You are on page 1of 97

‫شعبة‪ :‬القانون الاص‬ ‫جامعة عبد الالك السعدي‬

‫كلية العلوم القانونية والقتصادية والجتماعية‬


‫طنجة‬

‫بث لنيل الجازة ف القوق‬

‫الوضوع‬

‫مـقـدمـة عـامة‬
‫تت إشراف الستاذ‬ ‫إعداد الطالبان‪:‬‬
‫أشركي أفقي عبد ال‬ ‫جهاد دارعي ‪ -‬عدنان حوري‬

‫الوسم الامعي‬
‫‪2004-2005‬‬
2
‫باسم الله الرحمان الرحيم‬
‫يكتسي القانون الجنائي جانبا واسعا من اهتمام الدارسين وفقهاء القانون‬
‫الوضعي إذ يعتبر من أنجح الطرق التي تلجأ إليها المجتمعات النسانية منذ‬
‫القدم لمكافحة الظاهرة الجرامية التي تنال من وجودها وتقف حجر عثرة في‬
‫طريق سموها وتقدمها‪ ،‬والقانون الجنائي داخل أي نظام قانوني يقوم على‬
‫مقاصد وأهداف ينشد تحقيقها تتمثل أساسا في ‪ :‬تحقيق الستقرار السياسي‬
‫والجتماعي والمني‪ ،‬تحقيق العدالة موازاة مع حماية وضمان حقوق الفراد‬
‫والمجتمع‪ .‬و تحقيقا لهذه الهداف السامية تلجأ الدول إلى وضع استراتيجية‬
‫عامة لبيان المبادئ التي تجب أن يقوم عليها التشريع الجنائي في مجال تجريم‬
‫الفعال أو العقاب عليها‪ ،‬بالضافة إلى التدابير الحترازية التي تساعد على‬
‫التقليل من الجرائم‪ ،‬فيما يصطلح على تسميته بالسياسة الجنائية ‪.‬‬
‫والتجريم باعتباره أحد أهم العناصر المكونة للسياسة الجنائية‪ ،‬ارتبط‬
‫ظهوره بتكون الجماعة البشرية الولى وتزايد أهمية المصالح المشتركة التي‬
‫تستدعي حمايتها الحفاظ عليها من كل اعتداء قد يطالها من الداخل أو الخارج‪،‬‬
‫وهو بذلك يعتبر من أقدم الوسائل التي تلجأ إليها التشريعات لحفظ كيان الجماعة‬
‫وتحقيق المن والستقرار لها‪ ،‬واعتبارا لذلك فإن التجريم يعد من المواضيع‬
‫الحساسة التي تكتسي أهمية خاصة سواء في القانون الجنائي الوضعي أو‬
‫القانون الجنائي السلمي‪ ،‬وقد كرست هذه هده الهمية مختلف المدارس الفقهية‬
‫التي عرفها القانون الوضعي ‪.‬‬

‫‪3‬‬
‫ونظرا لخطورة التجريم باعتباره يشكل استثناء على الصل العام لقواعد‬
‫العدالة الجنائية التي تقتضي بأن الصل في الفعال الباحة فإن كل من‬
‫التشريعين الجنائيين قيداه بمبدأ عام‪ ،‬هو مبدأ الشرعية الجنائية‪ ،‬والذي يقتضي‬
‫بأن المشرع وحده الذي يتولى تحديد الجرائم والعقوبات المقررة لها‪ ،‬بيد أن‬
‫الشكالية التي تطرح هنا هي تعيين الجهة التي ينعقد لها هذا الختصاص –‬
‫التجريم‪ -‬وكذا الضوابط والمعايير التي ينبغي على هذه السلطة أن تتقيد بها‬
‫حينما ترفع الشرعية على الفعال وتجرمها‪ ،‬وإذا كان القانون الجنائي السلمي‬
‫قد تجاوز مثل هذه الشكالت‪ ،‬فإن القانون الجنائي المغربي ل يزال يتخبط‬
‫ذات اليمين وذات الشمال في هكذا عوائق ‪.‬‬
‫والتجريم كما أسلفنا من قبل يعد خروجا عن المبدأ العام الذي يقضي بأن‬
‫الصل في الفعال الباحة‪ ،‬وهو من هذا المنطلق يشكل تهديدا خطيرا ومباشرا‬
‫على حقوق الفراد وحرياتهم‪ ،‬إن تم استغلله بشكل تعسفي وتسلطي من قبل‬
‫الدولة‪.‬‬
‫ولمزيد من إلقاء الضوء على موضوع سياسة التجريم في كل من القانون‬
‫الجنائي المغربي والقانون الجنائي السلمي‪ ،‬والحاطة بمختلف عناصره‪،‬‬
‫سنعمل على دراسته من خلل الجابة على السئلة التالية‪:‬‬
‫‪-‬ماذا تعني السياسة التجريمية ؟ هل تبنت كل من السياسة التجريمية‬
‫المغربية والسياسة التجريمية السلمية أهم المبادئ التي تقوم عليها سياسة‬
‫التجريم ؟ وهل تعاملت معها بنفس الكيفية ؟‬
‫‪-‬وإذا كانت سياسة التجريم مقيدة بمبدأ الشرعية الجنائية فما هي السلطة‬
‫المخولة بالحق في التجريم ؟ وما هي الضوابط التي ينبغي أن تستند عليها في‬
‫ذلك ؟‬

‫‪4‬‬
‫‪-‬وإذا علمنا أن المجتمع المغربي هو مجتمع إسلمي وأن لكل سياسة‬
‫أهداف تسعى إلى تحقيقها فإلى أي حد يمكن القول أن المصالح التي تشغل بال‬
‫المشرع الجنائي المغربي هي نفس المصالح التي تسعى السياسة التجريمية‬
‫السلمية حمايتها ؟ وبمعنى آخر إلى أي حد يمكن القول أن سياسة التجريم‬
‫المغربية هي سياسة نابعة و منبثقة من واقع المجتمع المغربي وقناعة أفراده ؟‬

‫‪5‬‬
‫ا لمبحث الول‪ :‬ما هية السياسة الجنائية وس ياسة‬
‫ا لتج ريم‬
‫سنحاول التطرق في هذا المبحث لمفهوم السياسة الجنائية وسياسة التجريم‬
‫في كل من الشريعة السلمية والقانون الوضعي ‪.‬‬
‫المطلب الول‪ :‬مفهوم السياسة الجنائية‬
‫نتعرض في هذا المطلب لمفهوم السياسة الجنائية في كل من التشريع‬
‫الجنائي الوضعي (الفقرة الولى) و التشريع الجنائي السلمي (الفقرة الثانية)‬
‫الفقرة الولى ‪ :‬المقصود بالسياسة الجنائية في القانون الوضعي‬
‫حظيت السياسة الجنائية بقدر كبير من الهتمام من قبل المهتمين بشؤون‬
‫الجريمة والوقاية منها والتصدي لها‪ ،‬ويعتبر الفيلسوف اللماني فويرباخ أول‬
‫من استعمل تعبير السياسة الجنائية وذلك في بداية القرن التاسع عشر وكان‬
‫يقصد بها " مجموع الوسائل التي يمكن اتخاذها في وقت معين في بلد ما من‬
‫أجل مكافحة الجرام فيه" ويبقى هذا التعريف غامضا لنه ل يحدد نطاق هذه‬
‫‪1‬‬ ‫السياسة‬
‫وقد ظهرت عدة اتجاهات فقهية في تعريف السياسة الجنائية وكانت هي‬
‫الخرى قاصرة لنها لم تعطي السياسة الجنائية دورها الحقيقي في تطوير‬
‫القانون الجنائي ومنها تعريف فون ليزت الذي عرفها بأنها "المجموعة المنظمة‬
‫من المبادئ التي تعتمدها الدولة لتنظيم عملية محاربة الجريمة "‪.2‬‬
‫واعتبر دونديو دوفايير " أن دور السياسة الجنائية يكمن في مواجهة‬
‫الجريمة بالجزاء والقمع"‪ .3‬وقد تبلورت فكرة السياسة الجنائية أكثر فأكثر ببروز‬
‫مدرسة الدفاع الجتماعي بزعامة مارك انسيل والذي عرفها بأنها "علم وفن‬
‫غايتهما‬

‫___________________________‬
‫‪ -1‬د‪ .‬أحد فتحي سرور ‪ :‬أصول السياسة النائية ‪ .‬ص ‪ ، 11‬دار النهظة العربية ‪ ،‬طبعة ‪. 1972‬‬
‫‪ -2‬د‪ .‬مصطفى العوجي ‪ :‬دروس ف العلم النائي ‪ .‬ص ‪ ، 123‬مؤسسة نوفل بيوت طبعة ‪.1980‬‬
‫‪ -3‬د‪ .‬مصطفى العوجي ‪ :‬مرجع سابق ‪ .‬ص ‪. 125‬‬

‫‪6‬‬
‫صياغة قواعد وضعية في ضوء معطيات العلوم الجنائية بغية التصدي‬
‫للجريمة"‪. 1‬‬

‫والملحظ أن أغلب التعريفات الحديثة لمفهوم السياسة الجنائية تسير في‬


‫نفس هذا التجاه الخير مركزة على الساس العلمي‪ ،‬وهكذا نجد الدكتور عبد‬
‫السلم بنحدو عرفها بأنها "تلك الوسائل الفنية التي يعتمد عليها المشرع عند‬
‫تحديد سياسة التجريم والعقاب "‪ 2‬وعرفها الدكتور أبو الفتوح بأنها " الفلسفة التي‬
‫تكمن وراء الخط الذي يرسمه المشرع عند تحديده الجرائم والعقوبات"‪.‬‬
‫الفقرة الثانية‪ :‬المقصود بالسياسة الجنائية في الشريعة السلمية‬
‫بعد أن بين ابن خلدون في مقدمته الشهيرة بأن الجريمة واقعة اجتماعية‬
‫لبد من وجودها في كل مجتمع بشري‪ ،‬استطرد هذا المفكر المسلم العربي بعد‬
‫ذلك ليقدم الحل الذي أرتاه لمواجهتها‪ ،‬حيث يرى بأنه لبد من وجود حاكم يزع‬
‫الناس ويحكمهم و أنه لبد لهذا الحاكم من أداة ولبد لداته من سياسة ينتظم بها‬
‫أمر الناس‪.‬‬
‫يقول ابن خلدون ‪…":‬وحكمه فيهم تارة يكون مستندا إلى شرع منزل من‬
‫عند ال‪ ،‬وتارة إلى سياسة عقلية يوجب انقيادهم إليها ما يتوقعونه من ثواب ذلك‬
‫‪3‬‬ ‫الحاكم" ‪.‬‬
‫فما المراد بهذه السياسة لتي ينبغي على الحاكم اتباعها في مواجهة حتمية‬
‫الجرام في المجتمع ؟‬
‫أول‪ :‬المراد بالسياسة الشرعية‬
‫ارتأينا قبل أن نتعرض لتعريف السياسة الجنائية الشرعية أن نحاول أول‬

‫___________________________‬
‫‪ -1‬د‪ .‬مصطفى العوجي ‪ :‬دروس ف العلم النائي ‪ .‬ص ‪ ، 126‬مؤسسة نوفل بيوت طبعة ‪1980‬‬
‫‪ -2‬ا د‪ .‬عبد السلم بن حدو ‪ :‬الوجيز ف القانون النائي الغرب ‪ ،‬ص ‪ ، 32‬الطبعة الرابعة ‪.2000‬‬
‫‪ -3‬عبد الرحان بن خلدون ‪ :‬مقدمة بن خلدون ‪ ،‬ص ‪ ، 156‬شرح و تعليق د‪ .‬عبد الواحد وف دار الكتب العلمية طبعة ‪.1996‬‬

‫الحاطة بالسياسة الشرعية بصفة عامة‪ ،‬لن السياسة الجنائية جزء من السياسة‬
‫الشرعية ومعرفة العم تفضي إلى معرفة الخص‪ ،‬وفيما يلي نستقصي معنى‬
‫‪7‬‬
‫السياسة الشرعية في الشريعة السلمية‪ ،‬وقد ذكر الفقهاء تعاريف كثيرة‬
‫للسياسة الشرعية منها‪:‬‬
‫‪ -1‬هو ما كان فعل يكون معه الناس أقرب إلى الصلح وأبعد عن الفساد وإن‬
‫لم يضعه الرسو ل صلى ال عليه وسلم ول نزل به وحي ‪. 1‬‬ ‫‪i‬‬

‫‪ -2‬هي التوسعة على ولة المر في أن يعملوا ما تقتضي به المصلحة ممال‬


‫‪ii‬‬
‫يخالف أصول الدين وإن لم يقم عليه دليل ‪. 2‬‬
‫‪ -3‬يؤكد فقيه آخر بأن السياسة الشرعية هي استصلح الخلق بإرشادهم إلى‬
‫الطريق المنجي في الدنيا والخرة‪ ،‬فهي من النبياء على العامة والخاصة في‬
‫ظاهرهم وباطنهم والسياسة من السلطين والملوك على كل متم في ظاهره ل‬
‫غير والسياسة من العلماء ورثة النبياء على الخاصة في باطنهم ل غير ‪. 3‬‬
‫‪ -4‬وعرفها آخرون بأنها تغليظ جزاء جناية لها حكم شرعي حسما لمادة الفساد ‪.4‬‬
‫تشترك التعاريف السابقة في وصف السياسة الشرعية بأنها الحكام الشرعية‬
‫وما يصدر عن الحاكم من تدبير وتصرف‪ ،‬لكنها اختلفت في بعض الجوانب‪،‬‬
‫ومن ذلك التعريف الخير الذي قصر السياسة الشرعية على بعض مشمولتها‬
‫حينما خصها بتشديد وتغليظ العقوبة‪ ،‬في حين أن هذه الخيرة جزء من السياسة‬
‫الجنائية التي بدورها جزء من السياسة الشرعية‪.‬‬
‫ولعل أهم تعريف وقفنا عليه هو ذاك الذي وضعه الدكتور محمد بوساق‬
‫والذي جاء فيه بأن السياسة الشرعية هي العمل على جلب أقصى ما يمكن من‬
‫المصالح للجماعة ودفع ما أمكن من المفاسد عنها بإقامة الشريعة تنفيذا واجتهاد‬
‫ـــــــــــــــ‬
‫‪ -1‬ابن القيم الجوزية ‪ :‬طرق الحكمية في السياسة الشرعية ‪ ،‬ص ‪ ، 10‬الجزء الثالث ‪ ،‬تحقيق محمد حامد الفقي ‪ ،‬دار الكتب العلمية لبنان ‪.‬‬
‫بدون طبعة ‪.‬‬
‫‪ -2‬أحمد حصري ‪ :‬السياسة الجزائية في فقه العقوبات السلمي المقارن ‪ ،‬ص ‪ ، 106‬المجلد الول ‪ ،‬در الجيل بيروت ‪ ،‬طبعة ‪. 1993‬‬
‫‪ -3‬أحمد حصري ‪ :‬مرجع سابق ‪ ،‬ص ‪. 107‬‬
‫‪ -4‬أحمد حصري ‪ :‬مرجع سايق ‪ ،‬ص ‪. 104‬‬

‫أو استفراغ لوسع وبذل الجهد للوصول إلى النظمة المناسبة زمانا ومكانا‪ ،‬وفي‬
‫جميع المجالت القتصادية والسياسة والدارية والثقافية والخلقية‬
‫والجتماعية‪ ،‬وفي حال الختيار والضطرار والسلم والحرب‪ ،‬وتصريف‬
‫‪8‬‬
‫الشؤون اليومية بالتدبير والحكمة والتذرع بكافة الوسائل والطرق المادية‬
‫‪1‬‬ ‫والفكرية والحسية والمعنوية في ضوء نصوص الشريعة وروحها ومقاصدها"‬
‫ثانيا‪ :‬معنى السياسة الجنائية الشرعية‬
‫كانت الشريعة كما وصفها بحق ابن القيم الجوزية مبناها وأساسها على‬
‫الحكم ومصالح العباد في المعاش والمعاد‪ ،‬وهي عدل ورحمة كلها ومصالح‬
‫كلها وحكمة كلها ‪ 2 .‬والسياسة الشرعية من ثم ل تخرج عن تحقيق هدفين‬
‫أساسيين أولهما ‪ :‬جلب المصالح أو بناء الكليات الخمس بإيجادها وإقامتها‬
‫وتنميتها‪ ،‬وثانيهما ‪ :‬دفع المفاسد أو حماية البناء المقام للكليات الخمس بمنع‬
‫زوالها والخلل بها والعتداء عليها‪.‬‬
‫والسياسة الجنائية باعتبارها جزءا من السياسة الشرعية‪ ،‬فإنها تعمل على‬
‫ترسيخ هذين الهدفين في جانبهما الجنائي‪ ،‬وذلك بدفع المفاسد الناتجة عن‬
‫الجريمة أو المتوقع حصولها منها علوة على توفير المن للمة وصيانة‬
‫الحقوق والممتلكات‪ ،‬والعمل على تحقيق ذلك بكافة الطرق والوسائل كاستصدار‬
‫النظمة المناسبة واتخاذ الجراءات الملئمة سواء أكانت مادية أم فكرية حسية‬
‫أم معنوية‪ ،‬دون الخروج عن أسس الشريعة وقيمها ومقاصدها وأهدافها‪ ،‬وهكذا‬
‫تدخل ضمنها سياسة التجريم وتغليظ العقوبات أو تخفيفها والتعازير بصفة‬
‫عامة‪ ،‬لكنها ل تكون مرادفة للتعزيز على اعتبار أن السياسة الجنائية تشمل‬
‫اتخاذ الجراءات الوقائية والمنعية والتدابير الحترازية وغيرها من الوسائل‬
‫____________________‬
‫‪ -1‬د‪ .‬محمد بن المدني بوساق ‪ :‬اتجاهات السياسة الجنائية المعاصرة و الشريعة السلمية ‪ ،‬ص ‪ ، 15‬الرياض أكاديمية نايف للعلوم المنية‬
‫‪. 2002‬‬
‫‪ -2‬ابن القيم الوزية ‪ :‬أعلم الوقعي عن رب العالي ‪ ،‬ص ‪ ، 3‬الجلد الثالث دار الفكر بيوت الطبعة الثانية ‪. 1977‬‬

‫التي تمنع العتداء والخلل بالمن وانتهاك الحرمات ونهب الموال وسفك‬
‫الدماء وغيره سواء اتصل ذلك بالجماعة أو بالفراد‪.‬‬
‫على ضوء ما تقدم‪ ،‬فإن التعريف المختار للسياسة الجنائية في الشريعة‬
‫السلمية هو ‪" :‬العمل على درء المفاسد الواقعة أو المتوقعة عن الفرد‬
‫والمجتمع بإقامة أحكام الحدود والقصاص وغيرها‪ ،‬والتذرع لتحقيق المن‬ ‫‪iii‬‬

‫‪9‬‬
‫بكافة الوسائل والطرق الممكنة فكرية كانت أم مادية حسية أو معنوية في‬
‫‪2‬‬ ‫ضوء مبادئ الشريعة السلمية ومقاصدها وروحها"‪.1‬‬
‫المطلب الثاني‪ :‬مفهوم سياسة التجريم‬
‫نتعرض في هذا المطلب إلى إبراز مفهوم سياسة التجريم في كل من القانون‬
‫الوضعي (فقرة الولى) والقانون الجنائي السلمي (الفقرة الثانية)‬
‫الفقرة الولى ‪ :‬مفهوم سياسة التجريم في القانون الوضعي‬
‫تتضمن سياسة التجريم بيان القيم والمصالح الجديرة بالحماية العقابية ومنع‬
‫إلحاق الضرر بها بإهدارها وتدميرها كليا أو جزئيا والتهديد بانتهاكها لن‬
‫الضرار الجنائية ما هي إل نشاط مخل بالحياة الجتماعية والذي يلحق‬
‫المصالح المحمية يحصيها المشرع ويبينها في نصوص تلحقها بالفعال‬
‫المتضمنة بالتجريم كما تشمل سياسة التجريم بيان العقوبات والتدابير المناسبة‬
‫لكل جريمة حسب نتائج العلم الحديث وكل ذلك ضمن نصوص القانون الجنائي‬
‫الذي يحدد النتائج الضارة التي تستوجب التجريم ومقابلتها بالجزاء الملئم‬
‫تحقيقا وتأكيدا للمبدأ المشهور " ل جريمة ول عقوبة إل بنص " وعليه فل يعد‬
‫كل ضرر اجتماعي ضررا جنائيا لن الضرار الجنائية محصورة والجتماعية‬
‫كثيرة وغير محصورة ‪.3‬‬
‫_______________________‬
‫‪ -1‬د‪ .‬ممد بن الدن بوساق ‪ :‬مرجع سابق ‪ ،‬ص ‪. 16‬‬
‫‪ -2‬وقفنا على تعارف أخرى للسياسة النائية الشرعية منها تعريف الدكتور عبد ال بن عبد الحسن التركي ‪ " :‬السياسة النائية ف الشريعة السلمية هي عبارة عن نظرية‬
‫عامة ‪ ،‬شاملة تكم نظام الياة ف الجتمع ‪ ،‬و تعب عن مصاله الرئيسية و تنبن على مموع البادئ الت يقوم على دعائمها هدا الجتمع ‪ ،‬منظمة قواعد السؤولية و الزاء فيه‬
‫على أن يتول هدا الجتمع حاكم صال تكون وظيفته الخذ بده البادئ و الفاظ على أسسها "‪.‬‬
‫‪ -3‬د‪ .‬ممد بن الدن بوساق ‪ :‬مرجع سابق ‪ ،‬ص ‪. 50‬‬

‫‪10‬‬
‫وتتعدد المصالح الجديرة بالحماية الجنائية وفقا لظروف واحتياجات كل مجتمع‬
‫وتتأثر بتقاليده ونظمه القتصادية والجتماعية والسياسية‪ ،‬وعليه يعتبر التجريم‬
‫هو أقصى مراتب الحماية التي يضفيها التشريع على نوع معين من المصالح‬
‫التي تهم المجتمع‪.‬‬
‫ولما كانت المجتمعات بنظمها السياسية والقتصادية والجتماعية تتفاوت‬
‫فيما بينها في تحديد هذه المصالح فإنه ولبد تبعا لذلك من اختلف سياسة‬
‫التجريم فيمابينها ‪.1‬‬
‫وإذا كانت القيم والمصالح ذات الهمية القصوى في المجتمع تحظى بحضر‬
‫انتهاكها والتهديد به تحت طائلة العقاب فإن القيم والمصالح القل أهمية ل‬
‫تعرى من الحماية بإطلق‪ ،‬وإنما تترك في العادة للقانون المدني أو القانون‬
‫الداري أو للمربين أو للوعاظ والجمعيات الخاصة والنقابات للمحافظة عليها‪.‬‬
‫الفقرة الثانية ‪ :‬مفهوم سياسة التجريم في التشريع الجنائي السلمي‬
‫يقوم مفهوم التجريم في الشريعة السلمية على إضفاء الحماية الجنائية على‬
‫مجموعة من المصالح والقيم والمبادئ التي تعمل الشريعة السمحة على حفظها‬
‫باعتبار أهميتها في حفظ كيان المجتمع‪ ،‬فالشريعة السلمية تعتبر الخلق‬
‫الفاضلة أولى الدعائم التي يقوم عليها المجتمع‪ ،‬ولهذا فهي تحرص على حماية‬
‫هذه الخلق وتتشدد في هذه الحماية بحيث تكاد تعاقب على كل الفعال التي‬
‫تمس الخلق‪ 2،‬والعلة في اهتمام الشريعة بالخلق على هذا الوجه‪ ،‬أن‬
‫الشريعة السلمية تقوم على الدين الذي يأمر بمحاسن الخلق ويحث على‬
‫الفضائل ويهدف إلى تكوين الجماعة الصالحة ‪.‬‬
‫فالنظام الجنائي السلمي جزء من الشريعة السلمية التي تقوم على أساس‬
‫الدين‪ ،‬والدين بما له من قدسية وحرمة يكفل للنظام الجنائي السلمي قوة‬
‫_____________‬
‫‪ -1‬د‪ .‬أحد فتحي سرور ‪ :‬مرجع سابق ‪ ،‬ص ‪ 18‬و ‪. 19‬‬
‫‪ -2‬عبد القادر عودة ‪ :‬التشريع النائي السلمي مقارنا بالقواني الوضعية ‪ ،‬ص ‪ 69‬الزء الول مؤسسة الرسالة بيوت الطبعة العاشرة ‪.‬‬

‫‪11‬‬
‫وفاعلية لرتباطه بعقيدة المسلم ووجدانه الديني‪،‬حيث ل يخفى أن تكوين الفرد‬
‫الصالح الذي يكون في مجموع تصرفاته نزاعا إلى الخير عزوفا عن الشر من‬
‫أهم مقاصد السلم‪ ،‬وهو ما جعل المشرع السلمي في تجريمه للعديد من‬
‫التصرفات والفعال يهتم بالجانب الديني والعقائدي ‪.‬‬
‫إلى جانب ذلك ‪ ،‬إن النظام التجريمي في الشريعة السلمية ينحو في‬
‫تجريمه لبعض السلوكات والفعال إلى حماية مصالح الفراد في مختلف‬
‫تجلياتها القتصادية والجتماعية‪ ،‬فالمقاصد الرئيسية للشريعة السلمية تشتمل‬
‫على مصالح العباد‪ ،‬فما من أمر شرعه السلم بالكتاب أو السنة إل كانت فيه‬
‫مصلحة حقيقية‪.‬‬

‫وحاصل القول أن الفقهاء الشريعة قد جمعوا مختلف هذه المصالح التي‬


‫عمل المشرع السلمي على حفظها وحمايتها في أصول خمسة يأتي في‬
‫مقدمتها حفظ الدين باعتباره المقوم الساسي لكيان المجتمع السلمي‪ ،‬لذلك‬
‫نجده جرم بعض السلوكات التي تطال هذا المقوم منها جريمة الردة وتشدد في‬
‫العقاب عليها‪.‬ثم نجد حفظ النفس‪ ،‬وهكذا جرم كل فعل اعتداء عليها ويأتي حفظ‬
‫العقل في المرتبة الثالثة (تجريم الخمر والمخدرات والمسكرات…) ويحتل حفظ‬
‫المال المرتبة الرابعة يليه حفظ النسل (تجريم القذف للمحصنات…)‪.‬‬

‫‪12‬‬
‫الساس ا لنظري لسياسة التجريم‬ ‫ا لمبحث الثاني‪:‬‬
‫في القانون‬
‫ال جنائي المغربي والشر يعة السل مية‬
‫تنبني سياسة التجريم على مجموعة من المبادئ والسس النظرية‬
‫والفلسفية التي تضع النموذج العام الذي تعتمده التشريعات الجنائية في‬
‫تجريم أفعال وسلوكات الفراد والجماعات‪ .‬وقد عرفت هذه الفكار‬
‫والنظريات تطورات متلحقة منذ ظهور القانون الجنائي مع المجتمعات‬
‫القديمة التي كانت وراء انبعاث فكر جنائي جديد تمثل في بروز‬
‫مجموعة من المدارس الفقهية (المطلب الول) ‪ .‬وبالمقابل فإن فلسفة‬
‫التجريم في الشريعة السلمية ارتبطت أساسا بتحديد المسؤولية الجنائية‬
‫للفراد‪ ،‬وهو ما أعطاها صبغة متميزة عن غيرها من التشريعات‬
‫الجنائية الوضعية (المطلب الثاني)‬
‫المطلب الول ‪ :‬مراحل تطور سياسة التجريم‬
‫في القوانين الوضعية‬
‫تتأثر قواعد التجريم بوصفها قواعد اجتماعية‪ ،‬بالمتغيرات الجتماعية التي‬
‫تعكس ما ينشأ في المجتمع من تحول في القيم الخلقية والسياسية‬
‫والثقافية… ‪ ،‬وإذا ما استعرضنا التاريخ العام لسياسة التجريم نجده مر بمراحل‬
‫رئيسية ثلث ‪ :‬مرحلة السرة والعشيرة قبل تكون الجماعة السياسية‪ ،‬ثم مرحلة‬
‫قيام الدولة الحديثة‪ ،‬وأخيرا مرحلة البحث العلمي والدراسة الفلسفية ‪.‬‬
‫الفقرة الولى ‪ :‬التجريم في المجتمعات القديمة‬
‫‪-1‬مجتمع اللتقاط‬
‫ارتبط مفهوم التجريم في هذه المرحلة بالحاجة إلى الطعام‪ ،‬فظهرت جرائم‬
‫العتداء على الشخاص‪ ،‬أما جرائم الموال والجرائم الخرى فلم تكن موجودة‬
‫لكون الملكية سواء الخاصة أو الجماعية لم يعطى لها أي أهمية‪.‬وفي غياب‬

‫‪13‬‬
‫قانون مكتوب اعتمدت المجتمعات البدائية على وسائل غيبية لحل مشاكلها‪ ،‬ومع‬
‫مرور الوقت تركزت لدى النسان في تلك الفترة جملة من القواعد التي كان‬
‫عليه احترامها‪ ،‬وإل تعرض لجزاء من طرف قوى غيبية‪ ،‬فالمخالف لهذه‬
‫القواعد كان يذهب به الوهم إلى أن الجزاء الخفي قريب الحلول به فينتابه‬
‫الخوف الشديد الذي يؤدي إلى مرضه وموته‪ ،‬وقد سمي هذا النوع من التجريم‬
‫" بالتابو"‪.‬‬

‫‪-2‬مجتمع الصيد‬
‫في هذه المرحلة بدأ النسان ينظم نفسه في عشائر تحترف الصيد والعمل‬
‫بالرض‪ ،‬فتولدت الحاجة إلى حماية رجالها من العتداء عليهم‪ ،‬وإلى حماية‬
‫وذلك في صورة رد فعل جماعي تمثل في النتقام في‬ ‫‪1‬‬ ‫أرضها من الغتصاب‬
‫مرحلة أولى ليتطور بع ذلك إلى جرائم القصاص ‪.‬‬
‫ولما تطور مجتمع الصيد إلى الرعي بدأت أهمية العامل القتصادي الناتج‬
‫عن تملك المواشي والبقار‪ ،‬وحينها ظهرت أهمية جرائم الموال‪ ،‬فتزايدت‬
‫الحاجة إلى تجريم كل اعتداء عليها‪.‬‬
‫‪-3‬مجتمع الزراعة‬
‫في هذه الفترة نشأت الملكية الخاصة‪ ،‬وظهر مفهوم السرة التي أضحت‬
‫وهكذا فقد أدى ظهور الملكية‬ ‫‪2‬‬ ‫تملك قطعة أرضية تستغلها لشباع حاجاتها‪،‬‬
‫إلى انقسام المجتمع لطبقات اجتماعية‪ ،‬الشيء الذي أدى إلى ارتفاع جرائم‬
‫العتداء على الموال‪ ،‬وفي المراحل الولى لمجتمع الزراعة كانت سلطة‬
‫التجريم والعقاب كلها بيد الب‪ ،‬فهو السيد والقاضي يأمر وينهى ويعاقب من‬
‫يخالفه ‪.‬‬
‫‪3‬‬ ‫‪-4‬الدولة الدينية‬
‫لما ظهر نظام الدولة الدينية ظهرت أهمية رجال الدين في مجال التجريم‪،‬‬
‫مما نتج عنه تعاظم الهمية الجنائية لجرائم انتهاك الديان وعلى وجه‬

‫‪14‬‬
‫الخصوص جرائم اللحاد والسحر وانتهاك المقدسات والتي أضحت أشنع‬
‫الجرائم وأبشعها ‪.4‬‬
‫وفي عصر ملوك الحق اللهي تضخمت جرائم العتداء على الملك حفاظا‬
‫على شخصه وملكه وسلطته‪ ،‬هذا إلى جانب ما نالته جرائم العتداء على‬
‫الشخاص والموال من أهمية خاصة ‪.‬‬
‫_____________‬
‫‪ -1‬د‪ .‬الهدي السرسار ‪ :‬الثوابت و التغيات الساسية ف تطور الؤسسات و الوقائع الجتماعية ‪ ،‬ص ‪ ، 15‬مطبعة سبارطيل ‪.2001/2002‬‬
‫‪ -2‬د‪ .‬الهدي السرسار ‪ :‬مرجع سابق ‪ ،‬ص ‪ 20‬و ما بعدها ‪.‬‬
‫‪ -3‬لن نتعرض ف هده الرحلة من الدولة الدينية للرسالت السماوية الثلت ‪ ،‬و على وجه التعيي الشريعة السلمية ‪ ،‬على أننا سنقف على دلك ف مواضع أخرى من هدا‬
‫البحث و خاصة ف فصله الثان ‪.‬‬
‫‪ -4‬أحد المليشي ‪ :‬شرح القانون النائي العام ‪ ،‬ص ‪ 18‬و ما بعدها ‪ ،‬مكتبة العارف الطبعة الول ‪. 1985‬‬

‫الفقرة الثانية ‪ :‬التجريم في المجتمعات الحديثة‬


‫كان التجريم في المجتمعات القديمة وخاصة مع الدولة الدينية يتميز‬
‫بالعشوائية وتحكم الهواء في تجريم أفعال وتصرفات الفراد‪ ،‬إضافة إلى غياب‬
‫تقنين واضح وما كان يترتب عن ذلك من جهل المخاطبين بمقتضيات النص‬
‫الجنائي المسلط عليهم ‪.‬‬
‫لكن بعد التطورات الفكرية والعلمية والقتصادية …التي عرفتها أوربا‪،‬‬
‫انقلبت هذه الوضعية رأسا على عقب‪ ،‬وانعكس ذلك على التشريعات الحديثة‬
‫التي أصبح تحرير مشاريعها من اختصاص " اللجان الفنية " وبذلك ملك الفقه‬
‫‪1‬‬ ‫كما يقول الستاذ أحمد الخمليشي التوجيه العام لسياسة التجريم والعقاب‪،‬‬
‫وكان من أثر ذلك أن استولت الدولة بصفة نهائية على سلطتي التجريم والعقاب‬
‫وتقرر المبدأ الساسي الشهير ل جريمة و ل عقوبة إل بنص سابق على يد‬
‫المدرسة التقليدية الولى ‪.‬‬
‫الفقرة الثالثة ‪ :‬أهم المدارس الفقهية المنظرة لسياسة التجريم‬
‫استحوذت دراسة السياسة الجنائية بصفة عامة وسياسة التجريم بصفة‬
‫خاصة‪ ،‬منذ منتصف القرن ‪18‬م باهتمام المفكرين وفقهاء القانون الوضعي‪ ،‬فيما‬
‫عرف بمرحلة الدراسات الفلسفية أو مرحلة الدراسات العقلية والعلمية للقانون‬
‫الجنائي الحديث‪ ،‬وقد شكلت هذه المرحلة بحق قفزة نوعية في الفكر الجنائي‬

‫‪15‬‬
‫الحديث‪ ،‬وثورة بيضاء في مواجهة النظم التجريمية التقليدية وتفسير الظاهرة‬
‫الجرامية‪ ،‬وهو ما تم تكريسه على صعيد مختلف المدارس الفقهية بدءا‬
‫بالمدرسة التقليدية الولى ومرورا بالمدرسة التقليدية الحديثة‪ ،‬فالمدرسة‬
‫الوضعية وانتهاء بمدرسة الدفاع الجتماعي ‪.‬‬
‫___________________‬
‫‪ -1‬أحد المليشي ‪ :‬مرجع سابق ‪ ،‬ص ‪. 23‬‬

‫‪1‬‬
‫أول ‪ :‬المدرسة التقليدية الولى‬

‫‪ -11‬أحد المليشي ‪ :‬مرجع سابق ‪ ،‬ص ‪. 25‬‬


‫‪ -2‬على أن فقهاء الشريعة السلمية ‪ ،‬يؤكدون سبق هده الخية ف إقرار هدا البدأ متجي بدلك بنصوص من الكتاب و السنة و بعض القواعد الفقهية ‪ .‬عبد اللق‬
‫أحدون ‪ :‬فصول ف الدخل لدراسة الشريعة السلمية ص ‪ 82‬و ‪. 83‬‬
‫‪16‬‬
‫يطلق عليها كذلك المدرسة الكلسيكية‪ ،‬من أهم روادها نذكر اليطالي‬
‫‪beccaria‬‬ ‫بيكاريا‬
‫‪fuerbaach‬‬ ‫‪ )bentham‬واللماني فويرباخ‬ ‫‪(1832-1779‬‬ ‫(‪ )1794-1738‬والنجليزي بنتام‬
‫‪ .)(1833-1775‬وقد قامت هذه المدرسة على انتقاد النظم الجنائية القائمة آنذاك على‬
‫استبداد الحكام وتعسف القضاة خصوصا في الجرائم الدينية والسياسة‪ ،‬نظرا‬
‫لقلة النصوص الجنائية من جهة وجهل العامة المخاطبين بها بالموجود منها من‬
‫جهة أخرى ‪.‬‬
‫وقد شكلت هذه المرتكزات البناء الفكري والنظري عند أقطاب المدرسة‬
‫التقليدية في ميدان تجريم أفعال وتصرفات الفراد وحق الدولة ودورها في هذا‬
‫الباب ‪ .‬وتتلخص فلسفة المدرسة التقليدية في مجال التجريم بتأكيدها على أن‬
‫إضفاء الصفة الجرمية على أفعال وتصرفات النسان يمثل مساسا خطيرا‬
‫بالحريات والحقوق الطبيعية والمكتسبة التي يتمتع بها الفراد ‪.‬وتفاديا لي‬
‫تعسف أو تحكم فإنه يتوجب على المشرع أن يبين في نصوص تشريعية مكتوبة‬
‫الفعال التي يجرمها‪،‬ليتبصرها الشخاص ويكونوا على بينة منها حتى إذا ما‬
‫اقترفوها صاروا مذنبين يحق عليهم العقاب‪ ،‬وبذلك أرست المدرسة التقليدية‬
‫على يد مؤسسيها بيكاريا مبدأ الشرعية الجنائية القاضي " ل جريمة ول عقوبة‬
‫في حين‪ ،‬يرى بنتام بأن معيار التجريم الذي يجب أن يتقيد‬ ‫‪2-1‬‬ ‫إل بنص سابق "‬
‫به كل مشرع عند وضعه لسياسة التجريم‪ ،‬هو تحقيق ما يعرف " بالمصلحة أو‬
‫المنفعة العامة "‪ ،‬فالدولة وقد آل إليها حق التجريم بمقتضى العقد الجتماعي‬
‫الذي أقر لها بموجبه الفراد بهذا الحق‪ ،‬يجب عليها أن تتمثل مصلحة المجتمع‬
‫والتي تشكل أساس هذا الحق وأل تتجاوزها عند وضع النصوص والقواعد‬
‫الجنائية‪ ،‬بحيث يكون مناط التجريم هو الضرر الذي يحدثه الفعل بالمجتمع ول‬
‫يجوز بالتالي أن يتناول التجريم مجرد النوايا أو المعتقدات ‪.‬‬
‫ثانيا ‪ :‬المدرسة التقليدية الجديدة‬
‫‪،‬‬ ‫‪rossi‬‬ ‫تزخر هذه المدرسة بأسماء لمعة من العلماء أمثال ‪:‬روسي‬
‫‪.‬‬ ‫‪garrara‬‬ ‫وكارسون ‪ ،garçon‬وكارو ‪ ،garraud‬وكوزو ‪ ،gozot‬وكرارا‬
‫‪17‬‬
‫وقد ارتكزت المدرسة النيوكلسيكية على نظرية العدالة للفيلسوف اللماني‬
‫‪ ،‬واتخذتها أساسا لفكارها ونظرياتها في التجريم والعقاب‪ ،‬وتقوم‬ ‫‪kant‬‬ ‫كانت‬
‫فلسفة التجريم عند هذه المدرسة على ضوء نظرية مفكرها "كانت" على‬
‫منظومة من المبادئ ولسس النظرية نجملها فيما يلي ‪:‬‬
‫أ‪ -‬فيما يتعلق بحق الدولة في التجريم ‪:‬‬
‫فإننا نجد "كانت" يرفض بشدة تبرير سلطة الدولة في التجريم بناء على‬
‫نظرية العقد الجتماعي ‪ 1‬التي أخذت بها المدرسة التقليدية الولى والتي ذهبت‬
‫إلى القول بأن الفراد قد تنازلوا للدولة عن هذا الحق (حق التجريم) مقابل‬
‫شراء أمنهم وطمأنينتهم‪ ،‬واقتصر "كانت" على التأكيد بأن الحياة داخل المجتمع‬
‫وفقا لنظام من القوانين العامة يخضع له الجميع هي التي تكفل حماية حقوق‬
‫ومصالح الفراد ‪.‬‬
‫ب‪-‬فيما يتعلق بمعيار التجريم ‪:‬‬
‫فمن الواضح بأن تأثير نظرية العدالة المطلقة التي قال بها "كانت" أدى إلى‬
‫تغيير معيار التجريم‪ ،‬فبعد أن كان قاصرا على تحقيق المصلحة الجتماعية في‬
‫المدرسة الكلسيكية امتد أيضا ليشمل فكرة العدالة‪ ،‬وقد عبر "كانت" عن ذلك‬
‫بمبدئه الشهير القاضي بأن التجريم يجب أن يكون ل أكثر مما هو عادل ول‬
‫أكثرا مما هو نافع ‪ 2،‬وهو ما يترتب عنه أن المشرع بامتلكه للسلطة‬
‫التجريمية يجب عليه أل يتجاوز عند تجريمه لفعال وتصرفات الشخاص ما‬
‫________________‬
‫‪ -1‬أحد فتحي سرور مرجع سابق ‪ ،‬ص ‪. 47‬‬
‫‪ -2‬د‪ .‬عبد السلم بنحدو ‪ :‬مرجع سابق ص ‪. 66‬‬

‫تقتضيه المصلحة سواء العامة أو الخاصة‪ ،‬بحيث يكون ملزما دائما بالعمل على‬
‫التوفيق بين المصالح الفردية من جهة والمصالح الجماعية من جهة ثانية‪ ،‬كما‬
‫أنه يتوجب على المشرع الجنائي أيضا أل يتجاوز ما تقتضيه العدالة‪ ،‬وهو‬
‫الشرط الجوهري الذي يضمن للفراد حمايتهم من أي شطط أو تعسف من قبل‬
‫السلطة صاحبة الحق في التجريم‪ ،‬فل يتسنى لها إذ ذاك التلويح بعصى التجريم‬
‫في وجوه الفراد كلما شاءت ذلك ‪ .‬وهكذا فإنه من الواضح بأن سياسة التجريم‬
‫‪18‬‬
‫عند المدرسة التقليدية الحديثة تنبني على معيارين أساسين لبد من تحقيقهما عند‬
‫ممارسة الدولة لحقها في التجريم هما ‪ :‬معيار المصلحة من جهة‪ ،‬معيار العدالة‬
‫من جهة ثانية ‪.‬‬
‫ثالثا‪ :‬المدرسة الوضعية أو الواقعية‬
‫‪lombroso‬‬ ‫نشأت هذه المدرسة على يد ثلث فقهاء إيطاليين هم لومبروزر‬
‫‪ )(1836-1909‬وكان أستاذا للطب الشرعي وهو صاحب كتاب " النسان المجرم "‬
‫‪ )ferri‬وكان أستاذا للقانون الجنائي وهو صاحب كتاب " الفاق‬ ‫‪(1856-1929‬‬ ‫وفيري‬
‫الجديدة للعدالة الجنائية " الذي نشر فيما بعد تحت عنوان " السوسيولوجية‬
‫الذي كان قاضيا ونشر كتابه في علم‬ ‫‪carrofalo‬‬ ‫الجنائية " وأخيرا كاروفالو‬
‫الجرام سنة ‪.1885‬‬
‫وقد استندت المدرسة الوضعية على المنهج العلمي في تنظيرها للسياسة‬
‫الجنائية الوضعية‪ ،‬ففسرت الجريمة على ضوءه‪ ،‬واستعانت به في تحديد رد‬
‫الفعل ضد الجريمة والتدابير المانعة لها‪ ،‬ومن خلل هذا التفسير العلمي‬
‫للظاهرة الجرامية نشأ لول مرة علم الجرام‪ ،‬وكانت نتائج هذا العلم هي‬
‫المصدر الذي تحددت على أساسه السياسة الجنائية ‪ .‬وهكذا فإن سياسة التجريم‬
‫باعتبارها عنصرا من عناصر السياسة الجنائية‪ -‬تنبني عند المدرسة الوضعية‬
‫على إعطاء الولوية لحماية المجتمع والمصالح المرتبطة به وجعلها فوق جميع‬
‫العتبارات والمصالح الخرى‪ ،‬ولتحقيق ذلك فإنه يجب على المشرع التوسع‬
‫في تجريم الفعال التي تهدد بالخطر مصلحة المجتمع دون انتظار وقوع‬
‫الضرر‪.‬‬

‫فالمشرع عليه أن يكون بالتالي نشيطا وفعال في تجريم أفعال وتصرفات‬


‫الفراد التي تمس كيان ومصالح الجماعة ول يكتفي بانتظار وقوع الخطر‬
‫وتحقق الضرر ليقوم بهذه المهام‪.‬‬
‫ولعل أهم ما جاءت به المدرسة الوضعية‪ ،‬فيما يتعلق بالسياسة التجريمية‬
‫وهو تقسيم الفقيه كاروفالو للجرائم "جرائم طبيعية" و"جرائم مصطنعة" ‪.1‬‬

‫‪19‬‬
‫فالجريمة الطبيعية هي كل سلوك غير أخلقي يكون منافيا لمشاعر العدل‬
‫والخير والستقامة في المجتمع‪ ،‬كالقتل والسرقة وهتك العراض‪ ،‬وهذا النوع‬
‫من الجرائم يتميز بتوافق جميع المجتمعات على تجريمه منذ أولى التشريعات‬
‫التي عرفها النسان ‪.2‬‬
‫أما الجريمة المصطنعة أو العتبارية ‪ :‬فهي التي تكون من صنع ووضع‬
‫المشرع وتختلف من مجتمع إلى آخر حسب الظروف الحضارية والتاريخية‬
‫لكل بلد‪ ،‬ويتيح هذا النوع من الجرائم للمشرع بسط سلطته التجريمية على كل‬
‫فعل قد يرى في حدوثه مساسا بالمصالح العامة أو الخاصة التي يتولى حمايتها‬
‫بالنصوص والقواعد الجنائية‪ ،‬وعليه فإنه يتوجب على المشرع –كما سبق –أن‬
‫يكون نشيطا وفعال وأل يتردد في إضفاء الصفة الجرمية على مثل هذه الفعال‬
‫الضارة والخطيرة حماية لمصالح المجتمع والفراد‪.‬‬
‫رابعا‪ :‬مدرسة الدفاع الجتماعي‬
‫ظهرت مدرسة الدفاع الجتماعي كآخر مرحلة في تطور الفكر الجنائي‬
‫الحديث‪ ،‬وهي تعتبر بحق الثورة الثالثة في مسيرة هذا الخير‪ .‬وتضم هذه‬
‫المدرسة اتجاهان رئيسيان ‪ :‬الول وتمثله مدرسة جنوا للدفاع الجتماعي التي‬

‫‪ -1‬د ‪ .‬عبد السلم بنحدو ‪ :‬مبادئ علم الجرام ص ‪ 101‬الطبعة و الوراقة الوطنية ‪ ،‬الطبعة الثانية ‪. 1999‬‬
‫‪ -2‬من هده التشريعات مثل ند القواني الفرعونية القديو ‪ ،‬قانون حاموراب ‪ ،‬قانون اللواح الثن عشر‬

‫تطرفت في مبادئها فانحسرت‪ ،‬أما التجاه الثاني فجسدته مدرسة باريس للدفاع‬
‫الجتماعي التي دافعت عن القانون الجنائي‪ ،‬وأعادت للشرعية الجنائية مكانتها‬
‫القانونية المعاصرة ‪.‬‬
‫‪-1‬مدرسة جنوا للدفاع الجتماعي‬
‫‪gramatica‬في‬ ‫أسس هذه المدرسة المحامي اليطالي الشهير كراماتيكا‬
‫الربعينيات‪ ،‬وقدم نظرياتها في كتابه " مبادئ الدفاع الجتماعي" وقد عرض‬
‫كراماتيكا تصورا جديدا للجريمة‪ ،‬حيث اعتبرها عبارة عن حالة نفسية‬

‫‪20‬‬
‫وشخصية لدى بعض الشخاص نتيجة لما سماه بالضطراب أو الخلل‬
‫الجتماعي‪ ،‬المتولد عن عدم قدرة المجتمع على توفير الظروف والوسائل التي‬
‫تجعل سلوك الفراد متلئما مع التعايش الجتماعي والطبيعي‪ ،‬فالمجرم إذن ل‬
‫يعدو أن يكون إ نسانا ل اجتماعيا‪ ،‬ولذلك يدعو كراماتيكا إلى جعل المجتمع‬ ‫‪iv‬‬

‫وليس الجريمة أو المجرم محور النظام القانوني‪ ،‬ويمكن تجميع أفكار كراماتيكا‬
‫فيما يتعلق بالسياسة التجريمية للدول فيما يلي ‪:‬‬

‫‪-1‬نادى كراماتيكا بإبدال قانون العقوبات ‪ 1‬المرتكز على معايير موضوعية‬


‫أساسها ‪ :‬الفعل‪ ،‬الجريمة‪ ،‬المجرم‪ ،‬الضرر…بطريقة جديدة لمكافحة‬
‫الجريمة تكون أكثر واقعية وبعيدة عن النظريات التشريعية التي لم تستطع‬
‫تفادي الجرام ‪.‬‬
‫‪-2‬نفي الصفة الجرمية عن الفعل الذي يخرق به النسان النظام الجتماعي‪،‬‬
‫ويعتبره عمل اجتماعيا يوجب معاملة تختلف عن أحكام القانون الجنائي‬
‫المعروفة ‪.‬‬

‫__________________‬
‫‪ -1‬د‪ .‬حسن صادق الرصفاوي ‪ :‬الدفاع الجتماعي ضد الرية و وضعه ف الجتمع العرب ‪ ،‬ص ‪ 45‬الجلة العربية للدفاع الجتماعي العدد ‪ 18 :‬مطبعة النجاح‬
‫الديدة ‪. 1981‬‬

‫‪-3‬يقترح كراماتيكا تصحيح مساوئ القانون الجنائي بمقوماته وأدواته الحالية‬


‫وذلك بربطها بمفهوم " الدفاع الجتماعي " ويرى ضرورة استبدال‬
‫مصطلحات مثل قانون جنائي‪ ،‬جريمة‪ ،‬مجرم‪ ،‬بأدوات ومصطلحات مماثلة‬
‫هي ‪ :‬قانون الدفاع الجتماعي‪ ،‬الفعل الجتماعي‪ ،‬الفرد الجتماعي ‪.‬‬
‫من هذه النظرة المتطرفة لكرماتيكا ومحاولته القضاء على القانون الجنائي‪،‬‬
‫وكل أدواته المعروفة من مدرسته‪ ،‬لم يكتب لفكاره التطبيق ول الذيوع بل‬
‫كانت سببا لظهور التيار الجتماعي الحديث ‪.‬‬
‫‪1‬‬

‫‪-2‬مدرسة باريس للدفاع الجتماعي‬


‫‪21‬‬
‫إذا كان كراماتيكا قد أخرج بتطرفه ودعوته النسانية المبالغ فيها الظاهرة‬
‫الجرامية من مجال القانون الجنائي‪ ،‬بل نادى بإقصاء هذا الخير والستعاضة‬
‫عنه بجملة من مبادئ الدفاع الجتماعي‪ ،‬فإن مارك آنسل استفاد من هذه‬
‫النتقادات الموجهة لكراماتيكا في بناء نظرية جديدة للدفاع الجتماعي ‪ 1‬بعيدا‬
‫عن الغلو والتطرف الذين ميزا نظرية كراماتيكا ‪ .‬و تنبني السياسة التجريمية‬
‫عند مارك آنسل في ظل نظريته الجديدة للدفاع الجتماعي على مجموعة من‬
‫السس والمبادئ‪ ،‬نوردها مختصرة في هذه النقط‪:‬‬

‫‪)1‬سياسة التجريم باعتبارها عنصرا من عناصر السياسة الجنائية‪ ،‬يجب أن‬


‫تنشد في المقام الول حماية‬
‫الفرد ومصالحه على اعتبار أن الدفاع عن المجتمع ل يتحقق إل عن طريق‬
‫خليته الولى وهو الفرد ‪ ،2‬ولكنه لم يبالغ في تقديس حقوق الفراد على حساب‬
‫مصلحة المجتمع كما فعل كراماتيكا‪ ،‬الذي اعتبر بأن الفرد هو أصل المجتمع‬
‫وغايته‪ ،‬وأن الدولة ل تملك تقييد حريته من أجل السعي لتحقيق أهداف بعيدة‬
‫عن غايات النسان ككائن اجتماعي ‪.‬‬
‫________________________‬
‫‪ -1‬مارك أنسل ‪ :‬الدفاع الجتماعي الديد ‪ ،‬ص ‪ ، 12‬ترجة حسن علم طبعة ‪. 1967‬‬
‫‪ -2‬أحد فتحي سرور ‪ :‬مرجع سابق ‪ ،‬ص ‪. 88‬‬

‫‪22‬‬
‫‪ )2‬على نقيض كراماتيكا‪ ،‬أكد مارك آنسل على أهمية وجود تشريعات جنائية‬
‫لمواجهة الجرائم داخل المجتمعات البشرية‪ 1 ،‬ولضمان حقوق الفراد من أي‬
‫تعسف من قبل هذه التشريعات دعا مارك آنسل إلى احترام القوانين الجنائية‬
‫التي تضعها الدول لمبدأ الشرعية الجنائية‪ ،‬والعمل ما أمكن على التقليص‬
‫من النصوص والحكام التجريمية مع توفير الضمانات اللزمة لحماية‬
‫حقوق ومصالح الفراد ‪ .‬وبذلك أعاد مارك آنسل للقانون الجنائي قيمته‬
‫النظرية والعملية في مواجهة الظاهرة الجرامية ‪.‬‬
‫فلسفة التجريم في‬ ‫المطلب الثاني ‪:‬‬
‫الشريعة السلمية‬
‫إن هدف المشرع من التجريم هو تبيين الفعل الشرير الذي على الفرد‬
‫اجتنابه ‪.‬لكن بالضطلع على المذاهب الفقهية السلمية التي تعرضت‬
‫لموضوع المسؤولية الجنائية للجاني‪ ،‬نجد أن هناك اتجاه ينفي أي جدوى‬
‫للتجريم لنه يعتبر الجاني مجبر فيما يقوم به من أفعال وغير مسؤول عنها‬
‫وهو مذهب الجبرية ‪.‬‬
‫وبالمقابل يرى مذهب المعتزلة أن الجاني مسؤول مسؤولية مطلقة على ما‬
‫اقترفته يداه‪ ،‬وعليه لبد من وجود نصوص شرعية تجريمية تحد من نتائج‬
‫أفعاله وتصرفاته وتقننها ويتوسط مذهب ثالث وهو مذهب الشاعرة المذهبين‬
‫السابقين ‪.‬‬
‫الفقرة الول ‪ :‬مذهب البية‬
‫تعتبر الجبرية عند البعض بدعة وتنسب إلى اليهود فهي من قبيل‬
‫السرائيليات التي دست على السلم وقوامها أن النسان ل يخلق أفعاله‪،‬‬
‫وأصل ل إرادة له ول اختيار ذلك لن ال هو خالق الشياء و الرادات‬
‫والفعال فالفعل ل وحده‪ ،‬وإنما تنسب الفعال للفراد على سبيل المجاز ونتيجة‬
‫لذلك ل يجوز تكليف النسان بعمل ل دخل له فيه ول يصح تواب النسان ول‬
‫________________________‬
‫‪ -1‬د‪ .‬حسن الصادق الرسفاوي ‪ :‬مرجع سابق‪ ،‬ص ‪. 49‬‬

‫‪23‬‬
‫عقابه تجاه شيء لم يفعله ‪ .‬ويستند مذهب الجبرية على أساسين ‪:‬‬
‫‪-1-‬سبق علم ال بأفعال الناس وقد كتب عليهم هذه الفعال ول قدرة لهم على‬
‫تغيرها‪.‬‬
‫‪1‬‬ ‫‪-2-‬أن ال هو خالق النسان‬
‫وقد تصدى لهم بعض العلماء في الرد على مذهبهم كالحسن البصري‪ ،‬وقد قال‬
‫عنهم ابن تيمية‪ ،‬هؤلء قوم من العلماء والعباد وأهل الكلم والتصوف أثبتوا‬
‫القدر وأمنوا بأن ال رب كل شيء ومليكه‪ ،‬وأنه ما شاء كان وما لم يشاء لم‬
‫يكن‪ ،‬وإنه خالق كل شيء‪ ،‬وهذا حسن وصواب‪ ،‬ولكنهم قصروا في المر‬
‫والنهي والوعد والوعيد وأفرطوا حتى غل بهم إلى اللحاد فصاروا من جنس‬
‫‪2.‬‬ ‫المشركين الذين قالوا " لو شاء ال ما أشركنا ول آباءنا ول حرمنا من شيء "‬
‫الفقرة الثانية ‪ :‬مذهب المعتزلة‬
‫نشأ المعتزلة في العراق واشتهروا بالقول أن ال خالق لكل شيء وقد‬
‫خلق في النسان قوة تمكنه من سلوك الطريق الذي يريده ومن ثم فإن أتى‬
‫بمعصية فهي مسندة أليه أي إلى إرادته‪ ،‬فال سبحانه وتعالى ل يعاقب النسان‬
‫على أمور ليست من أفعاله‪ ،‬ول يقبل أن يقدر عليه أمرا ثم يفرض عليه عقوبة‬
‫لرتكابه‪ ،‬فللنسان إرادة حرة مطلقة في كل ما يفعله ‪ 3‬وبذلك فهو مخير في‬
‫أفعاله وله أن يختار بين الشر والخير والدليل قوله تعالى " أنا هديناه السبيل أما‬
‫أن يكون شاكرا إما كفورا " وكذاك " وهديناه النجدين " وسبق علم ال بأفعال‬
‫الناس ل يجوز أن يكون مانعا من اليمان‪ ،‬وأن ال غير خالق لفعال الناس‬
‫وأن العامل الداعي أو الموجب لفعل النسان ليس من خلق ال بل من خلق‬
‫الشيطان والنفس المارة بالسوء ‪. 4‬‬
‫وهكذا فإن توفر النسان على حرية اختيار يفرض توضيح وتحديد الفعال‬
‫________________________‬
‫‪ -1‬ملة الدفاع الجتماعي ‪ ،‬ص ‪ 59‬العدد ‪ 20-19‬مطبعة النجاح الديدة الدار البيضاء ‪. 1985‬‬
‫‪ -2‬أحد فتحي بنسي ‪ :‬موقف الشريعة من الدفاع الجتماعي ص ‪ 23‬دار الشرق بيوت بدون طبعة ‪.‬‬
‫‪-3‬الجلة العربية للدفاع الجتماعي ‪ :‬ص ‪ 52‬العدد ‪ 18‬مطبعة النجاح الديدة ‪. 1982‬‬
‫‪ -4‬الجلة العربية للدفاع الجتماعي ‪ :‬ص ‪ 60‬العدد ‪. 20-19‬‬

‫الشريرة حتى يعلمها الفرد ويجتنبها ويعاقب إذا ما قام بها‪.‬‬


‫‪24‬‬
‫الفقرة الثالثة ‪ :‬مذهب الشاعرة‬
‫عند الجبرية ل قدرة لنسان ول إرادة ول فعل ‪ ،‬وعند المعتزلة للنسان‬
‫قدرة مطلقة ‪ ،‬وهذا الرأي الخير يتعارض مع قوله تعالى " لمن شاء منكم أن‬
‫يستقيم وما تشاءون إل أن يشاء ال رب العالمين "‪. 1‬‬
‫أما عند الشاعرة له قدرة ولكن ل تأثير لقدرته بجوار قدرة ال‪ ،‬وله أفعال‬
‫وال خالقها‪ ،‬وله إرادة أيضا تستند أفعاله إليها‪ ،‬وبدلك يعد مختار في أفعاله‬
‫ويكفي في تسمية أفعاله أفعال اختيارية لستناد تلك الفعال إلى إرادته‬
‫واختياره‪ ،‬ولكن هذه الرادة والختيار عند الشاعرة ليست من النسان‪ ،‬بل‬
‫خاصة بخلق ال ولذا يقال عندهم أنه مختار في أفعاله مضطر في اختياره ‪.‬‬
‫وبالنظر إلى أن فعله وإرادته لفعله مخلوقان ل تعالى لزم أن يكون مضطرا‬
‫فيهما جميعا ‪.‬إل أن استناد فعله إلى اختيار وعدم استناد اختياره إلى اختيار‬
‫آخر بسبب وصف الفعال بالختيارية وهو المعنى بكون النسان مختار في‬
‫أفعاله عند الشاعرة‪ ،‬أما أفعاله فمستندة إلى اختياره وإن لم يكن هذا الختيار‬
‫‪2‬‬ ‫بيده ‪.‬‬
‫‪ :‬خصائص سياسة ال تج ريم في‬ ‫ا لمبحث الثالث‬
‫ا لقانون‬
‫المغربي والشر يعة‬ ‫الجنائي‬
‫السل مية‬
‫تتميز سياسة التجريم في التشريع الجنائي المغربي بخصائص عديدة لعل‬
‫أهمها كونها سياسة وضعية من جهة ودينية من جهة ثانية (المطلب الول) ‪،‬‬
‫أما في التشريع الجنائي السلمي فإن سياسة التجريم تنبني على خاصيتين‬
‫أساسيتين هما ‪ :‬تدرج التجريم واقتصاره على الكليات دون الجزئيات‬
‫( المطلب الثاني)‬

‫ــــــــــ‬
‫‪ -1‬سورة التكوير ‪ :‬الية ‪.28-27‬‬
‫‪ -2‬أحد فتحي بنسي ‪ :‬مرجع سابق ص ‪.25‬‬

‫‪25‬‬
‫المطلب الول ‪ :‬خصائص التجريم في القانون‬
‫الجنائي المغربي‬
‫لقد ظلت سياسة التجريم المغربية موزعة مند بداية الستقلل وإلى الن بين‬
‫اتجاهين‪ ،‬فهي سياسة وضعية من جهة وسياسة دينية من أخرى‪.‬‬
‫الفقرة الولى‪ :‬سياسة وضعية‬
‫تتميز سياسة التجريم المغربية بكونها سياسة وضعية وهذا التوجه يبدوا من‬
‫خلل أنها مقتبسة في جزء منها من سياسة التجريم الفرنسية ‪ ،‬كما نجد أن‬
‫المشرع المغربي تأثر بأفكار المدرسة النيوكلسيكية ‪ 1‬فاشرط لقيام المسؤولية‬
‫الجنائية توافر الهلية الجنائية القائمة على الدراك والختيار ولم يستثني من‬
‫في‬ ‫‪-‬‬
‫‪)3(134 )2(132‬‬ ‫دلك إل الحالت التي حددها القانون‪ ،‬وهي التي تناولها الفصل‬
‫القانون الجنائي المغربي‪.‬‬
‫كما أخذ لمشرع بالعذار القانونية وهي إما أن تكون معفية من العقاب وإما‬
‫أن تكون مخففة ‪.4‬‬
‫إضافة إلى ما سبق فإن المشرع المغربي تأثر بالمدرسة الوضعية فقسم‬
‫الجرائم إلى جرائم تقليدية وجرائم اصطناعية ‪.5‬‬
‫الفقرة الثانية ‪ :‬سياسة دينية‪.‬‬
‫إن توجه سياسة التجريم المغربية توجه ديني لنها متأصلة من الدين ومستقاة‬
‫من الفلسفة الجنائية السلمية ‪.‬‬
‫وهكذا نجد أن القانون الجنائي المغربي نص على الجرائم المتعلقة بالفطار‬
‫في رمضان ‪ 6‬وشرب الخمر ‪ 7‬والعلقات الجنسية غير الشرعية ‪ 8‬بالضافة‬
‫إلى جرائم أخرى ‪.‬‬
‫ـــــــــــــــ‬
‫‪ -1‬د‪ .‬سامي النصراوي ‪ :‬النظرية العامة للقانون النائي الغرب ف الرية و السؤولية النائية ‪ ،‬ص ‪ ، 40‬الزء الول دار العارف الطبعة الثانية ‪. 1986‬‬
‫‪ -2‬و يتعلق بالطفل غي الميز ‪.‬‬
‫‪ -3‬يتعلق بالالت الت يستحيل معها الدراك للل ف القوى العقلية ‪.‬‬
‫‪ -4‬الفصل ‪ 143‬إل الفصل ‪ 145‬من القانون النائي الغرب ‪.‬‬
‫‪ -5‬د‪ .‬عبد السلم بنحدو ‪ :‬مرجع سابق ‪ ،‬ص ‪.101‬‬
‫‪ -6‬الفصل ‪ 222‬من القانون النائي الغرب‪.‬‬
‫‪ -7‬الرسوم اللكي رقم ‪ 724 – 66‬ف شعبان ‪1387‬ه الوافق ل ‪ 14‬نونب ‪. 1967‬‬
‫‪ -8‬الفصل ‪ 491‬من القانون النائي الغرب ‪.‬‬

‫‪26‬‬
‫لكن بالتمعن في النصوص الجنائية التي قامت بتجريم هذه الفعال يتبين أن‬
‫المشرع قد تعامل مع هذه الجرائم معاملة نفاقية مما دفع بالبعض إلى نفي‬
‫‪1‬‬ ‫التوجه الديني لسياسة التجريم المغربية ‪.‬‬
‫المطلب الثاني ‪ :‬خصائص سياسة التجريم في‬
‫الشريعة السلمية‬
‫إن سياسة التجريم التي ينتهجها المشرع السلمي تتميز بخصائص‬
‫جوهرية تهدف أساسا إلى التأكيد على شموليتها وسموها عن باقي التشريعات‬
‫الخرى‪ ،‬سواء السماوية منها أم الوضعية‪ ،‬وتتجسد أهم هذه الخصائص في‬
‫تدرج لتشريع الجنائي السلمي من جهة واقتصاره على الكليات دون الجزئيات‬
‫والعموميات دون الخصوصيات من جهة ثانية‪.‬‬
‫الفقرة الولى ‪ :‬تدرج التشريع الجنائي السلمي‬
‫لقد تدرج التشريع الجنائي السلمي في وضعه للحكام التكليفية الجنائية‪،‬‬
‫وذلك تبعا لحاجة الزمان وقدرة الناس على استيعاب وتقبل ما فرض عليهم من‬
‫أوامر ونواهي‪ ،‬ضمن المعلوم أن السلم قد جاء والعرب في إباحة مطلقة‬
‫استحكمت فيهم عادات منها ما هو صالح للبقاء ول ضرر منه‪ ،‬ومنها ما هو‬
‫فاسد ل يصح السكوت عليه أو البقاء على وجوده‪ .‬لذا اقتضت الحكمة اللهية‬
‫رحمة بالناس أل يفاجئوا بالحكام جملة واحدة‪ ،‬فيعسر عليهم تقبلها والمتثال‬
‫لها ‪ .2‬ولهذا فقد نزل القرآن الكريم منجما وجاءت الحكام الشرعية متدرجة‬
‫حتى يكون السابق منها ممهدا للنفوس لقبول اللحق ‪.‬‬
‫ولعل أهم مثال قد يستشهد به على تدرج التجريم في التشريع الجنائي‬
‫السلمي هو التدرج في تحريم الخمر‪ 3،‬حيث إن المشرع السلمي قد وقف‬
‫موقفا حازما من شرب الحمر‪ ،‬لكنه مع ذلك لم يجرمها جملة واحدة‪ ،‬إذ لما كان‬
‫ـــــــــــــــ‬
‫‪ -1‬سنوضح هده العاملة النفاقية ف الفصل الثان ‪.‬‬
‫‪ -2‬السياسة النائية ف ظل النظام العقاب السلمي ‪ :‬إعداد مموعة من طلبة كلية القوق بطنجة ‪ ،‬ص ‪ 5‬السنة الامعية ‪. 2004-2003‬‬
‫‪ -3‬مناع القطان ‪ :‬تاريخ التشريع السلمي ‪ ،‬ص ‪ 54‬مؤسسة الرسالة الطبعة السابعة و العشرون ‪. 1998‬‬

‫‪27‬‬
‫العرب قبل السلم يدمنون شربها ويتغنون بها في أشعارهم ونثرهم لم يكن‬
‫قط من السهل تجريمها عليهم دفعة واحدة ‪ ،‬فلم يكن تحريمها كلية وإنما على‬
‫مراحل عدة ‪:‬‬
‫•المرحلة الولى‪:‬‬
‫قال تعالى " ومن ثمرات النخيل والعناب تتخذون منه سكرا أو رزقا‬
‫حسنا‪ ،‬إن في ذلك لية لقوم يعقلون" ‪ . 1‬جاءت هذه الية الكريمة للتفرقة بين‬
‫الرزق الحسن وهو الطعام الحلل والسكر‪ ،‬وذلك ما يؤيده العطف الذي من‬
‫شأنه المغايرة بين المعطوف (السكر) والمعطوف عليه (الرزق الحسن) ‪ 2 ،‬كما‬
‫تتضمن هذه الية إشارة دقيقة وتوجيها إيحائيا لولى اللباب للتفكير في هذه‬
‫التفرقة ‪ .‬ومن ثم نجد بعض الصحابة رضوان ال عليهم وعلى رأسهم عمر بن‬
‫الخطاب أدركوا حرمة شرب الخمر انطلقا من الية المتقدمة ‪.‬‬
‫•المرحلة الثانية‪:‬‬
‫قال تعالى ‪ " :‬يسألونك عن الخمر والميسر‪ ،‬قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس‬
‫وإثمهما أكبر من نفعهما"‪ . 3‬أثناء هذه المرحلة لم يكن الخمر محرما‪ ،‬حيث‬
‫استمر شربها حتى بعد نزول هذه الية‪ ،‬وقال الناس نشربها للمنفعة ل للثم‪،‬‬
‫وإثم الخمرة الذي ذكره العلماء هو ما يصدر عن شاربها من المخاصمة و‬
‫المشاتمة وقول الفحش والزور وزوال العقل وتعطيل فروض ال ‪.4‬أما المنافع‬
‫التي عرفت عن الخمر فهي من قبيل ربح التجارة إذ كان العرب يجلبونها من‬
‫الشام بثمن زهيد ويبيعونها في الحجاز بربح وافر‪ ،‬وقد قيل في منافعها أيضا‬
‫بأنها تهضم الطعام وتقوي الضعيف وتشجع الجبان وتصفي اللون‪ ،‬إل أن ال‬

‫ـــــــــــــــ‬
‫‪ -1‬سورة النحل ‪ :‬الية ‪. 67‬‬
‫‪ -2‬أحد فتحي بنسي ‪ :‬السياسة النائية ف الشريعة السلمية ‪ ،‬ص ‪ 20‬دار العروبة ‪. 1965‬‬
‫‪-3‬سورة البقرة ‪ :‬الية ‪.217‬‬
‫‪4‬أحد فتحي بنسي ‪ :‬مرجع سابق ص ‪.22‬‬

‫‪28‬‬
‫عز وجل أكد مباشرة بعد ذلك بأن إثم شرب الخمر هو أكبر من نفعها‪ ،‬فما فيها‬
‫من الضرار والوزار يفوق ما فيها من المنافع‪ ،‬وهكذا فبنزول هذه الية كان‬
‫المسلمون بين شارب للخمر راغبا في منافعها‪ ،‬وبين ممتنع عن شربها لما فيها‬
‫من آثام ومفاسد ‪.‬‬
‫•المرحلة الثالثة ‪:‬‬
‫قال تعالى " يا أيها الذين أمنوا ل تقربوا الصلة وأنتم سكارى حتى تعلموا‬
‫‪ .‬ذهب غالبية الفقهاء إلى أن هذه الية الكريمة أقرب دللة على‬ ‫‪2-1‬‬ ‫ما تقولون"‬
‫تحريم الخمر من الية الواردة في سورة البقرة وأشد منها إيعازا لذلك‪ ،‬على‬
‫اعتبار أنها حرمت شرب الخمر في أغلب أوقات اليوم‪ ،‬لن من يريد الصلة‬
‫يجب أن يمتنع عن شربها مدة كافية لزوال أثرها قبل دخول الصلة‪ .‬وهكذا‬
‫كان المسلمون يشربونها بعد انتهاء صلة العشاء وقبل دخول وقت صلة الفجر‬
‫• المرحلة الرابعة ‪:‬‬
‫قال تعالى " يا أيها الذين ءامنوا إنما الخمر والميسر والنصاب و الزلم‬
‫رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون‪ ،‬إنما يريد الشيطان أن يوقع‬
‫بينكم العداوة والبغضاء في الخمر والميسر ويصدكم عن ذكر ال وعن الصلة‬
‫فهل أنتم منتهون"‪ 3.‬نزلت هذه الية لتقطع يقينا ونهائيا بحرمة الخمر على‬
‫اعتبارها رجسا من عمل الشيطان‪ ،‬وبابا من أبوابه التي يتسلل منها إلى قلوب‬
‫وعقول شاربيها ليوسوس لهم ما يذكي بينهم نار العداوة والبغضاء والتشاحن‬
‫ويأججها‪ ،‬فأراد الشارع الحكيم بتحريمه الصريح للخمر في هذه الية أن يسد‬

‫ـــــــــــــــ‬
‫‪ -1‬سورة النساء ‪ :‬الية ‪. 43‬‬
‫‪ -2‬نزلت هده الية على ما رواه الترميدي عن على بن أب طالب قال ‪ :‬صنع لنا عبد الرحان بن عوف طعاما فدعانا و سقانا من المر ‪ ،‬فأخذت المر منا ‪،‬‬
‫وحضرت الصلت فقدمون فقرأت ‪ :‬قل يا أيها الكافرون ل أعبد ما تعبدون ‪ ،‬و نن نعبد ما تعبدون ‪ ،‬قال فأنزل ال تعال ‪ " :‬يا أيها الدين آمنوا ل‬
‫تقربوا الصلة و أنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون " ‪ .‬خرجه الترميدي و صححه ‪ /‬أحد فتحي بنسي مرجع سابق ‪ ،‬ص ‪.23‬‬
‫‪-3‬سورة الائدة ‪ :‬اليتان ‪. 93-92‬‬

‫‪1‬‬ ‫هذا المنفذ الشيطاني لما يترتب عنه من مفاسد ومضار تلحق البلد والعباد‪.‬‬
‫وقد توالت بعد هده الية الحاديث النبوية التي أكدت في نفس التجاه على‬
‫تحريم الخمر منها قوله صلى ال عليه وسلم ‪ :‬ما أسكر كثيره فقليله حرام "‬
‫‪29‬‬
‫و ما روي عنه أيضا عليه الصلة والسلم من أنه لعن الخمر ولعن معها‬
‫عشرا‪ :‬بائعها ومبتاعها والمشتراة له وعاصرها والمعصورة له وساقيها‬
‫وشاربها وحاملها والمحمولة له وآكل ثمنها‪.‬‬
‫الفقرة الثانية ‪ :‬القتصار على الكليات دون الجزئيات والعموميات دون‬
‫الخصوصيات‬
‫لقد أنزل ال الكتب وأرسل الرسل مبشرين ومنذرين لئل يكون للناس على‬
‫ال حجة بعد الرسل‪ ،‬وقد اقتضت الحكمة اللهية أن تكون رسالة السلم‬
‫خاتمة الرسالت السماوية‪ 2.‬يقول الحق عز وجل ‪ " :‬قل يا أيها الناس إني‬
‫رسول ال إليكم جميعا‪ 3 ".‬ويقول أيضا ‪ " :‬وما أرسلناك إل كافة للناس بشيرا‬
‫ونذيرا " ‪ 4‬ويقول أيضا ‪ " :‬ما كان محمدا أبا أحد من رجالكم ولكن رسول ال‬
‫‪5‬‬ ‫وخاتم النبيين"‪.‬‬
‫لذلك كان لزاما أن يتميز التشريع الجنائي السلمي عامة ومنهجه‬
‫التجريمي على وجه التعيين بنظام فريد وخصائص نوعية‪ ،‬لعل أهمها كون‬
‫التشريع التجريمي السلمي يقتصر في وضعه للحكام على الكليات دون‬
‫الجزئيات والعموميات دون الخصوصيات ‪.‬‬
‫ومقتضى ذلك‪ ،‬أن الشارع الحكيم عمل عند تعيينه للجرائم والمحظورات‬
‫الشرعية على القتصار على وضع الصول الكلية والقواعد العامة والحكام‬
‫ـــــــــــــــ‬
‫‪ -1‬تعددت الروايات ف أسباب نزول هده الية ندكر منها ما رواه الطبي و الترمدي و غيها بأن هده الية نزلت ف ‪ -‬ملحاة – جرت بي سعد بن أب وقاص و‬
‫رجل من النصار يدعى عتبة بن مالك و ها على شراب لما ‪ ،‬و قد انتشيا فتفاخرة النصار و قريش فأخد النصاري لى جل فضرب به أنف سعد فشقه ‪ ،‬فنلت‬
‫هده الية ‪ /‬أحد فتحي بنسي ‪ :‬مرجع سابق ‪ ،‬ص ‪. 25‬‬
‫‪ -2‬نزلت مناع قطان ‪ :‬مرجع سابق ص ‪ 16‬و ما بعدها ‪.‬‬
‫‪ -3‬سورة العراف ‪ :‬الية ‪. 158‬‬
‫‪ -4‬سورة سبأ ‪ :‬الية ‪. 28‬‬
‫‪ -5‬سورة الحزاب ‪ :‬الية ‪. 40‬‬

‫الجمالية من غير التعرض إلى جميع الجزئيات والتفاصيل والكيفيات‬


‫والمراحل‪ 1.‬وفي ذلك يقول المام الشاطبي في الموافقات ‪ " :‬الشريعة لم تنص‬
‫على حكم كل جزئية على حدتها‪ ،‬وإنما أتت بأمور كلية وعبارات مطلقة تتناول‬

‫‪30‬‬
‫أعداد ل تنحصر " ويقول ابن حزم في أصول الحكام ‪ " :‬فلم يبق في الدين‬
‫حكم إل وهو هاهنا منصوص جملة ‪.‬‬

‫وتكمن العلة والمقصد في وضع النصوص التجريمية السلمية على هذا‬


‫الشكل في أن الشريعة السلمية ل تقبل التعديل والتبديل‪ ،‬فوجب أن تكون‬
‫نصوصها ‪-‬الجنائية وغير الجنائية‪ -‬من المرونة والعموم ما يمكنها من‬
‫استيعاب ما يستجد من التغييرات والتطورات البشرية مهما تغيرت ظروف‬
‫الزمان والمكان والشخاص‪ .‬إن هذه الخاصية المتميزة في التشريع الجنائي‬
‫السلمي تتيح للحاكم وأولي المر من أهل الحل والعقد في المة السلمية‬
‫منفذا واسعا ومجال فسيحا في باب السياسة التجريمية‪ ،‬بحيث تستطيع الدولة‬
‫المسلمة تجريم كل فعل أو سلوك جد في المجتمع وإن لم يكن قد نص على‬
‫حكمه تفصيل‪ .‬وذلك كله في ظل الشريعة السمحة ل تخرج عنها ول تحتاج‬
‫إلى غيرها ‪.‬‬
‫وفيما يلي نورد شاهدا واضحا لما ذكرناه آنفا ‪:‬‬
‫•تجريم السرقة ‪ :‬يقول تعالى ‪ ":‬السارق والسارقة فاقطعوا أيديهما …"‪.2‬‬
‫فقد جرمت هذه الية الكريمة السرقة حينما نصت على عقوبتها‪ ،‬والسرقة‬
‫عند فقهاء الشريعة السلمية هي أخذ مال الغير دون علمه و رضاه‪ ،‬فإذا‬
‫أخذ المال في حضوره وليس على سبيل القهر والمغالبة‪ ،‬فالفعل اختلس ل‬
‫‪3‬‬ ‫سرقة‪ ،‬أما إذا أخذ في غيبة صاحبه ولكن برضاه فل جريمة في المر ‪.‬‬

‫ـــــــــــــــ‬
‫‪ -1‬د‪ .‬عبد الالق أحدون ‪ :‬فصول ف الدخل ال دراسة الشريعة السلمية ص ‪ 34‬و مابعدها مطبعة سبطيبل ‪2001-2000‬‬
‫‪ -2‬سورة الائدة الية ‪. 38‬‬
‫‪ -3‬المام ممد أبو زهرة ‪ :‬الرية و العقوبة ف الفقه السلمي ‪ ،‬ص ‪ 122‬الزء الثان دار الفكر العرب بدون تاريخ ‪.‬‬

‫من هذا التعريف يتضح أن أركان هذه الجريمة هي ‪:‬‬


‫‪-‬الخذ خفية‬
‫‪-‬أن يكون المأخوذ مال مملوكا للغير‬
‫‪1‬‬ ‫‪-‬القصد الجنائي‬

‫‪31‬‬
‫إن الية السابقة عند تحريمها للسرقة‪ ،‬قد جاءت بحكم تجريمي عام دون أن‬
‫تتعرض للتفاصيل والجزئيات‪ .‬وعليه فإن أي فعل أو سلوك ينطبق عليه‬
‫التعريف السالف ذكره ‪ ،‬وتتحقق فيه الركان السابقة في أي عصر من‬
‫العصور وفي أي مصر من المصار يعد جريمة سرقة يعاقب عليها‪ ،‬ولنا في‬
‫عصرنا هذا خير شهيد على مثل هذا القول‪ ،‬بحيث ظهرت فيه بعض أنواع‬
‫السرقة التي لم تكن معروفة من قبل‪ ،‬وذلك من قبيل ما يعرف بجرائم السرقة‬
‫عن طريق الحواسب وشبكات النترنت‪ ،‬وجرائم سرقة التيار الكهربائي‪،‬‬
‫وجرائم سرقة براءات الختراع والعمال الفنية وما يعرف بجرائم الموال‬
‫بمختلف أنواعها وغيره مما استجد في عصرنا من أنواع السرقة التي لم يكن‬
‫لها وجود عند نزول آية السرقة‪ ،‬والتي ما كان أمكن تجريمها لول هذا العموم‬
‫والمرونة التي وضعت به آية تجريم السرقة ‪.‬‬

‫_________________‬
‫‪ -1‬عبد الالق النواوي ‪ :‬جرائم السرقة ف الشريعة السلمية و القانون الوضعي ‪ ،‬ص ‪ 10‬الكتبة العصرية – بيوت لبنان – بدون تاريخ ‪.‬‬

‫‪32‬‬
33
‫مب دأ الش رعية الجنائية‬ ‫ا لمبحث الول ‪:‬‬
‫من المعروف أن سياسة التجريم الحديثة تقوم على مجموعة من الدعائم الساسية‬
‫التي تستهدف حماية حقوق الفراد و صيانة مصالحهم في ظل الحرص التام على‬
‫تحقيق التوازن والمن داخل المجتمع‪ ،‬من أهمها مبدأ الشرعية الجنائية‪ ،‬الذي يقضي‬
‫بضرورة تحديد الفعال التي تعد جرائم سلفا‪.‬‬
‫المطلب الول ‪ :‬مبدأ الشرعية في القانون‬
‫الجنائي المغربي‬
‫يقصد بمبدأ الشرعية " ضرورة خضوع الفعل أو المتناع لنص من نصوص‬
‫التجريم " انه لكي يكون أو يعتبر فعل ما أو امتناع ما جريمة فلبد من وجود نص‬
‫جنائي يجرم هذا الفعل أو المتناع ‪ ،‬ويضفي عليه صبغة عدم المشروعية‪ ،‬وهذا‬
‫المبدأ هو ما يعبر عنه أحيانا بمبدأ (شرعية الجرائم و عقوباتها) ‪،‬وأحيانا بمبدأ (ل‬
‫جريمة و ل عقوبة إل بنص)‪ ،‬أو مبدأ (النصية )الذي يعني حصر مصادر التجريم‬
‫و العقاب في مصدر واحد وهو النص القانوني الجنائي(‪.)1‬‬
‫وترجع هذه القاعدة في أصلها إلى تطور تاريخي طويل بدأ منذ العهد الجمهوري‬
‫للقانون الروماني وانتهى بإقرارها في إعلن حقوق النسان و المواطن الذي صدر‬
‫ثم في قانون‬ ‫‪1793‬‬ ‫عن الثورة الفرنسية عام‪1789،‬و في الدستور الفرنسي الصادر عام‬
‫نابليون الصادر عام ‪.1810‬‬
‫لكن قبل الثورة الفرنسية كان هذا المبدأ مرادفا للتعسف ‪ ،‬خصوصا و أن القضاء‬
‫الجنائي كان قبل هذه الفترة محل انتقاد من طرف المفكرين و الفلسفة بسبب قساوة‬
‫التدابير التي كان يأخذ بها و بسب انعدام المساواة التي كان يقوم عليها‪ ،‬و يعتبر‬
‫في هذا الطار‪ ،‬أحد أهم المفكرين الذين نادوا بضرورة وضع قوانين‬ ‫‪MONTESQUIEU‬‬

‫محددة يعتمدها القضاء الجنائي‪.‬‬

‫_________________‬
‫‪ -1‬د‪ .‬عبد الواحد العلمي ‪ :‬البادئ العامة للقانون النائي الغرب ‪ ،‬ص ‪ ، 86‬الزء الول – دار النشر مطبعة النجاح الديدة ‪. 1990‬‬

‫‪34‬‬
‫‪،‬‬ ‫‪C.BECCARIA‬‬ ‫لكن أحسن تعبير عن مبدأ الشرعية‪ ،‬ورد في كتاب صدر لليطالي‬
‫ولقد تأثر هذا الخير بأفكار مونتسكيو بصفة خاصة وبأفكار فلسفة القرن الثامن‬
‫فإن ذلك‬ ‫‪1764‬‬ ‫عشر بصفة عامة‪.‬ولهذا فعندما نشر كتابه حول الجرائم والعقوبات سنة‬
‫الكتاب جاء كتعبير ممنهج ومنظم لتلك الفكار متضمنا في نفس الوقت أفكار جديدة‬
‫تقدم البديل للمبادئ والمؤسسات التي كانت محل انتقاد‪.‬‬
‫لنتقادات شديدة لكن ذلك لم يمنع انتشارها‬ ‫‪BECCARIA‬‬ ‫ورغم تعرض أفكار‬
‫وانتشار مبدأ الشرعية الذي جاءت به و الذي سارعت الكثير من القوانين الجنائية‬
‫إلى الخذ بمضمونه الجديد الذي تم تحديده بصفة نهائية في تصريح حقوق النسان‬
‫والمواطن (‪.)1‬‬
‫كما اكتسب هذا المبدأ إقرارا عالميا في العلن العالمي لحقوق النسان الصادر‬
‫‪ ،‬وبعد ذلك أصبح مبدأ‬ ‫‪1948‬‬ ‫ديسمبر عام‬ ‫‪10‬‬ ‫عن الجمعية العامة للمم المتحدة في‬
‫دستوريا تنص عليه مختلف الدساتير وتحترمه القوانين الجنائية (‪.)2‬‬
‫ويعتبر هذا المبدأ بمثابة الحجر الساسي للتشريع الجنائي ‪ ،‬فهو يقوم بحماية‬
‫مصالح متضاربة ‪ ،‬فمن جهة يهدف إلى حماية المصلحة الفردية عن طريق تحديد‬
‫الفعال الممنوعة ليتجنبها الفرد كما أنه يحمي الفرد من تحكم كل من المشرع‬
‫والقاضي ‪ ،‬فالمشرع ل يملك سوى سلطة التشريع الذي ل يسري على الماضي و‬
‫لذلك فكل فرد سيكون على علم بكل المحضورات فل يسعه إل أن يجتنبها‪ ،‬أما‬
‫القاضي فل يستطيع معاقبة الشخاص إل على الفعال التي وصفها المشرع بأنها‬
‫جرائم (‪.)3‬‬

‫_________________‬
‫‪ -1‬د‪ .‬ممد الليان ‪ :‬دروس ف القانون النائي العام ‪ ،‬ص ‪ ، 110-109‬دار النشر السور الطبعة الول ‪.1995‬‬
‫‪ -2‬د‪ .‬عبد السلم بنحدو ‪ :‬الوجيز ف القانون النائي الغرب ‪ ،‬ص ‪ 113‬الطبعة و الوراقة الوطنية ‪. 2000‬‬
‫‪ -3‬د‪ .‬عبد السلم بنحدو ‪ :‬مرجع سابق ‪ ،‬ص ‪.111‬‬

‫ومن جهة أخرى فهو يهدف إلى حماية مصلحة الجماعة‪ ،‬إذ أن النصوص‬
‫الجنائية تتضمن مختلف القيم الجتماعية التي يجب احترامها ولو باللجوء إلى‬
‫العقوبة إذا اقتضى المر ذلك‪ ،‬ووجود هذه النصوص يضمن احتراما لتلك القيم على‬
‫‪35‬‬
‫مستوى الجماعة‪ ،‬وذلك على خلف ما إذا توقف أمر السهر على تأمين احترامها‬
‫على إرادة القاضي فقط‪ ،‬لن المر في هذه الحالة الخيرة يصبح احتماليا وهو ما‬
‫يكون له تأثير على الجانب الردعي(‪.)1‬‬
‫وما يجب لفت النتباه إليه أن هناك أسس ل يقوم مبدأ الشرعية إل بها ولقد‬
‫حددها كل من بيكاريا ومشروع الثورة الفرنسية‪ ،‬وتتمثل أهم هذه السس في‬
‫ضرورة جعل أمر وضع الجرائم والعقوبات من اختصاص القانون وحده‪ ،‬وذلك في‬
‫إطار نظام يقوم على فصل السلطات كما نادى بذلك منتسكيو‪.‬‬
‫ويقصد بالقانون هو ما يصدر عن السلطة التشريعية دون باقي السلطات‬
‫كالسلطة التنفيذية والسلطة القضائية ‪.‬‬
‫أما المقصود بالسلطة التشريعية بالنسبة لبيكاريا فهو الهيأة التي تمثل كل المجتمع‬
‫الذي يربط أفراده عقد اجتماعي وقد أصبحت هذه الهيئة تتمثل في البرلمان (‪.)2‬‬
‫كما يفرض مبدأ الشرعية أن تحصر مصادر القاعدة الجنائية في التشريع‬
‫المكتوب وحده دون غيره من الصادر غير المكتوبة‪ ،‬كالعرف والشريعة السلمية‬
‫ومبادئ العدالة أو القانون الطبيعي(‪.)3‬‬
‫ولهمية هذا المبدأ فقد كرسه المشرع الجنائي المغربي على غرار أغلب‬
‫التشريعات في الدستور الذي ينص في فصله العاشر على أنه " ل يلقى القبض على‬
‫أحد ول يعتقل ول يعاقب إل في الحوال وحسب الجراءات المنصوص عليها في‬
‫القانون" وإلى جانب الدستور نجد أن القوانين بدورها تنص على هذا المبدأ‪ ،‬فنص‬
‫الفصل الثالث من مجموعة القانون الجنائي المغربي على أنه "ل يسوغ مؤاخذة أحد‬
‫_________________‬
‫‪ -1‬د‪ .‬ممد الليان ‪ :‬مرجع سابق ‪ ،‬ص ‪.111‬‬
‫‪ -2‬د‪ .‬ممد الليان ‪ :‬مرجع سابق ‪ ،‬ص ‪.112‬‬
‫‪ -3‬د‪ .‬عبد الواحد العلمي ‪ :‬مرجع سابق ‪ ،‬ص ‪.92-91‬‬

‫على فعل ل يعد جريمة بصريح القانون ول معاقبته بعقوبات لم يقررها القانون"(‪.)1‬‬
‫وإذا كانت مزايا مبدأ الشرعية من الهمية كما سبق التنويه لذلك فإنه مع ذلك‬
‫تعرض للنقد من طرف خصومه‪ ،‬ومن أهم النتقادات التي وجهت إليه أن الخذ به‬

‫‪36‬‬
‫يؤدي إلى جمود القانون الجنائي وهذا القصور يظهر في بعض الحيان من حماية‬
‫مصالح الجماعة ‪.‬‬
‫كما أن عدم مرونة نصوص القانون الجنائي تؤدي إلى عجزها على مواجهة‬
‫التطور الذي يطرأ على النشاط الجرامي نتيجة تطور المجتمع (‪.)2‬‬
‫لكن إذا كانت القوانين الوضعية قد سادتها عدة نظريات ومبادئ عرفت تأرجحا‬
‫بين التبني والنقد‪ ،‬فالشريعة السلمية قد تنزهت عن العيوب التي شابت النظريات‬
‫الوضعية وسلمت من النتقادات التي وجهت إليها‪.‬‬
‫ولعل مما يدهش الكثيرين أن التجريم والعقاب في الشريعة ل يأتيه النقد‪ ،‬ذلك أن‬
‫القوانين الوضعية بالرغم مما وصلت إليه من تقدم‪ ،‬إل أنها تبقى تسير في أثر‬
‫الشريعة وترتسم خطابها‪ ،‬على اعتبار أنها هي أول من عرفت نصوصها المرونة‬
‫تماشيا مع الظروف المستجدة وتطور المجتمع‪.‬‬
‫المطلب الثاني ‪ :‬مبدأ الشرعية في التشريع‬
‫الجنائي السلمي‬
‫فإن‬ ‫‪1789‬‬ ‫خلفا لما هو شائع عن أن مبدأ الشرعية جاء بعد الثورة الفرنسية لسنة‬
‫أصل هذا المبدأ نجده في الشريعة السلمية التي عرفت هذه القاعدة من مدة تزيد‬
‫عن أربعة عشر قرنا‪.‬‬
‫والواقع أنه ليس في نصوص القرآن والسنة نص واضح الدللة على العمل بهذه‬
‫القاعدة في مجال التشريع الجنائي وبعبارة أخرى فإنه ليس هناك نص بعينه يفيد‬
‫الخذ بهذه القاعدة في التشريع الجنائي السلمي مع ذلك فإنه يمكن استنتاج القاعدة‬
‫من بعض النصوص القرآنية والسنة ومن بعض القواعد الصولية استنتاجا سائغا‬
‫_________________‬
‫‪ -1‬د‪ .‬عبد السلم بنحدو ‪ :‬مرجع سابق ‪ ،‬ص ‪.114-113‬‬
‫‪ -2‬عبد الواحد العلمي ‪ :‬مرجع سابق ‪ ،‬ص ‪.99‬‬

‫فأما آيات القرآن الكريم فمنها قوله تعالى ‪ " :‬وما كنا معذبين حتى نبعث رسول‬
‫" سورة السراء –الية ‪ .15‬وقوله تعالى ‪" :‬وما كان ربك مهلك القرى حتى يبعث‬
‫‪.‬وقوله تعالى مخاطبا‬ ‫‪59‬‬ ‫في أمها رسول يتلوا عليهم آياتنا " سورة القصص –الية‬
‫الرسول صلى ال عليه وسلم ‪ " :‬قل للذين كفروا أن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف "‬

‫‪37‬‬
‫‪ ،‬وقوله تعالى بعد النص على تحريم بعض صور السلوك‪:‬‬ ‫‪38‬‬ ‫سورة النفال –الية‬
‫" إل ما قد سلف " سورة النساء – الية ‪ ، 23-22‬وقوله تعالى " عفا ال عما سلف‬
‫‪.‬‬ ‫‪95‬‬ ‫ومن عاد فينتقم ال منه " سورة المائدة –الية‬
‫وأما أحاديث الرسول صلى ال عليه وسلم التي تقرر تطبيقا لمبدأ الشرعية منها‬
‫قوله في حجة الوداع‪ " :‬ال وان دم الجاهلية موضوع وأول دم أبدأ به دم الحارث بن‬
‫عبد المطلب ‪ ،‬وأن ربا الجاهلية موضوع وأول ربا أبدأ به ربا عمى العباس بن عبد‬
‫المطلب " ومنها قوله عليه الصلة والسلم لعمرو بن العاص‪ " :‬السلم يهدم ما قبله‬
‫"‪ 1.‬و من هذه اليات والحاديث استخرج الفقهاء القاعدتين الصوليتين اللتين تفيدان‬
‫أن مضمون قاعدة " ل جريمة ول عقوبة إل بنص " ‪ :‬قاعدة أنه ل تكليف قبل ورود‬
‫الشرع ‪ .‬وقاعدة أن الصل في الشياء الباحة وتطبيق هاتين القاعدتين في مجال‬
‫الفقه الجنائي يعني حضر العقاب على صور السلوك التي لم يرد نص بتجريمها ‪،‬‬
‫وقصر العقاب على صور السلوك المجرمة على حالت ارتكابها التي تقع بعد ورود‬
‫‪2‬‬ ‫النص القاضي بالتجريم‬
‫غير أن الشريعة ل تطبق هذه القاعدة على إطلقها في كل الجرائم والعقوبات‬
‫بل غيرت في كيفية التطبيق بحسب ما إذا كانت الجريمة من جرائم الحدود‪ ،‬وجرائم‬
‫القصاص‪ ،‬والدية‪ ،‬أو جرائم التعزير ‪.3‬‬
‫فبالنسبة لجرائم الحدود فكل جريمة من هذه الجرائم نصوص خاصة بها في‬
‫القرآن الكريم والسنة تحدد الفعل المعاقب عليه والعقوبة المقدرة له وهذه الجرائم‬
‫تمثل اعتداء على المال والمن كجريمتي السرقة والحرابه‪ ،‬وبعضها الخر‪ ،‬يمثل‬
‫_________________‬
‫‪ -1‬ممد سليم العوا ‪ :‬الجلة العربية للدفاع الجتماعي العدد ‪ 7‬مارس ‪.1978‬‬
‫‪ -2‬ممد سليم العوا ‪ :‬أصول النظام النائي السلمي ‪ ،‬ص ‪ 59-58‬دار العارف ا لطبعة الثانية ‪.1983‬‬
‫‪ -3‬هبة أحد ‪ :‬موجز أحكام الشريعة السلمية ف التجري ‪ ،‬ص ‪. 28-27‬‬

‫اعتداء على العرض والشرف كجريمتي الزنا والقذف ‪. 1‬‬


‫وأما جرائم القصاص فهي جرائم العتداء على النفس بالقتل والجرح والضرب‬
‫وتقررت هذه الجرائم وعقوباتها بنصوص القرآن والسنة‪.‬‬

‫‪38‬‬
‫والجرائم التي يعاقب عليها بالدية فهي جرائم القصاص إذا عفا عن القصاص أو‬
‫امتنع القصاص لسبب شرعي‪ ،‬ثم القتل شبه العمد والقتل الخطأ‪ ،‬وإتلف الطراف‬
‫خطأ والجرح خطأ ‪.2‬‬
‫أما بالنسبة لجرائم التعزير فإن الصل فيها أن ينص على الجريمة دون العقوبة‬
‫التي يترك أمرها للسلطة المختصة في الدولة تفرضها إن كانت هي السلطة‬
‫التشريعية وتوقعها إن كانت السلطة الفضائية في إطار العقوبات المسوح بتوقيعها‬
‫في الشريعة السلمية ‪.3‬‬
‫ونذكر بعض المثلة لجرائم التعازير التي جاءت في القرآن والسنة على سبيل‬
‫البيان والتمثيل ‪:‬‬
‫‪.1‬تحريم بعض الطعمة ‪ :‬يقول ال تعالى " وإنما حرم عليكم الميتة والدم ولحم‬
‫الخنزير وما أهل به لغيرال‪ ،‬فمن اضطر غير باغ ول عاد فل إثم عليه " سورة‬
‫البقرة –الية ‪ ،173‬ويقول في آية أخرى ‪ " :‬ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم‬
‫الخبائث "‪.‬‬
‫‪.2‬خيانة المانة ‪ :‬يقول ال تعالى " إنا عرضنا المانة على السماوات والرض‬
‫والجبال‪ ،‬فأبين أن يحملنها وأشفقن منها ‪ ،‬وحملها النسان إنه كان ظلوما جهول"‪.‬‬
‫‪.3‬أكل الربا ‪ :‬يقول ال تعالى " وأحل ال البيع وحرم الربا " ‪.4‬‬
‫ومن هنا يتبين أن تطبيق قاعدة ل جريمة ول عقوبة بغير نص يتم في الفقه الجنائي‬
‫السلمي في أحد إطارين ‪ :‬إطار محدد في جرائم الحدود والقصاص‪ ،‬حيث يأتي‬
‫النص محدد للفعل المجرم و للعقوبة المقررة له‪ ،‬وإطار مرن في جرائم التعزير‬
‫_________________‬
‫‪ -1‬الجلة العربية للدفاع الجتماعي ‪ ،‬العدد ‪ ، 7‬ص ‪.39‬‬
‫‪ -2‬هبة أحد ‪ :‬مرجع سابق ‪ ،‬ص ‪.30‬‬
‫‪ -3‬ممد سليم العوا ‪ :‬مرجع سابق ‪ ،‬ص ‪.60‬‬
‫‪.‬‬ ‫‪ -4‬سورة البقرة ‪ :‬الية‬

‫حيث تبين النصوص الفعال التي تعتبر أو يمكن أن تعتبر جرائم تعزيرية وتترك‬
‫تحديد العقاب عليها للسلطة المختصة بذلك في الدولة السلمية تراعي في تقريره‬
‫وتوقيعه ظروف الزمان والمكان وشخص الجاني ‪.1‬‬

‫‪39‬‬
‫ومن خلل نظام التعازير تمارس السلطة التشريعية في الدولة السلمية‬
‫المعاصرة واجبها في حماية المصالح الجتماعية المتجددة وذلك بتجريم الفعال التي‬
‫تشكل إخلل بهذه المصالح وتحديد العقوبات‪.‬‬
‫فقد انعقد إجماع الفقهاء المسلمين على أن كل ما يحدث للناس من وقائع في الحياة‬
‫له في الشريعة السلمية أحكام ‪.‬فالقاعدة أن لكل فعل حكما شرعيا‪ ،‬والحكام إما أن‬
‫تكون قد وردت صراحة في الكتاب أو السنة وإما أن تعرف من دلئل أخرى مثل‬
‫الجماع‪ ،‬والقياس‪ .‬والدلئل الخرى هذه أرشدت إليها الشريعة ليعرف حكم ما لم‬
‫يرد بحكمه نص في الكتاب أو السنة ‪.‬‬
‫فالجرائم في التشريع السلمي معرفة سلفا ومحددة وليس للقاضي سلطة تجريم‬
‫الفعال وإنما له فقط حق الجتهاد والبحث عن حكم ال فيما هو معروض عليه‬
‫بتفسير ما ورد في الكتاب وفي السنة‪ ،‬أو التماس الحكم من الدلة الشرعية الخرى‪.‬‬
‫فالنصوص الشرعية غالبا ما ترد مقترنة بذكر علة التجريم أو الحكم أو المصلحة‬
‫التي شرعت لجلها‪ ،‬وهذا يدل على أن أحكام ال تدور مع مصالح العباد‪ ،‬وإرشاد‬
‫المسلمين إلى قياس ما لم يرد فيه نص‪ ،‬وعلى هذا اجتهد المجتهدون وتوصلوا إلى‬
‫حكم ال سبحانه وتعالى‪ ،‬ولهذا فالحكم الذي يتوصل إليه المجتهد ل يعتبر شرعا‬
‫جديدا‪ ،‬وإنما هو اهتداء إلى حكم ال في الواقعة‪.‬‬
‫ول شك أن أسلوب الشريعة في النص على بعض الحكام وتبيان عللها‬
‫والمصالح التي بنيت عليها وترك التفصيل هو أسلوب حكيم لن التفاصيل تتغير‬
‫بتغير الزمنة والمكنة والبيئات وترك التفاصيل للجتهاد أدعى إلى مسايرة التطور‬
‫وأهدى إلى إقامة العدل بين الناس ودفع الحرج عنهم وعلى هذه الصورة تختلف‬
‫الشريعة عن القانون‪ ،‬فالقانون يحصر الجرائم بالنص عليها كتابة مع تحديد‬
‫_________________‬
‫‪ -1‬ممد سليم العوا ‪ :‬مرجع سابق ‪ ،‬ص ‪.60‬‬

‫عناصرها وأركانها‪ ،‬وما لم يرد تجريمه بالنص في النصوص ل يمكن أبدا اعتباره‬
‫جريمة مهما كان قبيحا أو مستهجنا‪ ،‬أما في الشريعة فقد استبان لنا أن لكل فعل‬

‫‪40‬‬
‫حكما‪ ،‬فالشريعة إذن من هذه الناحية أوسع من القانون نطاقا وأقدر على ملءمة‬
‫الزمن ومسايرة التطور ‪.1‬‬
‫إذا صح ذلك كله فإنه يبين مدى مجانبة الصواب للرأي القائل أن قاعدة ل‬
‫جريمة و ل عقوبة بغير نص قاعدة ل تعرفها الشريعة السلمية‪ ،‬ول يمكن الخذ‬
‫بها في نظام جنائي مستمد من الفقه السلمي وأن أعمالها أو القول بوجوبها في مثل‬
‫هذا النظام يعد افتئاتا على نصوص الشارع السلمي‪.‬‬
‫وإذا كان الفقه الجنائي السلمي يأخذ بقاعدة ل جريمة ول عقوبة بغير نص فإنه‬
‫من العسير أن نقبل في ضل هذه القاعدة بأن بعض الفعال في الفقه السلمي ل‬
‫يمكن معرفة كونها جريمة إل بعد وقوعها‪ ،‬ذلك أن مثل هذا القول يهدم القاعدة‬
‫المشار إليها من أساسها‪ ،‬ويجعل من النصوص والقواعد الصولية المتقدم ذكرها‬
‫‪2‬‬ ‫مجرد كلمات خاوية من كل معنى علمي ‪.‬‬
‫وهكذا فإن القوانين الوضعية لم تأت بجديد وإنما أخذت النظرية التي ابتكرتها‬
‫الشريعة ولم تطورها وفقا لحكام الشريعة الغراء بل اتسمت بجمودها‪ ،‬فهي تجعل‬
‫التشريع الجنائي نصوصا جامدة وتجرده من المرونة اللزمة لمواجهة الجرام‬
‫وتطوره تبعا لتقدم الحضارة وارتباط المصالح بين الناس وتعقد الحياة الجتماعية‬
‫مع ما يبديه المجرمون من التفنن في أساليب الجرام‪ ،‬مما يجعلهم في كثير من‬
‫الحالت في منجاة من سلطان القانون الذي غالبا ما يكون قد وضع في ظروف‬
‫مختلفة‪ ،‬وليس التشريع من المرونة بالقدر الكافي لمواجهة ذلك في الوقت المناسب‬
‫في كل الحوال المر الذي يقتضي‪ ،‬على القل المرونة في تعزير القاعدة في كل‬
‫الحوال ونهج مسلك الشريعة في هذا الشأن فالدين السلمي الخالد من الخصائص‬

‫_________________‬
‫‪ -1‬عبد الالق النواوي ‪ :‬مرجع سابق ‪ ،‬ص ‪.11-10‬‬
‫‪ -2‬ممد سليم العوا ‪ :‬مرجع سابق ‪ ،‬ص ‪.60‬‬

‫الفذة ما تجعله يحمل بين ثناياه من العناصر والبذور الحية ما يمكنه من محاربة‬
‫الجرائم المنظورة والمستوردة للقضاء عليها فيوفر للمجتمع جو من الطمئنان‬
‫والصفاء ‪.1‬‬
‫‪41‬‬
‫ا لمبحث الثاني ‪ :‬تص نيف الجرائم‬
‫عرف المشرع المغربي الجريمة في الفصل الول من القانون الجنائي والذي جاء‬
‫فيه " يحدد التشريع الجنائي أفعال النسان التي يعدها جرائم بسبب ما تحدثه من‬
‫بأن " الجريمة هي الفعل المخالف‬ ‫‪110‬‬ ‫اضطراب اجتماعي ‪ ".‬وأضاف في الفصل‬
‫للقانون الجنائي والمعاقب عليه بمقتضاه " أما في الفقه السلمي فتتعدد التعريفات‬
‫المقدمة للجريمة من أهمها تعريف المواردي لها بأنها " محظورات شرعية زجر ال‬
‫عنها بحد أو تعزير "‬
‫فما هي مختلف التقسيمات التي قدمها القانون الجنائي والفقه السلمي للجريمة؟‬
‫المطلب الول ‪ :‬أنواع الجرائم في القانون‬
‫الجنائي المغربي‬
‫تتعدد المعايير التي تعتمدها التشريعات الجنائية في تقسيم الجرائم وتبويبها وذلك‬
‫بحسب المصالح والقيم التي يستهدف المشرع حمايتها بنص التجريم (الفقرة الولى)‪،‬‬
‫ويصنف المشرع المغربي الجرائم إلى أنواع يراعي فيها جانب الخطورة وهو يلحق‬
‫بكل جريمة من هذه الجرائم العقوبة التي تتناسب معها في نظره ويعتمدها كمعيار‬
‫لتقسيم الجرائم (الفقرة الثانية)‪.‬‬
‫الفقرة الولى ‪ :‬المعايير المعتمدة في تقسيم الجرائم‬
‫إذا تصفحنا أغلب المعايير التي اعتمدتها التشريعات الجنائية نجدها مختلفة‬
‫ومتعددة ومنها ‪:‬‬

‫_________________‬
‫‪ -1‬خالد عبد الميد فراج ‪ :‬النهج الكيم ف التجري و التقوي ‪ ،‬ص ‪ ، 63-63‬منشأة العارف ‪.1984‬‬

‫‪.1‬معيار القانون الروماني‬


‫قسم الرومان الجرائم إلى جرائم عامة وخاصة ‪ .‬فالعامة هي تلك المتعلقة‬
‫بالمصلحة العامة ‪ ،‬لذلك فالدولة تباشر الدعوة العمومية بمجرد ارتكابها ‪ .‬أما‬

‫‪42‬‬
‫الجرائم الخاصة فهي التي يتطلب للمعاقبة عليها تقديم شكوى من المجني عليه‪ ،‬هذا‬
‫وكانت الجرائم العامة تنقسم إلى عدة تقسيمات فرعية ‪:‬‬
‫‪ -‬تقسيم يعتمد على السلطة التقديرية للقاضي في الحكم بالعقوبة‪ ،‬وعليه فإن‬
‫الجرائم إما عادية ل يستطيع القاضي أن يحكم بأكثر أو بأقل من العقوبة المقررة لها‬
‫في القوانين أو القرارات المبراطورية‪.‬وإما استثنائية يكون للقضاة سلطة التشديد‬
‫أو التخفيف في العقاب ‪.‬‬
‫‪ -‬تقسيم يعتمد على نوع العقوبة‪ ،‬وهي جرائم ذات عقوبات قصوى كالعدام‬
‫والنفي وجرائم ذات عقوبات بدنية‪ ،‬وقد اتبعت معظم التشريعات هذا السلوب في‬
‫تقسيم الجرائم ومن بينها القانون الفرنسي القديم ‪.‬‬
‫‪.2‬معيار القانون الفرنسي‬
‫نصت المادة الولى من القانون الجنائي الفرنسي‪ ،‬على أنه يتحدد نوع كل جريمة‬
‫بحسب العقوبة المقررة لها‪ ،‬بحيث تقسم الجرائم إلى جنايات وجنح ومخالفات وهو‬
‫نفس اتجاه المشرع المغربي (الفصل ‪111‬ق‪.‬ج)‬
‫وقد قسمها المشرع الفرنسي إلى طائفتين ‪ : 1‬جرائم تعتدي على المصلحة العامة‪.‬‬
‫وجرائم ترتكب من الشخاص‪ ،‬ثم قسم كل طائفة إلى مجموعات فرعية ‪ :‬الطائفة‬
‫الولى تضم جرائم ماسة بأمن الدولة وسلمتها وجرائم ضد المن العام‪ ،‬بينما‬
‫الطائفة الثانية تضم جرائم ضد الشخاص وجرائم الموال‪.‬‬

‫_________________‬
‫‪ -1‬نكب مني ‪ :‬تقنيات التجري ف التشريع النائي الغرب ‪ ،‬ص ‪ 15‬سنة ‪ ) 1996‬بث ناية التمرين ‪ ،‬معهد القضاء الرباط ( ‪.‬‬

‫‪.3‬معيار المال القانوني محل العتداء‬


‫يرجع الفضل في دراسة هذا المعيار وبيان كيفية الستعانة به في تصنيف‬
‫الجرائم إلى الفقيه اليطالي فرتشسكو كرارا‪ ،‬ويعتمد على فكرة موضوعية وهي "‬
‫المال القانوني " وهكذا قسم الجرائم حسب أنواع القيم الجتماعية المعتدى عليها‪ .‬هذا‬

‫‪43‬‬
‫يعني أن الجرائم تقسم إلى مجموعات وكل مجموعة تضم جرائم مشتركة في وحدة‬
‫الحق والمال القانوني التي تعتدى عليه‪ ،‬ومن ثم فهناك ‪:‬‬
‫‪ -‬الجرائم الطبيعية ‪ :‬وهي التي تمس حق الحياة والسلمة في جسم النسان‬
‫وشرفه‪ ،‬والجرائم التي ترتكب ضد الملكية والسرة ‪.‬‬
‫‪ -‬الجرائم الجتماعية ‪ :‬وهي التي تعتدي على حقوق عامة في المجتمع وينتج‬
‫عنها إضرار بالعدالة والخلق والمن العام والصحة العامة والدين والجرائم‬
‫السياسية ‪ .1‬هذا المعيار أخذت به إيطاليا سنة ‪1889‬م‪.‬‬
‫‪.4‬معيار يعتمد الدوافع‬
‫ذهب بعض الفقه إلى الخذ بعين العتبار الدوافع في تصنيف الجرائم‪ ،‬فطبقا‬
‫لنظرية الخطورة الجرامية‪ ،‬تعتبر الجريمة وسيلة للكشف عن مدى خطورة‬
‫الجاني‪،‬وهذا ما دفع أنصار هذا التجاه إلى الحث على وجوب دراسة أنواع‬
‫المجرمين‪ ،‬ومدى خطورة كل طائفة ثم تصنيف الجرائم على أساس ما يظهره‬
‫مرتكبوها من خطورة إجرامية‪.‬‬
‫أن يتضمن القسم العام من القانون الجنائي‬ ‫‪José peco‬‬ ‫هكذا يقترح الفقيه الرجنتيني‬
‫تصنيفا للجرائم طبقا لمدى خطورة الدافع إليها‪ .‬ولعله يرمي من خلل ذلك إلى أن‬
‫المصلحة حين يكون المتناع عن الضرار بها سهل يكون مقدار هذا الضرر ثقيل‬
‫وجسيما‪ .‬لهذا فالفراط في التجريم يسبب الضرار بمصالح ل تستهدف إل غاية‬
‫تنظيمية‪ ،‬أو اقتصادية‪ ،‬المر الذي يخرج القانون الجنائي عن إطاره العام وتحوله‬
‫‪2‬‬ ‫إلى مجرد أداة للرعب ‪.‬‬
‫_________________‬
‫‪ -1‬نكب مني ‪ :‬مرجع سابق ‪ ،‬ص ‪.17‬‬
‫‪ -2‬أحد فتحي سرور ‪ :‬الجلة العربية للدفاع الجتماعي ‪ ،‬ص ‪ 85‬العدد ‪ 11‬سنة ‪.1984‬‬

‫الفقرة الثانية‪ :‬العقوبة كمعيار لتقسيم الجرائم في القانون الجنائي المغربي‬


‫سار المشرع المغرب في نفس التجاه الذي أخذ به القانون الجنائي الفرنسي في‬
‫تقسيمه للجرائم اعتمادا على العقوبة المخصصة لها‪ ،‬فقسم الجرائم إلى جنايات وجنح‬

‫‪44‬‬
‫ومخالفات(أول) إل أن لهذا التقسيم القائم على هذا الساس بعض النقائص التي‬
‫ينبغي معرفتها(ثانيا)‪.‬‬
‫‪1‬‬ ‫أول‪ :‬التقسيم الثلثي للقانون الجنائي المغربي‬
‫من القانون الجنائي على ما يلي ‪ " :‬الجرائم إما جنايات أو جنح‬ ‫‪111‬‬ ‫ينص الفصل‬
‫تأديبية أو جنح ضبطية أو مخالفات …" ثم ينطلق نفس الفصل من العقوبات‬
‫المخصصة لكل نوع من هذه الجرائم ليحدد المقصود منها‪ ،‬فبنص على أن ‪:‬‬
‫تعد‬ ‫‪16‬‬ ‫" الجريمة التي تدخل عقوبتها ضمن العقوبات المنصوص عليها في الفصل‬
‫جناية‪ ،‬الجريمة التي يعاقب عليها القانون بالحبس الذي يزيد حده القصى عن سنتين‬
‫تعد جنحة تأديبية‪.‬‬
‫الجريمة التي يعاقب عليها القانون بالحبس حده القصى سنتان أو أقل أو غرامة‬
‫درهما تعد جنحة ضبطية‪.‬‬ ‫‪200‬‬ ‫تزيد عن‬
‫الجريمة التي يعاقب عليها القانون بإحدى العقوبات المنصوص عليها في الفصل‬
‫بأن القانون الجنائي يأخذ بتقسيم رباعي للجرائم‬ ‫‪111‬‬ ‫تعد مخالفة "وقد يوحي الفصل‬ ‫‪18‬‬

‫‪2‬‬ ‫(جنايات‪ ،‬جنح تأديبية‪ ،‬جنح ضبطية‪ ،‬مخالفات) لكن الحقيقة أنه يأخذ بتقسيم ثلثي‬
‫(جنايات‪ ،‬جنح‪ ،‬مخالفات) وهو ما تؤكده الفصول ‪ ،18 ،17 ،16‬من القانون الجنائي‬
‫ذاته‪ ،‬وبمقتضيات أخرى‪.‬‬
‫وهكذا فقد تم تقسيم الجنايات والجنح في القانون الجنائي المغربي وفق الشكل‬
‫التالي ‪:‬‬

‫_________________‬
‫‪ -1‬هناك تقسيمات عديدة يأخذ با الفقه ف تقسيم الرائم و تبويبها ‪ ،‬لعل أبوابا التقسيم الفقهي الشهي الذي يصنف الرائم إل جرائم تقليدية و جرائم قانونية ‪ .‬كما تقسم‬
‫الرائم بالنضر إل الركن الادي إل ‪ :‬الرائم الوقتية ‪ ،‬و الرائم الستمرة ‪ /‬و الرائم البسيطة ‪ ،‬و جرائم العتياد ‪ /‬الرائم البسيطة ‪ ،‬و الرائم الركبة ‪ /‬الرائم الادية ‪ ،‬و‬
‫الرائم الشكلية ‪ .‬كما تقسم الرائم بسب طبيعتها إل جرائم عادية و جرائم سياسية ‪ ) ...‬انظر عبد السلم بنحدو ‪ :‬مرجع سابق ‪ ،‬ص ‪ 213‬و ما بعدها ( ‪.‬‬
‫‪ -2‬هبة أحد ‪ :‬مرجع سابق ‪ ،‬ص ‪.30‬‬

‫‪-‬جنايات وجنح ضد أمن الدولة الداخلي والخارجي (الفصول ‪218-163‬ق ج) وأهمها‬


‫جرائم المؤامرة‪ ،‬التجسس‪ ،‬حمل السلح…‬

‫‪45‬‬
‫‪ -‬جنايات وجنح ماسة بحرية المواطنين وحقوقهم‪ ،‬وهي تتعلق بممارسة حقوق‬
‫المواطنة والعبادات (الفصل ‪232-219‬ق ج) كجريمة الفطار في رمضان‪ ،‬وجرائم‬
‫العتداء على أماكن العبادات …‬
‫‪ -‬جنايات وجنح يرتكبها الموظفون ضد النظام العام (ف ‪262-232‬ق ج) كجرائم‬
‫تواطؤ الموظفين‪ ،‬وتجاوز الختصاص‪ ،‬والختلس‪ ،‬والرشوة‪ ،‬واستغلل النفوذ…‬
‫‪ -‬جنايات وجنح يرتكبها الفراد ضد النظام العام (ف ‪292-263‬ق ج) كجرائم تكوين‬
‫العصابات المسلحة‪ ،‬وإخفاء المجرمين‪ ،‬التسول…‬
‫‪ -‬الجنايات والجنح ضد النظام العام (ف ‪333-293‬ق ج)‬
‫‪ -‬جنايات وجنح تتعلق بحماية القتصاد الوطني ( ف ‪391-334‬ق ج) كجرائم‬
‫التزوير والتزييف والنتحال…‬
‫‪ -‬جنايات العتداء على الشخاص (ف ‪448-392‬ق ج) كجرائم القتل والضرب‬
‫والجرح والتسميم‪ ،‬وعدم تقديم المساعدة لمن كان في خطر…‬
‫‪ -‬جنايات وجنح ضد نظام السرة والخلق العامة (ف ‪504-449‬ق ج) وتشمل‬
‫جرائم الجهاض‪ ،‬إهمال السرة‪ ،‬إهمال الطفال…‬
‫‪ -‬جنايات وجنح متعلقة بالعتداء على الموال (ف ‪607-505‬ق ج) وتضم السرقة‬
‫‪1‬‬ ‫بمختلف أنواعها وخيانة المانة…‬
‫وبقراءة متأنية لهذا التقسيم يتبين بوضوح بأن الفصول التي خصصت لحماية كل‬
‫ميدان من الميادين المذكورة سالفا ينعدم التوازن بينهما‪ ،‬خاصة فيما يتعلق بالجنايات‬
‫فصل ‪.‬‬ ‫‪33‬‬ ‫والجنح الماسة بحريات المواطنين وحقوقهم التي ل يخصص لها إل‬
‫_________________‬
‫‪ -1‬نكب مني ‪ :‬مرجع سابق ‪ ،‬ص ‪.21‬‬

‫فصل‬ ‫‪163‬‬ ‫وإذا أحصينا النصوص التي تحمي بها الدولة نفسها‪ ،‬فإننا نجدها تغطي‬
‫(جرائم ضد أمن الدولة‪ ،‬جرائم يرتكبها الموظفون ضد النظام العام‪ ،‬الجرائم التي‬
‫يرتكبها الفراد ضد النظام العام…)‬

‫وربما قيل أن هذا التعارض ظاهري فقط‪ ،‬خاصة وأن الظهائر المتعلقة بالحريات‬
‫قبل ظهور المجموعة الجنائية تغطي عددا وافرا من‬ ‫‪1957‬‬ ‫العامة التي صدرت سنة‬
‫‪46‬‬
‫النصوص‪ .‬وهذا اعتراض غير مقبول ‪ 1‬لن الملحظة الكمية تلزمها ملحظة‬
‫كيفية حيث إن الهاجس المني ساد النصوص الجنائية بصورة واضحة على حساب‬
‫حماية حقوق الفراد وحرياتهم‪.‬‬
‫ثانيا ‪ :‬انتقادات التقسيم‬
‫يتعرض التقسيم الثلثي المبني على أساس العقوبات المخصصة لها لمجموعة من‬
‫النتقادات من أهمها‪:‬‬
‫•طابعه الصطناعي ‪:‬‬
‫من بين أهم النتقادات الموجهة للتقسيم‪ ،‬كونه يكتسي طابعا اصطناعيا‪ ،‬فهناك‬
‫بعض الجرائم التي تنتمي لفئة معينة‪ ،‬لكنها تعاقب بعقوبة فئة أخرى‪ ،‬وهو ما يجعل‬
‫التقسيم المتبع تقسيما اصطناعيا‪ ،‬مثل ذلك الجنح التي تطبق عليها عقوبة الجناية‬
‫إلى ‪514‬ق‬ ‫‪507‬‬ ‫عندما تقترن بظرف من ظروف التشديد (الفصل ‪505‬ق ج والفصول من‬
‫ج بخصوص جرائم الموال) أو الجنح التي ينص القانون الجنائي بشأنها على‬
‫عقوبة تفوق عقوبة الجنحة (الفصل ‪197‬ق ج بخصوص بعض جرائم أمن الدولة‬
‫الخارجي) ومثال ذلك بالمقابل الجنحة الضبطية التي قد تطبق عليها عقوبة المخالفة‬
‫عند اقترانها بظرف من ظروف التخفيف (ف ‪ )150‬وما يصلح بالنسبة لجنح يصلح‬
‫كذلك بالنسبة للجنايات التي يمكن أن تطبق عليها عقوبات جنحية‪ ،‬تحت تأثير‬
‫ظروف التخفيف (‪147‬ق ج)‪.‬‬

‫_________________‬
‫‪ -1‬عبد السلم الرين ‪ :‬سياسة التجري ف القانون الغرب – تساؤلت الفاعلية و الشرعية – ص ‪ 38‬ملة الحاماة العدد ‪ 37‬السنة ‪.2000‬‬

‫وأخيرا‪ ،‬فإن الطابع الصطناعي للتقسيم يظهر على مستوى التمييز بين الجرائم‬
‫التي يتطلب فيها القصد الجنائي والجرائم التي ل يتطلب فيها ذلك(المخالفات)‪.‬‬
‫والتقسيم الثلثي يقوم في هذا الطار على التمييز بين الجنايات والجنح‪ ،‬في حين أن‬
‫عنصر القصد يتطلب في الجنايات وفي أغلبية الجنح‪ .‬لهذا فهناك من يدعو للقيام‬
‫‪1‬‬ ‫بتقسيم ثنائي فقط‪.‬‬
‫•عدم تناسبه مع المعطيات العلمية ‪:‬‬

‫‪47‬‬
‫يرتكز التقسيم الثلثي للجرائم على معطيات تفترض وجود ثلثة أنواع من‬
‫المجرمين‪:‬المجرم الذي يجب أن تتخذ في حقه عقوبة مثالية‪ ،‬والمجرم المتوسط‬
‫الخطورة الذي يكون فعله مجرد انحراف عن الطريق والذي يكون قابل للتقويم‪،‬‬
‫وأخيرا المجرم الذي يرتكب مخالفة بسيطة والذي يجب أن يتخذ في حقه عقوبة‬
‫ضبطية فقط‪ ،‬ويتم تقدير خطورة الشخص من هذا المنظور ومن ثم العقوبة على‬
‫أساس الخطورة الموضوعية للجريمة التي يرتكبها‪ ،‬لكن بينت المعطيات الحديثة لعلم‬
‫الجرام أن هناك علقة بعيدة بين خطورة الشخص على المجتمع والفعل الجرامي‬
‫الذي يرتكبه‪ ،‬لنه قد يحصل أن يرتكب شخص فعل إجراميا خطيرا كالقتل في‬
‫ظروف معينة‪ ،‬بدون أن يكون ذلك الشخص خطيرا على المجتمع‪ ،‬كما أنه قد يوجد‬
‫أشخاص يحترفون ارتكاب بعض الفعال القل خطورة لكنهم يعتبرون خطيرين‬
‫على المجتمع‪ ،‬لكونهم من ذوي الحتراف الجرامي ‪.‬‬
‫•خلقه لصعوبات من الناحية العلمية‪:‬‬
‫يعتمد على العقوبات في التمييز بين الجرائم في التقسيم الثلثي‪ ،‬وهو ما يؤدي‬
‫ق ج يسمح‬ ‫‪150‬‬ ‫إلى خلق بعض الصعوبات من الناحية العلمية‪ ،‬فنجد مثل أن الفصل‬
‫بالنسبة للجنح الضبطية بالنزول بالعقوبة الحبسية إلى حدود ستة أيام وبالغرامة إلى‬
‫‪120‬درهما أو إلى ‪50‬دراهم‪ ،‬أي إلى عقوبة المخالفة‪.‬فهل تطبق هنا أحكام الجنح أم‬
‫أحكام المخالفات؟‬

‫_________________‬
‫‪ -1‬ممد الليان ‪ :‬مرجع سابق ‪ ،‬ص ‪.175‬‬

‫كما أن المشرع وبالنسبة لبعض الجنح‪ ،‬قد يأخذ تارة بعقوبة المخالفة (مثل‬
‫الفصل ‪325‬ق‪.‬ج بالنسبة للعقوبة السالبة للحرية ) وتارة أخرى بعقوبة الجناية (مثل‬
‫الفصل ‪197‬ق‪.‬ج) ‪.‬‬
‫لكن رغم الصعوبات التي قد يخلقها اعتماد العقوبة في التقسيم‪ ،‬فإن ذلك ل‬
‫يبرر التخلي عن مبدأ تقسيم الجرائم على أساس عقوبتها ‪.‬‬

‫‪48‬‬
‫المطلب الثاني ‪ :‬اتجاه القانون الجنائي السلمي‬
‫في تقسيم الجرائم‬
‫ينطلق الفقهاء المسلمون من العقوبات المخصصة للجرائم في تقسيمهم لهذه‬
‫الخيرة‪ ،‬وهو نفس التجاه الذي أخذ به المشرع المغربي كما رأينا ذلك سالفا‪ ،‬وعلى‬
‫هذا الساس‪ ،‬فإنهم يقسمون الجرائم إلى جرائم الحدود ( الفقرة الولى ) وجرائم‬
‫القصاص والدية ( الفقرة الثانية ) وأخيرا جرائم التعزير (الفقرة الثالثة )‪.‬‬
‫الفقرة الولى ‪ :‬جرائم الحدود‬
‫يعرف الفقهاء جرائم الحدود بأنها " محظورات شرعية زجر ال عنها بعقوبة‬
‫مقدرة تجب حقا ل تعالى"‪ 1.‬وكلمة الحد في الفقه السلمي تطلق على الجرائم‬
‫وكذلك على عقوباتها ‪.‬‬
‫فكون الحدود عقوبات تجب حقا ل تعالى‪ ،‬فيعني أن منفعة توقيعها ترجع إلى‬
‫مجموع المة أو ما يسمي الن بالمصلحة العامة‪ ،‬فكل جريمة تعود المصلحة في‬
‫العقاب عليها إلى مصلحة المة العامة تعتبر من جرائم الحدود‪ .‬لهذا قدرها الشارع‬
‫مقدما من حد واحد‪ ،‬بحيث ل يملك ولي المر ول القاضي إل أن ينزلها بالمذنب‬
‫كما هي بدون زيادة أو نقصان‪ ،‬لن علة تشريعها حفظ الضروريات الخمس من‬
‫الدين والنفس والعقل والمال والنسل‪.‬‬
‫على أنه إذا كانت هذه العقوبات ل تقبل النزول عنها‪ ،‬إل أنها تندرئ بالشبهات‬
‫لقوله عليه الصلة والسلم " إدرأوا الحدود بالشبهات ما استطعتم " ويؤخر استيفائها‬

‫_________________‬
‫‪ -1‬ممد سليم العوا ‪ :‬أصول النظام النائي السلمي ‪ ،‬ص ‪.127‬‬

‫فهذا النوع من الجرائم يتميز بثلث‬ ‫‪1‬‬ ‫لمصلحة وتسقط في حالت الضرورة‪،‬‬
‫عناصر أساسية هي ‪:‬‬
‫‪ 1-‬وجوبها تحقيقا للمصلحة العامة‬
‫‪ 2-‬عدم جواز الزيادة فيها أو النقص منها‬
‫‪ 3-‬عدم جواز العفو عنها من قبل القاضي أو السلطة السياسية ول من قبل المجني‬
‫عليه‪.‬‬

‫‪49‬‬
‫•أما كونها محظورات شرعية فمعناه أن الخالق سبحانه وتعالى‪ ،‬هو الذي أضفى‬
‫الصفة الجرمية على الفعال التي تكون هذا النوع من الجرائم‪ ،‬واختص سبحانه‬
‫وتعالى نفسه بتجريمها ولم يترك الباب مفتوحا للجتهاد أو القياس لتحديدها‪.‬‬
‫وعليه فإنه ليس باستطاعة أي شخص مهما سمت مكانته وارتقت في العلم‬
‫مدارجه أن يضيف أو يدخل في جرائم الحدود المحددة العدد جريمة أخرى ويجعلها‬
‫منها ‪.‬‬
‫•وأخيرا فإن معنى كون العقوبة فيها مقدرة‪ ،‬أن ال سبحانه وتعالى قد نص عليها‬
‫في القرآن الكريم وحدد مقدارها بدقة‪ ،‬كما هو الشأن في عقوبة السرقة والزنى‬
‫والقذف والحرابة وغيرها‪ ،‬كما سنرى ذلك في أوانه ‪.‬‬
‫وتجب الشارة إلى أن فقهاء الشريعة قد تواطؤ في اعتبار بعض أنواع الجرائم‬
‫من الحدود‪ ،‬في حين اختلفوا في بعضها هل هي من جرائم الحدود أم ل وذلك على‬
‫الشكل التالي ‪:‬‬
‫أول ‪ :‬الجرائم المتفق على كونها من الحدود‬
‫وهي جرائم السرقة والحرابة والقذف والزنى ‪:‬‬
‫‪ 1‬جريمة الزنى ‪ :‬يرجع تجريم هذا الفعل للقرآن الكريم لقوله تعالى ‪ " :‬ول تقربوا‬
‫الزنا إنه كان فاحشة وساء سبيل "‪ 2‬وقوله تعالى أيضا ‪ ":‬الزانية والزاني فاجلدوا كل‬
‫واحد منهما مائة جلدة " ‪. 3‬‬
‫_________________‬
‫‪ -1‬ابن القيم الوزية ‪ :‬أعلم الوقعي ‪ ،‬ص ‪ 8‬الزء الثالث‪.‬‬
‫‪ -2‬سورة السراء ‪ :‬الية ‪. 32‬‬
‫‪ -3‬سورة النور الية ‪. 2‬‬

‫ومن السنة النبوية لقوله (ص) " خذوا عني فقد جعل ال لهن سبيل‪ ،‬البكر بالبكر‬
‫جلد مائة وتغريب عام والثيب بالثيب جلد مائة ورجم بالحجارة "‬
‫‪5‬‬ ‫‪ 2‬جريمة القذف ‪ :‬لهذه الجريمة بدورها سند في القرآن‪ ،‬إذ جاء في اليتين ‪4‬و‬
‫من سورة النور ‪ ":‬والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهن‬
‫ثمانين جلدة ول تقبلوا لهم شهادة أبدا أولئك هم الفاسقون إل الذين تابوا من بعد ذلك‬

‫‪50‬‬
‫وأصلحوا فإن ال غفور رحيم " فهذا النص يجرم القذف ويعاقب عليه‪ ،‬فهو من ثم‬
‫من جرائم الحدود ‪.‬‬
‫‪ 3‬جريمة السرقة ‪ :‬سند هذه الجريمة من الكتاب‪ ،‬قوله تعالى ‪ ":‬والسارق‬
‫‪1‬‬‫والسارقة فاقطعوا أيديهما جزاء بما كسبا نكال من ال وال عزيز حكيم ‪".‬‬
‫والمقصود بالسرقة عند الفقهاء‪ ،‬هو أخذ مال الغير خفية بنية التملك‪ ،‬وهذا النص‬
‫صريح في تجريم السرقة ‪.‬‬
‫‪4‬جريمة الحرابة ‪ :‬وتسمى أيضا بجريمة قطع الطريق وفي تجريمها جاء في‬
‫القرآن الكريم قوله تعالى ‪" :‬إنما جزاء الذين يحاربون ال ورسوله ويسعون في‬
‫الرض فسادا أن يقتلوا أو يصلبوا أو تقطع أيديهم وأرجهم من خلف أو ينفوا من‬
‫‪2‬‬‫الرض ذلك لهم خزي في الدنيا ولهم في الخرة عذاب عظيم …"‬
‫ثانيا ‪ :‬الجرائم الغير متفق على كونها من الحدود‬
‫‪3‬‬ ‫توجد بعض الجرائم لم يتفق الفقه السلمي على اعتبارها من جرائم الحدود‪،‬‬
‫وهذه الجرائم هي البغي وشرب الخمر والردة‪.‬‬
‫‪ 1‬جريمة البغي ‪ :‬ورد ذكر البغي في القرآن الكريم في قوله تعالى ‪ ":‬وإن‬
‫طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما‪ ،‬فإن بغت إحداهما على الخرى فقاتلوا‬
‫التي تبغي حتى تفيء إلى أمر ال‪ ،‬فإن فاءت فأصلحوا بينهما بالعدل وأقسطوا إن ال‬
‫يحب المقسطين …"‬
‫_________________‬
‫‪ -1‬سورة الائدة ‪ :‬الية ‪. 38‬‬
‫‪ -2‬سورة الائدة ‪ :‬اليتان ‪. 34 – 33‬‬
‫‪ -3‬ممد الليان ‪ :‬مرجع سابق ‪ ،‬ص ‪. 69‬‬

‫استنادا إلى هذه الية يذهب أغلبية الفقهاء إلى اعتبار البغي من جرائم الحدود‬
‫مستندين كذلك على بعض الحاديث النبوية الشريفة‪ 1،‬لكن هناك من الفقهاء من‬
‫يعتبر أن القتال الوارد في الية الكريمة يقصد به الصلح بين المختلفين من‬
‫المؤمنين‪ ".‬وأنه حتى إذا اقتضى المر دفع البغاة بقتالهم‪ ،‬فإن ذلك ل يسمح بالقول‬
‫بأنهم مجرمون وبأن قتالهم حدا ‪.‬‬

‫‪51‬‬
‫‪2‬جريمة شرب الخمر‪ :‬سندها من الكتاب قوله تعالى‪ ":‬إنما الخمر والميسر‬
‫والنصاب و الزلم رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون " ‪ 2‬من هذه‬
‫الية يتأكد بأن شرب الخمر يعتبر جريمة في السلم‪ ،‬ويلحق بالخمر كل مسكر‬
‫لقول النبي (ص)‪ ":‬كل مسكر خمر وكل خمر حرام‪ ".‬غير أن عقوبة هذه الجريمة‬
‫موضع اختلف‪ ،‬هل هي عقوبة حدية أم ل ؟ فلم يرد في القرآن الكريم تحديد لعقوبة‬
‫شرب الخمر‪ ،‬أما في السنة النبوية‪ ،‬فإن هذه العقوبة لم تكن واحدة (الضرب بالنعال‪،‬‬
‫بالثياب‪ ،‬باليد…) وليس هذا من خصائص العقوبات الحدية‪ ،‬وهو ما يؤكد الطابع‬
‫‪4-3‬‬ ‫التعزيري لعقوبة شرب الخمر ومن ثم طابع هذه الجريمة‬
‫‪ 3‬جريمة الردة ‪ :‬ورد تجريمها بنص صريح من الكتاب حيث قال تعالى‪":‬‬
‫ومن يرتدد منكم عن دينه فيمت وهو كافر فأولئك حبطت أعمالهم في الدنيا والخرة‬
‫وأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون ‪ 5".‬أما من السنة النبوية فقد روي عن النبي‬
‫(ص) أيضا‪ ":‬ل يحل دم امرئ مسلم يشهد أن ل إله إل ال وأني رسول ال إل‬

‫_________________‬
‫‪ -1‬من هده الحاديث قوله صلى الله عليه و سلم ‪ " :‬من أتاكم و أمركم على رجل واحد يريد أن يشق عصاكم و يفرق‬
‫جماعتكم فاقتلوه " ‪ .‬وقوله صلى الله عليه و سلم أيضا ‪ " :‬ستكون هنات و هنات فمن أراد أن يفرق هده المة و هي‬
‫جمع فاضربوه بالسيف كائنا من كان "‬
‫‪ -2‬سورة الائدة ‪:‬الية ‪.90‬‬
‫‪ -3‬ممد الليان ‪ :‬مرجع سابق ‪ ،‬ص ‪.60‬‬
‫‪ -4‬ل نؤيد ما دهب إليه الستاذ ممد الليان ‪ ،‬حينما اعتب الطابع التعزيري لعقوبة شرب المر يرجها من دائرة جرائم الدود و يعلها من جرائم التعازير ‪ .‬و دلك‬
‫لعتبارين ‪ ،‬أولما ‪ :‬أن فقها ء الشريعة السلمية قد اتفقا غالبيتهم على الفتوة الشهية للمام علي رضي ال عنه ف تديد عقوبة شارب المر حينما أفت بأن شارب المر ‪:‬‬
‫" إدا شرب سكر ‪ ،‬و إدا سكر هدا ‪ ،‬و إدا هدا قذف ‪ ،‬و حد القاذف ثانون جلدة " فاجتمع سلف المة و ف مقدمتهم جهابذة الصحابة و من بعدهم التابعي على هدا‬
‫الرأي‪ ،‬و ل يعلم منهم مالف لدا القول إل قليل ‪ .‬أما ثانيهما ‪ :‬هو اللط الواضح الذي وقع فيه أصحاب هذا الرأي ) من يعتبون شرب المر من جرائم التعازير ( عند‬
‫التمييز بي جرائم التعزير و جرائم الدود ‪ ،‬إذ اعتبوا جرية شرب المر من جرائم التعزير ف حي أن هده الخية كما هو معلوم هي من وضع أول المر و أهل الل و‬
‫العقد من السلمي ‪ ،‬أي أن إضفاء الصفة الرمية على هذا النوع من الرائم يتص به من ذكرناهم آنفا ‪ .‬بينما يكون تقرير نص التجري ف جرائم الدود من وضع الالق‬
‫سبحانه و تعال ‪ .‬و تصيل ذلك أن جرية شرب المر و قد ت تريها بنصوص قطعية الدللة والثبوت من الكتاب و السنة ل يكن إل أن تكون من جرائم الدود ‪.‬‬
‫‪ -5‬سورة البقرة ‪ :‬الية ‪. 127‬‬

‫بإحدى ثلث ‪ :‬النفس بالنفس والثيب الزاني‪ ،‬والمارق من الدين التارك للجماعة‪".‬‬
‫فهذه النصوص تحرم الردة وتعاقب عليها بعقوبة حدية هي القتل‪.‬‬
‫لكن هناك من له رأي خاص في هذه الجريمة ‪ 2. 1.‬باعتبار أن هناك من القرائن‬
‫ما يبين أن صيغة الحديث الول ل تفيد الوجوب‪ .‬وأن المقصود ب " المارق من‬

‫‪52‬‬
‫الدين التارك للجماعة" في الحديث الثاني هو "المحارب" الذي تطبق عليه عقوبة‬
‫الحرابة‪ ،‬ويرى صاحب هذا الرأي بأن عقوبة الردة تعزيرية‪ ،‬سواء كانت عقوبة‬
‫إعدام أو عقوبة أخرى‪.‬‬
‫الفقرة الثانية ‪ :‬جرائم القصاص والدية‬
‫القصاص –بالكسر‪-‬القود‪ ،‬يقال‪ :‬أقص المير فلنا من فلن اقتص له منه‬
‫فجرحه مثل جرحه أو قتله قودا‪ ،‬وأقص الرجل من نفسه‪ .‬مكن من القتصاص منه‪.‬‬
‫وأقصه الموت وقصه أي دنا منه‪ ،‬وضربه حتى أقصه من الموت وقصه على‬
‫‪3‬‬‫الموت أي أدناه منه‪ ،‬ويقال أيضا ‪ :‬تقاص القوم أي قاص كل واحد منهم صاحبه‪.‬‬
‫أما الدية فهي المال الذي يقوم الجاني بدفعه للمجني عليه أو لوليائه كعوض عن‬
‫الجناية التي ارتكبها‪ ،‬سواء كانت الجناية على النفس أو على ما دون النفس‪ ،‬إل أن‬
‫الفقهاء اصطلحوا على أن يطلقوا "الدية " على العوض الذي يدفعه الجاني بدل عن‬
‫‪4‬‬ ‫الجناية على النفس‪ ،‬والرش على العوض الذي يدفعه الجاني بدل عن الجروح ‪.‬‬
‫أما الجرائم التي يعاقب عليها بالقصاص هي ‪ :‬القتل العمد‪ ،‬وإتلف الطراف‬
‫عمدا‪ ،‬والجرح العمد‪.‬‬
‫أما الجرائم التي يعاقب عليها بالدية فهي‪ ،‬جرائم القصاص إذا عفي عن القصاص أو‬
‫امتنع القصاص لسبب شرعي‪ ،‬ثم القتل شبه العمد والقتل الخطاء‪ ،‬وإتلف الطراف‬
‫خطاء‪ ،‬والجرح الخطاء‪.‬‬
‫_________________‬
‫‪ -1‬ممد سليم العوا ‪ :‬مرجع سابق ‪ ،‬ص ‪. 146‬‬
‫‪ -2‬نستغرب هذا الرأي الذي ذهب إليه د‪ .‬ممد سليم العوا ‪ ،‬مع أن منطوق الديث صريح قاطع ف قتل الرتد ‪ .‬فلما و الالة هذه الجتهاد ف تفسي معن الديث و القول بأن "‬
‫الارق من الدين التارك للجماعة " الذي ورد ف الديث الثان هو " الحارب " إذا كانت جرية الرابة و قطع الطريق لا أحكامها الاصة الت تيزها عن جرية الردة ‪.‬‬
‫‪ -3‬ممد فاروق النبهان ‪ :‬مباحث ف التشريع النائي السلمي ‪ ،‬ص ‪ 63‬دار القلم ‪. 1977‬‬
‫‪ -4‬ممد فاروق النبهان ‪ :‬مرجع سابق ‪ ،‬ص ‪. 144‬‬

‫أول ‪ :‬الجرائم التي يعاقب عليها بالقصاص‬


‫جمع الفقهاء هذه الجرائم في ثلث أنواع هي‪:‬‬
‫‪ 1‬القتل العمد ‪ :‬يقول تعالى ‪ ":‬ول تقتلوا النفس التي حرم ال إل بالحق "‪ 1‬ويقول‬
‫أيضا ‪ ":‬يا أيها الدين ءامنوا كتب عليكم القصاص في القتلى‪ ،‬الحر بالحر‪ ،‬والعبد‬

‫‪53‬‬
‫بالعبد‪ ،‬والنثى بالنثى‪ ،‬فمن عفي له من أخيه شيء فاتباع بالمعروف وأداء إليه‬
‫‪2‬‬ ‫بإحسان ‪".‬‬
‫ومن السنة المطهرة قوله الرسول (ص) ‪ ":‬من اعتبط مؤمنا بقتل فهو قود به إل إن‬
‫رضي ولي المقتول‪ ".‬ويقول (ص) أيضا ‪ ":‬من قتل قتيل فأهله بين خيرتين ‪ :‬إن‬
‫أحبوا فالقود‪-‬القصاص‪-‬وإن أحبوا فالعقل‪-‬الدية‪."-‬‬
‫‪2‬جريمتي إتلف الطراف عمدا والجرح العمد ‪:‬‬
‫يقول تعالى ‪ ":‬ولكم في القصاص حياة يا أولي اللباب لعلكم تتقون ‪ 3‬ويقول أيضا‪":‬‬
‫وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس والعين بالعين‪ ،‬والنف بالنف والذن بالذن‪،‬‬
‫والسن بالسن‪ ،‬والجروح قصاص ‪ ،‬فمن تصدق به فهو كفارة له‪ ،‬ومن لم يحكم بما‬
‫أنزل ال فأولئك هم الظالمون‪ 4".‬ويضيف في سورة أخرى‪ ":‬فمن اعتدى عليكم‬
‫فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم "‪ 1‬فهذه النصوص صريحة في تحريم إتلف‬
‫الطراف والجراح‪ ،‬وفي جعل عقاب الجريمة القصاص في حالة العمد‪.‬‬
‫ثانيا ‪ :‬الجرائم التي يعاقب عليها بالدية‬
‫حدد الفقهاء هذه الجرائم في أربع أنواع هي‪:‬‬
‫‪ 1‬جريمة القتل شبه العمد ‪ :‬يقول الرسول صلى ال عليه وسلم ‪ ":‬أل إن‬
‫في قتيل عمد الخطاء قتيل السوط والعصا والحجر مائة من البل " فهذا النص يحرم‬
‫القتل شبه العمد‪ ،‬ويعاقب عليه بالدية ‪.‬‬
‫_________________‬
‫‪ -1‬سورة السراء ‪ :‬الية ‪. 33‬‬
‫‪ -2‬سورة البقرة ‪ :‬الية ‪. 178‬‬
‫‪ -3‬سورة البقرة ‪ :‬الية ‪. 179‬‬
‫‪ -4‬سورة الائدة ‪ :‬الية ‪. 45‬‬

‫‪ 2‬جريمة القتل الخطاء ‪ :‬يقول ال تعالى ‪ ":‬وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنا‬
‫إل خطاء و من قتل مؤمنا خطاء فتحرير رقبة مؤمنة ودية مسلمة إلى أهله إل أن‬
‫يصدقوا فإن كان من قوم بينكم وبينهم ميثاق فدية مسلمة إلى أهله وتحرير رقبة‬
‫‪1‬‬ ‫مؤمنة‪ ،‬فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين توبة من ال‪ ،‬وكان ال عليما حكيما ‪".‬‬
‫ويقول رسول ال (ص) ‪ ":‬وفي دية الخطاء عشرون حقة‪ ،‬وعشرون جدعة‪،‬‬

‫‪54‬‬
‫وعشرون بنت مخاض‪ ،‬وعشرون بنت لبنون‪ ،‬وعشرون بنو مخاض " فهذه‬
‫النصوص تحرم القتل الخطاء وتعاقب عليه بالدية وتبين مقدارها وأوصافها‪.‬‬
‫‪3‬جريمة قطع الطراف خطاء ‪ :‬حدد الرسول (ص) العقوبة على أساس ما‬
‫كان في الجسم منه عضو واحد كالنف والذكر واللسان ففيه الدية كاملة‪ ،‬وما‬
‫كان في الجسم منه عضوان ففيه نصف الدية قال صلى ال عليه وسلم ‪ ":‬في‬
‫النف إذا أوعب ما رنه جدعا الدية" وقال أيضا ‪ ":‬وفي اللسان الدية‪ ،‬وفي‬
‫الذكر الدية ‪ ".‬وفي حديث آخر ‪ " :‬في اليدين الدية وفي الرجلين الدية ‪".‬‬
‫‪4‬جريمة الجرح خطأ ‪ :‬حدد النبي (ص) عقوبة بعض هذه الجرائم‪ ،‬فجعل أرش‬
‫الموضحة خمسا من البل‪ ،‬وأرش الهاشمية عشرا من البل‪ ،‬وفي المة‬
‫والدامغة ثلث الدية وجعل في كل جرح يصل إلى الجوف ثلث الدية ‪.‬‬
‫والقاعدة العامة في الشريعة‪ :‬أن كل تلف أو جرح لم يحدد له الرسول صلى ال‬
‫عليه وسلم دية أو أرشا فيه حكومة‪ :‬وهي ما يحكم به القاضي بناء على تقدير أهل‬
‫الخبرة بحيث ل يمكن أن تصل الحكومة إلى الدية أو الرش الذي عينه الرسول‬
‫(ص) للتلف أو الجرح الذي يليه في الشدة ‪.‬‬
‫الفقرة الثالثة ‪ :‬جرائم التعزير‬
‫أول ‪ :‬تعريف التعزير في الفقه الجنائي السلمي‬
‫ل يختلف كثيرا مفهوم التعزير في اللغة عنه في اصطلح الفقهاء‪:‬‬
‫فالتعزير في اللغة مأخوذ من عزر وعزر بمعنى منع وأدب ووقر‪ ،‬فهو من ألفاظ‬

‫_________________‬
‫‪ -1‬سورة البقرة ‪ :‬الية ‪. 194‬‬

‫الضداد‪ ،‬ويستعمل كذلك بمعنى النصرة قال تعالى ‪ ":‬لتعزروه وتوقروه " ومن المنع‬
‫‪1‬‬ ‫سميت العقوبة غير المقدرة تعزيرا‪ ،‬لنها تمنع من معاودة الفعل المعاقب عليه ‪.‬‬
‫أما التعزير في اصطلح الفقهاء فيطلق على كل " عقوبة غير مقدرة تجب حقا‬
‫‪2‬‬ ‫ل تعالى أو لدمي في كل معصية ليس فيها حد ول كفارة "‬

‫وقد تختلف عبارة بعض الفقهاء في تعريف التعزير اختلفا يسيرا منها أن‬
‫التعزير "عقوبة" تكون في كل معصبة ل حد فيها ول كفارة وفي كل حد لم تتكامل‬
‫‪55‬‬
‫أركانه تجب حقا ل تعالى أو لدمي ‪ 3 ".‬ولفض الحد الوارد في التعريفين يأتي‬
‫بمعنى التقدير وليس بمعناه الصطلحي كعقوبة محددة لفعال معينه وردت بتحديد‬
‫عقوباتها نصوص القرآن والسنة‪.‬‬
‫وبناء على التعريفين السالفين‪ ،‬يتبين بأنه يعاقب بالتعزير في صنفين من‬
‫الجرائم‪:‬‬
‫‪ 1-‬الجرائم المعاقب عليها بالحد أو بالقصاص إن تخلف ركن من أركانها‪ ،‬ففي‬
‫السرقة مثل يعزر من يسرق من غير حرز أو من يسرق دون النصاب‪ ،‬وفي الزنى‬
‫يعاقب بالتعزير من يجامع دون الفرح‪ ،‬وفي القذف يعزر من يقذف بالسب والشتم‬
‫دون الزنى وهكذا‪.‬‬
‫‪ 2-‬الجرائم التي ل حد فيها ول قصاص وهي غالبية الجرائم‪ ،‬وقد ساق ابن‬
‫تيمية ‪ 4‬طائفة من جرائم التعزير بقوله " المعاصي التي ليس فيها حد مقدر ول‬
‫كفارة‪ ،‬كالذي يقبل الصبيان ويقبل المرأة الجنبية‪ ،‬أو يباشر بل جماع‪ ،‬أو يأكل ما‬
‫ل يحل كالدم والميتة …كالذين يغشون في الطعمة والشباب ونحو ذلك أو يطفف‬
‫المكيال والميزان‪ ،‬أو يشهد بالزور‪ ،‬أو يرتشي في حكمه…فهؤلء يعاقبون تعزيرا‬
‫وتنكيل وتأديبا بقدر ما يراه الوالي‪".‬‬

‫_________________‬
‫‪ -1‬أمي عبد العزيز ‪ :‬الفقه النائي ف السلم ‪ ،‬ص ‪ 417‬دار السلم الطبعة الول ‪. 1997‬‬
‫‪ -2‬ممد سليم العوا ‪ :‬مرجع سابق ‪ ،‬ص ‪. 259‬‬
‫‪ -3‬عبد العزيز عامر ‪ :‬التعزير ف الشريعة السلمية ‪ ،‬ص ‪ 36‬الطبعة الثالثة ‪. 1956‬‬
‫‪ -4‬عبد القادر عودة ‪ :‬مرجع سابق ‪ ،‬ص ‪. 687‬‬

‫ثانيا ‪ :‬جرائم التعزير ومبدأ شرعية التجريم والعقاب‬


‫يعتبر التعزير من أوسع أنواع الجرائم نطاقا في الفقه الجنائي السلمي‪ ،‬وهو‬
‫لمرونة قواعده يعد من أصدق الدلة على صلحية الجانب الجنائي في الشريعة‬
‫السلمية للتطبيق في عصرنا هذا‪ ،‬وفي كل العصور‪.‬‬
‫ولقد ذهب بعض الكاتبين من المستشرقين خاصة ‪ 1‬إلى القول بتعارض نظام‬
‫التعزير في الشريعة السلمية مع قاعدة التجريم والعقاب‪ ،‬على اعتبار أن جرائم‬
‫التعزير هي جرائم ل نص عليها ل من الكتاب ول من السنة‪ ،‬وأنه لما ترك أمر‬

‫‪56‬‬
‫تحديدها وتقريرها لولى المر من أهل الحل والعقد‪ ،‬فإن ذلك أتاح لهؤلء سلطة‬
‫تقديرية واسعة‪ ،‬كانت سببا في تعسفهم وشططهم وتحكيم الهواء عند وضع‬
‫نصوص وأحكام ومقتضيات هذا النوع من الجرائم‪.‬‬
‫وقد رد الفقهاء على هذه الدعاءات مؤكدين بأن الشريعة السلمية قد طبقت‬
‫قاعدة ل جريمة ول عقوبة إل بنص ذلك أن الشريعة وإن تركت لولى المر في‬
‫المة أن يحرموا ما يرون أنه ضار بمصالح الجماعة أو أمنها أو نظامها‪ ،‬وأن‬
‫يعاقبوا على مخالفتها إل أنها لم تترك لهم حرية مطلقة فيما يحلون أو يحرمون‪ ،‬بل‬
‫أوجبت وقيدت ذلك بأن يكون متفقا مع أحكام الشريعة ومبادئها العامة ومقاصدها‬
‫الجليلة وروحها السمحة ‪.‬‬
‫فيما ذهب البعض الخر ‪ 2‬إلى الخلوص إلى أنه ل مناضاة ول تعارض بين‬
‫نضام التعزير في الشريعة السلمية‪ ،‬وبين قاعدة شرعية التجريم والعقاب‪ ،‬فإذا كان‬
‫مقتض القاعدة الخيرة أن ل جريمة ول عقوبة إل بنص فإن جرائم التعزير لم تحد‬
‫عن هذا النهج على اعتبار أن نص التجريم في هذه الجرائم هو ذلك المر أو النهي‬
‫الذي خالفه مرتكب المعصية مع التقرير بأن كل معصية في نظر الفقه الجنائي‬
‫السلمي تعتبر جريمة موجبة للعقاب‪.‬‬

‫_________________‬
‫‪ -1‬جيل عبد الباقي الصغي ‪ :‬الشرعية النائية ‪ ،‬دراسة تاريية و فلسفية ‪ .‬ص ‪ 38‬دار النهضة العربية ‪. 1993‬‬
‫‪ -2‬ممد سليم العوا ‪ :‬مرجع سابق ‪ ،‬ص ‪. 231‬‬

‫ومن ثم فليس هناك خروج عن قاعدة شرعية الجرائم والعقوبات‪ ،‬بل إن المر‬
‫يتعلق فقط بتطبيق مرن يتيح توفير الحماية القانونية للمصالح الجتماعية المحمية‬
‫بحيث ل تقف محدودية النصوص حائل دون العقاب على الخلل بهذه المصالح‪.‬‬
‫وفي تأصيل جرائم التعزير في القانون الجنائي السلمي‪ ،‬فينبغي الشارة إلى‬
‫ورود العديد من النصوص سواء في الكتاب أو السنة والتي تناولت هذا النظام‬
‫التجريمي الفريد نورد بعضها كالتي ‪:‬‬
‫‪-‬فمن الكتاب الكريم ‪ :‬يقول تعالى ‪ ":‬واللتي تخافون نشوزهن فعظوهن‬
‫واهجروهن في المضاجع‪ ،‬فإن أطعنكم فل تبغوا عليهن سبيل " ‪. 1‬وقد اعتبر بعض‬
‫الفقهاء هذه الية هي الصل في التعزير‪ ،‬وهم يؤسسون هذا النظر على قياس‬
‫‪57‬‬
‫الحاكم أو أولى المر في الدولة المسلمة على الزوج في البيت المسلم‪ ،‬فكما أعطي‬
‫‪2‬‬‫الزوج حق القوامة في بيته أعطي أولى المر حق القوامة في المجتمع كله‪.‬‬
‫كما نجد في سورة النساء أيضا تطبيقا آخر من تطبيقات التعزير‪ ،‬وذلك في قوله‬
‫تعالى بعد أن ذكر عقاب النساء اللتي يأتين الفاحشة " واللذان يأتيانها منكم فآذوهما‬
‫فإن تابا أو أصلحا فأعرضوا عنهما إن ال كان توابا رحيما ‪ 3".‬فهذه الية تقرر‬
‫عقوبة إتيان الرجال أو الشذوذ الجنسي‪ ،‬والمر بالعقوبة هنا موجه إلى أولي المر‬
‫في الدولة المسلمة‪ ،‬وليس في الية الكريمة بيان نوع العقوبة ول مقدارها ول كيفية‬
‫تنفيذها‪ ،‬وهي من ثم عرضة للتباين والختلف من زمان إلى زمان‪ ،‬ومن مكان إلى‬
‫مكان ‪.‬‬
‫‪-‬أما السنة النبوية ‪ :‬فقد تعددت النصوص المؤصلة لبعض جرائم التعزير في‬
‫الشريعة السلمية‪ ،‬بحيث تتضمن تطبيقات كثيرة لهذا النوع من الجرائم نذكر منها‪:‬‬

‫•التعزير على الساءة لقائد الجيش‬


‫•التعزير على مماطلة المدين الموسر‬
‫•التعزير على منع الزكاة‬
‫•التعزير على سرقة ل توجب الحد‬
‫_________________‬
‫‪ -1‬سورة النساء ‪ :‬الية ‪. 34‬‬
‫‪ -2‬أمي عبد العزيز ‪ :‬مرجع سابق ‪ ،‬ص ‪. 418‬‬
‫‪ -3‬سورة النساء الية ‪. 16‬‬

‫الضوابط ا لمقيدة للسلطة الم ختصة‬ ‫ا لمبحث الثالث ‪:‬‬


‫بالتجريم‬
‫المطلب الول ‪ :‬السلطة المختصة بالتجريم‬
‫سنحاول التطرق في هذا المطلب إلى السلط المخول لها حق التجريم في كل من‬
‫القانون الجنائي المغربي (الفقرة الولى) والشريعة السلمية (الفقرة الثانية)‬
‫الفقرة الولى ‪ :‬السلطة المختصة بالتجريم في القانون الجنائي المغربي‬

‫‪58‬‬
‫ل يعد كل نص متضمن لمقتضيات جنائية نصا تشريعيا جنائيا تلتزم المحاكم‬
‫بتطبيقه وإنما ينبغي زيادة على ذلك أن يكون صادرا من الجهة أو السلطة المخول‬
‫‪1‬‬ ‫إليها التشريع في الميدان الجنائي دستوريا‬
‫ويقضي مبدأ الشرعية في الميدان الجنائي بأن تكون قواعد القانون الجنائي من‬
‫مستوى القانون‪ ،‬أي أن تصدر عن السلطة التشريعية الممثلة في مجلس النواب‪،‬‬
‫ويسير الدستور المغربي في هذا التجاه‪ ،‬إذ أن الفصل ‪46‬منه ينص صراحة في‬
‫فقرته الثالثة على أن مجلس النواب يختص في " تحديد الجرائم والعقوبات الجارية‬
‫عليها والمسطرة الجنائية " ويمكننا هذا من تحديد الجهة المختصة في وضع قواعد‬
‫القانون الجنائي في مجلس النواب وحده‪ ،‬عمل بمبدأ الشرعية الذي ينص عليه‬
‫‪.2‬‬ ‫‪10‬‬ ‫الدستور في فصله‬
‫ولكن مع ذلك فإن هناك بعض الستثناءات التي يجوز للسلطة التنظيمية بموجبها‬
‫ممارسة صلحية التشريع على أساس تفويض إداري من السلطة التشريعية أو على‬
‫أساس تفويض تلقائي وبقوة القانون‪.‬‬
‫وبناء على الستثناء الول‪ ،‬فإنه " يمكن للبرلمان أن يأذن للحكومة أن تتخذ في‬
‫ظرف من الزمن محدود ولغاية معينة بمقتضى مراسيم تدبيرية يختص القانون عادة‬
‫باتخاذها‪.‬‬

‫_________________‬
‫‪ -1‬د‪ .‬عبد الواحد العلمي ‪ :‬مرجع سابق ‪ ،‬ص ‪. 93‬‬
‫‪ -2‬د‪ .‬ممد الليان ‪ :‬مرجع سابق ‪ ،‬ص ‪. 123‬‬

‫وبناء على الستثناء الثاني يمكن للحكومة بين الدورات البرلمانية ودونما حاجة‬
‫إلى إذن من البرلمان‪ ،‬ممارسة صلحية التشريعية بواسطة مراسيم قوانين( الفصل‬
‫من الدستور) إل أن رقابة السلطة التشريعية تبقى قائمة على مراسيم القوانين هذه‬ ‫‪55‬‬

‫التي يتعين الحصول بشأنها على موافقة اللجان البرلمانية المعنية من جهة وعلى‬
‫مصادقة البرلمان عليها في أول دوراته العادية التالية لخر مرسوم قانون‪ ،‬من جهة‬
‫أخرى‪.‬‬

‫‪59‬‬
‫وترتيبا على ذلك‪ ،‬يسوغ الستنتاج من خلل تحليل الفصول الدستورية أن‬
‫الحكومة أو السلطة التنظيمية ل تتمتع‪ ،‬خارج التفويض المشار إليه بأي اختصاص‬
‫أصيل في التشريع‪ ،‬وبالتالي في التجريم والعقاب‪.‬‬
‫إل أن هذا الستنتاج ل يستقيم تماما والمقتضيات المنصوص عليها في الفصل‬
‫درهما‪ ،‬من يخالف مرسوما‬ ‫‪120‬‬ ‫و‬ ‫‪10‬‬ ‫الذي يسمح بالعقاب بغرامة تتراوح ما بين‬ ‫‪609‬‬

‫أو قرارا صدر من السلطة الدارية بصورة قانونية إذا كان هذا المرسوم أو القرار‬
‫لم ينص على عقوبات خاصة (الفقرة ‪)11‬أي أنه يسمح للسلطة الدارية بالقيام بعملية‬
‫‪1‬‬‫التجريم‪.‬‬
‫الفقرة‬ ‫‪609‬‬ ‫ومع هذه الوضعية نتساءل عن جدوى التنصيص على عقوبة (الفصل‬
‫‪)11‬منه التي تشكل تناقضا لمضمون الفصل ‪45‬من الدستور مما يستوجب معه تدخل‬
‫‪2‬‬‫المشرع لتنسيق نصوص القانون الجنائي مع الدستور ‪.‬‬
‫ومن جهة أخرى قد يتولى ملك المغرب التشريع في الميدان الجنائي بظهائر في‬
‫الحالت التية ‪:‬‬
‫من الدستور‪ ،‬ذلك أن إعلن حالة الستثناء‬ ‫‪35‬‬ ‫•في حالة الستثناء طبقا للفصل‬
‫تسمح للملك ‪-‬كما هو معلوم‪ -‬بممارسة التشريع رغم وجود أي نص مخالف‪ ،‬في‬
‫جميع الميادين و من ضمنها الميدان الجنائي‪.‬‬

‫_________________‬
‫‪ -1‬ممد الليان ‪ :‬مرجع سابق ‪ ،‬ص ‪. 124-123‬‬
‫‪ -2‬د‪.‬عبد السلم بنحدوت ‪ :‬مرجع سابق ‪ ،‬ص ‪. 110‬‬

‫حيث يخول للملك تلفيا للفراغ الذي يحصل نتيجة‬ ‫‪71‬‬ ‫•حالة النيابة طبقا للفصل‬
‫لحل مجلس النواب‪ ،‬وفي انتظار انتخاب مجلس نيابي جديدا أن يمارس السلطة‬
‫التي يختص بها مجلس النواب ضمن جملتها التشريع في النطاق الجنائي‪.‬‬
‫من الدستور التي تخول للملك وإلى أن يتم‬ ‫‪102‬‬ ‫•في حالة النتقال طبقا للمادة‬
‫تنصيب مجلس النواب المنصوص عليه في الدستور أن يتخذ كل الجراءات‬
‫التشريعية اللزمة لقامة المؤسسات الدستورية ويسير السلطات العمومية وتدبير‬
‫‪1‬‬ ‫شؤون الدولة ويدخل ضمنها بطبيعة الحال التشريع في الميدان الجنائي‪.‬‬

‫‪60‬‬
‫الفقرة الثانية ‪ :‬مصادر التجريم في التشريع الجنائي السلمي‬
‫تعددت المصادر التشريعية التي بها تعرف الحكام منها ما هو مختلف فيه‬
‫ومنها ما هو متفق عليه‪ ،‬فل خلف على مصادر ثلث‪ ،‬القرآن‪ ،‬السنة‪ ،‬والجماع‬
‫أما باقي المصادر وهي القياس والمصلحة – وتشمل الستحسان والمصلحة وسد‬
‫الذرائع والعرف –والستصحاب فمختلف عليها‪.‬‬
‫وسنقتصر في هذه الفقرة على القرآن والسنة والجماع والقياس‬
‫‪.1‬القرآن ‪ :‬هو مصدر هذه الشريعة الول‪ ،‬ومرجع كل أدلتها والصل الذي تفرع‬
‫عنه كل ما جاء به محمد صلى ال عليه وسلم ‪ .‬نصوصه قطعية الورود كما‬
‫أنزلت على الرسول من ربه‪ ،‬حجة على كل مسلم ومسلمة واجبة التباع أيا كان‬
‫نوعها وهي على نوعين‪ :‬أحكام يراد بها إقامة الذين وتشمل أحكام العقائد‬
‫والعبادات‪ ،‬وأحكام يراد بها تنظيم الجماعة السلمية وتنظيم علقات الفراد فيما‬
‫بينهم وتشكل أحكام المعاملت والعقوبات وغيرها‪.‬‬
‫وقد ذكر القرآن بعض الجرائم وبين عقوبتها وهي تلك التي يعد العتداء فيها‬
‫أكبر اعتداء على الجماعة والفراد‪ ،‬لنه اعتداء على ما هو ضروري في المصالح‬
‫التي أوجب السلم حمايتها وهي‪ :‬حفظ النفس والدين والمال والنسل والعقل‪،‬‬
‫فالعتداء بالقتل والردة وقطع الطريق والزنا والقذف والشرب‪ ،‬اعتداء على ما هو‬

‫_________________‬
‫‪ -1‬عبد الواحد العلمي ‪ :‬مرجع سابق ‪ ،‬ص ‪. 94‬‬

‫ضروري للحياة السلمية الكريمة بالنسبة لهذه المور الخمسة‪ ،‬فنص فيه على أكبر‬
‫عقوبة لكبر جريمة ثم يكون التدرج النزولي لمن يقيس على ما نص القرآن على‬
‫عقوبته‪.‬‬
‫وقد ذكر القرآن في مواضع النهي جمل من المعاصي النسانية التي تعتبر‬
‫رؤوسها‪ ،‬وبعض هذه المعاصي ذكره بالنص‪ ،‬وهي تلك التي تمس مصلحة الجماعة‬
‫مباشرة‪ ،‬ونص على بعض آخر بالتعميم‪ ،‬عبر عنه بالفواحش والبغي في قوله تعالى‬
‫في آية جامعة لمعاني السلم " إن ال يأمر بالعدل والحسان وإيتاء ذي القربى‬
‫‪1‬‬ ‫وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي ويعضكم لعلكم تذكرون "‪.‬‬
‫‪61‬‬
‫‪.2‬السنة ‪ :‬يطلق لفظ السنة على ما جاء منقول عن النبي صلى ال عليه وسلم‬
‫على الخصوص‪ ،‬مما لم ينص عليه في الكتاب العزيز‪ ،‬بل إنما نص عليه من‬
‫جهته عليه الصلة والسلم‪ ،‬كان بيان لما في الكتاب أول‪.‬‬
‫ويطلق أيضا في مقابلة البدعة‪ ،‬يقال " فلن على بدعة " إذ عمل على خلف ما‬
‫عمل عليه صلى ال عليه وسلم ‪. 2‬‬
‫وتنقسم السنة من حيث ذاتها إلى قولية وفعلية وتقريرية ول خلف بين علماء‬
‫المسلمين الذين يعتد برائيهم في أن السنة أصل من أصول التشريع ومصدر من‬
‫مصادر الفقه‪ ،‬يجب الخذ بها والعمل بمقتضاها وإنها متى صحت نسبتها إلى‬
‫الرسول (ص) كانت كالقرآن في تحليل الحلل والحرام وقد دل على حجية السنة ما‬
‫جاء في القرآن الكريم من المر بطاعة رسول ال (ص) ثم ما ورد من الوعيد‬
‫الشديد لمن خالفه يقول تعالى " وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهون "‬
‫إلى غير‬ ‫‪79‬‬ ‫سورة الحشر آية ‪ " 7‬من يطع الرسول فقد أطاع ال " سورة النساء الية‬
‫ذلك من اليات الكثيرة التي تدل دللة قاطعة على حجية السنة في الجملة ووجوب‬
‫‪3‬‬ ‫العمل بها واعتبارها مصدرا من مصادر الشريعة‬
‫_________________‬
‫‪ -1‬هبة أحد مرجع سابق ‪ :‬ص ‪. 21-20‬‬
‫‪ -2‬الشاطب " موافقة ‪ ،‬ص ‪ 4-3‬الزء الرابع دار العرفة بيوت الطبعة الول بدون تاريخ ‪.‬‬
‫‪ -3‬د‪ .‬عبد الالق أحدون و د‪ .‬مرزوق آيت الاج ‪ :‬مباحث ف أصول الفقه ‪ ،‬ص ‪ 55-54‬مطبعة سبارطيل ‪. 2003‬‬

‫والسنة قد تكون مفصلة تبين المراد من القرآن وتقيد مطلقه وتفصل مجمله ‪ ..‬ذلك‬
‫أن حد النصاب في السرقة مجمل في قوله تعالى " والسارق والسارقة فاقطعوا‬
‫أيديهما جزاءا بما كسبا نكل من ال " مجمل في النصاب الذي يقطع به‪ ،‬وشروط‬
‫النصاب وشروط القطع‪ ،‬فجاءت السنة وبينت كل ذلك‪.‬‬
‫وإما قد تكون سنة متضمنة حكما سكت عنه القرآن وذلك مثل دية الجنين ومثل‬
‫كون الديات تورث أو تكون للعصبة‪.‬‬
‫والسنة هي التي بينت طريق إثبات الجرائم الخاصة بالقصاص‪ ،‬فهي التي بينت‬
‫أن القصاص يثبت بالقرار ويثبت بشهادة رجلين ‪ ،‬ولم يثبت أن الرسول (ص)‬
‫سوغ شهادة رجل وامرأتين‪.‬‬

‫‪62‬‬
‫والسنة هي التي بينت حد الشرب‪ ،‬وهي التي بينت طريقة إثبات الحدود في‬
‫الجملة وطريق درئها بالشبهة‪ ،‬وماهية الجريمة فيها ‪.‬‬
‫وبالجملة فإن النبي (ص) قد تركنا بعد أن بلغ رسالة ربه‪ ،‬وترك فينا ما أن‬
‫أخذنا به ل نضل من بعده أبدا‪ ،‬ترك فينا كتاب ال وسنته التي أصبحت مصدرا‬
‫تشريعيا واجب التباع في قوله تعالى " وما أتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم فانتهوا"‬
‫‪1‬‬ ‫سورة الحشر‬
‫‪.3‬الجماع ‪ :‬هو اتفاق مجتهدي أمة محمد (ص) بعد وفاته في عصر من‬
‫العصور‪ ،‬على حكم شرعي والمراد بالتفاق الوارد في التعريف الشتراك في‬
‫العتقاد أو القول أو الفعل‪.‬‬
‫وأساس الجماع هو القرآن والسنة واعتباره مصدرا تشريعيا مرده إلى‬
‫نصوصهما ففي قوله تعالى " يأيها الذين آمنوا أطيعوا ال وأطيعوا الرسول وأولي‬
‫المر منكم " وقال الرسول (ص) " ل تجتمع أمتي على خطأ " وقال " لم يكن ال‬
‫‪2‬‬ ‫ليجمع أمتي على ضللة "‬

‫_________________‬
‫‪ -1‬هبة أحد مرجع سابق ‪ :‬ص ‪. 22‬‬
‫‪ -2‬د‪ .‬عبد الالق أحدون و د‪ .‬مرزوق أيت الاج ‪ :‬مرجع سابق ‪ ،‬ص ‪. 64‬‬

‫وقد ثبتت بعض العقوبات بإجماع الصحابة‪ ،‬فحد الشارب قد أجمعوا عليه وثبت‬
‫بإجماعهم‪ ،‬ومن المسائل أيضا التي ثبتت بالجماع قتال المرتدين واعتبار مانع‬
‫الزكاة إن كان من جماعة لها قوة ومنعة من المرتدين‪ ،‬وأجمع الصحابة على أن‬
‫القتل بالسوط أو ما يشبهه مما ل يقتل به عادة ل قصاص فيه‪.‬‬
‫وقد سلم الفقهاء بإجماع الصحابة خصوصا في عهد عمر رضي ال عنه‪ ،‬فقد‬
‫منع الصحابة من الخروج إلى المصار لينتفع من علمهم ولكيل يفتن الناس بهم‬
‫فكان الجماع ممكنا‪،‬أما بعد الصحابة فكان الجماع بعيد الحصول لنه ل ينعقد إل‬
‫بعلماء المة المجتهدون في عصر من العصور مهما تباعدت المصار‪ ،‬ولهذا أنكر‬
‫‪1‬‬ ‫الشافعي وأحمد وقوعه ‪.‬‬

‫‪63‬‬
‫‪.4‬القياس ‪ :‬هو المصدر الرابع من مصادر التشريع‪ ،‬أرشد إليه القرآن في‬
‫مواضع كثيرة تارة دل عليه بوجوب العمل به‪ ،‬وتارة بذكر علل للحكام وتارة‬
‫بضرب المثال كما أرشدت إليه السنة الكريمة‪ ،‬وقد ثبت أن الرسول (ص) قاس‬
‫حتى بلغت أقسيته ما يزيد على المائة‪ ،‬ويعتبر القياس أهم مصادر التشريع‬
‫السلمي‬
‫والقياس هو إلحاق أمر لم ينص على حكمه في كتاب أو سنة أو الجماع‪ ،‬بأمر‬
‫‪2‬‬ ‫نص عليه في إحداها لشتراكهما في علة الحكم‬
‫وكما سبق وأشرنا فالنصوص الشرعية غالبا ما ترد مقترنة بذكر علة الحكم أو‬
‫المصلحة التي شرعت لجلها مما يدل على أن أحكام ال تدور مع مصالح العباد‬
‫وإرشاد المسلمين إلى قياس ما لم يرد فيه نص بما ورد فيه‪.‬‬
‫وثبوت التعزير بالقياس أمر ل خلف عليه‪ ،‬لنه كله مبنى على تقدير ولى‬
‫المر أو تقدير القاضي الذي يفوض إليه ذلك …ولكن الخلف في جواز القياس في‬
‫الحدود والقصاص … فمن قائل بجوازها لن القياس من طرق الستنباط الصحيح‬
‫وطرق القضاء العادل ومن قائل أن الحدود والقصاص ل تثبت في جرائم بالقياس‬
‫‪3‬‬ ‫لن المور المقدرة ل يدخل فيها القياس ‪.‬‬
‫_________________‬
‫‪ -1‬هبة أحد مرجع سابق ‪ :‬ص ‪. 23‬‬
‫‪ -2‬د‪ .‬عبد الالق أحدون و د‪ .‬مرزوق آيت الاج ‪ :‬مرجع سابق ‪ ،‬ص ‪. 73-72‬‬
‫‪ -3‬د‪ .‬هبة أحد ‪ :‬مرجع سابق ‪ ،‬ص ‪. 24‬‬

‫و من أمثلة القياس‪:‬‬
‫‪ -‬تحريم النبيذ قياسا على الخمر وذلك لشتراكهما في العلة وهي السكار‬
‫‪ -‬وقد حكم أمير المؤمنين عمر ابن الخطاب رضي ال عنه بقتل الجماعة الذين‬
‫قتلوا واحد‪ ،‬إذ توقف عمر في قتل الجماعة بالواحد قال له علي أرأيت يا أمير‬
‫المؤمنين لو أن جماعة اشتركوا في سرقة جزور و ذبحوه فأخذ هذا عضوا وهذا‬
‫عضوا أكنت قاطعهم؟ قال نعم‪ ،‬فكذا لك هذا فأمر بقتلهم ‪.‬‬
‫‪ -‬قول علي في شرب الخمر أنه إذا شرب سكر وإذ سكر هذى وإذ هذى‬
‫افترى‪ ،‬فحده حد المفترين‬

‫‪64‬‬
‫‪ -‬قياس عمر الخمر على الشحم‪ ،‬وأن تحريمها تحريم لثمنها‪.‬‬
‫وهذه بعض المثلة التي تدل دللة قاطعة على العمل بالقياس‬
‫إن نصوص القرآن والسنة محدودة متناهية لنتهاء الوحي‪ ،‬وحوادث الناس‬
‫وأقضيتهم غير محدودة ول متناهية والمتناهي ل يفي بأحكام غير المتناهي‪ ،‬فل‬
‫سبيل إلى إعطاء الوقائع الجديدة حكمها في ضل الشريعة السلمية التي جعلها ال‬
‫خاتمة الشرائع السماوية‪ ،‬وتعهد بها البشر إلى يوم القيامة‪ ،‬إل عن طريق القياس‬
‫وبذلك تكون الشريعة صالحة للتطبيق في كل زمان ومكان وفية بحاجات الناس‬
‫‪1‬‬ ‫المتجددة ومستجيبة لمطالب المم المختلفة ومحققة لسعادتها على أكمل وجه‬
‫وهكذا إذا كانت القوانين الوضعية توضع من طرف النسان الذي تغلب عليه‬
‫الهواء والشهوات فإن واضع أحكام الشريعة السلمية هو خالق هذا الكائن‬
‫النساني‪ ،‬العليم بما يصلحه ويصلح له‪ ،‬وهو المطلع على خفايا تكوينه وتركيبه‪،‬‬
‫وخفايا الملبسات الرضية والكونية كلها في مدى الحياة البشرية كذلك‪.‬‬
‫فإذا وضع له منهجا كان ملحوظ في هذا المنهج كل هذه العوامل التي يستحيل‬
‫على البشر أفرادا ومجتمعين في جيل من الجيال وفي جميع الجيال كذلك أن‬
‫يطلعوا عليها لن بعضها في حاجة إلى استحضار جميع التجارب والظواهر للحياة‬
‫البشرية في جميع أجيالها السابقة والحاضرة والمستقبلية التي لم توجد بعد‪.‬‬
‫_________________‬
‫‪ -1‬د‪ .‬عبد الالق أحدون و د‪ .‬مرزوق أيت الاج ‪ :‬مرجع سابق ‪ ،‬ص ‪. 79‬‬

‫وهذا مستحيل وبعضها في حاجة إلى الطلع على كل خفايا الكون المحيط بالنسان‬
‫‪ ،‬وهذا مستحيل كذلك وذلك إلى قصور الدراك البشري ذاته عن الحكم الصحيح‬
‫المطلق حتى على ما يمكن أن تستحضر فيه التجارب والظواهر‪ ،‬لنه محكوم‬
‫بطبيعته الجزئية ‪-‬غير المطلقة‪ -‬ومحكوم بالهوى والضعف ومن ثم يقول ال (ولو‬
‫اتبع الحق أهواءهم لفسدت السماوات ولرض) ويقول جل قدرته (ثم جعلناك على‬
‫‪1‬‬ ‫شريعة من المر فاتبعها ول تتبع أهواء الذين ل يعلمون)‬
‫كما أن الحكام التي جاء بها الرسول (ص) الذي ل ينطق عن الهوى ما هي إل‬
‫وحي يوحى‪.‬‬
‫أما الجماع فقد أكد الرسول (ص) على عدم اجتماع أمته على خطأ ‪.‬‬
‫‪65‬‬
‫ويبقى القياس أهم اختلف بين الشريعة السلمية والقانون الجنائي المغربي‬
‫الذي يحرم القياس في المادة الجنائية هو بدوره –أي القياس‪-‬تحكمه قواعد وضوابط‬
‫فقهية دقيقة حتى ل يخضع القياس لهواء المجتهدين مما يترتب عليه الخروج عن‬
‫مقاصد الشريعة‪.‬‬
‫إن الحكام الفقهية السلمية بالضافة إلى كونها أحكام قانونية تحكم علقات‬
‫الناس بعضهم مع بعض‪ ،‬هي أحكام دينية تستمد من الوحي مباشرة أو من طرق‬
‫الستنباط ارشد الوحي إلى جواز العمل بها ولعتماد عليها‪ ،‬وتستوي في ذلك‬
‫‪2‬‬ ‫الحكام الجنائية في الفقه السلمي مع الحكام غير الجنائية فيه‬
‫المطلب الثاني ‪ :‬ضوابط التجريم‬
‫كيف يتحدد تجريم فعل من الفعال وعلى أي أساس ؟ هل هناك شيء في‬
‫الطبيعة الداخلية للفعل تمكن من الجزم بأن المر يتعلق بجريمة أو ل ؟ أو بمعنى‬
‫أوضح ما هي الضوابط التي على المشرع مراعاتها‪.‬‬

‫_________________‬
‫‪ -1‬خالد عبد الميد فراج ‪ :‬مرجع سابق ‪ ،‬ص ‪. 65 - 64‬‬
‫‪ -2‬ممد سليم العوا ‪ :‬مرجع سابق ‪ ،‬ص ‪. 49-48‬‬

‫تعددت الجوبة الفقهية على هذه السئلة‪ ،‬ويمكن حصرها في فكرتين أساسيتين‬
‫أولهما ‪ :‬الضرورة وثانيهما ‪ :‬العدل‪.‬‬
‫الفقرة الولى ‪ :‬الضرورة‬
‫ينصرف مفهوم الضرورة إلى ما يفيد أن المشرع يجب أن أل يجرم سلوكا أو‬
‫يؤثم تصرفا إل إذا كانت هناك ضرورة تقتضيه‪ ،‬بحيث ل تمتد يد المشرع‬
‫التجريمية إل على الفعال التي تمثل بغيا واعتداء على المصالح والقيم الجتماعية‬
‫والسياسية والقتصادية التي يستهدف حمايتها نص التجريم‪.‬‬
‫ومن هنا كانت الضرورة في التجريم إحدى الضوابط الشرعية في مجال الحماية‬
‫‪1‬‬‫الجنائية لحقوق النسان‪.‬‬
‫وعلى هذا النحو إذا كان ارتباط التجريم بالضرورة يمثل أحد أسس وضوابط‬
‫شرعيته‪ ،‬فإن هذه الخيرة تستلزم توافر أمرين ‪:‬‬
‫‪66‬‬
‫•أن تكون المصلحة جديرة بالحماية الجنائية ‪.‬‬
‫•ضرورة أن يمثل السلوك المؤثم بغيا حقيقيا وجسيما على المصلحة المحمية‬
‫جنائيا ‪.‬‬
‫إل أن عنصر الضرورة وعلى رغم أهميته فإنه ل يكفي دائما لرسم الخط‬
‫الفاصل بين الممنوع والمباح لذلك فقد تعرض لمجموعة من النتقادات من عدة‬
‫أوجه ‪:‬‬
‫‪ -‬فمن جهة‪ ،‬يرتبط مضمون الضرورة بالزمان‪ ،‬وليست ضرورة المس هي‬
‫ضرورة اليوم‪ ،‬فإذا كانت هناك أفعال نتفق مع أسلفنا على ضرورة تجريمها‪ ،‬فإننا‬
‫‪2‬‬ ‫نختلف معهم حول تجريم أفعال أخرى‪.‬‬

‫_________________‬
‫‪ -1‬خيي أحد الكباش ‪ :‬الماية النائية لقوق النسان ) دراسة مقارنة ( ص ‪ 388‬طبعة ‪. 2002‬‬
‫‪ -2‬مي الدين أمزازي ‪ :‬العقوبة ‪ ،‬ص ‪. 229‬‬

‫‪-‬ومن جهة أخرى‪ ،‬تفتقر فكرة الضرورة لعناصر مضبوطة ومحددة تجعل الجماع‬
‫عليها في زمان معين ممكنا‪ ،‬فإذا ما أخذنا مثل جريمة الجهاض فإننا نجد تداخل‬
‫العديد من العتبارات التي تتباين من مجتمع إلى آخر ومن زمان إلى آخر‪ ،‬فمن‬
‫الواضح أن تجريم كل أشكال الجهاض يجد في العتبارات الخلقية والدينية سندا‬
‫له‪ ،‬لكنه ينتج في نفس الوقت آثار سلبية على مفهوم الحرية الفردية ول يراعي‬
‫ضرورة المحافظة على صحة وحياة الم كما ذهب إلى ذلك العديد من التشريعات‬
‫الجنائية الحديثة‪.‬‬
‫وأخيرا فإنه ل يمكن القبول بفكرة الضرورة كمعيار للتجريم‪ ،‬إل إذا تبين‬
‫بوضوح أن تحديد الضرورة يقوم على مقياس مقبول ‪.‬‬
‫إن كل هذه العتبارات دفعت بالعديد من التشريعات الجنائية الحديثة إلى‬
‫الستعاضة عن المعيار السابق بمعيار آخر هو معيار العدل ‪.‬‬
‫الفقرة الثانية‪ :‬العدل‬

‫‪67‬‬
‫فرضت فكرة العدل نفسها كمعيار وضابط للتجريم إثر بروز سلبيات وحدود‬
‫معيار الضرورة‪ ،‬ومؤدى هذه الفكرة ‪ :‬أن المشرع عليه أل يجرم سوى الفعال التي‬
‫تقوي معاقبتها الحساس الجماعي بالعدل‪ 1.‬وقد عرف التنظير لهذا المعيار تطورا‬
‫جعله يبتعد تدريجيا عن المجال الخلقي ليلتحم بفكرة الديمقراطية وحقوق النسان‪.‬‬
‫وهكذا فقد كانت النظرية الولى ترى في القانون الجنائي صياغة متطورة‬
‫لقواعد الخلق‪ ،‬بالنظر إلى العلقة الوطيدة التي تجمع بين التشريع الجنائي‬
‫والخلق والدين‪ ،‬هذا الخير شكل مبادئ وقيم من قبل العدل إحدى أهم مرتكزاته‬
‫وتوجهات إصلحية‪.‬‬
‫فإذا ما سلمنا بالمكانة الخاصة التي يتبوؤها السلم باعتباره الدين الرسمي‬
‫للدولة‪ ،‬وكمرجع دائم للقانون وكمنبع ينهل منه المجتمع والفراد‪ ،‬الضوابط الفاصلة‬
‫بين الحلل والحرام‪ ،‬فإننا نجد بأن فكرة العدل بمختلف تجلياتها شكلت قبلى للمشرع‬
‫الجنائي عند وضعه للقواعد الجنائية‪ ،‬وهاجسا ذا أهمية بالغة في تجريمه لفعال‬
‫_________________‬
‫‪ -1‬مي الدين أمزازي ‪ :‬مرجع سابق ‪ ،‬ص ‪. 231‬‬

‫وسلوكات الفراد والجماعات على القل بالنسبة للجرائم التقليدية‪ ،‬أو هذا ما قد يبدوا‬
‫في ظاهر المر‪.‬‬
‫أما النظرية الثانية‪ ،‬فقد اعتمد أصحابها على تبرير العدل كمعيار للتجريم انطلقا‬
‫إما من مفهوم الديمقراطية أو من مفهوم حقوق النسان ‪.‬‬
‫فبالنسبة للتيار الول الذي يربط بين العدل والديمقراطية‪ ،‬فقد ظهر كنتيجة لفصل‬
‫الدولة عن الدين وفشل معيار الضرورة في تحقيق العدل وحماية الحقوق والحريات‬
‫وينطلق أصحاب هذا التيار من اعتبار الديمقراطية الساس الذي يسمح بالتعبير عن‬
‫مفهوم العدل وتحديده‪ ،‬لذلك فهم يؤكدون بأن أي مجتمع ديمقراطي ل يمكن أن يقبل‬
‫سوى بتجريم الفعال والتصرفات التي تشكل اعتداء على القيم المعتبرة أساسية من‬
‫طرف أغلبية المواطنين‪ ،‬وليس تلك القيم أو المصالح التي كان يرى سلفهم ضرورة‬
‫الحفاظ عليها‪ ،‬وهو ما يعني إمكانية تنظيم مراجعة منتظمة لمضمون القانون الجنائي‬
‫والسهر على مسايرته للحساس الجماعي بالعدل‪.‬‬

‫‪68‬‬
‫أما التيار الثاني الذي يربط فكرة العدل بحقوق النسان‪ ،‬فقد ظهر كرد فعل ضد‬
‫التجاوزات والتعسفات التي شهدها القانون الجنائي في بعض الدول حيث استغلت‬
‫القانون لفرض سلطتها وحماية مصالح الطبقة المهيمنة‪ ،‬وتذرعت بالضرورة لبسط‬
‫يدها التجريمية على حقوق وحريات الفراد‪.‬لذلك نادى أصحاب هذا التيار بمراعاة‬
‫حقوق النسان وضمانها وحمايتها من خلل مراقبة دستورية القوانين الجنائية من‬
‫جهة‪ ،‬وإلزام المشرع بما تنص عليه المواثيق الدولية من جهة ثانية‪.‬‬
‫المحمية بالتجريم‬ ‫ا لمبحث الرابع ‪ :‬المصال ح‬
‫يشكل حفظ المصالح والقيم الساسية التي يتعلق بها المجتمع أو تلك التي يحددها‬
‫المشرع أهم أهداف سياسة التجريم‪ ،‬سواء في القانون الجنائي المغربي (المطلب‬
‫الول ) أو في الشريعة السلمية (المطلب الثاني)‪ .‬على أن حفظ النظام العام يعتبر‬
‫من أهم هذه الهداف‪ ،‬بالرغم من تباين مقوماته وأسسه بين النظام الجنائي السلمي‬
‫من جهة والنظام الجنائي المغربي من جهة ثانية (المطلب الثالث ) ولوضع اليد على‬
‫هذا التباين ندرج بعض النماذج التجريمية المبنية لذلك (المطلب الرابع)‪.‬‬
‫المطلب الول ‪ :‬أهداف التجريم في القانون‬
‫الجنائي المغربي‬
‫تتيح سياسة التجريم للدولة السيطرة على إنتاج القواعد الجنائية التي تحكم أفعال‬
‫النسان‪ ،‬وذلك بهدف حماية المصالح المشتركة بين جميع أفراد المجتمع‪ ،‬تجنبا لي‬
‫صراع بين هؤلء بسبب تباين القيمة الحقيقية لمصالحهم الخاصة بالنظر إلى‬
‫‪1‬‬ ‫المصلحة العامة‪.‬‬
‫وانطلقا من هذا العتبار‪ ،‬فإن الدولة تراقب دائما سلوك الفراد إزاء المصالح‬
‫المحمية قانونا‪ 2 ،‬ما إذا كان هذا السلوك يستحق العقاب فترفع الصفة الشرعية عليه‬
‫لتجريمه‪ ،‬أو ل يستحق العقاب فترفع صفة التجريم عليه وتجعله مباحا‪.‬‬
‫والمشرع يلجئ إلى تجريم أفعال وسلوكات معينة بغية حماية مجموعة من‬
‫المصالح والقيم السياسية والقتصادية والجتماعية ‪.‬‬
‫بالنسبة للمصالح السياسية ‪ :‬يمكن إجمالها عموما في حماية النظام السياسي‬
‫القائم بمختلف عناصره ومرتكزاته‪ ،‬باعتباره أهم الركائز التي تعبر عن سيادة الدولة‬

‫‪69‬‬
‫واستقللها‪ .‬ولحماية هذه المصالح جرم المشرع كل اعتداء يطالها وهو ما تجسده‬
‫جرائم أمن الدولة الداخلي والخارجي بصفة عامة‪ ،‬فالمشرع حين جرمها أخذ في‬
‫اعتباره البعاد الخطيرة لهذا النوع من الجرائم‪ ،‬ومن ثم كانت العقوبات المخصصة‬
‫لها هي الخرى جد قاسية قد تصل إلى العدام‪.‬‬
‫أما المصالح القتصادية‪ ،‬فتتمثل في كل مصلحة يؤدي العتداء عليها إلى‬
‫المساس بالقتصاد الوطني‪ ،‬كما هو الشأن بالنسبة لجرائم التهريب الجمركي‪،‬‬
‫وتزييف النقود‪ ،‬والتملص الضريبي‪ ،‬فالعامل القتصادي كان حاضرا بقوة لدى‬
‫المشرع المغربي أثناء إضفاءه الحماية الجنائية على هذا النوع من المصالح‪ ،‬ففي‬
‫جريمة تزييف النقود مثل من شأنها أن تؤدي إلى التضخم القتصادي وإلى عدم ثقة‬
‫الجمهور في العملة الوطنية‪ ،‬و تدهور قيمتها النقدية‪ ،‬وهو ما يؤثر بشكل سلبي على‬
‫القتصاد الوطني وعلى استقرار المجتمع ككل‪.‬‬

‫_________________‬
‫‪ -1‬د‪ .‬ممد التغدوين ‪ :‬إشكالية التجري ف التشريع النائي الغرب ‪ ،‬ص ‪ 1‬مطبعة فاس بريس ‪. 2002‬‬
‫‪ -2‬د‪ .‬ممد التغدون ‪ :‬مرجع سابق ‪ ،‬ص ‪1‬و ‪. 2‬‬

‫وأخيرا‪ ،‬فإن المصالح الجتماعية مما تمثله من مفاهيم ثقافية وتاريخية وفلسفية‪،‬‬
‫تمارس هي الخرى تأثيرا ملحوظا على المشرع عند وضعه لسياسة التجريم‪،‬‬
‫ويتضح ذلك من خلل تجريم العديد من الفعال الماسة بهذا النوع من المصالح مثل‬
‫جرائم الجهاض وإهمال السرة‪ ،‬وجرائم الخلق العامة وجرائم المساعدة على‬
‫النتحار وعدم تقديم المساعدة لمن كان في خطر‪ ،‬وغيرها من الجرائم‪.‬‬
‫وعلى العموم‪ ،‬فإن الدوافع والعوامل الموجبة للتجريم‪ ،‬تختلف باختلف طبيعة‬
‫المصالح المستوجبة للحماية الجنائية‪ ،‬فالمشرع حين يقوم بعملية التجريم يكون متأثرا‬
‫بثلث عوامل تشكل محاور أساسية هي المحور السياسي والمحور القتصادي‬
‫والمحور الجتماعي‪.‬‬
‫المطلب الثاني ‪ :‬مقاصد التجريم في التشريع‬
‫الجنائي السلمي‬

‫‪70‬‬
‫لم يضع الشارع الحكيم الحكام الشرعية التجريمية اعتباطا‪ ،‬وإنما قصد بها‬
‫تحقيق مقاصد عديدة‪ ،‬ومقاصد التجريم في الشريعة السلمية تدخل ضمن المقاصد‬
‫الشرعية العامة‪.‬‬
‫ومقاصد الشريعة كما يعرفها الفقهاء هي " المعاني والهداف الملحوظة للشرع‬
‫في جميع أحكامه أو معظمها‪ ،‬أو هي الغايات من الشريعة‪ ،‬والسرار التي وضعها‬
‫‪1‬‬‫الشارع عند كل حكم من أحكامها "‪.‬‬
‫وقد حصر علماء الصول مقاصد الشارع العامة من التشريع في ثلثة أصناف هي‪:‬‬
‫حفظ الضروريات‪ ،‬وتوفير الحاجيات‪ ،‬وتحقيق التحسينات‪.‬‬
‫وترتبط مقاصد التجريم وأهدافه في الشريعة السلمية بالصنف الول من هذه‬
‫المقاصد وهو حفظ الضروريات وإقامتها‪.‬‬
‫والضروريات كما يعرفها بعض الفقه هي ‪ " :‬كل أمر ضروري تقوم عليه حياة‬
‫الناس ولبد منه لستقامة مصالحهم‪ ،‬فإذا فقد اختل نظام حياتهم وعمت الفوضى‬
‫وانتشر الفساد "‪ 2‬أو هي ‪ " :‬ما لبد منها في قيام مصالح الدين والدنيا‪ ،‬بحيث إذا‬
‫_________________‬
‫‪ -1‬د‪ .‬عبد الالق أحدون ‪ :‬مرجع سابق ‪ ،‬ص ‪. 126‬‬
‫‪ -2‬عبد القادر عودا ‪ :‬مرجع سابق ‪ ،‬ص ‪. 203‬‬

‫فقدت لم تجري مصالح الدنيا على استقامة‪ ،‬بل على فساد وتهارج وفوت حياة وفي‬
‫‪1‬‬‫الخرى فوت النجاة والنعيم‪ ،‬والرجوع بالخسران المبين‪".‬‬
‫وتنسحب الضروريات إلى حفظ خمس مصالح أساسية تشكل في مجموعها‬
‫مقاصد التجريم وأهدافه‪ ،‬فيما يعرف عند الفقهاء بالكليات الخمس وهي تشمل‪:‬‬
‫•حفظ الدين‬
‫•حفظ النفس‬
‫•حفظ العقل‬
‫•حفظ النسل‬
‫•حفظ المال‬
‫إن حفظ هذه العتبارات الخمس تشكل فلسفة التجريم وغاياته في التشريع‬
‫الجنائي السلمي‪ ،‬وهي تشكل مجتمعة مختلف المصالح والقيم التي عملت‬

‫‪71‬‬
‫التشريعات الجنائية الحديثة الوطنية والمقارنة على حفظها وحمايتها‪ ،‬بل إنها تزيد‬
‫عليها في بعض العناصر‪ ،‬بحيث تقدم مفهوما راقيا ومتطورا لحفظ بعض هذه‬
‫المصالح خاصة ما يتعلق بالجانب الخلقي والتربوي والجتماعي‪.‬‬
‫وحاصل القول هنا‪ ،‬أن مختلف المصالح والقيم المستهدفة بالحماية في التشريعات‬
‫الجنائية الحديثة سواء تعلق المر بالمصالح السياسية أو القتصادية‪ ،‬أو الجتماعية‪،‬‬
‫قد شملها المشرع السلمي بالحفظ والحماية من خلل عنايته بترسيخ العناصر‬
‫الخمس السالفة وحمايتها‪.‬‬
‫فحفظ الدين باعتباره أهم مقوم في حياة الناس وركيزة الركائز في كيان‬
‫‪2‬‬ ‫المجتمع‪ ،‬هو ما يعبر عنه اليوم بالمصالح السياسية‪ ،‬وقد شرع لحفظه أمور عديدة‬
‫منها تجريم كل اعتداء قد يطاله‪ ،‬فكانت جرائم الردة‪ ،‬وجرائم الحرابة‪ ،‬وجرائم نشر‬
‫البدع وتشكيك الناس في عقيدتهم‪ ،‬وجرائم الخروج عن الجماعة و شق عصا الطاعة‬
‫وموالة أعداء المسلمين وغيرها من الجرائم التي وجدت لحفظ الدين وصونه‪.‬‬

‫_________________‬
‫‪ -1‬الشاطب ‪ :‬الوافقات ‪ ،‬ص ‪ 8‬الزء الثان دار العرفة بيوت لبنان بدون طبعة ‪.‬‬
‫‪ -2‬الشاطب ‪ :‬مرجع سابق ‪ ،‬ص ‪.9-8‬‬

‫أما حفظ النفس‪ ،‬والعقل والنسل‪ ،‬فهي ما يعرف بالمصالح الجتماعية وقد شرع‬
‫لحفظ الولى‪ ،‬جرائم القتل والجرح عمدا وخطأ‪ ،‬وشرع لحفظ العقل‪ ،‬جرائم شرب‬
‫الخمر وتناول المخدرات‪ .‬فيما شرع لحفظ النسل‪ ،‬جرائم القذف وجرائم الجهاض‬
‫وجرائم الزنى والشذوذ‪.‬‬
‫وأخيرا‪ ،‬فإن حفظ المال‪ ،‬يمثل ما يعرف في التشريعات الجنائية الحديثة‬
‫بالمصالح القتصادية‪ ،‬وقد وجد لحفظه جرائم السرقة والختلس وجرائم أكل مال‬
‫الغير وجرائم إتلف أموال الناس ‪.‬‬
‫وخلصة القول فيما تقدم‪ ،‬أن نظام التجريم في الشريعة السلمية‪ ،‬وجد لتحقيق‬
‫مجموعة من المقاصد والهداف‪ ،‬تجسدت في حماية المصالح السياسية والقتصادية‬
‫والجتماعية داخل الدولة المسلمة‪.‬‬
‫المطلب الثالث‪ :‬موقع النظام العام في التشريعين‬
‫السلمي‬ ‫الجنائيين المغربي و‬
‫‪72‬‬
‫ترددت فكرة النظام العام كثيرا على ألسنة رجال القانون وفي كتابات الفقهاء‪،‬‬
‫ورغم شيوع هذا اللفظ وكثرة استخدامه‪ ،‬استعصى أمر تعريفه على من قام‬
‫بمحاولت في هذا الباب‪ 1 ،‬إل أن بعض الفقه حاول تقريب هذا المفهوم إلى الذهان‬
‫وعرف النظام العام بأنه" مجموعة من السس السياسية والقتصادية والجتماعية‬
‫والخلقية التي يقوم عليها كيان المجتمع "‪.‬‬
‫وتحظى فكرة النظام العام بمركز متميز في سياسة التجريم سواء في القانون‬
‫الجنائي المغربي‪ ،‬أو في الشريعة السلمية‪.‬إل أن تعامل التشريعين الجنائيين‬
‫السلمي والمغربي مع هذا المفهوم تباين بشكل واضح‪ ،‬فما يعتبر من صميم النظام‬
‫العام في الشريعة السلمية‪ ،‬قد ل يعتبر كذلك من منظور القانون الجنائي المغربي‪.‬‬
‫ومقتضى ذلك‪ ،‬أن التشريع الجنائي السلمي جاء بمفهوم متميز لفكرة النظام‬

‫_________________‬
‫‪ -1‬بقراءة الفصول النصوص عليها ف الباب الثالث و الرابع الزء الول من الكتاب الثالث من القانون النائي الغرب ‪ ،‬و أيضا الفصل ‪ 609‬من نفس القانون التعلق بالرائم‬
‫الرتكبة ضد النظام العام ل نلمس أية إشارة تفيد القصود من هذا النظام ف التشريع النائي الغرب ‪ ،‬بل إنه كثيا ما ت اللط بينه و بي المن العام من جهة أو بينه و بي التقة‬
‫العامة من جهة أخرى ) د‪ .‬ممد التغدوين ‪ :‬إشكالية التجري ‪ ،‬ص ‪ ( 155 – 154‬و على الرغم من أن التعريفات هي ليست غالبا من عمل الشرع ‪ ،‬بل من وضع و‬
‫اجتهاد الفقه و القضاء فإنه كان لزاما على الشرع النائي الغرب أن يدد و بدقة القصود من النظام العام ظ‪ ،‬نضرا لطورة للجرائم الدرجة ضمنه على حريات و حقوق‬
‫الفراد من جهة و منعا لكل تعسف أو توسع ف تديد مفهومه من قبل السلطة التنفيذية من جهة أخرى ‪.‬‬

‫العام عند تجريمه لفعال وسلوكات المكلفين‪ ،‬حيث يرتبط النظام العام في القانون‬
‫الجنائي السلمي بحماية مصالح الجماعة وحفظ كيانها‪ ،‬وصيانة دعائم وأسس‬
‫المجتمع السلمي من كل اعتداء عليها‪ ،‬فالجرائم المعتبرة من النظام العام في‬
‫الشريعة يأمر بها أو ينهى عنها لن في إتيانها أو تركها ضرر بنظام الجماعة‪ ،‬أو‬
‫عقائدها أو بحياة أفرادها‪ ،‬أو بأموالها‪ ،‬أو بأعراضهم أو بغير ذلك من شتى‬
‫‪1‬‬ ‫العتبارات التي تستوجب حال الجماعة صيانتها وعدم التفريط فيها‪.‬‬
‫ولذلك شرعت جرائم الحدود وتشدد الشارع الحكيم في العقاب عليها‪ ،‬لما يمثله‬
‫هذا النوع من الجرائم من مساس مباشر بكيان المجتمع‪ ،‬وخرقا فادحا لسسه‬
‫الخلقية والجتماعية بل وحتى السياسية‪ ،‬ومن ثم كان العقاب عليها حقا ل تعالى‪،‬‬
‫لنه لم يقصد به نفع فرد معين‪ ،‬وليس للفراد حكاما أو محكومين حق إسقاطه أو‬
‫العفو عنه‪.‬‬

‫‪73‬‬
‫وقد ل يحيد مفهوم النظام العام عند المشرع الجنائي المغربي عن هذا المعنى‪،‬‬
‫إذ ينطوي مفهوم النظام العام في القانون الجنائي المغربي على حماية نظام الجماعة‬
‫وحفظ مقوماتها‪ .‬إل أن البين بين التشريعين الجنائيين في هذا الطار يتمثل في‬
‫تحديد مضمون النظام العام‪ ،‬أو بمعنى آخر تحديد الجرائم المعتبرة من النظام العام‬
‫في كل التشريعين‪ ،‬وكذا نوع المصالح والقيم التي تحميها جرائم النظام العام‪.‬‬
‫فإذا كان الشارع السلمي قد وازن عند وضعه لجرائم النظام العام بين حماية‬
‫المصالح السياسية (جرائم البغي مثل ) والجانب الخلقي (جرائم الزنى‬
‫والقذف… ) والجانب الجتماعي (شرب الخمر والقذف …) فلم يرجح بالحماية‬
‫الجنائية إحدى هذه العتبارات الثلث دون الخرى‪ ،‬فإننا نجد بأن المشرع المغربي‬
‫مال في تحديد الجرائم الماسة بالنظام العام إلى حماية العتبار السياسي بالدرجة‬
‫الولى‪ .‬وهو ما أتاح للسلطة التنفيذية التلويح بعصا النظام العام في وجه الفراد في‬
‫كل صغيرة وكبيرة‪ ،‬خاصة فيما يعرف بالجرائم الماسة بالنظام العام من طرف‬
‫‪2‬‬ ‫الفراد‪.‬‬
‫_________________‬
‫‪ -1‬عبد القادر عودة ‪ :‬مرجع سابق ‪ ،‬ص ‪. 68‬‬
‫‪ -2‬تتمثل الرائم الاسة بالنظام العام من طرف الفراد ف صورتي ‪ :‬أ – جرائم اعتداء الفراد على الرافق العامة‬
‫ب – جرائم اعتداء الفراد على النظام العام القتصادي ‪.‬‬

‫أما اختلف التشريعين في تحديد الجرائم المعتبرة من النظام العام‪ ،‬فإننا نجد بأن‬
‫هناك العديد من الجرائم التي أدرجها القانون الجنائي السلمي في خانة جرائم‬
‫النظام العام كجرائم الزنى وشرب الخمر وجرائم الردة‪ ،‬أي الجرائم المرتبطة‬
‫خصوصا بالجانب الخلقي والديني‪ ،‬هي ليست كذلك في القانون الجنائي المغربي‪،‬‬
‫حيث تهاون هذا الخير في التجريم والعقاب على هذا النوع من الجرائم رغم‬
‫خطورته الواضحة على كيان المجتمع واستقراره‪ ،‬فكان كنتيجة حتمية لذلك أن تزايد‬
‫معدل هذا النوع من الجرائم في المجتمع المغربي بشكل مخيف‪.‬‬
‫المطلب الرابع ‪ :‬نماذج تجريمية لختلف المصالح‬
‫المحمية في القانون الجنائي المغربي‬
‫و الشريعة السلمية‬

‫‪74‬‬
‫سنحاول أن نبين في هذا المطلب الختلف الواضح بين الشريعة السلمية‬
‫والقانون الجنائي المغربي من خلل جريمة الزنا وجريمة الخمر‪.‬‬
‫الفقرة الولى ‪ :‬جريمة الخمر في التشريعين الجنائيين السلمي والمغربي‬
‫أول ‪ :‬جريمة الخمر في القانون الجنائي المغربي‬
‫‪14‬‬ ‫الموافق‬ ‫‪1378‬‬ ‫في شعبان‬ ‫ينص الفصل الول من المرسوم الملكي رقم ‪-‬‬
‫‪724 66‬‬

‫بمثابة قانون يتعلق بالمعاقبة على السكر العلني على أنه " يعاقب بالحبس‬ ‫‪1967‬‬ ‫نونبر‬
‫درهم‬ ‫‪-‬‬
‫‪500 150‬‬ ‫لمدة تتراوح بين شهر واحد وستة أشهر وبغرامة يتراوح قدرها بين‬
‫أو بإحدى هاتين العقوبتين‪ ،‬فقط كل شخص وجد في حالة سكر في الزقة والطرق‬
‫أو المقاهي أو الكبريات أو في أماكن أخرى عمومية أو يغشاها العموم"‬
‫ويمكن أن تضاعف العقوبتان إذا تسبب الشخص الموجود بحالة سكر في‬
‫ضوضاء تقلق راحة العموم‪.‬‬
‫ويفهم من هذا أن المشرع المغربي يشترط لقيام جريمة السكر أن يكون علنيا وفي‬
‫‪1‬‬ ‫مكان عمومي حتى يعاقب عليه القانون ‪.‬‬
‫_________________‬
‫‪ -1‬د‪ .‬حسون قدور أبو موسى ‪ :‬القانون النائي الغرب و الشريعة السلمية – تطابق و اختلف – ص ‪ 183‬مطبعة الطلل وجدة ‪. 1986‬‬

‫كما أن الشخص إذا تناول شرابا مسكر في منزله أو في متجره‪ ،‬وكان سكره بينا‬
‫فل جريمة ول عقوبة‪.‬‬
‫إن من يجيل النظر في تشريعات الخمور بالمغرب سيلحظ أن المشرع حاول‬
‫الظهور بمظهر الممتثل للشريعة السلمية من خلل تجريم بيع الخمور للمغاربة‬
‫المسلمين وسكت في نفس الوقت عن شرب الخمور فلم يمنعها ولم يعاقب عليها إل‬
‫إذا بلغ الشرب حد السكر البين الظاهر والعلني‪ ،‬ونظم صناعة الخمور وترويجها‬
‫ووضع قواعد لتقطيرها واحتكارها والترخيص لترويجها‪.‬‬
‫إن السياسة الجنائية في مجال الخمور غير واضحة في المغرب‪ ،‬وإنها موسومة‬
‫بالغموض والتذبذب‪ ،‬ويحكمها منهج الملوذة والحيلة‪ ،‬فل يمكن القول أن المشرع‬
‫في مصالحة مع الخمور لن هناك نصوصا تنقض هذا القول فالمشرع المغربي لم‬
‫يبح بصورة صريحة ومباشرة تقديم الخمور وبيعها للمغاربة المسلمين كما فعلت‬
‫تشريعات عربية أخرى كالتشريع المصري المتعلق بالخمور الذي أباح تقديم وتناول‬
‫‪75‬‬
‫المشروبات الكحولية أو الروحية أو المخمرة في الفنادق والمنشآت السياحية والندية‬
‫ذات الطابع السياحي‪.‬‬
‫كما أن التشريع المغربي عاقب على السكر العلني البين وجعل السكر ظرفا‬
‫مشددا في بعض الجرائم ولم يعف السكران الذي يسكر باختياره من المسؤولية‬
‫الجنائية أو المدنية ل بشكل كامل ول بشكل ناقص‪ ،‬كما منع أيضا إشهار الخمور ‪.‬‬
‫وفي نفس الوقت ل يمكن القول أن المشرع اتخذ موقف المخاصمة مع الخمور‬
‫فقد سمح ببيع الخمور لغير المسلمين ورخص لذلك ولم يحدد كميات الخمور‬
‫المسموح برواجها بما يلئم عدد الجانب الموجودين في البلد‪ ،‬كما أنه لم يعاقب‬
‫المغاربة المسلمين على شرب الخمور أو حيازتها أو استهلكها أو السياقة تحت‬
‫تأثيرها…‬
‫إن المشرع تغاضى عن سلبيات تعاطي الخمور وتسهيل استهلكها وترويجها‬
‫والتجار فيها والترخيص لذلك‪ ،‬مع ما يعني هذا من تكاثر المحلت الخاصة ببيع‬
‫الخمور وتناسلها وصعوبة مراقبتها ووفرة الكميات المتداولة وعلقة ذلك بتنامي‬
‫الجرام بمختلف أشكاله‪ ،‬فضل عما يخلفه من مآسي اجتماعية وحالت إدمان‬
‫وتسممات وخراب بيوت وحوادث طرق مميتة وجرائم بشعة ومقيتة‪.‬‬
‫فأغلب المتابعات التي تسطرها النيابات العامة في المملكة ل تخلوا من العبارات‬
‫التالية ‪ :‬السكر العلني البين والقتل العمد‪ .‬السكر العلني البين الغتصاب السكر‬
‫العلني البين والسرقة‪ ،‬السكر العلني البين والهانة‪ ،‬السكر العلني البين والضرب‬
‫والجرح بواسطة السلح‪…،‬الخ فإلى متى سيستمر المشرع في موقف الحياد‬
‫‪1‬‬ ‫واللمبالة في غياب سياسة تجريمية ناجعة؟‪.‬‬
‫ثانيا‪ :‬جريمة الخمر في التشريع الجنائي السلمي‬
‫لقد وقفت الشريعة السلمية موقفا صلب من شرب الخمر سواء كان قليل أو‬
‫كثيرا‪ ،‬وقد كان تحريم الخمر على مراحل مختلفة لحكمة عظيمة ابتغاها الشارع‬
‫الحكيم إلى أن نزلت الية في سورة المائدة " يأيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر‬
‫والنصاب والزلم رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون " ثم جاءت‬
‫السنة النبوية وقضت بتحريم الخمر في قوله (ص) " كل مسكر خمر وكل خمر‬
‫‪76‬‬
‫حرام " وقال (ص) " ما أسكر كثيره فقليله حرام " وقوله (ص) "من شرب فاجلدوه‬
‫"‪ .‬فالتشريع السلمي حرم شرب الخمر سواء أسكر أو لم يسكر‪.‬‬
‫وتعتبر جريمة الخمر من الحدود ويعاقب عليها بالحد ثمانين جلدة بإجماع‬
‫الفقهاء فيها ما عدا أبو حنيفة وأصحابه على أن ما أسكر كثيره فقليله حرام سواء‬
‫سمي خمرا و أن كان له اسم آخر‪ ،‬وإن‪ ،‬شرب القليل من أي مسكر معاقب ولو لم‬
‫يسكر‪.‬‬
‫فالشريعة السلمية حرمته تحريما نهائيا لنها تعتبر الخمر أم الخبائث وتراها‬
‫مضيعة للنفس والعقل والصحة والمال ‪ 2.‬وهذا ما لم ينتبه له المشرع المغربي‪.‬‬

‫_________________‬
‫‪ -1‬يوسف وهاب ‪ :‬خريات القانون الغرب ‪ ،‬ص ‪ 43-42‬مطبعة النجاح الديدة ‪. 2003‬‬
‫‪-2‬عبد الالق النواوي ‪ :‬مرجع سابق ص ‪.171‬‬

‫وهكذا فالقانون الجنائي المغربي إذا كان ل يعاقب على مجرد شرب الخمر وإنما‬
‫يشترط أن يكون شارب الخمر في حالة سكر بين طافح في مكان عمومي فإن‬
‫الشريعة السلمية حرمت شرب الخمر لذاته سواء أكان قليل أم كثيرا وسواء أسكر‬
‫‪1‬‬ ‫أم لم يسكر ‪.‬‬
‫كما أن الشريعة اعتبرت شرب الخمر من جرائم الحدود أي من الجرائم‬
‫الخطيرة وعاقبت عليها بالجلد كما ثبت عن الرسول (ص)‪ ،‬فعن أبي داود عن‬
‫قبيصة بن دؤيب رضي ال عنه أن النبي (ص) قال ‪ " :‬من شرب الخمر فاجلدوه‬
‫فإن عاد فاجلدوه فإن عاد فاجلدوه فأن عاد فاقتلوه "‪.‬‬
‫أما العقوبة في التشريع الجنائي المغربي ل تتعدى في بعض الحيان غرامة‬
‫درهما يؤديها المتهم‪ ،‬وهذا يدفعنا إلى إبداء الملحظة التالية ‪:‬‬ ‫‪150‬‬ ‫قدرها‬
‫‪-‬أن هذه العقوبة ليست رادعة بحجة أن شارب الخمر في غالب الحيان يكون‬
‫من الطبقة الغنية أو على القل من الطبقة المتوسطة وبالتالي يستطيع أداء الغرامة‬
‫الهزيلة مقابل إعفائه من عقوبة السجن ولو لم تكن له أموال لما شرب الخمر ولما‬
‫‪2‬‬‫دخل إلى محل شربه ‪.‬‬

‫‪77‬‬
‫لهذا فأن الجلد يعد رادعا قويا في جريمة السكر أما الغرامة فإنها تجعل النص‬
‫القانوني عاجزا عن أداء وظيفته‪.‬‬
‫‪-‬إن بالتمحص في المرسوم المتعلق بالسكر العلني يتبين أنه ينص على معاقبة‬
‫كل شخص وجد في حالة سكر بين في الكبريات‪،‬إل أن الكبريات هي أماكن‬
‫مرخص لها لبيع الخمور وتنظيم حفلت للرقص وللهو في الليل والنهار ‪.‬‬
‫فمن الطبيعي ومن البديهي أن كل من يدخل إلى الكبريات يتناول الخمر في‬
‫غالب الحيان‪ ،‬ذلك أن وجود الشخص في حالة سكر بين في الكبريات ل يمس‬
‫بشعور المجتمع مادام المر محصور بين أشخاص كلهم يتعاطون لشرب الخمر‬

‫_________________‬
‫‪ -1‬حسون قدور أبو موسى ‪ :‬مرجع سابق ‪ ،‬ص ‪.189‬‬
‫‪ -2‬حسون قدور أبو موسى ‪ :‬مرجع سابق ‪ ،‬ص ‪.190‬‬

‫داخل محل مرخص له ول يتعداهم إلى الشارع ومادام الكباري مكان مخصص‬
‫أصل لشرب الخمر فإن عقاب من وجد فيه سكرانا يعد تناقضا صريحا بين الواقع‬
‫‪1‬‬‫والقانون ‪.‬‬
‫‪-‬أن من حسن سياسة التجريم أن يعيد المشرع المغربي النظر في طريقة تعامله‬
‫مع مادة الخمور في إطار نظرة شمولية تأخذ بعين العتبار علقة الخمور بالجرام‬
‫‪2‬‬ ‫وموقف الشريعة السلمية‪.‬‬
‫الفقرة الثانية ‪ :‬جريمة الزنى في التشريعين الجنائيين المغربي و السلمي‬
‫أول ‪ :‬جريمة الزنى في القانون الجنائي المغربي‬
‫من القانون الجنائي المغربي على أن " كل علقة جنسية بين‬ ‫‪490‬‬ ‫ينص الفصل‬
‫رجل وامرأة ل تربط بينهما علقة زوجية تكون جريمة الفساد ويعاقب عليها‬
‫بالحبس من شهر إلى ستة "‬
‫ينص على أنه " يعاقب‬ ‫‪491‬‬ ‫أما فيما يتعلق بجريمة الخيانة الزوجية فإن الفصل‬
‫بالحبس من سنة إلى سنتين أحد الزوجين الذي يرتكب جريمة الخيانة الزوجية ول‬
‫تجوز المتابعة في هذه الحالة إل بناء على شكوى من الزوج أو الزوجة المجني‬
‫عليه‪.‬‬

‫‪78‬‬
‫إل أنه في حالة غياب الزوج خارج المملكة فإن زوجته التي تتعاطى الفساد‬
‫بصفة ظاهرة يمكن للنيابة العامة متابعتها "‪.‬‬
‫ينص على أن" تنازل أحد الزوجين عن شكا يته يضع حدا‬ ‫‪492‬‬ ‫إل أن الفصل‬
‫‪3‬‬‫لمتابعة الزوج أو الزوجة المشتكى بها عن جريمة الخيانة الزوجية "‪.‬‬
‫ثانيا ‪ :‬جريمة الزنا في التشريع الجنائي السلمي‬
‫الزنى جريمة من الجرائم الجتماعية التي حرمتها الشرائع السماوية والقوانين‬
‫الوضعية والعراف الجتماعية لمنافاتها لبسط المبادئ الخلقية لنها تتضمن‬
‫انتهاكا للعراض وتؤدي إلى اللتباس في النسان‪.‬‬
‫_________________‬
‫‪ -1‬حسون قدور أبو موسى ‪ :‬مرجع سابق ‪ ،‬ص ‪. 190‬‬
‫‪ -2‬يوسف وهاب ‪ :‬مرجع سابق ‪ ،‬ص ‪.43‬‬
‫‪ – 3‬حسون قدور أبو موسى ‪ :‬مرجع سابق ‪ ،‬ص ‪. 157‬‬

‫والشريعة السلمية لم تكتف بتجريم الزنى وإنما فرضت عقوبة قاسية على كل من‬
‫يرتكب هذه الجريمة بحيث تكون هذه العقوبة مانعة ورادعة لكل من تسول له نفسه‬
‫القدام على هذه الجريمة‬
‫قال تعالى ‪ ":‬الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة و ل تأخذكم بهم‬
‫رأفة في دين ال إن كنتم تؤمنون بال واليوم الخر وليشهد عذابهما طائفة من‬
‫المؤمنين "‬
‫وقال عمر بن الخطاب في هذا الشأن ‪ ":‬إن ال بعث محمد بالحق وأنزل عليه‬
‫الكتاب فكان ما أنزل ال عليه آية الرجم فقرأناها ووعيناها ورجم رسول ال (ص)‬
‫ورجمنا بعده فأخشى إن طال بالناس زمن أن يقول قائل ما نجد الرجم في كتاب ال‬
‫فيضلوا بترك فريضة أنزلها ال في كتابه فإن الرجم في كتاب ال الحق على من‬
‫‪1‬‬ ‫زنى "‬
‫وهكذا وانطلقا من الفصول (‪ )492-491-490‬والية الكريمة وقول عمر رضي ال‬
‫عنه يمكن أن نبدي الملحظات التية ‪:‬‬
‫•تعتبر جريمة الزنا في الشريعة السلمية من جرائم الحدود مما يعني أنها من‬
‫الجرائم الخطيرة على‬

‫‪79‬‬
‫المجتمع ‪ ،‬أما في التشريع الجنائي المغربي فل تعتبر كذلك حيث نص كل من‬
‫على عقوبة تافهة مقارنة مع خطورة هذه الجريمة ‪.‬‬ ‫‪-‬‬
‫‪491 490‬‬ ‫الفصل‬
‫فتفاهة العقوبة تفتح باب الفساد لكل جامح وتعرض السلعة لكل راغب فتنتشر‬
‫الباحية والفساد الخلقي وتعم الفوضى وتشيع الفاحشة ‪.‬‬

‫تتنافى مع الشريعة السلمية إذ أنه ل تسامح في حدود ال‪،‬‬ ‫‪491‬‬ ‫•إن أحكام الفصل‬
‫والفساد‬
‫المحرم بمقتضى الكتاب والسنة وحد الزينة فريضة ل يجوز تركها ‪.‬‬

‫_________________‬
‫‪ -1‬حسون قدور موسى ‪ :‬مرجع سابق ‪ ،‬ص ‪. 159‬‬

‫يعد مخالفا لحكام الشريعة السلمية أيضا عندما أعطى لحد‬ ‫‪492‬‬ ‫•كما أن الفصل‬
‫الزوجين‬
‫الحق في التنازل عن شكايته وجعل حدا للمتابعة الجنائية لن الزن وفقا للية‬
‫القرآنية فعل حرمه السلم والرجم فريضة أنزلها ال في كتابه وهو حق على من‬
‫زنى ول يجوز ترك هذه الفريضة ‪.‬‬
‫إل أن المر الخطير والذي يتنافى مع أحكام الشريعة السلمية ومع الواقع هو‬
‫عدم متابعة المتهم المتزوج الذي ضبط مع امرأة مطلقة أو ليس لها زوج لعدم وجود‬
‫شكاية ضده من طرف زوجته كما أنه ل يمكن متابعته بجريمة الفساد نظرا لكونه‬
‫‪1‬‬ ‫متزوجا ‪.‬‬
‫ربما يقول قائل على أن الرابطة الزوجية قائمة على أساس عقد مبرم بين‬
‫الزوجين قائم على رضى الطرفين وأن العقد شريعة المتعاقدين وعلى هذا الساس‬
‫ل يجوز لحد التدخل في الشؤون الزوجية الداخلية وبالتالي فإن تنازل أحد الزوجين‬
‫عن شكايته ضد الخر من حقهما وحدهما ما دامت العلقة الزوجية قائمة ول يمكن‬
‫للنيابة العامة تحريك الدعوى العمومية ضد أحدهما ‪.‬‬
‫وهذا الفهم خاطئ وهو مخالف للواقع والقانون لسببين ‪:‬‬

‫‪80‬‬
‫‪ -‬إن الحق الشخصي عندما يتعدى حدود نطاقه فإنه يصبح اعتداء على حقوق‬
‫الخرين وحرياتهم‪،‬‬
‫ذلك أن تعاطي الفساد يعد مساسا بحريات الخرين ويعد اعتداء على الشعور العام‬
‫للمجتمع وبالتالي ل يجوز للنيابة العامة أن تتنازل عن متابعتها في حالة عدم وجود‬
‫شكاية من أحد الزوجين أو تنازل أحدهما عن شكايته ضد لطرف الخر ‪.‬‬
‫‪ -‬إن سكوت النيابة العامة عن متابعة أحد الزوجين عند عدم تقديم شكاية من‬
‫أحدهما يعني التسامح فيحد من حدود ال وهو حد الزنى ويعني كذلك ترك فريضة‬
‫‪2‬‬‫أنزلها ال وهي عقاب الزانية والزاني ‪.‬‬
‫_________________‬
‫‪ -1‬حسون قدور أبو موسى ‪ :‬مرجع سابق ‪ ،‬ص ‪. 162‬‬
‫‪ -2‬حسون قدور ‪ :‬مرجع سابق ‪ ،‬ص ‪.164‬‬

‫وهكذا يتبين التناقض الواضح بين واقع المجتمع المغربي باعتباره مجتمعا مسلما‬
‫وبين القانون الجنائي المغربي المستمد في معظمه من القانون الجنائي الفرنسي وهذا‬
‫التناقض يؤثر سلبا على فعالية سياسة التجريم المغربية في سعيها للحد من الجريمة‪.‬‬
‫فالزنى مثل تنظر إليها المجتمعات السلمية كجريمة تخص مجتمع بأسره ولهذا‬
‫نجد أن كثيرا من الناس يبتعدون عن اللجوء إلى القانون المطبق لعدم قناعتهم‬
‫بحكمه‪ ،‬وهذا ما يؤدي إلى ارتكاب جرائم تعرف بجرائم الشرف كتعبير عن قصور‬
‫القوانين في معالجة هذه المشكلة وعدم وضع الحكام المنسجمة مع واقع المجتمع ‪.‬‬
‫ا لمبحث الخامس ‪ :‬سياسة التجريم والح قوق والحر يات‬
‫ا لفر دية‬
‫يعتبر التجريم خروجا عن المبدأ العام الذي يقضي بان الصل في الفعال‬
‫الباحة ‪،‬وهو من هذا المنطلق يشكل تهديدا خطيرا ومباشرا على حقوق الفراد‬
‫وحرياتهم‪ ،‬إن تم استغلله بشكل تعسفي وتسلطي من قبل الدولة‪.‬إن التجريم سيف‬
‫ذو حدين‪ ،‬فكما يمكن استعماله في هدر حقوق الفراد وحرياتهم يمكن توجيهه‬
‫لحماية هذه الحقوق وحفظها وصيانتها‪.‬‬
‫المطلب الول ‪ :‬سياسة التجريم المغربية‬
‫والحقوق والحريات الفردية‬
‫‪81‬‬
‫إن أي مشرع في سعيه لوضع مدونة جنائية بغية الحد من الجريمة يجب أن‬
‫يأخذ بين العتبار الحقوق والحريات الفردية التي يكفلها الدستور إذ أن المساس بهذه‬
‫الخيرة تعبيرا أو دليل على عدم مشروعية هذه المدونة ‪.‬‬
‫ومن هذا المنطلق إلى أي حد يمكن القول أن المشرع المغربي كان واضعا‬
‫نصب عينيه هذه الحقوق والحريات عند وضعه للمدونة الجنائية ؟ أو بمعنى آخر‬
‫هل القوانين الجنائية المغربية تتمتع بالمشروعية ؟‬
‫إن المطلع على المدونة الجنائية المغربية وعلى غيرها من القوانين الجنائية‬
‫سيتبين له بوضوح أن هناك مساس كبير بالحريات والحقوق الفردية التي يكفلها‬
‫وذلك سواء من خلل التنصيص على بعض القوانين‬ ‫‪1996‬‬ ‫الدستور المغربي لسنة‬
‫الجنائية أو عن طريق عدم إضفاء الصفة الجرامية على بعض الفعال التي تشكل‬
‫خطورة على هذه الحقوق والحريات‪.‬‬
‫فل يكفي لكي تتحقق المشروعية في عملية التجريم مجرد وجود نص قانوني‬
‫المتعلق بمكافحة الرهاب نص غير شرعي‬ ‫‪0303‬‬ ‫يجرم فعل من الفعال‪ .‬فالقانون‬
‫لنه مخالف لمقتضيات الدستور من عدة جوانب وليس أقلها أنه يفتح باب التحكم‬
‫واسعا لدانة الشخاص من أجل كل فعل وكل حركة وكل كلمة ‪.‬‬
‫فبالرغم من كون الترسانة الجنائية المغربية تتسع لكل الفعال التي يمكن‬
‫‪0303‬‬ ‫اعتبارها جرائم إرهابية فإن الحكومة المغربية أعدت مشروع قانون رقم‬
‫المتعلق بمكافحة الرهاب‪ ،‬هذا القانون الذي لقي معارضة قوية نظرا لما يشكله من‬
‫تراجعات خطيرة للحريات ومس خطير بضمانات احترام حقوق النسان‪ ،‬إل أن‬
‫بالدار البيضاء كانت فرصة سانحة لتمرير هذا‬ ‫‪2003‬‬ ‫ماي‬ ‫‪16‬‬ ‫الحداث الرهابية ليوم‬
‫المشروع في البرلمان وإقراره في مدة زمنية وجيزة وقياسية‪.‬‬
‫ويقترح هذا المشروع إدخال تعديلت خطيرة على كل من القانون الجنائي‬
‫والمسطرة الجنائية‪.‬‬
‫‪-‬القانون الجنائي ‪ :‬إن أول ملحظة يمكن إبداءها تتعلق بتعريف الجرائم‬
‫الرهابية‪ ،‬حيث جاء هذا التعريف فضفاضا بكل معنى الكلمة وهكذا فإن القانون‬
‫يحدد العناصر التالية ‪:‬‬

‫‪82‬‬
‫•علقة الفعال المعنية بالجنايات والجنح المذكورة عمدا بمشروع فردي أو‬
‫جماعي‪.‬‬
‫•كون هذه الفعال تهدف إلى المس بالمن العام‪.‬‬
‫•تحديد الوسائل في التخويف أو القوة أو العنف أو الترويع أو الترهيب‬
‫ومن البديهي أن هذا التعريف يتميز بالغموض وعدم الدقة في تحديد عناصر‬
‫الفعل الجرامي‪ ،‬الشيء الذي يفتح الباب للتحكم على مستوى البحث والتحقيق‬
‫والحكم‪.‬‬
‫وهذا التعريف المقتبس في جوهره من التفاقية المناهضة للرهاب يخضع‬
‫أساسا للهاجس المني للنظم العربية‪ ،‬وهو ما تجلى بصفة خاصة في جناية المس‬
‫بأمن الدولة ضمن العمال الرهابية‪ ،‬وهي جناية تطبق عليها عقوبات شديدة‬

‫القسوة‪ ،‬كما اختلف جذريا هذا التعريف عن التعريفات الواردة ضمن تشريعات عدد‬
‫من البلدان ذات التقاليد الديمقراطية‪.‬‬
‫فهذه التشريعات تعرف الجريمة الرهابية تعريفا دقيقا‪ ،‬دون أن تمس إطلقا‬
‫‪1‬‬ ‫بالضمانات الساسية للحرية الفرية ولعدالة المحاكمة‪.‬‬
‫كما أن هذا التعريف ‪-‬المطاط‪ -‬يعتبر مخالفا لمبدأ الشرعية الذي يتطلب أن يكون‬
‫التعريف دقيقا وواضحا‪.‬‬
‫العقوبة ‪ :‬يلحظ التشديد من قسوة العقوبات السجنية سواء بالنسبة للفاعلين أو‬
‫المشاركين أو الذين لم يبلغوا مع تثبيت عقوبة العدام التي ما فتئت الحركة الحقوقية‬
‫تناضل من أجل إلغائها من القوانين المغربية‪ ،‬ويضاف إلى العدام العقوبة السجنية‬
‫المشددة‪ ،‬المنع من القامة في أماكن محددة أو القامة الجبارية في أماكن معينة‬
‫والمنع من مزاولة الوظائف والخدمات العمومية ومصادرة الممتلكات والحرمان من‬
‫‪2‬‬‫الحق في المعاش ‪.‬‬
‫الجرائم ‪ :‬إن الغلبية الساحقة في الجرائم المعتبرة بمثابة أعمال إرهابية تقع‬
‫وإما تحت قانون‬ ‫‪1962‬‬ ‫بالفعل إما تحت طائلة القانون الجنائي الجاري به العمل منذ‬

‫‪83‬‬
‫الصحافة فيما يتعلق بالتحريض على القتل والنهب والحريق …وإن صياغة الفصل‬
‫ومضمونه ينمان عن جهل أو تجاهل المقتضى القانوني المذكور‪ ،‬أما‬ ‫‪-‬‬
‫‪218 12‬‬

‫اعتبار الدعاية والشهار للفعال الجرامية المعينة فعل إرهابيا‪ ،‬فإن من شأنه أن‬
‫يبرر المس بالحق في الخبر وفي العلم‪ ،‬وهذا الذي يدخل في صميم رسالة‬
‫‪3‬‬‫الصحافة ‪.‬‬
‫التعديلت المتعلقة بالمسطرة الجنائية ‪:‬‬

‫_________________‬
‫‪ -1‬عبد العزيز بنان ‪ :‬رئيس النظمة الغربية لقوق النسان سابقا ‪ ،‬المعية الغربية لقوق النسان ‪ /‬الرهاب و حقوق النسان ‪ /‬مركز العلم و التوثيق ‪ ،‬مارس ‪2004‬‬
‫– اليوم الدراسي حول مشروع قانون الرهاب – الرباط ‪ 12‬أبريل ‪ – 2002‬التشريع التعلق لحاربة الرهاب بي الرتال و الس بالكتسبات القوقية ‪.‬‬
‫‪ -2‬كلمة منسق الشبكة الوطنية ف اليوم الدراسي لجلس النواب ‪ 12‬أبريل ‪ ، 2003‬ص ‪ -11‬يوم دراسي حول مشروع قانون الرهاب ‪.‬‬
‫‪ -3‬عبد العزيز بنان ‪ :‬مرجع سابق ‪ ،‬ص ‪. 38‬‬

‫يرفعان في حالة وجود جريمة إرهابية‬ ‫‪80.66‬‬ ‫‪-‬الحراسة النظرية ‪ :‬إن الفصلين‬
‫بشكل جد مبالغ فيه من الحراسة النظرية تزيد عن ثلثة مرات عن مدة الحراسة‬
‫العادية وذلك من أجل احتفاظ الشرطة القضائية بأي شخص مفيد في التحريات‪،‬‬
‫لضرورة البحث دون أن تكون له علقة بأي جريمة أو تعلق المر بجناية أو حجة‬
‫يعاقب عليها بالحبس‪ ،‬وكانت هناك ضرورة للبحث التمهيدي كما ضاعف التمديد‬
‫‪1‬‬ ‫ثمان مرات‪ ،‬بإذن غير مكتوب ول معلل من طرف النيابة العامة ‪.‬‬
‫‪ -‬فيما يتعلق بالتفتيش ‪ :‬يوسع القانون من صلحية الشرطة والنيابة العامة‬
‫في مجال التفتيش وهكذا فإنه‬
‫•يبيح الدخول إلى المنازل وتفتيشها وحجز ما بها من أدوات حتى في حالة امتناع‬
‫صاحب المنزل عن‬
‫إعطاء موافقته أو في حالة تعذر الحصول على هذه الموافقة وذلك بإذن من النيابة‬
‫العامة (المادة ‪)70‬‬
‫•يؤهل قاضي التحقيق في أن ينتدب قاضيا أو ضابطا أو أكثر من ضباط الشرطة‬
‫القضائية لجراء‬
‫)‬ ‫‪120‬‬ ‫تفتيش خارج الساعات القانونية (المادة‬

‫‪84‬‬
‫‪ -‬مراقبة المكالمات والتصالت ‪ :‬ينص القانون على السماح للوكيل العام‬
‫بصفة استثنائية أو بأمر كتابي بالتقاط المكالمات الهاتفية أو التصالت المنجزة‬
‫بوسائل التصال عن بعد وتسجيلها وأخذ نسخ منها وحجزها متى كانت ضرورة‬
‫البحث تقتضي التعجيل خوفا من اندثار وسائل الثبات (المادة ‪.)108‬‬

‫فكل هذه المقتضيات تمس بالضمانات القانونية التي تكفل حرمة المنازل وسرية‬
‫‪2‬‬ ‫المراسلت المكرستين من لدن الدستور ‪.‬‬
‫_________________‬
‫‪ -1‬عبد ال ‪ :‬رئيس النظمة الغربية لقوق النسان ‪ ،‬يوم دراسي مشروع قانون الرهاب ‪ ،‬مرجع سابق ‪ ،‬ص ‪. 81-80‬‬
‫‪ -2‬عبد العزيز بنان ‪ :‬مرجع سابق ‪ ،‬ص ‪.36‬‬

‫‪ -‬فيما يتعلق بحق المشتبه فيه بمؤازرة محامي ‪ :‬منع المحامي من التصال‬
‫من القانون ‪ :‬لممثل النيابة العامة إمكانية‬ ‫‪80‬‬ ‫بموكله إذ منحت الفقرة الثالثة من المادة‬
‫تأخير اتصال المحامي بموكله بناء على طلب من ضابط الشرطة القضائية إذا‬
‫من‬ ‫‪108‬‬ ‫اقتضت ذلك ضرورة البحث كلما تعلق المر بالجرائم المشار إليها في المادة‬
‫هذا القانون ‪ .‬ويمكن لممثل النيابة العامة منع التصال بالمحامي وتأخيره إذا تعلق‬
‫المر بجريمة إرهابية ‪ ،‬وهذا حسب الهيئات يمس بحق الدفاع كأحد الحقوق الهامة‬
‫‪1‬‬ ‫للمتهم‪.‬‬
‫كما أن هذا القانون يضرب مبدأ احترام السر البنكي عبر فتح المجال للطلع‬
‫بشكل قانوني على الحسابات البنكية للمواطنين المشتبه في إرهابيتهم وفتح المجال‬
‫‪2‬‬ ‫أمام التصرف فيها ‪.‬‬
‫ومن جهة أخرى فإن هذا القانون يأتي ومدونة القانون الجنائي لم تواكب‬
‫التطورات التي يعرفها الميدان الجنائي وطنيا ودوليا‪ ،‬كمثال على ذلك عدم ملئمة‬
‫هذا القانون مع التفاقية الدولية ضد التعذيب التي صادق عليها المغرب في شهر‬
‫‪1993‬‬ ‫يونيو من سنة‬
‫فالمساس بالحريات والحقوق الفردية ل يتحقق فقط من خلل التجريم وإنما قد‬
‫يتم ذلك عن طريق عدم إضفاء الصفة الجرامية‪ ،‬على بعض الفعال التي تشكل‬

‫‪85‬‬
‫خطورة بالغة على هذه الحقوق والحريات ومن بين هذه الفعال التعذيب وغيرها من‬
‫ضروب المعاملة اللإنسانية ‪.‬‬
‫فالمغرب بمصادقته على التفاقية السابقة الذكر يكون ملزم باحترام ما جاءت به‬
‫بنود هذه الخيرة وعلى الخصوص ما جاءت به المادة الرابعة التي تنص على أنه "‬
‫تضمن كل دولة طرف أن تكون جميع أعمال التعذيب جرائم بموجب قانونها الجنائي‬
‫الشيء الذي يدفعنا إلى التساؤل عن مدى وفاء المشرع الجنائي المغربي‬
‫باللتزامات المترتبة عن المصادقة على هذه التفاقية ‪ .‬أو بصيغة أخرى هل القانون‬
‫_________________‬
‫‪ -1‬د‪ .‬متار مطيع ‪- :‬ملة ‪ :‬دراسات و وقائع دستورية و سياسية – العدد ‪. 2003 - 5‬‬
‫‪ -2‬كلمة منسق الشبكة الوطنية ‪ :‬مرجع سابق ‪ ،‬ص ‪.10‬‬

‫المغربي يعاقب على جريمة التعذيب كما هو متعارف عليها دوليا ؟‬


‫إن المتصفح لثنايا المدونة الجنائية المغربية محاولة منه العثور على نصوص‬
‫خاصة بتجريم أعمال التعذيب كجرائم مستقلة وقائمة بذاتها‪ .‬وبالمعنى المفهوم من‬
‫التفاقية الدولية ذات العلقة‪ ،‬سيصاب ل محالة بخيبة المل‪ .‬نظرا لضآلة وضعف‬
‫محتواها وقصورها ‪.‬‬
‫وسنحاول استجلء الفصول التي لها علقة من قريب أو بعيد بتجريم التعذيب‬
‫لنقف عن كثب عن عمق هذا القصور التشريعي ‪.‬‬
‫‪ :1‬يعد هذا الفصل من النصوص القليلة الذي يصلح حاليا في‬ ‫‪399‬‬ ‫الفصل‬
‫‪-‬انتظار تدخل تشريعي‪ -‬لزجر أعمال التعذيب ولو بشكل نسبي وجزئي‪ ،‬طالما ل‬
‫يعاقب على ممارسة التعذيب إل كظرف مشدد لتنفيذ جناية وليس كجريمة مستقلة‬
‫بذاتها‪.‬‬
‫‪ :‬يعاقب على العتداء على الحرية الشخصية بالعدام " إذا وقع‬ ‫‪438‬‬ ‫الفصل‬
‫تعذيب بدني للشخص المخطوف والمقبوض عليه أو المحبوس أو المحجوز " وهذا‬
‫النص كان ل ينطبق إل على الفراد العاديين‪ ،‬وهذا ما يستفاد من عنوان الفرع‬
‫الرابع من الباب التاسع من هذا الكتاب الثالث‪ ،‬الذي جاء على الشكل التالي "‬
‫العتداء على الحرية الشخصية وأخذ الرهائن أو حرمة المسكن الذي يرتكبه الفراد‬
‫أصبح يشمل‬ ‫‪03.24‬‬ ‫" إل أنه بعد التعديل الذي شمل القانون الجنائي بموجب قانون رقم‬

‫‪86‬‬
‫‪438‬‬ ‫الشخاص الذين يمارسون سلطة عامة هم أيضا يمكن متابعتهم بناء على الفصل‬
‫بما أن هذا الخير يسري على جميع الحالت المنصوص عليهم في الفصول السابقة‬
‫ومن ضمنها الفصل ‪.436‬‬
‫" يعاقب بالسجن المؤبد على الفعال المنصوص عليها في الفصل‬ ‫‪499‬‬ ‫‪-‬الفصل‬
‫إذا ارتكب بواسطة التعذيب وأعمال وحشية "‬ ‫‪499 1‬‬‫والفصل ‪-‬‬ ‫‪499‬‬

‫‪ :‬يعاقب الموظف العمومي الذي يستعمل أثناء قيامه بوظيفته و‬ ‫‪231‬‬ ‫‪-‬الفصل‬
‫بسبب قيامه بها العنف ضد الشخاص أو يأمر باستعماله بدون مبرر شرعي‪ ،‬إل أن‬
‫_________________‬
‫‪ -1‬ينص الفصل ‪ " 399‬يعاقب بالعدام من يستعمل وسائل التعذيب أو يرتكب أعمال وحشية لتنفيذ فعل يعد جناية‪. .‬‬

‫العنف المقصود بهذا النص ليس مرادفا للتعذيب‪ ،‬كما أن هذا النص ل يتفق مع‬
‫مفهوم التعذيب المحرم دوليا والذي يعتبر من المحظورات المطلقة وغير القابلة‬
‫للنصاف بصفة المشروعية‪ ،‬تحت أي ذريعة كانت ‪.‬‬
‫من خلل تحليل النصوص الجنائية السابقة‪ ،‬يتضح لنا مدى الفراغ القانوني الذي‬
‫يعرفه القانون المغربي‪ ،‬فيما يخص تجريم التعذيب‪ ،‬فرغم أن هذا الخير يجرم‬
‫بعض أشكال استخدام التعذيب‪ ،‬إل أنه ل يحدد مفهوم هذا الجرم ول طبيعته استنادا‬
‫إلى ما ورد في التفاقيات الدولية المعمول بها في هذا الشأن‪ ،‬كما أنه ل يجعل‬
‫التعذيب جريمة في جميع الظروف ‪.‬‬
‫ويلحظ أيضا أن القانون الجنائي ل يعاقب على جريمة التعذيب كجريمة قائمة‬
‫بذاتها مع ترتيب الجزاء بالنسبة للشخاص الذين يمكن أن يمارسوه بحكم مهامهم أو‬
‫الوظيفة المسندة إليهم‪ ،‬كما تسعى إلى ذلك اتفاقية مناهضة التعذيب‪ ،‬بل يقتصر على‬
‫بعض جوانب التعذيب الممارس من الفراد العاديين أو كظرف مشدد‪.‬‬
‫ويتضح لنا جليا‪ ،‬أن مصادقة المغرب على التفاقية الدولية لمناهضة التعذيب وغيره‬
‫من ضروب المعاملت أو العقوبات القاسية واللإنسانية أو المهينة لم تترجم إلى‬
‫المجال التشريعي العلمي‪ ،‬طالما لم يتم تجريم هذه الممارسة في القانون الجنائي ‪.1‬‬

‫‪87‬‬
‫وهكذا يظهر أن القانون الجنائي المغربي ل يوفر الحماية اللزمة لحقوق وحرية‬
‫الفراد ‪ .‬فإذا ما أحصينا النصوص التي تحمي بها الدولة نفسها فإننا نجدها تغطي‬
‫فصل مخصص لحماية المواطنين وحقوقهم ‪.‬‬ ‫‪33‬‬ ‫مقابل‬ ‫‪163‬‬

‫والخلصة أن مشروعية القانون الجنائي المغربي مرتبط بمواكبته لروح احترام‬


‫حقوق النسان كما هو متعارف عليها دوليا‪.‬‬

‫_________________‬
‫‪ -1‬عبد اللطيف البيب ‪ :‬وقائع و آفاق تري التعذيب بالغرب ‪ ،‬جريدة العلم العدد ‪ 19976‬الميس ‪ 3‬فباير ‪. 2005‬‬

‫المطلب الثاني ‪ :‬السياسة التجريمة السلمية‬


‫والحقوق والحريات الفردية‬
‫أقرت الشريعة السلمية للفرد بمختلف الحقوق التي نصت عليها المواثيق‬
‫الدولية والعلن العالمي لحقوق النسان ‪ ،‬بل إنها كانت سباقة في إقرار هذه‬
‫الحقوق وحمايتها‪ ،‬وقد اعتبرت الشريعة هذه الحقوق ضرورات لنسانيته المكرمة‬
‫والمفضلة من خالقه‪ .‬وكانت في ذات الوقت حرمات على غيره بصفة عامة وعلى‬
‫السلطات الحاكمة بصفة خاصة‪ 1،‬فل يجوز أن تمس بغير مبرر شرعي ومن خلل‬
‫قنوات شرعية محددة سلفا إذا ما حدث اعتداء على غيره أو إفساد في الرض ‪.‬‬
‫وقد جاءت الشريعة السلمية بتصور متميز عن النسان وحقوقه اللزمة‬
‫لعمار الرض‪ ،‬فالنسان في السلم هو ذلك المخلوق المفضل من خالقه لقوله‬
‫تعالى " ولقد كرمنا بني آدم " ‪.‬وهو الذي جعله ربه خليفة على الرض وأسجد له‬
‫الملئكة تعظيما وتبجيل لقوله تعالى " وإذ قال ربك للملئكة إن جاعل في الرض‬
‫خليفة "‪ .‬وفي آية أخرى " وإذ قال ربك للملئكة اسجدوا لدم فسجدوا …" أما‬
‫التصور السلمي لحقوق هذا النسان فينبني على الجمع فيها بين الحقوق المرتبطة‬
‫بالجسد وتلك المتعلقة بالروح‪ ،‬بحيث ل يمكن فصل ما يخص الجسد من حقوق عن‬
‫ما يخص الروح‪ .‬ولم تكتفي الشريعة السمحة بإقرار هذه الحقوق وتأكيدها‪ ،‬بل إنها‬
‫عملت على حفظها وحمايتها من خلل تجريم كل فعل اعتداء أو انتهاك لها سواء‬

‫‪88‬‬
‫من قبل الفراد أو السلطات الحاكمة‪ ،‬كما وضعت مجموعة من العقوبات الشديدة‬
‫زجرا للمعتدين‪.‬‬
‫وإذا ما حاولنا تعداد حقوق النسان التي عمل المشرع الحكيم على إقرارها‬
‫وحمايتها في التشريع الجنائي السلمي نجدها كثيرة ومتعددة نذكر منها على سبيل‬
‫المثال ل الحصر ‪ :‬حق النسان في الحياة‪ ،‬حق النسان في حمايته من التعذيب أو‬
‫العقوبة اللإنسانية أو الحاطة بالكرامة‪ ،‬حق النسان في حمايته من السترقاق‬
‫والعبودية‪ ،‬حق النسان في صيانة أسراره وحرمة مسكنه وعرضه‪ ،‬حق النسان في‬
‫_________________‬
‫‪ -1‬أحد خيي الكباش ‪ :‬مرجع سابق ‪ ،‬ص ‪. 33‬‬

‫حماية ممتلكاته وأمواله … وغيرها من الحقوق التي أضفى عليها الشارع الحكيم‬
‫الحماية الجنائية من خلل نصوص من الكتاب والسنة‪.‬‬

‫والنصوص الدالة على الهمية الممنوحة لهذه الحقوق كثيرة‪ ،‬نورد هنا نصا‬
‫عاما هو "العلن " ‪ 1‬الذي أصدره الرسول (ص)في حجة الوداع حيث قال فيه ‪" :‬‬
‫إن ال تبارك وتعالى قد حرم دماءكم وأموالكم وأعراضكم إل بحقها كحرمة يومكم‬
‫هذا في بلدكم هذا في شهركم هذا " ) رواه البخاري( ‪ .‬وقوله أيضا عليه الصلة‬
‫والسلم ‪ " :‬كل مسلم على مسلم حرام دمه وعرضه وماله …"‪.‬‬
‫فهذين النصين صريحين في تحريم كل اعتداء قد يطال حق النسان في الحياة‪،‬‬
‫ويعضدهما نصوص من الكتاب حيث قال تعالى " ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه‬
‫جهنم خالدا فيها‪ ،‬وغضب ال عليه ولعنه…" وقوله تعالى أيضا ‪ " :‬من أجل ذلك‬
‫كتبنا على بني إسرائيل أنه من قتل نفسا بغير نفس فكأنما قتل الناس جميعا ومن‬
‫أحياها فكأنما أحيى الناس جميعا "‪ .‬فحق النسان في الحياة‪ ،‬حق مقدس ل يسمح‬
‫لحد فردا كان أو سلطة إهداره أو العتداء عليه إل بحق‪ ،‬ومن أجل ذلك شرعت‬
‫جرائم القصاص والدية‪.‬‬
‫أما حق النسان في حمايته من التعذيب بكل ألوانه وأشكاله والحط من كرامته‬
‫فهو حق مصون مضمون في الشريعة السمحة‪ ،‬وهو يدرج ضمن حق النسان في‬
‫سلمة جسده وسكينة نفسه‪ ،‬الذي جرم الشارع الحكيم العتداء عليه بنصوص‬
‫صريحة قاطعة‪ ،‬وشرع لحمايته عقوبة القصاص والدية وعقوبة التعازير‪.‬‬
‫‪89‬‬
‫إن النسان في الشريعة السلمية هو قدس المقدسات‪ ،‬وحرمة الحرمات وإن‬
‫كل اعتداء عليه بتعريضه للتعذيب سواء في جسده أو في نفسيته‪ ،‬هو هدر سافر‬
‫لهذه القدسية‪ ،‬يقول تعالى في الحديث القدسي ‪ " :‬يا عبادي إني حرمت الظلم على‬
‫نفسي وجعلته بينكم محرما فل تظالموا " فإذا كان ال عز وجل وهو خالق النسان‬
‫ورازقه قد حرم على نفسه سبحانه أن يظلم النسان‪ ،‬فل يعذبه في الدنيا ول في‬

‫_________________‬
‫‪ -1‬ممد العساكر ‪ :‬ضمانات حقوق الفراد ف التشريع النائي السلمي ‪ ،‬ص ‪ 161‬ملة الدفاع الجتماعي ‪ ،‬العدد ‪ 16‬مطبعة النجاح الديدة يوليوز ‪. 1983‬‬

‫الخرة إل إذا قامت عليه الحجة وسطعت عليه البينة‪ ،‬يقول تعالى ‪ " :‬وما ربك‬
‫بظلم للعبيد " ‪ .‬فكيف يسمح إنسان أيا كانت‪ ،‬سلطته أن يعذب أخاه النسان دون‬
‫وجب حق أو سلطان‪ ،‬يقول تعالى ‪ " :‬إن ال ل يحب كل معتد أثيم " ويقول أيضا ‪:‬‬

‫خـ ـاتــم ــة‬ ‫" ول تعتدوا إن ال ل يحب المعتدين " ‪.‬‬


‫حاصل القول‪ ،‬أن التشريع الجنائي السلمي قد شمل بالحماية الجنائية‬
‫مختلف الحقوق والحريات اللزمة لحياة النسان وسعادته وأمنه‪ ،‬وذلك من‬
‫خلل إقراره لهذه الحقوق من جهة وزجر كل اعتداء وانتهاك لها من جهة‬
‫ثانية‪ .‬وهكذا وانطلقا من هنا المقارنة بين السياسة التجريمية السلمية‬
‫والسياسة التجريمية المغربية يتبين بوضوح أن هناك اختلفات عميقة‪.‬‬

‫‪90‬‬
‫وهكذا وانطلقا من هذه المقارنة بين السياسة التجريمية السلمية والسياسة‬
‫التجريميـة المغربيـة يتـبين بوضوح أن هناك اختلفات عميقـة وكثيرة بيـن‬
‫السياستين وذلك من عدة جوانب‪:‬‬
‫‪-‬فبالر غم من أ خد كل من التشر يع الجنائي ال سلمي‬
‫والقانون الجنائي المغربــي بمبدأ الشرعيــة ال أن‬
‫الطريقـة التـي تعاملت بهـا الشريعـة مـع هذا المبدأ‬
‫جعلت أحكام ها تتلءم مع كل زمان ومكان وتوا كب‬
‫كل التطورات في ح ين أف ضى ال سلوب الذي تعا مل‬
‫بـه المشرع المغربـي مـع هذا المبدأ إلى التضخـم‬
‫والجمود‪.‬‬
‫‪-‬وإذا كان البرلمان هو الذي له ال حق في التجر يم في‬
‫القانون الجنائي المغر بي فان م صدر التشر يع الجنائي‬
‫ال سلمي هو ال الحك يم العل يم ب ما ي صلح ول ي صلح‬
‫لقوله تعالى " أليس ال بأحكم الحاكمين "‪.‬‬
‫‪-‬و من ج هة أخرى إذا كا نت الشري عة ال سلمية تهدف‬
‫إلى حما ية الضروريات – الد ين – الن فس‪ -‬الع قل –‬

‫‪91‬‬
‫النسب و المال من إطار الموازنة بين جميع المصالح‬
‫فان القانون الجنائي و ضع أ ساسا لحما ية الدولة أك ثر‬
‫من أي شيء آخر‪.‬‬
‫‪-‬كمـا يلحـظ أن الهاجـس المنـي للمشرع المغربـي‬
‫وتركيزه على حما ية الدولة جعله يه مل حقوق الفراد‬
‫وحريات هم بش كل فا ضح‪ ,‬أ ما الشري عة ال سلمية ف قد‬
‫كرمت النسان أحسن تكريم ‪.‬‬
‫فهذا التباعـد بيـن السـياسيتين يؤثـر سـلبا على فعاليـة التجريـم المغربيـة فـي‬
‫سعيها لل حد من الجري مة إذ أن فعال ية أي سياسة تجريم ية ترت بط أ ساسا بمدى‬
‫انبثاق هذه ال سياسة من وا قع المجت مع وقنا عة أفراده ح تى ت قل فرص الجرام‬
‫مما يمكن أن تكون عليه فيما لو جاءت هذه السياسة من سلطة متسلطة ل تقيم‬
‫لمعتقدات المجتمع وقناعة أفراده وزنا ‪.‬‬

‫ومن جهة أخرى أن فعالية سياسة التجريم ليس معناها توسيع ميدان التجريم‬
‫إلى أقصـى حـد وفتـح الباب للقاعدة الزجريـة للتدخـل فـي كـل مياديـن النشاط‬
‫الجتما عي ( الش يء الذي ين تج ع نه تض خم القانون الجنائي) ف سياسة التجر يم‬
‫ومهما كانت متطورة فإنها لن تستطيع الحد من الجريمة دون محاربة السباب‬
‫التي تؤدي إلى ارتكابها وإذ كيف يمكن محاربة العديد من الجرائم مثل التشرد‬
‫والتسول والسرقة والغتصاب والقتل دون القضاء على السباب التي تؤدي إلى‬
‫ارتكاب ها وب صفة خا صة ما يتعلق بالبطالة وقلة الو عي الثقا في والدي ني والم ية‬
‫والفقر والتهميش ‪ ،‬ومن ثم فان القانون الجنائي في هذه الحالة ما هو ال ادات‬
‫قسر تحت التهديد بالعقاب فقط كما قال الشاعر‪:‬‬

‫إياك‬ ‫ألقاه في اليم مكتوفا وقال له‬


‫إياك أن تتبلل بالماء‬

‫‪92‬‬
‫تم بعون الله و توفيقه‬

‫« الــكــتــب »‬

‫‪ -‬القرآن الكري ‪.‬‬

‫‪-‬ابن القيم الوزية ‪ :‬أعلم الوقعي عن رب العالي ‪ ،‬الزء الثالث ‪ ،‬دار الفكر بيوت‬

‫لبنان ‪ ،‬الطبعة الثانية ‪. 1977‬‬

‫‪ -‬ابن القيم الوزية ‪ :‬الطرق الكمية ف السياسة الشرعية ‪ ،‬تقيق ممد حامد الفقي ‪ ،‬دار‬

‫الفكر الكتب العلمية لبنان ‪ ،‬بدون طبعة ‪.‬‬

‫‪ -‬أحد فتحي سرور ‪ :‬أصول السياسة النائية ‪ ،‬دار النهضة العربية ‪ ،‬طبعة ‪. 1972‬‬

‫‪ -‬أحد المليشي ‪ :‬شرح القانون النائي العام ‪ ،‬مكتبة العارف ‪ ،‬الطبعة الول ‪. 1985‬‬

‫‪ -‬أحد فتحي بنسي ‪ :‬السياسة النائية ف الشريعة السلمية ‪ ،‬دار العروبة ‪ ،‬طبعة ‪.1965‬‬

‫‪ -‬أحد حصري ‪ :‬السياسة الزائية ف فقه العقوبات السلمي القارن ‪ ،‬الجلد الول ‪ ،‬دار‬

‫اليل بيوت ‪ ،‬طبعة ‪. 1993‬‬

‫‪ -‬أحد هبة ‪ :‬موجز أحكام الشريعة السلمية ف التجري ‪،‬‬

‫‪ -‬أمي عبد العزيز ‪ :‬الفقه النائي ف السلم ‪ ،‬دار السلم ‪ ،‬الطبعة الول ‪. 1997‬‬

‫‪ -‬جيل عبد الباقى الصغي ‪ :‬الشرعية النائية ‪ ،‬دراسة تاريية و فلسفية ‪ ،‬دار النهضة‬

‫العربية ‪ ،‬طبعة ‪. 1993‬‬

‫‪93‬‬
‫‪ -‬حسون قدور أبو موسى ‪ :‬القانون النائي الغرب و الشريعة السلمية – تطابق و‬

‫اختلف – مطبعة الطلل وجدة ‪. 1986‬‬

‫‪ -‬خالد عبد الميد فراج ‪ :‬النهج الكيم ف التجري و التقوي ‪ ،‬منشأة العارف ‪ ،‬طبعة‬

‫‪. 1989‬‬

‫‪ -‬خيي أحد الكباش ‪ :‬الماية النائية لقوق النسان ‪ ،‬دراسة مقارنة ‪ ،‬طبعة ‪. 2002‬‬

‫‪ -‬عبد السلم بنحدو ‪ :‬الوجيز ف القانون النائي الغرب – القدمة و النظرية و العامة –‬

‫الكتبة و الوراقة الوطنية ‪ ،‬الطبعة الرابعة ‪. 2000‬‬

‫‪ -‬عبد السلم بنحدو‪ :‬مبادئ علم الجرام – الطبعة و الوراقة الوطنية – الطبعة الثانية‬

‫‪. 1999‬‬ ‫‪.‬‬

‫‪ -‬عبد الالق أحدون ‪ :‬فصول ف الدخل إل دراسة الشريعة السلمية ‪ ،‬مطبعة اسبارطيل‬

‫‪ ،‬طبعة ‪. 2001 – 2000‬‬

‫‪ -‬عبد الالق أحدون و آيت الاج مرزوق ‪ :‬مباحث ف أصول الفقه ‪ ،‬مطبعة اسبارطيل ‪،‬‬

‫الطبعة الول ‪. 2004‬‬

‫‪ -‬عبد القادر عودة ‪ :‬التشريع النائي السلمي مقارنا بالقانون الوضعي ‪ ،‬الزء الول ‪،‬‬

‫مؤسسة الرسالة بيوت لبنان ‪ ،‬الطبعة العشرة ‪.‬‬

‫‪ -‬عبد الالق النواوي ‪ :‬جرائم السرقة ف الشريعة السلمية و القانون الوضعي ‪ ،‬الكتبة‬

‫العصرية ‪ ،‬بيوت لبنان ‪ ،‬بدون طبعة ‪.‬‬

‫‪ -‬عوض حسن الكنور ‪ :‬حقوق النسان ف الجال النائي ‪ ،‬دار الشرق ‪ ،‬طبعة ‪. 1965‬‬

‫‪ -‬عبد الالق النواوي ‪ :‬التشريع النائي ف الشريعة السلمية و القانون الوضعي ‪،‬‬

‫‪ -‬عبد الواحد العلمي ‪ :‬البادئ العامة للقانون النائي الغرب – الزء الول ‪ ،‬دار النشر‬

‫‪ ،‬مطبعة النجاح الديدة ‪. 1990‬‬

‫‪94‬‬
‫‪ -‬سامي النصراوي ‪ :‬النظرية العامة للقانون النائي الغرب ف الرية و السؤولية‬

‫النائية ‪ ،‬الزء الول دار العارف ‪ ،‬الطبعة الثانية ‪. 1990‬‬

‫‪ -‬الشاطب ‪ :‬الوافقات ‪ ،‬الزء الثان و الرابع ‪ ،‬دار العرفة ‪ ،‬بيوت لبنان ‪ ،‬بدون طبعة ‪.‬‬

‫‪ -‬ممد أبو زهرة ‪ :‬الرية و العقوبة ف الفقه السلمي ‪ ،‬الزء الثان ‪ ،‬دار الفكر العرب ‪.‬‬

‫‪ -‬ممد التغدوين ‪ :‬إشكالية التجري ف التشريع النائي الغرب ‪ ،‬فاس بريس ‪ ،‬طبعة‬

‫‪. 2002‬‬

‫‪ -‬مي الدين أمزازي ‪ :‬العقوبة ؟ ‪ ،‬مطبعة المنية الرباط ‪ ،‬طبعة ‪. 1993‬‬

‫‪ -‬ممد سليم العوا ‪ :‬أصول النظام النائي السلمي‪ ،‬دار العارف ‪ ،‬الطبعة الثانية ‪. 1983‬‬

‫‪.‬‬ ‫‪ -‬ممد مليان ‪ :‬دروس ف القانون النائي العام ‪ ،‬دار النشر السور ‪ ،‬الطبعة الول‬

‫‪. 1995‬‬ ‫‪.‬‬

‫‪ -‬ممد الدن بوساق ‪ :‬إتاهات السياسة النائية العاصرة و الشريعة السلمية ‪ ،‬الرياض ‪.‬‬

‫‪ ،‬أكاديية نايف للعلوم المنية ‪. 2002‬‬ ‫‪.‬‬

‫‪ -‬مصطفى العوجي ‪ :‬دروس ف العلم النائي ‪ ،‬مؤسسة نوفل ‪ ،‬بيوت ‪ ،‬طبعة ‪. 1980‬‬

‫‪.‬‬ ‫‪ -‬مني نكب ‪ :‬تقنية التجري ف التشريع النائي الغرب " بث ناية التمرين ‪ ،‬معهد‬

‫القضاء الرباط " مطبوع على رقاقة بتاريخ ‪. 2002‬‬ ‫‪.‬‬

‫‪ -‬ممد فاروق النبهان ‪ :‬مباحث ف التشريع النائي السلمي‪ ،‬دار القلم طبعة ‪. 1977‬‬

‫‪.‬‬ ‫‪ -‬مناع القطان ‪ :‬تاريخ التشريع السلمي ‪ ،‬مؤسسة الرسالة ‪ ،‬الطبعة السابعة و العشرون‬

‫‪. 1998‬‬ ‫‪.‬‬

‫‪ -‬يوسف وهاب ‪ :‬خريات القانون الغرب ‪ ،‬مطبعة النجاح الديدة طبعة ‪. 2003‬‬

‫« الـمجلت و الرائد »‬

‫‪95‬‬
‫‪ -‬جريدة العلم ‪ :‬عبد اللطيف لبيب ‪ ،‬و قائع و آفاق تري التعذيب بالغرب ‪ ،‬العدد ‪. 1997‬‬

‫‪ ،‬الميس ‪ 3‬فباير ‪. 2005‬‬

‫‪ -‬أحد فتحي سرور ‪ :‬الجلة العربية للدفاع الجتماعي ‪ ،‬العدد ‪ ، 11‬مطبعة النجاح الديدة ‪. ،‬‬

‫طبعة ‪. 1984‬‬ ‫‪.‬‬

‫‪ -‬ممد سليم العوا ‪ :‬الجلة العربية للدفاع الجتماعي ‪ ،‬العدد ‪ ، 7‬مارس ‪. 1978‬‬

‫‪ -‬حسن صادق الرصفاوي ‪ :‬الجلة العربية للدفاع الجتماعي ‪ ،‬العدد ‪ ، 18‬مطبعة النجاح‬

‫الديدة ‪ ،‬طبعة ‪. 1981‬‬ ‫‪.‬‬

‫‪ -‬متار مطيع ‪ :‬ملة ‪ :‬دراسة وقائع دستورية و سياسية ‪ ،‬العدد ‪ ، 5‬طبعة ‪. 2003‬‬

‫‪.‬‬ ‫‪ -‬الرهاب و حقوق النسان ‪ :‬اليوم الدراسي حول مشروع قانون الرهاب ‪ ،‬المعية‬

‫الغربية لقوق النسان ‪ ،‬مركز التوثيق و العلم ‪ ،‬أبريل ‪. 2002‬‬ ‫‪.‬‬

‫‪96‬‬
i
ii
iii
iv