‫تتتت‬

‫تت ت‬
‫تتتتتت‬
‫تتت‬
‫تتت‬
‫تتتتت‬
‫تتتتتتت‬
‫)‪(1‬‬

‫تتت تتتتتت تتتتتتت‬
‫تتتتتتت تتتتتتت‬
‫لشيخ السلم أحمد بن عبد الحليم‬
‫بن تيمية‬
‫رحمه الله تعالى‪-‬‬‫عّلــــق عليـــه‬

‫الشيخ صالح بن عبد العزيز آل‬
‫الشيخ‬
‫‪-‬حفظه الله‪-‬‬

‫])‪ (09‬أشرطة مفّرغة والمسجلة بين الخميس ‪16‬جمادى‬
‫الخرة ‪1416‬هـوالخميس ‪18‬شعبان ‪1418‬هـ[‬

‫‪ ()1‬ملحظة‪ :‬العنوان من اختيار المفّرغ‪ ،‬هذا أول‪ ،‬أما ثانيا فإنه من الملحظ أن الشرطة‬
‫تسجيلها في كثير من الماكن غير مسموع جيدا ولذلك الكلمات غير المفهومة فقد وضعت‬
‫مكانها‪ ، ...‬وأرجو المعذرة‪] .‬قام بإعداد هذه المادة سالم الجزائري[‪.‬‬

‫‪2‬‬

‫التعليقات الحسان على كتاب الفرقان‬

‫للشيخ العلمة صالح بن عبد العزيز آل الشيخ‬

‫‪3‬‬

‫‪4‬‬

‫التعليقات الحسان على كتاب الفرقان‬

‫قال شيخ السلم قدس الله روحه‪:‬‬
‫بسم الله الرحمن الرحيم‬
‫الحمد لله نستعينه ونستهديه ونستغفره‪ ،‬ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن‬
‫سيئات أعمالنا‪ ،‬من يهده الله فل مضل له‪ ،‬ومن يضلل فل هادي له‪ ،‬ونشهد)‪ (2‬أن‬
‫ل إله إل الله وحده ل شريك له‪ ،‬ونشهد أن محمدا عبده ورسوله‪ ،‬أرسله بالهدى‬
‫ودين الحق ليظهره على الدين كله وكفى بالله شهيدا‪ ،‬أرسله بين يدي الساعة‬
‫صر‬
‫بشيرا ونذيرا‪ ،‬وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا‪ ،‬فهدى به من الضللة‪ ،‬وب ّ‬
‫ما وقلوبا غلفا‪،‬‬
‫ص ّ‬
‫به من العمى‪ ،‬وأرشد به من الغي‪ ،‬وفتح به أعينا عميا وآذانا ُ‬
‫ي‪ ،‬والمؤمنين‬
‫وفََرقَ به بين الحق والباطل‪ ،‬والهدى والضلل‪ ،‬والرشاد والغ ّ‬
‫والكفار‪ ،‬والسعداء أهل الجنة والشقياء أهل النار‪ ،‬وبين أولياء الله وأعداء الله‪،‬‬
‫فمن شهد له محمد ‪ ‬بأنه من أولياء الله فهو من أولياء الرحمن‪ ،‬ومن شهد له‬
‫بأنه من أعداء الله فهو من أعداء الله ومن أولياء الشيطان‪.‬‬
‫أن لله أولياء من الناس‪،‬‬
‫قد بين سبحانه وتعالى في كتابه وسنة رسوله ‪ّ ‬‬
‫َ‬
‫وللشيطان أولياء‪ ،‬ففرق بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان فقال تعالى ﴿أَل‬
‫َ‬
‫ف َ َ‬
‫و َ‬
‫كاُنوا‬
‫ه َل َ‬
‫وَل ُ‬
‫و ٌ‬
‫ن)‪(62‬ال ّ ِ‬
‫ول َِياءَ الل ّ ِ‬
‫حَزُنو َ‬
‫إِ ّ‬
‫م يَ ْ‬
‫ذي َ‬
‫نآ َ‬
‫ه ْ‬
‫ه ْ‬
‫مُنوا َ‬
‫م َ‬
‫خ ْ‬
‫نأ ْ‬
‫علي ْ ِ‬
‫ي َت ّ ُ‬
‫دي َ‬
‫م ال ْب ُ ْ‬
‫ل‬
‫في اْل ِ‬
‫و ِ‬
‫شَرى ِ‬
‫ة َل ت َب ْ ِ‬
‫خَر ِ‬
‫حَيا ِ‬
‫قو َ‬
‫في ال ْ َ‬
‫ن)‪(63‬ل َ ُ‬
‫ه ْ‬
‫ة الدّن َْيا َ‬
‫ه ذَل ِ َ‬
‫و ال ْ َ‬
‫ي‬
‫ك ُ‬
‫ع ِ‬
‫ت الل ّ ِ‬
‫ما ِ‬
‫وُز ال ْ َ‬
‫م﴾]يونس‪ (3)،[64-62:‬وقال تعالى ﴿الل ّ ُ‬
‫ظي ُ‬
‫ل ِك َل ِ َ‬
‫ه َ‬
‫ف ْ‬
‫ه َ‬
‫ول ِ ّ‬
‫ن كَ َ‬
‫فُروا‬
‫ت إلى الّنو‬
‫خ‬
‫مُنوا ي ُ ْ‬
‫وال ّ ِ‬
‫ما ِ‬
‫م ِ‬
‫ال ّ ِ‬
‫ر ُ‬
‫ج ُ‬
‫ذي َ‬
‫م ْ‬
‫ذي َ‬
‫ن الظّل ُ َ‬
‫ه ْ‬
‫نآ َ‬
‫ر َ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫م ال ّ‬
‫ول َئ ِ َ‬
‫طا ُ‬
‫ول َِيا ُ‬
‫ك‬
‫ن الّنو‬
‫خ‬
‫ت يُ ْ‬
‫ؤ ُ‬
‫ما ِ‬
‫م ِ‬
‫ر ُ‬
‫غو ُ‬
‫جون َ ُ‬
‫م ْ‬
‫ر إلى الظّل ُ َ‬
‫ه ْ‬
‫ه ْ‬
‫تأ ْ‬
‫أ ْ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ن‬
‫ب الّنا‬
‫ها َ‬
‫م ِ‬
‫ر ُ‬
‫ها ال ّ ِ‬
‫دو َ‬
‫خال ِ ُ‬
‫حا ُ‬
‫ص َ‬
‫ن﴾]البقرة‪ ،[257:‬وقال تعالى ﴿َياأي ّ َ‬
‫في َ‬
‫ذي َ‬
‫ه ْ‬
‫أ ْ‬
‫ِ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫خ ُ‬
‫ن‬
‫مُنوا َل ت َت ّ ِ‬
‫ع ُ‬
‫ول َِياءُ ب َ ْ‬
‫ول َِياءَ ب َ ْ‬
‫ض ُ‬
‫ذوا ال ْي َ ُ‬
‫م ْ‬
‫و َ‬
‫ه ْ‬
‫آ َ‬
‫والن ّ َ‬
‫ض َ‬
‫مأ ْ‬
‫صاَرى أ ْ‬
‫هودَ َ‬
‫ع ٍ‬
‫(‬
‫‪4‬‬
‫)‬
‫م ال ّ‬
‫دي ال ْ َ‬
‫م َ‬
‫ن)‪(51‬‬
‫ظال ِ ِ‬
‫ه ِ‬
‫ه ِ‬
‫م ِ‬
‫م إِ ّ‬
‫و َ‬
‫ه َل ي َ ْ‬
‫من ْ ُ‬
‫ول ّ ُ‬
‫مي َ‬
‫ن الل ّ َ‬
‫ه ْ‬
‫فإ ِن ّ ُ‬
‫من ْك ُ ْ‬
‫ه ْ‬
‫ق ْ‬
‫ي َت َ َ‬
‫ن من الناس من قال الفضل أن يتكلم‬
‫‪ () 2‬قول شيخ السلم )ونشهد( فيه جواز ذلك؛ ل ّ‬
‫ن‬
‫المرُء عن نفسه فيقول‪ :‬أشهد‪ ،‬وأل ّ يأتي بنون الجمع الدالة على نفسه وعلى غيره‪ ،‬ل ّ‬
‫الشهادة أمرها باطن‪ .‬وهذا جائز يقول عن نفسه وعن غيره أيضا باعتبار ظاهر الحال‪.‬‬
‫ن الولياء هم الذين آمنوا وكانوا يتقون‪ ،‬ولهذا عّرف جماعة من أهل‬
‫‪ ()3‬في هذه الية أ ّ‬
‫و َ‬
‫كاُنوا ي َت ّ ُ‬
‫ن﴾]يونس‪[63 :‬‬
‫العلم الولي‪ :‬بأّنه كل مؤمن تقي وليس بنبي؛ ﴿ال ّ ِ‬
‫قو َ‬
‫ذي َ‬
‫نآ َ‬
‫مُنوا َ‬
‫هم الولياء‪ ،‬واليمان والتقوى تتفاضل؛ اليمان يتفاضل يزيد وينقص‪ ،‬ويتفاضل أهله فيه‪،‬‬
‫ولية يتفاضل أهله فيه‪ ،‬فالولياء إذن‬
‫وكذلك التقوى يتفاضل أهُلها فيها‪ ،‬فيكون إذن وصف ال َ‬
‫مل‬
‫ليسوا على مرتبة واحدة‪ ،‬لكن صار غالبا في الصطلح أ ّ‬
‫ن الولي هو المؤمن الذي ك ّ‬
‫ن‬
‫من عنده شيء من اليمان وشيء من التقوى وليا‪ ،‬وإ ْ‬
‫التقوى بحسب استطاعته‪ ،‬وليس َ‬
‫ولية؛‬
‫كان كل مؤمن تقي له َولية بح َ‬
‫سب ذلك‪ ،‬ففرق بين السم؛ اسم الولي وبين ال َ‬
‫الولية التي هي محبة الله لعبده ونصرُته له هذه تكون عنده بقدر ما عنده من اليمان‬
‫ن من عنده إيمان وتقوى فهو من الولياء‪ ،‬لكن‬
‫ما اسم الولي فالية دلت على أ ّ‬
‫والتقوى‪ ،‬وأ ّ‬
‫ملوا التقوى بحسب‬
‫في الصطلح إذا قيل الولياء فهم العُّباد الصالحون الذين ك ّ‬
‫استطاعتهم‪ ،‬أو بحسب حالهم‪ ،‬فل يدخل فيه من خلط عمل صالحا وآخر سيئا‪.‬‬
‫م َ‬
‫م﴾]المائدة‪ [51:‬هذا التولي المكفر‬
‫ه ِ‬
‫م ِ‬
‫من ْ ُ‬
‫ول ّ ُ‬
‫م ْ‬
‫ه ْ‬
‫فإ ِن ّ ُ‬
‫من ْك ُ ْ‬
‫ه ْ‬
‫و َ‬
‫ن ي َت َ َ‬
‫‪ ()4‬قوله جل وعل هنا ﴿ َ‬
‫الذي هو نصرة الكافر عن المسلم في حال الحرب لقصد ظهور الكفر‪ ،‬أو بقصد سلمة‬
‫ل على هذا التفسير قوله في اليات نفسها ﴿ َ‬
‫النفس على سلمة السلم‪ ،‬يد ّ‬
‫ن‬
‫فت ََرى ال ّ ِ‬
‫ذي َ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫في ُ ُ‬
‫ُ‬
‫خ َ‬
‫ة﴾]المائدة‪[52:‬‬
‫ن نَ ْ‬
‫دائ َِر ٌ‬
‫ر ُ‬
‫ن ِ‬
‫ِ‬
‫ن تُ ِ‬
‫شى أ ْ‬
‫هم ي َقولو َ‬
‫عو َ‬
‫صيب ََنا َ‬
‫ض يُ َ‬
‫م َ‬
‫ه ْ‬
‫مَر ٌ‬
‫سا ِ‬
‫في ِ‬
‫قلوب ِ ِ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫هم( يعني في توليهم وفي نصرتهم ﴿ ي َ ُ‬
‫خ َ‬
‫ة‬
‫ن نَ ْ‬
‫دائ َِر ٌ‬
‫ر ُ‬
‫ن ِ‬
‫ن تُ ِ‬
‫شى أ ْ‬
‫قولو َ‬
‫عو َ‬
‫صيب ََنا َ‬
‫)ي ُ َ‬
‫سا ِ‬
‫في ِ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫ْ‬
‫ّ‬
‫ي ِبال َ‬
‫َ‬
‫ه﴾]المائدة‪ [52:‬فهذه دلت على أن‬
‫ن ِ‬
‫د ِ‬
‫عن ْ ِ‬
‫ر ِ‬
‫هأ ْ‬
‫ف َ‬
‫م ْ‬
‫ع َ‬
‫وأ ْ‬
‫سى الل ُ‬
‫حأ ْ‬
‫ن ي َأت ِ َ‬
‫م ٍ‬
‫فت ْ ِ‬
‫ّ‬
‫ُ‬
‫م َ‬
‫م﴾]المائدة‪ [51:‬أّنه في حال القتال‬
‫ه ِ‬
‫م ِ‬
‫من ْ ُ‬
‫ول ُ‬
‫م ْ‬
‫ه ْ‬
‫فإ ِن ّ ُ‬
‫من ْك ْ‬
‫ه ْ‬
‫و َ‬
‫ن ي َت َ َ‬
‫المقصود بقوله ﴿ َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫ْ‬
‫خ ُ‬
‫م‬
‫والنصرة؛ ﴿ َل ت َت ّ ِ‬
‫ع ُ‬
‫ول َِياءُ ب َ ْ‬
‫ول َِياءَ ب َ ْ‬
‫ول ُ‬
‫م ْ‬
‫ض ُ‬
‫ذوا الي َ ُ‬
‫ه ْ‬
‫و َ‬
‫ه ْ‬
‫والن ّ َ‬
‫ن ي َت َ َ‬
‫ض َ‬
‫مأ ْ‬
‫صاَرى أ ْ‬
‫هودَ َ‬
‫ع ٍ‬

‫للشيخ العلمة صالح بن عبد العزيز آل الشيخ‬

‫‪5‬‬

‫َ‬
‫هم ي َ ُ‬
‫في ُ‬
‫َ‬
‫خ َ‬
‫ن‬
‫ن نَ ْ‬
‫ر ُ‬
‫ن ِ‬
‫ن ِ‬
‫فت ََرى ال ّ ِ‬
‫شى أ ْ‬
‫قوُلو َ‬
‫عو َ‬
‫ض يُ َ‬
‫ذي َ‬
‫م َ‬
‫ه ْ‬
‫مَر ٌ‬
‫قُلوب ِ‬
‫سا ِ‬
‫في َ ِ‬
‫ِ‬
‫فعسى الل ّ َ‬
‫ه َ‬
‫ي ِبال ْ َ‬
‫حوا‬
‫م‬
‫ن ِ‬
‫ن ي َأ ْت ِ‬
‫فت ْ‬
‫د ِ‬
‫عن ْ ِ‬
‫ر ِ‬
‫تُ ِ‬
‫هأ ْ‬
‫صب ِ ُ‬
‫صيب ََنا َ‬
‫دائ َِرةٌ َ َ َ‬
‫م ْ‬
‫ح أو أ ْ‬
‫ُ‬
‫في ُ ْ‬
‫َ‬
‫ٍ‬
‫ِ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫وي َ ُ‬
‫في أن ُ‬
‫ه ُ‬
‫قو ُ‬
‫ء‬
‫ؤَل ِ‬
‫س‬
‫َ‬
‫مُنوا أ َ‬
‫سّروا ِ‬
‫ل ال ّ ِ‬
‫م َناِد ِ‬
‫ف ِ‬
‫ما أ َ‬
‫ذي َ‬
‫مي َ‬
‫نآ َ‬
‫ه ْ‬
‫عَلى َ‬
‫ن)‪َ (52‬‬
‫ِ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫نأ ْ‬
‫م‬
‫تأ ْ‬
‫موا ِبالل ّ ِ‬
‫ال ّ ِ‬
‫م َ‬
‫م َ‬
‫ه َ‬
‫حب ِطَ ْ‬
‫مال ُ ُ‬
‫م إ ِن ّ ُ‬
‫ج ْ‬
‫ق َ‬
‫ذي َ‬
‫ه ْ‬
‫ع َ‬
‫عك ُ ْ‬
‫م لَ َ‬
‫ه ْ‬
‫ه ْ‬
‫هدَ أي ْ َ‬
‫س ُ‬
‫مان ِ ِ‬
‫َ‬
‫َ َ‬
‫ه‬
‫س‬
‫حوا َ‬
‫م َ‬
‫ن ِدين ِ ِ‬
‫ن ي َْرت َدّ ِ‬
‫ها ال ّ ِ‬
‫خا ِ‬
‫صب َ ُ‬
‫ن)‪َ(53‬ياأي ّ َ‬
‫ع ْ‬
‫م ْ‬
‫ذي َ‬
‫ري َ‬
‫من ْك ُ ْ‬
‫مُنوا َ‬
‫نآ َ‬
‫فأ ْ‬
‫ِ‬
‫حبون َ َ‬
‫فسو َ ْ‬
‫ه بِ َ‬
‫م ْ‬
‫ة‬
‫ة َ‬
‫ن أَ ِ‬
‫وم ٍ ي ُ ِ‬
‫عّز ٍ‬
‫ؤ ِ‬
‫ه أِذل ّ ٍ‬
‫وي ُ ِ ّ‬
‫حب ّ ُ‬
‫مِني َ‬
‫عَلى ال ْ ُ‬
‫ُ‬
‫ه ْ‬
‫ف ي َأِتي الل ّ ُ‬
‫م َ‬
‫ق ْ‬
‫َ َ ْ‬
‫عَلى ال ْ َ‬
‫ة َلئ ِم ٍ ذَل ِ َ‬
‫خا ُ‬
‫ك‬
‫وَل ي َ َ‬
‫َ‬
‫م َ‬
‫ن ِ‬
‫كا ِ‬
‫ل الل ّ ِ‬
‫جا ِ‬
‫فو َ‬
‫دو َ‬
‫ه ُ‬
‫ن يُ َ‬
‫في َ‬
‫ري َ‬
‫و َ‬
‫ن لَ ْ‬
‫ه َ‬
‫سِبي ِ‬
‫ف ِ‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫َ‬
‫ه يُ ْ‬
‫ن يَ َ‬
‫ض ُ‬
‫ه‬
‫ع َ‬
‫ف ْ‬
‫وا ِ‬
‫ؤِتي ِ‬
‫ل الل ِ‬
‫س ٌ‬
‫م ْ‬
‫م الل ُ‬
‫ول ِي ّك ُ ْ‬
‫م)‪(54‬إ ِن ّ َ‬
‫عِلي ٌ‬
‫والل ُ‬
‫ه َ‬
‫ما َ‬
‫ه َ‬
‫شاءُ َ‬
‫ن الّز َ‬
‫وي ُ ْ‬
‫م‬
‫و ُ‬
‫ن يُ ِ‬
‫مُنوا ال ّ ِ‬
‫وال ّ ِ‬
‫ؤُتو َ‬
‫مو َ‬
‫وَر ُ‬
‫ذي َ‬
‫ذي َ‬
‫ه ْ‬
‫قي ُ‬
‫نآ َ‬
‫سول ُ ُ‬
‫ن ال ّ‬
‫كاةَ َ‬
‫صَلةَ َ‬
‫ه َ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫ه‬
‫ن ِ‬
‫ب الل ِ‬
‫وال ِ‬
‫مُنوا فإ ِ ّ‬
‫عو َ‬
‫حْز َ‬
‫َراك ِ ُ‬
‫وَر ُ‬
‫ذي َ‬
‫م ْ‬
‫نآ َ‬
‫سول ُ‬
‫ول الل َ‬
‫و َ‬
‫ه َ‬
‫ه َ‬
‫ن ي َت َ َ‬
‫ن)‪َ (55‬‬
‫ْ‬
‫ّ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫ْ‬
‫هَنال ِ َ‬
‫خي ٌْر‬
‫و َ‬
‫م ال َ‬
‫ولي َ ُ‬
‫ق ُ‬
‫ن﴾]المائدة‪ ،[56-51:‬وقال تعالى ﴿ ُ‬
‫ُ‬
‫ة ل ِل ِ‬
‫غال ُِبو َ‬
‫ه ال َ‬
‫ح ّ‬
‫ه ْ‬
‫ه َ‬
‫ك ال َ‬
‫ْ‬
‫)‪(5‬‬
‫ذا َ‬
‫قًبا﴾]الكهف‪ ،[44:‬وذكر أولياء الشيطان فقال تعالى ﴿ َ‬
‫ع ْ‬
‫فإ ِ َ‬
‫ت‬
‫و َ‬
‫خي ٌْر ُ‬
‫قَرأ َ‬
‫واًبا َ‬
‫ثَ َ‬
‫سل ْ َ‬
‫شي ْ َ‬
‫ن َ‬
‫ال ْ ُ‬
‫ن ال ّ‬
‫ن‬
‫ست َ ِ‬
‫ه ِ‬
‫عذْ ِبالل ّ ِ‬
‫طا ٌ‬
‫قْرآ َ‬
‫ه ُ‬
‫فا ْ‬
‫م ْ‬
‫س لَ ُ‬
‫م)‪(98‬إ ِن ّ ُ‬
‫ه ل َي ْ َ‬
‫ن الّر ِ‬
‫طا ِ‬
‫جي ِ‬
‫سل ْ َ‬
‫و َ َ‬
‫ن‬
‫ه َ‬
‫َ‬
‫عَلى ال ّ ِ‬
‫عَلى ال ّ ِ‬
‫وك ُّلو َ‬
‫ما ُ‬
‫ذي َ‬
‫ذي َ‬
‫طان ُ ُ‬
‫ن)‪(99‬إ ِن ّ َ‬
‫ه ْ‬
‫نآ َ‬
‫م ي َت َ َ‬
‫مُنوا َ‬
‫على َرب ّ ِ‬
‫م َ‬
‫م﴾]المائدة‪ [51:‬يعني خرج عن الدين لنه نصرهم في حال قتالهم لهل‬
‫ه ِ‬
‫ِ‬
‫من ْ ُ‬
‫ه ْ‬
‫فإ ِن ّ ُ‬
‫من ْك ُ ْ‬
‫ولية هي المحبة‬
‫السلم‪ ،‬استشهد بها شيخ السلم لل ّ‬
‫ولية وأن ال َ‬
‫دللة على معنى ال َ‬
‫َ‬
‫خ ُ‬
‫ول َِياءَ( يعني أحبابا منصورين تنصرونهم‬
‫والنصرة‪َ) ،‬ل ت َت ّ ِ‬
‫ذوا ال ْي َ ُ‬
‫والن ّ َ‬
‫صاَرى أ ْ‬
‫هودَ َ‬
‫َ‬
‫ض( بعضهم يحب بعضا وينصر بعضا‪.‬‬
‫ع ُ‬
‫ول َِياءُ ب َ ْ‬
‫وتتناصرون معهم‪) ،‬ب َ ْ‬
‫ض ُ‬
‫ه ْ‬
‫مأ ْ‬
‫ع ٍ‬
‫القصد؛ في قصة حاطب‪ ،‬حاطب حصل منه مسارعة في إفشاء السر والخبار بعزم‬
‫رسول الله‪ ‬على إتيان مكة‪ ،‬فلما قال عمر للنبي عليه الصلة والسلم يا رسول الله‬
‫دعني أضرب عنق هذا المنافق‪ ،‬فقال» يا عمر أرسله‪ ،‬يا حاطب ما حملك على‬
‫هذا؟« فاستفصاله عليه الصلة والسلم دال على اعتبار القصد‪ ،‬وقد علل هو بأمر دنيوي‪،‬‬
‫فقال‪ :‬يارسول الله ما من أحد من صحابتك إل وله في مكة قرابة أو أهل‪ ،‬يدفعون عن‬
‫ماله‪ ،‬وليس لي أحد‪ ،‬فأردت أن يكون لي بذلك يد أدفع بها عن مالي‪ .‬فقال عليه الصلة‬
‫والسلم »صدقكم«‪ ،‬فدل هذا على أنه لم يقصد ظهور الكفر على السلم‪ ،‬وإنما قصد‬
‫حماية نفسه‪ .‬قصد حماية المال والنفس هذا راجع إلى أمر الدنيا وليس راجع إلى أمر‬
‫الدين‪ ،‬فيكون التولي أو الوالة بهذا المعنى محّرم وضلل عن سواء السبيل‪ ،‬ولكن ليست‬
‫َ‬
‫خ ُ‬
‫م‬
‫و َ‬
‫ذوا َ‬
‫مُنوا َل ت َت ّ ِ‬
‫ها ال ّ ِ‬
‫ذي َ‬
‫مكفرة‪ ،‬وذلك لقول الله جل وعل ﴿َياأي ّ َ‬
‫وك ُ ْ‬
‫نآ َ‬
‫عد ُ ّ‬
‫وي َ‬
‫عدُ ّ‬
‫َ‬
‫ول َِياءَ ت ُل ْ ُ‬
‫ة﴾]الممتحنة‪ [1:‬قال العلماء‪ :‬أثبت أنهم ألقوا المودة‪ ،‬ومع ذلك‬
‫ود ّ ِ‬
‫قو َ‬
‫ن إ ِل َي ْ‬
‫م ِبال ْ َ‬
‫ه ْ‬
‫م َ‬
‫أ ْ‬
‫ِ‬
‫َ‬
‫ن يَ ْ‬
‫ه‬
‫ها ال ّ ِ‬
‫ف َ‬
‫م ْ‬
‫ذي َ‬
‫ناداهم باسم اليمان فقال )َياأي ّ َ‬
‫عل ْ ُ‬
‫و َ‬
‫نآ َ‬
‫مُنوا( ومع ذلك قال في آخرها ﴿ َ‬
‫ف َ‬
‫م َ‬
‫ل﴾]الممتحنة‪ [1:‬فد ّ‬
‫ض ّ‬
‫ل على أن هذا الفعل وهو الموالة بهذا‬
‫قد ْ َ‬
‫ِ‬
‫واءَ ال ّ‬
‫ل َ‬
‫من ْك ُ ْ‬
‫سِبي ِ‬
‫س َ‬
‫حا‬
‫ج ً‬
‫مر ّ‬
‫صَر ُ‬
‫المعنى محّرم وضلل عن سواء السبيل ولكن ل يخرج عن اسم اليمان‪ .‬و َ‬
‫ن نَ َ‬
‫م ْ‬
‫سلمة نفسه على سلمة السلم فهو هنا يكفر ولو بالفعل‪ ،‬فرق بين أن ُيسّر لهم بشيء أو‬
‫يمدهم بمال أو نحو ذلك وما بين فعل شيء فيه نصر لهم على المسلمين؛ يعني يفعل‬
‫شيء معه نصر للكفر على السلم أو ظهور للكفار على المسلمين‪ ،‬ولهذا في نواقض‬
‫السلم لمام الدعوة رحمه الله َ‬
‫ذكر من النواقض مظاهرة المشركين على المسلمين‪،‬‬
‫والمظاهرة لفظ له هذا المعنى الذي ذكرت‪ ،‬هذا بحث له موطن آخر بتفصيل‪.‬‬
‫‪ ()5‬هذه اليات السالفة كلها في بيان أولياء الرحمن‪ ،‬والولية كما ذكرت معناها المحبة‬
‫هَنال ِ َ‬
‫ق﴾]الكهف‪ [44:‬يعني النصرة الكاملة والمحبة في الله‬
‫وَلي َ ُ‬
‫والنصرة ﴿ ُ‬
‫ة ل ِل ّ ِ‬
‫ه ال ْ َ‬
‫ح ّ‬
‫ك ال ْ َ‬
‫ولله جل وعل الحق سبحانه وتعالى‪ ،‬فمن أحب شيئا دون الله جل وعل وتعلق قلبه به خذل‬
‫ذل من‬
‫من جهته‪ ،‬وكذلك من طلب الّنصرة من غير الله جل وعل وتعلق القلب بذلك ُ‬
‫خ ِ‬
‫ُ‬
‫ه‬
‫وَر ُ‬
‫سول ُ‬
‫م الل ّ ُ‬
‫ول ِي ّك ُ ْ‬
‫جهته‪ ،‬ومن تعلق قلبه بالله وانتصر به كفاه‪ ،‬وهذا معنى قوله ﴿إ ِن ّ َ‬
‫ه َ‬
‫ما َ‬
‫مُنوا﴾]المائدة‪ [55:‬يعني يحبكم وناصركم الله ورسوله والذين آمنوا‪ ،‬هذا هو‬
‫وال ّ ِ‬
‫ذي َ‬
‫نآ َ‬
‫َ‬
‫الواجب أن تكون َولية المؤمنين في الله جل وعل ولله‪.‬‬

‫‪6‬‬

‫التعليقات الحسان على كتاب الفرقان‬
‫ر ُ‬
‫م ْ‬
‫مُنوا‬
‫ن﴾]النحل‪ ،[100-98:‬وقال تعالى﴿ال ّ ِ‬
‫كو َ‬
‫ذي َ‬
‫نآ َ‬
‫ُ‬
‫ش ِ‬

‫ه‬
‫ن ُ‬
‫م بِ ِ‬
‫وال ّ ِ‬
‫ذي َ‬
‫ه ْ‬
‫ون َ ُ‬
‫ه َ‬
‫ول ّ ْ‬
‫ي َت َ َ‬
‫ل ال ّ‬
‫طا ُ‬
‫فُروا ي ُ َ‬
‫ن كَ َ‬
‫يُ َ‬
‫ت‬
‫ن ِ‬
‫ن ِ‬
‫غو ِ‬
‫وال ّ ِ‬
‫ل الل ّ ِ‬
‫قات ُِلو َ‬
‫قات ُِلو َ‬
‫في َ‬
‫في َ‬
‫ذي َ‬
‫سِبي ِ‬
‫ه َ‬
‫سِبي ِ‬
‫َ‬
‫شي ْ َ‬
‫شي ْ َ‬
‫ن َ‬
‫عي ً‬
‫ف َ‬
‫َ‬
‫ن ك َي ْدَ ال ّ‬
‫ول َِياءَ ال ّ‬
‫فا﴾]النساء‪ ،[76:‬وقال‬
‫ض ِ‬
‫ن َ‬
‫كا َ‬
‫ن إِ ّ‬
‫طا ِ‬
‫طا ِ‬
‫قات ُِلوا أ ْ‬
‫س َ‬
‫م َ‬
‫وإ ِذْ ُ‬
‫ن‬
‫ن ِ‬
‫مَلئ ِك َ ِ‬
‫كا َ‬
‫ج ُ‬
‫س َ‬
‫ج ُ‬
‫س ُ‬
‫دوا ِلدَ َ‬
‫ف َ‬
‫ةا ْ‬
‫م ْ‬
‫قل َْنا ل ِل ْ َ‬
‫دوا إ ِّل إ ِب ِْلي َ‬
‫تعالى﴿ َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫هأ َ‬
‫ف َ‬
‫ن َ‬
‫خ ُ‬
‫م‬
‫ق َ‬
‫و ُ‬
‫فت َت ّ ِ‬
‫ول َِياءَ ِ‬
‫ر َرب ّ ِ‬
‫ن ُ‬
‫ف َ‬
‫م ْ‬
‫ع ْ‬
‫ج ّ‬
‫ه ْ‬
‫وذُّري ّت َ ُ‬
‫ذون َ ُ‬
‫نأ ْ‬
‫س َ‬
‫ال ْ ِ‬
‫دوِني َ‬
‫هأ ْ‬
‫ه َ‬
‫م ِ‬
‫س ِلل ّ‬
‫خ ْ‬
‫ذ‬
‫م َ‬
‫ن ي َت ّ ِ‬
‫ظال ِ ِ‬
‫م ْ‬
‫مي َ‬
‫و َ‬
‫ل َك ُ ْ‬
‫و ب ِئ ْ َ‬
‫ن ب َدًَل﴾]الكهف‪ ،[50:‬وقال تعالى﴿ َ‬
‫عدُ ّ‬
‫شي ْ َ‬
‫ف َ‬
‫ه َ‬
‫ال ّ‬
‫مِبيًنا﴾]النساء‪ ،[119:‬وقال‬
‫سَر ُ‬
‫قدْ َ‬
‫خ ِ‬
‫ن الل ّ ِ‬
‫ول ِّيا ِ‬
‫طا َ‬
‫ن ُ‬
‫خ ْ‬
‫م ْ‬
‫سَراًنا ُ‬
‫دو ِ‬
‫ن َ‬
‫م َ‬
‫س َ‬
‫ن َ‬
‫خ َ‬
‫قا َ‬
‫م‬
‫فا ْ‬
‫و ُ‬
‫تعالى﴿ال ّ ِ‬
‫س إِ ّ‬
‫م ُ‬
‫قدْ َ‬
‫ل لَ ُ‬
‫ذي َ‬
‫ه ْ‬
‫عوا ل َك ُ ْ‬
‫ج َ‬
‫ه ْ‬
‫ن الّنا َ‬
‫م الّنا ُ‬
‫ش ْ‬
‫فان ْ َ‬
‫ل)‪َ (173‬‬
‫و َ‬
‫َ‬
‫كي ُ‬
‫ة‬
‫فَزادَ ُ‬
‫م ٍ‬
‫و ِ‬
‫قل َُبوا ب ِن ِ ْ‬
‫ون ِ ْ‬
‫قاُلوا َ‬
‫ح ْ‬
‫ع َ‬
‫ع َ‬
‫سب َُنا الل ّ ُ‬
‫م ِإي َ‬
‫ه ْ‬
‫م ال ْ َ‬
‫ه َ‬
‫ماًنا َ‬
‫و َ‬
‫ه ُ‬
‫ذو‬
‫ر ْ‬
‫ف ْ‬
‫ن الل ّ ِ‬
‫ن الل ّ ِ‬
‫ِ‬
‫وا َ‬
‫وات ّب َ ُ‬
‫م ُ‬
‫س ُ‬
‫س ْ‬
‫م َ‬
‫م ْ‬
‫والل ّ ُ‬
‫ه ْ‬
‫م يَ ْ‬
‫ل لَ ْ‬
‫ه َ‬
‫ض َ‬
‫سوءٌ َ‬
‫ض ٍ‬
‫ه َ‬
‫عوا ِ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫خا ُ‬
‫ول َِياءَهُ َ‬
‫َ‬
‫م ال ّ‬
‫م‬
‫فل ت َ َ‬
‫ن يُ َ‬
‫ل َ‬
‫فو ُ‬
‫و ُ‬
‫ف ْ‬
‫ع ِ‬
‫شي ْطا ُ‬
‫ه ْ‬
‫ما ذَل ِك ْ‬
‫م)‪(174‬إ ِن ّ َ‬
‫فأ ْ‬
‫خ ّ‬
‫ض ٍ‬
‫ظي ٍ‬
‫خا ُ‬
‫م ْ‬
‫عل َْنا‬
‫و َ‬
‫ؤ ِ‬
‫ن إِ ْ‬
‫ج َ‬
‫ن﴾]آل عمران‪ ،[175-173:‬وقال تعالى﴿اإ ِّنا َ‬
‫مِني َ‬
‫م ُ‬
‫ن ك ُن ْت ُ ْ‬
‫فو ِ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫ة َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫ح َ‬
‫ّ‬
‫َ‬
‫قاُلوا‬
‫فا‬
‫لوا‬
‫ع‬
‫ف‬
‫ذا‬
‫إ‬
‫و‬
‫(‬
‫‪27‬‬
‫ن)‬
‫نو‬
‫م‬
‫ؤ‬
‫ي‬
‫ل‬
‫ن‬
‫ذي‬
‫ل‬
‫ل‬
‫ء‬
‫يا‬
‫ل‬
‫و‬
‫أ‬
‫ن‬
‫طي‬
‫يا‬
‫ش‬
‫ال‬
‫ش ً‬
‫ِ‬
‫ُ ِ ُ َ‬
‫َ‬
‫َ ِ َ ْ ِ َ َ ِ ِ َ‬
‫َ ِ‬
‫َ‬
‫ذوا ال ّ‬
‫خ ُ‬
‫ن‬
‫م ات ّ َ‬
‫جدَْنا َ‬
‫ول َِياءَ ِ‬
‫شَيا ِ‬
‫ن ُ‬
‫و َ‬
‫ها آَباءََنا﴾ إلى قوله ﴿إ ِن ّ ُ‬
‫عل َي ْ َ‬
‫م ْ‬
‫طي َ‬
‫ه ْ‬
‫دو ِ‬
‫نأ ْ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫ن‬
‫الل ِ‬
‫وإ ِ ّ‬
‫دو َ‬
‫سُبو َ‬
‫هت َ ُ‬
‫وي َ ْ‬
‫م ْ‬
‫ن أن ّ ُ‬
‫ح َ‬
‫م ُ‬
‫ه ْ‬
‫ن﴾]العراف‪ ،[30-27:‬وقال تعالى﴿ َ‬
‫ه َ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫ال ّ‬
‫م﴾]النعام‪ ،[121:‬وقال الخليل‬
‫شَيا ِ‬
‫حو َ‬
‫م ل ِي ُ َ‬
‫ن لُيو ُ‬
‫طي َ‬
‫جاِدلوك ُ ْ‬
‫ه ْ‬
‫ن إلى أ ْ‬
‫ول َِيائ ِ َ ِ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫س َ‬
‫ع َ‬
‫ن‬
‫ت إ ِّني أ َ‬
‫ك َ‬
‫خا ُ‬
‫ب ِ‬
‫عليه الصلة والسلم﴿َياأب َ ِ‬
‫فأ ْ‬
‫ن الّر ْ‬
‫ذا ٌ‬
‫م ّ‬
‫م ْ‬
‫ح َ‬
‫ن يَ َ‬
‫م ِ‬
‫َ‬
‫شي ْ َ‬
‫فت َ ُ‬
‫َ‬
‫ن ِلل ّ‬
‫مُنوا َل‬
‫ها ال ّ ِ‬
‫كو َ‬
‫ول ِّيا﴾]مريم‪ ،[45:‬وقال تعالى﴿َياأي ّ َ‬
‫ذي َ‬
‫نآ َ‬
‫ن َ‬
‫طا ِ‬
‫عدوك ُ َ‬
‫ول َِياءَ ت ُل ْ ُ‬
‫خ ُ‬
‫ة﴾ اليات إلى‬
‫ذوا َ‬
‫ت َت ّ ِ‬
‫ودّ ِ‬
‫قو َ‬
‫ن إ ِل َي ْ‬
‫م ِبال ْ َ‬
‫ه ْ‬
‫و َ ُ ّ ْ‬
‫م َ‬
‫مأ ْ‬
‫وي َ‬
‫عدُ ّ‬
‫ِ‬
‫َ‬
‫)‪(6‬‬
‫قوله﴿إ ِن ّ َ‬
‫م﴾]الممتحنة‪.[5-1:‬‬
‫ح ِ‬
‫زيُز ال ْ َ‬
‫ت ال ْ َ‬
‫ك أن ْ َ‬
‫كي ُ‬
‫ع ِ‬
‫فصـــــل‬
‫عرف أن الناس فيهم أولياء الرحمن وأولياء الشيطان‪ ،‬فيجب أن يفرق‬
‫وإذا ُ‬
‫بين هؤلء وهؤلء كما فرق الله ورسوله بينهما‪ ،‬فأولياء الله هم المؤمنون‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ف َ َ‬
‫م‬
‫ه َل َ‬
‫وَل ُ‬
‫و ٌ‬
‫ول َِياءَ الل ّ ِ‬
‫المتقون كما قال تعالى﴿أَل إ ِ ّ‬
‫ه ْ‬
‫ه ْ‬
‫م َ‬
‫خ ْ‬
‫نأ ْ‬
‫علي ْ ِ‬
‫و َ‬
‫كاُنوا ي َت ّ ُ‬
‫ن﴾]يونس‪[63-62:‬‬
‫ن)‪(62‬ال ّ ِ‬
‫قو َ‬
‫حَزُنو َ‬
‫يَ ْ‬
‫ذي َ‬
‫نآ َ‬
‫مُنوا َ‬
‫وفي الحديث الصحيح الذي رواه البخاري وغيره عن أبي هريرة ‪ ‬عن النبي‬
‫‪ ‬قال‪» :‬يقول الله من عادى لي وليا ]فقد بارزني بالمحاربة[ )‪ (7‬أو‬
‫فقد آذنته بالحرب وما تقّرب إلي عبدي بمثل أداء ما افترضت عليه‬
‫ول يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحّبه فإذا أحببته كنت‬
‫سمعه الذي يسمع به‪ ،‬وبصره الذي يبصر به‪ ،‬ويده التي يبطش بها‪،‬‬
‫ورجله التي يمشي بها‪ ،‬فبي يسمع‪ ،‬وبي يبصر‪ ،‬وبي يبطش‪ ،‬وبي‬

‫‪ ()6‬هذا كله استدلل باليات على التسمية؛ يعني كأنه استحضر رحمه الله من يقول له‪:‬‬
‫من أين أتيت بهذه التسمية أولياء الرحمن وأولياء الشيطان؟ فأتى باليات التي تدل أن‬
‫للرحمن أولياء وعلى أن للشيطان أولياء‪ ،‬هذه خطبة للكتاب‪ ،‬يعني مقدمة‪ ،‬بعدها يأتي‬
‫للصفات؛ ما صفات هؤلء وما صفات هؤلء‪.‬‬
‫‪ ()7‬شيخ السلم دائما استدلله بالول )فقد بارزني بالمحاربة( وهذا اللفظ ليس في‬
‫كتب الصحاح‪ ،‬إنما هو عند أبي نعيم‪ ،‬وعند غيره من الكتب غير المشهورة‪ ،‬ولعله أخذها من‬
‫بعض المستخرجات على الصحيح كمستخرج أبي عوانة‪ ،‬أو مستخرج السماعيلي البخاري‬
‫ونحو ذلك‪ ،‬لنه عنده عناية بالجمع بين الصحيحين للحميدي‪ .‬المقصود أن هذا اللفمظ مما‬
‫يعترض به على شيخ السلن كثيرا لن هذا اللفظ غير معروف )فقد بارزني‬
‫بالمحاربة(‪ ،‬واللفظ المعروف في الصحيحين )فقد آذنته بالحرب( هذا هو المعروف‬
‫في الحديث المسمى حديث الولي‪.‬‬

‫للشيخ العلمة صالح بن عبد العزيز آل الشيخ‬

‫‪7‬‬

‫يمشي‪ ،‬ولئن سألني لعطينه‪ ،‬ولئن استعاذني لعيذنه‪ ،‬وما ترددت‬
‫عن شيء أنا فاعله ترددي عن قبض نفس عبدي المؤمن يكره‬
‫الموت وأكره مساءته ول بد له منه« وهذا أصح حديث ُيروي في الولياء‬
‫)‪(8‬‬
‫فبّين النبي ‪ ‬أنه من عادى وليا لله فقد بارز الله بالمحاربة‪.‬‬
‫رب« أي آخذ‬
‫وفي حديث آخر‪» :‬وإني لثأر لوليائي كما يثأر الليث ال َ‬
‫ح ِ‬
‫ثأرهم ممن عادهم كما يأخذ الليث الحرب ثأره‪ ،‬وهذا لن أولياء الله هم الذين‬
‫خ ُ‬
‫طوا‬
‫س ِ‬
‫أمنوا به ووالوه فأحبوا ما يحب وأبغضوا ما يبغض ورضوا بما يرضى و َ‬
‫بما يسخط وأمروا بما أمر ونهوا عما نهى‪ ،‬وأعطوا لمن يحب أن يعطى‪ ،‬ومنعوا‬
‫ن الله جل وعل فرق بين أولياء الله‬
‫‪ ()8‬هذا القول في أوائل هذا الفصل فيه البيان على أ ّ‬
‫ن للشيطان أولياء‪ ،‬ثم ل‬
‫ن لله أولياء وأ ّ‬
‫وأولياء الشيطان‪ ،‬فكونه سبحانه يذكر في القرآن أ ّ‬
‫يفرق بين هؤلء وهؤلء بالصفات بما ُيعلم به هؤلء وهؤلء‪ ،‬هذا ممتنع؛ لن الله جل جلله‬
‫جعل هذا القرآن فرقانا ﴿ ت ََباَر َ‬
‫فْر َ‬
‫ل ال ْ ُ‬
‫ذي ن َّز َ‬
‫ه﴾]الفرقان‪ [1:‬فهو فرقان‬
‫عَلى َ‬
‫ن َ‬
‫د ِ‬
‫عب ْ ِ‬
‫ك ال ّ ِ‬
‫قا َ‬
‫بين الشياء المتقابلة التي قد تلتبس‪ ،‬ومن ذلك وصف أولياء الرحمن ووصف أولياء‬
‫الشيطان‪ ،‬فالفرقان قائم بين هذين الحزبين وبين هاتين الطائفتين‪ ،‬هؤلء لهم صفات‬
‫وهؤلء لهم صفات‪ ،‬أعظم ما في القرآن من وصف أولياء الله جل وعل في آية سورة‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ف َ َ‬
‫م‬
‫ه َل َ‬
‫وَل ُ‬
‫و ٌ‬
‫ول َِياءَ الل ّ ِ‬
‫يونس التي استدل وبها وهي قوله تعالى ﴿أَل إ ِ ّ‬
‫ه ْ‬
‫ه ْ‬
‫م َ‬
‫خ ْ‬
‫نأ ْ‬
‫علي ْ ِ‬
‫و َ‬
‫كاُنوا ي َت ّ ُ‬
‫ن الولياء هم‬
‫ن)‪(62‬ال ّ ِ‬
‫قو َ‬
‫حَزُنو َ‬
‫ن﴾]يونس‪ [63-62:‬فبّين جل وعل أ ّ‬
‫يَ ْ‬
‫ذي َ‬
‫نآ َ‬
‫مُنوا َ‬
‫ن اليمان يتبعض وأّنه درجات بعضها فوق بعض‪،‬‬
‫الذين آمنوا وكانوا يتقون‪ ،‬ومن المتقرر أ ّ‬
‫ن التقوى كذلك تتبعض والناس فيها مختلفون ك ّ‬
‫سر له‪ ،‬فنتج من‬
‫وأ ّ‬
‫ل يأخذ منها بحسب ما ي ُ ّ‬
‫ذلك أن الولياء أيضا ليسوا على مرتبة واحدة‪ ،‬بل هم مراتب فصفات الولياء التي تجمعهم‬
‫أنهم المؤمنون المتقون‪ ،‬والمؤمن هو المؤمن بالله ورسوله وبكتابه‪ ،‬فل ُيتصور من الولي‬
‫الخروج عن أمر الله وأمر رسوله‪ ‬وأمر كتاب الله لهواء ولراء‪ ،‬بل هو متبع للكتاب‬
‫والسنة‪ ،‬كذلك ل ُيتصور في الولي أنه صاحب كبيرة أو صاحب إصرار على الصغائر‬
‫و َ‬
‫كاُنوا ي َت ّ ُ‬
‫ن( والتعبير‬
‫واستمرار فيها؛ لن التقوى هي صفته التي لزمته )ال ّ ِ‬
‫قو َ‬
‫ذي َ‬
‫نآ َ‬
‫مُنوا َ‬
‫أواستعمال ) َ‬
‫كاُنوا ي َت ّ ُ‬
‫ن( يفيد ثبات هذه الصفة‪ .‬فإذا كان كذلك‪ ،‬كان وصف الولياء في‬
‫قو َ‬
‫القرآن أنهم المؤمنون المتقون‪.‬‬
‫أما وصفهم في السنة فقد جاء بأكثر تفصيل في حديث الولي المعروف وهو ما رواه‬
‫البخراري رحمه الله وغيره‪ ،‬أن النبي عليه الصلة والسلم قال » يقول الله تعالى من آذى‬
‫لي وليا فقد آذنته بالحرب‪ ،‬وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما‬
‫افترضته عليه‪ ،‬ول يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحّبه« هنا الفرائض‬
‫أحب إلى الله جل وعل من النوافل‪ ،‬وزيادة تقرب العبد بالنوافل سبب في محبة الله جل‬
‫عه يعني يسدد في‬
‫عه الذي يسمع به« سم َ‬
‫وعل لعبده قال»فإذا أحببته كنت سم َ‬
‫سمعه‪ ،‬كان الله سمع الولي يعني سدده في سمعه فل يسمع إل ما يحب ربه وموله‬
‫»وبصره الذي يبصر به« يعني أسدده في بصره فل يبصر إل ما أحب‪ ،‬ول يستأنس في‬
‫بصره إل بما أحب »ويده التي يبطش بها ورجله التي يمشي بها« يعني يسدد في‬
‫هذا كله؛ فل يبطش بيده إل فيما أذن الله جل وعل به‪ ،‬ول يمشي برجله إل بما يحب الله‬
‫جل وعل‪ ،‬قال »ولئن سألني لعطينه« يعني أنه مجاب الدعاء »ولئن استعاذني‬
‫لعيذّنه‪ ،‬وما ترددت في شيء أنا فاعله ترددي في نفس عبدي المؤمن يكره‬
‫الموت وأكره مساءته ول بد له منه« التردد هنا‪ ،‬تكلم عليه أهل العلم بكلمات وأصح‬
‫ذلك أن التردد مثل الصفات الخر التي هي صفة المكر والستهزاء ونحو ذلك من جهة أّنه‬
‫يكون نقصا ويكون كمال‪:‬‬
‫• فيكون نقصا إذا كان التردد مع عدم علم بالعاقبة؛ لّنه يكون من نتائج الجهل‪،‬‬
‫قصا في حقه أنه تردد؛ لنه ل يعلم العاقبة‪ ،‬أو لخوفه وعدم جرأته‬
‫فالمتردد يتردد ويكون ن ْ‬
‫على المر‪ ،‬أو لعدم قدرته عليه؛ يشك هل هو يقدر أو ل يقدر‪ ،‬أو هل سيقوى أو ل يقوى‪،‬‬
‫وعدم علمه بالعاقبة هي سبب هذا التردد‪ ،‬وهذا التردد نقص وهذا منفي عن الله جل وعل‪.‬‬

‫‪8‬‬

‫التعليقات الحسان على كتاب الفرقان‬

‫من يحب أن يمنع‪ ،‬كما في الترمذي وغيره عن النبي ‪ ‬أنه قال »أوثق عرى‬
‫اليمان الحب في الله والبغض في الله«‪.‬‬
‫وفي حديث آخر رواه أبو داود قال »ومن أحب لله‪ ،‬وأبغض لله‪ ،‬وأعطى‬
‫ولية ضد العداوة‪] ،‬وأصل الولية‬
‫لله‪ ،‬ومنع لله‪ ،‬فقد استكمل اليمان« وال َ‬
‫)‪(9‬‬
‫مي وليا‬
‫المحبة والقرب‪ ،‬وأصل العداوة البغض والبعد[ وقد قيل أن الولي ُ‬
‫س ّ‬
‫من موالته للطاعات أي متابعته لها والول أصح والولي القريب فيقال هذا يلي‬
‫هذا؛ أي يقرب منه‪.‬‬
‫ومنه قوله ‪» ‬ألحقوا الفرائض بأهلها فما أبقت الفرائض فلولى‬
‫رجل ذكر« أي لقرب رجل إلى الميت‪ ،‬وأكده بلفظ الذكر ليبين أنه حكم‬
‫يختص بالذكور ول يشترك فيه الذكور والناث كما قال في الزكاة »فابن لبون‬
‫ذكر«‪ ،‬فإذا كان ولي الله هو الموافق المتابع له فيما يحبه ويرضاه ويبغضه‬
‫• والنوع الثاني وهو تردد بين أمرين كل منهما هو حق ومحمود في نفسه‪ ،‬لكن يختلف‬
‫سب تعلقه بالمختار له‪ ،‬مثل –في حياة البشر‪ -‬تريد أن تشتري لمن تحب شيئا‪،‬‬
‫الختيار بح َ‬
‫تردد بين هذا وهذا ل من جهة عدم علمك بالفضل‪ ،‬ولكن من جهة الكرام‪ ،...‬هذا التردد‬
‫ليس بنقص‪ ،‬أنت الن بين كرم وبين أكرم‪ ،‬فهذا ليس نقصا‪ ،‬هذا تردد فيما يناسب المختار‬
‫له‪ ،‬هذا هو الذي من جنسه جاء هذا الحديث‪) ،‬وما ترددت في شيء أنا فاعله( هذا‬
‫التردد الحق‪ ،‬التردد الذي هو كمال الذي ل نقص فيه‪ ،‬بوجه من الوجوه‪.‬‬
‫هذا من أحسن الجوبة على ذلك وهو طريقة المحققين‪.‬‬
‫‪ ‬السمع والبصر معنويان؛ يعني نوعان من أنواع الدراكات معنويان‪ ،‬تشوف السمع؟ ما‬
‫تشوفه‪ ،‬تشوف البصر؟ ما تشوفه‪ ،‬لكن اليد والرجل هذا ظاهران‪ ،‬فمثل بشيئن معنويين‬
‫َ‬
‫َ‬
‫و‬
‫ن أ َك ْث ََر ُ‬
‫عو َ‬
‫بأ ّ‬
‫م ُ‬
‫س ُ‬
‫وبشيئين ظاهرين‪ ،‬وهذا له نظائر في القرآن ﴿أم ت َ ْ‬
‫م يَ ْ‬
‫ح َ‬
‫س َ‬
‫ه ْ‬
‫نأ ْ‬
‫ْ‬
‫م ُ‬
‫ول َ َ‬
‫ب َل‬
‫ع ِ‬
‫م ك َِثيًرا ِ‬
‫قُلو َ‬
‫قُلو ٌ‬
‫قدْ ذََرأَنا ل ِ َ‬
‫يَ ْ‬
‫س لَ ُ‬
‫ج ّ‬
‫م ْ‬
‫ج َ‬
‫ه ْ‬
‫هن ّ َ‬
‫ن ال ْ ِ‬
‫ن َ‬
‫ن﴾]الفرقان‪َ ﴿ ،[44:‬‬
‫وا ْ ِ‬
‫لن ِ‬
‫َ‬
‫ف َ‬
‫يَ ْ‬
‫مآ َ‬
‫ها﴾]العراف‪:‬‬
‫مأ ْ‬
‫ن َل ي ُب ْ ِ‬
‫عو َ‬
‫ذا ٌ‬
‫صُرو َ‬
‫هو َ‬
‫م ُ‬
‫ن بِ َ‬
‫ن َل ي َ ْ‬
‫ول َ ُ‬
‫ن بِ َ‬
‫عي ُ ٌ‬
‫ول َ ُ‬
‫ن بِ َ‬
‫ق ُ‬
‫س َ‬
‫ه ْ‬
‫ه ْ‬
‫ها َ‬
‫ها َ‬
‫َ‬
‫ر ُ‬
‫خل َ ُ‬
‫ق َ‬
‫‪ ،[179‬وكقوله في آخر السورة﴿أي ُ ْ‬
‫وَل‬
‫م يُ ْ‬
‫ما َل ي َ ْ‬
‫و ُ‬
‫قو َ‬
‫كو َ‬
‫ه ْ‬
‫خل ُ ُ‬
‫ن َ‬
‫ن)‪َ (191‬‬
‫شي ًْئا َ‬
‫ش ِ‬
‫وَل َأن ُ‬
‫ن﴾ ]العراف‪ [192-191:‬إلى آخر اليات‪،‬‬
‫ست َ ِ‬
‫صُرو َ‬
‫عو َ‬
‫طي ُ‬
‫س ُ‬
‫ف َ‬
‫ن لَ ُ‬
‫يَ ْ‬
‫ه ْ‬
‫ه ْ‬
‫م َين ُ‬
‫م نَ ْ‬
‫صًرا َ‬
‫المقصود من ذلك أنه ُيرد التمثيل بالحواس‪ ،‬فهذا ليس المراد به الحصر؛ كنت سمعه‬
‫وبصره وأيضا لسانه وفهمه وتفكيره‪ ،‬خذ فيه رواية موضوعة يستدل بها الصوفية وهي‬
‫مكذوبة في هذا الحديث بعد قوله )ويده التي يبطش بها ورجله التي يمشي بها وحتى يقول‬
‫للشيء كن فيكون(‪ ،‬هذه موجودة في بعض كتب الحديث مسندة لكنها موضوعة‪ ،‬يستدل‬
‫بها بعض الصوفية في أن الله جل وعل ُيعطي الولياء ملكوته يتصرفون فيه بما يريدون‪،‬‬
‫ن الله جل وعل ل‬
‫وهذا باطل من جهة الستدلل وباطل من جهة الصول القطعية على أ ّ‬
‫ملكه‪.‬‬
‫ينازعه أحد في ملكه وليس له شريك في ُ‬
‫‪ 9‬هذا الصل في الموالة والمعاداة هو القدر الواجب في الولء والبراء‪ ،‬القدر الذي به يصح‬
‫السلم‪ ،‬فل يصح إسلم أحد حتى يكون عنده موالة ومعاداة؛ عنده ولء وبراء‪.‬‬
‫ح به أصل السلم‪ :‬هو المحبة؛ محبة الله‪ ,‬محبة دينه‪ ،‬محبة‬
‫• الولء الذي يص ّ‬
‫مها‪.‬‬
‫رسوله‪ ،‬محبة توحيده‪ ،‬هذه الحبة هي الصل‪ ،‬لها لوازم في الظاهر‪ ،‬هذه لها أحكا ُ‬
‫• العداوة أو البراء‪ :‬هو بغض الشرك‪ ،‬بغض الضلل‪ ،‬بغض الشيطان‪ ،‬بغض عبادة‬
‫ت به فل إسلم له‪.‬‬
‫در هو الشرط من لم يأ ِ‬
‫غير الله‪ ،‬بغض الكفر‪ ،‬هذا الق ْ‬
‫فكلمة التوحيد )ل إله إل الله( هذه مشتملة على الولء والبراء‪ ،‬مشتملة على الموالة‬
‫والمعاداة‪ ،‬لكن الولء والبراء منه قدر مجزئ ل يصح إسلم أحد إل به؛ يعني مجزئ في‬
‫در الواجب هو ما كان‬
‫در آخر واجب لكن ليس شرطا في الصحة‪ ،‬الق ْ‬
‫صحة السلم‪ ،‬ومنه ق ْ‬
‫من قبيل الحب والبغض‪ ،‬أصل المعنى‪ ،‬وهو الموجود في القلب‪ ،‬فمحبة التوحيد وبغض‬
‫الشرك هذا أصل في السلم وهو معنى الولء والبراء ومعنى كلمة التوحيد‪ ،‬فمن لم يكن‬
‫عنده حب للتوحيد وبغض للشرك فل إسلم له أصل‪ ،‬بخلف محبة أهل التوحيد‪ ،‬محبة أهل‬
‫الشرك ونحو ذلك‪ ،‬فهذه فيها أحوال وتفصيلت‪.‬‬

‫للشيخ العلمة صالح بن عبد العزيز آل الشيخ‬

‫‪9‬‬

‫ويسخطه ويأمر به وينهى عنه‪ ،‬كان المعادي لوليه معاديا له كما قال تعالى ﴿َل‬
‫عدوك ُ َ‬
‫قو َ َ‬
‫ول َِياءَ ت ُل ْ ُ‬
‫خ ُ‬
‫ة﴾]الممتحنة‪ ،[1:‬فمن‬
‫ذوا َ‬
‫ت َت ّ ِ‬
‫ودّ ِ‬
‫م ِبال ْ َ‬
‫ه ْ‬
‫و َ ُ ّ ْ‬
‫م َ‬
‫مأ ْ‬
‫وي َ‬
‫عدُ ّ‬
‫ن إ ِلي ْ ِ‬
‫عادى أولياء الله فقد عاداه ومن عاداه فقد حاربه فلهذا قال ومن عادى لي وليا‬
‫فقد بارزني بالمحاربة‪ (10) ،‬وأفضل أولياء الله هم أنبياؤه‪ ،‬وأفضل أنبيائه هم‬
‫المرسلون منهم‪ ،‬وأفضل المرسلين أولو العزم نوح وإبراهيم وموسى وعيسى‬
‫ومحمد صلى الله عليه وعليهم وسلم‪ ،‬قال تعالى ﴿ َ‬
‫ما‬
‫شَر َ‬
‫م ِ‬
‫ن ال ّ‬
‫م ْ‬
‫ن َ‬
‫ع ل َك ُ ْ‬
‫دي ِ‬
‫َ‬
‫حي َْنا إ ِل َي ْ َ‬
‫سى‬
‫ه إ ِب َْرا ِ‬
‫صي َْنا ب ِ ِ‬
‫وال ّ ِ‬
‫صى ب ِ ِ‬
‫و َ‬
‫ه ُنو ً‬
‫مو َ‬
‫و ُ‬
‫هي َ‬
‫و َ‬
‫و ّ‬
‫و ّ‬
‫م َ‬
‫ما َ‬
‫ك َ‬
‫ذي أ ْ‬
‫حا َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫وإ ِ ْ‬
‫ذ‬
‫﴿‬
‫تعالى‬
‫وقال‬
‫[‪،‬‬
‫‪13‬‬
‫]الشورى‪:‬‬
‫﴾‬
‫ه‬
‫في‬
‫قوا‬
‫ر‬
‫ف‬
‫ت‬
‫ت‬
‫ل‬
‫و‬
‫ن‬
‫دي‬
‫ال‬
‫موا‬
‫قي‬
‫أ‬
‫ن‬
‫أ‬
‫سى‬
‫عي‬
‫و‬
‫ِ ِ‬
‫َ ِ َ‬
‫ْ ِ ُ‬
‫َ‬
‫َ َ ّ‬
‫ّ َ َ‬
‫َ‬
‫ميَثا َ‬
‫سى‬
‫ن ُنو‬
‫أَ َ‬
‫وإ ِب َْرا ِ‬
‫و ِ‬
‫و ِ‬
‫ن ِ‬
‫خذَْنا ِ‬
‫مو َ‬
‫ق ُ‬
‫م ْ‬
‫ن الن ّب ِّيي َ‬
‫م ْ‬
‫و ُ‬
‫هي َ‬
‫ه ْ‬
‫م َ‬
‫ح َ‬
‫من ْك َ‬
‫م َ‬
‫ٍ‬
‫غِلي ً‬
‫قا َ‬
‫ميَثا ً‬
‫سأ َ َ‬
‫ن‬
‫وأ َ َ‬
‫صاِد ِ‬
‫و ِ‬
‫م ِ‬
‫خذَْنا ِ‬
‫ظا)‪(7‬ل ِي َ ْ‬
‫من ْ ُ‬
‫عي َ‬
‫قي َ‬
‫ه ْ‬
‫مْري َ َ‬
‫ن َ‬
‫ل ال ّ‬
‫م َ‬
‫َ‬
‫سى اب ْ ِ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ما﴾]الحزاب‪ .[8-7:‬وأفضل أولي‬
‫لي‬
‫أ‬
‫با‬
‫ذا‬
‫ع‬
‫ن‬
‫ري‬
‫ف‬
‫كا‬
‫ل‬
‫ل‬
‫د‬
‫ع‬
‫أ‬
‫و‬
‫م‬
‫ه‬
‫ق‬
‫د‬
‫ص‬
‫ن‬
‫ع‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ّ ِ‬
‫ِ ِ َ‬
‫ً ِ ً‬
‫ْ ِ ْ ِ ِ ْ َ‬
‫العزم)‪ (11‬محمد ‪ ‬خاتم النبيين وإمام المتقين وسيد ولد آدم وإمام النبياء إذا‬
‫اجتمعوا وخطيبهم إذا وفدوا‪ ،‬صاحب المقام المحمود الذي يغبطه به الولون‬
‫والخرون‪ ،‬وصاحب لواء الحمد وصاحب الحوض المورود وشفيع الخلئق يوم‬
‫القيامة وصاحب الوسيلة والفضيلة الذي بعثه الله بأفضل كتبه وشرع له أفضل‬
‫شرائع دينه وجعل أمته خير أمة أخرجت للناس‪ ،‬وجمع له ولمته من الفضائل‬
‫والمحاسن ما فرقه فيمن قبلهم)‪ (12‬وهم آخر المم خلقا وأول المم بعثا‪ ،‬كما قال‬
‫َ‬
‫م ُأوُتوا‬
‫ن ال ِ‬
‫خُرو َ‬
‫‪ ‬في الحديث الصحيح »ن َ ْ‬
‫ن السابقون‪ ,‬ب َي ْدَ أن ّ ُ‬
‫ح ُ‬
‫ه ْ‬
‫قبل َِنا ُ‬
‫م‪ ,‬فهذا اليوم الذي كتب الله‬
‫د ِ‬
‫ع ِ‬
‫وأوِتيَناهُ ِ‬
‫ب ِ‬
‫ن بَ ْ‬
‫ن َ ْ‬
‫ال ْك َِتا َ‬
‫م ْ‬
‫م ْ‬
‫ه ْ‬
‫َ‬
‫س‬
‫عليهم‪ ,‬فاختلفوا فيه‪- ,‬يعني يوم الجمعة‪ -‬فهدانا الله له‪ ،‬فالّنا ُ‬
‫غد للن ّصارى«‪ ،‬وقال ‪َ َ » ‬‬
‫ه‪َ ,‬‬
‫و ُ‬
‫ن‬
‫ع ِ‬
‫عدَ َ ٍ‬
‫في ِ‬
‫د‪ ,‬وَب َ ْ‬
‫هو ُ‬
‫ل ََنا ت َب َ ٌ‬
‫غدا ً لل ْي َ ُ‬
‫م ْ‬
‫ل َ‬
‫وأَنا أ ّ‬
‫َ‬
‫َ َ‬
‫قيامة‪َ َ .‬‬
‫ست َ ْ‬
‫ت َن ْ َ‬
‫ح‪.‬‬
‫ق َ‬
‫م ال ْ ِ َ َ ِ‬
‫جن ّ ِ‬
‫فت ِ ُ‬
‫ب ال ْ َ‬
‫ض« وقال ‪» ‬آِتي َبا َ‬
‫و َ‬
‫فأ ْ‬
‫عن ْ ُ‬
‫ش ّ‬
‫ه الْر ُ‬
‫ة يَ ْ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ل‪ :‬ب ِ َ‬
‫ت لَ أ ْ‬
‫في َ ُ‬
‫د‪َ .‬‬
‫فأ ُ‬
‫ت؟ َ‬
‫في َ ُ‬
‫َ‬
‫قو ُ‬
‫قو ُ‬
‫قو ُ‬
‫ح‬
‫ل ال ْ َ‬
‫كأ ِ‬
‫ز ُ‬
‫فت َ ُ‬
‫م ٌ‬
‫م َ‬
‫مْر ُ‬
‫ن أن ْ َ‬
‫م ْ‬
‫ح ّ‬
‫ل‪ُ :‬‬
‫ن‪َ :‬‬
‫خا ِ‬
‫سر لفظ الولي‬
‫‪ ()10‬هذا من شيخ السلم ذكر لبعض شروط الولي من جهة اللغة فإنه ف ّ‬
‫والموالة بما تضمنه كلمه السابق وفيه شورط الولي‪ ،‬فمن شروطه‪:‬‬
‫‪ .1‬يأمر بما أمر الله ويأمر بأتمر بذلك‪.‬‬
‫ينهى ما ينهى عنه الله وينتهى عن ذلك‪.‬‬
‫‪.2‬‬
‫‪ .3‬يرضى ما يرضي الله ويسخط ما يسخط الله جل وعل‪.‬‬
‫‪ .4‬ويحب ما أحب الله ويبغض ما أبغض الله‪.‬‬
‫فهذا جاء من جهة اللغة مع ضميمة أيضا الذين آمنوا وكانوا يتقون‪ ،‬تخلص من ذلك إلى أن‬
‫صفات الولياء التي منها ماهو صفة شرط؛ يعني صفة إذا لم توجد لم يكن وليا مأخوذة‬
‫و َ‬
‫كاُنوا ي َت ّ ُ‬
‫ن( يعني كلمة اليمان والتقوى‪ ،‬ومأخوذة أيضا‬
‫من قوله )ال ّ ِ‬
‫قو َ‬
‫ذي َ‬
‫نآ َ‬
‫مُنوا َ‬
‫من جهة اللفظ؛ لفظ الولي؛ لن الولي هو المحي التابع الناصر‪ ،‬وهذه المحبة تقتضي‬
‫موافقته فيما أحب‪ ،‬موافقته فيما نهى عنه جل وعل‪ ،‬وهكذا‪ ،‬وهذا من نوع الفرقان بين‬
‫أولياء الرحمان وأولياء الشيطان‪.‬‬
‫‪()11‬أولو العزم يعني أولوا الصبر‪ ،‬العزم هنا الصبر وتحمل المشاق والقوة‪ ،‬وجميع‬
‫المرسلين أولو صبر وتحمل للمشاق وقوة‪ ،‬لكن أولئك أولوصبر خاص وعزم خاص فخصوا؛‬
‫لهذا السم دون غيرهم‪ ،‬وهم الخمسة الذين ذكرهم الله جل وعل‪.‬‬
‫‪ ()12‬هذه الكلمات قارنها بالختمة المنسوبة لشيخ السلم )ختمة القرآن(فيها هذه الكلمات‪،‬‬
‫الكلمات الموجودة في الختمة لم تصح اسنادا؛ لكنها مشهورة النسبة‪ ،‬كلماتها موجودة‬
‫متفرقة في كتب شيخ السلم‪ ،‬يعني من أراد أن ياخذها جمل ويحيل كل جملة إلى موضعها‬
‫ن هذه نفسها نفس شيخ السلم‪،‬‬
‫من كلم شيخ السلم وجد ذلك‪ ،‬ولهذا يقول علماؤنا إ ّ‬
‫كلمها كلم شيخ السلم‪ ،‬من عرف كلم شيخ السلم قال أنها له‪.‬‬

‫‪10‬‬

‫التعليقات الحسان على كتاب الفرقان‬

‫قب ْل َ َ‬
‫د َ‬
‫ك« وفضائله ‪ ‬وفضائل أمته كثيرة ومن حين بعثه الله جعله الله‬
‫ح ٍ‬
‫لَ َ‬
‫الفارق بين أوليائه وبين أعدائه‪ ،‬فل يكون وليا لله إل من آمن به وبما جاء به‬
‫واتبعه باطنا وظاهرا‪ ،‬ومن ادعى محبة الله ووليته وهو لم يتبعه فليس من‬
‫أولياء الله بل من خالفه كان من أعداء الله وأولياء الشيطان‪ ،‬قال تعالى﴿ ُ‬
‫ق ْ‬
‫ل‬
‫ه َ‬
‫ه﴾]آل عمران‪ .[31:‬قال الحسن‬
‫م تُ ِ‬
‫حّبو َ‬
‫إِ ْ‬
‫عوِني ي ُ ْ‬
‫فات ّب ِ ُ‬
‫م الل ّ ُ‬
‫حب ِب ْك ُ ْ‬
‫ن الل ّ َ‬
‫ن ك ُن ْت ُ ْ‬
‫البصري رحمه الله‪ :‬ادعى قوم إنهم يحبون الله فأنزل الله هذه الية محنة لهم‪،‬‬
‫وقد بين الله فيها أن من اتبع الرسول فان الله يحبه ومن ادعى محبة الله ولم‬
‫يتبع الرسول ‪ ‬فليس من أولياء الله‪ ،‬وإن كان كثير من الناس يظنون في‬
‫أنفسهم أو في غيرهم أنهم من أولياء الله ول يكونون من أولياء الله‪ ،‬فاليهود‬
‫ل َ‬
‫والنصارى يدعون أنهم أولياء الله وأحباؤه قال تعال ﴿ ُ‬
‫ق ْ‬
‫م‬
‫م يُ َ‬
‫عذّب ُك ُ ْ‬
‫فل ِ َ‬
‫بذُُنوبك ُم ب ْ َ‬
‫و َ‬
‫م بَ َ‬
‫قاُلوا‬
‫ن َ‬
‫شٌر ِ‬
‫ِ ْ َ‬
‫م ْ‬
‫خل َ َ‬
‫م ّ‬
‫ل أن ْت ُ ْ‬
‫ِ‬
‫ق﴾]المائدة‪ [18:‬الية‪ ،‬وقال تعالى ﴿ َ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫ّ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫خ َ‬
‫م﴾ إلى قوله ﴿‬
‫ن ي َدْ ُ‬
‫جن ّ َ‬
‫ن ُ‬
‫ن كا َ‬
‫هو ً‬
‫ل ال َ‬
‫مان ِي ّ ُ‬
‫م ْ‬
‫لَ ْ‬
‫ه ْ‬
‫صاَرى ت ِلك أ َ‬
‫ة إ ِل َ‬
‫دا أو ن َ َ‬
‫ن﴾]البقرة‪ ،[112-111:‬وكان مشركوا العرب يدعون إنهم أهل‬
‫وَل ُ‬
‫حَزُنو َ‬
‫م يَ ْ‬
‫ه ْ‬
‫َ‬
‫الله لسكناهم مكة ومجاورتهم البيت وكانوا يستكبرون به على غيرهم كما قال‬
‫ف ُ‬
‫قدْ َ‬
‫ع َ‬
‫م َ‬
‫تعالى﴿ َ‬
‫ن)‬
‫عَلى أ َ ْ‬
‫م َ‬
‫ت آَياِتي ت ُت َْلى َ‬
‫صو َ‬
‫كان َ ْ‬
‫قاب ِك ُ ْ‬
‫كنت ُ ْ‬
‫عل َي ْك ُ ْ‬
‫م َتنك ِ ُ‬
‫وإ ِ ْ‬
‫ذ‬
‫سا ِ‬
‫ن بِ ِ‬
‫جُرو َ‬
‫ه ُ‬
‫مًرا ت َ ْ‬
‫ه َ‬
‫م ْ‬
‫ري َ‬
‫‪ُ (66‬‬
‫ن﴾]المؤمنون‪ ،[67-66:‬وقال تعالى﴿ َ‬
‫ست َك ْب ِ ِ‬
‫قت ُُلو َ‬
‫فُروا ل ِي ُث ْب ُِتو َ‬
‫مك ُُر ب ِ َ‬
‫ك أو ي َ ْ‬
‫ن كَ َ‬
‫ن‬
‫ن َ‬
‫و ُ‬
‫ك ال ّ ِ‬
‫دو َ‬
‫ص ّ‬
‫ع ْ‬
‫ذي َ‬
‫ه ْ‬
‫يَ ْ‬
‫م يَ ُ‬
‫ك﴾ إلى قوله ﴿ َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ما َ‬
‫مت ّ ُ‬
‫ول َِيا ُ‬
‫ن﴾]النفال‪-30:‬‬
‫ج ِ‬
‫قو َ‬
‫ول َِياءَهُ إ ِ ْ‬
‫د ال ْ َ‬
‫م ْ‬
‫ؤهُ إ ِّل ال ْ ُ‬
‫و َ‬
‫ال ْ َ‬
‫س ِ‬
‫نأ ْ‬
‫كاُنوا أ ْ‬
‫حَرام ِ َ‬
‫‪ ،[34‬فبين سبحانه أن المشركين ليسوا أولياءه ول أولياء بيته إنما أولياؤه‬
‫المتقون‪.‬‬
‫وثبت في الصحيحين عن عمرو بن العاص ‪ ‬قال سمعت رسول الله ‪‬‬
‫ن آل فلن ليسوا لي بأولياء« يعني طائفة من‬
‫يقول جهارا من غير سر »إ ّ‬
‫أقاربه »إنما ولي الله وصالح المؤمنين« وهذا موافق لقوله تعالى﴿ َ‬
‫ن‬
‫فإ ِ ّ‬
‫م ْ‬
‫ري ُ‬
‫ح‬
‫ه ُ‬
‫ؤ ِ‬
‫صال ِ ُ‬
‫صال ِ ُ‬
‫مِني َ‬
‫ح ال ْ ُ‬
‫و َ‬
‫الل ّ َ‬
‫و َ‬
‫و َ‬
‫و ِ‬
‫ن﴾]التحريم‪[4:‬الية‪َ ) ،‬‬
‫ل َ‬
‫وَلهُ َ‬
‫م ْ‬
‫ه َ‬
‫جب ْ ِ‬
‫م ْ‬
‫ن( )‪ (13‬هو من كان صالحا من المؤمنين‪ ،‬وهم المؤمنون المتقون أولياء‬
‫ؤ ِ‬
‫مِني َ‬
‫ال ْ ُ‬
‫الله‪ ،‬ودخل في ذلك أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وسائر أهل بيعة الرضوان‬
‫الذين بايعوا تحت الشجرة وكانوا ألفا وأربعمائة وكلهم في الجنة كما ثبت في‬
‫)‪(14‬‬
‫الصحيح عن النبي ‪ ‬أنه قال»ل يدخل النار أحد بايع تحت الشجرة«‬

‫‪ ()13‬الصالح في الشرع هو من قام بحقوق الله جل وعل الواجبة عليه وقام بحقوق خلقه‬
‫الواجبة عليه‪ .‬القائم بحقوق الله وحقوق الخلق هو الصالح من عباد الله‪ ،‬والصالحون‬
‫مقتصدون وسابقون‪ ،‬فالمقتصد هذا صالح؛ يعني الذي يفعل الواجبات وينتهي عن‬
‫المحرمات‪ ،‬والسابق بالخيرات هذا أفضل الصالحين‪ ،‬فأولياء الله جل وعل هم صالحوا‬
‫صهم الذين يسارعون‬
‫المؤمنين الذين يفعلون الواجبات وينتهون عن المحرمات‪ ،‬ومنهم وأخ ّ‬
‫في الخيرات‪ ،‬لكن لفظ الولي بخصوصه ُأطلق على من كان سابقا بالخيرات‪ ،‬على من كان‬
‫صة صالحي المؤمنين‪ ،‬ففي الُعرف ليس المقتصدون يعني الذين إختصروا على آداء‬
‫من خا ّ‬
‫ون أولياء‪ ،‬هم في الحقيقة أولياء لله لقول الله جل وعل ﴿‬
‫الواجبات وتركوا المحرمات ي ُ َ‬
‫س ّ‬
‫م ْ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫وكاُنوا‬
‫ه َل َ‬
‫ف َ‬
‫ول ُ‬
‫و ٌ‬
‫ن)‪(62‬ال ِ‬
‫ول َِياءَ الل ّ ِ‬
‫حَزُنو َ‬
‫أَل إ ِ ّ‬
‫م يَ ْ‬
‫ذي َ‬
‫نآ َ‬
‫ه ْ‬
‫ه ْ‬
‫مُنوا َ‬
‫م َ‬
‫خ ْ‬
‫نأ ْ‬
‫علي ْ ِ‬
‫ه َ‬
‫ن﴾]يونس‪ [63-62:‬وقوله ﴿ َ‬
‫ي َت ّ ُ‬
‫ري ُ‬
‫ح‬
‫ن َ‬
‫ه ُ‬
‫عل َي ْ ِ‬
‫فإ ِ ّ‬
‫فإ ِ ّ‬
‫قو َ‬
‫صال ِ ُ‬
‫و َ‬
‫ن الل ّ َ‬
‫و َ‬
‫و ِ‬
‫ل َ‬
‫وَلهُ َ‬
‫م ْ‬
‫ه َ‬
‫جب ْ ِ‬
‫َ‬
‫عدَ ذَل ِ َ َ‬
‫مت ّ ُ‬
‫ول َِيا ُ‬
‫م ْ‬
‫ن‬
‫مَلئ ِك َ ُ‬
‫ؤ ِ‬
‫قو َ‬
‫هيٌر﴾]التحريم‪﴿ ،[4:‬إ ِ ْ‬
‫ة بَ ْ‬
‫ول َك ِ ّ‬
‫مِني َ‬
‫ؤهُ إ ِّل ال ْ ُ‬
‫وال ْ َ‬
‫ال ْ ُ‬
‫ن َ‬
‫نأ ْ‬
‫ن َ‬
‫كظ ِ‬
‫ن﴾]النفال‪ [34:‬ونحو ذلك من الدلة‪.‬‬
‫أ َك ْث ََر ُ‬
‫مو َ‬
‫م َل ي َ ْ‬
‫عل َ ُ‬
‫ه ْ‬
‫‪»()14‬ل يدخل النار أحد بايع تحت الشجرة« له نظائر في النصوص من استعمال كلمة‬
‫)ل يدخل( إما في الجنة أو في النار؛ »ل يدخل النار من في قلبه مثقال ذرة من‬
‫إيمان»‪» ،‬ل يدخل الجنة قتاد»‪» ،‬ل يدخل الجنة قاتل»‪ ،‬ونحو ذلك‪ ،‬وهذا النفي‬

‫للشيخ العلمة صالح بن عبد العزيز آل الشيخ‬

‫‪11‬‬

‫ومثل هذا الحديث الخر »إن أوليائي المتقون أيا كانوا وحيث كانوا«‪،‬‬
‫كما أن من الكفار من يدعي أنه ولي الله وليس وليا لله بل عدو له‪ ،‬فكذلك من‬
‫المنافقين الذين ُيظهرون السلم يقرون في الظاهر بشهادة أن ل إله إل الله‬
‫وأن محمدا رسول الله وأنه مرسل إلى جميع النس بل إلى الثقلين النس‬
‫والجن‪ ،‬ويعتقدون في الباطن ما يناقض ذلك مثل أن ل يقروا في الباطن بأنه‬
‫رسول الله وإنما كان ملكا مطاعا ساس الناس برأيه من جنس غيره من‬
‫الملوك‪ ،‬أو يقولون إنه رسول الله إلى الميين دون أهل الكتاب كما يقوله كثير‬
‫من اليهود والنصارى‪ ،‬أو أنه مرسل إلى عامة الخلق وأن لله أولياء خاصة لم‬
‫ُيرسل إليهم ول يحتاجون إليه بل لهم طريق إلى الله من غير جهته كما كان‬
‫الخضر مع موسى‪ ،‬أو أنهم يأخذون عن الله ك ّ‬
‫ل ما يحتاجون إليه وينتفعون به‬
‫من غير واسطة‪ ،‬أو أّنه مرسل بالشرائع الظاهرة وهم موافقون له فيها‪ ،‬وأما‬
‫الحقائق الباطنية فلم ُيرسل بها أو لم يكن يعرفها‪ (15) ،‬أو هم أعرف بها منه‪ ،‬أو‬
‫يعرفونها مثل ما يعرفها من غير طريقته‪ (16) ،‬وقد يقول بعض هؤلء أن أهل‬
‫فة كانوا مستغنين عنه ولم يرسل إليهم‪ ،‬ومنهم من يقول أن الله أوحى إلى‬
‫ص ّ‬
‫ال ّ‬
‫فة في الباطن ما أوحى إليه ليلة المعراج فصار أهل الصفة بمنزلته‪،‬‬
‫ص ّ‬
‫أهل ال ّ‬
‫وهؤلء من فرط جهلهم ل يعلمون أن السراء كان بمكة كما قال تعالى ﴿‬
‫َ‬
‫د‬
‫ج ِ‬
‫ج ِ‬
‫ه ل َي ًْل ِ‬
‫د ِ‬
‫عب ْ ِ‬
‫ن ال ّ ِ‬
‫حا َ‬
‫د ال ْ َ‬
‫سَرى ب ِ َ‬
‫سب ْ َ‬
‫م ْ‬
‫م ْ‬
‫ذي أ ْ‬
‫ُ‬
‫م ْ‬
‫حَرام ِ إلى ال ْ َ‬
‫ن ال ْ َ‬
‫س ِ‬
‫س ِ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫ْ‬
‫اْل ْ‬
‫ه﴾]السراء‪ .[1:‬وأن الصفة لم تكن إل بالمدينة‪،‬‬
‫صا ال ِ‬
‫ذي َباَركَنا َ‬
‫ول ُ‬
‫ق َ‬
‫ح ْ‬
‫بالدخول عند أهل السنة تارة ُيراد به نفي الصل‪ ،‬وتارة يراد به نفي تخليد‪ ،‬وتارة ُيراد به‬
‫نفي الولوية‪ ،‬ففي النفي في هذا الحديث المراد به نفي الصل )ل يدخل أحد النار بايع‬
‫تحت الشجرة( يعني ل يدخلها أصل‪ ،‬وما جاء في النفي بدخول الجنة »ل يدخل الجنة‬
‫قتاد نمام»‪ ،‬ونحو ذلك‪ ،‬هذا المراد به الدخول الولي‪ ،‬يعني ل يدخلون أول بل يتأخرون‪،‬‬
‫حُرم على النار‪ ،‬ونحو ذلك في الجنة فإّنه يراد به‬
‫ويقابل هذا النفي التحريم في النصوص‪ ،‬ي َ ْ‬
‫تارة تحريم البدي وتارة تحريم المعقد أو التحريم المدي‪ .‬هذه –يعني اللفاظ‪ -‬ينبغي أن‬
‫تفهم على ضوء ما ذكرنا‪.‬‬
‫‪()15‬يقصد بالمنافقون الذين هذه صفتهم‪ ،‬ملتبسا عليه المر‪ ،‬فيكون على ضلل من جهة‬
‫ن طوائف من غلة الصوفية والتحادية يقولون نحن في‬
‫الباطن ألحقه بالمنافقين‪ .‬فإ ّ‬
‫الظاهر متبعون لصاحب الشريعة وفي الباطن مستقلون‪ ،‬كما قاله ابن عربي وغيره قالوا‪:‬‬
‫سن إل‬
‫مل و َ‬
‫ح ُ‬
‫إن النبي عليه الصلة والسلم لما طاف بالبناء؛ بناء النبياء فوجد البناء قد ك َ ُ‬
‫موضع لبنة فقال عليه الصلة والسلم أنا هذه اللبنة التي كمل بها هذا البناء؛ بناء النبياء‪،‬‬
‫فقال ابن عربي بعد ذلك‪ :‬ول بد لخاتم الولياء أن يرى نفسه في موضع لبنتين‪ ،‬لبنة ذهب‬
‫ولبنة فضة‪ ،‬فيكون الظاهر لبنة‪ ،‬ويكون الباطن لبنة‪ ،‬أما اللبنة الظاهرة فتأخذ من صاحب‬
‫الشريعة‪ ،‬وأما اللبنة الباطنة فيستقي بها من المعدن الذي استقى منه الملك؛ يعني يأخذ‬
‫من عن الله جل وعل مباشرة‪ ،‬فإنهم في الباطن هم غير متعبدين بالشرع‪ ،‬في الظاهر‬
‫دعون أنهم أولياء‪ ،‬ويغتر الناس بهم في كثير‬
‫ولية وي ّ‬
‫متابعون‪ ،‬وهؤلء هم الذين ي ّ‬
‫دعون ال َ‬
‫من أمصار المسلمين هم غلة المتصوفة الذين يقولون بأقوال أهل التحاد وأشباه ذلك‪.‬‬
‫لهذا تجد عندهم من غرائب القوال والعمال ما يخرجون به عن الشريعة‪ ،‬حتى زعم كثير‬
‫منهم أّنهم سقطت عنهم التكاليف‪ ،‬وكانوا مع النبي عليه الصلة والسلم كالخضر مع‬
‫موسى حيث وسعه الخروج عن شريعة موسى‪ ،‬وهذا كفر وزندقة‪ ،‬وهو نوع من أنواع‬
‫النفاق‪ .‬فشيخ السلم يريد بالمنافقين في هذا الكلم هذه الطائفة التي كانت منتشرة وهي‬
‫موجودة إلى يومنا هذا‪.‬‬
‫‪()16‬كل واحدة من هذه هو قول لفرقة‪ ،‬كل وصف من هذه قول لفرقة من الفرق‪ ،‬هي‬
‫ليست من باب الستطراد بل كل واحدة قول لطائفة‪ ،‬نسأل الله العافية والسلمة‪.‬‬

‫‪12‬‬

‫التعليقات الحسان على كتاب الفرقان‬

‫وكانت صفة في شمالي مسجده ‪ ‬ينزل بها الغرباء الذين ليس لهم أهل‬
‫وأصحاب ينزلون عندهم‪ ،‬فإن المؤمنين كانوا يهاجرون إلى النبي ‪ ‬إلى المدينة‬
‫فمن أمكنه أن ينزل في مكان نزل به‪ ،‬ومن تع ّ‬
‫ذر ذلك عليه نزل في المسجد‬
‫إلى أن يتيسر له مكان ينتقل إليه‪ ،‬ولم يكن أهل الصفة ناسا بأعيانهم يلزمون‬
‫قّلون تارة ويكثرون أخرى‪ ،‬ويقيم الرجل بها زمانا ثم ينتقل‬
‫الصفة بل كانوا ي َ ِ‬
‫منها‪ ،‬والذين ينزلون بها هم من جنس سائر المسلمين ليس لهم مزّية في علم‬
‫ول دين بل فيهم من إرتد عن السلم وقتله النبي ‪ ‬كالعَُرن ِّيين الذين اجتووا‬
‫المدينة أي استوخموها‪ ،‬فأمر لهم النبي ‪ ‬بلقاح أي إبل لها لبن وأمرهم أن‬
‫يشربوا من أبوالها وألبانها فلما صحوا قتلوا الراعي واستاقوا الذود فأرسل النبي‬
‫مَرت أعينهم وتركهم‬
‫س ِ‬
‫‪ ‬في طلبهم فأتى بهم‪ ،‬فأمر بقطع أيديهم وأرجلهم و ُ‬
‫في الحرة يستسقون فل يسقون‪ ،‬وحديثهم في الصحيحين من حديث أنس وفيه‬
‫أنهم نزلوا الصفة فكان ينزلها مثل هؤلء‪ ،‬ونزلها من خيار المسلمين سعد بن‬
‫أبي وقاص وهو أفضل من نزل بالصفة‪ ،‬ثم انتقل منها ونزلها أبو هريرة وغيره‪،‬‬
‫وقد جمع أبو عبد الرحمن السلمي تاريخ من نزل الصفة‪.‬‬
‫وأما النصار فلم يكونوا من أهل الصفة وكذلك أكابر المهاجرين كأبي بكر‬
‫وعمر وعثمان وعلي وطلحة والزبير وعبد الرحمن ابن عوف وأبي عبيدة‬
‫وغيرهم لم يكونوا من أهل الصفة‪ .‬وقد روى أنه بها غلم للمغيرة بن شعبة‪ ،‬وأن‬
‫النبي ‪ ‬قال هذا واحد من السبعة‪ .‬وهذا الحديث كذب باتفاق أهل العلم وإن‬
‫حل َْية‪ ،‬وكذا كل حديث يروى عن النبي ‪ ‬في عدة‬
‫كان قد رواه أبو نعيم في ال ِ‬
‫الولياء والبدال والنقباء والنجباء والوتاد والقطاب مثل أربعة أو سبعة أو انثي‬
‫عشر أو أربعين أو سبعين أو ثلثمائة أو ثلثمائة وثلثة عشر‪ ،‬أو القطب الواحد‪،‬‬
‫فليس في ذلك شيءصحيح عن النبي ‪ ،‬ولم ينطق السلف بشيء من هذه‬
‫اللفاظ إل بلفظ البدال‪ ،‬وروى فيهم حديث أنهم أربعون رجل وانهم بالشام وهو‬
‫في المسند من حديث علي كرم الله وجهه وهو حديث منقطع ليس بثابت‬
‫ومعلوم أن عليا ومن معه من الصحابة كانوا أفضل من معاوية ومن معه‬
‫بالشام‪ ،‬فل يكون أفضل الناس في عسكر معاوية دون عسكر علي‪ .‬وقد أخرجا‬
‫في الصحيحين عن أبي سعيد عن النبي ‪ ‬أنه قال »تمرق مارقة من الدين‬
‫على حين فرقة من المسلمين يقتلهم أولى الطائفتين بالحق«‬
‫وهؤلء المارقون هم الخوارج الحرورية الذين مرقوا لما حصلت الفرقة بين‬
‫المسلمين في خلفة علي فقتلهم علي بن أبي طالب وأصحاُبه‪ ،‬فدل هذا‬
‫الحديث الصحيح على أن علي بن أبي طالب أولى بالحق من معاوية وأصحابه‪،‬‬
‫وكيف يكون البدال في أدنى العسكرين دون أعلهما‪ .‬وكذلك ما يرويه بعضهم‬
‫عن النبي ‪ ‬أنه أنشد منشد‪:‬‬
‫ق‬
‫قد لسعت حية الهوى كبدي‬
‫فل طبيب لها ول را ِ‬
‫إل الحبيب الذي ُ‬
‫فعنده رقيتي وترياقـي‬
‫شغفت به‬
‫وأن النبي ‪ ‬تواجد حتى سقطت البردة عن منكبه‪ ،‬فإنه كذب باتفاق أهل‬
‫العلم بالحديث‪ ،‬وأكذب منه ما يرويه بعضهم أنه مزق ثوبه‪ ،‬وأن جبريل أخذ‬
‫قطعة منه فعلقها على العرش‪ ،‬فهذا وأمثاله مما يعرف أهل العلم والمعرفة‬
‫برسول الله ‪ ‬أنه من أظهر الحايث كذبا عليه ‪ .‬وكذلك ما يروونه عن عمر‬
‫‪ ‬أنه قال كان النبي ‪ ‬وأبو بكر يتحدثان وكنت بينهما كالزنجي‪ ،‬وهو كذب‬
‫موضوع باتفاق أهل العلم بالحديث‪ .‬والمقصود هنا أنه فيمن يقر برسالته العامة‬

‫للشيخ العلمة صالح بن عبد العزيز آل الشيخ‬

‫‪13‬‬

‫دعي في‬
‫في الظاهر ومن يعتقد في الباطن ما يناقض ذلك فيكون منافقا وهو ي ّ‬
‫نفسه وأمثاله أنهم أولياء الله مع كفرهم في الباطن بما جاء به الرسول ‪ ،‬إما‬
‫عنادا‪ ،‬وإما جهل‪ ،‬كما أن كثيرا من النصارى واليهود يعتقدون أنهم أولياء الله‪،‬‬
‫وأن محمدا رسول الله‪ ،‬لكن يقولون إنما أرسل إلى غير أهل الكتاب‪ ،‬وأنه ل‬
‫يجب علينا إتباعه لنه أرسل إلينا رسل قبله فهؤلء كلهم كفار مع أنهم يعتقدون‬
‫وليته‬
‫في طائفتهم أنهم أولياء الله‪ ،‬وإنما أولياء الله الذين وصفهم الله تعالى ب َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ف َ َ‬
‫ن‬
‫ه َل َ‬
‫وَل ُ‬
‫و ٌ‬
‫ن)‪(62‬ال ّ ِ‬
‫ول َِياءَ الل ّ ِ‬
‫حَزُنو َ‬
‫بقوله﴿أَل إ ِ ّ‬
‫م يَ ْ‬
‫ذي َ‬
‫ه ْ‬
‫ه ْ‬
‫م َ‬
‫خ ْ‬
‫نأ ْ‬
‫علي ْ ِ‬
‫و َ‬
‫كاُنوا ي َت ّ ُ‬
‫ن﴾]يونس‪ ،[63-62:‬ولبد في اليمان من أن يؤمن بالله‬
‫قو َ‬
‫آ َ‬
‫مُنوا َ‬
‫وملئكته وكتبه ورسله واليوم الخر‪ (17) ،‬ويؤمن بكل رسول أرسله الله‪ ،‬وكل‬
‫‪ ()17‬هذا الكتاب هو كتاب الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان والله جل وعل فرق‬
‫بين هؤلء وهؤلء؛ فوصف أولياء الرحمن ووصف أولياء الشيطان‪ ،‬وما ذكره المصنف في‬
‫ن المنافقين في هذه‬
‫ن الكفار من أولياء الشيطان‪ ،‬وأ ّ‬
‫هذا المقطع الذي قرأنا فيه بيان أ ّ‬
‫ولية؛ ولية‪-.....‬الشريط مقطوع‪ .......-‬وما يحصل لهم من أشياء يعجز‬
‫المة نظروا إلى ال َ‬
‫عنها من حولهم حتى زعموا أن محمدا عليه الصلة والسلم لم يكن مختصا بهذا الِعلم الذي‬
‫جاء‪ ،‬بل من الصحابة من كانوا في منزلته في العلم بل هناك بعضهم من هو أرفع منه‪ ،‬كما‬
‫ن العلوم الخاصة غير العلوم العامة وأن هناك العلوم الباطنة جعلها‬
‫يقوله طائفة‪ ،‬فزعموا أ ّ‬
‫الله سبحانه الفقراء‪ ،‬ولهذا مّثل بأهل الصفة والمقصود بالتمثيل بالفقراء‪ ،‬والعتقاد‬
‫ن الولي لبد أن‬
‫بالفقراء‪ ،‬وهذا كثير في البلد السلمية فيظنون ملزمة الولية للفقر‪ ،‬وأ ّ‬
‫يكون فقيرا متنكبا عن الدنيا‪ ،‬وهذا باطل بل سادة أولياء الله جل وعل من أتباع محمد‬
‫‪‬العشرة المبشرون بالجنة في مجلس واحد‪ ،‬ومنهم أبو بكر‪ ‬وكان غنيا‪ ,‬وعمر ‪ ‬وكان‬
‫غنيا‪ ,‬ومنهم عثمان وكان غنيا‪ ,‬ومنهم عبد الرحمن بن عوف وكان غنيا‪ ،‬ومنهم سعد وكان‬
‫غنيا‪.‬‬
‫فوصف الغنى والفقر ليس من الوصاف التي يكشف بها الولي‪ ،‬فمن ظن أن َولية أهل‬
‫ولية كما قال الله جل‬
‫الصفة كانت من جراء كونهم فقراء فقط‪ ،‬فهذا ليس بصحيح‪ ،‬بل ال َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ف َ َ‬
‫و َ‬
‫كاُنوا‬
‫ه َل َ‬
‫وَل ُ‬
‫و ٌ‬
‫ن)‪(62‬ال ّ ِ‬
‫ول َِياءَ الل ّ ِ‬
‫حَزُنو َ‬
‫وعل ﴿أَل إ ِ ّ‬
‫م يَ ْ‬
‫ذي َ‬
‫نآ َ‬
‫ه ْ‬
‫ه ْ‬
‫مُنوا َ‬
‫م َ‬
‫خ ْ‬
‫نأ ْ‬
‫علي ْ ِ‬
‫ي َت ّ ُ‬
‫ن﴾]يونس‪ ،[63-62:‬فالولي هو كل مؤمن تقي وليس بنبي‪ ،‬وليس من أوصافه أن يكون‬
‫قو َ‬
‫فقيرا أو أن يكون من حاله كذا وكذا‪ ،‬في أمر دنياه‪ ،‬بل الولية راجعة إلى أمر الدين إلى‬
‫أمر اتباع الشريعة‪ ،‬وأولياء الله جل وعل ليس لهم علوم خاصة بل علومهم تابعة للشرع‬
‫دثين بأشياء ليست عند النبي عليه الصلة والسلم‪ ،‬بل علمهم‬
‫تابعة لمحمد ‪ ،‬فليسوا مح ّ‬
‫مُنوط بكتاب الله وسنة رسوله ‪.‬‬
‫ن هناك من أولياء الله من يأخذون من المعدن‬
‫وقد ذهب بعض المتأخرون من الجهال أ ّ‬
‫الذي أخذ منه المَلك مباشرة‪ ،‬يقولون‪ :‬الولي يأخذ عن الله مباشرة أما النبي ‪ ‬فيأخذ عن‬
‫الله جل وعل بواسطة جبريل‪ .‬كما ذكر ابن عربي وكما ذكر غيُره قال‪ :‬الولي ياخذ من‬
‫ضل بهذا عن النبي‪،‬‬
‫المعدن الذي أخذ منه المعدن مباشرة‪ .‬يعني فل يحتاج إلى واسطة‪ ،‬فف ُ‬
‫وقالوا الولي يمكن أن يخرج عن شريعة النبي لنه في الظاهر متبع للنبي‪ ،‬لكنه في الباطن‬
‫ن هناك من يسعه‬
‫يتلقى تلقيا خاصا‪ ،‬ولهذا زعموا بأن هناك من تسقط عنه التكاليف‪ ،‬وأ ّ‬
‫سع الخضر الخروج عن شريعة موسى‪.‬‬
‫الخروج عن شريعة محمد ‪ ‬كما و ِ‬
‫وهذا العتقاد في جّهال المسلمين من قديم‪ ،‬وفي زمن الدعوة كان هذا موجودا في نجد؛‬
‫العتقاد في الصوفية وفي الفقراء وربما أنهم فعلوا أشياء خارجة عن الشريعة ويبقون على‬
‫َولتهم‪ ،‬كما ذكر الشيخ رحمه الله في النواقض –نواقض السلم‪ -‬أن من النواقض أن أحدا‬
‫من الخلق يسعه الخروج عن شريعة محمد ‪ ‬كما وسع الخضر الخروج عن شريعة‬
‫موسى‪ .‬هؤلء الجهال يعتقدون في المجانين و يعتقدون في الفقراء و يعتقدون في‬
‫الشياطين‪ ،‬وربما جعلوهم أقطابا أو جعلوهم أوتادا أو جعلوهم أبدال أو جعلوهم نجباء إلى‬
‫آخره‪ ،‬فتجدهم يقولون مثل الغوث الكبر واحد‪ ،‬وكل غوث له أقطاب أربعة في الرض‪ ،‬لك ّ‬
‫ل‬
‫واحد منهم قسم من الرض‪ ،‬ولكل واحد من هذه الربعة سبعة‪ ،‬ولكل واحد من هذه‬

‫‪14‬‬

‫التعليقات الحسان على كتاب الفرقان‬

‫ُ‬
‫كتاب أنزله الله كما قال تعالى ﴿ ُ‬
‫ز َ‬
‫ز َ‬
‫ل‬
‫ما ُأن‬
‫مّنا ِبالل ّ ِ‬
‫و َ‬
‫و َ‬
‫قوُلوا آ َ‬
‫ل إ ِل َي َْنا َ‬
‫ه َ‬
‫ما أن ِ‬
‫ِ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫ع ُ‬
‫عي َ‬
‫ي‬
‫ما‬
‫ما ِ‬
‫سَبا ِ‬
‫إلى إ ِب َْرا ِ‬
‫قو َ‬
‫وي َ ْ‬
‫س َ‬
‫واْل ْ‬
‫وإ ِ ْ‬
‫وإ ِ ْ‬
‫و َ‬
‫س َ‬
‫هي َ‬
‫ط َ‬
‫ب َ‬
‫حاقَ َ‬
‫ل َ‬
‫م َ‬
‫أوت ِ َ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫م َل ن ُ َ‬
‫م‬
‫و ِ‬
‫د ِ‬
‫ح ٍ‬
‫ن ِ‬
‫ي الن ّب ِّيو َ‬
‫نأ َ‬
‫من ْ ُ‬
‫عي َ‬
‫مو َ‬
‫فّرقُ ب َي ْ َ‬
‫م ْ‬
‫ه ْ‬
‫ه ْ‬
‫و َ‬
‫ُ‬
‫سى َ‬
‫سى َ‬
‫ما أوت ِ َ‬
‫ن َرب ّ ِ‬
‫ف َ‬
‫ه َ‬
‫ن)‪َ (136‬‬
‫دوا‬
‫قدْ ا ْ‬
‫م بِ ِ‬
‫مُنوا ب ِ ِ‬
‫فإ ِ ْ‬
‫مو َ‬
‫هت َ َ‬
‫ون َ ْ‬
‫م ْ‬
‫ح ُ‬
‫منت ُ ْ‬
‫ما آ َ‬
‫ل َ‬
‫نآ َ‬
‫سل ِ ُ‬
‫ه ُ‬
‫ن لَ ُ‬
‫مث ْ ِ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫ق َ‬
‫ش َ‬
‫وا َ‬
‫ع‬
‫و ُ‬
‫سي َك ِ‬
‫م ِ‬
‫ما ُ‬
‫س ِ‬
‫في ِ‬
‫وإ ِ ْ‬
‫مي ُ‬
‫و ال ّ‬
‫فيك ُ‬
‫ف َ‬
‫م الل ُ‬
‫ه ْ‬
‫ه ْ‬
‫فإ ِن ّ َ‬
‫ه َ‬
‫ه َ‬
‫ول ْ‬
‫ن تَ َ‬
‫َ‬
‫قا ٍ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫ز َ‬
‫سو ُ‬
‫ن‬
‫ه ِ‬
‫ل إ ِلي ْ ِ‬
‫ال َ‬
‫ن الّر ُ‬
‫م ْ‬
‫م َ‬
‫ل بِ َ‬
‫م﴾]البقرة‪ ،[137-136:‬وقال تعالى ﴿آ َ‬
‫عِلي ُ‬
‫ما أن ِ‬
‫م ْ‬
‫ن كُ ّ‬
‫ه﴾]البقرة‪[285:‬إلى‬
‫سل ِ ِ‬
‫وك ُت ُب ِ ِ‬
‫مَلئ ِك َت ِ ِ‬
‫ن ِبالل ّ ِ‬
‫ؤ ِ‬
‫َرب ّ ِ‬
‫مُنو َ‬
‫وُر ُ‬
‫م َ‬
‫و َ‬
‫لآ َ‬
‫وال ْ ُ‬
‫ه َ‬
‫ه َ‬
‫ه َ‬
‫ه َ‬
‫آخر السورة‪ ،‬وقال في أول السورة ﴿الم)‪(1‬ذَل ِ َ‬
‫دى‬
‫ه ُ‬
‫ب ِ‬
‫في ِ‬
‫ه ً‬
‫ب َل َري ْ َ‬
‫ك ال ْك َِتا ُ‬
‫ما َرَز ْ‬
‫ن يُ ْ‬
‫م‬
‫ن ِبال ْ َ‬
‫قَنا ُ‬
‫وي ُ ِ‬
‫مت ّ ِ‬
‫و ِ‬
‫ؤ ِ‬
‫ن)‪(2‬ال ّ ِ‬
‫مو َ‬
‫مُنو َ‬
‫ذي َ‬
‫قي َ‬
‫ه ْ‬
‫م ّ‬
‫قي ُ‬
‫ل ِل ْ ُ‬
‫غي ْ ِ‬
‫ن ال ّ‬
‫صَلةَ َ‬
‫ب َ‬
‫قب ْل ِ َ‬
‫ل إ ِل َي ْ َ‬
‫ن َ‬
‫ف ُ‬
‫ن يُ ْ‬
‫ز َ‬
‫ز َ‬
‫ك‬
‫ُين ِ‬
‫ما أ ُن ْ‬
‫ما أ ُن ْ‬
‫ل ِ‬
‫ؤ ِ‬
‫وال ّ ِ‬
‫مُنو َ‬
‫قو َ‬
‫م ْ‬
‫ذي َ‬
‫و َ‬
‫ن بِ َ‬
‫ك َ‬
‫ن)‪َ (3‬‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ُ‬
‫ُ‬
‫ول َئ ِ َ‬
‫ول َئ ِ َ‬
‫م‬
‫ك َ‬
‫ك ُ‬
‫عَلى ُ‬
‫م ُيو ِ‬
‫ة ُ‬
‫وِباْل ِ‬
‫دى ِ‬
‫خَر ِ‬
‫قُنو َ‬
‫ه ً‬
‫م ْ‬
‫ه ْ‬
‫ه ْ‬
‫ه ْ‬
‫وأ ْ‬
‫م َ‬
‫ن)‪(4‬أ ْ‬
‫َ‬
‫ن َرب ّ ِ‬
‫)‪(18‬‬
‫ْ‬
‫ْ‬
‫ن﴾]البقرة‪ ،[4-1:‬فلبد في اليمان من اأن تؤمن أن محمدا ‪ ‬خاتم‬
‫حو َ‬
‫مفل ِ ُ‬
‫ال ُ‬
‫النبيين ل نبي بعده‪ ،‬وأن الله أرسله إلى جميع الثقلين الجن والنس‪ ،‬فكل من‬
‫لم يؤمن بما جاء به فليس بمؤمن فضل عن أن يكون من أولياء الله المتقين‪،‬‬
‫ومن آمن ببعض ما جاء به وكفر ببعض فهو كافر ليس بمؤمن كما قال الله‬

‫السبعة أربعون‪ ،‬فلن تصل إلى الغوث إل عن هذه الطريقة‪ .‬وصنفت المصنفات في ذلك‬
‫في ذكر الربعين ولي في مصر‪ ،‬أو الربعين وتد في المغرب‪ ،‬هذه مصنفات موجودة‪،‬‬
‫عندهم أن الربعين هؤلء يرفعون إلى السبعة‪ ،‬والسبعة يرفعون إلى الربعة‪ ،‬والربعة‬
‫يرفعون إلى الغوث‪ ،‬والغوث يطلب من الله جل جلله‪ ،‬فهؤلء إذا تأملت أسماءهم‬
‫وتراجمهم وهي موجودة وجدت أنه كما ذكر شيخ السلم أنهم من المنافقين‪ ،‬أو من‬
‫المجانين‪ ،‬فل يصح أن يكونوا أولياء فضل أن يكونوا من سادة الولياء أو من المقدمين‪.‬‬
‫وهذه اللفاظ أقطاب‪ ،‬أبدال‪ ،‬نجباء إلى آخره‪ ،‬الغوث‪ ،‬كلها لم ترد في الكتاب والسنة‪،‬‬
‫ن كان في إسنادها شيء‪ ،‬ومن حسنها‬
‫وإنما جاء لفظ البدال في بعض الحاديث‪ ،‬وإ ْ‬
‫ن البدال هم الذين يأتي طائفة منهم بدل من قبلكم أبدال بمعني أنهم‬
‫فالمعنى واضح؛ فإ ّ‬
‫يبدلون بغيرهم ويبدل غيرهم بهم‪ ،‬وهذا كما قال عليه الصلة والسلم »ل تزال طائفة‬
‫در وصلى الله‬
‫من أمتي على الحق ظاهرين حتى يأتي أمر الله«‪ .‬نكتفي بهذا الق ْ‬
‫وسلم على سيدنا محمد‪.‬‬
‫‪ ()18‬هذا الكتاب هو الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان وذكرنا لكم أن تعريف‬
‫الولي عندنا أنه كل مؤمن تقي ليس بنبي‪ ،‬فل بد في الولي أن يكون مؤمنا‪ ،‬ول بد أن يكون‬
‫تقيا لطلق خصوص الولي عليه‪ ،‬وذكرنا اليمان يتبعض وأن التقوى تتبعض‪ ،‬وبالتالي يكون‬
‫ولية تتبعض‪ ،‬فيكون الولياء ليسوا على مرتبة واحدة‪ ،‬وذلك كما قال‬
‫ما ينتج منهما وهو ال َ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫ُ‬
‫ّ‬
‫وي ُ ْ‬
‫ن‬
‫ن يُ ِ‬
‫مُنوا ال ِ‬
‫وال ِ‬
‫ؤُتو َ‬
‫مو َ‬
‫ذي َ‬
‫ذي َ‬
‫وَر ُ‬
‫قي ُ‬
‫نآ َ‬
‫سول ُ‬
‫م الل ُ‬
‫ول ِي ّك ُ ْ‬
‫جل وعل ﴿إ ِن ّ َ‬
‫ن ال ّ‬
‫صلةَ َ‬
‫ه َ‬
‫ه َ‬
‫ما َ‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫الّز َ‬
‫مُنوا َ‬
‫و ّ‬
‫ه‬
‫ن ِ‬
‫و ُ‬
‫ب الل ِ‬
‫وال ِ‬
‫فإ ِ ّ‬
‫عو َ‬
‫حْز َ‬
‫م َراك ِ ُ‬
‫ذي َ‬
‫وَر ُ‬
‫م ْ‬
‫نآ َ‬
‫سول ُ‬
‫ل الل َ‬
‫و َ‬
‫ه ْ‬
‫ه َ‬
‫ه َ‬
‫ن ي َت َ َ‬
‫ن)‪َ (55‬‬
‫كاةَ َ‬
‫ن﴾]المائدة‪ ،[56-55:‬فلكل مؤمن َولية بحسبه‪ ،‬لكن اسم الولي هذا خاص بمن‬
‫م ال ْ َ‬
‫ُ‬
‫غال ُِبو َ‬
‫ه ْ‬
‫مل اليمان والتقوى‪ ،‬يعني سعى في تكميل إيمانه وتقواه واليمان؛ إيمان بالركان الستة‬
‫ك ّ‬
‫التي جاءت في هذه اليات وفي حديث جبريل وغيرها‪ ،‬ومنها اليمان بالرسل‪ ،‬واليمان‬
‫ن محمدا بن عبد الله‬
‫بالكتب‪ ،‬ومن اليمان بالرسل واليمان بالكتب بل هو أخصها اليمان بأ ّ‬
‫ن طاعة محمد بن عبد الله فرض‬
‫ن القرآن خاتم الكتب‪ ،‬وأ ّ‬
‫خاتم النبياء والمرسلين‪ ،‬وأ ّ‬
‫وليس لحد أن يخرج عن طاعته‪ ،‬هذا كل السياق من شيخ السلم ليبين أن قول حزب‬
‫ن‬
‫ن هناك أولياء ل يخضعون لرسالة محمد ‪ ‬باطنا وإ ْ‬
‫الشيطان في عصره وما بعده‪ ،‬أ ّ‬
‫خضعوا لها ظاهرا بحكمهم من المة بأن هذا باطل‪ ،‬كما ادعى طائفة أن الولي له ظاهر‬
‫وباطن‪ ،‬وظاهره متابع لشريعة النبي الذي ُأرسل إليه‪ ،‬وباطنه يتلقى من مشكاة الوحي‬
‫ضل عليه إلى آخر ذلك‪ ،‬فهذا السياق لتقرير أن الولي‬
‫الذي تلقى منها ذاك النبي‪ ،‬وقد ي َ ْ‬
‫ف ُ‬
‫مؤمن بأركان اليمان‪.‬‬

‫للشيخ العلمة صالح بن عبد العزيز آل الشيخ‬

‫‪15‬‬

‫َ‬
‫فّر ُ‬
‫ن يُ َ‬
‫ن ي َك ْ ُ‬
‫ه‬
‫ن الل ّ ِ‬
‫سل ِ ِ‬
‫ن ِبالل ّ ِ‬
‫ن ال ّ ِ‬
‫نأ ْ‬
‫دو َ‬
‫فُرو َ‬
‫تعالى ﴿إ ِ ّ‬
‫ري ُ‬
‫وي ُ‬
‫وُر ُ‬
‫قوا ب َي ْ َ‬
‫ذي َ‬
‫ه َ‬
‫ه َ‬
‫ِ‬
‫َ‬
‫ون َك ْ ُ‬
‫وي َ ُ‬
‫ن نُ ْ‬
‫خ ُ‬
‫ن‬
‫ن ي َت ّ ِ‬
‫ؤ ِ‬
‫سل ِ ِ‬
‫نأ ْ‬
‫دو َ‬
‫قوُلو َ‬
‫ري ُ‬
‫فُر ب ِب َ ْ‬
‫ن ب ِب َ ْ‬
‫وُر ُ‬
‫ذوا ب َي ْ َ‬
‫م ُ‬
‫ض َ‬
‫ض َ‬
‫ه َ‬
‫َ‬
‫وي ُ ِ‬
‫ع ٍ‬
‫ع ٍ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫ْ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫ً‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ح ّ‬
‫ع َ‬
‫ذاًبا‬
‫ن َ‬
‫وأ ْ‬
‫عت َدَْنا ل ِلكا ِ‬
‫م الكا ِ‬
‫ولئ ِك ُ‬
‫فُرو َ‬
‫ن َ‬
‫ذَل ِك َ‬
‫ري َ‬
‫ه ْ‬
‫قا َ‬
‫سِبيل)‪(150‬أ ْ‬
‫ف َِ‬
‫فّر ُ‬
‫م يُ َ‬
‫م‬
‫د ِ‬
‫ح ٍ‬
‫سل ِ ِ‬
‫مُنوا ِبالل ّ ِ‬
‫وال ّ ِ‬
‫نأ َ‬
‫من ْ ُ‬
‫وُر ُ‬
‫قوا ب َي ْ َ‬
‫ذي َ‬
‫ه ْ‬
‫ول َ ْ‬
‫نآ َ‬
‫ُ‬
‫ه َ‬
‫ه َ‬
‫هيًنا)‪َ (151‬‬
‫م ِ‬
‫ُ‬
‫ُ‬
‫و َ‬
‫ول َئ ِ َ‬
‫ه َ‬
‫غ ُ‬
‫ف يُ ْ‬
‫ما﴾]النساء‪-150:‬‬
‫فوًرا َر ِ‬
‫جوَر ُ‬
‫و َ‬
‫كا َ‬
‫مأ ُ‬
‫ك َ‬
‫حي ً‬
‫ن الل ّ ُ‬
‫ه ْ‬
‫ه ْ‬
‫م َ‬
‫س ْ‬
‫أ ْ‬
‫ؤِتي ِ‬
‫‪ (19) ،[152‬ومن اليمان به اليمان بأنه الواسطة بين الله وبين خلقه في تبليغ‬
‫أمره ونهيه ووعده ووعيده وحلله وحرامه‪ ،‬فالحلل ما أحله الله ورسوله‪،‬‬
‫والحرام ما حرمه الله ورسوله‪ ،‬والدين ما شرعه الله ورسوله ‪ ،‬فمن اعتقد‬
‫أن لحد من الولياء طريقا إلى الله من غير متابعة محمد ‪ ،‬فهو كافر من‬
‫أولياء الشيطان‪.‬‬
‫)‪(20‬‬
‫وأما خلق الله تعالى للخلق وَرْزُقه إياهم وإجابته لدعائهم وهدايته لقلوبهم‬
‫ونصرهم على أعدائهم وغير ذلك من جلب المنافع ودفع المضار فهذا لله وحده‬
‫يفعله بما يشاء من السباب ل يدخل في مثل هذا وساطة الرسل‪ .‬ثم لو بلغ‬
‫الرجل في الزهد والعبادة والعلم ما بلغ ولم يؤمن بجميع ما جاء به محمد ‪‬‬
‫فليس بمؤمن‪ ،‬ول ولي لله تعالى كالحبار والرهبان من علماء اليهود والنصارى‬
‫وع ُّبادهم‪ ،‬وكذلك المنتسبون إلى العلم والعبادة من المشركين؛ مشركي العرب‬
‫والترك والهند وغيرهم ممن كان من حكماء الهند والترك وله علم أو زهد‬
‫وعبادة في دينه‪ ،‬وليس مؤمنا بجميع ما جاء به محمد فهو كافر عدو لله‪ ،‬وإن‬
‫ظن طائفة أنه ولي لله‪ ،‬كما كان حكماء الفرس من المجوس كفارا مجوسا‪،‬‬
‫وكذلك حكماء اليونان مثل أرسطو وأمثاله كانوا مشركين يعبدون الصنام‬
‫والكواكب‪ ،‬وكان أرسطو قبل المسيح عليه السلم بثلثمائة سنة‪ ،‬وكان وزيرا‬
‫للسكندر بن فيلبس المقدوني‪ ،‬وهو الذي يؤرخ له تواريخ الروم واليونان وتؤرخ‬
‫به اليهود والنصارى‪ ،‬وليس هذا هو ذو القرنين الذي ذكره الله في كتابه كما‬
‫يظن بعض الناس أن ارسطو كان وزيرا لذي القرنين لما رأوا أن ذاك اسمه‬
‫السكندر وهذا قد يسمى بالسكندر ظنوا أن هذا ذاك كما يظنه ابن سينا‬

‫‪()19‬الكفر هنا في قوله )من آمن ببعض ما جاء به وكفر ببعض( وكذلك في الية ﴿ن ُ ْ‬
‫ن‬
‫ؤ ِ‬
‫م ُ‬
‫ون َك ْ ُ‬
‫ض﴾]النساء‪ ،[150:‬الكفر هذا قسمان‪:‬‬
‫فُر ب ِب َ ْ‬
‫ب ِب َ ْ‬
‫ض َ‬
‫ع ٍ‬
‫ع ٍ‬
‫القسم الول‪ :‬كفر التكذيب وهو أن يكذبوا بالكتاب أو برسالة الرسول‪ ،‬يقولون فلن‬
‫رسول‪ ،‬وفلن ليس برسول‪ ،‬نك ّ‬
‫ذب برسالة فلن ول نقر له بالرسالة‪ ،‬تكذيبا له فيما جاء‬
‫به‪ ،‬وُفلن هذا من عباد الله هذا رسول‪ ،‬فهذا تكذيب برسالة بعض‪ ،‬وإقرار برسالة بعض‪،‬‬
‫ومن كذب فقد كفر‪ ،‬ومن صدق فهو مؤمن‪.‬‬
‫ن يّتبع ذلك‬
‫القسم الثاني‪ :‬كفر من جهة اليباء والستكبار والمتناع؛ بمعنى أنه أبى أ ْ‬
‫الرسول‪ ،‬أبى أن يكون ملتزما بشريعة ذلك الرسول بل يقول أنا أومن بالرسول وأتبع‬
‫شريعة فلن ول أتبع شريعة الخر‪ ،‬وهذا من جهة الحتجاج على اليهود‪.‬‬
‫ن يكونوا مْنقادين‬
‫والواجب على عباد الله أن يكونوا مؤمنين بالرسل جميعا مصدقين‪ ،‬وأ ْ‬
‫طائعين لما جاء به محمد عليه الصلة والسلم وما جاء به القرآن لنه خاتم الكتب لن‬
‫محمدا عليه الصلة والسلم خاتم الرسل‪.‬‬
‫فإذن يكون اليمان على درجتين كل منهما فرض ل يتم اليمان إل بهما جميعا‪ ،‬اليمان‬
‫بمعنى التصديق برسالة محمد ‪ ،‬ثم اليمان بمعنى اللتزام بما جاء به وعدم المتناع عما‬
‫جاء به فمن كذب فقد كفر‪ ،‬ومن أبى واستكبر فهو كافر‪.‬‬
‫‪()20‬الّرزق بالفتح‪ ،‬المصدر بالفتح‪ ،‬الّرزق هو الشيء المرزوق‪َ ،‬رَزقَ الله عبدا َرْزقا‪ ،‬فذاك‬
‫خلق والّرزق والحياء والماتة والب َّر إلى‬
‫الشيء هو الّرزق‪ ،‬وأما المصدر فهو الّرزق‪ .‬ال َ‬
‫آخره‪.‬‬

‫‪16‬‬

‫التعليقات الحسان على كتاب الفرقان‬

‫وطائفة معه‪ ،‬وليس المر كذلك بل هذا السكندر المشرك الذي قد كان أرسطو‬
‫سور ول وصل إلى بلد يأجوج ومأجوج‬
‫وزيره‪ ،‬متأخر عن ذاك ولم يبن هذا ال ّ‬
‫وهذا السكندر الذي كان أرسطو من وزرائه يؤرخ له تاريخ الروم المعروف وفي‬
‫أصناف المشركين من مشركي العرب ومشركي الهند والترك واليونان وغيرهم‬
‫من له اجتهاد في العلم والزهد والعبادة ولكن ليس بمتبع للرسل ول يؤمن بما‬
‫جاءوا به ول يصدقهم بما أخبروا به ول يطيعهم فيما أمروا‪ ،‬فهؤلء ليسوا‬
‫بمؤمنين ول أولياء الله وهؤلء تقترن بهم الشياطين وت َن َّزل عليهم فيكاشفون‬
‫الناس ببعض المور ولهم تصرفات خارقة من جنس السحر وهم من جنس‬
‫ه ْ ُ‬
‫م‬
‫الكهان والسحرة الذين تنزل عليهم الشياطين قال الله تعالى ﴿ َ‬
‫ل أن َب ّئ ُك ُ ْ‬
‫َ‬
‫ل أَ ّ‬
‫عَلى ك ُ ّ‬
‫ن)‪(221‬ت َن َّز ُ‬
‫ل ال ّ‬
‫ن ت َن َّز ُ‬
‫م)‬
‫ل َ‬
‫َ‬
‫شَيا ِ‬
‫فا ٍ‬
‫طي ُ‬
‫م ْ‬
‫عَلى َ‬
‫ك أِثي ٍ‬
‫َ‬
‫م َ‬
‫‪(222‬ي ُل ْ ُ‬
‫ن﴾]الشعراء‪ ،[223-221:‬وهؤلء‬
‫وأك ْث َُر ُ‬
‫كاِذُبو َ‬
‫قو َ‬
‫م َ‬
‫ن ال ّ‬
‫ه ْ‬
‫س ْ‬
‫ع َ‬
‫جميعهم الذين ينتسبون إلى المكاشفات وخوارق العادات‪ ،‬إذ ْ لم يكونوا متبعين‬
‫الرسل فلبد أن يكذبوا وت ُك َذ ُِبهم شياطينهم‪ ،‬ولبد أن يكون في أعمالهم ما هو‬
‫إثم وفجور مثل نوع من الشرك أو الظلم أو الفواحش أو الغلو أو البدع في‬
‫العبادة‪ ،‬ولهذا تنزلت عليهم الشياطين واقترنت بهم فصاروا من أولياء الشيطان‬
‫)‪(21‬‬
‫ن‬
‫ش َ‬
‫ر الّر ْ‬
‫ن يَ ْ‬
‫ع ْ‬
‫م ْ‬
‫ح َ‬
‫و َ‬
‫ع ُ‬
‫ل من أولياء الرحمن‪ ،‬قال الله تعالى ﴿ َ‬
‫ن ِذك ْ ِ‬
‫م ِ‬
‫شي ْ َ‬
‫ه َ‬
‫طاًنا َ‬
‫نُ َ‬
‫ه َ‬
‫ن﴾]الزخرف‪ ،[36:‬وِذكر الرحمن هو ال ّ‬
‫ذكر‬
‫ف ُ‬
‫ري ٌ‬
‫و لَ ُ‬
‫ض لَ ُ‬
‫قي ّ ْ‬
‫ه َ‬
‫ق ِ‬
‫عوا‬
‫ن الطوائف من المسلمين الذين إد ّ َ‬
‫‪()21‬هذا الكلم يريد به شيخ السلم رحمه الله بيان أ ّ‬
‫الولية‪ُ ،‬أدعي فيهم أنهم أولياء وعُ ّ‬
‫ن كان سبب َوليتهم أنهم‬
‫ظموا بسبب ذلك‪ ،‬هؤلء‪ ،‬وإ ْ‬
‫متبعون للرسول ‪ ‬ظاهرا وباطنا مؤمنون به يحكمون لشريعته في أنفسهم‪ ،‬هذا ظاهر‬
‫ن كان سبب إطلق الولية عليه بهم أنهم زهاد عباد وأنهم‬
‫لنهم من أولياء الله‪ ،‬وأما إ ْ‬
‫متنزهون عن كثير من الدنيا‪ ،‬وأنهم مقبلون على أمر آخرتهم‪ ،‬وفيهم مكاشفات وإخبار‬
‫در يحصل أيضا لكثير من المتزهدة ومن‬
‫ن هذا الق ْ‬
‫بغيبيات‪ ،‬ويحصل لهم خوارق عادات‪ ،‬فإ ّ‬
‫له بعض فلسفة وعلم من الذين داووا نفوسهم وباطنهم من غير هذه المة‪ ،‬فذكر أمثلة من‬
‫الّترك يعني الروس الن وإلى تركستان وما حولها‪ ،‬ومن الهند ومن خراسان‪ ،‬وكذلك من‬
‫اليونان‪ ،‬هؤلء فيهم أناس ُنقل من َنقل المستفيض أنه يحصلهم خوارق عادات‪ ،‬وأن عندهم‬
‫ولية وإطلق اسم‬
‫زهد وعبادة إلى آخره‪ ،‬فإن كان‪-‬شيخ السلم كأنه يتنزل ويناظر‪ -‬مدار ال َ‬
‫الولي على من عنده زهد وعبادة أوخوارق عادات فأولئك أيضا كذلك‪ ،‬لكن هم كفار‬
‫بالجماع؛ لن متعبدة اليهود‪ ،‬زهاد النصارى قد يكون لهم بكاء من خشية الله وقد يكون‬
‫عندهم خوارق عادات‪ ،‬وكذلك زهاد ومتعبدة الهند والترك والفرس واليونان إلى آخره هؤلء‬
‫كفار بالجماع؛ لنهم لم يتبعوا محمدا ‪ ‬ولم يكونوا مسلمين ظاهرا وباطنا‪ .‬فإذن ما الفرق‬
‫في الحال بين هؤلء الذين ُأدعي فيهم الولية وادعوا الخروج عن شريعة محمد ‪ ‬وأولئك؟‬
‫فإذا قيل إن عندهم خوارق عادات‪ ،‬فنقول إن خوارق العادة ليس هو الكرامة‪ ،‬فالذي يؤتي‬
‫الله جل وعل الولياء هي الكرامات‪ ،‬وأما الخوارق فإنها تجري للسحرة‪ ،‬وتجري للكهنة‪،‬‬
‫ن من حصل له ولي‬
‫وتجري للشياطين وغير ذلك‪ ،‬فحصول الخارق للعادة ليس برهانا على أ ّ‬
‫من أولياء الله‪ ،‬خارق للعادة مثل يخبرك بها في نفسك‪ ،‬مثل أن يجري شيئا غريبا‪ ،‬مثل أن‬
‫ضر شيء من الطعمة ليست في‬
‫ح ُ‬
‫ينتقل من مكان إلى مكان بسرعة عجيبة‪ ،‬مثل أن ي َ ْ‬
‫أوانها‪].‬انتهى الشريط الول[ إلى آخره‬
‫هذه نحصل للسحرة وتحصل للكهنة وتحصل للمشعوذين فالخارق للعادة أمر يشترك بين‬
‫النبياء والرسل‪ ،‬وما بين الولياء وما بين المشعوذون والكهنة والسحرة والب ّ‬
‫طالون‪:‬‬
‫فإن كان الخارق للعادة أوتي نبيا فُيسمى آية وبرهانا‪.‬‬
‫‪.1‬‬
‫ي‪.‬‬
‫‪.2‬‬
‫وإن كان الخارق للعادة أوتي عبدا صالحا تبعا لنبي فيسمى كرامة للول ّ‬
‫وإن كان الخارق للعادة أوتي مستكبرا على النبياء أو مبتدعا أو فاجرا أو كافرا‬
‫‪.3‬‬
‫فإّنه ُيسمى مخاريق شيطانية أو من مساعدة الشياطين‪.‬‬

‫للشيخ العلمة صالح بن عبد العزيز آل الشيخ‬

‫‪17‬‬

‫الذي بعث به رسوله ‪ ‬مثل القرآن فمن لم يؤمن بالقرآن ويصدق خبره ويعتقد‬
‫ه َ‬
‫ذا‬
‫و َ‬
‫وجوب أمره فقد أعرض عنه فيقيض له الشيطان فيقترن به قال تعالى ﴿ َ‬
‫ذك ْر مبار ٌ َ‬
‫ري‬
‫ض َ‬
‫ن أَ ْ‬
‫ع ْ‬
‫م ْ‬
‫و َ‬
‫ك أنَزل َْنا ُ‬
‫عَر َ‬
‫ه﴾]النبياء‪ ،[50:‬وقال تعالى ﴿ َ‬
‫ِ ٌ ُ َ َ‬
‫ن ِذك ْ ِ‬
‫َ‬
‫)‪(22‬‬
‫ضن ً‬
‫َ‬
‫َ‬
‫قا َ‬
‫ح ُ‬
‫عي َ‬
‫ب‬
‫مى)‪(124‬‬
‫ةأ ْ‬
‫ش ً‬
‫م ال ْ ِ‬
‫م ِ‬
‫ة َ‬
‫م ِ‬
‫فإ ِ ّ‬
‫ل َر ّ‬
‫ون َ ْ‬
‫و َ‬
‫ع َ‬
‫قَيا َ‬
‫ه َ‬
‫ن لَ ُ‬
‫شُرهُ ي َ ْ‬
‫كا َ‬
‫قدْ ُ‬
‫ك أ َت َت ْ َ‬
‫ل ك َذَل ِ َ‬
‫صيًرا)‪َ (125‬‬
‫و َ‬
‫قا َ‬
‫ح َ‬
‫ك آَيات َُنا‬
‫شْرت َِني أ َ ْ‬
‫ت بَ ِ‬
‫م َ‬
‫كن ُ‬
‫ع َ‬
‫لِ َ‬
‫مى َ‬
‫وك َذَل ِ َ‬
‫َ‬
‫سى﴾]طه‪ ،[126-124:‬فدل ذلك على أن ذكره هو‬
‫فن َ ِ‬
‫و َ‬
‫م ُتن َ‬
‫سيت َ َ‬
‫ك ال ْي َ ْ‬
‫ها َ‬
‫آياته التي أنزلها‪ ،‬ولهذا لو ذكر الرجل الله سبحانه وتعالى دائما ليل ونهارا مع‬
‫ده مجتهدا في عبادته‪ ،‬ولم يكن متبعا لذكره الذي أنزله وهو‬
‫غاية الزهد‪ ،‬وع َب َ َ‬
‫فإذن ليس العبرة في خرق العادة‪ .‬ولهذا تعّرف الكرامة التي تكون للولياء بأن الكرامة أمر‬
‫خارق للعادة يرى على يدي ولي‪ ،‬وآية النبي أمر خارق لعادة الجن والنس‪ ،‬يرى على يدي‬
‫نبي‪ ،‬والعادة التي ُتخرق لفظها غير منضبط؛ لنهم قالوا خارق للعادة‪ .‬العادة هذه عادة من؟‬
‫هذا الوصف غير منضبط لنه خارق للعادة ‪ ،‬لهذا عند التحقيق يكون َثم تفصيل‪:‬‬
‫فالعادة التي ُتخرق للرسل والنبياء آية وبرهان‪ ،‬فتكون العادة هي عادة الجن‬
‫•‬
‫والنس عادة الثقلين‪ ،‬قد دل على هذا قوله تعالى﴿ ُ‬
‫ق ْ‬
‫ن‬
‫م َ‬
‫نا ْ‬
‫ع ْ‬
‫ج ّ‬
‫ل ل َئ ِ ْ‬
‫جت َ َ‬
‫لن ُ‬
‫وال ْ ِ‬
‫س َ‬
‫تا ِْ‬
‫ْ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫و َ‬
‫ذا ال ْ ُ‬
‫ه َ‬
‫ض‬
‫َ‬
‫ل َ‬
‫ع ُ‬
‫مث ْل ِ ِ‬
‫ن بِ ِ‬
‫ن ي َأُتوا ب ِ ِ‬
‫كا َ‬
‫ن َل ي َأُتو َ‬
‫عَلى أ ْ‬
‫م ل ِب َ ْ‬
‫ن بَ ْ‬
‫ض ُ‬
‫ه ْ‬
‫ول َ ْ‬
‫ه َ‬
‫قْرآ ِ‬
‫مث ْ ِ‬
‫ع ٍ‬
‫َ‬
‫را﴾]السراء‪.[88:‬‬
‫هي ً‬
‫ظ ِ‬
‫وأما الكرامة فهي خارق لعادة النس الذين فيهم ذلك الولي‪ ،‬قد يكون في‬
‫•‬
‫مكان آخر ل تخرق العادة‪ ،‬لكنه يكرم بهذا مثل طعام يؤتاه في فصل الصيف وهو من‬
‫طعام الشتاء‪ ،‬في مكان أخر من الرض يكون َثم شتاء في وقت هذا الصيف فيكون‬
‫طعامهم طعام الشتاء‪ ،‬فيكون إذن العادة في حق الولي عادة النس الذين فيهم ذلك‬
‫الولي‪ ،‬وقد يكون النس بعامة مثل المشي على الماء‪ ،‬أو الطيران في الهواء أو إلى‬
‫آخره‪ ،‬لكن هذا يختلف باختلف الزمنة‪ ،‬فمثل إذا مشى على الماء؛ الماء صار له يابسا‬
‫ومشى عليه‪ ،‬اليوم ممكن أنه يقوم ببعض المعالجات الماء يكون يابس وُيمشي عليه‪،‬‬
‫كذلك الطيران في الهواء كرامة‪ ،‬اليوم اختلف الوضع صار البر والفاجر يطير في الهواء‬
‫بوسائل أحدثت‪ ،‬فإذن خرق العادة بالنسبة للولي قيده أن تكون عادة الناس في زمنه‪،‬‬
‫أو عادة جنسه الذين يعيش فيهم‪.‬‬
‫أما خرق العادة بالنسبة الشياطين‪ :‬الكهنة والسحرة فهم يأتون بأمور خارقة‬
‫•‬
‫رق عادة من ليس بساحر‪ ،‬والكاهن‬
‫للعادة ولكنها عادة من ليس منهم‪ ،‬فالساحر يخ ِ‬
‫يخرق عادة من ليس بكاهن‪.‬‬
‫ن ما آتاه‬
‫المقصود من هذا بيان التفصيل في هذه الكلمة المجملة وهي خرق العادة‪ ،‬وأ ّ‬
‫الله جل وعل للنبياء والرسل خوارق للعادات‪ ،‬ولكن عادة كذا وكذا‪ ،‬وما آتاه الله جل وعل‬
‫الولياء خارق للعادة من الكرامات ولكن عادة كذا وكذا‪ ،‬وأما مخاريق السحرة والكهنة فهي‬
‫خارق للعادة من ليس من السحرة والكهنة‪ ،‬ولهذا لما أتى الله جل وعل بآية موسى بط ََلت‬
‫مكايد السحرة وما فعلوا؛ لن ذلك الذي أعطاه جل وعل موسى فوق ما تخرق الشياطين‬
‫وتخبر به الجن أو يفعله السحرة والكهنة‪.‬‬
‫كل هذا لجل تقرير الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان‪ ،‬إذن كون الشيء يحصل‬
‫خارقا للعادة المعتادة ل يد ّ‬
‫ل على أن من حصل له وليا‪ ،‬يخبر بما في نفسه أو يخبر بأمر‬
‫سر له‬
‫غائب‪ ،‬أو يأتيه شيء غريب في وقت غريب‪ ،‬أو يحصل له نوع أشياء وانتقالت‪ ،‬أو ي ّ‬
‫أمور ونحو ذلك ل يدل على أنه ولي حتى يكون مؤمنا تقيا‪ ،‬لن الخوارق قد تحصل من جهة‬
‫در كفاية وصلى الله وسلم على نبينا محمد‪.‬‬
‫الشياطين وحزبه‪ .‬في هذا الق ْ‬
‫‪ ()22‬صلة لما سبق من أن أولياء الله جل جلله أهل اليمان والّتقى والطاعة‪ ،‬فل يوصفون‬
‫رضين عن ذكر الله بل مقبلون‬
‫إل بمتابعة الكتاب والسنة واليمان والتقوى‪ ،‬وليسوا بمع ِ‬
‫عليه‪ ،‬والذي ل يقرأ القرآن ول يتبع ما فيه ول يستن بسنة النبي العدنان بل يخالفها بأقواله‬
‫ن هذا ليس من أولياء الله‪ ،‬بل أولياء الله جل وعل هم المؤمنون‬
‫وأعماله وعلمه‪ ،‬فإ ّ‬

‫‪18‬‬

‫التعليقات الحسان على كتاب الفرقان‬

‫القرآن كان من أولياء الشيطان‪ ،‬ولو طار في الهواء أو مشى على الماء فإن‬
‫الشيطان يحمله في الهواء‪ ،‬وهذا مبسوط في غير هذا الموضع‪.‬‬
‫فصـــــــل‬
‫ومن الناس من يكون فيه إيمان وفيه شعبة من نفاق‪ ،‬كما جاء في الصحيحين‬
‫ن‬
‫عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما عن النبي ‪ ‬أنه قال »أرب ٌ‬
‫ن كُ ّ‬
‫م ْ‬
‫ع َ‬
‫ه‬
‫ه َ‬
‫صل ٌ‬
‫منا ِ‬
‫ت في ِ‬
‫ة ِ‬
‫ت في ِ‬
‫في ِ‬
‫ن كان ْ‬
‫ن كان ْ‬
‫منه ّ‬
‫م ْ‬
‫و َ‬
‫ه كان ُ‬
‫خ ْ‬
‫فقا ً خالصًا‪َ ,‬‬
‫ب‪ ,‬وإذا وعد أخلف‪ ،‬وإذا‬
‫عها‪ :‬إذا حدّ َ‬
‫َ‬
‫ق حتى ي َدَ َ‬
‫صل ٌ‬
‫ة ِ‬
‫ث ك َذَ َ‬
‫م َ‬
‫خ ْ‬
‫ن النفا ِ‬
‫)‪(23‬‬
‫هدَ غدَر«‪.‬‬
‫ن خان‪ ,‬وإذا عا َ‬
‫ائ ْت ُ ِ‬
‫م َ‬
‫وفي الصحيحين أيضا عن أبي هريرة ‪ ‬عن النبي ‪ ‬أنه قال »اليمان‬
‫بضع وستون أو بضع وسبعون شعبة أعلها قول ل إله إل الله‬
‫وأدناها إماطة الذى عن الطريق والحياء شعبة من اليمان« فبين‬
‫النبي ‪ ‬أن من كان فيه خصلة من هذه الخصال ففيه خصلة من النفاق حتى‬
‫يدعها‪.‬‬
‫وقد ثبت في الصحيحين أنه قال لبي ذر وهو من خيار المؤمنين »إنك إمرؤ‬
‫فيك جاهلية« فقال‪ :‬يا رسول الله أعلى كبر سني قال »نعم«‪.‬‬
‫وثبت في الصحيح عنه أنه قال »أربع في أمتى من أمر الجاهلية الفخر‬
‫في الحساب والطعن في النساب‪ ،‬والنياحة على الميت‬
‫)‪(24‬‬
‫والستسقاء بالنجوم«‪.‬‬
‫وفي الصحيحين عن أبي هريرة ‪ ‬عن النبي ‪ ‬أنه قال»آية المنافق ثلث‬
‫إذا حدث كذب وإذا وعد أخلف وإذا ائتمن خان«‪ .‬وفي صحيح مسلم‬
‫»وإن صام وصلى وزعم أنه مسلم«‪.‬‬
‫وذكر البخارى عن ابن أبي مليكة قال أدركت ثلثين من أصحاب محمد ‪‬‬
‫َ‬
‫م ال ْت َ َ‬
‫قى‬
‫و َ‬
‫صاب َك ُ ْ‬
‫و َ‬
‫ما أ َ‬
‫م يَ ْ‬
‫كلهم يخاف النفاق على نفسه وقد قال الله تعالى﴿ َ‬
‫ف ُ‬
‫ن َنا َ‬
‫ن َ‬
‫م ْ‬
‫قوا‬
‫م ال ّ ِ‬
‫ؤ ِ‬
‫ن الل ّ ِ‬
‫ول ِي َ ْ‬
‫ول ِي َ ْ‬
‫م َ‬
‫ال ْ َ‬
‫ذي َ‬
‫مِني َ‬
‫عل َ َ‬
‫م ال ْ ُ‬
‫عل َ َ‬
‫ج ْ‬
‫ن)‪َ (166‬‬
‫ه َ‬
‫فب ِإ ِذْ ِ‬
‫عا ِ‬
‫عوا َ‬
‫ه أو ادْ َ‬
‫وا َ‬
‫قي َ‬
‫قَتاًل‬
‫م ِ‬
‫قات ُِلوا ِ‬
‫و ِ‬
‫ل الل ّ ِ‬
‫و نَ ْ‬
‫ف ُ‬
‫م تَ َ‬
‫في َ‬
‫ل لَ ُ‬
‫عل َ ُ‬
‫ه ْ‬
‫قاُلوا ل َ ْ‬
‫سِبي ِ‬
‫عال َ ْ‬
‫َ‬
‫المتقون‪ .‬فهذا تتمة لما سلف الكلم عليه من وصف أولياء الله بأّنهم أهل ذكر الله وأهل‬
‫طاعته وتقواه‬
‫‪()23‬المقصود بـ )الخصلة(أن يكون يغلب على أمره ذلك‪ ،‬أما من حصل منه مرة كذب في‬
‫الحديث‪ ،‬أو خيانة في المانة‪ ،‬أو إخلف للوعد‪ ،‬فل يقول فيه لهذا شعبة من شعب النفاق‪،‬‬
‫بل يكون عنده معصية فالشعبة من شعب النفاق تكون لمن كان على ذلك مستمّرا‪ ،‬كان‬
‫ب يكذب في الحديث دائما‪ ،‬أو يغلب عليه الكذب‪ ،‬معروف بالكذب في‬
‫دث كذ ّ‬
‫إذا ح ّ‬
‫الحديث‪ ،‬فهذا هو الذي يكون فيه خصلة من النفاق‪ ،‬وكذلك إذا عاهد غدر أو إذا أئتمن خان‬
‫أو إذا خاصم فجر‪ ،‬أما حصول ذلك على جهة القّلة ليس هذا دليل على شعب النفاق في‬
‫من كانت فيه‪ .‬وقوله »إذا وعد أخلف« يعني إذا أعطى الوعد ناويا به الخلف‪ ،‬أما إذا‬
‫ن هذا غير مراد هنا‪ ،‬كما هو مبسوط في‬
‫وعد على رجاء الوفاء ثم حصل منه الخلف فإ ّ‬
‫مكانه في الشروح‪.‬‬
‫سبه لظهار فضله على‬
‫‪ ()24‬الفخر بالحساب بقصد الترفع على القبائل الخرى‪ ،‬يفخر بح َ‬
‫غيره‪ ،‬أما الفخر في الحسب لظهار حسبه وأّنه أصيل ونحو ذلك‪ ،‬دون ترفع على غيره‪،‬‬
‫ليس هذا بمراد هنا لنه ليس أمر الجاهلية‪ .‬كذلك الطعن في النسب المقصود منه طعن‬
‫في النساب بغير دليل‪ ،‬أو لزدراء الناس ونحو ذلك والقاعدة الشرعية أن الناس مؤتمنون‬
‫على أنسابهم‪ ،‬لكن من ادعى نسبا وهو فيه كاذب‪ ،‬فتكذيبه فيه بما ُيعلم أّنه كاذب فيه ليس‬
‫طعنا في النسب‪ ،‬وتفصيل شرح هذا الحديث في شروح كتاب التوحيد وفي شروح كتب‬
‫السنة‪.‬‬

‫للشيخ العلمة صالح بن عبد العزيز آل الشيخ‬

‫‪19‬‬

‫ذ أَ ْ‬
‫م ل ِل ْك ُ ْ‬
‫ن﴾]آل عمران‪،[167-166:‬‬
‫م ُ‬
‫ب ِ‬
‫مئ ِ ٍ‬
‫قَر ُ‬
‫َلت ّب َ ْ‬
‫من ْ ُ‬
‫لي َ‬
‫ه ْ‬
‫و َ‬
‫ه ْ‬
‫عَناك ُ ْ‬
‫ما ِ‬
‫ر يَ ْ‬
‫م لِ ْ ِ‬
‫ف ِ‬
‫فقد جعل هؤلء إلى الكفر أقرب منهم لليمان فعلم أنهم مخلطون وكفرهم‬
‫أقوى‪ ،‬وغيرهم يكون مخلطا وإيمانه أقوى‪ ،‬وإذا كان أولياء الله هم المؤمنين‬
‫المتقين)‪ (25‬فبحسب إيمان العبد وتقواه تكون وليته لله تعالى‪ ،‬فمن كان أكمل‬
‫إيمانا وتقوى كان أكمل َولية لله‪ ،‬فالناس متفاضلون في ولية الله عز وجل‬
‫سب تفاضلهم في اليمان والتقوى‪ ،‬وكذلك يتفاضلون في عداوة الله بحسب‬
‫بح َ‬
‫ُ‬
‫سوَرةٌ َ‬
‫وإ ِ َ‬
‫م‬
‫ف ِ‬
‫زل َ ْ‬
‫من ْ ُ‬
‫ت ُ‬
‫ه ْ‬
‫ذا َ‬
‫تفاضلهم في الكفر والنفاق‪ ،‬قال الله تعالى ﴿ َ‬
‫ما أن ِ‬
‫هذه إيماًنا َ َ‬
‫قو ُ َ‬
‫مُنوا َ‬
‫ن يَ ُ‬
‫ماًنا‬
‫ما ال ّ ِ‬
‫فَزادَت ْ ُ‬
‫ذي َ‬
‫م ْ‬
‫م ِإي َ‬
‫ه ْ‬
‫نآ َ‬
‫فأ ّ‬
‫ه َ ِ ِ ِ َ‬
‫م َزادَت ْ ُ‬
‫ل أي ّك ُ ْ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫ّ‬
‫ض َ‬
‫في ُ‬
‫سا‬
‫ن ِ‬
‫و ُ‬
‫ما ال ِ‬
‫ست َب ْ ِ‬
‫شُرو َ‬
‫ر ْ‬
‫ج ً‬
‫فَزادَت ْ ُ‬
‫م يَ ْ‬
‫ذي َ‬
‫ه ْ‬
‫م َ‬
‫ه ْ‬
‫وأ ّ‬
‫ه ْ‬
‫مَر ٌ‬
‫ن)‪َ (124‬‬
‫َ‬
‫م ِ‬
‫قلوب ِ ِ‬
‫َ‬
‫ما‬
‫م كا ِ‬
‫و ُ‬
‫ج ِ‬
‫فُرو َ‬
‫ر ْ‬
‫ن﴾]التوبة‪ ،[125-124:‬وقال تعالى﴿إ ِن ّ َ‬
‫ه ْ‬
‫و َ‬
‫ه ْ‬
‫ماُتوا َ‬
‫م َ‬
‫إلى ِ‬
‫س ِ‬
‫ّ‬
‫ْ‬
‫في الك ُ ْ‬
‫م‬
‫وا َزادَ ُ‬
‫نا ْ‬
‫زَيادَةٌ ِ‬
‫وال ِ‬
‫الن ّ ِ‬
‫ذي َ‬
‫ه ْ‬
‫هت َدَ ْ‬
‫ر﴾]التوبة‪ ،[37:‬وقال تعالى﴿ َ‬
‫ف ِ‬
‫سيءُ ِ‬
‫في ُ ُ‬
‫م تَ ْ‬
‫م‬
‫م﴾]محمد‪ ،[17:‬وقال تعالى في المنافقين﴿ ِ‬
‫قوا ُ‬
‫وآَتا ُ‬
‫ُ‬
‫ه ً‬
‫ه ْ‬
‫ه ْ‬
‫ه ْ‬
‫دى َ‬
‫قلوب ِ ِ‬
‫ض َ‬
‫ضا﴾]البقرة‪.[10:‬‬
‫فَزادَ ُ‬
‫مَر ً‬
‫ه َ‬
‫م الل ّ ُ‬
‫ه ْ‬
‫َ‬
‫مَر ٌ‬
‫فبين سبحانه وتعالى أن الشخص الواحد قد يكون فيه قسط من ولية الله‬
‫بحسب إيمانه‪ ،‬وقد يكون فيه قسط من عداوة الله بحسب كفره ونفاقه‪ ،‬وقال‬
‫ماًنا‬
‫دادَ ال ّ ِ‬
‫دا ُ‬
‫ماًنا﴾]المدثر‪ ،[31:‬وقال تعالى﴿ل ِي َْز َ‬
‫وي َْز َ‬
‫ذي َ‬
‫دوا ِإي َ‬
‫مُنوا ِإي َ‬
‫نآ َ‬
‫تعالى﴿ َ‬
‫)‪(26‬‬
‫م﴾]الفتح‪.[4:‬‬
‫م َ‬
‫ه ْ‬
‫ع ِإي َ‬
‫َ‬
‫مان ِ ِ‬
‫‪()25‬المؤمنين المتقين خبر كان‪) ،‬وإذا كان أولياء الله هم( هم‪ :‬ضمير فصل ل محل له‬
‫ن ك َذُّبوا‬
‫من العراب‪ ،‬ليس مبتدأ وما بعده خبر‪ ،‬وما بعده خبر كان‪ ،‬كقوله جل وعل ﴿ ال ّ ِ‬
‫ذي َ‬
‫َ‬
‫عي ًْبا َ‬
‫ن ك َذُّبوا ُ‬
‫ُ‬
‫ن﴾]العراف‪ [92:‬أو‬
‫م ال ْ َ‬
‫م يَ ْ‬
‫كاُنوا ُ‬
‫وا ِ‬
‫خا ِ‬
‫ها ال ّ ِ‬
‫عي ًْبا ك َأ ْ‬
‫ش َ‬
‫ش َ‬
‫ري َ‬
‫ذي َ‬
‫في َ‬
‫ه ْ‬
‫ن لَ ْ‬
‫غن َ ْ‬
‫س ِ‬
‫ن َ‬
‫وإ ِذْ َ‬
‫ه َ‬
‫ن‬
‫ذا ُ‬
‫ن َ‬
‫ق ِ‬
‫كا َ‬
‫م إِ ْ‬
‫و ال ْ َ‬
‫م ْ‬
‫قاُلوا الل ّ ُ‬
‫ح ّ‬
‫ه ّ‬
‫ه َ‬
‫في قوله في سورة النفال ﴿ َ‬
‫د َ‬
‫و(وأشباهه‪ ،‬إذا يأتي بين المبتدأ والخبر في اسم كان‬
‫ك﴾]التفال‪ [32:‬ضمير الفصل ) ُ‬
‫ِ‬
‫عن ْ ِ‬
‫ه َ‬
‫ن وخبرها أو غير ذلك يراد به الفصل بين المبتدأ والخبر حتى ل يشابه‬
‫إ‬
‫اسم‬
‫في‬
‫أو‬
‫وخبرها‬
‫ّ‬
‫الصفات؛ حتى ل يتشابه الخبر بالنعت‪ ،‬لنه بدون)هم( تقرأها هكذا )وإذا كان أولياُء الله‬
‫المؤمنين المتقين( يشتبه‪ ،‬تقول )أولياء الله المؤمنون المتقون( مبتدأ وخبر يشتبه‪ ،‬هل‬
‫ت‪ ،‬أو أنها خبر‪) ،‬أولياء الله المؤمنون المتقون لهم‬
‫المؤمنون المتقون نعت‪ ،‬اخبر لم يأ ِ‬
‫الجنة( ُيشكل‪ ،‬لكن إذا قلت )أولياء الله هم المؤمنون المتقون( ظهر بظهير الفصل لنك‬
‫فصلت الخبر والمبتدأ بهم لئل يشتبه الخبر بأنه نعت للمبتدأ‪ ،‬وهذا على طريقة عامة النحاة‪،‬‬
‫وإن كان سيبويه أجاز على لغة بعض العرب أن يكون الضمير هذا ضمير الفصل مبتدأ وما‬
‫بعده خبرا للمبتدأ‪ ،‬وعليها بعض القراءات في بعض اليات‪.‬‬
‫)(‬
‫ن‬
‫ن الولياء متفاوتون‪ ،‬وذاك ل ّ‬
‫ولية ليست على مرتبة واحدة‪ ،‬وأ ّ‬
‫‪ 26‬هذا الفصل لبيان أن ال َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ف َ َ‬
‫ن)‬
‫ه َل َ‬
‫وَل ُ‬
‫و ٌ‬
‫ول َِياءَ الل ّ ِ‬
‫حَزُنو َ‬
‫ولية اليمان والتقوى ﴿أَل إ ِ ّ‬
‫م يَ ْ‬
‫ه ْ‬
‫ه ْ‬
‫م َ‬
‫خ ْ‬
‫نأ ْ‬
‫شرطي ال َ‬
‫علي ْ ِ‬
‫و َ‬
‫كاُنوا ي َت ّ ُ‬
‫ن اليمان في أهله‬
‫‪(62‬ال ّ ِ‬
‫قو َ‬
‫ن﴾]يونس‪ ،[63-62:‬ومن المتقرر أ ّ‬
‫ذي َ‬
‫نآ َ‬
‫مُنوا َ‬
‫ولية‬
‫متفاضل‪ ،‬وأ ّ‬
‫ن التقوى في أهلها متفاضلة‪ ،‬فنتج من ذلك أن ما ترتب منهما وهي ال َ‬
‫ولية متفاضلة‪ ،‬فالولي قد يكون عنده‬
‫تتفاضل؛ ل ّ‬
‫ن اليمان متفاضل والتقوى متفاضلة‪ ،‬فال َ‬
‫بعض نقص‪ ،‬في اليمان والتقوى‪ ،‬ولكن هو له نصيب من َولية الله جل وعل لما معهم من‬
‫ولية وليس كل مسلم‪ ،‬لكن كل‬
‫اليمان والتقوى‪ ،‬لهذا نقول كل مؤمن له نصيب من ال َ‬
‫ن وصل إلى مرتبة‬
‫مؤمن عنده إيمان له نصيب من ولية الله جل وعل‪ ،‬وهؤلء يتفاوتون‪ ،‬و َ‬
‫م ْ‬
‫اليمان فهو من أولياء الله إذا كان من المتقين‪ ،‬لكن درجته فيه مختلفة‪ ،‬وسبب نقص‬
‫اليمان أو نقص التقوى في الولي ليس هو ارتكاب المعاصي‪ ،‬وإنما هو إما من جهة‬
‫القتصاد‪ ،‬وإما من جهة أّنه لم يسابق في الخيرات‪.‬‬
‫فإذن الولياء ليسوا بظالمي أنفسهم‪ ،‬وإنما هم من المؤمنين المتقين‪ ،‬والمتقي أق ّ‬
‫ل‬
‫درجاته أن يكون تاركا للمحرمات ممتثل للواجبات‪ ،‬وأكمل درجات هؤلء أن يكون مسابقا‬
‫ن الولياء على قسمين مقتصدون‬
‫في الخيرات‪ ،‬لهذا يأتيك في الفصل الذي بعده أ ّ‬

‫‪20‬‬

‫التعليقات الحسان على كتاب الفرقان‬

‫فصـــــــل‬
‫وأولياء الله على طبقتين‪ ،‬سابقون مقربون وأصحاب يمين مقتصدون‪ ،‬ذكرهم‬
‫الله في عدة مواضع من كتابه العزيز في أول سورة الواقعة وآخرها‪ ،‬وفي‬
‫سورة النسان‪ ،‬والمطففين‪ ،‬وفي سورة فاطر‪ ،‬فإنه سبحانه وتعالى ذكر في‬
‫الواقعة القيامة الكبرى في أولها‪ ،‬وذكر القيامة الصغرى في آخرها فقال في‬
‫ها َ‬
‫و ْ‬
‫و َ‬
‫أولها ﴿إ ِ َ‬
‫ة)‬
‫ة)‪َ (2‬‬
‫ع ٌ‬
‫ض ٌ‬
‫كاِذب َ ٌ‬
‫ع ُ‬
‫ة َرا ِ‬
‫خا ِ‬
‫وا ِ‬
‫ف َ‬
‫ف َ‬
‫ق َ‬
‫ق َ‬
‫ق َ‬
‫ع ْ‬
‫عت ِ َ‬
‫ة)‪(1‬ل َي ْ َ‬
‫س لِ َ‬
‫ت ال ْ َ‬
‫ذا َ‬
‫َ‬
‫ف َ‬
‫سا)‪َ (5‬‬
‫جَبا ُ‬
‫‪(3‬إ ِ َ‬
‫من ْب َّثا)‬
‫ت َ‬
‫ض َر ّ‬
‫ذا ُر ّ‬
‫كان َ ْ‬
‫س ْ‬
‫ج ْ‬
‫ل بَ ّ‬
‫وب ُ ّ‬
‫هَباءً ُ‬
‫ت اْلْر ُ‬
‫ت ال ْ ِ‬
‫جا)‪َ (4‬‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫و ُ‬
‫ة)‪َ (7‬‬
‫ة)‬
‫جا ث ََلث َ ً‬
‫من َ ِ‬
‫من َ ِ‬
‫حا ُ‬
‫ص َ‬
‫حا ُ‬
‫ص َ‬
‫وا ً‬
‫مي ْ َ‬
‫ب ال ْ َ‬
‫ة َ‬
‫مي ْ َ‬
‫ب ال ْ َ‬
‫كنت ُ ْ‬
‫ما أ ْ‬
‫فأ ْ‬
‫م أْز َ‬
‫‪َ (6‬‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ساب ِ ُ‬
‫ساب ِ ُ‬
‫م ْ‬
‫م ْ‬
‫ن)‬
‫م ِ‬
‫م ِ‬
‫قو َ‬
‫قو َ‬
‫حا ُ‬
‫ص َ‬
‫حا ُ‬
‫ص َ‬
‫ن ال ّ‬
‫وال ّ‬
‫شئ َ َ‬
‫ب ال ْ َ‬
‫ة َ‬
‫شئ َ َ‬
‫ب ال ْ َ‬
‫ما أ ْ‬
‫وأ ْ‬
‫ة)‪َ (9‬‬
‫‪َ (8‬‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫ول َئ ِ َ‬
‫م َ‬
‫ن)‪(13‬‬
‫م)‪(12‬ث ُل ّ ٌ‬
‫ت الن ّ ِ‬
‫ن)‪ِ (11‬‬
‫ة ِ‬
‫جّنا ِ‬
‫قّرُبو َ‬
‫في َ‬
‫وِلي َ‬
‫م ْ‬
‫ك ال ْ ُ‬
‫ن اْل ّ‬
‫‪(10‬أ ْ‬
‫عي ِ‬
‫و َ‬
‫قِلي ٌ‬
‫ن﴾]الواقعة‪ ،[14-1:‬فهذا تقسيم الناس إذا قامت القيامة‬
‫ن اْل ِ‬
‫ل ِ‬
‫ري َ‬
‫م ْ‬
‫َ‬
‫خ ِ‬
‫الكبرى التي يجمع الله فيها الولين والخرين‪ ،‬كما وصف الله سبحانه ذلك في‬
‫كتابه في غير موضع ثم قال تعالى في آخر السورة ﴿ َ‬
‫وَل﴾ أي فهَّل ﴿إ ِ َ‬
‫ت‬
‫ذا ب َل َ َ‬
‫غ ْ‬
‫فل َ ْ‬
‫َ‬
‫قوم)‪َ (83‬‬
‫نأ ْ‬
‫ن‬
‫م ِ‬
‫ه ِ‬
‫ب إ ِل َي ْ ِ‬
‫حين َئ ِ ٍ‬
‫ذ َتنظُُرو َ‬
‫قَر ُ‬
‫ون َ ْ‬
‫ال ْ ُ‬
‫حل ْ ُ َ‬
‫ول َك ِ ْ‬
‫ح ُ‬
‫من ْك ُ ْ‬
‫وأن ْت ُ ْ‬
‫م َ‬
‫ن)‪َ (84‬‬
‫َ‬
‫ن ُ‬
‫ن ُ‬
‫م َ‬
‫ن)‪َ (85‬‬
‫م‬
‫م ِ‬
‫َل ت ُب ْ ِ‬
‫ها إ ِ ْ‬
‫وَل إ ِ ْ‬
‫صُرو َ‬
‫ج ُ‬
‫عون َ َ‬
‫ديِني َ‬
‫كنت ُ ْ‬
‫غي َْر َ‬
‫كنت ُ ْ‬
‫ن)‪(86‬ت َْر ِ‬
‫فل َ ْ‬
‫قين)‪َ َ (87‬‬
‫ن َ‬
‫ن)‪َ (88‬‬
‫م َ‬
‫ة‬
‫جن ّ ُ‬
‫ن ِ‬
‫حا ٌ‬
‫كا َ‬
‫ما إ ِ ْ‬
‫و َ‬
‫وَري ْ َ‬
‫و ٌ‬
‫قّرِبي َ‬
‫م ْ‬
‫صاِد ِ َ‬
‫ن ال ْ ُ‬
‫فأ ّ‬
‫َ‬
‫ن َ‬
‫ح َ‬
‫فَر ْ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ن)‪َ (90‬‬
‫ن‬
‫نَ ِ‬
‫م لك ِ‬
‫ب الي َ ِ‬
‫ن ِ‬
‫ن كا َ‬
‫ما إ ِ ْ‬
‫ص َ‬
‫سل ٌ‬
‫ف َ‬
‫م ْ‬
‫م ْ‬
‫وأ ّ‬
‫حا ِ‬
‫نأ ْ‬
‫م)‪َ (89‬‬
‫مي ِ‬
‫عي ٍ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ن َ‬
‫ن)‪َ (92‬‬
‫فن ُُز ٌ‬
‫ل‬
‫ن ال ّ‬
‫ن ِ‬
‫ب ال ْي َ ِ‬
‫كا َ‬
‫ما إ ِ ْ‬
‫ص َ‬
‫ضاّلي َ‬
‫مك َذِّبي َ‬
‫م ْ‬
‫ن ال ْ ُ‬
‫وأ ّ‬
‫حا ِ‬
‫أ ْ‬
‫ن)‪َ (91‬‬
‫مي ِ‬
‫ن)‪َ (95‬‬
‫ه َ‬
‫ح‬
‫صل ِي َ ُ‬
‫ق ال ْي َ ِ‬
‫ن َ‬
‫ج ِ‬
‫ح ِ‬
‫ِ‬
‫م)‪ (94‬إ ِ ّ‬
‫سب ّ ْ‬
‫و َ‬
‫ة َ‬
‫ن َ‬
‫ف َ‬
‫ذا ل َ ُ‬
‫م ْ‬
‫ح ّ‬
‫وت َ ْ‬
‫ه َ‬
‫م)‪َ (93‬‬
‫قي ِ‬
‫حي ٍ‬
‫مي ٍ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫ظيم ِ﴾]الواقعة‪ ،[96-83:‬وقال تعالى في سورة النسان ﴿إ ِّنا‬
‫ع ِ‬
‫سم ِ َرب ّك ال َ‬
‫ِبا ْ‬
‫َ‬
‫عت َدَْنا ل ِل ْ َ‬
‫ما ك َ ُ‬
‫ما َ‬
‫سِبي َ‬
‫سًل‬
‫فوًرا)‪(3‬إ ِّنا أ ْ‬
‫كا ِ‬
‫َ‬
‫سَل ِ‬
‫ن َ‬
‫هدَي َْناهُ ال ّ‬
‫ري َ‬
‫وإ ِ ّ‬
‫ل إِ ّ‬
‫شاك ًِرا َ‬
‫ف ِ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫ً‬
‫َ‬
‫ها َ‬
‫س َ‬
‫وأ ْ‬
‫كا ُ‬
‫ن الب َْراَر ي َ ْ‬
‫فوًرا)‬
‫س ِ‬
‫ن ِ‬
‫ن ِ‬
‫كا َ‬
‫شَرُبو َ‬
‫عيًرا)‪(4‬إ ِ ّ‬
‫مَزا ُ‬
‫ج َ‬
‫و َ‬
‫م ْ‬
‫غلل َ‬
‫َ‬
‫ن ك َأ ٍ‬
‫ّ‬
‫جيًرا)‪ُ (6‬يو ُ‬
‫ها ت َ ْ‬
‫ه يُ َ‬
‫عي ًْنا ي َ ْ‬
‫ر‬
‫‪َ (5‬‬
‫ها ِ‬
‫عَبادُ الل ِ‬
‫فو َ‬
‫ف ّ‬
‫شَر ُ‬
‫جُرون َ َ‬
‫ب بِ َ‬
‫ف ِ‬
‫ن ِبالن ّذْ ِ‬
‫ما َ‬
‫خا ُ‬
‫ن َ‬
‫ه‬
‫وي َ َ‬
‫م َ‬
‫وي ُطْ ِ‬
‫حب ّ ِ‬
‫ست َ ِ‬
‫مو َ‬
‫كا َ‬
‫فو َ‬
‫عَلى ُ‬
‫ن الطّ َ‬
‫عا َ‬
‫م ْ‬
‫ع ُ‬
‫شّرهُ ُ‬
‫و ً‬
‫طيًرا)‪َ (7‬‬
‫ن يَ ْ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫ْ‬
‫ُ‬
‫ُ‬
‫ء‬
‫زا‬
‫ج‬
‫م‬
‫ك‬
‫ن‬
‫م‬
‫د‬
‫ري‬
‫ن‬
‫ل‬
‫ه‬
‫ل‬
‫ال‬
‫ه‬
‫ج‬
‫و‬
‫ل‬
‫م‬
‫ك‬
‫م‬
‫ع‬
‫ط‬
‫ن‬
‫ما‬
‫ن‬
‫إ‬
‫(‬
‫‪8‬‬
‫را)‬
‫سي‬
‫أ‬
‫و‬
‫ما‬
‫تي‬
‫ي‬
‫و‬
‫نا‬
‫كي‬
‫س‬
‫م‬
‫ُ ِ ُ ِ ْ ْ َ َ ً‬
‫ِ‬
‫ِّ َ ُ ِ ُ ْ ِ َ ْ ِ‬
‫ِ ْ ِ ً َ َ ِ ً َ ِ ً‬
‫َ‬
‫ش ُ‬
‫و َ‬
‫ريًرا)‪َ (10‬‬
‫سا َ‬
‫وَل ُ‬
‫م‬
‫كوًرا)‪(9‬إ ِّنا ن َ َ‬
‫ما َ‬
‫قا ُ‬
‫خا ُ‬
‫ف ِ‬
‫عُبو ً‬
‫م ْ‬
‫ه ْ‬
‫ق ْ‬
‫و ً‬
‫ف َ‬
‫ن َرب َّنا ي َ ْ‬
‫َ‬
‫مط ِ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫ّ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫َ‬
‫صب َُروا‬
‫جَزا ُ‬
‫ولقا ُ‬
‫م نَ ْ‬
‫و َ‬
‫و ُ‬
‫م بِ َ‬
‫ه ْ‬
‫ه ْ‬
‫الل ُ‬
‫ما َ‬
‫سُروًرا)‪َ (11‬‬
‫ضَرةً َ‬
‫وم ِ َ‬
‫ه شّر ذَل ِك الي َ ْ‬
‫ريًرا﴾]النسان‪[12-3:‬اليات‪ ،‬وكذلك ذكر في سورة المطففين‬
‫جن ّ ً‬
‫و َ‬
‫َ‬
‫ة َ‬
‫ح ِ‬
‫ّ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ب ال ُ‬
‫ب‬
‫رل ِ‬
‫في ِ‬
‫ن﴾ إلى أن قال ﴿كل إ ِ ّ‬
‫فقال﴿كل إ ِ ّ‬
‫ن ك َِتا َ‬
‫س ّ‬
‫ف ّ‬
‫ن ك َِتا َ‬
‫جا ِ‬
‫جي ٍ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ما أدَْرا َ‬
‫مْر ُ‬
‫م)‬
‫ما ِ‬
‫في ِ‬
‫ر لَ ِ‬
‫عل ّّيو َ‬
‫ن)‪(19‬ك َِتا ٌ‬
‫قو ٌ‬
‫عل ّّيي َ‬
‫ب َ‬
‫ك َ‬
‫و َ‬
‫ن)‪َ (18‬‬
‫اْلب َْرا ِ‬
‫م َ‬
‫‪(20‬ي َ ْ‬
‫ك‬
‫م)‪َ (22‬‬
‫في ن َ ِ‬
‫ن اْل َب َْراَر ل َ ِ‬
‫ن)‪(21‬إ ِ ّ‬
‫قّرُبو َ‬
‫عَلى اْل ََرائ ِ ِ‬
‫ش َ‬
‫هدُهُ ال ْ ُ‬
‫عي ٍ‬
‫س َ‬
‫ن‬
‫ضَرةَ الن ّ ِ‬
‫ف ِ‬
‫ر ُ‬
‫م نَ ْ‬
‫ن ِ‬
‫جو ِ‬
‫و َ‬
‫َينظُُرو َ‬
‫و ُ‬
‫ن)‪ (23‬ت َ ْ‬
‫م)‪(24‬ي ُ ْ‬
‫م ْ‬
‫ه ْ‬
‫ق ْ‬
‫في ُ‬
‫ع ِ‬
‫عي ِ‬
‫ه ِ‬
‫في ذَل ِ َ‬
‫س ٌ‬
‫فل ْي َت ََنا َ‬
‫ك َ‬
‫ن)‬
‫م ْ‬
‫مت ََنا ِ‬
‫و ِ‬
‫م)‪ِ (25‬‬
‫َر ِ‬
‫ه ِ‬
‫سو َ‬
‫ف ُ‬
‫م ْ‬
‫س ال ْ ُ‬
‫م ُ‬
‫خَتا ُ‬
‫ق َ‬
‫ف ْ‬
‫ك َ‬
‫خُتو ٍ‬
‫حي ٍ‬
‫ْ‬
‫م َ‬
‫عي ًْنا ي َ ْ‬
‫ن﴾]المطففين‪-18:‬‬
‫م)‪َ (27‬‬
‫ه ِ‬
‫و ِ‬
‫قّرُبو َ‬
‫شَر ُ‬
‫مَزا ُ‬
‫ب بِ َ‬
‫ن تَ ْ‬
‫م ْ‬
‫ها ال ُ‬
‫ج ُ‬
‫‪َ (26‬‬
‫سِني ٍ‬
‫‪.[28‬‬
‫وعن ابن عباس رضي الله عنهما وغيره من السلف قالوا يمزج لصحاب‬
‫اليمين مزجا ويشرب بها المقربون صرفا‪ ،‬وهو كما قالوا فإن الله تعالى قال‬
‫من ذلك قوله )ي َ ْ‬
‫)ي َ ْ‬
‫ب( يعنى يروى‬
‫شَر ُ‬
‫شَر ُ‬
‫ب بِ َ‬
‫ها( ولم يقل يشرب منها لنه ض ّ‬
‫بها فإن الشارب قد يشرب ول يروى‪ .‬فإذا قيل يشربون منها لم يدل على الري‬
‫فإذا قيل يشربون بها كان المعني يروون بها‪ ،‬فالمقربون يروون بها فل يحتاجون‬
‫وسابقون‪.‬‬

‫للشيخ العلمة صالح بن عبد العزيز آل الشيخ‬

‫‪21‬‬

‫معها إلى مادونها‪ ،‬فلهذا يشربون منها صرفا‪ ،‬بخلف أصحاب اليمين فإنها مزجت‬
‫ها َ‬
‫لهم مزجا وهو كما قال تعالى في سورة النسان﴿ َ‬
‫كا ُ‬
‫فوًرا)‬
‫ن ِ‬
‫كا َ‬
‫مَزا ُ‬
‫ج َ‬
‫ها ت َ ْ‬
‫ه يُ َ‬
‫عي ًْنا ي َ ْ‬
‫جيًرا﴾النسان‪ ،[6-5:‬فعباد الله‬
‫‪َ (5‬‬
‫ها ِ‬
‫عَبادُ الل ّ ِ‬
‫ف ّ‬
‫شَر ُ‬
‫جُرون َ َ‬
‫ب بِ َ‬
‫ف ِ‬
‫هم المقربون المذكورون في تلك السورة وهذا لن الجزاء من جنس العمل في‬
‫الخير والشر‪.‬‬
‫ب الدّن َْيا‪ ,‬ن َ ّ‬
‫ن نَ ّ‬
‫م ْ‬
‫س‬
‫س َ‬
‫ن ك ُْرب َ ً‬
‫ة ِ‬
‫ؤ ِ‬
‫م ْ‬
‫ع ْ‬
‫م ْ‬
‫ن ُ‬
‫كما قال النبي ‪َ » ‬‬
‫ن ك َُر ِ‬
‫ف َ‬
‫ف َ‬
‫م ٍ‬
‫سَر‬
‫سَر َ‬
‫ه َ‬
‫ه ك ُْرب َ ً‬
‫وم ِ ال ْ ِ‬
‫ع ِ‬
‫م ِ‬
‫ة ِ‬
‫م ْ‬
‫ر‪ ,‬ي َ ّ‬
‫ن يَ ّ‬
‫م ْ‬
‫م ْ‬
‫ى ُ‬
‫و َ‬
‫قَيا َ‬
‫عن ْ ُ‬
‫الل ّ ُ‬
‫ن ك َُر ِ‬
‫ة‪َ .‬‬
‫ب يَ ْ‬
‫عل َ َ‬
‫س ٍ‬
‫في‬
‫ه َ‬
‫ه ِ‬
‫والآ ِ‬
‫ه ِ‬
‫خَر ِ‬
‫عل َي ْ ِ‬
‫سِلمًا‪َ ,‬‬
‫م ْ‬
‫ن َ‬
‫م ْ‬
‫ست ََرهُ الل ّ ُ‬
‫ست ََر ُ‬
‫و َ‬
‫الل ّ ُ‬
‫ة‪َ .‬‬
‫في الدّن َْيا َ‬
‫َ‬
‫ما َ‬
‫ه‪.‬‬
‫في َ‬
‫في َ‬
‫نأ ِ‬
‫عب ْدُ ِ‬
‫ه ِ‬
‫والآ ِ‬
‫خي ِ‬
‫عب ْ ِ‬
‫خَر ِ‬
‫كا َ‬
‫ن ال ْ َ‬
‫ن ال ْ َ‬
‫د َ‬
‫والل ّ ُ‬
‫و ِ‬
‫ع ْ‬
‫و ِ‬
‫ع ْ‬
‫ة‪َ .‬‬
‫الدّن َْيا َ‬
‫سل َ َ‬
‫ه َ‬
‫ريقا ً إلى‬
‫ه ِ‬
‫س ِ‬
‫ه بِ ِ‬
‫في ِ‬
‫ريقا ً ي َل ْت َ ِ‬
‫س ّ‬
‫عْلمًا‪َ ,‬‬
‫ن َ‬
‫م ْ‬
‫ه لَ ُ‬
‫ل الل ّ ُ‬
‫و َ‬
‫م ُ‬
‫َ‬
‫ه طَ ِ‬
‫ك طَ ِ‬
‫ّ‬
‫ُ‬
‫ّ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫ه‪,‬‬
‫ل‬
‫ال‬
‫ب‬
‫تا‬
‫ك‬
‫ن‬
‫لو‬
‫ت‬
‫ي‬
‫ه‪,‬‬
‫ل‬
‫ال‬
‫ت‬
‫يو‬
‫ب‬
‫ن‬
‫م‬
‫ت‬
‫ي‬
‫ب‬
‫في‬
‫م‬
‫و‬
‫ق‬
‫ع‬
‫م‬
‫ت‬
‫ج‬
‫ا‬
‫ما‬
‫و‬
‫ة‪.‬‬
‫ن‬
‫ج‬
‫ل‬
‫ْ ٌ ِ‬
‫ِ َ ْ‬
‫ِ‬
‫َ ْ ٍ ِ ْ ُ ُ ِ‬
‫َ َِ َ‬
‫ْ َ َ َ‬
‫ا َ ّ ِ َ َ‬
‫و َ‬
‫ة‬
‫ت َ‬
‫م ُ‬
‫كين َ ُ‬
‫غ ِ‬
‫س ِ‬
‫م الّر ْ‬
‫عل َي ْ‬
‫وي َت َ َ‬
‫م‪ ,‬إ ِل ّ ن ََزل َ ْ‬
‫شي َت ْ ُ‬
‫م ال ّ‬
‫ه ب َي ْن َ ُ‬
‫داَر ُ‬
‫ح َ‬
‫ه ُ‬
‫ه ُ‬
‫ه ْ‬
‫سون َ ُ‬
‫ة‪َ ,‬‬
‫َ‬
‫ِ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫ّ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫م‬
‫ه َ‬
‫ملئ ِك ُ‬
‫ن ِ‬
‫ه ِ‬
‫وذَكَر ُ‬
‫ن أَبطأ ب ِ ِ‬
‫و َ‬
‫حفت ْ ُ‬
‫م ْ‬
‫م ْ‬
‫ه‪ ,‬ل ْ‬
‫مل ُ‬
‫ع َ‬
‫و َ‬
‫عن ْدَ ُ‬
‫في َ‬
‫م الل ُ‬
‫ه ُ‬
‫م ال َ‬
‫ه ُ‬
‫ه‪َ .‬‬
‫ة‪َ ,‬‬
‫َ‬
‫ه« رواه مسلم في صحيحه‪.‬‬
‫ب‬
‫س‬
‫ن‬
‫ه‬
‫ب‬
‫ع‬
‫ر‬
‫سـ‬
‫ْ‬
‫يُ ْ ِ ِ ِ َ َ ُ ُ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫ض‬
‫وقال ‪» ‬الّرا ِ‬
‫مو َ‬
‫ن‪ .‬اْر َ‬
‫م الّر ْ‬
‫ن ي َْر َ‬
‫م ُ‬
‫م ْ‬
‫م ُ‬
‫موا َ‬
‫ح ُ‬
‫ح َ‬
‫ه ُ‬
‫ح ُ‬
‫ح ُ‬
‫ن في الْر ِ‬
‫ء« قال الترمذي حديث صحيح‪.‬‬
‫سما ِ‬
‫ي َْر َ‬
‫ن في ال ّ‬
‫م ْ‬
‫م َ‬
‫مك ُ ْ‬
‫ح ْ‬
‫َ‬
‫وفي الحديث الخر الصحيح الذي في السنن »قال الله َتعالى‪ :‬أَنا‬
‫سمي‪َ ,‬‬
‫ق ْ‬
‫ش َ‬
‫خل َ ْ‬
‫و َ‬
‫ه‬
‫ن‪َ ,‬‬
‫ت الّر ِ‬
‫ن اْ ِ‬
‫ها ِ‬
‫الّر ْ‬
‫ق ُ‬
‫ق ُ‬
‫صل َ َ‬
‫ت لَ َ‬
‫م ْ‬
‫م ْ‬
‫حم ُ‬
‫صل ْت ُ ُ‬
‫ف َ‬
‫و َ‬
‫و َ‬
‫ها َ‬
‫ن َ‬
‫حم َ‬
‫ن َ‬
‫ه«‪ .‬وقال »ومن وصلها وصله الله ومن قطعها‬
‫قط َ َ‬
‫ع َ‬
‫م ْ‬
‫ها ب َت َت ّ ُ‬
‫و َ‬
‫َ‬
‫قطعه الله« ومثل هذا كثير‪ .‬وأولياء الله تعالى على نوعين‪ :‬مقربون وأصحاب‬
‫يمين كما تقدم‪.‬‬
‫وقد ذكر النبي ‪ ‬عمل القسمين في حديث الولياء فقال »يقول الله‬
‫تعالى من عادى لي وليا فقد بارزني بالمحاربة وما تقرب إلي‬
‫عبدي بمثل أداء ما افترضت عليه‪ ،‬ول يزال عبدي يتقرب إلي‬
‫بالنوافل حتى أحبه‪ ،‬فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره‬
‫الذي يبصر به ويده التي يبطش بها ورجله التي يمشي بها«‪ .‬فالبرار‬
‫أصحاب اليمين هم المتقربون إليه بالفرائض يفعلون ما أوجب الله عليهم‬
‫ويتركون ما حرم الله عليهم ول يكلفون أنفسهم بالمندوبات ول الكف عن‬
‫فضول المباحات‪ .‬وأما السابقون المقربون فتقربوا إليه بالنوافل بعد الفرائض‬
‫ففعلوا الواجبات والمستحبات‪ ،‬وتركوا المحرمات والمكروهات‪ ،‬فلما تقربوا إليه‬
‫بجميع ما يقدرون عليه من محبوباتهم أحبهم الرب حّبا تاما‪ .‬كما قال تعالى ول‬
‫يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه؛ يعني الحب المطلق)‪ (27‬كقوله تعالى ﴿‬
‫َ‬
‫ت َ َ‬
‫صَرا َ‬
‫صَرا َ‬
‫م َ‬
‫ر‬
‫ست َ ِ‬
‫ا ْ‬
‫ط ال ّ ِ‬
‫م)‪ِ (6‬‬
‫ه ِ‬
‫ن أن ْ َ‬
‫م َ‬
‫م ْ‬
‫ذي َ‬
‫ه ْ‬
‫ع ْ‬
‫قي َ‬
‫ط ال ْ ُ‬
‫دَنا ال ّ‬
‫غي ْ ِ‬
‫علي ْ ِ‬
‫ن﴾]الفاتحة‪ ،[7-6:‬أي أنعم عليهم النعام‬
‫م ْ‬
‫ب َ‬
‫وَل ال ّ‬
‫غ ُ‬
‫عل َي ْ‬
‫ضاّلي َ‬
‫ه ْ‬
‫ال ْ َ‬
‫ضو ِ‬
‫م َ‬
‫ِ‬
‫ل َ ُ‬
‫ول َئ ِ َ‬
‫سو َ‬
‫ك‬
‫ن ي ُطِ ْ‬
‫والّر ُ‬
‫م ْ‬
‫ع الل ّ َ‬
‫و َ‬
‫فأ ْ‬
‫ه َ‬
‫المطلق التام المذكور في قوله تعالى ﴿ َ‬
‫َ‬
‫ه َ َ‬
‫وال ّ‬
‫ء‬
‫دا ِ‬
‫دي ِ‬
‫م ِ‬
‫ع ال ّ ِ‬
‫ه َ‬
‫ص ّ‬
‫ن أن ْ َ‬
‫م َ‬
‫ش َ‬
‫قي َ‬
‫ن الن ّب ِّيي َ‬
‫م ْ‬
‫ذي َ‬
‫ه ْ‬
‫م الل ّ ُ‬
‫ع َ‬
‫َ‬
‫وال ّ‬
‫ن َ‬
‫ن َ‬
‫علي ْ ِ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ً‬
‫فيقا﴾]النساء‪ ،[69:‬فهؤلء المقربون صارت‬
‫ولئ ِك َر ِ‬
‫صال ِ ِ‬
‫و َ‬
‫ح ُ‬
‫س َ‬
‫حي َ‬
‫وال ّ‬
‫نأ ْ‬
‫ن َ‬
‫َ‬
‫‪()27‬الحب المطلق يعني الكامل‪ ،‬كنظائره‪ :‬اليمان المطلق يعني الكامل‪ ،‬الهداية المطلقة‬
‫يعني الكاملة‪ ،‬الكفر المطلق يعني الكامل‪ ،‬بخلف مطلق الحب يعني أصَله‪ ،‬مطلق اليمان‬
‫يعني أصله‪ ،‬مطلق الهداية يعني أصلها‪ ،‬مطلق الكفر يعني أصل الكفر‪ ،‬وكل هذه قد تكون‬
‫أقل الدرجات‪.‬‬

‫‪22‬‬

‫التعليقات الحسان على كتاب الفرقان‬

‫المباحات في حقهم طاعات يتقربون بها إلى الله عز وجل فكانت أعمالهم كلها‬
‫عبادات لله‪ ،‬فشربوا صرفا‪ ،‬كما عملوا له صرفا‪ ،‬والمقتصدون كان في أعمالهم‬
‫ما فعلوه لنفوسهم فل يعاقبون عليه ول يثابون عليه فلم يشربوا صرفا بل مزج‬
‫لهم من شراب المقربين بحسب ما مزجوه في الدنيا‪.‬‬
‫ي ملك‪ ،‬وقد خير‬
‫ونظير هذا إنقسام النبياء عليهم السلم إلى عبد ٍ رسو ٍ‬
‫ل ونب ِ‬
‫الله سبحانه محمدا ‪ ‬بين أن يكون عبدا رسول وبين أن يكون نبيا ملكا‪ ،‬فاختار‬
‫أن يكون عبدا رسول؛ فالنبي الملك مثل داود وسليمان ونحوهما عليهما الصلة‬
‫با ْ‬
‫والسلم‪ ،‬قال الله تعالى في قصة سليمان الذي قال ﴿ َ‬
‫قا َ‬
‫فْر ِلي‬
‫غ ِ‬
‫ل َر ّ‬
‫غي ِل َحد من بعدي إن ّ َ َ‬
‫مل ْ ً‬
‫ب)‪َ (35‬‬
‫خْرَنا‬
‫س ّ‬
‫و ّ‬
‫كا َل ي َن ْب َ ِ‬
‫و َ‬
‫َ ٍ ِ ْ َ ْ ِ‬
‫ها ُ‬
‫ه ْ‬
‫ك أن ْ َ‬
‫ف َ‬
‫ب ِلي ُ‬
‫ت ال ْ َ‬
‫َ‬
‫ِ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ن كُ ّ‬
‫ّ‬
‫ء‬
‫ل ب َّنا ٍ‬
‫طي‬
‫يا‬
‫ش‬
‫وال‬
‫(‬
‫‪36‬‬
‫ب)‬
‫صا‬
‫أ‬
‫ث‬
‫ُ‬
‫ي‬
‫ح‬
‫ء‬
‫خا‬
‫ر‬
‫ه‬
‫ر‬
‫م‬
‫أ‬
‫ب‬
‫ري‬
‫ج‬
‫ت‬
‫ح‬
‫ري‬
‫ال‬
‫ه‬
‫َ‬
‫َ َ‬
‫ً َ ْ‬
‫َ ِ َ‬
‫لَ ُ‬
‫َ‬
‫ِ ْ ِ ِ ُ‬
‫ّ َ َ ْ ِ‬
‫َ‬
‫ع َ‬
‫و َ‬
‫ؤَنا َ‬
‫ص َ‬
‫م َ‬
‫طا ُ‬
‫ه َ‬
‫ن أو‬
‫وآ َ‬
‫ذا َ‬
‫فاِد)‪َ (38‬‬
‫ن ِ‬
‫من ُ ْ‬
‫قّرِني َ‬
‫ري َ‬
‫فا ْ‬
‫ن ُ‬
‫في اْل ْ‬
‫ص)‪َ (37‬‬
‫غ ّ‬
‫َ‬
‫خ ِ‬
‫وا ٍ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫ب﴾]ص‪ [39-35:‬أي إعط من شئت واحرم من شئت ل‬
‫سك ب ِ َ‬
‫ر ِ‬
‫م ِ‬
‫ح َ‬
‫أ ْ‬
‫سا ٍ‬
‫غي ْ ِ‬
‫حساب عليك‪ .‬فالنبي الملك يفعل ما فرض الله عليه ويترك ما حرم الله عليه‬
‫ويتصرف في الولية والمال بما يحبه ويختار من غير إثم عليه‪.‬‬
‫وأما العبد الرسول فل يعطي أحدا إل بأمر ربه ول يعطي من يشاء ويحرم من‬
‫يشاء‪ ،‬بل يعطي من أمره ربه بإعطائه‪ ،‬ويولي من أمره ربه بتوليته‪ ،‬فأعماله‬
‫كلها عبادات لله تعالى كما في صحيح البخاري عن أبي هريرة ‪ ‬عن النبي ‪‬‬
‫أنه قال »إني والله ل أعطي أحدا ول أمنع أحدا‪ ،‬إنما أنا قاسم أضع‬
‫حيث أمرت« ولهذا يضيف الله الموال الشرعية إلى الله والرسول كقوله‬
‫ما أ َ َ‬
‫ل اْل َن ْ َ‬
‫تعالى ﴿ ُ‬
‫فا ُ‬
‫ق ْ‬
‫ه‬
‫ل ل ِل ّ ِ‬
‫والّر ُ‬
‫فاءَ الل ّ ُ‬
‫ل﴾]النفال‪ ،[1:‬وقوله تعالى ﴿ َ‬
‫سو ِ‬
‫ه َ‬
‫َ‬
‫قَرى َ‬
‫ل ال ْ ُ‬
‫ل﴾]الحشر‪ ،[7:‬وقوله تعالى ﴿‬
‫َ‬
‫نأ ْ‬
‫فل ِل ّ ِ‬
‫ه ِ‬
‫سول ِ ِ‬
‫وِللّر ُ‬
‫عَلى َر ُ‬
‫م ْ‬
‫سو ِ‬
‫ه َ‬
‫ه ِ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ما َ‬
‫ء َ‬
‫ن َ‬
‫ل﴾]النفال‪.[41:‬‬
‫ي ٍ‬
‫ه ُ‬
‫وا ْ‬
‫ن ل ِل ّ ِ‬
‫م ِ‬
‫فأ ّ‬
‫وِللّر ُ‬
‫م َ‬
‫م ْ‬
‫س ُ‬
‫خ ُ‬
‫مت ُ ْ‬
‫غن ِ ْ‬
‫موا أن ّ َ‬
‫عل َ ُ‬
‫سو ِ‬
‫ه َ‬
‫َ‬
‫ش ْ‬
‫ولهذا كان أظهر أقوال العلماء أن هذه الموال تصرف فيما يحبه الله ورسوله‬
‫بحسب اجتهاد ولي المر كما هو مذهب مالك وغيره من السلف‪ .‬ويذكر هذا‬
‫رواية عن أحمد‪ ،‬وقد قيل في الخمس أنه يقسم عل خمسة كقول الشافعي‬
‫وأحمد في المعروف عنه‪ ،‬وقيل على ثلثة كقول أبي حنيفة رحمه الله‪،‬‬
‫والمقصود هنا أن العبد الرسول هو أفضل من النبي الملك كما أن إبراهيم‬
‫وموسى وعيسى ومحمدا عليهم الصلة والسلم أفضل من يوسف وداود‬
‫وسليمان عليهم السلم‪ ،‬كما أن المقربين السابقين أفضل من البرار أصحاب‬
‫اليمين الذين ليسوا مقربين سابقين فمن أدى ما أوجب الله عليه وفعل من‬
‫المباحات ما يحبه فهو من هؤلء‪ ،‬ومن كان إنما يفعل ما يحبه الله ويرضاه‬
‫)‪(28‬‬
‫ويقصد أن يستعين بما ُأبيح له على ما أمره الله فهو من أولئك‪.‬‬
‫فصـــــــل‬
‫ن أولياء الله جل وعل ل يكونون من الظالمين‬
‫‪ ()28‬هذه مباحث متنوعة لكن يجمُعها أ ّ‬
‫ما‬
‫ما مقتصدون أصحاب يمين‪ ،‬وأ ّ‬
‫ما مقربون سابقون بالخيرات‪ ،‬وإ ّ‬
‫لنفسهم‪ ،‬بل أولياء الله إ ّ‬
‫الظالم لنفسه الذي خلط عمل صالحا وآخر سيئا من الشياء التي ل تكفر مثل يعني الكبائر‬
‫ولية؛ ولية الله لعبده بقدر ما‬
‫وأشباه ذلك‪ ،‬فإ ّ‬
‫ن هذا ل يسمى وليا بالتفاق‪ ،‬وله نصيب من ال َ‬
‫عنده من اليمان‪ ،‬لكن ليس له اسم الولي؛ فالولياء هم الصالحون من عباد الله القائمون‬
‫ما مقتصدون وإما مقربون سابقون بالخيرات‪ ،‬وهؤلء لهم محبة الله‬
‫بحقوقه وحقوق عباده إ ّ‬
‫ونه وتوفيقه ومعيته الخاصة‪َ ،‬ذكر أيضا أن هذا نظير امتثال النبياء والّرسل إلى‬
‫جل وعل وع ْ‬
‫عبد رسول وإلى نبي مِلك‪ ،‬فالعبد الرسول كأولي العزم من الرسل‪ ،‬والنبي الملك كيوسف‬
‫وداوود وسليمان عليهم الصلة والسلم‪ ،‬ففّرق بينهما‪:‬‬

‫للشيخ العلمة صالح بن عبد العزيز آل الشيخ‬

‫‪23‬‬

‫وقد ذكر الله تعالى أولياءه المقتصدين والسابقين في سورة فاطر في قوله‬
‫َ‬
‫م َ‬
‫عَباِدَنا َ‬
‫صط َ َ‬
‫م‬
‫ن ِ‬
‫ف ِ‬
‫في َْنا ِ‬
‫ب ال ّ ِ‬
‫وَرث َْنا ال ْك َِتا َ‬
‫من ْ ُ‬
‫م ْ‬
‫ذي َ‬
‫ظال ِ ٌ‬
‫ه ْ‬
‫تعالى ﴿ث ُ ّ‬
‫نا ْ‬
‫مأ ْ‬
‫ه ذَل ِ َ‬
‫م ْ‬
‫ل ِن َ ْ‬
‫و‬
‫ق ِبال ْ َ‬
‫ك ُ‬
‫ن الل ّ ِ‬
‫خي َْرا ِ‬
‫و ِ‬
‫قت َ ِ‬
‫و ِ‬
‫س ِ‬
‫ف ِ‬
‫م َ‬
‫من ْ ُ‬
‫من ْ ُ‬
‫ساب ِ ٌ‬
‫ه ْ‬
‫م ُ‬
‫ه ْ‬
‫ه َ‬
‫ت ب ِإ ِذْ ِ‬
‫صدٌ َ‬
‫ه َ‬
‫َ‬
‫ال ْ َ‬
‫ض ُ‬
‫ن‬
‫ن ي َدْ ُ‬
‫ت َ‬
‫ن ِ‬
‫ف ْ‬
‫وَر ِ‬
‫ها ِ‬
‫و َ‬
‫ها ي ُ َ‬
‫ل ال ْك َِبيُر)‪َ (32‬‬
‫جّنا ُ‬
‫نأ َ‬
‫في َ‬
‫خُلون َ َ‬
‫م ْ‬
‫م ْ‬
‫حل ّ ْ‬
‫عدْ ٍ‬
‫سا َِ‬
‫و َ‬
‫ؤل ُ ً‬
‫ول ُ ْ‬
‫ب‬
‫ذي أذْ َ‬
‫م ِ‬
‫ذَ َ‬
‫ه ال ّ ِ‬
‫مدُ ل ِل ّ ِ‬
‫ه َ‬
‫قاُلوا ال ْ َ‬
‫ها َ‬
‫في َ‬
‫س ُ‬
‫ول َِبا ُ‬
‫ح ْ‬
‫ه ْ‬
‫ه ٍ‬
‫ريٌر)‪َ (33‬‬
‫ؤا َ‬
‫ب َ‬
‫ح ِ‬
‫َ‬
‫ش ُ‬
‫م َ‬
‫غ ُ‬
‫فوٌر َ‬
‫ن‬
‫ن َرب َّنا ل َ َ‬
‫َ‬
‫ة ِ‬
‫م ِ‬
‫كوٌر)‪(34‬ال ّ ِ‬
‫ن إِ ّ‬
‫حَز َ‬
‫حل َّنا َ‬
‫ذي أ َ‬
‫عّنا ال ْ َ‬
‫م ْ‬
‫قا َ‬
‫داَر ال ْ ُ‬
‫َ‬
‫ب﴾]فاطر‪ ،[35-32:‬لكن‬
‫ها ل ُ ُ‬
‫سَنا ِ‬
‫سَنا ِ‬
‫ف ْ‬
‫ضل ِ ِ‬
‫غو ٌ‬
‫ص ٌ‬
‫في َ‬
‫م ّ‬
‫في َ‬
‫م ّ‬
‫وَل ي َ َ‬
‫ه َل ي َ َ‬
‫ها ن َ َ‬
‫ب َ‬
‫م‬
‫هذه الصناف الثلثة في هذه الية هم أمة محمد ‪ ‬خاصة كما قال تعالى )ث ُ ّ‬
‫َ‬
‫م َ‬
‫م ل ِن َ ْ‬
‫عَباِدَنا َ‬
‫صطَ َ‬
‫م‬
‫ن ِ‬
‫و ِ‬
‫س ِ‬
‫ف ِ‬
‫ف ِ‬
‫في َْنا ِ‬
‫ب ال ّ ِ‬
‫وَرث َْنا ال ْك َِتا َ‬
‫من ْ ُ‬
‫من ْ ُ‬
‫م ْ‬
‫ذي َ‬
‫ه ْ‬
‫ظال ِ ٌ‬
‫ه ْ‬
‫نا ْ‬
‫ه َ‬
‫أ ْ‬
‫ي المِلك يتصّرف في المال باختياره؛ يعني أنه ينظر للمصالح العامة وفيما يراه‬
‫• لن النب ّ‬
‫ت فيه أمر‬
‫فيتصرف في المال بما يراه‪ ،‬إذ المال بيده فيتصرف فيه كيف يشاء فيما لم يأ ِ‬
‫أو نهي بخصوصه‪.‬‬
‫•أما العبد الرسول فإنه قاسم يضع المال حيث أمره الله جل وعل ول يجتهد فيه‪ ،‬هذا‬
‫باعتبار الغالب‪ ،‬وقد يجتهد فيه في بعض الحوال‪ ،‬كما اجتهد الرسول ‪ ‬في بعض قسمة‬
‫الفيء فأعطى رجل واحدا ما بين جبلين من البل والماشية‪ ،‬وهكذا‪.‬‬
‫ن أصح قولي العلماء أن ولي المر‬
‫لهذا اختلف الصحابة رضوان الله عليهم كما ذكر لك أ ّ‬
‫والمام يتصرف في المال بما فيه المصلحة الدينية حيث أمر الله جل وعل‪ ،‬والقول الخر‬
‫لهل العلم أن ولي المر يتصرف في المال حيث ينظر هو المصلحة فيه فيما يتعلق لما فيه‬
‫المصالح والمفاسد من قسمة الفيء ونحو ذلك‪ ،‬ول يلزم له الرجوع لهل العلم ول لما‬
‫يشاَور فيه بل بما ينظر فيه‪ ،‬وشيخ السلم بسط هذه المسألة طويل في كتابه منهاج أهل‬
‫ما ذكر طعن الرافضة في عثمان وأّنه تصرف في الموال كيف شاء‪ ،‬قال‬
‫السنة النبوية ل ّ‬
‫ن أهل العلم في مسألة تصرف الوالي في المال على‬
‫شيخ السلم هناك ما حاصله‪ :‬إ ّ‬
‫قولين‪:‬‬
‫‪ ‬منهم من يقول يأخذون بما عليه العبد الرسول‪ ،‬فل يضعون المال إل فيما أمر الله به‬
‫في الشرع‪ ،‬وإذا لم يكن َثم أمر ونهي في خصوصه وتعرضت له المصلحة فإن عليه أن‬
‫يشاور في وضع المال‪ ،‬وعلى هذا سيرة أبي بكر وعمر فإنهما لم يجتهدا في المال رضي‬
‫الله عنهما‪.‬‬
‫ن ولي المر له أن يأخذ بسيرة النبي الملك‪ ،‬فيتصرف في المال كيف‬
‫‪ ‬والقول الخر أ ّ‬
‫شاء بما يراه فيه مصلحة‪ ،‬ولو كان فيه محاباة لبعض أهله وأقاربه‪ .‬قال‪ :‬وعلى هذا يخّرج‬
‫فعل عثمان ‪ ،‬وفعل معاوية ‪‬؛ وهما عثمان أحد الخلفاء الراشدين ولم يخطئه أحد من‬
‫أهل السنة في فعله؛ في تصرفه في المال‪ ،‬إنما خ ّ‬
‫طأه الظ ّ‬
‫لل‪ ،‬وذاك معاوية خير ملوك‬
‫المسلمين وتصرف في المال على هذا النحو‪.‬‬
‫المقصود من هذا –المسألة تحتاج إلى زيادة تفصيل‪ -‬لكن التنبيه إلى أصل هذه المسألة‬
‫حيث أشار شيخ السلم هنا بقوله؛ في أصح قولي العلماء أن ولي المر يتصرف في المال‬
‫حيث المصلحة الشرعية فيما يحبه الله ورسوله بحسب إجتهاده‪ .‬والقول الخر أن له أن‬
‫يتصرف حيث يرى هو المصلحة دون الرجوع لهل العلم إل فيما فيه أمر ونهي من أداء‬
‫في ُ‬
‫ؤه الله جل وعل في الموال العامة‬
‫ف شرعية أما الفيء الذي ي َ ِ‬
‫الزكاة وصرفها في مصار ٍ‬
‫فله أن يجتهد فيها بحسب ما يرى‪ ،‬فهما قولن لهل العلم‪ ،‬وحبذا مراجعة المسألة في‬
‫كتاب منهاج أهل السنة فقد بسطها وأجاب عن قول الرافضة والخوارج في طعنهم على‬
‫ن أهل السنة لم‬
‫عثمان وعلى معاوية رضي الله عنهما في التصرف في المال‪ ،‬وقال إ ّ‬
‫يطعن أحد منهم في عثمان لجل تصرفه في المال من جهة محاباته لقاربه وتوليته بعض‬
‫ن هذا راجع إلى تخريج شرعي‪ ،‬وعثمان أجل من أن يظن فيه أنه‬
‫الوليات لذوي رحمه؛ ل ّ‬
‫يسير في ذلك وفق هواه‪ ،‬وإنما يسير في ذلك وفق الجتهاد الشرعي الذي يراه لكونه نائب‬
‫ن ُيعطي وله أن يمنع بحسب ما يراه‪ ،‬فهما قولن والصحيح‬
‫في هذا المال عن النبي وله أ ْ‬
‫ن ولي المر يتصرف في المال على وفق ما يحبه الله ورسوله‪...‬‬
‫نأ ّ‬
‫ما ذكر هنا م ْ‬

‫‪24‬‬

‫التعليقات الحسان على كتاب الفرقان‬

‫ه ذَل ِ َ‬
‫و ال ْ َ‬
‫م ْ‬
‫ض ُ‬
‫ل ال ْك َِبيُر(‪،‬‬
‫ق ِبال ْ َ‬
‫ك ُ‬
‫ف ْ‬
‫ن الل ّ ِ‬
‫خي َْرا ِ‬
‫و ِ‬
‫قت َ ِ‬
‫م َ‬
‫من ْ ُ‬
‫ساب ِ ٌ‬
‫ه ْ‬
‫ُ‬
‫ه َ‬
‫ت ب ِإ ِذْ ِ‬
‫صدٌ َ‬
‫وأمة محمد ‪ ‬هم الذين أورثوا الكتاب بعد المم المتقدمة‪ ،‬وليس ذلك مختصا‬
‫سمهم إلى ظالم‬
‫بح ّ‬
‫فاظ القرآن بل كل من آمن بالقرآن فهو من هؤلء‪ ،‬وق ّ‬
‫لنفسه‪ ،‬ومقتصد‪ ،‬وسابق‪ ،‬بخلف اليات التي في الواقعة والمطففين والنفطار‬
‫فإنه دخل فيها جميع المم المتقدمة كافرهم ومؤمنهم‪ ،‬وهذا التقسيم لمة‬
‫محمد ‪ ،‬فالظالم لنفسه أصحاب الذنوب المصرون عليها‪ ،‬والمقتصد المؤدي‬
‫للفرائض المجتنب للمحارم‪ ،‬والسابق للخيرات هو المؤدي للفرائض والنوافل‪،‬‬
‫كما في تلك اليات‪ (29) ،‬ومن تاب من ذنبه أي ذنب كان توبة صحيحة لم يخرج‬
‫ة‬
‫م ْ‬
‫ر ُ‬
‫غ ِ‬
‫فَر ٍ‬
‫و َ‬
‫عوا إلى َ‬
‫بذلك عن السابقين والمقتصدين كما في قوله تعالى ﴿ َ‬
‫سا ِ‬
‫َ‬
‫ن)‬
‫ة َ‬
‫مت ّ ِ‬
‫ض أُ ِ‬
‫عْر ُ‬
‫جن ّ ٍ‬
‫ِ‬
‫و َ‬
‫عدّ ْ‬
‫وا ُ‬
‫ها ال ّ‬
‫ض َ‬
‫قي َ‬
‫م ْ‬
‫ت ل ِل ْ ُ‬
‫س َ‬
‫ن َرب ّك ُ ْ‬
‫واْلْر ُ‬
‫ت َ‬
‫ما َ‬
‫م َ‬
‫غي ْظَ‬
‫ن ال َْ‬
‫ْ‬
‫ّ‬
‫َ‬
‫ف ُ‬
‫ضّرا ِ‬
‫سّرا ِ‬
‫ن ِ‬
‫ن ي ُن ْ ِ‬
‫وال ّ‬
‫والكاظِ ِ‬
‫‪(133‬ال ِ‬
‫قو َ‬
‫في ال ّ‬
‫مي َ‬
‫ذي َ‬
‫ء َ‬
‫ء َ‬
‫ن إذا َ‬
‫عُلوا‬
‫ن َ‬
‫ه يُ ِ‬
‫عا ِ‬
‫وال ّ ِ‬
‫ح ِ‬
‫ف َ‬
‫م ْ‬
‫ح ّ‬
‫وال ْ َ‬
‫ذي َ‬
‫سِني َ‬
‫ع ْ‬
‫في َ‬
‫ب ال ْ ُ‬
‫والل ّ ُ‬
‫ن)‪َ (134‬‬
‫س َ‬
‫َ‬
‫ن الّنا ِ‬

‫ن أولياء الله يوصفون بأنهم متنزهون عن فضول المباحات‪ ،‬وشيخ السلم‬
‫إذا تقرر هذا فإ ّ‬
‫ن يأتي كل مباح‪ ،‬سواء كان من مباحات الّنظر أم من مباحات السماع‬
‫حّرم على المسلم أ ْ‬
‫ن يأتي كل مباح دون‬
‫أم من مباحات العمل‪ ،‬قال‪ :‬للمسلم أن يعمل بعض المباحات لكن أ ْ‬
‫تنزه عن فضول المباحات‪ ،‬قال هذا ل يجوز‪ ،‬وأخذ هذا من ظاهر قول الله جل وعل لنبيه‬
‫ك إَلى ما مت ّعَنا ب َ‬
‫ة‬
‫ن َ‬
‫م َز ْ‬
‫حَيا ِ‬
‫جا ِ‬
‫ِ ِ‬
‫مد ّ ّ‬
‫هَرةَ ال ْ َ‬
‫وا ً‬
‫َ َ ْ‬
‫من ْ ُ‬
‫ه ْ‬
‫عليه الصلة والسلم ﴿َل ت َ ُ‬
‫ه أْز َ‬
‫عي ْن َي ْ َ ِ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫رْزقُ َرب ّ َ‬
‫وأب ْ َ‬
‫دنَيا ل ِن َ ْ‬
‫م‬
‫ك َ‬
‫قى﴾]طه‪ ،[131:‬وظاهر قوله جل وعل ﴿أذْ َ‬
‫م ِ‬
‫في ِ‬
‫ال ّ‬
‫فت ِن َ ُ‬
‫هب ْت ُ ْ‬
‫ه ْ‬
‫خي ٌْر َ‬
‫ه َ‬
‫و ِ‬
‫ُ‬
‫ُ‬
‫ن التمتع بفضول‬
‫م ِ‬
‫ها﴾]الحقاف‪ [20:‬فيرى أ ّ‬
‫مت َ ْ‬
‫في َ‬
‫م بِ َ‬
‫وا ْ‬
‫عت ُ ْ‬
‫ست َ ْ‬
‫حَيات ِك ْ‬
‫طَي َّبات ِك ْ‬
‫م الدّن َْيا َ‬
‫المباحات ل يجوز‪.‬‬
‫والقول الخر لهل العلم أن التمتع بفضول المباحات جائز وهذا هو الظاهر؛ لن قوله‬
‫ن( هذا للنبي عليه الصلة والسلم خاصة‪ ،‬وهذا يدل على ت ْ‬
‫كميله عليه الصلة‬
‫مد ّ ّ‬
‫وَل ت َ ُ‬
‫) َ‬
‫ن ل يتعرض إلى ما فيه إنقاص لمرتبته العليا عليه الصلة والسلم‪ ،‬أما قوله‬
‫والسلم‪ ،‬وأ ْ‬
‫م الدّن َْيا( فهي في الكفار وليست في المسلمين‪.‬‬
‫م ِ‬
‫)أ َذْ َ‬
‫في َ‬
‫حَيات ِك ُ ْ‬
‫م طَي َّبات ِك ُ ْ‬
‫هب ْت ُ ْ‬
‫فأولياء الله يتنزهون عن فضول المباحات وليس كل مباح يأتونه‪ ،‬بل هناك مباحات ل‬
‫تناسبهم ولو كانت مباحات في الشرع‪ ،‬ولكن تناسب غيرهم من المسلمين‪ ،‬فالولياء‬
‫يتنزهون عن كثير من المباحات‪ ،‬إما من جهة الورع وإما من جهة ترك خوارم المروءة وإما‬
‫ن يغلب هذا‬
‫من جهة أشياء قد يراها الولي ل تناسبه‪ ،‬مثاله مثل كثرة المزاح والضحك بأ ْ‬
‫ن كان مباحا إذا لم يكن ينطق بكذب وأشباه هذا‪ ،‬لكن أولياء الله في قلوبهم‬
‫على المرء وإ ْ‬
‫فإجلل الله وخشيته والرغبة فيما عنده ما يجعلهم ل ُيكثرون من هذا‪ ،‬وإنما إن فعلوا‬
‫فيكون من جهة الستنباط الوارد عنه الصلة والسلم‪ ،‬وهذا أصل في أن الولياء فيما‬
‫يفعلون من فضول المباحات‪ ،‬يتابعون النبي ‪ ‬في أصول ما فعل‪ ،‬فيضحكون بعضا من‬
‫الوقت لنه ضحك عليه الصلة والسلم وتبسم‪ ،‬ويفعلون بعض الشياء التي فيها ترويح بما‬
‫ل يكون قادحا وأشباه ذلك بنية القتداء ونية العمل‪ ،‬وهذا في بعض المباحات ما في كل‬
‫ما الولي ل يتصور فيه من‬
‫المباحات‪ ،‬والولي ل بمد أن يكون متنزها عن فضول المباحات‪ ،‬أ ّ‬
‫ن يأتي كل مباح‪ ،‬بل الولي من حيث الواقع ومن حيث ِدللة العمل الول عليه‬
‫حيث الواقع أ ْ‬
‫أّنه لبد أن يكون متنزها على مباحات كثيرة لسباب‪.‬‬
‫نكتفي بهذا القدر صلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد‪.‬‬
‫ن المم التي سبقت أمة محمد ‪ ‬فالمؤمنون فيها قسمان‪ :‬مقتصدون وظالمون‬
‫‪ ()29‬أ ّ‬
‫لنفسهم‪ ،‬أما السابقون بالخيرات في المم السالفة هم النبياء والرسل‪ ،‬وفي أمة محمد‬
‫‪ ‬فيهم ثّلة من الولين وقليل من الخرين‪ ،‬فالمم السالفة قسمان‪ ،‬كما قال جل وعل في‬
‫ُ‬
‫م ْ‬
‫ن﴾]المائدة‪ [66:‬وعلى هذا أكثر‬
‫م ٌ‬
‫وك َِثيٌر ِ‬
‫قت َ ِ‬
‫مُلو َ‬
‫ما ي َ ْ‬
‫م َ‬
‫من ْ ُ‬
‫ع َ‬
‫ساءَ َ‬
‫ه ْ‬
‫ة ُ‬
‫سورة المائدة ﴿ أ ّ‬
‫صدَةٌ َ‬
‫أهل التفسير بأن المم السالفة تنقسم على ظاهر هذه الية –يعني من استجاب إلى‬
‫الرسل‪ -‬إلى ظالم لنفسه وإلى مقتصد‪ ،‬والسْبق بالخيرات هذا من فضل الله جل وعل لهذه‬
‫المة‪.‬‬

‫للشيخ العلمة صالح بن عبد العزيز آل الشيخ‬

‫‪25‬‬

‫غ َ‬
‫ه َ‬
‫موا أ َن ْ ُ‬
‫َ‬
‫ح َ‬
‫ن‬
‫ست َ ْ‬
‫ش ً‬
‫فا ِ‬
‫فا ْ‬
‫س ُ‬
‫ف َ‬
‫م ْ‬
‫و َ‬
‫ه ْ‬
‫م ذَك َُروا الل ّ َ‬
‫ه ْ‬
‫ة أو ظَل َ ُ‬
‫م َ‬
‫فُروا ل ِذُُنوب ِ ِ‬
‫ما َ‬
‫ن)‬
‫يَ ْ‬
‫صّروا َ‬
‫و ُ‬
‫غ ِ‬
‫م يُ ِ‬
‫مو َ‬
‫م يَ ْ‬
‫ف َ‬
‫فُر الذُّنو َ‬
‫عل َ ُ‬
‫ه ْ‬
‫عَلى َ‬
‫ول َ ْ‬
‫ب إ ِّل الل ّ ُ‬
‫عُلوا َ‬
‫ه َ‬
‫ُ‬
‫ول َئ ِ َ‬
‫جَزا ُ‬
‫ها‬
‫م ْ‬
‫غ ِ‬
‫ؤ ُ‬
‫ري ِ‬
‫فَرةٌ ِ‬
‫ن تَ ْ‬
‫ت تَ ْ‬
‫و َ‬
‫ك َ‬
‫جّنا ٌ‬
‫حت ِ َ‬
‫م ْ‬
‫م ْ‬
‫ه ْ‬
‫م َ‬
‫ه ْ‬
‫م َ‬
‫‪(135‬أ ْ‬
‫ج ِ‬
‫ن َرب ّ ِ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ن﴾]آل عمران‪،[136-133:‬‬
‫هاُر َ‬
‫ن ِ‬
‫عا ِ‬
‫خال ِ ِ‬
‫جُر ال ْ َ‬
‫مأ ْ‬
‫ون ِ ْ‬
‫في َ‬
‫اْلن ْ َ‬
‫مِلي َ‬
‫دي َ‬
‫ع َ‬
‫ها َ‬
‫والمقتصد المؤدي للفرائض المجتنب للمحارم‪ ،‬والسابق بالخيرات هو المؤدي‬
‫ها﴾)‪ (30‬مما‬
‫ن ي َدْ ُ‬
‫ت َ‬
‫للفرائض والنوافل كما في تلك اليات‪ ،‬وقوله ﴿ َ‬
‫جّنا ُ‬
‫خُلون َ َ‬
‫عدْ ٍ‬
‫يستدل به أهل السنة على أنه ل يخلد في النار أحد من أهل التوحيد‪.‬‬
‫وأما دخول كثير من أهل الكبائر النار فهذا مما تواترت به السنن عن النبي ‪‬‬
‫كما تواترت بخروجهم من النار وشفاعة نبينا محمد ‪ ‬في أهل الكبائر‪ ،‬وإخراج‬
‫من يخرج من النار بشفاعة نبينا ‪ ‬وشفاعة غيره‪ (31) ،‬فمن قال أن أهل الكبائر‬
‫مخلدون في النار وت َأ َوّ َ‬
‫ل الية على أن السابقين هم الذين يدخلونها‪ ،‬وأن‬
‫المقتصد أو الظالم لنفسه ل يدخلها‪ ،‬كما تأوله من المعتزلة‪ ،‬فهو مقابل بتأويل‬
‫المرجئة الذين ل يقطعون بدخول أحد من أهل الكبائر النار‪ ،‬ويزعمون أن أهل‬
‫الكبائر قد يدخل جميعهم الجنة من غير عذاب‪ (32) ،‬وكلهما مخالف للسنة‬
‫المتواترة عن النبي ‪ ،‬ولجماع سلف المة وأئمتها وقد دل على فساد قول‬
‫ه َل‬
‫الطائفتين قول الله تعالى في آيتين من كتابه وهو قوله تعالى ﴿إ ِ ّ‬
‫ن الل ّ َ‬
‫َ‬
‫ن ذَل ِ َ‬
‫شَر َ‬
‫ن يَ َ‬
‫ن يُ ْ‬
‫شاءُ﴾]النساء‪ ،[48:‬فأخبر‬
‫وي َ ْ‬
‫يَ ْ‬
‫غ ِ‬
‫غ ِ‬
‫ك بِ ِ‬
‫دو َ‬
‫فُر أ ْ‬
‫ما ُ‬
‫م ْ‬
‫ك لِ َ‬
‫فُر َ‬
‫ه َ‬
‫تعالى أنه ل يغفر الشرك‪ ،‬وأخبر أنه يغفر ما دونه لمن يشاء‪ ،‬ول يجوز أن يراد‬
‫بذلك التائب كما يقوله من يقوله من المعتزلة‪ ،‬لن الشرك يغفره الله لمن تاب‪،‬‬
‫وما دون الشرك يغفره الله أيضا للتائب‪ ،‬فل يتعلق بالمشيئة‪ .‬ولهذا لما ذكر‬
‫َ‬
‫عَلى أ َن ْ ُ‬
‫سَر ُ‬
‫المغفرة للتائبين‪ ،‬قال تعالى ﴿ ُ‬
‫ق ْ‬
‫م‬
‫فوا َ‬
‫ل َيا ِ‬
‫ف ِ‬
‫عَباِدي ال ّ ِ‬
‫نأ ْ‬
‫ذي َ‬
‫ه ْ‬
‫س ِ‬
‫قن َ ُ‬
‫غ ُ‬
‫َل ت َ ْ‬
‫فوُر‬
‫و ال ْ َ‬
‫ه يَ ْ‬
‫ه ُ‬
‫غ ِ‬
‫ج ِ‬
‫ة الل ّ ِ‬
‫م ِ‬
‫طوا ِ‬
‫ه إِ ّ‬
‫مي ً‬
‫ب َ‬
‫فُر الذُّنو َ‬
‫ن َر ْ‬
‫م ْ‬
‫عا إ ِن ّ ُ‬
‫ن الل ّ َ‬
‫ح َ‬
‫ه َ‬
‫م﴾]الزمر‪ ،[53:‬فهنا عمم المغفرة وأطلقها فإن الله يغفر للعبد أي ذنب‬
‫الّر ِ‬
‫حي ُ‬
‫تاب منه‪ ،‬فمن تاب من الشرك غفر الله له‪ ،‬ومن تاب من الكبائر غفر الله له‪،‬‬
‫وأي ذنب تاب العبد منه غفر الله له‪ ،‬ففى آية التوبة عمم وأطلق‪ ،‬وفي تلك‬
‫الية خصص وعلق‪ ،‬فخص الشرك بأنه ل يغفره‪ ،‬وعلق ما سواه على المشيئة‪،‬‬
‫‪()30‬الرعد‪ ،23:‬النحل‪ ،31:‬فاطر‪.33:‬‬
‫ن الولياء قسمان مقتصدون وسابقون‬
‫‪()31‬هذا كله استطراد البحث كان في الولياء وأ ّ‬
‫بالخيرات‪ ،‬أما الظالم لنفسه فل يكون وليا وهو المصر على الذنوب‪ ،‬أما المقتصد قد يكون‬
‫وليا‪ ،‬السابق بالخيرات قد يكون وليا لله جل جلله‪ ،‬ثم استطرد رحمه الله لذكر القسام‬
‫الثلثة وماذا يراد بهذه القسام وشرح ذلك‪ ،‬لكن أصل الكلم حتى ل يغيب عنك الكلم في‬
‫ن الولياء قسمان‪ :‬صفة الولي أن يكون أما مقتصدا أو يكون سابقا بالخيرات‪ ،‬مع أن‬
‫أ ّ‬
‫الجميع مع الظالم لنفسه موعود بالجنة بفضل الله وكرمه‪.‬‬
‫‪()32‬لحظ هنا قوله )أن أهل الكبائر قد يدخل جميعهم الجنة من غير عذاب( هذا‬
‫قول المرجئة‪ ،‬وأهل السنة يقولون "أهل الكبائر قد يدخلون الجنة بل عذاب" واضح‬
‫ن دخول الجميع للجنة بل عذاب‪ ،‬وأهل‬
‫جوُّزو َ‬
‫الفرق بين القولين؟ الفرق بينهما أن أولئك ي ُ َ‬
‫ن ذَل ِكَ‬
‫وي َ ْ‬
‫غ ِ‬
‫دو َ‬
‫ما ُ‬
‫ن دخول البعض الجنة بل عذاب؛ ل ّ‬
‫جوُّزو َ‬
‫السنة ي ُ َ‬
‫فُر َ‬
‫ن الله جل وعل قال ﴿ َ‬
‫ن يَ َ‬
‫شاءُ﴾]المائدة‪ [40:‬ووعيده حق جل وعل فل بد أن يصيب بعضا منهم وواجب بأن يغفر‬
‫م ْ‬
‫لِ َ‬
‫لمن يشاء وحق فل بد أن يصيب بعضا منهم‪ .‬فإذن المرجئة يقولون أهل الكبائر قد يدخلون‬
‫جميعا الجنة بل عذاب‪ ،‬هذا غلط بل الصواب أن أهل الكبائر قد يدخل بعضهم الجنة بل‬
‫ن ذَل ِ َ‬
‫ن يَ َ‬
‫شاءُ﴾]المائدة‪ ،[40:‬الفرق في‬
‫وي َ ْ‬
‫غ ِ‬
‫دو َ‬
‫ما ُ‬
‫م ْ‬
‫ك لِ َ‬
‫فُر َ‬
‫عذاب فيغفر الله جل وعل له ﴿ َ‬
‫إطلق لفظ جميعهم‪.‬‬

‫‪26‬‬

‫التعليقات الحسان على كتاب الفرقان‬

‫ومن الشرك التعطيل للخالق‪ ،‬وهذا يدل على فساد قول من يجزم بالمغفرة‬
‫لكل مذنب‪ ،‬ونبه بالشرك على ما هو أعظم منه كتعطيل الخالق‪ ،‬أو يجوز أن ل‬
‫يعذب بذنب‪ ،‬فإنه لو كان كذلك لما ذكر أنه يغفر البعض دون البعض‪ ،‬ولو كان‬
‫كل ظالم لنفسه مغفورا له بل توبة ول حسنات ماحية لم يعلق ذلك بالمشيئة‪.‬‬
‫ن ذَل ِ َ‬
‫ن يَ َ‬
‫شاءُ﴾]النساء‪ ,[48:‬دليل على أنــه‬
‫وي َ ْ‬
‫غ ِ‬
‫دو َ‬
‫ما ُ‬
‫م ْ‬
‫ك لِ َ‬
‫فُر َ‬
‫وقوله تعالى ﴿ َ‬
‫يغفر البعض دون البعض‪ ،‬فبطل النفي والعفو العام‪.‬‬
‫فصـــــل‬
‫وإذا كان أولياء الله عز وجل هم المؤمنون المتقون‪ ،‬والناس يتفاضلون في‬
‫اليمان والتقوى‪ ،‬فهم متفاضلون في َولية الله بحسب ذلك‪ ،‬كما أنهم لما كانوا‬
‫متفاضلين في الكفر والنفاق كانوا متفاضلين في عداوة الله بحسب ذلك‪ ،‬وأصل‬
‫جماع ذلك اليمان بخاتم الرسل محمد ‪،‬‬
‫اليمان والتقوى اليمان برسل الله‪ ،‬و ِ‬
‫فاليمان به يتضمن اليمان بجميع كتب الله ورسله‪ ،‬وأصل الكفر والنفاق هو‬
‫الكفر بالرسل وبما جاءوا به‪ ،‬فإن هذا هو الكفر الذي يستحق صاحبه العذاب‬
‫في الخرة‪ ،‬فإن الله تعالى أخبر في كتابه أنه ل يعذب أحدا إل بعد بلوغ‬
‫سوًل﴾]السراء‪،[15:‬‬
‫ع َ‬
‫حّتى ن َب ْ َ‬
‫ن َ‬
‫م َ‬
‫ث َر ُ‬
‫عذِّبي َ‬
‫ما ك ُّنا ُ‬
‫و َ‬
‫الرسالة؛ قال الله تعالى ﴿ َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫حي َْنا إ ِل َي ْ َ‬
‫ه‬
‫حي َْنا إلى ُنو‬
‫د ِ‬
‫ع ِ‬
‫ن ِ‬
‫ن بَ ْ‬
‫و َ‬
‫و َ‬
‫م ْ‬
‫والن ّب ِّيي َ‬
‫ك كَ َ‬
‫ح َ‬
‫ما أ ْ‬
‫وقال تعالى ﴿إ ِّنا أ ْ‬
‫ٍ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ع ُ‬
‫عي َ‬
‫ط‬
‫ما ِ‬
‫سَبا ِ‬
‫حي َْنا إلى إ ِب َْرا ِ‬
‫قو َ‬
‫وي َ ْ‬
‫س َ‬
‫و َ‬
‫واْل ْ‬
‫وإ ِ ْ‬
‫وإ ِ ْ‬
‫س َ‬
‫هي َ‬
‫ب َ‬
‫حاقَ َ‬
‫ل َ‬
‫م َ‬
‫وأ ْ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫وودَ َزُبوًرا)‬
‫و َ‬
‫و ِ‬
‫ما َ‬
‫هاُرو َ‬
‫وآت َي َْنا َ‬
‫وأّيو َ‬
‫و ُ‬
‫عي َ‬
‫سلي ْ َ‬
‫وُيون ُ َ‬
‫دا ُ‬
‫ن َ‬
‫ن َ‬
‫س َ‬
‫ب َ‬
‫سى َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ً‬
‫َ‬
‫ً‬
‫عل َي ْ َ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫ك‬
‫ه‬
‫ص‬
‫ص‬
‫ق‬
‫ن‬
‫م‬
‫ل‬
‫ل‬
‫س‬
‫ر‬
‫و‬
‫ل‬
‫ب‬
‫ق‬
‫ن‬
‫م‬
‫ك‬
‫ي‬
‫ل‬
‫ع‬
‫م‬
‫ه‬
‫نا‬
‫ص‬
‫ص‬
‫ق‬
‫د‬
‫ق‬
‫ل‬
‫س‬
‫ر‬
‫و‬
‫(‬
‫‪163‬‬
‫م َ‬
‫َ‬
‫ْ َ‬
‫ْ‬
‫ْ‬
‫ْ‬
‫َ ُ ُ‬
‫َ ُ ُ‬
‫ِ ْ‬
‫ُ ْ ُ ْ‬
‫َ ْ َ ُ ْ‬
‫ّ‬
‫ً‬
‫ُ‬
‫ْ‬
‫مب َ ّ‬
‫ن‬
‫من ِ‬
‫ن ل ِئ َل ي َكو َ‬
‫ما)‪ُ(164‬ر ُ‬
‫مو َ‬
‫ري َ‬
‫ري َ‬
‫و ُ‬
‫سل ُ‬
‫سى ت َكِلي ً‬
‫ه ُ‬
‫م الل ّ ُ‬
‫وك َل ّ َ‬
‫ن َ‬
‫َ‬
‫ذ ِ‬
‫ش ِ‬
‫ّ‬
‫َ‬
‫ل﴾]النساء‪ ،[165-163:‬وقال تعالى عن‬
‫س َ‬
‫ج ٌ‬
‫على الل ِ‬
‫ة بَ ْ‬
‫ح ّ‬
‫ه ُ‬
‫عدَ الّر ُ‬
‫س ِ‬
‫ِللّنا ِ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫ّ‬
‫ذيٌر)‪َ (8‬‬
‫ها َ‬
‫قالوا‬
‫م َ‬
‫ي ِ‬
‫ما أل ِ‬
‫م نَ ِ‬
‫و ٌ‬
‫خَزن َت ُ َ‬
‫سأل ُ‬
‫ج َ‬
‫في َ‬
‫م ي َأت ِك ُ ْ‬
‫ها أل ْ‬
‫ه ْ‬
‫أهل النار ﴿ك ُل َ‬
‫ف ْ‬
‫ق َ‬
‫َ‬
‫و ُ‬
‫ذيٌر َ‬
‫ب ََلى َ‬
‫ن َ‬
‫ما ن َّز َ‬
‫م إ ِّل‬
‫ي ٍ‬
‫ه ِ‬
‫جاءََنا ن َ ِ‬
‫ء إِ ْ‬
‫قدْ َ‬
‫م ْ‬
‫ن أن ْت ُ ْ‬
‫ل الل ّ ُ‬
‫قل َْنا َ‬
‫فك َذّب َْنا َ‬
‫ش ْ‬
‫ر﴾]الملك‪ ،[9-8:‬فأخبر أنه كلما ُألقي في النار فوج أقروا بأنهم‬
‫ِ‬
‫في َ‬
‫ضَل ٍ‬
‫ل ك َِبي ٍ‬
‫جاءهم النذير فكذبوه‪ ،‬فدل ذلك على أنه ل يلقى فيها فوج إل من كذب النذير‪،‬‬
‫َ‬
‫ع َ‬
‫من ْ َ‬
‫م‬
‫ك ِ‬
‫و ِ‬
‫م ِ‬
‫مَل َ ّ‬
‫ن ت َب ِ َ‬
‫ن َ‬
‫من ْ ُ‬
‫ج َ‬
‫م ْ‬
‫ه ْ‬
‫م ّ‬
‫هن ّ َ‬
‫وقال تعالى في خطابه لبليس ﴿َل ْ‬
‫ك َ‬
‫َ‬
‫ن﴾]ص‪ ،[85:‬فأخبر أنه يملؤها بإبليس ومن اتبعه‪ ،‬فإذا ملئت بهم لم‬
‫م ِ‬
‫أ ْ‬
‫عي َ‬
‫ج َ‬
‫يدخلها غيرهم‪ ،‬فعلم أنه ل يدخل النار إل من تبع الشيطان‪ ،‬وما تقدم يدل على‬
‫أنه ل يدخلها من ل ذنب له‪ ،‬فإنه ممن لم يّتبع الشيطان‪ ،‬ولم يكن مذنبا‪ ،‬وما‬
‫)‪(33‬‬
‫تقدم يدل على أنه ل يدخلها إل من قامت عليه الحجة بالرسل‪.‬‬
‫‪()33‬نربط الموضوع بأصله وهو أن هذا الكتاب فيه ذكر الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء‬
‫الشيطان‪ ،‬يعني الفاصل والفصل وما يميز هذا من هذا‪ ،‬وقد ذكرنا أن الصل في الفرق هو‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ف َ َ‬
‫ن‬
‫ه َل َ‬
‫وَل ُ‬
‫و ٌ‬
‫ن)‪(62‬ال ّ ِ‬
‫ول َِياءَ الل ّ ِ‬
‫حَزُنو َ‬
‫قول الله جل وعل﴿أَل إ ِ ّ‬
‫م يَ ْ‬
‫ذي َ‬
‫ه ْ‬
‫ه ْ‬
‫م َ‬
‫خ ْ‬
‫نأ ْ‬
‫علي ْ ِ‬
‫و َ‬
‫كاُنوا ي َت ّ ُ‬
‫ن أولياء الله هم المؤمنون‬
‫قو َ‬
‫ن﴾]يونس‪ ،[63-62:‬وإذا كان كذلك‪ ،‬فإ ّ‬
‫آ َ‬
‫مُنوا َ‬
‫المتقون واليمان يتبعض والناس ليسوا فيه سواء‪ ،‬وكذلك التقوى تتبعض والناس ليسوا في‬
‫التقوى بسواء فحصل من ذلك أن َولية الله جل وعل لعباده المؤمنين المتقين ليست‬
‫ب المؤمن المتقي بعامة‪ ،‬ومن كان أكثر إيمانا وتقوى‬
‫واحدة بل متفاضلة‪ ،‬فالله جل وعل يح ّ‬
‫ق له‬
‫كان أحب إلى الله جل وعل‪ ،‬وهذا من جهة محبة الله جل وعل للعبد فإ ّ‬
‫ن كل مؤمن ُ‬
‫مت ّ ٍ‬
‫نصيب من ولية الله جل وعل وله نصيب من محبة الله جل وعل ونصَرِته على حسب ما‬
‫معه من اليمان والتقوى‪ ،‬كذلك إذا كان معه عصيان وضلل وبدع وفسوق وفجور فله‬
‫نصيب من بغض الله جل وعل له‪ ،‬فعندنا أنه يجتمع في حق المعين ما يوجب الولية وما‬
‫يوجب العداوة‪ ،‬هذا من جهة الوصف أما من جهة السم أو اسم الولي فإنما يطلق في‬

‫للشيخ العلمة صالح بن عبد العزيز آل الشيخ‬

‫‪27‬‬

‫فصــــــــل‬
‫ومن الناس من يؤمن بالرسل إيمانا عاما مجمل‪ ،‬وأما اليمان المفصل فيكون‬
‫قد بلغه كثير مما جاءت به الرسل ولم يبلغه بعض ذلك‪ ،‬فيؤمن بما بلغه عن‬
‫الرسل وما لم يبلغه لم يعرفه ولو بلغه لمن به‪ ،‬ولكن آمن بما جاءت به الرسل‬
‫إيمانا مجمل‪ ،‬فهذا إذا عمل بما علم‪ ،‬إن الله أمره به مع إيمانه وتقواه‪ ،‬فهو من‬
‫أولياء الله تعالى‪ ،‬له من ولية الله بحسب إيمانه وتقواه‪ ،‬وما لم تقم عليه‬
‫الحجة به فإن الله تعالى لم يكلفه معرفته‪ ،‬واليمان المفصل به‪ ،‬فل يعذبه على‬
‫تركه‪ ،‬لكن يفوته من كمال ولية الله بحسب ما فاته من ذلك‪ ،‬فمن علم بما جاء‬
‫به الرسل وآمن به إيمانا مفصل وعمل به فهو أكمل إيمانا وَولية لله ممن لم‬
‫يعلم ذلك مفصل ولم يعمل به وكلهما ولي لله تعالى والجنة درجات متفاضلة‬
‫تفاضل عظيما‪ ،‬وأولياء الله المؤمنون المتقون في تلك الدرجات بحسب إيمانهم‬
‫ن َ‬
‫ما‬
‫ة َ‬
‫جل َ َ‬
‫ه ِ‬
‫كا َ‬
‫ع ّ‬
‫ريدُ ال ْ َ‬
‫في َ‬
‫م ْ‬
‫ها َ‬
‫جل َْنا ل َ ُ‬
‫وتقواهم‪ ،‬قال الله تبارك وتعالى ﴿ َ‬
‫عا ِ‬
‫ن يُ ِ‬
‫نَ َ‬
‫ن‬
‫صَل َ‬
‫ن نُ‬
‫مدْ ُ‬
‫ه َ‬
‫ج َ‬
‫م َ‬
‫ج َ‬
‫م ْ‬
‫م ْ‬
‫و َ‬
‫ما َ‬
‫مو ً‬
‫مذْ ُ‬
‫ها َ‬
‫هن ّ َ‬
‫عل َْنا ل َ ُ‬
‫ريدُ ث ُ ّ‬
‫شاءُ ل ِ َ‬
‫م يَ ْ‬
‫حوًرا)‪َ (18‬‬
‫ِ‬
‫ؤمن َ ُ‬
‫ك َ‬
‫ول َئ ِ َ‬
‫م‬
‫و ُ‬
‫أ ََرادَ اْل ِ‬
‫كا َ‬
‫س ْ‬
‫س ْ‬
‫س َ‬
‫عي ُ ُ‬
‫ن َ‬
‫عي َ َ‬
‫ها َ‬
‫عى ل َ َ‬
‫و َ‬
‫م ْ ِ ٌ‬
‫ه ْ‬
‫و ُ‬
‫فأ ْ‬
‫ه َ‬
‫ها َ‬
‫خَرةَ َ‬
‫ع َ‬
‫ع َ‬
‫ما َ‬
‫ش ُ‬
‫ء َرب ّ َ‬
‫ه ُ‬
‫ه ُ‬
‫م ْ‬
‫طا ِ‬
‫ؤَل ِ‬
‫ن َ‬
‫ن َ‬
‫طاءُ‬
‫و َ‬
‫مدّ َ‬
‫ء ِ‬
‫كوًرا)‪(19‬ك ُّل ن ُ ِ‬
‫كا َ‬
‫م ْ‬
‫و َ‬
‫َ‬
‫ك َ‬
‫ؤَلء َ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫ُ‬
‫ُ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫خَرةُ أكب َُر‬
‫م َ‬
‫ولل ِ‬
‫حظوًرا)‪(20‬انظْر كي ْ َ‬
‫ع َ‬
‫فف ّ‬
‫على ب َ ْ‬
‫ضلَنا ب َ ْ‬
‫م ْ‬
‫ض ُ‬
‫ه ْ‬
‫َرب ّك َ‬
‫ض َ‬
‫ع ٍ‬
‫َ‬
‫ً‬
‫وأك ْب َُر ت َ ْ‬
‫ضيل﴾]السراء‪ ،[21-18:‬فبين الله سبحانه وتعالى أنه يمد‬
‫ف ِ‬
‫جا ٍ‬
‫دََر َ‬
‫ت َ‬
‫من يريد الدنيا ومن يريد الخرة من عطائه‪ ،‬وأن عطاءه ما كان محظورا من بر‬
‫ضهُ ْ َ‬
‫خَرة ُ أ َك ْب َُر‬
‫ض وَل َْل ِ‬
‫ول فاجر‪ ،‬ثم قال تعالى )انظ ُْر ك َي ْ َ‬
‫ضل َْنا ب َعْ َ‬
‫ف فَ ّ‬
‫م ع َلى ب َعْ ٍ‬
‫ضيًل( فبين الله سبحانه أن أهل الخرة يتفاضلون فيها أكثر مما‬
‫ت وَأ َك ْب َُر ت َ ْ‬
‫ف ِ‬
‫جا ٍ‬
‫د ََر َ‬
‫يتفاضل الناس في الدنيا‪ ،‬وأن درجاتها أكبر من درجات الدنيا‪ ،‬وقد بين تفاضل‬
‫أنبيائه عليهم السلم كتفاضل سائر عباده المؤمنين‪ ،‬فقال تعالى ﴿ت ِل ْ َ‬
‫س ُ‬
‫ل‬
‫ك الّر ُ‬
‫وَر َ‬
‫َ‬
‫ت‬
‫ع‬
‫م َ‬
‫ع َ‬
‫ع َ‬
‫ف ّ‬
‫جا ٍ‬
‫ض ِ‬
‫م دََر َ‬
‫ع بَ ْ‬
‫ف َ‬
‫عَلى ب َ ْ‬
‫ضل َْنا ب َ ْ‬
‫ض ُ‬
‫من ْ ُ‬
‫ض ُ‬
‫م ْ‬
‫ه ْ‬
‫م الل ّ ُ‬
‫ن ك َل ّ َ‬
‫م َ‬
‫ه ْ‬
‫ه ْ‬
‫ه َ‬
‫ٍ‬
‫َ‬
‫ح ال ْ ُ‬
‫س﴾]البقرة‪،[253:‬‬
‫وآت َي َْنا ِ‬
‫م ال ْب َي َّنا ِ‬
‫عي َ‬
‫سى اب ْ َ‬
‫مْري َ َ‬
‫ن َ‬
‫ت َ‬
‫َ‬
‫قدُ ِ‬
‫وأي ّدَْناهُ ب ُِرو ِ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫د‬
‫ن َ‬
‫ولقدْ ف ّ‬
‫وو َ‬
‫وآت َي َْنا َ‬
‫على ب َ ْ‬
‫ضلَنا ب َ ْ‬
‫ض الن ّب ِّيي َ‬
‫ع َ‬
‫دا ُ‬
‫ض َ‬
‫وقال تعالى ﴿ َ‬
‫ع ٍ‬
‫َزُبوًرا﴾]السراء‪.[55:‬‬
‫ن ال ْ َ‬
‫م ْ‬
‫ي‬
‫ؤ ِ‬
‫م ُ‬
‫و ّ‬
‫وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة ‪ ‬عن النبي ‪ ‬أنه قال »ال ْ ُ‬
‫ق ِ‬
‫خير َ‬
‫م ْ‬
‫في ك ُ َ‬
‫ص‬
‫ل َ‬
‫و ِ‬
‫ض ِ‬
‫ن ال ّ‬
‫ؤ ِ‬
‫ه ِ‬
‫ب إلى الل ّ ِ‬
‫خي ٌْر‪ .‬ا ْ‬
‫عي ِ‬
‫ح ّ‬
‫وأ َ‬
‫م َ‬
‫ن ال ْ ُ‬
‫ر ْ‬
‫ف‪َ .‬‬
‫َ ْ ٌ َ‬
‫ح ِ‬
‫م ِ‬
‫الصطلح على من حقق اليمان والتقوى وكل ذلك بحسبه وسعته وطاقته؛ فل يقال فلن‬
‫ولي لحصول أصل اليمان والتقوى فيه لن كل مسلم عنده أصل اليمان وأصل التقوى‪،‬‬
‫ن‬
‫ن كل مسلم عنده قدر من اليمان‪ ،‬وكل مسلم عنده قدر من التقوى‪ ،‬فالمقصود أ ّ‬
‫فإ ّ‬
‫الولي هو من حقق اليمان والتقوى هذا من حيث الصطلح‪ ،‬أما من حيث الشرع فكما ذكر‬
‫ن كل واحد له نصيب من هذه الولية إذا كان‬
‫ن الولي هو المؤمن التقي‪ ،‬وأ ّ‬
‫في أول الكلم أ ّ‬
‫ن أصل حصول الولية إنما هو باتباع‬
‫عنده إيمان وتقوى‪ ،‬ذكر شيخ السلم بعد ذلك أ ّ‬
‫الرسل‪ ،‬فإن اليمان إيمان بالرسل وما جاءت به الرسل‪ ،‬والتقوى هي اتقاء ما حذرت عنه‬
‫ولية وحصول هذه المحبة والنصرة من‬
‫الرسل وأنذرت وخوفت‪ ،‬وإذا كان كذلك رجعت ال َ‬
‫الله جل وعل‪ ،‬رجعت إلى اليمان بالرسل وإلى متابعة الرسل والتصديق بما جاءت به‬
‫الرسل‪ ،‬ك ّ‬
‫ل بحسب الرسول الذي ُبعث إليه‪ ،‬ولما بعث المصطفي محمد عليه الصلة‬
‫والسلم صار اليمان والتقوى راجعا إلى هذه الوسيلة العظيمة وهو محمد عليه الصلة‬
‫والسلم‪ ،‬فك ّ‬
‫ولية ليست سببها اليمان بالنبي عليه الصلة والسلم واتقاء ما حذر‬
‫ل ادعاء ل َ‬
‫عنه عليه الصلة والسلم فهو ادعاء كاذب‪ .‬وبهذا سيفصل في ذكر اليمان بالرسل لتحقيق‬
‫ولية ل تكون إل باتباع الرسول عليه الصلة والسلم‪.‬‬
‫أ ّ‬
‫ن ال َ‬

‫‪28‬‬

‫التعليقات الحسان على كتاب الفرقان‬

‫َ‬
‫صاب َ َ‬
‫ع َ‬
‫فل َ ت َ ُ‬
‫يء ٌ َ‬
‫ما ي َن ْ َ‬
‫ق ْ‬
‫ك َ‬
‫ل‪:‬‬
‫َ‬
‫ست َ ِ‬
‫ن ِبالل ّ ِ‬
‫وإ ِ ْ‬
‫ول َ ت َ ْ‬
‫ف ُ‬
‫وا ْ‬
‫ع ْ‬
‫عَلى َ‬
‫نأ َ‬
‫ع ِ‬
‫جْز‪َ .‬‬
‫ه‪َ .‬‬
‫ك َ‬
‫ش ْ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫شاءَ َ‬
‫ل‪َ :‬‬
‫ن ُ‬
‫و أّني َ‬
‫ع َ‬
‫ما َ‬
‫ق ْ‬
‫ل‪.‬‬
‫قدَُر الل ِ‬
‫ف َ‬
‫ف َ‬
‫عل ُ‬
‫ولك ِ ْ‬
‫و َ‬
‫ه‪َ .‬‬
‫ت لكان كذا وكذا‪َ .‬‬
‫لَ ْ‬
‫شي ْ َ‬
‫و تَ ْ‬
‫َ‬
‫ل ال ّ‬
‫م َ‬
‫ن«‪.‬‬
‫ح َ‬
‫فإ ِ ّ‬
‫فت َ ُ‬
‫ع َ‬
‫طا ِ‬
‫ن لَ ْ‬
‫وفي الصحيحين عن أبي هريرة وعمرو بن العاص رضي الله عنهما عن النبي ‪‬‬
‫فل َ َ‬
‫ذا اجتهد ال ْحاكم َ َ‬
‫هد َ‬
‫وإ َ‬
‫أنه قال »إ َ‬
‫خطََأ‪,‬‬
‫فأ َ ْ‬
‫ذا ا ْ‬
‫هأ ْ‬
‫صا َ‬
‫جت َ َ‬
‫ب‪ُ َ ,‬‬
‫َ ِ ُ‬
‫فأ َ‬
‫ن‪َ ,‬‬
‫جَرا ِ‬
‫َ‬
‫فل َ َ‬
‫ن َ‬
‫ن أن ْ َ‬
‫ل‬
‫ست َ‬
‫ق ِ‬
‫وي ِ‬
‫هأ ْ‬
‫جٌر«‪ ،‬وقد قال الله تعالى ﴿َل ي َ ْ‬
‫م ْ‬
‫م ْ‬
‫ف َ‬
‫م َ‬
‫من ْك ُ ْ‬
‫َ ُ‬
‫قب ْ ِ‬
‫ِ‬
‫قات َ َ ُ‬
‫ول َئ ِ َ‬
‫و َ‬
‫ف ُ‬
‫ن أ َن ْ َ‬
‫و َ‬
‫ال ْ َ‬
‫قات َُلوا‬
‫ج ً‬
‫قوا ِ‬
‫ن ال ّ ِ‬
‫ة ِ‬
‫ن بَ ْ‬
‫ك أعظم دََر َ‬
‫م ْ‬
‫ذي َ‬
‫م ْ‬
‫عدُ َ‬
‫لأ ْ‬
‫ح َ‬
‫فت ْ ِ‬
‫وي ال ْ َ‬
‫ن‬
‫و َ‬
‫قا ِ‬
‫دو َ‬
‫ع ُ‬
‫ه ال ْ ُ‬
‫سَنى﴾]الحديد‪ ،[10:‬وقال تعالى ﴿َل ي َ ْ‬
‫ح ْ‬
‫عدَ الل ّ ُ‬
‫وك ُّل َ‬
‫َ‬
‫ست َ ِ‬
‫ُ‬
‫ّ‬
‫ْ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫ه‬
‫ن ِ‬
‫وِلي ال ّ‬
‫ل الل ِ‬
‫جا ِ‬
‫مؤ ِ‬
‫ِ‬
‫دو َ‬
‫ه ُ‬
‫م َ‬
‫في َ‬
‫مِني َ‬
‫م ْ‬
‫وال ُ‬
‫ن ال ُ‬
‫سِبي ِ‬
‫ر َ‬
‫ن غي ُْر أ ْ‬
‫ضَر ِ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫وأن ُ‬
‫م َ‬
‫وأن ُ‬
‫ض َ‬
‫عَلى‬
‫م َ‬
‫ف ّ‬
‫ف ِ‬
‫ه ِ‬
‫جا ِ‬
‫ف ِ‬
‫م َ‬
‫دي َ‬
‫ه ْ‬
‫ه ْ‬
‫ن ب ِأ ْ‬
‫ه ال ْ ُ‬
‫ل الل ّ ُ‬
‫ه ْ‬
‫ه ْ‬
‫ب ِأ ْ‬
‫م َ‬
‫م َ‬
‫م َ‬
‫م َ‬
‫س ِ‬
‫وال ِ ِ‬
‫س ِ‬
‫وال ِ ِ‬
‫و َ‬
‫ال ْ َ‬
‫ض َ‬
‫عَلى‬
‫ن َ‬
‫و َ‬
‫ج ً‬
‫قا ِ‬
‫ف ّ‬
‫ه ِ‬
‫جا ِ‬
‫ع ِ‬
‫م َ‬
‫ه ال ْ ُ‬
‫ن دََر َ‬
‫ح ْ‬
‫دي َ‬
‫دي َ‬
‫ه ال ْ ُ‬
‫ل الل ّ ُ‬
‫عدَ الل ّ ُ‬
‫سَنى َ‬
‫وك ُّل َ‬
‫ة َ‬
‫َ‬
‫و َ‬
‫ال ْ َ‬
‫ه‬
‫م ْ‬
‫جًرا َ‬
‫م ً‬
‫غ ِ‬
‫قا ِ‬
‫ت ِ‬
‫جا ٍ‬
‫ع ِ‬
‫ع ِ‬
‫كا َ‬
‫وَر ْ‬
‫ما)‪(95‬دََر َ‬
‫نأ ْ‬
‫دي َ‬
‫ن الل ّ ُ‬
‫ح َ‬
‫و َ‬
‫من ْ ُ‬
‫ظي ً‬
‫ة َ‬
‫فَرةً َ‬
‫ه َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫س َ‬
‫غ ُ‬
‫ج‬
‫قاي َ َ‬
‫فوًرا َر ِ‬
‫م ِ‬
‫حا ّ‬
‫ة ال ْ َ‬
‫ج َ‬
‫ما﴾]النساء‪ ،[96-95:‬وقال تعالى ﴿أ َ‬
‫عل ْت ُ ْ‬
‫حي ً‬
‫في‬
‫هدَ ِ‬
‫جا َ‬
‫وم ِ اْل ِ‬
‫و ِ‬
‫ن ِبالل ّ ِ‬
‫ج ِ‬
‫و َ‬
‫د ال ْ َ‬
‫م ْ‬
‫م َ‬
‫م ْ‬
‫نآ َ‬
‫حَرام ِ ك َ َ‬
‫ماَرةَ ال ْ َ‬
‫ع َ‬
‫س ِ‬
‫ر َ‬
‫وال ْي َ ْ‬
‫ه َ‬
‫َ‬
‫خ ِ‬
‫ّ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫َ‬
‫ن)‬
‫ن ِ‬
‫م الظال ِ ِ‬
‫ه ِ‬
‫عن ْدَ الل ِ‬
‫ل الل ِ‬
‫وو َ‬
‫و َ‬
‫ه ل يَ ْ‬
‫ه ل يَ ْ‬
‫َ‬
‫مي َ‬
‫والل ُ‬
‫دي الق ْ‬
‫ه َ‬
‫ست َ ُ‬
‫سِبي ِ‬
‫َ‬
‫م‬
‫دوا ِ‬
‫جا َ‬
‫و َ‬
‫ل الل ّ ِ‬
‫‪(19‬ال ّ ِ‬
‫ه ُ‬
‫و َ‬
‫ها َ‬
‫في َ‬
‫ذي َ‬
‫ه ْ‬
‫ه ب ِأ ْ‬
‫نآ َ‬
‫م َ‬
‫سِبي ِ‬
‫جُروا َ‬
‫مُنوا َ‬
‫وال ِ ِ‬
‫ُ‬
‫ول َئ ِ َ‬
‫م ال ْ َ‬
‫وَأن ُ‬
‫ن)‪(20‬ي ُب َ ّ‬
‫م‬
‫ج ً‬
‫شُر ُ‬
‫ك ُ‬
‫ة ِ‬
‫عن ْدَ الل ّ ِ‬
‫ف ِ‬
‫فائ ُِزو َ‬
‫م أعظم دََر َ‬
‫ه ْ‬
‫ه ْ‬
‫ه ْ‬
‫وأ ْ‬
‫ه َ‬
‫َ‬
‫س ِ‬
‫َ‬
‫ن‬
‫م)‪َ (21‬‬
‫م ِ‬
‫ها ن َ ِ‬
‫م ِ‬
‫ر ْ‬
‫خال ِ ِ‬
‫جّنا ٍ‬
‫ة ِ‬
‫م ٍ‬
‫و َ‬
‫م ب َِر ْ‬
‫في َ‬
‫تل ُ‬
‫َرب ّ ُ‬
‫دي َ‬
‫قي ٌ‬
‫م ُ‬
‫عي ٌ‬
‫ه ْ‬
‫من ْ ُ‬
‫ح َ‬
‫ه ْ‬
‫ن َ‬
‫وا ٍ‬
‫ض َ‬
‫ه َ‬
‫و ِ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ن‬
‫جٌر َ‬
‫ه ِ‬
‫ِ‬
‫ع ِ‬
‫دا إ ِ ّ‬
‫عن ْدَهُ أ ْ‬
‫ها أب َ ً‬
‫في َ‬
‫م ْ‬
‫م ﴾]التوبة‪ ،[22-19:‬وقال تعالى ﴿أ ّ‬
‫ظي ٌ‬
‫ن الل ّ َ‬
‫ْ‬
‫ّ‬
‫ه ُ‬
‫و َ‬
‫و َ‬
‫ق ْ‬
‫ل‬
‫م َ‬
‫حذَُر ال ِ‬
‫ُ‬
‫ة َرب ّ ِ‬
‫جو َر ْ‬
‫وي َْر ُ‬
‫ما ي َ ْ‬
‫ج ً‬
‫قان ِ ٌ‬
‫ل َ‬
‫ح َ‬
‫قائ ِ ً‬
‫سا ِ‬
‫خَرةَ َ‬
‫دا َ‬
‫ت آَناءَ اللي ْ ِ‬
‫ه َ‬
‫ُ‬
‫ه ْ‬
‫وُلوا‬
‫َ‬
‫وال ّ ِ‬
‫وي ال ّ ِ‬
‫مو َ‬
‫مو َ‬
‫ن َل ي َ ْ‬
‫ن يَ ْ‬
‫ل يَ ْ‬
‫ذي َ‬
‫ذي َ‬
‫ن إ ِن ّ َ‬
‫عل َ ُ‬
‫عل َ ُ‬
‫ما ي َت َذَك ُّر أ ْ‬
‫ن َ‬
‫ست َ ِ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫ْ‬
‫ْ‬
‫ب﴾]الزمر‪ ،[9:‬وقال تعالى ﴿ ي َْر َ‬
‫ن‬
‫وال ِ‬
‫مُنوا ِ‬
‫ه ال ِ‬
‫ف ْ‬
‫ذي َ‬
‫ذي َ‬
‫من ْك ُ ْ‬
‫نآ َ‬
‫ع الل ُ‬
‫اللَبا ِ‬
‫م َ‬
‫)‪(34‬‬
‫خِبيٌر﴾]المجادلة‪.[11:‬‬
‫ن َ‬
‫ُأوُتوا ال ْ ِ‬
‫جا ٍ‬
‫مُلو َ‬
‫ما ت َ ْ‬
‫م دََر َ‬
‫ع َ‬
‫ه بِ َ‬
‫والل ّ ُ‬
‫عل ْ َ‬
‫ت َ‬
‫فصــــــل‬

‫‪()34‬هذا استطراد من شيخ السلم رحمه الله‪ ،‬ليبين أن المؤمنين بالرسل من هذه المة‬
‫مل وليس عنده إيمان مفصل‪ ،‬فيكون مؤمنا‬
‫ليسوا على مرتبة سواء‪ ،‬فبعضهم إيمانه مج َ‬
‫مل‪ ،‬وهناك من إيمانه مفصل يعني عمل ما‬
‫تقيا؛ مؤمنا بما جاءه وما عنده من اليمان المج َ‬
‫صل‪ ،‬ومنهم من آمن فما جاءه مفصل لكن‬
‫جاء به الرسول عليه الصلة والسلم فآمن به مف ّ‬
‫ما جاء غيره أكثر لما عنده من العلم‪ ،‬فصار الذين يؤمنون بالرسول عليه الصلة والسلم‬
‫ن‬
‫متفاضلين فبعظمهم أعظم إيمانا من بعض لما وصله من العلم‪ .‬كذلك من جهة العمل فإ ّ‬
‫اليمان منه العمل فإذا عمل بما جاء به الرسول عليه الصلة والسلم كان أعظم إيمانا به‪،‬‬
‫ونتج من ذلك أنه أعظم َولية‪ ،‬فإذن الولياء ليسوا على مرتبة واحدة‪ ،‬ثم ذكر الدلة الدالة‬
‫ن الرسل فضل الله جل وعل‬
‫ن التفاضل بين أهل اليمان كثير في النصوص‪ ،‬فذكر أ ّ‬
‫على أ ّ‬
‫ن المؤمنين فضل الله بعضهم على بعض في عدة نصوص من‬
‫بعضهم على بعض‪ ،‬وذكر أ ّ‬
‫َ‬
‫ن أن ْ َ‬
‫ن‬
‫ق ِ‬
‫وي ِ‬
‫م ْ‬
‫م ْ‬
‫القرآن‪ ،‬وكذلك المجاهدين فضل الله بعضهم على بعض ﴿َل ي َ ْ‬
‫ف َ‬
‫م َ‬
‫من ْك ُ ْ‬
‫ست َ ِ‬
‫و َ‬
‫ل ال ْ َ‬
‫َ‬
‫قات َ َ‬
‫ل﴾]الحديد‪ [10:‬والصحابة يختلفون في مراتبهم و»المؤمن القوي خير‬
‫ح َ‬
‫قب ْ ِ‬
‫فت ْ ِ‬
‫وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف وفي ك ّ‬
‫ل خير«‪ ،‬فهذا الستطراد يدل على أن‬
‫الصل الذي أصله معروف في الشريعة‪ .‬وهذا تنتبه له في طريقة شيخ السلم رحمه الله‬
‫في أّنه يقرر في صدر الكلم ما يريده‪ ،‬ثم يستحضر سؤال أو استشكال يورده عليه من‬
‫أنشأ الرسالة لجله )هذه الرسالة أو غير هذه الرسالة( فيأتي بالنظائر التي تدل على أن‬
‫أصله الذي أصله سليم من جهة الستدلل وسليم من جهة النظر‪ ،‬وهذا ل شك أنه قوة في‬
‫الحجة سيما مع المجادلين والمبتدعة لن هذه الكتب ألفها شيخ السلم لهداية من ضل في‬
‫باب السلوك‪.‬‬

‫للشيخ العلمة صالح بن عبد العزيز آل الشيخ‬

‫‪29‬‬

‫َ‬
‫ن‬
‫وإذا كان العبد ل يكون وليا لله إل إذا كان مؤمنا تقيا لقوله تعالى ﴿أَل إ ِ ّ‬
‫َ‬
‫ف َ َ‬
‫و َ‬
‫كاُنوا‬
‫ه َل َ‬
‫وَل ُ‬
‫و ٌ‬
‫ن)‪(62‬ال ّ ِ‬
‫ول َِياءَ الل ّ ِ‬
‫حَزُنو َ‬
‫م يَ ْ‬
‫ذي َ‬
‫نآ َ‬
‫ه ْ‬
‫ه ْ‬
‫مُنوا َ‬
‫م َ‬
‫خ ْ‬
‫أ ْ‬
‫علي ْ ِ‬
‫ي َت ّ ُ‬
‫ن﴾]يونس‪.[63-62:‬‬
‫قو َ‬
‫وفي صحيح البخاري الحديث المشهور وقد تقدم‪ ،‬يقول الله تبارك وتعالى فيه‬
‫»ول يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه«‪ ،‬ول يكون مؤمنا تقيا‬
‫حتى يتقرب إلى الله بالفرائض‪ ،‬فيكون من البرار أهل اليمين‪ ،‬ثم بعد ذلك ل‬
‫يزال يتقرب بالنوافل حتى يكون من السابقين المقربين‪ ،‬فمعلوم أن أحدا من‬
‫در‬
‫الكفار والمنافقين ل يكون وليا لله‪ ،‬وكذلك من ل يصح إيمانه وعباداته وإن قُ ّ‬
‫أنه ل إثم عليه مثل أطفال الكفار ومن لم تبلغه الدعوة‪ ،‬وإن قيل إنهم ل‬
‫يعذبون حتى يرسل إليهم رسول فل يكونون من أولياء الله إل إذا كانوا من‬
‫المؤمنين المتقين‪ ،‬فمن لم يتقرب إلى الله ل بفعل الحسنات ول بترك السيئات‬
‫لم يكن من أولياء الله‪ ،‬وكذلك المجانين والطفال‪ ،‬فإن النبي ‪ ‬قال »ُرفع‬
‫القلم عن ثلثة عن المجنون حتى يفيق‪ ،‬وعن الصبي حتى يحتلم‪،‬‬
‫وعن النائم حتى يستيقظ« وهذا الحديث قد رواه أهل السنن من حديث‬
‫قبول‪ ،‬لكن‬
‫علي وعائشة رضي الله عنهما‪ ،‬واتفق أهل المعرفة على تلقيه بال َ‬
‫الصبي المميز تصح عباداته ويثاب عليها عند جمهور العلماء‪ ،‬وأما المجنون الذي‬
‫ُرفع عنه القلم فل يصح شيء من عباداته باتفاق العلماء‪ ،‬ول يصح منه إيمان ول‬
‫كفر ول صلة ول غير ذلك من العبادات‪ ،‬بل ل يصلح هو عند عامة العقلء لمور‬
‫الدنيا كالتجارة والصناعة‪ ،‬فل يصلح أن يكون بزازا ول عطارا ول حدادا ول نجارا‪،‬‬
‫ول تصح عقوده باتفاق العلماء‪ ،‬فل يصح بيعه ول شراؤه ول نكاحه ول طلقه ول‬
‫إقراره ول شهادته ول غير ذلك من أقواله‪ ،‬بل أقواله كلها لغو ل يتعلق بها حكم‬
‫شرعي‪ (35) ،‬ول ثواب ول عقاب‪ ،‬بخلف الصبي المميز فإن له أقوال معتبرة في‬
‫مواضع بالنص والجماع‪ ،‬وفي مواضع فيها نزاع‪ ،‬وإذا كان المجنون ل يصح منه‬
‫اليمان ول التقوى ول التقرب إلى الله بالفرائض والنوافل وامتنع أن يكون وليا‬
‫لله فل يجوز لحد أن يعتقد أنه ولي لله‪ ،‬ل سيما أن تكون حجته على ذلك إما‬
‫مكاشفة سمعها منه‪ ،‬أو نوع من تصرف مثل أن يراه قد أشار إلى واحد فمات‬
‫صرع‪ ،‬فإنه قد علم أن الكفار والمنافقين من المشركين وأهل الكتاب لهم‬
‫أو ُ‬
‫)‪(36‬‬
‫مكاشفات وتصرفات شيطانية كالكهان والسحرة وع ُّباد المشركين وأهل‬

‫‪()35‬ل يتعلق بها حكم شرعي‪ ،‬المقصود به التكليفي أما الوضعي فيؤاخذ به‪.‬‬
‫ن التقوى‬
‫ن بين أ ّ‬
‫‪ ()36‬كلم شيخ السلم من أول الفصل إلى هذا الموطن يريد أّنه بعد أ ْ‬
‫ن اليمان والتقوى‬
‫ن الولي هو المؤمن التقي‪ ،‬بين أ ّ‬
‫واليمان سبب ولية الله لعبده‪ ،‬وأ ّ‬
‫والتقوى ل تصح من العبد إل إذا كان باختياره‪ ،‬يعني إذا كان مكلفا وصار متقيا لرغبته‬
‫ن رفع عنه القلم ل يوصف باليمان والتقوى‪،‬‬
‫واختياره‪ ،‬وصار مؤمنا برغبته واختياره‪ ،‬وأ ّ‬
‫ما م ْ‬
‫ن العبادات فإّنه ل يوصف باليمان والتقوى‬
‫حتى ولو حصل منه بعض الشياء التي هي م َ‬
‫ن الصوفية لهم اعتقاد في المجنون لن الصوفية‬
‫حتى يأتيها اختيارا‪ ،‬ومّثل بذلك بالمجنون ل ّ‬
‫لهم اعتقاد في المجانين كما سيأتي في بقية الكلم‪ ،‬فالمجنون هذا لم يقع منه في جنونه‬
‫إيمان وتقوى برغبة واختيار وطاعة لله‪ ،‬فإذن تعريف الولي بأنه كل مؤمن تقي وليس بنبي‬
‫ت اليمان والتقوى طاعة لله واختيارا‪ ،‬بل هو غاقل أو مجنون‬
‫هذا ل يصدق عليه لنه لم يأ ِ‬
‫ن الناس مجمعون على أن المجنون ل يبايع ول ينكح‬
‫والمجنون مرفوع عنه القلم‪ ،‬ومّثل له أ ّ‬
‫إلى آخره‪ ،‬ويأباه الناس حتى ل يقعوا في تصرفات له ل يعقلوها‪ ،‬وكذلك أعظم المور وأهم‬
‫المهمات وهو اليمان فإنه ل يوصف المجنون بذلك‪ ،‬معلوم أّنه إذا كان الجنون عرض له‬
‫فإّنه إذا مات عليه فإن حاله على ما كان قبل الجنون؛ يعني إذا كان قبل الجنون رجل صالحا‬

‫‪30‬‬

‫التعليقات الحسان على كتاب الفرقان‬

‫الكتاب‪ ،‬فل يجوز لحد أن يستدل بمجرد ذلك على كون الشخص وليا لله وإن لم‬
‫يعلم منه ما يناقض َولية الله‪ ،‬فكيف إذا علم منه ما يناقض ولية الله‪ ،‬مثل أن‬
‫يعلم أنه ل يعتقد وجوب اتباع النبي ‪ ‬باطنا وظاهرا‪ ،‬بل يعتقد أنه يتبع الشرع‬
‫الظاهر دون الحقيقة الباطنة‪ ،‬أو يعتقد أن لولياء الله طريقا إلى الله غير طريق‬
‫النبياء عليهم الصلة والسلم‪ ،‬أو يقول إن النبياء ضّيقوا الطريق‪ ،‬أو هم على‬
‫قدوة العامة دون الخاصة‪ ،‬ونحو ذلك مما يقوله بعض من يدعي الولية‪ ،‬فهؤلء‬
‫فيهم من الكفر ما يناقض اليمان فضل عن ولية الله عز وجل‪ ،‬فمن احتج بما‬
‫يصدر عن أحدهم من خرق عادة على َوليتهم كان أضل من اليهود والنصارى‪،‬‬
‫وكذلك المجنون فإن كونه مجنونا يناقض أن يصح منه اليمان والعبادات التي‬
‫ن أحيانا وُيفيق أحيانا إذا كان في حال‬
‫هي شرط في َولية الله‪ ،‬ومن كان ي ُ َ‬
‫ج ّ‬
‫ن لم‬
‫إفاقته مؤمنا بالله ورسوله ويؤدي الفرائض ويجتنب المحارم فهذا إذا ُ‬
‫ج ّ‬
‫يكن جنونه مانعا من أن يثيبه الله على إيمانه وتقواه الذي أتى به في حال‬
‫إفاقته‪ ،‬ويكون له من ولية الله بحسب ذلك‪ ،‬وكذلك من طرأ عليه الجنون بعد‬
‫إيمانه وتقواه فإن الله يثيبه ويأجره على ما تقدم من إيمانه وتقواه‪ ،‬ول يحبطه‬
‫بالجنون الذي أبتلي به من غير ذنب فعله‪ ،‬والقلم مرفوع عنه في حال جنونه‪،‬‬
‫فعلى هذا فمن أظهر الولية وهو ل يؤدي الفرائض ول يجتنب المحارم‪ ،‬بل قد‬
‫يأتي بما يناقض ذلك‪،‬لم يكن لحد أن يقول هذا ولي‪ ،‬لله فإن هذا إن لم يكن‬
‫مجنونا بل كان متولها من غير جنون‪ ،‬أو كان يغيب عقله بالجنون تارة ويفيق‬
‫أخرى‪ ،‬وهو ل يقوم بالفرائض‪ ،‬بل يعتقد أنه ل يجب عليه اتباع الرسول ‪ ‬فهو‬
‫كافر‪ ،‬وإن كان مجنونا باطنا وظاهرا قد ارتفع عنه القلم‪ ،‬فهذا وإن لم يكن‬
‫معاقبا عقوبة الكافرين فليس هو مستحقا لما يستحقه أهل اليمان والتقوى من‬
‫كرامة الله عز وجل‪ ،‬فل يجوز على التقديرين أن يعتقد فيه أحد أنه ولي لله‪،‬‬
‫ولكن إن كان له حالة في إفاقته كان فيها مؤمنا بالله متقيا كان له من ولية‬
‫الله بحسب ذلك‪ ،‬وإن كان له في حال إفاقته فيه كفر أو نفاق أو كان كافرا أو‬
‫منافقا ثم طرأ عليه الجنون فهذا فيه من الكفر والنفاق ما يعاقب عليه‪ ،‬وجنونه‬
‫)‪(37‬‬
‫ل يحبط عنه ما يحصل منه حال إفاقته من كفر أو نفاق‪.‬‬
‫جن فيعتبر رجل صالحا‪ ،‬وما بعد ذلك ل يوصف بصلح ول بغيره‪ ،‬بل بداية‬
‫فإّنه إلى حين أن ي ُ َ‬
‫الجنون كنزول الموت‪ ،‬فيقال كان كذا‪ ،‬كان رجل صالحا‪ ،‬أما في حال جنونه من جهة‬
‫تصرفاته وعطائه الشرعي فإّنه مرفوع عنه القلم‪ ،‬يعني قلم التكليف‪ ،‬قد يقع من المجنون‬
‫أشياء غريبة وتوافق صوابا في نفسها‪ ،‬وقد ذكر الحافظ ابن حجر في مرة أن أحد ولة‬
‫دمشق مّر في سوق‪ ،‬وكان في الطريق رجل من المجانين فلما مّر عليه فصاح هذا بالوالي‬
‫"يا هذا ما فعلت الخبزة" فارتاع الوالي لهذه الكلمة ونزل‪ ،‬وسأل عنه قال هذا المجنون‬
‫فلن‪ ،‬وكانوا يعتقدون في المجانين‪ ،‬وأخذه وقبل يده‪ .‬فقال فكان هذا المجنون ربما أتى‬
‫في مجلس الوالي وبصق في وجهه وذاك مسرور بفعله‪.‬‬
‫لنهم يعتقدون أن الجنون سببه إنجذاب الروح عن المخلوق إلى الخالق‪ ،‬فالظاهر في ما‬
‫بينه وبين الناس أّنه ل عقل له لن عقله مع ربه جل وعل‪ ،‬لهذا يعدلون عن اسم المجنون‬
‫جذب عقله وروحه إلى رّبه فغاب عقله عن الناس وصار مع‬
‫إلى اسم المجذوب يعني الذي ُ‬
‫ربه‪ ،‬فلهذا يقولون أنه إذا تصرف فهو يتصرف بأمر الله‪ ،‬وأشباه ذلك مما يتنزه العقلء من‬
‫ظّنه فضل عن اليقين به‪ ،‬وفي هذا قال قائلهم في وصف المجانين‪:‬‬
‫ن سر جنونهم عزيز على أبوابه يسجد العقل‬
‫والمجانين إل أ ّ‬
‫يعني أن سبب الجنون هو كمال المحبة والنجذاب إلى الله جل وعل‪ .‬نسأل الله العافية‪.‬‬
‫‪()37‬ذكر أن شبهة المعتقدين في الجنون والمجنونين والمجذوبين والمتولهين ما يحصل لهم‬
‫من نوع خوارق للعادات سواء كانت خوارق علمية بذكر أشياء‪ ،‬يقول أنت تقول كذا‪ ،‬وحصل‬

‫للشيخ العلمة صالح بن عبد العزيز آل الشيخ‬

‫‪31‬‬

‫فصــــــل‬
‫وليس لولياء الله شيء يتميزون به عن الناس في الظاهر من المور‬
‫المباحات‪ ،‬فل يتميزون بلباس دون لباس‪ ،‬إذا كان كلهما مباحا‪ ،‬ول بحلق شعر‬
‫ق في قََباء‪ ،‬وكم من‬
‫أو تقصيره أو ظفره إذا كان مباحا‪ ،‬كما قيل كم من ِ‬
‫ص ّ‬
‫دي ٍ‬
‫زنديق في ع ََباء‪ ،‬بل يوجدون في جميع أصناف أمة محمد ‪ ،‬إذا لم يكونوا من‬
‫أهل البدع الظاهرة والفجور‪ ،‬فيوجدون في أهل القرآن وأهل العلم‪ ،‬ويوجدون‬
‫في أهل الجهاد والسيف‪ ،‬ويوجدون في التجار والصناع والزراع‪ ،‬وقد ذكر الله‬
‫َ‬
‫م أ َن ّ َ‬
‫ن َرب ّ َ‬
‫ك تَ ُ‬
‫ن‬
‫م أدَْنى ِ‬
‫أصناف امة محمد ‪ ‬في قوله تعالى ﴿إ ِ ّ‬
‫ك يَ ْ‬
‫قو ُ‬
‫م ْ‬
‫عل َ ُ‬
‫درة كما ذكر يشير إلى أحد‬
‫منك كذا‪ ،‬وهو مجنون فيوافق صوابا‪ ،‬أو خوارق من جهة ال ُ‬
‫ق ْ‬
‫فيموت‪ ،‬أو يشير إلى الماء فيمشي عليه أو يحلق بإصبعه فينزل عليه رغيف وأشباه ذلك‬
‫من أنواع القدرة والعلم‪ ،‬هذه أنواع خوارق والمتقرر أن الخوارق حصلت للكهان‪ ،‬حصلت‬
‫للسحرة‪ ,‬وحصلت للمشعوذين وللشياطين وللكفار‪ ،‬وحصلت أيضا الخوارق للمؤمنين‬
‫وحصلت أيضا الخوارق للرسل والنبياء‪ ،‬لهذا قسم العلماء الخوارق إلى ثلثة أقسام من‬
‫جهة من تحصل له باعتبار من حصلت له‪] .‬انتهى الشريط الثاني[‬
‫قالوا الخوارق‪:‬‬
‫قد تحصل للنبياء والرسل؛ حصلت للنبياء والرسل وهذه تسمى آيات‬
‫‪.1‬‬
‫وبراهين‪.‬‬
‫والقسم الثاني خوارق تحصل لتباع الرسل‪ ،‬هذه تسمى الكرامات‪.‬‬
‫‪.2‬‬
‫والثالث خوارق تحصل للمنافقين والعاصين للرسل‪ ،‬فهذه خوارق شيطانية‬
‫‪.3‬‬
‫ليست إكراما من الله عز وجل لهم؛ لن الله ليكرم من لم يتبع رسله عليهم الصلة‬
‫والسلم‪،‬‬
‫فإذن ليس اعتبار المرء محبوبا لله‪ ،‬وليا لله‪ ،‬أنه يحصل له خارق؛ لن الخارق يحصل‬
‫ن حصل الخارق‬
‫للشياطين وللكفار وللمنافقين‪ ،‬إذن لبد في النظر فيمن حصلت له‪ ،‬فإ ْ‬
‫ن‬
‫لمطيع للرسل معظم لهم متبع لهم في الظاهر والباطن صارت هذه الخوارق كرامات‪ ،‬وإ ْ‬
‫حصلت لمنافق عاص للرسل مبتدع أو مجنون فنقول هذه من الشياطين ليقاع الناس في‬
‫الفتنة أو في الكفر والشرك‪ .‬هذا باعتبار‪.‬‬
‫وباعتبار آخر‪ ،‬فإن الخوارق راجعة من حيث الصفات إلى نوعين من الصفات‪ :‬وهي صفتي‬
‫الغنى والقدرة‪ .‬ومعلوم أن غنى المغتني وقدرته على الشيء إنما هي بإقدار الله جل وعل‬
‫له وبإغتنائه جل وعل‪ ،‬وإذا كان كذلك فإن‪:‬‬
‫‪ .1‬الخارق للعادة إذا كان راجعا إلى صفة الغنى فقد يكون لحاجة من حصل له الخارق‪،‬‬
‫ضل على من‬
‫ن من حصل له الخارق ل ُيف ّ‬
‫فالخارق حصل له لجل إغنائه‪ ،‬فهذا يدل على أ ّ‬
‫ن الخوارق راجعة إلى صفتي الغنى والقتدار‪ ،‬فإذا كان ليس‬
‫لم يحصل له الخارق؛ ل ّ‬
‫بغني ومحتاج وضعفت نفسه فقد يكون يحصل له خارق‪ ،‬وهو ليس كالولي الذي لم‬
‫ن بعض الصحابة كان أكثر خوارق ممن كان أفضل منه كأبي‬
‫يحصل له خارق‪ ،‬لهذا نجد أ ّ‬
‫بكر وعمر‪ ،‬وذلك لكمال غنى أبي بكر وعمر الكمال البشري‪ ،‬وافتقار ذلك إلى ما يقوي‬
‫إيمانه ويصحح أويثبت يقينه‪.‬‬
‫فحصول الخارق من حيث هو باعتبار صفات الكمال راجع إلى النقص‪ ،‬فيحصل الخارق‬
‫لفائدة الشخص لرفع النقص عنه في صفات الكمال أو لزيادته في صفات الكمال‪ ،‬فإذا‬
‫كان ضعيفا من جهة الغنى ِزيد في غناه بالخارق ليقوى إيمانه‪.‬‬
‫ُ‬
‫ن بعظهم‬
‫‪ .2‬كذلك من جهة القدرة ربما أعطي ليظهر إيقانه كما يحصل للمجاهدين فإ ّ‬
‫ُيكرم بأشياء؛ لنهم لم يحققوا من أمر الله جل وعل ما يوجب إغتناءهم عن الكرامات‪،‬‬
‫فيكون اتيانهم بالكرامات لجل عدم قدرتهم والله جل وعل يريد نصر دينه ونصر أتباع‬
‫دينه على أعدائه وأعداء دينه‪.‬‬
‫وهذه مسألة تحتاج إلى مزيد بسط لمعرفة أفراد صفات الغنى وتقسيماتها‪ ،‬وأفراد صفات‬
‫القتدار والقدرة وتقسيماتها‪ ،‬وهي مبسوطة في كتب أهل العلم‪.‬‬

‫‪32‬‬

‫التعليقات الحسان على كتاب الفرقان‬

‫و َ‬
‫ع َ‬
‫ه يُ َ‬
‫طائ ِ َ‬
‫ص َ‬
‫قدُّر الل ّي ْ َ‬
‫ل‬
‫ف ٌ‬
‫ن ال ّ ِ‬
‫ة ِ‬
‫م َ‬
‫ذي َ‬
‫م ْ‬
‫والل ّ ُ‬
‫ن َ‬
‫وث ُل ُث َ ُ‬
‫ف ُ‬
‫ون ِ ْ‬
‫ك َ‬
‫ه َ‬
‫ه َ‬
‫ل َ‬
‫ث ُل َُثي الل ّي ْ ِ‬
‫َ‬
‫فا ْ‬
‫م َ‬
‫صوهُ َ‬
‫ن‬
‫ب َ‬
‫هاَر َ‬
‫قَر ُ‬
‫سَر ِ‬
‫مأ ْ‬
‫فَتا َ‬
‫ن تُ ْ‬
‫ما ت َي َ ّ‬
‫والن ّ َ‬
‫م ْ‬
‫ن لَ ْ‬
‫ءوا َ‬
‫عل َي ْك ُ ْ‬
‫عل ِ َ‬
‫ح ُ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫ْ‬
‫ُ‬
‫ُ‬
‫ُ‬
‫ض‬
‫وآ َ‬
‫ن َ‬
‫ن ِ‬
‫ن يَ ْ‬
‫مْر َ‬
‫ن ِ‬
‫رُبو َ‬
‫خُرو َ‬
‫سي َكو ُ‬
‫مأ ْ‬
‫ن َ‬
‫م َ‬
‫من ْك ْ‬
‫عل ِ َ‬
‫ضى َ‬
‫القْرآ ِ‬
‫ض ِ‬
‫في الْر ِ‬
‫فا ْ‬
‫ه َ‬
‫ن يُ َ‬
‫ن َ‬
‫ما‬
‫وآ َ‬
‫ي َب ْت َ ُ‬
‫قَر ُ‬
‫ن ِ‬
‫ف ْ‬
‫ل الل ّ ِ‬
‫ل الل ّ ِ‬
‫ن ِ‬
‫قات ُِلو َ‬
‫خُرو َ‬
‫غو َ‬
‫في َ‬
‫م ْ‬
‫ءوا َ‬
‫سِبي ِ‬
‫ه َ‬
‫ض ِ‬
‫ه﴾]المزمل‪ ،[20:‬وكان السلف يسمون أهل الدين والعلم القراء‪،‬‬
‫سَر ِ‬
‫ت َي َ ّ‬
‫من ْ ُ‬
‫فيدخل فيهم العلماء والنساك‪ ،‬ثم حدث بعد ذلك اسم الصوفية والفقراء‪ ،‬واسم‬
‫الصوفية هو نسبة إلى لباس الصوف‪ ،‬هذا هو الصحيح‪ ،‬وقد قيل إنه نسبة إلى‬
‫صفوة الفقهاء‪ ،‬وقيل إلى صوفة بن أد بن طابخة قبيلة من العرب كانوا يعرفون‬
‫بالنسك‪ ،‬وقيل إلى أهل الصفة‪ ،‬وقيل إلى الصفا‪ ،‬وقيل إلى الصفوة‪ ،‬وقيل إلى‬
‫الصف المقدم بين يدي الله تعالى‪ ،‬وهذه أقوال ضعيفة فإنه لو كان كذلك لقيل‬
‫في ولم يقل صوفي‪ ،‬وصار أيضا اسم الفقراء‬
‫ص ّ‬
‫ص ّ‬
‫ِ‬
‫صفوي أو َ‬
‫في أو صفائي أو َ‬
‫عرف حادث‪ ،‬وقد تنازع الناس أيهما أفضل مسمى‬
‫يعنى به أهل السلوك‪ ،‬وهذا ُ‬
‫الصوفي أو مسمى الفقير‪ ،‬ويتنازعون أيضا أيهما أفضل الغني الشاكر أم الفقير‬
‫الصابر‪ ،‬وهذه المسألة فيها نزاع قديم بين الجنيد وبين أبي العباس بن عطاء‪.‬‬
‫وقد روي عن أحمد بن حنبل فيها روايتان‪ ،‬والصواب في هذا كله ما قاله الله‬
‫َ‬
‫خل َ ْ‬
‫وُأنَثى‬
‫س إ ِّنا َ‬
‫م ِ‬
‫تبارك وتعالى حيث قال ﴿َيا أي ّ َ‬
‫م ْ‬
‫قَناك ُ ْ‬
‫ها الّنا ُ‬
‫ر َ‬
‫ن ذَك َ ٍ‬
‫َ‬
‫عاَر ُ‬
‫و َ‬
‫قَبائ ِ َ‬
‫م ُ‬
‫ه‬
‫م ِ‬
‫عن ْدَ الل ّ ِ‬
‫فوا إ ِ ّ‬
‫ل ل ِت َ َ‬
‫ش ُ‬
‫ج َ‬
‫و َ‬
‫مك ُ ْ‬
‫ن أك َْر َ‬
‫عل َْناك ُ ْ‬
‫عوًبا َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫م﴾]الحجرات‪.[13:‬‬
‫أت ْقاك ْ‬
‫وفي الصحيح عن أبي هريرة ‪ ‬عن النبي ‪ ‬أنه سئل أي الناس أفضل قال‬
‫»أتقاهم« قيل له‪ :‬ليس عن هذا نسألك‪ ،‬فقال »يوسف نبي الله ابن‬
‫يعقوب نبي الله ابن اسحق نبي الله إبراهيم خليل الله« فقيل له‬
‫ليس عن هذا نسألك‪ ،‬فقال »عن معادن العرب تسألوني؟ الناس معادن‬
‫كمعادن الذهب والفضة خيارهم في الجاهلية خيارهم في السلم‬
‫)‪(38‬‬
‫إذا َ‬
‫هوا« فدل الكتاب والسنة أن أكرم الناس عند الله أتقاهم‪.‬‬
‫ف ِ‬
‫ق ُ‬

‫المقصود من هذا أن المجنون ل يجوز أن يوصف بأنه من الولياء لن ليس له اختيار‬
‫وليس له فعل بنفسه‪ ،‬وإنما الولياء هم المؤمنون المتقون‪.‬‬
‫‪ ()38‬بسم الله الرحمن الرحيم‪ ،‬الحمد لله والصلة والسلم على رسول الله وعلى آله وصحبه‬
‫ولية‪ ،‬قد ذكرنا‬
‫ومن اهتدى بهداه‪،‬أما بعد‪ :‬فهذا الفصل تفريع على تعريف الولي وشروط ال َ‬
‫صل اليمان والتقوى‪،‬‬
‫لكم أن الولي هو كل مؤمن تقي وليس بنبي‪ ،‬والولي هو من ح ّ‬
‫ن يكونوا على صفة ما في المأكل أو‬
‫ن اليمان والتقوى ل يشترط على أهله أ ْ‬
‫ومعلوم أ ّ‬
‫ن هذا هو الذي‬
‫ن يكون ذلك إتيان الحلل و ترك الحرام‪ ،‬فإ ّ‬
‫المشرب أو في اللباس‪ ،‬إل أ ْ‬
‫جعلهم أولياء مؤمنين أتقياء‪ ،‬تمّيز الولياء بلباس خاص ُيشار إلهيم به ليس له أصل‪،‬‬
‫وتمّيزهم بشكل في شعورهم ليس له أصل‪ ،‬إما بحلق الرأس أو بتكثيره أو ما أشبه ذلك‪،‬‬
‫فهذا كله ليس له أصل‪ ،‬وكذلك تمّيزهم في مآكلهم أو في مراكبهم أو في مشاربهم ونحو‬
‫ذلك‪ ،‬هذا كله ليس له أصل‪ ،‬بل يختلفون في هذه إذا كان ما يأتون من المباح لهم‪ .‬نعم‪،‬‬
‫ن‬
‫ِ‬
‫سعون في المباحات؛ يعني ليس كل مباح يأتونه ل ّ‬
‫من صفة أولياء الله جل وعل أنهم ل يتو ّ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫م‬
‫ن َ‬
‫جا ِ‬
‫عَنا ب ِ ِ‬
‫مد ّ ّ‬
‫وا ً‬
‫مت ّ ْ‬
‫من ْ ُ‬
‫ه ْ‬
‫ما َ‬
‫عي ْن َي ْك إ ِلى َ‬
‫الله جل وعل نهى نبيه عن ذلك بقوله ﴿ل ت َ ُ‬
‫ه أْز َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫دنَيا ل ِن َ ْ‬
‫وأب ْقى﴾]طه‪ ،[131:‬و َ‬
‫رْزقُ َرب ّك َ‬
‫م ِ‬
‫َز ْ‬
‫في ِ‬
‫حَيا ِ‬
‫ن مد ّ‬
‫ذكر أ ّ‬
‫ة ال ّ‬
‫هَرةَ ال ْ َ‬
‫فت ِن َ ُ‬
‫ه ْ‬
‫خي ٌْر َ‬
‫ه َ‬
‫و ِ‬
‫ن هذا من عاجلة الدنيا‪ ،‬وُنهي النبي ‪‬‬
‫مّتع به الناس من زهرة الحياة الدنيا أ ّ‬
‫النظر إلى ما ُ‬
‫ن رزق الله خير وأبقى يعني في الخرة‪ ،‬هذا‬
‫عن مد ّ العين إلى كل المباحات في الية‪ ،‬وأ ّ‬
‫ملوا اليمان والتقوى أنهم ل‬
‫يدل على أ ّ‬
‫ن من صفة العُّباد ومن صفة أولياء الله الذين ك ّ‬
‫من‬
‫ن فيه نوع تعلق بالدنيا‪ ،‬لكن ِ‬
‫سعون في المباحات‪ ،‬فربما كان الشيء مباحا وُترك ل ّ‬
‫يتو ّ‬
‫جهة المور ل يختلفون عن غيرهم إل فيما يكون فيه نوع خرم للمروءة ودناءة أو أشباه ذلك‬

‫للشيخ العلمة صالح بن عبد العزيز آل الشيخ‬

‫‪33‬‬

‫وفي السنن عن النبي ‪ ‬أنه قال »ل فضل لعربي على عجمي‪ ،‬ول‬
‫لعجمي على عربي‪ ،‬ول لسود على أبيض‪ ،‬ول لبيض على أسود إل‬
‫بالتقوى كلكم لدم وآدم من تراب«‪ .‬وعنه أيضا ‪ ‬أنه قال »إن الله‬
‫عب ِّية الجاهلية وفخرها بالباء‪ ،‬الناس رجلن‬
‫تعالى أذهب عنكم َ‬
‫مؤمن تقي وفاجر شقي«‪ .‬فمن كان من هذه الصناف أتقى لله فهو أكرم‬
‫عند الله وإذا استويا في التقوى استويا في الدرجة‪ ،‬ولفظ الفقر في الشرع يراد‬
‫ما‬
‫به الفقر من المال‪ ،‬ويراد به فقر المخلوق إلى خالقه‪ ،‬كما قال تعالى ﴿إ ِن ّ َ‬
‫َ‬
‫ف َ‬
‫ت ل ِل ْ ُ‬
‫صدَ َ‬
‫س‬
‫قَرا ِ‬
‫سا ِ‬
‫قا ُ‬
‫ن﴾]التوبة‪ ،[60:‬وقال تعالى ﴿ َياأي ّ َ‬
‫م َ‬
‫وال ْ َ‬
‫ها الّنا ُ‬
‫ال ّ‬
‫ء َ‬
‫كي ِ‬
‫َ‬
‫ف َ‬
‫م ال ْ ُ‬
‫ه﴾]فاطر‪.[15:‬‬
‫قَراءُ إلى الل ّ ِ‬
‫أن ْت ُ ْ‬
‫فإنهم يتنزهون عنه‪ ،‬لهذا كان الناس يأتون النبي ‪ ‬في مجلسه فيسألون أيكم محمد؟ لّنه‬
‫لم يكن عليه الصلة والسلم يتميز عنهم بمكان أو بلباس أو بشارة ونحو ذلك عليه الصلة‬
‫ما إحداث بعض اللبسة لخاصة من الناس فإنما حدث في المائة الثانية‪ ،‬كما‬
‫والسلم‪ ،‬وأ ّ‬
‫ن‬
‫ن للصوفية لباس خاص يعني للزهاد أو للفقراء‪ ،‬وكما حدث في المئة الثامنة أ ْ‬
‫حدث أ ّ‬
‫ص آل البيت بلباس أخضر يجعلونه على أكتافهم أو بعمامة خضراء؛ ليدلوا الناس على أن‬
‫ُيخ ّ‬
‫ّ‬
‫هذا من آل البيت حتى يعطوه حقه الذي أوجبه الله جل وعل له‪ .‬هذه كلها أمور حادثة‪ ،‬فُعلم‬
‫ن الصالحين والولياء والمتقين ليس لهم لباس خاص‪ ،‬ومن منع بعض الشياء لجل أنها‬
‫منه أ ّ‬
‫محدثين في الدين وإن أعتقد صار ذلك بدعة‬
‫ليست من لباس الولياء‪،‬؛ فهذا من جنس ال ُ‬
‫وقول على الله جل وعل بل علم‪ ،‬وهذا له أصناف شتى قد يقع الناس فيه من حيث ل‬
‫ن بعض‬
‫ن بعض اللوان تناسب وبعض اللوان ل تناسب‪ ،‬ويرون مثل أ ّ‬
‫يشعرون‪ ،‬يرون مثل أ ّ‬
‫الغذية تناسب وبعض الغذية لتناسب‪ ...،‬وبعض المراكب تناسب وبعض المراكب ل‬
‫تناسب‪ ،‬وأشباه هذا‪ ،‬وهذا إذا كان من جهة الّرأي فل أصل له‪ ،‬أما إذا كان من جهة ترك‬
‫ن الولياء الصالحين ل يلبسون لباسا يشابهون فيه‬
‫ساق فإن هذا مطلوب‪ ،‬فإ ّ‬
‫مشابهة الف ّ‬
‫ساق ولو كان مستحبا‪ ،‬بل‬
‫لباس الفساق وإن كان مباحا‪ ،‬ول يعملون عمل يشابهون فيه الف ّ‬
‫ربما تركوه لترك المشابهة‪ ،‬وقد ذكر الحافظ ابن عبد البر رحمه الله في التمهيد حينما أتى‬
‫مة تضرب إلى أنصاف‬
‫لبيان حال النبي ‪ ‬في شعره وأّنه عليه الصلة والسلم كانت له ُ‬
‫ج ّ‬
‫أذنيه وكان له َ‬
‫غدائر يعني شعر طويل ربما جعله غدائر ‪ ،‬قال وكان على هذا العلماء حتى‬
‫جْند أنهم يتخذون الشعر للزينة عند أهل الفسق والمجون‪ ،‬لما شاع ذلك‬
‫فشى في فسقة ال ُ‬
‫ه مخالفة لفسقة الجند‪ .‬وهذا أصل‬
‫ص ُ‬
‫فيهم ترك العلماء إكرام الشعر وتربيته واختاروا قَ ّ‬
‫معروف وشاع في الزمنة المتأخرة أنه يكون من صفة أهل الفسق أو من صفة أهل عدم‬
‫ن كانت مباحة فتترك إذا كانت مميزة له‪ ،‬هذا‬
‫ن لهم كذا وكذا من الحوال‪ ،‬فهي وإ ْ‬
‫الطاعة أ ّ‬
‫ن ُيعتقد شيء من المباحات لوما لهل الصلح‪ ،‬أو‬
‫يتميز به الصالحون ل حرج في ذلك‪ ،‬أما أ ْ‬
‫ُيعتقد في شيء من المباحات أنه ل يجوز في أهل الصلح دون سبب شرعي من مشابهة‬
‫ونحو ذلك فإنه ل يسوغ‪ ،‬بل أولياء الله هم المؤمنون المتقون كما وصفهم الله جل وعل‬
‫لنهم من جميع الفئات‪ ،‬فمنهم العابد‪ ،‬ومنهم العالم‪ ،‬ومنهم التاجر‪ ،‬ومنهم المعلم‪ ،‬ومنهم‬
‫الغازي في سبيل الله‪ ،‬وأشباه هؤلء في أصناف المة‪ ،‬كما قال الله جل وعل في آخر‬
‫َ‬
‫م أ َن ّ َ‬
‫ن َرب ّ َ‬
‫ص َ‬
‫ك تَ ُ‬
‫ه‬
‫م أدَْنى ِ‬
‫سورة المزمل ﴿إ ِ ّ‬
‫ك يَ ْ‬
‫قو ُ‬
‫م ْ‬
‫ف ُ‬
‫عل َ ُ‬
‫ون ِ ْ‬
‫ل َ‬
‫ن ث ُل َُثي الل ّي ْ ِ‬
‫ه﴾]المزمل‪[20:‬الية‪ ،‬فذكر فيها أصناف الناس وأن منهم الذين يضربون في الرض‬
‫وث ُل ُث َ ُ‬
‫َ‬
‫ن منهم من يقاتل في سبيل الله‪ ،‬وهذا يعم من أنواعا كثيرة‪.‬‬
‫ويبتغون من فضل الله‪ ،‬وأ ّ‬
‫أما لفظ الصوفية ولفظ الفقراء فهذان لفظان حادثان من جهة وسم المتعبدين الزهاد‬
‫صوف‪،‬‬
‫بذلك‪ ،‬وذكر عدة أقوال في الصوفية واشتقاقها‪ ،‬وذكر الصحيح منها أنها نسبة إلى ال ّ‬
‫ول ِْبس الصوف في الصيف والشتاء ‪-‬الصوف الخشن‪ -‬يد ّ‬
‫ل على بعد عن التلذذ في الحياة‬
‫َ‬
‫سّنة لهم أنهم ل يلبسون الرقيق من الثياب ول القطن ول الكّتان‬
‫في الدنيا‪ ،‬ولذلك صار ُ‬
‫ن فيها نوع تلذذ ونوع إقبال على الدنيا‪ ،‬وهذا بل شك في‬
‫وأشباه ذلك من الثياب الناعمة؛ ل ّ‬
‫ن النبي عليه الصلة والسلم كان يلبس الثياب ما جرت عادة‬
‫أصله خروج عن السّنة؛ ل ّ‬
‫قومه بلبسه ما لم يكن مما يخص المشركين في هيئتهم الظاهرة أو يخص أهل الكتاب في‬

‫‪34‬‬

‫التعليقات الحسان على كتاب الفرقان‬

‫وقد مدح الله تعالى في القرآن صنفين من الفقراء؛ أهل الصدقات وأهل‬
‫ُ‬
‫ف َ‬
‫الفيء‪ ،‬فقال في الصنف الول ﴿ِلل ُ‬
‫ه َل‬
‫قَرا ِ‬
‫صُروا ِ‬
‫ل الل ّ ِ‬
‫ح ِ‬
‫ء ال ّ ِ‬
‫نأ ْ‬
‫في َ‬
‫ذي َ‬
‫سِبي ِ‬
‫َ‬
‫ْ َ‬
‫لأ ْ‬
‫ع ّ‬
‫ه ُ‬
‫ف‬
‫ضْرًبا ِ‬
‫ن َ‬
‫غن َِياءَ ِ‬
‫جا ِ‬
‫ست َ ِ‬
‫عو َ‬
‫ف ِ‬
‫ن الت ّ َ‬
‫م ال ْ َ‬
‫ض يَ ْ‬
‫طي ُ‬
‫سب ُ ُ‬
‫ح َ‬
‫يَ ْ‬
‫م ْ‬
‫ه ْ‬
‫في ال َْر ِ‬
‫حا ً‬
‫ر ُ‬
‫فا﴾]البقرة‪ ،[273:‬وقال في‬
‫ما ُ‬
‫م بِ ِ‬
‫سأُلو َ‬
‫س إ ِل ْ َ‬
‫تَ ْ‬
‫م َل ي َ ْ‬
‫ف ُ‬
‫ه ْ‬
‫سي َ‬
‫ه ْ‬
‫ن الّنا َ‬
‫ع ِ‬
‫ُ‬
‫ف َ‬
‫الصنف الثاني وهم أفضل الصنفين ﴿ل ِل ْ ُ‬
‫جوا‬
‫قَرا ِ‬
‫نأ ْ‬
‫ن ال ّ ِ‬
‫ر ُ‬
‫م َ‬
‫ذي َ‬
‫ري َ‬
‫ء ال ْ ُ‬
‫ها ِ‬
‫خ ِ‬
‫ج ِ‬
‫من ديارهم َ‬
‫ن َ‬
‫ه‬
‫م ي َب ْت َ ُ‬
‫ر ْ‬
‫ف ْ‬
‫ن الل ّ ِ‬
‫ضًل ِ‬
‫صُرو َ‬
‫غو َ‬
‫م ْ‬
‫ن الل ّ َ‬
‫ه ْ‬
‫وأ ْ‬
‫وي َن ْ ُ‬
‫واًنا َ‬
‫ض َ‬
‫ه َ‬
‫م َ‬
‫ِ ْ ِ ِ ِ ْ َ‬
‫و ِ‬
‫وال ِ ِ‬
‫ورسول َ ُ‬
‫ول َئ ِ َ‬
‫صاِد ُ‬
‫ن﴾]الحشر‪ ،[8:‬وهذه صفة المهاجرين الذين‬
‫ك ُ‬
‫قو َ‬
‫َ َ ُ‬
‫ه ْ‬
‫ُ‬
‫م ال ّ‬
‫هأ ْ‬
‫هجروا السيئات وجاهدوا أعداء الله باطنا وظاهرا كما قال النبي ‪» ‬المؤمن‬
‫من أمنه الناس على دمائهم وأموالهم‪ ،‬والمسلم من سلم‬
‫المسلمون من لسانه ويده‪ ،‬والمهاجر من هجر ما نهى الله عنه‪،‬‬
‫والمجاهد من جاهد نفسه في ذات الله«‪.‬‬
‫أما الحديث الذي يرويه بعضهم أنه قال في غزوة تبوك »رجعنا من الجهاد‬
‫الصغر إلى الجهاد الكبر« فل أصل له ولم يروه أحد من أهل المعرفة‬
‫بأقوال النبي ‪ ‬وأفعاله‪ ،‬وجهاد الكفار من أعظم العمال بل هو أفضل ما‬
‫ن َ‬
‫وي ال ْ َ‬
‫م ْ‬
‫غي ُْر‬
‫قا ِ‬
‫ست َ‬
‫ؤ ِ‬
‫ن ِ‬
‫دو َ‬
‫ع ُ‬
‫تطوع به النسان‪ .‬قال الله تعالى ﴿َل ي َ ْ‬
‫مِني َ‬
‫م ْ‬
‫ن ال ْ ُ‬
‫ِ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫م َ‬
‫وَأن ُ‬
‫ض َ‬
‫ل‬
‫ضَر‬
‫ن ِ‬
‫ف ّ‬
‫وِلي ال ّ‬
‫ف ِ‬
‫ل الل ّ ِ‬
‫جا ِ‬
‫دو َ‬
‫ه ُ‬
‫م َ‬
‫في َ‬
‫ه ْ‬
‫ه ْ‬
‫ه ب ِأ ْ‬
‫وال ْ ُ‬
‫م َ‬
‫م َ‬
‫سِبي ِ‬
‫ر َ‬
‫أ ْ‬
‫ِ‬
‫س ِ‬
‫وال ِ ِ‬
‫َ‬
‫عَلى ال ْ َ‬
‫وَأن ُ‬
‫د‬
‫س‬
‫و َ‬
‫م َ‬
‫ج ً‬
‫قا ِ‬
‫وال ِ‬
‫ع ِ‬
‫ف ِ‬
‫ه ِ‬
‫جا ِ‬
‫ع َ‬
‫ن دََر َ‬
‫م َ‬
‫دي َ‬
‫دي َ‬
‫ه ْ‬
‫ه ْ‬
‫ن ب ِأ ْ‬
‫ه ال ْ ُ‬
‫الل ّ ُ‬
‫وك ُّل َ‬
‫ة َ‬
‫م َ‬
‫م َ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫َ‬
‫عَلى ال ْ َ‬
‫و َ‬
‫ض َ‬
‫جًرا‬
‫ن َ‬
‫قا ِ‬
‫ف ّ‬
‫ع ِ‬
‫ه ِ‬
‫جا ِ‬
‫نأ ْ‬
‫م َ‬
‫ه ال ْ ُ‬
‫ح ْ‬
‫دي َ‬
‫دي َ‬
‫ه ال ْ ُ‬
‫ل الل ّ ُ‬
‫الل ّ ُ‬
‫سَنى َ‬
‫َ‬
‫س َ‬
‫د‬
‫َ‬
‫قاي َ َ‬
‫و ِ‬
‫ج ِ‬
‫م ِ‬
‫ع ِ‬
‫حا ّ‬
‫ة ال ْ َ‬
‫ج َ‬
‫ما﴾]النساء‪ ،[95:‬وقال تعالى ﴿أ َ‬
‫م ْ‬
‫ماَرةَ ال ْ َ‬
‫ع َ‬
‫عل ْت ُ ْ‬
‫ظي ً‬
‫س ِ‬
‫ج َ‬
‫ه َل‬
‫هدَ ِ‬
‫جا َ‬
‫وم ِ اْل ِ‬
‫ل الل ّ ِ‬
‫ن ِبالل ّ ِ‬
‫و َ‬
‫ال ْ َ‬
‫في َ‬
‫م َ‬
‫م ْ‬
‫نآ َ‬
‫حَرام ِ ك َ َ‬
‫سِبي ِ‬
‫ر َ‬
‫وال ْي َ ْ‬
‫ه َ‬
‫خ ِ‬
‫م ال ّ‬
‫دي ال ْ َ‬
‫مُنوا‬
‫ن ِ‬
‫ن)‪(19‬ال ّ ِ‬
‫ظال ِ ِ‬
‫ه ِ‬
‫عن ْدَ الل ّ ِ‬
‫وو َ‬
‫و َ‬
‫ه َل ي َ ْ‬
‫يَ ْ‬
‫ذي َ‬
‫مي َ‬
‫نآ َ‬
‫والل ّ ُ‬
‫ق ْ‬
‫ه َ‬
‫ست َ ُ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫وأن ُ‬
‫ة‬
‫ج ً‬
‫دوا ِ‬
‫جا َ‬
‫و َ‬
‫ف ِ‬
‫ل الل ّ ِ‬
‫م أعظم دََر َ‬
‫ه ُ‬
‫و َ‬
‫ها َ‬
‫في َ‬
‫ه ْ‬
‫ه ْ‬
‫ه ب ِأ ْ‬
‫م َ‬
‫م َ‬
‫سِبي ِ‬
‫جُروا َ‬
‫َ‬
‫س ِ‬
‫وال ِ ِ‬
‫ُ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫َ‬
‫م ال َ‬
‫ن)‪(20‬ي ُب َ ّ‬
‫ه‬
‫شُر ُ‬
‫ولئ ِك ُ‬
‫ِ‬
‫ة ِ‬
‫م ٍ‬
‫عن ْدَ الل ِ‬
‫فائ ُِزو َ‬
‫م ب َِر ْ‬
‫م َرب ّ ُ‬
‫من ْ ُ‬
‫ح َ‬
‫ه ْ‬
‫ه ْ‬
‫ه ْ‬
‫وأ ْ‬
‫ه َ‬
‫َ‬
‫ه‬
‫م)‪َ (21‬‬
‫ن ِ‬
‫م ِ‬
‫ها ن َ ِ‬
‫م ِ‬
‫ر ْ‬
‫خال ِ ِ‬
‫جّنا ٍ‬
‫دا إ ِ ّ‬
‫ها أب َ ً‬
‫و َ‬
‫في َ‬
‫في َ‬
‫ت لَ ُ‬
‫دي َ‬
‫ن الل ّ َ‬
‫قي ٌ‬
‫م ُ‬
‫عي ٌ‬
‫ه ْ‬
‫ن َ‬
‫وا ٍ‬
‫ض َ‬
‫َ‬
‫و ِ‬
‫َ‬
‫م﴾]التوبة‪.[22-19:‬‬
‫ظي‬
‫ع‬
‫ر‬
‫ج‬
‫أ‬
‫ه‬
‫د‬
‫ن‬
‫ع‬
‫َ‬
‫ِ ٌ‬
‫ِ ْ َ ُ ْ ٌ‬
‫وثبت في صحيح مسلم وغيره عن النعمان بن بشير ‪ ‬قال كنت عند النبي‬
‫‪ ‬فقال رجل ما أبالي أل أعمل عمل بعد السلم إل أن أسقي الحاج‪ .‬وقال آخر‬
‫ما أبالي أن أعمل عمل بعد السلم إل أن أعمر المسجد الحرام‪ ،‬وقال علي ابن‬
‫أبي طالب الجهاد في سبيل الله أفضل مما ذكرتماه‪ ،‬فقال عمر ل ترفعوا‬
‫س الزار والرداء‪ ،‬ولبس القميص والسراويلت‪ ،‬ولبس العمائم وترك‪،‬‬
‫هيئتهم الظاهرة‪ ،‬فلب ِ َ‬
‫ولبس الصوف ولبس الخّز ولبس الكتان ولبس القطن ونحو ذلك‪ ،‬وهذا يدل على أن لبس‬
‫الخشن من الثياب لهل الصلح أنه بدعة‪ ،‬قال الصحيح أنهم نسبوا إلى الصوف‪ ،‬فقيل لهم‬
‫صوفية نسبة إلى الصوف‪ ،‬وهذا أرجح القوال كما ذكر‪ ،‬ومن القوال أيضا في نسبتهم التي‬
‫لم يذكرها أنهم منسوبون إلى كلمة يونانية هي كلمة )صوفيا( وهؤلء هم متنسكة اليونان‬
‫الذين يطلبون الحكمة‪ .‬فالفلسفة )فل صوفيا( وبالعربية تكون بالسين وبالصاد‪.‬‬
‫ت أنه جاء من جهة النصارى‪،‬‬
‫ت تاريخ ظهور هؤلء الصوفية في بلد السلم‪ ،‬عرف َ‬
‫وإذا عرف َ‬
‫هدة بالنصارى وانقطاع أولئك مع النصارى في‬
‫ن اتصال بعض من ل علم عنده من المتز ّ‬
‫فإ ّ‬
‫معابدهم في الكنائس والديرة خارج البلدان المعمورة خارج المدن‪ ،‬أنشأ هذا المذهب أو‬
‫هذه الطريقة الصوفية‪ ،‬كما هو ظاهر من كتاب الديارات للساُبسكي وغيره مما هو معروف‬
‫في تاريخ الصوفية‪ ،‬يعني أنهم يطلبون – يعالصوفية‪ -‬أنهم أهل الشراق الروحي أو أهل‬
‫الحكمة السلوكية‪ .‬هذا قول نصره أيضا طائفة من العلماء‪.‬‬

‫للشيخ العلمة صالح بن عبد العزيز آل الشيخ‬

‫‪35‬‬

‫أصواتكم عند منبر رسول الله ‪ ،‬ولكن إذا قضيت الصلة سألته‪ .‬فسأله فأنزل‬
‫الله تعالى هذه الية‪.‬‬
‫َ‬
‫َ‬
‫سو َ‬
‫ي‬
‫ت َر ُ‬
‫وفي الصحيحين عن عبدالله بن مسعود ‪ ‬قال‪َ :‬‬
‫سأل ْ ُ‬
‫ل الل ّهِ ‪ :‬أ ّ‬
‫َ‬
‫ال َع ْما َ‬
‫و ْ‬
‫ه عز وجل؟ َقا َ‬
‫ي؟‬
‫صل َةُ َ‬
‫ل أ فضل إلى الل ّ ِ‬
‫قت ِ َ‬
‫ت‪ :‬ث ُ ّ‬
‫ها« قُل ْ ُ‬
‫ل‪» :‬ال ّ‬
‫مأ ّ‬
‫عَلى َ‬
‫َ ِ‬
‫َ‬
‫ي؟ َقا َ‬
‫َقا َ‬
‫ه«‬
‫هادُ ِ‬
‫ل الل ّ ِ‬
‫في َ‬
‫ج َ‬
‫ل »ث ُ ّ‬
‫ت‪ :‬ث ُ ّ‬
‫ن« قُل ْ ُ‬
‫ل »ث ُ ّ‬
‫م ال ّ ِ‬
‫سِبي ِ‬
‫مأ ّ‬
‫م ب ِّر ال ْ َ‬
‫وال ِدَي ْ ِ‬
‫َقا َ‬
‫ه ل ََزاد َِني‪.‬‬
‫ل‪َ :‬‬
‫ن رسول الله‪ , ‬وََلو ا ْ‬
‫ست ََزد ْت ُ ُ‬
‫حد ّث َِني ب ِهِ ّ‬
‫وفي الصحيحين عنه ‪ ‬أنه سئل أي العمال أفضل قال »إيمان بالله‬
‫وجهاد في سبيله« قيل ثم ماذا؟ قال »حج مبرور«‪.‬‬
‫وفي الصحيحين أن رجل قال له ‪ ‬يا رسول الله أخبرنى بعمل يعدل الجهاد‬
‫في سبيل الله قال »ل تستطيعه أو ل تطيقه« قال فأخبرنى به قال »هل‬
‫)‪(39‬‬
‫تستطيع إذا خرج المجاهد أن تصوم ول تفطر وتقوم ول تفتر«‪.‬‬
‫وفى السنن عن معاذ ‪ ‬عن النبي ‪ ‬أنه وصاه لما بعثه إلى اليمن فقال »يا‬
‫ق‬
‫ة الحسن َ‬
‫ع السيئ َ‬
‫ة تم ُ‬
‫ه حيثما كن َ‬
‫ح َ‬
‫معاذ اتق الل ّ َ‬
‫ها‪ ,‬وخال ِ‬
‫ت‪ ,‬وات ْب َ ِ‬
‫ن« وقال »يا معاذ إني لحبك فل تدع أن تقول في‬
‫النا َ‬
‫ق حس ٍ‬
‫س بخل ٍ‬
‫دبر كل صلة اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك«‪ ،‬وقال‬
‫له وهو رديفه »يا معاذ أتدري ما حق الله على عباده« قلت الله ورسوله‬
‫أعلم قال »حقه عليهم أن يعبدوه ول يشركوا به شيئا أتدرى ما حق‬
‫العباد على الله إذا فعلوا ذلك« قلت الله ورسوله أعلم قال »حقهم‬
‫عليه أل يعذبهم«‪ ،‬وقال أيضا لمعاذ »رأس المر السلم وعموده‬
‫الصلة وذروة سنامه الجهاد في سبيل الله« وقال »يا معاذ أل‬
‫أخبرك بأبواب البر الصوم جنة والصدقة تطفىء الخطيئة كما‬
‫جا َ‬
‫فى‬
‫يطفىء الماء النار‪ ،‬وقيام الرجل في جوف الليل‪ ،‬ثم قرأ ﴿ت َت َ َ‬
‫ما َرَز ْ‬
‫و ً‬
‫م‬
‫م َ‬
‫ع ي َدْ ُ‬
‫م َ‬
‫قَنا ُ‬
‫م َ‬
‫و ِ‬
‫عو َ‬
‫م ً‬
‫ُ‬
‫ن َرب ّ ُ‬
‫جُنوب ُ ُ‬
‫ع ْ‬
‫ه ْ‬
‫م ّ‬
‫وط َ َ‬
‫ه ْ‬
‫ن ال ْ َ‬
‫ه ْ‬
‫ضا ِ‬
‫عا َ‬
‫فا َ‬
‫خ ْ‬
‫ج ِ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ن ُ‬
‫م نَ ْ‬
‫ن)‪َ (16‬‬
‫ف ُ‬
‫ما‬
‫ما أ ْ‬
‫ةأ ْ‬
‫خ ِ‬
‫ُين ِ‬
‫قّر ِ‬
‫م ِ‬
‫قو َ‬
‫ن َ‬
‫فل ت َ ْ‬
‫يل ُ‬
‫م ْ‬
‫جَزاءً ب ِ َ‬
‫ه ْ‬
‫س َ‬
‫عل ُ‬
‫ف ٌ‬
‫ف َ‬
‫عي ُ ٍ‬
‫َ‬
‫ن﴾]السجدة‪ «[17-16:‬ثم قال »يا معاذ أل أخبرك أملك لك‬
‫مُلو َ‬
‫كاُنوا ي َ ْ‬
‫ع َ‬
‫ن أتى بهذه الخصال‬
‫‪()39‬هذه الحاديث التي َذكر فيها بيان خصال أهل اليمان والتقوى‪ ،‬وأ ّ‬
‫ن َ‬
‫م ْ‬
‫ون بالفقراء في البلد التي تنتشر فيها‬
‫فهو أح ّ‬
‫ب إلى الله جل وعل‪ ،‬ومعلوم أن من ي ُ َ‬
‫س ّ‬
‫م ْ‬
‫الصوفية أو المتصوفة أنهم يتركون الجهاد في سبيل الله‪ ،‬وينقطعون عن العمال‪ ،‬وَيلَزمون‬
‫مجالسهم في مساجدهم‪ ،‬أو يلزمون ال ّ‬
‫ذكر‪ ،‬أو يلتزمون الببيوت‪ ،‬ول يعملون من العمال‬
‫الصالحة ما ذكر الله جل وعل في كتابه أو بّينه الله جل وعل في سنته من حل أهل اليمان‬
‫والتقوى‪ ،‬فُعلم منه أنه يفوتهم شيء كثير من الطاعات‪ ،‬فمن أتى بهذه الطاعات فهو أفضل‬
‫ن اليمان يزيد وينقص؛ يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية‪ ،‬وكلما‬
‫منهم ولو كانوا منقطعين فإ ّ‬
‫كان المرء أكثر طاعة لله كلما كان أقرب وأعظم وأكرم عند الله جل وعل‪.‬‬
‫لهذا ليس من صفة الولياء النقطاع عن مخالطة الناس‪ ،‬وليس من صفة الولياء أنهم‬
‫يلتزمون البحث عن النفس وعن عيوبها ويتركون بهذا العداء بأصناف العداء‪ ،‬بل أولياء‬
‫جهت إليهم؛ فإذا كان‬
‫الله جل وعل هم الذين يمتثلون الوامر حيث وجبت عليهم‪ ،‬أو تو ّ‬
‫ك للحرام تركوه‪ ،‬وإذا كان‬
‫المقام مقام إصلح للنفس أصلحوها‪ ،‬وإذا كان المقام مقام تر ٍ‬
‫وا‪ ،‬وإذا كان المقام مقام أمر‬
‫المقام مقام جهاد جاهدوا‪ ،‬وإذا كان المقام مقام دعوة د َعَ ْ‬
‫ونهي أمروا ونهوا‪ ،‬كل ذلك لتحصيل ما أمر الله جل وعل به‪ ،‬أما من يترك هذه الشياء‬
‫ويلتزم ال ّ‬
‫ذكر الطويل ويلتزم العبادة الطويلة والصلة الطويلة ويترك واجبات كثيرة‪ ،‬فهذا‬
‫ليس بأفضل ممن يقوم بواجبات هاهنا يعني حيث وجبت‪ .‬فيقوم بك ّ‬
‫ل ما أوجب الله جل‬
‫وعل عليه بحسب طاقته‪ .‬نكتفي بهذا‪.‬‬

‫‪36‬‬

‫التعليقات الحسان على كتاب الفرقان‬

‫من ذلك« فقال »أمسك عليك لسانك هذا‪ ،‬فأخذ بلسانه« قال‪ :‬يا رسول‬
‫ب‬
‫الله وإنا لمؤاخذون بما نتكلم به‪ ،‬فقال »ثكلتك أمك يا معاذ وهل ي َك ُ ّ‬
‫الناس في النار على مناخرهم إل حصائد ألسنتهم«‪ ،‬وتفسير هذا ما‬
‫ثبت في الصحيحين عنه ‪ ‬أنه قال »ومن كان يؤمن بالله واليوم ا َ‬
‫ر‬
‫لخ ِ‬
‫فل ْي َ ُ‬
‫ق ْ‬
‫مت« فالتكلم بالخير خير من السكوت عنه‪ ،‬والصمت‬
‫ل خيرا ً أو لَيص ُ‬
‫عن الشر خير من التكلم به‪ ،‬فأما الصمت الدائم فبدعة منهي عنها‪ ،‬وكذلك‬
‫المتناع عن أكل الخبز واللحم وشرب الماء فذلك من البدع المذمومة أيضا‪ ،‬كما‬
‫ثبت في صحيح البخاري عن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي ‪ ‬رأى رجل‬
‫قائما في الشمس فقال »ما هذا؟« فقالوا‪ :‬أبو إسرائيل نذر أن يقوم في‬
‫الشمس ول يستظل ول يتكلم ويصوم فقال النبي ‪» ‬مروه فليجلس‬
‫وليستظل وليتكلم وليتم صومه«‪.‬‬
‫وثبت في الصحيحين عن أنس أن رجال سألوا عن عبادة رسول الله ‪‬‬
‫فكأنهم تقاّلوها فقالوا وأينا مثل رسول الله ‪ ‬ثم قال أحدهم‪ :‬أما أنا فأصوم ول‬
‫أفطر‪ ،‬وقال الخر‪ :‬أما أنا فأقوم ول أنام‪ ،‬وقال الخر‪ :‬أما أنا فل آكل اللحم‪،‬‬
‫وقال الخر‪ :‬أما أنا فل أتزوج النساء فقال رسول الله ‪» ‬ما بال رجال‬
‫يقول أحدهم كذا وكذا‪ ،‬ولكني أصوم وأفطر وأقوم وأنام وآكل‬
‫اللحم وأتزوج النساء فمن رغب عن سنتي فليس مني« أي سلك‬
‫غيرها ظانا أن غيرها خير منها‪ ،‬فمن كان كذلك فهو بريء من الله ورسوله‪ ،‬قال‬
‫ن ي َْر َ‬
‫ه نَ ْ‬
‫ه﴾]البقرة‪ ،[130:‬بل‬
‫ب َ‬
‫س ِ‬
‫ة إ ِب َْرا ِ‬
‫مل ّ ِ‬
‫ن ِ‬
‫غ ُ‬
‫ف َ‬
‫ن َ‬
‫م ْ‬
‫ع ْ‬
‫م ْ‬
‫س ُ‬
‫ف َ‬
‫م إ ِّل َ‬
‫هي َ‬
‫و َ‬
‫تعالى ﴿ َ‬
‫يجب على كل مسلم أن يعتقد أن خير الكلم كلم الله‪ ،‬وخير الهدي هدي محمد‬
‫)‪(40‬‬
‫‪ ،‬كما ثبت عنه في الصحيح أنه كان يخطب بذلك كل يوم جمعة‪.‬‬
‫فصـــــل‬
‫وليس من شرط ولي الله أن يكون معصوما ل يغلط ول يخطىء‪ ،‬بل يجوز أن‬
‫يخفى عليه بعض علم الشريعة‪ ،‬ويجوز أن يشتبه عليه بعض أمور الدين حتى‬
‫يحسب بعض المور مما أمر الله به ومما نهىالله عنه‪ ،‬ويجوز أن يظن في بعض‬
‫الخوارق أنها من كرامات أولياء الله تعالى وتكون من الشيطان لّبسها عليه‬
‫لنقص درجته‪ ،‬ول يعرف أنها من الشيطان وأن لم يخرج بذلك عن ولية الله‬
‫تعالى‪ ،‬فإن الله سبحانه وتعالى تجاوز لهذه المة عن الخطأ والنسيان وما‬
‫ز َ‬
‫سو ُ‬
‫ه‬
‫ما ُأن‬
‫ن َرب ّ ِ‬
‫ه ِ‬
‫ل إ ِل َي ْ ِ‬
‫ن الّر ُ‬
‫م ْ‬
‫م َ‬
‫ل بِ َ‬
‫استكرهوا عليه‪ ،‬فقال تعالى ﴿آ َ‬
‫ِ‬
‫َ‬
‫ه َل ن ُ َ‬
‫م ْ‬
‫ن كُ ّ‬
‫د‬
‫ح ٍ‬
‫سل ِ ِ‬
‫وك ُت ُب ِ ِ‬
‫مَلئ ِك َت ِ ِ‬
‫ن ِبالل ّ ِ‬
‫ؤ ِ‬
‫مُنو َ‬
‫نأ َ‬
‫وُر ُ‬
‫فّرقُ ب َي ْ َ‬
‫م َ‬
‫و َ‬
‫لآ َ‬
‫وال ْ ُ‬
‫ه َ‬
‫ه َ‬
‫ه َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫صيُر)‪َ(285‬ل‬
‫م‬
‫ل‬
‫ا‬
‫ك‬
‫ي‬
‫ل‬
‫إ‬
‫و‬
‫نا‬
‫ب‬
‫ر‬
‫ك‬
‫ن‬
‫را‬
‫ف‬
‫غ‬
‫نا‬
‫ع‬
‫ط‬
‫أ‬
‫و‬
‫نا‬
‫ع‬
‫م‬
‫س‬
‫لوا‬
‫قا‬
‫و‬
‫ه‬
‫ل‬
‫س‬
‫ر‬
‫ن‬
‫م‬
‫َ َ‬
‫ْ َ‬
‫َ ِ‬
‫َ ّ َ َ ِ ْ‬
‫َ ِ ْ َ َ‬
‫ِ ْ ُ ُ ِ ِ َ‬
‫ت َرب َّنا لَ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫ه نَ ْ‬
‫و َ‬
‫ي ُك َل ّ ُ‬
‫س َ‬
‫سب َ ْ‬
‫سب َ ْ‬
‫ما اكت َ َ‬
‫علي ْ َ‬
‫ما ك َ‬
‫ها ل َ‬
‫ع َ‬
‫و ْ‬
‫ف ً‬
‫ها َ‬
‫ها َ‬
‫ف الل ّ ُ‬
‫ت َ‬
‫سا إ ِل ُ‬
‫ْ‬
‫تُ َ‬
‫م ْ‬
‫ه‬
‫سيَنا أو أ َ ْ‬
‫ل َ‬
‫ؤا ِ‬
‫ح ِ‬
‫ن نَ ِ‬
‫خذَْنا إ ِ ْ‬
‫ما َ‬
‫وَل ت َ ْ‬
‫مل ْت َ ُ‬
‫ح َ‬
‫صًرا ك َ َ‬
‫عل َي َْنا إ ِ ْ‬
‫خطَأَنا َرب َّنا َ‬
‫ما َل َ‬
‫طا َ‬
‫ن َ‬
‫عّنا‬
‫ف َ‬
‫وا ْ‬
‫َ‬
‫ق َ‬
‫ع ُ‬
‫ة ل ََنا ب ِ ِ‬
‫ن ِ‬
‫عَلى ال ّ ِ‬
‫وَل ت ُ َ‬
‫م ْ‬
‫ذي َ‬
‫مل َْنا َ‬
‫ح ّ‬
‫ه َ‬
‫قب ْل َِنا َرب َّنا َ‬
‫ن أولياء الله جل وعل ليس لهم وصف غير اليمان والتقوى‬
‫‪()40‬هذا تتمة لما سبق في بيان أ ّ‬
‫والسعي في تكميل ما أوجب الله جل وعل عليهم والبتعاد عما نهى وامتثال الوامر‬
‫واجتناب النواهي‪ ،‬وأن هؤلء لهم صفات متعددة فأكرمهم عند الله أتقاهم فأعلهم منزلة‬
‫عند الله جل وعل أمثلهم وأكثرهم امتثال لشرعه ودينه وسنة رسوله ‪ ،‬وفليسوا بالسم‬
‫دث‪ ،‬أو باسم‬
‫يكونون أولياء؛ باسم الفقير‪ ،‬أو باسم الصوفي‪ ،‬أو باسم العاِلم‪ ،‬أو باسم المح ّ‬
‫المؤلف‪ ،‬أو باسم كذا يكونون أولياء‪ ،‬وإنما يكونون أولياء بتقربهم إلى الله جل وعل‬
‫بالطاعات الواجبة والمستحبة وابتعادهم عما نهى الله جل وعل عنه ونهى عنه رسوله ‪،‬‬
‫هذه صفتهم‪.‬‬

‫للشيخ العلمة صالح بن عبد العزيز آل الشيخ‬

‫‪37‬‬

‫َ‬
‫وم ِ ال ْ َ‬
‫وا ْ‬
‫عَلى ال ْ َ‬
‫وَلَنا َ‬
‫ن﴾]البقرة‪:‬‬
‫صْرَنا َ‬
‫كا ِ‬
‫غ ِ‬
‫واْر َ‬
‫مَنا أن ْ َ‬
‫ري َ‬
‫ت َ‬
‫ح ْ‬
‫فان ُ‬
‫ق ْ‬
‫م ْ‬
‫فْر ل ََنا َ‬
‫َ‬
‫ف ِ‬
‫‪.[286-285‬‬
‫وقد ثبت في الصحيح أن الله سبحانه استجاب هذا الدعاء وقال قد فعلت‪،‬‬
‫ففي صحيح مسلم عن ابن عباس رضي الله عنهما قال لما نزلت هذه الية ﴿‬
‫ه َ‬
‫خ ُ‬
‫في َأن ُ‬
‫ن‬
‫في َ ْ‬
‫م أو ت ُ ْ‬
‫غ ِ‬
‫ما ِ‬
‫م بِ ِ‬
‫حا ِ‬
‫ف ِ‬
‫وإ ِ ْ‬
‫فوهُ ي ُ َ‬
‫ن ت ُب ْ ُ‬
‫م ْ‬
‫فُر ل ِ َ‬
‫ه الل ّ ُ‬
‫سب ْك ُ ْ‬
‫سك ُ ْ‬
‫دوا َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫ُ‬
‫ء َ‬
‫ل َ‬
‫على ك ّ‬
‫ن يَ َ‬
‫يَ َ‬
‫ديٌر﴾]البقرة‪ ،[284:‬قال‬
‫ي ٍ‬
‫ه َ‬
‫ق ِ‬
‫عذّ ُ‬
‫وي ُ َ‬
‫م ْ‬
‫والل ُ‬
‫ب َ‬
‫شاءُ َ‬
‫شاءُ َ‬
‫ش ْ‬
‫دخل قلوبهم منها شيءلم يدخلها قبل ذلك شيء أشد منه‪ ،‬فقال النبي ‪‬‬
‫»قولوا سمعنا وأطعنا وسلمنا« قال فألقى الله اليمان في قلوبهم‪ ،‬فأنزل‬
‫َ‬
‫ه نَ ْ‬
‫خطَأ َْنا﴾ قال الله‬
‫و أَ ْ‬
‫الله تعالى ﴿َل ي ُك َل ّ ُ‬
‫س َ‬
‫ع َ‬
‫و ْ‬
‫ف ً‬
‫ف الل ّ ُ‬
‫ها﴾ إلى قوله ﴿أ ْ‬
‫سا إ ِّل ُ‬
‫م ْ‬
‫ن‬
‫ه َ‬
‫ل َ‬
‫ن ِ‬
‫عَلى ال ّ ِ‬
‫ح ِ‬
‫ما َ‬
‫وَل ت َ ْ‬
‫م ْ‬
‫ذي َ‬
‫مل ْت َ ُ‬
‫ح َ‬
‫صًرا ك َ َ‬
‫قد فعل ُ‬
‫عل َي َْنا إ ِ ْ‬
‫ت ﴿َرب َّنا َ‬
‫ما َل َ‬
‫طا َ‬
‫َ‬
‫عّنا‬
‫ف َ‬
‫وا ْ‬
‫ق َ‬
‫ع ُ‬
‫ة ل ََنا ب ِ ِ‬
‫وَل ت ُ َ‬
‫مل َْنا َ‬
‫ح ّ‬
‫ه َ‬
‫قب ْل َِنا﴾ قال قد فعلت ﴿َرب َّنا َ‬
‫َ‬
‫وم ِ ال ْ َ‬
‫وا ْ‬
‫عَلى ال ْ َ‬
‫وَلَنا َ‬
‫ن﴾ قال قد‬
‫صْرَنا َ‬
‫كا ِ‬
‫غ ِ‬
‫واْر َ‬
‫مَنا أن ْ َ‬
‫ري َ‬
‫ت َ‬
‫ح ْ‬
‫فان ُ‬
‫ق ْ‬
‫م ْ‬
‫فْر ل ََنا َ‬
‫َ‬
‫ف ِ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫ما‬
‫ما أ ْ‬
‫س َ‬
‫ح ِ‬
‫م بِ ِ‬
‫جَنا ٌ‬
‫م ُ‬
‫ولك ِ ْ‬
‫ن َ‬
‫خطأت ُ ْ‬
‫في َ‬
‫علي ْك ْ‬
‫ولي ْ َ‬
‫ه َ‬
‫فعلت‪ ،‬وقد قال تعالى ﴿ َ‬
‫ت ُ‬
‫م﴾]الحزاب‪.[5:‬‬
‫تَ َ‬
‫مدَ ْ‬
‫قُلوب ُك ُ ْ‬
‫ع ّ‬
‫وثبت في الصحيحين عن النبي ‪ ‬من حديث أبي هريرة وعمرو بن العاص‬
‫فل َ َ‬
‫ذا اجتهد ال ْحاكم َ َ‬
‫رضي الله عنهما مرفوعا أنه قال »إ َ‬
‫ن‪,‬‬
‫هأ ْ‬
‫صا َ‬
‫ب‪ُ َ ,‬‬
‫َ ِ ُ‬
‫فأ َ‬
‫جَرا ِ‬
‫فل َ َ‬
‫َ‬
‫هد َ‬
‫وإ َ‬
‫جٌر«‪ ،‬فلم يؤثم المجتهد المخطىء بل جعل له‬
‫فأ َ ْ‬
‫هأ ْ‬
‫ذا ا ْ‬
‫جت َ َ‬
‫خطَأ‪ُ َ ,‬‬
‫َ‬
‫أجرا على اجتهاده وجعل خطأه مغفورا له‪ ،‬ولكن المجتهد المصيب له أجران‬
‫فهو أفضل منه‪ ،‬ولهذا لما كان ولي الله يجوز أن يغَلط)‪(41‬لم يجب على الناس‬
‫اليمان بجميع ما يقوله من هو ولي لله إل يكون نبيا‪ ،‬بل ول يجوز لولي الله أن‬
‫يعتمد على ما يلقى إليه في قلبه إل أن يكون موافقا للشرع‪ ،‬وعلى ما يقع له‬
‫مما يراه إلهاما ومحادثة وخطابا من الحق‪ ،‬بل يجب عليه أن يعرض ذلك جميعه‬
‫على ما جاء به محمد ‪ ،‬فإن وافقه قبله وإن خالفه لم يقبله وإن لم يعلم‬
‫)‪(42‬‬
‫أموافق هو أم مخالف توقف فيه‪.‬‬

‫‪()41‬غِلط‪ ،‬يغَلط‪،‬غَلطا‪ ،‬في الماضي غِلط‪ ،‬والمضارع يغَلط‪.‬‬
‫ولية؛ وهو أّنه ليس من شرط ولي الله جل وعل أنه ل‬
‫‪()42‬هذا التفصيل أصل في مسألة ال َ‬
‫يخطئ البتة‪ ،‬أو ل يغلط أبدا‪ ،‬أو ل يكون عنده إلتباس في بعض المسائل المهمة في‬
‫ن‬
‫العقيدة أو في الشريعة‪ ،‬أو ل يكون عنده نقص في العمل في بعض الشياء‪ ،‬هذا ليس ِ‬
‫م ْ‬
‫ن يكون كامل‪ ،‬إذ ْ لو شرط هذا لقيل إن الولي في مرتبة النبي؛‬
‫شرط ولي الله جل وعل أ ْ‬
‫لن النبي هو الذي ل يغَلط وهو الذي ل ينقص عن الكمال في مسألة الطاعة‪ ،‬ول يلتبس‬
‫ما أولياء الله جل وعل في هذه المة وفي المم فَُهم أكمل أقوامهم وأكمل‬
‫عليه شيء‪ ،‬أ ّ‬
‫أتباع النبياء‪ ،‬فقد يحصل لهم غلط والتباس واشتباه وبعض قصور في العمل‪ ،‬ول ينفي ذلك‬
‫أن يكونوا أولياء الله جل وعل؛ لكن من كان أتم في العلم والعمل كان أكثر وأعظم ولية؛‬
‫لن الولية تتبعض ‪-‬كما ذكرنا في دروس ماضية‪.-‬‬
‫ن الولي ‪-‬كما َ‬
‫ذكر‪ -‬قد يحصل له اشتباه فيما يحصل له من‬
‫ومن المهم في هذا الباب أ ّ‬
‫ن يظّنه كرامة وهذا‬
‫أنواع الكرامات أو الخوارق؛ فإّنه يأتيه خارق قد يحصل له اشتباه في أ ْ‬
‫ن هذا راجع إلى العلم‪ ،‬فالتفرقة‬
‫ل يقدح في أن يكون وليا ولو كان هذا الخارق شيطانيا؛ ل ّ‬
‫ما بين العارض الشيطاني والعارض الرحماني‪ ،‬أو الكرامة الرحمانية والخارق الشيطاني‬
‫هذا يحتاج إلى العلم بالتفريق في ما بين هذا وهذا‪ ،‬فإ َ‬
‫ذا لم يفّرق كان ذاك بسبب قصور‬
‫ن اللتباس وقع على‬
‫العلم‪ ،‬وقصور العلم ل ينفي أن يكون وليا لله جل وعل في مثل هذا؛ ل ّ‬
‫كثير من الصفوة في مثل هذه المسائل فيقع لهم أشياء من خوارق الشيطان‪ ،‬وقد يكون‬
‫ضعيفا عن العلم بها‪.‬‬

‫‪38‬‬

‫التعليقات الحسان على كتاب الفرقان‬

‫الناس في هذا الباب ثلثة أصناف طرفان ووسط‪ ،‬فمنهم من إذا اعتقد في‬
‫دثه به قبله عن ربه وسلم إليه‬
‫شخص أنه ولي لله وافقه في كل ما يظن أنه ح ّ‬
‫جميع ما يفعله‪ ،‬ومنهم من إذا رآه قد قال أو فعل ما ليس بموافق للشرع‬
‫أخرجه عن ولية الله بالكلية وإن كان مجتهدا مخطئا‪ ،‬وخيار المور أوساطها‪،‬‬
‫وهو أن ل يجعل معصوما ول مأثوما‪ ،‬إذ كان مجتهدا مخطئا فل يتبع في كل ما‬
‫يقوله ول يحكم عليه بالكفر والفسق مع اجتهاده‪ (43) ،‬والواجب على الناس اتباع‬
‫ما بعث الله به رسوله‪ ،‬وأما إذا خالف قول بعض الفقهاء ووافق قول آخرين لم‬
‫يكن لحد أن يلزمه بقول المخالف‪ ،‬ويقول هذا خالف الشرع‪.‬‬
‫وقد ثبت في الصحيحين عن النبي ‪ ‬أنه قال »قد كان في المم قبلكم‬
‫محدُّثون فإن يكن في أمتي أحد فعمر منهم«‪ (44)،‬وروى الترمذي وغيره‬
‫القاضي يكون وليا لله جل وعل وقد يخطئ في اجتهاده‪ ... ،‬لكنه حين اجتهد استفرغ‬
‫وسعه أو يعطي مال لغير مستحقه في نفس المر‪ ،‬لكنه حين أعطى استفرغ وسعه في‬
‫الجتهاد وبذل طاقته‪ ،‬والله جل وعل رفع عن هذه المة الخطأ والنسيان‪ ،‬وثبت كما نقل‬
‫ذا اجتهد ال ْحاكم َ َ‬
‫شيخ السلم في الصحيح أنه عليه الصلة والسلم قال »إ َ‬
‫ب‪,‬‬
‫صا َ‬
‫َ ِ ُ‬
‫فأ َ‬
‫فل َ َ‬
‫ن« أجر الجتهاد وأجر الصابة‪ ،‬وإن أخطأ فله أجر واحد وهو أجر الجتهاد بذل‬
‫هأ ْ‬
‫َ ُ‬
‫جَرا ِ‬
‫الوسع في معرفة حكم الشرع في هذه المسألة‪.‬‬
‫فهذا يعني أن من ُرِئي عليه نقص في العلم والعمل مما ل يقوده إلى معصية فإنه ل ينفي‬
‫أن يكون وليا لله جل وعل‪ ،‬وقد يكون عنده قصور في السّنة في بعض المسائل‪ ،‬أو قصور‬
‫في العلم في بعض المسائل‪ ،‬ويكون عنده من الخير والعبادة وتحقيق اليمان والتقوى ما‬
‫به يكون وليا لله جل وعل‪ ،‬والولياء مراتب ودرجات ليسوا مرتبة واحدة إما أن تحصل وإما‬
‫ه﴾]آل‬
‫ت ِ‬
‫أل ّ تحصل‪ ،‬بل هم متفاوتون في ذلك كما قال جل وعل ﴿ ُ‬
‫عن ْدَ الل ّ ِ‬
‫م دََر َ‬
‫جا ٌ‬
‫ه ْ‬
‫عمران‪.[163:‬‬
‫)(‬
‫ما الجتهاد في المسائل المجمع‬
‫‪ 43‬المقصود من )مع اجتهاده( فيما يسوغ فيه الجتهاد‪ ،‬أ ّ‬
‫عليها أو في العقيدة؛ عقيده أهل السنة أو ما أشبه ذلك فهذه ل يسوغ فيها الجتهاد‪ ،‬ومن‬
‫خالف واجتهد فيما ليس مجال للجتهاد فهو معلوم ومؤّثم‪ ،‬أما المسائل التي يقبل فيها‬
‫الجتهاد ل يلم صاحبها بل يشكر‪ ،‬ول يؤثم إذا أخطأ بل يقال أخطأ وأراد الخير حيث اجتهد‬
‫فيما يسوغ فيه الجتهاد‪.‬‬
‫ما من جهة المواجهة فل‪ ،‬لنها مدح وثناء‪ ،‬فل يكون في وجه الرجل أما في ذكره‬
‫‪... ‬أ ّ‬
‫وخلفه يعني فيما ل يكون مواجهة فل بأس‪ ،‬إذا كان المرء قالها عن علم ل عن هوى لن‬
‫مسألو الولية تدخل فيها الهواء وقد يقول لمعجب له هذا ولي الله ليرفع مقامه بين‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ه لَ‬
‫ول َِياءَ الل ّ ِ‬
‫الناس‪ ،‬هذا حكم عليه بأّنه ممن ل خوف عليهم ول هم يحزنون؛ ﴿أَل إ ِ ّ‬
‫نأ ْ‬
‫ف َ َ‬
‫و َ‬
‫كاُنوا ي َت ّ ُ‬
‫ن﴾]يونس‪ [63-62:‬ل يجوز‬
‫َ‬
‫وَل ُ‬
‫و ٌ‬
‫ن)‪(62‬ال ّ ِ‬
‫قو َ‬
‫حَزُنو َ‬
‫م يَ ْ‬
‫ذي َ‬
‫نآ َ‬
‫ه ْ‬
‫ه ْ‬
‫مُنوا َ‬
‫م َ‬
‫خ ْ‬
‫علي ْ ِ‬
‫التجّري في مثل هذه المسألة إل بعلم‪ ،‬وهدي السلف ترك المقولة هذه إل في أشخاص‬
‫معدودين مثل أنهم قالوا فلن من البدال‪ ،‬فلن من أولياء الله‪ ،‬قليل‪ ،‬فيمن اشتهرت‬
‫إمامته وعلمه وتقواه زصلحه فل بأس‪ ،‬أما أن تدخل هذه السماء الهواُء وكل معجب بأحد‬
‫يقول هذا ولي الله‪ ،‬وإذا لم يكن هذا ولي لله فليس لله ولي‪ ،‬أومثل هذه العبارات‪ ،‬فهذا‬
‫جّري على الدين وعلى ما يحب الله‪.‬‬
‫من الت َ َ‬
‫دث‬
‫ملَهم‪ ،‬فُيلقى الصواب في روعه فيدركه؛ يأتيه‪ ،‬وعُّبر عنه بلفظ المح ّ‬
‫ح ّ‬
‫م َ‬
‫دث يعني ُ‬
‫‪ُ ()44‬‬
‫ن أحدا يكلمه في داخله ويقول كذا‬
‫لن صاحبه يشعر أنه يحدث بهذا الصواب‪ ،‬فيحدث كأ ّ‬
‫وكذا‪ ،‬من الكلم في المسألة‪ ،‬مثل ما حصل لعمر ‪ ‬فإنه ثبت عليه الصلة والسلم أنه‬
‫دث بحال سارية‬
‫ح ّ‬
‫قال »إن الله ألقى الحق على لسان عمر وقلبه« وعمر ‪ُ ‬‬
‫ُ‬
‫ف له‬
‫ش َ‬
‫فتكلم به ))يا ساري ُ‬
‫دث بحاله فأوصى‪ ،‬وك ِ‬
‫ح ّ‬
‫ة الجبل‪ ،‬الجبل(( يعني إلزم الجبل‪ُ ،‬‬
‫حجاب البصر فرأى ما يفعل سارية فأوصى‪ ،‬فإذن التحديث راجع إلى علم سمعي‪ ،‬قد ذكرنا‬
‫ن الكرامات منها ما يحصل من جهة العلم‪ ،‬ومنها ما يحصل من جهة السمع‪ ،‬ومنها‬
‫لكم أ ّ‬
‫ما يحصل من جهة البصر‪ ،‬ومنها ما يحصل من جهة القدرة‪ ،‬فهي أربعة اقسام‪ :‬كرامات‬

‫للشيخ العلمة صالح بن عبد العزيز آل الشيخ‬

‫‪39‬‬

‫عن النبي ‪ ‬أنه قال »لولم أبعث فيكم لبعث فيكم عمر« وفي حديث آخر‬
‫»أن الله ضرب الحق على لسان عمر وقلبه« وفيه »لو كان نبي‬
‫بعدي لكان عمر« وكان علي بن أبي طالب ‪ ‬يقول ما كنا نبعد أن السكينة‬
‫تنطق)‪ (45‬على لسان عمر‪ ،‬ثبت هذا عنه من رواية الشعبي‪ ،‬وقال ابن عمر ما‬
‫كان عمر يقول في شيء أني لراه كذا إل كان كما يقول)‪ .(46‬وعن قيس بن‬
‫طارق قال كنا نتحدث أن عمر ينطق على لسانه ملك‪ .‬وكان عمر يقول اقتربوا‬
‫من أفواه المطيعين واسمعوا منهم ما يقولون فإنه تتجلى لهم أمور صادقة‪.‬‬
‫وهذه المور الصادقة التي أخبر بها عمر بن الخطاب ‪ ‬أنها تتجلى للمطيعين‬
‫)‪(47‬‬
‫هي المور التي يكشفها الله عز وجل لهم‪ ،‬فقد ثبت أن لولياء الله مخاطبات‬
‫ومكاشفات فأفضل هؤلء في هذه المة بعد أبي بكر عمر بن الخطاب رضي‬
‫الله عنهما‪ ،‬فإن خير هذه المة بعد نبيها أبو بكر ثم عمر‪.‬‬

‫علمية‪ ،‬كرامات سمعية‪ ،‬وكرامات بصرية‪ ،‬وكرامات ُقدرية‪.‬‬
‫مْثل ما حصل لبي بكر الصديق أنه قال لمرأته أن في بطنها أنثى هذا‬
‫‪ .1‬فالعلمية‪ِ :‬‬
‫من جهة العلم‪ ،‬ويدخل فيه قول عمر يا سارية الجبل‪ ،‬الجبل‪.‬‬
‫‪ .2‬والسمعية‪ :‬مثل سماع سارية لكلم عمر ‪ ‬فسمع كلم عمر؛ فهذا كرامة من جهة‬
‫السمع‪.‬‬
‫‪ .3‬من جهة البصر‪ :‬يرى ما ل يرى غيُره‪ ،‬أو أو يحجب عنه ما ُيرى بالبصر‪ ،‬مثل أن‬
‫ُ‬
‫شَرط دخلوا على الحسن يريدونه فبحثوا في البيت‪ ،‬بحثوا‪ ،‬لم يجدوا أحدا وخرجوا وهو‬
‫حجب عنهم أن ُيبصروه‪ ،‬هذا من جهة الكرامات‬
‫بفناء الدار جالس ُيسّبح أمامهم‪ ،‬ف ُ‬
‫البصرية‪.‬‬
‫‪ .4‬والكرامات ال ُ‬
‫ن يقدر على ما ل يقدر غيره‪ .‬يقدر على‬
‫قدرّية‪- :‬من جهة القدرة‪ -‬أ ْ‬
‫أن يمشي على الماء بإقدار الله جل وعل عليه وإكرامه له‪ ،‬يقدر على أن ُيحيى له‬
‫الميت‪ ،‬مثل ما حصل للصحابي مع فرسه‪ ،‬أو حصلت له من جهة القدرة أنه يرفع فل‬
‫ُيعرف له مكان‪ ،‬أو دخل النار فل يضره ذلك‪ .‬وأشباه هذا‪.‬‬
‫إذن هي أقسام يمكن أن ترجع أنواع الكرامة إلى واحدة من هذه القسام‪ ،‬وك ّ‬
‫ل قسم‬
‫منها أيضا ينقسم إلى نوعين‪ :‬لزم‪ ،‬ومتعدي‪ .‬وحصول اللزم والمتعدي لمن حصلت له ل‬
‫يدل على قوة إيمانه‪ ،‬ول قوة إيمان من حصلت فيهم؛ لّنه قد يكون محتاجا إلى ذلك في ُث َّبت‬
‫بالكرامة‪ ،‬فقد يكون الناس محتاجين فيثبتون بالكرامة إذا حصلت لبعضهم‪.‬‬
‫‪()45‬السكينة اسم لما ُيسكن إليه من القوال والعتقادات والعمال‪ ،‬وُيسكن إليه لّنه الحق‪.‬‬
‫في ُ‬
‫م ْ‬
‫ذي أ َن َْز َ‬
‫ن‬
‫كين َ َ‬
‫ة ِ‬
‫كما قال جل وعل في العتقادات ﴿ ُ‬
‫ؤ ِ‬
‫س ِ‬
‫و ال ّ ِ‬
‫مِني َ‬
‫ل ال ّ‬
‫ب ال ْ ُ‬
‫قُلو ِ‬
‫ه َ‬
‫ن السكينة‬
‫ماًنا( دل على أ ّ‬
‫دا ُ‬
‫م﴾]الفتح‪ ،[4:‬وقوله )ل ِي َْز َ‬
‫م َ‬
‫دا ُ‬
‫ل ِي َْز َ‬
‫دوا ِإي َ‬
‫ه ْ‬
‫ع ِإي َ‬
‫ماًنا َ‬
‫دوا ِإي َ‬
‫مان ِ ِ‬
‫حصل بها زيادة إيمان لهم‪ ،‬فهي نوع اعتقاد نتج عنه الطمأنينة والراحة‪ .‬كذلك ما ُيسكن إليه‬
‫ن الحق في القوال يقال سكينة‪ ،‬وما ُيسكن إليه من العمال للحق ُيقال له سكينة‪...،‬‬
‫ِ‬
‫م َ‬
‫)سكينة تنطق( هذه سكينة قولية‪.‬‬
‫‪()46‬ومن هذا الموافقات؛ وافَقَ حكم عمر حكم الرب جل وعل في مواضع في القرآن‪.‬‬
‫طب بها‬
‫ده أو تخا ِ‬
‫‪ ()47‬وقصد بالمخاطبات ليست المخاطبات التي يخاطب بها الرب عبا َ‬
‫ة العباد؛ لن هذا للنبياء‪ ،‬وإنما يقصد بالمخاطبات اللهام القولي الذي ُيحس به‬
‫الملئك ُ‬
‫َ‬
‫ن كلما يقال له في أذنه أو في‬
‫دث في نفسه؛ فيحس أنه يخاطب بشيء‪ ،‬وأ ّ‬
‫الولي المح ّ‬
‫َ‬
‫قلبه‪ ،‬وهذا نوع من اللهام له‪ ،‬قد يكون بواسطة الملك الذي يلزمه وقد يكون بواسطة‬
‫مَلك آخر‪ ،‬المهم أنه ليس وحيا إليه‪ ،‬ول مكاشفة قولية من الرب جل وعل كما يزعم‬
‫الصوفية‪.‬‬

‫‪40‬‬

‫التعليقات الحسان على كتاب الفرقان‬

‫دث‬
‫دث في هذه المة‪ ،‬فأيّ مح ّ‬
‫وقد ثبت في الصحيح تعيين عمر بأنه مح ّ‬
‫ومخاطب فرض في أمة محمد ‪ ‬فعمر أفضل منه‪ ،‬ومع هذا فكان عمر ‪‬‬
‫يفعل ما هو الواجب عليه فيعرض ما يقع له على ما جاء به الرسول ‪ ‬فتارة‬
‫يوافقه فيكون ذلك من فضائل عمر كما نزل القرآن بموافقته غير مرة‪ ،‬ووافق‬
‫ربه غير مرة‪ ،‬وتارة يخالفه فيرجع عمر عن ذلك‪ ،‬كما رجع يوم الحديبية لما كان‬
‫قد رأى محاربة المشركين‪ .‬والحديث معروف في البخاري وغيره فإن النبي ‪‬‬
‫قد اعتمر سنة ست من الهجرة ومعه المسلمون نحو ألف وأربعمائة‪ ،‬وهم الذين‬
‫بايعوه تحت الشجرة‪ ،‬وكان قد صالح المشركين بعد مراجعة جرت بينه وبينهم‬
‫على أن يرجع في ذلك العام ويعتمر من العام القابل‪ ،‬وشرط لهم شروطا فيها‬
‫نوع غضاضة على المسلمين في الظاهر‪ ،‬فشق ذلك على كثير من المسلمين‪،‬‬
‫وكان الله ورسوله أعلم وأحكم بما في ذلك من المصلحة‪ ،‬وكان عمر فيمن كره‬
‫ذلك‪ ،‬حتى قال للنبى ‪ :‬يا رسول الله ألسنا على الحق وعدونا على الباطل؟‬
‫قال »بلى«‪ ،‬قال‪ :‬أفليس قتلنا في الجنة وقتلهم في النار؟ قال»بلى«‪ ،‬قال‬
‫فعلم نعطي الدنية في ديننا؟ فقال له النبي ‪» ‬إني رسول الله وهو‬
‫ناصري ولست أعصيه« ثم قال‪ :‬أفلم تكن تحدثنا أنا نأتي البيت ونطوف به؟‬
‫قال»بلى«‪ ،‬قال »أقلت لك أنك تأتيه العام؟« قال‪ :‬ل‪ ،‬قال »إنك آتيه‬
‫ومطوف به« فذهب عمر إلى أبي بكر رضي الله عنهما فقال له مثل ما قال‬
‫النبي ‪ ،‬ورد عليه أبو بكر مثل جواب النبي ‪ ،‬ولم يكن أبو بكر يسمع جواب‬
‫النبي ‪ ‬فكان أبو بكر ‪ ‬أكمل موافقة لله وللنبى ‪ ‬من عمر‪ ،‬وعمر ‪ ‬رجع‬
‫عن ذلك وقال‪ :‬فعملت لذلك أعمال‪ .‬وكذلك لما مات النبي ‪ ‬أنكر عمر موته‬
‫أول‪ ،‬فلما قال أبو بكر أنه مات رجع عمر عن ذلك‪ .‬وكذلك في قتال مانعي‬
‫الزكاة قال عمر لبي بكر كيف نقاتل الناس وقد قال رسول الله ‪» ‬أمرت‬
‫أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن ل إله إل الله وأني رسول الله‬
‫فإذا فعلوا ذلك عصموا منى دماءهم وأموالهم إل بحقها«‪ ،‬فقال له‬
‫عناقا‬
‫أبو بكر ‪ ‬ألم يقل »إل بحقها« فإن الزكاة من حقها‪ ،‬والله لو منعوني َ‬
‫كانوا يؤدونها إلى رسول الله ‪ ‬لقاتلتهم على منعها‪ .‬قال عمر فوالله ما هو إل‬
‫أن رأيت الله قد شرح صدر أبي بكر للقتال فعلمت أنه الحق‪.‬‬
‫دث‪ ،‬فإن مرتبة‬
‫ولهذا نظائر تبين تقدم أبي بكر على عمر مع أن عمر ‪ ‬مح ّ‬
‫دث‪ ،‬لن الصديق يتلقى عن الرسول المعصوم كل ما‬
‫الصديق فوق مرتبة المح ّ‬
‫دث يأخذ عن قلبه أشياء وقلبه ليس بمعصوم فيحتاج أن‬
‫يقوله ويفعله‪ ،‬والمح ّ‬
‫يعرضه على ما جاء به النبي المعصوم ‪ ،‬ولهذا كان عمر ‪ ‬يشاور الصحابة‬
‫رضي الله عنهم ويناظرهم ويرجع إليهم في بعض المور‪ ،‬وينازعونه في أشياء‬
‫قّرهم على منازعته ول يقول‬
‫فيحتج عليهم ويحتجون عليه بالكتاب والسنة‪ ،‬وي ُ ِ‬
‫دث ملهم مخاطب فينبغي لكم أن تقبلوا مني ول تعارضوني‪ ،‬فأي أحد‬
‫لهم أنا مح ّ‬
‫إدعى أو إدعى له أصحابه أنه ولي لله وأنه مخاطب يجب على أتباعه أن يقبلوا‬
‫منه كل ما يقوله ول يعارضوه ويسلموا له حاله من غير اعتبار بالكتاب والسنة‬
‫فهو وهم مخطئون‪ ،‬ومثل هذا من أضل الناس‪ ،‬فعمر بن الخطاب ‪ ‬أفضل منه‬
‫وهو أمير المؤمنين‪ ،‬وكان المسلمون ينازعونه فيما يقوله وهو وهم على الكتاب‬
‫والسنة‪ ،‬وقد اتفق سلف المة وأئمتها على أن كل أحد يؤخذ من قوله ويترك إل‬
‫)‪(48‬‬

‫‪()48‬ثبت في الصحيح يحتمل أن يكون المراد ثبت في البخاري أو مسلم أو هما معا‪ .‬ومراده‬
‫هنا مسلم‪.‬‬

‫للشيخ العلمة صالح بن عبد العزيز آل الشيخ‬

‫‪41‬‬

‫رسول الله ‪ ،‬وهذا من الفروق بين النبياء وغيرهم‪ ،‬فإن النبياء صلوات الله‬
‫عليهم وسلمه يجب لهم اليمان بجميع ما يخبرون به عن الله عز وجل‪ ،‬وتجب‬
‫طاعتهم فيما يأمرون به‪ ،‬بخلف الولياء فإنهم ل تجب طاعتهم في كل ما‬
‫يأمرون به‪ ،‬ول اليمان بجميع ما يخبرون به‪ ،‬بل ُيعرض أمرهم وخبرهم على‬
‫الكتاب والسنة‪ ،‬فما وافق الكتاب والسنة وجب قبوله‪ ،‬وماخالف الكتاب والسنة‬
‫كان مردودا وإن كان صاحبه من أولياء الله‪ ،‬وكان مجتهدا معذورا فيما قاله له‬
‫أجر على اجتهاده‪ ،‬لكنه إذا خالف الكتاب والسنة كان مخطئا‪ ،‬وكان من الخطأ‬
‫فات ّ ُ‬
‫المغفور إذا كان صاحبه قد اتقى الله ما استطاع‪ ،‬فإن الله تعالى يقول ﴿ َ‬
‫قوا‬
‫َ‬
‫ن‬
‫ها ال ّ ِ‬
‫ست َطَ ْ‬
‫م﴾]التغابن‪ ،[16:‬وهذا تفسير قوله تعالى ﴿َيا أي ّ َ‬
‫ما ا ْ‬
‫ذي َ‬
‫عت ُ ْ‬
‫ه َ‬
‫الل ّ َ‬
‫ق تُ َ‬
‫مُنوا ات ّ ُ‬
‫ق‬
‫قات ِ ِ‬
‫ه﴾]آل عمران‪ ،[102:‬قال ابن مسعود وغيره ) َ‬
‫ه َ‬
‫ح ّ‬
‫ح ّ‬
‫قوا الل ّ َ‬
‫آ َ‬
‫تُ َ‬
‫ه( أن يطاع فل يعصى وأن يذكر فل ينسى‪ ،‬وأن يشكر فل يكفر‪ ،‬أي بحسب‬
‫قات ِ ِ‬
‫ف‬
‫استطاعتكم فإن الله تعالى ل يكلف نفسا إل وسعها كما قال تعالى ﴿َل ي ُك َل ّ ُ‬
‫ه نَ ْ‬
‫ت﴾]البقرة‪،[286:‬‬
‫و َ‬
‫س َ‬
‫سب َ ْ‬
‫سب َ ْ‬
‫ما اك ْت َ َ‬
‫عل َي ْ َ‬
‫ما ك َ َ‬
‫ها ل َ َ‬
‫ع َ‬
‫و ْ‬
‫ف ً‬
‫ها َ‬
‫ها َ‬
‫الل ّ ُ‬
‫ت َ‬
‫سا إ ِّل ُ‬
‫ف نَ ْ‬
‫ها‬
‫و َ‬
‫ت َل ن ُك َل ّ ُ‬
‫حا ِ‬
‫ع ِ‬
‫وال ّ ِ‬
‫س َ‬
‫صال ِ َ‬
‫ع َ‬
‫و ْ‬
‫ف ً‬
‫ذي َ‬
‫نآ َ‬
‫مُلوا ال ّ‬
‫سا إ ِّل ُ‬
‫مُنوا َ‬
‫وقال تعالى ﴿ َ‬
‫أ ُول َئ ِ َ َ‬
‫ن﴾]العراف‪ ،[42:‬وقال تعالى ﴿‬
‫ها َ‬
‫م ِ‬
‫ة ُ‬
‫جن ّ ِ‬
‫دو َ‬
‫خال ِ ُ‬
‫ب ال ْ َ‬
‫حا ُ‬
‫ص َ‬
‫في َ‬
‫ه ْ‬
‫كأ ْ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫ْ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫ها﴾]النعام‪:‬‬
‫ط ل ن ُكل ُ‬
‫ن ِبال ِ‬
‫س ِ‬
‫وال ِ‬
‫ميَزا َ‬
‫س َ‬
‫ع َ‬
‫و ْ‬
‫ف ن َف ً‬
‫ق ْ‬
‫سا إ ِل ُ‬
‫وفوا الكي ْل َ‬
‫وأ ْ‬
‫َ‬
‫‪ .[152‬وقد ذكر الله سبحانه وتعالى اليمان بما جاءت به النبياء في غير موضع‬
‫ُ‬
‫كقوله تعالى ﴿ ُ‬
‫ز َ‬
‫ز َ‬
‫م‬
‫ما ُأن‬
‫ل إلى إ ِب َْرا ِ‬
‫مّنا ِبالل ّ ِ‬
‫هي َ‬
‫و َ‬
‫و َ‬
‫قوُلوا آ َ‬
‫ل إ ِل َي َْنا َ‬
‫ه َ‬
‫ما أن ِ‬
‫ِ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫ع ُ‬
‫عي َ‬
‫سى‬
‫و ِ‬
‫ما ِ‬
‫سَبا ِ‬
‫قو َ‬
‫وي َ ْ‬
‫س َ‬
‫عي َ‬
‫مو َ‬
‫واْل ْ‬
‫وإ ِ ْ‬
‫وإ ِ ْ‬
‫ي ُ‬
‫و َ‬
‫س َ‬
‫سى َ‬
‫ط َ‬
‫ب َ‬
‫حاقَ َ‬
‫ل َ‬
‫َ‬
‫ما أوت ِ َ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ه‬
‫ل‬
‫ن‬
‫ح‬
‫ن‬
‫و‬
‫م‬
‫ه‬
‫ن‬
‫م‬
‫د‬
‫ح‬
‫أ‬
‫ن‬
‫ي‬
‫ب‬
‫ق‬
‫ر‬
‫ف‬
‫ن‬
‫ل‬
‫م‬
‫ه‬
‫ب‬
‫ر‬
‫ن‬
‫م‬
‫ن‬
‫يو‬
‫ب‬
‫ن‬
‫ال‬
‫ي‬
‫ت‬
‫أو‬
‫ما‬
‫و‬
‫ُ ّ ُ َ ْ َ َ ٍ ِ ْ ُ ْ َ َ ْ ُ ُ‬
‫ّ ِ ّ َ ِ ْ َ ّ ِ ْ‬
‫َ َ‬
‫ِ َ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫ه‬
‫ب ِ‬
‫في ِ‬
‫مو َ‬
‫ب ل َري ْ َ‬
‫ن﴾]البقرة‪ ،[136:‬وقال تعالى ﴿الم)‪(1‬ذَل ِك الك َِتا ُ‬
‫م ْ‬
‫سل ِ ُ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫ّ‬
‫ْ‬
‫ْ‬
‫ما‬
‫ن ِبال َ‬
‫وي ُ ِ‬
‫مت ّ ِ‬
‫ُ‬
‫و ِ‬
‫ن ي ُؤ ِ‬
‫ن)‪(2‬ال ِ‬
‫مو َ‬
‫مُنو َ‬
‫ه ً‬
‫ذي َ‬
‫قي َ‬
‫م ّ‬
‫قي ُ‬
‫دى ل ِل ُ‬
‫غي ْ ِ‬
‫ن ال ّ‬
‫صلةَ َ‬
‫ب َ‬
‫ُ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫ل إ ِلي ْ َ‬
‫ف ُ‬
‫َرَز ْ‬
‫ن يُ ْ‬
‫ز َ‬
‫ز َ‬
‫ن‬
‫م ُين ِ‬
‫قَنا ُ‬
‫ل ِ‬
‫ؤ ِ‬
‫وال ِ‬
‫مُنو َ‬
‫قو َ‬
‫م ْ‬
‫ذي َ‬
‫و َ‬
‫ن بِ َ‬
‫ه ْ‬
‫ك َ‬
‫ن)‪َ (3‬‬
‫ما أن ْ ِ‬
‫ما أن ْ ِ‬
‫ُ‬
‫ُ‬
‫ول َئ ِ َ‬
‫ول َئ ِ َ‬
‫قب ْل ِ َ‬
‫َ‬
‫م‬
‫ك َ‬
‫ك ُ‬
‫عَلى ُ‬
‫م ُيو ِ‬
‫ة ُ‬
‫وِباْل ِ‬
‫دى ِ‬
‫خَر ِ‬
‫قُنو َ‬
‫ه ً‬
‫م ْ‬
‫ه ْ‬
‫ه ْ‬
‫ه ْ‬
‫وأ ْ‬
‫م َ‬
‫ن)‪(4‬أ ْ‬
‫ك َ‬
‫ن َرب ّ ِ‬
‫َ‬
‫م ْ‬
‫قب َ َ‬
‫ل‬
‫م ِ‬
‫جو َ‬
‫س ال ْب ِّر أ ْ‬
‫حو َ‬
‫و ُ‬
‫فل ِ ُ‬
‫هك ُ ْ‬
‫ال ْ ُ‬
‫ن﴾]البقرة‪ ،[5-1:‬وقال تعالى ﴿ل َي ْ َ‬
‫وّلوا ُ‬
‫ن تُ َ‬
‫م ْ‬
‫ة‬
‫م ْ‬
‫وم ِ اْل ِ‬
‫مَلئ ِك َ ِ‬
‫ن ِبالل ّ ِ‬
‫م َ‬
‫م ْ‬
‫ول َك ِ ّ‬
‫وال ْ َ‬
‫نآ َ‬
‫ن ال ْب ِّر َ‬
‫وال ْ َ‬
‫ال ْ َ‬
‫ر ِ‬
‫ر َ‬
‫وال ْي َ ْ‬
‫ه َ‬
‫ب َ‬
‫ق َ‬
‫خ ِ‬
‫غ ِ‬
‫ر ِ‬
‫ش ِ‬
‫وي ال ْ ُ‬
‫ما َ‬
‫ه ذَ‬
‫مى‬
‫ل َ‬
‫حب ّ ِ‬
‫عَلى ُ‬
‫والن ّب ِّيي َ‬
‫وال ْي ََتا َ‬
‫وآَتى ال ْ َ‬
‫وال ْك َِتا ِ‬
‫قْرَبى َ‬
‫ن َ‬
‫ب َ‬
‫َ‬
‫ِ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ة‬
‫صل َ‬
‫و ِ‬
‫سا ِ‬
‫وأقا َ‬
‫وال ّ‬
‫ن ال ّ‬
‫م َ‬
‫سائ ِِلي َ‬
‫واب ْ َ‬
‫كي َ‬
‫وال َ‬
‫في الّرقا ِ‬
‫م ال ّ‬
‫ب َ‬
‫ن َ‬
‫ل َ‬
‫سِبي ِ‬
‫ن َ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫ْ‬
‫ْ‬
‫وآَتى الّز َ‬
‫مو ُ‬
‫ء‬
‫سا ِ‬
‫م إذا َ‬
‫ن ِ‬
‫عا َ‬
‫د ِ‬
‫ه ِ‬
‫فو َ‬
‫ه ُ‬
‫ن بِ َ‬
‫في الب َأ َ‬
‫ع ْ‬
‫ري َ‬
‫ه ْ‬
‫وال ُ‬
‫وال ّ‬
‫دوا َ‬
‫كاةَ َ‬
‫َ‬
‫صاب ِ ِ‬
‫ُ‬
‫ُ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫صدَ ُ‬
‫م‬
‫ضّرا ِ‬
‫ولئ ِك ُ‬
‫و ِ‬
‫وال ّ‬
‫ولئ ِك ال ِ‬
‫ذي َ‬
‫حي َ‬
‫ه ْ‬
‫ن َ‬
‫وأ ْ‬
‫قوا َ‬
‫سأ ْ‬
‫ء َ‬
‫َ‬
‫ن الب َأ ِ‬
‫ْ‬
‫ُ‬
‫ن﴾]البقرة‪ .[177:‬وهذا الذي ذكرته من أن أولياء الله يجب عليهم‬
‫مت ّقو َ‬
‫ال ُ‬
‫العتصام بالكتاب والسنة وأنه ليس فيهم معصوم يسوغ له أو لغيره اتباع ما يقع‬
‫في قلبه من غير اعتبار بالكتاب والسنة‪ ،‬هو مما اتفق عليه أولياء الله عز وجل‪،‬‬
‫من خالف في هذا فليس من أولياء الله سبحانه‪ ،‬الذين أمر الله باتباعهم‪ ،‬بل إما‬
‫أن يكون كافرا‪ ،‬وإما أن يكون مفرطا في الجهل‪ ،‬وهذا كثير في كلم المشايخ‪،‬‬
‫كقول الشيخ أبي سليمان الداراني‪ ،‬أنه ليقع في قلبي النكتة من نكت‬
‫القوم)‪(49‬فل أقبلها إل بشاهدين الكتاب والسنة‪ .‬وقال أبو القاسم الجنيد رحمة‬
‫‪ ()49‬النكتة من نكت القوم يعني يأتي في خاطره وفي قلبه شيء مما يتصل باليمان والحوال‬
‫وتزكية النفس ورؤية الشياء والتفكر وأشباه ذلك‪ .‬فيقع في الخاطر أشياء‪ .‬قال فل أقبلها‬
‫إل بشاهدين من الكتاب والسنة؛ لّنه قد يكون هذا الخاطر الذي جاءه ليس بحق‪ ،‬قد يكون‬
‫هذا التأمل الذي جاءه باطل‪ ،‬قد يكون هذا الستنتاج الذي استنتجه باطل‪ ،‬فإذا شهد له‬

‫‪42‬‬

‫التعليقات الحسان على كتاب الفرقان‬

‫الله عليه علمنا هذا مقيد بالكتاب والسنة‪ ،‬فمن لم يقرأ القرآن ويكتب الحديث‬
‫ليصلح له أن يتكلم في علمنا أو قال ل يقتدى به‪ .‬وقال أبو عثمان النيسابوري‬
‫مر الهوى على نفسه‬
‫مر السنة على نفسه قول وفعل نطق بالحكمة‪ ،‬ومن أ ّ‬
‫من أ ّ‬
‫)‪(50‬‬
‫ه‬
‫ن تُ ِ‬
‫وإ ِ ْ‬
‫طي ُ‬
‫عو ُ‬
‫قول وفعل نطق بالبدعة‪ ،‬لن الله تعالى يقول في كلمه القديم ﴿ َ‬
‫جد ٍ ل يشهد له الكتاب والسنة‬
‫دوا﴾]النور‪ ،[54:‬وقال أبو عمرو بن نجيد كل وَ ْ‬
‫هت َ ُ‬
‫تَ ْ‬
‫فهو باطل‪ .‬وكثير من الناس يغَلط في هذا الموضع فيظن في شخص أنه ولي‬
‫لله‪ ،‬ويظن أن ولي الله يقبل منه كل ما يقوله‪ ،‬ويسلم إليه كل ما يقوله ويسلم‬
‫إليه كل ما يفعله‪ ،‬وإن خالف الكتاب والسنة‪ ،‬فيوافق ذلك الشخص له ويخالف‬
‫ما بعث الله به رسوله‪ ،‬الذي فرض الله على جميع الخلق تصديقه فيما أخبر‪،‬‬
‫وطاعته فيما أمر‪ ،‬وجعله الفارق بين أوليائه وأعدائه‪ ،‬وبين أهل الجنة وأهل‬
‫النار‪ ،‬وبين السعداء والشقياء‪ ،‬فمن اتبعه كان من أولياء الله المتقين وجنده‬
‫المفلحين وعباده الصالحين‪ ،‬ومن لم يتبعه كان من أعداء الله الخاسرين‬
‫المجرمين‪ ،‬فتجره مخالفة الرسول وموافقة ذلك الشخص أول إلى البدعة‬
‫)‪(51‬‬
‫م‬
‫و َ‬
‫وي َ ْ‬
‫والضلل‪ ،‬وآخرا إلى الكفر والنفاق‪ ،‬ويكون له نصيب من قوله تعالى ﴿ َ‬
‫ض ال ّ‬
‫ه يَ ُ‬
‫قو ُ‬
‫سِبيًل)‬
‫ل َيال َي ْت َِني ات ّ َ‬
‫م َ‬
‫عَلى ي َدَي ْ ِ‬
‫م َ‬
‫يَ َ‬
‫خذْ ُ‬
‫ل َ‬
‫ع الّر ُ‬
‫ت َ‬
‫ظال ِ ُ‬
‫ع ّ‬
‫سو ِ‬
‫دلن والمزكيان للفكار والراء‪ ،‬فإنه إذا لم‬
‫الكتاب والسنة وهما القاضيان والشاهدان والمع ّ‬
‫ُيشهد له فإنه باطل‪.‬‬
‫‪ ...‬لنه يعلم وخالف عنه فهذا من أهل الباء والستكبار مثل حال ابن عربي والتلمساني‬
‫وأشباههم؛ الذين يقولون لقوامهم ما نقول لكم وحي من الله‪ ،‬ونحن معصومون أن نخطئ‬
‫ن يكونوا علماء فهؤلء كفار لنهم أبوا‬
‫ل في اللفظ ول في العمل ول في الفكر‪ ،‬هؤلء إما أ ْ‬
‫واستكبروا عن النقياد للحق وإل أن يكونوا جّهال هؤلء قد يعذرون‪.‬‬
‫ْ‬
‫)(‬
‫م‬
‫ه ْ‬
‫‪ 50‬في كلمه )القديم( غلط؛ لن القرآن محدث ليس بالقديم‪ ،‬كما قال سبحانه ﴿ َ‬
‫ما َي َأِتي ِ‬
‫ة ُ‬
‫سّروا‬
‫هي َ ً‬
‫و ُ‬
‫ن)‪َ(2‬ل ِ‬
‫حد َ ٍ‬
‫ر ِ‬
‫ِ‬
‫عُبو َ‬
‫م ي َل ْ َ‬
‫م ُ‬
‫م ْ‬
‫وأ َ‬
‫قُلوب ُ ُ‬
‫ث إ ِّل ا ْ‬
‫م ْ‬
‫م ْ‬
‫ه ْ‬
‫ه ْ‬
‫ست َ َ‬
‫م ُ‬
‫ه ْ‬
‫م َ‬
‫عوهُ َ‬
‫ن ِذك ْ ٍ‬
‫ن َرب ّ ِ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫دث‬
‫ح‬
‫م‬
‫فالقرآن‬
‫الشعراء‪،‬‬
‫سورة‬
‫آية‬
‫في‬
‫وكذلك‬
‫[‪،‬‬
‫‪3‬‬
‫‬‫‪2‬‬
‫]النبياء‪:‬‬
‫﴾‬
‫موا‬
‫ل‬
‫ظ‬
‫ن‬
‫ذي‬
‫ل‬
‫ا‬
‫وى‬
‫ج‬
‫ن‬
‫ال‬
‫ُ ْ َ‬
‫ِ َ‬
‫ُ‬
‫ّ ْ َ‬
‫بمعنى حديث النزول من ربه جل وعل حديث العهد من ربه جل وعل‪ ،‬إنما تكلم الله به‬
‫فسمعه جبريل فبلغه للنبي عليه الصلة والسلم‪ ،‬وأما الذي يقال أنه قديم هو كلم الله‬
‫ليس القرآن‪ ،‬الكلم كلم الرحمن جل وعل نقول قديم النوع حادث الحاد‪ ،‬ويجوز أن نقول‬
‫ن الله جل وعل أول وكذلك صفاته‬
‫ن كلم الله قديم؛ يعني قديم النوع ل بأس بهذا؛ ل ّ‬
‫إ ّ‬
‫سبحانه وتعالى أزلية ‪-‬يعني الصفات الذاتية‪ -‬أزلية قديمة‪ ،‬فهو سبحانه وتعالى يتكلم كيف‬
‫شاء وإذا شاء وكلمه قديم ول يزال يتجدد كلمه بتجدد الحوال‪ ،‬متعّلقا بمشيئته سبحانه‬
‫وتعالى وقدرته‪ ،‬فالقرآن ل يسوغ وصفه بأّنه قديم‪ ،‬بل هذا مذهب الشاعرة فإنهم يجعلون‬
‫القرآن قديما تكلم الله به في الزل‪ ،‬فكل كلم أراده الله ثم يتعلق هذا الكلم بالرادة‬
‫وبالزمن الذي يصلح له فيتجدد‪ ،‬فليس عندهم أن القرآن كلم الله جل وعل الذي تكلم به‬
‫حين َأنزل القرآن‪ ،‬ولهذا اعترض المدي عليهم في هذه المسألة في كتابه أفكار الفكار‬
‫وفي كتابه نهاية وغاية المرام وفي غيرهما بأن قول الشاعرة باطل فإم أن يكون الحق من‬
‫جهة التقسيم قول أهل السنة وإما أن يكون قول المعتزلة الذي هو أن القرآن مخلوق ثم‬
‫استدل على بطلن قول المعتزلة وبقي الحق وهو قول أهل السنة؛ لنه يلزم من أن القرآن‬
‫سب كلم المدي‪ -‬قال تأملت هذه المسألة ‪-‬وهو أشعري من كبارهم‪ ،‬من علماء‬
‫قديم ‪-‬ح َ‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫جاِدل ُكَ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫س ِ‬
‫ول الِتي ت ُ َ‬
‫م َ‬
‫أهل الكلم‪ -‬من يقول الكلم قديم فإذا في القرآن ﴿قدْ َ‬
‫ع الل ُ‬
‫هق ْ‬
‫َ‬
‫قدْ ن ََرى ت َ َ‬
‫ها﴾]المجادلة‪ ،[1:‬وفي القرآن ﴿ َ‬
‫ء﴾]البقرة‪،[144:‬‬
‫ما ِ‬
‫هك ِ‬
‫ِ‬
‫و ْ‬
‫قل ّ َ‬
‫في ال ّ‬
‫ج َ‬
‫س َ‬
‫و ِ‬
‫ب َ‬
‫في َز ْ‬
‫ج ِ‬
‫ُ‬
‫ّ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫ن﴾]النعام‪ [33:‬ونحو ذلك مما فيه ذكر‬
‫حُزن ُك ال ِ‬
‫ذي ي َقولو َ‬
‫ه لي َ ْ‬
‫وفي القرآن ﴿قدْ ن َ ْ‬
‫م إ ِن ّ ُ‬
‫عل ُ‬
‫صيغة الماضي قد سمع الله فإن كان هذا الكلم قديما فإن الله يقول قد سمع لشيء لم‬
‫يحصل وهذا‪ ،‬وهذا ل يجوز لّنه نوع من الكذب وهذا يدل على بطلن هذا القول‪.‬‬
‫ن القول هذا )في كلمه القديم( هذا غلط موافق لطريقة الشاعرة لعله من‬
‫المقصود أ ّ‬
‫إضافاتهم‪.‬‬

‫للشيخ العلمة صالح بن عبد العزيز آل الشيخ‬

‫‪43‬‬

‫خِليًل)‪(28‬ل َ َ‬
‫خذْ ُ‬
‫فَلًنا َ‬
‫ضل ِّني َ‬
‫م أ َت ّ ِ‬
‫قدْ أ َ َ‬
‫عدَ‬
‫ر بَ ْ‬
‫ع ْ‬
‫وي ْل َِتي ل َي ْت َِني ل َ ْ‬
‫‪َ(27‬يا َ‬
‫ن الذّك ْ ِ‬
‫شي ْ َ‬
‫و َ‬
‫ن ال ّ‬
‫خ ُ‬
‫ذوًل﴾]الفرقان‪ ،[29-27:‬وقوله تعالى‬
‫ن َ‬
‫طا ُ‬
‫كا َ‬
‫إ ِذْ َ‬
‫لن َ‬
‫سا ِ‬
‫جاءَِني َ‬
‫ن لِ ْ ِ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ر يَ ُ‬
‫م تُ َ‬
‫عَنا‬
‫في الّنا‬
‫م ِ‬
‫جو ُ‬
‫قوُلو َ‬
‫وأ ط َ ْ‬
‫ن َيال َي ْت ََنا أطَ ْ‬
‫و ُ‬
‫قل ّ ُ‬
‫و َ‬
‫ه ُ‬
‫عَنا الل ّ َ‬
‫ه ْ‬
‫ه َ‬
‫ب ُ‬
‫﴿ي َ ْ‬
‫ِ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫وك ُب ََراءََنا َ‬
‫و َ‬
‫سِبي َ‬
‫سو َ‬
‫ل)‬
‫فأ َ‬
‫قاُلوا َرب َّنا إ ِّنا أطَ ْ‬
‫ضّلوَنا ال ّ‬
‫عَنا َ‬
‫الّر ُ‬
‫سادَت ََنا َ‬
‫ل)‪َ (66‬‬
‫ع َ‬
‫ع َ‬
‫عًنا ك َِبيًرا﴾]الحزاب‪-66:‬‬
‫ن ِ‬
‫م ِ‬
‫م لَ ْ‬
‫وال ْ َ‬
‫ن ال ْ َ‬
‫ض ْ‬
‫عن ْ ُ‬
‫م ْ‬
‫ه ْ‬
‫ه ْ‬
‫ذا ِ‬
‫ب َ‬
‫في ْ ِ‬
‫‪َ(67‬رب َّنا آت ِ ِ‬
‫َ‬
‫م‬
‫دا ي ُ ِ‬
‫ن ي َت ّ ِ‬
‫ن الل ّ ِ‬
‫خذُ ِ‬
‫و ِ‬
‫دا ً‬
‫ه أن َ‬
‫ن ُ‬
‫حّبون َ ُ‬
‫م ْ‬
‫م ْ‬
‫م ْ‬
‫ه ْ‬
‫س َ‬
‫دو ِ‬
‫‪ ،[68‬وقوله تعالى ﴿ َ‬
‫ن ال َّنا ِ‬
‫مُنوا أ َ‬
‫ن‬
‫و ي ََرى ال ّ ِ‬
‫حّبا ل ِل ّ ِ‬
‫وال ّ ِ‬
‫ب الل ّ ِ‬
‫و َ‬
‫شدّ ُ‬
‫ح ّ‬
‫كَ ُ‬
‫ذي َ‬
‫ذي َ‬
‫ن ظَل َ ُ‬
‫نآ َ‬
‫موا إ ِذْ ي ََر ْ‬
‫ول َ ْ‬
‫ه َ‬
‫ه َ‬
‫ذاب)‪(165‬إذْ ت َبرأ َ‬
‫قوةَ ل ِل ّه جميعا َ‬
‫َ‬
‫ه َ‬
‫ع َ‬
‫ش ِ‬
‫وأ ّ‬
‫بأ ّ‬
‫ديدُ ال ْ َ‬
‫ذا َ‬
‫ال ْ َ‬
‫ن الل ّ َ‬
‫ع َ ِ‬
‫َ ّ‬
‫ِ َ ِ ً َ‬
‫ن ال ْ ُ ّ‬
‫ِ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫وت َ َ‬
‫ع َ‬
‫ب)‬
‫ن ال ّ ِ‬
‫عوا ِ‬
‫ال ّ ِ‬
‫سَبا ُ‬
‫قط ّ َ‬
‫ذا َ‬
‫وا ال ْ َ‬
‫ن ات ّب َ ُ‬
‫ن ات ّب ِ ُ‬
‫ع ْ‬
‫م اْل ْ‬
‫ذي َ‬
‫م ْ‬
‫ذي َ‬
‫ه ْ‬
‫ب َ‬
‫وَرأ ْ‬
‫عوا َ‬
‫ت بِ ِ‬
‫َ‬
‫ل ال ّذين ات ّبعوا ل َ َ‬
‫ن ل ََنا ك َّرةً َ‬
‫و َ‬
‫قا َ‬
‫مّنا‬
‫ما ت َب َّر ُ‬
‫ءوا ِ‬
‫فن َت َب َّرأ ِ‬
‫وأ ّ‬
‫َ ُ‬
‫من ْ ُ‬
‫ِ َ‬
‫م كَ َ‬
‫ه ْ‬
‫ْ‬
‫‪َ (166‬‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫ك َذَل ِ َ‬
‫ن‬
‫م بِ َ‬
‫ت َ‬
‫هأ ْ‬
‫ما ُ‬
‫ن ِ‬
‫سَرا ٍ‬
‫م َ‬
‫ح َ‬
‫مال ُ‬
‫م ْ‬
‫جي َ‬
‫ه ْ‬
‫و َ‬
‫ه ْ‬
‫ه ْ‬
‫ع َ‬
‫م الل ُ‬
‫ه ْ‬
‫ر ِ‬
‫م َ‬
‫خا ِ‬
‫ك يُ ِ‬
‫علي ْ ِ‬
‫ري ِ‬

‫)(‬
‫ت في أول الفصل من أن أولياء الله جل‬
‫‪ 51‬هذا الكلم الذي سبق كله تفريع على ما ذكر ُ‬
‫وعل ليس من شرطهم أن يكونوا معصومين من الغلط؛ بل قد يكون المرء يغلط بالعمل‬
‫وقد يكون عنده بعض غفلة؛ بعض نسيان‪ ،‬قد يغلط في بعض ما يجتهد فيه سواء في أمور‬
‫العمليات أو العلميات فكل هذا يحصل‪ ،‬وهم على نوعين‪:‬‬
‫‪ .1‬منهم من يغلط بعد استفراغ الوسع والطاقة في الجتهاد‪ ،‬فهذا معذور وله أجر على‬
‫فات ّ ُ‬
‫وسع والطاقة‪ ،‬والله سبحانه وتعالى يقول ﴿ َ‬
‫قوا‬
‫اجتهاده؛ لّنه نظر واجتهد وأفرغ ال ُ‬
‫م﴾]التغابن‪.[16:‬‬
‫ست َطَ ْ‬
‫ما ا ْ‬
‫عت ُ ْ‬
‫ه َ‬
‫الل ّ َ‬
‫‪ .2‬ومنهم من ل ُيفرغ الوسع والطاقة‪ ،‬ول يجتهد عن بذل لتحري الحق‪ ،‬وبذل لطاقته‬
‫در عليه شيء و عرض لذهنه شيء أو‬
‫في تحصيل الحق‪ ،‬وإنما يثق بأول خاطر أو إذا ن َ َ‬
‫ث الناس عليه‪ ،‬دون الجتهاد والرجوع‬
‫لقلبه تطق به أو تكلم‪ ،‬وذكر ذلك عن نفسه أو ح ّ‬
‫مي نفسه مجتهدا فهو مذموم‪.‬‬
‫إلى النصوص‪ ،‬فهذا مذموم‪ ،‬وإن كان ي ُ َ‬
‫س ّ‬
‫ن كان عنده نوع معصية‬
‫فأولياء الله جل وعل ل يشترط فيهم عدم الغلط‪ ،‬بل يكون وليا وإ ْ‬
‫أو غفلة ل يقيم عليها‪ ،‬أو عنده نوع إجتهاد يغلط فيه ويبقى على غلطه لعدم ظهور الحجة‬
‫له‪ ،‬أو لتأوله ولجتهاده هذا بخلف حال النبياء فهم الذين ل يتكلمون إل بحق ول يوافقون أو‬
‫يقرون على إجتهاد باطل‪ ،‬وهذا من الفروق ما بين النبياء –كما ذكر‪ -‬وبين الولياء‪ ،‬وهذا‬
‫ن الولياء أرفع رتبة من النبياء‪ ،‬مثل ما قاله الضال الزنديق‬
‫يبين لك ضلل قول من قال إ ّ‬
‫ْ‬
‫مل فقال أنا تلك‬
‫حيث يقول‪ :‬إن النبي ‪ ‬طاف ببناء النبياء فوجد لبنة في زاوية منه لم ت َك ُ‬
‫اللبنة‪ .‬قال‪ :‬فيرى خاتم الولياء نفسه في مقام لبنتين في البناء لبنة ظاهرة من ذهب‪ ،‬ولبنة‬
‫باطنة من فضة ‪-‬أو العكس‪ -‬ويأخذ من المشكاة التي أخذ منها الرسول‪ .‬فهو في الظاهر‬
‫متبع وهو في الباطن يأخذ من المعدن الذي أخذ منه الرسول عليه الصلة والسلم؛ يعني‬
‫يأخذ من الله مباشرة أو من جبريل‪ ،‬وهذا رفع لمقام الولياء على مقام النبياء وهو من‬
‫أنواع الزندقة‪ ،‬فمن َ‬
‫ضل وليا على نبي فإنه كافر بالله جل وعل لن النبياء هم‬
‫ف ّ‬
‫أفضل الخلق والولياء تبع لهم بل ما ارتفع الولياء إل لكونهم أتباع النبياء‪ ،‬فدليل َولية‬
‫الولي أّنه تابع للنبي كيف يكون أفضل منه؟ أو يأمر بشيء لم يجيء بالكتاب والسنة أو‬
‫ينهى عن شيء قد جاء المر به في الكتاب والسنة‪ ،‬وأشباه ذلك‪ ،‬ل شك أن هذا ليس من‬
‫صنيع أولياء الله‪.‬‬
‫ومثل هذا الكلم هنا ربما ل نعرف أبعاده لكن في البلد التي يكثر فيها الصوفية وغلة‬
‫الصوفية يرون من هذا شيئا عجيبا‪ ،‬حتى أن الشعراني ذكر بأن فلنا الولي يقول ومنهم‬
‫يعني من الولياء سيدي فلن الفلني كان ‪ ‬يتلو آيات ليست في القرآن‪ ،‬وكان فلن من‬
‫الولياء يخطب الجمعة في سبع صلة يعني في نفس الوقت‪ ،‬ونحو ذلك مما يفضلون به‬
‫الولياء على النبياء‪ ،‬مثل ما قال قائلهم‪:‬‬
‫ُ‬
‫ق الرسول ودون الولي‬
‫مقام النبوة في برزخ‬
‫وي ْ َ‬
‫ف َ‬
‫يعني أن أعلى مقامات الولي ثم يليه النبي ويليه الرسول‪ ،‬عكسوا‪].‬انتهى تعليقات‬
‫الشريط الثالث[‬

‫‪44‬‬

‫التعليقات الحسان على كتاب الفرقان‬

‫ر﴾]البقرة‪ ،[167-165:‬وهؤلء مشابهون للنصارى الذين قال الله تعالى‬
‫الّنا ِ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫خ ُ‬
‫ن‬
‫فيهم ﴿ات ّ َ‬
‫وُر ْ‬
‫حَباَر ُ‬
‫م ِ‬
‫ن الل ّ ِ‬
‫م أْرَباًبا ِ‬
‫سي َ‬
‫ن ُ‬
‫ذوا أ ْ‬
‫هَبان َ ُ‬
‫ح اب ْ َ‬
‫م ْ‬
‫وال ْ َ‬
‫ه ْ‬
‫ه ْ‬
‫ه َ‬
‫دو ِ‬
‫م َ‬
‫ُ‬
‫ما‬
‫ه َ‬
‫ه إ ِّل ُ‬
‫وا ِ‬
‫ما أ ِ‬
‫سب ْ َ‬
‫ح ً‬
‫عب ُ ُ‬
‫مُروا إ ِّل ل ِي َ ْ‬
‫و ُ‬
‫دوا إ ِل َ ً‬
‫ع ّ‬
‫حان َ ُ‬
‫دا َل إ ِل َ َ‬
‫و َ‬
‫مْري َ َ‬
‫َ‬
‫ه َ‬
‫ها َ‬
‫م َ‬
‫ر ُ‬
‫يُ ْ‬
‫ن﴾]التوبة‪.[31:‬‬
‫كو َ‬
‫ش ِ‬
‫وفي المسند وصححه الترمذي عن عدي بن حاتم في تفسيره هذه الية لما‬
‫سأل النبي ‪ ‬عنها فقال ما عبدوهم‪ ،‬فقال النبي ‪» ‬أحلوا لهم الحرام‬
‫وحرموا عليهم الحلل فأطاعوهم‪ ،‬وكانت هذه عبادتهم إياهم« ولهذا‬
‫قيل في مثل هؤلء إنما حرموا الوصول بتضييع الصول‪ ،‬فإن أصل الصول‬
‫تحقيق اليمان بما جاء به الرسول ‪ ،‬فلبد من اليمان بالله ورسوله وبما جاء‬
‫به الرسول ‪ ،‬فلبد من اليمان بأن محمدا رسول الله ‪ ‬إلى جميع الخلق‬
‫إنسهم وجنهم وعربهم وعجمهم علمائهم وع ُّبادهم ملوكهم وسوقتهم‪ ،‬وأنه ل‬
‫طريق إلى الله عز وجل لحد من الخلق إل بمتابعته باطنا وظاهرا‪ ،‬حتى لو‬
‫أدركه موسى وعيسى وغيرهما من النبياء لوجب عليهم اتباعه‪ ،‬كما قال تعالى ﴿‬
‫م‬
‫وإ ِذْ أ َ َ‬
‫و ِ‬
‫م ٍ‬
‫م ِ‬
‫ه ِ‬
‫م َ‬
‫م ْ‬
‫ميَثاقَ الن ّب ِّيي َ‬
‫جاءَك ُ ْ‬
‫ة ثُ ّ‬
‫حك ْ َ‬
‫ما آت َي ْت ُك ُ ْ‬
‫ن لَ َ‬
‫خذَ الل ّ ُ‬
‫ن ك َِتا ٍ‬
‫ب َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫ه قا َ‬
‫سو ٌ‬
‫م‬
‫وأ َ‬
‫ن بِ ِ‬
‫م لت ُؤ ِ‬
‫م َ‬
‫َر ُ‬
‫من ُ ّ‬
‫خذْت ُ ْ‬
‫ل أأقَرْرت ُ ْ‬
‫صُرن ّ ُ‬
‫عك ْ‬
‫ما َ‬
‫صدّقٌ ل ِ َ‬
‫ل ُ‬
‫ولت َن ْ ُ‬
‫م َ‬
‫م َ‬
‫ه َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ل َ‬
‫قَرْرَنا َ‬
‫قاُلوا أ ْ‬
‫ري َ‬
‫فا ْ‬
‫قا َ‬
‫ن‬
‫َ‬
‫م ِ‬
‫م َ‬
‫ه ُ‬
‫ش َ‬
‫م ْ‬
‫عك ُ ْ‬
‫وأَنا َ‬
‫عَلى ذَل ِك ُ ْ‬
‫م إِ ْ‬
‫دوا َ‬
‫ص ِ‬
‫ُ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫ولئ ِ َ‬
‫عدَ ذَل ِ َ‬
‫س ُ‬
‫م ال َ‬
‫ك َ‬
‫ن)‪َ (81‬‬
‫ال ّ‬
‫ن﴾]آل‬
‫ك ُ‬
‫فا ِ‬
‫ه ِ‬
‫شا ِ‬
‫قو َ‬
‫ولى ب َ ْ‬
‫م ْ‬
‫دي َ‬
‫ه ْ‬
‫ف َ‬
‫فأ ْ‬
‫ن تَ َ‬
‫عمران‪.[82-81:‬‬
‫قال ابن عباس رضي الله عنهما ما بعث الله نبيا إل أخذ عليه الميثاق لئن‬
‫بعث محمد وهو حي ليؤمنن به ولينصرنه‪ ،‬وأمره أن يأخذ على أمته الميثاق لئن‬
‫َ‬
‫ن‬
‫م ت ََر إلى ال ّ ِ‬
‫ذي َ‬
‫بعث محمد وهم أحياء ليؤمنن به ولينصرنه‪ ،‬وقد قال تعالى ﴿أل َ ْ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫قب ْل ِ َ‬
‫ل إ ِل َي ْ َ‬
‫ن َ‬
‫ز َ‬
‫ز َ‬
‫ن‬
‫ما ُأن‬
‫ما ُأن‬
‫ي َْز ُ‬
‫ل ِ‬
‫نأ ْ‬
‫دو َ‬
‫مو َ‬
‫ري ُ‬
‫ك يُ‬
‫ن أن ّ ُ‬
‫م ْ‬
‫و َ‬
‫مُنوا ب ِ َ‬
‫مآ َ‬
‫ه ْ‬
‫ع ُ‬
‫ك َ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫شي ْ َ‬
‫موا إلى ال ّ‬
‫طا ُ‬
‫ن ي َك ْ ُ‬
‫و َ‬
‫ريدُ ال ّ‬
‫ن‬
‫فُروا ب ِ ِ‬
‫قدْ أ ِ‬
‫غو ِ‬
‫نأ ْ‬
‫طا ُ‬
‫مُروا أ ْ‬
‫ي َت َ َ‬
‫حاك َ ُ‬
‫ه َ‬
‫ت َ‬
‫وي ُ َِ‬
‫ما أنَز َ‬
‫قي َ‬
‫وإ ِ َ‬
‫وإ َِلى‬
‫ذا ِ‬
‫ضَلًل ب َ ِ‬
‫م َ‬
‫يُ ِ‬
‫م تَ َ‬
‫عي ً‬
‫ل لَ ُ‬
‫ضل ّ ُ‬
‫ل الل ّ ُ‬
‫وا إلى َ‬
‫ه ْ‬
‫ه ْ‬
‫ه َ‬
‫عال َ ْ‬
‫دا)‪َ (60‬‬
‫َ‬
‫عن ْ َ‬
‫دا)‪َ (61‬‬
‫ف إذا‬
‫ن َ‬
‫فك َي ْ َ‬
‫ف ِ‬
‫مَنا ِ‬
‫دو َ‬
‫دو ً‬
‫ص ُ‬
‫ص ّ‬
‫ل َرأي ْ َ‬
‫الّر ُ‬
‫قي َ‬
‫ت ال ْ ُ‬
‫ك ُ‬
‫ن يَ ُ‬
‫سو ِ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ءو َ‬
‫حل ِ ُ‬
‫ما َ‬
‫ن أَردَْنا‬
‫صيب َ ٌ‬
‫جا ُ‬
‫ن ِبالل ّ ِ‬
‫ت أي ْ ِ‬
‫م ِ‬
‫ه إِ ْ‬
‫فو َ‬
‫ك يَ ْ‬
‫م َ‬
‫م ْ‬
‫صاب َت ْ ُ‬
‫م ثُ ّ‬
‫ه ْ‬
‫قدّ َ‬
‫ة بِ َ‬
‫م ُ‬
‫ه ْ‬
‫أ َ‬
‫دي ِ‬
‫ُ‬
‫في ُ ُ‬
‫ول َئ ِ َ‬
‫في ً‬
‫م‬
‫ما ِ‬
‫و ِ‬
‫ك ال ّ ِ‬
‫ن يَ ْ‬
‫إ ِّل إ ِ ْ‬
‫ح َ‬
‫ذي َ‬
‫ه ْ‬
‫ه َ‬
‫م الل ّ ُ‬
‫عل َ ُ‬
‫قا)‪ (62‬أ ْ‬
‫وت َ ْ‬
‫ساًنا َ‬
‫قلوب ِ ِ‬
‫م َ‬
‫في َأن ُ‬
‫و ُ‬
‫َ‬
‫ق ْ‬
‫ما‬
‫س‬
‫ع‬
‫وًل ب َِلي ً‬
‫ض َ‬
‫فأ َ ْ‬
‫م ِ‬
‫و ِ‬
‫ف ِ‬
‫ل لَ ُ‬
‫عظ ْ ُ‬
‫عن ْ ُ‬
‫و َ‬
‫ه ْ‬
‫ه ْ‬
‫ه ْ‬
‫ه ْ‬
‫ر ْ‬
‫غا)‪َ (63‬‬
‫ق ْ‬
‫م َ‬
‫م َ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ل إ ِّل ل ِي ُ َ‬
‫موا أن ُ‬
‫م‬
‫طا َ‬
‫ن الل ّ ِ‬
‫سل َْنا ِ‬
‫س ُ‬
‫ف َ‬
‫و أن ّ ُ‬
‫ن َر ُ‬
‫أْر َ‬
‫م ْ‬
‫ه ْ‬
‫م إ ِذْ ظَل َ ُ‬
‫ه ْ‬
‫ول َ ْ‬
‫ه َ‬
‫ع ب ِإ ِذْ ِ‬
‫سو ٍ‬
‫ءو َ‬
‫غ َ‬
‫غ َ‬
‫ك َ‬
‫سو ُ‬
‫واًبا‬
‫ست َ ْ‬
‫ست َ ْ‬
‫جا ُ‬
‫ج ُ‬
‫و َ‬
‫َ‬
‫م الّر ُ‬
‫فَر ل َ ُ‬
‫وا ْ‬
‫فا ْ‬
‫دوا الل ّ َ‬
‫ه ْ‬
‫فُروا الل ّ َ‬
‫ه تَ ّ‬
‫ل لَ َ‬
‫ه َ‬
‫مو َ‬
‫وَرب ّ َ‬
‫ما)‪َ (64‬‬
‫ك َل ي ُ ْ‬
‫ما َ‬
‫م َل‬
‫ك ِ‬
‫َر ِ‬
‫ؤ ِ‬
‫مُنو َ‬
‫ش َ‬
‫حّتى ي ُ َ‬
‫ن َ‬
‫جَر ب َي ْن َ ُ‬
‫م ثُ ّ‬
‫ه ْ‬
‫في َ‬
‫حك ّ ُ‬
‫حي ً‬
‫فَل َ‬
‫َ‬
‫ما َ‬
‫في أن ُ‬
‫ما﴾]النساء‪-60:‬‬
‫دوا ِ‬
‫ق َ‬
‫جا ِ‬
‫ف ِ‬
‫حَر ً‬
‫م َ‬
‫ج ُ‬
‫ضي ْ َ‬
‫موا ت َ ْ‬
‫وي ُ َ‬
‫سِلي ً‬
‫سل ّ ُ‬
‫م ّ‬
‫ه ْ‬
‫يَ ِ‬
‫ت َ‬
‫س ِ‬
‫‪ ،[65‬وكل من خالف شيئا مما جاء به الرسول ‪ ‬مقلدا في ذلك لمن يظن أنه‬
‫ولي لله‪ ،‬فإنه بنى أمره على أنه ولي لله‪ ،‬وأن ولي الله ل يخالف في شيء‪ ،‬ولو‬
‫كان هذا الرجل من أكبر أولياء الله‪ ،‬كأكابر الصحابة والتابعين لهم بإحسان‪ ،‬لم‬
‫ُيقبل منه ما خالف الكتاب والسنة‪ ،‬فكيف إذا لم يكن كذلك‪ ،‬وتجد كثيرا من‬
‫هؤلء عمدتهم في اعتقاد كونه وليا لله أنه قد صدر عنه مكاشفة في بعض‬
‫المور أو بعض التصرفات الخارقة للعادة‪ ،‬مثل أن ُيشير إلى شخص فيموت‪ ،‬أو‬
‫يطير في الهواء إلى مكة أو غيرها‪ ،‬أو يمشي على الماء أحيانا أو يمل إبريقا من‬
‫الهواء‪ ،‬أو ينفق)‪ (52‬بعض الوقات من الغيب‪ ،‬أو أن يختفى أحيانا عن أعين الناس‪،‬‬
‫‪()52‬ينطق بعض الوقات من الغيب‪.‬‬

‫للشيخ العلمة صالح بن عبد العزيز آل الشيخ‬

‫‪45‬‬

‫أو أن بعض الناس استغاث به وهو غائب أو ميت فرآه قد جاءه فقضى حاجته‪،‬‬
‫سرق لهم‪ ،‬أو بحال غائب لهم‪ ،‬أو مريض أو نحو ذلك من‬
‫أو يخبر الناس بما ُ‬
‫المور‪ ،‬وليس في شيء من هذه المور‪ ،‬ما يدل على أن صاحبها ولي لله‪ ،‬بل‬
‫قد اتفق أولياء الله على أن الرجل لو طار في الهواء أو مشى على الماء لم‬
‫ُيغتّر به حتى ينظر متابعته لرسول الله ‪ ‬وموافقته لمره ونهيه‪ (53) ،‬وكرامات‬
‫أولياء الله تعالى أعظم من هذه المور‪ ،‬وهذه المور الخارقة للعادة‪ ،‬وإن كان‬
‫قد يكون صاحبها وليا لله فقد يكون عدوا لله‪ ،‬فان هذه الخوارق تكون لكثير من‬
‫الكفار والمشركين وأهل الكتاب والمنافقين وتكون لهل البدع‪ ،‬وتكون من‬
‫ن أولياء الله جل وعل ل يكونون‬
‫‪()53‬هذا الكلم مبني على تفصيل ما ذكره في الفصل‪ ،‬وأ ّ‬
‫ولية دعوى ليس لها‬
‫أولياء حتى يكونوا ِ‬
‫من المتبعين للكتاب والمتبعين للسنة وليس ال َ‬
‫من الناس من يغلط في هذا الموضع فيقول هذا ولي الله فيقبل منه ما جاء به ما‬
‫برهان‪ ،‬ف ِ‬
‫ذكر على أساس هذه المقدمة الباطلة أّنه ولي لله‪ ،‬فل يكون وليا لله في الواقع لمخالفته‬
‫سّلم له‬
‫سقات أو في أمور بدعية أو شركية إلى غير ذلك‪ ،‬في ُ َ‬
‫للمر والنهي ولوقوعه في مف ّ‬
‫المور البدعية أو الشركية على أساس أنه ولي لله جل وعل‪ ،‬وهذا هو الذي جعل البدع‬
‫والشركيات تنتشر في المصار من جّراء العتقاد في الولياء‪ ،‬فإّنه يكون هذا الولي حّيا‬
‫صل منهم على مال أو على‬
‫ويكون فاسقا فيحّبب للناس بعض المنكرات أو بعض البدع ليح ُ‬
‫جاه أو إلى آخره‪ ،‬فيعتقد الناس أّنه ولي فيتبعونه على ذلك ويقولون قالها الولي الفلني‪،‬‬
‫والذي يح ّ‬
‫ولية ل تكون إل للمؤمنين‬
‫طم هذا المر هو إقامة البرهان عند الناس أن ال َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ف َ َ‬
‫مُنوا‬
‫ه َل َ‬
‫وَل ُ‬
‫و ٌ‬
‫ن)‪(62‬ال ّ ِ‬
‫ول َِياءَ الل ّ ِ‬
‫حَزُنو َ‬
‫المتقين ﴿أَل إ ِ ّ‬
‫م يَ ْ‬
‫ذي َ‬
‫نآ َ‬
‫ه ْ‬
‫ه ْ‬
‫م َ‬
‫خ ْ‬
‫نأ ْ‬
‫علي ْ ِ‬
‫و َ‬
‫كاُنوا ي َت ّ ُ‬
‫صل اليمان والركانه‪ ،‬المتقي الخائف من‬
‫قو َ‬
‫ن﴾]يونس‪ [63-62:‬فالمؤمن الذي ح ّ‬
‫َ‬
‫اللله جل وعل‪ ،‬والممتثل للواجب‪ ،‬وينتهي عن المحرم ووجل قلبه من الله‪ ،‬ويستعد للقائه‪،‬‬
‫ما الذين أتوا بالبدع‬
‫وهذا هو المتقي‪ ،‬وهو المؤمن الذي يرجى أن يكون وليا لله جل وعل‪ ،‬أ ّ‬
‫والشركيات ليسوا من أولياء الله فََراج أمرهم في الناس والناس ل ينظرون هل هو ولي أم‬
‫ليس بولي‪ .‬إنتشر في الناس أنه ولي فقبلوا كل ما جاء به ولهذا ذكر لك في أول الكلم‬
‫وجد يعنون به ما‬
‫أبي عمرو بن نجيد )كل وَ ْ‬
‫جدٍ ل يشهد له الكتاب والسنة فهو باطل( وال َ‬
‫يظهر للمرء من الستحسان لشياء في العبادة أو في التأملت والتفكر‪ ،‬أو في السلوك مع‬
‫الناس وكل وجد ليس عليه دليل فهو باطل‪.‬‬
‫ً‬
‫ومن عجائب ذلك ما ذكره بعض العلماء أن رجل من أحفاد أحد الولياء ‪-‬كما يزعمون‪ -‬في‬
‫ده حدثه بكذا وكذا وكذا‪ ،‬فع ّ‬
‫ظمه‬
‫المغرب‪ ،‬زعم عند بعض الناس أنه من أولياء الله وأن ج ّ‬
‫ّ‬
‫من ح ّ‬
‫ل بهم وأسكنوه عندهم‪ ،‬فصار يأمرهم وينهاهم وهم يطيعون‪ ،‬فقال ل أكافؤكم إل أن‬
‫َ‬
‫تحجوا معي هذا العام‪ ،‬قالوا أوَ تحج؟ قال نعم وستحجون معي جميعا‪- ،‬وهم في المغرب‪-‬‬
‫فلما صار وقت الحج قرب وأعد ّ العدة‪ ،‬قالوا أل َ نحج؟ قال سوف نحج فالمر عند الولياء‬
‫يسير‪ ،‬والثاني والثالث‪ ،‬والرابع حتى أتى يوم عرفة‪ ،‬فقالوا أل تحج؟ فقال بلى إذا أتى بعد‬
‫العصر ذهبنا إلى عرفة‪ ،‬فلما أتى بعد العصر أمرهم بالستعداد‪ ،‬ولما تجهزوا هم وأهلوهم‪،‬‬
‫موا‪ ،‬فصعد بهم إلى سطح البيت‪ ،‬وقال لهم سبحان الله هذا جبل عرفة‪ ،‬فقالوا له‬
‫قال هل ّ‬
‫أين جبل عرفة؟ فقال لهم وهل تريدون أن تروا ُنوَر الولياء؟ هذا جبل عرفة أدعوا هنا‪،‬‬
‫فدعوا فلما مكث مدة‪ ،‬قال غابت الشمس في عرفة فارحلوا فرحلوا قليل‪ ،‬فقال افعلوا‬
‫كذا‪ ،‬أتريدون أن نطوف هذه الكعبة‪ ،‬فطوفوا‪ ،‬فأخذ يعمل بهم مثل هذه الحركات وهم‬
‫ولية‪.‬‬
‫يسلمون له لل َ‬
‫يعني أن الدرجة الولى التي يدخل بها صنيع الدجالين والمشعوذين والكهنة وأشباه هؤلء‬
‫أن يقال لكل الناس وأن يعلم كل الناس أن الولي ل يكون إل مؤمنا تقيا‪ ،‬فإذا كان حي في‬
‫الناس يأمرهم وينهاهم ويدعوهم إلى أشياء ويعتقد أنها تفيد‪ ،‬فيقال لهم الولي هو المؤمن‬
‫التقي وهذا من أفعاله كيت وكيت وكيت من المحرمات‪ ،‬والولياء الدجالين أشاعوا في‬
‫الناس أن الولياء أعمالهم الظاهرة غير أعمالهم الباطنة حتى ل يأتي مثل هذا‪ ،‬فيقال هو‬
‫في الظاهر يعمل أشياًء وفي الباطن قلبه وعمله لله جل وعل‪ ،‬ومنهم طائفة تسمى‬

‫‪46‬‬

‫التعليقات الحسان على كتاب الفرقان‬

‫ن كل من كان له شيء من هذه المور أنه ولي‬
‫الشياطين فل يجوز أن يظن أ ّ‬
‫الله‪ ،‬بل يعتبر أولياء الله بصفاتهم وأفعالهم وأحوالهم التي دل عليها الكتاب‬
‫والسنة‪ ،‬ويعرفون بنور اليمان والقرآن‪ ،‬وبحقائق اليمان الباطنة‪ ،‬وشرائع‬
‫السلم الظاهرة‪.‬‬
‫مثال ذلك أن هذه المور المذكورة وأمثالها قد توجد في أشخاص ويكون‬
‫أحدهم ل يتوضأ ول يصلي الصلوات المكتوبة‪ ،‬بل يكون ملبسا للنجاسات‪،‬‬
‫مامات والقمامين والمقابر والمزابل‪ ،‬رائحته خبيثة‬
‫معاشرا للكلب‪ ،‬يأوي إلى الح ّ‬
‫ل يتطهر الطهارة الشرعية‪ ،‬ول يتنظف‪ .‬وقد قال النبي ‪» ‬ل تدخل الملئكة‬
‫بيتا فيه جنب ول كلب«‪ ،‬وقال عن هذه الخلية »إن هذه الحشوش‬
‫محتضرة« أي يحضرها الشيطان‪ ،‬وقال »من أكل من هاتين الشجرتين‬
‫الخبيثتين فل يقربن مسجدنا فان الملئكة تتأذى مما يتأذى منه بنو‬
‫ن الله نظيف‬
‫ن الله طيب ل يقبل ال طيبا« وقال »إ ّ‬
‫آدم«‪ ،‬وقال »إ ّ‬
‫يحب النظافة« وقال خمس من الفواسق ُيقتلن في الحل والحرم‪،‬‬
‫الحية‪ ،‬والفأرة‪ ،‬والغراب‪ ،‬والحدأة‪ ،‬والكلب العقور« وفي رواية الحية‪،‬‬
‫والعقرب‪ .‬وأمر صلوات الله وسلمه عليه بقتل الكلب‪ .‬وقال »من اقتنى‬
‫كلبا ل يغني عنه زرعا ول ضرعا نقص من عمله كل يوم قيراط«‪،‬‬
‫وقال »ل َتصحب الملئكة ُرفقة معهم كلب«‪ ،‬وقال »إذا ولغ الكلب‬
‫في إناء أحدكم فليغسله سبع مرات إحداهن بالتراب«‪ ،‬وقال تعالى ﴿‬
‫ف َ‬
‫ن الّز َ‬
‫ن ي َت ّ ُ‬
‫وي ُ ْ‬
‫ل َ‬
‫ت كُ ّ‬
‫ة‬
‫ي ٍ‬
‫كا َ‬
‫ها ل ِل ّ ِ‬
‫و ِ‬
‫ؤُتو َ‬
‫قو َ‬
‫س َ‬
‫وَر ْ‬
‫ع ْ‬
‫سأك ْت ُب ُ َ‬
‫ء َ َ‬
‫ذي َ‬
‫ح َ‬
‫ن َ‬
‫مِتي َ‬
‫َ‬
‫ش ْ‬
‫ُ‬
‫ْ‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫م ِبآَيات َِنا ي ُ ْ‬
‫سو َ‬
‫ي‬
‫ن ُ‬
‫ن)‪(156‬ال ِ‬
‫ؤ ِ‬
‫وال ِ‬
‫عو َ‬
‫مُنو َ‬
‫ن ي َت ّب ِ ُ‬
‫ن الّر ُ‬
‫ذي َ‬
‫ذي َ‬
‫ي ال ّ‬
‫ه ْ‬
‫َ‬
‫م ّ‬
‫ل الن ّب ِ ّ‬
‫ْ‬
‫ْ‬
‫ْ‬
‫ّ‬
‫ْ‬
‫ف‬
‫مُر ُ‬
‫م ِ‬
‫عن ْدَ ُ‬
‫مكُتوًبا ِ‬
‫وَرا ِ‬
‫ال ِ‬
‫عُرو ِ‬
‫م ْ‬
‫ج ُ‬
‫م ِبال َ‬
‫ه ْ‬
‫ل ي َأ ُ‬
‫ه ْ‬
‫ه َ‬
‫دون َ ُ‬
‫لن ِ‬
‫ذي ي َ ِ‬
‫جي ِ‬
‫ة َ‬
‫في الت ّ ْ‬
‫وا ِ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫ح ّ‬
‫ث‬
‫خَبائ ِ َ‬
‫م ال َ‬
‫م َ‬
‫م َ‬
‫وي ُ ِ‬
‫ها ُ‬
‫م الطي َّبا ِ‬
‫وي ُ َ‬
‫حّر ُ‬
‫لل ُ‬
‫وي َن ْ َ‬
‫ع ْ‬
‫ه ْ‬
‫ه ْ‬
‫ن ال ُ‬
‫ه ْ‬
‫ت َ‬
‫ر َ‬
‫َ‬
‫منك َ ِ‬
‫علي ْ ِ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫وال ْ‬
‫م َ‬
‫غل َ‬
‫ه‬
‫ت َ‬
‫ع َ‬
‫صَر ُ‬
‫وي َ َ‬
‫مُنوا ب ِ ِ‬
‫فال ِ‬
‫ض ُ‬
‫ل الِتي كان َ ْ‬
‫عن ْ ُ‬
‫ذي َ‬
‫نآ َ‬
‫ه ْ‬
‫ه ْ‬
‫ه ْ‬
‫م إِ ْ‬
‫م َ‬
‫َ‬
‫علي ْ ِ‬
‫ُ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫م‬
‫و َ‬
‫ولئ ِك ُ‬
‫عوا الّنوَر ال ِ‬
‫م َ‬
‫وات ّب َ ُ‬
‫ه ْ‬
‫ع ُ‬
‫زل َ‬
‫ون َ َ‬
‫هأ ْ‬
‫صُروهُ َ‬
‫عّزُروهُ َ‬
‫َ‬
‫ذي أن ِ‬
‫ْ‬
‫ْ‬
‫ن﴾]العراف‪.[157-156 :‬‬
‫حو‬
‫ل‬
‫ف‬
‫م‬
‫ل‬
‫ا ُ ِ ُ َ‬
‫فإذا كان الشخص مباشرا للنجاسات والخبائث التي يحبها الشيطان‪ ،‬أو يأوى‬
‫مامات والحشوش التي تحضرها الشياطين‪ ،‬أو يأكل الحيات والعقارب‬
‫إلى الح ّ‬
‫والزنابير وآذان الكلب التي هي خبائث وفواسق‪ ،‬أو يشرب البول ونحوه من‬
‫النجاسات التي يحّبها الشيطان‪ ،‬أو يدعو غير الله فيستغيث بالمخلوقات ويتوجه‬
‫دين لرب العالمين‪ ،‬أو يلبس‬
‫إليها‪ ،‬أو يسجد إلى ناحية شيخه‪ ،‬ول ي ُ ْ‬
‫ص ال ّ‬
‫خل ِ ُ‬
‫الكلب أو النيران‪ ،‬أو يأوي إلى المزابل والمواضع النجسة‪ ،‬أو يأوي إلى المقابر‪،‬‬
‫وا أنهم لخلصهم ُيظهرون خلف التوحيد‪ ،‬أوخلف‬
‫الملمكية أو الملمية‪ ،‬وهم الذين إد ّعَ ْ‬
‫الستقامة‪ ،‬خلف الخلص لجل أن ل ي ُّتهموا بالرياء يقولون نظهر هذا في الناس لجل‬
‫الخلص حتى ل يقال هم مراؤون‪ ،‬فُيخفون الطاعات ويظهرون الفسوق لجل أل يرائي في‬
‫الناس‪ ،‬ففي مثل هؤلء قال فضيل بن عياض وجماعة ”العمل لغير الله رياء وترك‬
‫العمل لغير الله شرك“ فهؤلء يزعمون أنهم هربوا من الرياء ووقعوا في الشرك‪ ،‬لنهم‬
‫تركوا العمل لجل الناس‪ ،‬فالعمل لغير الله رياء وترك العمل لجل الناس أو لغير الله هذا‬
‫شرك‪ .‬يعني ترك العمل الصالح الواجب‪.‬‬
‫المقصود من هذا أن تأصيل شيخ السلم عظيم في بيان هذه المسألة المهمة‪.‬‬
‫]الهروي الذي تكلمنا عليه المرة الماضية هو أبو إسماعيل في الصحيح مثل ما هو موجود‬
‫عندكم في الكتاب أبو إسماعيل عبد الله محمد الهروي ليس إسماعيل إسماعيل رجل آخر‬
‫غير المنقول الن؛ أبو إسماعيل عبد الله محمد الهروي[‬

‫للشيخ العلمة صالح بن عبد العزيز آل الشيخ‬

‫‪47‬‬

‫ول سيما إلى مقابر الكفار من اليهود والنصارى أو المشركين‪ ،‬أو يكره سماع‬
‫م عليه سماع الغاني والشعار‪ ،‬ويؤثر سماع مزامير‬
‫القرآن وينفر عنه‪ ،‬وي ُ َ‬
‫قد ّ ُ‬
‫الشيطان على سماع كلم الرحمن‪ ،‬فهذه علمات أولياء الشيطان ل علمات‬
‫)‪(54‬‬
‫أولياء الرحمن‪.‬‬
‫قال ابن مسعود ‪ :‬ل يسأل أحدكم عن نفسه إل القرآن‪ ،‬فإن كان يحب‬
‫القرآن فهو يحب الله‪ ،‬وإن كان يبغض القرآن فهو يبغض الله ورسوله‪ .‬وقال‬
‫عثمان بن عفان ‪ :‬لو طهَُرت قلوبنا لما شبعت من كلم الله عز وجل‪ .‬وقال‬
‫ابن مسعود‪ :‬الذكر ينبت اليمان في القلب كما ينبت الماء البقل‪ ،‬والغناء ينبت‬
‫دعى أنهم من الولياء وأنهم من أصحاب الكرامات‪:‬‬
‫‪ ()54‬هذه صفات موجودة في فئات ممن ي ُ ّ‬
‫الفئة الولى المجاذيب والمجانين‪ :‬وفيهم مثل هذه الصفات من تْرك الوضوء‬
‫والصلة لنه مجنون أصل‪ ،‬والناس يعتقدون في جنونه كما سبق أن ذكرنا‪.‬‬
‫ولية‪،‬‬
‫الفئة الثانية الدّ ّ‬
‫جالون‪ :‬الذين عرفوا أن مثل هذه الصفات يعتقد الناس فيها ال َ‬
‫فأرادوا أن يجعلوا لنفسهم مقاما‪ ،‬فتلبسوا بهذه الصفات المنكرة‪ ،‬والعياذ بالله لجل أن‬
‫ولية‪.‬‬
‫يعظمهم الناس ويدعوا فيهم ال َ‬
‫سحرة وأصحاب المخارق الشيطانية‪ :‬والمشعوذون‬
‫الفئة الثالثة الكهنة وال ّ‬
‫منهم عقلء ولكن يستعينون بالجن ويستخدمون الجن يكون لهم مثل هذه الصفات‬
‫السئة‪.‬‬
‫هذه الفئات الثلث إدعى فيها الناس إلى يومنا هذا أنهم من أهل الكرامات والولياء‪ ،‬نجد‬
‫في بعض البلد ُيقال للكاهن أّنه ولي وهو كاهن‪ ،‬إنما يخبر من طريق الجني‪ ،‬وكذلك منهم‬
‫من يجعل المجنون الذي يترك الصلوات ويلبس النجاسات ول ينطق كلمة عاقلة يجعلون‬
‫ذلك أيضا دليل على وليته وكرامته كذلك الفئة الثالثة‪ ،‬فكما َ‬
‫ذكر شيخ افسلم هنا أن أهل‬
‫ن ظهرت على أيديهم خوارق فإنما هي من الشياطين لتغوي‬
‫اليمان لهم صفات وهؤلء وإ ْ‬
‫الناس‪ ،‬شياطين الجن قد ُتظهر للمرء بعض المعلومات‪ ،‬وقد تجعل له بعض الحوال في‬
‫مساعدتهم فيغتر الناس لذلك‪ ،‬والجن أقدرهم الله جل وعل على بعض المور ل يقدرها‬
‫قب َ َ‬
‫ن أ ََنا آِتي َ‬
‫ن تَ ُ‬
‫ع ْ‬
‫البشر كما قال جل وعل ﴿ َ‬
‫قا َ‬
‫ن‬
‫ل ِ‬
‫م ِ‬
‫ك بِ ِ‬
‫ت ِ‬
‫لأ ْ‬
‫ه َ ْ‬
‫قو َ‬
‫فري ٌ‬
‫م ْ‬
‫ج ّ‬
‫م ْ‬
‫ن ال ْ ِ‬
‫َ‬
‫م َ‬
‫ن)‪َ (39‬‬
‫ه لَ َ‬
‫م َ‬
‫قا َ‬
‫ب﴾]النمل‪-39:‬‬
‫وإ ِّني َ‬
‫عن ْدَهُ ِ‬
‫ذي ِ‬
‫م ِ‬
‫ل ال ّ ِ‬
‫يأ ِ‬
‫عل َي ْ ِ‬
‫قا ِ‬
‫م ْ‬
‫مي ٌ‬
‫عل ْ ٌ‬
‫و ّ‬
‫َ‬
‫ن ال ْك َِتا ِ‬
‫ك َ‬
‫ق ِ‬
‫ْ‬
‫ْ‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫َ‬
‫‪ [40‬يعني من النس ممن عُلم السم العظم )قا َ‬
‫ب( يعني‬
‫عن ْدَهُ ِ‬
‫ذي ِ‬
‫م ِ‬
‫ل ال ِ‬
‫م ْ‬
‫عل ٌ‬
‫ن الك َِتا ِ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ه‬
‫بالسم العظم الذي إذا سئل به الله جل وعل أجاب وإذا طلب به منه أعطى﴿أَنا آِتيك ب ِ ِ‬
‫قب َ َ‬
‫ف َ‬
‫ن ي َْرت َدّ إ ِل َي ْ َ‬
‫ك طَْر ُ‬
‫ك﴾]النمل‪ ،[40:‬إلى آخر اليات‪ ،‬فدل أن الجن يقدرون على أشياء‬
‫لأ ْ‬
‫َ ْ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫ن تَ ُ‬
‫ه َ‬
‫ع ْ‬
‫أقدرهم الله جل وعل عليها‪َ ) ،‬‬
‫قب ْ َ‬
‫قا َ‬
‫ن‬
‫ل ِ‬
‫م ِ‬
‫ن أَنا آِتيك ب ِ ِ‬
‫ت ِ‬
‫لأ ْ‬
‫قو َ‬
‫فري ٌ‬
‫م ْ‬
‫ج ّ‬
‫م ْ‬
‫ن ال ِ‬
‫م َ‬
‫م َ‬
‫ك( أحمل لك العرش من اليمن إلى بيتك أو إلى دار لك في الشام قبل أن تقوم من‬
‫قا ِ‬
‫َ‬
‫مقامك فقط مدة مقامك في المجلس‪.‬‬
‫فالجن يخبرون بمغيبات‪ ،‬ليست مغيبات مطلقة؛ مغيبات عن بعض البشر حصلت في‬
‫الماضي‪ ،‬وربما أخبروا عن مغيبات تحدث في المستقبل‪ ،‬ومنهم من يكون صادقا فيما أخبر‬
‫ويكون مما إلتقطه المسترق السمع‪ ،‬ومنهم وهو الكثر أن يكونوا ك َذ ََبة فيكذبون مع الخبر‬
‫الصادق مائة كذبة فيروج هذا فيالناس‪ ،‬ومنهم –يعني غير القدار وغير العلم وهو الوحي‪-‬‬
‫ت ويقول له كلما فيأتيه‬
‫من يوحي يعني يلقي في نفس وليه ما في قلب صاحبه؛ فيأتيه آ ٍ‬
‫الجني ويقول هذا كاذب لنه حصل منه كذا وكذا فيقول أنت كاذب‪ ،‬كيف تقول هذا وفي‬
‫بيتك كذا؟ كيف تفعل وأنت البارحة قد عملت كذا فيغتر هذا السائل بحال هذا المسؤول‪.‬‬
‫هو الذي يعلمه بالمور الغيبية الماضية والحاضرة والمستقبلة ويخبره عن أشياء وهو الملك‪،‬‬
‫جب على‬
‫ول يجعلون هذا من الشياطين لنه بالتفاق الشياطين ل تخدم أهل اليمان‪ ،‬لهذا وَ َ‬
‫المؤمنين أن يغتروا بمثل هذه الظواهر التي يكون فيها ادعاء للخوارق‪.‬‬
‫كما ذكرنا أن الخوارق تنقسم إلى ثلثة أقسام‪:‬‬
‫خوارق جرت على يدي النبياء هذه تسمى آيات وبراهين ودلئل‪.‬‬
‫‪.1‬‬
‫وخوارق جرت على يد أولياء صالحين مؤمنين متقين هذه تسمى كرامات‪.‬‬
‫‪.2‬‬

‫‪48‬‬

‫التعليقات الحسان على كتاب الفرقان‬

‫النفاق في القلب كما ينبت الماء البقل‪ .‬وإن كان الرجل خبيرا بحقائق اليمان‬
‫الباطنة فارقا بين الحوال الرحمانية والحوال الشيطانية فيكون قد قذف الله‬
‫َ‬
‫مُنوا ات ّ ُ‬
‫مُنوا‬
‫وآ ِ‬
‫ها ال ّ ِ‬
‫في قلبه من نوره‪ ،‬كما قال تعالى ﴿َياأي ّ َ‬
‫ذي َ‬
‫قوا الل ّ َ‬
‫نآ َ‬
‫ه َ‬
‫م كِ ْ َ‬
‫ه يُ ْ‬
‫م ُ‬
‫ع ْ‬
‫فْر‬
‫وي َ ْ‬
‫غ ِ‬
‫ن بِ ِ‬
‫مت ِ ِ‬
‫ن ِ‬
‫سول ِ ِ‬
‫شو َ‬
‫ج َ‬
‫وي َ ْ‬
‫ن َر ْ‬
‫ب َِر ُ‬
‫م ْ‬
‫م ُنوًرا ت َ ْ‬
‫ل ل َك ُ ْ‬
‫ح َ‬
‫ؤت ِك ُ ْ‬
‫ه َ‬
‫ه َ‬
‫فلي ْ ِ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫حي َْنا إ ِل َي ْ َ‬
‫وك َذَل ِ َ‬
‫ت‬
‫حا ِ‬
‫ك ُرو ً‬
‫و َ‬
‫ما ك ُن ْ َ‬
‫م ْ‬
‫رَنا َ‬
‫نأ ْ‬
‫ل َك ُ ْ‬
‫كأ ْ‬
‫م﴾]الحديد‪ ،[28:‬وقال تعالى ﴿ َ‬
‫م ِ‬
‫ن نَ َ‬
‫ن‬
‫شاءُ ِ‬
‫دي ب ِ ِ‬
‫ه ِ‬
‫ما ُ‬
‫ج َ‬
‫ن َ‬
‫ما ال ْك َِتا ُ‬
‫عل َْناهُ ُنوًرا ن َ ْ‬
‫م ْ‬
‫م ْ‬
‫ول َك ِ ْ‬
‫ه َ‬
‫لي َ‬
‫ري َ‬
‫ن َ‬
‫ب َ‬
‫وَل ا ْ ِ‬
‫ت َدْ ِ‬
‫)‪(55‬‬
‫عَباِدَنا﴾]الشورى‪ [52:‬فهذا من المؤمنين الذين جاء فيهم الحديث الذي رواه‬
‫ِ‬
‫الترمذي عن أبي سعيد الخدري عن النبي ‪ ‬قال» اتقوا فراسة المؤمن‬
‫والثالث خوارق جرت على أيدي الفسقة‪ ،‬المردة‪ ،‬وربما كفرة بعيدون عن‬
‫‪.3‬‬
‫الشريعة ل يصلون ول يتطهرون‪ ،‬أو عندهم بدع‪ ،‬عندهم خرافات وأشباه ذلك‪ ،‬هذه‬
‫تكون من عند الشياطين‪.‬‬
‫طبعا في حدودها مختلفة؛ يعني الخارق الشيطاني غير الكرامة بضابطها غير الية‬
‫والبرهان‪.‬‬
‫َ‬
‫ها‬
‫‪()55‬وأظهر دللة على المقصود من إستدلله باليتين قوله جل وعل في سورة النفال ﴿َياأي ّ َ‬
‫فْر َ‬
‫م ُ‬
‫ن ت َت ّ ُ‬
‫ع ْ‬
‫قاًنا﴾]النفال‪ [29:‬فبتقوى الله جل وعل يجعل‬
‫ال ّ ِ‬
‫مُنوا إ ِ ْ‬
‫ج َ‬
‫ه يَ ْ‬
‫ذي َ‬
‫ل ل َك ُ ْ‬
‫قوا الل ّ َ‬
‫نآ َ‬
‫للمرء فرقانا‪ ،‬وهذا الفرقان قد يكون في المور العلمية‪ ،‬وقد يكون في المور العملية‪ ،‬وقد‬
‫قدرية يعني الراجعة إلى القدرة‪ ,‬وهذه هي أنحاء الكرامات فالكرامة قد‬
‫يكون في المور ال ُ‬
‫قدرة‪ ،‬ولهذا‬
‫تكون راجعة إلى العلم‪ ،‬وقد تكون راجعة إلى العمل‪ ،‬وقد تكون راجعة إلى ال ُ‬
‫فْر َ‬
‫م ُ‬
‫ن ت َت ّ ُ‬
‫ع ْ‬
‫قاًنا( يعني فرقان بين الشياء بين الحق‬
‫قوله سبحانه )إ ِ ْ‬
‫ج َ‬
‫ه يَ ْ‬
‫ل ل َك ُ ْ‬
‫قوا الل ّ َ‬
‫والباطل في المور العلمية‪ ،‬وما بين الهدى والضلل في المور العملية‪ ،‬وما بين صنيع‬
‫الشياطين وصنيع الولياء وكرامات الولياء والصالحين ومخاريق الكهنة والشياطين‪ ،‬فهذا‬
‫ه العبد ُ وكان في تقواه محسنا‪ ،‬فإنه يؤتى هذا الفرقان‪ ،‬وُيبصر‬
‫يكون بالتقوى‪ ،‬فإذا اتقى الل َ‬
‫َ‬
‫مُنوا ات ّ ُ‬
‫مُنوا‬
‫وآ ِ‬
‫ها ال ّ ِ‬
‫ذي َ‬
‫الحق ويبصر الباطل وكما قال سبحانه وتعالى ﴿َياأي ّ َ‬
‫قوا الل ّ َ‬
‫نآ َ‬
‫ه َ‬
‫م كِ ْ َ‬
‫ه يُ ْ‬
‫م ُ‬
‫ع ْ‬
‫ه ﴾]الحديد‪ [28:‬ويجعل‬
‫ن بِ ِ‬
‫مت ِ ِ‬
‫ن ِ‬
‫سول ِ ِ‬
‫شو َ‬
‫ج َ‬
‫وي َ ْ‬
‫ن َر ْ‬
‫م ْ‬
‫ب َِر ُ‬
‫م ُنوًرا ت َ ْ‬
‫ل ل َك ُ ْ‬
‫ح َ‬
‫ؤت ِك ُ ْ‬
‫ه َ‬
‫فلي ْ ِ‬
‫فراسة وقوله عليه الصلة والسلم »اتقوا‬
‫لكم نورا تمشون به ويغفر لكم‪ ،‬وهذا النور هو ال ِ‬
‫مها العلماء إلى ثلثة أقسام‪:‬‬
‫فراسة المؤمن فإنه ينظر بنور الله«‪ ،‬الفراسة ق َ‬
‫س َ‬
‫خلقية رياضية‪ :‬هذه الفراسة هي التي كتبت فيها المألفات التي تسمى‬
‫‪ .1‬فراسة َ‬
‫خلق على الصفات‪،‬‬
‫خلق على الخلق‪ ،‬يستدلون بال َ‬
‫كتب الفراسة‪ ،‬يعني يستدلون بال َ‬
‫يستدلون بصفة العينين على ذكائه من عدمه‪ ،‬يستدلون بكبر الرأس عن ذكائه من عدمه‪،‬‬
‫يستدلون عن سعة الصدر عن حلمه وعدم حلمه‪ ،‬يستدلون بوَْفرة جسمه على كذا من كذا‪،‬‬
‫يستدلون بتقاطيع وجهه‪ ،‬بعرض جبهته‪ ،‬بشموخ أنفه بسعة وجهه‪ ،‬بطول وجهه إلى آخره‪،‬‬
‫هذه ُألفت فيها مألفات كثيرة‪ ،‬بلون الشعر‪ ،‬بلون العينين على صفات هذا المتصف بتلك‬
‫خلقية هذه راجعة إلى تجارب الناس منها ما هو حق‪،‬‬
‫الصفات‪ .‬فهذا النوع وهي الفراسة ال َ‬
‫ن فيه‬
‫و منها ما هو باطل‪ ،‬كذلك ما فيها ل يجوز أن ُيعتمد بإطلقه‪ ،‬كذلك ل يرد بإطلقه؛ ل ّ‬
‫ما هو من حق‪ ،‬ومن العلماء من كان يغلو في مثل هذه كان يعتمدها‪ ،‬مثل ما يذكر ‪-‬وهو‬
‫صحيح عنه‪ -‬عن الشافعي رحمه الله‪ ،‬فإنه تعلم هذا النوع من الفراسة و أكثر فيها جدا‪،‬‬
‫حتى ربما ُأشتري له الشيء من أحد فسأل عن صفته فربما لم يطعم الطعام لجل صفته؛‬
‫ن يشتري له بعض البقول يعني بعض الخضروات فقال‪ :‬ممن‬
‫أرسل خادمه مرة فقال له أ ْ‬
‫إشتريت؟ قال‪ :‬من رجل؟ قال‪ :‬ما صفته؟ قال‪ :‬كان أعرج‪ .‬فقال‪ :‬ل آكله‪ ،‬كلوه‪ .‬وأشباه‬
‫ذلك‪ ،‬هذا نوع من التشاؤم وإن كان وقع فيه بغض أجلة أهل العلم وأجلة الئمة لكنه شيء‬
‫يغلب على النفس‪ ،‬وكل يأخذ من قوله ويرد ‪ 0‬وبعض العلماء أيضا كان يكثر من هذا‬
‫ويستعمله في حياته‪ ،‬فهذا لينبغي فأن الصحابة رضوان الله عليهم كانت صفاتهم محتلفة‬
‫منهم كان دقيقا قصيرا جدا‪ ،‬ومنهم من كان طويل‪ ،‬ومنهم من كان كبير الرأس‪ ،‬ومنهم من‬
‫كان صغير الرأس‪ ،‬ومنهم من كان صغير العينين إلى آخر هذه الصفات التي يزعمون‪،‬‬
‫وكاتوا في مقامات اليمان والصلح والفأل ومخالفة ما تعلمه‪.‬‬

‫للشيخ العلمة صالح بن عبد العزيز آل الشيخ‬

‫‪49‬‬

‫فإنه ينظر بنور الله« قال الترمذي حديث حسن‪ ،‬وقد تقدم الحديث الصحيح‬
‫الذي في البخاري وغيره قال » ول يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل‬
‫حتى أحبه فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به‪ ،‬وبصره الذي يبصر‬
‫به‪ ،‬ويده التي يبطش بها‪ ،‬ورجله التي يمشي بها‪ ،‬فبي يسمع‪ ،‬وبي‬
‫يبصر‪ ،‬وبي يبطش‪ ،‬وبي يمشي‪ ،‬ولئن سألني لعطينه‪ ،‬ولئن‬
‫استعاذني لعيذنه‪ ،‬وما ترددت في شيء أنا فاعله ترددي في قبض‬
‫نفس عبدي المؤمن يكره الموت وأكره مساءته ول بد له منه« فإذا‬
‫كان العبد من هؤلء فّرق بين حال أولياء الرحمن وحال أولياء الشيطان كما‬
‫يفرق الصيرفي بين الدرهم الجيد والدرهم الّزْيف‪ ،‬وكما يفرق من يعرف الخيل‬
‫بين الفرس الجيد والفرس الرديء‪ ،‬وكما يفرق من يعرف الفروسية بين‬
‫الشجاع والجبان‪ ،‬وكما أنه يجب الفرق بين النبي الصادق وبين المتنبىء الكذاب‪،‬‬
‫والنوع الثاني من الفراسة‪ :‬فراسة علمية‪ :‬وهذه الفراسة العلمية‬
‫‪.2‬‬
‫وفود صاحب الفرس عليه‪ ،‬ودنو صاحب‬
‫مى فراسة؛ ل ّ‬
‫تس ّ‬
‫ن العلم الصحيح يأتي لصاحبه ك ُ‬
‫الفرس منه وتمكنه من ذلك‪ .‬أيضا هذا يأتيه من العلم واللهام ما يعلم به الحق‪ ،‬وهذا النوع‬
‫فراسة‬
‫من الفراسة هو الذي يكون كرامة من الكرامات ولهذا يببحث العلماء بحث ال ِ‬
‫وأنواعها في مبحث كرامات الولياء لجل هذا النوع ‪ 0‬فقوله عليه الصلة والسلم »إتقوا‬
‫فراسة المؤمن فإنه ينظر بنور الله« يعني هذا النوع من الفراسة في المور العلمية‬
‫الراجعة إلى علمه بالشياء؛ علمه بما في تفس صاحبه‪ ،‬ينظر إليه فيعلم ما يجول بخاطره‪،‬‬
‫يعلم أنه يفكر في كذا وأشباه هذا‪ ،‬هذا من النور الذي يقذفه الله جل وعل في قلبه‪ ،‬لكن‬
‫ن يجعل دليل على الحكم؛ فيستعمله المستعمل على أنه‬
‫هذا ليسوغ أن ُيحكم به؛ يعني أ ْ‬
‫دليل‪ ،‬هذا خاطر يأتي للقلب‪ ،‬ويكون في أهل الولية وأهل اليمان الصحيح والتقوى‬
‫ة‪ ،‬لكن ل يسوغ لصاحبه أن يحكم به وأن يستعمله‪ ،‬فيظن بالناس الظنون لجل هذه‬
‫فراس ً‬
‫الفراسة أو أن يحمدهم لجل هذه الفراسة‪ ،‬لن هذه الفراسة دليل ناقص؛ قد تكون من‬
‫نور الله جل وعل وقد لتكون‪ ،‬فالمرء ل يزكي نفسه فل يدري هذا الخاطر الذي هجم عليه‬
‫هل هو من نور الله جل وعل أو هو من الظن السيء أو هو من الظن الحسن الذي فيه‬
‫تزكية لغيره وأشباه ذلك مما ل يسوغ‪ ،‬فله أن يستعمله من جهة الحتياط‪ ،‬من جهة‬
‫المعرفة ولكن ليس له أن يحكم به إل في بعض الحوال التي يقوى فيها حيث يكون عنده‬
‫دثون« يعني ملهمين‬
‫يقين بذلك قال عليه الصلة والسلم »كان فيمن كان قبلكم مح ّ‬
‫»فإن يكون أحد منكم فعمر«‬
‫ُ‬
‫سة‪:‬‬
‫‪ .3‬النوع الثالث من الفراسة ‪-‬أدخلت في ال ِ‬
‫فراسة‪ -‬المسماة بالقيا َ‬
‫سة منهم من يعلم الشكال فيلحق هذا بأبيه‪ ،‬ومنهم من يعلم الثر‪ .‬وهذه القياسة قد‬
‫والقا َ‬
‫مّرة ونحوهم يعرفون من‬
‫تصل في أهلها‪ ،‬معروف عن قبائل العرب فيها هذا المر كبني ُ‬
‫وطئ القدم هو من أي قبيلة‪ ،‬ويعرفون من وطئ القدم هل هو رجل أم إمرأة‪ ،‬وهل المرأة‬
‫حائض أم طاهر‪ ،‬وهذا يسمى القياسة؛ تتبع الثر‪ ،‬هذا علم خاص يتداولونه فيما بينهم وهو‬
‫صحيح دلت التجارب على صحته‪ ،‬والشريعة جاء فيها الحكم بالقياسة‪ ،‬فالقائس ُيحكم‬
‫بقوله في المسائل التي يحتاج فيها إلى قائس‪ ،‬مثل تنازع النساب وأشباه ذلك‪ ،‬والنبي‬
‫عليه الصلة والسلم كان عنده زيد بن حارثة نائما وابنه أسامة بن زيد وقد غطيا وجهيهما‬
‫سّر‬
‫وبدت أقدامهما‪ ،‬فات رجل من القاسة قال يارسول الله هذه القدام بعضها من بعض ف ُ‬
‫النبي ‪ ‬وبرقت أسارير وجهه عليه الصلة والسلم‪ ،‬لمحبته لسامة ولبيه رضي الله عنها‪،‬‬
‫فهذا النوع شرعا ويحكم به ويصير القاضي إليه‪ ،‬وهو من حيث الظاهر أقوى الدلة‪ ،‬يعني‬
‫أقوى أنواع الفراسة‪ ،‬وليست الدلة التي هي البينات عند القاضي‪ ،‬أقوى أنواع الفراسة؛‬
‫يعني من حيث الحكم الظاهر‪ ،‬أما الباطن فالثاني الذي هو الكرامة؛ فراسة المؤمن‪ ،‬والول‬
‫قد يكون أو ل يكون‪.‬‬
‫العلماء يقولون علم ‪ ...‬فيه استعداد فطري لكن هو علم‪ .‬نكتفي بهذا‬

‫‪50‬‬

‫التعليقات الحسان على كتاب الفرقان‬

‫ب العالمين ‪ ‬وموسى والمسيح‬
‫فيفرق بين محمد الصادق المين رسول ر ّ‬
‫وغيرهم وبين مسيلمة الكذاب والسود العنسي وطليحة السدي والحارث‬
‫الدمشقي وباباه الرومي وغيرهم من الكذابين‪ ،‬وكذلك يفرق بين أولياء الله‬
‫المتقين وأولياء الشيطان الضالين‪.‬‬
‫فصـــــــل‬
‫والحقيقة حقيقة الدين؛ دين رب العالمين هي ما اتفق عليها النبياء‬
‫والمرسلون‪ ،‬وإن كان لكل منهم شرعة ومنهاجا‪ ،‬فالشرعة هي الشريعة‪ ،‬قال‬
‫الله تعالى ﴿ل ِك ُ ّ‬
‫م‬
‫شْر َ‬
‫ع ً‬
‫و ِ‬
‫م ِ‬
‫عل َْنا ِ‬
‫ها ً‬
‫ج َ‬
‫ل َ‬
‫من ْ َ‬
‫جا﴾]المائدة‪ ،[48:‬وقال تعالى ﴿ث ُ ّ‬
‫من ْك ُ ْ‬
‫ة َ‬
‫َ‬
‫عل َْنا َ‬
‫ر َ‬
‫عَلى َ‬
‫ن َل‬
‫ك َ‬
‫ع أَ ْ‬
‫واءَ ال ّ ِ‬
‫ة ِ‬
‫ع ٍ‬
‫وَل ت َت ّب ِ ْ‬
‫فات ّب ِ ْ‬
‫ري َ‬
‫ج َ‬
‫َ‬
‫ع َ‬
‫ذي َ‬
‫م ْ‬
‫ن اْل ْ‬
‫ه َ‬
‫ها َ‬
‫م ِ‬
‫ش ِ‬
‫ن ال ّ‬
‫عن َ‬
‫ه َ‬
‫م‬
‫ن يُ ْ‬
‫غُنوا َ‬
‫ع ُ‬
‫ظال ِ ِ‬
‫ن الل ّ ِ‬
‫ك ِ‬
‫وإ ِ ّ‬
‫مو َ‬
‫ن بَ ْ‬
‫يَ ْ‬
‫ض ُ‬
‫ن)‪(18‬إ ِن ّ ُ‬
‫مي َ‬
‫م ْ‬
‫م لَ ْ‬
‫ه ْ‬
‫ه ْ‬
‫عل َ ُ‬
‫شي ًْئا َ‬
‫َ‬
‫ن﴾]الجاثية‪ ،[19-18:‬والمنهاج هو الطريق‪ ،‬قال‬
‫ع‬
‫مت ّ ِ‬
‫ول َِياءُ ب َ ْ‬
‫قي َ‬
‫ي ال ْ ُ‬
‫والل ّ ُ‬
‫ه َ‬
‫ض َ‬
‫أ ْ‬
‫ول ِ ّ‬
‫ٍ‬
‫تعالى ﴿ َ‬
‫ق ِ َ‬
‫ماءً َ‬
‫غدَ ً‬
‫س َ‬
‫ري َ‬
‫ست َ َ‬
‫قا)‬
‫موا َ‬
‫قي َْنا ُ‬
‫ة َل ْ‬
‫وا ْ‬
‫م َ‬
‫ه ْ‬
‫قا ُ‬
‫وأل ّ ْ‬
‫َ‬
‫عَلى الطّ ِ‬
‫ُ‬
‫ْ‬
‫ْ‬
‫‪(16‬ل ِن َ ْ‬
‫َ‬
‫دا﴾]الجن‪-16:‬‬
‫ع‬
‫ص‬
‫با‬
‫ذا‬
‫ع‬
‫ه‬
‫ك‬
‫ل‬
‫س‬
‫ي‬
‫ه‬
‫ب‬
‫ر‬
‫ر‬
‫ك‬
‫ذ‬
‫ن‬
‫ع‬
‫ض‬
‫ر‬
‫ع‬
‫ي‬
‫ن‬
‫م‬
‫و‬
‫ه‬
‫في‬
‫م‬
‫ه‬
‫ن‬
‫ت‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ َ ً‬
‫ً‬
‫ْ ِ ِ َ ّ ِ َ ْ‬
‫ُ‬
‫ف ِ َ ُ ْ ِ ِ َ َ ْ ُ ْ ِ ْ‬
‫‪ ،[17‬فال ّ‬
‫سِلك فيه‪،‬‬
‫شرعة بمنزلة الشريعة للنهر‪ ،‬والمنهاج هو الطريق الذي ُ‬
‫والغاية المقصودة هي حقيقة الدين وهي عبادة الله وحده ل شريك له‪ ،‬وهي‬
‫حقيقة دين السلم وهو أن يستسلم العبد لله رب العالمين ل يستسلم لغيره‪،‬‬
‫فمن استسلم له ولغيره كان مشركا‪ ،‬والله ل يغفر أن يشرك به‪ ،‬ومن لم‬
‫ن‬
‫ن ال ّ ِ‬
‫يستسلم لله بل استكبر عن عبادته كان ممن قال الله فيه ﴿إ ِ ّ‬
‫ذي َ‬
‫ن﴾]غافر‪ ،[60:‬ودين السلم‬
‫سي َدْ ُ‬
‫ن َ‬
‫دا ِ‬
‫ن ِ‬
‫خُلو َ‬
‫ست َك ْب ُِرو َ‬
‫م َ‬
‫ن َ‬
‫ج َ‬
‫عَبادَِتي َ‬
‫يَ ْ‬
‫ري َ‬
‫ع ْ‬
‫هن ّ َ‬
‫خ ِ‬
‫غ َ‬
‫غي َْر‬
‫م ْ‬
‫و َ‬
‫هو دين الولين والخرين من النبيين والمرسلين‪ ،‬وقوله تعالى ﴿ َ‬
‫ن ي َب ْت َ ِ‬
‫ن يُ ْ‬
‫سَلم ِ ِديًنا َ‬
‫قب َ َ‬
‫ه﴾]آل عمران‪ [85:‬عام في كل زمان ومكان‪ ،‬فنوح‬
‫ل ِ‬
‫اْل ِ ْ‬
‫فل َ ْ‬
‫من ْ ُ‬
‫وإبراهيم ويعقوب والسباط وموسى وعيسى والحواريون كلهم دينهم السلم‬
‫الذي هو عبادة الله وحده ل شريك له‪ (56) .‬قال الله تعالى عن نوح ﴿َيا َ‬
‫ن‬
‫وم ِ إ ِ ْ‬
‫ق ْ‬
‫َ‬
‫ه َ‬
‫م َ‬
‫ت‬
‫كي‬
‫ن ك َب َُر َ‬
‫عَلى الل ّ ِ‬
‫ت الل ّ ِ‬
‫ري ِبآَيا ِ‬
‫وت َذْ ِ‬
‫قا ِ‬
‫كا َ‬
‫ف َ‬
‫وك ّل ْ ُ‬
‫م َ‬
‫عل َي ْك ُ ْ‬
‫ه تَ َ‬
‫مي َ‬
‫ِ‬
‫َ‬
‫فأ َجمعوا أ َمرك ُم﴾ إلى قوله ﴿ ُ‬
‫ن أَ ُ‬
‫ن﴾ وقال‬
‫سل ِ ِ‬
‫ن ِ‬
‫وأ ِ‬
‫كو َ‬
‫تأ ْ‬
‫َ ْ ِ ُ‬
‫مْر ُ‬
‫م ْ‬
‫مي َ‬
‫م ْ‬
‫ن ال ْ ُ‬
‫ْ َ ْ‬
‫َ‬
‫ن ي َْر َ‬
‫ول َ َ‬
‫ه نَ ْ‬
‫د‬
‫ب َ‬
‫س ِ‬
‫ة إ ِب َْرا ِ‬
‫مل ّ ِ‬
‫ن ِ‬
‫ق ْ‬
‫غ ُ‬
‫ف َ‬
‫ن َ‬
‫م ْ‬
‫ع ْ‬
‫م ْ‬
‫س ُ‬
‫ف َ‬
‫م إ ِّل َ‬
‫هي َ‬
‫و َ‬
‫ه َ‬
‫تعالى ﴿ َ‬
‫ن)‪(130‬إ ِذْ َ‬
‫صط َ َ‬
‫قا َ‬
‫ه‬
‫صال ِ ِ‬
‫في اْل ِ‬
‫ه ِ‬
‫في َْناهُ ِ‬
‫ة لَ ِ‬
‫خَر ِ‬
‫حي َ‬
‫م ْ‬
‫ل لَ ُ‬
‫وإ ِن ّ ُ‬
‫ن ال ّ‬
‫ا ْ‬
‫في الدّن َْيا َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫م َ‬
‫قا َ‬
‫ه‬
‫م ب َِني ِ‬
‫ها إ ِب َْرا ِ‬
‫عال ِ‬
‫ب ال َ‬
‫ت ل َِر ّ‬
‫م ُ‬
‫صى ب ِ َ‬
‫لأ ْ‬
‫هأ ْ‬
‫مي َ‬
‫هي ُ‬
‫سل ْ‬
‫سل ِ ْ‬
‫َرب ّ ُ‬
‫و ّ‬
‫و َ‬
‫ن)‪َ (131‬‬
‫َ‬
‫ن َ‬
‫صط َ َ‬
‫ع ُ‬
‫م‬
‫ي إِ ّ‬
‫م ال ّ‬
‫قو ُ‬
‫وي َ ْ‬
‫موت ُ ّ‬
‫دي َ‬
‫وأن ْت ُ ْ‬
‫فَل ت َ ُ‬
‫فى ل َك ُ ْ‬
‫ن الل ّ َ‬
‫ها ْ‬
‫ن إ ِّل َ‬
‫َ‬
‫ب َياب َن ِ ّ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫م‬
‫وم ِ إ ِ ْ‬
‫مو َ‬
‫مو َ‬
‫م ْ‬
‫ن كن ْت ُ ْ‬
‫وقال ُ‬
‫سل ِ ُ‬
‫ُ‬
‫سى َياق ْ‬
‫ن﴾]البقرة‪ [131-130:‬وقال تعالى ﴿ َ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫ه َ‬
‫ن﴾]يونس‪ ،[84:‬وقال السحرة ﴿‬
‫سل ِ ِ‬
‫علي ْ ِ‬
‫م ِبالل ِ‬
‫وك ّلوا إ ِ ْ‬
‫ف َ‬
‫م ْ‬
‫مي َ‬
‫م ُ‬
‫ن ك ُن ْت ُ ْ‬
‫من ْت ُ ْ‬
‫آ َ‬
‫ه تَ َ‬
‫‪ ()56‬يعني دين السلم العام‪ ،‬فكل دين؛ الذي جاء به الرسل هو دين السلم لكنه دين السلم‬
‫عام الذي يشترك فيه النبياء والمرسلون الذي هو الستسلم لله بالتوحيد والنقياد له‬
‫الطاعة والبراءة من الشرك وأهله أما السلم الخاص فهو شريعة السلم؛ الذي ُأرسل به‬
‫محمد عليه الصلة والسلم‪ ،‬فالسلم ثلثة؛ يطلق على ثلثة أشياء‪:‬‬
‫ن‬
‫م ْ‬
‫و َ‬
‫‪ .1‬السلم العام‪ :‬وهو دين النبياء والمرسلين جميعا من أجل قول جل وعل ﴿ َ‬
‫غ َ‬
‫ن يُ ْ‬
‫سَلم ِ ِديًنا َ‬
‫قب َ َ‬
‫ه﴾]آل عمران‪.[85:‬‬
‫ل ِ‬
‫فل َ ْ‬
‫غي َْر اْل ِ ْ‬
‫من ْ ُ‬
‫ي َب ْت َ ِ‬
‫‪ .2‬و الثاني دين السلم الخاص‪ :‬وهو السلم الذي ُبعث به محمد عليه الصلة‬
‫والسلم‪.‬‬
‫‪ .3‬والثالث هو السلم الخص‪ :‬وهو أن تشهد أنه ل إله إل الله وأن محمدا رسول الله‬
‫وتقيم الصلة وتؤتي الزكاة وتصوم رمضان وتحج البيت إن إستطعت إليه سبيل‪.‬‬
‫إذن السلم في النصوص له هذه الطلقات الثلث عام وخاص وأخص‪.‬‬

‫للشيخ العلمة صالح بن عبد العزيز آل الشيخ‬

‫‪51‬‬

‫ر ْ‬
‫و ّ‬
‫َرب َّنا أ َ ْ‬
‫ن﴾]العراف‪ ،[126:‬وقال يوسف عليه‬
‫ف‬
‫غ َ‬
‫سل ِ ِ‬
‫م ْ‬
‫مي َ‬
‫فَنا ُ‬
‫عل َي َْنا َ‬
‫وت َ َ‬
‫صب ًْرا َ‬
‫ِ‬
‫ح ْ‬
‫و ّ‬
‫ن﴾]يوسف‪ ،[101:‬وقالت بلقيس ﴿‬
‫صال ِ ِ‬
‫وأ َل ْ ِ‬
‫م ْ‬
‫حي َ‬
‫سل ِ ً‬
‫فِني ُ‬
‫قِني ِبال ّ‬
‫ما َ‬
‫السلم ﴿ت َ َ‬
‫َ‬
‫ها‬
‫عال َ ِ‬
‫ن ل ِل ّ ِ‬
‫ما َ‬
‫ن﴾]النمل‪ ،[44:‬وقال تعالى ﴿ ي َ ْ‬
‫ب ال ْ َ‬
‫ه َر ّ‬
‫م َ‬
‫م ُ‬
‫م بِ َ‬
‫ع ُ‬
‫وأ ْ‬
‫مي َ‬
‫حك ُ ُ‬
‫سل َي ْ َ‬
‫ت َ‬
‫سل َ ْ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫ّ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫حَباُر﴾]المائدة‪،[44:‬‬
‫ن َ‬
‫موا ل ِل ِ‬
‫ن ال ِ‬
‫والّرّبان ِّيو َ‬
‫الن ّب ِّيو َ‬
‫وال ْ‬
‫ها ُ‬
‫نأ ْ‬
‫ذي َ‬
‫ذي َ‬
‫سل ُ‬
‫ن َ‬
‫دوا َ‬
‫َ‬
‫وا ْ‬
‫ن﴾]آل عمران‪ ،[52:‬فدين النبياء‬
‫مّنا ِبالل ّ ِ‬
‫مو َ‬
‫م ْ‬
‫ش َ‬
‫سل ِ ُ‬
‫هدْ ب ِأّنا ُ‬
‫وقال الحواريون ﴿آ َ‬
‫ه َ‬
‫وعت شرائعهم‪ .‬كما في الصحيحين عن النبي ‪ ‬قال »إّنا معشر‬
‫واحد وإن تن ّ‬
‫النبياء ديننا واحد« قال تعالى ﴿ َ‬
‫حا‬
‫دي‬
‫شَر َ‬
‫صى ب ِ ِ‬
‫م ِ‬
‫ه ُنو ً‬
‫ن ال ّ‬
‫م ْ‬
‫ن َ‬
‫ع ل َك ُ ْ‬
‫و ّ‬
‫ما َ‬
‫ِ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫حي َْنا إ ِل َي ْ َ‬
‫ن‬
‫و ِ‬
‫ه إ ِب َْرا ِ‬
‫صي َْنا ب ِ ِ‬
‫وال ّ ِ‬
‫سى أ ْ‬
‫و َ‬
‫عي َ‬
‫مو َ‬
‫و ُ‬
‫هي َ‬
‫و َ‬
‫و ّ‬
‫سى َ‬
‫م َ‬
‫ما َ‬
‫ك َ‬
‫ذي أ ْ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫فّر ُ‬
‫ول ت َت َ َ‬
‫م ْ‬
‫م‬
‫ما ت َدْ ُ‬
‫ه كب َُر َ‬
‫عو ُ‬
‫قوا ِ‬
‫أَ ِ‬
‫ر ِ‬
‫في ِ‬
‫موا ال ّ‬
‫كي َ‬
‫دي َ‬
‫ه ْ‬
‫ن َ‬
‫على ال ُ‬
‫قي ُ‬
‫ن َ‬
‫ش ِ‬
‫َ‬
‫س ُ‬
‫مُلوا‬
‫وا ْ‬
‫ن الطّي َّبا ِ‬
‫ل ك ُُلوا ِ‬
‫إ ِل َي ْ ِ‬
‫ها الّر ُ‬
‫ه﴾]الشورى‪ ،[13:‬وقال تعالى ﴿َياأي ّ َ‬
‫م ْ‬
‫ع َ‬
‫ت َ‬
‫هذه أ ُمت ُك ُ ُ‬
‫وأ ََنا‬
‫ن َ‬
‫م ً‬
‫وا ِ‬
‫وإ ِ ّ‬
‫مُلو َ‬
‫ما ت َ ْ‬
‫صال ِ ً‬
‫مأ ّ‬
‫ْ‬
‫ن َ ِ ِ ّ‬
‫عِلي ٌ‬
‫ع َ‬
‫حا إ ِّني ب ِ َ‬
‫َ‬
‫حدَةً َ‬
‫ة َ‬
‫م)‪َ (51‬‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫ُ‬
‫ُ‬
‫فت َ َ‬
‫قوِني)‪َ (52‬‬
‫فات ّ ُ‬
‫م َ‬
‫م ُزب ًُرا ك ّ‬
‫م‬
‫ل ِ‬
‫مَر ُ‬
‫قط ُ‬
‫م ب َي ْن َ ُ‬
‫ه ْ‬
‫ب بِ َ‬
‫ه ْ‬
‫ه ْ‬
‫عوا أ ْ‬
‫َرب ّك ْ‬
‫حْز ٍ‬
‫ما لدَي ْ ِ‬
‫َ‬
‫ن﴾]المؤمنون‪.[53-51:‬‬
‫حو َ‬
‫ر ُ‬
‫ف ِ‬
‫فصـــــل‬
‫وقد اتفق سلف المة وأئمتها وسائر أولياء الله تعالى على ان النبياء أفضل‬
‫من الولياء الذين ليسوا بأنبياء‪ ،‬وقد رّتب الله عباده السعداء المنعم عليهم أربع‬
‫َ‬
‫ل َ ُ‬
‫ول َئ ِ َ‬
‫سو َ‬
‫م‬
‫ع ال ّ ِ‬
‫ن أن ْ َ‬
‫م َ‬
‫ن ي ُطِ ْ‬
‫والّر ُ‬
‫ذي َ‬
‫م ْ‬
‫ع َ‬
‫ك َ‬
‫ع الل ّ َ‬
‫و َ‬
‫فأ ْ‬
‫ه َ‬
‫مراتب‪ ،‬فقال تعالى ﴿ َ‬
‫ه َ َ‬
‫وال ّ‬
‫ن‬
‫دا ِ‬
‫صال ِ ِ‬
‫دي ِ‬
‫م ِ‬
‫و َ‬
‫ه َ‬
‫ص ّ‬
‫ح ُ‬
‫ش َ‬
‫س َ‬
‫حي َ‬
‫قي َ‬
‫ن الن ّب ِّيي َ‬
‫م ْ‬
‫ه ْ‬
‫الل ّ ُ‬
‫وال ّ‬
‫وال ّ‬
‫ن َ‬
‫ء َ‬
‫ن َ‬
‫ن َ‬
‫علي ْ ِ‬
‫ُ‬
‫ول َئ ِ َ‬
‫في ً‬
‫قا﴾]النساء‪.[69:‬‬
‫ك َر ِ‬
‫أ ْ‬
‫وفي الحديث »ما طلعت الشمس ول غربت على أحد بعد النبيين‬
‫والمرسلين أفضل من أبي بكر« وأفضل المم أمة محمد ‪ ،‬قال تعالى ﴿‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫وَرث َْنا‬
‫ة أُ ْ‬
‫م َ‬
‫م ٍ‬
‫ر َ‬
‫ج ْ‬
‫س﴾]آل عمران‪ ،[110:‬وقال تعالى ﴿ث ُ ّ‬
‫خي َْر أ ّ‬
‫ك ُن ْت ُ ْ‬
‫مأ ْ‬
‫خ ِ‬
‫ت ِللّنا ِ‬
‫صط َ َ‬
‫عَباِدَنا﴾]فاطر‪ ،[32:‬وقال النبي ‪ ‬في الحديث‬
‫ن ِ‬
‫في َْنا ِ‬
‫ب ال ّ ِ‬
‫ال ْك َِتا َ‬
‫م ْ‬
‫ذي َ‬
‫نا ْ‬
‫و ّ‬
‫ن سبعين أمة أنتم خيرها واكرمها على‬
‫فو َ‬
‫الذي في المسند »أنتم ت ُ َ‬
‫الله« وأفضل أمة محمد ‪ ‬القرن الول‪.‬‬
‫وقد ثبت عن النبي ‪ ‬من غير وجه أنه قال »خير القرون القرن الذي‬
‫بعثت فيه‪ ،‬ثم الذين يلونهم‪ ،‬ثم الذين يلونهم« وهذا ثابت في‬
‫الصحيحين من غير وجه‪.‬‬
‫وفي الصحيحين أيضا عنه ‪ ‬أّنه قال »ل تسبوا أصحابي فو الذي‬
‫ُ‬
‫مدّ أحدهم ول‬
‫نفسي بيده لو أنفق أحدكم مثل أح ٍ‬
‫د ذهبا ما بلغ ُ‬
‫نصيفه«‪.‬‬
‫والسابقون الولون من المهاجرين والنصار أفضل من سائر الصحابة‪ ،‬قال‬
‫قات َ َ ُ‬
‫ول َئ ِ َ‬
‫و َ‬
‫ل ال ْ َ‬
‫ن َ‬
‫ن أ َن ْ َ‬
‫ك أعظم‬
‫ست َ‬
‫ق ِ‬
‫وي ِ‬
‫تعالى ﴿َل ي َ ْ‬
‫م ْ‬
‫م ْ‬
‫ف َ‬
‫م َ‬
‫من ْك ُ ْ‬
‫لأ ْ‬
‫ح َ‬
‫قب ْ ِ‬
‫ِ‬
‫فت ْ ِ‬
‫و َ‬
‫ف ُ‬
‫ن أ َن ْ َ‬
‫نى﴾]الحديد‪:‬‬
‫و َ‬
‫ج ً‬
‫س َ‬
‫قوا ِ‬
‫ن ال ّ ِ‬
‫ة ِ‬
‫ه ال ْ ُ‬
‫ن بَ ْ‬
‫دََر َ‬
‫ح ْ‬
‫م ْ‬
‫ذي َ‬
‫م ْ‬
‫عدَ الل ّ ُ‬
‫وك ُّل َ‬
‫قات َُلوا َ‬
‫عدُ َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ساب ِ ُ‬
‫ن‬
‫وال ّ ِ‬
‫ن ِ‬
‫وُلو َ‬
‫قو َ‬
‫م َ‬
‫وال ّ‬
‫ذي َ‬
‫ري َ‬
‫م ْ‬
‫ن ال ْ ُ‬
‫واْلن َ‬
‫ها ِ‬
‫ر َ‬
‫ن َ‬
‫ن اْل ّ‬
‫‪ ،[10‬وقال تعالى ﴿ َ‬
‫صا ِ‬
‫ج ِ‬
‫ه﴾]التوبة‪ ،[100:‬والسابقون‬
‫ضوا َ‬
‫ه َ‬
‫عو ُ‬
‫وَر ُ‬
‫ن َر ِ‬
‫م ب ِإ ِ ْ‬
‫ات ّب َ ُ‬
‫عن ْ ُ‬
‫ح َ‬
‫عن ْ ُ‬
‫ه ْ‬
‫ي الل ّ ُ‬
‫ه ْ‬
‫م َ‬
‫سا ٍ‬
‫ض َ‬
‫صلح الحديبية فإنه‬
‫الولون الذين انفقوا من قبل الفتح وقاتلوا‪ ،‬والمراد بالفتح ُ‬
‫حَنا ل َ َ‬
‫ك َ‬
‫كان أول فتح مكة‪ ،‬وفيه أنزل الله تعالى ﴿إ ِّنا َ‬
‫فَر‬
‫مِبيًنا)‪(1‬ل ِي َ ْ‬
‫غ ِ‬
‫فت ْ ً‬
‫فت َ ْ‬
‫حا ُ‬
‫َ‬
‫ن ذَن ْب ِ َ‬
‫لَ َ‬
‫ما ت َ َ‬
‫ح‬
‫ما ت َأ َ ّ‬
‫م ِ‬
‫خَر﴾]الفتح‪ [2-1:‬فقالوا يا رسول الله أوَ فَت ْ ٌ‬
‫قدّ َ‬
‫م ْ‬
‫و َ‬
‫ه َ‬
‫ك الل ّ ُ‬
‫ك َ‬
‫هو؟ قال »نعم«‪.‬‬

‫‪52‬‬

‫التعليقات الحسان على كتاب الفرقان‬

‫وأفضل السابقين الولين الخلفاء الربعة‪ ،‬وأفضلهم أبو بكر ثم عمر‪ ،‬وهذا هو‬
‫المعروف عن الصحابة والتابعين لهم بإحسان وأئمة المة وجماهيرها‪ ،‬وقد دّلت‬
‫على ذلك دلئل بسطناها في منهاج أهل السنة النبوية في نقض كلم أهل‬
‫الشيعة والقدرية‪.‬‬
‫ن أفضل هذه المة بعد نبيها‬
‫وبالجملة اتفقت طوائف السنة والشيعة على أ ّ‬
‫واحد من الخلفاء‪ ،‬ول يكون من بعد الصحابة أفضل من الصحابة‪.‬‬
‫وأفضل أولياء الله تعالى أعظمهم معرفة بما جاء به الرسول ‪ ‬واتباعا له‬
‫كالصحابة الذين هم أكمل المة في معرفة دينه واتباعه‪ ،‬وأبو بكر الصديق أكمل‬
‫معرفة بما جاء به وعمل به‪ ،‬فهو أفضل أولياء الله‪ ،‬إذ ْ كانت أمة محمد ‪ ‬أفضل‬
‫المم‪ ،‬وأفضلها أصحاب محمد ‪ ،‬وأفضلهم أبو بكر ‪ .‬وقد ظن طائفة غالطة‬
‫ن خاتم الولياء أفضل الولياء قياسا على خاتم النبياء‪ ،‬ولم يتكلم أحد من‬
‫أ ّ‬
‫المشايخ المتقدمين بخاتم الولياء إل محمد بن علي الحكيم الترمذي‪ ،‬فانه صّنف‬
‫مصنفا غلط فيه في مواضع‪ ،‬ثم صار طائفة من المتأخرين يزعم كل واحد منهم‬
‫أنه خاتم الولياء‪ ،‬ومنهم من يدعي أن خاتم الولياء أفضل من خاتم النبياء من‬
‫جهة العلم بالله‪ ،‬وأن النبياء يستفيدون العلم بالله من جهته‪ ،‬كما َزعم ذلك ابن‬
‫عربى صاحب كتاب الفتوحات المكية وكتاب الفصوص فخالف الشرع والعقل‬
‫خّر عليهم‬
‫مع مخالفة جميع أنبياء الله تعالى وأوليائه‪ ،‬كما يقال لمن قال ف َ‬
‫السقف من تحتهم‪ .‬ل عقل ول قرآن‪ ،‬ذلك أن النبياء أفضل في الزمان من‬
‫أولياء هذه المة‪ ،‬والنبياء عليهم أفضل الصلة والسلم أفضل من الولياء‪،‬‬
‫فكيف النبياء كّلهم والولياء إنما يستفيدون معرفة الله ممن يأتي بعدهم ويدعي‬
‫أنه خاتم الولياء‪ ،‬وليس آخر الولياء أفضلهم كما أن آخر النبياء أفضلهم‪ ،‬فإن‬
‫دالة على ذلك‪ ،‬كقوله ‪» ‬أنا سّيد ولد آدم‬
‫ت بالنصوص ال ّ‬
‫فضل محمد ‪ ‬ث َب َ َ‬
‫ول فخر« وقوله »آتي باب الجنة فأستفتح فيقول الخازن من أنت‬
‫فأقول محمد‪ ،‬فيقول بك ُأمرت أن ل أفتح لحد قبلك« وليلة المعراج‬
‫رفع الله درجته فوق النبياء كّلهم‪ ،‬فكان أحقهم بقوله تعالى ﴿ت ِل ْ َ‬
‫س ُ‬
‫ل‬
‫ك الّر ُ‬
‫وَر َ‬
‫َ‬
‫م‬
‫م َ‬
‫ع َ‬
‫ع َ‬
‫ف ّ‬
‫ض ِ‬
‫ع بَ ْ‬
‫ف َ‬
‫عَلى ب َ ْ‬
‫ضل َْنا ب َ ْ‬
‫ض ُ‬
‫من ْ ُ‬
‫ض ُ‬
‫م ْ‬
‫ه ْ‬
‫م الل ّ ُ‬
‫ن ك َل ّ َ‬
‫م َ‬
‫ه ْ‬
‫ه ْ‬
‫ه َ‬
‫ع ٍ‬
‫ت﴾]البقرة‪ [253:‬إلى غير ذلك من الدلئل‪ ،‬ك ّ‬
‫ل منهم يأتيه الوحي من الله ل‬
‫جا ٍ‬
‫دََر َ‬
‫سيما محمد ‪ ‬لم يكن في نبوته محتاجا إلى غيره؛ فلم تحتج شريعته إلى سابق‬
‫ول إلى لحق‪ ،‬بخلف المسيح أحالهم في أكثر الشريعة على التوراة‪ ،‬وجاء‬
‫ملها‪ ،‬ولهذا كان النصارى محتاجين إلى النبوات المتقدمة على‬
‫المسيح فك ّ‬
‫المسيح كالتوراة والزبور وتمام الربع وعشرين نبوة‪ ،‬وكان المم قبلنا محتاجين‬
‫ن الله أغناهم به فلم يحتاجوا معه إلى نبي‬
‫دثين‪ ،‬بخلف أمة محمد ‪ ‬فإ ّ‬
‫إلى مح ّ‬
‫دث‪ ،‬بل جمع له من الفضائل والمعارف والعمال الصالحة وما فّرقه‬
‫ول إلى مح ّ‬
‫ضله الله به من الله بما أنزله اليه وأرسله إليه‪،‬‬
‫في غيره من النبياء‪ ،‬فكان ما ف ّ‬
‫ن كل من بلغه رسالة محمد ‪ ‬ل يكون‬
‫سط بشر‪ ،‬وهذا بخلف الولياء فإ ّ‬
‫ل بتو ّ‬
‫وليا لله إل باتباع محمد ‪ ،‬وكل ما حصل له من الهدى ودين الحق هو بتوسط‬
‫محمد ‪ ،‬وكذلك من بلغه رسالة رسول إليه ل يكون وليا لله إل إذا اتبع ذلك‬
‫الرسول الذي ُأرسل إليه‪(57) ،‬ومن إدعى أن من الولياء الذين بلغتهم رسالة‬
‫ن النبياء أفضل من الولياء قطعا‪،‬‬
‫‪()57‬هذا الكلم من أول الفصل على هنا في مسألة أ ّ‬
‫وتفضيل النبي على الولي ظاهر من جهة الدليل‪ ،‬كما ذكر شيخ السلم بالدلة الكثيرة في‬
‫ن الولي لم يكن وليا إل ّ باتباعه للنبي فبسبب‬
‫الباب‪ ،‬وظاهر أيضا من جهة التعليل؛ فإ ّ‬

‫للشيخ العلمة صالح بن عبد العزيز آل الشيخ‬

‫‪53‬‬

‫محمد ‪ ‬من له طريق إلى الله ل يحتاج فيه إلى محمد فهذا كافر ملحد‪ ،‬وإذا‬
‫قال أنا محتاج إلى محمد في علم الظاهر دون علم الباطن‪ ،‬أو في علم‬
‫ن محمدا‬
‫الشريعة دون علم الحقيقة‪ ،‬فهو شّر من اليهود والنصارى الذين قالوا إ ّ‬
‫رسول إلى الميين دون أهل الكتاب‪ ،‬فإن أولئك آمنوا ببعض وكفروا ببعض‪،‬‬
‫فارا بذلك‪ ،‬وكذلك هذا الذي يقول إن محمدا ُبعث بعلم الظاهر دون‬
‫فكانوا ك ّ‬
‫على الباطن آمن ببعض ما جاء به وكفر ببعض فهو كافر‪ ،‬وهو أكفر من أولئك؛‬
‫لن علم الباطن الذي هو على إيمان القلوب ومعارفها وأحوالها هو علم بحقائق‬
‫اليمان الباطنة وهذا أشرف من العلم بمجرد أعمال السلم الظاهرة‪.‬‬
‫إقتداءه بالنبي واتباعه له صار وليا وجاءته الكرامة من جهة اتباعه للنبي عليه الصلة‬
‫والسلم‪ ،‬فهو دائما أق ّ‬
‫ل رتبة والولياء في هذه المة أكملهم وأرفعهم درجة الربعة الخلفاء‬
‫أبو بكر وعمر وعثمان وعلي رضي الله عنهم أجمعين‪.‬‬
‫والطوائف التي فضلت الولياء على النبياء‪ ،‬أو فضلت خاتم الولياء على خاتم النبياء‬
‫ثلث طوائف‪ :‬أما الولى‪ :‬فهم غلة الصوفية‪ ،‬والثانية‪ :‬هم الرافضة والسماعيلية باعتبار‬
‫أصلهم بأنهم طائفة واحدة‪ .‬والثالثة‪ :‬الفلسفة‪.‬‬
‫ن النبي إنما يأخذ من‬
‫‪ .1‬غلة الصوفية‪ :‬فزعموا أن جهة تفضيل الولي على النبي‪ ،‬أ ّ‬
‫المَلك‪ ،‬وأما الولي فإنه يأخذ من المعدن الذي أخذ منه المَلك‪ ،‬كما قال ابن عربي في‬
‫فصوصه؛ فالنبي يأخذ بواسطة والولي يأخذ بل بواسطة ولهذا كتب ابن عربي كتابه‬
‫دث بها عن رب العالمين مباشرة لما‬
‫ح ّ‬
‫المعروف )الربعين عن رب العالمين( يعني التي َ‬
‫ن الولي يصل به المكاشفة إلى حيث ل يكون هناك‬
‫سمعه منه‪ .‬وهذا من حيث التفضيل أ ّ‬
‫حجبوا منهم من كلموا في بعض الحيان‪ ،‬أما الولي فإنه إذا اختار أن‬
‫حجاب‪ ،‬والنبياء ُ‬
‫ن يصفي قلبه ويعمل بالرياضات الخاصة عندهم؛ الرياضات‬
‫يسمع الكلم فما عليه إل أ ْ‬
‫الروحية‪ ،‬ثم ينكشف له الحجاب فيصبح يرى ما يحدث في الملكوت ويسمع أوامر الحق‬
‫جل وعل للملئكة‪.‬‬
‫‪ .2‬والطائفة الثانية الرافضة والسماعيلية‪ :‬فإن الرافضة يزعمون أن أئمتهم لهم‬
‫من المقام ما ليس للنبياء‪ ،‬وعندهم هذا من ضروريات المذهب حيث يقول بعض‬
‫ن لئمتنا مقاما ل يبلغه ملك مقرب ول نبي مرسل‪ .‬يعني‬
‫أئمتهم‪ :‬من ضروريات مذهبنا أ ّ‬
‫مما ل ُيحتاج إلى استدلل أصل معروف‪ ،‬الئمة الثني عشر إبتداء من علي إلى‬
‫العسكري‪ ،‬هؤلء ل بيلغهم مَلك مقرب ول نبي مرسل‪ ،‬قال‪ :‬وأنهم كانوا قبل خلق هذا‬
‫العالم أنوارا فجعلهم الله بعرشه محدثين وجعل لهم من المنزلة والزلفى ما لم يجعله‬
‫لحد من العالمين‪ .‬والسماعيلية القرامطة والعبيديين والنصيرية والدروز زعموا أن‬
‫ن الولي ‪-‬وهم أولياء سبعة عندهم أو أربعة‬
‫الولياء؛ أولياؤهم أعظم من النبياء من جهة أ ّ‬
‫ن الولي يحل فيه الحق جل وعل‪ ،‬وليس كل شيء يستحق هذه المنزلة‪ ،‬فالولياء‬
‫–أ ّ‬
‫تميزوا على النبياء لنهم يحل فيهم الحق جل وعل فيصبحون صورة لله جل وعل؛ صورة‬
‫ناسوتية وليست لهوتية يعني بحلول الحق جل وعل‪ ،‬فالجسمان جسمان إنساني ولكن‬
‫العلم والحكمة والمر والنهي إلهي‪.‬‬
‫‪ .3‬والطائفة الثالثة ممن يقولون بتفضيل الولياء على النبياء الفلسفة‪:‬‬
‫فإنهم يقولون التبوة الفلسفة تجتمع في شيء واحد‪ ،‬وهو أن الجميع فيه تحصيل غاية‬
‫الحكمة‪ ،‬والنبوة تحصيل الحكمة فيها بواسطة المَلك ل دور للنبي في تحصيل الحكمة‬
‫بإدراكه وعقله وسعيه وبذله‪ ،‬وأما الفيلسوف الحكيم فإنه حصل له هذا المقام وإدراك‬
‫الحكمة بفعله وإدراكه وبذله وعقله وفهمه‪ ،‬ولهذا الفيلسوف تساوى مع النبي في إدراك‬
‫الحكمة‪ ،‬ولكن زاد على أنه أدركها بعقله وبحثه ونظره‪ ،‬وذاك بواسطة‪ ،‬ومن أدرك‬
‫بنفسه أرفع درجة ممن أدرك بواسطة‪ .‬وهذا القول وكل القوال السالفة زندقة وكل من‬
‫قال بهذا القول فهو زنديق يستتاب هلى الكفر فإن تاب وإل قتل‪ .‬وكلم أهل العلم قالوا‬
‫ن هذا القول‬
‫يجب قتله بل استتابة؛ من أظهر هذا القول فإنه يجب قتله بل استتابة؛ ل ّ‬
‫مما ل شبهة فيه أصل وإنما هي زندقة محضة‪.‬‬

‫‪54‬‬

‫التعليقات الحسان على كتاب الفرقان‬

‫فإذا إدعى المدعى أن محمدا ‪ ‬إنما علم هذه المور الظاهرة دون حقائق‬
‫اليمان‪ ،‬وأنه ل يأخذ هذه الحقائق عن الكتاب والسنة فقد ادعى أن بعض الذي‬
‫آمن به مما جاء به الرسول دون البعض الخر‪ ،‬وهذا شر ممن يقول أؤمن ببعض‬
‫وأكفر ببعض ول يدعي أن هذا البعض الذي آمن به أدنى القسمين‪ ،‬وهؤلء‬
‫الملحدة يدعون أن الولية أفضل من النبوة‪ ،‬وُيلّبسون على الناس فيقولون‬
‫وليته أفضل من نبوته‪ ،‬وينشدون‪:‬‬
‫فويق الرسول ودون الولي‬
‫مقام النبوة في برزخ‬
‫ويقولون نحن شاركناه في وليته التي هي أعظم من رسالته‪ ،‬وهذا من أعظم‬
‫ضللهم‪ ،‬فإن َولية محمد لم يماثله فيها أحد ل إبراهيم ول موسى‪ ،‬فضل عن أن‬
‫يماثله هؤلء الملحدون‪ ،‬وك ّ‬
‫ي‪ ،‬فالرسول نبي ولي‪ ،‬ورسالته‬
‫ي ول ّ‬
‫ل رسول نب ّ‬
‫وليته‪ ،‬وإذا قدروا مجرد إنباء الله إياه بدون‬
‫متضمنة لنبوته‪ ،‬ونبوته متضمنة ل َ‬
‫َوليته لله فهذا تقدير ممتنع‪ ،‬فإنه حال إنبائه إياه ممتنع أن يكون إل وليا لله‪ ،‬ول‬
‫تكون مجردة عن َوليته‪ ،‬ولو ُقدرت مجردة لم يكن أحد مماثل للرسول في‬
‫َوليته‪ ،‬وهؤلء قد يقولون كما يقول صاحب الفصوص ابن عربى‪ :‬أنهم يأخذون‬
‫من المعدن الذي يأخذ منه الملك الذي يوحي به إلى الرسول‪ ،‬وذلك أنهم‬
‫اعتقدوا عقيدة المتفلسفة ثم أخرجوها في قالب المكاشفة‪ ،‬وذلك أن‬
‫المتفلسفة الذين قالوا أن الفلك قديمة أزلية لها علة تتشّبه بها‪ ،‬كما يقوله‬
‫أرسطو وأتباعه أو لها موجب بذاته كما يقوله متأخروهم كابن سينا وأمثاله‪ ،‬ول‬
‫ب خلق السموات والرض وما بينهما في ستة أيام‪ ،‬ول خلق‬
‫يقولون إنها لر ّ‬
‫الشياء بمشيئته وقدرته‪ ،‬ول يعلم الجزئيات‪ ،‬بل إما اأن ينكروا علمه مطلقا‬
‫كقول أرسطو‪ ،‬أو يقولوا إنما يعلم في المور المتغيرة كلياتها كما يقوله ابن‬
‫سينا‪ .‬وحقيقة هذا القول إنكار علمه بها‪ ،‬فإن كل موجود في الخارج فهو معين‬
‫جزئي الفلك كل معين منها جزئي‪ ،‬وكذلك جميع العيان وصفاتها وأفعالها‪،‬‬
‫فمن لم يعلم إل الكليات لم يعلم شيئا من الموجودات‪ ،‬والكليات إنما توجد‬
‫كليات في الذهان ل في العيان‪ ،‬والكلم على هؤلء مبسوط في موضع آخر‬
‫في رد تعارض العقل والنقل وغيره‪ ،‬فإن ُ‬
‫كفر هؤلء أعظم من كفر اليهود‬
‫والنصارى‪ ،‬بل ومشركي العرب‪ ،‬فإن جميع هؤلء يقولون إن الله خلق السموات‬
‫والرض‪ ،‬وإنه خلق المخلوقات بمشيئته وقدرته‪ ،‬وأرسطو ونحوه من المتفلسفة‬
‫واليونان كانوا يعبدون الكواكب والصنام‪ ،‬وهم ل يعرفون الملئكة والنبياء‪،‬‬
‫وليس في كتب أرسطو ذكر شيء من ذلك وإنما غالب علوم القوم المور‬
‫الطبيعية‪ ،‬وأما المور اللهية فكل منهم فيها قليل الصواب كثير الخطأ‪ ،‬واليهود‬
‫والنصارى بعد النسخ والتبديل أعلم باللهيات منهم بكثير‪ ،‬ولكن متأخروهم كابن‬
‫فقوا بين كلم أولئك وبين ما جاءت به الرسل‪ ،‬فأخذوا أشياء‬
‫سينا أرادوا أن ُيل ّ‬
‫من أصول الجهمية والمعتزلة‪ ،‬وركبوا مذهبا قد يعتزى إليه متفلسفة أهل الملل‪،‬‬
‫وفيه من الفساد والتناقض ما قد نّبهنا على بعضه في غير هذا الموضع‪ ،‬وهؤلء‬
‫لما رأوا أمر الرسل كموسى وعيسى ومحمد ‪ ‬قد بهر العالم‪ ،‬واعترفوا بأن‬
‫الناموس الذي بعث به محمد ‪ ‬أعظم ناموس طرق العالم ووجدوا النبياء قد‬
‫ن الرسالت جميعا جاءت بالسلم‬
‫وما ذكره شيخ السلم في تفصيل الكلم واضح من أ ّ‬
‫ضلون بالسلم لله رب العالمين وباتباع النبياء والرسل يشرف أقوامهم‬
‫وأن الرسل إنما ي َ ْ‬
‫ف ُ‬
‫والولياء‪ ،‬إلى آخر ما ساق من اليات والحاديث في هذا الباب‪.‬‬
‫نقف عند هذا‪ ،‬وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد‪.‬‬

‫للشيخ العلمة صالح بن عبد العزيز آل الشيخ‬

‫‪55‬‬

‫ذكروا الملئكة والجن أرادوا ان يجمعوا بين ذلك وبين أقوال سلفهم اليونان‬
‫الذين هم ابعد الخلق عن معرفة الله وملئكته وكتبه ورسله واليوم الخر وأولئك‬
‫فاَرقات وأصل ذلك مأخوذ من‬
‫م َ‬
‫قد اثبتوا عقول عشرة يسمونها المجردات وال ُ‬
‫مفارقة النفس للبدن وسموا تلك المفارقات لمفارقتها المادة وتجردها عنها‬
‫وأثبتوا الفلك لكل فلك نفسا وأكثرهم جعلوها أعراضا وبعضهم جعلها جواهر‪،‬‬
‫وهذه المجردات التي أثبتوها ترجع عند التحقيق إلى أمورموجودة في الذهان ل‬
‫في العيان كما أثبت أصحاب فيثاغورس أعداد مجردة‪ ،‬كما أثبت أصحاب أفلطون‬
‫المثال الفلطونية المجردة أثبتوا هيولى مجردة عن الصورة ومدة وخلء‬
‫مجردين‪ ،‬وقد إعترف حذاقهم بأن ذلك إنما يتحقق في الذهان ل في العيان‪،‬‬
‫فلما أراد هؤلء المتأخرون منهم كابن سينا أن يثبت أمر النبوات على أصولهم‬
‫الفاسدة‪ ،‬وزعموا أن النبوة لها خصائص ثلثة من إتصف بها فهو نبي‪:‬‬

‫‪56‬‬

‫التعليقات الحسان على كتاب الفرقان‬

‫الولى أن تكون له قوة علمية يسمونها القوة القدسية‪،‬‬
‫•‬
‫العلم بل تعلم‪.‬‬
‫• الثاني أن يكون له قوة تخيلّية تخيل له ما يعقل في نفسه بحيث يرى في‬
‫نفسه صورا أو يسمع في نفسه أصواتا كما يراه النائم ويسمعه ول يكون لها‬
‫وجود في الخارج‪ ،‬وزعموا أن تلك الصور هي ملئكة الله‪ ،‬وتلك الصوات هي‬
‫كلم الله تعالى‪.‬‬
‫الثالث أن يكون له قوة فعالة يؤثر بها في هيولى العالم‪.‬‬
‫•‬
‫)‪(58‬‬

‫ينال بها من‬

‫ن يربط ما بين قول غلة المتصوفة في‬
‫‪()58‬ما سبق يريد منه الشيخ تقي الدين رحمه الله أ ْ‬
‫ن غلة المتصوفة أخذوا تفضيل الولي على النبي من‬
‫مسألة الولية وقول الفلسفة‪ ،‬فإ ّ‬
‫ن الفيلسوف وصل إلى‬
‫الفلسفة‪ ،‬والفلسفة ‪-‬كما ذكرت لك في الدرس الماضي‪ -‬قالوا إ ّ‬
‫معطى‬
‫الحكمة بجهده‪ ،‬وأما النبي فوصل إليها بإعطاء‪ ،‬ومعلو ٌ‬
‫م أن المجتهد أفضل من ال ُ‬
‫ن الحكمة والفضل يرجع إلى جهتين‪ :‬إلى قوة علمية وإلى‬
‫وهؤلء نظروا إلى جهة العمل؛ ل ّ‬
‫قوة عملية‪ ،‬فالفلسفة فضلوا من الجهة العلمية؛ فضلوا الفلسفة والحكماء على النبياء من‬
‫جهة العلمية‪ ،‬والصوفية؛ غلة المتصوفة فضلوا الولياء على النبياء من الجهة العملية التي‬
‫أساسها الجهة العلمية؛ لكن طابع الفلسفة غير طابع المتصوفة‪ ،‬طابع الفلسفة شيء‬
‫والمتصوفة شيء آخر‪ ،‬سبب هذا التفضيل راجع إلى ما وصف لك شيخ السلم من أصول‬
‫أقوال الفلسفة من فلسفة اليونان أصل‪ ،‬والقول بوجودات مجردة وكليات مجردة‬
‫ن إدراك هذه الحقائق الكلية‬
‫وتصرفات للكواكب أو تصرفات للعلل التي تنتج المعلولت‪ ،‬وأ ّ‬
‫وتأثيراتها في هذا الكون هو حقيقة الحكمة والعلم الذي يتفاضل به الناس‪ ،‬فالقوة مختلفة؛‬
‫فالقوة العلمية والعملية هذه هي أقوى الدراكات‪ ،‬وكذلك القوة التخيلية التي بها ُيتخيل‬
‫المر‪ ،‬فرجعوا بالنبوات إلى أنها إجتماع قوة علمية وعملية وتخيلية‪ ،‬فلهذا قالوا‪ :‬نحن نقول‬
‫ما نقول عن برهان‪ ،‬وأما النبياء والرسل فقالوا ما قالوا عن تخيل‪ .‬والبرهان الذي أقاموه‬
‫برهان خطابي ل برهان عقلي فإنما جاء في النبوات من ذكر الجنة والنار وذكر الغيبيات‬
‫خطابية والعقليات المجردة وتصور المثلة المجردة عن الواقع‪ ،‬المقصود من‬
‫أمور عندهم َ‬
‫هذا الكلم وهو مبسوط وله كلم لشرحه وليناسب شرحه في المساجد‪.‬‬
‫المقصود من هذا الصلة ما بين قول الفلسفة السلميين والفلسفة اليونانيين ثم ما نتج‬
‫من قول الصوفية‪ ،‬وفي الحقيقة أن الصوفية لم يأخذوا هذا القول كما ذكر شيخ السلم أو‬
‫مه لم يأخذوه من الفلسفة السلمية‪ ،‬بل أخذوه من الفلسفة اليونانية‪،‬‬
‫ما ألمع إليه كل ُ‬
‫وأصل ذلك أن الفلسفة اليونانية والفلسفة القديمة لها قسمان‪:‬‬
‫فلسفة علمية‪ :‬وهذه المراد منها الوصول إلى حقائق الشياء العلمية على‬
‫‪.1‬‬
‫ما هي عليه‪.‬‬
‫والنوع الثاني فلسفة عملية‪ :‬والمراد منها الوصول بالروح إلى إشراقها‪.‬‬
‫‪.2‬‬
‫ولهذا صارت الفلسفة أقساما ومنها الفلسفة العلمية التي ذهب إليها أفلطون وتلميذه‬
‫أرسطو‪ ،‬والفلسفة الشراقية التي قال بها أفلوطين )أفلوطين غير أفلطون(‪.‬‬
‫دخلت المذاهب –يعني فيه تفاصيل لمذاهبهم وكذا‪ -‬هذه إلى بلد المسلمين وتلقفها من‬
‫تلقفها‪:‬‬
‫فالفلسفة العلمية تلقفها العقلنيون من المعتزلة فنشأ من خليط ما عند أهل العتزال‬
‫وما عند الفلسفة وما في النصوص ما يسمى بعلم الكلم‪ ،‬خليط من هذه الشياء الثلثة‬
‫عقيدة المعتزلة‪ ،‬النصوص‪ ،‬فالفلسفة‪ ،‬فنشأ علم الكلم من مجموع هذه الثلثة أشياء‪.‬‬
‫وأما الفلسفة العملية الشراقية فهذه أيضا دخلت إلى المسلمين عن طريقين‪ :‬الطريق‬
‫الول طريق الكتب المترجمة‪ ،‬والطريق الثاني مخالطة طائفة كبيرة من المسلمين‬
‫للنصارى في أديرتهم في الشام وفي العراق وفي غيرها‪.‬‬
‫دخلت الفلسفة الشراقية ‪-‬الفلسفة الشراقية معناها الوصول بالروح إلى إشراقها فتتعدى‬
‫العالم المحسوس إلى العالم غير المحسوس‪ ،‬وهذا يصل بالرياضة‪ ،‬يصل إليه الواصل‬

‫للشيخ العلمة صالح بن عبد العزيز آل الشيخ‬

‫‪57‬‬

‫وجعلوا معجزات النبياء وكرامات الولياء وخوارق السحرة هي قوى النفس‪،‬‬
‫فأقروا من ذلك بما يوافق أصولهم من قلب العصا حية دون إنشقاق القمر ونحو‬
‫ذلك‪ ،‬فإنهم ينكرون وجود هذا‪ .‬وقد بسطنا الكلم على هؤلء في مواضع وبينا أن‬
‫صل ما هو‬
‫كلمهم هذا أفسد الكلم‪ ،‬وأن هذا الذي جعلوه من الخصائص التي تح ّ‬
‫أعظم منه لحاد العامة ولتباع النبياء وأن الملئكة التي أخبرت بها الرسل أحياء‬
‫د‬
‫جُنو َ‬
‫م ُ‬
‫ما ي َ ْ‬
‫عل َ ُ‬
‫و َ‬
‫ناطقون أعظم مخلوقات الله وهم كثيرون‪ ،‬كما قال تعالى﴿ َ‬
‫َرب ّ َ‬
‫و﴾]المثر‪ ،[31:‬وليسوا ع َ َ‬
‫شرة‪ ،‬وليسوا أعراضا لسيما وهؤلء يزعمون‬
‫ك إ ِّل ُ‬
‫ه َ‬
‫أن الصادر الول هو العقل الول‪ ،‬وعنه صدر كل ما دونه‪ ،‬والعقل الفعال العاشر‬
‫رب كل ما تحت فلك القمر‪ ،‬وهذا كله ُيعلم فساده بالضطرار من دين الرسل‪،‬‬
‫فليس أحد من الملئكة مبدع)‪ (59‬لكل ما سوى الله‪ ،‬وهؤلء يزعمون أن العقل‬
‫المذكور في حديث يروى »إن أول ما خلق الله العقل فقال له أقبل‬
‫فأقبل‪ ،‬فقال له أدبر فأدبر‪ ،‬فقال وعزتي ما خلقت خلقا أكرم‬
‫على منك‪ ،‬فبك آخذ وبك أعطي ولك الثواب وعليك العقاب«‬
‫ويسمونه أيضا القلم لما روى »إن أول ما خلق الله القلم« الحديث رواه‬
‫الترمذي‪ .‬والحديث الذي ذكروه في العقل كذب موضوع عند أهل المعرفة‬
‫بالحديث‪ ،‬كما ذكر ذلك أبو حاتم الُبستي)‪ (60‬والدار قطني وابن الجوزي وغيرهم‪،‬‬
‫وليس في شيء من دواوين الحديث التي ُيعتمد عليها‪ ،‬ومع هذا فلفظه لوكان‬
‫ة عليهم‪ ،‬فإن لفظه أول ما خلق الله تعالى العقل قال له‪ ،‬ويروى لما‬
‫ثابتا حج ً‬
‫خلق الله العقل قال له‪ ،‬فمعنى الحديث أنه خاطبه في أول أوقات خلقه ليس‬
‫ما‪،‬‬
‫معناه أنه أول المخلوقات‪ ،‬وأول منصوب على الظرف كما في اللفظ الخر ل ّ‬
‫وتمام الحديث ما خلقت خلقا أكرم علي منك‪ ،‬فهذا يقتضى أنه خلق قبله غيره‪،‬‬
‫ثم قال فبك آخذ وبك أعطي ولك الثواب وعليك العقاب‪ ،‬فذكر أربعة أنواع من‬
‫سفلي صدر عن ذلك العقل‪،‬‬
‫العراض وعندهم أن جميع جواهر العالم العلوي وال ّ‬
‫فأين هذا من هذا وسبب غلطهم أن لفظ العقل في لغة المسلمين ليس هو‬
‫ق َ‬
‫ل‪،‬‬
‫لفظ العقل في لغة هؤلء اليونان‪ ،‬فإن العقل في لغة المسلمين مصدر ع َ َ‬
‫بالرياضة‪ ،-‬هذا النوع هو الذي دخل في الصوفية فنشأ الغلو في التصوف من جهة دخول‬
‫فلسفة أفلوطين الشراقية‪ ،‬ونشأ ما يسمى بالسلوك الضال أو التصوف في خليط ما بين‬
‫الزهد الشرعي‪ ،‬وما بين الشراق الفلسفي وظهرت النظريات أو القوال المختلفة عند‬
‫الصوفية الغالية من التحاد والوحدة والفناء إلى آخره نتيجة لهذا‪.‬وصلوا كما وصل إليه‬
‫جب‬
‫ح ُ‬
‫ن النسان قد يصل إلى مرتبة ُتكشف عنه فيها ال ُ‬
‫الفلسفة العمليين الشراقيين إلى أ ّ‬
‫فيصل إلى ما وراء العالم المنظور إلى آخره‪.‬‬
‫فحصل القول عند الطائفتين أن الفيلسوف صاحب المحكمة هو أفضل البشر‪،‬‬
‫فالفيلسوف العلمي العقلي أفضل من غيره‪ ،‬وهذا الذي قال به الفلسفة مثل ابن سينا‬
‫وجماعته‪ ،‬قالوا يتفضيل الفيلسوف على النبي لما ذكرنا لك في الدرس السابق‪ ،‬والصوفية‬
‫مل‬
‫ف ّ‬
‫ضلوا الولي صاحب الشراق على النبي؛ لن النبي حجب بالحجب أما ذاك فأشرق فك ُ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ووصل إلى مشاهدة الرب جل وعل وسماع كلمه والخذ من المعدن الذي أخذ منه الملك‬
‫ضلوا من جهة أنهم أخذوا بل واسطة‬
‫الذي نقل إلى النبياء عليهم صلوات الله وسلمه؛ فف َ‬
‫وأن النبياء أخذوا بواسطة‪.‬‬
‫فيه تفاصيل في هذا الكلم معروف؛ لكن بيان أصل التباط ما بين القول بتفضيل الولي‬
‫ت لك‪.‬‬
‫على النبي في ربطه بالفلسفة العلميين والفلسفة العمليين كما ذكر ُ‬
‫عا( لنها خبر ليس‪.‬‬
‫‪ ()59‬تكون )مبد ً‬
‫‪ ()60‬أبو حاتم البستي يعني ابن حبان‪.‬‬

‫‪58‬‬

‫التعليقات الحسان على كتاب الفرقان‬

‫و َ‬
‫ق ُ‬
‫ق ُ‬
‫في‬
‫ل‪ ،‬ع َ ْ‬
‫ما ك ُّنا ِ‬
‫ع ِ‬
‫ي َعْ ِ‬
‫ع أو ن َ ْ‬
‫م ُ‬
‫و ك ُّنا ن َ ْ‬
‫ل َ‬
‫س َ‬
‫قاُلوا ل َ ْ‬
‫قل ً كما في القرآن ﴿ َ‬
‫َ‬
‫في ذَل ِ َ‬
‫ت لِ َ‬
‫ن﴾]النحل‪﴿ ،[12:‬‬
‫ع ِ‬
‫ن ِ‬
‫س ِ‬
‫ك َلَيا ٍ‬
‫قُلو َ‬
‫ر﴾]الملك‪﴿ ،[10:‬إ ِ ّ‬
‫وم ٍ ي َ ْ‬
‫ص َ‬
‫ب ال ّ‬
‫حا ِ‬
‫أ ْ‬
‫ق ْ‬
‫عي ِ‬
‫ْ َ‬
‫فت َ ُ‬
‫م ُ‬
‫ض َ‬
‫أَ َ‬
‫ن‬
‫ع ِ‬
‫سيُروا ِ‬
‫م يَ ِ‬
‫ها أو إذا ٌ‬
‫قُلو َ‬
‫كو َ‬
‫ب يَ ْ‬
‫قُلو ٌ‬
‫ن بِ َ‬
‫ن لَ ُ‬
‫ه ْ‬
‫فل َ ْ‬
‫في الْر ِ‬
‫ها﴾]الحج‪ ،[46:‬وُيراد بالعقل الغريزة التي جعلها الله تعالى في‬
‫عو َ‬
‫م ُ‬
‫ن بِ َ‬
‫يَ ْ‬
‫س َ‬
‫النسان يعقل بها‪ ،‬وأما أولئك فالعقل عندهم جوهر قائم بنفسه كالعاقل‪ ،‬وليس‬
‫هذا مطابقا للغة الرسل والقرآن‪ ،‬وعالم الخلق عندهم كما يذكره أبو حامد عالم‬
‫الجسام العقل والنفوس فيسميها عالم المر‪ ،‬وقد يسمى العقل عالم‬
‫الجبروت‪ ،‬والنفوس عالم الملكوت‪ ،‬والجسام عالم الملك‪ ،‬ويظن من لم يعرف‬
‫لغة الرسل ولم يعرف معنى الكتاب والسنة أن ما في الكتاب والسنة من ذكر‬
‫الملك والملكوت والجبروت موافق لهذا‪ ،‬وليس المر كذلك‪ ،‬وهؤلء ي ُل َّبسون‬
‫فَلك محدث أي معلول مع أنه قديم‬
‫على المسلمين تلبيسا كثيرا كإطلقهم أن ال َ‬
‫عندهم‪ ،‬والمحدث ل يكون إل مسبوقا بالعدم‪ ،‬ليس في لغة العرب ول في لغة‬
‫أحد أنه يسمى القديم الزلى محدثا‪ ،‬والله قد أخبر أنه خالق كل شيء‪ ،‬وكل‬
‫دث‪ ،‬وكل محدث كائن بعد أن لم يكن‪ ،‬لكن ناظ ََرهم أهل الكلم‬
‫مخلوق فهو مح َ‬
‫من الجهمية والمعتزلة مناظرة قاصرة لم يعرفوا بها ما أخبرت به الرسل‪ ،‬ول‬
‫أحكموا فيها قضايا العقول‪ ،‬فل للسلم نصروا‪ ،‬ول للعداء كسروا‪ ،‬وشاركوا‬
‫أولئك في بعض قضاياهم الفاسدة‪ ،‬ونازعوهم في بعض المعقولت الصحيحة‪،‬‬
‫سمعية والعقلية من أسباب قوة ضلل أولئك‬
‫فصار قصور هؤلء في العلوم ال ّ‬
‫كما قد ُبسط في غير هذا الموضع‪.‬‬
‫وهؤلء المتفلسفة قد يجعلون جبريل هو الخيال الذي يتشكل في نفس النبي‬
‫‪ ،‬والخيال تابع للعقل‪ ،‬فجاء الملحدة الذين شاركوا هؤلء الملحدة المتفلسفة‬
‫وزعموا أنهم أولياء الله‪ ،‬وأن أولياء الله أفضل من أنبياء الله‪ ،‬وأنهم يأخذون عن‬
‫الله بل واسطة‪ ،‬كابن عربي صاحب الفتوحات والفصوص‪ ،‬فقال‪ :‬إنه يأخذ من‬
‫المعدن الذي أخذ منه المَلك الذي يوحي به إلى الرسول‪ ،‬والمعدن عنده هو‬
‫العقل‪ ،‬والملك هو الخيال‪ ،‬والخيال تابع للعقل‪ ،‬وهو بزعمه يأخذ عن الذي هو‬
‫أصل الخيال‪ ،‬والرسول يأخذ عن الخيال‪ ،‬فلهذا صار عند نفسه فوق النبي‪ ،‬ولو‬
‫كان خاصة النبي ما ذكروه‪ ،‬ولم يكن هو من جنسه فضل عن أن يكون فوقه‪،‬‬
‫فكيف وما ذكروه يحصل لحاد المؤمنين‪ ،‬والنبوة أمر وراء ذلك فإن ابن عربى‬
‫وأمثاله وإن ادعوا أنهم من الصوفية فهم من صوفية الملحدة الفلسفة ليسوا‬
‫من صوفية أهل العلم‪ (61) ،‬فضل عن أن يكونوا من مشايخ أهل الكتاب والسنة‬
‫كالفضيل بن عياض وإبراهيم بن أدهم وأبي سليمان الداراني ومعروف الكرخي‬
‫والجنيد بن محمد وسهل بن عبد الله التستري وأمثالهم رضوان الله عليهم‬
‫أجمعين‪.‬‬

‫‪ ()61‬أهل الكلم –مثل ما في النسخة الثانية‪ -‬لن أهل الكتاب والسنة هم أهل العلم‬

‫للشيخ العلمة صالح بن عبد العزيز آل الشيخ‬

‫‪59‬‬

‫والله سبحانه وتعالى قد وصف الملئكة في كتابه بصفات تباين قول هؤلء‬
‫و َ‬
‫ه بَ ْ‬
‫ن)‬
‫قاُلوا ات ّ َ‬
‫ل ِ‬
‫مو َ‬
‫سب ْ َ‬
‫ول َ ً‬
‫خذَ الّر ْ‬
‫دا ُ‬
‫م ُ‬
‫مك َْر ُ‬
‫عَبادٌ ُ‬
‫حان َ ُ‬
‫ح َ‬
‫ن َ‬
‫كقوله تعالى ﴿ َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ه ِبال ْ َ‬
‫سب ِ ُ‬
‫م‬
‫و ُ‬
‫ن أي ْ ِ‬
‫ر ِ‬
‫مُلو َ‬
‫ن)‪(27‬ي َ ْ‬
‫ه يَ ْ‬
‫‪َ(26‬ل ي َ ْ‬
‫ما ب َي ْ َ‬
‫ه ْ‬
‫م َ‬
‫عل َ ُ‬
‫ع َ‬
‫م ب ِأ ْ‬
‫ه ْ‬
‫قون َ ُ‬
‫ل َ‬
‫و ِ‬
‫ق ْ‬
‫م ِ‬
‫دي ِ‬
‫ش َ‬
‫خل ْ َ‬
‫خ ْ‬
‫وَل ي َ ْ‬
‫ه‬
‫ن َ‬
‫ما َ‬
‫و ُ‬
‫ن اْرت َ َ‬
‫شي َت ِ ِ‬
‫م ِ‬
‫عو َ‬
‫ف ُ‬
‫ف ُ‬
‫م ْ‬
‫م ْ‬
‫ه ْ‬
‫ن إ ِّل ل ِ َ‬
‫ه ْ‬
‫و َ‬
‫ضى َ‬
‫م َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫ُ‬
‫ْ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫م‬
‫ن‬
‫ه‬
‫ج‬
‫ه‬
‫زي‬
‫ج‬
‫ن‬
‫ك‬
‫ل‬
‫ذ‬
‫ف‬
‫ه‬
‫ن‬
‫دو‬
‫ن‬
‫م‬
‫ه‬
‫ل‬
‫إ‬
‫ني‬
‫إ‬
‫م‬
‫ه‬
‫ن‬
‫م‬
‫ل‬
‫ق‬
‫ي‬
‫ن‬
‫م‬
‫و‬
‫(‬
‫‪28‬‬
‫ن)‬
‫قو‬
‫ف‬
‫ش‬
‫م‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ِ ْ ُ ْ ِّ‬
‫ِ ٌ ِ ْ ُ ِ ِ‬
‫َ‬
‫َ َ ْ َ‬
‫َ ْ ِ ِ َ َ ّ َ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫في‬
‫ك ِ‬
‫م ِ‬
‫زي الظال ِ ِ‬
‫مل ٍ‬
‫كذَل ِك ن َ ْ‬
‫م ْ‬
‫مي َ‬
‫ن َ‬
‫وك ْ‬
‫ن﴾]النبياء‪ ،[29-26:‬وقال تعالى ﴿ َ‬
‫ج ِ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫ش َ‬
‫م َ‬
‫غِني َ‬
‫ن‬
‫ت َل ت ُ ْ‬
‫فا َ‬
‫ع ِ‬
‫شي ًْئا إ ِّل ِ‬
‫وا ِ‬
‫ن ي َأذَ َ‬
‫دأ ْ‬
‫ن بَ ْ‬
‫عت ُ ُ‬
‫ال ّ‬
‫م ْ‬
‫م ْ‬
‫ه لِ َ‬
‫ن الل ّ ُ‬
‫ه ْ‬
‫س َ‬
‫ما َ‬
‫ّ‬
‫ضى﴾]النجم‪ ،[26:‬وقال تعالى ﴿ ُ‬
‫ق ْ‬
‫يَ َ‬
‫ن‬
‫ن َز َ‬
‫ل ادْ ُ‬
‫وي َْر َ‬
‫م ِ‬
‫عوا ال ِ‬
‫ن ُ‬
‫م ْ‬
‫ذي َ‬
‫مت ُ ْ‬
‫ع ْ‬
‫دو ِ‬
‫شاءُ َ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫مل ِ ُ‬
‫مث ْ َ‬
‫قا َ‬
‫م‬
‫وَل ِ‬
‫ة ِ‬
‫وا ِ‬
‫ل ذَّر ٍ‬
‫ن ِ‬
‫الل ّ ِ‬
‫كو َ‬
‫ما ل َ ُ‬
‫في ال ّ‬
‫ه ْ‬
‫و َ‬
‫س َ‬
‫ه َل ي َ ْ‬
‫ض َ‬
‫ت َ‬
‫ما َ‬
‫في الْر ِ‬
‫)‪(62‬‬

‫‪ ()62‬المقصود من هذا‪ :‬الصلة بما سبق الكلم عليه من الفرق ما بين أولياء الرحمن وأولياء‬
‫ن الخوارق كما ذكرنا‬
‫الشيطان وكرامات الولياء ومخاريق السحرة ومعجزات النبياء‪ ،‬فإ ّ‬
‫التي تحصل في الرض ثلثة أصناف‪:‬‬
‫‪ .1‬خوارق النبياء وهذه تسمى آيات وبراهين‪ ،‬وآيات النبياء قسمان‪ :‬آيات كبرى وآيات‬
‫صغرى‪.‬‬
‫‪ .2‬والثاني من الخوارق ما يختص بالولياء‪ ،‬وهذه ُيقال لها كرامة‪ ،‬وهذه تكون من اليات‬
‫در والصفة‪.‬‬
‫الصغرى للنبياء‪ ،‬أو من جنس اليات الكبرى مع اختلفها معها في الذات والق ْ‬
‫‪ .3‬والثالث خوارق جرت على ايدي السحرة والكهنة‪ ،‬فهذه مخاريق الشياطين ليست‬
‫من الله جل وعل إمدادا لهم‪ ،‬وإنما هي من الشياطين إبتلء لهم‪.‬‬
‫الول آيات وبراهين‪ ،‬والثاني كرامات‪ ،‬والثالث خوارق شيطانية‪.‬‬
‫أما آيات النبياء فإنها ل تشبه كرامات الولياء‪ ،‬ول تشبه مخاريق السحرة والشياطين‬
‫والكهنة‪ ،‬فرّبنا جل وعل قال في وصف اليات التي أعطاها نبيه ‪ ‬محمدا قال ﴿ل َ َ‬
‫قدْ َرَأى‬
‫ه ال ْك ُب َْرى﴾]النجم‪ [18:‬فدل على إنقسام آيات ربنا جل وعل إلى كبرى وما هو‬
‫ت َرب ّ ِ‬
‫ن آَيا ِ‬
‫ِ‬
‫م ْ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫ة‬
‫ي‬
‫ل‬
‫ا‬
‫ه‬
‫را‬
‫أ‬
‫ف‬
‫﴿‬
‫السلم‬
‫عليه‬
‫موسى‬
‫في‬
‫وعل‬
‫جل‬
‫قوله‬
‫كذلك‬
‫وغيرها‪.‬‬
‫صغرى‬
‫ذلك‬
‫من‬
‫أدنى‬
‫َ َ‬
‫َ ُ‬
‫ال ْك ُب َْرى)‪َ (20‬‬
‫صى﴾]النازعات‪ ،[21-20:‬فدل المفهوم أن هناك آيات دون ذلك؛‬
‫و َ‬
‫فك َذّ َ‬
‫ع َ‬
‫ب َ‬
‫فاليات الكبرى هذه ل ي َ ْ‬
‫ن‬
‫شَركهم فيها حتى الولياء ل يمكن أن يعطى الولي آية كبرى؛ ل ّ‬
‫هذه الية الكبرى دليل نبوة النبي ودليل رسالة الرسول عليهم صلوات الله وسلمه‪ ،‬أما‬
‫اليات الصغرى مثل نبع الطعام منبع الماء قليل مثل من الصابع أو مثل سماع الخبار أو‬
‫مثل المشي على الماء أو أشباه ذلك هذه آيات تحصل للنبياء ‪-‬أو تكثير الطعام القليل‪-‬‬
‫ن حصل للولي فإنما يحصل له ما‬
‫تحصل للنبياء وتحصل للولياء وأما اليات الكبرى فإنها إ ْ‬
‫درا ول ذاتا ول صفة؛ مثل النار التي جعلت لبراهيم عليه السلم‬
‫من جنسها لكن ل يماثلها ق ْ‬
‫فأنجاه الله منها‪ ،‬والنار التي جعلت لبي مسلم الخولني في نجد فأنجاه الله منها‪ ،‬فما بين‬
‫النار والنار فرق‪ ،‬وما بين الصفة والصفة فرق‪ ،‬وما بين سبيل النجاة وسبيل النجاة فرق‪.‬‬
‫فإذن هنا بهذا التفصيل يزول إشكال من قال إنه ل كرامة للولي لنه لو قلنا بالكرامات‬
‫لشتبهت خوارق النبياء وآياتهم بكرامات الولياء كما هو مذهب المعتزلة وابن حزم وجماعة‬
‫ممن أنكر كرامة الولياء وأنكر الخوارق‪ ،‬وكذلك يبطل قول من قال أن كل خارق يحصل‬
‫جزا إل لمن‬
‫لحكيم أو لولي‪ ،‬فإنها قد تحصل للشياطين لكن ما يحصل للشياطين فليس مع ِ‬
‫لم يكن مثلهم‪ ،‬أما من كان مثلهم فهو ل يعجز‪ ،‬لّنه ليس بإقداره هو وإنما بمقدرته يعني أن‬
‫الشياطين أعطته ذلك حصل له ذلك بالكهانة‪ ،‬حصل له ذلك بالسحر أما الكرامة فهي من‬
‫الله جل وعل لعبده‪ ،‬فالسحرة مثل الذين جاءوا لموسى جاءوا بسحر عظيم هؤلء سحرهم‬
‫العظيم إنما كان خارقا على من لم يكن ساحرا‪ ،‬أما من كان ساحرا فليس عليه بخارق وأما‬
‫أهل الكرامات‪ ،‬كرامات الولياء الولياء الذين لهم الكرامات فإّنهم جنسها يختلف ما بين‬
‫معجزا أو خارقا لناس‬
‫مكَرم بهذه الكرامة وآخر‪ ،‬وكل أجناسها يكون ُ‬
‫ولي وولي‪ ،‬وما بين ُ‬
‫زمانهم‪ ،‬وقد يكون حصل لناس في الزمن الول كرامة هي في وقتنا الحاضر ليست كرامة‬
‫لنها تحصل لحاد الناس مثل الطيران في الهواء‪ ،‬مثل المشي على الماء وأشباه ذلك‪ ،‬أو‬
‫ن يكون في الشتاء القارس بملبس خفيفة هذا قد يحصل الن لختلف الزمن‪.‬‬
‫أ ْ‬

‫‪60‬‬

‫التعليقات الحسان على كتاب الفرقان‬

‫م ْ َ‬
‫ش َ‬
‫وَل َتن َ‬
‫ع ال ّ‬
‫ه‬
‫فا َ‬
‫ع ُ‬
‫ة ِ‬
‫ِ‬
‫م ِ‬
‫ه ِ‬
‫ن ِ‬
‫ما ِ‬
‫ف ُ‬
‫شْر ٍ‬
‫من ْ ُ‬
‫م ْ‬
‫عن ْدَ ُ‬
‫ه ْ‬
‫ما ل َ ُ‬
‫و َ‬
‫ه َ‬
‫ر)‪َ (22‬‬
‫ك َ‬
‫هي ٍ‬
‫نظ ِ‬
‫في ِ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫ض‬
‫ن ِ‬
‫وا ِ‬
‫ن أِذ َ‬
‫في ال ّ‬
‫م ْ‬
‫م ْ‬
‫س َ‬
‫ه َ‬
‫ول ُ‬
‫نل ُ‬
‫إ ِل ل ِ َ‬
‫ت َ‬
‫ما َ‬
‫ه﴾]سبإ‪ ،[23-22:‬وقال تعالى ﴿ َ‬
‫والْر ِ‬
‫ن‬
‫ن َ‬
‫ن ِ‬
‫ن ِ‬
‫ح ِ‬
‫عَبادَت ِ ِ‬
‫حو َ‬
‫سُرو َ‬
‫ست َك ْب ُِرو َ‬
‫سب ّ ُ‬
‫ست َ ْ‬
‫ن)‪(19‬ي ُ َ‬
‫وَل ي َ ْ‬
‫عن ْدَهُ َل ي َ ْ‬
‫ع ْ‬
‫م ْ‬
‫و َ‬
‫ه َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫ن﴾]النبياء‪ ،[20-19:‬وقد أخبر أن الملئكة جاءت لبراهيم‬
‫رو‬
‫ت‬
‫ف‬
‫ي‬
‫ل‬
‫ر‬
‫ها‬
‫ن‬
‫وال‬
‫ل‬
‫ي‬
‫ل‬
‫ال‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫َ ُ ُ‬
‫َ ّ َ َ‬
‫َ‬
‫عليه السلم في صورة البشر‪ ،‬وأن الملك تمّثل لمريم بشرا سويا‪ ،‬وكان جبريل‬
‫عليه السلم يأتي النبي ‪ ‬في صورة دحية الكلبي وفي صورة أعرابي ويراهم‬
‫الناس كذلك‪ ،‬وقد وصف الله تعالى جبريل عليه السلم بأنه ذو قوة عند ذي‬
‫العرش مكين مطاع ثم أمين‪ ،‬وأن محمدا ‪ ‬رآه بالفق المبين ووصفه بأنه ﴿‬

‫ة لناس زمانهم ليس الناس جميعا أو للنس والجن‬
‫فإذن كرامة الولي تحصل خارق ً‬
‫جميعا‪ ،‬وإنما لناس زمانه أي في أرضه ومن عنده؛ ليدل ما حصل له على كرامته على الله‬
‫جل وعل‪ ،‬أما خوارق النبياء آياتهم وبراهينهم الكبرى فإنها خارقة ]انتهى الشريط الرابع[‬
‫لعادة الجن والنس جميعا لهذا ينبغي أن ُيضبط قول من قال خارق للعادة في الكرامات أو‬
‫في الخوارق أو في آيات النبياء أو في المعجزات‪.‬‬
‫سرت بأنها عادة الجن والنس جميعا فيكون‬
‫خارق للعادة‪ ,‬العادة هذه عادة من؟ فإن فُ ّ‬
‫َ‬
‫ي‪ ,‬لن الله جل وعل قال في سورة السراء ﴿ ُ‬
‫ق ْ‬
‫ت‬
‫م َ‬
‫نا ْ‬
‫ع ْ‬
‫ل لئ ِ ْ‬
‫جت َ َ‬
‫الخارق آية وبرهان لنب ّ‬
‫ْ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫ذا ال ُ‬
‫ه َ‬
‫م‬
‫ن َ‬
‫ل َ‬
‫ع ُ‬
‫مث ْل ِ ِ‬
‫ن بِ ِ‬
‫ن ي َأُتوا ب ِ ِ‬
‫و كا َ‬
‫ن ل ي َأُتو َ‬
‫عَلى أ ْ‬
‫ن بَ ْ‬
‫ض ُ‬
‫ج ّ‬
‫ه ْ‬
‫لن ُ‬
‫وال ْ ِ‬
‫ول ْ‬
‫ه َ‬
‫قْرآ ِ‬
‫مث ْ ِ‬
‫س َ‬
‫ا ِْ‬
‫َ‬
‫هيًرا﴾]السراء‪ .[88:‬فجعلها معّلقة في الجن والنس جميعا‪ ،‬وأهل الكرامات يكون‬
‫ل ِب َ ْ‬
‫ضظ ِ‬
‫ع ٍ‬
‫خارقا لعادة الناس في بلدهم وزمنانهم‪ ،‬فقد ليكون خارقا لناس في طرف من الرض‬
‫آخر‪ ,‬يكون خارقا لمثل أهل زمانهم ما يحصل لهم مثل هذا‪ ,‬مثل مثل يحضر له عنب في‬
‫وقت الصيف أو في وقت الشتاء هذا بالنسبة لهل مكة ليس عندهم عنب لكن لو لكن لو‬
‫سحرة والكهنة‬
‫تذهب إلى بلد آخر يكون فيه‪ ،‬هذا ينبغي أن ل يكون خلط هذا بهذا‪ .‬أما ال ّ‬
‫والخوارق الشيطانية تتقيد بأنها خارقة لعادة من لم يكن مثلهم؛ يعني لمن من الناس من‬
‫لم يكن ساحرا‪ ،‬ول يدخل في ذلك من هو أعلى منهم قدرا في المعجزات والبراهين مثل‬
‫النبياء‪.‬‬
‫ُ‬
‫مقصود شيخ السلم بما مّر إثبات الكرامات‪ ،‬وأن الكرامة إنما هي خارق أّيد به ولي‪ ،‬أو‬
‫ُ‬
‫ن قول طائفة من الصوفية أو أكثر‬
‫أعْ ِ‬
‫ن جنس الخوارق قد يحصل للشياطين‪ ،‬وأ ّ‬
‫طيه ولي‪ ،‬وأ ّ‬
‫الصوفية أن كل خارق دليل الكرامة هذا غلط‪ ،‬كذلك من شاركهم في ذلك مثل القلسفة‬
‫ن الخوارق تحصل بالرياضات؛ فإذا إجتمعت القوة العلمية‬
‫وأتباع الفلسفة الذين قالوا إ ّ‬
‫بالتخيلية والفعلية صار ‪ ....‬الخوارق‪ ،‬قالوا هذه تحصل بالرياضات والجوع والتعب‪ ،‬فبالعلم‬
‫تحصل القوة العلمية ‪ .....‬المعلومات‪ ،‬وبالجوع والسهر تحصل القوة التخيلية‪ ،‬وصدق من‬
‫قال أنه تحصل القوة التخيلية كما قال الذهبي في السير وفي غيرها‪ ،‬لنهم إذا أداموا الجوع‬
‫وأدمنوا السهر فإنه فقد يتصورون أشياء ويتخيلون صورا ويسمونها ملئكة‪ ،‬ويسمعون‬
‫أصواتا من جراء إضطراب أبدانهم وعقولهم ويجعلونها نداء من المل العلى وهي الشياطين‬
‫خاطبتهم إلى غير ذلك‪.‬‬
‫فهذا فرقان عظيم ما بين ما ُيعطاه الولي من الكرامة‪ ،‬وما يكون عند الكهنة وأولياء‬
‫الشياطين من الخوارق‪ ،‬أو ما عند الفلسفة من الخوارق‪ ،‬فالفلسفة يقولون ل فرق فإنها‬
‫تحصل النبوة علما وعمل؛ علم‪ :‬قوة علمية‪ ،‬وعمل‪ :‬قوة فعلية‪ ،‬وتخيلت‪ ،‬هذا يحصل‬
‫للفيلسوف ويحصل للنبي‪ ،‬فالنبياء إنما هم فلسفة وأولي إصلح العالم‪ .‬نسأل الله جل‬
‫وعل العفو والعافية‪ ،‬عليهم من الله ما يستحقون‪ ،‬معلوم أنه فرق كبير بين هذا وهذا‪ .‬ل‬
‫يستوي الليل والنهار‪.‬‬
‫♦ ‪...‬هيولى الشيء ما منه يتكون؛ قد تكون مادة قد يكون غيرها؛ فهيولى العالم يعني‬
‫مكونات العالم‪.‬‬
‫نّبه شيخ السلم على مسألة مهمة‪ ،‬ليكن تقعيد في العلوم جميعا‪ ،‬وهي أن‪ :‬المصنف‬
‫لعلم قد يستخدم عبارات يتلقاها المتلقي في ما عنده من معنى هذه العبارات والمصنف‬
‫عنى بها معتى آخر‪ ،‬ويصبح يردد كلم هذا المؤلف أو هذا الذي قرأ كلمه والمراد مختلف؛‬

‫للشيخ العلمة صالح بن عبد العزيز آل الشيخ‬

‫‪61‬‬

‫و ِباْل ُ ُ‬
‫ة َ‬
‫ديدُ ال ْ ُ‬
‫َ‬
‫وى)‪ُ (5‬‬
‫م دََنا‬
‫ف‬
‫ق اْل َ ْ‬
‫و ُ‬
‫مّر ٍ‬
‫ذو ِ‬
‫ش ِ‬
‫فا ْ‬
‫عَلى)‪(7‬ث ُ ّ‬
‫ه َ‬
‫وى)‪َ (6‬‬
‫ست َ َ‬
‫ق َ‬
‫ِ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ف َ‬
‫ن أو أدَْنى)‪َ (9‬‬
‫ب َ‬
‫ن َ‬
‫فت َدَّلى)‪َ (8‬‬
‫َ‬
‫حى)‬
‫حى إلى َ‬
‫د ِ‬
‫عب ْ ِ‬
‫كا َ‬
‫و َ‬
‫و َ‬
‫قا َ‬
‫و َ‬
‫ه َ‬
‫ما أ ْ‬
‫فأ ْ‬
‫ق ْ‬
‫سي ْ ِ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ول َ َ‬
‫ما َرأى)‪(11‬أ َ‬
‫ب ال ْ ُ‬
‫ف َ‬
‫ه‬
‫ه َ‬
‫ما ك َذَ َ‬
‫قدْ َرآ ُ‬
‫عَلى َ‬
‫ماُرون َ ُ‬
‫فت ُ َ‬
‫ؤادُ َ‬
‫‪َ (10‬‬
‫ما ي ََرى)‪َ (12‬‬
‫ْ‬
‫ُ‬
‫وى)‪(15‬إ ِ ْ‬
‫ذ‬
‫ةأ ْ‬
‫جن ّ ُ‬
‫ن َْزل َ ً‬
‫عن ْدَ َ‬
‫هى)‪ِ (14‬‬
‫خَرى)‪ِ (13‬‬
‫سدَْر ِ‬
‫عن ْدَ ِ‬
‫ها َ‬
‫من ْت َ َ‬
‫ة ال ْ َ‬
‫ة ال ْ ُ‬
‫مأ َ‬
‫ما َزا َ‬
‫غى)‪(17‬ل َ َ‬
‫غ َ‬
‫غ َ‬
‫قدْ َرَأى‬
‫ما طَ َ‬
‫ما ي َ ْ‬
‫يَ ْ‬
‫شى ال ّ‬
‫و َ‬
‫شى)‪َ (16‬‬
‫سدَْرةَ َ‬
‫غ ال ْب َ َ‬
‫صُر َ‬
‫رى﴾]النجم‪.[18-5:‬‬
‫ت َرب ّ ِ‬
‫ن آَيا ِ‬
‫ِ‬
‫م ْ‬
‫ه ال ْك ُب ْ َ‬
‫وقد ثبت في الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها عن النبي ‪ ‬أنه لم ير‬
‫خلق الله عليها غير مرتين‪ ،‬يعني المرة الولى بالفق‬
‫جبريل في صورته التي ُ‬
‫دث‪ ،‬أو قولهم في العقل‪ ،‬العقل عندهم غير العقل‬
‫ح َ‬
‫م ْ‬
‫مثل قول الفلسفة إ ّ‬
‫ن هذا العالم ُ‬
‫عند العرب‪ ،‬فالعقل عند منطق اليونان‪ ،‬عند فلسفة اليونان ومن ورث فلسفتهم له معنى‬
‫آخر‪ ،‬له معنى آخر غير العقل في النصوص‪ ،‬العقل في النصوص له مراد‪ ،‬والعقل هناك له‬
‫مراد آخر‪ ،‬ولهذا لما جاء أهل الكلم راموا الجمع ما بين الفلسفة والشريعة‪ ،‬فظنوا أن‬
‫سمي بعلم الكلم‪،‬‬
‫العقل هناك هو العقل في النصوص‪ ،‬فجمعوا بينها على ما ترون بما ُ‬
‫فعلم الكلم خليط ما بين فهم الفلسفة وفهم الشريعة وجاء المشترك بينهم اللفاظ التي‬
‫جاءت هنا وهنا مثل ما نبه شيخ السلم‪ ،‬فإذن استعمال لفظ في معنى لم يرده من وضفه‬
‫أو من استعمله فيه هذا لشك أنه ُيحدث جنايات‪ ،‬وهذا من أنواع استعمال المصطلحات‬
‫محدث‬
‫محدث؛ يقول الفلسفة مثل هذا العالم ُ‬
‫التي ُتحدث جنايات في المة‪ ،‬كذلك لفظ ال ُ‬
‫ُ‬
‫ُ‬
‫حدث‪،-‬‬
‫نحن قد نستعمل المحدث ونريد به أنه مخلوق ُ‬
‫خلق وأحدث من غير مثال سابق –أ ْ‬
‫ن المحدث عندهم ل بد أن يكون عن علة أحدثته‬
‫وهم يريدون بكلمة محدث أنه معلول‪ ،‬ل ّ‬
‫عندهم‪ ،‬الحدث هو المعلول فإذا قال العالم محدث أو قال هذا الملكوت الذي تراه محدث‬
‫ل يعني أنه مخلوق‪ ،‬يعني أنه معلول لعلة سبقته‪ ،‬وعلة سبقتها علة إلى أن تصل إلى الصل‬
‫الفعال إلى أن نصل إلى الصل الذي صدرت عنه العلل ومعلولت العلل‪ .‬فهذا يعطيك‬
‫ن استعمال اللفاظ الشرعية ل بد منه بل هو المتعين؛ وأن طالب العلم إذا‬
‫تح ّ‬
‫فزا في أ ّ‬
‫احتاج إلى استعمال ألفاظ القوم فل بد أن يفهم مرادهم منها أول‪ ،‬ثم المراد منها لغة ثانيا‪،‬‬
‫ن يسمع لفظا ثم يستعمله بدون معرفة‬
‫استعمال غيرهم ثم ينزلها منزلتها اللئقة بها‪ ،‬أما أ ْ‬
‫لبعاده ومعرفة المعنى الول المستعمل له‪ ،‬فهذا يحدث فسادا ويحدث خلل‪ ،‬مثل اللفاظ‬
‫ن مراد الول غير‬
‫هذه التي تستعمل؛ المحدثة‪ ،‬قد يستعملها المرء ويظن أنها سليمة لك ّ‬
‫مراد الثاني بها‪ ,‬فأنت تنشر لفظا ُأريد به باطل لفهمك له فهما صحيحا‪ ،‬هذا ليس سليما؛‬
‫ن المتلقي قد يفهمه فهم الول أو قد ُينشر في الناس الفهم الول‪ ،‬فتصبح أنت ناقل‬
‫ل ّ‬
‫ن الله جل وعل ليس بجسم‪ ،‬بمعنى ليس‬
‫لمصطلحات الناس؛ مثل لو قلنا مثل للناس أ ّ‬
‫بجسم يدخل فيه قول من قال أن الله ل يتصف بالصفات‪ ،‬يعني ليس بجسم هذه الكلمة‬
‫رد نفيها ولم يرد إثباتها‪ ،‬ولو قلنا ليس بجسم كتلك الجسام لكان صحيحا‪ ،‬لكن إطلق‬
‫لمم ي ِ‬
‫هذا اللفظ يجعل هذه الكلمة وسيلة لتقرير عقائد باطلة‪ .‬اللفاظ المحدثة كثيرة‬
‫والمصطلحات في هذا متنوعة‪.‬‬
‫فإذن استعمال العقل في النصوص غير العقل عند الفلسفة‪ ،‬استعمال لفظ الخارق عند‬
‫أهل السنة غير الخارق عند الصوفية غير الخارق عند الفلسفة‪ ،‬استخدام لفظ النبوة عندنا‬
‫غير النبوة عند الفلسفة‪ ،‬المعاد عندنا غير المعاد عند الفلسفة‪ ،‬الخطاب‪ ،‬الوحي عندنا غير‬
‫الوحي عندهم‪ .‬فإذن معنى كل كلمة لبد له من استدلل‪ ،‬فبعض المعاصرين فيمن قرأنا‬
‫بعض كتاباتهم لم يفهموا هذا فهما جيدا فأصبحوا ينتقدون بعض كلم شيخ السلم أو بعض‬
‫محدث وقال أنه‬
‫كلم المحققين فيقولون بل نص فلن في الكتاب الفلني على أن العالم ُ‬
‫أقر بالنبوة أو ابن سينا أقّر في موضع بالمعاد هو ما يعرف كلمة المعاد حيث وردت‪ ،‬كلمة‬
‫العقل حيث وردت إلى آخره‪.‬‬
‫فإذن فهم كلم المتكلم على غير استعماله للعبارات؛ قد يستعمل عبارة لها مدلول عنده‬
‫خاص‪ ،‬والمدلول عندنا يختلف فمحاكمته على مدلولته ل على ما عندنا‪ ،‬فاختلف اللغات‬
‫في العلم يسبب خلل في الفهم والتقويم والدراك‪ .‬نقف عند هذا وأسأل الله جل وعل لي‬

‫‪62‬‬

‫التعليقات الحسان على كتاب الفرقان‬

‫العلى‪ ،‬والنزلة الخرى عند سدرة المنتهى‪ ،‬ووصف جبريل عليه السلم في‬
‫موضع آخر بأنه الروح المين وأنه روح القدس إلى غير ذلك من الصفات التي‬
‫تبين أنه من أعظم مخلوقات الله تعالى الحياء العقلء‪ ،‬وأنه جوهر قائم بنفسه‬
‫ليس خيال في نفس النبي‪ ،‬كما زعم هؤلء الملحدة المتفلسفة والمدعون َولية‬
‫الله‪ ،‬وأنهم أعلم من النبياء‪ ،‬وغاية حقيقة هؤلء إنكار أصول اليمان بأن يؤمن‬
‫بالله وملئكته وكتبه ورسله واليوم الخر‪ ،‬وحقيقة أمرهم جحد الخالق فإنهم‬
‫جعلوا وجود المخلوق هو وجود الخالق وقالوا الوجود واحد ولم يميزوا بين‬
‫الواحد بالعين والواحد بالنوع‪ ،‬فإن الموجودات تشترك في مسمى الوجود‪ ،‬كما‬
‫ي في مسمى النسان‪ ،‬والحيوانات في مسمى الحيوان‪ ،‬ولكن‬
‫تشترك الناس ّ‬
‫هذا المشترك الكلى ل يكون مشتركا كليا إل في الذهن‪ ،‬وإل فالحيوانية القائمة‬
‫فَرس‪ ،‬ووجود الشهوات ليس هو‬
‫بهذا النسان ليست هي الحيوانية القائمة بال َ‬
‫بعينه وجود النسان‪ ،‬فوجود الخالق جل جلله ليس هو كوجود مخلوقاته‪،‬‬
‫وحقيقة قولهم قول فرعون الذي ع ّ‬
‫طل الصانع فإنه لم يكن منكرا هذا الوجود‬
‫المشهود‪ ،‬لكن زعم أنه موجود بنفسه ل صانع له‪ ،‬وهؤلء وافقوه في ذلك‪ ،‬لكن‬
‫زعموا بأنه هو الله فكانوا أضل منه‪ ،‬وإن كان قوله هذا هو أظهر فسادا منهم‪،‬‬
‫ولهذا جعلوا عّباد الصنام ما عبدوا إل الله وقالوا لما كان فرعون في منصب‬
‫التحكم صاحب السيف وإن جاز في العرف الناموس كذلك قال أنا ربكم العلى‪،‬‬
‫أي وإن كان الكل أربابا بنسبة ما فأنا العلى منكم بما ُأعطيته في الظاهر من‬
‫الحكم فيكم‪ ،‬قالوا ولما علمت السحرة صدق فرعون فيما قاله أقروا له بذلك‪،‬‬
‫ح قول فرعون‬
‫ض إنما تقضى هذه الحياة الدنيا‪ ،‬قالوا فص ّ‬
‫وقالوا إق ِ‬
‫ض ما أنت قا ٍ‬
‫أنا ربكم العلى وكان فرعون عين الحق‪ ،‬ثم أنكروا حقيقة اليوم الخر فجعلوا‬
‫أهل النار يتنعمون كما يتنعم أهل الجنة‪ ،‬فصاروا كافرين بالله واليوم الخر‬
‫وبملئكته وكتبه ورسله مع دعواهم أنهم خلصة خاصة الخاصة من أهل ولية‬
‫الله‪ ،‬وأنهم أفضل من النبياء‪ ،‬وأن النبياء إنما يعرفون الله من مشكاتهم‪ ،‬وليس‬
‫هذا موضع بسط إلحاد هؤلء‪ ،‬ولكن لما كان الكلم في أولياء الله والفرق بين‬
‫أولياء الرحمن وأولياء الشيطان وكان هؤلء من أعظم الناس إدعاء لولية الله‪،‬‬
‫وهم من أعظم الناس ولية للشيطان‪ ،‬نبهنا على ذلك‪ (63) .‬ولهذا عامة كلمهم إنما‬
‫ولكم العفو والعافية‪.‬‬
‫‪()63‬هذا الكلم واضح في بيان إستطراده لبيان معتقد غلة المتصوفة أصحاب وحدة الوجود‬
‫ن الوجود واحد‪ ،‬ووهذا الوجود إنما هو وجود‬
‫مثل إبن عربي الطائي وأمثاله‪ ،‬وهؤلء قالوا إ ّ‬
‫ن وجود الله جل وعل‬
‫الله جل وعل‪ ،‬وينقسم إلى وجود مقصود ووجود غير مقصود‪ ,‬وأ ّ‬
‫مقصود وهو الصل وأن وجود غيره وهو وجوده سبحانه‪ ،‬إذ ْ لو لم يوجد غيره لم يوجد هو‬
‫فصار المر إلى أن الوجود واحد‪ ،‬والوجود من حيث هو صفة ل توجد في الظاهر‪ ،‬لتوجد‬
‫كما ترى في خارج الذهان إل مضافة إلى متصف بها مثل المعاني العامة التي ذكرنا لكم‬
‫فيما سبق المعاني لتوجد من حيث هي عامة إل في الذهان؛ ما يوجد في الخارج شيء‬
‫اسمه كلم‪ ،‬وشيء اسمه وجود‪ ،‬وشيء اسمه حياة‪ ،‬هكذا بدون موجود أو متكلم أو حي‪،‬‬
‫إنما يوجد في الرأس في الذهن تصور الوجود‪ ،‬يوجد في الذهن تصور الحياة‪ ،‬لكنها في‬
‫خارج الذهان في الواقع لبد أن تضاف لمتصف بها‪ ،‬فالشتراك في المعنى الكلي ل يعني‬
‫الشتراك في المعنى الضافي‪ ،‬فالمعنى الكلي نعم؛ يشترك فيه كل موجود‪ ،‬ولكن لكل‬
‫دا‪ ،‬فإن معنى ذلك‬
‫وجود ٍ يناسبه‪ ،‬وإذا تفّرقت الشياء بالوجود الذي يناسب كل شيء على ِ‬
‫ح َ‬
‫أن الشياء تغايرت فتباينت في الذات‪ ،‬مثل ما ذكر مثل النسان والفرس يشتركان في‬
‫ي المتحرك؛ يعني‬
‫معنى الحيوانية وهي الحياة المتحركة؛ الحياة والحركة‪ ،‬يقال الحيوان الح ّ‬
‫أن النسان والفرس إشتركا في هذه الصفة‪ ،‬لكن الحياة والحركة وهي الحيوانية هذه هل‬

‫للشيخ العلمة صالح بن عبد العزيز آل الشيخ‬

‫‪63‬‬

‫هو في الحالت الشيطانية‪ ،‬ويقولون ما قاله صاحب الفتوحات باب أرض‬
‫الحقيقة‪ ،‬ويقولون هي أرض الخيال‪ ،‬فتعرف بأن الحقيقة التي يتكلم فيها هي‬
‫خيال‪ ،‬ومحل تصرف الشيطان‪ ،‬فإن الشيطان يخيل للنسان المور بخلف ما‬
‫شي ْ َ‬
‫ن ِذك ْ‬
‫ن نُ َ‬
‫ه َ‬
‫طاًنا‬
‫م‬
‫ش َ‬
‫ر الّر ْ‬
‫ن يَ ْ‬
‫ع ْ‬
‫م ْ‬
‫ض لَ ُ‬
‫ح َ‬
‫و َ‬
‫قي ّ ْ‬
‫ع ُ‬
‫هي عليه‪ ،‬قال تعالى ﴿ َ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫َ‬
‫ه َ‬
‫َ‬
‫م‬
‫م َ‬
‫سُبو َ‬
‫وي َ ْ‬
‫ص ّ‬
‫ن أن ّ ُ‬
‫ح َ‬
‫ن ال ّ‬
‫دون َ ُ‬
‫وإ ِن ّ ُ‬
‫ف ُ‬
‫ع ْ‬
‫ري ٌ‬
‫ه ْ‬
‫ه ْ‬
‫ه ْ‬
‫و لَ ُ‬
‫م ل َي َ ُ‬
‫ل َ‬
‫سِبي ِ‬
‫ن)‪َ (36‬‬
‫ه َ‬
‫ق ِ‬
‫وب َي ْن َ َ‬
‫ر َ‬
‫جاءََنا َ‬
‫م ْ‬
‫قا َ‬
‫ن‬
‫دو َ‬
‫ك بُ ْ‬
‫حّتى إذا َ‬
‫ن)‪َ (37‬‬
‫هت َ ُ‬
‫ل َيال َي ْ َ‬
‫م ْ‬
‫عدَ ال ْ َ‬
‫ُ‬
‫ت ب َي ِْني َ‬
‫ش ِ‬
‫قي ْ ِ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫ُ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫ع َ‬
‫ب‬
‫م ِ‬
‫في ال َ‬
‫ن َينف َ‬
‫و َ‬
‫ول ْ‬
‫ري ُ‬
‫م أن ّك ْ‬
‫مت ُ ْ‬
‫م إ ِذْ ظل ْ‬
‫عك ْ‬
‫ذا ِ‬
‫فب ِئ َ‬
‫م الي َ ْ‬
‫ن)‪َ (38‬‬
‫س الق ِ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫ر ُ‬
‫شَر َ‬
‫ن يُ ْ‬
‫م ْ‬
‫ه‬
‫ه ل يَ ْ‬
‫غ ِ‬
‫ك بِ ِ‬
‫فُر أ ْ‬
‫ن﴾]الزخرف‪ ،[39-36:‬وقال تعالى ﴿إ ِ ّ‬
‫كو َ‬
‫ن الل َ‬
‫ُ‬
‫شت َ ِ‬
‫ضَللً‬
‫ّ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫ف َ‬
‫ه َ‬
‫ض ّ‬
‫ن يُ ْ‬
‫ن يَ َ‬
‫وي َ ْ‬
‫غ ِ‬
‫ل َ‬
‫قدْ َ‬
‫رك ِبالل ِ‬
‫دو َ‬
‫ما ُ‬
‫م ْ‬
‫م ْ‬
‫و َ‬
‫ن ذَل ِك ل ِ َ‬
‫فُر َ‬
‫شاءُ َ‬
‫َ‬
‫ش ِ‬
‫ن إ ِلّ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫عدُ ُ‬
‫ما ي َ ِ‬
‫عدُ ُ‬
‫دا﴾ إلى قوله ﴿ي َ ِ‬
‫بَ ِ‬
‫م الشي ْطا ُ‬
‫عي ً‬
‫ه ْ‬
‫و َ‬
‫ه ْ‬
‫وي ُ َ‬
‫ه ْ‬
‫م َ‬
‫م َ‬
‫مّني ِ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫ما ُ‬
‫و َ‬
‫ل ال ّ‬
‫قا َ‬
‫ن‬
‫ق ِ‬
‫مُر إ ِ ّ‬
‫شي ْطا ُ‬
‫ي ال ْ‬
‫نل ّ‬
‫غُروًرا﴾]النساء‪ ،[120-116:‬وقال تعالى ﴿ َ‬
‫ض َ‬
‫َ‬
‫ما َ‬
‫خل َ ْ‬
‫م َ‬
‫ن‬
‫فأ ْ‬
‫ن ِلي َ‬
‫و َ‬
‫و ْ‬
‫و َ‬
‫م ِ‬
‫كا َ‬
‫عدَ ال ْ َ‬
‫م ْ‬
‫عل َي ْك ُ ْ‬
‫و َ‬
‫فت ُك ُ ْ‬
‫عدْت ُك ُ ْ‬
‫ح ّ‬
‫عدَك ُ ْ‬
‫الل ّ َ‬
‫م َ‬
‫و َ‬
‫ق َ‬
‫م َ‬
‫ه َ‬
‫َ‬
‫سل ْ َ‬
‫موا أ َن ْ ُ‬
‫م ِلي َ‬
‫م َ‬
‫م‬
‫ن دَ َ‬
‫ن إ ِّل أ ْ‬
‫ست َ َ‬
‫ف َ‬
‫فا ْ‬
‫ُ‬
‫سك ُ ْ‬
‫وُلو ُ‬
‫فَل ت َُلو ُ‬
‫جب ْت ُ ْ‬
‫وت ُك ُ ْ‬
‫موِني َ‬
‫ع ْ‬
‫طا ٍ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ي إ ِّني ك َ َ‬
‫ما أ ْ‬
‫ن‬
‫ر ِ‬
‫ر ِ‬
‫موِني ِ‬
‫فْر ُ‬
‫م ْ‬
‫شَرك ْت ُ ُ‬
‫ت بِ َ‬
‫م بِ ُ‬
‫ما أن ْت ُ ْ‬
‫و َ‬
‫خك ُ ْ‬
‫ما أَنا ب ِ ُ‬
‫َ‬
‫م ْ‬
‫م ْ‬
‫م َ‬
‫خ ّ‬
‫صَ ِ‬
‫ص ِ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫َ‬
‫قب ْ ُ‬
‫ع َ‬
‫م‬
‫م َ‬
‫ن الظال ِ ِ‬
‫ل إِ ّ‬
‫ذا ٌ‬
‫نل ُ‬
‫نل ُ‬
‫وإ ِذْ َزي ّ َ‬
‫مي َ‬
‫ه ْ‬
‫ب أِلي ٌ‬
‫ه ْ‬
‫م﴾]إبراهيم‪ ،[22:‬وقال تعالى ﴿ َ‬
‫َ‬
‫شي ْ َ‬
‫ل َل َ‬
‫و َ‬
‫قا َ‬
‫ال ّ‬
‫جاٌر‬
‫نأ ْ‬
‫م ِ‬
‫طا ُ‬
‫وإ ِّني َ‬
‫غال ِ َ‬
‫و َ‬
‫مال َ ُ‬
‫م ْ‬
‫ب ل َك ُ ْ‬
‫ه ْ‬
‫ع َ‬
‫س َ‬
‫م ال ْي َ ْ‬
‫م َ‬
‫ن الّنا ِ‬
‫و َ‬
‫م َ‬
‫قا َ‬
‫م‬
‫عَلى َ‬
‫ص َ‬
‫ع ِ‬
‫ت ال ْ ِ‬
‫ريءٌ ِ‬
‫قب َي ْ ِ‬
‫ما ت ََراءَ ْ‬
‫من ْك ُ ْ‬
‫فل َ ّ‬
‫ل َك ُ ْ‬
‫ن ن َك َ َ‬
‫ه َ‬
‫فئ ََتا ِ‬
‫ل إ ِّني ب َ ِ‬
‫َ‬
‫ع َ‬
‫ه َ‬
‫ب﴾]النفال‪.[48:‬‬
‫ن إ ِّني أ َ َ‬
‫ديدُ ال ْ ِ‬
‫خا ُ‬
‫ش ِ‬
‫و َ‬
‫والل ّ ُ‬
‫ف الل ّ َ‬
‫إ ِّني أَرى َ‬
‫قا ِ‬
‫ه َ‬
‫ما َل ت ََر ْ‬
‫وقد روى عن النبي ‪ ‬في الحديث الصحيح أنه رأى جبريل ي ََزع ُ الملئكة‪،‬‬
‫والشياطين إذا رأت ملئكة الله التي يؤّيد بها عباده هربت منهم‪ ،‬والله يؤيد‬
‫حي َرب ّ َ‬
‫ة أ َّني‬
‫عباده المؤمنين بملئكته‪ ،‬قال تعالى ﴿إ ِذْ ُيو ِ‬
‫مَلئ ِك َ ِ‬
‫ك إلى ال ْ َ‬
‫َ‬
‫م َ‬
‫مُنوا‬
‫ها ال ّ ِ‬
‫فث َب ُّتوا ال ّ ِ‬
‫م َ‬
‫مُنوا﴾]النفال‪ ،[12:‬وقال تعالى ﴿َياأي ّ َ‬
‫ذي َ‬
‫ذي َ‬
‫نآ َ‬
‫نآ َ‬
‫عك ُ ْ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫جُنودٌ َ‬
‫دا‬
‫سلَنا َ‬
‫ه َ‬
‫م َ‬
‫ة الل ِ‬
‫جُنو ً‬
‫و ُ‬
‫ري ً‬
‫م ُ‬
‫م إ ِذْ َ‬
‫اذْك ُُروا ن ِ ْ‬
‫فأْر َ‬
‫ه ْ‬
‫جاءَت ْك ُ ْ‬
‫علي ْك ُ ْ‬
‫ع َ‬
‫حا َ‬
‫م ِ‬
‫علي ْ ِ‬
‫ها﴾]الحزاب‪ ،[9:‬وقال تعالى ﴿إ ِذْ ي َ ُ‬
‫قو ُ‬
‫عَنا‬
‫صا ِ‬
‫و َ‬
‫حب ِ ِ‬
‫ن إِ ّ‬
‫حَز ْ‬
‫م َ‬
‫ه َل ت َ ْ‬
‫ه َ‬
‫ن الل ّ َ‬
‫لَ ْ‬
‫ل لِ َ‬
‫م ت ََر ْ‬
‫عل َيه َ‬
‫َ‬
‫فَأنَز َ‬
‫ها﴾]التوبة‪ ،[40:‬وقال تعالى ﴿إ ِذْ‬
‫و َ‬
‫س ِ‬
‫وأي ّدَهُ ب ِ ُ‬
‫ه َ‬
‫جُنوٍد ل َ ْ‬
‫كين َت َ ُ‬
‫ل الل ّ ُ‬
‫م ت ََر ْ‬
‫ه َ ْ ِ َ‬
‫فيك ُ َ‬
‫َ‬
‫تَ ُ‬
‫م ْ‬
‫قو ُ‬
‫ن‬
‫ف ِ‬
‫م ب ِث ََلث َ ِ‬
‫ن يُ ِ‬
‫ؤ ِ‬
‫مأ ْ‬
‫ة آَل ٍ‬
‫م ْ‬
‫ن أل َ ْ‬
‫مِني َ‬
‫م َرب ّك ُ ْ‬
‫مدّك ُ ْ‬
‫ن ي َك ْ ِ َ ْ‬
‫ل ل ِل ْ ُ‬
‫ْ‬
‫ن َ‬
‫وت َت ّ ُ‬
‫م‬
‫ر ِ‬
‫م ِ‬
‫مَلئ ِك َ ِ‬
‫ن)‪(124‬ب ََلى إ ِ ْ‬
‫م ْ‬
‫من َْزِلي َ‬
‫ه ْ‬
‫وي َأُتوك ُ ْ‬
‫ة ُ‬
‫ال ْ َ‬
‫ن تَ ْ‬
‫ف ْ‬
‫قوا َ‬
‫صب ُِروا َ‬
‫و ِ‬
‫ه َ‬
‫ن﴾]آل عمران‪-124 :‬‬
‫م بِ َ‬
‫َ‬
‫و ِ‬
‫مَلئ ِك َ ِ‬
‫ف ِ‬
‫س ِ‬
‫م ِ‬
‫ة آَل ٍ‬
‫م َ‬
‫م َ‬
‫مي َ‬
‫م ْ‬
‫ة ُ‬
‫ن ال ْ َ‬
‫خ ْ‬
‫م َرب ّك ُ ْ‬
‫ددْك ُ ْ‬
‫ذا ي ُ ْ‬
‫س ّ‬
‫‪ ،[125‬وهؤلء تأتيهم أرواح تخاطبهم وتتمثل لهم وهي جن وشياطين فيظنونها‬
‫ملئكة كالرواح التي تخاطب من يعبد الكواكب والصنام‪.‬‬
‫ن النسان والحيوان شيء واحد‬
‫هي موجودة في الخارج بدون متصف بها ؟ ل‪ .‬فهل يقال إ ّ‬
‫من جهة صفة الحياتية؟ ل قائل به حتى أصحاب وحدة الوجود‪ .‬لكنهم يقولون من جهة صفة‬
‫الوجود نعم‪ .‬وهذا في الحقيقة راجع إلى شيء وهو أن أصحاب وحدة الوجود أخذوا هذا من‬
‫قول الجهمية الذين ل يؤمنون إل بصفة واحدة لله جل وعل وهي صفة الوجود العظم‪ ،‬فلما‬
‫لم يصفوا الله بشيء وكانت صفة وجود المخلوق مشكلة على إثبات وجود الله جل وعل‬
‫جعلوا الخالق عين المخلوق والمخلوق عين الخالق من جهة الوجود‪ ،‬حتى فرعون جعلوه‬
‫ه‬
‫ما َ‬
‫ن إ ِل َ ٍ‬
‫م ِ‬
‫م ُ‬
‫م ْ‬
‫ت ل َك ُ ْ‬
‫عل ِ ْ‬
‫رمزا أو صفة من صفات وجود الله جل وعل؛ لنه قال ﴿ َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫عَلى﴾]النازعات‪.[24:‬‬
‫م اْل َ ْ‬
‫ري﴾]القصص‪ ،[38:‬وقال ﴿أَنا َرب ّك ُ ْ‬
‫غي ْ ِ‬
‫ومن هذا المنطلق أو من هذا المبدأ والصل أخذه النصيرية وأخذه الدروز وأصحاب التناسخ‬
‫والنصارى بأن هذا وهذا إتحدا وكانا شيئا واحدا‪ ،‬وتفصيل الكلم على مقالهم كما قال شيخ‬
‫السلم ليس هذا موضعه‪ ،‬وإنما المقصود بيان فساد قولهم‪.‬‬

‫‪64‬‬

‫التعليقات الحسان على كتاب الفرقان‬

‫وكان من أول ما ظهر من هؤلء في السلم المختار بن أبي عبيد الذي أخبر‬
‫به النبي ‪ ‬في الحديث الصحيح الذي رواه مسلم في صحيحه عن النبي ‪ ‬أنه‬
‫قال »سيكون في ثقيف كذاب ومبير« وكان الكذاب المختار بن أبي عبيد‪،‬‬
‫والمبير الحجاج بن يوسف‪ ،‬فقيل لبن عمر وابن عباس أن المختار يزعم أنه‬
‫ه ْ ُ‬
‫ن ت َن َّز ُ‬
‫ل‬
‫م َ‬
‫ينزل إليه‪ ،‬فقال صدق قال الله تعالى ﴿ َ‬
‫م ْ‬
‫عَلى َ‬
‫ل أن َب ّئ ُك ُ ْ‬
‫َ‬
‫ل أَ ّ‬
‫عَلى ك ُ ّ‬
‫ن)‪(221‬ت َن َّز ُ‬
‫ال ّ‬
‫ك أِثيم ٍ﴾]الشعراء‪ ،[222-221:‬وقال الخر‬
‫ل َ‬
‫شَيا ِ‬
‫فا ٍ‬
‫طي ُ‬
‫ن ال ّ‬
‫ن‬
‫شَيا ِ‬
‫وإ ِ ّ‬
‫طي َ‬
‫وقيل له إن المختار يزعم أنه يوحى إليه فقال قال الله تعالى ﴿ َ‬
‫َ‬
‫م ﴾]النعام‪ ،[121:‬وهذه الرواح الشيطانية هي‬
‫ول َِيائ ِ‬
‫حو َ‬
‫م ل ِي ُ َ‬
‫ل َُيو ُ‬
‫جاِدُلوك ُ ْ‬
‫ه ْ‬
‫ن إلى أ ْ‬
‫ِ‬
‫الروح الذي يزعم صاحب الفتوحات أنه َألقى إليه ذلك الكتاب‪ ،‬ولهذا يذكر أنواعا‬
‫من الخلوات بطعام معين وشيء معين‪ ،‬وهذه مما تفتح لصاحبها اتصال بالجن‬
‫والشياطين فيظنون ذلك من كرامات الولياء‪ ،‬وإنما هو من الحوال الشيطانية‬
‫وأعرف من هؤلء عددا ومنهم من كان يحمل في الهواء إلى مكان بعيد ويعود‪،‬‬
‫ومنهم من كانت يؤتى بمال مسروق تسرقه الشياطين وتأتيه به‪ ،‬ومنهم من‬
‫جعل يحصل له من الناس أو بعطاء يعطونه إذا دّلهم‬
‫كانت تدله على السرقات ب ُ‬
‫على سرقاتهم‪ ،‬ونحو ذلك‪.‬‬
‫ولما كانت أحوال هؤلء شيطانية كانوا مناقضين للرسل صلوات الله تعالى‬
‫وسلمه عليهم‪ ،‬كما يوجد في كلم صاحب الفتوحات المكية والفصوص وأشباه‬
‫ذلك يمدح الكفار مثل قوم نوح وهود وفرعون وغيرهم‪ ،‬ويتنقص النبياء كنوح‬
‫وإبراهيم وموسى وهارون‪ ،‬ويذم شيوخ المسلمين المحمودين عند المسلمين‬
‫كالجنيد بن محمد‪ ،‬وسهل بن عبد الله التستري‪ ،‬وأمثالهما‪ ،‬ويمدح المذمومين‬
‫عند المسلمين كالحلج ونحوه‪ ،‬كما ذكره في تجلياته الخيالية الشيطانية‪ ،‬فإن‬
‫ه روحه كان من أئمة الهدى‪ ،‬فسئل عن التوحيد فقال التوحيد‬
‫الجنيد قدس الل ُ‬
‫إفراد الحدوث عن القدم‪ ،‬فبين أن التوحيد أن تميز بين القديم والمحدث‪ ،‬وبين‬
‫الخالق والمخلوق‪ ،‬وصاحب الفصوص أنكر هذا وقال في مخاطبته الخيالية‬
‫الشيطانية له يا جنيد هل يميز بين المحدث والقديم إل من يكون غيرهما‪ ،‬فخطأّ‬
‫الجنيد في قوله إفراد الحدوث عن القدم؛ لن قوله هو أن وجود المحدث هو‬
‫عين وجود القديم كما قال في فصوصه‪ :‬ومن أسمائه الحسنى العلي على من؟‬
‫وما ثم إل هو‪ ،‬وعن ماذا؟ وما هو إل هو‪ ،‬فعلوه لنفسه‪ ،‬وهو عين الموجودات‪،‬‬
‫فالمسمى محدثات هي العلية لذاته‪ ،‬وليست إل هو‪ .‬إلى أن قال‪ :‬هو عين ما‬
‫بطن‪ ،‬وهو عين ما ظهر‪ ،‬وما ثم من يراه غيره‪ ،‬وما ثم من ينطق عنه سواه‪،‬‬
‫وهو المسمى أبو سعيد الخراز!!! وغير ذلك من السماء المحدثات‪.‬‬
‫فيقال لهذا الملحد ليس من شرط المميز بين الشيئين بالعلم والقول أن‬
‫يكون ثالثا غيرهما‪ ،‬فإن كل واحد من الناس يميز بين نفسه وغيره‪ ،‬وليس هو‬
‫ثالث‪ ،‬فالعبد يعرف أنه عبد ويميز بين نفسه وبين خالقه‪ ،‬والخالق جل جلله‬
‫يميز بين نفسه وبين مخلوقاته‪ ،‬ويعلم أنه ربهم وأنهم عباده‪ ،‬كما نطق بذلك‬
‫القرآن في غير موضع‪ ،‬والستشهاد بالقرآن عند المؤمنين الذين يقرون به باطنا‬
‫وظاهرا‪ ،‬وأما هؤلء الملحدة فيزعمون ما كان يزعمه التلمساني منهم‪ ،‬وهو‬
‫أحذقهم في إتحادهم لما قرىء عليه الفصوص فقيل له القرآن يخالف‬
‫فصوصكم‪ ،‬فقال القرآن كله شرك‪ ،‬وإنما التوحيد في كلمنا‪ ،‬فقيل له فإذا كان‬
‫الوجود واحدا فلم كانت الزوجة حلل والخت حراما‪ ،‬فقال الكل عندنا حلل‪،‬‬
‫ولكن هؤلء المحجوبون قالوا حرام فقلنا حرام عليكم‪ .‬وهذا مع كفره العظيم‬

‫للشيخ العلمة صالح بن عبد العزيز آل الشيخ‬

‫‪65‬‬

‫متناقض ظاهرا‪ ،‬فإن الوجود إذا كان واحدا‪ ،‬فمن المحجوب ومن الحاجب؟ ولهذا‬
‫قال بعض شيوخهم لمريده من قال لك أن في الكون سوى الله فقد كذب‪،‬‬
‫فقال له مريده فمن هو الذي يكذب؟ وقالوا لخر هذه مظاهر‪ ،‬فقال لهم‬
‫المظاهر غير الظاهر أم هي؟ فإن كانت غيرها فقد قلتم بالنسبة وإن كانت إياها‬
‫فل فرق‪ .‬وقد بسطنا الكلم على كشف أسرار هؤلء في موضع آخر وبينا حقيقة‬
‫قول كل واحد منهم‪ ،‬وأن صاحب الفصوص يقول المعدوم شيء ووجود الحق‬
‫فاض عليهما‪ .‬فُيفّرق بين الوجود والثبوت)‪ (64‬والمعتزلة الذين قالوا المعدوم شيء‬
‫ثابت في الخارج مع ضللهم خير منه فإن أولئك قالوا إن الرب خلق لهذه‬
‫)(‬
‫مك في هذا‬
‫‪ 64‬هذا الكلم استطراد في بيان حال المدعون للتحاد ووحدة الوجود والذي يه ّ‬
‫أشياء‪:‬‬
‫ن‬
‫الول‪ :‬أن إنشاء شيخ السلم لهذا الستطراد وهذه البينات لهؤلء الملحدة‪ ،‬الغرض أ ّ‬
‫أهل الشام ومصر في ذلك الوقت يعظمون أصحاب وحدة الوجود؛ يعظمون ابن عربي‬
‫والتلمساني وأشباه هؤلء‪ ،‬وابن الفارض يعظمونهم جدا‪ ،‬واشتهر عنهم أنهم يقولون بهذا‬
‫الكلم ومع ذلك يعظمونهم‪ ،‬ولهذا أوجب أن يبين أن هؤلء ليسوا من أولياء الله‪ ،‬فاستطرد‬
‫ليبين لك فساد قول هؤلء وأنه ل يكون أمثال هؤلء أولياء لله جل وعل‪.‬‬
‫ن لهم‬
‫ن هؤلء الملحدة والزنادقة أمثال ابن عربي وأشباهه‪ ،‬شاع في الناس أ ّ‬
‫الثاني‪ :‬أ ّ‬
‫ن الكهان من اتباعهم والمنتسبين للتصوف‬
‫كرامات وأنهم يخِبرون بأشياء تكون حقا‪ ،‬وأ ّ‬
‫عندهم أحوال إيمانية ينكشف لهم بها الغيب‪ ،‬وأّنه يوحى إليه‪ ،‬وأنه تأتيه المعلومات ليست‬
‫ن هذه الشياء التي‬
‫إل عندهم‪ ،‬فجعلوا هذه الشياء من كراماتهم فبّين رحمه الله فيما ذكر أ ّ‬
‫تنسب إليهم صحيحة‪ ،‬ولكن ليست هي كرامات تأتيهم من الملئكة وإنما هي أحوال‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫ن ال ّ‬
‫م‬
‫شَيا ِ‬
‫حو َ‬
‫وإ ِ ّ‬
‫م ل ِي ُ َ‬
‫ن ل َُيو ُ‬
‫طي َ‬
‫جاِدُلوك ْ‬
‫ه ْ‬
‫ن إلى أ ْ‬
‫شيطانية تأتيهم من الشياطين ﴿ َ‬
‫ول َِيائ ِ ِ‬
‫من يواليه ويخبره بأشياء ويعلمه ويعطيه معلومات‬
‫﴾]النعام‪ ،[121:‬والشيطان يتنزل على َ‬
‫فربما حمله وربما تصور بصورته وربما طار به في الهواء وربما سخر له بعض الشياء بما‬
‫ن الملئكة تخدمه وتعمل‬
‫أقدره الله عليه‪ ،‬فإذن فالشأن ليس في أّنه ُيخدم‪ ،‬أو أنه ي ُد ّ َ‬
‫عى أ ّ‬
‫له‪ ،‬ولكن الشأن هل هو من أولياء الله موافق لشرع الله ومتبع للسنة أو ل؟ فإذا لم يكن‬
‫ن ما‬
‫متبعا للسنة ويقول مثل هذه القوال الكفرية فنعلم قطعا أنه من أولياء الشيطان‪ ،‬وأ ّ‬
‫ن‬
‫قاله وافتراه وادعاه من هذه القوال الباطلة هي دليل أنه شيطان من الشياطين‪ ،‬وأ ّ‬
‫ن يجعلهم من أولياء الله جل وعل ‪.‬‬
‫المؤمن ل يجوز له أن يغتر بأحوال هؤلء وأ ْ‬
‫ن أكثر السحرة والكهنة في أزمنة‬
‫والثالث من أسباب إنشائه هذا الكلم أو الستطراد‪ :‬أ ّ‬
‫ن ما يأتيهم إنما هو من جهة الملئكة‪ ،‬فهذا تسمعه عند كثير‬
‫السلم اد ّ َ‬
‫عوا الصلح‪ ،‬وادعوا أ ّ‬
‫فل من المسلمين وجهلتهم فيما يذكرون من أخبار بعض الناس في بلد كذا وبلد كذا‬
‫مغَ ّ‬
‫من ُ‬
‫وبلد كذا‪ ،‬هم يقولون فلن تأتيه هذا تخبره الملئكة لنه رجل صالح‪ ،‬وهذا لشك أن هذا من‬
‫ن فلنا تنزل عليه الملئكة فاعلم أن هذا من جهة‬
‫براثن تلك الخلفية العامة‪ ،‬فإذا قيل إ ّ‬
‫أولياء الشيطان؛ لننا ل نعلم أحدا من الصحابة ول من التابعين ول من سادات المسلمين‬
‫قيل أن الملئكة تنزل عليه فتخبره إلى آخره‪ ،‬وإنما هي دعوى لولئك الفسقة الفجرة فيها‬
‫يروجون على الناس في كهانتهم أو سحرهم‪ ،‬فالسحرة الن يأمرون الناس بتلوة القرآن؛‬
‫ويتلون عليهم القرآن ثم يخلطون معها غيرها‪ ،‬يقولون نخبركم؛ الملئكة تأتينا وتخبرنا‪ ،‬وهي‬
‫دقون في مثل هذه الشياء‪ ،‬فإذن يبّين‬
‫الشياطين‪ ،‬وهم أصل من أكذب الناس فكيف يص ّ‬
‫شيخ السلم حال من كان في زمنه؛ وهو الوجه الثاني الذي ذكرنا‪ ،‬والوجه الثالث حال كل‬
‫من ادعى نزول الملئكة عليهم‪ ،‬فإّنه الحجة كما قال ابن عباس في حال المختار بن أبي‬
‫عبيد؛ قيل له إنه ينّزل عليه قال صدق فإنه تنّزل عليه الشياطين‪ ،‬كما قيل إنه يوحى إليه‬
‫َ‬
‫ن ال ّ‬
‫م ﴾]النعام‪:‬‬
‫شَيا ِ‬
‫حو َ‬
‫وإ ِ ّ‬
‫م ل ِي ُ َ‬
‫ن ل َُيو ُ‬
‫طي َ‬
‫جاِدُلوك ُ ْ‬
‫ه ْ‬
‫ن إلى أ ْ‬
‫قال نعم كما قال الله ﴿ َ‬
‫ول َِيائ ِ ِ‬

‫‪[121‬‬

‫وملخص هذا أن الكلم أو الغرض منه ما ذكرنا من بيان الفرقان العظيم بين أولياء‬
‫الرحمن وأولياء الشيطان‪ ،‬وأن مسألة خرق العادات ليست فرقانا؛ أن يحصل للمرء خارقا‬

‫‪66‬‬

‫التعليقات الحسان على كتاب الفرقان‬

‫الشياء الثابتة في العدم وجودا ليس هو وجود الرب‪ ،‬وهذا زعم أن عين وجود‬
‫الرب فاض عليهما‪ ،‬فليس عنده وجود مخلوق مباين لوجود الخالق‪ ،‬وصاحبه‬
‫الصدر القونوي يفرق بين المطلق والمعين لنه كان أقرب إلى الفلسفة‪ ،‬فلم‬
‫يقر بأن المعدوم شيء‪ ،‬لكن جعل الحق هو الوجود المطلق وصّنف مفتاح غيب‬
‫الجمع والوجود‪ ،‬وهذا القول أدخل في تعطيل الخالق وعدمه‪ ،‬فإن المطلق‬
‫بشرط الطلق وهو الكلي العقلي ل يكون إل في الذهان ل في العيان‪،‬‬
‫والمطلق ل بشرط وهو الكلي الطبيعي‪ ،‬وإن قيل أنه موجود في الخارج فل‬
‫يوجد في الخارج إل معّينا‪ ،‬وهو جزء من المعين عند من يقول بثبوته في الخارج‪،‬‬
‫فيلزم أن يكون وجود الرب إما منتفيا في الخارج‪ ،‬وإما أن يكون جزءا من وجود‬
‫المخلوقات‪ ،‬وإما أن يكون عين وجود المخلوقات وهل يخلق الجزء الكل؟ أم‬
‫يخلق الشيء نفسه؟ أم العدم يخلق الوجود؟ أو يكون يعض الشيء خالقا‬
‫لجميعه؟ وهؤلء يفرون من لفظ الحلول لنه يقتضي حال ّ ومح ّ‬
‫ل‪ ،‬ومن لفظ‬
‫التحاد لنه يقتضي شيئين إتحد أحدهما بالخر‪ ،‬وعندهم الوجود واحد ويقولون‬
‫موا لما كفروا‪،‬‬
‫م ُ‬
‫النصارى إنما كفروا لما خصصوا المسيح بأنه هو الله‪ ،‬ولو ع ّ‬
‫وكذلك يقولون في ع ُّباد الصنام إنما أخطأوا لما عبدوا بعض المظاهر دون‬
‫بعض‪ ،‬فلو عبدوا الجميع لما أخطأوا عندهم‪ ،‬والعارف المحقق عندهم ل يضره‬
‫عبادة الصنام‪ ،‬وهذا مع ما فيه من الكفر العظيم‪ ،‬ففيه ما يلزمهم دائما من‬
‫التناقض‪ ،‬لنه يقال لهم فمن المخطىء؟ لكنهم يقولون إن الرب هو الموصوف‬
‫بجميع النقائص التي يوصف بها المخلوق‪ ،‬ويقولون إن المخلوقات توصف بجميع‬
‫للعادة؛ أن يحصل له شيء لم يحصل لغيره هذا ليس دليل على صلحه‪ ،‬وليس دليل على‬
‫فساده‪ ،‬حتى ينظر في أمره فإن كان من أهل اليمان والصلح المتابعين للحق فإنه يرجى‬
‫أن تكون هذه كرامة له‪ ،‬وإن كان من غير أهل اليمان؛ من أهل البدعة والفسق والفجور‬
‫فإن ما حصل له يعتبر فارقا شيطانيا وحال شيطانية وليست بكرامة‪ .‬فإذن هذا كل ما بحثه‬
‫في هذا الموضع والذي قبله ملخصه أن الحوال والخوارق ليست برهانا ول ِدللة‪ ،‬وإنما‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ف َ َ‬
‫م‬
‫ه َل َ‬
‫وَل ُ‬
‫و ٌ‬
‫ول َِياءَ الل ّ ِ‬
‫البرهان والدللة هو ما قال الله جل وعل ﴿ أَل إ ِ ّ‬
‫ه ْ‬
‫ه ْ‬
‫م َ‬
‫خ ْ‬
‫نأ ْ‬
‫علي ْ ِ‬
‫و َ‬
‫كاُنوا ي َت ّ ُ‬
‫ن﴾]يونس‪ ،[62:‬والملئكة ل تنزل إل على الرسل‬
‫ن)‪(62‬ال ّ ِ‬
‫قو َ‬
‫حَزُنو َ‬
‫يَ ْ‬
‫ذي َ‬
‫نآ َ‬
‫مُنوا َ‬
‫أو على المؤمنين لتثبيتهم في القتال أما الخبار بالمغيبات وأشباه ذلك فل يكون‪ ،‬قد ُيلقى‬
‫في روع المؤمن من أن يكون هذا المر كذا؛ يكون من باب الفراسة اليمانية التي يعطيها‬
‫الله جل وعل لمن يشاء من خلقه‪ ،‬لكن تحديث الملئكة ويقول سمعت الملئكة قالت لي‬
‫الملئكة هذا ل شك أنه من صنيع الشيطان‪.‬‬
‫سؤال فقهي‪ :‬أرجو التوضيح فيما قلتم في الفرق بين‪ ...‬؟ البر والشعير من الصناف‬
‫الربوية كما هو معلوم والذهب والفضة من الصناف الربوية والنبي عليه الصلة والسلم‬
‫قال »إذا اختلفت الصناف فبيعوا كيف شئتم إذا كان يدا بيد« فبهذا الحديث ترى‬
‫عند اختلف الصناف أن يكون مقبوضا يدا بيد‪ ،‬ذهب بفضة لبد أن يكون يدا بيد‪ ،‬ذهب ببر ل‬
‫بد أن يكون يدا بيد‪ ،‬ذهب بشعير‪ ،‬فضة بشعير يدا بيد‪ ،‬فهل هذا في كل النواع أم ل؟ هذا‬
‫ليس في كل النواع‪ ،‬إذا كان أحد النوعين نقدا جاز التفاضل وأن نتداين‪ ،‬إذا كان أحد‬
‫العوضين نقد‪...‬‬
‫هذا أحد الخوة كتب على حقيقة التوحيد للدكتور يوسف القرضاوي فيه أغلط كثيرة في‬
‫التوحيد منها عده الذبح والنذر من الشرك الصغر ومنها أن المقصود توحيد الربوبية وأشياء‬
‫من هذا‪ ،‬ومن جهة مكاتب الدعوة والجاليات ي ُن َّبهون إلى منعه من التداول ومن توزيعه‬
‫وإقرائه‪ ...‬فمن رآه في مكتب ينبها إن شاء الله ونتابع هذا نحن مأمورون بإزالة هذا الكتاب‬
‫مع أنه طبع في الفتاء في المكان الذي نشروه تبع الشيخ عبد العزيز بن باز حفظه الله‬
‫ن فيه أغلط كثيرة فمن رآه ينبه صاحب المكتب الجاليات والدعوة عليه ويذكرني‬
‫لكن ‪ ...‬أ ّ‬
‫بهذا ‪ ...‬لن فيه خلطا كثيرا ‪.‬‬

‫للشيخ العلمة صالح بن عبد العزيز آل الشيخ‬

‫‪67‬‬

‫الكمالت التي يوصف بها الخالق‪ ،‬ويقولون ما قاله صاحب الفصوص‪ ،‬فالعلي‬
‫لنفسه هو الذي يكون له الكمال الذي يستوعب به جميع النعوت الوجودية‬
‫عرفا‬
‫والنسب العدمية‪ ،‬سواء كانت محمودة عرفا أو عقل أو شرعا‪ ،‬أو مذمومة ُ‬
‫وعقل وشرعا‪ ،‬وليس ذلك إل لمسمى الله خاصة‪ ،‬وهم مع كفرهم هذا ل يندفع‬
‫عنهم التناقض فإنه معلوم بالحسن والعقل أن هذا ليس هو ذاك‪ ،‬وهؤلء يقولون‬
‫ما كان يقوله التلمساني أنه ثبت عندنا في الكشف ما يناقض صريح العقل‪،‬‬
‫ويقولون من أراد التحقيق يعنى تحقيقهم فليترك العقل والشرع‪ .‬وقد قلت لمن‬
‫خاطبته منهم‪ ،‬ومعلوم أن كشف النبياء أعظم‪ ،‬وأتم من كشف غيرهم‪ ،‬وخبرهم‬
‫أصدق من خبر غيرهم‪ ،‬والنبياء صلوات الله وسلمه عليهم يخبرون بما تعجز‬
‫عقول الناس عن معرفته‪ ،‬ل بما يعرف الناس بعقولهم أنه ممتنع فيخبرون‬
‫بمجارات العقول)‪ (65‬ل بمحالت العقول‪ ،‬ويمتنع أن يكون في أخبار الرسول ما‬
‫يناقض صريح العقول‪ ،‬ويمتنع أن يتعارض دليلن قطعيان سواء كانا عقليين أو‬
‫سمعيين أو كان أحدهما عقليا والخر سمعيا‪ ،‬فكيف بمن ادعى كشفا يناقض‬
‫صريح الشرع والعقل‪ ،‬وهؤلء قد ل يتعمدون الكذب‪ ،‬لكن يخيل لهم أشياء تكون‬
‫في نفوسهم ويظنونها في الخارج‪ ،‬وأشياء يرونها تكون موجودة في الخارج لكن‬
‫يظنونها من كرامات الصالحين‪ ،‬وتكون من تلبيسات الشياطين‪ ،‬وهؤلء الذين‬
‫يقولون بالوحدة قد يقدمون الولياء على النبياء‪ ،‬ويذكرون أن النبوة لم تنقطع‪،‬‬
‫كما ُيذكر عن ابن سبعين وغيره‪(66) ،‬ويجعلون المراتب ثلثة يقولون العبد يشهد‪:‬‬
‫أول طاعة معصية‪.‬‬
‫•‬
‫‪()65‬مجازات العقول يعني ما ُتجيزه العقول فليس المقصود المجاز الذي هو قسيم الحقيقة‬
‫أو مقابل الحقيقة؛ مجازات العقول هنا يعني ما تجيزه العقول‪ ،‬هذا أصل معنى المجاز؛‬
‫أصل معنى المجاز ما يجيزه الشيء‪ ،‬فمجاز في اللغة ما تجيزه‪ ،‬هنا مجاز العقول يعني ما‬
‫تجيزه العقول ل بمحالت العقول‪.‬‬
‫‪()66‬هذا الكلم راجع إلى كون كلم الناس في التحاد والحلول‪ ،‬وتقرير هذا الباب وفهم كلم‬
‫شيخ السلم‪ ،‬هذا يحتاج إلى إيضاح لمعنى الحلول والتحاد‪:‬‬
‫دهما في الخر‬
‫الحلول في ُ‬
‫عرف القوم أن شيئين متمايزين مختلفين في الحقيقة يحل أح ُ‬
‫مع بقاء التمّيز‪.‬‬
‫والتحاد أيضا شيئان مختلفانفي الحقيقة يتحد أحدهما بالخر فيزول التمّيز‪.‬‬
‫دهما في الخر؛ مثل‬
‫• فالحلول يبقى هذا وهذا لكن الصورة الظاهرة واحدة‪ ،‬ولكن حل أح ُ‬
‫الكأس والماء فالكأس إذا ح ّ‬
‫ل فيه الماء‪ ,‬حقيقة الكأس شيء وحقيقة الماء شيء وصارا‬
‫شيئا واحدا كأس ماء لكن هناك تميز؛ يمكن هذا أن يفصل عن هذا‪.‬‬
‫• لكن التحاد مثل السكر والماء‪ ,‬الحبر والماء‪ ,‬الملح والماء‪ ،‬الشاي والماء‪ ,‬كانا منفصلين‬
‫فاتحد أحدهما بالخر حتى صارا ل ينفك أحدهما عن الخر‪ ،‬يعني ل يتميز أحدهما عن الخر‪،‬‬
‫السكر لما ذاب في الماء‪ ،‬أين السكر؟ تقول في الماء‪ ،‬والماء ذاب فيه السكر‪ ،‬أين هذا‬
‫ح ّ‬
‫ه في الماء كذلك صار ماء وشاي‬
‫وهذا؟ سكر وماء‪ ،‬أفصلهما‪ ،‬ما ينفصلن‪ ،‬ورق شاي َ‬
‫طيت َ ْ‬
‫إلى آخره‪ .‬هذا الفهم في تقريرها مهم في بيان ما عليه الناس في ذلك‪.‬‬
‫إذا تبين هذا في المعنى العام‪ .‬فالحلول نوعان‪ ،‬والتحاد أيضا نوعان‪ ،‬الحلول عام وخاص‬
‫عند أهله‪ ،‬والتحاد عام وخاص عند أهله‪:‬‬
‫ل في أشخاص معينين؛ ح ّ‬
‫‪‬فالقائلون بالحلول منهم من قال ح ّ‬
‫ل الله جل جلله ‪-‬تعالى‬
‫عزير عند اليهود‪ ،‬ح ّ‬
‫ل في أشخاص معينين؛ ح ّ‬
‫الله عن قولهم‪ -‬ح ّ‬
‫ل في المسيح عند‬
‫ل في ُ‬
‫ل في الصنم‪ ،‬ح ّ‬
‫ل في الله الفلني عندهم‪ ،‬ح ّ‬
‫ل في البقر عند عباد البقر‪ ،‬ح ّ‬
‫النصارى‪ ،‬ح ّ‬
‫ل‬
‫ل في أئمة آل البيت عند غلة الرافضة‪ ،‬ح ّ‬
‫في كذا وكذا إلى آخره‪ ،‬ح ّ‬
‫ل في الحاكم بأمر الله‬
‫العبيدي عند الدروز‪ ،‬وهكذا‪ ،‬هذا حلول خاص في بعض المخلوقات‪.‬‬

‫‪68‬‬

‫التعليقات الحسان على كتاب الفرقان‬

‫ثم طاعة بل معصية‪.‬‬
‫•‬
‫ثم ل طاعة ول معصية‪.‬‬
‫•‬
‫والشهود الول هو الشهود الصحيح‪ ،‬وهو الفرق بين الطاعات والمعاصي‪ ،‬وأما‬
‫الشهود الثاني فيريدون به شهود القدر‪ ،‬كما أن بعض هؤلء يقول إنا كافرون‬
‫)‪(67‬‬
‫برب يعصى‪ ،‬وهذا يزعم أن المعصية مخالفة الرادة التي هي المشيئة‬
‫والخلق كلهم داخلون تحت حكم المشيئة ويقول شاعرهم‪:‬‬
‫)‪(68‬‬
‫مني ففعلي كله طاعات‬
‫أصبحت منفعل لما تختاره‬
‫‪‬وهناك حلول عام وهو قول من قال‪ :‬الله حا ّ‬
‫ل في كل مكان‪ .‬وهذا قول المتكلمين‬
‫والمعتزلة والشاعرة وأشباههم‪ ،‬الله حا ّ‬
‫ل في كل مكان‪ ،‬في أي مكان هو حال‪ ،‬ولكن‬
‫منفصل ليست مختلطة‪ ،‬الحقيقة متميزة‪.‬‬
‫والتحاد نوعان أيضا‪ :‬إتحاد خاص وإتحاد عام‪ ،‬والقائلون بالتحاد هم غلة التصوفة هم‬
‫ن من قال‬
‫الذين يقولون بالتحاد‪ ،‬وأما الحلول فل يقول به غلة المتصوفة وإنما يرون أ ّ‬
‫بالحلول في شخص معين فهو كافر‪ ،‬فعند أهل الوحدة ‪-‬وحدة الوجود‪ ،‬أو إتحاد الله بكل‬
‫موجود حتى صارت الحقيقة مع حقيقة المخلوق غير متميزة‪ -‬يقولون كفر من كفر لدعائه‬
‫ن النصارى كفرت لن‬
‫عدم التحاد أو لدعائه الحلول في بعض المخلوقات دون بعض؛ ل ّ‬
‫ن هذه الصنام آلهة‬
‫المسيح حل فيه الله‪ ،‬واليهود كفروا كذا‪ ،‬والعرب كفرت لنها قالت إ ّ‬
‫يعني يحل فيها الله‪ ،‬وهكذا‪ ،‬ولو أنهم قالوا ح ّ‬
‫ل في كل شيء؛ يعني إتحد بكل شيء فصارت‬
‫الشياء عين وجود الله جل وعل لم يكفروا‪ ،‬وعندهم التحاد ‪-‬عند القائلين به‪ -‬نوعان‪ :‬إتحاد‬
‫خاص وهو ببعض المخلوقات‪ ،‬وإتحاد عام بجميع المخلوقات‪:‬‬
‫‪‬فالذين يقولون بالتحاد العام هم الذين ي ُعَّبر عنهم بأصحاب وحدة الوجود‪ ،‬إتحد‬
‫بالسموات والرض؛ كل شيء هذه إتحد بها حتى صار موجود الحق جل وعل هو عين وجود‬
‫هذه المخلوقات‪ ،‬وجود المخلوقات هو عين وجود الله؛ حتى ما تفك هذه عن هذه‪ ،‬مثل‬
‫السكر الذي ذاب في الماء صارت الحقيقة واحدة ل يمكن إنفصال إحدى الحقيقتين عن‬
‫الخرى‪.‬‬
‫‪‬والذين قالوا بالتحاد الخاص –غير التحاد العام‪ -‬هؤلء ل يقال لهم أصحاب وحدة‬
‫الوجود هم طائفة من المتصوفة‪ ،‬فغلة المتصوفة جميعا إتحادية‪ ،‬لكن منهم أهل وحدة‬
‫الوجود ومن إتحد بكل موجود‪ ،‬بحيث صار عين الوجود واحدة‪ ،‬ومنهم من يقول بالتحاد في‬
‫بعض المخلوقات دون بعض‪.‬‬
‫ومن أعظم ما يدل على كفر هؤلء؛ على كفر من يقول بالتحاد العام وكذلك التحاد‬
‫فسق صارا في الله جل وعل؛ لن الفاسق‬
‫ن الكفر وال ِ‬
‫ن هذا القول يعني أ ّ‬
‫الخاص‪ :‬أ ّ‬
‫والمجرم والقاتل والزاني وشارب الخمر وفاعل الفواحش والكاذب إلى آخره من أنواع‬
‫فّرق بين الكاذب‬
‫الموبقات والكبائر لما كان هو عين الوجود ول تمايز بينهما يكون ل ي ُ َ‬
‫َ‬
‫صا والكاذب إتحاًدا‪ ،‬لنه صارت حقيقة واحدة‪ ،‬كما أننا ل نقول الماء حلو والسكر ل‬
‫ش ْ‬
‫خ ً‬
‫طعم‪ ،‬كما أننا ل نقول السكر حلو والماء ل طعم له‪ ،‬فأنت إذا شربت ماًء ِزيد فيه سكر‬
‫صارت الحقيقة واحدة‪ ،‬ما تستطيع أن تقول هذا حلو وهذا وهذا مالح والماء هذا فيه ملح ما‬
‫تستطيع أن تميز بين هذا وهذا لنه بالتحاد صارت الحقيقة واحدة هذا هو معنى التحاد‪،‬‬
‫فيلزم من هذا أن يكون كل من شر وكل فسق وكل هذا منسوب لله جل وعل‪ ،‬لهذا ابن‬
‫القيم لما ذكر هذه المسائل في أول النونية قال‪:‬‬
‫أين الله وثغرة الطعام‬
‫يا أمة منكوحها معبودها‬
‫هو ح ّ‬
‫ما فيه تفريق صار المنكوح حا ّ‬
‫ل لن‬
‫ما ُ‬
‫ل فيه الله يعني إتحد به الله الحقيقة واحدة؛ َ‬
‫الحلول يقتضي النفصال في بعض الحوال لكن المتحد مع المتحد به صارت الحقيقة واحدة‬
‫صار الناكح هو المنكوح فأين الله بين هذا وهذا‪ ،‬لشك أن هذا من أعظم ما يكون من إهانة‬
‫دره سبحانه‪ .‬هؤلء لما قالوا بالتحاد وبالوحدة قالوا‬
‫دره حق ق ْ‬
‫الرب جل وعل وسّبه وعدم ق ْ‬
‫ن التحاد العام والوحدة العامة هذه متفاوتة بين أهلها؛ فيكون الولي له من التحاد‬
‫إ ّ‬

‫للشيخ العلمة صالح بن عبد العزيز آل الشيخ‬

‫‪69‬‬

‫ومعلوم أن هذا خلف ما أرسل الله به رسله وأنزل به كتبه فإن المعصية التي‬
‫يستحق صاحبها الذم والعقاب مخالفة أمر الله ورسوله كما قال تعالى ﴿ت ِل ْ َ‬
‫ك‬
‫َ‬
‫هاُر‬
‫ِ‬
‫ن تَ ْ‬
‫ها اْلن ْ َ‬
‫حت ِ َ‬
‫م ْ‬
‫َ‬
‫د‬
‫ع ّ‬
‫وي َت َ َ‬
‫وَر ُ‬
‫سول ُ‬
‫ه َ‬
‫َ‬

‫ري‬
‫ه ي ُدْ ِ‬
‫جّنا ٍ‬
‫دودُ الل ّ ِ‬
‫ت تَ ْ‬
‫ه َ‬
‫ن ي ُطِ ْ‬
‫ح ُ‬
‫ُ‬
‫وَر ُ‬
‫م ْ‬
‫خل ْ ُ‬
‫سول َ ُ‬
‫ع الل ّ َ‬
‫و َ‬
‫ه َ‬
‫ه َ‬
‫ج ِ‬
‫ّ‬
‫ْ‬
‫ْ‬
‫وذَل ِ َ‬
‫ك ال َ‬
‫ه‬
‫َ‬
‫ن ِ‬
‫ع ِ‬
‫خال ِ ِ‬
‫ن يَ ْ‬
‫وُز ال َ‬
‫في َ‬
‫م ْ‬
‫دي َ‬
‫ص الل َ‬
‫و َ‬
‫ظي ُ‬
‫م)‪َ (13‬‬
‫ف ْ‬
‫ها َ‬
‫ع ِ‬
‫ع َ‬
‫ن﴾]النساء‪ ،[14-13:‬وسنذكر الفرق‬
‫ه َناًرا َ‬
‫ه َ‬
‫دا ِ‬
‫دودَهُ ي ُدْ ِ‬
‫ذا ٌ‬
‫خال ِ ً‬
‫ح ُ‬
‫ُ‬
‫في َ‬
‫هي ٌ‬
‫ب ُ‬
‫ول َ ُ‬
‫خل ْ ُ‬
‫ها َ‬
‫م ِ‬

‫بين الرادة الكونية والدينية والمر الكوني والديني‪ ،‬وكانت هذه المسألة قد‬
‫اشتبهت على طائفة من الصوفية فبينها الجنيد رحمه الله لهم‪ ،‬ومن اتبع الجنيد‬
‫فيها كان على السداد‪ ،‬ومن خالفه ضل‪ ،‬لنهم تكلموا في أن المور كلها بمشيئة‬
‫لتخصيصه ما ليس لغيره من الموجودات‪ ،‬فلهذا يصبح ينظر بنظر الله لما له من خصوصية‬
‫در بقدرة الله لما له من خصوصية في التحاد‪ ،‬فالتحاد عام لكن‬
‫في التحاد‪ ،‬ويصبح يق ْ‬
‫درجات المّتحد بهم مختلفة من حيث الصفات‪ ،‬ولهذا جعلوا للولياء مقاما يزيد على مقام‬
‫ن عندهم درجة التحاد مختلفة فالنبياء أعطوا درجة لكن هذه الدرجة زاد عليهم‬
‫النبياء؛ ل ّ‬
‫ن أولئك ‪-‬في شبههم‪ -‬وجودهم هو عين وجود الله جل وعل‪،‬‬
‫وحدة من جهة أ ّ‬
‫فيها أصحاب ال َ‬
‫لكن عند غلة المتصوفة النبياء يحتاجون في الخذ من السماء كلم الله جل وعل إلى‬
‫م ُ‬
‫ل الولياء عندهم‪ -‬فإنهم‬
‫واسطة‪ ،‬فلم يكن التحاد بهم من جميع الصفات‪ ,‬وأما الولياء ‪-‬ك ُ ّ‬
‫سما قسم يتوله الولي الفلني‬
‫التحاد بهم جاء في الصفات كلها‪ ،‬لهذا يجعلون العالم مق ّ‬
‫وقسم يتوله الولي الفلني‪ ،‬وقسم يتوله الولي الفلني‪ ،‬إلى آخر ما عندهم في ذلك‪.‬‬
‫المقصود أن فهم هذا الكلم‪ ،‬وفهم هذه المسائل‪ ،‬وما يدور عليها‪:‬‬
‫راجع إلى فهم معنى الحلول والتحاد‪).‬واحد(‬
‫‪.1‬‬
‫راجع إلى معنى أقسام الحلول والتحاد‪).‬اثنين(‬
‫‪.2‬‬
‫وحدة ‪-‬غلة الصوفية‪ -‬يقسمون القسمة لختلف‬
‫‪.3‬‬
‫راجع إلى أ ّ‬
‫ن أصحاب ال َ‬
‫الصفات‪ ،‬فل يجعلون التحاد عاما في الصفات‪ ،‬كما أن أهل الحلول ل يجعلونه‬
‫متساويا فيمن ح ّ‬
‫ل بهم‪.‬‬
‫هذا أصل مسألة تفضيل الولي على النبي عندهم‪ ،‬وأن الولي له كرامات أكثر ويصل‪،‬‬
‫تكشف عنه الحجب والنبي قد ل ُيعمل عقله‪ ،‬لكن الولي يرى ما ل يراه غيره وحسه يكذب‬
‫العقليات‪ ،‬إلى غير ذلك من المسائل‪ .‬نعم‬
‫]سؤال‪ :‬عن لزم المذهب هل هو من المذهب؟[‬
‫هذا إن كانوا ينكرون هم ل ينكرون هذا هم يفتخرون به قال ابن الفارض‬
‫وأشهد فيها أنها لي صّلـــت‬
‫لها صـلتي بالمقـام أقيمــها‬
‫ما في جبتي إل هو‪ ،‬هم يعترفون بذلك مثل ما قال لك شيخ السلم أن رجل من غلتهم‬
‫دثك أن في الوجود غير الله فهو كاذب‪ ،‬إذا قال لك أحد في الوجود غير‬
‫قال لمريده من ح ّ‬
‫الله فهو كاذب‪ ،‬فقال له الغلم‪ :‬من الكاذب؟!!! – ما أعرف من هو الكاذب إذا كان ما في‬
‫الوجود غير الله‪ -‬إذا ما كان في الوجود غير الله فمن الكاذب‪ .‬فهم يعترفون‪ ،‬لزم المذهب‬
‫قّره هو‪ ،‬ل يلتزم به‪ ،‬لكن في مثل هذه المسائل هم يلتزمون بها‪،‬‬
‫ليس بمذهب إذا كان ل ي ُ ِ‬
‫نقول لزم المذهب ليس بمذهب في التفصيلت التي ذكرها شارحج الطحاوية في أولها‪:‬‬
‫يلزم منها إبطال الرسالت‪ ...‬لزم المذهب ليس بمذهب‪ ،‬لكن في أنهم يرون أن هذا الذي‬
‫ضى رب َ َ‬
‫و َ‬
‫ه﴾]السراء‪[23:‬‬
‫ق َ‬
‫عب ُ ُ‬
‫ك أّل ت َ ْ‬
‫َ ّ‬
‫دوا إ ِّل إ ِّيا ُ‬
‫صلى إليه هو الله ويستدلون بقوله تعالى ﴿ َ‬
‫هذا قضاء كوني فلم يعبد إل هو فمن عبد الصنم عبد الله ما كفر بعبادته الصنم ممكن‬
‫ن الصنم غير الله جل وعل لن‬
‫الرجل الصالح يعبد الصنم ول يكفر‪ ،‬لكن كفر باعتقاده أ ّ‬
‫الصنم هنا منفصل باعتقاده في الحجر من حيث هو‪ ،‬أما إن عبد الحجر من حيث فيه الله‬
‫حال فيه فهذا ما عبد غير الله جل وعل‪ ،‬أعوذ بالله من كلمهم‪.‬‬
‫لكن المقصود من هذا أن تفهم مراد شيخ السلم في ما أورد أعوذ بالله منهم ومما قرب‬
‫إلى قولهم‪ .‬نعم‬
‫نحن ما أوردنا الثار المترتبة‪ ،‬ول أوردها هو‪ ،‬لكن هم إعترافهم أن المصلي صلى لنفسه‪:‬‬
‫وأشهد فيها أنها لي صلـــت‬
‫لها صـلتي بالمقـام أقيمــها‬

‫‪70‬‬

‫التعليقات الحسان على كتاب الفرقان‬

‫الله وقدرته‪ ،‬وفي شهود هذا التوحيد وهذا يسمونه الجمع الول‪ ،‬فبين لهم الجنيد‬
‫أنه لبد من شهود الفرق الثاني‪ ،‬وهو أنه مع شهود كون الشياء كلها مشتركة‬
‫خلقه يجب الفرق بين ما يأمر به ويحبه ويرضاه‪ ،‬وبين‬
‫في مشيئة الله وقدرته و َ‬
‫ما ينهى عنه ويكرهه ويسخطه‪ ،‬ويفرق بين أوليائه واعدائه‪ ،‬كما قال تعالى ﴿‬
‫ن َ‬
‫أَ َ‬
‫ع ُ‬
‫ن﴾]‪ ،[36-35‬وقال‬
‫م ك َي ْ َ‬
‫ر ِ‬
‫سل ِ ِ‬
‫مو َ‬
‫ف تَ ْ‬
‫م ْ‬
‫ج َ‬
‫فن َ ْ‬
‫م ْ‬
‫مي َ‬
‫مي َ‬
‫حك ُ ُ‬
‫ما ل َك ُ ْ‬
‫ن)‪َ (35‬‬
‫كال ْ ُ‬
‫ل ال ْ ُ‬
‫ج ِ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ْ َ‬
‫ت َ‬
‫م ْ‬
‫ع ُ‬
‫م‬
‫و َ‬
‫ن ِ‬
‫س ِ‬
‫ف ِ‬
‫حا ِ‬
‫ع ِ‬
‫ل ال ّ ِ‬
‫صال ِ َ‬
‫ج َ‬
‫م نَ ْ‬
‫ضأ ْ‬
‫تعالى ﴿أ ْ‬
‫دي َ‬
‫ذي َ‬
‫كال ْ ُ‬
‫نآ َ‬
‫مُلوا ال ّ‬
‫مُنوا َ‬
‫في الْر ِ‬
‫َ‬
‫ن َ‬
‫كال ْ ُ‬
‫ع ُ‬
‫حوا‬
‫مت ّ ِ‬
‫ب ال ّ ِ‬
‫ح ِ‬
‫جت ََر ُ‬
‫نا ْ‬
‫س َ‬
‫م َ‬
‫ف ّ‬
‫ج َ‬
‫نَ ْ‬
‫جارِ﴾]ص‪ ،[28:‬وقال تعالى ﴿أ ْ‬
‫ذي َ‬
‫قي َ‬
‫ل ال ْ ُ‬

‫َ‬
‫م َ‬
‫م‬
‫و َ‬
‫حَيا ُ‬
‫حا ِ‬
‫ع ِ‬
‫كال ّ ِ‬
‫سي َّئا ِ‬
‫تأ ْ‬
‫م ْ‬
‫صال ِ َ‬
‫ج َ‬
‫ن نَ ْ‬
‫ت َ‬
‫عل َ ُ‬
‫ال ّ‬
‫ذي َ‬
‫ه ْ‬
‫واءً َ‬
‫نآ َ‬
‫ه ْ‬
‫مُلوا ال ّ‬
‫س َ‬
‫مُنوا َ‬
‫َ‬
‫مى‬
‫وي اْل ْ‬
‫مو َ‬
‫ما ي َ ْ‬
‫ما ي َ ْ‬
‫م َ‬
‫مات ُ ُ‬
‫ع َ‬
‫و َ‬
‫حك ُ ُ‬
‫ساءَ َ‬
‫ه ْ‬
‫م َ‬
‫و َ‬
‫ن﴾]الجاثية‪ ،[21:‬وقال تعالى ﴿ َ‬
‫َ‬
‫ست َ ِ‬
‫ً‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫ّ‬
‫ْ‬
‫سيءُ َ‬
‫ما‬
‫و َ‬
‫م ِ‬
‫حا ِ‬
‫ع ِ‬
‫وال ِ‬
‫والب َ ِ‬
‫صال ِ َ‬
‫ذي َ‬
‫قِليل َ‬
‫ول ال ُ‬
‫نآ َ‬
‫ملوا ال ّ‬
‫ت َ‬
‫مُنوا َ‬
‫صيُر َ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫َ‬
‫ن﴾]غافر‪ ،[58:‬ولهذا كان مذهب سلف المة وأئمتها أن الله خالق كل شيء‬
‫رو‬
‫ك‬
‫ذ‬
‫ت‬
‫تَ َ‬
‫َ‬
‫ُ‬

‫وربه ومليكه‪ ،‬ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن‪ ،‬ل رب غيره‪ ،‬وهو مع ذلك أمر‬
‫بالطاعة ونهى عن المعصية‪ ،‬وهو ل يحب الفساد‪ ،‬ول يرضى لعباده الكفر‪ ،‬ول‬
‫يأمر بالفحشاء‪ ،‬وإن كانت واقعة بمشيئته فهو ل يحبها ول يرضاها‪ ،‬بل يبغضها‬
‫ويذم أهلها ويعاقبهم‪ .‬وأما المرتبة الثالثة أن ل يشهد طاعة ول معصية فإنه يرى‬
‫ولية لله‪ ،‬وهو في الحقيقة‬
‫أن الوجود واحد‪ ،‬وعندهم أن هذا غاية التحقيق‪ ،‬وال َ‬
‫غاية اللحاد في أسماء الله وآياته وغاية العداوة لله‪ .‬فإن صاحب هذا المشهد‬

‫ل يفرق بين هذا وهذا‪.‬‬
‫انفصل اللهوت يعني الجثمان هذا صفة بشرية‪ ،‬روح عيسى هذه إلهية‪ ،‬لذلك عندهم أنه لما‬
‫انقضت المدة مدة التكفير عن الخطيئة دفن عيسى بعد صلبه‪ ،‬والقسم اللهوتي الذي حل‬
‫في هذا الجثمان البشري صعد إلى الله يعني رجع إلى أصله؛ فيكون عندهم قبر في القدس‬
‫ما َ‬
‫ن ُ‬
‫ه‬
‫ول َك ِ ْ‬
‫شب ّ َ‬
‫و َ‬
‫و َ‬
‫ما َ‬
‫صل َُبوهُ َ‬
‫قت َُلوهُ َ‬
‫لعيسى عليه السلم حسب ما يدعيه النصارى ﴿ َ‬
‫م﴾]النساء‪ [157:‬عندهم أنه بقي في القبر ثلثة أيام حتى الجثمان نفسه ثم صعد؛ رفع‬
‫لَ ُ‬
‫ه ْ‬
‫حتى الجثمان‪ ،‬يعني معتقد النصارى كلها أشياء يضحك منها العاقل فضل عن ذوي البصيرة‪.‬‬
‫• شوف هذه عندك مخلوقات توصف هذه التي ذكرتها أنت من أن الوحدة عامة في‬
‫الصفات‪ ،‬فجنس المخلوقات التي فيها صفات الخالق كلها يخصص بعضهم لكذا وبعضهم‬
‫لكذا‪ ،‬يعني صفات الخالق موجودة في المخلوقات؛ لنهم لما قالوا بأن وجود المخلوق هو‬
‫عين وجود الله ووجود الله جل وعل هو عين وجود المخلوق‪ ،‬فصارت صفات الحق جل‬
‫وعل؛ صفات الله سبحانه وتعالى موجودة في المخلوقات لكن بالتخصيص‪ ،‬تختلف‬
‫بالتخصيص الذي ذكرته لك‪.‬‬
‫• )ويقولون ما قاله صاحب الفصوص‪ ،‬فالعلي لنفسه هو الذي يكون له الكمال الذي‬
‫يستوعب به جميع النعوت الوجودية والنسب العدمية‪ ،‬سواء كانت محمودة عرفا أو عقل أو‬
‫ن كمال يجمع ما بين‬
‫شرعا( لعله يعني بها هو لما قسمها إلى نعوت وجودية ونسب عدمية أ ّ‬
‫النفي والثبات‪ ،‬فالصفات صفات الكمال فيها وجود؛ صفات وجودية يثبتها يعني يثبتونها‬
‫سُلوب؛ ما بسلب‬
‫وجودا‪ ،‬وفيه أشياء تنفي وهي التي تسمى عند الشاعرة والمتكلمين ال ّ‬
‫على الله جل وعل فهنا يقول )فالعلي لنفسه هو الذي يكون له الكمال الذي يستوعب به‬
‫جميع النعوت الوجودية –وهي والمثبتة‪ -‬والنسب العدمية – يعني الصفات السلبية‪ (-‬لحظ ما‬
‫ماها نسب يعني ما ينسب إليه مما يعدم ول يثبت‪.‬‬
‫قال صفات وإنما س ّ‬
‫‪) ()67‬أنا كافر برب ُيعصى( َيقصد به ُيعصى في كونه‪ ،‬لكن التعبير هذا‪ ،‬تعبير كفري؛ لن الله‬
‫جل وعل يعصى‪ ،‬يعصى في الرض‪ ،‬فَُهم يشهدون الحقيقة الكونية فيقولون الله غالب على‬
‫أمره‪ ،‬أمر الله نافذ‪ ،‬ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن‪ ،‬فيقولون إذا الرب ل يعصى‬
‫فوقعت المعصية بإرادة الله الكونية وأمره الكوني‪ ،‬لكن لم تقع بإرادته الشرعية ول كونه‬
‫الشرعي‪ ،‬فعبروا بتعبير يوهم حال الرادة والمر‪ ،‬وهذا من اللفاظ الكفرية‪.‬‬
‫‪()68‬لنهم يقولون بالجبر‪ ،‬الصوفية جبرية‪.‬‬

‫للشيخ العلمة صالح بن عبد العزيز آل الشيخ‬

‫‪71‬‬

‫م‬
‫م ِ‬
‫ول ّ ُ‬
‫م ْ‬
‫من ْك ُ ْ‬
‫ه ْ‬
‫و َ‬
‫ن ي َت َ َ‬
‫يتخذ اليهود والنصارى وسائر الكفار أولياء وقد قال تعالى ﴿ َ‬
‫َ‬
‫م﴾]المائدة‪ ،[51:‬ول يتبرأ من الشرك والوثان فيخرج عن ملة ابراهيم‬
‫ه ِ‬
‫من ْ ُ‬
‫ه ْ‬
‫فإ ِن ّ ُ‬

‫كان َت ل َك ُ ُ‬
‫د َ‬
‫الخليل صلوات الله وسلمه عليه قال الله تعالى ﴿ َ‬
‫ة‬
‫سن َ ٌ‬
‫وةٌ َ‬
‫ق ْ‬
‫ْ‬
‫ح َ‬
‫مأ ْ‬
‫ْ‬
‫س َ‬
‫قاُلوا ل ِ َ‬
‫ه إ ِذْ َ‬
‫ما‬
‫ِ‬
‫و ِ‬
‫م إ ِّنا ب َُرآءُ ِ‬
‫و ِ‬
‫وال ّ ِ‬
‫في إ ِب َْرا ِ‬
‫م َ‬
‫ذي َ‬
‫م ّ‬
‫من ْك ُ ْ‬
‫ه ْ‬
‫ع ُ‬
‫ن َ‬
‫هي َ‬
‫م َ‬
‫ق ْ‬
‫م َ‬
‫م ِ‬
‫ه كَ َ‬
‫وال ْب َ ْ‬
‫ضاءُ‬
‫غ َ‬
‫ن الل ّ ِ‬
‫ن ِ‬
‫دو َ‬
‫ع َ‬
‫م ال ْ َ‬
‫وب َ َ‬
‫ن ُ‬
‫عب ُ ُ‬
‫تَ ْ‬
‫م ْ‬
‫وب َي ْن َك ُ ْ‬
‫فْرَنا ب ِك ُ ْ‬
‫وةُ َ‬
‫دا َ‬
‫دا ب َي ْن ََنا َ‬
‫م َ‬
‫دو ِ‬
‫َ‬
‫حّتى ت ُ ْ‬
‫ه﴾]الممتحنة‪ ،[4:‬وقال الخليل عليه السلم لقومه‬
‫مُنوا ِبالل ّ ِ‬
‫ؤ ِ‬
‫و ْ‬
‫دا َ‬
‫أب َ ً‬
‫حدَ ُ‬
‫ه َ‬
‫َ‬
‫المشركين ﴿أ َ َ َ‬
‫م اْل َ ْ‬
‫وآَبا ُ‬
‫ن)‬
‫مو َ‬
‫دو َ‬
‫عب ُ ُ‬
‫م تَ ْ‬
‫قدَ ُ‬
‫ؤك ُ ْ‬
‫ن)‪(75‬أن ْت ُ ْ‬
‫ما ك ُن ْت ُ ْ‬
‫م َ‬
‫فَرأي ْت ُ ْ‬
‫م َ‬
‫‪َ (76‬‬
‫د‬
‫م َ‬
‫عال َ ِ‬
‫ج ُ‬
‫ب ال ْ َ‬
‫و ِلي إ ِّل َر ّ‬
‫فإ ِن ّ ُ‬
‫مي َ‬
‫ه ْ‬
‫ن﴾]الشعراء‪ ،[77-75:‬وقال تعالى ﴿ل َت َ ِ‬
‫عدُ ّ‬
‫َ‬
‫ما ي ُ ْ‬
‫و‬
‫خ‬
‫وم ِ اْل ِ‬
‫ن ِبالل ّ ِ‬
‫ؤ ِ‬
‫دو َ‬
‫مُنو َ‬
‫ن َ‬
‫وا ّ‬
‫وَر ُ‬
‫م ْ‬
‫سول َ ُ‬
‫حادّ الل ّ َ‬
‫ن َ‬
‫و ً‬
‫ول َ ْ‬
‫ه َ‬
‫ه َ‬
‫ر يُ َ‬
‫وال ْي َ ْ‬
‫ه َ‬
‫ق ْ‬
‫ِ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ول َئ ِ َ‬
‫في‬
‫م أو إ ِ ْ‬
‫م أو َ‬
‫ب ِ‬
‫م أو أب َْناءَ ُ‬
‫كاُنوا آَباءَ ُ‬
‫ع ِ‬
‫ك ك َت َ َ‬
‫شيَرت َ ُ‬
‫وان َ ُ‬
‫ه ْ‬
‫ه ْ‬
‫ه ْ‬
‫ه ْ‬
‫مأ ْ‬
‫خ َ‬
‫ُ ُ‬
‫ه﴾]المجادلة‪ ،[22:‬وهؤلء قد صنف بعضهم‬
‫وأ َي ّدَ ُ‬
‫ح ِ‬
‫ما َ‬
‫من ْ ُ‬
‫ه ْ‬
‫لي َ‬
‫ه ْ‬
‫ن َ‬
‫ما ِْ‬
‫م ب ُِرو ٍ‬
‫قلوب ِ ِ‬
‫كتبا وقصائد على مذهبه مثل قصيدة ابن الفارض المسمات بنظم السلوك يقول‬
‫فيها‪:‬‬
‫وأشهد فيها أنها لي صلـــت‬
‫لها صـلتي بالمقـام أقيمــها‬
‫حقيقتــه بالجمع في كل سجدة‬
‫كلنا مصل واحد ســاجد إلى‬
‫صلتي لغيري في أدا كل ركعــة‬
‫وماكان لي صلى سوائي ولم تكن‬
‫إلى أن قال‪:‬‬
‫ول فرق بل ذاتي لذاتي صلـــت‬
‫ومازلت إياها وإياي لم تزل‬
‫وذاتي بآيــاتي على استدلـــت‬
‫إلى رسول كنت مني مرسل‬
‫أكن منادى أجابت من دعاني‬
‫فإن دعيت كنت المجيب وإن‬
‫ولبت‬
‫إلى أمثال هذا الكلم‪ ،‬ولهذا كان هذا القائل عند الموت ينشد يقول‪:‬‬
‫ما قد لقيت فقد ضيعت أيامي‬
‫إن كان منزلتي في الحب عندكم‬
‫واليوم أحسبها اضغاث احلم‬
‫أمنية ظفرت نفسي بها زمنـا‬
‫فإنه كان يظن أنه هو الله‪ ،‬فلما حضرت ملئكة الله لقبض روحه تبين له بطلن‬
‫ْ َ‬
‫و‬
‫و ُ‬
‫ما ِ‬
‫وا ِ‬
‫ح ل ِل ّ ِ‬
‫سب ّ َ‬
‫في ال ّ‬
‫ما كان يظنه‪ ،‬وقال الله تعالى ﴿ َ‬
‫س َ‬
‫ه َ‬
‫ه َ‬
‫ض َ‬
‫ت َ‬
‫ما َ‬
‫والْر ِ‬
‫م﴾]الحديد‪ (69) [1:‬فجميع ما في السموات والرض يسبح لله ليس هو‬
‫ع‬
‫ح ِ‬
‫زيُز ال ْ َ‬
‫ال ْ َ‬
‫كي ُ‬
‫ِ‬
‫ْ َ‬
‫مل ْ ُ‬
‫عَلى‬
‫و َ‬
‫و ُ‬
‫وي ُ ِ‬
‫وا ِ‬
‫ض يُ ْ‬
‫مي ُ‬
‫ك ال ّ‬
‫س َ‬
‫ه ُ‬
‫الله ثم قال تعالى ﴿ل َ ُ‬
‫ه َ‬
‫ت َ‬
‫ي َ‬
‫ت َ‬
‫ما َ‬
‫ح ِ‬
‫والْر ِ‬
‫َ‬
‫وال ّ‬
‫ء َ‬
‫و ب ِك ُ ّ‬
‫و ُ‬
‫ل َ‬
‫كُ ّ‬
‫ل‬
‫ي ٍ‬
‫و ُ‬
‫واْل ِ‬
‫ديٌر)‪ُ (2‬‬
‫ظا ِ‬
‫ق ِ‬
‫وال َْباطِ ُ‬
‫ه َ‬
‫ن َ‬
‫هُر َ‬
‫خُر َ‬
‫ل َ‬
‫و اْل ّ‬
‫ه َ‬
‫ش ْ‬
‫َ‬
‫م﴾]الحديد‪.[3-2:‬‬
‫ي ٍ‬
‫ء َ‬
‫عِلي ٌ‬
‫ش ْ‬
‫وفي صحيح مسلم عن النبي‪ ‬أنه كان يقول في دعائه »اللهم رب‬
‫السموات السبع ورب العرش العظيم‪ ،‬ربنا ورب كل شيء‪ ،‬فالق‬
‫الحب والنوى‪ ،‬منزل التوراة والنجيل والقرآن‪ ،‬أعوذ بك من شر كل‬
‫دابة أنت آخذ بناصيتها‪ ،‬اللهم أنت الول فليس قبلك شيء‪ ،‬وأنت‬
‫الخر فليس بعدك شيء‪ ،‬وأنت الظاهر فليس فوقك شيء‪ ،‬وأنت‬
‫دين وأغنني من الفقر« ثم‬
‫الباطن فليس دونك شيء‪ ،‬إقض عنى ال ّ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫وى‬
‫ذي َ‬
‫ض ِ‬
‫قال تعالى ﴿ ُ‬
‫ست ّ ِ‬
‫في ِ‬
‫وا ِ‬
‫و ال ّ ِ‬
‫ما ْ‬
‫ق ال ّ‬
‫ة أّيام ٍ ث ُ ّ‬
‫س َ‬
‫خل َ َ‬
‫واْلْر َ‬
‫ست َ َ‬
‫ت َ‬
‫ما َ‬
‫ه َ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫ز ُ‬
‫ن‬
‫ما ي َ ْ‬
‫َ‬
‫ج ِ‬
‫ل ِ‬
‫ج ِ‬
‫خُر ُ‬
‫ما ي َل ِ ُ‬
‫ش يَ ْ‬
‫عَلى ال ْ َ‬
‫من ْ َ‬
‫م ْ‬
‫و َ‬
‫و َ‬
‫م َ‬
‫عل ُ‬
‫ها َ‬
‫ض َ‬
‫ما ي َن ْ ِ‬
‫في الْر َ ِ‬
‫عْر ِ‬
‫ن‬
‫ما ِ‬
‫و ُ‬
‫ج ِ‬
‫مُلو َ‬
‫ما ت َ ْ‬
‫م َ‬
‫عُر ُ‬
‫ما ي َ ْ‬
‫في َ‬
‫ال ّ‬
‫م أي ْ َ‬
‫ع َ‬
‫ه بِ َ‬
‫والل ّ ُ‬
‫ما ك ُن ْت ُ ْ‬
‫ن َ‬
‫عك ُ ْ‬
‫و َ‬
‫و َ‬
‫س َ‬
‫م َ‬
‫ه َ‬
‫ها َ‬
‫ء َ‬
‫‪()69‬وكذلك في الحشر‪ ،1:‬الصف‪.1:‬‬

‫‪72‬‬

‫التعليقات الحسان على كتاب الفرقان‬

‫صيٌر﴾]الحديد‪ ،[4:‬فذكر أن السموات والرض وفي موضع آخر وما بينهما مخلوق‬
‫بَ ِ‬
‫)‪(70‬‬
‫م( فلفظ‬
‫و ُ‬
‫م َ‬
‫عك ُ ْ‬
‫و َ‬
‫ه َ‬
‫مسبح له‪ ،‬وأخبر سبحانه أنه يعلم كل شيء‪ ،‬وأما قوله ) َ‬
‫معَ)‪ (71‬ل تقتضى في لغة العرب أو يكون أحد الشيئين مختلطا بالخر كقوله‬
‫َ‬
‫و ُ‬
‫تعالى ﴿ات ّ ُ‬
‫د‬
‫صاِد ِ‬
‫م ٌ‬
‫م َ‬
‫م َ‬
‫قي َ‬
‫ح ّ‬
‫ن﴾]التوبة‪ ،[119:‬وقوله تعالى ﴿ ُ‬
‫كوُنوا َ‬
‫قوا الل ّ َ‬
‫ع ال ّ‬
‫ه َ‬
‫َ‬
‫عَلى ال ْك ُ ّ‬
‫سو ُ‬
‫ن‬
‫داءُ َ‬
‫وال ّ ِ‬
‫هأ ِ‬
‫وال ّ ِ‬
‫ل الل ّ ِ‬
‫ش ّ‬
‫م َ‬
‫َر ُ‬
‫ذي َ‬
‫ذي َ‬
‫ع ُ‬
‫ن َ‬
‫ر﴾]الفتح‪ ،[29:‬وقوله تعالى ﴿ َ‬
‫ه َ‬
‫فا ِ‬
‫ُ‬
‫ول َئ ِ َ‬
‫م َ‬
‫ع‬
‫جا َ‬
‫و َ‬
‫ك ِ‬
‫مُنوا ِ‬
‫م َ‬
‫ه ُ‬
‫و َ‬
‫ها َ‬
‫ن بَ ْ‬
‫م َ‬
‫م ْ‬
‫من ْك ُ ْ‬
‫عك ُ ْ‬
‫دوا َ‬
‫آ َ‬
‫م﴾]النفال‪ ،[75:‬ولفظ َ‬
‫فأ ْ‬
‫جُروا َ‬
‫عد ُ َ‬
‫َ‬
‫م‬
‫جاءت في القرآن عامة وخاصة‪ ،‬فالعامة في هذه الية وفي آية المجادلة ﴿أل َ ْ‬
‫َ‬
‫ما ي َ ُ‬
‫وى‬
‫في اْل َْر‬
‫ما ِ‬
‫ما ِ‬
‫ن ِ‬
‫وا ِ‬
‫كو ُ‬
‫ت ََرى أ ّ‬
‫ن نَ ْ‬
‫ه يَ ْ‬
‫في ال ّ‬
‫م ْ‬
‫ض َ‬
‫و َ‬
‫س َ‬
‫م َ‬
‫عل َ ُ‬
‫ن الل ّ َ‬
‫ج َ‬
‫ت َ‬
‫ما َ‬
‫َِ‬
‫ن ذَل ِ َ‬
‫وَل‬
‫وَل َ‬
‫ة إ ِّل ُ‬
‫ة إ ِّل ُ‬
‫وَل أدَْنى ِ‬
‫س ٍ‬
‫ث ََلث َ ٍ‬
‫و َراب ِ ُ‬
‫س ُ‬
‫ساِد ُ‬
‫و َ‬
‫م َ‬
‫ع ُ‬
‫م ْ‬
‫ه ْ‬
‫خ ْ‬
‫ه ْ‬
‫ك َ‬
‫م َ‬
‫ه َ‬
‫م َ‬
‫ه َ‬

‫‪()70‬هذا الكلم له سابق بني عليه‪ ،‬لكن خلصة ذلك كما قال في أوله حيث قال عنهم يعني‬
‫الذين يقولون بالوحدة‪ :‬يجعلون المراتب ثلثة من حيث شهود الطاعات والمعاصي يقولون‬
‫العبد يشهد أول طاعة ومعصية‪ ،‬ثم يشهد طاعة بل معصية‪ ،‬ثم ل يشهد طاعة ول معصية‪.‬‬
‫ن الناس مرتبون على ذلك‪ ،‬فأقل درجات الناس الذين يشهدون الطاعات‬
‫فعندهم أ ّ‬
‫والمعاصي‪ ،‬ثم يطيع ول يرى المعصية يعني سقطت عنه التكاليف في المعاصي لعدم‬
‫تأثيرها فيه ثم تسقط عنه التكاليف كلها ل في التكاليف ول في المعاصي لعدم تأثير‬
‫الطاعات فيه إيمانا ولعدم تأثير المعصية فيه إيمانا أو جحدا أو كفرانا‪ ،‬وكما هو معلوم من‬
‫كلم شيخ السلم كما سمعت أن الول ول شك أنه هو الذي ُأمر به العباد أن يشهدوا‬
‫الطاعة والمعصية‪ ،‬أن تسره طاعته وأن تسأه معصيته‪ ،‬هذا هو حال النبياء والمرسلين‬
‫وحال أولياء الله جل وعل‪.‬‬
‫وأما شهود الطاعة بل معصية أو لشهود ل طاعة ول معصية‪ ،‬هذا عند الصوفية له منشأ‪،‬‬
‫ومنشؤه الغلو في إثبات المشيئة الكونية القدرية وعدم النظر في المشيئة الكونية والرادة‬
‫ن النصوص كما هو معلوم لكم في غير هذا الموضع قررت الفرق بين ما‬
‫الشرعية‪ ،‬وذلك أ ّ‬
‫يشاؤه الله جل وعل كونا وبين ما يريده شرعا‪ ،‬فالعبد ينظر بنظرين؛ ينظر إلى ما ينفذه‬
‫الله جل وعل في ملكوته كونا وأنه واقع بمشيئة الله جل وعل الطاعة والمعصية جميعا كما‬
‫ن الطاعة كانت من مشيئة الله وأن المعصية كانت من‬
‫هو قول أهل الحق في القدر‪ ،‬وأ ّ‬
‫ما الشرع فنقول الرادة الشرعية أن ُتفعل الطاعة وأل تفعل المعصية‪ .‬فإذا‬
‫معصية الله‪ ،‬وأ ّ‬
‫ن العباد مجبرون على الطاعات وعلى‬
‫غلب على العبد شهود المر الكوني نظر إلى أ ّ‬
‫المعاصي‪ ،‬فُيثبت أن الله جل وعل أجبر العباد‪ ،‬ولذلك الصوفية كلهم جبرية؛ ومنهم من يغلو‬
‫ن النسان ل منزلة له لشهود الرادة الكونية حيث ل قيمة له‪ ،‬ل اختيار‬
‫في الجبر حتى يرى أ ّ‬
‫له أصل إنما هو مفعول به دائما‪ ،‬ومنهم من يرى الطاعة دون المعصية في شهود المر‬
‫ن المعصية إنما وقعت لجل الطاعة‪ ،‬لجل الطاعة يعني من جهة التوبة ومن‬
‫الكوني يعني أ ّ‬
‫جهة النابة وأشباه ذلك‪ ،‬فإنما يرى طاعة الله بل معصية لحصول المعصية بحكمة الله جل‬
‫ن المعاصي غير‬
‫وعل‪ ،‬فيرى إذن أمر الله جل وعل الكوني خاص بالطاعات دون المعاصي وأ ّ‬
‫مقصودة لذاتها‪ ،‬فالله أجبر على المعصية عندهم ولكن لجل الطاعة‪ ،‬وهذا إذا نظر فيه‬
‫المكلف أيضا يعني منهم فيقول أنا مطيع وإن عصيت فلجل طاعته‪ ،‬فما عصيت إل لجل‬
‫أن أطيع‪ .‬والعياذ بالله‪ ،‬فهو يرى المعصية يرتكبها ويرضى بها؛ يرضى أن يكون عاصيا لجل‬
‫رضائه بإرادة الله الكونية‪.‬‬
‫والثالث وهو قول ملحدتهم أنه ل يشهد طاعة ول معصية‪.‬فني عن شهود سوى الله عز‬
‫وجل‪ ،‬فل الطاعات لها أثر ول المعاصي لها أثر‪ ،‬وإنما الثر فيما حصل لهذا الذي يزعم‬
‫وحدة باتحاده بالله جل وعل أو حلول الله جل وعل فيه مثل ما سمعت من كلم ابن‬
‫ال َ‬
‫العارض‪.‬‬
‫هذا كله استطراد من شيخ السلم في الرد على من يزعم أنه من الولياء وهو يفضل‬
‫الولياء على النبياء أو أنه ل يشهد طاعة ول معصية أو ليشهد معصية وإنما يشهد طاعة‪،‬‬
‫ّ‬
‫ن ت َت ّ ُ‬
‫ه‬
‫وكل هذه ليست من صفات الولياء‪ .‬فأولياء الله وصفتهم أنهم أهل فرقان ﴿إ ِ ْ‬
‫قوا الل َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫فْر َ‬
‫م ُ‬
‫ع ْ‬
‫ن‬
‫قاًنا﴾]النفال‪ ،[29:‬وأهل التقوى هم أهل اليمان وهم الولياء ﴿ أل إ ِ ّ‬
‫ج َ‬
‫يَ ْ‬
‫ل ل َك ُ ْ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫َ‬
‫وكاُنوا‬
‫هل َ‬
‫ف َ‬
‫ول ُ‬
‫و ٌ‬
‫ن)‪(62‬ال ِ‬
‫ول َِياءَ الل ِ‬
‫حَزُنو َ‬
‫م يَ ْ‬
‫ذي َ‬
‫نآ َ‬
‫ه ْ‬
‫ه ْ‬
‫مُنوا َ‬
‫م َ‬
‫خ ْ‬
‫أ ْ‬
‫علي ْ ِ‬

‫للشيخ العلمة صالح بن عبد العزيز آل الشيخ‬

‫‪73‬‬

‫َ‬
‫ما َ‬
‫ه‬
‫ما َ‬
‫م ال ْ ِ‬
‫أ َك ْث ََر إ ِّل ُ‬
‫م ِ‬
‫ع ِ‬
‫ة إِ ّ‬
‫م َ‬
‫و َ‬
‫م ي ُن َب ّئ ُ ُ‬
‫ع ُ‬
‫م أي ْ َ‬
‫ن الل ّ َ‬
‫قَيا َ‬
‫م بِ َ‬
‫ه ْ‬
‫كاُنوا ث ُ ّ‬
‫ن َ‬
‫ه ْ‬
‫و َ‬
‫مُلوا ي َ ْ‬
‫ه َ‬
‫ل َ‬
‫ب ِك ُ ّ‬
‫م﴾]المجادلة‪ ،[7:‬فافتتح الكلم بالعلم وختمه بالعلم‪ ،‬ولهذا قال ابن‬
‫ي ٍ‬
‫ء َ‬
‫عِلي ٌ‬
‫ش ْ‬

‫عباس والضحاك وسفيان الثوري وأحمد بن حنبل هو معهم بعلمه‪ ،‬وأما المعية‬
‫ن ات ّ َ‬
‫م‬
‫ن ُ‬
‫وال ّ ِ‬
‫ع ال ّ ِ‬
‫الخاصة ففي قوله تعالى﴿إ ِ ّ‬
‫م َ‬
‫ذي َ‬
‫ذي َ‬
‫ه ْ‬
‫ه َ‬
‫ن الل ّ َ‬
‫وا َ‬
‫ق ْ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫وأَرى﴾]طه‪،[47:‬‬
‫ح ِ‬
‫سُنو َ‬
‫م ْ‬
‫م ُ‬
‫م َ‬
‫ما أ ْ‬
‫ُ‬
‫س َ‬
‫عك ُ َ‬
‫ن﴾]النحل‪ ،[128:‬وقوله تعالى لموسى﴿إ ِن ِّني َ‬
‫ع َ‬
‫ّ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫وقال تعالى ﴿إ ِذْ ي َقو ُ‬
‫عَنا﴾]التوبة‪ ،[40:‬يعنى النبي‬
‫صا ِ‬
‫حب ِ ِ‬
‫ن إِ ّ‬
‫حَز ْ‬
‫م َ‬
‫ه ل تَ ْ‬
‫ه َ‬
‫ن الل َ‬
‫ل لِ َ‬
‫‪ ‬وأبا بكر‪ ،‬فهو مع موسى وهارون دون فرعون‪ ،‬ومع محمد وصاحبه دون‬
‫أبي جهل وغيره من أعدائه‪ ،‬ومع الذين اتقوا والذين هم محسنون دون الظالمين‬
‫المعتدين‪ ،‬فلو كان معنى المعية أنه بذاته في كل مكان تناقض الخبر الخاص‬
‫والخبر العام‪ ،‬بل المعنى أنه مع هؤلء بنصره وتأييده دون أولئك وقوله تعالى ﴿‬
‫ْ َ‬
‫ه﴾]الزخرف‪ ،[84:‬أي هو إله من في‬
‫ما ِ‬
‫و ِ‬
‫ذي ِ‬
‫و ُ‬
‫و ال ّ ِ‬
‫في ال ّ‬
‫ض إ ِل َ ٌ‬
‫ء إ ِل َ ٌ‬
‫س َ‬
‫ه َ‬
‫ه َ‬
‫َ‬
‫في الْر ِ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫مث ُ‬
‫في‬
‫ل ال ْ‬
‫على ِ‬
‫ه ال َ‬
‫ول ُ‬
‫السموات وإله من في الرض كما قال الله تعالى ﴿ َ‬
‫م﴾]الروم‪ ،[27:‬وكذلك قوله تعالى ﴿‬
‫ع‬
‫واْل َْر‬
‫و ُ‬
‫ح ِ‬
‫وا ِ‬
‫زيُز ال ْ َ‬
‫و ال ْ َ‬
‫ال ّ‬
‫كي ُ‬
‫س َ‬
‫ه َ‬
‫ض َ‬
‫ت َ‬
‫ما َ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫ض﴾]النعام‪ ،[3:‬كما فسره أئمة العلم‬
‫و ِ‬
‫ه ِ‬
‫و ُ‬
‫وا ِ‬
‫في ال ّ‬
‫س َ‬
‫و الل ّ ُ‬
‫ت َ‬
‫ما َ‬
‫ه َ‬
‫َ‬
‫في الْر ِ‬
‫كالمام أحمد وغيره أنه المعبود في السموات والرض‪.‬‬
‫وأجمع سلف المة وأئمتها على أن الرب تعالى بائن من مخلوقاته‪ ،‬يوصف‬
‫بما وصف به نفسه‪ ،‬وبما وصفه به رسوله ‪ ‬من غير تحريف ول تعطيل‪ ،‬ومن‬
‫غير تكييف ول تمثيل‪ ،‬يوصف بصفات الكمال دون صفات النقص‪ ،‬ويعلم أنه‬
‫هو الل ّ َ‬
‫ليس كمثله شيء في صفات الكمال‪ ،‬كما قال الله تعالى ﴿ ُ‬
‫ق ْ‬
‫د)‬
‫ح ٌ‬
‫هأ َ‬
‫ُ‬
‫ل ُ َ‬
‫َ‬
‫ه كُ ُ‬
‫د)‪]﴾(4‬الخلص[‪،‬‬
‫ح ٌ‬
‫وا أ َ‬
‫م ُيول َ ْ‬
‫م ُ‬
‫م ي َك ُ ْ‬
‫ن لَ ُ‬
‫ول َ ْ‬
‫ول َ ْ‬
‫د)‪(2‬ل َ ْ‬
‫ص َ‬
‫‪(1‬الل ّ ُ‬
‫ه ال ّ‬
‫ف ً‬
‫د)‪َ (3‬‬
‫م ي َل ِدْ َ‬
‫قال ابن عباس الصمد العليم الذي كمل في علمه‪ ،‬العظيم الذي كمل في‬
‫عظمته‪ ،‬القدير الكامل في قدرته‪ ،‬الحكيم الكامل في حكمته‪ ،‬السيد الكامل في‬
‫سؤدده‪ ،‬وقال ابن مسعود وغيره هو الذي ل جوف له‪ ،‬والحد الذي ل نظير له‪،‬‬
‫فاسمه الصمد يتضمن اتصافه بصفات الكمال ونفي النقائص عنه‪ ،‬واسمه الحد‬
‫ي َت ّ ُ‬
‫ن﴾]يونس‪ ،[62:‬فحصل من ذلك أن أهل التقوى هم أهل َولية الله جل وعل‪ ،‬وأهل‬
‫قو َ‬
‫مى شيخ السلم كتابه هذا الفرقان بين أولياء‬
‫تقوى الله هم الذين لديهم الفرقان‪ ،‬لذلك س ّ‬
‫الرحمن وأولياء الشيطان؛ لن العمدة في الفرق فيما بين ولي الله وولي الشيطان‪ ،‬هل‬
‫عنده فرقان أم ل؟ والصوفية الغلة منهم يزعمون أن الولياء يأخذون إلى المرتبة‬
‫المتوسطة التي يكون عندهم الحال أنه ل فرق بين الطاعة والمعصية‪ ،‬فالمعصية تؤول إلى‬
‫الطاعة‪ ،‬والطاعة هي المقصودة‪ ،‬وقد يصل إلى أنه ل فرق أصل بين الطاعة والمعصية إذ ل‬
‫طاعة ول معصية‪ ،‬وهذا إستطراد فيما أصله بعد ذلك‪ .‬وأولياء الله جل وعل هم المتقون‬
‫المؤمنون وهم الذين لديهم الفرقان بين الطاعة والمعصية يشهدوا الطاعة كونا وشرعا‬
‫ويشهد المعصية كونا وشرعا‪ ،‬فيرضى بالطاعة كونا وشرعا‪ ،‬ويرضى بالمعصية شرعا‬
‫ويكرهها كونا؛ يعني يكره وقوعها يعني يرضى بها من جهة الحكم من جهة تحريمها ومن‬
‫جهة ذمها ول يرضى بوقوعها؛ لن المعصية وقوعها كان من جهة تفريط العبد‪ ،‬فإذن نشهد‬
‫الطاعة رضاًء كونا وشرعا‪ ،‬ونشهد المعصية بعدم الرضا بها بل نذم أنفسنا على المعصية‪،‬‬
‫وهذا هو صفة أولياء الله جل وعل‪ ،‬أما الذي ينظر إلى المهصية؛ كلما فعل المعصية قال‬
‫هذا خير لي‪ ،‬ويقبل على المعاصي ويقول هذا خير لي‪ ،‬هذا من صفات المهملين ليس من‬
‫صفات أولياء الله جل وعل‪ ،‬بل المؤمن هو الذي تسّره حسنته وتسوؤه سيته ويكون عنده‬
‫فرقان بين المحمود والمذموم‪.‬‬
‫‪()71‬يعني هذا من أدلة أهل الحلول أن الله يكون مع الولي‪ ،‬إذا كان معه معناه يكون ملزم‬
‫له أو يكون فيه؟ استدلوا به على أنه يكون حل فيه‪.‬‬

‫‪74‬‬

‫التعليقات الحسان على كتاب الفرقان‬

‫يتضمن إتصافه بأنه ل مثل له‪ ،‬وقد بسطنا الكلم على ذلك في تفسير هذه‬
‫)‪(72‬‬
‫السورة وفي كونها تعدل ثلث القرآن‪.‬‬

‫تتتتتتتتتت‬
‫وكثير من الناس تشتبه عليهم الحقائق المرية الدينية اليمانية بالحقائق‬
‫الخلقية القدرية الكونية‪ ،‬فإن الله سبحانه وتعالى له الخلق والمر‪ ،‬كما قال‬
‫في ست ّ َ‬
‫َ‬
‫م‬
‫ذي َ‬
‫ض ِ‬
‫ِ ِ‬
‫وا ِ‬
‫ه ال ّ ِ‬
‫تعالى ﴿إ ِ ّ‬
‫ق ال ّ‬
‫ة أّيام ٍ ث ُ ّ‬
‫س َ‬
‫خل َ َ‬
‫م الل ّ ُ‬
‫ن َرب ّك ُ ْ‬
‫واْلْر َ‬
‫ت َ‬
‫ما َ‬
‫وال ّ‬
‫شي الل ّي ْ َ‬
‫س‬
‫عْر‬
‫ش يُ ْ‬
‫وى َ‬
‫غ ِ‬
‫ه َ‬
‫عَلى ال ْ َ‬
‫ل الن ّ َ‬
‫ا ْ‬
‫ش ْ‬
‫هاَر ي َطْل ُب ُ ُ‬
‫م َ‬
‫حِثيًثا َ‬
‫ست َ َ‬
‫ِ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫مُر ت ََباَر َ‬
‫وال ْ َ‬
‫ب‬
‫ه ال ْ َ‬
‫س ّ‬
‫ر ِ‬
‫خَرا ٍ‬
‫ه َر ّ‬
‫والن ّ ُ‬
‫جو َ‬
‫م َ‬
‫ك الل ّ ُ‬
‫واْل ْ‬
‫خل ْ ُ‬
‫ه أَل ل َ ُ‬
‫ت ب ِأ ْ‬
‫م ُ‬
‫ق َ‬
‫ق َ‬
‫مَر َ‬
‫َ‬
‫م ِ‬
‫‪()72‬هذا رد عل احتجاج أهل التحاد في آية المعية على أن الله جل وعل يحل في خلقه أو‬
‫بعض خلقه‪-‬لنه كما ذكرنا لكم التحاد والحلول نوعان‪:‬عام وخاص‪ -‬وهذا من جملة الدلة‬
‫التي استدلوا بها وظهر لك في البحث أن هذا ليس بدليل بل هو ضد ما قالوا‪ ،‬وهم جهلة‬
‫ن‬
‫أصل كيف يستدلون‪ ،‬لكن أهل الباطل يبحثون عن شبهة ليتمسكوا بها‪-‬هذه قاعدة‪-‬؛ ل ّ‬
‫الله جل وعل وصفهم بقوله ﴿ َ َ‬
‫في ُ ُ‬
‫غ َ‬
‫ما ت َ َ‬
‫ه‬
‫م َزي ْ ٌ‬
‫ن ِ‬
‫ه ِ‬
‫ما ال ّ ِ‬
‫عو َ‬
‫في َت ّب ِ ُ‬
‫ذي َ‬
‫من ْ ُ‬
‫شاب َ َ‬
‫ن َ‬
‫ه ْ‬
‫فأ ّ‬
‫قلوب ِ ِ‬
‫ْ‬
‫ه﴾]آل عمران‪ [7:‬والزيغ موجودا أول‪ ،‬ثم يأتي اتباع المتشابه‬
‫واب ْت ِ َ‬
‫اب ْت ِ َ‬
‫غاءَ ال ْ ِ‬
‫ويل ِ ِ‬
‫فت ْن َ ِ‬
‫ة َ‬
‫غاءَ ت َأ ِ‬
‫ن المتشابه في القرآن ل ُيحدث زيغا‪ ،‬فالله جل وعل ابتلى العباد به‪ ،‬والزائغ يبحث‬
‫ولذا فإ ّ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫ّ‬
‫غ َ‬
‫في ُ‬
‫ما‬
‫م َزي ْ ٌ‬
‫ن ِ‬
‫ما ال ِ‬
‫عو َ‬
‫في َت ّب ِ ُ‬
‫ذي َ‬
‫ن َ‬
‫ه ْ‬
‫عن المتشابه ليستدل به على زيغه‪ ،‬قال )فأ ّ‬
‫قلوب ِ ِ‬
‫تَ َ‬
‫ه( يعني يتتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة‪ ،‬فوجود الزيغ أول‪ ،‬وهؤلء زاغوا فأزاغ‬
‫ه ِ‬
‫من ْ ُ‬
‫شاب َ َ‬
‫الله قلوبهم‪ ،‬استدلوا بآية المعية‪ ،‬استدلوا على الوحدة من القرآن والسنة بأدلة كثيرة؛‬
‫ق ْ َ‬
‫هادَةً ُ‬
‫استدلوا مثل من القرآن بقوله ﴿ ُ‬
‫ه َ‬
‫ق ْ‬
‫ء أ َك ْب َُر َ‬
‫ي َ‬
‫هيدٌ ب َي ِْني‬
‫ي ٍ‬
‫ش َ‬
‫ل الل ّ ُ‬
‫لأ ّ‬
‫ش ْ‬
‫ش ِ‬
‫م ﴾]النعام‪ [19:‬و)في كل شيء له آية تدل على أنه الواحد(]هذا بيت لبي العتاهية‬
‫وب َي ْن َك ُ ْ‬
‫َ‬
‫ذكره الشيخ صالح آل الشيخ في شرح ثلثة الصول)المفرغ([ وكل شيء يشهد أن الله جل‬
‫ق ْ َ‬
‫وعل هو الرب وحده‪ ،‬جعلوا هذا إلى هذا جعلوا الشياء كلها هي الله جل وعل ) ُ‬
‫ي‬
‫لأ ّ‬
‫هادَةً ُ‬
‫ه َ‬
‫ق ْ‬
‫ء أ َك ْب َُر َ‬
‫َ‬
‫م( التفسيرات المنسوبة إلى‬
‫ي ٍ‬
‫ش َ‬
‫وب َي ْن َك ُ ْ‬
‫ل الل ّ ُ‬
‫هيدٌ ب َي ِْني َ‬
‫ش ْ‬
‫ش ِ‬
‫المتصوفة كابن عربي وغيره تجد كثيرا من اليات التي فيها عموم الخلق أو الشهادة العامة‬
‫في‬
‫ه ِ‬
‫و ُ‬
‫و الل ّ ُ‬
‫ه َ‬
‫يستدلون بها على الوحدة‪ ،‬وكذلك من أدلتهم أن اليات؛ آية النعام ﴿ َ‬
‫ْ َ‬
‫َ‬
‫في‬
‫ما ِ‬
‫و ِ‬
‫ذي ِ‬
‫و ُ‬
‫و ِ‬
‫و ال ّ ِ‬
‫وا ِ‬
‫في ال ّ‬
‫ال ّ‬
‫ء إ ِل ٌ‬
‫س َ‬
‫س َ‬
‫ه َ‬
‫ه َ‬
‫ض﴾]النعام‪ [3:‬وكقوله تعالى ﴿ َ‬
‫ت َ‬
‫ما َ‬
‫في الْر ِ‬
‫ْ َ‬
‫َ‬
‫ه﴾]الزخرف‪[84:‬يستدلون بها على الوحدة والتحاد العام‪ .‬لكن هذه كلها من إتباع‬
‫ض إ ِل ٌ‬
‫الْر ِ‬
‫في‬
‫ذي ِ‬
‫و ُ‬
‫و ال ّ ِ‬
‫المتشابه مما يدل على أ ّ‬
‫ه َ‬
‫ن في قلوبهم زيغ‪ ،‬الحقيقة ليست متشابهة ) َ‬
‫َ‬
‫ه( ليست متشابهة لن دللتها ظاهرة على المعنى‪ ،‬ليست‬
‫في اْل َْر‬
‫ما ِ‬
‫و ِ‬
‫ال ّ‬
‫ض إ ِل ٌ‬
‫ء إ ِل َ ٌ‬
‫س َ‬
‫ه َ‬
‫ِ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫ّ‬
‫ض( ليست متشابهة لكن‬
‫و ِ‬
‫ه ِ‬
‫و ُ‬
‫وا ِ‬
‫في ال ّ‬
‫س َ‬
‫و الل ُ‬
‫ت َ‬
‫ما َ‬
‫ه َ‬
‫متشابهة أصل‪ ،‬وكذلك) َ‬
‫في الْر ِ‬
‫هم يتبعون بما اشتبه عليهم من الشتباه النسبي فيستدلون به‪ ،‬كل هذا نسأل الله العافية‬
‫من آثار ترك التمسك والستسلم للكتاب والسنة‪.‬‬
‫كتاب الفرقان عندنا الن أربعة أو خمسة شروح كلها استطراد‪ ،‬ذهب عن الصل بعد ما‬
‫عّرف التعريفات‪ ،‬تذكرون الولي وتعريفه وصفات الولياء و شروح شروط الولي إلى آخره‪،‬‬
‫الن ك ّ‬
‫ل استغرق في لما أتى للولياء والفرق بين ولي الرحمن المطيع لله جل وعل‬
‫المستجيب للكتاب والسنة المنسجم صاحب عمل]انتهى الشريط الخامس[ وأن ولي‬
‫الشيطان عنده كذا من المخاريق‪ .‬إذن كلها استطرادات في علوم شتى دخل في علوم‬
‫الفلسفة كما تذكرون‪ ،‬وفي بعض المباحث الكلمية‪ ،‬وذهب إلى قول التحادية‪ ،...‬يرجع بعد‬
‫ذلك إلى أصل المبحث والكلم على الكرامات وعلى صفات الولياء وشروط الكرامة إلى‬
‫آخر ذلك من المباحث‪ ،‬وهذه نبهتكم مرارا عليها شيخ السلم استطراداته تشتت الذهن‬
‫لهذا ينبغي لطالب العلم لما يقرأ كتب شيخ السلم أن ل يسترسل مع استطراداته‪ ،‬إذا أراد‬
‫أن يفهم الموضوع يفهمه أول مختصرا عن طريق الفهرس أو عن طريق تتبع الفصول‪،‬‬
‫ويأخذ جملة الكلم ويأخذ القواعد التي هي الفوائد والستدللت‪ ،‬وإذا فهم هذا وعرف بناء‬
‫الكتاب على أي شيء أو بناء القاعدة على أي شيء في فهم شيخ السلم وتصوره قبل‬
‫إنشاء الكلم‪ ،‬بعد ذلك لو قرأ ومرت عليه الستطرادات فإن انساق مع الستطرادات نسي‬

‫للشيخ العلمة صالح بن عبد العزيز آل الشيخ‬

‫‪75‬‬

‫ن﴾]العراف‪ ،[54:‬فهو سبحانه خالق كل شيء وربه ومليكه ل خالق غيره‪،‬‬
‫عال َ ِ‬
‫ال ْ َ‬
‫مي َ‬
‫ول رب سواه‪ ،‬ما شاء كان‪ ،‬وما لم يشأ لم يكن‪ ،‬فكل ما في الوجود من حركة‬
‫وسكون فبقضائه وقدره ومشيئته وقدرته وخلقه‪ ،‬وهو سبحانه أمر بطاعته‬
‫وطاعة رسله‪ ،‬ونهى عن معصيته ومعصية رسله‪ ،‬أمر بالتوحيد والخلص‪ ،‬ونهى‬
‫عن الشراك بالله‪ ،‬فأعظم الحسنات التوحيد‪ ،‬وأعظم السيئات الشرك‪ ،‬قال‬
‫َ‬
‫ن ذَل ِ َ‬
‫شَر َ‬
‫ن يُ ْ‬
‫ن‬
‫وي َ ْ‬
‫ه َل ي َ ْ‬
‫غ ِ‬
‫غ ِ‬
‫ك بِ ِ‬
‫دو َ‬
‫فُر أ ْ‬
‫الله تعالى ﴿إ ِ ّ‬
‫ما ُ‬
‫م ْ‬
‫ك لِ َ‬
‫فُر َ‬
‫ن الل ّ َ‬
‫ه َ‬
‫َ‬
‫يَ َ‬
‫دا‬
‫ن ي َت ّ ِ‬
‫ن الل ّ ِ‬
‫خذُ ِ‬
‫و ِ‬
‫دا ً‬
‫ه أن َ‬
‫ن ُ‬
‫م ْ‬
‫م ْ‬
‫م ْ‬
‫س َ‬
‫دو ِ‬
‫شاءُ﴾]النساء‪ ،[48:‬وقال تعالى ﴿ َ‬
‫ن ال َّنا ِ‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫مُنوا أ َ‬
‫ه﴾]البقرة‪.[165:‬‬
‫يُ ِ‬
‫حّبا ل ِل ِ‬
‫وال ِ‬
‫ب الل ِ‬
‫شدّ ُ‬
‫ح ّ‬
‫م كَ ُ‬
‫حّبون َ ُ‬
‫ذي َ‬
‫نآ َ‬
‫ه ْ‬
‫ه َ‬
‫وفي الصحيحين عن ابن مسعود ‪ ‬قال قلت‪ :‬يا رسول الله أي الذنب‬
‫أعظم؟ قال »أن تجعل لله ندا وهو خلقك« قلت‪ :‬ثم أي؟ قال‪» :‬أن تقتل‬
‫ولدك مخافة أن يطعم معك« قلت‪ :‬ثم أي؟ قال »أن تزني بحليلة‬
‫وَل‬
‫ها آ َ‬
‫ن َل ي َدْ ُ‬
‫ع الل ّ ِ‬
‫وال ّ ِ‬
‫عو َ‬
‫م َ‬
‫ه إ ِل َ ً‬
‫ذي َ‬
‫ن َ‬
‫خَر َ‬
‫جارك« فأنزل الله تصديق ذلك ﴿ َ‬
‫ل ذَل ِ َ‬
‫ن يَ ْ‬
‫ن الن ّ ْ‬
‫يَ ْ‬
‫ع ْ‬
‫ك‬
‫وَل ي َْزُنو َ‬
‫قت ُُلو َ‬
‫ف َ‬
‫ه إ ِّل ِبال ْ َ‬
‫س ال ِّتي َ‬
‫حّر َ‬
‫م ْ‬
‫و َ‬
‫ح ّ‬
‫م الل ّ ُ‬
‫ف َ‬
‫ن َ‬
‫ق َ‬
‫َ‬
‫ع َ‬
‫هاًنا)‬
‫وي َ ْ‬
‫ضا َ‬
‫خل ُدْ ِ‬
‫م ال ْ ِ‬
‫ع ْ‬
‫ما)‪(68‬ي ُ َ‬
‫في ِ‬
‫م ِ‬
‫ذا ُ‬
‫ه ال ْ َ‬
‫و َ‬
‫م َ‬
‫ه ُ‬
‫قَيا َ‬
‫ف لَ ُ‬
‫ق أَثا ً‬
‫ي َل ْ َ‬
‫ة َ‬
‫ب يَ ْ‬
‫عمًل صال ِحا َ ُ‬
‫ول َئ ِ َ‬
‫ك ي ُب َدّ ُ‬
‫م َ‬
‫م‬
‫و َ‬
‫ع ِ‬
‫َ ً‬
‫ن َتا َ‬
‫ه َ‬
‫م َ‬
‫م ْ‬
‫ه ْ‬
‫ل الل ّ ُ‬
‫ل َ َ‬
‫وآ َ‬
‫‪(69‬إ ِّل َ‬
‫فأ ْ‬
‫ن َ‬
‫ب َ‬
‫سي َّئات ِ ِ‬
‫و َ‬
‫ه َ‬
‫غ ُ‬
‫ما﴾]الفرقان‪ ،[70-68:‬وأمر سبحانه بالعدل‬
‫فوًرا َر ِ‬
‫سَنا ٍ‬
‫كا َ‬
‫َ‬
‫ح َ‬
‫حي ً‬
‫ن الل ّ ُ‬
‫ت َ‬
‫والحسان وإيتاء ذي القربى‪ ،‬ونهى عن الفحشاء والمنكر والبغي‪ ،‬وأخبر أنه‬
‫يحب المتقين‪ ،‬ويحب المحسنين‪ ،‬ويحب المقسطين‪ ،‬ويحب التوابين‪ ،‬ويحب‬
‫الموضوع‪ ،‬وشيخ السلم لو استطرد يحصل في استطراده أنواع من العلوم والفوائد‪ ،‬لكن‬
‫قد ليكون نحريرها في هذا الموضع هو الكمل‪ ،‬تجد أنه في موضع يستطرد لكنه يكون فيه‬
‫ثغرات كثيرة ما استكملها‪ ،‬يأتي كلما أراد يبحث يقول )وقد بسطنا هذا في موضع آخر(‪،‬‬
‫)قد بسطناه( ثم ل يكون مع طالب العلم في فهم معنى الستطراد من كل وجه هو‬
‫يستطرد لغرض يريد تقريره ليس لتقرير المسألة التي استطردها‪ ،‬لكن المسألة هذه‬
‫جاءت لغرض آخر ‪.‬‬
‫طالب العلم لبد أن يكون متتبع كلم شيخ السلم كليا قبل أن يبحث جزئياته‪ ،‬يعني يتصور‬
‫الكتاب قبل‪ ،‬مثل في كتاب الفرقان الولي من هو‪ ،‬الدليل على وجود الولياء من هم‬
‫الولياء‪ ،‬تعريف الولي‪ ،‬شروط الولياء‪ ،‬اليمان والتقوى‪ ،‬اليمان متفاضل‪ ،‬التقوى متفاضلة‪،‬‬
‫صل فيها كذا‪ ،‬صفة الولياء‪ ،‬الخوارق التي تحصل لهم والكرامات‪ ،‬جمع العناوين هذه هي‬
‫ف ّ‬
‫زبدة البحث‪ ،‬إذا جاء الستطراد تتركه؛ يعني تمر على الكتاب‪ ،‬ثم تستكمل كل الفصول‬
‫بالعناوين الرئيسة هذه للفصول فتعرف ماذا يريد أن يقرر شيخ السلم‪ ،‬في بعض كتبه‬
‫الستطراد بلغ مائة صفحة استطرد إلى مئة صفحة رحمه الله تعالى؛ يعني ‪ ....‬صفحة‬
‫عندنا‪ ،‬هو كتب الواسطية في جلسة والحموية في جلسة إلى آخره فل غرابة أن يستطرد‬
‫فهو بحر ل ‪ .....‬رحمه الله تعالى‪ ،‬لكن طالب العلم في الستفادة منها واضح أنه ينتبه‪ ،‬ومن‬
‫الكلم الحسن ما قاله الشيخ عبد الرزاق عفيفي رحمه الله ‪-‬وسمعته منه‪ :-‬شيخ السلم‬
‫يأتي إلى جدار الباطل كالموت فُيسقطه جميعا دفعة واحدة‪ ،‬وأما ابن القيم فيأخذ جدار‬
‫سره‪ .‬وهذا واقع ومثل ما وصف الشيخ؛ فإنك تجد ما أجمله شيخ‬
‫الباطل حجرا حجرا فيك ّ‬
‫السلم واستطرد فيه وجاء جميعا كالموت إذا جمعت بين هذا وهذا أخذت بقوة كلم شيخ‬
‫السلم وبحسن عرض ابن القيم رحمه الله تعالى‪ .‬نسأل الله جل وعل أن يرفع منزلتهما‬
‫في الجنة وأن يجعلهما مع النبياء والصديقين وأن يجزيهما عن أهل التوحيد خير الجزاء‪،‬‬
‫فقد أبليا بلء حسنا عظيما رحمهما الله تعالى‪ ،‬وابن القيم حسنة من حسنات شيخ السلم‪،‬‬
‫ولو الله جل وعل ثم شيخ السلم ما راح ابن القيم وما جاء مثل ما ذكر عن نفسه في‬
‫النونية لما ذكر حالته لما قدم فقال‪:‬‬
‫من ليس تجزيه يدي ولساني‬
‫حتى أتاح لي الله بفضله‬
‫رحمهما الله تعالى‪.‬نكتفي بهذا القدر‬

‫‪76‬‬

‫التعليقات الحسان على كتاب الفرقان‬

‫المتطهرين‪ ،‬ويحب الذين يقاتلون في سبيله صفا كأنهم بنيان مرصوص‪ ،‬وهو‬
‫ك َ‬
‫عن ْدَ َرب ّ َ‬
‫ل ذَل ِ َ‬
‫يكره ما نهى عنه‪ ،‬كما قال في سورة سبحان ﴿ك ُ ّ‬
‫ك‬
‫ه ِ‬
‫كا َ‬
‫ن َ‬
‫سي ّئ ُ ُ‬
‫ها﴾]السراء‪ ،[38:‬وقد نهى عن الشرك وعقوق الوالدين‪ ،‬وأمر بإيتاء ذي‬
‫مك ُْرو ً‬
‫َ‬
‫القربى الحقوق‪ ،‬ونهى عن التبذير وعن التقتير‪ ،‬وأن يجعل يده مغلولة إلى‬
‫عنقه‪ ،‬وأن يبسطها كل البسط‪ ،‬ونهى عن قتل النفس بغير الحق‪ ،‬وعن الزنا‪،‬‬
‫ك َ‬
‫ل ذَل ِ َ‬
‫وعن قربان مال اليتيم إل بالتى هي أحسن‪ ،‬إلى أن قال ﴿ك ُ ّ‬
‫ه‬
‫كا َ‬
‫ن َ‬
‫سي ّئ ُ ُ‬
‫عن ْدَ َرب ّ َ‬
‫ها﴾]السراء‪ ،[38:‬وهو سبحانه ل يحب الفساد‪ ،‬ول يرضى لعباده‬
‫مك ُْرو ً‬
‫ِ‬
‫ك َ‬
‫وُتوُبوا‬
‫الكفر‪ ،‬والعبد مأمور أن يتوب إلى الله تعالى دائما‪ ،‬قال الله تعالى ﴿ َ‬
‫َ‬
‫م تُ ْ‬
‫م ْ‬
‫ن﴾]النور‪.[31:‬‬
‫ؤ ِ‬
‫ج ِ‬
‫إلى الل ّ ِ‬
‫حو َ‬
‫مُنو َ‬
‫فل ِ ُ‬
‫ن لَ َ‬
‫مي ً‬
‫ه َ‬
‫عا أي ّ َ‬
‫عل ّك ُ ْ‬
‫ها ال ْ ُ‬
‫وفي صحيح البخاري عن النبي ‪ ‬أنه قال »أيها الناس توبوا إلى ربكم‬
‫فوالذي نفسى بيده إني للستغفر الله وأتوب إليه في اليوم أكثر من‬
‫سبعين مرة« وفي صحيح مسلم عنه ‪ ‬أنه قال »إنه ليغان على قلبي‬
‫وإني لستغفر الله في اليوم مائة مرة«‪.‬‬

‫وفي السنن عن ابن عمر قال كنا نعد لرسول الله ‪ ‬في المجلس الواحد‬
‫واب الرحيم« مائة مرة أو‬
‫يقول »رب إغفر لي وتب علي إنك أنت الت ّ ّ‬
‫قال أكثر من مائة مرة‪ .‬وقد أمر الله سبحانه عباده أن يختموا العمال‬
‫الصالحات بالستغفار‪ ،‬فكان النبي ‪ ‬إذا سلم من الصلة يستغفر ثلثا ويقول‬
‫»اللهم أنت السلم ومنك السلم تباركت ياذا الجلل والكرام«‪ ،‬كما‬
‫ن‬
‫ست َ ْ‬
‫غ ِ‬
‫م ْ‬
‫ري َ‬
‫وال ْ ُ‬
‫ثبت ذلك في الحديث الصحيح عنه وقد قال تعالى ﴿ َ‬
‫ف ِ‬
‫َ‬
‫ر﴾]آل عمران‪ [17:‬فأمرهم أن يقوموا بالليل ويستغفروا بالسحار‪ ،‬وكذلك‬
‫س َ‬
‫ِباْل ْ‬
‫حا ِ‬
‫ن‬
‫ست َ ْ‬
‫غ ِ‬
‫ه إِ ّ‬
‫وا ْ‬
‫فُروا الل ّ َ‬
‫ختم سورة المزمل وهي سورة قيام الليل بقوله تعالى ﴿ َ‬
‫َ‬
‫ه َ‬
‫غ ُ‬
‫ذا أ َ‬
‫م﴾]المزمل‪ ،[17:‬وكذلك قال في الحج)‪َ ﴿(73‬‬
‫فإ ِ َ‬
‫ن‬
‫ف ْ‬
‫فوٌر َر ِ‬
‫م ِ‬
‫م ْ‬
‫ضت ُ ْ‬
‫حي ٌ‬
‫الل ّ َ‬

‫ن ُ‬
‫ت َ‬
‫عَر َ‬
‫م ْ‬
‫م‬
‫َ‬
‫ما َ‬
‫ه ِ‬
‫فا ٍ‬
‫وإ ِ ْ‬
‫ه َ‬
‫ر ال ْ َ‬
‫ش َ‬
‫كنت ُ ْ‬
‫داك ُ ْ‬
‫واذْك ُُروهُ ك َ َ‬
‫عن ْدَ ال ْ َ‬
‫فاذْك ُُروا الل ّ َ‬
‫م َ‬
‫حَرام ِ َ‬
‫ع َِ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫َ‬
‫ثأ َ‬
‫ن َ‬
‫س‬
‫حي ْ ُ‬
‫مأ ِ‬
‫في ُ‬
‫ن ال ّ‬
‫ضوا ِ‬
‫هل ِ‬
‫قب ْل ِ ِ‬
‫ِ‬
‫ن َ‬
‫م ْ‬
‫ضالي َ‬
‫م ْ‬
‫م ْ‬
‫ن)‪(198‬ث ُ ّ‬
‫ض الّنا ُ‬
‫فا َ‬
‫ه َ‬
‫غ ُ‬
‫م﴾]البقرة‪ [199-198:‬بل أنزل سبحانه وتعالى‬
‫ست َ ْ‬
‫فوٌر َر ِ‬
‫غ ِ‬
‫ه إِ ّ‬
‫وا ْ‬
‫حي ٌ‬
‫ن الل ّ َ‬
‫فُروا الل ّ َ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫َ‬
‫في آخر المر لما غزا النبي ‪ ‬غزوة تبوك وهي آخر غزواته ﴿ل َ‬
‫ه‬
‫قدْ َتا َ‬
‫ب الل ُ‬
‫َ‬
‫ن‬
‫سا َ‬
‫َ‬
‫عوهُ ِ‬
‫ة ِ‬
‫سَر ِ‬
‫ع ِ‬
‫ر ال ّ ِ‬
‫ة ال ْ ُ‬
‫ن ات ّب َ ُ‬
‫ع ْ‬
‫في َ‬
‫م َ‬
‫م ْ‬
‫ذي َ‬
‫ري َ‬
‫وال ْ ُ‬
‫واْلن َ‬
‫ها ِ‬
‫ن َ‬
‫ي َ‬
‫عَلى الن ّب ِ ّ‬
‫صا ِ‬
‫ج ِ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫ب َ‬
‫غ ُ‬
‫م)‬
‫زي ُ‬
‫ب َ‬
‫ف َر ِ‬
‫ءو ٌ‬
‫م َر ُ‬
‫ق ِ‬
‫ع ِ‬
‫م َتا َ‬
‫قلو ُ‬
‫بَ ْ‬
‫من ْ ُ‬
‫حي ٌ‬
‫ه ْ‬
‫م إ ِن ّ ُ‬
‫ه ْ‬
‫م ثُ ّ‬
‫ه ْ‬
‫د َ‬
‫ف ِ‬
‫ما كادَ ي َ ِ‬
‫ه بِ ِ‬
‫علي ْ ِ‬
‫ري ٍ‬
‫َ‬
‫ت َ َ‬
‫ضا َ‬
‫خل ّ ُ‬
‫ت‬
‫ن ُ‬
‫و َ‬
‫حّتى إذا َ‬
‫ة ال ّ ِ‬
‫عَلى الث َّلث َ ِ‬
‫ما َر ُ‬
‫فوا َ‬
‫حب َ ْ‬
‫ق ْ‬
‫ذي َ‬
‫ض بِ َ‬
‫ه ْ‬
‫م اْلْر ُ‬
‫‪َ (117‬‬
‫علي ْ ِ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ب َ َ‬
‫ت َ َ‬
‫م أن ُ‬
‫ضا َ‬
‫م‬
‫و َ‬
‫ه إ ِّل إ ِل َي ْ ِ‬
‫ن الل ّ ِ‬
‫جأ ِ‬
‫وظَّنوا أ ْ‬
‫م َتا َ‬
‫مل ْ َ‬
‫ق ْ‬
‫س ُ‬
‫ف ُ‬
‫م ْ‬
‫ه ْ‬
‫ه ثُ ّ‬
‫ن َل َ‬
‫ه ْ‬
‫ه ْ‬
‫م َ‬
‫َ‬
‫علي ْ ِ‬
‫علي ْ ِ‬
‫ّ‬
‫م﴾]التوبة‪ ،[118-117:‬وهي آخر ما نزل من‬
‫حي‬
‫ر‬
‫ال‬
‫ب‬
‫وا‬
‫ت‬
‫ال‬
‫و‬
‫ه‬
‫ه‬
‫ل‬
‫ال‬
‫ن‬
‫إ‬
‫بوا‬
‫تو‬
‫ي‬
‫ِ‬
‫ُ‬
‫ِ ّ‬
‫ّ ّ ُ‬
‫لِ َ ُ ُ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫َ‬
‫وال ْ َ‬
‫القرآن‪ ،‬وقد قيل إن آخر سورة نزلت قوله تعالى ﴿إ ِ َ‬
‫ح)‬
‫صُر الل ّ ِ‬
‫فت ْ ُ‬
‫ذا َ‬
‫جاءَ ن َ ْ‬
‫ه َ‬
‫َ‬
‫د َرب ّ َ‬
‫جا)‪َ (2‬‬
‫ه أَ ْ‬
‫ك‬
‫س ي َدْ ُ‬
‫ن ِ‬
‫م ِ‬
‫ن الل ّ ِ‬
‫خُلو َ‬
‫ح بِ َ‬
‫سب ّ ْ‬
‫وا ً‬
‫وَرأي ْ َ‬
‫ف َ‬
‫ح ْ‬
‫ت الّنا َ‬
‫ف َ‬
‫‪َ (1‬‬
‫في ِدي ِ‬
‫ه َ‬
‫واًبا)‪]﴾(3‬النصر[‪ ،‬فأمره الله تعالى أن يختم عمله بالتسبيح‬
‫ست َ ْ‬
‫غ ِ‬
‫كا َ‬
‫وا ْ‬
‫فْرهُ إ ِن ّ ُ‬
‫ن تَ ّ‬
‫َ‬

‫والستغفار‪.‬‬
‫وفي الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها أنه ‪ ‬كان يقول في ركوعه‬
‫وسجوده »سبحانك اللهم ربنا وبحمدك‪ ،‬اللهم إغفر لي يتأول‬
‫القرآن«‪.‬‬
‫وفي الصحيحين عنه ‪ ‬أنه كان يقول »اللهم إغفر لي خطيئتي وجهلي‬
‫وإسرافي في أمري‪ ،‬وما أنت أعلم به مني‪ ،‬اللهم اغفر لي هزلي‬
‫‪()73‬هذه في البقرة‪.‬‬

‫للشيخ العلمة صالح بن عبد العزيز آل الشيخ‬

‫‪77‬‬

‫وجدي وخطئي وعمدي‪ ،‬وكل ذلك عندي‪ ،‬اللهم اغفر لي ما قدمت‬
‫وما أخرت‪ ،‬وما أسررت وما أعلنت‪ ،‬ل إله إل أنت«‪.‬‬
‫وفي الصحيحين أن أبا بكر الصديق ‪ ‬قال‪ :‬يا رسول الله علمني دعاء أدعو‬
‫به في صلتي قال »قل اللهم إني ظلمت نفسى ظلما كثيرا‪ ،‬ول يغفر‬
‫الذنوب إل أنت‪ ،‬فاغفر لي مغفرة من عندك‪ ،‬وإرحمني إنك أنت‬
‫)‪(74‬‬
‫الغفور الرحيم«‪.‬‬
‫وفي السنن عن أبي بكر ‪ ‬قال‪ :‬يا رسول الله علمني دعاء أدعو به إذا‬
‫أصبحت وإذا أمسيت فقال »قل اللهم فاطر السموات والرض‪ ،‬عالم‬
‫الغيب والشهادة‪ ،‬رب كل شيء ومليكه‪ ،‬أشهد أن ل إله إل أنت‪،‬‬
‫أعوذ بك من شر نفسي‪ ،‬ومن شر الشيطان وشركه‪ ،‬وأن أقترف‬
‫على نفسي سوءا أو أجره إلى مسلم‪ ،‬قله إذا أصبحت وإذا أمسيت‪،‬‬
‫‪()74‬شيخ السلم رحمه الله يستطرد في الستدلل قد يذهب لطالب العلم المقصود من‬
‫ذلك‪ ،‬فتكلم في هذا الكتاب الفرقان بين صفات أولياء الله وصفات أولياء الشيطان فمن‬
‫ولية وتعلق الناس بهم في زمن شيخ السلم من أصناف المخرفين‬
‫صفات الذين ادعوا ال َ‬
‫رأوا المر؛ أمر الله جل وعل واحدا‪ ،‬رأوا أنه إذا مثل فيهم القدر فقد مثل فيهم الشرع‪،‬‬
‫وأنهم مجبورون وكل ما يعملون‪ ،‬وكل ما يعملون به محبوب لله جل وعل‪ ،‬ولذلك ل تجد عند‬
‫أحدهم ندما على ما يحصل له من المعصية ول فرحا بما يحصل له من الطاعة‪ ،‬فليس‬
‫عندهم فرق ما بين المر الكوني القدري والمر الشرعي الديني‪ ،‬وأولياء الرحمن جل وعل‬
‫َ‬
‫ق‬
‫ه ال ْ َ‬
‫خل ْ ُ‬
‫هم الذين يفرقون بين المرين‪ ،‬الله سبحانه فّرق بين الخلق والمر فقال ﴿أَل ل َ ُ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫مر الله سبحانه بالشرع غير المر الله جل وعل الكوني القدري‪،‬‬
‫مُر﴾]العراف‪ [54:‬وأ ْ‬
‫واْل ْ‬
‫َ‬
‫فالمور الكونية القدرية التي تحصل في ملكوت الله وما في الرض وما يحصل للنسان من‬
‫أشياء وتقلبات وأمور مقدرة عليه وما يحصل من تقاتل الناس إلى آخره‪ ،‬هذه كلها حصلت‬
‫ما ا ْ‬
‫و َ‬
‫ه‬
‫ول َك ِ ّ‬
‫ن الل ّ َ‬
‫ه َ‬
‫شاءَ الل ّ ُ‬
‫قت َت َُلوا َ‬
‫ول َ ْ‬
‫بإذن الله جل وعل ومشيئته كما قال سبحانه ﴿ َ‬
‫يَ ْ‬
‫ع ُ‬
‫د﴾]البقرة‪ [253:‬فإذن المر الكوني القدري شيء والمر الشرعي الديني ما‬
‫ري ُ‬
‫ف َ‬
‫ل َ‬
‫ما ي ُ ِ‬
‫أمر الله به في كتابه وعلى لسانه رسوله عليه الصلة والسلم شيء آخر‪ ،‬قد يجتمعان فيي‬
‫المحبة وقد يفترقان‪ ،‬ويكون إذن ما أمر الله جل وعل به شرعا هو محبوب له سبحانه‬
‫ولذلك أمر به‪ ،‬فامتثاله امتثال لما هو محبوب وتركه لم يأذن الله جل وعل به شرعا‪ ،‬تركه‬
‫مذموم‪ ،‬تركه أصحابه عصاة‪ ،‬ترك المر ‪...‬النهي مع كونه مأذون به كونا ووقع قدرا بمشيئة‬
‫الله جل وعل‪ ،‬ولكن ل يحبه الله ول يرضاه‪.‬‬
‫الصوفية أو الذين ادعوا ولية الله جل عل ممن ضلوا قال طائفة منهم‪ :‬أنه إذا حصل لي‬
‫ي‪ ،‬فاستسلمي لذلك ورضاي به هو‬
‫حال أو حصل علي شيء فإن هذا هو نفوذ أمر الله ف ّ‬
‫حقيقة التوحيد والستسلم لله‪ ،‬وهذا باطل؛ لن الله جل وعل أوجب على العبد أن يفرح‬
‫بالطاعة‪ ،‬وأن يبغض المعصية‪ ،‬وأنه إذا َ‬
‫ده‪ ،‬أو فرط في أمر الله‪ ،‬أو جاء‬
‫غفل أو جاءه ما يص ّ‬
‫نهيه سبحانه أو ران على قلبه فإنه يجب الستغفار والتوبة وهو ما يل على لن مخالفة‬
‫المر الشرعي يجب منه التوبة ويجب منه الستغفار ومعنى ذلك أن المخالفة مذمومة‪ ،‬وأن‬
‫فر عن ذلك وأن يستغفر الحق جل وعل‪ .‬وهذا يدل على أن نفوذ‬
‫العبد بحاجة إلى أن يك ّ‬
‫المر الكوني القدري ل يعني أن ُيرضى به‪ ،‬بل هذا لله جل وعل فيه حكمة بالغة‪.‬‬
‫فإذن فهؤلء هم الذين أراد شيخ السلم أن يرد عليهم الذين يجعلون يحصل عليهم من‬
‫أمور المعصية والطاعة كلها أمر كوني شرعي قدري‪ ،‬ويخلطون المرين ويجعلونها محبوبة‬
‫مدحوا لفعل لبعض‬
‫لله وبالتالي فهم يرضون لذلك تجد في تراجم الصوفي‪ ،‬تجد أنهم ربما ُ‬
‫المعاصي لماذا؟ لنهم عندهم على أصلهم أنه ل فرق ما بين المر الكوني والمر الشرعي‬
‫فنفوذ أمر الله فيهم بهذا الشيء يعني أن ل يختاروا غيره‪ ،‬معناه أن نستسلم لمر الله وهذا‬
‫عندهم هو نهاية التوحيد والفناء لحد أقطابهم كما هو معروف‪ .‬المقصود أن الستدللت؛‬
‫ت لك من التفريق والرد على تلك الطائفة‪.‬‬
‫والستطراد في الستدلل أراد به ما ذكر ُ‬

‫‪78‬‬

‫التعليقات الحسان على كتاب الفرقان‬

‫وإذا أخذت مضجعك«‪ ،‬فليس لحد أن يظن استغناءه عن التوبة إلى الله‬
‫والستغفار من الذنوب بل كل أحد محتاج إلى ذلك دائما قال الله تبارك وتعالى‬
‫ه َ‬
‫ن‬
‫ف ِ‬
‫مَنا ِ‬
‫كا َ‬
‫سا ُ‬
‫عذّ َ‬
‫هوًل)‪(72‬ل ِي ُ َ‬
‫ما َ‬
‫و َ‬
‫ج ُ‬
‫ها اْل ِن ْ َ‬
‫مل َ َ‬
‫قي َ‬
‫ه ال ْ ُ‬
‫ب الل ّ ُ‬
‫ن ظَُلو ً‬
‫ن إ ِن ّ ُ‬
‫ح َ‬
‫﴿ َ‬
‫ر َ‬
‫ف َ‬
‫م ْ‬
‫م ْ‬
‫م ْ‬
‫ن‬
‫ه َ‬
‫مَنا ِ‬
‫ؤ ِ‬
‫كا ِ‬
‫ر ِ‬
‫قا ِ‬
‫وي َُتو َ‬
‫مِني َ‬
‫كي َ‬
‫عَلى ال ْ ُ‬
‫ب الل ّ ُ‬
‫وال ْ ُ‬
‫وال ْ ُ‬
‫وال ْ ُ‬
‫ت َ‬
‫ن َ‬
‫ت َ‬
‫َ‬
‫ش ِ‬
‫ش ِ‬
‫ّ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫ه َ‬
‫غ ُ‬
‫م ْ‬
‫ما﴾]الحزاب‪ ،[73-72:‬فالنسان ظالم جاهل‬
‫فوًرا َر ِ‬
‫مَنا ِ‬
‫ؤ ِ‬
‫وكا َ‬
‫حي ً‬
‫ن الل ُ‬
‫وال ُ‬
‫ت َ‬
‫َ‬
‫وغاية المؤمنين والمؤمنات التوبة‪.‬‬
‫وقد أخبر الله تعالى في كتابه بتوبة عباده الصالحين ومغفرته لهم‪ ،‬وثبت في‬
‫الصحيح عن النبي ‪ ‬أنه قال»لن يدخل الجنة أحد بعمله« قالوا‪ :‬ول أنت يا‬
‫ة منه وفضل« وهذا‬
‫رسول الله؟ قال »ول أنا إل أن يتغمدني الله برحم ٍ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫سل َ ْ‬
‫وا ْ‬
‫م ِ‬
‫شَرُبوا َ‬
‫ما أ ْ‬
‫فت ُ ْ‬
‫هِنيًئا ب ِ َ‬
‫ل ينافي قوله تعالى ﴿ك ُُلوا َ‬
‫في الّيام ِ‬
‫ة﴾]الحاقة‪ ،[24:‬فإن الرسول ‪ ‬نفى باء المقابلة والمعادلة‪ ،‬والقرآن أثبت‬
‫ال ْ َ‬
‫خال ِي َ ِ‬
‫باء السبب‪ ،‬وقول من قال إذا أحب الله عبدا لم تضره الذنوب‪ ،‬معناه أنه إذا‬
‫أحب عبدا ألهمه التوبة والستغفار‪ ،‬فلم يصر على الذنوب‪ ،‬ومن ظن أن الذنوب‬
‫ل تضر من أصر عليها فهو ضال مخالف للكتاب والسنة وإجماع السلف والئمة‪،‬‬
‫بل من يعمل مثقال ذرة خيرا يره‪ ،‬ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره‪ ،‬وإنما عباده‬
‫م‬
‫م ْ‬
‫ر ُ‬
‫غ ِ‬
‫ة ِ‬
‫فَر ٍ‬
‫الممدوحين هم المذكورون في قوله تعالى ﴿ َ‬
‫م ْ‬
‫ن َرب ّك ُ ْ‬
‫عوا إلى َ‬
‫سا ِ‬
‫َ‬
‫ن‬
‫ة َ‬
‫مت ّ ِ‬
‫ض أُ ِ‬
‫عْر ُ‬
‫ن)‪(133‬ال ّ ِ‬
‫جن ّ ٍ‬
‫و َ‬
‫عدّ ْ‬
‫وا ُ‬
‫ها ال ّ‬
‫ض َ‬
‫ذي َ‬
‫قي َ‬
‫ت ل ِل ْ ُ‬
‫س َ‬
‫واْلْر ُ‬
‫ت َ‬
‫ما َ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫س‬
‫ضّرا ِ‬
‫سّرا ِ‬
‫ن ال َ‬
‫ن َ‬
‫عا ِ‬
‫ن ِ‬
‫ي ُن ْ ِ‬
‫وال ّ‬
‫والكاظِ ِ‬
‫فقو َ‬
‫وال َ‬
‫في ال ّ‬
‫ع ْ‬
‫في َ‬
‫مي َ‬
‫غي ْظ َ‬
‫ء َ‬
‫ء َ‬
‫ن الّنا ِ‬
‫عُلوا َ‬
‫ن إذا َ‬
‫ح َ‬
‫موا‬
‫ش ً‬
‫فا ِ‬
‫ه يُ ِ‬
‫وال ّ ِ‬
‫ح ِ‬
‫ف َ‬
‫م ْ‬
‫ح ّ‬
‫ذي َ‬
‫سِني َ‬
‫ة أو ظَل َ ُ‬
‫ب ال ْ ُ‬
‫والل ّ ُ‬
‫ن)‪َ (134‬‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫َ‬
‫غ َ‬
‫ه َ‬
‫أ َن ْ ُ‬
‫ه‬
‫ن يَ ْ‬
‫ست َ ْ‬
‫غ ِ‬
‫فُر الذُّنو َ‬
‫فا ْ‬
‫س ُ‬
‫ف َ‬
‫م ْ‬
‫ب إ ِل الل ُ‬
‫و َ‬
‫ه ْ‬
‫م ذَكُروا الل َ‬
‫ه ْ‬
‫م َ‬
‫فُروا ل ِذُُنوب ِ ِ‬
‫ما َ‬
‫ن﴾]آل عمران‪ ،[135-133:‬ومن ظن أن‬
‫صّروا َ‬
‫و ُ‬
‫م يُ ِ‬
‫مو َ‬
‫م يَ ْ‬
‫ف َ‬
‫عل َ ُ‬
‫ه ْ‬
‫عَلى َ‬
‫ول َ ْ‬
‫عُلوا َ‬
‫َ‬
‫القدر حجة لهل الذنوب فهو من جنس المشركين الذين قال الله تعالى عنهم ﴿‬
‫شَر ُ‬
‫سي َ ُ‬
‫وَل آَبا ُ‬
‫ما أ َ ْ‬
‫و َ‬
‫ن أَ ْ‬
‫قو ُ‬
‫مَنا‬
‫ل ال ّ ِ‬
‫وَل َ‬
‫َ‬
‫ذي َ‬
‫حّر ْ‬
‫ه َ‬
‫شاءَ الل ّ ُ‬
‫ؤَنا َ‬
‫شَرك َْنا َ‬
‫كوا ل َ ْ‬
‫ّ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ن َ‬
‫حّتى‬
‫ي ٍ‬
‫ن ِ‬
‫ب ال ِ‬
‫ِ‬
‫م َ‬
‫دا عليهم ﴿كذَل ِك كذّ َ‬
‫ء﴾ قال الله تعالى را ّ‬
‫م ْ‬
‫ذي َ‬
‫م ْ‬
‫ه ْ‬
‫ش ْْ‬
‫ن قب ْل ِ ِ‬
‫عل ْم ٍ َ‬
‫سَنا ُ‬
‫ذا ُ‬
‫ه ْ‬
‫ق ْ‬
‫َ‬
‫ن إ ِّل‬
‫فت ُ ْ‬
‫ن ِ‬
‫ل ِ‬
‫ل َ‬
‫م ِ‬
‫عو َ‬
‫جوهُ ل ََنا إ ِ ْ‬
‫ن ت َت ّب ِ ُ‬
‫ر ُ‬
‫قوا ب َأ َ‬
‫م ْ‬
‫عن ْدَك ُ ْ‬
‫خ ِ‬
‫َ‬
‫ة َ‬
‫ل َ‬
‫ن)‪ُ (148‬‬
‫و َ‬
‫ق ْ‬
‫ة ال َْبال ِ َ‬
‫م إ ِّل ت َ ْ‬
‫غ ُ‬
‫ج ُ‬
‫شاءَ‬
‫فل ِل ّ ِ‬
‫صو َ‬
‫وإ ِ ْ‬
‫ح ّ‬
‫ه ال ْ ُ‬
‫الظّ ّ‬
‫ن أن ْت ُ ْ‬
‫خُر ُ‬
‫فل َ ْ‬
‫ن َ‬
‫ل َهداك ُ َ‬
‫ن﴾]النعام‪ ،[149-148:‬ولو كان القدر حجة لحد لم يعذب الله‬
‫م ِ‬
‫مأ ْ‬
‫َ َ‬
‫عي َ‬
‫ج َ‬
‫ْ‬
‫المكذبين للرسل كقوم نوح وعاد وثمود والمؤتفكات وقوم فرعون‪ ،‬ولم يأمر‬
‫بإقامة الحدود على المعتدين‪ ،‬ول يحتج أحد بالقدر إل إذا كان متبعا لهواه بغير‬
‫هدى من الله‪ ،‬ومن رأى القدر حجة لهل الذنوب يرفع عنهم الذم والعقاب‪،‬‬
‫فعليه أن ل يذم أحدا ول يعاقبه إذا إعتدى عليه‪ ،‬بل يستوى عنده ما يوجب اللذة‬
‫وما يوجب اللم‪ ،‬فل يفرق بين من يفعل معه خيرا وبين من يفعل معه شرا‪،‬‬
‫َ‬
‫ع ُ‬
‫مُنوا‬
‫ل ال ّ ِ‬
‫ج َ‬
‫م نَ ْ‬
‫وهذا ممتنع طبعا وعقل وشرعا‪ ،‬وقد قال تعالى ﴿أ ْ‬
‫ذي َ‬
‫نآ َ‬
‫َ‬
‫ْ َ‬
‫ت َ‬
‫م ْ‬
‫ع ُ‬
‫ن‬
‫و َ‬
‫مت ّ ِ‬
‫ن ِ‬
‫س ِ‬
‫ف ِ‬
‫حا ِ‬
‫ع ِ‬
‫ج َ‬
‫م نَ ْ‬
‫صال ِ َ‬
‫ضأ ْ‬
‫قي َ‬
‫دي َ‬
‫ل ال ْ ُ‬
‫كال ْ ُ‬
‫مُلوا ال ّ‬
‫َ‬
‫في الْر ِ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫ْ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ر﴾]ص‪ ،[28:‬وقال تعالى ﴿أ َ‬
‫كال ُ‬
‫ع ُ‬
‫ن﴾]القلم‪،[35:‬‬
‫ر ِ‬
‫سل ِ ِ‬
‫م ْ‬
‫ج َ‬
‫فن َ ْ‬
‫ف ّ‬
‫م ْ‬
‫مي َ‬
‫مي َ‬
‫ن كال ُ‬
‫ل ال ُ‬
‫ج ِ‬
‫جا ِ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫م َ‬
‫ن‬
‫كال ّ ِ‬
‫سي َّئا ِ‬
‫ب ال ّ ِ‬
‫ح ِ‬
‫تأ ْ‬
‫ج َ‬
‫ن نَ ْ‬
‫جت ََر ُ‬
‫نا ْ‬
‫س َ‬
‫م َ‬
‫وقال تعالى﴿أ ْ‬
‫عل َ ُ‬
‫حوا ال ّ‬
‫ذي َ‬
‫ذي َ‬
‫ه ْ‬
‫ما‬
‫و َ‬
‫حَيا ُ‬
‫حا ِ‬
‫ع ِ‬
‫م ْ‬
‫صال ِ َ‬
‫م َ‬
‫مات ُ ُ‬
‫ت َ‬
‫ساءَ َ‬
‫ه ْ‬
‫م َ‬
‫و َ‬
‫ه ْ‬
‫واءً َ‬
‫آ َ‬
‫مُلوا ال ّ‬
‫م َ‬
‫س َ‬
‫مُنوا َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫خل َ ْ‬
‫ن﴾]الجاثية‪ ،[21:‬وقال تعالى﴿أ َ‬
‫م إ ِل َي َْنا‬
‫ما َ‬
‫م َ‬
‫ح ِ‬
‫مو َ‬
‫ف َ‬
‫يَ ْ‬
‫وأن ّك ُ ْ‬
‫قَناك ُ ْ‬
‫م أن ّ َ‬
‫سب ْت ُ ْ‬
‫حك ُ ُ‬
‫عب ًَثا َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ن ي ُت َْر َ‬
‫ك‬
‫نأ ْ‬
‫سا ُ‬
‫عو َ‬
‫س ُ‬
‫ن﴾]المؤمنون‪،[115:‬وقال تعالى﴿أي َ ْ‬
‫ج ُ‬
‫َل ت ُْر َ‬
‫لن َ‬
‫ح َ‬
‫با ِْ‬
‫دى﴾]القيامة‪[36:‬أي مهمل ل ُيؤمر ول ُينهى‪.‬‬
‫س ً‬
‫ُ‬

‫للشيخ العلمة صالح بن عبد العزيز آل الشيخ‬

‫‪79‬‬

‫وقد ثبت في الصحيحين عن النبي ‪ ‬أنه قال »احتج آدم وموسى‪ ،‬قال‬
‫موسى‪ :‬يا آدم أنت أبو البشر‪ ،‬خلقك الله بيده‪ ،‬ونفخ فيك من روحه‪،‬‬
‫وأسجد لك ملئكته‪ ،‬أخرجتنا ونفسك من الجنة‪ .‬فقال له آدم‪ :‬أنت‬
‫موسى الذي اصطفاك الله بكلمه‪ ،‬وكتب لك التوراة بيده‪ ،‬فبكم وجدت‬
‫مكتوبا على قبل أن أخلق‪ ،‬وعصى آدم ربه فغوى‪ .‬قال‪ :‬بأربعين سنة‪.‬‬
‫قال‪ :‬فلم تلومني على أمر قدره الله على قبل أن أخلق بأربعين سنة‪.‬‬
‫ج آدم موسى أي غلبه بالحجة«‪ ،‬وهذا الحديث ضلت فيه طائفتان؛‬
‫قال‪ :‬فح ّ‬

‫طائفة كذبت به لما ظنوا انه يقتضى رفع الذم والعقاب عمن عصى الله لجل‬
‫القدر‪ ،‬وطائفة شّر من هؤلء جعلوه حجة‪ ،‬وقد يقولون القدرحجة لهل الحقيقة‬
‫الذين شهدوه‪ ،‬أو الذين ل يرون أن لهم فعل‪ ،‬ومن الناس من قال إنما حج آدم‬
‫موسى لنه أبوه‪ ،‬أو لنه كان قد تاب‪ ،‬أو لن الذنب كان في شريعة واللوم في‬
‫أخرى‪ ،‬أو لن هذا يكون في الدنيا دون الخرى‪ ،‬وكل هذا باطل ولكن وجه‬
‫الحديث أن موسى عليه السلم لم يلم أباه إل لجل المصيبة التي لحقتهم من‬
‫أجل أكله من الشجرة‪ ،‬فقال له‪ :‬لماذا أخرجتنا ونفسك من الجنة‪ .‬ولم يلمه‬
‫لمجرد كونه أذنب ذنبا وتاب منه‪ ،‬فإن موسى يعلم أن التائب من الذنب ل يلم‪،‬‬
‫وهو قد تاب منه أيضا‪ ،‬ولو كان آدم يعتقد رفع الملم عنه لجل القدر لم يقل ﴿‬
‫مَنا ل َن َ ُ‬
‫مَنا َأن ُ‬
‫ن‬
‫م تَ ْ‬
‫غ ِ‬
‫ن ِ‬
‫وإ ِ ْ‬
‫وت َْر َ‬
‫ف َ‬
‫م ْ‬
‫كون َ ّ‬
‫ح ْ‬
‫ن لَ ْ‬
‫َرب َّنا ظَل َ ْ‬
‫فْر ل ََنا َ‬
‫سَنا َ‬
‫ن﴾]العراف‪ ،[23:‬والمؤمن مأمور عند المصائب أن يصبر ويسلم‪ ،‬وعند‬
‫ال ْ َ‬
‫خا ِ‬
‫ري َ‬
‫س ِ‬
‫الذنوب أن يستغفر ويتوب‪ ،‬قال الله تعالى ﴿ َ‬
‫ق‬
‫و ْ‬
‫عدَ الل ّ ِ‬
‫صب ِْر إ ِ ّ‬
‫ه َ‬
‫ح ّ‬
‫فا ْ‬
‫ن َ‬
‫فْر ل ِذَن ْب ِ َ‬
‫ك﴾]غافر‪ ،[55:‬فأمره بالصبر على المصائب والستغفار من‬
‫ست َ ْ‬
‫غ ِ‬
‫وا ْ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫ْ‬
‫ْ‬
‫ن‬
‫م‬
‫ؤ‬
‫ي‬
‫ن‬
‫م‬
‫و‬
‫ه‬
‫ل‬
‫ال‬
‫ن‬
‫ذ‬
‫إ‬
‫ب‬
‫ل‬
‫إ‬
‫ة‬
‫ب‬
‫صي‬
‫م‬
‫ن‬
‫م‬
‫ب‬
‫صا‬
‫أ‬
‫ما‬
‫﴿‬
‫تعالى‬
‫وقال‬
‫المعائب‪،‬‬
‫ِ َ َ ْ ُ ِ ْ‬
‫َ‬
‫َ َ ِ ْ ُ ِ َ ٍ ِ ِ ِ ِ‬
‫)‪(75‬‬
‫د َ‬
‫ه﴾]التغابن‪ ،[11:‬قال ابن مسعود هو الرجل تصيبه المصيبة فيعلم‬
‫ه ِ‬
‫ِبالل ّ ِ‬
‫ه يَ ْ‬
‫قل ْب َ ُ‬
‫أنها من عند الله فيرضى ويسلم‪ .‬فالمؤمنون إذا أصابتهم مصيبة مثل المرض‬
‫والفقر والذل صبروا لحكم الله‪ ،‬وإن كان ذلك بسبب ذنب غيرهم‪ ،‬كمن أنفق‬
‫أبوه ماله في المعاصي‪ ،‬فافتقر أولده لذلك‪ ،‬فعليهم أن يصبروا لما أصابهم وإذا‬
‫لموا الب لحظوظهم ذكر لهم القدر‪ ،‬والصبر واجب باتفاق العلماء‪ ،‬وأعلى من‬
‫ذلك الرضا بحكم الله‪ ،‬والرضا قد قيل أنه واجب وقيل هو مستحب‪ ،‬وهو‬
‫الصحيح‪ ،‬وأعلى من ذلك أن يشكر الله على المصيبة لما يرى من إنعام الله‬
‫عليه بها‪ ،‬حيث جعلها سببا لتكفير خطاياه‪ ،‬ورفع درجاته‪ ،‬وإنابته إلى الله‪،‬‬
‫وتضرعه إليه‪ ،‬وإخلصه له في التوكل عليه ورجائه‪ ،‬دون المخلوقين‪ (76) ،‬وأما أهل‬
‫‪()75‬قال الشيخ محمد في كتاب التوحيد قال علقمة وذكره‪ ،‬باب اليمان بالله والصبر على‬
‫أقدار الله‪.‬‬
‫‪()76‬الكلم الذي سبق واضح؛ واضح في دللته على مراد المصنف الذي من أجله أتى بهذا‬
‫الكلم وواضح في نفسه‪ ،‬ولهذا ل نقف على ما سبق‪ ،‬وإنما في هذا الموطن وهو قوله‬
‫رحمه الله تعالى )إنّ الصبر مأمور به وعلينا الرضا وعلينا الشكر( هذه مراتب ثلث‬
‫للعبد المؤمن تجاه ما يصيب به الله جل وعل ويبتليه‪ ،‬وسعادة المؤمن تكمن في أنه إذا‬
‫ابتلي صبر‪ ،‬وإذا أعطي شكر‪ ،‬وإذا أذنب استغفر‪ ،‬ومن كان عنده هذه الثلث وهي الستغفار‬
‫عند الذنب والشكر على النعمة والصبر على البتلء كان قد حصل اليمان الحق‪.‬‬
‫الصبر مأمور به فهو واجب‪ ،‬وإذا كان الصبر مأمورا به فإنما يؤجر العبد على صبره‪ ،‬ل‬
‫فر الله جل وعل‬
‫على نفس المصيبة‪ ،‬ولهذا إذا أصابت العبد المصيبة فإن المصيبة بنفسها يك ّ‬
‫فارات كما سلف في الصحيح أن النبي عليه الصلة والسلم‬
‫بها من خطاياه‪ ،‬فالمصائب ك ّ‬
‫حزن ول وصب حتى الشوكة ُيشاكها إل‬
‫م ول َ‬
‫قال‪»:‬ما أصاب المؤمن من ه ّ‬

‫‪80‬‬

‫التعليقات الحسان على كتاب الفرقان‬

‫البغي والضلل فتجدهم يحتجون بالقدر إذا أذنبوا واتبعوا أهواءهم‪ ،‬ويضيفون‬
‫الحسنات إلى أنفسهم إذا أنعم عليهم بها‪ ،‬كما قال بعض العلماء أنت عند‬
‫الطاعة قدري وعند المعصية جبري‪ ،‬أي مذهب وافق هواك تمذهبت به‪ ،‬وأهل‬
‫الهدى والرشاد إذا فعلوا حسنة شهدوا إنعام الله عليهم بها‪ ،‬وأنه هو الذي أنعم‬
‫عليهم‪ ،‬وجعلهم مسلمين‪ ،‬وجعلهم يقيمون الصلة‪ ،‬وألهمهم التقوى‪ ،‬وأنه ل حول‬
‫ول قوة إل به‪ ،‬فزال عنهم بشهود القدر العجب والمن والذى‪ ،‬وإذا فعلوا سيئة‬
‫استغفروا الله وتابوا إليه منها‪.‬‬
‫ففي صحيح البخاري عن شداد بن أوس ‪ ‬قال‪ :‬قال رسول الله ‪» ‬سيد‬
‫الستغفار أن يقول العبد‪ :‬اللهم أنت ربي ل إله إل أنت‪ ،‬خلقتني‪ ،‬وأنا‬
‫فر‪ ،‬لكن الجر‬
‫كفر الله بها من خطاياه« وهذا يدل مع أحاديث ُأخر على أن المصيبة تك ّ‬
‫على المصيبة ل يكون إل لمن صبر كما جاء في الحديث الخر الذي جاء في الصحيح أيضا‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ف َ‬
‫شك ََر‪َ .‬‬
‫م ْ‬
‫سّراءُ َ‬
‫ه‪.‬‬
‫م‬
‫م‬
‫ن َ‬
‫ه َ‬
‫» َ‬
‫ؤ ِ‬
‫كا َ‬
‫خي ٌْر‪ ،‬إ ِ ْ‬
‫ن‪ ،‬إ ِ ّ‬
‫ع َ‬
‫ه َ‬
‫خْيرا ً ل َ ُ‬
‫صاب َت ْ ُ‬
‫مَرهُ ك ُل ّ ُ‬
‫نأ ْ‬
‫ر ال ْ ُ‬
‫جبا ً ل ْ‬
‫نأ َ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ً‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫َ‬
‫صب ََر‪َ ,‬‬
‫م ْ‬
‫س َ‬
‫ن «‪ .‬فإذن‬
‫ن َ‬
‫ه َ‬
‫ؤ ِ‬
‫ح ٍ‬
‫فكا َ‬
‫وإ ِ ْ‬
‫ذاك ل َ‬
‫د إ ِل ل ِل ُ‬
‫خْيرا ل ُ‬
‫صاب َت ْ ُ‬
‫ولي ْ َ‬
‫ضّراءُ َ‬
‫نأ َ‬
‫ه‪َ ،‬‬
‫َ‬
‫م ِ‬
‫ّ‬
‫ن الصبر مأمور به وإذا امتثل‬
‫المصائب بنفسها كفارة ول يؤجر إل على الصبر وذلك ل ّ‬
‫الواجب فصبر ُأجر على ذلك‪.‬‬
‫أما الرضا فهو مقام أعل‪.‬‬
‫والصبر‪- :‬تعلمون تفسيره‪ -‬هو حبس القلب عن التسخط‪ ،‬واللسان عن التشكي‪،‬‬
‫والجوارح عن إظهار الجزع باللطم والشق أو بأشباه ذلك‪ .‬فإذن من شكى باللسان فإنه‬
‫ليس بصابر‪ ،‬ومن تسخط المصيبة بالقلب فليس بصابر‪ ،‬ومن لطم وشق أو عمل أعمال‬
‫تنافي الصبر فليس بصابر‪.‬‬
‫المرتبة الثانية الرضا ‪ :‬قال رحمه الله إن الرضا )قيل واجب وقيل مستحب( وهذان‬
‫قولن لهل العلم منهم من قال إن الرضا واجب‪ .‬ومنهم من قال إن الرضا مستحب‪.‬‬
‫والصواب أن ل يقال أن الرضا ل هو واجب ول مستحب بل هو جهتان‪:‬‬
‫الرضا بفعل الله جل وعل فهو قضاءه وقدره وهذا واجب‪ ،‬لن الرضا بصفات‬
‫‪.1‬‬
‫الله جل وعل وما يفعله واجب‪.‬‬
‫والثاني الرضا بالمقضي بالمقدر فهذا مستحب‪.‬‬
‫‪.2‬‬
‫ن هذا الفعل جاء من الله جل وعل فواجب‬
‫مثل فقد الولد أو فقد حبيب من جهة أ ّ‬
‫الرضا عن أفعال الله جل وعل وأما تسخط أفعال الله جل وعل في ملكوته لن هذا يدخل‬
‫في ظن السوء بالله؛ يدخل في عموم قوله ﴿ال ّ‬
‫ء﴾]الفتح‪،[6:‬‬
‫و ِ‬
‫ن ِبالل ّ ِ‬
‫ن ال ّ‬
‫ه ظَ ّ‬
‫ظاّني َ‬
‫س ْ‬
‫ي نفسه والمصيبة نفسها وهي فقد الولد‪ ،‬فالرضا به فهذا مستحب‪،‬‬
‫والجهة الثانية المقض ّ‬
‫يرضى لكونه يعلم أن هذا فيه خير له وأنه أصلح وأن الله جل وعل ل يختار للعبد إل ما هو‬
‫أصلح له ونحو ذلك فهنا يرضى بالمصيبة وهذا من المور المستحبة لذوي المقامات العالية‪،‬‬

‫د َ‬
‫ن يُ ْ‬
‫ه﴾]التغابن‪ ،[11:‬قال علقمة هو الرجل تصيبه المصيبة‬
‫ه ِ‬
‫ن ِبالل ّ ِ‬
‫ؤ ِ‬
‫ه يَ ْ‬
‫م ْ‬
‫م ْ‬
‫قل ْب َ ُ‬
‫و َ‬
‫كما قال تعالى ﴿ َ‬
‫ّ‬
‫فيعلم أنها –يعني المصيبة‪ -‬من عند الله فيرضى بها ويسلم لله جل وعل‪ .‬هذا من تمام اليمان وهو‬
‫سبب من أسباب الهداية‪.‬‬

‫فإذن الرضا له جهتان‪:‬‬
‫جهة واجبة وهي الرضا بفعل الله؛ الرضا بالقضاء نفسه يعني بما أمر الله جل وعل به‬
‫كونا وبما قضاه يعني بما أمر به أن يقضى بفعله سبحانه بصفته بتقديره وأشباه ذلك فهذا‬
‫واجب‪ .‬لن الرضا عن الله جل وعل عن صفاته وأسمائه واجب‪ ،‬فل يظن به سبحانه ظن‬
‫السوء‪.‬‬
‫والجهة الثانية الرضا بالمقدور فهذا مستحب‪ ،‬الرضا بالمصيبة في نفسها بفقد الولد في‬
‫نفسه وأشباه ذلك‪.‬‬
‫المرتبة الثالثة‪ :‬أن يكون بعد الرضا شاكرا لله جل وعل على تلك المصيبة وهذه إنما هي‬
‫ح ّ‬
‫ما ي ُل َ ّ‬
‫ما ي ُل َ ّ‬
‫ها إ ِّل ُ‬
‫ظيم ٍ﴾]فصلت‪:‬‬
‫ظ َ‬
‫قا َ‬
‫قا َ‬
‫ع ِ‬
‫ها إ ِّل ال ّ ِ‬
‫ذو َ‬
‫ذي َ‬
‫و َ‬
‫و َ‬
‫ن َ‬
‫صب َُروا َ‬
‫لخاصة عباد الله ﴿ َ‬
‫ن جاءته هذه المصيبة ليكون له بها الخير‬
‫‪ .[35‬فهو رضى وبعد ذلك يشكر الله جل وعل أ ْ‬
‫في جهة تكفير السيئات ومن جهة أنه يصبر فيثاب؛ ومن جهة أنه يرضى عن فعل الله جل‬

‫للشيخ العلمة صالح بن عبد العزيز آل الشيخ‬

‫‪81‬‬

‫عبدك‪ ،‬وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت‪ ،‬أعوذ بك من شر ما صنعت‪،‬‬
‫أبوء لك بنعمتك علي‪ ،‬أبوء بذنبي‪ ،‬فاغفر لي‪ ،‬فإنه ل يغفر الذنوب إل‬
‫أنت‪ ،‬من قالها إذا أصبح موقنا بها فمات من ليلته دخل الجنة«‪.‬‬

‫وفي الحديث الصحيح عن أبي ذر ‪ ‬عن النبي ‪ ‬فيما يروي عن ربه تبارك‬
‫وتعالى أنه قال »يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم‬

‫محرما فل تظالموا‪ ،‬ياعبادي إنكم تخطئون بالليل والنهار وأنا أغفر‬
‫الذنوب جميعا ول أبالي‪ ،‬فاستغفروني أغفر لكم‪ ،‬يا عبادي كلكم جائع‬
‫ر إل من‬
‫إل من أطعمته‬
‫فاستطعموني أطعمكم‪ ،‬يا عبادي كلكم عا ٍ‬
‫َ‬
‫كسوته فاستكسوني أكسكم‪ ،‬يا عبادي كلكم ضال إل من هديته‬
‫فاستهدوني أهدكم‪ ،‬يا عبادي إنكم لن تبلغوا ضري فتضروني‪ ،‬ولن‬
‫تبلغوا نفعي فتنفعوني‪ ،‬يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجّنكم‬
‫كانوا على أتقى قلب رجل واحد منكم ما زاد ذلك في ملكي شيئا‪ ،‬يا‬
‫جّنكم كانوا على أفجر قلب رجل‬
‫عبادي لو أ ّ‬
‫ن أولكم وآخركم وإنسكم و ِ‬
‫واحد منكم ما نقص ذلك من ملكي شيئا‪ ،‬يا عبادي لو أن أولكم وآخركم‬
‫وإنسكم وجّنكم اجتمعوا في صعيد واحد فسألوني فأعطيت كل إنسان‬
‫مسألته ما نقص ذلك مما عندي إل كما ينقص البحر إذا غمس فيه‬
‫المخيط غمسة واحدة‪ ،‬يا عبادي إنما هي أعمالكم أحصيها لكم‪ ،‬ثم‬
‫وفيكم إياها‪ ،‬فمن وجد خيرا فليحمد الله‪ ،‬ومن وجد غير ذلك فل يلومن‬
‫أ َ‬
‫إل نفسه«‪.‬‬

‫فأمر سبحانه بحمد الله على ما يجده العبد من خير‪ ،‬وأنه إذا وجد شرا فل‬
‫يلومن إل نفسه‪ ،‬وكثير من الناس يتكلم بلسان الحقيقة ول يفرق بين الحقيقة‬
‫الكونية القدرية المتعلقة بخلقه ومشيئته‪ ،‬وبين الحقيقة الدينية المرية المتعلقة‬
‫برضاه ومحبته‪ ،‬ول يفرق بين من يقوم بالحقيقة الدينية موافقا لما أمر الله به‬
‫على ألسن رسله‪ ،‬وبين من يقوم بوجده وذوقه غير معتبر ذلك بالكتاب والسنة‪،‬‬
‫كما أن لفظ الشريعة يتكلم به كثير من الناس‪ ،‬ول يفرق بين الشرع المنزل من‬
‫عند الله تعالى‪ ،‬وهو الكتاب والسنة الذي بعث الله به رسوله فإن هذا الشرع‬

‫وعل الرضا الواجب فيثاب‪ ،‬ويرضى بالمصيبة أيضا فيثاب‪ ،‬وأيضا لذلك يشكر الله سبحانه‬
‫وتعالى أن لم يجعله من المتسخطين أو من ‪ ...‬أو نحو ذلك وهذا مقام الشكر لله جل وعل‪.‬‬
‫إذن فثم أربع درجات ذكرها شيخ السلم الولى‪ :‬الصبر‪ ،‬والثانية‪ :‬الرضا عن القضاء أو‬
‫عن فعل الله‪ ،‬والثانية‪ :‬الرضا بالمصيبة والثالثة‪ :‬الشكر‪ .‬اثنتان منها واجبة واثنتان‬
‫مستحبة؛ الصبر والرضا بقضاء الله هذا واجب والرضا بالمصيبة والشكر بعد ذلك مستحبة‬
‫وهي من مقامات الولياء‪ .‬نقف عند هذا‪ ،‬ونكمل إن شاء الله في المرة القادمة‪.‬‬
‫ المصائب كفارات للخطايا بمجردها‪ ،‬الضابط هو أن يكون مؤمنا فقط‪ ،‬أما هو ولو لم‬‫فر الله بها من خطاياه لو ما خطر بباله‪ ،‬لو ما علم فمن رحمة الله بهذه‬
‫تخطر بباله ك ّ‬
‫حزن ول وصب حتى الشوكة ُيشاكها إل‬
‫م ول َ‬
‫المة »ما أصاب المؤمن من ه ّ‬
‫كفر الله بها من خطاياه« فالمصائب كفارات للخطايا بمجردها‪.‬‬
‫فر ولو لم يصبر لكنه ل يؤجر إل بالصبر‪ .‬هذا الذي‬
‫ الصبر واجب فإن لم يصبر أثم‪ ،‬يك ّ‬‫دلت عليه الحاديث في هذا الباب وهو قول عامة جمهور أهل العلم‪.‬‬
‫أما من جهة فعل الله جل وعل فهو ظن السوء به سبحانه بصفته وأن هذه جاءت بغير‬
‫حكمة أو أنه ابتله هو وترك غيره وأن غيره أولى منه وهذا ق ّ‬
‫ل من يسلم منه‪ ...‬هذا ما‬
‫رضي عن فعل الله ظن بالله ظن السوء‪ ،‬الرضا بالمصيبة في نفسها وأن ينشرح صدره لها‬
‫فت نفسه وعد ّ هذا فعل المصيبة عليه بفقده للولد أو في فقده لبيه ونفسه ما‬
‫فإن ك َل ِ َ‬
‫انشرحت لذلك ويكرهها ويكره ما حصل له هذا ما رضي بالمصيبة في نفسها‪.‬‬

‫‪82‬‬

‫التعليقات الحسان على كتاب الفرقان‬

‫ليس لحد من الخلق الخروج عنه‪ ،‬ول يخرج عنه إل كافر‪ ،‬وبين الشرع الذي هو‬
‫حكم الحاكم‪ ،‬فالحاكم تارة يصيب وتارة يخطىء‪ ،‬هذا إذا كان عالما عادل‪ ،‬وإل‬
‫ففي السنن عن النبي ‪ ‬أنه قال »القضاة ثلثة؛ قاضيان في النار‪ ،‬وقاض‬
‫في الجنة‪ ،‬رجل علم الحق وقضى به فهو في الجنة‪ ،‬ورجل قضى‬
‫للناس على جهل فهو في النار‪ ،‬ورجل علم الحق فقضى بغيره فهو‬
‫في النار« وأفضل القضاة العالمين العادلين سيد ولد آدم محمد ‪ ،‬فقد ثبت‬
‫عنه في الصحيحين أنه قال »إنكم تختصمون إلي ولعل بعضكم يكون ألحن‬
‫بحجته من بعض‪ ،‬وإنما أقضى بنحو مما أسمع فمنقضيت له من حق‬
‫أخيه شيئا فل يأخذه‪ ،‬فإنما أقطع له قطعة من النار« قد أخبر سيد الخلق‬

‫أنه إذا قضى بشيء مما سمعه وكان في الباطن بخلف ذلك‪ ،‬لم يجْز للمقضى‬
‫له أن يأخذ ما قضى به له‪ ،‬وأنه إنما يقطع له به قطعة من النار‪ ،‬وهذا متفق‬
‫عليه بين العلماء في الملك المطلقة إذا حكم الحاكم بما ظنه حجة شرعية‬
‫كالبّينة والقرار‪ ،‬وكان الباطن بخلف الظاهر لم يجز للمقضى له أن يأخذ ما‬
‫ُقضي به له بالتفاق‪ ،‬وإن حكم في العقود والفسوخ بمثل ذلك‪ ،‬فأكثر العلماء‬
‫يقول أن المر كذلك‪ ،‬وهو مذهب مالك والشافعى وأحمد بن حنبل‪ ،‬وفّرق أبو‬
‫حنيفة ‪ ‬بين النوعين‪ ،‬فلفظ الشرع والشريعة إذا ُأريد به الكتاب والسنة لم‬
‫يكن لحد من أولياء الله ول لغيرهم أن يخرج عنه)‪ ،(77‬ومن ظن أن لحد من‬

‫‪()77‬الحمد لله وبعد‪ :‬هذا المقطع الذي سمعتم اشتمل على تأصيل مسألة عظيمة هي‬
‫الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان‪ ،‬وهي أن العبد المؤمن يفرق ما بين ما يجريه‬
‫الله جل وعل كونا وقدرا وما يجعله الله جل وعل دينا وشرعا‪ .‬فالحقيقة منقسمة إلى حقيقة‬
‫كونية قدرية وإلى حقيقة شرعية دينية‪ ،‬فلهذا يتعامل مع ما يجري كونا بالرضا بل بالصبر‬
‫عليه والرضا به كما ذكرت لك آنفا أن الصبر واجب وأن الرضا مستحب يعني بما يقع‪ ،‬ومع‬
‫الحقيقة الدينية الشرعية التي يتعامل معها بالمتثال في المر والنهي‪ ،‬إذا نظر العبد إلى ما‬
‫بين هاتين المسألتين وجد أن الولي هو الذي ل يحتج بالقدر إذا ‪ ...‬ول يحتج بالجبر إذا رغب‬
‫إذا رغب‪ ،‬فالمور الكونية التي تحصل من المصائب والبلء والفتن التي تحصل في الرض‬
‫أو مما يحصل في السماء مما يبتلي به الله جل وعل العباد‪ ،‬هذه أمور كونية لله جل وعل‬
‫فيها الحكمة البالغة‪ ،‬ل تؤثر هذه في الستسلم وفي الرضا على أفعال العبد تجاه هذه‬
‫الشياء‪ ،‬فضّلت طائفة رأوا أن كل ما يجري فيه حكمة ولكن ل يفعلون معها شيء؛ ل‬
‫يفعلون مع ما يحصل شيئا‪ ،‬وهذا من مثل مثل ابتلء الله جل وعل العباد بالعداء‪ ،‬ابتلء الله‬
‫فرقة والفتنة ونحو ذلك‬
‫جل وعل العباد المؤمنين بالمنافقين‪ ،‬ابتلء الله جل وعل العباد بال ُ‬
‫من المور التي تحصل‪ ،‬وهو مما قدره الله كونا ووقع‪ ،‬فهذه من استسلم لها ولم ينظر إلى‬
‫الحقيقة الشرعية الدونية فإنه ضال وعلى غواية‪ ،‬وأما من جمع بين المرين ورأى أن هذه‬
‫وقعت والله جل وعل له الحكمة البالغة في ذلك‪ ،‬وإذا وقعت لم يحمله هذا ولم ينشغل به‬
‫عما يجب عليه شرعا‪ ،‬فإن الناس قد ينشغلون بالكونيات عن الشرعيات‪ ،‬والناس عند ورود‬
‫البلء وورود الشبهات وعند ورود الفتن قد ل يستعملون معها الشرعيات‪ ،‬قد ل تتحملها‬
‫قلوبهم وعقولهم فل يعملون معها ما يجب‪ ،‬وهذه ليست من صفة أولياء الله‪ ،‬فأولياء الله‬
‫جل وعل هم الذين يعلمون أن ما ُيجري الله جل وعل في الكون أنه بحكمة وأن له المر‬
‫الغالب‪ ،‬ثم يستعملون ما أمر به شرعا‪ ،‬إذا كان الميدان ميدان جهاد جاهدوا‪ ،‬إذا كان‬
‫الميدان ميدان المر بالمعروف والنهي عن المنكر أمروا ونهوا‪ ،‬إذا كان المجال مجال‬
‫نصيحة نصحوا لله جل وعل ولرسوله ولكتابه ولئمة المسلمين وعامتهم‪ ،‬وإذا كان الميدان‬
‫ميدان اجتماع وائتلف ونهي عن الفرقة والختلف فإنهم ل يشغلهم ذكر الفرقة والختلف‬
‫عن ما يجد شرعا تجاه ذلك من كف اللسان ومن النصيحة ومن التآلف والتآخي ووق ّ‬
‫ل من‬
‫َيخلص من ذلك بالتوفيق ما بين أمر الله الشرعي وما بين ابتلئه الكوني‪ ،‬وإنما يخلص من‬
‫ذلك أولياء الله جل وعل‪ ،‬كذلك ذكر أن أولياء الله جل وعل بخلف من ليسوا كذلك في أمر‬
‫الشريعة فليس أمر الشريعة فيما يسمى شريعة ليس هو فقط فيما أنزل الله جل وعل‬

‫للشيخ العلمة صالح بن عبد العزيز آل الشيخ‬

‫‪83‬‬

‫أولياء الله طريقا إلى الله غير متابعة محمد ‪ ‬باطنا وظاهرا فلم يتابعه باطنا‬
‫ضر كان غالطا‬
‫وظاهرا فهو كافر‪ (78) ،‬ومن احتج في ذلك بقصة موسى مع ال َ‬
‫خ ِ‬
‫من وجهين‪ ،‬أحدهما أن موسى لم يكن مبعوثا إلى الخضر ول كان على الخضر‬
‫اتباعه‪ ،‬فإن موسى كان مبعوثا إلى بني إسرائيل‪ ،‬وأما محمد ‪ ‬فرسالته عامة‬
‫لجميع الثقلين الجن والنس‪ ،‬ولوأدركه من هو أفضل من الخضر كإبراهيم‬
‫وموسى وعيسى وجب عليهم إتباعه‪ ،‬فكيف بالخضر سواء كان نبيا أو وليا‪ ،‬ولهذا‬
‫قال الخضر لموسى أنا على علم من علم الله عّلمنيه الله ل تعلمه‪ ،‬وأنت على‬

‫ن يحكم فيه القاضي هذا أيضا من الشريعة‬
‫على رسوله‪ ‬بل ما حكم به الحاكم فيما له أ ْ‬
‫الذي ل يجوز لحد أن يخرج عنه‪ ،‬لكن َثم فرق ما بين الكتاب المنزل والسنة والشريعة التي‬
‫هي كتاب الله وسنة رسوله ‪ ‬الذي من خالفها فهو كافر وما بين كلم عالم أوحكم قاض‬
‫ونحو ذلك فليس كل من خالف كلم عالم أو طائفة من العلماء ُيعد كافرا‪ ،‬وليس كل من‬
‫خالف أو لم يرض بحكم الحاكم المعين أنه يكون كافرا‪ ،‬بل َثم فرق بين النوعين لكن من‬
‫خالف الشريعة المنزلة أو خرج عنها هذا كافر‪ ،‬ومن خالف عالما معين فهذا فيه التفصيل‪،‬‬
‫فقد يخالفه لمر آخر يكون فيه محقا أو يكون فيه مبطل‪ ،‬لكن يكون ثم له شبهة‪ ،‬وإذا كان‬
‫النبي عليه الصلة والسلم ذكر أنه قد يقضي القضاء عليه الصلة والسلم ول يكون مصيبا‬
‫في حقيقة المر‪ ،‬ولكن يكون مصيبا في ظاهر المر؛ لن قضاء القاضي إنما هو على‬
‫البينات الظاهرة أو على القراء‪ ،‬فإذا قضى على من يكون من بيننا أو ما يأتيه من الفهم‬
‫من حجة هذا وحجة هذا فإنه في الظاهر حكم بشرع الله جل وعل وأعطى الحق لهله‪ ،‬وقد‬
‫ل يكون في الباطن وصل إلى حقيقة المر‪ ،‬وهذا ما يجعل هذا القاضي لم يصب حكم‬
‫الشريعة‪ ،‬لهذا القاضي إذا قضى على نحو ما سمع أو علة نحو ما ظهر له من المر وكان‬
‫في الباطن ليس محقا‪ ،‬فإن هذا ل يقدح فيه فإن النبي عليه الصلة والسلم وهو أكمل‬
‫الخلق قد قال »لعل بعضكم يكون ألحن بحجته من بعض فأحكم له فإنما أقضي‬
‫على نحو ما أسمع فمن قضيت له من حق أخيه بشيء فإنما أقضي له‬
‫بقطعة من النار فليأخذ أو ليدع« مع أنه عليه الصلة والسلم هو النبي وهو المؤيد‬
‫وهو الذي يوحى إليه‪ ،‬لكن قد يخالف حكمه الظاهر ما في حقيقة باطن المسألة فيقضي‬
‫لمن ليس له الحق فليس هذا موجبا للقدح فيه‪ ،‬والناس في هذا ما بين طرفين ووسط‪،‬‬
‫والطرفان طرف أولياء الشيطان أو من لم يرعَ للشريعة حقها فرأى أنه بهذا يسعه الخروج‬
‫من حكم الشريعة إذا حصل له علم الحقيقة الباطن ‪ ،‬وطرف آخر غل فقال إن القاضي إذا‬
‫حكم بغير الحق في نفس المر فإنه ُيحكم عليه بالكفر‪ ،‬ويحكم عليه الضلل ونحو ذلك لنه‬
‫إذا لم يكن إلى حقيقة المر فإنه اتبع هواه وهذا أيضا باطل والصواب التفريق ما بين‬
‫الشريعة المطلقة التي ل يسوغ لحد أن يخرج عنها وما بين حكم الحاكم أو كلم العالم أو‬
‫فتوى العالم أو رأي العالم أو طائفة من العلماء في مسألة ما أو في مسائل‪ ،‬فإن هذه قد‬
‫يكون لهم الحق فيها وقد ل يكون‪ ،‬لكن الناس يلزمهم أن يمشوا على فتوى علمائهم‪ ،‬وأن‬
‫يلتزموا بقضاء قضاتهم‪ ،‬ولو كان في نفس المر غير موافق للصواب‪ ،‬لن الناس ل يصلحون‬
‫ت للمسائل‪.‬‬
‫م ْ‬
‫ف ٍ‬
‫فوضى ول يصلحون دون حكم حاكم ودون فتوى ُ‬
‫سما واحدا وهو ما دل عليه‬
‫فإذن ُينتبه إلى طرف الغلة وهم الذين جعلوا الشريعة قِ ْ‬
‫الكتاب والسنة فمن خالفها فهو ضال دون نظر إلى ما يجري ظاهرا على فهم العلماء من‬
‫جفت فتركت اتباع السنة‪ ،‬واتباع محمد عليه الصلة والسلم‬
‫المفتين والقضاة‪ ،‬وما بين فئة َ‬
‫طلبا للحقيقة كما سيأتي في كلم الشيخ رحمه الله تعالى‪.‬‬
‫حكم بغير الشريعة‪ ،‬يقول‬
‫‪()78‬مثل بعض المسائل قد يرددها بعضهم وهو ليفقه مثل يقول‪َ :‬‬
‫حكم بغير الشريعة ونحو ذلك لخروج من فعل ذلك عن الحكم بقول بعض العلماء أو‬
‫هذا ُ‬
‫القول ببعض المذاهب ونحو ذلك‪ ،‬فهذا لشك أنه ل يجوز أن يطلق القول في حق أحد أو‬
‫في حق دولة أو في حق مجتمع بأنه حكم بغير الشريعة لخروجه عن الحكم بقول طائفة‬

‫‪84‬‬

‫التعليقات الحسان على كتاب الفرقان‬

‫علم من علم الله علمكه الله ل أعلمه‪ ،‬وليس لحد من الثقلين الذين بلغتهم‬
‫)‪(79‬‬
‫رسالة محمد ‪ ‬أن يقول مثل هذا‪.‬‬
‫الثاني أن ما فعله الخضر لم يكن مخالفا لشريعة موسى عليه السلم‪،‬‬
‫م السباب التي تبيح ذلك فلما بينها له وافقه على ذلك‪ ،‬فإن‬
‫وموسى لم يكن ع َل ِ َ‬
‫خرق السفينة ثم ترقيعها لمصلحة أهلها خوفا من الظالم أن يأخذها إحسان‬
‫إليهم‪ ،‬وذلك جائز‪ ،‬وقتل الصائل جائز وإن كان صغيرا‪ ،‬ومن كان تكفيره لبويه ل‬
‫يندفع إل بقتله جاز قتله‪ ،‬قال ابن عباس رضي الله عنهما لنجدة الحروري لما‬
‫سأله عن قتل الغلمان قال له‪ :‬إن كنت علمت منهم ما علمه الخضر من ذلك‬
‫الغلم فاقتلهم‪ ،‬وإل فل تقتلهم‪ .‬رواه البخاري‪ .‬وأما الحسان إلى اليتيم بل عوض‬
‫من أهل العلم‪ ،‬وإنما يقال حكم بغير الشريعة وخرج عن الشريعة إذا خرج عن مدلول‬
‫ن كان الدليل محتمل والمسألة ليس فيها‬
‫الكتاب والسنة؛ خرج عن ما دل عليه الدليل‪ ،‬فإ ْ‬
‫إجماع فل يجوز أن يقال أن فلنا خرج عن حكم الشريعة أو حكم بغير الشريعة‪ ،‬والقاضي‬
‫الفلني حكم بالهوى وبحكم بغير الشريعة‪ ،‬أو الدولة الفلنية تحكم بغير الشريعة إذا كانت‬
‫حكمت بقول غير طائفة معينة من أهل العلم‪ ،‬فإذن ل بد من التفريق ما بين الحكم‬
‫المطلق للشريعة الذي من تركه فهو كافر وضال وما بين الحكم المقيد الشرعي فهو‬
‫شريعة فهو حكم طائفة من أهل العلم‪ ،‬فإن الخروج عن الول كفر؛ الشريعة المنزلة‪ ،‬أما‬
‫الخروج عن الثاني ففيه تفصيل‬
‫‪()79‬الخضر سبب اتصال موسى به أنه قال أي موسى‪ :‬أنا أعلم أهل الرض فأوحى الله جل‬
‫وعل إليه "إيتي عبدنا خضرا فإنه أعلم منك" والحديث معروف في أول البخاري وفي تفسير‬
‫سورة الكهف‪.‬‬
‫الخضر اختلف العلماء فيه‪ :‬هل كان نبيا أم كان وليا؟‬
‫فرأى طائفة أنه نبي وهم ]جمهور أهل العلم[ أنه كان نبيا‪ ،‬واستدلوا على ذلك بقوله جل‬
‫ما﴾]الكهف‪ [65:‬وما حصل من قصته مع موسى من أشياء ل‬
‫و َ‬
‫ن ل َدُّنا ِ‬
‫مَناهُ ِ‬
‫م ْ‬
‫عل ْ ً‬
‫عل ّ ْ‬
‫وعل ﴿ َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫يمكن أن يدركها إل بالوحي وفيها قول ينسب إليه وإلى الملئكة وهو قوله ﴿ َ‬
‫ن‬
‫فأَردَْنا أ ْ‬
‫َ‬
‫ه َز َ‬
‫ما﴾ ]الكهف‪ [81:‬وقال في الجدار ﴿ َ‬
‫وأ َ ْ‬
‫د‬
‫ما َ‬
‫خي ًْرا ِ‬
‫ي ُب ْ ِ‬
‫فأَرا َ‬
‫ب ُر ْ‬
‫قَر َ‬
‫ما َرب ّ ُ‬
‫دل َ ُ‬
‫ح ً‬
‫من ْ ُ‬
‫ه َ‬
‫ه َ‬
‫كاةً َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫جا َ‬
‫ن َرب ّ َ‬
‫َرب ّ َ‬
‫غا أ ُ‬
‫ك﴾ ]الكهف‪ [82:‬وهذا إنما‬
‫ست َ ْ‬
‫ن ي َب ْل ُ َ‬
‫م ً‬
‫كنَز ُ‬
‫شد ّ ُ‬
‫ة ِ‬
‫كأ ْ‬
‫ما َر ْ‬
‫ر َ‬
‫م ْ‬
‫وي َ ْ‬
‫ح َ‬
‫ه َ‬
‫ه َ‬
‫ما َ‬
‫خ ِ‬
‫يكون عن وحي والوحي للنبياء ل لولياء لن للولي إلهام واللهام في قضايا ول يكون في‬
‫مثل هذه يكون في قضايا يحكم فيها يتبين له فيها الصواب أما هذا إنما هو الوحي‪ ،‬قتل‬
‫َ‬
‫الغلم‪ ،‬إقامة الجدار خرق سفينة ونحو ذلك‪ ،‬وقال ) َ َ‬
‫ه‬
‫ما َ‬
‫خي ًْرا ِ‬
‫ن ي ُب ْ ِ‬
‫فأَردَْنا أ ْ‬
‫ما َرب ّ ُ‬
‫دل َ ُ‬
‫من ْ ُ‬
‫ه َ‬
‫ه َ‬
‫َز َ‬
‫وأ َ ْ‬
‫ما(‪.‬‬
‫ب ُر ْ‬
‫قَر َ‬
‫ح ً‬
‫كاةً َ‬
‫والقول الثاني وهو قول ]قليل من أهل العلم[ أنه كان وليا‪ ،‬جمهور أهل العلم على أنه‬
‫كان ولي وقالت طائفة إنه نبي واستدلوا بما ذكرت لك من الدلة وقال الجمهور إنه ولي‬
‫وليس بنبي‪ .‬وقد قال الحافظ ابن حجر رحمه الله إن أولى درجات الزندقة أن يقال إن‬
‫الخضر ولي لجل أن الزنادقة الذين خرجوا عن اتباع محمد عليه الصلة والسلم من‬
‫أصحاب الوحدة قالوا كما وسع الخضر الخروج نخرج‪ .‬الخضر خرج عن رسالة موسى وعن‬
‫اتباع موسى لما ُألهم لنه كان وليا فنحن نخرج كما خرج الخضر عن موسى‪.‬‬
‫المقصود –حاصل الكلم‪ -‬أن المحققين من أهل العلم على أنه نبيا‪ ،‬والجمهور على أنه‬
‫كان وليا يعني أكثر العلماء الذين تكلموا في هذه المسألة‪.‬‬
‫تعرفون كلمة الراجح هي نسبية معناها الراجح عند المتكلم إذا سمعتم )والراجح كذا(‬
‫فمعناها الراجح عندي‪ ،‬إذا قال أحد من أهل العلم )الراجح كذا( الراجح عنده ل أنه راجح‬
‫في نفس المر‪ ،‬لن الرجحان هذا نسبي‪ ،‬والراجح ‪ ...‬يعني عنده‪ ،‬ما فيه راجح عام‬
‫الرجحان نسبي إفهموها في كلم أهل العلم‪ ،‬إذا قال بعض أهل العلم )والصحيح كذا( يعني‬
‫والصحيح عنده ليس الصحيح المطلق‪ ،‬إذا قال الراجح في المسألة كذا يعني عنده هو بما‬
‫تحرى هو من الحق‪) ،‬أصح القولين في المسألة كذا( يعني عنده‪،‬قد ل تكون أصح القولين‬
‫في نفس المر‪.‬‬

‫للشيخ العلمة صالح بن عبد العزيز آل الشيخ‬

‫‪85‬‬

‫والصبر عل الجوع‪ ،‬فهذا من صالح العمال فلم يكن في ذلك شيءمخالفا شرع‬
‫الله‪.‬‬
‫وأما إذا أريد بالشرع حكم الحاكم فقد يكون ظالما‪ ،‬وقد يكون عادل‪ ،‬وقد‬
‫يكون صوابا‪ ،‬وقد يكون خطأ‪ ،‬وقد يراد بالشرع قول أئمة الفقه كأبي حنيفة‬
‫والثوري ومالك بن أنس والوزاعى والليث بسعد والشافعي وأحمد وإسحاق‬
‫وداود وغيرهم‪ ،‬فهؤلء أقوالهم يحتج لها بالكتاب والسنة‪ ،‬وإذا قلد غيره حيث‬
‫يجوز ذلك كان جائزا أي ليس اتباع أحدهم واجبا على جميع المة‪ ،‬كاتباع‬
‫الرسول ‪ ،‬ول يحرم تقليد أحدهم كما يحرم اتباع من يتكلم بغير علم‪ ،‬وأما إن‬
‫لهذا ذكرت لك في المسألة هذه أن جمع من المحققين أنه نبي وأبطلوا القول بأنه ولي‪،‬‬
‫وجمهور أهل العلم على أنه ولي‪ ،‬كذلك إذا قلنا مثل كيف الراجح؟ معناه –كما في سؤال‬
‫الخ‪ -‬معناه ُأوش ترى في المسألة؟ هذا إذا اختلف العلماء وقيل ما الراجح عندك؟ معناه ما‬
‫قولك في المسألة على أي القولين‪) .‬الدرس عندنا درس تعليم الترجيح والتباع لهل العلم‬
‫الراسخين(‬
‫كلمة المحققين كلمة فتانة في الدروس والكتب هذه معناها أنه إذا عرض لمسألة فإنه‬
‫ل يمر عليها على َوفق ما عنده من المعلومات السابقة التي ربما نشأ عليها‪ ،‬بل اعتاد أنه‬
‫ن يحرر كل مسألة يقال له محقق‪،‬‬
‫يحرر كل مسألة خاصة المسائل العظام‪ ،‬الذي إعتاد أ ْ‬
‫ققَ الشيء إذا أحسن نسجه‪ ،‬والثوب‬
‫ح ّ‬
‫ليس تحقيق الكتب هذه الن‪ .‬وأصلها في اللغة من َ‬
‫المحقق إذا كان نسجه على الغاية‪ ،‬لهذا المحقق من يحسن النظر في المسائل ل يدري‬
‫هكذا بما ألف أو بما سمع بل يحسن النظر ‪ ،‬معلوم المة إختلفت إختلف كبير في مسائل‬
‫العلم والمسائل المجمه عليها قليلة‪ ،‬المسائل المختلف فيها كثيرة جدا جدا جدا‪ ،‬لذلك ل‬
‫يخلو أحد مهما كان من تقليد )التقليد المحمود يعني التباع( المام مالك رحمه الله‪ ،‬المام‬
‫أبو حنيفة قبله جرى على ما عليه أهل الكوفة أخذ فتاوى ‪ ...‬فتاوى أصحاب ابن مسعود‬
‫وقاس وزاد أشياء‪ ،‬جرى على أشياء قلد فيها‪ ،‬المام مالك أيضا قلد أهل المدينة في‬
‫أشياء ‪ ...‬عليه‪ ،‬الشافعي قلد أهل مكة وخلط شيء من نظر أهل المدينة ولما ذهب إلى‬
‫بغداد أيضا شيء من نظر أهل العراق‪ ،‬جمع بين أشياء كون بها فقهه في مصر‪ ،‬المام أحمد‬
‫اختلفت أقواله في المسائل لسباب تارة في المسألة الواحدة تجد عنده عدة روايات‪ ،‬بل‬
‫في مسألة جاء سبع روايات‪ ،‬هذا له أسباب يطول المقام بذكرها‪ ،‬لكن منها أنه يتابع بعض‬
‫ت إلى مسائل الصول؛ أصول الفقه فيها تقليد‪ ،‬شيخ‬
‫العلماء ممن قبله في مسائل‪ ،‬إذا نظر َ‬
‫السلم بن تيمية اجتهد أن يحقق بعض المسائل في الصول‪ ،‬إذا نظرت إلى الرجال هل كل‬
‫عالم له نظر مستقل في الرجال في باب الحديث‪ ،‬يعني فلن ابن اسحاق هل هو ثقة أو‬
‫صدوق؟ الواقدي هل هو ثقة أم هو ضعيف؟ الحجاج بن ‪ ...‬إيش وضعه؟ السدي الكبير ‪،‬‬
‫اسماعيل بن عبد الرحمان هذا هل هو ثقة هل هو صدوق رواية مسلم لمن روى؟ رواية‬
‫البخاري لمن روى؟ هذه كلها مسائل إختلف فيها أهل العلم في الرجال أو في المنهج‪ ،‬هل‬
‫نستطيع أن نحقق في كل مسألة؟ل‪ ،‬فل بد لكل أحد من التقليد هذه ليمكن الكف عنها‬
‫ولكن ثم تقليد لئمة السنة‪ ،‬هذا ولله الحمد به تبرأ الذمة وثم تقليد لمن ليس من أهل‬
‫العلم المحققين فهذا نوع ما نشأ عليه العبد نشأ عليه النسان في بلده أو حسب وضعه‬
‫يختلف يختلف الحال‪ ،‬فإذن الذين يقولون الجتهاد‪ ،‬ل يسمى إجتهادا كامل‪ ،‬يجتهد في مسألة‬
‫فحققها فصار مجتهد في هذه المسألة المعينة أما أن يصير عالم مجتهد فهذا مستحيل‬
‫ولذلك من أراد الجتهاد في أول طلبه العلم في كل مسألة يحررها إلى آخرها فسيكون‬
‫جاهل في مسائل كثيرة لن يطلع عليها لن يكون فيها محقق ول مقلد لنها تفوته‪ ،‬لن العلم‬
‫ن طالب العلم يسعى في معرفة كلم العلماء في مسائل‬
‫كثير‪ .‬لذلك ذكرنا لكم مرارا أ ّ‬
‫المسائل كلها في التوحيد في الفقه يمر عليه بكماله‪ ،‬الحاديث المشهورة يعرف معناها‬
‫در له وما عنده من‬
‫التفسير يمر عليها بكاملها يكون طالب علم‪ ،‬ثم بعد ذلك مع ما قُ ّ‬
‫ده واجتهاده في طلب العلم بعد توفيق الله له يكون‬
‫ج ّ‬
‫الستعدادات والمواهب واللت و ِ‬
‫عنده تحقيق واجتهاد في المسائل إذ هذه المسألة تجد فلن متميز فيها‪ ،‬مثل صالح بن عبد‬

‫‪86‬‬

‫التعليقات الحسان على كتاب الفرقان‬

‫أضاف أحد إلى الشريعة ما ليس منها من أحاديث مفتراة‪ ،‬أو تأول النصوص‬
‫بخلف مراد الله‪ ،‬ونحو ذلك‪ ،‬فلهذا من نوع التبديل‪ ،‬فيجب الفرق بين الشرع‬
‫المنزل‪ ،‬والشرع المؤول‪ ،‬والشرع المبدل‪ ،‬كما ُيفّرق بين الحقيقة الكونية‪،‬‬
‫والحقيقة الدينية المرية‪ ،‬وبين ما يستدل عليها بالكتاب والسنة‪ ،‬وبين ما ُيكتفي‬
‫)‪(80‬‬
‫فيها بذوق صاحبها ووجده‪.‬‬
‫فصــــــل‬
‫وقد ذكر الله في كتابه الفرق بين الرادة والمر‪ ،‬والقضاء والذن‪ ،‬والتحريم‬
‫والبعث‪ ،‬والرسال والكلم‪ ،‬والجعل‪ ،‬وبين الكوني الذي خلقه وقدره وقضاه‪ ،‬وإن‬
‫العزيز عنده مسائل حررها فأحسن الكلم فيها فيه مسائل أخرى ليس كذلك‪ ،‬وهكذا آخر‬
‫من أهل العلم تجد عنده مسائل حررها وهكذا؛ لن العلم واسع ول يمكن لحد أن يقال‬
‫كلمي هو التحرير في كل مسألة هذا جناية على العلم وأيضا المرء يجني فيه على نفسه‪،‬‬
‫أو أن يتطلب الواحد منا أن يحرر في كل مسألة العمار أقل من ذلك والعلم كثير إذا‬
‫وصلت آخره نسيت أوله ينبغي لك تكرار وفهم وتصوير المسائل ونحو ذلك‪ ،‬لهذا ينبغي أن‬
‫ينتبه طالب العلم أن دعوى الجتهاد في كل مسألة‪ ،‬والنظر كما نظر الئمة أحمد والشافعي‬
‫ومالك في فعل السلف وتحري الدلة في كل مسألة هذا يجعل المرء جاهل في مسائل‬
‫كثيرة‪ ،‬نعم يحقق هذه المسألة فيجيد فيها وتجد عنده تفصيل وربما يتميز عن بعض‬
‫الراسخين في العلم بكثرة معرفته وتفاصيله لهذه المسألة أو المسائل التي حررها‪ ،‬لكن‬
‫تجد عنده من الجهل الكثير في مسائل لم يطلع عليها لنه شغل وقته بتحرير مسائل وأطال‬
‫فيها وترتب على هذا أنه جهل مسائل كثيرة كما هو الواقع‪ ،‬وحرك ترى ولهذا طالب العلم‬
‫ينبغي عليه أن ل يجعل العلم في طلبه له لذة وشهوة‪ ،‬وقد قال ابن المبارك رحمه الله‬
‫َ‬
‫ه‬
‫"إن للعلم طغيانا كطغيان المال" مثل ما يكون الغني يطغى ﴿أ ْ‬
‫ن َرآ ُ‬
‫غَنى﴾]العلق‪ [7:‬كذلك طالب العلم ربما يطغى‪ ،‬صار عنده مسائل‪ ،‬شاف نفسه مثل‬
‫ست َ ْ‬
‫ا ْ‬
‫في الصول عنده كذا‪ ،‬صار عنده نظر جيد‪ ،‬أو عنده في الحديث أو الرجال معرفة‪ ،‬صار‬
‫عنده في بعض المسائل‪ ،‬هذا ليس من صنيع أهل العلم‪ ،‬كلما ازدت علما ازدت معرفة بأنك‬
‫تجهل الكثير‪ ،‬وأنه لو مد الله جل وعل في عمرك لحققت مسائل كذا ولزدت معلومات‬
‫وهكذا‪ ،‬لذلك قال بعض أهل العلم أموت ول زال في نفسي شيء من حتى‪ .‬حتى تارة‬
‫ترفع‪ ،‬تارة تنصب‪ ،‬تارة تخفض‪ .‬وهذه المشائل الرفوع والمنصوب والمخفوض هي مسائل‬
‫النحو فيموت وهو متعلق بتحرير مسائل المخفوض والمرفوع والمنصوب‪.‬ل كما يفهم‬
‫البعض أموت ول زال في نفسي شيء من حتى‪ ،‬يعني مات وما يعرف معنى حتى؟ ل‪ .‬هذه‬
‫كلمة لحد علماء النحو الكبار يعني أن مسائل العلم هذه إما مرفوع وإما مخفوض وإما‬
‫منصوب هذه في النحو‪ ،‬حتى تارة ترفع‪ ،‬تارة تنصب‪ ،‬تارة تخفض وهكذا العلم‪ ،‬تارة ترفع‬
‫هذا ‪ ،‬وتخفضه وتنصبه فإذن يموت المرء وهو يتعلم‪ ،‬يموت المرء وهو في العلم‪ ،‬ل يظنن‬
‫ظان أنه سيحيط بالعلوم كلها هذه إقطعها‪ ،‬أن تحيط بكل شيء إقطعها؛ إقطع المل‪،‬‬
‫وليكن إن أحطت بكثير فذاك حسن وأعظم ما تهته به ما قاله ابن القيم رحمه الله في‬
‫نونيته‬
‫ن والمر‬
‫تبيــانعلم بأوصاف اللـه وفعلــه وكــذلك السماء للديـا ِ‬
‫ِ‬
‫والعلم أقسام ثلث مالـــها من رابع والحق ذو‬
‫والنهي الذي هو ديـنه وجزاؤه يوم المعاد الثانــيتهتم بثلثة علوم إهتمام عام ثم بعد ذلك زد في‬
‫التفاصيل بحسب ما قدر لك من العمر والستعدادات والمواهب وما وفق الله جل وعل‬
‫َ‬
‫ه بِ َ‬
‫ب‬
‫م ْ‬
‫ن أَتى الل ّ َ‬
‫العبد به‪ .‬الهتمام بالتوحيد في مسائل‪ ...‬لن صلح القلب ﴿إ ِّل َ‬
‫قل ْ ٍ‬
‫سِليم ٍ﴾]الشعراء‪ [89:‬وأعطم الحسنات حسنة التوحيد فعل وتعلما لن الوسائل لها أحكام‬
‫َ‬
‫المقاصد‪ .‬والثاني المر والنهي الحلل والحرام فهذه في الفقه تتعدد‪ ،‬واحد يدخل بيته ل‬
‫يعرف الحكام الشرعية في عشرته لهله يعاشرهم هكذا بمقتضى الطبيعة والجبلة وما نشأ‬
‫عليه وما رأى عليه أهل بيته الجد والجدة وإلى آخره‪ ،‬ما يعرف الحكام الشرعية فهو‬
‫سيتصرف بل على هذا ليس بعالم هذا جاهل يصاحب الناس في البيت‪ ،‬في المسجد‬
‫يصاحب الناس في العمل زملء إلى آخره أصناف الناس لن يتعامل معهم بعلم لنه فاته‬

‫للشيخ العلمة صالح بن عبد العزيز آل الشيخ‬

‫‪87‬‬

‫كان لم يأمر به ول يحبه ول يثبت أصحابه ول يجعلهم من أوليائه المتقين‪ ،‬وبين‬
‫الديني الذي أمر به وشرعه وأثاب عليه وأكرمهم وجعلهم من أوليائه المتقين‬
‫وحزبه المفلحين وجنده الغالبين‪ ،‬وهذا من أعظم الفروق التي يفرق بها بين‬
‫أولياء الله وأعدائه‪ ،‬فمن استعمله الرب سبحانه وتعالى فيما يحبه ويرضاه‬
‫ومات على ذلك كان من أوليائه‪ ،‬ومن كان عمله فيما يبغضه الرب ويكرهه‬
‫ومات على ذلك كان من أعدائه‪ ،‬فالرادة الكونية هي مشيئته لما خلقه‪ ،‬وجميع‬
‫المخلوقات داخلة في مشيئته وارادته الكونية‪ (81) ،‬والرادة الدينية هي المتضمنة‬
‫لمحبته ورضاه‪ ،‬المتناولة لما أمر به‪ ،‬وجعله شرعا ودينا‪ ،‬وهذه مختصة باليمان‬
‫أشياء كثيرة‪ ،‬في التجارة‪ ،‬في البيع في المر‪ ،‬في النهي في النصيحة‪ ،‬في أشياء كثيرة‪ ،‬ما‬
‫يعترض له من أشياء في يومه وليلته‪ ،‬العالم هو الذي علم فطبق بحسب ما قدر له‪ ،‬هذا‬
‫العلم في المر والنهي؛ الفقه ل بد ينقل بدليله من الكتاب والسنة هذا هو الصل والجماع‬
‫والدلة البقية المتفق عليها والمختلف فيها‪ ،‬لكن هل كل مسألة ستدركها بالدليل؟ ليس‬
‫كذلك‪ ،‬فلذلك ل بد أن تعرف الفقه جميعا على كلم طائفة من أهل العلم واحد أو أكثر‬
‫تتصوره وتمضي‪ ،‬لن الله جل وعل كلف العبد بأن يسأل أهل الذكر إن كان ل يعلم ﴿‬
‫ن ُ‬
‫َ‬
‫ه َ‬
‫ن﴾]النبياء‪ ،7:‬النحل‪ [43:‬فإذا جهلت في‬
‫سأ َُلوا أ َ ْ‬
‫مو َ‬
‫ر إِ ْ‬
‫م َل ت َ ْ‬
‫فا ْ‬
‫عل َ ُ‬
‫كنت ُ ْ‬
‫ل الذّك ْ ِ‬
‫المسألة فاسأل أهل الذكر‪ ،‬فل بد للعلم‪ ،‬لمعرفة الفقه على قوم هذا سؤال أهل الذكر‪ ،‬أما‬
‫في المسألة فتحرر فيها هذا لن يكون إل إذا أمد الله في العمر ثم تتابعت شيئا فشيئا بعد‬
‫ذلك‪.‬‬
‫ثم العلم الثالث بعد التوحيد والفقه‪ :‬علم السلوك‪ ،‬الجزاء‪ ،‬القيامة‪ ،‬أن يحسن فهم العبد‪،‬‬
‫الطمأنينة التي يحسن العبد بها‪ ،‬الستقامة‪ ،‬وعدم الركون للدنيا‪ ،‬ومعرفة بحال السلف‪،‬‬
‫وحال الئمة‪ ،‬وحال الصالحين‪ ،‬وحال الزهاد حتى ينطلق في الدنيا فيضل في الفقه‪ ،‬وحتى‬
‫ل يغفل عن فعل السلف‪ ،‬وعن سلوكهم وعن صلحهم فيضعف من إخلصه وتوحيده هذه‬
‫الثلث هي العلم‪ ،‬وكل يأخذ بما قُد َّر له من ذلك‪ ،‬ولهذا نسأل الله جل وعل دائما العلم‬
‫النافع والعمل الصالح وأن يزيدنا علما وعمل ووهدى واقتداء إنه سبحانه جواد كريم‪ ،‬هذه‬
‫سبة أم ل؟ لكن ل بد من‬
‫سبة منا ِ‬
‫كلمة وإطالة إقتضاها المقام ومناسبة ل أدري هل هي منا َ‬
‫الخذ بالّتواصي في مثل هذه المسائل وأسأل الله جل وعل أن يختم لي ولكم برضاه أختم‬
‫بهذا القدر وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد‪.‬‬
‫العلم له شهوة‪ ،‬له لذة‪ ،‬تجده منبسط في السيرة‪ ،‬تجد ليله ونهاره في السيرة‪ ،‬طيب أين‬
‫التوحيد‪ ،‬سيرة النبي عليه الصلة والسلم‪ ،‬نعم هل علمت توحيد الله جل وعل عليك‪،‬‬
‫الفعال‪ ،‬اللفاظ‪ ،‬التوحيد‪ ،‬الشرك الظاهر‪ ،‬الخفي‪ ،‬أنواعه ألعقيدة العامة لله جل وعل‬
‫وملئكته ورسله‪ ،‬المر والنهي وهل خلصك على بينة‪ ،‬فعلك زكاتك صيامك حجك‪ ،‬كل‬
‫هذه‪ ...‬عن بينة‪ ،‬الحكام التي تليها في لبس لباسك في مركبك إلى آخره كل هذه إذا طلب‬
‫الطالب العلم عن شهوة ولذة تجد أنه يتوسع في أشياء ثم لو نظر في نفسه لوجد أنه‬
‫يجهل أشياء من ضروريات الدين وهذا ليسوغ‪ ،‬ولهذا ذكر شيخ السلم ابن تيمية في‬
‫قاعدة له أن العبد قد يطلب العلم بلذة مثل الكريم الذي يكرم الناس بلذة لو ما أكرم‬
‫وأضاف الضياف ضاق وما تحمل لما طبعه الله جل وعل عليه‪ ،‬ولهذا فإن صاحب هذه اللذة‬
‫فعل ما يجب من تعلم العلم الذي فرض عليه فإنه ينجو بإذن الله تعالى‪ ،‬فإذا كان يجهل ما‬
‫فرض الله عليه فإنه‪ ...‬فيكون ممن ألهاهم التكاثر‪ ،‬أو ممن اتبعوا الشهوات لن العلم‬
‫شهوة وإن كان طلب العلم عبادة لكن العبادة إذا كانت معارضة بعبادة أوجب منها‪ ،‬فعبادة‬
‫واجبة وعبادة مستحبة‪ ،‬ل يجوز‪ ،‬نعم نظرك في الصول نظرك في الرجال‪ ،‬نظرك في‬
‫التخريج‪ ،‬نظرك في السيرة‪ ،‬هذا علم مستحب لكن هل يقدم‪ ،‬هل هو أولى أو الواجب‬
‫عليك؟ هذه مصيبة تراها الن في مجتمعات كثيرة‪ ،‬تحقيقات وكتب كثيرة ومطبوعات‬
‫كثيرة‪ ،‬لكن أين العلم النافع ؟ المسائل الظاهرة ما يعرفها‪ ،‬مسائل النظر فإما أن يغلي‬
‫فيحرم ما ل يحرم أو يبيح ما ل يباح ل لغرض له في ذلك إل لجل عدم العلم‪ ...‬المقصود أن‬
‫هذه المسألة أنتم تعرفونها‪ ،‬وتعرفون الواقع وواقع طلبة العلم لكن هي ليست لجل عيب‬

‫‪88‬‬

‫التعليقات الحسان على كتاب الفرقان‬

‫فمن يرد الل ّ َ‬
‫ه يَ ْ‬
‫ه‬
‫ن َيه ِ‬
‫هأ ْ‬
‫شَر ْ‬
‫والعمل الصالح‪ ،‬قال الله تعالى ﴿ َ َ ْ ُ ِ ْ‬
‫صدَْر ُ‬
‫دي َ ُ‬
‫ُ‬
‫ح َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ضي ّ ً‬
‫ع ْ‬
‫في‬
‫عد ُ ِ‬
‫صدَْرهُ َ‬
‫ن يُ ِ‬
‫رد ْ أ ْ‬
‫ص ّ‬
‫حَر ً‬
‫قا َ‬
‫ج َ‬
‫ه يَ ْ‬
‫ل ِْل ِ ْ‬
‫م ْ‬
‫جا ك َأن ّ َ‬
‫ضل ّ ُ‬
‫و َ‬
‫ما ي َ ّ‬
‫ل َ‬
‫سَلم ِ َ‬
‫ن يُ ِ‬
‫وَل َين َ‬
‫ن‬
‫ما ِ‬
‫ص ِ‬
‫حي إ ِ ْ‬
‫ف ُ‬
‫ال ّ‬
‫عك ُ ْ‬
‫س َ‬
‫م نُ ْ‬
‫ء﴾]النعام‪ ،[125:‬وقال نوح عليه السلم لقومه ﴿ َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ن َ‬
‫وإ ِ َ‬
‫ذا‬
‫ن يُ ْ‬
‫ريدُ أ ْ‬
‫كا َ‬
‫م إِ ْ‬
‫تأ ْ‬
‫ص َ‬
‫أَردْ ُ‬
‫وي َك ُ ْ‬
‫ن الل ّ ُ‬
‫ح ل َك ُ ْ‬
‫ن أن َ‬
‫م﴾]هود‪ ،[34:‬وقال تعالى ﴿ َ‬
‫غ ِ‬
‫ه يُ ِ‬
‫َ‬
‫ءا َ‬
‫ه بِ َ‬
‫ل﴾]الرعد‪،[11:‬‬
‫سو ً‬
‫ه ِ‬
‫دون ِ ِ‬
‫م ِ‬
‫ن ُ‬
‫ما ل َ ُ‬
‫وم ٍ ُ‬
‫م ْ‬
‫م ْ‬
‫ه ْ‬
‫و َ‬
‫مَردّ ل َ ُ‬
‫فَل َ‬
‫أَرادَ الل ّ ُ‬
‫وا ٍ‬
‫ن َ‬
‫ه َ‬
‫ق ْ‬
‫َ‬
‫ن َ‬
‫ر َ‬
‫س َ‬
‫ضا أو َ‬
‫ف ِ‬
‫ري ً‬
‫عدّةٌ ِ‬
‫كا َ‬
‫عَلى َ‬
‫م ْ‬
‫م ْ‬
‫ن َ‬
‫و َ‬
‫وقال تعالى في الثانية ﴿ َ‬
‫ف ٍ‬
‫م ِ‬
‫ن أّيام ٍ‬
‫)‪(82‬‬
‫سَر﴾]البقرة‪ ،[185:‬وقال في آية‬
‫أُ َ‬
‫م ال ْ ُ‬
‫ع ْ‬
‫م ال ْي ُ ْ‬
‫ريدُ ب ِك ُ ْ‬
‫ه ب ِك ُ ْ‬
‫ريدُ الل ّ ُ‬
‫سَر َ‬
‫وَل ي ُ ِ‬
‫خَر ي ُ ِ‬
‫ع َ‬
‫م‬
‫ل َ‬
‫م ِ‬
‫ن َ‬
‫ج َ‬
‫ه ل ِي َ ْ‬
‫ريدُ ل ِي ُطَ ّ‬
‫ول َك ِ ْ‬
‫م ْ‬
‫ول ِي ُت ِ ّ‬
‫هَرك ُ ْ‬
‫عل َي ْك ُ ْ‬
‫ريدُ الل ّ ُ‬
‫الطهارة ﴿ َ‬
‫م َ‬
‫ج َ‬
‫ن يُ ِ‬
‫ما ي ُ ِ‬
‫حَر ٍ‬

‫من كان كذلك نبرأ إلى الله من ذلك‪ ،‬لكن لجل الوصية‪ ,‬أوجه لنفسي بذلك قبلكم وأسأل‬
‫الله جل وعل أن يعينني وإياكم على الحق والهدى‪.‬‬
‫‪()80‬الحمد لله وبعد‪ :‬هذا الكتاب؛ كتاب الفرقان أنشأه شيخ السلم لبيان ضلل طوائف من‬
‫غلة الصوفية في مسائل الولية والولياء وبين في هذا الكتاب الفرق البّين بين ولي الله‬
‫وولي الشيطان‪ ،‬وسمى كتابه الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان‪ ،‬فطوائف‬
‫ولية وفي مسألة‬
‫الضلل في هذا الباب لهم أقوال ولهم آراء ولهم شبه كثيرة في مسألة ال َ‬
‫ن أحدا من الناس‬
‫العتقاد في الولياء‪ ،‬فمن تلك المسائل زعم طائفة من ظلل الصوفية أ ّ‬
‫الذين بلغوا مبلغا عظيما وسمعوا الخطاب‪ ،‬سموا أول‪ ،‬ثم سمعوا الخطاب؛ خطاب الرب‬
‫ن لهم أن يخرجوا عن شريعة محمد ‪ ‬كما وسع الخضر الخروج عن شريعة‬
‫جل وعل أ ّ‬
‫موسى عليه السلم‪ ،‬وهذا الرأي الذي ذهبوا إليه مبني على شيئين‪:‬‬
‫الول‪ :‬الخضر خرج على شريعة موسى‪.‬‬
‫الثاني‪ :‬خاطبهم الله جل وعل وأوحى إليهم كما خاطب جل وعل الخضر وموسى‪.‬‬
‫هذان القولن ردهما شيخ السلم فيما سمعت‪.‬‬
‫الول‪ :‬خروج الخضر عن شريعة موسى ل يعرف أنه خرج عن شريعة موسى بهذه الفعال‬
‫الثلثة التي صحب فيها موسى الخضر‪ ،‬هذه الفعال الثلثة جاءت بها شريعة الخضر‪ ،‬وهي‬
‫موجودة حتى في شريعة السلم‪ ،‬ففعل أفعال ثلثة أنكرها عليه موسى‪ ،‬وإنكار موسى‬
‫عليه هذه الفعال الثلثة ليس لجل أنها ل توافق الشريعة لكن لجل أنه لم يعلم تأويلها ولم‬
‫يعلم تفسيرها فما صبر لهذا قال الخضر لموسى عليه السلم )أنت على علم من علم الله‬
‫ل أعلمه وأنا على علم من علم الله ل تعلمه(يعني فإذا كان المرجع علم الرب جل وعل‪،‬‬
‫ن الواجب عليك أن ل تنكر ما ل تعلم‪ ،‬سبب ذهاب موسى إلى الخضر أنه قال حين سئل‬
‫فإ ّ‬
‫أي الناس أعلم‪ ،‬أو أي أهل الرض أعلم فقال موسى عليه السلم أنا‪ ،‬ولم ُيرجع المر إلى‬
‫علم الله فقال له الله جل جلله موحيا إليه )إيتي عبدنا خضرا فإنه أعلم منك( كما رواه‬
‫البخاري في أول الصحيح‪ .‬الفعال الثلثة‪:‬‬
‫‪ ‬خرق السفينة هذا إحسان والحسان مطلوب في الشرائع جميعا وفعل الخضر لم يكن‬
‫ظلما ولم يكن إعتداء بل كان إحسانا إليهم وهذا الحسان جاءت به شريعة موسى عليه‬
‫السلم وجاءت به الشرائع جميعا‪ ،‬فإن الملك أراد أن يأخذ الفينة السليمة فلما وجد أن‬
‫السفينة معابة تركها ثم أصلحت السفينة‪.‬‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫ه َ‬
‫‪‬كذلك الغلم خشي أن يكفر أبويه كما قال سبحانه ﴿ َ‬
‫غَياًنا‬
‫ما ط ْ‬
‫ف َ‬
‫ن ي ُْر ِ‬
‫خ ِ‬
‫شيَنا أ ْ‬
‫ق ُ‬
‫ه َ‬
‫وك ُ ْ‬
‫ن َيطغى عليهما وأن يكفر أو أن يكفرهما وأن يدلهما على الكفر‬
‫فًرا﴾]الكهف‪ [80:‬أ ْ‬
‫َ‬
‫ن‬
‫ل‬
‫مشروع؛‬
‫أصله‬
‫الدين‬
‫في‬
‫أبويه‬
‫على‬
‫صائل‬
‫سيكون‬
‫أنه‬
‫علم‬
‫الذي‬
‫هذا‬
‫فقتل‬
‫والباطل‬
‫ّ‬
‫الصائل على البدان يقتل فكيف بالصائل على الدين‪.‬‬
‫‪‬الثالث بناء الجدار هذا أيضا إحسان فإذن في أفعال الخضر لم يكن شيء منها دال على‬
‫أن الخضر خرج عن شريعة موسى‪ ،‬فإذن تأصيلهم المسألة بأن الولي له أن يخرج عن‬
‫شريعة محمد عليه الصلة والسلم كما وسع الخضر الخروج عن شريعة موسى هذا مبني‬
‫على هذه المقدمة غير الصحيحة؛ لن هذه المقدمة مظنونة‪ ،‬هل كان الخضر مخاطبا‬
‫بشريعة موسى أو غير مخاطب‪ ،‬هذا ل نعلمه هل كان مأمورا باقتداء موسى أو لم يكن هذا‬
‫ل نعلمه‪ ،‬هل كان موسى من قوم موسى أم لم يكن ل نعلمه فالخضر علم من الله جل‬

‫للشيخ العلمة صالح بن عبد العزيز آل الشيخ‬

‫‪89‬‬

‫م تَ ْ‬
‫ن﴾]المائدة‪ ،[6:‬ولما ذكر ما أحله وما حرمه من‬
‫ه َ‬
‫شك ُُرو َ‬
‫م لَ َ‬
‫نِ ْ‬
‫عل ّك ُ ْ‬
‫عل َي ْك ُ ْ‬
‫مت َ ُ‬
‫ع َ‬
‫ن َ‬
‫ب‬
‫ن ِ‬
‫ن ال ّ ِ‬
‫ه ِ‬
‫وي َُتو َ‬
‫م ُ‬
‫وي َ ْ‬
‫م ْ‬
‫ذي َ‬
‫سن َ َ‬
‫ه ل ِي ُب َي ّ َ‬
‫قب ْل ِك ُ ْ‬
‫دي َك ُ ْ‬
‫ن ل َك ُ ْ‬
‫ريدُ الل ّ ُ‬
‫م َ‬
‫م َ‬
‫النكاح‪ ،‬قال ﴿ي ُ ِ‬

‫َ‬
‫ن‬
‫ب َ‬
‫ه َ‬
‫َ‬
‫ريدُ ال ّ ِ‬
‫ح ِ‬
‫ريدُ أ ْ‬
‫ن ي َُتو َ‬
‫ه يُ‬
‫م َ‬
‫ذي َ‬
‫عل َي ْك ُ ْ‬
‫والل ّ ُ‬
‫كي ٌ‬
‫عِلي ٌ‬
‫والل ّ ُ‬
‫عل َي ْك ُ ْ‬
‫م َ‬
‫م)‪َ (26‬‬
‫م َ‬
‫وي ُ ِ‬
‫ِ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫ً‬
‫ُ‬
‫خ ّ‬
‫ن ال ّ‬
‫م‬
‫ن يُ َ‬
‫ف َ‬
‫مي ْل َ‬
‫ف َ‬
‫ع ِ‬
‫ن تَ ِ‬
‫وا ِ‬
‫هأ ْ‬
‫تأ ْ‬
‫عو َ‬
‫ي َت ّب ِ ُ‬
‫ش َ‬
‫عن ْك ُ ْ‬
‫ريدُ الل ُ‬
‫ظي ً‬
‫ميلوا َ‬
‫ه َ‬
‫ما)‪(27‬ي ُ ِ‬
‫عي ً‬
‫فا﴾]النساء‪ ،[28-26:‬وقال لما ذكر ما أمر به أزواج النبي ‪‬‬
‫و ُ‬
‫ض ِ‬
‫ن َ‬
‫سا ُ‬
‫لن َ‬
‫خل ِ َ‬
‫َ‬
‫قا ِْ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫ّ‬
‫ُ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫م‬
‫ك‬
‫ر‬
‫ه‬
‫ط‬
‫ي‬
‫و‬
‫ت‬
‫ي‬
‫ب‬
‫ل‬
‫ا‬
‫ل‬
‫ه‬
‫أ‬
‫س‬
‫ج‬
‫ر‬
‫ال‬
‫م‬
‫ك‬
‫ن‬
‫ع‬
‫ب‬
‫ه‬
‫ذ‬
‫ي‬
‫ل‬
‫ه‬
‫ل‬
‫ال‬
‫د‬
‫ري‬
‫ي‬
‫ما‬
‫ن‬
‫إ‬
‫﴿‬
‫عنه‬
‫نهاهم‬
‫وما‬
‫ّ ْ َ ْ‬
‫ِّ َ ُ ِ ُ‬
‫َ ْ ِ َ ُ ّ َ ْ‬
‫ُ ِ ُ ِ َ َ ْ ْ‬
‫ت َطْ‬
‫هيًرا﴾]الحزاب‪ ،[33:‬والمعنى انه أمركم بما يذهب عنكم الرجس أهل البيت‬
‫ِ‬
‫ُ‬

‫ويطهركم تطهيرا‪ ،‬فمن أطاع أمره كان مطهرا قد أذهب عنه الرجس‪ ،‬بخلف‬

‫َ‬
‫َ‬
‫ما َ‬
‫ول َُنا ل ِ َ‬
‫ن‬
‫ي ٍ‬
‫ء إذا أَردَْناهُ أ ْ‬
‫من عصاه‪ ،‬وأما المر فقال في المر الكوني ﴿إ ِن ّ َ‬
‫ق ْ‬
‫ش ْ‬
‫َ‬
‫في َ ُ‬
‫ن َ‬
‫نَ ُ‬
‫قو َ‬
‫ح‬
‫وا ِ‬
‫كو ُ‬
‫ه كُ ْ‬
‫حدَةٌ ك َل َ ْ‬
‫ما أ ْ‬
‫و َ‬
‫ل لَ ُ‬
‫مُرَنا إ ِّل َ‬
‫ن﴾]النحل‪ ،[40:‬وقال تعالى ﴿ َ‬
‫م ٍ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫هاًرا َ‬
‫دا‬
‫عل َْنا َ‬
‫ر﴾]القمر‪ ،[50:‬وقال تعالى ﴿أَتا َ‬
‫ح ِ‬
‫صي ً‬
‫ها َ‬
‫ج َ‬
‫ف َ‬
‫مُرَنا ل َي ًْل أو ن َ َ‬
‫ها أ ْ‬
‫ِبال ْب َ َ‬
‫ص ِ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫مُر‬
‫م تَ ْ‬
‫س﴾]يونس‪ ،[24:‬وأما المر الديني فقال تعالى﴿إ ِ ّ‬
‫ك َأ ْ‬
‫غ َ‬
‫ه ي َأ ُ‬
‫ن الل ّ َ‬
‫ن ِباْل ْ‬
‫ن لَ ْ‬
‫م ِ‬
‫ن ال ْ َ‬
‫ء ِذي ال ْ ُ‬
‫ح َ‬
‫ر‬
‫شا ِ‬
‫وِإيَتا ِ‬
‫هى َ‬
‫ف ْ‬
‫وال ِ ْ‬
‫ِبال ْ َ‬
‫وي َن ْ َ‬
‫ح َ‬
‫ع ْ‬
‫وال ْ ُ‬
‫ء َ‬
‫قْرَبى َ‬
‫ن َ‬
‫سا ِ‬
‫ل َ‬
‫عد ْ ِ‬
‫منك َ ِ‬
‫ما﴾]الكهف‪ [65:‬له علم لدني من الله سبحانه وتعالى وأفعاله ل‬
‫و َ‬
‫ن ل َدُّنا ِ‬
‫مَناهُ ِ‬
‫م ْ‬
‫عل ْ ً‬
‫عل ّ ْ‬
‫وعل ﴿ َ‬
‫تدل على ذلك وليس َثم دليل زائد على ما زعموا‪.‬‬
‫المرالثاني الذي بني عليه الكلم‪ :‬الكلم على الولي مخاطب هذا في الحقيقة باطل لن‬
‫الوحي إنقطع والخطابات التي يسمعها من إستعمل الرياضة والجوع والتفكر هذه خطابات‬
‫من داخل النفس‪ ،‬وليست وحيا من الله جل وعل‪ ،‬ض ّ‬
‫ل طائفة منهم سمعوا أحاديث قدسية‬
‫ن عند بعض الئمة أو الولياء‬
‫يعني سمعوا الرب جل وعل يتكلم بكلم‪ .‬حتى منهم من قال إ ّ‬
‫عندهم شيء زائد عن القرآن كما ذكر الشعراني في طبقات الولياء في أوخره في ترجمة‬
‫أحد الناس قال في ترجمته‪ :‬كان رحمه الله ورضي عنه يتلو آيات ليست في القرآن‪ .‬يعني‬
‫على أصلهم‪ -‬أنه سمع كلم الله جل وعل فأصبح يقرأ أشياء ليست في القرآن‪ ،‬وهذا ول‬‫شك أنها مقدمة باطلة؛ لن الوحي إنقطع وليمكن لحد أن يوحى إليه وحي سماء بعد‬
‫رسول الله ‪ ،‬وإنما في هذه المة فيها اللهام والتحديث بما يوقع في روع العبد أما‬
‫السماع يقول سمعت‪ ،‬وكما قلنا في ابن العربي الربعين في أحاديث رب العالمين‪،‬‬
‫الحاديث التي سمعها عن الرب جل وعل الحاديث القدسية كلها فيها قال الله تعالى كذا‬
‫فيما يرويه مما سمع‪.‬‬
‫• ‪..‬النبي ‪ ‬لما سئل عن أولد المشركين قال الله أعلم بما كانوا عاملين‪ ،‬الله جل وعل‬
‫أطلع الخضر ما سيعمله هذا‪ ،‬لنه ُيخشى أن يرهق أبويه طغيانا وكفرا‪ ،‬فالزائد على هذا ل‬
‫نعلمه لكن إذا كان الله جل وعل يعلم أنه إذا بلغ سيكون كافرا فإنه من أهل النار الله أعلم‬
‫ن‬
‫بما كانوا عاملين‪ ،‬فأولد المشركين فيهم أقوال كثيرة عند أهل العلم‪ ،‬وأقرب القوال أ ْ‬
‫يقال كما قال النبي ‪ ‬الله أعلم بما كانوا عاملين‪ .‬هل بما كانوا عاملين لو بلغوا أو بما‬
‫كانوا عاملين يوم القيامة إذا ُبعث لهم رسول قولن عند أهل العلم‪ ،‬لكن نقول بما قاله‬
‫عليه الصلة والسلم‪ ،‬نقول كما قال الله أعلم بما كانوا يعملون‪ ،‬هذا خشي أن يرهقهما‬
‫طغيانا وكفرا فقتل‪....‬‬
‫‪()81‬الرادة كما ذكر منقسمة إرادة كونية قدرية وإلى إرادة دينية شرعية‪ ،‬وأما المشيئة فل‬
‫تنقسم ول يقال مشيئة كونية ومشيئة شرعية بل يقال مشيئة الله‪ ،‬ول توصف المشيئة‬
‫بكونها كونية أودينية‪ ،‬لن المشيئة نوع واحد فل تنقسم المشيئة‪ ،‬فلم يأتي الدليل ما يدل‬
‫على إنقسامها بل معناها واضح في أنها متعلقة بالكون وليست متعلقة بالشرع‪ ،‬لهذا نقول‬
‫مشيئة الله جل وعل نوع واحد‪ ،‬وهي إرادته الكونية‪ ،‬الرادة هي التي تنقسم كما ذكر لك‬
‫في هذه النواع‪ ،‬هذه النواع جميعا تنقسم إلى كونية ودينية‪ ،‬وليس منها المشيئة‪ ،‬الرادة‬
‫منقسمة وسيأتي بالدلة‪.‬‬
‫‪()82‬الثانية الرادة الدينية‪ ،‬الولى من اليات الرادة الكونية والمجموعة الثانية في الرادة‬
‫الدينية الشرعية‪.‬‬

‫‪90‬‬

‫التعليقات الحسان على كتاب الفرقان‬

‫عظُك ُم ل َعل ّك ُم ت َذَك ّرون﴾]النحل‪ ،[90:‬وقال تعالى ﴿إن الل ّه يأ ْمرك ُ َ‬
‫ن‬
‫وال ْب َ ْ‬
‫ي يَ ِ‬
‫مأ ْ‬
‫ِ ّ‬
‫َ‬
‫ْ َ‬
‫َ َ ُ ُ ْ‬
‫ْ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫غ ِ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫ْ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫تُ َ‬
‫وإ ِ َ‬
‫ن‬
‫ت إلى أ ْ‬
‫ماَنا ِ‬
‫ل إِ ّ‬
‫سأ ْ‬
‫موا ِبال َ‬
‫ن تَ ْ‬
‫ذا َ‬
‫ؤ ّ‬
‫هل ِ َ‬
‫م ب َي ْ َ‬
‫حك ُ‬
‫مت ُ ْ‬
‫حك ْ‬
‫دوا ال َ‬
‫عد ْ ِ‬
‫ها َ‬
‫ن الّنا ِ‬
‫ه َ‬
‫صيًرا﴾]النساء‪ ،[58:‬وأما الذن فقال‬
‫ما ي َ ِ‬
‫ه نِ ِ‬
‫عا ب َ ِ‬
‫س ِ‬
‫م بِ ِ‬
‫كا َ‬
‫ه إِ ّ‬
‫مي ً‬
‫ن َ‬
‫ن الل ّ َ‬
‫عظُك ُ ْ‬
‫ع ّ‬
‫الل ّ َ‬
‫َ‬
‫ه﴾]البقرة‪:‬‬
‫ما ُ‬
‫م بِ َ‬
‫ن الل ّ ِ‬
‫ح ٍ‬
‫ه ِ‬
‫ن بِ ِ‬
‫نأ َ‬
‫م ْ‬
‫ضاّري َ‬
‫ه ْ‬
‫و َ‬
‫د إ ِّل ب ِإ ِذْ ِ‬
‫في الكوني لما ذكر السحر ﴿ َ‬

‫‪ [102‬أي بمشيئته وقدرته‪ ،‬وإل فالسحر لم يبحه الله عز وجل‪ ،‬وقال في الذن‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫شَر َ‬
‫كاءُ َ‬
‫م ُ‬
‫ه﴾]الشورى‪:‬‬
‫شَر ُ‬
‫ن بِ ِ‬
‫م ِ‬
‫م ي َأذَ ْ‬
‫ن ال ّ‬
‫الديني ﴿أ ْ‬
‫عوا ل َ ُ‬
‫م لَ ُ‬
‫م ْ‬
‫ه الل ّ ُ‬
‫ما ل َ ْ‬
‫ن َ‬
‫ه ْ‬
‫ه ْ‬
‫دي ِ‬
‫َ‬
‫سل َْنا َ‬
‫مب َ ّ‬
‫ك َ‬
‫ه‬
‫دا ِ‬
‫عًيا إلى الل ّ ِ‬
‫ون َ ِ‬
‫شا ِ‬
‫و َ‬
‫ه ً‬
‫‪ ،[21‬وقال تعالى ﴿إ ِّنا أْر َ‬
‫و ُ‬
‫ذيًرا)‪َ (45‬‬
‫شًرا َ‬
‫دا َ‬
‫َ‬
‫ل إ ِّل ل ِي ُ َ‬
‫ن‬
‫طا َ‬
‫سل َْنا ِ‬
‫ب ِإ ِذْن ِ ِ‬
‫ن َر ُ‬
‫ما أْر َ‬
‫م ْ‬
‫و َ‬
‫ع ب ِإ ِذْ ِ‬
‫سو ٍ‬
‫ه﴾]الحزاب‪ ،[46-45:‬وقال تعالى ﴿ َ‬
‫(‬
‫‪83‬‬
‫)‬
‫ها َ‬
‫عَلى‬
‫ة َ‬
‫م ً‬
‫مو َ‬
‫ن ِلين َ ٍ‬
‫م ِ‬
‫الل ّ ِ‬
‫ما قطَ ْ‬
‫م ْ‬
‫قائ ِ َ‬
‫ة أو ت ََرك ْت ُ ُ‬
‫عت ُ ْ‬
‫ه﴾]النساء‪ ،[64:‬وقال تعالى ﴿ َ‬

‫َ‬
‫ل إ ِّل ل ِي ُ َ‬
‫ه﴾]النساء‪ [64:‬هذه‬
‫طا َ‬
‫ن الل ّ ِ‬
‫سل َْنا ِ‬
‫ن َر ُ‬
‫م ْ‬
‫ما أْر َ‬
‫و َ‬
‫ع ب ِإ ِذْ ِ‬
‫سو ٍ‬
‫‪()83‬هذه محتملة للنوعين ﴿ َ‬
‫تحتمل أن تكون الكونية و تحتمل أن تكون الشرعية؛ يعني اليات فيهما معا تصلح لهذا‬
‫وتصلح لهذا‪ ،‬فالرسول طاعته شرع‪ ،‬فيكون إذن الله جل وعل هو الشرع الديني‪ ،‬وأيضا‬
‫َ‬
‫ل إ ِّل ل ِي ُ َ‬
‫ع(‬
‫طا َ‬
‫سل َْنا ِ‬
‫ن َر ُ‬
‫م ْ‬
‫ما أْر َ‬
‫و َ‬
‫سو ٍ‬
‫الرسول يطاع بإذن الله جل وعل الكوني أن يطاع‪َ ) .‬‬
‫يعني ممن أطاعه‪ ،‬وتكون الطاعة هذه بإذن الله‪ ،‬ليس العبد هو الذي يطيع من عند نفسه‪،‬‬
‫َ‬
‫ن يَ َ‬
‫ما ت َ َ‬
‫ه﴾]النسان‪ ،30:‬التكوير‪ [29:‬فتصلح للنوعين‪.‬‬
‫شا ُ‬
‫ن إ ِّل أ ْ‬
‫ءو َ‬
‫شاءَ الل ّ ُ‬
‫و َ‬
‫بل﴿ َ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ها َ‬
‫ها َ‬
‫ن‬
‫ة َ‬
‫م ً‬
‫مو َ‬
‫ن ِلين َ ٍ‬
‫م ِ‬
‫ما قط ْ‬
‫صول ِ َ‬
‫م ْ‬
‫قائ ِ َ‬
‫ة أو ت ََرك ْت ُ ُ‬
‫عت ُ ْ‬
‫وكذلك ﴿ َ‬
‫على أ ُ‬
‫فب ِإ ِذْ ِ‬
‫ُ‬
‫ه﴾]الحشر‪،[5:‬هذه يعني في أمر الله جل وعل‪ ،‬يعني فيما ُترك وفيما أبقي ‪ ...‬الشريعة وهو‬
‫الل ّ ِ‬
‫بإذن الله الشرعي‪ ،‬وهو أيضا ما ترك وما أبقي هو بمشيئة الله جل وعل بإذنه الكوني‪،‬‬
‫ولكن الثانية أظهر في الشرع‪.‬‬
‫ن الذن ل ينقسم إنما إذن كوني فقط‪ .‬أما المنقسم هو الرادة‬
‫• ‪...‬هناك من يقول إ ّ‬
‫سحر هي في الكوني وغيرها مثلها‪ ،‬ومن قال إن اليات التي فيها الذن ديني ما‬
‫وآية ال ّ‬
‫َ‬
‫ه﴾]البقرة‪:‬‬
‫ما ُ‬
‫م بِ َ‬
‫ن الل ّ ِ‬
‫ح ٍ‬
‫ه ِ‬
‫ن بِ ِ‬
‫نأ َ‬
‫م ْ‬
‫ضاّري َ‬
‫ه ْ‬
‫و َ‬
‫د إ ِّل ب ِإ ِذْ ِ‬
‫عندنا في الكوني إل آية السحر ﴿ َ‬
‫‪ [102‬فإيراد الحتمال في الجميع يقوي النقسام‪ ،‬عندك الن الذن في آية السحر هذا إذن‬
‫ن‪...‬محرم‪ ... ،‬هم يريدون مثال آخر على الذن الكوني؛ من طريق آخر‪ ،‬ل يوردون‬
‫كوني ل ّ‬
‫َ‬
‫د‬
‫ما ُ‬
‫م بِ َ‬
‫ح ٍ‬
‫ه ِ‬
‫ن بِ ِ‬
‫نأ َ‬
‫م ْ‬
‫ضاّري َ‬
‫ه ْ‬
‫و َ‬
‫إل آية السحر‪ ،‬فالذين يتعلقون بالسحر يقولون الذن هنا ) َ‬
‫ن هناك‬
‫ن الل ّ ِ‬
‫ه( الذن هنا ما هو الذن الكوني فيدخل فيه الذن الشرعي أيضا؛ ل ّ‬
‫إ ِّل ب ِإ ِذْ ِ‬
‫من يجيز استعمال السحر فيما ينفع ول يضر‪ ،‬وبقولون ما يضر يعني مثل‪...‬و الصرف‬
‫والعطف يعني إلى وقتنا الحاضر وفي زمن الشيخ محمد بن عبد الوهاب إلى آخره يجادل‬
‫كثيرون في أن الصرف والعطف يعني المحبة هذه التي تنتج محبة ‪-‬وفي الحقيقة فيها ضرر‬
‫ن‬
‫ما ُ‬
‫م بِ َ‬
‫ه ِ‬
‫ن بِ ِ‬
‫م ْ‬
‫ضاّري َ‬
‫ه ْ‬
‫و َ‬
‫هذه من هنا تكون محرمة‪ -‬ويكون هنا الذن هنا يكون ديني ) َ‬
‫َ‬
‫ن إنقسام الذن دليله في الذن الكوني‬
‫ن الل ّ ِ‬
‫ح ٍ‬
‫ه( يعني الذن الديني‪ ،‬المقصود أ ّ‬
‫أ َ‬
‫د إ ِّل ب ِإ ِذْ ِ‬
‫آية السحر‪ ،‬وعدم إيراد العلماء –أنا ما استقرأت القرآن‪-‬لنواع أخرى لدلة أخرى يشكل‬
‫في تقوية النقسام ‪-‬واضح هذا؟‪ -‬لهذا نزول اليات محتملة لهذا وهذا حتى يقوى التقسيم‪،‬‬
‫َ‬
‫م﴾]النساء‪ [27:‬يعني يحب الله أن‬
‫ب َ‬
‫ريدُ أ ْ‬
‫ن ي َُتو َ‬
‫عل َي ْك ُ ْ‬
‫والل ّ ُ‬
‫وهذا معلوم في قوله مثل ﴿ َ‬
‫ه يُ ِ‬
‫ن من تاب قد وقعت توبته بالنوعين‪ ،‬لكن ل يلزم من محبة الله جل وعل‬
‫يتوب عليكم‪ ،‬أ ّ‬
‫وإرادته الشرعية أن يقع الكوني ل يلزم منه من مثل الذن الكوني؛ يعني قد يريد الله جل‬
‫وعل الشيء شرعا ول يريده كونا كما هو معلوم‪ ،‬وقد يأذن به شرعا ول يأذن به كونا‪،‬‬
‫والستلزام غير حاصل من الجهتين أو الستلزام في الجهة الثانية غير حاصل‪ ،‬يعني أنه وجد‬
‫الشرعي ُوجد الديني‪ ,‬ل‪ ,‬إذا وجد الشرعي قد يكون الكوني موجود وقد ل يكون‪ ،‬فإذا وقع‬
‫الشرعي ل شك أنه يجتمع فيه المران يعني في طاعة المطيع تحصل الرادتان‪ ،‬في القطع‬
‫هذا قطع اللينة وتركها هذا يقع وانتهى واجتمع فيه الذن الشرعي والذن الديني بمعنى أن‬
‫الشياء الدينية التي ذكر هي قد توافق الكوني فتكون واقعة وقد ل توافقه فل يفعلها العبد‪،‬‬
‫ع َ‬
‫س﴾]المائدة‪:‬‬
‫عب َ َ‬
‫م ِ‬
‫ت ال ْ َ‬
‫ه ال ْك َ ْ‬
‫ج َ‬
‫مثل الجْعل فل يأتيه إلى آخره ﴿ َ‬
‫حَرا َ‬
‫ة ال ْب َي ْ َ‬
‫قَيا ً‬
‫ل الل ّ ُ‬
‫ما ِللّنا ِ‬
‫‪ [97‬هذا جعل شرعي؛ ديني‪ ،‬أناس ما جعلوها كذلك واقتحموا البيت وقتلوا من قتلوا‬
‫وسفكوا الدماء كالقرامطة ونحوهم‪ ،‬ما جعلوا البيت قياما للناس‪ ،‬إذن الجعل هما شرعي‬

‫للشيخ العلمة صالح بن عبد العزيز آل الشيخ‬

‫‪91‬‬

‫ُ‬
‫ف َ‬
‫ه﴾]الحشر‪ ،[5:‬وأما القضاء فقال في الكوني ﴿ َ‬
‫ها َ‬
‫ع‬
‫ضا ُ‬
‫ق َ‬
‫ن الل ّ ِ‬
‫سب ْ َ‬
‫ن َ‬
‫صول ِ َ‬
‫ه ّ‬
‫أ ُ‬
‫فب ِإ ِذْ ِ‬
‫َ‬
‫ما ي َ ُ‬
‫مًرا َ‬
‫ذا َ‬
‫قو ُ‬
‫ن﴾]فصلت‪ ،[12:‬وقال سبحانه ﴿إ ِ َ‬
‫ل‬
‫ت ِ‬
‫ق َ‬
‫وا ٍ‬
‫َ‬
‫فإ ِن ّ َ‬
‫ضى أ ْ‬
‫و َ‬
‫س َ‬
‫في ي َ ْ‬
‫ما َ‬
‫مي ْ ِ‬
‫َ‬
‫(‬
‫‪84‬‬
‫)‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫ُ‬
‫ُ‬
‫ضى َرب ّ َ‬
‫و َ‬
‫ن َ‬
‫ه﴾]السراء‪2:‬‬
‫ق َ‬
‫في َكو ُ‬
‫عب ُ ُ‬
‫ك أل ت َ ْ‬
‫هك ْ‬
‫دوا إ ِل إ ِّيا ُ‬
‫لَ ُ‬
‫ن﴾ وقال في الديني ﴿ َ‬

‫‪ ،[3‬أي أمر وليس المراد به قدر ذلك فإنه قد عبد غيره كما أخبر في غير موضع‬
‫وَل ي َن ْ َ‬
‫م‬
‫ضّر ُ‬
‫ما َل ي َ ُ‬
‫ن الل ّ ِ‬
‫ن ِ‬
‫دو َ‬
‫ف ُ‬
‫ن ُ‬
‫عب ُ ُ‬
‫وي َ ْ‬
‫ع ُ‬
‫م ْ‬
‫ه ْ‬
‫ه ْ‬
‫ه َ‬
‫م َ‬
‫دو ِ‬
‫كقوله تعالى ﴿ َ‬
‫ش َ‬
‫وي َ ُ‬
‫عا ُ‬
‫ه ُ‬
‫ء ُ‬
‫ه﴾]يونس‪ ،[18:‬وقول الخليل عليه السلم‬
‫ؤَل ِ‬
‫ؤَنا ِ‬
‫ن َ‬
‫عن ْدَ الل ّ ِ‬
‫قوُلو َ‬
‫ف َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫ُ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫م‬
‫مو َ‬
‫دو َ‬
‫عب ُ ُ‬
‫م تَ ْ‬
‫ن)‪(76‬فإ ِن ّ ُ‬
‫ه ْ‬
‫م القدَ ُ‬
‫وآَباؤك ْ‬
‫ن)‪(75‬أن ْت ُ ْ‬
‫ما كن ْت ُ ْ‬
‫م َ‬
‫لقومه ﴿أفَرأي ْت ُ ْ‬
‫م َ‬
‫ُ‬
‫قد ْ َ‬
‫ن﴾]الشعراء‪ ،[77-75:‬وقال تعالى ﴿ َ‬
‫ة‬
‫و ٌ‬
‫َ‬
‫عال َ ِ‬
‫ب ال ْ َ‬
‫و ِلي إ ِّل َر ّ‬
‫كان َ ْ‬
‫مأ ْ‬
‫مي َ‬
‫ت ل َك ُ ْ‬
‫س َ‬
‫عد ُ ّ‬

‫قاُلوا ل ِ َ‬
‫ه إ ِذْ َ‬
‫ما‬
‫م‬
‫سن َ ٌ‬
‫ة ِ‬
‫و ِ‬
‫م إ ِّنا ب َُرآءُ ِ‬
‫و ِ‬
‫وال ّ ِ‬
‫في إ ِب َْرا ِ‬
‫م َ‬
‫َ‬
‫ح َ‬
‫ذي َ‬
‫م ّ‬
‫من ْك ُ ْ‬
‫ه ْ‬
‫ع ُ‬
‫ن َ‬
‫هي َ‬
‫م َ‬
‫ق ْ‬
‫م َ‬
‫ِ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫ْ‬
‫ّ‬
‫ه كَ َ‬
‫دا‬
‫والب َ ْ‬
‫غ َ‬
‫ن الل ِ‬
‫ن ِ‬
‫دو َ‬
‫ضاءُ أب َ ً‬
‫ع َ‬
‫م ال َ‬
‫وب َ َ‬
‫ن ُ‬
‫عب ُ ُ‬
‫تَ ْ‬
‫م ْ‬
‫وب َي ْن َك ُ ْ‬
‫فْرَنا ب ِك ُ ْ‬
‫وة ُ َ‬
‫دا َ‬
‫دا ب َي ْن ََنا َ‬
‫م َ‬
‫دو ِ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫مل ِ ُ‬
‫ن لَ َ‬
‫حدَهُ إ ِّل َ‬
‫حّتى ت ُ ْ‬
‫و َ‬
‫ك‬
‫ست َ ْ‬
‫غ ِ‬
‫م ِلِبي ِ‬
‫ل إ ِب َْرا ِ‬
‫مُنوا ِبالل ّ ِ‬
‫ؤ ِ‬
‫فَر ّ‬
‫و ْ‬
‫َ‬
‫ه َل ْ‬
‫ما أ ْ‬
‫و َ‬
‫هي َ‬
‫ك َ‬
‫ق ْ‬
‫ه َ‬
‫َ‬
‫ن)‪(1‬لَ‬
‫ْ‬
‫ّ‬
‫َ‬
‫لَ َ‬
‫ء﴾]الممتحنة‪ ،[4:‬وقال تعالى ﴿ ُ‬
‫ق ْ‬
‫ن َ‬
‫ي ٍ‬
‫ها الكا ِ‬
‫ه ِ‬
‫ن الل ِ‬
‫ك ِ‬
‫فُرو َ‬
‫ل َياأي ّ َ‬
‫م ْ‬
‫م ْ‬
‫ش ْ‬
‫َ‬
‫م)‬
‫ما َ‬
‫وَل أ ََنا َ‬
‫ما أ َ ْ‬
‫م َ‬
‫أَ ْ‬
‫دو َ‬
‫دو َ‬
‫عب ُ ُ‬
‫عاب ِ ُ‬
‫عب ُ ُ‬
‫ما ت َ ْ‬
‫عَبدت ّ ْ‬
‫عاب ِدٌ َ‬
‫ن َ‬
‫وَل أن ْت ُ ْ‬
‫عب ُدُ َ‬
‫د)‪َ (3‬‬
‫ن)‪َ (2‬‬
‫َ‬
‫ن)‪]﴾(6‬الكافرون[‪ ،‬وهذه كلمة‬
‫ما أ َ ْ‬
‫م َ‬
‫دو َ‬
‫عب ُ ُ‬
‫عاب ِ ُ‬
‫م ِدين ُك ُ ْ‬
‫د)‪(5‬ل َك ُ ْ‬
‫ن َ‬
‫وَل أن ْت ُ ْ‬
‫م َ‬
‫‪َ (4‬‬
‫ول ِ َ‬
‫ي ِدي ِ‬

‫تقتضى براءته من دينهم ول تقتضى رضاه بذلك‪ ،‬كما قال تعالى في الية الخرى‬
‫عمل ُك ُ َ‬
‫ن ك َذُّبو َ‬
‫ف ُ‬
‫ك َ‬
‫م ُ‬
‫ق ْ‬
‫وأ ََنا‬
‫ما أ َ ْ‬
‫ل ِلي َ‬
‫ن ِ‬
‫ريُئو َ‬
‫وإ ِ ْ‬
‫ع َ‬
‫م ّ‬
‫م أن ْت ُ ْ‬
‫ْ‬
‫م َ َ‬
‫ول َك ُ ْ‬
‫ع َ‬
‫ل َ‬
‫مِلي َ‬
‫﴿ َ‬
‫م بَ ِ‬
‫ن هذا رضا منه بدين‬
‫ريءٌ ِ‬
‫مُلو َ‬
‫ما ت َ ْ‬
‫ن﴾]يونس‪ ،[41:‬ومن ظن من الملحدة أ ّ‬
‫ع َ‬
‫م ّ‬
‫بَ ِ‬
‫و َ‬
‫ضى‬
‫ق َ‬
‫الكفار فهو من أكذب الناس وأكفرهم‪ ،‬كمن ظن أن قوله ﴿ َ‬
‫َرب ّ َ‬
‫در‪ ،‬وأن الله سبحانه ما قضى بشيء إل وقع‪ ،‬وجعل‬
‫ك﴾]السراء‪ [23:‬بمعنى ق ّ‬
‫عباد الصنام ما عبدوا إل الله‪ ،‬فإن هذا من أعظم الناس كفرا بالكتب‪ (85) ،‬وأما‬
‫لفظ البعث فقال تعالى في البعث الكوني ﴿ َ‬
‫فإ ِ َ‬
‫عث َْنا‬
‫و ْ‬
‫عدُ ُأوَل ُ‬
‫ما ب َ َ‬
‫ذا َ‬
‫ه َ‬
‫جاءَ َ‬
‫ُ‬
‫من البيت إجتمعت هذه وهذه‪ ،‬فإذن‬
‫من البيت لم تجتمع الجهتان‪ ،‬فلما أ ّ‬
‫يعني حينما لم يؤ ّ‬
‫وجود الول وهو الكوني ل يستلزم الثاني ووجود الثاني ل يستلزم الول ]وجود في‬
‫مل‪.‬‬
‫اليات)المفّرغ([ لكن وقوع الثاني يستلزم وجود الول‪ .‬نعم ك ّ‬

‫‪84‬‬

‫)( البقرة‪ ،117:‬آل عمران‪ ،47 :‬مريم‪).35:‬المفّرغ(‬

‫‪()85‬يعني به أصحاب وحدة الوجود الذين قالوا المعبود والعابد شيء واحد لن الله جل وعل‬
‫ضى رب َ َ‬
‫و َ‬
‫در أن ل‬
‫ق َ‬
‫ه﴾]السراء‪ ،[23:‬يعني قَ ّ‬
‫عب ُ ُ‬
‫ك أّل ت َ ْ‬
‫َ ّ‬
‫قضى أ ْ‬
‫دوا إ ِّل إ ِّيا ُ‬
‫ن ل ُيعبد إل هو ﴿ َ‬
‫در كونا أن ل ُيعبد إل هو‪ ،‬هذا باطل‬
‫يعبد إل هو؛ فمن عبد غير الله فقد عبد الله؛ لن الله ق ّ‬
‫ضى( هنا بمعنى أمر ووصى؛ لنه سبحانه هو الذي أثبت بالقرآن‬
‫عظيم البطلن؛ لن )قَ َ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫ّ‬
‫ع َ‬
‫ة‬
‫ه َ‬
‫ن الل ِ‬
‫ن ِ‬
‫دو َ‬
‫ج َ‬
‫ه﴾]الفرقان‪ ،17:‬مريم‪ ،[49:‬و﴿ أ َ‬
‫ن ُ‬
‫عب ُ ُ‬
‫ما ي َ ْ‬
‫ل الل ِ َ‬
‫م ْ‬
‫و َ‬
‫دو ِ‬
‫أنهم عبدوا غير الله ﴿ َ‬
‫دا﴾]ص‪ [5:‬فهو سبحانه هو الذي بين أنهم عبدوا غيره‪ ،‬وكلمة الغَي ْرِّية هذه واضحة‪،‬‬
‫وا ِ‬
‫ح ً‬
‫إ ِل َ ً‬
‫ها َ‬
‫وكونهم عبدوا من دون الله آلهة أيضا واضحة‪ ،‬في أنه ل يمكن أن تكون قضى بمعنى‬
‫در‬
‫أمضى‪ .‬وهذا هو الذي ذكره شيخ السلم‪ ،‬و الوجه الثاني أن قضى هنا ل تكون بمعنى ق ّ‬
‫ن( تفسيرية تكون بعد كلمة فيها معنى القول دون‬
‫ن( بعدها فـ)أ ْ‬
‫و إنما بمعنى أمر لمجيء )أ ْ‬
‫در( ليس فيها معنى القول وليس فيها حروف القول بخلف كلمة‬
‫شروط القول‪ ،‬وكلمة )ق ّ‬
‫َ‬
‫دوا(‬
‫عب ُ ُ‬
‫ن( في قوله )أّل ت َ ْ‬
‫)أمر( فإنها في معنى القول‪ ،‬ولهذا إذا إخترنا القول في )أ ْ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ضى َرب ّ َ‬
‫مر واضحة‪ ،‬وكل منهما مترتبة على أخرى‪ ،‬يعني ) َ‬
‫ك أّل‬
‫ق َ‬
‫تفسيرية قضى بمعنى أ َ‬
‫َ‬
‫ن(‬
‫ن( تفسيرية‪ ،‬وأيضا كون )أ ْ‬
‫دوا(‪) ،‬أمر أل تعبدوا( من أجل التفسير بأمر صارت )أ ْ‬
‫عب ُ ُ‬
‫تَ ْ‬
‫مصدرية هذا فيه بحث‪.‬‬
‫ص الكتب؟ هو في الحقيقة ل إشكال في ذلك‪ ،‬لكن‬
‫♦ ‪ ...‬كأنه عندك إشكال لماذا خ ّ‬
‫كقاعدة في الشياء المتلزمة أنه قد يفترض أحد النوعين ويترك الخر أو تترك الشياء‬
‫التي تلزم إكتفاًء بما ذكر‪ ،‬التكذيب بالكتب هو تكذيب بمن ُأنزلت عليه الكتب‪ ،‬فنقول إن‬
‫اليمان بالكتب إيمان بالرسل‪ ،‬واليمان بالرسل إيمان بالكتب‪ ،‬فالشياء المتلزمة ُيكتفى‬
‫فيها بأحد النوعين‪ .‬أكمل‪.‬‬

‫‪92‬‬

‫التعليقات الحسان على كتاب الفرقان‬

‫عبادا ل ََنا ُأوِلي بأ ْ‬
‫و َ‬
‫د َ‬
‫خَل َ‬
‫س َ‬
‫دا‬
‫ل الدَّيا‬
‫و ْ‬
‫َ‬
‫سوا ِ‬
‫دي ٍ‬
‫ش ِ‬
‫كا َ‬
‫ع ً‬
‫ف َ‬
‫َ‬
‫م ِ َ ً‬
‫جا ُ‬
‫عل َي ْك ُ ْ‬
‫ن َ‬
‫ر َ‬
‫ِ‬
‫ٍ‬
‫ُ‬
‫ْ‬
‫ّ‬
‫ً‬
‫م ْ‬
‫ن‬
‫ع َ‬
‫ث ِ‬
‫عول﴾]السراء‪ ،[5:‬وقال في البعث الديني ﴿ ُ‬
‫و ال ِ‬
‫ذي ب َ َ‬
‫ف ُ‬
‫مّيي َ‬
‫في ال ّ‬
‫َ‬
‫ه َ‬
‫ْ‬
‫ّ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫ً‬
‫ّ‬
‫ب‬
‫م ي َت ْلو َ‬
‫م آَيات ِ ِ‬
‫سول ِ‬
‫م الك َِتا َ‬
‫وي ُ َ‬
‫م ُ‬
‫من ْ ُ‬
‫َر ُ‬
‫ه ْ‬
‫عل ُ‬
‫ه ْ‬
‫ه ْ‬
‫ه ْ‬
‫م َ‬
‫ه َ‬
‫وي َُزكي ِ‬
‫علي ْ ِ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫ول َ َ‬
‫في ك ُ ّ‬
‫دوا‬
‫ن اُ ْ‬
‫م َ‬
‫عث َْنا ِ‬
‫وال ْ ِ‬
‫م ٍ‬
‫سوًل أ ْ‬
‫عب ُ ُ‬
‫قد ْ ب َ َ‬
‫ة َر ُ‬
‫لأ ّ‬
‫حك ْ َ‬
‫ة﴾]الجمعة‪ ،[2:‬قال تعالى ﴿ َ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫جت َن ُِبوا الطا ُ‬
‫ت﴾]النحل‪ ،[36:‬وأما لفظ الرسال فقال في الرسال‬
‫وا ْ‬
‫غو َ‬
‫الل َ‬
‫ه َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫عَلى ال ْ َ‬
‫ن تَ ُ‬
‫سل َْنا ال ّ‬
‫م أّزا﴾]مريم‪،[83:‬‬
‫ن َ‬
‫ؤّز ُ‬
‫كا ِ‬
‫شَيا ِ‬
‫م ت ََر أّنا أْر َ‬
‫ري َ‬
‫طي َ‬
‫ه ْ‬
‫الكوني ﴿أل َ ْ‬
‫ف ِ‬
‫َ‬
‫ح بُ ْ‬
‫س َ‬
‫ه﴾]الفرقان‪،[48:‬‬
‫و ُ‬
‫مت ِ ِ‬
‫و ال ّ ِ‬
‫ي َر ْ‬
‫ل الّرَيا َ‬
‫ذي أْر َ‬
‫شًرا ب َي ْ َ‬
‫ح َ‬
‫ن ي َدَ ْ‬
‫ه َ‬
‫وقال تعالى ﴿ َ‬
‫َ‬
‫سل َْنا َ‬
‫مب َ ّ‬
‫ك َ‬
‫ذيًرا﴾]الحزاب‪ ،[45:‬وقال تعالى‬
‫ون َ ِ‬
‫شا ِ‬
‫ه ً‬
‫وقال في الديني ﴿إ ِّنا أْر َ‬
‫و ُ‬
‫شًرا َ‬
‫دا َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫حا إلى َ‬
‫سوًل‬
‫م ِ‬
‫و ِ‬
‫سل َْنا ُنو ً‬
‫م َر ُ‬
‫ه﴾]نوح‪ ،[1:‬وقال تعالى ﴿إّناأْر َ‬
‫﴿إ ِّنا أْر َ‬
‫سل َْنا إ ِل َي ْك ُ ْ‬
‫ق ْ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫سوًل﴾]المزمل‪ ،[15:‬وقال تعالى ﴿‬
‫فْر َ‬
‫دا َ‬
‫سل َْنا إلى ِ‬
‫شا ِ‬
‫و َ‬
‫ه ً‬
‫ن َر ُ‬
‫ما أْر َ‬
‫م كَ َ‬
‫عل َي ْك ُ ْ‬
‫ع ْ‬
‫س﴾]الحج‪ ،[75:‬وأما لفظ الجعل‬
‫صط َ ِ‬
‫و ِ‬
‫مَلئ ِك َ ِ‬
‫في ِ‬
‫ة ُر ُ‬
‫م ْ‬
‫م ْ‬
‫ن ال ْ َ‬
‫الل ّ ُ‬
‫ه يَ ْ‬
‫سًل َ‬
‫ن الّنا ِ‬
‫َ‬
‫ر﴾]القصص‪ ،[41:‬وقال في‬
‫ة ي َدْ ُ‬
‫م ً‬
‫عل َْنا ُ‬
‫عو َ‬
‫ج َ‬
‫و َ‬
‫م أئ ِ ّ‬
‫ه ْ‬
‫فقال في الكوني ﴿ َ‬
‫ن إلى الّنا ِ‬
‫ع َ‬
‫الديني ﴿ل ِك ُ ّ‬
‫ل‬
‫ع ً‬
‫شْر َ‬
‫و ِ‬
‫م ِ‬
‫عل َْنا ِ‬
‫ج َ‬
‫ما َ‬
‫ها ً‬
‫ج َ‬
‫ل َ‬
‫من ْ َ‬
‫جا﴾]المائدة‪ ،[48:‬وقال تعالى ﴿ َ‬
‫من ْك ُ ْ‬
‫ة َ‬
‫حام ٍ﴾]المائدة‪ ،[103:‬وأما لفظ التحريم‬
‫ن بَ ِ‬
‫صيل َ ٍ‬
‫و ِ‬
‫سائ ِب َ ٍ‬
‫حيَر ٍ‬
‫ه ِ‬
‫وَل َ‬
‫وَل َ‬
‫م ْ‬
‫الل ّ ُ‬
‫ة َ‬
‫وَل َ‬
‫ة َ‬
‫ة َ‬
‫ن َ‬
‫قب ْ ُ‬
‫ل﴾]القصص‪ ،[12:‬وقال تعالى‬
‫مَنا َ‬
‫ع ِ‬
‫مَرا ِ‬
‫عل َي ْ ِ‬
‫ض َ‬
‫و َ‬
‫م ْ‬
‫ه ال ْ َ‬
‫حّر ْ‬
‫فقال في الكوني ﴿ َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫ة َ َ‬
‫ل َ‬
‫﴿ َ‬
‫قا َ‬
‫ض﴾]المائدة‪،[26:‬‬
‫سن َ ً‬
‫م ٌ‬
‫ن ِ‬
‫م أْرب َ ِ‬
‫هو َ‬
‫م َ‬
‫ة ي َِتي ُ‬
‫ن َ‬
‫فإ ِن ّ َ‬
‫عي َ‬
‫ه ْ‬
‫حّر َ‬
‫ها ُ‬
‫في الْر ِ‬
‫علي ْ ِ‬
‫ُ‬
‫ه ّ‬
‫ر‬
‫ل لِ َ‬
‫مي ْت َ ُ‬
‫ت َ‬
‫م ال ْ ِ‬
‫ما أ ِ‬
‫ول َ ْ‬
‫وقال في الديني ﴿ ُ‬
‫والدّ ُ‬
‫م ْ‬
‫و َ‬
‫ح ُ‬
‫م ال ْ َ‬
‫عل َي ْك ُ ْ‬
‫حّر َ‬
‫ر َ‬
‫م َ‬
‫ة َ‬
‫غي ْ ِ‬
‫زي ِ‬
‫خن ِ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫م‬
‫وأ َ‬
‫ت َ‬
‫ه بِ ِ‬
‫الل ّ ِ‬
‫ه﴾]المائدة‪ ،[3:‬وقال تعالى ﴿ ُ‬
‫م ْ‬
‫م َ‬
‫وات ُك ُ ْ‬
‫وب ََنات ُك ُ ْ‬
‫هات ُك ُ ْ‬
‫مأ ّ‬
‫عل َي ْك ُ ْ‬
‫حّر َ‬
‫خ َ‬
‫م َ‬
‫م َ‬
‫ْ َ‬
‫ت﴾]النساء‪[23:‬الية‪ ،‬وأما لفظ‬
‫ت اْل ُ ْ‬
‫و َ‬
‫و َ‬
‫خ ِ‬
‫وب ََنا ُ‬
‫وب ََنا ُ‬
‫خاَلت ُك ُ ْ‬
‫مات ُك ُ ْ‬
‫ع ّ‬
‫خ َ‬
‫م َ‬
‫م َ‬
‫َ‬
‫ت ال ِ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫صد ّ َ‬
‫ه﴾]التحريم‪.[12:‬‬
‫وكت ُب ِ ِ‬
‫ما ِ‬
‫ق ْ‬
‫ت َرب ّ َ‬
‫ت ب ِكل ِ َ‬
‫و َ‬
‫ها َ‬
‫الكلمات فقال في الكلمات الكونية ﴿ َ‬
‫وثبت في الصحيح عن النبي ‪ ‬أنه كان يقول »أعوذ بكلمات الله التامة‪،‬‬
‫كلها من شر ما خلق ومن غضبه وعقابه وشر عباده ومن همزات‬
‫الشياطين وأن يحضرون«‪ ،‬وقال ‪» ‬من نزل منزل فقال أعوذ‬
‫بكلمات الله التامات من شر ما خلق لم يضّره)‪ (86‬شيء حتى يرتحل‬
‫من منزله ذلك«‪ ،‬وكان يقول »أعوذ بكلمات الله التامات التي ل‬
‫يجاوزهن بر ول فاجر ومن شر ما ذرأ في الرض‪ ،‬ومن شر ما‬
‫يخرج منها‪ ،‬ومن شر فتن الليل والنهار‪ ،‬ومن شر كل طارق إل‬
‫طارقا يطرق بخير يارحمن« وكلمات الله التامات التي ل يجاوزهن بر ول‬
‫فاجر هي التي كون بها الكائنات‪ ،‬فل يخرج بر ول فاجر عن تكوينه ومشيئته‬
‫وقدرته‪ ،‬وأما كلماته الدينية وهي كتبه المنزلة وما فيها من أمره ونهيه فأطاعها‬
‫البرار وعصاها الفجار‪ ،‬وأولياء الله المتقون هم المطيعون لكلماته الدينية‬
‫وجعله الديني وإذنه الديني وإرادته الدينية‪ ،‬وأما كلماته الكونية إلى ل يجاوزها بر‬
‫ول فاجر فانه يدخل تحتها جميع الخلق حتى إبليس وجنوده وجميع الكفار وسائر‬
‫من يدخل النار‪ ،‬فالخلق وإن اجتمعوا في شمول الخلق والمشيئة والقدرة‬
‫‪()86‬الفعل المشدد دخلت عليه )لم( الصل أنه يجزم وتكون علمة جزمه السكون وتكون‬
‫علمة جومه السكون‪ ،‬لكن إلتقى ساكنان؛ سكون التضعيف والسكون الذي هو علمة‬
‫فلذلك غُّير إلى الفتح لسببين‪:‬‬
‫الول‪ :‬لن الفتحة أخف الحركات‪.‬‬
‫والثاني‪ :‬لن الضم ممتنع لكونه حالة الفعل قبل دخول )لم( والكسر ممتنع لن الفعل ل‬
‫يجر أو ليدخله الجر‪.‬‬
‫مه‪ ،...‬إلى آخره‪ ،‬كل فهل مشدد في آخره إذا دخلت عليه )لم(‬
‫هذه مثل‪ :‬لم ي َ ُ‬
‫ه‪ ،‬لم يه ّ‬
‫جّر ُ‬
‫در‪.‬‬
‫أو حرف من حروف الجزم فإنه يكون مجزوم بسكون مق ّ‬

‫للشيخ العلمة صالح بن عبد العزيز آل الشيخ‬

‫‪93‬‬

‫والقدر لهم فقد افترقوا في المر والنهي والمحبة والرضا والغضب‪ ،‬وأولياء الله‬
‫المتقون هم الذين فعلوا المأمور‪ ،‬وتركوا المحظور‪ ،‬وصبروا على المقدور‪،‬‬
‫فأحبهم وأحبوه‪ ،‬ورضي عنهم ورضوا عنه‪ ،‬وأعداؤه أولياء الشياطين وإن كانوا‬
‫تحت قدرته فهو يبغضهم‪ ،‬ويغضب عليهم‪ ،‬ويلعنهم‪ ،‬ويعاديهم‪ ،‬وبسط هذه الجمل‬
‫له موضع آخر‪ ،‬وإنما كتبت هنا تنبيها على مجامع الفرق بين أولياء الرحمن‬
‫ماعُ)‪ (87‬الفرق بينهما اعتبارهم بموافقة رسول الله ‪ ،‬فإنه‬
‫ج َ‬
‫وأولياء الشيطان‪ ،‬و ِ‬
‫هو الذي فرق الله تعالى به بين أوليائه السعداء وأعدائه الشقياء‪ ،‬وبين أوليائه‬
‫أهل الجنة وأعدائه أهل النار‪ ،‬وبين أوليائه أهل الهدى والرشاد وبين أعدائه أهل‬
‫الغي والضلل والفساد‪ ،‬وأعدائه حزب الشيطان‪ ،‬وأوليائه الذين كتب في قلوبهم‬
‫جدُ َ‬
‫ما ي ُ ْ‬
‫ن ِبالل ّ ِ‬
‫ؤ ِ‬
‫مُنو َ‬
‫و ً‬
‫اليمان وأايدهم بروح منه‪ ،‬قال تعالى ﴿َل ت َ ِ‬
‫وال ْي َ ْ‬
‫ه َ‬
‫ق ْ‬
‫وم ِ‬
‫ه﴾]المجادلة‪[22:‬الية‪ ،‬وقال تعالى ﴿إ ِ ْ‬
‫ذ‬
‫اْل ِ‬
‫دو َ‬
‫ن َ‬
‫وا ّ‬
‫وَر ُ‬
‫م ْ‬
‫سول َ ُ‬
‫حادّ الل ّ َ‬
‫ن َ‬
‫ه َ‬
‫ر يُ َ‬
‫خ ِ‬
‫ك إلى ال ْمَلئ ِك َ َ‬
‫حي َرب ّ َ‬
‫في ُ‬
‫م َ‬
‫ب‬
‫قي ِ‬
‫سأ ُل ْ ِ‬
‫ُيو ِ‬
‫فث َب ُّتوا ال ّ ِ‬
‫ِ‬
‫م َ‬
‫مُنوا َ‬
‫ذي َ‬
‫نآ َ‬
‫عك ُ ْ‬
‫ة أّني َ‬
‫َ‬
‫قُلو ِ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫رُبوا َ‬
‫ب َ‬
‫ن كَ َ‬
‫م كُ ّ‬
‫ل‬
‫وقَ ال ْ‬
‫فُروا الّر ْ‬
‫وا ْ‬
‫فا ْ‬
‫رُبوا ِ‬
‫ال ّ ِ‬
‫ع َ‬
‫من ْ ُ‬
‫ذي َ‬
‫ه ْ‬
‫ق َ‬
‫ف ْ‬
‫ض ِ‬
‫عَنا ِ‬
‫ض ِ‬
‫َ‬
‫ن ال ّ‬
‫م‬
‫شَيا ِ‬
‫حو َ‬
‫وإ ِ ّ‬
‫ن ل َُيو ُ‬
‫طي َ‬
‫ه ْ‬
‫ن إلى أ ْ‬
‫ن﴾]النفال‪ ،[12:‬وقال ﴿ َ‬
‫ب ََنا ٍ‬
‫ول َِيائ ِ ِ‬
‫وك َذَل ِ َ‬
‫وا َ‬
‫عل َْنا ل ِك ُ ّ‬
‫س‬
‫ي َ‬
‫شَيا ِ‬
‫ج َ‬
‫ك َ‬
‫ل ِي ُ َ‬
‫طي َ‬
‫جاِدُلوك ُ ْ‬
‫عد ُ ّ‬
‫م﴾]النعام‪ ،[121:‬وقال ﴿ َ‬
‫ل ن َب ِ ّ‬
‫نا ِْ‬
‫لن ِ‬
‫ل ُ‬
‫ف ال ْ َ‬
‫غُروًرا﴾]النعام‪ ،[112:‬وقال ﴿‬
‫ع‬
‫ض ُز ْ‬
‫خُر َ‬
‫ن ُيو ِ‬
‫ع ُ‬
‫م إلى ب َ ْ‬
‫حي ب َ ْ‬
‫ض ُ‬
‫ج ّ‬
‫ه ْ‬
‫وال ْ ِ‬
‫و ِ‬
‫ق ْ‬
‫َ‬
‫ٍ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫ُ‬
‫ّ‬
‫ُ‬
‫ّ‬
‫ُ‬
‫ّ‬
‫ُ‬
‫ْ‬
‫م)‬
‫ن)‪(221‬ت َن َّزل َ‬
‫م َ‬
‫َ‬
‫ن ت َن َّزل الشَيا ِ‬
‫على كل أفا ٍ‬
‫طي ُ‬
‫م ْ‬
‫على َ‬
‫هل أن َب ّئك ْ‬
‫ك أِثي ٍ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫‪(222‬ي ُل ُ‬
‫وال ّ‬
‫ن)‬
‫م ال َ‬
‫وأكث َُر ُ‬
‫وو َ‬
‫م كاِذُبو َ‬
‫قو َ‬
‫عَراءُ ي َت ّب ِ ُ‬
‫ش َ‬
‫م َ‬
‫ع ُ‬
‫ن ال ّ‬
‫ه ْ‬
‫ه ْ‬
‫س ْ‬
‫غا ُ‬
‫ن)‪َ (223‬‬
‫ع َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ما لَ‬
‫ُ‬
‫م يَ ُ‬
‫في ك ُ ّ‬
‫م ِ‬
‫قولو َ‬
‫مو َ‬
‫وأن ّ ُ‬
‫م ت ََرى أن ّ ُ‬
‫ن َ‬
‫ه ْ‬
‫هي ُ‬
‫ه ْ‬
‫‪(224‬أل َ ْ‬
‫ن)‪َ (225‬‬
‫ل َ‬
‫واٍد ي َ ِ‬
‫يَ ْ‬
‫ه ك َِثيًرا‬
‫و َ‬
‫حا ِ‬
‫ع ِ‬
‫ن)‪(226‬إ ِّل ال ّ ِ‬
‫عُلو َ‬
‫صال ِ َ‬
‫ف َ‬
‫ذي َ‬
‫وذَك َُروا الل ّ َ‬
‫نآ َ‬
‫مُلوا ال ّ‬
‫ت َ‬
‫مُنوا َ‬
‫َ‬
‫من َ‬
‫ب‬
‫م ال ّ ِ‬
‫ع ِ‬
‫صُروا ِ‬
‫سي َ ْ‬
‫ن بَ ْ‬
‫و َ‬
‫ذي َ‬
‫م ْ‬
‫ي ُ‬
‫موا أ ّ‬
‫ن ظَل َ ُ‬
‫عل َ ُ‬
‫ما ظُل ِ ُ‬
‫د َ‬
‫قل َ ٍ‬
‫وانت َ َ‬
‫موا َ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫ما لَ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ما ت ُب ْ ِ‬
‫ن﴾]الشعراء‪ ،[227-221:‬وقال تعالى ﴿فل أق ِ‬
‫صُرو َ‬
‫َينقل ُِبو َ‬
‫و َ‬
‫م بِ َ‬
‫س ُ‬
‫ن)‪َ (38‬‬
‫ً‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ر َ‬
‫و بِ َ‬
‫هل َ‬
‫ل َ‬
‫و ُ‬
‫ما‬
‫شا ِ‬
‫ما ُ‬
‫ت ُب ْ ِ‬
‫صُرو َ‬
‫ل َر ُ‬
‫قِليل َ‬
‫و َ‬
‫ن)‪(39‬إ ِن ّ ُ‬
‫و ِ‬
‫ق ْ‬
‫ه َ‬
‫م)‪َ (40‬‬
‫سو ٍ‬
‫ق ْ‬
‫ع ٍ‬
‫لك ِ‬
‫ري ٍ‬
‫ل َ‬
‫ن َ‬
‫وَل ب ِ َ‬
‫تُ ْ‬
‫زي ٌ‬
‫ب‬
‫ل ِ‬
‫كا ِ‬
‫ؤ ِ‬
‫ما ت َذَك ُّرو َ‬
‫مُنو َ‬
‫ن َر ّ‬
‫م ْ‬
‫قِليًل َ‬
‫و ِ‬
‫ق ْ‬
‫ن)‪َ (41‬‬
‫ن)‪َ(42‬تن ِ‬
‫ه ٍ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ض اْل َ‬
‫و تَ َ‬
‫و َ‬
‫ن)‬
‫ل)‪َ(44‬ل َ‬
‫ل َ‬
‫ه ِبال ْي َ ِ‬
‫خذَْنا ِ‬
‫عال َ ِ‬
‫عل َي َْنا ب َ ْ‬
‫ال ْ َ‬
‫مي َ‬
‫من ْ ُ‬
‫ع َ‬
‫وي ِ‬
‫ق ّ‬
‫ول َ ْ‬
‫ن)‪َ (43‬‬
‫قا ِ‬
‫مي ِ‬
‫َ‬
‫ن)‪َ (46‬‬
‫م لَ َ‬
‫ه‬
‫د َ‬
‫ح ٍ‬
‫م ِ‬
‫ما ِ‬
‫عَنا ِ‬
‫ه َ‬
‫نأ َ‬
‫قطَ ْ‬
‫زي َ‬
‫م ْ‬
‫وِتي َ‬
‫وإ ِن ّ ُ‬
‫عن ْ ُ‬
‫من ْك ُ ْ‬
‫ف َ‬
‫من ْ ُ‬
‫‪(45‬ث ُ ّ‬
‫حا ِ‬
‫ن)‪َ (47‬‬
‫ه ال ْ َ‬
‫ج ِ‬
‫َ‬
‫عَلى‬
‫سَرةٌ َ‬
‫مت ّ ِ‬
‫ن ِ‬
‫مأ ّ‬
‫ه لَ َ‬
‫وإ ِّنا ل َن َ ْ‬
‫ح ْ‬
‫مك َذِّبي َ‬
‫قي َ‬
‫وإ ِن ّ ُ‬
‫م ُ‬
‫من ْك ُ ْ‬
‫عل َ ُ‬
‫ل َت َذْك َِرةٌ ل ِل ْ ُ‬
‫ن)‪َ (49‬‬
‫ن)‪َ (48‬‬
‫ال ْ َ‬
‫سم ِ َرب ّ َ‬
‫ن)‪َ (51‬‬
‫ظيم ِ ﴾]الحاقة‪-38:‬‬
‫ق ال ْي َ ِ‬
‫كا ِ‬
‫ع ِ‬
‫ك ال ْ َ‬
‫سب ّ ْ‬
‫ه لَ َ‬
‫ح ِبا ْ‬
‫ف َ‬
‫ري َ‬
‫ح ّ‬
‫وإ ِن ّ ُ‬
‫ن)‪َ (50‬‬
‫ف ِ‬
‫قي ِ‬
‫َ‬
‫ك بِ َ‬
‫ة َرب ّ َ‬
‫فذَك ّْر َ‬
‫‪ ،[52‬وقال تعالى ﴿ َ‬
‫ن﴾]الطور‪ [29:‬إلى‬
‫كا ِ‬
‫م ِ‬
‫م ْ‬
‫ت ب ِن ِ ْ‬
‫ما أن ْ َ‬
‫وَل َ‬
‫ع َ‬
‫ف َ‬
‫جُنو ٍ‬
‫ن َ‬
‫ه ٍ‬
‫ن َ‬
‫ن﴾]الطور‪ ،[34:‬فنزه سبحانه وتعالى نبينا محمدا ‪ ‬عمن‬
‫صاِد ِ‬
‫قوله ﴿إ ِ ْ‬
‫قي َ‬
‫كاُنوا َ‬

‫تقترن به الشياطين من الكهان والشعراء والمجانين‪ ،‬وبّين أن الذي جاءه‬
‫سًل‬
‫صطَ ِ‬
‫مَلئ ِك َ ِ‬
‫في ِ‬
‫ة ُر ُ‬
‫م ْ‬
‫ن ال ْ َ‬
‫بالقرآن ملك كريم اصطفاه‪ ،‬قال الله تعالى ﴿الل ّ ُ‬
‫ه يَ ْ‬
‫ن)‪(192‬ن ََز َ‬
‫زي ُ‬
‫ه‬
‫ل بِ ِ‬
‫عال َ ِ‬
‫و ِ‬
‫ب ال ْ َ‬
‫ل َر ّ‬
‫مي َ‬
‫م ْ‬
‫وإ ِن ّ ُ‬
‫س﴾]الحج‪ ،[75:‬وقال تعالى ﴿ َ‬
‫َ‬
‫ه ل َت َن ْ ِ‬
‫ن الّنا ِ‬

‫ك ل ِت َ ُ‬
‫قل ْب ِ َ‬
‫عَلى َ‬
‫ي‬
‫ن َ‬
‫ن)‪َ (193‬‬
‫من ِ‬
‫ن ِ‬
‫ح اْل َ ِ‬
‫كو َ‬
‫الّرو ُ‬
‫ن)‪(194‬ب ِل ِ َ‬
‫ري َ‬
‫م ْ‬
‫مي ُ‬
‫ن ال ْ ُ‬
‫سا ٍ‬
‫عَرب ِ ّ‬
‫ذ ِ‬
‫ن َ‬
‫ل َ‬
‫ن﴾]الشعراء‪ ،[195-192:‬وقال تعالى ﴿ ُ‬
‫ري َ‬
‫ق ْ‬
‫ه‬
‫ن َ‬
‫كا َ‬
‫م ْ‬
‫ه ن َّزل َ ُ‬
‫فإ ِن ّ ُ‬
‫ل َ‬
‫ُ‬
‫وا ل ِ ِ‬
‫عد ُ ّ‬
‫جب ْ ِ‬
‫مِبي ٍ‬
‫ْ‬
‫ْ‬
‫ّ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫قلب ِ َ‬
‫ن َ‬
‫ت ال ُ‬
‫ذا َ‬
‫ه﴾]البقرة‪[97:‬الية‪ ،‬وقال تعالى ﴿ َ‬
‫على َ‬
‫ع ْ‬
‫فإ ِ َ‬
‫ذ‬
‫َ‬
‫ست َ ِ‬
‫ن الل ِ‬
‫قْرآ َ‬
‫قَرأ َ‬
‫فا ْ‬
‫ك ب ِإ ِذْ ِ‬
‫شي ْ َ‬
‫وب ُ ْ‬
‫ن ال ّ‬
‫ن﴾]النحل‪:‬‬
‫سل ِ ِ‬
‫ه ِ‬
‫ِبالل ّ ِ‬
‫م ْ‬
‫مي َ‬
‫م ْ‬
‫شَرى ل ِل ْ ُ‬
‫ن الّر ِ‬
‫جيم ِ﴾]النحل‪ [98:‬إلى قول ﴿ َ‬
‫طا ِ‬
‫فَل أ ُ ْ‬
‫ماه الروح المين وسماه روح القدس وقال تعالى ﴿ َ‬
‫م‬
‫ق ِ‬
‫س ُ‬
‫‪ ،[102‬فس ّ‬
‫ْ‬
‫س﴾]التكوير‪ [16-15:‬يعنى الكواكب التي تكون في‬
‫ِبال ْ ُ‬
‫س)‪(15‬ال ْ َ‬
‫ج َ‬
‫وا ِ‬
‫ري الك ُن ّ ِ‬
‫خن ّ ِ‬

‫السماء خانسة أي مختفية قبل طلوعها‪ ،‬فإذا ظهرت رآها الناس جارية في‬
‫‪()87‬‬
‫جماع الشيء يعني الصل الذي يقوم عليه‪.‬‬
‫جماع الفرق يعني وأصل الفرق‪ِ ،‬‬

‫‪94‬‬

‫التعليقات الحسان على كتاب الفرقان‬

‫ل إذا‬
‫والل ّي ْ ِ‬
‫السماء‪ ،‬فإذا غربت ذهبت إلى كناسها الذي يحجبها‪َ ﴿ ،‬‬
‫ح إذا ت َن َ ّ‬
‫س﴾]التكوير‪[18:‬‬
‫َ‬
‫س َ‬
‫ع ْ‬
‫ف َ‬
‫وال ّ‬
‫ع َ‬
‫س﴾]التكوير‪ [17:‬أي إذا أدبر وأقبل الصبح ﴿ َ‬
‫صب ْ ِ‬
‫ه لَ َ‬
‫و ُ‬
‫ريم ٍ﴾]التكوير‪ [19:‬وهو جبريل عليه السلم ﴿ِذي‬
‫ل َر ُ‬
‫أي أقبل‪﴿ ،‬إ ِن ّ ُ‬
‫سو ٍ‬
‫ق ْ‬
‫ل كَ ِ‬
‫َ‬
‫كين)‪َ ُ (20‬‬
‫ُ‬
‫ن﴾]التكوير‪ [21-20:‬أي مطاع في‬
‫ة ِ‬
‫مأ ِ‬
‫و ٍ‬
‫عن ْدَ ِذي ال ْ َ‬
‫ع ثَ ّ‬
‫ش َ‬
‫ق ّ‬
‫مي ٍ‬
‫مطا ٍ‬
‫م ِ ٍ‬
‫عْر ِ‬
‫ن‬
‫صا ِ‬
‫م ْ‬
‫م بِ َ‬
‫حب ُك ُ ْ‬
‫و َ‬
‫ما َ‬
‫جُنو ٍ‬
‫السماء أمين‪ ،‬ثم قال ﴿ َ‬
‫ن﴾]التكوير‪ [22:‬أي صاحبكم الذي م ّ‬
‫الله عليكم به إذ بعثه إليكم رسول من جنسكم يصحبكم إذ ْ كنتم ل تطيقون أن‬
‫ك ول َ َ‬
‫ُ‬
‫مل َ ً‬
‫و َ‬
‫ز َ‬
‫كا‬
‫ل َ‬
‫عل َي ْ ِ‬
‫و أنَزل َْنا َ‬
‫ه َ‬
‫مل َ ٌ َ ْ‬
‫قاُلوا ل َ ْ‬
‫تروا الملئكة كما قال تعالى ﴿ َ‬
‫وَل أن ِ‬
‫َ‬
‫ج ً‬
‫مل َ ً‬
‫لَ ُ‬
‫ل﴾]النعام‪[9-8:‬‬
‫ق ِ‬
‫م َل ُينظَُرو َ‬
‫عل َْناهُ َر ُ‬
‫ج َ‬
‫كا ل َ َ‬
‫ج َ‬
‫و َ‬
‫عل َْناهُ َ‬
‫مُر ث ُ ّ‬
‫ي اْل ْ‬
‫ول َ ْ‬
‫ن)‪َ (8‬‬
‫ض َ‬
‫قدْ َرآهُ ِباْل ُ ُ‬
‫ول َ َ‬
‫ن﴾]التكوير‪ [23:‬أي رأى جبريل عليه‬
‫ق ال ْ ُ‬
‫الية وقال تعالى ﴿ َ‬
‫مِبي ِ‬
‫ف ِ‬
‫مت َّهم‪ ،‬وفي القراءة‬
‫عَلى ال ْ َ‬
‫و َ‬
‫ما ُ‬
‫ب بِ َ‬
‫و َ‬
‫ن﴾]التكوير‪ [24:‬أي ب ِ ُ‬
‫غي ْ ِ‬
‫ه َ‬
‫السلم ﴿ َ‬
‫ضِني ٍ‬
‫جعل كما يفعل من يكتم‬
‫الخرى ﴿بضنين﴾ أي ببخيل يكتم العلم ول يبذله إل ب ُ‬
‫شي ْ َ‬
‫و بِ َ‬
‫ل َ‬
‫جيم ٍ﴾]التكوير‪ ،[25:‬فنزه جبريل عليه‬
‫ما ُ‬
‫و َ‬
‫ن َر ِ‬
‫طا ٍ‬
‫و ِ‬
‫ق ْ‬
‫ه َ‬
‫العلم إل بالعوض ﴿ َ‬
‫السلم عن أن يكون شيطانا كما نزه محمدا ‪ ‬عن أن يكون شاعرا أو كاهنا‪.‬‬
‫فأولياء الله المتقون هم المقتدون بمحمد ‪ ،‬فيفعلون ما أمر به وينتهون‬
‫عما عنه زجر‪ ،‬ويقتدون به فيما بّين لهم أن يتبعوه فيه‪ ،‬فيؤيدهم بملئكته وروح‬
‫منه‪ ،‬ويقذف الله في قلوبهم من أنواره‪ ،‬ولهم الكرامات التي يكرم الله بها‬
‫أولياءه المتقين‪ ،‬وخيار أولياء الله كراماتهم لحجة في الدين أو لحاجة‬
‫بالمسلمين‪ ،‬كما كانت معجزات نبيهم ‪ ،‬كذلك‪ .‬وكرامات أولياء الله إنما‬
‫حصلت ببركة اتباع رسوله ‪ ،‬فهي في الحقيقة تدخل في معجزات الرسول ‪‬‬
‫مثل انشقاق القمر‪ ،‬وتسبيح الحصى في كفه‪ ،‬وإتيان الشجر إليه‪ ،‬وحنين الجذع‬
‫إليه‪ ،‬وإخباره ليلة المعراج بصفة بيت المقدس‪ ،‬وإخباره بما كان وما يكون‪،‬‬
‫وإتيانه بالكتاب العزيز‪ ،‬وتكثير الطعام والشراب مرات كثيرة‪ ،‬كما أشبع في‬
‫در طعام وهو لم ينقص؛ في حديث أم سلمة المشهور‪،‬‬
‫الخندق العسكر من قِ ْ‬
‫وأروى العسكر في غزوة خيبر من مزادة ماء ولم تنقص‪ ،‬ومل أوعية العسكر‬
‫عام تبوك من طعام قليل ولم ينقص‪ ،‬وهم نحو ثلثين ألفا‪ ،‬ونبع الماء من بين‬
‫أصابعه مرات متعددة حتى كفى الناس الذين كانوا معه‪ ،‬كما كانوا في غزوة‬
‫الحديبية نحو ألف وأربعمائة أو خمسمائة‪ ،‬ورده لعين قتادة حين سالت على‬
‫خده فرجعت أحسن عينيه‪ ،‬ولما أرسل محمد بن مسلمة لقتل كعب بن الشرف‬
‫فوقع وانكسرت رجله فمسحها فبرئت‪ ،‬وأطعم من شواء مائة وثلثين رجل كل‬
‫منهم حز له قطعة وجعل منها قصعتين‪ ،‬فأكلوا منها جميُعهم‪ ،‬ثم فضل فضلة‪،‬‬
‫ودين عبد الله أبي جابر لليهودي وهو ثلثون وسقا‪ ،‬قال جابر فأمر صاحب الدين‬
‫أن يأخذ التمر جميعه بالذي كان له فلم يقبل فمشى فيها رسول الله ‪ ‬ثم قال‬
‫جد ّ له فوفاه الثلثين وسقا وفضل سبعة عشر وسقا‪ ،‬ومثل هذا كثير قد‬
‫لجابر ُ‬
‫جمعت نحو ألف معجزة‪.‬‬
‫وكرامات الصحابة والتابعين بعدهم وسائر الصالحين كثيرة جدا‪ ،‬مثل ما كان‬
‫أسيد بن حضير يقرأ سورة الكهف فنزل من السماء مثل الظلة فيها أمثال‬
‫السرج وهي الملئكة نزلت لقراءته‪.‬‬
‫صْين‪ ،‬وكان سلمان وأبو الدرداء‬
‫وكانت الملئكة تسلم على ِ‬
‫مران بن ُ‬
‫ع ْ‬
‫ح َ‬
‫يأكلن في صحفة فسبحت الصحفة أو سبح ما فيها‪ ،‬وعباد بن بشر وأسيد بن‬
‫حضير خرجا من عند رسول الله ‪ ‬في ليلة مظلمة فأضاء لهما نور مثل طرف‬
‫السوط‪ ،‬فلما افترقا افترق الضوء معهما‪ .‬رواه البخارى وغيره‪.‬‬

‫للشيخ العلمة صالح بن عبد العزيز آل الشيخ‬

‫‪95‬‬

‫وقصة الصديق في الصحيحين؛ لما ذهب بثلثة أضياف معه إلى بيته وجعل ل‬
‫يأكل لقمة إل ربى من أسفلها أكثر منها فشبعوا‪ ،‬وصارت أكثر مما هي قبل‬
‫ذلك‪ ،‬فنظر إليها أبو بكر وامرأته فإذا هي أكثر مما كانت فرفعها إلى رسول الله‬
‫‪ ‬وجاء إليه أقوام كثيرون فأكلوا منها وشبعوا‪.‬‬
‫وخبيب بن عدي كان أسيرا عند المشركين بمكة شّرفها الله تعالى وكان يؤتى‬
‫بعنب يأكله وليس بمكة عنبة‪.‬‬
‫وعامر بن فهيرة ُقتل شهيدا فالتمسوا جسده فلم يقدروا عليه‪ ،‬وكان لما قتل‬
‫ُرفع‪ ،‬فرآه عامر بن الطفيل وقد رفع‪ ،‬وقال عروة فَي ََرْون الملئكة رفعته‪.‬‬
‫وخرجت أم أيمن مهاجرة وليس معها زاد ول ماء فكادت تموت من العطش‪،‬‬
‫فلما كان وقت الفطر وكانت صائمة سمعت حسا على رأسها فرفعته فإذا دلو‬
‫معلق فشربت منه حتى رويت‪ ،‬وما عطشت بقية عمرها‪.‬‬
‫وسفينة مولى رسول الله ‪ ‬أخبر السد بأنه رسول رسول الله ‪ ‬فمشى‬
‫معه السد حتى أوصله مقصده‪.‬‬
‫والبراء بن مالك كان إذا أقسم على الله تعالى أبّر قسمه‪ ،‬وكان الحرب إذا‬
‫اشتد على المسلمين في الجهاد يقولون يا براء أقسم على ربك فيقول‪ :‬يا رب‬
‫ما ّ)‪ (88‬منحتنا أكتافهم فيهزم العدو‪ ،‬فلما كان يوم القادسية قال‪:‬‬
‫أقسمت عليك ل َ‬
‫مّـا منحتنا أكتافهم وجعلتني أول شهيد فمنحوا أكتافهم‬
‫أقسمت عليك يا رب ل َ‬
‫وقتل البراء شهيدا‪.‬‬
‫سم‬
‫وخالد بن الوليد حاصر حصنا منيعا‪ ،‬فقالوا ل نسلم حتى تشرب ال ّ‬
‫فشربه فلم يضره‪ .‬وسعد بن أبي وقاص كان مستجاب الدعوة ما دعا قط إل‬
‫استجيب له)‪ (89‬وهو الذي هزم جنود كسرى وفتح العراق‪ ،‬وعمر بن الخطاب لما‬
‫مى سارية‪ ،‬فبينما عمر يخطب فجعل يصيح‬
‫أرسل جيشا أمر عليهم رجل يس ّ‬
‫)‪(90‬‬
‫على المنبر يا سارية الجبل يا سارية الجبل‪ ،‬الجبل‪ ،‬فقدم رسول الجيش‬
‫فسأل فقال يا أمير المؤمنين لقينا عدوا فهزمونا فإذا بصائح يا سارية الجبل يا‬
‫سارية الجبل‪ ،‬فأسندنا ظهورنا بالجبل فهزمهم الله‪.‬‬
‫ولما عذبت الّزِنيَرة على السلم في الله فأبت إل السلم وذهب بصرها‪ .‬قال‬
‫ت والعزى قالت‪ :‬كل والله‪ .‬فرد ّ الله عليها بصرها‪.‬‬
‫المشركون أصاب بصَرها الل ُ‬
‫ودعا سعيد بن زيد على أروى بنت الحكم فأعمى بصرها لما كذبت عليه‪،‬‬
‫فقال‪ :‬اللهم إن كانت كاذبة فأعم بصرها واقتلها في أرضها‪ .‬فعميت ووقعت في‬
‫حفرة من أرضها فماتت‪.‬‬
‫ن﴾]يس‪ [32:‬يعني إل ّ‬
‫‪()88‬بعنى )إ ّ‬
‫ن كُ ّ‬
‫ح َ‬
‫ج ِ‬
‫ضُرو َ‬
‫وإ ِ ْ‬
‫م ْ‬
‫مي ٌ‬
‫ما َ‬
‫ع ل َدَي َْنا ُ‬
‫ل لَ ّ‬
‫ل( قال جل وعل ﴿ َ‬
‫جميعم‪.‬‬
‫‪()89‬يعنى ما دعا فاستجاب الدعوة؛ يعني الغالب بل الكثر‪ ،‬وليس معناه أن له حقا في أنه‬
‫ما دعا به ُيجاب‪ ،‬فهذه لم ُيعطها النبياء عليهم صلوات الله وسلمه‪ ،‬النبياء ربما ردت‬
‫عد َ َ‬
‫ق﴾]هود‪ [45:‬وكما‬
‫و ْ‬
‫ن أَ ْ‬
‫ن اب ِْني ِ‬
‫وإ ِ ّ‬
‫دت دعاء نوح لبنه ﴿إ ِ ّ‬
‫ك ال ْ َ‬
‫دعواتهم كما ر ّ‬
‫م ْ‬
‫ح ّ‬
‫ن َ‬
‫هِلي َ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ها‬
‫ست ِ ْ‬
‫و َ‬
‫ه إ ِل َ‬
‫عد َ َ‬
‫و ِ‬
‫عد َ ٍ‬
‫م ِلِبي ِ‬
‫غفاُر إ ِب َْرا ِ‬
‫ما كا َ‬
‫ع ْ‬
‫نا ْ‬
‫ن َ‬
‫هي َ‬
‫و َ‬
‫ة َ‬
‫م ْ‬
‫ردت دعوة إبراهيم لبيه﴿ َ‬
‫ه﴾]التوبة‪ ،[114:‬وكما رد استغفار النبي ‪ ‬لبي طالب وهكذا‪ ،‬فدعوات النبياء هي أعظم‬
‫إ ِّيا ُ‬
‫الدعوات التي تجاب‪ ،‬ثم الصالحون من أقوامهم ممن يقال فيهم مستجاب الدعوة يعني‬
‫بأكثر دعواتهم‪ ،‬وُيرد منها كثير لن إجابة الدعاء من آثار الربوبية والله جل وعل له الحكمة‬
‫در‪ ،‬وفيما يجيب‪ ،‬وفيما يمنع‪ ،‬وهو سبحانه المعطي المانع‪.‬‬
‫فيما يأتي‪ ،‬فيما يفعل‪ ،‬وفيما ي ُ َ‬
‫ق ّ‬
‫ل‪ :‬يا سارية إلزم الجبل‪ ،‬إلزم الجب َ‬
‫ل‪ ،‬الجب َ‬
‫‪()90‬معنى يا سارية الجب َ‬
‫ل‪.‬‬

‫‪96‬‬

‫التعليقات الحسان على كتاب الفرقان‬

‫والعلء بن الحضرمي كان عامل رسول الله ‪ ‬على البحرين‪ ،‬وكان يقول في‬
‫ي يا عظيم‪ .‬فيستجاب له‪ ،‬ودعا الله بأن يسقوا‬
‫دعائه‪ :‬يا عليم يا حليم‪ ،‬يا عل ّ‬
‫عدموا الماء والسقاء لما بعدهم‪ ،‬فأجيب‪ ،‬ودعا الله لما اعترضهم‬
‫ويتوضئوا لما ُ‬
‫البحر ولم يقدروا على المرور بخيولهم فمروا كلهم على الماء ما ابتلت سروج‬
‫خيولهم‪ ،‬ودعا الله أن ل يروا جسده إذا مات فلم يجدوه في اللحد‪.‬‬
‫وجرى مثل ذلك لبي مسلم الخولني الذي ُألقي في النار فإنه مشى هو ومن‬
‫معه من العسكر على دجلة وهي ترمى بالخشب من مدها‪ ،‬ثم إلتفت إلى‬
‫أصحابه فقال تفقدون من متاعكم شيئا حتى ادعوا الله عز وجل فيه‪ ،‬فقال‬
‫بعضهم فقدت مخلة‪ ،‬فقال اتبعني فتبعه فوجدها قد تعلقت بشيء فأخذها‪،‬‬
‫وطلبه السود العنسي لما دعى النبوة فقال له أتشهد أني رسول الله؟ قال ما‬
‫أسمع‪ ،‬قال أتشهد أن محمدا رسول الله؟ قال نعم فأمر بنار فألقي فيها‬
‫دم المدينة بعد موت‬
‫فوجدوه قائما يصلي فيها‪ ،‬وقد صارت عليه بردا وسلما‪ ،‬وق ِ‬
‫النبي ‪ ‬فأجلسه عمر بينه وبين أبي بكر الصديق رضي الله عنهما‪ ،‬وقال الحمد‬
‫الله الذي لم يمتني حتى أرى من أمة محمد ‪ ‬من ُفعل به كما ُفعل بإبراهيم‬
‫خليل الله‪ ،‬ووضعت له جارية السم في طعامه فلم يضره‪ (91) ،‬وخببت إمرأة عليه‬
‫زوجته فدعا عليها فعميت‪ ،‬وجاءت وتابت فدعا لها فرد الله عليها بصرها‪.‬‬
‫وكان عامر بن عبد قيس يأخذ عطاءه ألفي درهم في كمه‪ ،‬ومايلقاه سائل في‬
‫طريقه إل أعطاه بغير عدد‪ ،‬ثم يجيء إلى بيته فل يتغير عددها ول وزنها‪ ،‬ومر‬
‫بقافلة قد حبسهم السد فجاء حتى مس بثيابه السد ثم وضع رجله على عنقه‪.‬‬
‫وقال إنما أنت كلب من كلب الرحمن‪ ،‬وإنى استحي أن أخاف شيئا غيره‪،‬‬
‫ون عليه الطهور في الشتاء فكان يؤتى‬
‫ومرت القافلة‪ ،‬ودعا الله تعالى أن يه ّ‬
‫بالماء له بخار‪ ،‬ودعا ربه أن يمنع قلبه من الشيطان وهو في الصلة فلم يقدر‬
‫عليه‪.‬‬
‫وتغيب الحسن البصرى عن الحجاج فدخلوا عليه ست مرات فدعا الله عز‬
‫وجل فلم يروه‪ ،‬ودعا على بعض الخوارج كان يؤذيه فخر ميتا‪ ،‬وصلة بن أشيم‬
‫ة‪ ،‬ودعا الله عز‬
‫من ّ ً‬
‫مات فرسه وهو في الغزو‪ ،‬فقال اللهم ل تجعل لمخلوق علي ِ‬
‫وجل فأحيا له فرسه‪ ،‬فلما وصل إلى بيته قال يا بني خذ سرج الفرس فإنه‬
‫عارية‪ ،‬فأخذ سرجه فمات الفرس‪ ،‬وجاع مرة بالهواز فدعا الله عز وجل‬
‫واستطعمه فوقعت خلفه دوخلة رطب في ثوب حرير‪ ،‬فأكل التمر وبقي الثوب‬
‫عند زوجته زمانا‪ ،‬وجاءه السد وهو يصلي في غيضة بالليل‪ ،‬فلما سلم قال له‬
‫أطلب الرزق من غير هذا الموضع‪ ،‬فولى السد وله زئير‪ ،‬وكان سعيد بن‬
‫المسيب في أيام الحرة يسمع الذان من قبر رسول الله ‪ ‬أوقات الصلوات‪،‬‬
‫وكان المسجد قد خل فلم يبق غيره‪ .‬ورجل من النخع كان له حمار فمات في‬
‫الطريق‪ ،‬فقال له أصحابه هلم نتوزع متاعك على رحالنا‪ ،‬فقال لهم أمهلوني‬
‫هنيهة ثم توضأ فأحسن الوضوء وصلى ركعتين ودعا الله تعالى فأحيا له حماره‪،‬‬
‫فحمل عليه متاعه‪ .‬ولما مات أويس القرني وجدوا في ثيابه أكفانا لم تكن معه‬
‫قبل‪ ،‬ووجدوا له قبرا محفورا فيه لحد في صخرة فدفنوه فيه‪ ،‬وكفنوه في تلك‬
‫الثواب‪.‬‬
‫‪()91‬هذه أمثلة كثيرة لما حصل للصحابة رضوان الله عليهم من كرامات‪ ،‬وما حصل لهم من‬
‫الكرام‪.‬‬

‫للشيخ العلمة صالح بن عبد العزيز آل الشيخ‬

‫‪97‬‬

‫وكان عمرو بن عقبة بن فرقد يصلي يوما في شدة الحر فأظلته غمامة‪،‬‬
‫سبع يحميه‪ ،‬وهو يرعى ركاب أصحابه‪ ،‬لنه كان يشترط على أصحابه في‬
‫وكان ال ّ‬
‫الغزو أنه يخدمهم‪.‬‬
‫خير إذا دخل بيته سّبحت معه آنيته‪ ،‬وكان هو‬
‫وكان مطرف بن عبد الله بن الش ّ‬
‫وصاحب له يسيران في ظلمة فأضاء لهما طرف السوط‪ .‬ولما مات الحنف بن‬
‫قيس وقعت قلنسوة رجل في قبره فأهوى ليأخذها فوجد القبر قد فسح فيه مد‬
‫البصر‪.‬‬
‫وكان إبراهيم التيمي يقيم الشهر والشهرين ل يأكل شيئا‪ ،‬وخرج يمتار لهله‬
‫طعاما فلم يقدر عليه‪ ،‬فمر بسهلة حمراء فأخذ منها ثم رجع إلى أهله ففتحها‬
‫فإذا هي حنطة حمراء‪ ،‬فكان إذا زرع منها تخرج السنبلة من أصلها إلى فرعها‬
‫حبا متراكبا‪.‬‬
‫وكان عتبة الغلم سأل ربه ثلث خصال؛ صوتا حسنا‪ ،‬ودمعا غزيرا‪ ،‬وطعاما من‬
‫غير تكلف‪ ،‬فكان إذا قرأ بكى وأبكى ودموعه جارية دهره‪ ،‬وكان يأوى إلى منزله‬
‫فيصيب فيه قوته ول يدرى من أين يأتيه‪.‬‬
‫وكان عبد الواحد بن زيد أصابه الفالج فسأل ربه أن يطلق له أعضاءه وقت‬
‫الوضوء‪ ،‬فكان وقت الوضوء تطلق له أعضاؤه ثم تعود بعده‪.‬‬
‫وهذا باب واسع قد بسط الكلم على كرامات الولياء في غير هذا الموضع‪،‬‬
‫)‪(92‬وأما ما نعرفه نحن عيانا‪ ،‬ونعرفه في هذا الزمان فكثير‪.‬‬
‫ومما ينبغى أن يعرف أن الكرامات قد تكون بحسب حاجة الرجل‪ ،‬فإذا‬
‫إحتاج إليها الضعيف اليمان أو المحتاج أتاه منها ما يقوى إيمانه ويسد ّ حاجته‪،‬‬
‫ويكون من هو أكم ُ‬
‫ل َولية لله منه مستغنيا)‪ (93‬عن ذلك فل يأتيه مثل ذلك لعلو‬
‫درجته‪ ،‬وغناه عنها ل لنقص وليته‪ ،‬ولهذا كانت هذه المور في التابعين أكثر منها‬
‫في الصحابة‪ ،‬بخلف من ُيجري على يديه الخوارق لهدي الخلق ولحاجتهم‪،‬‬
‫فهؤلء أعظم درجة‪ ،‬وهذا بخلف الحوال الشيطانية)‪ (94‬مثل حال عبد الله بن‬
‫‪()92‬قاعدة في الكرامات مطبوعة”قاعدة في الكرامات والخوارق“ كبيرة لشيخ السلم‬
‫صل فيها قاعدة الخوارق واليات والكرامات والفرق بين هذه المور‪.‬‬
‫أ ّ‬
‫‪()93‬‬
‫مستغنيا هي الخبر‪.‬‬
‫‪()94‬هذا الكلم المستفيض ذكر فيه شيخ السلم رحمه الله وأجزل له المثوبة وجزاه عنا وعن‬
‫نك ّ‬
‫ل كرامة لم‬
‫كل سّني خيرا‪ ،‬ذكر فيه الكرامات وأن الكرامة فرع معجزات النبياء؛ ل ّ‬
‫تحصل إل باتباع النبي عليه الصلة والسلم‪ ،‬والذي ل يّتبع النبي عليه الصلة والسلم ل‬
‫تحصل له كرامة‪ ،‬وإنما الذي يحصل له خارق شيطاني من الشيطان وليس بكرامة من الله‬
‫جل وعل‪ ،‬إذ ْ الكرامة للمتبعين وليست للمخالفين‪ ،‬وباب الكرامات باب واسع‪ ،‬والكرامة‬
‫ُتعّرف بما يجريه الله من خوارق العادات على يدي ولي‪ ،‬والكرامة من لفظها إكرام للعبد‬
‫وقد يكون هذا الكرام لحاجته هو إلى ذلك أو لحاجة غيره‪ ،‬ولهذا حصول الكرامة ل يدل‬
‫على ِرفعة من حصلت له‪ ،‬فهو إكرام خاص‪ ،‬وقد يكون من لم تحصل له كرامة ُأكرم بأنواع‬
‫من اليمان واليقين والصدق بما لم يكرم به من حصلت له كرامات‪ ،‬لهذا ذكر لك شيخ‬
‫ضعف اليمان وحاجتهم لما‬
‫ن الكرامات في التابعين أكثر منها في الصحابة لجل َ‬
‫السلم أ ّ‬
‫ضعف اليمان‬
‫يقوي إيمانهم ولحاجة غيرهم ممن يراهم إلى اتباعهم واقتفاء أثر التابعين ل َ‬
‫في الناس وضعف اليقين‪ ،‬فإذن الكرامات من حيث الصل هي فرع معجزات النبي عليه‬
‫الصلة والسلم‪ ،‬ول تصل إلى قدرها وإن كانت تشترك معها في الجنس؛ يعني قد يحصل‬
‫در المعجزة لن يطعم بطعام الذي‬
‫للولي من الكرامة؛ إجراء طعام على يديه لكن ل يبلغ ق ْ‬
‫يأتي الولي يطعم به الجيش العظيم لكن يحصل له جنس الكرامة‪ ،‬يحصل له ما يشترك به‬
‫مع المعجزة في الجنس‪ ،‬ومثل النار التي حصلت لبراهيم عليه السلم قال لها الله جل‬

‫‪98‬‬

‫التعليقات الحسان على كتاب الفرقان‬

‫صياد الذي ظهر في زمن النبي ‪ ،‬وكان قد ظن بعض الصحابة أنه الدجال‪،‬‬
‫وتوقف النبي ‪ ‬في أمره حتى تبين له فيما بعد أنه ليس هو الدجال‪ ،‬لكنه كان‬
‫خْبأ« قال‪ :‬الدخ الدخ‪ ،‬وقد‬
‫من جنس الكهان‪ ،‬قال له النبي ‪» ‬قد خبأت لك َ‬
‫كان خبأ له سورة الدخان‪ ،‬فقال له النبي ‪» ‬إخسأ فلن تعدو قدرك« يعنى‬
‫إنما أنت من إخوان الكهان‪ ،‬والكهان كان يكون لحدهم القرين من الشياطين‬
‫يخبره بكثير من المغيبات بما يسترقه من السمع‪ ،‬وكانوا يخلطون الصدق‬
‫بالكذب‪ ،‬كما في الحديث الصحيح الذي رواه البخاري وغيره أن النبي ‪ ‬قال »‬
‫ب‪ -‬فتذكر المَر ُ‬
‫ة تنز ُ‬
‫ي في‬
‫ن الملئك َ‬
‫إِ ّ‬
‫عنان ‪-‬وهو السحا ُ‬
‫ل في ال َ‬
‫قض َ‬

‫وعل ﴿ ُ‬
‫م﴾]النبياء‪ [69:‬هذه نار عظيمة أجج النار بنار‬
‫ما َ‬
‫عَلى إ ِب َْرا ِ‬
‫كوِني ب َْر ً‬
‫و َ‬
‫هي َ‬
‫سَل ً‬
‫دا َ‬
‫عظيمة‪ ،‬فكانت معجزة لبراهيم‪ ،‬حصلت لبعض الصحابة أنه أدخل النار فلم تضره لكن‬
‫كانت نارا ليست على قدر تلك النار كانت نارا صغيرة وهكذا في أجناس ما سمعت‪.‬‬
‫إذن فكل كرامة هي معجزة للنبي؛ يعني مجموع الكرامات التي حصلت بالتباع هي من‬
‫جملة دلئل النبوة؛ لنها ماحصلت للولياء إل باتباع محمد عليه الصلة والسلم‪.‬‬
‫الكرامات من حيث التقسيم‪ ،‬نحن نؤمن أهل السنة بكرامات الولياء ونؤمن بما يجري اله‬
‫على أيديهم من خوارق العادات في أنواع العلوم والمكاشفات وأنواع القدرة والتأثيرات‪،‬‬
‫دق بها‪ ،‬ونؤمن بأنها تحصل لولياء الله جل وعل‪ ،‬وهذه الكرامات على‬
‫فالكرامات نص ّ‬
‫نوعين‪:‬‬
‫• الول كرامة علمية‪ :‬فالعلم قد يكون علما كشفيا بأن يعلم الخافي مثل علم أبي‬
‫بكر بالجنين )بنوع الجنين‪ ،‬علم أبي بكر رضي الله عنه بنوع الجنين رأى بطن امرأته‬
‫فقال فيها أنثى( وقد يكون علما بالسماع؛ يسمع ما لم يسمعه غيره‪ ،‬مثل سارية سمع‬
‫ن ُبعد المسافة مثل الكرامة التي‬
‫كلم عمر‪ ،‬أو اسماع ما لم تجرِ العادة أن ُيسمع ِ‬
‫م ْ‬
‫حصلت لعمر‪ ،‬وقد يكون الخارق العلمي من جهة التأثير على الخلق‪ ،‬فيكون العالم‬
‫أوالرجل الصالح ُيعّلم يؤثر على الناس بعلمه أو بوعظه ونحو ذلك فيهديهم الله جل وعل‬
‫ويصلحهم على يديه‪ ،‬هذا نوع إكرام من جهة العلم والتعليم‪ .‬له أمثلة كثيرة مما مّر معنا‪،‬‬
‫أدرج المثلة المناسبة تحت هذا القسم‪.‬‬
‫ن يقدر على ما ل يقدر عليه‬
‫• الثاني كرامة من جهة القدرة والتأثير‪ :‬يعني أ ْ‬
‫غيره‪ ،‬وأن يؤثر في الكونيات بما ل يؤثر عليه غيره وإن قلت يأثر ويقدر فهو إجراء الله‬
‫ه من خوارق العادات على‬
‫على يديه ذلك‪ ،‬كما عرفنا الكرامة بقولنا‪ :‬ما يجري الل ُ‬
‫يدي ولي‪ .‬وليس معناه أنه يعطى القدرة بالتأثير‪ ،‬كما يقوله غلة الصوفية حتى بلغوا‬
‫فيمن يزعمونه وليا بأنه يقول للشيء كن فيكون‪ ،‬إنما يجريه الله على يديه إكراما له‪،‬‬
‫وليس معناه أنه عنده قدرة دائمة في التأثير أو في قلب الشياء أو ما أشبه ذلك‪ ،‬من‬
‫هذا المثال‪ُ :‬يرسل النهر لسعد حتى يمر عليه ومن معه‪ ،‬وسفينة مسك بالسد حتى‬
‫أوصله مقصده‪ ,‬وأمثال كثيرة في أنواع القدرة‪.‬‬
‫إذن الكرامة من حيث هي حاصلة‪ ،‬الكرامة ل تدل على أن من حصلت له أعظم ممن لم‬
‫تحصل له‪ ،‬الكرامة قد يحتاج إليها ضعيف اليمان فتحصل له وُتحجب عن قوي اليمان فل‬
‫ُيعطى كرامة حسية من قدر وتأثير أو كشف علمي‪ ،‬وإنما ُيعطى العلم التأثيري وأشباه‬
‫ذلك‪ ،‬الخوارق سيأتي كلم شيخ السلم عليها وأنها تختلف عن الكرامات‪ ،‬الخوارق تجري‬
‫على يدي المبتدعة‪ ،‬العصاة إلى آخر ذلك‪.‬‬
‫إذا تبين هذا‪ ،‬فالكرامة قد تحصل على يدي غير الولي‪ ،‬الصل أنها ل تحصل إل لمطيع‪،‬‬
‫لصالح‪ ،‬لولي مؤمن متقي‪ .‬وقد تحصل لعاصي وقد تحصل لمبتدع‪ ،‬وهذه الحالت القليلة‬
‫إنما هي لتقوية إيمانه لضعفه أو لتقوية من معه على عدوهم لما معهم من أصل اليمان مع‬
‫دين في‬
‫عدوٍ معه الكفر أو لنه ينافح عن الدين فُيعطى من الكرام لجل منافحته عن ال ّ‬
‫مقابل المشرك والكافر‪ ،‬لهذا ُيشكل على البعض حصول طائفة من الكرامات أو الخوارق‬
‫لمن هو مبتدع مثل ما قد ُيذكر من حصول كرامات في أفغانستان لبعض الناس وفي‬
‫قتالهم مع الملحدة ويأتي طائفة ويقولون ليس بصحيح لن هؤلء مبتدعة ويفشو فيهم أنواع‬

‫للشيخ العلمة صالح بن عبد العزيز آل الشيخ‬

‫‪99‬‬

‫ن‬
‫السما َ‬
‫ن‪ ,‬فَيكذبو َ‬
‫سترقُ الشياطين السم َ‬
‫ع فتوحيه ِإلى الك ُ ّ‬
‫ء‪ ,‬فت َ ْ‬
‫ها ِ‬
‫د أن ُ‬
‫سهم«‪.‬‬
‫ف ِ‬
‫ة من عن ِ‬
‫ة كذب ٍ‬
‫منها مائ ِ‬
‫وفي الحديث الذي رواه مسلم عن ابن عباس رضي الله عنهما قال بينما‬
‫النبي ‪ ‬في نفر من النصار إذ رمى بنجم فاستنار‪ ،‬فقال النبي ‪» ‬ما كنتم‬
‫تقولون لمثل هذا في الجاهلية إذا رأيتموه« قالوا كنا نقول يموت‬
‫َ‬
‫عظيم أو يولد عظيم‪ ،‬قال رسول الله ‪َ » ‬‬
‫د‬
‫ح ٍ‬
‫و ِ‬
‫تأ َ‬
‫ى بِ َ‬
‫فإ ِن ّ َ‬
‫ها ل ِ َ‬
‫ها ل َ ي ُْر َ‬
‫م ْ‬
‫م َ‬
‫َ‬
‫ن َرب َّنا‪ ,‬ت ََباَر َ‬
‫ذا َ‬
‫ى إِ َ‬
‫ة‬
‫مل َ ُ‬
‫ق َ‬
‫حَيات ِ ِ‬
‫ح َ‬
‫سب ّ َ‬
‫وت َ َ‬
‫ول َ ل ِ َ‬
‫مرا ً َ‬
‫ول َك ِ ْ‬
‫ح َ‬
‫ىأ ْ‬
‫ك َ‬
‫ه‪َ .‬‬
‫َ‬
‫ض َ‬
‫عال َ َ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫ّ‬
‫ُ‬
‫ّ‬
‫ْ‬
‫ُ‬
‫ُ‬
‫ُ‬
‫ى‬
‫ت‬
‫ح‬
‫م‬
‫ه‬
‫ن‬
‫لو‬
‫ي‬
‫ن‬
‫ذي‬
‫ل‬
‫ا‬
‫م‬
‫ث‬
‫م‪.‬‬
‫ه‬
‫ن‬
‫لو‬
‫ي‬
‫ن‬
‫ذي‬
‫ل‬
‫ا‬
‫ء‬
‫ِ‬
‫ما‬
‫س‬
‫ال‬
‫ل‬
‫ه‬
‫أ‬
‫ح‬
‫ب‬
‫س‬
‫م‬
‫ث‬
‫ش‪.‬‬
‫ر‬
‫ع‬
‫ل‬
‫ّ َ ّ َ ْ‬
‫ّ‬
‫ِ َ َ َ ُ ْ‬
‫ّ َ‬
‫ِ َ َ َ ُ ْ َ ّ َ‬
‫ا َ ْ ِ‬
‫من ال ّ‬
‫شركيات ويكذبون‪ ،‬وآخرون ويقولون رأينا بأعيننا فيصدقون فيحصل خلط‪ ،‬هل يكذب‬
‫دق؟‬
‫هذا أم يص ّ‬
‫ن هؤلء يقاتلون الملحدة‪ ،‬يقاتلون الكفار أعداء الله‬
‫وقاعدة أهل السنة في هذا الباب أ ّ‬
‫جل وعل‪ ،‬فهؤلء المسلمون الذين ينتسبون إلى أصل السلم قد يعطون شيئا من الخوارق‬
‫ل لهم ولكن لظهار الدين الذي معهم على عدوهم‪.‬‬
‫وهذا يحصل أيضا في باب المناظرات قد يأتي شخص من المعتزلة ويناظر نصرانيا فُيكرم‬
‫بأشياء من الحجج ما خطرت بباله‪ ،‬وذلك لما له من أصل السلم في مقابلة ذلك النصراني‬
‫المشرك‪ ،‬وقد يكون أشعريا مثل يناظر وهكذ‪.‬‬
‫جل بالثبات ول بالنكار‪.‬‬
‫فإذن الكرامة التي تحصل للعبد ينبغي النظر فيها والتأمل فل ُيع ّ‬
‫أيضا من قاعدة أهل السنة في الكرامة أن الكرامة ل ُيتعلق بأصحابها بل هي إكرام لهم‪،‬‬
‫ول ُيتعلق بصاحبها لجل الكرامة والله جل وعل أكرمه وأعظم من كرامة الولي كرامة‬
‫محمد عليه الصلة والسلم في حياته وبعد مماته باليات وبالبراهين‪ ،‬بل وباصطفائه رسول‬
‫وخاتما للنبياء والمرسلين ومع ذلك هو عليه الصلة والسلم الذي ح ّ‬
‫ذر أن يتخذ قبره‬
‫مسجدا‪ ،‬وأن ُيدعا‪ ،‬وأن يجعل قبره عيدا وأشباه ذلك لما حدثت لطائفة من الولياء الذين‬
‫حكيت عنهم كرامات‪ .‬فإذن حصول الكرامة ل تعني التعلق‪ ،‬بل ل يجب التعلق بمن حصلت‬
‫ُ‬
‫له الكرامة ل في حياته ول بعد مماته‪ ،‬التعلق غير الشرعي‪ ،‬أما التعلق الشرعي بأن يتأثر‬
‫حب على طاعة الله أو أن يسأل أحيانا للدعاء‪ ،‬أن‬
‫بالرجل الصالح وأن يصاحب لتقوية المصا َ‬
‫يدعو ونحو ذلك‪ ،‬فهذا ل بأس به لكن ل من جهة التعلق به‪ .‬وهذا لمصلحة؛ لمصلحة عامة‬
‫يحصل ذلك مثل ما طلب من سعد أن يقسم في الفتح وأشباه ذلك مما هو داخل في ضمن‬
‫الفائدة العامة‪.‬‬
‫إذن فأهل السنة في باب الكرامات وسط؛ وسط بين المنكرين كالمعتزلة ومن شابههم‬
‫كابن حزم وغيره‪ ،‬وبين الغالين كغلة الصوفية الذين يجعلون الكرامة سبيل للتعلق البدعي‬
‫وأيضا ل يفرقون بين الخارق الشيطاني وبين الكرامة‪ .‬سيأتي في هذه المباحث زيادة‬
‫تفصيل فيما نستقبل‪ .‬نقف عند هذا‪.‬‬
‫‪...‬الكرامة مثل ما ذكرت لك ما ُيجري الله من خوارق العادات على يدي ولي‪،‬‬
‫•‬
‫أما على يدي نبي الية والبرهان ما يؤتاه النبي مما َيعجز عنه النس والجن‪،‬‬
‫فالشاعرة عندهم المعجزة والكرامة متساوية في جنسها وقدرها؛ في الجنس‬
‫والقدر متساوية؛ النار هي النار المعجزة التي تحصل للنبي ‪ ‬تحصل للولي بنفسها‬
‫لكن الفرق بينهما أنها تكون في النبي مقرونة بدعوى النبوة وبالتحدي في بعضها‬
‫ليس في جميعها‪ ،‬وأما الكرامة فليست مقترنة بذلك‪ .‬وهذا غير لزم؛ لن الكرامات‬
‫در وكذلك آيات النبياء مختلفة في الجنس‬
‫مراتب مختلفة في الجنس وفي الق ْ‬
‫در‪.‬‬
‫والق ْ‬
‫الرؤيا‪ :‬هذا مثل يضربه الملك لروح النائم أو ُيري روحه أشياء وهو نائم قد‬
‫•‬
‫ّ‬
‫تكون دليل على ما سيقع‪ ،‬أما تعبير الرؤيا فهو علم‪ ،‬والله جل وعل ُيعلم عباده تعبير‬
‫الرؤيا‪ .‬إما بقذف؛ يقذف في قلوبهم الصواب‪ ،‬وإما بالدلئل‪.‬ولهذا من عبر الرؤيا وهو‬
‫س لَ َ‬
‫وَل ت َ ْ‬
‫م﴾]السراء‪[36:‬‬
‫ه ِ‬
‫ق ُ‬
‫ك بِ ِ‬
‫عل ْ ٌ‬
‫ف َ‬
‫ما ل َي ْ َ‬
‫ليس عالم بها فهو داخل في الوعيد﴿ َ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫ّ‬
‫ث﴾]يوسف‪:‬‬
‫حاِدي ِ‬
‫ه ِ‬
‫ل ال َ‬
‫ول ِن ُ َ‬
‫م ْ‬
‫م ُ‬
‫عل َ‬
‫والله سبحانه وتعالى س ّ‬
‫وي ِ‬
‫مى التعبير علما ﴿ َ‬
‫ن ت َأ ِ‬

‫‪100‬‬

‫التعليقات الحسان على كتاب الفرقان‬

‫ه َ‬
‫ء‪ .‬ثم يسأل أهل السماء السابعة‬
‫ما ِ‬
‫ي َب ْل ُ َ‬
‫ل َ‬
‫ح أَ ْ‬
‫ذ ِ‬
‫هـ ِ‬
‫سِبي ُ‬
‫ه ال ّ‬
‫غ الت ّ ْ‬
‫س َ‬
‫ل َرّبنا؟ َ‬
‫ذا َ‬
‫قا َ‬
‫ما َ‬
‫خب ُِر أهل كل سماء‬
‫ست َ ْ‬
‫في ُ ْ‬
‫م ثم ي ُ ْ‬
‫خب ُِرون َ ُ‬
‫ه ْ‬
‫حملة العرش‪َ :‬‬
‫حتى يبلغ الخبر أهل السماء الدنيا‪ ،‬وتخطف الشياطين السمع‬
‫فيرمون فيقذفونه إلى أوليائهم فما جاؤوا به على وجهه فهو حق‬
‫ولكنهم يزيدون«‪.‬‬
‫وفي رواية قال معمر قلت للزهري أكان يرمي بها في الجاهلية قال نعم‪،‬‬
‫)‪(95‬‬
‫ولكنها غلظت حين بعث النبي ‪.‬‬

‫‪ [21‬فتأويل الرؤى علم وليس خرصا‪ ،‬ول يجوز للمرء أن يقدم على تفسير الرؤيا في‬
‫غير علم بها‪ ،‬العلم قد يكون بدليل منالكتاب والسنة‪ ،‬عندك الفقه في الشرع الفقه‬
‫في حال السائل في حال الرائي ومعرفة يستدل بالشيء على الشيء لنها أمثال‬
‫فراسة‪ ،‬ويستدل بآية بحديث هذا ظاهر‪ ،‬وقد‬
‫مضروبة‪ ،‬والمثل قد يدركه صاحب ال ِ‬
‫يكون أن وقع في نفسه تفسير الرؤيا كذا بدون دليل‪،‬لو تفكر ل دليل على ذلك أو‬
‫شيء مستغرب جذا أن يفسره بهذا‪ ،‬وهذا كثير جدا في تعبير الرؤيا‪ .‬إذن فالمقصود‬
‫أن تعبير الرؤى علم‪ ،‬ومما ينبغي في آداب الرؤيا أن ل يتحدث المرء بالرؤى؛ إذا رأى‬
‫رؤيا تسوؤه فيستعيذ بالله جل وعل من شرها ويتفل عن يساره أول ثلثا ثم يستعيذ‬
‫بالله جل وعل من شرها وينقلب إلى الجهة الثانية كما ثبت في الصحيح‪ ،‬وإذا رأى‬
‫رؤيا تسره يحمد الله جل وعل عليها ويسال الله خيرها‪ ،‬فإذا أراد أن يقصها فل يقصها‬
‫إل على عالم مأمون؛ لن الرؤيا على ِرجل طائر وفي رواية على جناح طائر إذا‬
‫صت وقعت‪ ،‬يعني مثل الطائر الذي له جناح إذا قص الجناح وقع وكذالك الرؤيا على‬
‫قٌ ّ‬
‫جناح طائر إذا أولت وقعت‪ ،‬فل ينبغي للمرء أن يعّرض نفسه لمثل هذه المخالفات‬
‫قد فيكون في تأويل الرؤيا شر عليه فإذا أمضاها ُتركت‪.‬‬
‫‪...‬هو ما ذكرنا أنه في مقابلة المشرك تحصل له ل في نفسه –ل تحصل‬
‫•‬
‫للعاصي في نفسه‪ ،‬ل تحصل للمؤمن المبتدع في نفسه إنما تحصل له في مقابلة‬
‫أهل الشرك في حرب أو مناظرة أو نحو ذلك‪ ،‬لنصرة الدين ‪ ،‬من جنس إنزال‬
‫الملئكة ومن جنس تأييد الناس قد يؤيدون بأشياء ‪...‬‬
‫‪()95‬استراق السمع موجود قبل النبوة‪ ،‬وفي أثناء حياة النبي عليه الصلة والسلم‪ ،‬نبيا رسول‪،‬‬
‫وبعد موته عليه الصلة والسلم فاستراق السمع لم ينقطع لكنه كان‪:‬‬
‫قبل البعثة كان كثيرا جدا لحكمة يعلمها الله جل جلله‪.‬‬
‫•‬
‫وبعد البعثة ملئت السماء حرسا شديدا وشهبا‪ ،‬فلم يصل مردة الجن‪ ،‬ولم‬
‫•‬
‫يصل مسترق السمع إلى ما كان يصلون إليه قبل ذلك‪ ،‬وإنما قلت جدا‪ ،‬ولكنهم‬
‫استرقوا بعض السمع ولكنهم لم يسترقوا السمع ك ُ ّ‬
‫ل‪ ،‬مثل ما جاء الحديث ابن صائد‬
‫خْبأ« قال‪ :‬الدخ ‪ ،‬قال له النبي ‪» ‬إخسأ فلن‬
‫أن النبي‪ ‬قال »قد خبأت لك َ‬
‫تعدو قدرك« ولنك كاهن سمعت الشياطين الكلمتين وأوحتها إليك الدخ لكن ل‬
‫تدري البقية لن الشياطين ل تحسن إستماع الوحي الذي يوحى إلى النبي عليه‬
‫الصلة والسلم‪ ،‬ربما تحدث أشياء في وقت النبوة مما يقضي الله جل وعل به من‬
‫المر في السماء‪ ،‬مما ل يختص بالوحي إنما هو من الوامر الكونية وما سيحدث‬
‫ونحو ذلك فتسترق الشياطين السمع فيصلون لكن بقلة‪.‬‬
‫فإذن الحوال استراق الشياطين للسمع بالنسبة للبعثة ثلثة‪ :‬ما قبل البعثة الستراق‬
‫كثير‪ ،‬وفي وقت البعثة مدة الرسالة قليل أو نادر وبعد محمد عليه الصلة والسلم زاد‬
‫ولكن ل يوصف بالكثرة ول بقلة؛ يعني زاد على ما كان في البعثة لكن ل يوصف بكثرة‬
‫ولذلك كان قبل البعثة الكهان كثيرون يخبرون بالمغيبات‪ ،‬وبعد البعثة ل؛ موجود لكن قليل‬
‫عما كان؛ يعني بعد موت النبي ‪ ‬قليل عما كان قبل حياته عليه الصلة والسلم‪.‬‬
‫هذا من جهة‪.‬‬

‫للشيخ العلمة صالح بن عبد العزيز آل الشيخ‬

‫‪101‬‬

‫دعى النبوة كان له من الشياطين من يخبره ببعض‬
‫والسود العنسي الذي إ ّ‬
‫المور المغيبة‪ ،‬فلما قاتله المسلمون كانوا يخافون من الشياطين أن يخبروه بما‬
‫يقولون فيه‪ ،‬حتى أعانتهم عليه امرأته لما تبين لها كفره فقتلوه‪.‬‬
‫وكذلك مسيلمة الكذاب وكان معه من الشياطين من يخبره بالمغيبات‪،‬‬
‫ويعينه على بعض المور‪.‬‬
‫وأمثال هؤلء كثيرون مثل الحارث الدمشقي الذي خرج بالشام زمن عبد‬
‫الملك بن مروان‪ ،‬وادعى النبوة‪ ،‬وكانت الشياطين يخرجون رجليه من القيد‪،‬‬
‫وتمنع السلح أن ينفذ فيه‪ ،‬وتسبح الرخامة إذا مسحها بيده‪ ،‬وكان يرى الناس‬
‫جّنا‪ ،‬ولما‬
‫رجال وركبانا على خيل في الهواء‪ ،‬ويقول هي الملئكة وإنما كانوا ِ‬
‫أمسكه المسلمون ليقتلوه طعنه الطاعن بالرمح فلم ينفذ فيه‪ ،‬فقال له عبد‬
‫مى الله فطعنه فقتله‪.‬‬
‫الملك إنك لم تسم الله‪ ،‬فس ّ‬
‫وهكذا أهل الحوال الشيطانية تنصرف عنهم شياطينهم إذا ذكر عندهم ما‬
‫يطردها مثل آية الكرسي‪ ،‬فإنه قد ثبت في الصحيح عن النبي ‪ ‬في حديث أبي‬
‫هريرة ‪ ‬لما وكله النبي ‪ ‬بحفظ زكاة الفطر فسرق منه الشيطان ليلة بعد‬
‫ليلة وهو يمسكه فيتوب فيطلقه فيقول له النبي ‪» ‬ما فعل أسيرك‬
‫البارحة« فيقول زعم أنه ل يعود‪ ،‬فيقول »كذبك وإنه سيعود« فلما كان في‬
‫المرة الثالثة‪ ،‬قال دعني حتى أعلمك ما ينفعك إذا أويت إلى فراشك فاقرأ آية‬
‫ي ال ْ َ‬
‫م﴾]البقرة‪ [255:‬إلى آخرها فإنه لن يزال‬
‫ه إ ِّل ُ‬
‫و ال ْ َ‬
‫قّيو ُ‬
‫ه َل إ ِل َ َ‬
‫الكرسي ﴿الل ّ ُ‬
‫ه َ‬
‫ح ّ‬
‫عليك من الله حافظ ول يقربك شيطان حتى تصبح‪ ،‬فلما أخبر النبي ‪ ‬قال‬
‫»صدقك وهو كذوب« وأخبره أنه شيطان‪ ،‬ولهذا إذا قرأها النسان عند‬
‫الحوال الشيطانية بصدق أبطلتها‪ ،‬مثل من يدخل النار بحال شيطاني أو يحضر‬
‫سماع المكاء والتصدية فتنزل عليه الشياطين وتتكلم على لسانه كلما ل يعلم‬
‫وربما ل يفقه‪ ،‬وربما كاشف بعض الحاضرين بما في قلبه‪ ،‬وربما تكلم بألسنة‬
‫مختلفة كما يتكلم الجني على لسان المصروع‪ ،‬والنسان الذي حصل له الحال ل‬
‫ه وتكلم‬
‫يدري بذلك بمنزلة المصروع الذي يتخبطه الشيطان من المس‪ ،‬ول َب ِ َ‬
‫س ُ‬
‫على لسانه فإذا أفاق لم يشعر بشيء مما قال‪ .‬ولهذا قد يضرب المصروع وذلك‬
‫الضرب ل يؤثر في النسي‪ ،‬ويخبر إذا أفاق أنه لم يشعر بشيء لن الضرب كان‬
‫والجهة الثانية أن أولياء الشيطان تحصل لهم خوارق مثل الخبار بالمغيبات فكون الرجل‬
‫يكون عنده خوارق عنده إخبار بالمغيبات ل يعني أنه ولي‪ ،‬هذا غِلط فيه أناس كثيرفي عهد‬
‫شيخ السلم ومن بعده يعتقدون أن من حصل له خوارق وإخبار بالمغيبات أنه ولي؛ هذا‬
‫جري الله‬
‫غلط كبير‪ ،‬الولي هو المؤمن التقي المتابع للسنة الموحد الصادق‪ ،‬هذا هو الولي‪ ،‬ي ُ‬
‫جل وعل على أيدي هؤلء بعض الكرامات‪ ،‬لكن إذا كان فاسقا فاجرا مفرطا عمل‬
‫المحرمات يترك الفرائض فكيف يكون ما يحدث له كرامة إنما هذه خوارق شيطانية‪ ،‬فإذن‬
‫الخوارق على هذا ثلثة أقسام‪:‬‬
‫‪‬القسم الول‪ :‬خوارق ليست في مقدور الجن والنس وهذه هي اليات والبراهين‬
‫التي يؤتاها النبياء‪.‬‬
‫والنوع الثاني‪ :‬خوارق تكون على يدي المؤمن التقي‪ ،‬تجري على يدي‬
‫‪‬‬
‫المؤمن التقي‪ ،‬وهذه هي التي تسمى كرامة وهو دليل أيضا من دلئل النبوة لنها ما‬
‫حصلت لهذا إل لتباعه لنبيه‪.‬‬
‫الثالث‪ :‬خوارق تحصل للفجرة والكفرة وللعصاة الذين يرتكبون المحرمات‬
‫‪‬‬
‫ويفعلون الموبقات ويتركون الفرائض هذه تسمى خوارق شيطانية‪.‬‬
‫إذن حصول الخارق بنفسه بمجرده ل يعني شيئا في الحكم على صاحبه بل ُينظر في حاله‪.‬‬

‫‪102‬‬

‫التعليقات الحسان على كتاب الفرقان‬

‫على الجني الذي لبسه‪ .‬ومن هؤلء من يأتيه الشيطان بأطعمة وفواكه وحلوى‬
‫وغير ذلك مما ل يكون في ذلك الموضع‪ ،‬ومنهم من يطير بهم الجني إلى مكة أو‬
‫بيت المقدس أو غيرهما‪ ،‬ومنهم من يحمله عشية عرفة ثم يعيده من ليلته فل‬
‫يحج حجا شرعيا‪ ،‬بل يذهب بثيابه ول يحرم إذا حاذى الميقات‪ ،‬ول يلبي‪ ،‬ول يقف‬
‫بمزدلفة‪ ،‬ول يطوف بالبيت‪ ،‬ول يسعى بين الصفا والمروة‪ ،‬ول يرمى الجمار‪ ،‬بل‬
‫يقف بعرفة بثيابه ثم يرجع من ليلته‪ ،‬وهذا ليس بحج مشروع باتفاق المسلمين‪،‬‬
‫وكمن يأتي الجمعة ويصلي بغير وضوء إلى غير قبلة‪ ،‬وهم هؤلء المحمولين مرة‬
‫إلى عرفات‪ ،‬ورجع فرأى ملئكة تكتب الحجاج‪ ،‬فقال أل تكتبوني‪ ،‬فقالوا لست‬
‫جا شرعيا‪.‬‬
‫جح ّ‬
‫من الحجاج يعنى لم تح ّ‬
‫وبين كرامات الولياء وما يشبهها من الحوال الشيطانية فروق متعددة‪ ،‬منها‬
‫أن كرامات الولياء سببها اليمان والتقوى‪ ،‬والحوا ُ‬
‫ل الشيطانية سببها ما نهى‬
‫م َرّبي ال ْ َ‬
‫الله عنه ورسوله‪ ،‬وقد قال تعالى ﴿ ُ‬
‫ق ْ‬
‫هَر‬
‫وا ِ‬
‫ما َ‬
‫حّر َ‬
‫ما ظَ َ‬
‫ش َ‬
‫ل إ ِن ّ َ‬
‫ح َ‬
‫ف َ‬
‫غير ال ْحق َ‬
‫ر ُ‬
‫م ي ُن َّز ْ‬
‫ن تُ ْ‬
‫ه‬
‫وال ْب َ ْ‬
‫ل بِ ِ‬
‫كوا ِبالل ّ ِ‬
‫ِ‬
‫وأ ْ‬
‫من ْ َ‬
‫ما ب َطَ َ‬
‫ما ل َ ْ‬
‫ه َ‬
‫واْل ِث ْ َ‬
‫و َ‬
‫َ ّ َ‬
‫م َ‬
‫ن َ‬
‫ها َ‬
‫غ َ‬
‫ش ِ‬
‫ي بِ َ ْ ِ‬
‫َ‬
‫سل ْ َ‬
‫ن تَ ُ‬
‫ن﴾]العراف‪ ،[33:‬فالقول على الله‬
‫قوُلوا َ‬
‫عَلى الل ّ ِ‬
‫مو َ‬
‫وأ ْ‬
‫ما َل ت َ ْ‬
‫ُ‬
‫عل َ ُ‬
‫ه َ‬
‫طاًنا َ‬

‫بغير علم‪ ،‬والشرك‪ ،‬والظلم‪ ،‬والفواحش‪ ،‬قد حّرمها الله تعالى ورسوله‪ ،‬فل‬
‫تكون سببا لكرامة الله تعالى ول ُيستعان بالكرامات عليها‪ ،‬فإذا كانت ل تحصل‬
‫بالصلة والذكر وقراءة القرآن‪ ،‬بل تحصل بما يحبه الشيطان وبالمور التي فيها‬
‫شرك كالستغاثة بالمخلوقات‪ ،‬أو كانت مما يستعان بها على ظلم الخلق‪ ،‬وفعل‬
‫الفواحش‪ ،‬فهي من الحوال الشيطانية‪ ،‬ل من الكرامات الرحمانية‪ ،‬ومن هؤلء‬
‫من إذا حضر سماع المكاء والتصدية يتنزل عليه شيطانه حتى يحمله في الهواء‬
‫ضَر رجل من أولياء الله تعالى طرد شيطانه‪،‬‬
‫ح َ‬
‫ويخرجه من تلك الدار‪ ،‬فإذا َ‬
‫فيسقط‪ ،‬كما جرى هذا لغير واحد‪ ،‬ومن هؤلء من يستغيث بمخلوق إما حي أو‬
‫ميت‪ ،‬سواء كان ذلك الحي مسلما أو نصرانيا أو مشركا‪ ،‬فيتصور الشيطان‬
‫بصورة ذلك المستغاث به ويقضي بعض حاجة ذلك المستغيث‪ ،‬فيظن أنه ذلك‬
‫الشخص‪ ،‬وهو ملك تصور على صورته‪ ،‬وإنما هو شيطان أضله لما أشرك بالله‪،‬‬
‫كما كانت الشياطين تدخل الصنام وتكلم المشركين‪ .‬ومن هؤلء من يتصور له‬
‫ضر‪ ،‬وربما أخبره ببعض المور وأعانه على بعض‬
‫الشيطان ويقول له أنا ال َ‬
‫خ ِ‬
‫مطالبه‪ ،‬كما قد جرى ذلك لغير واحد من المسلمين واليهود والنصارى وكثير من‬
‫الكفار بأرض المشرق والمغرب‪ ،‬يموت لهم الميت فيأتي الشيطان بعد موته‬
‫على صورته‪ ،‬وهم يعتقدون أنه ذلك الميت‪ ،‬ويقضي الديون‪ ،‬ويرد ّ الودائع‪ ،‬ويفعل‬
‫أشياء تتعلق بالميت‪ ،‬ويدخل على زوجته‪ ،‬ويذهب‪ ،‬وربما يكونون قد أحرقوا‬
‫ميتهم بالنار كما تصنع كفار الهند‪ ،‬فيظنون أنه عاش بعد موته‪ .‬ومن هؤلء شيخ‬
‫ت فل تدع أحدا يغسلني‪ ،‬فأنا أجيء‬
‫كان بمصر أوصى خادمه فقال إذا أنا ِ‬
‫م ّ‬
‫وأغسل نفسي فلما مات رآى خادمه شخصا في صورته فاعتقد أنه هو دخل‬
‫سل الميت غاب‪ ،‬وكان ذلك‬
‫وغسل نفسه‪ ،‬فلما قضى ذلك الداخل غسله‪ ،‬أي غ ّ‬
‫شيطانا‪ ،‬وكان قد أضل الميت‪ ،‬وقال إنك بعد الموت تجيء فتغسل نفسك‪ ،‬فلما‬
‫مات جاء أيضا في صورته ليغوي الحياء كما أغوى الميت قبل ذلك‪ .‬ومنهم من‬
‫يرى عرشا في الهواء وفوقه نور‪ ،‬ويسمع من يخاطبه ويقول أنا ربك‪ ،‬فإن كان‬
‫من أهل المعرفة علم أنه شيطان فزجره واستعاذ بالله منه فيزول‪ ،‬ومنهم من‬
‫يرى أشخاصا في اليقظة يدعي أحدهم أنه نبي أو صديق أو شيخ من الصالحين‪،‬‬
‫وقد جرى هذا لغير واحد‪ ،‬ومنهم من يرى في منامه أن بعض الكابر‪ ،‬ما الصديق‬

‫للشيخ العلمة صالح بن عبد العزيز آل الشيخ‬

‫‪103‬‬

‫‪ ‬أو غيره قد قص شعره أو حلقه أو ألبسه طاقيته أو ثوبه فيصبح وعلى رأسه‬
‫طاقية وشعره محلوق أو مقصر‪ ،‬وإنما الجن قد حلقوا شعره أو قصروه‪.‬‬
‫وهذه الحوال الشيطانية تحصل لمن خرج عن الكتاب والسنة وهم درجات‪،‬‬
‫والجن الذين يقترنون بهم من جنسهم‪ ،‬وعلى مذهبهم‪ ،‬والجن فيهم الكافر‬
‫والفاسق والمخطىء‪ ،‬فإن كان النسي كافرا أو فاسقا أو جاهل دخلوا معه في‬
‫الكفر والفسوق والضلل‪ ،‬وقد يعاونونه إذا وافقهم على ما يختارونه من الكفر‪،‬‬
‫مثل القسام عليهم بأسماء من يعظمونه من الجن وغيرهم‪ ،‬ومثل أن يكتب‬
‫أسماء الله أو بعض كلمه بالنجاسة‪ ،‬أو يقلب فاتحة الكتاب‪ ،‬أو سورة الخلص‪،‬‬
‫أو آية الكرسي‪ ،‬أو غيرهن‪(96) ،‬ويكتبهن بنجاسة فيغورون له الماء وينقلونه بسبب‬
‫ما يرضيهم به من الكفر‪ .‬وقد يأتونه بما يهواه من امرأة أو صبي‪ ،‬إما في الهواء‬
‫وإما مدفوعا ملجأ إليه‪ (97) ،‬إلى أمثال هذه المور التي يطول وصفها واليمان بها‬
‫‪()96‬يقلبها يعني يقرأها من آخرها إلى أولها وهذا بالنسبة لليات‪.‬‬
‫‪()97‬وهذا سحر من كتابة اليات بالنجاسات وإهانة المصحف والعياذ بالله أو البول عليه والعياذ‬
‫بالله‪ ،‬هذا من آخر مراتب السحرة يعني بتعلم السحر والعياذ بالله ل يكون كاهنا ساحرا‬
‫تخدمه الشياطين وتعمل بأمره فيما يشتهي إل إذا حصل منه الكفر‪ ،‬بهذه النواع كما قد‬
‫ذكر في بعض كتب السحر المعاصرة والقديمة فالناس في زمن شيخ السلم وما قبله إلى‬
‫زمن قريب من زمننا هذا كانوا يعتقدون في هؤلء السحرة والكهنة‪ ،‬واليوم في بعض البلد‬
‫مثل ما هو موجود في المغرب فيما يذكرون‪ ،‬وفي لبنان وفي مصر أيضا على قلة لكن في‬
‫المغرب يقولون بكثرة‪ ،‬وفي بعض البلد يوجد أناس تخدمهم الشياطين ويخّبرونهم‬
‫ن أولئك قالوا‬
‫بالمغيبات وراج على بعض أهل هذه البلد من أهل الفطرة راج عليهم أ ّ‬
‫الملئكة تخبرهم‪ ،‬الملئكة تخدمهم‪ ،‬هؤلء صالحون ويظهرون لهم بصورة الصلح‪ ،‬ويزعمون‬
‫أن الملئكة هي التي تصنع لهم وتخدمهم‪ ،‬الملئكة ل تفعل شيئا من ذلك‪ ،‬ولم تخدم‬
‫الصحابة في مثل هذه الشياء‪ ،‬وإنما هذه من الشياطين‪ ،‬يخبرونهم بالمغيبات ويغيرون لهم‬
‫الشياء‪ ،‬وينطق الناطق وهو بعيد ويأتي ويقول الميت يقول كذا وكذا‪ ،‬أو يسمع صوت‬
‫وأشباه ذلك مما ذكر‪.‬‬
‫المقصود من هذا البحث الذي ذكر شيخ السلم وأطال فيه من حيث المثلة‪ ،‬تأصيل‬
‫القاعدة بأن الفرقان بين الخارق الشيطاني هوحال الشخص‪ ،‬فإذا كان من حصلت له‬
‫الخوارق مطيعا لله ورسوله آمرا ناهيا صاحب تقوى‪ ،‬فهذا قد ُيجري الله على يديه كرامات‪،‬‬
‫وإذا كان عاصيا مخالفا مرتكبا للمحرمات تاركا للفرائض‪ ،‬عنده حب للنجاسات‪ ،‬وعنده‬
‫إظهار للتعذيب بالنار أو الخوارق التي ل تحصل لهل اليمان لنها أمور منكرة فهذه حال‬
‫شيطانية‪ ،‬ولو إدعى أنها من الملئكة أو من صلحه أو إلى آخره فهذه أحوال شيطانية‪.‬‬
‫كذلك ما يكون من المور التي ذكرها من المثلة هذه يجب على المرء أن ل يكذب يقول ل‬
‫ما حصل هذا‪ ،‬لن الشياء حصلت ويكون الذي رأى أنه حصل يقول حصل ورأيته بعيني‬
‫فيحيل الداعية إلى الحق يحيل الموحد‪ ،‬يقول نعم حصل ولكن لم يحصل إل من الشيطان‪،‬‬
‫سمع الصوت من القبر وهو صوت فلن وكلمكم قال إفعلوا كذا أو غفرت لكم أو‬
‫نعم ُ‬
‫سألت لكم ربي أو شفعت لكم‪ ،‬لكن هو في الواقع صوت شيطان ليس صوت الميت‪ ،‬لن‬
‫الشيطان قلد صوت الميت ليغوي العباد فالموات ل يخاطبون الحياء‪ ،‬ل يخاطب النبي عليه‬
‫الصلة والسلم الحياء والصحابة ول شهداء بدر ول أكرم الناس‪ ،‬لم يخاطبوا الحياء بأمور‪،‬‬
‫وإذا الشيطان تكلم على لسان هذا الميت فيحصل من هذا التكليم إغواء تعلق وإعتقادات‬
‫قِليًل)‪َ (62‬‬
‫ه إ ِّل َ‬
‫قا َ‬
‫ل‬
‫باطلة إذن فالشياطين مهمتهم الغواء كما هو معلوم ﴿َل َ ْ‬
‫حت َن ِك َ ّ‬
‫ن ذُّري ّت َ ُ‬
‫ع َ‬
‫ست َ ْ‬
‫و ُ‬
‫م َ‬
‫ب َ‬
‫جَزا ُ‬
‫ن‬
‫اذ ْ َ‬
‫ك ِ‬
‫فإ ِ ّ‬
‫م َ‬
‫م َ‬
‫ن َ‬
‫ن ت َب ِ َ‬
‫ه ْ‬
‫م ْ‬
‫وا ْ‬
‫ج َ‬
‫من ْ ُ‬
‫م ْ‬
‫زْز َ‬
‫جَزاءً َ‬
‫ؤك ُ ْ‬
‫هن ّ َ‬
‫ه ْ‬
‫ف َ‬
‫فوًرا)‪َ (63‬‬
‫م ْ‬
‫ف ِ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫جل ِك﴾]السراء‪ [64-62:‬صوت‬
‫م بِ َ‬
‫ب َ‬
‫ت ِ‬
‫جل ِ ْ‬
‫وأ ْ‬
‫ست َط ْ‬
‫ع َ‬
‫من ْ ُ‬
‫ا ْ‬
‫ه ْ‬
‫ه ْ‬
‫م بِ َ‬
‫وَر ِ‬
‫خي ْل ِك َ‬
‫وت ِك َ‬
‫ص ْ‬
‫علي ْ ِ‬
‫الشيطان يشمل كل ما يغوي الشيطان به العباد من الصوات سواء كانت أصوات‬
‫المخلوقين التي من جهة الشيطان أو تجد الشيطان نفسه في القبور في هذه الحوال‪.‬‬

‫‪104‬‬

‫التعليقات الحسان على كتاب الفرقان‬

‫إيمان بالجبت والطاغوت‪ ،‬والجبت السحر‪ ،‬والطاغوت الشياطين والصنام‪ .‬وإن‬
‫كان الرجل مطيعا لله ورسوله باطنا وظاهرا لم يمكنهم الدخول معه في ذلك أو‬
‫مسالمته‪ ،‬ولهذا لما كانت عبادة المسلمين المشروعة في المساجد التي هي‬
‫مار المساجد أبعد عن الحوال الشيطانية‪ ،‬وكان أهل الشرك‬
‫بيوت الله‪ ،‬كان ع ّ‬
‫والبدع يعظمون القبور ومشاهد الموتى‪ ،‬فيدعون الميت أو يدعون به‪ ،‬أو‬
‫يعتقدون أن الدعاء عنده مستجاب‪ ،‬أقرب إلى الحوال الشيطانية‪ ،‬فإنه ثبت في‬
‫الصحيحين عن النبي ‪ ‬أنه قال »لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور‬
‫أنبيائهم مساجد«‪ .‬وثبت في صحيح مسلم عنه أنه قال قبل أن يموت بخمس‬
‫َ‬
‫ي في صحبته وذات يده أبو بكر‪ ،‬ولو كنت‬
‫م ّ‬
‫ليال »إن من أ َ‬
‫ن الناس عل ّ‬
‫متخذا خليل من أهل الرض لتخذت أبا بكر خليل‪ ،‬ولكن صاحبكم خليل‬
‫خوخة أبي بكر‪ ،‬إن من‬
‫دت إل َ‬
‫الله‪ ،‬ل يبقين في المسجد َ‬
‫س ّ‬
‫خوخة إل ُ‬
‫كان قبلكم كانوا يتخذون القبور مساجد‪ ،‬أل فل تتخذوا القبور مساجد‪،‬‬
‫فإني أنهاكم عن ذلك«‪.‬‬

‫وفي الصحيحين عنه أنه ذكر له في مرضه كنيسة بأرض الحبشة وذكروا من‬
‫حسنها وتصاوير فيها‪ ،‬فقال »إن أولئك إذا مات فيهم الرجل الصالح بنوا‬

‫على قبره مسجدا وصوروا فيها تلك التصاوير‪ ،‬أولئك شرار الخلق عند‬
‫الله يوم القيامة«‪.‬‬
‫وفي المسند وصحيح أبي حاتم عنه ‪ ‬قال »إن من شرار الخلق من‬
‫تدركهم الساعة وهم أحياء والذين اتخذوا القبور مساجد«‪.‬‬

‫وفي الصحيح عنه ‪ ‬أنه قال »ل تجلسوا على القبور ول تصلوا إليها«‪.‬‬
‫وفي الموطأ عنه أنه قال »اللهم ل تجعل قبر وثنا يعبد‪ ،‬اشتد غضب الله‬
‫على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد«‪.‬‬
‫وفي السنن عنه أنه قال »ل تتخذوا قبري عيدا وصلوا على حيثما كنتم‬
‫ي إل رد الله على‬
‫فإن صلتكم تبلغني«‪ .‬وقال ‪» ‬ما من رجل يسلم عل ّ‬
‫فإذن يجب أن ينتبه إلى مثل هذه المسائل خاصة في البلد التي يكثر فيها الجهل‬
‫والعتقاد بالكهنة والولياء وما شابه ذلك وأن أكثر ما يحصل لهم من هذه الشياء إنما هي‬
‫من الشياطين‪ ،‬وبعضها خيالت‪ ،‬سبب إستطراد شيخ السلم في مثل هذه المثلة هو أن‬
‫ُيعلم القارئ الذي يقرأ كتابه أنه محيط بأحوال القوم حتى ل يقول قائل أنت تتكلم عنهم‬
‫وأنت ل تعرفهم فذكر كل الصناف الصناف جميعا التي يحصل لهم الخوارق وتخدمهم‬
‫الشياطين وأصناف ما يحصل لهم في الطعمة في الشربة في الطيران في الهواء في‬
‫الماء وفي الخبار بالمغيبات وفي المكث عند القبور والتمثل بالشخاص كل هذه حصلت‬
‫للناس وهو يمثل بها حتى يجمع ما بين معرفة واقع الناس وما بين تقرير الحكام الشرعية‬
‫حتى يكون أعظم في الحجة‪.‬‬
‫ذكر شيخ السلم في بعض كتبه ل أدري هل ذكرها هنا أم ل؟ أن الشيطان تمثل في‬
‫صورته يقول وقعت مرة لطائفة من أصحابي ضائقة وكرب قالوا فرأينا صورتك يعني‬
‫ت‬
‫فرأيناك عندنا فاستغثنا بك‪ ،‬فأتيت وخلصتنا من العدو‪ ،‬فلما أخبره لما قدموا هنا قال لم آ ِ‬
‫إنما ذاك شيطان تصور بصورتي ليغويكم فاحذروا ‪ ،‬أو كما قال رحمه الله تعالى‪.‬‬
‫فالشيطان بشهادة الثقات الجمع من أصحابه تمثل بصورته لذلك هند شيخ السلم هذا‬
‫يقيني لنه شهد به الثقات وهو يعلم بيقين من نفسه أنه ما تعدى بنفسه‪ ،‬كيف هؤلء‬
‫يقولون حصل لنا كيت وكيت وأنت جئت وخلصتنا لشك أن هذا من الشيطان لذلك‪ ،‬يتكلم‬
‫بأشياء مبنية على محسوس والمبني على محسوس ل ُيك ّ‬
‫ذب والذي ذكرَته هذا ُيرد عليه بما‬
‫ذكر شيخ السلم عن نفسه لنه لم يتخيل بحال الناس إنما ذكر عن نفسه هذه الشياء‪.‬‬
‫المسألة هذه تطول نقف عند هذا‪.‬‬

‫للشيخ العلمة صالح بن عبد العزيز آل الشيخ‬

‫‪105‬‬

‫و ّ‬
‫كل بقبري ملئكة‬
‫روحي حتى أرد عليه السلم«‪ ،‬وقال ‪» ‬إ ّ‬
‫ن الله َ‬
‫ي من الصلة يوم‬
‫يبلغوني عن أمتي السلم«‪ ،‬وقال ‪» ‬أكثروا عل ّ‬
‫ي«‪ ،‬قالوا يا رسول الله‬
‫الجمعة وليلة الجمعة‪ ،‬فإن صلتكم معروضة عل ّ‬
‫كيف تعرض صلتنا عليك وقد أرمت؟ أي بليت فقال »إن الله حرم على‬
‫الرض أن تأكل لحوم النبياء«‪.‬‬

‫وقد قال الله تعالى في كتابه عن المشركين من قوم نوح عليه السلم ﴿‬

‫و َ‬
‫ق‬
‫غو َ‬
‫وَل ي َ ُ‬
‫وا ً‬
‫عو َ‬
‫وَل ت َذَُر ّ‬
‫قاُلوا َل ت َذَُر ّ‬
‫وي َ ُ‬
‫و ّ‬
‫وَل ُ‬
‫ن آل ِ َ‬
‫هت َك ُ ْ‬
‫ث َ‬
‫عا َ‬
‫س َ‬
‫دا َ‬
‫ن َ‬
‫م َ‬
‫َ‬
‫سًرا﴾]نوح‪ ،[23:‬قال ابن عباس وغيره من السلف‪ ،‬هؤلء قوم كانوا صالحين‬
‫ون َ ْ‬
‫َ‬

‫من قوم نوح‪ ،‬فلما ماتوا عكفوا على قبورهم‪ ،‬ثم صوروا تماثيلهم فعبدوهم‪،‬‬
‫فكان هذا مبدأ عبادة الوثان‪ ،‬فنهى النبي ‪ ‬عن اتخاذ القبور مساجد‪ ،‬ليسد ّ باب‬
‫الشرك‪ ،‬كما نهى عن الصلة وقت طلوع الشمس ووقت غروبها‪ ،‬لن المشركين‬
‫يسجدون للشمس حينئذ‪ ،‬والشيطان يقارنها وقت الطلوع ووقت الغروب‪،‬‬
‫فتكون في الصلة حينئذ مشابهة لصلة المشركين‪ ،‬فسد هذا الباب‪ ،‬والشيطان‬
‫يضل بني آدم بحسب قدرته‪ ،‬فمن عبد الشمس والقمر والكواكب‪ ،‬ودعاها كما‬
‫يفعل أهل دعوة الكواكب‪ ،‬فإنه ينزل عليه شيطان يخاطبه ويحدثه ببعض المور‪،‬‬
‫ويسمون ذلك روحانية الكواكب‪ ،‬وهو شيطان‪ ،‬والشيطان وإن أعان النسان‬
‫على بعض مقاصده فإنه يضره أضعاف ما ينفعه‪ ،‬وعاقبة من أطاعه إلى شر إل‬
‫أن يتوب الله عليه‪ ،‬وكذلك عباد الصنام قد تخاطبهم الشياطين‪ ،‬وكذلك من‬
‫ن أن الدعاء عند‬
‫استغاث بميت أو غائب‪ ،‬وكذلك من دعا الميت أو دعا به‪ ،‬أو ظ ّ‬
‫قبره أفضل منه في البيوت والمساجد‪ ،‬ويرُوون حديثا هو كذب باتفاق أهل‬
‫المعرفة‪ ،‬وهو إذا أع ْي َت ْ ُ‬
‫كم المور فعليكم بأصحاب القبور‪ ،‬وإنما هذا وضع من فتح‬
‫باب الشرك‪.‬‬
‫ويوجد لهل البدع وأهل الشرك المتشبهين بهم من عباد الصنام والنصارى‬
‫والضلل من المسلمين أحوال عند المشاهد يظنونها كرامات‪ ،‬وهي من‬
‫الشياطين‪ ،‬مثل أن يضعوا سراويل عند القبر فيجدونه قد انعقد‪ ،‬أو يوضع عنده‬
‫مصروع فيرون شيطانه قد فارقه‪ ،‬يفعل الشيطان هذا ليضلهم‪ ،‬وإذا قرأت آية‬
‫الكرسي هناك بصدق بطل هذا‪ ،‬فإن التوحيد يطرد الشيطان‪ ،‬ولهذا حمل‬
‫بعضهم في الهواء‪ ،‬فقال ل إله إل الله فسقط‪ ،‬ومثل أن يرى أحدهم أن القبر قد‬
‫إنشق وخرج منه إنسان فيظنه الميت وهو شيطان‪ .‬وهذا باب واسع ل يتسع له‬
‫)‪(98‬‬
‫هذا الموضع‪.‬‬
‫‪()98‬بسم الله الرحمن الرحيم‪ ،‬الحمد لله رب العالمين والصلة والسلم على نبينا محمد‬
‫وعلى آله وصحبه أجمعين‪ ،‬أما بعد‪ :‬فهذه الجمل أوردها شيخ السلم المؤلف رحمه الله‬
‫ن كثيرين من أهل زمنه‪ ،‬بل أن الكثيرين من أهل‬
‫لبيان حال الذين تحصل لهم خوارق‪ ،‬وأ ّ‬
‫زمنه ل ينفكون عن أن يكونوا من أهل هذه الصفات إما أن يدعو الميت وإما أن يدعو به‬
‫وإما أن يتخذوا قبره مكانا للعبادة‪ ،‬والطرق الصوفية بعامة تعلقت بالقبور وتعلق أصحابها‬
‫وتعلق المريدون بالمشاهد هذه إما قبور من اتبعوهم من أصحاب المعرفة‪ ،‬مثل ما ُيفعل‬
‫عند قبر عبد القادر الجيلني‪ ،‬ومثل ما يفعل عند قبر الرؤساء منهم في دمشق وفي مصر‬
‫إلى آخره‪ ،‬هؤلء صفتهم أنهم يتعلقون بالموتى واتخذوا القبور مساجد وعظموا تلك‬
‫ن هؤلء الذين تحصل لهم خوارق هم من أهل البدع والشركيات‪،‬‬
‫المساجد ولهذا ذكر لك أ ّ‬
‫معلوم أن الكرامة لعبده إنما هي للمؤمن التقي‪ ،‬وأما أهل البدع والشرك فهم إن وقعت‬
‫صور الثلث التي ذكر أن‬
‫لهم خوارق فهي من الشياطين؛ لنهم يضلونهم بغير علم وهذه ال ّ‬
‫يدعى الميت بأنواع الدعاء‪:‬‬

‫‪106‬‬

‫التعليقات الحسان على كتاب الفرقان‬

‫ولما كان النقطاع إلى المغارات والبوادي من البدع التي لم يشرعها الله‬
‫ول رسوله صارت الشياطين كثيرا ما تأوى إلى المغارات والجبال‪ ،‬مثل مغارة‬
‫الدم التي بجبل قاسيون‪ ،‬وجبل لبنان الذي بساحل الشام‪ ،‬وجبل الفتح بأسوان‬
‫بمصر‪ ،‬وجبال بالروم وخراسان‪ ،‬وجبال بالجزيرة‪ ،‬وغير ذلك‪ ،‬وجبل اللكام‪ ،‬وجبل‬
‫الحيش‪ ،‬وجبل سولن قرب أردبيل‪ ،‬وجبل شهنك عند تبريز‪ ،‬وجبل ماشكو عند‬
‫أقشوان‪ ،‬وجبل نهاوند‪ ،‬وغير ذلك من الجبال التي يظن بعض الناس أن بها رجال‬
‫من الصالحين من النس ويسمونهم رجال الغيب‪ ،‬وإنما هناك رجال من الجن‪،‬‬
‫فالجن رجال كما أن النس رجال‪ ،‬قال تعالى ﴿ َ‬
‫ه َ‬
‫جا ٌ‬
‫س‬
‫ل ِ‬
‫كا َ‬
‫ر َ‬
‫م ْ‬
‫وأن ّ ُ‬
‫َ‬
‫نا ِْ‬
‫ن ِ‬
‫لن ِ‬
‫إما باستغاثة به يقول يا ولي الله أغثني‪ ،‬أنجدني أنا في كفايتك‪ ،‬أنا في كنفك‪،‬‬
‫‪‬‬
‫أعني على هذا المر‪ ،‬أنا في غياثك يا غياث المستغيثين‪ ،‬أغثني ونحو ذلك‪ ،‬مما هو‬
‫دعوة لغير الله جل وعل فيما هو من صفات الرب جل جلله‪ ،‬أو أن يدعى بالميت‬
‫والدعاء بالميت له صور منها أن يسأل به في ذاته‪ ،‬يقول أسألك ربي بفلن بالميت‬
‫بعبد القادر بالبدوي بالعندروس وأشباه ذلك‪ ،‬هذا إذا سأل بالميت يظن السائل أنه‬
‫يحصل له حين ذلك قبول لسؤاله‪ ،‬وتحصل له أحوال عند القبر إذا سأل بالميت؛ لن‬
‫روح الولي تساعده والسؤال بفلن هذا وسيلة من وسائل الشرك وبدعة وخيمة‪ ،‬فل‬
‫يجوز لحد أن يبتدع هذه البدعة‪ ،‬ول أن يعمل بها هي أن يسأل بفلن كائنا من كان‬
‫ولو كان برسول الله ‪ ‬أسألك بنبيك‪ ،‬أسألك بأبي بكر‪ ،‬أسألك بأهل بدر‪ ،‬أسألك‬
‫بالولي الفلني هذا كله بدعة ووسيلة إلى الشرك‪.‬‬
‫الصورة الثانية للدعاء بالميت‪ ،‬أن يتوسل بما يظنه من منزلة للميت يقول‬
‫‪‬‬
‫أتوسل إليك ربي بحق فلن الولي عليك أتوسل إليك بعمله الصالح أتوسل إليك‬
‫بمكانته عندك وحرمته عندك ‪ ،‬ونحو ذلك أو أن نقول أسألك بحقه أسألك بحرمته‬
‫عندك بجاهه عندك ونحو ذلك هذه كلها داخلة في الدعاء به وهي أيضا بدعة ووسيلة‬
‫إلى الشرك‪.‬‬
‫أما الدعاء عند القبور فإنما شرع الدعاء عند القبور للميت وقد يدخل الحي‬
‫‪‬‬
‫تبعا‪ ،‬فالشرع جاء بالزيارة الشرعية للقبر والدعاء عند القبر للمقبور ل للحي وقد‬
‫يدخل الحي تبعا في الدعاء فأن يقول الحي للميت‪ :‬اللهم إرحم المستقدمين منا‬
‫والمستأخرين‪ ،‬نسأل الله لنا ولكم العافية‪ ،‬أو يقول اللهم إغفر لصحاب القبور ونور‬
‫عليهم قبورهم‪ ،‬واغفر لنا ولهم ونحو ذلك‪ ،‬فيكون دعاؤه لنفسه أتى تبعا لنه دعى‬
‫للمؤمنين بعامة من أهل القبور‪ ،‬فيدخل هو تبعا ل استقلل‪ ،‬أما أن يختص موقع قبر‬
‫أو قبور أو المقبرة للدعاء للحي أو أن يدعو لنفسه فهذا من البدع المحدثة ووسيلة‬
‫إلى تعظيم القبور والعبادة عندها‪.‬‬
‫وهذه الصفات الثلث موجودة عند أهل التصوف وأهل الغلو في الولياء حتى قال قائلهم‬
‫في قبر معروف الكرخي العابد المشهور قالوا فيه‪:‬‬
‫)قبر معروف الترياق المجرب ( يعني من أعياه شيء وأراد الستشفاء من المراض البدنية‬
‫أو المراض الدينية يعني كان عليه جنون أو أراد شيئا في أمره دينه أو دنياه فعليه بقبر‬
‫معروف فإنه الترياق المجرب‪ ،‬يعني أن يدعى معروف أو أن يسأل به أو أن يدعى عند‬
‫القبر‪ ،‬كل هذه الصور حاصلة‪ ،‬وإذا كانت هذه الصور من البدع والمحدثات وبعضها بدعة‬
‫كفرية شركية‪ ،‬فمعلوم أن الشياطين تساعد أهل البدع‪ ،‬وتساعد أهل الشرك كما ساعدت‬
‫أوائلهم‪ ،‬وأن أول الشرك كما ذكر هو قصة قوم نوح في عبادة ود ّ وسواع ويعوق ونسر‪،‬‬
‫ولما عبدوهم أغوتهم الشياطين‪ ،‬وصار عندهم أحوال وآراء وكلم تنطق‪ ،‬وربما خرج من‬
‫القبر وتصور بصورته وتكلم بصورته إلى غير ذلك مما ذكر‪ ،‬لهذا جاء في هذه الشريعة‬
‫النهي الشديد عن اتخاذ القبور مساجد »لعنة الله على اليهود والنصارى اتخذوا‬
‫قبور أنبيائهم مساجد أل ل تتخذوا القبور مساجد‪ ،‬فإني أنهاكم عن ذلك« وأن‬
‫من اتخذ القبر مسجدا يعني فصلى عنده أو دعى عنده واختصه بذلك فإن هذا مبتدع‬
‫وملعون فكيف بمن عبد صاحب القبر واستغاث به ل شك أن هذا أعظم »لعنة الله على‬

‫للشيخ العلمة صالح بن عبد العزيز آل الشيخ‬

‫‪107‬‬

‫ه ً‬
‫ن َ‬
‫عو ُ‬
‫قا﴾]الجن‪ ،[6:‬ومن هؤلء من يظهر‬
‫م َر َ‬
‫دو ُ‬
‫ل ِ‬
‫ذو َ‬
‫فَزا ُ‬
‫ر َ‬
‫يَ ُ‬
‫ج ّ‬
‫م ْ‬
‫ه ْ‬
‫ن ال ْ ِ‬
‫جا ٍ‬
‫ن بِ ِ‬
‫بصورة رجل شعراني جلده يشبه جلد ماعز‪ ،‬فيظن من ل يعرفه أنه أنسي‪ ،‬وإنما‬
‫هو جني‪ ،‬ويقال بكل جبل من هذه الجبال الربعون البدال‪ ،‬وهؤلء الذين يظن‬
‫أنهم البدال هم جن بهذه الجبال‪ ،‬كما يعرف ذلك بطرق متعددة‪ ،‬وهذا باب ل‬
‫يتسع هذا الموضع لبسطه‪ ،‬وذكر ما نعرفه من ذلك‪ ،‬فإنا قد رأينا وسمعنا من‬
‫ذلك ما يطول وصفه في هذا المختصر‪ ،‬الذي كتب لمن سأل أن نذكر له من‬
‫الكلم على أولياء الله تعالى ما يعرف به جمل ذلك‪.‬‬
‫والناس في خوارق العادات على ثلثة أقسام‪:‬‬
‫اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد« هذه وصية قالها عليه الصلة‬
‫ولسلم في آخر حياته وصية أوصى بها المة وحذرها من ذلك‪ ،‬فإذا كان هؤلء من أهل‬
‫الشرك والبدع والخرافات فإنه يحصل لهم خوارق‪ ،‬وهذه الخوارق من الشياطين ليست‬
‫كرامات‪ ،‬فإذن ل بد أن يكون ثم فرقان بين الكرامنة والخارق الشيطاني‪ ،‬فالكرامة هي‬
‫للمؤمن المتقي المتبع للسنة‪ ،‬أما الخارق الشيطاني فهذا يحصل لكل من تولى الشيطان‪،‬‬
‫توله بطاعته في الشرك وفي البدع والخرافات وفي التعلق بغير الله جل جلله‪.‬‬
‫إذا تبين ذلك فأصحاب الطرق الصوفية في زمن شيخ السلم كان عندهم كل هذه أنواع‬
‫التعلقات؛ التعلق بالقبور‪ ،‬التعلق بالوثان‪ ،‬التعلق بالولياء‪ ،‬كان عندهم اعتقاد بالشيخ حتى‬
‫د‪ ،‬كما قال قائلهم لحد مريديه إذا‬
‫إنهم يعتقدون فيه أنه َيعلم ما في النفس‪ ،‬حتى ولو ب َعُ َ‬
‫هممت بمعصية فتذكر أني أعلم حالك‪ ،‬هذا ل شك أنه من إدعاء ما ليس له‪ ،‬وبه حصل‬
‫التعلقات لنها تربية غير شرعية فهي إن كان نطق بها الول يريد تخويفه ويريد تربيته لكن‬
‫هذا إدعاء لشيء من أمور الغيب‪ ،‬والعياذ بالله‪ ،‬ولهذا حصل من التربية الباطلة السلوكية‬
‫حصل الشرك والبدع وأنواع من الضللت‪.‬‬
‫المقصود من هذا أن المكلف الذي يتعلق بهذه البدع بالقبور ودعاء أصحابها وبالبناء على‬
‫القبور هذه المشاهد الشركية أو بسؤال أصحابها أو السؤال بهم أو الدعاء واختصاص‬
‫القبور بمزيد مزية‪ ،‬هؤلء قد تخدمهم الشياطين‪ ،‬وقد تظهر له من القبر من قبر فلن‬
‫يسمع صوت المدفون هو يعرف صوته؛ من مشايخه ثم يخبره بأشياء فعلها هو فعلت في‬
‫ن حقيقة الحال أن هذا شيطان‪ ،‬والجن يرونها من‬
‫بيتك كذا وهذا يبقى متعلقا ل يدري أ ّ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫و َ‬
‫علَنا ال ّ‬
‫ن‬
‫حي ْ ُ‬
‫م ُ‬
‫شَيا ِ‬
‫ه ِ‬
‫ج َ‬
‫م إ ِّنا َ‬
‫ن َ‬
‫طي َ‬
‫ون َ ُ‬
‫م ْ‬
‫ه ْ‬
‫قِبيل ُ ُ‬
‫ه ي ََراك ُ ْ‬
‫حيث ل نراهم ﴿إ ِن ّ ُ‬
‫ث ل ت ََر ْ‬
‫و َ‬
‫ه َ‬
‫َ‬
‫ن َل ي ُ ْ‬
‫ن﴾]العراف‪ [27:‬فالشيطان ولي لغير المؤمن ينصره ويساعده‬
‫ؤ ِ‬
‫ول َِياءَ ل ِل ّ ِ‬
‫مُنو َ‬
‫ذي َ‬
‫أ ْ‬
‫ويذله‪ ،‬لهذا ينبغي على الناظر في مثل هذه الحوال‪ ،‬أو الذي ُيناظر الذي يذكر مثل هذه‬
‫الحوال أن ل يبادر بإنكار وقعها يقول مثل هذا قد يقع‪ ،‬قد يكلمك الميت قد تسمع أصوات‪،‬‬
‫قد يخبرك فلن بالمغيبات‪ ،‬لكن الذي يخبره بهذه الشياء ويحصل له هذه الخوارق إنما هي‬
‫الشياطين‪ ،‬لنها ولية لهل البدع والشرك‪ ،‬والشيطان يريد بالعباد أن يقعوا في الشرك‬
‫والبدع التي هي وسائل الشرك هي طريق الشرك‪ ،‬وبريد الشرك لذلك يعينهم الشيطان‪،‬‬
‫فيؤول المر أن هذا من فعل الشياطين فل ينفى وقوعه لنه وقع وشوهد لكنه يكون خارقا‬
‫شيطانيا وليس كرامة‪ ،‬فالفرق بين الكرامة وبين الحوال الشيطانية ظاهر وهي أن الكرامة‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ف َ َ‬
‫ن)‬
‫ه َل َ‬
‫وَل ُ‬
‫و ٌ‬
‫ول َِياءَ الل ّ ِ‬
‫حَزُنو َ‬
‫يؤتاها المؤمن التقي تعالى ﴿أَل إ ِ ّ‬
‫م يَ ْ‬
‫ه ْ‬
‫ه ْ‬
‫م َ‬
‫خ ْ‬
‫نأ ْ‬
‫علي ْ ِ‬
‫و َ‬
‫كاُنوا ي َت ّ ُ‬
‫م ال ْب ُ ْ‬
‫شَرى‬
‫‪(62‬ال ّ ِ‬
‫قو َ‬
‫ن﴾]يونس‪ [63-62:‬فالولي هو المؤمن التقي ﴿ ل َ ُ‬
‫ذي َ‬
‫ه ْ‬
‫نآ َ‬
‫مُنوا َ‬
‫ة الدّن َْيا﴾]يونس‪ [64:‬ومن البشرى الكرانات التي قد تحصل لبعض عباد الله أما‬
‫ِ‬
‫حَيا ِ‬
‫في ال ْ َ‬
‫من ليس على اليمان والتقوى والسنة من أهل البدع والشركيات هذا تحصل له الخوارق‬
‫ولكن ليست بكرامات إنما هي خوارق شيطانية إما من جهة القدرة أو من جهة الغنى أو‬
‫من جهة العلم تحصل لهم خوارق عديدة‪ ،‬مثل ما ذكر نقل في الهواء ولما قال ل إله إل‬
‫الله ذهب الشيطان الذي يحمله فسقط‪ ،‬ومثل أن يعلم ما في البطن ومثل أن يغيث في‬
‫وقت الحاجة‪ ،‬ويكلمهم ويخبرهم بأشياء مخفية كل هذا من فعل الشياطين‪ ،‬والنسان يعلم‬
‫ْ َ‬
‫قصوره وأنه ل يعلم الغيب﴿ ُ‬
‫ق ْ‬
‫ب إ ِّل‬
‫ض ال ْ َ‬
‫ن ِ‬
‫وا ِ‬
‫غي ْ َ‬
‫ل َل ي َ ْ‬
‫في ال ّ‬
‫م ْ‬
‫س َ‬
‫م َ‬
‫عل َ ُ‬
‫ت َ‬
‫ما َ‬
‫والْر ِ‬

‫‪108‬‬

‫التعليقات الحسان على كتاب الفرقان‬

‫‪‬قسم يكذب بوجود ذلك لغير النبياء‪ ،‬وربما صدق به مجمل‪ ،‬وك ّ‬
‫ذب ما يذكر‬
‫له عن كثير من الناس‪ ،‬لكونه عنده ليس من الولياء‪.‬‬
‫‪ ‬ومنهم من يظن أن كل من كان له نوع من خرق العادة كان وليا لله‪.‬‬
‫وكل المرين خطأ‪ ،‬ولهذا تجد أن هؤلء يذكرون أن للمشركين وأهل الكتاب‬
‫نصراء يعينونهم على قتال المسلمين‪ ،‬وأنهم من أولياء الله‪ ،‬وأولئك يكذبون‬
‫أن يكون معهم من له خرق عادة‪.‬‬
‫‪ ‬والصواب القول الثالث وهو أن معهم من ينصرهم من جنسهم ل من‬
‫َ‬
‫خ ُ‬
‫ذوا‬
‫مُنوا َل ت َت ّ ِ‬
‫ها ال ّ ِ‬
‫أولياء الله عز وجل‪ ،‬كما قال الله تعالى ﴿َياأي ّ َ‬
‫ذي َ‬
‫نآ َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫م َ‬
‫ه‬
‫ع ُ‬
‫م ِ‬
‫ول َِياءُ ب َ ْ‬
‫ول َِياءَ ب َ ْ‬
‫ول ّ ُ‬
‫ض ُ‬
‫ال ْي َ ُ‬
‫م ْ‬
‫فإ ِن ّ ُ‬
‫من ْك ُ ْ‬
‫ه ْ‬
‫و َ‬
‫ه ْ‬
‫والن ّ َ‬
‫ن ي َت َ َ‬
‫ض َ‬
‫مأ ْ‬
‫صاَرى أ ْ‬
‫هودَ َ‬
‫ع ٍ‬
‫م﴾]المائدة‪ ،[51:‬وهؤلء العباد والزهاد الذين ليسوا من أولياء الله المتقين‬
‫ِ‬
‫من ْ ُ‬
‫ه ْ‬

‫المتبعين للكتاب والسنة تقترن بهم الشياطين‪ ،‬فيكون لحدهم من الخوارق‬
‫ه﴾]النمل‪ [65:‬سبحانه وتعالى‪.‬‬
‫الل ّ ُ‬
‫♦ هي ل تنسب إليهم بعد الممات‪ ،‬بالنسبة للخارق الشيطاني يحصل لهم في الحياة‪،‬‬
‫أمابعد الممات فليس له لنه إنتهى لكن الشيطان يضل به ليس خارقا له لكن يضل به‬
‫مثل ما يحصل عند القبور الشيطان يضله ليس خارقا له لنه انتهى‪ ،‬وأما الكرامة فإن‬
‫العبد المؤمن قد يكرم بعد مماته‪ ،‬يكرم في أحبابه يكرم فيمن يعطف عليهم‪ ،‬فيمن‬
‫يرحمهم‪ ،‬مثل ما أكرم الله جل وعل به أمة محمد عليه الصلة والسلم بعد وفاته بأشياء‬
‫كثيرة فهذا لجله محبته عليه الصلة والسلم لنا‪ ،‬ومثل إكرام الله جل وعل للعبد الصالح‬
‫الذي يموت فيصلح الله جل وعل عقبه ويحفظ لهم دينهم وأموالهم إلى آخره كما جاء‬
‫و َ‬
‫حا ﴾]الكهف‪ [82:‬فبسبب الصلح أكرم البناء‬
‫ن أ َُبو ُ‬
‫كا َ‬
‫صال ِ ً‬
‫ه َ‬
‫ما َ‬
‫في سورة الكهف ﴿ َ‬
‫وهكذا‪ ،‬فإذن بعد الممات الموتى ل ينسب الخارق ول الكرام للميت وإنما يقال‬
‫الشياطين فعلت أو أكرم الله جل وعل فلنا بعد وفاته بكذا بصلح أحبابه‪ ،‬بنفع من يحب‪،‬‬
‫بنفع المة إلى آخره‪ ،‬أما الميت فل يحصل له كرامة في نفسه فيما يراه الحياء كرامته‬
‫في الجنة عند ربه جل وعل‪.‬‬
‫♦ ليست منزلة صورة ثانية‪ ،‬صورة مثل السؤال بالذات‪ ،‬لكن السؤال بالذات أعظم‬
‫وسيلة للشرك من السؤال بالجاه‪ ،‬أو بالعمل أو بحق فلن‪ ،‬الصوفية عندهم كتب في‬
‫السؤال بالمنظومات في السؤال بالذوات مثل منظومة تسمى جالية الكدر بالسؤال‬
‫بأهل بدر‪ ،‬منظومة كل بيت نها سؤال بواحد من الصحابة‪ ،‬الصوفية يعظمون السؤال‬
‫بالموتى كثيرا‪ ،‬السؤال بالذات أعظم وسيلة‪ ،‬السؤال بالحق والجاه أقل منه لكن كلها‬
‫بدع ووسائل للشرك‪ .‬هي طريق لتعظيمه بدعة وليست شركا‪ ،‬بدعة واعتداء في‬
‫ت بها دليل ول وسنة ووسيلة إلى أن يعظم السؤول به فيسأل من دون‬
‫الدعاءلنه لم يأ ِ‬
‫الله‪ ،‬أول ما حدث كان السؤال بالذوات قبل أن يحصل دعاء غير الله مباشرة كان‬
‫السؤال بالذوات نسألك بفلن وفلن كثر هذا ثم حصل الشرك بسؤال الميت‪ ،‬نسأل الله‬
‫العافية‪ ،‬لهذا تجد أن شيخ السلم في بعض المواضع يسمي سؤال الميت الشفاعة‬
‫بدعة والسؤال به بدعة وذلك لنها لم تكن عند المشركين حتى طوائف مشركي العرب‬
‫ل تعرف الستشفاع به مباشرة يعني يقول اشفع لي لكنهم يعبدون ليشفعوا‪ ،‬لكن اشفع‬
‫م‬
‫عب ُدُ ُ‬
‫ما ن َ ْ‬
‫ه ْ‬
‫لي يا لت اشفع لي يا عزى هذه ما فيه ولكن يعبدون ويتقربون ليشفعوا ﴿ َ‬
‫ه ُزل ْ َ‬
‫إ ِّل ل ِي ُ َ‬
‫فى﴾]الزمر‪ [3:‬فهم يرومون منها الشفاعةلذلك سماها بدعة‬
‫قّرُبوَنا إ َِلى الل ّ ِ‬
‫في بعض المواضع لنها بدعة حدثت وليست سابقة وهي بدعة كفرية شركية‪ ،‬مثل‬
‫ر ُ‬
‫الشرك نقول محرم ﴿ ُ‬
‫م أ َّل ت ُ ْ‬
‫وا أ َت ْ ُ‬
‫ق ْ‬
‫ه‬
‫م َ‬
‫كوا ب ِ ِ‬
‫ما َ‬
‫ل تَ َ‬
‫حّر َ‬
‫عل َي ْك ُ ْ‬
‫م َرب ّك ُ ْ‬
‫ل َ‬
‫عال َ ْ‬
‫ش ِ‬
‫َ‬
‫شي ًْئا﴾]النعام‪ [151:‬البدعة ل يعني أنها ليست بشرك‪ ،‬تكونشركا أكبر وبدعة هذا باعتبار‬
‫أنها حدثت في المة‪ ،‬فالبدع منها بدع كفرية شركية مخرجة من الملة منها بدع ما دون‬
‫ذلك‪ ،‬لكن في تعبير أهل العلم العام يعني الذي يجري ومشهور أن ُيختص البدعة لما‬
‫دون الشرك أذا أردت أن تعبر سنعبر عن البدعة بما دون الشرك‪ ،‬فإذا كانت المسألة‬
‫شركا أكبر ننص عليها نقول شرك أكبر مخرج من الملة أو شرك أصغر أو نحو ذلك‪.‬‬

‫للشيخ العلمة صالح بن عبد العزيز آل الشيخ‬

‫‪109‬‬

‫ما يناسب حاله‪ ،‬لكن خوارق هؤلء يعارض بعضها بعضا‪ ،‬وإذا حصل من له‬
‫تمكن من أولياء الله تعالى أبطلها عليهم‪ ،‬ول بد ان يكون في أحدهم من‬
‫الكذب جهل أو عمدا‪ ،‬ومن الثم ما يناسب حال الشياطين المقترنة بهم‪،‬‬
‫ليفرق الله بذلك بين أوليائه المتقين وبين المتشبهين بهم من أولياء‬
‫ه ْ ُ‬
‫ل ال ّ‬
‫ن ت َن َّز ُ‬
‫ن)‬
‫م َ‬
‫الشياطين‪ ،‬قال الله تعالى ﴿ َ‬
‫شَيا ِ‬
‫طي ُ‬
‫م ْ‬
‫عَلى َ‬
‫ل أن َب ّئ ُك ُ ْ‬
‫َ‬
‫ل أَ ّ‬
‫عَلى ك ُ ّ‬
‫‪(221‬ت َن َّز ُ‬
‫ك أِثيم ٍ﴾]الشعراء‪ [222-221:‬والفاك الك ّ‬
‫ذاب‪ ،‬والثيم‬
‫ل َ‬
‫فا ٍ‬
‫الفاجر‪ ،‬ومن أعظم ما يقوي الحوال الشيطانية سماع الغناء والملهي‪ ،‬وهو‬
‫م َ‬
‫ما َ‬
‫كاءً‬
‫م ِ‬
‫عن ْدَ ال ْب َي ْ ِ‬
‫كا َ‬
‫صَلت ُ ُ‬
‫ت إ ِّل ُ‬
‫ه ْ‬
‫و َ‬
‫ن َ‬
‫سماع المشركين‪ ،‬قال الله تعالى ﴿ َ‬
‫ة﴾]النفال‪.[35:‬‬
‫دي َ ً‬
‫ص ِ‬
‫وت َ ْ‬
‫َ‬
‫قال ابن عباس وابن عمر رضي الله عنهم وغيرهما من السلف التصدية‬
‫التصفيق باليد والمكاء مثل الصفير‪ ،‬فكان المشركون يتخذون هذا عبادة‪ .‬وأما‬
‫النبي ‪ ‬وأصحابه فعبادتهم ما أمر الله به من الصلة والقراءة والذكر ونحو‬
‫ذلك‪ ،‬والجتماعات الشرعية‪ ،‬ولم يجتمع النبي ‪ ‬وأصحابه على استماع غناء‬
‫قط‪ ،‬ل بكف ول بدف‪ ،‬ول تواجد‪ ،‬ول سقطت بردته‪ ،‬بل كل ذلك كذب باتفاق‬
‫أهل العلم بحديثه‪.‬‬
‫وكان أصحاب النبي ‪ ‬إذا اجتمعوا أمروا واحدا منهم أن يقرأ والباقون‬
‫يستمعون‪ ،‬وكان عمر بن الخطاب ‪ ‬يقول لبي موسى الشعري ذكرنا ربنا‪،‬‬
‫فيقرأ وهم يستعمون‪ .‬ومّر النبي ‪ ‬بأبي موسى الشعري وهو يقرأ فقال له‬
‫»مررت بك البارحة وأنت تقرأ فجعلت أستمع لقراءتك«‪ ،‬فقال لو‬
‫علمت أنك تستمع لحبرته لك تحبيرا‪ .‬أي لحسنته لك تحسينا‪ ،‬كما قال النبي ‪‬‬
‫»زينوا القرآن باصواتكم«‪ ،‬وقال ‪» ‬لله اشد أذنا ‪-‬أي استماعا‪ -‬إلى‬
‫الرجل الحسن الصوت بالقرآن من صاحب القينة إلى قينته« وقال‬
‫‪ ‬لبن مسعود »اقرأ علي القرآن« فقال أقرأ عليك وعليك أنزل؟ فقال‬
‫ت عليه سورة النساء حتى انتهيت‬
‫»إني أحب أن أسمعه من غيري« فقرأ ُ‬
‫ف إذا جئ َْنا من ك ُ ّ ُ‬
‫جئ َْنا ب ِ َ‬
‫إلىهذه الية ﴿ َ‬
‫ه ُ‬
‫ة بِ َ‬
‫ء‬
‫ؤَل ِ‬
‫ك َ‬
‫عَلى َ‬
‫فك َي ْ َ‬
‫هي ٍ‬
‫م ٍ‬
‫ِ ْ‬
‫لأ ّ‬
‫و ِ‬
‫ِ‬
‫د َ‬
‫ش ِ‬
‫َ‬
‫دا﴾]النساء‪ [41:‬قال» حسبك« فاذا عيناه تذرفان من البكاء‪.‬‬
‫هي ً‬
‫ش ِ‬
‫ومثل هذا السماع هو سماع النبيين وأتباعهم كما ذكره الله في القرآن‪،‬‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫ه َ َ‬
‫ول َئ ِ َ‬
‫ن‬
‫و ِ‬
‫ن ذُّري ّ ِ‬
‫ن ِ‬
‫م ِ‬
‫ك ال ّ ِ‬
‫ن أن ْ َ‬
‫ة آد َ َ‬
‫م ْ‬
‫م ْ‬
‫ن الن ّب ِّيي َ‬
‫م ْ‬
‫ذي َ‬
‫م ّ‬
‫ه ْ‬
‫م الل ّ ُ‬
‫ع َ‬
‫م َ‬
‫فقال ﴿ أ ْ‬
‫علي ْ ِ‬

‫سَراِئي َ‬
‫جت َب َي َْنا إذا‬
‫ن َ‬
‫و ِ‬
‫ة إ ِب َْرا ِ‬
‫ن ذُّري ّ ِ‬
‫و ِ‬
‫وا ْ‬
‫م َ‬
‫َ‬
‫وإ ِ ْ‬
‫م ْ‬
‫م ْ‬
‫م ّ‬
‫هي َ‬
‫مل َْنا َ‬
‫ح َ‬
‫هدَي َْنا َ‬
‫ل َ‬
‫م َ‬
‫ح َ‬
‫ع ُنو ٍ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫وب ُك ِّيا﴾]مريم‪ [58:‬وقال في أهل‬
‫ن َ‬
‫ت ُت ْلى َ‬
‫ج ً‬
‫س ّ‬
‫ت الّر ْ‬
‫م آَيا ُ‬
‫خّروا ُ‬
‫ح َ‬
‫ه ْ‬
‫دا َ‬
‫م ِ‬
‫علي ْ ِ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫ز َ‬
‫وإ ِ َ‬
‫ع‬
‫ل ت ََرى أ ْ‬
‫م تَ ِ‬
‫ض ِ‬
‫س ِ‬
‫م ُ‬
‫عي ُن َ ُ‬
‫ل إلى الّر ُ‬
‫ذا َ‬
‫م ْ‬
‫ن الدّ ْ‬
‫ه ْ‬
‫عوا َ‬
‫في ُ‬
‫سو ِ‬
‫المعرفة ﴿ َ‬
‫ما أن ِ‬
‫م ِ‬
‫عَر ُ‬
‫ق﴾]المائدة‪ [83:‬ومدح سبحانه أهل هذا السماع بما يحصل لهم‬
‫ما َ‬
‫فوا ِ‬
‫ِ‬
‫ن ال ْ َ‬
‫م ْ‬
‫ح ّ‬
‫م ّ‬
‫َ‬
‫ه ن َّز َ‬
‫ن‬
‫لأ ْ‬
‫ح َ‬
‫س َ‬
‫من زيادة اليمان واقشعرار الجلد ودمع العين‪ ،‬فقال تعالى ﴿الل ّ ُ‬
‫ي تَ ْ‬
‫خ َ‬
‫ق َ‬
‫مت َ َ‬
‫م‬
‫ن يَ ْ‬
‫ش ِ‬
‫جُلودُ ال ّ ِ‬
‫عّر ِ‬
‫دي ِ‬
‫ح ِ‬
‫و َ‬
‫ه ُ‬
‫ال ْ َ‬
‫ن َرب ّ ُ‬
‫شاب ِ ً‬
‫ذي َ‬
‫م ثُ ّ‬
‫ه ْ‬
‫من ْ ُ‬
‫ها َ‬
‫ث ك َِتاًبا ُ‬
‫ش ْ‬
‫مَثان ِ َ‬
‫و ُ‬
‫م ْ‬
‫ن‬
‫جُلودُ ُ‬
‫ؤ ِ‬
‫ر الل ّ ِ‬
‫مُنو َ‬
‫ن ُ‬
‫قُلوب ُ ُ‬
‫ت َِلي ُ‬
‫ما ال ْ ُ‬
‫ه﴾]الزمر‪ ،[23:‬وقال تعالى ﴿إ ِن ّ َ‬
‫ه ْ‬
‫ه ْ‬
‫م َ‬
‫م إلى ِذك ْ ِ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫ت ُ‬
‫وإ ِ َ‬
‫ماًَنا‬
‫ت َ‬
‫ال ّ ِ‬
‫ذا ت ُل ِي َ ْ‬
‫جل ْ‬
‫ه َزادَت ْ ُ‬
‫قلوب ُ ُ‬
‫ذي َ‬
‫م ِإي َ‬
‫ه ْ‬
‫م آيات ُ ُ‬
‫ه ْ‬
‫ه ْ‬
‫ن إذا ذُك َِر الل ُ‬
‫و ِ‬
‫م َ‬
‫ه َ‬
‫علي ْ ِ‬
‫و َ َ‬
‫ف ُ‬
‫ما َرَز ْ‬
‫ن)‬
‫م ُين ِ‬
‫قَنا ُ‬
‫ن يُ ِ‬
‫و ِ‬
‫ن)‪(2‬ال ّ ِ‬
‫قو َ‬
‫مو َ‬
‫وك ُّلو َ‬
‫ذي َ‬
‫ه ْ‬
‫م ّ‬
‫قي ُ‬
‫ه ْ‬
‫ن ال ّ‬
‫صَلةَ َ‬
‫م ي َت َ َ‬
‫َ‬
‫ع ُلى َرب ّ ِ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ح ّ‬
‫م ْ‬
‫ق‬
‫م ْ‬
‫رْز ٌ‬
‫غ ِ‬
‫ت ِ‬
‫ولئ ِك ُ‬
‫ؤ ِ‬
‫مُنو َ‬
‫م دََر َ‬
‫ن َ‬
‫جا ٌ‬
‫قا ل ُ‬
‫و َ‬
‫ه ْ‬
‫ه ْ‬
‫م ال ُ‬
‫ه ْ‬
‫فَرةٌ َ‬
‫م َ‬
‫‪(3‬أ ْ‬
‫و ِ‬
‫عن ْدَ َرب ّ ِ‬
‫م﴾]النفال‪.[4-2:‬‬
‫ري ٌ‬
‫كَ ِ‬

‫وأما السماع المحدث سماع الكف والدف والقصب فلم تكن الصحابة‬
‫والتابعون لهم بإحسان وسائر الكابر من أئمة الدين يجعلون هذا طريقا إلى الله‬

‫‪110‬‬

‫التعليقات الحسان على كتاب الفرقان‬

‫دونه من البدع المذمومة‬
‫دونه من القرب والطاعات‪ ،‬بل يع ّ‬
‫تبارك وتعالى‪ ،‬ول يع ّ‬
‫ت ببغداد شيئا أحدثته الزنادقة يسمونه التغبير“‪،‬‬
‫حتى قال الشافعي ”خّلف ُ‬
‫يصدون به الناس عن القرآن‪ ،‬وأولياء الله العارفون يعرفون ذلك‪ ،‬ويعلمون أن‬
‫للشيطان فيه نصيبا وافرا‪ ،‬ولهذا تاب منه خيار من حضره منهم‪ ،‬ومن كان ابعد‬
‫عن المعرفة وعن كمال َولية الله كان نصيب الشيطان منه أكثر‪ ،‬وهو بمنزلة‬
‫الخمر يؤثر في النفوس أعظم من تأثير الخمر‪ ،‬ولهذا إذا قويت سكرة أهله‬
‫نزلت عليهم الشياطين‪ ،‬وتكلمت على ألسنة بعضهم‪ ،‬وحملت بعضهم في‬
‫الهواء‪ ،‬وقد تحصل عداوة بينهم كما تحصل بين شراب الخمر فتكون شياطين‬
‫أحدهم أقوى من شياطين الخر فيقتلونه‪ ،‬ويظن الجهال أن هذا من كرامات‬
‫أولياء الله المتقين‪ ،‬وإنما هذا مبعد لصاحبه عن الله‪ ،‬وهو من أحوال الشياطين‪،‬‬
‫فإن قتل المسلم ل يحل إل بما أحله الله‪ ،‬فكيف يكون قتل المعصوم مما يكرم‬
‫الله به أولياءه‪ ،‬وإنما غاية الكرامة لزوم الستقامة‪ ،‬فلم يكرم الله عبدا بمثل أن‬
‫يعينه على ما يحبه ويرضاه‪ ،‬ويزيده مما يقربه إليه‪ ،‬ويرفع به درجته‪ ،‬وذلك أن‬
‫الخوارق منها ما هو من جنس العلم كالمكاشفات‪ ،‬ومنها ما هو من جنس‬
‫القدرة والملك كالتصرفات الخارقة للعادات‪ ،‬ومنها ما هو من جنس الغنى ما‬
‫يعطاه الناس في الظاهر من العلم والسلطان والمال‪ .‬والغنى‬
‫وجميع ما يؤتيه الله لعبده من هذه المور إن استعان به على ما يحبه الله‬
‫ويرضاه ويقربه إليه ويرفع درجته‪ ،‬ويأمره الله به ورسوله‪ ،‬ازداد بذلك رفعة‬
‫وقربا إلى الله ورسوله‪ ،‬وعلت درجته‪ ،‬وإن استعان به على ما نهى الله عنه‬
‫ورسوله كالشرك والظلم والفواحش‪ ،‬استحق بذلك الذم والعقاب‪ ،‬فإن لم‬
‫يتداركه الله تعالى بتوبة أو حسنات ما حية‪ ،‬وإل كان كأمثاله من المذنبين‪ ،‬ولهذا‬
‫كثيرا ما يعاقب أصحاب الخوارق تارة بسلبها كما يعزل الملك عن ملكه‪ ،‬ويسلب‬
‫م علمه‪ ،‬وتارة بسلب التطوعات فينقل من الولية الخاصة إلى العامة‪،‬‬
‫العال ِ َ‬
‫وتارة ينزل إلى درجة الفساق‪ ،‬وتارة يرتد عن السلم‪ ،‬وهذا يكون فيمن له‬
‫خوارق شيطانية‪ ،‬فإن كثيرا من هؤلء يرتد عن السلم‪ ،‬وكثير منهم ل يعرف أن‬
‫هذه شيطانية؛ بل يظنها من كرامات أولياء الله‪ (99)،‬ويظن من يظن منهم أن الله‬
‫‪()99‬‬

‫ذكر في ما سمعنا عدة مسائل‪:‬‬
‫ن‬
‫• المسألة الولى منها‪ :‬أ ّ‬
‫ن طائفة ممن تحصل لهم الخوارق تعّبدوا بعبادات بدعية م ْ‬
‫مثل النقطاع والذهاب إلى المغارات والجبال والبراري والخلوات يتأملون ويتعبدون‬
‫ن طائفة منهم يأوون إلى الغيران أو إلى الودية ويلبسون‬
‫وينقطعون عن الناس‪ ،‬فتجد أ ّ‬
‫ملبس الحيوانات يعني صوف الحيوانات ونحو ذلك رغبة في التقشف والبعد عن‬
‫الملذات وأيضا رغبة في التفكر‪ ،‬ول شك أن هذه الطريقة لتحصيل اليمان طريقة بدعية‬
‫مذمومة‪ ،‬فالنبي عليه الصلة والسلم لم يأمر بها بعد نزول الوحي عليه‪ ،‬وإنما كان يتعبد‬
‫ويتحنث في الغار يعني في حراء الليالي ذوات العدد في السنة قبل نزول الوحي عليه‪،‬‬
‫ولما نزل الوحي عليه ونبئ ربما أتى إلى الغار‪ ،‬ثم لما ُبعث للناس ترك عليه الصلة‬
‫والسلم ذلك تعبدا‪ ،‬فإذن إحداثه بدعة فلم يأمر به عليه الصلة والسلم بل أمر‬
‫بمخالطة الناس والصبر على أ َ َ‬
‫هم قال عليه الصلة والسلم»الذي يخالط الناس‬
‫ذا ُ‬
‫ويصبر على أذاهم خير من الذي ل يخالط الناس ول يصبر على أذاهم«‬
‫خّلي في بمثل هذه الطرق والبتعاد يضم هذا المحذور ويضم محذورا آخر‪ ،‬وهو‬
‫فإذن الت ّ َ‬
‫أن فاعله يسير وحده ويبيت وحده ويأوي إلى هذه الغيران وحده‪ ،‬وهذه أشياء تأتي معها‬
‫الشياطين كما قال عليه الصلة والسلم»الراكب شيطان والراكبان شيطانان‬
‫والثلثة ركب«‪ ،‬فهؤلء لما أ َوَْوا إلى المغارات وتعبدوا بها العبادات البدعية جاءتهم‬
‫الشياطين‪ ،‬وذكر أحوالهم وذكر أنواع ما يحصل في الجبال إلى آخره‪ ،‬وهؤلء تأتيهم‬

‫للشيخ العلمة صالح بن عبد العزيز آل الشيخ‬

‫‪111‬‬

‫عز وجل إذا أعطى عبدا خْرق عادة لم يحاسبه على ذلك‪ ،‬كمن يظن أن الله إذا‬
‫أعطى عبدا ملكا ومال وتصرفا لم يحاسبه عليه‪.‬‬
‫ي عنها‪،‬‬
‫ومنهم من يستعين بالخوارق على أمور مباحة ل مأمورٍ بها ول منه ٌ‬
‫فهذا يكون من عموم الولياء‪ ،‬وهم البرار المقتصدون‪ ،‬وأما السابقون المقربون‬
‫فأعلى من هؤلء كما أن العبد الرسول أعلى من النبي الملك‪.‬‬
‫ولما كانت الخوارق كثيرا ما تنقص بها درجة الرجل كان كثير من الصالحين‬
‫يتوب من مثل ذلك‪ ،‬ويستغفرالله تعالى كما يتوب من الذنوب كالزنا والسرقة‪،‬‬
‫وتعرض على بعضهم فيسأل الله زوالها‪ ،‬وكلهم يأمر المريد السالك أن ل يقف‬
‫أحوال كلمية؛ يعني يسمعون من يكلمهم ومن يحضر لهم الغيلن بكلم رجال وتارة‬
‫يكون فيه صور رجال ل يعلمونهم‪ ،‬وهذه النواع سمتها الصوفية رجال الغيب؛ يعني‬
‫الرجال الذين ل ُيعرفون ويأتون ليخدموا ولينصروا الولي وهم غائبون ل ُيعرف من هم‪،‬‬
‫وكما ذكر لك شيخ السلم أن الرجل إذا انقطع فإن الشاطين تعينه والذين يعينونه هم‬
‫رجال الجن فإذا كان رأى رجل فإنه رأى جنيا والجني قد يتشكل في صورة رجل وقد‬
‫يسمع صوت رجل‪ ،‬إلى آخره‪ ،‬قالوا الن تقريبا انقطعت إل في قلة جدا في العالم‪ ،‬لكن‬
‫مثل هذه الحوال والنقطاع للتعبد والنظر والتفكر هذه إنقطعت على هذا النحو‪.‬‬
‫ن الخوارق التي تحصل‪ ،‬الناس في التصديق بها‬
‫• المسألة الثانية التي عرض لها‪ :‬هي أ ّ‬
‫والتكذيب ثلثة أقسام كما ذكر‪:‬‬
‫‪ .1‬قسم مك ّ‬
‫ذب مطلقا‪.‬‬
‫‪ .2‬قسم مصدق مطلقا‪.‬‬
‫‪ .3‬والصواب أنها ل تصدق ول تكذب؛ بمعنى نقول ليست هذه كرامة من الله ‪-‬من‬
‫جهة التكذيب‪ -‬والواقع حصلت ‪-‬من جهة التصديق‪ -‬لكنها من جهة الشياطين‪.‬‬
‫والعياذ بالله لما دخل الستعمار ودخل جنود المشركين الكفار إلى طائفة من بلد السلم‬
‫من رآهم من الصوفية سماها ‪-‬سمى تلك العساكر الشركية‬
‫في القرون المتأخرة‪ ،‬ورآهم َ‬
‫الكفرية‪ -‬سماها طائفة من الصوفية رجال الغيب؛ يعني أن هؤلء الرجال الذين ينصرون‬
‫المة بالغيب ‪...‬كرامة وهذا ول شك بسببه تمكن الكفار من بلد المسلمين‪ ،‬فأعظم من‬
‫مكن لهم الصوفية الذين إما تركوا المر قالوا توكلنا على الله ولم يفعلوا سببا‪ ،‬أو قالوا‬
‫هؤلء رجال الغيب الذين يخدمون المؤمنين‪ ،‬وهذا من جراء العتقادات الفاسدة والباطلة‪.‬‬
‫• المسألة الثالثة التي ذكر‪ :‬هي مسألة السماع‪-‬السماع مما تكلم فيه العلماء من‬
‫قديم‪ -‬وكان الناس يتعبدون به في أول ما حدث من جهة ما يسمى التغبير كما قال‬
‫الشافعي في من أحدث التغبير في بغداد‪ ،‬والتغبير سمي تغبيرا لنهم يأخذون جلودا‬
‫ت عليها تراب والغبار فيبدؤون –يعني لنهم ‪ ...‬متزهدون كما يزعمون‪-‬‬
‫قديمة ي َب ِ َ‬
‫س ْ‬
‫فيضربون عليها بالعصي فتحدث صوتا كصوت الدف‪ ،‬فيترّنمون به مع الشعار‪ ،‬فسمي‬
‫الفعل مع النشاد تغبيرا؛ لنه يظهر معه الغبار‪ ،‬وحقيقة التغبير هي إنشاد الشعار‬
‫الزهدية مع استخدام الدفوف‪ ،‬هذه حقيقة التغبير‪ ،‬والشعار الزهدية أحدثها طائفة من‬
‫المتزهدة لتنشد في مقابلة الغناء المحرم الذي انتشر في عهد الدولة العباسية‪ ،‬انتشر‬
‫الغناء المحرم والمعاوف يعني في أنواع من اللحان موجودة في كتب ومعروفة‬
‫وأصوات‪ ،‬فأحدثوا هذا في مقابلة ذاك‪ ،‬وتدّرج المر إلى أن صاروا يتقربون إلى الله‬
‫بسماع الدف نفسه والطبول والمزمار الذي هو القصب يعني لنه هو القصب؛ قصب‬
‫السكر يؤخذ ييّبس ويفّرغ وبعد ذلك ‪...‬ثم يكون منه مزمارا‪ ،‬فأصبحوا يتقربون إلى الله‬
‫بذلك‪ ،‬ينشدون الشعار الزهدية‪ ،‬ويترنمون بهذه الصوات يعني بالقصب وبالمزمار‬
‫والطبل بأشياء محزنة‪ ،‬ومعلوم أن هذه اللت قد ُتستخدم بألحان يكون معها نشوة‪ ،‬وقد‬
‫ُتستخدم بألحان يكون معها حزن ورِّقة‪ ،‬فلهذا هم استخدموها في جانب الحزن والرقة‬
‫والبكاء‪ ،‬وأّثرت على النفوس وبكى من بكى من سماعها‪ ،‬وأّثرت في القلوب وفي‬
‫ترقيقها ظّنوا أن هذا مشروع؛ لنها أحدثت أمرا مشروعا وهو البكاء والخوف من الله‬
‫ن وسيلته مشروعة فلهذا ألفوا فيه من ألف من أهل العلم في‬
‫جل وعل‪ ،‬فظنوا أ ّ‬

‫‪112‬‬

‫التعليقات الحسان على كتاب الفرقان‬

‫عندها ول يجعلها همته‪ ،‬ول يتبجح بها مع ظنهم أنها كرامات‪ ،‬فكيف إذا كانت‬
‫بالحقيقة من الشياطين تغويهم بها‪ ،‬فإني أعرف من تخاطبه النباتات بما فيها‬
‫من المنافع‪ ،‬وإنما يخاطبه الشيطان الذي دخل فيها‪ ،‬وأعرف من يخاطبهم‬
‫الحجر والشجر‪ ،‬وتقول هنيئا لك يا ولي الله‪ ،‬فيقرأ آية الكرسي فيذهب ذلك‪،‬‬
‫وأعرف من يقصد صيد الطير فتخاطبه العصافير وغيرها وتقول خذني حتى‬
‫يأكلني‪ ،‬الفقراء ويكون الشيطان قد دخل فيها كما يدخل في النس ويخاطبه‬
‫بذلك‪ ،‬ومنهم من يكون في البيت وهو مغلق فيرى نفسه خارجه وهو لم يفتح‪،‬‬
‫وبالعكس‪ ،‬وكذلك في أبواب المدينة‪ ،‬وتكون الجن قد أدخلته وأخرجته بسرعة‪،‬‬
‫السماع وفي ذمه‪ ،‬وأنه مما أحدث في مؤلفات كثيرة معلومة لدى المطلع‪ ،‬آ َ‬
‫ل المر بعد‬
‫ن يصحب هذا السماع رقص‪ ،‬والرقص ليس على صفة الرقص الذي ترونه‬
‫زمن إلى أ ْ‬
‫ص تمايل من التواجد كما يقولون‪ ،‬والتمايل من‬
‫الن من الصوفية‪ ،‬ل‪ .‬هو أول ما بدء َرقْ ُ‬
‫جراء أثر هذا السماع‪ ،‬فهو من جهة خوفه ورقته وترنمه وانشغاله بهذا السماع ورقة‬
‫قلبه‪ ،‬أصبح يتمايل ويتمايل‪ ،‬ثم آل المر حتى أصبح التمايل مقصود‪ ،‬إلى أن صار هناك‬
‫أناس يأدونه‪ ،‬فصار طقوسا وشعائر عندهم مع الزمن‪ ،‬هذه كلها أمور ل شك أنها محدثة‪،‬‬
‫أرادوا منها؛ من السماع؛ سماع الشعار أو سماع المزامير هذه‪ ،‬أرادوا منها رقة القلوب‪،‬‬
‫وأرادوا منها الستعاظة عن سماع المعازف والسماع الشيطاني‪ ،‬وآل بهم المر إلى أن‬
‫كان سماعا شيطانيا‪.‬‬
‫ومعلوم أن السماع الذي يحرك القلوب ويبعث فيها اليمان ويبعث فيها الخوف والرجاء‬
‫والمحبة وأنواع العبادات القلبية ويثمر العمل إنما هو سماع القرآن هذا هو السماع‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫ذا ال ْ ُ‬
‫خ ْ‬
‫ه َ‬
‫ه‬
‫ن َ‬
‫ه َ‬
‫صد ّ ً‬
‫ن َ‬
‫و أ َن َْزل َْنا َ‬
‫ة الل ِ‬
‫شي َ ِ‬
‫عا ِ‬
‫خا ِ‬
‫قْرآ َ‬
‫ش ً‬
‫عَلى َ‬
‫م ْ‬
‫عا ُ‬
‫ل ل ََرأي ْت َ ُ‬
‫مت َ َ‬
‫جب َ ٍ‬
‫المشروع﴿ل َ ْ‬
‫َ‬
‫وت ِل ْ َ‬
‫م ي َت َ َ‬
‫مَثا ُ‬
‫ن﴾]الحشر‪ ،[21:‬وقال جل وعل أيضا ﴿إ ِ َ‬
‫ذا‬
‫ل نَ ْ‬
‫فك ُّرو َ‬
‫س لَ َ‬
‫عل ّ ُ‬
‫رب ُ َ‬
‫ه ْ‬
‫ك اْل ْ‬
‫َ‬
‫ض ِ‬
‫ها ِللّنا ِ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫وب ُك ِّيا﴾]مريم‪ [58:‬من شدة ما سمعوا وتأّثرهم‬
‫دا‬
‫ج‬
‫س‬
‫روا‬
‫خ‬
‫ن‬
‫م‬
‫ح‬
‫ر‬
‫ال‬
‫ت‬
‫يا‬
‫آ‬
‫م‬
‫ه‬
‫ي‬
‫ل‬
‫ع‬
‫لى‬
‫ت‬
‫َ‬
‫َ‬
‫تُ ْ‬
‫ْ ِ ْ َ ُ‬
‫ُ ّ ً َ‬
‫ّ‬
‫ّ ْ َ ِ‬
‫دثه‬
‫به‪ ،‬وكما ذكر لك لما سمع النبي عليه الصلة والسلم قراءة أبي موسى الشعري وح ّ‬
‫فقال أبو موسى‪ :‬له لو علمت بك لحّبرته لك تحبيرا‪ .‬وقال عليه الصلة والسلم »زينوا‬
‫القرآن بأصواتكم« القرآن حجة الله الباقية وفي نفسه مؤثر‪ ،‬ولكن مطلوب أن ُيزّين‬
‫القرآن بالصوت؛ لن الصوت من جهته يحصل نوع تأثر فالتأثر يكون بالكلم وبنغمة الصوت؛‬
‫رنة الصوت‪ ،‬ولهذا أوتي داوود مزمارا؛ كان داوود إذا ترنم فكأنما يسمعون مزمارا‪ ،‬وهذا‬
‫التلذذ بسماع القرآن هو السماع الشرعي الذي به تحيا القلوب‪ ،‬وبه يكون اليمان‪ ،‬وتعظم‬
‫أنواع العبادات القلبية النفس‪ ،‬الخوف من الله جل وعل وإجلله وتعظيمه؛ لنه يسمع كلم‬
‫الملك العلم الجبار جل جلله وتقدست أسماؤه‪ ،‬إذن فهذا السماع هو سماع أهل اليمان‪.‬‬
‫ما َ‬
‫ت‬
‫م ِ‬
‫عن ْدَ ال ْب َي ْ ِ‬
‫كا َ‬
‫صَلت ُ ُ‬
‫ه ْ‬
‫و َ‬
‫ن َ‬
‫أما سماع المشركين فهو كما كانوا يفعلون عند البيت ﴿ َ‬
‫م َ‬
‫ة﴾]النفال‪ [35:‬يعني دعاءهم عند البيت كان مكاء يعني صفيرا؛ لن المكاء‬
‫دي َ ً‬
‫ص ِ‬
‫إ ِّل ُ‬
‫وت َ ْ‬
‫كاءً َ‬
‫م ّ‬
‫فر‪ ،‬والتصدية هي التصفيق‪ ،‬كانوا يتعبدون بذلك برنة‬
‫ص َ‬
‫في اللغة هو الصفير‪َ ) ،‬‬
‫ك( يعني َ‬
‫فقون برنة للتأثير على القلب‪.‬‬
‫ن ويص ّ‬
‫ص ِ‬
‫فُرو َ‬
‫يعني ي َ ْ‬
‫ن َ‬
‫ئ ال ْ ُ‬
‫ذا ُ‬
‫ر َ‬
‫وإ ِ َ‬
‫عوا‬
‫ست َ ِ‬
‫قْرآ ُ‬
‫م ُ‬
‫فا ْ‬
‫الله جل جلله جعل سماع أهل اليمان سماع القرآن ﴿ َ‬
‫ق ِ‬
‫ل َه َ‬
‫ن﴾]العراف‪ ،[204:‬فإذن أنواع السماع التي يظن أنها فيها فوائد‬
‫وأن ِ‬
‫مو َ‬
‫م ت ُْر َ‬
‫صُتوا ل َ َ‬
‫ح ُ‬
‫عل ّك ُ ْ‬
‫ُ َ‬
‫من سماع اللحان لما يكون غير القرآن هذا كله من المحدثات‪ ،‬ومن جنسه ما حدث في‬
‫هذا الزمان من الناشيد التي يسميها الشباب الناشيد السلمية التي فيها استعمال‬
‫ى باطل أو تكون جماعية‪ ،‬هذه كلها من المحدثات‪.‬‬
‫الدفوف أو تحتوي على معن ً‬
‫فإذا كان النشيد الذي هو الشعر جماعيا هذا واحد‪ ،‬أو كان معه دف أو كان مشتمل على‬
‫معنى باطل إما من جهة العقيدة؛ الستغاثات‪ ،‬مخاطبة الموتى‪ ،‬أو من جهة التحنيث الباطل‬
‫ونحو ذلك‪ ،‬هذه كلها منكرة وهي شبيه بألحان وسماع الصوفية‪ ،‬ولهذا إنما جاءت الناشيد‬
‫من جراء التربية الصوفية لبعض الجماعات السلمية‪.‬‬
‫أما نشيد المرء بمفرده فل بأس‪ ،‬حتى ذكر العلماء أن المرء ليترنم ببيت أو ببيتين من‬
‫الشعر وترنم بها فهذا ل بأس به‪ ،‬يعني لو كان وحده وكان قليل‪ ،‬يعني أراد أن يرفع صوته‬

‫للشيخ العلمة صالح بن عبد العزيز آل الشيخ‬

‫‪113‬‬

‫أو ت ُرَِيه أنوارا أو تحضر عنده من يطلبه‪ ،‬ويكون ذلك من الشياطين يتصورون‬
‫بصورة صاحبه‪ ،‬فإذا قرأ آية الكرسي مرة بعد مرة ذهب ذلك كله‪ .‬وأعرف من‬
‫يخاطبه مخاطب ويقول له أنا من أمر الله ويعده بأنه المهدي الذي ب ّ‬
‫شر به‬
‫النبي ‪ ،‬ويظهر له الخوارق مثل أن يخطر بقلبه تصرف في الطير والجراد في‬
‫الهواء‪ ،‬فإذا خطر بقلبه ذهاب الطير أو الجراد يمينا أو شمال ذهب حيث أراد‬
‫وإذا خطر بقلبه قيام بعض المواشي أو نومه أو ذهابه حصل له ما أراد من غير‬
‫حركة منه في الظاهر‪ ،‬وتحمله إلى مكة وتأتي به‪ ،‬وتأتيه بأشخاص في صورة‬
‫جميلة وتقول له هذه الملئكة الكروبيون أرادوا زيارتك‪ ،‬فيقول في نفسه كيف‬
‫تصوروا بصورة المردان فيرفع رأسه فيجدهم بلحى‪ ،‬ويقول له علمة أّنك أنت‬
‫بشيء فهذا ل بأس به‪ ،‬يعني أنه ليس بمنكر لن النفس قد ‪-‬كما عللوا‪ -‬قد تحتاج‪ ،‬بحث هذا‬
‫سفاريني في شرح منظومة الداب‪ ،‬وبما هو معروف في محله‪ .‬المقصود أن إنشاد‬
‫ال ّ‬
‫المنشد وحده بقصيدة في محل ل بأس به‪ ،‬إذا كان وحده ينشد قصيدة لكن ل يستعاض‬
‫عنها أو يكون سماعا مقصودا يعني يرقق القلوب بها وُتكرر ويصبح ترقيق القلوب بمثل هذه‬
‫القصائد التي تتكرر‪ ،‬هذه كلها من جنس سماع الصوفية وقد تفضي إليها‪ ,‬سماع المؤمن هو‬
‫القرآن‪ ،‬لهذا تجد أن الذين انفتحوا على هذه الشياء ما يستلذون القرآن‪ ،‬ومن استلذ‬
‫القرآن وأذن له وسمعه وتله أو حفظه هو وقام به فإنه ل يأنس لتلك الشياء؛ لن الله جل‬
‫ه َ‬
‫ل َ‬
‫ل نَ ْ‬
‫وعل قذف بالحق على الباطل﴿ب َ ْ‬
‫فإ ِ َ‬
‫و‬
‫م ُ‬
‫ق َ‬
‫ذا ُ‬
‫ذ ُ‬
‫ق ِ‬
‫ف ِبال ْ َ‬
‫غ ُ‬
‫في َدْ َ‬
‫ح ّ‬
‫ه َ‬
‫عَلى ال َْباطِ ِ‬
‫ق﴾]النبياء‪.[18:‬‬
‫َزا ِ‬
‫ه ٌ‬
‫ُ‬
‫ن يقال‬
‫سن قراءتي بالقرآن لجل أ ْ‬
‫♦ ‪...‬الرياء هذا بحسب النفس؛ يعني مثل قد أح ّ‬
‫ن يتأثر‬
‫سن قراءتي بالقرآن وأتباكى أو أبكي لجل أ ْ‬
‫قراءته جيدة هذا رياء‪ ،‬وقد أح ّ‬
‫السامع هذا مشروع »إقرأوا القرأن وابكوا فإن لم تبكوا فتباكوا«‪» ،‬زينوا‬
‫القرآن بأصواتكم« النية هي المدار‪ ،‬وأبوموسى الشعري رضي الله عنه يريد أن‬
‫تكون قراءته أعظم تأثيرا للنبي عليه الصلة والسلم؛ لنه إذا كان حدث للنبي عليه‬
‫الصلة والسلم خشوع وتعظيم وعبادة حين سماعه لبي موسى فله هو أجره فهو يريد‬
‫هذا الجر العظيم الذي حصل بسببه لفضل الخلق عليه الصلة والسلم‪].‬انتهى الشريط‬
‫الثامن[‬
‫♦ ‪...‬كلمنا في أي القسمين؟ كلمنا فيمن اتخذ السماع عبادة‪ ،‬أما الذي يسمع للهو؛‬
‫يسمع المعازف لغير العبادة فهذا ليس الكلم فيه‪ ،‬نحن تكلمنا فيمن سمع للتعّبد‪،‬‬
‫المعازف معروف الكلم عليها والغناء يعني تصحبه معازف وألحان‪.‬‬
‫سكر مثل ما ذكر شيخ السلم أن الغناء يحدث سكرا‪ ،‬السكر يحصل بثلثة أشياء‪ :‬بالهوى‬
‫وبالغناء أو بالخمرة‪ ،‬الهوى يعني هوى الرجل للصور للمرأة وبالخمر وبالغناء فإذا اجتمعت‬
‫الثلث سكر العياذ بالله من جميع الجهات؛ سكر عقله وسكر بدنه إلى آخره‪ ،‬فإذا لم يكن‬
‫خمر يكن سكر‪ ،‬الهوى يسكر بمعنى أنه يغطي العقل عن الصواب يعني يكون خمرا للعقل‬
‫يغطي العقل عن إدراك الصواب‪ ،‬كذلك الغناء من استبانه وألف له –الغناء المحرم؛‬
‫المعازف المحرمة والغناء المحرم‪-‬فيحدث لصاحبه السكر والعياذ بالله‪ ،‬فهذه أنواع السكر‬
‫إذا اجتمعت طغى السكر على صاحبه؛ يعني صار في أقبح أنواع السكر والعياذ بالله‪.‬‬
‫♦ ‪ ...‬مثل ما قال الصوفية وهذا كلم الصوفية‪ ،‬التغبير أو ما حدث لجل الترقيقأول ما‬
‫حدثت عندنا يعني في بيتنا؛ أذكر أنه أول أناشيد جاءت يمكن في حدود عام ‪96‬هجري أو‬
‫دف يعني‬
‫دف كان فيه تسجيلت في البطحة في ‪ ...‬بال ّ‬
‫‪ 97‬أذكرها وكانت تباع بالسر وال ّ‬
‫الناس‪ ...‬يكفي أنها منكرة هم عارفين أنها منكرة‪ ،‬ثم بعد ذلك أصبحت تمارس في بعض‬
‫المعاهد في الندية الصيفية حتى ألفها الناس‪ ،‬أول ما جاءت الناشيد السورية ل أدري‬
‫ن جاءت أشياء معها طبل ل أدري إيش‪ ،‬وتوسعوا‬
‫موجودة الن أو ل؟ كان معا طبل‪ ،‬ب َعْ ِ‬
‫دي ْ‬
‫فيه إلى أن صارت أناشيد متنوعة يعني أغاني متنوعة بعضها خليط وبعضها محلي وبعضها‬
‫كذا‪ ،‬والله المستعان‪.‬‬

‫‪114‬‬

‫التعليقات الحسان على كتاب الفرقان‬

‫المهدي أنك تنبت في جسدك شامة فتنبت ويراها‪ ،‬وغير ذلك‪ ،‬وكّله من مكر‬
‫الشيطان‪.‬‬
‫وهذا باب واسع لو ذكرت ما أعرفه منه لحتاج إلى مجلد كبير‪ ،‬وقد قال تعالى‬
‫َ‬
‫فأ َما اْلنسان إذا ما ابت ََله ربه َ َ‬
‫في َ ُ‬
‫ه َ‬
‫قو ُ‬
‫مِني)‬
‫ِ َ ُ‬
‫ون َ ّ‬
‫ْ‬
‫ل َرّبي أك َْر َ‬
‫م ُ‬
‫ع َ‬
‫م ُ‬
‫فأك َْر َ‬
‫ُ َ ّ ُ‬
‫َ‬
‫﴿ َ ّ‬
‫ه َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫في َ ُ‬
‫ه َ‬
‫رْز َ‬
‫ف َ‬
‫ما اب ْت ََلهُ َ‬
‫قو ُ‬
‫ن﴾]الفجر‪ [16-15:‬قال‬
‫قدََر َ‬
‫ل َرّبي أ َ‬
‫عل َي ْ ِ‬
‫ق ُ‬
‫ما إذا َ‬
‫وأ ّ‬
‫‪َ (15‬‬
‫ه ِ‬
‫هان َ ِ‬
‫الله تبارك وتعالى ﴿ك َل ّ﴾]الفجر‪ [17:‬ولفظ )ك َل ّ( فيها زجر وتنبيه؛ زجر عن مثل هذا‬
‫القول‪ ،‬وتنبيه على ما يخبر به ويأمر به بعده‪ ،‬وذلك أنه ليس كل من حصل له‬
‫در عليه‬
‫نعم دنيوية تعد كرامة يكون الله عز وجل مكرما له بها‪ ،‬ول كل من ق ّ‬
‫ذلك يكون مهينا له بذلك‪ ،‬بل هو سبحانه يبتلي عبده بالسراء والضراء‪ ،‬فقد‬
‫م عنده ليستدرجه بذلك‪ ،‬وقد يحمي‬
‫يعطي النعم الدنيوية لمن ل يحبه ول هو كري ٌ‬
‫منها من يحبه ويواليه لئل تنقص بذلك مرتبته عنده أو يقع بسببها فيما يكرهه‬
‫منه‪.‬‬
‫وأيضا كرامات الولياء‪ ،‬لبد أن يكون سببها اليمان والتقوى‪ ،‬فما كان سببه‬
‫الكفر والفسوق والعصيان فهو من خوارق أعداء الله‪ ،‬ل من كرامات أولياء الله‪،‬‬
‫فمن كانت خوارقه ل تحصل بالصلة والقراءة والذكر وقيام الليل والدعاء‪ ،‬وإنما‬
‫تحصل عند الشرك مثل دعاء الميت والغائب‪ ،‬أو بالفسق والعصيان وأكل‬
‫المحرمات كالحيات والزنابير والخنافس والدم وغيره من النجاسات‪ ،‬ومثل‬
‫الغناء والرقص ل سيما مع النسوة الجانب والمردان‪ ،‬وحالة خوارقه تنقص عند‬
‫سماع القرآن وتقوى عند سماع مزامير الشيطان فيرقص ليل طويل فإذا جاءت‬
‫الصلة صلى قاعدا أو ينقر الصلة نقر الديك‪ ،‬وهو يبغض سماع القرآن وينفر‬
‫عنه ويتكلفه‪ ،‬ليس له فيه محبة ول ذوق ول لذة عند وجده‪ ،‬ويحب سماع المكاء‬
‫والتصدية‪ ،‬ويجد عنده مواجيد‪ ،‬فهذه أحوال شيطانية‪ ،‬وهو ممن يتناوله قوله‬
‫شي ْ َ‬
‫طاًنا َ‬
‫ن نُ َ‬
‫ه َ‬
‫ه‬
‫ش َ‬
‫ر الّر ْ‬
‫ن يَ ْ‬
‫ف ُ‬
‫ع ْ‬
‫م ْ‬
‫و لَ ُ‬
‫ض لَ ُ‬
‫ح َ‬
‫و َ‬
‫قي ّ ْ‬
‫ع ُ‬
‫ه َ‬
‫تعالى ﴿ َ‬
‫ن ِذك ْ ِ‬
‫م ِ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ن‬
‫ض َ‬
‫نأ ْ‬
‫ع ْ‬
‫م ْ‬
‫ري ٌ‬
‫و َ‬
‫عَر َ‬
‫ن﴾]الزخرف‪ ،[36:‬فالقرآن هو ذكر الرحمن‪ ،‬قال الله تعالى ﴿ َ‬
‫ق ِ‬
‫ضن ً‬
‫ِذك ْ‬
‫مى)‪َ (124‬‬
‫ري َ‬
‫قا َ‬
‫ح ُ‬
‫عي َ‬
‫م‬
‫ة أَ ْ‬
‫ش ً‬
‫م ال ْ ِ‬
‫م ِ‬
‫ة َ‬
‫م ِ‬
‫فإ ِ ّ‬
‫ل َر ّ‬
‫ون َ ْ‬
‫و َ‬
‫ب لِ َ‬
‫ع َ‬
‫قَيا َ‬
‫ه َ‬
‫ن لَ ُ‬
‫شُرهُ ي َ ْ‬
‫كا َ‬
‫ِ‬
‫قد ْ ُ‬
‫ك أ َت َت ْ َ‬
‫ل ك َذَل ِ َ‬
‫ك آَيات َُنا َ‬
‫صيًرا)‪َ (125‬‬
‫و َ‬
‫قا َ‬
‫ح َ‬
‫ها‬
‫شْرت َِني أ َ ْ‬
‫فن َ ِ‬
‫ت بَ ِ‬
‫َ‬
‫كن ُ‬
‫سيت َ َ‬
‫ع َ‬
‫مى َ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫وكذَل ِ َ‬
‫ت العمل بها‪ ،‬قال ابن عباس رضي‬
‫و َ‬
‫م ُتن َ‬
‫سى﴾]طه‪ [126-124:‬يعني ترك َ‬
‫ك الي َ ْ‬
‫َ‬

‫فل الله لمن قرأ كتابه وعمل بما فيه أن ل يضل في الدينا ول‬
‫الله عنهما تك ّ‬
‫يشقى في الخرة‪ ،‬ثم قرأ هذه الية‪.‬‬
‫فصـــــل‬

‫قد ُيحتاج إليها للصغير –صغير السن دون التكليف‪ ، -‬قد ُيحتاج إليها في شخص إنتقل‬
‫من الغناء‪ ،‬يعني هذه الحالت تقدر بقدرها‪ ،‬يعني يقدرها العالم أو المفتي أو المربي‬
‫بقدرها على حدودها‪ ،‬لكن أنها تكون منهج أو أن تكون عادي ما فيها شيء‪ ،‬الصل فيها‬
‫أنها منكرة‪ ،‬الجتماع عليها منكر‪.‬‬
‫مثل ما قلت لك أنا هذا الضابط الذي قلت لك ما فيه مانع‪ ،‬كان العلماء يتعاطون بعض‬
‫الشعار التي يقرأها أحدهم في مثل هذا ‪ ...‬مع الترنم بها ‪ ،‬يعني فيه سماع له‪ ..... ،‬ما‬
‫يكون المقصود سماع تلذذ‪ ،‬سماع تعبد‪ ،‬ما يكون سماع تلذذ ول تعبد‪ ،‬يكون سماع فائدة ل‬
‫بأس‪ ،‬سماع الفائدة مطلوب‪ ،‬لكن سماع التلذذ للحن هذا ما يصلح‪ ،‬إذا كان سماع تلذذ‬
‫للحن ل يصلح ؛ للحن‪ ،‬أما إذا كان فائدة يسمعها للفائدة هذا من جنس ما ُيقرأ من‬
‫الشياء‪.‬‬

‫للشيخ العلمة صالح بن عبد العزيز آل الشيخ‬

‫‪115‬‬

‫ومما يجب أن ُيعلم أن الله بعث محمدا ‪ ‬إلى جميع النس والجن‪ ،‬فلم يبق‬
‫إنسي ول جني إل ّ وجب عليه اليمان بمحمد ‪ ‬واتباعه‪ ،‬فعليه أن يصدقه فيما‬
‫أخبر‪ ،‬ويطيعه فيما أمر‪ ،‬ومن قامت عليه الحجة برسالته فلم يؤمن به فهو كافر‪،‬‬
‫سواء كان إنسيا أو جنيا‬
‫ومحمد ‪ ‬مبعوث إلى الثقلين بإتفاق المسلمين‪ ،‬وقد استمعت الجن القرآن‬
‫وولوا إلى قومهم منذرين‪ ،‬لما كان النبي ‪ ‬يصلي بأصحابه ببطن نخلة‪ ،‬لما رجع‬
‫فَنا إ ِل َي ْ َ‬
‫ك نَ َ‬
‫صَر ْ‬
‫ن‬
‫فًرا ِ‬
‫م ْ‬
‫من الطائف وأخبره الله بذلك في القرآن بقوله ﴿وَإ ِذْ َ‬
‫َ‬
‫ما ُ‬
‫صُتوا َ‬
‫ضُروهُ َ‬
‫ن َ‬
‫ن ال ْ ُ‬
‫وا إلى‬
‫ح َ‬
‫ق ِ‬
‫قاُلوا أن ْ ِ‬
‫ست َ ِ‬
‫قْرآ َ‬
‫عو َ‬
‫ما َ‬
‫م ُ‬
‫ن يَ ْ‬
‫ج ّ‬
‫فل َ ّ‬
‫فل َ ّ‬
‫ال ْ ِ‬
‫ول ّ ْ‬
‫ي َ‬
‫ض َ‬
‫ُ‬
‫قاُلوا َيا َ‬
‫ن)‪َ (29‬‬
‫َ‬
‫ز َ‬
‫سى‬
‫ع ِ‬
‫ل ِ‬
‫س ِ‬
‫من ْ ِ‬
‫و ِ‬
‫ن بَ ْ‬
‫م ْ‬
‫مو َ‬
‫مَنا إ ِّنا َ‬
‫م ْ‬
‫ري َ‬
‫د ُ‬
‫و َ‬
‫م ُ‬
‫ه ْ‬
‫ق ْ‬
‫ق ْ‬
‫عَنا ك َِتاًبا أن ْ ِ‬
‫ذ ِ‬
‫م ِ‬
‫م)‪َ(30‬يا َ‬
‫صد ّ ً‬
‫مَنا‬
‫ست َ ِ‬
‫ه ِ‬
‫ن ي َدَي ْ ِ‬
‫دي إلى ال ْ َ‬
‫م ْ‬
‫ه يَ ْ‬
‫ما ب َي ْ َ‬
‫و َ‬
‫ق ُ‬
‫ح ّ‬
‫قا ل ِ َ‬
‫ُ‬
‫م َ‬
‫ق ْ‬
‫ق َ‬
‫وإ َِلى طَ ِ‬
‫قي ٍ‬
‫ري ٍ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫ُ‬
‫ُ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫ب‬
‫ذا‬
‫ع‬
‫ن‬
‫م‬
‫م‬
‫ك‬
‫ر‬
‫ج‬
‫ي‬
‫و‬
‫م‬
‫ك‬
‫ب‬
‫نو‬
‫ذ‬
‫ن‬
‫م‬
‫م‬
‫ك‬
‫ل‬
‫ر‬
‫ف‬
‫غ‬
‫ي‬
‫ه‬
‫ب‬
‫نوا‬
‫م‬
‫وآ‬
‫ه‬
‫ل‬
‫ال‬
‫عي‬
‫دا‬
‫بوا‬
‫جي‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ِ َ ِ ُ‬
‫ِ ِ َ‬
‫َ‬
‫أ ِ ُ‬
‫ْ ِ ْ ُ ِ ْ َ ُ ِ ْ ْ ِ ْ‬
‫ٍ‬
‫ْ‬
‫ْ َ‬
‫ه َ‬
‫ن‬
‫أ َِلي‬
‫ز ِ‬
‫دا ِ‬
‫ه ِ‬
‫عي الل ّ ِ‬
‫م ْ‬
‫ب َ‬
‫ج ْ‬
‫م ْ‬
‫م ْ‬
‫س لَ ُ‬
‫س بِ ُ‬
‫و َ‬
‫ول َي ْ َ‬
‫فل َي ْ َ‬
‫ع ِ‬
‫ن َل ي ُ ِ‬
‫ض َ‬
‫م)‪َ (31‬‬
‫ج ٍ‬
‫في الْر ِ‬
‫ٍ‬
‫ُ‬
‫دون ِ َ‬
‫ول َئ ِ َ‬
‫ن﴾]الحقاف‪ ،[32-29:‬وأنزل الله تعالى بعد ذلك‬
‫ك ِ‬
‫في َ‬
‫ِ‬
‫ُ‬
‫ل ُ‬
‫ضَل ٍ‬
‫ه أول َِياءُ أ ْ‬
‫مِبي ٍ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫ُ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫عَنا ُ‬
‫ف َ‬
‫ن َ‬
‫ع نَ َ‬
‫﴿ ُ‬
‫ق ْ‬
‫جًبا)‬
‫قْرآًنا َ‬
‫ل أو ِ‬
‫س ِ‬
‫فٌر ِ‬
‫ع َ‬
‫م ْ‬
‫م َ‬
‫قالوا إ ِّنا َ‬
‫ها ْ‬
‫ج ّ‬
‫م ْ‬
‫ست َ َ‬
‫ي أن ّ ُ‬
‫ن ال ِ‬
‫ي إ ِل ّ‬
‫ح َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ر َ‬
‫د َ‬
‫ن نُ ْ‬
‫دي إلى الّر ْ‬
‫جدّ َرب َّنا‬
‫مّنا ب ِ ِ‬
‫ش ِ‬
‫ه ِ‬
‫عاَلى َ‬
‫ه تَ َ‬
‫ح ً‬
‫ك ب َِرب َّنا أ َ‬
‫‪(1‬ي َ ْ‬
‫ول َ ْ‬
‫وأن ّ ُ‬
‫فآ َ‬
‫دا)‪َ (2‬‬
‫ه َ‬
‫ش ِ‬
‫َ‬
‫شطَ ً‬
‫ه َ‬
‫ن يَ ُ‬
‫ه َ‬
‫قو ُ‬
‫طا)‬
‫ما ات ّ َ‬
‫هَنا َ‬
‫حب َ ً‬
‫س ِ‬
‫صا ِ‬
‫عَلى الل ّ ِ‬
‫كا َ‬
‫ول َ ً‬
‫في ُ‬
‫ل َ‬
‫وأن ّ ُ‬
‫َ‬
‫خذ َ َ‬
‫دا)‪َ (3‬‬
‫وَل َ‬
‫ة َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ن تَ ُ‬
‫جا ٌ‬
‫قو َ‬
‫ل‬
‫ن َ‬
‫هك ِ‬
‫على الل ِ‬
‫ه كا َ‬
‫وأّنا ظن َّنا أ ْ‬
‫ر َ‬
‫ج ّ‬
‫نل ْ‬
‫وأن ّ ُ‬
‫لن ُ‬
‫وال ِ‬
‫ذًبا)‪َ (5‬‬
‫س َ‬
‫‪َ (4‬‬
‫ن ِ‬
‫لا ِ‬
‫ه ً‬
‫ن َ‬
‫عو ُ‬
‫قا﴾]الجن‪ [6-1:‬أي السفيه‬
‫م َر َ‬
‫دو ُ‬
‫ل ِ‬
‫ِ‬
‫ذو َ‬
‫فَزا ُ‬
‫ر َ‬
‫س يَ ُ‬
‫ج ّ‬
‫م ْ‬
‫م ْ‬
‫ه ْ‬
‫ن ال ْ ِ‬
‫جا ٍ‬
‫ن بِ ِ‬
‫نا ِْ‬
‫لن ِ‬

‫منا في أظهر قولي العلماء‪ ،‬وقال غير واحد من السلف كان الرجل من النس‬
‫إذا نزل بالوادي قال‪ :‬أعوذ بعظيم هذا الوادي من شر سفهاء قومه‪ .‬فلما‬
‫استغاثت النس بالجن ازدادت الجن طغيانا وكفرا‪ ،‬كما قال تعالى ﴿ َ‬
‫ه َ‬
‫ن‬
‫كا َ‬
‫وأن ّ ُ‬
‫َ‬

‫قا)‪َ (6‬‬
‫نا ْ‬
‫ه ً‬
‫ن َ‬
‫جا ٌ‬
‫عو ُ‬
‫م ظَّنوا‬
‫لن‬
‫م َر َ‬
‫دو ُ‬
‫ل ِ‬
‫ل ِ‬
‫ذو َ‬
‫فَزا ُ‬
‫ر َ‬
‫س يَ ُ‬
‫ر َ‬
‫وأن ّ ُ‬
‫ج ّ‬
‫م ْ‬
‫م ْ‬
‫ه ْ‬
‫ه ْ‬
‫ن ال ْ ِ‬
‫ن بِ‬
‫َ‬
‫جا ٍ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ت‬
‫ئ‬
‫ل‬
‫م‬
‫ها‬
‫نا‬
‫د‬
‫ج‬
‫و‬
‫ف‬
‫ء‬
‫ما‬
‫س‬
‫ال‬
‫نا‬
‫س‬
‫م‬
‫ل‬
‫نا‬
‫أ‬
‫و‬
‫(‬
‫‪7‬‬
‫دا)‬
‫ح‬
‫أ‬
‫ه‬
‫ل‬
‫ال‬
‫ث‬
‫َ‬
‫ع‬
‫ب‬
‫ي‬
‫ن‬
‫ل‬
‫ن‬
‫أ‬
‫م‬
‫ت‬
‫نن‬
‫ظ‬
‫ما‬
‫ك‬
‫ّ َ َ‬
‫َ ْ َ‬
‫َ ّ‬
‫ْ‬
‫ُ َ ً‬
‫ْ َ ْ َ‬
‫َ َ ْ َ َ ُ ِ ْ‬
‫َ ُ ْ‬
‫َ‬
‫و ُ‬
‫سا َ‬
‫هًبا﴾]الجن‪ ،[8-6:‬وكانت الشياطين ُترمى بالشهب قبل أن ينزل‬
‫ش ِ‬
‫دي ً‬
‫َ‬
‫ش ُ‬
‫حَر ً‬
‫دا َ‬

‫القرآن‪ ،‬لكن كانوا أحيانا يسترقون السمع قبل أن يصل الشهاب إلى أحدهم‬
‫فلما بعث محمد ‪ ‬ملئت السماء حرسا شديدا وشهبا‪ ،‬وصارت الشهب مرصدة‬
‫ع َ‬
‫م َ‬
‫وأ َّنا ك ُّنا ن َ ْ‬
‫ن‬
‫قا ِ‬
‫عد ُ ِ‬
‫ق ُ‬
‫عدَ ِلل ّ‬
‫من ْ َ‬
‫م ْ‬
‫ف َ‬
‫س ْ‬
‫ها َ‬
‫لهم قبل أن يسمعوا كما قالوا ﴿ َ‬
‫م ِ‬
‫ما‬
‫ه ِ‬
‫ست َ ِ‬
‫ع اْل َ‬
‫ص ً‬
‫م ْ‬
‫ش َ‬
‫يَ ْ‬
‫و َ‬
‫جد ْ ل َ ُ‬
‫هاًبا َر َ‬
‫ن يَ ِ‬
‫دا﴾]الجن‪ [9:‬وقال تعالى في الية الخرى ﴿ َ‬

‫ه ال ّ‬
‫ن‬
‫م َ‬
‫ما ي َن ْب َ ِ‬
‫ست َ ِ‬
‫شَيا ِ‬
‫ت بِ ِ‬
‫عو َ‬
‫طي ُ‬
‫ت َن َّزل َ ْ‬
‫ن)‪(211‬إ ِن ّ ُ‬
‫ما ي َ ْ‬
‫غي ل َ ُ‬
‫ع ْ‬
‫طي ُ‬
‫ه ْ‬
‫و َ‬
‫ه ْ‬
‫و َ‬
‫م َ‬
‫ن)‪َ (210‬‬
‫ُ‬
‫السمع ل َمعزوُلون﴾]الشعراء‪ [212-210:‬قالوا ﴿ َ‬
‫ري أ َ َ‬
‫في‬
‫ن ِ‬
‫َ‬
‫ّ ْ ِ َ ْ ُ‬
‫م ْ‬
‫ريدَ ب ِ َ‬
‫َ‬
‫شّر أ ِ‬
‫وأّنا َل ن َدْ ِ‬
‫َ‬
‫اْل َرض أ َ َ‬
‫ن ذَل ِ َ‬
‫م َر َ‬
‫ك ك ُّنا‬
‫و ِ‬
‫وأّنا ِ‬
‫دو َ‬
‫حو َ‬
‫مّنا ُ‬
‫صال ِ ُ‬
‫ش ً‬
‫ْ ِ ْ‬
‫م َرب ّ ُ‬
‫ه ْ‬
‫ه ْ‬
‫مّنا ال ّ‬
‫ن َ‬
‫دا)‪َ (10‬‬
‫م أَرادَ ب ِ ِ‬
‫قدًَدا﴾]الجن‪ [11-10:‬أي على مذاهب شتى كما قال العلماء منهم المسلم‬
‫ق ِ‬
‫طََرائ ِ َ‬
‫َ‬
‫والمشرك والنصراني والسني والبدعي ﴿ َ‬
‫في‬
‫ه ِ‬
‫وأّنا ظَن َّنا أ ْ‬
‫ن لَ ْ‬
‫جَز الل ّ َ‬
‫ن ُنع ِ‬
‫َ‬
‫ْ َ‬
‫هَرًبا﴾]الجن‪ ،[12:‬أخبروا أنهم ل يعجزونه ل إن اقاموا في‬
‫جَزهُ َ‬
‫ن نُ ْ‬
‫ول َ ْ‬
‫ع ِ‬
‫ض َ‬
‫الْر ِ‬
‫الرض ول إن هربوا منه ﴿ َ‬
‫ه َ‬
‫ه َ‬
‫ن يُ ْ‬
‫فَل‬
‫ن ب َِرب ّ ِ‬
‫ؤ ِ‬
‫مّنا ب ِ ِ‬
‫س ِ‬
‫ه َ‬
‫م ْ‬
‫عَنا ال ْ ُ‬
‫ما َ‬
‫م ْ‬
‫م ْ‬
‫ف َ‬
‫دى آ َ‬
‫وأّنا ل َ ّ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫ْ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫ه ً‬
‫ن﴾]الجن‪[14-13:‬‬
‫طو‬
‫س‬
‫قا‬
‫ل‬
‫ا‬
‫نا‬
‫م‬
‫و‬
‫ن‬
‫مو‬
‫ل‬
‫س‬
‫م‬
‫ل‬
‫ا‬
‫نا‬
‫م‬
‫نا‬
‫أ‬
‫و‬
‫(‬
‫‪13‬‬
‫قا)‬
‫ف بَ ْ‬
‫يَ َ‬
‫وَل َر َ‬
‫خا ُ‬
‫ُ ْ ِ ُ َ َ ِ ّ‬
‫َ ّ ِ ّ‬
‫ِ‬
‫َ‬
‫خ ً‬
‫سا َ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫ول َئ ِ َ‬
‫م َ‬
‫أي الظالمون يقال أقسط إذا عدل‪ ،‬وقسط إذا جار وظلم ﴿ َ‬
‫ك‬
‫نأ ْ‬
‫م ْ‬
‫سل َ َ‬
‫ف َ‬
‫فأ ْ‬
‫َ‬
‫شدا)‪َ (14‬‬
‫س ُ‬
‫ف َ‬
‫ست َ َ‬
‫ن َ‬
‫ما ال ْ َ‬
‫موا‬
‫قا ِ‬
‫طو َ‬
‫م َ‬
‫كاُنوا ل ِ َ‬
‫وا َر َ ً‬
‫تَ َ‬
‫وا ْ‬
‫ج َ‬
‫قا ُ‬
‫هن ّ َ‬
‫وأ ّ‬
‫وأل ّ ْ‬
‫حطًَبا)‪َ (15‬‬
‫َ‬
‫حّر ْ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫قا)‪(16‬ل ِن َ ْ‬
‫ماءً غدَ ً‬
‫س َ‬
‫ري َ‬
‫ن‬
‫ض َ‬
‫َ‬
‫م ِ‬
‫قي َْنا ُ‬
‫في ِ‬
‫ق ِ‬
‫ن يُ ْ‬
‫فت ِن َ ُ‬
‫ةل ْ‬
‫ع ْ‬
‫م ْ‬
‫و َ‬
‫ه ْ‬
‫م َ‬
‫ه ْ‬
‫ر ْ‬
‫ه َ‬
‫ع ِ‬
‫على الط ِ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫ْ‬
‫ُ‬
‫ه َ‬
‫ع َ‬
‫دا)‬
‫فل ت َدْ ُ‬
‫ه َ‬
‫ع الل ِ‬
‫جدَ ل ِل ِ‬
‫ر َرب ّ ِ‬
‫وأ ّ‬
‫ح ً‬
‫هأ َ‬
‫م َ‬
‫ع ً‬
‫ص َ‬
‫م َ‬
‫ه يَ ْ‬
‫عوا َ‬
‫ن ال َ‬
‫سلك ْ ُ‬
‫ذاًبا َ‬
‫سا ِ‬
‫دا)‪َ (17‬‬
‫ِذك ْ ِ‬
‫َ‬
‫دوا ي َ ُ‬
‫عوهُ َ‬
‫دا)‪ُ (19‬‬
‫ما َ‬
‫ق ْ‬
‫ما‬
‫ن َ‬
‫ه ي َدْ ُ‬
‫م َ‬
‫عل َي ْ ِ‬
‫عب ْدُ الل ّ ِ‬
‫كوُنو َ‬
‫ه ل ِب َ ً‬
‫كا ُ‬
‫قا َ‬
‫ل إ ِن ّ َ‬
‫ه لَ ّ‬
‫وأن ّ ُ‬
‫‪َ (18‬‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫ُ‬
‫ُ‬
‫دا)‪ُ (20‬‬
‫ول َر َ‬
‫ق ْ‬
‫ول أ ْ‬
‫دا)‬
‫أ َدْ ُ‬
‫م َ‬
‫رك ب ِ ِ‬
‫ش ً‬
‫ح ً‬
‫هأ َ‬
‫مل ِك لك ْ‬
‫ل إ ِّني ل أ ْ‬
‫ضّرا َ‬
‫عو َرّبي َ‬
‫ش ِ‬

‫‪116‬‬

‫التعليقات الحسان على كتاب الفرقان‬
‫َ‬
‫دا﴾]الجن‪[22-14:‬‬
‫دون ِ ِ‬
‫جد َ ِ‬
‫ح ً‬
‫مل ْت َ َ‬
‫ن ُ‬
‫م ْ‬
‫ه ُ‬
‫أ ِ‬

‫ل إّني ل َن يجيرِني من الل ّ َ‬
‫‪ُ (21‬‬
‫ن‬
‫ِ‬
‫هأ َ‬
‫ول َ ْ‬
‫ِ ْ‬
‫حد ٌ َ‬
‫ْ ُ ِ َ‬
‫ق ْ ِ‬
‫أي ملجأ ومعاذا ﴿إ ِّل ب ََل ً‬
‫ه َ‬
‫ن‬
‫و‬
‫ساَلت ِ ِ‬
‫ن الل ّ ِ‬
‫غا ِ‬
‫فإ ِ ّ‬
‫ن يَ ْ‬
‫وَر ُ‬
‫ر َ‬
‫م ْ‬
‫م ْ‬
‫سول َ ُ‬
‫ص الل ّ َ‬
‫و َ‬
‫ه َ‬
‫ه َ‬
‫ه َ‬
‫ِ‬
‫ع ِ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ن َ‬
‫ن‬
‫م َ‬
‫ما ُيو َ‬
‫ن ِ‬
‫خال ِ ِ‬
‫مو َ‬
‫دو َ‬
‫سي َ ْ‬
‫ع ُ‬
‫دا)‪َ (23‬‬
‫ها أب َ ً‬
‫ه َناَر َ‬
‫ف َ‬
‫في َ‬
‫ج َ‬
‫دي َ‬
‫عل َ ُ‬
‫وا َ‬
‫هن ّ َ‬
‫لَ ُ‬
‫حّتى إذا َرأ ْ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫وأ َ‬
‫ق ّ‬
‫عدًَدا﴾]الجن‪ ،[24-23:‬ثم لما سمعت الجن القرآن أتوا‬
‫ل َ‬
‫ع ُ‬
‫نأ ْ‬
‫ف َنا ِ‬
‫ض َ‬
‫م ْ‬
‫َ‬
‫صًرا َ‬

‫إلى النبي ‪ ‬وآمنوا به وهم جن نصيبين‪ ،‬كما ثبت ذلك في الصحيح من حديث‬
‫ابن مسعود وروى أنه قرأ عليهم سورة الرحمن وكان إذا قال ﴿ َ َ‬
‫ما‬
‫ي آَل ِ‬
‫ء َرب ّك ُ َ‬
‫فب ِأ ّ‬
‫ن﴾)‪ (100‬قالوا ول بشيء من آلئ ِ َ‬
‫ك ربنا نكذب‪ ،‬فلك الحمد‪ ،‬ولما اجتمعوا‬
‫ت ُك َذَّبا ِ‬
‫بالنبي ‪ ‬سألوه الزاد لهم ولدوابهم‪ ،‬فقال »لكم كل عظم ذكر اسم الله‬
‫عليه تجدونه أوفر ما يكون لحما‪ ،‬وكل بعرة علفا لدوابكم« قال النبي ‪‬‬
‫»فل تستنجوا بهما فإنهما زاد لخوانكم من الجن« وهذا النهي ثابت عنه‬
‫من وجوه متعددة‪ ،‬وبذلك احتج العلماء على النهي عن الستنجاء بذلك‪ ،‬وقالوا‬
‫فإذا منع من الستنجاء بما للجن ولدوابهم فما أعد للنس ولدوابهم من الطعام‬
‫والعلف أولى وأحرى‪ ،‬ومحمد ‪ ‬أرسل إلى جميع النس والجن وهذا أعظم‬
‫قدرا عند الله تعالى من كون الجن سخروا لسليمان عليه السلم‪ ،‬فإنهم سخروا‬
‫له يتصرف فيهم بحكم الملك‪ ،‬ومحمد ‪ ‬أرسل إليهم يأمرهم بما أمر الله به‬
‫ورسوله؛ لنه عبد الله ورسوله‪ ،‬ومنزلة العبد الرسول فوق منزلة النبي الملك‪.‬‬
‫وكفار الجن يدخلون النار بالنص والجماع‪ ،‬وأما مؤمنوهم فجمهورالعلماء على‬
‫أنهم يدخلون الجنة‪ ،‬وجمهور العلماء على أن الرسل من النس ولم يبعث من‬
‫الجن رسول‪ ،‬لكن منهم النذر‪ ،‬وهذه المسائل لبسطها موضع آخر‪.‬‬
‫والمقصود هنا ان الجن مع النس على أحوال‪:‬‬
‫‪ ‬فمن كان من النس يأمر الجن بما أمر الله به رسوله من عبادة الله وحده‬
‫وطاعة نبيه‪ ،‬ويأمر النس بذلك فهذا من أفضل أولياء الله تعالى‪ ،‬وهو في ذلك‬
‫من خلفاء الرسول ‪ ‬ونوابه‪.‬‬
‫‪] ‬ومن كان يستعمل الجن في أمور مباحة له فهو كمن استعمل النس في‬
‫حّرم عليهم‪،‬‬
‫أمور مباحة له‪ ،‬وهذا كأن يأمرهم بما يجب عليهم وينهاهم عما ُ‬
‫)‪(101‬‬
‫ويستعملهم في مباحات له‪ ،‬فيكون بمنزلة الملوك الذين يفعلون مثل ذلك‪[،‬‬
‫‪()100‬آية مكررة في سورة الرحمن ‪ 31‬مرة‪].‬المفرغ[‬

‫‪()101‬هذا إذا كان‪ ،‬إذا كان صحيحا يعني قد يأمرهم وينهاهم مثل ما حصل لسليمان عليه‬
‫السلم‪ ،‬كل مَلك يأمر وينهى‪ ،‬إذا كان‪ ،‬فهذا يكون بمنزلة الملوك مش بمنزلة المحتاج ما‬
‫يخرج عن هذا القسم‪ ،‬هو يأمرهم وينهاهم لنه كالملك عليهم‪ ،‬أوامر كثيرة يدخل ضمنها‬
‫المر الواجب‪ ،‬كذلك عندك في النسخة الثانية )إذا كان يأمرهم( يعني من كان استعملهم‬
‫في أمر مباح وهو مع هذا يأمرهم وينهاهم بما يجب عليهم فهو كالملك لن الملك يسعى‬
‫في صلح رعيته وهو يجمع ما بين الستفادة منهم في المور المباحة وأمرهم ونهيهم ما‬
‫يجب شرعا‪.‬‬
‫مل‪.‬‬
‫الحال الولى‪ :‬حال الك ُ ّ‬
‫الحال الثانية‪ :‬هذه موارد زلل‪.‬‬
‫♦ ‪ ....‬تعرف أصل أن استخدام النس والطلب منه‪ ،‬تعرف الصل فيه المنع‪ ،‬هذا يعني‬
‫رتب هذا على هذا‪ ،‬يعني أن الصل الترك ‪ ،‬يعني وإن عرض يعني عرض جني وقال‬
‫أخدمك‪ ،‬إن عرض جني وقال أنا أدلك على الطريق‪ ،‬مثل واحد ضاع في فلة‪ ،‬وقال أنا‬
‫أدلك على الطريق‪ ،‬أو أشباه ذلك فإن قال له دلني ‪ ،‬فل بأس‪ ،‬باعتبار أنه حاضر‬
‫يقدرويسمع‪ ،‬فإن تركه فهو مثل استخدام النس وقال له أنا لست محتاج لك‪ ،‬أنا ب َد ُ ْ‬
‫ل‬
‫الطريق بنفسي ‪ ،‬يعني المقصود في أصل المسألة‪ ،‬موش في الستعانة‪ ،‬يعني فيه‬
‫أناس يرفضون حتى الستفادة من النس على المور المباحة‪ ...‬خاصة الذين يسعون‬

‫للشيخ العلمة صالح بن عبد العزيز آل الشيخ‬

‫‪117‬‬

‫در أنه من أولياء الله تعالى‪ ،‬فغايته ان يكون في عموم أولياء الله‪،‬‬
‫وهذا إذا قُ ّ‬
‫مثل النبي الملك مع العبد الرسول؛ كسليمان ويوسف مع إبراهيم وموسى‬
‫وعيسى ومحمد صلوات الله وسلمه عليهم أجمعين‪.‬‬
‫‪ ‬ومن كان يستعمل الجن فيما ينهى الله عنه ورسوله إما في الشرك‪ ،‬وإما‬
‫في قتل معصوم الدم‪ ،‬أو في العدوان عليهم بغير القتل كتمريضه وإنسائه العلم‬
‫وغير ذلك من الظلم‪ ،‬وإما في فاحشة كجلب من يطلب منه الفاحشة‪ ،‬فهذا قد‬
‫استعان بهم على الثم والعدوان‪ ،‬ثم إن استعان بهم على الكفر فهو كافر‪ ،‬وإن‬
‫استعان بهم على المعاصي فهو عاص إما فاسق وإما مذنب‪ ،‬غير فاسق‪.‬‬
‫‪ ‬وإن لم يكن تام العلم بالشريعة فاستعان بهم فيما يظن أنه من الكرامات‬
‫مثل أن يستعين بهم على الحج‪ ،‬أو أن يطيروا به عند السماع البدعي‪ ،‬أو أن‬
‫يحملوه إلى عرفات ول يحج الحج الشرعي الذي أمره الله به ورسوله‪ ،‬وأن‬
‫يحملوه من مدينة إلى مدينة ونحو ذلك‪ ،‬فهذا مغرور قد مكروا به‪ ،‬وكثير من‬
‫هؤلء قد ل يعرف أن ذلك من الجن‪ ،‬بل قد سمع أن أولياء الله لهم كرامات‬
‫وخوارق للعادات‪ (102) ،‬وليس عنده من حقائق اليمان ومعرفة القرآن ما يفرق به‬
‫في الكمالت السلوكية‪.‬‬
‫♦ ‪...‬ما فيه شك‪ ،‬هو مثل استعمال النس ‪ ،‬استعمالك في أمور مباحة‪ ،‬يعلم النسي‬
‫أنها مباحة‪ ،‬هذا إذا جاءه الجني؛ عرض له ‪-‬مسلم أو غير مسلم‪ -‬ل بأس به‪ ،‬إذا كان المر‬
‫مشتبها عليه ما يدري فل بد أن يكون مسلما مثل استخدام النس لنه ل يأمن الجني‬
‫الكافر ول يشترط هنا؛ ل أعرف أن أهل العلم قالوا تسأله مسلم أو كافر‪ ،‬لكن إذا جاء‬
‫من جهة الكيد فيحذر الجني‪ ،‬إذا جاء من جهة قبول الخبر‪ :‬الجني خبره ضعيف ل يصدق‬
‫إل أن يكون على البرهان‪ ،‬مثل بعض الناس يجيءه الذين يقرؤون يجيء الجن ينطق‬
‫وت‪ ،‬خبر الجن أصله‬
‫يقول هذا فيه بلء أو يعلمه بعض الشياء وزوجته ما أدري أوش س ّ‬
‫ضعيف ما يصدق لن الجن هذا ل تعلم عدالته ول تعلم صدقه ول تعلم ديانته‪ ،‬كيف تأخذ‬
‫خبره وتنقله للنس؟ يحصل مشاكل يحصل مصائب وقطيعة بسبب نقل خبر الجني إلى‬
‫النس‪ ،‬يقول فيكم بلء مسويلكم كذا وكذا‪ ،‬أم الزوج فعلت فيك كذا وكذا من جهة‬
‫الجني‪ ،‬والجني خبره ضعيف ما يصدق فل يجوز نقله حتى تعلم عدالته‪ ،‬العلم بعدالة‬
‫الجني متعذرة‪ ،‬ولهذا قال أهل العلم في المصطلح ؛ مصطلح الحديث وحديث الجني‬
‫ضعيف؛ يعني إذا كان في السناد جني فالسناد ضعيف وفيه روايات كثيرة معروفة في‬
‫أسانيدها جن لكن هي ضعيفة‪.‬‬
‫‪()102‬هذا الفصل ذكر فيه شيخ السلم رحمه الله أحوال الجن من جهة التكليف ومن جهة‬
‫النبوة ومن جهة إستجابتهم نبينا محمد عليه الصلة والسلم وما أنزل الله جل وعل فيهم‬
‫ن طائفة من الذين‬
‫من قرآن ُيتلى‪ ،‬ومن جهة علقة النسي بالجني‪ ،‬وسبب هذا الفصل أ ّ‬
‫ولية يقولون نستخدم الجن فيما ينفعنا‪ ،‬وهذا كان كثير في أنه يكون للنسي ولي‬
‫يدعون ال َ‬
‫من الجن يساعده على أمور‪ ،‬والجن كما ذكر سابقا هم الذين يعينون أصحاب الخوارق؛ بل‬
‫ولية من أهل البدع والفجور والشركيات‪ ،‬يعينونهم على الخوارق‬
‫يعينون من ي ّ‬
‫دعون ال َ‬
‫ويفعلون بهم أشياء حتى يغووا الناس بهم‪ .‬فالمقصود من هذا الفصل هو أن علقة النس‬
‫بالجن مبّينة في الكتاب والسنة وأنها ليست متروكة لجتهاد الناس فيما يرون أنه ينفع‪،‬‬
‫فالنبي عليه الصلة والسلم مبعوث إلى الثقلين الجن والنس بعامة‪ ،‬وهذه البعثة معناها‬
‫ن التكليف الذي على النس تكليف على الجن‪ ،‬وأن الجن ليسوا‬
‫أنهم يؤمرون وينهون‪ ،‬وأ ّ‬
‫بخارجين على شريعة محمد عليه الصلة والسلم‪ ،‬فإذن ما يكون بدعة في حق النسي هو‬
‫بدعة في حق الجني‪ ،‬وما كان وسيلة إلى الشرك في حق النسي يكون وسيلة إلى الشرك‬
‫في حق الجني‪ ،‬وما كان شركا في حق النسي يكون شركا في حق الجني‪ ،‬لهذا كان‬
‫الساحر الذي يستخدم الجن كان كافرا لنه استعان بهم في أمور أشرك فيها وأولئك دعوه‬
‫ن‬
‫ما ي ُ َ‬
‫عل ّ َ‬
‫و َ‬
‫ما ِ‬
‫إلى الشرك فصاروا هم كفارا وصار الساحر أيضا كافرا‪ ،‬كما قال جل وعل ﴿ َ‬

‫‪118‬‬

‫التعليقات الحسان على كتاب الفرقان‬

‫بين الكرامات الرحمانية وبين التلبيسات الشيطانية‪ ،‬فيمكرون به بحسب‬
‫اعتقاده‪ ،‬فإن كان مشركا يعبد الكواكب والوثان أوهموه أنه ينتفع بتلك العبادة‬
‫ويكون قصده الستشفاع والتوسل ممن صور ذلك الصنم على صورته من ملك‪،‬‬
‫أو نبي‪ ،‬أو شيخ صالح‪ ،‬فيظن أنه يعبد ذلك النبي أوالصالح‪ ،‬وتكون عبادته في‬
‫م يَ ُ‬
‫قو ُ‬
‫ح ُ‬
‫ة‬
‫شُر ُ‬
‫مَلئ ِك َ ِ‬
‫ج ِ‬
‫مي ً‬
‫م َ‬
‫م يَ ْ‬
‫و َ‬
‫ل ل ِل ْ َ‬
‫عا ث ُ ّ‬
‫ه ْ‬
‫وي َ ْ‬
‫الحقيقة للشيطان‪ .‬قال الله تعالى ﴿ َ‬
‫قاُلوا سبحان َ َ َ‬
‫م َ‬
‫ن)‪َ (40‬‬
‫ه ُ‬
‫م بَ ْ‬
‫ل‬
‫ؤَل ِ‬
‫أَ َ‬
‫ول ِي َّنا ِ‬
‫دو َ‬
‫ن ُ‬
‫ُ ْ َ‬
‫عب ُ ُ‬
‫كاُنوا ي َ ْ‬
‫ك أن ْ َ‬
‫م ْ‬
‫ه ْ‬
‫ء إ ِّياك ُ ْ‬
‫ت َ‬
‫دون ِ ِ‬
‫َ‬
‫م ْ‬
‫ن﴾]سبإ‪ ،[41-40:‬ولهذا كان الذين‬
‫ن أ َك ْث َُر ُ‬
‫ؤ ِ‬
‫مُنو َ‬
‫دو َ‬
‫عب ُ ُ‬
‫كاُنوا ي َ ْ‬
‫ج ّ‬
‫م ُ‬
‫ه ْ‬
‫ه ْ‬
‫ن ال ْ ِ‬
‫م بِ ِ‬

‫يسجدون للشمس والقمر والكواكب يقصدون السجود لها فيقارنها الشيطان‬
‫عند سجودهم ليكون سجودهم له‪ ،‬ولهذا يتمثل الشيطان بصورة من يستغيث به‬
‫َ‬
‫فَل ت َك ْ ُ‬
‫ة َ‬
‫حّتى ي َ ُ‬
‫فْر﴾]البقرة‪ [102:‬ثبت عنه عليه الصلة‬
‫فت ْن َ ٌ‬
‫ن ِ‬
‫ح ٍ‬
‫ِ‬
‫ما ن َ ْ‬
‫د َ‬
‫نأ َ‬
‫ح ُ‬
‫م ْ‬
‫قوَل إ ِن ّ َ‬
‫ف« الصحيح أن هذا‬
‫ي‬
‫س‬
‫بال‬
‫ربة‬
‫ض‬
‫»‬
‫أو‬
‫«‬
‫ف‬
‫ي‬
‫س‬
‫بال‬
‫ربه‬
‫ض‬
‫ر‬
‫ح‬
‫سا‬
‫ال‬
‫د‬
‫ح‬
‫»‬
‫قال‬
‫أنه‬
‫والسلم‬
‫ّ ْ ِ‬
‫ّ ْ ِ‬
‫َ ّ‬
‫َ ْ‬
‫ّ ِ ِ َ ْ‬
‫حد ردة وليس حد تعزير أو حد قصاص؛ كما هو مبسوط في موضعه‪ .‬إذن فالجن مخاطبون‬
‫بمثل ما خوطب النس لهذا من الجن مسلمون ومنهم مشركون‪ ،‬من الجن يهود ونصارى‬
‫وسنة وبدعة إلى آخره‪ ،‬كما أن النس فيهم ذلك‪ ،‬إذا تبين هذا فللنسي مع الجني كما ذكر‬
‫أحوال‪:‬‬
‫‪ .1‬أكمل هذه الحوال أنه إذا علم النسي بالجني فإنه يكون فيه في مقام ورثة النبياء؛‬
‫أنه يأمره وينهاه؛ يأمره بطاعة الله وينهاه عن معصية الله‪ ،‬كما يحصل لبعض أهل العلم‬
‫إذا قرأوا على أحد وكلمهم الجني الذي يكون متلبسا بالنسي فإنه إذا نطق فإنهم‬
‫يعلمونه التوحيد وينهونه عن الشرك ويأمرونه بالحسان وينهونه عن التعدي والظلم‬
‫الذي منه دخول الجني في هذا النسي‪ ،‬فيأمرونه بما أمر به الله جل وعل به ورسوله‬
‫وينهونه عما نهى الله جل وعل ورسوله ‪ ،‬وهكذا كان عليه الصلة والسلم وورثة‬
‫النبياء يفعلون ذلك ل يطلبون منهم ول يسألونهم بل يأمرونهم وينهونهم ويتلون عليهم‬
‫القرآن والسنة إقامة للحجة عليهم وتعليما لهم وأمرا بالمعروف ونهيا عن المنكر كما‬
‫يفعل هذا مع النسي‪ ،‬سواء بسواء لنهم مكلفون‪.‬‬
‫‪ .2‬والحال الثانية أن النسي قد يحتاج إلى جني في أمر مباح‪ ،‬وهذا ل حرج أن يستخدم‬
‫ي إذا إحتاج إليه في أمر مباح؛ لكن هذا بشرط وهو أل ّ يكون هذا ديدنا له؛‬
‫ي الجن ّ‬
‫النس ّ‬
‫يعني يؤاخي قرينا من الجن أو إذا احتاج علما أو خيرا طلب من جني معين‪ ،‬بل‬
‫الستخدام الذي قاله هنا شيخ السلم )ومن كان يستخدم الجن في أمور مباحة(‬
‫يعني إذا عرض له الجتي استعمله في أمر مباح‪ ،‬أما أن يكون الجني مآخيا مستخدما‬
‫دائما هذه ليست بالحالة الجائزة؛ لن هذه تفضي إلى محرم والله جل وعل قال في‬
‫ض﴾]النعام‪ [128:‬ومعنى الستمتاع يعني‬
‫ع ُ‬
‫ضَنا ب ِب َ ْ‬
‫ع بَ ْ‬
‫مت َ َ‬
‫وصف النس والجن ﴿َرب َّنا ا ْ‬
‫ست َ ْ‬
‫ع ٍ‬
‫الديمومة؛ أن الجني يستمتع دائما بالنسي والنسي يستمتع دائما بالجني‪ ،‬كما يستمتع‬
‫الرجل بصديقه الدائم معه وكما يستمتع الرجل بنسائه وأهله إلى آخره بما يكون ملزما‬
‫له‪ ،‬إذا عرض له فإنه يخاطبه وقد يطلب منه أشياء ويستخدمه في أمر مباح‪ ،‬وهذا على‬
‫وجه القلة ل على وجه الديمومة‪ .‬يعني من عرض له جني فاستفاد منه في أمر مباح فل‬
‫يقال هذا خارج عن الشريعة‪ ،‬لكن من كان له جني يقول أنا أستخدم هذا الجني المعين‬
‫ت عليه دليل ل من الكتاب ول من السنة ولم يكن‬
‫دائما فهذا لشك أنه محرم؛ لنه لم يأ ِ‬
‫عليه فعل أهل العلم والسلف بل كانوا يفعلون بالجن كما كان عليه حال النبي عليه‬
‫الصلة والسلم وحال أصحابه من بعده‪.‬‬
‫المقصود من هذا أن قول شيخ السلم )ومن كان يستخدم الجن في أمور‬
‫مباحة فهو كمن استعمل النس في أمور مباحة( فهو كما استعمل الجن في‬
‫أمور مباحة؛ فالنسان يعرض له إنسي فيطلب منه شيء يسأله عن شيء يعرض له‬
‫يسأله عن شيء لكن ل يتخذه دائما على هذه الحال في سؤال الجني‪.‬‬
‫فإذن سؤال الجني دائما إما أن يقول أسأل قريني أو يقرأ على أحد وإذا تكلم سأله أو‬
‫يتخذ عنده شخص فيه جني ملبس له وكلما أراد أن يستعلم شيئا قرأ عليه حتى ينطق‬
‫الجني ثم بعد ذلك يسأله على أشياء‪ ،‬فإن هذا كله من وسائل البدع والمحدثات وفهو‬

‫للشيخ العلمة صالح بن عبد العزيز آل الشيخ‬

‫‪119‬‬

‫المشركون‪ ،‬فإن كان نصرانيا واستغاث بجرجس أو غيره جاء الشيطان في‬
‫صورة جرجس أو من يستغيث به‪ ،‬وإن كان منتسبا إلى السلم واستغاث بشيخ‬
‫يحسن الظن به من شيوخ المسلمين‪ ،‬جاء في صورة ذلك الشيخ‪ ،‬وإن كان من‬
‫مشركي الهند جاء في صورة من يعظمه ذلك المشرك‪ ،‬ثم إن الشيخ‬
‫المستغاث به إن كان ممن له خبرة بالشريعة لم يعرفه الشيطان أنه تمثل‬
‫لصحابه المستغيثين به‪ ،‬وإن كان الشيخ ممن ل خبرة له بأقوالهم نقل أقوالهم‬
‫له فيظن أولئك أن الشيخ سمع أصواتهم من البعد وأجابهم‪ ،‬وإنما هو بتوسط‬
‫الشيطان‪ ،‬ولقد أخبر بعض الشيوخ الذين كان قد جرى لهم مثل هذا بصورة‬
‫مكاشفة ومخاطبة؛ فقال يرونني الجن شيئا براقا مثل الماء والزجاج‪ ،‬ويمثلون‬
‫له فيه ما يطلب منه الخبار به‪ ،‬قال فأخبر الناس به‪ ،‬ويوصلون إلي كلم من‬
‫استغاث بي من أصحابي فأجيبه فيوصلون جوابي إليه‪ ،‬وكان كثير من الشيوخ‬
‫الذين حصل لهم كثير من هذه الخوارق إذا ك ّ‬
‫ذب بها من لم يعرفها‪ ،‬وقال إنكم‬
‫تفعلون هذا بطريق الحيلة‪ ،‬كما يدخل النار بحجر الطلق‪ ،‬وقشور النارنج‪ ،‬ودهن‬
‫الضفادع‪ ،‬وغير ذلك من الحيل الطبيعية‪ ،‬فيتعجب هؤلء المشايخ ويقولون نحن‬
‫والله ل نعرف شيئا من هذه الحيل‪ ،‬فلما ذكر لهم الخبير إنكم لصادقون في‬
‫ذلك‪ ،‬ولكن هذه الحوال شيطانية أقروا بذلك وتاب منهم من تاب الله عليه‪ ،‬لما‬
‫تبين لهم الحق‪ ،‬وتبين لهم من وجوه أنها من الشيطان‪ ،‬ورأوا أنها من الشياطين‬
‫لما رأوا أنها تحصل بمثل البدع المذمومة في الشرع وعند المعاصي لله‪ ،‬فل‬

‫محرم ومنكر ويجب النهي عنه‪ ،‬أما الستخدام الذي يكون في حالة دون حالة يعني تارة‬
‫يعرض له مرة ونحو ذلك فهذا ل يقدح مثل ما كان يحصل لبعض الولياء يعني ممن مثل‬
‫بهم شيخ السلم يعني في مقصود كلمه أنه إذا استخدمه مرة ونحو ذلك استعمله في‬
‫عمل مباح فهذا ل حرج فيه‪.‬‬
‫‪ .3‬الحال الثالثة في علقة النسي بالجني‪ :‬في علقة الستمتاع بالمحرم إما بالخبار‬
‫بالغيب أو بالتيان بالمور المحرمة له من النساء أو المردان أو خمر أو مال مسروق‬
‫يأتي به الجني ونحو ذلك‪ ،‬هذه كلها حرام وهي حرام وهي بحسب الحال إن كان‬
‫استخدمه في أمور شركية فهو شرك وإن استخدمه في محرم فهو محرم‪.‬‬
‫ثم ذكر في آخر قال )إن استعان بهم على المعاصي فهو عاصي إما فاسق‬
‫وإما مذنب غير فاسق( وذلك أن المعصية قد تكون فسقا وقد لتكون فسقا فبيست‬
‫كل معصية فسقا‪ ،‬وكذلك ليس كل عاص فاسقا فالفاسق هو الذي يجاهر بالكبيرة‪ ،‬هذا‬
‫الذي عليه حد الفسق أما فعل الصغائر ليس بفسق‪ ،‬وكذلك الكبيرة إذا استتر بها فل يحكم‬
‫عليه بالفسق لقوله » ك ّ‬
‫هرين«‪ ،‬فالمعاصي منقسمة إلى‬
‫ى إل المجا ِ‬
‫م َ‬
‫متي ُ‬
‫لأ ّ‬
‫عاف ً‬
‫كبائر وصغائر‪ ،‬وإلى فسوق وإلى غيره؛ وكذلك فاعل المعصية قد يكون مذنبا وقد يكون‬
‫فاسقا بحسب نوع الذنب وصفة إرتكابه‪.‬‬
‫‪...‬ل‪ ،‬في مقدور الجن ليس في مقدور النس إشترط أن يطلب منهم أشياء في‬
‫مقدورهم‪.‬‬
‫ن هذا من َوليته وإلى آخره هذا بحسب الذي يحصل‬
‫دث به أو بين لهم أ ّ‬
‫‪...‬هو فتنة إذا ح ّ‬
‫له‪ ،‬حصلت للصحابة أشياء ما افتتن الناس بهم حذيفة رضي الله عنه أتاه أناس في دمشق‬
‫فسألوه الدعاء يعني طلبوا منه أن يدعوا لهم فدعى‪ ،‬ثم أتوه مرة أخرى فطلبوا منه الدعاء‬
‫فأنكر عليهم وقال أنبياء نحن؟ ففرق بين الستمرار والحالة‪ ،‬هذا أصل مهم ففرق بين‬
‫الستمرار في الشياء والحالة لن الستمرار يجعل الشيء ملزم يجعل الشيء يعتقد‬
‫فيهإما اعتقاد في شخص أو إعتقاد في حالة أو صفة إلى آخره العبرة بالحالة العبرة‬
‫بالفاعل‪.‬‬

‫‪120‬‬

‫التعليقات الحسان على كتاب الفرقان‬

‫تحصل عندما يحبه الله ورسوله من العبادات الشرعية‪ ،‬فعلموا أنها حينئذ من‬
‫مخارق الشيطان لوليائه‪ ،‬ل من كرامات الرحمن لوليائه‪.‬‬
‫والله سبحانه وتعالى أعلم بالصواب‪ ،‬وإليه المرجع والمآب‪.‬‬
‫وصلى الله وسلم على محمد سيد رسله وأنبيائه وعلى آله وصحبه وأنصاره‬
‫)‪(103‬‬
‫وأشياعه وخلفائه صلة وسلما نستوجب بهما شفاعته آمين‬

‫)(هذا تمام هذه الرسالة النافعة الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان‪.‬‬
‫وخلصة هذه الرسالة في مسائل‪:‬‬
‫ن وجود ولي الله وولي الشيطان هذا أمر مقّرر في الشرع؛‬
‫• المسألة الولى‪ :‬في أ ّ‬
‫في الكتاب والسنة‪:‬‬
‫ُ‬
‫ّ‬
‫ُ‬
‫ه‬
‫وَر ُ‬
‫سول ُ‬
‫م الل ُ‬
‫ول ِي ّك ْ‬
‫ولية الله جل وعل لعبده فهي كما قال ﴿إ ِن ّ َ‬
‫ه َ‬
‫ما َ‬
‫‪ .1‬أما َ‬
‫‪103‬‬

‫ن الّز َ‬
‫وي ُ ْ‬
‫ن)‬
‫و ُ‬
‫ن يُ ِ‬
‫مُنوا ال ّ ِ‬
‫وال ّ ِ‬
‫عو َ‬
‫ؤُتو َ‬
‫مو َ‬
‫م َراك ِ ُ‬
‫ذي َ‬
‫ذي َ‬
‫ه ْ‬
‫قي ُ‬
‫نآ َ‬
‫ن ال ّ‬
‫كاةَ َ‬
‫صَلةَ َ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫م‬
‫ه‬
‫ه‬
‫ل‬
‫ال‬
‫ب‬
‫ز‬
‫ح‬
‫ن‬
‫إ‬
‫ف‬
‫نوا‬
‫م‬
‫آ‬
‫ن‬
‫ذي‬
‫ل‬
‫وا‬
‫ه‬
‫ل‬
‫سو‬
‫ر‬
‫و‬
‫ه‬
‫ل‬
‫ال‬
‫ل‬
‫و‬
‫ت‬
‫ي‬
‫ن‬
‫م‬
‫و‬
‫(‬
‫‪55‬‬
‫ُ‬
‫ِ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ْ‬
‫ّ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ َ َ ُ‬
‫َ َ ْ‬
‫ْ‬
‫َ َ‬
‫ُ َ‬
‫َ‬
‫ِ‬
‫غال ِبون﴾]المائدة‪ ،[56-55:‬وقال﴿ أ ََل إن أ َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫م‬
‫ه‬
‫ل‬
‫و‬
‫م‬
‫ه‬
‫ي‬
‫ل‬
‫ع‬
‫ف‬
‫و‬
‫خ‬
‫ل‬
‫ه‬
‫ل‬
‫ال‬
‫ء‬
‫يا‬
‫ل‬
‫و‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫ٌ‬
‫َ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ّ‬
‫ال ْ َ ُ َ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫ِ ْ َ‬
‫ْ‬
‫ْ‬
‫ِ‬
‫ن﴾]يونس‪.[62:‬‬
‫حَزُنو َ‬
‫يَ ْ‬
‫سل ْ َ‬
‫م‬
‫ه َ‬
‫ن ُ‬
‫وال ّ ِ‬
‫عَلى ال ّ ِ‬
‫ذي َ‬
‫ذي َ‬
‫ما ُ‬
‫ه ْ‬
‫ون َ ُ‬
‫طان ُ ُ‬
‫ولية الشيطان آيات كثيرة ﴿إ ِن ّ َ‬
‫ه َ‬
‫ول ّ ْ‬
‫ن ي َت َ َ‬
‫‪ .2‬وفي َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫ر ُ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫م ال ّ‬
‫م ْ‬
‫م‬
‫ول َِياءَهُ فل ت َ َ‬
‫ن يُ َ‬
‫خافو ُ‬
‫و ُ‬
‫بِ ِ‬
‫شي ْطا ُ‬
‫كو َ‬
‫ه ْ‬
‫ما ذَل ِك ْ‬
‫ن ﴾]النحل‪ ،[100:‬وقال ﴿إ ِن ّ َ‬
‫ه ُ‬
‫فأ ْ‬
‫خ ّ‬
‫ش ِ‬
‫ُ‬
‫خا ُ‬
‫م ْ‬
‫ن﴾]آل عمران‪ [175:‬واليات في ذلك كثيرة ساقها المام في‬
‫و َ‬
‫ؤ ِ‬
‫ن إِ ْ‬
‫مِني َ‬
‫م ُ‬
‫ن كن ْت ُ ْ‬
‫فو ِ‬
‫َ‬

‫أول البحث‪.‬‬
‫•‬

‫•‬

‫ن‪:‬‬
‫ي الشيطان وأ ّ‬
‫ي الله وتعريف ول ّ‬
‫المسألة الثانية‪ :‬في تعريف ول ّ‬
‫ي للية حيث عّرف‬
‫ي هو كل مؤمن تقي ليس بنب ّ‬
‫ي الله‪ :‬الول ّ‬
‫‪ .1‬ول ّ‬
‫و َ‬
‫كاُنوا ي َت ّ ُ‬
‫ن﴾]يونس‪ ،[63:‬المؤمن‬
‫الولياء بأنهم ﴿ال ّ ِ‬
‫قو َ‬
‫ذي َ‬
‫نآ َ‬
‫مُنوا َ‬
‫ي‪.‬‬
‫المتقي هو الول ّ‬
‫ي الشيطان‪ :‬هو الذي يطيع الشيطان ويأمر بأمره‬
‫‪ .2‬وول ّ‬
‫ويخالف ما جاء به محمد عليه الصلة والسلم؛ لن الله جل وعل‬
‫َ‬
‫َ‬
‫دوا‬
‫م أَ ْ‬
‫مأ ْ‬
‫عب ُ ُ‬
‫ن َل ت َ ْ‬
‫م َيا ب َِني آدَ َ‬
‫ع َ‬
‫هدْ إ ِل َي ْك ُ ْ‬
‫قال ﴿أل َ ْ‬
‫شي ْ َ‬
‫ال ّ‬
‫ن﴾]يس‪ [60:‬يعني بطاعته في ارتكاب الحرام بأنواعه‪،‬‬
‫طا َ‬
‫في ترك الفرائض بأنواعها‪ ،‬واليات في هذا كثيرة ذكرنا لكم‬
‫ضا منها‪.‬‬
‫بع ً‬
‫المسألة الثالثة‪-‬في خلصة هذا‪:-‬‬

‫ولية الله جل وعل لعبده المؤمن‬
‫‪ .1‬أ ّ‬
‫ولية المؤمن لله جل وعل و َ‬
‫ن َ‬
‫متبّعِضة ليست على مرتبة واحدة؛ فكل مؤمن له نصيب من التقوى له نصيب‬
‫ولية متبعضة‪.‬‬
‫ولية‪ ،‬فاليمان والتقوى متبّعضة فكذلك ال َ‬
‫من ال َ‬
‫ولية الشيطان للعبد والعبد للشيطان متبعضة فكل عاص له‬
‫‪ .2‬وكذلك َ‬
‫نصيبه من َولية الشيطان‪.‬‬
‫ولية الشيطان وموجبة‬
‫فمعتقد أهل السنة أنه يكون في الشخص أشياء موجب ً‬
‫ةل َ‬
‫ب منها‪،‬‬
‫ولية من الجهتين‪ ،‬وهو لما غ َل َ َ‬
‫لولية الرحمن جل وعل‪ ،‬فيجتمع في المعّين ال َ‬
‫يعني يكون ولي لله جل وعل في طاعته ويكون مطيع للشيطان وولي له فيما عصاه‬
‫ي لله جل‬
‫به؛ لكن ل ُيقال في المؤمن‪ :‬إّنه ولي للشيطان بإطلق‪ .‬بل يقال‪ :‬مؤمن ول ّ‬
‫وعل فيه معصية‪ ،‬فيه طاعة للشيطان ونحو ذلك‪ .‬لن الله سبحانه جعل َولية‬
‫َ‬
‫ن لَ‬
‫ّ‬
‫عل َْنا ال ّ‬
‫ول َِياءَ ل ِل ِ‬
‫شَيا ِ‬
‫ج َ‬
‫الشيطان وسلطانه على الذين ل يؤمنون؛ ﴿إ ِّنا َ‬
‫ذي َ‬
‫طي َ‬
‫نأ ْ‬

‫للشيخ العلمة صالح بن عبد العزيز آل الشيخ‬

‫‪121‬‬

‫يُ ْ‬
‫ن﴾]العراف‪ .[27:‬إذن المؤمن ل ُيقال‪ :‬هذا ولي للشيطان بإطلق‪ .‬لكن بتقييد‪.‬‬
‫ؤ ِ‬
‫مُنو َ‬
‫ن لولياء الرحمن علمات‪ ،‬ولولياء الشيطان علمات‪ ،‬وذكرها‬
‫• المسألة الرابعة‪ :‬أ ّ‬
‫شيخ السلم في الكتاب‪.‬‬
‫•‬

‫المسألة الخامسة‪:‬‬

‫ن أولياء الرحمن لهم كرامات‪ ،‬والكرامة ع ُّرفت بأنها أمر خارق للعادة يجري‬
‫‪ .1‬أ ّ‬
‫ي‪ ،‬وأن حصول الكرامة ل يعني رِفعة من حصلت له على من لم تحصل‬
‫على يدي ول ّ‬
‫له‪ ،‬بل قد يكون من لم تحصل له كرامة أرفع ممن حصلت له كرامة‪ .‬وهذه قّررها‬
‫في كتابه‪.‬‬
‫‪ .2‬وما يحصل لولياء الشيطان من خوارق هي خوارق شيطانية من جهة‬
‫ل للكرام‪.‬‬
‫الشيطان يعينهم‪ ،‬وليس الله جل وعل يكرمهم بذلك؛ ليسوا بأه ٍ‬
‫ي الشيطان من جهة‬
‫ي الرحمن وول ّ‬
‫فإذن يجب أن ُينظر في الفرق ما بين ول ّ‬
‫العمل؛ من جهة طاعته لله ورسوله‪ ،‬وليس ذلك عماُده الخوارق؛ قد تحصل الخوارق‬
‫الشيطانية لبعض الناس‪.‬‬
‫ن المبتدعة من هذه المة والمشركين والذين يتعلقون بالقبور‬
‫• المسألة السادسة‪ :‬أ ّ‬
‫ّ‬
‫ويتعلقون التعلقات البدعية والشركية بالمعظمين‪ ،‬هؤلء ُتعينهم الشياطين على‬
‫درية‬
‫أشياء غريبة‪ ،‬بالنواع التي ذكرها وأصناف أطال فيها من أمور علمية وأمور قُ َ‬
‫وأشباه ذلك‪ ،‬أو أنواع هذه الجناس‪ ،‬هذا كّله إذا كان لمن ليس على اليمان‬
‫والتقوى؛ يعني أن أهل الشرك والبدع تحصل لهم أمور خوارق‪ ،‬وهذه من جهة إعانة‬
‫الشياطين لهم بأمور كثيرة من تكليمهم الموتى‪ ،‬ومن حصول أنواع المعلومات‬
‫والمعارف‪ ،‬وأحيانا يكون شفاء مرضى‪ ،‬وأحيانا يشفى بقراءته‪ ،‬وأحيانا يشفى بلمسه‬
‫س المرء‬
‫أو بكتابته أو ما أشبه ذلك‪ ،‬كل هذا يكون من الشيطان‪ ،‬الشيطان الذي ي َن ْ َ‬
‫خ ُ‬
‫وُيوجع‪ ،‬ثم إذا أتى هذا المشرك والمبتدع فحصل منه بعض الشياء رفع يده‪ ،‬مثل ما‬
‫قال ابن مسعود‪ :‬إنما ذلك الشيطان ينخسها بيده‪.‬‬
‫ن أهل الشرك والبدع والتعلقات الشركية والقبور‬
‫م في أ ّ‬
‫فهذا أيضا فرقان مه ّ‬
‫والوثان ليسوا بأهل لكرامة الله جل وعل؛ بل هم أهل لهانة المولى جل جلله‪ ،‬ولكن‬
‫يحصل لهم خوارق من فعل الشياطين‪.‬‬
‫•‬

‫•‬

‫ي الله‬
‫ن الجن مكلفون مثل تكليف النس‪ ،‬وأنهم مخاطبون‪ ،‬وأ ّ‬
‫المسألة السابعة‪ :‬أ ّ‬
‫ن ول ّ‬
‫جل وعل إذا عرضت له الجن والشياطين بأشياء تخدمه بها أو أحوال يفعلونها به فإنه يجب‬
‫عليه أن يأمرهم وينهاهم كما أمرهم النبي‪ ‬ونهاهم‪ ،‬وأن يتلو عليهم القرآن‪ ،‬وأن يقيم‬
‫عليم الحجة‪.‬‬
‫ن العبد إذا تبين له الحق والصواب‬
‫المسألة الثامنة‪ :‬والخيرة التي ختم بها الكتاب أ ّ‬

‫في هذه المسائل‪ ،‬وعرف المقصد‪ ،‬وعرف سبب ونشأة الضلل‪ ،‬فيجب عليه أن‬
‫يراجع الصواب وأن يتوب إلى الله جل وعل فإن الحق دْيدن المؤمن‪ ،‬ول يجوز له أن‬
‫ن طائفة من الناس عرفوا الحق‬
‫يعلم الحق ويكابر‪ ،‬ويترك ذلك إلى غيره‪ ،‬كما ذكر أ ّ‬

‫‪122‬‬

‫التعليقات الحسان على كتاب الفرقان‬

‫ن ما يأتيهم من الشياطين‪ ،‬فاستغفروا وأنابوا وتركوا موجبات إعانة‬
‫في ذلك‪ ،‬وأ ّ‬
‫الشيطان من البدعة والشرك إلى آخره‪ ،‬إلى موجبات إعانة الرحمن جل جلله‬
‫وتوفيقه وهي السنة ومتابعة الهدي ولزوم طريقة السلف الصالح رضوان الله‬
‫عليهم‪ .‬وهذا ختام هذه الرسالة‪.‬‬
‫وأسأل الله جل جلله أن ينفعنا بما سمعنا‪ ،‬وأن ُيقِّر العلم في قلوبنا‪ ،‬وأن ل يحجبه‬
‫عنا ول عن أحبابنا بذنوبنا ومعاصينا‪ ،‬كما أسأله سبحانه أن يلهمني وإياكم كلمة‬
‫التقوى‪ ،‬وأن يجعلنا من الدعاة إلى دينه والمعلمين شريعة نبيه عليه الصلة والسلم‬
‫للناس أجمعين‪ ،‬إّنه سبحانه جواد كريم وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد‪.‬‬