به أبو سفيان‪ ،‬ال عذاب وال‬
‫حساب وال جنة وال نار وال حشر وال قيامة‪ ،‬وفي هذا الصدد يقول صاحب األغاني في ج‪ 6‬ص‪ :354‬دخل أبو سفيان‬
‫على عثمان بعد أن كف بصره‪ ،‬فقال‪ :‬هل علينا عين‪ ،‬فقال له عثمان‪ :‬ال‪ ،‬فقال‪ :‬يا عثمان‪ ،‬إن األمر أمر عالمية والملك‬
‫ملك جاهلية فاجعل أوتاد األرض بني أمية‪ .‬مات أبو سفيان سنة ‪31‬ه‍ ‪652‬م‪.‬‬
‫حياه الرسولص بتحية اإلسالم‪ ،‬جهر‬
‫سماه رسول اللهص عبد اهلل‪ ،‬وهو أول من ّ‬
‫ جندب بن جنادة‪ ،‬من بني غفار‪ّ ،‬‬
‫بإسالمه في مكة فضرب حتى غشي عليه فأمره الرسول األكرمص بالرجوع إلى قبيلته ؛ يدعوهم إلى اإلسالم‪ ،‬ويعد‬
‫من خيار الصحابة‪ ،‬قال في حقه الرسولص‪ :‬واهلل‪ ،‬ما أظلّت الخضراء وال أقلّت الغبراء من ذي لهجة أصدق من أبي ذر‪،‬‬
‫حضر غزوة تبوك‪ ،‬الزم الرسولص إلى أن وافاه األجل فقال‪ :‬لقد تركنا رسول اللهص وما يحرك طائر جناحيه في‬
‫السماء إ ّال ذكّرنا منه علماً‪ ،‬اشتهر بتقواه وبساطته‪ ،‬عارض بيعة أبي بكر‪ ،‬ثم عاش في بالد الشام بعد وفاة الرسولص‬
‫قرابة عشر سنوات‪ ،‬وكان يجمع الناس حوله ويحدثهم بأحاديث الرسولص في فضائل علي‪ ،‬ونعى على معاوية الترف‬
‫واإلسراف واللعب بأموال المسلمين‪ ،‬ولما بنى معاوية قصراً له‪ ،‬بعث أبو ذر إليه أحداً يقول له‪ : ‬يا معاوية‪ ،‬إن كان هذا‬
‫من مال المسلمين فهي الخيانة‪ ،‬وإن كان من مالك فهو اإلسراف ؛ فضاق معاوية به ذرعاً واشتكاه لعثمان فأرسله إلى‬
‫المدينة بصورة يندى لها الجبين‪ .‬يقول المسعودي في مروج الذهب‪ :‬رد إلى المدينة على بعير عليه قتب يابس معه‬
‫خمسمائة من الصقالية يطردون به حتى أتوا به المدينة وقد تسلخت بواطن أفخاذه وكاد يتلف‪ ،‬وقف بوجه عثمان‪،‬‬
‫الذي تسلط هو وأقرباؤه من بني أمية أمثال مروان بن الحكم على رقاب المسلمين‪ ،‬الذين اتخذوا مال اهلل دوال وعباد‬
‫َّه َب‬
‫ِين َي ْكِن ُز َ‬
‫اهلل خوال ودين اهلل دخالً‪ ،‬وكان يمر بالطرقات واألزقّة يحرض المسلمين على عثمان ويقول‪ :‬اَّلذ َ‬
‫ون الذ َ‬
‫ِيم‪ ،‬فمنعه أعوان الخليفة من ذلك‪ ،‬فقال‪ :0‬أتنهونني عن قراءة‬
‫َوا ْلف َّ‬
‫ِض َة َو َال ُي ْن ِف ُقوَن َها فِي َسِبي ِل ا ِ‬
‫هلل َف َب ِّش ْر ُه ْم ِب َع َذ ٍاب أَل ٍ‬
‫إلي وخير لي من أن أسخط اهلل برضا عثمان‪ .‬ودافع‬
‫القرآن ؟ وأضاف‪ :‬واهلل‪ ،‬لئن أرضي اهلل بسخط عثمان أحب ّ‬
‫عن المحرومين وكان يصرخ في وجه الحكام قائالً‪ :‬أتتكم القطار بحمل النار‪ ،‬اللهم العن اآلمرين بالمعروف التاركين‬
‫له‪ ،‬اللهم العن الناهين عن المنكر المرتكبين له كما جاء في شرح نهج البالغة البن أبي الحديد‪ :‬ج‪ 8‬ص‪ .257‬ومن‬
‫وصاياه‪ :0‬إن اهلل قد فضلك فجعلك إنساناً فال تجعل نفسك بهيمة وال سبعاً‪ ،‬نفاه عثمان إلى الربذة قائ ًال له‪ :‬اخرج‬
‫عنا من بالدنا وجوارنا‪ ،‬وتوفي فيها غريباً سنة ‪‍ 32‬ه ‪652‬م‪ .‬للمزيد راجع اإلصابة‪ ،‬وفرائد السمطين‪ ،‬وتاريخ اليعقوبي‪،‬‬
‫وتاريخ الطبري‪ ،‬واالستيعاب‪ ،‬وأعيان الشيعة‪ ،‬والغدير‪ ،‬والبداية والنهاية البن كثير‪ ،‬والموسوعة اإلسالمية لحسن األمين‪،‬‬
‫وشرح نهج البالغة البن أبي الحديد‪.‬‬
‫ سورة فاطر‪ :‬اآلية ‪.24‬‬

‫‪207‬‬

‫الحريات س���قراط‪ ،‬وأفالطون‪،‬‬
‫وكي���ف كان‪ :‬فقد تربّى تح���ت ّ‬
‫ظل ّ‬

‫وأرس���طو‪ ،‬الذين أضاؤوا الحكمة والفلسفة‪ ،‬وأرخميدس صاحب النظرية‬
‫الفيزيائي���ة‪ ،‬وبركليس السياس���ي المش���هور‪ ،‬وغيرهم‪ .‬وقـ���د قال القرآن‬

‫َ‬
‫(وس���ر في‬
‫ض}‪ ،‬وقال اإلمام علي(ع)‪ِ :‬‬
‫األر ِ‬
‫���يروا ِفي ْ‬
‫الحكي���م‪{ :‬أفََل ْم يَ ِس ُ‬

‫ديارهم وآثارهم فأنظر فيما فعلوا) ‪.‬‬

‫الحري���ات‪ ،‬وظهرت االستش���اريات‪ ،‬تفّتقت‬
‫وهك���ذا كلّم���ا الحت ّ‬

‫العبقري���ات‪ ،‬وقد قال اإلمام علي(ع) في فلس���فة بعث���ة األنبياء هذه الجملة‬
‫المقدرة‪ ،‬بل قال‬
‫الحكيمة (ويثيروا له���م دفائن العقول)‪ ،‬فيروهم اآليات‬
‫ّ‬

‫األغ َ‬
‫ال َل ا َّلِتي كَانَ ْت َع َل ْي ِه ْم} في‬
‫ض ُع َع ْن ُه ْم ِإ ْص َر ُه ْم َو ْ‬
‫{ويَ َ‬
‫س���بحانه وتعالى‪َ :‬‬

‫حكمة بعثة الرس���ول األكرم (ص) حيث حصر أم���ره في ثالثة أمور‪ :‬األمر‬
‫الطيبات وتحري���م الخبـائث‪،‬‬
‫بالمع���روف والنه���ي عن المنكر‪ ،‬وتحلي���ل ّ‬
‫‪208‬‬

‫ووضـ���ع اإلصـر واألغـ�ل�ال‪ ،‬فاإلصر هي المش���اكل والقوانين االجتماعية‪،‬‬

‫واألغالل هي القوانين الحكومية‪ ،‬وهذه الظاهرة نجدها في بالد اإلس�ل�ام‪،‬‬
‫فالحجاز حيث كانت قبل اإلس�ل�ام بالد الكبت‪ ،‬واإلرهاب‪ ،‬ووأد البنات‪،‬‬
‫ألن أهل الجاهلية كانوا يئدون البنات؛ خوف العار‪،‬‬
‫وقتل األوالد الذكور‪ّ ،‬‬
‫ويئ���دون الذكور؛ خوف الفقر‪ ،‬كما ورد في الق���رآن الحكيم‪ ،‬ولم يكن‬
‫ولما س���اد‬
‫حال مصر‪ ،‬والعراق‪ ،‬وبالد الش���ام‪ ،‬وغيرها‪ ،‬أفضل من ذلك‪ّ ،‬‬

‫ال‬
‫اإلس�ل�ام تلك المناطق بالبعثة‬
‫ين َر ُس���و ً‬
‫{ه َو ا َّل ِذي بَ َع َ‬
‫النبوية‪ُ :‬‬
‫األم ِّي َ‬
‫ّ‬
‫ث ِفي ِّ‬

‫اب َواْل ِح ْك َم َة َوِإ ْن كَانُوا ِم ْن‬
‫���م يَْتلُوا َع َل ْي ِه ْم آيَاِتِه َويُ َز ِّكي ِه ْم َويُ َعل ُِّم ُه ُم اْل ِكتَ َ‬
‫ِم ْن ُه ْ‬

‫ بركليس ولد سنة ‪495‬ق‪ .‬م‪ ،.‬حكم أثينا سنة ‪ 460‬ق‪ .‬م‪ .‬واستمر في الحكم إلى موته سنة ‪429‬ق‪.‬م‪ .‬وطد الحكم‬
‫الديمقراطي وبسط سيادة أثينا على مدن اليونان كلها‪ ،‬عني بالعمران وشجع اآلداب والفنون‪ ،‬فبلغت أثينا في عهده أوج‬
‫عصرها الذهبي المشهور ب‍عصر بركليس‪ .‬من آثاره العمرانية البارثينون‪ ..‬انظر المنجد في األعالم‪ :‬ص‪.177‬‬
‫ سورة يوسف‪ :‬اآلية ‪ ،109‬سورة الحج‪ :‬اآلية ‪.46‬‬
‫ نهج البالغة‪ :‬الكتاب ‪ ،31‬وشرح نهج البالغة البن أبي الحديد‪ :‬ج‪ 16‬ص‪ 62‬ب‪.31‬‬
‫ نهج البالغة‪ :‬الخطبة ‪ ،1‬شرح نهج البالغة البن أبي الحديد‪ :‬ج‪ 1‬ص‪ 113‬ب ‪ ،1‬بحار األنوار‪ :‬ج‪ 11‬ص‪ 60‬ب ‪ 1‬ح‪.70‬‬
‫ سورة األعراف‪ :‬اآلية ‪.157‬‬
‫ِلت * بأي ذنب قتلت‪.‬وإشارة إلى قوله تعالى‪َ :‬و َال َت ْقُتلُوا أَ ْو َال َدك ُْم‬
‫ إشارة إلى اآليات‪ 9 8 :‬من سورة التكوير وإذا الموؤدة ُسئ ْ‬
‫ِن إِ ْمال ٍَق األنعام‪.151 :‬‬
‫َخ ْشَي َة إِ ْمال ٍَق ا ٍإلسراء‪ ،31 :‬وقوله تعالى َو َال َت ْقُتلُوا أَ ْو َال َدك ُْم م ْ‬

‫ضال ٍ‬
‫َل ُمِب ٍ‬
‫ين}‪ ،‬صارت تلك الب�ل�اد ُمنطلقًا للعلم‪ ،‬والحكمة‪،‬‬
‫َب ُ‬
‫���ل لَِفي َ‬
‫قْ‬

‫كل لون وصنف في‬
‫وكل فنون المعرفة‪ ،‬ونبغ فيها من العلماء من ّ‬
‫والن���ور‪ّ ،‬‬
‫ممن هم مفخرة العالم إلى اليوم وس���يبقون على ذلك‬
‫مختلف أبعاد الحياة ّ‬

‫إلى ما شاء اهلل سبحانه وتعالى ‪.‬‬

‫أما أس���بارطة‪ ،‬التي اعتمدت الديكتاتورية‪ ،‬واحتمت بالس�ل�اح فقط‬
‫ّ‬

‫الحرية‬
‫لتقوية نفس���ها‪ ،‬واش���تغلت بالثورات والح���روب‪ ،‬وقضت عل���ى ّ‬

‫ش���ر ّ‬
‫ّ‬
‫إن العديد‬
‫والعدالة‪ ،‬فقد ذهبت أدراج الرياح‬
‫تحطم‪ ،‬حّتى ّ‬
‫وتحطمت ّ‬
‫الحريات‪،‬‬
‫ال يعرفون عنها علمًا وال فض ً‬
‫ال‪ .‬ولم يبق منها سوى ذاكرة كبت ّ‬

‫طيبة‪،‬‬
‫وخنق األصوات‪ ،‬واّتباع الش���هوات‪ ،‬فال عين منها بقيت‪ ،‬وال سمعة ّ‬

‫وال هدف يتصاعد ويس���تضاء به‪ ،‬بينما آثار أثينا نقلها المسلمون كضميمة‬
‫مما أخذ منهم‬
‫أضافوا إليها من عبقرياته���م وهدايات دينهم إلى ّ‬
‫كل العالم ّ‬

‫يس���مي المس���لمين آباء‬
‫العال���م الصناعي اليوم‪ ،‬ولذا نجد العالم الصناعي‬
‫ّ‬

‫العلم‪ ،‬كما اعترف بذلك راسل‪ ،‬ولوبون‪ ،‬وغيرهما من فالسفة الغرب‬
‫مما لسنا بصدد بيان ذلك حّتى نستوعب البحث حوله‪.‬‬
‫والشرق ّ‬

‫القوة كسبب تكويني‪ ،‬فإذا‬
‫وال يخفى‪ّ :‬‬
‫أن اهلل س���بحانه وتعالى خلق ّ‬

‫اس���تعملت ألجل تقويم الباطل‪ ،‬وتوجيه الفرد والمجتمع للطريق المستقيم‬
‫وللوص���ول إلى الحقيق���ة‪ ،‬أعطت ثمارها الصحيحة‪ ،‬وإ ّ‬
‫ال فإن اس���تعملت‬
‫الحق والحقيقية‪ ،‬والنيل منهما كان أخيرها الفشل سواء كان‬
‫القوة في وجه ّ‬
‫ سورة الجمعة‪ :‬اآلية ‪.2‬‬
‫ برتراند راسل اإلنجليزي ولد في ويلز سنة ‪1872‬م ومات سنة ‪1970‬م في سن الثامنة والتسعين أديب وفيلسوف وعالم‬
‫منطق ساهم في تطوير المنطق الرياضي الحديث‪ ،‬وقد كتب العديد من األعمال الفلسفية وعن مشكالت العلم الطبيعي‬
‫وساهم في السنوات األخيرة من حياته في حركة نزع السالح النووي وحكم عليه لذلك بالسجن والغرامة المالية مرتين‬
‫كانت األخيرة في سن التسعين وبيعت مكتبته للوفاء بالغرامة‪ ،‬حاز على جائزة نوبل للسالم سنة ‪1950‬م‪ ،‬ألف أكثر من‬
‫خمسين مؤلفاً منها السلطة والفرد‪ ،‬تحليل العقل‪ ،‬تاريخ الفلسفة الغربية‬
‫ غوستاف لوبون‪ ،‬ولد في النورماندي سنة ‪1841‬م ومات في باريس سنة ‪1931‬م‪ ،‬طبيب وعالم اجتماعي ومفكر فرنسي‪،‬‬
‫دعا إلى تفسير السلوك االجتماعي بالمقارنة بين نفسيات فردية‪ ،‬وكتب في مجاالت علمية كثيرة‪ ،‬وبلغت مؤلفاته‬
‫الخمسين منها‪ :‬سيكولوجية الجماهير‪ ،‬علم النفس في األزمنة الجديدة‪ ،‬حضارة الهند‪ ،‬الحضارة األولى‪ ،‬اآلراء والعقائد‪،‬‬
‫حياة الحقائق‪ ،‬الثورة الفرنسية وسيكولوجية الثورات‪ ،‬القوانين النفسية لتطور الشعوب‪ ،‬حضارة العرب‪ ،‬وقد اختصره‬
‫السيد الشيرازي باسم موجز تاريخ اإلسالم‪.‬‬

‫‪209‬‬

‫لخص اهلل س���بحانه وتعالى اندثار‬
‫له���ا م ّدة‪ ،‬دامت‬
‫الم���دة أو لم تدم‪ ،‬وقد ّ‬
‫ّ‬

‫استُ ْض ِعفُوا ِفي‬
‫الباطل أمام ّ‬
‫{ونُِري ُد أَ ْن نَ ُم َّن َع َلى ا َّل ِذ َ‬
‫الحق في اآلية التالية‪َ :‬‬
‫ين ْ‬

‫ض َونُِر َي‬
‫���م أَِئ َّم ًة َونَ ْج َع َل ُه ُم اْل َواِرِث َ‬
‫األر ِ‬
‫األر ِ‬
‫ين * َونُ َمكِّ َن لَ ُه ْم ِفي ْ‬
‫ْ‬
‫ض َونَ ْج َع َل ُه ْ‬

‫اما َن َو ُجنُو َد ُه َما ِم ْن ُه ْم َما كَانُوا يَ ْح َذ ُرو َن}‪ ،‬وفي آية أخرى قال‬
‫���و َن َو َه َ‬
‫ِف ْر َع ْ‬

‫ض‬
‫{وأَ ْو َر ْثنَا اْل َق ْو َم ا َّل ِذ َ‬
‫س���بحانه وتعالى‪َ :‬‬
‫األر ِ‬
‫ين كَانُوا يُ ْس���تَ ْض َعفُو َن َم َشاِر َق ْ‬

‫أن الغلبة أخيرًا ألهل‬
‫َو َم َغاِربَ َه���ا}‪ ،‬إل���ى غيرهما من اآليات الدالّة عل���ى ّ‬

‫الماديـة يكـون لـه الغلبة أخيرًا‪ ،‬وينقلب‬
‫فالحـق‬
‫الح���ق‪.‬‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫القـوة ّ‬
‫المجـرد عـن ّ‬
‫ّ‬

‫الحق‪،‬فالح���ق يجعل إمامًا ووارثًا‪ ،‬والباطل ومستش���اروه‬
‫المي���زان لصالح ّ‬
‫وقدرات���ه يكون مصيره ف���ي النهاية إلى الهالك والجحيم كما قال س���بحانه‬

‫اما َن َو ُجنُو َد ُه َما ِم ْن ُه ْم َما كَانُوا يَ ْح َذ ُرو َن} على‬
‫{ونُِر َي ِف ْر َع ْو َن َو َه َ‬
‫وتعالى‪َ :‬‬
‫نحو حال حكاية ماضية‪ ،‬وفي آي���ة أخرى‪{ :‬أُ ْغ ِرقُوا فَأُ ْد ِخلُوا نَارًا}‪ ،‬إلى‬

‫‪210‬‬

‫ّ‬
‫أن العاقب���ة كانت لألنبياء‬
‫غي���ر ذلك في كثير م���ن اآليات التي‬
‫ت���دل على ّ‬

‫والصالحين في هذه الدنيا قبل اآلخرة‪.‬‬

‫وهكذا وجدنا ذلك في ذاكرة عمرنا القصير حيث رأينا كيف ّ‬
‫تحطمت‬
‫الحكومات الديكتاتورية‪ ،‬وأخذت مكانها الحكومات االستشارية ولو بقدر‪،‬‬
‫وما‪ ‬جرى في أوربا الش���رقية واالّتحاد الس���وفياتي السابق في هذه السنوات‬
‫أن الديمقراطية واالستش���ارية‬
‫األخيرة لي���س ببعيد عّنا‪ ،‬وما ذكرناه أ ّكد لنا ّ‬

‫وأن من يريد ذكر فلس���فة التاريخ كتابة‬
‫بمنزلة الروح من الجس���د للحكم‪ّ ،‬‬
‫أو خطابة‪ ،‬يلزم أن يالحظ هذا األمر بدّقة متناهية‪ ،‬وإ ّ‬
‫ال لم يعرف فلس���فة‬

‫التاريخ‪ ،‬وروح الحضارة‪ ،‬ومستقبل الحياة‪.‬‬

‫ سورة القصص‪ :‬اآليات ‪.6 5‬‬
‫ سورة األعراف‪ :‬اآلية ‪.137‬‬
‫ سورة القصص‪ :‬اآلية ‪.6‬‬
‫ سورة نوح‪ :‬اآلية ‪.25‬‬

‫عصور التخلف‬

‫مسألة‪ :‬من الضروري لمن يريد كتابة فلسفة التاريخ أن يالحظ الواقع‬
‫والروح العامة في األمم والحضارات‪ ،‬وأن يكون حياديًا في تقييمه وتقديره‬
‫لألح���داث‪،‬وأن ينظر إلى العوامل الموضوعي���ة التي تؤدي إلى االنتصار أو‬
‫الهزيمة‪.‬‬
‫ومن يتصفح التاريخ‪ ،‬ي���رى أن أكثر عصور التاريخ تدهورًا وركودًا‬
‫تاريخ ما‪ ‬قبل النبي (ص) ال بالنس���بة إلـى البالد العربية فحس���ب بل وحّتى‬
‫أما‬
‫بالنس���بة إلى الفرس والروم‪ ،‬وهما دولتان متحضرتان على اصطالحهم‪ّ .‬‬

‫القرون الوس���طى التي هي عبارة عن القرون المتخلّفة بالنسبة إلى أوربا وما‬
‫أشبهها فكانت أكثر عصور التاريخ تدهورًا وركودًا حيث الحرب التي أثارها‬
‫التعصب األعمى من البابوات‪ ،‬ورجال الكنيس���ة‪ ،‬فيقتلون الناس باأللوف‪،‬‬
‫ّ‬

‫ّ‬
‫المفكرين وكتبه���م‪ ،‬ويصادرون األموال‪ ،‬ويهتكون األعراض‪،‬‬
‫ويحرقون‬
‫أن البابوات‬
‫حّت���ى إنّ���ي رأيت في كتاب‬
‫يس���مى بـكاترين صادر من لبن���ان ّ‬
‫ّ‬
‫أمه���ات‪ ،‬وأخوات‪ ،‬وبنات‪،‬‬
‫أنفس���هم كانوا يهتكون أعراض أقربائهم من ّ‬

‫مما يقلّل قيمة‬
‫وحيث الفضائح المش���ينة الت���ي نتجت عن تلك الح���روب ّ‬
‫ّ‬
‫متحكمة‪ ،‬واألهواء سائدة‪ ،‬ولم‬
‫اإلنسان واإلنسانية إطالقًا‪ .‬فقد كانت األحقاد‬

‫ ففي سنة ‪1553‬م أحرقوا الطبيب سيرفيه ميغل الذي كانت له اكتشافات هامة في ميدان الدورة الدموية واعتبروه خارجاً‬
‫عن الكنيسة‪ ،‬وفي سنة ‪1557‬م بناًء على أوامر البابا بولس الرابع نشرت محكمة التفتيش الئحة بالكتب المحظورة‬
‫قراءتها واقتناؤها‪ ،‬وتتوزع المؤلفات الممنوعة هذه على ثالث فئات هي‪ .1 :‬الكتب التي ينشرها كّتاب مجهولون وتعتبر‬
‫رديئة‪.‬‬
‫‪ .2‬أعمال الكّتاب المحظورة كتبهم‪.‬‬
‫‪ .3‬الكتب المحظورة التي يضعها كّتاب معروفون‪.‬‬
‫وأرفق بالالئحة جدول باثنين وستين طباعاً‪ ،‬قاموا بطبع مؤلفات هرطوقيه‪.‬‬

‫‪211‬‬

‫ّ‬
‫لتحكم العقل أو المنطق أو الدليل‪ ،‬وحتى‪ ‬منطق الكتاب‬
‫يك���ن هناك مجال‬
‫المق ّدس الذي عندهم‪ ،‬فكانوا يلبس���ون مس���وح الرهبان وهم سفّاكو دماء‪،‬‬

‫متحالفون مع ملوك مس���تب ّدين طغاة‪ ،‬ف���كان يقول الملك للبابا‪ :‬يا‪ ‬صاحب‬
‫يرد عليه بقوله‪ :‬يا صاحب النيافة‪.‬‬
‫القداسة‪ ،‬وهو ّ‬

‫وغرروا بالجماهير الس���اذجة ببيع‬
‫وق���د ارتكبوا أفح���ش الفواحش‪ّ ،‬‬

‫العفو ع���ن المعاصي وصكوك الغفران‪ ،‬فكان البابوات والقساوس���ة‪ ،‬ومن‬
‫إليه���م‪ ،‬يبيعون مناطق فـي الجن���ة ٍ‬
‫بمال حرام‪ ،‬أو ببن���ت حرام‪ ،‬أو بقتل‬
‫ح���رام‪ .‬ولذا كـان عقالؤهم يقولون لهم‪ :‬اس���حقوا الفج���ور من أجل إزاحة‬
‫أكبر عقبة في سبيل تق ّدم الجنس البشري‪ .‬وقد كانت الخرافة‪ ،‬والتناقض‪،‬‬
‫ّ‬
‫المحكمة في العصر الوسيط‪ ،‬الذي كان خاليًا من ّأية فضيلة‬
‫والش���هوة هي‬
‫النبوة بصيص أو نور‪،‬‬
‫أو إنسانية‪ ،‬ولم يكن للفلسفة عين وال‪ ‬أثر‪ ،‬وال من ّ‬

‫‪212‬‬

‫إن الفلس���فة المدرس���ية ابنة غير شرعية لفلسفة أرسطو‪،‬‬
‫حّتى قال أحدهم ّ‬
‫ثم أساءت إلى العقل أكثر‬
‫بعد أن شابتها ترجمة مشوهة‪ ،‬وسوء فهم‪ ،‬ومن ّ‬
‫مما نفعته‪.‬‬
‫ّ‬

‫والعهد القديم والعهد الجديد‪ ،‬باإلضافة إلى كونهما مليئان بالخرافات‬

‫وما هو ض ّد العقل‪ ،‬فإنّهما يتجاهالن ما لش���عوب الش���رق من الحضارات‬

‫ويوجهان عناي���ة مبالغ فيها إلى العبرانيي���ن‪ ،‬كما لو كانت تلك‬
‫العريق���ة‪ّ ،‬‬
‫الحض���ارات ال قيم���ة لها إ ّ‬
‫ال من حيث عالقتهم باليه���ود مع أنهم ليس لهم‬
‫في التاريخ إ ّ‬
‫أن أفضل طائفة من الش���عب‬
‫ال وضع وضيع‪ ،‬وقد ذكر التاريخ ّ‬

‫ممتدة بين مصر‬
‫الر ّحل‪ ،‬عاشوا في صحراء ّ‬
‫الساميين ُّ‬
‫اليهودي هي طائفة من َّ‬
‫إن أحد ملوك مصر ق���د طرد من بالده قبيلة فيها‬
‫وس���وريا‪ ،‬وذكر بعضهم‪ّ :‬‬
‫مؤرخًا يشير‪:‬‬
‫أش���خاص مصابون بالجذام‪،‬‬
‫فارتدت نحو الصحراء‪ ،‬كما ّ‬
‫ّ‬
‫أن ّ‬

‫لما خاض ملك مصر غمار الحرب في أراضي الحبشة‪ ،‬هاجمت مصر أثناء‬
‫ّ‬

‫غياب���ه عنها جماعة من ّ‬
‫قطاع الط���رق‪ ،‬وأعملت فيها النهب‪ ،‬فألقى الملك‬
‫القب���ض عليهم وقت عودته‪ ،‬وقطع أنوفهم‪ ،‬وآذانهم‪ ،‬ونفاهم إلى صحراء‬
‫السمان‪ .‬وهؤالء هم أجداد اليهود؛ كما‬
‫س���يناء‪ ،‬حيث صنعوا ّ‬
‫الشباك بخيط ِّ‬
‫المؤرخين الغربيين‪.‬‬
‫يصرح بذلك جملة من‬
‫ّ‬
‫ّ‬

‫أن اليهود مضطهدون‬
‫الظن ّ‬
‫يقول أحد كتاب فلسفة التاريخ‪ :‬من الخطأ ّ‬

‫ف���ي دولة رومية‪ ،‬أو غيره���ا‪ ،‬لقولهم ٍ‬
‫بإله واحد في عال���م وثني بل ألنّهم‬

‫إن‬
‫يمقتون األمم األخرى‪ .‬إنّهم برابرة يقتلون أعداءهم المغلوبين بال رحمة‪ّ .‬‬
‫هذا الش���عب الجاهل العاطل عن اإلب���داع الفكري‪ ،‬كان يزدهي أكثر األمم‬

‫ّ‬
‫منحطون في‬
‫همجيون‪،‬‬
‫حضارًة‪ ،‬إنّهم قطاع طرق‪ ،‬ممقوتون‪ ،‬منحرفون‪،‬‬
‫ّ‬

‫الفقر‪ ،‬إذا كُتب لهم الظفر‪ ،‬فتكوا بالمغلوب‪ ،‬وبطشوا بالنساء واألطفال في‬
‫نش���وة جنونية‪ ،‬فإن كتبت عليهم الهزيمة فتجدهم في مذلّة مشينة‪ ،‬ومهانة‬
‫مزرية‪ ،‬فهل ش���مل اهلل بعنايته هذا الشعب الوضيع كما تقول التوراة ليكون‬
‫شعب اهلل المختار أو ليكون مخلّص الجنس البشري‪.‬‬
‫مفضلين‬
‫أق���ول‪ :‬لكن ال يخفى ّ‬
‫أن اليهود في زمان موس���ى(ع) كانوا ّ‬

‫موحدين في ِقبال‬
‫على العالمين حس���ب تعبير القرآن الحكيم؛ ألنّهم كانوا ّ‬
‫‬
‫يذبح‬
‫فرع���ون الطاغية ال���ذي كان يقول‪{ :‬أَنَا َر ُّب ُك ُم ْ‬
‫األع َل���ى} ‪ ،‬الذي كان ِّ‬

‫أبناءهم‪ ،‬ويس���تحيي نس���اءهم‪ ،‬وارتكب معهم م���ن الفضائع ما ال يع ّد وال‬

‫فتس���بب لهم االنطواء‪ ،‬وبعث فيهم الحقد نحو سائر األمم‪ ،‬وإ ّ‬
‫ال‬
‫يحصى‪،‬‬
‫ّ‬

‫فهم بشر مثل سائر البشر‪.‬‬

‫فإن االختالف إنّما‬
‫فإن طبيعة البش���ر واحدة وإن كان هناك اختالف‪ّ ،‬‬
‫ّ‬

‫يكون بحس���ب الزمان‪ ،‬أو المكان‪ ،‬أو الشرائط‪ ،‬أو العوارض الخارجة عن‬
‫ُكروا في‬
‫ذات اإلنسان‪ ،‬وقد أسلم كثير منهم في زمان رسول اهلل (ص) ّ‬
‫ممن ذ ُ‬

‫أن الرسول (ص) عاملهم كأهل‬
‫القرآن الحكيم أو في الس���ّنة‬
‫المطهرة‪ .‬كما ّ‬
‫ّ‬
‫ سورة النازعات‪ :‬اآلية ‪.24‬‬

‫‪213‬‬

‫اض ِعِه َونَ ُسوا َح ّظًا‬
‫حرفوا الكتاب‪{ :‬يُ َح ِّرفُو َن اْل َكِل َم َع ْن َم َو ِ‬
‫كتاب وإن كانوا قد ّ‬
‫ُك ُروا بِِه} ‪.‬‬
‫ِم َّما ذ ِّ‬

‫كل حال‪ ،‬فمن يريد كتابة فلسفة التاريخ عليه أ ّ‬
‫ال يميل حسب‬
‫وعلى ّ‬

‫األهواء ذات اليمـين أو ذات الش���مـال‪ ،‬يمدح قـومًا أو دينًا فوق واقعهم‪ ،‬أو‬
‫المؤرخ مطلقًا‪ ،‬وعلى من يريد كتابة فلسفة‬
‫يذمهم فوق واقعهم‪ .‬فإنّه على‬
‫ّ‬
‫ّ‬

‫إما بمفرداته‪،‬‬
‫التاريخ أن يكون حياديًا بالنسبة إلى التاريخ الذي يريد تدوينه ّ‬

‫أو بالروح العامة‪.‬‬

‫آمنُوا كُونُوا‬
‫وم���ا أجمل التعبير القرآني الذي يقول‪{ :‬يَا أَ ُّي َه���ا ا َّل ِذ َ‬
‫ين َ‬

‫َوٍم َع َلى أَ َّال تَ ْع ِدلُوا ْاع ِدلُوا ُه َو‬
‫َواِم َ‬
‫ين هللِ ُش َه َداءَ بِاْلِق ْس ِط َوالَ يَ ْج ِر َم َّن ُك ْم َشنَآ ُن ق ْ‬
‫ق َّ‬
‫َ‬
‫ير بِ َما تَ ْع َملُو َن} ‪ .‬ثم أ ّكد ذلك بقوله‪:‬‬
‫ب لِ َّ‬
‫ْ���ر ُ‬
‫أق َ‬
‫لت ْق َوى َوا َّت ُقوا اهللَ ِإ َّن اهللَ َخِب ٌ‬
‫َ‬
‫يم} ‪.‬‬
‫الصالِ َح ِ‬
‫{و َع َد اهللُ ا َّل ِذ َ‬
‫ين َ‬
‫َ‬
‫آمنُوا َو َع ِملُوا َّ‬
‫ات لَ ُه ْم َم ْغِف َرةٌ َوأ ْجٌر َع ِظ ٌ‬

‫‪214‬‬

‫وهذا ليس خاصًا بمجلس القضاء‪ ،‬والنزاع بين الشريكين‪ ،‬والمالك‬

‫والمستأجر‪ ،‬والفالح والمالك‪ ،‬والزوجين‪ ،‬وما أشبه ذلك‪ ،‬بل إنّها مصاديق‬
‫خاصة‪ ،‬وأولى بتلك المصاديق الحكم على األمم والجماعات والش���عوب‬
‫ّ‬

‫والقبائل‪.‬‬

‫إذًا‪ :‬ففلس���فة التاريخ ال تالحظ القرون الوس���طى المسيحية‪ ،‬كما ال‬
‫تالحظ القرون قبل اإلس�ل�ام من فرس‪ ،‬وروم‪ ،‬وع���رب الجزيرة‪ ،‬وما إلى‬
‫ذلك إ ّ‬
‫همها استكشاف‬
‫ال بلحاظ العوامل التي تبعث نحو هذه االنتكاسة‪ .‬بل ّ‬

‫أمة أو قبيلة أو دولة أو س���اد المجموع من‬
‫الواقع والروح العامة الذي س���اد ّ‬

‫حيث المجموع كما أشرنا إليه فيما سبق‪.‬‬

‫مبررًا للرهبنة والعزوف عن‬
‫ومن هذا المنطق أيضًا ال يجد اإلس�ل�ام ّ‬

‫الماديات الزائفة‪ ،‬بل‬
‫مبررًا لالنغماس فيها والغ���رق في ّ‬
‫الدني���ا كما ال‪ ‬يجد ّ‬

‫ سورة المائدة‪ :‬اآلية ‪.13‬‬
‫ سورة المائدة‪ :‬اآلية ‪.8‬‬
‫ سورة المائدة‪ :‬اآلية ‪.9‬‬

‫اآلخ َرِة َح َس���نًَة َوِقنَا‬
‫الدْنيَا َح َس���نًَة َوِفي ِ‬
‫{وِم ْن ُه ْم َم ْن يَُقو ُل َر َّبنَا آِتنَا ِفي ُّ‬
‫يقول‪َ :‬‬
‫اب ال َّناِر * أُولَِئ َ‬
‫ألن غاية اإلنسان هي الدنيا‬
‫ك لَ ُه ْم نَ ِ‬
‫َسبُوا}‪ّ ،‬‬
‫َع َذ َ‬
‫ص ٌ‬
‫يب ِم َّما ك َ‬
‫ال‬
‫واآلخرة‪ ،‬ألنّه جسم وروح‪،‬‬
‫ولكل متطلّباته‪ ،‬فاإلنسان يجب أن يكون عاد ً‬
‫ّ‬
‫تقبله‪ .‬ولذا ورد في الحديث‪( :‬ليس مّنا من ترك دنياه‬
‫في إعطاء الكل حسب ّ‬

‫‬
‫يما آتَ َ‬
‫ار‬
‫اك اهللُ َّ‬
‫آلخرته وال آخرته لدنياه) ‪ ،‬وفي القرآن الحكيم‪ْ :‬‬
‫الد َ‬
‫{ابتَ ِغ ِف َ‬
‫صيبَ َ‬
‫الدْنيَا}‪ ،‬وهذا تعبير دقيق ج ّدًا‪ ،‬فالالزم أن‬
‫س نَ ِ‬
‫ِ‬
‫ك ِم َن ُّ‬
‫���رةَ َوالَ تَْن َ‬
‫اآلخ َ‬

‫فإن الدنيا مزرعة اآلخرة ‪.‬‬
‫الهم‬
‫منصبًا على اآلخرة‪ّ ،‬‬
‫يكون ّ‬
‫ّ‬

‫‪215‬‬

‫ سورة البقرة‪ :‬اآليات ‪201‬ـ ‪.202‬‬
‫ من ال يحضره الفقيه‪ :‬ج‪ 3‬ص‪ 156‬ب‪ 2‬ح‪ ،3568‬وسائل الشيعة‪ :‬ج‪ 17‬ص‪ 76‬ب‪ 28‬ح‪.22025‬‬
‫ سورة القصص‪ :‬اآلية ‪.77‬‬
‫ إشارة إلى الحديث الوارد‪ :‬الدنيا مزرعة اآلخرة كشف الخفاء‪ :‬ج‪ 1‬ص‪ 495‬ح‪ ،1320‬وسائل الشيعة‪ :‬ج‪ 30‬ص‪ ،196‬خاتمة‬
‫الوسائل الفائدة السادسة‪.‬‬

‫علينا أن نمنع الغرب من السقوط‬

‫مس�ألة‪ :‬من الضروري االهتمام بالمجتمع اإلس�ل�امي حّتى ينطلق من‬

‫جديد وبالمجتمع الغربي حّتى ال يس���قط‪ ،‬وسقوط المجتمع الغربي بسبب‬

‫بعده عن القيم الس���ماوية وبسبب استعماره لآلخرين‪ ،‬ذلك أن عدم نهوض‬
‫البش���رية عن الروح‪ ،‬وس���قوط الثاني معناه س���قوط‬
‫األول معناه حرمان‬
‫ّ‬
‫ّ‬

‫حض���ارة اآلل���ة والجمال والنظام وكلها نس���بية كما ال يخف���ى إلى أمد غير‬
‫معلوم‪.‬‬
‫‪216‬‬

‫ويتم ذلك بحقن المجتمع اإلس�ل�امي بمحاسن المجتمع الغربي التي‬
‫أخذها باألس���اس من تموجات الحضارة اإلسالمية كالشورى والتعددية و‪...‬‬
‫ال بجسده‬
‫حّتى يكمل الجس���د إلى جانب كمال الروح‪ ،‬فيكون إنس���انًا كام ً‬

‫وروحه‪ ،‬ويكون إنس���انًا بدنياه وآخرته‪ ،‬كما يكون بحقن المجتمع الغربي‬
‫بمعنويات اإلس�ل�ام وقيمه ومثله العليا ف���ي الفرد والعائلة والمجتمع‪ ،‬وفي‬
‫ّ‬

‫الدين واألخالق والدنيا الصحيحة واآلخرة السعيدة‪ ،‬وبذلك يمكن أن نصل‬
‫البشرية وفلسفة الحياة اإلنسانية‪.‬‬
‫إلى روح الحضارة‬
‫ّ‬

‫إن م���ا نلمس���ه اليوم من المجتمع���ات الغربية أنها ف���ي طريقها إلى‬
‫ّ‬

‫الس���قوط واالضمح�ل�ال باإلضافة إلى ما تعاني من المش���اكل والضياع في‬
‫الحال الحاضر‪.‬‬

‫إن مصير‬
‫لقد كتب بعض علم���اء الغرب عن الحضارة الغربية قائ ً‬
‫ال‪ّ :‬‬
‫ أي المجتمع اإلسالمي‪.‬‬
‫ أي المجتمع الغربي‪.‬‬

‫البش���رية معلّق على مسلك الحضارة الغربية‪ ،‬وهذه معلّقة بإصبعي رجلين‬
‫مجرد ضغط أحدهما‬
‫أحدهما في موس���كو واآلخر في واش���نطن بحيث أن ّ‬

‫على الزر ٍ‬
‫البشرية جميعًا‪.‬‬
‫كاف لكي ته ّدم الحضارة الغربية وربّما‬
‫ّ‬

‫أن الحرب العالمية الثالثة إذا قامت س���تكون‬
‫أق���ول‪ :‬قرأت في تقرير ّ‬

‫حربًا نووي ًة‪ ،‬والحرب النووية تقتل في الساعات األولى أربعمائة مليون من‬

‫البشر باإلضافة إلى الدمار والخراب غير المسبوق في العالم‪.‬‬

‫ث���م يضيف التقرير‪ :‬فهل يمكن تجّنب هذا المصير الرهيب؟ إنّه من‬
‫ّ‬

‫البش���رية تحاول االهتداء إلى الس�ل�ام الدائم في طريق يحفّه‬
‫أن‬
‫المالحظ���ة ّ‬
‫ّ‬
‫نقيض���ان عقيمان‪ ،‬الص���راع الرهيب بين ٍ‬
‫دول إقليمية والس�ل�ام القائم على‬

‫إن مش���كلة الحضارة الغربية كمش���كلة الحضارات السابقة‬
‫الرعب النووي‪ّ .‬‬
‫ف���ي التردي إلى عب���ادة وثن من صنع المجتمع‪ ،‬إنّه تاريخ الدولة الس���ائدة‬

‫اآلن بين أربعة أخماس ّ‬
‫أدى هذا التأليه إلى تدمير أربع‬
‫س���كان العالم‪ ،‬فقد ّ‬
‫أشد‬
‫ست عشرة حضارة سابقة من عشرين حضارة‪ .‬وتأليه اليوم ّ‬
‫عشرة وربّما ّ‬
‫رعبًا ألنّه تتزعمه البرجوازية وتدعمه التكنولوجيا الحديثة س���واء في مسائل‬

‫اإلعالم أو غيرها‪.‬‬

‫بأن هزيمة النازية وتوأمه الفاش���ية في الحرب العالمية الثانية‬
‫والقول ّ‬

‫شك كبير‪.‬‬
‫أدت إلى القضاء على النزعة الحربية موضع ّ‬
‫قد ّ‬

‫ألن اإلنسان المنحرف عن سبيل اهلل سبحانه وتعالى الذي‬
‫أقول‪ :‬وذلك ّ‬

‫ال يخاف اهلل واليوم اآلخر هو السبب في بروز هذه النزعات مثل نزعة هتلر‬
‫وموسيليني باإلضافة إلى ستالين‪ ،‬وهذا االنحراف موجود‪.‬‬
‫ومن يقول إنه بعد م ّدة ولو خمس���ين س���نة أو ما أش���به ذلك ال تعود‬
‫ بنيتو موسيليني‪ ،‬ولد سنة ‪1883‬م‪ ،‬وقتل في ‪ 28‬نيسان ‪1945‬م‪ ،‬مؤسس الحزب الفاشي اإليطالي في ميالنو سنة‬
‫‪1919‬م‪ ،‬زحفت ميليشياته على روما سنة ‪1922‬م وأسندت إليه الوزارة‪ ،‬أصبح رئيساً إليطاليا في نفس السنة‪ ،‬أنشأ‬
‫مع هتلر محور روما برلين سنة ‪1936‬م‪ ،‬تحالف مع هتلر في الحرب العالمية الثانية‪ ،‬وأ ّدت هزيمة قواته إلى سقوطه‪،‬‬
‫أُقصي من الحكم سنة ‪1943‬م ثم أعاده األلمان إلى الحكم مرة أخرى سنة ‪1944‬م‪.‬‬

‫‪217‬‬

‫البشرية‪.‬‬
‫النزعة إلى الظهور؟ فالالزم أن ننزع فكرة االنحراف حّتى تأمن‬
‫ّ‬

‫ألن‬
‫ث���م يقول هذا العالم في تقري���ره‪ :‬تع ّد هذه األنظمة تأليهًا للدولة ّ‬
‫ّ‬

‫ال عن‬
‫النظ���م الديكتاتورية تعد صورًة مماثلة لعبادة قيصر أو عبادة يهوا فض ً‬
‫عد غيرها شعوبًا بربرية‪.‬‬
‫أنّها تُ ُّ‬

‫الغربيين ومن إليهم يعدون غيرهم وهم قلّة وغيرهم‬
‫أن‬
‫أقول‪ :‬وذلك ّ‬
‫ّ‬

‫فإن ذلك وإن كان غير صحيح في الجملة إ ّ‬
‫ال أنه‬
‫متوحش���ين‪ّ ،‬‬
‫كثرة أناس���ًا ّ‬
‫المدمرة بين هذه‬
‫ص���ادق في الجملة أيضًا لما نش���اهد من بعض الح���روب‬
‫ّ‬

‫إقليمية وما أش���به ذلك‪ .‬إ ّ‬
‫الشدة التي‬
‫ّيات حروبًا‬
‫ال ّ‬
‫أن األمر ليس بتلك ّ‬
‫ّ‬
‫األقلّ‬

‫إن بعض الشعوب كبعض البالد‬
‫يرى‬
‫إياها في سائر الشعوب حّتى ّ‬
‫الغربيون ّ‬
‫ّ‬
‫التوحش‪،‬ألنّه‬
‫الغربية إذا أرادوا إرس���ال إنس���ان إلى بالد غيرهم أعطوه ّ‬
‫حق ّ‬
‫ّ‬

‫المتوحشين‪.‬‬
‫يعيش مع‬
‫ّ‬
‫‪218‬‬

‫ث���م يضيف في تقريره‪ :‬وال زال الفراغ الروحي مس���تب ّدًا بالنفوس في‬
‫ّ‬

‫التعصب للدولة وتس���تبدل لعبادة‬
‫الغ���رب فنفتح األبواب لتدخل ش���ياطين‬
‫ّ‬

‫اهلل الواحد وثنًا واحدًا اس���مه عبادة الدولة‪،‬كما تس���تبدل باألديان الدول من‬
‫إن افتقار المرء للدين يدفعه إلى حالة من اليأس الروحي‬
‫صنع المجتم���ع‪ّ ،‬‬
‫فيضط���ره إلى التماس فتات العزاء الديني على موائد ال تملك منها ش���يئًا‪،‬‬
‫ولقد أراد بعض الفالس���فة إحالل أفكار فلس���فية كبديل عن الدين كفكرة‬
‫دين اإلنس���انية لدى أوجست كونت ولكّنها بدت عقيدًة باهتة منسوخة ومن‬
‫أش���د خطرًا‬
‫ال على أن عقول العالم مفتون ًة اليوم بأيديولوجية‬
‫ثم لم تلق قبو ً‬
‫ّ‬
‫ّ‬

‫المبشر‬
‫ألن‬
‫حد كبير‪ ،‬ليس ّ‬
‫ّ‬
‫ممّثلة في الماركس���ية وهذه تُناظر اليهودية إلى ّ‬
‫محل اإلله يهوا كما‬
‫بها‬
‫يهودي فحس���ب بل ألنّها أحلّت عبادة الش���يوعية ّ‬
‫ٌّ‬

‫جعلت البروليتاريا مناظرة بشعب اهلل المختار‪ ،‬والخارجون عن البروليتاريا‬
‫ال عن‬
‫كش���عوب‬
‫األممية لدى اليهود وعدوا الناس بفردوس على األرض بدي ً‬
‫ّ‬

‫نعيم الحياة‪ ،‬لقد تكالب���ت الجماهير على مثل هذه اإليديولوجيات كبديل‬
‫عن الدين ولكن ليس بالخبز وحده يحيا اإلنس���ان‪ ،‬فدنس المجتمع الغربي‬
‫مادّية‪.‬‬
‫هو في جوهره دنس الروحية وليست ّ‬

‫أقول‪ :‬فالروح إنّم�ا تكتمل باتّخاذ الدين‬
‫الصحيح منهجًا له والدين الصحيح هو‬
‫اإلسلام وح�ده الذي أتى به رس�ول اهلل‬
‫(ص) بالقرآن الحكيم وبالس�يرة العطرة‬
‫وإ ّ‬
‫ال فكيف يمك�ن للروح أن ترتوي من‬
‫غير هذا المعين‪.‬‬

‫اإلس�ل�امية والغربية األولى‬
‫وعلى كل حال‪ :‬إذا أردنا منع الحضارتين‬
‫ّ‬

‫بمادياتها من السقوط لم يكن بٌُد إ ّ‬
‫ال الرجوع إلى اإلسالم‬
‫بروحياتها والثانية‬
‫ّ‬
‫األخ���ذ من منبعه حيث قال رس���ول اهلل (ص)‪( :‬إنّي مخل���ف فيكم الثقلين‬

‫كت���اب اهلل وعترتي أهل بيتي)‪،‬ولو فرضن���ا ورود الرواية األخرى‪( :‬كتاب‬

‫ فقد ورد الحديث بألفاظ مختلفة‪ ،‬نذكر بعضها‪:‬‬
‫‪ -1‬قال رسول اهلل ص‪ :‬إني مخلف فيكم الثقلين كتاب اهلل وعترتي أهل بيتي لن تضلوا ما تمسكتم بهما‪ ،‬وإنهما لن يفترقا‬
‫حتى يردا‪ ،‬بحار األنوار‪ :‬ج‪ 5‬ص‪ 68‬ب ‪ 2‬ح‪.1‬‬
‫علي الحوض‬
‫‪ -2‬قال رسول اهلل ص‪ :‬إني مخلف فيكم الثقلين كتاب اهلل وعترتي أهل بيتي وإنهما لن يفترقا حتى يردا ّ‬
‫وضم بين سبابتيه‪ ،‬بحار األنوار‪ :‬ج‪ 23‬ص‪ 147‬ب‪ 7‬ح‪.111‬‬
‫كهاتين‪ّ ،‬‬
‫‪ -3‬قال رسول اهلل ص‪ :‬إني مخلف فيكم الثقلين كتاب اهلل وعترتي أهل بيتي أال وإنهما لن يفترقا حتى يردا علي الحوض‪،‬‬
‫فانظروا كيف تخلفوني فيهما‪ ،‬بحار األنوار‪ :‬ج‪ 25‬ص‪ 221‬ب‪ 7‬ح‪.20‬‬
‫‪ -4‬قال رسول اهلل ص في يوم الغدير‪ :‬إني مخلف فيكم الثقلين فانظروا كيف تخلفوني فيهما‪ .‬قال الراوي‪ :‬قلنا يا رسول‬
‫اهلل وما الثقالن ؟ قال ص‪ :‬الثقل األكبر كتاب اهلل سبب بيدي اهلل وسبب بأيديكم فتمسكوا به لن تهلكوا وتضلوا‪،‬‬
‫علي الحوض‪ ،‬بحار األنوار‪ :‬ج‪ 37‬ص‪190‬‬
‫واآلخر عترتي وإنه قد نبأني اللطيف الخبير أنهما لن يفترقا حتى يردا ّ‬
‫ب‪ 52‬ح‪.74‬‬
‫‪ -5‬قال رسول اهلل ص‪ :‬إني تارك فيكم أمرين أحدهما أطول من اآلخر كتاب اهلل حبل ممدود من السماء إلى األرض طرف‬
‫بيد اهلل وعترتي‪ ،‬أال وإنهما لن يفترقا حتى يردا علي الحوض‪ ،‬كمال الدين‪ :‬ص‪.236‬‬
‫‪ -6‬قال رسول اهلل ص‪ :‬إني قد تركت فيكم أمرين لن تضلوا بعدي ما إن تمسكتم بهما كتاب اهلل وعترتي أهل بيتي‪ ،‬فإن‬
‫علي الحوض كهاتين وجمع بين مسبحتيه‪ ،‬الكافي أصول‪ :‬ج‪2‬‬
‫اللطيف الخبير قد عهد إلي أنهما لن يفترقا حتى يردا ّ‬
‫ص‪ 415‬ح‪.1‬‬
‫‪ -7‬قال رسول اهلل ص‪ :‬إني مخلف فيكم الثقلين ما إن تمسكتم بهما لن تضلوا‪ ،‬كتاب اهلل وعترتي أهل بيتي‪ ،‬همـا الخليفتان‬
‫علي الحوض‪ ،‬إرشاد القلوب‪ :‬ص‪.340‬‬
‫فيكـم‪ ،‬وإنهمـا لـن يفترقـا حتى يردا ّ‬
‫‪ -8‬قال رسول اهلل ص‪ :‬إني مخلف فيكم الثقلين كتاب اهلل وعترتي أهل بيتي ما إن تمسكتم بهما لن تضلوا‪ ،‬فقه القرآن‪:‬‬
‫ج‪ 1‬ص‪.63‬‬
‫‪ -9‬قال رسول اهلل ص‪ :‬إني تارك فيكم الثقلين‪ ،‬الثقل األكبر والثقل األصغر‪ ،‬فأما الثقل األكبر فكتاب ربي‪ ،‬وأما األصغر‬
‫فعترتي أهل بيتي‪ ،‬واحفظوني فيهما فلن تضلوا ما إن تمسكتم بهما‪ ،‬بحار األنوار‪ :‬ج‪ 89‬ص‪ 27‬ب‪ 1‬ح ‪.29‬‬

‫‪219‬‬

‫ألن من سّنة الرسول‬
‫معنى واحدًا‪ّ ،‬‬
‫اهلل وس���ّنتي)‪ّ ،‬‬
‫فإن كال الحديثين ّ‬
‫يؤدي ً‬

‫المفسرة للسّنة أيضًا‪.‬‬
‫أن المراد بالعترة‬
‫العترة‪ ،‬كما ّ‬
‫ّ‬

‫بالواقعيات‬
‫أن روح الحضارة وفلس���فة التاريخ إنّما تكون‬
‫والخالصة‪ّ :‬‬
‫ّ‬

‫والتعصبات والقومي���ات والجغرافيات أو ما أش���به ذلك‪ ،‬فإذا‬
‫ال‪ ‬باألوه���ام‬
‫ّ‬

‫اكتش���فنا هذه الروح وصلنا إلى هذه الفلس���فة ولو عملنا بذلك ونشرناه في‬
‫طول البالد وعرضها ألوقفنا السقوطين‪ ،‬وإ ّ‬
‫ال فيمكن أن تصل اإلنسانية إلى‬
‫السقوط الكامل حيث اآلن تعيش في الحاّفة كما قال القرآن الحكيم‪َ { :‬ع َلى‬

‫ٍ‬
‫الدنيوية التي هـي عبـارة‬
‫ار بِِه ِفي نَاِر َج َه َّن َم}‪ ،‬النار‬
‫َش���فَا ُج ُرف َهاٍر فَاْن َه َ‬
‫ّ‬
‫عـن الفقـر والمـ���رض والجـهل والفوضـى‪ ،‬والنار اآلخـ���رة الموقدة {ا َّلِتي‬

‫ألن نار‬
‫ص��� َدةٌ * ِفي َع َم ٍد ُم َم َّد َدٍة}‪ّ ،‬‬
‫���ع َع َلى األ ْفِئ َدِة * ِإ َّن َها َع َل ْي ِه ْم ُم ْؤ َ‬
‫تَطَّ ِل ُ‬
‫أن جّنة الدني���ا تنتهي إلى جّنة اآلخرة‪،‬‬
‫الدني���ا تنته���ي إلى نار اآلخرة‪ ،‬كما ّ‬

‫‪220‬‬

‫فهما من ٍ‬
‫مقدم على اآلخر‪ ،‬ولذا ورد في الحديث‪:‬‬
‫إله حكيم قدير‪ ،‬أحدهما ّ‬
‫(الدنيا مزرعة اآلخرة) فليس من المعقول أن يزرع الزارع الحنظل ويحصد‬
‫‬

‫السكر وكذلك العكس‪ ،‬وقد قال شاعر‪:‬‬
‫ال ي��ج��ت��ن��ي اجل���ان���ي م���ن ال���ش���وك الرطب‬
‫وال م�����ن احل����ن����ظ����ل ي���ج���ت���ن���ي الرطب‬

‫‪ -10‬قال رسول اهلل ص‪ :‬إني تارك فيكم الثقلين كتاب اهلل وعترتي لن تضلوا ما إن تمسكتم بهما ولن يفترقا حتى يردا‬
‫علي الحوض‪ ،‬نهج الحق ص‪ 394‬الفصل الثاني‪.‬‬
‫ّ‬
‫‪ -11‬قال رسول اهلل ص‪ :‬إني تارك فيكم الثقلين ما إن تمسكتم بهما لن تضلوا من بعدي أبداً كتاب اهلل وعترتي أهل بيتي‪،‬‬
‫رواه مسلم والترمذي والحاكم وأحمد‪.‬‬
‫ فقد ورد في كمال الدين‪ :‬ص‪ 235‬الحديث التالي‪ :‬قال رسول اهلل ص‪ :‬إني قد خلفت فيكم شيئين لم تضلوا بعدي أبداً‬
‫علي الحوض‪ ،‬وقريب منه في بحار‬
‫ما أخذتم بهما وعملتم بما فيهما كتاب اهلل وسنتي وإنهما لن يفترقا حتى يردا ّ‬
‫األنوار‪ :‬ج‪ 23‬ص‪ 132‬ب‪ 7‬ح‪.66‬‬
‫ سورة التوبة‪ :‬اآلية ‪.109‬‬
‫ سورة الهمزة‪ :‬اآليات ‪.9 7‬‬
‫ كشف الخفاء‪ :‬ج‪ 1‬ص ‪ 495‬ح ‪ ،1320‬وسائل الشيعة‪ :‬ج ‪ 30‬ص ‪ 196‬خاتمة الوسائل الفائدة السادسة‪ ،‬وفي مجموعة‬
‫ورام‪ :‬ج‪ 1‬ص‪ 92‬وإرشاد القلوب‪ :‬ص‪ 89‬بيان‪.‬‬

‫إمداد الله لإلنسان‬

‫أن س���ّنة اهلل س���بحانه وتعالى بعد إرسال‬
‫مس�ألة‪ :‬من فلس���فة التاريخ ّ‬

‫ال من‬
‫يمد ك ّ‬
‫عام���ة‪ ،‬هي أنّه ّ‬
‫الرس���ل‪ ،‬وإنزال الكتب‪ ،‬وهداية الناس هداية ّ‬
‫المؤم���ن وغير المؤمن‪ ،‬فيزداد المؤمن إيمانًا‪ ،‬والكافر كفرًا‪ ،‬واهلل س���بحانه‬

‫وتعالى يعين ويس���اعد الذين يطلبون اآلخرة‪ ،‬والكماالت المعنوية‪ ،‬والدنيا‬
‫الصالحة‪ ،‬كما أنّه س���بحانه وتعالى يعين الذين يطلبون الدنيا‪ ،‬والكماالت‬
‫المادية‪ ،‬والذين يمش���ون في طريق الضالل‪ ،‬ومثالهما مثال الحنظل وقصب‬
‫ّ‬
‫يمتد ط���والً‪ ،‬وعرضًا‪ ،‬وعمق�ا�ً‪ ،‬وهذا المثال‬
‫الس���كر‪،‬‬
‫ّ‬
‫ف���كل واحد منهما ّ‬

‫المادي ومثال معنوي الهداية والضالل‪ ،‬فالّذين آمنوا باهلل س���بحانه وتعالى‬
‫ّ‬

‫الحق‪ ،‬والخي���ر‪ ،‬والكمال‪ ،‬يوّفر اهلل‬
‫يتقدمون في طريق ّ‬
‫ورس���له‪ ،‬وأخذوا ّ‬
‫التقدم‪ ،‬وكذلك بالنسبة إلى الذين يسيرون في‬
‫س���بحانه وتعالى لهم وسائل ّ‬

‫الش���ر‪ ،‬والضالل‪ ،‬واالنحراف‪ ،‬كما قال س���بحانه وتعالى‪ُ { :‬ك ًّ‬
‫ِد‬
‫طريق‬
‫ال نُم ُّ‬
‫ّ‬
‫ك َو َما كَا َن َع َطاءُ َر ِّب َ‬
‫َه ُؤالَِء َو َه ُؤالَِء ِم ْن َع َطاِء َر ِّب َ‬
‫ك َم ْح ُظورًا}‪ ،‬وقال سبحانه‬

‫{وِم ْن ُه ْم َم ْن يَُقو ُل َر َّبنَا آِتنَا‬
‫وتعالى بالنسبة إلى المّتقين والمؤمنين الصادقين‪َ :‬‬
‫اب ال َّناِر * أُولَِئ َ‬
‫يب‬
‫ك لَ ُه ْم نَ ِ‬
‫الدْنيَا َح َس���نًَة َوِفي ِ‬
‫ِفي ُّ‬
‫اآلخ َرِة َح َس���نًَة َوِقنَا َع َذ َ‬
‫ص ٌ‬
‫َسبُوا} في مقابل الذين ال يريدون إ ّ‬
‫ال الدنيا وزينتها فقط‪ .‬قال سبحانه‬
‫ِم َّما ك َ‬
‫اآلخ َرِة ِم ْن‬
‫الدْنيَا َو َم���ا لَُه ِفي ِ‬
‫���ن يَُقو ُل َر َّبنَا آِتنَا ِفي ُّ‬
‫وتعال���ى‪{ :‬فَم َ‬
‫اس َم ْ‬
‫ِن ال َّن ِ‬
‫ٍ ‬
‫َخ َ‬
‫أعم من العمل والقول‪ ،‬كما هو واضح في‬
‫�ل�اق} ‪ ،‬ولفظ {من يقول} ّ‬

‫ سورة اإلسراء‪ :‬اآلية ‪.20‬‬
‫ سورة البقرة‪ :‬اآليات ‪.202 201‬‬
‫ سورة البقرة‪ :‬اآلية ‪.200‬‬

‫‪221‬‬

‫اللغة العربية؛ إذ يستعمل القول بمعنى الكالم وبمعنـى العمل‪ ،‬فمـن قـال‪:‬‬
‫بيدي هكذا فيما إذا أشار‪ ،‬أو قال‪ :‬بعينه كذا‪ ،‬إلى غير ذلك‪.‬‬
‫وهناك آي���ات كثيرة وروايات متواترة باإلضاف���ة إلى اإلجماع ودليل‬
‫العقل‪ّ ،‬‬
‫تدل على وجود هذا اإلمداد للطرفين‪.‬‬

‫العطاء حسب االقتضاء‬
‫ثم إن العطاء الرباني‪ ،‬يكون حسب االقتضاء‪ ،‬يقول سبحانه وتعالى‪:‬‬
‫ُ���م َج َع ْلنَا لَُه‬
‫���ن كَا َن يُِري��� ُد اْل َع ِ‬
‫{م ْ‬
‫اج َل َة َع َّج ْلنَا لَُه ِف َ‬
‫َ‬
‫يها َما نَ َش���اءُ لِ َم ْن نُِري ُد ث َّ‬
‫���م يَ ْص َ‬
‫���عيَ َها‬
‫مَـن أََرا َد ِ‬
‫ال َها َم ْذ ُمومًا َم ْد ُحـورًا * َو ْ‬
‫اآلخ َرةَ َو َس َ���عى لَ َها َس ْ‬
‫َج َه َّن َ‬
‫���كورًا * ُك ًّ‬
‫���عيُ ُه ْم َم ْش ُ‬
‫َو ُه َو ُم ْؤِم ٌن فَأُولَِئ َ‬
‫ـن‬
‫ال نُ ُّ‬
‫مِـد َه��� ُؤالَِء َو َه ُؤالَِء ِم ْ‬
‫ك كَا َن َس ْ‬
‫ك َومَـا كَا َن َع َطاءُ َر ِّب َ‬
‫َع َط���اِء َر ِّب َ‬
‫ك َم ْح ُظورًا}‪ ،‬فاهلل س���بحانه وتعالى يعطي‬

‫‪222‬‬

‫فيمتد امتدادًا في حدود ما جعله اهلل س���بحانه‬
‫ال حس���ب تطلّبه االمكاني‪،‬‬
‫ُك ّ‬
‫ّ‬
‫وتعالى له من االمتداد‪ ،‬حاله حال الحيوانات‪ ،‬واألش���جار‪ ،‬وما أشبه ذلك‪،‬‬

‫فمن الحيوانات ما يكون بقدر الفراش���ة‪ ،‬ومنها م���ا يكون بقدر العصفور‪،‬‬
‫أن من األش���جار هكذا‪ ،‬فمنها‬
‫ومنه���ا ما يكون بقدر الحمامة‪ ،‬وهكذا‪ .‬كما ّ‬

‫نبتة‪ ،‬ومنها شجيرة‪ ،‬ومنها شجرة‪ ،‬ومنها شجرة كبيرة باسقة‪ ،‬قال سبحانه‬
‫���رِة نَِز ْد لَُه ِفي َح ْرِث���ِه َو َم ْن كَا َن‬
‫ث ِ‬
‫���ن كَا َن يُِري ُد َح ْر َ‬
‫{م ْ‬
‫وتعال���ى أيضًا‪َ :‬‬
‫اآلخ َ‬

‫صيب}‪ ،‬والمراد‬
‫���ن نَ ِ‬
‫الدْنيَا نُ ْؤِتِه ِم ْن َها َو َم���ا لَُه ِفي ِ‬
‫���ر َ‬
‫ث ُّ‬
‫اآلخ َرِة ِم ْ‬
‫يُِري��� ُد َح ْ‬
‫بالحرث هنا النتيجة التي ينتهي إليها كل عمل‪ ،‬فالنتائج الدنيوية تكون لمن‬

‫طلبها‪ ،‬مؤمنًا أو كافرًا‪ ،‬أو صالحًا أو طالحًا‪ ،‬أما بالنسبة إلى حرث اآلخرة‬
‫ونتائجه���ا‪ ،‬فإنما يكون بالنس���بة إلى المؤمنين الصالحين‪ ،‬وقال س���بحانه‬

‫يها َو ُه ْم‬
‫{م ْن كَا َن يُِري ُد اْل َحيَاةَ ُّ‬
‫الدْنيَا َو ِزينَتَ َها نُ َو ِّف ِإلَْي ِه ْم أَ ْع َمالَ ُه ْم ِف َ‬
‫وتعال���ى‪َ :‬‬
‫ سورة اإلسراء‪ :‬اآليات ‪.20 18‬‬
‫ سورة الشورى‪ :‬اآلية ‪.20‬‬

‫يه���ا الَ يُْب َخ ُس���و َن * أُولَِئ َ‬
‫ار َو َحِب َط َما‬
‫س لَ ُه ْم ِفي ِ‬
‫ك ا َّل ِذ َ‬
‫ِف َ‬
‫���رِة ِإ َّال ال َّن ُ‬
‫ين لَْي َ‬
‫اآلخ َ‬

‫اط ٌل َما كَانُوا يَ ْع َملُو َن}‪ ،‬فإن اإلنسان الذي يريد حرث الدنيا‬
‫يها َوبَ ِ‬
‫صنَ ُعوا ِف َ‬
‫َ‬
‫وزينته���ا فقط‪ ،‬يصيبه ما أراد بقدر عمل���ه وال نصيب له من اآلخرة‪ ،‬فمثله‬

‫كمثل من يبني دارًا في مدينة ما‪ ،‬فإنه ال دار له في مدينة أخرى‪.‬‬
‫ومن الواضح أن األعمال الدنيوية فقط تُحبط؛ ألنها محدودة خاصة‪،‬‬

‫وتبطل؛ ألنها ليست موافقة للحركة الكونية التي جعلها اهلل سبحانه وتعالى‬
‫فيها‪.‬‬
‫فاإلمداد اإلله���ي لطالبي الدنيا والراغبين فيها والصارفين نظرهم عن‬
‫اآلخرة‪ ،‬يكون محدودًا محصورًا في عطائه في هذه الدنيا فقط وفي األبعاد‬
‫الثالثة المعروفة‪،‬ولذا قال س���بحانه وتعالى‪{ :‬ما نش���اء}‪ ،‬وقال س���بحانه‬
‫‬
‫‬
‫أما اإلمداد‬
‫وتعالى‪{ :‬ما نريد} ‪ ،‬وقال س���بحانه وتعالى‪{ :‬نؤته منها} ‪ّ ،‬‬

‫يمتد إلى‬
‫الذي يم ّد به طالب اآلخرة‪ ،‬ال ح ّد محدود له في هذه الدنيا‪ ،‬وإنّما ّ‬
‫جّنة عرضها الس���ماوات واألرض‪ ،‬ولذا قال س���بحانه وتعالى‪{ :‬كَا َن َس ْعيُ ُه ْم‬
‫َم ْش ُكورًا}‪ ،‬وقال سبحانه وتعالى‪{ :‬نَِز ْد لَُه ِفي َح ْرِثِه} ‪.‬‬
‫إن اإلمداد الدنيوي أيضًا تكون عاقبته النار في جهّنم؟‪.‬‬
‫ال يقال‪ّ :‬‬

‫أن الفائدة المرجوة‬
‫ألنّ���ه يقال‪ :‬هذا وإن كان صحيحًا لكن الكالم في ّ‬

‫وانتهاء‬
‫ابتداء من القبر‬
‫أما بعد هذه الدني���ا‬
‫منه���ا إنّم���ا تكون في هذه الدنيا‪ّ .‬‬
‫ً‬
‫ً‬
‫إن ميول‪ ،‬وأهواء‪ ،‬ورغبات‬
‫بجهّنم فجميعها في ضرر اإلنس���ان وألم���ه‪ .‬ثم ّ‬

‫أه���ل الدنيا‪ ،‬متزاحمة‪ ،‬ومتعارض���ة؛ ألنّها محدودة ومحصورة‪ ،‬وليس من‬

‫الممكن إش���باعها جميعًا‪ ،‬كما أنّه لي���س من المصلحة أن تكون الدنيا غير‬
‫ سورة هود‪ :‬اآليات ‪.16 15‬‬
‫ سورة اإلسراء‪ :‬اآلية ‪.18‬‬
‫ سورة هود‪ :‬اآلية ‪.79‬‬
‫ سورة آل عمران‪ :‬اآلية ‪ ،145‬سورة الشورى‪ :‬اآلية ‪.20‬‬
‫ سورة اإلسراء‪ :‬اآلية ‪.19‬‬
‫ سورة الشورى‪ :‬اآلية ‪.20‬‬

‫‪223‬‬

‫ألن الجّنة واألمور‬
‫محدودة بينما طلبات اآلخرة ال تزاحم بينهما وال تعارض؛ ّ‬
‫الس���عة الشيء الذي ال عين رأت وال أذن سمعت‬
‫المعنوية والروحية لها من ّ‬
‫وال خطر على قلب بشر‪ ،‬ولذا ّ‬
‫كل واحد من أهل اآلخرة أن يصل‬
‫يتمكن ّ‬
‫إلى فوق ما يريد‪ ،‬بينما أهل الدنيا ال ّ‬
‫يتمكنون من أن يصلوا من الدنيا إلى‬
‫قدر ما يريدون فكيف فوق ذلك‪.‬‬

‫الشكر سمة ط ّالب اآلخرة‬
‫أن الذين يعملون لآلخرة‪ ،‬يكونون ش���اكرين هلل على‬
‫وم���ن الواضح ّ‬

‫المادية أو المعنوية في مواضعها‪ ،‬واهلل س���بحانه‬
‫نعمه عليهم‪ ،‬س���واء النعم ّ‬
‫وتعالى يقول‪{ :‬لَِئ ْن َش َك ْرتُ ْم ألَِزي َد َّن ُك ْم}‪ ،‬فالشكر له فوائد كثيرة‪ ،‬ويجني‬
‫اإلنس���ان منه عدة أمور‪ ،‬منها أن الشكر يوجب زيادة النعمة عبر زيادة النعم‬

‫‪224‬‬

‫والمادية والدنيوية وبتحبيب اإليمان وتزيينه في قلوبهم‪،‬‬
‫المعنوية واألخروية‬
‫ّ‬
‫وباالنتصار على األعداء‪ ،‬ويولد الراحة للقلب كما أُشير إلى ذلك في القرآن‬

‫ين ْاهتَ َد ْوا‬
‫{ويَِزي ُد اهللُ ا َّل ِذ َ‬
‫لألول‪َ :‬‬
‫الحكيم‪ ،‬حيث قال سبحانه وتعالى بالنسبة ّ‬
‫‬
‫اه ْم}‪،‬‬
‫اه ْم تَ ْق َو ُ‬
‫دى َوآتَ ُ‬
‫{وا َّل ِذ َ‬
‫ين ْاهتَ َد ْوا َزا َد ُه ْم ُه ً‬
‫ُه ً‬
‫دى} ‪ ،‬وفي آية أخرى‪َ :‬‬

‫آمنُوا ِإ ْن تَ َّت ُق���وا اهللَ يَ ْج َع ْل لَ ُك ْم فُ ْرقَانًا َويُ َك ِّف ْر‬
‫وف���ي آية ثالثة‪{ :‬يَا أَ ُّي َها ا َّل ِذ َ‬
‫ين َ‬
‫‬
‫فإن تكفير‬
‫السيئات غير الغفران‪ّ ،‬‬
‫���يئَاِت ُك ْم َويَ ْغِف ْر لَ ُك ْم} ‪ ،‬وتكفير ّ‬
‫َع ْن ُك ْم َس ِّ‬
‫الس���يئات عبارة عن إسقاطها‪ ،‬والغفران عبارة عن الستر‪ ،‬حيث إن اإلنسان‬
‫ّ‬

‫الس���يئة‪ ،‬وبخصوص‬
‫إذا عصى معصية يكون له أمران‪ :‬الفضيحة‪ ،‬والنتيجة‬
‫ّ‬

‫سيئاتهم‪ ،‬ويغفر‬
‫المؤمنين يفعل اهلل سبحانه وتعالى ّ‬
‫ضدهما‪ ،‬فيكفّر عنهما ّ‬
‫ إشارة إلى الحديث الوارد‪ :‬ما ال عين رأت وال أذن سمعت وال خطر على قلب بشر‪ ،‬األمالي للصدوق‪ :‬ص‪ 432‬وص‪،536‬‬
‫فضائل األشهر الثالثة‪ ،‬ص‪ 27‬وص‪ ،37‬ثواب األعمال‪ :‬ص‪ ،56‬غوالي الآللي‪ :‬ج‪ 4‬ص‪ ،101‬عدة الداعي‪ :‬ص‪.172‬‬
‫ سورة إبراهيم‪ :‬اآلية ‪.7‬‬
‫ سورة مريم‪ :‬اآلية ‪.76‬‬
‫ سورة محمد‪ :‬اآلية ‪.17‬‬
‫ سورة األنفال‪ :‬اآلية ‪.29‬‬

‫لهم‪.‬‬
‫ات‬
‫الصالِ َح ِ‬
‫{إ َّن ا َّل ِذ َ‬
‫وقــ���ال اهلل س���بحانه وتعالى‪ِ :‬‬
‫ي���ن َ‬
‫آمنُوا َو َع ِملُ���وا َّ‬

‫يمانِ ِه ْم}‪ ،‬يعني بسبب إيمانهم يكونون مهتدين‪ ،‬والهداية‬
‫يَ ْه ِدي ِه ْم َر ُّب ُه ْم بِإِ َ‬
‫فإن الشجاع يكون‬
‫قابلة للزيادة والنقيصة‪ ،‬وكذا س���ائر الصفات النفس���ية‪ّ ،‬‬

‫شجاعًا بمقدار مواجهة شخص‪ ،‬أو شخصين‪ ،‬أو ثالثة‪ ،‬أو ألف‪ ،‬أو عشرة‬
‫آالف‪ ،‬وهكذا بالنس���بة إلى الكرم بدينار‪ ،‬أو بعشرة‪ ،‬أو بألف‪ ،‬أو مليون‪،‬‬
‫وهكذا تكون الهداية‪.‬‬
‫فإن القلب هو القائد‬
‫{و َم ْن يُ ْؤِم ْن بِاهللِ يَ ْه ِد قَلْبَُه}‪ّ ،‬‬
‫وفي آية أخرى‪َ :‬‬

‫الذي يقود األعمال التي تصدر عن الحواس‪.‬‬

‫{ولَ ْو‬
‫وقال سبحانه وتعالى بالنسبة إلى زيادة النعم ّ‬
‫المادية والدنيوية‪َ :‬‬
‫َ‬
‫اإلْن ِج َ‬
‫َوِق ِه ْم َوِم ْن‬
‫َاموا َّ‬
‫الت ْو َراةَ َو ِ‬
‫أَ َّن ُه ْم أَق ُ‬
‫يل َو َما أُْن ِز َل ِإلَْي ِه ْم ِم ْن َر ِّب ِه ْم أل َكلُوا ِم ْن ف ْ‬
‫ت أَ ْر ُجِل ِه ْم}‪ ،‬وقد ذكرنا وجه ذلك في التفسير الموضوعي‪.‬‬
‫تَ ْح ِ‬

‫مادي من التعاون‪،‬‬
‫ّ‬
‫وإن النعم تكون بسببين‪ :‬بسبب معنوي‪ ،‬وبسبب ّ‬

‫والس���عي الدائب‪ ،‬والعمل المس���تمر‪ ،‬كما قال سبحانه وتعالى بهذا الصدد‬

‫ٍ‬
‫���ماِء‬
‫{ولَ ْو أَ َّن أَ ْه َل اْل ُق َرى َ‬
‫أيض���ًا‪َ :‬‬
‫الس َ‬
‫آمنُوا َوا َّت َق ْوا لََفتَ ْحنَا َع َل ْي ِه ْم بََركَات ِم َن َّ‬
‫ض}‪ ،‬وبركات الس���ماء‪ :‬المطر‪ ،‬والهواء النقي‪ ،‬والطيور‪ ،‬وما أشبه‬
‫األر ِ‬
‫َو ْ‬

‫َ‬
‫���ير * َوأَ ِن‬
‫ير َوبَ ِش ٌ‬
‫ذلك‪ .‬وفي آية أخرى‪{ :‬أ َّال تَ ْعبُ ُدوا ِإ َّال اهللَ ِإ َّنِني لَ ُك ْم ِم ْن ُه نَِذ ٌ‬

‫ت‬
‫ُم تُوبُوا ِإلَْيِه يُ َم ِّت ْع ُك ْم َمتَاعًا َح َسنًا ِإلَى أَ َج ٍل ُم َس ًّمى َويُ ْؤ ِ‬
‫ْ‬
‫اس���تَ ْغِف ُروا َر َّب ُك ْم ث َّ‬
‫أن االستغفار طلب‬
‫َض َل ُه}‪ ،‬والفرق بين االستغفار والتوبة‪ّ ،‬‬
‫َض ٍل ف ْ‬
‫كُلَّ ِذي ف ْ‬

‫الس���تر‪ ،‬والتوبة الرجوع إلى اهلل س���بحانه وتعالى ‪ .‬وفي آية أخرى‪{ :‬قَا َل يَا‬
‫ون * يَ ْغِف ْر لَ ُك ْم ِم ْن‬
‫يع ِ‬
‫ير ُمِب ٌ‬
‫ين* أَ ِن ْاعبُ��� ُدوا اهللَ َوا َّت ُقوهُ َوأَ ِط ُ‬
‫ق ْ‬
‫َ���وِم ِإنِّي لَ ُك ْم نَِذ ٌ‬
‫ سورة يونس‪ :‬اآلية ‪.9‬‬
‫ سورة التغابن‪ :‬اآلية ‪.11‬‬
‫ سورة المائدة‪ :‬اآلية ‪.66‬‬
‫ سورة األعراف‪ :‬اآلية ‪.96‬‬
‫ سورة هود‪ :‬اآليات ‪.3 2‬‬

‫‪225‬‬

‫ُم ِإلَى أَ َج ٍل ُم َس ًّمى} ‪.‬‬
‫ُذنُوبِ ُك ْم َويُ َؤ ِّخ ْرك ْ‬

‫أما الذين ال يمشون في طريق اهلل سبحانه وتعالى فإنهم تبتر أعمارهم‬
‫ّ‬

‫قدره اهلل س���بحانه وتعالى لإلنس���ان‬
‫يؤخرون إلى األجل‬
‫فال ّ‬
‫المس���مى الذي ّ‬
‫ّ‬

‫المستقيم في عقيدته‪ ،‬وعمله‪ ،‬وقوله‪.‬‬

‫���ل‬
‫{اس���تَ ْغِف ُروا َر َّب ُك ْم ِإ َّن ُه كَا َن غ َّ‬
‫وق���ال س���بحانه وتعالى‪ْ :‬‬
‫َفارًا * يُ ْر ِس ِ‬
‫ين ويجع ْل لَ ُكم ج َّن ٍ‬
‫السماءَ َع َلي ُكم ِم ْد َرارًا * َويُم ِد ْدكُم بِأَ ْمو ٍ‬
‫ات َويَ ْج َع ْل‬
‫ْ َ‬
‫ال َوبَِن َ َ َ ْ َ‬
‫َّ َ‬
‫ْ ْ َ‬
‫ْ ْ‬

‫���م أَْن َهارًا}‪ ،‬ومن الواضح أن المراد باالس���تغفار ليس لقلقة اللس���ان‪،‬‬
‫لَ ُك ْ‬
‫وإنّما المراد ذوبان اإلنس���ان في اهلل سبحانه وتعالى‪ّ ،‬ني ًة‪ ،‬وتفكيرًا‪ ،‬وقوالً‪،‬‬

‫اموا َع َلى الطَّ ِري َقِة‬
‫وجوارحًا‪ ،‬وس���لوكًا‪ .‬قال س���بحانه وتعالى‪َ :‬‬
‫استَ َق ُ‬
‫{وأَ ْن لَِو ْ‬
‫اء َغ َدقًا} ‪.‬‬
‫الَ ْس َق ْينَ ُ‬
‫اه ْم َم ً‬

‫وبالنسبة إلى األمر الثاني وهو تحبيب اإليمان‪ ،‬وتزيينه في القلوب‪،‬‬

‫‪226‬‬

‫يما َن َو َز َّينَ��� ُه ِفي قُلُوبِ ُك ْم‬
‫ب ِإلَْي ُك ُم ِ‬
‫���ن اهللَ َح َّب َ‬
‫{ولَ ِك َّ‬
‫قال س���بحانه وتعالى‪َ :‬‬
‫اإل َ‬
‫ُس َ‬
‫���وق َواْل ِع ْصيَا َن}‪،‬فالكفر في العقيدة‪ ،‬والفسوق‬
‫ْر َواْلف ُ‬
‫َرهَ ِإلَْي ُك ُم اْل ُكف َ‬
‫َوك َّ‬
‫الجادة لكن ال مش���يًا‬
‫الجادة‪ ،‬والعصيان هو المش���ي في‬
‫ه���و الخروج عن‬
‫ّ‬
‫ّ‬

‫َم ْن يَ ْم ِشي ُم ِكّبًا َع َلى َو ْج ِهِه أَ ْه َدى‬
‫مس���تقيمًا‪ ،‬كما قال سبحانه وتعالى‪{ :‬أَف َ‬

‫أَم ْن يم ِشي س ِويًا َع َلى ِصر ٍ‬
‫يم} ‪.‬‬
‫اط ُم ْستَِق ٍ‬
‫َ ّ‬
‫َّ َ ْ‬
‫َ‬

‫وبالنس���بة إلى األمر الثالث وهو االنتصار على األعداء‪ ،‬قال سبحانه‬

‫ين * لِيُ ِح َّق‬
‫{ويُِري ُد اهللُ أَ ْن يُ ِح َّ‬
‫���ق اْل َح َّق بِ َكِل َماِتِه َويَ ْق َط َع َدابِ َر اْل َكاِف ِر َ‬
‫وتعالى‪َ :‬‬
‫َرهَ اْل ُم ْج ِر ُمو َن} ‪.‬‬
‫اْل َح َّق َويُْب ِط َل اْلبَ ِ‬
‫اط َل َولَ ْو ك ِ‬

‫{و َم ْن يُ ْؤِم ْن بِاهللِ يَ ْه ِد‬
‫وبالنس���بة إلى األمر الرابع‪ :‬قال سبحانه وتعالى‪َ :‬‬

‫ سورة نوح‪ :‬اآليات ‪.4 2‬‬
‫ سورة نوح‪ :‬اآليات ‪.12 10‬‬
‫ سورة الجن‪ :‬اآلية ‪.16‬‬
‫ سورة الحجرات‪ :‬اآلية ‪.7‬‬
‫ سورة الملك‪ :‬اآلية ‪.22‬‬
‫ سورة األنفال‪ :‬اآليات ‪.8 7‬‬

‫‬
‫ُوب}‪ ،‬فاإلنسان‬
‫قَلْبَُه} ‪ ،‬وقال‪ ‬سبحانه وتعالى‪{ :‬أَالَ بِ ِذ ْك ِر اهللِ تَ ْط َمِئ ُّن اْل ُقل ُ‬

‫المس���تقيم الذي يواكب الحياة حس���ب ما أمره اهلل به يكون مرتاح القلب‪،‬‬

‫أما األشخاص الذين يكونون منحرفين لكن‬
‫ومطمئن النفس‪ ،‬وهادئ البال‪ّ ،‬‬
‫الحق‪ ،‬وتكون‬
‫ضمن أكثرية مستقيمة‪ ،‬يصبحون طفيليين على وجود أهل ّ‬

‫أن ذلك من باب اإلمالل واالس���تدراج‪،‬‬
‫له���م النعم والفضل‪ ،‬باإلضافة إلى ّ‬
‫ث الَ يَ ْع َل ُمو َن}‪ ،‬وتكون‬
‫{سنَ ْستَ ْدِر ُج ُه ْم ِم ْن َح ْي ُ‬
‫كما قال س���بحانه وتعالى‪َ :‬‬

‫النعم الدنيوية بالنسبة إلى أهل اهلل سبحانه وتعالى نعمًا باستحقاقهم‪ ،‬ويتبع‬
‫المتنعمون من باب‬
‫تلك النعم حس���ن العاقبة وخير اآلخرة‪ ،‬بينما الكافرون‬
‫ّ‬

‫َروا‬
‫{والَ يَ ْح َسبَ َّن ا َّل ِذ َ‬
‫اإلمالل واالس���تدراج‪ ،‬كما قال س���بحانه وتعالى‪َ :‬‬
‫ين َكف ُ‬

‫اب‬
‫أَ َّن َم���ا نُ ْمِلي لَ ُه ْم َخ ْيٌر ألَْنف ِ‬
‫ُس��� ِه ْم ِإ َّن َم���ا نُ ْمِلي لَ ُه ْم لِيَ ْز َد ُادوا ِإثْم���ًا َولَ ُه ْم َع َذ ٌ‬
‫الحق وأهل الحق‪ ،‬س���ينالون الهوان هناك‪،‬‬
‫ي���ن}‪ ،‬فكم���ا أنهم أهانوا ّ‬
‫ُم ِه ٌ‬

‫وباإلضافة إلى عذابهم الجسدي‪ ،‬يكون لهم عذاب روحي أيضًا‪.‬‬

‫ سورة التغابن‪ :‬اآلية ‪.11‬‬
‫ سورة الرعد‪ :‬اآلية ‪.28‬‬
‫ سورة األعراف‪ :‬اآلية ‪.182‬‬
‫ سورة آل عمران‪ :‬اآلية ‪.178‬‬

‫‪227‬‬

‫لئن شكرتم ألزيدنكم‬

‫مس�ألة‪ :‬زيادة النعمـة؛ نتيجـة لشكرهـا‪ ،‬إحـدى السنن اإللهية‪ ،‬التي‬

‫ّ‬
‫تش���كل الفلسفة اإلسالميـة حس���ـب المنظــور القــرآني حيث قــال سبحانه‬

‫‬
‫أما التنقيص؛ بسبب الكفر‪ ،‬فالظاهر‬
‫وتعالى‪{ :‬لَِئ ْن َش َك ْرتُ ْم ألَِزي َد َّن ُك ْم} ‪ّ ،‬‬

‫َرتُ ْم ِإ َّن‬
‫أنّه ليس من الس���نن اإللهية‪ ،‬حيث قال س���بحانه وتعالى‪{ :‬ولَِئ ْن َكف ْ‬
‫���دي ٌد}‪ ،‬ول���م يقل ألنقصّنكم؛ إذ م���ن الممكن أن يكون كفر‬
‫َع َذابِي لَ َش ِ‬
‫النعمة س���ببًا لنزول العقاب والعذاب‪ ،‬ويمكن أن يكون بسلب النعمة‪ ،‬وال‬

‫‪228‬‬

‫ألن هناك إمالالً‪ ،‬واس���تدراجًا‪ ،‬وإمهاالً‪،‬‬
‫يلزم أن يكون أحد األمرين فورًا‪ّ ،‬‬

‫تتدخل في األمر‪ .‬فالنعمة باقي���ة للكفّار والكافرين‪ ،‬وربّما‬
‫وأم���ورًا أخرى‪ّ ،‬‬
‫ك بِأَ َّن اهللَ‬
‫تزداد النعمة عند الكفر‪ ،‬فما يفهم من قوله س���بحانه وتعالى‪َ { :‬ذلِ َ‬

‫لَ ْم يَ ُ‬
‫إن ذلك‬
‫ُس ِ���ه ْم}‪ّ ،‬‬
‫َوٍم َح َّتى يُ َغ ِّي ُروا َما بِأَْنف ِ‬
‫ك ُم َغ ِّيرًا نِ ْع َم ًة أَْن َع َم َها َع َلى ق ْ‬
‫ليس على نحو اإلطالق والكلّية بل على نحو الش���رط‪ ،‬كما يفهم من سائر‬
‫آي���ات القرآن التي فيها اإلمهال‪ ،‬أو االس���تدراج‪ ،‬أو اإلمالل‪ ،‬أو ما أش���به‬
‫فإن البشر إذا انتقلوا من حال اإليمان‪ ،‬والشكر‪ ،‬والتقوى‪ ،‬واإلطاعة‪،‬‬
‫ذلك‪ّ .‬‬
‫فإن اهلل‬
‫إل���ى حاالت أخرى‪ ،‬كالعصيان‪ ،‬والكف���ر‪ ،‬والطغيان‪ ،‬والمعصية‪ّ ،‬‬
‫يغير نعمهم باآلخرة وإن لم يكن التغيير في وقت س���ابق‬
‫س���بحانه وتعالى ّ‬

‫{إ َّن اهللَ الَ يُ َغ ِّي ُر َما بِ َق ْوٍم َح َّتى يُ َغ ِّي ُروا‬
‫مقارنًا لتغييرهم‪ ،‬قال سبحانه وتعالى‪ِ :‬‬
‫ُس��� ِه ْم َوِإذَا أََرا َد اهللُ بِ َق ْوٍم ُس���وءًا فَ َ‬
‫مِـن‬
‫َما بِأَْنف ِ‬
‫مِـن ُدونِـِه ْ‬
‫ـم ْ‬
‫مَـر َّد لَـ ُه َومَـا لَ ُه ْ‬
‫ال َ‬

‫ سورة إبراهيم‪ :‬اآلية ‪.7‬‬
‫ سورة إبراهيم‪ :‬اآلية ‪.7‬‬
‫ سورة األنفال‪ :‬اآلية ‪.53‬‬

‫َو ٍ‬
‫ال}‪ ،‬ألنّـه ليـس فـوق إرادة اهلل سبحانه وتعالى إرادة‪.‬‬

‫يتوهم اإلنس���ان أنّه ّ‬
‫يتمكن أن يقف أم���ام القدرة اإللهية واإلرادة‬
‫وال ّ‬

‫مرد‬
‫الربانية‪ ،‬فاألمر ليس خاصًا بالس���وء‪ّ ،‬‬
‫ف���إن اهلل إذا أراد بقوم خيرًا‪ ،‬فال ّ‬
‫يغيرون حالهم من‬
‫ألن الغالب ّ‬
‫له أيضًا‪ ،‬وإنّما ذكر الس���وء فقط؛ ّ‬
‫أن الناس ّ‬

‫فإن اهلل ال يسلب‬
‫دين إلى ال دين‪ ،‬ومن طاعة إلى عصيان‪ ،‬وما أش���به ذلك‪ّ .‬‬

‫من به���ا عليهم إ ّ‬
‫غي���روا أوضاعهم وأحوالهم‬
‫م���ن الناس النعمة التي َّ‬
‫ال إذا ّ‬
‫الحق‪،‬‬
‫الباطني���ة‪ ،‬والمعنوية‪،‬‬
‫والمادية‪ ،‬والخارجية‪ ،‬فأخذوا الباطل عوض ّ‬
‫ّ‬

‫وارتدوا بعد‬
‫وعمل���وا بالمعصية بدل الطاعة‪ ،‬وكفروا بعد أن كانوا مؤمنين‪،‬‬
‫ّ‬
‫وبمجرد‬
‫أن كانوا في طريق الرش���اد‪ .‬فإذا فعلوا ذلك‪ ،‬أراد اهلل بهم س���وءًا‪،‬‬
‫ّ‬
‫أن يري���د اهلل ٍ‬
‫م���ادي‪ ،‬أو معنوي‪ ،‬ال ّ‬
‫يتمكن‬
‫بأحد س���وءًا‪ّ ،‬‬
‫ف���إن أي موجود ّ‬
‫أن يحول دون إرادة اهلل س���بحانه وتعالى‪ ،‬فما دام اإلنس���ان يس���لك طريق‬
‫فإن النعمة ال تسلب‬
‫اإليمان‪ ،‬والش���كر‪ ،‬والتقوى‪ ،‬والطاعة‪ ،‬واالستقامة‪ّ ،‬‬

‫منه‪ ،‬وإنما تس���لب النعم منه‪ ،‬إذا انحرف عن طريق اهلل س���بحانه وتعالى ‪.‬‬
‫أما نعمة الحياة؛ بالنس���بة إلى الذين هم على الجادة المستقيمة‪ ،‬فإنه تقدير‬
‫إن اآلية ليست‬
‫بدل‪ ،‬فال يقال ّ‬
‫غير وال يُ ّ‬
‫اهلل‪ ‬س���بحانه وتعالى‪ ،‬وتقدير اهلل ال يُ َّ‬
‫عامة‪ ،‬وإنّما قد تعارض بسّنة أخرى‪.‬‬

‫والحاصل‪ :‬أن ك ًّ‬
‫ال من الجملتين‪ ،‬ليس���ت مطلقة غير مشروطة‪ ،‬وال‬

‫مخصصة‪ ،‬فمادام الناس ش���اكرين للنعم اإللهية‪ ،‬فإنّهم سوف لن‬
‫عامة غير ّ‬
‫ّ‬
‫يفقدوها إالّ‪ ‬بتقدير من اهلل سبحانه وتعالى‪ ،‬وهكذا العكس‪.‬‬

‫واإلنس���ان مهما بل���غ من العلم‪ ،‬فإنّ���ه ال ّ‬
‫كل‬
‫يتمكن أن يس���توعب ّ‬

‫أي سّنة من سنن اهلل سبحانه وتعالى‪ ،‬وفي‬
‫الش���رائط‪ ،‬والخصوصيات‪ ،‬في ّ‬

‫أن اإلمام المهدي(ع) إذا ظهر‪ ،‬أظهر للناس س���بع ًة وعش���رين حرفًا‬
‫حديث ّ‬

‫ سورة الرعد‪ :‬اآلية ‪.11‬‬

‫‪229‬‬

‫أول الخليقة إلى اليوم حرفان فقط‬
‫بينما ّ‬
‫أن الحرف المتداول بين الناس من ّ‬

‫‬

‫‪.‬‬

‫ب‬
‫وحّت���ى ّ‬
‫{ولَ ْو ُك ْن ُ‬
‫���ت أَ ْع َل ُم اْل َغ ْي َ‬
‫إن النبي األعظم (ص) كان يقول‪َ :‬‬
‫السوءُ}‪ ،‬وفي جملة من الروايات‪( :‬لوال‬
‫الَ ْس���تَ ْكثَ ْر ُ‬
‫ت ِم َن اْل َخ ْي ِر َو َما َم َّسِن َي ُّ‬
‫آي���ة في كت���اب اهلل لحدثتكم بما يكون إلى يوم القيامة‪ .‬حيث إنّه س���بحانه‬

‫اب}  ‪.‬‬
‫وتعالى قال‪{ :‬يَ ْم ُحوا اهللُ َما يَ َشاءُ َويُْثِب ُ‬
‫ت َو ِع ْن َدهُ أُ ُّم اْل ِكتَ ِ‬

‫فال يقال‪ :‬كيف تكون المالءمة بين أمثال هذه اآليات والروايات‪ ،‬وبين‬

‫قولهم(ع)‪ :‬إنّهم يعلمون ما كان وما يكون وما هو كائن إلى يوم القيامة‪.‬‬

‫‪230‬‬

‫ ونص الحديث‪ :‬العلم سبعة وعشرون جزءاً‪ ،‬فجميع ما جاءت به الرسل جزءان‪ ،‬فلم يعرف الناس حتى اليوم غير‬
‫وضم إليها الجزأين حتى يبثها سبعة وعشرين‬
‫الجزأين‪ ،‬فإذا قام القائم أخرج الخمسة والعشرين جزءاً فبثها في الناس ّ‬
‫جزءاً‪ ،‬الخرائج والجرائح للراوندي‪ :‬ج‪ 2‬ص‪ 841‬ح ‪.95‬‬
‫ سورة األعراف‪ :‬اآلية ‪.188‬‬
‫ سورة الرعد‪ :‬اآلية ‪.39‬‬
‫ بحار األنوار‪ :‬ج‪ 4‬ص‪ 118‬ب‪ 3‬ح‪ ،52‬تفسير العياشي‪ :‬ج‪ 2‬ص ‪ 215‬في تفسير سورة الرعد‪.‬‬

‫مقومات الحضارات‬

‫إن الحضارات تصنعها القيم الس���ماوية والمب���ادئ المتينة‪،‬‬
‫مس�ألة‪ّ :‬‬

‫الصلحاء‪ ،‬وليس االستغالل‪،‬‬
‫التي تنس���جم مع العقل‪ ،‬والفطرة‪ ،‬والرجال ّ‬

‫والرجال ّ‬
‫الطلحاء‪.‬‬

‫وفي توضيح ذلك؛ نقول‪ :‬تقوم بعض الحضارات الكبرى أو الصغرى‬
‫الحق‪ ،‬والعدل‪ ،‬والشفقة‪ ،‬واإلحسان‪ ،‬والمساواة‪،‬‬
‫في مختلف البالد على ّ‬

‫والحري���ة‪ ،‬والعطف على الضعفاء والمرضى والجائعين‪ ،‬وما أش���به ذلك‪،‬‬
‫ّ‬
‫كما هي س���مة األديان الس���ماوية‪ ،‬فقد قال رسول اهلل (ص)‪( :‬ما آمن بي من‬

‫بات ش���بعا َن وجاره جائع)‪ ،‬وقال (ص)‪( :‬اّتق���وا اهلل في الضعيفين األيتام‬

‫والنس���اء)‪ ،‬إلى عش���رات بل المئات من الروايات‪ ،‬وقبل ذلك في القرآن‬

‫{و َما أَ ْد َر َ‬
‫اك َما اْل َع َقبَُة * ف ُّ‬
‫َك‬
‫الحكيم آيات كثيرة‪ ،‬منها قوله سبحانه وتعالى‪َ :‬‬

‫ٍ‬
‫ام ِفي يَ ْوٍم ِذي َم ْس َغبٍَة * يَِتيمًا ذَا َم ْق َربٍَة * أَ ْو ِم ْس ِكينًا ذَا َم ْت َربٍَة‬
‫َرقَبَة * أَ ْو ِإ ْط َع ٌ‬
‫اص ْوا بِاْل َم ْر َح َمِة * أُولَِئ َ‬
‫ك‬
‫من ا َّل ِذ َ‬
‫ُ���م كَا َن َ‬
‫���ر َوتَ َو َ‬
‫الص ْب ِ‬
‫آمنُوا َوتَ َو َ‬
‫ين َ‬
‫اص ْوا بِ َّ‬
‫* ث َّ‬

‫اب اْل َم ْي َمنَِة} ‪.‬‬
‫أَ ْص َح ُ‬

‫المفكرين الغربيين يرون غير ذلك‪،‬فقد‬
‫وفي مقابل ذلك‪ ،‬نرى بعض‬
‫ّ‬

‫إن الحضارات الكبرى‬
‫ق���ال الدكتور عبد الرحمن البدوي في بعض كتب���ه‪ّ :‬‬
‫بأن قامت طائفة من األرس���تقراطيين المنتهزين على‬
‫قد نش���أت في التاريخ ْ‬

‫ش���كل حيوانات مفترسة‪ ،‬تزرع األرض في آس���يا‪ ،‬وأوربا‪ ،‬وجزر المحيط‬

‫ الكافي أصول‪ :‬ج‪ 2‬ص‪ 668‬ح‪.14‬‬
‫ من ال يحضره الفقيه‪ :‬ج‪ 3‬ص‪ 392‬ب‪ 2‬ح‪ ،4379‬الكافي فروع‪ :‬ج‪ 5‬ص‪ 511‬ح‪ ،3‬الخصال‪ :‬ص‪.37‬‬
‫ سورة البلد‪ :‬اآليات ‪.18 12‬‬

‫‪231‬‬

‫كل األراضي التي تعترض س���يرها‪ ،‬فارضة بذلك على‬
‫الهادي‪ ،‬مغيرة على ّ‬
‫تمر بها‪ ،‬وهكذا نشأت الحضارات اليونانية‪ ،‬والرومانية‪،‬‬
‫ّ‬
‫كل الشعوب التي ّ‬

‫والجرمانية‪.‬‬

‫وال يخف���ى أن كالم الب���دوي ش���بيه لم���ا ذك���ره هيج���ل‪،‬‬
‫ونيتش���ه‪ ،‬وميكافيلي‪ ،‬ومن أشبه‪ ،‬فقد فصل هيجل بين أخالق الدولة‬
‫مبرراتها من فلس���فة للتاريخ‪،‬‬
‫وأخ�ل�اق الفرد‪ ،‬فوجد ّ‬
‫أن ألخ�ل�اق الدولة ّ‬

‫والفرد يجب أن يكون في أخالقه عادالً‪ ،‬صابرًا‪ ،‬صادقًا‪ ،‬خدومًا‪ ،‬وما أشبه‬
‫وأما أخالق الدولة؛ فيجب أن تكون على العكس من ذلك بأن تكون‬
‫ذلك‪ّ ،‬‬
‫ثم اإلبقاء على الحكم كائنًا ما كان‪.‬‬
‫ّ‬
‫مهمة الدول الوصول إلى الحكم ّ‬

‫فإن نيتش���ه م ّزق تلك الغاللة الرقيقة من القيم األخالقية التي‬
‫وهكذا ّ‬

‫كان بع���ض أبطال التاريخ ال يزالون متس���ترين خلفها‪ .‬والش���جاعة جنون‪،‬‬
‫‪232‬‬

‫أن‬
‫أمر نابع من ضعف‪ .‬ومع ّ‬
‫والكرم إس���راف‪ ،‬والعطف على الضعيف ه���و ٌ‬
‫بأن اإلنسان األعلى كما رسم صورته‬
‫نيتشه يعني في فلسفته للفرد والدولة ّ‬

‫القوة‪ ،‬إذ ليس في الحياة ش���يء ذو قيمة‬
‫الب ّد أن يكون مس���تندًا إلى منطق ّ‬
‫يؤخذ إ ّ‬
‫بالقوة‪ .‬ولقد أدان ما أس���ماه أخالق العبيد بأنّها تهدف إلى سيطرة‬
‫ال ّ‬

‫المنحطين من البش���ر وقيمهم‪ ،‬وال غرض لهم من ذلك إ ّ‬
‫ّ‬
‫ال إخضاع الس���ادة‬
‫والحرية‪ ،‬وما أش���به ذلك؛‬
‫لهم لما يعلنونه من مبادئ الرحمة‪ ،‬والش���فقة‪،‬‬
‫ّ‬
‫وليس���ت هذه إ ّ‬
‫ال أكاذيب كبرى في وجه طبيعة األش���ياء التي تقضي زيادة‬
‫حق سواه‪.‬‬
‫القوة‪،‬‬
‫حق وال ّ‬
‫قويًا هو ّ‬
‫ّ‬
‫فالحق عنده مع القوي وكونه ّ‬
‫ّ‬

‫ فردريش نيتشه‪ ،‬ولد في ألمانيا سنة ‪1844‬م‪ ،‬ومات في مشفى لألمراض العقلية بعد إصابته بانهيار عصبي سنة ‪1900‬م‬
‫عن عمر يناهز الست والخمسين سنة‪ ،‬فيلسوف ألماني أخذ بمذهب التطور وقال‪ :‬إن الحياة ليست غير تنازع البقاء‬
‫وبقاء األصلح‪ ،‬وإن اإلنسان األعلى هدف يجب الوصول إليه‪ .‬دعا إلى إنكار القيامة والبعث والحساب‪ .‬ويعد من مؤسسي‬
‫العرقية الجرمانية‪ ،‬ويتلخص مذهبه بما يدعىإرادة القوة‪ .‬من مؤلفاته‪ :‬نشأة المأساة وروح الموسيقى‪ ،‬المسافر وظلّه‪،‬‬
‫هكذا تكلّم زرادشت‪ ،‬مدائح ديونيزوس‪ ،‬إرادة القوة‪ ،‬فيما وراء الخير والشر‪ .‬ترجمه المنجد في األعالم‪ :‬ص‪،720‬‬
‫موسوعة المورد‪ :‬ج‪ 7‬ص‪.130‬‬
‫ لنيكوال ميكا فيلّي‪ ،‬أديب وسياسي وكاتب مسرحي ومؤرخ إيطالي‪ ،‬ولد سنة ‪1469‬م ومات سنة ‪1527‬م ودخل سلك‬
‫الحكومة اإليطالية بضع سنوات‪ ،‬فتولى فيها مناصب إدارية ودبلوماسية وعسكرية ويعد من منظري البرجوازية‪ ،‬ومن‬
‫مؤلفاته كتاب فن الحرب وكتاب األمير‪.‬‬

‫أما ميكافيلي؛ فقد ذهب إلى أبعد من ذلك فقد قال في جملة كالم‬
‫ّ‬

‫ل���ه‪ :‬الحرب والسياس���ة أمان‪ ،‬فمن أراد أن ينذر ف���ي الحرب فعليه أن ينذر‬
‫في السياس���ة‪ ،‬فعلى األمير أن يكون له طبع األس���د والثعلب معًا‪ ،‬فاألسد‬
‫ال يعرف الش���راك التي تنصب له بينما تعرفها الثعالب‪ ،‬وهذه ال‪ ‬تس���تطيع‬
‫وأن يكون‬
‫مقاوم���ة الذئ���اب‪ ،‬فعلى األمير أن يكون ثعلبًا ليعرف الش���راك‪ّ ،‬‬

‫ضد‬
‫أس���دًا ليخيف الذئاب‪ ،‬وال‬
‫يص���ح من األمير حفظ العه���ود إذا كانت ّ‬
‫ّ‬
‫مصلحت���ه أو انقضى عهدها‪ ،‬ول���ن يفقد األمير الحيل المش���روعة لنقض‬
‫المهم أن يتظاهر األمير بغير ما‬
‫العه���ود وكثير من األمراء قد نزحوا بذلك‪،‬‬
‫ّ‬
‫يفعل‪ ،‬وت���ذاع عنه الفضائل دون أن يّتصف بها‪ ،‬والناس س���ذج يخدعهم‬

‫التحول‬
‫المظه���ر وال يعرفون المخبر‪ ،‬ويجب على األمير أن يكون س���هل‬
‫ّ‬
‫المؤدية‬
‫فكل الوسائل‬
‫ثم ّ‬
‫ّ‬
‫حسب مقتضيات الظروف لالحتفاظ بالحكم ومن ّ‬
‫ال أنّه ال بأس على األمير أن‬
‫إلى ذلك مشروعة ومباحة‪ .‬من هذه الوسائل مث ً‬

‫ثم ينبذهم نبذ األموات إذا ما اقتضت‬
‫يّتخذ الرج���ال أدوات لتحقيق أهدافه ّ‬

‫يشتد سخط‬
‫المصلحة االستغناء عن خدماتهم بل يّتخذهم كبش الفداء حين ّ‬

‫الناس‪ ،‬وذلك مـا فعله األمير س���يزاردي الذي اس���تخدم وزيره فـي إرهاب‬
‫ليزف إلى الناس بش���رى مصرعه من أجل‬
‫ثم قتله ّ‬
‫الناس والقس���وة عليهم ّ‬

‫العدالة‪ ،‬إلى غير ذلك من كلماته‪.‬‬

‫أن أمث�ال ه�ذه‬
‫أق�ول‪ :‬م�ن الواض�ح ّ‬

‫الكلم�ات ليس�ت إ ّ‬
‫ال وس�يلة وضيع�ة‬
‫تب�رر الظلم‬
‫لرؤية األش�ياء مقلوبة وهي ّ‬
‫وفضائعه‪ ،‬وانته�اك العرض‪ ،‬ومصادرة‬
‫المال‪ ،‬والس�جن‪ ،‬والتعذيب‪ ،‬وما أشبه‬
‫القوة ف�ي قبال‬
‫ذل�ك‪ ،‬وك�ون ّ‬
‫الحق م�ع ّ‬

‫‪233‬‬

‫قوة أو فيه‬
‫كون ّ‬
‫الحق حقًّا س�واء كان فيه ّ‬
‫ضعف‪.‬‬

‫تقدمت في الحياة أو التي ينادون‬
‫فإن ّ‬
‫وعلى كالمهم ّ‬
‫كل الحقائق التي ّ‬

‫فيها اليوم كحقوق اإلنس���ان وحقوق األجيال القادمة و‪ ...‬لم تكن في يوم ما‬
‫إّ‬
‫ال بل مثل هذا الكالم يوجب التناقض؛ حيث إن الضعيف ال‬
‫ال ضعفًا وجه ً‬
‫الحق‪.‬‬
‫قويًا صار له ّ‬
‫ّ‬
‫حق له‪ّ ،‬‬
‫أما إذا جعل الضعيف من نفسه ّ‬

‫والمستبدين‬
‫ش���جعت الديكتاتوريين‬
‫وأمثال هذه الكلمات هي التي‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫أن مثل هذه الكلمات نجدها عند‬
‫على أن يفعلوا ّ‬
‫كل ش���يء‪ .‬ومن الغري���ب ّ‬

‫بعض الش���عراء كس���عدي الذي يقول في أبياته الفارسية‪ :‬كل عيب يرضى‬

‫فن‪.‬‬
‫به السلطان ٌّ‬

‫الفن فن بشرط أ ّ‬
‫ال يكون عيبًا‪ ،‬والعيب عيب سواء‬
‫ومن المالحظ ّ‬
‫أن ّ‬

‫‪234‬‬

‫فن‪ ،‬وقد دلّت الدنيا على ما ذك���ره القرآن الحكيم بقوله‪:‬‬
‫كان فّن���ًا أو غي���ر ّ‬
‫ض} ‪ ،‬هذا‬
‫اس فَيَ ْم ُك ُ‬
‫{فَأَ َّم���ا َّ‬
‫األر ِ‬
‫الزبَ ُد فَيَ ْذ َه ُ‬
‫َع ال َّن َ‬
‫َاء َوأَ َّما َما يَْنف ُ‬
‫ث ِفي ْ‬
‫ب ُجف ً‬
‫‬

‫أن المش���اهد في الكون قديمًا وحديث�ا�ً هو المنطق الواقعي‪،‬‬
‫باإلضافة إلى ّ‬

‫وأما ما ينفع‬
‫يس���تقر وال‬
‫فإن الزبد ال حقيقة له‪ ،‬وماال حقيقة له ال‬
‫ّ‬
‫يس���تمر‪ّ ،‬‬
‫ّ‬
‫ّ‬

‫الن���اس فله حقيقة‪ ،‬ولذا الناس يلتفّ���ون حوله‪ ،‬وبهذا المنطق العقلي تق ّدم‬

‫األنبياء والمصلحون‪ ،‬ولتش���جيع هذه الطريقة ذكر القرآن قصصًا كثيرة من‬
‫أخبار األنبياء الماضيين من األمم السالفة؛ حّتى يرجع الناس إلى فطرتهم‪،‬‬

‫الص ْد ِق‬
‫فيكونوا مع ّ‬
‫الحق والصدق‪ ،‬كما قال سبحانه وتعالى‪َ :‬‬
‫{وا َّل ِذي َجاءَ بِ ِّ‬
‫���د َق بِ���ه}‪ ،‬وقد نادى الناس الحكماء بما ن���ادى به األنبياء على طول‬
‫ص َّ‬
‫َو َ‬
‫س���ر س���لطة التاريخ وهيبته‪ ،‬والتاريخ حاكم‬
‫التاريخ‪ ،‬والقانون الخلقي هو ّ‬

‫بين المتخاصمين ودليل للحائرين‪.‬‬

‫ وأصل الشعر بالفارسية‪ :‬هر عيب كه سلطان ببسندد هنر است‪.‬‬
‫ سورة الرعد‪ :‬اآلية ‪.17‬‬
‫ سورة الزمر‪ :‬اآلية ‪.33‬‬

‫القيم أوال‬
‫ش���خصيات التاريخ السياس���ية‬
‫أن جعل بعضهم‬
‫ومم���ا ذكرناه ظهر ّ‬
‫ّ‬
‫ّ‬

‫القيم األخالقية وفوق المستوى األخالقي للعبيد‬
‫والعسكرية فوق مس���توى ّ‬
‫كالم ال يمت للحقيقة‬
‫والمتوسطين كالكسبة‪ ،‬والزارعين‪ ،‬وما أشبه ذلك‪ٌ ،‬‬
‫ّ‬

‫رد فعل على الذين لم‬
‫بصلة بل قام الدليل على خالفه‪ّ .‬‬
‫فإن مثل هذا الكالم ّ‬

‫يجعلوا للسياسيين والعسكريين ّأية قيمة في التاريخ وفي غير التاريخ‪.‬‬

‫رد فعل يساويه في المقدار ويعاكسه في‬
‫أن ّ‬
‫ومن الواضح ّ‬
‫كل فعل له ّ‬

‫االتجاه إ ّ‬
‫عليًا(ع) عديم األخالق والفضيلة‪،‬‬
‫ال ما اس���تثنى‪ ،‬ولذا من جع���ل ّ‬

‫ال‬
‫وص���ور لجن���وده أن���ه ال يصلّي‪ ،‬ولعنه على س���بعين ألف منب���ر‪ ،‬وصو ً‬
‫ّ‬
‫علي وبني���ه ّأية فضيلة وال أجد في‬
‫إلىالمان���س ال���ذي قال‪ :‬إنّي ال أجد في ّ‬

‫أن‬
‫رد فعل مثل هذا القول ّ‬
‫معاوي���ة وبنيه ّأية رذيلة؛ فمن الطبيعي أن يكون ّ‬
‫رد الفعل‬
‫عليًا(ع)‪ ،‬وكلّما كان الفعل ّ‬
‫أشد وأكثر إغراقًا‪ ،‬يكون ّ‬
‫جماعة ألّهوا ّ‬

‫مثله في الجانب اآلخر‪ ،‬وبينما يقول جماعة إن التاريخ السياسي والعسكري‬

‫مقصور على‬
‫وإن التاريخ‬
‫هو التاريخ فقط وهم الذين يس���تحقون الذك���ر‪ّ ،‬‬
‫ٌ‬
‫إن السياسيين والعسكريين أشخاص ال‪ ‬يستح ّقون عناء‬
‫هؤالء‪ ،‬يقول آخرون ّ‬

‫ال���درس‪ ،‬قال فولتير‪ :‬لكني بعد اإلطالع عل���ى ثالثة أو أربعة آالف معركة‬
‫وبض���ع مئات من المعاهدات‪ ،‬لم أجد نفس���ي أكثر حكمة من قبلها حيث‬
‫ل���م أتعرف إ ّ‬
‫وأية حكمة‬
‫ال على مجرد حوادث ال تس���تحق عن���اء المعرفة‪ّ ،‬‬
‫هم له إ ّ‬
‫ال أن‬
‫تكتس���ب من العلم بسيادة حاكم طاغية على ش���عب بريء ال ّ‬

‫ويدمر؟‪.‬‬
‫يغزو ّ‬

‫ويقول آخرون‪ :‬أليس���ت المعارك الحربية وأحداث الحرب والهزيمة‬

‫ه���ي التاريخ وحدها أو أهم وقائع التاريخ وأكثره فاعلية وتأثيرًا‪ ،‬ولذا كان‬
‫أجدرها في الدراسة التاريخية‪.‬‬

‫‪235‬‬

‫أي حال‪ :‬فيجب أن تقاس ش���خصيات التاريخ فردية كانت أو‬
‫وعلى ّ‬

‫جماعية‪ ،‬سياسية أو عسكرية‪ ،‬أو اقتصادية أو اجتماعية‪ ،‬أو عقيدية أو غير‬
‫ذلك بمقاييس القيم األخالقية والموازين اإلنسانية‪.‬‬

‫معايير حركة التاريخ‬
‫القوة العس���كرية على أنّه���ا المظهر الوحيد‬
‫وم���ن الخطأ النظر إلى ّ‬

‫والقوة‬
‫فإن هناك قوى أخرى‬
‫للق���وة‪ّ ،‬‬
‫والقوة االقتصادية‪ّ ،‬‬
‫كالقوة العلمي���ة‪ّ ،‬‬
‫ّ‬
‫ّ‬

‫القوة‬
‫والقوة العقيدية‪،‬‬
‫الدعائية‪،‬‬
‫والقوة االجتماعية‪ ،‬وغيرها‪ ،‬فإنّه ليس���ت ّ‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫ألن أكثر القوى فاعلية تختلف من‬
‫العسكرية والسياسية أبرز القوى دائمًا‪ّ ،‬‬
‫والقوة الدينية‬
‫زم���ان إلى زمان ومن مكان إلى مكان‪،‬‬
‫ً‬
‫القوة الكهنوتية ّ‬
‫مث�ل�ا ّ‬

‫القوة الت���ي كانت أكثر القوى فاعلية في‬
‫التي‬
‫ّ‬
‫بالقوة االعتقادية هي ّ‬
‫تس���مى ّ‬

‫‪236‬‬

‫العصور المتق ّدمة‪ ،‬وما انتش���ار اإلسالم بعد قضائه على أكبر إمبراطوريتين‬
‫في سنوات معدودات إ ّ‬
‫لقوة العقيدة‪ ،‬وإلى هذا أشار القرآن الحكيم‬
‫ال مظهر ّ‬
‫ٍ‬
‫ٍ‬
‫ْن اهللِ}‪ ،‬ومعنى إذن اهلل‪:‬‬
‫يرًة بِإِذ ِ‬
‫حيث قال‪{ :‬ك ْ‬
‫َم ِم ْن ِفئَة قَِلي َلة َغ َلبَ ْت ِفئًَة َكِث َ‬

‫ين يَُقاتَلُو َن‬
‫اإلذن التكويني ال اإلذن التش���ريعي‪ ،‬وفي آي���ة أخرى‪{ :‬أُِذ َن لِ َّل ِذ َ‬

‫َ‬
‫تهيأت‬
‫ير}‪ ،‬وذلك ّ‬
‫بِأ َّن ُه ْم ُظِل ُموا َوِإ َّن اهللَ َع َلى نَ ْص ِر ِه ْم لََق ِد ٌ‬
‫ألن اإلنسان إذا ّ‬
‫استَ َط ْعتُ ْم ِم ْن‬
‫له األس���باب الظاهرة كما قال سبحانه وتعالى‪َ :‬‬
‫{وأَ ِع ُّدوا لَ ُه ْم َما ْ‬
‫‬
‫بالقوة‬
‫ُ���وٍة َوِم ْن ِربَ ِ‬
‫ُم} ‪ ،‬وكان ّ‬
‫مزودًا ّ‬
‫ق َّ‬
‫اط اْل َخ ْي ِل تُ ْر ِهبُو َن بِِه َع ُد َّو اهللِ َو َع ُد َّوك ْ‬
‫بالقوة‬
‫المعنوي���ة‪ ،‬يكون له الغلبة في ِقبال األش���خاص الذين ه���م ّ‬
‫مزودون ّ‬
‫المادية فقط‪ ،‬ولذا انتصر المسلمون في بدر مع أنّهم ال يع ّدون إ ّ‬
‫ال ثلث عدد‬
‫ّ‬

‫الكفّار‪.‬‬

‫القوة‬
‫القوة االقتصادية أيضًا تساوي ّ‬
‫نعم‪ ،‬في عصرنا الحديث صارت ّ‬

‫ سورة البقرة‪ :‬اآلية ‪.249‬‬
‫ سورة الحج‪ :‬اآلية ‪.39‬‬
‫ سورة األنفال‪ :‬اآلية ‪.60‬‬

‫العسكرية أو تكون مق ّدمة عليها في بعض األحيان‪.‬‬

‫أي ح���ال‪ :‬فمن أراد أن يكتب روح التاريخ‪ ،‬فعليه أن يالحظ‬
‫وعلى ّ‬

‫أن‬
‫األمور حتى فـي الحاكم وفي الش���عب في مختلف القوى‪ .‬ففي عقيدتنا ّ‬
‫الدين هو المنتصر أخيرًا؛ ألنّـه موافـق للعقـل والفطـرة‪،‬كـما قـال س���بحانه‬
‫وتعالى‪ِ{ :‬ف ْط َرت اهللِ ا َّلِتي ف َ‬
‫اس َع َل ْي َها}‪ ،‬وقـد أش���ار القرآن الحكيم‬
‫َط َر ال َّن َ‬

‫ين ُك ِّلِه}‪ ،‬ولهذا كان الرس���ول (ص)‬
‫إلى ذل���ك بقوله‪{ :‬لِيُ ْظ ِه َرهُ َع َلى ِّ‬
‫الد ِ‬

‫المادي‪ ،‬وفي‬
‫يخبر بغلبته و أنّه س���ينتصر في ح���ال كونه في غاية الضعف ّ‬
‫‬
‫أي إنّهم‬
‫حرب الخندق قال رس���ول اهلل (ص)‪( :‬إنّي أرى قصور كسرى) ‪ّ ،‬‬

‫س���يغلبون كس���رى‪ ،‬ومثل ذلك باإلضافة إلى أنّه مواف���ق للفطرة حيث إن‬

‫يحق لمن اخترع الكهرباء‬
‫الفطرة هي التي ستنتصر موافقة للعقل أيضًا‪ ،‬أال ّ‬
‫الس���يارة والطائرة أن‬
‫النفطي���ات‪ ،‬ومن اخترع‬
‫أن يق���ول إنّه س���ينتصر على‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫فإن اإلنس���ان دائمًا يسير إلى الفطرة‪،‬‬
‫يقول إنّهما س���يتقدمان على‬
‫الدواب‪ّ ،‬‬
‫ّ‬
‫والعائ���ق ال يكون إ ّ‬
‫ال قس���رًا‪ ،‬وقد قال الحكماء‪ :‬القس���ر ال يدوم‪ ،‬والفطرة‬

‫بطبيعتها باإلضافة إلى الواقعية تأمر دائمًا باليس���ير كما أش���ير إلى ذلك في‬

‫���ر َوالَ يُِري ُد‬
‫القرآن الحكيم حيث قال س���بحانه وتعالى‪{ :‬يُِري ُد اهللُ بِ ُك ُم اْليُ ْس َ‬

‫‬
‫(يس���روا وال‬
‫بِ ُك ُم اْل ُع ْس َ‬
‫���ر} ‪ ،‬وقال الرس���ول األكرم (ص) فيما روي عنه‪ّ :‬‬

‫ّ‬
‫ال‪ ‬يتمكن أن يحمل على كتفه مائة كيلو‪ ‬غراٍم في‬
‫فإن اإلنسان‬
‫تعس���روا)‪ّ ،‬‬
‫ّ‬

‫غالب األفراد‪ ،‬لكّنه ّ‬
‫يتمكن أن يحمل خمسة كيلو غرامات ‪.‬‬

‫إن تقييم‬
‫وهذا هو الموضوع الذي أش���ار إليه بعض العلم���اء بقوله‪ّ :‬‬

‫الح���ركات التاريخي���ة يجب أن يكون وفقًا لمعايي���ر حقيقية‪ ،‬وال يصح أن‬
‫يكون م���ن بينها النصر والهزيمة حّتى ال تضط���رب المقاييس وال تلتبس‪،‬‬

‫ سورة الروم‪ :‬اآلية ‪.30‬‬
‫ سورة التوبة‪ :‬اآلية ‪ ،33‬سورة الفتح‪ :‬اآلية ‪ ،28‬سورة الصف‪ :‬اآلية ‪.9‬‬
‫ وفي بحار األنوار‪ :‬ج‪ 20‬ص‪ 190‬ح‪ 2‬ب‪ 17‬ورد‪ :‬أنه يبصر من يثرب قصور الحيرة ومدائن كسرى‪.‬‬
‫ سورة البقرة‪ :‬اآلية ‪.185‬‬
‫ غرر الحكم ودرر الكلم‪ :‬ص‪ ،483‬غوالي الآللي‪ :‬ج‪ 1‬ص‪.381‬‬

‫‪237‬‬

‫وإنّما تقاس حركات التاريخ وأعمال ش���خصياته بمدى ما ح ّققته من إسهام‬

‫حضاري‪ ،‬إذ ال يمكن أن يكون نش���ر الدمار‪ ،‬وس���فك الدماء‪ ،‬والفساد في‬
‫ال يرفع صاحبه باس���م النصر‪ ،‬فاإلنج���ازات الروحيـة والفطريـة‬
‫األرض عم ً‬
‫والفكريـة هـي وحدها التي ينبغي أن تكون معيارًا ال لتقييم األفعال فحسب‬
‫بل إنّما هـي وحدهـا التي تلعب الـدور البارز في مسار التاريخ‪.‬‬

‫أن اإلس���هام الحضاري ال يكون إ ّ‬
‫بخلفيات نفس���ية‬
‫ال‬
‫وم���ن الواضح ّ‬
‫ّ‬

‫ثم تبني الحياة‪ ،‬وإذا س���ار اإلنسان‬
‫فإن النفس هي التي‬
‫أو ً‬
‫متينة‪ّ ،‬‬
‫تتحرك ّ‬
‫ال ّ‬
‫ّ‬

‫ّ‬
‫المفكرين المضطهدين هم الذين يصبحون أصحاب أعالم‬
‫ف���ي الحياة رأى‬
‫السياس���يون وقادة الح���روب ال أثر لهم‬
‫رفيعة ف���ي كاّفة المجتمعات بينما‬
‫ّ‬
‫إطالقًا‪ ،‬فلو ح���اول جماعة إحياءهم لم يكن ذلك إ ّ‬
‫ال وقتيًا كما حاول عبد‬

‫ّ‬
‫ح���كام العراق المنحرفين‬
‫الناص���ر إعادة فرع���ون من جديد‪ ،‬وحاول بعض‬
‫‪238‬‬

‫إعادة نمرود‪.‬‬
‫الم���ادة في حياته���م فقط ومس���تحيل أن تكون‬
‫الماديي���ن له���م‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫إن ّ‬

‫المادة ال تتع ّدى إلى اآلخري���ن ال زمانًا وال مكانًا‪ ،‬بينما‬
‫المادة أس���وة‪ّ ،‬‬
‫ألن ّ‬
‫ّ‬
‫المستضعفون الذين عندهم الروح‪ ،‬والفطرة‪ ،‬والعقل‪ ،‬والمنطق‪ ،‬يتوسعون‬

‫عطاء إلى مختلف األزمنة ومختلف األمكنة‪ ،‬وهكذا كان الرسول‬
‫وجودًا أو‬
‫ً‬
‫األعظم (ص) الذي ّ‬
‫تمكن من السيطرة على مختلف الشعوب‪ ،‬وكذلك كان‬

‫واألئمة(ع)‪ ،‬فالمعنويات هي التي تّتخذ أسوة‪.‬‬
‫عيسى المسيح(ع)‬
‫ّ‬

‫الحق‪ ،‬ال ّ‬
‫يتمكن من االستقامة والبقاء‪،‬وبعكسه‬
‫ّ‬
‫بزي ّ‬
‫تزيا ّ‬
‫إن الباطل مهما ّ‬

‫المهرجون ورموه بمختل���ف االّتهامات‪ ،‬يبقى‬
‫هرج ض��� ّده‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫الح���ق‪ ،‬فكلّما ّ‬

‫ويلتف الناس حوله‪ ،‬بل هما متعاكس���ان بالنس���بة إلى االقتراب‬
‫ويس���تقيم‬
‫ّ‬
‫أن الباطل كلّما اقترب اإلنس���ان إليه رآه أبش���ع‬
‫واالبتع���اد أيضًا‪ ،‬وقد ورد ّ‬

‫الحق كلّما اقترب إليه اإلنسان‪ ،‬رآه‬
‫مما كان‬
‫يتصوره من بعيد‪ّ ،‬‬
‫وأن ّ‬
‫وأسوأ ّ‬
‫ّ‬

‫أن الدنيا‬
‫مما كان‬
‫يتصوره من بعيد‪ ،‬وورد في حديث آخر‪ّ :‬‬
‫أحسن وأفضل ّ‬
‫ّ‬

‫واآلخرة كذلك‪ ،‬فكلّما اقترب اإلنس���ان إلى مالذ الدنيا وشهواتها لم يجدها‬
‫أن اآلخرة إذا دخلها اإلنسان‬
‫بتلك الصورة المثالية التي كان‬
‫يتصورها‪ ،‬كما ّ‬
‫ّ‬
‫يتصورها‪،‬وقد ورد في كلمة حكمية بالنسبة‬
‫مما كان‬
‫رآها أجمل وأفضل ّ‬
‫ّ‬
‫أن اإلنسان كلّما اقترب إلى الجميل رآه بغير ذلك الجمال الذي‬
‫إلى الجمال ّ‬

‫يتصوره‪.‬‬
‫كان‬
‫ّ‬

‫والقوة السياس���ية الت���ي يمتلكها‬
‫والخالص���ة‪ :‬أن‬
‫الق���وة العس���كرية ّ‬
‫ّ‬

‫والسياسيون ليس���ت هي الش���يء الواقعي إ ّ‬
‫ال إذا انضمت إلى‬
‫العس���كريون‬
‫ّ‬
‫ّ‬

‫تلبس بهما رسول اهلل (ص)‬
‫فالقوة العس���كرية‬
‫ّ‬
‫الواقع‪ّ ،‬‬
‫والقوة السياسية التي ّ‬
‫علي(ع) أو نحوهما من سائر المصلحين إنّما كانتا واقعيتين؛ ألنّهما‬
‫واإلمام ّ‬
‫قوة هتلر‪ ،‬أو موس���ليني‪ ،‬أو س���تالين‪ ،‬هي على‬
‫قائمتان على ّ‬
‫الحق‪ ،‬بينما ّ‬

‫الباطل‪ ،‬ولهذا نبذهما التاريخ‪ ،‬وكذا بالنسبة إلى السابقين أو المعاصرين من‬
‫أمثال فرعون‪ ،‬وهامان‪ ،‬ونمرود‪ ،‬أو‪ ‬أمثال بهلويان‪ ،‬وياس���ين الهاشمي‪،‬‬
‫وأمان اهلل خان‪ ،‬ومن إليهم‪.‬‬

‫ فقد ورد عن اإلمام الصادق ع أنه قال‪ :‬يا هشام‪ ،‬مثل الدنيا كمثل ماء البحر كلما شرب منه العطشان ازداد عطشاً حتى‬
‫يقتله بحار األنوار‪ :‬ج‪ 73‬ص‪ 79‬ب‪ 122‬ح‪ ،40‬وقريب منه في ج‪ 1‬ص‪ 152‬ب‪ 4‬ح‪.30‬‬
‫وورد أيضاً عن اإلمام الصادق ع أنه قال‪ :‬يا هشام‪ ،‬إن مثل الدنيا مثل الحية مسها ّلين وفي جوفها حاء قاتل‪ ،‬يحذرها الرجال‬
‫ذوو العقول ويهوى إليها الصبيان بأيديهم بحار األنوار‪ :‬ج‪ 78‬ص‪ 311‬ب‪ 25‬ح‪ ،1‬وورد في شرح نهج البالغة البن أبي‬
‫سمها فاعرض عما يعجبك فيها لقلة ما‬
‫الحديد‪ :‬ج‪ 3‬ص‪ 128‬عن عليع‪ :‬فإنما مثل الدنيا مثل الحية ّلين مسها‪ ،‬قاتل ّ‬
‫يصحبك منها‪ ،‬وضع عنك همومها لما أيقنت به من فراقها وتصرف حاالتها‪ ،‬وكن آنس ما تكون بها أحذر ما تكون‬
‫منها‪ ،‬فإن صاحبها كلما اطمأن فيها إلى سرور أشخصته إلى محذور أو إلى إيناس أزالته عنه إلى إيحاش‪.‬‬
‫أسخطت األخرى كشف الخفاء‪ :‬ج‪ 1‬ص‪ ،408‬وورد أيضاً‪ :‬الدنيا‬
‫ضرتان كلما أرضيت إحداهما‬
‫َ‬
‫وورد أيضاً‪ :‬الدنيا واآلخرة ّ‬
‫ضرتان بقدر ما تقترب من إحداهما تبعد عن األخرى‪ .‬غوالي الآللي‪ :‬ج‪ 1‬ص‪ 227‬ح‪ .106‬وورد عن السيد‬
‫واآلخرة ّ‬
‫ضرتان إن أرضى إحداهما سخطت األخرى‪ .‬روضة الواعظين‪:‬‬
‫المسيح ع أنه قال‪ :‬مثل الدنيا واآلخرة كمثل الرجل له ّ‬
‫ص‪.448‬‬
‫ ياسين حلمي سلمان الهاشمي‪ ،‬ولد في بغداد سنة ‪1884‬م ومات سنة ‪1937‬م‪ ،‬ودفن في سوريا‪ ،‬عينه الملك فيصل‬
‫األول رئيساً لألركان أيام حكومته في سوريا سنة ‪1918‬م‪ ،‬شغل عدة مناصب وزارية في العراق كاألشغال والمواصالت‬
‫واألوقاف والمالية‪ ،‬وشغل منصب رئيس الوزراء سنة ‪1924‬م وسنة ‪1935‬م‪ .‬يعد من أعمدة االستعمار البريطاني في‬
‫العراق‪ ،‬تقول عنه الجاسوسة البريطانية‪ ،‬مس بيل‪ :‬أعتقد أن ياسين رجل القدر‪ .‬أطلق عليه العراقيون لقب أتاتورك‬
‫العراق‪ ،‬لقساوته وعنفه وطغيانه‪ ،‬فقد أخذ على عاتقه تصفية الحوزات العلمية وحل جميع األحزاب ومنع إجراء مراسم‬
‫الشعائر الحسينية واستخدم العنف في تطبيق التجنيد‪.‬‬
‫ أمان اهلل بن حبيب اهلل خان‪ ،‬ولد سنة ‪‍ 1310‬ه ‪1892‬م‪ ،‬ومات في إيطاليا سنة ‪‍ 1379‬ه ‪1960‬م‪ ،‬حكم أفغانستان بعد مقتل‬
‫أبيه بين سنة ‪‍ 1337‬ه ‪1347‬ه‍ ‪1919‬م ‪1929‬م‪ ،‬يعد من ركائز اإلنجليز في الشرق األوسط‪ ،‬عقد سنة ‪1339‬ه‍ ‪1921‬م‬
‫اتفاقية مع أنجلترا ألزم البالد بموجبها شراء األسلحة والذخائر من بريطانيا فقط‪ ،‬وأعقبها اتفاقية ثانية سنة ‪1341‬ه‍‬

‫‪239‬‬

‫أن الش���خصية التاريخية تجس���يد لشخصية‬
‫وزعم بعض‬
‫المؤرخين ّ‬
‫ّ‬

‫فالنيل منها ٌ‬
‫فإن األمم ال تس���ير تحت‬
‫األمة‪،‬‬
‫ُ‬
‫كالم فارغ؛ ّ‬
‫األمة‪ ،‬هو ٌ‬
‫نيل من ّ‬
‫ّ‬

‫الق���وة الظالمة إ ّ‬
‫ال باالضطرار‪ّ ،‬‬
‫ويفكرون ف���ي نزعها في أقرب وقت‬
‫ركاب‬
‫ّ‬
‫ممكن‪ ،‬وحّتى إذا لم ّ‬
‫يتدخل اهلل سبحانه‬
‫األمة من نزعها وإسقاطها‪ّ ،‬‬
‫تتمكن ّ‬
‫وتعالى إلس���قاطها ألس���باب غيبية‪ .‬وقد أكثر القرآن الكريم من ذكر الطغاة‬
‫إما غرقًا‪،‬‬
‫الذين أكثروا من الفس���اد‪ّ ،‬‬
‫فتدخل اهلل سبحانه وتعالى إلسقاطهم ّ‬

‫أو عذابًا سماويًا‪ ،‬أو ما أشبه ذلك‪.‬‬

‫مالك المؤرخ‬
‫وكل‬
‫أن الوجود الواقعي الخارجي هو ألفراد اإلنس���ان‪ّ ،‬‬
‫ثم ال يخفى ّ‬
‫ّ‬

‫ف���إن خيرًا فخيرًا‪،‬‬
‫فرد مس���ؤول اجتماعي���ًا‪ ،‬وتاريخيًا‪ ،‬ودينيًا؛ بما فعله‪ْ ،‬‬
‫‪240‬‬

‫فشرًا‪ ،‬وهؤالء يكتسبون وحدة اعتبارية صغيرة وكبيرة مثل وحدة‬
‫ْ‬
‫وإن ش���رًا ّ‬

‫هيئة‪ ،‬أو جمعية‪ ،‬أو حزب‪ ،‬أو حكومة‪ ،‬أو حكومات‪ ،‬إذا تح ّققت بينهم‬
‫خاصة‪ ،‬وعلى هذا األس���اس يمكن إطالق عنوان المجتمع‬
‫عالقات متبادلة ّ‬

‫على مجموعهم‪ ،‬فليس المجموع شيئًا خارجًا عن األفراد‪.‬‬

‫مث�ل�ا صخرة كبيرة ال‬
‫نع���م‪ ،‬المجموع يملك م���ا ال يملكه الفرد‪،‬‬
‫ً‬

‫يتمك���ن من حملها إنس���ان‪ ،‬أو اثن���ان‪ ،‬أو ثالث‪ ،‬ب���ل ّ‬
‫ّ‬
‫يتمكن من حملها‬
‫عشرة‪ ،‬أو مائة‪ ،‬أو ألف‪ ،‬وكذلك الجيش قد ينهزم إ ّ‬
‫ال إذا كان عدد أفراده‬
‫ال‪.‬‬
‫عددًا متكام ً‬
‫إذًا‪ :‬فالمجتم���ع بنفس���ـه ال يتمّتع بالوجـود‪ ،‬والوحدة‪ ،‬والش���خصية‬

‫الحقيقية الخارجية بالمعنى الفلس���في ال بالمعنى الحقيقي والتاريخ هو من‬

‫‪1923‬م جعلت أفغانستان سوقاً تجارياً للبضائع اإلنجليزية‪ ،‬وفي سنة ‪1361‬ه‍ ‪1942‬م أمر بتطبيق التقاليد واألعراف‬
‫الغربية المنافية للتقاليد ا ٍإلسالمية واستخدم العنف في تطبيق ذلك‪ ،‬كما أصدر مرسوماً أجبر الرجال فيه على ترك‬
‫زيهم التقليدي وإجبارهم على ارتداء الزي الغربي والقبعة اإلنجليزية‪ ،‬وأجبر النساء على التبرج والخالعة‪ ،‬وطارد‬
‫المفكرين والعلماء وأودعهم في غياهب السجون‪ .‬نحي عن العرش سنة ‪1347‬ه‍ ‪1929‬م وعين أخوه مكانه‪.‬‬

‫ويؤرخ‬
‫ه���ذا القبيل‪،‬‬
‫ويؤرخ للجماعات‪ّ ،‬‬
‫يؤرخ لألفراد‪ّ ،‬‬
‫فالمؤرخ يجب أن ّ‬
‫ّ‬

‫للحكوم���ات‪ ،‬أو مجموع���ة الحكومات مثل الوح���دة األوربية‪ ،‬أو الوحدة‬
‫اإلفريقي���ة‪ ،‬أو الوحدة العربية‪ ،‬أو الوحدة اإلس�ل�امية‪ ،‬فال يصح الحديث‬
‫عن روح المجتمع إ ّ‬
‫ال بهذا المعنى‪ .‬وكذلك روح التاريخ‪ ،‬فليس هناك روح‬
‫وتس���خرهم لمقاصدها‪ ،‬وتدبّر شؤونهم‬
‫حقيقية تهيمن على جميع الناس‪،‬‬
‫ّ‬
‫ّ‬

‫حس���ب رغباتها‪ ،‬فإذا كان التاريخ هكذا يك���ون روح التاريخ أيضًا كذلك‪،‬‬
‫أي دين سماوي آخر واقعي ال الدين الذي نُ ِسب إلى‬
‫فأس���اس اإلسالم‪ ،‬أو ّ‬
‫وكل نظام حقوقي‪ ،‬أو عبادي‪،‬‬
‫وكل نظام خلقي‪ّ ،‬‬
‫الس���ماء وليس بسماوي ّ‬
‫وأن اإلنس���ان له‬
‫حرة ّ‬
‫أو ما أش���به ذلك ه���و قائم على كون إرادة اإلنس���ان ّ‬
‫يصح أمره‪ ،‬أو‬
‫أن يفعل وأن يترك‪ ،‬وإذا كان اإلنس���ان غير مخت���ار فكيف ّ‬
‫مبنية على هذا االختيار‪،‬‬
‫نهي���ه‪ ،‬أو مدحه‪ ،‬أو ّ‬
‫ذمه؟ وأغلب اآليات القرآنية ّ‬
‫تس���ير الظواهر االجتماعية‬
‫وه���ذه اآليات يفهم منها بوضوح أن العلل التي‬
‫ّ‬

‫والحوادث التاريخية ليس���ت مس���تقلّة تمامًا وإنما هي مّتصلة بإرادات أفراد‬
‫وبناء على هذا يصبح من الميسور االتعاظ بمصير‬
‫اإلنسان ومشتملة عليها‪ً ،‬‬

‫الماضين‪ ،‬حّتى يرّتب اآلخرون أعمالهم االختيارية بش���كل ال تترّتب عليه‬

‫السيئة غير المطلوبة‪ ،‬وقد أشرنا سابقًا أن وجود هذه اإلرادة باإلضافة‬
‫العوارض ّ‬
‫إلى العوامل الخارجة عن إرادة اإلنسان كالزالزل‪ ،‬واألمطار‪ ،‬والفيضانات‪،‬‬

‫والبراكين‪ ،‬وما أش���به ذلك‪ ،‬يجعل التنبؤ اإلقليمي بمس���تقبل المجتمع بل‬
‫حّتى مس���تقبل الفرد أمرًا متع ّذرًا‪ ،‬فكم من إنس���ان كان في الصباح سليمًا‬

‫ومات في الليل أو بالعكس‪ ،‬فمس���تقبل الموجودات المختارة ومن جملتها‬
‫الحرة‪ ،‬وتلك الحتمية المتوّفرة في‬
‫اإلنسان ال يمكن التنبؤ به؛ بسبب اإلرادة ّ‬

‫العلوم الطبيعية مثل علوم الفيزياء‪ ،‬واألحياء‪ ،‬وما أشبه ذلك‪ ،‬المفقودة في‬
‫العلوم اإلنس���انية‪ ،‬وهذا ناشئ من كون الجمادات فاقدة لالختيار‪ .‬ولو كانت‬

‫‪241‬‬

‫هذه الظواهر الطبيعية تحت س���يادة اإلنس���ان‪ ،‬وخاضع���ة لتأثيره وتدبيره‪،‬‬
‫التصرف‬
‫ال لو كان لإلنس���ان قدرة‬
‫ألصبحت غارقة في ظلمة من اإلبهام‪ .‬فمث ً‬
‫ّ‬

‫في حركات كواكب المنظومة الشمس���ية لغدا من المستحيل التنبؤ اإلقليمي‬
‫أما العوامل الفيزيائية‪،‬‬
‫وأول الشهر وآخر الش���هر‪ّ .‬‬
‫بالخس���وف والكس���وف ّ‬

‫ال‪ ‬تصرف إلرادة اإلنسان‬
‫للتنبؤ؛ ألنّه‬
‫والميكانيكية‪ ،‬وما أش���به‪ ،‬فهي قابلة ّ‬
‫ّ‬

‫فيها‪ ،‬وإن لم تكن قابلة من جهة ثانية حيث إرادة اهلل‪ ‬سبحانه وتعالى‪ ،‬وقد‬

‫قال الشاعر‪ :‬ما بين غمضة عين وانتباهتها‬
‫يق ّلب الله من ٍ‬
‫حال إلى حال‬
‫أن الذين يقّننون المجتمع تقنينًا دقيقًا‪ ،‬ويرون المستقبل‬
‫مـن هنا ظهر ّ‬

‫تصورهم للقوانين االجتماعية‪ ،‬والفردية‬
‫مس���تقب ً‬
‫ال قطعيًا ألنّهم وصلوا في ّ‬

‫ألي أحـد‪ ،‬ولذا‬
‫الجبري���ة والضروري���ة‪ ،‬وحيث يس���تحيل التخلّف عنهـ���ا ّ‬
‫‪242‬‬

‫التنبؤ القطعي بالمس���تقبل ليس كالمه���م وفكرهم إ ّ‬
‫ّ‬
‫ال بمنأى‬
‫يتمكنون من ّ‬

‫عن الواقع‪.‬‬

‫خص اهلل نفس���ه به‪،‬‬
‫نع���م‪ ،‬يمكن ذلك عن طريق علم الغيب الذي ّ‬

‫وقد أعطى بعضه لبعض رسله وأوليائه‪ ،‬وذلك أيضًا يدخل في دائرة مسألة‬
‫البداء التي ذكرناها في كتاب العقائد ‪.‬‬
‫وقد ق���ال اإلمام(ع)‪( :‬لوال آية في كت���اب اهلل ألخبرتكم بما كان وما‬
‫ثم تال قوله س���بحانه وتعالى‪{ :‬يَ ْم ُحوا‬
‫يك���ون وما هو كائن إلى يوم القيامة ّ‬

‫���اب} ‪ ،‬وهناك فرق واضح بين من‬
‫اهللُ َم���ا يَ َش���اءُ َويُْثِب ُ‬
‫ت َو ِع ْن َدهُ أُ ُّم اْل ِكتَ ِ‬
‫يعتمد على ما يعلمه اهلل له فيخبر عن الغيب كاألنبياء مع وجود االس���تثناء‬

‫ للمزيد راجع موسوعة الفقه كتاب فقه العقائد‪ :‬ص ‪ 307‬للمؤلف ‪.‬‬
‫ سورة الرعد‪ :‬اآلية ‪.39‬‬
‫ فقد ورد عن زرارة عن اإلمام الصادق ع‪ :‬أنه قال‪ :‬كان علي بن الحسينع يقول‪ :‬لوال آية في كتاب اهلل لحدثتكم بما‬
‫يكون إلى يوم القيامة‪ .‬فقلت له‪ :‬أية آية ؟ قال‪ :‬قول اهلل سبحانه وتعالى‪ :‬يمحوا اهلل ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب‬
‫بحار األنوار‪ :‬ج‪ 4‬ص ‪ 118‬ب‪ 3‬ح‪ 52‬وتفسير العياشي‪ :‬ج‪ 2‬ص ‪ 215‬في تفسير سورة الرعد‪.‬‬

‫{إ َّال أَ ْن يَ َشاءَ اهللُ} بالنسبة إلى المستقبل والتاريخ‬
‫بقوله س���بحانه وتعالى‪ِ :‬‬

‫خصوصياته االجتماعية‪ ،‬أو االقتصادية‪ ،‬أو السياس���ية‪ ،‬أو‬
‫كلّي���ًا أو بعض‬
‫ّ‬
‫فيتنبأ‬
‫ما أش���به ذلك‪ ،‬وبين من يعتمد على القوانين االجتماعية والتاريخية ّ‬

‫بالمستقبل‪.‬‬

‫قصة عيس���ى(ع) وإخباره عن موت‬
‫وق���د ألمعنا في بعض كتبنا إلى ّ‬

‫قصة مش���ابهة بالنسبة إلى نبي اإلسالم وقوله بموت‬
‫العروس كما ّ‬
‫أن هناك ّ‬

‫هذا ّ‬
‫الحطاب ‪.‬‬

‫‪243‬‬

‫ سورة األنعام‪ :‬اآلية ‪ ،111‬سورة الكهف‪ :‬اآلية ‪ ،24‬سورة يوسف‪ :‬اآلية ‪.76‬‬
‫ راجع وسائل الشيعة‪ :‬ج‪ 9‬ص ‪ 388‬ب‪ 9‬ح‪ ،12306‬بحار األنوار‪ :‬ج‪ 4‬ص ‪ 94‬ب‪ 3‬ح‪.1‬‬
‫ راجع مستدرك الوسائل‪ :‬ج‪ 7‬ص ‪ 175‬ح‪.7963‬‬

‫العلة التاريخية والعلة الفلسفية‬

‫مس�ألة‪ :‬يختلف التعليل التاريخي عن التعليل في فلس���فة التاريخ‪،‬‬
‫وذلك نتيجة الفرق بين التاريخ وفلسفة التاريخ‪ ،‬فالتاريخ عبارة عن مفردات‬
‫خاص‪ .‬مثل أحوال‬
‫خاص‪ ،‬وفرد ّ‬
‫خاص‪ ،‬ومكان ّ‬
‫من األحداث مترابطة بزمان ّ‬

‫العلماء‪ ،‬والخطباء‪ ،‬والقادة‪ ،‬والساسة‪ ،‬واالقتصاديين‪ ،‬وما أشبه ذلك‪.‬‬

‫كم���ا نج���د ذلك فـ���ي كت���ب التـاريـ���خ؛ أمثـ���ال‪ :‬ابـ���ن األثيـر‪،‬‬
‫واليـعقـوبـي‪ ،‬وتبعًا لهذه المف���ردات يذكرون العلل‪ ،‬لماذا انتصر فالن‪،‬‬
‫‪244‬‬

‫تأخر فالن؟‪ ،‬وما أش���به ذلك‪ ،‬وهذا هو‬
‫تقدم فالن‪ ،‬أو ّ‬
‫أو انهزم‪ ‬فالن‪ ،‬أو ّ‬

‫أما التعليل في فلسفة التاريخ فذلك تعليل للروح العامة‬
‫التعليل‪ ‬التاريخي‪ّ ،‬‬

‫تأخر األم���م‪ ،‬أو علم األمم‪ ،‬أو جهل األمم‪،‬‬
‫التي‪ ‬س���ببت تق ّدم األمم‪ ،‬أو ّ‬
‫ّ‬
‫أمية أو‬
‫كما‪ ‬م َّثلن���ا في الفصل الثاني بأثينا وس���بارطة‪ ،‬أو قيام حكومة بني ّ‬

‫ علي بن محمد بن محمد بن عبد الكريم الشيباني‪ ،‬الملقب ب‍عز الدين‪ ،‬والمكنى ب‍أبي الحسن‪ ،‬عالم ومؤرخ‪ ،‬ولد في‬
‫الموصل سنة ‪‍ 555‬ه ‪1160‬م‪ ،‬ومات فيها سنة ‪630‬ه‍ ‪1233‬م‪ ،‬زار بغداد عدة مرات ورافق صالح الدين األيوبي في‬
‫احتالله لسوريا ثم عاش في حلب ودمشق مدة من الزمن‪ ،‬من مؤلفاته‪ :‬الكامل في التاريخ‪ ،‬أسد الغابة في معرفة‬
‫أخوان أحدهما‬
‫الصحابة‪ .‬ترجمه وفيات األعيان البن خلكان‪ ،‬البداية والنهاية البن كثير‪ ،‬العبر للذهبي‪ .‬والبن األثير ِ‬
‫األكبر منه واسمه مبارك والملقب ب‍مجد الدين والمكنى ب‍ابي السعادات وهو مح ّدث ولغوي‪ ،‬تولّى الخزانة في عهد سيف‬
‫الدين الزنكي ‪ ,‬ولد سنة ‪544‬ه‍ مات سنة ‪660‬ه‍‪ ،‬من مؤلفاته‪ :‬جامع األصول‪ ،‬النهاية في غريب الحديث‪ .‬ترجمه الكامل‬
‫في التاريخ‪ ،‬معجم األدباء‪ ،‬وفيات األعيان‪.‬‬
‫واألخ الثاني أصغر منه واسمه نصر اهلل والملقب ب‍ضياء الدين والمكنى ب‍أبي الفتح وهو أديب‪ ،‬ولد في الموصل سنة ‪588‬ه‍‬
‫ومات في بغداد سنة ‪637‬ه‍‪ ،‬من مؤلفاته‪ :‬المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر‪ ،‬الوشي المرقوم في حل المنظوم‪.‬‬
‫وقد نظم أحد الشعراء كما عن الزبيدي في تاج العروس فيهم‪:‬‬
‫وبنو األثير ثالثة*** فمؤرخ جمع العلو‬
‫ومحدث كتب الحديث*** قد حاز ٌّ‬
‫كل مفتخر‬
‫الو َزر***له النهاية في األثر‬
‫م وآخر ولي َ‬
‫ أحمد بن إسحاق بن جعفر بن وهب بن واضح‪ ،‬كاتب ومؤرخ وجغرافي في دولة بني العباس‪ ،‬قضى بعض حياته في‬
‫أرمينيا وخراسان ثم هاجر إلى الهند والمغرب ومصر‪ ،‬توفي في مصر سنة ‪284‬ه‍ ‪897‬م‪ ،‬من مؤلفاته‪ :‬تاريخ اليعقوبي‬
‫؛ وفيه تحدث عن تاريخ الشعوب ما قبل اإلسالم وتاريخ اإلسالم حتى سنة ‪258‬ه‍ ‪872‬م‪ ،‬وكتاب البلدان؛ وتحدث فيه‬
‫عن كبريات المدن في بالد اإلسالم‪.‬‬

‫العباس أو س���قوطها‪ ،‬أو قيام حكومة بني‬
‫س���قوطها‪ ،‬أو قيام حكومة بني ّ‬

‫عثمان أو سقوطهم‪.‬‬

‫المؤرخ يستخرج األسباب بعد‬
‫إن‬
‫فالتعليل التاريخي؛ تجريبي‪ ،‬أي ّ‬
‫ّ‬

‫منهجية تفصيلية للواقعة التاريخية التي هي موضوع دراسته‪.‬‬
‫دراسة‬
‫ّ‬

‫فتأملي قبل���ي‪ ،‬فلذا يقول أحد‬
‫وأم���ا التعليل في فلس���فة التاريخ؛ ّ‬
‫ّ‬

‫(إن فلس���فة التاري���خ تأليفًا وتركيبًا‬
‫علم���اء الغرب المرتبطين بهذه الجهة‪ّ :‬‬

‫لكل األمم‬
‫وإن المؤرخين إذ يضعون تاريخًا ّ‬
‫أكثر منها تس���جي ً‬
‫ال وتقري���رًا‪ّ ،‬‬

‫لحـل مش���كلـة ثالثـة معاصـرة‬
‫والحض���ارات‪ ،‬تحدوهم عادة فكرة مس���بقة ّ‬
‫يسخر التاريخ كلّه ماضيـه وحاضـره‪ ،‬للمستقبل من‬
‫لزمـن الفيلس���وف ومن ّ‬

‫ال أراد سانهوس���طين‬
‫أجل تأييد فرضه الذي يضعه ّ‬
‫لحل هذه المش���كلة‪ ،‬مث ً‬
‫فرض س���يطرة الكنيس���ة على الدولة‪ ،‬فكانت فكرته ع���ن مدينة اهلل ومدينة‬
‫وسخر‬
‫ثم‬
‫س���خر الحضارات القديمة كلّها لتالئم هاتين المدينتين‪ّ ،‬‬
‫ّ‬
‫األرض ّ‬

‫هيجل التاريخ كلّه من أجل فكرة ميتافيزيقية سيطرت عليه هي تعبير الروح‬
‫حريتها عن مس���ار التاريخ‪ ،‬وتحامل ماركس على الرأسمالية في بعض‬
‫عن ّ‬
‫فسخر تفسيره االقتصادي للتاريخ من أجل تأييد‬
‫البالد الرأسمالية في عصره ّ‬

‫فكرته‪.‬‬

‫ول���ذا كان هناك فكرتان‪ :‬فكرة س���يطرة الكنيس���ة على األمة‪ ،‬وفكرة‬
‫األمة‪ ،‬وق���د كان بين هاتي���ن الفكرتين في الغرب‬
‫س���يطرة الحكوم���ة على ّ‬

‫تناف���ر وتجاذب وتحارب‪ ،‬ومن أجل ذلك رأى علماء الغرب أنّه كيف صار‬
‫حال اإلنس���ان‪ ،‬فكلّما سيطرت الكنيسة‪ ،‬قتلت الناس‪ ،‬وهتكت األعراض‪،‬‬

‫وصادرت األموال باسم اهلل سبحانه وتعالى‪ ،‬وإذا كان الدور لسيطرة الدوقات‬
‫كانوا يعملون األعمال نفس���ها باس���م الوطن‪ ،‬فيقتل���ون الناس‪ ،‬وينتهكون‬
‫األعراض‪ ،‬ويس���لبون األموال باس���م الوطنية‪ ،‬فرأوا أن المش���كلة مش���كلة‬

‫‪245‬‬

‫إن بعضهم أحصاها إلى‬
‫الديكتاتوري���ة فكتبوا كتب���ًا كثيرة متع ّددة‪ ،‬حّت���ى ّ‬
‫عش���رين أل���ف كتاب‪ ،‬فعرف الغرب أي���ن الداء وأين ال���دواء من غير فرق‬

‫بين بالدهم المختلفة من ألمانيا‪ ،‬أوفرنس���ا‪ ،‬أو بريطانيا‪ ،‬أو النمس���ا‪ ،‬أو‬
‫بلجيكا‪ ،‬أو غيرها‪ ،‬وبذلك استراحوا من المشكلتين مشكلة هتك األعراض‬
‫مما نشاهد‬
‫وس���لب األموال وقتل النفوس‪ ،‬ومش���كلة التخلّص من التخلف ّ‬

‫يسمى‬
‫مثل ذلك في البالد الديكتاتورية في العالم الثالث سواء منهم من كان ّ‬

‫دينيًا أو دنيويًا‪.‬‬

‫اختالف أيضًا بالنسبة إلى تعليل التاريخ‪ ،‬والتعليل في فلسفة‬
‫وهناك‬
‫ٌ‬
‫التاريخ‪ ،‬من جهة وحداني���ة العلّة‪ ،‬فالعلل في التاريخ تكثر بكثرة الجهات‬
‫المؤرخ للحادثة الواحدة مجموعة من األس���باب‬
‫وتع ّدده���ا‪ ،‬وإنّه قد يثبت‬
‫ّ‬

‫مادتهم وقائع ملموسة‪ ،‬إنّهم خلّفوا‬
‫أما فالس���فة التاريخ فليست ّ‬
‫أو العلل‪ّ ،‬‬
‫‪246‬‬

‫عاء مس���بقًا فاعتبروه علّة‪ ،‬مختزلين سائر‬
‫الوقائع وراءهم ظهريًا‪ ،‬وأقاموا ّاد ً‬

‫فإن‬
‫العل���ل‪ ،‬ولما كانت علّة واحدة ال تصلح لتفصيل جميـع وقائـع التاريخ ّ‬

‫هؤالء الفالسفة يحاولون س ّد الثغرات ثغرة ثغرة‪ ،‬ثغرة تتعلّق بعصر ما قبل‬

‫التاريخ‪ ،‬وثغرة تّتصل بالمس���تقبل‪ ،‬والتاريخ ال يتعلّق بالمستقبل بل عندما‬
‫العامة للتاريخ الماضي فإنه بمق���دوره حينئذ التعميم‬
‫يجد اإلنس���ان ال���روح ّ‬

‫فإن‬
‫للمس���تقبل‪ ،‬وقد ق���ال اإلمام علي(ع) لولده‪( :‬انظر ما مض���ى بالدنيا) ّ‬

‫مراده(ع) الروح العامة بالقياس إلى المفردات وهي غير المفردات قطعًا‪.‬‬

‫أن من قال‪:‬‬
‫إن التاريخ يعيد نفس���ه يريد الروح العامة‪ ،‬كما ّ‬
‫ومن قال‪ّ :‬‬

‫إن التاريخ القريب غير التاريخ السابق أراد المفردات‪.‬‬
‫ّ‬

‫أن‬
‫والديني���ون يرون الدين م���ن بداية الخلق إلى ي���وم القيامة‪ ،‬كما ّ‬
‫ّ‬

‫الماركس���يين يرون المجتمعات البدائية وإلى يوم القيامة الفردوس األرضي‬
‫ وقد ورد في بحار األنوار‪ :‬ج‪ 1‬ص ‪ :144‬انظر في تصرف الدهر وأحواله فإن ما هو آت من الدنيا كما ولى منها‬
‫فاعتبر بها‪.‬‬

‫الذي قالوا عنه بأنّه مجتمع ال طبقي تسوده العدالة والمساواة‪ ،‬مجتمع يقوم‬

‫على المشاركة وليس على سلطة الدولة‪.‬‬

‫أن ما ذهب إليه هيجل وماركس يتناقض مع الفطرة البشرية؛‬
‫ّ‬
‫والشك ّ‬

‫ال من‬
‫فهما‬
‫يتصوران تاريخ النوع البش���ري بعنوان كونه تيارًا عريضًا وش���ام ً‬
‫ّ‬

‫التقدم والتكامل على طول الخط‪ .‬والنكسات التي انهالت على البشرية هي‬
‫ّ‬

‫خاصة‪ .‬ومثل هذا الفكر وإن كان بطالنه‬
‫قليلة‪ ،‬أو موضعية زمانية أومكانية ّ‬
‫يظه���ر مما ذكرناه هنا إ ّ‬
‫ال أن فريق�ا�ً ليس بقليل من علماء الغرب يرون مثل‬

‫أي عاق���ل بالتق ّدم والتكامل في ّ‬
‫خط‬
‫فكرتهم‪،‬‬
‫لك���ن الحقيقة أنّه ال يعتقد ّ‬
‫ّ‬
‫أي انحراف أو التواء‪ ،‬أو انقطاع أو توّقف‪ ،‬أو عودة إلى‬
‫مس���تقيم من دون ّ‬

‫وكل ما‬
‫ال���وراء‪ ،‬فمن البديهي وج���ود مراحل الركود والس���ير القهقرائي‪ّ ،‬‬
‫يزعمه هؤالء هو أن منحى السير االجتماعي وحركة التاريخ وإن كان يالقي‬
‫كثيرًا من ح���االت الصعود والهبوط لكّنه في النهاي���ة يكون صعوديًا ونحو‬
‫أن مثل هذه الفكرة غير صحيحة كما يح ّدثنا التاريخ‬
‫األعلى‪ ،‬فمن الواضح ّ‬

‫البعيد والقريب‪.‬‬

‫نشك في أنّه يأتي اليوم الذي سيفرض اهلل‬
‫نعم‪ ،‬نحن المس���لمين ال ّ‬

‫كل‬
‫البش���رية وتصبح البشرية في حالة‬
‫س���بحانه وتعالى دين اإلس�ل�ام على ّ‬
‫ّ‬

‫وتقدم‪ ،‬ولكّننا ال‪ ‬نقول بأنّه مس���تمر‪ ،‬وإنّما نقول بأنّه يأتي بعد‬
‫هدوء ورفاه ّ‬

‫ذلك اليوم ما يكون مثل يومنا هذا في التخلّف والتبعثر وعلى أولئك الناس‬

‫قوم القيامة‪.‬‬
‫وف���ي قب���ال أمثال أولئك العلم���اء يوجد قديمًا وحديث���ًا ّ‬
‫مفكرون ال‬
‫إن مرحلة‬
‫يعتق���دون بتق��� ّدم المجتمع البش���ري والتاريخ دائمًا بل يقول���ون ّ‬
‫المتكونة من الوالدة‪ ،‬والطفولة‪ ،‬والمراهقة‪ ،‬والش���باب‪ ،‬والنضج‪،‬‬
‫العم���ر‬
‫ّ‬
‫ثم الموت‪ ،‬ال تختص بأفراد النباتات‪،‬‬
‫والكمال‪ ،‬والكهولة‪ ،‬والشيخوخة‪ّ ،‬‬

‫‪247‬‬

‫والحيوانات‪ ،‬واإلنس���ان‪ ،‬وإنّما هي تصدق أيض�ا�ً في مجال المجتمعات‪،‬‬

‫ٌ‬
‫صادق‬
‫لعل ه���ذا التفكير‬
‫والحض���ارات‪ ،‬والثقافات‪ ،‬وتاريخ البش���رية‪ ،‬بل ّ‬
‫ترس���خت هذه الفكرة منذ األزمان الموغلة في القدم‬
‫في ّ‬
‫كل العوامل‪ ،‬وقد ّ‬
‫واس���تخدمها أفالطون لتفس���ير انحطاط وس���قوط النظام اليوناني‪ ،‬وكذلك‬

‫بالنسبة إلى بعض البالد األُخرى‪ ،‬وقد استخدمها بعض علماء الغرب أمثال‬
‫كل من إنجلز وتوينبي على‬
‫إنجلز‪ ،‬وتوينبي‪ ،‬ومن أشبههم‪ .‬ولذا جزع ّ‬
‫مصير الحض���ارة الغربية بعد الحرب العالمية األول���ى‪ .‬فكان مذهباهما في‬
‫فلسفة التاريخ قد جاءا في أصعب الفترات؛ إذ يطلعنا التاريخ وليس التاريخ‬
‫العادي هو الذي نعنيه وإنّما فلسفة التاريخ بأنّه لكي يصل التاريخ باإلنسان‬
‫ّ‬
‫المفكـر‬
‫إل���ى مرتبة الوعي الب ّد من حالة انحالل أو تده���ور حّتى تثير فـي‬

‫القل���ق علـى المصير‪ ،‬والقلق على المس���تقبل الذي يدفعه إلى التفكير في‬
‫‪248‬‬

‫ألن الدراسة فيه‬
‫أما التاريخ العادي فإنّه يس���تبعد المستقبل تمامًا؛ ّ‬
‫الماضي‪ّ .‬‬

‫تتوقف عند الماضي الذي يالصق اللحظة الحاضرة‪ ،‬بينما يرتبط المستقبل‬
‫أن‬
‫بالماضي عن طريق الحاضر ارتباطًا عضويًا في فلسفة التاريخ‪ ،‬لوضوح ّ‬

‫الحاضر حصيل���ة الماضي‪ ،‬فالتاريخ الماضي هو الذي جعلنا على ما نحن‬
‫عليه في الحاضر‪.‬‬
‫أن التاريخ سلس���لة متكاملة مترابطة الحلقات بعضها مع‬
‫والحاصل‪ّ :‬‬

‫بعض سواء كان انحطاطًا أو صعودًا‪ ،‬وإن أسباب الصعود في الماضي تنتهي‬
‫أن أس���باب الصعود فـي الحاضر تنتهي‬
‫في الصعود في الحال الحاضر‪ .‬كما ّ‬
‫فإن أسباب التن ّزل واالنحطاط‬
‫إلى الصعود في المس���تقبل‪ ،‬وهكذا العكس‪ّ ،‬‬

‫ فردريك إنجلز‪ :‬ولد سنة ‪1820‬م‪ ،‬وتوفي سنة ‪1895‬م‪ ،‬يعد من األصدقاء الحميمين لماركس ومساعده‪ ،‬ولهما معاً‪ :‬البيان‬
‫الشيوعي‪ ،‬و العائلة المقدسة‪ ،‬ومن مؤلفات إنجلز الخاصة االشتراكية المحال واالشتراكية العلمية‪.‬‬
‫ أرنولد جوزيف توينبي‪ ،‬مؤرخ وفيلسوف إيطالي‪ ،‬ولد سنة ‪1889‬م ومات سنة ‪1975‬م‪ ،‬صاحب نظرية التحدي واالستجابة‬
‫والتي تطرق إليها في كتابه‪ :‬دراسة للتاريخ‪ ،‬الذي يقع في اثني عشر مجلداً‪ .‬وخالصة النظرية‪ :‬أن الحضارة تنشأ في‬
‫البيئة الصالحة وفي شعب له قابلية واستعداد لالستجابة لذلك التحدي‪ ،‬وإن انهيار الحضارة يتم عبر انهيار العبقرية‬
‫ومن مؤلفاته أيضاً‪ :‬تاريخ البشرية‪ .‬راجع موسوعة المورد‪ :‬ج‪ 10‬ص ‪15‬ـ ‪.16‬‬

‫في الماضي تنتهي إلى االنحطاط في الحال‪ ،‬وأس���باب االنحطاط في الحال‬
‫تنتهي إلى أسباب االنحطاط في المستقبل‪.‬‬
‫وبه���ذا تبين أنّه يجب أ ّ‬
‫المادة التاريخية في فلس���فة التاريخ‬
‫ال تكون ّ‬

‫يقدم تاريخ‬
‫مشتتة مج ّزأة كما هو الحال في موضوع علم التاريخ‪ ،‬وإنّما أن ّ‬
‫ككل‪.‬‬
‫اإلنسانية ّ‬

‫وكلّما كان التاريخ العالمي أكثر شموالً‪ ،‬كان فهمنا لحالتنا الحاضرة‬
‫الظن‬
‫ّ‬
‫أش���د عمقًا‪ ،‬كما أنّه يكون فهمنا للمستقبل أيضًا أحسن وأقرب إلى ّ‬
‫بالواقع‪ ،‬ولذا قال بعض علماء الغرب‪( :‬يحتاج عصرنا إلى تاريخ اإلنس���انية‬

‫ليزودنا بمعايير يمكن أن نفهم بها معنى ما هو هادف في عصرنا)‪،‬‬
‫بأكمله ّ‬
‫وكم���ا قال آخرون‪( :‬يجب أن نفهم التاري���خ المعاصر حّتى ّ‬
‫نتنبأ‬
‫نتمكن أن ّ‬

‫أن فهمنا‬
‫فإن فهمنا للحال يحت���اج إلى فهمنا للماضي‪ ،‬كما ّ‬
‫بالمس���تقبل)‪ّ ،‬‬

‫قوة الجار ال ّ‬
‫يتمكن‬
‫للمستقبل يحتاج إلى فهمنا للحاضر‪ ،‬فإنّه من ال يفهم ّ‬
‫أن يهيئ للمس���تقبل ما يوجب عدم ّ‬
‫تمكنه من السيطرة على بالدنا‪ ،‬كما أنّا‬
‫إذا لم نكن نفهم الماضي ال نفهم الحال بأنّه كيف نكون اآلن‪ .‬فهناك قاعدتان‬

‫فلس���فيتان صادقتان حّتى في هذا المورد قاع���دة تقوليعرف المثل بالمثل‪،‬‬

‫وقاعدة تقوليعرف الشيء بالض ّد‪ ،‬وهاتان القاعدتان لهما مصاديق كثيرة في‬

‫التاريخ‪ ،‬يمكننا من خاللهما استخالص العديد من القواعد والسنن‪.‬‬

‫‪249‬‬

‫السيطرة على التاريخ‬

‫مس�ألة‪ :‬روح التاريخ وفلسفته هي الحاكمة دائمًا على الشعوب‪ ،‬كما‬
‫وأن الفلس���فة والروح هي الموافقة للفط���رة‪ ،‬والعقل‪ ،‬والمنطق‪ ،‬والدليل‪،‬‬
‫ّ‬
‫قوة دائمة‪،‬‬
‫ومن الواض���ح ّ‬
‫قوة المعارضة لهذه األمور إنّما تكون وقتية ال ّ‬
‫أن ّ‬

‫تقدم ف���ي الحياة‪ ،‬فإنّه تق ّدم‬
‫والرس���ول األكرم (ص) بنفس هذا المنطق قد ّ‬

‫{إ َّن اهللَ يَْأ ُم ُر‬
‫في الحياة بس���بب العدل واإلحسان كما قال س���بحانه وتعالى‪ِ :‬‬
‫‬
‫َح َشاِء َواْل ُم ْن َك ِر َواْلبَ ْغ ِي}‬
‫اإل ْح َس ِ‬
‫بِاْل َع ْد ِل َو ِ‬
‫ان َوِإيتَاِء ِذي اْل ُق ْربَى َويَْن َهى َع ِن اْلف ْ‬
‫‪250‬‬

‫والنفسيات الرفيعة‪.‬‬
‫والصدق واألمانة وما إلى ذلك من األنظمة‬
‫ّ‬

‫والرس���ـول األعظم (ص) وإن كـان ينشر المعاجـز ذات اليمين وذات‬

‫أن المعاجز التـي كانت فـي زمـن الرس���ول‬
‫إن بعضهـم ذكـر ّ‬
‫اليس���ار حّت���ى ّ‬

‫‬
‫لكن الرس���ول بالمعجزة لم يتق ّدم بنحو‬
‫(ص) ه���ي أربعة آالف معجزة ‪ّ ،‬‬

‫األصل األولي وإ ّ‬
‫يتقدم بالمعجزة فما باله في ثالث عشرة سنة‬
‫ال لو أراد أن ّ‬
‫مكة لم يؤمن به إ ّ‬
‫في ّ‬
‫إن بعضهم ع ّدوهم ‪ 150‬شخصًا‪،‬‬
‫ال ّ‬
‫أقل من القليل حّتى ّ‬
‫وقد قُتل بعضهم‪ ،‬وهاجر أكثرهم إلى الحبش���ة‪ ،‬ولو كان الرسول (ص) قد‬
‫تق���دم بالخوارق فماذا يقال في ش���أن اإلمام علي(ع) فه���ل تق ّدم في الحياة‬
‫ّ‬

‫وأس���س الحكومات على طول التاريخ للخ���وارق والمعجزات؟ وماذا يقال‬
‫ّ‬

‫عن اإلمام الحس���ين(ع) حيث ّ‬
‫دك عروشًا وأقام صرح اإلسالم‪ ،‬ولو حارب‬
‫المعسكر المعادي بالمعجزة لقتلهم وقضى عليهم بإشارة واحدة‪.‬‬

‫ سورة النحل‪ :‬اآلية ‪.90‬‬
‫ كما ذكر ذلك العالمة المجلسي في كتابه بحار األنوار‪ ،‬وللتفصيل عن معاجز الرسولص راجع إثبات الهداة بالنصوص‬
‫والمعجزات ؛ للحر العاملي‪ ،‬ومدائن المعاجز‪ ‬؛ لشمس المحدثين‪.‬‬

‫التقدم‪ ،‬وقد‬
‫تأخروا؛ ّ‬
‫والمس���لمون إنّما ّ‬
‫لتأخرهم في األخذ بأسباب ّ‬

‫ظل المس���لمون يحرصون على الصالة‪ ،‬وال���زكاة‪ ،‬والحج‪ ،‬لكّنهم فقدوا‬
‫ّ‬

‫س���ّنة التق ّدم في الحياة من العدل في موضعه والمساواة في موضعها ‪ .‬وقد‬
‫علي كيف كان‬
‫ُروي ّ‬
‫العباسي سأل أحد فقهاء زمانه‪ ،‬قال له‪ّ :‬‬
‫أن هارون ّ‬
‫قص َّ‬

‫رسول اهلل؟‪.‬‬

‫فقال‪ :‬كان يحكم بالعدل بين الناس‪.‬‬
‫علي(ع) وأجاب بنفس اإلجابة‪ ،‬فسأله‬
‫وهكذا أجاب حّتى وصل إلى ّ‬

‫عن معاوية فقال‪ :‬كان يأخذ المال من ح ّقه ويضعه حيث شاء‪.‬‬
‫فقال هارون‪ :‬سّنة معاوية هي التي أعجبتني‪.‬‬

‫الحق‪،‬‬
‫الحق ال ّ‬
‫كل ّ‬
‫أقول‪ :‬لكن الواضح من كالم هذا الفقيه أنّه نصف ّ‬

‫فإن معاوية كان يأخذ المال من غير ح ّقه ويضعه في غير ح ّقه‪.‬‬
‫ّ‬

‫يتقدم بالخوارق‬
‫وعلى كل حال‪ :‬لو كان الرسول األكرم (ص) يريد أن ّ‬

‫لدعا اهلل س���بحانه وتعالى أن يقتل المش���ركين في ّ‬
‫مك���ة‪ ،‬أو يجبرهم على‬
‫الهداية‪ ،‬أو يحفظ المسلمين الذين آمنوا به من أعدائهم حّتى ال يعذّبوهم‪،‬‬
‫وال يقتلوهم‪ ،‬وال يطاردوهم‪ ،‬وال‪ ‬ينفوهم من بالدهم‪ ،‬فالرس���ول (ص) لم‬

‫نبوته‪.‬‬
‫يفعل ذلك‪ ،‬وإنّما كانت المعجزة ألجل إقامة الدليل على ّ‬

‫الحق تطبيقًا‬
‫وهكذا كان موس���ى(ع)‪ ،‬ولو كان موس���ى يريد إثبات ّ‬

‫للحكم بسبب الخوارق ألمر عصاه بأن تأكل فرعون وهامان وجنودهما في‬
‫لحظة واحدة‪ ،‬فقد رأيت في التاريخ أن عصا موسى أكلت في وجبة واحدة‬
‫ مثالً‪ :‬إن سياسة معاوية في فصل الدين عن السياسة أوجدت انفصال التشريع اإلسالمي عن الحكم‪ ،‬يقول حسن األمين‬
‫في الموسوعة اإلسالمية‪ :‬ج‪ 6‬ص ‪198‬ـ ‪ ،199‬نق ًال عن مالك بن نبي في هذا الصدد‪ :‬منذ خرج علي بن أبي طالب‬
‫دفاعاً عن القرآن‪ ،‬وخرج معاوية بن أبي سفيان طمعاً في السلطان‪ ،‬ثم كان انتصار معاوية انتصاراً للسلطان‪ ،‬منذ ذلك‬
‫مما نتصور‪ ،‬ألن حدود التغيير‬
‫الحين حدث االنقالب األول في التاريخ اإلسالمي‪ .‬وقد كان هذا االنقالب أعمق وأخطر ّ‬
‫مما رصده المؤرخون‪ ،‬ذلك أن االنقالب السياسي‪ ،‬أفرز انقالباً فكرياً على‬
‫الذي أحدثه امتدت إلى رقعة أوسع بكثير ّ‬
‫نفس المستوى‪ ،‬فانفصال القرآن عن السلطان أقام بمضي الوقت حاجزاً ما بين العقيدة والشريعة‪ ،‬وانتصار السلطان‬
‫على القرآن‪ ،‬أدى تلقائياً إلى تزايد االهتمام بفقه العبادات وتعطيل نمو فقه المعامالت‪ .‬وتلك نتيجة منطقية ؛ إذ إن غيبة‬
‫التطبيق األمين للشريعة‪ ،‬البد أن ترتب إحدى نتيجتين‪ّ :‬إما أن يتأخر نمو رصيدها الفكري‪ ،‬أو أن ينمو هذا الرصيد‬
‫نمواً غير طبيعي‪ ،‬في غير االتجاه الصحيح‪.‬‬

‫‪251‬‬

‫تخيل إليهم من‬
‫في يوم الزينة س���بعين ألفًا من الحبال والعصي التي كانت ّ‬

‫س���حرهم أنّها تس���عى‪ ،‬ومع ذلك كانوا مضطهدين أش��� ّد االضطهاد‪ ،‬حّتى‬
‫القصة المشهورة‪.‬‬
‫نجاهم اهلل سبحانه وتعالى بغرق فرعون وجماعته في ّ‬
‫ّ‬

‫وهك���ذا كان نوح(ع) من قبل‪ ،‬فلم يك���ن يأتي بالمعجزة إ ّ‬
‫ال إلثبات‬

‫للتقدم‪.‬‬
‫نبوته‪ ،‬وهذا يختلف عن استخدام المعجزة كطريق‬
‫ّ‬
‫ّ‬

‫مرة شفى‪ 50‬ألفًا‬
‫وكذلك كان عيسى(ع)‪ ،‬وقد ورد ّ‬
‫أن عيسى(ع) ذات ّ‬

‫والصم‪ ،‬والبُك���م‪ ،‬وذوي العاهات‪ ،‬والمجانين‪،‬‬
‫م���ن المرضى من العمى‪،‬‬
‫ّ‬

‫والمبروصي���ن‪ ،‬ومن أش���به ذلك‪ ،‬وم���ع ذلك لم يس���تخدم المعجزة في‬
‫الحفاظ على نفس���ه‪ ،‬وإنّما رفعه اهلل إلي���ه تخلّصًا من اليهود‪ ،‬ومكائدهم‪،‬‬

‫وهيردوس‪ ،‬وبيالطس‪ ،‬ومن أشبههم‪ ،‬من الكفّار المحاربين له‪.‬‬

‫‪252‬‬

‫ راجع الكشكول للشيخ البهائي‪.‬‬
‫ هيردوس انتيباس‪ ،‬ولد سنة ‪ 20‬ق‪ .‬م ومات سنة ‪ 39‬م‪ ،‬وحكم من ‪ 4‬ق‪ .‬م وإلى ‪39‬م‪ ،‬بعث إليه بيالطس النبطي بالسيد‬
‫المسيح ع ليحاكمه‪ ،‬ولكنه استنكف عن تحمل مسؤولية إدانته وأعاده إلى بيالطس الذي أصدر الحكم بقتله وهو ابن‬
‫هيردوس الكبير ملك اليهود في ظل الرومان والمولود سنة ‪ 72‬ق‪ .‬م والمتوفى سنة ‪ 4‬ق‪ .‬م والذي أمر قبل موته بذبح‬
‫جميع أطفال بيت لحم في محاولة لقتل الطفل المسيح ع‪ ،‬راجع المنجد في األعالم‪ :‬ص‪.736‬‬
‫ الحاكم اليهودي الروماني‪ ،‬حكم من سنة ‪26‬م إلى سنة ‪36‬م في أيام السيد المسيح‪ ‬ع وقد حكم على السيد المسيح ع‬
‫بالقتل‪ ،‬وانتحر بروما‪.‬‬

‫السيطرة على التاريخ‬

‫مس�ألة‪ :‬روح التاريخ وفلسفته هي الحاكمة دائمًا على الشعوب‪ ،‬كما‬
‫وأن الفلس���فة والروح هي الموافقة للفط���رة‪ ،‬والعقل‪ ،‬والمنطق‪ ،‬والدليل‪،‬‬
‫ّ‬
‫قوة دائمة‪،‬‬
‫ومن الواض���ح ّ‬
‫قوة المعارضة لهذه األمور إنّما تكون وقتية ال ّ‬
‫أن ّ‬

‫تقدم‬
‫تقدم ف���ي الحياة‪ ،‬فإنّه ّ‬
‫والرس���ول األكرم (ص) بنفس هذا المنطق قد ّ‬

‫{إ َّن اهللَ يَْأ ُم ُر‬
‫في الحياة بس���بب العدل واإلحسان كما قال س���بحانه وتعالى‪ِ :‬‬
‫‬
‫َح َشاِء َواْل ُم ْن َك ِر َواْلبَ ْغ ِي}‬
‫اإل ْح َس ِ‬
‫بِاْل َع ْد ِل َو ِ‬
‫ان َوِإيتَاِء ِذي اْل ُق ْربَى َويَْن َهى َع ِن اْلف ْ‬
‫والنفسيات الرفيعة‪.‬‬
‫والصدق واألمانة وما إلى ذلك من األنظمة‬
‫ّ‬

‫والرس���ـول األعظم (ص) وإن كـان ينشر المعاجـز ذات اليمين وذات‬

‫أن المعاجز التـي كانت فـي زمـن الرس���ول‬
‫إن بعضهـم ذكـر ّ‬
‫اليس���ار حّت���ى ّ‬

‫‬
‫يتقدم بنحو‬
‫لكن الرس���ول بالمعجزة لم ّ‬
‫(ص) ه���ي أربعة آالف معجزة ‪ّ ،‬‬

‫األصل األولي وإ ّ‬
‫ال لو أراد أن يتق ّدم بالمعجزة فما باله في ثالث عشرة سنة‬
‫مكة لم يؤمن به إ ّ‬
‫في ّ‬
‫عدوهم ‪ 150‬شخصًا‪،‬‬
‫ال ّ‬
‫أقل من القليل حّتى ّ‬
‫إن بعضهم ّ‬
‫وقد قُتل بعضهم‪ ،‬وهاجر أكثرهم إلى الحبش���ة‪ ،‬ولو كان الرسول (ص) قد‬
‫تقدم في الحياة‬
‫تق���دم بالخوارق فماذا يقال في ش���أن اإلمام علي(ع) فه���ل ّ‬
‫ّ‬

‫وأس���س الحكومات على طول التاريخ للخ���وارق والمعجزات؟ وماذا يقال‬
‫ّ‬

‫عن اإلمام الحس���ين(ع) حيث ّ‬
‫دك عروشًا وأقام صرح اإلسالم‪ ،‬ولو حارب‬
‫المعسكر المعادي بالمعجزة لقتلهم وقضى عليهم بإشارة واحدة‪.‬‬

‫ سورة النحل‪ :‬اآلية ‪.90‬‬
‫ كما ذكر ذلك العالمة المجلسي في كتابه بحار األنوار‪ ،‬وللتفصيل عن معاجز الرسولص راجع إثبات الهداة بالنصوص‬
‫والمعجزات ؛ للحر العاملي‪ ،‬ومدائن المعاجز‪ ‬؛ لشمس المحدثين‪.‬‬

‫‪253‬‬

‫لتأخرهم في األخذ بأسباب التق ّدم‪ ،‬وقد‬
‫تأخروا؛ ّ‬
‫والمس���لمون إنّما ّ‬

‫ظل المس���لمون يحرصون على الصالة‪ ،‬وال���زكاة‪ ،‬والحج‪ ،‬لكّنهم فقدوا‬
‫ّ‬

‫التقدم في الحياة من العدل في موضعه والمساواة في موضعها ‪ .‬وقد‬
‫س���ّنة ّ‬
‫علي كيف كان‬
‫ُروي ّ‬
‫العباسي سأل أحد فقهاء زمانه‪ ،‬قال له‪ّ :‬‬
‫أن هارون ّ‬
‫قص َّ‬

‫رسول اهلل؟‪.‬‬

‫فقال‪ :‬كان يحكم بالعدل بين الناس‪.‬‬
‫علي(ع) وأجاب بنفس اإلجابة‪ ،‬فسأله‬
‫وهكذا أجاب حّتى وصل إلى ّ‬

‫عن معاوية فقال‪ :‬كان يأخذ المال من ح ّقه ويضعه حيث شاء‪.‬‬
‫فقال هارون‪ :‬سّنة معاوية هي التي أعجبتني‪.‬‬

‫الحق‪،‬‬
‫الحق ال ّ‬
‫كل ّ‬
‫أقول‪ :‬لكن الواضح من كالم هذا الفقيه أنّه نصف ّ‬

‫ف���إن معاوية كان يأخذ الم���ال من غير ح ّقه ويضعه في غير ح ّقه‪ .‬وعلى كل‬
‫ّ‬

‫‪254‬‬

‫حال‪ :‬لو كان الرسول األكرم (ص) يريد أن يتق ّدم بالخوارق لدعا اهلل سبحانه‬

‫وتعالى أن يقتل المش���ركين في ّ‬
‫مكة‪ ،‬أو يجبرهم على الهداية‪ ،‬أو يحفظ‬

‫المسلمين الذين آمنوا به من أعدائهم حّتى ال يعذّبوهم‪ ،‬وال يقتلوهم‪ ،‬وال‬
‫يطاردوهم‪ ،‬وال‪ ‬ينفوهم من بالدهم‪ ،‬فالرس���ول (ص) لم يفعل ذلك‪ ،‬وإنّما‬

‫نبوته‪.‬‬
‫كانت المعجزة ألجل إقامة الدليل على ّ‬

‫الحق تطبيقًا‬
‫وهكذا كان موس���ى(ع)‪ ،‬ولو كان موس���ى يريد إثبات ّ‬

‫للحكم بسبب الخوارق ألمر عصاه بأن تأكل فرعون وهامان وجنودهما في‬
‫لحظة واحدة‪ ،‬فقد رأيت في التاريخ أن عصا موسى أكلت في وجبة واحدة‬
‫ مثالً‪ :‬إن سياسة معاوية في فصل الدين عن السياسة أوجدت انفصال التشريع اإلسالمي عن الحكم‪ ،‬يقول حسن األمين‬
‫في الموسوعة اإلسالمية‪ :‬ج‪ 6‬ص ‪198‬ـ ‪ ،199‬نق ًال عن مالك بن نبي في هذا الصدد‪ :‬منذ خرج علي بن أبي طالب‬
‫دفاعاً عن القرآن‪ ،‬وخرج معاوية بن أبي سفيان طمعاً في السلطان‪ ،‬ثم كان انتصار معاوية انتصاراً للسلطان‪ ،‬منذ ذلك‬
‫مما نتصور‪ ،‬ألن حدود التغيير‬
‫الحين حدث االنقالب األول في التاريخ اإلسالمي‪ .‬وقد كان هذا االنقالب أعمق وأخطر ّ‬
‫مما رصده المؤرخون‪ ،‬ذلك أن االنقالب السياسي‪ ،‬أفرز انقالباً فكرياً على‬
‫الذي أحدثه امتدت إلى رقعة أوسع بكثير ّ‬
‫نفس المستوى‪ ،‬فانفصال القرآن عن السلطان أقام بمضي الوقت حاجزاً ما بين العقيدة والشريعة‪ ،‬وانتصار السلطان‬
‫على القرآن‪ ،‬أدى تلقائياً إلى تزايد االهتمام بفقه العبادات وتعطيل نمو فقه المعامالت‪ .‬وتلك نتيجة منطقية ؛ إذ إن غيبة‬
‫التطبيق األمين للشريعة‪ ،‬البد أن ترتب إحدى نتيجتين‪ّ :‬إما أن يتأخر نمو رصيدها الفكري‪ ،‬أو أن ينمو هذا الرصيد‬
‫نمواً غير طبيعي‪ ،‬في غير االتجاه الصحيح‪.‬‬

‫تخيل إليهم من‬
‫في يوم الزينة س���بعين ألفًا من الحبال والعصي التي كانت ّ‬

‫أش���د االضطهاد‪ ،‬حّتى‬
‫س���حرهم أنّها تس���عى‪ ،‬ومع ذلك كانوا مضطهدين‬
‫ّ‬
‫القصة المشهورة‪.‬‬
‫نجاهم اهلل سبحانه وتعالى بغرق فرعون وجماعته في ّ‬
‫ّ‬

‫وهك���ذا كان نوح(ع) من قبل‪ ،‬فلم يك���ن يأتي بالمعجزة إ ّ‬
‫ال إلثبات‬

‫نبوته‪ ،‬وهذا يختلف عن استخدام المعجزة كطريق للتق ّدم‪.‬‬
‫ّ‬

‫مرة شفى‪ 50‬ألفًا‬
‫وكذلك كان عيسى(ع)‪ ،‬وقد ورد ّ‬
‫أن عيسى(ع) ذات ّ‬

‫والصم‪ ،‬والبُك���م‪ ،‬وذوي العاهات‪ ،‬والمجانين‪،‬‬
‫م���ن المرضى من العمى‪،‬‬
‫ّ‬

‫والمبروصي���ن‪ ،‬ومن أش���به ذلك‪ ،‬وم���ع ذلك لم يس���تخدم المعجزة في‬
‫الحفاظ على نفس���ه‪ ،‬وإنّما رفعه اهلل إلي���ه تخلّصًا من اليهود‪ ،‬ومكائدهم‪،‬‬

‫وهي���ردوس‪ ،‬وبيالط���س‪ ،‬ومن أش���بههم‪ ،‬من الكفّ���ار المحاربين له‪.‬‬
‫تقدموا؛ بسبب أخذهم للديمقراطية وليس بسبب المعجزة‪.‬‬
‫والغربيون إنما ّ‬
‫وقد قال رس���ول اهلل (ص) في حديث مروي عنه باختالف األلفاظ في كتب‬

‫ضب‬
‫العامة والش���يعة (واّتبعوا س���نن من كان قبلكم حّت���ى لو دخلوا حجر ّ‬
‫ودخلتموه‪ .‬فقلنا يا‪ ‬رسول اهلل اليهود والنصارى قال‪ :‬فمن) ‪.‬‬
‫تأخروا؛ بتركهم اإلس�ل�ام‪ ،‬وقد قال جمال الدين‬
‫والمس���لمون إنّما ّ‬

‫أر فيه‬
‫األفغاني قولته المش���هورة‪ :‬ذهبت إلى الغرب فرأيت فيه اإلسالم ولم َ‬

‫المسلمين‪ ،‬وجئت إلى الشرق فرأيت فيه المسلمين ولم أجد اإلسالم‪ ،‬كناية‬
‫عن أنّهم إنّما أخذوا بقس���ط وافر من اإلسالم في نظام الحكم‪ ،‬والشورى‪،‬‬
‫ راجع الكشكول للشيخ البهائي‪.‬‬
‫ هيردوس انتيباس‪ ،‬ولد سنة ‪ 20‬ق‪ .‬م‪ .‬ومات سنة ‪ 39‬م‪ ،.‬وحكم من سنة ‪ 4‬ق‪ .‬م‪ .‬وإلى ‪39‬م‪ ،.‬بعث إليه بيالطس‬
‫النبطي بالسيد المسيح ع ليحاكمه‪ ،‬ولكنه استنكف عن تحمل لمسؤولية إدانته وأعاده إلى بيالطس الذي أصدر الحكم‬
‫بقتله وهو ابن هيردوس الكبير ملك اليهود في ظل الرومان والمولود سنة ‪ 73‬ق‪ .‬م‪ .‬والمتوفى سنة ‪ 4‬ق‪ .‬م‪ .‬والذي‬
‫أمر قبل موته بذبح جميع أطفال بيت لحم في محاولة لقتل الطفل المسيح ع‪.‬‬
‫ الحاكم اليهودي الروماني‪ ،‬حكم من سنة ‪26‬م إلى سنة ‪36‬م في أيام السيد المسيح‪ ‬ع وقد حكم على السيد المسيح ع‬
‫بالقتل‪ ،‬وانتحر بروما‪.‬‬
‫ وقد ورد في اإلفصاح في األعالم‪ :‬ص‪ 25‬الحديث التالي‪ :‬لتتبعن سنن من كان قبلكم شبراً بشبر وذراعاً بذراع‪ ،‬حتى‬
‫لو دخلوا في حجر ضب لتبعتموهم‪ ،‬فقالوا‪ :‬يا رسول اهلل‪ ،‬اليهود والنصارى ؟‪ .‬قال‪ :‬فمن إذن !‪ ،‬وقريب منه في كنز‬
‫الفوائد‪ :‬ج‪ 1‬ص‪ 144‬وشرح نهج البالغة البن أبي الحديد‪ :‬ج‪ 9‬ص‪.286‬‬

‫‪255‬‬

‫والعدل االجتماعي‪ ،‬واالس���تقالل القضائي‪ ،‬وتحكي���م المنطق والعقل‪ ،‬ال‬
‫ويحجون البيت‪ ،‬ويصومون ش���هر‬
‫ي���ؤدون الصالة‪ ،‬ويؤتون الزكاة‪،‬‬
‫أنّهم‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫كل ذلك‪ ،‬لكن‬
‫رمضان‪ ،‬بينما المس���لمون في الش���رق اإلس�ل�امي يفعلون ّ‬

‫عندما يصلون إلى الحكم ال يعملون بالعدل‪ ،‬والشورى‪ ،‬وما أشبه ذلك‪.‬‬
‫أي حال‪ :‬فالالزم على المس���لمين الذي���ن أرادوا الرجوع إلى‬
‫وعل���ى ّ‬

‫ع ّزتهم‪ ،‬وس���يرتهم‪ ،‬وسيادتهم‪ ،‬أن يرجعوا إلى سنن رسول اهلل (ص) التي‬

‫قالها‪ ،‬وعمل بها‪ ،‬وأنزل اهلل القرآن وفقها‪ ،‬حّتى يرجعوا إلى ما كانوا عليه‬

‫والتقدم‪ ،‬واالستقالل‪.‬‬
‫من الع ّزة‪ ،‬والسيادة‪،‬‬
‫ّ‬

‫تأخروا؛ لتركهم سّنة رس���ول اهلل (ص) الموجودة‬
‫والمس���لمون إنّما ّ‬

‫ف���ي أخذه بالكتاب جلي���ًا‪ ،‬فقالت بعض زوجات���ه‪ :‬كان ُخلُقه القرآن‪ ،‬وما‬

‫ال‪ ،‬وتقريرًا‪ ،‬فهل المس���لمون اليوم يعملون‬
‫ذكره للمس���لمين ق���والً‪ ،‬وعم ً‬
‫‪256‬‬

‫ورى بَْينَ ُه ْم}‪ ،‬وقوله سبحانه وتعالى‪:‬‬
‫بقوله س���بحانه وتعالى‪َ :‬‬
‫{وأَ ْم ُر ُه ْم ُش َ‬

‫َ‬
‫َ‬
‫ُم} ‪ ،‬وقوله‬
‫َ‬
‫���عوبًا َوقَبَاِئ َل لِتَ َع َ‬
‫ُم ُش ُ‬
‫ارفُوا ِإ َّن أ ْك َر َم ُك ْم ِع ْن َد اهللِ أ ْت َقاك ْ‬
‫{و َج َع ْلنَاك ْ‬
‫‬

‫ض ُك ْم بَ ْعض���ًا}‪ ،‬وقوله‬
‫���ب بَ ْع ُ‬
‫س���بحانه وتعالى‪َ :‬‬
‫{والَ تَ َج َّس ُس���وا َوالَ يَ ْغتَ ْ‬

‫ْ‬
‫���ر َويُ ِح ُّل لَ ُه ُم‬
‫���ر ِ‬
‫وف َويَْن َه ُ‬
‫اه ْم َع ِن اْل ُم ْن َك ِ‬
‫س���بحانه وتعال���ى‪{ :‬يَأ ُم ُر ُه ْم بِاْل َم ْع ُ‬
‫األغ َ‬
‫ال َل ا َّلِتي كَانَ ْت‬
‫ض ُع َع ْن ُه ْم ِإ ْص َر ُه ْم َو ْ‬
‫الطَّ ِّيبَ ِ‬
‫ث َويَ َ‬
‫���ات َويُ َح ِّر ُم َع َل ْي ِه ُم اْل َخبَاِئ َ‬
‫الحرية‬
‫َع َل ْي ِه ْم} ؟‪ ،‬وقد ذكرنا في بعض كتبنا ّ‬
‫أن هذه الكلمة هي دليل ّ‬
‫الحري���ات والتي لم يصل إليها‬
‫في القرآن الحكيم التي تش���مل كاّفة أنواع ّ‬

‫اح َدًة}‪ ،‬فهل‬
‫{إ َّن َه ِذِه أُ َّمتُ ُك ْم أُ َّم ًة َو ِ‬
‫الغرب بعد‪ ،‬أو بقوله سبحانه وتعالى‪ِ :‬‬
‫األمة الواحدة؟ وقوله س���بحانه‬
‫الحدود الجغرافية بين البالد اإلس�ل�امية من ّ‬
‫ سورة الشورى‪ :‬اآلية ‪.38‬‬
‫ سورة الحجرات‪ :‬اآلية ‪.13‬‬
‫ سورة الحجرات‪ :‬اآلية ‪.12‬‬
‫ سورة األعراف‪ :‬اآلية ‪.157‬‬
‫ راجع موسوعة الفقه كتاب الفقه الحريات وكتاب الحرية اإلسالمية للمؤلف ‪.‬‬
‫ سورة المؤمنون‪ :‬اآلية ‪.52‬‬

‫���وةٌ}‪ ،‬فالعربي في بالد العجم‪ ،‬واألعجمي‬
‫وتعال���ى‪ِ :‬‬
‫{إ َّن َما اْل ُم ْؤِمنُو َن ِإ ْخ َ‬

‫ف���ي بالد العرب‪ ،‬وكالهما ف���ي بالد الترك‪ ،‬وكلّهم في ب�ل�اد الهند؛ تع ّد‬

‫أمة واحدة‪ ،‬فالجميع سواس���ية‪ ،‬وش���ركاء في األخذ‪ ،‬والعطاء‪ ،‬والشركة‪،‬‬
‫ّ‬

‫والتزوج‪ ،‬وألف شيء وشيء‪،‬‬
‫والزراعة‪ ،‬والتجارة‪ ،‬والملكيـة‪ ،‬والتزويـج‪،‬‬
‫ّ‬

‫ْم كَا َّفـ ًة َوالَ‬
‫السل ِ‬
‫أو هـل عمـل المسلمون بقوله سبحانه وتعالى‪{ :‬ا ْد ُخلُوا ِفي ِّ‬

‫���ي َطان}‪ ،‬فغير السلم استثناء‪ ،‬أو هل عمل المسلمون‬
‫تَ َّتِب ُعوا ُخ ُط َو ِ‬
‫ات َّ‬
‫الش ْ‬

‫ْم‬
‫اونُوا َع َلى اْلِب ِّر َو َّ‬
‫اونُوا َع َلى ِ‬
‫الت ْق َوى َوالَ تَ َع َ‬
‫{وتَ َع َ‬
‫بقوله س���بحانه وتعالى‪َ :‬‬
‫اإلث ِ‬
‫‬
‫َخذُوهُ َو َما‬
‫���د َو ِ‬
‫الر ُس���و ُل ف ُ‬
‫َواْل ُع ْ‬
‫ان} ‪ ،‬أو بقوله س���بحانه وتعالى‪َ :‬‬
‫{ما آتَاك ُ‬
‫ُم َّ‬

‫‬
‫زوج الصديقة فاطمة ‪u‬‬
‫مما أتى به (ص) ْ‬
‫أن َّ‬
‫ُ���م َع ْن ُه فَاْنتَ ُهوا} ‪ ،‬وكان ّ‬
‫نَ َهاك ْ‬

‫مما‬
‫وهي بنت تس���ع سنوات‪ ،‬كما ّ‬
‫تزوج عائشة وعمرها تسع سنين‪ ،‬وكان ّ‬

‫أتى به أنّه قال‪( :‬من سبق إلى من لم يسبق إليه مسلم فهو أحق به)‪ ،‬وقال‬

‫ال فللوارث ومن‬
‫عمرها)‪ ،‬وقال (ص)‪( :‬من ترك ما ً‬
‫أيضًا‪( :‬األرض هلل ولمن ّ‬

‫وعل���ي)‪ ،‬إلى ألف حكم وحكم حيث لو أردنا‬
‫فإلي‬
‫ّ‬
‫ت���رك دينًا أو ضياعًا ّ‬

‫إحصاءه الحتاج ذلك إلى مجلّد ضخم‪.‬‬

‫كل ذلك‪،‬‬
‫والذي يش���اهد حال المسلمين في بالدهم‪ ،‬يشاهد عكس ّ‬
‫أن جماعة من الغربيين أخذوا ببعض‬
‫ولهذا انحس���ر اإلسالم‪ ،‬بينما نش���اهد ّ‬

‫هذه األحكام؛ فتق ّدموا وق ّدموا‪.‬‬

‫وقد أش���ار اإلمام عل���ي(ع) إلى ذلك حيث ق���ال‪( :‬اهلل اهلل في القرآن‬

‫ سورة الحجرات‪ :‬اآلية ‪.10‬‬
‫ سورة البقرة‪ :‬اآلية ‪.208‬‬
‫ سورة المائدة‪ :‬اآلية ‪.2‬‬
‫ سورة الحشر‪ :‬اآلية ‪.7‬‬
‫ غوالي اللئالي‪ :‬ج‪ 3‬ص‪.480‬‬
‫ الكافي فروع‪ :‬ج‪ 5‬ص‪ 279‬ح‪ ،2‬االستبصار‪ :‬ج‪ 3‬ص‪ 108‬ب‪ 72‬ح‪ ،3‬تهذيب األحكام‪ :‬ج‪ 7‬ص ‪ 152‬ب ‪ 22‬ح‪.21‬‬
‫ من ال يحضره الفقيه‪ :‬ج‪ 4‬ص‪ 351‬ب‪ 2‬ح ‪ ،5759‬وسائل الشيعة‪ :‬ج‪ 26‬ص‪ 251‬ب‪ 3‬ح‪ ،32943‬وقريب منه في كشف‬
‫الغمة‪ :‬ج‪ 2‬ص‪ 134‬وتفسير القمي‪ :‬ج‪ 1‬ص‪ 278‬و ج‪ 2‬ص‪ 176‬ودعائم ا ٍإلسالم‪ :‬ج‪ 2‬ص‪ 391‬ووسائل الشيعة‪ :‬ج‪18‬‬
‫ص‪ 337‬ب‪ 9‬ح‪.23797‬‬

‫‪257‬‬

‫ال يس���بقكم بالعمل به غيركم)‪ ،‬فلم يرد س���بق الغير للصالة‪ ،‬والصيام‪،‬‬
‫والحج‪ ،‬وما أش���به ذلك‪ ،‬وإنّما أراد بذلك ما أش���ار إليه القرآن الحكيم في‬

‫ين} ‪.‬‬
‫ْم َّتِق َ‬
‫اس َو ُه ً‬
‫قوله‪َ { :‬ه َذا بَيَا ٌن لِل َّن ِ‬
‫دى َو َم ْو ِع َظةٌ لِل ُ‬

‫والغربيون إنما تق ّدموا؛ بس���بب أخذهم للديمقراطية وليس بس���بب‬

‫المعجزة‪ .‬وقد قال رس���ول اهلل (ص) في حديث مروي عنه باختالف األلفاظ‬
‫في كتب العامة والشيعة (واّتبعوا سنن من كان قبلكم حّتى لو دخلوا جحر‬
‫ضب ودخلتموه‪ .‬فقلنا يا‪ ‬رسول اهلل اليهود والنصارى قال‪ :‬فمن) ‪.‬‬
‫ّ‬

‫تأخروا؛ بتركهم اإلس�ل�ام‪ ،‬وقد قال جمال الدين‬
‫والمس���لمون إنّما ّ‬

‫أر فيه‬
‫األفغاني قولته المش���هورة‪ :‬ذهبت إلى الغرب فرأيت فيه اإلسالم ولم َ‬

‫المسلمين‪ ،‬وجئت إلى الشرق فرأيت فيه المسلمين ولم أجد اإلسالم‪ ،‬كناية‬
‫عن أنّهم إنّما أخذوا بقس���ط وافر من اإلسالم في نظام الحكم‪ ،‬والشورى‪،‬‬
‫‪258‬‬

‫والعدل االجتماعي‪ ،‬واالس���تقالل القضائي‪ ،‬وتحكي���م المنطق والعقل‪ ،‬ال‬
‫ويحجون البيت‪ ،‬ويصومون ش���هر‬
‫ي���ؤدون الصالة‪ ،‬ويؤتون الزكاة‪،‬‬
‫أنّهم‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫كل ذلك‪ ،‬لكن‬
‫رمضان‪ ،‬بينما المس���لمون في الش���رق اإلس�ل�امي يفعلون ّ‬

‫عندما يصلون إلى الحكم ال يعملون بالعدل والشورى‪ ،‬وما أشبه ذلك‪.‬‬
‫أي حال‪ :‬فالالزم على المس���لمين الذي���ن أرادوا الرجوع إلى‬
‫وعل���ى ّ‬

‫ع ّزتهم‪ ،‬وس���يرتهم‪ ،‬وسيادتهم‪ ،‬أن يرجعوا إلى سنن رسول اهلل (ص) التي‬

‫قالها‪ ،‬وعمل بها‪ ،‬وأنزل اهلل القرآن وفقها‪ ،‬حّتى يرجعوا إلى ما كانوا عليه‬

‫والتقدم‪ ،‬واالستقالل‪.‬‬
‫من الع ّزة‪ ،‬والسيادة‪،‬‬
‫ّ‬

‫تأخروا؛ لتركهم سّنة رسول اهلل (ص) الموجودة في‬
‫والمسلمون إنّما ّ‬

‫ نهج البالغة‪ :‬الكتاب ‪ 47‬من وصية اإلمام أمير المؤمنين علولديه الحسن والحسين(عليهما السالم)‪ ،‬تحف العقول‪:‬‬
‫ص‪ ،197‬شرح نهج البالغة البن أبي الحديد‪ :‬ج‪ 17‬ص‪ 5‬ب ‪.47‬‬
‫ سورة آل عمران‪ :‬اآلية ‪.138‬‬
‫ وقد ورد في اإلفصاح في األعالم‪ :‬ص‪ 50‬وكمال الدين‪ :‬ج‪ 2‬ص ‪ 480‬وكنز الفوائد‪ :‬ج‪ 1‬ص‪ 144‬الحديث التالي‪ :‬لتتبعن‬
‫سنن من كان قبلكم شبراً بشبر وذراعاً بذراع‪ ،‬حتى لو دخلوا في جحر ضب لتبعتموهم‪ ،‬فقالوا‪ :‬يا رسول اهلل‪ ،‬اليهود‬
‫والنصارى ؟‪ .‬قال‪ :‬فمن إذن !‪ ،‬وقريب منه في شرح نهج البالغة البن أبي الحديد‪ :‬ج‪ 9‬ص‪.286‬‬

‫الكتاب جليًا‪ ،‬فقالت بعض زوجاته‪ :‬كان ُخلُقه القرآن‪ ،‬وما ذكره للمسلمين‬
‫ال‪ ،‬وتقريرًا‪ ،‬فهل المسلمون اليوم يعملون بقوله سبحانه وتعالى‪:‬‬
‫قوالً‪ ،‬وعم ً‬

‫‬
‫ُم ُش ُعوبًا‬
‫���ورى بَْينَ ُه ْم} ‪ ،‬وقوله س���بحانه وتعالى‪َ :‬‬
‫َ‬
‫{وأَ ْم ُر ُه ْم ُش َ‬
‫{و َج َع ْلنَاك ْ‬
‫‬
‫َ‬
‫َ‬
‫{والَ‬
‫ُم} ‪ ،‬وقوله سبحانه وتعالى‪َ :‬‬
‫َوقَبَاِئ َل لِتَ َع َ‬
‫ارفُوا ِإ َّن أ ْك َر َم ُك ْم ِع ْن َد اهللِ أ ْت َقاك ْ‬

‫ض ُك ْم بَ ْعضًا}‪ ،‬وقوله س���بحانه وتعالى‪{ :‬يَْأ ُم ُر ُه ْم‬
‫تَ َج َّس ُس���وا َوالَ يَ ْغتَ ْب بَ ْع ُ‬
‫ث‬
‫بِاْل َم ْع ُر ِ‬
‫اه ْم َع ِن اْل ُم ْن َك ِر َويُ ِح ُّل لَ ُه ُم الطَّ ِّيبَ ِ‬
‫ات َويُ َح ِّر ُم َع َل ْي ِه ُم اْل َخبَاِئ َ‬
‫وف َويَْن َه ُ‬

‫األغ َ‬
‫���م} ؟‪ ،‬وقد ذكرنا في‬
‫���م َو ْ‬
‫َويَ َ‬
‫ض ُ‬
‫ال َل ا َّلِتي كَانَ ْت َع َل ْي ِه ْ‬
‫���ع َع ْن ُه ْم ِإ ْص َر ُه ْ‬
‫الحرية في الق���رآن الحكيم التي‬
‫بع���ض كتبنا ّ‬
‫أن هذه الكلمة ه���ي دليل ّ‬

‫الحري���ات والتي لم يصل إليها الغ���رب بعد‪ ،‬أو بقوله‬
‫تش���مل كاّفة أنواع ّ‬

‫اح َدًة}‪ ،‬فهل الحدود الجغرافية بين‬
‫{إ َّن َه ِذِه أُ َّمتُ ُك ْم أُ َّم ًة َو ِ‬
‫سبحانه وتعالى‪ِ :‬‬

‫{إ َّن َما اْل ُم ْؤِمنُو َن‬
‫األمة الواحدة؟ وقوله سبحانه وتعالى‪ِ :‬‬
‫البالد اإلس�ل�امية من ّ‬

‫ِإ ْخ َوةٌ}‪ ،‬فالعربي في بالد الفرس‪ ،‬والفارس���ي في بالد العرب‪ ،‬وكالهما‬
‫أمة واحدة‪ ،‬فالجميع سواسية‪،‬‬
‫في بالد الترك‪ ،‬وكلّهم في بالد الهند؛ تع ّد ّ‬

‫وش���ركاء في األخذ‪ ،‬والعطاء‪ ،‬والشركة‪ ،‬والزراعة‪ ،‬والتجارة‪ ،‬والملكيـة‪،‬‬
‫والتزوج‪ ،‬وألف ش���يء وشيء‪ ،‬أو هـل عمـل المسلمون بقوله‬
‫والتزويـج‪،‬‬
‫ّ‬

‫الش ْي َطان}‪،‬‬
‫ْم كَا َّفـ ًة َوالَ تَ َّتِب ُعوا ُخ ُط َو ِ‬
‫ات َّ‬
‫السل ِ‬
‫سبحانه وتعالى‪{ :‬ا ْد ُخلُوا ِفي ِّ‬

‫اونُوا‬
‫{وتَ َع َ‬
‫فغير السلم استثناء‪ ،‬أو هل عمل المسلمون بقوله سبحانه وتعالى‪َ :‬‬

‫ان}‪ ،‬أو بقوله س���بحانه‬
‫ْم َواْل ُع ْد َو ِ‬
‫َع َل���ى اْلِب ِّر َو َّ‬
‫اونُوا َع َلى ِ‬
‫الت ْق َوى َوالَ تَ َع َ‬
‫اإلث ِ‬
‫ سورة الشورى‪ :‬اآلية ‪.38‬‬
‫ سورة الحجرات‪ :‬اآلية ‪.13‬‬
‫ سورة الحجرات‪ :‬اآلية ‪.12‬‬
‫ سورة األعراف‪ :‬اآلية ‪.157‬‬
‫ راجع موسوعة الفقه كتاب الفقه الحريات وكتاب الحرية اإلسالمية للمؤلف ‪.‬‬
‫ سورة المؤمنون‪ :‬اآلية ‪.52‬‬
‫ سورة الحجرات‪ :‬اآلية ‪.10‬‬
‫ سورة البقرة‪ :‬اآلية ‪.208‬‬
‫ سورة المائدة‪ :‬اآلية ‪.2‬‬

‫‪259‬‬

‫‬
‫مما‬
‫الر ُس���و ُل ف ُ‬
‫وتعالى‪َ :‬‬
‫ُ���م َع ْن ُه فَاْنتَ ُهوا} ‪ ،‬وكان ّ‬
‫َخذُوهُ َو َما نَ َهاك ْ‬
‫{ما آتَاك ُ‬
‫ُم َّ‬

‫تزوج‬
‫أتى به (ص) ْ‬
‫زوج الصديقة فاطمة ‪ u‬وهي بنت تسع سنوات‪ ،‬كما ّ‬
‫أن َّ‬
‫مما أتى به أنّه قال‪( :‬من سبق إلى من لم‬
‫عائشة وعمرها تسع سنين‪ ،‬وكان ّ‬

‫‬
‫عمرها)‪،‬‬
‫يسبق إليه مسلم فهو أحق به) ‪ ،‬وقال أيضًا‪( :‬األرض هلل ولمن ّ‬

‫وعلي)‪،‬‬
‫فإلي‬
‫وقال (ص)‪( :‬من ترك ما ً‬
‫ّ‬
‫ال فللوارث ومن ترك دينًا أو ضياعًا ّ‬
‫إل���ى أل���ف حكم وحكم حيث ل���و أردنا إحصاءه الحتاج ذل���ك إلى مجلّد‬

‫ضخم‪.‬‬
‫كل ذلك‪،‬‬
‫والذي يش���اهد حال المسلمين في بالدهم‪ ،‬يشاهد عكس ّ‬
‫أن جماعة من الغربيين أخذوا ببعض‬
‫ولهذا انحس���ر اإلسالم‪ ،‬بينما نش���اهد ّ‬

‫فتقدموا وق ّدموا‪.‬‬
‫هذه األحكام؛ ّ‬

‫وقد أش���ار اإلمام علي(ع) إلى ذلك حيث قال‪( :‬اهلل اهلل في القرآن ال‬

‫‪260‬‬

‫يسبقكم بالعمل به غيركم)‪ ،‬فلم يرد سبق الغير للصالة والصيام والحج‪،‬‬
‫وما أشبه ذلك‪ ،‬وإنّما أراد بذلك ما أشار إليه القرآن الحكيم في قوله‪َ { :‬ه َذا‬

‫ين} ‪.‬‬
‫ْم َّتِق َ‬
‫اس َو ُه ً‬
‫بَيَا ٌن لِل َّن ِ‬
‫دى َو َم ْو ِع َظةٌ لِل ُ‬

‫ سورة الحشر‪ :‬اآلية ‪.7‬‬
‫ غوالي الآللي‪ :‬ج‪ 3‬ص‪.480‬‬
‫ الكافي فروع‪ :‬ج‪ 5‬ص‪ 279‬ح‪ ،2‬االستبصار‪ :‬ج‪ 3‬ص‪ 108‬ب‪ 72‬ح‪ ،3‬تهذيب األحكام‪ :‬ج‪ 7‬ص ‪ 152‬ب ‪ 22‬ح‪.21‬‬
‫ من ال يحضره الفقيه‪ :‬ج‪ 4‬ص‪ 351‬ب‪ 2‬ح ‪ ،5759‬وسائل الشيعة‪ :‬ج‪ 26‬ص‪ 251‬ب‪ 3‬ح‪ ،32943‬وقريب منه في كشف‬
‫الغمة‪ :‬ج‪ 2‬ص‪ 134‬وتفسير القمي‪ :‬ج‪ 1‬ص‪ 278‬و ج‪ 2‬ص‪ 176‬ودعائم ا ٍإلسالم‪ :‬ج‪ 2‬ص‪ 391‬ووسائل الشيعة‪ :‬ج‪18‬‬
‫ص‪ 337‬ب‪ 9‬ح‪.23797‬‬
‫ نهج البالغة‪ :‬الكتاب ‪ 47‬من وصية اإلمام أمير المؤمنين‪ ‬علولديه الحسن والحسين(عليهما السالم)‪ ،‬تحف العقول‪:‬‬
‫ص‪ ،197‬شرح نهج البالغة البن أبي الحديد‪ :‬ج‪ 17‬ص‪ 5‬ب‪.47 ‬‬
‫ سورة آل عمران‪ :‬اآلية ‪.138‬‬

‫معرفة األسباب‬

‫العامة أن يكون‬
‫مسألة‪ :‬الالزم على من يريد ذكر فلسفة التاريخ وروحه ّ‬

‫التأخر‪ ،‬وأسباب النهوض وأسباب السقوط‪،‬‬
‫التقدم وأسباب ّ‬
‫عارفًا بأسباب ّ‬

‫وأن يكون عارفًا بكـل شيء مـن االجتماع‪ ،‬واالقتصاد‪ ،‬والسياسة‪ ،‬والتربية‪،‬‬
‫فإن الدنيا كلّها تقوم على ٍ‬
‫علل ومعاليل‪ ،‬فالمريض‬
‫والفكر‪ ،‬وما أشبه ذلك‪ّ ،‬‬
‫يصح بعد المرض لوجود سبب‬
‫يمرض لوجود علّة المرض فيه‪ ،‬والصحيح ّ‬

‫الصحة فيه‪ ،‬وهكذا بالنسبة إلى الغني والفقير‪ ،‬والعالم والجاهل‪ ،‬والقوي‬
‫ّ‬

‫والتأخر‪ ،‬إلى غير ذلك‪.‬‬
‫والضعيف‪ ،‬والتق ّدم‬
‫ّ‬

‫أن العلّة إذا اكتملت ش���رائطها وفقدت موانعها‪ ،‬يكون‬
‫ومن الواضح‪ّ :‬‬

‫ضروريًا‪ ،‬ولذا قال الفالسفةالش���يء ما ل���م يجب لم يوجد‪ ،‬فهل‬
‫المعلول‬
‫ّ‬
‫نار بال احتراق‪ ،‬أو احتراق بال نار؟ أو هل يعقل أن يكون‬
‫يعق���ل أن تكون ٌ‬

‫تبريد بال ثلج‪ ،‬أو ثلج بال تبريد‪ ،‬مع وجود س���ائر الش���رائط وفقد س���ائر‬
‫الموانع؟‪.‬‬
‫المؤرخين من اس���تخدام مقولةالعلّية في‬
‫أم���ا ما يعترض عليه بعض‬
‫ّ‬
‫ّ‬

‫التاريخ بأنها تفيد الضرورة من جهة‪ ،‬وألنّها تلحق التاريخ بالعلوم الطبيعية‬

‫المؤرخين الذين‬
‫من جه���ة أخرى‪ .‬وقد اّتخذ بعض علماء الغرب تج���ارب‬
‫ّ‬
‫يحاولون توكيد كيان التاريخ إزاء طغيان العلوم الطبيعية ومنهجها في القرن‬

‫العلية بمقولة أخرى يراها‬
‫التاسع عشر المسيحي وتممها بأنه يستبدل مقولة ّ‬

‫أكثر مالءمة لفهم صياغة التاريخ أنّها مقولةالمصير‪.‬‬

‫‪261‬‬

‫العلية في‬
‫أق���ول‪ :‬ل���م يعرف ماذا قصد أولئك الذين أش���كلوا عل���ى ّ‬

‫فإن هذا م���ن الضرورة بمكان‪ ،‬والمح���ذوران المذكوران بقولهم‬
‫التاري���خ‪ّ ،‬‬
‫الطبيعية من جهة‬
‫إنه���ا تفيد الضرورة من جهة وألنّها تلحق التاريخ بالعلوم‬
‫ّ‬

‫أخرى‪ ،‬لم يعرف المراد منها‪.‬‬

‫فس���ر بعضهم المصير الذي ذك���ره ذلك البعض من المؤرخين ‍ب‬
‫وقد ّ‬

‫قوة إنسانية أخرى تتحداه وتجعل وجوده في خطر‬
‫شعور اإلنسان بذاته إزاء ّ‬
‫حينئ���ذ تتدّفق الطاقات الكافية في���ه‪ ،‬فمن أجل تأكيد الوجود تقتضي فطرة‬

‫ثم‬
‫المصير أيضًا عاملين‪ :‬وجود ذات مس���تقلة لها كيانها وتابعها المستقل‪ّ ،‬‬
‫فإن‬
‫تحد في أغلب األحيان‪ّ ،‬‬
‫وجود أحداث خارجية بينها وبين الذات عالقة ٍّ‬

‫يمس‬
‫التحام نوع من التفاعل يتح ّدى سلوك الذات لسنوات وليس ّ‬
‫كل حدث ّ‬
‫المصير‪ ،‬وهناك أحداث كثيرة في حياة الفرد ال تمس إ ّ‬
‫ال القش���رة الخارجية‬
‫‪262‬‬

‫البد أن ينفذ الحدث إلى المركز الباطني الذي ّ‬
‫يشكل جوهر‬
‫لحياته‪ ،‬وإنّما ّ‬
‫يهدد شخصيتها جز ٌع مصدره‬
‫الذات‪ ،‬حينئذ تكشف الروح عن جزعها إذا ما ّ‬

‫أخص خصائص الزمان استحالة اإلعادة وما يستحيل‬
‫الجهل بالمصير‪ّ ،‬‬
‫ألن ّ‬
‫عنالعلية بما‬
‫ع���وده يولّد في النف���س الجزع‪ ،‬ويختلف