‫أثر العولمة على السيادة الدولة‬

‫لمعرفة أثر العولمة على السيادة الدولة يجبب علينا معرفة مفهوم السيادة ونشأتها‬
‫المبحث الول‬
‫مفهوم السيادة ونشأتها وأنواعها‬
‫أن مفهوم سيادة الدولة لهو واحدا من المفاهيم الهامة الذي أهتم به فقهاء القانون و باحثي السياسة‬
‫على قدم المساواة وذلك منذ أن أبتدعه جان بودان الفرنسي عام ‪ 1576‬في كتبه الستة عن الدولة‪،‬‬
‫ول يعدو مفهوم السيادة – كمفهوم قانوني – أن يكون مجرد وصف للقدرة الفعلية للدولة ومن ثم‬
‫لقوتها‪ ،‬وللسيادة أيضا مفهوم سياسي إلى جانب ذلك المفهوم القانوني السابق فهو يمثل واقعا سياسيا‬
‫معينا و الذي هو القدرة الفعلية على النفراد بإصدار القرار السياسي في داخل الدولة و خارجها و‬
‫من ثم القدرة الفعلية على الحتكار الشرعي لدوات القمع في الداخل وعلى رفض المتثال لية‬
‫)سلطة تأتيها من الخارج‪28).‬‬
‫وتعتبر السيادة هي المميز الرئيسي للسلطة السياسية للدولة و لهمية هذا المميز نجد إنه أنتقل من‬
‫كونه صفة إلى أسم فبدل من أن يقولوا السلطة السياسية ذات السيادة بدأوا يتكلمون عن سيادة الدولة‬
‫‪.‬ليقصدوا بها نفس المضمون‪ :‬استقلل الدولة وعدم خضوعها لي سلطة أخرى‬
‫‪:‬تعريف السيادة عند دكتور ‪ /‬مصطفى أبو زيد فهمي‬‫هي السلطة الصلية التي تنبع سائر السلطات الخرى منها وهى ل تنبع من أيا منها لنها أصلية‪"،‬‬
‫فمثل سلطة العمدة تنبع من سلطة المأمور‪ ،‬وسلطة المأمور تنبع من سلطة المحافظ و سلطة‬
‫المحافظ تنبع من القانون و سلطة القانون تأتى من البرلمان الذي تأتى سلطته من الدستور و‬
‫الدستور تضعه الجمعية الـتأسيسية‪ ،‬وسلطة الجمعية الـتأسيسية تنبع من المة‪ ،‬وسلطة المة ل تنبع‬
‫من أي سلطة أخرى فليس هنالك ما يساويها أو يعلوها‪ ،‬إذن فهي السلطة العليا‪ ،‬و المة هي صاحبة‬
‫)السيادة "‪29).‬‬
‫‪:‬ومن وجهة النظر القانونية يمكننا تقسيم الدول من حيث السيادة إلى نوعين رئيسيين‬‫‪:‬الدول ذات السيادة الكاملة •‬
‫يقصد بالدولة ذات السيادة الكاملة الدولة التي تتمتع باستقلل كامل في مباشرتها سيادتها الخارجية‬
‫و الداخلية‪ ،‬فل تخضع في ذلك لسيطرة أو هيمنة أية دولة أو هيئة أخرى تحت أية صورة من‬
‫الصور‪ ،‬ومثال هذه الدول‪ ،‬الدول العضاء في هيئة المم المتحدة‪ ،‬إذ أن جميع العضاء تكون‬
‫‪.‬دول كاملة السيادة‬
‫فتستقل الدول كاملة السيادة استقلل تاما في مباشرة سيادتها الخارجية‪ ،‬ومن أهم عناصر الستقلل‬
‫في مباشرة السيادة الخارجية‪ ،‬حرية تبادل التمثيل الدبلوماسي مع دولة أو دول معينة‪ ،‬أو قطع‬
‫العلقات الدبلوماسية مع أية دولة‪ ،‬كذلك حرية الشتراك في عضوية المم المتحدة وسائر‬
‫‪.‬المنظمات الدولية‪ ،‬و إعلن الحرب ‪...‬الخ‬
‫كما تستقل الدولة كاملة السيادة استقلل كامل في مباشرة سيادتها الداخلية‪ ،‬فتكون لها كامل الحرية‬
‫في اختيار نظام الحكم المناسب لظروفها‪ ،‬ووضع الدستور الذي يحدد العناصر الساسية للدولة و‬
‫السلطات العامة فيها‪ ،‬و حقوق الفراد وحريتهم العامة و العلقات بين هذه السلطات و إصدار‬

‫)القوانين واللوائح‪ ..‬الخ‪30).‬‬
‫‪:‬الدول ناقصة السيادة •‬‫هي تلك الدول التي ل تتمتع باستقلل كامل في مباشرة سيادتها الخارجية أو الداخلية أو كليهما معا‪،‬‬
‫وذلك لخضوعها لسيطرة دولة أخرى خارجية أو منظمة أو هيئة دولية‪ ،‬مما يترتب على ذلك من‬
‫مشاطرتها لتلك الدولة في ممارسة سيادتها الخارجية أو الداخلية أو الثنين معا‪ ،‬ومن أمثلة الدول‬
‫ناقصة السيادة الدول المحمية والدول التابعة و الدول الموضوعة تحت النتداب أو الوصاية لدولة‬
‫أو لدول أخرى‪ ،‬ومن الدول التي وضعت تحت الحماية تونس‪ ،‬إذ خضعت لحماية فرنسا منذ سنة‬
‫‪ ،1881‬و قد انقضى ذلك عام ‪ ،1956‬حيث اعترفت فرنسا رسميا باستقلل تونس و سيادتها و‬
‫)كذلك مراكش حيث خضعت للحماية الفرنسية منذ عام ‪31).1912‬‬
‫)ومما سبق يمكننا التفرقة بين مضمونين للسيادة أحداهما سلبي والخر إيجابي‪32) -:‬‬
‫‪:‬المضمون السلبي •‬‫ويتجسد المضمون السلبي لسيادة الدولة في أنها ل تخضع لسلطة أخرى في الداخل‪ ،‬و في عدم‬
‫‪.‬تبعيتها لية دولة أجنبية و امتناعها عن القيام بأي عمل يمس استقلل دولة من الدول في الخارج‬
‫‪:‬المضمون اليجابي •‬‫ويتمثل المضمون اليجابي للسيادة في تمتع الدولة بالسلطة التي تعلو على الجميع في الداخل‪ ،‬و‬
‫التي بمقتضاها تقوم بوضع دستورها‪ ،‬وسن قوانينها‪ ،‬وتحديد نظام حكمها‪ ،‬وتنظيم إدارتها‪ ،‬وغير‬
‫ذلك من شؤون الدولة وفى المجال الدولي فأن المضمون اليجابي ينعكس في قيام الدولة بإبرام‬
‫‪.‬المعاهدات‪ ،‬وتوقيع التفاقات‬
‫‪.‬‬
‫المبحث اثاني‬
‫أثر العولمة على سيادة الدولة‬
‫كما ذكرنا في المقدمة أنه من أبرز النعكاسات التي ظهرت في البعاد السياسية للعولمة هي‬
‫صعوبة الفصل وعلى نحو متزايد بين ما هو داخلي و ما هو خارجي فلقد ارتكزت أسس التنظيم‬
‫الدولي و منذ قرون عديدة على النظر إلى جماعة الدول باعتبار أن كل دولة تمثل وحدة سياسية‬
‫متميزة عما عداها من الدول ‪ ،‬كما اقتصرت العلقات الدولية في بداياتها الولى على صورتين من‬
‫صور التعامل الدولي الرسمي أولها صــورتا الدبلوماسية ‪ ،‬و الســتراتيجية ) الحرب (‪ .‬وهكذا و‬
‫في ظل النظر إلى الدول كوحدات مستقلة منعزلة عن بعضها البعض و اقتصار التفاعل فيما بينها‬
‫على أضيق نطاق‪ .‬كما من الميسور الفصل بين ما يعد من الشؤون الداخلية للدول‪ ،‬والتي ل يصح‬
‫للغير التدخل فيها عمل بمبدأ ) عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول الخرى ( وبين ما هو دولي‬
‫‪.‬أو خارجي‬
‫غير أنه بمرور الوقت أخذت هذه الفكرة تتراجع تدريجيا تحت ضغط التفاعل المتزايد فيما بين‬
‫الدول سواء على المستوى الرسمي أو غير الرسمي و نتيجة لتنامي ظاهرة العتماد الدولي‬
‫المتبادل بحيث لم يعد ينظر للحدود القليمية كحاجز أو كعائق يحول دون التفاعلت الدولية ‪ ،‬وقد‬
‫أدى ذلك إلى ظهور الفكرة التي عرفت بسياسات الترابط بمعنى الترابط بين الوضاع الدولية‬
‫‪.‬العالمية وبين الوضاع المحلية الداخلية و العكس‬

‫كما تجدر الشارة كذلك إلى أن ظاهرة العولمة قد تواكبت مع التحول الذي طرأ على صورة النسق‬
‫العالمي من صورة النسق ثنائي القطبية إلى صورة جديدة راحت تعرف بالنسق أحادى القطبية‬
‫الذي تتزعمه الوليات المتحدة المريكية ويدور في فلكها مجموعة ‪Unipolar system‬‬
‫الدول الصناعية الكبرى ) دول الشمال الغنى(‪ ،‬بينما تمثل دول الجنوب مجموعة الدول التابعة‬
‫نظرا لفقرها القتصادي وضعفها الستراتيجي ومن ثم افتقارها إلى أهم أداتين من أدوات التأثير‬
‫الدولي في عالمنا المعاصر‪ ،‬بحيث باتت هذه الدول تمثل تبعا لذلك مجرد مسرح للتنافس فيما بين‬
‫)القوى الكبرى‪ .‬وتتمثل أبرز البعاد أو النعكاسات السياسية للعولمة فيما يلي‪33)- :‬‬
‫‪.‬تراجع مبدأ السيادة الوطنية للدول ‪1-‬‬
‫‪.‬تراجع قوة الدولة القومية وتضاؤل دورها ‪2-‬‬
‫‪.‬بروز مفهوم الحكم كبديل للحكومة ‪3-‬‬
‫‪.‬تزايد التجاه نحو التكتل الدولي بين دول الشمال مع تزايد حدة التفتت في دول الجنوب ‪4-‬‬
‫ولعل أكثر ما يهمنا في هذا الصدد هو التركيز على تأثير العولمة على مبدأ سيادة الدولة و الذي‬
‫‪:‬يتمثل فيما يلي‬‫‪:‬تراجع مبدأ السيادة الوطنية للدول •‬
‫لقد ظل مبدأ السيادة منذ أن نبه إليه جان بودان عام ‪ 1576‬يمثل حجر الزاوية للتنظيم الدولي‬
‫الحديث‪ ،‬إذ نصت عليه و أقرته كافة القوانين و المعاهدات و النظم و العراف الدولية‪ .‬وعلى‬
‫الرغم من التراجع التدريجي الذي لحق بهذا المفهوم عبر العصور نظرا لما وجه إليه من انتقادات‬
‫فقهيه تمس صفة الطلق فيه‪ ،‬و نظرا لما صادفه في التطبيق من معوقات فرضتها حقائق البيئة‬
‫الدولية‪ ،‬مما استلزم التميز بين ) السيادة كمفهوم قانوني ( بمعنى العتراف للدول قانونا بحقها‬
‫جميعا على قدم المساواة في أن تتخذ ما تراه مناسبا من قرارات أو من سياسات تكفل لها حماية‬
‫مصالحها الوطنية‪) ،‬بين السيادة كواقع سياسي ( بمعنى القدرة الفعلية للدولة على أنفاذ أرادتها في‬
‫)المجال الدولي ‪34).‬‬
‫وعلى الرغم من ذلك كله فقد ظل مفهوم السيادة كفكرة قانونية مجردة لفترة طويلة محاطا بهالة من‬
‫القدسية ومنزها عن يطالع أي انتقاص أو تشكيك‪ ،‬غير أن مفهوم السيادة قد لحقه التغير بشكل‬
‫ملموس منذ منتصف القرن العشرين‪ ،‬وقد كان مرد ذلك إلى أمور عدة‪ ،‬منها على سبيل المثال‪)-:‬‬
‫)‪35‬‬
‫التوسع المتزايد في أبرام التفاقيات الدولية الشارعة‪ ،‬والنظم الدولية التي تتضمن قواعد و ‪1-‬‬
‫‪:‬أحكاما ملزمة لعموم الدول‪ ،‬ويمكننا أن نتمثل تلك الحقيقة الهامة فيما يلي‬‫‌أ‪ -‬أن ثمة قواعد قانونية دولية أمرة حاليا تختص بتنظيم مجالت عديدة‪ ،‬وقد أصبحت لهذه القواعد‬
‫حجية في مواجهة كافة الدول فل يجوز بحال التفاق على ما يخالفها‪ ،‬حتى و لو كان ذلك تذرعا‬
‫‪.‬بفكرة السيادة‬
‫ب‪ -‬أنه قد أضحت لدينا في نطاق الجماعة الدولية نظم للرقابة و الشراف الدولي تقوم بمهام‬
‫التحقق و التفتيش و هو ما نلحظه في مجالت اتفاقيات حقوق النسان و التسلح النووي و اتفاقيات‬
‫‪ .‬العمل الدولية على سبيل المثال‬
‫ج‪ -‬استقرار الفقه و القضاء الدولي على عدم أمكانية احتجاج الدول بدساتيرها أو بتشريعاتها‬
‫الداخلية و هي من مظاهر السيادة الوطنية للتنصل من اللتزامات الدولية سواء أكانت ذات طبيعة‬

‫تعاقدية‪ ،‬أو ناشئة عن أحكام القانون الدولي العام و النظم الدولية ذات الصفة الشارعة حتى وان لم‬
‫‪.‬تصدق الدول عليها تنضم إليها‬
‫التجاه المتنامي نحو احترام حقوق النسان و حرياته الساسية‪ ،‬و نحو كفالة الضمانات ‪2-‬‬
‫‪.‬الدولية التي تمكن لحترام هذه الحقوق وتكفل عدم انتهاكها من جانب الحكومات الوطنية‬
‫التجاهات الحديثة في مجال تقنين قواعد المسئولية الدولية و التي تجيز للشخص الدولي ‪3-‬‬
‫المضرور أمكانية تحريك دعوى المسئولية الدولية حال وقوع الضرر بصرف النظر عن مدى‬
‫‪ .‬مشروعية أو عدم مشروعية الفعل الذي تسبب في وقوعه‬
‫في نظريته عن ) العتماد ‪ alvarez‬كتابات بعض فقهاء القانون الدولي – من أمثال ‪4-‬‬
‫الجتماعى الدولي المتبادل ( – و التي تدعو إلى ضرورة تحقيق نوع من المواءمة بين اعتبارات‬
‫‪ .‬الصالح الدولي العام وبين مقتضيات السيادة الوطنية للدول‬
‫‪.‬التجاه المتزايد نحو إقامة الكيانات الدولية عابرة القومية أو فوق القومية ‪5-‬‬
‫بروز نوعية من المشكلت الدولية التي تستلزم تكاتف الجهود الدولية وتضافر اليرادات ‪6-‬‬
‫السياسية للدول في سبيل التوصل إلى حلول ناجحة و فعالة لها‪ ،‬من ذلك مثل‪ :‬مشكلت البيئة و‬
‫التلوث‪ ،‬ومشكلت الطاقة‪ ،‬مشكلت ندرة المياه و الجفاف و التصحر‪ ،‬مشكلت التضخم و البطالة‬
‫والفقر و نقص الغذاء‪ ،‬مشكلت الرهاب و العنف السياسي‪ ،‬مشكلت انتشار المراض الوبائية‬
‫‪.‬كاليدز و إدمان المخدرات و الجريمة المنظمة ‪ ..‬الخ‬
‫وبصفة عامة يمكن القول بأن ظاهرة العولمة قد نأت بالعلقات الدولية عن صورة النسق الدولي‬
‫‪.‬التقليدية القائمة على جمع من دول ذات سيادة‬
‫وقد تباينت أراء المحللين في هذا الصدد‪ ،‬إذ يرى بعض الكتاب أن العالم يشهد حاليا ما يمكن أن‬
‫في حين يرى البعض الخر أن ‪ the Twilight of Sovereignty‬يسمى بأفول السيادة‬
‫‪.‬النسق العالمي قد أنتقل بالفعل إلى ما بعد السيادة‬
‫وقد كان من نتائج تراجع مبدأ السيادة الوطنية للدول أن تزايدت أمكانية التدخل في الشئون الداخلية‬
‫للدول الخرى ‪ ،‬فقد تعددت و تنوعت مبررات التدخل الجنبي ‪ ،‬من ذلك مثل ‪ :‬التدخل لعتبارات‬
‫إنسانية ‪ ،‬والدخل لحماية حقوق النسان و حقوق القليات العرقية ‪ ،‬والتدخل بدعوى مقاومة‬
‫)الرهاب الدولي‪ ..‬الخ ‪36).‬‬
‫ولعل من أبرز المواضيع التي تثار في هذا الصدد عدم وجود معايير واضحة و مستقرة يتقرر على‬
‫أساسها التدخل أو عدم التدخل إذ تظل الدول الكبرى مصرة على حقها في أن تقرر الخذ بأي من‬
‫الخيارين على أساس مصالحها ‪ ،‬وهو ما يؤدى إلى ما يعرف بمشكلة ازدواجية المعايير أو بسياسة‬
‫‪.‬الكيل بمكيالين‬

‫بعض الستثناءات التي خرقت مبدأ السيادة •‬
‫‪:‬حقوق النسان ‪-‬‬‫كانت أولى ذرائع انتهاك سيادة الدولة ما عرف باسم مبدأ التدخل النساني‪ ،‬هذا المبدأ طالبت الدول‬
‫الكبرى بإقراره في اجتماعات الدورة ‪ 54‬للجمعية العامة للمم المتحدة‪ ،‬وخللها قادت هجمة‬
‫لتعديل مفهوم سيادة الدولة على نحو يفتح الطريق أمام التدخل في الشئون الداخلية لي دولة تتهم‬
‫‪.‬بانتهاك حقوق النسان أو ممارسة سياسة تمييزية ضد أي فئة من الفئات المكونة لشعبها‬
‫وهذا التعديل لمفهوم السيادة فتح الباب أمام تسييس مبدأ التدخل النساني خاصة وانه ليس هناك‬
‫توصيف موضوعي متفق عليه لعتبار أمر ما جريمة ضد النسانية أو انتهاكًا لحقوق النسان‬
‫الساسية‪ ،‬وبدأت بوادر تشير إلى تعلل القوى الدولية الكبرى ـ خاصة الوليات المتحدة ـ بالمبدأ‬
‫لخدمة مصالحها‪ .‬كما فتح الباب أمام تغذية صراعات محلية ودعم جماعات عرقية ولغوية ودينية‬
‫وأحيانا سياسية وتشجيعها على إثارة قضايا وإمداد الخارج بما يمكن أن يستخدم كذريعة للتدخل‬
‫)ضد حكوماتها‪37) .‬‬
‫وبدأت حملة غريبة ضارية شارك فيها كوفي أنان أمين عام المم المتحدة على مفهوم سيادة الدولة‪،‬‬
‫إذ تم اعتباره مفهومًا تقليديًا يحتاج إلى التطوير كي يتمكن المجتمع الدولي من التدخل حماية لحقوق‬
‫‪.‬النسان‪ ،‬وإيجاد مفهوم المحاسبية الدولية كبديل لمفهوم سيادة الدولة القديم‬
‫ولسوء الحظ فإن تغيير المفاهيم بدأ عمليًا في حالة كوسوفو نهاية التسعينيات قبل إن تحتشد اللة‬
‫الفكرية الغربية لتكريسه على المستوى النظري وانتزاع قبول دولي به‪ ،‬وكانت كوسوفو مثا ً‬
‫ل‬
‫صارخًا على ارتكاب جرائم ضد النسانية مما وفر ذريعة للوليات المتحدة كي تتدخل ول يلقي‬
‫)تدخلها ممانعة دولية ذات شأن‪38).‬‬
‫‪:‬المحافظة على النظام العالمي ‪-‬‬
‫برغم أن حق الدولة في العمل بقوانينها الوطنية وحقها في أن تكون في مأمن من التدخل الخارجي‬
‫لم ُيسلبا تماما‪ ،‬إل أن القداسة التي أحاطت بهما كمظاهر أساسية لسيادة الدولة لم تعد كما كانت من‬
‫قبل‪ .‬لقد أصبح لممارسة الحقين شروط من منظور المساءلة الدولية‪ ،‬ليس كحقيقة واقعة‪ ،‬ولكن من‬
‫ناحية المبدأ على القل‪ .‬لقد تم تدويل السيادة‪ .‬فاشتملت عملية تدويل السيادة على توسيع لبعادها‬
‫الخارجية‪ .‬فالقاعدة الساسية التي يقوم عليها المجتمع الدولي ‪-‬وهى العتراف المتبادل بين دول لها‬
‫سيادة‪ -‬اتسعت بصورة معينة أدت إلى وضع شروط لممارسة الدولة حقوق السيادة‪ ،‬أهمها أل‬
‫يتسبب من جراء ممارسة تلك الحقوق إحداث اضطراب في النظام العالمي‪ .‬وفى كثير من الحالت‬
‫التي حدث فيها ذلك ‪ ،‬مارس مجلس المن السلطات المخولة له متجاوزا الحقوق التقليدية للسيادة‪.‬‬
‫والجراء العسكري الذي اتخذه حلف الناتو تجاه كوسوفو أكد الواقع الجديد‪ ،‬بأنه قد أصبح ممكنا أن‬
‫تقوم دولة ما بهذا العمل عندما ل تقوم المم المتحدة ومجلس المن باتخاذ الجراءات الكافية‪.‬‬
‫ويعتبر وضع كوسوفو وتيمور الشرقية تحت السلطة الكاملة لدارة دولية انتقالية بتكليف من المم‬
‫المتحدة من أكبر العلمات وضوحا على وجود صورة للسيادة الدولية‪ ،‬لذلك فإن شرط العتراف‬
‫)بسلطة الدولة العليا لم يعد يرجع فقط إلى الشعب‪39).‬‬
‫وفى حين أن الصورة الملكية و الشعبية للسيادة كانت تفترض وجود محاسبة خارجية فقط على‬

‫التصرفات الخارجية للدولة ‪ ،‬إل أن الوضع قد تغير‪ .‬فعندما تؤثر أمور داخلية لدولة ما على الدول‬
‫الخرى‪ ،‬فل المم المتحدة ول مجلس المن ‪ -‬نيابة عن النظام الدولي كله‪ -‬ول الدول المتضررة‬
‫تستطيع أن تترك مصالحها الحيوية الحقيقية أو المتصورة للخطر‪ .‬وهذا يؤكد مقولة أن الفوضى‬
‫هي ما تفعله الدول‪ .‬فعالمنا المعاصر ‪-‬ولسباب مختلفة ‪ -‬أصبح صغيرا وصار أكثر اعتمادا على‬
‫بعضه البعض‪ ،‬ولم يعد السؤال كيف تكون آمنا من التدخل الخارجي ؟ ولكن كيف تحافظ على‬
‫النظام العالمي المتداخل والذي تعتمد عليه من التمزق بسبب ما يحدث داخل الدول الخرى؟‪.‬‬
‫فالمجتمع الدولي يقوم على الستقرار‪ ،‬وتمزق هذا الستقرار يضر بالدول الخرى المعتمدة في‬
‫‪.‬رخائها عليه‬
‫لقد تأكدت هذه الثورة المتمثلة في الشرط الجديد لسيادة الدولة عندما صرح السكرتير العام للمم‬
‫المتحدة كوفي أنان لم يعد هناك حصانة للسيادة‪ .‬ويعنى مفهوم تدويل السيادة وجود نظام لمساءلة‬
‫الدول في حالة تعسفها الشديد في ممارسة حقوق السيادة‪ .‬هذا ل يعنى فرض رقابة دولية على كل‬
‫دولة في كل المجالت التي تقع تحت مسئولياتها‪ ،‬ولكنه قد يعنى قيام الدول المهتمة بالستقرار‬
‫العالمي بلفت نظر الدول الخرى التي تمارس تصرفات أو تعسفًا صريحا في استخدام حقوق‬
‫)السيادة بمدى التهديد الذي يمثله ذلك للنظام الدولي‪40).‬‬
‫سوف تبقى السيادة مبدأ أساسيا لتعريف النظام الدولي‪ ،‬لكن ممارسة حقوق السيادة يجب أل تتسبب‬
‫في عدم استقرار هذا النظام بصورة غير مقبولة ماديا وفى إطار القواعد المعمول بها‪ ،‬لذلك فإن‬
‫‪.‬إسهام الدولة في تحقيق التوازن والستقرار للنظام الدولي هو الذي يمنحها حق السيادة‬
‫وتأتى إرادة الشعب في المرتبة الثانية‪ .‬لقد استبدلت السيادة الشعبية كمؤهل أول لوجود الدولة‬
‫بسيادة أخرى موازنة لها‪ .‬فالساس الول لسيادة الدولة أصبح مدى إسهامها في استقرار النظام‬
‫والمجتمع الدولي‪ .‬فعندما كان الشعب هو المصدر الول للسيادة كانت السيادة تعنى حق الدولة في‬
‫تسيير أمورها الداخلية وحصانتها أمام التدخل الخارجي‪ ،‬والن يمكن ممارسة تلك الحقوق بشرط‬
‫‪.‬أن تكون الدولة عنصر دعم واستقرار للنظام الدولي‬
‫‪:‬حماية دولة من عدوان دولة أخرى ‪-‬‬‫الغرض من ترتيبات السيادة كان دائما الحد من الحروب‪ ،‬أو بتعبير آخر‪ ،‬حماية النظام الذي تعتمد‬
‫عليه جماعة الدول‪ .‬لم تكن السيادة مجرد رغبة في حماية الدولة بالمعنى المباشر للحماية‪ ،‬ولكن‬
‫حماية الدولة من الجراءات الخارجية الهادفة إلى تغيير هيكلها الداخلي‪ ،‬واعُتبرت السيادة بذلك‬
‫أداة لتقليل احتمالت الحرب‪ .‬وبرغم أن ذلك لم يمنع الحرب‪ ،‬إل أنه وفر إطارا مهما لتشجيع‬
‫الستقرار داخل النظام العالمي‪ .‬فالستقرار سوف يتحقق ويتم المحافظة عليه عن طريق عدم‬
‫السماح بالعتداء على حدود دولة أخرى ذات سيادة‪ .‬كانت تلك القاعدة الساسية التي قام عليها‬
‫المجتمع الدولي والذي تم تقنينه فعليا بعد ذلك في سنة ‪ .1945‬وبدأ الوضع في التغير بداية من‬
‫‪.‬التسعينيات‬
‫أقام سلم ويستفاليا مبدأ للحترام المتبادل بين المراء داخل دائرة سلطة الدين‪ .‬وكان الهدف أل‬
‫يصبح الدين ‪-‬سبب حرب الثلثين عاما والتي انتهت باتفاق ويستفاليا‪ -‬بعد ذلك سببا للحرب عن‬
‫طريق إقرار مبدأ عدم التدخل في نطاق العاهل الخر‪ .‬فعلى كل أمير أن يحدد طريقة ممارسة الدين‬
‫داخل حدوده‪ ،‬وعلى الخرين المتناع عن محاولة تغيير ذلك‪ .‬هذه كانت نقطة البداية لمجموعة من‬
‫التطورات داخل النظام الدولي حددت قواعد الحرب وأدت في النهاية إلى الستقرار والحد من‬
‫الحروب‪ .‬وكان قيام المم المتحدة ذروة لتلك التطورات‪ ،‬فقد قيدت مواد الميثاق كثيرا حق استعمال‬
‫)القوة‪41).‬‬
‫دعم ميثاق المم المتحدة بشكل تعاقدي النظام الدولي‪ .‬فالهدف الساسي من المم المتحدة هو‬

‫الحفاظ على المن والسلم الدوليين كما هو موضح في المادة الولى من الميثاق‪ .‬ويعنى ذلك إقامة‬
‫إطار لحماية الدول والنظام الدولي ككل من العدوان الخارجي لية دولة أو مجموعة من الدول التي‬
‫ل تراعى مبادئ عدم التدخل الخارجي ول تحترم سلطة القوانين الوطنية للدولة‪ .‬هذا التقنين لنظام‬
‫السيادة يمكن التعرف عليه في المادة الثانية والمادة ‪ 51‬من الميثاق‪ .‬وتؤكد الفقرة ‪ 51‬حق تقرير‬
‫المصير‪ ،‬في حين تمثل المادة الثانية من الميثاق نقطة مرجعية لمبدأ عدم التدخل وسيادة القانون‬
‫الوطني للدولة‪ .‬وتنص الفقرة الرابعة من هذه المادة على أن الدول لن تستخدم القوة أو أية وسائل‬
‫أخرى ل تتناسب مع أهداف المم المتحدة ضد وحدة الراضي والستقلل السياسي للدول‬
‫الخرى‪ .‬ودعمت الفقرة ‪ 7‬تلك المفاهيم من خلل تركيزها على أولوية التشريعات الوطنية للدولة‬
‫حتى ضد المم المتحدة في الحوال العادية )أما الحوال الستثنائية فسوف تناقش بعد ذلك أعطى‬
‫نظام المن الجماعي المرسوم داخل ميثاق المم المتحدة لهيئة واحدة ‪-‬مجلس المن‪ -‬مسئولية‬
‫رئيسية هي الحفاظ على المن والسلم العالميين‪ .‬ولتحقيق ذلك أعطى الميثاق مجلس المن‬
‫صلحيات خاصة في الباب السابع‪ ،‬مثل منحه مسئولية تعريف التهديدات التي تؤثر على المن‬
‫والسلم )المادة ‪ ،(39‬وسلطة اتخاذ الجراءات العسكرية وغير العسكرية لمواجهة تلك التهديدات‬
‫)المادة ‪ 42‬و ‪ .(41‬والشئ المهم في ذلك أن واضعي الميثاق قد جعلوا مجلس المن في وضع‬
‫تصبح من خلله كل إجراءات الباب السابع إجبارية وملزمة وناسخة لكل القوانين الخرى بما فيها‬
‫حقوق السيادة‪ .‬هذه النقطة تظهر بوضوح في العبارة الخيرة من المادة الثانية الفقرة السابعة )نفس‬
‫المكان الذي يظهر فيه حق الدولة في تطبيق قانونها الوطني(‪ .‬هذه العبارة الخيرة تؤكد أن تنفيذ‬
‫قرارات مجلس المن ل يعيقها سلطة القانون الوطني للدولة‪ .‬وباختصار من الممكن تجاوز حقوق‬
‫)عدم التدخل وسيادة القانون الوطني من أجل مصلحة المن والسلم الدوليين‪42).‬‬
‫يضع هذا التغيير حدودا رسمية لسيادة الدولة‪ .‬وبرغم أن ذلك لم يتم ملحظته خلل الربعين سنة‬
‫الماضية‪ ،‬إل أن صلحيات مجلس المن لفرض قراراته والموجودة في الباب السابع من الميثاق‬
‫تعبر عن وضع استثنائي في التعامل مع مدلولت وحقوق سيادة الدولة‪ .‬وبمجيء سنوات‬
‫التسعينيات بدا أن عصر حرب دولة ضد دولة أخرى قد ولى )رغم حرب العراق والكويت التي‬
‫تمثل استثناء يثبت القاعدة(‪ .‬إن الدول لم تعد تحاول ضم أراضى الدول الخرى‪ ،‬والحالت الخرى‬
‫مثل حرب الهند وباكستان وإثيوبيا وإريتريا نتجت في الصل من تركة انقسام تلك الدول عن‬
‫بعضها البعض‪ .‬و تبدو الحقيقة في أن السباب التقليدية المعروفة للحروب والناتجة عن النزاعات‬
‫المسلحة والتنافس بين الدول قد تآكلت‪ .‬واعترافا بتلك الحقيقة‪ ،‬اتخذ مجلس المن مقتربا جديدا في‬
‫‪.‬التعامل مع السلم والمن الدوليين‬
‫أكد التعريف الجديد الذي وضعه مجلس المن للسلم والمن الدوليين على وضع نهاية للحماية‬
‫المطلقة للدولة المكتسبة من حق السيادة‪ .‬فلم تعد الحرب بين الدول تمثل التهديد الحقيقي للنظام‬
‫الدولي‪ .‬فالتهديدات الحقيقية تأتى الن من مصادر أخرى متنوعة داخل وخارج حدود الدولة‪.‬‬
‫المجموعة الولى من مصادر التهديد تأتى من النزاعات الداخلية والتجاوزات الشديدة لحقوق‬
‫النسان‪ ،‬في حين تعتبر المخاطر البيئية ضمن المجموعة الثانية مع أن مسئوليتها قد تعود إلى‬
‫الدولة التي تتصرف أحيانا بصورة تهدد البيئة‪ .‬وفى سنة ‪ 1992‬تأكد هذا التحول وأصدر رؤساء‬
‫الحكومات والدول العضاء في مجلس المن إعلنا يشكل التجاه الجديد‪ .‬وبناء على ذلك مرر‬
‫مجلس المن في العديد من المشاكل كثيرا من القرارات المبنية على الباب السابع تعبر عن مساحة‬
‫عريضة من الجراءات غير العادية لمعالجة تلك المشاكل‪ .‬هذه الجراءات غطت ثلثة مجالت‪:‬‬
‫تدخل عسكري‪-‬سياسي‪ ،‬العدالة‪ ،‬وأسلوب الحكم‪ ،‬وغيرت في طبيعة المزايا التي تتمتع بها الدولة‬
‫‪.‬من خلل مبدأ السيادة‬
‫تغير التدخل السياسي‪-‬العسكري بشكل كبير وأصبح مصحوبا بإجراءات قضائية وإدارية )مثل‬

‫إنشاء المحاكم الجنائية في يوجوسلفيا ورواندا وتحمل المسئولية كلها في حكم كوسوفو وتيمور‬
‫الشرقية بالضافة إلى تحمل مسئوليات جزئية في مناطق أخرى من العالم(‪ .‬استمر هذا التغير خلل‬
‫التسعينيات‪ .‬وبرغم أن عددا من النتقادات قد قدرت عن طريق الخطأ أن قفزة في النشاط قد حدثت‬
‫في الجزء الول من التسعينيات ثم خبت بعد ذلك‪ ،‬إل أن الحقيقة كانت مختلفة‪ .‬ولقد اتسع مدى‬
‫التدخل وأسبابه خلل التسعينيات وبعض الجراءات الراديكالية حدثت في النصف الثاني من‬
‫التسعينيات‪ .‬من أبرز تلك التدخلت التي حدثت في النصف الول من العقد كانت العراق‬
‫والصومال وتاهيتى ويوجوسلفيا السابقة ورواندا وليبيريا‪ ،‬وأما الحداث الخرى التي حدثت في‬
‫النصف الثاني فقد ارتبطت بعدد من القرارات ضد أفغانستان ‪ ،1999-1996‬والسودان ‪1996‬‬
‫)وهى القرارات الكثر راديكالية في تاريخ مجلس المن(‪ ،‬ثم كوسوفو‪ ،‬وتيمور الشرقية في‬
‫‪ ،1999‬والبوسنة والهرسك‪ .‬وتعتبر قرارات مجلس المن في تلك الفترة نقطة تحول أساسية‬
‫بالنسبة لمفهوم السيادة وكيفية إدارة المن والسلم الدوليين‪ .‬وعكس الستخدام الجديد لصلحيات‬
‫مجلس المن الموجودة في الباب السابع للميثاق بدء مرحلة جديدة من الجهود لحماية الدول‬
‫)والمجتمع الدولي‪43).‬‬
‫وبإعادة تعريف مفهوم التهديد للسلم والمن الدوليين‪ ،‬وباعتبار أن الدول هي التي ُتكون المجتمع‬
‫الدولي‪ ،‬أعاد مجلس المن صياغة المبدأ الحاكم الذي يحمى الدول والنظام الدولي الذي يعتمدون‬
‫عليه‪ .‬المبدأ القديم والُمؤسس على مفهوم السيادة كان حماية الدولة ضد التدخل في شئونها الداخلية‬
‫والحفاظ على النظام والستقرار باتخاذ إجراءات لوقف العدوان الخارجي المسلح ضد الدول‪ .‬الن‬
‫تغير الحال‪ ،‬وتغيرت الحتياجات‪ ،‬وأصبح التحدي الذي يواجه السلم والمن هو حماية النظام‬
‫الدولي الذي تعتمد عليه الدول من الفوضى وعدم الستقرار نتيجة ما قد يحدث من أحداث وقلقل‬
‫داخل بعض الدول الخرى‪ .‬الولوية الن هي منع الضطرابات الداخلية في الدول من أن تنتقل‬
‫عدواها إلى الجسد الدولي فتؤثر على غالبية الدول التي تعتمد عليه‪ .‬إن الثورة التي حدثت في‬
‫مفهوم السيادة قد تم تدعيمها والتكامل معها حتى تحددت بثورة أخرى في المبدأ الحاكم لحماية‬
‫‪.‬الدول وحفظ السلم والمن الدوليين‬
‫‪:‬الصلح الديمقراطي ‪-‬‬‫ظهرت قوى التغيير الديموقراطي بعد أن قررت أمريكا فجأة أن تنشر الديموقراطية في العالم‪ ،‬وقد‬
‫انعكست التطورات السياسية‪ /‬القتصادية على صعيد السياسية الدولية حيث استطاعت الوليات‬
‫المتحدة المريكية أن تحتل مواقع أساسية مكنتها من تقرير مسار السياسة الدولية خاصة بعد حرب‬
‫‪.‬الخليج الثانية‬
‫لقد أفضت حرب الخليج الثانية باعتبارها منعطفا" كبيرا" في السياسة الدولية إلى تبلور مفاهيم‬
‫جديدة في العلقات الدولية منها الديمقراطية وحقوق النسان‪..‬الخ من المفاهيم التي أصبحت ثوابت‬
‫‪.‬في السياسة الدولية وموضوعات فكرية لغلبية القوى والتيارات السياسية العالمية‬
‫وهذا ل يعني منح شرعية للمطالب المريكية أو القول بأن أمريكا جادة في سعيها لنشر الديمقراطية‬
‫والصلح السياسي‪ ،‬حيث من الممكن أن يكون السبب من ذلك هو لعدم قدرة الوليات المتحدة‬
‫المريكية على تأمين الحماية للمصالح المريكية بسبب رفض بعض الدول للنسياق وراء مشاريع‬
‫)الهيمنة المريكية‪44).‬‬

‫‪:‬مكافحة الرهاب ‪-‬‬‫منذ القرن التاسع عشر اعتبر العالم النمساوي المختص بالستراتيجية كارل فون كلوزوفيتش‬
‫الحرب ظاهرة اجتماعية‪ ،‬والفيلسوف الفرنسي ريمون ارون قال بأن الحرب والسلم وجها عملة‬
‫واحدة‪ .‬وإن كانت الحرب امتدادا للسياسة فإن الرهاب السياسي امتداد لها بشكل آخر‪ ،‬وإن مقياس‬
‫الحكم على الحرب من حيث شرعيتها أو عدمه يعتمد على هدف الحرب وبواعثها فإنه من المنطقي‬
‫أن يكون الحكم على الرهاب السياسي مرتبطا بالهدف من ممارسته‪ .‬إل أنه نظرا لن العمليات‬
‫)الرهابية( تولد ضحايا قد يكونون أبرياء وتثير مشاعر الخوف والرهبة عند الناس‪ ،‬فإن التجاه‬
‫الغالب هو التهرب من المسؤولية عن هذه العمال‪ ،‬ومحاولة إلقاء التبعية على الخرين‪ ،‬فالخرون‬
‫هم الرهابيون و القتلة‪ ،‬وحتى في الحالت التي تلجأ فيها دولة أو جماعات إلى ممارسة هذا النوع‬
‫من الرهاب‪ ،‬فإنها تضفي عليه مسميات مثل الدفاع عن النفس أو الرهاب ضد الرهاب أو‬
‫‪.‬الرهاب البيض‪ ...‬الخ من المسميات‬
‫إن الرهاب هو عنف ولكن ليس كل عنف إرهاب‪ ،‬فالعنف قد يكون حربا ‪-‬العدوانية منها أو غير‬
‫الشرعية يمكن أن يكون بها عدوانا – وقد يكون جرائم جنائية – وهذه تخرج عن إطار المقصود‬
‫بالرهاب السياسي وبالعنف السياسي بشكل عام حتى ولو توفرت عناصر الجريمة على ترهيب‬
‫الضحية – وقد يكون ثورة أو انقلب عسكري‪ ،‬أو عمليات أمنية تقوم بها أجهزة الدولة الخ‪.‬وكل‬
‫شكل من أشكال العنف السياسي يمكن أن يتحول إلى إرهاب سياسي في حالة تجاوزه للقانون‬
‫‪.‬وللعراف المعمول بها‬
‫كما أن الرهاب السياسي قد يأخذ بعدا دوليا ويسمى إرهاب دولي إذا تجاوز حدود الدولة الواحدة‬
‫كأن يمارسه أفراد أو جماعات ضد أشخاص أو مصالح دولة غير التي ينتمون إليها أو ضد مصالح‬
‫دولتهم المتواجدة خارج الدولة‪ ،‬هذا ويلحظ أن التوجه المريكي الخير في محاربة الرهاب‬
‫أصبح يزيل الفوارق بين الرهاب الداخلي والرهاب الدولي من منطلق أن كل أنواع الرهاب‬
‫تهدد السلم والمن العالميين‪ ،‬وبالمفهوم المريكي تهدد المصالح المريكية‪ ،‬ومن هنا لحظنا‬
‫إرسال الوليات المتحدة قوات عسكرية إلى الفلبين واليمن واندونيسيا وجورجيا وقبل ذلك إلى لبنان‬
‫)والصومال‪45).‬‬
‫تعريف الرهاب مشكلة معقدة حتى يجوز القول إن تعريف الرهاب أصعب من محاربته وقد‬
‫تعددت التعريفات حول الرهاب‪ ،‬فقد عرفه الفقيه سوتيل بأنه العمل الجرامي المقترف عن طريق‬
‫الرعب أو العنف أو الفزع الشديد بقصد تحقيق هدف محدد‪ .‬ويعرفه جيفانوفتش بأنه أعمال من‬
‫طبيعتها أن تثير لدى شخص ما الحساس بالتهديد مما ينتج عنه الحساس بالخوف من خطر بأي‬
‫صورة‪.‬إذا كان التعريفان السابقان يعرفان الرهاب بشكل عام سواء كان سياسيا أو غير سياسي‪،‬‬
‫فأن هذا الرهاب يصبح سياسيا عندما يصبح هدف الفاعل من ممارسته لفعل الرهاب تحقيق هدف‬
‫سياسي أو التأثير على الوضع العام‪ ،‬ومن هنا يعرف الفقيه البولوني فاسيورسكي الرهاب بأنه‬
‫)منهج فعل إجرامي يرمي الفاعل من خلله إلى فرض سيطرته بالرهبة على المجتمع أو الدولة‬
‫)بالمحافظة على علقات اجتماعية عامة أو من أجل تغييرها أو تدميرها(‪46).‬‬
‫من خلل ما سبق طرح المفكرين والباحثين لرؤى مستقبل السيادة الوطنية في ضوء المتغيرات‬
‫الحادثة خاصة العولمة‪ .‬وقد وضع الباحثون أربعة سيناريوهات رئيسية لمستقبل السيادة الوطنية‬
‫‪:‬هي‬

‫‪:‬سيناريو اختفاء السيادة ‪1-‬‬
‫يرى أنصار السيناريو أنه كما حلت الدولة محل سلطة القطاع تدريجيا منذ نحو خمسة قرون‪،‬‬
‫سوف تحل اليوم الشركة متعددة الجنسيات تدريجيا محل الدولة والسبب ان الشركات متعددة‬
‫الجنسية تسعى خلل تلك المرحلة إلى إحداث تقليص تدريجي في سيادة الدول‪ ،‬بما يؤدي إلى‬
‫اختفاء مفهوم السيادة‪ ،‬ثم الدولة القومية ذاتها في مرحلة لحقة‪ ،‬وستكون الوظيفة الجديدة للدولة‬
‫خدمة المصالح المسيطرة وهي في الساس مصالح الشركات الدولية العملقة‪ .‬والواقع أن فكرة‬
‫تلشي سيادة الدولة‪ ،‬ثم اختفاء الدولة القومية في مرحلة لحقة من الفكار الشائعة في تاريخ تطور‬
‫الفكر السياسي‪ ،‬حيث قالها ماركس والفوضويون ومع ذلك لم تنته السيادة ولم تتلش الدولة القومية‪.‬‬
‫))‪47‬‬
‫‪:‬سيناريو استمرارية السيادة ‪2-‬‬
‫يرى أنصار هذا السيناريو أن التطورات الراهنة في النظام الدولي لن تأتي على السيادة تماما؛‬
‫فالسيادة الوطنية ستظل باقية ما بقيت الدولة القومية ذاتها‪ ،‬وأقصى ما يمكن للتطورات الجارية في‬
‫النظام الدولي المعاصر أن تفعله هو أن تنال من طبيعة الوظائف أو الدوار التي تضطلع بها الدولة‬
‫)بالمقارنة بما كـــان عليه الحال في ظل النظام الدولي التقليدي‪48) .‬‬
‫‪:‬سيناريو الحكومة العالمية ‪3-‬‬
‫يذهب هذا السيناريو إلى أن هناك تغييرا سيحدث في مفهوم السيادة الوطنية‪ ،‬حيث ستتنازل الدولة‬
‫القومية عن سيادتها لصالح حكومة عالمية منبثقة من نظام عالمي ديمقراطي‪ ،‬حيث تغير العولمة‬
‫طرح فكرة الحكومة العالمية ليس باعتبارها حل بعيد المنال وإنما باعتبارها عملية في طور‬
‫)التكوين‪49).‬‬
‫‪:‬سيناريو التفكيكية ‪4-‬‬
‫يتوقع أنصار هذا السيناريو أن الدول القومية لن تكون قادرة على مباشرة مظاهر سيادتها على‬
‫إقليمها بسبب تفككها إلى عشرات وربما إلى مئات من الدول القومية الصغيرة‪ ،‬تارة تحت دعوى‬
‫التعبير عن هويات من حقها أن تعبر عن نفسها‪ ،‬وتارة أخرى تحت دعوة توطيد صلة المواطنين‬
‫بالسلطة‪ ،‬وربما احتجاجا على تحيز النظام الدولي الجديد لجماعات دون أخرى‪ ،‬وعلى الرغم من‬
‫تزايد الحروب الهلية والنزعات النفصالية‪ ،‬وهو ما يجعل حدوث هذا السيناريو محتمل‪ ،‬فإن ثمة‬
‫تحفظات أخرى تلحقه‪ ،‬فل بد أن قوى مضادة ستعمل على مرحلة هذا السيناريو بسبب خطورته‬
‫)الشديدة‪50).‬‬
‫‪:‬الخاتمة‬
‫لقد حاول البحث تتبع المتغيرات التي صاحبت العولمة منذ نشأتها وآثارها سواء القتصادية أو‬
‫السياسية أو الجتماعية أو العلمية ‪ ،‬التي صاحبت ظهورها‪ ،‬وانعكاساتها على المجال السياسية‬
‫‪.‬وعلى وجه التحديد على سيادة الدولة‬
‫حيث أظهر المبحث الول ضبابية فكرة العولمة والختلف حول تعريفاتها ‪ .‬ولكن ظهر جليًا أن‬
‫العولمة ظاهرت عالمية ‪ ،‬برزت منذ سقوط التحاد السوفيتي ‪ ،‬وتطورت خلل فترة زمنية قصيرة‬
‫‪.‬تستهدف دمج العالم‪ ،‬وإلغاء الحدود الجغرافية‪ ،‬مما يهدد سيادة الدولة‬
‫كما أظهر المبحث الثاني أن العولمة القتصادية هي الظاهرة الكثر جلًء في مسار التطورات‬
‫الجذرية التي غيرت شكل العالم في العقد الخير‪ ،‬كما أن توحد السوق القتصادية الدولية يشكل‬

‫محددًا رئيسيًا من محددات آلية عمل الرأسمالية التي ارتبطت بها التحولت القتصادية التي‬
‫‪.‬صاغت شكل العالم الحديث‬
‫وتناول أيضًا هذا المبحث أبعاد العولمة التي تبلورت في بعض السمات التي تتميز زمن العولمة‪،‬‬
‫مثل الشركات العملقة‪ ،‬وانحسار دور الدولة‪ ،‬وبروز منظمة التجارة العالمية ‪ ،‬والتجاه إلى‬
‫التكتلت الكبرى‪ ،‬وزيادة الندماجات والتحالفات بين الشركات العملقة‪ ،‬والثورة المعلوماتية‬
‫والتكنولوجية‪ ،‬كما استعرض المبحث آثار العولمة على الجوانب الجتماعية‪ ،‬والسياسية ‪،‬‬
‫‪.‬والقتصادية‪،‬والثقافية‪ ،‬والعلمية‪ ،‬والتكنولوجية‬
‫لقد تعدد وتنوعت انعكاسات ظاهرة العولمة على المجال السياسي داخليًا وخارجيًا على حد سواء‪،‬‬
‫ولعل من أبرز هذه النعكاسات صعوبة الفصل وعلى نحو متزايد بين ما هو داخلي وبين ما هو‬
‫خارجي‪ ،‬ويمكن أن نخلص إلى أن هناك علقة اقتران سالية بين العولمة والسيادة بمعنى أنه كلما‬
‫زادت مظاهر العولمة أثر سلبًا على سيادة الدولة‪ ،‬لقد تناول المبحث الثالث مفهوم السيادة منذ نشأته‬
‫‪ ،‬وحاول البحث تقديم صورة واضحة عن الدول كاملة السيادة والدول الناقصة السيادة موضحًا في‬
‫‪ .‬ذلك المضمون السلبي واليجابي للسيادة‬
‫وفي المبحث الرابع حاول البحث توضيح المتغيرات والمؤثرات التي صاحبت العولمة وتقلص دور‬
‫السيادة الوطنية ‪ ،‬وهو ما يوضح ارتخاء قبضة الدولة على أصولها وأجزاء من إقليمها وسحب‬
‫بعض الوظائف منها موضحًا بحث الستثناءات التي خرقت مبدأ السيادة مثل حقوق النسان ‪،‬‬
‫والمحافظة على النظام العالمي‪ ،‬وحماية دولة من عدوان دولة أخرى‪ ،‬وكذلك الصلح الديمقراطي‬
‫ومكافحة الرهاب موضحًا دور النظام الدولي الراهن التدخل في الشئون الداخلية للدول بهذه‬
‫‪.‬الحجج مما أسفر عن انتهاك واضح لسيادة تلك الدول الوطنية‬
‫وفي النهاية تم التطرق إلى مستقبل السيادة الوطنية في ضوء المتغيرات التي طرأت علية وخاصة‬
‫في ظل العولمة موضحين أهم السيناريوهات الرئيسية لمستقبل السيادة الوطنية وهي سيناريو‬
‫اختفاء السيادة ‪ ،‬وسيناريو استمرار السيادة‪ ،‬وسيناريو الحكومة العالمية‪ ،‬وسيناريو التفكيك للدول‬
‫القومية‬

Sign up to vote on this title
UsefulNot useful