‫ضمن دروس الدورة العلميـة المكثفـة الرابعـة لعام ‪1417‬هـ‪,‬‬

‫بمسجد شيخ السـلم ابن تيميـة رحمه الله تعالى‪.‬‬

‫ححح حححح‪:‬‬

‫حححححححححح ححححححححح‬
‫ححححح ححححح ححححححح‬
‫حححح حح ححح حححححح حح حححح حح‬
‫ححححح‪.‬‬
‫حفظه الله جل وعل‬

‫قام بإعداد‬
‫هذه المادة‪:‬‬
‫سالم الجزائري أبوعبدالله عبدالرحمن‬
‫حححححح‪ :‬ححححح ححححححح حح حححح ححححححححح حححح‪.‬‬

‫النووية‬
‫شرح الربعين‬
‫‪3‬‬

‫بسم الله الرحمن الرحيم‬
‫مــا‬
‫الحمد لله حق حمده‪ ،‬وأشهد أن ل إله إل الله وحده ل شــريك لــه‪ ،‬تعظي ً‬
‫لمجده‪ ،‬وأشهد أن محمدا عبد الله ورسوله‪ ،‬صلى الله عليه وعلى آله وصــحبه‬
‫ما كثيًرا إلى يوم الدين‪.‬‬
‫وسلم تسلي ً‬
‫أما بعد‪ :‬فأسأل اللــه الكريــم بأســمائه الحســنى وصــفاته الُعل‪ ،‬أن يجعلنــي‬
‫وإياكم ممن يتحّرك لله‪ ،‬ويعمل لله‪ ،‬ويطلب العلم لله‪ ،‬ويتكلم ويعمل لله جــل‬
‫ما ُ‬
‫وى« وما من شك أن‬
‫رى ٍ‬
‫جلله فـ»إ ِّنما ال ْ‬
‫ما ِل ْ‬
‫ل بالّنيات‪ ,‬وإ ِن ّ َ‬
‫ع َ‬
‫ء ما ن َ َ‬
‫م ِ‬
‫َ‬
‫عل ْم ِ َ‬
‫على ك ُ ّ‬
‫سل ِم ٍ« كما ثبت ذلك عن المصطفى ‪.‬‬
‫ة َ‬
‫ض ٌ‬
‫ب ال ْ ِ‬
‫ري َ‬
‫»طَل َ ُ‬
‫م ْ‬
‫ل ُ‬
‫ف ِ‬
‫وطلب العلم له أصوله‪ ،‬وله رتُبه‪ ،‬فمن فاته طلب العلم على رتِبه وأصوله‪،‬‬
‫قّر في قلــوب‬
‫فإنه يحرم الوصول‪ ،‬وهذه مسألة كثيًرا ما نكررها رغبة في أن ت َ َ‬
‫ن ُيطلب العلللم شلليًئا فشلليًئا علللى‬
‫طلبة العلم ومحّبي العلم‪ ،‬أل وهي‪ :‬أ ْ‬
‫مر اليام والليالي‪ ،‬كما قال ذلك ابن شــهاب الزهــري المــام المعــروف إذ‬
‫قال‪” :‬من رام العلم جملة ذهب عنه جملة‪ ،‬وإنما ُيطلب العلم على مــر اليــام‬
‫والليالي“‪ ،‬وهذا كما ت ُد َّرس صـغيًرا أصـول الكتابـة‪ ،‬أو أصـول ُنطـق الكلمـات‪،‬‬
‫فإنه ل بد أن يأخذه شيًئا فشيًئا‪ ،‬ثم إذا استمّر على ذلك أحكم الكتابة‪ ،‬وأحكــم‬
‫النطق حتى تم ّ‬
‫كبار باعتبــار‬
‫صغار ومنه ِ‬
‫كن من ذلك‪ ،‬والعلم كذلك‪ ،‬فالعلم منه ِ‬
‫الفهم وباعتبار العمل وباعتبار كون العلم من الله جل جلله وعــن رســوله ‪،‬‬
‫فإنه ليس في العلم شيء سهل‪ ،‬كما قال مالك رحمه الله تعــالى إذ قيــل لــه‪:‬‬
‫هذا من العلم السهل‪ ،‬قال‪ :‬ليس في علم القرآن والسنة شــيء ســهل‪ ،‬وإنمــا‬
‫عل َي ْ َ‬
‫ك َ‬
‫قيًل‪]‬المزمــل‪،[5:‬ــ فــالعلم مــن‬
‫قي َ‬
‫وًل ث َ ِ‬
‫سن ُل ْ ِ‬
‫كما قال الله جل وعل‪‬إ ِّنا َ‬
‫ق ْ‬
‫أخذه على أنه ثقيل صعب أدركه‪ ،‬وأما من أخذ المسائل على أنها سهلة‪ ،‬وهذه‬
‫ورة‪ ،‬وهذه مفهومــة‪ ،‬ويم ـّر عليهــا مــرور الســريع‪ ،‬فــإن هــذا‬
‫سهلة‪ ،‬وهذه ُ‬
‫متص ّ‬
‫يفوته شيء كثير‪.‬‬
‫فإ ً‬
‫ذا ل بد لنا في طلب العلم من تــدرج فيــه‪ ،‬علــى أصــوله‪ ،‬وعلــى منهجيــة‬
‫واضحة‪ ،‬ول بد لنا أن نأخذ العلم على أنه ليس فيه شيء سهل؛ بل كل ّــه ثقيــل‬
‫ث تثبيُته‪ ،‬ومن حيث استمراُره مع طالب العلــم‪ ،‬فهــو‬
‫مه‪ ،‬ومن حي ُ‬
‫من حيث فه ُ‬
‫ثقيل ل بد له من مواصلة ومتابعة‪ ،‬فــالعلم ُينســى إذا ت ُــرِك‪ ،‬وإذا تواصــل معــه‬
‫طالب العلم فإنه يبقى‪ ،‬وهذا ُيع ّ‬
‫ظم التبعة على طــالب العلــم فــي أل يتســاهل‬
‫في طلبه للعلم‪ ،‬فل يقولن قائل مثل‪ :‬هذا الكتاب سهل‪ ،‬وهذا المتن لما يشرح‬
‫لنه سهل واضــح‪ ،‬أحــاديث معروفــة‪ ،‬فــإن هــذا ي ُــؤتى مــن هــذه الجهــة‪ ،‬حيــث‬
‫قــد‬
‫قد العلم‪ ،‬وقد قال طائفة مــن أهــل العلــم‪" :‬العلــم ع ُ َ‬
‫استسهل الصول وع ُ َ‬
‫وملح‪ ،‬فمن أحكم العقد سهل عليه العلم‪ ،‬ومن فــاته حــل العقــد فــاته العلــم"‬
‫وهذا إنما يكون بإحكام أصول العلوم‪.‬‬
‫وإذا ضــبط طــالب العلــم المتــون المعروفــة فــي الحــديث‪ ،‬وفــي العلــوم‬
‫المختلفة‪ ،‬فإنه يكــون مهيًئا للنتقــال إلــى درجــات أعلــى بفهــمٍ وتأســيس لمــا‬
‫سبق‪ ،‬فلهذا أحض جميع الخوة وجميع طلب العلم ممن يسمعون كلمي هذا؛‬
‫أحضــهم علــى أن يأخــذوا العلــم بحــزم‪ ،‬وأل يأخــذوه علــى أن هــذه المســألة‬
‫حا‪،‬‬
‫مفهومة‪ ،‬وهذه سهلة‪ ،‬وهــذه واضــحة؛ بـل إن ّــه يكـّرر الواضــح ليــزداد وضــو ً‬
‫ويكرر المعلوم ليزداد به علما وهكذا‪.‬‬
‫ونسأل الله جل وعل أن يجعل هذا الشرح الذي نبتدؤه هــذه الليلــة‪ ،‬أســأله‬
‫مًل‪ ،‬وأن ينفــع بــه الملقــي والســامع‪ ،‬وأن‬
‫جــل وعل أن يجعلــه شــر ً‬
‫مــا مك َ ّ‬
‫حا تا ّ‬

‫الشيخ العلمة صالح بن عبد العزيز بن محمد آل الشيخ‬

‫‪4‬‬

‫صرين الــذين يقولــون بعلــم ل بــرأي أو هــوى‪ ،‬ثــم إن هــذا‬
‫يجعلنا فيه من المتب ّ‬
‫الكتــاب الــذي ســنعاني شــرحه هــو الحــاديث المختــارة المعروفــة بـــالربعين‬
‫النووية جمعها الع ّ‬
‫ضا‪ ،‬وهو مــن‬
‫لمة يحيى بن شرف النووي‪ ،‬وُيقال‪ :‬النواوي أي ً‬
‫ضا‬
‫علماء الشافعية البارزين وممن شرح كتًبا في الحديث‪ ،‬وكتًبا في الفقه‪ ،‬وأي ً‬
‫في لغة الفقهاء‪ ،‬وغير ذلك من العلوم‪ ،‬وأصل كتابه”الربعون النوويللة“ أن‬
‫ابن الصلح رحمه الله تعالى جمع في مجالس من مجالس تدريســه للحــديث‪،‬‬
‫جمع الحاديث الكلية التي يدور عليها علــم الشــريعة‪ ،‬فجعلهــا ســتة وعشــرين‬
‫حديًثا‪ ،‬فنظر فيها الع ّ‬
‫لمة النووي رحمه الله فزادها ستة عشر حــديًثا‪ ،‬فصــارت‬
‫سميت بــالربعين‬
‫الحاديث التي اختارها النووي ثنتين أو اثنين وأربعين حديًثا‪ ،‬ف ُ‬
‫النووية تجوًزا‪ ،‬ثم زاد عليها الحافظ المام عبــد الرحمــن بــن أحمــد بــن رجــب‬
‫ضا وعليها مــدار فهــم بعــض الشــريعة‪ ،‬فصــارت‬
‫الحنبلي ثمانية أحاديث ك ُل ّّية أي ً‬
‫خمسين حديًثا‪ ،‬وهي التي شرحها في كتابه المســمى ”جــامع العلــوم والحكــم‬
‫في شرح خمسين حديًثا من جوامع الكلم“‪.‬‬
‫وأصل هذه الحاديث في اختيارها على أنهـا جوامــع كِلـم تـدور عليهــا أمـور‬
‫الدين‪ ،‬فمنها مـا يتصـل بـالخلص‪ ،‬ومنهــا مـا هــو فـي بيـان الســلم وأركـانه‪،‬‬
‫واليمان وأركانه‪ ،‬ومنها ما هو في بيان الحلل والحرام‪ ،‬ومنها ما هو فــي بيــان‬
‫الداب العامة‪ ،‬ومنها ما هو في بيان بعض صــفات اللــه جــل وعل‪ ،‬وهكــذا فــي‬
‫موضوعات الشريعة جميًعا‪.‬‬
‫دين كله‪ ،‬فما مــن‬
‫ضا‪ ،‬فيها علم ال ّ‬
‫فهذه الحاديث الربعين‪ ،‬وما يزيد عليها أي ً‬
‫مسألة من مسائل الدين إل وهي موجودة في هذه الحاديث؛ من العقيــدة‪ ،‬أو‬
‫من الفقه‪ ،‬وهذا يتبّين لمن طالع الشرح العجاب؛ شرح ابن رجــب رحمــه اللــه‬
‫على الربعين النووية‪ ،‬وعلى الحــاديث الــتي زادهــا ثــم شــرحها‪ ،‬فالعنايــة بهــا‬
‫مة؛ لن في فهمها فهم أصول الشــريعة بعامــة‪ ،‬وقواعــد الــدين‪ ،‬فــإن منهــا‬
‫مه ّ‬
‫الحاديث التي تدور عليها الحكام كما سيأتي بيانه إن شاء الله تعالى مفصًل‪.‬‬

‫النووية‬
‫شرح الربعين‬
‫‪5‬‬

‫بسم الله الرحمن الرحيــم‪ ،‬الحمــد للــه رب العــالمين والصــلة والســلم علــى‬
‫أشــرف النبيــاء والمرســلين؛ نبينــا محمــد وعلــى آلــه وصــحبه أجمعيــن‪ .‬قــال‬
‫المصنف رحمه الله تعالى‪:‬‬
‫الحديث الول‪‬‬
‫ن الخطــاب ‪ ‬قــال‪ :‬ســمعت رســول‬
‫ح ْ‬
‫وعن أميرِ المؤمنين أبي َ‬
‫ص عمَر ب ِ‬
‫ف ٍ‬
‫وى‪َ ،‬‬
‫مللا ل ِك ُل ّ‬
‫ما ُ‬
‫ن‬
‫ما ال َ ْ‬
‫ل بالن ّّيا ِ‬
‫ر ٍ‬
‫مل ْ‬
‫ف َ‬
‫ئ َ‬
‫لا ْ‬
‫ت‪ ،‬وإ ِن ّ َ‬
‫ع َ‬
‫الله ‪ ‬يقول‪» :‬إ ِن ّ َ‬
‫مللا ن َل َ‬
‫مل ِ‬

‫َ‬
‫ه‪َ ،‬‬
‫ت‬
‫سول ِ ِ‬
‫سول ِ ِ‬
‫ه ِإلى الل ِ‬
‫ت ِ‬
‫ه ْ‬
‫ن ك َللان َ ْ‬
‫كان َ ْ‬
‫وَر ُ‬
‫وَر ُ‬
‫مل ْ‬
‫و َ‬
‫هجَرت ُ ُ‬
‫جَرت ُ ُ‬
‫ه‪َ ،‬‬
‫ه إلى الله َ‬
‫ه َ‬
‫ف ِ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ها‪َ ،‬‬
‫ه«‪].‬رواه‬
‫ما َ‬
‫جَر إل َي ْل ِ‬
‫مَرأ ٍ‬
‫ه ل ِدُن َْيا ي ُ ِ‬
‫ِ‬
‫هللا َ‬
‫ه ْ‬
‫ة ي َن ْك ِ ُ‬
‫ه ْ‬
‫ح َ‬
‫صيب ُ َ‬
‫ه إلى َ‬
‫جَرت ُ ُ‬
‫و اِ ْ‬
‫جَرت ُ ُ‬
‫ها أ ِ‬
‫ف ِ‬
‫إماما المحدثين أبو عبد اللــه محمــد بــن إســماعيل بــن إبراهيــم بــن المغيــرة بــن بردزبــه‬
‫البخاري‪ ،‬وأبو الحسين مسلم بن الحجاج بن مسلم القشيري الّنيسابوري في صــحيحيهما‬
‫الذين هما أصح الكتب المصنفة[‪.‬‬

‫]الشرح[‬
‫ما‬
‫هذا هو الحديث الول؛ حديث عمــر ‪ ‬أنــه ســمع النــبي ‪ ‬يقــول‪) :‬إ ِن ّ َ‬
‫مللا ل ِك ُل ّ‬
‫ما ُ‬
‫وى(‪ ،‬وهــذا الحــديث حــديث‬
‫ال َ ْ‬
‫ل بالن ّّيا ِ‬
‫ر ٍ‬
‫ئ َ‬
‫لا ْ‬
‫ت‪ ،‬وإ ِن ّ َ‬
‫ع َ‬
‫مللا ن َل َ‬
‫مل ِ‬
‫عظيم‪ ،‬حتى قال طائفة من السلف ومن علمــاء الملــة‪ :‬ينبغــي أن يكــون هــذا‬
‫الحديث في أول كل كتاب من كتب العلم‪ .‬ولهذا بــدأ بــه البخــاري رحمــه اللــه‬
‫ما ُ‬
‫ئ‬
‫ول حديث فيه حديث »إ ِّنما ال ْ‬
‫صحي َ‬
‫ما ِلمر ٍ‬
‫ل بالّنيات‪ ,‬وإ ِن ّ َ‬
‫ع َ‬
‫حه‪ ،‬فجعله أ ّ‬
‫وى« بحسب اللفظ الذي أورده في أوله‪.‬‬
‫َ‬
‫ما ن َ َ‬
‫وهذا الحديث أصل من أصول الدين‪ ،‬وقد قال المام أحمــد‪ :‬ثلثــة أحــاديث‬
‫ما ُ‬
‫ن‬
‫ما ال َ ْ‬
‫ل بالن ّّيا ِ‬
‫مل ْ‬
‫ت«‪ ،‬وحديث عائشة» َ‬
‫ع َ‬
‫يدور عليها السلم حديث عمر»إ ِن ّ َ‬
‫َ‬
‫ه َ‬
‫ه َ‬
‫و َرّد«‪ ،‬وحديث النعمــان بــن بشــير‪:‬‬
‫حلدَ َ‬
‫رَنا َ‬
‫ث ِ‬
‫س ِ‬
‫أ ْ‬
‫ف ُ‬
‫من ْ ُ‬
‫ذا َ‬
‫في أَ ْ‬
‫ما ل َْيل َ‬
‫ه َ‬
‫م ِ‬
‫حل َ َ‬
‫ن«‪.‬‬
‫ن‪ ،‬وال ْ َ‬
‫»ال ْ َ‬
‫حَرا َ‬
‫م ب َي ّ ٌ‬
‫ل ب َي ّ ٌ‬
‫ن عمل المكلــف دائر‬
‫وهذا الكلم من إمام أهل السنة متين للغاية؛ وذلك‪ :‬أ ّ‬
‫على امتثال المـر‪ ،‬واجتنـاب النهـي‪ .‬وامتثـال المـر‪ ،‬واجتنـاب النهـي هـذا هـو‬
‫الحلل والحرام‪ ،‬وهناك بيــن الحلل والحــرام مشـّبهات‪ ،‬وهــو القســم الثــالث‪.‬‬
‫حل َ َ‬
‫ن‪،‬‬
‫وهذه الثلث هي التي وردت في حديث النعمان بــن بشــير ‪» ‬ال ْ َ‬
‫ل ب َي ّل ٌ‬
‫ُ‬
‫م ْ‬
‫ت« وفي رواية‪» :‬مشّبهات« والعمــل‬
‫وال ْ َ‬
‫ها ٌ‬
‫حَرا َ‬
‫شت َب ِ َ‬
‫وب َي ْن َ ُ‬
‫م ب َي ّ ٌ‬
‫موٌر ُ‬
‫ما أ ُ‬
‫ه َ‬
‫ن‪َ ،‬‬
‫لمن أراد أن يعمل‪ ،‬أو ِفعل المر واجتناب النهي ل بد أن يكون بنية حتى يكون‬
‫حا‪ .‬فرجع تصحيح ذلك العمل ‪-‬وهو التيان بما فرض اللــه‪ ،‬أو النتهــاء عمــا‬
‫صال ً‬
‫ن مــا‬
‫حا مقبــوًل‪ ،‬ثــم إ ّ‬
‫حّرم الله‪ -‬إلى وجود النية الــتي تجعــل هــذا العمــل صــال ً‬
‫َفرض الله جل وعل من الواجبات‪ ،‬أو ما شرع من المستحبات‪ ،‬ل بــد فيــه مــن‬
‫مل َ‬
‫س‬
‫ل َ‬
‫ن َ‬
‫ع ِ‬
‫مل ْ‬
‫ع َ‬
‫ميزان ظاهر حتى يصلح العمل‪ ،‬وهذا يحكمه حــديث » َ‬
‫مل ً ل َي ْل َ‬
‫عل َي َ‬
‫مُرَنا َ‬
‫و َرّد« كما في رواية مسلم للحديث‪.‬‬
‫َ ْ ِ‬
‫ف ُ‬
‫هأ ْ‬
‫ه َ‬
‫َ‬
‫ما ُ‬
‫ت( ُيحتــاج إليــه فــي كــل‬
‫ما ال ْ‬
‫ل بالن ّي ّللا ِ‬
‫ع َ‬
‫فإذن هذا الحديث؛ حديث )إ ِن ّ َ‬
‫شــيء؛ يحتــاج إليــه فــي امتثــال الوامــر‪ ،‬وفــي اجتنــاب النــواهي‪ ،‬وفــي تــرك‬
‫المشتِبهات‪ ،‬وبهذا ي َعْ ُ‬
‫ظم وَقْعُ هذا الحــديث؛ لن المــرء المكل ّــف فــي أي حالــة‬
‫يكون عليها ما بين أمر يأتيه؛ إما أمر إيجاب أو استحباب‪ ،‬وما بيـن نهـي ينتهـي‬
‫عنه؛ نهي تحريم أو نهي كراهة‪ ،‬أو يكون المــر مشــتبًها فيــتركه‪ ،‬وكــل ذلــك ل‬
‫حا إل بإرادة وجه الله جل وعل به وهي النية‪.‬‬
‫يكون صال ً‬
‫َ‬
‫ملا ُ‬
‫ضــا فــي‬
‫مللا ال ْ‬
‫ل بالن ّي ّللا ِ‬
‫ت( روي أي ً‬
‫ع َ‬
‫قــوله عليــه الصــلة والســلم )إ ِن ّ َ‬
‫َ‬
‫مللا ُ‬
‫مل ُ‬
‫ل بالن ّي ّللة« بألفــاظ‬
‫مللا ال ْ‬
‫ما ال َ‬
‫ع َ‬
‫ل بالن ّي ّللة«‪ ،‬وُروي »إ ِن ّ َ‬
‫ع َ‬
‫الصــحيح »إ ِن ّ َ‬

‫الشيخ العلمة صالح بن عبد العزيز بن محمد آل الشيخ‬

‫‪6‬‬

‫مختلفة والمعنى واحد‪ ،‬فإنه إذا ُأفرد العمــل أو النيــة أري ـد َ بهــا الجنــس‪ ،‬تتفــق‬
‫رواية الفراد مع رواية الجمع‪.‬‬
‫َ‬
‫ما ل ِك ُ ّ‬
‫ما ُ‬
‫مللا‬
‫ما ال ْ‬
‫ل بالن ّّيا ِ‬
‫ر ٍ‬
‫ئ َ‬
‫لا ْ‬
‫ت‪ ،‬وإ ِن ّ َ‬
‫ع َ‬
‫وقوله عليه الصلة والسلم )إ ِن ّ َ‬
‫م ِ‬
‫ما( من ألفاظ الحصر عنــد علمــاء المعــاني‪،‬‬
‫وى( هذا فيه حصر؛ ل ّ‬
‫ن لفظ )إ ِن ّ َ‬
‫نَ َ‬
‫والحصر يقتضي أن تكون العمال محصورة في النيات‪ ،‬ولهذا نظر العلماء مــا‬
‫ما ُ‬
‫ت( لنه حصر العمال بالنيات؟‪:‬‬
‫ما ال َ ْ‬
‫ل بالن ّّيا ِ‬
‫ع َ‬
‫المقصود بقوله )إ ِن ّ َ‬
‫‪ .1‬فقال طائفة من أهل العلم وهو القول الول‪ :‬إن قــوله عليــه الصــلة‬
‫ما ُ‬
‫عهــا مقبولــة‪ ،‬أو‬
‫ت( يعني إنما العمـال‪ ،‬وقو ُ‬
‫ما ال َ ْ‬
‫ل بالن ّّيا ِ‬
‫ع َ‬
‫والسلم )إ ِن ّ َ‬
‫وى( يعنــي وإنمــا يثــاب المــرء علــى‬
‫ما ِلمر ٍ‬
‫ئ َ‬
‫صحيحة بالنية‪ .‬و)وإ ِن ّ َ‬
‫ما ن َل َ‬
‫العمل الذي عمله بما نواه‪ .‬فتكــون الجملــة الولــى متعلقــة بصــحة العمــل‪،‬‬
‫والجملة الثانية يراد بها الثواب على العمل‪:‬‬
‫ما ُ‬
‫ت( الباء هنا للسببية‪ ،‬يعنــي إنمــا العمــال ُتقبــل‪ ،‬أو‬
‫ما ال َ ْ‬
‫ل بالن ّّيا ِ‬
‫ع َ‬
‫)إ ِن ّ َ‬
‫تقع صحيحة بسبب النية‪ ،‬فيكون تأصيًل لقاعدة عامة‪.‬‬
‫ما ل ِك ُ ّ‬
‫وى( اللم هذه لم الملكية‪ ،‬يعنــي مثــل الــتي‬
‫ر ٍ‬
‫ئ َ‬
‫لا ْ‬
‫قال)وإ ِن ّ َ‬
‫ما ن َ َ‬
‫م َِ‬
‫ما‬
‫وأ ْ‬
‫س َ‬
‫ما َ‬
‫لن َ‬
‫عى‪]‬النجــم‪،[39:‬ـ )وإ ِن ّ َ‬
‫ن إ ِّل َ‬
‫ن ل َي ْ َ‬
‫سا ِ‬
‫جاءت في قوله تعالى‪َ ‬‬
‫س لِ ْ ِ‬
‫ل ِك ُ ّ‬
‫وى( يعني من ثواب عمله ما نواه‪.‬‬
‫ر ٍ‬
‫ئ َ‬
‫لا ْ‬
‫ما ن َ َ‬
‫م ِ‬
‫هذا قول طائفة من أهل العلم‪.‬‬
‫َ‬
‫مللا ُ‬
‫ل‬
‫مللا ال ْ‬
‫ع َ‬
‫‪ .2‬والقللول الثللاني‪ :‬أن قــوله عليــه الصــلة والســلم )إ ِن ّ َ‬
‫ضا‪ ،‬والمقصود بها سبب العمــل ل‬
‫بالن ّّيا ِ‬
‫ت( هذا راجع إلى أن الباء سببية أي ً‬
‫َ‬
‫ما ُ‬
‫ل‬
‫ما ال ْ‬
‫ع َ‬
‫سبب َقبوله‪ ،‬قالوا‪ :‬لننا ل نحتاج مع هذا إلى تقدير‪ ،‬فقوله‪) :‬إ ِن ّ َ‬
‫ت( يعني‪ :‬إنما العمال بسبب النيات‪ ،‬فما من عمل يعمله أحد إل وله‬
‫بالن ّّيا ِ‬
‫إرادة وقصد فيه وهي النية‪ .‬فمنشأ العمال ‪-‬سواء كانت صالحة أو فاســدة‪،‬‬
‫طاعة أو غير طاعة‪ -‬إنما منشؤها إرادة القلب لهذا العمل‪ ،‬وإذا أراد القلــب‬
‫مة‪ ،‬فإن العمل يقــع‪ ،‬فيكــون قــوله عليــه‬
‫عمًل‪ ،‬وكانت القدرة على إنفاذه تا ّ‬
‫الصلة والسلم على هذا‪:‬‬
‫ما ُ‬
‫صــدورها وحصــولها بســبب نيــة‬
‫ما ال َ ْ‬
‫ل بالن ّّيا ِ‬
‫ع َ‬
‫)إ ِن ّ َ‬
‫ت( يعني إنما العمال ُ‬
‫من أصدرها؛ بسبب إرادة قلبه وقصده لهذا العمل‪.‬‬
‫ما ل ِك ُ ّ‬
‫وى( هذا فيه أن ما يحصل للمرء من عمله ما نــواه‬
‫ر ٍ‬
‫ئ َ‬
‫لا ْ‬
‫)وإ ِن ّ َ‬
‫ما ن َ َ‬
‫م ِ‬
‫حا‪ ،‬فصار له ذلك‬
‫نية صحيحة‪ ،‬يعني إذا كانت النية صالحة صار ذلك العمل صال ً‬
‫العمل‪.‬‬
‫ن تقرير مبعث العمال‪ ،‬وأنها راجعة لعمــل‬
‫والقول الول أصح؛ وذلك ل ّ‬
‫القلب‪ ،‬هذا ليس هو المراد بالحديث‪ ،‬كما هو ظاهر من ســياقه‪ ،‬وإنمــا المــراد‬
‫اشتراط النية للعمل‪ ،‬وأن النية هي المصححة للعمــل‪ ،‬وهــذا فيــه وضــوح؛ لن‬
‫مللا ل ِك ُل ّ‬
‫مللا ُ‬
‫مللا‬
‫ما ال َ ْ‬
‫ل بالن ّي ّللا ِ‬
‫ر ٍ‬
‫ئ َ‬
‫لا ْ‬
‫ت‪ ،‬وإ ِن ّ َ‬
‫ع َ‬
‫قوله عليه الصلة والسلم )إ ِن ّ َ‬
‫مل ِ‬
‫وى( بيان لما تطلبه الشريعة‪ ،‬ل لما هو موجود في الواقع‪.‬‬
‫نَ َ‬
‫ملا‬
‫فلهذا نقول‪ :‬الراجح من التفسيرين أن قوله عليــه الصــلة والســلم )إ ِن ّ َ‬
‫ما ُ‬
‫دا بســبب النيــات‪،‬‬
‫ال َ ْ‬
‫ل بالن ّّيا ِ‬
‫حة وَقبــوًل أو فســا ً‬
‫ت( يعني إنما العمال ص ّ‬
‫ع َ‬
‫وإنما لمرئ من عمله ثواًبا وأجًرا ما نواه‪.‬‬
‫إذا تقرر هذا‪ ،‬فالعمال ما هي؟ العمال جمع عمل‪ ،‬والمقصــود بــه هنــا مــا‬
‫يصدر عن المكلف‪ ،‬ويدخل فيه القوال‪ ،‬فليس المقصود بالعمل قسيم القــول‬
‫والعتقاد‪ ،‬وإنما العمال هنا كل ما يصدر عن المكلف من أقوال وأعمال‪ ،‬قول‬

‫النووية‬
‫شرح الربعين‬
‫‪7‬‬

‫مللا‬
‫القلب‪ ،‬وعمل القلب‪ ،‬وقول اللسان‪ ،‬وعمل الجوارح‪ .‬فيدخل في قــوله )إ ِن ّ َ‬
‫ما ُ‬
‫ت( كــل مــا يتعلــق باليمــان؛ لن اليمــان قــول وعمــل؛ قــول‬
‫ال َ ْ‬
‫ل بالن ّّيا ِ‬
‫ع َ‬
‫مللا ُ‬
‫ل‬
‫مللا ال َ ْ‬
‫ع َ‬
‫اللسان‪ ،‬وقول القلب وعمل القلب وعمل الجــوارح‪ ،‬فقــوله )إ ِن ّ َ‬
‫ت( يدخل فيها جميع أنواع ما يصدر من المكلف‪.‬‬
‫بالن ّّيا ِ‬
‫طبًعا هذا العموم عموم مراد به الخصوص؛ لن العموم عند الصوليين على‬
‫ثلثة أقسام‪:‬‬
‫♦ عام باقٍ على عمومه‪.‬‬
‫♦ وعام دخله التخصيص‪.‬‬
‫مــا‪ ،‬ويــراد بــه‬
‫♦ وعام مراد به الخصــوص‪ ،‬يعنــي أن يكــون اللفــظ عا ً‬
‫بعض الفراد‪.‬‬
‫َ‬
‫ما ُ‬
‫ت( ل يدخل فيها‬
‫ما ال ْ‬
‫ل بالن ّّيا ِ‬
‫ع َ‬
‫وهنا ل يدخل في العمال في قوله )إ ِن ّ َ‬
‫العمال التي ل تشترط لها النية مثل أنواع الّتروك‪ ،‬وإرجاع المظــالم‪ ،‬وأشــباه‬
‫ذلك‪ ،‬تطهير النجاسة‪ ،‬وأمثال ذلك‪ ،‬يعني ممــا ل يشــترط لــه النيــة؛ لنــه تــرك‬
‫وه‪.‬‬
‫ونح ُ‬
‫والنية التي عليها مدار هذا الحديث‪ ،‬النية‪ :‬قصد القلب وإرادتــه‪ .‬وإذا قلنــا‪:‬‬
‫النية قصد القلب وإرادته علقناها بــالقلب‪ ،‬فالنيــة إ ً‬
‫ذا ليــس محلهــا اللســان ول‬
‫وى يعني‪ :‬قصد بقلبه وأراد بقلبــه هــذا الشــيء‪.‬‬
‫الجوارح‪ ،‬وإنما محلها القلب؛ ن َ َ‬
‫فالعمال مشروطة بإرادة القلب وقصده‪ ،‬فــأي إرادة وقصــد هــذه؟ المقصــود‬
‫بها إرادة وجه الله جل وعل بذلك؛ ولهذا فـي القـرآن يـأتي معنـى النيـة بلفـظ‬
‫الرادة والبتغاء وأشباه ذلك‪.‬‬
‫)‪(1‬‬
‫ه) ‪،‬‬
‫دو َ‬
‫دو َ‬
‫و ْ‬
‫ري ُ‬
‫و ْ‬
‫ري ُ‬
‫ج َ‬
‫ه ُ‬
‫ج َ‬
‫ن َ‬
‫ن َ‬
‫ه الّله‪]‬الروم‪ [38:‬وكما في قوله‪‬ي ُ ِ‬
‫كما في قوله‪‬ي ُ ِ‬
‫سل َ‬
‫صللب ِْر ن َ ْ‬
‫ن‬
‫م ِبال ْ َ‬
‫ن َيللدْ ُ‬
‫ع ِ‬
‫دا ِ‬
‫ع اّللل ِ‬
‫دو َ‬
‫عو َ‬
‫ريلل ُ‬
‫وال ْ َ‬
‫غلل َ‬
‫مل َ‬
‫ن َرب ّ ُ‬
‫ف َ‬
‫ذي َ‬
‫هلل ْ‬
‫ك َ‬
‫وا ْ‬
‫ة َ‬
‫( َ‬
‫شلل ّ‬
‫ي يُ ِ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫فلي‬
‫حلْر َ‬
‫ه ِ‬
‫ث ال ِ‬
‫خلَر ِ‬
‫ن كا َ‬
‫و ْ‬
‫ريلدُ َ‬
‫ج َ‬
‫م ْ‬
‫ه ُ‬
‫زدْ لل ُ‬
‫ه)]الكهــف‪ [28:‬ونحو ذلك( َ‬
‫َ‬
‫ة َنل ِ‬
‫ن يُ ِ‬
‫َ‬
‫حْرث ِ ِ‬
‫ن أَرادَ‬
‫َ‬
‫م ْ‬
‫و َ‬
‫ه‪]‬الشورى‪ [20:‬يريد يعني‪ :‬ينوي يطلب ويقصــد‪ ،‬هــذه هــي النيــة( َ‬
‫ها)]السراء‪ [19:‬هذه النية‪.‬‬
‫اْل ِ‬
‫س ْ‬
‫س َ‬
‫عي َ َ‬
‫ها َ‬
‫عى ل َ َ‬
‫و َ‬
‫خَرةَ َ‬
‫عل َللى)]الليــل‪[20:‬‬
‫أو لفظ البتغاء كقوله جــل وعل(إ ِّل اب ْت ِ َ‬
‫ه اْل َ ْ‬
‫ه َرب ّل ِ‬
‫جل ِ‬
‫و ْ‬
‫غاءَ َ‬
‫َ‬
‫ملَر‬
‫وكما فــي قــوله جــل وعل(َل َ‬
‫وا ُ‬
‫خي َْر ِ‬
‫ر ِ‬
‫ن نَ ْ‬
‫مل ْ‬
‫مل ْ‬
‫نأ َ‬
‫م إ ِّل َ‬
‫ه ْ‬
‫جل َ‬
‫فلي ك َِثيل ٍ‬
‫َ‬
‫ق َ‬
‫و إِ ْ َ‬
‫ل ذَل ِل َ‬
‫ن يَ ْ‬
‫عل ْ‬
‫ك اب ْت ِ َ‬
‫غللاءَ‬
‫صدَ َ ٍ‬
‫ف َ‬
‫عُرو ٍ‬
‫م ْ‬
‫مل ْ‬
‫ح ب َي ْل َ‬
‫و َ‬
‫و َ‬
‫بِ َ‬
‫س َ‬
‫فأ ْ‬
‫ةأ ْ‬
‫ن الن ّللا ِ‬
‫صل َ ٍ‬
‫ّ‬
‫ه َ‬
‫ف نُ ْ‬
‫م)]النساء‪.[114:‬‬
‫جًرا َ‬
‫و َ‬
‫مْر َ‬
‫ع ِ‬
‫ؤِتي ِ‬
‫ة الل ِ‬
‫ضا ِ‬
‫هأ ْ‬
‫ف َ‬
‫ظي ً‬
‫َ‬
‫س ْ‬
‫فإذن في النصوص يكثر ورود النية بلفظ‪:‬‬
‫أوًل‪ :‬الرادة؛ إرادة القلب‪.‬‬
‫ثانًيا‪ :‬بلفظ البتغاء‪.‬‬
‫أو بلفظ السلم؛ إسلم القلب والوجه لله جل وعل‪.‬‬
‫والنية في كلم الله جل وعل أو في الشريعة بعامة ُيراد بها أحد معنيين‪:‬‬
‫المعنى الول‪ :‬نية متجهة للعبادة‪،‬‬
‫والمعنى الثاني‪ :‬نية متجهة للمعبود‪.‬‬
‫فالنية قسمان‪ :‬نية متعلقة بالعبادة‪ ،‬ونية متعلقة بالمعبود‪.‬‬
‫♦ فأما المتعلقة بالعبادة‪ :‬فهي التي يستعملها الفقهاء في الحكام حيــن‬
‫يأتون إلى الشروط‪) ،‬الشرط الول‪ :‬النيــة( يقصــدون بــذلك النيــة المتوجهــة‬
‫للعبادة‪ ،‬وهي تمييز العبادات بعضها عــن بعــض؛ تمييــز الصــلة عــن الصــيام‪،‬‬
‫‪1‬‬

‫)( النعام‪ ،52 :‬الكهف‪.28:‬‬

‫الشيخ العلمة صالح بن عبد العزيز بن محمد آل الشيخ‬

‫‪8‬‬

‫تمييز الصلة المفروضة عن النفل‪ ،‬يعني أن يميز القلب فيمــا يــأتي مــا بيــن‬
‫عبادة وعبادة‪ ،‬أتى المسجد وأراد أن يركع ركعتين‪ ،‬مّيز قلبه هاتين الركعتين؛‬
‫هل هي ركعتا تحيــة المســجد‪ ،‬أو هــل هــي ركعتــا راتبــة؟ أو هــل هــي ركعتــا‬
‫استخارة؟ إلى آخره‪ ،‬فتمييز القلب ما بين عبادة وعبادة هذه هي النية الــتي‬
‫يتكلم عنها الفقهاء في الكتب الفقهية‪ ،‬وهي النية المتوجهة للعبادة‪.‬‬
‫♦ القسم الثاني النية المتوجهة للمعبود‪ :‬وهذه هي التي ُيتحدث عنها‬
‫باســم الخلص؛ إخلص القصــد‪ ،‬إخلص النيــة‪ ،‬إخلص العمــل للـه جــل وعل‬
‫وهي التي تستعمل كثيًرا بلفظ النية والخلص والقصد‪.‬‬
‫فإذن هذا الحديث شمل نوعي النية‪ :‬النية التي توجهت للمعبود‪ ،‬والنية الــتي‬
‫توجهت للعبادة‪.‬‬
‫ما ُ‬
‫ت( يعني‪ :‬إنما العبادات تقــع صــحيحة‪ ،‬أو مقبولــة‬
‫ما ال َ ْ‬
‫ل بالن ّّيا ِ‬
‫ع َ‬
‫فـ )إ ِن ّ َ‬
‫بسبب النية‪ ،‬يعني‪:‬‬
‫‪ .1‬النية التي تمّيز العبادة بعضها عن بعض أول‪.‬‬
‫‪ .2‬والنية التي هي إخلص العبادة للمعبود وهو الله جل جلله‪.‬‬
‫فلهذا ل يصلح أن نقول‪ :‬النية هنا هي النية التي بمعنى الخلص‪ ،‬ونقــول‪ :‬إن‬
‫كلم الفقهاء في النيات لم يدخل فيه الخلص‪ ،‬ول القسم الثاني‪ ،‬فإن تحقيــق‬
‫ت لك‪.‬‬
‫المقام انقسام النية إلى هذين النوعين كما أوضح ُ‬
‫ما ل ِك ُ ّ‬
‫ضــا‪،‬‬
‫وى( هــذا حصــر أي ً‬
‫ر ٍ‬
‫ئ َ‬
‫لا ْ‬
‫قال عليه الصلة والسلم )وإ ِن ّ َ‬
‫ما ن َ َ‬
‫م ِ‬
‫وإنما لكل امرئ من عمله ثواًبا وأجًرا لما نواه بعمله‪ ،‬فإن كان نوى بعمله الله‬
‫والدار الخرة ‪-‬يعني أخلص للــه جــل وعل مريــدا وجــه اللــه جــل وعل‪ -‬فعملــه‬
‫صالح‪ ،‬وإن كان عمله للدنيا فعمله فاسد؛ لنه للدنيا‪ .‬وهذا كما جــاء فــي آيــات‬
‫ُ‬
‫ه‬
‫م ْ‬
‫خل ِ ِ‬
‫ما أ ِ‬
‫عب ُ ُ‬
‫مُروا إ ِّل ل ِي َ ْ‬
‫صللي َ‬
‫ن َللل ُ‬
‫ه ُ‬
‫دوا الل ّ َ‬
‫و َ‬
‫كثيرة إخلص الدين لله جل عل( َ‬
‫َ‬
‫ن)]البينة‪ [5:‬يعني‪ :‬الدين يقع على نية الخلص‪ ،‬كما في قــوله جــل وعل(أَل‬
‫ال ّ‬
‫دي َ‬
‫ص)]الزمر‪ .[03:‬وقد جاء في أحاديث كثيرة بيان إخلص العمل‬
‫ن ال ْ َ‬
‫ل ِل ّ ِ‬
‫ه ال ّ‬
‫دي ُ‬
‫خال ِ ُ‬
‫لله جل وعل كقوله عليه الصلة والسلم في الحــديث الــذي رواه مســلم فــي‬
‫الصحيح‪» :‬أنا أغنى الشركاء عن الشرك‪ ،‬من عمل عمًل أشرك فيلله‬
‫معي غيري تركته وشركه« وفي لفظ آخر قال عليه الصلة والســلم فــي‬
‫هذا الحديث القدسي‪» :‬فهو للذي أشرك‪ ،‬وأنا منه بريء«‪.‬‬
‫صــا للــه جــل وعل حــتى يكــون‬
‫وهذا يدل على أ ّ‬
‫ن العمل ل بد أن يكــون خال ً‬
‫مًل‪ ،‬ودخــل‬
‫مقبوًل‪ ،‬ويؤجر عليه العبد‪ ،‬إذا وصلنا إلى هذا فمعناه أن من عمل ع َ‬
‫في ذلك العمل نية غير الله جل وعل بذلك العمل‪ ،‬فــإن العمــل باطــل لقــوله‪:‬‬
‫ي غيري تركته وشركه« »فهو للذي‬
‫»من عمل عمًل أشرك فيه مع َ‬
‫ما ل ِك ُ ّ‬
‫ما ُ‬
‫وى«‪.‬‬
‫ما ال َ ْ‬
‫ل بالن ّّيا ِ‬
‫ر ٍ‬
‫ئ َ‬
‫لا ْ‬
‫ت‪ ،‬وإ ِن ّ َ‬
‫ع َ‬
‫أشرك« » إ ِن ّ َ‬
‫ما ن َ َ‬
‫م ِ‬
‫ل العمـ َ‬
‫ل الــذي يكــون فــي أصــل‬
‫وهذا يحتمل أن يكون المــراد بــذلك العمـ ِ‬
‫العبادة‪ ،‬أو في أثناء العبــادة‪ ،‬أو غي ّــر نيتـه بعـد العبـادة‪ ،‬يحتمـل هــذا‪ ،‬أو تكــون‬
‫العبادة أيضا في بعضها لله‪ ،‬وفي بعضها لغير الله‪ ،‬فما المراد؟‬
‫قال العلماء‪ :‬تحقيق هذا المقام أن‪:‬‬
‫سمعة‪:‬‬
‫العمل إذا خالتطه نية فاسدة‪ ،‬يعني رياء؛ نوى للخلق‪ ،‬أو ُ‬
‫ن أنشأ العبادة للخلق فهي باطلة‪ ،‬يعني صّلى؛ دخــل فــي الصــلة‪ ،‬ل‬
‫‪ ‬فإّنه إ ْ‬
‫لرادة الصلة؛ ولكن يريد أن يراه فلن‪ ،‬فهذه الصلة باطلة وهــو مشــرك كمــا‬
‫جاء في الحديث‪» :‬من صلى يللرائي فقللد أشللرك‪ ،‬ومللن صللام يللرائي‬

‫النووية‬
‫شرح الربعين‬
‫‪9‬‬

‫فقد أشرك‪ ،‬ومن تصدق يرائي فقد أشرك« يعنــي حيــن أنشــأ الصــلة‬
‫الواحدة أنشأها يرائي‪ ،‬وإل فإن إنشاء المسلم عباداته جميًعا علــى الريــاء هــذا‬
‫غير متصور‪ ،‬وإنما يقع الرياء ربما في بعض عبــادات المســلم؛ إمــا فــي أولهــا‪،‬‬
‫ن هــذا ل ُيتصــور مــن‬
‫وإما في أثنائها‪ ،‬وأما الرياء التام فــي جميــع العمــال فــإ ّ‬
‫مســلم‪ ،‬وإنمــا يكــون مــن الكفــار والمنــافقين‪ ،‬كمــا قــال جــل وعل فــي‬
‫ه إ ِّل َ‬
‫قِليًل)]النساء‪ [142:‬وقوله فــي‬
‫وصفهم(ي َُرا ُ‬
‫وَل ي َذْك ُُرو َ‬
‫ءو َ‬
‫ن الل ّ َ‬
‫ن الّنا َ‬
‫س َ‬
‫)‪(1‬‬
‫س) يعني بهذا أن القسم الول نية ابتدأ بهــا العبــادة‬
‫وصف الكفار( ِ‬
‫رَئاءَ الّنا ِ‬
‫لغير الله‪ ،‬فهذه العبادة تكــون باطلــة؛ صــلته باطلــة‪ ،‬صــيامه باطــل‪ ،‬وصــدقته‬
‫باطلة‪ ،‬نوى بالعمل غير وجه الله جل وعل‪.‬‬
‫‪‬القسم الثاني‪ :‬أن يحدث تغيير النية في أثناء العبادة‪ ،‬وهذا له حالن‪:‬‬
‫الحال الولى‪ :‬أن ُيبطل نيته الصلية‪ ،‬ويجعل العبادة لهذا المخلوق‪ ،‬فهذا‬
‫حكمه كالول من أن العبادة فسدت؛ لنه أبطل نيتها‪ ،‬وجعلها للمخلوق‪ ،‬فنــوى‬
‫في أثناء الصلة أن الصلة هذه لفلن‪ ،‬فتبطل الصلة‪.‬‬
‫الحال الثانية من هذا القسم‪ :‬أن يزيد في الصــلة مــن لجــل رؤيــة أحــد‬
‫الناس‪ ،‬يعني‪ :‬يراه أحد طلبة العلم‪ ،‬أو يراه والده‪ ،‬أو يراه كبير القوم‪ ،‬أو يــراه‬
‫إمام المسجد‪ ،‬فبــدل أن يســبح ثلث تســبيحات أطــال فــي الركــوع ‪-‬والركــوع‬
‫عبادة لله جل وعل‪ -‬فأطال على خلف عــادته لجــل رؤيــة هــذا الــرائي‪ .‬فهــذا‬
‫ما‬
‫العمل الزائد الذي نوى به المخلــوق يبطــل؛ لن نيتــه فيــه لغيــر اللــه‪ ،‬و)إ ِن ّ َ‬
‫ما ُ‬
‫ت( لكن أصل العمل صالح؛ لن هذه النية مــا عرضــت لصــل‬
‫ال َ ْ‬
‫ل بالن ّّيا ِ‬
‫ع َ‬
‫العمل‪ ،‬وإنما عرضت لزيادة في بعضه؛ أطال الصلة‪ ،‬أو إمام أطــال القــراءة؛‬
‫ســن صــوته لرؤيــة إلــى الخلــق‪ ،‬أو لن وراءه فلن‪ ،‬أو نحــو ذلــك مــن‬
‫لنــه ح ّ‬
‫العمال‪ ،‬فل يبطـل أصـل العمـل‪ ،‬وإنمـا مـا زاد فيـه لجـل الخلـق يكـون فيـه‬
‫مشر ً‬
‫كا الشرك الصغر‪ ،‬وهو الرياء والعياذ بالله‪ ،‬هذه الحالة الثانية من القسم‬
‫الثاني‪.‬‬
‫‪‬والحال الثالثة‪ :‬أن يعرض له حب الثناء‪ ،‬وحب الذكر بعد تمام العبادة‪،‬‬
‫مل العبادة لله‪ ،‬صلى لله‪ ،‬حفظ القرآن لله‪ ،‬وصام لله‪ ،‬صام النوافل لله جل‬
‫ع ِ‬
‫صا‪ ،‬وبعد ذلك رأى من ُيثني عليه‪ ،‬فسّره ذلك‪ ،‬ورغب في المزيد في‬
‫وعل مخل ً‬
‫م أصل العمل؛ لنه نواه للــه‪ ،‬ولــم يكــن فــي أثنــائه فيكــون‬
‫داخله‪ ،‬فهذا ل ي َ ْ‬
‫خرِ ُ‬
‫شركا‪ ،‬إنما وقع بعد تمامه‪ ،‬فهذا كما جاء في الحديث »تلللك عاجللل بشللرى‬
‫المؤمن أن يسمع ثناء الناس عليه لعبادته« وهو لم يقصــد فــي العمــل‬
‫الذي عمله أن يثني عليه الناس‪.‬‬
‫هذه ثلثة أحوال‪.‬‬
‫وإذا تقرر هذا فالعمال التي يتعلــق بهــا نيــة مــع نيتهــا للــه جــل وعل علــى‬
‫قسمين أيضا‪:‬‬
‫الول‪ :‬أعمال يجب أل يريد بها‪ ،‬وأل يعرض لقلبــه فيهــا ثــواب الــدنيا أصــل‪،‬‬
‫وهذه أكثر العبادات‪ ،‬وأكثر العمال الشرعية‪.‬‬
‫والقسم الثاني‪ :‬عبادات حض عليها الشارع بذكر ثوابها فــي الــدنيا‪ ،‬مثــل‬
‫ض عليها الشارع بذكر ثواب الدنيا‪ ،‬فقال عليــه الصــلة والســلم‬
‫صلة الرحم ح ّ‬
‫»من سره أن ي ُْبسط له في رزقه‪ ،‬وينسأ له في أثره‪ ،‬فليصل رحملله«‬
‫ض على صلة الرحم بذكر ثواب الدنيا‪ :‬النسأ في الثر‪ ،‬والبسط في الرزق‪،‬‬
‫فح ّ‬
‫‪1‬‬

‫)(البقرة‪ .264 :‬النساء‪38:‬‬

‫الشيخ العلمة صالح بن عبد العزيز بن محمد آل الشيخ‬

‫‪10‬‬

‫سل َُبه« يعني ما عليه مــن الســلح‪،‬‬
‫أو كقوله في الجهاد »من قتل قتيل فله َ‬
‫وما معه من المال أو كذا‪ ،‬يسلبه ويكون لهذا القاتل‪ ،‬فهــذا حــض علــى القتــل‬
‫بذكر ثواب دنيوي‪ ،‬فمن أراد الثواب الدنيوي هنا ‪-‬في هـذا القسـم‪ -‬مستحضـرا‬
‫ض الشارع من العمل ‪-‬يعني من هذه العبادة‪ -‬وذكر فيــه الثــواب الــدنيوي‬
‫ما ح ّ‬
‫ن منه بأن يكــون ذلــك‬
‫ض بذكر الدنيا إل إذ ْ ٌ‬
‫فإنه جائز له ذلك؛ لن الشارع ما ح ّ‬
‫مطلوبا‪.‬‬
‫فإ ً‬
‫ذا من وصل الرحم يريد وجه الله جل وعل ولكن يريد أيضا أن ُيثــاب فــي‬
‫الدنيا بكثرة الرزاق‪ ،‬وبالنسـأ فـي الثـر‪ ،‬يعنـي‪ :‬طـول العمـر‪ ،‬فهـذا لـه ذلـك‪،‬‬
‫ولجل أن الشارع حض على ذلك‪.‬‬
‫جاهد في سبيل الله يريد أيضا مغنمــا‪ ،‬ونيتــه خالصــة للــه جــل وعل لتكــون‬
‫كلمة الله هي العليا؛ ولكن يريد شيئا حــض عليــه أو ذكــره الشــارع فــي ذلــك‪،‬‬
‫فهذا قصده ليس من الشــرك فــي النيــة؛ لن الشــارع هــو الــذي ذكــر الثــواب‬
‫الدنيوي في ذلك‪.‬‬
‫فإ ً‬
‫ذا تنقسم العمال إلى عبادات ذكر الشارع الثواب الــدنيوي عليهــا‪ ،‬وإلــى‬
‫عبادات لم يذكر الشارع الثواب الدنيوي عليها‪ ،‬وهذا كمــا جــاء فــي قــول اللــه‬
‫و ّ َ‬
‫ن َ‬
‫م‬
‫م أَ ْ‬
‫كا َ‬
‫ريدُ ال ْ َ‬
‫مللال َ ُ‬
‫زين َت َ َ‬
‫م ْ‬
‫ه ْ‬
‫ع َ‬
‫هل ْ‬
‫جل وعل( َ‬
‫هللا ن ُل َ‬
‫حَياةَ ال لدّن َْيا َ‬
‫ن يُ ِ‬
‫ف إ ِلي ْ ِ‬
‫و ِ‬
‫َ‬
‫ن)]هود‪ [15:‬الية‪ .‬فهذه المسألة مهمة‪ .‬فإذا تقــرر‬
‫ها ل ي ُب ْ َ‬
‫م ِ‬
‫و ُ‬
‫ِ‬
‫سو َ‬
‫خ ُ‬
‫في َ‬
‫في َ‬
‫ه ْ‬
‫ها َ‬
‫أنه ل يكون مشر ً‬
‫كا بذلك‪ ،‬فهل من نوى الدنيا بصــلة الرحــم مثل مــع نيتــه للــه‬
‫مساوٍ لمن لم ي َن ْوِ الدنيا إنما جعلها خالصة لله؟ ل؛ يختلف الجر؛ لكن ل يكــون‬
‫مرائًيا‪ ،‬ول مشر ً‬
‫كا بذلك‪ ،‬فمن كانت نيته خالصة للــه جــل وعل فــأجره أعظــم‪،‬‬
‫من جاهــد‬
‫لهذا لما سئل عدد من الئمة من السلف والمام أحمد وجماعة َ‬
‫عن َ‬
‫للمغنم ونيته خالصة لله؟ قال‪ :‬أجره على قدر نيته‪ ،‬لم يبطل عملــه أص ـًل‪ ،‬لــم‬
‫يبطل السلف العمل أصًل‪ ،‬وإنما جعلوا التفاوت بقــدر النيــات‪ .‬فكلمــا عظمــت‬
‫النية لله في العمال التي فيها ِذكر الدنيا‪ ،‬و َ‬
‫ذكر الشارع عليه ثواب الدنيا‪ ،‬فإنه‬
‫)‪(1‬‬
‫كلما عظمت النية الخالصة كلما عظــم أجــره ‪ ،‬وكلمـا نـوى الــدنيا مـع صــحة‬
‫أصل نيته قل أجره يعني‪ :‬عن غيره‪.‬‬
‫ن َ‬
‫هنا قال عليه الصلة والسلم ) َ‬
‫ه‪،‬‬
‫سللول ِ ِ‬
‫ه ِإلى الل ِ‬
‫ت ِ‬
‫ه ْ‬
‫كان َ ْ‬
‫وَر ُ‬
‫م ْ‬
‫جَرت ُ ُ‬
‫ف َ‬
‫ه َ‬
‫َ‬
‫ه( طبعًــا الحــديث‪ :‬تفاصــيل الكلم فــي النيــة‪،‬‬
‫سللول ِ ِ‬
‫وَر ُ‬
‫هجَرت ُ ُ‬
‫ه إلللى الللله َ‬
‫ف ِ‬
‫دا‪،‬‬
‫ودخول النية فــي أبــواب كــثيرة مــن العبــادات‪ ،‬هــذا يطــول عليــه الكلم جـ ّ‬
‫وصنفت مصنفات فــي هــذا‪ ،‬وشــروح كتــب الحــاديث أطــالت فــي شــرح هــذا‬
‫الحديث‪ ،‬وإنما نذكر في شرحنا لهذه الربعين النووية قواعد وتأصيلت متعلقــة‬
‫بشرح الحديث‪ ،‬كما هي العادة في مثل هذه الشروح المختصرة لهــذه الكتــب‬
‫مة‪.‬‬
‫المه ّ‬
‫ن َ‬
‫قال ) َ‬
‫ه( الفاء هذه تفصيلية؛ تفصيل لمثال من العمــال‬
‫ت ِ‬
‫ه ْ‬
‫كان َ ْ‬
‫م ْ‬
‫جَرت ُ ُ‬
‫ف َ‬
‫ن َ‬
‫التي تكــون للــه وتكــون لغيــر اللــه‪ ،‬ذكــر مثــال ً )الهجــرة( قــال ) َ‬
‫ت‬
‫كان َ ْ‬
‫م ْ‬
‫ف َ‬
‫ه‪َ ،‬‬
‫ت‬
‫سللول ِ ِ‬
‫سول ِ ِ‬
‫ه ِإلى الل ِ‬
‫ِ‬
‫ه ْ‬
‫ن ك َللان َ ْ‬
‫وَر ُ‬
‫وَر ُ‬
‫مل ْ‬
‫و َ‬
‫هجَرت ُ ُ‬
‫جَرت ُ ُ‬
‫ه‪َ ،‬‬
‫ه إلى الللله َ‬
‫ه َ‬
‫فَ ِ‬
‫َ‬
‫ها‪َ ،‬‬
‫ه(‪.‬‬
‫ما َ‬
‫جَر إل َْيلل ِ‬
‫مَرأ ٍ‬
‫ه ل ِدُن َْيا ي ُ ِ‬
‫ِ‬
‫هللا َ‬
‫ه ْ‬
‫ة ي َن ْك ِ ُ‬
‫ه ْ‬
‫ح َ‬
‫صيب ُ َ‬
‫ه إلى َ‬
‫جَرت ُ ُ‬
‫و اِ ْ‬
‫جَرت ُ ُ‬
‫ها أ ِ‬
‫ف ِ‬
‫جَر يعني ت ََر َ‬
‫ك‪ ،‬وأصل الهجــرة هجــرة إلــى اللــه جــل‬
‫الهجرة معناها‪ :‬الّترك‪ ،‬هَ َ‬
‫وعل وإلى رسوله ‪‬؛ هجرة إلــى اللــه جــل وعل بــالخلص وابتغــاء مــا عنــده‪،‬‬
‫‪1‬‬

‫)( انتهى الوجه الول من الشريط الول‪.‬‬

‫النووية‬
‫شرح الربعين‬
‫‪11‬‬

‫والهجرة إلى النبي ‪ ‬باتباعه عليه الصلة والسلم والرغبة فيما جاء بــه عليــه‬
‫الصلة والسلم‪.‬‬
‫ومن آثار ذلك‪ ،‬الهجرة الخاصة التي هي ترك بلد الشــرك إلــى بلــد الســلم‪،‬‬
‫ن َ‬
‫فقال عليه الصلة والسلم ) َ‬
‫ه( يعنـي مـن كــان تْركـه لبلــد‬
‫ت ِ‬
‫ه ْ‬
‫كان َ ْ‬
‫م ْ‬
‫جَرت ُ ُ‬
‫ف َ‬
‫ه‪َ ،‬‬
‫ه إلللى الللله‬
‫سللول ِ ِ‬
‫الشــرك إلــى بلــد الســلم )ِإلللى الللل ِ‬
‫وَر ُ‬
‫هجَرُتلل ُ‬
‫ه َ‬
‫ف ِ‬
‫ه(‪ ،‬هــذا فيــه تكريــر للجملــة ) َ‬
‫ه‬
‫ه ِإلللى الللل ِ‬
‫ت ِ‬
‫سللول ِ ِ‬
‫ه ْ‬
‫ن ك َللان َ ْ‬
‫وَر ُ‬
‫ملل ْ‬
‫جَرت ُ ل ُ‬
‫ف َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ه(‪ ،‬والمتقــرر فــي علــوم العربيــة أن‬
‫سول ِ ِ‬
‫سول ِ ِ‬
‫وَر ُ‬
‫وَر ُ‬
‫هجَرت ُ ُ‬
‫ه إلى الله َ‬
‫َ‬
‫ه‪ ،‬ف ِ‬
‫الجمل إذا تكررت في ت ََرّتب الفعــل والجــزاء فــإن شــرط الفعــل يختلــف عــن‬
‫شرط الجزاء؛ فلهذا نقول‪َ :‬‬
‫ه نيــة‬
‫سللول ِ ِ‬
‫ه ِإلللى اللل ِ‬
‫ت ِ‬
‫ه ْ‬
‫ن ك َللان َ ْ‬
‫وَر ُ‬
‫م ْ‬
‫جَرت ُل ُ‬
‫ف َ‬
‫ه َ‬
‫وقصدا‪َ ،‬‬
‫سوِله ثواب ًــا وأج ـًرا‪ ،‬فمــا تعلــق بالفعــل النيــة‬
‫وَر ُ‬
‫هجَرت ُ ُ‬
‫ه إلى الله َ‬
‫ف ِ‬
‫والقصد‪ ،‬وما تعلق بالجواب الجر والثواب‪ ،‬وهذا فيــه نــوع مــن أنــواع البلغــة‪،‬‬
‫ن عمله جليل عظيم بحيث ُيستغنى لبيان جللته وعظمه عن ذكره؛ لنــه‬
‫وهو أ ّ‬
‫من الوضوح والبيان بحيث ل يحتــاج إلــى ذكــره‪ ،‬فقــال عليــه الصــلة والســلم‬
‫ن َ‬
‫ه‪َ ،‬‬
‫) َ‬
‫ه(‬
‫سللول ِ ِ‬
‫سول ِ ِ‬
‫ه ِإلى الل ِ‬
‫ت ِ‬
‫ه ْ‬
‫كان َ ْ‬
‫وَر ُ‬
‫وَر ُ‬
‫م ْ‬
‫هجَرت ُ ُ‬
‫جَرت ُ ُ‬
‫ف َ‬
‫ه إلى الللله َ‬
‫ه َ‬
‫ف ِ‬
‫هذا تعظيم‪ ،‬ورفع لهذا العمل‪ ،‬وهو أن تكون الهجرة إلى اللــه ورســوله‪ ،‬يعنــي‬
‫دا وتعظيما للثواب والجر بقوله ) َ‬
‫ه( ثواًبا‬
‫سول ِ ِ‬
‫نية وقص ً‬
‫وَر ُ‬
‫هجَرت ُ ُ‬
‫ه إلى الله َ‬
‫ف ِ‬
‫ّ‬
‫دث عن ثوابه وعظم ذلك‪.‬‬
‫وأجًرا‪ ،‬يعني ح ّ‬
‫َ‬
‫ن َ‬
‫و‬
‫ه ل ِلدُن َْيا ي ُ ِ‬
‫ت ِ‬
‫ه ْ‬
‫كان َ ْ‬
‫صلليب ُ َ‬
‫م ْ‬
‫جَرت ُل ُ‬
‫و َ‬
‫ثم بين الصــنف الثــاني فقــال‪َ ) :‬‬
‫ها أ ِ‬
‫َ‬
‫ها( هذا حــال التــاجر الــذي هــاجر لكــي يكســب‬
‫ة يتزوجها(‪) ،‬ل ِدُن َْيا ي ُ ِ‬
‫مَرأ ٍ‬
‫صيب ُ َ‬
‫اِ ْ‬
‫َ‬
‫ً‬
‫ه( ‪.‬‬
‫ملا َ‬
‫جَر إلْيل ِ‬
‫مال‪ ،‬أو هاجر ليكسب زوجة أو امرأة‪ ،‬فهذا ) ِ‬
‫هلا َ‬
‫ه ْ‬
‫ه إللى َ‬
‫جَرت ُ ُ‬
‫ه ل ِلدُن َْيا( هــذه النيــة يعنــي‬
‫ت ِ‬
‫ه ْ‬
‫ن ك َللان َ ْ‬
‫م ْ‬
‫جَرت ُل ُ‬
‫و َ‬
‫وقوله عليه الصلة والسلم ) َ‬
‫هاجر؛ العمل الظاهر يشارك فيه من هاجر إلى الله ورسوله لكن نيته أّنه فــي‬
‫هجرته يريد التجارة‪ ،‬أو يريد أن يــتزوج امــرأة فنيتــه فاســدة‪ ،‬قــال ) َ‬
‫ه‬
‫ه ْ‬
‫جَرت ُ ُ‬
‫ف ِ‬
‫ه( يعني من حيث أّنه ل ثواب له فيهــا ول أجــر‪ ،‬وقــد يكــون‬
‫ما َ‬
‫جَر إل َي ْ ِ‬
‫ها َ‬
‫إلى َ‬
‫عليه فيها وزر‪.‬‬
‫ت لك‪ -‬ترك بلد الشرك إلى بلد السلم‪ ،‬أو تْرك‬
‫والهجرة‪-:‬كما ذكر ُ‬
‫بلد تظهر فيه البدعة إلى بلد ل تظهر فيه البدعة وإنما تظهر فيه‬
‫سنة‪ ,‬أو ‪-‬القسم الثالث‪ -‬ترك بلد تظهر فيه الفواحش‬
‫ال ّ‬
‫والمنكرات إلى بلد تقل فيه الفواحش والمنكرات ظهورا‪ .‬وهذه‬
‫كل واحدة منها لها أحكام مذكورة في كتب الفقه بالتفصيل‪.‬‬
‫‪ ‬‬
‫الحديث الثاني ‪‬‬
‫ل الّلـهِ ‪َ ‬‬
‫ع‬
‫ن ِ‬
‫م‪ ,‬إ ِذ ْ ط ََلـ َ‬
‫وعن عمر ‪ ‬أيضا قال‪ :‬بينما ن َ ْ‬
‫عن ْـد َ َر ُ‬
‫ذا َ‬
‫ســو ِ‬
‫ح ُ‬
‫ت َ َيـوْ ٍ‬
‫َ‬
‫ر‪ ,‬وَل َ‬
‫ج ٌ‬
‫واد ِ ال ّ‬
‫ب‪َ ,‬‬
‫ل َ‬
‫س َ‬
‫س‬
‫ض الث َّيا‬
‫ديد ُ ب ََيا‬
‫ش ِ‬
‫ش ِ‬
‫ع َل َي َْنا َر ُ‬
‫ر‪ ,‬ل َ ي َُرى ع َلي ْهِ أث َُر ال ّ‬
‫ديد ُ َ‬
‫ِ‬
‫َ‬
‫ف ِ‬
‫شعَ ِ‬
‫ِ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ع‬
‫سـن َد َ ُرك ْب َت َي ْـهِ إ ِل َــى ُرك ْب َت َي ْـ ِ‬
‫ه ِ‬
‫ضـ َ‬
‫ه‪ ,‬وَوَ َ‬
‫حّتى َ‬
‫د‪َ ,‬‬
‫ح ٌ‬
‫مّنا أ َ‬
‫ي ‪ .‬فَأ ْ‬
‫ي َعْرِفُ ُ‬
‫جل َ َ‬
‫س إ َِلى الن ّب ِـ ّ‬
‫ن السلللم« فقــال رســو ُ‬
‫ل‬
‫كَ ّ‬
‫د؛ ا َ ْ‬
‫خب ِْرن ِللي َ‬
‫في ْهِ ع ََلى فَ ِ‬
‫خذ َي ْ ِ‬
‫م ُ‬
‫م َ‬
‫ح ّ‬
‫ه‪ ،‬وقال‪» :‬يا ُ‬
‫عل ِ‬
‫شهد َأن ل إل َه إل ّ الللله‪َ ،‬‬
‫سللو ُ‬
‫مل َ‬
‫ل الللله‪،‬‬
‫وأ ّ‬
‫مأ ْ‬
‫م َ‬
‫ن تَ ْ َ َ‬
‫سل َ ُ‬
‫دا َر ُ‬
‫الله ‪» ‬ال ِ ْ‬
‫ح َ‬
‫ن ُ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ي الّز َ‬
‫وُتلل ْ‬
‫ن‬
‫كللا َ‬
‫صللل َ‬
‫وت ُ ِ‬
‫م َ‬
‫ضللا َ‬
‫حلل ّ‬
‫وت َ ُ‬
‫صللو َ‬
‫ج ال ْب َْيلل َ‬
‫م َر َ‬
‫قيلل َ‬
‫ة‪ ،‬وت َ ُ‬
‫م ال َ‬
‫ت إِ ِ‬
‫ن‪َ ،‬‬
‫ة‪َ ،‬‬
‫َ‬
‫ؤت ِ َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫صـد ُّقه! قـال‬
‫ي‬
‫و‬
‫يسـأله‬
‫لـه‪:‬‬
‫ـا‬
‫ـ‬
‫فعجبن‬
‫‪.‬‬
‫ت«‬
‫ق‬
‫د‬
‫ص‬
‫»‬
‫قال‬
‫«‪،‬‬
‫بيل‬
‫س‬
‫ه‬
‫ي‬
‫ل‬
‫إ‬
‫ت‬
‫ع‬
‫ط‬
‫ت‬
‫س‬
‫َ َ َ‬
‫ُ َ‬
‫اِ ْ َ ْ َ ِ ْ ِ َ ِ‬
‫ن تُ ْ‬
‫ه‬
‫سللل ِ‬
‫وُر ُِ‬
‫وك ُت ُب ِ ل ِ‬
‫مل َئ ِك َت ِ ِ‬
‫ؤ ِ‬
‫»فأخبرني عن اليمان؟«‪ ،‬قال»أ ْ‬
‫م َ‬
‫و َ‬
‫ه َ‬
‫ه َ‬
‫ن ِبالله َ‬
‫ن ِبال ْ َ‬
‫وت ُل ْ‬
‫و َ‬
‫ه«‪ ،‬قــال‪» :‬صللدقت«‪ .‬قال‬
‫ر َ‬
‫وم ِ ال ِ‬
‫ش لّر ِ‬
‫ر ِ‬
‫ؤ ِ‬
‫م َ‬
‫ه َ‬
‫خللر‪َ ،‬‬
‫والي َل ْ‬
‫َ‬
‫خي ْل ِ‬
‫ق لد َ ِ‬

‫الشيخ العلمة صالح بن عبد العزيز بن محمد آل الشيخ‬

‫‪12‬‬

‫َ‬
‫َ‬
‫ه‪َ ،‬‬
‫م‬
‫فللإ ْ‬
‫»فأخبرني عن الحسان؟«‪ ،‬قال »أ ْ‬
‫ن تَ ْ‬
‫ن ل َل ْ‬
‫عب ُلدَ الللله ك َأن ّللك ت َلَرا ُ‬
‫ك«‪ .‬قللال » َ‬
‫ه ي َلَرا ْ‬
‫ن ت َلَراهْ َ‬
‫مللا‬
‫ف لأ َ ْ‬
‫رني َ‬
‫ن ال ّ‬
‫عل ْ‬
‫ت َك ُل ْ‬
‫سللاعة؟« قللال » َ‬
‫ف لإ ِن ّ ُ‬
‫خب ِ ْ ِ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ل«‪ .‬قللال » َ‬
‫س ُ‬
‫ؤو ُ‬
‫هللا؟«‬
‫ف لأ ْ‬
‫رني َ‬
‫ها ب ِأ ْ‬
‫ل َ‬
‫م ِ‬
‫ماَرات ِ َ‬
‫ن ال ّ‬
‫عن ْ َ‬
‫م ْ‬
‫عل ْ‬
‫م َ‬
‫نأ َ‬
‫عل َ َ‬
‫ال َ‬
‫سائ ِ ِ‬
‫خب ِ ْ ِ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫عال َل َ‬
‫ح َ‬
‫رعللاءَ ال ّ‬
‫ء‬
‫شللا ِ‬
‫م ُ‬
‫وأ ْ‬
‫قال »أ ْ‬
‫علَراةَ ال ْ َ‬
‫فلا َةَ َََ ال ْ ُ‬
‫ن ت ََرى ال ْ ُ‬
‫ة َرب ّت َ َ‬
‫ن ت َل ِدَ ال َ‬
‫ها‪َ ،‬‬
‫ة ِ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫ي َت َ َ‬
‫ري‬
‫م قــال»ي َللا ُ‬
‫ن ِ‬
‫وُلو َ‬
‫ع َ‬
‫م ِليا‪ ،‬ث ّ‬
‫ت َ‬
‫م ان ْطلق‪ .‬فَلِبث ُ‬
‫ن«‪ .‬ث ُ ّ‬
‫في الب ُن َْيا ِ‬
‫طا َ‬
‫ملُر‪ ,‬أت َلدْ ِ‬
‫ذا جبري ُ َ‬
‫م ُ‬
‫سائ ِ ُ‬
‫م‬
‫ل؟« قلت‪ :‬الله ورسوله أعَلم‪ .‬قال » َ‬
‫م يُ َ‬
‫ن ال ّ‬
‫كلل ْ‬
‫عل ِ ُ‬
‫ل‪ ,‬أَتاك ُ ُ‬
‫َ‬
‫ه َ ِ ْ ِ‬
‫م ِ‬
‫ُ‬
‫م« ]رواه مسلم[‪.‬‬
‫ِدين َك ْ‬

‫]الشرح[‬
‫سنة‪ ،‬يعني كما‬
‫هذا الحديث حديث عظيم أي ً‬
‫ضا‪ ،‬سماه بعض أهل العلم أم ال ّ‬
‫في القرآن أم القرآن‪ ،‬فهذا الحديث أم السنة؛ لن جميع السنة تعود إلــى هــذا‬
‫الحديث؛ فإن الحديث فيه بيان العقيدة‪ ،‬والعقيــدة مبنيــة علــى أركــان اليمــان‬
‫الستة‪ ،‬وفيه بيان الشريعة‪ ،‬وذلــك بــذكر أركــان الســلم الخمســة‪ ،‬وفيــه ذكــر‬
‫الغيبيات والمارات؛ بل قبل ذلــك فيــه ذكــر آداب الســلوك‪ ،‬والعبــادة‪ ،‬وصــلح‬
‫جه القلب‪ ،‬والوجه إلــى اللــه جــل وعل بــذكر الحســان‪ ،‬وفيــه ذكــر الســاعة‬
‫تو ّ‬
‫وأماراتها‪ ،‬وهذا نوع من ذكر المور الغيبيــة ودللت ذلــك‪ .‬فهــذا الحــديث يعــود‬
‫ْ‬
‫إليه ج ّ‬
‫مُر‬
‫ســنة‪ ،‬كمــا أن قــول اللــه جــل وعل فــي آيــة النحــل(إ ِ ّ‬
‫ل ال ّ‬
‫ه َيلأ ُ‬
‫ن الّلل َ‬
‫ن ال ْ َ‬
‫ء ِذي ال ْ ُ‬
‫ح َ‬
‫ر‬
‫شللا ِ‬
‫وِإيت َللا ِ‬
‫هللى َ‬
‫ف ْ‬
‫وال ِ ْ‬
‫ِبال ْ َ‬
‫وي َن ْ َ‬
‫ح َ‬
‫عل ْ‬
‫وال ْ ُ‬
‫ء َ‬
‫قْرب َللى َ‬
‫ن َ‬
‫سللا ِ‬
‫ل َ‬
‫عد ْ ِ‬
‫منك َل ِ‬
‫ن)]النحل‪ ،[90:‬قال طائفة من مفسري الســلف‪:‬‬
‫وال ْب َ ْ‬
‫ي يَ ِ‬
‫م ت َذَك ُّرو َ‬
‫م لَ َ‬
‫عل ّك ُ ْ‬
‫عظُك ُ ْ‬
‫َ‬
‫غ ِ‬

‫دخل في هذه الية جميع أحكـام الــدين‪ .‬جميـع الــدين فــي هــذه اليـة‪ ،‬وجميــع‬
‫أصول الحاديث النبوية في هذا الحديث‪.‬‬
‫وهذا الحديث هو معروف بحديث جبريل‪ ،‬وروايته على هذا الطول عن عمر‬
‫ضا مقطًعا ببعض الختصار في الصحيحين من حــديث أبــي هريــرة‬
‫‪ ،‬وُروي أي ً‬
‫‪.‬‬
‫وهذا الحديث فيه ذكر السلم واليمان والحسان‪ ،‬وفيه أن هذه الثلثة هي‬
‫َ‬
‫م(‪.‬‬
‫م يُ َ‬
‫م دين َك ُ ْ‬
‫مك ُ ْ‬
‫عل ِ ُ‬
‫الدين؛ لّنه في آخرها قال عليه الصلة والسلم )أَتاك ُ ُ‬
‫فإذن الدين الذي هو السلم منقسم إلى ثلث مراتب‪ :‬السلم‪ ،‬واليمــان‪،‬‬
‫والحسان‪ .‬وهذا نخلص منه إلى قاعدة مهمــة وهــي‪ :‬أن السللم العللام قللد‬
‫يندرج فيه أنواع منها السم العام؛ لن الســلم هــو الــدين فجمــع هــذه‬
‫الثلثة‪ :‬السلم واليمان والحسان؛ فالسلم منه السلم‪ ،‬وهذا مهم في فهــم‬
‫الشريعة بعامة؛ لن من اللفاظ ما يكون القسـم هـو اللفـظ ذاتـه‪ ،‬يعنـي أحـد‬
‫القسام هو اللفظ ذاته‪ ،‬ولـه نظـائر‪ ،‬إذا وجـد هـذا فالسـم العـام غيـر السـم‬
‫الخاص‪ ،‬ولهذا نقول السم العام للسلم يشمل السلم واليمــان والحســان‪،‬‬
‫وليس هو السم الخاص إذا جاء مع اليمان ومع الحسان؛ لهذا لم يلحــظ هــذا‬
‫المر طائفة من أهل العلم‪ ،‬فجعلوا السلم واليمان واحدا‪ ،‬ولــم يفرقــوا بيــن‬
‫السلم واليمان حتى عزا بعضــهم هــذا القــول لجمهــور الســلف‪ ،‬وهــذا ليــس‬
‫بصحيح‪ ،‬فإن السلف فرقوا ما بين السلم واليمان إذا كان الســلم واليمــان‬
‫في مورد واحد‪ ،‬وأما إذا كان السلم في مورد واليمان في مــورد؛ يعنــي هــذا‬
‫في سياق وهذا في سياق‪ ،‬هذا في حديث وهذا فـي حـديث‪ ،‬فالسـلم يشـمل‬
‫الدين جميًعا‪ ،‬واليمان يشمل الدين جميًعا‪ ،‬فإ ً‬
‫ذا هذا الحديث فيه بيان الســلم‬
‫بمراتبه الثلث‪.‬‬

‫النووية‬
‫شرح الربعين‬
‫‪13‬‬

‫واِد ال ّ‬
‫ب‪َ ,‬‬
‫ل َ‬
‫ج ٌ‬
‫ر( فــي هــذا‬
‫ع َ‬
‫ش ِ‬
‫ش ِ‬
‫ش َ‬
‫عل َي َْنا َر ُ‬
‫)إ ِذْ طَل َ َ‬
‫ديدُ َ‬
‫ض الث َّيا ِ‬
‫س َ‬
‫ع ِ‬
‫ديدُ ب ََيا ِ‬
‫جبليــة‪ ،‬أمــا شــدة ســواد الشــعر‬
‫مدح لهذه الصفة وإحداهما مكتسبة والخــرى ِ‬
‫فهذه جبلية ل تكتسب‪ ،‬ول يجوز أن يصبغ بالسواد لمن ليس بذي ســواد‪ ،‬وأمــا‬
‫شدة بياض الثياب فسياق هذا الحديث يقتضي مدح من كان على هذه الصفة‪،‬‬
‫ولهذا كان النبي ‪ ‬يحب الثياب البيض‪ ،‬وكــان يلبســها‪ ،‬وأمــر بتكفيــن المــوتى‬
‫فيها عليه الصلة والسلم‪.‬‬
‫َ‬
‫س َ‬
‫ر( يعني أنه ل يعرفونه في المدينة‪ ،‬وأتــى‬
‫قال )وَل َ ي َُرى َ‬
‫عل َي ْ ِ‬
‫ه أث َُر ال ّ‬
‫ف ِ‬
‫بهذه الصفة الجميلة شدة سواد الشعر‪) ،‬ليــس عليــه( يعنــي فيــه أثــر غبــار أو‬
‫تراب‪ ،‬وعادة المسافر أن يكون كذلك‪ ،‬وأيضــا ) َ‬
‫ب( كــأّنه‬
‫ش ِ‬
‫ض الث ّي َللا ِ‬
‫ديدُ ب َي َللا ِ‬
‫ذا فـي قـوله )ل َ‬
‫خرج من بيته في نظافة أهله الساعة‪ ،‬فكيف يكون ذلــك؟ فـإ ً‬
‫عل َي َ‬
‫س َ‬
‫ر( إشعار بأنه مستغرب أن يكون على هذه الصفة لهـذا‬
‫ف‬
‫ي َُرى َ ْ ِ‬
‫ه أث َُر ال ّ‬
‫ِ‬
‫َ‬
‫ر ُ‬
‫د(‪ ،‬وقــد جــاء فــي بعــض الروايــات أن جبريــل‬
‫ه ِ‬
‫ح ٌ‬
‫مّنا أ َ‬
‫ول َ ي َ ْ‬
‫ف ُ‬
‫قال بعدها ) َ‬
‫ع ِ‬
‫عليه السلم كان ربما أتاهم على صورة دحية الكلبي ‪-‬أحد الصــحابة‪ ،-‬فيســأل‬
‫ر ُ‬
‫مّنللا‬
‫ه ِ‬
‫ول َ ي َ ْ‬
‫ف ُ‬
‫النبي ‪ ‬فيجيب‪ ،‬وهذا غير مراد هنا؛ لنه ل يتوافق مع قوله ) َ‬
‫ع ِ‬
‫َ‬
‫د( خلًفا لمن قال غير ذلك‪.‬‬
‫ح ٌ‬
‫أ َ‬
‫مــا مــن‬
‫وهذا فيه التعليم‪ ،‬فإ ّ‬
‫ما؛ متعل ً‬
‫ما ومعل ً‬
‫ن جبريل عليه السلم أتى متعل ً‬
‫مــا حيــث ســأل لجــل أن يســتفيد الصــحابة‬
‫جهة الهيئة والسؤال والدب‪ ،‬ومعل ً‬
‫رضوان الله عليهم وتستفيد المة من بعدهم‪.‬‬
‫قال ) َ َ‬
‫عَلى َ‬
‫ع كَ ّ‬
‫ه(‪:‬‬
‫ه َ‬
‫ف ِ‬
‫و َ‬
‫خذَي ْ ِ‬
‫في ْ ِ‬
‫ه إ َِلى ُرك ْب َت َي ْ ِ‬
‫سن َدَ ُرك ْب َت َي ْ ِ‬
‫ض َ‬
‫فأ ْ‬
‫و َ‬
‫ه‪َ ,‬‬
‫َ‬
‫ه( الضمير الول يرجع إلى جبريل‪ ،‬والثاني إلــى‬
‫ه إ َِلى ُرك ْب َت َي ْ ِ‬
‫سن َدَ ُرك ْب َت َي ْ ِ‬
‫)أ ْ‬
‫النبي ‪ ،‬وهذا فيه القرب من العالم‪ ،‬القرب من المســؤول حــتى يكــون أبلــغ‬
‫في أداء السؤال بدون ُرعونة صوت ول إيذاء‪ ،‬وأفهم للجواب‪.‬‬
‫عَلى َ‬
‫ع كَ ّ‬
‫ه( هذه قيل فيها تفسيران‪:‬‬
‫ه َ‬
‫ف ِ‬
‫و َ‬
‫خذَي ْ ِ‬
‫في ْ ِ‬
‫ض َ‬
‫و َ‬
‫) َ‬
‫عَلى َ‬
‫ع كَ ّ‬
‫ه( يعنــي علــى فخــذي‬
‫ه( يعني جبريــل‪َ ) ،‬‬
‫ف ِ‬
‫و َ‬
‫خلذَي ْ ِ‬
‫في ْ ِ‬
‫ض َ‬
‫و َ‬
‫‪َ ) ‬‬
‫النبي ‪ ،‬قالوا ذلك لجل أن تكون الضمائر راجعة على نحو مــا رجعــت عليــه‬
‫الجملة الولى؛ لن توافق الرجوع أولى من تعارضه بل قرينة‪.‬‬
‫عَلى َ‬
‫ع كَ ّ‬
‫ه( هــذه علــى فخــذي‬
‫ه َ‬
‫ف ِ‬
‫و َ‬
‫خذَي ْ ِ‬
‫في ْ ِ‬
‫ض َ‬
‫‪‬وقال آخرون‪ :‬ل‪) ،‬و َ‬
‫ضا‪ ،‬يعني وضع كفي نفسه على فخــذي نفســه‪ ،‬وهــذا أدب منــه أمــام‬
‫جبريل أي ً‬
‫مقام النبي ‪.‬‬
‫ســه‪ ،‬ومهّيئا المســؤول‬
‫في هذا أ ّ‬
‫ن طالب العلم ينبغي له أن يكــون مهّيئا نف َ‬
‫جلســة‪ ،‬وفــي حســن وضــع الجــوارح‪ ،‬وفــي‬
‫للجابة على ســؤاله فــي حســن ال ِ‬
‫ن سـؤال طـالب العلـم للعـالم‪ ،‬أو‬
‫مهــم‪ ،‬فـإ ّ‬
‫القرب منه‪ ،‬وهذا نـوع مـن الدب ُ‬
‫سؤال المتعلم لطالب العلم له أثر فــي َقبــول العــالم للســؤال‪ ،‬وفــي انفتــاحه‬
‫للجواب‪ .‬قد ُ‬
‫ن بعض العلماء مــن‬
‫ذكر في آداب طلب العلم‪ ،‬وفي الكلم عليه أ ّ‬
‫سلف كانوا ينشطون لبعض تلميذهم فيعطونهم‪ ،‬وبعضهم ل ينشطون‬
‫علماء ال ّ‬
‫ما‪ ،‬أو ل يكــون مكتمل ً مــن كــل جهــاته‪،‬‬
‫له فيعطونه بعض الكلم الذي يكون عا ّ‬
‫وذلك راجع إلى حسن أدب طالب العلم أو المتعلــم‪ ،‬فــإّنه كلمــا كــان المتعلــم‬
‫أكثر أدًبا في جلسته‪ ،‬وأكثر أدًبا في لفظه‪ ،‬وفــي ســؤاله كلمــا كــان أوقــع فــي‬
‫رم‪ ،‬ومــن‬
‫حت َـَرم ا ْ‬
‫مــن ا ْ‬
‫نفس المسؤول؛ فيحرص ويتهيأ نفسّيا لجوابه؛ لنــه َ‬
‫حت ُـ ِ‬
‫َأقبل ُأقبل عليه‪ ،‬فهذا فيه أن نتأدب جميًعا بهذا الدب؛ فمثل ً ألحظ على بعــض‬
‫دية ل يســأله‬
‫طلب العلم‪ ،‬أو بعض المتعلمين أنه إذا أتى يسأل العالم يسأله ب ِن ِ ّ‬

‫الشيخ العلمة صالح بن عبد العزيز بن محمد آل الشيخ‬

‫‪14‬‬

‫على أّنه يستفيد‪ ،‬فيجلس جلسة العــالم نفســه‪ ،‬أو يجلــس جلســة المســتغني‪،‬‬
‫ضــا‬
‫ويداه في وضع ليس في وضع أدب؛ واحدة هنا والخرى هنــاك‪ ،‬وجســمه أي ً‬
‫يعني في استرخاء تام ليس فيه الستجماع‪ ،‬ونحو ذلك مما يدل على أنــه غيــر‬
‫متأدب مع العالم‪ ،‬أو طالب العلم الذي سيســتفيد منــه‪ .‬وهــذه الداب لهــا أثــر‬
‫على نفسية العالم أو المجيب‪ ،‬فإنك تريد أن تأخذ منه العلم‪ ،‬وكلمــا كنــت أذ ّ‬
‫ل‬
‫على الوجه الشرعي في أخذ العلم‪ ،‬كلما كان العالم أكثر إقبــاًل عليــك؛ ولهــذا‬
‫ن؛ بل أكثر أهل العلم لهم خواص‪ ،‬هذا من خاصته‪ ،‬هــذه الخصوصــية‬
‫ن ِ‬
‫تجد أ ّ‬
‫م ْ‬
‫راجعة إلى إيش؟ راجعة إلــى أن هــذا المتعلــم كــان متأدب ًــا فــي لفظــه‪ ،‬وفــي‬
‫تعامله‪ ،‬وفي كلمه‪ ،‬وفي حركته مع شيخه‪ ،‬مما جعل شـيخه يثـق فيـه‪ ،‬ويقبـل‬
‫عليه في العلم‪ ،‬ويعطيه من العلم ما ل يعطيه غيره‪ ،‬ويعطيه مــن تجــاربه فــي‬
‫الحياة وتجاربه مع العلم ومع العلماء‪ ،‬وفي المــور‪ ،‬وفــي الواقــع بمــا ل يفيــده‬
‫غير المتأدب معه‪ .‬فهذه نأخذها من حديث جبريل عليــه الســلم هــذا‪ ،‬ونأخــذها‬
‫حرِي ّــة بالتأمــل فــي‬
‫ضا‪ ،‬من قصة الخضر مع موسى في سورة الكهف‪ ،‬وهي َ‬
‫أي ً‬
‫آداب طلب العلم‪.‬‬
‫ن السلللم( هــذا‬
‫ن السلللم(‪) ،‬ا َ ْ‬
‫د؛ ا َ ْ‬
‫خب ِْرن ِللي َ‬
‫خب ِْرِني َ‬
‫م ُ‬
‫م َ‬
‫ح ّ‬
‫قال )يا ُ‬
‫عل ِ‬
‫ع ِ‬
‫سؤال عن نوع من أنواع الدين أل وهــو الســلم المتعلــق بالعمــال الظــاهرة‪،‬‬
‫فسأل عن السلم‪ ،‬ثم سأل عن اليمان‪ ،‬ثم سأل عــن الحســان‪ ،‬إلــى آخــره‪.‬‬
‫خب ِْرِني( فيه دللــة‬
‫ن السلم(‪ ،‬وفي قوله )ا َ ْ‬
‫د؛ ا َ ْ‬
‫خب ِْرِني َ‬
‫م ُ‬
‫م َ‬
‫ح ّ‬
‫فقال )يا ُ‬
‫ع ِ‬
‫ضا الخب ََر عن الســلم‪ ،‬وهــذا موافــق‬
‫مخِبر‪ ،‬يعني أنه ينقل أي ً‬
‫على أن النبي ‪ُ ‬‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫مب َلــغ للــدين عــن اللــه‬
‫مب َلــغ؛ ُ‬
‫لما هو متواتر في الشريعة أن النبي ‪ ‬إنما هو ُ‬
‫خب ََرا‪ ،‬فأخبرني بــذلك‪ ،‬والنــبي‬
‫جل وعل‪ ،‬قال)ا َ ْ‬
‫خب ِْرِني( يعني اجعل كلمك لي َ‬
‫دسية‬
‫ضا مخبر عن ربه جل وعل في ذلك‪ ،‬كما جاء في بعض الحاديث الق ْ‬
‫‪ ‬أي ً‬
‫خِبر به عن ربه جل وعل‪.‬‬
‫قد قال عليه الصلة والسلم فيما ي ُ ْ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫سلو ُ‬
‫م أن ت َ ْ‬
‫ل اللله(‬
‫وأ ّ‬
‫مل َ‬
‫م َ‬
‫سل َ ُ‬
‫دا َر ُ‬
‫ش َ‬
‫قال )ال ِ ْ‬
‫ح َ‬
‫ن ُ‬
‫هدَ أن ل إل َل َ‬
‫ه إل ّ اللله‪َ ،‬‬
‫إلى آخره‪ ،‬هذا التفسير للسلم تفسير للركان الخمسة المعروفة التي سيأتي‬
‫إن شاء الله بعض بيانها في حديث ابن عمر الثالث الذي نشرحه غــدا إن شــاء‬
‫الله‪.‬‬
‫َ‬
‫َ‬
‫سللو ُ‬
‫مل َ‬
‫م أن ت َ ْ‬
‫ل الللله(‬
‫وأ ّ‬
‫م َ‬
‫سل َ ُ‬
‫دا َر ُ‬
‫ش َ‬
‫فقال )ال ِ ْ‬
‫ح َ‬
‫ن ُ‬
‫هدَ أن ل إل َ َ‬
‫ه إل ّ الله‪َ ،‬‬
‫ي الّز َ‬
‫وت ُ ْ‬
‫ج‬
‫كا َ‬
‫صل َ‬
‫وت ُ ِ‬
‫م َ‬
‫ضللا َ‬
‫حل ّ‬
‫وت َ ُ‬
‫صللو َ‬
‫م َر َ‬
‫قي َ‬
‫ة‪ ،‬وت َ ُ‬
‫م ال َ‬
‫ن‪َ ،‬‬
‫ة‪َ ،‬‬
‫وهذا ركن واحد‪َ ) ،‬‬
‫ؤت ِ َ‬
‫صدَ ْ‬
‫ت«‪ (.‬السلم هنا فسره النبي‬
‫ت إ ِل َي ْ ِ‬
‫ست َطَ ْ‬
‫ع َ‬
‫ال ْب َي ْ َ‬
‫ق َ‬
‫ه َ‬
‫ن اِ ْ‬
‫سِبيل‪ .‬فقال » َ‬
‫ت إِ ِ‬
‫‪ ‬بالعمــال الظــاهرة‪ ،‬ولــم يجعــل فيــه العمــال الباطنــة أو بعــض العمــال‬
‫خب َـُر‬
‫الباطنة‪ ،‬ومعنى هذا أن السلم استسلم ظاهر‪ ،‬وهذا الستسلم الظاهر ي ُ ْ‬
‫عنه بالشهادتين وبإقامة الركــان العمليــة الربعــة‪ ،‬والشهادة فللي نفسللها‬
‫دث‪ ،‬والخبار الذي هو العلم‪ ،‬وعلــى هــذا‬
‫لفظ فيه العتقاد‪ ،‬والتح ّ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫ش ـهِد َ‪ ،‬فقــوله جــل وعل( َ‬
‫فســر الســلف كلمــة َ‬
‫و‬
‫ه إ ِل ُ‬
‫ه ل إ ِلل َ‬
‫ه أن ّل ُ‬
‫هدَ اللل ُ‬
‫هل َ‬
‫ش ِ‬
‫ة ُ‬
‫عل ْم ِ َ‬
‫ط)]آل عمــران‪َ ) [18:‬‬
‫ه( معنــاه‬
‫ما ِبال ْ ِ‬
‫وُلوا ال ْ ِ‬
‫س ِ‬
‫ق ْ‬
‫قائ ِ ً‬
‫وال ْ َ‬
‫هدَ الل ّل ُ‬
‫وأ ْ‬
‫مَلئ ِك َ ُ َ‬
‫َ‬
‫ش ِ‬
‫ً‬
‫هل الله يشــهد؟ بمعنــى أي شــيء؟ يشــهد بمعنــى يعلــم ويخــبر‪ .‬فــإذا شــهادة‬
‫المسلم بأن ل إله إل الله ل تستقيم مع كتمانه هذه الشهادة‪ ،‬فمن شــهد ذلــك‬
‫بقلبه ولم يظهر هذه الشهادة دون عذر شرعي فإنه ل شهادة له؛ بل ل بد في‬
‫ضــا مــن حيــث الــدليل‬
‫الشهادة من حيــث اللفــظ الــذي دلــت عليــه اللغــة‪ ،‬وأي ً‬

‫النووية‬
‫شرح الربعين‬
‫‪15‬‬

‫الشرعي ل بد فيها من الظهار‪ ،‬وهو الموافق لمعنى السلم الذي هو العمال‬
‫الظاهرة‪.‬‬
‫فإ ً‬
‫ذا دخول الشهادتين في السلم الذي هو العمال الظاهرة راجــع لمعنــى‬
‫الشهادة‪ ،‬وهو أن معنى الشهادة الظهار ‪-‬يعني بعد العتقاد‪ -‬الظهــار والعلم‬
‫والخبار‪ ،‬وهنا يــأتي العتقــاد؛ اعتقــاد الشــهادتين يرجــع إليــه؛ لنــه فــي معنــى‬
‫د‪ ،‬يرجع إليه أركان اليمان جميًعا‪.‬‬
‫ه َ‬
‫شَ ِ‬
‫ح لـه مـن‬
‫ولهذا نقول السلم هو العمال الظاهرة‪ ،‬ول يصح إل بقدر مصـ ّ‬
‫ح ٍ‬
‫اليمان‪ ،‬وهو اليمان الواجب بالركان الستة؛ فاليمان الواجب يعني أقــل قــدر‬
‫ما‪ ،‬هذا مشــمول فــي قــوله )أن ت َ ْ‬
‫هدَ َأن ل‬
‫ش َ‬
‫من اليمان به يصبح المرء مسل ً‬
‫ه إل ّ الله(؛ لن الشهادة معناها العتقــاد والنطــق والخبــار والعلم‪ ،‬تشــمل‬
‫إل َ َ‬
‫ثلثة المور هذه‪ ،‬فالعتقاد يرجع إليه أركان اليمان الستة‪.‬‬
‫ن السلم ‪-‬وإن قال أهل العلم فيه‪ :‬إن المراد به هنــا‬
‫فنخلص من هذا إلى أ ّ‬
‫العمال الظاهرة‪ -‬فإنه ل يصح السلم إل بقدر من اليمــان مصــحح لــه‪ ،‬وهــذا‬
‫القدر من اليمان دلنا على اشتراطه لفظ )أن ت َ ْ‬
‫د( لن لفظ الشهادة فــي‬
‫ه َ‬
‫ش َ‬
‫اللغة والشرع متعلق بالباطن والظاهر‪.‬‬
‫ه إل ّ الللله(‪ ،‬هــذا هــو اليمــان بــالله‪،‬‬
‫والعتقاد في الشهادتين بـــ)أنْ ل إل َ َ‬
‫َ‬
‫سو ُ‬
‫م َ‬
‫ل الله( يرجع إليه اليمان بالنبي ‪ ‬وبما أخبر بــه عليــه‬
‫وبـ)أ ّ‬
‫م َ‬
‫دا َر ُ‬
‫ح َ‬
‫ن ُ‬
‫الصلة والســلم مــن اليمــان بالملئكــة‪ ،‬والكتــب‪ ،‬والرســل‪ ،‬واليمــان بــاليوم‬
‫الخر‪ ،‬والقدر خيره وشره‪.‬‬
‫ســره النــبي ‪ ‬لجبريــل بالعتقــادات الباطنــة‪ ،‬وهــذا الفــرق بيــن‬
‫اليمان ف ّ‬
‫المقامين لجل وردوهما في حديث واحد‪ ،‬فالسلم إذا اقترن مع اليمان رجــع‬
‫السلم إلى العمال الظاهرة ومنها الشــهادتان‪ ،‬ورجــع اليمــان إلــى العمــال‬
‫الباطنة‪ ،‬وإذا ُأفرد السلم فإنه يراد به الدين كله‪ ،‬وهو الذي منه قسم السلم‬
‫هذا‪ ،‬وإذا ُأفرد اليمان فإنه يراد به الدين كلــه بمــا فيــه العمــال‪ ،‬ولهــذا أجمــع‬
‫السلف والئمة على أن اليمان قول وعمل واعتقــاد‪ ،‬وعلــى أن اليمــان قــول‬
‫وعمل؛ يعني قول وعمل واعتقاد‪ ،‬يعني إذا ُأفرد‪ ،‬وهــذا هــو الــذي عليــه عامــة‬
‫ن السلم غير اليمــان‪ ،‬وأن اليمــان‬
‫أهل العلم من أهل السنة والجماعة في أ ّ‬
‫إذا جاء مستقل ً عن السلم فإنه ُيعنى به الدين كله؛ يعنى به السلم واليمــان‬
‫والحسان‪ ،‬وإذا أتى السلم في سياق مستقل عن اليمان ُيعنى به الدين كله‪،‬‬
‫جعــل الســلم‬
‫دللــة‪ ،‬ف ُ‬
‫وأن الســلم واليمــان إذا اجتمعــا افترقــا مــن حيــث ال ّ‬
‫جعل اليمان للعتقادات الباطنة‪.‬‬
‫للعمال الظاهرة‪ ،‬و ُ‬
‫ضا‪ ،‬من رأى أن السلم واليمان واحــد‪ ،‬وهــذا‬
‫من أهل العلم من السلف أي ً‬
‫ضا رأى أن السلم واليمان يختلفــان ولــو‬
‫كما ذكرت لك غير صحيح‪ ،‬ومنهم أي ً‬
‫ضا‪ ،‬ولكن الصحيح أن السلم إذا اجتمع مع اليمان صــار الســلم كمــا‬
‫تفرقا أي ً‬
‫ذكرت لكم للعمال الظاهرة واليمان للعتقادات الباطنة‪ ،‬كما د ّ‬
‫ل عليه حديث‬
‫جبريل هذا‪.‬‬
‫نقــول اليمــان عنــد أهــل الســنة والجماعــة يزيــد وينقــص مــع أنــه متعلــق‬
‫بالعتقادات‪ ،‬والسلم عند أهل السنة والجماعة ل يطلقون العبــارة بــأنه يزيــد‬
‫ضــح الشــكال؟‬
‫وينقص مع أنه متعلــق بالعمــل الظــاهر‪ ،‬فكيــف يكــون هــذا؟ وَ َ‬
‫اليمان يعلقونه بالعتقــادات الباطنــة‪ ،‬ويقولــون يزيــد وينقــص‪ ،‬والســلم فــي‬
‫العمال الظاهرة ول يقولون فيه إنه يزيد وينقص‪.‬‬

‫الشيخ العلمة صالح بن عبد العزيز بن محمد آل الشيخ‬

‫‪16‬‬

‫والجواب عن هذا الشكال‪ :‬أن اليمان إذا أريد به عامــة أمــور الــدين‪ ،‬كمــا‬
‫جاء في حديث مثل ً وفــد عبــد القيــس حيــث قــال لهــم عليــه الصــلة والســلم‬
‫»آمركم باليمان بالله وحده‪ ،‬أتدرون ما اليمان بللالله وحللده؟« ثــم‬
‫مس من المغنللم« وهــذا نــوع مــن‬
‫ذكر أمور اليمان‪ ،‬وقال »أن تؤدوا ال ُ‬
‫خ ُ‬
‫العمال‪ .‬فإ ً‬
‫سنة‪ -‬داخلــة فــي‬
‫ذا العمال باتفاق السلف داخلة ‪-‬يعني من أهل ال ّ‬
‫مى اليمان‪ ،‬وإذا كان كذلك‪ ،‬فإذا قالوا اليمان يزيد وينقص‪ ،‬فإنه يرجع في‬
‫مس ّ‬
‫ن الســلم‬
‫هذه الزيادة إلى العتقاد ويرجع إلى العمال الظاهرة‪ ،‬وهذا يعنــي أ ّ‬
‫ن اليمان الذي يزيــد وينقــص إيمــان القلــب وإيمــان الجــوارح‪،‬‬
‫يزيد وينقص؛ ل ّ‬
‫وإيمان القلب اعتقاده بقوة إيمانه بــالله وملئكتــه وكتبــه ورســله‪ ،‬هــذا النــاس‬
‫ليسوا فيه سواء بل يختلفون؛ منهم من إيمانه كأمثال الجبال‪ ،‬ومنهــم مــن هــو‬
‫أقل من ذلك‪ ،‬وهو يزيد بالطاعة وينقص بالمعصــية‪ ،‬والعمــال الظــاهرة الــتي‬
‫ضا وتنقص‪ ،‬فكلما زادت زاد إيمان العبد‪ ،‬وكلما نقصــت‬
‫هي من اليمان تزيد أي ً‬
‫ضا‪ ،‬ويزيد بترك المعصية‪.‬‬
‫نقص إيمان العبد‪ ،‬وينقص اليمان بالمعصية أي ً‬
‫ضــا يزيــد وينقــص‪ ،‬علــى اعتبــار أن‬
‫بعض أهل العلم أيضــا يقــول الســلم أي ً‬
‫السلم هو اليمان في دللته على العتقاد والعمل‪ ،‬أو في دللته على العمال‬
‫ضا يزيد معها الســلم ويزيــد معهــا اليمــان‪،‬‬
‫الظاهرة‪ ،‬فإن العمال الظاهرة أي ً‬
‫كيف يزيــد معهــا الســلم؟ لن الســلم استســلم‪ .‬مــا الســلم؟ الســلم هــو‬
‫الستسلم لله بالتوحيد‪ ،‬والنقيــاد لـه بالطاعــة‪ ،‬والــبراءة مــن الشــرك وأهلــه‪.‬‬
‫فالسلم فيه استسلم لله بالتوحيد‪ ،‬وهذا تدخل فيه الشهادتان‪ ،‬فهــذا إ ً‬
‫ذا يزيــد‬
‫الناس فيه وينقص استسلمهم لله بالتوحيــد مختلــف يتفــاوتون فيــه‪ ،‬والنقيــاد‬
‫ضا يتفاوتون فيه‪.‬‬
‫بالطاعة أي ً‬
‫إذن من أطلق هذا القول فل يغلــط‪ ،‬وقــد أطلقــه مــرة شــيخ الســلم ابــن‬
‫تيمية؛ ولكن القول المعتمد عند السلف أنهـم يعـبرون فـي الزيـادة والنقصـان‬
‫ن‬
‫عن اليمان دون السلم؛ لن في ذلك مخالفة للمرجئة الذين يجعلون اليمــا َ‬
‫س في أصله سواء‪ ،‬يعني في اعتقاد القلب‪ ،‬وإنمــا يتفــاوت النــاس عنــدهم‬
‫النا ُ‬
‫بالعمال الظاهرة‪.‬‬
‫فتقيد الســلف بلفــظ اليمــان يزيــد وينقــص‪ ،‬خلفًــا للمــرجئة الــذين جعلــوا‬
‫الزيادة والنقصان في العمال الظــاهرة دون اعتقــاد القلــب‪ ،‬وعنــدهم اعتقــاد‬
‫القلب الناس فيه سواء‪ ،‬كما يعبرون عنه بقولهم وأهله في أصله سواء‪.‬‬
‫فيعبرون عن اليمان بأنه هو الذي يزيد وينقــص دون الســلم لهــذا‪ ،‬فتأخــذ‬
‫بتعبيرهم ول تطلق العبارة الخــرى؛ لنهــا غيــر مســتعملة عنــدهم مــع أنهــا إن‬
‫أطلقت فهي صحيحة إن احتيج إليها‪.‬‬
‫صدَ ْ‬
‫ت«( يعني في جوابه عن مسألة السلم‪ ،‬وهذا فيه عجــب أن‬
‫ق َ‬
‫)قال » َ‬
‫دق‪ ،‬وهذا فيه لفت النتباه؛ انتباه الصحابة إلى هذه المسائل‪ ،‬كيــف‬
‫يسأل وُيص ّ‬
‫يسأل ويصدق؟ فالمتعلم إذا أتى بأسلوب في الســؤال يلفــت النظــر ليســتفيد‬
‫ن هذا حسن ليستفيد منــه الخــرون؛ لن النــبي ‪‬‬
‫البقية مع علم المسؤول فإ ّ‬
‫يعرف أن هذا جبريل‪ ،‬وتصديقه له دال على هذا بوضوح‪ .‬ففي هذا أن المتعلم‬
‫يأتي للعــالم بمعرفتــه بمــا يسـأل لفــادة غيــره‪ ،‬وأن هــذا أســلوب حســن مـن‬
‫أساليب التعليم الشرعية‪.‬‬
‫صد ّ ُ‬
‫ن‬
‫قه! قال »فأخبرني عن اليمان«‪ ،‬قــال»أ ْ‬
‫)قال فعجبنا له يسأله وي ُ َ‬
‫ن ِبال ْ َ‬
‫وت ُل ْ‬
‫تُ ْ‬
‫ه‬
‫ر َ‬
‫وم ِ ال ِ‬
‫ر ِ‬
‫ؤ ِ‬
‫سل ِ‬
‫وُر ُِ‬
‫وك ُت ُب ِ ِ‬
‫مل َئ ِك َت ِ ِ‬
‫ؤ ِ‬
‫م َ‬
‫م َ‬
‫و َ‬
‫خْر‪َ ،‬‬
‫والي َ ْ‬
‫ه َ‬
‫ه َ‬
‫ه َ‬
‫ن ِبالله َ‬
‫خي ْل ِ‬
‫ق لد َ ِ‬

‫النووية‬
‫شرح الربعين‬
‫‪17‬‬

‫و َ‬
‫ضــا‪،‬‬
‫شّر ِ‬
‫ه«( ذكر أركان اليمان الستة‪ ،‬وهذه الركــان جــاءت فــي القــرآن أي ً‬
‫َ‬
‫سللو ُ‬
‫مللا‬
‫ن الّر ُ‬
‫م َ‬
‫ل بِ َ‬
‫منها خمسة؛ المتتابعة‪ ،‬جــاءت فــي قــول اللــه جــل وعل (آ َ‬

‫ُ‬
‫ن ُ‬
‫م ْ‬
‫كلل ّ‬
‫ز َ‬
‫ه‬
‫وك ُت ُِبلل ِ‬
‫مَلئ ِك َِتلل ِ‬
‫ن ِبللالل ّ ِ‬
‫ؤ ِ‬
‫ن َرّبلل ِ‬
‫ه ِ‬
‫ل إ ِل َْيلل ِ‬
‫مُنللو َ‬
‫ملل َ‬
‫ملل ْ‬
‫و َ‬
‫لآ َ‬
‫وال ْ ُ‬
‫ه َ‬
‫ه َ‬
‫ه َ‬
‫أنلل ِ‬
‫ن ب ِللالل ّ ِ‬
‫سل ِ ِ‬
‫وُر ُ‬
‫مل َ‬
‫مل ْ‬
‫ول َك ِل ّ‬
‫نآ َ‬
‫ن ال ْب ِلّر َ‬
‫وال ْي َل ْ‬
‫ه َ‬
‫ه)]البقرة‪ [258:‬هذه أربعة‪ .‬وقوله( َ‬
‫َ‬
‫وم ِ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫ن‬
‫ال ِ‬
‫ها اللل ِ‬
‫ملئ ِك ِ‬
‫ن)]البقرة‪ [177:‬وكما في قوله(َيا أي ّ َ‬
‫ذي َ‬
‫والن ّب ِّيي َ‬
‫وال َ‬
‫والك َِتا ِ‬
‫ب َ‬
‫ة َ‬
‫ر َ‬
‫خ ِ‬
‫ذي ن َلّز َ‬
‫ب‬
‫ل َ‬
‫سللول ِ ِ‬
‫ب ال ّل ِ‬
‫سللول ِ ِ‬
‫مُنوا ِبالل ّ ِ‬
‫مُنوا آ ِ‬
‫عل َللى َر ُ‬
‫وَر ُ‬
‫آ َ‬
‫وال ْك ِت َللا ِ‬
‫وال ْك ِت َللا ِ‬
‫ه َ‬
‫ه َ‬
‫ه َ‬
‫َ‬
‫ن ي َك ْ ُ‬
‫ن َ‬
‫قب ْ ُ‬
‫ذي أنَز َ‬
‫سلل ِ ِ‬
‫وك ُت ُب ِل ِ‬
‫مَلئ ِك َت ِل ِ‬
‫فلْر ب ِللالل ّ ِ‬
‫ل ِ‬
‫ال ّ ِ‬
‫وُر ُ‬
‫م ْ‬
‫م ْ‬
‫و َ‬
‫و َ‬
‫وال ْي َل ْ‬
‫ه َ‬
‫ه َ‬
‫ه َ‬
‫ه َ‬
‫ل َ‬
‫وم ِ‬
‫ف َ‬
‫ر َ‬
‫ض ّ‬
‫دا)]النساء‪ ،[136:‬وفي القدر جاء قــوله جــل وعل(إ ِن ّللا‬
‫ضَلًل ب َ ِ‬
‫اْل ِ‬
‫ل َ‬
‫قدْ َ‬
‫عي ً‬
‫خ ِ‬
‫قَناهُ ب ِ َ‬
‫خل َ ْ‬
‫ل َ‬
‫كُ ّ‬
‫ضــا‬
‫ي ٍ‬
‫ء َ‬
‫ر)]البقرة‪ [49:‬يعني أن أصول هــذه الركــان جــاءت أي ً‬
‫ش ْ‬
‫قد َ ٍ‬

‫في القرآن‪.‬‬
‫عبر عنها بأركان اليمان‪ ،‬والخمسة التي قبلهــا‬
‫وهذه الركان الستة هي التي ُ‬
‫بأركان السلم‪.‬‬
‫أركان اليمان‪ ،‬ما معنى كونها أركانـا؟ نلحــظ مسـألة مهمـة ينبغــي لكـم أن‬
‫تنتبهوا لها‪ :‬أن لفظ أركان السلم‪ ،‬ولفظ أركان اليمان لم يرد في شيء مــن‬
‫النصوص؛ لم يرد أن لليمان أركانا‪ ،‬ول أن للسلم أركانــا‪ ،‬وإنمــا عــبر العلمــاء‬
‫دا من عنــدهم‪ .‬وإذا كــان كــذلك فينبغــي أن ُتفهــم النصــوص‬
‫بلفظ الركن اجتها ً‬
‫على ضوء هذا الصل‪ ،‬وهو أن التعبير عـن هـذه بالركـان إنمـا هــو فهـم لهـل‬
‫العلم في أن هذه هي الركان ‪-‬وفهمهم صحيح بل شك‪ -‬لن الركن هو ما تقوم‬
‫عليه ماهية الشيء؛ فالشيء ل ُيتصور قيامه إل بوجود أركانه‪ ،‬فمعنى ذلك أنــه‬
‫إذا تخلف ركن من الركان ما قام البناء‪ ،‬فإذا تخّلف اليمان بالقدر ما قام بنــاء‬
‫اليمان أص ً‬
‫ل‪ ،‬إذا تخلف ركن اليمان باليوم الخر ما قام البناء؛ لن الركن فــي‬
‫التعريف الصطلحي هو ما تقوم عليه ماهية الشيء‪ ،‬فإذا تخلف ركن لم يقــم‬
‫الشيء أصًل‪ ،‬يعني لم يقم الشيء وجودا شرعّيا؛ لن قيامه مبني على تكامــل‬
‫أركانه‪.‬‬
‫وهذا يورد علينا إشكال وهو‪ :‬أّنه في السلم قيل هــذه هــي أركــان الســلم‬
‫الخمسة‪ ،‬والعلماء لم يتفقوا على أن من ترك الحج والصيام جميًعا من أركــان‬
‫السلم أنه ليس بمسلم‪ ،‬واتفقوا على أنه من تــرك ركن ًــا مــن أركــان اليمــان‬
‫فإنه ليس بمؤمن أصًل‪ ،‬وهذا يرجع إلى أن اصطلح الركن اصطلح حادث‪.‬‬
‫فينبغي أن تفهم خاصة في مسائل اليمان والسلم والتكفير وما يتعلق بها‬
‫أن العلماء أتــوا بألفــاظ للفهــام‪ ،‬فهــذه اللفــاظ الــتي للفهــام ل ُتحك ّــم علــى‬
‫النصوص‪ ،‬وإنما النصوص التي ُتح ّ‬
‫كم على ما أتى العلماء به مــن اصــطلحات‪،‬‬
‫يعني أن نفهم الصطلحات علــى ضــوء النصــوص‪ ،‬وأن نفهــم النصــوص علــى‬
‫حا من جهة الدليل الشرعي رجعنا‬
‫ضوء الصطلحات‪ ،‬فإذا صار الصطلح صحي ً‬
‫في فهم الدليل الشــرعي للصــطلح ففهمنــا ذلــك‪ ،‬وهــذا يتضــح ببيــان أركــان‬
‫السلم‪ ،‬فإّنه لو تخلف ركنان من أركان الســلم‪ ،‬تخلــف الحــج مثل والصــيام‪،‬‬
‫ت بالحــج والصــيام فــإنه‬
‫ن أهل السنة والجماعة ما اتفقوا على أن من لم يأ ِ‬
‫فإ ّ‬
‫دا‬
‫ليس بمسلم؛ بل قالوا‪ :‬هــو مســلم؛ لنــه شــهد أن ل إلــه إل اللــه وأن محم ـ ً‬
‫رسول الله؛ ولنه أقام الصلة مثل‪ ،‬واختلفوا فيما عدا ذلــك مــن الركــان فيمــا‬
‫ت بها دون جهد لها مع أنه تخلف عنه ركن أو أكثر‪.‬‬
‫إذا تركها‪ ،‬يعني ولم يأ ِ‬
‫وهذا يعني أّنه في فهــم أركــان الســلم‪ ،‬نجعــل هــذه الركــان تختلــف فــي‬
‫تعريف الركن عن فهم أركان اليمان‪ ،‬فنقول في أركان الســلم‪ُ :‬يكتفــى فــي‬

‫الشيخ العلمة صالح بن عبد العزيز بن محمد آل الشيخ‬

‫‪18‬‬

‫السلم بوجود الشهادتين والصلة‪ ،‬وفي غيرهما خلف‪ ،‬وأما في أركان اليمان‬
‫فمن تخلـف منـه ركـن مـن هــذه الركـان فــإنه ليــس بمـؤمن هــذا مـن حيــث‬
‫التأصيل‪ .‬فإ ً‬
‫ما ولــو تخلــف عنــه بعــض أركــان‬
‫ذا نقــول يمكــن أن يســمى مســل ً‬
‫السلم‪ ،‬ول يصح أن يسمى مؤمًنا إن تخلف عنه ركن من أركان اليمان‪.‬‬
‫إذا تقّرر هذا فأركان اليمان الســتة هــذه فيهــا قــدر واجــب ل يصــح إســلم‬
‫بدونه؛ قدر واجب على كل مكلف‪ ،‬من لم يأت به فليس بمــؤمن‪ ،‬وهنــاك قــدر‬
‫زائد على هذا تبعا للعلم‪ ،‬أو تبعا لما يصله من الدليل‪.‬‬
‫ت به صار كافًرا؟ فهذا هناك قدر‬
‫فما هو القدر المجزئ وهو الذي من لم يأ ِ‬
‫مجزئ في اليمان بالله‪ ،‬قدر مجــزئ فــي اليمــان بالرســل‪ ،‬قــدر مجــزئ فــي‬
‫اليمان بالكتب‪ ،‬وقدر مجزئ في اليمان باليوم الخر والقدر‪ ،‬إلى آخره‪.‬‬
‫أما اليمان بالله فهو ثلثة أقسام‪:‬‬
‫‪ .1‬إيمان بالله بأنه واحد في ربوبيته‪.‬‬
‫‪ .2‬وإيمان بالله بأنه واحد في ألوهيته؛ يعني في استحقاقه العبادة‪.‬‬
‫‪ .3‬وإيمان بالله يعني بأنه واحد في أسمائه وصفاته ل مثيل له سبحانه‬
‫ه َ‬
‫صيُر)]الشورى‪.[11:‬‬
‫و ُ‬
‫ع الب َ ِ‬
‫س ِ‬
‫مث ْل ِ ِ‬
‫س كَ ِ‬
‫مي ُ‬
‫و ال ّ‬
‫وتعالى﴿ل َي ْ َ‬
‫ه َ‬
‫يء ٌ َ‬
‫ش ْ‬
‫ب هــذا الوجــود‪،‬‬
‫القدر المجزئ من الول أن يعتقد أن الله جــل جللــه هــو ر ّ‬
‫يعني أنــه هــو الخــالق لــه‪ ،‬المــدبر لــه‪ ،‬المتصــرف فيــه؛ خــالق لــه‪ ،‬مــدبر لــه‪،‬‬
‫ومتصرف فيه كيف يشاء‪ ،‬هذه الربوبية‪.‬‬
‫باللهية بأنه ل أحد يســتحق شــيئا مــن أنــواع العبــادة مــن الخلــق؛ بــل الــذي‬
‫يستحق هو الله جل جلله وحده‪.‬‬
‫والثالث‪ :‬أن يؤمن بأن الله جل وعل له السماء الحسنى والصفات العل دون‬
‫تمثيل لها بصفات المخلوقين‪ ،‬ودون تعطيل له عن أسمائه وصفاته بالكليــة‪ ،‬أو‬
‫جحد لشيء من أسمائه وصفاته بعد وضوح الحجة فيها له‪.‬‬
‫هذا القدر المجزئ من اليمان بالله‪.‬‬
‫اليمان بالملئكة‪ :‬القدر المجزئ أن يؤمن بأن الله جل وعل له خلق من‬
‫خلقه اسمهم الملئكة‪ ،‬عباد يأتمرون بأمر الله جل وعل‪ ،‬مربوبون ل يستحقون‬
‫ت بالوحي للنبياء‪ ،‬هذا القدر هو الواجب‪.‬‬
‫شيًئا‪ ،‬وأن منهم من يأ ِ‬
‫فإذا قال‪ :‬ل أنا أنكر وجود ملئكة ما شفت أحد‪ .‬فهذا انتفى عنه هذا الركــن‬
‫وهو اليمان بالملئكة؛ لكن لو قال‪ :‬أنا ما أعلم ميكال هـذا‪ .‬فـإنه ل يقـدح فـي‬
‫إيمانه بالملئكة؛ لنه يقول‪ :‬أنا مؤمن بوجود هذا الخلق من خلق الله جل وعل‬
‫ن‬
‫م ْ‬
‫ملئكة؛ لكن ميكال ما أعرف هذا ميكال‪ .‬فيبّلغ بالحجة فيه في آية البقرة﴿ َ‬
‫َ‬
‫ه)]البقرة‪ [98:‬الية التي فيها ذكر ميكال‪ ،‬ويبلغ بما جــاء فيــه‪ ،‬فــإن‬
‫ن َ‬
‫وا ل ِل ّ ِ‬
‫كا َ‬
‫عدُ ّ‬
‫)‪(1‬‬
‫دا لهذا الركن من الركان‪.‬‬
‫علم أنها آية ثم لم يؤمن كان جاح ً‬
‫فإ ً‬
‫ذا فيه قدر مجزئ وهو الذي يجب على كل أحد‪ ،‬وقدر يتفاضل فيه الناس‬
‫واجب أيضا ً مع العلم؛ فكلما علم شيئا ً من ذلك وجــب عليــه اليمــان بــه‪ ،‬إلــى‬
‫آخره‪ ،‬وهذا واسع‪ ،‬وكلما علم شيئا ً واجبــا مــن ذلــك زاد أجــره وثــوابه وإيمــانه‬
‫ويقينه‪.‬‬
‫اليمان بالكتب‪ :‬القدر المجزئ منها أن يعلم؛ أن يعتقــد العتقــاد الجــازم‬
‫الذي ل شك فيه بأن الله جل وعل أنزل علــى مــن شــاء مــن رســله كتبـا ً هــي‬
‫كلمــه جــل وعل وأن منهــا القــرآن الــذي هــو كلمــه جــل وعل هــذا هــو القــدر‬
‫‪ ()1‬انتهى الشريط الول‬

‫النووية‬
‫شرح الربعين‬
‫‪19‬‬

‫المجزئ من ذلك‪ .‬ومـا بعـد ذلـك أن يـؤمن بـالتوراة؛ قـد يقـول‪ :‬أنـا ل أعـرف‬
‫التوراة‪ ،‬فإذا ع ُّرف وجــب عليــه‪ ،‬وهكــذا فــي تفاصــيل ذلــك‪ .‬فمــن عل ِــم شــيئا‬
‫بدليله‪ ،‬بنصه وجب عليه أن يؤمن به‪ ،‬لكن أول ما يدخل في الدين يجــب عليــه‬
‫أن يؤمن بهذا القدر المجزئ‪ ،‬وهو الذي يصح معه إيمان المسلم‪.‬‬
‫ورسله‪ :‬اليمان ‪-‬وهو العتقاد الجازم الذي ل ريب فيه‪ ،‬ول تردد‪ -‬بأن اللــه‬
‫جل وعل أرسل رسل ً لخلقه‪ ،‬وأن هــؤلء الرســل مــوحى إليهــم مــن اللــه جــل‬
‫وعل‪ ،‬وأن خاتمهم محمد عليه الصلة والسلم فيؤمن به عليه الصلة والســلم‬
‫ويتبعه‪ ،‬فهذا هو القدر المجزئ‪ ،‬وما بعد ذلك أيضا يكون واجبـا بقـدر مـا يصـله‬
‫من العلم‪ ،‬وفيها أشياء أيضا ً مستحبة في تفاصيل‪.‬‬
‫طبعا ً هذا الحديث قد ُندخل فيه العقيدة كلها‪ ،‬ويطــول الكلم‪ ،‬لكــن أنبهــك‬
‫على أصول في فهم هذه الحاديث‪.‬‬
‫واليوم الخر‪ :‬القدر المجزئ منه الذي يتحقق به قيام الركن أن يؤمن بأن‬
‫الله جل وعل جعل يوما ً يحاسب فيه الناس‪ ،‬يعودون إليه ويبعثهم من قبــورهم‬
‫ويلقون ربهم ويجــازي المحســن بإحســانه والمســيء بإســاءته‪ ،‬وأن المحســن‬
‫يدخل الجنة وأن المسيء يعني الكافر يدخل النار‪ ،‬وأن المسلم يــدخل الجنــة‪،‬‬
‫هذا القدر واجب؛ ركن‪ ،‬وما بعد ذلك يكون بحسب العلم‪.‬‬
‫وال َ‬
‫در‪ :‬يؤمن بالقدر خيره وشره من الله تعالى؛ بأن يــؤمن ‪-‬هــذا‬
‫ق َ‬
‫دره الله جل وعل؛ بمعنــى‬
‫در المجزئ‪ -‬بأنه ما من شيء يكون إل وقد ق ّ‬
‫هو الق ْ‬
‫مــه بــذلك أّول‪ ،‬وأنــه كتــب ذلــك‬
‫أنه سبحانه عِلم هذا الشيء قبل وقــوعه‪ ،‬و ِ‬
‫عل ْ ُ‬
‫عنده سبحانه وتعالى‪ ،‬ويغني عن اعتقاده الكتابة قبـل العلـم بـدليلها أن يـؤمن‬
‫در سابق‪ ،‬فيشمل ذلك؛ يشمل اعتقــاده أن القــدر‬
‫در السابق‪ ،‬يعني أن الق َ‬
‫بالق َ‬
‫سابق العلم‪ :‬علم الله جل وعل‪ ،‬والكتابة؛ لن القسام التية مقاَرنة أو لحقــة‪،‬‬
‫وليست سابقة‪ .‬ويؤمن أيضا ً بأن ما شاء الله جــل وعل كــان ومــا لــم يشــأ لــم‬
‫يكن‪ ،‬وأنه ما من شيء إل والله جل وعل هو الذي يخلقه سبحانه فيخلــق جــل‬
‫ل َ‬
‫ق كُ ّ‬
‫ء) )‪.(1‬‬
‫ي ٍ‬
‫ه َ‬
‫خال ِ ُ‬
‫وعل جميع الشياء كما قال﴿الل ّ ُ‬
‫ش ْ‬
‫در الســابق وبمشــيئة اللــه وقُــدرته وخلقــه؛‬
‫ن بالقـ َ‬
‫فإذن اليمان بالقدر إيما ٌ‬
‫در السابق‪ .‬هذا قدر واجب ل يصح اليمان بدونه‪ ،‬وهو الركن فيــه أن‬
‫لنفاذ الق َ‬
‫يؤمن بسبق القدر‪ ،‬وفيما يتعلق بالمقدور الواقع‪ ،‬يعني بالقضاء الواقــع‪ ،‬يعتقــد‬
‫أنه بمشيئة الله وخلقه لهذا الفعل‪ ،‬يعلم مراتب القدر الربعة‪ ،‬وتفاصيل ذلــك‪،‬‬
‫هذا بحسب ما يصل إليه من العلم فمنه واجب‪ ،‬ومنه مستحب‪.‬‬
‫إذا تقرر هذا فاليمان الشرعي المراد به في هذا الموطن الذي يكون قرينــا ً‬
‫للسلم كما فسرت لــك‪ ،‬يــراد بــه العتقــاد البــاطن‪ ،‬فــإذا قــرن بيــن الســلم‬
‫واليمان انصرف السلم إلــى عمــل اللســان وعمــل الجــوارح‪ ،‬واليمــان إلــى‬
‫العتقادات الباطنة؛ فلهذا نقول إ ً‬
‫ذا ل ُيتصور أن يوجد إســلم بل إيمــان‪ ،‬ول أن‬
‫يوجد إيمان بل إسلم‪ ،‬فكل مسلم ل بــد أن يكــون معــه مـن اليمـان قــدٌر هــو‬
‫ســمي مســلما ً‬
‫الذي ذكرنا ص ّ‬
‫حح به إسلمه‪ ،‬فلو لم يكن عنده ذلــك القــدر مـا ُ‬
‫أص ً‬
‫ل‪ ،‬فل ُيتصور مسلم بل إيمان‪ ،‬فكل مســلم عنــده قــدر مــن اليمــان‪ ،‬وهــذا‬
‫در مــن الســلم‬
‫در المجزئ الذي ذكرت لك‪ .‬وكل مؤمن عنــده ق ـ ْ‬
‫در هو الق ْ‬
‫الق ْ‬
‫حح ليمانه‪ ،‬فإنه ل ُيقبل من أحد إيمان بل إسلم‪ ،‬كما أنه ل يقبل مــن أحــد‬
‫مص ّ‬
‫إسلم بل إيمان‪.‬‬
‫‪()1‬‬

‫سورة الرعد‪ .16 :‬الزمر‪.62 :‬‬

‫الشيخ العلمة صالح بن عبد العزيز بن محمد آل الشيخ‬

‫‪20‬‬

‫فإذا قلنا‪ :‬هذا مسلم‪ ،‬فمعناه أن ّــه ُوجــد إســلمه الظــاهر مــع أصــل اليمــان‬
‫در المجزئ‪.‬‬
‫الباطن‪ ،‬وهو الق ْ‬
‫إذا تقّرر هذا فنقول اليمــان يتفــاوت أهل ُــه فيــه‪ ،‬ولتفــاوت أهلــه فيــه‪ ،‬صــار‬
‫اليمان أعلى مرتبة من السلم‪ ،‬وصار المؤمن أعلى مرتبة مــن المســلم؛ لن‬
‫اليمان في المرتبة التي هي أعلى من مرتبة السلم قد حقــق فيهــا الســلم‪،‬‬
‫وما معه من القدر المجزئ من اليمان‪ ،‬وزاد على ذلك فيكون إًذا إيمانه أرفــع‬
‫رتبة من إسلمه؛ لنه اشتمل على السلم وزيــادة‪ .‬ولهــذا قــال العلمــاء‪ :‬كللل‬
‫مؤمن مسلم‪ ،‬وليس كل مسلم مؤمنا‪ .‬ولهذا جاء في الحــديث الصــحيح‬
‫ط فلنا فإنه يا رسول الله مــؤمن‪ .‬فقــال‬
‫ن النبي ‪ ‬قال له أحد الصحابة‪ :‬أع ِ‬
‫أ ّ‬
‫عليه الصلة والسلم »أو مسلم«‪ ،‬فأعادها عليه الصحابي‪ ،‬فقال عليه الصلة‬
‫والسلم »أو مسلم«‪ ،‬فهذه قوله )أو مسلم( فيها دليل على تفريق ما بيــن‬
‫المسلم والمؤمن‪ ،‬فإن مرتبة المــؤمن أعلــى مــن مرتبــة المســلم‪ ،‬كمــا دل ّــت‬
‫ن ُ‬
‫من ّللا ُ‬
‫عليها آية الحجرات﴿ َ‬
‫م تُ ْ‬
‫قل ْ‬
‫قول ُللوا‬
‫ت اْل َ ْ‬
‫ؤ ِ‬
‫عَرا ُ‬
‫قال َ ْ‬
‫ول َك ِل ْ‬
‫ل ل َل ْ‬
‫بآ َ‬
‫من ُللوا َ‬
‫َ‬
‫في ُ‬
‫خ ْ‬
‫م)]الحجرات‪ [14:‬فدل على أنهم لــم‬
‫ما ي َدْ ُ‬
‫ن ِ‬
‫ما ُ‬
‫أ ْ‬
‫قُلوب ِك ُ ْ‬
‫لي َ‬
‫ول َ ّ‬
‫سل َ ْ‬
‫مَنا َ‬
‫لا ِْ‬
‫يبلغوا مرتبة اليمان الذي هي أعلى من مرتبة السلم‪.‬‬
‫فإ ً‬
‫ذا نخلص من هذا إلى أن اليمان الــذي هــو تحقيــق هــذه الركــان الســتة‬
‫در المجزئ منه‪ ،‬ليس هو المراد بذكر هذه المراتب؛ لنه داخــل فــي قــوله‬
‫بالق ْ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫سللو ُ‬
‫ن تَ ْ‬
‫ل الللله(‪ ،‬فتحقيــق مرتبــة‬
‫وأ ّ‬
‫)أ ْ‬
‫مل َ‬
‫م َ‬
‫دا َر ُ‬
‫ش َ‬
‫ح َ‬
‫ن ُ‬
‫هدَ أن ل إل َ َ‬
‫ه إل ّ الللله‪َ ،‬‬
‫اليمان يكون بالقدر المجزئ‪ ،‬وما هو أعلى من ذلـك؛ لن اليمــان أعلــى رتبــة‬
‫من السلم‪ ،‬والمؤمن أعلى رتبة من المسلم‪.‬‬
‫ف تنوعت عباراتهم في اليمان وأنواعه‪:‬‬
‫سل ُ‬
‫ال ّ‬
‫‪ ‬فقالت طائفة منهم‪ :‬اليمان قول وعمل‪.‬‬
‫‪ ‬وقالت طائفة‪ :‬اليمان قول وعمل واعتقاد‪.‬‬
‫‪ ‬وقال آخرون‪ :‬اليمان قول وعمل ون ِّية‪.‬‬
‫ُ‬
‫صير منهم إلى شيء واحد وهو أن اليمــان إذا أطلــق‪ ،‬أو جــاء علــى‬
‫م ِ‬
‫وهذا َ‬
‫صفة المدح لهله في النصوص أو في الستعمال فـإنه يـراد بـه اليمـان الـذي‬
‫ح ْ‬
‫ظ هذا إ َ‬
‫ذا ُأطلق‪ ،‬قلنا‪ :‬اليمان ولــم نــذكر الســلم‪ ،‬أو جــاء‬
‫يشمل السلم‪ .‬إل ْ َ‬
‫في مورد فيه المدح له ولو كان مع السلم؛ فإنه يشمل السلم أيضا ً لــدخول‬
‫العمل فيه‪ ،‬فنقول‪ :‬هنا تنوعت عباراتهم‪.‬‬
‫فقال بعضهم‪ :‬اليمان قول وعمل‪ ،‬من قال هذا فــإنه يعنــي بــالقول‪ :‬قــول‬
‫القلب وقول اللسان‪ ،‬والعمل عمل القلب وعمل الجوارح‪ .‬وقــول القلــب‪ :‬هــو‬
‫اعتقاده‪ ،‬وعمل القلب وعمل الجــوارح‪ :‬هــذا هــو العمــل‪ ،‬وقــول اللســان‪ :‬هــو‬
‫القول رجع إلى أنه قول وعمل واعتقاد؛ لن العتقاد داخل في قول من قــال‪:‬‬
‫قول وعمل‪ ،‬فالعتقاد داخل فــي القــول؛ لن المــراد بــه قــول القلــب‪ ،‬وقــول‬
‫اللسان‪ ،‬وقول القلب‪ :‬هو اعتقاده‪.‬‬
‫من قال ‪-‬وهم كثير من السلف‪ -‬قول وعمل ونية‪ ،‬يريد بالنية‪ :‬مــا يصــح بــه‬
‫مل َ‬
‫ل‬
‫ن َ‬
‫ع ِ‬
‫م ْ‬
‫اليمان‪ ،‬فزاد هذا القيد تنبيها علــى أهميتــه‪ ،‬لقــول اللــه جــل وعل﴿ َ‬
‫صال ِحا من ذَك َر أ َ ُ‬
‫)‪(1‬‬
‫مل ْ‬
‫م ْ‬
‫م َ‬
‫ن( صــار‬
‫و ُ‬
‫و ُ‬
‫ؤ ِ‬
‫نع ِ‬
‫ؤ ِ‬
‫م ٌ‬
‫م ْ‬
‫م ٌ‬
‫َ ً ِ ْ‬
‫و ُ‬
‫ن) ) َ‬
‫و ُ‬
‫ه َ‬
‫ل( ) َ‬
‫ه َ‬
‫و أن َْثى َ‬
‫ٍ ْ‬
‫القول والعمل مع النية‪ ،‬يعني النية في القول والعمــل‪ ،‬وهــذا راجــع أيضـا ً إلــى‬
‫العتقاد؛ لن النية هي توجه القلب وإرادة القلب وقصد القلب‪.‬‬
‫‪1‬‬

‫)(سورة النحل‪ .97 :‬غافر‪.40:‬‬

‫النووية‬
‫شرح الربعين‬
‫‪21‬‬

‫فإ ً‬
‫ذا إذا اختلفت العبارات فالمعنى واحد‪ ،‬واليمان عنــدهم كمــا ذكــرت لــك‬
‫يزيد وينقص؛ يزيد بالطاعة وينقص بشيئين؛ بنقص الطاعات الواجبة أو ارتكاب‬
‫المحرمات‪.‬‬
‫قوله هنا )ِبال ْ َ‬
‫و َ‬
‫ه(‪ ،‬الشّر هنــا مــن بــاب إضــافة القــدر إلــى‬
‫ر َ‬
‫شّر ِ‬
‫ر ِ‬
‫ه َ‬
‫خي ْ ِ‬
‫قدَ ِ‬
‫العامل‪ ،‬أما فعل الله جل وعل فليس فيه شر كما جاء في الحــديث »والشللر‬
‫ليس إليك«‪.‬‬
‫َ‬
‫د‬
‫)قال » صدقت «‪ .‬قال‪» :‬فأخبرني عن الحسان«‪ ،‬قال »أ ْ‬
‫عُبلل َ‬
‫ن تَ ْ‬
‫َ‬
‫ه ي ََرا ْ‬
‫ن ت ََراهْ َ‬
‫ه‪َ ،‬‬
‫ك«( قال العلمــاء‪ :‬الحســان‬
‫فإ ْ‬
‫م ت َك ُ ْ‬
‫فإ ِن ّ ُ‬
‫ن لَ ْ‬
‫الله ك َأّنك ت ََرا ُ‬
‫هنا ركن واحد‪.‬‬
‫ه‬
‫ضا‪ ،‬مقروًنا بالتقوى﴿إ ِ ّ‬
‫♦ والحسان جاء في القرآن مقروًنا بأشياء أي ً‬
‫ن الل ّ َ‬
‫ً‬
‫ن ات ّ َ‬
‫ن)]النحل‪ [128:‬ومقرونا أيضا بالعمل‬
‫ن ُ‬
‫ح ِ‬
‫وال ّ ِ‬
‫ع ال ّ ِ‬
‫سُنو َ‬
‫م ْ‬
‫م َ‬
‫ذي َ‬
‫ذي َ‬
‫م ُ‬
‫ه ْ‬
‫َ‬
‫وا َ‬
‫ق ْ‬
‫الصالح‪ ،‬ومقرونا بأشياء‪.‬‬
‫َ‬
‫سللَنى‬
‫♦ وأيضا ً أتى الحسان مستقل ً كقوله جل وعل﴿ل ِل ّ ِ‬
‫سللُنوا ال ْ ُ‬
‫نأ ْ‬
‫ح ْ‬
‫ح َ‬
‫ذي َ‬
‫ة)]يونس‪.[26:‬‬
‫زَيادَ ٌ‬
‫َ‬
‫و ِ‬
‫َ‬
‫عب ُلدَ الللله‬
‫ويراد بالحسان‪ :‬إحسان العمل‪ ،‬وقوله هنا في بيان ركنــه )أ ْ‬
‫ن تَ ْ‬
‫َ‬
‫ه ي ََرا ْ‬
‫ن ت ََراهْ َ‬
‫ه‪َ ،‬‬
‫ك( هذا ركن به يحصــل الحســان؛‬
‫فإ ْ‬
‫م ت َك ُ ْ‬
‫فإ ِن ّ ُ‬
‫ن لَ ْ‬
‫ك َأّنك ت ََرا ُ‬
‫َ‬
‫م َ‬
‫ل(؛ إذا جعلــه حسـًنا‪ .‬وإحســان العمــل يتفــاوت‬
‫لن الحسان ِ‬
‫من‪) :‬أ ْ‬
‫ح َ‬
‫ن العَ َ‬
‫س َ‬
‫فيه الناس‪ ،‬ومنه قــدر مجــزئ يصــح معــه أن يكــون العمــل حسـًنا‪ ،‬وأن يكــون‬
‫در أيضا ً من الحسان ل يصــح عملــه بــدونه‪،‬‬
‫فاعله محسًنا‪ ،‬فكل مسلم عنده ق ْ‬
‫ثم هناك القدر الواجب أو المستحب الخر ليتفاوت الناس فيه بحســب الحــال‬
‫الذي يتحقق به هذه المرتبة‪.‬‬
‫فأما القدر المجزئ فأن يكون العمل حسًنا؛ بمعنى أن يكون خالصا ً صــوابا‪،‬‬
‫يعني أن تكون النية فيه صحيحة‪ ،‬وأن يكون على وفق السنة‪.‬‬
‫وأما القدر المستحب فأن يكون قائما ً فــي عملــه علــى مقــام المراقبــة‪ ،‬أو‬
‫مقام المشــاهدة‪ .‬ومقــام المراقبــة هــذا أقــل‪ ،‬ومقــام المشــاهدة هــذا أعظــم‬
‫المراتب التي يصــير إليهــا العبــد المــؤمن‪ ،‬وهــو أن يكــون عنــده الشــياء حــق‬
‫اليقين‪.‬‬
‫َ‬
‫د‬
‫‪ ‬فأما المرتبة الولى مرتبة المراقبة فهي في قــول النــبي ‪) ‬أ ْ‬
‫عب ُل َ‬
‫ن تَ ْ‬
‫َ‬
‫ه ي ََرا ْ‬
‫ن ت ََراهْ َ‬
‫ه‪َ ،‬‬
‫ك( ذكر مقــام المراقبــة فــي‬
‫فإ ْ‬
‫م ت َك ُ ْ‬
‫فإ ِن ّ ُ‬
‫ن لَ ْ‬
‫الله ك َأّنك ت ََرا ُ‬
‫ه ي ََرا ْ‬
‫ن ت ََراهْ َ‬
‫قوله ) َ‬
‫ك( وهــي مقــام أكــثر النــاس‪ ،‬فــإنهم إذا‬
‫فإ ْ‬
‫م ت َك ُ ْ‬
‫فإ ِن ّ ُ‬
‫ن لَ ْ‬
‫وصلوا لهذه المرتبة فإنهم يعبدونه جل وعل على مقـام المراقبــة‪ ،‬فــإذا راقــب‬
‫الله؛ دخل في الصلة بمراقبته لله‪ ،‬يعلم أن الله جــل وعل م ّ‬
‫طلــع عليــه‪ ،‬وأنــه‬
‫في َ ْ‬
‫ما ت َ ُ‬
‫ن‬
‫ن ِ‬
‫كو ُ‬
‫و َ‬
‫شأ ٍ‬
‫بين يدي الله جل وعل كما قال سبحانه في سورة يونس‪َ ‬‬
‫ن ُ‬
‫م ُ‬
‫دا إ ِذْ‬
‫ل إ ِّل ك ُن ّللا َ‬
‫ن َ‬
‫ن ِ‬
‫ه ِ‬
‫ما ت َت ُْلوا ِ‬
‫مُلو َ‬
‫هو ً‬
‫وَل ت َ ْ‬
‫شل ُ‬
‫م ْ‬
‫م ْ‬
‫عل َي ْك ُل ْ‬
‫ع َ‬
‫ع َ‬
‫من ْ ُ‬
‫و َ‬
‫م ٍ‬
‫ن َ‬
‫قْرآ ٍ‬
‫َ‬
‫ه‪]‬يونس‪ .[61:‬فهذا مقام الحســاس بمراقبــة اللــه جــل وعل للعبــد‪،‬‬
‫في‬
‫ن‬
‫ضو‬
‫في‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ُ‬
‫تُ‬
‫ِ‬
‫َ‬

‫ص ّ‬
‫دع لتعلم أن الله جل وعل مراقُبك‪ ،‬وأنه جــل وعل مطلــع عليــك‪،‬‬
‫موَ ّ‬
‫ل صلة ُ‬
‫وما تفيض في شيء إل وهــو يعلمــه ســبحانه يعلــم ذلــك ويــراه ويبصــره منــك‬
‫سبحانه وتعالى‪ ،‬فهذا مقام المراقبة‪ ،‬وكلما عظمت هذه رجعــت إلــى إحســان‬
‫العمل‪ .‬فإذا مثل ً المرء تحرك في صلته فاستحضر مقام مراقبة الله جــل وعل‬
‫لــه واطلعــه عليــه فــإنه مباشــرة سيخشــع لستحضــاره هــذا المقــام؛ مقــام‬
‫المراقبة‪.‬‬

‫الشيخ العلمة صالح بن عبد العزيز بن محمد آل الشيخ‬

‫‪22‬‬

‫‪ ‬أعلى منه لهل العلــم مقـام المشـاهدة‪ ،‬وهـو الــذي أخــبر بـه النـبي ‪‬‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ه(‪ ،‬وهــذه المشــاهدة المقصــود بهــا مشــاهدة‬
‫بقوله )أ ْ‬
‫ن تَ ْ‬
‫عب ُدَ الله ك َأّنك ت ََرا ُ‬
‫ضلل هم الذين جعلوا ذلك مــدخل‬
‫الصفات ل مشاهدة الذات؛ لن الصوفية وال ّ‬
‫لمشاهدة الذات كما يزعمون‪ ،‬وهذا من أعظم الباطل والبهتــان‪ ،‬وإنمــا يمكــن‬
‫مشاهدة الصفات‪ ،‬وي ُعَْنى بها مشاهدة آثار صفات الله جل وعل في خلقه‪ ،‬فإن‬
‫العبد المؤمن كلما ع ُ‬
‫علمه وعظم يقينه بصــفات اللــه جــل وعل وبأســمائه‬
‫ظم ِ‬
‫أرجعَ كل شيء يحصل في ملكوت الله إلى اسم من أسماء اللــه جــل وعل أو‬
‫إلى صفة من صفاته؛ فإذا رأى حسًنا أمامه أرجعه إلى صفة مــن صــفات اللــه‬
‫وإلى أثر من آثار أسمائه الحسنى في ملكوته‪ ،‬وإذا رأى سي ًّئا أرجعه إلى صــفة‬
‫خلقا فيه كذا أرجعه إلى صفة من صــفات اللــه‪ ،‬وإذا‬
‫من صفات الله‪ ،‬وإذا رأى َ‬
‫رأى طاعــة أرجعهــا إلــى صــفة‪ ،‬وإذا رأى معصــية‪ ،‬وإذا رأى مصــيبة‪ ،‬وإذا رأى‬
‫ما‪ ،‬أي حالة من الحالت يراها في الســماء أو‬
‫حرًبا‪ ،‬وإذا رأى قتال‪ ،‬وإذا رأى عل ً‬
‫جع كــل شــيء يــراه‬
‫في الرض فإن مقام مشاهدته لصفات الله تقتضي أّنه ُير ِ‬
‫إلى آثار أسماء الله جل وعل وصفاته في خلقه‪ ،‬ولهذا يحصل هذا المقام لمــن‬
‫مه بأسماء الله جل وعل وبصفاته وبأثرها فــي ملكــوته‪ ،‬فيــأتي لعظــم‬
‫م عل ُ‬
‫ع َظ ُ َ‬
‫علمه بذلك حتى يشهد صفة إحاطة اللــه جــل وعل بالعبــد‪ ،‬وأن اللــه جــل وعل‬
‫رقيب عليه وأّنه محيط به‪ ،‬وأنــه شــاهد عليــه‪ ،‬فيعظــم ذلــك فــي نفســه حــتى‬
‫خلوة ل يراها إل هو‪ ،‬كما جاء في الحديث‪ ،‬قال‬
‫ي أن يكشف عورته في َ‬
‫يستحي َ‬
‫ه«؛ هــذا لجــل مقــام‬
‫ى ِ‬
‫قأ ْ‬
‫في كشف العــورة »إ ّ‬
‫س لت َ ْ‬
‫ن الله أ َ‬
‫ن يُ ْ‬
‫من ْل ُ‬
‫حل ّ‬
‫حي ِ َ‬
‫المشاهدة العظيمة‪.‬‬
‫فإ ً‬
‫ذا أهل السنة الذين يتكلمون في الزهد وفي إصلح أعمال القلــوب علــى‬
‫منهـج أهـل السـنة يجعلـون هـذا علـى مقــامين؛ مقـام المشــاهدة والمراقبـة‪،‬‬
‫والمشاهدة كما ذكرت لك في وصفها‪ ،‬وكل هذا راجع إلــى الحســان‪ ،‬إحســان‬
‫َ‬
‫م أ َي ّ ُ‬
‫مًل﴾ )‪ (1‬وكلمــا عظــم مقــام المشــاهدة أو‬
‫ن َ‬
‫مأ ْ‬
‫ح َ‬
‫سلل ُ‬
‫ع َ‬
‫كلل ْ‬
‫وك ُ ْ‬
‫العمــل﴿ل ِي َب ُْللل َ‬
‫المراقبة زاد إحسان العمل‪.‬‬
‫َ‬
‫)قال » َ‬
‫س ُ‬
‫ؤو ُ‬
‫م‬
‫فأ َ ْ‬
‫هللا ب ِلأ ْ‬
‫ل َ‬
‫رني َ‬
‫عن ْ َ‬
‫م ْ‬
‫ن ال ّ‬
‫ع ْ‬
‫عل َ َ‬
‫ما ال َ‬
‫ساعة؟« قال » َ‬
‫خب ِ ْ‬
‫ِ‬
‫َ‬
‫سأُلون َ َ‬
‫ة‬
‫سللا َ‬
‫ك َ‬
‫ع ِ‬
‫ِ‬
‫ن ال ّ‬
‫ل«(؛ لن علم الساعة عند الله جل وعل﴿ي َ ْ‬
‫ن ال ّ‬
‫ع ْ‬
‫م َ‬
‫سائ ِ ِ‬
‫َ‬
‫و ْ‬
‫ها ُ‬
‫ق ْ‬
‫و‬
‫هللا إ ِّل ُ‬
‫هللا ِ‬
‫مللا ِ‬
‫سا َ‬
‫أّيا َ‬
‫عن ْلدَ َرب ّللي َل ي ُ َ‬
‫قت ِ َ‬
‫جّلي َ‬
‫م َ‬
‫مْر َ‬
‫عل ْ ُ‬
‫ل إ ِن ّ َ‬
‫ن ُ‬
‫هل َ‬
‫هللا ل ِ َ‬
‫ْ‬
‫ْ َ‬
‫ثَ ُ‬
‫ة)]العــراف‪[187:‬كمــا فــي‬
‫م إ ِّل ب َ ْ‬
‫غت َ ً‬
‫ت ِ‬
‫وا ِ‬
‫قل َ ْ‬
‫في ال ّ‬
‫ض َل ت َأِتيك ُ ْ‬
‫س َ‬
‫ت َ‬
‫ما َ‬
‫والْر ِ‬
‫آية العراف‪.‬‬
‫َ‬
‫َ‬
‫)قال‪َ » :‬‬
‫ها«( الســاعة لهــا أمــارات‪ ،‬وهــي الــدلئل‬
‫فأ ْ‬
‫رني َ‬
‫ماَرات ِ َ‬
‫ع ْ‬
‫نأ َ‬
‫خب ِ ْ ِ‬
‫والعلمات‪ ،‬والمارات يعني الشراط كما جاء في آية ســورة محمــد قــال جــل‬
‫ف َ‬
‫وعل‪َ ‬‬
‫جاءَ أ َ ْ‬
‫ها‪]‬محمد‪ [18:‬يعني أشراط الساعة‪ ،‬وهــي علماتهــا‪ ،‬جمــع‬
‫قد ْ َ‬
‫شَراطُ َ‬
‫َ‬
‫شَرط وهو العلمة البّينة الواضحة التي تدل على الشيء‪) ،‬قال » َ‬
‫َ‬
‫رني‬
‫فللأ ْ‬
‫خب ِ ْ ِ‬
‫َ‬
‫ها«( أمــارات الســاعة قســمها العلمــاء إلــى قســمين‪ :‬أشــراط أو‬
‫َ‬
‫ماَرات ِ َ‬
‫ع ْ‬
‫نأ َ‬
‫أمارات صغرى‪ ،‬وأشراط أوأمــارات كــبرى‪ ،‬وهــذا المــذكور هنــا هــي المــارات‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ها(‪ ،‬والمقصـود بالشـراط الصـغرى أو‬
‫م ُ‬
‫ن ت َل ِ ِ‬
‫الصغرى‪ ،‬ذكر منها )أ ْ‬
‫ة َرب ّت َ َ‬
‫دَ ال َ‬
‫المارات الصغرى‪ :‬هي التي تحصل قبل خروج المسيح الدجال‪ ،‬فما كان قبــل‬
‫خروج المسيح الدجال مما أخبر النبي ‪ ‬أنه مــن علمــات الســاعة‪ ،‬فــإن هــذا‬
‫من الشراط الصغرى‪ .‬ثــم مــا بعــد ذلــك مــن الشــراط الكــبرى‪ ،‬وهــي ع ْ‬
‫شـٌر‬
‫‪()1‬سورة هود‪ .7 :‬الملك‪.2:‬‬

‫النووية‬
‫شرح الربعين‬
‫‪23‬‬

‫تحصل تباعا في ذلك فمثل قوله‪» :‬ل تقوم الساعة حتى تقاتلون قومللا‬
‫كذا« هذا من الشراط الصغرى‪» ،‬ل تقوم الساعة حتى تخرج نللار مللن‬
‫المدينة تضيء لها أعناق البل بالبصرة« هــذا مــن المــارات الصــغرى‪،‬‬
‫س لّتا« كمــا فــي‬
‫»ل تقوم الساعة حتى يفتح بيت المقدس أو »ا ْ‬
‫عدُدْ ِ‬
‫سّتا بيللن يللدي السللاعة‪ :‬مللوتي‪،‬‬
‫حديث عون بن مالك المعروف‪» :‬ا ْ‬
‫عدُدْ ِ‬
‫ن يخللرج فيكللم ك ُ‬
‫ص الغنللم‪ ،‬ثللم‬
‫موت َللا ٌ‬
‫ق َ‬
‫وفت ُ‬
‫ح بيت المقدس‪ ،‬ثللم ُ‬
‫عللا ِ‬
‫استفاضة المال« … إلــخ‪ ،‬هــذه جميع ـا ً أشــراط صــغرى‪ .‬وهــذه الشــراط‬
‫م‪ ،‬فقد يذكر الشيء على أنه علمة‬
‫الصغرى ذ ِك ُْرها ل يدل على مدح أو على ذ ّ‬
‫من علمات الساعة وليس هذا دليل ً على أنه محمــود أو مــذموم‪ ،‬أو علــى أنــه‬
‫منهي عنه في الشـريعة‪ .‬فقــد يكـون الشــيء مـن الشــراط وهـو مـن المــور‬
‫المحمودة في الشريعة‪ ،‬كمــا قــال عليــه الصــلة والســلم فــي الحــديث الــذي‬
‫سلّتا بيللن يللدي السللاعة‪:‬‬
‫ت لك حديث عــوف بــن مالــك قــال »ا ْ‬
‫عدُدْ ِ‬
‫ذكر ُ‬
‫ح بيت المقدس« وهو من المــور المحمــودة‪ ،‬وقــد يكــون مــن‬
‫موتي‪ ،‬وفت ُ‬
‫المور المذمومة‪.‬‬
‫فإ ً‬
‫ذا وصف الشيء بــأنه مــن أشــراط الســاعة الصــغرى أو الكــبرى ل يــدل‬
‫بنفسه‪ ،‬يعني بكونه شرطا ً ل يدل على مدحه أو ذمه بل هذا له اعتبار آخر‪.‬‬
‫َ‬
‫قال هنا)» َ‬
‫ها«( يعني المارات الصغرى‪.‬‬
‫فأ َ ْ‬
‫رني َ‬
‫ماَرات ِ َ‬
‫ع ْ‬
‫نأ َ‬
‫خب ِ ْ َِ‬
‫َ‬
‫ن‬
‫م ُ‬
‫ن ت َل ِ ِ‬
‫قال )أ ْ‬
‫ها( يعني سيدتها‪ ،‬فالمــة إذا ول َــدت فــإ ّ‬
‫ها( )َرب ّت َ َ‬
‫ة َرب ّت َ َ‬
‫دَ ال َ‬
‫مة‪ .‬فإ ً‬
‫ذا المة هذه التي َولــدت هــذا‬
‫مولودها الذكر أو النثى هو سيد كمالك ال َ‬
‫َ‬
‫مــة باعتبــار‬
‫سو َ‬
‫م ُ‬
‫مه‪ ،‬والبنت سيدة على ال َ‬
‫دة له فهو سّيد على أ ّ‬
‫الولد أصبحت َ‬
‫سيد؛ ول تعتق بمجرد ولدتها منه‬
‫أن الب سيد؛ لهذا تعتق أم الولد بعد موت ال ّ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫هللا(‪ .‬الرب ّــة هنــا‬
‫مل ُ‬
‫بل بعد موته لجل الولدة؛ فلهذا قال هنا )أ ْ‬
‫ة َرب ّت َ َ‬
‫دَ ال َ‬
‫ن ت َل ِ ِ‬
‫بمعنى‪ :‬السيدة تلد سيدتها؛ لن البنت المولودة حّرة وسيدة‪ ،‬وقال أهل العلــم‬
‫في هذا‪ :‬هذا كناية أو إخبار عن كثرة الرقيق حيث يكثر هذا‪ ،‬وإل فــإنه موجــود‬
‫في العصور الولى‪ ،‬في عهد السلم الول‪ ،‬موجود فيما قبله ُولود المــة أيضــا‬
‫لسيدها أو لسيدتها‪ ،‬وهذا غير المقصود به هذا الخبر لنه من أمارات الســاعة‪.‬‬
‫لكن المقصود به أن يكثر ذلك بحيث يكون ظاهرة فيكون علمــة‪ ،‬وقــد حصــل‬
‫هذا‪ ،‬فقد حصل لما كثرت الفتوح صار الرجل يأخذ إماء كثيرة ويصير له عشــر‬
‫أو عشرون من الماء‪ ،‬فيطأ هذه ويطأ هذه‪ ،‬فكل واحدة تنجــب فيصــبح الولد‬
‫أسيادا على المهات لكثرة الرقيق‪.‬‬
‫قال) َ‬
‫عال َ َ‬
‫ح َ‬
‫رعللاءَ ال ّ‬
‫فللي‬
‫شللا ِ‬
‫ن ِ‬
‫وُلو َ‬
‫وأ ْ‬
‫عَراةَ ال ْ َ‬
‫فا َةَ ال ْ ُ‬
‫ن ت ََرى ال ْ ُ‬
‫ء ي َت َطَللا َ‬
‫َ‬
‫ة ِ‬
‫ن( يعنــي أن تــرى الفقــراء الــذين ليســوا بأهــل للغنــى‪ ،‬وليســوا بأهــل‬
‫ال ْب ُن َْيا ِ‬
‫مــن َرعــي لل ّ‬
‫شــياه أو تتبــع‬
‫مــن المــور ِ‬
‫للتطاول ِلما جعلهم الله جل وعل عليه ِ‬
‫جمال أو نحو ذلــك‪ ،‬جعلهــم اللــه جــل وعل علــى هــذا‪ ،‬فمــن العلمــات أنهــم‬
‫لل ِ‬
‫يتركون هذا الذي هو لهم‪ ،‬ويتجهون للتطاول في البنيان‪ ،‬والتطاول في البنيان‬
‫مه أحاديث كثيرة معروفة‪ ،‬فقد كان الصحابة رضــوان اللــه عليهــم ل‬
‫جاء في ذ ّ‬
‫يتطاولون في البنيان‪ ،‬بل كانت منازلهم قصيرة رضوان الله عليهم‪ ،‬ففــي هــذا‬
‫م للذين يتطاولون في البنيان‪ ،‬وهم ليسوا أصل ً بأهل لــذلك‪ ،‬وهــذا فيــه تغي ّــر‬
‫ذ ّ‬
‫الناس وكثرة المال‪ ،‬وأن يكون ََ‬
‫من ليس له بأهل‪.‬‬
‫المال بأيدي َ‬
‫َ‬
‫مل َِّيا( انطلق يعني جبريل‪َ ) ،‬‬
‫م ان ْطََلق‪َ .‬‬
‫ت( ذلك عمــر‬
‫فل َِبث ُ‬
‫فل َِبث ُ‬
‫ت َ‬
‫قال َََ)ث ُ ّ‬
‫مل َِّيا( جاءت في بعض الروايات أنها ثلثة أيام‪ ،‬ثــم قــال النــبي ‪ ‬وســلم‬
‫‪َ ) ،‬‬

‫الشيخ العلمة صالح بن عبد العزيز بن محمد آل الشيخ‬

‫‪24‬‬

‫َ‬
‫ل؟« قلت‪ :‬الله ورسوله أعَلــم‪ ،‬قــال‪َ » :‬‬
‫سائ ِ ُ‬
‫ه‬
‫)»َيا ُ‬
‫ن ال ّ‬
‫فإ ِن ّ ُ‬
‫ري َ‬
‫ع َ‬
‫م ُ‬
‫ر‪ ,‬أت َدْ ِ‬
‫م ِ‬
‫َ‬
‫ري ُ‬
‫م«(‪ ،‬أخــبره عليــه الصــلة والســلم بــذلك مــع‬
‫م يُ َ‬
‫م دين َك ُ ْ‬
‫مك ُ ْ‬
‫عل ِ ُ‬
‫ل‪ ,‬أَتاك ُ ُ‬
‫ِ‬
‫جب ْ ِ‬
‫علمه عليه الصلة والسلم به‪ ،‬أخبره حتى يعظم وقــع هــذه الســئلة‪ ،‬وجــواب‬
‫هذه السئلة‪.‬‬
‫ضــا‪ ،‬فعــذًرا لجــل‬
‫ضا يطول الكلم عليه‪ ،‬وطال بنا الــوقت أي ً‬
‫هذا الحديث أي ً‬
‫طول هذا الحديث‪ ،‬والكلم على تفاريعه؛ تفاريع اليمان بــالله وملئكتــه وكتبــه‬
‫ورسله يطول أيضا‪ ،‬وتفاريع الكلم عن الحسان‪ ،‬وإخلص العمل‪ ،‬وكيف يكون‬
‫ذلك يطول الكلم عليه‪.‬‬
‫مة فــي فهــم هــذه الحــاديث‬
‫وإنما نقصد من هذا الشرح إلى ذكر أصول عا ّ‬
‫ينبني عليها‪ ،‬يعني على تلــك الصــول فهــم العلــم فــي فروعــه‪ ،‬فهــم الحــديث‬
‫والسنة والفقه والعقيدة فيما نرجو‪ ،‬ونسأل الله جل وعل أن ييسره لي ولكم‪،‬‬
‫وأستغفر الله العظيم‪ ،‬وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد‪.‬‬
‫‪ ‬‬
‫بسم الله الرحمن الرحيم‪ ،‬الحمد لله رب العالمين‪ ،‬والصلة والســلم علــى‬
‫نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين‪.‬‬
‫أما بعد‪ :‬فأسأل الله جل وعل لي ولكم العلم النافع والعمل الصالح والقلب‬
‫خذ بأيدينا إلى ما‬
‫كلنا لنفسنا طرفة عين‪ ،‬و ُ‬
‫الخاشع والدعاء المسموع‪ ،‬ربنا ل ت ِ‬
‫تحب وترضى‪.‬‬
‫ثم إننا إن شاء الله تعالى ســننتهي مــن هــذا الــدرس تقريبـا ً فــي كــل ليلــة‬
‫حوالي الساعة العاشرة قد تزيد دقائق أو نحــو ذلــك‪ ،‬ونــروم إن شــاء اللــه أن‬
‫ننهي هذا الجمع من الحاديث‪ ،‬يعني هذا المتن المبارك أن ننهيه إن شــاء اللــه‬
‫تعالى في هذه الدورة‪.‬‬
‫ن إنهــاءه فــي هــذه المــدة الــوجيزة تتطلــب أن يكــون العــرض‬
‫ول شــك أ ّ‬
‫مختصرًا‪ ،‬وأن يكون البحث في الحاديث وذكر مــا فيهــا مــن الفــوائد والشــرع‬
‫والحكام على وجه القتضاب والتنبيه‪ ،‬ل على وجه الستيعاب‪.‬‬
‫ومعلوم أن هذا الكتاب وهو ”الربعيللن النوويللة“ ُ‬
‫رح شــروحا ً كــثيرة‪،‬‬
‫شـ ِ‬
‫فننبــه فــي شــرح هــذه الحــاديث إلــى أصــول المعــاني‪ ،‬ومــا يمكــن أن يكــون‬
‫كالضوابط والقواعد في فهم تلك الحاديث وما دّلت عليه‪ ،‬فنسأل الله العانــة‬
‫والسلمة في القول والعمل‪.‬‬
‫الحديث الثالث ‪‬‬
‫عمـَر بـن الخ ّ‬
‫طـاب رضـي اللـه عنهمـا‬
‫ن ُ‬
‫ِ‬
‫وعن أبي عبد الرحمن عبد ِ الله ب ِ‬
‫َ‬
‫مللس‪َ :‬‬
‫ن‬
‫عل َللى َ‬
‫م َ‬
‫هادَ ِ‬
‫ةأ ْ‬
‫سلل ُ‬
‫شل َ‬
‫ي ال ْ‬
‫خ ْ‬
‫قال‪ :‬سمعت رسول الله ‪ ‬يقول»ب ُن ِ َ‬
‫ل َ إل َه إَل الله‪َ ،‬‬
‫وإ ِ َ‬
‫سو ُ‬
‫ة‪،‬‬
‫وِإيت َللا ِ‬
‫ء الّزك َللا ِ‬
‫ص لَل ِ‬
‫وأ ّ‬
‫م َ‬
‫م َ‬
‫دا َر ُ‬
‫ح َ‬
‫ن ُ‬
‫قللام ِ ال ّ‬
‫ة‪َ ،‬‬
‫ل الللله‪َ ،‬‬
‫َ‬
‫َ ِ‬
‫ن«]رواه البخاري ومسلم[‬
‫م َ‬
‫ج ال ْب َي ْ ِ‬
‫ضا َ‬
‫و َ‬
‫وم ِ ر َ‬
‫و َ‬
‫ص ْ‬
‫ت‪َ ،‬‬
‫َ‬
‫ح ِ‬

‫]الشرح[‬
‫هــذا الحــديث فيــه ذ ِك ْـُر دعــائم الســلم ومبــانيه العظــام‪ ،‬وهــي الخمــس‬
‫شلهادة أ َن ل َ إل َله إَل الللله‪َ ،‬‬
‫سللو ُ‬
‫مل َ‬
‫ل الللله( وهــذه‬
‫وأ ّ‬
‫المعروفــة‪ْ ِ َ َ َ ) :‬‬
‫م َ‬
‫دا َر ُ‬
‫ح َ‬
‫ن ُ‬
‫َ‬
‫َ ِ‬
‫واحدة باعتبار أن كل من شقيها شهادة‪ ،‬والثاني‪ :‬إقــام الصــلة‪ ،‬والثــالث‪ :‬إيتــاء‬
‫الزكاة‪ ،‬والرابع‪ :‬الحج‪ ،‬والخامس‪ :‬صوم رمضان‪.‬‬
‫ست ُد ِ ّ‬
‫ل بها على أن أركان السلم خمســة‪،‬‬
‫وهذا الحديث من الحاديث التي ا ُ ْ‬
‫مللسٍ( يــدل‬
‫عَلى َ‬
‫م َ‬
‫سلل ُ‬
‫ي ال ْ‬
‫خ ْ‬
‫وهذا الستدلل صحيح؛ لن قول النبي ‪) ‬ب ُن ِ َ‬

‫النووية‬
‫شرح الربعين‬
‫‪25‬‬

‫ن البناء يقوم علـى هـذه الخمـس‪ ،‬وغيـر هـذه الخمـس مكملت للبنـاء‪،‬‬
‫على أ ّ‬
‫ً‬
‫سن السكنى فيه ويكون جيدا أوفيه العبــد ســعيدا إذا كــان‬
‫ومعلوم أن البناء ي َ ْ‬
‫ح ُ‬
‫مًا‪ ،‬وكلما كان أتم كان العبد فيه أسعد‪.‬‬
‫تا ّ‬
‫قــق الســلم‪ ،‬وكــان لــه‬
‫والسلم إذا أتى العبد بمبانيه الخمس هــذه فقــد ح ّ‬
‫عهد عند الله جل وعل أن يدخله الجنة‪.‬‬
‫مللس( ولفــظ‬
‫عل َللى َ‬
‫م َ‬
‫سلللل ُ‬
‫ي ال ْ‬
‫خ ْ‬
‫قال في أوله عليه الصلة والسلم )ب ُن ِل َ‬
‫ن هناك من بناه على هذه الخمس‪ ،‬فلم ُيذكر الباني على هذه‬
‫ي( يقتضي أ ّ‬
‫)ب ُن ِ َ‬
‫م َ‬
‫شّرع‪ .‬فالذي بنى السلم على هــذه‬
‫الخمس‪ ،‬والمقصود بالباني‪ :‬الشارع أو ال ُ‬
‫الخمس هو الله جل جلله‪ ،‬وهو الشارع جل وعل‪ ،‬والنبي ‪ ‬مبّلغ عن ربه جل‬
‫وعل‪ ،‬ليس هو شارعا ً على جهة الستقلل‪ ،‬وإنما هو عليه الصلة والسلم مبلغ‬
‫أو مشّرع على جهة التبليــغ‪ .‬علــى الصــحيح مــن أقــوال أهــل العلــم فــي هــذه‬
‫ن الســلم بنــي علــى هــذه الخمــس‪،‬‬
‫ن النــبي ‪ ‬ذكــر لنــا هنــا أ ّ‬
‫المســألة‪ ،‬فــإ ّ‬
‫ن‬
‫والمقصود بالسلم هنا الدين؛ لن الــدين هــو الســلم كمــا قــال جــل وعل﴿إ ِ ّ‬
‫م‬
‫ن ِ‬
‫عن ْدَ الل ّ ِ‬
‫ال ّ‬
‫سلللل ُ‬
‫سَل ُ‬
‫ي ال ْ‬
‫ه اْل ِ ْ‬
‫دي َ‬
‫م)]آل عمــران‪ ،[19:‬والسلم في قــوله)ب ُن ِل َ‬
‫س( مقصود منه السلم الخاص الذي بعث بــه محمــد بــن عبــد اللــه‬
‫عَلى َ‬
‫َ‬
‫خ ْ‬
‫م ٍ‬
‫عليه الصلة والسلم‪.‬‬
‫والسلم في القرآن وفي السنة له إطلقان‪:‬‬
‫‪‬الطلق الول السلم العام‪ :‬الذي ل يخرج عنه شــيء مــن مخلوقــات‬
‫الله جل وعل إما اختيارا‪ ،‬وإما اضطرارا‪ ،‬قال جل وعل﴿ول َل َ‬
‫فللي‬
‫ن ِ‬
‫هأ ْ‬
‫مل ْ‬
‫م َ‬
‫س لل َ َ‬
‫َ ُ‬
‫َ‬
‫ْ َ‬
‫َ‬
‫ن‬
‫ها)]آل عمران‪ ،[83:‬وقال جل وعل﴿أف َ‬
‫و ً‬
‫وك َْر ً‬
‫وا ِ‬
‫ال ّ‬
‫س َ‬
‫عا َ‬
‫ض طَ ْ‬
‫ت َ‬
‫ما َ‬
‫غي ْلَر ِدي ل ِ‬
‫والْر ِ‬
‫َ‬
‫غ َ‬
‫غي ْلَر‬
‫ه ي َب ْ ُ‬
‫الل ّ ِ‬
‫غو َ‬
‫هأ ْ‬
‫مل ْ‬
‫و َ‬
‫سل َ َ‬
‫ول َ ُ‬
‫م)]آل عمــران‪[83:‬اليــة‪ ،‬وقــال جــل وعل﴿ َ‬
‫ن َ‬
‫ن ي َب ْت َل ِ‬
‫ن يُ ْ‬
‫سَلم ِ ِديًنا َ‬
‫قب َ َ‬
‫ن)]آل عمــران‪:‬‬
‫ن ال ْ َ‬
‫في اْل ِ‬
‫و ِ‬
‫و ُ‬
‫خا ِ‬
‫ة ِ‬
‫خ لَر ِ‬
‫ل ِ‬
‫اْل ِ ْ‬
‫ري َ‬
‫مل ْ‬
‫فل َ ْ‬
‫من ْ ُ‬
‫ه َ‬
‫ه َ‬
‫سل ِ‬
‫ما َ‬
‫وَل‬
‫ن إ ِب َْرا ِ‬
‫كا َ‬
‫م يَ ُ‬
‫هي ل ُ‬
‫‪ ،[85‬وقال جل وعل عن إبراهيم عليه السلم﴿ َ‬
‫هوِدي ّللا َ‬
‫حِني ً‬
‫و‬
‫ما)]آل عمــران‪ ،[67:‬وقــال جــل وعل﴿ ُ‬
‫ن ك َللا َ‬
‫ن َ‬
‫م ْ‬
‫ول َك ِل ْ‬
‫س لل ِ ً‬
‫فللا ُ‬
‫نَ ْ‬
‫هل َ‬
‫صَران ِّيا َ‬
‫ن َ‬
‫هل َ‬
‫قب ْل ُ‬
‫ن لفــظ‬
‫فللي َ‬
‫و ِ‬
‫ن ِ‬
‫ذا)]الحــج‪ .[78:‬فالمقصــود أ ّ‬
‫م ْ‬
‫َ‬
‫مل ْ‬
‫س لِلمي َ‬
‫م ال ْ ُ‬
‫ماك ُ ْ‬
‫سل ّ‬
‫ل َ‬
‫ً‬
‫ّ‬
‫السلم هذا هو الذي يقبله الله جل وعل من العباد المكلفين دينـا‪ ،‬فــآدم عليــه‬
‫السلم مسلم‪ ،‬وكل النبياء والرسل وأتباع النبياء والرســل جميع ـا ً علــى ديــن‬
‫ســر بــأنه‪:‬‬
‫السلم‪ ،‬الذي هو السلم العــام‪ ،‬وهــذا الســلم العــام هــو الــذي ي ُ َ‬
‫ف ّ‬
‫الستسلللم لللله بالتوحيللد‪ ،‬والنقيللاد للله بالطاعللة‪ ،‬والللبراءة مللن‬
‫ال ّ‬
‫ن بــه جميــع النبيــاء‬
‫شللرك وأهللله‪ .‬فهــذا هــو ملــة إبراهيــم وهــو الــذي دا َ‬
‫من تبعهم‪.‬‬
‫والمرسلين و َ‬
‫ما السلم الخاص‪ :‬فيراد به السلم الذي ُبعث به محمد بن عبد اللــه‬
‫‪‬أ ّ‬
‫ُ‬
‫عليه الصلة والسلم‪ ،‬وهو الذي إذا أطلق الســلم لــم ُيعــن بــه إل هــذا‪ ،‬علــى‬
‫دللــة؛ ولن هــذا الســم‬
‫وجه الخصوص؛ لن الخاص مقــدم علــى العــام فــي ال ّ‬
‫ص بـه النــبي عليـه الصــلة والسـلم‪ ،‬فجعـل ديـن‬
‫مــة‪ ،‬و ُ‬
‫ُ‬
‫صــت بـه هــذه ال ّ‬
‫خـ ّ‬
‫خ ّ‬
‫المصطفى ‪ ‬السلم‪.‬‬
‫م( يعني السلم الذي جاء بــه نبينــا‬
‫سلل ُ‬
‫ي ال ْ‬
‫فإذن المقصود هنا بقوله )ب ُن ِ َ‬
‫محمد بن عبد الله عليه الصلة والسلم‪.‬‬
‫أما السلم الــذي كــان عليــه النبيــاء والمرســلون فهــو مــن حيــث التوحيــد‬
‫والعقيدة كالسـلم الـذي ُبعـث بـه النـبي ‪ ‬محمـد فـي أصـوله وأكـثر فـروع‬
‫العتقاد والتوحيد‪ .‬وأما من حيث الشريعة فإنه يختلــف؛ فــإن شــريعة الســلم‬

‫الشيخ العلمة صالح بن عبد العزيز بن محمد آل الشيخ‬

‫‪26‬‬

‫غير شريعة اليهودية‪ ،‬غير شريعة عيسى عليه السلم‪ ،‬غير شريعة موسى إلــى‬
‫آخر الشرائع‪ .‬وقد جاء في الصحيح أن النبي ‪ ‬قال‪» :‬النبياء أخللوة لعلت‬
‫الدين واحد والشرائع شتى«‪.‬‬
‫م( يعني الذي جاء بــه محمــد‬
‫سلل ُ‬
‫ي ال ْ‬
‫فقوله هنا عليه الصلة والسلم )ب ُن ِ َ‬
‫عليه الصلة والسلم‪ ،‬فل يتصور من هذا أّنه يعم ما كان عليه النبياء من قبل‪،‬‬
‫فالنبياء ليس عندهم هذه الشريعة؛ من جهة إقام الصلة علــى هــذا النحــو‪ ،‬أو‬
‫إيتاء الزكاة على هذا النحو‪ ،‬أو صيام رمضان إلخ‪ ،‬فهذا بقيوده مما ُاختصت بــه‬
‫هذه المة‪.‬‬
‫َ‬
‫س‪َ :‬‬
‫ه إ َِل الله(‬
‫عَلى َ‬
‫قال ) َ‬
‫هادَ ِ‬
‫ةأ ْ‬
‫ش َ‬
‫ن ل َ إل َ َ‬
‫خ ْ‬
‫م ٍ‬
‫‪‬ويجوز في ) َ‬
‫دل بعض مــن‬
‫هادَ ِ‬
‫ةِ( ونظائرها أن تكون مجرورة ً على أنها ب َ َ‬
‫ش َ‬
‫س َ‬
‫ة( فخمس ُ‬
‫شمول‪ ،‬وشهادة بعض ذلــك‬
‫عَلى َ‬
‫كل‪ ،‬يعني تقول‪َ ) :‬‬
‫هادَ ِ‬
‫ش َ‬
‫خ ْ‬
‫م ٍ‬
‫الشمول‪ ،‬فتكون بدل بعض من كل‪.‬‬
‫َ‬
‫س‪َ :‬‬
‫ه إ َِل‬
‫عَلى َ‬
‫‪‬ويجــوز أن تســتأنفها‪ ،‬فتقــول‪َ ) :‬‬
‫هادَةُ أ ْ‬
‫شل َ‬
‫ن ل َ إل َل َ‬
‫خ ْ‬
‫مل ٍ‬
‫َ‬
‫مث ًَل َر ُ َ‬
‫ما‬
‫حلدُ ُ‬
‫الله( على القطــع كمــا قــال جــل وعل( َ‬
‫نأ َ‬
‫ضَر َ‬
‫ه َ‬
‫ه َ‬
‫ب الل ّل ُ‬
‫جلي ْل ِ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫م)]النحل‪َ) [76:‬ر ُ َ‬
‫ما(‪.‬‬
‫حدُ ُ‬
‫نأ َ‬
‫ه َ‬
‫أب ْك َ ُ‬
‫جلي ْ ِ‬
‫وهـذا شـائع كـثير‪ ،‬وإذا ذكـرت نظائرهـا فيجـوز فيهـا الوجهـان‪ :‬الجـّر علـى‬
‫البدلية‪ ،‬والرفع على القطع والستئناف‪.‬‬
‫َ‬
‫شللهاد َ‬
‫سللو ُ‬
‫ل الللله( الشــهادة‬
‫) َ َ َ ِ‬
‫وأ ّ‬
‫ةأ ْ‬
‫ملل َ‬
‫م َ‬
‫دا َر ُ‬
‫ح َ‬
‫ن ُ‬
‫ن ل َ إَللل َ‬
‫ه إ َِل الللله‪َ ،‬‬
‫دا‪ ،‬و َ‬
‫د‪ُ ،‬‬
‫د‪ ،‬ي َ ْ‬
‫ن‪َ :‬‬
‫ة‪ ،‬إذا عل ِــم ذلــك بقلبــه فــأخبر بــه‬
‫شــهاد َ ً‬
‫مأخوذة ِ‬
‫شـُهو ً‬
‫ش ـه َ ُ‬
‫ش ـه ِ َ‬
‫م ْ‬
‫م به غي َْره‪ ،‬ول تكون شهادة حتى يجتمع فيها هذه الثلث‪ :‬أن يعتقد‬
‫بلسانه وأعل َ َ‬
‫ما بها الغْير‪ ،‬طبعا ً إذا لم يكــن ثمــة‬
‫معْل ِ ً‬
‫ويعلم بقلبه‪ ،‬وأن يتلفظ؛ يقول بلسانه‪ُ ،‬‬
‫عذر شرعي عن العلم؛ إعلم الغير كالكراه أو اختفاء أو ما أشــبه ذلــك ممــا‬
‫قّية‪.‬‬
‫تجوز فيه الت ّ ِ‬
‫َ‬
‫ذا قوله ) َ‬
‫فإ ً‬
‫ه إ َِل الله( يعني العلم بأن ل إلــه إل اللــه وأن‬
‫هادَ ِ‬
‫ةأ ْ‬
‫ش َ‬
‫ن ل َ إل َ َ‬
‫محمدا ً رسول الله‪ ،‬والنطق بذلك‪ ،‬والعلم به‪ .‬وك ّ‬
‫ل شهادة هي بهــذا المعنــى‪،‬‬
‫مى شاهدا ً حتى يكون عِلم ثــم نطــق؛ تكلــم بــذلك‬
‫والشاهد عند القاضي ل ُيس ّ‬
‫م به القاضي؛ سمي شاهدا ً لجل ذلك‪ .‬وقد ُيتوسع فيقال في المعاني إنها‬
‫فأعل َ َ‬
‫شواهد؛ لجل تنزيلها في النهاية منزلة الشهادة الصلية‪.‬‬
‫َ‬
‫شهادة أ َن ل َ إل َه إَل الللله‪َ ،‬‬
‫سللو ُ‬
‫ه إ َِل‬
‫وأ ّ‬
‫) َ َ َ ِ ْ‬
‫ل الللله(‪) ،‬أ ْ‬
‫مل َ‬
‫م َ‬
‫دا َر ُ‬
‫ح َ‬
‫ن ُ‬
‫ن ل َ إل َ َ‬
‫َ‬
‫َ ِ‬
‫الله(‪:‬‬
‫ن( هذه هي التفسيرية‪ ،‬وضابطها أنها تأتي بعد كلمة فيها معنى القــول‬
‫‪)‬أ ْ‬
‫دون حروف القول‪ .‬وقد يجوز أن تكون مخففة من الثقيلة أيضا‪ ،‬يعني شــهادة‬
‫أّنه ل إله إل الله‪.‬‬
‫ه( نفي‪ ،‬و)إ َِل الله( إثبــات‪،‬‬
‫ه إ َِل الله( هي كلمة التوحيد‪ ،‬و)ل َ إل َ َ‬
‫‪) ‬ل َ إل َ َ‬
‫والمنفي استحقاق أحد العبادة؛ لن الله هو المألوه؛ هو المعبود‪ ،‬و)إ َِل الللله(‬
‫هذا إثبات‪ ،‬يعني إثبات استحقاق العبادة لله جل وعل دونما ســواه‪ ،‬ونفــي هــذا‬
‫الستحقاق عما سواه‪.‬‬
‫فإذا قلنا‪ :‬كلمة التوحيد نفي وإثبات‪ .‬فهذا معناه أنها تنفي استحقاق العبـادة‬
‫عما سوى الله‪ ،‬وتثبت استحقاق العبادة في الله جــل وعل وحــده‪ .‬فمــن شــهد‬
‫أن ل إله إل الله يكون اعتقد وأخبر بأنه ل أحد يستحق شيئا من أنــواع العبــادة‬

‫النووية‬
‫شرح الربعين‬
‫‪27‬‬

‫جه بالعبـادة إلـى غيـره‬
‫مـن تـو ّ‬
‫إل الله وحده ل شريك له‪ .‬وفي ضمن ذلـك أن َ‬
‫فهو ظالم متعد ّ باٍغ على ذلك على حق الله جل جلله‪.‬‬
‫) َ‬
‫سو ُ‬
‫ل الله( يعني أن يعتقد ويخبر ويعلن بأن محمدا ً ‪-‬وهــو‬
‫وأ ّ‬
‫م َ‬
‫م َ‬
‫دا َر ُ‬
‫ح َ‬
‫ن ُ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫شي المكي‪ -‬أّنه رسول من عنــد اللــه حــق‪ ،‬وأنــه ن ـَزل‬
‫محمد بن عبد الله ال ُ‬
‫قَر ِ‬
‫ّ‬
‫عليه الوحي؛ فأخبره بما تكلم الله جل وعل به‪ ،‬وأن ّــه إّنمــا يبلــغ عــن اللــه جــل‬
‫وعل وهـذا واضـح مـن كلمـة رسـول فـإن الرسـول مبّلـغ‪ .‬الرسـل البشـريون‬
‫مبلغون من لفظ الرسالة‪ ،‬كما أن الملئكة رسل من لفظ الملئكة‪ ،‬فالرســول‬
‫يأخذ من الله جل وعل ويبّلغ الناس ما أخذه عــن اللــه جــل وعل‪ (1).‬ومعلــوم أن‬
‫الرسل من البشر لم يجعل الله لهم ‪-‬عليهم الصلة والســلم‪ -‬لــم يجعــل اللــه‬
‫ة أن يأخذوا الوحي منه مباشرة‪ ،‬وأن يسمعوا الكلم منه‪ ،‬يعني فــي‬
‫لهم خاصي َ‬
‫ن الله جل وعل لهم في بعض الرسل‪.‬‬
‫عامة الوحي‪ ،‬وقد يسمعون بما أذ ِ َ‬
‫مَلك رسول‪ ،‬فيلقي الخبر على هذا الرسول‪ ،‬فاعتقادا ً أن محمدا رســول‬
‫فال َ‬
‫غ‪ ،‬هو رسول من الله جــل وعل لــم يلكمــه اللــه جــل‬
‫مب َل ّ ٌ‬
‫مب َل ّغٌ و ُ‬
‫الله؛ اعتقاد أنه ُ‬
‫وعل بك ّ‬
‫ل الوحي مباشرة‪ ،‬وإنما أوحى إليه عــن طريــق جبريــل عليــه الســلم‪،‬‬
‫َ‬
‫سو ُ‬
‫ل الله( يعني أّنه خــاتم‬
‫وأ ّ‬
‫م َ‬
‫م َ‬
‫دا َر ُ‬
‫ح َ‬
‫ن ُ‬
‫واعتقاد أيضا ً أنه خاتم المرسلين؛ ) َ‬
‫الرسل عليه الصلة والسلم‪.‬‬
‫حى إليه من الله‪ ،‬وأنــه رســول حــق‪،‬‬
‫وهذا معنى الشهادة من اعتقاد أنه مو َ‬
‫وأنه خاتم الرسل‪ ،‬تمت له هذه الشهادة‪ .‬وهذه الشهادة بأن محمد رسول الله‬
‫لهــا مقتضــى‪ ،‬وهــذا المقتضــى هــو طــاعته عليــه الصــلة والســلم فيمــا أمــر‪،‬‬
‫وتصديقه فيما أخبر‪ ،‬واجتناب ما عنه نهى وزجر‪ ،‬وأل يعبــد اللــه إل بمــا شــرعه‬
‫رسوله ‪.‬‬
‫ة( التعبير عن الصلة بلفظ )إ ِ َ‬
‫وإ ِ َ‬
‫ة( هــذا لجــل‬
‫ص لَل ِ‬
‫صَل ِ‬
‫قام ِ ال ّ‬
‫قام ِ ال ّ‬
‫قال ) َ‬
‫َ‬
‫س إ ِل َللى َ‬
‫ك ال ّ‬
‫ق‬
‫مجيئهــا فــي القــرآن هكــذا(أ ِ‬
‫صلَلةَ ل ِلدُُلو ِ‬
‫غ َ‬
‫شل ْ‬
‫قل ْ‬
‫م ال ّ‬
‫سل ِ‬
‫م ِ‬
‫(‬
‫‪2‬‬
‫)‬
‫ن‬
‫وآت ُللوا الّزك َللا َ‬
‫ن يُ ِ‬
‫وأ َ ِ‬
‫ة) ‪(,‬ال ّل ِ‬
‫مللو َ‬
‫ذي َ‬
‫قي ُ‬
‫قي ُ‬
‫موا ال ّ‬
‫صَلةَ َ‬
‫الل ّْيلِ)]الســراء‪،[78:‬ــ ( َ‬
‫ن الصــلة ُتقــام‪ ،‬ومعنــى كونهــا‬
‫صَل َ‬
‫ة))‪ (3‬ونحو ذلك من اليات‪ .‬ففي القرآن أ ّ‬
‫ال ّ‬
‫ن تكون على صفة تكون قائمة بإيمان العبد‪ ،‬وهذا هو معنــى قــول‬
‫تقام يعني أ ْ‬
‫َ‬
‫ن ال ْ َ‬
‫ح َ‬
‫ء‬
‫شلللا ِ‬
‫هلللى َ‬
‫وأ ِ‬
‫صلللَلةَ إ ِ ّ‬
‫ف ْ‬
‫صلللَلةَ ت َن ْ َ‬
‫عللل ْ‬
‫قللل ْ‬
‫ن ال ّ‬
‫م ال ّ‬
‫اللـــه جـــل وعل( َ‬
‫من ْ َ‬
‫ه الصــلة عــن الفحشــاء‬
‫كر)]العنكبــوت‪ ،[45:‬فمن لم ُيقــم الصــلة لــم ت َن ْهَـ ُ‬
‫وال ْ ُ‬
‫َ‬
‫منكر‪.‬‬
‫وال ُ‬
‫ء الّز َ‬
‫ة( أيضا ً لفظ اليتاء المقصــود بــه أو قيــل فيــه‪ :‬إيتــاء؛ لجــل‬
‫وِإيَتا ِ‬
‫كا ِ‬
‫) َ‬
‫مجيئه في القرآن‪.‬‬
‫ت( كذلك‪.‬‬
‫ج ال ْب َي ْ ِ‬
‫و َ‬
‫) َ‬
‫ح ِ‬
‫ن( كذلك‪.‬‬
‫م َ‬
‫ضا َ‬
‫وم ِ ر َ‬
‫و َ‬
‫ص ْ‬
‫و) َ‬
‫يعني اختيرت هذه اللفاظ‪ ،‬بّلغها النــبي ‪ ‬هكــذا لموافقتهــا لمــا جــاء فــي‬
‫القرآن فيها‪ ،‬فلو قيل في الزكاة‪ :‬إعطاء الزكاة لجــاز‪ ،‬ولــو قيــل فــي الصــلة‪:‬‬
‫تأ ْد َِية الصلة جاز ذلك‪ ،‬ولكن إتباع ما جاء في القرآن أولى في هذا المــر‪ .‬هــذا‬
‫من جهة ألفاظ الحديث‪.‬‬

‫‪ ()1‬انتهى الوجه الول للشريط الثاني‬
‫‪ ()2‬المزمل‪ ،20:‬النور‪ ،56 :‬النساء‪ ،77:‬البقرة‪ ،110:‬البقرة‪ ،83:‬البقرة‪.43:‬‬
‫‪()3‬المائدة‪ .55 :‬النفال‪ ،33 :‬النمل‪ ،03:‬لقمان‪.04:‬‬

‫الشيخ العلمة صالح بن عبد العزيز بن محمد آل الشيخ‬

‫‪28‬‬

‫هذا الحديث د ّ‬
‫ت لـك البارحــة أن‬
‫س أركــا ٌ‬
‫ن‪ ،‬وقــد ذكــر ُ‬
‫ل على أن هذه الخم َ‬
‫التعبير عن هذه الخمس بالركان إنما هو مصطلح حــادث عنــد الفقهــاء؛ لنهــم‬
‫ن الشيء ل ُيتصــور أن يقــوم‬
‫عّرفوا الركن بأّنه ما تقوم عليه ماهية الشيء‪ ،‬وأ ّ‬
‫بل ركنه‪ .‬فمثل ً يقولون‪ :‬البيع أركــانه مــا تقــوم عليــه ماهيــة الــبيع‪ .‬ل يمكــن أن‬
‫تتصــور بيع ـا ً موجــودا ً إل أن يكــون هنــاك بــائع ومشــتري وهنــاك ســلعة ُتبــاع‬
‫وُتشترى‪ ،‬يعني سلعة يقوم عليها ذلـك‪ ،‬وهنـاك صـيغة يعنـي واحـد يقـول‪ :‬خـذ‬
‫ت‪ ،‬أو ما أشبه ذلك‪.‬‬
‫ت‪ ،‬والثاني يقول‪ :‬اشتري ُ‬
‫وهات‪ ،‬أو ب ِعْ ُ‬
‫فإ ً‬
‫ذا الركان كيف نستنتجها؟ ما تقوم عليهــا حقيقــة الشــيء‪ ،‬تتصــور شــيئا‪،‬‬
‫م وجوده هي الركان‪ .‬النكاح مث ً‬
‫ل؛ أركان النكاح مــا هــي؟ مــا‬
‫كيف يوجد؟ دعائ ُ‬
‫يقــوم عليهــا النكــاح‪ ،‬مــا ُيتصــور أن يوجــد نكــاح إل بزوجيــن ‪-‬أليــس كــذلك؟‪-‬‬
‫وبصيغة‪ .‬زوج يعني رجل وامرأة‪ ،‬وصيغة‪ .‬هذا حقيقته يعني من حيث هو‪ .‬يــأتي‬
‫هنــاك أشــياء شــرعية لتصــحيح هــذه الركــان‪ ،‬يقــال‪ُ :‬يشــترط فــي الــزوج‬
‫المواصفات كذا وكذا‪ ،‬يشــترط فــي المــرأة أن يعقــد لهــا ولّيهــا‪ ،‬يشــترط فــي‬
‫الصيغة أن تكون كذا وكذا إلى آخره‪ ،‬فغيُرها تكون شروطًا‪.‬‬
‫فإ ً‬
‫ذا الركن عندهم مـا تقـوم عليــه ماهيــة الشـيء أو حقيقــة الشــيء‪ ،‬فهـذه‬
‫كل عليها‬
‫الخمس سميت أركانا‪ ،‬أو قيل عنها أركان السلم‪ .‬وهذه التسمية ُيش ِ‬
‫ن‬
‫سنة قالوا‪ :‬إ ّ‬
‫أو هذا الطلق على أنها أركان السلم‪ُ -‬يشكل عليها أن أهل ال ّ‬‫دى الصــلة المفروضــة‪،‬‬
‫من شهد أن ل إله إل الله وأن محمدا رســول اللــه‪ ،‬وأ ّ‬
‫وترك بقية الركان تهاونا ً وكس ً‬
‫ل‪ ،‬فإّنه يطلــق عليــه لفــظ المســلم‪ ،‬ول ُيســلب‬
‫عنه اسم السلم بتركه ثلثة أركان تهاونا ً وكس ً‬
‫ل‪ ،‬وهذا مّتفــق مــع قــولهم فــي‬
‫اليمان‪ :‬اليمان قول وعمل واعتقاد‪ ،‬ويعنون بالعمل جنس العمل‪ ،‬ويمث ُّله فــي‬
‫أركان السلم الصلة‪.‬‬
‫فإ ً‬
‫ذا نقول مرادهم بهذا ما دّلت عليه الدلــة الشــرعية‪ ،‬ودلــت عليــه قواعــد‬
‫ن هذه الركان ليس معنى كونها أركانا ً أنه إن ُفقد منهــا ركــن‬
‫أهل السنة ِ‬
‫نأ ّ‬
‫م ْ‬
‫لم تقم حقيقة السلم‪ ،‬كما أنه إذا ُفقد من البيع ركن لم تقــم حقيقــة الــبيع‪ ،‬ل‬
‫ُيتصــور أن هنــاك بيــع بل بــائع‪ ،‬أليــس كــذلك؟ ول نكــاح بل زوج‪ ،‬أمــا الســلم‬
‫فيتصور أن يوجد السلم شرعا ً بل أداء للحج‪ ،‬يعني لو ُترك الحــج تهاونـًا؛ فــإنه‬
‫دا؛ فــإّنه يقــال عنــه مســلم‪،‬‬
‫يقال عنه مسلم‪ ،‬أو ترك تأدية الزكاة تهاونا ً ل جحـ ً‬
‫وهكذا في صيام رمضان‪.‬‬
‫ك الصلة تهاونا ً وكســل ً‬
‫الصلة اختلفوا فيها؛ اختلف فيها أهل السنة‪ :‬هل تْر ُ‬
‫يسُلب عنه اسم السلم أم ل؟‬
‫ن ت َْر َ‬
‫ك الصلة تهاونا ً وكس ـل ً ل يســلب عــن‬
‫♦ فقالت طائفة من أهل السنة‪ :‬إ ّ‬
‫المسلم الذي شهد أن ل إله إل الله وأن محمدا ً رسول اللــه؛ ل يســلب عنــه‬
‫اسم السلم‪ ،‬وإنما يكون على كبيرة‪ ،‬وهو في كفر أصغر‪ .‬وهذا قول طائفــة‬
‫قليلة من علماء أهل السنة‪.‬‬
‫مــن تـَر َ‬
‫ن ت َْر َ‬
‫ك‬
‫ك الصلة تهاونا ً وكسل ً ك ُ ْ‬
‫♦ وقال جمهور أهل السنة‪ :‬إ ّ‬
‫فٌر‪ ،‬وأّنه َ‬
‫الصلة فليس له إسلم‪ ،‬يعني ولو أتى بتأدية الزكاة وصــيام رمضــان والحــج‪،‬‬
‫وهـذا هـو الصـحيح لدللـة الكتـاب والسـنة والجمـاع علـى ذلـك‪ .‬والصـحابة‬
‫أجمعوا على أن العمال جميعا ً المأمور بها تر ُ‬
‫كها ليس بكفر إل الصلة‪ ،‬كمــا‬

‫النووية‬
‫شرح الربعين‬
‫‪29‬‬

‫قال شقيق بن عبد الله فيما رواه الترمذي وغيره‪» :‬كانوا ‪-‬يعني الصحابة‪ -‬ل‬
‫كه ُ‬
‫يرون من العمال شيئا تر ُ‬
‫كفر)‪.«(1‬‬
‫ن تر َ‬
‫كهـا كفـر‪ ،‬وهـو الـذي دل عليـه قـول اللـه جـل‬
‫والصـلة ُيجمـع علـى أ ّ‬
‫م نَ ُ‬
‫قَر)‪َ (42‬‬
‫س َ‬
‫ن)]المــدثر‪[43-42:‬‬
‫م ِ‬
‫ك ِ‬
‫في َ‬
‫ما َ‬
‫صّلي َ‬
‫م َ‬
‫ن ال ْ ُ‬
‫قاُلوا ل َ ْ‬
‫سل َك َك ُ ْ‬
‫وعل( َ‬
‫م َ‬
‫اليات‪ ،‬وكذلك قول النبي ‪ ‬في صحيح مسلم‪» :‬بين الرجل وبين الشرك‬
‫مسَند وفي غيرها‬
‫أو قال‪ :‬الكفر ترك الصلة« وفي السنن الربعة وفى ال ُ‬
‫بإسناد صحيح من حــديث بريــده ‪ ‬مرفوعــا‪» :‬العهد اللذي بيننلا وبينهلم‬
‫الصلة فمن تركها فقد كفر« وقوله عليه الصلة والسلم »بين الرجل‬
‫وبين الشرك أو قال الكفر ترك الصلة« دّلنا على أن ترك الصلة كفــٌر‬
‫أكبر‪.‬‬
‫وذلك أن القاعدة أن لفــظ الكفــر إذا جــاء فــي النصــوص فــإنه يــأتي علــى‬
‫معّرًفا‪ .‬والوجه الثاني يأتي من ّ‬
‫كرا ً بل تعريف‪.‬‬
‫وجهين‪ :‬الوجه الول يأتي ُ‬
‫‪ ‬فإذا أتى من ّ‬
‫كرا ً فإنه يكون معناه الكفر الصغر‪.‬‬
‫‪‬وإذا أتى معّرفا فتكون )الـــ( فيــه إمــا للعهــد؛ عهــد الكفــر الكــبر‪ ،‬العهــد‬
‫الشرعي في ذلك‪ .‬وإما أن تكون للستغراق؛ يعني استغراق أنواع الكفر‪.‬‬
‫مثل ً في الكفر المن ّ‬
‫ما‬
‫س ُ‬
‫ن ِ‬
‫ه َ‬
‫كر قال عليه الصلة والسلم »ث ِن َْتا ِ‬
‫في الّنا ِ‬
‫م كُ ْ‬
‫ت «‪» ،‬ثنتللان فللي‬
‫ة َ‬
‫ح ُ‬
‫ن ِ‬
‫مي ّ ِ‬
‫والن َّيا َ‬
‫فٌر‪ :‬الطّ ْ‬
‫في الن ّ َ‬
‫ع ُ‬
‫عَلى ال ْ َ‬
‫ه ْ‬
‫س ِ‬
‫ب َ‬
‫بِ ِ‬
‫أمتي من أمر الجاهلية ل يتركونهن« هذا حــديث آخــر‪ .‬قــال أيضـا ً عليــه‬
‫الصلة والسلم‪» :‬ل ترجعوا بعدي كفارا ً يضرب بعضكم أعناق بعض«‬
‫من َك َّرة )كفر(‪.‬‬
‫وأشباه ذلك ِ‬
‫من ذكر كلمة الكفر ُ‬
‫فٌر‪ ،‬فهذا الصل فيه أنه كفر أصغر؛ لن الشارع جعله‬
‫فإذا قيل في الكفر‪ :‬ك ُ ْ‬
‫منكرا ً في الثبات‪ ،‬وإذا كان منكرا في الثبات فإنه ل يعم كما هــو معلــوم فــي‬
‫قواعد الصول‪ ،‬أما إذا أتى معّرفا ً فإن المقصود به الكفر الكبر‪.‬‬
‫ن ترك الصــلة تهاون ـا ً وكس ـل ً كفــر أكــبر‪ ،‬لكــن كفــره‬
‫فإذن نقول الصحيح أ ّ‬
‫بــاطن وليــس كفــره ظــاهرا‪ ،‬وليــس ببــاطن وظــاهر جميع ـا ً حــتى يثبــت عنــد‬
‫القاضي؛ لنه قد يكون له شبهة من خلف أو فهم أو نحو ذلك‪ .‬ولهــذا ل يحكــم‬
‫مــن تــرك‬
‫بردة من ترك الصلة بمجــرد تركــه‪ ،‬وإنمــا ُيطلــق علــى الجنــس أ ّ‬
‫ن َ‬
‫ن الحكــم عليــه بــالكفر وتنزيــل‬
‫الصلة فهو كافر الكفر الكبر‪ ،‬وأما المعي ّــن فــإ ّ‬
‫ض يدرأ عنه الشبهة ويســتتيبه‬
‫أحكام الكفر كلها عليه هذا ل بد فيه من حكم قا ٍ‬
‫حتى يؤدي ذلك‪ ،‬وهذا هو المعتمد عند جمهور أهل السنة كما ذكرت لك‪.‬‬
‫مـن‬
‫ت‪ ،‬جمهور أهل الســنة علـى أن َ‬
‫وغير الصلة المر على عكس ما ذكر ُ‬
‫ترك الزكاة تهاونا ً وكسل ً أو من ترك الصــيام أو مــن تــرك الحــج فــإنه ل يكفــر‬
‫بتركها تهاونا ً وكس ً‬
‫ل؛ لنه ما د ّ‬
‫ل الدليل على ذلك وقالت طائفة من أهل العلــم‬
‫من الصحابة ومن بعدهم‪ :‬إن من ترك بعض هذه أنــه كــافر علــى خلف بينهــم‬
‫في هذا‪ .‬عمر ‪ ‬ظاهر قوله‪ :‬أن ترك الحج مع القدرة عليه ووجود الستطاعة‬
‫مــن وجــد‬
‫ماله في المصار‪ :‬أن يكتبوا له َ‬
‫المالية والبدنية أنه كفر‪ ،‬حيث قال لع ّ‬
‫سعة من المسلمين ثــم لــم يحجــوا أن تضــرب عليهــم الجزيــة‪ ،‬قــال‪ :‬مــا هــم‬
‫مــن تــرك‬
‫بمسلمين‪ ،‬ما هم بمسلمين‪ .‬وك َ ّ‬
‫فر أيضا ً بعض الصحابة كابن مسعود َ‬
‫الزكاة تهاونا ً وكس ً‬
‫ل‪ ،‬وهذا خلف ما عليه الجمهور جمهور الصحابة ومن بعدهم‬
‫‪1‬‬

‫)(‬

‫الظاهر أنه يوجد قطع في الشريط‪.‬‬

‫الشيخ العلمة صالح بن عبد العزيز بن محمد آل الشيخ‬

‫‪30‬‬

‫في أن من تركها بل امتناع وإنمــا تــرك الزكــاة أو تــرك الصــيام أو تــرك الحــج‬
‫فر‪ ،‬ومنهم من قال بكفره يعني على عكس مسألة الصلة‪.‬‬
‫تهاونا ً منه أّنه ل ُيك ّ‬
‫فنقول إذن مسألة الصلة الجمهور جمهور أهل السنة على تكفير من تركها‬
‫فــر مــن تركهــا تهاونـا ً وكس ـ ً‬
‫تهاونا ً وكس ً‬
‫ل‪،‬‬
‫ل‪ ،‬وهناك من أهل السنة مــن لــم يك ّ‬
‫وبقية الثلثة الركان العملية جمهور أهل السنة علــى أنــه ل يكفــر وهنــاك مــن‬
‫فره‪.‬‬
‫ك ّ‬
‫صت بالـذكر لعظـم مقامهـا فـي‬
‫هذه الركان منقسمة إلى ثلثة أقسام‪ ،‬و ُ‬
‫خ ّ‬
‫هذه الشريعة وعظم أثرها على العبد‪.‬‬
‫فالشهادتان نصيب القلب واليمان‪ ،‬فبهما يتحقــق اليمــان الــذي هــو أصــل‬
‫العتقاد والعمل‪.‬‬
‫والصلة عبادة بدنية محضة‪.‬‬
‫والزكاة عبادة مالية محضة‪.‬‬
‫والحج مركب من العبادة المالية والعبادة البدنية‪.‬‬
‫وصوم رمضان عبادة بدنية محضة‪.‬‬
‫لهذا قال طائفة من المحققين من أهــل العلــم إنــه جــاء فــي هــذه الروايــة‬
‫وِإيت َللا ِ‬
‫ج ال ْب َي ْل ِ‬
‫ء الّزك َللا ِ‬
‫و َ‬
‫و َ‬
‫صل ْ‬
‫ت‪َ ،‬‬
‫ة‪َ ،‬‬
‫تقــديم الحــج علــى الصــوم فقــال‪َ ) :‬‬
‫وم ِ‬
‫حل ِ‬
‫ن( وصوم رمضان في بقية الروايات قــدم علــى الحــج فقــال‪» :‬وإيتاء‬
‫م َ‬
‫ضا َ‬
‫َر َ‬
‫الزكاة وصوم رمضان وحج البيت من استطاع إليه سللبيل ً«‪ .‬وســبب‬
‫ن الصوم مــن حيــث‬
‫تقديم الحج على الصيام أن المر على ما ذكرت لك من أ ّ‬
‫مث ّ ٌ‬
‫ل في الصلة‪ ،‬فالصلة حق البدن المحض يعني عبــادة وجبــت‬
‫م َ‬
‫س دللته ُ‬
‫جن ُ‬
‫وتعلقت بالبدن محضة‪ ،‬والزكــاة عبــادة تعلقــت بالمــال محضــة‪ ،‬والحــج عبــادة‬
‫تركبت من المال والبدن فصارت قسما ً ثالثـا ً مســتق ً‬
‫ل‪ ،‬وأمــا الصــوم فهــو مــن‬
‫حيث هذا العتبار مكرر للصــلة‪ ،‬وعلــى هــذا الفهــم بنــى البخــاري رحمــه اللــه‬
‫ج مقــدما علــى كتــاب الصــوم؛ لجــل أن الحــج‬
‫تعالى صحيحه فجعل كتاب الحـ ّ‬
‫عبادة مركبة من المــال والبــدن؛ فهــي جنــس مــن حيــث هــذا العتبــار جديــد‪،‬‬
‫والصيام جنس سبق مثله وهو إقام الصلة‪.‬‬
‫‪    ‬‬
‫الحديث الرابع ‪‬‬
‫حدّث َ َنا رســو ُ‬
‫ل اللــه ‪‬‬
‫عن أبي عبد ِ الرحمن‬
‫ن مسعود ٍٍِ ‪ ‬قال‪َ :‬‬
‫عبد ِ الله ب ِ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫خل ْ ُ‬
‫مللا‬
‫ع َ‬
‫و َ‬
‫ه أْرب َ ِ‬
‫م ِ‬
‫نأ ِ‬
‫م ُ‬
‫وهو الصادق الصدوق »إن أحدكم ي ُ ْ‬
‫عي َ‬
‫ق ُ‬
‫ج َ‬
‫ن يَ ْ‬
‫هف ِ‬
‫ي ب َط ِ‬
‫م يَ ُ‬
‫م يَ ُ‬
‫ل ذَل ِل َ‬
‫ل ذَل ِ َ‬
‫ف ًَ‬
‫ن ُطْ َ‬
‫سل ُ‬
‫مث ْ َ‬
‫مث ْ َ‬
‫ل‬
‫ض َ‬
‫غ ً‬
‫ن علق ً‬
‫م ْ‬
‫ة ِ‬
‫ة ِ‬
‫كو ُ‬
‫كو ُ‬
‫م ي ُْر َ‬
‫ك‪ ،‬ث ُل َ‬
‫ن ُ‬
‫ك‪ ،‬ث ُ ّ‬
‫ة‪ ،‬ث ُ ّ‬
‫َ‬
‫مل َل َ‬
‫في َن ْ َ‬
‫ك‪َ ،‬‬
‫و ي ُل ْ‬
‫فل َ‬
‫ه‪،‬‬
‫رْز ِ‬
‫خ ِ‬
‫قل ِ‬
‫مللا ٍ‬
‫فيل ِ‬
‫إ ِل َي ْ ِ‬
‫ه اللّرو َ‬
‫ع ك َل ِ َ‬
‫ؤ َ‬
‫ه ال ْ َ‬
‫ت‪ :‬ب ِك َت ْل ِ‬
‫ح‪َ ،‬‬
‫ب َِ‬
‫مَر ب ِلأْرب َ ِ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ه َ‬
‫و َ‬
‫م‬
‫و َ‬
‫س ِ‬
‫ش ِ‬
‫د‪ ،‬فوالله اّلل ِ‬
‫مل ِ ِ‬
‫جل ُ ِ‬
‫ه؛ إ ِ ّ‬
‫نأ َ‬
‫عي ٌ‬
‫وأ َ‬
‫و َ‬
‫حلدَك ُ ْ‬
‫غْيلُر ُ‬
‫ذي ل َ إ َِلل َ‬
‫ع َ‬
‫يأ ْ‬
‫ه‪َ ،‬‬
‫ه‪َ ،‬‬
‫َ‬
‫ق ّ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫ُ‬
‫ّ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫ق‬
‫هللا إ ِل ِذَرا ٌ‬
‫لأ ْ‬
‫جن ّ ِ‬
‫مللا ي َكللو َ‬
‫ة‪َ ،‬‬
‫ل ال َ‬
‫مل ب َ َ‬
‫ل َي َ ْ‬
‫ع‪ ،‬في َ ْ‬
‫وب َي ْن َ َ‬
‫س لب ِ ُ‬
‫ن ب َي ْن َل ُ‬
‫حّتى َ‬
‫ع َ‬
‫ع َ‬
‫ه َ‬
‫ه ِ‬
‫م ِ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ر َ‬
‫ب‪َ ،‬‬
‫مل ُ‬
‫مل ُ‬
‫ل‬
‫فَيلدْ ُ‬
‫َ‬
‫لأ ْ‬
‫عل َي ْ ِ‬
‫وإ ِ ّ‬
‫م ل َي َ ْ‬
‫نأ َ‬
‫ل بِ َ‬
‫في َ ْ‬
‫ه ال ْك َِتلا ُ‬
‫خل ُ َ‬
‫ع َ‬
‫حلدَك ُ ْ‬
‫ع َ‬
‫ع َ‬
‫ها‪َ ،‬‬
‫هل ِ‬
‫مل ِ‬
‫ل ال ّْنلا ِ‬
‫َ‬
‫ملا ي َ ُ‬
‫ع‪َ ،‬‬
‫ه‬
‫ق َ‬
‫هلا إ ِل ّ ِذَرا ٌ‬
‫لأ ْ‬
‫عل َْيل ِ‬
‫كلو َ‬
‫ر َ‬
‫بَ َ‬
‫في َ ْ‬
‫وب َي ْن َ َ‬
‫سلب ِ ُ‬
‫ن ب َي َْنل ُ‬
‫حّتلى َ‬
‫ع َ‬
‫ه َ‬
‫هل ِ‬
‫مل ِ‬
‫ل ال ّْنلا ِ‬
‫َ‬
‫ة‪َ ،‬‬
‫ب‪َ ،‬‬
‫م ُ‬
‫ها«]رواه البخاري و مسلم[‬
‫في َدْ ُ‬
‫لأ ْ‬
‫جن ّ ِ‬
‫ال ْ ِ‬
‫ل ال ْ َ‬
‫ل بِ َ‬
‫في َ ْ‬
‫كتا ُ‬
‫خل ُ َ‬
‫ع َ‬
‫ع َ‬
‫ه ِ‬
‫م ِ‬
‫]الشرح[‬

‫هذا الحديث هو الرابع من هذه الحاديث المباركة‪ ،‬وهو حديث ابن مســعود‬
‫در‪ ،‬وذكر جمع الخلق في رحم الم‪.‬‬
‫‪ ،‬فيه ذكر الق َ‬
‫وهذا الحديث أصل في باب القدر والعناية بــذلك‪ ،‬والخــوف مــن الســوابق‪،‬‬
‫والخوف من الخواتيم‪ ،‬وكما قيل قلوب البرار معلقة بـالخواتيم‪ ،‬يقولـون مـاذا‬

‫النووية‬
‫شرح الربعين‬
‫‪31‬‬

‫ُيختم لنا؟‪ ،‬وقلوب السابقين أو المقربين معلقة بالسوابق يقولــون مــاذا ســبق‬
‫لنا؟‪.‬‬
‫وهذا وهو اليمان بالقدر والخوف من الكتاب السابق والخوف من الخاتمة‪،‬‬
‫ن هنــاك‬
‫ن هــذا الحــديث دل علــى أ ّ‬
‫هذا من آثار اليمان بالقدر خيره وشره‪ ،‬فإ ّ‬
‫ملك بأمر الله جل وعل‬
‫مري يكُتبه ال َ‬
‫مرًيا لكل إنسان‪ ،‬وهذا التقدير العُ ْ‬
‫تقديًرا ع ُ ْ‬
‫كما جاء في هذا الحديث‪.‬‬
‫إ ً‬
‫مري لكل إنســان؛ ولَيخــاف المــرء‬
‫م ُ‬
‫سوقٌ لبيان التقدير العُ ْ‬
‫ذا هذا الحديث َ‬
‫ن ما أصابه لم يكن ليخطئه وما أخطأه لم يكــن‬
‫السوابق والخواتيم؛ وليؤمن بأ ّ‬
‫ليصيبه‪ ،‬والســوابق فــي عمــل العبــد والخــواتيم متصــلة كمــا قيــل‪ :‬الخواتيم‬
‫ميراث السوابق‪ .‬فالخاتمة ترُثها لجل السوابق‪ ،‬فما مــن خاتمــة إل وســبُبها‬
‫بلطف الله جل وعل ورحمته‪ ،‬أو بعــدله وحكمتــه‪ -‬ســوابق المــرء فــي عملــه‪،‬‬‫وهي جميعا ً متعلقة بسوابق القدر‪.‬‬
‫هــذا الحــديث قــال فيــه ابــن مســعود ‪) ‬حدثنا رسللول الللله ‪ ‬وهللو‬
‫الصادق المصدوق(‪ ،‬قوله)حدثنا رسول الله ‪ (‬هذا فيه اســتعمال لفــظ‬
‫مل المعروفة عند المحدثين؛‬
‫التحديث من ابن مسعود ‪ ،‬وهو أحد ألفاظ الت ّ َ‬
‫ح ّ‬
‫ولهذا استعملها العلماء كثيرا ً في صيغ التحديث‪ ،‬واستعملوا أيضا ً لفــظ أخبرنــا‪،‬‬
‫مــل‬
‫وقد رواه الصحابة عن رسول الله ‪ ،‬فالمحدثون اختاروا من ألفــاظ التح ّ‬
‫)حدثنا( وهي أعلها؛ لجل قول الصحابة حدثنا رسول الله ‪ ،‬وهــذا الحــديث‬
‫مثال لذلك‪ ،‬واختاروا )أخبرنا( أيضا ً لقول الصحابة أخبرنــا رســول اللــه ‪ ،‬أو‬
‫مل‪.‬‬
‫أخبرني النبي ‪ ‬بكذا‪ ،‬وزادوا عليها ألفاظا ً من ألفاظ التح ّ‬
‫صللادق( يعنــي الــذي يــأتي‬
‫قــوله )وهللو الصللادق المصللدوق(‪) ،‬هللو ال ّ‬
‫صدق حقيقته الخبار بما هو موافق للواقــع‪ ،‬والكــذب ضــده؛ وهــو‬
‫بالصدق‪ ،‬وال ّ‬
‫دق يعني الذي ل يقول شيئا ً‬
‫الخبار بما يخالف الواقع‪ ،‬و)المصدوق( هو المص ّ‬
‫ق‪ .‬وقول ابن مسعود هنا )وهو الصادق المصدوق( هذه تهيئة‪ ،‬هــذه‬
‫صد ّ َ‬
‫إل ُ‬
‫ن هــذا‬
‫ن يهيــئ العلــم لمــن يعلمــه ومــن يخــبره بــالعلم؛ ل ّ‬
‫فيهــا أدب للمعلــم أ ْ‬
‫الحديث فيه شيء غيبي ل ُيدَرك ل بالحس ول بالتجربة‪ ،‬وإنما ي ُــدرك بالتســليم‬
‫مــل‪.‬‬
‫وع ال َ‬
‫ح ْ‬
‫والعلم بالخبر لصدق المخب ِرِ به عليه الصلة والسلم ففيــه ذكــر تنـ ّ‬
‫ومعلوم أن الصحابة في ذلك الوقت لــم يكونــوا يعلمــون‪ ،‬وكــذلك النــاس فــي‬
‫ذلك الزمان لم يكونوا يعلمون تطور هذه المراحل بعلــم تجريــبي‪ ،‬أو برؤيــة أو‬
‫نحو ذلك‪ ،‬وإنما هو الخبر الذي يصدقونه‪ ،‬فكانوا علماء ل بالتجريب وإنما بخــبر‬
‫الوحي على النبي صلوات اللــه وســلمه‪ .‬قــال )وهو الصللادق المصللدوق(‬
‫دق‬
‫صـ ّ‬
‫يعني الذي ل يخبر بشيء على خلف الواقع‪ ،‬وهو الذي إذا أخبر بشــيء ُ‬
‫مهما كان‪ ،‬وهذا من جراء التسليم له عليه الصلة والسلم بالرسالة‪.‬‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫فل ًَ‬
‫ْ‬
‫مللا ن ُطْ َ‬
‫خل ْ ُ‬
‫ة(‬
‫ع َ‬
‫ه أ َْرب َ ِ‬
‫مل ِ‬
‫نأ ِ‬
‫م ُ‬
‫قال )إن أحدكم ي ُ ْ‬
‫عيل َ‬
‫و َ‬
‫ق ُ‬
‫ج َ‬
‫ن يَ ْ‬
‫هف ِ‬
‫ي ب َطل ِ‬
‫جمع نطفة‪ ،‬والنطفة معروفة‪ ،‬وهــي‬
‫ع( كأّنه كان قبل ذلك متفرقا ً ف ُ‬
‫م ُ‬
‫لفظ )ي ُ ْ‬
‫ج َ‬
‫ماء الرجل وماء المــرأة‪ ،‬أو مــا شــابه ذلــك قبــل أن يتحــول إلــى دم‪ ،‬والعلقــة‬
‫قطعة الدم التي تعلق بالشيء وهي تعلق بالرحم‪ ،‬والمضغة هي قطعة اللحم‪.‬‬
‫قال ابن مسعود ‪ ‬هنا أن النبي ‪ ‬حدثهم )إ َ‬
‫خل ْ ُ‬
‫ي‬
‫ع َ‬
‫م ُ‬
‫دكم ي ُ ْ‬
‫ن أح َ‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫ق ُ‬
‫ج َ‬
‫هف ِ‬
‫ُ‬
‫ً‬
‫ً‬
‫ْ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫ما ن ُط َ‬
‫فة( يعني أنــه يكــون مــاًء لمــدة أربعيــن يومـا ل‬
‫و َ‬
‫ه أ َْرب َ ِ‬
‫م ِ‬
‫نأ ِ‬
‫عي َ‬
‫ن يَ ْ‬
‫ب َط ِ‬
‫يتحول إلى دم هذه المدة؛ يعني مــن بدايــة وضــع النطفــة فــي الرحــم تســتمر‬
‫أربعين يوما ً على هذا النحو‪ .‬وهل يعني استمرارها هــذه المــدة أنهــا فــي هــذه‬

‫الشيخ العلمة صالح بن عبد العزيز بن محمد آل الشيخ‬

‫‪32‬‬

‫المدة ل يكون فيها أي نوع مـن التصــوير أو الخلـق أو نحـو ذلــك؟ ل يـدل هـذا‬
‫الحديث على ذلك وإنما يــدل علــى أن هــذه المــدة تكــون نطفــة‪ ،‬أمــا مســألة‬
‫التصوير‪ ،‬ومتى تكون فهذه لم ُيعرض لها في هذا الحديث‪ ،‬وإنما فــي أحــاديث‬
‫خر‪.‬‬
‫أُ َ‬
‫م يَ ُ‬
‫ل ذَل ِ َ‬
‫مث ْ َ‬
‫ك( يعني يكون دما ً متجمــدا ً فــي رحــم الم‬
‫ن علق ً‬
‫ة ِ‬
‫كو َ‬
‫قال )ث ُ ّ‬
‫أربعين يوما ً أخرى‪.‬‬
‫م يَ ُ‬
‫ل ذَل ِ َ‬
‫مث ْ َ‬
‫ك( يعني يتحول إلى مضــغة‪ ،‬وهــي قطعــة‬
‫ض َ‬
‫غ ً‬
‫م ْ‬
‫ة ِ‬
‫كو َ‬
‫ن ُ‬
‫قال )ث ُ ّ‬
‫ول من الدم إلى اللحم إلى آخره قال‬
‫اللحم أيضا ً أربعين يوما ً أخرى‪ ،‬وهذه؛ تح ّ‬
‫م( هــذه تفيــد الــتراخي‬
‫م ي َك ُللون(وكلمــة )ث ُل ّ‬
‫فيهــا عليــه الصــلة والســلم )ث ُل ّ‬
‫سِبه‪.‬‬
‫والتراخي كما هو معلوم في كل شيء بح َ‬
‫والتصوير يكون في أثناء هذه المدة‪ ،‬وقد جاء في صحيح مسلم من حديث‬
‫حذيفة بن أسيل ‪ ‬أن النبي ‪ ‬قال »إذا بلغت النطفة ث ِن َْتيللن َ‬
‫ن‬
‫وأْرَبعيلل َ‬
‫ِ َ‬
‫ة ُأرسللل إليهللا الملللك‪ ،‬فيللأمره الللله جللل وعل بتصللويرها‪ ،‬ثللم‬
‫ل َي ْل َل ً‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫مَللل ُ‬
‫ما َ‬
‫ك‪،‬‬
‫شا َ‬
‫وي َك ُْتلل ُ‬
‫يقول‪ :‬أي ربي‪ ،‬أذَك ٌَر أ ْ‬
‫ب ال ْ َ‬
‫مُر الله َ‬
‫ى؟ فيأ ُ‬
‫ء‪َ .‬‬
‫م أن ْث َ َ‬
‫م يَ ُ‬
‫قو ُ‬
‫مللا‬
‫ل‪ :‬أي ربي‪ ،‬شقي أم سعيد؟ فيقول الله أو يللأمر اللله ب َ‬
‫ثُ ّ‬
‫مل َ ُ‬
‫رْز ُ‬
‫م يَ ُ‬
‫قو ُ‬
‫َ‬
‫مللا‬
‫م ي َك ْت ُ ُ‬
‫قللهُ؟ فيقللول الللله َ‬
‫ك‪ ،‬ث ُ ّ‬
‫ب ال ْ َ‬
‫شاءَ ث ُ ّ‬
‫ل‪ :‬أي ربللي‪ِ ،‬‬
‫مل َل ُ‬
‫َ‬
‫ك«‪ .‬فهــذا يــدل علــى أن التصــوير ســابق لتمــام هــذه‬
‫شا َ‬
‫م ي َك ْت ُ ُ‬
‫ب ال ْ َ‬
‫ء‪ .‬ث ُ ّ‬
‫َ‬
‫ي‬
‫المدة‪ ،‬وأن التصوير يكون بعد ثنتين وأربعين ليلة‪ ،‬وقد قال جل وعل( ِ‬
‫فللي أ ّ‬
‫شاءَ َرك ّب َ َ‬
‫ما َ‬
‫ن هنــاك‬
‫صوَر ٍ‬
‫ك)]النفطار‪ [8:‬وهذا التصوير معنــاه التخطيــط‪ ،‬فــإ ّ‬
‫ة َ‬
‫ُ‬
‫ثلثــة ألفــاظ‪ ،‬ألفــاظ التكــوين‪ :‬تكــوين المخلــوق وهــي التصوير‪ ،‬والخلللق‪،‬‬
‫ر ُ‬
‫وُر)]الحشر‪.[24:‬‬
‫ه ال ْ َ‬
‫والب َْرء( ُ‬
‫ئ ال ْ ُ‬
‫خال ِ ُ‬
‫و الل ّ ُ‬
‫م َ‬
‫ص ّ‬
‫ه َ‬
‫ق ال َْبا ِ‬
‫فالمصور معناه‪ :‬الذي يجعل الشيء على هيئة صورة مخططة‪.‬‬
‫والخلق؛ خلق الشيء؛ خلق الجنين‪ :‬أن يجعل لها مقاديرها مــن الطــراف‬
‫والعضاء ونحو ذلك‪.‬‬
‫مة‪ ،‬يعني‪ :‬أن يبرأ ما سبق‪.‬‬
‫والبرء‪ :‬أن تتم وتكون تا ّ‬
‫وهذا في الجنين واضح‪ ،‬فإن الجنين يصور أول ً قبل أن تخلق لــه العضــاء‪،‬‬
‫فلو ُرئي الجنين‪ ،‬بعــض الجنــة إذا ســقط فــي تســعين يومـا ً أو فــي أكــثر مــن‬
‫ثمانين يومـا ً وُنظــر إليــه إذا أســقطته الم ونظــر إليــه ُوجــد أنــه كلوحــة عليهــا‬
‫ك الّلللل َ‬
‫فت ََبلللاَر َ‬
‫ما( َ‬
‫ن‬
‫هأ ْ‬
‫ح َ‬
‫سللل ُ‬
‫ُ‬
‫خطــــوط‪ ،‬يعنــــي العيــــن مرســــومة رســــ ً‬
‫ن)]المؤمنــون‪ ،[14:‬وتجد أنــه كــالتخطيط فــي شــيء شــفاف‪ ،‬وهــذا لــم‬
‫ال ْ َ‬
‫خال ِ ِ‬
‫قي َ‬
‫تتكون العضاء‪ ،‬وإنما هذا التصوير‪ ،‬وهــذا كمــا جــاء فــي حــديث حذيفــة يفعلــه‬
‫المَلك بأمر الله جل جلله‪ ،‬والملئكة موكلون بما يريد الله جل وعل منهم كمــا‬
‫مل َل ُ‬
‫و ّ‬
‫قال ســبحانه( ُ‬
‫وك ّل َ‬
‫ق ْ‬
‫م)]الســجدة‪،[11:‬‬
‫ت ال ّل ِ‬
‫و ِ‬
‫ل ب ِك ُل ْ‬
‫ك ال ْ َ‬
‫م َ‬
‫فاك ُ ْ‬
‫ذي ُ‬
‫مل ْ‬
‫ل ي َت َ َ‬
‫مللا‬
‫صو َ‬
‫فالملئكة موكلون بمــا شــاء اللــه جــل وعل أن يفعلــوه(َل ي َ ْ‬
‫ه َ‬
‫ن الل ّل َ‬
‫ع ُ‬
‫َ‬
‫وي َ ْ‬
‫ما ي ُ ْ‬
‫ن)]التحريم‪.[6:‬‬
‫مَر ُ‬
‫مُرو َ‬
‫عُلو َ‬
‫ف َ‬
‫ؤ َ‬
‫ن َ‬
‫ه ْ‬
‫أ َ‬
‫م َ‬
‫نستفيد أيضا ً من هذا أن في هذه المدة ُيكتب هل هو ذكر أم أنثى؟ كما جــاء‬
‫في حديث حذيفة الذي ذكرت لك في مســلم أنـه بعـد الثنـتين والربعيــن ليلـة‬
‫يسأل المَلك فيقول »أي ربي‪ ،‬ذكر أم أنثى؟ فيقول الله جللل وعل أو‬
‫يأمر الله جل وعل بما شاء فيكتب الملك«‪ .‬قال طائفة مــن المحققيــن‬
‫من أهل العلم‪ :‬إنه بذلك ‪-‬يعني بعد الثنتين والربعين‪ -‬يخرج علــم نــوع الجنيــن‬
‫ن الله جل وعل اختص‬
‫من كونه ذكرا أو أنثى عن اختصاص الله جل وعل به؛ ل ّ‬

‫النووية‬
‫شرح الربعين‬
‫‪33‬‬

‫بخمسة مــن علــم الغيــب؛ اختــص بخمســة ل يعلمهــا إل اللــه‪ ،‬ومنهــا أنــه جــل‬
‫حللام ِ)]لقمــان‪ ،[34:‬ومــا فــي الرحــام كــثيرة مــا فــي‬
‫ما ِ‬
‫في اْل َْر َ‬
‫وي َ ْ‬
‫م َ‬
‫عل َ ُ‬
‫وعل( َ‬
‫مل ُ‬
‫ل‬
‫ح ِ‬
‫مللا ت َ ْ‬
‫ه يَ ْ‬
‫م َ‬
‫عل َ ل ُ‬
‫من في الرحم‪ ،‬ويشمل ما في الرحم(الل ّ ُ‬
‫الرحام يشمل َ‬
‫كلل ّ ُ‬
‫َ‬
‫و ُ‬
‫ُ‬
‫ل َ‬
‫كلل ّ‬
‫ه‬
‫ي ٍ‬
‫ء ِ‬
‫مللا ت َ ِ‬
‫مللا َتللْز َ‬
‫ض اْلْر َ‬
‫حللا ُ‬
‫عْنللدَ ُ‬
‫و َ‬
‫و َ‬
‫غيلل ُ‬
‫دادُ َ‬
‫م َ‬
‫ل أنَثللى َ‬
‫شلل ْ‬
‫م ْ‬
‫دارٍ)]الرعد‪،[8:‬ــ وهذا العلم ال ّ‬
‫شمولي بتطـور الجنيـن فـي رحـم أمـه لحظـة‬
‫بِ ِ‬
‫ق َ‬
‫بلحظة ل أحد يعلمها إل الله جل جلله‪ .‬أما العلم بكــون الجنيــن ذكــرا أم أنــثى‬
‫فهذا من اختصاص علم الله جــل وعل قبــل الثنــتين وأربعيــن ليلــة‪ ،‬فــإذا أع ْل َــم‬
‫المَلك بذلك د ّ‬
‫ل الحديث على خروجـه عـن العلـم الـذي ل يعلمـه إل اللـه جـل‬
‫وعل‪ ،‬ولهذا في بعض العصر المتقدمة كان بعض أهل التجريب ‪-‬كما ذكر ذلك‬
‫ابن العربي في تفسيره ”أحكام القرآن“‪ -‬بعض أهل التجريب كــان ينظــر إلــى‬
‫رحم المرأة ينظر إلى المرأة الحامل‪ ،‬ويقول في بطنها ذكر أم أنثى‪ ،‬يعنــي إذا‬
‫ع ُ‬
‫ظم بطنها‪ .‬وذكر العلماء أن هذا ليس فيه ادعاء علم الغيب؛ لن الختصــاص‬
‫فيما قبل ذلك‪ ،‬منهم مــن يقي ّــد الختصــاص بمــا قبــل نفــخ الــروح‪ ،‬فيهــم وهــو‬
‫الصحيح أن يقيد الختصاص بما قبل ثنتين وأربعين ليلة كمـا دل عليـه الحـديث‬
‫ت لك‪.‬‬
‫الصحيح الذي ذكر ُ‬
‫وفي الزمن هذا ُيعرف أيضا ً هل هو ذكر أم أنثى بالوسائل الحديثــة‪ ،‬وليــس‬
‫ن يعلمـوه إل‬
‫في هذا ادعاء علم الغيب؛ لنهم ل يعلمونه قطعا ً ول يستطيعون أ ْ‬
‫بعد هذه المدة التي ذكرنا‪ ،‬وأما قبلها فإنها من اختصاص علم الله جل وعل مع‬
‫أنهم ل يعلمونها إل بعد أن تنفصل؛ أو تتميز آلــة الــذكر مــن آلــة النــثى‪ ،‬يعنــي‬
‫فْرج الذكر من فْرج النثى وهذا يكون بعد مدة‪.‬‬
‫م يَ ُ‬
‫قال عليه الصلة والسلم هنا )ي َ ُ‬
‫ل ذَل ِ َ‬
‫مث ْ َ‬
‫ة‬
‫ض َ‬
‫غ ً‬
‫ن علق ً‬
‫م ْ‬
‫ة ِ‬
‫كو َ‬
‫كو َ‬
‫ن ُ‬
‫ك‪ ،‬ث ُ ّ‬
‫ل ذَل ِ َ‬
‫مث ْ َ‬
‫ك( وهذه مائة وعشرون يومًا‪ ،‬يعني أربعة أشهر‪.‬‬
‫ِ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫ك( هذا ملك آخر‪ ،‬ملك مو ّ‬
‫مل َ‬
‫س ُ‬
‫كل بنفخ الروح أو هو‬
‫ل إ ِلي ْ ِ‬
‫م ي ُْر َ‬
‫ه ال َ‬
‫قال )ث ُ َ‬
‫الملك الول ولكن هذا إرسال آخر‪.‬‬
‫َ‬
‫في َن ْ ُ‬
‫قــال ) َ‬
‫و ي ُل ْ‬
‫فل َ‬
‫ه‪،‬‬
‫رْز ِ‬
‫خ ِ‬
‫قل ِ‬
‫مللا ٍ‬
‫فيل ِ‬
‫ه اللّرو َ‬
‫ع ك َل ِ َ‬
‫ؤ َ‬
‫ت‪ :‬ب ِك َت ْل ِ‬
‫ح‪َ ،‬‬
‫ب ِ‬
‫مَر ب ِلأْرب َ ِ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫و َ‬
‫د(‪.‬‬
‫و َ‬
‫س ِ‬
‫ش ِ‬
‫مل ِ ِ‬
‫جل ُ ِ‬
‫عي ٌ‬
‫وأ َ‬
‫و َ‬
‫ع َ‬
‫يأ ْ‬
‫ه‪َ ،‬‬
‫ه‪َ ،‬‬
‫َ‬
‫ق ّ‬
‫هنا نظر العلماء في ذلك فقالوا هــذا الحــديث يــدل علــى أن نفــخ الــروح ل‬
‫يكون إل ّ بعد أربعة أشهر‪ ،‬وعلى هذا بنى المام أحمد وجماعة من أهــل العلــم‬
‫صّلي عليه؛ لنه قد نفــخ فيــه‬
‫قولهم‪ :‬إن الجنين إذا سقط لربعة أشهر غ ُ ّ‬
‫سل و ُ‬
‫خر دّلت على أنه ُيكتب رزُقه وأجله ‪-‬كمــا‬
‫الروح بدللة هذا الحديث‪ ،‬وأحاديث أ ُ َ‬
‫ذكرنا‪ -‬وشقي أو سعيد قبل ذلك‪ .‬فكيف نوفق ما بين الحاديث التي فيها ذكــر‬
‫الكتابة قبل هذه المدة‪ ،‬وذكر الكتابة بعد تمــام المــائة وعشــرين يومـا ً أي بعــد‬
‫تمام الربعة أشهر؟‬
‫ن هذا الذي جاء فــي هــذا الحــديث‬
‫للعلماء أقوال في ذلك وأظهرها عندي أ ّ‬
‫ن إدخال الكتابة في أثناء ذكر تدّرج الحمــل‬
‫على وجه التقديم والتأخير‪ ،‬وذلك أ ّ‬
‫هذا من حيث اللغة غير مناسب‪ ،‬بل المراد أول ً أن ُيذكر التدرج‪ ،‬ثــم بعــد ذلــك‬
‫ُ‬
‫ذكر نفخ الروح؛ لتعلقه بما قبله‪ ،‬وأما الكتابــة فإنهــا وإن كــانت فــي أثنــاء تلــك‬
‫ُ‬
‫خرت لجل أنه ل يناسب إدخالها لــترتيب تلــك الطــوار‬
‫المائة وعشرين يوما ً فأ ّ‬
‫سـُنها أن ل تـدخل الكتابــة بيــن‬
‫بعض{ها على بعض‪ .‬يعني أن اللغــة يقتضــي ُ‬
‫ح ْ‬
‫هذه الطوار فالمقصود هنا ذكر هذه الطوار الثلثــة‪ :‬النطفــة‪ ،‬ثــم العلقــة‪ ،‬ثــم‬
‫ذكر الكتابة في أثنائها يقطع الوصل‪ ،‬وهذا له نظائر في اللغة‪ ،‬ومنه‬
‫المضغة‪ ،‬ف ِ‬

‫الشيخ العلمة صالح بن عبد العزيز بن محمد آل الشيخ‬

‫‪34‬‬

‫م‬
‫وب َدَأ َ َ‬
‫ن ِ‬
‫ن ِ‬
‫لن َ‬
‫م ْ‬
‫ن)‪(7‬ث ُ ّ‬
‫خل ْ َ‬
‫سا ِ‬
‫قول الله جل وعل في سورة السجدة( َ‬
‫قا ِْ‬
‫طي ٍ‬
‫ون َ َ‬
‫ع َ‬
‫فل َ‬
‫ن‬
‫هيل‬
‫م‬
‫ما ٍ‬
‫خ ِ‬
‫ه ِ‬
‫فيل ِ‬
‫ة ِ‬
‫سَلل َ ٍ‬
‫ه ِ‬
‫ج َ‬
‫َ‬
‫م َ‬
‫ن ُ‬
‫ل نَ ْ‬
‫مل ْ‬
‫م ْ‬
‫م ْ‬
‫ن)‪(8‬ث ُل ّ‬
‫ء َ‬
‫ن َ‬
‫سل َ ُ‬
‫واهُ َ‬
‫سل ّ‬
‫ٍ‬
‫ِ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫ْ‬
‫ن)‬
‫وب َدَأ َ‬
‫ُرو ِ‬
‫ن ِ‬
‫ن ِ‬
‫ح ِ‬
‫لن َ‬
‫مل ْ‬
‫خلل َ‬
‫سللا ِ‬
‫ه‪]‬السجدة‪ [89:‬الية‪ ،‬فهنا كان الترتيب( َ‬
‫قا ِ‬
‫طيل ٍ‬
‫ع َ‬
‫ن﴾]السجدة‪ [89:‬مع أن النسل هذا‬
‫ما ٍ‬
‫ة ِ‬
‫سَلل َ ٍ‬
‫ه ِ‬
‫ج َ‬
‫م َ‬
‫ن ُ‬
‫ل نَ ْ‬
‫م ْ‬
‫م ْ‬
‫ء َ‬
‫ن َ‬
‫سل َ ُ‬
‫‪(7‬ث ُ ّ‬
‫هي ٍ‬
‫م ِ‬
‫ليس لدم هنا‪ ،‬يعني نفخ الروح سبق وجود النسل‪ ،‬بدأ خلق النسان من طيــن‬
‫خـر نفـخ الـروح مـع أنـه‬
‫جعل النسل من ماء مهين‪ ،‬فهنـا أ ّ‬
‫ف َ‬
‫خ ِ‬
‫ثم ن ُ ِ‬
‫ت الروح ثم ُ‬
‫َ‬
‫ق‬
‫وب َدَأ َ‬
‫خل ْل َ‬
‫بينهما؛ لجل أن يتناسب الماء مع الماء أوالطين مع المــاء‪ ،‬قــال ) َ‬
‫ع َ‬
‫ن(‪ ،‬وبهــذا‬
‫ما ٍ‬
‫ة ِ‬
‫سَلل َ ٍ‬
‫ه ِ‬
‫ن ِ‬
‫ن ِ‬
‫ج َ‬
‫م َ‬
‫ن ُ‬
‫ل نَ ْ‬
‫لن َ‬
‫م ْ‬
‫م ْ‬
‫م ْ‬
‫ء َ‬
‫ن َ‬
‫سل َ ُ‬
‫ن)‪(7‬ث ُ ّ‬
‫سا ِ‬
‫ا ِْ‬
‫هي ٍ‬
‫م ِ‬
‫طي ٍ‬
‫تتفــق الحــاديث ول يحســن فــي مثــل هــذه المجــالس المختصــرة أن نعــرض‬
‫اختلف الروايات في هذا وكثرة العتراضات أو الشكالت فيها؛ لكــن هــذا هــو‬
‫أولى القــوال فــي هــذه المســألة وأقربهــا مـن حيــث اللغــة ومــن حيــث جمــع‬
‫الحاديث‪.‬‬
‫إذا تقرر هذا فنفخ الروح هل هو متعلق بالكتابة أو هو بعد المائة والعشرين‬
‫ما؟ اختلف العلماء أيضا ً في ذلك‪:‬‬
‫يو ً‬
‫فقالت طائفة من أهل العلــم ل يكــون نفــخ الــروح إل بعــد الربعــة‬
‫♦‬
‫مل َل َ‬
‫في َن ْ ُ‬
‫ك‪َ ،‬‬
‫سل ُ‬
‫فل َ‬
‫ح(‬
‫خ ِ‬
‫في ل ِ‬
‫ل إ ِل َي ْل ِ‬
‫م ي ُْر ِ‬
‫ه ال لّرو َ‬
‫ه ال ْ َ‬
‫أشهر؛ لنه قال هنا )ث ُ ّ‬
‫م( تقتضي التراخي الزمني؛ ولهذا قال طائفــة مـن الصــحابة واختــاره‬
‫و)ث ُ ّ‬
‫المام أحمد وجماعة أنــه ينفــخ فيــه الــروح فــي العشــرة أيــام الــتي تلــي‬
‫الربعة أشهر‪.‬‬
‫وقال آخرون من أهل العلم‪ :‬إنه ينفخ فيــه الــروح بعــد تمــام أربعــة‬
‫♦‬
‫أشهر وعشرة لروايات رويت عن الصحابة في ذلك‪.‬‬
‫جعــل مقترنــا بــه الكتابــة‪،‬‬
‫♦‬
‫وقال آخرون‪ :‬أن نفخ الروح هنا ع ُل ّــق أو ُ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫مل ل َ‬
‫في َن ْ َ‬
‫ك‪َ ،‬‬
‫سل ُ‬
‫فل َ‬
‫ه‬
‫خ ِ‬
‫في ل ِ‬
‫ل إ ِلي ْل ِ‬
‫م ي ُْر ِ‬
‫ه ال َ‬
‫فقال عليه الصلة والســلم‪) :‬ث ُ ّ‬
‫َ‬
‫وي ُ ْ‬
‫ت( فجعل المر بأربع كلمات مع نفخ الــروح‪،‬‬
‫ما ٍ‬
‫الّرو َ‬
‫ع ك َل ِ َ‬
‫ؤ َ‬
‫ح َ‬
‫مَر ب ِأْر ُب َ ِ‬
‫ن الكتابة؛ كتابة هــذه الكلمــات كــانت قبــل ذلــك‪،‬‬
‫ونعلم بالحاديث ال َ‬
‫خر أ ّ‬
‫وأحاديث النبي ‪ ‬ل تتعارض بل تتفق؛ لن الحق ل يعــارض الحــق وكلهــا‬
‫ُيصدق بعضها بعضًا؛ فلهذا قالوا هذا بناًء علــى الغلــب‪ ،‬وقــد تنفــخ الــروح‬
‫وتوجد الحركة قبل ذلك؛ لنها هنا ُقرن نفخ الروح بالكتابة‪ ،‬والكتابــة دلــت‬
‫أحاديث على سبقها‪ ،‬فمعنى ذلك أنه يمكن أن يكون نفخ الروح في أثنــاء‬
‫المائة وعشرين يومًا‪.‬‬
‫هل تكون الكتابة بعد نفخ الروح؟ هذا الحــديث ليــس فيــه دللــة وإنمــا فيــه‬
‫مل َ َ‬
‫وي ُ ْ‬
‫س ُ‬
‫مَر‬
‫ل إ ِل َي ْ ِ‬
‫م ي ُْر ِ‬
‫ؤ َ‬
‫ه ال ْ َ‬
‫ترّتب الكتابة على الروح بالواو فقال )ث ُ ّ‬
‫ك‪َ ... ،‬‬
‫َ‬
‫ت( والواو ل تقتضي ترتيبًا‪ ،‬وإنما تقتضي اشتراكًا‪ ،‬فمعنى ذلــك‬
‫ما ٍ‬
‫ع ك َل ِ َ‬
‫ب ِأْرب َ ِ‬
‫أنه قد تتقدم الكتابة‪ ،‬وقد يتقدم نفخ الروح والظهر تقدم الكتابة على نفــخ‬
‫الروح كما دلت عليه أحاديث كثيرة‪.‬‬
‫فإ ً‬
‫ه‬
‫ذا نخلص من هذا فــي خلف طويــل لهــل العلــم‪ ،‬لكــن ذكــرت لكــم ل ُب ّـ ُ‬
‫وخلصته‪ ،‬أن الغالب أن يكون نفخ الروح كما جاء في هــذا الحــديث بعــد مــائة‬
‫وعشرين يومًا‪ ،‬وقد يتحرك الجنين وينفخ قبل ذلك‪ ،‬وهذا مشاهد؛ فإنه كثير مــا‬
‫تحصل الحركة والحساس بالجنين من قَِبل الم وتنقِله في رحمهــا قبــل تمــام‬
‫ي‬
‫الربعــة أشــهر‪ ،‬والنــبي (‬
‫ق َ‬
‫ن ُ‬
‫وى)‪ (3‬إ ِ ْ‬
‫و ْ‬
‫ن ال ْ َ‬
‫عل ْ‬
‫ملا ي َن ْطِل ُ‬
‫‪َ ‬‬
‫و إ ِّل َ‬
‫هل َ‬
‫هل َ‬
‫حل ٌ‬
‫دق بعضها بعضا‪.‬‬
‫حى)]النجم‪ [4-3:‬وكلماته وأحاديثه يص ّ‬
‫ُيو َ‬

‫النووية‬
‫شرح الربعين‬
‫‪35‬‬

‫َ‬
‫في َن ْ َ‬
‫ت( قــال قبــل ذلــك ) َ‬
‫وي ُ ْ‬
‫ف َ‬
‫ح(‬
‫خ ِ‬
‫في ل ِ‬
‫ما ٍ‬
‫ه ال لّرو َ‬
‫ع ك َل ِ َ‬
‫ؤ َ‬
‫قال هنا ) َ‬
‫مَر ب ِأْرب َ ِ‬
‫ح( مخلوق من مخلوقات الله جل وعل ل نعلم كيفية هذا النفخ‪ ،‬ول كيف‬
‫)الّرو َ‬
‫ُ‬
‫ت إلى الله جــل وعل تشــريفا لهــا وتعظيمــا‬
‫ضي َ‬
‫تتلبس الروح بالبدن‪ ،‬والروح أ ِ‬
‫ف ْ‬
‫)‪(2‬‬
‫ون َ َ‬
‫لشأنها‪ (1) .‬قال جل وعل( َ‬
‫فإ ِ َ‬
‫حللي) الضــافة‬
‫ف ْ‬
‫ن ُرو ِ‬
‫ت ِ‬
‫ه ِ‬
‫في ِ‬
‫خ ُ‬
‫ذا َ‬
‫م ْ‬
‫وي ْت ُ ُ‬
‫ه َ‬
‫س ّ‬
‫هنا إضافة خلق‪ ،‬وإضافة تشريف‪ ،‬ليست هي صفة لله جل وعل‪.‬‬
‫والروح هي سر الحياة كما هو معلوم‪ ،‬وتعّلق الّروح ببـدن الجنيـن فـي رحـم‬
‫وة‬
‫الم تعلق ضعيف؛ ل ّ‬
‫و‪ ،‬فتبــدأ الــروح بــالق ّ‬
‫ن الروح لم تكتسب شيئا‪ ،‬ولــم تقـ َ‬
‫في تعلقها بالبدن كلما تقدم بالجنين الزمن في رحم الم‪ ،‬حتى إذا خــرج صــار‬
‫التعلق تعلقا آخر‪.‬‬
‫ن تعلق الروح بالبدن أربعة أنواع‪:‬‬
‫يقول العلماء إ ّ‬
‫تعلق في رحم الم؛ هذا النوع الول‪ :‬وهو تعلق ضعيف‪ ،‬الحيــاة فيــه‬
‫للبدن‪ ،‬والروح تعلقها بالبدن ضعيف‪.‬‬
‫والثاني في الحياة الدنيا‪ :‬والحيــاة فيــه للبــدن‪ ،‬والــروح تبــع‪ ،‬وتعلقهــا‬
‫بالبدن تعل ّقٌ مناسب لبقاء البدن في الدنيا‪.‬‬
‫النوع الثالث من التعلق بعد الموت‪ :‬والحياة فيه للروح‪ ،‬والبدن تبع‪.‬‬
‫والنوع الرابع تعلق الروح بالبدن بعد قيام الناس لرب العالمين‬
‫يوم القيامة‪ :‬وهـذا التعلــق أكمــل التعلقـات‪ ،‬فتكـون الحيــاة للبـدن وللـروح‬
‫جميعا في أعظم أنواع التعلق‪.‬‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫وي ُ ْ‬
‫و َ‬
‫و‬
‫و َ‬
‫ش ِ‬
‫رْز ِ‬
‫مل ِ ِ‬
‫جل ِ ِ‬
‫ق ِ‬
‫ما ٍ‬
‫وأ َ‬
‫ع َ‬
‫ع ك َل ِ َ‬
‫ؤ َ‬
‫ت‪ :‬ب ِك َت ْ ِ‬
‫يأ ْ‬
‫ه‪َ ،‬‬
‫ه‪َ ،‬‬
‫ه‪َ ،‬‬
‫قال ) َ‬
‫ق ّ‬
‫ب ِ‬
‫مَر ب ِأْرب َ ِ‬
‫مــري‪ ،‬والتقــديرات‬
‫س ِ‬
‫عي ٌ‬
‫َ‬
‫مــري أو التقــدير العُ ْ‬
‫مى القــدر العُ ْ‬
‫د(‪ .‬هذه الكتابة ُتسـ ّ‬
‫أنواع‪ :‬منها القدر اليومي‪ ،‬ومنها القدر السنوي أرفع منه‪ ،‬ومنها القدر والتقــدير‬
‫مري‪ ،‬ومنها التقدير أو القدر السابق الذي في اللوح المحفوظ‪.‬‬
‫العُ ْ‬
‫والقدر السابق الذي في اللوح المحفــوظ‪ ،‬هــذا الــذي يعــم الخلئق جميعــا‪،‬‬
‫َ‬
‫َ‬
‫فلي‬
‫ملا ِ‬
‫مأ ّ‬
‫ه يَ ْ‬
‫م تَ ْ‬
‫م َ‬
‫عَلل ُ‬
‫ن الّلل َ‬
‫عَلل ْ‬
‫كما جاء ذلك فــي قــول اللــه جــل وعل(أل َ ْ‬
‫ْ َ‬
‫ن ذَل ِل َ‬
‫ن ذَل ِ َ‬
‫ر)]الحــج‪:‬‬
‫ما ِ‬
‫ك َ‬
‫ك ِ‬
‫ه يَ ِ‬
‫عل َللى الل ّل ِ‬
‫ب إِ ّ‬
‫ض إِ ّ‬
‫ال ّ‬
‫س َ‬
‫في ك َِتا ٍ‬
‫سللي ٌ‬
‫ء َ‬
‫والْر ِ‬
‫َ‬
‫در)]القمر‪ ،[49:‬قال عليه الصلة والسلم » َ‬
‫قَناهُ ب ِ َ‬
‫خل ْ‬
‫ل َ‬
‫‪(،[70‬إ ِّنا ك ُ ّ‬
‫قدَّر‬
‫ي ٍ‬
‫ء َ‬
‫ق َ‬
‫ش ْ‬
‫الله مقللادير الخلئق قبللل أن يخلللق السللماوات والرض بخمسللين‬
‫در مقللادير الخلئق( يعنــي‬
‫ألف سنة‪ ،‬وكان عرشه علللى المللاء«‪) ،‬قل ّ‬
‫كتبهــا‪ ،‬أمــا العلــم فــإنه أول ليــس مقصــورا بقبــل خلــق الســماوات والرض‬
‫بخمسين ألف سنة‪.‬‬
‫صل من هذا أن هذا التقدير اسمه التقــدير العمــري‪ ،‬وهــو بعــض القــدر‬
‫فتح ّ‬
‫السابق‪ ،‬يعني أنك إذا تصورت التقدير العمري للناس جميعا‪ ،‬فــإن هــذا يوافـق‬
‫التقدير الذي في اللوح المحفوظ‪ ،‬كل أحد بحسبه‪ ،‬فالتقــدير الــذي فــي اللــوح‬
‫المحفوظ عام وخاص أيضا‪ ،‬وأمــا هــذا التقــدير فهــو تقــدير عمــري يخــص كــل‬
‫إنسان‪.‬‬
‫در ليس معناه أنه إجبار؛ يعني يؤمر الملك بكتب أربع كلمات‪ ،‬يــؤمر‬
‫وهذا ال َ‬
‫ق َ‬
‫بكتب رزقه‪ ،‬وأجله‪ ،‬وعمله‪ ،‬وشقي أو سعيد‪ .‬هذه الربع كلمات ليست إجبــارا؛‬
‫ن يكتــب مــا كتبــه اللــه‬
‫يعني ل يكون العبد بها مجبرا‪ ،‬وإنما هي إخبار للملك بأ ْ‬
‫ة علم الله جل وعل في العباد‪ ،‬ليظهــر علــم اللــه فيهــم‬
‫جل وعل ليظهر مواف َ‬
‫ق ُ‬
‫‪()1‬انتهى الشريط الثاني‬
‫‪()2‬الحجر‪ .29 :‬ص‪72:‬‬

‫الشيخ العلمة صالح بن عبد العزيز بن محمد آل الشيخ‬

‫‪36‬‬

‫ب عليه أنه شقي فــإنه‬
‫جل وعل‪ ،‬وهذا التقدير ل يمكن لحد أن يخالفه؛ من ك ُت ِ َ‬
‫ن علم الله جل وعل نافذ‪ ،‬بمعنى أن اللــه جــل وعل يعلــم مــا‬
‫سيكون شقيا؛ ل ّ‬
‫سيكون عليه العباد‪ ،‬وسيكون عليه ما خلق إلى قيــام الســاعة‪ ،‬ومــا بعــد ذلــك‬
‫أيضا‪.‬‬
‫ة‪ ،‬فتكون بيد الملك‪ ،‬وهو يختلف عن التقدير الذي‬
‫فهذا التقدير العمري كتاب ً‬
‫في اللــوح المحفــوظ بشــيء‪ ،‬وهــو أن ّــه يقبــل التغييــر‪ ،‬وأمــا الــذي فــي اللــوح‬
‫ن ما كتبه الله جـل وعل فـي أم الكتـب‬
‫المحفوظ فإنه ل يقبل التغيير‪ ،‬بمعنى أ ّ‬
‫حوَ ول التغيير‪ ،‬وغيره من أنواع التقديرات يعني السنوية أو العمرية‬
‫م ْ‬
‫ل يقبل ال َ‬
‫ُ‬
‫ما ي َ َ‬
‫م‬
‫و ِ‬
‫م ُ‬
‫عْنللدَهُ أ ّ‬
‫وي ُث ِْبلل ُ‬
‫ه َ‬
‫حوا الل ّ ُ‬
‫فإنها تقبل التغيير‪ .‬قال جل وعل(ي َ ْ‬
‫ت َ‬
‫شللاءُ َ‬
‫مللا ي َ َ‬
‫ت( يعنــي‬
‫م ُ‬
‫وي ُث ْب ِ ل ُ‬
‫ه َ‬
‫حوا الل ّ ُ‬
‫ب)]الرعد‪ ،[39:‬قال ابن عباس )ي َ ْ‬
‫ال ْك َِتا ِ‬
‫شللاءُ َ‬
‫ُ‬
‫م ال ْك َِتاب( عنده اللوح المحفوظ‪ ،‬ل يتغيــر‬
‫و ِ‬
‫عن ْدَهُ أ ّ‬
‫فيما في صحف الملئكة‪َ )،‬‬
‫ول يتبدل‪ .‬ولهذا كان عمر ‪ ‬يقول في دعائه‪” :‬اللهــم إن كنــت كتبتنــي شــقيا‬
‫فاكتبني سعيدا“‪ ،‬وهذا يعني به الكتابة في صحف الملئكة‪ ،‬ل الذي فــي اللــوح‬
‫المحفوظ؛ فإن الذي في اللوح المحفوظ ل يتغيــر ول يتبــدل‪ ،‬وهــذا لــه حكمــة‬
‫بالغة‪ ،‬وهو أن ينشط العبد فيما فيه صلحه‪ ،‬وأن يعظم الرغــب إلــى اللــه جــل‬
‫وعل‪ ،‬وأن الله سبحانه يعلم ما العباد عاملون‪ ،‬وممــا يعلــم دعــاؤهم ورجــاؤهم‬
‫بالله جل وعل ووسائلهم إليه سبحانه في تحقيق ما به صلحهم في الخرة‪.‬‬
‫َ‬
‫قه‪َ ،‬‬
‫و َ‬
‫د( كما ذكرت لــك هــذه‬
‫و َ‬
‫س ِ‬
‫ش ِ‬
‫مل ِ ِ‬
‫جل ِ ِ‬
‫عي ٌ‬
‫وأ َ‬
‫و َ‬
‫ع َ‬
‫)ب ِك َت ْ ِ‬
‫يأ ْ‬
‫ه‪َ ،‬‬
‫ه‪َ ،‬‬
‫رْز ِ ِ َ‬
‫ق ّ‬
‫ب ِ‬
‫خي ّــر‪ ،‬وفــي اختيــاره ل يخــرج‬
‫م َ‬
‫ليس فيها إجبار‪ ،‬والعبد عندنا أهل السنة العبــد ُ‬
‫عن قدر الله جل وعل السابق‪ ،‬وليس بمجبر على ما يفعل‪ ،‬وليس أيضا خالقــا‬
‫لفعل نفسه؛ بل الله جل وعل هو الذي يخلق فعل العبد‪.‬‬
‫ه َ‬
‫جة من كلمــات ابــن‬
‫هنا قال )فوالله ال ّ ِ‬
‫مد َْر َ‬
‫ه( هذه الكلمة ُ‬
‫غي ُْر ُ‬
‫ذي ل َ إ ِل َ َ‬
‫ه‬
‫مسعود ‪ ‬كتعليق على ما سبق من كلم النبي ‪ ‬قال )فوالله ال ّ ِ‬
‫ذي ل َ إ َِللل َ‬
‫َ‬
‫ما ي َ ُ‬
‫هللا إ ِل ّ‬
‫َ‬
‫م ُ‬
‫ل أَ ْ‬
‫جن ّ ِ‬
‫كو ُ‬
‫ه؛ إ ِ ّ‬
‫ة‪َ ،‬‬
‫ل ال ْ َ‬
‫ل بَ َ‬
‫م ل َي َ ْ‬
‫نأ َ‬
‫وب َي ْن َ َ‬
‫ن ب َي ْن َ ُ‬
‫حّتى َ‬
‫ع َ‬
‫ع َ‬
‫حدَك ُ ْ‬
‫غي ُْر ُ‬
‫ه َ‬
‫ه ِ‬
‫م ِ‬
‫ر َ‬
‫ب‪َ ،‬‬
‫ع‪َ ،‬‬
‫مل ُ‬
‫ها( لن‬
‫في َلدْ ُ‬
‫ق َ‬
‫ِذَرا ٌ‬
‫ل أَ ْ‬
‫عل َي ْل ِ‬
‫ل بِ َ‬
‫في َ ْ‬
‫ه ال ْك ِت َللا ُ‬
‫خل ُ َ‬
‫في َ ْ‬
‫ع َ‬
‫ع َ‬
‫س لب ِ ُ‬
‫هل ِ‬
‫مل ِ‬
‫ل ال ْن ّللا ِ‬

‫الكتاب فيه ذكر الخاتمة‪ ،‬شـقي أو سـعيد‪ ،‬وهــذا باعتبــار الخاتمــة‪ ،‬سـار طـول‬
‫عمره في طاعة‪ ،‬ثم بعد ذاك اختار الشقاء‪ ،‬فوافق ما كتبه الملــك أنــه شــقي‪،‬‬
‫وليس معنى ذلك أنه مجبر‪ ،‬ولكن وافق ذلك‪.‬‬
‫وكما قلت لك قال جماعة من الســلف ”الخللواتيم ميللراث السللوابق“‪.‬‬
‫فلهذا يبعث هذا الحديث وكلم ابن مسعود هذا يبعث على الخوف الشديد مــن‬
‫خت َــم لــه‪ ،‬والســوابق هــي الــتي تكــون وســائل‬
‫الخاتمة؛ لن العبد ل يدري بما ي ُ ْ‬
‫للخواتيم‪ ،‬والعبد بين خوف عظيم في أمر خاتمته‪ ،‬وما بيــن رجــاء عظيــم‪ ،‬وإذا‬
‫خت َــم لــه‬
‫جــى لـه أن ي ُ ْ‬
‫جاهد في الله حق الجهاد‪ ،‬واستقام على الطاعة‪ ،‬فإّنه ي ُْر َ‬
‫بخاتمة السعادة‪.‬‬
‫َ‬
‫َ‬
‫م ُ‬
‫هللا‬
‫لأ ْ‬
‫مللا ي َك ُللو َ‬
‫وإ ِ ّ‬
‫ر َ‬
‫ل بَ َ‬
‫م ل َي َ ْ‬
‫نأ َ‬
‫وب َي ْن َ َ‬
‫ن ب َي ْن َل ُ‬
‫حّتى َ‬
‫ع َ‬
‫ع َ‬
‫حدَك ُ ْ‬
‫ه َ‬
‫ه ِ‬
‫م ِ‬
‫قال ) َ‬
‫ل ال ّْنا ِ‬
‫ع( يعني عن القرب‪ ،‬أن الجل قريب‪ ،‬لكن يسبق عليه الكتاب‪ ،‬فيكــون‬
‫إ ِل ّ ِذَرا ٌ‬
‫أمره في آخر أمره على الردة والعياذ بالله‪ .‬وعمله بعمل أهل الجنة‪ ،‬هذا فيما‬
‫يظهر للناس‪ ،‬وفي قلبه الله أعلم بـه‪ ،‬مـا نـدري مـاذا كـان فـي قلـوب الـذين‬
‫دل‪ ،‬ل‬
‫م عَ ْ‬
‫ن الله جل وعل َ‬
‫زاغوا فأزاغ الله قلوبهم‪ ،‬لكن نعلم على اليقين أ ّ‬
‫حك َ ٌ‬
‫يظلم الناس شيئا‪ ،‬ولكن الناس أنفسهم يظلمون‪.‬‬

‫النووية‬
‫شرح الربعين‬
‫‪37‬‬

‫َ‬
‫م ُ‬
‫هللا‬
‫ل أَ ْ‬
‫مللا ي َك ُللو َ‬
‫وإ ِ ّ‬
‫ر َ‬
‫ل بَ َ‬
‫م ل َي َ ْ‬
‫نأ َ‬
‫وب َي ْن َ َ‬
‫ن ب َي ْن َل ُ‬
‫حّتى َ‬
‫ع َ‬
‫ع َ‬
‫حدَك ُ ْ‬
‫ه َ‬
‫ه ِ‬
‫م ِ‬
‫قال ) َ‬
‫ل ال ّْنا ِ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫ْ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫ة‪َ ،‬‬
‫ب‪َ ،‬‬
‫ع‪َ ،‬‬
‫م ُ‬
‫ها(رواه‬
‫في َلدْ ُ‬
‫ق َ‬
‫إ ِل ّ ِذَرا ٌ‬
‫لأ ْ‬
‫جن ّل ِ‬
‫ه ال ِ‬
‫علي ْ ِ‬
‫ل ال َ‬
‫ل بِ َ‬
‫في َ ْ‬
‫كتا ُ‬
‫خل َ‬
‫في َ ْ‬
‫ع َ‬
‫ع َ‬
‫سب ِ ُ‬
‫ه ِ‬
‫م ِ‬

‫البخاري ومسلم‪ .‬وهذا من فضل الله العظيم علــى بعــض عبــاده أن يختــم لــه‬
‫بخاتمة السعادة‪.‬‬
‫هذا الحديث كمــا ذكــرت لــك‪ ،‬وكلم ابــن مســعود فــي آخــره يبعــث علــى‬
‫الخوف الشديد من الخواتيم‪ ،‬ويبدأ المرء يفكر فيما سبق له‪ ،‬وإن المرء أحيانا‬
‫لينظر إلى السوابق‪ ،‬فل يدري ماذا كتب له فيبكي‪ ،‬كما قال بعض السلف مــن‬
‫الئمة‪ ،‬قال ”ما أب َ‬
‫ن ما أبكاها الكتاب السابق“‪ ،‬فــالمرء ينظــر‬
‫كى العيو َ‬
‫ويتأمل‪ ،‬ويود ّ أنه لو اطلع على ما كتبه الملك‪ ،‬هل الملــك كتبــه شــقيا أم كتبــه‬
‫سعيدا؟ فإن كان كتبه سعيدا فهي سعادة لـه وطمأنينـة‪ ،‬وإن كـان كتبـه شـقيا‬
‫فيعمل بعمل أهل الجنة حتى ي ُك َْتب من التقياء‪ ،‬ولكـن اللـه جـل وعل بحكمتـه‬
‫ب هذا عن العباد ليبقى الجد في العمل‪ ،‬ولتبقى حكمة التكليف‪ ،‬وأن يكــون‬
‫غ َي ّ َ‬
‫الناس متفاضلين في الِبر والتقوى‪ ،‬فليس سواًء حازم ومضيع‪ ،‬ليس سواًء من‬
‫هو مجاهد يجاهد نفسه ويجاهــد عــدوه إبليــس‪ ،‬ومــن هــو مضــيع ويتبــع نفســه‬
‫ن ما أب َ‬
‫هواها‪ .‬قال ”ما أب َ‬
‫كاها الكتاب السابق“‪ ،‬وقــال بعضــهم‬
‫كى العيو َ‬
‫”قلوب البرار معلقة بالخواتيم‪ ،‬يقولون‪ :‬بماذا ُيختم لنا؟‪ ،‬وقلوب الســابقين أو‬
‫قال المقربين معلقة بالسوابق يقولون‪ :‬ماذا سبق لنا؟“‪ ،‬وهــذا مثــال للخــوف‬
‫الشديد الذي يكون في قلوب أهل اليمان‪ ،‬وإذا كان هذا الخوف فــإنه ل يعنــي‬
‫أن يكون مترددا ليس على طاعة‪ ،‬ولكن يبعثه هذا الخوف على الخذ بــالحزم‪،‬‬
‫ن يعد العدة للقاء الله جل وعل‪.‬‬
‫وأ ْ‬
‫در له ثمراته العظيمة في العمل واليقين‪ ،‬وصلح قلوب العبــاد‪،‬‬
‫اليمان بالق َ‬
‫در‪ ،‬والمضّيعون هم الــذين اعترضــوا علــى القــدر‪،‬‬
‫فالتقياء هم الذين آمنوا بالق َ‬
‫ولك ّ‬
‫ل درجات عنـد اللـه جـل وعل مـن الفضـل والنعمـة‪ ،‬يعنـي مـن المقربيـن‬
‫والسابقين‪ ،‬وأصحاب اليمين إلى آخره‪ ،‬ولهل الشقاء دركات فـي النـار‪ ،‬نعـوذ‬
‫خذلن‪.‬‬
‫بالله من ال ِ‬
‫در‪ ،‬وأول الحاديث‪ ،‬يعني إلى ثماني أو عشرة أحاديث‪ ،‬هــذه‬
‫نكتفي بهذا الق ْ‬
‫جوامع تحتاج إلى طول‪ ،‬ثم بعد ذلك نمشي إن شاء اللــه لن مــا بعــدها يكــون‬
‫قد سبق فيما قبل‪ ،‬أو يكون الكلم عليه قليل‪.‬‬
‫بارك الله فيكم‪ ،‬ونفعني وإياكم‪ ،‬وثبتنا وإياكم علــى الحــق والعلــم والهــدى‪،‬‬
‫صلى الله وسلم على نبينا محمد‪.‬‬
‫‪‬‬
‫بسم الله الرحمن الرحيم‬
‫الحمد لله حق الحمد وأوفاه‪ ،‬وأشهد أن ل إلــه إل اللــه‪ ،‬وأشــهد أن محمــدا‬
‫عبده ورسوله ومصطفاه‪ ،‬صلى الله عليــه وعلــى آلــه وصــحبه وســلم تســليما‬
‫كثيرا إلى يوم الدين‪ ،‬أما بعد‪:‬‬
‫ري طــالب العلــم فــي مـادته‪ ،‬وفـي فهمـه‬
‫فإن الهتمام بشرح الحاديث ُيـث ِ‬
‫مهــا يريــح‬
‫للشريعة بعامة‪ ،‬والحاديث منها ما يشتمل على أصــول وقواعــد‪ ،‬فه ُ‬
‫دهــا إلــى هــذه الصــول‬
‫طالب العلم في فهم مسائل كثيرة إذا اشتبهت عليه ر ّ‬
‫الواضحات‪ ،‬فاتضح له علم ما ربما أشكل أو خفي في بعض المواضع‪.‬‬
‫فعلم الحديث وفهم كلم العلماء على الحاديث ينبغــي أن يكــون متسلســل‬
‫ن هذه الربعيــن النوويــة‬
‫بحسب أهمية تلك الحاديث‪ ،‬فكما ذكرت لكم سالفا أ ّ‬

‫الشيخ العلمة صالح بن عبد العزيز بن محمد آل الشيخ‬

‫‪38‬‬

‫مهمة؛ لن في شرحها بيــان كــثير مــن الصــول الشــرعية‪ ،‬الــتي إذا اســتوعبها‬
‫طالب العلم َرد ّ إليها ما َأشكل عليــه؛ تجــد مثل أن العــالم أو طــالب العلــم إذا‬
‫وردت عليه مسألة مشكلة‪ ،‬ربما لم يط ِّلع فيهــا علــى كلم لهــل العلــم‪ ،‬وهــي‬
‫مشكلة‪ ،‬فيرد ذلك المشكل إلى ما يعلمــه مــن الصــول الشــرعية الــتي دلــت‬
‫عليها أدلة الكتاب أو أدلة السنة‪ ،‬فيتضح له الشكال؛ لنه مما يميز أهل العلــم‬
‫أنهم يردون المتشابه إلى المحكم‪.‬‬
‫فإذا ضبط طالب العلم المحكمات من الدلة الواضحات البينات‪ ،‬وتب َي ّــن لــه‬
‫كلم أهل العلم الراسخين عليها‪ ،‬فإنه يستطيع بفضل الله ونعمتــه ورحمتــه أن‬
‫يرد ّ ما يشكل فيما يقرأ‪ ،‬أو فيما يسمع‪ ،‬أو ربما فيما ُيورد عليه مــن ســؤال‪ ،‬أو‬
‫ش َ‬
‫في مجلس من حديث‪ ،‬أو نحو ذلك‪ ،‬يرد ما أ َ ْ‬
‫كل إلى ما اتضــح لــه أو يتوقــف‬
‫فيه‪.‬‬
‫صل وطالب العلم الذي يقرأ فقط؛‬
‫وهذا هو الفرق ما بين طالب العلم ال ُ‬
‫مؤ َ ّ‬
‫صل يكون عنده بنـاء المحكمـات شـيئا فشـيئا فـي العقيـدة‬
‫فطالب العلم المؤ ّ‬
‫والحديث والفقه‪ ،‬فل تجد أنه يضطرب عند إيراد المشكلت‪ ،‬أو أنــه يغيــر رأيــه‬
‫تارة هنا وتارة هنــاك‪ ،‬كمــا قــال المــام مالــك رحمــه اللــه ”من جعلل دينله‬
‫عرضة للخصومات أكثر التنقل“؛ لنه ل يكــون عنــد كــل أحــد مــن العلــم‬
‫بالشريعة وفهم أصولها وفروعها والمحكمات ما يمكنه أن يــرد الشــبه‪ ،‬أو يــرد‬
‫ُ‬
‫م من أدلة هذه الشريعة العظيمة‪.‬‬
‫الشكالت إلى ما أ ْ‬
‫حك ِ َ‬
‫م شروح أهل العلم علــى‬
‫ن يؤخذ العلم شيئا فشيئا‪ ،‬وأن ت ُ ْ‬
‫لهذا ل بد من أ ْ‬
‫فهَ َ‬
‫الحاديث على مر اليام والليالي‪ ،‬فيتحصل طالب العلــم علــى حصــيلة علميــة‬
‫ن شاء الله تعالى وضوح الشريعة‪ ،‬وفهم الدلة‪ ،‬وهكذا كــان‬
‫متينة يكون معها إ ْ‬
‫رصون على فهم الولويات‪ ،‬فهم الشياء‪ ،‬أو الحــاديث الــتي‬
‫يسير العلماء‪ ،‬فيح ِ‬
‫سب الحاجة‪.‬‬
‫هي مختصرة أو جوامع أو كليات‪ ،‬ثم ينتقلون إلى المطولت بح َ‬
‫‪‬‬
‫الحديث الخامس‪‬‬
‫ة رضي الله عنهــا قــالت‪ :‬قــال رســول‬
‫م عبد ِ الله عائش َ‬
‫م المؤمنين أ ّ‬
‫وعن أ ّ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ه َ‬
‫ه َ‬
‫د« ]رواه البخاري مسلم[‪،‬‬
‫حد َ َ‬
‫رَنا َ‬
‫ث ِ‬
‫س ِ‬
‫و َر ّ‬
‫نأ ْ‬
‫ف ُ‬
‫م ْ‬
‫من ْ ُ‬
‫ذا َ‬
‫في أ ْ‬
‫الله ‪َ » ‬‬
‫ما ل َي ْ َ‬
‫ه َ‬
‫م ِ‬
‫َ‬
‫مُرَنا َ‬
‫م َ‬
‫د«‪.‬‬
‫س َ‬
‫ل َ‬
‫ن َ‬
‫عل َي ْ ِ‬
‫ع ِ‬
‫و َر ّ‬
‫ف ُ‬
‫م ْ‬
‫هأ ْ‬
‫ع َ‬
‫م‪َ » :‬‬
‫مل ً ل َي ْ َ‬
‫ه َ‬
‫وفي رواية لمسل ٍ‬
‫]الشرح[‬
‫مه العلمـاء‪ ،‬وقــالوا إنــه أصــل فــي رد‬
‫هذا الحديث حديث عظيم ج ّ‬
‫دا‪ ،‬وع َظ ّ َ‬
‫كل المحدثات والبدع والوضاع المخالفة للشريعة‪ ،‬فهو أصل في رد ّ البدع فــي‬
‫العبادات‪ ،‬وفــي رد ّ العقــود المحرمــة‪ ،‬وفــي رد ّ الوضــاع المحدثــة علــى خلف‬
‫الشريعة في المعاملت‪ ،‬وفي عقود النكاح‪ ،‬وما أشبه ذلــك‪ ،‬ولهــذا جعــل كــثير‬
‫دث‪ ،‬كل بدعة مــن البــدع‬
‫مح َ‬
‫من أهل العلم هذا الحديث مستمسكا في رد ّ كل ُ‬
‫التي أحدثت في الدين‪ ،‬ولهذا ينبغي لطالب العلم أن يحرص على هذا الحديث‬
‫حرصــا عظيمــا‪ ،‬وأن يحتــج بــه فــي كــل مــورد يحتــاج إليــه فيــه فــي رد البــدع‬
‫والمحدثات‪ ،‬في القوال والعمال والعتقادات؛ فإنه أصل في هذا كّله‪.‬‬
‫ة رضي الله عنهــا‬
‫م عبد ِ الله عائش َ‬
‫م المؤمنين أ ّ‬
‫قال رحمه الله تعالى )عن أ ّ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ه َ‬
‫هل َ‬
‫و‬
‫حد َ َ‬
‫رَنا َ‬
‫ث ِ‬
‫س ِ‬
‫نأ ْ‬
‫ف ُ‬
‫م ْ‬
‫من ْل ُ‬
‫ذا َ‬
‫في أ ْ‬
‫قالت‪ :‬قال رسول الله ‪َ » ‬‬
‫مللا ل َي ْل َ‬
‫هل َ‬
‫م ِ‬
‫مل َ‬
‫ل‬
‫َرّد« وفي رواية لمسلم ‪-‬وقد عل ّ َ‬
‫ن َ‬
‫ع ِ‬
‫م ْ‬
‫قها البخاري في الصــحيح أيضــا‪َ » -‬‬
‫عل َي َ‬
‫َ‬
‫مُرَنا َ‬
‫ث‬
‫حللدَ َ‬
‫َ‬
‫س َ ْ ِ‬
‫نأ ْ‬
‫و َر ّ‬
‫م ْ‬
‫ف ُ‬
‫د«(‪ ،‬قال عليه الصلة والســلم ) َ‬
‫هأ ْ‬
‫ع َ‬
‫مل ً ل َي ْ َ‬
‫ه َ‬

‫النووية‬
‫شرح الربعين‬
‫‪39‬‬

‫َ‬
‫َ‬
‫ه َ‬
‫ه َ‬
‫ن( هــذا‬
‫ح لد َ َ‬
‫رَنا َ‬
‫ِ‬
‫س ِ‬
‫نأ ْ‬
‫و َر ّ‬
‫ف ُ‬
‫مل ْ‬
‫مل ْ‬
‫ث( ولفــظ ) َ‬
‫د( قــال) َ‬
‫من ْ ُ‬
‫ذا َ‬
‫في أ ْ‬
‫ما ل َي ْ َ‬
‫ه َ‬
‫م ِ‬
‫َ‬
‫للشتراك‪ ،‬وجوابه ) َ‬
‫ث( هــو كــل مــا لــم يكــن‬
‫حد َ َ‬
‫دث في قوله )أ ْ‬
‫ح َ‬
‫و َرّد( وال َ‬
‫ف ُ‬
‫ه َ‬
‫ن‬
‫مل ْ‬
‫على وفق الشريعة‪ ،‬على وفق ما جاء به المصــطفى ‪ ‬لهــذا قــال فيــه ) َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫رَنا( والمــر هنــا هــو الــدين‪ ،‬كقــوله جــل وعل( َ‬
‫ن‬
‫حد َ َ‬
‫ث ِ‬
‫حذَْر اّلل ِ‬
‫أ ْ‬
‫فل ْي َ ْ‬
‫ذي َ‬
‫في أ ْ‬
‫م ِ‬
‫َ‬
‫فت ْن َ ٌ َ‬
‫عن أ َمر َ‬
‫خال ِ ُ‬
‫ع َ‬
‫م)]النور‪.[63:‬‬
‫يُ َ‬
‫م َ‬
‫م ِ‬
‫و يُ ِ‬
‫ن تُ ِ‬
‫ن َ ْ ْ ِ ِ‬
‫هأ ْ‬
‫فو َ‬
‫ذا ٌ‬
‫صيب َ ُ‬
‫صيب َ ُ‬
‫ب أِلي ٌ‬
‫ه ْ‬
‫ه ْ‬
‫ةأ ْ‬
‫ه(‬
‫س ِ‬
‫من ْ ُ‬
‫فمن أحدث في الدين ما ليس منه فهو مردود عليه‪ ،‬وقوله هنا ) َ‬
‫ما ل َي ْ َ‬
‫دث شيئا باعتبار الناس‪ ،‬ولكنه سنة مهجورة؛ هجرها الناس‪ ،‬فهو قد‬
‫ح ِ‬
‫لّنه قد ي ُ ْ‬
‫ن سنة من الدين‪ ،‬وذ َ ّ‬
‫كر بها الناس‪ ،‬كما جاء فــي الحــديث أنــه عليــه الصــلة‬
‫َ‬
‫س ّ‬
‫ن في السلم سنة حسنة فله أجرها وأجر من‬
‫والسلم قال»ومن َ‬
‫س ّ‬
‫َ‬
‫ث( هــذا فيــه‬
‫ح لد َ َ‬
‫نأ ْ‬
‫مل ْ‬
‫عمل بها إلللى يللوم القيامللة«‪ ،‬فــإذن قــوله أول ) َ‬
‫َ‬
‫ه َ‬
‫ذا( يعنــي فــي ديننــا هــذا‪،‬‬
‫رَنا َ‬
‫المحدثات في الدين‪ ،‬ودل عليها قوله ) ِ‬
‫في أ ْ‬
‫م ِ‬
‫ه( وهــذه هــي الروايــة‬
‫س ِ‬
‫من ْ ل ُ‬
‫وما عليه أمر النبي ‪ ‬وهو شريعته‪ .‬قال ) َ‬
‫ما ل َي ْ َ‬
‫مللا‬
‫المشتِهرة في الصحيحين وفي غيرهمــا‪ ،‬وُروي فــي بعــض كتــب الحــديث ) َ‬
‫ه َ‬
‫و َرّد( يعني ما ليس في أمرنا‪ ،‬فهذا يدل يعني هذه الرواية تــدل‬
‫س ِ‬
‫في ِ‬
‫ف ُ‬
‫ل َي ْ َ‬
‫ه َ‬
‫فى فيه بالكليــات فــي الدللــة‪ ،‬قــال‬
‫على اشتراط العمل بذلك الشيء‪ ،‬ول ي ُك ْت َ َ‬
‫) َ‬
‫د( هنا بمعنى مردود‪،‬‬
‫و َرّد( يعني فهو مردود عليه كما قال علماء اللغة )ر ّ‬
‫ف ُ‬
‫ه َ‬
‫كسد بمعنى مسدود‪ ،‬ففعل تأتي بمعنى مفعول‪ ،‬يعني من أتى بشــيء محــدث‬
‫في الدين لم يكن عليه النبي ‪ ‬فهو مردود عليه كائنا من كان‪ ،‬وهــذا فســرته‬
‫عل َي َ‬
‫مُرَنا َ‬
‫م َ‬
‫د(‪ ،‬فــأرجعه إلــى‬
‫ل َ‬
‫ن َ‬
‫س َ ْ ِ‬
‫ع ِ‬
‫و َر ّ‬
‫ف ُ‬
‫م ْ‬
‫هأ ْ‬
‫ع َ‬
‫الرواية الخرى ) َ‬
‫مل ً ل َي ْ َ‬
‫ه َ‬
‫العمال‪ ،‬والعمل هنا المراد به الدين أيضا‪ ،‬يعني من عمل عمل يتــدين بــه مــن‬
‫القوال أو العمال أو العتقادات ليس عليه أمرنا فهو رد‪ ،‬يعني مردودا عليــه‪.‬‬
‫وهذا فيه إبطال كل المحدثات‪ ،‬وإبطــال كــل البــدع‪ ،‬وذم ذلــك‪ ،‬وأنهــا مــردودة‬
‫على أصحابها‪ ،‬وهذا الحديث ‪-‬كما ذكرت لك‪ -‬أصـ ٌ‬
‫ل فــي رد البــدع فــي الــدين‪،‬‬
‫والعمــال الــتي فــي الــدين يعنــي أمــور الــدين منقســمة إلــى عبــادات وإلــى‬
‫معاملت‪ ،‬والمحدثات تكون في العبادات وتكون في المعاملت‪ ،‬فهذا الحــديث‬
‫دَ ّ‬
‫ل على إبطـال المحـدثات وإبطـال البـدع؛ لن كـل محدثـة بدعـة‪ ،‬يعنـي كـل‬
‫محدثة في الدين بدعة‪.‬‬
‫والعلماء تكلموا كثيًرا عن البدع والمحدثات‪ ،‬وجعلوا هذا الحديث دليل على‬
‫رد المحدثات والبدع‪ ،‬فالبدع مذمومة في الدين‪ ،‬وهي شر مــن كبــائر الــذنوب‬
‫العملية؛ لن صاحبها يستحسنها‪ ،‬ويستقيم عليها تقربا إلى الله جل وعل‪.‬‬
‫إذا تبين هذا الشرح العام للحديث‪ ،‬فما المراد بالبدع والمحدثات؟ هذه مما‬
‫اختلف العلماء في تفسيرها‪ ،‬والمحدثات والبدع منقسمة إلــى محــدثات وبــدع‬
‫لغوية‪ ،‬وإلى محدثات وبدع في الشرع‪.‬‬
‫ُ‬
‫ث‪ ،‬ســواء أكــان فــي‬
‫♦‬
‫ح ـد ِ َ‬
‫أما المحدث في اللغة‪ :‬هــو كــل مــا كــان أ ْ‬
‫ن هذا معناه أنــه ل‬
‫الدين‪ ،‬أو لم يكن في الدين‪ ،‬وإذا لم يكن في الدين فإ ّ‬
‫يدخل في هــذا الحــديث‪ ،‬وكــذلك البــدع‪ ،‬ولهــذا قســم بعــض أهــل العلــم‬
‫المحــدثات إلــى قســمين‪ :‬محــدثات ليســت فــي الــدين‪ ،‬وهــذه ل ت ُـ َ‬
‫ذم‪،‬‬
‫ومحدثات في الدين‪ ،‬وهذه تذم‪.‬‬
‫مثل المحدثات التي ليست من الدين‪ :‬مثل ما حصل من تغير في طرقــات‬
‫المدينة‪ ،‬وتوسعة عمر الطرقــات‪ ،‬أو تجصـيص الــبيوت‪ ،‬أو اسـتخدام أنـواع‬
‫من الُبسط فيها‪ ،‬واتخاذ القصور في المزارع‪ ،‬وما أشبه ذلك مما كــان فــي‬

‫الشيخ العلمة صالح بن عبد العزيز بن محمد آل الشيخ‬

‫‪40‬‬

‫زمن الصحابة وما بعده‪ ،‬أو اتخاذ الدواوين‪ ،‬أو ما أشبه ذلك‪ ،‬فهــذه ُأحــدثت‬
‫في حياة النــاس فهــي محدثــة‪ ،‬ولكنهــا ليســت بمذمومــة؛ لنهــا لــم تتعلــق‬
‫بالدين‪.‬‬
‫كذلك البدع‪ ،‬منها بدع في اللغة يصح أن تسمى بدعة‪ ،‬باعتبار أنها ليس لهــا‬
‫ن وصفها بالبدعة‪ ،‬وبدع فــي الــدين‪ ،‬وهــذه البــدع‬
‫مثال سابق عليها في حال َ‬
‫م ْ‬
‫ُ‬
‫ت‪.‬‬
‫التي في الدين كان الحال على خلفها‪ ،‬ثم أ ْ‬
‫حد ِث َ ْ‬
‫مثاله قول عمر ‪ ‬لما جمع الناس على إمام واحد‪ ،‬وكــانوا يصــلون أشــتاتا‬
‫في رمضان‪ ،‬جمعهم في التراويح على إمام واحد قال ”نعمــت البدعــة هــذه“‪،‬‬
‫فسماها بدعة باعتبار اللغة؛ لنها في عهده بدعة‪ ،‬يعني لم يكن لها مثال سابق‬
‫في عهد عمر‪ ،‬فتعلقت باللغة أول‪ ،‬ثم بالمتكلم ثانيا‪.‬‬
‫إذا تبين هذا فالمقصود بهذا الحديث المحدثات والبدع فــي الـدين‪ ،‬والبدعــة‬
‫في الدين د َ ّ‬
‫ل الحديث على ردها‪ ،‬ودل على ذلك آيات كثيرة وأحــاديث كــثيرة‪،‬‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫شَر َ‬
‫كاءُ َ‬
‫م ُ‬
‫ن‬
‫شَر ُ‬
‫م ِ‬
‫م ي َلأذَ ْ‬
‫ن ال ّ‬
‫كما قال جل وعل(أ ْ‬
‫عوا ل َ ُ‬
‫م لَ ُ‬
‫م ْ‬
‫مللا ل َ ل ْ‬
‫ن َ‬
‫ه ْ‬
‫ه ْ‬
‫دي ِ‬
‫ت به‬
‫ه)]الشورى‪ ،[21:‬فسماهم شركاء؛ لنهم شرعوا من الدين شيئا لم يأ ِ‬
‫بِ ِ‬
‫ه الل ّ ُ‬
‫م‬
‫و َ‬
‫محمد عليه الصلة والسلم‪ ،‬لم يأذن الله به شرعا‪ ،‬وقد قال جـــل وعل(ال ْي َ ْ‬
‫أ َك ْمل ْت ل َك ُم دين َك ُم َ‬
‫م‬
‫ت َ‬
‫وَر ِ‬
‫ْ ِ‬
‫م نِ ْ‬
‫سلَل َ‬
‫ضللي ُ‬
‫مل ُ‬
‫َ ُ‬
‫م اْل ِ ْ‬
‫ت ل َك ُل ْ‬
‫ع َ‬
‫عل َي ْك ُل ْ‬
‫م ْ‬
‫وأت ْ َ‬
‫مت ِللي َ‬
‫ْ َ‬
‫ّ‬
‫ه َ‬
‫ِدين ًللا)]المــائدة‪ ،[3:‬وقــال جــل وعل( ُ‬
‫قل ْ‬
‫عوِني‬
‫م تُ ِ‬
‫حب ّللو َ‬
‫ل إِ ْ‬
‫فللات ّب ِ ُ‬
‫ن اللل َ‬
‫ن ك ُن ْت ُل ْ‬
‫ه)]آل عمران‪ ،[31:‬واليات في هذا المعنى كــثيرة‪ ،‬ويصــلح أن يكــون‬
‫يُ ْ‬
‫م الل ّ ُ‬
‫حب ِب ْك ُ ْ‬
‫ل َ‬
‫سللو ُ‬
‫خل ُ‬
‫ه‬
‫ف ُ‬
‫م َ‬
‫مللا ن َ َ‬
‫م الّر ُ‬
‫عن ْل ُ‬
‫هللاك ُ ْ‬
‫و َ‬
‫مللا آت َللاك ُ ْ‬
‫و َ‬
‫ذوهُ َ‬
‫منهــا قــوله جــل وعل( َ‬
‫َ‬
‫هوا)]الحشر‪ ،[7:‬وقد جاء أيضا في الحاديث ذم البدع والمحدثات‪ ،‬كما كــان‬
‫فان ْت َ ُ‬
‫عليه الصلة والســلم يقــول فــي الجمعــة وفــي غيرهــا »أل إن كل محدثللة‬
‫بدعة‪ ،‬وكل بدعة ضللة‪ ،‬وكل ضللة في النللار«‪ ،‬وقــد جــاء أيضــا فــي‬
‫سللو ُ‬
‫ل الللله‪‬‬
‫و َ‬
‫عظََنا َر ُ‬
‫السنن من حديث العرباض بن سارية ‪ ‬أنه قــال » َ‬
‫ب‪ ،‬وذََر َ‬
‫ها ال ْ ُ‬
‫ن‪،‬‬
‫ة ب َِلي َ‬
‫غ ً‬
‫عظ َ ً‬
‫و ِ‬
‫ت ِ‬
‫ت ِ‬
‫عُيو ُ‬
‫ها ال ْ ُ‬
‫قُلو ُ‬
‫ف ْ‬
‫جل َ ْ‬
‫من ْ َ‬
‫من ْ َ‬
‫ذات يوم َ‬
‫و ِ‬
‫ة‪َ ،‬‬
‫م ْ‬
‫ع« الحــديث‪ .‬وفيــه قــال عليــه‬
‫عظ َ ُ‬
‫و ِ‬
‫ة ُ‬
‫فقلنا‪ :‬يا رسول الله‪ ،‬كأنها َ‬
‫م َ‬
‫م ْ‬
‫ودّ ٍ‬
‫َ‬
‫ً‬
‫ً‬
‫من ْ ُ‬
‫فلا ك َِثيلرا ‪َ ،‬‬
‫خت ِل َ َ‬
‫علْيكلم‬
‫م فسلي ََر ا ْ‬
‫ن يَ ِ‬
‫ش ِ‬
‫ف َ‬
‫م ْ‬
‫كل ْ‬
‫ه َ‬
‫الصلة والسلم »إ ِن ّ ُ‬
‫ع ْ‬
‫خل َ َ‬
‫ن من بعدي‪ ،‬تمسكوا بهللا‪،‬‬
‫فا ِ‬
‫ة ال ْ ُ‬
‫ه ِ‬
‫ش ِ‬
‫ء الّرا ِ‬
‫سن ّ ِ‬
‫م ْ‬
‫و ُ‬
‫بِ ُ‬
‫دّيي َ‬
‫دي َ‬
‫ن ال ُ‬
‫سن ِّتي َ‬
‫ن كل محدثة بدعة« والعلماء؛ علماء السلف‬
‫ضوا َ‬
‫و َ‬
‫ع ّ‬
‫ج ِ‬
‫ذ؛ فإ ّ‬
‫عل َي ْ َ‬
‫وا ِ‬
‫ها بالن ّ َ‬
‫ُ‬
‫معَ على إبطالهــا إذا صــارت‬
‫ج ِ‬
‫أجمعوا على إبطال البدع‪ ،‬فكل بدعة في الدين أ ْ‬
‫بدعة في الدين‪ ،‬دخل العلماء في تعريف البدعة‪ ،‬ما هي التي يحكم عليها بأنها‬
‫َ‬
‫َ‬
‫هلل َ‬
‫ذا‬
‫حدَ َ‬
‫رَنا َ‬
‫ث ِ‬
‫نأ ْ‬
‫َر ّ‬
‫م ْ‬
‫في أ ْ‬
‫د؟ لن هذا الحديث دل على أن كل محدثة رد ّ ) َ‬
‫م ِ‬
‫َ‬
‫ه َ‬
‫د(‪.‬‬
‫س ِ‬
‫و َر ّ‬
‫ف ُ‬
‫من ْ ُ‬
‫َ‬
‫ما لي ْ َ‬
‫ه َ‬
‫ت بعدة تعريفات‪ ،‬يهمنا منها تعريفان لضيق المقام‪:‬‬
‫فالبدعة في الدين ع ُّرفَ ْ‬
‫أولها‪ :‬التعريف المشهور الذي ذكره الشاطبي في العتصام‪ ،‬وهذا التعريف‬
‫جيــد؛ لنــه جعــل البدعــة طريقــة ملت ََزمــة‪ ،‬وأن المقصــود مــن الســلوك عليهــا‬
‫مضاهاة الطريقة الشرعية‪ ،‬وشرح التعريــف والكلم عليــه يطــول‪ ،‬فــتراجعونه‬
‫في مكانه‪.‬‬
‫لكن يهمنا من التعريف هذا شيئان‪:‬‬
‫الول‪ :‬أن البدعة ملتزم بها؛ لنه قـال طريـق فـي الـدين‪ ،‬والطريقـة هـي‬
‫الملتزم بها‪ ،‬يعني‪ :‬أصبحت طريقة يطرقهــا الول والثــاني والثــالث‪ ،‬أو تتكــرر‪،‬‬
‫زم به من هذا المر‪.‬‬
‫فهذه الطريقة يعني ما الت ُ ِ‬

‫النووية‬
‫شرح الربعين‬
‫‪41‬‬

‫خت ََرعة‪ ،‬يعني أنها لم تكن على عهد النبي‪.‬‬
‫م ْ‬
‫والثاني‪ :‬أنها ُ‬
‫هى بهــا الطريقــة الشــرعية مــن حيــث إن‬
‫ضــا َ‬
‫والثالث‪ :‬أن هذه الطريقة ت ُ َ‬
‫الطريقة الشرعية لها وصف ولها أثر‪ ،‬أما الوصف فمن جهة الزمــان والمكــان‬
‫والعدد‪ ،‬وأما الثر فهو طلب الجر من الله جل وعل‪.‬‬
‫فتحصل لنا أن خلصــة مــا يتصــل بتعريــف الشــاطبي للبدعــة يتعلــق بثلثــة‬
‫أشياء‪:‬‬
‫ن البدعة ي ُل ْت ََزم بها‪.‬‬
‫أ ّ‬
‫الثاني‪ :‬أنها مخترعة‪ ،‬لم يكن عليها عمل سابق‪ ،‬وهذه توافق الرواية الثانية‬
‫عل َي َ‬
‫مُرَنا َ‬
‫م َ‬
‫د(‪.‬‬
‫ل َ‬
‫ن َ‬
‫س َ ْ ِ‬
‫ع ِ‬
‫و َر ّ‬
‫ف ُ‬
‫م ْ‬
‫هأ ْ‬
‫ع َ‬
‫) َ‬
‫مل ً ل َي ْ َ‬
‫ه َ‬
‫هى بهــا الطريقــة الشــرعية‪ ،‬مــن حيــث الزمــان والمكــان‬
‫ضــا َ‬
‫والثالث‪ :‬أنه ت ُ َ‬
‫والوصف والثر‪ ،‬يعني العدد الذي هو الوصف مع الزمان والمكان‪ ،‬والثــر وهــو‬
‫طلب الجر من الله جل وعل بذلك العمل‪.‬‬
‫ن البدعة‬
‫مّني‪ ،‬حيــث قــال‪ :‬إ ّ‬
‫وعّرَفه غيره بتعريف أوضح‪ ،‬وهو تعريف ال ّ‬
‫س ُ‬
‫ُ‬
‫مت َل َ ّ‬
‫قى عن رسول الله ‪ ‬من قول أو‬
‫د َ‬
‫ح ِ‬
‫ما أ ْ‬
‫ث على خلف الحق ال ُ‬
‫ع َ‬
‫ل ذلك دينا قويما وصراطا مستقيما‪.‬‬
‫ج ِ‬
‫عمل أو اعتقاد‪ ،‬و ُ‬
‫ن البدعــة أحــدثت علــى خلف‬
‫وهذا التعريف أيضا صحيح‪ ،‬ويتضح لنــا منــه أ ّ‬
‫الحق‪ ،‬فهي باطل‪ ،‬وأنها تكون في القوال‪ ،‬وفــي العمــال‪ ،‬وفــي العتقــادات‪،‬‬
‫جعل ذلك دينا قويما وصراطا مستقيما‪.‬‬
‫م بها؛ لنه قال في آخره ُ‬
‫مل ْت ََز ٌ‬
‫وأنها ُ‬
‫ن البدعة تكون في القــول‬
‫إذا تقّرر ذلك فمن المهمات في معرفة البدعة أ ّ‬
‫جعِـ َ‬
‫ل‬
‫والعمال والعتقادات‪ ،‬إذا كان القول على غيــر وصــف الشــريعة‪ ،‬يعنــي ُ‬
‫للقول طريقة من حيث الزمان والمكان‪ ،‬أو من حيث العدد‪ ،‬ت ُعُب ّد َ بقــول ليــس‬
‫جعِـ َ‬
‫ل لــه وفــق مــن حيــث الزمــان أو المكــان أو العــدد‪،‬‬
‫على وفق الشريعة‪ ،‬و ُ‬
‫ث أعمــال يتقــرب بهــا إلــى‬
‫حد ِ ُ‬
‫ب به الجر من الله جل وعل‪ ،‬أو العمال‪ ،‬ي ُ ْ‬
‫وط ُل ِ َ‬
‫هى بها الصفة الشرعية على نحو ما ذكرنــا‪،‬‬
‫ضا َ‬
‫الله جل وعل ويجعل لها صفة ت ُ َ‬
‫قى عن رســول اللــه ‪ .‬فهــذه كلهــا‬
‫مت َل َ ّ‬
‫أو يعتقد اعتقادات على خلف الحق ال ُ‬
‫من أحدثها؛ بمعنى من أنشأها فهي مردودة عليه‪ ،‬ومــن تبعــه علــى ذلــك فهــو‬
‫أيضا عمله مردود عليه‪ ،‬ولو كان تابعا؛ لن التــابع أيضــا محــدث بالنســبة لهــل‬
‫ث لها‪.‬‬
‫زمانه‪ ،‬وذاك محدث بالنسبة لهل زمانه‪ ،‬فكل من عمل ببدعة فهو محد ٌ‬
‫م بها‪ ،‬في القــوال أو العمــال أو‬
‫مل ْت ََز ٌ‬
‫لهذا يتقرر من هذا التأصيل أن البدع ُ‬
‫العتقادات‪ ،‬فل يقال إنه من أخطأ مرة في اعتقاد ولم يلتزم به أنه مبتدع‪ ،‬ول‬
‫يدخل فيمن فعل فعل على خلف السنة إنه مبتدع‪ ،‬إذا فعله مرة‪ ،‬أو مرتين أو‬
‫نحو ذلك‪ ،‬ولم يلتزمه‪ ،‬فوصف اللتزام ضابط مهم‪ ،‬كما ذكر شيخ السلم ابــن‬
‫تيمية في بعض كلمه أن ضابط اللتزام مهم في الفرق بين البدعــة ومخالفــة‬
‫السنة‪ ،‬فنقول‪ :‬هذا خالف السنة في عمله‪ ،‬ول نقول إنــه مبتــدع‪ ،‬إل إذا إلــتزم‬
‫مخالفة السنة‪ ،‬وجعل ذلك دينا يلتزمه‪ ،‬فإذن من أخطأ في عمل مــن العمــال‬
‫في العبادات‪ ،‬وخالف السنة فيه‪ ،‬فإنه إن كان يتقرب به إلى اللــه فنقــول لــه‪:‬‬
‫هذا الفعل منك مخالف للسنة‪ .‬فإن التزمه بعد البيان‪ ،‬أو كان ملتزما له‪ ،‬دائما‬
‫يفعل هذا الشيء‪ ،‬فهذا يدخل في حيز البدع‪ ،‬وهذا ضابط مهم في الفرق بيــن‬
‫البدعة ومخالفة السنة‪.‬‬
‫مما يتصل أيضا بهذا الحديث‪ ،‬والكلم على البدع والمحــدثات يطــول‪ ،‬لكــن‬
‫دث‪ ،‬أن هنـاك‬
‫حـ َ‬
‫م ْ‬
‫حـ َ‬
‫م ْ‬
‫دث و ُ‬
‫ننبه على أصول فيها‪ ،‬مما يتصل به من الفرق بين ُ‬

‫الشيخ العلمة صالح بن عبد العزيز بن محمد آل الشيخ‬

‫‪42‬‬

‫دثات لم يجعلها الصحابة رضوان الله عليهم من البدع؛ بل أقروها‪ ،‬وجعلوها‬
‫مح َ‬
‫م َ‬
‫ل بها‪ ،‬وهذه هي التي سماها العلماء فيما بعد المصالح المرســلة‪،‬‬
‫سائغة‪ ،‬وع ُ ِ‬
‫والمصالح المرسلة للعلماء فيها وجهان من حيــث التفســير‪ ،‬ومعنــى المصــالح‬
‫المرسلة أن هذا العمل َأرسل الشارع حكمه باعتبار المصلحة‪ ،‬فــإذا رأى أهــل‬
‫حكمــا‪،‬‬
‫ن لهم أن يأذنوا به لجل أن الشارع ما ع َّلق به ُ‬
‫العلم أن فيه مصلحة فإ ّ‬
‫وهذا يأتي بيان صفاته‪ .‬قال العلماء‪ :‬المصالح المرسلة تكون في أمــور الــدنيا‪،‬‬
‫ق ـقُ بهــا أحــد‬
‫ح ّ‬
‫ل أمور العبادات‪ .‬وفي أمور الــدنيا؛ فــي الوســائل منهــا الــتي ي ُ َ‬
‫الضروريات الخمس‪ ،‬يعني أن الشريعة قامت على حفظ الضروريات الخمــس‬
‫معلومــة لــديكم‪ :‬الــدين‪ ،‬والنفــس‪ ،‬والمــال‪ ،‬والنســل‪ ،‬والعقــل‪ .‬هــذه الخمــس‬
‫وســائل حفظهــا هــذه مــن المصــالح المرســلة؛ وســائل حفــظ الــدين مصــلحة‬
‫ث فيها ما يحفظ دين النــاس‪ ،‬مثــل تــأليف الكتــب‪ ،‬تــأليف‬
‫حد ِ َ‬
‫مرسلة‪ ،‬لك أن ت ُ ْ‬
‫ُ‬
‫ث تأليف الكتــب‪ ،‬تــأليف الـّردود‪ ،‬جمــع‬
‫حد ِ َ‬
‫الكتب لم يكن على عهد النبي ‪ ‬فأ ْ‬
‫الحديث ما كان‪ ،‬نهى النبي ‪ ‬أن ي ُك َْتب حــديثه‪ ،‬ونهــى عمــر أن ي ُك ْت َــب حــديث‬
‫ضي لها في هذا الــوقت قائمــا‪ ،‬ثــم‬
‫م ْ‬
‫قت َ ِ‬
‫النبي ‪ ‬ثم ك ُِتب‪ ،‬هذا وسيلة لم يكن ال ُ‬
‫قام المقتضي لهــا‪ ،‬فصــارت وســيلة لحفــظ الــدين‪ ،‬صــارت مصــلحة مرســلة‪،‬‬
‫وليست بدعة‪.‬‬
‫فّرق ما بين البدعة وما بين المصلحة‬
‫فإذن من المهمات في هذا الباب أن ت ُ َ‬
‫المرسلة‪:‬‬
‫فالبدعة في الدين‪ ،‬متجهة إلى الغاية‪ ،‬وأما المصلحة المرسلة فهي‬
‫♦‬
‫متجهة إلى وسائل تحقيق الغايات‪ ،‬هذا واحد‪.‬‬
‫الثاني‪ :‬أن البدعة قام المقتضــي لفعلهــا فــي زمــن المصــطفى ‪‬‬
‫♦‬
‫م المقتضي لفعلها في زمــن النــبي‬
‫ولم ت ُ ْ‬
‫مْر َ‬
‫سَلة لم يق ْ‬
‫فَعل‪ ،‬والمصلحة ال ُ‬
‫‪.‬‬
‫م ـعَ بعــد النــبي عليــه‬
‫ج ِ‬
‫م ـعُ القــرآن ُ‬
‫فإذن إذا نظرنا مثل إلى جمع القرآن‪َ ،‬‬
‫ج ْ‬
‫مــع‪ ،‬فهــل نقــول جمــع‬
‫الصلة والسلم‪ ،‬في عهده عليه الصلة والسلم لــم ي ُ ْ‬
‫ج َ‬
‫القرآن بدعة؟ العلماء أجمعوا من الصحابة ومن بعــدهم أن جمــع القــرآن مــن‬
‫الواجبات العظيمة التي يجب أن تقوم بها المة‪ ،‬هنا في عهد النبي ‪ ‬ما قــام‬
‫س َ‬
‫خ القرآن كامل لكان هنــاك إدخــال‬
‫المقتضي للفعل؛ لن الوحي يتنزل‪ ،‬فلو ن ُ ِ‬
‫لليات في الهوامش أو بين السطور‪ ،‬وهذا عرضة لشياء غير محمودة‪ ،‬فكــان‬
‫من حكمة الله جل وعل أنه ما أمر نبيه بجمع القرآن في كتاب واحد في حياته‬
‫عليه الصلة والسلم؛ وإنما لما انتهى الــوحي بوفــاة المصــطفى عليــه الصــلة‬
‫معَ بعد ذلك‪.‬‬
‫ج ِ‬
‫والسلم جمعه أبو بكر‪ ،‬ثم ُ‬
‫وفيه أشياء شتى مــن إنشــاء دواويــن الجنــد‪ ،‬ومــن اســتخدام اللت‪ ،‬ومــن‬
‫تحديث العلوم‪ ،‬ومن الهتمام بعلوم مختلفة‪ ،‬وأشباه ذلك من فتــح الطرقــات‪،‬‬
‫وزارات‪ ،‬وأشباه هذا فــي عهــد عمــر ‪ ‬وفــي عهــد أمــراء‬
‫وتكوين البلديات وال ِ‬
‫المؤمنين فيما بعد ذلك‪.‬‬
‫حد ََثة‪ ،‬ولكن ل ينطبق عليهــا‬
‫م ْ‬
‫إذن فالحاصل من هذا أن المصلحة المرسلة ُ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ه َ‬
‫ه َ‬
‫د( لن‪:‬‬
‫حدَ َ‬
‫رَنا َ‬
‫ث ِ‬
‫س ِ‬
‫و َر ّ‬
‫نأ ْ‬
‫ف ُ‬
‫م ْ‬
‫من ْ ُ‬
‫ذا َ‬
‫في أ ْ‬
‫هذا الحديث) َ‬
‫ما ل َي ْ َ‬
‫ه َ‬
‫م ِ‬
‫هذه ليست في المر وإنما هي في وسيلة تحديث المــر‪ ،‬فخرجــت‬
‫♦‬
‫عن شمول هذا الحديث لها من هذه الجهة‪.‬‬

‫النووية‬
‫شرح الربعين‬
‫‪43‬‬

‫ومن جهة ثانية أنها إحداث ليس فــي الــدين؛ وإنمــا هــو فــي الــدنيا‬
‫♦‬
‫لمصلحة شرعية تعلقت بهذا العمل‪.‬‬
‫ت مطلوبة من بــاب تحقيــق الوســائل؛‬
‫ماها العلماء مصالح مرسلة‪ ،‬و ُ‬
‫جعِل َ ْ‬
‫س ّ‬
‫لن الوسائل لها أحكام الغايات‪ ،‬فهي واجبة ول بــد مــن عملهــا؛ لن لهــا حكــم‬
‫الغاية‪.‬‬
‫العبادات قسم من الشريعة‪ ،‬والمعــاملت قســم مــن الشــريعة‪ ،‬فالعبــادات‬
‫ث وبدعــة فــي‬
‫إحداث أمــر فــي عبــادة علــى خلف ســنة المصــطفى ‪ ‬محــد ٌ‬
‫الدين‪ ،‬وكذلك في المعاملت‪ ،‬إحداث أوضاع في المعاملت على خلف ما أمر‬
‫حو ّ َ‬
‫قــد‬
‫ل مثل ع ْ‬
‫حد َ ٌ‬
‫ث في الدين‪ .‬مثاله‪ :‬أن ي ُ َ‬
‫م ْ‬
‫به النبي ‪ ‬فهو أيضا مردود؛ لنه ُ‬
‫الربا من كونه عقدا محرما إلى عقــد جــائز)‪ ،(1‬فهــذا تبــديل للحكــم‪ ،‬أو إحــداث‬
‫حّرمه الشارع‪ ،‬أو ُيبطل شرطا مــن الشــروط الشــرعية الــتي د َ ّ‬
‫ل‬
‫لتحليل عقد َ‬
‫حو ّ َ‬
‫ل‬
‫حد َ ٌ‬
‫ث أيضا‪ ،‬فيعود عليه بالرد‪ .‬أو أن ي ُ َ‬
‫م ْ‬
‫عليها الدليل‪ ،‬فإبطاله لهذا الشرط ُ‬
‫صن‪ ،‬أو الجلد والتغريــب لغيــر المحصـن‪،‬‬
‫م ْ‬
‫مثل عقوبة الزنا من كونها رجما لل ُ‬
‫ح َ‬
‫إلى عقوبة مالية‪ ،‬فهذا رد ّ على صاحبه‪ ،‬ولو كانت في المعاملت؛ لنها إحــداث‬
‫في الدين ما ليس منه‪.‬‬
‫وهذا يختلــف عــن القاعــدة المعروفــة أن‪ :‬الصــل فــي العبــادات التوقيــف‪،‬‬
‫والصل في المعــاملت الباحــة وعــدم التوقيــف‪ .‬هــذا يعنــي فيمــا يكــون فــي‬
‫معــاملت النــاس‪ ،‬أمــا إذا كــان هنــاك شــرط شــرعي أو عقــد‪ ،‬شــرط شــرعه‬
‫الشارع‪ ،‬وأمر به واشترطه‪ ،‬أو عقد أبطله الشارع‪ ،‬فل يدخل فيه جواز التغيير؛‬
‫سعة‪،‬‬
‫وإنما جواز التغيير‪ ،‬أو التجديد في المعاملت‪ ،‬وأنها مبنية على الباحة وال ّ‬
‫هذا فيما لم يدل الدليل على شــرطيته‪ ،‬أو علــى عقــده‪ ،‬أو علــى إبطــال ذلــك‬
‫العقد‪ ،‬وما شابه ذلك‪ .‬وعلى هذا قال عليه الصلة والسلم فــي حــديث َبري ـَرة‬
‫المشهور »كل شرط ليس في كتاب الله فهو باطل‪ ،‬وإن كان مللائة‬
‫شرط«‪ .‬فهذا الحديث يأتي في جميع أبواب الدين‪ ،‬يأتي فــي الطهــارة‪ ،‬وفــي‬
‫الصلة‪ ،‬وفــي الزكــاة‪ ،‬والصــيام‪ ،‬والحــج‪ ،‬وفــي الــبيوع والشــركات‪ ،‬والقــرض‪،‬‬
‫والصرف‪ ،‬والجارة إلى آخره‪ ،‬النكاح والطلق‪ ،‬وجميع أبواب الشريعة‪ ،‬كما هو‬
‫معروف في مواضعه من تفصيل الكلم عليه‪.‬‬
‫‪‬‬
‫‪‬‬
‫‪‬‬
‫الحديث السادس ‪‬‬
‫ت رســول‬
‫عن أبي عبد ِ ا لله الّنعما َ‬
‫ر رضي الله عنهما قال‪ :‬ســمع ُ‬
‫ن بشي ٍ‬
‫ن بِ ِ‬
‫ُ‬
‫ْ‬
‫حل َ َ‬
‫مللوٌر‬
‫ن‪ ،‬وإ ِ ّ‬
‫اللــه ‪ ‬يقــول‪» :‬إ ِ ّ‬
‫ن ال َ‬
‫ن ال ْ َ‬
‫ح لَرا َ‬
‫وب َي ْن َ ُ‬
‫م ب َي ّ ل ٌ‬
‫ل ب َي ّ ل ٌ‬
‫مللا أ ُ‬
‫ه َ‬
‫ن‪َ ،‬‬
‫ف َ‬
‫ت َ‬
‫ن ات ّ َ‬
‫س‪َ ،‬‬
‫قللى ال ّ‬
‫م ْ‬
‫د‬
‫قل ِ‬
‫ها ِ‬
‫ن ك َِثيٌر ِ‬
‫ت‪ ،‬ل َ ي َ ْ‬
‫ها ٌ‬
‫شلب ُ َ‬
‫م ُ‬
‫شت َب ِ َ‬
‫م َ‬
‫ه ّ‬
‫ف َ‬
‫عل َ ُ‬
‫ُ‬
‫م ِ‬
‫ن الّنا ِ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫م‪،‬‬
‫ع ِ‬
‫ع ِ‬
‫و ِ‬
‫هلا ِ‬
‫ض ِ‬
‫عْر ِ‬
‫دين ِ ِ‬
‫ست َب َْرأ ل ِ ِ‬
‫فللي ال َ‬
‫وق ل َ‬
‫وق َ‬
‫في الشب ُ َ‬
‫اِ ْ‬
‫م ْ‬
‫و َ‬
‫ت َ‬
‫ن َ‬
‫ه‪َ ،‬‬
‫ه َ‬
‫حلَرا ِ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ن لِ ّ‬
‫َ‬
‫شلل ُ‬
‫كلل ّ‬
‫ل‬
‫عي ي َْر َ‬
‫ع ِ‬
‫ول ال ِ‬
‫كالَرا ِ‬
‫فيل ِ‬
‫مى‪ُ ,‬يو ِ‬
‫وإ ِ ّ‬
‫كأ ْ‬
‫ن ي َْرت َل َ‬
‫عى َ‬
‫ح َ‬
‫ه‪ ،‬أل َ َ‬
‫ح ْ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫د‬
‫ن ِ‬
‫ن ِ‬
‫ك ِ‬
‫سل ل ِ‬
‫ملللى الل ل ِ‬
‫وإ ِ ّ‬
‫وإ ِ ّ‬
‫فللي ال ْ َ‬
‫م َ‬
‫مل ِل ٍ‬
‫ج َ‬
‫مل ل ُ‬
‫ر ُ‬
‫ه َ‬
‫ح َ‬
‫ح َ‬
‫َ‬
‫ه‪ ،‬أل َ َ‬
‫ملللى‪ ،‬أل َ َ‬
‫حا ِ‬
‫ْ‬
‫ّ‬
‫ْ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫د‬
‫ض َ‬
‫غ ً‬
‫م ْ‬
‫سللل ُ‬
‫سدَ الل َ‬
‫ح ال َ‬
‫صلل َ‬
‫صلل َ‬
‫سدَ ْ‬
‫ح ْ‬
‫ج َ‬
‫ت فل َ‬
‫وإ ِذا فل َ‬
‫ج َ‬
‫سلدُ كل ُ‬
‫ُ‬
‫ت َ‬
‫ة‪ ،‬إ ِذا َ‬
‫ه‪َ ،‬‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫ْ‬
‫ُ‬
‫ي ال َ‬
‫ب«]رواه البـخـاري ومسلـم[‪.‬‬
‫و ِ‬
‫قللل ُ‬
‫كلّلل ُ‬
‫ه‪ ،‬أل َ َ‬
‫هل َ‬
‫]الشرح[‬
‫ده العلمــاء ثلــث الــدين أو ربــع‬
‫هذا الحديث حديث النعمان بن بشــير ‪ ‬ع َـ ّ‬
‫الدين؛ فإن المام أحمد قال‪ :‬أحاديث السلم تدور على ثلثة أحــاديث‪ :‬حــديث‬
‫‪()1‬انتهى الوجه الول من الشريط الثالث‬

‫الشيخ العلمة صالح بن عبد العزيز بن محمد آل الشيخ‬

‫‪44‬‬

‫َ‬
‫ما ُ‬
‫فللي‬
‫حلدَ َ‬
‫ما ال َ ْ‬
‫ث ِ‬
‫ل بالن ّّيا ِ‬
‫نأ ْ‬
‫م ْ‬
‫ت« وحديث عائشــة الســابق » َ‬
‫ع َ‬
‫عمر »إ ِن ّ َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ه َ‬
‫ه َ‬
‫د « وحــديث النعمــان بــن بشــير‪ ،‬وذلــك أن‬
‫رَنا َ‬
‫س ِ‬
‫و َر ّ‬
‫ف ُ‬
‫من ْ ُ‬
‫ذا َ‬
‫أ ْ‬
‫ما لي ْ َ‬
‫ه َ‬
‫م ِ‬
‫حديث النعمان د َ ّ‬
‫ل على أن الشياء منقسمة إلى حلل ب َّين‪ ،‬وإلــى حــرام ب َي ّــن‪،‬‬
‫وإلى مشتبه‪.‬‬
‫حكم‪ ،‬والمشتبه جــاء حكمــه فــي هــذا‬
‫فالحلل الب َّين والحرام الب َّين واضح ال ُ‬
‫الحديث‪ ،‬والحلل يحتاج إلى نية‪ ،‬وإلــى متابعــة‪ ،‬وعــدم إحــداث فيــه مــن أمــور‬
‫العبادات والمعاملت‪ ،‬وكذلك الحرام يحتاج إلى نية في تركه حتى يؤجر عليــه‪،‬‬
‫إلى آخر ذلك‪ ،‬فصار هذا الحديث ثلث السلم‪.‬‬
‫ن‬
‫وأبو داود صاحب السنن جعل الحاديث أربعة‪ ،‬وزاد عليها حــديث »الل ل ّ‬
‫دي ُ‬
‫الَنصـيحُـة« الحديث الذي سيأتي بعد هذا إن شاء الله تعالى‪.‬‬
‫هذا يدل على أن هذا الحديث موضعه عظيم في الشريعة؛ فهو ثلث الــدين‬
‫لمن فهمه‪ ،‬ففيه أن الحكام ثلثة‪:‬‬
‫‪ .1‬حلل ب َّين واضح ل اشتباه فيه‪.‬‬
‫‪ .2‬وحرام ب َّين واضح ل اشتباه فيه‪.‬‬
‫‪ .3‬وثالث مشتبه ل يعلمه كثير من الناس‪ ،‬ولكن يعلمه بعضهم‪.‬‬
‫ن للناس‪ ،‬والحرام البين‬
‫فالحلل الب َّين الواضح من أتاه فهذا على بينة‪ ،‬ب َي ّ ٌ‬
‫الواضح أيضا ب َّين للناس‪ ،‬ل اشتباه فيــه‪ ،‬فمــن انتهــى عنــه فهــو مــأجور‪،‬‬
‫مشتِبه‪ ،‬ومن أجــل هــذا المشــتبه‬
‫ومن وقع فيه فهو مأزور‪ .‬وهناك ما هو ُ‬
‫جاء هذا الحديث من الرءوف الرحيم عليه الصلة والسلم‪.‬‬
‫ُ‬
‫م ْ‬
‫حل َ َ‬
‫ت(‬
‫ن‪ ،‬وإ ِ ّ‬
‫ن ال ْ َ‬
‫فقال )ال ْ َ‬
‫ها ٌ‬
‫حَرا َ‬
‫شت َب ِ َ‬
‫وب َي ْن َ ُ‬
‫م ب َي ّ ٌ‬
‫ل ب َي ّ ٌ‬
‫موٌر ُ‬
‫ما أ ُ‬
‫ه َ‬
‫ن‪َ ،‬‬
‫‪ .1‬الحلل البين مثاله أنواع المأكولت المباحة‪ ،‬تأكل اللحم والخبز‪ ،‬وتشرب‬
‫الماء إلى آخره‪ ،‬أنــواع العلقــات الماليــة المباحــة‪ ،‬الــبيع الواضــح‪ ،‬الصــرف‬
‫الواضح إلى آخره‪ ،‬أنواع الجارة الواضحة‪ ،‬الزواج الواضح‪ ،‬وأشباه ذلك مما‬
‫اكتملت فيه الشروط ول شــبهة فيــه‪ ،‬فهــذا بيــن يعلمــه النــاس‪ ،‬وأيضــا هــو‬
‫درجات‪.‬‬
‫‪ .2‬والحرام بّين أيضا واضــح مثــل حرمـة الخمـر‪ ،‬وحرمـة السـرقة‪ ،‬وحرمــة‬
‫الزنا‪ ،‬وحرمة قذف الغافلت المؤمنات‪ ،‬وحرمة الّرشوة‪ ،‬وأشــباه ذلــك ممــا‬
‫الكلم فيها واضح ل اشتباه فيه‪.‬‬
‫ُ‬
‫م ْ‬
‫ت( قــال عليــه الصــلة‬
‫ها ٌ‬
‫ش لت َب ِ َ‬
‫وب َي ْن َ ُ‬
‫موٌر ُ‬
‫ما أ ُ‬
‫ه َ‬
‫‪ .3‬القسم الثــالث‪ :‬قــال ) َ‬
‫ما( فجعــل هــذا القســم بيــن الحلل والحــرام؛ وذلــك لنــه‬
‫وب َي ْن َ ُ‬
‫ه َ‬
‫والسلم ) َ‬
‫يجتذبه الحلل تارة ويجتذبه الحرام تارة‪ ،‬عند من اشتبه عليه‪ ،‬فالذي اشــتبه‬
‫عليه هذا المر يكون عنده بين الحلل والحرام‪ ،‬ل يدري هل هو حرام أو هو‬
‫ن نظر فيه من جهة قــال هــو حلل‪ ،‬وإن نظــر فيــه مـن جهـة جعلــه‬
‫حلل‪ ،‬إ ْ‬
‫حراما‪ ،‬وهذا عند كثير مــن النــاس‪ ،‬وأمــا الراســخون فــي العلــم فيعلمــونه؛‬
‫يعلمــون حكمــه‪ ،‬هــل هــو حلل أو حــرام؟‪ .‬فقــال عليــه الصــلة والســلم‪:‬‬
‫ُ‬
‫م ْ‬
‫س( فــدل قــوله‬
‫ن ك َِثيٌر ِ‬
‫ت‪ ،‬ل َ ي َ ْ‬
‫ها ٌ‬
‫م ُ‬
‫شت َب ِ َ‬
‫وب َي ْن َ ُ‬
‫م َ‬
‫ه ّ‬
‫عل َ ُ‬
‫موٌر ُ‬
‫ما أ ُ‬
‫ه َ‬
‫) َ‬
‫ن الن ّللا ِ‬
‫ن ك َِثيٌر( على أن هناك كثيرا من الناس يعلمون الحكم‪.‬‬
‫)ل َ ي َ ْ‬
‫م ُ‬
‫ه ّ‬
‫عل َ ُ‬
‫هذه المشتبهات اختلف العلماء في تفسيرها‪ ،‬ما هي المشبهات؟ في أقــوال‬
‫ت فيها مصنفات‪ ،‬وشروح هذا الحديث فــي الكتــب المطولــة‬
‫صن ّ َ‬
‫ف ْ‬
‫كثيرة جدا‪ ،‬و ُ‬
‫حها ينبني على فهم معنــى المشــتبه‬
‫طويل أيضا في تفسير المشتبهات‪ ،‬ووضو ُ‬
‫في اللغة وفي القرآن أيضا‪.‬‬

‫النووية‬
‫شرح الربعين‬
‫‪45‬‬

‫أما في اللغة‪ :‬فاشتبه الشيء بمعنى اختلــط‪ ،‬يعنــي صــار يتنــازعه أشــياء‬
‫متعددة جعلته مختلطا على الناظر أو على السامع‪ ،‬اشتبهت الشياُء عند عينه‪،‬‬
‫بمعنى اختلطت‪ ،‬ما يميز هذا من هذا‪ ،‬اشتبهت الصوات عليه‪ ،‬يعنــي تــداخلت‪،‬‬
‫فلم يميز هذا من هذا‪ .‬فالمشتبهات في اللغة ل يتضح منها المر عند كثير مــن‬
‫الناس لضعف قــوته‪ ،‬فكمــا أن النــاظر لضــعف بصــره اشــتبه عليــه‪ ،‬والســامع‬
‫لضــعف ســمعه اشــتبه عليــه‪ ،‬فكــذلك المســائل الــتي ت ُـد َْرك بــالقلب؛ تــدرك‬
‫بالبصيرة‪ ،‬تشتبه من جهة ضعف البصيرة؛ ضعف العلم‪.‬‬
‫أما في القرآن‪ :‬فجعل اللــه جــل وعل المشــتبهات أو المتشــابهات فيمــا‬
‫ذي‬
‫يقابل المحكمات‪ ،‬في آية سورة "آل عمران"‪ ،‬وهي قوله جل وعل( ُ‬
‫و اّللل ِ‬
‫ه َ‬
‫ُ‬
‫ُ‬
‫عل َْيلل َ‬
‫أ َْنللَز َ‬
‫خللُر‬
‫وأ َ‬
‫ل َ‬
‫ت ُ‬
‫ب ِ‬
‫م ْ‬
‫ك ال ْك َِتللا َ‬
‫نأ ّ‬
‫مللا ٌ‬
‫ه آَيللا ٌ‬
‫هلل ّ‬
‫حك َ َ‬
‫ت ُ‬
‫مْنلل ُ‬
‫م ال ْك َِتللا ِ‬
‫ب َ‬
‫شابهات َ َ‬
‫غ َ‬
‫في ُ‬
‫مللا ت َ َ‬
‫ه‬
‫م َزي ْل ٌ‬
‫ن ِ‬
‫ه ِ‬
‫ما ال ّ ِ‬
‫عللو َ‬
‫في َت ّب ِ ُ‬
‫مت َ َ ِ َ ٌ‬
‫ذي َ‬
‫من ْل ُ‬
‫شللاب َ َ‬
‫ن َ‬
‫ه ْ‬
‫فأ ّ‬
‫ُ‬
‫قل ُللوب ِ‬
‫ِ‬
‫ْ‬
‫ْ‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫ن‬
‫سل ُ‬
‫واب ْت ِ َ‬
‫اب ْت ِ َ‬
‫غاءَ ال ِ‬
‫والّرا ِ‬
‫ويل ِ ِ‬
‫فت ْن َ ِ‬
‫خو َ‬
‫ما ي َ ْ‬
‫ه إ ِل الل ل ُ‬
‫ويل ُ‬
‫عل ل ُ‬
‫و َ‬
‫ه َ‬
‫ه َ‬
‫ة َ‬
‫م ت َلأ ِ‬
‫غاءَ ت َأ ِ‬
‫عل ْم ِ ي َ ُ‬
‫ه كُ ّ‬
‫د َرب ّن َللا)]آل عمــران‪ ،[7:‬فــدلت اليــة‬
‫ن ِ‬
‫في ال ْ ِ‬
‫ِ‬
‫عن ْل ِ‬
‫ل ِ‬
‫مّنا ب ِ ِ‬
‫قوُلو َ‬
‫م ْ‬
‫نآ َ‬
‫على أن المحكم ما كان واضحا ب َي ًّنا‪ ،‬والمشــتبه مـا يشــتبه علمــه علــى النــاظر‬
‫فيه‪ ،‬وما في الحديث غير ما فــي اليــة‪ ،‬مــن جهــة أن مــا فــي اليــة مــن جهــة‬
‫عل َي ْ َ‬
‫ذي أ َن َْز َ‬
‫ت‬
‫ل َ‬
‫المعاني؛ معاني اليات لنه قال( ُ‬
‫ب ِ‬
‫و ال ّ ِ‬
‫ك ال ْك ِت َللا َ‬
‫ه آي َللا ٌ‬
‫من ْل ُ‬
‫ه َ‬
‫ُ‬
‫مت َ َ‬
‫هات)]آل عمــران‪ ،[7:‬فمعنــى اليــة‬
‫وأ ُ َ‬
‫ت ُ‬
‫م ْ‬
‫نأ ّ‬
‫ما ٌ‬
‫شللاب ِ َ‬
‫ه ّ‬
‫خ لُر ُ‬
‫حك َ َ‬
‫ُ‬
‫م ال ْك ِت َللا ِ‬
‫ب َ‬
‫يشتبه‪ ،‬والحديث من جهة العمل‪ ،‬من جهة الحكم‪ ،‬هل هذه من الحلل‪ ،‬أو هي‬
‫من الحرام؟ فإذن من جهة الشتباه المر واحد‪ ،‬أن المشتبه فيمــا دلــت عليــه‬
‫آية آل عمران هو غير الواضح‪ ،‬وهذا نستمسك به في تفسير المشتبه في هــذا‬
‫ة إذا اشتبه معناها‪ ،‬أو اختلف العلماء في معناها‪ ،‬فإرجاعهــا‬
‫ن الكلم َ‬
‫الحديث؛ ل ّ‬
‫ف الشارع‪ ،‬في كلمه‪ ،‬يعني إلى ما كــان عليــه اســتعمال الشــارع فــي‬
‫إلى ع ُْر ِ‬
‫القرآن‪ ،‬فهذا يريحنا من إشكال تفسير الكلمــة‪ ،‬فــإذا نظرنــا فــي هــذه الكلمـة‬
‫)مشتبهات(‪ ،‬فجعلها بعض العلمــاء ‪-‬اختلط المــال المبــاح مــع المــال الحــرام‪-‬‬
‫جعلها بعضهم فيما اختلف فيه العلماء في أقوال ربما يأتي بعضــها‪ .‬فتفســيرها‬
‫الصحيح أن نجعلها مثل آية آل عمران‪ ،‬يعني ما اتضح ما لم يتضــح للمــرء‪ ،‬مــا‬
‫لم يتضح حكمه فهو مشتبه‪ ،‬وما اتضح حكمه من الحلل فهو حلل‪ ،‬وما اتضــح‬
‫حكمه من الحرام فهو حرام‪ ،‬وهذه محكمات‪ ،‬وما اشتبه حكمه فهــو مــن غيــر‬
‫الواضح من المتشابهات‪ ،‬أو المشتِبهات‪ ،‬أو المش ـّبهات كمــا هــي روايــات فــي‬
‫هذا الحديث‪.‬‬
‫المام أحمد رحمه الله وإسحاق وجماعة من أهل العلم فسروا المشتبهات‬
‫حل ّــه وحرمتــه‪ ،‬أو اختلــف العلمــاء فــي حلــه وحرمتــه‪،‬‬
‫بما اختلف الصحابة في ِ‬
‫فقالوا مثل أكل الضب اختلفوا فيه‪ ،‬فيكون من قبيل المشتبه‪ ،‬وقالوا‪ :‬إن أكــل‬
‫ذي الناب من السباع اختلف فيه العلماء‪ ،‬فيكون من قبيــل المشــتبه‪ ،‬أو لبــس‬
‫بعض الملبس اختلفوا فيها‪ ،‬فيكون من قبيل المشــتبه‪ ،‬وجعلــوا اختلط المــال‬
‫الحلل والحرام‪ ،‬هذا من قبيل المشتبه في أشياء‪ ،‬وشرب ما يسكر كثيره مـن‬
‫قبيل المشتبه‪ ،‬من جهة الناظر فيه‪ ،‬وهذا في الحقيقة ليس واضــحا‪ ،‬وهــذه إذا‬
‫ت من المشتبهات فهذا من جهة التأويل‪ ،‬ل من جهة كونها مشتبهات بينــة‪.‬‬
‫ُ‬
‫جعِل َ ْ‬
‫فالمام أحمد وإســحاق وجماعــة إذا قــالوا عــن هــذه الشــياء إنهــا مشــتبهات‪،‬‬
‫فيعنون أنه ينبغي لمن ذهب إلــى القــول المبيــح أن يســتبرئ؛ مــن ذهــب إلــى‬
‫كر ل بد له أن يستبرئ لدينه ويذهب إلى القول الخــر‪،‬‬
‫س ِ‬
‫م ْ‬
‫القول المبيح في ال ُ‬

‫الشيخ العلمة صالح بن عبد العزيز بن محمد آل الشيخ‬

‫‪46‬‬

‫في أكل الضب السنة فيه واضــحة‪ ،‬فينبغــي أن يــترك رأيــه إلــى الســنة للمــر‬
‫الواضــح‪ ،‬يعنــي قــالوا إنهــا مــن المشــتبهات باعتبــار الخلف‪ ،‬وهــذا ليــس هــو‬
‫المقصود بالحديث؛ وإنما هم نظروا في اختلف العلماء في ذلك‪.‬‬
‫والذي ينبغي حمــل الحــاديث عليــه مــا ذكــرت لــك مــن أن المشــبهات‪ ،‬أو‬
‫المشتبهات‪ ،‬أو المتشابهات هي ما اشــتبه علمــه‪ ،‬مــا اشــتبه حكمــه علــى مــن‬
‫يحتاج إليه‪ ،‬فإذا اشتبه عليه حكم هذا البيع فاستبراؤه له حماية لعلمــه‪ ،‬حمايــة‬
‫لدينه‪ ،‬إذا اشتبه عليه حكم هــذه المــرأة‪ ،‬هــل هــي مباحــة لــه أم غيــر مباحــة؟‬
‫فالستبراء أن يتوقف حتى يأتيه إما أن تكون حلل بينا أو حراما بينا‪.‬‬
‫ن المشتبهات هذه لها حالن‪:‬‬
‫إذا تقرر ذلك فإ ّ‬
‫الحال الولى‪ :‬ما يتوقللف فيلله العلمللاء‪ ،‬فيتوقــف العــالم فــي حكــم‬
‫المســألة‪ ،‬يقــول‪ :‬أنــا متوقــف فيهــا‪ .‬والعلمــاء توقفــوا فــي شــيء مثــل بعــض‬
‫المسائل الحادثة الن‪ ،‬تأتي مسألة مثل من مسائل البيوعات أو مسائل المــال‬
‫الجديدة التي ُيحدثها الناس‪ ،‬والعلماء حتى ينظروا فيها ل بــد أن يتوقفــوا‪ ،‬فــي‬
‫بعض المسائل الطبية مثل توقف العلماء‪ ،‬والعلمــاء تــوقفهم ليــس عــن عجــز‪،‬‬
‫ولكن حماية لدينهم هم؛ لنهم سُيفتون المة‪ ،‬وإذا أفتوا المــة فــالحلل ‪-‬الــذي‬
‫صار في المة حلل‪ -‬منسوب إليهم‪ ،‬وهــم وقعــوا عــن رب العــالمين جــل وعل‬
‫يعني أفتوا عن الله سبحانه‪ ،‬فينبغي أن يتوقفوا حــتى تتــبين لهــم‪ ،‬فــإذا توقــف‬
‫العلماء في مسألة فإذن هي من المشتبهات حــتى يتــبين حكمهــا للعــالم‪ ،‬هــذا‬
‫النوع الول‪.‬‬
‫والنوع الثاني من المشتبهات ما تشتبه على غير العالم‪ :‬فينبغــي‬
‫دها إلــى العــالم‪ ،‬ينبغــي يعنــي وجوبــا؛ لنــه عليــه الصــلة‬
‫أن ل يواقعها حتى ير ّ‬
‫ُ‬
‫ت‪ ،‬ل َ‬
‫م ْ‬
‫ها ٌ‬
‫شلت َب ِ َ‬
‫وب َي ْن َ ُ‬
‫مللوٌر ُ‬
‫ما‪-‬يعنــي بيــن الحلل والحــرام‪ -‬أ ُ‬
‫ه َ‬
‫والسلم قــال ) َ‬
‫س(‬
‫ن ك َِثي لٌر ِ‬
‫ن ك َِثيٌر ِ‬
‫س(‪ .‬فــي قــوله )ل َ ي َ ْ‬
‫يَ ْ‬
‫م ُ‬
‫م ُ‬
‫مل َ‬
‫هل ّ‬
‫م َ‬
‫ه ّ‬
‫عل َ ُ‬
‫عل َ ُ‬
‫ن الن ّللا ِ‬
‫ن الّنا ِ‬
‫إرشاد إلى أن هناك من يعلم‪ ،‬فتسأل من يعلم عن حكــم هــذه المســألة‪ ،‬قــال‬
‫ن ات ّ َ‬
‫) َ‬
‫قى ال ّ‬
‫ت( يعني قبل أن يصل إليه العلم‪ ،‬أو في المسألة الــتي‬
‫ها ِ‬
‫شب ُ َ‬
‫ف َ‬
‫م ِ‬
‫َ‬
‫ف َ‬
‫ت َ‬
‫ن ات ّ َ‬
‫توقــف فيهــا أهــل العلــم‪َ ) ،‬‬
‫قللى ال ّ‬
‫ه‬
‫دين ِ ِ‬
‫سلت َب َْرأ ل ِل ِ‬
‫قل ِ‬
‫ها ِ‬
‫د اِ ْ‬
‫شلب ُ َ‬
‫ف َ‬
‫مل ِ‬
‫ه( أما استبراء الدين فهو من جهة الله جل وعل؛ حيــث إن ّــه إذا اســتبرأ‬
‫و ِ‬
‫ض ِ‬
‫عْر ِ‬
‫َ‬
‫فقد أتى ما يجب عليه‪ ،‬متوّقف فيها فأنا ل أقدم عليها؛ لنها ربما كانت حرامــا‪،‬‬
‫مك َّلف‪ ،‬فينبغي عليه وجوبا أل يأتي شيئا إل ّ وهو يعلــم أنــه حلل‪ ،‬وإذا‬
‫والمؤمن ُ‬
‫دم على شيء‪ ،‬يقدم على شيء يعلم أنــه غيــر حــرام‪ .‬فمــن توقــف‬
‫أراد أن ي ُ ْ‬
‫ق ِ‬
‫عن الحلل المشتبه أو عن الحرام المشتبه فقد استبرأ للدين؛ لنه ربما واقــع‪،‬‬
‫فصار حراما‪ ،‬وهو ل يدري‪.‬‬
‫هل يقال هنا هو ل يدري معذور؟ ل‪ ،‬غير معذور؛ لنه يجب عليه أن يتوقف‪،‬‬
‫حتى يتبين له حكم هذه المسألة‪ ،‬يأتيها على أي أساس؟ هــو مكلــف‪ ،‬ل يعمــل‬
‫َ‬
‫ف َ‬
‫عمل إل بأمر من الشرع‪ ،‬فلهذا قال ) َ‬
‫ه(‬
‫و ِ‬
‫ضل ِ‬
‫عْر ِ‬
‫دين ِ ِ‬
‫ست َب َْرأ ل ِ ِ‬
‫ق ِ‬
‫د اِ ْ‬
‫ه(‪ .‬قــال ) َ‬
‫ه لنه في أهل اليمان من أقدم على المور المشتبهات فإنه قد ُيوَقــع‬
‫و ِ‬
‫ض ِ‬
‫عْر ِ‬
‫َ‬
‫فيه‪ ،‬قد ي ُت َك َّلم فيه بــأنه قليــل الديانــة؛ لنـه لــم يســتبرئ لــدينه‪ ،‬فــإنه إذا تــرك‬
‫ث علــى أن المــرء ل يــأتي مــا‬
‫مواقعة المشتبهات استبرأ لعرضه‪ ،‬وفي هذا حـ ّ‬
‫ُيعاب عليه في عرضه‪ ،‬فالمؤمن يرعى حال إخوانه المــؤمنين‪ ،‬ونظــرة إخــوانه‬
‫المؤمنين إليه‪ ،‬ول يأتي بشيء يقـول أنــا ل أهتــم بقـول أهــل اليمــان‪ ،‬ل أهتــم‬
‫بقول أهل العلم‪ ،‬ل أهتم بقول طلبة العلم؛ فإن استبراء العرض حــتى ل يوقــع‬

‫النووية‬
‫شرح الربعين‬
‫‪47‬‬

‫فيه هذا أمر مطلوب‪ .‬وقد جاء في الثر‪” :‬إياك وما يشار إليه بالصللابع“‪.‬‬
‫يعني من أهل اليمان‪ ،‬حيث ينتقدون على العامل عملــه فيمــا لــم يوافــق فيــه‬
‫الشريعة‪.‬‬
‫و َ‬
‫و َ‬
‫و َ‬
‫في ال ّ‬
‫فللي‬
‫ع ِ‬
‫ع ِ‬
‫ع ِ‬
‫هلا ِ‬
‫قل َ‬
‫فللي ال ْ َ‬
‫ق َ‬
‫ق َ‬
‫شب ُ َ‬
‫م ْ‬
‫و َ‬
‫حلَرام ِ( هنــا ) َ‬
‫ت َ‬
‫ن َ‬
‫قال ) َ‬
‫ت بتفسيرين‪:‬‬
‫ال ْ َ‬
‫حَرام ِ( فُ ّ‬
‫سَر ْ‬
‫‪ .1‬الحرام الذي هو أحــد الجــانبين الــذي الشــبهات فيمــا بينهمــا؛ لن جــانب‬
‫حلل‪ ،‬وجانب حرام‪ ،‬فمن وقع في الشبهات وقع في الحرام الذي هــو أحــد‬
‫الجهتين‪.‬‬
‫حـّرم؛ حيـث لــم يســتبرئ لــدينه‪ ،‬حيـث‬
‫م َ‬
‫‪ .2‬وفُ ّ‬
‫سَر الحرام بأنه وقع في أمر ُ‬
‫وقع في شيء لم يعلم حكمه‪ ،‬شيء مسألة واقعتها بل علم منك أن ّــه جــائز‪،‬‬
‫و َ‬
‫فل شك أن هذا إقدام على أمر دون حجة‪َ ).‬‬
‫فللي ال ّ‬
‫ت‬
‫ع ِ‬
‫هلللا ِ‬
‫قلل َ‬
‫شب ُ َ‬
‫م ْ‬
‫ف َ‬
‫ن َ‬
‫و َ‬
‫حَرام ِ(‪.‬‬
‫ع ِ‬
‫في ال ْ َ‬
‫ق َ‬
‫َ‬
‫وهذا في المسائل الــتي تتنازعهــا المــور بوضــوح‪ ،‬هنــاك مســائل مــن الــورع‬
‫و َ‬
‫فللي‬
‫ع ِ‬
‫ق َ‬
‫م ْ‬
‫و َ‬
‫ن َ‬
‫يستحب تركها‪ ،‬ليست هي المقصودة بهذه الكلمة؛ لنه قال ) َ‬
‫و َ‬
‫ال ّ‬
‫حَرام ِ(‪.‬‬
‫ع ِ‬
‫هلا ِ‬
‫في ال ْ َ‬
‫ق َ‬
‫شب ُ َ‬
‫ت َ‬
‫ل ذلك عليه الصلة والسلم بقوله ) َ‬
‫مث ّ َ‬
‫مللى‪,‬‬
‫عي ي َْر َ‬
‫ول ال ِ‬
‫كالَرا ِ‬
‫عى َ‬
‫ح َ‬
‫ثم َ‬
‫ح ْ‬
‫َ‬
‫شل ُ‬
‫ه( الراعي يكون معه شيء من الماشــية‪ ،‬الماشــية مــن‬
‫ع ِ‬
‫في ِ‬
‫ُيو ِ‬
‫كأ ْ‬
‫ن ي َْرت َ َ‬
‫طبيعتها أنها في بعض الحيان تخرج عن مجموع الماشية وتــذهب بعيــدا‪ ،‬فــإذا‬
‫قارب حمى محمية‪ ،‬مثل أرض محمية للصدقة‪ ،‬أو محمية في ملك فلن‪ ،‬أو ما‬
‫أشبه ذلك‪ ،‬فإن مقاربته بماشــيته للحمــى ل بـد أن يحصــل مــن بعضــها منهــم‪،‬‬
‫ويأخذ من حق غيره‪.‬‬
‫ه( ومــا هــو داخــل هــذا‬
‫وهذا تمثيل عظيم فــي أن ) ِ‬
‫ملى اللل ِ‬
‫م َ‬
‫ملل ُ‬
‫ر ُ‬
‫ه َ‬
‫ح َ‬
‫حا ِ‬
‫الحمى هو الدين‪ ،‬وهذه المحارم حمى‪ ،‬فمن قارب فل بد أن يحصل منــه مــرة‬
‫أن يتوسع‪ ،‬فيدخل في الحرام‪ ،‬حتى في المور الــتي يكــون عنــده فيهــا بعــض‬
‫التردد‪ ،‬ل كل التردد‪.‬‬
‫ل عليه الصــلة والســلم بهــذا المثــال العظيــم‪ ،‬فقــال ) َ‬
‫مث ّ َ‬
‫عي‬
‫كالَرا ِ‬
‫فلهذا َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫شل ُ‬
‫ن‬
‫ي َْر َ‬
‫ع ِ‬
‫ول ال ِ‬
‫في ل ِ‬
‫مى‪ُ ,‬يو ِ‬
‫وإ ِ ّ‬
‫كأ ْ‬
‫ن ي َْرت َ َ‬
‫عى َ‬
‫ح َ‬
‫ه( لنــه َقــاَرب‪ .‬قــال )أل َ َ‬
‫ح ْ‬
‫َ‬
‫لِ ّ‬
‫كل ّ‬
‫ه( فحمــى اللــه محــارمه‪،‬‬
‫ن ِ‬
‫ك ِ‬
‫ملى الل ِ‬
‫وإ ِ ّ‬
‫م َ‬
‫مل ِ ٍ‬
‫مل ُ‬
‫ر ُ‬
‫ه َ‬
‫ح َ‬
‫ح َ‬
‫ل َ‬
‫ملى‪ ،‬أل َ َ‬
‫حا ِ‬
‫وى دين المرء‪.‬‬
‫بها يق َ‬
‫دللة في أن من قارب الحمى‪ ،‬مـن قــارب المحــارم‪،‬‬
‫فهذا الحديث واضح ال ّ‬
‫من قارب الحرمات فإنه يوشك أن يقع في المحرم من جّراء تساهله‪.‬‬
‫نفهــم مــن هــذا الحــديث أن الحلل الب َي ّــن واضــح‪ ،‬والحــرام الــبين واضــح‪،‬‬
‫والمشّبهات المشتبهات عرفنا تعريفها‪ ،‬وحكمها‪ ،‬وتقسيمات الكلم عليها‪ ،‬وأنه‬
‫يجب على صاحب الدين؛ يجب على المسلم أل يأتي شيئا إل وهو يعلم حكمه‪،‬‬
‫إذا لــم يعلــم فليســأل‪ ،‬فتكــون إذن المســألة مشــتبهة عليــه‪ ،‬ويــزول الشــتباه‬
‫بسؤال أهل العلم‪ ،‬فإن بقيت مشتبهة على أهل العلم‪ ،‬فإنه يعني حتى يحكموا‬
‫فيها فإنه يتوقف معهم حتى يعمل ذلك‪.‬‬
‫هناك مسائل ليست مشتبهة يعني في الحكــام لكونهــا تبــع الصــل جريــان‬
‫القواعد عليها‪ ،‬دخولها ضمن الدليل‪ ،‬فإذن المسائل التي اختلف العلماء فيها ل‬
‫تدخل ضمن هذا الحديث من جهة كونها مشتبهة؛ فل نقول هذه مسألة اختلــف‬
‫فيها العلماء‪ ،‬فإذن يخرج منها بتاتا على جهة أن من وقع فيها وقع في الحرام‪.‬‬

‫الشيخ العلمة صالح بن عبد العزيز بن محمد آل الشيخ‬

‫‪48‬‬

‫ل؛ ولكن هذا على وجه الستحباب‪ .‬وهذا هو الذي فهمه العلماء مــن الحــديث‪:‬‬
‫أن الخــروج مــن خلف العلمــاء مســتحب‪ ،‬يعنــي أن العلمــاء إذا اختلفــوا فــي‬
‫مســألة‪ ،‬فــالخروج مــن خلفهــم إلــى مــتيقن‪ ،‬هــذا مســتحب‪ ،‬وهــذا صــحيح‬
‫باعتبارات‪ ،‬وفي بعض تطبيقاته قد ل يكون صحيحا في تفاصيل معلومة‪.‬‬
‫مثاله مثل قصر الصلة فــي الســفر‪ ،‬جمهــور العلمــاء يعنــي جمهــور الئمــة‬
‫دوا المدة بنية إقامة أربعة أيام فصاعدا؛ فــي‬
‫ح ّ‬
‫الربعة مالك والشافعي وأحمد َ‬
‫وى إقامة أربعة أيام فصاعدا لم يترخص برخصة الســفر‪ ،‬وهنــاك قــول‬
‫أّنه إذا ن َ‬
‫مع إقامة أكثر من خمسة عشــر يومــا‪،‬‬
‫ن للحنفية بأن له أن يترخص ما لم ي ُْز ِ‬
‫ثا ٍ‬
‫وهناك قول ثالث لشيخ السلم ابن تيمية وجماعة من أهــل العلــم بــأن لــه أن‬
‫يترخص حتى يرجع إلى بلده‪ .‬فهذه أقوال ثلثة‪ :‬القول الول وهو كونهــا أربعــة‬
‫ح على غيرها من جهة أن المسألة من حيث الدليل مشتبهة‪ ،‬وإذا كــان‬
‫ج َ‬
‫أيام ُر ّ‬
‫كذلك فالخذ فيها بــاليقين اســتبراٌء للــدين؛ لن الصــلة ركــن الســلم الثــاني‪،‬‬
‫َ‬
‫خذ ُ اليقين في أمــر الصــلة هــذا ممــا د َ ّ‬
‫ل عليــه هــذا الحــديث‪ ،‬لنــه اســتبراٌء‬
‫فأ ْ‬
‫ن الربعة أيام هذه بالتفــاق أنــه يــترخص فيهــا‪ ،‬وأمــا مــا عــداها فهــو‬
‫للدين؛ ل ّ‬
‫مختلــف فيــه‪ ،‬فــإذا كــان كــذلك فــالخروج مــن الخلف هنــا مســتحب‪ ،‬فنأخــذ‬
‫ن فــي‬
‫بالحوط‪ .‬ولهذا رجح كثير من المحققين هذا القول باعتبار الستبراء‪ ،‬وأ ّ‬
‫الخذ به اليقين في أمر الصلة الــتي هــي الركــن الثــاني مــن أركــان الســلم‪،‬‬
‫وأعظم الركان العملية‪.‬‬
‫من المسائل التي أيضا يتعرض لها العلماء في هذا الحديث الكل من مــال‬
‫من اختلط في ماله الحلل الحرام‪ ،‬أعني رجل مثل في مـاله حـرام‪ ،‬نعلـم أنـه‬
‫يكتسب من مكاسب محرمة؛ إما أنه يرتشي‪ ،‬أو عنده مكاسب من الربا‪ ،‬أو ما‬
‫أشبه ذلك‪ ،‬وعنده مكاسب حلل‪ ،‬فما الحكم في شأنه؟‬
‫♦ جعله بعض العلماء داخل في هذا الحديث‪ ،‬وأن الورع الــترك علــى ســبيل‬
‫الستحباب؛ لنه استبراء‪.‬‬
‫♦ وطائفة من أهل العلم قــالوا بحســب مــا يغلــب‪ ،‬فــإن كــان الغــالب عليــه‬
‫ست َب َْرأ‪ ،‬وإن كان الغالب عليه الحلل فإنه يجوز أن تأكل منه‪ ،‬ما‬
‫الحرام فإنه ي ُ ْ‬
‫م لك من الحرام‪.‬‬
‫لم تعلم أن ع َْين ما قُد ّ َ‬
‫♦ وقال آخرون منهم ابــن مســعود ‪ ‬لــك أن تأكــل‪ ،‬والحــرام عليــه‪ ،‬لت َغَي ّــر‬
‫الجهة‪ ،‬فهو اكتسبه من حرام‪ ،‬وحين قدم لك قدمه على أنــه هديــة‪ ،‬أو علــى‬
‫أنه إضافة أو ه َِبة‪ ،‬أو ما أشبه ذلك‪ ،‬وت َغَّير الجهة يغير الحكم كمــا فــي حــديث‬
‫بريرة‪ :‬قالوا‪ :‬يا رسول الله‪ ،‬في اللحم إنه تصدق به على بريــرة‪ ،‬والنــبي ‪‬‬
‫ل يأكل الصدقة‪ ،‬فقــال عليــه الصــلة والســلم »ه ـو عليها صللدقة‪ ،‬ولنللا‬
‫دى وهو اللحـم‪ ،‬فقـال جماعـة مـن‬
‫مه ْ َ‬
‫هدية«‪ .‬لختلف الجهة‪ ،‬مع أنه عين ال ُ‬
‫الصحابة ومن أهل العلم إّنه يأكل والحرام على صاحبه‪ ،‬على من قدمه‪ ،‬وأما‬
‫هذا فقدمه على أنه هدية‪ ،‬فل بأس بذلك‪.‬‬
‫♦ وقال آخرون في هذه المسألة‪ :‬إنه يأكل منه مــا لــم يعلــم أن هــذا المــال‬
‫دم حرام‪ ،‬فإذا علم أن عين ما قدم حــرام فل‬
‫بعينه حرام‪ ،‬يعني أن عين ما قَ ّ‬
‫يجوز له أكل هذا المعين‪ ،‬ويجــوز أكــل مـا ســواه‪ ،‬واســتدلوا علــى ذلــك بــأن‬
‫اليهود كانوا يقدمون الطعام للنبي عليه الصلة والسلم‪ ،‬وكانوا يأكلون الربا‪،‬‬
‫وكان عليه الصلة والسلم ربما أكل من طعامهم‪ .‬فيه تفاصيل‪.‬‬

‫النووية‬
‫شرح الربعين‬
‫‪49‬‬

‫المقصود من هذا كمثال لختلف العلماء فــي تنــازٍع فــي هــذه المســألة‪ ،‬هــل‬
‫تدخل في هذا الحديث أم ل؟ وجملتهم علــى دخــوله مــن جهــة الــورع‪ ،‬وليــس‬
‫على دخوله من جهة أنه من أكل فقد أكل حراما‪ ،‬مع أن عددا مــن المحققيــن‬
‫جحوا قول ابن مسعود‪ ،‬وهو ترجيح ظاهر من حيث الدليل‪ ،‬كابن عبد البر في‬
‫َر ّ‬
‫"التمهيد"‪ ،‬وكغيره من أهل العلم في تفاصيل يطول الكلم عليها‪.‬‬
‫َ‬
‫ة‪ ،‬إ ِ َ‬
‫ت‬
‫ضل َ‬
‫غ ً‬
‫ن ِ‬
‫م ْ‬
‫سل ل ِ‬
‫وإ ِ ّ‬
‫صَلل ل َ‬
‫في ال ْ َ‬
‫ح ْ‬
‫ج َ‬
‫د ُ‬
‫ذا َ‬
‫قال عليه الصلة والسلم )أل َ َ‬
‫َ‬
‫سل لدُ ُ‬
‫ت َ‬
‫ذا َ‬
‫وإ ِ َ‬
‫ي‬
‫و ِ‬
‫سدَ اْلل َ‬
‫ح ال ْ َ‬
‫صُلل َ‬
‫سدَ ْ‬
‫ج َ‬
‫فل ل َ‬
‫فل ل َ‬
‫ج َ‬
‫كلّلل ل ُ‬
‫سلدُ ك ُل ّ ُ‬
‫َ‬
‫ه‪ ،‬أل َ َ‬
‫ه‪َ ،‬‬
‫هل ل َ‬
‫ْ‬
‫ال ْ َ‬
‫ب(‪ .‬فهذا فيه أن صلح القلب الذي هو معدن اليمان به يكــون التــوّرع‪،‬‬
‫قللل ُ‬
‫به يكون التوقف عن الشبهات‪ ،‬به يكون القدام علــى المحرمــات‪ ،‬هــذا راجــع‬
‫إلى القلب‪ ،‬والقلب إذا صلح‪ ،‬صلح الجسد كله في تصرفاته‪ ،‬وإذا فســد فســد‪،‬‬
‫َ‬
‫ة( والقلـــب‬
‫ض َ‬
‫غ ً‬
‫ن ِ‬
‫م ْ‬
‫سل ِ‬
‫وإ ِ ّ‬
‫في ال ْ َ‬
‫ج َ‬
‫د ُ‬
‫الجسد كله‪ .‬تعليق هذا بالقلب‪ ،‬قال )أل َ َ‬
‫ث إدراك المعلومات هو الذي ُيدرك‪ ،‬فعند المحققيــن مــن أهــل العلــم‪،‬‬
‫من حي ُ‬
‫ن هذا معلــق بــالقلب‪ ،‬يعنــي حصــول‬
‫والذي تدل عليه نصوص الكتاب والسنة أ ّ‬
‫الدراكات‪ ،‬وحصول العلوم‪ ،‬والصلح والفساد والنيات إلــى آخــره‪ ،‬هــذا معلــق‬
‫بالقلب‪ .‬إذا كان كذلك‪ ،‬فما وظيفة الدماغ أو المخ؟ وظيفته المداد‪ ،‬هـذا علـى‬
‫قول المحققين من أهل العلم‪ ،‬فاختلفوا في العقل؛ هل هو في القلــب أم هــو‬
‫ما؛ وإنمــا المقصــود بــه‬
‫في الرأس؟ والصحيح أنه في القلب‪ ،‬والعقل ليس ُ‬
‫جْر ً‬
‫مد ّ القلب بالدراكــات‪.‬‬
‫إدراك المعقولت‪ ،‬والدماغ وما في الرأس هذه وسيلة ت ُ ِ‬
‫القلب هل يدرك من جهة كونه مضغة؟ ل‪ ،‬يدرك مــن جهــة كــونه بيــت الــروح‪،‬‬
‫والله أعلم‪ ،‬وصلى الله وسلم على نبينا محمد‪.‬‬
‫بسم الله الرحمن الرحيم‬
‫الحمد لله‪ ،‬والصلة والسلم على رسول الله‪ ،‬وعلى آله وصحبه ومن اهتدى‬
‫بهداه‪ .‬أما بعد‪:‬‬
‫سبق في الكلم علــى حــديث النعمــان بــن بشــير فــي قــوله عليــه الصــلة‬
‫و َ‬
‫و َ‬
‫في ال ّ‬
‫ح لَرام ِ( ونزيــد المســألة‬
‫ع ِ‬
‫ع ِ‬
‫هلا ِ‬
‫فللي ال ْ َ‬
‫ق َ‬
‫ق َ‬
‫شب ُ َ‬
‫م ْ‬
‫و َ‬
‫ت َ‬
‫ن َ‬
‫والسلم ) َ‬
‫و َ‬
‫و َ‬
‫فللي ال ّ‬
‫فللي‬
‫ع ِ‬
‫ع ِ‬
‫هلللا ِ‬
‫قل َ‬
‫ق َ‬
‫شب ُ َ‬
‫م ْ‬
‫بيانا بأن قوله عليه الصلة والسلم ) َ‬
‫ت َ‬
‫ن َ‬
‫ن الــذي يقــع‬
‫صوَّر كأنه واقع فيه‪ ،‬فــإ ّ‬
‫ال ْ َ‬
‫حَرام ِ( أنه لشدة مقاربته للحرام‪ ،‬فإنه ُ‬
‫مث ّـ َ‬
‫ل لــه عليــه الصــلة‬
‫في الشبهات يؤدي به ذلك إلــى مواقعــة الحــرام‪ ،‬كمــا َ‬
‫َ‬
‫والسلم بقوله ) َ‬
‫شل ُ‬
‫ه(‪.‬‬
‫عي ي َْر َ‬
‫ع ِ‬
‫ول ال ِ‬
‫كالَرا ِ‬
‫في ِ‬
‫مى‪ُ ,‬يو ِ‬
‫كأ ْ‬
‫ن ي َْرت َ َ‬
‫عى َ‬
‫ح َ‬
‫ح ْ‬
‫والقول الثاني‪ :‬أن الوقوع في الحرام‪ ،‬أّنه لشتباه المر عليه‪ ،‬وعدم دخوله‬
‫ن هــذا المــر حكمــه الحرمــة‪،‬‬
‫فيه بحجة أنه ربما وقع في الحرام‪ ،‬يعنــي فــي أ ّ‬
‫فوقع فيه من غير علم‪ ،‬وكـان وقـوعه فيـه نتيجـة لعـدم اسـتبرائه وبعـده عـن‬
‫المشتبهات‪.‬‬
‫جه بهما جماعة من ال ّ‬
‫شّراح‪ ،‬وقد ذكرت لكــم أيضــا بــالمس‬
‫وهذان توجيهان وَ ّ‬
‫توجيهان لهل العلم تدخل في هذين‪.‬‬
‫‪    ‬‬
‫الحديث السابع ‪‬‬
‫وعن أبي رقَية تميـم ب َ‬
‫ن رسـول اللــه ‪ ‬قـــال‬
‫ُ ّ َ‬
‫داِري ‪ ‬قال‪ :‬أ ّ‬
‫س الـ ّ‬
‫ن أوْ ٍ‬
‫ٍ ِ‬
‫ه‪،‬‬
‫ول ِك ِت َللاب ِ ِ‬
‫»الل ّ‬
‫دي ُ‬
‫ن يــا رســول اللــه؟ قـــال »لله‪َ ،‬‬
‫ن الَنصـيحُـة«‪ ،‬قلنــا‪ِ :‬لمـ ـ ْ‬
‫َ‬
‫م« ]رواه مسـلـم[‪.‬‬
‫و َ‬
‫سلِلل ِ‬
‫م ِ‬
‫وِللَرسللللوِلل ِ‬
‫م ْ‬
‫ملي َ‬
‫ه ُ‬
‫علا ّ‬
‫ة ال ْ‬
‫ولِئل ّ‬
‫ن‪َ ،‬‬
‫ه‪َ ،‬‬
‫َ‬
‫متـ ِ‬

‫الشيخ العلمة صالح بن عبد العزيز بن محمد آل الشيخ‬

‫‪50‬‬

‫]الشرح[‬
‫داري مــن الحــاديث الكليــة العظيمــة الــتي‬
‫هــذا الحــديث حــديث تميــم ال ـ ّ‬
‫اشتملت على الدين كله؛ على حقوق الله‪ ،‬وحقــوق رســوله ‪ ‬وعلــى حقــوق‬
‫م أجمع في بيان تلك الحقوق من لفظ النصيحة‪.‬‬
‫عباده‪ .‬فليس ث َ ّ‬
‫س ـَر بأحــد‬
‫والنصيحة هذه فَِعيَلة من النصح‪ ،‬وأصل النصح فــي لغــة العــرب فُ ّ‬
‫تفسيرين‪:‬‬
‫سـ ٌ‬
‫ل‬
‫الول‪ :‬أن الّنصح بمعنى الخلوص من الشـوائب والشـركة‪ ،‬فيقـال‪ :‬ع َ َ‬
‫ناصح أو نصوح‪ ،‬إذا لم ي َ ُ‬
‫ه شيء‪.‬‬
‫شب ْ ُ‬
‫م تنافر بينهمــا‪،‬‬
‫الثاني‪ :‬فُ ّ‬
‫ت النصيحة بأنها التئام شيئين بحيث ل يكون ث َ ّ‬
‫سَر ْ‬
‫في ُعْ َ‬
‫طى هذا الصلة بهذا حتى يكون التئام يوافق ما بين هذا وهــذا‪ .‬قــالوا ومنــه‬
‫قيل للخياط‪ :‬ناصح؛ لنه ينصح الطرفين‪ ،‬إذ يجمعهما بالخياطة‪.‬‬
‫ت يعني في هذا الحديث بأنها إرادة الخير للمنصوح له‪ ،‬وهذا‬
‫والنصيحة ع ُّرفَ ْ‬
‫يتعلق بنصح أئمة المسلمين وعامتهم‪ ،‬أما في الثلثة الول‪ ،‬فإن النصــيحة كمــا‬
‫ذكرنا أن تكون الصلة بين الذاتين على التئام‪ ،‬بحيث يكون هذا قد أعطى حــق‬
‫ن العبد فــي صــلته بربــه أن عليــه حقوقًــا‬
‫هذا‪ ،‬فلم يكن بينهما تنافر‪ ،‬ومعلوم أ ّ‬
‫كثيرة واجبة ومستحبة‪ ،‬وكذلك في حق القـرآن‪ ،‬وكـذلك فــي حــق المصــطفى‬
‫عليه الصلة والسلم‪.‬‬
‫ن كل ّــه النصــيحة؛‬
‫ن الن َ ِ‬
‫صي َُ‬
‫فقال عليه الصلة والسلم )ال ّ‬
‫دي ُ‬
‫حة( وجعل الدي َ‬
‫كما سيأتي تفصيله لن النصيحة تجمع الدين كله بواجباته ومستحباته‪ ،‬ففسرها‬
‫بعد ذلك بقوله )قلنا‪ :‬لمن يا رسول الله؟( إلى آخر الحديث‪.‬‬
‫جـ ّ‬
‫ل الــدين‪:‬‬
‫ن الن َ ِ‬
‫حة( يعني أن معظــم الــدين و ُ‬
‫صي َُ‬
‫قال بعض العلماء )ال ّ‬
‫دي ُ‬
‫النصيحة‪ ،‬وهذا على أخذ نظــائره‪ ،‬كقــوله »الدعاء هللو العبللادة« و »الحللج‬
‫عرفة« وأشباه ذلك؛ لكن إذا تأملت في كون هذه الشياء لها النصــيحة رأيــت‬
‫ه‪ ،‬في العقائد‪ ،‬وفــي العبــادات والمعــاملت‪ ،‬وفــي حقــوق‬
‫أنها جمعت الدين كل ّ ُ‬
‫الخلق‪ ،‬وحقوق من له الحق بجميع صوره‪.‬‬
‫قالوا )لمن يا رسول الله ؟( واللم هنا في قولهم‪ :‬لمن‪ ،‬يعني‪ :‬للستحقاق‪،‬‬
‫النصيحة لله‪ ،‬يعني مستحقة‪ ،‬قالوا‪) :‬لمن؟( يعنــي مــن يســتحقها فــي الــدين؟‬
‫ه‪،‬‬
‫ول َِرسللول ِ ِ‬
‫ول ِك َِتللاب ِ ِ‬
‫ه‪َ ،‬‬
‫فأجابهم النبي عليه الصلة والسلم بقوله‪ ،‬قال )لله‪َ ،‬‬
‫َ‬
‫م( فاشتملت على أشياء‪ ،‬على أمور‪:‬‬
‫و َ‬
‫سل ِ ِ‬
‫م ِ‬
‫م ْ‬
‫مي َ‬
‫ه ُ‬
‫عا ّ‬
‫ة ال ْ‬
‫ولئ ِ ّ‬
‫ن‪َ ،‬‬
‫َ‬
‫مت ِ ِ‬
‫الول‪ :‬النصيحة لله‪ :‬وهي كلمة جامعة لداء حق الله جــل وعل الــواجب‬
‫والمستحب‪ ،‬فحق اللــه الــواجب هــو اليمــان بـه‪ ،‬بربـوبيته وإلهيتــه‪ ،‬وبأســمائه‬
‫وصفاته‪:‬‬
‫‪ .1‬إيمان بأنه هو الرب المتصرف في هذا الملكوت وحده‪ ،‬ل شريك له فــي‬
‫ربوبيته‪ ،‬ول في تدبيره للمر‪ ،‬ما شاء كان‪ ،‬وما لم يشأ لــم يكــن‪ ،‬يحكــم مــا‬
‫يشاء‪ ،‬ويفعل ما يريد سبحانه وتعالى‪.‬‬
‫‪ .2‬والنصيحة لله في ألوهيته أن ي ُعْ َ‬
‫طى الحق الذي له في ألــوهيته‪ ،‬وهــو أن‬
‫جه لحد بشيء من العبادات إل لـه‬
‫ي ُعَْبد وحده بجميع أنواع العبادات‪ ،‬وأل ي ُت َوَ ّ‬
‫جه بها إلى غير الله جل وعل فهي خــروج عــن‬
‫سبحانه وتعالى‪ ،‬كل عبادة ت ُوُ ّ‬
‫النصيحة لله جل وعل‪ ،‬يعني عن أداء الحق الذي له سبحانه وتعالى‪.‬‬
‫‪ .3‬وفي السماء والصفات‪ :‬النصيحة لله جل وعل أن نؤمن بأنه ســبحانه لــه‬
‫مي له‪ ،‬ول ن ِد ّ لــه‪ ،‬ول كف ـوَ لــه‪،‬‬
‫س ِ‬
‫السماء الحسنى‪ ،‬والصفات العل‪ ،‬وأّنه ل َ‬

‫النووية‬
‫شرح الربعين‬
‫‪51‬‬

‫ه ْ‬
‫م‬
‫كما قال جل وعل( َ‬
‫س ِ‬
‫ل تَ ْ‬
‫ه َ‬
‫ول َل ْ‬
‫م لَ ُ‬
‫عل َ ُ‬
‫مّيا)]مريم‪ ،[65:‬وكما قال جــل وعل( َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ه كُ ُ‬
‫ه َ‬
‫يء ٌ‬
‫مث ْل ِل ِ‬
‫س كَ ِ‬
‫ح ٌ‬
‫وا أ َ‬
‫ي َك ُ ْ‬
‫ن لَ ُ‬
‫د)]الخلص‪ .[4:‬وكما قــال جــل وعل(لي ْ َ‬
‫ف ً‬
‫شل ْ‬
‫صلليُر)]الشــورى‪ ،[11:‬إلــى غيــر ذلــك مــن اليــات‪ ،‬فيعتقــد‬
‫و ُ‬
‫ع الب َ ِ‬
‫س ِ‬
‫مي ُ‬
‫و ال ّ‬
‫ه َ‬
‫َ‬
‫المسلم أن الله جل وعل له ما أثبت لنفســه مــن الســماء الحســنى‪ ،‬ومــن‬
‫الصفات العل‪ ،‬وأّنه في أسمائه وفي صفاته ليس لـه مثيــل‪ ،‬كمـا أخــبر عــن‬
‫ه َ‬
‫صلليُر(‪ .‬فــالغلو فــي‬
‫و ُ‬
‫ع الب َ ِ‬
‫سل ِ‬
‫مث ْل ِ ِ‬
‫س كَ ِ‬
‫مي ُ‬
‫و ال ّ‬
‫نفسه بقوله)ل َي ْ َ‬
‫هل َ‬
‫يء ٌ َ‬
‫ش ْ‬
‫الصفات بالتجسيم ترك للنصيحة الواجبة‪ ،‬والتفريط فيها‪ ،‬والجفاء بالتعطيل‬
‫ترك للنصيحة الواجبة‪ ،‬والنصيحة بالتئام مــا بينــك وبيــن اللــه جــل وعل فــي‬
‫شأن أسمائه وصفاته أن تثبت له السماء الحسنى‪ ،‬والصفات العل‪ ،‬من غير‬
‫تمثيل ول تعطيل‪ ،‬ومن غير تحريف ول تأويل يصــرفها عــن حقائقهــا اللئقــة‬
‫بالله جل وعل‪.‬‬
‫ب جل وعل‪ ،‬وأن ي ُت َّبع أمره‪ ،‬وأن تتبــع‬
‫ح ّ‬
‫أيضا من النصيحة لله جل وعل أن ي ُ َ‬
‫شريعته جل وعل‪ ،‬وأن ُيصــدق خــبره جــل وعل‪ ،‬وأن ُيقبــل عليــه المــرء بقلبــه‬
‫مخلصا له الدين‪ ،‬فالخلص في القوال والعمال حــق اللــه جــل وعل‪ ،‬والــذي‬
‫يقع في قلبه غير الله في العمال من جهة الرياء أو من جهة التسميع مــا أدى‬
‫الذي لله جل وعل‪.‬‬
‫ن مثل أن ‪-‬يعنــي فــي حــق اللــه‬
‫وهناك أيضا أشياء مستحبة لله جل وعل ِ‬
‫م ْ‬
‫جل وعل‪ -‬من مثل أل يقوم بالقلب غيره جل وعل‪ ،‬في ُْزد ََرى الخلــق فــي جنــب‬
‫سـّر والعلــن‪ ،‬فيمــا يــأتي‬
‫الله جل جلله‪ ،‬وأن يراقب الله جل وعل دائما فــي ال ّ‬
‫وما يذر من المور المستحبة‪ ،‬وأن يستحضــر مقــامه بيــن يــدي اللــه جــل وعل‬
‫ن النصيحة فيــه للــه‬
‫دائما في ال ِ‬
‫خرة‪ ،‬ونحو ذلك مما يدخل في المستحبات؛ فإ ّ‬
‫جل وعل مستحبة‪.‬‬
‫فهي منقسمة إلى ما أوجبه الشرع في حق الله‪ ،‬فيكون واجبــا‪ ،‬ومــا كــان‬
‫مستحبا‪ ،‬فيكون من النصيحة المستحبة‪.‬‬
‫ه( يعني النصيحة مستحقة للكتاب‪ ،‬وهــو القــرآن‪ ،‬ومعنــى ذلــك‬
‫وك َِتاب ِ ِ‬
‫قال ) َ‬
‫)‪(1‬‬
‫أن ي ُعْ َ‬
‫طى القرآن حقه‪ ،‬وهو أن ُيوقن بأنه كلم الله جل وعل‪.‬‬
‫قال‪" :‬وكتابه" يعني النصيحة مستحقة للكتاب‪ ،‬وهو القرآن‪ ،‬ومعنى ذلك أن‬
‫ي ُعْ َ‬
‫ن حقه‪ ،‬وهو أن ُيوَقن بـأنه كلم اللـه جـل وعل‪ ،‬تكلـم بـه ســبحانه‬
‫طى القرآ ُ‬
‫وتعالى‪ ،‬وأّنه آية عظيمة‪ ،‬وأعظم اليات التي أوتيها النبياء‪ ،‬وأنه الحجة البالغــة‬
‫ذا ال ْ ُ‬
‫ه َ‬
‫دي‬
‫ن َ‬
‫هلل ِ‬
‫قْرآ َ‬
‫ن هذا القرآن فيه الهدى والنور(إ ِ ّ‬
‫إلى قيام الساعة‪ .‬وأ ّ‬
‫ن يَ ْ‬
‫ي أَ ْ‬
‫ن حكمه واجب النفــاذ‪ ،‬مــا أمــر اللــه بــه فــي‬
‫ل ِل ِّتي ِ‬
‫م)]الســراء‪ ،[9:‬وأ ّ‬
‫و ُ‬
‫ق َ‬
‫ه َ‬
‫القرآن وجب إنفاذه‪ ،‬وما نهى عنه وجب النتهاء عنه‪ ،‬وما أخبر به سبحانه فيــه‬
‫قه القرآن‪.‬‬
‫ما يستح ّ‬
‫وجب تصديقه‪ ،‬وعدم التر ّ‬
‫دد فيه‪ ،‬إلى غير ذلك م ّ‬
‫وأيضا من الحقــوق المســتحّبة والنصــيحة المســتحبة للقــرآن أن ُيكــثر مــن‬
‫تلوته‪ ،‬وأل يهجره في تلوته وتدبره‪ ،‬وفي العلج به‪ ،‬وأشباه ذلك مما جاءت به‬
‫السنة في حق القرآن‪.‬‬
‫فهذا من التواصل ما بين ذي النصيحة وهو العبد المكّلف وما بيــن القــرآن؛‬
‫فإن النصيحة إلتآم واجتماع فيمـا بيـن هـذا وهـذا‪ ،‬ول يكـون الهتمـام إل بـأداء‬
‫الحق‪ ،‬وهذا الحق على العبد للقرآن على نحو المعنى الذي أسلفت‪.‬‬
‫‪1‬‬

‫)(‬

‫انتهى الشريط الثالث‬

‫الشيخ العلمة صالح بن عبد العزيز بن محمد آل الشيخ‬

‫‪52‬‬

‫كذلك النصيحة للرسول ‪ ‬تكون بطاعته عليه الصلة والســلم فيمــا أمــر‪،‬‬
‫وتصديقه فيما أخبر‪ ،‬واجتناب ما عنه ن ََهى عليه الصلة والسلم وزجر‪ ،‬وأل ي ُعَْبد‬
‫الله إل بما شرع رسوله ‪ ‬وأن يؤمن العبد بأنه عليه الصلة والسلم هو خاَتم‬
‫ن كل دعوة للرسالة بعده عليــه الصــلة والســلم كــذب‬
‫النبياء والمرسلين‪ ،‬وأ ّ‬
‫م‬
‫مللا آَتلاك ُ ْ‬
‫و َ‬
‫وزور وباطل وطغيان‪ ،‬وأّنه عليه الصلة والسلم هو الــذي يطــاع( َ‬
‫ه َ‬
‫ل َ‬
‫سو ُ‬
‫خ ُ‬
‫حــب عليــه‬
‫ف ُ‬
‫م َ‬
‫هوا)]الحشــر‪ ،[7:‬وأنــه ي ُ َ‬
‫فللان ْت َ ُ‬
‫ما ن َ َ‬
‫الّر ُ‬
‫عن ْل ُ‬
‫هللاك ُ ْ‬
‫و َ‬
‫ذوهُ َ‬
‫الصلة والسلم لمر الله جل وعل بذلك‪ ،‬ولما يستحقه عليــه الصــلة والســلم‬
‫ب العبــد‪ ،‬ونحــو ذلــك مــن‬
‫مــن المحبــة الواجبــة‪ ،‬وأن ت ُ َ‬
‫حــا ّ‬
‫م َ‬
‫م َ‬
‫ق ـد ّ َ‬
‫حــاّبه علــى َ‬
‫م َ‬
‫النصيحة التي هي أيضا منقسمة إلى واجبة ومستحبة‪.‬‬
‫قــال ) َ‬
‫م( والنصــيحة لئمــة المســلمين أن‬
‫و َ‬
‫سلل ِ ِ‬
‫م ِ‬
‫م ْ‬
‫مي َ‬
‫ه ُ‬
‫عللا ّ‬
‫ة ال ْ‬
‫ولئ ِ ّ‬
‫ن‪َ ،‬‬
‫َ‬
‫مت ِ ِ‬
‫ي ُعْ َ‬
‫طوا حقهم الذي أعطاهم الله جل وعل إياه‪ ،‬وبينه تعالى فــي الكتــاب‪ ،‬وبينــه‬
‫رسول الله ‪ ‬في السنة؛ مــن طــاعتهم فــي المعــروف‪ ،‬وعــدم طــاعتهم فــي‬
‫المعصية‪ ،‬وأن ُيجتمع معهم على الحق والهدى‪ ،‬وعلى ما لم نعلم فيه معصــية‪،‬‬
‫عى لهم‪ ،‬وهذا يشمل الحــق‬
‫جَتمع عليهم‪ ،‬وأن ي ُد ْ َ‬
‫وأن ُتؤلف القلوب لهم‪ ،‬وأن ي ُ ْ‬
‫ســيف طاعــة للــه ج ـ ّ‬
‫ل‬
‫الواجب والحق المستحب‪ ،‬وأن ي ُت َْرك الخروج عليهم بال ّ‬
‫م‬
‫وعل وطاعة لرسوله ‪ ‬وأن ُيبايع ولي المر المسلم‪ ،‬وأل يمــوت المــرء‪ ،‬وث ـ ّ‬
‫ل مسلم‪ ،‬وليس في عنقه بيعة له‪ ،‬وأن يـأتمر إذا أمـره بمـا ليـس بمعصـية‪،‬‬
‫وا ٍ‬
‫وأن ينتهي إذا نهاه عن غير الطاعة‪ ،‬يعني مــا كــان مــن قبيــل الواجبــات‪ ،‬فــإن‬
‫أمره بخلفها ل ُيطاع فيه‪ ،‬وإذا أمر بمعصية ل ُيطاع فيــه‪ ،‬ومــا كــان مــن قبيــل‬
‫المستحبات والجتهادات يعني ما يدخله الجتهــاد فــإنه ي ُت ْـَرك الــرأي لمــا يــراه‬
‫ن في ذلك مصالح العباد والبلد‪ ،‬كمـا قـرره أهـل العلـم فـي‬
‫المام المسلم؛ ل ّ‬
‫هذا الموضع‪.‬‬
‫ضا من النصيحة لهــم أن تبــذل النصــح لهــم‪ ،‬بمعنــى النصــح الــذي يعلمــه‬
‫أي ً‬
‫الناس‪ ،‬بأن تنبههم على مــا يخطئون فيــه‪ ،‬ومــا يتجــاوزون فيــه الشــريعة لمــن‬
‫وصل له‪ ،‬وهذه المرتبة كما قال ابن دقيق العيد في شرحه وغيره هذه فــرض‬
‫كفاية تسقط بفعل البعض من أهل العلم ونحوهم‪ ،‬فحــق ولــي المــر المســلم‬
‫ن يوضح له‬
‫صر به‪ ،‬وأ ْ‬
‫صح‪ ،‬بمعنى أن ي ُؤ َْتى إليه‪ ،‬وأن ي ُب َّين له الحق‪ ،‬وأن ي ُب َ ّ‬
‫أن ي ُن ْ َ‬
‫ن ُيعــان علــى الطاعــة‪،‬‬
‫ما أمر الله جــل وعل بــه‪ ،‬ومــا أمــر بــه الرســول ‪ ‬وأ ْ‬
‫ويسدد فيها‪ ،‬وي ُب َّين له مــا قــد يقــع فيــه مــن عصــيان أو مخالفــة للمــر‪ ،‬وهــذه‬
‫النصيحة الخاصة لولة المر جاءت لها شــروط وضــوابط معلومــة فــي شــروح‬
‫الحاديث‪ ،‬ومن أمثل من تكلم عليها في هذا الموضع ابن رجب رحمه الله في‬
‫”جامع العلوم والحكم“‪ ،‬وســاق عــن ابــن عبــاس وعــن غيــره أنواعــا مــن‬
‫الداب والشــروط الــتي ينبغــي للناصــح أن يتحلــى بهــا إذا نصــح ولــي المــر‬
‫المسلم‪:‬‬
‫ق‪ ،‬وسهولة لفــظ؛ لن حــال ولــي المــر‬
‫‪ .1‬فمن ذلك أن تكون النصيحة برف ٍ‬
‫في الغالب أنه ت َعُّز عليه النصيحة‪ ،‬إل إذا كانت بلفظ حسن‪ ،‬وهذا ربما كــان‬
‫في غالب النــاس أنهـم ل ينتصــحون يعنـي ل يقبلـون النصـيحة إل إذا كـانت‬
‫ه َ‬
‫ف ُ‬
‫بلفظ حسن‪ ،‬وقد قال جــل وعل لموســى وهــارون( َ‬
‫وًل ل َي ّن ًللا‬
‫قوَل ل َل ُ‬
‫قل ْ‬
‫َ‬
‫خ َ‬
‫شى)]طه‪ ،[44:‬فمن الداب والشروط في ذلك أن تكــون‬
‫و يَ ْ‬
‫لَ َ‬
‫عل ّ ُ‬
‫ه ي َت َذَك ُّر أ ْ‬
‫النصيحة بلفظ حسن؛ لنه ربما كان اللفــظ خشــنا‪ ،‬فــأداه ذلــك إلــى رفــض‬
‫الحق‪ ،‬ومعلوم أن الناصح يريد الخير للمنصوح له‪ ،‬كما قال أهل العلــم فــي‬

‫النووية‬
‫شرح الربعين‬
‫‪53‬‬

‫تفسير النصيحة‪ :‬أنها إرادة الخيللر للمنصللوح للله‪ .‬فكلمــا كــان الســبيل‬
‫لرادة الخير للمنصوح له فإنه يؤتى‪.‬‬
‫‪ .2‬ومن الشروط في ذلك أن تكون النصيحة لولي المر سّرا وليست بعلن؛‬
‫لن الصل في النصيحة بعامـة لـولي المـر ولغيـره أن تكـون سـرا‪ ،‬بخلف‬
‫النكار كما سيأتي عند شرح أبــي ســعيد الخــدري‪» :‬مــن رأى منكــم منكــرا‬
‫فليغيره بيده« فإن الصل في النكار أن يكون علنا‪ ،‬وأن الصل في النصــح‬
‫أن يكون ســرا‪ .‬فالنصــيحة لـولي المــر يجــب ويشــترط لكونهــا شــرعية أن‬
‫تكون سرا‪ ،‬بمعنى‪ :‬أنه ل يعلم بها من جهة الناصــح إل هــو‪ ،‬وأل يتحــدث بهــا‬
‫بأنه نصح وعمل وكذا؛ لنه ربما أفسد المراد من النصــيحة بــذكره‪ ،‬وص ـُعب‬
‫صح‪ ،‬وأشباه ذلك‪ ،‬وعلى هذا جــاء‬
‫قبول النصيحة بعد اشتهار أن ولي المر ن ُ ِ‬
‫ححه بعض أهـل العلـم‪ ،‬وهـو قـوله عليـه الصـلة‬
‫الحديث المعروف الذي ص ّ‬
‫والسلم‪» :‬من أراد أن ينصح لذي سلطان فل يبده علنيللة‪ ،‬ولكللن‬
‫خ ُ‬
‫دى الللذي‬
‫لي ْ‬
‫ل به‪ ،‬وليدْ ُ‬
‫ن منه‪ ،‬فإن قبل منلله فللذاك‪ ،‬وإل فقللد أ ّ‬
‫ُ‬
‫كر على المــام علنــا؟‬
‫عليه «‪ .‬فقد سئل ابن عباس رضي الله عنهما هل أن ْ ِ‬
‫دارِهِ بذلك سرا‪ .‬وفي صحيح البخاري أيضــا »أن أسامة بللن‬
‫فقال‪ :‬ل‪ ،‬بل َ‬
‫زيد جاءه جماعة‪ ،‬وقالوا له‪ :‬أل تنصح لعثمان؟ أل تللرى مللا نحللن‬
‫فيه؟ فقال‪ :‬أما إني ل أكون فاتح باب فتنة وقد بذلته له سللرا«‬
‫أو كما جاء عن أسامة بن زيد في صحيح البخاري‪ .‬فدل ذلك علــى اشــتراط‬
‫أن تكون النصيحة سرا‪ ،‬وهذا من حقه‪.‬‬
‫إلى غير ذلك من الشروط التي ذكرها أهل العلم في هذا الموضع‪.‬‬
‫والنصيحة لعامة المسلمين ) َ‬
‫م( العامــة هــم‬
‫و َ‬
‫سل ِ ِ‬
‫م ِ‬
‫م ْ‬
‫مي َ‬
‫ه ُ‬
‫عا ّ‬
‫ة ال ْ‬
‫ولئ ِ ّ‬
‫ن‪َ ،‬‬
‫َ‬
‫مت ِ ِ‬
‫غير الئمة‪ ،‬والئمة إذا أطلقت فإنه يراد بهــم الئمــة فــي المــر العــام‪ ،‬وليــس‬
‫ن على هذا جرى الصطلح‪.‬‬
‫الئمة في العلم؛ ل ّ‬
‫أما لفظ )ولي المر( فإنه في الصل أن ولي المـر ي ُعَْنـى بـه المـام العـام‬
‫للمسلمين؛ لن ولة المر في عهد الخلفاء الراشدين‪ ،‬وفي عهــد معاويــة‪ ،‬لن‬
‫ولة المر في ذاك الزمان كانوا يجمعون بين فهم الدنيا وفهم الشريعة‪.‬‬
‫وأما بعد ذلك فقد قال العلماء‪ :‬إن ولة المر كّل فيمـا يخصـه‪ ،‬هــم العلمـاء‬
‫والمراء؛ المراء في المر العام الذي يتعلق بأمور المسلمين العامة‪ ،‬والعلماء‬
‫ن ولة المر ُيعَنى بهم هذا وهذا؛ لنه‬
‫في أمر دين الناس‪ ،‬فهذا حصل تفسير بأ ّ‬
‫من ليس بعالم لما شاع الملك في عهد بــن‬
‫صار المر فيما بعد أنه توّلى المر َ‬
‫أمية‪ ،‬ثم في عهد بني العباس‪ ،‬فما بعد ذلك‪.‬‬
‫فالنصيحة الئمة المسلمين المقصود بهم في الحــديث الئمــة الــذين يلــون‬
‫المر العام‪ ،‬أما أئمة الدين فإنه أيضا لهم نصيحة‪ ،‬ولهم الحق‪ ،‬والنصــيحة لهــم‬
‫يعني العلماء أن تحّبهم لجل ما هم عليه من الــدين‪ ،‬ومــا يبــذلون للنــاس مــن‬
‫صروا فيما يقولونه من أمر الشـريعة‪ ،‬وفيمـا يبلغـونه عـن‬
‫العلم والخير‪ ،‬وأن ُين َ‬
‫ب عنهــم وعــن أعراضــهم‪ ،‬وأن ُيحبــوا أكــثر مــن محبــة‬
‫الله جــل وعل‪ ،‬وأن ي ُـذ َ ّ‬
‫غيرهــم مــن المــؤمنين؛ لن اللــه جــل وعل عقــد الوليــة بيــن المــؤمنين‬
‫َ‬
‫م ْ‬
‫م ْ‬
‫ض)]التوبــة‪ .[71:‬يعنــي‬
‫ع ُ‬
‫ؤ ِ‬
‫ؤ ِ‬
‫مُنو َ‬
‫ول ِي َللاءُ ب َ ْ‬
‫ت بَ ْ‬
‫من َللا ُ‬
‫ضل ُ‬
‫ه ْ‬
‫وال ْ ُ‬
‫وال ْ ُ‬
‫مأ ْ‬
‫ن َ‬
‫بقوله( َ‬
‫عل ٍ‬
‫بعضهم يحب بعضا‪ ،‬وينصر بعضا‪ ،‬ومن المعلــوم أن أعلــى المــؤمن إيمانــا هــم‬
‫الراسخون في العلم‪ ،‬أو هم أهل العلم العاملون به‪ ،‬كما قال جل وعل(ي َْر َ‬
‫ع‬
‫فلل ْ‬
‫ت)]المجادلــة‪،[11:‬‬
‫ن ُأوت ُللوا ال ْ ِ‬
‫جللا ٍ‬
‫وال ّل ِ‬
‫من ُللوا ِ‬
‫ه ال ّل ِ‬
‫م دََر َ‬
‫ذي َ‬
‫ذي َ‬
‫عل ْل َ‬
‫من ْك ُل ْ‬
‫نآ َ‬
‫الل ّل ُ‬
‫م َ‬

‫الشيخ العلمة صالح بن عبد العزيز بن محمد آل الشيخ‬

‫‪54‬‬

‫حّبوا‪ ،‬وأن ُيذب عن أعراضهم‪ ،‬وأن يؤخذ ما ينقلــونه‬
‫فالنصيحة لهل العلم أن ي ُ َ‬
‫فـظ لهـم مكـانتهم‬
‫ح َ‬
‫من العلم‪ ،‬وأن ينصروا فيمــا نصــروا فيــه الشـريعة‪ ،‬وأن ت ُ ْ‬
‫وسابقتهم‪ ،‬ونشرهم للعلم‪ ،‬ونشرهم للدين‪ ،‬وهذه كلها حقوق واجبـة لهـم؛ لن‬
‫ن فــي أهــل العلــم‪ ،‬أو لــم ت ُب ْـ َ‬
‫ذل لهــم‬
‫لهم في الملــة مقامــا عظيمــا‪ ،‬وإذا ط ُعِـ َ‬
‫النصيحة الواجبة بهذا المعنى‪ ،‬فإن ذلك يعني أن الشــريعة تضــعف فــي الهيبــة‬
‫في نفوس النــاس؛ فــإنه إذا ِنيـ َ‬
‫حت َــرم فــإن‬
‫صــر‪ ،‬ولــم ي ُ ْ‬
‫ل مــن العــالم‪ ،‬أو لــم ي ُن ْ َ‬
‫الشريعة تضعف في نفوس الناس‪ ،‬لنه إنما ينقلها أهل العلم‪.‬‬
‫وأما النصيحة لعامة المسلمين فهي إرشادهم لما فيــه صــلحهم فــي الــدنيا‬
‫والخــرة‪ ،‬لمــا فيــه صــلحهم فــي دنيــاهم وفــي آخرتهــم‪ ،‬هــذا جمــاع النصــيحة‬
‫للمؤمنين‪ ،‬بأن يحبوا في الله‪ ،‬وأن ينصروا في الحق‪ ،‬وأن يتعـاون معهـم علـى‬
‫الخير والهدى‪ ،‬وأل يتعاون معهم علــى الثــم والعــدوان‪ ،‬وأن ي ُــبّين لهــم الحــق‪،‬‬
‫وينصحوا فيه‪ ،‬وُيرشدوا إلى ما فيه صلحهم في دنياهم وآخرتهم‪ ،‬بأنواع النصح‬
‫بالقول والعمل‪ ،‬وأن ُينكر عليهم المنكر إذا واقعوه لحق الله جــل وعل‪ ،‬وأنهــم‬
‫إذا ُرئي أنهم يحتاجون إلى عقاب شــرعي أو تعزيــر يعنــي بحــد أو تعزيــر فــإنه‬
‫يرحمهــم بــذلك‪ ،‬فــإن هــذه المــور مبناهــا علــى الرحمــة‪ ،‬فالنصــيحة لعامــة‬
‫المسلمين أن ت َب ْ ُ‬
‫حكم فيهم بشرع الله‪ ،‬وأن تعطيهم حقهــم‪ ،‬وأن ُتلزمهــم‬
‫ذل وت َ ْ‬
‫بأمر الله جل وعل إذا كانوا تحت يدك‪ ،‬وهذا على قدر الســتطاعة‪ .‬ثــم إنــه إذا‬
‫سَعى فيهم بما يصلحهم‪ ،‬وما فيه سعادتهم وإرشــادهم‬
‫حصل منهم ضد ّ ذلك في ُ ْ‬
‫بالبيان‪ ،‬أو باللزام بحسب الحوال‪.‬‬
‫وكل حق للمســلم علــى المســلم يــدخل فــي النصــيحة لعامــة المســلمين‪،‬‬
‫فكلمة النصيحة إذن كما ترى كلمة جامعة دخلت فيها جميع الحقوق الشــرعية‬
‫لله‪ ،‬وللكتاب‪ ،‬ولرسوله ‪ ‬ولئمة المســلمين ولعــامتهم‪ ،‬فهــي كلمــة عظيمــة‬
‫جامعة‪ ،‬جمعت الحقوق جميعا لما فيه خير الدنيا والخرة للناصح‪ ،‬يعنــي للــذي‬
‫رط في أمر من أمــر اللــه فقــد فــرط فــي شــيء مــن‬
‫قام بالنصيحة‪ ،‬فكل مف ّ ِ‬
‫النصيحة الواجبة‪ .‬والله المستعان‪.‬‬
‫‪‬‬
‫الحديث الثامن ‪‬‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫ن‬
‫ن رســول اللــه ‪ ‬قــال‪» :‬أ ِ‬
‫تأ ْ‬
‫ن عم ـَر ‪-‬رضــي اللــه عنهم ـا‪ -‬أ ّ‬
‫مْر ُ‬
‫ُ عن اب ـ ِ‬
‫َ‬
‫أ َ‬
‫سللو ُ‬
‫حّتى ي َ ْ‬
‫قات ِ َ‬
‫ل‬
‫وأ ّ‬
‫دوا أ ْ‬
‫مل ً‬
‫م َ‬
‫ه ُ‬
‫س َ‬
‫دا َر ُ‬
‫ش َ‬
‫ح َ‬
‫ن ُ‬
‫ل الّنا َ‬
‫ن ل َ إ ِل َلله إ َل ّ الللله‪َ ،‬‬
‫موا ال َّ‬
‫ؤُتوا الّز َ‬
‫عُلوا ذَل ِ َ‬
‫ذا َ‬
‫وي ُ ْ‬
‫ة‪ ،‬فإ ِ َ‬
‫ي‬
‫كا َ‬
‫صل َ َ‬
‫ك َ‬
‫ف َ‬
‫ص ُ‬
‫وُيقي ُ‬
‫ع َ‬
‫ة‪َ ،‬‬
‫الله‪َ ،‬‬
‫موا منلل ّ‬
‫َ‬
‫ق ال ْ َ‬
‫عللالى«‬
‫م َ‬
‫و ِ‬
‫ماء ُ‬
‫عل َللى الللله ت َ َ‬
‫م إ ِل ّ ب ِ َ‬
‫سللاب ُ ُ‬
‫ح َ‬
‫وال َ ُ‬
‫ه ْ‬
‫ح ّ‬
‫ه ْ‬
‫وأ ْ‬
‫ه ْ‬
‫ِد َ‬
‫م‪َ ،‬‬
‫م َ‬
‫م َ‬
‫سل ِ‬
‫] رواه البخاري و مسلم[‬

‫]الشرح[‬
‫هــذا الحــديث حــديث ابــن عمــر رضــي اللــه عنهمــا أن رســول اللــه ‪‬‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫ن أُ َ‬
‫حت ّللى ي َ ْ‬
‫قات ِ َ‬
‫ن‬
‫قال)أ ِ‬
‫وأ ّ‬
‫دوا أ ْ‬
‫تأ ْ‬
‫ه ُ‬
‫س َ‬
‫مْر ُ‬
‫شل َ‬
‫ل الن ّللا َ‬
‫ن ل َ إ ِل َلله إ َل ّ الللله‪َ ،‬‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫موا ال َّ‬
‫ؤُتوا الّز َ‬
‫وي ُ ْ‬
‫سو ُ‬
‫ن‬
‫كا َ‬
‫صل َ َ‬
‫ة(‪ ،‬قوله )أ ِ‬
‫تأ ْ‬
‫م ً‬
‫م َ‬
‫مْر ُ‬
‫دا َر ُ‬
‫وُيقي ُ‬
‫ح َ‬
‫ُ‬
‫ة‪َ ،‬‬
‫ل الله‪َ ،‬‬
‫َ‬
‫حّتى ي َ ْ‬
‫أ ُقات ِ َ‬
‫دا‬
‫دوا( يعني أن شــهادة أل إلــه إل اللــه‪ ،‬وأن محم ـ ً‬
‫ه ُ‬
‫س َ‬
‫ش َ‬
‫ل الّنا َ‬
‫رسول الله‪ ،‬وما يلــزم عنهــا مــن إقــام الصــلة وإيتــاء الزكــاة‪ ،‬هــذه ل بــد مــن‬
‫ُ‬
‫سـ َ‬
‫ل إليهــم‬
‫س جميعــا أْر ِ‬
‫مطالبــة النــاس بهــا جميعــا‪ ،‬المــؤمن والكــافر‪ ،‬والنــا ُ‬
‫ُ‬
‫مـــَر أن يقـــاتلهم بقـــول اللـــه جـــل‬
‫المصـــطفى عليـــه الصـــلة والســـلم‪ ،‬وأ ِ‬
‫م َ‬
‫ن َ‬
‫كا ّ‬
‫مللا ي ُ َ‬
‫كا ّ‬
‫و َ‬
‫م ْ‬
‫ة﴾]التوبـــة‪،[36:‬‬
‫فلل ً‬
‫فلل ً‬
‫ر ِ‬
‫كي َ‬
‫قللات ُِلون َك ُ ْ‬
‫ة كَ َ‬
‫قللات ُِلوا ال ْ ُ‬
‫وعل﴿ َ‬
‫شلل ِ‬

‫النووية‬
‫شرح الربعين‬
‫‪55‬‬

‫وبقوله( َ‬
‫ن َل ي ُ ْ‬
‫ن‬
‫خل‬
‫وم ِ اْل ِ‬
‫ن ِبالل ّ ِ‬
‫ؤ ِ‬
‫قات ُِلوا ال ّ ِ‬
‫مللو َ‬
‫مُنو َ‬
‫وَل ي ُ َ‬
‫ذي َ‬
‫حّر ُ‬
‫ر َ‬
‫وَل ب ِللال ْي َ ْ‬
‫ه َ‬
‫ِ‬
‫ن ُأوت ُللوا‬
‫ن ال ّل ِ‬
‫ق ِ‬
‫وَل ي َل ِ‬
‫ديُنو َ‬
‫ن ال ْ َ‬
‫مللا َ‬
‫ح لّر َ‬
‫وَر ُ‬
‫ذي َ‬
‫مل ْ‬
‫ن ِدي ل َ‬
‫حل ّ‬
‫سللول ُ ُ‬
‫م الل ّل ُ‬
‫َ‬
‫ه َ‬
‫ه َ‬
‫ْ‬
‫ُ‬
‫ْ‬
‫ن﴾]التوبــة‪:‬‬
‫ة َ‬
‫جْزي َ َ‬
‫صللا ِ‬
‫و ُ‬
‫ن يَ ٍ‬
‫غُرو َ‬
‫حّتى ي ُ ْ‬
‫ب)]التوبة‪[29:‬الية﴿ َ‬
‫الك َِتا َ‬
‫ع ْ‬
‫ه ْ‬
‫م َ‬
‫عطوا ال ِ‬
‫د َ‬
‫‪ ،[29‬أمر الله جل وعل بالقتال حــتى ت ُل ْت َــزم الشــريعة‪ ،‬وهــذا ل يعنــي أنــه ي ُب ْت َــدأ‬
‫بالقتال؛ بل هذا يكون بعد البيان‪ ،‬وبعد النذار‪ ،‬فقد كان عليه الصلة الســلم ل‬
‫يغزو قوما حــتى يــؤذنهم‪ ،‬يعنــي حــتى يــأتيهم البلغ بالــدين‪ ،‬فقــد أرســل عليــه‬
‫الصلة والسلم الرسائل المعروفة إلى عظماء أهل البلد فيمــا حــوله‪ ،‬يبلغهــم‬
‫دين الله جل وعل‪ ،‬ويأمرهم بالسلم‪ ،‬أو فالقتال‪ ،‬وهذا ذائع مشهور‪.‬‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫ن أُ َ‬
‫قاِتلل َ‬
‫حّتللى‬
‫إذن فقــوله عليــه الصــلة والســلم )أ ِ‬
‫تأ ْ‬
‫س َ‬
‫مللْر ُ‬
‫ل الّنللا َ‬
‫يَ ْ‬
‫دوا( يعني بعد البيان والعذار‪ ،‬فهو يقــاتلهم حــتى يلــتزموا بالــدين‪ ،‬وهــل‬
‫ه ُ‬
‫ش َ‬
‫هذا يعني أنه هو الخيار الوحيد؟ الجواب‪ :‬هذا في حق المشركين؛ ولهذا حمــل‬
‫قَبل منهم الجزية‪،‬‬
‫طائفة من أهل العلم أن الناس هنا هم المشركون الذين ل ت ُ ْ‬
‫ول يقرون على الشرك‪ .‬أما أهل الكتاب‪ ،‬أو من لــه شــبهة كتــاب‪ ،‬فــإنه ُيخي ّــر‪،‬‬
‫أهل تلك الملل ما بين المقاتلة يعنــي بيــن القتــال أو أن ُيعط ُــوا الجزيــة‪ ،‬حــتى‬
‫يكونوا في حماية أهل السلم‪ ،‬يعني أنهم تُدخل البلد ويكون هؤلء رعايا لدولة‬
‫السلم‪ ،‬وبذلك ل يُقتلون‪ .‬وهذا في حق أهل الكتاب واضح؛ فإن أهــل الكتــاب‬
‫مخّيرون بين ثلثة أشياء‪:‬‬
‫صم دماؤهم وأموالهم‪.‬‬
‫♦‬
‫إ ّ‬
‫ما أن يسلموا‪ ،‬فت ُعْ َ‬
‫قات َُلوا حتى يظهر دين الله‪.‬‬
‫وإما أن ي ُ َ‬
‫♦‬
‫وإما أن يرضوا بدفع الجزية‪ ،‬وهي ضريبة على الرءوس‪ ،‬مال علــى‬
‫♦‬
‫كل رأس‪ ،‬فيبقوا رعايا في دولة السلم‪ ،‬ويُسمّون أهل الذمة‪.‬‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫ن أُ َ‬
‫حّتى ي َ ْ‬
‫قات ِ َ‬
‫دوا أن‬
‫قوله عليه الصلة والسلم )أ ِ‬
‫تأ ْ‬
‫ه ُ‬
‫س َ‬
‫مْر ُ‬
‫شلل َ‬
‫ل الّنا َ‬
‫ل إله إل الله( المقصود بالشهادة هنا شهادة ل إله إل الله‪ ،‬يعني‪ :‬أن يقولوا‪:‬‬
‫ف عن قتــالهم بـأن يقولــوا هــذه الكلمــة‪ ،‬وقــد‬
‫ل إله إل الله‪ ،‬فأول المر أنه ي ُك َ ّ‬
‫يكون قالها تعوذا‪ ،‬فتعصمه هذه الكلمة حتى ي ُْنظر عمله‪ ،‬ومعلوم في الصــحيح‬
‫قصة أسامة‪ ،‬وقصة خالد‪ ،‬حيث قُتل من قال ل إله إل اللــه‪ ،‬فلمــا ســأل النــبي‬
‫‪ ‬القاتل‪ ،‬قال »أقتلته بعدما قال‪ :‬ل إللله إل الللله؟ قللال‪ :‬يللا رسللول‬
‫الله‪ ،‬إنما قالها تعوذا يعني من القتل قللال‪ :‬فكيللف تفعللل بهللا إذا‬
‫جاء يحاجّ بها يوم القيامة؟« فندم‪ ،‬وود أنه لم يفعل ذلك‪ ،‬فهذا ُيكتفى فيه‬
‫َ‬
‫حّتى ي َ ْ‬
‫ن ل َ إ َِله إ َل ّ الله‪،‬‬
‫دوا أ ْ‬
‫ه ُ‬
‫بالقول‪ ،‬فإذن قوله عليه الصلة والسلم ) َ‬
‫ش َ‬
‫سو ُ‬
‫ل الله( المقصود به هنــا يعنــي فــي مبــدأ المــر أن يقــول‬
‫وأ ّ‬
‫م ً‬
‫م َ‬
‫دا َر ُ‬
‫ح َ‬
‫ن ُ‬
‫َ‬
‫الكافر‪ :‬أشهد أن ل إله إل الله‪ ،‬أو أن يقول‪ :‬ل إله إل الله‪ ،‬محمد رســول اللــه‪.‬‬
‫ومن هنا اختلف العلماء؛ لم أضــاف إقامــة الصــلة وإيتــاء الزكــاة بعــدها؟ قــال‬
‫َ‬
‫سو ُ‬
‫حّتى ي َ ْ‬
‫مللوا‬
‫وأ ّ‬
‫دوا أ ْ‬
‫م ً‬
‫م َ‬
‫ه ُ‬
‫) َ‬
‫دا َر ُ‬
‫ش َ‬
‫وُيقي ُ‬
‫ح َ‬
‫ن ُ‬
‫ل الللله‪َ ،‬‬
‫ن ل َ إ َِله إ َل ّ الله‪َ ،‬‬
‫ال َّ‬
‫ؤُتوا الّز َ‬
‫وي ُ ْ‬
‫ة(‪ ،‬ومن المعلوم أنه ل يشترط يعنــي بالجمــاع أنــه ل‬
‫كا َ‬
‫صل َ َ‬
‫ة‪َ ،‬‬
‫يشترط في الكفّ عن قتال الكافر أن يقيم الصــلة وأن يــؤتي الزكــاة‪ ،‬فقــالوا‬
‫فــى منــه‬
‫هذا باعتبار المآل‪ ،‬يعني قالت طائفــة‪ :‬هــذا باعتبــار المــآل‪ ،‬يعنــي ي ُك ْت َ َ‬
‫بالشهادتين‪ ،‬فيُكف عن دمه‪ ،‬ثم يطالب بحقها‪ ،‬وأعظم حقوقها الظاهرة إقامة‬
‫الصــلة‪ ،‬وإيتــاء الزكــاة‪ ،‬حــتى يكـون دخــل فــي الــدين بصــدق‪ ،‬كمــا قــال جــل‬
‫وا الّز َ‬
‫كللاةَ َ‬
‫وأ َ َ‬
‫وعل( َ‬
‫فللي‬
‫فللإ ِ ْ‬
‫م ِ‬
‫فللإ ِ ْ‬
‫وان ُك ُ ْ‬
‫قللا ُ‬
‫موا ال ّ‬
‫خ َ‬
‫وآَتلل ْ‬
‫صللَلةَ َ‬
‫ن َتللاُبوا َ‬
‫موا ال َّ‬
‫وي ُ ْ‬
‫ة(‬
‫ؤت ُللوا الّزك َللا َ‬
‫ص لل َ َ‬
‫ال ّ‬
‫وُيقي ُ‬
‫ة‪َ ،‬‬
‫ن)]التوبة‪ ،[11:‬فتبين بهذا أن قوله ) َ‬
‫دي ِ‬

‫الشيخ العلمة صالح بن عبد العزيز بن محمد آل الشيخ‬

‫‪56‬‬

‫ف عنــه حــتى تجتمــع الثلثــة‪ :‬الشــهادة‪،‬‬
‫ليســت علــى ظاهرهــا‪ ،‬مــن أنــه ل ي ُك َـ ّ‬
‫والصلة‪ ،‬والزكاة‪.‬‬
‫معلوم أنه قد يشهد قبل حلول ووقت الصلة‪ ،‬ووقت الصلة ربما‪ ،‬والصــلة‬
‫تحتاج إلى طهارة‪ ،‬وإلى غسل‪ ،‬إلى غير ذلك‪ ،‬والزكاة تحتاج إلى شــروط؛ مــن‬
‫خر معروفة لوجوبها‪.‬‬
‫دوران الحول‪ ،‬وشروط أ ُ َ‬
‫مللوا ال َّ‬
‫وي ُ ْ‬
‫ؤت ُللوا‬
‫ص لل َ َ‬
‫وُيقي ُ‬
‫ة‪َ ،‬‬
‫قال طائفة من أهل العلم‪ :‬إنّ المقصود هنا ) َ‬
‫الّز َ‬
‫ة( أنْ يلتزموا بها‪ ،‬يعنــي أن يقــول‪ :‬ل إلــه إل اللــه‪ ،‬محمــد رســول اللــه‪،‬‬
‫كا َ‬
‫ويلــتزم بجميــع شــعائر الســلم‪ ،‬وأعظمهــا ح ـقّ البــدن‪ ،‬وح ـقّ اللــه جــل وعل‬
‫المتعلق بالبدن‪ ،‬وهو الصلة‪ ،‬وحق الله جل وعل المتعلق بالمال وهــو الزكــاة‪،‬‬
‫ومعنى اللتزام أن يقول‪ :‬أنا مخاطب بهــذه‪ ،‬فمعناهــا أنــه دخــل فــي العقيــدة‪،‬‬
‫وفي الشريعة‪ ،‬فإنه قد يقول ل إله إل الله‪ .‬ول يؤدي بعض الواجبــات‪ ،‬ل يــؤدي‬
‫الصلة‪ ،‬ول يؤدي الزكاة‪ ،‬ويقول أنا لم أدخل إل في التوحيد‪ ،‬ما الــتزمت بهــذه‬
‫موا ال َّ‬
‫ؤُتوا الّز َ‬
‫وي ُ ْ‬
‫ة( علــى وجــوب‬
‫كا َ‬
‫صل َ َ‬
‫وُيقي ُ‬
‫ة‪َ ،‬‬
‫العمال‪ .‬فقالوا‪ :‬دل قوله ) َ‬
‫اللتزام بالعبادات‪ ،‬يعني‪ :‬أن يعتقــد أنــه مخــاطب بكــل حكــم شــرعي‪ ،‬وأنــه ل‬
‫خاطبوا‬
‫يخرج عن الحكام الشرعية؛ لن هناك من العرب من قبلوا بشرط أل ي ُ َ‬
‫بترك شرب الخمر‪ ،‬أو أل يكونوا مخاطبين بعدم نكاح المحارم‪ ،‬وأشباه ذلك‪.‬‬
‫فاللتزام بالشريعة معناه أن يكون معتقدا دخوله فــي الخطــاب بكــل حُكــم‬
‫من أحكام الشريعة‪ ،‬وهذا كما هو معلوم مقترن بالشهادتين‪ .‬لهذا قال العلمــاء‬
‫ُتقاَتل الطائفة الممتنعة عن أداء شريعةٍ من شعائر الله‪ ،‬قــالوا تقاتــل الطائفــة‬
‫الممتنعة عن أداء التزام شعيرة من شعائر السلم‪ ،‬واجبة أو مستحبة‪ ،‬ومعنى‬
‫قولهم”تقاتل الطائفة الممتنعة“‪ :‬أنه لو اجتمع أناس فقــالوا‪ :‬نحــن نلــتزم‬
‫بأحكام السلم‪ ،‬لكن ل نلتزم بالذان؛ بمعنى أن الذان ليس لنا‪ ،‬وإنما لطائفــة‬
‫من المة أخرى‪ .‬أو يقولون‪ :‬نلتزم إل أن بالزكاة‪ ،‬فالزكاة لسنا مخــاطبين بــأن‬
‫نعطيها المام‪ ،‬يعني أنهم يعتقدون أن شيئا من الشــريعة ليســوا داخليــن فيــه‪،‬‬
‫هذا الذي يسمى ”المتناع“‪ ،‬الطائفة الممتنعة يعنــي‪ :‬الــتي تقــول هــذا الحكــم‬
‫ليس لي‪ ،‬وإنما لكم‪ ،‬مثل مانعي الزكاة في عهد أبي بكر‪ ،‬يعنــي بعــض مــانعي‬
‫الزكاة الذين ارتدوا‪ ،‬ومثل الذين يزعمون سقوط التكاليف عنهــم‪ ،‬وأنهــم غيــر‬
‫مخاطبين بالصلة والزكاة‪ ،‬وأنهم غير مخاطبين بتحريم الزنا وأشباه ذلك‪ ،‬فيــه‬
‫تفاصيل لهذا‪.‬‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫نأ َ‬
‫قات ِ َ‬
‫حت ّللى‬
‫المقصود أن قوله عليه الصلة والسلم )أ ِ‬
‫تأ ْ‬
‫س َ‬
‫مْر ُ‬
‫ل الن ّللا َ‬
‫َ‬
‫سللو ُ‬
‫يَ ْ‬
‫مللوا‬
‫وأ ّ‬
‫دوا أ ْ‬
‫ملل ً‬
‫م َ‬
‫ه ُ‬
‫دا َر ُ‬
‫شلل َ‬
‫وُيقي ُ‬
‫ح َ‬
‫ن ُ‬
‫ل الللله‪َ ،‬‬
‫ن ل َ إ َِللله إ َل ّ الللله‪َ ،‬‬
‫ال َّ‬
‫ؤُتوا الّز َ‬
‫وي ُ ْ‬
‫ة( أن هــذا لداء حقــوق كلمــة التوحيــد ل إلــه إل اللــه‬
‫كا َ‬
‫صل َ َ‬
‫ة‪َ ،‬‬
‫محمد رسول الله‪.‬‬
‫اختلف العلماء في الفرد الذي يمتنع عن أداء الصلة‪ ،‬يمتنــع يعنــي يقــول ل‬
‫أؤديها‪ .‬أما الذي ل يلتزم‪ ،‬بمعنى يقول أنا غيــر مخــاطب‪ .‬فســواء كــان فــرد أو‬
‫صم ماله ول دمه‪ ،‬لكن الذي يمتنــع عــن‬
‫جماعة‪ ،‬فإنه كافر‪ ،‬ليس له حق‪ ،‬ول ي ُعْ َ‬
‫قَتل تارك الصلة؟ والصحيح فيها أن ل‬
‫الداء‪ ،‬مع التزامه بذلك‪ ،‬فاختلفوا‪ :‬هل ي ُ ْ‬
‫قَتل حتى يستتيبه إمام أو نائبه‪ ،‬ويتضايق وقت الثانية عنها‪ ،‬ويؤمر بها ثلثا‪ ،‬ثم‬
‫يُ ْ‬
‫بعد ذلك يقتل مرتدا على الصحيح‪.‬‬

‫النووية‬
‫شرح الربعين‬
‫‪57‬‬

‫قَتل ؟ على روايتين عند المام أحمــد‪،‬‬
‫واختلفوا أيضا في المانع للزكاة هل ي ُ ْ‬
‫وعلى قولين أيضا عند بقية العلماء‪ ،‬يعني قوله‪ :‬أنه يقتل‪ ،‬والثاني أنــه ل يقتــل‬
‫في الفرد الذي يمتنع عن أداء الزكاة‪.‬‬
‫م خلف بيــن أهــل العلــم فيمــن‬
‫وهكذا في سائر الحكام والصوم والحج‪ ،‬ث َـ ّ‬
‫َتَر َ‬
‫قَتل ؟ يعني وأصر على الترك‪ ،‬ودعاه المام وقال‪ :‬افعل‪ ،‬هل يقتــل‬
‫ك‪ ،‬هل ي ُ ْ‬
‫أو ل يقتل؟ اختلفوا في هذا كله بما هو مبسوط في كتب الفروع‪ ،‬ومعروفة‪.‬‬
‫عل ُللوا ذَل ِل َ‬
‫ذا َ‬
‫قال عليه الصلة والســلم بعــد ذلــك )فإ ِ َ‬
‫ي‬
‫ك َ‬
‫ف َ‬
‫صل ُ‬
‫ع َ‬
‫موا منل ّ‬
‫هم َ‬
‫م( د َ ّ‬
‫ل على أن الكافر مباح المال‪ ،‬ومباح الــدم‪ ،‬وأن مــاله‬
‫وا ل َ ُ‬
‫ه ْ‬
‫وأ ْ‬
‫ِد َ‬
‫م َ‬
‫ماء ُ ْ َ‬
‫وهو الحربي أن ماله مباح‪ ،‬يعني ل شيء في سرقة مال حربيٍّ‪ ،‬وهو من بينـك‬
‫ُ‬
‫ح‬
‫وبينه حرب‪ ،‬تحاربه‪ ،‬فوجدت شيئا من ماله‪ ،‬فل له ل يحرم ماله؛ لنه قــد أِبي ـ َ‬
‫دمه‪ ،‬وأبيح ماله بالتبع‪ ،‬بخلف المعاهد والمستأمن‪ ،‬أو من خانك؛ فإنه ل يجــوز‬
‫أن تعتدي على شيء من أموالهم‪ ،‬حتى ولو كان غير مسلم‪ ،‬إل إذا كان حربيا‪.‬‬
‫يعني أنّ المستأمن والمعاهد وال ّ‬
‫ذمي ولو خانوا في المال فإنه ل يجوز التعــدي‬
‫ح مالهم‪ ،‬وقد جاء فــي‬
‫على أموالهم‪ ،‬وإذا لم يخونوا من باب أولى؛ لنهم لم ي ُب َ ْ‬
‫الحــديث‪» :‬أدّ المانللة إلللى مللن ائتمنللك‪ ،‬ول تخللن مللن خانللك« لنــك‬
‫تعاملهم لحق الله جل وعل‪ ،‬فل تستبيح مالهم لجــل مــا هــم عليــه؛ بــل تــؤدي‬
‫فيهم حق الله جل وعل‪.‬‬
‫من ليس كذلك يعني المشرك الذي أَبى أن يشــهد أل إلــه إل اللــه‪ ،‬وأن‬
‫أما َ‬
‫يقيم الصلة‪ ،‬وأن يؤتي الزكاة فهذا ل يحرم مــاله ودمــه؛ بــل يبــاح منــه الــدم‪،‬‬
‫فيقتل على الكفر؛ لنه أصر على ذلك‪ ،‬يعني بعــد إقامــة الحجــة عليــه‪ ،‬أو بعــد‬
‫العذار؛ لن هذه هو الصل‪.‬‬
‫وجاء في صحيح مسلم ما هو بخلف الصل‪ ،‬أن النبي ‪ ‬حديث ابن عباس‬
‫المعروف‪» :‬أن النبي ‪ ‬غزا قوما وهم غاّرون« يعني بدون أن يؤذنهم‪.‬‬
‫وهـذا كالســتثناء للصـل‪ ،‬ولـه بعـض أحكـامه ممـا هــو اسـتثناء مـن القاعـدة‪،‬‬
‫فالصــل أن النــبي عليــه الصــلة والســلم ل يقاتــل قومــا حــتى يــؤذنهم‪ ،‬حــتى‬
‫يبلغهم‪ ،‬وربما فعل غير ذلك في قصة بنــي المصــطلِق المعروفــة‪ ،‬أنــه غزاهــم‬
‫وهم غاّرون‪ ،‬في تفاصيل ذلك‪.‬‬
‫َ‬
‫عُلوا ذَل ِ َ‬
‫ذا َ‬
‫قال )فإ ِ َ‬
‫ق‬
‫ك َ‬
‫مللاء ُ‬
‫م إ ِل ّ ب ِ َ‬
‫ف َ‬
‫وا ل َ ُ‬
‫حل ّ‬
‫هل ْ‬
‫وأ ْ‬
‫ه ْ‬
‫ي ِد َ‬
‫ص ُ‬
‫ع َ‬
‫مل َ‬
‫م َ‬
‫موا منل ّ‬
‫ال ْ َ‬
‫عَلى الله جل وعل( حــق الســلم يعنــي مــا جــاء فــي‬
‫م َ‬
‫و ِ‬
‫ساب ُ ُ‬
‫ح َ‬
‫ه ْ‬
‫م‪َ ،‬‬
‫سل ِ‬
‫السلم التشريع به‪ ،‬من إباحة الدم‪ ،‬أو إباحة المــال‪ ،‬فــإذا شــهدوا الشــهادتين‪،‬‬
‫وأقاموا الصلة‪ ،‬وآتوا الزكاة‪ ،‬فإنهم إخوانُنا‪ ،‬فتحرم دما ُ‬
‫ؤهم وأمــوالهم إل بحــق‬
‫السلم‪ ،‬يعني إل بما أباح السلم‪ ،‬أو شرع الله جل وعل في هذه الشريعة أن‬
‫دمهم مباح‪ ،‬مثل الــثيب الزانــي‪ ،‬والنفــس بــالنفس‪ ،‬ومــا أشــبه ذلــك ممــا هــو‬
‫معروف‪ ،‬وسيأتي بعضه في الحديث‪» :‬ل يحل دم امرئ مسلم إل بإحدى‬
‫الثلث«‪.‬‬
‫عَلى الله‪ (‬هــذا لمــا تقــدم مــن أنــه قــد يشــهد‪ ،‬ويقيــم‬
‫م َ‬
‫و ِ‬
‫ساب ُ ُ‬
‫ح َ‬
‫ه ْ‬
‫قال) َ‬
‫الصلة‪ ،‬ويؤتي الزكاة ظاهرا‪ ،‬فنقول نقبل منه الظاهر‪ ،‬ون َك ِ ُ‬
‫ل سريرته إلى الله‬
‫جل وعل كحــال المنــافقين‪ ،‬المنــافقون نعلــم أنهــم كفــار‪ ،‬لكــن نعصــم دمهــم‬
‫ومالهم بما أظهروه‪ ،‬وحسابهم على الله جل وعل‪ .‬بهذا نقول الكفر كفران‪:‬‬
‫دة‪ :‬تترتب عليه الحكام‪ ،‬من إباحة المال والدم‪.‬‬
‫ر ّ‬
‫‪ .1‬كفر ِ‬

‫الشيخ العلمة صالح بن عبد العزيز بن محمد آل الشيخ‬

‫‪58‬‬

‫ح َ‬
‫كم عليه بأنه كافر‪ ،‬لكن ل تترتب‬
‫‪ .2‬وكفر نفاق‪ :‬نعلم أنه كافر‪ ،‬وي ُ ْ‬
‫عليه أحكام الكفر؛ لنه ملحق بالمنافقين‪ ،‬وهذا معروف في تفاصــيله‬
‫في كلم أهل العلم‪.‬‬
‫‪‬‬
‫الحديث التاسع ‪‬‬
‫خرٍ ‪‬قال‪ :‬سمعت رسو َ‬
‫ل الله ‪ ‬يقول‬
‫ص ْ‬
‫ن َ‬
‫عن أبي هَُريَرة َ عبد ِ الرحمن ب ِ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫ه َ‬
‫ه َ‬
‫م‪،‬‬
‫م َ‬
‫فأُتوا ِ‬
‫م بِ ِ‬
‫سللت َطَ ْ‬
‫فا ْ‬
‫ما ا ْ‬
‫»ما َ ن َ َ‬
‫عت ُ ْ‬
‫ه َ‬
‫من ْ ُ‬
‫مْرت ُك ُ ْ‬
‫وما أ َ‬
‫جت َن ُِبو ُ‬
‫عن ْ ُ‬
‫هي ْت ُك ُ ْ‬
‫ه‪َ ،‬‬
‫هل َ َ‬
‫خت ِل َ ُ‬
‫ن َ‬
‫َ‬
‫عل َللى‬
‫وا ْ‬
‫هللم َ‬
‫ما أ َ ْ‬
‫ن ِ‬
‫ك ال ْل ِ‬
‫ف ُ‬
‫م َ‬
‫مل ْ‬
‫ذي َ‬
‫ه ْ‬
‫م ك َث ْلَرةُ َ‬
‫قب ْل ِك ُل ْ‬
‫فإ َن ّ َ‬
‫م‪َ ،‬‬
‫سللائ ِل ِ ِ‬
‫َ‬
‫م« ] رواه البخاري ومسلم [‪.‬‬
‫ه ْ‬
‫أن ْب َِيائ ِ ِ‬
‫]الشرح[‬
‫هذا الحديث هو الحديث التاسع من هذه الربعين النووية‪ ،‬وهــو حــديث أبــي‬
‫الدوسي أن النبي عليه الصلة والسلم قــال)ملا َ‬
‫هريرة عبد الرحمن بن صخر ّ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫ه َ‬
‫ه َ‬
‫م(‪ ،‬قــال‬
‫م َ‬
‫فأُتوا ِ‬
‫م بِ ِ‬
‫ست َطَ ْ‬
‫فا ْ‬
‫ما ا ْ‬
‫نَ َ‬
‫عت ُ ْ‬
‫ه َ‬
‫من ْ ُ‬
‫مْرت ُك ُ ْ‬
‫وما أ َ‬
‫جت َن ُِبو ُ‬
‫عن ْ ُ‬
‫هي ْت ُك ُ ْ‬
‫ه‪َ ،‬‬
‫ه َ‬
‫ه( فما نهى عنه فإنّه ُيجت ََنب‪،‬‬
‫م َ‬
‫فا ْ‬
‫عليه الصلة والسلم )ما َ ن َ َ‬
‫جت َن ُِبو ُ‬
‫عن ْ ُ‬
‫هي ْت ُك ُ ْ‬
‫وهذا عام في كل منهي عنه‪ ،‬والمنهي عنه قسمان‪:‬‬
‫منهي عنه للتحريم‪.‬‬
‫♦‬
‫ومنهي عنه للفضلية‪ ،‬يعني يكون النهي فيه للكراهة‪.‬‬
‫♦‬
‫ومـا كــان للتحريــم يجــب فيــه الجتنــاب‪ ،‬ومـا كــان للكراهيــة يســتحب فيــه‬
‫الجتناب‪.‬‬
‫هي ْت ُ ُ‬
‫ه َ‬
‫ه( هــذا كقــول‬
‫م َ‬
‫فلا ْ‬
‫إذن قوله عليه الصلة والسلم )ما َ ن َ َ‬
‫جت َن ُِبو ُ‬
‫عْنل ُ‬
‫كل ْ‬
‫ل َ‬
‫سلللو ُ‬
‫خللل ُ‬
‫ه‬
‫ف ُ‬
‫م َ‬
‫ملللا ن َ َ‬
‫م الّر ُ‬
‫عن ْللل ُ‬
‫هلللاك ُ ْ‬
‫و َ‬
‫ملللا آت َلللاك ُ ْ‬
‫و َ‬
‫ذوهُ َ‬
‫اللـــه جـــل وعل( َ‬
‫َ‬
‫هوا)]الحشــر‪ ،[7:‬فالــذي نهــى عنــه عليــه الصــلة والســلم نحــن مــأمورون‬
‫فان ْت َ ُ‬
‫بالنتهاء عنــه‪ ،‬فــإن كــان محرمــا فــالمر بالنتهــاء عنــه أمــرُ إيجــاب‪ ،‬وإن كــان‬
‫مكروها فالمر بالنتهاء عنه أمر استحباب‪.‬‬
‫إذا تقرر هذا‪ ،‬فالمنهي عنه خلف الصل؛ لن الصل في الشريعة ليس هــو‬
‫ي عنــه‬
‫النهي‪ ،‬وإنما الصل فيها المر‪ ،‬والمنهيات بالنسبة للوامر قليلة‪ ،‬وما ن ُهِ َ‬
‫لجل أنه خلف الصل لم يجعل الله جل وعل النفوسَ محتاجة إليه في حياتها؛‬
‫ي عنه؛ فإذا نظرت في باب الطعمة فإن مــا أ ُه ِ ـ ّ‬
‫ل بــه‬
‫بل هي مستغنية عما ن ُهِ َ‬
‫لغير الله ليس محتاجا إليه‪ ،‬الميتة ليس محتاجا إليها‪ ،‬والشربة المسكرة ليس‬
‫المرء محتاجا إليها‪ ،‬واللبسة المحرمــة ليــس المــرء محتاجــا إليهــا؛ وإنمــا فــي‬
‫الحلل كثير كثير غ ُن َْية عن هذه المحرمــات‪ ،‬فتكــون هـذه المحرمـات فـي كـل‬
‫ُ‬
‫ح وهــو‬
‫باب كالستثناء من ذلك الباب‪ ،‬فالمحرمات من الشربة استثناء مما أِبي َ‬
‫ُ‬
‫ح وهــو‬
‫الكثرة في بـاب الشــربة‪ ،‬والمحرمــات مــن الطعمــة اســتثناء ممـا أِبيـ َ‬
‫الكــثرة فــي بـاب الطعمـة‪ ،‬وهكــذا فــي بـاب اللبســة‪ ،‬وهكـذا فــي البيوعـات‬
‫فـإنه جــل وعل مـا‬
‫ّ‬
‫والعقود‪ ،‬وأشباه ذلك‪ ،‬وهذا من لطف الله جل وعل بالعباد؛‬
‫َ‬
‫جعل شيئا منهّيا عنه فيه إقامة الحياة‪ ،‬بل كل المنهيـات عنهـا إنمـا ابتلـى اللـه‬
‫جل وعل العباد بها‪.‬‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫مَر به فإنه خير‪ ،‬ســواء أفَعَل َــه المــرء رغبــة فــي‬
‫ه عنه فإنه‪ ،‬أو ما أ ِ‬
‫وما لم ي ُن ْ َ‬
‫َ‬
‫الجر بإخلص‪ ،‬أو فعَله لغير مرضاة الله‪ ،‬هذا التفصيل يذكره العلماء عند قول‬
‫َ‬
‫مَر‬
‫الله جل وعل في سورة النساء(َل َ‬
‫وا ُ‬
‫خي َْر ِ‬
‫ر ِ‬
‫ن نَ ْ‬
‫م ْ‬
‫م ْ‬
‫نأ َ‬
‫م إ ِّل َ‬
‫ه ْ‬
‫ج َ‬
‫في ك َِثي ٍ‬
‫َ‬
‫ق َ‬
‫و إِ ْ َ‬
‫فللي‬
‫س)]النساء‪ ،[114:‬فقال)َل َ‬
‫خي َْر ِ‬
‫صدَ َ ٍ‬
‫عُرو ٍ‬
‫م ْ‬
‫ح ب َي ْ َ‬
‫و َ‬
‫بِ َ‬
‫فأ ْ‬
‫ةأ ْ‬
‫ن الّنا ِ‬
‫صل ٍ‬

‫النووية‬
‫شرح الربعين‬
‫‪59‬‬

‫َ‬
‫ق َ‬
‫َ‬
‫و إِ ْ َ‬
‫ن‬
‫وا ُ‬
‫ص لدَ َ ٍ‬
‫ر ِ‬
‫ع لُرو ٍ‬
‫م ْ‬
‫ن نَ ْ‬
‫ح ب َي ْل َ‬
‫مل ْ‬
‫م ْ‬
‫و َ‬
‫نأ َ‬
‫م إ ِّل َ‬
‫ه ْ‬
‫م لَر ب ِ َ‬
‫فأ ْ‬
‫ةأ ْ‬
‫جل َ‬
‫ك َِثي ٍ‬
‫ص لل ٍ‬
‫س( هذه المأمورات فيها خير‪ ،‬ولو فعلها بغيــر نيــة صــالحة؛ لنهــا متعديــة‬
‫الّنا ِ‬
‫النفع‪ ،‬متعدية الثر‪ ،‬وإن فعلها بنية صالحة فإنه يؤجر مع بقاء الخير‪ ،‬وإن فعلها‬
‫بغير نية فإنه ل يؤجر عليها مع بقاء خيرية هذه الفعال‪ ،‬ولهذا وصفها بالخيرية‪،‬‬
‫ؤِتي َ‬
‫ل ذَل ِ َ‬
‫ه َ‬
‫ن يَ ْ‬
‫ع ْ‬
‫جللًرا‬
‫ك اب ْت ِ َ‬
‫و َ‬
‫مْر َ‬
‫ف نُ ْ ِ‬
‫ة الل ّ ِ‬
‫ضا ِ‬
‫هأ ْ‬
‫ف َ‬
‫ف َ‬
‫م ْ‬
‫غاءَ َ‬
‫و َ‬
‫س ْ‬
‫وبعد ذاك قال( َ‬
‫ما)]النساء‪ ،[114:‬فمن أمر بصدقة أو معروف‪ ،‬أو إصلح بين الناس بل نيــة‪،‬‬
‫َ‬
‫ع ِ‬
‫ظي ً‬
‫فقد أتى خيرا‪ ،‬ولو كانت نيته غير صالحة؛ لن هذه الفعــال متعديــة‪ ،‬وإذا أتاهــا‬
‫حّرم وُنهي عنه فإنه يجب‬
‫بنية صالحة فإنه يؤجر عليها‪ ،‬بخلف المحرمات؛ فما ُ‬
‫اجتنابه‪ ،‬فل خير فيه ألبتة‪ ،‬يعني من حيث تعدي الخير أو تعدي المصــلحة‪ ،‬وقــد‬
‫يكون فيه منفعة دنيوية‪ ،‬لكنها مقابلة بالمضرة‪ ،‬كما قال جــل وعل فــي الخمــر‬
‫سأ َُلون َ َ‬
‫ر ُ‬
‫ق ْ‬
‫ع‬
‫ن ال ْ َ‬
‫ك َ‬
‫من َللا ِ‬
‫ل ِ‬
‫مي ْ ِ‬
‫ف ُ‬
‫والميسر(ي َ ْ‬
‫ع ْ‬
‫و َ‬
‫ما إ ِث ْ ٌ‬
‫ه َ‬
‫وال ْ َ‬
‫خ ْ‬
‫م ك َِبي لٌر َ‬
‫ر َ‬
‫س ِ‬
‫م ِ‬
‫في ِ‬
‫َ‬
‫ن نَ ْ‬
‫معَي ّــن‪،‬‬
‫ف ِ‬
‫ما أك ْب َُر ِ‬
‫م ُ‬
‫م ْ‬
‫ما)]البقــرة‪ ،[219:‬ففيها نفع باعتبــار ال ُ‬
‫ه َ‬
‫ه َ‬
‫وإ ِث ْ ُ‬
‫س َ‬
‫ع ِ‬
‫ِللّنا ِ‬
‫لكن باعتبار الضرر فيها إثم كبير‪ ،‬وهذا بخلف الوامر التي فيها خير‪.‬‬
‫ه‬
‫م َ‬
‫إذا تقــرر هــذا‪ ،‬فنقــول قــوله عليــه الصــلة والســلم )م لا َ ن َ َ‬
‫عن ْل ُ‬
‫هي ْت ُك ُل ْ‬
‫م في كل منهي‪ ،‬وجــواب الشــرط ) َ‬
‫َ‬
‫ه(‪ ،‬والمنهــي‬
‫فلا ْ‬
‫فا ْ‬
‫ه( هذا عا ّ‬
‫جت َن ُِبو ُ‬
‫جت َن ُِبو ُ‬
‫عنه إما أن يكون محرما‪ ،‬وإما أن يكون مكروها كما ذكـرت لـك‪ ،‬والصـل فــي‬
‫المنهيات يعني فيما نهى عنه عليه الصلة والسلم إذا كان في أمــور العبــادات‬
‫أنه للتحريم‪ ،‬وإذا كان في أمور الداب أنه للكراهية‪ ،‬يعني إذا جــاء النهــي فــي‬
‫أمر من العبادات فهو للتحريــم؛ لن الصــل فــي العبــادات التوقيــف‪ ،‬وإذا جــاء‬
‫النهي في أدب من الداب‪ ،‬فالصل فيه أن يكون للكراهة‪ .‬بهذا أجمــع العلمــاء‬
‫على أن النهي الوارد فــي بعــض الداب‪ ،‬والمــر الــوارد فــي بعــض الداب أنــه‬
‫للستحباب في الوامر‪ ،‬وللكراهة في النواهي‪ ،‬ومنه أخذ طائفة من أهل العلم‬
‫أن النهي في الداب للكراهة‪ ،‬يعني الصــل فيــه للكراهــة إل إذا جــاءت قرينــة‬
‫تدل على أن الصل فيه للتحريم‪ .‬مثل‪ :‬قال عليه الصلة والسلم‪ ،‬أو جــاء فــي‬
‫مثل فــي الحــديث الــذي رواه البخــاري‪» :‬وأل أكلف ثوبلا ول شلعرا فلي‬
‫الصلة« هل هذا متصل في العبادة ؟ يعنى هو عبادة‪ ،‬أو هو أدب لشرط مــن‬
‫شرائط العبادة وهو اللباس؟ هو أدب‪ ،‬أل يكف ثوبا‪ ،‬أل يكــف شــعرا هــذا أدب‪،‬‬
‫ولهذا ذهب عامة أهل العلم إل عدد قليل ذهبوا إلى أن النهي هنا للكراهة‪ ،‬فلو‬
‫ف ثوبه‪ ،‬أو وهو عاقص شــعره‪ ،‬فالصــلة صــحيحة‪ ،‬ول إثــم عليــه‪،‬‬
‫صّلى وهو كا ّ‬
‫م‬
‫ولو كان النهي للتحريم لصارت الصلة فاسدة كنظائرها‪ .‬مثل الوامــر‪َ » :‬‬
‫سل ّ‬
‫كل ْ‬
‫ل بيمينك‪ ،‬وك ُ ْ‬
‫الله‪ ،‬وك ُ ْ‬
‫ل بيمينللك( عامــة أهــل العلــم‬
‫ل مما يليك«‪ُ ) ،‬‬
‫على أن الكل باليمين مســتحب‪ ،‬والكــل بالشــمال مكــروه‪ ،‬وهنــاك مــن قــال‬
‫بالتحريم‪ ،‬وفي كل المسائل هذه خلف بتعارض الصول فيما بين أهــل العلــم‪.‬‬
‫لكن الجمهور هنا قالوا‪ :‬هذا أدب‪ ،‬كل بيمينك‪ ،‬فلما كان أدب صـار الصـل فيـه‬
‫ك ْ‬
‫ل مما يليك( الصل فيه أنه للستحباب‪ .‬ولهـذا تـرى فـي‬
‫أنه للستحباب‪ ،‬و) ُ‬
‫كثير من كتب أهل العلم يقول‪ :‬النهي هــذا للكراهــة؛ لنــه مــن الداب‪ ،‬والمــر‬
‫للستحباب؛ لنه من الداب‪ ،‬فيجعلون من الصوارف كون الشيء مــن الداب‪،‬‬
‫وهذا مهم‪.‬‬
‫ه َ‬
‫ه( ولــم يقيــد‬
‫م َ‬
‫فللا ْ‬
‫قال عليه الصلة والســلم هنــا )ما َ ن َ َ‬
‫جت َن ُِبو ُ‬
‫عن ْل ُ‬
‫هي ْت ُك ُ ْ‬
‫بالستطاعة‪ ،‬بل أوجب الجتناب‪ ،‬بل قيد كمــا قلنــا لنّ النتهــاء مــن المنهيــات‬
‫ليس فيه تحميل فوق الطاقة؛ بل المنهيات ل حاجة للعبــد بهــا‪ ،‬يعنــي ل تقــوم‬

‫الشيخ العلمة صالح بن عبد العزيز بن محمد آل الشيخ‬

‫‪60‬‬

‫حياته بها‪ ،‬بل إذا استغنى عنها تقوم حيــاتُه‪ ،‬فليــس محتاجــا ول مضــطرا إليهــا‪،‬‬
‫وأما إذا احتاج لبعض المنهيات فهنا الحاجة يكون لها ترخيص بحسبها‪.‬‬
‫قال )وما أ َمرت ُك ُم به َ ْ‬
‫م( لن الوامــر كــثيرة‪،‬‬
‫فلأُتوا ِ‬
‫ْ ِ ِ‬
‫س لت َطَ ْ‬
‫مللا ا ْ‬
‫عت ُ ْ‬
‫ه َ‬
‫من ْل ُ‬
‫َ ْ‬
‫َ‬
‫ليست مثل المنهيات‪ ،‬ومنها ما قد ل يستطيعه العبد‪ ،‬ولهذا جاءت القواعد بناء‬
‫علــى هــذا الحــديث ”ل واجب مع العجللز“‪ .‬يعنــي أن المــرء إذا عجــز عــن‬
‫الشيء فل يجب عليه‪ ،‬كما جاء في حديث عمران‪» :‬ص ّ‬
‫ل قائمللا‪ ،‬فللإن لللم‬
‫تستطع فقاعدا‪ ،‬فإن لم تستطع‪ ،‬فعلى جنب«‪ .‬فهنا يأتي ما استطاع‪،‬‬
‫ه نَ ْ‬
‫ها‬
‫و َ‬
‫وقد قال جل وعل(َل ي ُك َل ّ ُ‬
‫س َ‬
‫سب َ ْ‬
‫عل َي ْ َ‬
‫ما ك َ َ‬
‫ها ل َ َ‬
‫ع َ‬
‫و ْ‬
‫ف ً‬
‫ها َ‬
‫ف الل ّ ُ‬
‫ت َ‬
‫سا إ ِّل ُ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫ت َرب َّنا َل ت ُ َ‬
‫م ْ‬
‫عل َي َْنا‬
‫و أَ ْ‬
‫ل َ‬
‫ؤا ِ‬
‫ح ِ‬
‫ن نَ ِ‬
‫خذَْنا إ ِ ْ‬
‫وَل ت َ ْ‬
‫سب َ ْ‬
‫ما اك ْت َ َ‬
‫َ‬
‫خطَأَنا َرب َّنا َ‬
‫سيَنا أ ْ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ة‬
‫ه َ‬
‫مللا ل طاق ل َ‬
‫ن ِ‬
‫على ال ِ‬
‫ول ت ُ َ‬
‫ما َ‬
‫م ْ‬
‫ذي َ‬
‫ملن َللا َ‬
‫ح ّ‬
‫ملت َ ُ‬
‫ح َ‬
‫صًرا ك َ‬
‫إِ ْ‬
‫ن قب ْل َِنا َرب َّنا َ‬
‫)‪(1‬‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫فات ّ ُ‬
‫ل ََنا ِبه)]البقرة‪ ،[286:‬وقال جل وعل‪َ (:‬‬
‫م)]التغـــابن‪،[16:‬‬
‫ست َط ْ‬
‫ما ا ْ‬
‫عت ُ ْ‬
‫ه َ‬
‫قوا الل َ‬
‫ع َ‬
‫ج)]الحــج‪ [78:‬إلــى آخــر‬
‫ل َ‬
‫م ِ‬
‫ن ِ‬
‫ن َ‬
‫في ال ّ‬
‫ج َ‬
‫ما َ‬
‫م ْ‬
‫عل َي ْك ُ ْ‬
‫و َ‬
‫وقال جل وعل( َ‬
‫حلَر ٍ‬
‫دي ِ‬
‫الدلة على تعليق الوجوب بالقدرة والســتطاعة‪ .‬إذن دلنــا قــوله عليــه الصــلة‬
‫والسلم )وما أ َمرت ُك ُم به َ ْ‬
‫م( أن الوامر كثيرة‪ ،‬وأنه‬
‫فأُتوا ِ‬
‫ْ ِ ِ‬
‫ست َطَ ْ‬
‫ما ا ْ‬
‫عت ُ ْ‬
‫ه َ‬
‫من ْ ُ‬
‫َ ْ‬
‫َ‬
‫ل واجب إل مع القدرة‪ ،‬تجب إذا قَد ِْرت عليها‪ ،‬وإذا كنت عاجزا وغيــر مسـتطيع‬
‫فل يجب عليك ذلك بنص النبي عليه الصلة والسلم‪.‬‬
‫هنا اختلف العلماء في مسألة يطول الكلم عليها‪ :‬هل منزلة النهي أعظــم‪،‬‬
‫أو منزلة المر؟ يعني هل النتهاء عن المنهيات أفضل‪ ،‬أم فعل الوامر والتيان‬
‫بها الفضل؟ تنازع العلماء في هذا على قولين‪:‬‬
‫♦ القللول الول‪ :‬أن النتهــاء عــن المنهيــات أفضــل مــن فعــل الوامــر‪،‬‬
‫واستدلوا عليه بأدلــة منهــا هــذا الحــديث‪ ،‬بــأنه أمــر بالنتهــاء مطلقــا‪ ،‬فقــالوا‬
‫ح ّ‬
‫ت الجنللة‬
‫النتهــاء فيــه كلفــة؛ لنهــا أشــياء تتعلــق بشــهوة المــرء‪ ،‬و» ُ‬
‫فل ْ‬
‫بالمكاره‪ ،‬وحفت النار بالشهوات« فالنتهاء عن المنهيات أفضل‪.‬‬
‫♦ وقال جماعة‪ :‬بــل المــر أفضــل‪ ،‬يعنــي امتثــال المــر أفضــل وأعظــم‬
‫ُ‬
‫ت الملئكــة‬
‫منزلــة‪ ،‬واســتدلوا عليــه بأدلــة منهــا أن آدم عليــه الســلم أ ِ‬
‫م ـَر ْ‬
‫بالسجود له‪ ،‬فلم يسجد إبليس‪ ،‬يعني لم يمتثل المر‪ ،‬فخسر الدنيا والخــرة‪،‬‬
‫فصار ملعونا إلى يوم يبعثون‪ ،‬وثــم هــو فــي النــار أبــد البــدين‪ ،‬وهــذا لعظــم‬
‫فَر له بذلك‪ ،‬فهــذا أمــر‬
‫المر‪ .‬قالوا وآدم أكل من الشجرة التي نهي عنها‪ ،‬فغُ ِ‬
‫بالمر فلم يمتثل فخسر‪ ،‬ذاك فعل المنهي عنه ثم أعقبته توبة‪.‬‬
‫وهذا القول الثاني هو الرجح والظهر فــي أن فعــل الوامــر أعظــم درجــة‪،‬‬
‫وأما المنهيات ارتكابها فإنه على رجاء الغفران‪ ،‬أما التفريط في الوامــر يعنــي‬
‫الواجبات الشرعية‪ ،‬الفرائض والركان ونحو ذلك فهذا أعظم وأعظم مما نهــى‬
‫الله جل وعل عنه‪ ،‬مع ارتباط عظيم بين هذا وهذا‪.‬‬
‫وأن المر في تعليق العبــاد بــه أعظــم‬
‫ّ‬
‫وهذا يفيدنا في تعظيم مسألة المر‪،‬‬
‫من تعليقهم بترك المنهــي‪ ،‬خلف مــا عليــه كــثيرون مثل مــن الــدعاة وغيرهــم‬
‫والوعاظ‪ ،‬في أنهم يعظمون جانب المنهي عنه في النفوس النــاس‪ ،‬وينهــونهم‬
‫عنه‪ ،‬ويفصلون في ذلك‪ ،‬ول يفصلون لهم في المأمورات‪ ،‬ول يحضونهم عليها‪،‬‬
‫وهذا ليس بجيد؛ بل أمر الناس بما أمر الله جل وعل به وحضهم على ذلك هذا‬
‫أولى يعني أرفع درجة مع وجوب ك ّ‬
‫ل من المرين في البيان على الكفاية‪.‬‬
‫‪1‬‬

‫)( انتهى الوجه الول من الشريط الرابع‪.‬‬

‫النووية‬
‫شرح الربعين‬
‫‪61‬‬

‫هل َ َ‬
‫خت ِل َ ُ‬
‫ن َ‬
‫قال) َ‬
‫هللم‬
‫وا ْ‬
‫ما أ َ ْ‬
‫ن ك َللا َ‬
‫ف ُ‬
‫م َ‬
‫مل ْ‬
‫ه ْ‬
‫م ك َث ْلَرةُ َ‬
‫قب ْل ِك ُل ْ‬
‫ك َ‬
‫فإ َن ّ َ‬
‫م‪َ ،‬‬
‫سللائ ِل ِ ِ‬
‫َ‬
‫ن َ‬
‫هل َ َ‬
‫ن َ‬
‫ن َ‬
‫م ك َث ْلَرةُ‬
‫َ‬
‫م (‪) ،‬أ ْ‬
‫عَلى أ َن ْب َِيائ ِ‬
‫ن ِ‬
‫م( أو )ال ْ ِ‬
‫كا َ‬
‫مل ْ‬
‫ذي َ‬
‫م ْ‬
‫قب ْل ِك ُل ْ‬
‫قب ْل ِك ُ ْ‬
‫ك َ‬
‫ه ْ‬
‫ِ‬
‫َ‬
‫هم َ َ‬
‫خت ِل َ ُ‬
‫م( هــذا لن الســؤال عــن الشــياء لــم‬
‫وا ْ‬
‫ف ُ‬
‫م َ‬
‫ه ْ‬
‫ه ْ‬
‫َ‬
‫م‪َ ،‬‬
‫على أن ْب َِيائ ِ ِ‬
‫سائ ِل ِ ِ‬
‫ة‪ ،‬أو لتنطع‪ ،‬أو ما أشبه ذلك‪ ،‬هذا محرم‪ ،‬فما أمر بــه النــبي‬
‫تحرم لزيادة معرف ٍ‬
‫ي‬
‫‪ ‬نأتي منه ما استطعنا‪ ،‬وفي وقت التشــريع‪ ،‬فــي وقــت نــزول الــوحي ن ُهِ ـ َ‬
‫م عليهــم بســبب‬
‫الصــحابة أن يســألوا النــبي ‪ ‬عــن مســائل؛ لنــه ربمــا ُ‬
‫ح ـّر َ‬
‫ض‪َ ،‬‬
‫ض َ‬
‫ه َ‬
‫ها‪،‬‬
‫عو َ‬
‫فل َ ت ُ َ‬
‫المسألة‪ ،‬قد جاء في الحــديث »إ ِ ّ‬
‫ض لي ّ ُ‬
‫ن الل َ‬
‫ف لَرائ ِ َ‬
‫ف لَر َ‬
‫َ‬
‫ه ُ‬
‫ء‪َ ،‬‬
‫دا َ‬
‫مأ ْ‬
‫ن‬
‫ت َ‬
‫كو َ‬
‫شَيا َ‬
‫دو َ‬
‫و ّ‬
‫عت َ ُ‬
‫فل َ ت َ ْ‬
‫دو ً‬
‫ح ُ‬
‫حدّ ُ‬
‫و َ‬
‫س لك َ َ‬
‫حر َ‬
‫و َ‬
‫عل ْ‬
‫هللا‪َ ،‬‬
‫ها‪َ ،‬‬
‫َ‬
‫فل َ ت َن ْت َ ِ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ن‪َ ،‬‬
‫أَ ْ‬
‫هللا« ‪ ،‬وجــاء أيضــا فــي‬
‫حث ُللوا َ‬
‫م ً‬
‫فل ت َب ْ َ‬
‫شَياءَ َر ْ‬
‫عن ْ َ‬
‫م‪ ،‬غي ْلَر ن ِ ْ‬
‫ة لك ْ‬
‫ح َ‬
‫سلَيا ٍ‬
‫صحيح مسلم أنه عليه الصلة والســلم قــال »إن أعظم المسلللمين فللي‬
‫حلّرم َ‬
‫م لجللل‬
‫ف ُ‬
‫المسلللمين جرمللا رجللل سللأل عللن شلليء لللم ي ُ َ‬
‫حلّر َ‬
‫مسألته«‪ ،‬فكثرة المسائل ل تجوز‪ ،‬قد كــان الصــحابة رضــوان اللــه عليهــم ل‬
‫يسألون النبي عليه الصلة والسلم‪ ،‬وكانت مسألتهم قليلة كلها في الفــرائض‪،‬‬
‫وكانوا يفرحون بالرجل يأتي من البادية ليســأل وليســتفيدوا‪ ،‬وهــذا مــن الدب‬
‫المهم الذي ي ُل ْت ََزم به؛ فإن كثرة المسائل ليست دالة على ِدين‪ ،‬ول علــى ورع‪،‬‬
‫دين والخيــر أن‬
‫ول على طلب علم؛ وإنما ينبغي على طالب الحق‪ ،‬وصاحب ال ـ ّ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫ُيقِ ّ‬
‫سألوا‬
‫ها ال ّ ِ‬
‫مُنوا ل ت َ ْ‬
‫ل المسائل ما استطاع‪ ،‬وقد قال جل وعل(َيا أي ّ َ‬
‫ذي َ‬
‫نآ َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ل ال ْ ُ‬
‫س ْ‬
‫ن ي ُن َّز ُ‬
‫نأ ْ‬
‫ن‬
‫سأُلوا َ‬
‫َ‬
‫ها ِ‬
‫قللْرآ ُ‬
‫وإ ِ ْ‬
‫شَياءَ إ ِ ْ‬
‫عن ْ َ‬
‫ن تَ ْ‬
‫م تَ ُ‬
‫حي َ‬
‫ع ْ‬
‫ؤك ُ ْ‬
‫ن ت ُب ْدَ ل َك ُ ْ‬
‫م َ‬
‫ع َ‬
‫ت فيها تنزيــل‬
‫ه َ‬
‫م َ‬
‫ها)]المائدة‪ ،[101:‬فالسؤال عن أشياء لم يأ ِ‬
‫عن ْ َ‬
‫فا الل ّ ُ‬
‫ت ُب ْدَ ل َك ُ ْ‬
‫مــا جــاء بــه التنزيــل؛ لن اللــه جــل‬
‫هذا ليس من فعل أهل التّباع‪ ،‬بل ُيسأل ع ّ‬
‫سل ْ‬
‫ن أَ ْ‬
‫ن‬
‫سأ َُلوا َ‬
‫وإ ِ ْ‬
‫شَياءَ إ ِ ْ‬
‫م تَ ُ‬
‫وعل في هذه الية قال)َل ت َ ْ‬
‫ع ْ‬
‫ؤك ُ ْ‬
‫ن ت ُب ْ لدَ ل َك ُل ْ‬
‫م َ‬
‫ل ال ْ ُ‬
‫م( فد ّ‬
‫ن ي ُن َّز ُ‬
‫ل على أن الســؤال إذا كــان‬
‫سأ َُلوا َ‬
‫ها ِ‬
‫قْرآ ُ‬
‫عن ْ َ‬
‫تَ ْ‬
‫حي َ‬
‫ن ت ُب ْدَ ل َك ُ ْ‬
‫متعلقا بفهم القــرآن‪ ،‬ويتبعــه فهــم الســنة فــإنّ هــذا ل بــأس بــه‪ ،‬أمــا أن تكــثر‬
‫المسائل في أمور ليس وراءها طائل‪ ،‬فهذا مما ينبغي تركه واجتنابه‪ ،‬وقد قال‬
‫هل َ َ‬
‫ن َ‬
‫هنا عليه الصلة والسلم ) َ‬
‫م‪،‬‬
‫ما أ َ ْ‬
‫ن ِ‬
‫ك ال ْ ِ‬
‫م َ‬
‫م ْ‬
‫ذي َ‬
‫ه ْ‬
‫م ك َث َْرةُ َ‬
‫قب ْل ِك ُ ْ‬
‫فإ َن ّ َ‬
‫سائ ِل ِ ِ‬
‫َ‬
‫هم َ َ‬
‫خت ِل َ ُ‬
‫م(‪ ،‬وأنت تلحظ هذا‪ ،‬الذين يكثرون الســؤال يكــثر‬
‫وا ْ‬
‫ف ُ‬
‫ه ْ‬
‫َ‬
‫على أن ْب َِيائ ِ ِ‬
‫عندهم الخلف‪ ،‬ولو أخذوا بما عليه العمل‪ ،‬ومــا تعلمــوه وعملــوا بــه‪ ،‬وازدادوا‬
‫علما بفقه الكتاب والسنة لحصلوا خيرا عظيما‪ ،‬أمــا كــثرة الســئلة تــؤدي إلــى‬
‫كثرة الخلف‪.‬‬
‫س َ‬
‫حّرك‪ ،‬إل فيمــا كــان‬
‫كت عنه ينبغي أن يظل مسكوتا عنه‪ ،‬وأل ي ُ َ‬
‫فلهذا ما ي ُ ْ‬
‫س َ‬
‫حّرك عن شيء؛‬
‫كت ل ي ُ َ‬
‫فيه نص‪ ،‬أو تتعلق به مصلحة عظيمة للمسلمين‪ ،‬في ُ ْ‬
‫حّر َ‬
‫ك بالسؤال لختلف الناس ووقعت مصيبة الختلف والفــتراق‪،‬‬
‫لنه ربما لو ُ‬
‫وهذا ظاهر لكم في بعض الحوال والوقائع‪ ،‬في التاريخ القديم والحديث‪.‬‬
‫نقف عند هذا‪ ،‬وأسأل الله الكريم لي ولكم العلم النــافع‪ ،‬والعمــل الصــالح‪،‬‬
‫نعوذ بالله أن ن َزِ ّ‬
‫جهــل علينــا‪ ،‬وصــلى‬
‫ل أو ن َُزل‪ ،‬أو نضل أو نضل‪ ،‬أو نجهــل أو ي ُ ْ‬
‫الله وسلم وبارك على نبينا محمد‪.‬‬
‫‪‬‬
‫بسم الله الرحمن الرحيم‬
‫الحمد لله‪ ،‬والصلة والســلم علــى رســول اللــه‪ ،‬وعلــى آلــه وصــحبه ومــن‬
‫اهتدى بهداه‪ ،‬أما بعد‪:‬‬

‫الشيخ العلمة صالح بن عبد العزيز بن محمد آل الشيخ‬

‫‪62‬‬

‫فنتم شرحنا لحاديث الربعين النووية‪ ،‬وهذا هــو الســبوع الثــاني مــن هــذه‬
‫عا‪.‬‬
‫الدورة المباركة إن شاء الله تعالى على من شارك فيها إلقاًء وسما ً‬
‫الحديث العاشر ‪‬‬
‫ب لَ‬
‫وعن أبي هريرة ‪ ‬قال‪ :‬قال رسول الله ‪» ‬إ ِ ّ‬
‫علاَلى طَّيل ٌ‬
‫ه تَ َ‬
‫ن اللل َ‬
‫َ‬
‫ف َ‬
‫ن‪َ ،‬‬
‫يَ ْ‬
‫مل ْ‬
‫قللا َ‬
‫قب َ ُ‬
‫ل‬
‫مللا ب ِل ِ‬
‫ؤ ِ‬
‫وإ ّ‬
‫مْرس لِلي ْ‬
‫مِني َ‬
‫ه ال ْ ُ‬
‫ن بِ َ‬
‫مَر ال ُ‬
‫ن الله أ َ‬
‫ل إ ِل ّ طَي ًّبا‪َ ،‬‬
‫َ‬
‫س ُ‬
‫حا)]المؤمنـــون‪،[51:‬‬
‫وا ْ‬
‫ن الطّي َّبا ِ‬
‫ل ك ُُلوا ِ‬
‫صللال ِ ً‬
‫تَ َ‬
‫ها الّر ُ‬
‫عاَلى(َياأي ّ َ‬
‫م ْ‬
‫ع َ‬
‫مُلوا َ‬
‫ت َ‬
‫َ‬
‫مللا َرَز ْ‬
‫م)]البقــرة‪:‬‬
‫ن طَي ّب َللا ِ‬
‫مُنوا ك ُُلوا ِ‬
‫ها ال ّ ِ‬
‫وقال تعالى‪َ(:‬ياأي ّ َ‬
‫م ْ‬
‫ذي َ‬
‫قن َللاك ُ ْ‬
‫ت َ‬
‫نآ َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ثأ ْ‬
‫سل َ‬
‫فَر أ ْ‬
‫طيل ُ‬
‫جل َ‬
‫ه إ ِل َللى‬
‫ع َ‬
‫ملدّ ي َلدَي ْ ِ‬
‫ل يُ ِ‬
‫شل َ‬
‫م ذَك ََر الّر ُ‬
‫ل ال ّ‬
‫غب َلَر‪ ،‬ي َ ُ‬
‫‪ .[172‬ث ُ ّ‬
‫م ْ‬
‫ه‬
‫ما ِ‬
‫ه َ‬
‫ه َ‬
‫مط ْ َ‬
‫ب؛ يا َ َر ّ‬
‫ء‪َ :‬يا َر ّ‬
‫ح لَرا ٌ‬
‫ح لَرا ٌ‬
‫مل ْب َ ُ‬
‫ال ّ‬
‫سل ُ‬
‫و َ‬
‫ش لَرب ُ ُ‬
‫و َ‬
‫م ُ‬
‫ع ُ‬
‫و َ‬
‫س َ‬
‫م‪َ ،‬‬
‫م‪َ ،‬‬
‫ب‪َ ،‬‬
‫َ‬
‫و َ‬
‫م‪َ ،‬‬
‫ه؟«]رواه مسلم [‪.‬‬
‫جا ُ‬
‫ست َ َ‬
‫ي با ِل ْ َ‬
‫َ‬
‫حَرا ٌ‬
‫فأّنى ي ُ ْ‬
‫ب لَ ُ‬
‫غذ َ‬
‫م‪َ ،‬‬
‫حَرا ِ‬
‫]الشرح[‬
‫هذا الحديث أيضا من الحاديث التي قيل فيها‪ :‬إنها أصل مــن أصــول الــدين‪،‬‬
‫يعني أن كثيرا من الحكام تدور عليهــا‪ ،‬وهــذا الحــديث فيــه المــر بالكــل مــن‬
‫الطيب‪ ،‬وأنه سمة المرسلين‪ ،‬وسمة المـؤمنين بالمرســلين‪ ،‬وأثـر ذلـك الكـل‬
‫ّ‬
‫الطيب من الحلل على عبادة المرء‪ ،‬وعلى دعائه‪ ،‬وعلى قَبول اللــه جــل وعل‬
‫لعمله‪ ،‬فقال رحمه الله تعالى )وعن أبي هريرة ‪ ‬قال‪ :‬قــال رســول اللــه ‪‬‬
‫ب َل ي َ ْ‬
‫قب َ ُ‬
‫ب( يعني أنه جل‬
‫ل إ ِل ّ طَي ًّبا«‪ (.‬وقوله )إ ِ ّ‬
‫»إ ِ ّ‬
‫ه طَي ّ ٌ‬
‫ه طَي ّ ٌ‬
‫ن الل َ‬
‫ن الل َ‬
‫وعل منّزه عن النقائص والعيوب‪ ،‬وأنه جل وعل له أنواع الكمالت فــي القــول‬
‫والفعل‪ ،‬فكلمـه جـل وعل أطيـب الكلم‪ ،‬وأفعـاله جـل وعل كلهـا أفعـال خيـر‬
‫وحكمة‪ ،‬والشر ليس إلى الله جل وعل‪ ،‬فــالله ســبحانه طيــب بمــا يرجــع إلــى‬
‫ذاته‪ ،‬وإلى أسمائه‪ ،‬وإلى صفاته جل وعل‪ ،‬ومن أوجه كونه طيبـا أنـه جـل وعل‬
‫ن ُيسلم المرء وجهه‬
‫هو المستحق للعبادة وحده دونما سواه‪ ،‬وهو المستحق ل ْ‬
‫وقلبه إليه سبحانه دونما سواه‪.‬‬
‫ن‬
‫ولكونه جل وعل طيبا ل يقبل إل طيــب‪ ،‬فقــال عليــه الصــلة والســلم )إ ِ ّ‬
‫ب َل ي َ ْ‬
‫قب َ ُ‬
‫ل إ ِل ّ طَي ًّبا(‪.‬‬
‫ه طَي ّ ٌ‬
‫الل َ‬
‫َ‬
‫ومعنى قوله )ل ي َ ْ‬
‫قب َ ُ‬
‫ل( يعني ل يرضى‪ ،‬ول يحب إل الطيب‪ ،‬وأيضا يعنــي ل‬
‫يثيب‪ ،‬ول يأجر إل على الطيب‪.‬‬
‫فإن كلمة ) َل ي َ ْ‬
‫قب َ ُ‬
‫ل( هذه في نظائرها مما جاء في السنة‪:‬‬
‫ّ‬
‫‪ .1‬قد تتوجه إلى إبطال العمل‪.‬‬
‫‪ .2‬وقد تتوجه إلى إبطال الثواب‪.‬‬
‫زم فــي‬
‫‪ .3‬وقــد تتــوجه إلــى إبطــال الرضــا بالعمــل‪ ،‬وهــو مســتل ِ‬
‫جــزًئا ول‬
‫م ْ‬
‫الغالب لبطال الثواب والجر؛ يعني أن العمل قد يقع ُ‬
‫يكون مقبول‪ ،‬كما جاء في الحديث »ل يقبل الله صلللة عبللد‬
‫إذا أبق حتى يرجللع«‪ .‬و»مللن أتللى كاهنللا أو عرافللا لللم‬
‫تقبل له صلة أربعين ليلة« وأشباه ذلك‪.‬‬
‫فتقرر أن كلمة )َل ي َ ْ‬
‫قب َ ُ‬
‫ل( هــذه تتجــه إلــى نفــي أصــل العمــل‪ ،‬يعنــي إلــى‬
‫ر«‪» ،‬ل َ‬
‫إبطاله‪ ،‬كمــا فــي قــوله »ل ي َ ْ‬
‫قب َ ُ‬
‫ص لل َةَ حل‬
‫ض إ ِل ّ ِبال ِ‬
‫ل الله َ‬
‫خمللا ٍ‬
‫لائ ِ ٍ‬
‫د ُ‬
‫يَ ْ‬
‫قب َ ُ‬
‫كم إ َ‬
‫ضأ َ«‪ ،‬هذه فيه إبطال العمــل‬
‫حدَ َ‬
‫و ّ‬
‫ح ِ‬
‫ث َ‬
‫ذا أ ْ‬
‫صل َةَ أ َ‬
‫ل الله َ‬
‫حّتى ي َت َ َ‬
‫إل بهذا الشرط‪ ،‬وقد تتجه إلى إبطال الرضا بــه‪ ،‬أو الثــواب عليــه‪ ،‬فهــذه ثلثــة‬
‫أقسام‪.‬‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ب ل يَ ْ‬
‫قب َ ُ‬
‫ل إ ِل ّ طي ًّبا( تحتمل بحسب العمل‪:‬‬
‫هنا )إ ِ ّ‬
‫ه طي ّ ٌ‬
‫ن الل َ‬

‫النووية‬
‫شرح الربعين‬
‫‪63‬‬

‫♦ أن يكون المنفي الجزاء‪.‬‬
‫♦ أو أن يكون المنفي الجر والثواب‪.‬‬
‫♦ أو أن يكون المنفي الرضا به والمحبــة لــه‪ ،‬يعنــي لهــذا العبــد‬
‫حين عمل هذا العمل‪.‬‬
‫فقال )َل ي َ ْ‬
‫قب َ ُ‬
‫ل إ ِل ّ طَي ًّبا( يعني الذي يوصف بأنه مجزئ‪ ،‬وأنه مرضي عنه‬
‫عند الله جل وعل وأنه يثاب عليه العبد هـو الطيــب‪ ،‬وأمـا غيــر الطيـب فليـس‬
‫كذلك‪ ،‬فقد يكون غير مرضي‪ ،‬أو غير مثاب عليه‪ ،‬وقد يكون غير مجزئ أصــل‪،‬‬
‫بحسب تفاصيل ذلك في الفروع الفقهية‪.‬‬
‫َ‬
‫إذا تقرر هذا فقوله عليه الصلة والسلم هنا )ل ي َ ْ‬
‫قب َ ُ‬
‫ل إ ِل ّ طَي ًّبا( هــذا فيــه‬
‫أن الله جل وعل إنما يقبل الطيب على الحصر‪ ،‬والطيب جاءت النصوص ببيان‬
‫ّ‬
‫أن الطيب يرجع إلى القوال‪ ،‬وإلى العمال‪ ،‬وإلى العتقادات‪ ،‬فحصل أن اللــه‬
‫جل وعل من آثار أنه طيب أنه ل يقبل مــن القــوال إل الطيــب‪ ،‬ول يقبــل مــن‬
‫العمال إل الطيب‪ ،‬ول يقبل من العتقادات إل الطيب‪.‬‬
‫ما هو القول الطيب‪ ،‬والعمل الطيب‪ ،‬والعتقاد الطيب؟ فسّْرنا الطيب أول‬
‫بأنه هو المبرأ مــن النقــائص والعيــوب‪ ،‬وكــذلك القــول والعمــل والعتقــاد هــو‬
‫المبرأ من النقص والعيب‪ ،‬يعني الذي صار بريئا من خلف الشريعة‪.‬‬
‫فالطيب هو الذي ُووِفقَ فيه الشرع‪ ،‬فالقول والطيب هــو الــذي كــان علــى‬
‫منهاج الشريعة‪ ،‬والعمــل الطيـب هــو الــذي كــان علـى منهـاج المصـطفى ‪،‬‬
‫والعتقاد الطيب ما كان عليه الدليل من الكتاب ومن السنة‪ ،‬فهذا هو الطيــب‬
‫من القوال والعمال والعتقادات‪ .‬وإذا صــار قــول المــرء طيبــا فــإنه ل يكــون‬
‫خبيثــا‪ ،‬والخــبيث ل يســتوي والطيــب‪ ،‬كمــا فــي آيــة المــائدة( ُ‬
‫ق ْ‬
‫وي‬
‫ل َل ي َ ْ‬
‫ست َ ِ‬
‫جب َل َ‬
‫ث)]المــائدة‪ ،[100:‬وكــذلك فــي‬
‫خِبي ُ‬
‫ك ك َث ْلَرةُ ال ْ َ‬
‫ال ْ َ‬
‫و أَ ْ‬
‫خِبي ل ِ‬
‫ع َ‬
‫والطّي ّ ُ‬
‫ول َ ْ‬
‫ب َ‬
‫ث َ‬
‫ب فــي قــوله‬
‫العمال والعتقادات‪ ،‬فنتــج مــن ذلــك أن العبــد إذا تحقــق بــال ِ‬
‫طي ِ‬
‫وعمله واعتقاده صار طيبا في ذاته‪ ،‬والطيــب لــه دار الطيــبين‪ ،‬كمــا قــال جــل‬
‫و ّ‬
‫ن)]النحل‪ ،[32:‬ومن صار عنده خبث فــي‬
‫مَلئ ِك َ ُ‬
‫فا ُ‬
‫وعل(ال ّ ِ‬
‫ة طَي ِّبي َ‬
‫ذي َ‬
‫م ال ْ َ‬
‫ه ْ‬
‫ن ت َت َ َ‬
‫بدنه وروحه‪ ،‬نتيجة لخبث قوله‪ ،‬أو خبث عمله‪ ،‬أو خبث اعتقاد‪ ،‬ولم يغفــر اللــه‬
‫جل وعل له‪ ،‬فإنه ي ُط َّهر بالنار حتى يدخل الجنة طيبا؛ لن الجنة طيبــة ل يصــلح‬
‫لها إل الطيب‪.‬‬
‫وهذا في الحقيقة فيه تحذير شديد‪ ،‬ووعيد وتخويف من كل قول أو عمل أو‬
‫اعتقاد خبيث‪ ،‬يعنــي لــم يكــن علــى وَفْــقِ الشــريعة‪ ،‬فــالطيب هــو المــبرأ مــن‬
‫النقص‪ ،‬وأعظم النقص في العمل‪ ،‬أو من أعظم ما ينقص العمل أن يتوجه بــه‬
‫صد به الدنيا‪.‬‬
‫إلى غير الله جل وعل‪ ،‬وأن ت ُ ْ‬
‫ق َ‬
‫َ‬
‫ب ل يَ ْ‬
‫قب َ ُ‬
‫ل إ ِل ّ طَي ًّبا( يعني ل يقبل من‬
‫صل هنا أن قوله )إ ِ ّ‬
‫ه طَي ّ ٌ‬
‫فت َ َ‬
‫ن الل َ‬
‫ح ّ‬
‫ُ‬
‫العمل والقول والعتقاد إل ما كان على وفق الشــريعة‪ ،‬وأِري ـد َ بــه وجهــه جــل‬
‫وعل‪ ،‬هذا حاصل تعريف الطيــب؛ لن العلمــاء نظــروا فــي كلمــة )طيــب( فــي‬
‫وصف الله جل وعل وفيما ما يقابلها‪ ،‬وتنوعت أقـوالهم‪ ،‬والـذي يحقـق المقـام‬
‫هو ما ذكرته لك‪.‬‬
‫قــال عليــه الصــلة والســلم »وإن الله أمللر المللؤمنين بمللا أمللر بلله‬
‫ُ‬
‫مُروا‪ ،‬وأتباع المرسلين الذين هــم المؤمنــون ُأمــروا‬
‫المرسلين« المرسلون أ ِ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫سل ُ‬
‫ل ك ُل ُللوا‬
‫ها الّر ُ‬
‫أيضا بما أمر به المرسلون‪ ،‬فقال جل وعل فــي قــوله(َياأي ّ َ‬
‫حا)]المؤمنــون‪[51:‬فــي آيــة المؤمنــون‪ ،‬وقــال جــل‬
‫وا ْ‬
‫ن الطّي َّبا ِ‬
‫ِ‬
‫صال ِ ً‬
‫م ْ‬
‫ع َ‬
‫مُلوا َ‬
‫ت َ‬

‫الشيخ العلمة صالح بن عبد العزيز بن محمد آل الشيخ‬

‫‪64‬‬

‫َ‬
‫ن‬
‫ها ال ّل ِ‬
‫وعل في وصف المؤمنين‪ ،‬أو في أمره للمؤمنين في آية البقرة(َياأي ّ َ‬
‫ذي َ‬
‫ما َرَز ْ‬
‫م)]البقرة‪ [172:‬فأمر المؤمنين بــأن يــأكلوا‬
‫ن طَي َّبا ِ‬
‫مُنوا ك ُُلوا ِ‬
‫م ْ‬
‫قَناك ُ ْ‬
‫ت َ‬
‫آ َ‬
‫من الطيبات‪ ،‬وأمر المرسلين بأن يأكلوا من الطيبات‪ ،‬وأمر الجميع بأن يعملوا‬
‫صالحا‪ ،‬وهذا يدل على أثر أكل الطيبات في العمل الصــالح؛ لن القــتران فــي‬
‫َ‬
‫س ُ‬
‫حا)]المؤمنـــون‪ [51:‬لن‬
‫وا ْ‬
‫ن الطّي َّبا ِ‬
‫ل ك ُُلوا ِ‬
‫صال ِ ً‬
‫ها الّر ُ‬
‫قوله(َياأي ّ َ‬
‫م ْ‬
‫ع َ‬
‫مُلوا َ‬
‫ت َ‬
‫القتران يدل على أن بينهما صلة‪ ،‬والصلة ما بين أكل الطيب والعمــل الصــالح‬
‫هي تأثير الكل الطيب في العمل الصالح‪ ،‬ولهذا قال كثير من أهــل العلــم‪ :‬إن‬
‫العمل ل يكون صالحا حتى يكون من مال طيب‪.‬‬
‫فالصلة ل تكون صلة صالحة مقبولة حتى يكون فيها الطيب مــن القــوال‪،‬‬
‫ويكون لباس المرء طيبا‪ ،‬ويكون تخلّص مــن الخــبيث مــن النجاســات وغيرهــا‪،‬‬
‫إلى آخر ذلك‪.‬‬
‫والزكاة ل تكون مقبولة حتى تكون طيبة‪ ،‬بأن تكون عــن نفــس طيبــة‪ ،‬وأل‬
‫يراد بها رياء ول سمعة إلى آخر ذلك‪.‬‬
‫قَبل حجــه؛ لن اللــه جــل وعل ل‬
‫والحج كذلك؛ فمن حج من مال حرام لم ي ُ ْ‬
‫يقبل إل الطيب‪.‬‬
‫ثم ذكر عليه الصلة والسلم مثال مـن أمثلــة تــأثير الكــل الطيــب فــي بعــض‬
‫العمال الصالحة‪ ،‬وأثر أكــل الحــرام فــي بعــض العمــال الصــالحة‪ ،‬فقــال أبــو‬
‫طيل ُ‬
‫جل َ‬
‫ل‬
‫ل يُ ِ‬
‫م ذَك َلَر ‪-‬يعنــي النــبي عليــه الصــلة والســلم‪ -‬الّر ُ‬
‫هريــرة ‪) ‬ث ُ ّ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ثأ ْ‬
‫س َ‬
‫فَر أ َ ْ‬
‫ه‬
‫ما ِ‬
‫ع َ‬
‫مدّ ي َدَي ْ ِ‬
‫مط ْ َ‬
‫ب؛ يا َ َر ّ‬
‫ء‪َ :‬يا َر ّ‬
‫ش َ‬
‫ه إ َِلى ال ّ‬
‫ال ّ‬
‫م ُ‬
‫ع ُ‬
‫و َ‬
‫س َ‬
‫غب ََر‪ ،‬ي َ ُ‬
‫ب‪َ ،‬‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫ْ‬
‫و ُ‬
‫م‪َ ،‬‬
‫م ْ‬
‫ف لأّنى‬
‫ي ب لا ِل َ‬
‫ه َ‬
‫ه َ‬
‫َ‬
‫ح لَرا ٌ‬
‫ح لَرا ٌ‬
‫ح لَرا ٌ‬
‫ملب َ ُ‬
‫غللذ َ‬
‫سل ُ‬
‫و َ‬
‫ش لَرب ُ ُ‬
‫و َ‬
‫م‪َ ،‬‬
‫م‪َ ،‬‬
‫م‪َ ،‬‬
‫حَرا َ ِ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫س َ‬
‫فَر أ ْ‬
‫طي ُ‬
‫ج َ‬
‫د‬
‫ع َ‬
‫ل يُ ِ‬
‫م ّ‬
‫ش َ‬
‫م ذَكَر الّر ُ‬
‫جا ُ‬
‫ست َ َ‬
‫ل ال ّ‬
‫يُ ْ‬
‫ث أغب ََر‪ ،‬ي َ ُ‬
‫ب لذلك(‪ .‬قال‪) :‬ث ُ ّ‬
‫ء( ذكــر هــذه الصــفات؛ لن هــذه الصــفات مظنــة الجابــة؛‬
‫ما ِ‬
‫ي َدَي ْ ِ‬
‫ه إ َِلى ال ّ‬
‫س َ‬
‫فالسفر من أسباب إجابة الدعاء‪ ،‬قد جــاء فــي الحــديث الحســن أن النــبي ‪‬‬
‫قال‪» :‬ثلثة يستجاب لهللم« وذكــر منهــم المســافر‪ ،‬فالســفر مــن أســباب‬
‫الجابة‪ ،‬وهذا قد تعّرض لسبب من أسباب الجابة وهو السفر‪ ،‬ووصــفه بقــوله‬
‫س َ‬
‫طي ُ‬
‫فَر( وإطالــة الســفر تعطــي كــثيرا مــن الغــتراب‪ ،‬وفيــه انكسـار‬
‫)ي ُ ِ‬
‫ل ال ّ‬
‫النفس‪ ،‬وحاجة النفس إلى الله جـل وعل إذا كــان السـفر للحاجـة‪ ،‬قـد يطيــل‬
‫السفر‪ ،‬يعني من حاجته يحتاج إلى السفر في معيشته‪ ،‬يحتاج إلى السفر فــي‬
‫أموره‪ ،‬وإل فإن المرء ل يختار إطالة السفر إل لحاجة‪.‬‬
‫ث أ َ َْ‬
‫س َ‬
‫فَر أ َ ْ‬
‫طي ُ‬
‫غَبلَر( وهاتــان الصــفتان تــدلن علــى ذِّلتــه‪،‬‬
‫ع َ‬
‫قال )ي ُ ِ‬
‫ش َ‬
‫ل ال ّ‬
‫وعلى استكانته‪ ،‬وهذه يحبهــا اللــه جــل وعل‪ ،‬وكــان بعــض الســلف إذا أراد أن‬
‫قا‪ ،‬ولم يتزين‪ ،‬وإنما صار أشعث‪ ،‬ثم توجه في خلوة‪ ،‬ودعــا‬
‫خل ِ ً‬
‫يدعو لبس شيئا َ‬
‫الله جل وعل وقال إنه أقرب للجابة؛ لما فـي هـذه الصـفة مـن انتفـاء الكـبر‪،‬‬
‫وقــرب التــذلل والســتكانة‪ ،‬وهــذه يكــون معهــا الضــطرار والرغــب‪ ،‬وعــدم‬
‫الستغناء‪.‬‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ثأ ْ‬
‫فذكر عليه الصلة والسلم هذه الصفة‪ ،‬فقال )أ ْ‬
‫ه‬
‫ع َ‬
‫م لدّ ي َلدَي ْ ِ‬
‫ش َ‬
‫غب َلَر‪ ،‬ي َ ُ‬
‫ء( وهذه الصفة أيضا ثالثة‪ ،‬في أنه يمد يديه إلى السماء في رغب‬
‫ما ِ‬
‫إ َِلى ال ّ‬
‫س َ‬
‫ب معه دعاء‪ ،‬ورفع اليدين في الــدعاء ســنة‪ ،‬كمــا ســيأتي‬
‫جا ُ‬
‫أن يكون أتى بما ي ُ َ‬
‫ب( وذكــره هنــا‬
‫ما ِ‬
‫مدّ ي َدَي ْ ِ‬
‫ب؛ يا َ َر ْ‬
‫ء‪َ :‬يا َر ْ‬
‫ه إ َِلى ال ّ‬
‫س َ‬
‫بيان بعض ذلك‪ .‬يقول )ي َ ُ‬
‫ربّ علــى‬
‫ُ‬
‫ب علــى حــذف اليــاء‪ ،‬أو يــا‬
‫ب( مكررة‪ ،‬ويجوز أن تقول‪ :‬يا َ َر ّ‬
‫)يا َ َر ّ‬
‫القطع‪ ،‬في تكريرها ذكر لصــفة الربوبيــة‪ ،‬ومعلــوم أن إجابــة الــدعاء مــن آثــار‬

‫النووية‬
‫شرح الربعين‬
‫‪65‬‬

‫ربوبية الله جل وعل علــى خلقــه‪ ،‬ولهــذا لــم تكــن إجابــة الــدعاء للمـؤمن دون‬
‫الكافر‪ ،‬بل قد يجاب للكــافر‪ ،‬ويجــاب للمــارد‪ ،‬وقــد أجيــب لبليــس؛ وذلــك لن‬
‫إجابة الدعاء من آثار الربوبية‪ ،‬كــرزق اللــه جــل وعل لعبــاده‪ ،‬وكإعطــائه لهــم‪،‬‬
‫وكإصحاحه إياهم‪ ،‬وإمدادهم بالمطر‪ ،‬وأشباه ذلك مما قد يحتــاجون إليــه‪ ،‬فقــد‬
‫يدعو النصراني ويستجاب له‪ ،‬وقد يدعو المشرك ويستجاب له‪ ،‬إلى آخر ذلك‪،‬‬
‫وتكــون هنــا الســتجابة ل لنــه متأهــل لهــا؛ ولكــن لنــه قــام بقلبــه الضــطرار‬
‫والحتياج لربه جل وعل‪ ،‬والربوبية عامة للمؤمن وللكافر‪.‬‬
‫ب( وهذا من آداب الدعاء العــام كمــا ســيأتي‪ ،‬وذكــر‬
‫ب؛ يا َ َر ّ‬
‫ذكر هنا )َيا َر ّ‬
‫هذا بلفظ الربوبية أيضا من أسباب إجابة الدعاء‪ .‬قال في وصف حاله مــع أنــه‬
‫ه‬
‫مط ْ َ‬
‫م ُ‬
‫ع ُ‬
‫و َ‬
‫تعرض لهذه النواع مما يجاب معه الدعاء قــال فــي وصــف حــاله ) َ‬
‫و ُ‬
‫م ْ‬
‫ي( بــالتخفيف‪ ،‬فغلــط مــن‬
‫غل ِ‬
‫ه َ‬
‫ه َ‬
‫َ‬
‫حَرا ٌ‬
‫حَرا ٌ‬
‫حَرا ٌ‬
‫مل ْب َ ُ‬
‫ذ َ‬
‫س ُ‬
‫و َ‬
‫شَرب ُ ُ‬
‫و َ‬
‫م‪َ ،‬‬
‫م‪َ ،‬‬
‫م‪َ ،‬‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫م‪ ،‬فلأّنى‬
‫ي‪ ،‬ل‪ ،‬هــي غ ـذ ِيَ مــن الغــذاء‪) ،‬غل ِ‬
‫ي بلا ِل َ‬
‫ذ َ‬
‫يقولها بالتشديد غذّ َ‬
‫حَرا ِ‬
‫ب لــذلك(‪ ،‬يعنــي فبعيــد ويتعجــب أن يســتجاب لــذلك وهــو علــى هــذه‬
‫جا ُ‬
‫ست َ َ‬
‫يُ ْ‬
‫الحال‪ ،‬فمن كان ذا مطعم حرام‪ ،‬وذا مشرب حرام‪ ،‬وذا ملبس حــرام‪ ،‬وغــذي‬
‫بالحرام‪ ،‬فهذه يستبعد أن يستجاب له‪ ،‬وقد جاء فــي معجــم الطــبرانى بإســناد‬
‫ن النبي ‪ ‬قال له سعد بن أبي وقاص‪ :‬يا رسول اللــه‪ ،‬اُدع اللــه لــى‬
‫ضعيف‪ :‬أ ّ‬
‫َ‬
‫ب مطعمللك تكللن مسللتجاب‬
‫أن أكون مجاب الدعاء‪ .‬فقال »يا سعد‪ ،‬أطِل ْ‬
‫الدعوة«‪ ،‬وهـذا فـي معنـى هـذا الحـديث‪ ،‬فـإن إطابـة المطعـم مـن أسـباب‬
‫الجابة‪ ،‬فهذا تعرض لنواع كثيرة من أسباب الجابة‪ ،‬ولكنه لم يأكل طيبــا؛ بــل‬
‫رب أن يجاب له‪.‬‬
‫أكل حراما‪ ،‬ف ُ‬
‫من ِعَ الجابة‪ ،‬واست ُغْ ِ‬
‫وقد جاء أيضا في بعض الثار اللهية أن موسى عليه السلم طلب من ربــه‬
‫أن يجيب لقومه دعاءهم‪ ،‬فقال‪ :‬يا موسى‪ ،‬إنهم يرفعون أيديهم‪ ،‬وقــد ســفكوا‬
‫بها الدم الحرام‪ ،‬وأكلوا بها الحرام‪ ،‬واستعملوها في حرام‪ ،‬فكيف يجابون؟‬
‫وهذا ل شك أنه مما يخيف المؤمن؛ لن حاجته للدعاء أعظــم حاجــة‪ ،‬فــدل‬
‫هذا على أنّ إطابة المطعم من أعظم أسباب إجابة الدعاء‪ ،‬وأنه إذا تخلف هذا‬
‫السبب ولو ُوجدت السباب الخر فإنها ل تجــاب الــدعوة غالبــا لقــوله ) َ‬
‫فأ َّنى‬
‫ب لذلك(‪.‬‬
‫جا ُ‬
‫ست َ َ‬
‫يُ ْ‬
‫هذا الحديث د َل َّنا في آخره على آداب من آداب الدعاء‪ ،‬فــذكر منهــا الســفر‬
‫ح ـّرى فيــه الــدعاء‪ ،‬والتيــان للــدعاء‬
‫يعني من أسباب إجابة الدعاء‪ ،‬فالســفر ي ُت َ َ‬
‫بتذلل واستكانة في الظاهر والباطن‪ ،‬هذا أيضا من أسباب إجابة الدعاء‪ ،‬ورفــع‬
‫اليدين إلى السماء في الدعاء‪ ،‬هذا أيضا من أسباب إجابة الدعاء‪ ،‬ورفع اليدين‬
‫إلى السماء له ثلث صفات في ثلثة أحوال دلت عليها السنة‪:‬‬
‫أما الول‪ :‬فهو بالنسبة للخطيب القائم‪ ،‬فإنه إذا دعا يشير بإصبعه فقــط‪،‬‬
‫بإصبعه السبابة‪ ،‬وهذا دليــل دعــائه وتوحيــده‪ ،‬ول ي ُ ْ‬
‫شــرع لــه أن يرفــع يــديه إذا‬
‫خطب قائما على المنبر أو على غيره‪ ،‬إل إذا استسقى‪ ،‬فإنه يرفع يديه‪ ،‬ويرفع‬
‫الناس معه أيديهم‪ ،‬كما جاء في حــديث أنــس وغيــره فــي البخــاري والنســائى‬
‫وغيرهما‪ ،‬هذه الحالة الولى‪ ،‬رفع اليدين بالكتفاء برفع الصبع‪.‬‬
‫والثلاني‪ :‬أن يرفــع يــديه إلــى الســماء رفعــا شــديدا‪ ،‬بحيــث ي ُـَرى بيــاض‬
‫البطين‪ ،‬يعني شديد جدا هكذا‪ ،‬وهذا إنما يكــون فــي الستســقاء‪ ،‬وفــي المــر‬
‫الذي يصيب المرء معه كرب شديد‪ ،‬بما فيه استجارة عظيمــة‪ ،‬وكــرب شــديد‪،‬‬
‫فهذا يرفع يديه إلى الســماء بشــدة‪ ،‬وهــذه لهــا صـفتان‪ :‬إمــا أن تكــون اليــدان‬

‫الشيخ العلمة صالح بن عبد العزيز بن محمد آل الشيخ‬

‫‪66‬‬

‫َبط ُْنهما إلى السماء‪ ،‬وإما أن تكون اليدان ظهرهما إلى السـماء‪ ،‬ورد هـذا عـن‬
‫النبي عليه الصلة والسلم‪ ،‬وورد هذا‪ ،‬وتفاصيل هذا يعني تحتاج إلى وقت‪.‬‬
‫الثالث‪ :‬أن يرفع يديه مبسوطة الكفين إلى الصدر‪ ،‬يعني إلى موازاة ثديي‬
‫الرجل والمرء‪ ،‬وهذا هو أغلب دعاء النبي عليه الصلة والسلم‪ ،‬بل كان دعاؤه‬
‫في عرفه هكذا؛ يرفع يديه إلى الثديين‪ ،‬ويمدهما كهيئة المستطعم‪ ،‬ل يجعلهما‬
‫إلى الوجه هكذا‪ ،‬ول بعيدة عنه بحيث ما تكون إلى الثديين‪ ،‬بــل يبســطها كهيئة‬
‫المستطعم المسكين‪ ،‬يعني‪ :‬كهيئة المسكين الــذي يريــد أن ي ُعْط َــى شــيئا فــي‬
‫يديه‪.‬‬
‫وقد ثبت بالسنن من حديث ســلمان الفارســي ‪ ‬أن النــبي ‪ ‬قــال‪» :‬إن‬
‫ي كريم‪ ،‬يستحيي من عبده أن يمد إليه يللديه‪ ،‬يطلللب فيهللا‬
‫الله َ‬
‫حي ّ‬
‫دهما صفرا خائبتين«‪ ،‬وهذا من أعظم الداب‪.‬‬
‫خيرا‪ ،‬فيرُ ّ‬
‫فإذن نخلص من ذلــك إلــى أن آداب الــدعاء كــثيرة‪ ،‬وهــذا مثــل قــاله عليــه‬
‫الصلة والسلم يعني مثل أثر الحلل الطيب في العبادة ذكر الدعاء‪ ،‬كذلك لــه‬
‫أثر في الصلة‪ ،،‬له أثر في العبادات‪ ،‬في الذكر‪ ،‬إلى آخــره‪ .‬فــالله جــل وعل ل‬
‫يقبل إل طيبا‪ ،‬فمن أكل حراما فيتحرك بجسده في حرام‪ ،‬فقد تجــزؤه صــلته‪،‬‬
‫لكن ل يكون بتحركه في بـدنه بحــرام مرضــيا عنـد اللـه جـل وعل‪ ،‬ولـو كــانت‬
‫صلته خاشعة؛ بل أعظم ما ي ُب َّر به البدن أن يكون البدن طيبا بالكل‪ ،‬فل يأكــل‬
‫إل ما يعلم أنه حلل‪ ،‬بما يعلم أنه طيب‪ ،‬فهذا له أثــر فــي رضــا اللــه جــل وعل‬
‫عن العبد‪ ،‬وقبوله لصلته وصيامه‪ ،‬وقبوله لعماله كلها‪.‬‬
‫قوله في آخره ) َ َ‬
‫ب لذلك( يعنــي عجيــب وبعيــد أن يســتجاب‬
‫جا ُ‬
‫ست َ َ‬
‫فأّنى ي ُ ْ‬
‫له‪ ،‬وقد يستجاب له‪ ،‬قد يستجاب لــه لعــارض آخــر‪ ،‬صــادفه اضــطرار‪ ،‬وشــدة‬
‫إلحاح‪ ،‬وحاجة ماسة‪ ،‬فهذه ي ُعْ َ‬
‫في ال ْ ُ‬
‫طى معها حتى الكافر( َ‬
‫فإ ِ َ‬
‫ك‬
‫ذا َرك ُِبوا ِ‬
‫فْللل ِ‬
‫ن َ‬
‫م إ َِلللى ال َْبللّر إ ِ َ‬
‫م‬
‫م ْ‬
‫دَ َ‬
‫ذا ُ‬
‫جللا ُ‬
‫خل ِ ِ‬
‫مللا ن َ ّ‬
‫ه اللل ّ‬
‫دي َ‬
‫صللي َ‬
‫هلل ْ‬
‫ه ْ‬
‫فل َ ّ‬
‫ن َللل ُ‬
‫ه ُ‬
‫وا الّللل َ‬
‫علل ْ‬
‫ر ُ‬
‫يُ ْ‬
‫ن)]العنكبوت‪،[65:‬ـ المشرك قد يســتجاب لــه‪ ،‬وكــذلك المــؤمن العاصــي‬
‫كو َ‬
‫ش ِ‬
‫الذي أكل الحرام قد يستجاب له‪ ،‬لكن في حالت قليلــة‪ ،‬وذلــك إذا كــان معهــا‬
‫َ‬
‫ن عليــه‪ ،‬أو مــا‬
‫مجــاب الــدعوة فـأ ّ‬
‫حالة اضطرار‪ ،‬أو شفع له غيره‪ ،‬وكان مــع ُ‬
‫م َ‬
‫شابه ذلك من الستثناءات التي ذكرها أهل العلم‪.‬‬
‫‪‬‬
‫الحديث الحادي عشر ‪‬‬
‫عن أبي محمد الحسنِ بن علي ب َ‬
‫ل الله ‪‬‬
‫سب ْ ِ‬
‫ب ِ‬
‫ُ ّ ٍ‬
‫ن أبي طال ٍ‬
‫ط رسو ِ‬
‫ّ ِ‬
‫ِ‬
‫ما َيريب ُ َ‬
‫ك‬
‫ت من رسول الله ‪» ‬دَ ْ‬
‫ح ِ‬
‫حان َت ِ ِ‬
‫ه‪-‬رضي الله عنهما‪ -‬قال‪َ :‬‬
‫وََري ْ َ‬
‫ع َ‬
‫فظ ْ ُ‬
‫ما ل َ َيريب ُ َ‬
‫ك « ]رواه الترمذي والنسائي‪ ،‬وقال الترمذي‪ :‬حيث حسن‬
‫إ َِلى َ‬
‫صحيح‪[.‬‬
‫]الشرح[‬
‫هذا الحديث عظيم أيضا‪ ،‬وهو فــي المعنــى قريــب مــن قــوله عليــه الصــلة‬
‫ف َ‬
‫ت َ‬
‫ن ات ّ َ‬
‫والســلم فــي حــديث النعمــان بــن بشــير » َ‬
‫قللى ال ّ‬
‫د‬
‫قل ِ‬
‫ها ِ‬
‫ش لب ُ َ‬
‫ف َ‬
‫م ِ‬
‫َ‬
‫و َ‬
‫و َ‬
‫في ال ّ‬
‫حَرام ِ «‪.‬‬
‫ع ِ‬
‫ع ِ‬
‫و ِ‬
‫هلا ِ‬
‫ض ِ‬
‫عْر ِ‬
‫دين ِ ِ‬
‫ست َب َْرأ ل ِ ِ‬
‫في ال ْ َ‬
‫ق َ‬
‫ق َ‬
‫شب ُ َ‬
‫اِ ْ‬
‫م ْ‬
‫و َ‬
‫ت َ‬
‫ن َ‬
‫ه‪َ ،‬‬
‫ه َ‬
‫ما‬
‫فهذا الحديث قال فيــه الحســن ‪ :‬حفظــت مــن رســول اللــه ‪) ‬دَ ْ‬
‫ع َ‬
‫ك( وهذا أمر‪ ،‬وقوله )َيريب ُ َ‬
‫ما ل َ َيريب ُ َ‬
‫َيريب ُ َ‬
‫ك( بفتح الياء‪ ،‬ويجوز ُيريبك‬
‫ك إ َِلى َ‬
‫ما َيريُبل َ‬
‫ك( يعنــي مــا تشــك فيــه‪ ،‬ول‬
‫بالضم‪ ،‬لكن الفتح أفصــح وأشــهر‪) ،‬دَ ْ‬
‫ع َ‬

‫النووية‬
‫شرح الربعين‬
‫‪67‬‬

‫تطمئن له‪ ،‬وتخاف منه؛ لن الّريب هو الشك وعدم الطمأنينة‪ ،‬وما يخاف منــه‬
‫من يأتيه فل يدري هل هو له أم عليه؟‪.‬‬
‫ما َيريب ُ َ‬
‫ك( يعني إذا أتاك أمر فيه عدم طمأنينة لك‪ ،‬أو أنت إذا أقبلــت‬
‫)دَ ْ‬
‫ع َ‬
‫عليه‪ ،‬أو إذا أردت عمله‪ ،‬استربت منــه‪ ،‬وصــرت فــي خــوف أن يكــون حرامــا‪،‬‬
‫فدعه إلى شيء ل يريبــك؛ لن الســتبراء مــأمور بــه‪ ،‬فــترك المشــتبِهات إلــى‬
‫ن المــرء‬
‫اليقين هذا أصل عام‪ ،‬وهذا الحديث دل على هذه القاعدة العظيمة‪ :‬أ ّ‬
‫يبحث عن اليقين؛ لن فيه الطمأنينة‪ ،‬وإذا حصل له اليقين سيدع ما شك فيــه‪،‬‬
‫فمثل إذا اشتبه عليه في أمر مسألة ما‪ ،‬هل هي حلل أم حــرام؟ فــإنه يتركهــا‬
‫إلى اليقين‪ ،‬وهو أن يستبرئ لدينه‪ ،‬فيترك المسألة‪ ،‬أو إلى ما هــو حلل بيقيــن‬
‫عنده‪ ،‬أو مال اشتبه عليه‪ ،‬فيدع ما يريبه منه‪ ،‬ويأتي مــا ل يريبــه‪ .‬وكــذلك فــي‬
‫العبادات‪ ،‬وإذا قلنا العبادات‪ ،‬فنعني بها الشعائر؛ لن العلماء إذا قالوا‪:‬‬
‫العبادة بالفراد أرادوا منها مــا يــدخل فــي تعريــف العبــادة‪” :‬اســم‬
‫♦‬
‫جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه‪“ ..‬إلى آخره‪.‬‬
‫وإذا قيل‪ :‬العبادات بالجمع فيريدون بها الشعائر‪ :‬الصــلة‪ ،‬والزكــاة‪،‬‬
‫♦‬
‫والصيام‪ ،‬والحج‪ ،‬والجهاد‪ ،‬وأشباه ذلك‪.‬‬
‫ففرق ما بين الفراد والجمع‪ ،‬كما فرقوا بين السماء والسماوات‪ ،‬ونظــائر‬
‫ذلك‪.‬‬
‫في العبادات أيضا يأتي اليقين‪ ،‬وإذا طرأ الشــك عليــه فل يــدع هــذا اليقيــن‬
‫لشك طرأ؛ لن اليقين ل يريبه‪ ،‬وما وقع فيه من الشك هــذا يريبــه‪ ،‬ول يطمئن‬
‫إليه‪ ،‬فإذا اشتبه عليه مثل في الصلة هل أحدث‪ ،‬أم لم يحدث ؟ هل خرج مــن‬
‫شيء‪ ،‬أم لم يخرج منه شيء ؟ فيبني على الصل‪ ،‬وهو ما ل يريبــه‪ ،‬وهــو أنــه‬
‫دخل في الصلة على طهارة‪ ،‬متيقن منها‪ ،‬فيبني على الصــل‪ ،‬ويــدع مــا طــرأ‬
‫عليه من الشك إلى اليقين‪ ،‬كان متطهرا فشـ ّ‬
‫ك هــل أحــدث أم ل؟ يبنــي علــى‬
‫الصل‪ ،‬ويدع الشك‪.‬‬
‫وهذا أصل عظيم ‪-‬كما ذكرنا هذا الحديث‪ -‬أصل عظيم من أصول الشــريعة‬
‫مّر معنا في حديث النعمان بن البشير‪ ،‬فيدخل فيــه تــرك جميــع مــا يَريــب‬
‫كما َ‬
‫المسلم إلى شيء يتيقن من جوازه‪ ،‬وأل يلحقه به‪ ،‬وأنــه ل يلحقــه بــه إثــم‪ ،‬أو‬
‫شيء في دينه أو عرضه‪ ،‬لهذا جاء هذا المعنى في أحاديث كــثيرة‪ ،‬وقــال ابــن‬
‫مسعود رحمه الله‪” :‬د َع ْ الواحد الذي يريبك ‪-‬يعني الشيء الواحد الذي يريبــك‪-‬‬
‫إلى أربعة آلف ل تريبك“ يعني ابن مسعود رحمه اللــه أن الــذي يريــب قليــل‪،‬‬
‫والذي ل يريب المرء سواء في القوال أو في العمال أو في العتقــادات هــذا‬
‫كثير ولله الحمد‪ ،‬فالذي يريب اتركه‪ ،‬الذي يريبك من العلم‪ ،‬الــذي يريبــك مــن‬
‫القول‪ ،‬الذي يريبك من العمال‪ ،‬الذي يريبك من العلقــات‪ ،‬الــذي يريبــك مــن‬
‫الظن‪ ،‬كل ما يريبك‪ ،‬تخــاف منــه‪ ،‬ول تطمئن إليــه‪ ،‬فــدعه واتركــه إلــى أمــر ل‬
‫يريبك‪ ،‬وهو كثير ولله الحمد‪ ،‬فهذا فيه طلب براءة الذمة إلى الشياء المتيقنة‪.‬‬
‫وإذا تقرر هذا فالحديث له تكملة‪ ،‬وهو قــوله عليــه الصــلة والســلم »فــإن‬
‫الصدق طمأنينة‪ ،‬أو إن الخير طمأنينة‪ ،‬وإن الكذب ريبة« يعنــي فــي‬
‫تكملة في بعض الروايات‪ ،‬وهذا يدل على أن كل ما فيه خير تطمئن لــه نفــس‬
‫المؤمن‪ ،‬فأنت تأتي إلى ما تتلفظ به من أقوال‪ ،‬فتزنها بهذا الميزان‪ ،‬مــا تــأتيه‬
‫من أعمال فتزنها بهذا الميزان‪ ،‬والعجب ممن يتكلم بشــيء وهــو بــداخله غيــر‬
‫مرتاح له‪ ،‬ومع ذلك يغشاه‪ ،‬فهذا مخالف لهذا المــر العظيــم‪ ،‬كــذلك أعمــال ل‬

‫الشيخ العلمة صالح بن عبد العزيز بن محمد آل الشيخ‬

‫‪68‬‬

‫صحبة ل يرتاح لها‪ ،‬ومع ذلك يأتيها وهو غير مطمئن لذلك‪ ،‬وهذا ل‬
‫يرتاح لها‪ ،‬أو ُ‬
‫َ‬
‫مللا ل َ َيريب ُل َ‬
‫ما َيريب ُل َ‬
‫ك(‬
‫شك أنه مخالفة لهذه الوصية العظيمة )دَ ْ‬
‫ك إ ِلللى َ‬
‫ع َ‬
‫وهذا توجيه نبوي عظيم الفائدة عظيم العائدة‪ ،‬وقد كان الصحابة رضوان اللــه‬
‫عليهم يستعملون هذا‪.‬‬
‫ل فــي الــورع‪ ،‬أصـ ٌ‬
‫وهــذا الحــديث أصـ ٌ‬
‫ل فــي تــرك المشــتبهات‪ ،‬أصــل فــي‬
‫وف من أي نوع من الحرام‪ ،‬والورع سـهل‪ ،‬قـد قـال بعـض السـلف أظنـه‬
‫الت َ َ‬
‫خ ّ‬
‫حسان بن أبي سَِنان قال‪” :‬إذا أتاني أمر وفيه ريبة تركتــه‪ ،‬ومــا أســهلها علــى‬
‫النفس“‪ ،‬وهذا ول شك عند نفس المؤمن الذي أخبـت لربـه‪ ،‬فـإنه إذا أتـاه مـا‬
‫يريبه يتركه‪ ،‬ويكون في ذلك راحة النفس وطمأنينة القلــب‪ ،‬وهــذا أمــر واضــح‬
‫في الشريعة‪.‬‬
‫‪‬‬
‫الحديث الثاني عشر ‪‬‬
‫ه‬
‫مْر ِ‬
‫عن أبي هريرة ‪ ‬قال رسول الله ‪ِ » ‬‬
‫ن ُ‬
‫ح ْ‬
‫م ْ‬
‫ء‪ :‬ت َْرك ُل ُ‬
‫سن ِإسل َم ِ ال ْ َ‬
‫سن رواه الترمذي وغيره هكذا [‪.‬‬
‫عِني ِ‬
‫ه « ]حديث َ‬
‫ما ل َ ي َ ْ‬
‫ح َ‬
‫َ‬
‫]الشرح[‬
‫هذا الحديث أيضا من الحاديث الربعة التي قال فيها طائفة من أهل العلــم‬
‫منهم ابن أبي زيد القيرواني المالكي المعروف‪ :‬إنــه أحــد أحــاديث أربعــة هــي‬
‫أصول الدب في السنة؛ فهذا الحديث أصل من الصول في الداب‪ ،‬كما ذكرنا‬
‫لكم في أول هذه الدروس أن النووي رحمه الله اختار هذه الحاديث كلية فــي‬
‫أبواب مختلفة‪ ،‬في كل باب أصل من الصول فيه‪.‬‬
‫مللا ل َ‬
‫م لْر ِ‬
‫قال هنا )قال رسول الله ‪ِ » ‬‬
‫ن ُ‬
‫ح ْ‬
‫م ْ‬
‫ه َ‬
‫ء‪ :‬ت َْرك ُل ُ‬
‫سن ِإس لل َم ِ ال ْ َ‬
‫ن( هنــا تبعيضــية‪ ،‬يعنــي تــرك مــا ل‬
‫مْر ِ‬
‫ه«‪ِ ) (.‬‬
‫عِني ِ‬
‫ن ُ‬
‫يَ ْ‬
‫ح ْ‬
‫ء( )مِ ْ‬
‫م ْ‬
‫سن ِإسل َم ِ ال ْ َ‬
‫)‪(1‬‬
‫يعني‪ ،‬وبعض ما يحصل به إحسان السلم‪.‬‬
‫ن( هنا تبعيضية‪ ،‬يعني‪ :‬أن ترك ما ل يعني‬
‫مْر ِ‬
‫ء( ) ِ‬
‫) ِ‬
‫ن ُ‬
‫ح ْ‬
‫م ْ‬
‫م ْ‬
‫سن ِإسل َم ِ ال ْ َ‬
‫سللن‬
‫هو بعض ما يحصل به إحسان الســلم‪ ،‬وحســن الســلم؛ يعنــي ) ِ‬
‫ن ُ‬
‫ح ْ‬
‫م ْ‬
‫سن إسلم المرء ترك مــا ل‬
‫مْر ِ‬
‫عِني ِ‬
‫ه( بعض ما به ُ‬
‫ما ل َ ي َ ْ‬
‫ح ْ‬
‫ه َ‬
‫ء‪ :‬ت َْرك ُ ُ‬
‫ِإسل َم ِ ال ْ َ‬
‫يعني‪ ،‬وهذا ظاهر ِ‬
‫من اللغة‪ ،‬وقوله عليه الصلة والسلم هنا ) ُ‬
‫ح ْ‬
‫سللن ِإس لل َم ِ‬
‫ء( حسن السلم جاء هذا اللفظ ومشتقاته في أحاديث متعددة منهــا مثل‬
‫مْر ِ‬
‫ال ْ َ‬
‫مه كان له بكل‬
‫سن أح ُ‬
‫قول النبي عليه الصلة والسلم »إذا أحْ َ‬
‫دكم إسل َ‬
‫حسللنة يعملهللا عشللر حسللنات إلللى سللبعمائة ضللعف‪ ،‬وإذا عمللل‬
‫خر‪ ،‬فد ّ‬
‫ل هــذا وغيــره علــى أن‬
‫سيئة بمثلها« وله ألفاظ أ ُ َ‬
‫بالسيئة كانت ال ّ‬
‫إحسان السلم مرتبة عظيمة‪ ،‬وفيها فضل عظيم‪.‬‬
‫وإحسان السلم مما اختََلف فيه أهل العلم‪:‬‬
‫‪ .1‬فقــالت طائفــة‪ :‬إحســان الســلم أنْ يــأتي بالواجبــات‪ ،‬وأن ينتهــي عــن‬
‫المحرمات‪ ،‬وهــي مرتبــة المقتصــدين‪ ،‬يعنــي الــذين جــاءوا بقــول اللــه جــل‬
‫َ‬
‫عَباِدن َللا َ‬
‫صط َ َ‬
‫م‬
‫ن ِ‬
‫ف ِ‬
‫في َْنا ِ‬
‫ب ال ّ ِ‬
‫وَرث َْنا ال ْك َِتا َ‬
‫من ْ ُ‬
‫مل ْ‬
‫ذي َ‬
‫م ظَللال ِ ٌ‬
‫هل ْ‬
‫وعل(ث ُ ّ‬
‫نا ْ‬
‫مأ ْ‬
‫م ْ‬
‫ل ِن َ ْ‬
‫ه)]فــاطر‪[32:‬‬
‫ق ِبال ْ َ‬
‫ن الل ّ ِ‬
‫خي َْرا ِ‬
‫و ِ‬
‫قت َ ِ‬
‫و ِ‬
‫س ِ‬
‫ف ِ‬
‫م َ‬
‫من ْ ُ‬
‫من ْ ُ‬
‫ساب ِ ٌ‬
‫ه ْ‬
‫م ُ‬
‫ه ْ‬
‫ت ب ِإ ِذْ ِ‬
‫صدٌ َ‬
‫ه َ‬
‫فالمقتصد هو الذي يأتي بالواجبات‪ ،‬ويترك المحرمات‪ ،‬ويجعل مع الواجبات‬
‫بعض النوافل‪ ،‬فقالوا المحسن لسلمه هم أهل هــذه الصــفة‪ ،‬يعنــي الــذين‬
‫‪1‬‬

‫)( انتهى الشريط الرابع‪.‬‬

‫النووية‬
‫شرح الربعين‬
‫‪69‬‬

‫يأتون بالواجبــات وبعــض النوافــل‪ ،‬ويــدعون المحرمــات جميعــا‪ ،‬فمــن كــان‬
‫كذلك فقد حسن إسلمه‪.‬‬
‫‪ .2‬والقول الثاني‪َ :‬أنّ إحسان السلم معناه أن يكــون علــى رتبــة الحســان‬
‫في العبادة التي جاءت في حديث جبريل المعروف قال »فللأخبرني عللن‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ن ت َلَراهْ َ‬
‫ه‪َ ،‬‬
‫ه‬
‫فإ ْ‬
‫الحسان؟«‪ ،‬قال»أ ْ‬
‫ن تَ ْ‬
‫م ت َك ُل ْ‬
‫ف لإ ِن ّ ُ‬
‫ن ل َل ْ‬
‫عب ُدَ الله ك َأّنك ت ََرا ُ‬
‫ي ََرا ْ‬
‫ك«‪ ،‬فالذي ُيحسن إسلمه هو الذي وصل إلى مرتبة الحسان‪ ،‬إما على‬
‫درجتها الولى؛ درجة المراقبة‪ ،‬أو على كمالها وهو درجــة المشــاهدة‪ ،‬وهــذا‬
‫القول الثاني ظاهر في الكمال‪ ،‬ولكنه ليس ظاهرا في كل المراتب‪.‬‬
‫‪ .3‬ولهذا قالت طائفة أيضا من أهل العلم‪ :‬إن إحسان الســلم ليــس مرتبــة‬
‫واحدة بل الناس مختلفون فيها‪ ،‬فبقدر إحســان الســلم يكــون لــه الفضــل‬
‫والثواب الــذي أعطيــه مــن أحســن إســلمه‪ ،‬فمثل فــي قــوله عليــه الصــلة‬
‫والسلم »إذا أحسن أحدكم إسلمَه كللان للله بكللل حسللنة يعملهللا‬
‫عشر حسنات إلى سبعمائة ضعف« قــالوا هنــا‪) :‬عشــر حســنات إلــى‬
‫سبعمائة ضعف(‪ ،‬عشر حسنات لكل من أحسن السلم‪ ،‬يعني لمن كان لــه‬
‫السلم‪ ،‬وحسن منه فإنه يبدأ من عشر أضــعاف للحســنة؛ يعنــي تكتــب لــه‬
‫الحسنة بعشر أمثالها )إلى سبعمائة ضللعف(‪ ،‬هــذا بحســب درجتــه فــي‬
‫إحسان السلم‪ ،‬فــدل تنــوع الثــواب علــى تنــوع الحســان‪ ،‬يعنــي أن درجــة‬
‫الحســان تختلــف‪ ،‬وأهــل إحســان الســلم فيــه متفــاوتون لتفــاوت الفضــل‬
‫والمرتبة والجر على ذلك‪ ،‬فقال )إلى سللبعمائة ضللعف(‪ ،‬فمــن أســباب‬
‫مزيدها إلى سبعمائة ضعف أن يكون إحسانه للســلم عظيمــا؛ ولهــذا قــال‬
‫ابن عباس وغيره من المفسرين‪ :‬إن الحسنة بعشر أمثالها لكل أحد‪ .‬يعنــي‬
‫ة َ‬
‫ه‬
‫سلن َ ِ‬
‫جللاءَ ِبال ْ َ‬
‫ن َ‬
‫ح َ‬
‫مل ْ‬
‫فل َل ُ‬
‫لكل مسلم في قوله جل وعل في آخر النعــام( َ‬
‫َ‬
‫ع ْ‬
‫ها)]النعام‪ [160:‬قال هذا لكل أحد‪ ،‬أمّا من أحســن إســلمه فــإنه‬
‫َ‬
‫مَثال ِ َ‬
‫شُر أ ْ‬
‫َ‬
‫ن تَ ُ‬
‫ع ْ‬
‫وي ُ ْ‬
‫جًرا‬
‫سن َ ً‬
‫ضا ِ‬
‫ة يُ َ‬
‫ت ِ‬
‫ؤ ِ‬
‫وإ ِ ْ‬
‫هأ ْ‬
‫ك َ‬
‫ف َ‬
‫ح َ‬
‫م ْ‬
‫ن ل َدُن ْ ُ‬
‫ها َ‬
‫في قول الله جل وعل( َ‬
‫ما)]النســاء‪ [40:‬وهذا تقريــر صــحيح‪ ،‬فــإنّ النــاس فــي إحســان الســلم‬
‫َ‬
‫ع ِ‬
‫ظي ً‬
‫مراتب‪.‬‬
‫وهذه المسألة مشكلة‪ ،‬يعني لــو راجعــت فــي الشــروح‪ ،‬وكلم أهــل العلــم‬
‫مشكلة‪ ،‬لكن كلم أهل التحقيق الذين قرروا هــذه المســألة‪ :‬بينــوا أن إحســان‬
‫السلم له مراتب‪ ،‬يعني ليس مرتبة واحدة‪ ،‬وأن أهل المعصية‪ ،‬يعني من ظلم‬
‫نفسه‪ ،‬ليس من أهل إحسان السلم‪.‬‬
‫ء( يعني هذا الفعل‪ ،‬وهــو تـرك مـا ل يعنــي‬
‫مْر ِ‬
‫فقال ) ِ‬
‫ن ُ‬
‫ح ْ‬
‫م ْ‬
‫سن ِإسل َم ِ ال ْ َ‬
‫من حُسن إسلمه‪ ،‬وهذا ظاهر في المرتبتين جميعا‪ ،‬فإن الذي يأتي الطاعات‪،‬‬
‫ويبتعد عن المحرمات فإنه منشغل بطاعة ربه عن أن يتكلف ما ل يعنيه‪ ،‬وأمــا‬
‫أهل الحسان في مقام المراقبة‪ ،‬أو مــا هــو أعظــم منهــا‪ ،‬وهــو مشــاهدة آثــار‬
‫العِصمة والصفات في خليقة الله جل وعل فهؤلء منشــغلون بإحســان العمــل‬
‫م فيما ل يعنيهم‪.‬‬
‫الظاهر والباطن عن أن يكون لهم ه ّ‬
‫ه(؟ مــا هــو الــذي يعنــي والــذي ل‬
‫عِني ِ‬
‫ما ل َ ي َ ْ‬
‫إذا تقرر هذا فما معنى قوله ) َ‬
‫يعني؟ العناية في اللغة‪ :‬شدة الهتمام بالشيء‪ ،‬أو الشيء المهــم الــذي ي ُهْت َــمّ‬
‫به‪ ،‬والذي ل يعني وليس لي به عنايــة هــو الشــيء الــذي ل ينفــع المعتنــي بــه؛‬
‫يعني ل ينفع المتوجه إليــه‪ ،‬وليــس لــه بــه مصــلحة‪ ،‬ومعلــوم أن أمــور الشــرع‬

‫الشيخ العلمة صالح بن عبد العزيز بن محمد آل الشيخ‬

‫‪70‬‬

‫المسلم له بها عناية‪ ،‬وأنّ فقه الكتاب والسنة له به لكل مسلم به عناية‪ ،‬يعني‬
‫فيشتد اهتمامه بها‪.‬‬
‫فإذن الهتمام مما فيــه فقــه للنصــوص هـذا ممـا يـدل علــى حســن إســلم‬
‫ه( بالمفهوم أن من‬
‫مْر ِ‬
‫عِني ِ‬
‫المرء‪ ،‬قال ) ِ‬
‫ما ل َ ي َ ْ‬
‫ن ُ‬
‫ح ْ‬
‫م ْ‬
‫ه َ‬
‫ء‪ :‬ت َْرك ُ ُ‬
‫سن ِإسل َم ِ ال ْ َ‬
‫حسن إسلم المرء الهتمام بما يعنيه‪ ،‬ما ل يعني المرء المســلم مــن القــوال‬
‫التي ليس لها نفع له في دينه‪ ،‬ول في دنيــاه أو فــي آخرتــه أو فــي أوله‪ ،‬فــإن‬
‫تركها من حسن إسلم المرء‪ ،‬وهذا عام يشمل ما يتصل بفضول العلــوم الــتي‬
‫ل تنفعه‪ ،‬وبفضول المعاملت‪ ،‬وبفضول العلقات‪ ،‬ونحو ذلك‪ ،‬فتركه ما ل يعنيه‬
‫في دينه فإنه –هذا‪ -‬دليــل حســن إســلمه‪ ،‬يعنــي دليــل رغبتــه فــي الخيــر؛ لن‬
‫التوسع‪ ،‬أو إتيان ما ل يعنيه في العلقات‪ ،‬أو في القوال أو فــي الســمع إل ـى‬
‫آخره‪ ،‬هذا زريعة لن يرتكب شيئا محرما‪ ،‬أو أن يفرط في واجب‪ ،‬تفــوته رتبــة‬
‫المقتصدين التي هي أقل رتب أهل حسن السلم‪.‬‬
‫أدخل الشراح أيضا ‪-‬وهذا واضح وب َّين‪ ،‬وقد جاء في بعض الحاديث‪ -‬أن مما‬
‫ل يعني المرء الكلم أو الســماع‪ ،‬الكلم نطقــا أو ســماع الكلم‪ ،‬يعنــي أن مــن‬
‫حسن إسلم المرء ترك ما ل يعنيــه مــن الكلم ســماعا أو نطقــا‪ ،‬وهــذا ظــاهر‬
‫بين؛ لن اللسان هو مورد الزلل‪ ،‬والذن أيضا هي مورد الزلل‪ ،‬فاللسان نطقــا‬
‫ف ُ‬
‫ن َ‬
‫د)]ق‪ ،[18:‬وهذه‬
‫ب َ‬
‫ه َر ِ‬
‫ما ي َل ْ ِ‬
‫ل إ ِّل ل َدَي ْ ِ‬
‫ظ ِ‬
‫عِتي ٌ‬
‫قي ٌ‬
‫م ْ‬
‫محاسب عليه العبد( َ‬
‫و ٍ‬
‫ق ْ‬
‫ن الملَ َ‬
‫ك يكتب كل شيء حتى الشــياء الــتي ل تؤاخــذ بهــا‪ ،‬قــال‬
‫الية عامة‪ ،‬فإ ّ‬
‫بعض السلف‪ :‬يكتب حتى أنين المريض‪ ،‬يعني حــتى مــا ل يؤاخــذ بــه فــإنه‬
‫يكتبه‪ ،‬وهذا هو الراجح فـي أنـه يكتـب كـل شـيء‪ ،‬ول تختـص كتـابته بمـا فيـه‬
‫الثواب والعقاب‪ ،‬وذلك لدليلين‪:‬‬
‫ن َ‬
‫ل( هذه نكرة فــي ســياق النفــي‪ ،‬وســبقتها مــن‪،‬‬
‫♦ الول‪ :‬أن قوله ) ِ‬
‫م ْ‬
‫و ٍ‬
‫ق ْ‬
‫وهذا يدل على التنصيص الصــريح فــي العمــوم يعنــي‪ :‬الــذي ل يتخلــف معــه‬
‫ف َ‬
‫ف ُ‬
‫ن َ‬
‫ظ فإنه يكتب‪.‬‬
‫ما ي َل ْ ِ‬
‫ل( فأي قول ُل ِ‬
‫ظ ِ‬
‫م ْ‬
‫شيء من أفراده ألبته‪َ ) ،‬‬
‫و ٍ‬
‫ق ْ‬
‫♦ الدليل الثاني‪ :‬أن تقسيم ما يكتبه الملــك إلــى أنــه يكتــب مــا فيــه الثــواب‬
‫والعقاب‪ ،‬هذا ُيحتاج لـه‪ ،‬أن ُيثبــت أن الملَـك الــذي يكتــب عنــده التمييــز فــي‬
‫العمال ما بين ما فيه الثواب‪ ،‬وما ل ثواب فيه‪ ،‬والتمييز في النيــات وأعمــال‬
‫القلب والقوال التي تصدر عن أعمال القلوب وإلى آخره‪ ،‬قال شيخ الســلم‬
‫ابن تيمية في كتاب اليمان‪ :‬وهذا ل دليل عليه‪ ،‬يعني‪ :‬أن الملك يعلم ما يثاب‬
‫َ‬
‫م‬
‫عليه من القوال‪ ،‬وما ل يثاب عليه‪ ،‬وإنما الملك كاتب‪ ،‬كما قال جــل وعل(أ ْ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫وُر ُ ُ‬
‫م‬
‫وا ُ‬
‫سللّر ُ‬
‫ع ِ‬
‫سللُبو َ‬
‫ون َ ْ‬
‫م ُ‬
‫يَ ْ‬
‫ن أّنللا َل ن َ ْ‬
‫ح َ‬
‫ه ْ‬
‫ه ْ‬
‫ه ْ‬
‫سلل َ‬
‫م ب ََلللى َ‬
‫جلل َ‬
‫م َ‬
‫سلللَنا لللدَي ْ ِ‬
‫ما َ‬
‫ن)]النفطار‪ [11:‬إلخ‪ .‬دل هذا علــى أن تــرك‬
‫ي َك ْت ُُبو َ‬
‫كات ِِبي َ‬
‫ن)]الزخرف‪( ،[80:‬ك َِرا ً‬
‫ما ل يعني في القوال في القول لفظا أو سماعا أن هذا مما تعظم به درجــة‬
‫ق َ‬
‫َ‬
‫ف‬
‫العبد‪َ( .‬ل َ‬
‫وا ُ‬
‫خي َْر ِ‬
‫صلدَ َ ٍ‬
‫ر ِ‬
‫علُرو ٍ‬
‫م ْ‬
‫ن نَ ْ‬
‫م ْ‬
‫م ْ‬
‫و َ‬
‫نأ َ‬
‫م إ ِّل َ‬
‫ه ْ‬
‫مَر ب ِ َ‬
‫ةأ ْ‬
‫ج َ‬
‫في ك َِثي ٍ‬
‫َ‬
‫و إِ ْ َ‬
‫س)]النساء‪.[114:‬‬
‫ح ب َي ْ َ‬
‫أ ْ‬
‫ن الّنا ِ‬
‫صل ٍ‬
‫فلهذا يظهر من الحديث عند كــثيرين أن المــراد بــه كمــا ذكــرت القــول أو‬
‫السماع‪ ،‬فيدخل فيه إذن البحث عن أحوال ل تخصك‪ ،‬أو ل تعنيك في دينك‪ ،‬أو‬
‫وى وقــال‬
‫الحرص على معرفــة الخبــار‪ ،‬أخبــار فلن‪ ،‬وإيــش عمــل‪ ،‬وأيــش سـ ّ‬
‫وفعل‪ ،‬وخبره مع فلن‪ ،‬وأيش عندك مــن الخبــار‪ ،‬وأيــش قــال فلن‪ ،‬والنــاس‬
‫أيش عملوا‪ ،‬ونحو ذلك‪ ،‬فالهتمام بهذه الشياء بمــا ل يعنــي هــذا مخــالف لمــا‬

‫النووية‬
‫شرح الربعين‬
‫‪71‬‬

‫يدل عليه حسن السلم‪ ،‬فمن أدلة حسن السلم ترك ما ل يعني مــن فضــول‬
‫القوال‪ ،‬وفضول ما يسمع‪.‬‬
‫فــإذن هــذا الحــديث مــن أحــاديث الداب العظيمــة فينبغــي لنــا وجوبا أن‬
‫نحرص على حسن السلم؛ لن فيه من الفضل العظيم مــا فيــه‪ ،‬ومــن حســن‬
‫السلم أن نترك ما ل يعني من الكلم أو السماع‪ ،‬الكلم‪ ،‬السـئلة الـتي ليـس‬
‫لهــا داع‪ ،‬يــأتي يستفصــل‪ ،‬وتــارة مــع مــن هــو أكــبر منــه‪ ،‬أو مــن قــد يحــرج‬
‫باستفصاله‪ ،‬وتدقيق في السئلة‪ ،‬تجميع الخبار عن النــاس‪ ،‬وهــذا فَعَــل‪ ،‬وهــذا‬
‫ترك‪ ،‬وهذا ذهب‪ ،‬وهذا جاء إلى آخــره‪ ،‬والتحــدث بهــا‪ ،‬وتوســيع ذلــك هــذا كلــه‬
‫مذموم‪ ،‬ويسلب عن العبد حسن السلم إذا غلب عليه‪ ،‬ولهذا نقول‪ :‬فــي هــذا‬
‫الحديث وصية عظيمة فــي هــذا الدب العظيــم مــن المصــطفى عليــه الصــلة‬
‫والسلم؛ فإنّ من حسن إسلم المرء أن يترك ما ل يعنيه‪ ،‬ما ل يعنيه في دينه‪،‬‬
‫ما ل يعنيه في أمر دنياه‪ ،‬ما ل يعنيه من القوال‪ ،‬ومما يَسمع أو مما ل ُيســمع‪،‬‬
‫وأشباه ذلك‪ ،‬فإن في هــذا الثــر الصــالح لــه فــي صــلح قلبــه‪ ،‬وصــلح عملــه‪،‬‬
‫والناس يؤتون من كثرة ما يسمعون أو يتكلمون‪ ،‬ولهذا قال بعض السلف فــي‬
‫ف عليهــم العمــل‪،‬‬
‫أناس يُكثرون الكلم والحــديث مــع بعضــهم قــال‪ :‬هــؤلء خـ ّ‬
‫فأكثروا الكلم‪ ،‬وهذا مذموم أن نكثر الكلم بل عمــل‪ ،‬نجلــس مجــالس طويلـة‬
‫ملهــا‬
‫ساعة‪ ،‬ساعتين‪ ،‬ثلث في كلم مكّرر‪ ،‬وضار ل نفــع فيــه والواجبــات لــو تأ ّ‬
‫كثيرة‪ ،‬تجد أنه يتوسع في مباح‪ ،‬وربمــا كــان معــه بعــض الحــرام فــي القــوال‬
‫والعمال ويترك واجبات كثيرة‪ ،‬وهــذا ليــس مــن صــفة طلب العلــم‪ ،‬فطــالب‬
‫العلم يتحرى أن يكون عمله دائما فيما فيه نفعٌ له‪ ،‬يعني فيما يعنيه مما أُمر به‬
‫ث عليه‪ ،‬وأن يترك ما ل يعنيه من القوال والعمال الظاهرة‬
‫ح ّ‬
‫في الشريعة أو ُ‬
‫والباطنة‪.‬‬
‫هذا الحديث قال عنه النووي في آخــره )حديث حسللن رواه الترمللذي‬
‫وغيره هكذا(‪ ،‬وتحسينه من جهة كثرة طرقه‪ ،‬مــن كــثرة شــواهده‪ ،‬والراجــح‬
‫عند علماء العلل أنه مرسل‪ ،‬فقـد قــال أحمــد ويحيــى بـن معيـن وجماعـة‪ :‬إن‬
‫الصواب فيه أنه مرسل‪ ،‬ولكن له شواهد كثيرة قريب من لفظه؛ ولهذا حســنه‬
‫النووي رحمه الله وقال)حديث حسن‪ ،‬رواه الترمذي وغيــره هكــذا( فالصــواب‬
‫أنه حسن لغيره لشواهده‪.‬‬
‫‪‬‬
‫الحديث الثالث عشر ‪‬‬
‫ك ‪- ‬خادم رسول الله ‪ -‬عن الّنبي ‪ ‬قــال‪:‬‬
‫ن مال ٍ‬
‫سب ِ‬
‫عن أبي َحمزة َ أن ِ‬
‫ه ل ِن َ ْ‬
‫»ل َ ي ُ ْ‬
‫سلله «]رواه البخــاري و‬
‫ما ي ُ ِ‬
‫بل ِ‬
‫حّتى ي ُ ِ‬
‫ف ِ‬
‫ؤ ِ‬
‫ح ّ‬
‫م َ‬
‫م ُ‬
‫حب ّ ُ‬
‫خِيه َ‬
‫ن أحدُك ُ ْ‬
‫مسلم [‬
‫]الشرح[‬
‫هذا حديث أنس ‪ ‬وهو الحديث الثالث عشر مــن هــذه الحــاديث النوويــة‪.‬‬
‫ك ‪- ‬خادم رسول الله ‪ -‬عن الّنبي ‪ ‬قال‬
‫ن مال ٍ‬
‫سب ِ‬
‫قال)عن أبي َ حمزة َ أن ِ‬
‫ه ل ِن َ ْ‬
‫»ل َ ي ُ ْ‬
‫سه«(‬
‫ما ي ُ ِ‬
‫بل ِ‬
‫حّتى ي ُ ِ‬
‫ف ِ‬
‫ؤ ِ‬
‫ح ّ‬
‫م َ‬
‫م ُ‬
‫حب ُ ُ‬
‫خِيه َ‬
‫ن أحدُك ُ ْ‬
‫َ‬
‫)ل َ ي ُ ْ‬
‫ن مــا بعــدها مــأمور بــه فــي‬
‫ؤ ِ‬
‫م( هــذه الكلمــة تــدل علــى أ ّ‬
‫م ُ‬
‫ن أحدُك ُ ْ‬
‫الشريعة‪ ،‬إما أمر إيجاب أو أمر استحباب‪ ،‬ونفــي اليمــان هنــا قــال فيــه شــيخ‬
‫السلم ابن تيمية في كتــاب اليمــان كمــا أحضــرنيه بعــض الخــوة )ل َ ي ُ ْ‬
‫ن‬
‫ؤ ِ‬
‫م ُ‬
‫َ‬
‫في اليمان بفعل دل علــى‬
‫م( أن هذا نفي لكمال اليمان الواجب‪ ،‬فإذا ن ُ ِ‬
‫أحدُك ُ ْ‬

‫الشيخ العلمة صالح بن عبد العزيز بن محمد آل الشيخ‬

‫‪72‬‬

‫َ‬
‫وجوبه‪ ،‬يعني على وجوب مــا نفــي اليمــان لجلــه‪) ،‬ل َ ي ُ ْ‬
‫حّتلى‬
‫ؤ ِ‬
‫م َ‬
‫م ُ‬
‫ن أحلدُك ُ ْ‬
‫ه ل ِن َ ْ‬
‫سه( دل على أن محبة المرء لخيه ما يحب لنفسه‬
‫ما ي ُ ِ‬
‫بل ِ‬
‫يُ ِ‬
‫ف ِ‬
‫ح ّ‬
‫حب ّ ُ‬
‫خِيه َ‬
‫واجبة‪ ،‬قال‪ :‬لن نفي اليمان ل يكون لنفي شيء مستحب‪ ،‬فمن ترك مستحبا‬
‫ل ُينفي عنه اليمان‪ ،‬فنفي اليمان دال على أن هذا المــر واجــب‪ ،‬فيكــون إذا ً‬
‫ي لكماله الواجب‪ ،‬فيد ّ‬
‫ل على أن المــر المــذكور‪ ،‬والمعل ّــق بــه‬
‫نفي اليمان نف ٌ‬
‫النفي يد ّ‬
‫ل على أّنه واجب‪.‬‬
‫َ‬
‫إذا تقرر هذا فقوله هنــا )ل َ ي ُ ْ‬
‫حت ّللى( لــه نظــائر كــثيرة فــي‬
‫ؤ ِ‬
‫م َ‬
‫م َ‬
‫ن أحلدُك ُ ْ‬
‫الشريعة يعني في السنة »ل يؤمن أحدكم حتى أكللون أحللب إليلله مللن‬
‫َ‬
‫والده وولده والناس أجمعين«‪) ،‬ل َ ي ُ ْ‬
‫خي ِلله‬
‫بل ِ‬
‫حت ّللى ي ُ ِ‬
‫ؤ ِ‬
‫حل ّ‬
‫م َ‬
‫م ُ‬
‫ن أحدُك ُ ْ‬
‫ه ل ِن َ ْ‬
‫سه(‪» ،‬ل يؤمن مللن ل يللأمن جللاره بللوائقه« وهكــذا‪ ،‬إذا‬
‫ما ي ُ ِ‬
‫ف ِ‬
‫حب ّ ُ‬
‫َ‬
‫تقرر ذلك فإن نفي اليمان فيها على باب واحد‪ ،‬وهو أنه ينفــي كمــال اليمــان‬
‫الواجب‪.‬‬
‫ه ل ِن َ ْ‬
‫سله( هــذا‬
‫ما ي ُ ِ‬
‫بل ِ‬
‫حّتى ي ُ ِ‬
‫ف ِ‬
‫ح ّ‬
‫ثم قوله عليه الصلة والسلم ) َ‬
‫حب ّ ُ‬
‫خِيه َ‬
‫يشمل العتقاد والقــول والعمــل‪ ،‬يعنــي يشــمل جميــع العمــال الصــالحة مــن‬
‫ه ل ِن َ ْ‬
‫سه(‬
‫ما ي ُ ِ‬
‫بل ِ‬
‫حّتى ي ُ ِ‬
‫ف ِ‬
‫ح ّ‬
‫القوال والعتقادات والفعال‪ ،‬فقوله‪َ ) :‬‬
‫حب ّ ُ‬
‫خِيه َ‬
‫يشــمل أن يحــب لخيــه أن يعتقــد العتقــاد الحســن كاعتقــاده‪ ،‬وهــذا واجــب‪،‬‬
‫ويشمل أن يحب لخيه أن يكون مصليا كفعله‪.‬‬
‫فلو أحب لخيه أن يكون على غير الهداية فإنه ارتكب محرمــا فــانتفى عنــه‬
‫كمال اليمان الواجب‪ ،‬لو أحب أن يكون فلن مــن النــاس علــى غيــر العتقــاد‬
‫الصحيح الموافق للسنة‪ ،‬يعني على اعتقاد بدعي فإنه كذلك ينفــي عنــه كمــال‬
‫اليمــان الــواجب‪ ،‬وهكــذا فــي ســائر العبــادات‪ ،‬وفــي ســائر أنــواع اجتنــاب‬
‫المحرمات‪ ،‬فــإذا أحــب لنفســه أن يــترك الرشــوة‪ ،‬وأحــب لخيــه أن يقــع فــي‬
‫الرشوة حــتى يــبرز هــو كــان منفيــا عنــه كمــال اليمــان الــواجب‪ ،‬وهكــذا فــي‬
‫نظائرهما‪.‬‬
‫وقد جاء في النسائي؛ يعني في سنن النسائي وفي غيره تقييد ما يحب هنا‬
‫ه ل ِن َ ْ‬
‫ن الخَي ْللر«‬
‫سه ِ‬
‫ما ي ُ ِ‬
‫بل ِ‬
‫حّتى ي ُ ِ‬
‫ف ِ‬
‫ح ّ‬
‫بما هو معلوم‪ ،‬وهو قوله » َ‬
‫م َ‬
‫حب ّ ُ‬
‫خِيه َ‬
‫وهذا ظاهر غير بين‪ ،‬ولكن التنصيص عليه واضح‪.‬‬
‫أما أمور الدنيا فإن محبة الخير لخيه كما يحــب لنفســه هــذا مســتحب؛ لن‬
‫اليثار بها مستحب‪ ،‬وليس بواجب‪ ،‬فيحب لخيه أن يكون ذا مال مثل ما يحــب‬
‫لنفسه‪ ،‬هذا مستحب‪ ،‬يحب لخيه أن يكون ذا وجاهة مثل ما له‪ ،‬هذا مستحب‪،‬‬
‫يعني لو فرط فيه لم يكن منفيا عنه‪ ،‬لم يكن كمال اليمان الواجب منفيا عنه؛‬
‫لن هذه الفعال مستحبة‪.‬‬
‫فإذن صار المقام هنا على درجتين‪:‬‬
‫‪ .1‬إذا كان ما يحبّه لنفسه متعلقا بأمور الدين فهذا واجب أن يحــب لخــوانه‬
‫َ‬
‫ما يحب لنفسه‪ ،‬وهذا هو الذي تسلط نفي اليمان عليه‪) ،‬ل َ ي ُ ْ‬
‫م‬
‫ؤ ِ‬
‫م ُ‬
‫ن أحدُك ُ ْ‬
‫ه ل ِن َ ْ‬
‫سه( يعني من أمور الــدين أو مــن المــور‬
‫ما ي ُ ِ‬
‫بل ِ‬
‫حّتى ي ُ ِ‬
‫ف ِ‬
‫ح ّ‬
‫َ‬
‫حب ّ ُ‬
‫خِيه َ‬
‫التي يرغب فيها الشارع وأمر بها أمر إيجــاب أو أمــر اســتحباب وكــذلك مــا‬
‫نهى عنه الشارع‪ ،‬فيحب لخيه أن ينتهــي عــن المحرمــات ويحــب لخيــه أن‬
‫يأتي الواجبات‪ ،‬هذا لو لم يحب لنتفى عنه كمال اليمان الواجب‪.‬‬
‫‪ .2‬أما أمور الدنيا كما ذكرنا فإنها على الستحباب يحــب لخيــه أن يكــون ذا‬
‫سعة في الرزق فهذا مستحب‪ ،‬يحب أن يكون لخيه مثل ما لــه مــن الجــاه‬

‫النووية‬
‫شرح الربعين‬
‫‪73‬‬

‫مثل‪ ،‬أو من المال‪ ،‬أو من حسن الترتيب‪ ،‬أو من الكتب أو إلى آخــره‪ ،‬فهــذا‬
‫كله راجع إلى الستحباب‪.‬‬
‫ويتفرع عن هذا مسألة اليثار‪ ،‬واليثار منقسم إلى قسمين‪ :‬إيثــار بــالقرب‪،‬‬
‫وإيثار بأمور الدنيا‪.‬‬
‫‪ .1‬أما اليثار بالقرب فإنه مكروه لنه يخالف ما أمرنا به من المســابقة فــي‬
‫ساب ِ ُ‬
‫ن‬
‫م ْ‬
‫غ ِ‬
‫ة ِ‬
‫فلَر ٍ‬
‫الخيرات والمســارعة فــي أبــواب الطاعــات( َ‬
‫مل ْ‬
‫قوا إ ِل َللى َ‬
‫عوا إ َِلى)]آل عمــران‪ ،[133:‬فالمسارعة والمســابقة‬
‫ر ُ‬
‫و َ‬
‫َرب ّك ُ ْ‬
‫م)]الحديد‪َ ( ،[21:‬‬
‫سا ِ‬
‫تقتضي أن كل باب مــن أبــواب الخيــر يســارع إليــه المســلم ويســبق أخــاه‬
‫في ذَل ِ َ‬
‫فل ْي َت ََنا َ‬
‫ك َ‬
‫ن)]المطففين‪.[26:‬‬
‫مت ََنا ِ‬
‫و ِ‬
‫سو َ‬
‫ف ُ‬
‫س ال ْ ُ‬
‫ف ْ‬
‫إليه( َ‬
‫‪ .2‬والقسم الثاني اليثار في أمور الدنيا يعني‪ :‬في الطعام في الملبس فــي‬
‫المركب في التصدر في مجلس أو مــا أشــبه ذلــك فهــذا مســتحب أن يــؤثر‬
‫أخـــاه فـــي أمـــور الـــدنيا‪ ،‬كمـــا قـــال جـــل وعل فـــي وصـــف خاصـــة‬
‫و َ‬
‫عَلى أ َن ْ ُ‬
‫وي ُ ْ‬
‫ق‬
‫م َ‬
‫ن َ‬
‫ص ٌ‬
‫ن ُيو َ‬
‫ف ِ‬
‫كا َ‬
‫ؤث ُِرو َ‬
‫م ْ‬
‫و َ‬
‫ه ْ‬
‫ه ْ‬
‫صا َ‬
‫خ َ‬
‫ة َ‬
‫ول َ ْ‬
‫م َ‬
‫المؤمنين( َ‬
‫ن بِ ِ‬
‫س ِ‬
‫ُ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫ولئ ِ َ‬
‫م ْ‬
‫ه َ‬
‫ح نَ ْ‬
‫ُ‬
‫ن)]الحشــر‪ ،[9:‬فــدلت اليــة علــى أن‬
‫ك ُ‬
‫س ِ‬
‫ف ِ‬
‫حللو َ‬
‫فل ِ ُ‬
‫ش ّ‬
‫م ال ُ‬
‫هل ْ‬
‫فلأ ْ‬
‫اليثار بأمور الدنيا من صفات المؤمنين وهذا يدل على استحبابه‪.‬‬
‫َ‬
‫صلة هذا بالحديث‪ ،‬قال )ل َ ي ُ ْ‬
‫ه‬
‫مللا ي ُ ِ‬
‫بل ِ‬
‫حّتى ي ُ ِ‬
‫ؤ ِ‬
‫حل ّ‬
‫م َ‬
‫م َ‬
‫حب ُل ُ‬
‫خي ِلله َ‬
‫ن أحدُك ُ ْ‬
‫ل ِن َ ْ‬
‫سه( يحب للخ ما يحب للنفس‪ ،‬قد يقتضي هذا أن يقــدمه‪ ،‬فهــل إذا كــان‬
‫ف ِ‬
‫في أمور الدنيا يقدمه؟ على ما ذكرنــا أن اليثــار بــالقرب مكــروه‪ ،‬اليثــار فــي‬
‫أمور الدنيا مستحب فحبه لخيه ما يحب لنفسه من أمور الــدنيا مســتحب هنــا‬
‫أيضا‪ ،‬يستحب أن يقدم أخاه على نفسه في أمور الدنيا‪.‬‬
‫هذا خلصة ما في الحديث من البحث‪ ،‬وبهذا يظهر ضابط قـــوله )ل َ ي ُ ْ‬
‫ن‬
‫ؤ ِ‬
‫م ُ‬
‫َ‬
‫خِيه(‪» ،‬حتى أكون أحللب‬
‫بل ِ‬
‫حّتى ي ُ ِ‬
‫ح ّ‬
‫م( وما يتصل بها من الفعل ) َ‬
‫أحدُك ُ ْ‬
‫إليه من ولده‪ ،‬ووالده‪ ،‬والناس أجمعين« لنّ هذا أمـر مطلـوب شـرعا‪،‬‬
‫»من ل يأمن جاره بوائقه« إلى آخره‪.‬‬
‫نكتفي بهذا القدر‪ .‬وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد‪.‬‬
‫بسم الله الرحمن الرحيم‪ ،‬الحمد لله‪ ،‬والصــلة والســلم علــى رسـول اللــه‪،‬‬
‫وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهداه‪ ،‬أما بعد‪:‬‬
‫فكثر السؤال بعد درس البارحة عن معنى )اليثار بللال ُ‬
‫قَرب(‪ ،‬وأنــا ظننــت‬
‫أنها واضحة عند الجميع فنكّررها لمن لم تتضح له‪.‬‬
‫اليثار بالقَُرب معناه أن المسألة إذا كانت قربة إلى اللــه جــل وعل فــإن‬
‫اليثار إيثار أخيك بها مكروه؛ لن هذا ينافي المسابقة الــتي ذكرنــا لكــم أدلتهــا‬
‫والمسارعة في الخيرات والمنافسة‪.‬‬
‫فمثل أن يكون هناك فرجة في الصف الول‪ ،‬أو مكان متقــدم خلــف المــام‬
‫فتقف أنت وأخوك المسـلم فتقـول لـه‪ :‬تقـدم‪ ،‬تفضـل‪ ،‬فيقـول لـك‪ :‬ل‪ ،‬تقـدم‬
‫فتقول‪ :‬تقدم‪ ،‬فمثل هذا ل ينبغي؛ لنه مكروه بل ينبغي المسارعة في تحصيل‬
‫هذه القربة‪ ،‬وهي فضيلة الصف الول‪.‬‬
‫مثل أتى رجل محتاج إلى مبلغ من المال يسد عوزه‪ ،‬خمسين‪ ،‬مــائة ريــال‪،‬‬
‫أكثر‪ ،‬فأنت مقتدر وأخوك أيضا المسلم مقتدر فتقول له‪ :‬ســاعده أنــا معطيــك‬
‫الفرصة‪ ،‬تفضل ساعده‪ ،‬وهذا يقول‪ :‬ل أنت تفضل من باب المحبـة‪ ،‬يعنـي‪ :‬أن‬
‫كل واحد يقدم أخــاه‪ ،‬فمثــل هــذا أيضــا مكــروه ل ينبغــي؛ لن فــي هــذا البــاب‬
‫المسارعة والمسابقة في الخيرات‪.‬‬

‫الشيخ العلمة صالح بن عبد العزيز بن محمد آل الشيخ‬

‫‪74‬‬

‫كذلك من جهة القــراءة‪ ،‬قــراءة العلــم علــى الشــياخ‪ ،‬وأخــذ الفــرص لنيــل‬
‫الطاعات‪ ،‬والجهاد وأشباه هذا‪ ،‬فمثل هذه المسائل تسمى قَُربا يعني طاعات‪،‬‬
‫فاليثار في الطاعات يعني بـالقرب ل ينبغــي‪ ،‬مكـروه؛ لنـه كمـا ذكرنـا ينـافي‬
‫المر بالمسارعة والمسابقة‪ ،‬والتنافس في الخير‪.‬‬
‫‪‬‬
‫الحديث الرابع عشر ‪‬‬
‫ح ُ‬
‫ئ‬
‫وعن ابن مسعود ٍ ‪ ‬قــال‪ :‬قــال رســول اللــه ‪» :‬ل َ ي َ ِ‬
‫ل دَ ُ‬
‫م امللر ٍ‬
‫ر ُ‬
‫س ب ِللالن ّ ْ‬
‫والن ّ ْ‬
‫ك‬
‫حدى ث َل َ ٍ‬
‫ث‪ :‬الث ّي ْ ُ‬
‫سل ِم ٍ إ ِل ّ ب ِإ ِ ْ‬
‫م ْ‬
‫ُ‬
‫فل ُ‬
‫س‪َ ،‬‬
‫ب الّزاِني‪َ ،‬‬
‫والت ّللا ِ‬
‫ف ِ‬
‫ْ‬
‫م َ‬
‫ة« ]رواه البخاري ومسلم[‬
‫ما َ‬
‫ع ِ‬
‫دين ِ ِ‬
‫لِ ِ‬
‫رقُ ِلل َ‬
‫ج َ‬
‫ه ال ُ‬
‫فا ِ‬
‫]الشرح[‬
‫هذا الحديث حديث ابن مسعود ‪ ‬فيه ذكر ما به يحــل دم المــرء المســلم‪،‬‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫ن أُ َ‬
‫حّتللى ي َ ْ‬
‫قات ِ َ‬
‫ن‬
‫فإنه تقدم لنا قول النبي ‪» ‬أ ِ‬
‫دوا أ ْ‬
‫تأ ْ‬
‫ه ُ‬
‫س َ‬
‫مْر ُ‬
‫شلل َ‬
‫ل الّنا َ‬
‫مللوا ال َّ‬
‫وي ُ ْ‬
‫سللو ُ‬
‫ؤت ُللوا‬
‫صلل َ َ‬
‫وأ ّ‬
‫مل ً‬
‫م َ‬
‫دا َر ُ‬
‫وُيقي ُ‬
‫ح َ‬
‫ن ُ‬
‫ة‪َ ،‬‬
‫ل الللله‪َ ،‬‬
‫ل َ إ َِله إ َل ّ الله‪َ ،‬‬
‫هم َ‬
‫الّز َ‬
‫عُلوا ذَل ِ َ‬
‫ن َ‬
‫ق‬
‫كا َ‬
‫ك َ‬
‫ة‪ ،‬فإ ِ ْ‬
‫م إ ِل ّ ب ِ َ‬
‫ف َ‬
‫وا ل َ ُ‬
‫حل ّ‬
‫هل ْ‬
‫وأ ْ‬
‫ي ِد َ‬
‫ص ُ‬
‫ع َ‬
‫مل َ‬
‫ما ء ُ ْ َ‬
‫موا من ّ‬
‫ال ْ َ‬
‫عل َللى الللله ‪ ،«‬فهــذا الحــديث فيــه أن دم المســلم‬
‫م َ‬
‫و ِ‬
‫ساب ُ ُ‬
‫ح َ‬
‫ه ْ‬
‫م‪َ ،‬‬
‫سل ِ‬
‫معصوم‪ ،‬وأنه إذا شهد ل إله إل اللــه‪ ،‬وأقــام الصــلة وآتــى الزكــاة‪ ،‬يعنــي أدّى‬
‫حقوق التوحيد فإنه معصوم الدم‪ ،‬وحرام المال‪.‬‬
‫هذا الحديث ‪-‬حديث ابن مسعود‪ -‬فيــه الحــوال الــتي يبــاح بهــا دم المســلم‬
‫الموحد‪ ،‬الذي شهد أن ل إله إل الله‪ ،‬وأن محمــدا رســول اللــه‪ ،‬وأتــى بحقــوق‬
‫سلل ِم ٍ( وقــوله )ل َ‬
‫ح ُ‬
‫ذلك‪ ،‬فقال عليــه الصــلة والســلم )ل َ ي َ ِ‬
‫ل دَ ُ‬
‫م ْ‬
‫م امللر ٍ‬
‫ئ ُ‬
‫ح ُ‬
‫ل( يعني يحرم‪ ،‬وهو كبيرة من الكبائر أن يباح دم مسلم بغيــر حــق؛ ولهــذا‬
‫يَ ِ‬
‫ثبت عنه عليه الصلة والسلم أنه قــال »ل ترجعوا بعللدي كفللارا يضللرب‬
‫بعضكم أعناق بعض« فجعل ضرب المسلم أخاه المسلم‪ ،‬وقتلَه بغيــر حــق‬
‫من خصال أهل الكفر‪ ،‬وثبت عنــه أيضــا عليــه الصــلة والســلم أنــه قــال »إذا‬
‫التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول فللي النللار‪ ،‬قللالوا‪:‬‬
‫يا رسول الله! هذا القاتل فما بال المقتول؟ قال‪ :‬إنه كان حريصا‬
‫على قتل صاحبه« وهذا يدلّ على أن من ســعى فــي قتــل المســلم‪ ،‬وأتــى‬
‫بالسباب التي بها يقتل المسلم فإنه في النار‪ ،‬قال‪» :‬فالقاتللل والمقتللول‬
‫في النار« وهذا ل ينافي عدم المؤاخذة‪ ،‬مؤاخذة المسلم بهمّه‪ ،‬وما جاء في‬
‫م عبدي بالسيئة فل تكتبوها عليه« والحديث الخر أيضــا‬
‫الحديث »إذا َ‬
‫ه ّ‬
‫الذي في الصحيح »إن الله تجاوز لمتي ما حدثت به أنفسها‪ ،‬مللا لللم‬
‫تعمل أو تتكلم«؛ لنّ هــذا الحــديث الــذي هــو »القاتل والمقتللول فللي‬
‫ن لم يفعل فهو في النار؛ لنه قد سعى في السباب‪ ،‬وعدم‬
‫النار« المقتول وإ ْ‬
‫الحصول لم يكن لرادته عدم الحصول‪ ،‬وإنمـا لتخلـف ذلـك عنــه بـأمر قـدري‪،‬‬
‫فيدل هذا على أنّ من سعى في أسباب القتل‪ ،‬أو في أسباب المحّرم‪ ،‬وتمكن‬
‫منها لكن تخلفت عنه لسبب ليس إليه فإنه ُيعتبر كفاعلها من جهــة الثــم‪ ،‬بــل‬
‫ن الذي يرضى بالذنب كالــذي فعلـه يعنــي مـن جهـة الثـم‪ ،‬وهــذا ظـاهر مـن‬
‫إ ّ‬
‫س لل ِم ٍ إ ِل ّ‬
‫ح ّ‬
‫الدلــة‪ ،‬فقــوله عليــه الصــلة والســلم هنــا )ل َ ي َ ِ‬
‫ل دَ ُ‬
‫م ْ‬
‫م امللر ٍ‬
‫ئ ُ‬
‫ئ‬
‫حدى ث َل َ ٍ‬
‫ب ِإ ِ ْ‬
‫ث( يدل على تعظيم حرمة دم المرء المسلم‪ ،‬وقــوله )دَ ُ‬
‫م امللر ٍ‬
‫سل ِم ٍ(‪ ،‬والمقصود بالمسلم هو الذي حقق السلم‪ ،‬يعنــي‬
‫م ْ‬
‫م ْ‬
‫سل ِم ٍ( هنا قال ) ُ‬
‫ُ‬
‫أصبح مسلما على الحقيقة‪ ،‬ل على الدعوة‪ ،‬يعني من شــهد أن ل إلــه إل اللــه‪،‬‬

‫النووية‬
‫شرح الربعين‬
‫‪75‬‬

‫وأن محمدا رسول الله‪ ،‬وأتى بالتوحيد‪ ،‬أما المشرك الشــرك الكــبر والمبتــدع‬
‫البدعة المكفرة المخرجة من الدين وأشباه ذلك فل يدخلوا في وصف السلم‬
‫في هذا الحديث‪ ،‬ول في غيــره؛ لن المســلم هــو مــن حقــق الســلم بتحقيــق‬
‫التوحيد؛ يعني بإتيانه بالشهادتين ومقتضى ذلك‪ ،‬وكونه لــم يرتكــب مكفــرا‪ ،‬ول‬
‫ث( وهذا استثناء أو يسمى حصرا؛ لنه استثناء‬
‫حدى ث َل َ ٍ‬
‫شركا أكبر‪ ،‬قال)إ ِل ّ ب ِإ ِ ْ‬
‫بعد النفي‪ ،‬والستثناء بعد النفي يدل على الحصر‪ ،‬وقوله عليه الصلة والسلم‬
‫ح ّ‬
‫ل( أتــى علــى النفــي‪ ،‬ومجيــء النفــي يــدل علــى النهــي‪ ،‬بــل‬
‫في أولها )ل َ ي َ ِ‬
‫مجيء النفي أبلغ من مجرد النهي‪ ،‬يعني كأنه صار حقيقة ماضية‪ ،‬أنــه ل يحــلّ‪،‬‬
‫بحيث إن النهي عنه قد تقرر‪ ،‬وإنما ينفي وجوده في الشريعة أصل‪ ،‬وله نظائر‬
‫ن)]الواقعة‪ [79:‬وأشباه ذلك مما يعــدل فيــه مــن‬
‫هُرو َ‬
‫مط َ ّ‬
‫م ّ‬
‫ه إ ِّل ال ْ ُ‬
‫س ُ‬
‫كقوله(َل ي َ َ‬
‫النهي إلى النفي للمبالغة في النهــي‪ ،‬وهــذه قاعــدة معروفــة فــي اللغــة وفــي‬
‫أصول الفقه‪.‬‬
‫ب الّزان ِللي(‪،‬‬
‫حدى ث َل َ ٍ‬
‫ث( هــذه الثلث أصــول‪ ،‬قــال فيهــا)الث ّي ْ ُ‬
‫قال )إ ِل ّ ب ِإ ِ ْ‬
‫والزاني له حالن‪ :‬إما أن يكون ثيبا‪ ،‬يعني أنه قد ذاق العُسيلة من قبــل‪ ،‬يعنــي‬
‫أنه سبق له أن أحصن أن تزوج بعقد شرعي صـحيح‪ ،‬فهـذا يقـال لـه ثيـب‪ ،‬إذا‬
‫كان كذلك‪ ،‬فإنه ل يكون ثيبا بزنا‪ ،‬ول يكون ثيبا بعقد فاسد باطل‪ ،‬ول يكون ثيبا‬
‫بعقد متعة‪ ،‬متعة زواج وأشباه ذلك‪ ،‬ل يكــون محصــنا ثيبــا فــي الشــريعة إل إذا‬
‫تزوج؛ نكح نكاحا صحيحا مستوفيا للشروط‪ ،‬فالثيب إذا زنــى فــإنه يحــل دمــه‪،‬‬
‫ّ‬
‫وقــد كــان فيمــا أنــزل ونســخ لفظــه وبقــى حكمــه قــوله جــل وعل )والشيخ‬
‫والشلليخة إذا زنيللا فارجموهمللا ألبتللة نكللال مللن الللله والللله عزيللز‬
‫والّزان ِللي‬
‫حكيم(‪ ،‬وفيمــا بقــي لفظــا وحكمــا قــول اللــه جــل وعل(الّزان ِي َل ُ‬
‫ة َ‬
‫َ‬
‫دوا ك ُ ّ‬
‫ة)]النور‪ ،[2:‬فدلت الية علــى عمــوم أن‬
‫مائ َ َ‬
‫وا ِ‬
‫جل ْدَ ٍ‬
‫ما ِ‬
‫د ِ‬
‫ح ٍ‬
‫ة َ‬
‫جل ِ ُ‬
‫فا ْ‬
‫من ْ ُ‬
‫ه َ‬
‫ل َ‬
‫الزاني يُجلد مائة‪ ،‬ودلت الية التي نسخ لفظها وبقي حكمها أنه يُرجم‪ ،‬وكــذلك‬
‫السنة دلت على الرجم‪ ،‬ودلت أيضــا علــى الجمــع بيــن الجلــد والرجــم؛ ولهــذا‬
‫اختلف العلماء في الزاني الثيّب هل يجمع له بيــن الجلــد والرجــم؟ يعنــي هــل‬
‫يجلد أول ثم يرجم؟ أم يكتفى فيه بالرجم؟ والنبي عليه الصلة والســلم رجــم‬
‫أو أمر برجم ماعز والغامدية‪ ،‬وأمر برجم اليهودي واليهودية‪ ،‬وأشباه ذلــك فــي‬
‫حوادث تدل على أن الرجم فُعل من غير جلد‪ ،‬وقد قال بعض أهــل العلــم مــن‬
‫الصحابة فمن بعدهم كعلي ‪ ‬إنه يجلد ثم يرجم‪ ،‬كما ثبت في صحيح البخاري‬
‫رحمه الله أن عليا جَل َد َ زانيا ثيبا ثم رجمه فقــال‪ :‬جلــدته بكتــاب اللــه ورجمتــه‬
‫دوا ُ‬
‫‪ -‬أّنه جلده بعموم قوله جل وعل ) َ‬
‫كلل ّ‬
‫ل‬
‫بسنة رسول الله ‪ ،‬يريد ‪-‬‬
‫جل ِ ُ‬
‫فا ْ‬
‫ة( لن الية ليس فيها تفصيل هل هو محصن أم غيــر‬
‫مائ َ َ‬
‫وا ِ‬
‫جل ْدَ ٍ‬
‫ما ِ‬
‫د ِ‬
‫ح ٍ‬
‫ة َ‬
‫من ْ ُ‬
‫ه َ‬
‫َ‬
‫محصن؟ هل هو ثيّب أم بكر؟ والسنة فيهــا الرجــم‪ ،‬فــدل هــذا عنــده ‪ ‬علــى‬
‫الجمع بين الجلد والرجم‪ ،‬وهو رواية عن المام أحمــد‪ ،‬وكــثير مــن أهــل العلــم‬
‫على الكتفاء بالرجم؛ لن النبي ‪ ‬اكتفى بالرجم فــي حــوادث كــثيرة‪ ،‬أو فــي‬
‫حوادث متعددة‪ ،‬حيث رجم ماعزا والغامدية‪ ،‬واليهودي واليهودية دون جلد كما‬
‫هو معروف‪.‬‬
‫فقال بعضهم‪ :‬الجمع بين الجلد والرجم راجع إلى المام فيما يراه من جهــة‬
‫كثرة النكال‪ ،‬والمبالغة فيه‪.‬‬
‫المقصود من هذا أنّ الثيب إذا زنى‪ ،‬وتحققت شروط الزنا كاملــة‪ ،‬بمــا هــو‬
‫معروف بشهادة أربعة‪ ،‬أو باعترافه على نفسه اعترافا محققا‪ ،‬ل يرجع فيه أنه‬

‫الشيخ العلمة صالح بن عبد العزيز بن محمد آل الشيخ‬

‫‪76‬‬

‫ب الّزاِني( يعني يحــل دمــه؛ يحــل دم‬
‫ُيرجم‪ ،‬وذلك حتى يموت‪ ،‬قال هنا )الث ّي ْ ُ‬
‫الثيب إذا زنى‪.‬‬
‫س ِبالن ّ ْ‬
‫والن ّ ْ‬
‫وك َت َب َْنلا‬
‫ف ُ‬
‫س( هــذه كمــا قــال جــل وعل فــي القــرآن( َ‬
‫قال ) َ‬
‫ف ِ‬
‫َ‬
‫س ِبالن ّ ْ‬
‫ن الن ّ ْ‬
‫ب‬
‫ف‬
‫َ‬
‫م ِ‬
‫ها أ ّ‬
‫س)]المــائدة‪ [45:‬وقال جل وعل أيضــا‪( :‬ك ُت ِل َ‬
‫عل َي ْ‬
‫في َ‬
‫ه ْ‬
‫ف َ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ُ‬
‫ْ‬
‫ْ‬
‫ْ‬
‫ْ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫فللي ال َ‬
‫والنث َللى‬
‫َ‬
‫ص ِ‬
‫م ال ِ‬
‫عب ْل ِ‬
‫عب ْلدُ ِبال َ‬
‫وال َ‬
‫ح لّر ب ِللال ُ‬
‫قت ْلللى ال ُ‬
‫علي ْك ُ ْ‬
‫صا ُ‬
‫ق َ‬
‫د َ‬
‫حّر َ‬
‫ُ‬
‫ِباْلنَثى)]البقرة‪ [178:‬الية‪ ،‬فدلّ ذلك على أن النفس تقتل بالنفس‪ ،‬فإذا اعتدى‬
‫أحد على نفس معصومة فإنه يقتل‪ ،‬إذا كــان اعتــداؤه بالقتــل عمــدا‪ ،‬ثــم نظــر‬
‫س ِبالن ّ ْ‬
‫أهل العلم في قوله )الن ّ ْ‬
‫س( هل هذا عام ل تخصيص فيــه؟ أو هــو‬
‫ف ُ‬
‫ف ِ‬
‫عام مخصوص؟ أو هو مقيد في أقوال لهم؟ والذي عليه جمهور أهل العلــم أن‬
‫س ِبالن ّ ْ‬
‫قوله )الن ّ ْ‬
‫س( هذا يقيد بأن النفــس تكــون مكــافئة للنفــس ِلدللــة‬
‫ف‬
‫ف ُ‬
‫ِ‬
‫د وا ْ ُ‬
‫لنث َللى‬
‫عب ْلدُ ِبال ْ َ‬
‫وال ْ َ‬
‫حّر ب ِللال ْ ُ‬
‫السنة على ذلك‪ ،‬كما قال جــل وعل)ال ْ ُ‬
‫عب ْل ِ َ‬
‫حّر َ‬
‫با ْ ُ‬
‫لنَثى(‪ (1).‬والسنة دلت علــى أن المســلم ل يقتــل بكــافر‪ ،‬وعلــى أن الحــر ل‬
‫ِ‬
‫يقتل بعبد‪ ،‬حتى في القصاص في الطراف بين الحر والعبد ل توجــد المكافــأة‬
‫وهكذا‪ ،‬فإذن ل بد من وجود المكافأة من جهة الدين‪ ،‬ومن جهة الحرية فقــوله‬
‫س ِبالن ّ ْ‬
‫عليه الصلة والسلم هنا)الن ّ ْ‬
‫س( يعني فيمــا دلــت عليــه اليــة آيــة‬
‫ف ُ‬
‫ف ِ‬
‫البقرة ودلت عليه مواضعها من السنة أن النفس المكــافئة للنفــس‪ ،‬أمــا قتــل‬
‫كل نفس بكل نفس فهــذا خلف الســنة‪ ،‬وذهــب أبــو حنيفــة المــام المعــروف‬
‫وك َت َب َْنا َ َ‬
‫م‬
‫هل ْ‬
‫رحمه الله وأصحابُه إلى أن المسلم يقتل بالكافر لعموم الية( َ‬
‫علي ْ ِ‬
‫َ‬
‫س ِبالن ّ ْ‬
‫ن الن ّ ْ‬
‫س)]المائدة‪ [45:‬ولعموم الحديث‪ ،‬وعلى أن الحر يقتــل‬
‫ف‬
‫ِ‬
‫ها أ ّ‬
‫في َ‬
‫ف َ‬
‫ِ‬
‫ُ‬
‫خر فــي هــذا البــاب مــن أن النفــس‬
‫بالعبد‪ ،‬والجمهور على إعمال الحاديث ال َ‬
‫تقيد بما جاء في الحاديث‪ ،‬فيكون هذا من العام المخصوص‪.‬‬
‫بالنفس ُ ّ‬
‫ر ُ‬
‫ر ُ‬
‫م َ‬
‫ســرت‬
‫ما َ‬
‫دين ِ ِ‬
‫ك ل ِل ِ‬
‫عل ِ‬
‫دين ِ ِ‬
‫ك لِ ِ‬
‫رقُ ِلل َ‬
‫ه( ُف ّ‬
‫ج َ‬
‫ه ال ْ ُ‬
‫قال ) َ‬
‫ة(‪) ،‬الت ّللا ِ‬
‫فللا ِ‬
‫والّتا ِ‬
‫بتفسيرين‪:‬‬
‫الول‪ :‬التارك لدينه يعني المرتد الذي تــرك دينــه كلــه فارتــد عــن‬
‫♦‬
‫الدين‪ ،‬فيباح دمه‪.‬‬
‫♦ والتفسير الثاني‪ :‬أن التارك للدين هو من ترك بعض الدين‪ ،‬مما فيــه‬
‫مفارقة للجماعة‪ ،‬يعني ترك بعض أمر الدين‪ ،‬مما فيه المفارقة للجماعة‪،‬‬
‫ر ُ‬
‫م َ‬
‫ه(‪ ،‬فقــال‬
‫ما َ‬
‫دين ِ ِ‬
‫ك لِل ِ‬
‫ع ِ‬
‫رقُ ِلل َ‬
‫ج َ‬
‫قالوا ولهذا عَطف )ال ْ ُ‬
‫ة( علــى )الّتا ِ‬
‫فا ِ‬
‫ر ُ‬
‫م َ‬
‫ة( فجعــل مفارقــة الجماعــة عطفــا‬
‫ما َ‬
‫ع ِ‬
‫دين ِ ِ‬
‫ك لِ ِ‬
‫رقُ ِلل َ‬
‫ج َ‬
‫ه ال ْ ُ‬
‫) َ‬
‫فا ِ‬
‫والّتا ِ‬
‫دين‪ ،‬فد ّ‬
‫ل هذا على أن إباحة الدم في ترك الد ّين يكون بترك‬
‫لبيان ترك ال ّ‬
‫الجماعة‪.‬‬
‫وترك الجماعة يراد بها‪:‬‬
‫‪ -1‬ترك الجماعة التي اجتمعت على الــدين الحــق بمفــارقته للــدين‪ ،‬وتركــه‬
‫للدين بما يكفره‪.‬‬
‫‪ -2‬والثاني‪-:‬يعني مفارق للجماعة‪ ،‬جماعة الدين أو الجتماع فــي الــدين‪ -‬أن‬
‫المفارقة للجماعة يعني بالخروج على المام‪ ،‬أو البغي‪.‬‬
‫فيكون المفارقة للجماعة المقصود بها الجتماع بالبدان‪.‬‬
‫وهنا تكلم العلماء في كــثير مــن المســائل الــتي تــدخل تحــت تــرك الــدين‪،‬‬
‫فجعلوا باب الردة فيه‪ ،‬أو باب حكــم المرتــد فيــه مســائل كــثيرة‪ ،‬فيهــا يخــرج‬
‫المرء من الدين‪ ،‬ويكون مرتدا بذلك‪ ،‬فكل مسألة حكم العلماء فيها علــى أنهــا‬
‫‪1‬‬

‫)( انتهى الوجه الول من الشريط الخامس‪.‬‬

‫النووية‬
‫شرح الربعين‬
‫‪77‬‬

‫من أسباب الردة‪ ،‬أو بهـا يرتــد المسـلم‪ ،‬فــإنه بعـد اكتمــال الشـروط‪ ،‬وانتفــاء‬
‫الموانع يحل دمه‪ ،‬يعني يحــل دم المرتــد‪ ،‬وكــذلك المفــارق للجماعــة بالبــدان‬
‫يحل دمه لقوله عليه الصــلة والســلم »من أتللاكم وأمركللم جميلع علللى‬
‫رجل واحد يريد أن يشق عصاكم فاقتلوه كائنا من كان«‪ ،‬فــدل هــذا‬
‫على أن ترك الجماعــة‪ ،‬ومفارقــة الجماعــة يحصــل بــترك الــدين‪ ،‬بــالردة عــن‬
‫الدين‪ ،‬وبمفارقة الجتماع على المام‪ ،‬وهذا ظاهر بين فــي تعليــة تــرك الــدين‬
‫بمفارقة الجماعة‪ ،‬ولهذا جعل أهل العلم في ترك الدين هذا كل المسائل التي‬
‫يقتل بها‪.‬‬
‫إذا تقرر هذا فإن إحلل الدم هذا متوجه إلى المام ‪-‬إمام المسلمين‪ ،-‬فــإنه‬
‫ل يجوز لحد أن يستبيح دم أحد؛ لنه عنده قد أتى بشيء من هذه الثلث‪ .‬فإذا‬
‫قال‪ :‬أنا رأيت هذا يزني‪ ،‬رأيته بعيني فاستبحت دمه لذلك فإنه يقتل‪ ،‬ول يجــوز‬
‫له؛ لن الله جل وعل جعل ثبوت الزنا منوطا بشهادة أربعة‪ ،‬ولو شهد ثلثة من‬
‫أعظم المسلمين صلحا علــى حصــول الزنــا‪ ،‬وأنهــم رأوا ذلــك بــأعينهم ل َـد ُرِئَ‬
‫مــل أربعــة‬
‫الح ّ‬
‫د‪ ،‬ولقيم على هؤلء الصلحاء حد القذف؛ لنهم قــذفوه‪ ،‬ولــم يَك ْ ُ‬
‫من الشهداء‪ ،‬كما هو بين لكم في أوائل سورة النور‪ ،‬كذلك من قال هــذا ارتــد‬
‫عن دينه فأنا أقيم عليه الحد وأقتله‪ ،‬وأبيح دمــه لجــل هــذا الحــديث فــإن هــذا‬
‫افتئات وتعد‪ ،‬ول يباح له أن يفعل ذلك‪ ،‬ودمه ل يحل لكل أحد‪.‬‬
‫ح ّ‬
‫حللدى‬
‫فإذن قوله عليه الصلة والسلم )ل َ ي َ ِ‬
‫سللل ِم ٍ إ ِل ّ ب ِإ ِ ْ‬
‫ل دَ ُ‬
‫م ْ‬
‫م امر ٍ‬
‫ئ ُ‬
‫ث( إحلله لولي المر أو لنوابه ممن جعل الله جل وعل إليهم إنفاذ الحــدود‬
‫ث َل َ ٍ‬
‫وقتل من يستحق القتل‪ ،‬أما لو جُعل هذا لكــل أحــد لصــار فــي ذلــك اســتباحة‬
‫عظيمة للدماء؛ إذْ المختلفون كثيرا ما يُكفّر أحــدهم الخــر إذا لــم يكونــوا مــن‬
‫أهل السنة والعتدال‪ ،‬فإذا قيل بظاهره ول قائل بــه فــإنه يعنــي أن مــن حكــم‬
‫على الخر بأنه كافر فإنه ينفذ ذلك‪.‬‬
‫ثم ها هنا مسألة متعلقة بذلك‪ :‬إذا كان في بلــد ل يوجــد إمــام أو ولــي أمــر‬
‫فذ الحكام‪ ،‬فهل للمسلم إذا ثبت عنده شــيء مــن ذلــك أن ينفــذ الحكــام ؟‬
‫ُين َ ّ‬
‫والجواب‪ :‬ل‪ ،‬كما هو قول عامة أهل العلم‪ ،‬إذ يُشترط لنفاذ الحكام التي فيها‬
‫استباحة للدم أو المال أو العراض‪ ،‬أو ما أشبه ذلك‪ ،‬هــذا إنمــا يكــون للمــام‪،‬‬
‫فإذا لم يوجد لم يجز لحد أن ينفذ هذا‪ ،‬إل في حالة واحدة وهــو أن يــأتي أحــد‬
‫دا فيما دون القتل يعني‬
‫إلى من يرى فيه العلم أو الصلح ويقول‪ :‬أنا ارتكبت ح ّ‬
‫ارتكبت زنا‪ ،‬وكان غير محصن أو قال‪ :‬شربت الخمر أو قذفت فلنــا فطهرنــي‬
‫بالجلد؛ يعني بما دون القتل فهذا ل بأس به عند كثير من أهل العلم؛ لن ّ إرادة‬
‫التطهير له‪ ،‬وإذا جلد فإن هذا له‪ ،‬وليس فيه استباحة الدم‪ ،‬أما استباحة الــدم‪،‬‬
‫ن يرضى بتطبيقهــا عليــه فــإنه ل يجــوز بقــول‬
‫أو تطبيق الحدود في غ َي ْرِ حال مَ ْ‬
‫عامة أهل العلم‪ ،‬فتلخص من هذا أن إقامة هذه الشياء راجعة إلى المام ولي‬
‫المر المسلم‪ ،‬أو من ينيبه‪.‬‬
‫والثاني‪ :‬أنه في بلد ل يوجد فيها من ينفذ أحكام اللــه جــل وعل فل يجــوز‬
‫إنفاذ أحكام القتل؛ لن هذه معلقة بولي المر المســلم‪ ،‬والنــبي ‪ ‬فــي مكــة‪،‬‬
‫والصحابة في بعــض البلد الــتي ل يقــام فيهــا‪ ،‬لــم يقيمــوا فيهــا ذلــك‪ ،‬وكــذلك‬
‫العلماء في بعض البلد كما كان في الدولة العبيدية‪ ،‬وأشباه ذلك فــإن العلمــاء‬
‫لم يقيموا الحدود بالقتل‪ ،‬وأشباه ذلك‪.‬‬

‫الشيخ العلمة صالح بن عبد العزيز بن محمد آل الشيخ‬

‫‪78‬‬

‫الحال الثالثة‪ :‬فيما دون القتل‪ ،‬يعني فيمــا فيــه تطهيــر بجلــد ونحــوه؛ إذا‬
‫اختار المسلم عالما وقال‪ :‬ط َّهرني بالجلد من ذلك‪ .‬فــإن ذلــك جــائز؛ لن هــذا‬
‫فيه حق له‪ ،‬ويريد التطهير ول يتعدى ضرره‪ ،‬وهذا عند بعض أهل العلم‪.‬‬
‫وآخرون يشترطون في الجميع إذن المام‪ ،‬أو وجود ولي المر المسلم‪.‬‬
‫‪ ‬‬
‫الحديث الخامس عشر ‪‬‬
‫ن َ‬
‫ن ي ُل ْ‬
‫ن بلا ِ لللله‬
‫ؤ ِ‬
‫كا َ‬
‫عــن أبــي هريــرة ‪‬أ ّ‬
‫م ُ‬
‫م ْ‬
‫ن رســول اللــه ‪ ‬قــال» َ‬
‫َ‬
‫فل ْي َ ُ‬
‫والي َللوم ِ الخللر‪َ :‬‬
‫ن ي ُل ْ‬
‫قل ْ‬
‫ن بلِالله‬
‫ل َ‬
‫ؤ ِ‬
‫ن ك َللا َ‬
‫م ْ‬
‫م ُ‬
‫مل ْ‬
‫و َ‬
‫صل ُ‬
‫خي ْلًرا أو ل ِي َ ْ‬
‫ت‪َ ،‬‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫ْ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫ر‪َ :‬‬
‫ن يُ ْ‬
‫ر‪:‬‬
‫وم ِ ال ِ‬
‫وم ِ ال ِ‬
‫ؤ ِ‬
‫ن كا َ‬
‫م َ‬
‫ر ْ‬
‫م ُ‬
‫م ْ‬
‫و َ‬
‫جاَر ُ‬
‫والَيلل ْ‬
‫ن ب ِللالله َ‬
‫ه‪َ ،‬‬
‫والي َ ْ‬
‫َ‬
‫خل ِ‬
‫فلي ُك ِ‬
‫خ ِ‬
‫ْ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ه « ]رواه البخاري ومسلم [‪.‬‬
‫م َ‬
‫ر ْ‬
‫ضي ْف ُ‬
‫فلي ُك ِ‬
‫]الشرح[‬
‫سن‬
‫هــذا الحــديث أدب مــن الداب العظيمــة‪ ،‬وهــو ص ِـن ْوُ حــديث » ِ‬
‫ن ُ‬
‫ح ْ‬
‫م ْ‬
‫مــة‪،‬‬
‫مْر ِ‬
‫عِني ِ‬
‫ما ل َ ي َ ْ‬
‫ه« مــن جهــة أنــه أصــل فــي الداب العا ّ‬
‫ه َ‬
‫ء‪ :‬ت َْرك ُ ُ‬
‫ِإسل َم ِ ال ْ َ‬
‫وهذا الحديث د ّ‬
‫ل على أن من صفات المؤمن بالله وباليوم الخر‪ ،‬الذي يخــاف‬
‫الله ويتّقيه‪ ،‬ويخاف ما يحصل له في اليوم الخر‪ ،‬ويرجــو أن يكــون ناجيــا فــي‬
‫أن من صفاته أنه يقول الخير أو يصمت‪ ،‬ومــن صــفاته أنــه يكــرم‬
‫اليوم الخر‪ّ ،‬‬
‫الجار‪ ،‬ومن صفاته أنه يكرم الضيف‪ ،‬ومن صفاته أنه يكرم الجــار‪ ،‬هــذا بعمــوم‬
‫ما دل عليه الحديث‪ ،‬الحديث دل على أن الحقوق منقسمة إلــى‪ :‬حقــوق للــه‪،‬‬
‫وحقوق للعباد‪.‬‬
‫وحقوق الله جل وعل مدارها على مراقبته‪ ،‬ومراقبة الحق جل وعل أعســر‬
‫ن َ‬
‫ن يُ ْ‬
‫ؤ ِ‬
‫كا َ‬
‫م ُ‬
‫م ْ‬
‫شيء أن تكون في اللسان‪ ،‬ولهذا نبّه بقوله ) َ‬
‫ن بِالله َ‬
‫والَيللوم ِ‬
‫َ‬
‫فل ْي َ ُ‬
‫الخر‪َ :‬‬
‫ق ْ‬
‫ت( علــى حقــوق اللــه جــل وعل‪ ،‬والــتي مــن‬
‫ل َ‬
‫م ْ‬
‫ص ُ‬
‫خي ًْرا أو ل ِي َ ْ‬
‫مَره ُ بأن يقول خيرا أو‬
‫أعسرها من حيث العمل والتطبيق حفظ اللسان‪ ،‬وهنا أَ َ‬
‫َ‬
‫متراخ في المرتبة عن قول الخير؛ لنه‪:‬‬
‫أن يصمت‪ ،‬فدل على أن الصمت َ‬
‫فل ْي َ ُ‬
‫♦ ابتدأ المَر بقــول الخيــر فقــال ) َ‬
‫ق ْ‬
‫خي ْلًرا( فهــذا هــو الختيــار‪ ،‬هــو‬
‫ل َ‬
‫المقدم أن يسعى في أن يقول الخير‪.‬‬
‫♦ والمرتبة الثانية أنه إذا لم يجد خيرا يقــوله أن يختــار الصــمت؛ وهــذا لن‬
‫ر‬
‫النسان محاسب على ما يتكلم به‪ ،‬وقد قال جل وعل (َل َ‬
‫خي َْر ِ‬
‫في ك َِثي ٍ‬
‫َ‬
‫ق َ‬
‫َ‬
‫و إِ ْ َ‬
‫ن‬
‫وا ُ‬
‫ص لدَ َ ٍ‬
‫ِ‬
‫ع لُرو ٍ‬
‫م ْ‬
‫ن نَ ْ‬
‫ح ب َي ْل َ‬
‫مل ْ‬
‫مل ْ‬
‫و َ‬
‫نأ َ‬
‫م إ ِّل َ‬
‫ه ْ‬
‫م لَر ب ِ َ‬
‫فأ ْ‬
‫ةأ ْ‬
‫جل َ‬
‫ص لل ٍ‬
‫س)]النساء‪.[114:‬‬
‫الّنا ِ‬
‫فل ْي َ ُ‬
‫فهذا الحديث فيه ) َ‬
‫ق ْ‬
‫خي ًْرا( وعلق هذا باليمــان بــالله واليــوم الخــر‪،‬‬
‫ل َ‬
‫ق َ‬
‫َ‬
‫وقَوْ ُ‬
‫و‬
‫ص لدَ َ ٍ‬
‫م ْ‬
‫نأ َ‬
‫ل الخير متعلق بالثلثة التي في آية النساء قال)إ ِّل َ‬
‫م لَر ب ِ َ‬
‫ةأ ْ‬
‫َ‬
‫و إِ ْ َ‬
‫س( فالصدقة واضــحة‪ ،‬والصــلح أيضــا واضــح‪،‬‬
‫عُرو ٍ‬
‫م ْ‬
‫ح ب َي ْ َ‬
‫َ‬
‫فأ ْ‬
‫ن الّنا ِ‬
‫صل ٍ‬
‫رف حســنه فــي الشــريعة‪ ،‬ويــدخل فــي ذلــك جميــع المــر‬
‫والمعروف هو ما ع ُ ِ‬
‫بالواجبات والمستحبات‪ ،‬وجميع النهــي عــن المحرمــات والمكروهــات‪ ،‬وتعليــم‬
‫العلم والمر بالمعروف‪ ،‬والنهي عن المنكر‪ ،‬إلى آخره‪.‬‬
‫فل ْي َ ُ‬
‫فــإذن قــوله عليــه الصــلة والســلم ) َ‬
‫ق ْ‬
‫خي ْلًرا( يعنــي‪ :‬فليقــل أمــرا‬
‫ل َ‬
‫بالصدقة‪ ،‬فليقل أمرا بالمعروف‪ ،‬فليقل بما فيه إصلح بين الناس‪ ،‬وغيــر هــذه‬
‫ليس فيها خير‪ ،‬ما خرج عن هذه فإنه ليس فيها خير‪ ،‬وقد تكون مــن المباحــة‪،‬‬
‫وقد تكون من المكروهة‪ ،‬وإذا كان كذلك فالختيار أن يصمت‪ ،‬وخاصة إذا كــان‬

‫النووية‬
‫شرح الربعين‬
‫‪79‬‬

‫في ذلك إحداث لصلح ذات البَْين‪ ،‬يعني أن يكون ما بينه وبين النــاس صــالحا‬
‫على جهة الستقامة بين المؤمنين الخوة‪.‬‬
‫ن ي ُل ْ‬
‫والي َللوم ِ الخللر‪:‬‬
‫ؤ ِ‬
‫ن ك َللا َ‬
‫م ُ‬
‫م ْ‬
‫قال عليه الصلة والسلم هنا ) َ‬
‫ن ب لِالله َ‬
‫َ‬
‫فل ْي َ ُ‬
‫َ‬
‫ق ْ‬
‫أن حفظ اللسان من الفضول بقــول الخيــر‪،‬‬
‫ت( يعني ّ‬
‫ل َ‬
‫م ْ‬
‫ص ُ‬
‫خي ًْرا أو ل ِي َ ْ‬
‫ن‬
‫أو بالصمت إن لم تجد خيرا أن هذا من علمات اليمان بالله واليوم الخر؛ ل ّ‬
‫أشــدّ شــيء علــى النســان أن يحفظــه لســانه‪ ،‬لهــذا جــاء فــي حــديث معــاذ‬
‫المعروف أنه سأل النبي ‪ ‬لما قال له عليه الصلة والســلم »وكف عليللك‬
‫هذا« فاستعجب معاذ فقال‪ :‬يا رسول الله أوإنــا مؤاخــذون بمـا نقـول؟ فقــال‬
‫»ثكلتك أمك يا معاذ وهل يكب الناس في النار علللى منللاخرهم أو‬
‫قال‪ :‬على وجوههم إل حصائد ألسنتهم« فدل على أن اللســان خطيــر‬
‫تحركه‪ ،‬إذا لم يكن تحركــه فــي خيــر فــإنه عليــك ل لــك‪ ،‬والتوســع فــي الكلم‬
‫المباح قد يؤدي إلى الستئناس بكلم مكروه أو كلم محرم كما هو مجرّب في‬
‫ن الذين توسعوا في الكلم‪ ،‬وأكثروا منــه فــي غيــر الثلثــة المــذكورة‬
‫الوقع‪ ،‬فإ ّ‬
‫في الية جرهم ذلك إلى أن يدخلوا فــي أمــور محرمــة مــن غيبــة أو نميمــة أو‬
‫مد‪.‬‬
‫بهتان أو مداهنة‪ ،‬أو ما أشبه ذلك مما ل يُ ْ‬
‫ح َ‬
‫فإذن اليمان بالله واليــوم الخــر يحــض علــى حفــظ اللســان‪ ،‬وفــي حفــظ‬
‫اللسان الشارة لحفظ جميع الجوارح ا ُ‬
‫لخر؛ لن حفظ اللسان أشد ذلك‪ ،‬وقــد‬
‫ن لي‬
‫جاء في الحديث الصحيح أن النبي عليه الصلة والسلم قال »من َ‬
‫ض ِ‬
‫م َ‬
‫ه وما بين فخذيه ضمنت له الجنة«‪.‬‬
‫ما بين َلحي َي ْ ِ‬
‫ن َ‬
‫ن ي ُل ْ‬
‫ر‪:‬‬
‫وم ِ ال ِ‬
‫ؤ ِ‬
‫كا َ‬
‫م ُ‬
‫م ْ‬
‫و َ‬
‫وال ْي َل ْ‬
‫ن ب لِالله َ‬
‫ثم قال عليه الصلة والسلم ) َ‬
‫خل ِ‬
‫َ‬
‫ه( وإكرام الجار يعني أن يكون معه على صفة الكرم‪.‬‬
‫م َ‬
‫ر ْ‬
‫جاَر ُ‬
‫فل ْي ُك ْ ِ‬
‫والكرم‪ :‬هو اجتماع الصفات المحمودة التي يحسن اجتماعها في الشــيء‬
‫فيُقال هذا كريم؛ لنه ذو صفات محمودة‪ ،‬وفي أسماء اللــه جــل وعل الكريــم‪،‬‬
‫والكريم في أسماء الله جل وعل هــو الــذي تفــرد بصــفات الكمــال‪ ،‬والســماء‬
‫الحســنى فــاجتمع لــه جــل وعل الحُســن العظــم فــي الســماء‪ ،‬والعلــو فــي‬
‫الصفات‪ ،‬والحكمة في الفعال‪.‬‬
‫فالكريم‪ :‬من فاق ‪-‬يعني في اللغة‪ -‬من فاق جنســه فــي صــفات الكمــال‪،‬‬
‫فالكرام هو أن تسعى في تحقق صفات الكمال‪ ،‬أو في تحقيقها‪:‬‬
‫أن تســعى فــي تحقيــق صــفات الكمــال الــتي تتطلبهــا‬
‫‪‬فلإكرام الجلار‪ْ :‬‬
‫جورة‪.‬‬
‫المَ ُ‬
‫‪‬وإكرام الضيف‪ :‬أنْ تسعى في تحقيــق صــفات الكمــال الــتي تتطلبهــا‬
‫الضيافة‪.‬‬
‫وقوله ) َ‬
‫ه( على هذا‪ ،‬يدخل فيه إكرام الجار باللفاظ الحسنة‪،‬‬
‫م َ‬
‫ر ْ‬
‫جاَر ُ‬
‫فل ْي ُك ْ ِ‬
‫إكرام الجار بحفظ الجار في أهله‪ ،‬حفظ الجار في عرضــه‪ ،‬فــي الطلع علــى‬
‫مسكنه‪ ،‬ويدخل في هذا حفظ الجار في أداء الحقوق العامــة لــه؛ فــي الجــدار‬
‫الذي بينهما‪ ،‬أو النوافذ التي تُط ِ ّ‬
‫ل على الجار‪ ،‬أو في موقــف الســيارات مثل أو‬
‫في إعتداء الطفال‪ ،‬أو ما أشبه ذلــك‪ ،‬فيــدخل هــذا جميعــا فــي إكــرام الجــار‪،‬‬
‫ويدخل فيه أيضا أن يكرم الجار في المطعم والملبس‪ ،‬وأشباه ذلك؛ يعني أنــه‬
‫إذا كان عنده طعام فإنه يطعم جاره منه‪ ،‬وقد كان عليه الصلة والسلم ربمــا‬
‫طها في بيته بعض اللحم فقال »أرسلوا لجارنا اليهودي من مرقة هللذا‬
‫اللحم« وهذا في حق الجار الكافر‪ ،‬ولهذا رأى طائفة من أهــل العلــم كأحمــد‬

‫الشيخ العلمة صالح بن عبد العزيز بن محمد آل الشيخ‬

‫‪80‬‬

‫في رواية‪ ،‬وكغيره‪ ،‬أن إكرام الجار فــي هــذا الحــديث عــام يــدخل فيــه إكــرام‬
‫الجار المسلم‪ ،‬وإكرام الجار الكافر‪ ،‬وإكرام الجار المسلم لــه حقــان لســلمه‬
‫ولجواره‪.‬‬
‫فإذا إكرام الجار كلمة عامة يدخل فيها‪:‬‬
‫♦ أداء ما له من الحقوق‪.‬‬
‫♦ وكف الذى عنه‪.‬‬
‫♦ وبســط اليــد لــه بالطعــام ومــا يحتــاجه‪ ،‬وهــذا أيضــا مــع قــول اللــه جــل‬
‫ن)]المــاعون‪ ،[7-6:‬والمــاعون‬
‫ما ُ‬
‫م ي َُرا ُ‬
‫ن ُ‬
‫وعل(ال ّ ِ‬
‫عو َ‬
‫عو َ‬
‫ءو َ‬
‫من َ ُ‬
‫ذي َ‬
‫ن ال ْ َ‬
‫وي َ ْ‬
‫ه ْ‬
‫ن)‪َ (6‬‬
‫ن( يعني يمنعون ما يحتاج‬
‫ما ُ‬
‫عو َ‬
‫عو َ‬
‫من َ ُ‬
‫ن ال ْ َ‬
‫وي َ ْ‬
‫هو ما يحتاج إليه في العارة‪َ ) ،‬‬
‫إليه المسلمون في العارة‪ ،‬فإذا احتاج جارك إلى أن تعيره شيئا مــن أدوات‬
‫الطهي أو شيئا من أدوات المنزل‪ ،‬أو من الثاث‪ ،‬أو ما أشبه ذلــك فــإن مــن‬
‫إكرامه أن تعطيه ذلك‪ ،‬أما إذا كان يتعدى على أشيائك‪ ،‬ويتلف المال فهــذا ل‬
‫يكون له الحق في إكرامه بذلك؛ لنه مظنة التعدي‪.‬‬
‫الجار هنا قسمان‪ :‬جار قريب‪ ،‬وجار بعيد‪ ،‬وفي القسمين جاء قول الله جـل‬
‫ر ِذي ال ْ ُ‬
‫ب‬
‫صللا ِ‬
‫ر ال ْ ُ‬
‫وال ْ َ‬
‫وال ْ َ‬
‫ح ِ‬
‫جن ُل ِ‬
‫وال ّ‬
‫ب َ‬
‫قْرب َللى َ‬
‫وعل في سورة النســاء( َ‬
‫جللا ِ‬
‫جا ِ‬
‫ر ِذي ال ْ ُ‬
‫قْرَبى( فسرت بتفسيرين‪:‬‬
‫وال ْ َ‬
‫ِبال ْ َ‬
‫جن ْ ِ‬
‫ب)]النساء‪ ،[36:‬فقوله ) َ‬
‫جا ِ‬
‫♦ الول‪ :‬أن الجار ذي القربى هو من له جِوار وقََرابـة‪ ،‬فقـدمه علـى الجـار‬
‫الجنب يعني الذي ليس له قرابة‪.‬‬
‫ر ِذي ال ْ ُ‬
‫قْرَبلى(‬
‫وال ْ َ‬
‫♦ التفسير الثاني‪ :‬أن الجار ذا القربى في قــوله ) َ‬
‫جلا ِ‬
‫جُنب( فــي اللغــة‬
‫أنه الجار القريب والجار الجُُنب أنه الجار البعيد؛ لن كلمة ) ُ‬
‫ن البُعْــد‪ ،‬فــدل‬
‫جُنب لنــه ِ‬
‫تعني البعيد‪ ،‬ومنه سميت )الجنابة( جنابة‪ ،‬وفلن ُ‬
‫مـ َ‬
‫هذا على أن إكرام الجار يدخل فيه الجار القريب والجار البعيد‪.‬‬
‫حده بسبعة يعني ســبعة بيــوت‪ ،‬وبعضــهم حــده‬
‫ما حد الجار البعيد؟ بعضهم ّ‬
‫بأربعين بيتا من يمين وشمال‪ ،‬وأمام وخلف‪ ،‬وهذه كلها تقديرات لم يصحّ فيهــا‬
‫شيء عن المصطفى عليه الصلة والسلم‪ ،‬وهذا محكوم بالعرف فما كان فيه‬
‫العرف أنه قريب فهو قريب‪ ،‬وما كان فيه العــرف أنــه جــار بعيــد فيــدخل فــي‬
‫ذلــك‪ ،‬وهــذا يتنــوع بتنــوع البلد والعــراف‪ ،‬فيــه تفاصــيل ُأخــر تقرءونهــا فــي‬
‫المطولت إن شاء الله‪.‬‬
‫ْ‬
‫ْ‬
‫ن َ‬
‫ض لي ْ َ‬
‫ر‪َ :‬‬
‫ن يُ ْ‬
‫ه( إكــرام‬
‫وم ِ ال ِ‬
‫م َ‬
‫ؤ ِ‬
‫كا َ‬
‫ر ْ‬
‫م ُ‬
‫م ْ‬
‫ف ُ‬
‫و َ‬
‫والي َ ْ‬
‫ن ِبالله َ‬
‫قال ) َ‬
‫فلي ُك ُل ِ‬
‫خل ِ‬
‫الضـيف أن َتْبـ ُ‬
‫ذل للضـيف مـن الصـفات المحمـودة مـا بـه يحصـل لـه الحـق‪،‬‬
‫والصفات المحمودة التي تعطى للضيف‪ ،‬وبشاشة الــوجه‪ ،‬وانطلق الســارير‪،‬‬
‫والكرم باللسان يعني أن يضاف بألفاظ حسنة‪ ،‬ومنها أيضا من إكــرام الضــيف‬
‫لن الضياف يحتاجون لذلك‪ ،‬وقوله هنــا ) َ‬
‫م‬
‫ّ‬
‫أن تطعمه‪ ،‬وهو المقصود؛‬
‫ر ْ‬
‫فل ْي ُك ْل ِ‬
‫فل ْي َ ُ‬
‫ه(‪َ ) ،‬‬
‫ضي ْ َ‬
‫ه(‪َ ) ،‬‬
‫ق ْ‬
‫خي ًْرا( كلها أوامر‪ ،‬وهي علــى الوجــوب‪،‬‬
‫ل َ‬
‫م َ‬
‫َ‬
‫ر ْ‬
‫ف ُ‬
‫جاَر ُ‬
‫فل ْي ُك ُ ِ‬
‫وإكرام الضيف واجب كما دل عليه الحديث بإطعامه‪ ،‬وهذا فيه تفصيل وهو أنه‬
‫يجب أن يضاف الضيف بالطعام يوما وليلة‪ ،‬كما جاء في الحــديث أنهــا جــائزة‬
‫الضيف يوم وليلة‪ ،‬وتمام الضيافة ثلثة أيــام بلياليهــا‪ ،‬يعنــي يــومين بعــد اليــوم‬
‫رم الضيف يوما وليلة‪ ،‬يعني بأن تعطيه ما يحتاجه‪،‬‬
‫والليلة الولى‪ ،‬فيجب أن ُتك ْ ِ‬
‫قال العلماء‪ :‬هذا في حق أهل القرى الذين ليس ثم مكــان يمكــن الضــيف أن‬
‫يستأجر له‪ ،‬أما في المدن الكبار الذي يوجــد فيهــا الخــان‪ ،‬ويوجــد فيهــا الــدور‬
‫التي تؤجر فإنه ل تجب الضيافة؛ لنه ل يضيف مع ذلك إل إذا كان محتاجا لهــا‪،‬‬

‫النووية‬
‫شرح الربعين‬
‫‪81‬‬

‫ول مكان له يؤويه فإنه يجب على الكفاية أن يعطيه كفــايته‪ ،‬وأن يضــيفه يومــا‬
‫وليلــة‪ ،‬وتمــام الثلثــة مســتحب‪ ،‬يعنــي فــي مكــان ل يوجــد فيــه دار يمكنــه أن‬
‫يستأجرها‪ ،‬أما مثل الن في مدننا الكبار هذه فإنها ل تجب‪ ،‬وإنما تستحب‪ ،‬في‬
‫القرى في الطراف‪ ،‬وأهل الخيام‪ ،‬ونحو ذلك إذا نزل بهم الضياف فإنه يجــب‬
‫ريهم يوما وليلة‪ ،‬وتمام الضيافة ثلثة أيام بلياليها‪.‬‬
‫عليه أن يَ ْ‬
‫ق ِ‬
‫إذا تقرر هذا فما الذي يقدمه؟ الذي يقدمه للضيف ما تيســر لــه‪ ،‬يعنــي مــا‬
‫يطعمه هو وأهله‪ ،‬ول يجب عليه أن يتكلف له في ذبح‪ ،‬أو تكلف طعام كثير‪ ،‬أو‬
‫وزة هذا الضيف‪ ،‬أو مــا يســد‬
‫ما أشبه ذلك‪ ،‬فالذي يجب ما يطعمه به‪ ،‬ويسد عَ ْ‬
‫جوعه يعني من الطعام المعتاد الذي يأكله‪ ،‬وقد جــاء فــي الثــر أن قومــا مــن‬
‫أهل الكتاب أرسلوا لعمر ‪ ‬عمر بــن الخطــاب فقــالوا لــه‪ :‬إن المســلمين إذا‬
‫ن هــذا ل نطيقــه‪ ،‬فأرســل إليهــم عمــر بمــا‬
‫ّ‬
‫مروا بنا كلفونا ذبح الدجاج لهم‪ ،‬وإ ّ‬
‫حاصــله أن أطعمــوهم ممــا تــأكلون ول تتكلفــوا لهــم‪ .‬وهــذا ظــاهر مــن حيــث‬
‫الصول في أن الكرام ل يعني التكلف‪ ،‬وهذا الوجوب في حق من عنده فضل‬
‫يم ـوُنه‪ ،‬أمــا إذا كــان‬
‫في ماله‪ ،‬يفيض ويزيد عن حاجته الضرورية‪ ،‬وحاجــة مــن ُ‬
‫مــوُنه أولــى مــن الضــيف‬
‫موُنه محتاج لهذا الطعام‪ ،‬فإن من ي ُ‬
‫محتاجا هو ومن ي ُ‬
‫في الشرع‪.‬‬
‫‪‬‬
‫الحديث السادس عشر ‪‬‬
‫َ‬
‫ب«‪،‬‬
‫صــني‪ ،‬قــال»ل َ ت َ ْ‬
‫غ َ‬
‫ي ‪ :‬أوْ ِ‬
‫ض ْ‬
‫عن أبــي هريــرة ‪ :‬أ ّ‬
‫ن رجل ً قــال للنــب ّ‬
‫ب« ]رواه البخاري[‪.‬‬
‫مَراًرا‪ ،‬قال »ل َ ت َ ْ‬
‫غ َ‬
‫فََرد ّد َ ِ‬
‫ض ْ‬
‫]الشرح[‬
‫هذا أيضا من أحاديث الداب العظيمــة‪ ،‬حيــث قــال النــبي ‪ ‬لرجــل ســأله‪:‬‬
‫ب«‪.‬‬
‫أوصني‪ .‬قال »ل َ ت َ ْ‬
‫غ َ‬
‫ض ْ‬
‫والسؤال بالوصية حصل مرارا من عدد مــن الصــحابة رضــوان اللــه عليهــم‬
‫يســألون المصــطفى ‪ ‬فيقولــون لــه‪ :‬أوصــنا‪ ،‬أوصــني‪ ،‬واختلــف جــوابه عليــه‬
‫ب«‪ ،‬وقــال لرجــل قــال لــه‪:‬‬
‫الصلة والسلم‪ ،‬فمرة قال مثل ما هنــا»ل َ ت َ ْ‬
‫غ َ‬
‫ض ْ‬
‫ن ذكللر الللله«‪ ،‬وقــال لــه رجــل‪:‬‬
‫أوصني‪ .‬قال »ل يزال لسللانك رطبللا مِل ْ‬
‫أوصني‪ .‬فقال له كذا‪ ،‬وتكرر هذا‪ ،‬واختلفت الجابة‪.‬‬
‫قال العلماء‪ :‬اختلف الجابة يُحمل على أحد تفسيرين‪:‬‬
‫وع الجابــة بحســب مــا يعَلمــه عــن‬
‫♦ الول‪ّ :‬‬
‫أن ـه عليــه الصــلة والســلم ن ـ ّ‬
‫السائل‪ ،‬فالسائل الذي يحتاج إلى الذكر أرشده للذكر‪ ،‬والذي يحتـاج إلـى أن‬
‫ل يغضب أرشده إلى عدم الغضب‪.‬‬
‫وع الجابة لتتنوع خصالُ الخير في الوصايا للمة؛ لن‬
‫♦ والقول الثاني‪ :‬أنه ن ّ‬
‫كل واحد سينقل ما أوصى به النــبي عليــه الصــلة والســلم فتتنــوع الجابــة‪،‬‬
‫وكل من قال‪ :‬أوصني محتاج لكل جواب‪ ،‬لكن لــم يكــثر النــبي عليــه الصــلة‬
‫والسلم الوصايا بأن قال »ل تغضب«‪» ،‬ول يزال لسللانك رطبللا بللذكر‬
‫الله« وكذا وكــذا حــتى ل تكــثر عليــه المســائل‪ ،‬فإفــادة مـن طلــب الوصــية‬
‫بشيء واحد أدعى للهتمام‪ ،‬ولتطبيقه لتلك الوصية‪.‬‬
‫قال هنا )أوصني(‪ ،‬والوصية الدللــة علــى الخيــر‪ ،‬يعنــي‪ :‬دلنــي علــى كلم‬
‫تخصني به من الخير‪ ،‬الــذي هــو خيــر لــي فــي عاجــل أمــري وآجلــه‪ .‬قــال )ل َ‬
‫ب( دلّ على أن مــن طلــب‬
‫ب(‪ ،‬وقوله هنا عليه الصلة والسلم )ل َ ت َ ْ‬
‫تَ ْ‬
‫غ َ‬
‫غ َ‬
‫ض ْ‬
‫ض ْ‬

‫الشيخ العلمة صالح بن عبد العزيز بن محمد آل الشيخ‬

‫‪82‬‬

‫منه الوصية أن يجتهد في الوصية الجامعة‪ ،‬وفيما يحتاجه الموصَى‪ ،‬وأل ّ يتخلف‬
‫عن الجواب‪ ،‬وهذا يناسب أن يكون المعلم أو المربي مستحضرا لوصايا النــبي‬
‫عليه الصلة والسلم ولوصايا أهل العلم حتى يعطيها متى مــا ســنحت الحاجــة‬
‫في طلب الوصية‪ ،‬وأشباه ذلك‪.‬‬
‫ب( هذا أيضا له مرتبتان‪:‬‬
‫وقوله عليه الصلة والسلم )ل َ ت َ ْ‬
‫غ َ‬
‫ض ْ‬
‫‪‬المرتبة الولللى‪ :‬ل تغضــب إذا أتــت دواعــي الغضــب فــاكظم غضــبك‪،‬‬
‫ن‬
‫ِ‬
‫واكظم‬
‫وال ْك َللاظِ ِ‬
‫مي َ‬
‫غيظك‪ ،‬وهذا جاءت فيه آيات‪ ،‬ومنها قول الله جــل وعل( َ‬
‫غي ْ َ‬
‫س)]آل عمران‪ ،[134:‬وكظم الغيظ من صــفات عبــاد‬
‫ال ْ َ‬
‫ن َ‬
‫عا ِ‬
‫وال ْ َ‬
‫ع ْ‬
‫في َ‬
‫ظ َ‬
‫ن الّنا ِ‬
‫الله المؤمنين المحسنين‪ ،‬الذين يكظمون الغضب عند ثورته‪ ،‬وجــاء أيضــا فــي‬
‫الحديث الصحيح أن النبي ‪ ‬قــال »من كظللم غيظللا‪ ،‬وهللو يقللدر علللى‬
‫إنفاذه‪ ،‬دعي يوم القيامة على رءوس الخلئق إلللى الجنللة« أو كمــا‬
‫قال عليه الصلة والسلم والحديث فــي الســنن‪ ،‬وهــو حــديث صــحيح‪ ،‬فكظــم‬
‫ب( ‪،‬‬
‫سك الغضب هذا هو الحالة الولى التي دل عليها قوله )ل َ ت َ ْ‬
‫غ َ‬
‫ضل ْ‬
‫م ْ‬
‫الغيظ و َ‬
‫وكظم الغيظ‪ ،‬وإمساك الغضب هــذا مــن الصــفات المحمــودة‪ ،‬ويــأتي تفصــيل‬
‫الكلم على كونه من الصفات المحمودة‪.‬‬
‫سعَ فيمــا يغضـب ُِك؛ لنــه مـن المتقــرر أن‬
‫‪‬الثاني التفسير الثاني‪ :‬ل ت َ ْ‬
‫ت تعلم أن هذا الشيء يؤدي بك إلــى غايـة‬
‫الوسائل تؤدي إلى الغايات‪ ،‬فإذا كن َ‬
‫سعَ إلى وسائلها‪ ،‬ولهذا كان كثير مــن الســلف يمــدحون التغافــل‪،‬‬
‫تغضُبك فل ت َ ْ‬
‫وقال رجل للمام أحمد؛ كان وكيع يقــول‪ ،‬أو أحــد الئمــة غيــر وكيــع ‪-‬النســيان‬
‫مني‪ -‬الخير تسعة أعشاره في التغافل‪ .‬وقال المام أحمـد‪ :‬أخطــأ‪ ،‬الخيـر كلـه‬
‫في التغافل يعني أن إحقاق المور إلى آخرها في كل شيء هــذا غيــر ممكــن؛‬
‫لن النفوس مطبوعة على التساهل ومطبوعة على التوسع‪ ،‬وعندها ما عندها‪،‬‬
‫فتغافل المرء عما يحدث له الغضب‪ ،‬ويحدث له ما ل يرضيه‪ ،‬تغافله عــن ذلــك‬
‫من أبواب الخيــر العظيمــة‪ ،‬بــل قــال‪ :‬الخيــر كلــه فــي التغافــل‪ ،‬التغافــل عــن‬
‫الساءة‪ ،‬التغافل عن الكلم فيما ل يحمد‪ ،‬التغافل أيضا عــن بعــض التصــرفات‬
‫بعدم متابعتها ولحوقها إلى آخرها إلى آخــر ذلــك فالتغافــل أمــر محمــود وهــذا‬
‫مبني أيضا على النهي عن التحسس والتجسس‪.‬‬
‫ب( بمعنى ل تدخل في وسائل الغضب في أنواعها‪،‬‬
‫قوله أيضا هنا )ل َ ت َ ْ‬
‫غ َ‬
‫ض ْ‬
‫فكل وسيلة من الوسائل التي تــؤدي إلــى الغضــب فمنهــي عــن اتباعهــا‪ ،‬فــإذا‬
‫رأيت الشيء‪ ،‬وأنت تعلم من نفسك أنه يؤدي بك إلــى الغضــب‪ ،‬فالحــديث دل‬
‫على أن تنتهي عنه مــن أولــه‪ ،‬ول تُتبــع نفســك هــذا الشــيء‪ ،‬وتتمــارى فيــه أو‬
‫تتمادى فيه حــتى يغضــبك ثــم بعــد ذلــك قــد ل تســتطيع أن تكظــم الغضــب أو‬
‫الغيظ‪.‬‬
‫إذا تقرر هذا‪ ،‬وأن الحديث له معنيان‪:‬‬
‫♦ وأن النهي عن الغضب يشمل النهي عن إنفاذ الغضب بكتمان الغضب‪.‬‬
‫♦ ويشمل أيضا النهي عن غشيان وسائل الغضب‪.‬‬
‫إذا تقرر هذا فإن الغضــب مــن الصــفات المذمومــة الــتي هــي مــن وســائل‬
‫إبليس‪ ،‬فالغضب دائما يكون معه الشر‪ ،‬فكثير من حوادث القتــل والعتــداءات‬
‫كانت من نتائج الغضب‪ ،‬كثير من الكلم السيئ الذي ربما لــو أراد النســان أن‬
‫يرجع فيه لرجَع‪ ،‬لكنه أنفذه من جراء الغضب‪ ،‬كثير من العلقــات الســيئة بيــن‬
‫الرجل وبين أهله‪ ،‬وحوادث الطلق‪ ،‬وأشباه ذلك كان منشؤها الغضــب‪ ،‬وكــثير‬

‫النووية‬
‫شرح الربعين‬
‫‪83‬‬

‫من قطع صلة الرحم‪ ،‬وتقطيع الواصر الــتي أمــر اللــه جــل وعل بوصــلها كــان‬
‫ب‪ ،‬ومجــاراة الكلم‪ ،‬وتبــادل الكلم والغضــب إلــى أن‬
‫ســبب القطيعــة الغضــ ُ‬
‫يخرجه عما يعقل‪ ،‬ثم بعد ذلك ”لت ساعة إصلح“‪ ،‬وهكذا فــي أشــياء كــثيرة‪،‬‬
‫فالغضب مذموم‪ ،‬وهو من الشيطان‪ ،‬ومن وســائل الشــيطان لحــداث الفرقــة‬
‫بين المؤمنين‪ ،‬وإشاعة الفحشاء والمحرمات فيما بينهم‪.‬‬
‫علج الغضب‪ :‬جاء في السنة أحــاديث كــثيرة فــي علج الغضــب‪ ،‬نجملهــا‬
‫في التي‪:‬‬
‫‪‬أول أن الغضب يعالج بالوضوء؛ لنه فيه ثورة‪ ،‬والوضوء فيه تبريــد؛ ولن‬
‫الغضب من الشيطان‪ ،‬والوضوء فيــه اســتكانة للــه جــل وعل وتعبــد للــه‪ ،‬فهــو‬
‫ُيسك ِّن الغضب‪ ،‬فمن غضب فيشرع له الوضوء‪.‬‬
‫‪‬كذلك مما جاء في السنة أنه إذا غضب وكان قائمـا أن يقعــد‪ ،‬وهــذا مـن‬
‫علج آثار الغضب؛ لنه يُس ّ‬
‫كن نفسه‪.‬‬
‫‪‬ومن أيضا علج الغضب أن يسعى في كظمــه وإبــداله بــالكلم الحســن‪،‬‬
‫لمن قدر على ذلك‪.‬‬
‫ومن المعلوم أن النسان يبتلى‪ ،‬وابتلؤه يكون معه درجاته وأجــره وثــوابه‪،‬‬
‫ث الله جــل وعل‬
‫فإذا ابتلى بما يغضبه فكظم ذلك‪ ،‬وامتثل أمر النبي ‪ ‬وما ح ّ‬
‫غي ْ َ‬
‫وال ْ َ‬
‫ظ)]آل عمران‪ [134:‬وكظم غيظه‪ ،‬وهو يقدر علــى‬
‫ن ال ْ َ‬
‫كاظِ ِ‬
‫مي َ‬
‫عليه بقوله ( َ‬
‫حرِّيا بكل فضل مما جاء فــي الحــاديث‪ ،‬بــأن يــدعى علــى رءوس‬
‫إنفاذه‪ ،‬كان َ‬
‫الخلئق إلى الجنة‪ ،‬وأشباه ذلك‪.‬‬
‫فهذا الحــديث دل علــى هــذا الدب العظيــم‪ ،‬فحــرى بطــالب العلــم‪ ،‬وبكــل‬
‫مستقيم على أمر الله أن يوطن نفسه على ترك الغضب‪ ،‬وترك الغضب ل بــد‬
‫له من صفة تحمل عليه‪ ،‬والصفة التي تحمل عليه الحلم والناة‪ ،‬ومــن اتصــف‬
‫بالحلم والناة كان حكيما؛ ولهذا الغضوب ل يصلح أن يكون معالجا للمور‪ ،‬بــل‬
‫يحتاج إلى أن يهدأ حتى يكون حكيما‪.‬‬
‫وكان للغضب بعض الثار السيئة في قَصص متنوعة‪ ،‬ولهذا نقول قوله عليه‬
‫ب( ينبغي أن يكون بين أعيننا دائما فــي علقاتنــا مــع‬
‫الصلة والسلم )ل َ ت َ ْ‬
‫غ َ‬
‫ض ْ‬
‫إخواننا‪ ،‬ومع أهلينا ومع الصغار‪ ،‬ومع الكبار فكلما كان المرء أحلم وأحكـم فـي‬
‫لفظه وفعله‪ ،‬كلما كان أقرب إلى الله جل وعل‪ ،‬وهذا من صفات خاصــة عبــاد‬
‫الله‪.‬‬
‫‪ ‬‬
‫الحديث السابع عشر ‪‬‬
‫عن أبي يعلى شداد ب َ‬
‫ب‬
‫س ‪ ‬عن رسول الله ‪ ‬قال » إ ِ ّ‬
‫ن الله ك َت َ َ‬
‫ن أوْ‬
‫ٍ‬
‫ّ ِ ِ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫ْ‬
‫م َ‬
‫ذا َ‬
‫يء‪َ ،‬‬
‫ل َ‬
‫عَلى ك ُ ّ‬
‫فإ ِ َ‬
‫م‬
‫ش‬
‫ن َ‬
‫قت ْل َ‬
‫سُنوا ال ِ‬
‫ح ِ‬
‫سا َ‬
‫و إ ِذَ ذَب َ ْ‬
‫فأ ْ‬
‫ال ِ ْ‬
‫ح َ‬
‫حت ُ ْ‬
‫قت َلت ُ ْ‬
‫ة‪َ ،‬‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫ش ْ‬
‫م َ‬
‫ه« ]رواه‬
‫ح َ‬
‫و ل ْي ُ ِ‬
‫ح ِ‬
‫ح ذَِبي َ‬
‫ر ْ‬
‫حدّ أ َ‬
‫سُنوا الذّب ْ َ‬
‫فأ ْ‬
‫حت َ ُ‬
‫فَرت َ ُ‬
‫حدُك ُ ْ‬
‫ه‪َ ،‬‬
‫ة؛ َ‬
‫ول ْي ُ ِ‬
‫مسلم[‪.‬‬
‫]الشرح[‬
‫هذا الحديث في بــاب آخــر‪ ،‬وهــو بــاب الحســان‪ ،‬فقــال فيــه عليــه الصــلة‬
‫ل َ‬
‫عَلى ك ُ ّ‬
‫يء( فلفظ كتب يــدلنا علــى‬
‫ن َ‬
‫سا َ‬
‫والسلم )إ ِ ّ‬
‫ب ال ِ ْ‬
‫ن الله ك َت َ َ‬
‫ح َ‬
‫ش ْ‬
‫ب( عند الصوليين من اللفاظ الـتي ُيسـتفاد‬
‫أن الحسان واجب؛ لن لفظ )ك َت َ َ‬
‫بها الوجوب‪ ،‬وما تصّرف منها‪ ،‬يعني ما تصرف من الكتابة‪ ،‬قال اللــه جــل وعل‬
‫صَلةَ َ‬
‫و ُ‬
‫م ْ‬
‫فــدل علــى‬
‫ّ‬
‫قوًتا)]النســاء‪،[103:‬‬
‫ت َ‬
‫ؤ ِ‬
‫كان َ ْ‬
‫مِني َ‬
‫ن ك َِتاًبا َ‬
‫عَلى ال ْ ُ‬
‫مثل(ال ّ‬
‫م ْ‬

‫الشيخ العلمة صالح بن عبد العزيز بن محمد آل الشيخ‬

‫‪84‬‬

‫م‬
‫ب َ‬
‫وجوبهــا أشــياء منهــا أنــه وصــفها بأنهــا كتــاب‪ ،‬وقــال جــل وعل(ك ُت ِ َ‬
‫عل َي ْك ُ ْ‬
‫َ‬
‫م إِ َ‬
‫م‬
‫ب َ‬
‫ح َ‬
‫ض لَر أ َ‬
‫ذا َ‬
‫م)]البقـــرة‪،[183:‬ـــ وقــال جــل وعل(ك ُت ِ ل َ‬
‫ص لَيا ُ‬
‫حللدَك ُ ْ‬
‫عل َي ْك ُل ْ‬
‫ال ّ‬
‫م)]النســاء‪،[24:‬ــ وقال جــل‬
‫ه َ‬
‫ب الل ّ ِ‬
‫ت)]البقرة‪ ،[180:‬وقال جل وعل(ك َِتا َ‬
‫و ُ‬
‫عل َي ْك ُ ْ‬
‫ال ْ َ‬
‫م ْ‬
‫َ‬
‫وك َت َب َْنا َ َ‬
‫س ِبالن ّ ْ‬
‫ن الن ّ ْ‬
‫س﴾]المائدة‪ ،[45:‬في آيات كــثيرة‬
‫م ِ‬
‫ها أ ّ‬
‫في َ‬
‫ه ْ‬
‫ف َ‬
‫وعل﴿ َ‬
‫ف ِ‬
‫علي ْ ِ‬
‫ب( وما تصرف منه يدل على أنه واجــب‪ ،‬يعنــي‬
‫فيها لفظ )الكتاب(‪ ،‬فلفظ )ك َت َ َ‬
‫ن‬
‫سللا َ‬
‫يدل على أن المكتــوب واجــب‪ ،‬ومنــه الحســان‪) ،‬إ ِ ّ‬
‫ب ال ِ ْ‬
‫ن الله ك َت َل َ‬
‫ح َ‬
‫ل َ‬
‫عل َللى ك ُل ّ‬
‫ل َ‬
‫عَلى ك ُ ّ‬
‫يء(‪ ،‬كلمــة‬
‫ن َ‬
‫َ‬
‫سللا َ‬
‫ب ال ِ ْ‬
‫يء(‪ ،‬وقوله هنــا )ك َت َ َ‬
‫ح َ‬
‫شل ْ‬
‫ش ْ‬
‫َ‬
‫على( هنا فيها‪:‬‬
‫) َ‬
‫أن ـه‬
‫♦ احتمال أن تكون كتابته الحسان على كل شيء كتابة قدَريــة‪ ،‬يعنــي ّ‬
‫ن اللــه جــل وعل ألهــم‬
‫كتبهــا قــدرا بــأن الشــياء تمشــي علــى الحســان‪ ،‬وأ ّ‬
‫مخلوقاته الحسان‪.‬‬
‫ب‬
‫♦ ويحتمــل أن تكــون الكتابــة هنــا شــرعية‪ ،‬فيكــون معنــى قــوله )ك َت َ ل َ‬
‫ل َ‬
‫عَلى ك ُ ّ‬
‫عَلى( هنا بمعنى )في(‪ ،‬يعني كتــب‬
‫يء( أن تكون ) َ‬
‫ن َ‬
‫سا َ‬
‫ال ِ ْ‬
‫ح َ‬
‫ش ْ‬
‫الحسان في كل شيء‪ ،‬يعني لكل شيء‪ ،‬وهذا يتجه إذا كانت الكتابة شرعية‬
‫يتجه الخطاب للمكّلفين‪ ،‬فلهذا مثّل بمثال يتعلق بالمكلّفين‪.‬‬
‫ب‬
‫وهذا الثاني أظهر‪ ،‬يعني أن تكون الكتابة شرعية‪ ،‬وأن يكــون معنــى )ك ََتل َ‬
‫ل َ‬
‫عَلى ك ُ ّ‬
‫عل َللى(‬
‫يء( يعني في كل شيء‪ ،‬أو لكــل شــيء‪ ،‬فـ ـ) َ‬
‫ن َ‬
‫سا َ‬
‫ال ِ ْ‬
‫ح َ‬
‫ش ْ‬
‫سـئل أيّ العمــال أحــب‬
‫هنا بمعنى ) ِ‬
‫في(‪ ،‬كقوله عليه الصلة والســلم حيــث ُ‬
‫الصلة على وقتها« يعني في وقتها‪ ،‬فيما هو معلوم فــي‬
‫ُ‬
‫إلى الله؟ فقال »‬
‫َ‬
‫على( أيضــا‬
‫في( في مواضع‪ ،‬ومجيء ) ِ‬
‫عَلى( بمعنى ) ِ‬
‫في( بمعنى ) َ‬
‫مجيء ) َ‬
‫)‪(1‬‬
‫في مواضع‪.‬‬
‫إذا تقـرر هـذا فالحسـان الـذي كُِتـب علـى المكلـف بكـل شـيء‪ ،‬مـا هـو؟‬
‫ه إحسللانا‪ ،‬وإذا كــان كــذلك‬
‫ْ‬
‫ح ِ‬
‫ن الشــيء‪ُ ،‬ي ْ‬
‫سللانُ مصــدر َأ ْ‬
‫ح َ‬
‫الح َ‬
‫سلل َ‬
‫سللن ُ ُ‬
‫فالحسان يختلف باختلف الشيء‪ ،‬فإذا كان الشيء هذا عبادة صــار الحســان‬
‫فيها ‪-‬يعني الحسان الواجب‪ -‬بتكميل ما به يكون أجزاؤهــا‪ ،‬وصــحتها وحصــول‬
‫الثــواب بهـا‪ ،‬يعنــي تكميــل الركــان والواجبــات والشــرائط‪ ،‬فيخــرج عــن ذلــك‬
‫المستحبات؛ لنها مما لم يكتب‪ ،‬مــع أنــه يكــون بهــا الحســان‪ ،‬لكــن الحســان‬
‫ل َ‬
‫عَلى ك ُ ّ‬
‫يء( يعني في كل‬
‫ّ‬
‫المستحب‪ ،‬فـ)‬
‫ن َ‬
‫سا َ‬
‫ب ال ِ ْ‬
‫الشيء( هنا )ك َت َ َ‬
‫ح َ‬
‫ش ْ‬
‫ب‬
‫ّ‬
‫شــيء‪) ،‬‬
‫الشيء( هنــا أخــذنا منــه العبــادات وعرفنــا الكلم فيهــا‪ ،‬هنــا )ك َت َ َ‬
‫ل َ‬
‫عَلى ك ُ ّ‬
‫يء( يعني فيما تزاوله مــن أمــرك فــي حياتــك‪ ،‬وهــذا‬
‫ن َ‬
‫سا َ‬
‫ال ِ ْ‬
‫ح َ‬
‫ش ْ‬
‫الحسان مطلوب منك دائما‪ ،‬هو أن تحسن في تعاملك مع نفسك؛ بـأن تمتثــل‬
‫الواجبات‪ ،‬وأن تنتهي عن المحرمات؛ لن مـن لـم يحسـن هـذا الحسـان كـان‬
‫ظالما لنفسه‪ ،‬والظالم لنفسه من ارتكب بعض المنهيات‪ ،‬أو فــرط فــي بعــض‬
‫الواجبات‪ ،‬لهــذا أمــر اللــه جــل وعل فــي ســورة النحــل بالحســان فقــال جــل‬
‫ْ‬
‫ء ِذي ال ْ ُ‬
‫قْرب َللى﴾]النحــل‪ [90:‬وهــذا‬
‫وِإيت َللا ِ‬
‫وال ِ ْ‬
‫مُر ِبال ْ َ‬
‫ح َ‬
‫ه ي َأ ُ‬
‫وعل﴿الل ّ َ‬
‫ن َ‬
‫سا ِ‬
‫ل َ‬
‫عدْ ِ‬
‫يشمل جميع الشريعة‪.‬‬
‫الحسان في التعامل مع الخلق‪ ،‬وهذا يكون بأداء الحقوق التي لهم‪ ،‬وعــدم‬
‫مهم فيما لهم‪ ،‬والخلق متنوعون‪ ،‬أصناف شتى‪ ،‬فكــل أحــد مــن الخلــق لــه‬
‫ُ‬
‫ظل ْ ِ‬
‫حق‪:‬‬
‫‪1‬‬

‫)(‬

‫انتهى الشريط الخامس‪.‬‬

‫النووية‬
‫شرح الربعين‬
‫‪85‬‬

‫‪ .1‬فأعلى الخلق مقاما مما له حق النبي عليه الصــلة والســلم‪ ،‬فالحســان‬
‫المتعلــق بالمصــطفى عليــه الصــلة والســلم أن تحســن فــي الشــهادة لــه‬
‫بالرسالة؛ بأن تصدقه عليه الصلة والسلم فيما أخبر‪ ،‬وأن تعبــد اللــه علــى‬
‫ما جاء به المصطفى ‪ ،‬وأن تقدم مراده عليه الصلة والسلم فــي الــدين‬
‫على ما تشتهيه أنت من الهواء والبدع‪ ،‬فهذا إحســان فــي حــق المصــطفى‬
‫‪.‬‬
‫ن‬
‫وِبال ْ َ‬
‫‪ .2‬إحسان في حق الوالدين‪ ،‬أمر الله جل وعل به في قـــوله‪َ ﴿ :‬‬
‫وال ِدَي ْ ِ‬
‫ضى رب ل َ َ‬
‫)‪(1‬‬
‫و َ‬
‫سللاًنا‬
‫ق َ‬
‫ن إِ ْ‬
‫عب ُل ُ‬
‫ك أّل ت َ ْ‬
‫َ ّ‬
‫إِ ْ‬
‫ح َ‬
‫ح َ‬
‫وِبال ْ َ‬
‫دوا إ ِّل إ ِي ّللاهُ َ‬
‫ساًنا﴾ ‪َ ﴿ ،‬‬
‫وال ِلدَي ْ ِ‬
‫﴾] الســراء‪ [23:‬فهذا إحســان فــي حــق الوالــدين بإعطــاء الوالــدين الحقــوق‬
‫الواجبة التي لهم‪.‬‬
‫‪ .3‬إحسان في حق المؤمنين بعامة‪.‬‬
‫‪ .4‬إحسان في حق العصاة‪.‬‬
‫‪ .5‬إحسان في حق العلماء‪.‬‬
‫‪ .6‬إحسان في حق ولة المر‪.‬‬
‫‪ .7‬إحسان في حق الكافر أيضا‪.‬‬
‫وهكذا فكل نوع من أنواع الخلق يتعلق به نوع مــن أنــواع الحســان جــاءت‬
‫الشريعة بتفصيله‪ ،‬حتى الحيوان من الخلــق تعلــق الحســان بــه‪ ،‬بمــا مثــل بــه‬
‫قت َل ْت ُم َ َ‬
‫ذا َ‬
‫المصطفى ‪ ‬بقوله ) َ‬
‫فإ ِ َ‬
‫ة(‪ ،‬هـذا تمثيـل لنـوع مـن‬
‫قت ْل َ َ‬
‫سُنوا ال ْ ِ‬
‫ح ِ‬
‫فأ ْ‬
‫ْ‬
‫أنواع الحسان‪ ،‬تعلق بنوع من أنواع المخلوقات‪ ،‬فذكرنا أن الحسان على كل‬
‫المخلوقات؛ يعني في كل المخلوقات الــتي تعاشــرها‪ ،‬ومــن هــذه المخلوقــات‬
‫الحيوانات‪ ،‬فــالحيوان كيــف تحســن‪ ...‬؟ مث ّـ َ‬
‫ل المصــطفى ‪ ‬بــالحيوان تمــثيل‬
‫ذا َ‬
‫وتنبيهــا للحســان فــي غيــره‪ ،‬فقــال عليــه الصــلة والســلم ) َ‬
‫ف لإ ِ َ‬
‫م‬
‫قت َل ْت ُ ل ْ‬
‫َ‬
‫َ َ‬
‫وإ ِ َ‬
‫م‬
‫حلل َ‬
‫قت َْللل َ‬
‫ول ْي ُ ِ‬
‫سللُنوا ال ْ ِ‬
‫ح ِ‬
‫ح ِ‬
‫حللدّ أ َ‬
‫سللُنوا الذّب ْ َ‬
‫م فأ ْ‬
‫ذا ذَب َ ْ‬
‫فأ ْ‬
‫حللدُك ُ ْ‬
‫حُتلل ْ‬
‫ة؛ َ‬
‫ة‪َ ،‬‬
‫ش ْ‬
‫َ‬
‫ه( يعني أن تسعى في القتل بأحسن الطــرائق‪ ،‬وفــي‬
‫ح ذَِبي َ‬
‫ر ْ‬
‫ول ْي ُ‬
‫حت َ ُ‬
‫فَرت َ ُ‬
‫ه‪َ ،‬‬
‫ِ‬
‫َ‬
‫م َ‬
‫ذا َ‬
‫الذبح بأحسن الطرائق‪ ،‬وقوله ) َ‬
‫فإ ِ َ‬
‫ة( هــذا يشــمل‬
‫قت ْل َ َ‬
‫سُنوا ال ْ ِ‬
‫ح ِ‬
‫فأ ْ‬
‫قت َل ْت ُ ْ‬
‫قتل من يستحق القتل من ابن آدم‪ ،‬أو من الحيوانــات‪ ،‬والظــاهر مــن الســياق‬
‫أن المقصود به الحيوان‪ ،‬وحــتى النســان مــأمور بــأن تحســن قِتلتــه‪ ،‬فيضــرب‬
‫بالسيف ضربة واحدة على رأسه‪ ،‬يعني‪ :‬بما يكون‪ ،‬يعني على رقبته بما يكــون‬
‫أسرع في إزهاق روحه‪ ،‬حتى الكفار أمــر النــبي ‪ ‬أل يمثــل بهــم »ل تمثلوا‬
‫بهم« وأل يقتل شيخ‪ ،‬وأل يقتل امرأة‪ ،‬ول طفل إلى آخر مــا جــاء فــي الســنة‬
‫في ذلك‪.‬‬
‫وإ ِ َ‬
‫سُنوا( يعني ابحثوا عن أحســن‬
‫ح َ‬
‫ح ِ‬
‫ح ِ‬
‫ة ( ‪) ،‬أ ْ‬
‫سُنوا الذّب ْ َ‬
‫م فأ ْ‬
‫ذا ذَب َ ْ‬
‫حت ُ ْ‬
‫قال ) َ‬
‫َ‬
‫ش ْ‬
‫م َ‬
‫ه( يعني بحيث ل يتألم المــذبوح‬
‫ول ْي ُ ِ‬
‫حدّ أ َ‬
‫فَرت َ ُ‬
‫حدُك ُ ْ‬
‫طريق للذبح فاذبحوا‪َ ) ،‬‬
‫حين الذبح‪ ،‬ليحد أحــدكم شــفرته؛ بحيــث يكــون إمرارهــا مســرعا فــي إزهــاق‬
‫الروح؛ بحيث ل يأتي يحاول ويحاول فيكون مع ذلك إتعاب الحيوان في إزهــاق‬
‫روحه‪ ،‬وهذا يدل على استخدام اللت الجيدة في إزهاق الــروح فــي الحيــوان‪،‬‬
‫فيخالف الحسان ما قد يفعله بعضهم من أنه ل يحســن الذبــح‪ ،‬ويــذهب يتعلــم‬
‫كيف يذبح‪ ،‬يذهب يتعلم‪ ،‬فيأتي عشر دقائق أو خمس دقائق‪ ،‬وهــو يعالــج هــذه‬
‫مَزت من يديه‪ ،‬وقامت والدم يتناثر‪ ،‬ونحــو‬
‫الذبيحة‪ ،‬وربما فرت منه‪ ،‬أو يعني جَ َ‬
‫ذلــك ممــا قــد يجــرب بعضــهم الذبــح‪ ،‬وهــذا مخــالف للمــر بالحســان‪ ،‬المــر‬
‫‪()1‬البقرة‪ ،83:‬النساء‪ ،36:‬النعام‪ ،151:‬السراء‪.23:‬‬

‫الشيخ العلمة صالح بن عبد العزيز بن محمد آل الشيخ‬

‫‪86‬‬

‫بالحسان؛ إحسان القتلة‪ ،‬وإحسان الذبحة أن يكون مسرعا في إزهــاق الــروح‬
‫في الحيوان بإحداد الشفرة‪ ،‬وأن تكون يده أيضــا محســنة لســتعمال الشــفرة‬
‫في ذلك‪ ،‬وهذا من الحسان الذي أُمرنا به‪ ،‬حتى جاء من الحسان الذي أمرنــا‬
‫به أل تذبح بهيمة عند بهيمة؛ حتى ل تتأذى برؤية دم أختها وهي ُتذبح‪.‬‬
‫فهذا أمر عام بالحسان في كــل شــيء‪ ،‬إحســان فــي العبــادة‪ ،‬إحســان فــي‬
‫التعامل مع نفسه‪ ،‬ومع الخلق‪ ،‬ومع الحيــوان‪ ،‬حــتى مــع النبــات فيــه إحســان‪،‬‬
‫حتى مع الجن‪ ،‬حتى مع الملئكة‪ ،‬إلى آخر ذلك‪ ،‬حتى مــع مخلوقــات اللــه فــي‬
‫ْ‬
‫مُر‬
‫ه ي َلأ ُ‬
‫كل شيء إحسان بحسبه‪ ،‬وهذا مقام عظيم أمر الله جل وعل به ﴿الل ّل َ‬
‫ن﴾]النحــل‪ ،[90:‬فعلى طلب العلــم أن يحسـنوا فــي أقـوالهم‪،‬‬
‫وال ِ ْ‬
‫ِبال ْ َ‬
‫ح َ‬
‫سا ِ‬
‫ل َ‬
‫عدْ ِ‬
‫وفي أعمالهم‪ ،‬وفــي تعــاملهم مــع ربهــم جــل وعل‪ ،‬وفــي تعـاملهم مــع الخلــق‬
‫بأنواعه المكلفين وغير المكلفين‪ ،‬الجبال والنبات والشجر والدواب‪ ،‬إلــى آخــر‬
‫ل َ‬
‫عَلى ك ُ ّ‬
‫يء(‪.‬‬
‫ن َ‬
‫سا َ‬
‫ب ال ِ ْ‬
‫ذلك‪ .‬فالله جل وعل )ك َت َ َ‬
‫ح َ‬
‫ش ْ‬
‫وبهذا القدر الكفاية‪ ،‬وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد‪.‬‬
‫‪‬‬
‫بسم الله الرحمن الرحيم‪ ،‬الحمد لله‪ ،‬والصلة والسلم علــى رســول اللــه‪،‬‬
‫وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهداه‪.‬‬
‫أما بعد‪ ،‬فنُكمل شرح الحاديث النووية الربعين‪ ،‬وقد وقفنــا علــى الحــديث‬
‫الثامن عشر‪.‬‬
‫الحديث الثامن عشر ‪‬‬
‫ل ‪ --‬عن‬
‫ن َ‬
‫ن ُ‬
‫عن أبي ذ َّر ُ‬
‫ن ُ‬
‫جن ْد ُ ِ‬
‫جب َ ٍ‬
‫معاذ ِ ب ِ‬
‫جَنادة َ وأبي عبد ِ الرحم َِ‬
‫بب ِ‬
‫ة‬
‫سن َ َ‬
‫سي ّئ َ َ‬
‫ة ال ْ َ‬
‫ق الله َ‬
‫ما ك ُن ْ َ‬
‫ح َ‬
‫ع ال ّ‬
‫حي ْث ُ َ‬
‫ت‪َ ،‬‬
‫وأت ْب ِ ِ‬
‫رسول الله ‪ ‬قال‪»:‬ا ِت ّ ِ‬
‫س بِ ُ ُ‬
‫ن «]رواه الترمذي‪ ،‬وقال‪) :‬حديث‬
‫و َ‬
‫ق َ‬
‫م ُ‬
‫ح َ‬
‫ح َ‬
‫تَ ْ‬
‫ق الّنا َ‬
‫ها‪َ ،‬‬
‫س ٍ‬
‫خل ٍ‬
‫خال ِ ِ‬
‫حسن (‪ ،‬وفي بعض النسخ‪) :‬حسن الصحيح ‍([‪.‬‬
‫]الشرح[‬
‫هذا الحديث حديث أبي ذرّ‪ ،‬ومعاذ بن جبل رضي الله عنهما عن رسول الله‬
‫‪ ‬قال »ا ِت ّق الله حيث ُما ك ُن ْت‪َ ،‬‬
‫ق‬
‫و َ‬
‫سن َ َ‬
‫سي ّئ َ َ‬
‫م ُ‬
‫ة ال ْ َ‬
‫َ‬
‫ح َ‬
‫ح َ‬
‫ع ال ّ‬
‫ة تَ ْ‬
‫َ ْ َ‬
‫هللا‪َ ،‬‬
‫َ‬
‫خللال ِ ِ‬
‫وأت ْب ِ ِ‬
‫ِ‬
‫س بِ ُ ُ‬
‫ن«‪.‬‬
‫س‬
‫ح‬
‫ق‬
‫الّنا َ‬
‫خل ٍ َ َ ٍ‬
‫مللا( هــذه متعلقــة‬
‫ت( هذا أمْ ـر بــالتقوى‪ ،‬و) َ‬
‫ق الله َ‬
‫ما ك ُن ْ َ‬
‫حي ْث ُ َ‬
‫حي ْث ُ َ‬
‫قوله )ا ِت ّ ِ‬
‫بالزمنة والمكنة‪ ،‬يعني في أي زمــان كنــت‪ ،‬وفــي أي مكــان كنــت؛ لن كلمــة‬
‫ث( قد تتوجه إلى المكنة‪ ،‬وقد تتوجه إلى الزمنة؛ يعني قــد تكــون ظــرف‬
‫حي ْ ُ‬
‫) َ‬
‫مللا‬
‫ق الللله َ‬
‫حي ْث ُ َ‬
‫مكان‪ ،‬وقد تكون ظرف زمان‪ ،‬وهي هنا محتملة للمرين‪) ،‬ا ِت ّل ِ‬
‫ت( يعني اتق الله في أي مكان أو في أي زمان كنــت‪ .‬والمــر بتقــوى اللــه‬
‫ك ُن ْ َ‬
‫لن التقوى أصل عظيم من أصول الدين‪:‬‬
‫ّ‬
‫جل وعل هنا على الوجوب؛‬
‫َ‬
‫هللا‬
‫‪ ‬وقد أمر الله جل وعل نبيه ‪ ‬بأ ْ‬
‫ن يتقي اللــه‪ ،‬فقــال جــل وعل‪َ﴿ :‬ياأي ّ َ‬
‫َ‬
‫هللا‬
‫ه﴾]الحزاب‪ ،[1:‬وأمر المؤمنين بأ ْ‬
‫ن يتقوا الله حــق تقــاته ﴿ َياأي ّ َ‬
‫ق الل ّ َ‬
‫الن ّب ِ ّ‬
‫ي ات ّ ِ‬
‫ق تُ َ‬
‫مُنوا ات ّ ُ‬
‫ه﴾]آل عمــران‪ ،[102:‬وأمرهــم بتقــوى اللــه‬
‫قلات ِ ِ‬
‫ال ّ ِ‬
‫ه َ‬
‫ذي َ‬
‫حل ّ‬
‫قوا الل ّل َ‬
‫نآ َ‬
‫َ‬
‫قوُلوا َ‬
‫و ُ‬
‫مُنوا ات ّ ُ‬
‫دا﴾]الحــزاب‪،[70:‬ـ ﴿‬
‫س ِ‬
‫ها ال ّ ِ‬
‫دي ً‬
‫وًل َ‬
‫بعامة ﴿َياأي ّ َ‬
‫ذي َ‬
‫قوا الل ّ َ‬
‫نآ َ‬
‫ق ْ‬
‫ه َ‬
‫َ‬
‫ما َ‬
‫ول ْت َن ْظُْر ن َ ْ‬
‫مُنوا ات ّ ُ‬
‫د﴾]الحشــر‪[18:‬‬
‫ت لِ َ‬
‫غل ٍ‬
‫ها ال ّ ِ‬
‫م ْ‬
‫َياأي ّ َ‬
‫ذي َ‬
‫قدّ َ‬
‫س َ‬
‫قوا الل ّ َ‬
‫نآ َ‬
‫ف ٌ‬
‫ه َ‬
‫وأشباه ذلك‪ .‬وتقوى الله جل وعل جاءت في القرآن في مواضع كثيرة‪.‬‬
‫ُ‬
‫ن يتقــي‬
‫‪َ ‬‬
‫وأت ِ‬
‫ت التقوى في مواضع أخر بتقوى عــذاب اللــه جــل وعل‪ ،‬وبــأ ْ‬
‫وات ّ ُ‬
‫ه‬
‫ن ِ‬
‫في ل ِ‬
‫عللو َ‬
‫ج ُ‬
‫ما ت ُْر َ‬
‫النار‪ ،‬وأ ْ‬
‫و ً‬
‫قوا ي َ ْ‬
‫ن يتقي يوم القيامة كما قال جل وعل ﴿ َ‬

‫النووية‬
‫شرح الربعين‬
‫‪87‬‬

‫وات ّ ُ‬
‫قوا‬
‫إ َِلى الل ّ ِ‬
‫ه﴾]البقرة‪ ،[281:‬وقال جل وعل ﴿ َ‬
‫آيات ُأخر‪.‬‬
‫َ‬
‫فهذان إذن نوعان‪ ،‬فإذا توجهت التقوى‪ ،‬وصاَر مفعوُلها لف َ‬
‫ها‬
‫ظ الجللةِ ﴿َياأي ّ َ‬
‫مُنوا ات ّ ُ‬
‫ه﴾ )‪ (1‬فمعنى تقوى اللــه جــل وعل هنــا أنْ تجعــل بينــك‬
‫ال ّ ِ‬
‫ذي َ‬
‫قوا الل ّ َ‬
‫نآ َ‬
‫ـك منــه‪،‬‬
‫قيـ َ‬
‫وبين عذاب الله وسخطه وأليم عقابه في الدنيا وفي الخرة وِقاية ت َ ِ‬
‫وهذه الوقاية بالتوحيد‪ ،‬ونبذ الشرك‪ ،‬وهذه هي التقوى التي ُأمر النــاس جميعــا‬
‫بها؛ لن تقوى الله كما ذكرت لك من معناها راجعة إلى المعنى اللغوي‪ ،‬وهــي‬
‫وقايــة‪ ،‬وََقــاهُ‪،‬‬
‫ّ‬
‫أن التقوى أصلها )وَقْ َ‬
‫وى( فالتاء فيها منقلبة عن واو‪ ،‬وهي من ال ِ‬
‫ة‪ ،‬فالمتقي هو من جعل بينه وبين ما يكره وقاية‪ ،‬بينــه وبيــن ســخط‬
‫قيهِ‪ِ ،‬وَقايَ ً‬
‫َي ِ‬
‫الله وعذابه وأليم عقابه وقاية‪.‬‬
‫وهي في القرآن ‪-‬أي في المر بتقوى الله‪ -‬على ثلث مراتب‪:‬‬
‫َ‬
‫)‪(2‬‬
‫س ات ّ ُ‬
‫م﴾ فــي‬
‫♦ الولى‪ :‬تقوى أمر بها الناس جميعا‪َ ﴿ ،‬ياأي ّ َ‬
‫قوا َرب ّك ُ ْ‬
‫ها الّنا ُ‬
‫آيات‪ ،‬وهذا معناه أن يسلموا أن يحققوا التوحيد‪ ،‬ويتبرءوا من الشرك‪ ،‬فمــن‬
‫م مـن الشـرك فقـد اتقـى اللـه جـل وعل أعظـم أنـواع‬
‫أتـى بالتوحيـد‪ ،‬وسـَل ِ َ‬
‫مللا ي َت َ َ‬
‫قب ّ ل ُ‬
‫ل‬
‫التقوى‪ ،‬ولهذا قال جماعة من المفسرين في قوله جل وعل ﴿ إ ِن ّ َ‬
‫ن ﴾]المائدة‪ [27:‬يعني من الموحدين‪.‬‬
‫مت ّ ِ‬
‫ه ِ‬
‫قي َ‬
‫م ْ‬
‫ن ال ْ ُ‬
‫الل ّ ُ‬
‫♦ والمرتبة الثانية أوالنوع الثاني‪ :‬تقوى أمر بهــا المــؤمنين فقــال جــل وعل‬
‫َ‬
‫مُنوا ات ّ ُ‬
‫ه( وهذه التقوى للمؤمن تكون بعد تحصــيله‬
‫ها ال ّ ِ‬
‫)َياأي ّ َ‬
‫ذي َ‬
‫قوا الل ّ َ‬
‫نآ َ‬
‫كما هو معلوم بعد تحصيله التوحيد وترك الشرك‪ ،‬فيكــون التقــوى فــي حقــه‬
‫أن يعمل بطاعة الله على نور من الله‪ ،‬وأنْ يترك معصية الله على نــور مــن‬
‫ن يترك المحرمات‪ ،‬ويمتثل الواجبــات‪ ،‬وأن يبتعــد عمــا فيــه‬
‫الله جل وعل‪ ،‬وأ ْ‬
‫سخط الله جل وعل‪ ،‬والتعرض لعذابه‪ ،‬وهــذه التقــوى للمــؤمنين أيضــا علــى‬
‫حـ َ‬
‫ذرا ممـا بـه بـأس‪ ،‬حـتى قـال بعـض‬
‫ن يدع مـا ل بـأس بـه َ‬
‫مراتب أعلها أ ْ‬
‫سموا متقين إل لتركهم ما ل بأس بلله حللذرا ممللا بلله‬
‫السلف‪” :‬ما ُ‬
‫بأس“‪ .‬وهذا في أعلى مراتب التقوى؛ لنّه اتقــى مــا ل ينفعــه فــي الخــرة‪،‬‬
‫وهذه مرتبة أهل الزهد والورع والصلح‪.‬‬
‫ُ‬
‫ت بهــا‪،‬‬
‫♦ والنوع الثالث من التقوى في القــرآن‪ :‬تقــوى أمــر بهــا مــن هــو آ ٍ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫أم ـر‬
‫ه﴾]الحــزاب‪ [1:‬ومــن ِ‬
‫وذلك قول اللــه جــل وعل ﴿َياأي ّ َ‬
‫ق الل ّل َ‬
‫ها الن ّب ِل ّ‬
‫ي اّتل ِ‬
‫ن يثبــت عليــه‪ ،‬وعلــى دواعيــه‪ ،‬فمعنــى‬
‫ن معنى المر أ ْ‬
‫بشيء هو محصله‪ ،‬فإ ّ‬
‫َ‬
‫ع ال ْ َ‬
‫ن‬
‫كللا ِ‬
‫وَل ت ُ ِ‬
‫طلل ْ‬
‫قــول اللــه جــل وعل ﴿َياأي ّ َ‬
‫ري َ‬
‫ق الّللل َ‬
‫ه َ‬
‫هللا الن ِّبلل ّ‬
‫ف ِ‬
‫ي اّتلل ِ‬
‫ع‬
‫ف ِ‬
‫مَنا ِ‬
‫وَل ت ُطِل ْ‬
‫قي َ‬
‫ن﴾]الحــزاب‪ ،[1:‬يعنــي اث ْب ُـ ْ‬
‫وال ْ ُ‬
‫ت علــى مقتضــيات التقــوى ) َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫ْ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫من ُللوا‬
‫ف ِ‬
‫من َللا ِ‬
‫الكا ِ‬
‫هللا الل ِ‬
‫ن(‪ ،‬وذلــك قــوله جــل وعل ﴿َياأي ّ َ‬
‫ذي َ‬
‫قي َ‬
‫ري َ‬
‫نآ َ‬
‫وال ُ‬
‫ن َ‬
‫ف ِ‬
‫ه﴾]النساء‪[136:‬الية في سورة النساء‪ ،‬فنــاداهم باســم اليمــان‪ ،‬ثــم‬
‫مُنوا ِبالل ّ ِ‬
‫آ ِ‬
‫أن يكملــوا‬
‫أمرهــم باليمــان‪ ،‬وهــذا معنــاه أن يثبتــوا علــى كمــال اليمــان‪ ،‬أو ْ‬
‫َ‬
‫من ُللوا( اليمــان لــه‬
‫ها ال ّ ِ‬
‫مقامات اليمان بحسب الحال؛ ل ّ‬
‫ن لفظ )َياأي ّ َ‬
‫ذي َ‬
‫نآ َ‬
‫درجات‪.‬‬
‫ت( هــذا خطــاب مــوجّه لهــل‬
‫ق الله َ‬
‫مللا ك ُن ْل َ‬
‫حي ْث ُ َ‬
‫فقول النــبي ‪ ‬هنــا )ا ِت ّ ِ‬
‫اليمان‪ ،‬يعني لهل النوع الثاني‪ ،‬فالمقصود منه أنْ يأتي بتقوى اللــه جــل وعل‬
‫ر﴾]آل عمران‪،[131:‬‬
‫الّنا َ‬

‫وهكذا في‬

‫‪()1‬الحشر‪ ,18:‬الحديد‪ ،28:‬الحزاب‪ ،70:‬التوبة‪ ،119:‬المائدة‪ ،35:‬آل عمران‪ ،102:‬البقرة‪:‬‬
‫‪.278‬‬
‫‪()2‬لقمان‪ ،33:‬الحج‪ ،1:‬النساء‪.1:‬‬

‫الشيخ العلمة صالح بن عبد العزيز بن محمد آل الشيخ‬

‫‪88‬‬

‫في أي مكان‪ ،‬أو زمان كان‪ ،‬فهو أن يعمل بالطاعات‪ ،‬وأن يجتنب المحرمــات‪،‬‬
‫كما قال ط َل ْقُ بن حبيب رحمه الله‪” :‬تقوى الله‪ :‬أن تعمللل بطاعللة الللله‬
‫على نور من الله ترجو ثواب الله‪ ،‬وأن تترك معصية الله على نلور‬
‫من الله تخشى عقاب الله“‪ .‬قال ابن مسعود وغيره في رجل ســأله عــن‬
‫التقوى فقال‪ :‬ألم تمش على طريق فيه شوك ؟ فقال بلى‪ .‬قال فما صنعت ؟‬
‫قال شمرت واتقيت‪ ،‬قال فتلك التقوى‪ .‬وهي مروية أيضا عن عمر ‪ ‬ونظمها‬
‫ابن المعتز الشاعر المعروف بقوله‪:‬‬
‫وكبير‬
‫خلللّ الذنلوب‬
‫صغيرهلا‬
‫ض الش‬
‫ش‬
‫ِ‬
‫واصنلع كملا ٍ‬
‫فلوق أر‬
‫إن الج‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫لقرن‬
‫ل تحل‬
‫صغللليرة‬
‫وهذا بعامة يخاطب به أهل اليمان‪ ،‬فإذن تقوى الله جل وعل أن تخاف من‬
‫أثر معصية الله جل وعل‪ ،‬أنْ تخاف من الله جل وعل فيمــا تــأتي‪ ،‬وفيمــا تــذر‪،‬‬
‫وهي في كل مقام بحسبه‪ .‬التقوى في كل مقام بحســبه‪ ،‬ففــي وقــت الصــلة‬
‫هنا تخاطب بالتقوى‪ ،‬وفي وقت الزكاة تخاطب بالتقوى‪ ،‬في هذا المقام‪ ،‬وفي‬
‫وقت التيان بسنة تخــاطب بــالتقوى‪ ،‬وفــي وقــت المخاطبــة بــواجب تخــاطب‬
‫محّرم من النساء أو المال‪ ،‬أو الخمور‪ ،‬أو‬
‫بالتقوى‪ ،‬وفي وقت أن يعرض عليك ُ‬
‫جــب‬
‫ما أشبه ذلك من النواع‪ ،‬أو محرمات اللسان‪ ،‬أو أفعــال القلــوب مــن العُ ْ‬
‫والكِْبر‪ ،‬أو الزدراء وسوء الظن‪ ،‬إلى آخره‪ ،‬في كــل مقــام يأتيــك هنــاك تقــوى‬
‫تخصه‪ .‬فإذن تتعلق التقوى بالزمنة وبالمكنة؛ ولهذا قال عليه الصلة والســلم‬
‫ت(؛ لنّه ما من مكان تكون فيــه أو زمــان تكــون فيــه إل‬
‫ق الله َ‬
‫ما ك ُن ْ َ‬
‫حي ْث ُ َ‬
‫)ا ِت ّ ِ‬
‫وثم أمر أو نهي من الله جل وعل يتوجه للعبد‪.‬‬
‫ُ‬
‫ول َ َ‬
‫ب‬
‫صي َْنا ال ّ ِ‬
‫ن أوُتوا ال ْك َِتا َ‬
‫ذي َ‬
‫و ّ‬
‫قدْ َ‬
‫والوصية بالتقوى هي أعظم الوصايا‪َ ﴿ ،‬‬
‫م َأن ات ّ ُ‬
‫ن َ‬
‫ه﴾]النســاء‪ [131:‬وكان الصــحابة رضـوان اللـه‬
‫ِ‬
‫م ْ‬
‫قوا الل ّ َ‬
‫وإ ِّياك ُ ْ‬
‫قب ْل ِك ُ ْ‬
‫م َ‬
‫عليهم كثيرا ما يوصــي بعضــهم بعضــا بتقــوى اللــه‪ ،‬فهُـم يعلمــون معنــى هــذه‬
‫الوصية العظيمة‪.‬‬
‫َ‬
‫ها( أتْبــع الفاعــل‬
‫سن َ َ‬
‫سي ّئ َ َ‬
‫م ُ‬
‫ة ال ْ َ‬
‫ح َ‬
‫ح َ‬
‫ع ال ّ‬
‫ة تَ ْ‬
‫قال عليه الصلة والسلم ) َ‬
‫وأت ْب ِ ِ‬
‫أنت‪ ،‬والسيئة هي المتبوعة‪ ،‬والحسنة هي التابعــة؛ يعنــي اجعــل الحســنة وراء‬
‫ن الحســنات يــذهبن‬
‫السيئة؛ بعد السيئة‪ ،‬إذا عملت ســيئة فأتبعهــا بحســنة؛ فــإ ّ‬
‫وُزل َ ً‬
‫ن‬
‫صلَلةَ طََر ِ‬
‫وأ َ ِ‬
‫فللا ِ‬
‫فللي الن ّ َ‬
‫مل ْ‬
‫ق ْ‬
‫م ال ّ‬
‫ر َ‬
‫السيئات‪ ،‬كما قال جــل وعل ﴿ َ‬
‫هللا ِ‬
‫ت ذَل ِ َ‬
‫ك ِذك َْرى ِلل ل ّ‬
‫ن ﴾]هــود‪،[114:‬‬
‫سي َّئا ِ‬
‫ت ي ُذْ ِ‬
‫سَنا ِ‬
‫ل إِ ّ‬
‫ن ال ْ َ‬
‫ن ال ّ‬
‫ح َ‬
‫ري َ‬
‫هب ْ َ‬
‫الل ّي ْ ِ‬
‫ذاك ِ ِ‬
‫ال مــن‬
‫أن رجل من الصحابة َنـ َ‬
‫وفي الصحيح‪ ،‬صحيح البخاري رحمه الله وغيره ّ‬
‫امرأة ُقبلة فأتي النبي ‪ ‬وأخــبره بــالخبر مســتعظما لمــا فعــل‪ ،‬فيســأله عــن‬
‫وُزل َ ً‬
‫فللا‬
‫ك ّ‬
‫صَلةَ طََر ِ‬
‫وأ َ ِ‬
‫في الن ّ َ‬
‫ق ْ‬
‫م ال ّ‬
‫ر َ‬
‫فارة ذلك‪ ،‬فنزل قول الله جل وعل ﴿ َ‬
‫ها ِ‬
‫ت ذَل ِ َ‬
‫ك ِذك ْلَرى ِلل ل ّ‬
‫ن﴾]هــود‪:‬‬
‫سي َّئا ِ‬
‫ت ي ُذْ ِ‬
‫سَنا ِ‬
‫ِ‬
‫ل إِ ّ‬
‫ن ال ْ َ‬
‫ن ال ّ‬
‫ح َ‬
‫ري َ‬
‫هب ْ َ‬
‫م ْ‬
‫ن الل ّي ْ ِ‬
‫ذاك ِ ِ‬
‫‪ ،[114‬فقــال لــه عليــه الصــلة والســلم »هللل صللليت معنللا فللي هللذا‬
‫المسجد؟« قال‪ :‬نعم‪ .‬قال »فهي كفارة ما أتيللت«‪ ،‬وهــذا يــدل علــى أنّ‬
‫ن‬
‫ن يستغفر من السيئات‪ ،‬وأنْ يسعى في زوالها‪ ،‬وذلك بأ ْ‬
‫المؤمن يجب عليه أ ْ‬
‫يأتي بالحسنات‪ ،‬فالتيان بالحسنات يمحــو اللــه جــل وعل بــه أنــواع َ الســيئات‪.‬‬

‫النووية‬
‫شرح الربعين‬
‫‪89‬‬

‫وكل سيئة لها ما يقابلهــا‪ ،‬فليــس كــل ســيئة تمحوهــا أيّ حســنة فــإذا عظمــت‬
‫السيئة وكبرت فل يمحوها إل الحسنات العظام؛ لنّ كل ســيئة لهــا مــا يقابلهــا‬
‫من الحسنات‪ ،‬ولهذا جاء أنّ الرجل إذا غَِلط أو جرى على لسانه كلمة والكعبة‬
‫أو أقسم بغير الله فإن كفارة ذلك من الحلف بالباء وأشــباه ذلــك أن يقــول ل‬
‫إله إل الله؛ لن ذاك شرك‪ ،‬وكفارة الشرك أن يأتي بالتوحيد‪ ،‬وكلمــة ل إلــه إل‬
‫الله هي من الحسنات العظام‪ ،‬كلمة التوحيد من الحسنات العظام‪.‬‬
‫إذن فالسيئات لها حسنات يمحو الله جل وعل بها السيئات‪ ،‬وهذا يدل على‬
‫أن السيئة تمحى‪ ،‬ول تدخل في الموازنة‪ ،‬وظاهر الحديث أنّ هذا فيمن أتبعهــا‬
‫ن يمحـو اللــه جــل وعل عنـه‬
‫يعنــي أنّـه إذا أتــى بســيئة أتبعهـا بحســنة بقصـد أ ْ‬
‫السيئات؛ لنه قال ) َ‬
‫ها( فــإذا فعــل ســيئة ســعى‬
‫سن َ َ‬
‫سي ّئ َ َ‬
‫م ُ‬
‫ة ال ْ َ‬
‫ح َ‬
‫ح َ‬
‫ع ال ّ‬
‫ة تَ ْ‬
‫َ‬
‫وأت ْب ِ ِ‬
‫في حسنة لكي ُتمحى عنه تلك السيئة‪.‬‬
‫َ‬
‫وُزل َ ً‬
‫فا‬
‫صَلةَ طََر ِ‬
‫وأ ِ‬
‫في الن ّ َ‬
‫ق ْ‬
‫م ال ّ‬
‫ر َ‬
‫والحديث الذي ذكرنا‪ ،‬وعموم الية ) َ‬
‫ها ِ‬
‫ت( يــد ّ‬
‫ل علــى عــدم القصــد‪،‬‬
‫س لي َّئا ِ‬
‫ت ي ُلذْ ِ‬
‫س لَنا ِ‬
‫ِ‬
‫ل إِ ّ‬
‫ن ال ْ َ‬
‫ن ال ّ‬
‫ح َ‬
‫هب ْ َ‬
‫مل ْ‬
‫ن الل ّي ْل ِ‬
‫فالحديث هذا دلّ على القصد‪ ،‬يعني‪ :‬أن يتبعهــا قاصــدا‪ ،‬واليــة والحــديث؛ آيــة‬
‫هود والحديث؛ حديث ابن مسعود الذي فــي البخــاري يــدل علــى عــدم اعتبــار‬
‫القصد‪ ،‬فهل هذا في كل العمال؟ أم أنه يحتاج إلــى أن يتبــع الســيئة الحســنة‬
‫حتى يمحوها الله جل وعل عنه بقصد التْباع؟ هذا ظاهر في أثره‪ ،‬فــأعظم مــا‬
‫يمحو الله جل وعل به السيئات أن يأتي بالحســنة بقصــد التكفيــر‪ ،‬فهــذا يمحــو‬
‫الله جل وعل به الخطيئة؛ لنه جمع بين الفعل والنية‪ ،‬والنية فيها التوبة والندم‬
‫على تلك السيئة‪ ،‬والرغبة إلى الله جل وعل في أنْ يمحوها الله جل وعل عنه‪،‬‬
‫إذن فهي مرتبتان‪:‬‬
‫‪‬المرتبللة الولللى‪ :‬أن يقصــد وهــي العليــا أن يقصــد إذهــاب الســيئة‬
‫بالحسنة التي يعملها‪ ،‬وهذا معه أنّ القلب يتبرأ مــن هــذا الــذنب‪ ،‬ويرغــب فــي‬
‫ذهابه‪ ،‬ويتقرب إلى الله جل وعل بالحسنات حــتى َيرضــى اللــه جــل وعل عنــه‬
‫ففي القلب أنواع من العبوديات ساقته إلى أن يعمل بالحسنة؛ ليمحو الله جل‬
‫وعل عنه بفعله الحسنة ما فعله من السيئة‪.‬‬
‫أن يعمل بالخير مطلقا‪ ،‬والحسنات يذهبن الســيئات‬
‫‪‬والمرتبة الثانية‪ْ :‬‬
‫بعامة‪ ،‬كل حسنة بما يقابلها من السيئة‪ ،‬فالله جل وعل ذو الفضل العظيم‪.‬‬
‫إذا تقرر ذلك فالحســنة المقصــود بهــا الحســنة فــي الشــرع‪ ،‬والســيئة هــي‬
‫السيئة في الشرع‪ ،‬والحسنة في الشرع ما يثاب عليه‪ ،‬والسيئة في الشرع مــا‬
‫ورد الدليل بأنه يعاقب عليه‪ ،‬إذن‪:‬‬
‫• فالسيئات هي المحرمات من الصغائر والكبائر‪.‬‬
‫• والحسنات هي الطاعات من النوافل والواجبات‪.‬‬
‫ُ‬
‫ن(‬
‫س بِ ُ‬
‫و َ‬
‫ق َ‬
‫ح َ‬
‫ق الن ّللا َ‬
‫قــال عليــه الصــلة والســلم بعــد ذلــك ) َ‬
‫سل ٍ‬
‫خلل ٍ‬
‫خال ِ ِ‬
‫خلــق الحســن بــأن يحســن إليهــم‪،‬‬
‫والناس هنا يراد بهم المؤمنون في جمــاع ال ُ‬
‫خلق الحسن يشمل مــا‬
‫ويراد بهم أيضا غير المؤمنين في معاملتهم بالعدل‪ ،‬وال ُ‬
‫يجب على المرء من أنواع التعامل بالعدل لهل العدل‪ ،‬والحسان لمن له حق‬
‫س بِ ُ ُ‬
‫ن(‪،‬‬
‫الحسان‪ ،‬قــال عليــه الصــلة والســلم هنــا ) َ‬
‫ق َ‬
‫ح َ‬
‫ق الّنلا َ‬
‫سل ٍ‬
‫خلل ٍ‬
‫خال ِ ِ‬
‫والخلق الحسن فسر بتفسيرات‪:‬‬
‫دى وكف الذى؛ يعني أن تبــذل الخيــر للنــاس‪ ،‬وأن تكــف‬
‫‪ ‬منها أنه بذل النّ َ‬
‫أذاك عنهم‪.‬‬

‫الشيخ العلمة صالح بن عبد العزيز بن محمد آل الشيخ‬

‫‪90‬‬

‫ن ُيحسِن للناس بــأنواع الحســان‪ ،‬ولــو‬
‫‪‬وقال آخرون‪ّ :‬‬
‫إن ال ُ‬
‫خلق الحسن أ ْ‬
‫أساءوا إليه‪.‬‬
‫كما جاء المر بمخالقة الناس بالخلق الحســن‪ ،‬والحــث علــى ذلــك‪ ،‬وبيــان‬
‫فضيلته في أحاديث كــثيرة‪ ،‬وممــا جــاء فــي بيــان فضــيلته قــوله عليــه الصــلة‬
‫والســلم »إن أدناكم منللي مجلسللا يللوم القيامللة أحاسللنكم أخلقللا‪،‬‬
‫ّّ‬
‫طؤون أكنافا الللذين يللألفون ويؤلفللون«‪ .‬وثبــت عنــه أيضــا عليــه‬
‫و‬
‫ُ‬
‫الم َ‬
‫الصلة والسلم أنه قال »إنّ الرجل ليبلغ بحسن خلقلله درجللة الصللائم‬
‫القائم« يعني المتنفل بالصيام‪ ،‬والمتنفل بالقيام‪ ،‬فحسن الخلق الــذي يبــذله‬
‫دائما طاعة من طاعات اللــه جــل وعل‪ ،‬فــإذا كــان دائم إحســان الخلق علــى‬
‫النحو الذي وصفت‪ ،‬فإّنه يكون في عبادة دائمة‪ ،‬إذا فعل ذلك طاعــة للــه جــل‬
‫وعل‪ ،‬وحسن الخلق تارة يكون طبعا‪ ،‬وتارة يكون حمل؛ يعنــي طاعــة للــه جــل‬
‫وعل ل طبعا في المرء‪ ،‬وما كان من حسن الخلق على امتثال الطاعة‪ ،‬وإلزام‬
‫النفس بذلك فهو أعظم أجرا ممن يفعله على وفق الطبيعــة‪ ،‬يعنــي ل يتكلــف‬
‫ن المر إذا أمر بــه فــي الشــرع‪ ،‬يعنــي‬
‫فيه؛ لن القاعدة المقررة عند العلماء أ ّ‬
‫أن المسألة إذا أمر بها في الشرع‪ ،‬فإذا امتثلها اثنان فإنما من كان أكلف فــي‬
‫م أجــرا فــي التيــان بالواجبــات‪ ،‬كمــا ثبــت فــي‬
‫امتثــال مــا أمــر بــه كــان أعظـ َ‬
‫ر‬
‫ك على قل ْ‬
‫الصحيحين أنه عليــه الصــلة والســلم قــال لعائشــة »إن أجر ِ‬
‫لد ِ‬
‫صِبك« وهذا محمول على شيئين ‪-‬يعني مشروط بشرطين‪:-‬‬
‫نَ َ‬
‫الول‪ :‬أن يكون من الواجبات‪.‬‬
‫والثاني‪ :‬أن يكون مما توجه المر للعبد به فيكون أجره على قدر مشقته‬
‫في امتثال المر‪.‬‬
‫أما النوافل فل لحديث الذي يقرأ القــرآن فيــه تفاصــيل القاعــدة المعروفــة‬
‫عند أهل العلم‪.‬‬
‫‪ ‬‬
‫الحديث التاسع عشر ‪‬‬
‫ف‬
‫ت َ‬
‫خل َ‬
‫ن عّباس رضي الله عدنهما قال‪ :‬كن ُ‬
‫عن أبي العّباس عبد ِ الله ب ِ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫ف ْ‬
‫م َ‬
‫ي ‪ ‬يوما‪ ،‬فقال‪» :‬يا ُ‬
‫ح َ‬
‫ظ الله‬
‫م؛ إ ّني أ َ‬
‫ما ٍ‬
‫ت‪:‬ا ْ‬
‫غل ُ‬
‫ك ك َل ِ َ‬
‫عل ّ ُ‬
‫الّنب ّ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫ْ‬
‫ه َ‬
‫فظ َ‬
‫ت َ‬
‫ح َ‬
‫ح َ‬
‫وإ ِ َ‬
‫ك‪ ،‬إ َ‬
‫ذا‬
‫جا َ‬
‫ف ِ‬
‫جدْهُ ت ُ َ‬
‫ك‪ ،‬ا ِ ْ‬
‫يَ ْ‬
‫سأل َ‬
‫فا ْ‬
‫ذا َ‬
‫ظ الله ت َ ِ‬
‫ل الله‪َ ،‬‬
‫سأ ِ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ن‬
‫ت َ‬
‫وا ْ‬
‫م َ‬
‫ست َ ِ‬
‫على أ ْ‬
‫مأ ّ‬
‫م َ‬
‫وا ْ‬
‫است َ َ‬
‫ع ْ‬
‫عن ْ َ‬
‫ت فا ْ‬
‫جت َ َ‬
‫ن ال ّ‬
‫عل َ ْ‬
‫عن بالله‪َ ،‬‬
‫ة لَ ِ‬
‫ه الله ل َ َ‬
‫عو َ‬
‫عو َ‬
‫ء َ‬
‫م ي َن ْ َ‬
‫ي َن ْ َ‬
‫ك إل ّ ب ِ َ‬
‫ك بِ َ‬
‫ن‬
‫شي ٍ‬
‫شي ٍ‬
‫ف ُ‬
‫ف ُ‬
‫قدْ ك َت َب َ ُ‬
‫ء لَ ْ‬
‫وإ ِ ِ‬
‫ك‪َ ،‬‬
‫َ‬
‫ض ّّرو َ‬
‫ضّرو َ‬
‫يء َ‬
‫ك إل ّ ب ِ َ‬
‫ك بِ َ‬
‫ه‬
‫شي ٍ‬
‫عوا َ‬
‫م يَ ُ‬
‫ن يَ ُ‬
‫على أ ْ‬
‫م ُ‬
‫ا ْ‬
‫قدْ ك َت َب َ ُ‬
‫ء لَ ْ‬
‫جت َ َ‬
‫ش ْ‬
‫َ‬
‫الله ل َ َ‬
‫ج َ‬
‫ت ال ْ‬
‫ف «]رواه الترمذي‪ ،‬وقال‪:‬‬
‫ح ْ‬
‫ك‪ُ ،‬ر ِ‬
‫ف ِ‬
‫ع ِ‬
‫ص ُ‬
‫و ُ‬
‫ف َ‬
‫قل َ ُ‬
‫ت ال ُ‬
‫م‪َ ،‬‬
‫َ‬
‫م َ‬
‫ح َ‬
‫ك‪،‬‬
‫ف ِ‬
‫›حديث صحيح‹[‪ ،‬وفي روايةِ غير الترمذي‪» :‬ا ْ‬
‫جدْهُ أما َ‬
‫ظ الله ت َ ِ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ف َ‬
‫ر ْ‬
‫في ال ّ‬
‫ما‬
‫ْ‬
‫ة‪،‬‬
‫في الر َ‬
‫ك ِ‬
‫ف إِلى الله ِ‬
‫عّر ْ‬
‫شدّ ِ‬
‫واعلم أ ّ‬
‫خاء ي َ ْ‬
‫تَ َ‬
‫ن َ‬
‫ع َِ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫خطِئ َ َ‬
‫صاب َ َ‬
‫صيب َ َ‬
‫خطَأ َ‬
‫ن‬
‫ن ل ِي ُ ْ‬
‫أَ ْ‬
‫وا ْ‬
‫ن ل ِي ُ ِ‬
‫مأ ّ‬
‫م ي َك ُ ْ‬
‫م ي َك ُ ْ‬
‫عل َ ْ‬
‫ك لَ ْ‬
‫ك‪ ،‬وَ َ‬
‫ك لَ ْ‬
‫ما أ َ‬
‫ك‪َ ،‬‬
‫فرج مع ال ْك َرب‪َ ،‬‬
‫الن ّصر مع الصبر‪َ ،‬‬
‫سًرا«‪.‬‬
‫وأ ّ‬
‫وأ ّ‬
‫ع ال ْ ُ‬
‫م َ‬
‫ن ال َ َ َ َ َ‬
‫ْ َ َ َ‬
‫ر يُ ْ‬
‫ع ْ‬
‫ن َ‬
‫ْ ِ‬
‫َ‬
‫ّ ْ َ َ‬
‫س ِ‬
‫]الشرح[‬
‫ص بهــا‬
‫هذا حديث عظيم ّ‬
‫جدا من وصايا المصطفى عليه الصلة والسلم َ‬
‫خـ ّ‬
‫ابن عمه عبد الله بن عباس رضي اللــه عنهمــا‪ ،‬وهــذه الوصــية جمعــت خيــري‬
‫الدنيا والخرة؛ فالنبي ‪ ‬أوصى عبد الله بن عبــاس وأمــره بقــوله )يا ُ‬
‫م؛‬
‫غل ُ‬
‫َ‬
‫مل َ‬
‫ت( وهــذا اللفــظ فيــه تــودّد المعلــم والب والكــبير إلــى‬
‫إ ّني أ ُ َ‬
‫مللا ٍ‬
‫ك ك َل ِ َ‬
‫عل ّ ُ‬

‫النووية‬
‫شرح الربعين‬
‫‪91‬‬

‫ن يوجه باللفاظ الحسنة‪ ،‬فهـو اسـتعمل عليـه الصـلة‬
‫الصغار‪ ،‬وإلى من يريد أ ْ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫ّ‬
‫م َ‬
‫ت( وهي أوامر‪ ،‬فلــم يقــل لــه عليــه‬
‫والسلم لفظ التعليم )إ ّني أ َ‬
‫ما ٍ‬
‫ك ك َل ِ َ‬
‫عل ُ‬
‫الصلة والسلم إنّي آمرك بكذا وكذا‪ ،‬وإنما ذكر لفظ التعليم؛ لنه من المعلوم‬
‫أن العاقل يحب أن يستفيد علما‪.‬‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫ّ‬
‫م َ‬
‫النبي ‪ ‬قال له )يا ُ‬
‫ت( والكلمــات جمــع كلمــة‪،‬‬
‫م؛ إ ّني أ َ‬
‫ما ٍ‬
‫غل ُ‬
‫ك ك َل ِ َ‬
‫عل ُ‬
‫والمقصود بها هنا الجمــل؛ لن الكلمـة فــي الكتــاب والســنة غيــر الكلمــة عنــد‬
‫النّحاة‪ ،‬الكلمة عنــد النحــاة اسـم أو فعـل أو حــرف‪ ،‬أمّـا فـي الكتــاب والسـنة‬
‫و َ‬
‫ها﴾]المؤمنون‪:‬‬
‫م ٌ‬
‫ة ُ‬
‫قائ ِل ُ َ‬
‫فالكلمة هي الجملة‪ ،‬كما قال جل وعل‪﴿ :‬ك َّل إ ِن ّ َ‬
‫ها ك َل ِ َ‬
‫ه َ‬
‫ن﴾]المؤمنــون‪ ،[99:‬وثبــت أيضــا‬
‫ج ُ‬
‫‪ [100‬يريد بها ما جاء في الية قبلها ﴿ َر ّ‬
‫ب اْر ِ‬
‫عو ِ‬
‫في مسلم أنه عليه الصلة والسلم قال »أصدق كلمة قالها شاعر قللول‬
‫ه َباطِل ٌ‬
‫ل َ‬
‫د‪ :‬أ َل َ ك ُ ّ‬
‫ل« قــال »أصللدق كلمللة« فــإذن‬
‫ي ٍ‬
‫شل‬
‫مللا َ‬
‫ل َِبي ٍ‬
‫خل َ الل ّل َ‬
‫ء َ‬
‫ْ‬
‫ملل َ‬
‫ت(‬
‫الكلمة ُيعنى بها الجمل‪ .‬فقوله عليه الصلة والسلم )إَّني أ ُ َ‬
‫مللا ٍ‬
‫ك ك َل ِ َ‬
‫عل ّ ُ‬
‫ملً ووصايا‪ ،‬فأرعها سمعك‪.‬‬
‫يعني إني أعلمك ُ‬
‫ج َ‬
‫ْ‬
‫ْ‬
‫فظ ل َ‬
‫ح َ‬
‫ح َ‬
‫ح َ‬
‫ظ الللله‬
‫فل ِ‬
‫ك‪ ،‬ا ِ ْ‬
‫فظ اللــه ي َ ْ‬
‫قال عليه الصلة والســلم بعــدها )ا ْ‬
‫ه َ‬
‫ك(‪ ،‬هذه هي الوصية الولى‪.‬‬
‫جا َ‬
‫جدْهُ ت ُ َ‬
‫تَ ِ‬
‫ف ْ‬
‫فظ ْ َ‬
‫ح َ‬
‫ح َ‬
‫ك( فهنا أمره بأنْ يحفظ الله‪ ،‬ورّتب عليه أن الله جل‬
‫ظ الله ي َ ْ‬
‫)ا ْ‬
‫ُ‬
‫فظ العبد ربه جل وعل المراد منه أن يحفَظه في حقوقه جــل‬
‫ح ْ‬
‫وعل يحفظه‪ ،‬و ِ‬
‫وعل‪ ،‬وحقوق الله جل جلله نوعان‪ :‬حقوق واجبــة‪ ،‬وحقــوق مســتحبة‪ ،‬فحفــظ‬
‫ح َ‬
‫ظ الله( أن يأتي بــالحقوق الواجبــة‪ ،‬والحقــوق‬
‫ف ِ‬
‫العبد ربه يعني أنْ يمتثل )ا ِ ْ‬
‫المستحبة ‪-‬ونعبّر بالحقوق تجوزا بالمقابلة‪ ،‬يعني الحقوق الواجبة والمســتحبة‪-‬‬
‫فمن أتى بالواجبات والمستحبات فقــد حفِ ـظ اللــه جــل وعل؛ لنــه يكــون مــن‬
‫السابقين بالخيرات‪ ،‬والمقتصد أيضا قــد حفِــظ اللــه جــل وعل إذ امتثــل المــر‬
‫حّرم‪.‬‬
‫م َ‬
‫الواجب‪ ،‬وانتهى عن ال ُ‬
‫• فأدنى درجات حفظ الله جل وعل أن يحفظ الله سبحانه وتعالى بعــد‬
‫إتيانه بالتوحيد بامتثال المر‪ ،‬واجتناب النهي‪.‬‬
‫• والدّرجة التي بعدها المستحبات‪ ،‬هــذه يتنــوع فيهــا النــاس‪ ،‬وتتفــاوت‬
‫درجاتهم‪.‬‬
‫ف ْ‬
‫فظ ْ َ‬
‫ح َ‬
‫ح َ‬
‫ك(‪ ،‬وحفظ الله جل وعل للعبد على درجتين أيضا‪:‬‬
‫ظ الله ي َ ْ‬
‫قال )ا ْ‬
‫• أما الولى فهو أن يحفظه في دنياه‪ ،‬أن يحفظ له مصالحه فــي بــدنه‬
‫بأن يصحه‪ ،‬وفي رزقه بأن يعطيه حاجته‪ ،‬أو أن يوسع عليه في رزقه‪ ،‬وفــي‬
‫أهله بأن يحفظ له أهله وولــده‪ ،‬وأنـواع الحفــظ لمصــالح العبــد فــي الــدنيا‪،‬‬
‫فكل ما للعبد فيه مصلحة في الدنيا فإنه موعــود بــأنْ تحفــظ لــه إذا حفــظ‬
‫الله جل وعل بأداء حقوق الله جل جلله واجتنابه المحرمات‪.‬‬
‫• والدرجة الثانية من حفظ الله جل وعل للعبد‪ ،‬وهــي أعظــم الــدرجتين‬
‫وأرفعهما وأبلغهما عند أهــل اليمــان‪ ،‬وفــي قلــوب أهــل العرفــان‪ ،‬هــي أن‬
‫يحفظ الله جل وعل العبد في دينه‪ ،‬بأن يســلم لــه دينــه بــإخلء القلــب مــن‬
‫تأثير الشبهات فيه‪ ،‬وإخلء الجــوارح مــن تــأثير الشــهوات فيهــا‪ ،‬وأن يكــون‬
‫القلب معلّقا بالرب جل وعل‪ ،‬وأن يكون ُأنسه بالله‪ ،‬ورغبه في الله‪ ،‬وإنابته‬
‫إليه‪ ،‬وخلوته المحبوبة بالله ج ّ‬
‫لي المعروف‪،‬‬
‫ل جلله‪ ،‬كما جاء في حديث الو َ ّ‬
‫الذي رواه البخاري في الصحيح وغيــره أيضــا‪ ،‬قــال عليــه الصــلة والســلم‬
‫»قال الله تعالى ‪-‬في جمل ابتدأ بها الحديث ثم قال‪ -‬ول يزال عبللدي‬

‫الشيخ العلمة صالح بن عبد العزيز بن محمد آل الشيخ‬

‫‪92‬‬

‫يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه‪ ،‬فإذا أحببته كنللت سللمعه الللذي‬
‫يسمع به‪ ،‬وبصره الذي يبصر به‪ ،‬ويده التي يبطش بهللا‪ ،‬ورجللله‬
‫الللتي يمشللي بهللا‪ ،‬ولئن سللألني لعطينلله‪ ،‬ولئن اسللتعاذني‬
‫لعيذنه‪ ،‬وما ترددت في شيء أنا فاعله ترددي في قبض نفس‬
‫عبدي المؤمن‪ ،‬يكره الموت وأكره مساءته‪ ،‬ول بد له من ذلللك«‪،‬‬
‫فحفظ الله جل وعل العبد في الدين هذا أعظم المطالب‪ ،‬ولهذا كـان عليـه‬
‫ف َ‬
‫ظ من الفتن وأن يحفظــه اللــه جــل‬
‫الصلة والسلم يدعو الله كثيرا أن ُيح َ‬
‫وعل من تقليب القلب‪» ،‬يا مقلب القلوب ثبت قلبي على طاعتللك«‬
‫»يا مصرف القلوب صرف قلوبنا إلى طاعتك« ونحــو ذلــك‪ ،‬وكــان‬
‫كثيرا مــا يقســم »ل ومقلب القلللوب«‪ ،‬فالعبــد أعظــم المطــالب الــتي‬
‫يحرص عليها أن يسلم له ديُنه‪ ،‬والله جـل وعل قــد يبتلـي العبـد بخلــل فـي‬
‫ه جـل‬
‫دينه‪ ،‬وشبهات تطرأ عليه لتفريطه في بعض مـا يجـب أ ْ‬
‫ن ُيحفـظ اللـ ُ‬
‫وعل فيه؛ فلهذا العبد إذا حصل له إخلل في الــدين‪ ،‬فــإّنه قــد أخــل بحفــظ‬
‫الله جل وعل‪ ،‬وقد يعاقب بأن ُيجعل غافل‪ ،‬وقــد ُيعــاَقب بحرمــانه البصــيرة‬
‫ن تأتيه الشبهة ول يحسـن كيـف يتعامـل معهـا‪ ،‬ول‬
‫في العلم‪ ،‬وقد ُيعاقب بأ ْ‬
‫كيف يردها‪ ،‬وقــد ُيعــاقب بــأنه تــأتيه الشــبهة فتتمكــن منــه‪ ،‬كمــا قــال جــل‬
‫غوا أ ََزا َ‬
‫ما َزا ُ‬
‫ه ُ‬
‫وعل﴿ َ‬
‫ه‬
‫م﴾]الصــف‪ [5:‬وكمــا قــال ﴿ن َ ُ‬
‫قُلوب َ ُ‬
‫سللوا الل ّل َ‬
‫ه ْ‬
‫غ الل ّ ُ‬
‫فل َ ّ‬
‫َ‬
‫فللي ُ ُ‬
‫م﴾]التوببببة‪ [67:‬وكما قال جل وعل﴿ َ‬
‫َ‬
‫غ‬
‫م َزي ْل ٌ‬
‫ن ِ‬
‫ما ال ّل ِ‬
‫فن َ ِ‬
‫سي َ ُ‬
‫ذي َ‬
‫ه ْ‬
‫فأ ّ‬
‫ه ْ‬
‫قلللوب ِ ِ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫ما ت َ َ‬
‫ه﴾]آل عمران‪[7:‬وكما‬
‫واب ْت ِ َ‬
‫ه اب ْت ِ َ‬
‫غاءَ ال ْ ِ‬
‫ويل ِ ِ‬
‫فت ْن َ ِ‬
‫ه ِ‬
‫عو َ‬
‫في َت ّب ِ ُ‬
‫من ْ ُ‬
‫شاب َ َ‬
‫ن َ‬
‫ة َ‬
‫غاءَ ت َأ ِ‬
‫فت ْن َت ُ َ‬
‫ن تَ َ‬
‫ضل ّ‬
‫ن‬
‫ي إ ِّل ِ‬
‫هل ِ‬
‫ك تُ ِ‬
‫ن ِ‬
‫قال جل وعل﴿إ ِ ْ‬
‫وت َ ْ‬
‫ل بِ َ‬
‫مل ْ‬
‫مل ْ‬
‫دي َ‬
‫هللا َ‬
‫شللاءُ َ‬
‫ه َ‬
‫َ‬
‫تَ َ‬
‫ت﴾]العراف‪[155:‬الية في العراف‪ ،‬وهكذا في آيات أخر دلــت علــى‬
‫شاءُ أن ْ َ‬
‫أن العبد قد يخذل‪ ،‬وخذلنه في أمر الدين هو أعظم الخذلن‪ ،‬ولهــذا ينبغــي‬
‫للعبد أن يحـرص تمـام الحـرص علــى أن يحفـظ اللــه جــل وعل فـي أمــره‬
‫سبحانه‪ ،‬وإن فاته المتثال فل يفته الستغفار‪ ،‬والنابة واعتقاد الحق‪ ،‬وعدم‬
‫التردد‪ ،‬والسرعة باتباع السيئة بالحسنة لعلها أن ُتمحى‪.‬‬
‫لهذا فإن حفظ الله جل وعل للعبد بأن يكون الحفظ في الدين أعظــم مــن‬
‫أن يحفظ في أمر دنياه‪ ،‬ولهذا في قول الله جل وعل في سورة المائدة‪َ ‬‬
‫مللا‬
‫فب ِ َ‬
‫حّر ُ‬
‫م َ‬
‫عل َْنا ُ‬
‫ميَثا َ‬
‫نَ ْ‬
‫ن‬
‫م َ‬
‫سي َ ً‬
‫عّنا ُ‬
‫قا ِ‬
‫م ِ‬
‫ق ِ‬
‫فو َ‬
‫ة يُ َ‬
‫ج َ‬
‫و َ‬
‫م لَ َ‬
‫قُلوب َ ُ‬
‫ق ُ‬
‫ع ْ‬
‫ن ال ْك َل ِ َ‬
‫ه ْ‬
‫ه ْ‬
‫ه ْ‬
‫ه ْ‬
‫م َ‬
‫ض ِ‬
‫ح ّ‬
‫وَل ت َلَزا ُ‬
‫ة‬
‫عل َللى َ‬
‫ع َ‬
‫ض ِ‬
‫خائ ِن َل ٍ‬
‫ما ذُك ّلُروا ب ِل ِ‬
‫ظا ِ‬
‫ع ِ‬
‫وا ِ‬
‫ل ت َطّل ِل ُ‬
‫سوا َ‬
‫ون َ ُ‬
‫م ّ‬
‫َ‬
‫ه] َ‬
‫ه َ‬
‫م َ‬
‫ْ‬
‫ّ‬
‫ً‬
‫ّ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ن)‬
‫ف َ‬
‫م فا ْ‬
‫ه يُ ِ‬
‫ع ُ‬
‫ح ِ‬
‫م إ ِل قِليل ِ‬
‫ِ‬
‫ح إِ ّ‬
‫م ْ‬
‫ح ّ‬
‫صف ْ‬
‫عن ْ ُ‬
‫من ْ ُ‬
‫من ْ ُ‬
‫سِني َ‬
‫ب ال ُ‬
‫ن الل َ‬
‫ه ْ‬
‫ه ْ‬
‫ه ْ‬
‫وا ْ‬
‫م َ‬
‫َ‬
‫م َ‬
‫ميث َللا َ‬
‫ن َ‬
‫مللا‬
‫صاَرى أ َ‬
‫حظّللا ِ‬
‫خذَْنا ِ‬
‫ن ال ّ ِ‬
‫و ِ‬
‫سللوا َ‬
‫فن َ ُ‬
‫ق ُ‬
‫ذي َ‬
‫م ْ‬
‫م ّ‬
‫ه ْ‬
‫قاُلوا إ ِّنا ن َ َ‬
‫‪َ (13‬‬
‫َ‬
‫فأ ْ‬
‫ه[)‪َ (1‬‬
‫ة‬
‫وال ْب َ ْ‬
‫وم ِ ال ْ ِ‬
‫غ َ‬
‫مل ِ‬
‫ذُك ُّروا ب ِل ِ‬
‫عل َ‬
‫م ال ْ َ‬
‫غَري ْن َللا ب َي ْن َ ُ‬
‫قَيا َ‬
‫هل ْ‬
‫ضللاءَ إ ِل َللى ي َل ْ‬
‫وةَ َ‬
‫دا َ‬
‫مللا َ‬
‫ن‪]‬المـــائدة‪ [14-13:‬قــال جــل‬
‫و َ‬
‫عو َ‬
‫صللن َ ُ‬
‫ف ي ُن َب ّئ ُ ُ‬
‫و َ‬
‫ه بِ َ‬
‫م الّللل ُ‬
‫هلل ْ‬
‫كللاُنوا ي َ ْ‬
‫سلل ْ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫ْ‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫ء‬
‫لا‬
‫ل‬
‫ض‬
‫غ‬
‫ب‬
‫ل‬
‫وا‬
‫ة‬
‫و‬
‫دا‬
‫ل‬
‫ع‬
‫ل‬
‫ا‬
‫م‬
‫ل‬
‫ه‬
‫ن‬
‫ي‬
‫ب‬
‫لا‬
‫ل‬
‫ن‬
‫ي‬
‫ر‬
‫غ‬
‫أ‬
‫ف‬
‫ه‬
‫ل‬
‫ب‬
‫روا‬
‫ك‬
‫ذ‬
‫ما‬
‫م‬
‫ظا‬
‫ح‬
‫سوا‬
‫ن‬
‫ف‬
‫وعل)‬
‫ْ‬
‫َ َ َ َ َ َ َ َ‬
‫ِ ِ‬
‫َ‬
‫َ ُ‬
‫َ ْ َ َ ْ َ ُ ْ‬
‫ِ ّ‬
‫ُ‬
‫ّ‬
‫ْ‬
‫ّ‬
‫ه( يعني تركــوا نصــيبا‬
‫وم ِ ال ِ‬
‫ما ذُكُروا ب ِ ِ‬
‫حظا ِ‬
‫م ِ‬
‫سوا َ‬
‫ون َ ُ‬
‫م ّ‬
‫قَيا َ‬
‫ة(‪ ،‬قوله ) َ‬
‫إ َِلى ي َ ْ‬
‫مما ُأمروا به‪ ،‬تركوه عــن عمــد وعــن علــم‪ ،‬فلمــا علمــوه تركــوه عــن بصــيرة‬
‫فأ َ ْ‬
‫فعوقبوا بالفرقة‪َ ) ،‬‬
‫مة(‪،‬‬
‫وال ْب َ ْ‬
‫وم ِ ال ْ ِ‬
‫غ َ‬
‫ع َ‬
‫م ال ْ َ‬
‫غَري َْنا ب َي ْن َ ُ‬
‫قَيا َ‬
‫ه ْ‬
‫ضاءَ إ َِلى ي َ ْ‬
‫وةَ َ‬
‫دا َ‬
‫وهذا من أنواع العقوبــات الــتي يبتلــي اللــه جــل وعل بهـا العبــاد‪ ،‬ويعــاقب بهـا‬
‫المؤمنين؛ حيث يعاقبهم بالفرقة؛ لنهم تركوا ما أوجــب اللــه جــل وعل عليهــم‬
‫‪ ()1‬ما بين المعكوفتين لم يقرأه الشيخ‪.‬‬

‫النووية‬
‫شرح الربعين‬
‫‪93‬‬

‫من مقتضى العلم‪ ،‬وهذا نوع من أنواع ترك حفظ الله جل وعل للعبــد‪ ،‬فالعبــد‬
‫بحاجة أن يحفَ َ‬
‫ظه الله سبحانه وتعالى بتوفيقه له‪ ،‬ومعيته له‪ ،‬وتسديده إياه‪.‬‬
‫حفظ الله جل وعل للعبد في الدين‪ ،‬أو في الدنيا أيضا راجع إلى معية اللــه‬
‫سبحانه وتعالى‪ ،‬والمراد بها المعيـة الخاصـة الـتي مقتضـاها التوفيـق واللهـام‬
‫والتسديد والنصر والعانة‪.‬‬
‫ه َ‬
‫ح َ‬
‫ك( يعني احفظ اللــه علــى نحــو مــا وصــفنا‬
‫جا َ‬
‫ف ِ‬
‫جدْهُ ت ُ َ‬
‫قال )ا ِ ْ‬
‫ظ الله ت َ ِ‬
‫تجده دائما على ما طلبت‪ ،‬تجــده دائمــا قريبــا منــك‪ ،‬يعطيــك مــا ســألت‪ ،‬كمــا‬
‫لي »ولئن سألني لعطينّلله‪ ،‬ولئن اسللتعاذني‬
‫ذكرتُ لك في حديث الــوَ ّ‬
‫لعيذّنه«‪.‬‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ت َ‬
‫وإ ِ َ‬
‫قــال عليــه الصــلة والســلم بعــد ذلــك‪) ،‬إ َ‬
‫ذا‬
‫سأل ْ َ‬
‫فا ْ‬
‫ذا َ‬
‫ل الللله‪َ ،‬‬
‫سأ ِ‬
‫عن بالله( هذا مأخوذ من قــول اللــه جــل وعل ﴿ إ ِّيا َ‬
‫د‬
‫ست َ ِ‬
‫عب ُل ُ‬
‫ك نَ ْ‬
‫است َ َ‬
‫عن ْ َ‬
‫ت فا ْ‬
‫وإ ِّيا َ‬
‫ن﴾]الفاتحــة‪ [5:‬وفيه إفــراد اللــه جــل وعل بالســتعانة وبالســؤال‪،‬‬
‫ست َ ِ‬
‫ك نَ ْ‬
‫عي ُ‬
‫َ‬
‫وهذه على مرتبتين‪:‬‬
‫‪‬الولى واجبة‪ :‬وهي التوحيد بأنْ يستعين بالله جــل جللـه وحـده دون مـا‬
‫سواه فيما ل يقدر عليه إل الله جل وعل‪ ،‬فهذا واجــب أن ُيفــرد اللــه جــل وعل‬
‫بالستعانة‪ ،‬وكذلك أن يسأل الله جل وعل وحده فيما ل يقدر عليه إل الله جــل‬
‫صْرُفه لغيــر‬
‫وعل‪ ،‬وهذا هو المعروف عندكم في التوحيد فيما يكون من الدعاء َ‬
‫ص ـْرفها لغيــر اللــه جــل‬
‫الله جل وعل شرك‪ ،‬وكذلك في الستعانة التي يكــون َ‬
‫وعل شركا‪.‬‬
‫‪‬المرتبة الثانية المستحبة‪ :‬وهو أنه إذا أمكنه أن يقوم بالعمــل‪ ،‬فــإنه ل‬
‫يسأل أحدا من الناس شيئا‪ ،‬والنبي ‪ ‬قد أخذ العهد على عدد من الصحابة ألّ‬
‫يســألوا النــاس شــيئا‪ ،‬قــال الــراوي »فكان أحللدهم يسللقط سللوطه فل‬
‫يسأل أحدا أن يناوله إياه« وهذا من المراتب الــتي يتفــاوت فيهــا النــاس‪،‬‬
‫فإذا أمكنك أن تقوم بالشيء بنفسك فالفضل والمستحب ألّ تسأل أحــدا مــن‬
‫الخلق في ذلك‪ ،‬إذا أمكنك؛ يعني بل كلفة‪ ،‬ول مشقة‪ ،‬ومن كانت عــادته دائمــا‬
‫أن يطلب الشــياء فهــذا مكــروه‪ ،‬وينبغــي للعبــد أن يــو ّ‬
‫طن نفســه‪ ،‬وأن يعمــل‬
‫درجة‬
‫بنفسه ما يحتاجه كثيرا‪ ،‬وإذا سأل في أثناء ذلك‪ ،‬فإنه ل يقدح حتى في ال ّ‬
‫المستحبة؛ لنه عليه الصلة والسلم ربما أمر من يأتيه بالشيء‪ ،‬وربمــا طلــب‬
‫من يفعل له الشيء‪ ،‬وهذا على بعض الحوال‪.‬‬
‫فا َ‬
‫َ‬
‫وإ ِ َ‬
‫قال )إ َ‬
‫عن بللالله( ظــاهر‬
‫س لت َ ِ‬
‫ذا است َ َ‬
‫عن ْ َ‬
‫سأل ْ َ‬
‫ت فا ْ‬
‫ت َ ْ‬
‫ذا َ‬
‫ل الله‪َ ،‬‬
‫سأ ِ‬
‫فا َ‬
‫َ‬
‫وإ ِ َ‬
‫في الوجوب )إ َ‬
‫عن بللالله(‬
‫س لت َ ِ‬
‫ذا اس لت َ َ‬
‫عن ْ َ‬
‫سأل ْ َ‬
‫ت فا ْ‬
‫ت َ ْ‬
‫ذا َ‬
‫ل الللله‪َ ،‬‬
‫سأ ِ‬
‫ن أن هذا يتناول المرتبة الولــى علــى الوجــوب‪،‬‬
‫على القيد الذي ذكرنا لكم؛ مِ ْ‬
‫والمرتبة الثانية على الستحباب‪.‬‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫علللى‬
‫ت َ‬
‫وا ْ‬
‫م َ‬
‫مأ ّ‬
‫م َ‬
‫وا ْ‬
‫ع ْ‬
‫جت َ َ‬
‫ن ال ّ‬
‫عل ْ‬
‫قال عليه الصلة والسلم بعد ذلك ) َ‬
‫ةل ِ‬
‫َ‬
‫ه الللله ل َل َ‬
‫عو َ‬
‫عو َ‬
‫ء َ‬
‫م ي َن ْ َ‬
‫ن ي َن ْ َ‬
‫ك إل ّ ب ِ َ‬
‫ك إل ّ ب ِ َ‬
‫ن‬
‫شي ٍ‬
‫شي ٍ‬
‫أ ْ‬
‫ف ُ‬
‫ف ُ‬
‫قدْ ك َت َب َ ُ‬
‫ء لَ ْ‬
‫وإ ِ ِ‬
‫ك‪َ ،‬‬
‫َ‬
‫ض ّّرو َ‬
‫ضّرو َ‬
‫يء َ‬
‫ك بِ َ‬
‫ك بِ َ‬
‫ه الللله‬
‫شي ٍ‬
‫عوا َ‬
‫م يَ ُ‬
‫ن يَ ُ‬
‫على أ ْ‬
‫م ُ‬
‫ا ْ‬
‫ق لدْ ك َت َب َل ُ‬
‫ء لَ ْ‬
‫جت َ َ‬
‫ش ْ‬
‫َ‬
‫لَ َ‬
‫ج َ‬
‫ت ال ْ‬
‫ف(‪ ،‬هـذا فيـه بيـان القـدر الثـابت‪ ،‬وأن‬
‫ح ْ‬
‫ك‪ُ ،‬ر ِ‬
‫ف ِ‬
‫ع ِ‬
‫ص ُ‬
‫و ُ‬
‫ف َ‬
‫قل َ ُ‬
‫ت ال ُ‬
‫م‪َ ،‬‬
‫مــن عظــم تــوكله‬
‫العباد لن يغيروا من قدر الله جل وعل الماضي شــيئا‪ ،‬وأمــا َ‬
‫بالله جل وعل‪ ،‬فإنه لن يضره الخلق‪ ،‬ولـو اجتمعـوا عليـه‪ ،‬كمـا قـال جـل وعل‬
‫م َ‬
‫س﴾]المــائدة‪ ،[67:‬وجاء فــي‬
‫ك ِ‬
‫ع ِ‬
‫ه يَ ْ‬
‫م ْ‬
‫ص ُ‬
‫والل ّ ُ‬
‫لنبيه عليه الصلة والسلم﴿ َ‬
‫ن الّنا ِ‬
‫عدد من الحاديث بيان هذا الفضل‪ ،‬في أن العبد إذا أحســن تــوكله علــى اللــه‬

‫الشيخ العلمة صالح بن عبد العزيز بن محمد آل الشيخ‬

‫‪94‬‬

‫جــل وعل‪ ،‬وطــاعته للــه‪ ،‬فــإن اللــه يجعــل لــه مخرجــا‪ ،‬ولــو كــاده مــن فــي‬
‫السماوات‪ ،‬ومن في الرض لجعل الله جل وعل له من بينهن مخرجا‪ ،‬والتوكل‬
‫َ‬
‫و‬
‫وا ْ‬
‫مل َ‬
‫مأ ّ‬
‫ن ال ّ‬
‫عل َ ْ‬
‫على الله جل وعل ظاهر من هذه الوصية؛ حيث قــال ) َ‬
‫ة ل َ َل ِ‬
‫َ‬
‫عللو َ‬
‫ن ي َن ْ َ‬
‫ن‬
‫عللوا َ‬
‫ت َ‬
‫علللى أ ْ‬
‫علللى أ ْ‬
‫م ُ‬
‫نا ْ‬
‫ف ُ‬
‫م َ‬
‫ا ْ‬
‫ع ْ‬
‫جت َ َ‬
‫جت َ َ‬
‫وإ ِ ِ‬
‫ك( ثــم قــال )واعلــم َ‬
‫ضّرو َ‬
‫ك‪ (...‬إلى آخر الجملتين‪ ،‬وهذا فيه إعظام التوكل على الله جل وعل‪.‬‬
‫يَ ُ‬
‫والتوكل على الله سبحانه وتعالى من أعظم المقامــات؛ مقامــات اليمــان‪،‬‬
‫بل هو مقام النبياء والمرسلين في تحقيق عبوديتهم العظيمة للرب جل وعل‪،‬‬
‫والتوكل على الله معناه‪ :‬أن يفعل السللبب الللذي ُأمللر بلله‪ ،‬ثللم يفللوض‬
‫أمره إلى الله جل وعل في النتفاع بالسباب‪ .‬وإذا كان مــا لــديه مــن‬
‫المر ل يملك أن يفعل له سببا فإنه يفوض أمره إلى اللــه جــل وعل كمــا قــال‬
‫َ‬
‫وأ ُ َ‬
‫ه‬
‫ري إ ِل َللى الل ّل ِ‬
‫ه إِ ّ‬
‫ن الل ّل َ‬
‫ضأ ْ‬
‫و ُ‬
‫ف ّ‬
‫سبحانه في ذكــر مــؤمن آل فرعــون ﴿ َ‬
‫مل ِ‬
‫عَباِد﴾]غافر‪ ،[44:‬وهذا التفويض إلى الله جل وعل عمل القلب خاصــة؛‬
‫صيٌر ِبال ْ ِ‬
‫بَ ِ‬
‫يعني أن يلتجئ بقلبه‪ ،‬وأن يعتمد بقلبه على الله جل وعل في تحصــيل مــراده‪،‬‬
‫أو دفع الشر الذي يخشاه‪ ،‬والعباد إذا تعامل معهـم فإنمـا يتعامـل معهـم علـى‬
‫أنهم أسباب‪ ،‬والسبب قد ينفع‪ ،‬وقد ل ينفع‪ ،‬فإذا تعلق القلب بالخْلق أوتي مــن‬
‫هذه الجهة‪ ،‬ولم يكن كامل في توكله‪ ،‬فتعلــق القلــب بــالخلق مــذموم‪ ،‬والــذي‬
‫ن يتوكل على الله‪ ،‬وأن يعلق قلبه بالله جل وعل‪ ،‬وأل يتعلــق بــالخلق‪،‬‬
‫ينبغي‪ :‬أ ْ‬
‫حتى ولو كانوا أسبابا‪ ،‬فينظر إليهم علــى أنهــم أســباب‪ ،‬والنــافع والــذي يجعــل‬
‫السبب سببا‪ ،‬وينفع به هو الله جـل وعل‪ .‬إذا قــام هـذا فـي القلــب فـإن العبـد‬
‫يكون مع ربه جل وعل‪ ،‬ويعلم أنه لن يكون له إل ما قــدره اللــه جــل وعل لــه‪،‬‬
‫ولن يمضي عليه إل ما كتبه الله جل وعل عليه‪.‬‬
‫ج َ‬
‫ت ال َ ْ‬
‫ف( يعنــي أن‬
‫ح ْ‬
‫قال عليه الصلة والسلم )ُر ِ‬
‫ف ِ‬
‫ع ِ‬
‫صل ُ‬
‫و ُ‬
‫ف َ‬
‫قل َ ُ‬
‫ت ال ُ‬
‫م‪َ ،‬‬
‫المر مضى وانتهى‪ ،‬وهذا ل يدلّ‪ ،‬كما ذكرته لكم فيمــا سـبق‪ ،‬ل يـدل علــى أن‬
‫ن القدر ماض‪ ،‬والعبد يمضي فيما قدره الله جــل وعل؛‬
‫المر على الجبار‪ ،‬بل إ ّ‬
‫لجل التّوكل عليه‪ ،‬وحسن الظن به‪ ،‬وتفويض المر إليه‪ ،‬وهو إخْلء القلب مــن‬
‫رؤية الخلْق‪.‬‬
‫َ‬
‫م َ‬
‫ح َ‬
‫ف إل ِللى‬
‫ع لّر ْ‬
‫ف ِ‬
‫ك‪ ،‬ت َ َ‬
‫قال )وفي روايةِ غير الترمذي »ا ْ‬
‫جدْهُ أما َ‬
‫ظ الله ت َ ِ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫خ َ‬
‫م يَ ُ‬
‫طللأ َ‬
‫ف َ‬
‫ر ْ‬
‫في ال ّ‬
‫ن‬
‫ما أ ْ‬
‫في الر َ‬
‫ك ِ‬
‫الله ِ‬
‫شدّ ِ‬
‫ة‪ ،‬واعَْلم أ ّ‬
‫خاء ي َ ْ‬
‫كلل ْ‬
‫ك َللل ْ‬
‫ن َ‬
‫ع ِ‬
‫َ‬
‫خطِئ َ َ‬
‫صاب َ َ‬
‫صيب َ َ‬
‫ك(‬
‫ن ل ِي ُ ْ‬
‫ل ِي ُ ِ‬
‫م ي َك ُ ْ‬
‫ك لَ ْ‬
‫ك‪ ،‬وَ َ‬
‫ما أ َ‬
‫ف َ‬
‫ر ْ‬
‫في ال ّ‬
‫ة( تعــّرف العبــد‬
‫في الر َ‬
‫ك ِ‬
‫ف إِلى الله ِ‬
‫عّر ْ‬
‫شدّ ِ‬
‫خاء ي َ ْ‬
‫قوله )ت َ َ‬
‫ع ِ‬
‫خللاء(‬
‫فللي الر َ‬
‫ف إل ِللى الللله ِ‬
‫عّر ْ‬
‫إلى ربه هو عِْلمه بما يستحقه جــل وعل‪) ،‬ت َ َ‬
‫ده فــي‬
‫يعني تعّلم ما يستحقه جل وعل عليك‪ ،‬ما يستحقه جل وعل منك؛ توحي ـ ِ‬
‫ربوبيته‪ ،‬وإلهيته‪ ،‬وفي أسمائه وصفاته‪ ،‬ما يستحقه جــل وعل مــن طــاعته فــي‬
‫أوامره‪ ،‬وطاعِته فيما نهى عنه باجتناب المنهيات‪ ،‬ومـا يسـتحقه جـل وعل مـن‬
‫إقبال القلب عليــه‪ ،‬وإنابـة القلــب إليـه‪ ،‬والتّوكـل عليــه‪ ،‬والرغـب فيمــا عنـده‪،‬‬
‫وإخلء القلب من الغيار؛ يعني من غيره جل وعل‪ ،‬واتباع ما يحب ويرضى من‬
‫خاء( يعني إذا كنت في رخــاء مــن‬
‫في الر َ‬
‫ف إِلى الله ِ‬
‫عّر ْ‬
‫أعمال القلوب‪) ،‬ت َ َ‬
‫ف إِلللى‬
‫عّر ْ‬
‫أمرك‪ ،‬بحيث قد يأتي لبعض النفوس أنها غير محتاجة لحد‪ ،‬هنا )ت َ َ‬
‫وتعلم ما يســتحقه جــل وعل‪ ،‬واّتبــع ذلــك‬
‫ّ‬
‫خاء( واطلب ما عنده‪،‬‬
‫في الر َ‬
‫الله ِ‬
‫ب الــدين وعمــاده‪،‬‬
‫بالمتثال‪ ،‬فإن هذا من أفضل العمال الصــالحة‪ ،‬بــل هــو ُلـ ّ‬
‫العلم بما يستحقه جل وعل‪ ،‬ثم العمل بذلك‪ ،‬إذا حصل منك التعرف إلى اللــه‪،‬‬

‫النووية‬
‫شرح الربعين‬
‫‪95‬‬

‫ف َ‬
‫ر ْ‬
‫في‬
‫ك ِ‬
‫والتعرف علــى اللــه جــل وعل ع ََرفَــك اللــه فــي الشــدة‪ ،‬قــال )ي َ ْ‬
‫ع ِ‬
‫ف َ‬
‫ر ْ‬
‫ال ّ‬
‫ك( هــذه جــاءت علــى جهــة الفعــل‪ ،‬ومعلــوم فــي بــاب‬
‫شدّ ِ‬
‫ة( وكلمة )ي َ ْ‬
‫ع ِ‬
‫الصفات أن باب الفعال أوسع من باب السماء‪ ،‬وباب الخبار أوسع مــن بــاب‬
‫الصفات‪ ،‬فهذا إذن ل يقتضي أن يكون من صـفاته جـل وعل المعرفـة‪ ،‬فـإنه ل‬
‫يوصف الله جل وعل بأنه ذو معرفة‪ ،‬بل يقيّد هذا على جهة المقابلة‪ ،‬كما قــال‬
‫ف َ‬
‫ر ْ‬
‫في ال ّ‬
‫ة( فيجوز أن‬
‫في الر َ‬
‫ك ِ‬
‫ف إِلى الله ِ‬
‫عّر ْ‬
‫شدّ ِ‬
‫خاء ي َ ْ‬
‫النبي ‪ ‬هنا )ت َ َ‬
‫ع ِ‬
‫ظ يعــرف آخــر‪ ،‬كمــا فــي‬
‫تستعمل لفظ )يعرف( على الفعلية‪ ،‬وفي مقابلةِ لف ـ ِ‬
‫نظائره كقوله عليه الصلة والسلم »إن الله ل يمللل حللتى تملللوا« وكمــا‬
‫م ُ‬
‫م ُ‬
‫ه﴾]النفـــال‪ ،[30:‬وفــي‬
‫كللُرو َ‬
‫كللُر الّللل ُ‬
‫وي َ ْ‬
‫وي َ ْ‬
‫ن َ‬
‫فــي قــول اللــه جــل وعل‪َ ﴿ :‬‬
‫ز ُ‬
‫ه‬
‫م﴾]البقرة‪،[15-14:‬ـ ﴿ي ُ َ‬
‫خاِد ُ‬
‫عو َ‬
‫زُئو َ‬
‫ست َ ْ‬
‫ه يَ ْ‬
‫ست َ ْ‬
‫م ْ‬
‫ن الل ّل َ‬
‫ه ْ‬
‫ن)‪(14‬الل ّ ُ‬
‫قوله﴿ ُ‬
‫ه ِ‬
‫ه ِ‬
‫ئ بِ ِ‬
‫م﴾]النساء‪ [142:‬وأشباه ذلك من اللفاظ التي جاءت بصيغة الفعل‪،‬‬
‫و َ‬
‫خاِد ُ‬
‫و ُ‬
‫ع ُ‬
‫ه ْ‬
‫ه َ‬
‫َ‬
‫ومجيُئهــا بلفــظ الفعــل ل يــدل علــى إطلقهــا صــفة؛ لنهــا جــاءت علــى لفــظ‬
‫المقابلة‪ ،‬ومجيء بعض الصفات‪ ،‬يعني على جهــة الفعــال بالمقابلــة هــذا يــدل‬
‫على الكمال‪ ،‬ومعلوم أن المعرفة غير العلم‪ ،‬العلم كمال‪.‬‬
‫• وأما المعرفة فإنها قد تشوبها شائبة النقص؛ لن لفــظ المعرفــة‪ ،‬وصــفة‬
‫ف إليــه بصــفاته‪،‬‬
‫ف الشيَء( يعني ت َعَ ـّر َ‬
‫ن )ع ََر َ‬
‫المعرفة هذه قد يسبقها جهل‪ ،‬ل ّ‬
‫وهذا يقتضي أنه كان ربما جاهل به غير عالم به‪.‬‬
‫• أما العلم فهو صفة ل تقتضي ول يلزم منها سبق عدم علم أو سبق جهل‬
‫وأشباه ذلك‪ ،‬ولهذا كان من أسماء الله الحسنى العليم‪ ،‬ولم يكن مــن أســمائه‬
‫جل وعل العارف‪ ،‬وأشباه ذلك‪.‬‬
‫إذا تقرر هذا فلفظ المعرفة جاء في القرآن على جهة الذم قال جــل وعل ﴿‬
‫ر ُ‬
‫ن‬
‫هللا﴾]النحــل‪ [83:‬وقــال جــل وعل ﴿ال ّل ِ‬
‫ت الل ّل ِ‬
‫فللو َ‬
‫ن نِ ْ‬
‫يَ ْ‬
‫مل َ‬
‫م ُينك ُِرون َ َ‬
‫ذي َ‬
‫ه ث ُل ّ‬
‫ع َ‬
‫ع ِ‬
‫َ‬
‫ر ُ‬
‫ر ُ‬
‫س لُروا‬
‫ن َ‬
‫ن أب ْن َللاءَ ُ‬
‫آت َي َْنللا ُ‬
‫خ ِ‬
‫م ال ّ ل ِ‬
‫فللو َ‬
‫مللا ي َ ْ‬
‫ب يَ ْ‬
‫م ال ْك َِتللا َ‬
‫ذي َ‬
‫ه ْ‬
‫ه كَ َ‬
‫فللون َ ُ‬
‫ه ْ‬
‫ع ِ‬
‫ع ِ‬
‫م َ‬
‫َأن ُ‬
‫م َل ي ُ ْ‬
‫ن﴾]النعام‪ [20:‬والية الخرى أيضا في النعــام‪ ،‬واليــة‬
‫ؤ ِ‬
‫مُنو َ‬
‫ف ُ‬
‫س ُ‬
‫ف َ‬
‫ه ْ‬
‫ه ْ‬
‫الخرى أيضا في البقرة في هذا‪ ،‬فلفظ المعرفة جاء على جهة الذم في غالب‬
‫ما جاء في الكتاب والسنة‪ ،‬وقد يكون يأتي علــى معنــى العلــم‪ ،‬كمــا فــي هــذا‬
‫الحديث‪.‬‬
‫ف َ‬
‫ر ْ‬
‫في ال ّ‬
‫ة( من جهة‬
‫في الر َ‬
‫ك ِ‬
‫ف إِلى الله ِ‬
‫عّر ْ‬
‫شدّ ِ‬
‫خاء ي َ ْ‬
‫فإذن قوله )ت َ َ‬
‫ع ِ‬
‫الصفات هذا بحثه‪ ،‬ما معناه معرفة الله للعبد في الشدة؟ قــال العلمــاء‪ :‬هــذه‬
‫ن يكــون معــه‬
‫معناها المعيّة‪ ،‬ومعرفة الله جل وعل للعبــد فــي الشــدة يعنــي أ ْ‬
‫بمعية النصر والتأييد والتوفيق وأشباه ذلك‪.‬‬
‫َ‬
‫َ‬
‫صللاب َ َ‬
‫صيب َ َ‬
‫خطَأ َ َ‬
‫ن‬
‫ما أ َ ْ‬
‫ن ل ِي ُ ِ‬
‫قال )واعَْلم أ ّ‬
‫م ي َك ُل ْ‬
‫م ي َك ُ ْ‬
‫ك ل َل ْ‬
‫ك‪ ،‬وَ َ‬
‫ك لَ ْ‬
‫ن َ‬
‫ما أ َ‬
‫خطِئ َ َ‬
‫ك( وهذا في القدَر ومن مضى بحثُه‪.‬‬
‫ل ِي ُ ْ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ن ال َ‬
‫ع‬
‫وا ْ‬
‫وأ ّ‬
‫وأ ّ‬
‫مأ ّ‬
‫ملل َ‬
‫م َ‬
‫فَر َ‬
‫م َ‬
‫ن َ‬
‫ج َ‬
‫صَر َ‬
‫عل َ ْ‬
‫ع ال ْك َْر ِ‬
‫ع ال ّ‬
‫ن الن ّ ْ‬
‫ب‪َ ،‬‬
‫صب َْر‪َ ،‬‬
‫قال ) َ‬
‫سًرا( هذا فيه المر بالصــبر‪ ،‬وأن مــع الكــرب يــأتي الفــرج‪ ،‬وأن مــع‬
‫ال ْ ُ‬
‫ر يُ ْ‬
‫ع ْ‬
‫س ِ‬
‫العسر يأتي اليسر‪ ،‬كما قال جل وعل‪َ ﴿ :‬‬
‫ع‬
‫س لًرا)‪(5‬إ ِ ّ‬
‫فإ ِ ّ‬
‫مل َ‬
‫ع ال ْ ُ‬
‫م َ‬
‫ر يُ ْ‬
‫ع ْ‬
‫ن َ‬
‫ن َ‬
‫سل ِ‬
‫سًرا﴾]الشرح‪ ،[6-5:‬وثبت عنه ‪ ‬أنه قال »لن يغلب عسر يسرين«‬
‫ال ْ ُ‬
‫ر يُ ْ‬
‫ع ْ‬
‫س ِ‬
‫وهذا من فضل الله جل وعل قد قال الشاعر‪:‬‬
‫ج‬
‫اشلتدي أزمةُ تنفرجي‬
‫قد آذن ليلك بالَبلَ ِ‬
‫في القصيدة المسماة بـ”المنفرجــة“‪ ،‬وهــذا يــدل علــى أن العبــد إذا اشــتد‬
‫عليه المر‪ ،‬وأحسن الصبر‪ ،‬وأحسن الظن بـالله جـل وعل فـإنه يـؤذن لـه بـأن‬

‫الشيخ العلمة صالح بن عبد العزيز بن محمد آل الشيخ‬

‫‪96‬‬

‫َ‬
‫ن‬
‫وا ْ‬
‫مأ ّ‬
‫عل َ ْ‬
‫ينفرج كربه‪ ،‬وأنْ ُييسر له عسره‪ ،‬والصبر أمر بــه هنــا فــي قــوله ) َ‬
‫صب َْر( والنصــر مطلــوب‪ ،‬فصــار الصــبر مطلوبــا‪ ،‬والصــبر مرتبــة‬
‫م َ‬
‫صَر َ‬
‫ع ال ّ‬
‫الن ّ ْ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫صلليب َ َ‬
‫خطَأ َ‬
‫ك‪،‬‬
‫ما أ ْ‬
‫ن ل ِي ُ ِ‬
‫م ي َك ُل ْ‬
‫ك لَل ْ‬
‫واجبة‪ ،‬وإذا حصل كرب ومصيبة‪ ،‬كما قال ) َ‬
‫َ‬
‫خطِئ َ َ‬
‫صاب َ َ‬
‫ك(‬
‫ن ل ِي ُ ْ‬
‫م ي َك ُ ْ‬
‫ك لَ ْ‬
‫وَ َ‬
‫ما أ َ‬
‫‪‬إذا حصلت مصيبة فإن الصبر واجب؛ يعني الصبر أمر الله به‪ ،‬وهو واجب‬
‫على كل أحد‪ ،‬ومعنى الصبر الواجب‪:‬‬
‫أن يحبس اللسان عن الشكوى‪.‬‬
‫‪ْ ‬‬
‫‪‬ويحبس القلب عن التسخط‪.‬‬
‫‪ ‬ويحبس الجوارح عن التصرف بمــا ل يجــوز مــن شــق أو نياحــة أو لطــم‪،‬‬
‫وأشباه ذلك من الفعال في غير مصيبة الموت‪.‬‬
‫فإذن الصبر فيه حبس اللسان عن التشكي‪ ،‬كمــا هــو تعريــف الصــبر‪ ،‬قيــل‬
‫للمام أحمد رحمه الله تعالى‪ :‬هذا رجل ظلمه السلطان فأخذ يدعو عليه‪ ،‬قال‬
‫أحمد‪” :‬هذا خلف الصبر الللذي أمللر بلله النللبي ‪ ‬مللع السلللطان‪ ،‬ل‬
‫يدعى عليه‪ “.‬وهذا له مأخذ آخــر مـن جهــة أن الكــرب الــذي ربمـا أتــى مـن‬
‫السلطان إذا تشكى المؤمن منــه فــإنه يخــالف حبــس اللســان عــن التشــكي‪،‬‬
‫ولهذا لما جاء أحد الصحابة إلى النبي ‪ ‬وذكر له ما يلقى من المشركين مــن‬
‫الشدة غضِب النبي عليه الصلة والسلم لجل أنهــم لــم يصــبروا‪ ،‬وقــال »إنه‬
‫كان من كان قبلكم يؤتى بالرجل فينشر بالمنشار نصفين ما بيللن‬
‫جلده وعظمه ل يرده ذلك عن دينه‪ ،‬فوالله ليُتمن الله هللذا المللر«‬
‫الحديث‪ ،‬فدل هذا على أن الصبر واجــب فــي جميــع الحــالت‪ ،‬والصــبر حبــس‬
‫للســان عــن التشــكي‪ ،‬وحبــس للقلــب عــن التســخط‪ ،‬وحبــس للجــوارح عــن‬
‫التصرف في غير ما يرضي الله جل وعل؛ ولهذا أمــر اللــه نــبيّه أن يصــبر كمــا‬
‫ُ‬
‫صــبر أولــوا العــزم مــن الرســل؛ ﴿ َ‬
‫ن‬
‫علْزم ِ ِ‬
‫ول ُللوا ال ْ َ‬
‫مل ْ‬
‫ص لب ِْر ك َ َ‬
‫مللا َ‬
‫فا ْ‬
‫صلب ََر أ ْ‬
‫ل﴾]الحقاف‪ ،[35:‬وكل مخالفة لهذا الــواجب يــأتي لهــا أضــدادها فــي حيــاة‬
‫الّر ُ‬
‫س ِ‬
‫العبد‪ ،‬إما الخاصة أو العامة‪.‬‬
‫‪‬المرتبة الثانية المســتحبة هــي‪ :‬الرضــا‪ ،‬الرضــا بمــا قــدر اللــه جــل وعل‪،‬‬
‫فالصبر واجب‪ ،‬وأما الرضا فمستحب؛ الرضا بالمصيبة مستحب‪ ،‬ومعنى الرضا‬
‫أن يستأنس لها ويعلم أنها خير له‪ ،‬فيقول‪ :‬هي خير لي‪ ،‬ويرضـى بهـا‬
‫بالمصيبة ْ‬
‫في داخله‪ ،‬ويسلم لها‪ ،‬ول يجد في قلبه تسخطا عليها‪ ،‬أو ل يجد في قلبه رغبة‬
‫في أن ل تكون جاءته‪ ،‬بل يقول‪ :‬الخير في هذه‪ ،‬وهذه مرتبة خاصة‪.‬‬
‫وهناك فرق مــا بيــن الرضــا الــواجب‪ ،‬والرضــا المســتحب فــي المصــيبة‪ ،‬فــإن‬
‫المصيبة إذا وقعت تعلق بها نوعان مــن الرضــا؛ رضــا واجــب ورضــا مســتحب‪،‬‬
‫والرضا الواجب هو‪ :‬الرضا بفعل الله جل وعل‪ .‬والرضا المستحب هــو‪ :‬الرضــا‬
‫بالمصيبة‪ .‬يعني‪:‬‬
‫‪‬الرضا بفعل الله هذا واجب؛ لنه ل يجوز للعبــد أل يرضــى بتصــرف اللــه‬
‫جل وعل في ملكوته‪ ،‬بل يرضى بما فعل الله جل وعل في ملكــوته‪ ،‬ول يكــون‬
‫في نفسه معارضة لله جل وعل في تصرفه في ملكوته‪ ،‬هذا القدر واجب‪.‬‬
‫‪‬وأما المستحب فهو الرضا بالمصيبة يعني‪ :‬الرضا بالمقضي‪ ،‬فهناك فرق‬
‫ما بين الرضا بالقضاء‪ ،‬والرضا بالمقضي‪ ،‬فالرضا بالقضاء الذي هــو فعــل اللــه‬
‫جل وعل هذا واجب‪ ،‬والرضا بالمقضي هذا مستحب‪.‬‬

‫النووية‬
‫شرح الربعين‬
‫‪97‬‬

‫ونقف عند هذا‪ ،‬وأنبه إلى أني لن أتمكن من الحضور للدرس مــن يــوم غــد‬
‫إلى ليلة الحد‪ ،‬وألتقي بكم إن شاء الله ليلة الثنين بإذنه تعالى‪ ،‬وذلك لطارئ‬
‫طرأ‪ ،‬وسنكمل إن شاء الله هــذا الشــرح‪ ،‬ولــو أخــذنا وقتــا بعــد الفجــر أو بعــد‬
‫العصر إن شاء الله نعدكم بإكماله؛ إكمال شرح هذه الربعين‪.‬‬
‫أسأل الله لي ولكم العون والتوفيق والسداد‪.‬‬
‫‪‬‬
‫أما بعد‪ :‬فهذه صلة لما تقــدم مــن شــرح الحــاديث الربعيــن النوويــة‪ ،‬وقــد‬
‫وقفنا عند الحديث العشرين‪.‬‬
‫الحديث العشرون ‪‬‬
‫عمرٍ النصاري البدري ‪ ‬قال‪ :‬قال رسول اللــه‬
‫مسعود ٍ ع ُ ْ‬
‫ن َ‬
‫وعن أبي َ‬
‫قَبة ب ِ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫ما أدَْر َ‬
‫ة الول َللى‪ :‬إ ِ َ‬
‫ي‬
‫و ِ‬
‫س ِ‬
‫ن ِ‬
‫‪» ‬إ ّ‬
‫س لت َ ْ‬
‫م تَ ْ‬
‫م ْ‬
‫ذا ل َ ل ْ‬
‫م ّ‬
‫ك الّنا ُ‬
‫ن ك َل َم ِ الن ّب ُ ل ّ‬
‫ح ِ‬
‫َ‬
‫ت « ]رواه البخاري [‬
‫ما ِ‬
‫صن َ ْ‬
‫شئ ْ َ‬
‫ع َ‬
‫فا ْ‬
‫]الشرح[‬
‫بسم الله الرحمن الرحيم‪ ،‬الحمد لله والصلة‪ ،‬والسلم علــى رســول اللــه‪،‬‬
‫وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهداه‪.‬‬
‫هذا الحديث فيه الكلم على شعبة من شعب اليمان أل وهي الحيــاء‪ ،‬فقــد‬
‫ُ‬
‫سِند الكلم هنا إلى ما بقي للناس من النبـوة الولـى فقـد قـال عليـه الصـلة‬
‫أ ْ‬
‫ةا ُ‬
‫ما أ َدَْر َ‬
‫لول َللى‪ :‬إ ِ َ‬
‫م‬
‫و ِ‬
‫س ِ‬
‫ن ِ‬
‫والسلم هنــا )إ ّ‬
‫مل ْ‬
‫ذا ل َل ْ‬
‫م ّ‬
‫ك الن ّللا ُ‬
‫ن ك َل َم ِ الن ّب ُل ّ‬
‫ي َ‬
‫ت(‪.‬‬
‫ما ِ‬
‫صن َ ْ‬
‫ست َ ْ‬
‫شئ ْ َ‬
‫تَ ْ‬
‫ع َ‬
‫فا ْ‬
‫ح ِ‬
‫َ‬
‫ما أدَْر َ‬
‫ة‬
‫و ِ‬
‫س ِ‬
‫ن ِ‬
‫فقوله عليه الصلة والسلم هنا )إ ّ‬
‫م ْ‬
‫م ّ‬
‫ك الّنا ُ‬
‫ن ك َل َم ِ الن ّب ُ ّ‬
‫ا ُ‬
‫ن هناك كلما أدركه الناس من كلم النبياء‪ ،‬ومعنى الدراك‪:‬‬
‫لوَلى( يقتضي أ ّ‬
‫ما أ َدَْر َ‬
‫ن(‬
‫س( ) ِ‬
‫أنه فشا في الناس‪ ،‬وتناقلوه عن النبياء‪ .‬وقوله ) ِ‬
‫ملل ْ‬
‫م ّ‬
‫ك الّنللا ُ‬
‫ي َ‬
‫هنا تبعيضيه فيكون هذا القــول وهــو )إ ِ َ‬
‫ت(‬
‫مللا ِ‬
‫صلن َ ْ‬
‫سلت َ ْ‬
‫شلئ ْ َ‬
‫م تَ ْ‬
‫ع َ‬
‫ذا ل َ ْ‬
‫فا ْ‬
‫ح ِ‬
‫ُ‬
‫ن‬
‫يكون بعض ما أدرك من كلم النبوة الولى‪ ،‬فقال عليــه الصــلة والســلم )إ ّ‬
‫ةا ُ‬
‫ما أ َدَْر َ‬
‫لوَلى( والنبــوة الولــى المقصــود بهـا‬
‫و ِ‬
‫س ِ‬
‫ِ‬
‫م ْ‬
‫م ّ‬
‫ك الّنا ُ‬
‫ن ك َل َم ِ الن ّب ُ ّ‬
‫النبوات المتقدمة؛ يعني أوائل الرسل والنبيــاء كنــوح عليــه الســلم‪ ،‬وإبراهيــم‬
‫عليه السلم وهكذا؛ فإن نوحا عليه السلم له كلم فشا في أتباعه فيما بعــده‪،‬‬
‫وإبراهيم عليه السلم كذلك في كلم لــه‪ ،‬وكــذلك ممــا أعطــاه اللــه جــل وعل‬
‫وأوحاه إليه فيما في صــحفه‪ .‬فــالنبوة الولــى المقصــود بهــا النبــوات الســابقة‬
‫ن هنــاك‬
‫البعيدة عن إ ِْر ِ‬
‫ث الناس لذلك الكلم‪ ،‬فيكون مقتضــى النبــوة الولــى أ ّ‬
‫ُ‬
‫نبوات متأخرة‪ ،‬وهــذا صــحيح؛ لن ّــه إذا أطلــق النبــوات الولــى فإنمــا ُيعن َــى بــه‬
‫الرسل والنبياء المتقدمون‪ ،‬أما موسى عليه الســلم‪ ،‬وعيســى عليــه الســلم‪،‬‬
‫وهكذا أنبياء بني إسرائيل‪ ،‬داود وغيره هؤلء من النبوات المتـأخرة؛ يعنـي مـن‬
‫ما أ َدَْر َ‬
‫س‬
‫النبياء والرسل المتأخرين‪ .‬وقوله عليه الصلة والســلم ) ِ‬
‫م ّ‬
‫ك الّنللا ُ‬
‫ةا ُ‬
‫لوَلى( هذا يعني أن هذا الكلم كلم أنبياء‪ ،‬ولــه تشــريُعه‪،‬‬
‫و ِ‬
‫ِ‬
‫م ْ‬
‫ن ك َل َم ِ الن ّب ُ ّ‬
‫َ‬
‫فت النظر إلى الهتمام بهذا الكلم‪.‬‬
‫وله فائدته العظيمة‪ ،‬فهذا فيه ل ْ‬
‫ي َ‬
‫قال )إ ِ َ‬
‫ي( يعني الحاء هنــا؛ لن‬
‫ما ِ‬
‫ست َ ْ‬
‫صن َ ْ‬
‫ست َ ْ‬
‫شئ ْ َ‬
‫ت( )ت َ ْ‬
‫م تَ ْ‬
‫ع َ‬
‫ذا ل َ ْ‬
‫فا ْ‬
‫ح ِ‬
‫ح ِ‬
‫م( أث َّر في الفعل بحذف‬
‫ست َ ِ‬
‫ست َ ْ‬
‫ست َ َ‬
‫حي فهنا )ت َ ْ‬
‫حى‪ ،‬ي َ ْ‬
‫الفعل ا ْ‬
‫ي( صار جزم‪) ،‬ل َ ْ‬
‫ح ِ‬
‫ه لَ‬
‫ّ‬
‫ن هنــاك يــائين‪ ،‬وتظهــر هــذه فــي قــول اللــه جــل وعل ﴿إ ِ ّ‬
‫اليــاء؛ ل ّ‬
‫ن اللل َ‬
‫حِيي﴾]البقرة‪ [26:‬فثم ياءان‪ ،‬هنا لما أتــت لــم حــذفت اليــاء الــتي هــي مــن‬
‫ست َ ْ‬
‫يَ ْ‬

‫الشيخ العلمة صالح بن عبد العزيز بن محمد آل الشيخ‬

‫‪98‬‬

‫ح( علــى كســر الحــاء‬
‫م تَ ْ‬
‫الفعل‪ ،‬وبقيت الياء الخرى الداخلة‪ ،‬وإذا قيل )ل َ ْ‬
‫سلت َ ِ‬
‫إشارة إلى حذف الياء فل بأس في نظائرها المعروفة في النحو‪.‬‬
‫ي َ‬
‫ت( هــذا فيــه ذكــر الحيــاء‪ ،‬والحيــاء‬
‫ما ِ‬
‫صن َ ْ‬
‫ست َ ْ‬
‫شئ ْ َ‬
‫م تَ ْ‬
‫ع َ‬
‫قوله هنا )ل َ ْ‬
‫فا ْ‬
‫ح ِ‬
‫مل َك َــة باطنــة‪ ،‬والحيــاء هــذا‬
‫كما جاء في الحديث الخر شعبة من اليمان‪ ،‬وهو َ‬
‫خُلق المطبوع عليه النسان‪ ،‬وتارة يــأتي بالكتســاب‪ ،‬أمــا‬
‫جِبلة وال ُ‬
‫يأتي تارة بال ِ‬
‫بالجبلة والطبع فهذا يكون بعض الناس حييا‪.‬‬
‫كما جاء في الصحيح أن رجل من النصار كان يعظ أخاه فــي الحيــاء؛ يعنــي‬
‫يقول له‪ :‬لماذا تستحي؟ لماذا أنــت كــذا وكــذا‪ .‬فقــال لــه النــبي عليــه الصــلة‬
‫ن الحياءُ ل يأتي إل بخير«‪ ،‬فالحياء شعبة باطنة‪ ،‬ويكون‬
‫والسلم »دَ ْ‬
‫ه فإ ّ‬
‫ع ُ‬
‫جبليا طبعيا‪ ،‬ويكون مكتسبا‪ ،‬والمكتسب مأمور به‪ ،‬وهو أن يكون مسـتحيا مـن‬
‫ن يكون مبتعدا عن المحرمات‪ ،‬وما َيشينه عند ربــه جــل وعل‪،‬‬
‫الله جل وعل وأ ْ‬
‫ممتثل للوامــر مقبل عليهــا؛ لن اللــه جــل وعل يحــب ذلــك ويرضــاه‪ ،‬فالحيــاء‬
‫ن يغشــى الحــرام‪،‬‬
‫المكتسب ما يكون في القلب من ال ُ‬
‫خلق الذي يجعله آنفــا أ ْ‬
‫ن يترك الواجب‪ ،‬وهذا يكون بملزمة اليمان‪ ،‬وبالعلم والعمل الصالح حــتى‬
‫أو أ ْ‬
‫يكون ذلك ملكة‪.‬‬
‫ي َ‬
‫وقوله عليه الصلة والسلم )إ ِ َ‬
‫ســر‬
‫مللا ِ‬
‫صلن َ ْ‬
‫ست َ ْ‬
‫شلئ ْ َ‬
‫ت( ف ُ ّ‬
‫م تَ ْ‬
‫ع َ‬
‫ذا ل َ ْ‬
‫فا ْ‬
‫ح ِ‬
‫بتفسيرين‪ ،‬يعني العلماء اختلفوا فيه على قولين‪ :‬ومجمــل هــذين القــولين‪ :‬أن‬
‫هذا إما أمر‪ ،‬وإما ليس بأمر‪.‬‬
‫‪‬ومن قال‪ :‬إنه أمر قال معنى الحديث إذا كان المر الذي تريد إتيانه مما ل‬
‫ُيستحيا منه فاصنع ما شئت من تلك المور التي ل يستحيا منها عند المؤمنين‪،‬‬
‫يعني إذا كان المر ليس حراما‪ ،‬وليس مما يخرم مكــارم الخلق والمــروءات‪،‬‬
‫ولم يكن فيه تفريط بواجب‪ ،‬ولم يكن مما يستحي منه في الشرع فاصنعه ول‬
‫ل؛ لن هذا دليل أنه ل بأس به‪ ،‬وهــذا قــول جماعــة مــن أهــل العلــم‪ ،‬منهــم‬
‫تبا ِ‬
‫إسحاق وأحمد‪ ،‬وجماعة كثيرون‪.‬‬
‫‪‬والقول الثاني‪ :‬أنه ليس بأمر‪ ،‬وأهل العلم في هذا أيضا لهم توجيهان‪:‬‬
‫‪‬الول‪ :‬قالوا إّنه خرج عــن معنــى المــر الــذي هــو اللــزام بالفعــل إلــى‬
‫ي َ‬
‫التهديد فمعنى )إ ِ َ‬
‫ت( يعنــي إذا لــم يكــن لــك‬
‫ما ِ‬
‫صن َ ْ‬
‫ست َ ْ‬
‫ش لئ ْ َ‬
‫م تَ ْ‬
‫ع َ‬
‫ذا ل َ ْ‬
‫فا ْ‬
‫ح ِ‬
‫حياء يمنعك من مقارفة الحرام والمنكــر والتفريــط فــي الواجبــات فاصــنع مــا‬
‫ن صــيغة‬
‫ن من ل حياء له ل خيــر فيــه‪ ،‬وهــذا يكــون خــرج للتهديــد؛ ل ّ‬
‫شئت‪ ،‬فإ ّ‬
‫)افعل( عند الصوليين وعند أهل اللغة تأتي ويراد بها التهديــد‪ ،‬كمــا فــي قــوله‬
‫مللا‬
‫م﴾]فصــلت‪ [40:‬فــي ســورة فصــلت‪) ،‬ا ْ‬
‫جل وعل‪﴿ :‬ا ْ‬
‫ما ِ‬
‫مل ُللوا َ‬
‫ع َ‬
‫شئ ْت ُ ْ‬
‫مُلوا َ‬
‫ع َ‬
‫َ‬
‫م( وهذا مخاطب به المشــركون‪ ،‬يعنــي اعملــوا مــا شــئتم مــن العمــال‪،‬‬
‫ِ‬
‫شئ ْت ُ ْ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫م﴾]الدخان‪[49:‬‬
‫ت ال َ‬
‫وليس هذا تخييرا لهم‪ ،‬ولكنه تهديد‪﴿ ،‬ذُقْ إ ِن ّك أن ْ َ‬
‫ري ُ‬
‫زيُز الك ِ‬
‫ع ِ‬
‫هذا توبيخ ليس فيه المر الذي هو يوجب المتثال‪ ،‬ولكن هذا مـن بــاب التهكــم‬
‫والتوبيخ والتخويف وهكذا‪ ،‬فإذن صيغة )افعل( تخرج عن مرادها من أنه إلــزام‬
‫بالفعل إلى صيغ أخرى بلغية منهـا التهديــد والتوبيــخ‪ ،‬وأشــباه ذلــك‪ ،‬فهنــا فــي‬
‫قوله ) َ‬
‫ت( هذا على جهــة التهديــد‪ ،‬إذا لــم يكــن لــك مــانع مــن‬
‫ما ِ‬
‫صن َ ْ‬
‫شئ ْ َ‬
‫ع َ‬
‫فا ْ‬
‫الحياء يمنعك عــن مقارفــة المنكــر فــإنه افعــل مــا شــئت وســتلقى الحســاب‪،‬‬
‫وستلقى سوء هذا الفعل الذي لم يمنعك عنه الحياء‪.‬‬
‫‪‬والوجه الثاني لهذا القــول‪ :‬أن طائفــة مــن أهــل العلــم قــالوا هــذا خــرج‬
‫ن ما ل ُيستحيا منه فإن النــاس يصــنعونه‪ ،‬وهــذا خــبر عــن‬
‫مخرج الخبر؛ يعني أ ّ‬

‫النووية‬
‫شرح الربعين‬
‫‪99‬‬

‫الناس‪ ،‬وعما يفعلونه‪ ،‬وهو أن المور التي ل يستحيون منهــا يصــنعونها‪ ،‬إذا لــم‬
‫ي من ذلك الفعل فلك صنعه‪ ،‬أو فالناس يفعلونه‪ ،‬فهو أمــر فــي ظــاهرة‬
‫تست ْ‬
‫ح ِ‬
‫خبر في باطنه‪.‬‬
‫وهذان القولن ظاهران‪ ،‬في الول‪ ،‬وفي الثاني‪ ،‬يعني أنه أمر أو أنــه ليــس‬
‫بأمر خرج على التهديد‪ ،‬أو على الخبر‪ ،‬كل هذا قريب‪ ،‬والحديث يحتمل القــول‬
‫الول‪ ،‬ويحتمل القول الثاني‪.‬‬
‫‪‬‬
‫الحديث الواحد والعشرون ‪‬‬
‫ن عبـد ِ اللـه ‪َ ‬قـا َ‬
‫ت‪َ :‬يـا‬
‫عمَرة ‪-‬‬
‫رو ‪-‬وقيل‪ :‬أبي َ‬
‫عن أبي َ‬
‫ل‪ :‬قُْلـ ُ‬
‫عم ٍ‬
‫سفيان َب ِ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ه أحــدا غ َي ْـَر َ‬
‫س ـل َم ِ قَ ـوْ ً‬
‫ل» ُ‬
‫ق ْ‬
‫ك‪ .‬قَــا َ‬
‫س ـأ ُ‬
‫ل الل ّهِ قُ ْ‬
‫سو َ‬
‫ل‬
‫ل‪ ,‬ل َ أ ْ‬
‫ل ِلي ِفي ال ِ ْ‬
‫َر ُ‬
‫ل ع َن ْـ ُ‬
‫م « ]رواه مسلم[‪.‬‬
‫ست َ ِ‬
‫من ْ ُ‬
‫ما ْ‬
‫ق ْ‬
‫ت ِبالله ث ُ ّ‬
‫آ َ‬
‫]الشرح[‬
‫هذا الحديث أيضا من أحــاديث الوصــايا‪ ،‬وهــو الحــديث الواحــد والعشــرون‪،‬‬
‫ه ُ‬
‫حديث سفيان بن عبد الله ‪ ‬أنــه ) ُ‬
‫قل ْ‬
‫سللو َ‬
‫فللي‬
‫ل ل ِللي ِ‬
‫ل الل ّل ِ‬
‫قل ْ ُ‬
‫ت‪ :‬ي َللا َر ُ‬
‫َ‬
‫غي َْر َ‬
‫و ً‬
‫ه َأحدا َ‬
‫ل» ُ‬
‫ك َ‬
‫سل َم ِ َ‬
‫قل ْ‬
‫قا َ‬
‫سأ َ ُ‬
‫م‬
‫ل َ‬
‫من ْل ُ‬
‫ل‪ ,‬ل َ أ ْ‬
‫ال ِ ْ‬
‫ت ب ِللالله ث ُل ّ‬
‫لآ َ‬
‫عن ْ ُ‬
‫ق ْ‬
‫ب مــن الرســول ‪ ‬أن يوصــيه‪ ،‬وقــوله) ُ‬
‫ق ْ‬
‫ل‬
‫ست َ ِ‬
‫م «( هذا طلب وصية‪ ،‬طل َ َ‬
‫ا ْ‬
‫ق ْ‬
‫سل َم ِ( يعني قل لي وصــية فــي شــأن الســلم‪ُ ) ،‬‬
‫ق ْ‬
‫فللي‬
‫ل ل ِللي ِ‬
‫ِلي ِ‬
‫في ال ِ ْ‬
‫سل َم ِ َ‬
‫ول ً( يعنــي أوصــني فــي أمــر فــي الســلم‪ ،‬فــي ديــن الســلم ل‬
‫ال ِ ْ‬
‫ق ْ‬
‫يحوجني معه أن أسأل أحدا عن أمر آخر‪ ،‬فقال عليه الصلة والسلم وهو مــن‬
‫مهِ عليه الصلة والسلم قال ) ُ‬
‫ق ْ‬
‫م( وهــذا‬
‫س لت َ ِ‬
‫جوامع ك َل ِ ِ‬
‫من ْ ُ‬
‫ما ْ‬
‫ق ْ‬
‫ت ِبالله ث ُ ّ‬
‫لآ َ‬
‫سلت َ َ‬
‫ن َ‬
‫موا‬
‫مأخوذ من قول الله جل وعل ﴿إ ِ ّ َ‬
‫ن ال ّ ِ‬
‫ما ْ‬
‫ذي َ‬
‫قا ُ‬
‫ه ث ُل ّ‬
‫قللاُلوا َرب ّن َللا الل ّل ُ‬
‫ل َ َ‬
‫خا ُ‬
‫ت َت َن َّز ُ‬
‫حَزُنوا﴾]فصلت‪ [30:‬الية‪ ،‬فقوله في‬
‫ة أ َّل ت َ َ‬
‫مَلئ ِك َ ُ‬
‫وَل ت َ ْ‬
‫م ال ْ َ‬
‫ه ْ‬
‫فوا َ‬
‫علي ْ ِ‬
‫ست َ َ‬
‫ن َ‬
‫موا( هــو كقــوله عليــه‬
‫ن ال ّ ِ‬
‫الية جل وعل )إ ِ ّ‬
‫ما ْ‬
‫ذي َ‬
‫قا ُ‬
‫ه ثُ ّ‬
‫قاُلوا َرب َّنا الل ّ ُ‬
‫م «‪ ،‬وفــي روايــة » ُ‬
‫الصلة والسلم هنا » ُ‬
‫قل ْ‬
‫ق ْ‬
‫ل‬
‫سلت َ ِ‬
‫من ْ ُ‬
‫ما ْ‬
‫ق ْ‬
‫ت ب ِللالله ث ُل ّ‬
‫لآ َ‬
‫ت ِبالله َ‬
‫م« وهذا الحديث في معنى اليــة‪ ،‬ومعنــى اليمــان بــالله‬
‫ست َ ِ‬
‫من ْ ُ‬
‫فا ْ‬
‫ق ْ‬
‫آ َ‬
‫ن تقول‪ :‬ربي الله؛ لن قول العبــد ربــي اللــه معناهــا معبــودي اللــه‬
‫هو معنى أ ْ‬
‫وحده ل شريك له؛ لن البتلء في القبر يكون بمسألة العبودية؛ التوحيد الــذي‬
‫هو توحيد اللهية ويأتي بصيغة الربوبية؛ لن العبد ُيسأل فــي قــبره مــن ربــك؟‬
‫من نبيك؟ ما دينك؟‪ ،‬فمن ربك يعنــي مــن معبــودك ؟ الــرب يطلــق ويــراد بــه‬
‫المعبود؛ لن المعبــود؛ يعنــي توحيــد المعبــود لزم عــن توحيــد الــرب‪ ،‬فتوحيــد‬
‫اللهية لزم لتوحيد الربوبية‪ ،‬فمن أيقن بتوحيد الربوبية لزم عنه أن يوحــد اللــه‬
‫فــي اللهيــة‪ ،‬وفــي أســمائه وصــفاته‪ ،‬بهــذا كــان الحتجــاج فــي القــرآن علــى‬
‫المشركين كثيرا فــي توحيــد الربوبيــة‪ ،‬الحتجــاج عليهــم بتوحيــد الربوبيــة فــي‬
‫ن ي َْرُز ُ‬
‫توحيد اللهيــة‪ ،‬كمــا فــي قــوله جــل وعل ﴿ ُ‬
‫ق ْ‬
‫ء‬
‫ما ِ‬
‫م ِ‬
‫ن ال ّ‬
‫مل ْ‬
‫م ْ‬
‫سل َ‬
‫قك ُل ْ‬
‫ل َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫مل ِ ُ‬
‫ت‬
‫حل‬
‫خل‬
‫واْل َْر‬
‫ن يُ ْ‬
‫مي ّل ِ‬
‫ي ِ‬
‫ج ال ْ َ‬
‫ر ُ‬
‫م َ‬
‫ك ال ّ‬
‫مل ْ‬
‫م ْ‬
‫م ْ‬
‫ن ال ْ َ‬
‫و َ‬
‫س ْ‬
‫ن يَ ْ‬
‫ضأ ّ‬
‫واْلب ْ َ‬
‫صاَر َ‬
‫ع َ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ل أ ََ‬
‫َ‬
‫فلَ‬
‫ّ‬
‫ُ‬
‫ْ‬
‫ْ‬
‫ْ‬
‫ف ُ‬
‫ه َ‬
‫سي َ ُ‬
‫مَر َ‬
‫ق ْ‬
‫وي ُ ْ‬
‫ت ِ‬
‫قولو َ‬
‫ن ال َ‬
‫ر ُ‬
‫مي ّ َ‬
‫ف َ‬
‫م ْ‬
‫م ْ‬
‫ن الل ُ‬
‫ن ي ُدَب ُّر ال ْ‬
‫و َ‬
‫ج ال َ‬
‫ي َ‬
‫َ‬
‫ح ّ‬
‫خ ِ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫ْ‬
‫ْ‬
‫ّ‬
‫ُ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫ضل ُ‬
‫ما َ‬
‫ل﴾]يونس‪:‬‬
‫ق إ ِل ال ّ‬
‫ت َت ّقو َ‬
‫عدَ ال َ‬
‫ذا ب َ ْ‬
‫م ال َ‬
‫ح ّ‬
‫قف َ‬
‫ح ّ‬
‫ه َرب ّك ْ‬
‫م الل ُ‬
‫ن)‪(31‬فذَل ِك ْ‬
‫َ‬
‫م ل َي َ ُ‬
‫خل َ َ‬
‫ه﴾]الزخــرف‪،[87 :‬‬
‫ن َ‬
‫ق ُ‬
‫سأل ْت َ ُ‬
‫ن َ‬
‫قللول ُ ّ‬
‫مل ْ‬
‫ول َئ ِ ْ‬
‫ن الل ّل ُ‬
‫هل ْ‬
‫م َ‬
‫ه ْ‬
‫‪ ،[33-32‬وكقوله ﴿ َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫خل َ َ‬
‫ض ل َي َ ُ‬
‫ن‬
‫ن َ‬
‫ن َ‬
‫وا ِ‬
‫ق ُ‬
‫ق ال ّ‬
‫سأل ْت َ ُ‬
‫ن َ‬
‫ه ّ‬
‫قول ُ ّ‬
‫م ْ‬
‫ول َئ ِ ْ‬
‫س َ‬
‫خل َ َ‬
‫م َ‬
‫ه ْ‬
‫واْلْر َ‬
‫ت َ‬
‫ما َ‬
‫وكقوله ﴿ َ‬
‫م﴾]الزخرف‪ ،[9:‬واليات في هذا كثيرة‪ ،‬وطريقة القــرآن أنــه يحتــج‬
‫زيُز ال ْ َ‬
‫ال ْ َ‬
‫عِلي ُ‬
‫ع ِ‬

‫الشيخ العلمة صالح بن عبد العزيز بن محمد آل الشيخ‬

‫‪100‬‬

‫على المشركين بما يقرون به‪ ،‬وهو توحيد الربوبية على ما ينكرونه وهو توحيد‬
‫اللهية‪.‬‬
‫ت ِبالله(‪ ،‬أو قــوله )ربــي اللــه(‬
‫من ْ ُ‬
‫من ْ ُ‬
‫ت ِبالله(‪ ،‬قول قائل )آ َ‬
‫إذن فقوله )آ َ‬
‫ن أحــد‬
‫هو التوحيد الذي يشمل توحيد الربوبية واللهية والســماء والصــفات؛ ل ّ‬
‫ن بعضها يتضمن البعض الخر‪.‬‬
‫هذه الشياء يلزم منه البقية‪ ،‬أو أ ّ‬
‫قوله عليه الصــلة والســلم هنــا ) ُ‬
‫ق ْ‬
‫ن‬
‫ت ب ِللالله( كمــا تقــدم معنــا أ ّ‬
‫من ْل ُ‬
‫لآ َ‬
‫ت ِبالله‪ .‬يعني أنــه اعتقــد العتقــاد‬
‫من ْ ُ‬
‫اليمان قول وعمل واعتقاد‪ ،‬فإذا قال‪ :‬آ َ‬
‫ســنة‪ ،‬وكــان مخلصــا‬
‫الصحيح‪ ،‬وعمل العمل الصحيح الصالح الذي وافق فيــه ال ُ‬
‫فيه لله جل وعل وأيضا تكلم وتلفظ بمــا يحــب اللــه جــل وعل ويرضــى‪ ،‬فــإذن‬
‫قوله ) ُ‬
‫ق ْ‬
‫ت ِبالله( هذا يشمل القوال والعمال والعتقادات‪ ،‬فدخل في‬
‫من ْ ُ‬
‫لآ َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫و ً‬
‫س لل َم ِ َ‬
‫هذه الوصية الدين كله؛ لنه قال ) ُ‬
‫س لأ ُ‬
‫ق ْ‬
‫ل‬
‫ل ِلي ِ‬
‫ل‪ ,‬ل َ أ ْ‬
‫فللي ال ِ ْ‬
‫قل ْ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫عدَ َ‬
‫غي َْر َ‬
‫ه َأحدا َ‬
‫ك( فقال ) ُ‬
‫ق ْ‬
‫سأ ُ‬
‫ت‬
‫ل َ‬
‫َ‬
‫ه أحدا ب َ ْ‬
‫من ْ ُ‬
‫ك( وفي لفظ )ل َ أ ْ‬
‫لآ َ‬
‫عن ْ ُ‬
‫عن ْ ُ‬
‫ت ِبالله( المقصــود بــه اليمــان الشــرعي؛ لنــه هــو الــذي‬
‫من ْ ُ‬
‫ِبالله(‪ ،‬وقوله )آ َ‬
‫يتعدى بالباء‪ ،‬فاليمان إذا تعدى بالباء في نصــوص الكتــاب والســنة فُيعنــى بــه‬
‫اليمان الشرعي‪ ،‬الذي هو قول وعمل واعتقاد‪.‬‬
‫َ‬
‫ن‪،‬‬
‫وكما ذكرنا لكم سلفا في شرح حديث جبريل أ ّ‬
‫ن اليمان مشتق من ال ْ‬
‫م ِ‬
‫َ‬
‫ن الغائلة‪ ،‬يعني من صدق به تصديقا جازما وعمل‬
‫وأصله أن من آمن بشيء أ ِ‬
‫م َ‬
‫خب ِــر لــه‬
‫م ْ‬
‫بما يقتضيه ذلك التصديق‪ ،‬فإنه يــأمن غائلــة التكــذيب؛ لن تكــذيب ال ُ‬
‫ذب‪ ،‬فمن ك َ‬
‫ذب لــم يــأمن فاليمــان والمــن‬
‫غائلة؛ يعني له أثر سيئ على المك ِ‬
‫متلزمان من حيث الثر‪ ،‬واليمان مشتق من المن‪ ،‬يعني مـن جهـة الشـتقاق‬
‫اللغوي البعيد‪ ،‬واليمان معناه‪ :‬التصديق الجــازم الــذي ل ريــب معــه‪ ،‬ول تــردد‬
‫فيه‪.‬‬
‫ن الســتقامة مــن اليمــان‪،‬‬
‫ست َ ِ‬
‫م( هذه لتراخي الجمل‪ ،‬وإل ّ فإ ّ‬
‫ما ْ‬
‫قمْ( )ث ُ ّ‬
‫)ث ُ ّ‬
‫فل ُيفصــل بيــن الســتقامة واليمــان‪ ،‬كمــا تقــول‪ :‬آمــن بــالله ثــم اعمــل مــن‬
‫م( له فائدة مــن‬
‫الصالحات‪ .‬فهذا تراخي جملة عن جملة‪ ،‬وتراخي الجمل بـ )ث ُ ّ‬
‫قمْ(‬
‫س لت َ ِ‬
‫ما ْ‬
‫جهة علم المعاني في البلغة محل الكلم عليها هنــاك‪ ،‬وقــوله )ث ُ ّ‬
‫فيــه المــر بالســتقامة‪ ،‬والســتقامة لفظهــا )اســتفعل(‪ ،‬اســتقام فيهــا معنــى‬
‫الطلب‪ ،‬ولكن هذا ليس بظاهر؛ لن الفعل اســتفعل أو هــذه الصــيغة اســتفعل‬
‫تأتي ويراد بها الطلب‪ ،‬وتأتي ويراد بها لزوم الشيء وكثرة التصاف به‪.‬‬
‫• فمن الول‪ :‬وهو أن استفعل تأتي ويــراد بهــا الطلــب كقولــك‪ :‬استســقى‬
‫فلن يعني‪ :‬طلب الســقيا‪ ،‬واســتغاث طلــب الغاثــة‪ ،‬واســتعان طلــب العانــة‪،‬‬
‫وهكذا في أشباهها‪.‬‬
‫• ومن الثاني‪ :‬وهــو أن اســتفعل تــأتي ويــراد منهــا لــزوم الوصــف‪ ،‬وكــثرة‬
‫ه﴾]التغابن‪:‬‬
‫ست َ ْ‬
‫وا ْ‬
‫غَنى الل ّ ُ‬
‫التصاف به‪ ،‬وعظم التصاف به كقوله جل وعل مثل‪َ ﴿ :‬‬
‫ب‬
‫ست َ ْ‬
‫ي استغنى ليس معناها ط َل َ َ‬
‫وا ْ‬
‫غَنى الل ّ ُ‬
‫ه( يعني غ َن ِ َ‬
‫‪ [6‬في سورة التغابن‪َ ) ،‬‬
‫م لذاته‪ ،‬وكثر وعظم جدا‪.‬‬
‫الغنى‪ ،‬ولكنه غني بغنى لز ٌ‬
‫فإذن )استفعل( هذه إذا تغيرت‪ ،‬أو إذا لم تستعمل في الطلــب فيعنــى بهــا‬
‫لزوم الصفة للذات‪ ،‬وكثرة التصاف‪ ،‬وعظم التصاف بهــا بحســب مــا يناســب‬
‫ست َ َ‬
‫ن َ‬
‫موا﴾]فصــلت‪:‬‬
‫الذات‪ ،‬فإذن )استقام( يعني﴿إ ِن ّال ّ ِ‬
‫ما ْ‬
‫ذي َ‬
‫قا ُ‬
‫ه ثُ ّ‬
‫قاُلوا َرب َّنا الل ّ ُ‬
‫ُ‬
‫ع َ‬
‫ك﴾]هود‪،[112:‬ـ ﴿ َ‬
‫‪َ ﴿ ،[30‬‬
‫ه‬
‫ست َ ِ‬
‫ست َ ِ‬
‫موا إ ِل َْيل ِ‬
‫ما أ ِ‬
‫م َ‬
‫ن َتا َ‬
‫مْر َ‬
‫فا ْ‬
‫فا ْ‬
‫م ْ‬
‫قي ُ‬
‫ب َ‬
‫و َ‬
‫م كَ َ‬
‫ق ْ‬
‫ت َ‬
‫ه﴾]فصلت‪ [6:‬وهكذا‪ ،‬استقيموا ليــس معناهــا طلــب الشــيء‪ ،‬ولكــن‬
‫ست َ ْ‬
‫غ ِ‬
‫وا ْ‬
‫فُرو ُ‬
‫َ‬

‫شرح الربعين النووية‬
‫‪101‬‬

‫معناه القامة على هذا الدين‪ ،‬القامة علــى اليمــان‪ ،‬وأن تعظــم الوصــاف أن‬
‫يعظــم وصــف اللــتزام بــه‪ ،‬وأن يعظــم وصــف القامــة عليــه‪ ،‬ولهــذا كلمــة‬
‫)الستقامة( تشمل ‪-‬كما فسرها طائفة مــن أهــل العلــم‪ -‬الثبــات علــى الــدين‪،‬‬
‫)استقام( يعني ثبــت علــى الــدين‪ ،‬و)اســتقام( قــالوا بمعنــى عمــل الطاعــات‪،‬‬
‫وابتعد عن مساخط الله‪ ،‬وعن المحرمات‪ ،‬وهذا معناه الخــذ بوســائل الثبــات؛‬
‫الستقامة بالجهاد بأنواعه‪ ،‬وهذا وسيلة من الوسائل‪ ،‬الستقامة بلزوم الســنة‪،‬‬
‫والخلص لله جل وعل‪ ،‬وهذا هو حقيقة الدين‪ .‬إذن فلفظ )استقام( يعني صار‬
‫له وصف القامة مبالغا فيه؛ يعني كثيرا‪ ،‬بحيث إنه لزمه‪ ،‬ولم يتغير عنــه‪ ،‬ولــم‬
‫يتبدل عنه‪ ،‬وهذا هو المقصود هنا‪.‬‬
‫إذن قوله عليه الصلة والسلم ) ُ‬
‫ق ْ‬
‫م( يعني لتكن‬
‫ست َ ِ‬
‫من ْ ُ‬
‫ما ْ‬
‫ق ْ‬
‫ت ِبالله ث ُ ّ‬
‫لآ َ‬
‫إقامتك بعد اليمان بالله على هذا اليمان عظيمة بحيث يكــون وصــف القامــة‬
‫لك ملزما‪ (1).‬وهذا تعظم معه هذه الوصية؛ لهذا أثنى الله جل وعل على عبــاده‬
‫سلت َ َ‬
‫ن َ‬
‫موا‬
‫ن ال ّ ِ‬
‫المستقيمين بقوله جــل وعل ﴿إ ِ ّ‬
‫ما ْ‬
‫ذي َ‬
‫قا ُ‬
‫ه ث ُل ّ‬
‫قللاُلوا َرب ّن َللا الل ّل ُ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫ل َ َ‬
‫خا ُ‬
‫ت َت َن َّز ُ‬
‫ة الِتللي‬
‫ة أ َّل ت َ َ‬
‫مَلئ ِك َ ُ‬
‫جّنلل ِ‬
‫وأب ْ ِ‬
‫شُروا ِبال َ‬
‫ول ت َ ْ‬
‫م ال ْ َ‬
‫ه ْ‬
‫حَزُنوا َ‬
‫فوا َ‬
‫علي ْ ِ‬
‫ن﴾]فصــلت‪ ،[30:‬فــإذن هــذا الحــديث شــمل أمــور العتقــاد وأمــور‬
‫م ُتو َ‬
‫دو َ‬
‫ع ُ‬
‫ك ُن ْت ُ ْ‬
‫ث علــى الثبــات‬
‫الظاهر والباطن‪ ،‬أعمال الجوارح وأعمال القلوب‪ ،‬وشمل الحـ ّ‬
‫مهــا مــن‬
‫على هذه الطاعات‪ ،‬فهذه الوصية صارت إذن وصية جامعة‪ ،‬وما أعظ َ‬
‫وصية ) ُ‬
‫ق ْ‬
‫م( يعني على اليمان بتعظيم أمــر القامــة‬
‫ست َ ِ‬
‫من ْ ُ‬
‫ما ْ‬
‫ق ْ‬
‫ت ِبالله ث ُ ّ‬
‫لآ َ‬
‫عليه‪ ،‬والزدياد من خلل اليمان‪.‬‬
‫‪‬‬
‫الحديث الثاني والعشرون ‪‬‬
‫ن رجل ً ســأل‬
‫ن عب ـد ِ اللــه ‪-‬رضــي اللــه عنهمــا‪ :-‬أ ّ‬
‫عن أبي عبد ِ الله جــابرِ ب ـ ِ‬
‫َ‬
‫ت‬
‫ت المكتوبا ِ‬
‫ن‪ ،‬وأ ْ‬
‫ت رمضــا َ‬
‫حَلل ـ ُ‬
‫م ُ‬
‫صـ ْ‬
‫صل ّي ْ ُ‬
‫رسول الله ‪ ‬فقال‪ :‬أرأي َ‬
‫ت‪ ،‬و ُ‬
‫ت إذا َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫خ ُ‬
‫الحل َ‬
‫م«‬
‫م‪ ،‬ولم أِزد على ذلك شيئا‪ :‬أأد ْ ُ‬
‫ل الجن ّ َ‬
‫ة؟ قال‪» :‬ن َ َ‬
‫ت الحرا َ‬
‫عل ْ‬
‫ل‪ ،‬وحّرم ُ‬
‫َ‬
‫ت الحل َ‬
‫ه‬
‫ت الحـرام( ا ِ ْ‬
‫ل( فََعلُتـ ُ‬
‫ه‪ ،‬ومعنـى )أحَللـ ُ‬
‫جت َن ِب ُْتـ ُ‬
‫]رواه مســلما[‪.‬ومعنـى)حّرمـ ُ‬
‫حّله‪.‬‬
‫قدا ِ‬
‫معت ِ‬
‫ُ‬
‫]الشرح[‬
‫حـديث جـابر بـن عبــد اللــه ‪ ‬وهــو الحـديث الثــاني والعشــرون مـن هـذه‬
‫ت‬
‫الحاديث النووية‪ ،‬قال ‪) ‬أ ّ‬
‫ن رجل ً سأل رسول الله ‪ ‬فقللال‪ :‬أرأيلل َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ت الحل َ‬
‫ت‬
‫ت المكتوبا ِ‬
‫ت رمضللا َ‬
‫ن‪ ،‬وأ ْ‬
‫ل‪ ،‬وحّرم ل ُ‬
‫حلل ل ُ‬
‫م ُ‬
‫صل ّي ْ ُ‬
‫صل ْ‬
‫ت‪ ،‬و ُ‬
‫إذا َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫خ ُ‬
‫م«(‪.‬‬
‫زد على ذلك شيئا‪ :‬أدْ ُ‬
‫ل الجن ّ َ‬
‫ة؟ قال‪» :‬ن َ َ‬
‫الحرا َ‬
‫ع ْ‬
‫م‪ ،‬ولم أ ِ‬
‫في هذا الحديث ذكر بعض العبادات وهــي عبــادة الصــلة والصــيام‪ ،‬وإحلل‬
‫الحلل‪ ،‬وتحريم الحرام‪ .‬وقد جاء فـي روايـات ُأخـر قـد تكـون هـي أصـل هـذا‬
‫ن رجل من العراب جاء إلــى النــبي ‪ ‬فســأله عــن أمــور الســلم‪،‬‬
‫الحديث‪ :‬أ ّ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫م أن ّ َ‬
‫سول ُ َ‬
‫ن الله‬
‫مأ ّ‬
‫فقال الرجل للنبي عليه الصلة والسلم‪ :‬أَتاَنا َر ُ‬
‫ك ت َْزع ُ ُ‬
‫ك ي َْزع ُ ُ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫سل َ َ‬
‫عم«‪ .‬فقــال‪ :‬أَتان َــا‬
‫ك‪ ،‬آلله أرسلك؟ قال النــبي عليــه الصــلة والســلم»ن َ َ‬
‫أْر َ‬
‫ك تزع ُ َ‬
‫ك يزع ُ َ‬
‫ت« إلى آخره‪ .‬فــي‬
‫ض ع َل َي َْنا َ‬
‫وا ٍ‬
‫مأ ّ‬
‫َر ُ‬
‫خ ْ‬
‫م أن ّ َ َ ْ ُ‬
‫سول ُ َ َ ْ ُ‬
‫س َ‬
‫م َ‬
‫ن الله افْت ََر َ‬
‫صل َ َ‬
‫َ‬
‫ذي ب َعَث َ َ‬
‫علَى‬
‫ق! ل َ أِزيد ُ َ‬
‫آخره‪ :‬قال الرجل للنبي عليه الصلة والسلم‪َ :‬وال ّ ِ‬
‫ك ِبال ْ َ‬
‫ح ّ‬
‫خ َ‬
‫ذا َ‬
‫هَ َ‬
‫ق«‪ ،‬وفــي‬
‫شي ًْئا‪ .‬فقال النبي عليه الصلة والسلم »دَ َ‬
‫جن ّ َ‬
‫صللدَ َ‬
‫ة ِإ ْ‬
‫ل ال ْ َ‬
‫ن َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ة‪َ ,‬‬
‫فل ْي َن ْظُلْر إ ِل َللى‬
‫نأ ْ‬
‫ل الجن ّل ِ‬
‫ل ِ‬
‫سّرهُ أ ْ‬
‫ن ي َن ْظَُر إ َِلى َر ُ‬
‫ن َ‬
‫مل ْ‬
‫م ْ‬
‫رواية » َ‬
‫هل ِ‬
‫ج ٍ‬
‫‪ ()1‬انتهى الشريط السادس‪.‬‬

‫الشيخ العلمة صالح بن عبد العزيز بن محمد آل الشيخ‬

‫‪102‬‬

‫ه َ‬
‫ذا«‪ ،‬وهناك روايات أخــر فــي مجيــء أعرابــي للنــبي ‪ ‬فــي ِذكــر الفــرائض‬
‫َ‬
‫الصلة والصيام والزكاة والحج‪.‬‬
‫وهذه الحاديث تدل على أن من فعل هذه الواجبات ممتثل متقربا بهــا إلــى‬
‫الله جل وعل فصلى الصــلوات المكتوبــة مطيعــا للـه جــل وعل‪ ،‬وصــام وزكــى‬
‫مطيعا لله‪ ،‬وحج مطيعا لله‪ ،‬وأح ّ‬
‫ل الحلل مطيعا لله‪ ،‬وحّرم الحرام مطيعا لله‪،‬‬
‫أنه من أهل الجنة‪ ،‬والحاديث متعددة في ذلك؛ بعضها يرتب ثواب الجنة علــى‬
‫كلمة التوحيد‪ ،‬وبعضها يرتب ثـواب الجنـة علـى الصـلة‪ ،‬وبعضـها يرتـب ثـواب‬
‫الجنة على الصيام‪ ،‬في ألفاظ مختلفة وروايات متعددة‪.‬‬
‫ن هذه الروايات التي فيها ترتيب دخول الجنة على بعض العمال‬
‫الحاصل أ ّ‬
‫الصالحة المقصود بها أنها إذا ُفعلت مع اجتماع الشــروط‪ ،‬وانتفــاء الموانــع‪ ،‬أو‬
‫إذا ُفعلت هذه الفعال مع التيان بالتوحيد‪ .‬وهذان احتمالن كما ذكرت لك‪:‬‬
‫الول‪ :‬أنها مع اجتماع الشروط وانتفاء الموانع‪.‬‬
‫والثاني‪ :‬أنه مع التيان بالتوحيد؛ لنه به تصح الصلة‪ ،‬وتقبل الزكــاة‪ ،‬ويصــح‬
‫الصيام‪ ،‬إلى آخره‪.‬‬
‫خل َ‬
‫ن‬
‫عم( أو )دَ َ‬
‫جن ّل َ‬
‫ة إِ ْ‬
‫ل ال ْ َ‬
‫وهذا معنــاه أن قــوله عليــه الصــلة والســلم )ن َ َ‬
‫ق( أن دخول الجنة متنوع‪ ،‬وهذا الظــاهر دلــت عليــه الدلــة الخــرى‪ ،‬فمــا‬
‫صدَ َ‬
‫َ‬
‫جاءت النصوص في ترّتب دخــول الجنــة علــى بعــض العمــال فهــو حـقّ علــى‬
‫ن من أتى بالتوحيد وعمل بالعمال الصالحة بأي عمل فــإنه موعــود‬
‫ظاهره‪ ،‬وأ ّ‬
‫َ‬
‫ديًثا﴾]النساء‪ .[87:‬ودخول‬
‫ح ِ‬
‫ن الل ّ ِ‬
‫صدَقُ ِ‬
‫ه َ‬
‫م ْ‬
‫م ْ‬
‫و َ‬
‫نأ ْ‬
‫بالجنة‪ ،‬والله جل وعل وعده﴿ َ‬
‫الجنة في النصوص‪:‬‬
‫• تارة ُيراد به الدخول الّولي‪.‬‬
‫•وتارة ُيراد به الدخول المآلي‪.‬‬
‫خ َ‬
‫ة( فقد يراد بالنص أنـه يـدخلها‬
‫وهذا في الثبات؛ يعني إذا قيل )دَ َ‬
‫جن ّ َ‬
‫ل ال ْ َ‬
‫أول؛ يعني مع من يدخلها أول‪ ،‬ول يكون عليه عــذاب قبــل ذلــك؛ فُيغفــر لــه إن‬
‫فر الله جل وعل عنه خطاياه‪ ،‬إلى آخر ذلك‪.‬‬
‫كان من أهل الوعيد‪ ،‬أو يك ّ‬
‫خ َ‬
‫ة( أن الدخول مــآلي؛ بمعنــى أنــه ســيؤول‬
‫أو يكون المقصود بـ )دَ َ‬
‫جن ّ َ‬
‫ل ال ْ َ‬
‫ن َ‬
‫قلا َ‬
‫ه إ ِل ّ الللله‬
‫مل ْ‬
‫ل‪ :‬ل َ إ ِل َل َ‬
‫إلى دخول الجنة‪ ،‬كقوله عليه الصلة والســلم » َ‬
‫ن َ‬
‫خ َ‬
‫خ َ‬
‫ن‬
‫ه إ ِل ّ الله دَ َ‬
‫دَ َ‬
‫جن ّ َ‬
‫جن ّ َ‬
‫نآ ِ‬
‫م ِ‬
‫خَر ك َل َ ِ‬
‫كا َ‬
‫ل ال ْ َ‬
‫ل ال ْ َ‬
‫ملل ْ‬
‫م ْ‬
‫ة«‪َ » ،‬‬
‫ه ل َ إ ِل َ َ‬
‫ة«‪َ » ،‬‬
‫َ‬
‫ت َ‬
‫ة«‪،‬‬
‫عن ْدَ الله َ‬
‫جّنلل َ‬
‫ن ُيللدْ ِ‬
‫ه ِ‬
‫مك ُْتوَبا ِ‬
‫وا ِ‬
‫هدٌ أ ْ‬
‫كا َ‬
‫ه ال َ‬
‫ع ْ‬
‫خل َ ُ‬
‫ن لَ ُ‬
‫ت ال َ‬
‫صّلى ال ّ‬
‫َ‬
‫صل َ َ‬
‫ن«‪ ،‬وهكــذا فــي أحــاديث‬
‫»ي ُدْ َ‬
‫م ال ِ‬
‫ة ِ‬
‫م ِ‬
‫مو َ‬
‫و َ‬
‫م ْ‬
‫قَيا َ‬
‫صائ ِ ُ‬
‫ن َبا ِ‬
‫عى ال ّ‬
‫ب الّرّيا ِ‬
‫ن يَ ْ‬
‫كما ذكرت لك متنوعة‪.‬‬
‫فإذن الحاديث التي فيهــا دخــول الجنــة بالثبــات‪ :‬تــارة يــراد منهــا الــدخول‬
‫الولي‪ ،‬وتارة يراد منها الدخول المآلي‪ ،‬ويــترتب علــى هــذا النفــي؛ فــإذا نفــي‬
‫دخول الجنة عــن عمــل مــن العمــال يــراد بــه نفــي الــدخول الولــي‪ ،‬أو نفــي‬
‫الدخول المآلي‪.‬‬
‫• والذي ُينفــى عنــه الــدخول الولــي هــم أهــل التوحيــد الــذين لهــم ذنــوب‬
‫ُيطّهرون منها إن لم يغفر الله جل وعل لهم‪.‬‬
‫• وأما الذين ينفى عنهم الدخول المآلي يعنــي‪ :‬ل يــدخلونها أول ول مــآل‪ ،‬ل‬
‫يؤولون إلى الجنة أصل فهؤلء هم أهل الكفر‪.‬‬

‫شرح الربعين النووية‬
‫‪103‬‬

‫ت«‪» ،‬ل َ‬
‫ة َ‬
‫خ ُ‬
‫في الول‪ ،‬مثل قوله عليه الصلة والسلم »ل َ ي َدْ ُ‬
‫جن ّ َ‬
‫ل ال ْ َ‬
‫قّتا ٌ‬
‫ة َ‬
‫خ ُ‬
‫خ ُ‬
‫م« وأشــباه ذلــك‪ ،‬فهــذه‬
‫حم«‪» ،‬ل َ ي َدْ ُ‬
‫ي َدْ ُ‬
‫جن ّ َ‬
‫جن ّ َ‬
‫ع َر ِ‬
‫ل ال ْ َ‬
‫قاطِ ُ‬
‫ل ال ْ َ‬
‫ما ٌ‬
‫ة نَ ّ‬
‫فيها أنه ل يدخل الجنة‪ ،‬هل معناه أنه ل يدخلها أبدا؟ ل‪ ،‬ل يدخلها أول‪.‬‬
‫وفي بعض النصوص نفي دخول الجنة الدخول المآلي‪ ،‬يعني أنهم ل يؤولون‬
‫ن‬
‫وَل ي َلدْ ُ‬
‫خُلو َ‬
‫إلى الجنة أصل بل مأواهم النار خالدين فيها‪ ،‬كقــوله جــل وعل ﴿ َ‬
‫م ُ‬
‫ط﴾]العراف‪ ،[40:‬وكما في قوله جــل‬
‫جن ّ َ‬
‫م ال ْ ِ‬
‫ل ِ‬
‫خَيا ِ‬
‫ج ال ْ َ‬
‫حّتى ي َل ِ َ‬
‫ة َ‬
‫ال ْ َ‬
‫في َ‬
‫س ّ‬
‫ج َ‬
‫ةو ْ‬
‫ف َ‬
‫وعل ﴿ َ‬
‫ن‬
‫ه َ‬
‫ن ِ‬
‫مللا ِللظّللال ِ ِ‬
‫عل َي ْ ِ‬
‫ه ال ْ َ‬
‫قدْ َ‬
‫حّر َ‬
‫مل ْ‬
‫مي َ‬
‫و َ‬
‫جن ّل َ َ َ‬
‫م الل ّ ُ‬
‫واهُ الن ّللاُر َ‬
‫م لأ َ‬
‫َ‬
‫ر﴾]المائدة‪.[72:‬‬
‫أن َ‬
‫صا ٍ‬
‫س ـّنة فــي فهــم آيــات‬
‫إذن فتحصــل لنــا كقاعــدة عامــة مــن قواعــد أهــل ال ّ‬
‫ن الية أو الحديث إذا كان فيه إثبات دخول الجنة علــى فعــل‬
‫وأحاديث الوعيد أ ّ‬
‫ن هذا الثبات ينقسم إلى‪ :‬دخول أولي‪ ،‬بمعنى أنــه يغفــر لــه فل‬
‫من الفعال فإ ّ‬
‫يؤاخذ‪ ،‬أو أنه ليس من أهل الحساب‪ ،‬أو أن الله جل وعل خفف عنــه فيــدخلها‬
‫أول‪ ،‬أو أنه ليس من أهل الدخول المآلي‪ .‬أو أنه من أهل الدخول المآلي‪.‬‬
‫وهكذا عكسها أنه ل يدخلها أول‪ ،‬أو ل يدخلها أول ومآل على حد سواء‪ ،‬وهذا‬
‫من القواعد المهمة عند أهل السنة التي خالفوا بهـا الخـوارج والمعتزلـة‪ ،‬إلـى‬
‫آخره‪.‬‬
‫إذا تقررت هذه القاعدة فهذا الحديث فيه ذكر دخول الجنة على أنه ل يزيد‬
‫على هذه شيئا‪ ،‬ولم يذكر في ذلك أنه فعل الزكــاة‪ ،‬ول أنــه أتــى بالحــج‪ ،‬ومــن‬
‫ترك الزكاة فهو من أهل الوعيد‪ ،‬ومن ترك الحج فهو من أهل الوعيد‪ ،‬وهكذا‪.‬‬
‫َ‬
‫خل ُ‬
‫ة؟‬
‫زد عللى ذللك شليئا‪ :‬أ َأ َدْ ُ‬
‫ل الجّنل َ‬
‫فــإذا تقــرر هــذا فقــوله )وللم أ ِ‬
‫م«( محمول على أحد توجيهين‪:‬‬
‫قال»ن َ َ‬
‫ع ْ‬
‫َ‬
‫زدْ على ذلك شيئا( يعنــي أنــه فعــل الواجبــات‬
‫الول‪ :‬أنه في قوله )لم أ ِ‬
‫ن‬
‫ت الحللرام(؛ ل ّ‬
‫التي أوجب الله جل وعل فتدخل الواجبات في قــوله )حّرم ُ‬
‫ترك الواجبات حرام؛ فهو إذا حرم ترك المحرمات)‪ ،(1‬معناه أنه فعلها‪.‬‬
‫والتوجيه الثاني‪ :‬أن هذا الحديث يفهم مع غيره من الحاديث كقاعــدة أهــل‬
‫السنة في نصوص الوعد والوعيد‪ ،‬وأننا ل نفهم نصا من نصوص الوعــد أو مــن‬
‫نصوص الوعيد على حدته‪ ،‬بل نضمه إلى أشباهه فيتضــح المقــام‪ ،‬فيكــون إذن‬
‫دخوله للجنة مع وجود الشروط وانتفاء الموانع‪ .‬أو يقال دخــول الجنــة هنــا مــع‬
‫القتصار على ما ذكر دخول مآليا‪ ،‬وإذا أتم فإنه يدخل دخول أوليا‪ ،‬ول بد أنه إذا‬
‫كان على ذلك النحو فإنه من أهل الجنــة؛ لن اللــه جــل وعل هــو الــذي وعــده‬
‫بذلك وبلغه رسوله عليه الصلة والسلم‪.‬‬
‫ت( تدل علــى تعلــق ذلــك بالصــلوات الخمــس‪،‬‬
‫ت المكتوبا ِ‬
‫صل ّي ْ ُ‬
‫قوله )إذا َ‬
‫وهذا ُيخرج النوافل‪.‬‬
‫ن( تعلقه بالشهر الواجب‪ ،‬وهذا ُيخرج النوافل‪.‬‬
‫ت رمضا َ‬
‫م ُ‬
‫ص ْ‬
‫كذلك قوله ) ُ‬
‫َ‬
‫ت الحل َ‬
‫ل( هذا اختلف فيها العلماء على قولين‪:‬‬
‫وقوله )وأ ْ‬
‫حَلل ُ‬
‫القول الول‪ :‬هو الــذي ذكــره النــووي فــي آخــر ذكــره للحــديث حيــث قــال‬
‫َ‬
‫ل( َ‬
‫ت الحل َ‬
‫حّله( فهذا وجه عند أهل العلــم؛‬
‫قدا ِ‬
‫معت ِ‬
‫ف َ‬
‫)ومعنى )أحَلل ُ‬
‫ه ُ‬
‫علت ُ ُ‬
‫َ‬
‫ت الحل َ‬
‫ل( أنه اعتقد وفعل‪.‬‬
‫لن معنى )أحَلل ُ‬

‫‪ ()1‬لعله يقصد الواجبات‪.‬‬

‫الشيخ العلمة صالح بن عبد العزيز بن محمد آل الشيخ‬

‫‪104‬‬

‫َ‬
‫ت الحل َ‬
‫ل( يعنــي‬
‫والوجه الثاني‪ :‬أنه اعتقد ولم يفعل‪ ،‬فمعنى قــوله )أ ْ‬
‫حَلل ُ‬
‫ح ّ‬
‫ل كل ما أحله الله جل وعل وليس في نفسي اعتراض على ما أحل‬
‫اعتقدت ِ‬
‫الله جل وعل‪ ،‬وهذا أحد المعنيين‪.‬‬
‫ن إحلل الحلل يقتضي أن تفعــل‪ ،‬أو أن‬
‫والمعنى الول الذي ذكره النووي أ ّ‬
‫ن تـأتي الحلل الــذي أحلــه اللــه جـل وعللــك‪ ،‬وأل تســتنكف عنـه؛‬
‫تعمــل‪ ،‬أو أ ْ‬
‫بمعنى أن من حرم على نفسه شيئا من الحلل مطلقــا فــإنه لــم يحــل الحلل‬
‫فعل؛ وهذا المعنى ليس بجيد عندي؛ لن فعل كل حلل ممتنع؛ قد ل يســتطيعه‬
‫كل أحد؛ لن الحلل وللــه الحمــد كــثير جــدا والمباحــات كــثيرة‪ ،‬فإتيــانه؛ فعلــه‬
‫باعتقاد حله هذا صعب‪ ،‬ومثل هذا الرجــل الســائل ل يعل ّــق بكــل شــيء‪ ،‬وهــذا‬
‫أيضا مما يكون في غير الستطاعة‪.‬‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ت الحل َ‬
‫ل( يعنــي اعتقــدت‬
‫والوجه الثاني الذي ذكرناه من أن قوله )أ ْ‬
‫حللل ُ‬
‫ن ما أحل اللــه جــل وعل فهــو حلل‪ ،‬فهــذا‬
‫حّله فلم يأ ِ‬
‫ت في نفسي ريب من أ ّ‬
‫ظاهر طيب؛ يعني ظاهر من الحديث حسن وهو أولى؛ لنه ل يلزم عنه لــوازم‬
‫غير جيدة‪.‬‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫خلل ُ‬
‫ل‬
‫زد على ذلك شلليئا‪ :‬أأدْ ُ‬
‫ت الحرا َ‬
‫أما قول الرجل )وحّرم ُ‬
‫م‪ ،‬ولم أ ِ‬
‫م«( فتحريــم الحــرام يشــمل المرتبــتين‪ :‬يشــمل العتقــاد‬
‫الجن ّ َ‬
‫ة؟ قال‪» :‬ن َ َ‬
‫ع ْ‬
‫والترك‪:‬‬
‫‪‬فتحريم الحرام أن تعتقد حرمته‪،‬‬
‫‪ ‬والثانية‪ :‬أن تفعل ما اعتقدته من ترك المحرمات‪.‬‬
‫فمـن اعتقـد حرمـة الحـرام وفعـل فهـو مـن أهـل الوعيـد يعنـي مـن أهـل‬
‫دق اللــه جــل‬
‫العصيان‪ ،‬وأما من لم يعتقد حرمة الحرام فهو كافر؛ لنــه مــا ص ـ ّ‬
‫وعل في خبره‪ ،‬أو لنه اعتقد غير ما أمر الله جل وعل باعتقاده‪ ،‬فــإن العتقــاد‬
‫بتحريم المحرمات فرض من الفرائض‪ ،‬وعقيدة ل بد منها؛ لن معنــاه اللــتزام‬
‫بأمر الله جل وعل‪ ،‬وأمر رسوله ‪ ،‬والنهي نهي الله ونهي رسول الله ‪.‬‬
‫‪‬‬
‫الحديث الثالث والعشرون ‪‬‬
‫ن رســول اللــه ‪ ‬قــال‪»:‬‬
‫ك الحار ِ‬
‫ن عاصـم ٍ الشــعري ‪ ‬أ ّ‬
‫عن أبي مال ٍ‬
‫ث بـ ِ‬
‫ُ‬
‫ال ّ‬
‫طهوُر َ‬
‫ن‬
‫مل ال ِ‬
‫م لدُ الل ل ِ‬
‫حا َ‬
‫مي لَزا َ‬
‫س لب ْ َ‬
‫ن‪ ،‬و”ال ْ َ‬
‫و” ُ‬
‫ه“ ت َ ْ‬
‫ح ْ‬
‫شطُْر الي َ‬
‫ن‪َ ،‬‬
‫مللا ِ‬
‫َ‬
‫ْ َ‬
‫ض‪،‬‬
‫سللما ِ‬
‫مللدُ لللل ِ‬
‫الللل ِ‬
‫وال ْ َ‬
‫ن ال ّ‬
‫مل ‪ -‬مللا ب َْيلل َ‬
‫و‪ :‬ت َ ْ‬
‫ح ْ‬
‫ء َ‬
‫ن‪-‬أ ْ‬
‫ه“ َتمل ِ‬
‫ه َ‬
‫والْر َ ِ‬
‫ة َللل َ‬
‫وال ْ ُ‬
‫صدَ َ‬
‫و‬
‫ج ٌ‬
‫ق ُ‬
‫ضَيا ٌ‬
‫ة ُبر َ‬
‫صب ُْر ِ‬
‫قْرآ ُ‬
‫ها ٌ‬
‫ح ّ‬
‫ن ُ‬
‫وال ّ‬
‫وال ّ‬
‫وال ْ َ‬
‫كأ ْ‬
‫ء‪َ ،‬‬
‫ن‪َ ،‬‬
‫صل َةُ ُنوٌر‪َ ،‬‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫هللا« ]رواه‬
‫س يَ ْ‬
‫َ‬
‫م ْ‬
‫دو؛ فَبائ ِ ٌ‬
‫غ ُ‬
‫موب ِق َ‬
‫عت ِق َ‬
‫ع ن َف َ‬
‫و ُ‬
‫ه‪ ،‬ف ُ‬
‫سلل ُ‬
‫هللا‪ ،‬أ ْ‬
‫علي ْك‪ .‬كل الّنا ِ‬
‫مسلم[‪.‬‬
‫]الشرح[‬
‫هذا الحديث وهو الحديث الثالث والعشرون‪ ،‬حــديث عظيــم جــدا‪ ،‬وألفــا ُ‬
‫ظه‬
‫س‪ ،‬وتــدخل القلــب‬
‫جوامع كلم للمصطفى ‪ ،‬وهو من الحاديث التي تهّز النف َ‬
‫بل استئذان؛ يعني أن فيه ما يرقق القلب‪ ،‬ويحمل على الطاعــة بتــأثيره علــى‬
‫ل نفس‪ ،‬وألفاظه تدل عليه؛ فقد قال ‪ ‬فيــه )ال ّ‬
‫طهللوُر َ‬
‫ك ّ‬
‫ن‪،‬‬
‫شلطُْر الي َ‬
‫مللا ِ‬
‫ن–‬
‫م لدُ لل ل ِ‬
‫ن الل ِ‬
‫مل ُ ال ِ‬
‫مدُ الل ِ‬
‫حا َ‬
‫ميَزا َ‬
‫وال ْ َ‬
‫سب ْ َ‬
‫و”ال ْ َ‬
‫و” ُ‬
‫ح ْ‬
‫ه“ ت َ ْ‬
‫ح ْ‬
‫ه“ َتمل ِ‬
‫ه َ‬
‫ن‪َ ،‬‬
‫َ‬
‫ص لدَ َ‬
‫و َ‬
‫قللا َ‬
‫ة‬
‫واْل َْر‬
‫سللما ِ‬
‫ق ُ‬
‫ن ال ّ‬
‫مل ‪ -‬مللا ب َي ْل َ‬
‫ل تَ ْ‬
‫وال ّ‬
‫وال ْ َ‬
‫ص لل َةُ ن ُللوٌر‪َ ،‬‬
‫ض‪َ ،‬‬
‫ء َ‬
‫أ ْ‬
‫ِ‬
‫ة لَ َ َ‬
‫عل َي ْ َ‬
‫وال ْ ُ‬
‫ك‪ .‬ك ُ ّ‬
‫دو؛‬
‫س يَ ْ‬
‫و َ‬
‫ج ٌ‬
‫ضَيا ٌ‬
‫ُبر َ‬
‫صب ُْر ِ‬
‫قْرآ ُ‬
‫ها ٌ‬
‫غ ُ‬
‫ح ّ‬
‫ن ُ‬
‫وال ّ‬
‫كأ ْ‬
‫ء‪َ ،‬‬
‫ن‪َ ،‬‬
‫ل الّنا ِ‬
‫َ‬
‫موب ِ ُ‬
‫عت ِ ُ‬
‫ه‪َ ،‬‬
‫ع نَ ْ‬
‫َ‬
‫هللا(‪ ،‬وهــذه ألفــاظ عظيمــة للغايــة‪،‬‬
‫م ْ‬
‫فَبللائ ِ ٌ‬
‫ق َ‬
‫ق َ‬
‫ف َ‬
‫و ُ‬
‫ف ُ‬
‫سلل ُ‬
‫هللا‪ ،‬أ ْ‬

‫شرح الربعين النووية‬
‫‪105‬‬

‫واشتملت على أحكام كثيرة ووصايا عظيمة دخلت في أبواب كثيرة من أبواب‬
‫الدين‪.‬‬
‫فقــوله فــي أولــه عليــه الصــلة والســلم )ال ّ‬
‫طهللوُر َ‬
‫ن(‬
‫ش لطُْر الي َ‬
‫مللا ِ‬
‫)ال ّ‬
‫ن صــيغة ُفعــول المقصــود منهــا‬
‫طهوُر( المقصود به الطهارة‪ ،‬الّتطهــر؛ فــإ ّ‬
‫فطور هــو فعــل الفطــار‪،‬‬
‫الفعل؛ يعني ما ُيفعل‪ ،‬فالطهور هو التطهر كما أن ال ُ‬
‫سحور هو الفعل نفسه وهكذا‪.‬‬
‫وال ّ‬
‫بخلف ال ّ‬
‫طهور بالفتح‪ :‬فإنه ما يتطهر به يعني‪ :‬الماء يســمى طهــور‪ ،‬وأكلــة‬
‫فطــور يســمى َفطــور بالفتــح إذا كــان المــراد‬
‫سحور بالفتح‪ ،‬وال َ‬
‫السحر تسمى َ‬
‫ســحور للتســحر وهكــذا‪،‬‬
‫الذي يؤكل‪ ،‬أما الفعل نفسه فهــو طهــور للطهــارة‪ ،‬و ُ‬
‫فقوله عليه الصلة والسلم هنا )ال ّ‬
‫طهوُر( يعنــي التطهــر‪ .‬وهــذا اختلــف فيــه‬
‫العلماء على قولين‪:‬‬
‫‪‬الول‪ :‬أن المراد بـ)ال ّ‬
‫طهوُر( هنا‪ :‬التطهــر مــن النجاســات المعنويــة‪ ،‬أو‬
‫جس القلب والروح والجــوارح مــن الشــرك والريــاء‪ ،‬وفعــل المحرمــات‬
‫مما ُين ّ‬
‫وث َِياب َ َ‬
‫ك‬
‫وترك الواجبات وأشباه ذلك‪ .‬وهذا أخــذوه مــن قــول اللــه جــل وعل ﴿ َ‬
‫َ‬
‫هْر﴾]المدثر‪ ،[4:‬على أحد تفسيرين‪ ،‬فإن الّتطهير هنا ُفسر بأن المقصــود بــه‬
‫فطَ ّ‬
‫م‬
‫التطهير من الشرك والنجاسات المعنوية‪ ،‬وفسر أيضا قــوله جــل وعل ﴿إ ِن ّ ُ‬
‫هل ْ‬
‫ُ‬
‫ن﴾)‪ (1‬بالمتناع عن فعل الفاحشة‪ ،‬وهذا التفسير له مأخذه من‬
‫هُرو َ‬
‫س ي َت َطَ ّ‬
‫أَنا ٌ‬
‫القــرآن‪ ،‬وظــاهر دليلــه مــن أن الطهــارة هنــا المقصــود منهــا طهــارة القلــب‪،‬‬
‫وطهارة الجوارح واللسان من المحرمات‪ ،‬أو من ترك الواجبات‪ .‬وكونهــا علــى‬
‫هذا المعنى شطر اليمان؛ لن الطهارة ترك واليمــان قســمان‪ :‬فعــل‪ ،‬وتــرك‪.‬‬
‫فصارت الطهارة بالمعنى هذا شطر اليمان؛ يعني نصفه؛ لنه إمــا أن تــترك أو‬
‫تفعل‪ ،‬فإذا طهرت نفسك وجوارحك؛ يعني جعلتها طاهرة مما حــرم اللــه جــل‬
‫وعل في القلب واللسان والجوارح‪ ،‬فقد أتيت بما هو نصف اليمان وهو الترك‬
‫فيبقى المر‪ .‬وهنا نقول‪ :‬لماذا نبه على الترك ولم ينبه على الفعل وهو التيان‬
‫بالواجبات؟ الجواب‪ :‬أن الترك أعظم؛ فإن ترك المحرمات أعظم مــن التيــان‬
‫ن كثيرين يأتون بالواجبات‪ ،‬ول يصــبرون عــن المحرمـات‬
‫بالواجبات‪ ،‬لهذا تجد أ ّ‬
‫نسأل الله العافية والسلمة‪ ،‬ومن يترك المحرمات فإنه يسـهل عليـه أن يـأتي‬
‫بالواجبات‪.‬‬
‫ن )ال ّ‬
‫طهوُر(‬
‫‪‬الوجه الثاني من كلم أهل العلم؛ يعني التفســير الثــاني‪ :‬أ ّ‬
‫هنا المقصود به الطهارة بالماء أو بما هو بدل المــاء‪ ،‬والطهــارة تكــون طهــارة‬
‫كبرى‪ ،‬أو صغرى‪ ،‬يعني غسل الجنابة أو غسل المرأة من الحيض والنفــاس‪ ،‬أو‬
‫الطهارة الصغرى بالتطهر للصلة‪ ،‬وهنا جعلها شطر اليمان؛ لن الله جل وعل‬
‫ما َ‬
‫م﴾]البقــرة‪:‬‬
‫ه ل ِي ُ ِ‬
‫كا َ‬
‫ضللي َ‬
‫مللان َك ُ ْ‬
‫ع ِإي َ‬
‫ن الل ّل ُ‬
‫و َ‬
‫جعل الصلة إيمانا فقال جل وعل ﴿ َ‬
‫‪ [143‬يعني صلتكم‪ ،‬حين توجهوا إلى القبلة بعــد بيــت المقــدس‪ ،‬فقــال طائفــة‬
‫من المسلمين كيف‪ :‬بأمر الذين صلوا إلى بيت المقدس‪ ،‬ولــم يــدركوا الصــلة‬
‫م(‬
‫ه ل ِي ُ ِ‬
‫ما ك َللا َ‬
‫ضللي َ‬
‫مللان َك ُ ْ‬
‫ع ِإي َ‬
‫ن الل ّل ُ‬
‫و َ‬
‫إلى الكعبة؟ فأنزل الله جل وعل قــوله ) َ‬
‫يعني صلتكم‪ .‬والصلة مفتاحها التطهر؛ فإنها ل تصح إل بالطهارة‪ ،‬فلها شروط‬
‫قبلها‪ ،‬ولها واجبات وأركان فيها ‪-‬يعني في الصلة‪ -‬فما قبلها أعظمه فــي فعــل‬
‫العبــد الطهــارة؛ فصــارت شــطرا بهــذا العتبــار‪ .‬فيكــون إذن قــوله )ال ّ‬
‫طهوُر‬
‫‪ ()1‬العراف‪ ،82:‬النمل‪.56:‬‬

‫الشيخ العلمة صالح بن عبد العزيز بن محمد آل الشيخ‬

‫‪106‬‬

‫َ‬
‫ن( يعني التطهــر شــطر اليمــان الــذي هــو الصــلة؛ لن الصــلة‬
‫شطُْر الي َ‬
‫ما ِ‬
‫رأس أعمال اليمان‪.‬‬
‫ُ‬
‫وهناك تفسيرات أخر لهل العلم؛ يعني اختلفوا في هذا اختلفــا كــثيرا لكــن‬
‫هذان قولن مشهوران في هذا المقام‪.‬‬
‫ُ‬
‫ّ‬
‫ْ‬
‫ه(‪،‬‬
‫مدُ ل ِل ِ‬
‫مل ال ِ‬
‫مدُ الل ِ‬
‫ميَزا َ‬
‫ن(‪) ،‬ال َ‬
‫قال عليه الصلة والسلم )”ال ْ َ‬
‫ح ْ‬
‫ه“ ت َ ْ‬
‫ح ْ‬
‫د( هذه كلمة فيها إثبات الكمالت؛ لن حمد بمعنى أثنى على غيــره بمــا‬
‫م ُ‬
‫)ال ْ َ‬
‫ح ْ‬
‫مل فيهــا‬
‫فيه من صفات الكمال‪ ،‬فحمد لفلن صنيعه يعني أثنى عليه بصفات ك َ ُ‬
‫بما يناسب البشر؛ لجل صنيعه‪ ،‬ومنه يدخل في الحمد بهذا العتبــار أنــه يثنــي‬
‫ه( معناها الثناء على الله جل وعل‬
‫مدُ ل ِل ّ ِ‬
‫عليه شاكرا له‪ ،‬يعني باللسان‪ .‬فـ)ال ْ َ‬
‫ح ْ‬
‫بإثبات صفات الكمال له جل جلله‪.‬‬
‫د( على هذا يدخل فيه‪ :‬حمد الله وهو الثناء عليه‪ ،‬علــى مــا اتصــف‬
‫م ُ‬
‫فـ)ال ْ َ‬
‫ح ْ‬
‫به من صفات الكمال والجلل والجمال‪.‬‬
‫♦ حمد لله على ربوبيته؛ يعني على اسمه الرب‪ ،‬وعلى وصف الربوبية له‪.‬‬
‫♦ وحمد لله جل وعل على إلهيته‪ ،‬وعلى أنه الله‪.‬‬
‫♦ وحمد لله جل وعل على أسمائه وصفاته‪ ،‬ونعوت جلله وكماله‪.‬‬
‫وحمد لله جل وعل على القرآن على كلمه‪.‬‬
‫♦ وحمد لله جل وعل على أمره الكوني والقدري وحكمه في بريته‪.‬‬
‫♦ وحمد لله جل وعل على أمره الشرعي‪.‬‬
‫فالحمد في نصوص الكتاب والسنة تكت َِنفه هذه النواع الخمسة التي ذكرنا؛‬
‫ولهذا تجد أنه في القرآن يأتي الحمد متعلقا بأحدها بأحد هذه الخمسة ل غيــر‪،‬‬
‫ذي‬
‫ه ال ّل ِ‬
‫مدُ ل ِل ّل ِ‬
‫عال َ ِ‬
‫مدُ ل ِل ّ ِ‬
‫ن﴾)‪ (1‬تعلق بالربوبية‪ ﴿ ،‬ال ْ َ‬
‫ب ال ْ َ‬
‫ه َر ّ‬
‫أنظر مثل ﴿ ال ْ َ‬
‫مي َ‬
‫ح ْ‬
‫ح ْ‬
‫َ‬
‫ع َ‬
‫والّنوَر﴾]النعام‪ [1:‬ذا أيضا فــي‬
‫َ‬
‫ما ِ‬
‫وا ِ‬
‫ج َ‬
‫و َ‬
‫ق ال ّ‬
‫ل الظّل ُ َ‬
‫س َ‬
‫خل َ َ‬
‫واْلْر َ‬
‫ت َ‬
‫ض َ‬
‫ت َ‬
‫ما َ‬
‫َ‬
‫عل ْ‬
‫ذي أنلَز َ‬
‫ه‬
‫عل َللى َ‬
‫ل َ‬
‫د ِ‬
‫عب ْل ِ‬
‫ه ال ّ ِ‬
‫مدُ ل ِل ّ ِ‬
‫ج َ‬
‫م يَ ْ‬
‫ه ال ْك ِت َللا َ‬
‫الربوبية‪﴿ ،‬ال ْ َ‬
‫ل ل َل ُ‬
‫ول َل ْ‬
‫ح ْ‬
‫ب َ‬
‫ْ َ‬
‫ض﴾]فاطر‪َ ﴿ ،[1:‬‬
‫ه َ‬
‫ه‬
‫فادْ ُ‬
‫ِ‬
‫وا ِ‬
‫مدُ ل ِل ّ ِ‬
‫جا﴾]الكهف‪﴿ ،[1:‬ال ْ َ‬
‫و َ‬
‫ر ال ّ‬
‫عو ُ‬
‫س َ‬
‫ح ْ‬
‫ت َ‬
‫ما َ‬
‫ع َ‬
‫فاطِ ِ‬
‫والْر ِ‬
‫ن﴾]غافر‪ ،[65:‬وهكذا في نصوص‬
‫م ْ‬
‫عال َ ِ‬
‫مدُ ل ِل ّ ِ‬
‫خل ِ ِ‬
‫ب ال ْ َ‬
‫ه َر ّ‬
‫ن ال ْ َ‬
‫ه ال ّ‬
‫مي َ‬
‫دي َ‬
‫صي َ‬
‫ح ْ‬
‫ن لَ ُ‬
‫ُ‬
‫كثيرة في الكتاب والسنة‪.‬‬
‫فإذن الحمد إثبات الكمالت إثبات نعـوت الجلل والكمـال‪ ،‬وهـذا مسـتغَرق‬
‫ه(‪) ،‬الل( الـــتي‬
‫مدُ ل ِل ّ ِ‬
‫فيه جميع النواع لله جل وعل؛ لن كلمة )الل( هذه )ال ْ َ‬
‫ح ْ‬
‫مد( هذه للستغراق‪ ،‬استغراق جميع أنواع الحمد؛ لنها دخلــت علــى‬
‫تسبق ) َ‬
‫ح ْ‬
‫ن( يعنــي‬
‫عال َ ِ‬
‫مدُ ل ِل ّ ِ‬
‫ح ِ‬
‫ب ال ْ َ‬
‫ه َر ّ‬
‫دا‪ ،‬فقوله جل وعل )ال ْ َ‬
‫م ً‬
‫د‪َ ،‬‬
‫م ُ‬
‫د‪ ،‬ي َ ْ‬
‫م َ‬
‫مصدر َ‬
‫مي َ‬
‫ح ْ‬
‫ح ْ‬
‫ح َ‬
‫ه(‪،‬‬
‫جميع أنواع المحامد مستحقة لله جــل وعل‪ ،‬واللم هنــا فــي قــوله للــه)ل ِل ّ ِ‬
‫ه( يعني الحمد المستحق لله جل وعل الذي ُأثني به على اللــه جــل‬
‫مدُ ل ِل ّ ِ‬
‫)ال ْ َ‬
‫ح ْ‬
‫ه( فــإن هــذه تمل الميــزان‪ ،‬كمــا‬
‫مدُ ل ِل ّ ِ‬
‫وعل يمل الميزان‪ ،‬فإذا قال العبد )ال ْ َ‬
‫ح ْ‬
‫جاء في حديث أبي هريرة الذي رواه البخاري وغيره‪ ،‬أنه عليه الصلة والسلم‬
‫في َ‬
‫ن‬
‫ن َ‬
‫ن َ‬
‫ن ِ‬
‫ن‪ ,‬ث َ ِ‬
‫خ ِ‬
‫في ال ْ ِ‬
‫ن‪َ ,‬‬
‫ى الل ّ َ‬
‫قال»ك َل ِ َ‬
‫حِبيب ََتا ِ‬
‫ميَزا ِ‬
‫قيل ََتا ِ‬
‫سا ِ‬
‫فَتا ِ‬
‫مَتا ِ‬
‫عل َ َ‬
‫ظي لم ِ«‪ .‬فالحمــد‬
‫ع ِ‬
‫ن الل ّل ِ‬
‫د ِ‬
‫م ِ‬
‫حا َ‬
‫حا َ‬
‫ه ال ْ َ‬
‫سب ْ َ‬
‫وب ِ َ‬
‫سب ْ َ‬
‫إ َِلى الّر ْ‬
‫ه‪ُ .‬‬
‫ن‪ُ .‬‬
‫ح ْ‬
‫ح َ‬
‫ن الّله َ‬
‫م ِ‬
‫ه( أن الحمــد والتســبيح‬
‫ملدُ للل ِ‬
‫ن اللل ِ‬
‫حا َ‬
‫وال ْ َ‬
‫سب ْ َ‬
‫إثبات‪ ،‬وكما سيأتي فــي ) ُ‬
‫ح ْ‬
‫ه َ‬
‫متلزمان‪.‬‬
‫ُ‬
‫م ْ‬
‫ل ـَء‬
‫مل ال ِ‬
‫ميَزا َ‬
‫ن( علــى قاعــدتنا‪ :‬أ ّ‬
‫ن ال َ‬
‫وقوله هنا عليه الصلة والسلم )ت َ ْ‬
‫هنا على ظاهره حسي وليــس ملئا معنويــا‪ ،‬كمــا قــاله طائفــة‪ ،‬وهــذا نــوع مــن‬
‫‪()1‬غافر‪ ،65:‬الزمر‪ ،75:‬يونس‪ ،10:‬الفاتحة‪.2:‬‬

‫شرح الربعين النووية‬
‫‪107‬‬

‫التأويل؛ لن الدخول في المور الغيبية بما ل يوافق ظاهر اللفظ هذا نــوع مــن‬
‫ن( علــى ظاهرهــا‪،‬‬
‫مل ُ ال ِ‬
‫مدُ الل ِ‬
‫ميَزا َ‬
‫التأويل المذموم‪ .‬فإذن نقول )”ال ْ َ‬
‫ه“ ت َ ْ‬
‫ح ْ‬
‫وهو أن الله جل وعل يأتي بهذه الكلمة فيمل بها الميزان‪ ،‬والله جــل وعل يــوم‬
‫القيامة يجعل في الميزان العمال فيزَنهــا‪ ،‬فتكــون العمــال الــتي هــي أقــوال‬
‫واعتقادات وحركات تكون في الميزان‪ ،‬فيثقل بهـا ويخـف بهـا ميــزان آخريـن‪،‬‬
‫ه“( هــذه تمل الميــزان‪ .‬وهنــا نظــر أهــل‬
‫مدُ الل ِ‬
‫فإذن على ظاهرها أن )”ال ْ َ‬
‫ح ْ‬
‫ن( لماذا صارت تمل؟ على تفسيرين‪:‬‬
‫مل ُ ال ِ‬
‫ميَزا َ‬
‫العلم في قوله )ت َ ْ‬
‫الول‪ :‬أن تمل نفهم منه أنها ل توضع أول؛ يعني ل يؤتى بالحمد أول فتوضــع‬
‫في الميزان‪ ،‬وإنما الذي يؤتى به العمال فتوضع في الميـزان‪ ،‬فيـؤتى بالحمـد‬
‫فتمل الميزان‪ ،‬هذا تفسير‪.‬‬
‫والتفسير الثاني‪ :‬أن اليمان والــدين نصــفان‪ :‬نصــف تنزيــه‪ ،‬ونصــف إثبــات‬
‫الكمالت‪ .‬والتنزيه فيه التسبيح‪ ،‬التنزيه تنزيه الرب جل وعل عــن النقــص فــي‬
‫ربوبيته‪ ،‬أو في إلهيته‪ ،‬أو في أسمائه وصفاته‪ ،‬إلى آخــره‪ .‬هــذا فيــه إبعــاد عــن‬
‫د‬
‫ن الل ِ‬
‫حا َ‬
‫مل ُ‬
‫ه( أول فـ)ال ْ َ‬
‫سب ْ َ‬
‫النقائص‪ ،‬والحمد إثبات للكمالت‪ ،‬فإذا وضعت ) ُ‬
‫ح ْ‬
‫ن‬
‫ه( تأتي ثانيا فتمل الميزان‪ ،‬ونفهم من قوله عليه الصلة والسلم »ث َ ِ‬
‫لل ِ‬
‫قيل ََتا ِ‬
‫ظي لم ِ« أن‬
‫ِ‬
‫ع ِ‬
‫ن الل ّل ِ‬
‫د ِ‬
‫مل ِ‬
‫فللي ال ْ ِ‬
‫حا َ‬
‫حا َ‬
‫ه ال ْ َ‬
‫س لب ْ َ‬
‫وب ِ َ‬
‫س لب ْ َ‬
‫ه‪ُ .‬‬
‫ن‪ُ ,‬‬
‫ح ْ‬
‫ن الل ّلله َ‬
‫مي لَزا ِ‬
‫التسبيح أكثر من جهة وضعه في الميزان؛ فيكون الحمد تتمة لذلك‪ .‬وقد يتأيــد‬
‫هذا بشيء‪ ،‬وهو أن التسبيح ‪-‬المعاني يطول ذكرهــا‪ ،‬لكــن نــذكر بعــض فــائدة‪-‬‬
‫خل ِي َــة‪ ،‬ومعلــوم أن التخليــة بل شــيء‬
‫يختلف عن الحمد‪ ،‬وهو أن التسبيح فيــه ت َ ْ‬
‫يوضع محلها أنها ليست محمــودة‪ ،‬بمعنــى أنــه إذا قــال أحــد‪ :‬أنــا سـأخلي هــذا‬
‫المسجد مما فيه من الشياء‪ ،‬والدواليب والفرش ونحو ذلك‪ .‬لم يكن محمــودا‬
‫بفعله‪ ،‬إل ّ إذا قال وآتي بغيره مما هو أحسن منه فأضعه فيه‪ .‬فالتسبيح تنزيــه‪،‬‬
‫والتنزيه قد يكون ناتجا عن ُقصور في إثبات الكمالت لله جل وعل فيقول‪ :‬إن‬
‫الله جل وعل منزه عن كذا‪ ،‬ومنزه عن كذا‪ ،‬ومنزه عن كذا‪ .‬ثــم ل يصــفه جــل‬
‫وعل بشيء؛ فلهذا كان التسبيح والحمــد متكــاملن‪ ،‬فالتســبيح تخليــة‪ ،‬والحمــد‬
‫حِلية‪ ،‬والتخلية تسبق التحلية كما هو مقرر في علوم البلغة‪.‬‬
‫بالنسبة للقلب ت َ ْ‬
‫فإذن جاء التسبيح في نصــوص كــثيرة مضــافا إلــى اللــه جــل وعل؛ بمعنــى‬
‫سلب النقائص ونفي النقائص عن الله جل وعل في ربوبيته وإلهيتــه‪ ،‬وأســمائه‬
‫وصفاته‪ ،‬وفي قدره وأمــره الكــوني‪ ،‬وفــي شــرعه وحكمــه الــديني‪ ،‬فــي هــذه‬
‫الخمسة تقابل بها الخمسة التي فيها إثبات الكمالت في الحمد‪ ،‬فكــل واحــدة‬
‫منها ن ُّزهت عن الله جل وعل جاء الحمد بإثبات الكمــال اللئق بــالله جــل وعل‬
‫محّلها‪.‬‬
‫ه( فــي لســانه أعظــم‬
‫مدُ لل ِ‬
‫ن الل ِ‬
‫حا َ‬
‫وال ْ َ‬
‫سب ْ َ‬
‫وهذا لو فقهه العبد لكان ) ُ‬
‫ح ْ‬
‫ه َ‬
‫من أي شيء يشتغل به عنها مــن غيــر ذكــر اللــه جــل وعل والقــرآن العظيــم‪،‬‬
‫ن فيهــا‬
‫مدُ لل ِ‬
‫ن الل ِ‬
‫حا َ‬
‫ه( لكنها عظيمة؛ ل ّ‬
‫وال ْ َ‬
‫سب ْ َ‬
‫فإذن هذه الكلمة خفيفة ) ُ‬
‫ح ْ‬
‫ه َ‬
‫العتقــاد الصــحيح فــي اللــه جــل وعل بجميــع جهــاته ففيهــا الربوبيــة واللهيــة‪،‬‬
‫والسماء والصفات‪ ،‬وفيها إثبات تحليل الحلل وتحريم الحرام‪ ،‬وفيهــا العتقــاد‬
‫الحسن في القدر‪ ،‬وفيها العتقاد الحسن فيما يتصرف اللــه جــل وعل بــه فــي‬
‫ملكوته‪ ،‬إلى آخر ذلك من المعاني‪.‬‬
‫ُ‬
‫ن( يكــون‬
‫مل ال ِ‬
‫مدُ الل ل ِ‬
‫مي لَزا َ‬
‫و”ال ْ َ‬
‫ه“ ت َ ْ‬
‫ح ْ‬
‫لهذا قوله عليه الصلة والسلم ) َ‬
‫هنا الم ْ‬
‫لُء بعد التنزيه وهو التسبيح‪.‬‬

‫الشيخ العلمة صالح بن عبد العزيز بن محمد آل الشيخ‬

‫‪108‬‬

‫َ‬
‫ء‬
‫سما ِ‬
‫مدُ لل ِ‬
‫ن الل ِ‬
‫حا َ‬
‫وال ْ َ‬
‫سب ْ َ‬
‫ن ال ّ‬
‫و” ُ‬
‫مل‪ -‬ما ب َي ْ َ‬
‫و‪ :‬ت َ ْ‬
‫ح ْ‬
‫ن ‪-‬أ ْ‬
‫ه“ َتمل ِ‬
‫ه َ‬
‫قال ) َ‬
‫ْ َ‬
‫ض( سبحان الله يعنـي تنزيهـا للـه جـل وعل عـن النقـائص فـي ربـوبيته‬
‫َ‬
‫والْر ِ‬
‫وإلهيته‪ ،‬وأسمائه وصفاته‪ ،‬وشرعه ودينه‪ ،‬وعن أمره الكــوني وقــدره‪ ،‬والحمــد‬
‫ن‪-‬‬
‫لله إثبات الكمالت لله جل وعل فهما متكاملن‪ .‬قال )ت َ ْ‬
‫مل ‪-‬أو قللال َتمل ِ‬
‫ْ َ‬
‫ن( فكل واحدة على اعتبــار‪،‬‬
‫سما ِ‬
‫ن ال ّ‬
‫ما ب َي ْ َ‬
‫ض( إذا كان اللفظ )َتمل ِ‬
‫ء َ‬
‫والْر ِ‬
‫ء‬
‫سللما ِ‬
‫ن ال ّ‬
‫مل مللا ب َْيلل َ‬
‫مل( وهــو الظهــر )ت َ ْ‬
‫وإذا كــان اللفــظ المحفــوظ )ت َ ْ‬
‫ْ َ‬
‫ه( كلمة واحدة؛ لن مدلولها واحــد‪،‬‬
‫مدُ لل ِ‬
‫ن الل ِ‬
‫حا َ‬
‫وال ْ َ‬
‫سب ْ َ‬
‫ض( فإن ) ُ‬
‫ح ْ‬
‫ه َ‬
‫َ‬
‫والْر ِ‬
‫وهو كما ذكرنا التنزيه والثبات‪.‬‬
‫َ‬
‫ء َ ْ‬
‫ض( ما المقصود بذلك؟ إذا أطلق لفــظ‬
‫سما ِ‬
‫ن ال ّ‬
‫مل ما ب َي ْ َ‬
‫قوله )ت َ ْ‬
‫والْر ِ‬
‫سماء( هنا فالمقصود به السماء الدنيا‪ ،‬والسماء تطلق في النصوص ويراد‬
‫)ال ّ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ً‬
‫ّ‬
‫َ‬
‫ة كَ َ‬
‫ة‬
‫ة طي ّب َل ً‬
‫مل ً‬
‫م ت ََرى ك َي ْ َ‬
‫ف َ‬
‫جَر ٍ‬
‫شل َ‬
‫ض لَر َ‬
‫مث َل ك َل ِ َ‬
‫ه َ‬
‫ب الل ل ُ‬
‫بها العلو بعامة ﴿أل ْ‬
‫طَيب َ‬
‫و َ‬
‫ء﴾]إبراهيــم‪ [24:‬يعنــي فــي العلــو ﴿‬
‫ما ِ‬
‫فْر ُ‬
‫ها ِ‬
‫ّ َ ٍ‬
‫ها َثاب ِ ٌ‬
‫فللي ال ّ‬
‫ع َ‬
‫صل ُ َ‬
‫سل َ‬
‫ةأ ْ‬
‫ت َ‬
‫ََ‬
‫ء﴾]الملك‪ [16:‬يعني من في العلــو‪ ،‬وهكــذا‪ .‬فــإذا أطلــق‬
‫ما ِ‬
‫ن ِ‬
‫أأ ِ‬
‫في ال ّ‬
‫م ْ‬
‫س َ‬
‫م َ‬
‫منت ُ ْ‬
‫سماء( وحده يعني‪ :‬بل السماوات مفرد فإنه قد يــراد بــه العلــو‪ ،‬وقــد‬
‫لفظ )ال ّ‬
‫جعــل أو قوبــل‬
‫يــراد بــه واحــدة الســماوات وهــي الســماء الــدنيا‪ ،‬وخاصــة إذا ُ‬
‫ْ َ‬
‫ض( يعنــي أنهــا تمل هــذا‬
‫سللما ِ‬
‫ن ال ّ‬
‫مل ما ب َي ْل َ‬
‫بالرض‪ ،‬فقــوله هنــا )ت َ ْ‬
‫ء َ‬
‫والْر ِ‬
‫الفراغ الكبير الـذي بيـن الرض ومـا بيـن السـماء؛ لمـا؟ لعظـم هـذه الكلمـة‪،‬‬
‫ولمحبة الله جل وعل لها‪ ،‬ولحمل الملئكة لها تقّربا إلى الله جل وعل‪.‬‬
‫صدَ َ‬
‫ضلَياءٌ( هــذه الثلثــة‪:‬‬
‫ق ُ‬
‫ة ُبر َ‬
‫صلب ُْر ِ‬
‫هللا ٌ‬
‫وال ّ‬
‫وال ّ‬
‫وال ْ َ‬
‫ن‪َ ،‬‬
‫صل َةُ ُنوٌر‪َ ،‬‬
‫قال ) َ‬
‫والصلة‪ ،‬والصدقة‪ ،‬الصبر‪ .‬اقترنت هنا بثلثــة أنــواع مــن أنــواع النــور والضــياء‬
‫والبرهان‪ ،‬فدرجات النور يعني درجات ما تحسه العين مــن النــوار ثلث‪ :‬نــور‪،‬‬
‫وبرهان‪ ،‬وضياء‪ ،‬فأولها النور‪ ،‬ويليها البرهان‪ ،‬والثالث الضياء‪.‬‬
‫ل ال ْ َ‬
‫ل ال ّ‬
‫ع َ‬
‫ع َ‬
‫جا﴾]نوح‪:‬‬
‫مَر ِ‬
‫س ِ‬
‫سَرا ً‬
‫ج َ‬
‫و َ‬
‫ج َ‬
‫و َ‬
‫ه ّ‬
‫ش ْ‬
‫ق َ‬
‫م َ‬
‫ن ُنوًرا َ‬
‫• فالقمر نور ﴿ َ‬
‫في ِ‬
‫وال ْ َ‬
‫مَر ُنوًرا﴾]يونس‪ [5:‬فالقمر يوصف بأنه نور وهو الذي يعطي الضاءة‬
‫ق َ‬
‫‪َ ﴿ ،[16‬‬
‫بل إشعاع يعني بل إشعاع محسوس‪.‬‬
‫• والبرهــان أشــعة بل حــرارة‪ ،‬أعظــم درجــة مــن النــور‪ ،‬وأقــل درجــة مــن‬
‫الضياء‪.‬‬
‫• وأما الضياء فهو النور الشديد‪ ،‬نور مسلط شديد يكون معه حرارة‪.‬‬
‫ت قــوله عليــه‬
‫ت لذلك وجــد َ‬
‫فهذه ثلث مراتب من أنواع الضواء‪ ،‬وإذا نظر َ‬
‫ص لدَ َ‬
‫ض لَياءٌ(‬
‫ق ُ‬
‫ة ُبر َ‬
‫ص لب ُْر ِ‬
‫هللا ٌ‬
‫وال ّ‬
‫وال ّ‬
‫وال ْ َ‬
‫ن‪َ ،‬‬
‫صل َةُ ن ُللوٌر‪َ ،‬‬
‫الصلة والسلم هنا ) َ‬
‫مرّتب على أجمل ما يكون من الترتيب‪ ،‬فــإن الصــلة ســبقت الصــدقة؛ ولهــذا‬
‫سبق النور البرهان‪ ،‬والصبر ل بد منه للصلة وللصدقة ولكل الطاعات‪ ،‬ولكــن‬
‫رق كشدة حرارة الضياء‪ ،‬فالضياء نور قوي فيه حرارة ونوع إحــراق‪.‬‬
‫الصبر مح ِ‬
‫فلهذا جعل الصبر ضياء‪ ،‬ولم يجعل الصلة ضياء‪ ،‬لكــن الصــلة نــور؛ لنــه فيهــا‬
‫إعطاء ما تحتاجونه براحة وطمأنينة‪ ،‬والصدقة جعلها برهانا؛ لن البرهــان وهــو‬
‫الضياء الذي يكون معه أشعة تنعكس في العين‪ ،‬الصــدقة فيهــا إخــراج المــال‪،‬‬
‫وهو محبوب للنفس‪ ،‬وهذا يحتاج إلى شيء مــن المعانــاة‪ ،‬والصــبر فهــو ضــياء‬
‫كما قال عليه الصلة والسلم؛ لن معه المعاناة‪ .‬وتذكرون في قول اللــه جــل‬
‫وعل في وصف القرآن بأنه نور‪ ،‬وصــف اللــه جــل وعل القــرآن بــأنه نــور ﴿ َ‬
‫د‬
‫ق ْ‬
‫ن﴾]المــائدة‪ [15:‬ووصــف القــرآن أيضــا فــي‬
‫ن الل ّ ِ‬
‫م ِ‬
‫وك َِتا ٌ‬
‫َ‬
‫مِبيل ٌ‬
‫م ْ‬
‫ب ُ‬
‫جاءَك ُ ْ‬
‫ه ُنوٌر َ‬
‫آيــات أخــر بــأنه نــور‪ ،‬والتــوراة مثل وصــفها اللــه جــل وعل بأنهــا ضــياء‪.‬‬

‫شرح الربعين النووية‬
‫‪109‬‬

‫وتعلمونالفرق‪ ،‬كلم المفسرين على ذلك حيــث قــالوا‪ :‬إن التــوراة فيهــا آصــار‬
‫وأغلل على بني إسرائيل؛ ولهذا سماها اللــه جـل وعل ضــياء مناســبة مـا بيـن‬
‫الضياء ووجود التكــاليف العظــام علــى بنــي إســرائيل ﴿ َ‬
‫ن‬
‫ن ال ّل ِ‬
‫فب ِظُل ْم ٍ ِ‬
‫ذي َ‬
‫مل ْ‬
‫مَنا َ َ‬
‫ه‬
‫م َ‬
‫ت أُ ِ‬
‫َ‬
‫ل الل ّل ِ‬
‫صلدّ ِ‬
‫م طَي َّبا ٍ‬
‫دوا َ‬
‫ها ُ‬
‫حل ّل ْ‬
‫ن َ‬
‫ت لَ ُ‬
‫عل ْ‬
‫ه ْ‬
‫هل ْ‬
‫ه ْ‬
‫حّر ْ‬
‫وب ِ َ‬
‫سلِبي ِ‬
‫م َ‬
‫علي ْ ِ‬
‫َ‬
‫ول َ‬
‫قلدْ آت َي ْن َللا‬
‫ك َِثيًرا﴾]النساء‪ [160:‬اليات في آخر سورة النساء‪ .‬فقال جل وعل ﴿ َ‬
‫فْر َ‬
‫ن ال ْ ُ‬
‫ن فيهــا‬
‫و َ‬
‫و ِ‬
‫قا َ‬
‫هاُرو َ‬
‫ضَياءً﴾]النبياء‪ [48:‬فجعل التوراة ضياء؛ ل ّ‬
‫مو َ‬
‫ُ‬
‫ن َ‬
‫سى َ‬
‫ن من تحمل شدة الصبر فإنه يقوى معه الضــياء‪،‬‬
‫هذه الشدة‪ ،‬فالصبر ضياء؛ ل ّ‬
‫فالصبر مشّبه بالضياء‪ ،‬وأيضا أثره أنه يكون معك الضياء‪.‬‬
‫وهذه الثلثة أنت محتاج إليها يوم القيامة أشد الحاجة‪ ،‬حين تكــون الظلمــة‬
‫دون الجسر ويعبر الناس على الصراط‪ ،‬حيث اليوم العصيب والمــر المخيــف‪.‬‬
‫فمعك الصلة وهي نور‪ ،‬ومعك الصدقة وهي برهان‪ ،‬ومعك الصبر وهــو ضــياء‪،‬‬
‫تنقل به إلى رؤية المكنة البعيدة أو المســافات البعيــدة أعاننــا اللــه جــل وعل‬
‫على كربات يوم القيامة‪ ،‬بهذا يظهــر لــك عظــم قــول المصــطفى ‪ ‬وجوامــع‬
‫كلمه عليه الصلة والسلم‪.‬‬
‫والصبر كما هو معلوم ثلثة أنواع‪ :‬صبر على الطاعة‪ ،‬وصبر على المعصــية‪،‬‬
‫وصبر على أقــدار اللــه المؤلمــة‪ .‬والصــبر هــو الحبــس؛ يعنــي حبــس الجــوارح‬
‫والقلب على الطاعات‪ ،‬وحبسها عن المعاصي‪ ،‬وحبسها على الرضا بأقدار الله‬
‫جــل وعل المؤلمــة‪ .‬والكلم فــي تفاصــيل الصــبر تأخــذونه مــن شــرح ”كتــاب‬
‫التوحيد“ أو مــن مظـانه‪ ،‬قــد ذكرنــاه مــرارا؛ لن فيــه تفاصــيل يطـول المقــام‬
‫ببسطها‪.‬‬
‫َ‬
‫عل َي ْ َ‬
‫ة لَ َ‬
‫وال ْ ُ‬
‫ك( القرآن حجة لك إذا تلوته حــق‬
‫و‪ -‬حجة‪َ -‬‬
‫ج ٌ‬
‫قْرآ ُ‬
‫ح ّ‬
‫ن ُ‬
‫كأ ْ‬
‫قال ) َ‬
‫تلوته؛ بمعنى تلوته فآمنت بمتشابهه وعملت بمحكمه‪ ،‬وأحللت حلله وحرمــت‬
‫َ‬
‫عل َي ْ َ‬
‫ك( حيث يقودك القرآن يوم القيامة‪ ،‬فيزج بمن قــرأه فخــالف‬
‫و َ‬
‫حرامه‪) ،‬أ ْ‬
‫ما دل عليه من حق الله جل وعل إن لــم يغفــر اللــه جــل وعل ويصــفح‪ ،‬فيــزج‬
‫بصاحبه إلى النار‪ .‬القرآن إما لك أو عليك‪ ،‬فطوبى لمن كان القرآن حجــة لــه‪،‬‬
‫ة لَ َ‬
‫ك( أي يحاج لك‪ ،‬وهــذا جــاء فــي أحــاديث‬
‫ج ٌ‬
‫ح ّ‬
‫وقوله عليه الصلة والسلم ) ُ‬
‫ة‪ ،‬ت َ ْ‬
‫ى ِبال ْ ُ‬
‫أخر كقوله عليه الصلة والسلم » ي ُ ْ‬
‫ه‬
‫مل َ‬
‫م ال ِ‬
‫و َ‬
‫م ُ‬
‫ق لدُ ُ‬
‫قَيا َ‬
‫ن يَل ْ‬
‫قْرآ ِ‬
‫ؤ َت َ َ‬
‫َ‬
‫مللا َ‬
‫سللوَرةُ ال ْب َ َ‬
‫وآ ُ‬
‫و قــال‪ :‬غيايتــان أو‬
‫ل ِ‬
‫قللَر ِ‬
‫مللَرا َ‬
‫ن‪ ،‬ك َأن ّ ُ‬
‫ُ‬
‫ما َ‬
‫غ َ‬
‫ه َ‬
‫ع ْ‬
‫نأ ْ‬
‫مَتللا ِ‬
‫ة َ‬
‫)‪(1‬‬
‫َ‬
‫ما«‪ .‬فـــ)ال ُ‬
‫فْر َ‬
‫ة‬
‫ن َ‬
‫جل ٌ‬
‫صا ِ‬
‫وا ّ‬
‫ِ‬
‫ن ِ‬
‫ق لْرآ ُ‬
‫ح ّ‬
‫ن ُ‬
‫حا ّ‬
‫ف تُ َ‬
‫ع ْ‬
‫م ْ‬
‫ه َ‬
‫ن َ‬
‫ر َ‬
‫جا ِ‬
‫ص َ‬
‫قا ِ‬
‫ن طي ْ ٍ‬
‫حب ِ ِ‬
‫َ‬
‫ك( فلهذا يع ُ‬
‫عل َي ْ َ‬
‫لَ َ‬
‫ظم القرآن عند من عمل به‪ ،‬ويضُعف القرآن عند مــن‬
‫و َ‬
‫كأ ْ‬
‫تركه تلوة وعمل‪.‬‬
‫)ك ُ ّ‬
‫دو( الغدو هو السير في أول الصباح‪ ،‬والرواح الرجوع فــي‬
‫س يَ ْ‬
‫غ ُ‬
‫ل الّنا ِ‬
‫عت ِ ُ‬
‫ه‪َ ،‬‬
‫ع نَ ْ‬
‫دو( يعني صباحا ) َ‬
‫آخر النهار‪ ،‬قال )ك ُ ّ‬
‫ها(‬
‫س يَ ْ‬
‫م ْ‬
‫فَبائ ِ ٌ‬
‫غ ُ‬
‫ق َ‬
‫ف َ‬
‫ف ُ‬
‫س ُ‬
‫ل الّنا ِ‬
‫يعني لله جل وعل َباع َ نفسه فلم يسلط عليها الهوى ولم ي ُعَّبدها للشيطان بــل‬
‫جعلها على ما يحب الله جل وعل ويرضى‪ ،‬فأعتقها ذلك اليوم‪.‬‬
‫َ‬
‫موب ِ ُ‬
‫ها( بأنه غدا فعمل بما لم يرض الله جل وعل فخسر ذلك‪.‬‬
‫ق َ‬
‫و ُ‬
‫قال )أ ْ‬
‫نختم بهذا الحديث‪ ،‬وأسأل الله جـل وعل أن يعّلمنـي وإيـاكم العلـم النـافع‪،‬‬
‫ن علينا بالعمل الصالح‪ ،‬وأن يهيئ لنا مــن أمرنــا رشــدا‪ ،‬وإن شــاء اللــه‬
‫وأن يم ّ‬
‫تلتزمون معنا لنكمل هذه الربعين النووية‪ ،‬غدا نطيل إن شاء اللـه قليل‪ ،‬يعنـي‬
‫ربع ساعة زيادة‪ ،‬أو شيء حتى ننهيها إن شاء الله‪.‬‬
‫‪()1‬انتهى الوجه الول من الشريط السابع‪.‬‬

‫الشيخ العلمة صالح بن عبد العزيز بن محمد آل الشيخ‬

‫‪110‬‬

‫‪ ‬‬
‫بسم الله الرحمن الرحيم‪ ،‬الحمد لله‪ ،‬والصلة والسلم علــى رســول اللــه‪،‬‬
‫وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهداه‪ ،‬اللهم ل علم لنا إل ما علمتنا‪ ،‬اللهم علمنا‬
‫ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا‪ ،‬وزدنا علما وعمل يا أرحم الراحمين‪.‬‬
‫الحديث الرابع والعشرون ‪‬‬
‫وعن أبي ذ َّر الِغفاري ‪ ‬عن رسول الله ‪ِ ‬فيما ي َْرِويهِ عن َرب ّهِ ‪-‬عّز وجــ ّ‬
‫ل‪-‬‬
‫عَلى ن َ ْ‬
‫م‬
‫م َ‬
‫أّنه قال »َيا ِ‬
‫ف ِ‬
‫ج َ‬
‫و َ‬
‫عَباِدي إ ِّني؛ َ‬
‫م ُ‬
‫ه ب َي ْن َك ُل ْ‬
‫عل ْت ُل ُ‬
‫ت الظّل ْ َ‬
‫حّر ْ‬
‫سللي‪َ ،‬‬
‫فل َ ت َ َ‬
‫ما؛ َ‬
‫ضا ّ‬
‫ه؛ فاسلتهد‬
‫ن َ‬
‫موا‪َ .‬يا ِ‬
‫م َ‬
‫م َ‬
‫م ْ‬
‫هلدَي ْت ُ ُ‬
‫ل إ ِل ّ َ‬
‫عَباِدي؛ ك ُل ّك ُ ْ‬
‫ظال َ ُ‬
‫حّر ً‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫ْ‬
‫ّ‬
‫ه؛ َ‬
‫موِني‬
‫س لت َط ِ‬
‫م‪َ .‬يا ِ‬
‫وني أ ْ‬
‫ه ِ‬
‫ن أط َ‬
‫جائ ِ ٌ‬
‫م َ‬
‫فا ْ‬
‫م ْ‬
‫ع ُ‬
‫مت ُل ُ‬
‫ع ْ‬
‫ع إ ِل ّ َ‬
‫عَباِدي؛ ك ُلك ُ ْ‬
‫دك ُ ْ‬
‫عَبللاِدي؛ ك ُل ّ ُ‬
‫م ُ‬
‫ه؛ فاستكسللوني‬
‫عللا‬
‫م َ‬
‫م‪ .‬يللا َ ِ‬
‫أ ُطْ ِ‬
‫ن كَ َ‬
‫ملل ْ‬
‫وت ُ ُ‬
‫ر إ ِل ّ َ‬
‫كلل ْ‬
‫كلل ْ‬
‫ع ْ‬
‫سلل ْ‬
‫ٍ‬
‫َ‬
‫وأ ََنا أ َ ْ‬
‫ب‬
‫م تُ ْ‬
‫غ ِ‬
‫م‪َ.‬يا ِ‬
‫أك ْ ِ‬
‫خطُِئو َ‬
‫فُر الللذُّنو َ‬
‫والن ّ َ‬
‫عَباِدي؛ إ ِن ّك ُ ْ‬
‫سك ُ ْ‬
‫ر‪َ ،‬‬
‫ل َ‬
‫ن ِبالل ّي ْ ِ‬
‫ها ِ‬
‫فُروِني أ َ ْ‬
‫عا؛ َ‬
‫ض لّري‬
‫ن ت َب ْل ُ ُ‬
‫ست َ ْ‬
‫م‪َ .‬يا ِ‬
‫غ ِ‬
‫غ ِ‬
‫غللوا ُ‬
‫ج ِ‬
‫مي ً‬
‫َ‬
‫فا ْ‬
‫عَباِدي؛ إّنكم ل َ ل ْ‬
‫فْر ل َك ُ ْ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫فت َن ْ َ‬
‫عي َ‬
‫غوا ن َ ْ‬
‫َ‬
‫م‪،‬‬
‫ن ت َب ْل ُ‬
‫عوِني‪َ .‬يا ِ‬
‫ف ِ‬
‫فت َ ُ‬
‫وأ ّ‬
‫ف ُ‬
‫ول ْ‬
‫ولكل ْ‬
‫نأ ّ‬
‫عَبلاِدي؛ لل ْ‬
‫ضّروِني‪َ ،‬‬
‫َ‬
‫م َ‬
‫قى َ‬
‫عَلى أت ْ َ‬
‫م؛‬
‫كاُنوا َ‬
‫وا ِ‬
‫د ِ‬
‫ح ٍ‬
‫ب َر ُ‬
‫من ْك ُ ْ‬
‫جن ّك ُ ْ‬
‫قل ْ ِ‬
‫و ِ‬
‫ل َ‬
‫ج ٍ‬
‫وآخر كم‪ ،‬وأنسكم‪َ ،‬‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ما زاد ذل ِ َ‬
‫مل ْك ِللي َ‬
‫م‪ ،‬وآخَركللم‬
‫ش لي ًْئا‪ .‬ي َللا ِ‬
‫ك ِ‬
‫ولك ُل ْ‬
‫فللي ُ‬
‫عب َللاِدي؛ لللو أن أ ّ‬
‫َ‬
‫م َ‬
‫مللا ن َ َ‬
‫ر َ‬
‫عَلى أ ْ‬
‫ص‬
‫ج‬
‫كاُنوا َ‬
‫وا ِ‬
‫د ِ‬
‫ح ٍ‬
‫ب َر ُ‬
‫ف َ‬
‫وِإن َ‬
‫م؛ َ‬
‫من ْك ُ ْ‬
‫جن ّك ُ ْ‬
‫سك ُ ْ‬
‫قل ْ ِ‬
‫قل َ‬
‫و ِ‬
‫ل َ‬
‫ج ٍ‬
‫م‪َ ،‬‬
‫َ‬
‫ِ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫ُ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫ً‬
‫َ‬
‫م‪،‬‬
‫مل ِ‬
‫ذَل ِك ِ‬
‫وأ ّ‬
‫وإ ِن ْ َ‬
‫م ْ‬
‫س لك ْ‬
‫ولك ل ْ‬
‫ن ُ‬
‫م‪ ،‬وآخركللم‪َ ،‬‬
‫نأ ّ‬
‫كي شي ْئا‪ .‬يا عبادي؛ ل ل ْ‬
‫سلأ َُلوِني‪َ ،‬‬
‫د‪َ ،‬‬
‫م َ‬
‫ت ك ُل ّ‬
‫د‬
‫فلأ َ ْ‬
‫وا ِ‬
‫وا ِ‬
‫صل ِ‬
‫موا ِ‬
‫حل ٍ‬
‫حل ٍ‬
‫عي ٍ‬
‫عطَي ْ ُ‬
‫ف َ‬
‫قللا ُ‬
‫جن ّك ُ ْ‬
‫فللي َ‬
‫و ِ‬
‫ل َ‬
‫د َ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫َ‬
‫ما ي َن ْ ُ‬
‫ما ن َ َ‬
‫خلل َ‬
‫خي َط إ ِ َ‬
‫ل‬
‫م ْ‬
‫ذا أدْ ِ‬
‫ما ِ‬
‫ص ال ِ‬
‫عن ْ ِ‬
‫ص ذَل ِك ِ‬
‫م ْ‬
‫دي‪ ،‬إ ِل ك َ‬
‫م ّ‬
‫ه؛ َ‬
‫سألت ُ ُ‬
‫َ‬
‫ق ُ‬
‫ق َ‬
‫ُ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫ْ‬
‫ُ‬
‫ُ‬
‫ُ‬
‫ّ‬
‫ُ‬
‫هللا؛‬
‫هي أ ْ‬
‫م إ ِّيا َ‬
‫حَر‪َ .‬يا ِ‬
‫ح ِ‬
‫ما ِ‬
‫م‪ ،‬أ ْ‬
‫الب َ ْ‬
‫صي َ‬
‫و فك ْ‬
‫م‪ ،‬ث ّ‬
‫ها لك ْ‬
‫مالك ْ‬
‫ع َ‬
‫عَباِدي؛ إ ِن ّ َ‬
‫مأ َ‬
‫ُ‬
‫ْ‬
‫ن إ ِل ّ‬
‫غي ْلَر ذَل ِل َ‬
‫جلدَ َ‬
‫ك؛ َ‬
‫خي ًْرا؛ َ‬
‫َ‬
‫جدَ َ‬
‫م ِ‬
‫و َ‬
‫فلي َ ْ‬
‫و َ‬
‫م ّ‬
‫م ْ‬
‫م ْ‬
‫فل َ ي َلللو َ‬
‫و َ‬
‫ح َ‬
‫ف َ‬
‫ن َ‬
‫د الله‪َ ،‬‬
‫ن َ‬
‫نَ ْ‬
‫ه « ]رواه مسلم [‬
‫ف َ‬
‫س ُ‬
‫]الشرح[‬
‫هذا الحديث هــو الحــديث الرابــع والعشــرون مــن هــذه الحــاديث الربعيــن‬
‫النووية‪ ،‬وهو عن أبي ذر الغفاري رضــي اللــه تعــالى عنــه عــن النــبي ‪ ‬فيمــا‬
‫عَلللى ن َ ْ‬
‫سللي‪،‬‬
‫م َ‬
‫يرويه عن ربه ‪ ‬أنه قال )َيا ِ‬
‫ف ِ‬
‫عَباِدي إ ِّني؛ َ‬
‫م ُ‬
‫ت الظّل ْ َ‬
‫حّر ْ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ما؛ َ‬
‫موا( الحديث‪ ،‬هذا الحديث حــديث عظيــم‬
‫م َ‬
‫ج َ‬
‫و َ‬
‫فل َ ت َظال ُ‬
‫حّر ً‬
‫م ُ‬
‫ه ب َي ْن َك ُ ْ‬
‫عل ْت ُ ُ‬
‫َ‬
‫في بيان حاجة العبد وافتقاره إلى ربه جل وعل‪ ،‬وما يحبــه اللــه جــل وعل مــن‬
‫ه‬
‫العبد وما يكرهه‪ .‬وهذا من الحاديث ال ُ‬
‫در بقوله ) ِ‬
‫وي ل ِ‬
‫ص ّ‬
‫ق ْ‬
‫دسية؛ لنه ُ‬
‫فيمللا ي َْر ِ‬
‫ن‬
‫عن َرّبهِ‪ (‬والذي يروي عن الله جل وعل هو المصطفى ‪ ،‬وهــذا يعنــي أ ّ‬
‫دسي يرويه النبي ‪ ‬عن ربــه جــل وعل بهــذا اللفــظ؛ لنهــا روايــة‪،‬‬
‫الحديث الق ْ‬
‫مى إلى‬
‫والرواية تكون باللفظ لنه هو الصل؛ ولهذا فالحديث القدسي الذي ي ُن ْ َ‬
‫الرب جل وعل من الكلم وليس من القرآن‪ ،‬يعني فيما يقول فيه المصطفى ‪:‬‬
‫‪ ‬قال الله تعالى‪ ،‬قال ربكم ‪ .‬وأشــباه ذلــك‪ .‬وليــس مــن القــرآن فيســمى‬
‫دسيا‪ ،‬ومعنى كونه قدسيا يعني‪ :‬أنه جاء من القـدوس جـل وعل يعنـي‪:‬‬
‫حديثا قُ ْ‬
‫أنه حديث مطهر عال على كلم الخلق‪ ،‬وهذا في معناه العام‪.‬‬
‫أمــا الحــديث القدســي مــن حيــث الصــطلح فقــد اختلــف فيــه العلمــاء‪،‬‬
‫وعباراتهم متنوعة‪:‬‬
‫ن الحــديث القدســي مــن‬
‫• والذي يتفق مع اعتقاد أهل الســنة والجماعــة أ ّ‬
‫ة؛ يعنــي بلفظــه‪،‬‬
‫ن النــبي ‪ ‬يرويــه رواي ـ ً‬
‫حيث اللفظ هو من الله جل وعل‪ ،‬وأ ّ‬
‫وليس له عليه الصلة والسلم أن ُيغّير لفظه‪.‬‬

‫شرح الربعين النووية‬
‫‪111‬‬

‫ن معنــاه مــن اللــه جــل وعل ولفظــه مــن‬
‫• وبعــض أهــل العلــم قــالوا‪ :‬إ ّ‬
‫المصطفى ‪ ‬أبيح له أن يغير في لفظه‪ ،‬وهذا القول ل دليــل عليــه؛ لن ّــه جــاء‬
‫ميــه إلــى‬
‫ذلك بالنقل‪ :‬قال الله تعالى‪ ،‬قال ربكــم‪ .‬والصــحابة يقولــون‪ :‬فيمــا ي َن ْ ِ‬
‫ربه‪ ،‬فيما يبلغه عن ربه‪ ،‬فيما يرويه عن ربه‪ .‬وهذه كلها مــن ألفــاظ الداء فــي‬
‫م ما يدل علــى أن المعنــى مــن اللــه جــل وعل وأن النــبي ‪‬‬
‫الرواية‪ ،‬وليس ث َ ّ‬
‫يتصرف في اللفاظ بما يؤدي به المعنى؛ إذ ل دليل عليه كما ذكرنا‪ ،‬ول حاجــة‬
‫له عليه الصلة والسلم في ذلك‪ .‬وأيضا هذا القول ‪-‬وهو أنه مـن حيـث اللفـظ‬
‫من النبي ‪ ‬والمعنى من الله جل وعل‪ -‬يتفق مع قول الشــاعرة والماتريديــة‬
‫وأشباه هؤلء في أن الله جل وعل كلمه كلم نفســي؛ بمعنــى أنــه يلقــي فــي‬
‫روع جبريل المعــاني‪ ،‬أو يلقــي فــي روع المصــطفى ‪ ‬المعــاني‪ ،‬ويعــبر عنهــا‬
‫جبريل بما يراه‪ ،‬ويعــبر عنهــا المصــطفى ‪ ‬بمــا يــراه‪ .‬ولهــذا عنــدهم القــرآن‬
‫عبارة عن كلم الله جل وعل وليس هو بكلم الله جل وعل الذي خرج منه جل‬
‫وعل وبدأ منه سبحانه وتعالى بكلماته وحروفه ومعانيه‪.‬‬
‫ن‬
‫فإذن الذي يتفق مع عقيدة أهل السنة والجماعة في كلم الله جل وعل أ ّ‬
‫ن‬
‫الحديث القدسي لفظه ومعناه من الله جل وعل‪ ،‬ولم ي ُت َعَّبد بتلوته‪ ،‬فيصــح أ ْ‬
‫نعرف الحديث القدسي بأنه‪ :‬ما رواه المصطفى ‪ ‬عن الللله جللل وعل‬
‫بلفظه ومعناه ولم يتعبد بتلوته؛ يعني لم يكن بين دفتي المصحف‪ .‬هــذا‬
‫هو الحديث القدسي‪ .‬وغيره؛ مما يجعل اللفظ من المصطفى ‪ ‬ل يتفــق مــع‬
‫عقائد أهل السنة والجماعة‪.‬‬
‫ه ‪ ‬أّنه قال( يعنــي اللــه جــل وعل؛‬
‫قال هنا أبو ذر ) ِ‬
‫ه عن َرب ّ ِ‬
‫وي ِ‬
‫فيما ي َْر ِ‬
‫عب َللاِدي‬
‫عَباِدي( فالمتكلم بهذا هو الــرب جــل جللــه‪َ) ،‬يا ِ‬
‫يعني قال الله‪َ) :‬يا ِ‬
‫ه ب َي ْن َ ُ‬
‫فل َ‬
‫مللا؛ َ‬
‫عَلللى ن َ ْ‬
‫م َ‬
‫ف ِ‬
‫م َ‬
‫ج َ‬
‫و َ‬
‫إ ِّنللي؛ َ‬
‫ملل ُ‬
‫حّر ً‬
‫م ُ‬
‫كلل ْ‬
‫عل ُْتلل ُ‬
‫ت الظّْللل َ‬
‫حّر ْ‬
‫سللي‪َ ،‬‬
‫تَ َ‬
‫دد للعباد ولفت النظــر إلــى هــذا‬
‫موا( وهذا النداء بـ )َيا ِ‬
‫عَباِدي( فيه التو ّ‬
‫ظال َ ُ‬
‫المر العظيم‪ ،‬وهذه الوصية العظيمة‪.‬‬
‫عَلى ن َ ْ‬
‫سي( والتحريـــم‬
‫م َ‬
‫قال جل وعل )َيا ِ‬
‫ف ِ‬
‫عَباِدي إ ِّني؛ َ‬
‫م ُ‬
‫ت الظّل ْ َ‬
‫حّر ْ‬
‫ه جل وعل ما شاء علــى نفســه أو علــى‬
‫عند أهل السنة والجماعة أ ْ‬
‫ن يحرم الل ُ‬
‫ح عندهم أن يجعلهــا اللــه جــل وعل علــى‬
‫خلقه‪ ،‬فالوجوب والتحريم والحق يص ّ‬
‫حقّ حقا على نفسه‪ ،‬ويوجب واجبا على نفســه‪ ،‬ويحــرم أشــياًء علــى‬
‫نفسه‪ ،‬في ُ ِ‬
‫َ‬
‫حقّ حقــا علــى نفســه فــي‬
‫نفسه‪ ،‬وهذه كلها جاءت بها الدلة‪ .‬فالله جل وعل أ َ‬
‫ت ل ُيشللر ُ‬
‫ك‬
‫ق العباِد على الل ِ‬
‫ه أن ل ُيعذّ َ‬
‫مللا َ‬
‫مل ْ‬
‫ن َ‬
‫ب َ‬
‫بعض الشياء »وح ّ‬
‫بالله شيئًا« وحرم أشياء على نفسه‪ ،‬ومنهــا الظلــم كمــا فــي هــذا الحــديث‪،‬‬
‫وهذا هـو الـذي يقـرر فـي مـذهب أهـل السـنة والجماعـة‪ ،‬أمـا غيرهـم فـإنهم‬
‫من َّزها عن أن يحرم عليه شيء‪ ،‬أو أن يجب عليه شيء‪.‬‬
‫يجعلون الله جل وعل ُ‬
‫والذي حرم على الله هو الله جــل وعل‪ ،‬وهــو ســبحانه يحــق مــن الحــق علــى‬
‫نفسه ما شاء‪ ،‬ويوجب على نفسه ما شاء‪ ،‬ويحرم على نفسه مــا شــاء‪ ،‬وهــذا‬
‫بما يوافق صفات المولى جل وعل ويوافق حكمته‪ ،‬وما يشاُءه في بريته‪ ،‬فالله‬
‫سبحانه حرم الظلم على نفسه‪ ،‬ومعنى كونه حرم الظلم على نفســه أي منــع‬
‫ن يظلم أحدا شيئا‪.‬‬
‫نفسه جل وعل من أ ْ‬
‫وفي القرآن نصوص كثيرة فيها أن الله سبحانه وتعالى ل يظلم الناس‬
‫خَتر الظلم على العباد كما قال‬
‫شيئا‪ ،‬وأنه جل وعل لم يرد الظلم‪ ،‬ولم ي َ ْ‬
‫ّ‬
‫ما َرب ّ َ‬
‫د‬
‫عِبي ِ‬
‫ري ُ‬
‫ك ب ِظَّلم ٍ ل ِل ْ َ‬
‫ما الل ُ‬
‫و َ‬
‫و َ‬
‫د﴾]فصلت‪ [46:‬وقال جل وعل ﴿ َ‬
‫سبحانه ﴿ َ‬
‫ه يُ ِ‬

‫الشيخ العلمة صالح بن عبد العزيز بن محمد آل الشيخ‬

‫ما‬
‫ما ل ِل ْ ِ‬
‫ريدُ ظُل ْ ً‬
‫ما الل ّ ُ‬
‫و َ‬
‫ظُل ْ ً‬
‫عَباِد﴾]غافر‪ [31:‬وقال سبحانه ﴿ َ‬
‫ه يُ ِ‬
‫عمران‪ [108:‬وقال جل وعل أيضا ﴿ َ‬
‫ما﴾]طه‪[112:‬‬
‫فَل ي َ َ‬
‫وَل َ‬
‫خا ُ‬
‫ه ْ‬
‫ض ً‬
‫ف ظُل ْ ً‬
‫ما َ‬
‫س َ‬
‫ن‬
‫واليات في هذا كثيرة متنوعة ﴿إ ّ‬
‫ول َك ِ ّ‬
‫ه َل ي َظْل ِ ُ‬
‫ن الل ّ َ‬
‫م الّنا َ‬
‫شي ًْئا َ‬
‫س أ َن ْ ُ‬
‫ن﴾]يونس‪ [44:‬وهكذا‪ .‬فالله جل وعل وصف نفسه‬
‫مو َ‬
‫س ُ‬
‫ف َ‬
‫م ي َظْل ِ ُ‬
‫ه ْ‬
‫الّنا َ‬
‫بأنه ل يظلم أحدا شيئا‪ ،‬وأن الظلم ليس إليه‪ ،‬وأنه ل يريد الظلم سبحانه‬
‫سر بأنه وضع‬
‫وتعالى‪ ،‬والظلم المنفي عن الله جل وعل هو الظلم الذي ُيف ّ‬
‫ن الظلم في اللغة بأن يوضع الشيء في غير‬
‫المور في غير مواضعها؛ ل ّ‬
‫موضعه‪.‬‬
‫ولهذا قيل للحليب الذي خلــط بلبــن حــتى يــروب‪ ،‬فخلــط قبــل أن يبلــغ مــا‬
‫يصلح به قيل له‪ :‬ظليم؛ يعني أنه ظلــم حيــث وضــع الخلــط فــي غيــر موضــعه‬
‫وقبل أوانه‪ ،‬مثل ما قال الشاعر‪:‬‬
‫وهل يخفى‬
‫ت لكلم‬
‫وقائلل ٍ‬
‫ة ظلمل ُ‬
‫د الظ‬
‫سلقائي‬
‫عك َ ِ‬
‫ِ‬
‫ال ُ‬
‫ومنه أيضا سميت الرض التي حفرت لستخراج ماء وليست بذات ماء قيل‬
‫لها‪ :‬مظلومة‪ ،‬كقول الشاعر ‪-‬وهو من شواهد النحو المعروفة‪:-‬‬
‫والّنؤي كال‬
‫إّل أواري ل ًْيلا ملا‬
‫ة‬
‫أ ُب َي ُّنللها‬
‫بالمظلوم ِ‬
‫ن هذه المادة في اللغة دائرة على وضع الشيء في غير موضعه‬
‫المقصود أ ّ‬
‫اللئق بــه‪ ،‬وغيــر هــذا التفســير كــثير‪ ،‬فالمعتزلــة يفســرون الظلــم بــأنواع‪،‬‬
‫والشاعرة يفسرون الظلم بأنواع‪ ،‬وعند أهل الســنة هــذا هــو تعريــف الظلــم‪،‬‬
‫فقد قال بعضهم‪ :‬إن الظلم هو التصرف في ملك الغير أو في اختصاصـه بغيـر‬
‫إذنه‪ .‬وهذا نوع من وضع الشيء في غير موضعه‪ ،‬وليس هــو بتعريــف للظلــم؛‬
‫ولهذا يورد عليه أشياء في بحث معروف فـي القـدر فـي مبحـث الظلـم وفـي‬
‫اللغة‪.‬‬
‫عل َللى‬
‫م َ‬
‫المقصود من هــذا أن اللــه جــل وعل قــال )إ ِّني؛ َ‬
‫مل ُ‬
‫ت الظّل ْل َ‬
‫حّر ْ‬
‫نَ ْ‬
‫سي( يعني حّرمت أن أضع شيئا في غير موضــعه اللئق بــه علــى نفســي؛‬
‫ف ِ‬
‫منعت نفسي من ذلك‪ .‬وهذا يدل علــى أن اللــه جــل وعل لــو أراد إنفــاد وضــع‬
‫الشيء في غير موضعه لكان له ذلك سبحانه وكان قادرا عليه؛ لن الله قال ﴿‬
‫عَباِد﴾)‪ (1‬فهو سبحانه لم يرد ذلك‪ .‬وهذا الحديث أيضــا‬
‫ما ل ِل ْ ِ‬
‫ريدُ ظُل ْ ً‬
‫ما الل ّ ُ‬
‫و َ‬
‫َ‬
‫ه يُ ِ‬
‫دال على أنه قادر على أن يفعل‪ ،‬ولكنه حرم ذلك على نفسه‪ ،‬ومنع نفسه من‬
‫من ّت ِــه علــى‬
‫ذلك‪ ،‬وهذا من كرمــه جــل وعل وإحســانه وفضــله وإنعــامه ومزيــد ِ‬
‫عل َللى ن َ ْ‬
‫ه‬
‫م َ‬
‫ف ِ‬
‫ج َ‬
‫و َ‬
‫عباده‪ ،‬قال جل وعل هنــا )إ ِّني؛ َ‬
‫مل ُ‬
‫عل ْت ُل ُ‬
‫ت الظّل ْل َ‬
‫حّر ْ‬
‫سللي‪َ ،‬‬
‫فل َ ت َ َ‬
‫ما؛ َ‬
‫موا(‪.‬‬
‫م َ‬
‫ظال َ ُ‬
‫حّر ً‬
‫م ُ‬
‫ب َي ْن َك ُ ْ‬
‫الله جل وعل حّرم الظلم على نفسه‪ ،‬وجعل الظلم بين العباد محرما؛ لنــه‬
‫سبحانه يحب العدل وقد أقام السماوات والرض على العــدل‪ ،‬كمــا قــرر أهــل‬
‫العلم أن السماوات والرض قامت بالعدل‪ ،‬ول يصلح لها إل العدل‪ ،‬والعدل هو‬
‫ضد الظلم؛ لن العدل وضع الشيء في موضعه‪ ،‬والظلم وضع الشيء في غير‬
‫موضعه‪.‬‬
‫فالله سبحانه أجرى ملكوته وأجرى خلقه علـى العـدل‪ ،‬وهـو وضـع الشـياء‬
‫في مواضعها وعلــى الحكمــة وهــي وضــع الشــياء فــي مواضــعها اللئقــة بهــا‪،‬‬
‫‪()1‬غافر‪ ،31:‬آل عمران‪.108:‬‬

‫ن﴾]آل‬
‫ل ِْلعال َ ِ‬
‫مي َ‬

‫‪112‬‬

‫شرح الربعين النووية‬
‫‪113‬‬

‫صــل مــن هــذا أن اللــه جــل وعل يحــب‬
‫الموافقة للغايات المحمودة منهــا‪ .‬فتح ّ‬
‫ْ‬
‫ْ‬
‫ء ِذي‬
‫وِإيَتا ِ‬
‫وال ِ ْ‬
‫مُر ِبال َ‬
‫ح َ‬
‫ه ي َأ ُ‬
‫العدل ويأمر به‪ ،‬كما قال سبحانه ﴿الل ّ َ‬
‫ن َ‬
‫سا ِ‬
‫ل َ‬
‫عدْ ِ‬
‫ال ْ ُ‬
‫قْرَبى﴾]النحل‪ .[90:‬والله سبحانه حرم الظلم كما في هذا الحديث‪ ،‬وفي آيات‬
‫كثيرة مر معك بعضها‪.‬‬
‫فل َ‬
‫فإذا تبين ذلك فإن الله سبحانه جعل الظلم بين العبــاد محرمــا فقــال ) َ‬
‫تَ َ‬
‫عَلى‬
‫م َ‬
‫موا( وهنا نظر أهل العلم في سبب قوله‪) :‬إ ِّني؛ َ‬
‫م ُ‬
‫ت الظّل ْ َ‬
‫حّر ْ‬
‫ظال َ ُ‬
‫فل َ ت َ َ‬
‫ما؛ َ‬
‫نَ ْ‬
‫موا( وهذا فيه‬
‫ف ِ‬
‫م َ‬
‫ج َ‬
‫و َ‬
‫ظال َ ُ‬
‫حّر ً‬
‫م ُ‬
‫ه ب َي ْن َك ُ ْ‬
‫عل ْت ُ ُ‬
‫سي(؛ لنه جعل بعدها ) َ‬
‫بحث واسع في أثر أسماء الله جل وعل وصفاته التي اتصف بها ســبحانه علــى‬
‫برّيته‪ .‬فالسماء والصفات لها آثار في الملكوت‪ ،‬آثــار فــي الشــريعة‪ ،‬آثـار فــي‬
‫أفعال الله جل وعل في بريته‪ ،‬وهذا نوع من هذه الثار؛ وهـو أنـه سـبحانه لمـا‬
‫أقام ملكه على العدل‪ ،‬وحّرم الظلـم علـى نفسـه أمـر عبـاده بالعـدل‪ ،‬وحـرم‬
‫الظلم فيما بينهم‪ ،‬والعباد مكلفون فإذا وقــع منهــم الظلــم كــانوا غيــر منفــذين‬
‫لمراد الله الشرعي‪ ،‬وإن كانوا غيــر خــارجين علــى مــراد اللــه الكــوني؛ فلهــذا‬
‫يكون الله جل وعل قد توعدهم إذ ظلموا‪ ،‬وقد نهاهم عن الظلم‪.‬‬
‫فإذن الظلم بأنواعه محرم‪ ،‬والظلم درجات‪ ،‬يجمعها مرتبتان‪:‬‬
‫‪‬الولى‪ :‬ظلم النفس‪ ،‬وظلم النفس قسمان‪:‬‬
‫• ظلم النفس بالشرك‪ ،‬وهو ظلم فــي حــق اللــه جــل وعل؛ لنــه وضــع‬
‫العبادة في غير موضعها‪ ،‬في غير من تصلح له‪ ،‬المشرك‪ ،‬فكل مشــرك ظــالم‬
‫ُ ْ‬
‫لنفسه كمــا قــال جــل وعل ﴿ال ّ ِ‬
‫مللان َ ُ‬
‫م ي َل ْب ِ ُ‬
‫ذي َ‬
‫ه ْ‬
‫سللوا ِإي َ‬
‫ول َل ْ‬
‫نآ َ‬
‫من ُللوا َ‬
‫م ب ِظللم ٍ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫ول َئ ِ َ‬
‫ن﴾]النعام‪.[82:‬‬
‫و ُ‬
‫دو َ‬
‫هت َ ُ‬
‫م ْ‬
‫ك لَ ُ‬
‫م ُ‬
‫م ُ‬
‫ه ْ‬
‫م اْل ْ‬
‫ه ْ‬
‫ن َ‬
‫أ ْ‬
‫• والقسم الثاني من ظلم النفس أن يظلــم النفــس‪ ،‬بـأن يعرضــها مــن‬
‫العذاب والبلء بمـا ل يصــلح لهــا‪ ،‬وهــذا ظلــم مـن العبــد لنفســه‪ .‬بــأي شــيء؟‬
‫بارتكاب الحرام والتفريط فيما أوجب الله جل وعل وعدم أداء الحقــوق‪ ،‬فهــذا‬
‫ظلم للنفس‪ ،‬لما؟ لن من حق نفسك عليك أن تســعدها فــي الــدنيا والخــرة‪،‬‬
‫فإذا عرضتها للمعصية فقد ظلمتها؛ لنك لم تجعلها سعيدة بل جعلتهــا معرضــة‬
‫لعذاب الله جل جلله‪.‬‬
‫‪ ‬والمرتبة الثانية‪ :‬ظلــم العبــاد‪ ،‬وظلــم العبــاد معنــاه التفريــط‪ ،‬أو تضــييع‬
‫حقوقهم بعدم أداء الحق الذي أوجبه الله جل وعل لهم‪ ،‬فمــن ف ـّرط فــي حــق‬
‫والديه فقد ظلمهم‪ ،‬ومن فّرط في حق أهله فقد ظلمهم؛ يعني لم يكن معهــم‬
‫على المر الشرعي‪ ،‬بل ارتكب محرما أو فرط في واجب فقد ظلمهــم‪ ،‬ومــن‬
‫اعتــدى علــى أمــوال النــاس أو علــى أعراضــهم أو علــى أنفســهم أو علــى مــا‬
‫صون به فقد ظلمهم‪ ،‬وهذا كله محرم‪.‬‬
‫يخت ّ‬
‫فإذن الظلم بأنواعه حرام‪ ،‬ول يجوز شيء من الظلم؛ يعني أن يظلــم أح ـد ٌ‬
‫فل َ ت َ َ‬
‫دا شيئا‪ ،‬وإنما يأخذ الحقّ الذي له‪ ،‬قال جل وعل بعــد ذلــك ) َ‬
‫موا(‬
‫أح ً‬
‫ظال َ ُ‬
‫يعني ل يظلم بعضكم بعضا‪.‬‬
‫َ‬
‫ضللا ّ‬
‫م(‪،‬‬
‫ه؛ فاسللتهدوني أ ْ‬
‫ن َ‬
‫)ي َللا ِ‬
‫م َ‬
‫هل ِ‬
‫مل ْ‬
‫دك ُ ْ‬
‫هلدَي ْت ُ ُ‬
‫ل إ ِل ّ َ‬
‫عب َللاِدي؛ ك ُل ّك ُل ْ‬
‫ضا ّ‬
‫ن الصــل فــي النســان أنــه علــى الضــللة‪ ،‬الصــل فــي‬
‫م َ‬
‫ل( يعني أ ّ‬
‫)ك ُل ّك ُ ْ‬
‫النسان من حيث الجنس أنه ظلوم وجهول‪ ،‬وهما سببا الضلل‪ ،‬قال جــل وعل‬
‫َ‬
‫عل َللى السلماوات واْل َرض وال ْجبللال َ َ‬
‫َ‬
‫ن‬
‫ة َ‬
‫﴿إ ِن ّللا َ‬
‫مان َل َ‬
‫عَر ْ‬
‫نأ ْ‬
‫فلأب َي ْ َ‬
‫ضلَنا اْل َ‬
‫ْ ِ َ ِ َ ِ‬
‫ّ َ َ ِ َ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫ه َ‬
‫ف ْ‬
‫شلل َ‬
‫وأ ْ‬
‫مللا‬
‫ن ِ‬
‫ح ِ‬
‫كللا َ‬
‫سللا ُ‬
‫و َ‬
‫يَ ْ‬
‫هللا ال ِن ْ َ‬
‫مل َ‬
‫من ْ َ‬
‫مل ْن َ َ‬
‫ق َ‬
‫ن ظلو ً‬
‫ن إ ِّنلل ُ‬
‫ح َ‬
‫هللا َ‬
‫هللا َ‬
‫هوًل﴾]الحــزاب‪ .[72:‬فالمانة هـي أمانــة التكليــف‪ ،‬ولمـا كـان النســان ظلومـا‬
‫َ‬
‫ج ُ‬

‫الشيخ العلمة صالح بن عبد العزيز بن محمد آل الشيخ‬

‫‪114‬‬

‫جهول كان الكثر فيه أن يكون ضال؛ ولهذا أكثر الناس ضالون‪ ،‬وهــذا جــاء فــي‬
‫ضا ّ‬
‫ه( يــدل علــى‬
‫ن َ‬
‫م َ‬
‫م ْ‬
‫هدَي ْت ُ ُ‬
‫ل إ ِل ّ َ‬
‫القرآن في نصوص كثيرة‪ ،‬قوله هنا )ك ُل ّك ُ ْ‬
‫ن اللــه جــل وعل عليــه‬
‫ن َ‬
‫أن المر الغالب في عباد اللــه أنهــم ضــالون إل َ‬
‫مـ ّ‬
‫مـ ْ‬
‫َ‬
‫م(‬
‫بالهداية‪ ،‬وهذه الهداية تطلب من الله جل وعل قال )فاستهدوني أ ْ‬
‫هلل ِ‬
‫دك ُ ْ‬
‫يعني اطلبوا مني الهداية أهدكم إليها‪ .‬وهذا يدل على رغبة ابن آدم في الهداية‬
‫إن طلبها من الله جل وعل‪ ،‬فل بد من ابن آدم أن يسعى في أســباب الهدايــة‪،‬‬
‫فإذا رِغب فيها وفقه الله جل وعل‪ ،‬وهذا مرتبط بمسألة عظيمــة مــن مســائل‬
‫ص طائفــة منهــم‬
‫در‪ ،‬وهــي أن اللــه جــل وعل يعامــل عبــاده بالعــدل‪ ،‬و َ‬
‫الق ـ َ‬
‫خـ ّ‬
‫ضللا ّ‬
‫ل(‪﴿ ،‬‬
‫م َ‬
‫بالتوفيق‪ ،‬وهو أنه يعينهم على ما فيه رضاه سبحانه وتعالى )ك ُل ّك ُل ْ‬
‫جدَ َ‬
‫ضاّل َ‬
‫دى﴾]الضــحى‪ [7:‬يعنــي كــان قبــل البعثــة ضــال فهــداه إلــى‬
‫ك َ‬
‫هل َ‬
‫و َ‬
‫ف َ‬
‫و َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫ضا ّ‬
‫م( يعني اطلبــوا‬
‫ه؛ فاستهدوني أ ْ‬
‫ن َ‬
‫م َ‬
‫ه ِ‬
‫م ْ‬
‫دك ُ ْ‬
‫هدَي ْت ُ ُ‬
‫ل إ ِل ّ َ‬
‫الطريق‪) ،‬ك ُلك ُ ْ‬
‫مني الهدايــة أهــدكم إليهــا‪ .‬الهدايــة يطلبهــا كــل أحــد؛ الكامــل؛ يعنــي الســابق‬
‫بالخيرات‪ ،‬والمقتصد‪ ،‬والظالم لنفسه‪ ،‬ك ّ‬
‫ل ينبغي عليه بل يجب عليه أن يطلب‬
‫الهدايــة مــن اللــه جــل وعل؛ ولهــذا فــرض اللــه جــل وعل فــي الصــلة ســورة‬
‫دَنا‬
‫الفاتحة‪ ،‬ومن أعظم ما فيها قوله ‪-‬يعني مــن الــدعاء‪ -‬قــوله جــل وعل ﴿ا ْ‬
‫ه ِ‬
‫صَرا َ‬
‫م﴾]الفاتحــة‪ [6:‬فطلب الهداية للصــراط المســتقيم هــذا مــن‬
‫ست َ ِ‬
‫م ْ‬
‫قي َ‬
‫ط ال ْ ُ‬
‫ال ّ‬
‫أعظم المسائل وأجلها؛ يعني أعظم ما تطلبه من الله جل وعل أن تطلب منــه‬
‫الهداية إلى الصراط المستقيم‪ ،‬والهداية مرتبتان؛ هداية إلى الطريــق؛ بمعنــى‬
‫الرشاد إليه والتوفيــق لــه‪ ،‬والهدايــة بمعنــى الرشــاد منهــا شــيء قــد جـاء بــه‬
‫الرسول عليه الصلة والسلم‪ ،‬فهداية الدللــة والرشــاد تمــت وقــامت‪ ،‬ومنهــا‬
‫الهداية ‪-‬هداية الدللة والرشاد‪ -‬التي تسأل الله جل وعل أن يعطيك إياهــا‪ ،‬أن‬
‫مْر َ‬
‫شدا إليها؛ لن اللتفات إلى الرشاد نوع من الهتداء‪ ،‬فهداية النبي ‪‬‬
‫تكون ُ‬
‫قد منها شــيء‬
‫ف َ‬
‫والهداية التي في القرآن موجودة بين ظهراني المسلمين لم ي ُ ْ‬
‫ولله الحمد‪ ،‬لكن من يوفق إلى أن ي ُْر َ‬
‫شد إلى هذه الهداية‪ ،‬فإذن‪:‬‬
‫المرتبة الولى‪ :‬هداية الدللة والرشاد‪ ،‬وليست هي الهداية التي بمعنــى أن‬
‫تهدي غيرك‪ ،‬هذه الهداية التي هي طلب الهداية مرتبتان‪:‬‬
‫‪ ‬هداية الدللة والرشاد؛ يعني أن تطلـب مـن اللـه جـل وعل أن يـدلك‬
‫ويرشدك على أنواع الهداية التي جاء بها المصطفى ‪.‬‬
‫‪ ‬ومنه أيضــا التوفيــق لهــا‪ ،‬فــإذا د ُِللــت عليهــا فتســأل اللــه أن يوفقــك‬
‫لتباعها‪.‬‬
‫هذه واحدة‪ ،‬ويدخل في ذلك قصد السلم‪ ،‬ويـدخل فـي ذلـك الهدايـة إلـى‬
‫شيء معين منه‪.‬‬
‫والنوع الثاني أو المرتبة الثانية‪ :‬الهداية إلى تفاصيل اليمان والســلم‪ ،‬ومــا‬
‫ن تفاصيل الســلم‬
‫ب الله جل وعل ويرضى؛ لن تفاصيل اليمان كثيرة‪ ،‬ول ّ‬
‫يح ّ‬
‫ن تفاصيل ما يحب الله جل وعل ويرضاه‪ ،‬وتفاصيل ما يسخطه اللــه‬
‫كثيرة؛ ول ّ‬
‫جل وعل ويأباه كثيرة متنوعة‪ .‬فكونــك تســأل الــرب جــل وعل أن يهــديك هــذا‬
‫ضللة؛ لن عدم المعرفة عدم العلم بما يحــب اللــه‬
‫خروج من نوع من أنواع ال ّ‬
‫ن هــذا النــوع مــن‬
‫وما به الهداية هذا نوع من البعــد عــن الصــراط‪ ،‬المقصــود أ ّ‬
‫ن يهديك إلى تفاصيل الصراط‪ ،‬تفاصيل اليمــان‪،‬‬
‫الهداية تطلب الله جل وعل أ ْ‬
‫تفاصيل السلم‪ ،‬تفاصيل العتقاد؛ حتى تعلمه فتعمل به فتكــون مرتبتــك عنــد‬
‫ضا ّ‬
‫ه؛‬
‫ن َ‬
‫الله جل وعل أعلى‪ ،‬قال جل وعل )َيا ِ‬
‫م َ‬
‫م ْ‬
‫هللدَي ْت ُ ُ‬
‫ل إ ِل ّ َ‬
‫عَباِدي؛ ك ُل ّك ُ ْ‬

‫شرح الربعين النووية‬
‫‪115‬‬

‫م‪ (.‬وهذا من أعظم المطــالب‪ ،‬نســأل اللــه جــل وعل أن‬
‫فاستهدوني أ َ ْ‬
‫ه ِ‬
‫دك ُ ْ‬
‫يهدينا سواء السبيل‪.‬‬
‫َ‬
‫ه؛ َ‬
‫موِني‬
‫س لت َطْ ِ‬
‫قــال )ي َللا ِ‬
‫ن أط ْ َ‬
‫جللائ ِ ٌ‬
‫م َ‬
‫فا ْ‬
‫مل ْ‬
‫ع ُ‬
‫مت ُ ل ُ‬
‫ع ْ‬
‫ع إ ِل ّ َ‬
‫عب َللاِدي؛ ك ُل ّك ُل ْ‬
‫م( الــرزاق هــو اللــه ســبحانه وتعــالى‪ ،‬وال ـّرْزق منــه‪ ،‬والرزاق بيــده‬
‫أ ُطْ ِ‬
‫مك ُل ْ‬
‫ع ْ‬
‫يصرفها كيف يشاء‪ ،‬فهو الذي إذا فتح رحمة فل ممسك لها كما قال في فاتحة‬
‫سل َ‬
‫ة َ‬
‫ما ي َ ْ‬
‫ملا‬
‫م ِ‬
‫مل ٍ‬
‫س ِ‬
‫ن َر ْ‬
‫ك لَ َ‬
‫مل ْ‬
‫و َ‬
‫م ْ‬
‫فَل ُ‬
‫ح َ‬
‫فَتلح الّلل ُ‬
‫سورة فاطر ﴿ َ‬
‫هلا َ‬
‫ه ِللّنلا ِ‬
‫س ْ‬
‫ك َ‬
‫س َ‬
‫ه﴾]فاطر‪ ،[2:‬ومن ذلك الرزاق الــتي تســد بهــا‬
‫د ِ‬
‫ع ِ‬
‫ه ِ‬
‫مْر ِ‬
‫م ِ‬
‫ن بَ ْ‬
‫م ْ‬
‫ل لَ ُ‬
‫فَل ُ‬
‫يُ ْ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫ْ‬
‫ّ‬
‫ه؛ َ‬
‫موِني‬
‫سللت َط ِ‬
‫ن أط َ‬
‫جائ ِ ٌ‬
‫م َ‬
‫فا ْ‬
‫ملل ْ‬
‫ع ُ‬
‫مُتلل ُ‬
‫ع ْ‬
‫ع إ ِل ّ َ‬
‫الجوارح‪ ،‬فقال جل وعل )ك ُلك ُ ْ‬
‫م( وإطعام الجائع وَرْزق الفقير وأشباه ذلك‪ ،‬هذه من ســأل اللــه جــل‬
‫أ ُطْ ِ‬
‫مك ُ ْ‬
‫ع ْ‬
‫وعل إياها فإن الله سبحانه يعطيـه‪ ،‬سـواًء أكـان كـافرا أم كـان مسـلما‪ ،‬أكـان‬
‫ن ذلك من أنواع الربوبية؛ مــن آثــار الربوبيــة‪ ،‬وربوبيــة‬
‫عاصيا أم كان صالحا؛ ل ّ‬
‫اللــه جــل وعل غيــر خاصــة بالمســلم دون الكــافر‪ ،‬أو بالصــالح دون الطالــح‪،‬‬
‫فالجميع سواء في تعرضهم لثار عطاء الله جــل وعل بــأفراد ربــوبيته‪ ،‬فيــرزق‬
‫سبحانه وتعــالى الجميــع‪ ،‬ويهــب الولد للجميــع‪ ،‬ويجيــب دعــوة المضــطر مــن‬
‫عَباِدي؛ ك ُل ّ ُ‬
‫ع إ ِل ّ‬
‫الجميع‪ ،‬وهكذا في إفراد الربوية‪ ،‬فقوله ســبحانه ) ِ‬
‫جللائ ِ ٌ‬
‫م َ‬
‫كلل ْ‬
‫َ‬
‫ه؛ َ‬
‫ن استطعم الله جل وعل وسأله‬
‫موِني أ ُطْ ِ‬
‫ست َطْ ِ‬
‫ن أط ْ َ‬
‫فا ْ‬
‫م ْ‬
‫م( َ‬
‫مك ُ ْ‬
‫ع ْ‬
‫ع ُ‬
‫مت ُ ُ‬
‫ع ْ‬
‫َ‬
‫م ْ‬
‫الطعام‪ ،‬سأله الرزق فإن الله جل وعل قد يجيب دعاءه‪.‬‬
‫َ‬
‫م(‬
‫عا‬
‫م َ‬
‫قال )يا َ ِ‬
‫ه؛ فاستكسللوني أك ْ ِ‬
‫ن كَ َ‬
‫م ْ‬
‫س لك ُ ْ‬
‫وت ُ ُ‬
‫ر إ ِل ّ َ‬
‫عَباِدي؛ ك ُل ّك ُ ْ‬
‫س ْ‬
‫ٍ‬
‫وأ َن َللا‬
‫م تُ ْ‬
‫وهذا على نحو ما سبق‪َ) ،‬يا ِ‬
‫خطُِئو َ‬
‫والن ّ َ‬
‫عَباِدي؛ إ ِن ّك ُ ْ‬
‫ر‪َ ،‬‬
‫ل َ‬
‫ن ِبالل ّي ْ ِ‬
‫ها ِ‬
‫َ‬
‫فُروِني أ ْ‬
‫أَ ْ‬
‫عللا؛ َ‬
‫ن‬
‫م تُ ْ‬
‫سلت َ ْ‬
‫غ ِ‬
‫غ ِ‬
‫غ ِ‬
‫ج ِ‬
‫خطُِئو َ‬
‫مي ً‬
‫ب َ‬
‫فُر اللذُّنو َ‬
‫فا ْ‬
‫م(‪) ،‬إ ِن ّك ُل ْ‬
‫فلْر ل َك ُل ْ‬
‫ن الخطأ الذي هو بمعنى الخطأ أو‬
‫ها‬
‫ر(‪ ،‬الخطأ هنا بمعنى الثم؛ ل ّ‬
‫والن ّ َ‬
‫ل َ‬
‫ِبالل ّي ْ ِ‬
‫ِ‬
‫وأ ََنا‬
‫م تُ ْ‬
‫خطُِئو َ‬
‫والن ّ َ‬
‫عدم التعمد هذا معفو عنه‪ ،‬وهنا قال )إ ِن ّك ُ ْ‬
‫ر‪َ ،‬‬
‫ل َ‬
‫ن ِبالل ّي ْ ِ‬
‫ها ِ‬
‫أَ ْ‬
‫ن( أي تعملــون‬
‫عللا(‪ .‬فــالخطيئة المقصــود بـــ )ت ُ ْ‬
‫غ ِ‬
‫ج ِ‬
‫خطُِئو َ‬
‫مي ً‬
‫ب َ‬
‫ف لُر ال لذُّنو َ‬
‫بالخطايا‪ ،‬تعملون الخطيئة‪ ،‬وهذا معناه العمــل بــالثم‪ ،‬وهــذا ُيغفــر بالســتغفار‬
‫والتوبة والنابة‪ ،‬فليس المراد طبعا الخطــأ؛ لن اللــه جــل وعل عفــا عــن هــذه‬
‫المة الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه‪ ،‬كما قــال سـبحانه فـي آخــر سـورة‬
‫َ‬
‫البقرة ﴿َرب َّنا َل ت ُ َ‬
‫خطَأ َْنا َرب َّنا﴾]البقرة‪.[286:‬‬
‫و أَ ْ‬
‫ؤا ِ‬
‫ن نَ ِ‬
‫خذَْنا إ ِ ْ‬
‫سيَنا أ ْ‬
‫وأ ََنا أ َ ْ‬
‫عا( هذا مقيد بما هو غير‬
‫ست َ ْ‬
‫غ ِ‬
‫غ ِ‬
‫ج ِ‬
‫مي ً‬
‫ب َ‬
‫فُر الذُّنو َ‬
‫قال )َا ْ‬
‫فُروِني(‪َ ) ،‬‬
‫سَلم‪ ،‬أما غير‬
‫الشرك‪ ،‬أما الشرك فإن الله جل وعل ل يغفره إل لمن تاب وأ ْ‬
‫ن الله جل وعل يغفره سبحانه وتعالى إذا شاء أو لمن‬
‫الشرك مما هو دونه فإ ّ‬
‫َ‬
‫سَر ُ‬
‫تاب‪ ،‬قال سبحانه في آخر سورة الزمر ﴿ ُ‬
‫ق ْ‬
‫عَلى‬
‫فوا َ‬
‫ل َيا ِ‬
‫عَباِدي ال ّ ِ‬
‫نأ ْ‬
‫ذي َ‬
‫قن َ ُ‬
‫م َل ت َ ْ‬
‫أ َن ْ ُ‬
‫ب‬
‫ه يَ ْ‬
‫غ ِ‬
‫ة الل ّ ِ‬
‫م ِ‬
‫طوا ِ‬
‫ف ِ‬
‫ه إِ ّ‬
‫فُر الذُّنو َ‬
‫ن َر ْ‬
‫م ْ‬
‫ن الل ّ َ‬
‫ح َ‬
‫ه ْ‬
‫س ِ‬
‫عا﴾]الزمر‪ [53:‬أجمع المفسرون من الصحابة ومن بعدهم أنها في التائبين‪،‬‬
‫ج ِ‬
‫مي ً‬
‫َ‬
‫ن‬
‫ه يَ ْ‬
‫غ ِ‬
‫ج ِ‬
‫عا( لمن تاب‪ ،‬وقوله في سورة النساء ﴿ إ ِ ّ‬
‫فـ)إ ِ ّ‬
‫مي ً‬
‫ب َ‬
‫فُر الذُّنو َ‬
‫ن الل ّ َ‬
‫َ‬
‫ن ذَل ِ َ‬
‫شَر َ‬
‫ن يَ َ‬
‫ن يُ ْ‬
‫ن‬
‫وي َ ْ‬
‫ه َل ي َ ْ‬
‫غ ِ‬
‫غ ِ‬
‫ك بِ ِ‬
‫دو َ‬
‫فُر أ ْ‬
‫ما ُ‬
‫م ْ‬
‫م ْ‬
‫و َ‬
‫ك لِ َ‬
‫فُر َ‬
‫الل ّ َ‬
‫شاءُ َ‬
‫ه َ‬
‫َ‬
‫شَر َ‬
‫ر ْ‬
‫ف َ‬
‫ه َ‬
‫ن يُ ْ‬
‫ض ّ‬
‫يُ ْ‬
‫ه(‬
‫دا﴾]النساء‪َ) [116:‬ل ي َ ْ‬
‫غ ِ‬
‫ضَلًل ب َ ِ‬
‫ل َ‬
‫قدْ َ‬
‫ك بِ ِ‬
‫ك ِبالل ّ ِ‬
‫فُر أ ْ‬
‫عي ً‬
‫ش ِ‬
‫ن ذَل ِ َ‬
‫ن يَ َ‬
‫شاءُ( يعني في حق‬
‫دو َ‬
‫ما ُ‬
‫م ْ‬
‫ك لِ َ‬
‫الشرك غير داخل في المغفرة‪َ ) ،‬‬
‫غير التائب‪ .‬فحصل لنا أن من تاب تاب الله عليه‪ ،‬فيغفر الله ذنبه أّيا كان‬
‫الشرك أو ما دونه‪ ،‬ومن لم يتب فإن كان مشركا فإن الله ل يغفر الشرك‪،‬‬
‫وإن كان ذنبه ما دون الشرك فإنه تحت المشيئة‪ ،‬إن شاء غفر له وإن شاء‬
‫وأ ََنا أ َ ْ‬
‫ع ّ‬
‫عا( مقيد بما ذكرت لك‪.‬‬
‫غ ِ‬
‫ج ِ‬
‫مي ً‬
‫ب َ‬
‫فُر الذُّنو َ‬
‫ذبه بذنبه‪ ،‬فإذن قوله هنا ) َ‬

‫الشيخ العلمة صالح بن عبد العزيز بن محمد آل الشيخ‬

‫‪116‬‬

‫فُروِني أ َ ْ‬
‫) َ‬
‫م( يعني اطلبوا مني المغفرة فأنا أغفر ذلك لكم‪،‬‬
‫ست َ ْ‬
‫غ ِ‬
‫غ ِ‬
‫فا ْ‬
‫فْر ل َك ُ ْ‬
‫الحقيقة الحديث طويل‪ ،‬وكل كلمة تحتاج إلى بيان وإلى تفصيل‪ ،‬فلعلي أجمل‬
‫فيما يأتي‪.‬‬
‫غوا ن َ ْ‬
‫ضّري َ‬
‫عللي‬
‫ن ت َب ْل ُ ُ‬
‫ن ت َب ْل ُ ُ‬
‫ف ِ‬
‫)َيا ِ‬
‫فت َ ُ‬
‫غوا ُ‬
‫ول َ ْ‬
‫عَباِدي؛ أنكم ل َ ْ‬
‫ضّروِني‪َ ،‬‬
‫فت َن ْ َ‬
‫َ‬
‫عوِني( وهذا لجل كمال الغنى‪ ،‬كمال غنى المولى جــل وعل‪ ،‬فــإن اللــه‬
‫ف ُ‬
‫سبحانه ذو الكمال فــي أســمائه وصــفاته‪ ،‬ومــن أســمائه الَغنــي‪ ،‬ومــن صــفاته‬
‫الِغنى‪ ،‬فهو سبحانه غني عن العباد ولن يبلغوا نفعه ولن يبلغــوا ضــره ســبحانه‬
‫وتعالى بل هو الغني عن خلقه أجمعين‪.‬‬
‫غوا ن َ ْ‬
‫ضّري َ‬
‫عللي‬
‫ن ت َب ْل ُ ُ‬
‫ن ت َب ْل ُ ُ‬
‫ف ِ‬
‫فت َ ُ‬
‫غوا ُ‬
‫ول َ ْ‬
‫وكما قال هنا )أنكم ل َ ْ‬
‫ضّروِني‪َ ،‬‬
‫فت َن ْ َ‬
‫َ‬
‫عوِني( بل هو سبحانه أجل وأعظم من أن يؤثر العباد فيه نفعا أو ضــرا‪،‬‬
‫ف ُ‬
‫بل هم المحتاجون إليه المفتقرون إليه من جميع الجهات‪.‬‬
‫َ‬
‫عبادي؛ ل َ َ‬
‫م ك َللاُنوا‬
‫قال )َيا ِ َ ِ‬
‫وأ ّ‬
‫جن ّك ُل ْ‬
‫ول َك ُل ْ‬
‫و ِ‬
‫م‪ ،‬وآخركللم‪ ،‬وأنسللكم‪َ ،‬‬
‫نأ ّ‬
‫ْ‬
‫م؛ مللا زاد ذل ِل َ‬
‫قى َ‬
‫عَلى أ َت ْ َ‬
‫مل ْك ِللي َ‬
‫شلي ًْئا(‬
‫َ‬
‫ك ِ‬
‫وا ِ‬
‫د ِ‬
‫ح ٍ‬
‫ب َر ُ‬
‫فللي ُ‬
‫من ْك ُل ْ‬
‫قل ْ ِ‬
‫ل َ‬
‫ج ٍ‬
‫ن تقوى العباد ليس المنتفع منها الرب جل وعل بل هم المنتفعون‪ ،‬فهم‬
‫يعني أ ّ‬
‫ن يتقوا اللــه سـبحانه وتعــالى وهـم المحتـاجون أن يطيعــوا ربهــم‬
‫المحتاجون أ ْ‬
‫ن ي ُــروا اللــه‬
‫سبحانه وهم المحتاجون أن يتقربوا إليه‪ ،‬وأن يتذللوا بين يــديه‪ ،‬وأ ْ‬
‫جل وعل من أنفسهم خيرا‪ ،‬وأما الله ســبحانه وتعــالى فهــو الغنــي عــن عبــاده‬
‫ن الله سبحانه وتعالى هــو الكامــل فــي صــفاته‪ ،‬الكامــل‬
‫الذي ل يحتاج إليهم؛ إ ّ‬
‫في أسمائه الذي ل يحتاج إلى أحد من خلقه‪ ،‬تعـالى اللـه وتقـدس عمــا يقـول‬
‫الظالمون علوا كبيرا‪.‬‬
‫َ‬
‫َ‬
‫م ك َللاُنوا‬
‫قال )َيا ِ‬
‫وِإن َ‬
‫جن ّك ُل ْ‬
‫س لك ُ ْ‬
‫ول َك ُل ْ‬
‫و ِ‬
‫م‪َ ،‬‬
‫م‪ ،‬وآخركللم َ‬
‫عَباِدي؛ لللو أن أ ّ‬
‫ص ذَِلل َ‬
‫ما ن َ َ‬
‫ر َ‬
‫عَلى أ َ ْ‬
‫كلي َ‬
‫شلي ًْئا(‬
‫َ‬
‫وا ِ‬
‫مل ْ ِ‬
‫ك ِ‬
‫د ِ‬
‫ح ٍ‬
‫ب َر ُ‬
‫ف َ‬
‫مل ْ‬
‫ن ُ‬
‫م؛ َ‬
‫من ْك ُ ْ‬
‫قل ْ ِ‬
‫ق َ‬
‫ل َ‬
‫ج ٍ‬
‫ج ِ‬
‫الذي يعصــي اللــه جــل وعل ل يضــر إل نفســه‪ ،‬ول يحتــاج اللــه جــل وعل إلــى‬
‫طاعته‪ ،‬ول يضّره أن يعصيه سبحانه وتعالى‪ ،‬وهذا يعظم به العبــد الرغــب فــي‬
‫الله جــل وعل؛ لنــه ســبحانه هــو ذو الفضــل والحســان‪ ،‬وذو المنــة والكــرام‪،‬‬
‫والعباد هم المحتاجون إليه‪.‬‬
‫قال )يا عبادي؛ ل َ َ‬
‫م َ‬
‫موا‬
‫وأ ّ‬
‫وإ ِن ْ َ‬
‫قللا ُ‬
‫جن ّك ُل ْ‬
‫س لك ُ ْ‬
‫ول َك ُ ْ‬
‫و ِ‬
‫م‪َ ،‬‬
‫م‪ ،‬وآخركللم‪َ ،‬‬
‫نأ ّ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫د‪َ ،‬‬
‫ّ‬
‫مللا‬
‫ه؛‬
‫ت‬
‫ل‬
‫أ‬
‫ل‬
‫س‬
‫م‬
‫–منهم‪-‬‬
‫د‬
‫ح‬
‫وا‬
‫ل‬
‫ك‬
‫ت‬
‫ي‬
‫ط‬
‫ع‬
‫أ‬
‫ف‬
‫ني‪،‬‬
‫لو‬
‫أ‬
‫س‬
‫ِ‬
‫وا ِ‬
‫ص ِ‬
‫ِ‬
‫َ ِ ٍ‬
‫ح ٍ‬
‫عي ٍ‬
‫ْ ْ ُ‬
‫َ ْ‬
‫ف َ‬
‫ُ ُ َ‬
‫في َ‬
‫د َ‬
‫ُ‬
‫ْ‬
‫ُ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫ص ذَل ِل َ‬
‫مللا ي َن ْ ُ‬
‫نَ َ‬
‫خل َ‬
‫خي َلط إ ِ َ‬
‫حلَر(‬
‫م ْ‬
‫ذا أدْ ِ‬
‫مللا ِ‬
‫ص ال ِ‬
‫عن ْل ِ‬
‫ك ِ‬
‫ل الب َ ْ‬
‫دي‪ ،‬إ ِل ّ ك َ‬
‫م ّ‬
‫قل ُ‬
‫ق َ‬
‫المخيط المراد به البرة السميكة‪ ،‬إذا أدخلت فــي البحـر ثـم أخرجــت فإنهـا ل‬
‫تأخذ من ماء البحر شيئا‪ .‬فلو أن أول العباد وآخرهم وإنسهم وجنهم سألوا الله‬
‫جل وعل في صعيد واحد سأل كل واحد مســألته‪ ،‬فـأعطى اللـه كـل واحــد مـا‬
‫سأل ما نقص ذلك من ملك الله جل وعل شــيئا إل كمــا ينقــص المخيــط‪ ،‬كمــا‬
‫تنقص البرة من الحديد إذا أدخلت في البحر ثم خرجــت‪ ،‬فإنهــا ل تنقــص مــن‬
‫ن ملكــوته عظيــم‪،‬‬
‫البحر شيئا يذكر‪ ،‬وهكذا؛ لن ملك الله جــل وعل واســع‪ ،‬ول ّ‬
‫وحاجات العباد ليست بشيء في جنب ملكوت الله جل وعل‪.‬‬
‫ن ممــا فــي الرض يعنــي بعــض مــا فــي الرض يكفــي العبــاد‬
‫فــإنهم ي ُعْط َـوْ َ‬
‫أجمعين وملك الله جل وعل واسع‪ ،‬وما الرض والسماوات السبع فــي كرســي‬
‫الرحمن إل كدراهم ألقيت في ترس يعنــي أنهــا صــغيرة جــدا‪ ،‬فحاجــات العبــاد‬
‫متعلقة بالرض وما حولها؛ يعني والسماء التي تقــرب منهــم‪ ،‬وهــذا إذا أعطــي‬

‫شرح الربعين النووية‬
‫‪117‬‬

‫كل أحد ما سأل فإنه يعطى مما في الرض‪ ،‬وهذا شيء يسير جدا بالنسبة لما‬
‫في الرض‪ ،‬فكيف بالنسبة إلى ملكوت الله جل وعل‪.‬‬
‫ُ‬
‫ها ل َ ُ‬
‫م‪،‬‬
‫هي أ َ ْ‬
‫قال جل وعل بعد ذلك )َيا ِ‬
‫ح ِ‬
‫ما ِ‬
‫م‪ ،‬أ ْ‬
‫صللي َ‬
‫كلل ْ‬
‫مال ُك ُ ْ‬
‫ع َ‬
‫عَباِدي؛ إ ِن ّ َ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫و ّ‬
‫ن المقصــود مــن إيجــادكم‬
‫هي أ ْ‬
‫م إ ِّيا َ‬
‫ما ِ‬
‫م( يعنــي أ ّ‬
‫مللال ُك ُ ْ‬
‫ع َ‬
‫ها(‪) ،‬إ ِن ّ َ‬
‫فك ُ ْ‬
‫ثُ ّ‬
‫مأ َ‬
‫البتلء والتكليف فإنما المر راجع إلى أعمالكم‪ ،‬لم يخلق الله جل وعل الخلــق‬
‫لنهم سينفعوه‪ ،‬أو لنــه يخشــى منهــم أن يضــروه‪ ،‬أو لنــه ســبحانه محتــاج أن‬
‫يعطيهم‪ ،‬بل إنما هو البتلء‪ ،‬ابتلؤهم بهــذا التكليــف بهــذا المــر العظيــم‪ ،‬وهــو‬
‫ْ َ‬
‫َ‬
‫ض‬
‫ة َ‬
‫عبادته سبحانه‪ ،‬كما قال ﴿إ ِّنا َ‬
‫مان َل َ‬
‫عَر ْ‬
‫وا ِ‬
‫عل َللى ال ّ‬
‫سل َ‬
‫ضلَنا اْل َ‬
‫ت َ‬
‫ما َ‬
‫والْر ِ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫وال ْجبال َ َ‬
‫ف ْ‬
‫ش َ‬
‫وأ ْ‬
‫ن﴾]الحـــزاب‪:‬‬
‫ن ِ‬
‫ح ِ‬
‫سا ُ‬
‫نأ ْ‬
‫و َ‬
‫ن يَ ْ‬
‫ها اْل ِن ْ َ‬
‫مل َ َ‬
‫من ْ َ‬
‫مل ْن َ َ‬
‫ق َ‬
‫فأب َي ْ َ‬
‫ح َ‬
‫ها َ‬
‫ها َ‬
‫َ ِ َ ِ‬
‫خل َ ْ‬
‫ما‬
‫ما َ‬
‫عب ُ ُ‬
‫س إ ِّل ل ِي َ ْ‬
‫ق ُ‬
‫ج ّ‬
‫دوِني)‪َ (56‬‬
‫و َ‬
‫لن َ‬
‫ت ال ْ ِ‬
‫ن َ‬
‫‪ ،[72‬وكما قال جل وعل ﴿ َ‬
‫وا ْ ِ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫ُ‬
‫ّ‬
‫ْ‬
‫و ال لّرّزاقُ‬
‫ه ُ‬
‫ن ي ُط ِ‬
‫م ِ‬
‫ريدُ ِ‬
‫ن)‪(57‬إ ِ ّ‬
‫ريدُ أ ْ‬
‫من ْ ُ‬
‫م ْ‬
‫ن الل ل َ‬
‫ع ُ‬
‫و َ‬
‫ه ْ‬
‫هل َ‬
‫مو ِ‬
‫ق َ‬
‫ما أ ِ‬
‫رْز ٍ‬
‫ن ِ‬
‫أ ِ‬
‫ذو ال ْ ُ‬
‫ُ‬
‫ن﴾]الــذاريات‪ ،[58-56:‬فغنــى اللــه ســبحانه وتعــالى عــن عبــاده‬
‫و ِ‬
‫مِتي ُ‬
‫ة ال ْ َ‬
‫ق ّ‬
‫أعظم الغنى‪ ،‬وهم محتاجون إليه‪ ،‬والبتلء حصل بخلقهــم‪ ،‬فــابتلى اللــه العبــاد‬
‫م‪،‬‬
‫هللي أ َ ْ‬
‫ما ِ‬
‫بحيــاتهم‪ ،‬ونتيجــة هــذا البتلء أ ّ‬
‫مللال ُك ُ ْ‬
‫ع َ‬
‫ن أعمــالهم ستحصــى )إ ِن ّ َ‬
‫ُ‬
‫ُ‬
‫ها( الحصــاء بمعنــى الع ـد ّ التفصــيلي‬
‫ح ِ‬
‫ح ِ‬
‫م( وقوله جــل وعل )أ ْ‬
‫أ ْ‬
‫صي َ‬
‫صي َ‬
‫ها ل َك ُ ْ‬
‫والحفظ؛ لن الحصاء له مراتب؛ فمنها العد التفصــيلي‪ ،‬ومنهــا الحفــظ وعــدم‬
‫التضييع‪ ،‬كما قال جل وعل ﴿ل َ َ َ‬
‫ه‬
‫م َ‬
‫و َ‬
‫عدّ ُ‬
‫صا ُ‬
‫م آِتيلل ِ‬
‫ع ّ‬
‫قدْ أ ْ‬
‫وك ُل ّ ُ‬
‫هلل ْ‬
‫ه ْ‬
‫ه ْ‬
‫ح َ‬
‫دا)‪َ (94‬‬
‫م َ‬
‫فردا﴾]مريم‪ ،[95-94:‬وكما قال جل وعل ﴿ َ‬
‫ل َ‬
‫صللى ك ُل ّ‬
‫ء‬
‫ي ٍ‬
‫م ال ْ ِ‬
‫م ِ‬
‫وأ ْ‬
‫ة َ ْ ً‬
‫و َ‬
‫قَيا َ‬
‫ح َ‬
‫َ‬
‫يَ ْ‬
‫شل ْ‬
‫دا﴾]الجن‪ ،[28:‬والحصاء يشمل معرفة التفاصيل وكتابـة ذلــك‪ ،‬ويشـمل أيضــا‬
‫َ‬
‫عدَ ً‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫ُ‬
‫ها( يعني تكتــب عليكــم‬
‫هي أ ْ‬
‫ح ِ‬
‫ما ِ‬
‫م‪ ،‬أ ْ‬
‫صي َ‬
‫مالك ْ‬
‫ع َ‬
‫الحفظ وعدم التضييع‪ ،‬فـ)إ ِن ّ َ‬
‫ُ‬
‫و ّ‬
‫م‬
‫فك ُل ْ‬
‫بتفاصيلها‪ ،‬وأعّرفكم إياها بتفاصــيلها‪ ،‬وأحفظهــا لكــم فل تضــيع‪) ،‬ث ُ ّ‬
‫مأ َ‬
‫ها( الحسنات بالحسنات‪ ،‬والسيئات بما يحكم الله جل وعل فيه‪ ،‬فمن فعل‬
‫إ ِّيا َ‬
‫السيئات فهو على خطر عظيم‪ ،‬ومن فعل الحسنات فهو على رجــاء أن يكــون‬
‫من الناجين‪.‬‬
‫فل َ‬
‫غي ْلَر ذَل ِل َ‬
‫ج لدَ َ‬
‫ك؛ َ‬
‫خي ْلًرا؛ َ‬
‫قال ) َ‬
‫جدَ َ‬
‫مل ِ‬
‫و َ‬
‫فل ْي َ ْ‬
‫و َ‬
‫مل ْ‬
‫م ْ‬
‫و َ‬
‫ح َ‬
‫ف َ‬
‫ن َ‬
‫د الللله‪َ ،‬‬
‫ن َ‬
‫ل نَ ْ‬
‫ن إ ِل ّ ن َ ْ‬
‫ن العبــد هــو الحســيب علــى نفســه ﴿ك ُل ّ‬
‫مللا‬
‫ه( ل ّ‬
‫ف َ‬
‫م ّ‬
‫س بِ َ‬
‫س ُ‬
‫ي َُلو َ‬
‫فل ٍ‬
‫ة﴾]المدثر‪ [83:‬كل نفس تعلم ما تعمل وصواَبها وخطَأها ولو ألقــت‬
‫هين َ ٌ‬
‫ت َر ِ‬
‫سب َ ْ‬
‫كَ َ‬
‫و أ َل ْ َ‬
‫عل َلللى ن َ ْ‬
‫المعـــاذير ﴿ب َللل ْ‬
‫قلللى‬
‫صللليَر ٌ‬
‫ن َ‬
‫ه بَ ِ‬
‫سللل ِ‬
‫ف ِ‬
‫سلللا ُ‬
‫لن َ‬
‫ول َللل ْ‬
‫ة)‪َ (14‬‬
‫لا ِْ‬
‫خي ًْرا؛ َ‬
‫ه﴾]القيامة‪ [15-14:‬قال ) َ‬
‫د الللله( يعنــي فليثــن‬
‫جدَ َ‬
‫م ِ‬
‫فل ْي َ ْ‬
‫و َ‬
‫م َ‬
‫م ْ‬
‫ح َ‬
‫ف َ‬
‫عاِذيَر ُ‬
‫َ‬
‫ن َ‬
‫على الله جل وعل بذلك؛ لنه هو الذي أعانه‪ .‬ومن وجد غير ذلك فل يلــومن إل‬
‫نفسه؛ لن العبد هو الذي جنى على نفسه‪ ،‬واللــه ســبحانه أقــام الحجــة وبيــن‬
‫المحجة‪ ،‬وسلك بنا السبيل القوم‪ ،‬فالمر واضح والعباد هم الذين يجنون علــى‬
‫نفسهم‪.‬‬
‫اللهم اهدنا فيمن هديت‪ ،‬وعافنا فيمن عافيت‪ ،‬وتولنا فيمن توليت‪ .‬نعم‬
‫‪‬‬
‫الحديث الخامس والعشرون ‪‬‬
‫ي ‪:‬‬
‫ضا ‪:-‬أ ّ‬
‫عن أبي ذ َّر ‪- ‬أي ً‬
‫ن َنا ً‬
‫سا من أصحاب رسول الله ‪ ‬قالوا للّنب ّ‬
‫ُ‬
‫ب أه ُ‬
‫ل الد ُّثور بالجور‪ُ ،‬يصّلون كما ُنصّلي‪ ،‬ويصومون كما‬
‫يا رسول الله؛ ذ َهَ َ‬
‫َ‬
‫س َ‬
‫ع َ‬
‫فضول أموالهم! قال رسو ُ‬
‫ل‬
‫دقون ب ُ‬
‫ج َ‬
‫قدْ َ‬
‫نصوم‪ ،‬وي ََتص ّ‬
‫ول َي ْ َ‬
‫ل الله ‪» ‬أ َ‬
‫صدَ َ‬
‫صدّ ُ‬
‫وك ُ ّ‬
‫ن ب ِك ُ ّ‬
‫ة‬
‫ق ً‬
‫ل ت َك ِْبيَر ٍ‬
‫ح ٍ‬
‫ن؟! إ ِ ّ‬
‫قو َ‬
‫سِبي َ‬
‫ل تَ ْ‬
‫م َ‬
‫الله ل َك ُ ْ‬
‫ة َ‬
‫ما ت َ َ‬
‫ة‪َ ،‬‬
‫ة‪َ ،‬‬
‫صدَ َ‬
‫صدَ َ‬
‫صدَ َ‬
‫وك ُ ّ‬
‫وك ُ ّ‬
‫ف‬
‫ق ً‬
‫ق ً‬
‫هِليل َ ٍ‬
‫ميدَ ٍ‬
‫ح ِ‬
‫عُرو ِ‬
‫ر ِبم ْ‬
‫ل تَ ْ‬
‫ل تَ ْ‬
‫وأ ْ‬
‫ة َ‬
‫ة َ‬
‫َ‬
‫ق ً َ‬
‫ة‪َ ،‬‬
‫ة‪َ ،‬‬
‫م ٍ‬

‫الشيخ العلمة صالح بن عبد العزيز بن محمد آل الشيخ‬

‫‪118‬‬

‫ض َ‬
‫صدَ َ‬
‫صدَ َ‬
‫صدَ َ‬
‫ة «‪ ،‬فقالوا‪:‬‬
‫ي َ‬
‫ق ً‬
‫ق ً‬
‫ق ً‬
‫و ِ‬
‫ح ِ‬
‫عأ َ‬
‫ون َ ْ‬
‫ع ْ‬
‫دك ُ ْ‬
‫م َ‬
‫ر َ‬
‫َ‬
‫ة‪َ ،‬‬
‫ة‪َ ،‬‬
‫ن َالمن ْك َ ِ‬
‫ه ٍ‬
‫في ب ُ ْ ِ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫دنا َ‬
‫و‬
‫ه‪ ،‬ويكو ُ‬
‫ح ُ‬
‫يا رسول الله؛ أي َأِتي أ َ‬
‫ن له فيها أجر؟! قال »أَرأي ْت ُ ْ‬
‫شهوَت َ ُ‬
‫مل ْ‬
‫َ‬
‫م؛ أ َ‬
‫فك َذَل ِ َ‬
‫وْزٌر؟ َ‬
‫كإ َ‬
‫ل‬
‫ن َ‬
‫ها ِ‬
‫ها ِ‬
‫و َ‬
‫و َ‬
‫عل َي ْ ِ‬
‫كا َ‬
‫في ال ْ َ‬
‫في َ‬
‫ض َ‬
‫ضع َ‬
‫ع َ‬
‫حل َ ِ‬
‫ذا َ‬
‫َ‬
‫ه ِ‬
‫حَرا ٍ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫جٌر« ]رواه مسلم [‪.‬‬
‫كا َ‬
‫هأ ْ‬
‫نل ُ‬
‫]الشرح[‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫سا من أصحاب رسللول الللله ‪‬‬
‫وهذا الحديث عن أبي ذّر أيضا )أ ّ‬
‫ن أ َنا ً‬
‫ب أه ل ُ‬
‫ل ال لدُّثور‬
‫ي عليه الصلة والسلم‪ :‬يا رسول الللله؛ ذَ َ‬
‫هل َ‬
‫قالوا للّنب ّ‬
‫با ُ‬
‫ب أه ُ‬
‫ن أهل الغنــى ذهبــوا بــالجر عنــد اللــه‬
‫لجور(‪) ،‬ذَ َ‬
‫ل الدُّثور( يعني أ ّ‬
‫ه َ‬
‫)‪(1‬‬
‫جل وعل؛ لن لهم أموال يتصدقون بها‪ ،‬والصدقة أمرها عظيم‪.‬‬
‫ل الدُّثور با ُ‬
‫ب أه ُ‬
‫لجور‪ُ ،‬يصّلون كمللا ُنصلّلي‪ ،‬ويصللومون‬
‫قالوا )ذَ َ‬
‫ه َ‬
‫دقون ب ُ‬
‫فضللول أمللوالهم!( يعنــي أن اللــه جــل وعل‬
‫كما نصللوم‪ ،‬وي ََتصل ّ‬
‫ميزهم بأنهم يتصدقون‪ ،‬فيصلون كما نصلي‪ ،‬ويصومون كما نصوم‪ ،‬لكن تميزوا‬
‫عنا بالصدقة‪ ،‬فذهب أهل الدثور بأجور الصدقة‪ .‬فالنبي ‪ ‬بيــن لهــم أن معنــى‬
‫َ‬
‫ل الله ل َ ُ‬
‫س َ‬
‫ع َ‬
‫مللا‬
‫ج َ‬
‫قدْ َ‬
‫م َ‬
‫كلل ْ‬
‫ول َي ْ َ‬
‫الصدقة واسع‪ ،‬فقال عليه الصلة والسلم )أ َ‬
‫صدّ ُ‬
‫ن به؟!( وهذا فيه الحث على سماع ما جعل اللــه جــل وعل للفقــراء‪،‬‬
‫قو َ‬
‫تَ َ‬
‫بل ولعامة المســلمين الغنيــاء والفقــراء جميعــا مــن أنــواع الصــدقات الــتي ل‬
‫تدخل في الصدقات المالية‪ .‬وهذا مبني على معنى الصدقة في الشريعة؛ فإن‬
‫الصدقة في الشريعة ليست هي الصــدقة بالمــال‪ ،‬والصــدقة بالمــال نــوع مــن‬
‫أنواع الصدقة‪ ،‬فالصدقة إيصـال الخيــر‪-‬تعريـف الصـدقة‪ -‬والنفـع للغيـر؛ ولهــذا‬
‫يوصف الله جل وعل بأنه متصدق على عباده‪ .‬كما ثبت في صــحيح مســلم بــن‬
‫الحجاج رحمه الله أن النبي ‪ ‬لما سألوه عن مسألة القصر فـي السـفر قـال‬
‫»صدقة من الله« قالوا‪ :‬يا رسول اللــه‪ ،‬هــا نحــن قــد أمنــا‪ ،‬واللــه جــل وعل‬
‫َ‬
‫ن تَ ْ‬
‫يقول في سورة النساء ﴿ َ‬
‫ن‬
‫س َ‬
‫صَل ِ‬
‫صُروا ِ‬
‫ة إِ ْ‬
‫حأ ْ‬
‫جَنا ٌ‬
‫م ُ‬
‫م ْ‬
‫عل َي ْك ُ ْ‬
‫ن ال ّ‬
‫ق ُ‬
‫فل َي ْ َ‬
‫َ‬
‫ن كَ َ‬
‫ن يَ ْ‬
‫خ ْ‬
‫مّنا‪ .‬فقــال عليــه الصــلة‬
‫ِ‬
‫فُروا﴾]النســاء‪ [101:‬وقد أ ِ‬
‫م ال ّ ِ‬
‫مأ ْ‬
‫ذي َ‬
‫فت ِن َك ُ ْ‬
‫فت ُ ْ‬
‫ص لدَ َ‬
‫فا ْ‬
‫م‪َ .‬‬
‫صدَ َ‬
‫ه«‪ .‬فــالله جــل‬
‫ها َ‬
‫ق ٌ‬
‫صدّقَ الله ب ِ َ‬
‫قت َ ُ‬
‫عل َي ْك ُ ْ‬
‫قب َُلوا َ‬
‫ة تَ َ‬
‫والسلم » َ‬
‫وعل يتصدق على عباده‪ ،‬بمعنى يوصل الخير وما ينفعهم لهم‪ ،‬فالصدقة إيصال‬
‫الخير للغير‪ ،‬وقد يكون هذا اليصال متعديا وقد يكــون لزمــا‪ ،‬يعنــي قــد يكــون‬
‫العبد يوصل الخير لنفسه فيكون متصدقا‪ ،‬وقد يصل بالخير إلى غيــره ويوصــل‬
‫الخير لغيره فيكون متصدقا على غيره‪ .‬فالصــدقة معناهــا فــي الشــريعة عــام‪،‬‬
‫ومنها الصدقة بالمال؛ فإنها إيصال الخير والنفع للغير‪.‬‬
‫َ‬
‫ص لدّ ُ‬
‫س َ‬
‫ع َ‬
‫ن؟!(‬
‫قو َ‬
‫ج َ‬
‫قدْ َ‬
‫م َ‬
‫ل الله ل َك ُ ْ‬
‫ما ت َ َ‬
‫ول َي ْ َ‬
‫قال عليه الصلة والسلم )أ َ‬
‫صللدَ َ‬
‫صدَ َ‬
‫وك ُ ّ‬
‫ن ب ِك ُ ّ‬
‫ة‪،‬‬
‫ق ً‬
‫ق ً‬
‫ل ت َك ِْبيللَر ٍ‬
‫ح ٍ‬
‫لن معنى الصدقة عام‪) ،‬إ ِ ّ‬
‫سِبي َ‬
‫ل تَ ْ‬
‫ة َ‬
‫ة َ‬
‫ة‪َ ،‬‬
‫صلدَ َ‬
‫صدَ َ‬
‫وك ُ ّ‬
‫وك ُ ّ‬
‫ة( مثــل عليــه الصــلة والســلم‬
‫ق ً‬
‫ق ً‬
‫هِليل َل ٍ‬
‫ميدَ ٍ‬
‫ح ِ‬
‫ل تَ ْ‬
‫ل تَ ْ‬
‫ة َ‬
‫ة َ‬
‫ة‪َ ،‬‬
‫َ‬
‫بهذه الربع لمرين؛ الول أنها من أنواع الذكر اللساني‪ ،‬فمثل بهــا علــى أنــواع‬
‫الذكر الخرى؛ لن هذه أفضل الذكر‪ ،‬كما ثبت فــي الصــحيح أنــه عليــه الصــلة‬
‫والسلم قال »أ َحب ال ْك َل َم إَلى الل ّ َ‬
‫ه‪,‬‬
‫مللدُ لّللل ِ‬
‫ن الل ّ ِ‬
‫ِ‬
‫حا َ‬
‫وال ْ َ‬
‫سب ْ َ‬
‫ه أْرب َ ٌ‬
‫َ ّ‬
‫ع‪ُ :‬‬
‫ح ْ‬
‫ه‪َ ,‬‬
‫َ ِ ِ‬
‫ه أك ْب َُر«‪ ،‬فهذه الربع هي أحب الكلم إلى الله‪ ،‬فهــي‬
‫والل ّ ُ‬
‫ه إ ِل ّ الل ّ ُ‬
‫ول َ إ َِلـ َ‬
‫ه‪َ ,‬‬
‫َ‬
‫أعظم ما تتقرب به إلى الله جل وعل مــن الــذكر‪ ،‬وتتصــدق بــه علــى نفســك‪،‬‬
‫صدَ َ‬
‫ن ب ِك ُ ّ‬
‫ة( لن فيها الجــر العظيــم‪ ،‬فتصــل بالتســبيحة‬
‫ق ً‬
‫ح ٍ‬
‫فقال )إ ِ ّ‬
‫سِبي َ‬
‫ل تَ ْ‬
‫ة َ‬
‫س َ‬
‫ك بأنواع الخير والجر‪ ،‬كذلك التحميد والتهليل والتكبير‪.‬‬
‫نف َ‬
‫‪()1‬انتهى الشريط السابع‪.‬‬

‫شرح الربعين النووية‬
‫‪119‬‬

‫ثم انتقل عليه الصلة والسلم إلى نوع مــن الصــدقة متعــد‪ ،‬فقــال ) َ‬
‫ر‬
‫وأ ْ‬
‫َ‬
‫م ٍ‬
‫صدَ َ‬
‫صدَ َ‬
‫ة( هذا تمثيل لنــواع الصــدقات‬
‫ي َ‬
‫ق ً‬
‫ق ً‬
‫عُرو ِ‬
‫َبم ْ‬
‫ون َ ْ‬
‫ع ْ‬
‫ر َ‬
‫ف َ‬
‫ة‪َ ،‬‬
‫ن المن ْك َ ِ‬
‫ه ٍ‬
‫ســنه‪،‬‬
‫التي فيها التعدي النفع‪ ،‬فذكر المر بالمعروف‪ ،‬والمعروف هو ما علــم ُ‬
‫ح ْ‬
‫سنه فهـو معـروف‪ .‬والمنكـر‬
‫والمر به في الشريعة‪ ،‬فما عرف في الشريعة ُ‬
‫ح ْ‬
‫ضده؛ ما عرف في الشريعة سوءه ونكارته‪ ،‬فمن أمر بما عرف في الشــريعة‬
‫حسنه فقد أمر بالمعروف‪ ،‬وأعله التوحيد‪ ،‬ومن نهى عن المنكر وهو مــا أنكــر‬
‫في الشريعة وأعله الشرك بالله جل وعل فقد نهى عن المنكر‪ ،‬فإذن كل أمر‬
‫بمعروف صدقة لك‪ ،‬وكل نهي عــن المنكــر صــدقة‪ .‬وتعليــم العلــم يــدخل فــي‬
‫ذلك‪ ،‬فهو من أنواع الصدقات‪ ،‬فمن لزم العلم تعلما وتعليما فإنه يتصــدق فــي‬
‫كل لحظة تمر عليه على نفسه‪ ،‬وكذلك على غيــره؛ ولهــذا أهــل العلــم أعظــم‬
‫الناس أجورا إن صُلحت نياتهم‪.‬‬
‫ض َ‬
‫صلدَ َ‬
‫ة( الُبضــع المــراد بــه فــي اللغــة بعــض‬
‫ق ً‬
‫و ِ‬
‫حل ِ‬
‫عأ َ‬
‫دك ُ ْ‬
‫م َ‬
‫قــال ) َ‬
‫في ب ُ ْ ِ‬
‫ض( يعنــي البعــض‪،‬‬
‫ض َ‬
‫ع(‪ ،‬و) َ‬
‫الشيء؛ لن البضع والبعض فيها قلــب ) َ‬
‫ب عَ َ‬
‫ب َ‬
‫والبضع مقلوبة هذه عن الخرى‪ ،‬فمعنى البضع البعــض‪ ،‬ولكنهــم كنــوا بــه عــن‬
‫بعض ابن آدم‪ ،‬وهو فرجه‪ ،‬وهذا من شريف الكلم؛ حيث يذكر ما يســتحيا عــن‬
‫ذكره ول يحسن ذكره في كلمات تدل عليــه‪ ،‬ول يكــون لهــا وقــع ينــافي الدب‬
‫ضل َ‬
‫ص لدَ َ‬
‫ة( يعنــي‬
‫ق ً‬
‫و ِ‬
‫حل ِ‬
‫عأ َ‬
‫دك ُ ْ‬
‫م َ‬
‫في السمع‪ .‬قال عليه الصلة والسلم ) َ‬
‫في ب ُ ْ ِ‬
‫فيما يأتيه المرء بفرجه وهــو ذ َك َـُر الّرجــل صــدقة‪ ،‬فاســتغربوا؛ فـــ)قالوا‪ :‬يللا‬
‫َ‬
‫َ ْ‬
‫دنا َ‬
‫ن للله فيهللا أجلّر؟!(‪ ،‬المــراد‬
‫ه‪ ،‬ويكللو ُ‬
‫ح ُ‬
‫رسول الله؛ أي َأِتي أ َ‬
‫وت َ ُ‬
‫شلله َ‬
‫بالشهوة هنا الماء‪ ،‬يعني ماء الرجل الذي ينزلــه؛ يعنــي المــراد تمــام الشــهوة‪،‬‬
‫ن له فيها أجّر؟!( يعني المرء يأتي شهوته‪ ،‬وُينزل مــاءه‪ ،‬ويكــون لــه‬
‫)ويكو ُ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ها ‪-‬يعنــي لــو وضــع‬
‫و َ‬
‫ض َ‬
‫ع َ‬
‫بذلك أجر؟! فقال عليه الصلة والسلم )أَرأي ْت ُ ْ‬
‫و َ‬
‫م لَ ْ‬
‫حَرام ٍ( والذي ُيوضع هــو مــاء؛ لهــذا فســرت الشــهوة هنــا بأنهــا‬
‫الشهوة‪ِ -‬‬
‫في َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫حَرام ٍ( وهذا يسمى استدلل العكس‪ ،‬أو‬
‫ها ِ‬
‫و َ‬
‫في َ‬
‫ض َ‬
‫ع َ‬
‫الماء‪ .‬قال )أَرأي ْت ُ ْ‬
‫و َ‬
‫م لَ ْ‬
‫َ‬
‫وْزٌر؟ قــالوا‪ :‬بلــى‪.‬‬
‫ن َ‬
‫ها ِ‬
‫و َ‬
‫عل َي ْل ِ‬
‫م؛ أك َللا َ‬
‫فلي َ‬
‫ضل َ‬
‫ع َ‬
‫و َ‬
‫قياس العكس‪) ،‬ل َ ْ‬
‫ه ِ‬
‫حلَرا ٍ‬
‫َ‬
‫ل َ‬
‫فك َذَل ِ َ‬
‫َ‬
‫كإ َ‬
‫جلٌر( وهــذا يعنــي أن مــا يفعلــه‬
‫ها ِ‬
‫و َ‬
‫كا َ‬
‫هأ ْ‬
‫في ال ْ َ‬
‫ضع َ‬
‫ن ل َل ُ‬
‫حل َ ِ‬
‫ذا َ‬
‫المرء من هذه الفعال التي هي من قبيل الشهوات إذا أتى بها الحلل‪ ،‬وابتلى‬
‫الله جل وعل العبد َ بهذه الشهوة‪ ،‬فجعلها في الحلل‪ ،‬وباعد نفسه عن وضــعها‬
‫في الحرام أنه يؤجر على ذلك‪ ،‬وهذا هو الظاهر‪ .‬واختلف أهل العلم فــي هــذه‬
‫المسألة؛ هل يؤجر بإتيانه الحلل بل نية‪ ،‬أم يؤجر بإتيانه الحلل بنية؟‬
‫فقالت طائفة‪ :‬هذه الشهوات التي ابتلى الله بها العبد إذا جعلها في الحلل‬
‫فإنه يؤجر عليها بل نية‪ ،‬على ظاهر هذا الحديث‪ ،‬وتنفعه النية العامة‪ ،‬وهي نيــة‬
‫الطاعة؛ نية السلم‪ ،‬فإنه بالسلم يحصل له نيــة الطاعــة للــه جــل وعل فيمــا‬
‫يأتي‪ ،‬وفيما يذر؛ النية العامة‪ ،‬وهذا قول طائفة من أهل العلم‪.‬‬
‫وقال آخرون‪ :‬هذا الحديث محمول على غيره من الحاديث‪ ،‬وهو أنه يــؤجر‬
‫إذا صرف نفسه عن الحرام إلى الحلل بنية‪ ،‬فإذا صــرف نفســه عــن مواقعــة‬
‫الزنا إلــى مواقعــة الحلل بنيــة‪ ،‬فــإنه يــؤجر علــى ذلــك؛ لن الحــاديث الخــر‪،‬‬
‫والقواعد العامة‪ ،‬وكذلك بعض اليات تدل على أنه إنما يؤجر على ما ُيبتغى به‬
‫وجه الله جل وعل‪ ،‬قد ثبت في الصحيح أن النــبي ‪ ‬قــال »إنك لللن تنفللق‬
‫نفقة تبتغى بها وجه الله إل أجرت عليها«‪ ،‬وأيضا في أية النســاء قــال‬
‫ق َ‬
‫َ‬
‫و‬
‫جــل وعل ﴿ َل َ‬
‫وا ُ‬
‫خي ْلَر ِ‬
‫ص لدَ َ ٍ‬
‫ر ِ‬
‫ن نَ ْ‬
‫مل ْ‬
‫مل ْ‬
‫نأ َ‬
‫م إ ِّل َ‬
‫ه ْ‬
‫م لَر ب ِ َ‬
‫ةأ ْ‬
‫جل َ‬
‫فللي ك َِثي ل ٍ‬

‫الشيخ العلمة صالح بن عبد العزيز بن محمد آل الشيخ‬

‫‪120‬‬

‫َ‬
‫و إِ ْ َ‬
‫ل ذَل ِل َ‬
‫ن يَ ْ‬
‫ع ْ‬
‫ه‬
‫ك اب ْت ِ َ‬
‫مْر َ‬
‫ة الل ّل ِ‬
‫ضللا ِ‬
‫ف َ‬
‫عُرو ٍ‬
‫م ْ‬
‫م ْ‬
‫ح ب َي ْ َ‬
‫غللاءَ َ‬
‫و َ‬
‫َ‬
‫س َ‬
‫فأ ْ‬
‫ن الّنا ِ‬
‫ص َل ٍ‬
‫َ‬
‫ف نُ ْ‬
‫ما﴾]النساء‪ [114:‬فدل في الية على إشــتراط ابتغــاء‬
‫جًرا َ‬
‫و َ‬
‫ع ِ‬
‫ؤِتي ِ‬
‫هأ ْ‬
‫ف َ‬
‫ظي ً‬
‫س ْ‬
‫مرضاة الله‪ ،‬ود ّ‬
‫ن النفقة إذا ابتغي بها وجه الله فإنه‬
‫ل في الحديث أيضا على أ ّ‬
‫يؤجر عليها في العبد‪ .‬فحمل أكثر أهل العلــم هــذا الظــاهر مــن الحــديث علــى‬
‫غيره من النصوص مما يكون العبد به منصــرفا عــن الحــرام إلــى الحلل بنيــة‪،‬‬
‫ي الحرام‪ ،‬بأن اللــه أبــاح لــه الحلل ليقتصــر علــى‬
‫فإذا قام في قلبه أّنه لن يأت َ‬
‫الحلل دون الحرام فإنه يؤجر على ما يأتي مــن الحلل‪ ،‬ويــؤجر علــي شــهوته‬
‫بهذه النية‪ ،‬وإنما العمال بالنيات‪.‬‬
‫‪‬‬
‫الحديث السادس والعشرون ‪‬‬
‫وعن أبي هريرة ‪ ‬أن النبي ‪ ‬قال »ك ُ ّ‬
‫ه‬
‫س َ‬
‫عل َي ْل ِ‬
‫مى ِ‬
‫ل ُ‬
‫مل َ‬
‫س لل َ َ‬
‫ن الن ّللا ِ‬
‫صدَ َ‬
‫صدَ َ‬
‫د ُ‬
‫ه ال ّ‬
‫ة كُ ّ‬
‫ن‬
‫ق ٌ‬
‫ق ً‬
‫وت ُ ِ‬
‫ع ِ‬
‫ع ِ‬
‫في ِ‬
‫س؛ ت َ ْ‬
‫ل َيوم ٍ ت َطْل ُ ُ‬
‫عيلل ُ‬
‫ل ب َي ْ َ‬
‫ش ْ‬
‫ن َ‬
‫م ُ‬
‫َ‬
‫ة‪َ ،‬‬
‫ن اث ْن َي ْ ِ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ج َ‬
‫ة‪،‬‬
‫مت َللا َ‬
‫ه َ‬
‫ه َ‬
‫ص لدَق ٌ‬
‫ل ِ‬
‫ح ِ‬
‫داب ّت ِ ِ‬
‫و ت َْرف ل ُ‬
‫ه فت َ ْ‬
‫في َ‬
‫الّر ُ‬
‫علي ْ َ‬
‫علي ْ َ‬
‫ع ُ‬
‫هللا َ‬
‫ع لل ُ‬
‫مل ُ‬
‫ه َ‬
‫ها أ ْ‬
‫صلدَ َ‬
‫صدَ َ‬
‫وب ِك ُ ّ‬
‫ة‪،‬‬
‫ل ُ‬
‫ق ٌ‬
‫ق ٌ‬
‫ة الطّي ّب َ ُ‬
‫م ُ‬
‫صلل َ ِ‬
‫م ِ‬
‫و ٍ‬
‫شللي َ‬
‫ة تَ ْ‬
‫وال ْك َل ِ َ‬
‫ة َ‬
‫ها إ ِل َللى ال ّ‬
‫ة َ‬
‫خط ْ َ‬
‫ة‪َ ،‬‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫ُ‬
‫صدَ َ‬
‫ميط ال َ‬
‫ة « ]رواه البخاري و مسلم [‪.‬‬
‫ذى َ‬
‫ق ٌ‬
‫وت ُ ِ‬
‫ق َ‬
‫َ‬
‫ن الط ِ‬
‫ري ِ‬
‫ع ِ‬
‫]الشرح[‬
‫هذا الحديث من حيث تفاصيل الصدقات يكفي عنه ما مر معنا في الحديث‬
‫الســابق؛ لن هــذه الــتي ذكــرت بعضــها مــن الصــدقات الذاتيــة‪ ،‬وبعضــها مــن‬
‫م منــه قــوله عليــه الصــلة والســلم )ك ُ ّ‬
‫ل‬
‫الصدقات المتعديــة‪ ،‬لكــن الــذي يه ـ ّ‬
‫صدَ َ‬
‫مى( هذه المقصود منها العظام أو‬
‫س َ‬
‫ق ً‬
‫عل َي ْ ِ‬
‫مى ِ‬
‫ة( ) ُ‬
‫ُ‬
‫م َ‬
‫سل َ َ‬
‫سل َ َ‬
‫ه َ‬
‫ن الّنا ِ‬
‫المفاصل‪ .‬من أهل العلم من قال العظام‪ ،‬ومنهم من قــال‪ :‬مفاصــل العظــام‪،‬‬
‫يعني الصلت بين العظم والعظم‪ ،‬أو العظام أنفسها‪ ،‬فعظام النســان كــثيرة‪،‬‬
‫والله جل وعل من عليه بهذه‪ ،‬فخلقك في أحسن تقويم‪ ،‬وجعلك فــي تصــرفك‬
‫في عظامك‪ ،‬وما ابتلك به في شــكر هــذه النعمــة‪ ،‬جعلــك فــي محـ ّ‬
‫ط البتلء‪،‬‬
‫فهل تشكر أم ل تشكر؟‪.‬‬
‫فقال عليه الصلة والسلم هنا )ك ُ ّ‬
‫س( يعني كل عظـم‬
‫مى ِ‬
‫ل ُ‬
‫م َ‬
‫سل َ َ‬
‫ن الّنا ِ‬
‫من أعظم ابن آدم‪ ،‬أو كل عظم أو كل مفصل من مفاصل جسد ابن آدم عليه‬
‫ه( َنعلم من الصول أنها من ألفاظ الوجوب‪ ،‬فيدل على أن‬
‫صدقة‪ ،‬فقوله ) َ‬
‫عل َي ْ ِ‬
‫شكر هذه النعمة واجب؛ فشكر نعمــة البــدن‪ ،‬نعمــة العظــام‪ ،‬نعمــة المفاصــل‬
‫صدَ َ‬
‫ة(‪) ،‬ك ُل ّ‬
‫واجب‪ .‬د ّ‬
‫س‬
‫ل على الوجوب قوله ) َ‬
‫ق ً‬
‫مى ِ‬
‫عل َي ْ ِ‬
‫ل ُ‬
‫مل َ‬
‫سلل َ َ‬
‫ه َ‬
‫ن الن ّللا ِ‬
‫صدَ َ‬
‫ة( يعني يجب عليه على كل مفصل أن يتصدق بصدقة تقابــل تلــك‬
‫َ‬
‫ق ً‬
‫عل َي ْ ِ‬
‫ه َ‬
‫النعمة‪ ،‬وتكون شكرا لها‪ ،‬هذه التي ذكرت أمثال لبعض الصدقات‪.‬‬
‫والصدقة الواجبة التي بها يخلــص المــرء مــن الثــم فــي عــدم شــكر نعمــة‬
‫البدن‪ :‬أل ّ يستعمل هذه المفاصل في معصية الله جل وعل‪ .‬فإذا كان يوم مــن‬
‫م‬
‫اليام سلم في ذلك اليوم من المحرمات التي فعلها بهـذه المفاصـل‪ ،‬أو َ‬
‫سـل ِ َ‬
‫دى‬
‫مــن تــرك أداء الواجبــات‪ ،‬واســتعمل المفاصــل فــي أداء الواجبــات‪ ،‬فقــد أ ّ‬
‫الشـكر الـواجب فـي ذلـك اليـوم‪ ،‬فكـل مقتصـد؛ يعنـي فاعـل للـواجب تـارك‬
‫المحرم في يوم قــد أدى شـكر ذلـك اليـوم الــواجب الـذى يجــب عليـه لنعمــة‬
‫البدن‪.‬‬
‫ثم هناك شكر مستحب‪ ،‬وهو أن يأتي بأنواع الصدقات المســتحبة؛ القوليــة‪،‬‬
‫والعملية‪ ،‬والمالية‪ ،‬وأن يأتي بنوافل العبادات المتنوعة‪.‬‬

‫شرح الربعين النووية‬
‫‪121‬‬

‫فإذن الصدقات نوعان‪ :‬واجبة‪ ،‬ومستحبة‪ ،‬فالواجبة هي أن تســتعمل اللت‬
‫في الطاعة‪ ،‬وأن تبتعد بها عن الحرام‪ ،‬فإذا فعلت ذلك فقــد أديــت شــكر تلــك‬
‫اللت‪.‬‬
‫د ُ‬
‫ه ال ّ‬
‫قال عليه الصلة والسلم )ك ُ ّ‬
‫ن‬
‫ع ِ‬
‫عل ِ‬
‫فيل ِ‬
‫س؛ ت َ ْ‬
‫ل َيوم ٍ ت َطْل ُ ُ‬
‫ل ب َْيل َ‬
‫شل ْ‬
‫م ُ‬
‫صدَ َ‬
‫ه ال ّ‬
‫ة(‪) ،‬ك ُ ّ‬
‫س(‪ ،‬كلمة )َيوم ٍ( قد تــأتي فــي‬
‫ق ٌ‬
‫ع ِ‬
‫في ِ‬
‫ل َيوم ٍ ت َطْل ُ ُ‬
‫ش ْ‬
‫م ُ‬
‫ن َ‬
‫اث ْن َي ْ ِ‬
‫النصوص وفي اللغة ويراد بها أكثر من يوم‪ ،‬فيكون عدة أيــام إذا كــان يجمعهــا‬
‫ده‬
‫شيء واحد‪ ،‬كما أنه يقال ساعة‪ ،‬وقد تكون ســاعات كــثيرة‪ ،‬وهــذا لــه فــوائ ُ‬
‫المعروفة في اللغة‪ ،‬والبلغة‪.‬‬
‫ه ال ّ‬
‫المقصود قال هنا )ك ُ ّ‬
‫ع‬
‫ع ِ‬
‫في ِ‬
‫س( فلمــا قيــده بـــ)ت َطْل ُل ُ‬
‫ل َيوم ٍ ت َطْل ُ ُ‬
‫ش ْ‬
‫م ُ‬
‫ه ال ّ‬
‫ي‪ ،‬يعني كل يــوم مــن طلــوع الشــمس‬
‫ِ‬
‫في ِ‬
‫س( علمنا أ ّ‬
‫ش ْ‬
‫م ُ‬
‫ن الوجوب يوم ّ‬
‫إلى طلوعها المرة الخرى ‪-‬يعني كمـا نقـول فـي كـل أربـع وعشــرين سـاعة‪-‬‬
‫يجب عليك تجاه هذه النعمة ‪-‬وهي نعمة البدن‪ :‬المفاصل‪ ،‬العظــام‪ -‬أن تشــكر‬
‫د ُ‬
‫ن‬
‫ع ِ‬
‫الله جل وعل عليها‪ .‬فمثل عليه الصــلة والســلم بقــوله )ت َ ْ‬
‫ل ب َي ْل َ‬
‫ن اث ْن َي ْل ِ‬
‫صدَ َ‬
‫د ُ‬
‫ل( يدخل في العدل الحكم بينهما بالعدل‪ ،‬يدخل في ذلك الصلح‬
‫ق ٌ‬
‫ع ِ‬
‫ة( ) ت َ ْ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫س﴾]النســاء‪ [114:‬وأشباه ذلك مــن‬
‫ح ب َي ْ َ‬
‫و إِ ْ‬
‫فيما يصلح به كما قال ﴿أ ْ‬
‫ن الّنا ِ‬
‫صل ٍ‬
‫العمال الخيرة‪.‬‬
‫َ‬
‫و ت َْر َ‬
‫ه َ‬
‫ج َ‬
‫هللا‬
‫ه َ‬
‫ه َ‬
‫ل ِ‬
‫وت ُ ِ‬
‫ح ِ‬
‫داب ّت ِ ِ‬
‫فل ُ‬
‫فت َ ْ‬
‫في َ‬
‫ن الّر ُ‬
‫عل َي ْ َ‬
‫عل َي ْ َ‬
‫عي ُ‬
‫ع ل َل ُ‬
‫مل ُل ُ‬
‫هللا أ ْ‬
‫قال ) َ‬
‫صدَ َ‬
‫ة( العانة في كل ما يحتاج إليه هذا مــن أنــواع الصــدقات‪ :‬تعينــه‬
‫مَتا َ‬
‫ق ٌ‬
‫ع ُ‬
‫َ‬
‫ه َ‬
‫في سيارته‪ ،‬تعينه في إصلح شيء فيها‪ ،‬تعينه في الركاب‪ ،‬تساعد كبير السن‬
‫أو المحتاج إلى آخره‪ ،‬كل هذا من أنواع الصدقات التي يحصل بهــا شــيء مــن‬
‫شكر نعمة المفاصل والعظام‪.‬‬
‫صدَ َ‬
‫وب ِك ُ ّ‬
‫ة‬
‫ل َ‬
‫ق ٌ‬
‫ة الطّي ّب َ ُ‬
‫م ُ‬
‫ص لل َ ِ‬
‫م ِ‬
‫و ٍ‬
‫شللي َ‬
‫ة تَ ْ‬
‫وال ْك َل ِ َ‬
‫ها إ ِل َللى ال ّ‬
‫ة َ‬
‫خط ْ ل َ‬
‫ة‪َ ،‬‬
‫قال ) َ‬
‫ميل ُ‬
‫صلدَ َ‬
‫صدَ َ‬
‫ط ال َ َ‬
‫ة( هــذه أمثلــة‬
‫ذى َ‬
‫ق ٌ‬
‫ق ٌ‬
‫وت ُ ِ‬
‫ق َ‬
‫َ‬
‫ة( وهــذا واضــح ) َ‬
‫ن الطّ ِ‬
‫ريل ِ‬
‫عل ِ‬
‫متنوعة للصدقات اللزمة والمتعدية‪ ،‬وجاء في رواية‪ ،‬فــي الصــحيح »ويجزئ‬
‫من ذلك ركعتان يركعهمللا المللرء مللن الضللحى« فــإذا اســتعملت هــذه‬
‫المفاصل في ركعتين تركعهما من الضحى فقد أديت الشــكر المســتحب لهــذه‬
‫المفاصل‪.‬‬
‫‪‬‬
‫الحديث السابع والعشرون ‪‬‬
‫ن ال ْ ُ ُ‬
‫م‬
‫ي قال »الب ِّر ُ‬
‫معا َ‬
‫ح ْ‬
‫ن َ‬
‫س ُ‬
‫وال ِث ْ ُ‬
‫س ْ‬
‫ق‪َ ،‬‬
‫ن ‪ --‬عن الّنب ّ‬
‫عن الن ّ َ‬
‫خل ِ‬
‫سب ِ‬
‫وا ِ‬
‫َ‬
‫سلل َ‬
‫حللا َ‬
‫فللي ن َ ْ‬
‫س« ]رواه‬
‫ه الّنللا‬
‫ع َ‬
‫ر ْ‬
‫ك ِ‬
‫عل َْيلل ِ‬
‫ف ِ‬
‫تأ ْ‬
‫ن ي َطِّللل َ‬
‫مللا َ‬
‫هلل َ‬
‫َ‬
‫َُ‬
‫ك َ‬
‫وك َ ِ‬
‫س ـأ ُ‬
‫ن‬
‫ت تَ ْ‬
‫جئ ْ َ‬
‫ت النبي ‪ ‬فقال‪ِ » :‬‬
‫معْب َد ٍ ‪ ‬قال‪ :‬أتي ُ‬
‫ن َ‬
‫ل عَ ـ ِ‬
‫مسلم[‪.‬وعن َواِبصة ب ِ‬
‫َ‬
‫قل ْب َل َ‬
‫ت َ‬
‫س لت َ ْ‬
‫ه‬
‫ت إ ِل َي ْل ِ‬
‫ف ِ‬
‫م لأن ّ ْ‬
‫ال ْب ِـّر؟« قلــت ‪ :‬نعــم‪ ،‬قــال‪ » :‬ا ِ ْ‬
‫مللا اطْ َ‬
‫ك؛ ال ْب ِلّر َ‬
‫فس‪ ،‬واطْ َ‬
‫حللا َ‬
‫فللي الن ّ ْ‬
‫ه ال ْ َ‬
‫د‬
‫ك ِ‬
‫ن إ ِل َي ْ ِ‬
‫مأ ّ‬
‫وت َلَردّ َ‬
‫ما َ‬
‫قل ْ ُ‬
‫م َ‬
‫وال ِث ْ ُ‬
‫َ‬
‫س‪َ ،‬‬
‫ب‪َ ،‬‬
‫الن ّ ْ ُ َ‬
‫فل ِ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫فت َللو َ‬
‫فَتلا َ‬
‫وأ ْ‬
‫نأ ْ‬
‫ســن‪ُ ،‬روينــاه فِــي‬
‫ِ‬
‫وإ ِ ْ‬
‫ك« ]حــديث َ‬
‫ح َ‬
‫ك الّنلا ُ‬
‫في ال ّ‬
‫س َ‬
‫ر‪َ ،‬‬
‫صدْ ِ‬
‫مسندي المامين أحمد بن حنبل والدارمي‪ ،‬بإسناد حسن[‪.‬‬
‫]الشرح[‬
‫واس رضــي اللــه تعــالى‬
‫هذا الحديث من الحاديث الجوامع‪ ،‬وهو حديث الن ّـ ّ‬
‫ن ال ْ ُ ُ‬
‫ق( البر أنواع؛ فيكون البّر فيما بيــن‬
‫عنه‪ ،‬عن النبي ‪ ‬قال )الب ِّر ُ‬
‫ح ْ‬
‫س ُ‬
‫خل ِ‬
‫العبد وبين ربه جل وعل‪ ،‬ويكون البر فيما بين العبد وبين الناس‪.‬‬

‫الشيخ العلمة صالح بن عبد العزيز بن محمد آل الشيخ‬

‫‪122‬‬

‫• فالبر الذي بين العبد وبين ربه جل وعل هو باليمــان‪ ،‬وإتيــان أوامــر اللــه‬
‫جل وعل المختلفة‪ ،‬وامتثــال المــر‪ ،‬واجتنــاب النهــي‪ ،‬كمــا قــال جــل وعل فــي‬
‫ة‬
‫وم ِ اْل ِ‬
‫مَلئ ِك َل ِ‬
‫ن ب ِللالل ّ ِ‬
‫مل َ‬
‫مل ْ‬
‫ول َك ِ ّ‬
‫وال ْ َ‬
‫نآ َ‬
‫ن ال ْب ِلّر َ‬
‫ر َ‬
‫وال ْي َل ْ‬
‫ه َ‬
‫ســورة البقــرة ﴿ َ‬
‫خل ِ‬
‫وي ال ْ ُ‬
‫مللا َ‬
‫مى‬
‫ل َ‬
‫حب ّل ِ‬
‫عل َللى ُ‬
‫والن ّب ِّيي َ‬
‫وال ْي َت َللا َ‬
‫وآت َللى ال ْ َ‬
‫وال ْك َِتا ِ‬
‫قْرب َللى َ‬
‫ن َ‬
‫ب َ‬
‫َ‬
‫ه ذَ ِ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫وأ َ‬
‫في الّر َ‬
‫ة‬
‫ص لل َ‬
‫و ِ‬
‫سا ِ‬
‫قللا َ‬
‫وال ّ‬
‫ن ال ّ‬
‫م َ‬
‫سائ ِِلي َ‬
‫واب ْ َ‬
‫كي َ‬
‫وال َ‬
‫قللا ِ‬
‫م ال ّ‬
‫ب َ‬
‫ن َ‬
‫ل َ‬
‫سِبي ِ‬
‫ن َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ة﴾]البقرة‪[177:‬الية‪ ،‬فذكر البر الذي يجب على العبد للــه جــل وعل‪،‬‬
‫وآَتى الّزكا َ‬
‫َ‬
‫فهذا النوع من البر يأتي في القرآن كثيرا‪ ،‬والله جل وعل هو الــذي جعــل هــذا‬
‫ب ِّرا‪ ،‬فالعبد من أهل البر إذا قام بما جاء في هذه الية‪ ،‬فيقال هــذا مـن البــرار‬
‫إذا امتثل ما في هذه الية‪ ،‬وابتعد عما يكرهه الله جل وعل‪.‬‬
‫• والقسم الثاني من البر‪ :‬البر مع الخلق‪ ،‬وهذا جماعه حسن الخلق؛ ولهذا‬
‫ن ال ْ ُ ُ‬
‫معَ البر في عبــارة وجيــزة‬
‫ق( ف َ‬
‫قال عليه الصلة والسلم )الب ِّر ُ‬
‫ح ْ‬
‫س ُ‬
‫ج َ‬
‫خل ِ‬
‫ن ال ْ ُ ُ‬
‫ن ال ْ ُ ُ‬
‫ق( كما ذكرنا لك يجمعه أنه بذل الندى‪،‬‬
‫ق(‪ ،‬و) ُ‬
‫وهي ) ُ‬
‫ح ْ‬
‫ح ْ‬
‫س ُ‬
‫س ُ‬
‫خل ِ‬
‫خل ِ‬
‫وكف الذى‪ ،‬وأن تحسن إلى الخلق‪ ،‬وأن تجزي بالســيئة الحســنة‪ ،‬وأن تعامــل‬
‫الناس بما فيه عفو عن المسيء‪ ،‬وكظم للغيظ‪ ،‬وإحســان للخلــق‪ .‬فمــن كــان‬
‫باذل للندى‪ ،‬غير منتصر لنفسه‪ ،‬كافا الذى‪ ،‬مقدما المعــروف للخلــق فهــو مــن‬
‫ذوي حسن الخلق فيما بين الناس‪ ،‬فإن جمع إليك ما يســتحب مــن ذلــك‪ ،‬ومــا‬
‫يجب من حقوق العباد كان حسن الخلق عنده شرعيا‪.‬‬
‫فإذن حسن الخلق الذي يكون فيه امتثال لما جاء في الشــرع مــن صــفات‬
‫عباد الله المــؤدين لحقــوقه وحقــوق عبــاده‪ ،‬هــذا يكــون معــه الــبر‪ ،‬فــالبر إذن‬
‫درجات؛ لن اليمان بالله والملئكة واليــوم الخــر‪ ،‬إلــى آخــره‪ ،‬وإقــام الصــلة‬
‫وإيتاء الزكاة‪ ،‬إلى آخره‪ ،‬هذا درجات‪ ،‬ومعاملة الخلق درجات‪.‬‬
‫ن ال ْ ُ ُ‬
‫ن‬
‫ق( أ ّ‬
‫صل من هذا أن قوله عليه الصلة والســلم )الب ِّر ُ‬
‫ح ْ‬
‫سل ُ‬
‫فتح ّ‬
‫خل ل ِ‬
‫درجة البر تختلف بإختلف حسن الخلق‪ ،‬والبر إذا أردته فهو حسن الخلق؛ لنه‬
‫بذلك تؤدي حقوق الخلق الواجبة والمستحبة‪.‬‬
‫َ‬
‫س َ‬
‫حا َ‬
‫في ن َ ْ‬
‫س(‬
‫ع َ‬
‫ر ْ‬
‫ك ِ‬
‫عل َي ْل ِ‬
‫ف ِ‬
‫تأ ْ‬
‫ن ي َطّل ِل َ‬
‫ما َ‬
‫ه َ‬
‫م َ‬
‫وال ِث ْ ُ‬
‫ه الن ّللا ُ‬
‫ك َ‬
‫قال ) َ‬
‫وك َ ِ‬
‫عرف الثم وهو ما يقابل البر بشيئين‪ :‬شيء ظاهر‪ ،‬وشــيء بــاطن‪ .‬وهــذا مــن‬
‫الميزان الذي يمكن تطبيقه‪ ،‬وهو عليه الصلة والسلم الــرؤوف الرحيــم بهــذه‬
‫س َ‬
‫حا َ‬
‫في ن َ ْ‬
‫ت‬
‫ر ْ‬
‫ك ِ‬
‫ف ِ‬
‫ما َ‬
‫هل َ‬
‫م َ‬
‫وال ِث ْ ُ‬
‫ك( هــذا أمــر بــاطن‪َ ) ،‬‬
‫المة‪ ،‬فقال لك ) َ‬
‫وك َ ِ‬
‫َ‬
‫س( وهـو المـر الظـاهر‪ .‬فـإذا أتيـت إلـى شـيء مشـتبه‬
‫ع َ‬
‫عل َي ْ ِ‬
‫أ ْ‬
‫ن ي َطّل ِ َ‬
‫ه الّنا ُ‬
‫عليك فحاك في نفسك‪ ،‬هل هذا من الثم أم من البر‪ ،‬وترددت فيه ولــم تعلــم‬
‫أنه من البر‪ ،‬وانضم إلى ذلك الظاهر أنك لو فعلته كرهت أن ي ّ‬
‫طلع عليه الناس‬
‫فهذا هو الثم‪ .‬فالثم يجمعه شيئان‪:‬‬
‫‪ ‬شيء باطن متعلق بالقلب‪ ،‬وهو أنه يحوك في النفس‪ ،‬وتتردد في فعلــه‬
‫النفس‪.‬‬
‫‪ ‬وفي الظاهر يكره أنه لو عمله أن يطلع عليه الناس‪ ،‬فهذا يدل على أنه‬
‫إثم‪ ،‬وهذا وصف عظيم منه عليه الصلة والسلم للبر والثم‪.‬‬
‫فــالبر‪ :‬حســن الخلــق ببــذل النــدى‪ ،‬وكــف الذى‪ ،‬والعفــو عــن المســيء‪،‬‬
‫والصفح عن المخطئ في حقه‪.‬‬
‫والثم‪ :‬ما حاك في نفسك وجهه‪ ،‬وكرهــت أن يطلــع عليــه النــاس فيمــا لــو‬
‫فعلته ظاهرا‪.‬‬

‫شرح الربعين النووية‬
‫‪123‬‬

‫ت رسول اللــه ‪ ‬فقــال‬
‫في‬
‫معْب َد ٍ قال‪ :‬أتي ُ‬
‫ن َ‬
‫الرواية الخرى )وعن َواِبصة ب ِ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫ْ‬
‫ْ‬
‫قلب َل َ‬
‫ت َ‬
‫سلت َ ْ‬
‫سأ ُ‬
‫مللا‬
‫ل َ‬
‫ف ِ‬
‫جئ ْ َ‬
‫ن الب ِّر؟« قلــت‪ :‬نعــم‪ ،‬قــال »ا ِ ْ‬
‫ت تَ ْ‬
‫ك؛ الب ِلّر َ‬
‫» ِ‬
‫ع ِ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫حللا َ‬
‫ه ال ْ َ‬
‫ه الن ّ ْ‬
‫فللي‬
‫ك ِ‬
‫ن إ ِل َي ْل ِ‬
‫ت إ ِل َي ْ ِ‬
‫مأ ّ‬
‫مللا َ‬
‫قل ْل ُ‬
‫مأن ّ ْ‬
‫م َ‬
‫وال ِث ْل ُ‬
‫واطْ َ‬
‫اطْ َ‬
‫ف ُ‬
‫ب‪َ ،‬‬
‫س‪َ ،‬‬
‫الن ّ ْ‬
‫ر«( ذكرت لكم أن البر نوعــان‪ :‬بــر متعلــق بحــق‬
‫وت ََردّدَ ِ‬
‫في ال ّ‬
‫س‪َ ،‬‬
‫صدْ ِ‬
‫ف ِ‬
‫الله‪ ،‬وبر متعلق بحق العباد‪ .‬فالحديث الول ذكر فيه عليه الصلة والسلم البر‬
‫ن ال ْ ُ ُ‬
‫ق(‪ ،‬وهنا ذكــر الــبر بعامــة فقــال‬
‫المتعلق بحق الناس فقال )الب ِّر ُ‬
‫ح ْ‬
‫س ُ‬
‫خل ِ‬
‫قل ْب َ َ‬
‫ت َ‬
‫ست َ ْ‬
‫ك( يعني عن البر‪ ،‬هل هذا الشيء من الـبر أم ليـس مـن الـبر‪،‬‬
‫ف ِ‬
‫)ا ِ ْ‬
‫هل هو من الطاعة أم ليس من الطاعة ؟‬
‫َ‬
‫ك؛ ال ْبلر مللا اطْ َ‬
‫قل ْب َل َ‬
‫ه الن ّ ْ‬
‫ت َ‬
‫ست َ ْ‬
‫ه‬
‫ن إ ِل َي ْل ِ‬
‫ت إ ِل َي ْل ِ‬
‫ف ِ‬
‫ملأ ّ‬
‫ملأن ّ ْ‬
‫)ا ِ ْ‬
‫واطْ َ‬
‫َ‬
‫ِ ّ َ‬
‫فل ُ‬
‫س‪َ ،‬‬
‫ال ْ َ‬
‫ب( يعني أنه لم يصر في القلب تردد من هذا الشئ المعين‪ ،‬ول يكره أن‬
‫قل ْ ُ‬
‫م جميع أنــواع الطاعــات‪ ،‬وقــابله بــالثم حيــث قــال‬
‫ي ُط ْل ِعَ عليه الناس‪ ،‬وهذا ي َعُ ّ‬
‫فَتللا َ‬
‫حا َ‬
‫ن أَ ْ‬
‫في الن ّ ْ‬
‫س‬
‫وت ََردّدَ ِ‬
‫ك ِ‬
‫وإ ِ ْ‬
‫ما َ‬
‫م َ‬
‫وال ِث ْ ُ‬
‫ك الّنللا ُ‬
‫في ال ّ‬
‫ر‪َ ،‬‬
‫س‪َ ،‬‬
‫) َ‬
‫صدْ ِ‬
‫ف ِ‬
‫َ‬
‫فَتو َ‬
‫وأ ْ‬
‫ما‬
‫ك(‪ ،‬فعّرف الثم أو جعل عليه الصــلة والســلم علمــة للثــم بــأنه ) َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫فت َللا َ‬
‫حا َ‬
‫نأ ْ‬
‫في الن ّ ْ‬
‫ك‬
‫وت ََردّدَ ِ‬
‫ك ِ‬
‫وإ ِ ْ‬
‫َ‬
‫في ال ّ‬
‫ر( على نحو مــا ذكرنــا‪َ ) ،‬‬
‫س‪َ ،‬‬
‫صدْ ِ‬
‫ف ِ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫وأ ْ‬
‫فَتوك( ولهذا يدخل في ذلك جميع النواع المشتبهة التي تدخل في‬
‫الّنا ُ‬
‫س َ‬
‫المتشابهات التي ذكرناها في حديث النعمان بــن بشــير‪ .‬فــالثم تفــرغ منــه إذا‬
‫كان الشئ يحــوك فــي الصــدر‪ ،‬ول تطمئن إليــه النفــس؛ لن المســلم بإيمــانه‬
‫ودينه وتقواه تطمئن نفسه إلى ما فيه الطاعة‪ ،‬وأما ما فيــه شــبهة أو مــا فيــه‬
‫حرام فيجد أنه خائف منه‪ ،‬أو أنه متردد فيه‪ ،‬ول يستأنس بشــيء فيــه تعريــض‬
‫م‬
‫وال ِث ْ ُ‬
‫لمحرم أو اشتباه؛ لنه قد يقع في الحرام‪ .‬فقال عليه الصلة والسلم ) َ‬
‫فَتو َ‬
‫فَتا َ‬
‫حا َ‬
‫وأ َ ْ‬
‫ن أَ ْ‬
‫في الن ّ ْ‬
‫ك(‬
‫وت ََردّدَ ِ‬
‫ك ِ‬
‫وإ ِ ْ‬
‫ما َ‬
‫َ‬
‫ك الّنا ُ‬
‫في ال ّ‬
‫س َ‬
‫ر‪َ ،‬‬
‫س‪َ ،‬‬
‫صدْ ِ‬
‫ف ِ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫ت تستفتيه فــي شــأنك‪،‬‬
‫مف‬
‫إلى‬
‫تذهب‬
‫قد‬
‫يعني‬
‫(‬
‫س‬
‫نا‬
‫ال‬
‫ك‬
‫تا‬
‫ف‬
‫أ‬
‫ن‬
‫إ‬
‫و‬
‫)‬
‫قال‬
‫هنا‬
‫ّ‬
‫َ‬
‫ٍ‬
‫َ ِ ْ‬
‫ُ‬
‫ويفتيك بأن هذا ل بأس به‪ ،‬ولكن يبقى في صدرك التردد‪ ،‬والمفتي إنما يتكلــم‬
‫بحسب الظاهر يفتي بحسب ما يظهر له من السؤال‪ ،‬وقد يكون عنــد الســائل‬
‫أشياء في نفسه لم يبدها‪ ،‬أو لم يستطع أن يبديها بوضوح‪ ،‬فيبقــى هــو الحكــم‬
‫على نفسه‪ ،‬والتكليف معل ّقٌ به‪ ،‬وإماطــة الثــواب والعقــاب معلقــة بعملـه هــو‪،‬‬
‫فإذا بقي في نفسه تردد ولم تطمئن نفسه إلى إباحة من أباح له الفعل فعليه‬
‫أن يأخذ بما جاء في نفسه‪ ،‬من جهة أنه يمتنع عن المشتبهات أو عما تردد في‬
‫الصدر‪.‬‬
‫وهنا يبحث العلماء بحثا معلوما يطول‪ ،‬وهو بحث أصولي وكذلك فقهي‪ ،‬في‬
‫حيك فيه‪ ،‬ول يطمئن إليه القلب‪ .‬هل هو إثم بإطلق‪،‬‬
‫أن ما يتردد في الصدر وي َ ِ‬
‫أم أن بعض أنواعه إثم؟ والتحقيق في هذا أن المسألة فيها تفصيل‪:‬‬
‫فإذا كان يعني الحالة الولى‪ :‬أن يكون التردد الذي في النفس واقعا عن‬
‫جهل من صاحبه بالحكم الشــرعي أو بالســنة‪ ،‬فهــذا لــو تــردد فــي شــيء جـاء‬
‫النص بحسنه أو بإباحته أو بالمر به فإنه يكون عاصــيا لــو لــم يفعــل‪ ،‬أو يكــون‬
‫ملوما لو لم يمتثل للسنة‪ .‬وقد جاء في الحديث الصــحيح ‪-‬صــحيح مســلم‪ :-‬أن‬
‫النبي ‪ ‬أمر ناسا بالفطار في السفر‪ ،‬فبقي منهــم بقيــة لــم ُيفطــروا‪ ،‬فقيــل‬
‫ن أناســا لــم يفطــروا‪ .‬فقــال »ُأول َئ ِ َ‬
‫ة‪.‬‬
‫صللا ُ‬
‫ك ال ْ ُ‬
‫للنبي عليه الصلة والسلم‪ :‬إ ّ‬
‫ع َ‬
‫ُأول َئ ِ َ‬
‫ة «‪.‬‬
‫صا ُ‬
‫ك ال ْ ُ‬
‫ع َ‬
‫فهذا يدل أن المر إذا كان من السنة بوضوح‪ ،‬فإن تركه لــتردد فــي الصــدر‬
‫أن هذا من الشيطان‪ ،‬فل اعتبار لهــذا النــوع؛ يكــون فــي ســفر يقــول‪ :‬أنــا لــن‬

‫الشيخ العلمة صالح بن عبد العزيز بن محمد آل الشيخ‬

‫‪124‬‬

‫أقصر‪ ،‬في نفسي شيء من أن أقصر مع توافر الشروط بما دلت عليه الســنة‬
‫بوضوح‪ .‬فإن هذا تردد ل وجــه لــه‪ .‬كــذلك شــيء دل القــرآن الكريــم‪ ،‬أو دلــت‬
‫السنة على مشروعيته‪ ،‬ثم هو يبقى في نفسه تردد‪ ،‬فهذا لــم يستســلم أو لــم‬
‫يعلم حكم الله جل وعل‪ ،‬فل قيمة لهذا النوع‪.‬‬
‫الحالللة الثانيللة‪ :‬أن يقـــع الـــتردد مــن جهـــة اختلف المفـــتين‪ ،‬اختلف‬
‫المجتهدين في مسألة‪ ،‬فاختلف المجتهدون في تنزيــل واقعــة هــذا المســتفتي‬
‫على النصوص؛ فمنهم من أفتاه بكذا‪ ،‬ومنهم من أفتاه بكذا‪ .‬فهــذا ليــس الثــم‬
‫ن يبقى مع ترد ّد ِ نفسه‪ ،‬ليس الثم فــي حقــه أن يزيــل تــردد نفســه‪،‬‬
‫في حقه أ ْ‬
‫وليس البر في حقه أن يعمل بما اطمئنت إليه نفسه خارجا عــن القــولين‪ ،‬بــل‬
‫ن‬
‫البر في حقه ما اطمئنت إليه نفسه من أحد القولين؛ لنه ل يجــوز للعــامي أ ْ‬
‫يأخذ بقول نفسه مع وجود عالم يستفتيه‪ ،‬بــل إذا اســتفتى عالمــا‪ ،‬وأوضــح لــه‬
‫أمَره وأفتاه فإن عليه أن يفعل ما أفتاه العالم به‪ ،‬فــإذا اختلــف المفتـون فــإنه‬
‫يأخذ بفتوى العلم الفقه بحاله‪.‬‬
‫الحالة الثالثة‪ :‬وهي التي ي ُن َـّزل عليهــا هــذا الحــديث‪ ،‬وهــي أنــه يســتفتي‬
‫المفــتي فيفــتى بشــيء ل تطمئن نفســه لصــوابه فيمــا يتعلــق بحــالته‪ ،‬فيبقــى‬
‫مترددا؛ يخشى أنه لم يفهم‪ ،‬يقول‪ :‬هذا أفتاني لكن المســألة فيهــا أشــياء أخــر‬
‫لم يستبنها‪ .‬يقول‪ :‬المفــتي لــم يستفصــل منــي‪ .‬يقــول‪ :‬حالــة المفــتي أنــه مــا‬
‫استوعب المسألة من جهاتها‪ .‬فإفتاء المفتي للمكّلف ل يرفع التكليف عنه في‬
‫ده بدون التباس فُأفتي‪ ،‬فإنه‬
‫مثل هذه الحالة‪ ،‬وإنما ينجو بالفتوى إذا أوضح مرا َ‬
‫يكون قد أدى الــذي عليــه بســؤال أهــل العلــم امتثــال لقــول اللــه جــل وعل‪﴿ :‬‬
‫ن ُ‬
‫َ‬
‫ه َ‬
‫ن﴾)‪ ،(1‬وأمــا إذا لــم ُيفصــل‪ ،‬أو لــم‬
‫سأ َُلوا أ َ ْ‬
‫مللو َ‬
‫ر إِ ْ‬
‫م َل ت َ ْ‬
‫فا ْ‬
‫عل َ ُ‬
‫كنت ُ ْ‬
‫ل الذّك ْ ِ‬
‫يستفصل المسئول المفــتي‪ ،‬أو لــم يحســن فهــم المســألة فاســتجعل وأفتــاه‪،‬‬
‫وبقي في قلب المستفتي شــيء مــن الريــب مــن جهــة أن المفــتي لــم يفهــم‬
‫كلمه‪ ،‬لم يفهـم حـاله أو أن هنـاك مـن حـاله مـا ل يصـلح أن يـبين‪ ،‬أو مـا لـم‬
‫حللا َ‬
‫فللي‬
‫ك ِ‬
‫ما َ‬
‫م َ‬
‫يستطع بيانه فإن هذا يدخل في هذا الحديث بوضوح َفـ)ال ِث ْ ُ‬
‫فَتو َ‬
‫فَتا َ‬
‫وأ َ ْ‬
‫ن أَ ْ‬
‫الن ّ ْ‬
‫ك(‪.‬‬
‫وت ََردّدَ ِ‬
‫وإ ِ ْ‬
‫ك الّنا ُ‬
‫في ال ّ‬
‫س َ‬
‫ر‪َ ،‬‬
‫س‪َ ،‬‬
‫صدْ ِ‬
‫ف ِ‬
‫فإذن الحوال كما قال أهل العلم ثلثة‪ :‬اثنان منها ل تدخل في ذلــك‪ ،‬وهــي‬
‫نعيدها باختصار‪:-‬‬‫الولى‪ :‬ما ورد النص به؛ فإنه ل يجوز أن يبقى فــي النفــس تــردد مــع ورود‬
‫النص‪ :‬من الكتاب‪ ،‬أو السنة‪ ،‬أو إجماع أهل العلم في مســألة‪ ،‬أو إجمــاع أهــل‬
‫السنة في مسألة‪.‬‬
‫والثاني‪ :‬أن يختلف المفتــون‪ ،‬وقــد أوضــح لهــم حــاله‪ ،‬فــإن عليــه أن يأخــذ‬
‫سه لفتواه‪.‬‬
‫بفتوى العلم الفقه منهم‪ ،‬أو من تطمئن نف ُ‬
‫والحالة الثالثة‪ :‬أنه إذا لم يحسن إبداء المسـألة‪ ،‬أو لـم يستفصــل المفــتي‪،‬‬
‫ح في موافقة حكم اللــه فــي‬
‫فرجع المر فيما بينه وبين المفتي إلى عدم وضو ٍ‬
‫المسألة‪ ،‬فإنه يترك المر ويخلو من الخلف اســتبراًء لـدينه‪ ،‬ورغبـة فــي زوال‬
‫تعرضه للثم‪.‬‬
‫ونكتفي بهذا القدر‪ ،‬وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد‪.‬‬
‫‪‬‬
‫‪()1‬النبياء‪ ،7:‬النحل‪.43:‬‬

‫شرح الربعين النووية‬
‫‪125‬‬

‫بسم الله الرحمن الرحيم‪ ،‬الحمد لله حق الحمد وأوفــاه‪ ،‬وأشــهد أن ل‬
‫إله إل الله‪ ،‬وأن محمدا عبده‪ ،‬ورسوله ومصطفاه‪ ،‬صلى الله عليــه وعلــى آلــه‬
‫وصحبه‪ ،‬وسلم تسليما كثيرا إلى يوم الدين‪ ،‬معنا الحــديث الثــامن والعشــرون‬
‫حديث أبي نجيح العرباض بن سارية ‪.‬‬
‫الحديث الثامن والعشرون ‪‬‬
‫ة‪،‬‬
‫ن ساِرية ‪ ‬قال‪ :‬وَع َظ ََنا رسول اللــه ‪ ‬موعظ ـ ً‬
‫عن أبي ن َ ِ‬
‫ح الِعرباض ب ِ‬
‫جي ٍ‬
‫ن‪ ،‬فقلنا‪ :‬يا رسول الله؛ َ‬
‫ب‪ ،‬و َ‬
‫ة‬
‫موعظــ ُ‬
‫ذرَفت منها العيو ُ‬
‫جَلت منها القلو ُ‬
‫كأّنهــا َ‬
‫وَ ِ‬
‫ُ‬
‫م ب ِت َ ْ‬
‫جلل ّ‬
‫ع‬
‫وى الللله َ‬
‫مــوَد ٍّع‪َ ،‬فأو ِ‬
‫عللّز و َ‬
‫وال ّ‬
‫سلل ْ‬
‫صــنا‪ ،‬قــال‪» :‬أوصلليك ُ ْ‬
‫ُ‬
‫ل‪َ ،‬‬
‫قلل َ‬
‫م ِ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫ُ‬
‫ُ‬
‫م َ‬
‫د‪َ ،‬‬
‫سلي ََرى‬
‫م َ‬
‫مر َ‬
‫والطا َ‬
‫ن يَ ِ‬
‫ش ِ‬
‫ع ِ‬
‫وإ ِ ْ‬
‫عب ْل ٌ‬
‫ف َ‬
‫مل ْ‬
‫من ْكل ْ‬
‫ه َ‬
‫فلإ ِن ّ ُ‬
‫علي َْكل ْ‬
‫ن ت َأ ّ‬
‫عيل ْ‬
‫ة‪َ ،‬‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ً‬
‫ن‪،‬‬
‫ة ال ُ‬
‫هلل ِ‬
‫ش ِ‬
‫خلفاء الّرا ِ‬
‫سن ّ ِ‬
‫اخِتلفا كِثيًرا‪ ،‬ف َ‬
‫م ْ‬
‫سن ِّتي و ُ‬
‫م بِ ُ‬
‫ديي ْ‬
‫دي َ‬
‫ن ال َ‬
‫علي ْك ْ‬
‫ُ‬
‫ر‪َ ،‬‬
‫ن ك ُل ّ‬
‫ة‬
‫ل ب ِدْ َ‬
‫ضوا َ‬
‫َ‬
‫عل ً‬
‫ع ّ‬
‫حلدََثا ِ‬
‫جل ِ‬
‫فلإ ِ ّ‬
‫م ْ‬
‫عل َي ْ َ‬
‫ت ال ُ‬
‫و ُ‬
‫وإي ّللاك ُ ْ‬
‫وا ِ‬
‫م َ‬
‫ذ‪َ ،‬‬
‫ها ِبالن ّ َ‬
‫مللو ِ‬
‫ة« ]رواه أبو داوود والترمذي‪ ،‬وقال )حديث حسن صحيح( [‪.‬‬
‫ضل َل َ ٌ‬
‫َ‬
‫]الشرح[‬
‫هذا الحديث أصل فــي بــابه؛ فــي بيــان الستمســاك بتقــوى اللــه جــل وعل‬
‫والوصية بذلك‪ ،‬والستمســاك بالســمع والطاعــة‪ ،‬وبالســنة‪ ،‬وبطريقــة الخلفــاء‬
‫ن بعد النبي عليه الصلة والسلم‬
‫الراشدين المهديين ِ‬
‫م ْ‬
‫َ‬
‫عظَنللا رسللو ُ‬
‫ل الللله‬
‫و َ‬
‫)قللال ال ِ‬
‫رية ‪ ‬قللال‪َ :‬‬
‫ن سللا ِ‬
‫عربللاض بلل ِ‬
‫ذر َ‬
‫ب‪ ،‬و َ‬
‫عظَن َللا‬
‫و َ‬
‫‪‬موعظ ً‬
‫فللت منهللا العيللو ُ‬
‫جَلت منهللا القلللو ُ‬
‫و ِ‬
‫ن (‪َ ) ،‬‬
‫ة‪َ ،‬‬
‫ة( الوَع ْ ُ‬
‫ظ هو التذكير بالمر والنهي‪ ،‬وبحقوق الله جــل‬
‫رسول الله ‪‬موعظ ً‬
‫وعل في المر والنهي؛ يعني فيما أمر بــه ونهــى عنــه‪ ،‬وهــذا يكــون معــه غالبــا‬
‫التخويف‪ ،‬فالموعظة قد تكون بترغيب‪ ،‬وقد تكون بترهيب‪ ،‬والغــالب عليهــا أن‬
‫يكون معها التخويف من عدم امتثــال المــر أو بإرتكــاب النهــي‪ ،‬قــد جــاء ذكــر‬
‫سروها باتباع المر‪،‬‬
‫الموعظة في القرآن في عدد من المواضع‪ ،‬والمفسرون ف ّ‬
‫أو بالتذكير باتباع المر‪ ،‬والتذكير بإجتناب النهي‪ ،‬قالوا إن لفظ )وَع َـ َ‬
‫ظ( بمعنــى‬
‫جعَ َ‬
‫ة نــوع ٌ ممــا يحصــل بــه العتبــار‪ ،‬وذلــك مــن آثــار‬
‫ة‪ .‬والعِظ َـ ُ‬
‫ل غيَره في ِ‬
‫عظ َ ٍ‬
‫َ‬
‫الســتجابة للتخويــف أو التهديــد أو النــذار أو العلم ومــا شــابه ذلــك؛ فلهــذا‬
‫سرت الموعظة فيما جاء في القــرآن بأنهــا كمــا ذكــرت لــك امتثــال الوامــر‬
‫فُ ّ‬
‫ت الموعظــة‬
‫مـ ْ‬
‫واجتناب النواهي‪ ،‬وإلقاء ذلك بشيء مــن التخويــف منهمــا‪ .‬وع َ ّ‬
‫أمور الترغيب والترهيب‪ ،‬فيقال هذه موعظة إذا ذ َ ّ‬
‫كر بالله وبالخرة‪ ،‬وبأمر الله‬
‫ونهيه‪ ،‬وبعقوبة المنتهي عن المر‪ ،‬أو المرتكب للمنهي حين يذ ّ‬
‫كر بعقوبته فــي‬
‫الخرة أو في الدنيا صار واعظا‪.‬‬
‫َ‬
‫َ‬
‫جلت‬
‫و َ‬
‫عظَنا رسول الله ‪ ‬موعظ ً‬
‫و ِ‬
‫ة‪َ ،‬‬
‫المقصود من هذا أن قوله هنا ) َ‬
‫ذر َ‬
‫ب‪ ،‬و َ‬
‫ن( سبب الوجل؛ وجل القلوب‪ ،‬وســبب‬
‫فت منها العيو ُ‬
‫منها القلو ُ‬
‫أن العيون ذرفت أنها اشتملت على أشياء منها‪ :‬التخويف والوعيــد‪ ،‬ومنهــا أنــه‬
‫نبههم أنه سيفارقهم‪ .‬فجمع عليه الصلة والسلم لهم ما بين الشعار بمفارقته‬
‫لهم عليه الصــلة والســلم ومـا بيــن تـذكيرهم بــأمر اللــه جــل وعل‪ ،‬وبحــدوده‬
‫ب‪،‬‬
‫جَلت منهللا القلللو ُ‬
‫و َ‬
‫وأوامره‪ ،‬والتخويــف مــن مخالفــة ذلــك‪ ،‬فقــال ‪َ ) ‬‬
‫ذر َ‬
‫و َ‬
‫ن(‪ ،‬والوجل؛ وجل القلوب أعظم من خوفها؛ لن الوجل‬
‫فت منها العيو ُ‬
‫خوف وزيادة‪ ،‬وهو الخوف الذي معه اضطراب وتردد في هذا المر؛ يعنــي أنــه‬
‫خاف منه مع كون القلب راغبا راهبا في هذا المر‪ ،‬فهناك درجات فيه الرهبــة‪،‬‬
‫والخوف‪ ،‬والوجل‪ ،‬فكلها داخلة في معنى الخوف‪ ،‬لكن كل واحدة لها مرتبتها‪.‬‬

‫الشيخ العلمة صالح بن عبد العزيز بن محمد آل الشيخ‬

‫‪126‬‬

‫قال )فقلنا‪ :‬يا رسول الله؛ َ‬
‫ع( يعني لما اشــتملت‬
‫موعظ ُ‬
‫ة ُ‬
‫كأّنها َ‬
‫م َ‬
‫ودّ ٍ‬
‫فوا أنهــا موعظــة‬
‫عليه من الشارات‪ ،‬ولما كانت عليه من أنها جامعــة فاستش ـ ّ‬
‫مودع لهم‪ ،‬فكأنه عليه الصلة والسلم جمع لهم ما يحتاجون‪ ،‬وأرشدهم بــذلك‬
‫بأنه ربما فارقهم؛ لنه جمع أشياء كثيرة في مكان واحد‪.‬‬
‫قــال ) َ‬
‫صللنا( ومــر معنــا معنــى الوصــية‪ ،‬قــال عليــه الصــلة والســلم‬
‫فأو ِ‬
‫ُ‬
‫م ب ِت َ ْ‬
‫وى الله ‪ (‬والتقوى‪ :‬هي وصية الله للوليـن والخريـن‪ ،‬وقـد‬
‫)أوصيك ُ ْ‬
‫ق َ‬
‫ذكرنا لكم أن معنى التقوى أن تجعل بينك وبين عــذاب اللــه وســخطه وعقــابه‬
‫وقاية بامتثال أوامره واجتناب مناهيه‪ ،‬والعمــل‬
‫في الدنيا الخرة ِوقاية‪ ،‬وهذه ال ِ‬
‫بسنة المصطفى ‪ (1) ‬والتقوى في كل مقام بحسبه‪.‬‬
‫فقد فسرت التقوى بعدة تفسيرات ذكرناها لكم‪ ،‬ومن أحســنها قــول طلــق‬
‫بن حبيب رحمه الله تعالى ”أن التقوى هي أن تعمل بطاعة الله علللى‬
‫نور من الله ترجو ثواب الله‪ ،‬وأن تترك معصية الله على نللور مللن‬
‫الله تخشى عقاب الله‪ “.‬فجمع في هذا التعريف بين الترك والعلم والنيــة‪،‬‬
‫وهذا هو حقيقة التقوى في الوامر والنواهي‪.‬‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫م ب ِت َ ْ‬
‫ج ّ‬
‫مر‬
‫والطا ّ َ‬
‫وى الله َ‬
‫ع ِ‬
‫وإ ِ ْ‬
‫عّز و َ‬
‫وال ّ‬
‫ن ت َأ ّ‬
‫س ْ‬
‫قال )أوصيك ُ ْ‬
‫ة‪َ ،‬‬
‫ع َ‬
‫ل‪َ ،‬‬
‫ق َ‬
‫م ِ‬
‫سلي ََرى اخِتل ً‬
‫م َ‬
‫د‪َ ،‬‬
‫فللا ك َِثيلًرا(‪ ،‬قــال‬
‫م َ‬
‫َ‬
‫ن يَ ِ‬
‫ش ِ‬
‫عب ْ ٌ‬
‫ف َ‬
‫مل ْ‬
‫من ْك ُل ْ‬
‫ه َ‬
‫فلإ ِن ّ ُ‬
‫علي َْك ُ ْ‬
‫عيل ْ‬
‫ّ‬
‫ة( والســمع والطاعــة حقــان للمــام أو للميــر‪ ،‬وهمــا مــن‬
‫والطا َ‬
‫ع ِ‬
‫وال ّ‬
‫س ْ‬
‫ع َ‬
‫) َ‬
‫م ِ‬
‫ثمرات البيعة؛ لن البيعة عقد وعهد على السمع والطاعة‪ ،‬فتحصل بالمباشــرة‬
‫ة( من ثمرات البيعة‪ ،‬فالمام المسلم إذا‬
‫والطا ّ َ‬
‫ع ِ‬
‫وتحصل بالنابة‪ .‬فـ)ال ّ‬
‫س ْ‬
‫ع َ‬
‫م ِ‬
‫ن في بيعتهــم‬
‫ن ُيسار إليهم في الحل والعقد فإ ّ‬
‫بايعه طائفة من أهل العلم‪ ،‬و َ‬
‫م ْ‬
‫له على السمع والطاعة‪ ،‬وعهدهم له أن يسمعوا ويطيعوا في ذلك مبايعة بقية‬
‫المسلمين‪ ،‬وعلى هــذا جــرت ســنة المصــطفى ‪ ‬وســنة الخلفــاء الراشــدين‪.‬‬
‫عة( ‪-‬كما ذكرت لك‪ -‬ل فرق بينه وبيــن البيعــة‪ ،‬ومــن فــرق‬
‫والطا ّ َ‬
‫فـ)ال ّ‬
‫س ْ‬
‫مع َ‬
‫بين البيعة وبين السمع والطاعة في الحقــوق الــتي للمــام المســلم أو للميــر‬
‫المسلم‪ ،‬فل دليل له من سنة المصطفى ‪ ‬ول من عمل الصــحابة والتــابعين‪،‬‬
‫ول من قول أهل السنة والجماعة؛ أتباع السلف الصالح من عقائدهم‪.‬‬
‫عة( للمير المسلم حق من حقوقه؛ لقول الله جل وعل‬
‫والطا ّ َ‬
‫فـ)ال ّ‬
‫س ْ‬
‫مع َ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫سللو َ‬
‫م﴾]النســاء‪ [59:‬لكــن‬
‫ر ِ‬
‫وأ ِ‬
‫﴿أ ِ‬
‫طي ُ‬
‫طي ُ‬
‫عوا الّر ُ‬
‫من ْك ُل ْ‬
‫ول ِللي اْل ْ‬
‫عوا الل ّ َ‬
‫وأ ْ‬
‫ل َ‬
‫ه َ‬
‫مل ِ‬
‫السمع والطاعة له ل تجب له حقا له استقلل‪ ،‬وإنما هي على وجه التبع يعنــي‬
‫ما‬
‫أنها تبع لطاعة الله وطاعة رسوله؛ ولهــذا جــاء فــي الحــاديث بيــان أن »إن ّ َ‬
‫ال ّ‬
‫ف«‪ .‬والمعروف هو ما ليس بمعصــية؛ يعنــي مــا عــرف‬
‫طا َ‬
‫ع ُ‬
‫ة ِ‬
‫عُرو ِ‬
‫م ْ‬
‫في ال ْ َ‬
‫ن‬
‫في الشرع حسنه وهو ما ليس بمعصية؛ ولهذا جاء فــي أحــاديث أخــر بيــان أ ّ‬
‫الطاعة تكون في غير المعصية‪ ،‬وعلى هذا اعتقاد أهــل الســنة والجماعــة فــي‬
‫ُ‬
‫م ب ِت َ ْ‬
‫وى‬
‫امتثالهم لهذه الوصية العظيمة منه عليه الصلة والســلم )أوصليك ُ ْ‬
‫قل َ‬
‫ج ّ‬
‫ت لــك‪-‬‬
‫والطا ّ َ‬
‫والطا ّ َ‬
‫الله َ‬
‫ع ِ‬
‫عّز و َ‬
‫ة(‪) .‬ال ّ‬
‫وال ّ‬
‫عة( ‪-‬كما ذكر ُ‬
‫س ْ‬
‫س ْ‬
‫مع َ‬
‫ع َ‬
‫ل‪َ ،‬‬
‫م ِ‬
‫يعني في غير المعصية‪ ،‬فإذا كان في الواجبات فالسمع والطاعة لمر الله جل‬
‫وعل‪ ،‬ولحق الله جل وعل ل لحق المير‪ ،‬وإذا كان في المباحات أو فيما يكــون‬
‫فيه الجتهاد‪ ،‬فهنا يتوجه السمع والطاعة لحق المام أو لحق الميــر‪ .‬يعنــي أن‬
‫المسائل ثلث‪:‬‬
‫‪()1‬انتهى الوجه الول من الشريط الثامن‪.‬‬

‫شرح الربعين النووية‬
‫‪127‬‬

‫‪‬ما وجب بأصل الشرع‪ ،‬فإنه يطاع فيه المير لمر الله جــل وعل لــذلك‪،‬‬
‫وليست الطاعة هنا في الواجب من حقوقه‪ ،‬بل هو يطاع لحــق اللــه جــل وعل‬
‫في طاعته فيما أوجب جل وعل‪.‬‬
‫‪ ‬والحال الثانية‪ :‬أن يأمر أو ينهى عن مبــاح‪ ،‬أو فيمــا فيــه اجتهــاد‪ ،‬أو عــن‬
‫مكروه أو ما أشبه ذلك‪ ،‬فإنه يطاع هنا لحقه هــو؛ لن اللــه جــل وعل جعــل لــه‬
‫السمع والطاعة‪.‬‬
‫‪ ‬الحال الثالثة‪ :‬أن يكون أمره بمعصية أو نهيه عن واجــب‪ ،‬فهنــا ل طاعــة‬
‫له؛ لن طاعة الله جل وعل حق مقدم على طاعة غيره ممــن جعــل اللــه جــل‬
‫وعل له الحق‪ ،‬فمثل‪ :‬الوالدان‪ ،‬والمرأة لزوجهــا‪ ،‬والمــام‪ ،‬وأشــباه ذلــك ممــن‬
‫جعل الله جل وعل لهم حقا فــي الســمع والطاعــة‪ ،‬فــإنهم يطــاعون فــي غيــر‬
‫المعصية؛ يعني فيما جاء في الشريعة أنه غير محرم‪.‬‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫مر‬
‫م َ‬
‫مر َ‬
‫وإ ِ ْ‬
‫وإ ِ ْ‬
‫عب ْ ٌ‬
‫ن َتللأ ّ‬
‫د(‪ ،‬في قوله )ت َأ ّ‬
‫علي َْك ُ ْ‬
‫ن ت َأ ّ‬
‫مر( معنى تغّلب‪َ ) ،‬‬
‫قال ) َ‬
‫ن ُيسمع لــه‬
‫م َ‬
‫َ‬
‫د( يعني غلب عبد على المارة‪ ،‬فدعا لمبياعته أو دعا ل ْ‬
‫عب ْ ٌ‬
‫علي َْك ُ ْ‬
‫ويطاع‪ ،‬فهنا يجب أن ُيسمع له ويطاع؛ فلهذا قــال العلمــاء الوليــات الشــرعية‬
‫العامة تكون بإحدى طريقين‪:‬‬
‫‪‬الطريــق الول‪ :‬طريــق الختيار؛ أن يختــار المــام العــام‪ ،‬أو أن يختــار‬
‫المير‪ ،‬والختيار‪ ،‬ولية الختيار لها شروطها إذا كانت لهل الحل والعقد‪ ،‬فإنهم‬
‫يختارون من اجتمعت فيه الشروط الشرعية التى جاءت في الحاديث‪ ،‬ومنها‪:‬‬
‫أن يكون المام قرشيا‪ ،‬ومنها أن يكون عالما‪ ،‬ومنها أن يكون يحســن سياســة‬
‫المور‪ ،‬وأشباه ذلك مما اشترطه أهل العلم في ولية الختيار‪.‬‬
‫‪‬والقسم الثاني‪ :‬ولية التغلب‪ :‬وهو أن يغلب المام‪ ،‬أن يغلب أحــد أمي ـٌر‬
‫أو غيره ممن ل تتوفر فيه الشــروط‪ ،‬أو بعـض الشــروط‪ ،‬أو تكـون تتـوفر فيــه‬
‫لكنه غلب إماما آخر قبله‪ ،‬فإنه هنــا إذا غلــب فيبــايع‪ ،‬وُيســمع لــه‪ ،‬ويطــاع؛ لن‬
‫البيعة هنا أصبحت بيعة تغلب‪ ،‬والولية ولية غلبة وسيف‪ .‬فهذا كما أوصــى هنــا‬
‫عليه الصلة والسلم أن يسمع ويطاع لمن لم تتوفر فيه الشروط الــتي تكــون‬
‫َ‬
‫مر(‪ ،‬ونفهم من‬
‫وإ ِ ْ‬
‫ن ت َأ ّ‬
‫في ولية الختيار؛ حيث قال هنا عليه الصلة والسلم ) َ‬
‫َ‬
‫علي َْ ُ‬
‫م‬
‫مر َ‬
‫وإ ِ ْ‬
‫كل ْ‬
‫ن َتلأ ّ‬
‫التأ ّ‬
‫مر أنه لم يكن ثم اختيار‪ ،‬فهذه وليــة التغلــب‪ ،‬وقــال ) َ‬
‫د( ومعلوم أن العبد ل ُيختار ل ِي َِلي أمور المسلمين‪ ،‬فدل هذا علــى أن ِوليــة‬
‫َ‬
‫عب ْ ٌ‬
‫الغلبة يجب لمن غلب فتولى‪ ،‬يجب له السمع والطاعة‪ ،‬كما تجب للمام الــذى‬
‫ُيختار اختيارا‪ ،‬ل فرق بينهما في حقوق البيعة والســمع والطاعــة؛ وذلــك لجــل‬
‫المصلحة العامة من المسلمين‪.‬‬
‫ن الختيار وقع في تاريخ هذه المة علــى الخلفــاء الراشــدين‬
‫وإذا نظرت فإ ّ‬
‫الربعة‪ ،‬وعلى معاوية بن أبي سفيان ‪ ،‬وما بعد معاوية مــن عهــد يزيــد إلــى‬
‫دويلت‪ ،‬وهــذا يعــارض هــذا‬
‫زماننا هذا‪ ،‬فالوليات وليات تغلب؛ لنها تكونت ال ـ ّ‬
‫إلى آخره‪ ،‬فكلها لم تنشأ كتواتر أو كتتابع لصل الخلفة الراشدة‪ ،‬وإنما صارت‬
‫ولية تغلب‪ ،‬وهذا هو الذى جاء في الحديث الصحيح أنه عليه الصــلة والســلم‬
‫قال »تكون خلفة النبوة ثلثين عاما« أو قــال »ثلثللون عامللا خلفللة‬
‫النبوة ثم يكون ملكا عاضا « وهكذا‪ ،‬يعنــي أن الخلفــة الــتي علــى منهــاج‬
‫النبوة تكون في هذه المة فقط لمدة ثلثين عاما بعده عليه الصــلة والســلم‪،‬‬
‫وهي التي انتهت بمقتل علي ‪ .‬وولية معاوية كمــا هــو معلــوم وليــة اختيــار؛‬
‫مي ذلــك‬
‫لن الحسن بن علي تنازل له عن الخلفة‪ ،‬فاجتمع عليه النــاس‪ ،‬و ُ‬
‫سـ ّ‬

‫الشيخ العلمة صالح بن عبد العزيز بن محمد آل الشيخ‬

‫‪128‬‬

‫العام عام الجماعة؛ لجتماعهم على معاوية ‪ ‬وما بعده أصبحت ولية تغلــب‪،‬‬
‫وأهل السنة والجماعة أجمعوا لما صنفوا عقائدهم من القرن الثاني إلى زماننا‬
‫ن الــذى‬
‫هذا على أن البيعة منعقدة لمن تغلب‪ ،‬ودعا الناس إلــى إمــامته‪ ،‬مــع أ ّ‬
‫سّيان من جهة حقوقه‪،‬‬
‫يشترط للمام غير متوفر فيه أو هو متوفر فيه‪ ،‬فالمر ِ‬
‫حقوق الطاعة والسمع والبيعة‪ ،‬وما يترتب على ذلك من الجهاد معه والتجميــع‬
‫عليه‪ ،‬وعدم التنفير عنه‪ ،‬وسائر الحقوق التي جاءت بالئمة والمراء‪.‬‬
‫َ‬
‫د‪َ ،‬‬
‫ه( الفــاء هــذه‬
‫م َ‬
‫مر َ‬
‫وإ ِ ْ‬
‫عب ْ ٌ‬
‫فإ ِن ّ ُ‬
‫علي َْك ُ ْ‬
‫ن ت َأ ّ‬
‫قال هنا عليه الصلة والسلم ) َ‬
‫س لي ََرى اخِتل ً‬
‫م َ‬
‫تعليلية ) َ‬
‫فللا ك َِثي لًرا( يعنــي ســيرى‬
‫ن يَ ِ‬
‫ش ِ‬
‫ف َ‬
‫م ْ‬
‫من ْك ُل ْ‬
‫ه َ‬
‫فإ ِن ّ ُ‬
‫عي ْ‬
‫اختلفا على المراء‪ ،‬فوصيته عليه الصــلة والســلم لــه أنــه مــن عــاش فــرأى‬
‫الختلف‪ ،‬فعليه بالسمع والطاعة وإن تأمر عليه عبد‪ .‬وجــاء فــي أحــاديث أخــر‬
‫بيان بعض هــذا الختلف‪ ،‬ومــا يحصــل مــن الفرقــة وأشــباه ذلــك‪ ،‬يجمعهــا أن‬
‫الختلف اختلف على الدين‪ ،‬أو اختلف على المير‪ ،‬فمن رأى الختلف الكثير‬
‫ن عليه أن يلزم التقوى‪ ،‬وعليه أن يلزم السمع والطاعة‪ ،‬فهذه وصــيته عليــه‬
‫فإ ّ‬
‫سي ََرى اخِتل ً‬
‫م َ‬
‫الصلة والسلم إذ قال ) َ‬
‫فا ك َِثيللًرا(‪،‬‬
‫ن يَ ِ‬
‫ش ِ‬
‫ف َ‬
‫م ْ‬
‫من ْك ُ ْ‬
‫ه َ‬
‫فإ ِن ّ ُ‬
‫عي ْ‬
‫والختلف الكثير يعني عما كانت عليه سنته عليه الصلة والسلم‪.‬‬
‫خل َ‬
‫فأوصى فقال ) َ‬
‫ديين(‬
‫ة ال ْ ُ‬
‫ه ِ‬
‫ش ِ‬
‫فاء الّرا ِ‬
‫سن ّ ِ‬
‫ف َ‬
‫م ْ‬
‫سن ِّتي و ُ‬
‫م بِ ُ‬
‫دي َ‬
‫ن ال ْ َ‬
‫عل َي ْك ُ ْ‬
‫عليكم بسنتي يعني الزموا سنتي‪ ،‬ابحثوا عنها والزموها‪ ،‬فما أوصيت فيــه فــي‬
‫سنتي فالزموه‪ ،‬وهذا هو الواجب على العباد حين الختلف‪.‬‬
‫إذا اختلفوا في العقائد فعليهم أن يبحثوا في سنة المصطفى ‪ ‬إذا اختلفوا‬
‫في الشرائع وفي الحكام فعليهم أن يبحثـوا فـي سـنة المصـطفى ‪ ‬إذا كـثر‬
‫الختلف بينهم في أمور الفتن والراء إلى آخره‪ ،‬فعليهم أن يرجعوا إلــى ســنة‬
‫المصطفى ‪ ‬وسنة الخلفاء الراشدين؛ فإن فيها النجاة‪ ،‬ولــم نـَر مســألة مــن‬
‫المسائل التي من أجلها اختلف الناس في تاريخ الســلم كلــه‪ ،‬مــن أولــه إلــى‬
‫يومنا هذا إل وفي السنة بياُنها‪ ،‬لكن يؤتى الناس من جهة أنهم ل ير َ‬
‫غبــون فــي‬
‫السنة‪ ،‬ل يرغبون في امتثال وصــية المصــطفى ‪ ‬وأمــره ونهيــه وبيــانه عليــه‬
‫الصلة والسلم؛ لهذا أوصى عليه الصلة والسلم هذه الوصية العظيمة‪ ،‬فقال‬
‫) َ‬
‫سن ِّتي( والسنة المقصود هنا بها الهدي والطريقة التي كـان عليهـا‬
‫ف َ‬
‫م بِ ُ‬
‫عل َي ْك ُ ْ‬
‫عليه الصلة والسلم‪ ،‬والسنة بيان للقرآن‪ ،‬فما كــان مــن كلمــه عليــه الصــلة‬
‫ن في ذلك السنة‪ ،‬وهي الطريقة والهدي الذي‬
‫والسلم‪ ،‬وما كان من أفعاله فإ ّ‬
‫كان عليه عليه الصلة والسلم‪ ،‬وهذا فيه بيان واضح لمعنى القرآن‪ ،‬حيث قال‬
‫مللا ن ُلّز َ َ‬
‫وَأنَزل َْنا إ ِل َي ْ َ‬
‫م‬
‫ن ِللن ّللا‬
‫ول َ َ‬
‫عل ّ ُ‬
‫ك الذّك َْر ل ِت ُب َي ّل َ‬
‫هل ْ‬
‫هل ْ‬
‫س َ‬
‫م َ‬
‫جل وعل ﴿ َ‬
‫ل إ ِلي ْ ِ‬
‫َِ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫وأنَزلَنا إ ِلي ْل َ‬
‫ي َت َ َ‬
‫ك اللذّك َْر( الــذكر‬
‫فك ُّرو َ‬
‫ن﴾]النحل‪ [44:‬في سورة النحل‪ ،‬فقوله ) َ‬
‫هنا هو سنة المصطفى ‪.‬‬
‫خل َ‬
‫خل َ‬
‫فللاء( هــم الــذين‬
‫ديين(‪) ،‬ال ْ ُ‬
‫ة ال ْ ُ‬
‫هل ِ‬
‫شل ِ‬
‫فللاء الّرا ِ‬
‫سن ّ ِ‬
‫م ْ‬
‫قال )و ُ‬
‫دي َ‬
‫ن ال ْ َ‬
‫خلفوا المصــطفى ‪ ‬فــي ِوليــة المــر علــى طريقتــه عليــه الصــلة والســلم‪.‬‬
‫والخلفاء الراشدون من بعده عليه الصلة والسلم أربعة‪ :‬أبو بكر‪ ،‬ثم عمر‪ ،‬ثم‬
‫عثمان‪ ،‬ثم علي رضي الله عنهم أجمعين‪ ،‬وُوصفوا بأنهم راشدون؛ لنهم قاموا‬
‫بالرشد‪ ،‬والرشد‪ :‬هو العلم بالحق والعمل به‪ .‬فســموا راشــدين؛ لنهــم كــانوا‬
‫علماء في الحق عملوا به‪ ،‬وليست هذه الصفة إل لهؤلء الربعة‪ ،‬وفي عمر بن‬
‫عبد العزيز رحمه الله خلف‪ ،‬هــل يعــد مــن الخلفــاء الراشــدين أم ل يعــد مــن‬
‫الخلفاء الراشدين؟ والذي عليه نص كثير من أهل العلم كأحمد وغيره أنه مــن‬

‫شرح الربعين النووية‬
‫‪129‬‬

‫الخلفاء الراشدين؛ لنه علم الحق فعمل به‪ ،‬وعامة الولة ليسوا على ذلك‪ ،‬بل‬
‫منهم من ل يعلم الحق أصل‪ ،‬ومنهم من يعلم الحق فيخالفه لهــواء وشــهوات‪،‬‬
‫ونوازع مختلفة‪ ،‬فالذين وصفوا بأنهم خلفاء راشدون هؤلء هم الربعة أصحاب‬
‫محمد بن عبد الله عليه الصلة والسلم‪ ،‬وعمر بــن عبــد العزيــز كــذلك خليفــة‬
‫راشد‪.‬‬
‫وهنا تنبيه على مقالة ربما ترد على ألسنة بعض الك ُّتاب‪ ،‬وهي غيــر ســليمة‬
‫من جهة مكانة الصحابة رضوان الله عليهم‪ ،‬غير متفقة بالجملة مع عقائد أهل‬
‫السنة والجماعة فيما نفهم من عقائدهم‪ ،‬وهي قولهم عن عمر بن عبد العزيـز‬
‫رحمه الله‪ :‬إنه خامس الخلفاء الراشدين‪ .‬وهذا ليس بسديد؛ لن معاويــة‬
‫‪ ‬أعظم منزلة من عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى‪ ،‬وإذا كان ثم خامس‬
‫للخلفاء الراشدين فهو معاوية؛ لنه أحق بهذا الوصف من عمر بن عبد العزيز‪،‬‬
‫لكن عمر وصفه جماعة من أهــل العلــم بــأنه خليفــة راشــد‪ ،‬ومعاويــة بحســب‬
‫العتبار أنه اجتمع عليه؛ فإنه خليفة راشد‪ .‬لكن لما جعل المر ملكــا فــي بنيــه‬
‫زيــد كــان أهــل العلــم يعــبرون عنــه بــأنه ملــك راشــد‪ ،‬وخيــر ملــوك‬
‫ملكا في ي َ ِ‬
‫المسلمين على الطلق‪ ،‬وهو خليفة؛ لنــه خلــف مــا بعــده بــالحق‪ ،‬وليــس ثــم‬
‫ن عمر بــن عبــد العزيــز رحمــه اللــه خليفــة‬
‫خامس للربعة الخلفاء‪ ،‬فإذا قيل إ ّ‬
‫راشد هذا حق‪ ،‬ولكن ل يقال هو خامس الخلفاء الراشــدين؛ لن معاويــة أحــق‬
‫منه بهذا الوصف‪ ،‬لو كان هذا الوصف سائغا‪.‬‬
‫أما الخلفاء فهم أربعة؛ لقوله عليه الصلة والسلم »ثلثون سنة خلفللة‬
‫ل المــراء وأوصــاف‬
‫نبوة« فما بعد ذلك إنما هو وصف لجل الّتحبيب فــي ِ‬
‫خل َ ِ‬
‫الولة‪.‬‬
‫ديين( يعني الذين من الله عليهم فهــداهم‬
‫ه ِ‬
‫م ْ‬
‫قال عليه الصلة والسلم )ال ْ َ‬
‫للحق فعملوا به‪.‬‬
‫ذ( وهي الضراس‪ ،‬وأشد ما يكون‬
‫ضوا َ‬
‫قال ) َ‬
‫ع ّ‬
‫ج ِ‬
‫ج ِ‬
‫عل َي ْ َ‬
‫وا ِ‬
‫وا ِ‬
‫ذ( )ِبالن ّ َ‬
‫ها ِبالن ّ َ‬
‫الستمســاك إذا أراد المــرء أن يستمســك بشــيء بأســنانه أن يعــض عليــه‬
‫هللا‬
‫ضوا َ‬
‫بأضراسه؛ لنها أشــد الســنان‪ .‬فقــال عليــه الصــلة والســلم ) َ‬
‫ع ّ‬
‫عل َي ْ َ‬
‫ذ( يعني كونوا مستمسكين بها على أشد ما يكون الستمسـاك بسـنته‬
‫ج ِ‬
‫وا ِ‬
‫ِبالن ّ َ‬
‫عنــد الختلف‪ ،‬وســنة الخلفــاء الراشــدين عنــد الختلف‪ ،‬والتقــوى والســمع‬
‫والطاعة؛ فإن في هذا النجاة‪ ،‬وهذا مجّرب في كل ما مــر فــي تاريــخ الســلم‬
‫ن من أخذ بهذه الوصية نجا في دينه ودنياه‪.‬‬
‫من تقلبات وفتن‪ ،‬فإ ّ‬
‫ُ‬
‫ر‪َ ،‬‬
‫ن ك ُل ّ‬
‫ة‬
‫ل ب ِدْ َ‬
‫عل ٍ‬
‫حدََثا ِ‬
‫فلإ ِ ّ‬
‫م ْ‬
‫ت ال ُ‬
‫و ُ‬
‫وإّياك ُ ْ‬
‫م َ‬
‫قال عليه الصلة والسلم ) َ‬
‫مو ِ‬
‫م( هذا تحذير ونهي‪ ،‬ومن الصيغ التي يفهم منها النهي أو يعبر‬
‫ضل َل َ ٌ‬
‫َ‬
‫وإّياك ُ ْ‬
‫ة(‪َ ) ،‬‬
‫م‬
‫وإّياك ُ ْ‬
‫بها عن النهي صيغة إياك‪ ،‬وكذا كمــا قــرره علمــاء الصــول‪ ،‬فقــوله‪َ ) :‬‬
‫ُ‬
‫ر( هذا في معنى قوله‪ :‬ل تقربوا أو ل تأتوا محــدثات المــور‪.‬‬
‫حدََثا ِ‬
‫م ْ‬
‫ت ال ُ‬
‫و ُ‬
‫َ‬
‫مو ِ‬
‫فهو نهي عن محدثات المور‪ .‬والمحدثات جمــع محدثــة‪ ،‬وهــي كــل مــا أحــدث‬
‫بعده عليه الصلة والسلم على غيــر مثــال ســابق لــه‪ ،‬وهــذه المحــدثات الــتي‬
‫أحدثت على قسمين‪:‬‬
‫‪ ‬منها محـدثات مـن قبيـل المصـالح المرسـلة الـتي أوضــحنا لكــم معناهـا‬
‫وضوابطها في أوائل هذا الشرح‪ ،‬فهذه ل تدخل في المحدثات المذمومة؛ لنها‬
‫محدثة لغة‪ ،‬ولكنها ليست بمحدثة شرعا؛ لن لها الدليل في الشــرع الــذي دل‬

‫الشيخ العلمة صالح بن عبد العزيز بن محمد آل الشيخ‬

‫‪130‬‬

‫على اعتبارها‪ ،‬وهو كونها من المصالح المرسلة‪ ،‬وأشــباه ذلــك علــى الضــوابط‬
‫التي ذكرنها في ذلك المقام‪.‬‬
‫‪ ‬والقسم الثاني‪ :‬المحــدثات الــتي هــي فــي الــدين بمــا ُأحــدث مــع قيــام‬
‫رك‪ ،‬فما ترك في عهده مــن العبــادات أو ممــا‬
‫المقتضي لفعله في عهده ‪ ‬وت ُ ِ‬
‫يتقرب به إلى الله جل وعل مع قيام المقتضي بفعله ولــم يفعــل‪ ،‬فهــو محدثــة‬
‫م‬
‫وإّياك ُ ْ‬
‫في الدين‪ ،‬فهو بدعة‪ .‬وهذا القســم هــو الــذي يتــوجه إليــه قــوله ‪َ ) ‬‬
‫ُ‬
‫ر‪َ ،‬‬
‫ن كُ ّ‬
‫ة( وهــذا يعنــي أن نعكــس المــر‪،‬‬
‫ل ب ِدْ َ‬
‫ضلل َل َ ٌ‬
‫ة َ‬
‫ع ٍ‬
‫حدََثا ِ‬
‫فإ ِ ّ‬
‫م ْ‬
‫ت ال ُ‬
‫و ُ‬
‫َ‬
‫مو ِ‬
‫فيكون المنهي عنه هي الضللت من البدع‪ ،‬وهي البــدع فــي الشــريعة؛ البــدع‬
‫في الدين‪.‬‬
‫وأما البدع من حيــث هــي فــي اللغــة فإنهــا قــد تكــون‪ ،‬ول ينهــى عنهــا فــي‬
‫معَ الناس‪ ،‬أو حين جمع الناس علـى إمـام واحـد‪،‬‬
‫الشرع‪ ،‬كما قال عمر حين َ‬
‫ج َ‬
‫ت البدعة هذه“فجعلها بدعة يعني‪ :‬في اللغة فليســت كــل بدعــة‬
‫م ِ‬
‫فقال ”ن ِ ْ‬
‫ع َ‬
‫في اللغة بدعة في الشرع؛ لنها قد تكـون بدعــة لغــة‪ ،‬ول تكـون بدعــة شــرعا‬
‫لدخولها في تعريف المصالح المرسلة‪ ،‬أو في العفو العام أو ما أشبه ذلك‪.‬‬
‫أما ما يتقرب إلى الله به من العبادات‪ ،‬وقد قام المقتضى بفعله في عهــده‬
‫عليه الصلة والسلم‪ ،‬ولم يفعل فإنه من البدع المحدثات‪ ،‬ومن البدع الضللة‪،‬‬
‫فقال ) َ‬
‫ن كُ ّ‬
‫ة( وهذه كلية من صيغ العموم‪ ،‬وهــذا يــدل علــى‬
‫ل ب ِدْ َ‬
‫ضل َل َ ٌ‬
‫ع ً‬
‫ة َ‬
‫فإ ِ ّ‬
‫إبطال قول من قال‪ :‬إن من البدع في الدين ما ليس بضــللة‪ .‬وهــو مــا أحــدثه‬
‫العز بن عبد السلم في المة من تقسيم البدعة إلــى خمســة أقســام‪ :‬واجبــة‪،‬‬
‫ومستحبة‪ ،‬ومباحة‪ ،‬ومكروهة‪ ،‬ومحرمــة‪ .‬فتبعــه النــاس علــى ذلــك‪ ،‬وانتشــرت‬
‫ن من البدع ما هو واجب‪ ،‬ومن‬
‫البدع على هذا التعريف أو هذا التقسيم بقوله إ ّ‬
‫البدع ما هو مستحب‪ ،‬وأشباه ذلك‪ ،‬وهذا مصادم لهذا النــص‪ ،‬وقــولهم بــالرأي‪،‬‬
‫والقول بــالرأي مــذموم إذا كــان فــي مقابلــة النــص ومصــادمته‪ ،‬فــالنبي عليــه‬
‫الصلة والسلم قال لنا ) َ‬
‫ن كُ ّ‬
‫ة( فهــذه كليــة‪ ،‬فمــن قــال‪ :‬إن‬
‫ل ب ِدْ َ‬
‫ضل َل َ ٌ‬
‫ع ً‬
‫ة َ‬
‫فإ ِ ّ‬
‫ثم من البدع ما ليس بضللة‪ .‬فهو مخالف لقوله عليه الصــلة والســلم ) َ‬
‫ن‬
‫فلإ ِ ّ‬
‫كُ ّ‬
‫ة( فما من بدعة في الــدين إل وهــي ضــللة‪ ،‬كمــا قــال عليــه‬
‫ل ب ِدْ َ‬
‫ضل َل َ ٌ‬
‫ع ً‬
‫ة َ‬
‫الصلة والسلم‪.‬‬
‫على تعريف البدعة الذي ذكرناه يخرج من ذلك المصالح المرســلة؛ لنهــا ل‬
‫تدخل فــي البــدع‪ ،‬كمــا هــو معــروف مــن تعريــف البدعــة‪ ،‬وتعريــف المصــلحة‬
‫المرسلة؛ حيث ذكرنا لك ذلك مفصل في موضعه‪.‬‬
‫‪‬‬
‫الحديث التاسع والعشرون ‪‬‬
‫خل ُِني الجّنة‬
‫ل ُيد ِ‬
‫ن َ‬
‫ل ‪ ‬قال‪ :‬قل ُ‬
‫عن ُ‬
‫ت‪ :‬يا رسول الله؛ أخبرني بعم ٍ‬
‫جب َ ٍ‬
‫معاذ ِ ب ِ ِ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫دني عن النار‪ .‬قال‪» :‬ل َ‬
‫ن‬
‫سيٌر َ‬
‫ن َ‬
‫ت َ‬
‫ويبا ِ‬
‫ه لي َ ِ‬
‫ع ِ‬
‫ع ُ‬
‫سأل َ‬
‫قدْ َ‬
‫م ْ‬
‫ع ْ‬
‫على َ‬
‫وإ ِن ّ ُ‬
‫م‪َ ،‬‬
‫ظي ِ‬
‫ر ُ‬
‫ه َ‬
‫عب ُدُ ا لله ل ت ُ ْ‬
‫ة‪،‬‬
‫ش‬
‫صل َ َ‬
‫عالى َ‬
‫وت ُ ِ‬
‫ك بِ ِ‬
‫عل َي ْ ِ‬
‫ه‪:‬ت َ ْ‬
‫سَرهُ ا لله ت َ َ‬
‫يَ ّ‬
‫قي ُ‬
‫م ال ّ‬
‫شي ًْئا‪َ ،‬‬
‫ِ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫وُتؤِتي الّز َ‬
‫م قال‪» :‬أل َ أدُل ّ َ‬
‫ك‬
‫م َ‬
‫كا ِ‬
‫ضا َ‬
‫ح ّ‬
‫وت َ ُ‬
‫ج ال ْب َي ْ َ‬
‫وَتصو ُ‬
‫ت «‪ ،‬ث ُ ّ‬
‫م َر َ‬
‫ن‪َ ،‬‬
‫ة‪َ ،‬‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫ُ‬
‫ْ‬
‫صدَ َ‬
‫ما‬
‫ئ ال َ‬
‫ب ال َ‬
‫َ‬
‫طيئ َ َ‬
‫ق ٌ‬
‫جن ّ ٌ‬
‫ة ت ُط ِ‬
‫خ ِ‬
‫ف ُ‬
‫م ُ‬
‫و ُ‬
‫ة كَ َ‬
‫وا ِ‬
‫وال ّ‬
‫ر؟ ال ّ‬
‫ة‪َ ،‬‬
‫ص ْ‬
‫على أب ْ َ‬
‫خي ِ‬
‫ف الليل«‪ ،‬ثم تل قوله تعالى‬
‫ل ِ‬
‫ي ُطْ ِ‬
‫ف ُ‬
‫و ِ‬
‫في َ‬
‫صل َةُ الّر ُ‬
‫ئ ال ْ َ‬
‫و َ‬
‫ج ْ‬
‫ج ِ‬
‫ماءُ الّناَر‪َ ،‬‬
‫جا َ‬
‫م‬
‫ع‬
‫م َ‬
‫م َ‬
‫مُلو َ‬
‫ع﴾ حّتى بلغ ﴿ي َ ْ‬
‫فى ُ‬
‫﴿ت َت َ َ‬
‫جُنوب ُ ُ‬
‫ن﴾]السجدة‪ ،[17-16:‬ث ّ‬
‫ع َ‬
‫ن ال ْ َ‬
‫ه ْ‬
‫ضا ِ‬
‫ج ِ‬
‫ِ‬
‫ْ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫خب ُِر ُ‬
‫ه؟« قلت‪:‬بلى يا‬
‫قال‪»:‬أل َ أ ْ‬
‫م ِ‬
‫سَنا ِ‬
‫و ِ‬
‫ر‪ ،‬وعموِد ِ‬
‫ة َ‬
‫س ال ْ‬
‫وِذْر َ‬
‫ه‪َ ،‬‬
‫م ِ‬
‫ك ب َِرأ ْ ِ‬
‫َ‬
‫ة‬
‫و ُ‬
‫صَل ُ‬
‫و َ‬
‫سل َ ُ‬
‫ر ال ِ ْ‬
‫ع ُ‬
‫س ال ْ‬
‫مودُهُ ال ّ‬
‫رسول الله‪ ،‬قال‪َ» :‬رأ ُ‬
‫وِذْر َ‬
‫ة‪َ ،‬‬
‫م‪َ ،‬‬
‫م ِ‬

‫شرح الربعين النووية‬
‫‪131‬‬

‫ك ذَل ِ َ‬
‫خب ُِر َ‬
‫ه؟« قلت‪ :‬بلى يا‬
‫د«‪ ،‬ثم قال‪»:‬أ َل َ أ ُ ْ‬
‫ك ك ُل ّ ِ‬
‫م ِ‬
‫سَنا ِ‬
‫مل َ ِ‬
‫ها ُ‬
‫ج َ‬
‫َ‬
‫ك بِ َ‬
‫ه ال ْ ِ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫علي ْ َ‬
‫ه َ‬
‫ي الله؛ وإ ِّنا‬
‫ف َ‬
‫رسول الله‪ ،‬فَأ َ‬
‫ك َ‬
‫ه‪ ،‬وقال‪» :‬ك ّ‬
‫سان ِ ِ‬
‫خذ َ ب ِل ِ َ‬
‫ذا «‪ ،‬قلت‪ :‬يا ن َب ِ ّ‬
‫ُ‬
‫م َ‬
‫خذون بما ن َت َك َّلم به؟ فقال‪» :‬ث َك ِل َت ْ َ‬
‫ه ْ‬
‫عا ُ‬
‫س‬
‫مؤا َ‬
‫و َ‬
‫ل ي َك ُ ّ‬
‫م َ‬
‫ك َيا ُ‬
‫كأ ّ‬
‫لَ ُ‬
‫ب الّنا َ‬
‫ذ! َ‬
‫َ‬
‫م«‬
‫م _ َأو قال‪َ :‬‬
‫َ‬
‫مَنا ِ‬
‫صائ ِدُ أل ْ ِ‬
‫ر ِ‬
‫جو ِ‬
‫م _ إ ِل ّ َ‬
‫و ُ‬
‫ه ْ‬
‫ه ْ‬
‫عَلى َ‬
‫ه ْ‬
‫ح َ‬
‫عَلى ُ‬
‫خ ِ‬
‫سن َت ِ ِ‬
‫ه ِ‬
‫]رواه الترمذي وقال)حديث حسن صحيح([‬
‫]الشرح[‬
‫هذا الحديث فيه ذكر أشياء من أبواب الخير‪ ،‬وهــو مــن الحــاديث العظيمــة‬
‫التي لكل جملة منه شواهد كثيرة؛ ولهذا هو حــديث حســن بمجمــوع شــواهده‬
‫لجمله المختلفة‪.‬‬
‫خل ُِني‬
‫ل ي ُللد ِ‬
‫قال معاذ بن جبل ‪) ‬قل ُ‬
‫ت‪ :‬يا رسول الله؛ أخبرني بعمل ٍ‬
‫دني عن النار( هذا فيه ما ينبغــي التــأدب بــه؛ علــى مــا ينبغــي‬
‫الجّنة ويبا ِ‬
‫ع ُ‬
‫التأدب به لهل العلــم؛ لن معــاذ بــن جبــل ‪ ،‬ورحمــه مــن أعلــم هــذه المــة‬
‫بالحلل والحرام‪ ،‬بل هو أعلم المة بالحلل والحرام‪ ،‬فهو من أهل العلم‪ ،‬وهذا‬
‫يدل على أن طالب العلم ينبغي عليه أن يكون حريصا على ما يقربه من الجنة‬
‫خل ُِني‬
‫ل ي ُللد ِ‬
‫ويباعده عن النار‪ ،‬قال معــاذ )يا رسللول الللله؛ أخللبرني بعمل ٍ‬
‫دني عن النار( وهذا ممـا ينبغـي لكـل طـالب علـم أن يحـرص‬
‫الجّنة ويبا ِ‬
‫ع ُ‬
‫عليه؛ ما يقربه إلى الجنة‪ ،‬وما يباعده من النار‪ .‬لن العلم له شهوة‪ ،‬والعلم له‬
‫عنفوان‪ ،‬وقد يصرف صاحبه عن السعي في الغاية من العلم‪ ،‬وهــو مــا ُيق ـّرب‬
‫من الجنة‪ ،‬وما يباعد عن النــار‪ ،‬وقــد قــال عبــد اللــه بــن المبــارك رحمــه اللــه‬
‫تعالى‪” :‬إن للعلم طغيانا كطغيللان الملال“‪ ،‬فــالعلم ُيطغــي إذا لــم يكــن‬
‫صاحبه يسعى فيما يقّربه إلى الجنة‪ ،‬ويباعده عن النــار‪ .‬فــالعلم لــه مقتضــيات‬
‫كثيرة‪ ،‬وأصحاب العلم وأهل العلــم وطلبــة العلــم ينبغــي لهــم أن يكونــوا أليــن‬
‫الناس في غير تفريط‪ ،‬وأن يكونوا أبصر الناس‪ ،‬وأحق الناس بالحكمــة والخــذ‬
‫بما يقربهم إلى الله جل وعل؛ فهم القدوة‪ ،‬وهم البصــراء فــي العلــم والعمــل‪.‬‬
‫صــر‬
‫لهذا سئل معاذ هذا السؤال‪ ،‬وذلك من حكمة اللــه جــل وعل أن يســأل ليب ّ‬
‫أهل العلم جميعا بما ينبغي أن يكونوا عليه‪ ،‬قال )يا رسول الللله؛ أخللبرني‬
‫دني عللن النللار‪ .‬قــال عليــه الصــلة والســلم‬
‫خل ُِني الجّنة ويبا ِ‬
‫ل ُيد ِ‬
‫ع ُ‬
‫بعم ٍ‬
‫َ‬
‫»ل َ َ‬
‫عللالى‬
‫سلليٌر َ‬
‫ن َ‬
‫ت َ‬
‫ه ل َي َ ِ‬
‫ع ِ‬
‫سلَرهُ الللله ت َ َ‬
‫سأل ْ َ‬
‫ن يَ ّ‬
‫قدْ َ‬
‫مل ْ‬
‫ع ْ‬
‫عل َللى َ‬
‫وإ ِن ّ ُ‬
‫م‪َ ،‬‬
‫ظي ِ‬
‫ه«(‪ .‬هذا السؤال العظيم ”ما يقرب إلى الجنة‪ ،‬ويبعد عــن النــار“‪ ،‬ســؤال‬
‫َ‬
‫عل َي ْ ِ‬
‫عظيم‪ ،‬وهو شاق من حيث المتثال‪ ،‬لكنه يســير علــى مــن يســره اللــه عليــه‪،‬‬
‫فإذن نفهم من هذا أن ثم كلفة فــي أن يمتثــل المــرء بمقتضــى العلــم‪ ،‬ولكنــه‬
‫يسير على من يسره الله عليه‪ .‬والله جل وعل إذا أقبل العبد يسر عليه المر‪،‬‬
‫كمــا قــال جــل وعل ﴿ َ َ‬
‫وات ّ َ‬
‫س لَنى)‬
‫ن أَ ْ‬
‫ص لدّقَ ِبال ْ ُ‬
‫ح ْ‬
‫مل ْ‬
‫ما َ‬
‫فأ ّ‬
‫و َ‬
‫قللى)‪َ (5‬‬
‫عطَللى َ‬
‫‪َ (6‬‬
‫سَرى﴾]الليل‪ [7-5:‬فتيسير الله جل وعل أمور الخير للعبد هذا‬
‫سُرهُ ل ِل ْي ُ ْ‬
‫سن ُي َ ّ‬
‫ف َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ع َ‬
‫وات ّ َ‬
‫يكون بشيء يبذله العبد ) َ‬
‫سللَنى)‬
‫نأ ْ‬
‫صدّقَ ِبال ْ ُ‬
‫ح ْ‬
‫م ْ‬
‫ما َ‬
‫فأ ّ‬
‫و َ‬
‫قى)‪َ (5‬‬
‫طى َ‬
‫‪َ (6‬‬
‫سَرى(‪.‬‬
‫سُرهُ ل ِل ْي ُ ْ‬
‫سن ُي َ ّ‬
‫ف َ‬
‫سلَرهُ ا لللله‬
‫سلليٌر َ‬
‫ه ل َي َ ِ‬
‫ن يَ ّ‬
‫مل ْ‬
‫عَللى َ‬
‫وإ ِن ّ ُ‬
‫قال عليه الصــلة والســلم هنــا ) َ‬
‫ر ُ‬
‫ه َ‬
‫عب ُدُ الله ل ت ُ ْ‬
‫عب ُدُ ا لللله(‬
‫عالى َ‬
‫ك بِ ِ‬
‫عل َي ْ ِ‬
‫شي ًْئا( )ت َ ْ‬
‫صل فقال )ت َ ْ‬
‫تَ َ‬
‫ه( ثم ف ّ‬
‫ش ِ‬
‫يعني أن تتوجه بجميع أنواع العبادات إلى اللــه جــل وعل وحــده‪ ،‬فــإذا دعــوت؛‬
‫دعوت الله‪ ،‬وإذا سألت؛ سألت اللــه‪ ،‬وإذا صــليت؛ صــليت للــه‪ ،‬وإذا اســتغثت؛‬
‫استغثت بالله‪ ،‬وإذا أعظمت الرجاء أعظمته بالله‪.‬‬

‫الشيخ العلمة صالح بن عبد العزيز بن محمد آل الشيخ‬

‫‪132‬‬

‫وكل العبادات القلبية‪ ،‬واللسانية‪ ،‬والعمليــة بــالجوارح كلهــا تكــون للــه جــل‬
‫ر ُ‬
‫عب ُدُ ا لللله ل ت ُ ْ‬
‫ه‬
‫ك ب ِل ِ‬
‫وعل وحده‪ ،‬ول يكون لمخلوق فيها نصــيب‪ ،‬قــال )ت َ ْ‬
‫شل ِ‬
‫َ‬
‫شي ًْئا( يعني كبير الشرك وصــغيره وخفيــه؛ لن كلمـة شـيئا نكــرة جـاءت فـي‬
‫سياق النفي فتعم كل ما كــان فــي معناهــا‪ .‬فل يشــرك بــأي شــيء؛ ل يشــرك‬
‫بالهوى‪ ،‬ل يشرك بالمخلوق البشــر‪ ،‬ل يشــرك بالملئكــة‪ ،‬ل يشــرك بعظيــم‪ ،‬ل‬
‫خل َــق اللــه‬
‫يشرك بصالح‪ ،‬ل يشرك بجني‪ ،‬بإنسي‪ ،‬بشجر‪ ،‬بحجر‪ ،‬بأي نوع ممــا َ‬
‫جل وعل‪ ،‬وهذا ل شك أنه عظيم‪ ،‬ولكنه يسير على من يسره الله عليه‪.‬‬
‫فعبادة الله جل وعل وحــده دون مــا ســواه هــذه غايــة إرســال المرســلين‪،‬‬
‫ونفي الشــرك ونبــذه والتخلــص منــه‪ ،‬أيضــا ممــا جــاء بــه المرســلون وأقــاموا‬
‫وع‪ ،‬فما كان من قبيل الشــرك الكــبر فظــاهر وجــوب‬
‫رسالتهم عليه‪ ،‬وهذا يتن ّ‬
‫ن من فعله فهــو مشــرك كــافر تــارك للــدين مــع اجتمــاع الشــروط‬
‫اجتنابه‪ ،‬وأ ّ‬
‫وانتفاع الموانع‪ .‬وما هو أقل من ذلــك الشــرك الصــغر والخفــي‪ ،‬ينبغــي علــى‬
‫العبد أن يسعى في تجنبه؛ يعني ينبغي وجوبا يجب عليه أن يسعى فــي تجنبــه‪،‬‬
‫وأن يجاهد نفسه‪ ،‬والشرك الصغر يــدخل فيــه الريــاء يســير الريــاء‪ ،‬والشــرك‬
‫الخفي أيضا يدخل فيهــا أشــياء‪ ،‬والشــهوة الخفيــة‪ ،‬والتســميع والمقاصــد‪ ،‬وأن‬
‫يكون قصد المرء الدنيا فيما يــأتي ويــذر‪ ،‬وفــي المــور الدينيــة وطلــب العلــم‪،‬‬
‫وأشباه ذلك مما يراد لله‪.‬‬
‫فإذن عبادة الله وحده ل شريك له‪ ،‬هذا حاصل إن شاء اللــه عنــد الموحــد‪،‬‬
‫لكن ُيخاف على الموحد من أنواع الشــرك الصــغر والخفــي‪ ،‬ممــا يكــون مــن‬
‫يسير الرياء والتوجه لغير الله في ذلك‪ ،‬فهذه عظيمة‪:‬‬
‫وإنللي ل ِإخ‬
‫ج من‬
‫ج منها تن ُ‬
‫فإن تن ُ‬
‫نا‬
‫ذي عظيمة‬
‫يعني أن هذا المر شديد‪ ،‬ويجب أن توطن نفسك على إخراج المخلوق من‬
‫قلبك‪ ،‬وأن يكون القلب خالصا لله متوجها لله؛ في تحركــه‪ ،‬فــي ســكناته‪ ،‬فــي‬
‫أمره‪ ،‬في نهيه‪ ،‬في تصرفك مع أهلك‪ ،‬مع أقاربك‪ ،‬مع المور العامة‪ ،‬مع المور‬
‫م الخلص‪.‬‬
‫الخاصة‪ ،‬إذا كان كل شيء لله ت ّ‬
‫ج‬
‫ص لل َ َ‬
‫وت ُ ِ‬
‫م َ‬
‫وت ُللؤِتي الّزك َللا ِ‬
‫ضللا َ‬
‫حل ّ‬
‫وت َ ُ‬
‫وَتصللو ُ‬
‫م َر َ‬
‫قي ل ُ‬
‫م ال ّ‬
‫ن‪َ ،‬‬
‫ة‪َ ،‬‬
‫ة‪َ ،‬‬
‫قــال ) َ‬
‫ت( وهذه الربعة مر بيانها‪.‬‬
‫ال ْب َي ْ َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ثم قال )أل َ أدُل ّ َ‬
‫صدَ َ‬
‫ئ‬
‫خي‬
‫ب ال ْ َ‬
‫ك َ‬
‫ق ٌ‬
‫جن ّ ٌ‬
‫ة ت ُطُ ِ‬
‫ف ُ‬
‫م ُ‬
‫و ُ‬
‫وا ِ‬
‫وال ّ‬
‫ر؟ ال ّ‬
‫ة‪َ ،‬‬
‫ص ْ‬
‫على أب ْ َ‬
‫ِ‬
‫ة( الصوم يريد به صوم النفل؛ لنه قدم صيام رمضــان‪ ،‬ثــم قــال )أ َل َ‬
‫ال ْ َ‬
‫طيئ َ َ‬
‫خ ِ‬
‫َ‬
‫أ َدُل ّ َ‬
‫ة( جنــة يعنــي وقايــة يقــي العبــد ممـا‬
‫ب ال ْ َ‬
‫ك َ‬
‫جن ّ ٌ‬
‫م ُ‬
‫و ُ‬
‫وا ِ‬
‫ر؟ ال ّ‬
‫ص ْ‬
‫على أب ْ َ‬
‫خي ِ‬
‫يسخطه الله جل وعل؛ لن الصيام فيه تــذكير بحقــوق اللــه جــل وعل وحقــوق‬
‫جّنة من نفوذ الشيطان إلى العبد‪.‬‬
‫عباده‪ ،‬فهو ُ‬
‫خ َ‬
‫ضللان‬
‫وكما جاء في الحديث أنه عليه الصلة والســلم قــال »إذا دَ َ‬
‫م َ‬
‫ل َر َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫و ُ‬
‫غل ّ َ‬
‫أو قال‪ -‬إذا جاء رمضان ُ‬‫ر‪،‬‬
‫جن ّ ِ‬
‫وا ُ‬
‫ب ال ْ َ‬
‫وا ُ‬
‫فت ِ َ‬
‫قلل ْ‬
‫ح ْ‬
‫ت أْبلل َ‬
‫ة‪َ ،‬‬
‫ت أب ْ َ‬
‫ب الّنللا ِ‬
‫ص ّ‬
‫ت ال ّ‬
‫ن « وقال عليه الصــلة والســلم فــي حــق مــن لــم يجــد‬
‫شَيا ِ‬
‫فدَ ِ‬
‫طي ُ‬
‫وَ ُ‬
‫طول للنكاح »ومن لم يستطع فعليه بالصوم؛ فإنه له وجاء«‪ ،‬فالصيام‬
‫قــي‪.‬‬
‫جنة؛ يعنـي يكـون بـه الجتنــان؛ لن الجنــة والجتنــان هــو الحـاجز الــذي ي َ ِ‬
‫فالغطاء هو الجنة‪ ،‬ومنه قيل للجنين جنين؛ لنه في غطاء في استتار‪ ،‬وللمجن‬
‫مجن لذلك‪ ،‬إلى آخره‪.‬‬

‫شرح الربعين النووية‬
‫‪133‬‬

‫صدَ َ‬
‫مللاءُ الن ّللاَر( الصــدقة‬
‫ئ ال ْ َ‬
‫طيئ َ َ‬
‫ق ٌ‬
‫مللا ي ُطْ ِ‬
‫ة ت ُطُ ِ‬
‫فل ُ‬
‫خ ِ‬
‫ف ُ‬
‫ئ ال ْ َ‬
‫ة كَ َ‬
‫وال ّ‬
‫قال ) َ‬
‫بأنواعهــا تطفــئ الخطايــا؛ الصــدقة بــالقول وبالعمــل‪ ،‬الواجبــة والمســتحبة‪،‬‬
‫والصدقة بالمال‪ ،‬كل هذه تطفئ الخطايا؛ لنها حسنات‪ ،‬والله جـل وعل قـال ﴿‬
‫ت﴾]هود‪ ،[114:‬وقد مر معنــا قــوله عليــه الصــلة‬
‫سي َّئا ِ‬
‫ت ي ُذْ ِ‬
‫سَنا ِ‬
‫إِ ّ‬
‫ن ال ْ َ‬
‫ن ال ّ‬
‫ح َ‬
‫هب ْ َ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫ق‬
‫و َ‬
‫سن َ َ‬
‫سي ّئ َ َ‬
‫م ُ‬
‫ة ال َ‬
‫ق الله َ‬
‫ما ك ُن ْ َ‬
‫ح َ‬
‫ح َ‬
‫ع ال ّ‬
‫ة تَ ْ‬
‫حي ْث ُ َ‬
‫ها‪َ ،‬‬
‫ت‪َ ،‬‬
‫خللال ِ ِ‬
‫وأت ْب ِ ِ‬
‫والسلم »ا ِت ّ ِ‬
‫س بِ ُ ُ‬
‫ن« فإذا فهمت معنى الصدقة العام الشامل الذي ذكرنــاه‬
‫ق َ‬
‫ح َ‬
‫الّنا َ‬
‫س ٍ‬
‫خل ٍ‬
‫لك في درس مضى‪ ،‬فإنه كلما حصلت منــك خطيــة فعليــك بكــثرة الصــدقات‪،‬‬
‫والخطايا ل تحصى؛ لنه ما من حال تكون فيه إل ولله جل وعل أمر ونهي فــي‬
‫ذلك‪ ،‬وقل من يكون ممتثل للمر والنهي في كل حالة‪ .‬فإذن ل بــد مــن الكثــار‬
‫ئ ال ْ َ‬
‫طيئ َ َ‬
‫ماءُ‬
‫ما ي ُطْ ِ‬
‫من الصدقات؛ فهي أبواب الخير‪ ،‬قال )ت ُطُ ِ‬
‫ف ُ‬
‫خ ِ‬
‫ف ُ‬
‫ئ ال ْ َ‬
‫ة كَ َ‬
‫الّناَر( النار إذا شبت ل يطفئها إل الماء‪ ،‬فإنك تأتي بالماء فتنطفئ‪ ،‬وهذا مثال‬
‫الحسنات بعد السيئات‪.‬‬
‫ف الليل( صلة الرجــل فــي جــوف الليــل‪،‬‬
‫ل ِ‬
‫و ِ‬
‫في َ‬
‫صل َةُ الّر ُ‬
‫و َ‬
‫ج ْ‬
‫ج ِ‬
‫قال ) َ‬
‫يعني أن يقوم الليل القيام المســتحب‪ ،‬وقيــام الليــل علــى درجــات‪ ،‬وأعله أن‬
‫ن َرب ّل َ‬
‫م‬
‫يكون كقيام المصطفى ‪ ‬الذي جاء في آخر سورة المزمل ﴿إ ِ ّ‬
‫ك يَ ْ‬
‫عل َل ُ‬
‫َ‬
‫و َ‬
‫أ َن ّ َ‬
‫طائ ِ َ‬
‫ص َ‬
‫ك تَ ُ‬
‫ن‬
‫فل ٌ‬
‫ن ال ّل ِ‬
‫ة ِ‬
‫م أدَْنى ِ‬
‫قو ُ‬
‫ذي َ‬
‫مل ْ‬
‫م ْ‬
‫وث ُل ُث َل ُ‬
‫ف ُ‬
‫ون ِ ْ‬
‫ه َ‬
‫ه َ‬
‫ل َ‬
‫ن ث ُل َُثي الل ّي ْ ِ‬
‫ع َ‬
‫ك﴾]المزمل‪ ،[20:‬فأفضله ما كان بعد نصف الليل إلى الفجر‪ ،‬وبعــده مــن أول‬
‫م َ‬
‫َ‬
‫ثلث الليل الخر إلى الفجر‪ ،‬ثم هكذا مراتب بما يتيســر للعبــد‪ ،‬فصــلة الرجــل‬
‫في جوف الليل هذه من أعظم أبواب الخير‪ ،‬وبها يحصل للمرء من النــور فــي‬
‫قلبه‪ ،‬وحسن تعامله مع ربه‪ ،‬وخشيته له‪ ،‬والتنقب عن دار الدنيا‪ ،‬والرغب فــي‬
‫الخرة ما ل يدخل تحت وصف‪ .‬أعاننا الله وإياكم على ذلك‪ ،‬فإن صلة الرجــل‬
‫والمرأة في جوف الليل هذه يكون معها التــدبر للقــرآن‪ ،‬وحســن منجــاة اللــه‪،‬‬
‫سب َ ُ‬
‫ل من خشية الله جــل وعل إذ يكــون المــرء فــي ذلــك علــى‬
‫والدمعة التي ت ُ ْ‬
‫يقين من أنه إنما قــام للــه جــل وعل وحــده‪ ،‬فتعظــم الصــلة‪ ،‬ويعظــم التعلــق‪،‬‬
‫ويعظم إخبات القلب‪ ،‬ويعظم الرجاء‪ ،‬وتعظم الرهبـة‪ ،‬ويعظـم الخـوف‪ ،‬ويـؤّثر‬
‫القرآن في القلوب تأثيرا عظيما‪ ،‬فأصحاب الليل هم أهل التقوى‪.‬‬
‫جا َ‬
‫ع ﴾]الســجدة‪[16:‬يعنــي فــي‬
‫م َ‬
‫م َ‬
‫فى ُ‬
‫قال جل وعل ﴿ت َت َ َ‬
‫جُنوب ُ ُ‬
‫ع ْ‬
‫ن ال ْ َ‬
‫ه ْ‬
‫ضللا ِ‬
‫ج ِ‬
‫جا َ‬
‫م‬
‫فى ُ‬
‫وصف عباده المخبتين المنيبين في سورة ﴿الم﴾ السجدة ﴿ت َت َ َ‬
‫جُنللوب ُ ُ‬
‫ه ْ‬
‫ف ُ‬
‫ما َرَز ْ‬
‫و ً‬
‫ن)‬
‫ج‬
‫م َ‬
‫ع ي َدْ ُ‬
‫َ‬
‫م ُين ِ‬
‫قَنللا ُ‬
‫م َ‬
‫و ِ‬
‫قللو َ‬
‫عو َ‬
‫م ً‬
‫ن َرب ّ ُ‬
‫ع ْ‬
‫ه ْ‬
‫م ّ‬
‫وط َ َ‬
‫ه ْ‬
‫ن ال ْ َ‬
‫ضا ِ‬
‫عا َ‬
‫فا َ‬
‫خ ْ‬
‫ِ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫ن ُ‬
‫م نَ ْ‬
‫‪َ (16‬‬
‫مللا ك َللاُنوا‬
‫ما أ ْ‬
‫ةأ ْ‬
‫خ ِ‬
‫ق لّر ِ‬
‫م ِ‬
‫ن َ‬
‫فَل ت َ ْ‬
‫ي لَ ُ‬
‫م ْ‬
‫ج لَزاءً ب ِ َ‬
‫ه ْ‬
‫س َ‬
‫عل َ ُ‬
‫ف ٌ‬
‫ف َ‬
‫عي ُل ٍ‬
‫ن﴾]السجدة‪ [17-16:‬وهذا من فضل الله جل وعل عليهم‪.‬‬
‫مُلو َ‬
‫يَ ْ‬
‫ع َ‬
‫ْ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫خب ُِر ُ‬
‫ه؟«‬
‫م قال‪»:‬أل َ أ ْ‬
‫م ِ‬
‫سللَنا ِ‬
‫و ِ‬
‫ر‪ ،‬وعمللوِد ِ‬
‫ة َ‬
‫س ال ْ‬
‫قال )ث ّ‬
‫وِذْر َ‬
‫ه‪َ ،‬‬
‫م ِ‬
‫ك ب َِرأ ْ ِ‬
‫َ‬
‫م«( لن المــر الــذي هــو‬
‫سل َ ُ‬
‫ر ال ِ ْ‬
‫س ال ْ‬
‫قلت‪:‬بلى يا رسول الله‪ ،‬قال‪َ» :‬رأ ُ‬
‫م ِ‬
‫الدين رأسه السلم‪ ،‬فإذا صدع الرأس فل حياة‪ ،‬فــإذا ذهــب الســلم فل حيــاة‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫م( وهو الستسلم للـه جــل وعل‬
‫سل َ ُ‬
‫ر ال ِ ْ‬
‫س ال ْ‬
‫للمرء في الدين‪ ،‬فقال )َرأ ُ‬
‫م ِ‬
‫بالتوحيد والنقياد له بالطاعة‪ ،‬والبراءة من الشرك وأهله‪.‬‬
‫ة( العمود هو ما يقوم عليه البناء‪ ،‬فإذا كان ثم أشياء‬
‫صَل ُ‬
‫و َ‬
‫ع ُ‬
‫مودُهُ ال ّ‬
‫قال ) َ‬
‫ة(‬
‫صَل ُ‬
‫و َ‬
‫يقوم عليها البنــاء فــإ ّ‬
‫ع ُ‬
‫مودُهُ ال ّ‬
‫ن بالصــلة يقــوم البنــاء؛ بهــذا قــال ) َ‬
‫ه(؛ لن الصــلة هــي الركــن‬
‫فعمود المر؛ عمود الــدين الصــلة‪ ،‬وقــال ) َ‬
‫مودُ ُ‬
‫ع ُ‬
‫العملي الذي به يحصل المتثال لمقتضيات اليمان العملية‪ ،‬يعني بركن اليمان‬
‫الذي هو العملي‪ .‬فاليمان‪ :‬قول واعتقاد وعمل‪ ،‬والعمل عموده الصــلة‪ ،‬فــإذا‬

‫الشيخ العلمة صالح بن عبد العزيز بن محمد آل الشيخ‬

‫‪134‬‬

‫ذهبت الصلة فل قيام في ذلك؛ لهذا قال عمــر ‪” ‬ول حظ فللي السلللم‬
‫ذي‬
‫هلدُ ال ّل ِ‬
‫لمن ترك الصلة“ وثبت عنه عليه الصلة والسلم أنه قــال »ال ْ َ‬
‫ع ْ‬
‫قدْ ك َ َ‬
‫ف َ‬
‫ها َ‬
‫ة‪َ .‬‬
‫فَر«‪.‬‬
‫صل َ ُ‬
‫ن ت ََرك َ َ‬
‫وب َي ْن َ ُ‬
‫م ْ‬
‫ف َ‬
‫ه ُ‬
‫م ال ّ‬
‫ب َي ْن ََنا َ‬
‫ة‬
‫و ُ‬
‫م ِ‬
‫سَنا ِ‬
‫هللا ُ‬
‫ج َ‬
‫وةُ َ‬
‫ه ال ْ ِ‬
‫وِذْر َ‬
‫د(‪َ ) ،‬‬
‫وِذْر َ‬
‫قال عليه الصلة والســلم بعــد ذلــك ) َ‬
‫مل أعله ذروة الســنام‪ ،‬والجمــل متحــرك‪،‬‬
‫م ِ‬
‫سَنا ِ‬
‫مل‪ ،‬وال َ‬
‫ه( تشبيه للمر بال َ‬
‫َ‬
‫ج َ‬
‫ج َ‬
‫والجهاد أيضا يبعث على النتشار؛ فهو سبب انتشار السلم‪ ،‬وامتــداد الــدخول‬
‫في الدين‪ ،‬فمث َّله عليه الصــلة والســلم يعنــي مثــل الــدين بالراحلــة بالجمــل‪،‬‬
‫سنام؛ لنــه بــارز بيــن متميــز‪ .‬فالســلم‬
‫وجعل الجهاد من هذه الراحلة ذروة ال ّ‬
‫تميز من بين الديان كتميز الجمل بذروة سنامه بالجهاد‪ ،‬فالجمل متميز بذروة‬
‫السنام؛ يعني بالسنام بعامة وبذروة السنام‪ ،‬وهـذا الســلم تميــز بالجهـاد فــي‬
‫سبيل الله‪ ،‬والجهاد أنواع‪ ،‬والمراد به هنا الجهــاد جهــاد العــداء‪ ،‬وهــو كمــا هــو‬
‫معلوم على مرتبتين‪ :‬واجبة‪ ،‬ومستحبة‪ .‬والواجب أيضــا علــى قســمين‪ :‬واجــب‬
‫عيني‪ ،‬وواجب كفائي‪ .‬كما هو معلوم في مكانه من الفقه‪.‬‬
‫ك ذَل ِ َ‬
‫خب ُِر َ‬
‫ه؟« قلت‪ :‬بلى يا رســول اللــه‪،‬‬
‫قال )ثم قال‪»:‬أ َل َ أ ُ ْ‬
‫ك ك ُل ّ ِ‬
‫مل َ ِ‬
‫ك بِ َ‬
‫َ‬
‫عل َي ْ َ‬
‫ه َ‬
‫جْرمــا؛‬
‫ف َ‬
‫فَأ َ‬
‫ك َ‬
‫ه‪ ،‬وقال‪» :‬ك ّ‬
‫سان ِ ِ‬
‫ذا«( فاللسان هو أعظــم العضــاء ُ‬
‫خذ َ ب ِل ِ َ‬
‫لنه سهل الحركة‪ ،‬كثير الخطايا‪ ،‬فباللسان يحصــل العتقــاد الــزائف‪ ،‬باللســان‬
‫يقول المرء الكلمة ل يلقي لها بال تهوي به في النار ســبعين خريفــا‪ ،‬باللســان‬
‫)‪(1‬‬
‫عب َللاِدي ي َ ُ‬
‫و ُ‬
‫ق ْ‬
‫ي‬
‫ل لِ ِ‬
‫قول ُللوا ال ّت ِللي ِ‬
‫تحصل العداوات‪ .‬وقد قال جــل وعل ﴿ َ‬
‫هل َ‬
‫َ‬
‫شي ْ َ‬
‫ن َينَز ُ‬
‫ن ال ّ‬
‫م﴾]السراء‪ ،[53:‬وباللسان يحصل الوقوع في‬
‫طا َ‬
‫ن إِ ّ‬
‫أ ْ‬
‫غ ب َي ْن َ ُ‬
‫ح َ‬
‫س ُ‬
‫ه ْ‬
‫مل ْ‬
‫ن ي ُل ْ‬
‫ؤ ُ‬
‫ن‬
‫ؤ ِ‬
‫وال ّ ِ‬
‫ذو َ‬
‫مِني َ‬
‫ذي َ‬
‫ن ال ْ ُ‬
‫المؤمنين واليذاء بغير حق‪ ،‬قد قــال جــل وعل ﴿ َ‬
‫ف َ‬
‫سُبوا َ‬
‫م ْ‬
‫نا﴾]الحـــزاب‪:‬‬
‫ت بِ َ‬
‫مِبي ً‬
‫ق ِ‬
‫مَنا ِ‬
‫ؤ ِ‬
‫دا ْ‬
‫مُلوا ب ُ ْ‬
‫ما اك ْت َ َ‬
‫ما ُ‬
‫وإ ِث ْ ً‬
‫حت َ َ‬
‫ر َ‬
‫وال ْ ُ‬
‫هَتاًنا َ‬
‫َ‬
‫غي ْ ِ‬
‫‪ ،[58‬واليذاء أعظم أنواعه ما كان باللسان‪ ،‬وقد أوذيت عائشة رضى الله عنهــا‬
‫وأرضاها باللسان بما بلغ بها المبلغ الــذي تعلمــون فــي قصــة الفــك‪ ،‬باللسـان‬
‫يحصل نشر الخير وباللسان يحصل نشر الشر‪ .‬فإذا حاسب المرء نفسه علــى‬
‫ملك هذا المر‪ ،‬وهو أنه ملك عليه دينه‪ ،‬وأما إذا أطلق لسانه‬
‫لسانه‪ ،‬حصل له ِ‬
‫في كل شيء‪ ،‬فإنه يضر نفسه ضررا بالغا ول يملك على نفسه ديَنه‪ ،‬واللسان‬
‫قد جاءت الحاديث الكثيرة في بيان شأنه‪ ،‬ومر معنا فــي حــديث مضــى بعــض‬
‫ذلك‪.‬‬
‫عل َي ْ َ‬
‫ه َ‬
‫ذا( يعني أمسك‪ ،‬فالكلمة إذا لم تعلم أنهــا مــن الحــق‬
‫ف َ‬
‫ك َ‬
‫فقال )ك ّ‬
‫ي الله؛ وإ ِّنــا‬
‫الذي تؤجر عليه‪ ،‬فاتركها؛ لنها عليك وليست لك‪ ،‬قال )قلت‪ :‬يا ن َب ِ ّ‬
‫خذون بما نتك َّلم به؟ فقال »ث َكل َت ْ َ ُ‬
‫م َ‬
‫ك«(؛ لنه ل يتوقع مــن معــاذ‪ ،‬وهــو‬
‫مؤا َ‬
‫ِ‬
‫ََ‬
‫كأ ّ‬
‫لَ ُ‬
‫ُ‬
‫مل َ‬
‫العالم بالحلل والحرام الفقيه أن يسأل هــذا الســؤال‪ ،‬فقــال )ث َك ِل َت ْل َ‬
‫ك(‬
‫كأ ّ‬
‫يعني استغراب من هذا السؤال الــذي لــم يتوقــع مــن معــاذ أن يســأله‪ ،‬فقــال‬
‫)ث َكل َت ْ َ ُ‬
‫م َ‬
‫هل ْ‬
‫عا ُ‬
‫م ‪َ-‬أو قللال‪:‬‬
‫س َ‬
‫و َ‬
‫جللو ِ‬
‫ِ‬
‫و ُ‬
‫ل ي َك ُل ّ‬
‫م َ‬
‫ه ْ‬
‫ك َيا ُ‬
‫كأ ّ‬
‫ب الن ّللا َ‬
‫عل َللى ُ‬
‫ذ! َ‬
‫ه ِ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫م( يســتنكف كــثير مــن النــاس؛ يعنــي‬
‫َ‬
‫مَنا ِ‬
‫صائ ِدُ أل ِ‬
‫ر ِ‬
‫م ‪ -‬إ ِل ّ َ‬
‫ه ْ‬
‫ه ْ‬
‫عَلى َ‬
‫ح َ‬
‫خ ِ‬
‫سن َت ِ ِ‬
‫من المسلمين أن يعمل عمل محرما من الكبائر بجــوارحه‪ ،‬تجــد أنــه يســتنكف‬
‫أن يأكل الربا‪ ،‬ويســتنكف أن يشــرب الخمــر‪ ،‬يســتنكف أن يــأتي كــبيرة الزنــا‪،‬‬
‫يستنكف أن يأتي كــبيرة الســحر‪ ،‬يســتنكف أن يــأتي كــبيرة قــذف المحصــنات‬
‫الغافلت‪ ،‬يستنكف أن يأتي كذا وكذا من الكبائر‪ ،‬ولكنه في كبائر اللســان يقــع‬
‫فيها بل مبالة؛ فيقع في النميمة من دون أن يشعر‪ ،‬فينقــل كلمــا‪ ،‬وبــه يف ـّرق‬
‫‪()1‬انتهى الشريط الثامن‪.‬‬

‫شرح الربعين النووية‬
‫‪135‬‬

‫بين المرء وبين أخيه‪ ،‬يقول فلن سمعته يقول فيك كذا وكذا‪ ،‬وهذه نميمــة أن‬
‫تنقل كلما يوقع الضغينة والشر في نفــس مســلم علــى أخيــه المســلم‪ ،‬وهــي‬
‫كبيرة من الكبائر‪ ،‬وهي الحالقة‪ ،‬وَيغتاب‪ ،‬والغيبة محرمة‪ ،‬وهي عنــد كــثير مــن‬
‫ب‬
‫وَل ي َ ْ‬
‫غت َ ْ‬
‫أهــل العلــم كــبيرة‪ ،‬ومــدارها علــى اللســان‪ ،‬وقــد قــال جــل وعل ﴿ َ‬
‫حلللب أ َحلللدك ُ َ‬
‫ن ي َأ ْ ُ‬
‫كللل َ‬
‫مي ًْتلللا‬
‫م أَ ِ‬
‫ضلللا أ َي ُ ِ‬
‫ع ً‬
‫ع ُ‬
‫خيللل ِ‬
‫مأ ْ‬
‫ل لَ ْ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫م بَ ْ‬
‫بَ ْ‬
‫ه َ‬
‫حللل َ‬
‫ُ ْ‬
‫ضلللك ُ ْ‬
‫َ‬
‫ه﴾]الحجرات‪ ،[12:‬قال طائفة من أهل العلم‪ :‬لما شّبه الغيبة بأكل لحم‬
‫ر ْ‬
‫مو ُ‬
‫هت ُ ُ‬
‫فك َ ِ‬
‫الميت دل على أنها من الكبائر؛ لن المشــبه بــه كــبيرة‪ ،‬فيأخــذ المشــبه حكــم‬
‫جــدت‬
‫المشبه به‪ ،‬فدل على أنها من الكبائر‪ .‬وهكذا فـي أصـناف شــتى‪ ،‬فمـا وُ ِ‬
‫العداوات والبغضاء إل باللسان‪ ،‬وما تفرقــت المــة إل باللسـان قبــل العمـال‪،‬‬
‫خب ِلُر َ‬
‫ك‬
‫فاللسان هو مدار المر؛ ولهذا قال عليه الصلة والســلم )أ َل َ أ ُ ْ‬
‫ك بِ ِ‬
‫مل َ ِ‬
‫ذَل ِ َ‬
‫ه؟( يعني برأس المر وعموده وذروة سنامه‪ ،‬قال )بلى يللا رسللول‬
‫ك ك ُل ّ ِ‬
‫عل َي ْ َ‬
‫ه َ‬
‫ذا(‪ ،‬فهذه وصية عظيمة‪ ،‬وسـبب التعـذيب‪ ،‬تعـذيب‬
‫ف َ‬
‫ك َ‬
‫الله(‪ ،‬قال )ك ّ‬
‫حذ ََر‬
‫كثيرين في النار‪ ،‬أنهم لم يكفوا ألسنتهم عما ل يحل لهم؛ فلهذا علينا أن ن َ ْ‬
‫اللسان أعظم الحذر‪ ،‬فنوصي بهذه الوصية التي أوصــى بهــا المصــطفى عليــه‬
‫عل َي ْ َ‬
‫ه َ‬
‫ذا(‪.‬‬
‫ف َ‬
‫ك َ‬
‫الصلة والسلم بقوله )ك ّ‬
‫سـَنه‪ ،‬فــإذا‬
‫فأوصي نفسي وإياكم بأن نكف ألسنتنا‪ ،‬إل عــن شــيء علمنــا ُ‬
‫ح ْ‬
‫عب َللاِدي ي َ ُ‬
‫و ُ‬
‫قل ْ‬
‫قول ُللوا ال ّت ِللي‬
‫ل لِ ِ‬
‫خاطبنا إخواننا‪ ،‬فلنخاطبهم بالتي هي أحسن ﴿ َ‬
‫َ‬
‫ه لوالــدك‪ ،‬لوالــدتك‪،‬‬
‫ِ‬
‫يأ ْ‬
‫ح َ‬
‫س ُ‬
‫ن﴾]الســراء‪ ،[53:‬أحسن مــا تجــد مــن اللفــظ قُل ْـ ُ‬
‫ه َ‬
‫لخوانك‪ ،‬لخواتك‪ ،‬لهلك‪ ،‬لخوانك المؤمنين؛ لنه بهذا تبعــد مــدخل الشــيطان‬
‫في التفريق ما بين أهل اليمان‪.‬‬
‫وما حصل‪ ،‬ما حصل في تاريخ السلم‪ ،‬وفي زماننا هذا من أمور منكــرة إل‬
‫بسبب إطلق اللسان فيما ل ُيعلم أنه من الحق‪ ،‬وكل يتكلم بما شــاء‪ ،‬فحصــل‬
‫ما لم يحمد‪ ،‬نسأل الله جل وعل أن يلزمني وإياكم ما فيه صــلحنا فــي قلوبنــا‬
‫وألسنتنا وجوارحنا‪.‬‬
‫‪‬‬
‫الحديث الثلثون ‪‬‬
‫خ َ‬
‫ن‬
‫وعن أبي ث َعَْلبة ال ُ‬
‫م بن نا ِ‬
‫ر‪  ،‬قال‪ :‬قال رسول الله ‪» ‬إ ِ ّ‬
‫شني ُ‬
‫جْرُثو َ‬
‫ش ٍ‬
‫دا َ‬
‫ض‪َ ،‬‬
‫ض َ‬
‫عاَلى[ َ‬
‫ها‪،‬‬
‫دو َ‬
‫عو َ‬
‫فل َ ت ُ َ‬
‫عت َل ُ‬
‫فل َ ت َ ْ‬
‫دو ً‬
‫ح ُ‬
‫حدّ ُ‬
‫و َ‬
‫ضي ّ ُ‬
‫ه ]ت َ َ‬
‫الل َ‬
‫فَرائ ِ َ‬
‫فَر َ‬
‫ها‪َ ،‬‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ه ُ‬
‫م‪َ ،‬‬
‫ء‪َ ،‬‬
‫نأ ْ‬
‫مأ ْ‬
‫غي ْلَر‬
‫ت َ‬
‫مل ً‬
‫كو َ‬
‫شَيا َ‬
‫ش لَياءَ ]َر ْ‬
‫و ّ‬
‫سك َ َ‬
‫حر َ‬
‫و َ‬
‫ع ْ‬
‫ة[ ل َك ُل ْ‬
‫ح َ‬
‫ها‪َ ،‬‬
‫َ‬
‫فل َ ت َن ْت َ ِ‬
‫ن‪َ ،‬‬
‫ها« ]حديث حسن‪ ،‬رواه الدارقطني وغيره‪[.‬‬
‫حُثوا َ‬
‫فل َ ت َب ْ َ‬
‫عن ْ َ‬
‫نِ ْ‬
‫سَيا ٍ‬
‫]الشرح[‬
‫عَلبللة‬
‫هــذا الحــديث أيضــا مــن الحــاديث الصــول العظيمــة‪) ،‬عن أبللي ث َ ْ‬
‫خ َ‬