‫‪1‬‬

‫زاد المعاد‬
‫في هدي خير‬
‫العباد‬
‫للمام العلمة شيخ السلم‬
‫محمد بن أبى بكر الزرعى‬
‫ابن قيم الجوزية‬
‫الجزء الول‬

‫‪2‬‬

‫ترجمة ابن قيم الجوزية رحمه ال من كتاب "ذيل طبقات الحنابلة" لتلميذه الحافظ ابن رجب‬
‫الحنبلي رحمه ال ‪ ،‬قال ‪:‬‬
‫هو محمد بن أبي بكر بن أيوب بن سعد بن جريز الزرعي‪ ،‬ثم الدمشقي الفقيه الصولي‪ ،‬المفسر‬
‫النحوي‪ ،‬العارف‪ ،‬شمس الدين أبو عبد ال بن قيم الجوزية ؛ شيخنا‪.‬‬
‫ولد سنة إحدى وتسعين وستمائة ‪ ،‬وتفقه في مذهب المام أحمد‪ ،‬وبرع وأفتى‪ ،‬ولزم الشيخ تقي‬
‫الدين بن تيمية وأخذ عنه‪ .‬وتفنن في علوم الِسلم‪.‬‬
‫وكان عارفاً بالتفسير ل يجارى فيه‪ ،‬وبأصول الدين‪ ،‬وإليه فيهما المنتهى ‪ ،‬والحديث ومعانيه‬
‫وفقهه‪ ،‬ودقائق الستنباط منه‪ ،‬ل يلحق في ذلك‪ ،‬وبالفقه وأصوله وبالعربية‪ ،‬وله فيها اليد الطولى‪،‬‬
‫وتعلم الكلم والنحو وغير ذلك‪ ،‬وكان عالمًا بعلم السلوك‪ ،‬وكلم أهل التصوف‪ ،‬وإشاراتهم‪،‬‬
‫ودقائقهم‪ .‬له في كل فن من هذه الفنون اليد الطولى‪.‬‬
‫قال الذهبي في المختصر‪ :‬عنى بالحديث ومتونه‪ ،‬وبعض رجاله‪ .‬وكان يشتغل في الفقه‪ ،‬ويجيد‬
‫تقريره وتدريسه‪ ،‬وفي الصلين‪ .‬وقد حبس مدة‪ ،‬لِنكاره شد الرحال إلى قبر الخليل‪ ،‬وتصدى‬
‫للشغال‪ ،‬وإقراء العلم ونشره‪.‬‬
‫قلت‪ :‬وكان رحمه ال ذا عبادة وتهجد‪ ،‬وطول صلة إلى الغاية القصوى‪ ،‬وتأله ولهج بالذكر‪،‬‬
‫وشفف بالمحبة‪ ،‬والِنابة والستغفار‪ ،‬والفتقار إلى ال‪ ،‬والنكسار له‪ ،‬والطراح بين يديه على‬
‫عتبة عبوديته‪ ،‬لم أشاهد مثله في ذلك‪ ،‬ول رأيت أوسع منه علماً‪ ،‬ول أعرف بمعاني القرآن والسنة‬
‫وحقائق اليمان منه‪ ،‬وليس هو المعصوم‪ ،‬ولكن لم أرَ في معناه مثله‪ .‬وقد امتحن وأوفي مرات‪،‬‬
‫وحبس مع الشيخ تقي الدين ابن تيمية في المرة الخيرة بالقلعة‪ ،‬منفرداً عنه‪ ،‬ولم يفرج عنه إل بعد‬
‫موت الشيخ‪.‬‬
‫وكان في مدة حبسه مشتغلً بتلوة القراَن بالتدبر والتفكر‪ ،‬ففتح عليه من ذلك خير كثير‪ ،‬وحصل‬
‫له جانب عظيم من الذواق والمواجيد الصحيحة‪ ،‬وتسلط بسبب ذلك على الكلم في علوم أهل‬
‫المعارف‪ ،‬والدخول في غوامضهم‪ ،‬وتصانيفه ممتلئة بذلك‪ ،‬وحج مرات كثيرة‪ ،‬وجاور بمكة‪ .‬وكان‬
‫أهل مكة يذكرون عنه من شدة العبادة‪ ،‬وكثرة الطواف أمراً يتعجب منه‪ .‬ولزمت مجالسه قبل‬
‫موته أزيد من سنة ‪ ،‬وسمعت عليه "قصيدته النونية الطويلة" في السنة‪ ،‬وأشياء من تصانيفه‪،‬‬
‫وغيرها‪ .‬وأخذ عنه العلم خلق كثير من حياة شيخه وإلى أن مات‪ ،‬وانتفعوا به‪ ،‬وكان الفضلء‬
‫يعظمونه‪ ،‬ويتتلمذون له‪ ،‬كابن عبد الهادي وغيره‪.‬‬

‫‪3‬‬

‫وقال القاضي برهان الدين الزرعي عنه‪ :‬ما تحت أديم السماء أوسع علمًا منه‪.‬‬
‫ودرس بالصدرية‪ .‬وأمّ بالجوزية مدة طويلة‪ .‬وكتب بخطه ما ل يوصف كثرة‪ .‬وصنف تصانيف‬
‫كثيرة جدًا في أنواع العلم‪ .‬وكان شديد المحبة للعلم‪ ،‬وكتابته ومطالعته وتصنيفه‪ ،‬واقتناء الكتب‪،‬‬
‫واقتنى من الكتب ما لم يحصل لغيره‪.‬‬
‫فمن تصانيفه‪ :‬كتاب "تهذيب سنن أبي داود" وإيضاح مشكلته‪ ،‬والكلم على ما فيه من الحاديث‬
‫المعلولة مجلد‪ ،‬كتاب "سفر الهجرتين وباب السعادتين" مجلد ضخم‪ ،‬كتاب "مراحل السائرين بين‬
‫س َتعِين" مجلدان‪ ،‬وهو شرح "منازل السائرين" لشيخ الِسلم النصاري‪،‬‬
‫ك نَ ْ‬
‫ك َن ْعبُ ُد وإيا َ‬
‫منازل" إيا َ‬
‫كتاب جليل القمر‪ ،‬كتاب "عقد محكم الحباء‪ ،‬بين الكلم الطيب والعمل الصالح المرفوع إلى رب‬
‫السماء" مجلد ضخم‪ ،‬كتاب "شرح أسماء الكتاب العزيز" مجلد‪ ،‬كتاب "زاد المسافرين إلى منازل‬
‫السعداء في هدى خاتم النبياء" مجلد‪ ،‬كتاب "زاد المعاد في هدى خير العباد" أربع مجلدات‪ ،‬وهو‬
‫كتاب عظيم جداً‪ ،‬كتاب "جلء الفهام في ذكر الصلة والسلم على خير النام" وبيان أحاديثها‬
‫وعللها مجلد‪ ،‬كتاب "بيان الدليل على استغناء المسابقة عن التحليل" مجلد‪ ،‬كتاب "نقد المنقول‬
‫والمحك المميز بين المردود والمقبول" مجلد‪ ،‬كتاب "إعلم الموقعين عن رب العالمين" ثلث‬
‫مجلدات‪ ،‬كتاب "بدائع الفوائد" مجلدان "الشافية الكافية في إلنتصار للفرقة الناجية" وهي‬
‫"القصيدة النونية في السنة" مجلدان‪ ،‬كتاب "الصواعق المنزلة على الجهمية والمعطلة لما في‬
‫مجلدات‪ ،‬كتاب "حادي الرواح إلى بلد الفراح" وهو كتاب "صفة الجنة" مجلد‪ ،‬كتاب "نزهة‬
‫المشتاقين وروضة المحبين" مجلد‪ ،‬كتاب "الداء والدواء" مجلد‪ ،‬كتاب "تحفة الودود في أحكام‬
‫المولود" مجلد لطيف‪ ،‬كتاب "مفتاح دار السعادة" مجلد ضخم‪ ،‬كتاب "اجتماع الجيوش السلمية‬
‫على غزو الفرقة الجهمية" مجلد‪ ،‬كتاب "مصائد الشيطان" مجلد‪ ،‬كتاب "الفرق الحكمية" مجلد‬
‫"رفع اليدين في الصلة" مجلد‪ .‬كتاب "نكاح المحرم" مجلد "تفضيل مكة على المدينة" مجلد‬
‫"فضل العلماء" مجلد "عدة الصابرين" مجلد كتاب "الكبائر" مجلد "حكم تارك الصلة" مجلد‪،‬‬
‫كتاب "نور المؤمن وحياته" مجلد‪ ،‬كتاب "حكم إغمام هلل رمضان"‪" ،‬التحرير فيما يحل‪،‬‬
‫ويحرم من لباس الحرير"‪" ،‬جوابات عابدي الصلبان‪ ،‬وأن ما هم عليه دين الشيطان"‪" ،‬بطلن‬
‫الكيمياء من أربعين وجهاً" مجلد "الفرق بين الخلة والمحبة‪ ،‬ومناظرة الخليل لقومه" مجلد "الكلم‬
‫الطيب والعمل الصالح" مجلد لطيف "الفتح القدسي"‪" ،‬التحفة المكية" كتاب "أمثال القرآن" "شرح‬

‫‪4‬‬

‫السماء الحسنى"‪" ،‬أيمان القرآن"‪" ،‬المسائل الطرابلسية" ثلث مجلدات "الصراط المستقيم في‬
‫أحكام أهل الجحيم" مجلدان‪ ،‬كتاب " الطاعون" مجلد لطيف‪.‬‬
‫توفى رحمه ال وقت عشاء الخرة ليلة الخميس ثالث عشرين رجب سنة إحدى وخمسين‬
‫وسبعمائة‪ .‬وصلّى عليه من الغد بالجامع عقيب الظهر‪ ،‬ثم بجامع جراح‪ .‬ودفن بمقبرة الباب‬
‫الصغير‪ ،‬وشيعه خلق كثير‪ ،‬ورئيت له منامات كثيرة حسنة رضي الّ عنه‪ .‬وكان قد رأى قبل موته‬
‫بمدة الشيخ تقي الدين رحمه ال في النوم‪ ،‬وسأله عن منزلته؟ فأشار إلى علوها فوق بعض الكابر‪.‬‬
‫ثم قال له‪ :‬وأنت كدت تلحق بنا‪ ،‬ولكن أنت الن في طبقة ابن خزيمة رحمه الّ‪.‬‬

‫زاد المعاد في هدي خير العباد‬
‫الجزء الول‬
‫بسم ال الرحمن الرحيم‬
‫حسبي ال ونعم الوكيل‬
‫مق ّدمَة المؤلف‬
‫ل إِله‬
‫ب العالمين‪ ،‬والعاقبة للمتقين‪ ،‬ول عُدوان إل على الظالمين‪ ،‬ول إِلهَ إل ا ّ‬
‫لر ّ‬
‫الحمد ّ‬
‫ك يوم الدين‪ ،‬الذي ل فوز إل في طاعته‪ ،‬ول‬
‫ت والرضين‪ ،‬ومال ُ‬
‫الوّلين والخرين‪ ،‬وقيّوم السماوا ِ‬
‫عزّ إل في التذلل لعظمته‪ ،‬ول غنى إل في الفتقار إلى رحمته‪ ،‬ول هدى إل في الستهداء بنوره‪،‬‬
‫ِ‬
‫ول حياة إل في رضاه‪ ،‬ول نعيم إل في قربه‪ ،‬ول صلح للقلب ول فلح إل في الِخلص له‪،‬‬
‫وتوحيد حبّه‪ ،‬ألذي إذا أُطيع شكر‪ ،‬وإذا عُصي تاب وغفر‪ ،‬وإذا دُعي أَجاب‪ ،‬وإذا عُومل أثاب‪.‬‬
‫ل الذي شهدت له بالربوبية جميعُ مخلوقاته‪ ،‬وأقرّت له بالِلهية جميع مصنوعاته‪،‬‬
‫والحمد ّ‬
‫ل الذي ل إل َه إل هو بما أودعها من عجائب صنعته‪ ،‬وبدائع آياته‪ ،‬وسبحان الِّ‬
‫وشهدت بأنّه ا ّ‬
‫وبحمده‪ ،‬عدد خلقه‪ ،‬و ِرضَى نفسه‪َ ،‬و ِزنَةَ عرشه‪ ،‬ومِدَاد كلماته‪ .‬ول إِلهَ إل الّ وحده‪ ،‬ل شريك له‬
‫في إِلهيته‪،‬كما ل شريك له في ربوبيته‪ ،‬ول شبيه له في ذاته ول في أفعاله ول في صفاته‪ ،‬والّ‬
‫ل بكرة وأصيل‪ ،‬وسبحان من سبّحت له ا لسماواتُ‬
‫ل كثيراً‪ ،‬وسبحان ا ّ‬
‫أكبر كبيراً‪ ،‬والحمد ّ‬
‫وأملكُها‪ ،‬والنجومُ وأفلكها‪ ،‬والرضُ وسكانها‪ ،‬والبحارُ وحِيتانها‪ ،‬والنجومُ والجبال‪ ،‬والشجر‬

‫‪5‬‬

‫سبْعُ‬
‫سبّح لَ ُه السّماوَاتُ ال ّ‬
‫ل رطب ويابس‪ ،‬وكل حي وميت {تُ َ‬
‫والدواب‪ ،‬والكامُ والرّمال‪ ،‬وك ّ‬
‫حلِيماً‬
‫حهُ ْم ِإنّه كَانَ َ‬
‫سبِي َ‬
‫ل تَفْ َقهُونَ تَ ْ‬
‫حمْ َد ِه َوَلَـكِن ّ‬
‫سبّح بِ َ‬
‫ل يُ َ‬
‫شيْ ٍء إِ ّ‬
‫ن َوإِن مّن َ‬
‫ض َومَن فِيهِ ّ‬
‫وَالرْ ُ‬
‫غَفُوراً} [السراء‪.]44 :‬‬
‫ض والسماوات‪،‬‬
‫وأشهد أن ل إِله إل الّ وحدَه ل شريك له‪ ،‬كلمةٌ قامت بها الر ُ‬
‫ل تعالى رسلَهُ‪ ،‬وأنزل كتبه‪ ،‬وشرع شرائعه‪،‬‬
‫خلِقت لجلها جميع المخلوقات‪ ،‬وبها أرسل ا ّ‬
‫وُ‬
‫ت الدواوين‪ ،‬وقام سوق الجنة والنار‪ ،‬وبها انقسمت الخليقة إلى‬
‫ضعَ ِ‬
‫ص َبتِ الموازينُ‪ ،‬وو ِ‬
‫ولجلها ُن ِ‬
‫ق الذي‬
‫المؤمنين والكفار‪ ،‬والبرارِ والفجار‪ ،‬فهي منشُأ الخلق والمر‪ ،‬والثوابِ والعقاب‪ ،‬وهي الح ّ‬
‫ب والعقابُ‪ ،‬وعليها‬
‫خلقت له الخليقة‪ ،‬وعنها وعن حقوقها السؤال والحساب‪ ،‬وعليها يقع الثوا ُ‬
‫جرّ َدتْ سيوفُ الجهاد‪ ،‬وهي حقّ الِّ على جميع العباد‪،‬‬
‫ت المِلة‪ ،‬ولجلها ُ‬
‫ت القِبلةُ‪ ،‬وعليها أُسّس ِ‬
‫نُصبَ ِ‬
‫فهي كلمةُ الِسلم‪ ،‬ومفتاح دار السلم‪ ،‬وعنها يسأل الولون والخرون‪ ،‬فل تزول قدما العبد بين‬
‫يدي الّ حتى يسأل عن مسألتين‪ :‬ماذا كنتم تعبدون؟ وماذا أجَبتُم المرسلين؟‬
‫فجواب الولى بتحقيق ((ل إله إل الّ)) معرفةً وإقرارًا وعملً‪.‬‬
‫وجواب الثّانية بتحقيق ((أن محمّداً رسول الّ)) معرف ًة وإقراراً‪ ،‬وانقياداً‬
‫وطاعةً‪.‬‬
‫وفيها تقدير رابع‪ ،‬وهو خطأ من جهة المعنى‪ ،‬وهو أن تكون ((مَنْ)) في موضع رفع عطفاً‬
‫ض الناس‪ ،‬فهو خطأ محض‪،‬‬
‫على اسم الّ‪ ،‬ويكون المعنى‪ :‬حسبُك الّ وأتباعُك‪ ،‬وهذا وإن قاله بع ُ‬
‫ل وحده‪ ،‬كالتوكل والتقوى والعبادة‪ ،‬قال‬
‫ل الية عليه‪ ،‬فإن ((الحسب)) و ((الكفاية)) ّ‬
‫ل يجوز حم ُ‬
‫ص ِرهِ َوبِا ْل ُم ْؤ ِمنِينَ} [النفال‪:‬‬
‫ي َأيّدكَ ِب َن ْ‬
‫س َبكَ الّ ُه َو الّذ َ‬
‫الّ تعالى‪َ { :‬وإِن ُيرِي ُد َواْ أَن يَخْدَعُوكَ فَإِنّ حَ ْ‬
‫‪ .]62‬ففرّق بين الحسب والتأييد‪ ،‬فجعل الحسبَ له وحدَه‪ ،‬وجعل التأييد له بنصره وبعباده‪ ،‬وأثنى‬
‫ل َلهُمُ‬
‫الّ سبحانه على أهل التوحيد والتوكل مِن عباده حيث أفردوه بالحسب‪ ،‬فقال تعالى‪{ :‬الّذينَ قَا َ‬
‫ل َو ِنعْمَ ا ْل َوكِيلُ} [آل عمران‪:‬‬
‫س ُبنَا ا ّ‬
‫شوْهُمْ َفزَادَهُ ْم إِيمَانًا وَقَالُواْ حَ ْ‬
‫خَ‬
‫ج َمعُواْ َلكُمْ فَا ْ‬
‫ن النّاس قَدْ َ‬
‫النّاس إِ ّ‬
‫‪ .]173‬ولم يقولوا‪ :‬حسبنا الّ ورسوله‪ ،‬فإذا كان هذا قولَهم‪ ،‬ومدح الرب تعالى لهم بذلك‪ ،‬فكيف‬
‫يقول لرسوله‪ :‬الّ وأتباعُك حسبُك‪ ،‬وأتباعه قد أفردوا الرب تعالى بالحسب‪ ،‬ولم يُشركوا بينه وبين‬
‫رسوله فيه‪ ،‬فكيف يُشرك بينهم وبينه في حسب رسوله؟! هذا مِن أمحل المحال وأبطل الباطل‪،‬‬
‫ل مِن‬
‫س ُي ْؤتِينَا ا ّ‬
‫س ُبنَا الّ َ‬
‫ل َورَسُولُهُ وَقَالُواْ حَ ْ‬
‫ض ْواْ مَا آتَاهُمُ ا ّ‬
‫ونظيرُ هذا قولُه تعالى‪َ { :‬وَل ْو َأنّهمْ َر ُ‬
‫غبُونَ} [التوبة‪ .]59 :‬فتأمل كيف جعل الِيتاء لّ ولرسوله‪ ،‬كما قال‬
‫ل رَا ِ‬
‫ضلِهِ َورَسُولُ ُه ِإنّا ِإلَى ا ّ‬
‫َف ْ‬

‫‪6‬‬

‫عنْهُ فَان َتهُواْ } [الحشر‪ .]7 :‬وجعل الحسبَ له وحده‪،‬‬
‫تعالى‪َ { :‬ومَآ آتَاكُ ُم الرّسولُ فَخُذُو ُه َومَا َنهَاكُمْ َ‬
‫غبُونَ}‬
‫ل رَا ِ‬
‫ل ورسولُه‪ ،‬بل جعله خالصَ حقّه‪ ،‬كما قال تعالى‪ِ{ :‬إنّا ِإلَى ا ّ‬
‫فلم يقل‪ :‬وقالوا‪ :‬حسبنا ا ّ‬
‫غتَ‬
‫[التوبة‪ .]59 :‬ولم يقل‪ :‬وإلى رسوله‪ ،‬بل جعل الرغبة إليه وحدَه‪ ،‬كما قال تعالى‪{ :‬فَإذَا َفرَ ْ‬
‫صبْ * وإِلى َر ّبكَ فَارغَب} [الشرح‪ ،]8-7 :‬فالرغبةُ‪ ،‬والتوكل‪ ،‬والِنابةُ‪ ،‬والحسبُ لِّ وحده‪،‬‬
‫فَا ْن َ‬
‫كما أن العباد َة والتقوى‪ ،‬والسجود لّ وحدَه‪ ،‬والنذر والحلف ل يكون إل لّ سبحانه وتعالى‪ .‬ونظيرُ‬
‫عبْ َدهُ} [الزمر‪ .]36 :‬فالحسبُ‪ :‬هو الكافي‪ ،‬فأخبر سبحانه وتعالى‬
‫ل ِبكَافٍ َ‬
‫هذا قوله تعالى‪َ{ :‬أَل ْيسَ ا ّ‬
‫أنّه وحده كافٍ عبدَه‪ ،‬فكيف يجعل أتباعه مع الّ في هذه الكفاية؟! والدلة الدّالة على بطلن هذا‬
‫التأويل الفاسد أكثر من أن تذكر هاهنا‪.‬‬
‫والمقصو ُد أن بحسب متابعة الرسول تكونُ العزّة والكفاية والنّصرة‪ ،‬كما أن بحسب‬
‫متابعته تكونُ الهدايةُ والفلح والنجاة‪ ،‬فالّ سبحانه علّق سعادة الدارين بمتابعته‪ ،‬وجعل شَقاوة‬
‫الدارين في مخالفته‪ ،‬فلتباعه الهدى والمن‪ ،‬والفلحُ والعزّة‪ ،‬والكفاية والنصرة‪ ،‬والوِلية والتأييد‪،‬‬
‫وطيبُ العيش في الدنيا والخرة‪ ،‬ولمخالفيه الذّل ُة والصّغار‪ ،‬والخوفُ والضلل‪ ،‬والخِذلن والشقاءُ‬
‫ب ِإَليْهِ‬
‫ح ّ‬
‫حتّى َيكُونَ هو أَ َ‬
‫ن أَحَ ُدكُم َ‬
‫في الدنيا والخرة‪ .‬وقد أقسم صلى ال عليه وسلم بأن ((ل يُؤمِ ُ‬
‫ن مَن ل يُحكّمه في كل ما تنازع فيه‬
‫ج َمعِينَ)) وأقسم الّ سبحانه بأن ل يؤم ُ‬
‫مِن َولَده َووَالِدِه وَالنّاسِ أَ ْ‬
‫هو وغيرُه‪ ،‬ثم يَرضى بحُكمه‪ ،‬ول يَجِدُ في نفسه حرجًا ممّا حكم به ثم يُسلم له تسليماً‪ ،‬وينقاد له‬
‫خ َي َر ُة مِنْ‬
‫ل َورَسُولُ ُه َأمْراً أَن َيكُونَ َلهُ ُم الْ ِ‬
‫ن وَلَ ُم ْؤ ِمنَ ٍة إِذَا َقضَى ا ّ‬
‫ن ِل ُم ْؤمِ ٍ‬
‫انقياداً وقال تعالى‪َ { :‬ومَا كَا َ‬
‫ل مّبيناً} [الحزاب‪ .]36 :‬فقطع سبحانه وتعالى‬
‫ل َورَسُولَهُ فَقَ ْد ضَلّ ضَلَ ً‬
‫َأ ْمرِهِمْ َومَن َيعْصِ ا ّ‬
‫التخيير بعد أمره وأمر رسوله‪ ،‬فليس لمؤمن أن يختار شيئًا بعد أمره صلى ال عليه وسلم‪ ،‬بل إذا‬
‫خ َي َرةُ في قول غيره إذا خفي أمرُه‪ ،‬وكان ذلك الغيرُ مِن أهل العلم به‬
‫أمر‪ ،‬فأمرُه حتم‪ ،‬وإنما ال ِ‬
‫ل غيره سائغَ التباع‪ ،‬ل واجب التباع‪ ،‬فل يجب على أحد اتباعُ‬
‫وبسنته‪ ،‬فبهذه الشروط يكونُ قو ُ‬
‫قول أحد سواه‪ ،‬بل غايتُه أنّه يسوغ له اتباعُه‪ ،‬ولو َت َركَ الخذ بقول غيره‪ ،‬لم يكن عاصياً لّ‬
‫ورسوله‪ .‬فأين هذا ممن يجب على جميع المكلفين اتباعُه‪ ،‬ويحرم عليهم مخالفتُه‪ ،‬ويجب عليهم تركُ‬
‫ل من سواه‪،‬‬
‫كل قول لقوله؟ فل حكم لحد معه‪ ،‬ول قولَ لحد معه‪ ،‬كما ل تشريع لحد معه‪ ،‬وك ّ‬
‫فإنما يجب اتباعُه على قوله إذا أمر بما أمر به‪ ،‬ونهى عما نهى عنه‪ ،‬فكان مبلغاً محضًا ومخبراً ل‬
‫منشئاً ومؤسساً‪ ،‬فمن أنشأ أقوالً‪ ،‬وأسس قواعدَ بحسب فهمه وتأويله‪ ،‬لم يجب على المّة اتباعُها‪،‬‬
‫ول التحاكم إليها حتى تُعرَض على ما جاء به الرسولُ‪ ،‬فإن طابقته‪،‬ووافقته‪،‬وشهد لها بالصحة‪،‬‬

‫‪7‬‬

‫ج ِعَلتْ موقوفة‪،‬‬
‫ُق ِبَلتْ حينئذٍ‪ ،‬وإن خالفته‪ ،‬وجب ردّها واطّراحُها‪ ،‬فإن لم يتبين فيها أح ُد المرين‪ُ ،‬‬
‫ن أحوالها أن يجوزَ الحك ُم والِفتاء بها وتركه‪ ،‬وأما أنه يجب ويتعين‪ ،‬فكل‪ ،‬ولما‪.‬‬
‫وكان أحس ُ‬
‫وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله‪ ،‬وأمينه على وحيه‪ ،‬وخِيرته من خلقه‪،‬‬
‫وسفيرُه بينه وبين عباده‪ ،‬المبعوث بالدين القويم‪ ،‬والمنهج المستقيم‪ ،‬أرسله الّ رحم ًة للعالمين‪،‬‬
‫وإمامًا للمتقين‪ ،‬وحج ًة على الخلئق أجمعين‪ .‬أرسله على حين فترة من الرسل‪ ،‬فهدى به إلى أقومِ‬
‫الطرق وأوضح السّبل‪ ،‬وافترض على العباد طاعتَه وتعزيره وتوقيره ومحبته‪ ،‬والقيام بحقوقه‪،‬‬
‫وس ّد دون جنَته الطرق‪ ،‬فلن تفتح لحد إل من طريقه‪ ،‬فشرح له صدرَه‪ ،‬ورفع له ِذكْره‪ ،‬ووضع‬
‫عنه وِزره‪ ،‬وجعل ال ّذلَةَ والصّغار على من خالف أمره‪ .‬ففي ((المسند)) من حديث أبي منيب‬
‫ل صلى ال عليه وسلم‪ُ (( :‬ب ِع ْثتُ‬
‫جرَشي‪،‬عن عبد ال بن عمر رضي ال عنهما قال‪ :‬قال رسول ا ّ‬
‫ال ُ‬
‫جعِلَ‬
‫ل رمُحي‪ ،‬و ُ‬
‫ل رِزقي تحتَ ظِ َ‬
‫جعِ َ‬
‫ف بَينَ يدِي الساعةِ حتى ُي ْعبَدَ الُّ وحدَه ل شريكَ له‪ ،‬و ُ‬
‫بالسّي ِ‬
‫ن الذّلة مضروبة على‬
‫صغَار على مَنْ خالف أمري‪ ،‬ومن تشبّه بِقَومٍ‪ ،‬فهو منهم)) وكما أ ّ‬
‫ال ّذلَةُ وال ّ‬
‫ح َزنُوا َوَأ ْنتُمُ‬
‫ل َت ِهنُوا وَلَ َت ْ‬
‫من خالف أمره‪ ،‬فال ِعزّة لهل طاعته ومتابعته‪ ،‬قال الّ سبحانه‪{ :‬وَ َ‬
‫لِ ا ْل ِعزّة َوِلرَسُولِهِ َوِل ْل ُم ْؤ ِمنِينَ َوَلَـكِنّ‬
‫ن ُك ْنتُمْ ّم ْؤ ِمنِينَ} [آل عمران‪ .]139 :‬وقال تعالى‪َ { :‬و ّ‬
‫ن إِ ْ‬
‫عَلوْ َ‬
‫ال ْ‬
‫عَلوْنَ وَالّ‬
‫سلْ ِم َوأَنتُمُ ال ْ‬
‫عوَ ْا ِإلَى ال ّ‬
‫ل َت ِهنُو ْا َوتَدْ ُ‬
‫ل َي ْعَلمُونَ} [المنافقون‪ .]8 :‬وقال تعالى‪{ :‬فَ َ‬
‫ا ْل ُمنَافِقِينَ َ‬
‫َم َعكُمْ} [محمد‪.]35 :‬‬
‫ن ا ْل ُم ْؤ ِمنِينَ}‬
‫ن اتّب َعكَ مِ َ‬
‫ل َومَ ِ‬
‫س ُبكَ ا ُ‬
‫وقال تعالى‪َ { :‬يَأيّها النّبيّ حَ ْ‬
‫[النفال‪ ]64 :‬أي‪ :‬الُّ وحده كافيك‪ ،‬وكافي أتباعِك‪ ،‬فل تحتاجون معه إلى أحد‪.‬‬
‫وهنا تقديران‪ ،‬أحدُهما‪ :‬أن تكون الواو عاطفة لـ (مَنْ) على الكاف المجرورة‪ ،‬ويجوز‬
‫شبَهُ‬
‫العطف على الضمير المجرور بدون إعادة الجار على المذهب المختار‪ ،‬وشواهدُه كثيرة‪ ،‬وَ ُ‬
‫المنع منه واهِية‪.‬‬
‫والثاني‪ :‬أن تكون الواو وَا َو (مع) وتكون (مَن) في محل نصب عطفًا على الموضع‪( ،‬فإن‬
‫ن اتبعك‪ ،‬كما تقول العرب‪ :‬حسبك وزيداً درهم‪،‬‬
‫لّ يكفيك ويكفي مَ ِ‬
‫حسبك) في معنى (كافيك)‪ ،‬أي‪ :‬ا ُ‬
‫قال الشّاعر‪:‬‬
‫ت ال َهيْجَا ُء وَانْشَ ّقتِ ال َعصَا‬
‫إِذَا كَا َن ِ‬
‫ح التقديرين‪.‬‬
‫وهذا أص ّ‬

‫ف ُم َهنّد‬
‫س ْي ٌ‬
‫ك وَالضحّاكَ َ‬
‫س ُب َ‬
‫فَحَ ْ‬

‫‪8‬‬

‫وفيها تقدير ثالث‪ :‬أن تكون (مَنْ) في موضع رفع بالبتداء‪ ،‬أي‪ :‬ومن اتبعك من المؤمنين‪،‬‬
‫فحس ُبهُم الُّ‪.‬‬
‫وبعدُ‪ ،‬فإنّ الّ سبحانه وتعالى هوالمنفردُ بالخلق والختيار من المخلوقات‪ ،‬قال الّ تعالى‪:‬‬
‫ختَارُ} [القصص‪ .]68 :‬وليس المراد هاهنا بالختيار الِرادة التي يُشير‬
‫ق مَا يَشَا ُء َويَ ْ‬
‫خلُ ُ‬
‫{ َو َربّك يَ ْ‬
‫إليها المتكلمون بأنه الفاعل المختار ‪ -‬وهو سبحانه ‪-‬كذلك‪ ،‬ولكن ليس المرادُ بالختيار هاهنا هذا‬
‫ق مَا يَشَاءُ}‪ ،‬فإنه ل يخلُق إل باختياره وداخل في قوله‬
‫خلُ ُ‬
‫المعنى‪ ،‬وهذا الختيار داخل في قوله‪{ :‬يَ ْ‬
‫تعالى‪{ :‬مَا يَشَاءُ}‪ ،‬فإن المشيئة هي الختيارُ‪ ،‬وإنما المرادُ بالختيار هاهنا‪ :‬الجتباء والصطفاء‪،‬‬
‫فهو اختيارٌ بعدَ الخلق‪ ،‬والختيارُ العام اختيارٌ قبل الخلق‪ ،‬فهو أعم وأسبق‪ ،‬وهذا أخصّ‪ ،‬وهو‬
‫متأخر‪ ،‬فهو اختيارٌ من الخلق‪ ،‬والول اختيارٌ للخلق‪.‬‬
‫خ َي َرةُ} نفياً‪ ،‬أي‪ :‬ليس‬
‫ن َلهُم ال ِ‬
‫ح القولين أن الوقف التام على قوله‪َ { :‬ويَخْتار} ويكون {مَا كَا َ‬
‫وأص ّ‬
‫هذا الختيار إليهم‪ ،‬بل هو إلى الخالق وحده‪ ،‬فكما أنه المنفرد بالخلق‪ ،‬فهو المنفرد بالختيار منه‪،‬‬
‫فليس لحد أن يخلق‪ ،‬ول أن يختار سواه‪ ،‬فإنه سبحانه أعلم بمواقع اختياره‪َ ،‬ومَحَالّ رضاه‪ ،‬وما‬
‫يصلُح للختيار مما ل يصلح له‪ ،‬وغيرُه ل يُشاركه في ذلك بوجه‪.‬‬
‫ن لهُمُ‬
‫وذهب بعض من ل تحقيق عنده‪ ،‬ول تحصيل إلى أن ((ما)) في قوله تعالى‪{ :‬مَا كَا َ‬
‫خ َي َرةُ} موصولة‪ ،‬وهي مفعول ((ويختار)) أي‪ :‬ويختار الذي لهم الخيرة‪ ،‬وهذا باطل من وجوه‪.‬‬
‫ال ِ‬
‫أحدُها‪ :‬أن الصلة حينئذٍ تخلو من العائد‪ ،‬لن ((الخِيرةَ)) مرفوع بأنه اسم ((كان)) والخبر ((لهم))‪،‬‬
‫ن قيل‪ :‬يمكن‬
‫فيصير المعنى‪ :‬ويختار المر الذي كان الخير ُة لهم‪ ،‬وهذا التركيبُ محال من القول‪ .‬فإ ْ‬
‫تصحيحُه بأن يكون العائد محذوفاً‪ ،‬ويكون التقدير‪ :‬ويختار الذي كان لهم الخِيرةُ فيه‪ ،‬أي‪ :‬ويختار‬
‫المرَ الذي كان لهم الخِيرةُ في اختياره‪.‬‬
‫قيل‪ :‬هذا يفسُد من وجه آخر‪ ،‬وهو أن هذا ليس من المواضع التي يجوز فيها حذف العائد‪،‬‬
‫ل بمثله مع اتحاد المعنى‪ ،‬نحوُ قوله تعالى‪:‬‬
‫ج ّر الموصو ُ‬
‫جرّ بحرف ُ‬
‫فإنه إنما يحذف مجروراً إذا ُ‬
‫ش َربُونَ} [المؤمنون‪ ،]33 :‬ونظائره‪ ،‬ول يجوز أن يقال‪:‬‬
‫ب ِممّا تَ ْ‬
‫ش َر ُ‬
‫ن ِمنْهُ َويَ ْ‬
‫ل ِممّا تَ ْأ ُكلُو َ‬
‫{يَ ْأكُ ُ‬
‫جاءني الذي مررتُ‪ ،‬ورأيت الذي رغبتُ‪ ،‬ونحوه‪.‬‬
‫شغِلَ فعل الصلة بضمير يعود‬
‫الثّاني‪ :‬أنه لو أُريد هذا المعنى لنصب ((الخيرة)) و ُ‬
‫على الموصول‪ ،‬فكأنه يقول‪ :‬ويختارُ ما كان لهم الخيرة‪ ،‬أي‪ :‬الذي كان هو عينَ الخيرة لهم‪ ،‬وهذا‬
‫لم يقر ْأ به أحد البتّة‪ ،‬مع أنه كان وجه الكلم على هذا التقدير‪.‬‬

‫‪9‬‬

‫الثّالث‪ :‬أن الّ سبحانه يَحكي عن الكفار اقتراحَهم في الختيار‪ ،‬وإرادتهم أن‬
‫تكون الخير ُة لهم‪ ،‬ثم ينفي هذا سبحانه عنهم‪ ،‬ويبين تفرّدَه هو بالختيار‪ ،‬كما قال تعالى‪{ :‬وَقَالُواْ‬
‫س ْمنَا َب ْي َنهُمْ‬
‫حمَةَ َربّك نَحْنُ قَ َ‬
‫سمُونَ َر ْ‬
‫ل مّن الْ َق ْر َي َتيْنِ عَظِيمٍ * أَهُ ْم يَقْ ِ‬
‫ى رَجُ ٍ‬
‫عَل َ‬
‫َلوْلَ ُنزّل هَذَا الْ ُقرْآنُ َ‬
‫حمَةُ‬
‫خ ِريّا َورَ ْ‬
‫سْ‬
‫ضهُم َبعْضاً ُ‬
‫ق َبعْضٍ َدرَجَاتٍ لّيتّخ َذ َب ْع ُ‬
‫ضهُمْ َفوْ َ‬
‫حيَا ِة ال ّد ْنيَا َورَ َف ْعنَا َب ْع َ‬
‫ش َتهُمْ فِي الْ َ‬
‫مّعي َ‬
‫ج َمعُونَ} [الزخرف‪ ،]32-31 :‬فأنكر عليهم سبحانَه تخ ّيرَهم عليه‪ ،‬وأخبر أن ذلك‬
‫خ ْيرٌ ّممّا َي ْ‬
‫َربّك َ‬
‫ليس إليهم‪ ،‬بل إلى الذي قَسَ َم بينهم معايشَهم المتضمنةَ لرزاقهم َومُدَدِ آجالهم‪ ،‬وكذلك هو الذي يَقسِم‬
‫فضله بين أهل الفضل على حسب علمه بمواقع الختيار‪ ،‬ومن يصلُح له ممن ل يصلُح‪ ،‬وهو الذي‬
‫رفع بعضهم فوق بعض درجات‪ ،‬وقسم بينهم معايشهم‪ ،‬ودرجات التفضيل‪ ،‬فهو القاسم ذلك وحده‬
‫ل غيره‪ ،‬وهكذا هذه الية بيّن فيها انفراده بالخلق والختيار‪ ،‬وأنه سبحانَه أعل ُم بمواقع اختياره‪ ،‬كما‬
‫جعَلُ‬
‫ث يَ ْ‬
‫ح ْي ُ‬
‫علَمُ َ‬
‫ل أَ ْ‬
‫ل مَا أُو ِتيَ رُسُلُ الّ ا ّ‬
‫ى ِمثْ َ‬
‫حتّى ُن ْؤ َت َ‬
‫قال تعالى‪َ { :‬وإِذَا جَا َء ْتهُمْ آيَةٌ قَالُواْ لَن ّن ْؤمِنَ َ‬
‫ل وَعَذَابٌ شَدِي ٌد ِبمَا كَانُو ْا َي ْم ُكرُونَ} [النعام‪،]124 :‬‬
‫صغَارٌ عِندَ ا ّ‬
‫ج َرمُو ْا َ‬
‫ب الّذينَ أَ ْ‬
‫س ُيصِي ُ‬
‫رِسَاَلتَهُ َ‬
‫ل أعلمُ بالمحل الذي يصلح لصطفائه وكرامته وتخصيصه بالرسالة والنبوة دون غيره‪.‬‬
‫أي‪ :‬ا ّ‬
‫ش ْركُهم مِن اقتراحهم‬
‫الرّابع‪ :‬أنه نزّه نفسه سبحانه عمّا اقتضاه ِ‬
‫عمّا‬
‫ل َو َتعَاَلىَ َ‬
‫سبْحَانَ ا ّ‬
‫خ َي َرةُ ُ‬
‫ن َلهُمُ الْ ِ‬
‫ختَارُ مَا كَا َ‬
‫ق مَا يَشَا ُء َويَ ْ‬
‫خلُ ُ‬
‫واختيارهم فقال‪َ { :‬و َربّك يَ ْ‬
‫ق سواه حتى نزّه نفسه عنه‪،‬‬
‫ش ِركُونَ} [القصص‪ ،]68 :‬ولم يكن شِركهم مقتضياً لِثبات خال ٍ‬
‫يُ ْ‬
‫فتأمله‪ ،‬فإنه في غاية اللطف‪.‬‬
‫ض ِربَ‬
‫الخامس‪ :‬أن هذا نظيرُ قوله تعالى في‪َ { :‬يَأيّها النّاس ُ‬
‫سُل ْبهُ ُم الذّبابُ‬
‫ج َت َمعُواْ لَ ُه َوإِن يَ ْ‬
‫خلُقُواْ ُذبَابًا َوَلوِ ا ْ‬
‫ل لَن يَ ْ‬
‫ن مِن دُونِ ا ّ‬
‫ن الّذينَ تَدْعُو َ‬
‫س َت ِمعُواْ لَ ُه إِ ّ‬
‫َمثَلٌ فَا ْ‬
‫عزِيزٌ} ثم‬
‫ل لَ َق ِويّ َ‬
‫ب * مَا قَ َدرُواْ الّ حَقّ قَ ْد ِر ِه إِنّ ا ّ‬
‫طلُو ُ‬
‫ف الطّالبُ وَا ْلمَ ْ‬
‫ض ُع َ‬
‫ستَنقِذُوهُ ِمنْ ُه َ‬
‫ل يَ ْ‬
‫شيْئاً ّ‬
‫َ‬
‫ن َأيْدِيهِمْ َومَا‬
‫سمِي ٌع َبصِيرٌ * َي ْعلَ ُم مَا َبيْ َ‬
‫ن النّاس إِنّ الّ َ‬
‫ل َومِ َ‬
‫ل ِئكَةِ رُسُ ً‬
‫ن ا ْلمَ َ‬
‫ل َيصْطَفِي مِ َ‬
‫قال‪{ :‬ا ّ‬
‫لمُورُ} [الحِج‪ .]76 - 73 :‬وهذا نظير قولِهِ في‪َ { :‬و َر ّبكَ َي ْعلَ ُم مَا ُتكِنّ‬
‫ل ُترْجَعُ ا ُ‬
‫خلْ َفهُ ْم َوِإلَى ا ّ‬
‫َ‬
‫ل رِسَاَلتَهُ} [النعام‪:‬‬
‫جعَ ُ‬
‫ث يَ ْ‬
‫ح ْي ُ‬
‫ل أَعلَمُ َ‬
‫صُدُورُهُ ْم َومَا ُي ْعِلنُونَ} [القصص‪ ]69 :‬ونظيرُ قوله في‪{ :‬ا ُ‬
‫‪ ]124‬فأخبر في ذلك كلّه عن علمه المتضمنِ لتخصيصه َمحَالّ اختياره بما خصصها به‪ ،‬لِعلمه‬
‫بأنها تصلُح له دون غيرها‪ ،‬فتدبر السّياق في هذه اليات تَجِ ْد ُه متضمناً لهذا المعنى‪ ،‬زائدًا عليه‪،‬‬
‫ل أعلم‪.‬‬
‫وا ّ‬

‫‪10‬‬

‫السادس‪ :‬أن هذه الية مذكورةٌ عَقيبَ قوله‪َ { :‬ويَومَ‬
‫ن تَابَ‬
‫ل َيتَسَاءَلونَ * فَأمّا مَ ْ‬
‫ل ْنبَاءُ َي ْو َمئِذٍ فَهمْ َ‬
‫علَيهِم ا َ‬
‫سلِينَ * َف َع ِم َيتْ َ‬
‫ُينَادِيهِم َفيَقُول مَاذَا َأجَبتُمُ المُر َ‬
‫ق مَا يَشَا ُء وَيختَارُ} [القصص‪-65 :‬‬
‫ك يَخلُ ُ‬
‫ن المفلِحِينَ * َو َر ّب َ‬
‫ل صَالِحاً َفعَسَى أَن يَكونَ مِ َ‬
‫عمِ َ‬
‫وآمَنَ وَ َ‬
‫‪ ]68‬فكما خلقهم وحده سبحانه‪ ،‬اختار منهم من تاب‪ ،‬وآمن‪ ،‬وعمل صالحاً‪ ،‬فكانوا صفوتَه من‬
‫عباده‪ ،‬وخيرتَه مِن خلقه‪ ،‬وكان هذا الختيارُ راجعًا إلى حكمته وعلمه سبحانه لمن هو أهلٌ له‪ ،‬ل‬
‫ل وتعالى عمّا يشركون‪.‬‬
‫إلى اختيار هؤلء المشركين واقتراحِهم‪ ،‬فسبحان ا ّ‬
‫فصل‬
‫ل على ربوبيته تعالى‬
‫وإذا تأملت أحوالَ هذا الخلقِ‪ ،‬رأيتَ هذا الختيار والتخصيص فيه دا ً‬
‫لّ الذي ل إله إل هو‪ ،‬فل شريك له يخلُق كخلقه‪،‬‬
‫ووحدانيته‪ ،‬وكمالِ حكمته وعلمه وقدرته‪ ،‬وأنه ا ُ‬
‫ويختار كاختياره‪ ،‬ويدبّر كتدبيره‪ ،‬فهذا الختيا ُر والتدبير‪ ،‬والتخصيص المشهود أثرُه في هذا العالم‬
‫مِنْ أعظم آيات ربوبيته‪ ،‬وأكبرِ شواهد وحدانيته‪ ،‬وصفات كماله‪ ،‬وصدقِ رسله‪ ،‬فنشيرُ منه إلى‬
‫ل على ما سواه‪.‬‬
‫يسير يكونُ منبهًا على ما وراءه‪ ،‬دا ً‬
‫ل السماواتِ سبعاً‪ ،‬فاختار العُليا منها‪ ،‬فجعلها مستقر المقربين مِن ملئكته‪،‬‬
‫فخلق ا ّ‬
‫ل على سائر‬
‫واختصها بالقرب مِن كرسيه ومِن عرشه‪ ،‬وأسكنها مَن شا َء مِن خلقه‪ ،‬فلها مزيةٌ وفض ٌ‬
‫ل والتخصيصُ مع تساوي مادة‬
‫السماوات‪ ،‬ولو لم يكن إل قربُها منه تبارك وتعالى‪ .‬وهذا التفضي ُ‬
‫السماوات مِن أبين الدلة على كمال قدرته وحكمته‪ ،‬وأنه يخلق ما يشاء ويختار‪.‬‬
‫َومِن هذا تفضيلُه سبحانه جنّة الفردوس على سائر الجنان‪ ،‬وتخصيصُها بأن جعل عرشه‬
‫سقفَها‪ ،‬وفي بعض الثار‪(( :‬إن الّ سبحانه غرسها بيده‪ ،‬واختارها لِخيرته مِن خلقه))‪َ .‬ومِن هذا‬
‫اختيارُه مِن الملئكة المصطفيْنَ مِنهم على سائرهم‪،‬كجبريلَ‪ ،‬وميكائيلَ‪ ،‬وإسرافيلَ‪ ،‬وكان النبي‬
‫ط َر السّماوات وَالرضِ‪ ،‬عَالِمَ‬
‫سرَافِيلَ‪،‬فَا ِ‬
‫ل وَإ ْ‬
‫ج ْبرِيلَ َومِيكَائِي َ‬
‫صلى ال عليه وسلم يقول‪(( :‬الّلهُ ّم َربّ ِ‬
‫خ ُتِلفَ فِي ِه مِنَ الحَقّ‬
‫خ َتلِفُونَ‪ ،‬اهْ ِدنِي ِلمَا ا ْ‬
‫عبَا ِدكَ فِيمَا كَانُوا فِي ِه يَ ْ‬
‫حكُ ُم َبيْنَ ِ‬
‫شهَا َدةِ‪َ ،‬أ ْنتَ تَ ْ‬
‫ال َغ ْيبِ وَال ّ‬
‫ستَقِيمٍ))‪.‬‬
‫ط مُ ْ‬
‫صرَا ٍ‬
‫ن تَشَا ُء إلَى ِ‬
‫بِإِ ْذ ِنكَ‪ِ ،‬إ ّنكَ َتهْدِي مَ ْ‬
‫فذكر هؤلء الثلثة مِن الملئكة لكمال اختصاصهم‪ ،‬واصطفائهم‪ ،‬وقربهم من الّ‪ ،‬وكم مِن‬
‫ب الوحي الذي به حيا ُة القلوب‬
‫َملَك غيرهِم في السماوات‪ ،‬فلم يُسم إل هؤلء الثلثة‪ .‬فجبريل‪ :‬صاح ُ‬
‫طرِ الذي به حيا ُة الرض والحيوان والنبات‪ ،‬وإسرافيل‪ :‬صاحب‬
‫والرواح‪ ،‬وميكائيلُ‪ :‬صاحب القَ ْ‬
‫ل الموات‪ ،‬وأخرجتهم مِن قبورهم‪.‬‬
‫الصُور الذي إذا نفخ فيه‪ ،‬أحيت نفختُه بإذن ا ّ‬

‫‪11‬‬

‫وكذلك اختيارُه سبحانه للنبياء مِن ولد آدم عليه وعليهم الصلةُ والسلم‪ ،‬وهم مائة‬
‫ألف وأربعة وعشرون ألفاً‪ ،‬واختياره الرسل منهم‪ ،‬وهم ثَلثُمائة وثلثة عشر‪ ،‬على ما في حديث‬
‫أبي ذر الذي رواه أحمد‪ ،‬وابن حبان في ((صحيحه))‪ ،‬واختيارُه أولي العزم منهم‪ ،‬وهم خمسة‬
‫ن النّب ّييْنَ مِيثَا َقهُمْ‬
‫المذكورون في سورة (الحزاب) و (الشورى) في قوله تعالى‪َ { :‬وإِ ْذ أَخَ ْذنَا مِ َ‬
‫غلِيظاً} [الحزاب‪،]7 :‬‬
‫سىَ وَعِيسَى ابْنِ َم ْريَ َم َوأَخَ ْذنَا ِم ْنهُمْ مّيثاقاً َ‬
‫َو ِم ْنكَ َومِن نّوح َوِإ ْبرَاهِي َم َومُو َ‬
‫ك َومَا َوصّ ْينَا بِ ِه ِإ ْبرَاهِيمَ‬
‫ح ْينَا ِإَل ْي َ‬
‫شرَعَ َلكُم مّن الدّين مَا َوصّى بِ ِه نُوحًا وَالّذيَ َأوْ َ‬
‫وقال تعالى‪َ { :‬‬
‫ل َتتَ َفرّقواْ فِيهِ} [الشورى‪ ،]13 :‬واختار منهم الخليلينِ‪ :‬إبراهيمَ‬
‫ى أَنْ أَقِيمُو ْا الدّين وَ َ‬
‫سَ‬
‫سىَ وَعِي َ‬
‫َومُو َ‬
‫ل عليهما وآلهما وسلم‪.‬‬
‫ومحمداً صلى ا ّ‬
‫َومِنْ هذا اختيارُه سبحانه ولدَ إسماعيل من أجناس بني آدم‪ ،‬ثم اختار منهم بني كِنانة مِن‬
‫سيّدَ‬
‫خُزيمة‪ ،‬ثم اختار مِن ولد كِنانة قُريشاً‪ ،‬ثم اختار مِن قريش بني هاشم‪ ،‬ثم اختار من بني هاشم َ‬
‫ولدِ آدم محمّدًا صلى ال عليه وسلم‪.‬‬
‫وكذلك اختار أصحابه مِن جملة العَاَلمِينَ‪ ،‬واختار منهم السابقينَ الولين‪ ،‬واختار منهم أهلَ‬
‫ل بيعة الرّضوان‪ ،‬واختار لهم مِن الدّين أكملَه‪ ،‬ومِن الشرائع أفضلَها‪ ،‬ومن الخلق‬
‫بدر‪ ،‬وأه َ‬
‫أزكَاها وأطيبها وأطهَرها‪.‬‬
‫واختار أمته صلى ال عليه وسلم على سائر المم‪ ،‬كما في ((مسند الِمام أحمد))‬
‫ل صلى ال‬
‫وغيره من حديث ب َهزِ بن حكيم بن معاوية بن حيْ َدةَ‪ ،‬عن أبيه‪ ،‬عن جدّه قال‪ :‬قال رسُو ُ‬
‫علَى الّ))‪ .‬قال علي بن المْديني وأحمد‪:‬‬
‫خ ْيرُهَا َوَأ ْك َر ُمهَا َ‬
‫س ْبعِينَ ُأمّة َأنْتمْ َ‬
‫عليه وسلم ((َأنْتمْ مُوفونَ َ‬
‫ث بهز بن حكيم‪ ،‬عن أبيه‪ ،‬عن جدّه صحيح‪.‬‬
‫حدي ُ‬
‫وظهر أثرُ هذا الختيار في أعمالهم وأخلقهم وتوحيدِهم ومنازلهم في الجنَة ومقاماتهم في‬
‫الموقف‪ ،‬فإنهم أعلى من النّاس على تلّ فوقهم يشرفون عليهم‪ ،‬وفي الترمذي من حديث بُريدة بن‬
‫ن َومَائ ُة صفّ‪،‬‬
‫شرُو َ‬
‫جنّةِ عِ ْ‬
‫ل الْ َ‬
‫ل صلى ال عليه وسلم‪(( :‬أَه ُ‬
‫صيْبِ السلمي قال‪ :‬قال رسولُ ا ّ‬
‫ح َ‬
‫ال ُ‬
‫لمَمِ)) قال الترمذي‪ :‬هذا حديث حسن‪ .‬والذي في‬
‫ن مِنْ سَا ِئرِ ا ُ‬
‫لمّةِ‪َ ،‬وَأ ْر َبعُو َ‬
‫َثمَانُونَ ِم ْنهَا مِنْ هَ ِذهِ ا ُ‬
‫((الصحيح)) من حديث أبي سعيد الخُدري‪ ،‬عن النبي صلى ال عليه وسلم في حديث بعث النار‪:‬‬
‫جنّةِ))‪ ،‬ولم يزد على ذلك‪ .‬فَِإمّا أن يقال‪ :‬هذا‬
‫طرَ أَهْلِ ال َ‬
‫طمَ ُع أَنْ تكُونُوا شَ ْ‬
‫((وَالّذِي نَفْسِي ِبيَده إنّى لَ ْ‬
‫أصح‪ ،‬وإمّا أن يُقال‪ :‬إن النبي صلى ال عليه وسلم طمع أن تكون أمتُه شطرَ أهل الجنة‪ ،‬فأعلمه‬
‫ل أعلم‪.‬‬
‫ربّه فقال‪(( :‬إنهم ثمانون صفاً من مائة وعشرين صفاً))‪ ،‬فل تنافي بين الحديثين‪ ،‬وا ّ‬

‫‪12‬‬

‫لمّة سواها‪ ،‬وفي‬
‫َومِن تفضيل الّ لمته واختيارِه لها أنه وهبها مِن العلم والحلم ما لم َي َهبْهُ ُ‬
‫((مسند البزار)) وغيره من حديث أبي الدرداء قال‪ :‬سمعتُ أبا القاسم صلى ال عليه وسلم يقول‪:‬‬
‫حمِدُوا‬
‫حبّونَ‪َ ،‬‬
‫ك آم ًة إِنْ َأصَا َبهُم مَا يُ ِ‬
‫ث مِنْ َبعْ ِد َ‬
‫ع ٌ‬
‫ل لِعيسَى ابْنِ مَريَمَ‪ِ(( :‬إنّي بَا ِ‬
‫لّ َتعَالَى قَا َ‬
‫((إنّ ا َ‬
‫علْمَ‪ ،‬قَالَ‪ :‬يَا َربّ‪َ ،‬ك ْيفَ هَذَا‬
‫حلْ َم وَلَ ِ‬
‫سبُوا وَص َبرُوا‪ ،‬وَلَ ِ‬
‫حتَ َ‬
‫ن أَصَابَه ْم مَا َي ْكرَهُونَ‪ ،‬ا ْ‬
‫ش َكرُوا‪ ،‬وَإ ْ‬
‫وَ َ‬
‫ع ْلمِي))‪.‬‬
‫ح ْلمِي وَ ِ‬
‫علْمَ؟ قَالَ‪ :‬أُعْطِيهِمْ مِنْ ِ‬
‫حلْ َم وَل ِ‬
‫وَل ِ‬
‫َومِن هذا اختيارُه سبحانه وتعالى مِن الماكن والبلد خيرَهَا وأشرفهَا‪ ،‬وهي البلد‬
‫الحرامُ‪ ،‬فإنه سبحانه وتعالى اختاره لنبيه صلى ال عليه وسلم‪ ،‬وجعله مناسك لعباده‪ ،‬وأوجب عليهم‬
‫ج عميقٍ‪ ،‬فل يَدخلونه إل متواضعين متخشعين متذللين‪،‬‬
‫الِتيانَ إليه من ال ُقرْب وال ُبعْد مِن كلّ فَ ّ‬
‫حرَمًا آمِناً‪ ،‬ل يُسفك فيه دمٌ‪ ،‬ول ُت َعضَ ُد به‬
‫كاشفي رؤوسهم‪ ،‬متجردين عن لِباس أهل الدنيا‪ ،‬وجعلَه َ‬
‫طتُه للتمليك بل للتعريف ليس إل‪ ،‬وجعل‬
‫شجرة‪،‬ول ُينَفّر له صيدٌ‪ ،‬ول يُختلى خله‪ ،‬ول تُلتقط لُقَ َ‬
‫قصده مكفراً لما سلف من الذنوب‪ ،‬ماحيًا للوزار‪ ،‬حاطاً للخطايا‪ ،‬كما في ((الصحيحين)) عن أبي‬
‫هريرة قال‪ :‬قال رسول الّ صلى ال عليه وسلم‪(( :‬مَن َأتَى هَذَا ا ْل َبيْتَ‪َ ،‬فلَ ْم َيرْ ُفثْ‪َ ،‬ولَمْ يَفْسُقْ‪ ،‬رَجَعَ‬
‫ل بن‬
‫ن الثواب دون الجنّة‪ ،‬ففي ((السنن)) من حديث عبد ا ّ‬
‫كَيوْم َولَ َدتْ ُه ُأمّهُ))‪ ،‬ولم يرض لقاصده مِ َ‬
‫ج وَال ُع ْم َرةِ‪ ،‬فَإ ّن ُهمَا‬
‫ل صلى ال عليه وسلم‪(( :‬تَا ِبعُوا َبيْنَ الحَ ّ‬
‫مسعود رضي ال عنه قال‪ :‬قال رسول ا ّ‬
‫س ِللْحَجّ ِة ال َم ْبرُو َر ِة َثوَابٌ‬
‫خ َبثَ الحدِي ِد والذّ َهبِ وَال ِفضّةِ‪َ ،‬وَل ْي َ‬
‫ن الفَ ْقرَ وَالذّنوبَ َكمَا َينْفِي الكِيرُ َ‬
‫َينْ ِفيَا ِ‬
‫ل صلى ال عليه وسلم قال‪:‬‬
‫دُونَ الجنّةِ))‪ .‬وفي ((الصحيحين)) عن أبي هريرة أنّ رسول ا ّ‬
‫جنّةَ))‪ ،‬فلو لم يكن البلدُ‬
‫جزَاءٌ إِلّ ال َ‬
‫س لَهُ َ‬
‫((ال ُع ْم َرةُ ِإلَى ال ُع ْم َرةِ كَفّا َر ٌة ِلمَا َب ْي َن ُهمَا‪ ،‬وَالحَجّ ال َم ْبرُورُ َل ْي َ‬
‫ض عليهم‬
‫سكَ لعباده‪َ ،‬فرَ َ‬
‫المين خي َر بلده‪ ،‬وَأحبّها إليه‪ ،‬ومختارَه من البلد‪ ،‬لما جعل عرصَاتِها منا ِ‬
‫قصدَها‪ ،‬وجعل ذلك من آكدِ فروض الِسلم‪ ،‬وأقسم به في كتابه العزيز في موضعين منه‪ ،‬فقال‬
‫ل أُقْسِ ُم ِبهَذَا ا ْل َبلَدِ} [البلد‪ ،]1 :‬وليس على‬
‫تعالى؟ {وَهَذَا ا ْل َبلَ ِد المِينِ} [التين‪ ،]3 :‬وقال تعالى‪َ { :‬‬
‫ي إليها والطوافُ بالبيت الذي فيها غيرَها‪ ،‬وليس على‬
‫وجه الرض بقعةٌ يجب على كل قاد ٍر السع ُ‬
‫وجه الرض موضعٌ يُشرع تقبيلُه واستلمُه‪ ،‬وتُحط الخطايا والوزار فيه غيرَ الحجر السود‪،‬‬
‫والركن اليماني‪ .‬وثبت عن النبي صلى ال عليه وسلم أن الصلة في المسجد الحرام بمائة ألف‬
‫ل بن الزبير‪،‬عن النبي صلى‬
‫صلة‪ ،‬ففي ((سنن النسائي)) و((المسند)) بإسناد صحيح عن عبد ا ّ‬
‫ل المَسْجدَ‬
‫سوَا ُه إِ ّ‬
‫ف صلَة فِيمَا ِ‬
‫لةٌ في مَسجدي هَذَا أ ْفضَلُ مِن أل ِ‬
‫ال عليه وسلم أنه قال‪(( :‬صَ َ‬
‫لةً في مَسْجدي هَذَا بمَائَة صَلَة)) ورواه ابن‬
‫ن صَ َ‬
‫حرَامِ أ ْفضَل مِ ْ‬
‫لةٌ في المًسجِدِ ال َ‬
‫حرَامَ‪ ،‬وصَ َ‬
‫الْ َ‬

‫‪13‬‬

‫صرًيح في أنَ اَلمسجد الَحَراَ َم أفضلُ بقاعِ الرض على الطلق‪،‬‬
‫حبان في ((صحيحه)) وهذا َ‬
‫ولذلك كان شدّ الرحال إليه فرضاً‪ ،‬ولِغيره مما يُستحب ول يجب‪ ،‬وَفي ((المسند))‪ ،‬والترمذي‬
‫ل صلى ال عليه وسلم وهو واقف‬
‫والنسائي‪ ،‬عن عبد الّ بن عدي بن الحصراء أنه سمع رسول ا ّ‬
‫لّ ِإلًى الِّ‪َ ،‬وَلوْلَ‬
‫حبّ أرْضِ ا ِ‬
‫لّ وَأ َ‬
‫خ ْيرُ أَرضِ ا ِ‬
‫ل ِإنّك لَ َ‬
‫ن َمكّ َة يَقُول‪(( :‬وَا ّ‬
‫ح ْز َورَة مِ ْ‬
‫على راحلته بال َ‬
‫جتُ)) قال الترمذي‪ :‬هذا حديث حسن صحيح‪.‬‬
‫خرَ ْ‬
‫كِ مَاَ َ‬
‫ت ِم ْن َ‬
‫ج ُ‬
‫خرِ ْ‬
‫أنّي أ ْ‬
‫بل َومِن خصائصها كونُها قبلةً لهل الرض كلّهم‪ ،‬فليس على وجه الرض قبل ٌة غيرُها‪.‬‬
‫ومِن خواصها أيضًا أنه يحرم استقبالُها واستدبارُها عند قضاء الحاجة دون سائر‬
‫بِقاع الرض‪.‬‬
‫وأصح المذاهب في هذه المسألة‪ :‬أنه ل فرق في ذلك بين الفضاء والبنيان‪ ،‬لبضعة عشر‬
‫دليلً قد ُذكِرت في غير هذا الموضع‪ ،‬وليس مع المفرق ما يُقاومها البتة‪ ،‬مع تناقضهم في مقدار‬
‫الفضاء والبنيان‪ ،‬وليس هذا موضعَ استيفاء الحِجَاج من الطرفين‪.‬‬
‫(يتبع‪)...‬‬
‫@‬

‫ومن خواصها أيضاً أن المسجدَ الحرامَ أولُ مسجد وضع في الرض‪ ،‬كما في‬

‫ن أوّل مَسجد وُضِعَ في‬
‫ل صلى ال عليه وسلم عَ ْ‬
‫((الصحيحين)) عن أبي ذر قال‪ :‬سألتُ رسولَ ا ّ‬
‫حرَامُ)) ُق ْلتُ‪ :‬ثُمّ أي؟ قَالَ‪(( :‬المَسْجَدُ الّ ْقصَى)) ُق ْلتُ‪ :‬كَ ْم َب ْي َن ُهمَا؟ قَالَ‪:‬‬
‫الرض؟ فقال‪(( :‬المَسْجد ال َ‬
‫ف المرادَ به‪ ،‬فقال‪ :‬معلوم أن سليمان بنَ‬
‫((أ ْر َبعُونَ عَا َماً)) وقد أشكل هذا الحديث على من لم يعر ِ‬
‫داود هو الذي بنى المسجد القصى‪ ،‬وبينه وبين إبراهيم أكثر من ألف عام‪ ،‬وهذا من جهل هذا‬
‫القائلِ‪ ،‬فإن سليمان إنما كان له مِن المسجَد القصى تجديدُه‪ ،‬ل تأسيسُه‪ ،‬والذي أسسه هو يعقوب بن‬
‫ل عليهما وآلهما وسلم بعد بناء إبراهيم الكعبة بهذا المقدار‪.‬‬
‫إسحاق صلى ا ّ‬
‫ومما يدل على تفضيلها أن الّ تعالى أخبر أنها أ ّم القرى‪ ،‬فالقرى كلُها تبع لها‪ ،‬وفرعٌ عليها‪،‬‬
‫ل القرى‪ ،‬فيجب ألّ يكون لها في القُرى عَدِيل‪ ،‬فهي كما أخبر النبي صلى ال عليه وسلم‬
‫وهي أص ُ‬
‫عن (الفاتحة) أنها أ ّم القرآن ولهذا لم يكن لها في الكتب الِلهية عديلٌ‪.‬‬
‫ومن خصائصها أنها ل يجوزُ دخولُها لغير أصحاب الحوائج المتكررة إل بإحرام‪،‬‬
‫وهذه خاصية ل يُشاركها فيها شي ٌء من البلد‪ ،‬وهذه المسألةُ تلقاها الناسُ عن ابن عباس رضي الّ‬
‫حرَامٍ‪ ،‬مِنْ‬
‫ل أَحَ ٌد َمكّةَ إلّ بِإ ْ‬
‫عنهما‪ ،‬وقد روي عن ابن عباس بإسناد ل يحتج به مرفوعًا ((ل يَدْخُ ُ‬

‫‪14‬‬

‫أَ ْهِلهَا َومِنْ غَي ِر أَ ْهِلهَا)) ذكره أبو أحمد بن عدي‪ ،‬ولكن الحجاج بن أرطاة في الطريق‪ ،‬وآخر قبله‬
‫من الضعفاء‪.‬‬
‫ت ومن‬
‫ل المواقي ِ‬
‫وللفقهاء في المسألة ثلث ُة أقوال‪ :‬النّ ْفيُ‪ ،‬والِثباتُ‪ ،‬والفرقُ بين من هو داخ ُ‬
‫هو قبلَها‪ ،‬فمن قبلها ل يُجَاوزها إل بإحرام‪ ،‬ومن هو داخلها‪ ،‬فحكمُه حك ُم أهل مكّة‪ ،‬وهو قول أبي‬
‫حنيفة‪ ،‬والقولن الولن للشافعي وأحمد‪.‬‬
‫ومِن خواصّه أنه يُعاقب فيه على الهمّ بالسيئات وإن لم يفعلها‪ ،‬قال تعالى{ َومَن ُيرِدْ‬
‫ظلْ ٍم نّذقْ ُه مِنْ عَذَابٍ َألِيمٍ} [الحج‪ ]25 :‬فتأمل‪ .‬كيف عدى فعل الِرادة هاهنا بالباء‪ ،‬ول‬
‫فِي ِه بِِإلْحَا ٍد بِ ُ‬
‫ن معنى فعل ((هم)) فإنه يقال‪ :‬هممت بكذا‪ ،‬فتوع َد من هم بأن يَظلم فيه‬
‫ت بكذا إل لما ضمِ ّ‬
‫يقال‪ :‬أرد ُ‬
‫ب اللِيم‪.‬‬
‫بأن يُذيقه العذَا َ‬
‫َومِن هذا تضاعفُ مقادير السيئات فيه‪ ،‬ل كمياتُها‪ ،‬فإن السيئة جزاؤها سيئة‪،‬‬
‫ل وبلده وعلى بساطه‬
‫حرَمِ ا ّ‬
‫لكن سيئة كبيرة‪ ،‬وجزاؤها مثلها‪ ،‬وصغيرة جزاؤها مثلها‪ ،‬فالسيئة في َ‬
‫آكدُ وأعظمُ منها في طرف من أطراف الرض‪ ،‬ولهذا ليس من عصى الملكَ على بساط مُلكه كمن‬
‫ل أعلم‪.‬‬
‫ل النزاع في تضعيف السيئات‪ ،‬وا ّ‬
‫عصاه في الموضع البعيد من داره وبِساطه‪ ،‬فهذا فص ُ‬
‫وقد ظهر س ّر هذا التفضيل والختصاص في انجذاب الفئدة‪ ،‬وهوى‬
‫القلوب وانعطافها ومحبتها لهذا البل ِد المين‪ ،‬فجذبُه للقلوب أعظمُ من جذب المغناطيس للحديد‪ ،‬فهو‬
‫الولى بقول القائل‪:‬‬
‫ن‬
‫سنُهُ َهيُولَى كُلّ حُسْ ٍ‬
‫مَحَا ِ‬

‫َو َم ْغنَاطِيسُ أفْئ َد ِة الرّجَالِ‬

‫ولهذا أخبر سبحانه أنه مثاب ٌة للناس‪ ،‬أي‪ :‬يثوبون إليه على تعاقب العوام من جميع‬
‫القطار‪ ،‬ول يَقضون منه وطراً‪ ،‬بل كلما ازدادوا له زيارة‪ ،‬ازدادوا له اشتياقا‪.‬‬
‫ظرُها‬
‫ن َينْ ُ‬
‫ع ْنهَا حِي َ‬
‫طرْفُ َ‬
‫ل َيرْجِ ُع ال ّ‬
‫َ‬

‫شتَاقاً‬
‫ط ْرفُ مُ ْ‬
‫حتّى َيعُود إَل ْيهَا ال ّ‬
‫َ‬

‫ضيَ‬
‫فلله كم لها مِن قتيل وسليبٍ وجريح‪ ،‬وكم أُنفِقَ في حبها من الموال والرواح‪َ ،‬و َر ِ‬
‫المحب بمفارقةِ ِفلَذِ الكباد والهل‪ ،‬والحباب والوطان‪ ،‬مقدّمًا بين يديه أنواع المخاوف والمتالف‪،‬‬
‫والمعاطف والمشاق‪ ،‬وهو يستلِ ُذ ذلك كلّه ويستطيبُه‪ ،‬ويراه ‪ -‬لو ظهر سلطانُ المحبة في قلبه‬
‫أطيب من ِنعَمِ المتحلية وترفهم ولذاتهم‪.‬‬‫ن َيعُدُ شَقَاءَه‬
‫حبّا مَ ْ‬
‫س مُ ِ‬
‫َوَليْ َ‬

‫ن َيرْضَى حَبيبُهُ‬
‫عَذَابًَا إِذَا مَا كَا َ‬

‫‪15‬‬

‫طهّرا َب ْي ِتيَ } [الحج‪ ]26 :‬فاقتضت‬
‫وهذا كلّه س ّر إضافته إليه سبحانه وتعالى بقوله‪ { :‬أَن َ‬
‫هذه الِضافة الخاصة من هذا الِجلل والتعظيم والمحبة مَا اقتضته‪ ،‬كما اقتضت إضافته لعبده‬
‫ورسوله إلى نفسه ما اقتضته من ذلك‪ ،‬وكذلك إضافته عبادَه المؤمنين إليه كستهم من الجلل‬
‫والمحبة والوقار ما كستهم‪ ،‬فكلّ ما أضافه ال ّربّ تعالى إلى نفسه‪ ،‬فله من المزية والختصاص‬
‫على غيره ما أوجب له الصطفاءَ والجتباءَ‪ ،‬ثم يكسوه بهذه الِضافة تفضيلً آخر‪ ،‬وتخصيصاً‬
‫وجللة زائدًا على ما كان له قبل الِضافة‪ ،‬ولم يُوفق لفهم هذا المعنى من سوّى بين العيان‬
‫والفعال‪ ،‬والزمان والماكن‪ ،‬وزعم أنه ل مزية لشيء منها على شيء‪ ،‬وإنما هو مجرد الترجيح‬
‫بل مرجح‪ ،‬وهذا القول باطل بأكثر من أربعين وجهاً قد ذكرت في غير هذا الموضع‪ ،‬ويكفي‬
‫تصوُ ُر هذا المذهب الباطلِ في فساده‪ ،‬فإن مذهباً يقتضي أن تكون ذواتُ الرسل كذوات أعدائهم في‬
‫الحقيقة‪ ،‬وإنما التفضيل بأمر ل يرجع إلى اختصاص الذوات بصفات ومزايا ل تكون لغيرها‪،‬‬
‫وكذلك نفسُ البقاع واحدة بالذات ليس لبقعة على بُقعة مزية البتة‪ ،‬وإنما هو لما يَقع فيها من العمال‬
‫الصالحة‪ ،‬فل مزية لبقعة البيت‪ ،‬والمسجد الحرام‪ ،‬ومِنى وعرفة والمشاعر على أي بقعة سميتها‬
‫من الرض‪ ،‬وإنما التفضيلُ باعتبار أمر خارج عن البقعة ل يعودُ إليها‪ ،‬ول إلى وصف قائم بها‪،‬‬
‫حتّى‬
‫ل بقوله تعالى‪َ { :‬وإِذَا جَا َء ْتهُ ْم آيَةٌ قَالُواْ لَن ّن ْؤمِنَ َ‬
‫والّ سبحانه وتعالى قد رد هذا القولَ الباط َ‬
‫صغَارٌ عِندَ الّ‬
‫ج َرمُو ْا َ‬
‫ب الّذينَ أَ ْ‬
‫س ُيصِي ُ‬
‫ل رِسَاَلتَهُ َ‬
‫جعَ ُ‬
‫ح ْيثُ َي ْ‬
‫علَمُ َ‬
‫ل أَ ْ‬
‫ي رُسُلُ الّ ا ّ‬
‫ل مَا أُو ِت َ‬
‫ُن ْؤ َتىَ ِمثْ َ‬
‫وَعَذَابٌ شَدِي ٌد ِبمَا كَانُو ْا َي ْم ُكرُونَ} [النعام‪ ]124 :‬أي‪ :‬لَيس كلّ أحد أهلً ول صالحاً لتحمّل رسالته‪،‬‬
‫ل منكم‪ .‬ولو كانت‬
‫ل أعلم بهذه المحا ّ‬
‫ل مخصوصة ل تليق إل بها‪ ،‬ول تصلح إل لها‪ ،‬وا ّ‬
‫بل لها محا ّ‬
‫الذواتُ متساوية كما قال هؤلء‪ ،‬لم يكن في ذلك ر ٌد عليهم‪ ،‬وكذلك قولُه تعالى‪َ { :‬وكَ َذِلكَ َف َتنّا‬
‫علَ َم بِالشّاكرِينَ} [النعام‪ ]53 :‬أي‪:‬‬
‫ل بِأَ ْ‬
‫عَل ْيهِم مّن َب ْي ِننَا َأَل ْيسَ ا ّ‬
‫ض لّيقُول َواْ أَ َهؤُل ِء مَنّ الّ َ‬
‫ضهُ ْم ِب َبعْ ٍ‬
‫َب ْع َ‬
‫هو سبحانه أعلمُ بمن يشكره على نعمته‪ ،‬فيختصه بفضله‪َ ،‬و َيمُنّ عليه ممن ل يشكره‪،‬فليس كلّ‬
‫ل يصلح لشكره‪ ،‬واحتمال منته‪ ،‬والتخصيص بكرامته‪.‬‬
‫مح ٍ‬
‫فذواتُ ما اختاره واصطفاه من العيان والماكن والشخاص وغيرها مش َت ِملَة على صفات‬
‫وأمور قائمة بها ليست لغيرها‪ ،‬ولجلها اصطفاها الُّ‪ ،‬وهو سبحانه الذي فضلها بتلك الصفاتِ‪،‬‬
‫ختَا ُر } [القصص‪ ،]67 :‬وما‬
‫ق مَا يَشَا ُء َويَ ْ‬
‫خلُ ُ‬
‫وخصها بالختيار‪ ،‬فهذا خلقُه‪ ،‬وهذا اختياره { َو َربّك يَ ْ‬
‫ن ر ْأيَ يقضي بأن مكان البيت الحرام مساوٍ لسائر المكنة‪ ،‬وذاتَ الحجر السود مسَاويةٌ‬
‫أبين بطل َ‬
‫لسائر حجارة الرض‪ ،‬وذاتَ رسول الّ‪ .‬مساوي ٌة لذات غيره‪ ،‬وإنما التفضيلُ في ذلك بأمور‬

‫‪16‬‬

‫خارجة عن الذات والصفات القائمة بها‪ ،‬وهذه القاويل وأمثالُها من الجنايات التي جناها المتكلمون‬
‫على الشريعة‪ ،‬ونسبوها إليها وهي بريئة منها‪ ،‬وليس معهم أكث ُر من اشتراك الذوات في أمر عام‪،‬‬
‫وذلك ل يوجب تساويها في الحقيقة‪ ،‬لن المختلفاتِ قد تشترِك في أمر عام مع اختلفها في صفاتها‬
‫لّ تعالى بين ذات المِسك وذاتِ البول أبداً‪ ،‬ول بين ذات الماء وذات النّار أبداً‪،‬‬
‫النفسية‪ ،‬وما سوّى ا ُ‬
‫ن المكنة الشريفة وأضدادها‪،‬والذواتِ الفاضلة وأضدادها أعظ ُم من هذا التفاوت‬
‫والتفاوتُ ال َبيّنُ َبيْ َ‬
‫بكثير‪ ،‬فبين ذاتِ موسى عليه السلم وذاتِ فرعون من التفاوت أعظمُ مما بين المسك‬
‫والرجيع‪،‬وكذلك التفاوتُ بين نفس الكعبة‪ ،‬وبين بيت السلطان أعظ ُم من هذا التفاوت أيضًا بكثير‪،‬‬
‫جعَلُ البقعتان سواءً في الحقيقة والتفضيل باعتبار ما يقع هناك من العبادات والذكار‬
‫فكيف تُ ْ‬
‫والدعوات؟!‬
‫ولم نقصِدِ استيفا َء الردّ على هذا المذهب المردودِ المرذول‪ ،‬وإنما قصدنا تصويرَه‪ ،‬وإلى‬
‫اللبيب العادل العاقل التحاكُم‪ ،‬ول يَعبأ الّ وعبادُه بغيره شيئاً‪ ،‬والّ سبحانه ل يُخصصُ شيئاً‪ ،‬ول‬
‫يُفضله ويرجحه إل لمعنى يقتضي تخصيصَه وتفضيله‪ ،‬نعم هو معطي ذلك المرجح وواهبُه‪ ،‬فهو‬
‫الذي خلقه‪ ،‬ثم اختاره بعد خلقه‪ ،‬وربّك يخلق ما يشاءُ ويختار‪.‬‬
‫ل يومُ النحر‪،‬‬
‫َومِن هذا تفضيلُه بعض اليام والشهور على بعض‪ ،‬فخير اليام عند ا ّ‬
‫عنْدَ الَِ‬
‫وهو يومُ الحج الكبر كما في ((السنن)) عنه صلى ال عليه وسلم أنه قال‪(( :‬أَ ْفضَلُ اليّامِ ِ‬
‫حرِ‪ ،‬ثُ ّم َيوْ ُم ال َقرّ))‪ .‬وقيل‪ :‬يومُ عرفة أفضلُ منه‪ ،‬وهذا هو المعروف عند أصحاب الشافعي‪،‬‬
‫َيوْمُ النّ ْ‬
‫ب أَك َث َر مِنهُ فِي‬
‫ن َيوْمٍ َي ْعتِقُ الُّ فِي ِه الرّقا َ‬
‫قالوا‪ :‬لنه يو ُم الحج الكبر‪ ،‬وصيامُه يكفر سنتين‪ ،‬ومَا مِ ْ‬
‫ل الموقف‪ .‬والصواب‬
‫ل ِئ َكتَه بِأَهْ ِ‬
‫عبَادِه‪ ،‬ثُ ّم ُيبَاهِي مَ َ‬
‫عرَفَةَ‪ ،‬ولنه سبحانه وتعالى يَ ْدنُو فِي ِه مِنْ ِ‬
‫َيوْمِ َ‬
‫ب أن يومَ الحج الكبر‬
‫ل على ذلك ل يُعارضه شيء يُقاومه‪ ،‬والصوا ُ‬
‫القول الول‪ ،‬لن الحديثَ الدا ّ‬
‫ج ال ْك َبرِ} [التوبة‪ ]3 :‬وثبت‬
‫ل َورَسُولِ ِه ِإلَى النّاس َيوْمَ الْحَ ّ‬
‫هو يومُ النّحر‪ ،‬لقوله تعالى‪َ { :‬وأَذَانٌ مّن ا ّ‬
‫عرَفَةَ‪ .‬وفي‬
‫ل يَومَ َ‬
‫حرِ‪َ ،‬‬
‫ك َيوْ َم النّ ْ‬
‫ل عنهما أَ ّذنَا بِ َذِل َ‬
‫في ((الصحيحين)) أن أبا بكر وعليًا رضي ا ّ‬
‫ج ال ْك َبرِ َيوْمُ‬
‫ل صلى ال عليه وسلم قال‪(( :‬يوم الْحَ ّ‬
‫((سنن أبي داود)) بأصح إسناد أن رسول ا ّ‬
‫حرِ))‪ ،‬وكذلك قال أبو هريرة‪ ،‬وجماع ٌة من الصحابة‪ ،‬ويومُ عرفة مقدّمة ليوم النّحر بين يديه‪،‬‬
‫النّ ْ‬
‫ن الوقوفُ‪ ،‬والتضرعُ‪ ،‬والتوبةُ‪ ،‬والبتهالُ‪ ،‬والستقالةُ‪ ،‬ثم يو َم النّحر تكون الوفادةُ‬
‫فإن فيه يكو ُ‬
‫والزيارة‪ ،‬ولهذا سمي طوافُه طوافَ الزيارة‪ ،‬لنهم قد طهروا من ذنوبهم يوم عرفة‪ ،‬ثم أذن لهم‬
‫ق الرؤوس‪،‬‬
‫ح القرابين‪ ،‬وحل ُ‬
‫ل عليه إلى بيته‪ ،‬ولهذا كان فيه ذب ُ‬
‫ربّهم يوم النّحر في زيارته‪ ،‬والدخو ِ‬

‫‪17‬‬

‫ورميُ الجمار‪ ،‬ومعظمُ أفعال الحج‪ ،‬وعملُ يوم عرفة كالطهور والغتسال بين يدي هذا اليوم‪.‬‬
‫وكذلك تفضيل عشر ذي الحجة على غيره من اليام‪ ،‬فإنّ أيامه أفضلُ اليا ِم عند الّ‪ ،‬وقد ثبت في‬
‫ل صلى ال عليه وسلم‪:‬‬
‫((صحيح البخاري)) عن ابن عباس رضي الّ عنهما قال‪ :‬قال رسول ا ّ‬
‫سبِيلِ‬
‫جهَادُ في َ‬
‫شرِ)) قَالُوا‪ :‬وَلَ ال ِ‬
‫لّ مِنْ هذه اليّا ِم العَ ْ‬
‫ب ِإلَى ا ِ‬
‫ح ّ‬
‫ل الصّالح فِيهَا أَ َ‬
‫ن َأيّا ٍم ال َعمَ ُ‬
‫((مَا مِ ْ‬
‫خرَجَ ِبنَفْسِ ِه ومَالِهِ‪ ،‬ثُ ّم لَ ْم َيرْج ْع مِنْ َذِلكَ بِشَيءٍ))‬
‫سبِيلِ الِّ‪ ،‬إِلّ رَجُلٌ َ‬
‫جهَادُ في َ‬
‫الِّ؟ قَالَ‪(( :‬وَلَ ال ِ‬
‫شرٍ} [الفجر‪ ]2-1 :‬ولهدا‬
‫جرِ * َولَيالٍ عَ ْ‬
‫ل بها في كتابه بقوله‪{ :‬وَالْفَ ْ‬
‫وهي اليا ُم العشر التي أقسم ا ّ‬
‫يُستحب فيها الِكثا ُر من الت ْكبِير والتهليل والتحميدِ‪،‬كما قال النبي صلى ال عليه وسلم‪(( :‬فَأكْثرُوا‬
‫حمِيدِ))‪ ،‬ونسب ُتهَا إلى اليام كنسبة مواضع المناسك في سائر البقاع‪.‬‬
‫ن مِنَ الت ْكبِيرِ وَال ّت ْهلِيل وَالتَ ْ‬
‫فِيهِ ّ‬
‫َومِنْ ذَلك تفضيلُ شهر رمضان على سائر الشهور‪ ،‬وتفضيلُ عش ِرهِ الخير على سائر‬
‫الليالي‪ ،‬وتفضيلُ ليلة القدر على ألف شهر‪.‬‬
‫ي العَشرين أفضلُ؟ عَشرُ ذي الحِجّة‪ ،‬أو العشرُ الخير من رمضان؟ وأيّ‬
‫فإن قلت‪ :‬أ ّ‬
‫الليلتين أفضلُ؟ ليل ُة القدرِ‪ ،‬أو ليلة الِسراء؟‬
‫ل الول‪ ،‬فالصوابُ فيه أن يقالُ‪ :‬ليالي العشر الخير من رمضان‪،‬‬
‫قلت‪ :‬أمّا السؤا ُ‬
‫ل من أيام عشر رمضان‪ ،‬وبهذا‬
‫أفضلُ من ليالي عشر ذي الحجة‪ ،‬وأيّام عشر ذي الحِجّة أفض ُ‬
‫ضلَتْ باعتبار ليلة القدر‪،‬‬
‫ي العشر من رمضان إنما ُف ّ‬
‫ل يزولُ الشتباه‪ ،‬ويدل عليه أن ليال َ‬
‫التفصي ِ‬
‫وهي من الليالي‪ ،‬وعشرُ ذيَ الحِجّة إنما ُفضّلَ باعتبار أيامه‪ ،‬إذ فيه يومُ النحر‪ ،‬ويومُ عرفة‪ ،‬ويوم‬
‫التروية‪.‬‬
‫سئِلَ شيخُ الِسلم ابن تيمية رحمه الّ عن رجل قال‪:‬‬
‫وأما السؤال الثاني‪ ،‬فقد ُ‬
‫ليلةُ الِسراء أفضلُ مِن ليلة القدر‪ ،‬وقال آخر‪ :‬بل ليل ُة القدر أفضلُ‪ ،‬فََأ ّيهُما المصيبُ؟‬
‫ل مِن ليلة القدر‪ ،‬فإن أراد به أن تكونَ‬
‫فأجاب‪ :‬الحمدُ لِّ‪ ،‬أما القائلُ بأن ليلة الِسراء أفض ُ‬
‫الليل ُة التي أسري فيها بالنبي صلى ال عليه وسلم ونظا ِئرُها مِن كل عام أفضلَ لمّة محمد صلى ال‬
‫ل منه في ليلةِ القدر‪ ،‬فهذا باطل‪ ،‬لم‬
‫عليه وسلم مِن ليلة القدر بحيث يكونُ قيامُها والدعاءُ فيها أفض َ‬
‫يقله أح ٌد من المسلمين‪ ،‬وهو معلومُ الفساد بالطّراد من دين الِسلم‪ .‬هذا إذا كانت ليلةُ الِسراء‬
‫ل معلوم ل على شهرها‪ ،‬ول على عشرها‪ ،‬ول على عينِها‪ ،‬بل‬
‫تُعرف عينُها‪ ،‬فكيف ولم يق ْم دلي ٌ‬
‫ص الليلة التي‬
‫ع للمسلمين تخصي ُ‬
‫شرِ َ‬
‫النقولُ في ذلك منقطعةٌ مختلفة‪ ،‬ليس فيها ما يُقطع به‪ ،‬ول ُ‬
‫يُظن أنها ليلة الِسراء بقيام ول غيره‪ ،‬بخلف ليلة القدر‪ ،‬فإنه قد ثبت في ((الصحيحين)) عن النبي‬

‫‪18‬‬

‫خ ِر مِنْ َرمَضانَ)) وفي‬
‫لوَا ِ‬
‫شرِ ا َ‬
‫ح ّروْا َل ْيلَ َة القَ ْدرِ في العَ ْ‬
‫صلى ال عليه وسلم أنه قال‪(( :‬تَ َ‬
‫حتِسَاباً‪ ،‬غُ ِف َر لَ ُه مَا‬
‫((الصحيحين)) عنه صلى ال عليه وسلم أنه قال‪(( :‬مَنْ قَا َم َل ْيلَ َة القَ ْدرِ إِيمَاناً وا ْ‬
‫تَقَدّ َم مِنْ َذ ْنبِهِ))‪ ،‬وقد أخبر سبحانه أنها خي ٌر مِن ألف شهر‪ ،‬وأنّه أنزل فيها القرآن‪.‬‬
‫وإن أراد أن الليلة المعينة التي أسري فيها بالنبي صلى ال عليه وسلم‪ ،‬وحصل له فيها ما لم‬
‫يحصلْ له في غيرها مِن غير أن يُشرع تخصيصها بقيام ول عبادة‪ ،‬فهذا صحيح‪ ،‬وليس إذا أعطى‬
‫لَ نبيه صلى ال عليه وسلم فضيلة في مكان أو زمان‪ ،‬يجب أن يكون ذلك الزمان والمكانُ أفضلَ‬
‫ا ُ‬
‫ل تعالى على نبيه ليلَة الِسراءِ‬
‫مِن جميع المكنة والزمنة‪ .‬هذا إذا قدر أنه قام دليل على أن إنعامَ ا ّ‬
‫كان أعظمَ من إنعامه عليه بإنزال القرآنِ ليل َة القدر‪ ،‬وغي ِر ذلك من النعم التي أنعم عليه بها‪.‬‬
‫والكلم في مثل هذا يحتاج إلى علم بحقائق الُمور‪ ،‬ومقادير النعم التي ل تُعرف إل بوحي‪،‬‬
‫ول يجوز لحد أن يتكلم فيها بل علم‪ ،‬ول يُعرف عن أحد من المسلمين أنه جعل لليلة الِسراءِ‬
‫فضيلةَ على غيرها‪ ،‬ل سيما على ليلة القدر‪ ،‬ول كان الصحاب ُة والتابعون لهم بإحسان يقصدُون‬
‫تخصيص ليلة الِسراء بأمر من المورِ‪ ،‬ول يذكرونها‪ ،‬ولهذا ل يُعرف أي ليلة كانت‪ ،‬وإن كان‬
‫الِسراءُ مِن أعظم فضائله صلى ال عليه وسلم‪ ،‬ومع هذا فلم يُشرع تخصيصُ ذلك الزمانِ‪ ،‬ول‬
‫ل النبوة‪،‬‬
‫ذلك المكانِ بعبادة شرعية‪ ،‬بل غا ُر حراء الذي ابتدئ فيه بنزول الوحي‪ ،‬وكان يتحراه قب َ‬
‫ص اليومَ الذي أنزل فيه الوحي‬
‫لم يقصِ ْد ُه هو ول أح ٌد مِن أصحابه بعد النبوة مد َة مُقامه بمكة‪ ،‬ول خ ّ‬
‫بعبادة ول غيرِها‪ ،‬ول خصّ المكانَ الذي ابتدئ فيه بالوحي ول الزمانَ بشيء‪ ،‬ومن خص المكنَة‬
‫والزمنَة من عنده بعبادات لجل هذا وأمثاله‪ ،‬كان مِن جنس أهل الكتاب الذين جعلوا زمانَ أحوال‬
‫المسيح مواسمَ وعبادات‪ ،‬كيوم الميلد‪ ،‬ويوم التعميد‪ ،‬وغير ذلك من أحواله‪ .‬وقد رأى عم ُر بن‬
‫الخطاب رضي الّ عنه جماعة يتبادرون مكانًا يُصلون فيه‪ ،‬فقال‪ :‬ما هذا؟ قالوا‪ :‬مكانٌ صلى فيه‬
‫ل صلى ال عليه وسلم‪ ،‬فقال‪ :‬أتُريدون أن تتخذوا آثار أنبيائكم مساجد؟! إنما هلكَ مَنْ كان‬
‫رسولُ ا ّ‬
‫قبلكم بهذا‪ ،‬فمن أدركته فيه الصلة فليصل‪ ،‬وإل فليمضِ‪.‬‬
‫ض الناس‪ :‬إن ليلة الِسراء في حق النبي صلى ال عليه وسلم أفضل مِن ليلة‬
‫وقد قال بع ُ‬
‫ل من ليلة الِسراء‪ ،‬فهذه الليلة في حق المّة أفضلُ لهم‪،‬‬
‫القدر‪ ،‬وليلة القدر بالنسبة إلى المّة أفض ُ‬
‫ل صلى ال عليه وسلم‪،‬أفضلُ له‪.‬‬
‫وليلة الِسراء في حق رسول ا ّ‬
‫فإن قيل‪ :‬فأيهما أفضلُ‪ :‬يوم الجمعة‪ ،‬أو يوم عرفة؟ فقد روى ابن حبان في‬
‫ش ْمسُ وَلَ‬
‫طلُ ُع ال ّ‬
‫ل صلى ال عليه وسلم‪((.‬لَ تَ ْ‬
‫((صحيحه)) من حديث أبي هريرة قال‪ :‬قال رسول ا ّ‬

‫‪19‬‬

‫عَليْهِ‬
‫طَل َعتْ َ‬
‫خ ْي ُر َيوْمٍ َ‬
‫ج ُمعَةِ)) وفيه أيضاً حديث أوس بن أوس (( َ‬
‫ل مِن َيوْمِ ال ُ‬
‫علَى َيوْمٍ أَ ْفضَ َ‬
‫َت ْغ ُربُ َ‬
‫ج ْمعَةِ))‪.‬‬
‫شمْس َيوْمُ ال ُ‬
‫ال ّ‬
‫ض العلماء إلى تفضيل يوم الجمعة على يوم عرفة‪ ،‬محتجاً‬
‫قيل‪ :‬قد ذهب بع ُ‬
‫ل من ليلة القدر‪،‬‬
‫بهذا الحديث‪ ،‬وحكى القاضي أبو يعلى رواية عن أحمد أن ليلة الجمعة أفض ُ‬
‫والصوابُ أن يوم الجمعة أفضلُ أيام السبوع‪ ،‬ويومَ عرفة ويوم النّحر أفضلُ أيام العام‪ ،‬وكذلك ليلةُ‬
‫القدر‪ ،‬وليلة الجمعة‪ ،‬ولهذا كان لوقفة الجمعة يو َم عرفة مزية على سائر اليام من وجوه متعدّدة‪.‬‬
‫ع اليومين اللذين هما أفضلُ اليام‪.‬‬
‫أحدها‪ :‬اجتما ُ‬
‫الثاني‪ :‬أنه اليومُ الذي فيه ساعة محققة الِجابة‪ ،‬وأكثر القوال أنها آخر ساعة بعد العصر‬
‫وأهل الموقف كلّهم إذ ذاك واقفون للدعاء والتضرع‪.‬‬
‫ل صلى ال عليه وسلم‪.‬‬
‫الثالث‪ :‬موافقتُه ليوم وقفة رسول ا ّ‬
‫الرّابع‪ :‬أن فيه اجتماعَ الخلئق مِن أقطار الرض للخطبة وصلة الجمعة‪ ،‬ويُوافق ذلك‬
‫اجتماعَ أهل عرفة يومَ عرفة بعرفة‪ ،‬فيحصُل مِن اجتماع المسلمين في مساجدهم وموقفهم من‬
‫الدعاء والتضرع ما ل يحصُل في يوم سواه‪.‬‬
‫الخامس‪ :‬أن يوم الجمعة يومُ عيد‪ ،‬ويومَ عرفة يومُ عيد لهل عرفة‪ ،‬ولذلك كره لمن بعرفة‬
‫صوْمِ َيوْمِ‬
‫ن َ‬
‫لّ صلى ال عليه وسلم عَ ْ‬
‫صومه‪ ،‬وفي النسائي عن أبي هريرة قال‪َ (( :‬نهَى رَسُولُ ا ِ‬
‫عرَفَ َة ِب َعرَفَةَ))‪ ،‬وفي إسناده نظر‪ ،‬فإن مهدي بن حرب العبدي ليس بمعروف‪ ،‬ومداره عليه‪ ،‬ولكن‬
‫َ‬
‫صيَام رَسُولِ الِّ‬
‫عنْدَهَا َيوْمَ عَرفَ َة في ِ‬
‫ثبت في الصحيح من حديث أم الفضل ((أن ناساً تما َروْا ِ‬
‫ح لَبنٍ‪،‬‬
‫سَلتْ إَليْهِ بقَدَ ِ‬
‫س ِبصَائِمٍ َفَأرْ َ‬
‫ضهُمْ‪َ :‬ل ْي َ‬
‫ل ب ْع ُ‬
‫صلى ال عليه وسلم‪ ،‬فقال بعضُهم‪ُ :‬ه َو صَائِمٌ‪ ،‬وَقَا َ‬
‫علَى َبعِيرِ ِه ِب َعرَفَةَ‪ ،‬فَشَربَهُ))‪.‬‬
‫وَ ُهوَ وَا ِقفٌ َ‬
‫وقد اختلف في حكمة استحباب فطر يوم عرفة بعرفة‪ ،‬فقالت طائفة‪ :‬لِيتقوى على‬
‫الدعاء‪ ،‬وهذا هو قولُ الخِرقي وغيره‪ ،‬وقال غيرهم ‪ -‬منهم شيخ الِسلم ابن تيمية ‪ :-‬الحِكمة فيه‬
‫أنه عيد لهل عرفة‪ ،‬فل يُستحب صومُه لهم‪ ،‬قال‪ :‬والدليلُ عليه الحديث الذي في ((السنن)) عنه‬
‫حرِ‪ ،‬وَأيّا ُم ِمنَى عِي ُدنَا أهلَ الِسلمِ))‪.‬‬
‫عرَفَةَ‪َ ،‬و َيوْ ُم النّ ْ‬
‫صلى ال عليه وسلم أنه قال‪َ (( :‬يوْمُ َ‬
‫قال شيخنا‪ :‬وإنما يكون يومُ عرفة عيداً في حق أهلِ عرفة‪ ،‬لجتماعهم فيه‪،‬‬
‫بخلف أهل المصار‪ ،‬فإنهم إنما يجمعون يوم النَحر‪ ،‬فكان هو العيدَ في حقهم‪ ،‬والمقصود أنه إذا‬
‫اتفق يومُ عرفة‪ ،‬ويومُ جمعة‪ ،‬فقد اتفق عيدانِ معاً‪.‬‬

‫‪20‬‬

‫السادس‪ :‬أنه موافق ليوم إكمال الّ تعالى دينَه لعباده المؤمنين‪ ،‬وإتما ِم نعمته عليهم‪ ،‬كما‬
‫ثبت في ((صحيح البخاري)) عن طارق بن شهاب قال‪ :‬جاء يهوديٌ إلى عمرَ بنِ الخطاب فقال‪ :‬يَا‬
‫شرَ ال َيهُو ِد َن َزَلتْ َو َن ْعلَمُ َذِلكَ ال َيوْ َم الّذِي َن َزَلتْ فِيهِ‪،‬‬
‫عَل ْينَا َمعْ َ‬
‫َأمِيرَ المُؤ ِمنِين آيَ ٌة تَ ْقرَؤو َنهَا في ِكتَا ِبكُمْ َلوْ َ‬
‫عَل ْيكُ ْم ِن ْع َمتِي َو َرضِيتُ َلكُمُ‬
‫ت َلكُمْ دِي َنكُ ْم َوَأ ْت َم ْمتُ َ‬
‫ي َآيَةٍ؟ قَالَ‪{ :‬ا ْل َيوْمَ َأ ْك َم ْل ُ‬
‫لتّخَ ْذنَاهُ عِيداً‪ ،‬قَالَ‪ :‬أ ُ‬
‫ن الّذِي‬
‫علَ ُم ا ْل َيوْمَ الّذِي َن َزَلتْ فِيهِ‪ ،‬وَال َمكَا َ‬
‫ع َمرُ بنُ الخَطّابِ‪ِ :‬إنّي لَ ْ‬
‫الِسْلَمَ دِيناً} [المائدة‪ ]3:‬فَقَالَ ُ‬
‫ن َمعَ ُه ِب َعرَفَةَ‪.‬‬
‫ن وَاقِفُو َ‬
‫ج ُمعَةٍ‪َ ،‬ونَحْ ُ‬
‫لّ صلى ال عليه وسلم‪ِ .‬ب َعرَفَ َة َيوْمَ ُ‬
‫علَى رَسُولِ ا ِ‬
‫َن َزَلتْ فِيهِ‪َ ،‬ن َزَلتْ َ‬
‫السابع‪ :‬أنه موافق ليوم الجمع الكبر‪ ،‬والموقفِ العظم يومِ القيامة‪ ،‬فإن القيامة تقومُ يومَ‬
‫خلِقَ‬
‫ج ُمعَةِ‪ ،‬فِيهِ ُ‬
‫ش ْمسُ َيوْمُ ال ُ‬
‫عَليْ ِه ال ّ‬
‫طَل َعتْ َ‬
‫خ ْيرُ َيوْمٍ َ‬
‫الجمعة‪ ،‬كما قال النبي صلى ال عليه وسلم‪َ (( :‬‬
‫سلِ ٌم يَسْأَلُ‬
‫عبْ ٌد مُ ْ‬
‫ل ُيوَافِ ُقهَا َ‬
‫ج ِم ْنهَا‪ ،‬وَفِي ِه تَقُو ُم السّاعَةُ‪ ،‬وَفِيهِ سَاعَةٌ َ‬
‫خرِ َ‬
‫جنّةَ‪ ،‬وَفِي ِه أُ ْ‬
‫آدَمُ‪ ،‬وَفِي ِه أُدْخِلَ ال َ‬
‫ل أَعْطَاهُ ِإيّاهُ)) ولهذا شرع الُّ سبحانه وتعالى لِعباده يوماً يجتمعون فيه‪ ،‬فيذكرون المبدأ‬
‫خ ْي َرًا إِ ّ‬
‫الَّ َ‬
‫لمّة يومَ الجمعة‪ ،‬إذ فيه كان المبدأُ‪ ،‬وفيه المعادُ‪،‬‬
‫لّ تعالى لهذه ا ُ‬
‫والمعاد‪ ،‬والجنّة والنّار‪ ،‬وادّخر ا ُ‬
‫ولهذا كان النبيّ صلى ال عليه وسلم يقرأ في فجره سورتي (السجدة) و (هل أتى على الِنسان )‬
‫ن في هذا اليوم‪ ،‬مِن خلق آدم‪ ،‬وذكر المبدأ والمعاد‪ ،‬ودخولِ الجنّة‬
‫لشتمالهما على ما كان وما يكو ُ‬
‫والنّار‪ ،‬فكان ت َذ ّك ُر المّة في هذا اليوم بما كان فيه وما يكون‪ ،‬فهكذا يتذكّر الِنسانُ بأعظم مواقف‬
‫الدنيا ‪ -‬وهو يومُ عرفة ‪ -‬الموقفَ العظم بين يدي الرب سبحانه في هذا اليوم بعينه‪ ،‬ول يتنصف‬
‫حتى يستقرّ أهل الجنة في منازلهم‪ ،‬وأهل الناّر في منازلهم‪.‬‬
‫الثامن‪ :‬أن الطاعةَ الوا ِقعَة مِن المسلمين يومَ الجُمعة‪ ،‬وليلةَ الجمعة‪ ،‬أكثر منها في سائر‬
‫جرّأ فيه على‬
‫اليام‪ ،‬حتى إن أكثرَ أهل الفجور يَحترِمون يوم الجمعة وليلته‪ ،‬ويرون أن من تَ َ‬
‫لّ عقوبته ولم يُمهله‪ ،‬وهذا أمر قد استقرّ عندهم وعلموه بالتجارِب‪،‬‬
‫معاصي الِّ عز وجل‪ ،‬عجّل ا ُ‬
‫وذلك لِعظم اليومِ وشرفِهِ عند الّ‪ ،‬واختيارِ الّ سبحانه له من بين سائر اليام‪ ،‬ول ريب أن للوقفة‬
‫فيه مزيةً على غيره‪.‬‬
‫التاسع‪ :‬أنه موافق ليوم المزيد في الجنة‪ ،‬وهو اليومُ الذي يُجمَعُ فيه أهلُ الجنة في وادٍ أَفْيحَ‪،‬‬
‫ن المِسك‪،‬‬
‫ب لهم َمنَا ِبرُ مِن لؤلؤ‪ ،‬ومنا ِبرُ من ذهب‪ ،‬ومنابرُ من َز َبرْجَدٍ وياقوت على كُثبَا ِ‬
‫ص ُ‬
‫و ُينْ َ‬
‫فينظرون إلى ربّهم تبارك وتعالى‪ ،‬ويتجلى لهم‪ ،‬فيرونه عِيانًا ويكون أسرعُهم موافاة أعجلَهم‬
‫رواحًا إلى المسجد‪ ،‬وأقربُهم منه أقربَهم من الِمام‪ ،‬فأهلُ الجنة مشتاقون إلى يوم المزيد فيها لما‬

‫‪21‬‬

‫ينالون فيه من الكرامة‪ ،‬وهو يوم جمعة‪ ،‬فإذا وافق يوم عرفة‪ ،‬كان له زياد ُة مزية واختصاص‬
‫وفضل ليس لغيره‪.‬‬
‫العاشر‪ :‬أنه يدنو ال ّربّ تبارك وتعالى عشي َة يومِ عرفة مِن أهل الموقف‪ ،‬ثم يُباهي بهم‬
‫شهِ ُدكُم أنّي قَدْ غَ َف ْرتُ َلهُم)) وتحصلُ مع دنوه منهم تبارك‬
‫الملئكة فيقول‪(( :‬مَا َأرَا َد هؤُلءِ‪ ،‬أُ ْ‬
‫ل َيرُدّ فيها سائل يسأل خيراً فيقربُون منه بدعائه والتضرع إليه في تلك‬
‫وتعالى ساعةُ الِجابة التي َ‬
‫الساعة‪ ،‬ويقرُب منهم تعالى نوعين من القُرب‪ ،‬أحدهما‪ :‬قربُ الِجابة المحققة في تلك الساعة‪،‬‬
‫ب أهل الِيمان بهذه‬
‫والثاني‪ :‬قربه الخاص من أهل عرفة‪ ،‬ومباهاتُه بهم ملئكته‪ ،‬فتستش ِع ُر قلو ُ‬
‫المور‪ ،‬فتزداد قوة إلى قوتها‪ ،‬وفرحًا وسروراً وابتهاجاً ورجاء لفضل ربها وكرمه‪ ،‬فبهذه الوجوه‬
‫وغيرها ُفضَّلتْ وقف ُة يومِ الجمعة على غيرها‪.‬‬
‫وأمّا ما استفاض على ألسنة العوام بأنها تعدل ثنتين وسبعين حجة‪ ،‬فباطل ل أصل له عن‬
‫رسول صلى ال عليه وسلم‪ ،‬ول عن أحد من الصحابة والتابعين وال أعلم‪.‬‬
‫فصل‬
‫والمقصود أن الَّ سبحانه وتعالى اختار مِن كل جنس من أجناس المخلوقات أطيبَه‪،‬‬
‫ب إل الطيب‪ ،‬ول يقبل من العمل‬
‫واختصه لنفسه وارتضاه دون غيره‪ ،‬فإنه تعالى طيبٌ ل يح ّ‬
‫والكلم والصدقة إل الطيبَ‪ ،‬فالطيب مِن كل شيء هو مختارُه تعالى‪.‬‬
‫وأما خلقُه تعالى‪ ،‬فعام للنوعين‪ ،‬وبهذا يُعلم عنوانُ سعادة العبد وشقاوته‪ ،‬فإن الطيب‬
‫ل يناسبه إل الطيب‪ ،‬ول يرضى إل به‪ ،‬ول يسكُن إل إليه‪ ،‬ول يطمئن قلبُه إل به‪ ،‬فله من الكلم‬
‫ل تعالى إل هو‪ ،‬وهو أشدّ شيء نُفرة عن الفحش في المقال‪،‬‬
‫ال َكلِمُ الطيب الذي ل يصعد إلى ا ّ‬
‫والتفحّش في اللسان والبذَاء‪ ،‬والكذب والغيبة‪ ،‬والنميمة والبُهت‪،‬وقول الزور‪ ،‬وكل كلم خبيث‪.‬‬
‫وكذلك ل يألف من العمال إل أطيبها‪ ،‬وهي العمال التي اجتمعت على‬
‫ل الصحيحة‪ ،‬فاتفق على حسنها الشرعُ‬
‫ط ُر السليم ُة مع الشرائع النبوية‪ ،‬وزكتها العقو ُ‬
‫حسنها الفِ َ‬
‫ب إليه‬
‫والعقلُ والفِطرةُ‪ ،‬مثل أن َي ْعبُدَ الّ وحده ل يُش ِركُ به شيئاً‪ ،‬ويؤ ِث َر مرضاته على هواه‪ ،‬ويتحب َ‬
‫ن إلى خلقه ما استطاع‪ ،‬فيفعلَ بهم ما يُحب أن يفعلوا به‪ ،‬و ُيعَاملوه به‪ ،‬ويَدَعَهم‬
‫جُهده وطاقته‪ ،‬ويُحْسِ َ‬
‫ممّا يحب أن يَدَعُوه منه‪ ،‬وينصحَهم بما ينصح به نفسه‪ ،‬ويحكم لهم بما يحب أن يحكم له به‪ ،‬ويحمل‬
‫ف عن أعراضهم ول يُقابلهم بما نالوا من عرضه‪ ،‬وإذا رأى لهم حسناً‬
‫أذاهم ول يحمّلهم أذاه‪ ،‬وي ُك ّ‬

‫‪22‬‬

‫أذاعه‪ ،‬وإذا رأى لهم سيئاً‪ ،‬كتمه‪ ،‬ويقيم أعذارهم ما استطاع فيما ل يُبطِلُ شريعة‪ ،‬ول يُناقضُ لّ‬
‫أمراً ول نهياً‪.‬‬
‫وله أيضاً من الخلق أطيبُها وأزكاها‪ ،‬كالحلم‪ ،‬والوقار‪ ،‬والسكينة‪ ،‬والرحمة‪ ،‬والصبر‪،‬‬
‫والوفاء‪ ،‬وسهولة الجانب‪ ،‬ولين العريكة‪ ،‬والصدق‪ ،‬وسلمة الصدر من الغِل والغش والحقد‬
‫والحسد‪ ،‬والتواضع‪ ،‬وخفض الجناج لهل الِيمان والعزة‪ ،‬والغلظة على أعداء الّ‪ ،‬وصيانة الوجه‬
‫عن بذله وتذللـه لغير الّ‪ ،‬والعِفة‪ ،‬والشجاعة‪ ،‬والسخاء‪ ،‬والمُروءة‪ ،‬وكل خلق اتفقت على حسنه‬
‫الشرائع والفطر والعقول‪.‬‬
‫وكذلك ل يختار من المطاعم إل أطيبها‪ ،‬وهو الحلل الهنيء المريء الذي يُغذّي‬
‫ن تغذية‪ ،‬مع سلمة العبد من َت ِب َعتِهِ‪.‬‬
‫البدن والروح أحس َ‬
‫وكذلك ل يختار من المناكح إل أطيبها وأزكاها‪ ،‬ومِن الرائحة إل أطيبَها‬
‫خلُقُه طيب‪،‬‬
‫وأزكاها‪ ،‬ومن الصحاب والعُشراء إل الطيبين منهم‪ ،‬فروحه طيب‪ ،‬وبدنُه طيب‪ ،‬و ُ‬
‫وعملُه طيب‪ ،‬وكلمُه طيّب‪ ،‬ومطعمُه طيب‪ ،‬ومَشربه طيب‪ ،‬وملبَس ُه طيب‪ ،‬ومنكِحُه طيب‪،‬‬
‫ومدخلُه طيب‪ ،‬ومخرجُه طيب‪ ،‬و ُمنْ َقَلبُهُ طيب‪ ،‬ومثواه كله طيب‪ .‬فهذا ممن قال الّ تعالى فيه‪:‬‬
‫جنّة ِبمَا ُك ْنتُ ْم َت ْع َملُونَ} [النّحل‪]32 :‬‬
‫خلُواْ الْ َ‬
‫عَل ْيكُ ُم ادْ ُ‬
‫طيّبينَ يَقُولُونَ سَلمٌ َ‬
‫{الّذينَ َت َتوَفّاهُ ُم ا ْلمَل ِئكَةُ َ‬
‫خلُوهَا خَالِدِينَ} [الزمر‪ ]73 :‬وهذه الفاء‬
‫ط ْبتُمْ فَادْ ُ‬
‫عَل ْيكُمْ ِ‬
‫خ َزنَةُ الجنّة‪{ :‬سَلَمٌ َ‬
‫ن يَقُول لهم َ‬
‫ومِنَ الّذِي َ‬
‫خبِيثَاتِ‬
‫ن ِللْ َ‬
‫خبِيثُو َ‬
‫ن وَالْ َ‬
‫خبِيثِي َ‬
‫ت ِللْ َ‬
‫خبِيثَا ُ‬
‫تقتضي السببية‪ ،‬أي‪ :‬بسبب طيبكم ادخلها‪ .‬وقال تعالى {الْ َ‬
‫طيّباتِ} [النور‪ ]26 :‬وقد فسرت الية بأن الكلماتِ الخبيثات‬
‫طيّبونَ ِللْ ّ‬
‫طيّبينَ وَال ّ‬
‫ت لِل ّ‬
‫طيّبا ُ‬
‫وَال ّ‬
‫للخبيثين‪ ،‬والكلمات الطيبات للطيبين‪ ،‬وفسرت بأن النساءَ الطيباتِ للرجال الطيبين‪ ،‬والنساءَ‬
‫خبِيثَاتِ للرجال الخبيثين‪ ،‬وهي تعم ذلك وغيره‪ ،‬فالكلمات‪ ،‬والعمال‪ ،‬والنساء الطيبات لمناسبها‬
‫ال َ‬
‫من الطيبين‪ ،‬والكلمات‪ ،‬والعمال‪ ،‬والنساء الخبيثة لمناسبها من الخبيثين‪ ،‬فالّ سبحانه وتعالى جعل‬
‫ط ّيبَ بحذافيره في الجنة‪ ،‬وجعل الخبيث بحذافيره في النار فجعل الدّور ثلثة‪ :‬داراً أخلصت‬
‫ال ّ‬
‫للطيبين‪ ،‬وهي حرامٌ على غير الطيبين‪ ،‬وقد جمعت كُلّ طيب وهي الجنة‪ ،‬ودارًا أخلصت للخبيث‬
‫والخبائث ول يدخلها إل الخبيثون‪ ،‬وهي النّار‪ ،‬وداراً امتزج فيها الطيبُ والخبيث‪ ،‬وخلط بينهما‪،‬‬
‫وهي هذه الدار‪ ،‬ولهذا وقع البتلءُ‪،‬والمحنة بسبب هذا المتزاج والختلط‪ ،‬وذلك بموجب الحكمة‬
‫الِلهية‪ ،‬فإذا كان يوم معاد الخليقة‪ ،‬ميز الّ الخبيث مِن الطيب‪ ،‬فجعل الطيب وأهله في دار على‬
‫ث وأهله في دار على حدة ل يخالطهم غيرهم‪ ،‬فعاد المر إلى‬
‫حدة ل يُخالِطهم غيرُهم‪ ،‬وجعل الخبي َ‬

‫‪23‬‬

‫دارين فقط‪ :‬الجنّة‪ ،‬وهي دار الطيبين‪ ،‬والنار‪ ،‬وهي دار الخبيثين‪ ،‬وأنشأ الّ تعالى من أعمال‬
‫ت أقوال هؤلء وأعمالهم وأخلقهم هي عينَ نعيمهم ولذاتهم‪،‬‬
‫الفريقين ثوابَهم وعقابَهم‪ ،‬فجعل طيبا ِ‬
‫ت أقوال الخرين وأعمالهم وأخلقهم هي‬
‫ل أسباب النعيم والسرور‪ ،‬وجعل خبيثا ِ‬
‫أنشأ لهم منها أكم َ‬
‫عينَ عذابهم وآلمهم‪ ،‬فأنشأ لهم منها أعظمَ أسباب العِقاب واللم‪ ،‬حكمة بالغة‪ ،‬وعزة باهرة قاهرة‪،‬‬
‫ل ربوبيته‪ ،‬وكمالَ حكمته وعلمه وعدله ورحمته‪ ،‬وليعلم أعداؤه أنهم كانوا هم‬
‫ِل ُيرِي عباده كما َ‬
‫ل َي ْب َعثُ‬
‫جهْدَ َأ ْيمَا ِنهِمْ َ‬
‫سمُو ْا بِالّ َ‬
‫المفترين الكذّابين‪ ،‬ل رسلُه البررة الصادقون‪ .‬قال الّ تعالى‪َ { :‬وأَقْ َ‬
‫خ َتلِفُونَ فِي ِه َوِل َي ْعلَمَ‬
‫ن * ِل ُي َبيّن َلهُ ُم الّذي يَ ْ‬
‫ل َي ْعَلمُو َ‬
‫ن َأ ْك َثرَ ا ْلنّاس َ‬
‫عَليْهِ حَقّا َوَلكِ ّ‬
‫ى وَعْداً َ‬
‫ل مَن َيمُوتُ َبَل َ‬
‫ا ّ‬
‫الّذينَ كَ َفرُو ْا َأنّهمْ كَانُو ْا كَا ِذبِينَ} [النحل‪.]39-38 :‬‬
‫ل ‪ -‬سبحانه وتعالى ‪ -‬جعل للسعادة والشقاوة عنواناً‬
‫والمقصود أن ا ّ‬
‫يُعرفان به‪ ،‬فالسعي ُد الطيب ل يليق به إل طيب‪ ،‬ول يأتي إل طيباً ول يصدر منه إل طيب‪ ،‬ول‬
‫يُلبِس إل طيباً‪ ،‬والشقي الخبيث ل يليق به إل الخبيث‪ ،‬ول يأتي إل خبيثاً‪ ،‬ول يصدُر منه إل‬
‫ط ّيبُ يتفجر من قلبه الطّيبُ على‬
‫ث على لسانه وجوارحه‪ ،‬وال ّ‬
‫الخبيثُ‪ ،‬فالخبيث يتفجر من قَلبه الخب ُ‬
‫ل به‬
‫لسانه وجوارحه‪ .‬وقد يكون في الشخص مادتان‪ ،‬فأيهما غلب عليه كان من أهلها‪ ،‬فإن أراد ا ّ‬
‫خيرًا طهره من المادة الخبيثة قبل الموافاة‪ ،‬فيُوافيه يوم القيامة مطهراً‪ ،‬فل يحتاج إلى تطهيره‬
‫بالنار‪ ،‬فيطهره منها بما يوفّقه له من التوبة النصوحِ‪ ،‬والحسناتِ الماحية‪ ،‬والمصائب المكفّرة‪ ،‬حتى‬
‫يلقى الّ وما عليه خطيئة‪ ،‬ويُمسك عن الخر مواد التطهير‪ ،‬فيلقاه يوم القيامة بمادة خبيثة‪ ،‬ومادة‬
‫طيبة‪ ،‬وحكمته تعالى تأبى أن يُجَاوره أحد في داره بخبائثه‪ ،‬فيدخله النار طهرة له وتصفية وسبكاً‪،‬‬
‫فإذا خلصت سبيكةُ إيمانه من الخبث‪ ،‬صلَح حينئ ٍذ لجواره‪ ،‬ومساكنة الطيبين من عباده‪ .‬وإقامة هذا‬
‫النوع من الناس في النار على حسب سرعة زوال تلك الخبائث منهم وبطئها‪ ،‬فأسرعهم زوالً‬
‫وتطهيراً أسرعُهم خروجاً‪،‬وأبطؤهم أبطؤهم خروجاً‪ ،‬جزاءً وفاقاً‪ ،‬وما ربّك بظلم للعبيد‪.‬‬
‫ولما كان المشرك خبيث العنصر‪ ،‬خبيث الذات‪ ،‬لم تطهر النار خبثه‪ ،‬بل لو خرج منها لعاد‬
‫ل تعالى على المشرك الجنّة‪.‬‬
‫خبيثاً كما كان‪ ،‬كالكلب إذا دخل البحر ثم خرج منه‪ ،‬فلذلك حرَم ا ّ‬
‫ولما كان المؤمن الطيب المطيب مبرّءاً من الخبائث‪ ،‬كانت النار حرامًا عليه‪ ،‬إذ ليس فيه ما‬
‫طرُ عباده وعقولهم بأنه‬
‫يقتضي تطهيره بها‪ ،‬فسبحان من بهرت حكمته العقول واللباب‪ ،‬وشهدت فِ َ‬
‫ب العالمين‪ ،‬لإله إل هو‪.‬‬
‫أحكم الحاكمين‪ ،‬ور ّ‬
‫فصل‬

‫‪24‬‬

‫ق كل ضرورة إلى معرفة الرسول‪ ،‬وما جاء به‪،‬‬
‫ومن هاهنا تعلم اضطرار العباد فو َ‬
‫وتصديقه فيما أخبر به‪ ،‬وطاعته فيما أمر‪ ،‬فإنه ل سبيل إلى السعادة والفلح ل في الدنيا‪ ،‬ول في‬
‫ل إلى معرفة الطيب والخبيث على التفصيل إل مِن جهتهم‪،‬‬
‫الخرة إل على أيدي الرسل‪ ،‬ول سبي َ‬
‫طيّب من العمال والقوال والخلق‪ ،‬ليس إل هديهم‬
‫ل البتة إل على أيديهم‪ ،‬فال ّ‬
‫ول يُنال رضى ا ّ‬
‫ن الراجح الذي على أقوالهم وأعمالهم وأخلقهم تُوزن القوال والخلق‬
‫وما جاؤوا به‪ ،‬فهم الميزا ُ‬
‫والعمال‪ ،‬وبمتابعتهم يتميز أهل الهدى من أهل الضلل‪ ،‬فالضرورة إليهم أعظمُ مِن ضرورة‬
‫البدن إلى روحه‪ ،‬والعين إلى نورها‪ ،‬والروح إلى حياتها‪ ،‬فأي ضرورة وحاجة ُف ِرضَت‪ ،‬فضرورةُ‬
‫العبد وحاجته إلى الرسل فوقها بكثير‪ .‬وما ظنك بمن إذا غاب عنك هديُه وما جاء به طرفةَ عين‪،‬‬
‫فسد قلبُك‪ ،‬وصار كالحوت إذا فارق الماء‪ ،‬ووضع في المِقلة‪ ،‬فحال العبد عند مفارقة قلبه لما جاء‬
‫حسّ بهذا إل قلب حي و‬
‫به الرسل‪ ،‬كهذه الحال‪ ،‬بل أعظمُ‪ ،‬ولكن ل يُ ِ‬
‫ح ِب َم ّيتٍ إِيلَمُ *‬
‫جرْ ٍ‬
‫* مَا لِ ُ‬
‫وإذا كانت سعاد ُة العبد في الدارين معلقةً بهدي النبي صلى ال عليه وسلم‪ ،‬فيجِب على كلَ‬
‫ج به عن‬
‫خرُ ُ‬
‫من نصح نفسه‪ ،‬وأحب نجاتها وسعادتها‪ ،‬أن يعرف من هديه وسيرته وشأنه مَا يَ ْ‬
‫الجاهلين به‪ ،‬ويدخل به في عِداد أتباعه وشِيعته وحِزبه‪ ،‬والناس في هذا بين مستقِل‪ ،‬ومستكثِر‪،‬‬
‫ل ذو الفضل العظيم‪.‬‬
‫ل يُؤتيه من يشاء‪ ،‬وا ّ‬
‫ومحروم‪ ،‬والفضلُ بيد ا ّ‬
‫فصل‬
‫ن له أدنى همة إلى معرفة نبيه صلى ال عليه‬
‫وهذه كلمات يسيرة ل يَستغني عن معرفتها مَ ْ‬
‫ج ِر ِه مع البِضاعة المزجاة التي ل‬
‫ج ِرهِ وبُ َ‬
‫عَ‬
‫ط ُر ال َمكْدو ُد على ُ‬
‫وسلم وسيرتِه وهديه‪ ،‬اقتضاها الخا ِ‬
‫ب السّدَدِ‪ ،‬ول يتنافس فيها المتنافسون مع تعليقها في حال السفر ل الِقامة‪ ،‬والقلبُ‬
‫تنفتح لها أبوا ُ‬
‫بكل وادٍ منه شُعبة‪ ،‬والهمة قد تفرقت شَ َذ َر مَ َذرَ‪ ،‬والكتاب مفقود‪ ،‬ومَنْ يفتح باب العلم لمذاكرته‬
‫معدوم غيرُ موجود‪َ ،‬فعُو ُد العلم النافع الكفيل بالسعادة قد أصبح ذاوياً‪ ،‬وربعه قد أوحش من أهله‬
‫وعاد منهم خالياً‪ ،‬فلسان العالم قد ُملِىءَ بالغلول مضاربةً لغلبة الجاهلين‪ ،‬وعادت موارِدُ شفائه وهي‬
‫معاطبه لكثرة المنحرفين والمحرّفين‪ ،‬فليس له ُم َعوّل إل على الصبرِ الجميل‪ ،‬وما له ناصر ول‬
‫معين إل الّ وحده وهو حسبُنا ونعم الوكيل‪.‬‬
‫فصل‬
‫في نسبه صلى ال عليه وسلم‬

‫‪25‬‬

‫وهو خير أهل الرض نسبًا على الِطلق‪ ،‬فلنسبه من الشرف أعلى ِذرْوة‪ ،‬وأعداؤه كانوا‬
‫يشهدون له بذلك‪ ،‬ولهذا شهد له به عدوّه إذ ذاك أبو سفيان بين يدي َملِك الرّوم‪ ،‬فأَشرف القوم‬
‫قومُه‪ ،‬وأَشرف القبائل قبيلُه‪ ،‬وأَشرفُ الفخاذ فخذه‪.‬‬
‫ن كِلب‪ ،‬بنِ‬
‫صيّ‪ ،‬ب ِ‬
‫طلِب‪ ،‬بن هَاشِم‪ ،‬بن عَب ِد َمنَاف‪ ،‬بن ُق َ‬
‫فهو محمّد بن عبد الّ‪ ،‬بن عبد المُ ّ‬
‫خ َز ْيمَة‪ ،‬بنِ‬
‫ضرِ‪ ،‬بنِ ِكنَانَة‪ ،‬بنِ ُ‬
‫ن النّ ْ‬
‫ن مَالِك‪ ،‬ب ِ‬
‫ن َك ْعبِ‪ ،‬بنِ ُلؤَي‪ ،‬بنِ غَالِب‪ ،‬بنِ ِفهْر‪ ،‬ب ِ‬
‫ُمرّة‪ ،‬ب ِ‬
‫ن َمعَدّ‪ ،‬بنِ عَ ْدنَان‪.‬‬
‫ضرَ‪ ،‬بنِ ِنزَار‪ ،‬ب ِ‬
‫ن إليَاس‪ ،‬بنِ ُم َ‬
‫مُ ْد ِركَة‪ ،‬ب ِ‬
‫إلى هاهنا معلوم الصحة‪ ،‬متفق عليه بين النسابين‪ ،‬ول خِلف فيه البتة‪ ،‬وما فوق‬
‫((عدنان)) مختلف فيه‪ .‬ول خلف بينهم أن ((عدنان)) من ولد إسماعيل عليه السلم‪ ،‬وإسماعيل‪:‬‬
‫هو الذبيح على القول الصواب عند علماء الصحابة والتابعين ومن بعدهم‪.‬‬
‫وأمّا القول بأنه إسحاق فباطل بأكثر من عشرين وجهاً‪ ،‬وسمعت شيخ الِسلم ابن‬
‫ل روحه يقول‪ :‬هذا القول إنما هو متلقى عن أهل الكِتاب‪ ،‬مع أنه باطل بنص كتابهم‪،‬‬
‫تيمية قدّس ا ّ‬
‫ك أهلُ الكِتاب مع‬
‫ل أمر إبراهيم أن يذبح ابنَه بكره‪ ،‬وفي لفظ‪ :‬وحيده‪ ،‬ول يش ّ‬
‫فإن فيه‪ :‬إن ا ّ‬
‫المسلمين أن إسماعيل هو بكر أولده‪ ،‬والذي غرّ أصحاب هذا القول أن في التوراة التي بأيديهم‪:‬‬
‫اذبح ابنك إسحاق‪ ،‬قال‪ :‬وهذه الزيادة من تحريفهم وكذبهم‪ ،‬لنها تناقض قوله‪ :‬اذبح بكرك‬
‫ووحيدك‪،‬ولكن اليهود حسدت بني إسماعيل على هذا الشرف‪ ،‬وأحبوا أن يكون لهم‪ ،‬وأن يسوقوه‬
‫إليهم‪ ،‬ويختاروه لنفسهم دون العرب‪ ،‬ويأبى الُّ إل أن يجعل فضله لهله‪ .‬وكيف يسوغ أن يُقال‪:‬‬
‫إن الذبيح إسحاق‪ ،‬والّ تعالى قد بشر أم إسحاق به وبابنه يعقوب‪ ،‬فقال تعالى عن الملئكة‪ :‬إنهم‬
‫ح َكتْ‬
‫ط * وَا ْمرََأتُهُ قَا ِئمَةٌ َفضَ ِ‬
‫س ْلنَا ِإَلىَ َقوْ ِم لُو ٍ‬
‫ف ِإنّا ُأرْ ِ‬
‫خ ْ‬
‫ل تَ َ‬
‫قالوا لِبراهيم لما أتوه بالبشرى‪َ { :‬‬
‫ق َيعْقُوبَ} [هود‪ ]71-70 :‬فمحال أن يبشرها بأنه يكون لها‬
‫ق َومِن َورَا ِء إِسْحَا َ‬
‫سحَا َ‬
‫ش ْرنَاهَا بِإِ ْ‬
‫َفبَ ّ‬
‫ب أن يعقوب عليه السلم داخل في البشارة‪َ ،‬ف َتنَاوُل البشارة لِسحاق‬
‫ولد‪ ،‬ثم يأمر بذبحه‪ ،‬ول ري َ‬
‫ويعقوب في اللفظ واحد‪ ،‬وهذا ظاهِر الكلم وسياقُه‪.‬‬
‫فإن قيل‪ :‬لو كان المر كما ذكرتموه لكان ((يعقوب)) مجروراً عطفاً على إسحاق‪ ،‬فكانت‬
‫القراءة {ومن وراء إسحاق يعقوب} أي‪ :‬ويعقوب من وراء إسحاق‪ .‬قيل‪ :‬ل يمنع الرفعُ أن يكون‬
‫يعقوبُ مبشراً به‪ ،‬لن البشارةَ قول مخصوص‪ ،‬وهي أولُ خبر سارّ صادق‪ .‬وقوله تعالى‪َ { :‬ومِنْ‬
‫ق َيعْقُوب} جملة متضمنة لهذه القيود‪ ،‬فتكون بشارة‪ ،‬بل حقيقة البشارة هي الجملة‬
‫َورَاءِ إِسْحَا َ‬
‫الخبرية‪ .‬ولما كانت البشارة قولً‪ ،‬كان موضع هذه الجملة نصباً على الحكاية بالقول‪ ،‬كأن المعنى‪:‬‬

‫‪26‬‬

‫وقلنا لها‪ :‬من وراء إِسحاق يعقوب‪ ،‬والقائل إذا قال‪ :‬بشرتُ فلنًا بِقُدوم أخيه َوثَ َقلِ ِه في أثره‪ ،‬لم يعقل‬
‫منه إل بشارته بالمرين جميعاً‪ .‬هذا ممّا ل يستريبُ ذو فهم فيه البتة‪ ،‬ثم يُضعف الج ّر أمر آَخر‪،‬‬
‫وهو ضعف قولك‪ :‬مررت بزيد َومِنْ بعده عمرو‪ ،‬ولن العاطف يقوم مقام حرف الجرّ‪.،‬فل يفصل‬
‫بينه وبين المجرور‪ ،‬كما ل يفصل بين حرف الجار والمجرور‪ .‬ويدل عليه أيضًا أن الّ سبحانه لما‬
‫ن * َونَا َد ْينَاهُ أَن‬
‫جبِي ِ‬
‫سَلمَا َو َتلّه ِللْ َ‬
‫ذكر قصة إبراهيم وابنه الذبيح في سورة (الصافات ) قال‪َ { :‬فَلمّا أَ ْ‬
‫ن * إِنّ هَذَا َل ُه َو ا ْلبَلَءُ ا ْل ُمبِينُ * وَفَ َد ْينَاهُ بِ ِذبْحٍ‬
‫سنِي َ‬
‫جزِي ا ْلمُحْ ِ‬
‫ت ال ّر ْؤيَا ِإنّا كَ َذِلكَ نَ ْ‬
‫يَِإ ْبرَاهِيمُ * قَ ْد صَدّ ْق َ‬
‫عبَا ِدنَا‬
‫ن * ِإنّه مِنْ ِ‬
‫سنِي َ‬
‫جزِي ا ْلمُحْ ِ‬
‫ى ِإ ْبرَاهِي َم * كَ َذِلكَ َن ْ‬
‫عَل َ‬
‫خرِينَ * سَلَمٌ َ‬
‫عَليْهِ فِي ال ِ‬
‫عَظِيمٍ * َو َت َر ْكنَا َ‬
‫ق َن ِبيّا مّن الصّالحِينَ}‬
‫ش ْرنَا ُه بِِإسْحَا َ‬
‫ا ْل ُم ْؤمِنِينَ} [الصافات‪ .]111-103 :‬ثم قال تعالى‪َ { :‬وبَ ّ‬
‫ل تعالى له شكراً على صبره على ما ُأ ِمرَ به‪ ،‬وهذا ظاهر جداً‬
‫[الصافات‪ .]112 :‬فهذه بشارة من ا ّ‬
‫في أن المبشّر به غيرُ الول‪ ،‬بل هو كالنص فيه‪.‬‬
‫فإن قيل‪ :‬فالبشارة الثانية وقعت على نبوته‪ ،‬أي‪ :‬لما صبر الب على ما أُمر به‪ ،‬وأَسلم الولد‬
‫ل على ذلك بأن أعطاه النّبوة‪.‬‬
‫لمر الّ‪ ،‬جازاه ا ّ‬
‫قيل‪ :‬البشارة وقعت على المجموع‪ :‬على ذاته ووجوده‪ ،‬وأن يكون نبياً‪ ،‬ولهذا نصب ((نبياً))‬
‫ج البِشارة أن تقع على الصل‪ ،‬ثم تخص‬
‫على الحال المقدّر‪ ،‬أي‪ :‬مقدرًا نبوته‪ ،‬فل يمكن إخرا ُ‬
‫ضلَةِ‪ ،‬هذا مُحال من الكلم‪ ،‬بل إذا وقعت البِشارةُ على نبوته‪،‬‬
‫بالحال التابعة الجارية مجرى الفَ ْ‬
‫فوقوعها على وجوده أولى وأحرى‪.‬‬
‫جعِل السعيُ‬
‫ن يومَ النّحر بها‪ ،‬كما ُ‬
‫وأيضًا فل ريب أن الذبيح كان بمكّة‪ ،‬ولذلك جُعلت القرابي ُ‬
‫بين الصفا والمروة ورمي الجمار تذكيراً لشأن إِسماعيل وأمّه‪ ،‬وإقامةً لذكر الّ‪ ،‬ومعلوم أن‬
‫ن الذبح وزمانُه بالبيت‬
‫إسماعيل وأمه هما اللّذان كانا بمكّة دون إسحاق وأمه‪ ،‬ولهذا اتصل مكا ُ‬
‫الحرام الذي اشترك في بنائه إبراهيم وإسماعيل‪ ،‬وكان النّح ُر بمكّة مِن تمام حج البيت الذي كان‬
‫على يد إبراهيم وابنه إسماعيل زماناً ومكاناً‪ ،‬ولو كان الذبح بالشام كما يزعم أهل الكِتاب ومن تلقى‬
‫عنهم‪ ،‬لكانت القرابين والنّحر بالشام‪ ،‬ل بمكّة‪.‬‬
‫وأيضاً فإن الّ سبحانه سمى الذبيح حليماً‪ .‬لنه ل أحلم ممن أسلم نفسه للذبح طاعة لربه‪.‬‬
‫خلُواْ‬
‫ن * إِذْ دَ َ‬
‫ف ِإ ْبرَاهِي َم ا ْل ُم ْك َرمِي َ‬
‫ض ْي ِ‬
‫ث َ‬
‫ل َأتَاكَ حَدِي ُ‬
‫ولما ذكر إسحاق سماه عليماً‪ ،‬فقال تعالى‪{ :‬هَ ْ‬
‫خفْ‬
‫ل تَ َ‬
‫عَليْهِ فَقَالُواْ سَلَماً قَالَ سَلَمٌ َقوْ ٌم مّنكرُونَ} [الذاريات‪ ]25-24 :‬إلى أن قال‪{ :‬قَالُواْ َ‬
‫َ‬
‫علَيمٍ} [الذاريات‪ ]28 :‬وهذا إسحاق بل ريب‪ ،‬لنه من امرأته‪ ،‬وهي المبشّرة به‪،‬‬
‫َوبَشّروهُ ِبغُلَمٍ َ‬

‫‪27‬‬

‫س ّريّةِ‪ .‬وأيضاً فإنهما بُشّرا به على الكِبرَ واليَ ْأسِ من الولد‪ ،‬وهذا بخلف‬
‫وأمّا إسماعيل‪ ،‬فمن ال ّ‬
‫ل ذلك‪.‬‬
‫إسماعيل‪ ،‬فإنه ولد قب َ‬
‫ب إلى الوالدين ممن بعده‪،‬‬
‫ن بكر الولد أح ّ‬
‫وأيضاً فإن الّ سبحانه أجرى العادة البشرية أ ّ‬
‫ش ْعبَةٌ من قلبه بمحبته‪ ،‬والّ تعالى قد‬
‫وإبراهيم عليه السلم لما سأل ربه الولد‪ ،‬ووهبه له‪ ،‬تعلقت ُ‬
‫صبٌ يقتضي توحيدَ المحبوب بالمحبة‪ ،‬وأن ل يُشارك بينه وبين غيره فيها‪،‬‬
‫اتخذه خليلً‪ ،‬والخُلة َم ْن ِ‬
‫غيْرةُ الخُلة تنتزعها من قلب الخليل‪ ،‬فأمره بذبح‬
‫فلما أخذ الولدُ شعب ًة من قلب الوالد‪ ،‬جاءت َ‬
‫صتِ الخلة حينئذٍ‬
‫خَل َ‬
‫المحبوب‪ ،‬فلما أقدم على ذبحه‪ ،‬وكانت محبةُ الّ أعظمَ عنده من محبة الولد‪َ ،‬‬
‫من شوائب المشاركة‪ ،‬فلم يبق في الذبح مصلحة‪ ،‬إذ كانت المصلحةُ إنما هي في العزم وتوطين‬
‫حصَل المقصودُ‪َ ،‬فنُسِخَ المر‪ ،‬وَفُدي الذبيح‪ ،‬وَصدّق الخليلُ الرؤيا‪ ،‬وحصل مراد‬
‫النفس عليه‪ ،‬فقد َ‬
‫الرب‪.‬‬
‫ومعلوم أن هذا المتحان والختبار إنما حصل عند أول مولود‪ ،‬ولم يكن ليحصل في‬
‫المولود الخر دون الول‪ ،‬بل لم يحصل عند المولود الخر من مزاحمة الخلة ما يقتضي المر‬
‫بذبحه‪ ،‬وهذا في غاية الظهور‪.‬‬
‫وأيضاً فإن سارة امرأة الخليل عليه السلم غارت من هاجر وابنها أشد الغيرة‪ ،‬فإنها كانت‬
‫جارية‪ ،‬فلما ولدت إسماعيل وأَحبّه أبوه‪ ،‬اشتدت غيرة ((سارة))‪ ،‬فأمر الّ سبحانه أن يُبعد عنها‬
‫((هاجر)) وابنها‪ ،‬ويسكنها في أرض مكّة لتبرد عن ((سارة)) حرارةُ الغيرة‪ ،‬وهذا من رحمته‬
‫تعالى ورأفته‪ ،‬فكيف يأمره سبحانه بعد هذا أن يذبح ابنها‪ ،‬ويدع ابن الجارية بحاله‪ ،‬هذا مع رحمة‬
‫ال لها وإبعاد الضرر عنها وجبره لها‪ ،‬فكيف يأمر بعد هذا بذبح ابنها دون ابن الجارية‪ ،‬بل حكمتُه‬
‫ب السيدة عليها وعلى ولدها‪ ،‬وتتبدل قسوةُ‬
‫س ّريّةِ‪ ،‬فحينئذٍ يرق قل ُ‬
‫البالغة اقتضت أن يأمر بذبح ولد ال ّ‬
‫ل ل يضيع بيتاً هذه وابنها منهم‪ ،‬وليُريَ‬
‫الغيرة رحمة‪ ،‬ويظهر لها بركة هذه الجارية وولدها‪ ،‬وأن ا ّ‬
‫عباده جبره بعد الكسر‪ ،‬ولطفه بعد الشدة‪ ،‬وأن عاقبة صبر ((هاجر)) وابنها على البُعد والوحدة‬
‫والغربة والتسليم إلى ذبح الولد آلت إلى ما آلت إليه‪ ،‬من جَعل آثارهما ومواطىء أقدامهما مناسكَ‬
‫ت لهم إلى يوم القيامة‪ ،‬وهذه سنته تعالى فِيمَن يُريد رفعه مِن خلقه أن يمنّ‬
‫لعباده المؤمنين‪ ،‬ومتعبدا ٍ‬
‫ضعِفُواْ فِي الرْضِ‬
‫س ُت ْ‬
‫علَى الّذينَ ا ْ‬
‫عليه بعد استضعافه وذله وانكساره‪ .‬قال تعالى‪َ { :‬و ُنرِيدُ أَن نّمنّ َ‬
‫ل ذو الفضل‬
‫ل ُيؤْتيه من يشاء‪ ،‬وا ّ‬
‫ج َعَلهُ ُم ا ْلوَا ِرثِينَ} [القصص‪ ]5 :‬وذلك فضل ا ّ‬
‫ج َعَلهُمْ َأ ِئمّة َونَ ْ‬
‫َونَ ْ‬
‫العظيم‪.‬‬

‫‪28‬‬

‫ولنرجع إِلى المقصود من سيرته صلى ال عليه وسلم وهديه وأخلقه ل خلف أنه‬
‫ولد صلى ال عليه وسلم بجوف مكّة‪ ،‬وأن مولده كان عا َم الفيل‪ ،‬وكان أم ُر الفيل تقدِمة قدّمها الّ‬
‫لنبيه وبيته‪ ،‬وإل فأصحاب الفيل كانوا نصارى أهل كِتاب‪ ،‬وكان دينهم خيرًا مِن دين أهل مكّة إذ‬
‫ل على أهل الكِتاب نصراً ل صنُع للبشر فيه‪ ،‬إرهاصاً‬
‫عبّاد أوثان‪ ،‬فنصرهم ا ّ‬
‫ذاك‪ ،‬لَنهم كانوا ُ‬
‫وتقدِمة للنبي صلى ال عليه وسلم الذي خرج من مكّة‪ ،‬وتعظيماً للبيت الحرام‪.‬‬
‫واختلف في وفاة أبيه عبد الّ‪ ،‬هل توفي ورسول الّ صلى ال عليه وسلم‬
‫ل صلى ال عليه وسلم حمل‪.‬‬
‫حمل‪ ،‬أو توفي بعد ولدته؟ على قولين‪ :‬أصحهما‪ :‬أنه توفي ورسول ا ّ‬
‫والثاني‪ :‬أنه توفي بعد ولدته بسبعة أشهر‪ .‬ول خلف أن ُأمّه ماتت بين مكّة والمدينة‬
‫((بالبواء)) منصرفها من المدينة مِن زيارة أخواله‪ ،‬ولم يستكمل إذ ذاك سبعَ سنين‪.‬‬
‫َوكَ َفلَه جدّه عبد المطلب‪ ،‬وتُوفي ولِرسول الّ صلى ال عليه وسلم نحوُ ثمان سنين‪،‬‬
‫وقيل‪ :‬ست‪ ،‬وقيل‪ :‬عشر‪ ،‬ثم كَ َفلَه عمّه أبو طالب‪ ،‬واستمرت كفالتُه له‪ ،‬فلما بلغ ثِنتي عشرة سنة‪،‬‬
‫سنّهُ تسعَ سنين‪ ،‬وفي هذه الخرجة رآه بَحِيرى الراهب‪ ،‬وأمر‬
‫خرج به عمُه إلى الشام‪ ،‬وقيل‪ :‬كانت ِ‬
‫عمه أل يَقْدَم به إلى الشام خوفًا عليه من اليهود‪ ،‬فبعثه عمّه مع بعض غلمانه إلى مكّة‪ ،‬ووقع في‬
‫ل إذ ذاك لعلّه لم يكن‬
‫كتاب الترمذي وغيره أنه بعث معه بللً‪،‬وهو من الغلط الواضح‪ ،‬فإن بل ً‬
‫موجوداً‪ ،‬وإن كان‪ ،‬فلم يكن مع عمه‪ ،‬ول مع أبي بكر‪ .‬وذكر البزار في ((مسنده)) هذا الحديث‪،‬‬
‫ولم يقل‪ :‬وأرسل معه عمه بللً‪ ،‬ولكن قال‪ :‬رجلً‪.‬‬
‫فلمّا بلغ خمسًا وعشرين سنة‪ ،‬خرج إلى الشام في تجارة‪ ،‬فوصل إلى‬
‫((بصرى)) ثم رجع‪ ،‬فتزوج عَ ِقبَ رجوعه خديجة بنتَ خويلد‪ .‬وقيل‪ :‬تزوجها وله ثلثون سنة‪.‬‬
‫ل امرأة تزوجها‪ ،‬وأول امرأة ماتت من نسائه‪ ،‬ولم‬
‫وقيل‪ :‬إحدى وعشرون‪ ،‬وسنها أربعون‪ ،‬وهي أو ُ‬
‫ل أن يقرأ عليها السلم من ربها‪.‬‬
‫ينكح عليها غيرها‪ ،‬وأمره جبري ُ‬
‫لّ إليه الخلوة‪ ،‬والتعبدَ لربه‪ ،‬وكان يخلو بـ ((غار حراء)) يَت َعبّدُ فيه الليالي ذواتِ‬
‫ح ّببَ ا ُ‬
‫ثم َ‬
‫ض إليه من ذلك‪.‬‬
‫ضتْ إليه الوثان ودينُ قومه‪ ،‬فلم يكن شيء أبغ َ‬
‫العدد‪ ،‬و ُب ّغ َ‬
‫ل له أربعون‪ ،‬أشرق عليه نو ُر النبوة‪ ،‬وأكرمه الُّ تعالى برسالته‪ ،‬وبعثه إلى‬
‫فلما َكمُ َ‬
‫خلقه‪ ،‬واختصه بكرامته‪ ،‬وجعله أمينَه بينه وبين عبادة‪ .‬ول خلف أن مبعثه صلى ال عليه وسلم‬
‫كان يومَ الثنين‪ ،‬واختلف في شهر المبعث‪ .‬فقيل‪ :‬لثمان مضين من ربيع الول‪ ،‬سنة إحدى‬
‫ل الكثرين‪ ،‬وقيل‪ :‬بل كان ذلك في رمضان‪ ،‬واحتج هؤلء بقوله‬
‫وأربعين من عام الفيل‪ ،‬هذا قو ُ‬

‫‪29‬‬

‫ي ُأ ْنزِلَ فِي ِه الْ ُقرْآنُ} [البقرة‪ ]185 :‬قالوا‪ :‬أول ما أكرمه ال تعالى‬
‫ش ْه ُر َر َمضَانَ الّذ َ‬
‫تعالى‪َ { :‬‬
‫بنبوته‪ ،‬أنزل عليه القرآن‪ ،‬وإلى هذا ذهب جماعة‪ ،‬منهم يحيى الصرصري حيث يقول في نونيته‪:‬‬
‫شرَ َقتْ‬
‫َوَأ َتتْ عَليْ ِه َأ ْر َبعُونَ فَأَ ْ‬

‫س النّبوَ ِة ِمنْهُ في َرمَضانِ‬
‫ش ْم ُ‬
‫َ‬

‫والولون قالوا‪ :‬إنما كان إنزال القرآنِ في رمضان جملةً واحد ًة في ليلة القدر إلى بيت‬
‫العزّة‪ ،‬ثم أُنزل ُمنَجّما بحسب الوقائع في ثلث وعشرين سنة‪.‬‬
‫ل فيه القرآن‪ ،‬أي في شأنه وتعظيمه‪ ،‬وفرض صومه‪ .‬وقيل‪ :‬كان ابتداءُ‬
‫وقالت طائفة‪ :‬أنز َ‬
‫المبعث في شهر رجب‪.‬‬
‫ل له من مراتب الوحي مراتبَ عديدة‪:‬‬
‫وكمل ا ّ‬
‫إحداها‪ :‬الرّؤيا الصادقة‪ ،‬وكانت مبدَأ وحيه صلى ال عليه وسلم‪ ،‬وكان ل يرى رؤيا إل‬
‫جاءت مثل فلق الصبح‪.‬‬
‫الثانية‪ :‬ما كان يُلقيه المَلكُ في ُروْعه وقلبه من غير أن يراه‪ ،‬كما قال النبي صلى ال عليه‬
‫ج ِملُوا‬
‫لّ َوأَ ْ‬
‫ل ِرزْ َقهَا‪ ،‬فَاتّقُوا ا َ‬
‫حتّى تَسْت ْكمِ َ‬
‫ت نَ ْفسٌ َ‬
‫س نَ َفثَ في رُوعي َأنّه لَنْ َتمُو َ‬
‫ح القُدُ ِ‬
‫وسلم‪(( :‬إِنّ رُو َ‬
‫ل إِلّ‬
‫ل ُينَا ُ‬
‫عنْدَ الِّ َ‬
‫ن مَا ِ‬
‫صيَةِ الِّ‪ ،‬فَإِ ّ‬
‫طُلبُوهُ ِب َم ْع ِ‬
‫علَى أَن تَ ْ‬
‫س ِتبْطَا ُء ال ّرزْقِ َ‬
‫ح ِمَلنّكمُ ا ْ‬
‫ل يَ ْ‬
‫طلَبِ‪ ،‬وَ َ‬
‫في ال ّ‬
‫عتِهِ))‪.‬‬
‫بِطَا َ‬
‫ل له ال َمَلكُ رجلً‪ ،‬فيُخاطبه حتى َي ِعيَ عنه ما يقول‬
‫الثالثة‪َ :‬أنّه صلى ال عليه وسلم كان يتمثّ ُ‬
‫له‪ ،‬وفي هذه المرتبة كان يراه الصحابة أحياناً‪.‬‬
‫س به الملكُ حتى إن‬
‫ص ْلصَلَ ِة الجرس‪ ،‬وكان أَشدّه عليه َف َي َتَلبّ ُ‬
‫الرّابعة‪َ :‬أنّه كان يأتيه في مثل َ‬
‫ك به إلى الرض إذا كان راكبها‬
‫جبينه ليتفصد عرقًا في اليوم الشديد البرد وحتى إن راسلته ل َت ْب ُر ُ‬
‫ولقد جاءه الوحيُ مر ًة كذلك‪ ،‬وفخذه على فخذ زيد بن ثابت‪ ،‬فثقلت عليه حتى كادت ترضّها‬
‫ل أن‬
‫الخامسة‪ :‬أنه َيرَى ال َمَلكَ في صورته التي خلق عليها‪ ،‬فيوحي إليه ما شاء ا ّ‬
‫ل ذلك في سورة [النّجم‪]13-7 :‬‬
‫حيَه‪،‬وهذا وقع له مرتين‪ ،‬كما ذكر ا ّ‬
‫يُو ِ‬
‫ت ليلَة المعراج مِن فرض الصلة وغيرها‪.‬‬
‫ل وهو فوق السماوا ِ‬
‫السادسة‪ :‬ما أوحاه ا ّ‬
‫لّ موسى بن عِمران‪ ،‬وهذه المرتبة‬
‫ل له منه إليه بل واسطة َمَلكٍ‪ ،‬كما كلّم ا ُ‬
‫السابعة‪ :‬كلم ا ّ‬
‫هي ثابتة لموسى قطعًا بنص القرآن‪ ،‬وثبوتها لنبينا صلى ال عليه وسلم هو في حديث الِسراء‪.‬‬

‫‪30‬‬

‫ل له كفاحًا من غير حجاب‪ ،‬وهذا على مذهب من‬
‫وقد زاد بعضهم مرتبة ثامنة وهي تكليم ا ّ‬
‫يقول‪ :‬إنه صلى ال عليه وسلم رأى ربّه تبارك وتعالى‪ ،‬وهي مسألة خلف بين السلفِ والخلف‪،‬‬
‫وإن كان جمهور الصحابة بل ُكلّهم مع عائشة كما حكاه عثمان بن سعيد الدارمي إجماعاً للصحابة‪.‬‬
‫فصل‬
‫(يتبع‪)...‬‬
‫@في خِتانه صلى ال عليه وسلم‪.‬‬
‫وقد اختلف فيه على ثلثة أقوال‪:‬‬
‫أحدها‪ :‬أنه وُلد مختونًا مسروراً‪ ،‬وروي في ذلك حديث ل يصح ذكره أبو الفرج بن‬
‫الجوزي في ((الموضوعات)) وليس فيه حديث ثابت‪ ،‬وليس هذا من خواصه‪ ،‬فإن كثيراً من النّاس‬
‫يُولد مختوناً‪.‬‬
‫ختّان ختن صبياً‪ ،‬فلم يستقص؟ قال‪:‬‬
‫وقال الميموني‪ :‬قلت لبي عبد الّ‪ :‬مسألة سئلتُ عنها‪َ :‬‬
‫إذا كان الختان جاوز نصف الحشفة إلى فوق‪ ،‬فل يعيد‪ ،‬لن الحشفة تغلظ‪ ،‬وكلما غلظت ارتفع‬
‫الختان‪ .‬فأمّا إذا كان الختان دون النصف‪ ،‬فكنتُ أرى أن يعيد‪ .‬قلت‪ :‬فإن الِعادة شديدة جداً‪ ،‬وقد‬
‫ل ولد له ابنٌ مختون‪ ،‬فاغت ّم لذلك‬
‫يُخاف عليه من الِعادة؟ فقال‪ :‬ل أدري‪ ،‬ثم قال لي فإن هاهنا رج ً‬
‫غماً شديداً‪ ،‬فقلت له‪ :‬إذا كان الّ قد كفاك المؤنة‪،‬فما غ ّمكَ بهذا؟! انتهى‪ .‬وحدثني صاحبنا أبو عبد‬
‫الّ محمد بن عثمان الخليلي المحدّث ببيت المقدس أنه ُولِ َد كذلك‪ ،‬وأن أهله لم يختنوه‪ ،‬والناس‬
‫خ َتنَهُ القمر‪ ،‬وهذا من خرافاتهم‪.‬‬
‫يقولون لمن ولد كذلك‪َ :‬‬
‫ن صلى ال عليه وسلم يومَ شَقّ قلبَه الملئك ُة عند ظئره حليمة‪.‬‬
‫ختِ َ‬
‫القول الثاني‪ :‬أنّه ُ‬
‫خ َتنَ ُه يومَ سابعه‪ ،‬وصنع له مأدُبة وسمّاه محمّدا‪.‬‬
‫القول الثالث‪ :‬أن جدّه عبد المطلب َ‬
‫قال أبو عمر بن عبد البرّ‪ :‬وفي هذا الباب حديث مسند غريب‪ ،‬حدثناه أحمد بن محمد بن‬
‫أحمد‪ ،‬حدثنا محمد بن عيسى‪ ،‬حدثنا يحيى بن أيوب العلف‪ ،‬حدثنا محمد بن أبي السري‬
‫العسقلني‪ ،‬حدثنا الوليد بن مسلم‪ ،‬عن شعيب‪ ،‬عن عطاء الخراساني‪ ،‬عن عكرمة‪ ،‬عن ابن عباس‪،‬‬
‫أن عبد المطلب ختن النبي صلى ال عليه وسلم يومَ سابعه‪ ،‬وجعل له مأدُبه‪ ،‬وسمّاه محمداً‪ ،‬صلى‬
‫ال عليه وسلم قال يحيى بن أيوب‪ :‬طلبت هذا الحديث فلم أجده عند أحد من أهل الحديث ممن لقيته‬
‫إل عند ابن أبي السري‪ ،‬وقد وقعت هذه المسألة بين رجلين فاضلين‪ ،‬صنف أحدهما مصنفاً في أنه‬
‫ولد مختوناً وأجلب فيه من الحاديث التي ل خِطام لها ول زِمام‪ ،‬وهو كمال الدين بن طلحة‪،‬‬

‫‪31‬‬

‫ن على عادة العرب‪ ،‬وكان‬
‫ختِ َ‬
‫فنقضه عليه كمال الدين بن العديم‪ ،‬وبين فيه أنه صلى ال عليه وسلم ُ‬
‫ل أعلم‪.‬‬
‫سنّة للعرب قاطبة مغنيًا عن نقل معين فيها‪ ،‬وا ّ‬
‫عموم هذه ال ّ‬
‫فصل‬
‫في أمهاته صلى ال عليه وسلم اللتي أرضعنه‬
‫ل بن عبد السد‬
‫فمنهن ثويبه مولة أبي لهب‪ ،‬أرضعته أياماً‪ ،‬وأرضعت معه أبا سلمة عبد ا ّ‬
‫المخزومي بلبن ابنها مسروح‪ ،‬وأرضعت معهما عمّه حمزةَ بن عبد المطلب‪ .‬واختلف في إسلمها‪،‬‬
‫فال أعلم‪ .‬ثم أرضعته حليم ُة السعدية بلبن ابنها عبد الّ أخي أنيسة‪ ،‬وجُدامة‪ ،‬وهي الشيماء أولد‬
‫ل أعلم‪،‬‬
‫الحارث بن عبد العزى بن رفاعة السعدي‪ ،‬واخ ُتلِف في إسلم أبويه من الرضاعة‪ ،‬فا ّ‬
‫وأرضعت معه ابن عمه أبا سفيان بن الحارث بن عبد المطلب‪ ،‬وكان شدي َد العداوة لرسول الّ‬
‫صلى ال عليه وسلم‪ ،‬ثم أسلم عا َم الفتح وحسن إسلمه‪ ،‬وكان عمه حمزة مسترضعاً في بني سعد‬
‫بن بكر فأرضعت أمه رسول ال صلى ال عليه وسلم يومًا وهو عند أمه حليمة‪ ،‬فكان حمزة رضيعَ‬
‫ل صلى ال عليه وسلم من جهتين‪ :‬من جهة ثويبة‪،‬ومن جهة السعدية‪.‬‬
‫رسول ا ّ‬
‫فصل‬
‫في حواضنه صلى ال عليه وسلم‬
‫فمنهن ُأمّه آمن ُة بنت وهب بن عبد مناف بن زهرة بن كلب‪.‬‬
‫ومنهن ثويبة وحليمة‪ ،‬والشيماء ابنتها‪ ،‬وهي أخته من الرضاعة‪ ،‬كانت تحضنه مع أمها‪،‬‬
‫وهي التي قدمت عليه في وفد هَوزان‪ ،‬فبسط لها رداءه‪ ،‬وأجلسها عليه رعاية لحقها‪.‬‬
‫ومنهن الفاضلة الجليلة أم أيمن َبرَكة الحبشية‪ ،‬وكان ورِثها مِنْ أبيه‪ ،‬وكانت دايتَه‪،‬وزوّجها‬
‫حبّه زيد بن حارثة‪ ،‬فولدت له أُسامة‪ ،‬وهي التي دخل عليها أبو بكر وعمر بعد موت النبي‬
‫من ِ‬
‫صلى ال عليه وسلم وهي تبكي‪ ،‬فقال‪ :‬يا أم أيمن ما يُبكيك فما عند الّ خير لرسوله؟ قالت‪ :‬إنّي‬
‫ل خير لرسوله‪ ،‬وإنما أبكي لنقطاع خبر السماء‪ ،‬فهيجتهما على البكاء‪ ،‬فبكيا‪.‬‬
‫لعلم أن ما عند ا ّ‬
‫فصل‬
‫في مبعثه صلى ال عليه وسلم وأول ما نزل عليه‬
‫ل على رأس أربعين‪ ،‬وهي سنّ الكمال‪ .‬قيل‪ :‬ولها تبعث الرسل‪ ،‬وأما ما يذكر عن‬
‫بعثه ا ّ‬
‫المسيح أنه رُف َع إلى السماء وله ثلث وثلثون سنة‪ ،‬فهذا ل يعرف له أثر متصل يجب المصير‬
‫إليه‪.‬‬

‫‪32‬‬

‫ل صلى ال عليه وسلم من أمر النبوة الرؤيا‪ ،‬فكان ل يَرى رُؤيا‬
‫وأول ما بدئ به رسول ا ّ‬
‫ق الصبّح قيل‪ :‬وكان ذلك ست َة أشهر‪ ،‬ومدة النبوة ثلث وعشرون سنة‪ ،‬فهذه الرؤيا‬
‫ت ِمثْلَ َفلَ ِ‬
‫إل جاء ْ‬
‫ل أعلم‪.‬‬
‫جزء من ستة وأربعين جزءًا من النبوة وا ّ‬
‫حرَاءٍ‪ ،‬وكان يُحب الخلوة فيه‪ ،‬فأول ما‬
‫ثم أكرمه الّ تعالى بالنبوة‪ ،‬فجاءه ال َملَك وهو بغار ِ‬
‫خلَقَ} [العلق‪ ]1 :‬هذا قول عائشة والجمهور‪.‬‬
‫أنزل عليه {ا ْق َر ْأ بِاسْ ِم َربّك الّذي َ‬
‫وقال جابر‪ :‬أول ما أنزل عليه‪َ { :‬يَأيّها ا ْلمُ ّدثّر} [المدثر‪]1 :‬‬
‫والصحيح قول عائشة لوجوه‪:‬‬
‫أحدها أن قوله‪(( :‬مَا َأنَا بِقَارِىء)) صريح في أنه لم يقرأ قبل ذلك شيئاً‪.‬‬
‫الثاني‪ :‬المر بالقراءة في الترتيب قبل المر بالِنذار‪ ،‬فإنه إذا قرأ في نفسه‪ ،‬أنذر بما قرأه‪،‬‬
‫فأمره بالقراءة أولً‪ ،‬ثم بالِنذار بما قرأه ثانياً‪.‬‬
‫الثالث‪ :‬أن حديث جابر‪ ،‬وقوله‪ :‬أول ما أنزل من القرآن {يَا أيها المُدّثر} [المدثر‪ ]1 :‬قول‬
‫جابر‪ ،‬وعائشة أخبرت عن خبره صلى ال عليه وسلم عن نفسه بذلك‪.‬‬
‫الرّابع‪ :‬أن حديث جابر الذي احتج به صريح في أنه قد تقدم نزول الملَك عليه أولً قبل‬
‫نزول {يَأ ّيهَا المُ ّدثَر} [المدثر‪ ]1 :‬فإنه قال‪(( :‬فرفعت رأسي فإذا الملك الذي جاءني بحراء‪،‬‬
‫فرجعت إلى أهلي فقلت‪ :‬زملوني دثروني‪ ،‬فأنزل الّ‪{ :‬يََأ ّيهَا المُ ّد َثرُ} [المدثر‪ ))]1 :‬وقد أخبر أن‬
‫خلَقَ} [العلق‪ ]1 :‬فدل حديث جابر على‬
‫الملك الذي جاءه بحراء أنزل عليه {اق َر ْأ بِاسْ ِم َر ّبكَ الّذِي َ‬
‫ل أعلم‪.‬‬
‫تأخر نزول {يَا َأ ّيهَا المُد ّثرُ} [المدثر‪ ]1 :‬والحجة في روايته‪ ،‬ل في رأيه‪ ،‬وا ّ‬
‫فصل‬
‫في ترتيب الدعوة ولها مراتب‬
‫المرتبة الولى‪ :‬النبوة‪ .‬الثانية‪ :‬إنذار عشيرته القربين‪ .‬الثالثة‪ :‬إنذار قومه‪ .‬الرابعة‪ :‬إنذار‬
‫ن بلغته دعوته من الجن‬
‫قومٍ ما أتاهم من نذير من قبله وهم العرب قاطبة‪ .‬الخامسة‪ :‬إنذارُ جميع مَ ْ‬
‫والِنس إلى آخر الدّهر‪.‬‬
‫فصل‬
‫وأقام صلى ال عليه وسلم بعد ذلك ثلث سنين يدعو إلى الّ سبحانه مستخفياً‪ ،‬ثم نزل عليه‬
‫ش ِركِينَ} [الحجر‪ .]94 :‬فأعلن صلى ال عليه وسلم بالدعوة‬
‫ن المُ ْ‬
‫عرِضْ عَ ِ‬
‫ع ِبمَا ُت ْؤ َمرُ َوأَ ْ‬
‫{فَاصْدَ ْ‬
‫ل لهم بالهجرتين‪.‬‬
‫وجاهر قومه بالعداوة‪ ،‬واشتد الذى عليه وعلى المسلمين حتى أذن ا ّ‬

‫‪33‬‬

‫فصل‬
‫في أسمائه صلى ال عليه وسلم‬
‫وكلها نعوت ليست أعلماً محضة لمجرد التعريف‪ ،‬بل أسماء مشتقة من صفات قائمة به‬
‫ح والكمال‪.‬‬
‫ب له المد َ‬
‫ج ُ‬
‫تُو ِ‬
‫فمنها محمد‪ ،‬وهو أشهرها‪ ،‬وبه سمي في التوراة صريحاً كما بيناه بالبرهان الواضح في‬
‫كتاب ((جلء الفهام في فضل الصلة والسلم على خير النام)) وهو كتاب فرد في معناه لم يُسبق‬
‫إلى مثله في كثرة فوائده وغزارتها‪ ،‬بينّا فيه الحاديث الواردة في الصلة والسلم عليه‪ ،‬وصحيحها‬
‫من حسنها‪ ،‬ومعلولها وبينا ما في معلولها من العلل بياناً شافياً‪ ،‬ثم أسرار هذا الدعاء وشرفه وما‬
‫اشتمل عليه من الحكم والفوائد‪ ،‬ثم مواطن الصلة عليها ومحالها‪ ،‬ثم الكلم في مقدار الواجب‬
‫ق وصفه‪.‬‬
‫منها‪ ،‬واختلف أهل العلم فيه‪ ،‬وترجيح الراجح‪ ،‬وتزييف المزيّف‪َ ،‬ومَخ َب ُر الكِتابِ َفوْ َ‬
‫والمقصود أن اسمه محمد في التوراة صريحاً بما يوافق عليه كلّ عالم من مؤمني أهل‬
‫الكتاب‪.‬‬
‫ومنها أحمد‪ ،‬وهو السم الذي سماه به المسيح‪ ،‬لسرّ ذكرناه في ذلك ا لكِتابِ‪.‬‬
‫ومنها المتوكّل‪ ،‬ومنها الماحي‪ ،‬والحاشر‪ ،‬والعاقب‪ ،‬والمُقَفّى‪ ،‬ونبى التوبة‪ ،‬ونبيّ الرحمة‪،‬‬
‫ونبيّ الملحمة‪ ،‬والفاتحُ‪ ،‬والمينُ‪.‬‬
‫ويلحق بهذه السماء‪ :‬الشاهد‪ ،‬والمبشّر‪ ،‬والبشير‪ ،‬والنذير‪ ،‬والقاسِم‪ ،‬والضّحوك‪ ،‬والقتّال‪،‬‬
‫ب لواء الحمد‪ ،‬وصاحب المقام المحمود‪ ،‬وغير‬
‫وعبد الّ‪ ،‬والسراج المنير‪ ،‬وسيد ولد آدم‪ ،‬وصاح ُ‬
‫ذلك من السماء‪ ،‬لن أسماءه إذا كانت أوصاف مدح‪ ،‬فله من كل وصف اسم‪ ،‬لكن ينبغي أن يفرق‬
‫بين الوصف المختص به‪ ،‬أو الغالب عليه‪ ،‬ويشتق له منه اسم‪ ،‬وبين الوصف المشترَك‪ ،‬فل يكون‬
‫له منه اسم يخصه‪.‬‬
‫ل صلى ال عليه وسلم نفسه أسماء‪ ،‬فقال‪(( :‬أنا‬
‫طعِم‪ :‬سمّى لنا رسول ا ّ‬
‫وقال جبير بن مُ ْ‬
‫علَى قَ َد َميّ‪،‬‬
‫ش ُر الّذِي يُحْش ُر النّاسُ َ‬
‫لّ بِي الكُفرَ‪ ،‬وأنا الحَا ِ‬
‫حمَدُ‪ ،‬وأنا المَاحِي الّذِي َيمْحُو ا ُ‬
‫حمّدٌ‪ ،‬وأنا أ ْ‬
‫مُ َ‬
‫ي ))‪.‬‬
‫والعَاقِب الّذِي لَيسَ َبعْ َد ُه نَب ّ‬
‫وأسماؤه صلى ال عليه وسلم نوعان‪:‬‬
‫أحدهما‪ :‬خاص ل يُشا ِركُه فيه غيره من الرسل كمحمد‪ ،‬و أحمد‪ ،‬والعاقب‪ ،‬والحاشر‪،‬‬
‫والمقفي‪ ،‬ونبي الملحمة‪.‬‬

‫‪34‬‬

‫والثاني‪ :‬ما يشاركه في معناه غيره من الرسل‪ ،‬ولكن له منه كماله‪ ،‬فهو مختص بكماله دون‬
‫ي التوبة‪.‬‬
‫ي الرحمة‪ ،‬ونب ّ‬
‫أصله‪ ،‬كرسول الّ‪ ،‬ونبيه‪ ،‬وعبده‪ ،‬والشّاهدِ‪ ،‬والمبشّرِ‪ ،‬والنذيرِ‪ ،‬ونب ّ‬
‫وأما إن جعل له مِن كل وصف من أوصافه اسم‪ ،‬تجاوزت أسماؤه المائتين‪ ،‬كالصادق‪،‬‬
‫والمصدوق‪ ،‬والرؤوف الرّحيم‪ ،‬إلى أمثال ذلك‪ .‬وفي هذا قال من قال من الناس‪ :‬إن ل ألفَ اسمٍ‪،‬‬
‫وللنبي صلى ال عليه وسلم ألفَ اسم‪ ،‬قاله أبو الخطاب بنُ دِحي َة ومقصوده الوصاف‪.‬‬
‫فصل‬
‫في شرح معاني أسمائه صلى ال عليه وسلم‬
‫حمِدَ‪ ،‬فهو محمد‪ ،‬إذا كان كثيرَ الخصال التي يُحمد عليها‪،‬‬
‫حمّد‪ ،‬فهو اسم مفعول‪ ،‬من َ‬
‫أمّا مُ َ‬
‫لذلك كان أبلغَ من محمود‪ ،‬فإن ((محموداً)) من الثلثي المجرد‪ ،‬ومحمد من المضاعف للمبالغة‪،‬‬
‫ل أعلم ‪ -‬سمِي به في التوراة‪ ،‬لكثرة‬
‫فهو الذي يحمد أكثر ممّا يحمد غيره من البشر‪ ،‬ولهذا ‪ -‬وا ّ‬
‫صفَ بها هو ودينه وأمته في التوراة‪ ،‬حتى َت َمنَى موسى عليه الصلة‬
‫الخصال المحمودة التي ُو ِ‬
‫والسلم أن يكون منهم‪ ،‬وقد أتينا على هذا المعنى بشواهده هناك‪ ،‬وبينا غلط أبي القاسم السهيلي‬
‫حيث جعل المر بالعكس‪ ،‬وأن اسمه في التوراة أحمد‪.‬‬
‫وأما أحمد‪ ،‬فهو اسم على زِنة أفعل التفضيل‪ ،‬مشتق أيضاً من الحمد‪ .‬وقد اختلف‬
‫ل أكث ُر من‬
‫حمْدُه ّ‬
‫الناس فيه‪ :‬هل هو بمعنى فاعل أو مفعول؟ فقالت طائفة‪ :‬هو بمعنى الفاعل‪ ،‬أي‪َ :‬‬
‫حمد غيره له‪ ،‬فمعناه‪ :‬أحمد الحامدين لربه‪ ،‬ورجحوا هذا القول بأن قياس أفعل التفضيل‪ ،‬أن يُصاغ‬
‫ب زيداً‪ ،‬ول زيد‬
‫من فعل الفاعل‪ ،‬ل من الفعل الواقع على المفعول‪ ،‬قالوا‪ :‬ولهذا ل يقال‪ :‬ما أضر َ‬
‫أضرب من عمرو باعتبار الضرب الواقع عليه‪ ،‬ول‪ :‬ما أش َربَه للماء‪ ،‬وآكله للخبز‪ ،‬ونحوه‪ ،‬قالوا‪:‬‬
‫لن أفعل التفضيل‪ ،‬وفعل التعجب‪ ،‬إنما يُصاغان من الفعل اللزم‪ ،‬ولهذا يقدر نقله من (( َفعَلَ)) و‬
‫(( َفعِلَ)) المفتوح العين ومكسورها‪ ،‬إلى (( َفعُلَ)) المضموم العين‪ ،‬قالُوا‪ :‬ولهذا يعدّى بالهمزة إلى‬
‫ظرُف‪َ ،‬و َكرُمَ‪.‬‬
‫ف زيداً‪ ،‬وأكر َم عمراً‪ ،‬وأصلهما‪ :‬من َ‬
‫المفعول‪ ،‬فهمزته للتعدية‪ ،‬كقولك‪ :‬ما أظر َ‬
‫قالوا‪ :‬لن المتعجّب منه فاعل في الصل‪ ،‬فوجب أن يكون فعله غيرَ متعد‪ ،‬قالوا‪ :‬وأما نحو‪ :‬ما‬
‫أضرب زيداً لعمرو‪ ،‬فهو منقول من (( َفعَلَ)) المفتوح العين إلى (( َفعُلَ)) المضموم العين‪ ،‬ثم عُدي‬
‫والحالة هذه بالهمزة قالوا‪ :‬والدليل على ذلك مجيئهم باللم‪ ،‬فيقولون‪ :‬ما أضرب زيداً لعمرو‪ ،‬ولو‬
‫كان باقيًا على تعديه‪ ،‬لقيل‪ :‬مَا أضربَ زيدًا عمراً‪ ،‬لنه متعد إلى واحد بنفسه‪ ،‬وإلى الخر بهمزة‬

‫‪35‬‬

‫التعدية‪ ،‬فلما أن عدّوه إلى المفعول بهمزة التعدية‪ ،‬عدّوه إلى الخر باللم‪ ،‬فهذا هو الذي أوجب لهم‬
‫أن قالوا‪ :‬إنهما ل يُصاغان إل من فعل الفاعل‪ ،‬ل من الفعل الواقع على المفعول‪.‬‬
‫ونازعهم في ذلك آخرون‪ ،‬وقالوا‪ :‬يجوز صوغُهما من فعل الفاعل‪ ،‬ومن الواقع على‬
‫المفعول‪ ،‬وكثرة السماع به من أبين الدلة على جوازه‪ ،‬تقول العرب‪ :‬ما أش َغلَه بالشيء‪ ،‬وهو من‬
‫شغِلَ‪ ،‬فهو مشغول وكذلك يقولون‪ :‬ما أولَعه بكذا‪ ،‬وهو من أُولعَ بالشيء‪ ،‬فهو مُولَع به‪ ،‬مجني‬
‫ُ‬
‫ب به‪ ،‬ويقولون‪ :‬ما أحبه إلي‪ ،‬فهو‬
‫ج َ‬
‫للمفعول ليس إل‪ ،‬وكذلك قولهم‪ :‬ما أعجبه بكذا‪ ،‬فهو من أُع ِ‬
‫تعجب من فعل المفعول‪ ،‬وكونه محبوبًا لك‪ ،‬وكذا‪ :‬ما أبغضه إليّ‪ ،‬وأمقته إليّ‪.‬‬
‫وهاهنا مسألة مشهورة ذكرها سيبويه‪ ،‬وهي أنك تقول‪ :‬ما أبغضني له‪ ،‬وما أحبني‬
‫ت أنتَ المبغِضَ الكارِه‪ ،‬والمحِب الماقِت‪ ،‬فتكون متعجبًا من فعل الفاعل‪،‬‬
‫له‪ ،‬وما أمقتني له‪ :‬إذا كن َ‬
‫وتقول‪ :‬ما أبغضني إليه‪ ،‬وما أمقتني إليه‪ ،‬وما أحبني إليه‪ :‬إذا كنت أنت البغيض الممقوت‪ ،‬أو‬
‫المحبوب‪ ،‬فتكون متعجبًا من الفعل الواقع على المفعول‪ ،‬فما كان باللم فهو للفاعل‪ ،‬وما كان بـ‬
‫ل أعلم‪ :‬إن اللم تكون‬
‫((إلى)) فهو للمفعول‪ .‬وأكثر النحاة ل يعللون بهذا‪ .‬والذي يقال في علته وا ّ‬
‫للفاعل في المعنى‪ ،‬نحو قولك‪ :‬لمن هذا؟ فيقال‪ :‬لزيد‪ ،‬فيؤتى باللم‪ .‬وأما ((إلى)) فتكون للمفعول‬
‫في‪ ،‬المعنى‪ ،‬فتقول‪ :‬إلى من يصل هذا الكتاب؟ فتقول‪ :‬إلى عبد الّ‪ ،‬وسر ذلك أن اللم في الصل‬
‫للملك والختصاص‪ ،‬والستحقاق إنما يكون للفاعل الذي يملك ويستحق‪ ،‬و ((إلى)) لنتهاء الغاية‪،‬‬
‫والغاية منتهى ما يقتضيه الفعلُ‪ ،‬فهي بالمفعول أليق‪ ،‬لنها تمام مقتضى الفعل‪ ،‬ومِن التعجب من‬
‫ل كعب بن زهير في النبي صلى ال عليه وسلم‪:‬‬
‫فعل المفعول قو ُ‬
‫عنْدِي إِذ ُأ َكّلمُ ُه‬
‫َفَل ْهوَ أَخـ ْـوَفُ ِ‬

‫س َومَ ْقتُولُ‬
‫حبُو ّ‬
‫ل إ ّنكَ َم ْ‬
‫وَقِي َ‬

‫س َكنُ ُه‬
‫ن ُليُوثِ الُسْ ِد مَ ْ‬
‫مِنْ خَا ِد ٍر مِ ْ‬

‫غيْلُ‬
‫غيْلٌ دُونَهُ ِ‬
‫عثّـ َر ِ‬
‫ِببَطْنِ َ‬

‫ن زيداً‪ ،‬من جُنّ‬
‫فأخوف هاهنا‪ ،‬من خيف‪ ،‬فهو مَخُوفُ‪ ،‬ل من خاف‪ ،‬وكذلك قولهم‪ :‬ما أجَ ّ‬
‫فهو مجنون‪ ،‬هذا مذهب الكوفيين ومن وافقهم‪.‬‬
‫قال البصريون‪ :‬كل هذا شاذ ل يُعوّل عليه‪ ،‬فل نُشوش به القواعد‪ ،‬ويجب القتصا ُر منه‬
‫على المسموع‪ ،‬قال الكوفيون‪ :‬كثرة هذا في كلمهم نثراً ونظمًا يمنع حمله على الشذوذ‪ ،‬لن الشاذ‬
‫طرِدَ كلمهم‪ ،‬وهذا غير مخالف لذلك‪ ،‬قالوا‪ :‬وأما تقديركم لزوم الفعل ونقله‬
‫ما خالف استعمالهم وم ّ‬
‫إلى َفعُلَ‪ ،‬فتحكم ل دليل عليه‪ ،‬وما تمسكتم به من التعدية بالهمزة إلى آخره‪ ،‬فليس المر فيها كما‬
‫ذهبتم إليه‪ ،‬والهمزة في هذا البناء ليست للتعدية‪ ،‬وإنما هي للدللة على معنى التعجب والتفضيل‬

‫‪36‬‬

‫فقط‪ ،‬كألف ((فاعل))‪ ،‬وميم ((مفعول)) وواوه‪ ،‬وتاء الفتعال‪ ،‬والمطاوعة‪ ،‬ونحوها من الزوائد‬
‫التي تلحق الفعل الثلثي لبيان ما لحقه من الزيادة على مجرده‪،‬فهذا هو السبب الجالب لهذه الهمزة‪،‬‬
‫ل تعدية الفعل‪.‬‬
‫قالوا‪ :‬والذي يدل على هذا أن الفعل الذي يُعدّى بالهمزة يجوز أن يُعدّى بحرف الجرّ‬
‫وبالتضعيف‪ ،‬نحو‪ :‬جلست به‪ ،‬وأجلسته‪ ،‬وقمت به‪ ،‬وأقمته‪ ،‬ونظائره‪ ،‬وهنا ل يقوم مقا َم الهمزة‬
‫ن بِهِ‪،‬‬
‫غيرها‪ ،‬فعلم أنها ليست للتعدية المجردة أيضاً‪ ،‬فإنها تجامع باء التعدية‪ ،‬نحو‪ :‬أ ْكرِ ْم بِهِ‪ ،‬وأَحسِ ْ‬
‫ول يجمع على الفعل بين تعديتين‪.‬‬
‫وأيضاً فإنهم يقولون‪ :‬ما أعطاه للدراهم‪ ،‬وأكساه للثياب‪ ،‬وهذا مِن أعطى وكسا المتعدي‪،‬‬
‫ول يصح تقدي ُر نقله إلى ((عطو))‪ :‬إذا تناول‪ ،‬ثم أدخلت عليه همزة التعدية‪ ،‬لفساد المعنى‪ ،‬فإن‬
‫التعجب إنما وقع من إعطائه‪ ،‬ل من عطوه‪ ،‬وهو تناوله‪ ،‬والهمزة التي فيه همزة التعجب‬
‫والتفضيل‪ ،‬وحذفت همزته التي فى فعله‪ ،‬فل يصح أن يقال‪ :‬هي للتعدية‪.‬‬
‫قالوا‪ :‬وأما قولكم‪ :‬إنه عُدّي باللم في نحو‪ :‬ما أضربه لزيد‪ ...‬إلى آخره‪ ،‬فالِتيان باللم‬
‫هاهنا ليس لما ذكرتم من لزوم الفعل‪ ،‬وإنما أتي بها تقوية له لما ضعف بمنعه من التص ّرفِ‪ ،‬وأُلزِمَ‬
‫طريقة واحدة خرج بها عن سَنن الفعال‪ ،‬فضعف عن اقتضائه وعمله‪ ،‬فقوي باللم كما يقوى بها‬
‫عند تقدم معموله عليه‪ ،‬وعند فرعيته‪ ،‬وهذا المذهب هو الراجح كما تراه‪.‬‬
‫فلنرجع إلى المقصود فنقول‪ :‬تقديرُ أحمد على قول الولين‪ :‬أحمد الناس لربه‪ ،‬وعلى‬
‫قول هؤلء‪ :‬أحق الناس وأولهم بأن يُحمد‪ ،‬فيكون كمحمد في المعنى‪ ،‬إل أن الفرق بينهما أن‬
‫حمَ ُد غيره‪،‬‬
‫((محمداً)) هو كثير الخصال التي يحمد عليها‪ ،‬وأحمد هو الذي يُحمد أفضل ممّا يُ ْ‬
‫فمحمد في الكثرة والكمية‪ ،‬وأحمد في الصفة والكيفية‪ ،‬فيستحق من الحمد أكثر ممّا يستحق غيره‪،‬‬
‫حمِدَه البشر‪ .‬فالسمان واقعان على‬
‫وأفضلُ ممّا يستحِق غيره‪ ،‬فيُحمَ ُد أكثرَ حمد‪ ،‬وأفضلَ حمد َ‬
‫المفعول‪ ،‬وهذا أبلغ في مدحه‪ ،‬وأكمل معنى‪ .‬ولو أريد معنى الفاعل لسمي الحماد‪ ،‬أي‪ :‬كثير الحمد‪،‬‬
‫فإنه بها‪،‬كان أكثر الخلق حمداً لربه‪ ،‬فلو كان اسمه أحمد باعتبار حمده لربه‪ ،‬لكان الولى به‬
‫الحمّاد‪ ،‬كما سميت بذلك أ َمتُه‪.‬‬
‫وأيضاً‪ :‬فإن هذين السمين‪ ،‬إنما اشتقا من أخلقه‪ ،‬وخصائصه المحمودة التي لجلها‬
‫استحق أن يسمى محمداً؟صلى ال عليه وسلم‪ ،‬وأحمد وهو الذي يحمدُه أهل السماء وأهلُ الرض‬
‫وأهلُ الدنيا وأهلُ الخرة‪ ،‬لكثرة خصائصه المحمودة التي تفوق عَدّ العادّين وإحصاء المحصين‪،‬‬

‫‪37‬‬

‫وقد أشبعنا هذا المعنى في كتاب ((الصلة والسلم)) عليه صلى ال عليه وسلم‪ ،‬وإنما ذكرنا هاهنا‬
‫ل المستعان وعليه التكلن‪.‬‬
‫ت قلبه وتفرق همته‪ ،‬وبا ّ‬
‫كلمات يسيرة اقتضتها حالُ المسافر‪ ،‬وتشت ُ‬
‫ل بن عمرو قال‪(( :‬قرأت‬
‫وأما اسمه المتوكل‪ ،‬ففي ((صحيح البخاري)) عن عبد ا ّ‬
‫حمّد رسولُ الّ‪ ،‬عبدي َورَسُولي‪ ،‬سمّيتُه ال ُم َتوَكّل‪،‬‬
‫في التوراة صفة النبي صلى ال عليه وسلم‪ :‬مُ َ‬
‫ليس بِفَظّ‪ ،‬ول غَليظٍ‪ ،‬ول سَخّابٍ في السواق‪ ،‬ول يجزي بالسّيئ ِة السّيئة‪ ،‬بل يعفو ويصفح‪ ،‬ولن‬
‫حتّى أُقي َم بِ ِه ال ِملّة ا ْل َعوْجَاءَ‪ ،‬بأن يقولوا‪ :‬ل إله إل الّ)) وهو صلى ال عليه وسلم أحقّ الناس‬
‫أَ ْق ِبضَهُ َ‬
‫ل لم يَشْركْه فيه غيره‪.‬‬
‫بهذا السم‪ ،‬لنه توكّل على ال في إقامة الدين توك ً‬
‫وأما الماحي‪ ،‬والحاشر‪ ،‬والمقفّي‪ ،‬والعاقب‪ ،‬فقد فسرت في حديث جبير بن‬
‫ل به الكفر‪ ،‬ولم يُمحَ الكفر بأحد من الخلق ما مُحي بالنبي صلى ال‬
‫مطعم‪ ،‬فالماحي‪ :‬هو الذي محا ا ّ‬
‫عبّاد أوثان‪،‬‬
‫ث وأهل الرض كلهم كفار‪ ،‬إل بقايا من أهل الكتاب‪ ،‬وهم ما بين ُ‬
‫عليه وسلم‪ ،‬فإنه ُب ِع َ‬
‫عبّاد‬
‫ويهود مغضوب عليهم‪ ،‬ونصارى ضالين‪ ،‬وصابئة دَهرية‪ ،‬ل يعرفون رباً ول معاداً‪ ،‬وبين ُ‬
‫عبّاد النار‪ ،‬وفلسفة ل يعرفون شرائع النبياء‪ ،‬ول يُقرون بها‪ ،‬فمحا الّ سبحانه‬
‫الكواكب‪ ،‬و ُ‬
‫ل على كل دين‪ ،‬وبلغ دينُه ما بلغ الليل والنهار‪ ،‬وسارت دعوته مسيرَ‬
‫برسوله ذلك حتى ظهر دينُ ا ّ‬
‫الشمس في القطار‪.‬‬
‫س على‬
‫وأما الحاشر‪ ،‬فالحشر هو الضم والجمع‪ ،‬فهو الذي يُحشر النا ُ‬
‫قدمه‪ ،‬فكأنه بعث لحشر الناس‪.‬‬
‫والعاقب‪ :‬الذي جاء عَ ِقبَ النبياء‪ ،‬فليس بعده نبي‪ ،‬فإن العاقب‬
‫هو الخر‪ ،‬فهو بمنزلة الخاتم‪ ،‬ولهذا سمي العاقب على الِطلق‪ ،‬أي‪ :‬عقب النبياء جاء بعقبهم‪.‬‬
‫وأما المقفّي‪ ،‬فكذلك‪ ،‬وهو الذي قفّى على آثار من‬
‫لّ به على آثار من سبقه من الرسل‪ ،‬وهذه اللفظة مشتقة من القفو‪ ،‬يقال‪ :‬قفاه يقفوه‪ :‬إذا‬
‫تقدمه‪ ،‬فقفى ا ُ‬
‫تأخر عنه‪ ،‬ومنه قافية الرأس‪ ،‬وقافية البيت‪ ،‬فالمقفّي‪ :‬الذي قفى من قبله من الرسل‪ ،‬فكان خاتمهم‬
‫وآخرهم‪.‬‬
‫وأما نبي التوبة‪ ،‬فهو الذي فتح الّ به بابَ‬
‫ل عليهم توبة لم يحصل مثلها لهل الرض قبله‪ .‬وكان صلى ال‬
‫التوبة على أهل الرض‪ ،‬فتاب ا ّ‬
‫جلِس الوَاحِ ِد مِائَ َة َم ّرةٍ‪َ (( :‬ربّ‬
‫عليه وسلم أكثر الناس استغفارًا وتوبة‪ ،‬حتى كانوا َيعُدّون لَ ُه في المَ ْ‬
‫ك َأ ْنتَ ال ّتوّابُ الغَفُور))‪.‬‬
‫ي إ ّن َ‬
‫عَل ّ‬
‫اغْ ِفرْ لِي َو ُتبْ َ‬

‫‪38‬‬

‫لّ في ا ْل َيوْمِ مِائَ َة َم ّرةٍ))‬
‫لّ َر َبكُم‪ ،‬فَإِني َأتُوبُ إِلى ا ِ‬
‫س تُوبُوا ِإلَى ا ِ‬
‫وكان يقول‪(( :‬يَا َأ ّيهَا النّا ُ‬
‫ل مِن توبة سائر المم‪ ،‬وأسرع قبولً‪ ،‬وأسهل تناولً‪ ،‬وكانت توبة من قبلهم‬
‫وكذلك توب ُة أمته أكم ُ‬
‫مِن أصعب الشياء‪ ،‬حتى كان من توبة بني إسرائيلَ مِن عبادة العجل قتلُ أنفسهم‪ ،‬وأمّا هذه المّة‪،‬‬
‫فلكرامتها على الّ تعالى جعل توبتها الندمَ والِقلع‪.‬‬
‫وأمّا نبي الملحمة‪ ،‬فهو الذي بعث بجهاد أعداء الّ‪ ،‬فلم يجاهد نبي وأمته قطّ ما جاهد‬
‫ل صلى ال عليه وسلم وأمّته‪ ،‬والملحم الكبار التي وقعت وتقع بين أمته وبين الكفار لم‬
‫رسول ا ّ‬
‫يُعهد مثلُها قبله‪ ،‬فإن أمته يقتلون الكفار في أقطار الرض على تعاقب العصار‪،‬وقد أوقعوا بهم‬
‫من الملحم ما لم تفعله أمّة سواهم‪.‬‬
‫وأما نبيّ الرحمة‪ ،‬فهو الذي أرسله الّ رحمة للعالمين‪ ،‬فرحم به أهلَ الرض‬
‫كلّهم مؤمنَهم وكافرَهم‪،‬أمّا المؤمنون‪ ،‬فنالوا النصيبَ الوفر مِن الرحمة‪ ،‬وأمّا الكفار‪ ،‬فأهل الكتاب‬
‫منهم عاشوا في ظله‪ ،‬وتحت حبله وعهده‪ ،‬وأما من قتله منهم هو وأمتُه‪ ،‬فإنهم عجلوا به إلى النّار‪،‬‬
‫وأراحوه من الحياة الطويلة التي ل يزداد بها إل ش ّد َة العذاب في الخرة‪.‬‬
‫وأما الفاتح‪ ،‬فهو الذي فتح الّ به باب الهدى بعد أن كان ُم ْرتَجاً‪ ،‬وفتح‬
‫ل به أمصار الكفار‪ ،‬وفتح به أبوابَ الجنّة‪،‬‬
‫به العين العمي‪ ،‬والذان الصّم‪ ،‬والقلوب الغُلف‪،‬وفتح ا ّ‬
‫وفتح به طرق العلم النافع والعمل الصالح‪ ،‬ففتح به الدنيا والخرة‪ ،‬والقلوب والسماع والبصار‬
‫والمصار‪.‬‬
‫ل على‬
‫وأمّا المين‪ ،‬فهو أحق العالمين بهذا السم‪ ،‬فهو أمين ا ّ‬
‫ن مَنْ في الرض‪ ،‬ولهذا كانوا يُسمونه قبل النبوة‪:‬‬
‫ن مَنْ في السماء‪ ،‬وأمي ُ‬
‫وحيه ودينه‪ ،‬وهو أمي ُ‬
‫المين‪.‬‬
‫وأمّا الضحوك القتّال‪ ،‬فاسمان مزدوجان‪ ،‬ل يُفرد‬
‫أحدهما عن الخر‪ ،‬فإنه ضحوك في وجوه المؤمنين‪ ،‬غي ُر عابس‪ ،‬ول مقطّب‪ ،‬ول غضوب‪ ،‬ول‬
‫فظّ‪ ،‬قتَال لعداء الّ‪ ،‬ل تأخذه فيهم لومة لئم‪.‬‬
‫وأمّا البشير‪ ،‬فهو المبشَر لمن أطاعه بالثواب‪،‬‬
‫والنذير المنذر لمن عصاه بالعقاب‪ ،‬وقد سماه الّ عبدَه في مواضع من كتابه‪ ،‬منها قوله‪َ { :‬وَأنّه لّما‬
‫عبْ ِدهِ} [الفرقان‪ ]1 :‬وقوله‪:‬‬
‫عَلىَ َ‬
‫ك الّذي َنزّل الْ ُفرْقَانَ َ‬
‫ل يَدْعُوهُ} [الجن‪ ]19:‬وقوله‪َ { :‬تبَا َر َ‬
‫عبْدُ ا ّ‬
‫قَامَ َ‬
‫عبْ ِدنَا}‬
‫عَلىَ َ‬
‫ب ّممّا َن ّز ْلنَا َ‬
‫حىَ} [النجم‪ ]10 :‬وقوله‪َ { :‬وإِن ُك ْنتُمْ فِي َر ْي ٍ‬
‫عبْ ِدهِ مَا َأوْ َ‬
‫ى ِإَلىَ َ‬
‫حَ‬
‫{فََأوْ َ‬

‫‪39‬‬

‫[البقرة‪ ]23 :‬وثبت عنه في ((الصحيح)) أنه قال‪(( :‬أنا سيد ولد آدم يوم القيامة ول فخر)) وسمّاه‬
‫الّ سِراجًا منيراً‪ ،‬وسمى الشمس سراجاً وهاجاً‪.‬‬
‫والمنير هو الذي ينير من غير إحراق‬
‫بخلف الوهاج‪ ،‬فإن فيه نوعَ إحراق َو َتوَهُج‪.‬‬
‫فصل‬
‫في ذكرى الهجرتين الولى والثانية‬
‫لما كثر المسلمون‪ ،‬وخاف منهم الكفارُ‪ ،‬اشتد أذاهم له صلى ال عليه وسلم‪ ،‬وفتنتهم إياهم‪،‬‬
‫ل صلى ال عليه وسلم في الهجرة إلى الحبشة وقال‪(( :‬إن بها مَلكاً ل يُظلَ ُم النّاسُ‬
‫فأَذِن لهم رسولُ ا ّ‬
‫ل وأربع نسوة‪ ،‬منهم عثمان بن عفان‪ ،‬وهو أول من‬
‫عنده))‪ ،‬فهاجر من المسلمين اثنا عشر رج ً‬
‫ت رسول ال صلى ال عليه وسلم‪ ،‬فأقاموا في الحبشة في أحسن‬
‫خرج‪ ،‬ومعه زوجته رُ َقيّ ُة بن ُ‬
‫جوار‪ ،‬فبلغهم أنّ قريشًا أسلمتْ‪ ،‬وكان هذا الخبرُ كذباً‪ ،‬فرجعوا إلى مكة‪ ،‬فلما بلغهم أن المر أشدّ‬
‫ممّا كان‪ ،‬رجع منهم مَنْ رجع‪ ،‬ودخل جماعة‪َ ،‬فلَقُوا مِنْ قُريش أذى شديداً‪ ،‬وكان ممن دخل عبدُ الّ‬
‫بنُ مسعود‪ .‬ثم أذن لهم في الهجرة ثانياً إلى الحبشة‪ ،‬فهاجر مِن الرجال ثلثةٌ وثمانون رجلً‪ ،‬إن‬
‫كان فيهم عمار‪ ،‬فإنه يُشك فيه‪ ،‬ومن النساء ثمان عشرة امرأة‪ ،‬فأقاموا عند النجاشي على أحسن‬
‫ل بن أبي ربيعة في جماعة‪ ،‬ليكيدوهم‬
‫حال‪ ،‬فبلغ ذلك قريشاً‪ ،‬فأرسلوا عمرو بن العاص‪ ،‬وعبد ا ّ‬
‫عند النجاشي‪ ،‬فرد الّ كيدهم في نحورهم‪.‬‬
‫ش َعبِ‬
‫فاشتد أذاهم لرسول الّ صلى ال عليه وسلم‪ ،‬فحصروه وأهل بيته في الشّعب ِ‬
‫أبي طالب ثلث سنين‪ ،‬وقيل‪ :‬سنتين‪ ،‬وخرج من الحصر وله تسع وأربعون سنة‪ ،‬وقيل‪ :‬ثمان‬
‫وأربعون سنة‪ ،‬وبعد ذلك بأَشهر مات عمّه أبو طالب وله سبع وثمانون سنة‪ ،‬وفي الشّعب وُلد عبدُ‬
‫ل بن عباس‪ ،‬فنال الكفارُ منه أذى شديداً‪ ،‬ثم ماتت خديج ُة بعد ذلك بيسير‪ ،‬فاشتدّ أذى الكفار له‪،‬‬
‫ا ّ‬
‫فخرج إلى الطائف هو وزيد بن حارثة يدعو إلى الّ تعالى‪ ،‬وأقام به أياماً فلم يجيبوه‪ ،‬وآذَوه‪،‬‬
‫وأخرجوه‪ ،‬وقاموا له سِماطين‪ ،‬فرجموه بالحجارة حتى أدموا كعبيه‪ ،‬فانصرف عنهم رسول الّ‬
‫صلى ال عليه وسلم راجعًا إلى مكّة‪ ،‬وفي طريقه لقي عَدّاسًا النصرانيّ‪ ،‬فآمن به وصدّقه‪.‬‬
‫(يتبع‪)...‬‬
‫@‬

‫ن أهل َنصِيبين‪،‬‬
‫وفي طريقه أيضاً بنخلة صُرف إليه نفر من الجن سبع ٌة مِ ْ‬

‫ل إليه َمَلكَ الجبال يأمره بِطاعته‪ ،‬وأن يُطبق‬
‫فاستمعوا القرآن وأسلموا‪ ،‬وفي طريقه تلك أرسل ا ّ‬

‫‪40‬‬

‫لّ يُخرِجُ مِنْ‬
‫ل أَسْتأنِي ِبهِم‪َ ،‬لعَلّ ا َ‬
‫ل بَ ْ‬
‫على قومه أخشبي مكّة‪ ،‬وهما جبلها إن أراد‪ ،‬فقال‪َ (( :‬‬
‫شيْئاً))‪ .‬وفي طريقه دعا بذلك الدعاء المشهور‪(( :‬اللهم إليك أشكو‬
‫ك بِهِ َ‬
‫ش ِر ُ‬
‫ل يُ ْ‬
‫ن َي ْعبُدُه َ‬
‫َأصْلَ ِبهِم مَ ْ‬
‫ضعف ُقوّتي‪ ،‬وقلة حيلتي‪ )) ...‬الحديث‪ ،‬ثم دخل مكّة في جوار المطعم بن عدي‪.‬‬
‫عرِجَ به إلى فوق‬
‫ثم أسري بروحه وجسده إلى المسجد القصى‪ ،‬ثم ُ‬
‫ل عزّ وجل‪ ،‬فخاطبه‪ ،‬وفرض عليه الصلوات‪ ،‬وكان ذلك مرة‬
‫السماوات بجسده وروحه إلى ا ّ‬
‫واحدة‪ ،‬هذا أصح القوال‪ .‬وقيل‪ :‬كان ذلك مناماً‪ ،‬وقيل‪ :‬بل يقال‪ :‬أسري به‪ ،‬ول يقال‪ :‬يقظة ول‬
‫مناماً‪ .‬وقيل‪ :‬كان الِسراء إلى بيت المقدس يقظة‪ ،‬وإلى السماء مناماً‪ .‬وقيل‪ :‬كان الِسراء مرتين‪:‬‬
‫مرة يقظة‪ ،‬ومرة مناماً‪ .‬وقيل‪ :‬بل أسري به ثلثَ مرات‪ ،‬وكان ذلك بعد المبعث بالتفاق‪.‬‬
‫وأمّا ما وقع في حديث شريك أن ذلك كان قبل أن يُوحى إليه‪ ،‬فهذا ممّا عُ ّد من أغلط شريك‬
‫الثمانية‪ ،‬وسوء حفظه‪ ،‬لحديث الِسراء وقيل‪ :‬إن هذا كان إسراء المنام قبل الوحي‪ .‬وأمّا إسراء‬
‫اليقظة‪ ،‬فبعد النبوة‪ ،‬وقيل‪ :‬بل الوحي هاهنا مقيد‪ ،‬وليس بالوحي المطلق الذي هو مبدأ النبوة‪،‬‬
‫ل أعلم‪.‬‬
‫والمراد‪ :‬قبل أن يوحى إليه في شأن الِسرار‪ ،‬فأسري به فجأة من غير تقدم إعلم‪ ،‬وا ّ‬
‫فأقام صلى ال عليه وسلم بمكّة ما أقام‪ ،‬يدعو القبائل إلى الّ تعالى‪َ ،‬و َي ْعرِضُ نفسه‬
‫س َتجِيبْ له قبيلة‪ ،‬وادّخر ال‬
‫عليهم في كل موسم أن يؤووه‪ ،‬حتى يبلّغَ رسالة ربه ولهم الجنّة‪ ،‬فلم تَ ْ‬
‫ذلك كرامة للنصار‪ ،‬فلما أراد الّ تعالى إظهار دينه‪ ،‬وإنجاز وعده‪ ،‬ونصر نبيه‪ ،‬وإعلء كلمته‪،‬‬
‫والنتقام من أعدائه‪ ،‬ساقه إلى النصار‪ ،‬لما أراد بهم من الكرامة‪ ،‬فانتهى إلى نفر منهم ستة‪ ،‬وقيل‪:‬‬
‫ثمانية‪ ،‬وهم يحلِقُون رؤوسهم عند عقب ِة مِنى في الموسم‪ ،‬فجلس إليهم‪ ،‬ودعاهم إلى الّ‪ ،‬وقرأ عليهم‬
‫عوْا قومهم إلى الِسلم‪ ،‬حتى فشا فيهم‪ ،‬ولم‬
‫ل ورسوله‪ ،‬ورجعوا إلى المدينة‪ ،‬فَدَ َ‬
‫القرآن‪ ،‬فاستجابوا ّ‬
‫ل صلى ال عليه وسلم‪ .‬فأولُ مسجد قُرىء فيه‬
‫يبق دار من دور النصار إل وفيها ذك ٌر مِنْ رسول ا ّ‬
‫ل من النصار‪ ،‬منهم‬
‫القرآنُ بالمدينة مسجد بني زُريق‪،‬ثم قدِم مكة في العام القابل اثنا عشر رج ً‬
‫ل صلى ال عليه وسلم على بيعة النساء عند العقبة‪ ،‬ثم‬
‫خمسة من الستة الولين‪ ،‬فبايعوا رسول ا ّ‬
‫ل وامرأتان‪ ،‬وهم أهلُ‬
‫انصرفوا إلى المدينة‪ ،‬فقَدِم عليه في العام القابل منهم ثلثة وسبعون رج ً‬
‫ل صلى ال عليه وسلم على أن يمنعوه ممّا يمنعون منه نساءهم‬
‫العقبة الخيرة‪ ،‬فبايعوا رسول ا ّ‬
‫ل صلى ال عليه وسلم منهم اثني‬
‫وأبناءهم وأنفسهم‪ ،‬فترحل هو وأصحابُه إليهم‪ ،‬واختار رسولُ ا ّ‬
‫ل صلى ال عليه وسلم لصحابه في الهجرة إلى المدينة‪ ،‬فخرجوا أرْسالً‬
‫عشر نقيباً‪ ،‬وأذن رسول ا ّ‬
‫متسللين‪ ،‬أولهم فيما قيل‪ :‬أبو سلمة بن عبد السد المخزومي‪ ،‬وقيل‪ :‬مصعب بن عمير فقدموا على‬

‫‪41‬‬

‫ل صلى ال‬
‫النصار في دورهم‪ ،‬فآوَوهم‪ ،‬ونصروهم‪ ،‬وفشا الِسلمُ بالمدينة‪ ،‬ثم أَذِنَ الّ لرسول ا ّ‬
‫عليه وسلم في الهجرة‪ ،‬فخرج من مكة يوم الثنين في شهر ربيع الوّل وقيل‪ :‬في صفر‪ ،‬وله إذ‬
‫ذاك ثلث وخمسون سنة‪ ،‬ومعه أبو بكر الصديق‪ ،‬وعَامرُ بن ُف َه ْي َر َة مولى أبي بكر‪ ،‬ودليلهم عبد الّ‬
‫ل َريْقِط الليثي‪ ،‬فدخل غَار ثَور هو وأبو بكر‪ ،‬فأقاما فيه ثلثاً‪ ،‬ثم أخذا على طريق الساحل‪ ،‬فلما‬
‫بن ا ُ‬
‫ت مِن شهر ربيع الوّل‪ ،‬وقيل غير ذلك‪،‬‬
‫خَل ْ‬
‫انت َهوْا إلى المدينة‪ ،‬وذلك يوم الثنين لثنتي عشرة ليلة َ‬
‫نزل ب ُقبَاء في أعلى المدينة على بني عمرو بن عوف‪ .‬وقيل‪ :‬نزل على كلثوم بن الهِدْم‪ .‬وقيل‪ :‬على‬
‫سع ِد بن خيثمة‪ ،‬والول أشهر‪ ،‬فأقام عندهم أربعة عشر يوماً‪ ،‬وأسس مسجد قُباء‪ ،‬ثم خرج يوم‬
‫الجمعة‪ ،‬فأدركته الجمعة في بني سالم‪ ،‬فجمع بهم بمن كان معه من المسلمين‪ ،‬وهم مائة‪ ،‬ثم ركب‬
‫سبِيَلهَا‬
‫خلّوا َ‬
‫ناقته وسار‪ ،‬وجعل الناس يكلمونه في النزول عليهم‪ ،‬ويأخذون بخطام الناقة‪ ،‬فيقول‪َ (( :‬‬
‫فَإنّها مَ ْأمُو َرةٌ)) فبركت عند مسجده اليوم‪ ،‬وكان مِربدا لسهل وسهيل غلمين من بني النجار‪ ،‬فنزل‬
‫عنها على أبي أيوب النصاري‪ ،‬ثم بنى مسجده موضع المربد بيده هو وأصحابه بالجريد والّلبِنِ‪،‬‬
‫ثم بنى مسكنه ومساكن أزواجه إلى جنبه‪ ،‬وأقربُها إليه مسكن عائشة‪ ،‬ثم تحول بعد سبعة أشهر من‬
‫دار أبي أيوب إليها‪ ،‬وبلغ أصحابَه بالحبشة هج َرتُه إلى المدينة‪ ،‬فرجع منهم ثلثة وثلثون رجلً‪،‬‬
‫ل صلى ال عليه وسلم بالمدينة‪ ،‬ثم هاجر بقيتهم‬
‫س منهم بمكة س ْبعَةٌ‪ ،‬وانتهى بقيتهم إلى رسول ا ّ‬
‫ح ِب َ‬
‫فَ ُ‬
‫في السفينة عام خيبر سنة سبع‪.‬‬
‫فصل‬
‫في أولده صلى ال عليه وسلم‬
‫أولهم القاسم‪ ،‬وبه كان يُكنى‪ ،‬مات طفلً‪ ،‬وقيل‪ :‬عاش إلى أن ركب الدابة‪ ،‬وسار على‬
‫النجيبة‪.‬‬
‫ثم زينب‪ ،‬وقيل‪ :‬هي أسن من القاسم‪ ،‬ثم رُ َقيّة‪ ،‬وأم كلثوم‪ ،‬وفاطمة‪ ،‬وقد قيل في كل واحدة‬
‫ن من أختها‪ ،‬وقد ُذ ِك َر عن ابن عباس أن رقيّة أسن الثلث‪ ،‬وأم كلثوم أصغرُهن‪.‬‬
‫منهن‪ :‬إنها أس ّ‬
‫ثم ولد له عبد الّ‪ ،‬وهل ولد بعد النبوة‪ ،‬أو قبلها؟ فيه اختلف‪ ،‬وصحح بعضهم أنه ولد بعد‬
‫ل أعلم‪.‬‬
‫النبوة‪ ،‬وهل هو الطيب والطاهر‪ ،‬أو هما غيرُه؟ على قولين‪ .‬والصحيح‪ :‬أنهما لقبان له‪ ،‬وا ّ‬
‫وهؤلء كلهم من خديجة‪ ،‬ولم يُولد له من زوجة غيرها‪.‬‬
‫س ّر ّيتِ ِه ((مارية القبطية)) سنة ثمان من الهجرة‪ ،‬وبشّره به أبو‬
‫ثم ولد له إبراهيم بالمدينة من ُ‬
‫رافع موله‪ ،‬فوهب له عبداً‪ ،‬ومات طفلً قبل الفطام‪ ،‬واختلف هل صلى عليه‪ ،‬أم ل؟ على قولين‪.‬‬

‫‪42‬‬

‫ل لها بصبرها واحتسابها‬
‫وكل أولده توفي قبلَه إل فاطمة‪ ،‬فإنها تأخرت بعده بستة أشهر فرفع ا ّ‬
‫ت به على نساء العالمين‪ .‬وفاطمة أفضلُ بناته على الِطلق‪ ،‬وقيل‪ :‬إنها‬
‫ضلَ ْ‬
‫من الدرجات ما ُف ّ‬
‫أفضل نساء العالمين‪ ،‬وقيل‪ :‬بل أمها خديجة‪ ،‬وقيل‪ :‬بل عائشة‪ ،‬وقيل‪ :‬بل بالوقف في ذلك‪.‬‬
‫فصل‬
‫في أعمامه وعمّاته صلى ال عليه وسلم‬
‫فمنهم أسدُ الِّ وأسدُ رسوله سيدُ الشهداء حمزةُ بن عبد المطلب‪ ،‬والعبّاس‪ ،‬وأبو طالب‬
‫واسمه عبدُ مناف‪ ،‬وأبو لهب واسمه عبد العزى‪ ،‬والزبير‪ ،‬وعبد الكعبة‪ ،‬والمقوّم‪ ،‬وضرار‪ ،‬وَ ُقثَم‪،‬‬
‫والمغيرة ولقبه حَجل‪ ،‬والغيداق واسمه مصعب‪ ،‬وقيل‪ :‬نوفل‪ ،‬وزاد بعضهم‪ :‬العوام‪ ،‬ولم يُسلم منهم‬
‫إل حمزة والعبّاس‪ .‬وأمّا عمّاته‪ ،‬فصفية أم الزبير بن العوام‪ ،‬وعاتكة‪ ،‬و َبرّة‪ ،‬وأروى‪ ،‬وأميمة‪ ،‬وأم‬
‫حكيم البيضاء‪ .‬أسلم منهن صفية‪ ،‬واختلف في إسلم عاتكة وأروى‪ ،‬وصحح بعضهم إسلم أروى‪.‬‬
‫وأسن أعمامه‪ :‬الحارث‪ ،‬وأصغرهم سناً‪ :‬العباس‪ ،‬وعَقَب منه حتى مل أولدُه الرض‪ .‬وقيل‪:‬‬
‫أحصوا في زمن المأمون‪ ،‬فبلغوا ستمائة ألف‪ ،‬وفي ذلك ُبعْدٌ ل يخفى‪ ،‬وكذلك أعقب أبو طالب‬
‫وأكثر‪ ،‬والحارث‪ ،‬وأبو لهب‪ ،‬وجعل بعضهم الحارث والمقوّم واحدا‪ ،‬وبعضهم الغيداق [رجلً]‬
‫واحداً‪.‬‬
‫فصل‬
‫في أزواجه صلى ال عليه وسلم‬
‫أولهن خديجة بنت خُويلد القرشية السدية‪ ،‬تزوجها قبل النبوة‪ ،‬ولها أربعون سنة‪ ،‬ولم‬
‫ل إبراهيمَ‪ ،‬وهي التي آزرته على النبوة‪ ،‬وجاهدت‬
‫يتزوجْ عليها حتى ماتت‪ ،‬وأولده كلّهم منها إ ّ‬
‫معه‪ ،‬وواسته بنفسها ومالها‪ ،‬وأرسل الّ إليها السلمَ مع جبريل‪ ،‬وهذه خاصة ل تُعرف لمرأة‬
‫سواها‪ ،‬وماتت قبل الهجرة بثلث سنين‪.‬‬
‫سوْدة بنت َز ْمعَة القُرشية‪ ،‬وهي التي وهبت يومها لعائشة‪.‬‬
‫ثم تزوج بعد موتها بأيام َ‬
‫ل عائشة الصّدّيقة بنت الصّدّيق‪ ،‬المبرّأة من فوق‬
‫ثم تزوج بعدها أمّ عبد ا ّ‬
‫ل صلى ال عليه وسلم عائشة بنت أبي بكر الصّدّيق‪ ،‬وعرضها عليه‬
‫سبع سماوات‪ ،‬حبيبة رسول ا ّ‬
‫سرَقَ ٍة من حرير وقال‪(( :‬هذه زوجتك)) تزوج بها في شوال وعمرها ست‬
‫ال َملَكُ قبل نكاحها في َ‬
‫سنين‪ ،‬وبنى بها في شوال في السنة الولى من الهِجرة وعمرها تسع سنين‪ ،‬ولم يتزوج بكراً‬
‫غيرها‪ ،‬وما نزل عليه الوحي في لِحاف امرأة غيرها‪ ،‬وكانت أحبّ الخلق إليه‪ ،‬ونزل عذرُهَا مِن‬

‫‪43‬‬

‫السماء‪ ،‬واتفقت المة على كفر قَاذِفها‪ ،‬وهي أفقه نسائه وأعلمُهن‪ ،‬بل أفقهُ نسا ِء المّة وأعلمهُنّ‬
‫ن أصحاب النبي صلى ال عليه وسلم يرجعون إلى قولها‬
‫على الِطلق‪ ،‬وكان الكابرُ مِ ْ‬
‫ويستفتونها‪ .‬وقيل‪ :‬إنها أسقطت من النبي صلى ال عليه وسلم سِقْطاً‪ ،‬ولم يثبت‪.‬‬
‫ل عنه‪ ،‬وذكر أبو‬
‫ثم تزوج حفصة بنت عمر بن الخطاب رضي ا ّ‬
‫داود أنه طلقها‪ ،‬ثم راجعها‪.‬‬
‫ثم تزوج زينب بنت خزيمة بن الحارث القيسية‪ ،‬من بني هلل‬
‫بن عامر‪ ،‬وتوفيت عنده بعد ضمه لها بشهرين‪.‬‬
‫ثم تزوج أمّ سلمة هند بنت أبي أمية القرشية‬
‫المخزومية‪ ،‬واسم أبي أمية حذيفة بن المغيرة‪ ،‬وهي آخر نسائه موتاً‪ .‬وقيل‪ :‬آخرهن موتًا صفية‪.‬‬
‫واختلف فيمن ولي تزويجها منه؟ فقال ابن سعد‬
‫في ((الطبقات))‪ :‬ولي تزويجها منه سلمة بن أبي سلمة دون غيره من أهل بيتها‪ ،‬ولما زوج النبي‬
‫صلى ال عليه وسلم سلمة بن أبي سلمة أمامة بنت حمزة التي اختصم فيها علي وجعفر وزيد قال‪:‬‬
‫ت سلمة)) يقول ذلك‪ ،‬لن سلمة هو الذي تولى تزويجه دون غيره من أهلها‪ ،‬ذكر هذا‬
‫((هل جزي ُ‬
‫في ترجمة سلمة‪ ،‬ثم ذكر في ترجمة أم سلمة عن الواقدي‪ :‬حدثني مجمع بن يعقوب‪ ،‬عن أبي بكر‬
‫ل صلى ال عليه وسلم خطب أم سلمة إلى‬
‫بن محمد بن عمر بن أبي سلمة‪ ،‬عن أبيه‪ ،‬أن رسول ا ّ‬
‫ابنها عمر بن أبي سلمة‪ ،‬فزوّجهَا رسولَ الّ صلى ال عليه وسلم وهو يومئذٍ غلم صغير‪.‬‬
‫وقال الِمام أحمد في ((المسند))‪ :‬حدثنا عفان‪ ،‬حدثنا حمّاد بن أبي سلمة‪ ،‬حدثنا ثابت قال‪:‬‬
‫حدثني ابن عمر بن أبي سلمة‪ ،‬عن أبيه‪ ،‬عن أم سلمة أنها لما انقضت عِ ّد ُتهَا مِنْ أبي سلمة‪ ،‬بعث‬
‫حبًَا برسول صلى ال عليه وسلم إني امرأة غَيرى‪،‬‬
‫ل صلى ال عليه وسلم‪ ،‬فقالت‪َ :‬مرْ َ‬
‫إليها رسولُ ا ّ‬
‫ص ِبيَةٌ‪َ ،‬وَل ْيسَ أح ٌد من أوليائي حاضراً‪ ...‬الحديث‪ ،‬وفيه فقالت لبنها عمر‪ :‬قم فزوج رسول‬
‫وإني ُم ْ‬
‫ل صلى ال عليه وسلم‪ ،‬فزوجه‪ ،‬وفي هذا نظر‪ ،‬فإن عمر هذا كان سنّه لما توفي رسول الّ صلى‬
‫ا ّ‬
‫ل صلى ال عليه وسلم في شوال سنة‬
‫ال عليه وسلم تسع سنين‪ ،‬ذكره ابن سعد‪ ،‬وتزوجها رسول ا ّ‬
‫أربع‪ ،‬فيكون له من العمر حينئذٍ ثلث سنين‪ ،‬ومثل هذا ل يزوّج قال ذلك ابن سعد وغيره‪ ،‬ولما قيل‬
‫ذلك للِمام أحمد‪ ،‬قال‪ :‬من يقول‪ :‬إن عمر كان صغيراً؟! قال أبو الفرج بن الجوزي‪ :‬ولعل أحمد‬
‫سنّه جماع ٌة من المؤرّخين‪ ،‬ابن سعد وغيره‪.‬‬
‫سنّه‪ ،‬وقد ذكر مقدار ِ‬
‫قال هذا قبل أن يقف على مقدار ِ‬
‫ل صلى ال عليه وسلم ابن عمّها عمر بن الخطاب‪ ،‬والحديث‬
‫وقد قيل‪ :‬إن الذي زوجها من رسول ا ّ‬

‫‪44‬‬

‫ل صلى ال عليه وسلم)) ونسب عمر‪ ،‬ونسب أم سلمة يلتقيان في‬
‫((قم يا عمر فزوج رسول ا ّ‬
‫كعب‪ ،‬فإنه عمر بن الخطاب بن نفيل‪ ،‬بن عبد العزى‪ ،‬بن رياح‪ ،‬بن عبد الّ بن قُرط‪ ،‬بن رزاح بن‬
‫عدي بن كعب‪ ،‬وأم سلمة بنت أبي أمية بن المغيرة بن عبد ال بن عمر بن مخزوم بن يقظة بن مرة‬
‫ل صلى ال عليه وسلم‪،‬‬
‫بن كعب‪ ،‬فوافق اسمُ ابنها عمر اسمَه‪ ،‬فقالت‪ :‬قم يا عمر‪ ،‬فزوج رسول ا ّ‬
‫فظن بعض الرواة أنه ابنها‪ ،‬فرواه بالمعنى وقال‪ :‬فقالت لبنها‪ ،‬وذهل عن تعذر ذلك عليه لصغر‬
‫ل صلى ال عليه‬
‫سنه‪ ،‬ونظير هذا وَهْم بعض الفقهاء في هذا الحديث‪ ،‬وروايتهم له‪ ،‬فقال رسول ا ّ‬
‫وسلم ((قم يا غلم فزوج أمك)) قال أبو الفرج بن الجوزي‪ :‬وما عرفنا هذا في هذا الحديث‪ ،‬قال‪:‬‬
‫ل أن يكون قاله على وجه المداعبة للصغير‪ ،‬إذ كان له من العمر يومئذٍ ثلث‬
‫وإن ثبت‪ ،‬فيح َتمِ ُ‬
‫سنين‪ ،‬لن رسول ال صلى ال عليه وسلم تزوجها في سنة أربع‪ ،‬ومات ولعمر تسعُ سنين‪،‬‬
‫ورسول الّ صلى ال عليه وسلم ل يفتَ ِق ُر نِكاحُه إلى ولي‪ .‬وقال ابن عقيل‪ :‬ظاهر كلم أحمد أن‬
‫النبي صلى ال عليه وسلم ل يُشترط في نكاحه الوليّ‪ ،‬وأن ذلك من خصائصه‪.‬‬
‫ثم تزوج زينب بنت جحش من بني أسد بن خزيمة وهي ابنة عمته أميمة‪ ،‬وفيها نزل‬
‫جنَا َكهَا} [الحزاب‪ ]37 :‬وبذلك كانت تفتخِر على نساء‬
‫ى َزيْ ٌد ّم ْنهَا وَطَرًا َزوّ ْ‬
‫ضَ‬
‫قوله تعالى‪َ { :‬فَلمّا َق َ‬
‫النبي صلى ال عليه وسلم‪ ،‬وتقول زوجكُنّ أهاليكُن‪ ،‬وزوجني ال مِن فوق سبع سماوات‪.‬‬
‫ومن خواصها أن الّ سبحانه وتعالى كان هو وليّها الذي زوجها لرسوله مِن فوق سماواته‪،‬‬
‫ل صلى‬
‫ل عند زيد بن حارثة‪ ،‬وكان رسولُ ا ّ‬
‫وتوفيت في أول خلفة عمر بن الخطاب‪ ،‬وكانت أو ً‬
‫ل تعالى إيَاها لتتأسّى به ُأمّته في نكاح أزواج من‬
‫ال عليه وسلم تبنّاه‪ ،‬فلما طلقها زيد‪ ،‬زوّجه ا ّ‬
‫تب ّنوْه‪.‬‬
‫طلِ ِقيّةَ‪،‬‬
‫وتزوج في صلى ال عليه وسلم جُويْريَة بنت الحارث بن أبي ضرار ال ُمصْ َ‬
‫طلِقِ‪ ،‬فجاءته تستعينُ به على كِتابتها‪ ،‬فأدى عنها كتابتَها وتزوجها‪.‬‬
‫وكانت من سبايا بني ال ُمصْ َ‬
‫ثم تزوج أمّ حبيبة‪ ،‬واسمها رملة بنت أبي سفيان صخرِ بن حرب القرشية‬
‫الموية‪ .‬وقيل‪ :‬اسمها هند‪ ،‬تزوجها وهي ببلد الحبشة مهاجرة‪ ،‬وأصدقها عنه النجاشي أربعمائة‬
‫دينار‪ ،‬وسيقت إليه من هناك‪ ،‬وماتت في أيام أخيها معاوية‪ .‬هذا هو المعروف المتواتر عند أهل‬
‫السّير والتواريخ‪ ،‬وهو عندهم بمنزلة نكاحه لخديجة بمكّة‪ ،‬ولحفصة بالمدينة‪ ،‬ولصفية بعد خيبر‪.‬‬

‫‪45‬‬

‫وأمّا حديث عكرمة بن عمّار‪ ،‬عن أبي زُميل‪ ،‬عن ابن عباس أن أبا‬
‫ب أُمّ‬
‫ل ال َع َر ِ‬
‫جمَ ُ‬
‫عنْدِي أَ ْ‬
‫لثَاً‪ ،‬فَأعْطَاهُ إيّاهُنْ‪ِ ،‬م ْنهَا‪ :‬وَ ِ‬
‫سفيان قال للنبي صلى ال عليه وسلم‪(( :‬أَسَْأُلكَ ثَ َ‬
‫حبِيبَ َة ُأ َزوّجكَ ِإيّاهَا))‪.‬‬
‫َ‬
‫فهذا الحديث غلط ل خفاء به‪ ،‬قال أبو محمد بن حزم‪ :‬وهو موضوع بل شك‪ ،‬كَ َذبَ ُه عكرمة‬
‫بن عمار‪ ،‬وقال ابن الجوزي في هذا الحديث‪ :‬هو وهم من بعض الرواة‪ ،‬ل شك فيه ول تردد‪ ،‬وقد‬
‫ل بن‬
‫اتهموا به عكرمة بن عمار‪ ،‬لن أهل التاريخ أجمعوا على أن أم حبيبة كانت تحت عبد ا ّ‬
‫جحش‪ ،‬وولدت له‪ ،‬وهاجر بها وهما مسلمان إلى أرض الحبشة‪ ،‬ثم تنصّر‪ ،‬وثبتت أم حبيبة على‬
‫ل صلى ال عليه وسلم إلى النجاشي يخطبها عليه‪ ،‬فزوجه إيَاها‪ ،‬وأصدقها‬
‫إسلمها‪ ،‬فبعث رسول ا ّ‬
‫عنه صداقاً‪ ،‬وذلك في سنة سبع من الهجرة‪ ،‬وجاء أبو سفيان في زمن الهُدنة فدخل عليها‪ ،‬فثنت‬
‫ل صلى ال عليه وسلم حتى ل يجلسَ عليه‪ ،‬ول خلف أن أبا سفيان ومعاوية أسلما‬
‫فِراش رسولى ا ّ‬
‫في فتح مكة سنة ثمان‪.‬‬
‫وأيضاً ففي هذا الحديث أنه قال له‪ :‬وتؤمّرني حتى أقاتل الكفار كما كنت أقاتل المسلمين‪،‬‬
‫قال‪ :‬نعم‪ .‬ول يعرف أن النبي صلى ال عليه وسلم َأ ّمرَ أبا سفيان البتة‪.‬‬
‫س الكلم في هذا الحديث‪ ،‬وتعددت طرقهم في وجهه‪ ،‬فمنهم من قال‪ :‬الصحيح‬
‫وقد أكثر النّا ُ‬
‫أنه تزوجها بعد الفتح لهذا الحديث‪ ،‬قال‪ :‬ول يُرد هذا بنقل المؤرّخين‪ ،‬وهذه الطريقة باطلة عند من‬
‫له أدنى علم بالسّيرة وتواريخ ما قد كان‪.‬‬
‫وقالت طائفة‪ :‬بل سأله أن يجدد له العقد تطييباً لقلبه‪ ،‬فإنه كان قد تزوجها بغير اختياره‪،‬‬
‫وهذا باطل‪ ،‬ل يُظن بالنبي صلى ال عليه وسلم‪ ،‬ول يليق بعقل أبي سفيان‪ ،‬ولم يكن من ذلك شيء‪.‬‬
‫وقالت طائفة منهم البيهقي والمنذري‪ :‬يحتمِل أن تكون هذه المسألة من أبي سفيان وقعت في‬
‫بعض خرجاته إلى المدينة‪ ،‬وهو كافر حين سمع نعي زوج أم حبيبة بالحبشة‪ ،‬فلما ورد على هؤلء‬
‫ما ل حِيلة لهم في دفعه مِن سؤاله أن يؤمره حتى يقاتل الكفار‪ ،‬وأن يتخذ ابنه كاتباً‪ ،‬قالوا‪ :‬لعلّ‬
‫سفُ والتكلف‬
‫هاتين المسألتين وقعتا منه بعد الفتح‪ ،‬فجمع الراوي ذلك كله في حديث واحد‪ ،‬والتع ّ‬
‫الشديد الذي في هذا الكلم يُغني عن رده‪.‬‬
‫وقالت طائفة‪ :‬للحديث محمل آخر صحيح‪ ،‬وهو أن يكون المعنى‪ :‬أرضى أن تكون زوجتَك‬
‫الن‪ ،‬فإني قبل لم أكن راضياً‪ ،‬والن فإني قد رضيت‪ ،‬فأسألك أن تكون زوجتَك‪ ،‬وهذا وأمثاله لو‬

‫‪46‬‬

‫ت به الوراق‪ ،‬وصنفت فيه الكُتب‪ ،‬وحمله الناس‪ ،‬لكان الولى بنا الرغب َة عنه‪،‬‬
‫سوّ َد ْ‬
‫لم يكن قد ُ‬
‫لضيق الزمان عن كتابته وسماعه والشتغال به‪ ،‬فإنه من ُربْ ِد الصدور ل من ُزبْدها‪.‬‬
‫ل صلى ال عليه وسلم طلق نساءه لما آلى‬
‫وقالت طائفة‪ :‬لما سمع أبو سفيان أن رسول ا ّ‬
‫منهن‪ ،‬أقبل إلى المدينة‪ ،‬وقال للنبي صلى ال عليه وسلم ما قال‪ ،‬ظناً منه أنه قد طلقها فيمن طلق‪،‬‬
‫وهذا من جنس ما قبله‪.‬‬
‫وقالت طائفة‪ :‬بل الحديث صحيح‪ ،‬ولكن وقع الغلط والوهم من أحد الرواة في تسمية‬
‫أم حبيبة‪ ،‬وإنما سأل أن يزوجه أختها رملة‪ ،‬ول يبعد خفاء التحريم للجمع عليه‪ ،‬فقد خفي ذلك على‬
‫ل صلى ال عليه وسلم‪ :‬هل لك في أختي بنت أبي‬
‫ابنته‪ ،‬وهي أفقه منه وأعلم حين قالت لرسول ا ّ‬
‫حبُ‬
‫خلِيةٍ‪ ،‬وأَ َ‬
‫سفيان؟ فقال‪(( :‬أفعل ماذا؟)) قالت‪ :‬تَنكِحُها‪ .‬قال‪(( :‬أو تحبين ذلك؟)) قالت‪ :‬لست لك بمُ ْ‬
‫ل لي))‪ .‬فهذه هي التي عرضها أبو سفيان على‬
‫ل تَحِ ّ‬
‫ش ِركَني في الخير أُختي‪ ،‬قال‪(( :‬فإنّها َ‬
‫مَنْ َ‬
‫النبي صلى ال عليه وسلم‪ ،‬فسماها الراوي من عنده أم حبيبة‪ .‬وقيل‪ :‬بل كانت كنيتها أيضاً أم‬
‫حبيبة‪ ،‬وهذا الجواب حسن لول قوله في الحديث‪ :‬فأعطاه رسول ال صلى ال عليه وسلم ما سأل‪،‬‬
‫فيقال حينئذٍ‪ :‬هذه اللفظة وهم من الراوي‪ ،‬فإنه أعطاه بعض ما سأل‪ ،‬فقال الراوي‪ :‬أعطاه ما سأل‪،‬‬
‫ل أعلم‪.‬‬
‫أو أطلقها اتكالً على فهم المخاطب أنه أعطاه ما يجوز إعطاؤه ممّا سأل‪ ،‬وا ّ‬
‫طبَ سيد بني النضير من‬
‫وتزوج صلى ال عليه وسلم صفيّة بنتَ حُيي بن أَخْ َ‬
‫ن أَجمل نسا ِء العالمين‪.‬‬
‫ولد هارون بن عمران أخي موسى‪ ،‬فهي ابنة نبي‪ ،‬وزوجة نبي‪ ،‬وكانت مِ ْ‬
‫وكانت قد صارت له من الصّفيّ أمة فأعتقها‪ ،‬وجعل عِتقها صداقَها‪،‬‬
‫ق الرجل أمَته‪ ،‬ويجعل عتقها صداقها‪ ،‬فتصير زوجته‬
‫سنّ ًة للمّة إلى يوم القيامة‪ ،‬أن َي ْعتِ َ‬
‫فصار ذلك ُ‬
‫بذلك‪ ،‬فإذا قال‪ :‬أعتقت أمتي‪ ،‬وجعلت عِتقها صَدَاقها‪ ،‬أو قال‪ :‬جعلت عِتق أمتي صداقها‪ ،‬صح‬
‫العتق والنكاح‪ ،‬وصارت زوجتَه من غير احتياج إلى تجديد عقد ول ولي‪ ،‬وهو ظاهر مذهب أحمد‬
‫وكثيرٍ من أهل الحديث‪.‬‬
‫وقالت طائفة‪ :‬هذا خاص بالنبي صلى ال عليه وسلم وهو مما خصه الّ به في النكاح دون‬
‫المة‪ ،‬وهذا قول الئمة الثلثة ومن وافقهم‪ ،‬والصحيح القول الول‪ ،‬لن الصل عدم الختصاص‬
‫حتى يقوم عليه دليل‪ ،‬والّ سبحانه لما خصه بنكاح الموهوبة له‪ ،‬قال فيها‪{ :‬خَاِلصَةً لّك مِن دُونِ}‬
‫ل صلى ال عليه وسلم ليقطع تأسي‬
‫[الحزاب‪ ]50 :‬ولم يقل هذا في المعتقة‪ ،‬ول قاله رسول ا ّ‬
‫المة به في ذلك‪ ،‬فالّ سبحانه أباح له نكاح امرأة مَن تبنّاه‪ ،‬لئل يكون على المة حرجٌ في نكاح‬

‫‪47‬‬

‫ل ورسوله‬
‫ل على أنه إذا نكح نِكاحاً‪ ،‬فل ّمتِه التأسي به فيه‪ ،‬ما لم يأتِ عن ا ّ‬
‫أزواج من تبنّوه‪ ،‬فد َ‬
‫نصٌ بالختصاص وقطع التأسي‪ ،‬وهذا ظاهر‪.‬‬
‫ولتقرير هذه المسألة وبسط الحجاج فيها ‪ -‬وتقرير أن جواز مثل هذا هو مقتضى الصولِ‬
‫والقياس ‪ -‬موضعٌ آخر‪ ،‬وإنما نبهنا عليه تنبيهاً‪.‬‬
‫ثم تزوج ميمون َة بنت الحارث الهِللية‪ ،‬وهي آخر من تزوج بها‪ ،‬تزوجها بمكة في‬
‫عمرة القضاء بعد أن حل منها على الصحيح‪ .‬وقيل‪ :‬قبل إحلله‪ ،‬هذا قول ابن عباس‪ ،‬ووهم رضي‬
‫الّ عنه‪ ،‬فإن السفير بينهما بالنكاح أعلم الخلق بالقِصة‪ ،‬وهو أبو رافع‪ ،‬وقد أخبر أنه تزوجها‬
‫حللً‪ ،‬وقال‪ :‬كنت أنا السفير بينهما‪ ،‬وابن عباس إذ ذاك له نحو العشر سنين أو فوقها‪ ،‬وكان غائباً‬
‫عن القصة لم يحضرها‪ ،‬وأبو رافع رجل بالغ‪ ،‬وعلى يده دارت القصة‪ ،‬وهو أعلم بها‪ ،‬ول يخفى‬
‫س ِرفَ))‪.‬‬
‫أن مثل هذا الترجيح موجب للتقديم وماتت في أيام معاوية‪ ،‬وقبرها بـ(( َ‬
‫قيل‪ :‬ومن أزواجه ريحانة بنت زيد النضرية‪ .‬وقيل‪ :‬القرظية‪ ،‬سبيت يوم بني‬
‫ل صلى ال عليه وسلم‪ ،‬فأعتقها وتزوجها‪ ،‬ثم طلقها تطليقة‪ ،‬ثم‬
‫قريظة‪ ،‬فكانت صفيّ رسول ا ّ‬
‫راجعها‪.‬‬
‫وقالت طائفة‪ :‬بل كانت أمتَه‪ ،‬وكان يطؤها بملك اليمين حتى توفي عنها‪ ،‬فهي معدودة في‬
‫السراري‪ ،‬ل في الزوجات‪ ،‬والقول الول اختيا ُر الواقدي‪ ،‬ووافقه عليه شرف الدين الدمياطي‪.‬‬
‫وقال‪ :‬هو الثبت عند أهل العلم‪ .‬وفيما قاله نظر‪ ،‬فإن المعروف أنها من سراريه‪ ،‬وإمائه‪ ،‬والّ‬
‫أعلم‪.‬‬
‫فهؤلء نساؤه المعروفات اللتي دخل بهن‪ ،‬وأما من خطبها ولم يتزوجها‪ ،‬ومن وهبت‬
‫نفسَها له‪ ،‬ولم يتزوجها‪ ،‬فنحو أربع أو خمس‪ ،‬وقال بعضهم‪ :‬هن ثلثون امرأة‪ ،‬وأهل العلم بسيرته‬
‫وأحواله صلى ال عليه وسلم ل يعرفون هذا‪ ،‬بل ينكرونه‪ ،‬والمعروف عندهم أنه بعث إلى الجونية‬
‫ليتزوجها‪ ،‬فدخل عليها ليخطبها‪ ،‬فاستعاذت منه‪ ،‬فأعاذها ولم يتزوجها‪ ،‬وكذلك الكلبية‪ ،‬وكذلك التي‬
‫رأى بكشحها بياضاً‪ ،‬فلم يدخل بها‪ ،‬والتي وهبت نفسها له فزوجها غيره على سور من القرآن‪ ،‬هذا‬
‫ل اعلم‪.‬‬
‫هو المحفوظ‪ ،‬وا ّ‬
‫ول خلف أنه صلى ال عليه وسلم توفي عن تسع‪ ،‬وكان يقسم منهن لثمان‪ :‬عائشة‪،‬‬
‫وحفصة‪ ،‬وزينب بنت جحش‪ ،‬وأم سلمة‪ ،‬وصفية‪ ،‬وأم حبيبة‪ ،‬وميمونة‪ ،‬وسودة‪ ،‬وجويرية‪.‬‬

‫‪48‬‬

‫وأول نسائه لحوقًا به بعد وفاته صلى ال عليه وسلم زينبُ بنت جحش سنة عشرين‪،‬‬
‫ل أعلم‪.‬‬
‫وآخِرهن موتًا أم سلمة‪ ،‬سنة اثنتين وستين في خلفة يزيد‪ ،‬وا ّ‬
‫فصل‬
‫في سراريه صلى ال عليه وسلم‬
‫قال أبو عبيدة‪ :‬كان له أربع‪ :‬مارية وهي أم ولده إبراهيم‪ ،‬وريحانة وجارية أخرى جميلة‬
‫أصابها في بعض السبي‪ ،‬وجارية وهبتها له زينب بنت جحش‪.‬‬
‫فصل‬
‫في مواليه صلى ال عليه وسلم‬
‫فمنهم زيد بن حارثة بن شراحِيل‪ ،‬مولته أمّ أيمن‪ ،‬فولدت له أسامة‪.‬‬
‫سَليْم‪ ،‬وشُقران واسمه صابح‪ ،‬ورباح نُوبي‪،‬‬
‫ومنهم أسلم‪ ،‬وأبو رافع‪ ،‬وثوبان‪ ،‬وأبو كَبشَة ُ‬
‫ويسار نوبي أيضاً‪ ،‬وهو قتيل ال ُعرَنيين‪ ،‬وَمدْعَم‪ ،‬وَكرْك َرةَ‪ ،‬نوبي أيضاً‪ ،‬وكان على ثَقَله صلى ال‬
‫ل يوم خيبر‪ .‬وفي ((صحيح البخاري)) أنَه الذي غلّ‬
‫عليه وسلم‪ ،‬وكان يُمسك راحَلته عند القَتا َ‬
‫عَليْ ِه نَاراً)) وفي ((الموطأ))‬
‫الشملة ذلك اليوم فَقُتل‪ ،‬فقال النبي صلى ال عليه وسلم ((إنّهَا َل َت ْل َت ِهبُ َ‬
‫ل أعلم‪.‬‬
‫أن الذي غلّها مِدْعَم‪ ،‬وكلهما قتل بخيبر‪ ،‬وا ّ‬
‫ومنهم أنْجَشَةُ الحادي‪ ،‬وسَفينة بن فروخ‪ ،‬واسمه مهران‪ ،‬وسماه رسول الّ صلى ال عليه‬
‫ح ّملُونه في السفر متاعَهم‪ ،‬فقال‪(( :‬أ ْنتَ سَفِينَةٌ))‪ .‬قال أبو حاتم‪ :‬أعتقه‬
‫وسلم‪(( :‬سفينة)) لنهم كانوا ُي َ‬
‫ل صلى ال عليه وسلم‪ ،‬وقال غيره‪ :‬أعتقته أ ّم سلمة‪ .‬ومنهم َأنَسة‪ ،‬ويكنى أبا مِشرح‪،‬‬
‫رسول ا ّ‬
‫وأفلح‪ ،‬وعُبيد‪ ،‬وطهمان‪ ،‬وهو كيسان‪ ،‬وذكوان‪ ،‬ومهران‪ ،‬ومروان‪ ،‬وقيل‪ :‬هذا خلف في اسم‬
‫ل أعلم‪.‬‬
‫طهمان‪ ،‬وا ّ‬
‫ومنهم حُنين‪ ،‬وسندر‪ ،‬وفضالة يماني‪ ،‬ومابور خصي‪ ،‬وواقد‪ ،‬وأبو واقد‪ ،‬وقسام‪ ،‬وأبو‬
‫عسيب‪ ،‬وأبو مُويهبة‪.‬‬
‫ومن النساء سلمى أم رافع‪ ،‬وميمونة بنت سعد‪ ،‬وخضرة‪ ،‬ورضوى‪ ،‬ورزينة‪ ،‬وأم ضُميرة‪،‬‬
‫وميمونة بنت أبي عسيب‪ ،‬ومارية‪ ،‬وريحانة‪.‬‬
‫فصل‬
‫في خُدّامه صلى ال عليه وسلم‬

‫‪49‬‬

‫ب نعله‪ ،‬وسواكه‪،‬‬
‫ل بن مسعود صاح ُ‬
‫فمنهم أنسُ بن مالك‪ ،‬وكان على حوائجه‪ ،‬وعبدُ ا ّ‬
‫وعُقبة بن عامر الجهني صاحب بغلته‪ ،‬يقود به في السفار‪ ،‬وأسلع بن شريك‪ ،‬وكان صاحب‬
‫راحلته‪ ،‬وبلل بن رباح المؤذن‪ ،‬وسعد‪ ،‬موليا أبي بكر الصديق‪ ،‬وأبو ذر الغفاري‪ ،‬وأيمن بن‬
‫عبيد‪ ،‬وأمه أم أيمن موليا النبي صلى ال عليه وسلم‪ ،‬وكان أيمن على مطهرته وحاجته‪.‬‬
‫فصل‬
‫في كتّابه صلى ال عليه وسلم‬
‫ي بن‬
‫أبو بكر‪ ،‬وعمر‪ ،‬وعثمان‪ ،‬وعلي‪ ،‬والزبير‪ ،‬وعامر بن فُهيرة‪ ،‬وعمرو بن العاص‪ ،‬وُأبَ ّ‬
‫سيْ ِديّ‪ ،‬والمغير ُة بن‬
‫كعب‪ ،‬وعبدُ الّ بن الرقم‪ ،‬وثابتُ بنُ قيس بن شماس‪ ،‬وحنظلةُ بن الربيع الُ َ‬
‫شعبة‪ ،‬وعبد الّ بن رواحة‪ ،‬وخالد بن الوليد‪ ،‬وخالد بن سعيد بن العاص‪ .‬وقيل‪ :‬إنه أول من كتب له‬
‫ومعاوية بن أبي سفيان‪ ،‬وزيد بن ثابت وكان ألزَمهم لهذا الشأن وأخصّهم به‪.‬‬
‫فصل‬
‫في كتبه صلى ال عليه وسلم التي كتبها إلى أهل الِسلم في الشرائع‬
‫فمنها كتابُه في الصدقات الذي كان عند أبي بكر‪ ،‬وكتبه أبو بكر لنس بن مالك لما وجهه‬
‫إلى البحرين وعليه عمل الجمهور‪.‬‬
‫ومنها كتابُه إلى أهل اليمن وهو الكتاب الذي رواه أبو بكر بن عمرو بن حزم عن أبيه عن‬
‫جده‪ ،‬وكذلك رواه الحاكم في ((مستدركه))‪ ،‬والنسائي‪ ،‬و غيرهما مسندًا متصلً‪ ،‬ورواه أبو داود‬
‫وغيره مرسلً‪ ،‬وهو كتاب عظيم‪ ،‬فيه أنواعٌ كثيرة من الفقه‪ ،‬في الزكاة‪ ،‬والديات‪ ،‬والحكام‪ ،‬وذكر‬
‫الكبائر‪ ،‬والطلق‪ ،‬والعتاق‪ ،‬وأحكام الصلة في الثوب الواحد‪ ،‬والحتباء فيه‪ ،‬ومس المصحف‪،‬‬
‫وغير ذلك‪.‬‬
‫ل صلى ال عليه وسلم َك َتبَه‪ ،‬واحتج الفقها ُء كلُهم بما فيه‬
‫قال الِمام أحمد‪ :‬ل شك أن رسولَ ا ّ‬
‫من مقادير الديات‪.‬‬
‫ومنها كتابه إلى بني زهير‪.‬‬
‫ومنها كتابُه الذي كان عند عمر بن الخطاب في نصب الزكاة‪ ،‬وغيرها‪.‬‬
‫فصل‬
‫في كتبه ورسله صلى ال عليه وسلم إلى الملوك‬

‫‪50‬‬

‫لما رجع من الحُ َد ْي ِبيَةِ‪ ،‬كتب إلى ملوك الرض‪ ،‬وأرسل إليهم رسله‪ ،‬فكتب إلى ملك الرّوم‪،‬‬
‫فقيل له‪ :‬إنهم ل يقرؤون كتاباً إل إذا كان مختوماً‪ ،‬فاتخذ خاتمًا من فضة‪ ،‬ونقش عليه ثلثة أسطر‪:‬‬
‫محمّد سطر‪ ،‬ورسول سطر‪ ،‬وال سطر‪ ،‬وختم به الكتب إلى الملوك‪ ،‬وبعث ستة نفر في يوم واحد‬
‫في المحرم سنة سبع‪.‬‬
‫ضمْري‪ ،‬بعثه إلى النجاشي‪ ،‬واسمه َأصْحمة بن أَبجر‪،‬‬
‫فأولهم عمرو بن أمية ال ّ‬
‫ب النبي صلى ال عليه وسلم‪ ،‬ثم أَسلم‪ ،‬وشهد شهادة‬
‫وتفسير ((أصحمة)) بالعربية‪ :‬عطية‪ ،‬فعظّم كتا َ‬
‫ن أعلم الناس بالِنجيل‪ ،‬وصلى عليه النبيّ صلى ال عليه وسلم يوم مات بالمدينة‬
‫الحق‪ ،‬وكان مِ ْ‬
‫وهو بالحبشة‪ ،‬هكذا قال جماعة‪ ،‬منهم الواقدي وغيره‪ ،‬وليس كما قال هؤلء‪ ،‬فإن أصحمة النجاشي‬
‫ل صلى ال عليه وسلم ليس هو الذي كتب إليه‪ ،‬هذا الثاني ل يعرف‬
‫الذي صلى عليه رسول ا ّ‬
‫إسلمه‪ ،‬بخلف الول‪ ،‬فإنه مات مسلماً‪ .‬وقد روى مسلم في ((صحيحه )) من حديث قتادة عن‬
‫سرَى‪ ،‬وإلى َق ْيصَر‪ ،‬وإلى النّجَاشِي‪ ،‬وَإلَى كُلّ‬
‫ل صلى ال عليه وسلم إلى كِ ْ‬
‫أنس قال‪ :‬ك َتبَ رسولُ ا ّ‬
‫صلّى عليه رسول ال صلى ال عليه وسلم‪،‬‬
‫شيّ الّذِي َ‬
‫لّ َتعَالَى‪ ،‬وَل ْيسَ بِالنّجَا ِ‬
‫جبّا ٍر يَدْعُوهُم ِإلَى ا ِ‬
‫َ‬
‫ل صلى ال عليه وسلم عمرو بن‬
‫ث إليه رسولُ ا ّ‬
‫وقال أبو محمد بن حزم‪ :‬إن هذا النجاشي الذي َب َع َ‬
‫ض ْمرِي‪ ،‬لم يُسلم‪ ،‬والول هو اختيار ابن سعد وغيره‪ ،‬والظاهر قول ابن حزم‪.‬‬
‫أمية ال ّ‬
‫وبعث دِحية بن خليفة ال َكلْبي إلى قيصر ملِك الروم‪ ،‬واسمه ِهرَقْل‪ ،‬وهَمّ‬
‫بالِسلم وكاد‪ ،‬ولم يفعل‪ ،‬وقيل‪ :‬بل أسلم‪ ،‬وليس بشيء‪.‬‬
‫ل صلى‬
‫وقد روى أبو حاتم ابنُ حبان في ((صحيحه)) عن أنس بن مالك قال‪ :‬قال رسول ا ّ‬
‫ن لَمْ‬
‫ن الْ َقوْمِ‪ :‬وإ ْ‬
‫ل مِ َ‬
‫ل رَجُ ٌ‬
‫جنّة؟)) فَقَا َ‬
‫ص َر َولَهُ ال َ‬
‫ق بِصحِي َفتِي ه ِذ ِه ِإلَى َق ْي َ‬
‫طلِ ُ‬
‫ال عليه وسلم‪(( :‬مَنْ َينْ َ‬
‫عَليْهِ‬
‫ل َيمْشِي َ‬
‫عَليْهِ بِسَاطٌ َ‬
‫جعِلَ َ‬
‫صرَ وَ ُهوَ يأتِي َب ْيتَ المَقْدِس قَدْ ُ‬
‫ن لَمْ يَ ْقبَلْ)) َفوَافَقَ َق ْي َ‬
‫يَ ْقبَلْ؟ قَالَ‪َ (( :‬وإِ ْ‬
‫صرُ‪ :‬مَنْ‬
‫علَى البِسَاطِ‪َ ،‬و َتنَحّى‪َ ،‬فَلمّا أ ْن َتهَى َق ْيصَ ُر ِإلَى ال ِكتَابِ‪ ،‬أَخَ َذهُ‪َ ،‬فنَادَى َق ْي َ‬
‫غ ْي ُرهُ‪َ ،‬ف َرمَى بِا ْل ِكتَابِ َ‬
‫َ‬
‫ب ال ِكتَابِ؟ َف ُه َو آمِنٌ‪ ،‬فَجَا َء الرّجل؟ فَقَالَ‪َ :‬أنَا‪ .‬قَالَ‪ :‬فَإذَا قَ ِد ْمتَ َف ْأ ِتنِي‪َ ،‬فَلمّا قَدِمَ‪ ،‬أَتاهُ‪ ،‬فََأ َمرَ‬
‫ح ُ‬
‫صا ِ‬
‫صرَا ِنيّةَ‪،‬‬
‫حمّداً‪َ ،‬و َت َركَ ال ّن ْ‬
‫صرَ قَ ِد ا ّتبَ َع مُ َ‬
‫ل إنّ َق ْي َ‬
‫ص ِرهِ َف ُغلّ َقتْ‪ ،‬ث ّم َأ َمرَ ُمنَادِيًا ُينَادي‪ :‬أَ َ‬
‫صرُ بَِأ ْبوَابِ َق ْ‬
‫َق ْي َ‬
‫لّ صلى ال عليه وَسلمَ‪ :‬قَ ْد َترَى أَنيّ‬
‫ل ِلرَسُولِ رسولِ ا ِ‬
‫حتّى أَطَافوا به‪ ،‬فَقَا َ‬
‫سلّحُوا َ‬
‫جنْ ُد ُه وَقَ ْد تَ َ‬
‫فَأَ ْقبَلَ ُ‬
‫ظ َر َك ْيفَ‬
‫خ َت َب َركُمْ لينْ ُ‬
‫ع ْنكُمْ‪ ،‬وإنّما ا ْ‬
‫ضيَ َ‬
‫صرَ قَ ْد َر ِ‬
‫ل إنّ َق ْي َ‬
‫علَى َم ْمَل َكتِي‪ ،‬ثُ ّم َأمَر ُمنَا ِديَه َفنَادى‪ :‬أَ َ‬
‫خَا ِئفٌ َ‬
‫سلِمٌ‪،‬‬
‫لّ صلى ال عليه وسلم‪ :‬إنّي مُ ْ‬
‫جعُوا فَانصَرِفُوا‪َ ،‬و َك َتبَ إلى رَسُولِ ا ِ‬
‫علَى دِينكُمْ‪ ،‬فَار ِ‬
‫ص ْبرُكُمْ َ‬
‫َ‬

‫‪51‬‬

‫علَى‬
‫سلِمٍ وَ ُهوَ َ‬
‫س ِبمُ ْ‬
‫لّ َل ْي َ‬
‫لّ صلى ال عليه وسلم‪(( :‬كذبَ عَ ُدوّ ا ِ‬
‫ل رَسُولُ ا ِ‬
‫َو َب َعثَ إليهِ بدَنانِيرَ‪ ،‬فقًا َ‬
‫صرَا ِنيّةِ)) وَقَسَ َم ال ّدنَانِيرَ‪.‬‬
‫النّ ْ‬
‫وبعث عبد الّ بن حُذافة السّهمي إلى كسرى‪ ،‬واسمه أبرويز بن هُرمز ابن‬
‫أنوشروان‪ ،‬فمزق كتابَ النبي صلى ال عليه وسلم‪ ،‬فقال النبي صلى ال عليه وسلم‪(( :‬اللهمّ َمزّق‬
‫ل ملكه‪ ،‬وملك قومه‪.‬‬
‫ُم ْلكَه)) فمزق ا ّ‬
‫وبعث حاطب بن أبي بَلتعة إلى المُ َقوْقِس‪ ،‬واسمه خريج بن ميناء ملك‬
‫الِسكندرية عظيم القبط‪ ،‬فقال خيراً‪ ،‬وقارب المر ولم يُسلم‪ ،‬وأهدى للنبي صلى ال عليه وسلم‬
‫مارية‪ ،‬وأختيها سيرين وقيسرى‪ ،‬فتسرى مارية‪ ،‬ووهب سيرين لحسان بن ثابت‪ ،‬وأهدى له جارية‬
‫أخرى‪ ،‬وألفَ مثقال ذهباً‪ ،‬وعشرين ثوبًا من قباطي مصر وبغلة شهباء وهي ُدلْدل‪ ،‬وحمارًا أشهب‪،‬‬
‫وهو عفير‪ ،‬وغلماً خصياً يقال له‪ :‬مابور‪ .‬وقيل‪ :‬هو ابن عم مارية‪ ،‬وفرسًا وهو اللزاز‪ ،‬وقدحًا من‬
‫خبِيثُ بِم ْلكِ ِه وَلَ بقَا َء ِل ُم ْلكِهِ))‪.‬‬
‫ن الْ َ‬
‫زجاج‪ ،‬وعسلً‪ ،‬فقال النبي صلى ال عليه وسلم‪(( :‬ضَ ّ‬
‫شمِر الغساني‬
‫وبعث شجاع بن وهب السدي إلى الحارث بن أبي َ‬
‫ن ال ْيهَمِ‪ .‬وقيل‪ :‬توجه لهما معاً‪.‬‬
‫ج َبلَ َة ب ِ‬
‫ملك البلقاء‪ ،‬قاله ابن إسحاق والواقدي‪ .‬قيل‪ :‬إنما توجه لِ َ‬
‫ل أعلم‪.‬‬
‫وقيل‪ :‬توجه لهرقل مع دِحية بن خليفة‪ ،‬وا ّ‬
‫(يتبع‪)...‬‬
‫@‬

‫ط بن عمرو إلى هَو َذ َة بن علي الحنفي باليمامة‪ ،‬فأكرمه‪ .‬وقيل‪ :‬بعثه إلى هوذة‬
‫سلِي َ‬
‫وبعث َ‬

‫سلِمْ هَوذة‪ ،‬وأسلم ثمامة بعد ذلك‪ ،‬فهؤلء الستة قيل‪ :‬هم الذين‬
‫وإلى ثُمامَة بنِ أثال الحنفي‪ ،‬فلم ي ْ‬
‫ل صلى ال عليه وسلم في يوم واحد‪.‬‬
‫بعثهم رسولُ ا ّ‬
‫جَلنْدَى‬
‫ل ابني ال ُ‬
‫وبعث عمرو بن العاص في ذي القعدة سنة ثمان إلى جعفر وعبد ا ّ‬
‫الزديين بعُمان‪ ،‬فأسلما‪ ،‬وصدقا‪ ،‬وخلّيا بين عمرو وبين الصدقة والحكم فيما بينهم‪ ،‬فلم يزل فيما‬
‫ل صلى ال عليه وسلم‪.‬‬
‫بينهم حتى بلغته وفاةُ رسول ا ّ‬
‫حضْرمي إلى المنذر بن سَاوَى العبدي ملك البحرين قبل‬
‫وبعث العلء بن ال َ‬
‫ج ْعرَانَةِ)) وقيل‪ :‬قبل الفتح فأسلم وصدق‪.‬‬
‫منصرفه من ((ال ِ‬
‫وبعث المهاجر بن أبي أمية المخزومي إلى الحارث بن عبد كلل‬
‫الحِميري باليمن‪ ،‬فقال‪ :‬سأنظر في أمري‪.‬‬

‫‪52‬‬

‫وبعث أبا موسى الشعري‪ ،‬ومعا َذ بن جبل إلى اليمن عند‬
‫انصرافه من تبوك‪ .‬وقيل‪ :‬بل سنة عشر من ربيع الول داعيين إلى الِسلم‪ ،‬فأسلم عامة أهلها‬
‫طوعًا من غير قتال‪.‬‬
‫ثم بعث بعد ذلك علي بن أبي طالب إليهم‪ ،‬ووافاه بمكة في حجة الوداع‪.‬‬
‫ل البَجَلي إلى ذي الكَلع الحِميري‪ ،‬وذي عمرو‪ ،‬يدعوهما إلى‬
‫وبعث جرير بن عبد ا ّ‬
‫الِسلم‪ ،‬فأسلما‪ ،‬وتوفي رسولُ الِّ صلى ال عليه وسلم‪ ،‬وجرير عندهم‪.‬‬
‫ضمْري إلى مسيلمَة الكذاب بكتاب‪ ،‬وكتب إليه بكتاب آخر مع‬
‫وبعث عمرو بن أمية ال ّ‬
‫السائب بن العوام أخي الزبير فلم يُسلم‪.‬‬
‫وبعث إلى فروة بن عمرو الجُذَامي يدعوه إلى الِسلم‪ .‬وقيل‪ :‬لم يبعث إليه‪ ،‬وكان فروة‬
‫ل لقيصر بمعان‪ ،‬فأسلم‪ ،‬وكتب إلى النبي صلى ال عليه وسلم بإسلمه‪ ،‬وبعث إليه هدية مع‬
‫عام ً‬
‫مسعود بن سعد‪ ،‬وهي بغلة شهباء يقال لها‪ :‬فضة‪ ،‬وفرس يقال لها‪ :‬الظّرب‪ ،‬وحمار يقال له‪:‬‬
‫ل أعلم ‪ -‬أن عفيراً ويعفور واحد‪ ،‬عفير تصغير يعفور‬
‫يعفور‪ ،‬كذا قاله جماعة‪ ،‬والظاهر ‪ -‬وا ّ‬
‫تصغير الترخيم‪.‬‬
‫خوّصٍ بالذهب‪ ،‬فقبل هديته‪ ،‬ووهب لمسعود بن سعد اثنتي‬
‫وبعث أثواباً و َقبَا ًء مِنْ سندس مُ َ‬
‫عشرة أوقية ونشاً‪ .‬وبعث عياش بن أبي ربيعة المخزومي بكتاب إلى الحارث‪ ،‬ومسروح‪ ،‬ونعيم‬
‫بني عبد كُلل من حمير‪.‬‬
‫فصل‬
‫في مؤذنيه صلى ال عليه وسلم‬
‫ل بن رباح‪ ،‬وهو أول من أذن لرسول الّ صلى ال عليه‬
‫وكانوا أربعة‪ :‬اثنان بالمدينة‪ :‬بل ُ‬
‫وسلم‪ ،‬وعمرُو بن أم مكتوم القرشي العامري العمى‪ ،‬وبقباء سعد القرظ مولى عمار بن ياسر‪،‬‬
‫وبمكّة أبو محذورة واسمه أوس بن مغيرة الجمحي‪ ،‬وكان أبو محذورة منهم يرجّع الذان‪ ،‬ويثنّي‬
‫ل مكّة بأذان أبي محذورة‪،‬‬
‫ل وأه ُ‬
‫الِقامة‪ ،‬وبلل ليرجّع‪ ،‬ويفرد الِقامة‪ ،‬فأخذ الشافعي رحمه ا ّ‬
‫ل العراق بأذان بلل‪ ،‬وإقامة أبي محذورة‪ ،‬وأخذ الِمام‬
‫ل وأه ُ‬
‫وإقامةِ بلل‪ ،‬وأخذ أبو حنيفة رحمه ا ّ‬
‫ل المدينة بأذان بلل وإقامته‪ ،‬وخالف مالك رحمه الّ في‬
‫ل وأهلُ الحديث وأه ُ‬
‫أحمد رحمه ا ّ‬
‫الموضعين‪ :‬إعادة التكبير‪ ،‬وتثنية لفظ الِقامة‪ ،‬فإنه ل يكررها‪.‬‬
‫فصل‬

‫‪53‬‬

‫في أمرائه صلى ال عليه وسلم‬
‫ل صلى ال عليه وسلم على أهل‬
‫منهم باذان بن ساسان‪ ،‬من ولد بهرام جور‪ ،‬أمّره رسول ا ّ‬
‫ل أمير في الِسلم على اليمن‪ ،‬وأولُ مَنْ أسلم من ملوك العجم‪.‬‬
‫اليمن كلّها بعد موت كسرى‪ ،‬فهو أو ُ‬
‫ل صلى ال عليه وسلم بعد موت باذان ابنه شهر بن باذان على صنعاء وأعمالها‪ .‬ثمّ‬
‫ثم أمّر رسولُ ا ّ‬
‫ل صلى ال عليه وسلم على صنعاء خالد بن سعيد بن ا لعاص‪.‬‬
‫ُقتِلَ شهر‪ ،‬فأمّر رسول ا ّ‬
‫ج َر بن أبي أمية المخزومي كِندَة والصّدِف‪،‬‬
‫لّ صلى ال عليه وسلم المها ِ‬
‫وولّى رسولُ ا ِ‬
‫سرْ إليها‪ ،‬فبعثه أبو بكر إلى قتال أناس من المرتدين‪.‬‬
‫ل صلى ال عليه وسلم ولم يَ ِ‬
‫فتوفي رسولُ ا ّ‬
‫وولّى زيا َد بن أمية النصاري حضرموت‪ .‬وولّى أبا موسى الشعري زبيدَ وعدن‬
‫جرَان‪ .‬وولّى ابنه يزيد‬
‫جنَد‪ .‬وولّى أبا سفيان صخر بن حرب نَ ْ‬
‫والساحل‪ .‬وولّى معاذ بن جبل ال َ‬
‫ن أَسِيد مكّة‪ ،‬وإقامة الموسم بالحج بالمسلمين سنة ثمان وله دون العشرين سنة‪.‬‬
‫ببَ‬
‫عتّا َ‬
‫تيماء‪ .‬وولّى َ‬
‫عمَان وأعمالها‪.‬‬
‫وولّى علي بن أبي طالب الخماس باليمن والقضاء بها‪ .‬وولّى عمرو بن العاص ُ‬
‫وولّى الصدقاتِ جماعة كثيرة‪ ،‬لنه كان لكل قبيلة والٍ يقبض صدقاتها‪ ،‬فمن هنا كثر عمالُ‬
‫الصدقات‪.‬‬
‫وولّى أبا بكر إقامةَ الحج سنة تسع‪ ،‬وبعث في َأ َث ِرهِ علياً يقرأ على الناس سورة (براءة)‬
‫فقيل‪ :‬لن أولها نزل بعد خروج أبي بكر إلى الحج‪ .‬وقيل‪ :‬بل لن عادة العرب كانت أنه ل يَحِلّ‬
‫ن أهل بيته‪ .‬وقيل‪ :‬أردفه به عوناً له ومساعداً‪ .‬ولهذا قال له‬
‫ل مِ ْ‬
‫العقودَ ويعقدها إل المطاعُ‪ ،‬أو رج ٌ‬
‫الصديق‪ :‬أمير أو مأمور؟ قال‪ :‬بل مأمور‪.‬‬
‫ل الرافضة‪ ،‬فيقولون‪ :‬عزله بعلي‪ ،‬وليس هذا ببدع من بهتهم وافترائهم‪،‬‬
‫وأمّا أعداء ا ّ‬
‫واختلف الناس‪ ،‬هل كانت هذه الحجةُ قد وقعت في شهر ذي الحجة‪ ،‬أو كانت في ذي القَعدة من‬
‫ل أعلم‪.‬‬
‫أجل النسيء؟ على قولين‪ ،‬وا ّ‬
‫فصل‬
‫في حرسه صلى ال عليه وسلم‬
‫فمنهم سع ُد بن معاذ‪ ،‬حرسه يومَ بدر حين نام في العريش‪ ،‬ومحمد بن مسلمة حرسه يوم‬
‫أُحد‪ ،‬والزبير بن العوام حرسه يوم الخندق‪ .‬ومنهم عبّاد بن بشر‪ ،‬وهو الذي كان على حرسه‪،‬‬
‫ن النّاس} [المائدة‪:‬‬
‫ص ُمكَ مِ َ‬
‫ل َي ْع ِ‬
‫وحرسه جماعة آخرون غير هؤلء‪ ،‬فلما نزل قوله تعالى‪{ :‬وَا ّ‬
‫‪ ]67‬خرج على الناس فأخبرهم بها‪ ،‬وصرف الحرس‪.‬‬

‫‪54‬‬

‫فصل‬
‫فيمن كان يضرب العناق بين يديه صلى ال عليه وسلم‬
‫علي بن أبي طالب‪ ،‬والزبير بن العوام‪ ،‬والمقداد بن عمرو‪ ،‬ومحمد بن مسلمة‪ ،‬وعاصم بن‬
‫ثابت بن أبي القلح‪ ،‬والضحاك بن سفيان الكِلبي‪ ،‬وكان قيس بن سعد بن عبادة النصاري منه‬
‫شرَطَةِ من المير ووقف المغيرةُ بن شعبة على رأسه‬
‫صلى ال عليه وسلم بمنزلة صاحب ال ّ‬
‫بالسيف يوم الحُديبيَةِ‪.‬‬
‫فصل‬
‫فيمن كان على نفقاته وخاتمه ونعله وسواكه ومن كان يأذن عليه‬
‫كان بلل على نفقاته‪ ،‬ومعيقيب بن أبي فاطمة الدّوسي على خاتمه‪ ،‬وابنُ مسعود على‬
‫سواكه ونعله‪ ،‬وأذن عليه رباح السود وأنسة مولياه‪ ،‬وأنس بن مالك‪ ،‬وأبو موسى الشعري‪.‬‬
‫فصل‬
‫في شعرائه وخطبائه‬
‫ب بن مالك‪ ،‬وعبدُ الّ بن رواحة‪ ،‬وحسّان بن‬
‫كان من شعرائه الذين يَذبّون عن الِسلم‪ :‬كع ُ‬
‫ن بن ثابت وكعبُ بن مالك يُعيّرهم بالكفر والشرك‪ ،‬وكان‬
‫ثابت‪ ،‬وكان أشدّهم على الكفار حسا ُ‬
‫خطيبَه ثابت بن قيس بن شمّاس‪.‬‬
‫فصل‬
‫في حُداته الذين كانوا يحدون بين يديه صلى ال عليه وسلم في السفر‬
‫منهم عبدُ الّ بن رواحة‪ ،‬وأنجشة‪ ،‬وعامر بن الكوع وعمه سلمة بن الكوع‪ .‬وفي‬
‫ل لَ ُه رَسُولُ ال‬
‫ن الصّ ْوتِ‪ ،‬فَقَا َ‬
‫ل صلى ال عليه وسلم حَادٍ حَسَ ُ‬
‫((صحيح مسلم))‪ :‬كان لرسول ا ّ‬
‫س ِر ال َقوَارِيرَ))‪ .‬يعني ضعفة النساء‪.‬‬
‫ل تكْ ِ‬
‫صلى ال عليه وسلم‪ُ (( :‬ر َويْدًا يَا أنْجشَةُ‪َ ،‬‬
‫فصل‬
‫في غزواته وبعوثه وسراياه صلى ال عليه وسلم‬
‫غزواتُه كلها وبعوثه وسراياه كانت بعد الهجرة في مدة عشر سنين‪ ،‬فالغزواتُ سبع‬
‫وعشرون‪ ،‬وقيل‪ :‬خمس وعشرون‪ ،‬وقيل‪ :‬تسع وعشرون وقيل غير ذلك‪ ،‬قاتل منها في تسع‪ :‬بدر‪،‬‬
‫وأُحد‪ ،‬والخندق‪ ،‬وقريظة‪ ،‬والمصطلق‪ ،‬وخيبر‪ ،‬والفتح‪ ،‬وحنين‪ ،‬والطائف‪ .‬وقيل‪ :‬قاتل في بني‬
‫النضير والغابة ووادي القُرى من أعمال خيبر‪.‬‬

‫‪55‬‬

‫وأمّا سراياه وبعوثه‪ ،‬فقريب من ستين‪ ،‬والغزوات الكبار المهات سبع‪ :‬بدر‪ ،‬وأُحد‪،‬‬
‫والخندق‪ ،‬وخيبر‪ ،‬والفتح‪ ،‬وحنين‪ ،‬وتبوك‪ .‬وفي شأن هذه الغزوات نزل القران‪ ،‬فسورة (النفال )‬
‫ك ُت َبوّىء ا ْل ُم ْؤ ِمنِينَ‬
‫ت مِنْ أَ ْهِل َ‬
‫سورة بدر‪ ،‬وفي أُحُد آخر سورة (آل عمران ) من قوله‪َ { :‬وإِذْ غَ َد ْو َ‬
‫مَقَاعِ َد ِللْ ِقتَالِ} [آل عمران‪ ]121 :‬إلى قبيل آخرها بيسير‪ ،‬وفي قصة الخندق‪ ،‬وقريظة‪ ،‬وخيبر‬
‫صدر (سورة الحزاب)‪ ،‬وسورة (الحشر) في بني النضير‪ ،‬وفي قصة الحديبية وخيبر سورة‬
‫(الفتح ) وأشير فيها إلى الفتح‪ ،‬وذكر الفتح صريحًا في سورة (النصر)‪.‬‬
‫وجرح منها صلى ال عليه وسلم في غزوة واحدة وهي أحد‪ ،‬وقاتلت معه الملئكة منها في‬
‫ت المشركين وهزمتهم‪ ،‬ورمى فيها الحصباءَ في‬
‫بدر وحنين‪ ،‬ونزلت الملئكة يوم الخندق‪ ،‬فزلزل ِ‬
‫وجوه المشركين فهربوا‪ ،‬وكان الفتحُ في غزوتين‪ :‬بدر‪ ،‬وحنين‪ .‬وقاتل بالمنجنيق منها في غزوة‬
‫واحدة‪ ،‬وهي الطائف‪ ،‬وتحصّن في الخندق في واحدة‪ ،‬وهي الحزاب أشار به عليه سلمان‬
‫ل عنه‪.‬‬
‫الفارسي رضي ا ّ‬
‫فصل‬
‫في ذكر سلحه وأثاثه صلى ال عليه وسلم‬
‫كان له تسعة أسياف‪:‬‬
‫مأثور‪ ،‬وهو أول سيف ملكه‪ ،‬ورثه من أبيه‪.‬‬
‫والعضْب‪ ،‬وذو الفِقار‪ ،‬بكسر الفاء‪ ،‬وبفتح الفاء‪ ،‬وكان ل يكا ُد يُفارقه‪ ،‬وكانت قائمته وقبيعتُه‬
‫وحلقتُه وذؤابته وبكراتُه ونعلُه مِنْ فضة‪ .‬والقلعي‪ ،‬والبتار‪ ،‬والحتف‪ ،‬والرّسوب‪ ،‬والمِخْذَم‪،‬‬
‫والقضيب‪ ،‬وكان نعلُ سيفه فضةً‪ ،‬وما بين ذلك حلق فضة‪.‬‬
‫وكان سيفه ذو الفِقار تنفّله يوم بدر‪ ،‬وهو الذي أُري فيها الرؤيا‪ ،‬ودخل‪ .‬يوم الفتح مكة‬
‫وعلى سيفه ذهب وفضة‪.‬‬
‫وكان له سبعة أدرع‪:‬‬
‫ذات الفضول‪ :‬وهي التي رهنها عند أبي الشحم اليهودي على شعير لعياله‪ ،‬وكان ثلثين‬
‫ع مِن حديد‪.‬‬
‫صاعاً‪ ،‬وكان ال ّديْن إلى سنة‪ ،‬وكانت الدّر ُ‬
‫خرْنق‬
‫وذات الوِشاح‪ ،‬وذات الحواشي‪ ،‬والسعدية‪ ،‬وفضة‪ ،‬والبتراء وال ِ‬
‫س َرتْ يوم‬
‫وكانت له ستّ قِسيّ‪ :‬ا لزوراء‪ ،‬والرّوحاء‪ ،‬والصفراء‪ ،‬والبيضاء‪ ،‬والكَتوم‪ ،‬كُ ِ‬
‫أحد‪ ،‬فأخذها قتادة بن النعمان‪ ،‬والسّداد‪.‬‬

‫‪56‬‬

‫ج ْعبَة تدعى‪ :‬الكافور‪َ ،‬و ِمنْطَقَة من أديم منشور فيها ثلث حلق من فضة‪ ،‬والِبزيم‬
‫وكانت له َ‬
‫من فضة‪ ،‬والطرف من فضة‪ ،‬وكذا قال بعضهم‪ ،‬وقال شيخ الِسلم ابن تيمية‪ :‬لم يبلغنا أن النبي‬
‫صلى ال عليه وسلم ش ّد على وسطه منطقة‪.‬‬
‫وكان له ترس يقال له‪ :‬الزّنوق‪ ،‬وترس يقال له‪ :‬الفتَق‪ .‬قيل وترس أهدى إليه‪ ،‬فيه صورةُ‬
‫ل ذلك التمثال‪.‬‬
‫تمثال‪ ،‬فوضع يده عليه‪ ،‬فأذهب ا ّ‬
‫وكانت له خمسة أرماح‪ ،‬يقال لحدهم‪ :‬ال ُم ْثوِي‪ ،‬والخر‪ :‬ال ُم ْثنِي‪ ،‬وحربة يقال لها‪ :‬النبعة‪،‬‬
‫وأخرى كبيرة تدعى‪ :‬البيضاء‪ ،‬وأخرى صغيرة شبه العكاز يقال لها‪ :‬ال َع َنزَة يمشي بها بين يديه في‬
‫العياد‪ ،‬تركز أمامَه‪ ،‬فيتخذها سترة يُصلي إليها‪ ،‬وكان يمشى بها أحياناً‪.‬‬
‫شبَ ٍه َومِغفَر آخر يقال له‪ :‬السبوغ‪ ،‬أو‪ :‬ذو‬
‫وكان له ِمغْفَر من حديد يقال له‪ :‬الموشّح‪ ،‬وشح بِ َ‬
‫السبوغ‪.‬‬
‫وكان له ثلث جِباب يلبسها في الحرب‪ .‬قيل فيها‪ :‬جبة سندسٍ أخضر‪ ،‬والمعروف أن عروة‬
‫بن الزبير كان له يلمق من ديباج‪ ،‬بطانته سندس أخضر يلبسه في الحرب‪ ،‬والِمام أحمد في إحدى‬
‫ج ّو ُز لبس الحرير في الحرب‪.‬‬
‫روايتيه يُ َ‬
‫وكانت له راية سوداء يقال لها‪ :‬العُقاب‪ .‬وفي ((سنن أبي داود)) عن رجل من الصحابة‬
‫ل صلى ال عليه وسلم صفراء‪ ،‬وكانت له ألوية بيضاء‪ ،‬وربما جعل فجها‬
‫قال‪ :‬رأيتُ راية رسول ا ّ‬
‫السود‪.‬‬
‫وكان له فُسطاط يسمى‪ :‬الكن‪ ،‬ومِحجَن قدر ذراع أو أطول يمشي به ويركب به‪ ،‬ويُعلقه بين‬
‫خصَرة تسمى‪ :‬العرجون‪ ،‬وقضيب من الشوحط يسمى‪ :‬الممشوق‪ .‬قيل‪ :‬وهو‬
‫يديه على بعيره‪َ ،‬ومِ ْ‬
‫الذي كان يتداوله الخلفاء‪.‬‬
‫وكان له قدح يسمى‪ :‬الرّيان‪ ،‬ويسمى مغنياً‪ ،‬وقدح آخر مضبب بسلسلة من فضة‪.‬‬
‫وكان له قدح من قوارير‪ ،‬وقدح مِن عِيدان يوضع تحت سريره يبول فيه بالليل‪ ،‬ورَكوة‬
‫تسمى‪ :‬الصادر‪ ،‬قيل‪ :‬و َتوْر من حجارة يتوضأ منه‪ ،‬ومِخْضب من شبَهٍ‪ ،‬وقعب يسمى‪ :‬السعة‪،‬‬
‫ومغتسل من صُفْر‪ ،‬ومُدهُن‪ ،‬و َربْعة يجعل فيه المراَة والمشط‪ .‬قيل‪ :‬وكان المُشط من عاج‪ ،‬وهو‬
‫ال ّذبْلُ‪ ،‬ومكحلة يكتحِل منها عند النوم ثلثاً في كل عين بالِثمد‪ ،‬وكان في الربعة المقراضان‬
‫والسواك‪.‬‬

‫‪57‬‬

‫وكانت له قصعة تُسمى‪ :‬الغراء‪ ،‬لها أربع حلق‪ ،‬يحملها أربعة رجال بينهم‪ ،‬وصاع‪ ،‬ومد‪،‬‬
‫وقطيفة‪ ،‬وسرير قوائمه من ساج‪ ،‬أهداه له أسعد بن زرارة‪ ،‬وفراش من أدَمٍ حشوه ليف‪.‬‬
‫وهذه الجملة قد رويت متفرقة في أحاديث‪.‬‬
‫وقد روى الطبراني في ((معجمه)) حديثاً جامعاً في النية من حديث ابن عباس قال‪ :‬كان‬
‫لرسول الّ صلى ال عليه وسلم سيفٌ قائمته من فضة‪ ،‬وقبيعتُه من فضة‪ ،‬وكان يسمى‪ :‬ذا الفِقار‪،‬‬
‫وكانت له قوس تسمى‪ :‬السداد‪ ،‬وكانت له كِنانة تسمى‪ :‬الجمع‪ ،‬وكانت له درع موشحة بالنحاس‬
‫تسمى‪ :‬ذات الفُضول‪ ،‬وكانت له حربه تسمى‪ :‬النبعاء‪ ،‬وكان له مِحجن يسمى‪ :‬الدقن‪ ،‬وكان له ترس‬
‫سكْب‪ ،‬وكان له سرج يسمى‪ :‬الداج‪ ،‬وكانت له‬
‫أبيض يسمى‪ :‬الموجز‪ ،‬وكان له فرس أدهم يسمى‪ :‬ال ّ‬
‫بغلة شهباء تسمى‪ :‬دُلدُل‪ ،‬وكانت له ناقة تسمى‪ :‬القصواء‪ ،‬وكان حمار يسمى‪ :‬يعفور‪ ،‬وكان له‬
‫بساط يسمى‪ .‬الكن‪ ،‬وكانت له عنزة تسمى‪ :‬القمرة‪ ،‬وكانت له رَكوة تسمى‪ :‬الصادرة‪ ،‬وكان له‬
‫مقراض اسمه‪ :‬الجامع‪ ،‬ومرآة وقضيب شوحط يسمى‪ :‬الموت‪.‬‬
‫فصل‬
‫في دوابه صلى ال عليه وسلم‬
‫سكْب‪ .‬قيل‪ :‬وهو أول فرس ملكه‪ ،‬وكان اسمه عند العرابي الذي اشتراه منه‬
‫فمن الخيل‪ :‬ال ّ‬
‫بعشر أواقٍ‪ :‬الضرس‪ ،‬وكان أغرّ محجّلً‪ ،‬طلَقَ اليمين كُميتاً‪ .‬وقيل‪ :‬كان أدهم‪.‬‬
‫والمُ ْرتَجز‪ ،‬وكان أشهب‪ ،‬وهو الذي شهد فيه خزيمة بن ثابت‪.‬‬
‫سبْحَة‪ ،‬وَال َورْدُ‪ .‬فهذه سبعة متفق عليها جمعها الِمام أبو عبد‬
‫ظرِب‪ ،‬وَ َ‬
‫ح ْيفُ‪ ،‬وَالّلزَازُ‪ ،‬وَال ّ‬
‫وَاللّ َ‬
‫الّ محمد بن إسحاق بن جماعة الشافعي في بيت فقال‪:‬‬
‫ب‬
‫ظ ِر ٌ‬
‫سبْحَة َ‬
‫ح ْيفٌ َ‬
‫ب لُ َ‬
‫س ْك ٌ‬
‫خيْلُ َ‬
‫وال َ‬

‫ج ٌز َورْدٌ لهَا أسْـرَارُ‬
‫لِـزَازُ ُم ْرتَ َ‬

‫أخبرني بذلك عنه ولده الِمام عز الدين عبد العزيز أبو عمرو‪ ،‬أعزه الّ بطاعته‪.‬‬
‫وقيل‪ :‬كانت له أفراس أخر خمسة عشر‪ ،‬ولكن مختلف فيها‪ ،‬وكان دفتا سرجه من ليف‪.‬‬
‫وكان له من البغال ُدلْدُل‪ ،‬وكانت شهباء‪ ،‬أهداها له المقوقِس‪ .‬وبغلة أخرى‪ .‬يقال لها‪:‬‬
‫ب أيلة‪ ،‬وأخرى أهداها له صاحب‬
‫((فضة))‪ .‬أهداها له فروة الجذامي‪ ،‬وبغلة شهباء أهداها له صاح ُ‬
‫دومة الجندل‪ ،‬وقد قيل‪ :‬إن النَجاشى أهدى له بغلة فكان يركبها‪.‬‬
‫ومن الحمير غفير‪ ،‬وكان أشهب‪ ،‬أهداه له المقوقِس ملك القبط‪ ،‬وحمار آخر أهداه له فروة‬
‫الجذامي‪ .‬وذكر أن سعد بن عبادة أعطى النبي صلى ال عليه وسلم حماراً فركبه‪.‬‬

‫‪58‬‬

‫ومن الِبل القصواء‪ ،‬قيل‪ :‬وهي التي هاجر عليها‪ ،‬والعضباء‪ ،‬والجدعاء‪ ،‬ولم يكن بهما‬
‫سمّيتا بذلك‪ ،‬وقيل‪ :‬كان بأذنها عضب‪ ،‬فسميت به‪ ،‬وهل العضباء والجدعاء‬
‫عضب ول جدع‪ ،‬وإنما ُ‬
‫واحدة‪ ،‬أو اثنتان؟ فيه خلف‪ ،‬والعضباء هى التي كانت ل تُسبق‪ ،‬ثم جاء أعرابي على قَعود‬
‫لّ أَل َيرْفَعَ‬
‫علَى ا ِ‬
‫ل صلى ال عليه وسلم‪(( :‬إنّ حَقّا َ‬
‫فسبقها‪ ،‬فشق ذلك على المسلمين‪ ،‬فقال رسول ا ّ‬
‫ل َم ْه ِريّا لبي جهل في أنفه ُب َرةّ‬
‫ل وَضعَهُ)) وغنِم صلى ال عليه وسلم يوم بدر جم ً‬
‫شيْئاً إ ّ‬
‫مِنَ ال ّد ْنيَا َ‬
‫مِنْ فضة‪ ،‬فأهداه يوم الحديبية ليغيظ به المشركين‬
‫(يتبع‪)...‬‬
‫س وأربعون لِقحَة‪ ،‬وكانت له َم ْه ِريّةٌ أرسل بها إليه سعد بن عبادة من َنعَم‬
‫وكانت له خم ٌ‬

‫@‬
‫بني عقيل‪.‬‬

‫وكانت له مائة شاة وكان ل يُريد أن تزيد‪ ،‬كلما ولّد له الراعي بهمة‪ ،‬ذبح مكانها شاة‪،‬‬
‫وكانت له سب ُع أعنز منَائحَ ترعاهن أ ّم أيمن‪.‬‬
‫فصل‬
‫في ملبسه صلى ال عليه وسلم‬
‫كانت له عمامة تُسمى‪ :‬السحاب‪ ،‬كساها علياً‪ ،‬وكان يلبَسُها وي ْلبَسُ تحتها ال َقلَنسُوة‪ .‬وكان‬
‫س العِمامة بغير قلنسُوة‪ .‬وكان إذا اعتم‪ ،‬أرخى عِمامته بين كتفيه‪،‬‬
‫يلبَس القلنسُوة بغير عمامة‪ ،‬ويلبَ ُ‬
‫لّ صلى ال عليه وسلم‬
‫كما رواه مسلم في ((صحيحه)) عن عمرو بن حريث قال‪(( :‬رأيتُ رسولَ ا ِ‬
‫ن َكتِ َفيْهِ))‪.‬‬
‫سوْدَاءُ قَدْ أرخَى طَرفَيهَا بي َ‬
‫عمَامَة َ‬
‫علَيهِ ِ‬
‫على المنبرِ وَ َ‬
‫ل َمكّة‬
‫ل صلى ال عليه وسلم ((دَخَ َ‬
‫وفي مسلم أيضاً‪ ،‬عن جابر بن عبد الّ‪ ،‬أن رسول ا ّ‬
‫عَليْهِ عمَامَةٌ سَودَاء))‪ .‬ولم يذكر في حديث جابر‪ :‬ذؤابة‪ ،‬فدل على أن الذؤابة لم يكن يرخيها دائماً‬
‫وَ َ‬
‫بين كتفيه‪ .‬وقد يقال‪ :‬إنه دخل مكة وعليه أهب ُة القتال والمِغفَ ُر على رأسه‪ ،‬فلبسَ في كل مَوطِنٍ ما‬
‫يُناسبه‪.‬‬
‫وكان شيخنا أبو العباس ابن تيمية قدّس الّ روحه في الجنّة‪ ،‬يذكر في سبب الذّؤابة شيئاً‬
‫بديعاً‪ ،‬وهو أن النبي صلى ال عليه وسلم إنما اتخذها صبيحة المنام الذي رآه في المدينة‪ ،‬لما رأى‬
‫ل أَ ْدرِي‪ ،‬فَوضع يَ َدهُ َبيْن‬
‫خ َتصِمُ المَلُ الَعلَى؟ ُق ْلتُ‪َ :‬‬
‫حمّدُ فِي َم يَ ْ‬
‫ربّ العزّة تبارك وتعالى‪ ،‬فقال‪(( :‬يَا مُ َ‬
‫سمَا ِء وَالرْض الحديث))‪ ،‬وهو في الترمذي‪ ،‬وسئل عنه البخاري‪ ،‬فقال‬
‫ن ال ّ‬
‫َكتِ َفيّ َف َعِلمْت مَا َبيْ َ‬
‫صحيح‪ .‬قال‪ :‬فمن تلك الحال أرخى الذؤابة بين كتفيه‪ ،‬وهذا مِن العلم الذي تنكره ألسنةُ الجهال‬

‫‪59‬‬

‫ب الثياب إليه‪ ،‬وكان‬
‫وقلوبُهم‪ ،‬ولم أرَ هذه الفائدة في إثبات الذؤابة لغيره‪ .‬ولبس القميص وكان أح ّ‬
‫جبّ َة والفَروج وهو شبه القَباء‪ ،‬والفرجية‪ ،‬ولبس القَباء أيضاً‪ ،‬ولبس في‬
‫ُكمّه إلى الرّسُغ‪ ،‬ولبس ال ُ‬
‫ضيّقَ َة ال ُكمّين‪ ،‬ولبس الِزار والرداء‪ .‬قال الواقدي‪ :‬كان رداؤه وبرده طولَ ستة أذرع‬
‫السفر جُبة َ‬
‫في ثلثة وشبر‪ ،‬وإزاره من نسج عُمان طول أربعة أذرع وشبر في عرض ذراعين وشبر‪.‬‬
‫ولبس حُلة حمراء‪ ،‬والحلة‪ :‬إزار ورداء‪ ،‬ول تكون الحُلة إل اسمًا للثوبين معاً‪،‬‬
‫وغلط من ظن أنها كانت حمراء بحتاً ل يُخالطها غيره‪ ،‬وإنما الحل ُة الحمراء‪ :‬بردان يمانيان‬
‫منسوجان بخطوط حمر مع السود‪ ،‬كسائر البرود اليمنية‪ ،‬وهي معروفة بهذا السم باعتبار ما فيها‬
‫من الخطوط الحمر‪ ،‬وإل فالحمر البحتُ منهي عنه أشد النهي‪ ،‬ففي ((صحيح البخاري)) أن النبي‬
‫ل بن عمرو أن النبي‬
‫صلى ال عليه وسلم نهى عن المياثر الحمر وفي ((سنن أبي داود)) عن عبد ا ّ‬
‫ضرّجَة بال ُعصْ ُفرِ‪ ،‬فَقَالَ‪(( :‬مَا ه ِذ ِه ال ّريْطَةُ الّتي عَل ْيكَ؟))‬
‫صلى ال عليه وسلم رأى عليه َريْطَةً ُم َ‬
‫عبْدَ‬
‫ن الغَدِ‪ ،‬فَقَالَ‪(( :‬يَا َ‬
‫جرُونَ َتنّورًا لَهم‪ ،‬فقذفتها فيه‪ ،‬ثُ ّم َأ َت ْيتُهُ مِ َ‬
‫ف َعرَفت مَا َكرِه فََأ َت ْيتُ أهْلي وَهُ ْم يَسْ ُ‬
‫ل َب ْأسَ ِبهَا لِلنّسَاءِ))‪ .‬وفي‬
‫ض أَ ْهِلكَ‪ ،‬فَِإنّهُ َ‬
‫س ْو َتهَا َب ْع َ‬
‫خ َب ْرتُهُ‪ ،‬فَقَالَ‪(( :‬هَلّ كَ َ‬
‫ت ال ّريْطَةُ؟)) فَأَ ْ‬
‫لّ مَا َفعَل ِ‬
‫ا ِ‬
‫((صحيح مسلم)) عنه أيضاً‪ ،‬قال‪ :‬رأى النبي صلى ال عليه وسلم ثوبين معصفرين‪ .‬فقال‪(( :‬إنّ‬
‫ل عنه قال‪َ (( :‬نهَى‬
‫ن علي رضي ا ّ‬
‫سهَا)) وفي ((صحيحه)) أيضاً عَ ْ‬
‫ل تلبَ ْ‬
‫س الكُفَارِ فَ َ‬
‫ه ِذ ِه مِنْ ِلبَا ِ‬
‫س ال ُم َعصْفَرِ))‪ .‬ومعلوم أن ذلك إنما يصبغ صبغاً أحمر‪ .‬وفي‬
‫ال ّن ِبيّ صلى ال عليه وسلم عَنِ ِلبَا ِ‬
‫بعض ((السنن)) أنهم كانوا مع النبي صلى ال عليه وسلم في سفر‪ ،‬فرأى على رواحلهم أكسيةً فيها‬
‫لّ صلى ال عليه‬
‫ل رَسُولِ ا ِ‬
‫سرَاعاً لِ َقوْ ِ‬
‫عَل ْتكُمْ‪ ،‬فَ ُق ْمنَا ِ‬
‫ح ْم َرةَ قَدْ َ‬
‫ل أَرى ه ِذهِ ال ُ‬
‫خطوطٌ حمراء‪ ،‬فقال‪(( :‬آ َ‬
‫ع ْنهَا))‪ .‬رواه أبو داود‪.‬‬
‫عنَاهَا َ‬
‫ستً َف َنزَ ْ‬
‫لكْ ِ‬
‫ض ِإبِلنَا‪ ،‬فََأخَ ْذنَا ا َ‬
‫حتّى نَ َف َر َبعْ ُ‬
‫وسلم‪َ ،‬‬
‫وفي جواز لبس الحمر من الثياب والجوخ وغيرها نظر‪ .‬وأما كراهته‪ ،‬فشديدة جداً‪ ،‬فكيف‬
‫يُظن بالنبي صلى ال عليه وسلم أنه لبس الحمر القاني‪ ،‬كل لقد أعاذه الُّ منه‪ ،‬وإنما وقعت الشبهةُ‬
‫ل أعلم‪.‬‬
‫مِن لفظ الحلة الحمراء‪ ،‬وا ّ‬
‫ولبس الخميصة ال ُم ْعَلمَةَ والسا َذجَة‪ ،‬ولبس ثوباً أسود‪ ،‬ولبس الفَروة المكفوفة بالسندس‪.‬‬
‫وروى الِمام أحمد‪ ،‬وأبو داود بإسنادهما عن أنس بن مالك ((أن ملك الروم أهدى للنبي‬
‫سنْ ُدسٍ‪ ،‬فلبسها‪ ،‬فَكَأنّي أنظرُ إلى يَ َديْه تَ َذبْذَبانِ))‪ .‬قال الصمعي‪:‬‬
‫ستَقَ ًة مِنْ ُ‬
‫صلى ال عليه وسلم مُ ْ‬
‫المساتق فراء طوال الكمام‪ .‬قال الخطابي‪ :‬يشبه أن تكون هذه المستقة مكففة بالسندس‪ ،‬لن نفس‬
‫الفروة ل تكون سندسا‪.‬‬

‫‪60‬‬

‫فصل‬
‫واشترى سراويل والظاهر أنه إنما اشتراها ليلبَسها‪ ،‬وقد روي في غير حديث أنه لبس‬
‫السراويل‪ ،‬وكانوا يلبسون السراويلت بإذنه‪.‬‬
‫ولبس الخفين‪ ،‬ولبس النعل الذي يسمى التّاسُومة‪.‬‬
‫ولبس الخاتم‪ ،‬واختلفت الحاديث هل كان في يمناه أو يُسراه‪ ،‬وكلها صحيحة السند‪.‬‬
‫ولبس البيضة التي تسمى‪ :‬الخوذة‪ ،‬ولبس الدرع التي تسمى‪ :‬الزردية‪ ،‬وظاهر يومَ أُحد بين‬
‫الدرعين‪.‬‬
‫وفي ((صحيح مسلم)) عن أسماء بنت أبي بكر قالت‪ :‬هذه جبة رسول ال صلى ال عليه‬
‫وسلم‪ ،‬فأخرجت جبةَ طيالِسة كَسِروانية لها لبنةُ دِيباج‪ .‬وفرجاها مكفوفان بالديباج‪ ،‬فقالت‪ :‬ه ِذهِ‬
‫كانت عند عائشة حتى ُق ِبضَت‪ ،‬فلما قبضت قبضتُها‪ ،‬وكان النبي صلى ال عليه وسلم يلبَسُها‪ ،‬فنحنُ‬
‫ستَشفى بها‪.‬‬
‫َنغْسلهَا للمرضى ت ْ‬
‫وكان له بردان أخضران‪ ،‬وكِساء أسود‪ ،‬وكساء أحمر ملبد‪ ،‬وكساء من شعر‪.‬‬
‫وكان قميصه من قطن‪ ،‬وكان قصيرَ الطول‪ ،‬قصيرَ ال ُكمّين‪ ،‬وأما هذه الكمام الواسعة‬
‫الطّوال التي هي كالخراج‪ ،‬فلم يلبسها هو ول أحد من أصحابه البتة‪ ،‬وهي مخالفة لسنته‪ ،‬وفي‬
‫جوازها نظر‪ ،‬فإنها من جنس الخيلء‪.‬‬
‫ح َب َرةُ‪ ،‬وهي ضرب من البرود فيه حمرة‪.‬‬
‫وكان أحبّ الثياب إليه القميصُ وال ِ‬
‫خ ْي ِر ِثيَابكُمْ‪ ،‬فَالبسوها‪َ ،‬وكَ ّفنُوا فِيهَا‬
‫وكان أحبّ اللوان إليه البياضُ‪ ،‬وقال‪(( :‬هي مِنْ َ‬
‫ض روح‬
‫َم ْوتَاكمْ)) وفي ((الصحيح)) عن عائشة أنها أخرجت كِسا ًء ملبّدا وإزاراَ غليظاً فقالت‪ُ :‬قبِ َ‬
‫ل صلى ال عليه وسلم في هذين‪.‬‬
‫رَسولِ ا ِ‬
‫ولبس خاتماً من ذهب‪ ،‬ثم رمى به‪ ،‬ونهى عن التختم بالذهب‪ ،‬ثم اتخذ خاتمًا من فضة‪ ،‬ولم‬
‫ينه عنه‪ .‬وأما حديث أبي دَاود أن النبي صلى ال عليه وسلم نهى عن أشياء‪ ،‬وذكر منها‪ :‬ونهى عن‬
‫لبوس الخاتم إل لذي سلطان‪ ،‬فل أدري ما حال الحديث‪ ،‬ول وجهه‪ ،‬وال أعلم‪.‬‬
‫وكان يجعل فص خاتمه مما يلي باطن كفه‪ .‬وذكر الترمذي أنه كان إذا دخل الخلء نزع‬
‫خاتمه‪ ،‬وصححه‪ ،‬وأنكره أبو داود‪.‬‬
‫وأما الطيلسان‪ ،‬فلم ينقل عنه أنه لبسه‪ ،‬ول أحدٌ من أصحابه‪ ،‬بل قد ثبت في‬
‫((صحيح مسلم)) من حديث أنس بن مالك عن النبي صلى ال عليه وسلم أنه ذكر الدّجّال فقال‪:‬‬

‫‪61‬‬

‫عَل ْيهِ ُم الطّيالِسَةُ))‪ .‬ورأى أنس جماعة عليهم الطيالسة‪،‬‬
‫ص ِبهَانَ َ‬
‫ن َيهُو ِد َأ ْ‬
‫ن َألْفاً مِ ْ‬
‫س ْبعُو َ‬
‫خرُجُ َمعَهُ َ‬
‫((ي ْ‬
‫فقال‪ :‬ما أشبَههُم بيهود خيبر‪ .‬ومن ها هنا كره لبسها جماعة من السلف والخلف‪ ،‬لما روى أبو‬
‫شبّهَ‬
‫داود‪ ،‬والحاكم في ((المستدرك)) عن ابن عمر‪ ،‬عن النبي صلى ال عليه وسلم أنه قال‪(( :‬مَنْ تَ َ‬
‫غ ْي ِرنَا)) وأما‬
‫شبّ َه بِ َقوْمٍ َ‬
‫بِ َقوْمٍ َف ُهوَ ِم ْنهُمْ))‪ .‬وفي الترمذي عنه صلى ال عليه وسلم‪َ(( :‬ل ْيسَ ِمنّا مَنْ تَ َ‬
‫جرَة‪ ،‬فَإنما‬
‫ما جاء في حديث الهجرة أن النبي صلى ال عليه وسلم جاء إلى أبي بكر ُمتَ َقنّعاً بالهَا ِ‬
‫ي صلى ال عليه وسلم تلك الساعة ليختفي بذلك‪ ،‬ففعلهُ للحاجة‪ ،‬ولم تكن عادتُه التقنعَ‪ ،‬وقد‬
‫فعله النب ّ‬
‫ذكر أنس عنه صلى ال عليه وسلم أنه كان يُكثر ال ِقنَاعَ‪ ،‬وهذا إنما كان يفعله‪ -‬وال أعلم‪ -‬للحاجة‬
‫من الحر ونحوه‪ ،‬وأيضاً ليس التقنع من التطيلس‪.‬‬
‫فصل‬
‫ج من الصوف‬
‫ج مِن القطن‪ ،‬وربما لبسوا ما نُسِ َ‬
‫وكان غالبُ ما يلبس هو وأصحابُه ما نُسِ َ‬
‫ص ْلتُ‬
‫والكتّان‪ ،‬وذكر الشيخ أبو إسحاق الصبهاني بإسناد صحيح عن جابر بن أيوب قال‪ :‬دخل ال ّ‬
‫بن راشد على محمد بن سيرين وعليه جُبة صوف‪ ،‬وإزارُ صوف‪ ،‬وعِمامة صوف‪ ،‬فاشمأ ّز منه‬
‫محمد‪ ،‬وقال‪ :‬أظن أن أقوامًا يلبسون الصوف ويقولون‪ :‬قد لبسه عيسى بن مريم‪ ،‬وقد حدثني من ل‬
‫ق أن ُت ّتبَعَ‪.‬‬
‫سنّةُ نبينا أح ّ‬
‫أتهم أن النبي صلى ال عليه وسلم قد لبس الكتان والصوف والقطن‪ ،‬و ُ‬
‫ل من غيره‪ ،‬فيتحرّونه‬
‫ومقصود ابن سيرين بهذا أن أقوامًا يرون أن لبس الصوف دائماً أفض ُ‬
‫ويمنعون أنفسهم من غيره‪ ،‬وكذلك يتحرَون زِياً واحداً من الملبس‪ ،‬ويتحرّون رسومًا وأوضاعاً‬
‫وهيئات يرون الخروج عنها منكراً‪ ،‬وليس المنكرُ إل التقيد بها‪ ،‬والمحافظة عليها‪ ،‬وترك الخروج‬
‫عنها‪.‬‬
‫والصواب أن أفضل الطرق طريقُ رسول ال صلى ال عليه وسلم التي سنها‪ ،‬وأمر‬
‫ن اللباس‪ ،‬من‬
‫بِها‪ ،‬ورغّب فيها‪ ،‬وداوم عليها‪ ،‬وهي أن هديَه في اللباس‪ :‬أن يلبس ما تيسر مِ َ‬
‫الصوف تارة‪ ،‬والقطن تارة‪ ،‬والكتان تارة‪.‬‬
‫ولبس البرود اليمانية‪ ،‬والبر َد الخضر‪ ،‬ولَبسَ الجبة‪ ،‬والقَباء‪ ،‬والقميص‪ ،‬وا لسراويل‪،‬‬
‫خلْفِه تارة‪ ،‬وتركها تارة‪.‬‬
‫والِزار‪ ،‬والرداء‪ ،‬والخف‪ ،‬والنعل‪ ،‬وأرخى الذؤابة من َ‬
‫وكان يتلحى بالعمامة تحت الحنك‪.‬‬
‫ص أَو الرّدَا ِء َأوِ‬
‫ت كَسَو َتنِي هذا ال َقمِي َ‬
‫وكان إذا استجدّ ثوباً‪ ،‬سماه باسمه‪ ،‬وقال‪(( :‬اللّهمّ أَن َ‬
‫ش ّر ما صنعَ لَهُ))‪.‬‬
‫ش ّر ِه وَ َ‬
‫ال ِعمَامَةَ‪ ،‬أَسْأُلكَ خَي َر ُه وَخَي َر مَا صن َع لَهُ‪َ ،‬وأَعُو ُذ ِبكَ مِنْ َ‬

‫‪62‬‬

‫وكان إذا لبس قميصه‪ ،‬بدأ بميامِنه‪ .‬ولبس الشعر السود‪ ،‬كما روى مسلم في ((صحيحه))‬
‫سوَدَ‪.‬‬
‫شعَر أَ ْ‬
‫ط ُمرَحّل مِنْ َ‬
‫عَليْهِ ِمرْ ٌ‬
‫ل صلى ال عليه وسلم وَ َ‬
‫عن عائشة قالت‪ :‬خرج رسول ا ّ‬
‫ب إلى رسول ال صلى‬
‫ي اللباسِ كان أح ّ‬
‫وفي ((الصحيحين)) عن قتادة قلنا لنس‪ :‬أ ّ‬
‫ح َبرَة))‪ .‬والحبرة‪ :‬برد من برود اليمن فإن غالب لباسهم كان مِن نسج‬
‫ال عليه وسلم؟ قال‪(( :‬ال ِ‬
‫اليمن‪ ،‬لنها قريبة منهم‪ ،‬وربما لبسوا ما يُجلب مِن الشّام ومصر‪ ،‬كالقباطي المنسوجة من الكتان‬
‫التي كانت تنسجها القبطُ‪ .‬وفي ((صحيح النسائي)) عن عائشة أنها جعلت للنبي صلى ال عليه‬
‫طيّب‪.‬‬
‫ب الرّيح ال ّ‬
‫ح الصوف‪ ،‬طرحها‪ ،‬وكان يُح ُ‬
‫عرِق‪ ،‬فوجد رِي َ‬
‫وسلم بُردة من صوف‪ ،‬فلبسها‪ ،‬فلما َ‬
‫ل صلى ال عليه وسلم‬
‫علَى رسول ا ّ‬
‫وفي ((سنن أبي داود)) عن عبد الّ بن عباس قال‪ :‬لَقَدْ رأيتُ َ‬
‫حلَلِ‪ .‬وفي ((سنن النسائي)) عن أبي ِر ْمثَةَ قال‪ :‬رأيتُ رسولَ ال صلى ال‬
‫ن مَا َيكُونُ مِنَ ال ُ‬
‫أحْسَ َ‬
‫ضرَانِ‪ .‬وا ْلبُرد الخضر‪ :‬هو الذي فيه خطوط خضر‪ ،‬وهو‬
‫ن أَخ َ‬
‫عَليْهِ ُبرْدَا ِ‬
‫ب وَ َ‬
‫ط ُ‬
‫عليه وسلم يَخ ُ‬
‫ن البرد‬
‫كالحلة الحمراء سواء‪ ،‬فمن فهم مِن الحُلة الحمراء الحمر البحت‪ ،‬فينبغي أن يقول‪ :‬إِ ّ‬
‫الخضر كان أخضرَ بحتاً‪ ،‬وهذا ل يقولُه أحد‪.‬‬
‫وكانت ِمخَ ّدتُه صلى ال عليه وسلم من أَدَمٍ حَشوُهَا لِيف‪ ،‬فالذين يمتنعون عما‬
‫لّ مِن الملبس والمطاعم والمناكح تزهّدًا وتعبّداً‪ ،‬بإزائهم طائفةٌ قابلوهم‪ ،‬فل يلبَسُون إل‬
‫أباح ا ُ‬
‫ن ول أكله تكبّراً وتجبّراً‪ ،‬وكل‬
‫أشرفَ الثياب‪ ،‬ول يأكلون إل ألينَ الطعام‪ ،‬فل يرون َل ِبسَ الخَش ِ‬
‫ف لهدي النبي صلى ال عليه وسلم ولهذا قال بعض السلف‪ :‬كانوا يكرهون‬
‫الطائفتين هديُه مخاِل ٌ‬
‫الشهرتين من الثياب‪ :‬العالي‪ ،‬والمنخفضِ‪.‬‬
‫وفي ((السنن)) عن ابن عمر يرفعه إلى صلى ال عليه وسلم‪(( :‬مَنْ‬
‫لّ َيوْ َم ال ِقيَامَ ِة َث ْوبَ مَ َذلّةٍ‪ ،‬ثُ ّم َتَل ّهبُ فيه النّارُ)) وهذا لنه قصد به الختيال‬
‫ش ْه َرةٍ‪َ ،‬أ ْلبَسَهُ ا ُ‬
‫َل ِبسَ َث ْوبَ ُ‬
‫والفخر‪ ،‬فعاقبه الّ بنقيضِ ذلك‪ ،‬فأَ َذلّه‪ ،‬كما عاقب من أطال ثيابه خُيلء بأَن خسف به الرض‪ ،‬فهو‬
‫يتجلجلُ فيها إلى يوم القيامة‪ .‬وفي ((الصحيحين)) عن ابن عمر قال‪ :‬قال رسول الّ صلى ال عليه‬
‫لّ إَليْهِ َيوْ َم ال ِقيَامَةِ)) وفي ((السنن)) عنه أيضًا صلى ال‬
‫ظرِ ا ُ‬
‫خيَلَءَ‪ ،‬لَ ْم َينْ ُ‬
‫ج ّر َث ْوبَهُ ُ‬
‫وسلم‪(( :‬مَنْ َ‬
‫ظرِ الُّ‬
‫خيَلَءَ‪ ،‬لَ ْم َينْ ُ‬
‫ش ْيئًَا ِم ْنهَا ُ‬
‫جرَ َ‬
‫ص وَال ِعمَامَةِ‪ ،‬مَنْ َ‬
‫لزَار‪ ،‬وَال َقمِي ِ‬
‫سبَالُ في ا ِ‬
‫عليه وسلم قال‪(( :‬الِ ْ‬
‫ِإَليْهِ َيوْ َم ال ِقيَامَةِ)) وفي ((السنن)) عن ابن عمر أيضاً قال‪ :‬مَا قَال رسول ال صلى ال عليه وسلم‬
‫لزَارِ‪َ ،‬ف ُهوَ فِي ال َقمِيصِ‪ ،‬وكذلك لُبس الدنيء من الثياب يُذَ ّم في موضع‪ ،‬ويُحمد في موضع‪،‬‬
‫في ا ِ‬
‫فيُذم إذا كان شُهرةً وخُيلء ويمدح إذا كان تواضعاً واستكانة‪ ،‬كما أن لبس الرفيع من الثياب يُذم إذا‬

‫‪63‬‬

‫ل وإظهارًا لنعمة الّ‪ ،‬ففي ((صحيح مسلم)) عن ابن‬
‫كان تكبّراً وفخراً وخيلء‪ ،‬ويُمدح إذا كان تجم ً‬
‫حبّةِ‬
‫جنَ َة مَنْ كَانَ فِي َق ْلبِهِ ِمثْقَالُ َ‬
‫ل صلى ال عليه وسلم‪(( :‬ل يَدْخُلُ ال َ‬
‫مسعود قال‪ :‬قال رسولُ ا ّ‬
‫ل رَجُلٌ‪ :‬يَا‬
‫ن إيمَانٍ))‪ ،‬فَقَا َ‬
‫ل مِ ْ‬
‫خرْدَ ٍ‬
‫حبّةِ َ‬
‫ن كَانَ في َق ْلبِ ِه ِمثْقَالُ َ‬
‫ل النّا َر مَ ْ‬
‫ل يَدْخُ ُ‬
‫ن ك ْبرِ‪ ،‬وَ َ‬
‫ل مِ ْ‬
‫خرْدَ ٍ‬
‫َ‬
‫جمِيلٌ‬
‫ن ال ِك ْبرِ ذَاكَ؟ فَقَالَ‪(( :‬ل‪ ،‬إِنّ الَّ َ‬
‫سنَةً‪ ،‬أ َفمِ َ‬
‫سنَاً‪َ ،‬و َن ْعلِي حَ َ‬
‫ب أَن َيكُونَ َث ْوبِي حَ َ‬
‫ح ّ‬
‫لّ إنّي أُ ِ‬
‫رَسُولَ ا ِ‬
‫ط ا لنَاسِ))‪.‬‬
‫غمْ ُ‬
‫طرُ الْحَقّ‪ ،‬وَ َ‬
‫جمَالَ‪ ،‬ال ِك ْبرُ‪ :‬بَ َ‬
‫حبّ ال َ‬
‫يُ ِ‬
‫فصل‬
‫وكذلك كان هديُه صلى ال عليه وسلم‪ ،‬وسيرتُه في الطعام‪ ،‬ل يردّ موجوداً‪ ،‬ول يتكلف‬
‫مفقوداً‪ ،‬فما ُق ّربَ إليه شيءٌ من الطيبات إل أكله‪ ،‬إل أن تعافَه نفسُه‪ ،‬فيتركَه من غير تحريم‪ ،‬وما‬
‫ب لمّا لَ ْم َي ْعتَ ْدهُ ولم يحرمه على‬
‫عاب طعاماً قطّ‪ ،‬إن اشتهاه أكله‪ ،‬وإل تركه‪ ،‬كما ترك أكل الضّ ّ‬
‫المة‪ ،‬بل ُأكِلَ على مائدته وهو ينظر‪.‬‬
‫وأكل الحلوى والعسل‪ ،‬وكان يُحبهما‪ ،‬وأكل لحم الجزور‪ ،‬والضأن‪ ،‬والدجاج‪ ،‬ولحم‬
‫ب والتمرَ‪،‬‬
‫الحُبارى‪ ،‬ولحم حِمار الوحش‪ ،‬والرنب‪ ،‬وطعام البحر‪ ،‬وأكل الشواء‪ ،‬وأكل الرّط َ‬
‫خزِيرَة‪ ،‬وهي‬
‫وشرب اللبنَ خالصاً ومشوباً‪ ،‬والسويق‪ ،‬والعسل بالماء‪ ،‬وشرب نقيع التمر‪ ،‬وأكل ال َ‬
‫طبِ‪ ،‬وأكل الَقِطَ‪ ،‬وأكل التمر بالخبز‪ ،‬وأكل الخبز‬
‫حَسَاء يتخذ من اللبن والدقيق‪ ،‬وأكل ال ِقثّاء بالرّ َ‬
‫بالخل‪ ،‬وأكل الثريد‪ ،‬وهو الخبز باللحم‪ ،‬وأكل الخبز بالِهالة‪ ،‬وهى الودك‪ ،‬وهو الشحم المذاب‪،‬‬
‫ل المسلُوقةَ‪ ،‬وأكلَ‬
‫ل ال ّدبّاء المطبوخةَ‪ ،‬وكان يُحبّها وأك َ‬
‫وأكل من ال َكبِ ِد المَشوِيّةِ‪ ،‬وأكل القَدِيد‪ ،‬وأك َ‬
‫طبِ‪ ،‬وأكل التمر بِال ّزبْدِ‪ ،‬وكان‬
‫سمْن‪ ،‬وأكلَ الجُبنَ‪ ،‬وأكلَ الخبز بالزيت‪ ،‬وأكل البطيخ بالرّ َ‬
‫الثريدَ بال ّ‬
‫طيّباً‪ ،‬ول يتكلفه‪.‬‬
‫يُحبه‪ ،‬ولم يكن يردّ َ‬
‫صبَ َر حتى إنه ليربِطُ على بطنه‬
‫بل كان هديه أكلَ ما تيسر‪ ،‬فإن أعوزه‪َ ،‬‬
‫ل والهللُ‪ ،‬ول يُوقد في بيته نارٌ‪ .‬وكان معظ ُم مطعمه‬
‫الحجر من الجوع‪ ،‬ويُرى الهللُ والهل ُ‬
‫يوضع على الرض في السّفرة‪ ،‬وهي كانت مائدَته‪ ،‬وكان يأكل بأصابعه الثلث‪ ،‬ويلعَقُها إذا فرغ‪،‬‬
‫وهو أشرفُ ما يكون من الكلة‪ ،‬فإن المتك ّبرَ يأكل بأصبع واحدة‪ ،‬والجَشِعُ الحريصُ يأكل بالخمس‪،‬‬
‫ويدفع بالراحة‪.‬‬
‫وكان ل يأكل مُتكِئاً‪ ،‬والتكاء على ثلثة أنواع‪ ،‬أحدها‪ :‬التكاء على‬
‫الجنب‪ ،‬والثاني‪ :‬التربّع‪ ،‬والثالث‪ :‬التكاء على إحدى يديه‪ ،‬وأكله بالخرى‪ ،‬والثلث مذمومة‪.‬‬

‫‪64‬‬

‫وكان يسمى ال تعالى على أول طعامه ‪ ،‬ويحمده في آخره‬
‫عنْه‬
‫س َت ْغ َنىَ َ‬
‫ل ُموَدّع وَلَ مُ ْ‬
‫ي وَ َ‬
‫غ ْيرَ َمكْ ِف ّ‬
‫طيّبًا ُمبَارَكاً فِيهِ َ‬
‫حمْدُ لِ حَمدًا َكثِيراً َ‬
‫فيقول عند انقضائه‪(( :‬الْ َ‬
‫ل بَلَءٍ‬
‫علَينَا َفهَدَانَا‪َ ،‬وأَط َع َمنَا وَسَقَانَا‪ ،‬وَك ّ‬
‫ل يُطعَمُ‪ ،‬مَنّ َ‬
‫طعِ ُم وَ َ‬
‫ل الّذِي يُ ْ‬
‫حمْدُ ِ‬
‫َر ّبنَا))‪ .‬وربما قال‪(( :‬الْ َ‬
‫ن ا ْلعُريَ‪ ،‬وَهَدَى‪ ،‬منَ‬
‫ن الشّرابِ‪َ ،‬وكَسَا مِ َ‬
‫طعَام‪ ،‬وَسَقَى مِ َ‬
‫ن ال ً‬
‫طعَمَ مِ َ‬
‫ل الّذِي أَ ْ‬
‫ن َأبْلَنا‪ ،‬الحَمد ِ‬
‫حَسَ ٍ‬
‫ب العَاَلمِينَ))‪.‬‬
‫ل َر ّ‬
‫حمْدُ ِ‬
‫خلَقَ تَ ْفضِيلً‪ ،‬ال َ‬
‫علَى َكثِير ِممّن َ‬
‫ن ال َعمَى‪ ،‬وَفضّلَ َ‬
‫للَةِ‪َ ،‬و َبصّ َر مِ َ‬
‫الضّ َ‬
‫سوّغَهُ))‪.‬‬
‫لّ الّذِي أَطعَمَ وَسَقَى‪ ،‬وَ َ‬
‫وربما قال‪(( :‬الْحَمد ِ‬
‫ق أصابعه‪ ،‬ولم يكن لهم مناديلُ يمسحون بها أيديهم‪ ،‬ولم يكن‬
‫وكان إذا فرغ مِن طعامه َلعِ َ‬
‫عادتهم غسلَ أيديهم كلما أكلوا‪.‬‬
‫وكان أكثرُ شربه قاعداً‪ ،‬بل زجر عن الشرب قائمًا ((وشرب مرّة قائماً))‪ .‬فقيل‪ :‬هذا‬
‫ل أعلم ‪ -‬أنها واقعة عين‬
‫نسخ لنهيه‪ ،‬وقيل‪ :‬بل فعله لبيان جواز المرين‪ ،‬والذي يظهر فيه ‪ -‬وا ّ‬
‫شرب فيها قائمًا لعذر‪ ،‬وسياق القصة يدل عليه‪ ،‬فإنه أتى زمزم وهم يستقون منها‪ ،‬فأخذ الدّلو‪،‬‬
‫وشرب قائماً‪.‬‬
‫والصحيح في هذه المسألة‪ :‬النهى عن الشرب قائماً‪ ،‬وجوازه لعذر يمنع من القعود‪ ،‬وبهذا‬
‫ل أعلم‪.‬‬
‫تجمع أحاديث الباب‪ ،‬وا ّ‬
‫ن على يساره أكبرَ منه‪.‬‬
‫ن على يمينه‪ ،‬وإن كان مَ ْ‬
‫وكان إذا شرب‪ ،‬ناول مَ ْ‬
‫فصل‬
‫في هديه في النكاح ومعاشرته صلى ال عليه وسلم أهله‬
‫ل عنه‪ ،‬أنه صلى ال عليه وسلم قال‪:‬‬
‫صح عنه صلى ال عليه وسلم من حديث أنس رضي ا ّ‬
‫لةِ)) هذا لفظُ الحديث‪ ،‬ومن‬
‫ع ْينِي في الصّ َ‬
‫ج ِعَلتْ ُق ّرةُ َ‬
‫ط ْيبُ‪ ،‬وَ ُ‬
‫ح ّببَ إليّ‪ ،‬مِن ُد ْنيَاكُم‪ :‬النّسَاءُ‪ ،‬وال ّ‬
‫(( ُ‬
‫رواه ((حبب إليّ من دنياكم ثلث))‪ ،‬فقد وهم‪ ،‬ولم يقل صلى ال عليه وسلم‪(( :‬ثلث)) والصلة‬
‫ب شيء إليه‪ ،‬وكان يطوف على‬
‫ليست من أمور الدنيا التي تُضاف إليها‪ .‬وكان النساء والطيب أح ّ‬
‫ل له من ذلك ما لم‬
‫نسائه في الليلة الواحدة‪ ،‬وكان قد أعطي قوة ثلثين في الجماع وغيره‪ ،‬وأباح ا ّ‬
‫يُبحه لحد من أمته‪.‬‬
‫سمِي‬
‫وكان يقسم بينهن في المبيت والِيواء والنفقة‪ ،‬وأما المحبة فكان يقول‪(( :‬الّلهُمَ هذا قَ ْ‬
‫ل َأ ْمِلكُ)) فقيل‪ :‬هو الحب والجماع‪ ،‬ول تجب التسوية في ذلك‪ ،‬لنه مما‬
‫فِيمَا َأ ْمِلكُ‪ ،‬فَلَ َتُل ْمنِي فِيمَا َ‬
‫ل يُملك‪.‬‬

‫‪65‬‬

‫وهل كان القَسْمُ واجبًا عليه‪ ،‬أو كان له معاشرتهن من غير قسم؟ على قولين للفقهاء‪.‬‬
‫فهو أكثر المة نساءً‪ ،‬قال ابن عباس‪ :‬تزوجوا‪ ،‬فَإنّ خي َر هذه الُم ِة أكثرها نساء‪.‬‬
‫وطلق صلى ال عليه وسلم‪ ،‬وراجع‪ ،‬والى إيلءً مؤقتًا بشهر‪ ،‬ولم يظاهر أبداً‪ ،‬وأخطأ من‬
‫ل منه‪.‬‬
‫قال‪ :‬إنه ظاهر خطأً عظيماً‪ ،‬وإنما ذكرته هنا تنبيهاً على قبح خطئه ونسبته إلى ما برّأه ا ّ‬
‫وكانت سيرته مع أزواجه حسنَ المعاشرة‪ ،‬وحسنَ الخلق‪.‬‬
‫ت النصار يلعبن معها‪ .‬وكان إذا هويت شيئاً ل محذورَ فيه‬
‫س ّربُ إلى عائشة بنا ِ‬
‫وكان يُ َ‬
‫تابعها عليه‪ ،‬وكانت إذا شربت من الِناء أخذه‪ ،‬فوضع فمه في موضع فمها وشرب‪ ،‬وكان إذا‬
‫جرِها‪،‬‬
‫تعرقت عَرقًا ‪ -‬وهو العَظْمُ الذي عليه لحم ‪ -‬أخذه فوضع فمه موضع فمها‪ ،‬وكان يتكئ في حَ ْ‬
‫ويقرأ القرآن ورأسه في حَجرِها‪ ،‬وربما كانت حائضاً‪ ،‬وكان يأمرها وهي حائض َف َت ّت ِزرُ ثم‬
‫خلُقه مع أهله أنه يمكّنها من اللعب‪،‬‬
‫يُباشرها‪ ،‬وكان يقبلها وهو صائم‪ ،‬وكان من لطفه وحسن ُ‬
‫ويريها الحبشة وهم يلعبون في مسجده‪ ،‬وهي متكئة على منكبيه تنظر‪ ،‬وسابقها في السفر على‬
‫القدام مرتين‪ ،‬وتدافعا في خروجهما من المنزل مرة‪.‬‬
‫وكان إذا أراد سفراً‪ ،‬أقرع بين نسائه‪ ،‬فأيتهنّ خرج سهمها‪ ،‬خرج بها معه‪ ،‬ولم يقضِ‬
‫للبواقي شيئاً‪ ،‬وإلى هذا ذهب الجمهور‪.‬‬
‫خ ْي ُركُمْ لَ ْهلِهِ‪َ ،‬وَأنَا خَي ُركُم لهلي))‪.‬‬
‫خ ْي ُركُمْ َ‬
‫وكان يقول‪َ (( :‬‬
‫وربما مد يده إلى بعض نسائه في حضرة باقيهن‪.‬‬
‫وكان إذا صلى العصر‪ ،‬دار على نسائه‪ ،‬فدنا منهن واستقرأ أحوالهن‪ ،‬فإذا جاء‬
‫علَى‬
‫ضنَا َ‬
‫الليل‪ ،‬انقلب إلى بيت صاحبة النّوبة‪ ،‬فخصها بالليل‪ .‬وقالت عائشة‪ :‬كان ل يُ َفضّلُ َب ْع َ‬
‫ل يومٌ إل كان يطوف علينا جميعاً‪ ،‬فيدنو من كل امرأة من‬
‫عنْدَهُنّ في القَسمِ‪ ،‬وق ّ‬
‫بَعضٍ في ُم ْكثِهِ ِ‬
‫غير مسيس حتى يبلغَ التي هو في نوبتها‪ ،‬فيبيت عندها‪.‬‬
‫وكان يقسم لثمان منهن دون التاسعة‪ ،‬ووقع في ((صحيح مسلم)) من قول‬
‫عطاء أن التي لم يكن يقسم لها هي صفية بنت ح َييّ‪ ،‬وهو غلط مِن عطاء رحمه الّ‪ ،‬وإنما هي‬
‫سودة‪ ،‬فإنها لما َك ِبرَت وهبت نوبتها لعائشة‪.‬‬
‫وكان صلى ال عليه وسلم يقسِم لعائشة يومها ويومَ سودة‪ ،‬وسبب هذا الوهم ‪-‬وال أعلم‪ -‬أنه‬
‫ل صلى ال عليه‬
‫كان قد وَجَ َد على صفيّة في شيء‪ ،‬فقالت لعائشة‪ :‬هل َلكِ أن تُرضي رسول ا ّ‬
‫ك يومي؟ قالت‪ :‬نعم‪ ،‬فقعدت عائش ُة إلى جنب النبي صلى ال عليه وسلم في يوم‬
‫ب َل ِ‬
‫وسلم‪ ،‬وأَه َ‬

‫‪66‬‬

‫لّ يُؤتيه من يَشاء‬
‫س يَو َمكِ)) فقالَت‪َ :‬ذِلكَ فَضل ا ِ‬
‫عنّي يَا عَائِشَةُ‪ ،‬فَإنّه لَي َ‬
‫صفية‪ ،‬فقال‪(( :‬إَل ْيكِ َ‬
‫ي عنها‪ .‬وإنما كانت وهبتها ذلك اليومَ وتلك النّوبَة الخاصة‪ ،‬ويتعين ذلك‪،‬‬
‫وأخبرته بالخبرِ‪ ،‬فرض َ‬
‫وإل كان يكون القسم لسبع منهن‪ ،‬وهو خلف الحديث الصحيح الذي ل ريب فيه أن القسم كان‬
‫ل أعلم‪ .‬ولو اتفقت مثل هذه الواقعة لمن له أكثر من زوجتين‪ ،‬فوهبت إحداهن يومها‬
‫لثمانٍ‪ ،‬وا ّ‬
‫ي بين ليلة الموهوبة وليلتها الصلية وإن لم تكن ليلة الواهبة تليها‪ ،‬أو‬
‫للخرى‪ ،‬فهل للزوج أن يُواِل َ‬
‫يجب عليه أن يجعل ليلَتها هي الليلة التي كانت تستحقها الواهبة بعينها؟ على قولين في مذهب أحمد‬
‫وغيره‪.‬‬
‫ن إذا جامع أول الليل‪،‬‬
‫وكان صلى ال عليه وسلم يأتي أهلَه آخ َر الليل‪ ،‬وأوله‪َ ،‬فكَا َ‬
‫ربما اغتسل ونام‪ ،‬وربما توضأ ونام‪ .‬وذكر أبو إسحاق السّبيعي عن السود عن عائشة أنه كان‬
‫ربما نام‪ ،‬ولم يمس ماء وهو غلط عند أئمة الحديث‪ ،‬وقد أشبعنا الكلم عليه في كتاب ((تهذيب سنن‬
‫أبي داود)) وإيضاح علله ومشكلته‪.‬‬
‫وكان يطوف على نسائه بغسل واحد‪ ،‬وربما اغتسل عند كل واحدة‪ ،‬فعل هذا‬
‫وهذا‪.‬‬
‫ق أهله ليلً‪ ،‬وكان ينهى عن ذلك‪.‬‬
‫وكان إذا سافر وَقَدِمَ‪ ،‬لم يطرُ ْ‬
‫فصل‬
‫في هديه وسيرته صلى ال عليه وسلم في نومه وانتباهه‬
‫كان ينا ُم على الفراش تارة‪ ،‬وعلى النّطع تارة‪ ،‬وعلى الحصير تارة‪ ،‬وعلى الرض تارة‪،‬‬
‫وعلى السرير تارة بين ِرمَالهِ‪ ،‬وتارة على كِساء أسود‪ .‬قال عبّاد بن تميم عن عمه‪ :‬رأيتُ رسول‬
‫ال صلى ال عليه وسلم مُستلقياً في المسجد واضعاً إحدى رِجليه على الخرى‪.‬‬
‫وكان فراشه أَدَماً حشوُه لِيف‪ .‬وكان له مِسْحٌ ينام عليه يثنى بثَنيتين‪ ،‬وثُني له يوماً‬
‫لتِي الّل ْيلَة))‪ .‬والمقصود‬
‫لوَلِ‪ ،‬فَإنّه َم َن َعنِي صَ َ‬
‫أربع ثنيات‪ ،‬فنهاهم عن ذلك وقال‪(( :‬رُدّوه إلَى حَالِهِ ا َ‬
‫ف ا ْم َرأَ ٍة ِم ْنكُنّ‬
‫ل َوَأنَا في لِحَا ِ‬
‫جبْري ُ‬
‫أنه نام على الفراش‪ ،‬وتغطى باللحاف‪ ،‬وقال لنسائه‪(( :‬مَا َأتَانِي ِ‬
‫غ ْيرَ عَائِشَة))‪.‬‬
‫َ‬
‫وكانت وسادتُه أَدَماً حشوها ليف‪.‬‬
‫حيَا َوأَموتُ))‪.‬‬
‫وكان إذا أوى إلى فراشه للنوم قال‪(( :‬بِاسمِك الّلهُمّ أَ ْ‬

‫‪67‬‬

‫ل أَعُو ُذ ِب َربّ‬
‫لّ أَحَدٌ } و {قُ ْ‬
‫وكان يجمع ك ّفيْهِ ثم ينفُث فيهما‪ ،‬وكان يقرأ فيهما‪{ :‬قُلْ هُو ا ُ‬
‫ب النّاسِ} ثم يمسح بهما ما استطاع من جسده‪ ،‬يبدأُ بهما على رأسه‪،‬‬
‫ل أَعُو ُذ ِب َر ّ‬
‫الْ َفلَقِ} و {قُ ْ‬
‫ووجهه‪ ،‬وما أقبلَ مِنْ جسده‪ ،‬يفعل ذلك ثلث مرات‪.‬‬
‫وكان ينام على شِقه اليمن‪ ،‬ويضع يده اليمنى تحت خده اليمن‪ ،‬ثم يقول‪(( :‬الّلهُمّ‬
‫ط َع َمنَا وَسَقَانَا‬
‫ل الّذِي أَ ْ‬
‫عبَا َدكَ))‪ .‬وكان يقول إذا أوى إلى فراشه‪(( :‬الحمدُ ِ‬
‫قِني عَذَا َبكَ َيوْ َم تَب َعثُ ِ‬
‫ل ُمؤْويَ)) ذكره مسلم‪ .‬وذكر أيضاً أنه كان يقول إذا أوى الى‬
‫ي له وَ َ‬
‫ل كَا ِف َ‬
‫َوكَفَانَا وَآوَانَا‪َ ،‬فكَمْ ِممّنْ َ‬
‫حبَ‬
‫لرْضِ‪َ ،‬ورَب ال َع ْرشِ العَظِيمِ‪َ ،‬ر ّبنَا َو َربّ كلّ شَيءٍ‪ ،‬فَالِقَ ال َ‬
‫سمَاوَاتِ وا َ‬
‫فراشه‪(( :‬اللّهم رب ال ّ‬
‫شرّ أَنتَ آخِذ ِبنَاصِيتِهِ‪َ ،‬أ ْنتَ‬
‫ش ّر كُلّ ذِي َ‬
‫ك مِن َ‬
‫ل التّ ْورَاةِ وَالنجِيلِ‪ ،‬وَال ُفرْقَانِ‪ ،‬أَعُوذُ ِب َ‬
‫وَالنّوى‪ ،‬منز َ‬
‫خرُ‪َ ،‬فَل ْيسَ َبعْ َدكَ شَيءٌ‪َ ،‬وأَنتَ الظّا ِهرُ َفَل ْيسَ َفوْ َقكَ شيءٌ‪َ ،‬وَأ ْنتَ‬
‫لوّلُ َفلَيسَ َق ْبَلكَ شَيءٌ‪َ ،‬وأَنتَ ال ِ‬
‫اَ‬
‫غ ِننَا مِنَ الف ْقرِ))‪.‬‬
‫عنّا الدّينَ‪َ ،‬وأَ ْ‬
‫البَاطِنُ‪َ ،‬فَل ْيسَ دُو َنكَ شَيءٌ‪ ،‬اقضِ َ‬
‫ل َأ ْنتَ سبحَا َنكَ‪ ،‬اللّهمَ إنّي‬
‫ل إلَه إِ ّ‬
‫وكان إذا استيقظ من منامه في الليل قال‪َ (( :‬‬
‫ب لي مِن‬
‫ل ُتزِغ قَلبي َبعْ َد إِذ هَدَيتَني‪ ،‬وَ َه ْ‬
‫أستغْفِركَ لِذَنبِي‪َ ،‬وأَسَْأُلكَ رَح َم َتكَ‪ ،‬الّلهُمّ زِدْني عِلماً‪ ،‬وَ َ‬
‫ك أَنتَ ا ْلوَهاب))‪.‬‬
‫حمَةَ‪ِ ،‬إ ّن َ‬
‫لَدنكَ رَ ْ‬
‫ي أَحيَانَا بَع َد مَا َأمَا َتنَا‬
‫حمْدُ ل الّ ِذ َ‬
‫وكان إذا انتبه من نومه قال‪(( :‬الْ َ‬
‫خلْقِ‬
‫َوِإَليْهِ النّشور))‪ .‬ثم يتسوّك‪ ،‬وربما قرَأ العشر اليات من آخر (آل عمران ) من قوله‪{ :‬إنَ في َ‬
‫ت نُورُ‬
‫حمْدُ‪َ ،‬أ ْن َ‬
‫لرْضِ ‪ } ...‬إِلى آخرها [آل عمران‪ ]200-190:‬وقال‪(( :‬الّلهُ ّم َلكَ الْ َ‬
‫ت وا َ‬
‫السّموَا ِ‬
‫حمْد‪،‬‬
‫ض َومَنْ فِيهِنّ‪َ ،‬وَلكَ الْ َ‬
‫ت والَر ِ‬
‫سمَاوَا ِ‬
‫حمْدُ‪َ ،‬أ ْنتَ َقيَ ُم ال ّ‬
‫ك الْ َ‬
‫لرْض َومَنْ فِيهنّ‪َ ،‬وَل َ‬
‫سمَاواتِ وا َ‬
‫ال ّ‬
‫حمّدٌ حَقّ‪،‬‬
‫جنّةُ حَقّ‪ ،‬وَالنّارُ حَقّ‪ ،‬وَالنّبيّون حَقّ‪َ ،‬ومُ َ‬
‫َأ ْنتَ الْحَقّ‪َ ،‬ووَعْ ُدكَ الْحَقّ‪َ ،‬ولِقَا ُؤكَ حَقّ‪ ،‬وَال َ‬
‫صمْتُ‪َ ،‬وِإَل ْيكَ‬
‫ك َأ َن ْبتُ‪َ ،‬و ِبكَ خَا َ‬
‫عَل ْيكَ َت َو ّك ْلتُ‪َ ،‬وِإَليْ َ‬
‫ك آ َم ْنتُ‪ ،‬وَ َ‬
‫ك أَسَل ْمتُ‪َ ،‬و ِب َ‬
‫وَالسّاعَةُ حَقّ‪ ،‬اللّهُ ّم َل َ‬
‫ل َأ ْنتَ))‪.‬‬
‫ل ِإلَ َه إِ ّ‬
‫ت ِإلَهي‪َ ،‬‬
‫عَل ْنتُ‪َ ،‬أ ْن َ‬
‫س َر ْرتُ‪َ ،‬ومَا أَ ْ‬
‫خ ْرتُ‪َ ،‬ومَا أَ ْ‬
‫حَا َك ْمتُ‪ ،‬فَاغْ ِف ْر لي مَا قَ ّد ْمتُ‪َ ،‬ومَا أَ ّ‬
‫وكان ينام أول الليل‪ ،‬ويقوم آخره‪ ،‬وربما سهر أول الليل في‬
‫ن هو الذي‬
‫مصالح المسلمين‪ ،‬وكان تنامُ عيناه‪ ،‬ول ينامُ قلبُه‪ .‬وكان إذا نام‪ ،‬لم يُوقظوه حتى يكو َ‬
‫يستقيظ‪ .‬وكان إذا عرّس بليل‪ ،‬اضطجع على شقه اليمن‪ ،‬وإذا عرّس قبيل الصبح‪ ،‬نصب ذراعه‪،‬‬
‫ووضع رأسه على كفه‪ ،‬هكذا قال الترمذي‪ .‬وقال أبو حاتم في ((صحيحه))‪ :‬كان إذا عرّس بالليل‪،‬‬
‫توسد يمينه‪ ،‬وإذا عرَس قبيل الصبح‪ ،‬نصب ساعده‪ ،‬وأظن هذا وهماً‪ ،‬والصواب حديث الترمذي‪.‬‬
‫وقال أبو حاتم‪ :‬والتعريس إنما يكون قُبيل الصبح‪.‬‬

‫‪68‬‬

‫ل النوم‪ ،‬وهو أنفع ما يكون من النوم‪ ،‬والطباء يقولون‪ :‬هو ثلث الليل‬
‫وكان نومه أعد َ‬
‫والنهار‪ ،‬ثمان ساعات‪.‬‬
‫فصل‬
‫في هديه صلى ال عليه وسلم في الركوب‬
‫ع ِريّا أخرى‪ ،‬وكان‬
‫سرَجَةً تارة‪ ،‬وَ َ‬
‫ل والِبل والبغال والحمير‪ ،‬وركب الفرس مُ ْ‬
‫ركب الخي َ‬
‫يُجريها في بعض الحيان‪ ،‬وكان يركب وحده‪ ،‬وهو الكثر‪ ،‬وربما أردف خلفه على البعير‪ ،‬وربما‬
‫أردف خلفه‪ ،‬وأركب أمامه‪ ،‬وكانوا ثلثة على بعير‪ ،‬وأردف الرجال‪ ،‬وأردف بعضَ نسائه‪ ،‬وكان‬
‫أكثرَ مراكبه الخيل والِبل‪ .‬وأمّا البغال‪ ،‬فالمعروف أنه كان عنده منها بغلة واحدة أهداها له بعضُ‬
‫الملوك‪ ،‬ولم تكن البغال مشهورة بأرض العرب‪ ،‬بل لما أهديت له البغلة قيل‪ :‬أل نُنزي الخيل على‬
‫ل َي ْعَلمُونَ))‪.‬‬
‫الحمر؟ فقال‪ِ(( :‬إ ّنمَا يَ ْفعَلُ ِذِلكَ الّذِينَ َ‬
‫فصل‬
‫واتخذ رسول الّ صلى ال عليه وسلم الغنم‪ .‬وكان له مائة شاة‪ ،‬وكان ل يُحب أن تزيد على مائة‪،‬‬
‫فإذا زادت بهمة‪ ،‬ذبح مكانها أخرى‪ ،‬واتخذ الرقيق من الِماء والعبيد‪ ،‬وكان مواليه وعتقاؤه من‬
‫العبيد أكثر من الِماء‪ .‬وقد روى الترمذي في ((جامعه)) من حديث أبي أمامة وغيره‪ ،‬عن النبي‬
‫ن النّار‪ ،‬كلّ عض ِو مِنهُ‬
‫ق امر َءاً مسلِماَ‪ ،‬كَانَ ِفكَاكَه مِ َ‬
‫عتَ َ‬
‫صلى ال عليه وسلم أنه قال‪(( :‬أيما امْرىءٍ أَ ْ‬
‫جزِىءُ كل عضوين‬
‫ن النّارِ‪ ،‬ي َ‬
‫سِل َمتَين‪ ،‬كَا َنتَا ِفكَاكَ ُه مِ َ‬
‫عضوًا مِنهُ‪َ ،‬وَأيّما امْرىءٍ مسلِم أَعتَقَ ا ْم َرأَتين م ْ‬
‫مِن ُهمَا عُضوًا منِهُ)) هذا حديث صحيح‪.‬‬
‫وهذا يدل على أن عتق العبد أفضل‪ ،‬وأن عتق العبد َيعْدِل عتق أمتين‪ ،‬فكان أكثر عتقائه‬
‫صلى ال عليه وسلم من العبيد‪ ،‬وهذا أحد المواضع الخمسة التي تكون فيها النثى على النصف من‬
‫الذكر‪ ،‬والثاني‪ :‬العقيقة‪ ،‬فإنه عن النثى شاة‪ ،‬وعن الذكر شاتان عند الجمهور‪ ،‬وفيه عدة أحاديث‬
‫صحاح وحسان‪ .‬والثالث‪ :‬الشهادة‪ ،‬فإن شهادة امرأتين بشهادة رجل‪ .‬والرابع‪ :‬الميراث والخامس‪:‬‬
‫الدية‪.‬‬
‫(يتبع‪)...‬‬
‫@‬

‫فصل‬

‫ل صلى ال عليه وسلم واشترى‬
‫وباع رسول ا ّ‬

‫‪69‬‬

‫وكان شراؤه بعد أن أكرمه الّ تعالى برسالته أكثَر من بيعه‪ ،‬وكذلك بعد الهجرة ل يكاد‬
‫يُحفظ عنه البيع إل في قضايا يسيرة أكثرها لغيره‪ ،‬كبيعه القدح والحلس فيمن يزيد‪ ،‬وبيعه يعقوب‬
‫المدبّر غلم أبي مذكورة‪ ،‬وبيعه عبدًا أسود بعبدين‪.‬‬
‫وأمّا شراؤه‪ ،‬فكثير‪ ،‬وآجر‪ ،‬واستأجر‪ ،‬واستئجاره أكثر من إيجاره‪ ،‬وإنما يُحفظ عنه أنه أجر‬
‫نفسه قبل النبوة في رعاية الغنم‪ ،‬وأجر نفسه من خديجة في سفره بمالها إلى الشام‪.‬‬
‫وإن كان العقد مضاربة‪ ،‬فالمضارب أمين‪ ،‬وأجير‪ ،‬ووكيل‪ ،‬وشريك‪ ،‬فأمين إذا قبض المال‪،‬‬
‫ووكيل إذا تصرف فيه‪ ،‬وأجير فيما يُباشره بنفسه من العمل‪ ،‬وشريك إذا ظهر فيه الربح‪ .‬وقد‬
‫أخرج الحاكم في ((مستدركه)) من حديث الربيع بن بدر‪ ،‬عن أبي الزبير‪ ،‬عن جابر قال‪ :‬آجرَ‬
‫ج َرشَ كل سَف َر ٍة بِ َقلُوصٍ‪،‬‬
‫ل صلى ال عليه وسلم نفسه مِن خديجة بنت خويلد سفرتين إلى َ‬
‫رسول ا ّ‬
‫وقال‪ :‬صحيح الِسناد‪.‬‬
‫جرَش‪ ،‬بضم الجيم وفتح الراء مِن مخاليف اليمن‪ ،‬وهو بفتحهما بلد‬
‫قال في ((النهاية))‪ُ :‬‬
‫بالشام‪.‬‬
‫قلت‪ :‬إن صح الحديث‪ ،‬فإنما هو المفتوح الذي بالشام‪ ،‬ول َيصِحّ‪ ،‬فإن الربيع بن بدر هذا هو‬
‫عَل ْيلَة‪ ،‬ضعفه أئمة الحديث‪ .‬قال النسائي والدارقطني والزدي‪ :‬متروك‪ ،‬وكأن الحاكم ظنه الربيع‬
‫ُ‬
‫بن بدر مولى طلحة بن عبيد الّ‪.‬‬
‫وشارك رسولُ الِّ صلى ال عليه وسلم‪ ،‬ولما قدم عليه شريكهُ قال‪ :‬أما تَعرِفُني؟ قال‪(( :‬أما‬
‫شرِيكُ ُك ْنتَ ل تدَارِي ول ُتمَارِي))‪.‬‬
‫شرِيكي؟ َف ِنعْ َم ال ّ‬
‫ُك ْنتَ َ‬
‫وتدارىء بالهمزة من المدارأة‪ ،‬وهي مدافعة الحق‪ ،‬صارت من المداراة‪ ،‬وهي المدافعة‬
‫ل و َت َوكّل‪ ،‬وكان توكيلُه أكثرَ من توكّله‪.‬‬
‫بالتي هي أحسن‪ .‬ووكّ َ‬
‫ل الهدية‪ ،‬وأثاب عليها‪ ،‬ووهب‪ ،‬واتّهبَ‪ ،‬فقال لسلمة بن الكوع‪ ،‬وقد وقع في‬
‫وأهدى‪ ،‬وَ َقبِ َ‬
‫ن المُسلمين‪.‬‬
‫ل مكّة أُسَارَى مِ َ‬
‫سهمه جارية‪َ (( :‬ه ْبهَا لِي)) فو َهبَها له‪ ،‬فَفَادَى بها مِنْ أهْ ِ‬
‫ل والمؤجّلِ‪.‬‬
‫واستدان برهن‪ ،‬وبِغير رهن‪ ،‬واستعار‪ ،‬واشترى بالثمن الحا ّ‬
‫[أحكام متعددة في العقود]‬
‫ع ِملَها كان مضمونًا له بالجنَة‪،‬‬
‫ل مَنْ َ‬
‫وضمن ضماناً خاصًا على ربّه على أعما ٍ‬
‫ي مِن المسلمين‪ ،‬ولم يدع وفا ًء أنها عليه وهو يُوفيها وقد قيل‪ :‬إن هذا‬
‫وضمانا عامًا لديون من تُوف ّ‬
‫الحكمَ عام للئمة بعده‪ ،‬فالسلطان ضامن لديون المسلمين إذا لم يُخلفوا وفاءً‪ ،‬فإنها عليه يُوفيها من‬

‫‪70‬‬

‫بيت المال‪ ،‬وقالوا‪ :‬كما يرثه إذا مات‪ ،‬ولم يَدَعْ وارثاً‪ ،‬فكذلك يقضي عنه دينَه إذا مات ولم يَدَعْ‬
‫ل صلى ال عليه‬
‫ن ُينْفِقُ عليه‪ .‬ووقفَ رسولُ ا ّ‬
‫وفاءً‪ ،‬وكذلك ُينْفِقُ عليه في حياته إذا لم يكن له مَ ْ‬
‫وسلم أرضاً كانت له‪ ،‬جعلها صدقةً في سبيل الّ‪ ،‬وتشفّع‪ ،‬وَشُفّع إليه‪ ،‬وردَت بريرةُ شفاعتَه في‬
‫ع ِتبَ‪ ،‬وهو السوة والقدوة‪ ،‬وحلف في أكثرَ من ثمانين‬
‫مراجعتها مُغيثاً‪ ،‬فلم يغضب عليها‪ ،‬ول َ‬
‫ل إِي‬
‫ك أَحَقّ ُهوَ قُ ْ‬
‫س َت ْن ِبئُونَ َ‬
‫موضعاً‪ ،‬وأمره الُّ سبحانه بالحلف في ثلثة مواضع‪ ،‬فقال تعالى‪َ { :‬ويَ ْ‬
‫ل َبَلىَ َو َربّي‬
‫ل َت ْأتِينَا السّاعةُ قُ ْ‬
‫ن كَ َفرُواْ َ‬
‫ل الّذي َ‬
‫َو َربّي ِإنّه لَحَقّ} [يونس‪ ]53 :‬قال تعالى‪{:‬وَقَا َ‬
‫ن ِبمَا‬
‫ن ثُ ّم َل ُت َنبّؤ ّ‬
‫ى َو َربّي َل ُت ْب َعثُ ّ‬
‫ل َبَل َ‬
‫َلتَ ْأ ِت َينّكمْ} [سبأ‪ ]3 :‬وقال تعالى‪{ :‬زَعَ َم الّذينَ كَ َف ُر َو ْا أَن لّن ُي ْب َعثُواْ قُ ْ‬
‫ل يَسِيرٌ} [التغابن‪ ]7 :‬وكان إسماعيل بن إسحاق القاضي يذاكِر أبا بكر محمد‬
‫علَى ا ّ‬
‫ع ِم ْلتُمْ وَ َذِلكَ َ‬
‫َ‬
‫ن على أبي‬
‫بن داود الظاهري‪ ،‬ول يُسميه بالفقيه‪ ،‬فتحاكم إليه يومًا هو وخص ٌم له‪ ،‬فتوجهت اليمي ُ‬
‫ف ومثلُك يحلف يا أبا بكر؟! فقال‪:‬‬
‫بكر بن داود‪ ،‬فتهيأ للحلف‪ ،‬فقال له القاضي إسماعيل‪ :‬أو تحِل ُ‬
‫وما يمنعني من الحلِف وقد أمر الّ تعالى نبيه بالحلِف في ثلثة مواضع من كتابه‪ ،‬قال‪ :‬أين ذلك؟‬
‫فسردها له أبو بكر‪ ،‬فاستحسن ذلك منه جداً‪ ،‬ودعاه بالفقيه مِن ذلك اليوم‪.‬‬
‫وكان صلى ال عليه وسلم يَستثني في يمينه تارة‪ ،‬ويكفّرها تارةً‪ ،‬ويمضي‬
‫حلّة‪.‬‬
‫فيها تارةً‪ ،‬والستثناء يمنع عقد اليمين‪ ،‬والكفارة تَحُلهَا بعد عقدها‪ ،‬ولهذا سماها ال تَ ِ‬
‫وكان يُمازح‪ ،‬ويقول في مُزاحِه الحق‪ ،‬و ُي َورّي‪ ،‬ول يقول في توريته‬
‫إل بحق‪ ،‬مثل أن يُريد جهة يقصِدها فيسأل عن غيرها كيف طريقُها؟ وكيف مياهُها ومسلكها؟ أو‬
‫نحو ذلك‪ .‬وكان يُشير ويستشير‪.‬‬
‫عوَة‪ ،‬ويمشي مع الرملة والمسكين‬
‫وكان يعود المريض ويشهدُ الجِنازة‪ ،‬ويُجيب الدّ ْ‬
‫ح الشعر‪ ،‬وأثاب عليه‪ ،‬ولكن ما قيل فيه من المديح‪ ،‬فهو جزء‬
‫والضعيف في حوائجهم‪ ،‬وسمع مدي َ‬
‫ح غيره من الناس‪ ،‬فأكثرُ ما يكون بالكذب‪ ،‬فلذلك‬
‫يسير جدًا مِن محامده‪ ،‬وأَثاب على الحق‪ .‬وأما مد ُ‬
‫َأ َمرَ أن يُحثَى في وجُوه المداحينَ التّرابُ‬
‫فصل‬
‫ف نعله بيده‪ ،‬ورقَ َع ثوبه‬
‫ص َ‬
‫خ َ‬
‫لّ صلى ال عليه وسلم بنفسه على القدام‪ ،‬وصارعَ‪ ،‬و َ‬
‫وسابق رسولُ ا ِ‬
‫بيده‪ ،‬ورقَ َع دلوه‪ ،‬وحلب شاته‪ ،‬وَ َفلَى ثوبَه‪ ،‬وخدم أهله ونفسه‪ ،‬وحمل معهم الّلبِنَ في بناء المسجد‪،‬‬
‫ف وأضيفَ‪ ،‬وأحتجم في وَسَط رأسه‪،‬‬
‫وربط على بطنه الحجر من الجوع تارة‪ ،‬وشبع تارة‪ ،‬واضا َ‬

‫‪71‬‬

‫ى ولم‬
‫وعلى ظهر قدمه‪ ،‬واحتجم في الخدعين والكاهل وهو ما بين الكتفين‪ ،‬وتداوى‪ ،‬وكو َ‬
‫س َترْقِ‪ ،‬وحمى المريض ممّا يؤذيه‪.‬‬
‫يك َتوِ‪،‬ورقى ولم يَ ْ‬
‫وأصول الطب ثلثة‪ :‬الحِمية‪ ،‬وحفظ الصحة‪ ،‬واستفراغ المادة المضرة ‪ ،‬قد جمعها الّ‬
‫تعالى له ولمته في ثلث َة مواضع من كتابه‪ ،‬فحمى المريض مِن استعمال الماء خشي َة من الضرر‪،‬‬
‫ستُ ُم النّساءَ َفلَمْ‬
‫لمَ ْ‬
‫عَلىَ سَ َف ٍر َأوْ جَا َء أَحَ ٌد ّم ْنكُ ْم مّن ا ْلغَائِطِ َأوْ َ‬
‫ى َأوْ َ‬
‫ن ُك ْنتُ ْم ّم ْرضَ َ‬
‫فقال تعالى‪َ { :‬وإِ ْ‬
‫طيّبا} [النساء‪[ ]43 :‬المائدة‪ ]6 :‬فأباح التيمم للمريض حمية له‪ ،‬كما‬
‫صعِيداً َ‬
‫تَجِدُو ْا مَاءً َف َت َيمّمواْ َ‬
‫خرَ}‬
‫ن َأيّام أُ َ‬
‫عَلىَ سَ َفرٍ َفعِدّة مّ ْ‬
‫ن مِنكُم مّريضاً َأوْ َ‬
‫أباحه للعادم‪ ،‬وقال في حفظ الصحة‪َ { :‬فمَن كَا َ‬
‫[البقرة‪ ]184 :‬فَأبَاحَ للمسافر الفطرَ في رمضان حفظاً لصحته‪ ،‬لئل يجتمع على قوته الصوم‬
‫ف القوة والصحة‪ .‬وقال في الستفراغ في حلق الرأس للمحرم ‪َ { :‬فمَن كَانَ‬
‫ومشق ُة السفر‪ ،‬فَيض َع ُ‬
‫سكٍ} [البقرة‪ ]196 :‬فَأبَاح‬
‫صيَامٍ َأ ْو صَدَقَ ٍة َأوْ نُ ُ‬
‫مِنكُم مّريضًا َأ ْو بِهِ أَذًى مّن ّرأْسِهِ فَفِ ْديَ ٌة مّن ِ‬
‫للمريض َومَن به أذى من رأسه وهو مُحرِم أن يحلق رأسه‪ ،‬ويستفرِغ المواد الفاسدة‪ ،‬والبخرة‬
‫ج َرةَ‪ ،‬أو تُولد عليه المرض‪ ،‬وهذه الثلثة هي‬
‫الرديئة التي تولد عليه القَملَ‪ ،‬كما حصَل لكعب بنْ عُ ْ‬
‫قواعد الطب وأصوله‪ ،‬فذكر من كل جنس منها شيئاً‪ ،‬وصورة‪ ،‬تنبيهًا بها على نعمته على عباده في‬
‫ظ صِحّتهم‪ ،‬واستفراغ مواد أذاهم‪ ،‬رخصةً لعباده‪ ،‬ولطفاً بهم‪ ،‬ورأفة بهم‪.‬‬
‫أمثالها من حِميتهم‪ ،‬وحِف ِ‬
‫وهو الرّؤوف الرحيم‪.‬‬
‫فصل‬
‫في هديه صلى ال عليه وسلم في معاملته‬
‫سَلفَ من‬
‫ستَ ْ‬
‫ن النّاسِ مُعاملةً‪ .‬وكان إذا استلف سلفًا قضى خيرًا منه‪ .‬وكان إذا ا ْ‬
‫كان أحس َ‬
‫حمْدُ‬
‫سَلفِ ال َ‬
‫جزَا ُء ال ّ‬
‫لّ َلكَ في أَهِلكَ َومَاِلكَ‪ ،‬إ ّنمَا َ‬
‫سلَفاً‪ ،‬قضاه إياه‪ ،‬ودعا له‪ ،‬فقال‪(( :‬بَا َركَ ا ُ‬
‫رجل َ‬
‫والداءُ))‪.‬‬
‫واستسلف من رجل أربعين صاعاً‪ ،‬فاحتاج النصاريّ‪ ،‬فأتاه‪ ،‬فقال صلى ال عليه وسلم‪:‬‬
‫ل صلى ال عليه وسلم‪(( :‬لَ‬
‫((مَا جَا َءنَا مِنْ شَي ٍء بَعد)) فقال الرجل‪ :‬وَأرَادَ أن يتكلم‪ ،‬فقال رسول ا ّ‬
‫سّلفَ)) فأعطاه أربعين فضلً‪ ،‬وأربعين سُلفة‪ ،‬فأعطاه ثمانين‪ .‬ذكره‬
‫ل إل خَيراً‪َ ،‬فَأنَا خَي ُر مَن تَ َ‬
‫تَقُ ْ‬
‫البزار‪ .‬واقترض بعيراً‪ ،‬فجاء صاحبه يتقاضاه‪ ،‬فأغلظ للنبي صلى ال عليه وسلم‪ ،‬فه َم به أصحابُه‪،‬‬
‫حبِ الحَق مَقَالً)) واشترى مرة شيئًا وليس عنده ثمنُه فُأ ْربِحَ فيه‪ ،‬فباعه‪،‬‬
‫ن ِلصَا ِ‬
‫فقال‪(( :‬دَعُوهُ فَإ ّ‬
‫عنْدِي ثمنُه))‬
‫ل وَ ِ‬
‫ش َترِى َبعْدَ هَذَا شيْئاً إ ّ‬
‫وتصدّق بالربح على أرامل بني عبد المطلب‪ ،‬وقال‪(( :‬لَ أَ ْ‬

‫‪72‬‬

‫ذكره أبو داود‪ ،‬وهذا ل يُناقض الشراء في الذمة إلى أجل‪ ،‬فهذا شيء‪ ،‬وهذا شيء‪ .‬وتقاضاه غريم‬
‫ج إَلى أَنْ تَأْمرني‬
‫حوَ َ‬
‫ع َم ُر ُك ْنتُ أَ ْ‬
‫له ديناً‪ ،‬فأغلظ عليه‪ ،‬فه ّم به عم ُر بن الخطاب فقال‪(( :‬مَ ْه يَا ُ‬
‫صبْرِ))‪ ،‬وباعه يهودي بيعًا إلى أجل‪ ،‬فجاءه قبل الجل‬
‫ن تَ ْأ ُم َر ُه بِال ّ‬
‫حوَج إلَى أَ ْ‬
‫ن أَ ْ‬
‫بِا ْلوَفَاءِ‪َ .‬وكَا َ‬
‫يتقاضاه ثمنَه‪ ،‬فقال‪ :‬لم يَحِلّ الجلُ‪ ،‬فقال اليهوديّ‪ :‬إنكم لَمطْل يَا بنَي عبدِ المطلب‪ ،‬فهمّ به أصحابُه‪،‬‬
‫فنهاهم‪ ،‬فلم َيزِدْه ذلك إل حِلماً‪ ،‬فقال اليهودي‪ :‬كُلّ شيء منه قد عرفته من علمات النبوة‪ ،‬وبقيت‬
‫عرِفَها‪ ،‬فأسلم اليهودي‪.‬‬
‫ت أن أ ْ‬
‫واحدةٌ‪ ،‬وهي أنه ل تزيدُه شدةُ الجهل عليه إل حلماً‪ ،‬فأرد ُ‬
‫فصل‬
‫في هديه صلى ال عليه وسلم في مشيه وحده ومع أصحابه‬
‫كان إذا مشى‪ ،‬تكفّأ تكفّؤاً‪ ،‬وكان أسرَعَ الناس مِشيةً‪ ،‬وأحسنَها وأسكنها قال أبو هريرة‪ :‬ما‬
‫ل صلى ال عليه وسلم‪ ،‬كأن الشمسَ تجري في وجهه‪ ،‬وما رأيتُ‬
‫رأيتُ شيئاً أحسنَ من رسول ا ّ‬
‫جهَدُ‬
‫ض تُطوى له‪ ،‬وإنا لَن ْ‬
‫ل صلى ال عليه وسلم‪ ،‬كأنما الر ُ‬
‫أحداً أسرع في مِشيته من رسول ا ّ‬
‫ل صلى ال عليه‬
‫ل عنه‪ :‬كان رسولُ ا ّ‬
‫أنفسَنا وإنه لغي ُر ُم ْك َترِث‪ .‬وقال علي بن أبي طالب رضي ا ّ‬
‫ص َببٍ‪ ،‬وقال مرة‪ :‬إذا مشى‪ ،‬تقلّع قلتُ‪ :‬والتقلُع‪ :‬الرتفاعُ‬
‫ط مِنْ َ‬
‫وسلم إذا مشى تكفّأ تكفؤاً كأنما ينح ّ‬
‫من الرض بجملته‪ ،‬كحال المنحط من الصبب‪ ،‬وهي مِشية أولي العزم والهِمة والشجاعة‪ ،‬وهي‬
‫ج والمهانة والتماوت‪ ،‬فإن الماشيَ‪ ،‬إمّا‬
‫أعدلُ المِشيات وأرواحُها للعضاء‪ ،‬وأبعدُها من مِشية ال َهوَ ِ‬
‫أن يتماوت في مشيه ويمشي قطعة واحدة‪ ،‬كأنه خشبة محمولة‪ ،‬وهي مِشية مذمومة قبيحة‪ ،‬وإمّا أن‬
‫يمشي بانزعاج واضطراب مشي الجمل الهوج‪ ،‬وهي مِشي ٌة مذمومة أيضاً‪ ،‬وهي دالة على خِفّة‬
‫عقل صاحبها‪ ،‬ول سيما إن كان يُكثرُ اللتفات حال مشيه يميناً وشمالً‪ ،‬وإمّا أن يمشي َهوْناً‪ ،‬وهي‬
‫ى الرْضِ‬
‫عَل َ‬
‫حمَنِ الّذينَ َيمْشُونَ َ‬
‫عبَا ُد الرّ ْ‬
‫مِشية عبادِ الرحمن‪ ،‬كما وصفهم بها في كتابه‪ ،‬فقال‪{ :‬وَ ِ‬
‫َهوْناً} [الفرقان‪ ]63 :‬قال غيرُ واحد من السلف‪ :‬بسكينة ووقار من غير تكبّر ول تماوت‪ ،‬وهي‬
‫ل صلى ال عليه وسلم‪ ،‬فإنه مع هذه المِشية كان كأنما ينحط من صبب‪ ،‬وكأنما‬
‫مِشية رسول ا ّ‬
‫ل صلى ال عليه وسلم غيرُ‬
‫جهِدُ نفسَه ورسولُ ا ّ‬
‫ض تُطوى له‪ ،‬حتى كان الماشي معه يُ ْ‬
‫الر ُ‬
‫ُم ْك َت ِرثٍ‪ ،‬وهذا يدل على أمرين‪ :‬أن مِشيته لم تكن مِشية بتماوت ول بمهانة‪ ،‬بل مشية أعدل‬
‫المشيات‪.‬‬

‫‪73‬‬

‫والمشيات عشرة أنواع‪ ،‬هذه الثلثة منها‪ ،‬والرابع‪ :‬السعي‪ .‬والخامس‪ :‬ال ّرمَلَ‪ ،‬وهو‬
‫أسرعُ المشي مع تقارب الخُطَا‪ ،‬ويسمى‪ :‬الخَبب‪ ،‬وفي الصحيح من حديث ابن عمر أن النبي صلى‬
‫خبّ في طَوافِهِ ثلثاً‪ ،‬ومشى أربعاً‪.‬‬
‫ال عليه وسلم َ‬
‫السادس‪ :‬النّسَلن‪ ،‬وهو العَدْو الخفيف الذي ل يُزعج الماشي‪ ،‬ول َي ْك ِرثُهُ‪ .‬وفي بعض‬
‫ل صلى ال عليه وسلم من المشي في حجة الوداع‪ ،‬فقال‪:‬‬
‫ش َكوْا إلى رسول ا ّ‬
‫المسانيد أن المشاة َ‬
‫ستَعِينُوا بالنّسَلَنِ))‪.‬‬
‫((ا ْ‬
‫خ ْوزَلى‪ ،‬وهي مِشية التمايل‪ ،‬وهي مِشية‪ ،‬يقال‪ :‬إن فيها تكسرا وتخنثاً‪.‬‬
‫والسابع‪ :‬ال َ‬
‫والثامن‪ :‬القهقرى‪ ،‬وهي المشية إلى وراء‪.‬‬
‫ج َمزَى‪ ،‬وهي مِشية َي ِثبُ فيها الماشي وثباً‪.‬‬
‫والتاسع‪ :‬ال َ‬
‫سفَ الُّ سبحانه‬
‫والعاشر‪ :‬مِشية التبختر‪ ،‬وهي مِشية أُولي العجب والتكبّر‪ ،‬وهي التي خَ َ‬
‫بصاحبها لما نظر في عِطْ َفيْهِ وأعجبته نفسُه‪ ،‬فهو يتجلجلُ في الرض إلى يوم القيامة‪.‬‬
‫ن والتكفّؤ‪.‬‬
‫وأعدلُ هذه المِشيات مِشية ال َهوْ ِ‬
‫والمشيات عشرة أنواع‪ ،‬هذه الثلثة منها‪ ،‬والرابع‪ :‬السعي‪ .‬والخامس‪ :‬ال ّرمَلَ‪ ،‬وهو‬
‫أسرعُ المشي مع تقارب الخُطَا‪ ،‬ويسمى‪ :‬الخَبب‪ ،‬وفي الصحيح من حديث ابن عمر أن النبي صلى‬
‫خبّ في طَوافِهِ ثلثاً‪ ،‬ومشى أربعاً‪.‬‬
‫ال عليه وسلم َ‬
‫السادس‪ :‬النّسَلن‪ ،‬وهو العَدْو الخفيف الذي ل يُزعج الماشي‪ ،‬ول َي ْك ِرثُهُ‪ .‬وفي بعض‬
‫ل صلى ال عليه وسلم من المشي في حجة الوداع‪ ،‬فقال‪:‬‬
‫ش َكوْا إلى رسول ا ّ‬
‫المسانيد أن المشاة َ‬
‫ستَعِينُوا بالنّسَلَنِ))‪.‬‬
‫((ا ْ‬
‫خ ْوزَلى‪ ،‬وهي مِشية التمايل‪ ،‬وهي مِشية‪ ،‬يقال‪ :‬إن فيها تكسرا وتخنثاً‪.‬‬
‫والسابع‪ :‬ال َ‬
‫والثامن‪ :‬القهقرى‪ ،‬وهي المشية إلى وراء‪.‬‬
‫ج َمزَى‪ ،‬وهي مِشية َي ِثبُ فيها الماشي وثباً‪.‬‬
‫والتاسع‪ :‬ال َ‬
‫سفَ الُّ سبحانه‬
‫والعاشر‪ :‬مِشية التبختر‪ ،‬وهي مِشية أُولي العجب والتكبّر‪ ،‬وهي التي خَ َ‬
‫بصاحبها لما نظر في عِطْ َفيْهِ وأعجبته نفسُه‪ ،‬فهو يتجلجلُ في الرض إلى يوم القيامة‪.‬‬
‫ن والتكفّؤ‪.‬‬
‫وأعدلُ هذه المِشيات مِشية ال َهوْ ِ‬
‫فصل‬
‫في هديه صلى ال عليه وسلم في جلوسه واتكائه‬

‫‪74‬‬

‫خ َرمَة‪ :‬أتيتُ رسول‬
‫كان يجلِس على الرض‪ ،‬وعلى الحصير‪ ،‬والبِساط‪ ،‬وقالت َق ْيلَ ُة بنت مَ ْ‬
‫ل صلى ال عليه وسلم‬
‫ل صلى ال عليه وسلم وهو قاعد القُرفصاء‪ ،‬قالت‪ :‬فلما رأيتُ رسول ا ّ‬
‫ا ّ‬
‫كالمتخشّع في الجلِسة‪ ،‬أُرعِدتُ من ال َفرَق‪ .‬ولما قدم عليه عديّ بنُ حاتِم‪ ،‬دعاُه إلى منزله‪ ،‬فألقت إليه‬
‫ت أنه‬
‫الجاري ُة وِسادة يجلِس عليها‪ ،‬فجعلها بينه وبين عدي‪ ،‬وجلس على الرض‪ .‬قال عدي‪ :‬فعرف ُ‬
‫ليس ب َملِك‪ .‬وكان يستلقي أحياناً‪ ،‬ورب وضع إحدى رجليه على الخرى‪ ،‬وكان يتكىء على‬
‫الوِسادة‪ ،‬وربما اتكأ على يساره‪ ،‬وربما اتكأ على يمينه‪ .‬وكان إذا احتاج في خروجه‪ ،‬توكأ على‬
‫بعض أصحابه من الضعف‪.‬‬
‫فصل‬
‫في هديه صلى ال عليه وسلم عند قضاء الحاجة‬
‫س النّجِسِ‬
‫ج ِ‬
‫خبَا ِئثِ)) ((الرّ ْ‬
‫ث وال َ‬
‫خ ُب ِ‬
‫ك مِنَ ال ُ‬
‫كان إذا دخل الخلء قال‪(( :‬الّلهُمّ إنّي أَعُوذُ ِب َ‬
‫شيْطَانِ الرّجِيمِ))‪.‬‬
‫ال ّ‬
‫وكان إذا خرج يقول‪(( :‬غُ ْفرَا َنكَ))‪.‬‬
‫وكان يستنجي بالماء تارة‪ ،‬ويستجمِر بالحجار تارة‪ ،‬ويجمع بينهما تارة‪.‬‬
‫وكان إذا ذهب في سفره للحاجة‪ ،‬انطلق حتى يتوارَى عن أصحابه‪ ،‬وربما كان يبعُد نحو‬
‫الميلين‪.‬‬
‫ش النّخل تارة‪ ،‬وبشجر الوادي تارة‪.‬‬
‫وكان يستتِر للحاجة بالهدف تارة‪َ ،‬وبِحَا ِئ ِ‬
‫وكان إذا أراد أن يبول في عزَازٍ من الرض ‪ -‬وهو الموضع الصلب ‪ -‬أخذ عودًا من‬
‫الرض‪ ،‬فنكت به حتى ُي َثرّى‪ ،‬ثم يبول‪.‬‬
‫وكان يرتاد لبوله الموضع ال ّد ِمثَ ‪ -‬وهو اللين الرخو من الرض ‪ -‬وأكثر ما كان‬
‫يبول وهو قاعد‪ ،‬حتى قالت عائشة‪(( :‬مَنْ ح ّدثَكم أنه كان يُبول قائماً‪ ،‬فل تُصدّقوه‪ ،‬ما كان يبولُ إل‬
‫قاعدا)) وقد روى مسلم في ((صحيحه)) من حديث حذيفة َأنّه بَالَ قَائِماً‪ .‬فقيل‪ :‬هذا بيان للجواز‬
‫ضيْهِ‪ .‬وقيل‪ :‬فعله استشفاءً‪ .‬قال الشافعي رحمه الّ‪ :‬والعرب‬
‫وقيل‪ :‬إنما فعله مِن وجع كان ِبمَ ْأ ِب َ‬
‫تستشفي منِ وجع الصلب بالبول قائماً‪ ،‬والصحيح أنه إنما فعل ذلك تنزهًا وبُعداً من إصابة البول‪،‬‬
‫فإنه إنما فعل هذا لما أتى سُباطة قوم وهو ملقى الكُناسة‪ ،‬وتسمى المزبلة‪ ،‬وهي تكون مرتفعة‪ ،‬فلو‬
‫بال فيها الرجل قاعداً‪ ،‬لرتد عليه بولُه‪ ،‬وهو صلى ال عليه وسلم استتر بها‪ ،‬وجعلها بينه وبين‬
‫ل أعلم‪.‬‬
‫الحائط‪ ،‬فلم يكن بدٌ من بوله قائماً‪ ،‬وا ّ‬

‫‪75‬‬

‫وقد ذكر الترمذي عن عمر بن الخطاب قال‪ :‬رآني النبيّ صلى ال عليه وسلم وأنا أبول‬
‫قائماً‪ ،‬فقال‪(( :‬يا عمر ل َتبُلْ قائماً))‪ ،‬قال‪ ،‬فما بلت قائماً بعدُ‪ .‬قال الترمذي‪ :‬وإنما رفعه عبد الكريم‬
‫بن أبي المخارق‪ ،‬وهو ضعيف عند أهل الحديث‪.‬‬
‫ل صلى ال‬
‫ل بن بُريدة عن أبيه‪ ،‬أن رسول ا ّ‬
‫وفي ((مسند البزار)) وغيره‪ ،‬من حديث عبد ا ّ‬
‫غ مِنْ‬
‫ل أَنْ يَ ْفرُ َ‬
‫ج ْب َهتَهُ َقبْ َ‬
‫ل الرّجُلُ قَائِماً‪َ ،‬أ ْو َيمْسَحَ َ‬
‫لثٌ مِنَ الجَفَاءِ‪ :‬أَنْ َيبُو َ‬
‫عليه وسلم قال‪(( :‬ثَ َ‬
‫لتِهِ‪َ ،‬أ ْو َينْفُخَ في سُجُو ِدهِ))‪ .‬ورواه الترمذي وقال‪ :‬هو غير محفوظ‪ ،‬وقال البزار‪ :‬ل نعلم من‬
‫صَ َ‬
‫ل بن بريدة إل سعيد بن عبيد الّ‪ ،‬ولم يجرحه بشيء‪ .‬وقال ابن أبي حاتِم‪ :‬هو‬
‫رواه عن عبد ا ّ‬
‫بصري ثقة مشهور‪.‬‬
‫وكان يخرج من الخلء‪ ،‬فيقرأ القرآن‪ ،‬وكان يستنجي‪ ،‬ويستجمِر بشماله‪ ،‬ولم يكن يصنع‬
‫شيئًا مما يصنعه المبتلون بالوسواس من َنتْر ال ّذ َكرِ‪ ،‬والنحنحة‪ ،‬والقفز‪ ،‬ومسك الحبل‪ ،‬وطلوع‬
‫ع أهلِ‬
‫الدرج‪ ،‬وحشو القطن في الِحليل‪ ،‬وصب الماء فيه‪ ،‬وتفقده الفينة بعد الفينة‪ ،‬ونح ِو ذلك مِن بِدَ ِ‬
‫الوسواس‪ .‬وقد روي عنه صلى ال عليه وسلم أنه كان إذا بَالعَ‪َ ،‬ن َترَ َذكَره ثلثاً‪ .‬وروي أنه أمر به‪،‬‬
‫ولكن ل يصح من فعله ول أمره‪ .‬قاله أبو جعفر العُقيلي‪.‬‬
‫وكان إذا سلم عليه أحد وهو يبُول‪ ،‬لم ير ّد عليه‪ ،‬ذكره مسلم في ((صحيحه)) عن ابن عمر‪.‬‬
‫شيَةَ‬
‫عَليْكَ خَ ْ‬
‫وروى البزار في ((مسنده)) في هذه القصة أنه ر َد عليه‪ ،‬ثم قال ((إنّما رَدَ ْدتُ َ‬
‫عَل ْيكَ‬
‫ل َأرُدّ َ‬
‫عَليّ‪ ،‬فَإنّي َ‬
‫سلّمْ َ‬
‫ل تُ َ‬
‫عَليّ سَلَماً‪ ،‬فَإذَا َرَأ ْيتَنِي هكذا‪ ،‬فَ َ‬
‫عَليْهِ‪َ ،‬فلَ ْم َيرُدّ َ‬
‫أَنْ تَقُولَ‪ :‬سلّمتُ َ‬
‫السّلَمَ))‪ .‬وقد قيل‪ :‬لعل هذا كان مرتين‪ ،‬وقيل‪ :‬حديث مسلم أصح‪ ،‬لنه من حديث الضحاك بن‬
‫ل بن‬
‫عثمان‪ ،‬عن نافع‪ ،‬عن ابن عمر‪ ،‬وحديث البزار من رواية أبي بكر رجل من أولد عبد ا ّ‬
‫ل بن‬
‫ن عمر بن عبد الرحمن بن عبد ا ّ‬
‫عمر‪ ،‬عن نافع‪ ،‬عنه‪ .‬قيل‪ :‬وأبو بكر هذا‪ :‬هو أبو بكر ب ُ‬
‫عمر‪ ،‬روى عنه مالك وغيره‪ ،‬والضحاك أوثق منه‪.‬‬
‫ك على الرض‪ ،‬وكان إذا جلس لحاجته‪ ،‬لم يرفع‬
‫وكان إذا استنجى بالماء‪ ،‬ضرب يده بعد ذِل َ‬
‫ثوبَه حتّى يدنو مِن الرض‪.‬‬
‫فصل‬
‫في هديه صلى ال عليه وسلم في الفطرة وتوابعها‬
‫ق صدرهُ‬
‫قد سبق الخلف هل وُلد صلى ال عليه وسلم مختوناً‪ ،‬أو خَتنته الملئكة يومَ شُ ّ‬
‫لول مرة‪ ،‬أو ختنه جدُه عبد المطلب؟‬

‫‪76‬‬

‫جلِه وطهوره وأخذِه وعطائه‪ ،‬وكانت يمينُه لِطعامه‬
‫وكان يُعجبه التيمن في تن ّعلِه وتر ّ‬
‫وشرابه وطهوره‪ ،‬ويَسارُه لِخَلئه ونحوه من إزالة الذى‪.‬‬
‫وكان هديُه في حلق الرأس تركَه كلّه‪ ،‬أو أخذَه كلّه‪ ،‬ولم يكن يحلِق بعضه‪ ،‬ويدعُ بعضه‪ ،‬ولم‬
‫يُحفظ عنه حلقُه إل في نُسك‪ .‬وكان يُحب السّواكَ‪ ،‬وكان يستاك مفطراً وصائماً‪ ،‬ويستاك عند‬
‫النتباه من النوم‪ ،‬وعند الوضوء‪ ،‬وعند الصلة‪ ،‬وعند دخول المنزل‪ ،‬وكان يستاك ِبعُود الرائك‪.‬‬
‫طلِي بال ّنوَرة‪.‬‬
‫وكان يُكثر التطيبَ‪ ،‬ويحب الطّيب‪ ،‬و ُذ ِكرَ عنه أنه كان يَ ّ‬
‫وكان أولً يَسْدُلُ شعره‪ ،‬ثم فرقه‪ ،‬والفرق أن يجعل شعره فِرقتين‪ ،‬كل فرقة ذؤابة‪ ،‬والسدل‬
‫أن يس ُدلَه من ورائه ول يجعله فِرقتين‪ .‬ولم يدخل حماماً قط‪ ،‬ولعله ما رآه بعينه‪ ،‬ولم يصح في‬
‫الحمام حديث‪.‬‬
‫وكان له مُكحُلة يكتحِل منها كلّ ليلة ثلثًا عند النوم في كل عين‪ .‬واختلف الصحابة في‬
‫ضبْ وقال أبو هريرة خضب‪ ،‬وقد روى حماد بن سلمة عن حُميد‪ ،‬عن‬
‫خِضابه‪ ،‬فقال أنس لم يخ ِ‬
‫ل بن‬
‫ل صلى ال عليه وسلم مخضوباً‪ ،‬قال حماد‪ :‬وأخبرني عبد ا ّ‬
‫أنس قال رأيتُ شعر رسول ا ّ‬
‫محمد بن عقيل قال‪ :‬رأيت شعر رسول الّ صلى ال عليه وسلم عند أنس بن مالك مخضوباً‪ ،‬وقالت‬
‫ل صلى ال عليه وسلم مما ُي ْك ِث ُر الطيبَ قد اح َمرّ شعره‪ ،‬فكان يُظن مخضوباً‪.‬‬
‫طائفة‪ :‬كان رسولُ ا ّ‬
‫ل صلى ال عليه وسلم مع ابن لي‪ ،‬فقال‪(( :‬أهذا اب ُنكَ؟))‬
‫ولم يخضِب وقال أبو ِرمْثة‪ :‬أتيت رسول ا ّ‬
‫عَل ْيكَ))‪ ،‬قال‪ :‬ورأيت الشيب أحمر‪ ،‬قال‬
‫جنِي َ‬
‫عَليْهِ‪ ،‬وَلَ َي ْ‬
‫قُلتُ‪ :‬نعم أشهد به‪ ،‬فقال‪(( :‬ل تَجْني َ‬
‫الترمذي‪ :‬هذا أحسن شيء روي في هذا الباب وأفسرهُ‪ ،‬لن الروايات الصحيحة أن النبي صلى ال‬
‫عليه وسلم لم يبلغ الشيب‪ .‬قال حماد بن سلمة عن سِماك بن حرب قيل لجابر بن سمرة‪ :‬أكان في‬
‫ب إل شعراتٍ في مَ ْفرِقِ رأس ِه إذا‬
‫رأس النبي صلى ال عليه وسلم شيب؟ قال‪ :‬لم يكن في رأسه شي ٌ‬
‫ل صلى ال عليه وسلم ُي ْك ِثرُ دُهنَ رأسه ولحيته‪،‬‬
‫ن الدّهن‪ :‬قال أنس‪ :‬وكان رسولُ ا ّ‬
‫ادّهن وأراهُ ّ‬
‫ع كأن ثوبه ثوبُ زيات وكان يُحبّ الترجُلَ‪ ،‬وكان يرجّل نفسه تارة‪ ،‬وترجّله عائشة‬
‫ويُكثر ال ِقنَا َ‬
‫ج ّمتُه تضرِب شحم َة أذنيه‪ ،‬وإذا طال‪ ،‬جعله‬
‫جمّة ودُون الوَ ْف َرةِ‪ ،‬وكانت ُ‬
‫تارة‪ .‬وكان شعره فوق ال ُ‬
‫ل صلى ال عليه وسلم مكة قَ ْدمَةً‪ ،‬وله أربع غدائر‪،‬‬
‫غَدَا ِئرَ أربعاً‪ ،‬قالت أمّ هانئ‪ :‬قدم علينا رسولُ ا ّ‬
‫والغدائر‪ :‬الضفائر‪ ،‬وهذا حديث صحيح وكان صلى ال عليه وسلم ل ير ّد الطيب‪ ،‬وثبت عنه في‬
‫ط ّيبُ الرّائِحَةِ‪ ،‬خَفِيفُ‬
‫ل َيرُدّه‪ ،‬فَإنّهُ َ‬
‫عَليْ ِه َريْحَانٌ فَ َ‬
‫عرِضَ َ‬
‫ث ((صحيح مسلم)) أنه قال‪(( :‬مَنْ ُ‬
‫حدي ِ‬
‫ل َيرُدّه)) وليس بمعناه‪،‬‬
‫عَليْهِ طِيبٌ فَ َ‬
‫عرِضَ َ‬
‫حمِل))‪ ،‬هذا لفظ الحديث‪ ،‬وبعضهم يرويه‪(( :‬مَنْ ُ‬
‫المَ ْ‬

‫‪77‬‬

‫فإن الريحان ل تكثُر ال ِمنّةُ بأخذه‪ ،‬وقد جرت العادةُ بالتسامح في بذله‪ ،‬بخلف المسك والعنبر‬
‫عزْرة بن ثابت‪ ،‬عن ثُمامة‪ ،‬قال أنس‪ :‬كان رسولُ‬
‫والغَالِية ونحوها‪ ،‬ولكن الذي ثبت عنه من حديث َ‬
‫ل صلى ال عليه وسلم ل َيرُدّ الطّيبَ‬
‫ا ّ‬
‫لثٌ ل تُرد‪ :‬الوَسَائِدُ‪ ،‬والدّهْنُ‪ ،‬والَلبَنُ)) فحديث معلول‪ ،‬رواه‬
‫ث ابن عمر يرفعه ((ثَ َ‬
‫وأمّا حدي ُ‬
‫ل بن مسلم بن جندب‪ ،‬عن‬
‫الترمذي وذكر علته‪ ،‬ول أحفظ الن ما قيل فيه‪ ،‬إل أنه من رواية عبد ا ّ‬
‫أبيه‪ ،‬عن ابن عمر‪ .‬ومن مراسيل أبي عثمان النّهدي قال‪ :‬قال رسول الّ صلى ال عليه وسلم‪:‬‬
‫ل صلى ال عليه‬
‫جنّةِ))‪ .‬وكان لرسول ا ّ‬
‫ج مِنَ ال َ‬
‫خرَ َ‬
‫ل َيرُ ّدهُ‪ ،‬فَإنّهُ َ‬
‫طيَ أَحَ ُدكُ ُم ال ّريْحَانَ‪ ،‬فَ َ‬
‫((إِذَا أُعْ ِ‬
‫حنّاءِ‪.‬‬
‫ب الطيب إليه المِسك‪ ،‬وكان يُعجبه الفاغية قيل‪ :‬وهي َنوْر ال ِ‬
‫سكّة يتطّيبُ منها‪ ،‬وكان أح ّ‬
‫وسلم ُ‬
‫فصل‬
‫في هديه صلى ال عليه وسلم في قص الشارب‬
‫قال أبو عمر بن عبد البر‪ :‬روى الحسن بن صالح‪ ،‬عن سِماك‪ ،‬عن عِكرمة‪ ،‬عن ابن عباس‬
‫ل صلى ال عليه وسلم كان يقصّ شاربه‪ ،‬ويذكر أن إبراهيمَ كان‬
‫رضي الّ عنهما أن رسول ا ّ‬
‫يَقصّ شا ِربَه‪ ،‬ووقفه طائفة على ابن عباس وروى الترمذي من حديث زيد بن أرقم قال‪ :‬قال رسولُ‬
‫ن لَمْ يَ ْأخُ ْذ مِنْ شَا ِربِهِ‪َ ،‬فَل ْيسَ ِمنّا)) وقال‪ :‬حديث صحيح‪ ،‬وفي‬
‫لّ صلى ال عليه وسلم‪(( :‬مَ ْ‬
‫ا ِ‬
‫شوَا ِربَ‪،‬‬
‫لّ صلى ال عليه وسلم‪ُ (( :‬قصّوا ال ّ‬
‫((صحيح مسلم)) عن أبي هريرة قال‪ :‬قال رسولُ ا ِ‬
‫َوَأرْخُوا اللّحَى‪ ،‬خَالِفُوا المَجُوسَ)) وفي ((الصحيحين)) عن ابنِ عمر‪ ،‬عن النبيّ صلى ال عليه‬
‫ش ِركِينَ‪ ،‬وو ّفرُوا اللّحى‪ ،‬وأَحفوا الشواربَ)) وفي ((صحيح مسلم)) عن أنس‬
‫وسلم‪(( :‬خَالِفُوا المُ ْ‬
‫ك َأ ْكثَر مِنْ‬
‫ل َن ْت ُر َ‬
‫ي صلى ال عليه وسلم في قص الشوارب َوتَ ْقلِيمِ الَظْفَار‪ ،‬أَ ّ‬
‫ت َلنَا النّب ُ‬
‫قال‪ :‬وَ ّق َ‬
‫َأرْبعِين َيوْمًا َوَليْلةً‪.‬‬
‫واختلف السلفُ في قصّ الشارب وحلقِه أيهما أفضل؟ فقال مالك في ((موطئه))‪:‬‬
‫ل بنفسه‪ .‬وذكر ابن عبد‬
‫يُؤخذ من الشارب حتى تجد َو أطرافُ الشفة وهو الِطار‪ ،‬ول يجزّه َف ُي َمثّ َ‬
‫ب من‬
‫الحكم عن مالك قال‪ :‬يُحفي الشارب‪ ،‬ويُعفي اللّحى‪ ،‬وليس إحفاءُ الشارب حلقَه‪ ،‬وأرى أن يُؤ ّد َ‬
‫حلق شاربه‪ ،‬وقال ابن القاسم عنه‪ :‬إحفاءُ الشارب وحلقه عندي مُثلَةٌ‪ ،‬قال مالك‪ :‬وتفسير حديث‬
‫النبي صلى ال عليه وسلم في إحفاء الشارب‪ ،‬إنما هو الِطار‪ ،‬وكان يكره أن يُؤخذ من أعله‪،‬‬
‫وقال‪ :‬أشهد في حلق الشارب أنه بدعة‪ ،‬وأرى أن يُوجَ َع ضربَا مَنْ فعله‪ ،‬قال مالك‪ :‬وكان عمر بن‬
‫الخطاب إذا َك َربَ ُه أمر‪ ،‬نفخ‪ ،‬فجعل رجله بردائه وهو يفتل شاربه‪ .‬وقال عمر بن عبد العزيز‪ :‬السنة‬

‫‪78‬‬

‫في الشارب الِطار‪ .‬وقال الطحاوي‪ :‬ولم أجد عن الشافعي شيئًا منصوصاً في هذا‪ ،‬وأصحاب ُه الّذينَ‬
‫ي والربيعُ كانا يُحفيان شواربهما‪ ،‬ويدل ذلك على أنهما أخذاه عن الشافعي رحمه الّ‪،‬‬
‫رأينا المزن ّ‬
‫قال‪ :‬وأمّا أبو حنيفة وزفر وأبو يوسف ومحمد‪ ،‬فكان مذهبُهم في شعر الرأس والشوارب أن‬
‫ل من التقصير‪ ،‬وذكر ابن خُويز منداد المالكي عن الشافعي أن مذهبه في حلق‬
‫الِحفا َء أفض ُ‬
‫الشارب كمذهب أبي حنيفة‪ ،‬وهذا قول أبي عمر‪ .‬وأمّا الِمام أحمد‪ ،‬فقال الثرم‪ :‬رأيتُ الِمام أحمد‬
‫بن حنبل يُحفي شاربه شديداً‪ ،‬وسمعته يُسأل عن السنة في إحفاء الشارب؟ فقال‪ :‬يُحفي كما قال‬
‫شوَا ِربَ)) وقال حنبل‪ :‬قيل لبي عبد الّ‪ :‬ترى الرجُلَ يأخذ‬
‫النبي صلى ال عليه وسلم ((أحْفُوا ال ّ‬
‫شاربه‪ ،‬أو يُحفيه؟ أم كيف يأخذه؟ قال‪ :‬إن أحفاه‪ ،‬فل بأس‪ ،‬وإن أخذه قصاً فل بأس‪ .‬وقال أبو محمد‬
‫بن قدامة المقدسي في ((المغني))‪ :‬وهو مخير بين أن يُحفيه‪ ،‬وبين أن يقصه من غير إحفاء‪ .‬قال‬
‫سوَاك‬
‫ل صلى ال عليه وسلم أخذ من شاربه على ِ‬
‫الطحاوي‪ :‬وروى المغير ُة بن شعبة أن رسولَ ا ِ‬
‫وهذا ل يكون معه إحفاء‪ .‬واحتج من لم يرَ إحفاءه بحديثي عائشة وأبي هريرة المرفوعين ((عشر‬
‫خ ْمسٌ))‬
‫طرَة َ‬
‫ص الشّا ِربِ وفي حديث أبي هريرة المتفق عليه‪(( :‬الفِ ْ‬
‫من الفطرة)) ‪ ...‬فذكر منها َق ّ‬
‫وذكر منها قص الشارب‪.‬‬
‫واحتج المحفون بأحاديث المر بالحفاء‪ ،‬وهي صحيحة‪ ،‬وبحديث ابن عباس‬
‫جزّ شَا ِربَهُ‪ ،‬قال الطحاوي‪ :‬وهذا الغلب فيه الِحفاء‪ ،‬وهو‬
‫ل صلى ال عليه وسلم كان يَ ُ‬
‫أن رسول ا ّ‬
‫جزّوا‬
‫يحتمل الوجهين‪ .‬وروى العلء بن عبد الرحمن‪ ،‬عن أبيه‪ ،‬عن أبي هريرة يرفعه (( ُ‬
‫شوَا ِربَ‪َ ،‬وَأرْخُوا اللّحَى)) قال وهذا يحتمل الِحفاء أيضاً‪ ،‬وذكر بإسناده عن أبي سعيد‪ ،‬وأبي‬
‫ال ّ‬
‫سيْد‪ ،‬ورافع بن خديج‪ ،‬وسهل بن سعد‪ ،‬وعبد الّ بن عمر‪ ،‬وجابر‪ ،‬وأبي هريرة أنهم كانوا يُحفون‬
‫أُ َ‬
‫شواربهم‪ .‬وقال إبراهيم بن محمد بن حاطب‪ :‬رأيت ابن عمر يُحفي شاربه كأنه َي ْنتِفُه وقال بعضهم‪:‬‬
‫حتى يُرى بياضُ الجلد‪ .‬قال الطحاوي‪ :‬ولما كان التقصير مسنوناً عند الجميع‪ ،‬كان الحلق فيه‬
‫أفضلَ قياسًا على الرأس‪ ،‬وقد دعا النبي صلى ال عليه وسلم للمحلقين ثلثًا وللمقصرين واحدة‪،‬‬
‫ل مِن تقصيره‪ ،‬فكذلك الشارب‪.‬‬
‫فجعل حلق الرأس أفض َ‬
‫فصل‬
‫في هديه صلى ال عليه وسلم في كلمه وسكوته وضحكه وبكائه‬
‫كان صلى ال عليه وسلم أفصحَ خلق الّ‪ ،‬وأعذبَهم كلماً‪ ،‬وأسرعَهم أداءً‪ ،‬وأحلهم َمنْطِقاً‪،‬‬
‫حتى إن كلمه َليَأْخُ ُذ بمجامع القلوب‪ ،‬ويَسبي الرواح‪ ،‬ويشهدُ له بذلك أعداؤه‪ .‬وكان إذا تكلم تكلّم‬

‫‪79‬‬

‫ل ُم َبيّنٍ يعدّه العادّ‪ ،‬ليس ِبهَ ّذ مُسرِعِ ل يُحفظ‪ ،‬ول منقَطع تخّللُه السكتات بين أفراد‬
‫بكلم مُفصّ ِ‬
‫سرُدُ‬
‫ل صلى ال عليه وسلم يَ ْ‬
‫ل الهدي‪ ،‬قالت عائشة‪ :‬ما كان رسول ا ّ‬
‫الكلم‪ ،‬بل هديُه فيه أكم ُ‬
‫سردَكم هذا‪ ،‬ولكن كان يتكلّم بكلم بيّنٍ َفصْلٍ يحفظه من جلس إليه‪ .‬وكان كثيراً ما يُعيد الكلم ثلثاً‬
‫ل السكوت ل يتكلم شي غيرِ حاجة‪ ،‬يفتتحُ الكلم‬
‫ِليُعقلَ عنه‪ ،‬وكان إذا سلّم سلّم ثلثاً‪ .‬وكان طوي َ‬
‫ل ل فضول ول تقصير‪ ،‬وكان ل يتكلم فيما ل يَعنيه‪،‬‬
‫ويختتمه بأشداقه‪ ،‬ويتكلم بجوامع الكلم‪ ،‬فَص ٍ‬
‫ع ِرفَ في وجهه‪ ،‬ولم يكن فاحشاً‪ ،‬ول متفحّشاً‪ ،‬ول‬
‫ول يتكلم إل فيما يرجو ثوابه‪ ،‬وإذا كرِه الشيء‪ُ :‬‬
‫ل ضحكه التبسم‪ ،‬بل كلّه التبسم‪ ،‬فكان نهاي ُة ضحكِه أن تبدوَ نواجِذُه‪.‬‬
‫صخّاباً‪ .‬وكان جُ ّ‬
‫وكان يضحكُ مما يُضحك منه‪ ،‬وهو مما يُتعجب من مثله ويُستغرب وقوعُه ويُستندر‪.‬‬
‫(يتبع‪)...‬‬
‫@‬

‫وللضحك أسباب عديدة‪ ،‬هذا أحدها والثاني‪ :‬ضحِك الفرح‪ ،‬وهو أن يرى ما يسرّه‬

‫ك الغضب‪ ،‬وهو كثيرًا ما يعتري الغضبان إذا اشتد غضبه‪ ،‬وسببه تعجب‬
‫حُ‬
‫أو يُباشره والثالث‪ :‬ض ِ‬
‫الغضبان مما أورد عليه الغضبُ‪ ،‬وشعورُ نفسه بالقدرة على خصمه‪ ،‬وأنه في قبضته‪ ،‬وقد يكون‬
‫ضحكُه ِلمُلكه نفسه عند الغضب‪ ،‬وإعراضِه عمن أغضبه‪ ،‬وعدم اكتراثه به‪.‬‬
‫وأمّا بكاؤه صلى ال عليه وسلم‪ ،‬فكان مِن جنس ضحكه‪ ،‬لم يكن بشهيقٍ‬
‫ورفع صوت كما لم يكن ضحكه بقهقهة‪ ،‬ولكن كانت تدمَعُ عيناه حتى َت ْهمُل‪ ،‬ويُسمع لِصدره أزيزٌ‪.‬‬
‫وكان بكاؤه تارة رحمة للميت‪ ،‬وتارة خوفًا على أمته وشفقة عليها‪ ،‬وتارة مِن خشية الّ‪ ،‬وتارة عند‬
‫سماع القرآن‪ ،‬وهو بكاء اشتياق ومحبة وإجلل‪ ،‬مصاحبٌ للخوف والخشية‪ .‬ولما مات ابنُه‬
‫ل إل مَا ُي ْرضِي‬
‫ن ال َق ْلبُ‪ ،‬ول نَقُو ُ‬
‫حزَ ُ‬
‫إبراهيم‪ ،‬دمعت عيناه وبكى رحمة له‪ ،‬وقال‪(( :‬تَ ْدمَ ُع ال َعيْنُ‪َ ،‬ويَ ْ‬
‫حزُونُونَ))‪ .‬وبكى لما شاهد إحدى بناتِه َونَفْسُها تَفِيضُ‪ ،‬وبكى لما قرأ‬
‫ك يَا ِإ ْبرَاهِي ُم َلمَ ْ‬
‫َربّنا‪َ ،‬وِإنّا ِب َ‬
‫شهِيدٍ‬
‫ج ْئنَا مِن كُلّ أمّة بِ َ‬
‫ف إِذَا ِ‬
‫عليه ابنُ مسعود سورة (النساء) وانتهى فيها إلى قوله تعالى‪َ { :‬ف َك ْي َ‬
‫شهِيداً} [النساء‪ ]41 :‬وبكى لما مات عثمان بن مظعون‪ ،‬وبكى لما كَسَفت‬
‫عَلىَ َهؤُلءِ َ‬
‫ج ْئنَا ِبكَ َ‬
‫وَ ِ‬
‫ب َألَمْ َتعِدْني أَلّ‬
‫شمْسُ‪ ،‬وصلى صلة الكُسوف‪ ،‬وجعل يبكي في صلته‪ ،‬وجعل ينفخ‪ ،‬ويقول‪َ (( :‬ر ّ‬
‫ال ّ‬
‫س َتغْ ِفرُك)) وبكى لما جلس على قبر إحدى بناته وكَانَ‬
‫ن نَ ْ‬
‫ُتعَ ّذ َبهُم َوَأنَا فِيهِ ْم وهُ ْم يَسْتغْ ِفرُونَ‪َ ،‬ونَحْ ُ‬
‫يَبكي أحيانًا في صلة اللّيلِ‪.‬‬

‫‪80‬‬

‫والبكاء أنواع‪ .‬أحدها‪ :‬بكاء الرحمة‪ ،‬والرقة‪ .‬والثاني‪ :‬بكاء الخوف‬
‫جزَع مِن‬
‫والخشية والثالث‪ :‬بكا ُء المحبة والشوق والرابع‪ :‬بكا ُء الفرح والسرور والخامس‪ :‬بكاء ال َ‬
‫ورود المؤلِم وعدم احتماله‪ .‬والسادس‪ :‬بكاءُ الحزن‪.‬‬
‫والفرق بينه وبين بكاء الخوف‪ ،‬أن بكاء الحزن يكون على ما‬
‫مضى من حصول مكروه‪ ،‬أو فوات محبوب‪ ،‬وبكاء الخوف يكون ِلمَا يتوقع في المستقبل مِن ذلك‪،‬‬
‫والفرق بين بكاء السرور والفرح‪ ،‬وبكاء الحزن‪ ،‬أن دمعة السرور باردة‪ ،‬والقلب فرحان‪ ،‬ودمعة‬
‫لّ به عينَه‪ ،‬ولما يُحزن‪:‬‬
‫عيْنٍ‪ ،‬وأقرّ ا ُ‬
‫الحُزن حارة‪ ،‬والقلب حزين‪ ،‬ولهذا يقال لما يُفرح به‪ :‬هو ُق ّرةُ َ‬
‫لّ عينَه بِه‪.‬‬
‫هو سخينةُ العجن‪ ،‬وأسخن ا ُ‬
‫والسابع‪ :‬بكاء الخور والضعف‪.‬‬
‫والثامن‪ :‬بكاء النفاق‪ ،‬وهو أن تدم َع العين‪ ،‬صاحبُه الخشوع‪ ،‬وهو من أقسى الناس قلباً‪.‬‬
‫والتاسع‪ :‬البكاء المستعار والمستأجر عليه‪ ،‬كبكاء النائحة بالجرة‪ ،‬فإنها كما قال عمر بن‬
‫جوَ غَيرها‪.‬‬
‫عبْرتَها‪َ ،‬و َتبْكي شَ ْ‬
‫الخطاب‪َ :‬تبِيعُ َ‬
‫س يبكون لمر ورد عليهم‪ ،‬فيبكي معهم‪،‬‬
‫ل النا َ‬
‫والعاشر‪ :‬بكاء الموافقة‪ ،‬وهو أن يرى الرجُ ُ‬
‫ول يدري لي شيء يبكون‪ ،‬ولكن يراهم يبكون‪ ،‬فيبكي‪.‬‬
‫وما كان من ذلك دمعًا بل صوت‪ ،‬فهو بكى‪ ،‬مقصور‪ ،‬وما كان معه صوت‪ ،‬فهو‬
‫بكاء‪ ،‬ممدود على بناء الصوات‪ ،‬وقال الشاعر‪:‬‬
‫ق لهَا ُبكَاهَا‬
‫ع ْينِي وَحُ ّ‬
‫َب َكتْ َ‬

‫َومَا ُي ْغنِي الْبكَا ُء وَلَ ا ْل َعوِيلُ‬

‫وما كان منه مستدعىً متكلفاً‪ ،‬فهو التباكي‪ ،‬وهو نوعان‪ :‬محمود‪ ،‬ومذموم‪ ،‬فالمحمود‪ ،‬أن‬
‫يُستجلَب لِرقة القلب‪ ،‬ولخشية ال‪ ،‬ل للرياء والسّمعة والمذموم‪ :‬أن يُجتلب لجل الخلق‪ ،‬وقد قال‬
‫عمر بن الخطاب للنبي صلى ال عليه وسلم وقد رآه يبكي هو وأبو بكر في شأن أسارى بدر‪:‬‬
‫أخبرني ما يُبكيك يا رسولْ الّ؟ فإن وجدتُ بكا ًء بكيتُ‪ ،‬وإن لم أجد تباكَيتُ‪ ،‬لبكائكما ولم ينكر عليه‬
‫صلى ال عليه وسلم‪ .‬وقد قال بعض السلف‪ :‬ابكوا مِن خشية ال‪ ،‬فإن لم تبكوا‪ ،‬فتباكوا‪.‬‬
‫فصل‬
‫في هديه صلى ال عليه وسلم في خطبته‬
‫خطب صلى ال عليه وسلم على الرض‪ ،‬وعلى ال ِم ْن َبرِ‪ ،‬وعلى البعير‪ ،‬وعلى النّاقة‪ .‬وكان‬
‫حكُمْ‬
‫صبّ َ‬
‫ج ْيشٍ يَقُولُ‪َ (( :‬‬
‫إذا خطب‪ ،‬احمرّت عيناه‪ ،‬وعل صوته‪ ،‬واشتد غضبه حتى كأنّ ُه مُن ِذرُ َ‬

‫‪81‬‬

‫سبّابَةِ وَالوُسْطَى‪َ ،‬ويَقُولُ‪:‬‬
‫ص ُب َعيْ ِه ال ّ‬
‫ن َبيْنَ ُأ ْ‬
‫َومَسّاكُمْ)) ويقول‪ُ (( :‬ب ِع ْثتُ َأنَا وَالسّاعَة َكهَا َتيْنِ)) َويَ ْقرُ ُ‬
‫لمُورِ‬
‫شرّ ا ُ‬
‫حمّدٍ صلى ال عليه وسلم‪ ،‬وَ َ‬
‫ي ُم َ‬
‫خ ْي َر الهَ ْديِ هَ ْد ُ‬
‫ث كِتابُ الَِ‪ ،‬وَ َ‬
‫خ ْيرَ الحَدِي ِ‬
‫((أَمّا َبعْدُ فَإِنّ َ‬
‫ل بِدْعَ ٍة ضلَلَةٌ))‪.‬‬
‫مُحْ َدثَا ُتهَا‪ ،‬وكُ ّ‬
‫ل كثير من الفقهاء‪ :‬إنه يفتتح‬
‫وكان ل يخطُب خُطبة إل افتتحها بحمد الّ‪ .‬وأما قو ُ‬
‫خطبة الستسقاء بالستغفار‪ ،‬وخطب َة العيدين بالتكبير‪ ،‬فليس معهم فيه سنة عن النبيّ صلى ال عليه‬
‫حمْد لِّ))‪ ،‬وهو أحد الوجوه‬
‫وسلم البتةَ‪ ،‬وسنته تقتضي خلفَه‪ ،‬وهو افتتاحُ جميع الخطب بـ ((الْ َ‬
‫سرّه‪.‬‬
‫الثلثة لصحاب أحمد‪ ،‬وهو اختيار شيخنا قدّس الُّ ِ‬
‫وكان يخطُب قائماً‪ ،‬وفي مراسيل عطاء وغيره أنه كان صلى ال عليه وسلم‬
‫عَل ْيكُم)) قال الشعبي‪ :‬وكان أبو بكر‬
‫صعِ َد ال ِمنَبرَ أقبل بوجهه على الناس‪ ،‬ثم قال‪(( :‬السّلَمُ َ‬
‫إذا َ‬
‫وعمر يفعلن ذلك وكان يختِم خُطبته بالستغفار‪ ،‬وكان كثيراً يخطب بالقرآن وفي ((صحيح‬
‫ن لِسَانِ‬
‫ن المَجِيدِ} [ق‪ ،]1 :‬إل عَ ْ‬
‫مسلم)) عن أمّ هشام بنت حارثة قالت‪(( :‬ما أخذتُ {ق وَالْقُرآ ِ‬
‫طبَ النّاسَ))‪ ،‬وذكر أبو‬
‫علَى ال ِم ْن َب ِر إذَا خَ َ‬
‫ج ُمعَةٍ َ‬
‫ل َيوْمِ ُ‬
‫لّ صلى ال عليه وسلم يَ ْق َرؤُهَا كُ ّ‬
‫رَسُولِ ا ِ‬
‫س َتعِينُهُ‬
‫لَ نَ ْ‬
‫حمْدُ ِ‬
‫ل صلى ال عليه وسلم كان إذا تشهّد قال‪(( :‬ال َ‬
‫داود عن ابن مسعود أَنّ رسُول ا ّ‬
‫ي لَهُ‪،‬‬
‫ضلِلْ‪ ،‬فل هَا ِد َ‬
‫ل لَهُ‪َ ،‬ومَنْ ُي ْ‬
‫ل مُض ّ‬
‫ن َيهْدِ الُّ‪ ،‬فَ َ‬
‫سنَا‪ ،‬مَ ْ‬
‫شرُورِ َأنْفُ ِ‬
‫لّ مِنْ ُ‬
‫س َتغْ ِف ُرهُ‪َ ،‬و َنعُو ُذ بِا ِ‬
‫َونَ ْ‬
‫سلَ ُه بِالْحَق بَشِيرًا َونَذِيرًا َبيْن يَدَي السّاعَةِ‪،‬‬
‫عبْ ُد ُه َورَسُولُهُ‪َ ،‬أرْ َ‬
‫حمّداً َ‬
‫ل إِله إِلّ الُّ‪َ ،‬وأَنّ مُ َ‬
‫شهَدُ أَن َ‬
‫َوأَ ْ‬
‫ل نَفْسَهُ‪ ،‬وَلَ يَضرّ الُّ شيئاً)) وقال أبو‬
‫ض ّر إِ ّ‬
‫ل َي ُ‬
‫ن َيعْص ِهمَا‪َ ،‬فِإنّهُ َ‬
‫لّ َورَسُولَهُ‪ ،‬فَقَدْ رشَ َد َومَ ْ‬
‫مَنْ يُطعِ ا َ‬
‫ل صلى ال عليه وسلم يومَ الجمعة‪ ،‬فذكر‬
‫داود عن يونس أنه سأل ابنَ شهاب عن تشهد رسول ا ّ‬
‫غوَى))‪.‬‬
‫ص ِهمَا فَقَدْ َ‬
‫نحو هذا إل أنه قال‪َ (( :‬ومَنْ َي ْع ِ‬
‫ل مَا ُهوَ‬
‫لّ صلى ال عليه وسلم كان يقول إذا خطب‪(( :‬كُ ّ‬
‫قال ابن شهاب‪ :‬وبلغنا أن رسولَ ا ِ‬
‫ل مَا‬
‫ل ْم ِر النّاسِ‪ ،‬مَا شَاءَ الُّ‪َ ،‬‬
‫خفّ َ‬
‫جلَةِ َأحَدٍ‪ ،‬وَلَ ُي ِ‬
‫لَ ِلعَ َ‬
‫ل ُيعَجّلُ ا ُ‬
‫ل ُبعْ َد ِلمَا ُه َو آتٍ‪ ،‬وَ َ‬
‫آتٍ قَريبٌ‪َ ،‬‬
‫ل ُم ْبعِدَ ِلمَا ق ّربَ‬
‫لّ كَانَ‪َ ،‬وَل ْو َك ِرهَ النّاسُ‪ ،‬وَ َ‬
‫شيْئًا َويُريدُ النّاسُ شَيئاً‪ ،‬مَا شَاءَ ا ُ‬
‫شَا َء الناسُ‪ُ ،‬يرِيدُ الُّ َ‬
‫ل بِإِذْنِ الِّ))‪.‬‬
‫ل َيكُونُ شَيءٌ إ ّ‬
‫ل مُ َق ّربَ ِلمَا َبعّدَ الُّ‪ ،‬و َ‬
‫الُّ‪ ،‬و َ‬
‫وكان مدارُ خُطبه على حمد الّ‪ ،‬والثناء عليه بآلئه‪ ،‬وأوصافِ كماله ومحامده‪،‬‬
‫ن موارد غضبه‪،‬‬
‫وتعليمِ قواعدِ الِسلم‪ ،‬وذكرِ الجنّة والنّار والمعاد‪ ،‬والمرِ بتقوى الّ‪ ،‬وتبيي ِ‬
‫ومواقعِ رضاه فعلى هذا كان مدار خطبه‪.‬‬

‫‪82‬‬

‫ل مَا ُأ ِم ْرتُمْ بهِ‪َ ،‬وَلكِنْ‬
‫ن تَ ْف َعلُوا ‪-‬كُ َ‬
‫ن تُطِيقُوا ‪َ -‬أ ْو لَ ْ‬
‫س ِإ َنكُمْ لَ ْ‬
‫وكان يقول في خطبه‪َ(( :‬أ ّيهَا النّا ُ‬
‫شرُوا))‪.‬‬
‫سَدّدُوا َوَأبْ ِ‬
‫وكان يخطُب في كل وقت بما تقتضيه حاجةُ المخاطَبين ومصلحتهم‪ ،‬ولم َيكُنْ‬
‫يخطب خُطبة إل افتتحها بحمد ال‪ ،‬ويتشهّد فيها بكلمتي الشهادة‪ ،‬ويذكر فيها نفسه باسمه العلم‪.‬‬
‫ي كَا ْليَدِ الجَ ْذمَاءِ))‪.‬‬
‫شهّدٌ‪َ ،‬ف ِه َ‬
‫طبَ ٍة َل ْيسَ فِيهَا تَ َ‬
‫وثبت عنه أنه قال‪(( :‬كُلّ خُ ْ‬
‫ولم يكن له شاويش يخرُج بين يديه إذا خرج من حُجرته‪ ،‬ولم يكن َي ْل َبسُ ِلبَاسَ الخطباء اليوم‬
‫ل طُرحة‪ ،‬ول زِيقًا وَاسعاً‪.‬‬
‫وكان منبرُه ثلثَ درجات‪ ،‬فإذا استوى عليه‪ ،‬واستقبل الناس‪ ،‬أخذ المؤذن في الذان‬
‫فقط‪ ،‬ولم يَقُلْ شيئاً قبلَه ول بعدَه‪ ،‬فإذا أخذ في الخطبة‪ ،‬لم يرفع أح ٌد صوته بشيء البتة‪ ،‬ل مؤذنٌ ول‬
‫غيرُه‪.‬‬
‫وكان إذا قام يخطب‪ ،‬أخذ عصاً‪ ،‬فتوكّأ عليها وهو على المنبر‪ ،‬كذا ذكره عنه‬
‫أبو داود عن ابن شهاب‪ ،‬وكان الخلفا ُء الثلثةُ بعده يفعلون ذلك‪ ،‬وكان أحياناً يتوك ْأ على قوس‪ ،‬ولم‬
‫ك السيفَ على المنبر إشارة إلى‬
‫سُ‬
‫يُحفظ عنه أنه توكأ على سيف‪ ،‬وكثي ٌر من الجهلة يظن أنه كان ُيمْ ِ‬
‫أن الدين إنما قام بالسيف‪ ،‬وهذا جهل قبيح من وجهين‪ ،‬أحدهما‪ :‬أن المحفوظَ أنه صلى ال عليه‬
‫وسلم توكأ على العصا وعلى القوس‪ .‬الثاني‪ :‬أن الدين إنما قام بالوحي‪ ،‬وأمّا السيف‪َ ،‬فِلمَحْقِ أهل‬
‫الضلل والشرك‪ ،‬ومدين ُة النبي صلى ال عليه وسلم التي كان يخطب فيها إنما ُف ِتحَت بالقُرآن‪ ،‬ولم‬
‫تُفتح بالسيف‪.‬‬
‫وكان إذا عرض له في خطبته عارض‪ ،‬اشتغل به‪ ،‬ثم رجع إلى‬
‫خطبته‪ ،‬وكان يخطُب‪ ،‬فجاء الحسن والحسين يعثُران في قميصين أحمرين‪ ،‬فقطع كلمه‪ ،‬فنزل‪،‬‬
‫لّ العَظِيمُ {ِإ ّنمَا َأ ْموَاُلكُمْ َوَأوْلَ ُدكُمْ ِف ْتنَةٌ} [النفال‪:‬‬
‫فحملهما‪ ،‬ثم عاد إلى منبره‪ ،‬ثم قال‪(( :‬صَدَقَ ا ُ‬
‫ح َم ْل ُت ُهمَا))‪.‬‬
‫لمِي فَ َ‬
‫ط ْعتُ كَ َ‬
‫حتّى قَ َ‬
‫ص ِبرْ َ‬
‫ص ْي ِهمَا‪َ ،‬فلَمْ َأ ْ‬
‫ن يعثُران في َقمِي َ‬
‫‪َ ]28‬رَأ ْيتُ ه َذيْ ِ‬
‫ج ّوزْ‬
‫سَل ْيكُ فَا ْركَ ْع َر ْك َع َتيْن َوتَ َ‬
‫سَل ْيكٌ‪ ،‬الغَطَفَاني وهو يخطُب‪ ،‬فجلس‪ ،‬فقال له‪(( :‬قُ ْم يَا ُ‬
‫وَجَاءَ ُ‬
‫طبُ‪َ ،‬ف ْل َي ْركَ ْع َر ْك َع َتيْنِ‬
‫ج ُمعَ ِة والِمام َيخْ ُ‬
‫ِف ِيهِما))‪ ،‬ثم قال وهو على المنبر‪(( :‬إذَا جَا َء أَحَدُك ْم َيوْمَ ال ُ‬
‫ج ّوزْ فِي ِهمَا))‪.‬‬
‫َو ْل َيتَ َ‬

‫‪83‬‬

‫وكان يُقصر خطبته أحياناً‪ ،‬ويُطيلها أحيانًا بحسب حاجة الناس وكانت خطبتُه العارِضة‬
‫ضهُنّ على الصدقة‪،‬‬
‫أطولَ من خطبته الراتِبة‪ .‬وكان يخطُب النّساء على حِدة في العياد‪ ،‬ويح ّر ُ‬
‫وال أعلم‪.‬‬
‫فصول‬
‫في هديه صلى ال عليه وسلم في العبادات‬
‫فصل‬
‫في هديه صلى ال عليه وسلم في الوضوء‬
‫كان صلى ال عليه وسلم يتوضأ لكل صلة في غالب أحيانه‪ ،‬وربما صلى الصلواتِ‬
‫بوضوء واحد وكان يتوضأ بالمُد تارة‪ ،‬وبثلثيه تارة‪ ،‬وبأزيَد منه تارة‪ ،‬وذلك نحو أربع أواق‬
‫بالدمشقي إلى أوقيتين وثلث وكان مِنْ أيسر النّاس صبّا لماء الوضوء‪ ،‬وكان يُحَ ّذ ُر أمته من‬
‫شيْطَانًا يُقَالُ‬
‫ن يعتدي في الطهور‪ ،‬وقال‪(( :‬إنّ ِل ْل ُوضُوءِ َ‬
‫الِسراف فيه‪ ،‬وأخبر أنه يكون في أمته مَ ْ‬
‫ف في المَاء))‬
‫س ِر ْ‬
‫ل تُ ْ‬
‫سوَاسَ المَاء)) ومر على سعد‪ ،‬وهو يتوضأ فقال له‪َ (( :‬‬
‫لَ ُه الوَلهَان فَاتّقُوا وَ ْ‬
‫علَى نَهرٍ جَارٍ))‪.‬‬
‫فقال‪ :‬وهل فَي الماء من إسراف؟ قال‪(( :‬نعم وإن ْك ْنتَ َ‬
‫وصح عنه أنه توضأ مرة مرة‪ ،‬ومرتين مرتين‪ ،‬وثلثاً ثلثاً‪ ،‬وفي بعض العضاء مرتين‪،‬‬
‫وبعضها ثلثاً‪.‬‬
‫وكان يتمضمض ويستنشق تارة بغَرفة‪ ،‬وتارة بغَرفتين‪ ،‬وتارة بثلث‪ .‬وكان يصل‬
‫بين المضمضة والستنشاق‪ ،‬فيأخُذ نصف الغرفة لفمه‪ ،‬ونصفها لنفه‪ ،‬ول ُيمَكن في الغرفة إل‬
‫هذا‪ ،‬وأما الغرفتان والثلث‪ ،‬فيمكن فيهما الفصلُ والوصلُ‪ ،‬إل أن هديه صلى ال عليه وسلم كان‬
‫ل صلى ال عليه‬
‫ل بن زيد أنّ رسول ا ّ‬
‫الوصلَ بينهما‪ ،‬كما في ((الصحيحين)) من حديث عبد ا ّ‬
‫ن َكفّ واحدة‪ ،‬فعل ذلك ثلثاً)) وفي لفظ‪(( :‬تمضمض واستنثر‬
‫وسلم ((تمضمض واستنشق م ْ‬
‫ل بين المًضمضة‬
‫بثَلَث غَرفَات)) فهذا أصحً ما رُوي في المضمضة والستنشاق‪ ،‬ولم يجىء الَفص ُ‬
‫والستنشاق في حديث صحيح البتة‪ ،‬لكن في حديث طلحة بن مصرف‪ ،‬عن أبيه‪ ،‬عن جدّه‪ :‬رأيتُ‬
‫النبي صلى ال عليه وسلم يَفْصلُ بين المضمضة والستنشاق‪ ،‬ولكن ل يُروى إل عن طلحة عن‬
‫أبيه عن جدّه‪ ،‬ول يعرف لجده صحبة‪.‬‬
‫ح رأسه كلّه‪ ،‬وتارة‬
‫وكان يستنشق بيده اليمنى‪ ،‬ويستنثِر باليُسرى‪ ،‬وكان يمس ُ‬
‫ل بيديه َويُدْبرُ‪ ،‬وعليه يُحملُ حديث من قال‪ :‬مسح برأسه مرتين والصحيح أنه لم يكررَ مسح‬
‫يُ ْقبِ ُ‬

‫‪84‬‬

‫ح الرأس‪ ،‬هكذا جاء عنه صريحاً‪ ،‬ولم يصحّ عنه‬
‫رأسه‪ ،‬بل كان إذا كررَ غَسْلَ العضاء‪ ،‬أفرد مس َ‬
‫صلى ال عليه وسلم‪ .‬خلفه البتة‪ ،‬بل ما عدا هذا‪ ،‬إمّا صحيح غير صريح‪ ،‬كقول الصحابي‪ :‬توضأ‬
‫ثلثاً ثلثاً‪ ،‬وكقوله‪ :‬مسح برأسه مرتين‪ ،‬وإما صريح غير صحيح‪ ،‬كحديث ابن البيلماني‪ ،‬عن أبيه‪،‬‬
‫ل كَ ّفيْه ثلثاً)) ثم قال‪َ (( :‬ومَسَحَ ِبرَأسه‬
‫ن َت َوضّأُ َفغَسَ َ‬
‫عن عمر أن النبي صلى ال عليه وسلم قال‪(( :‬مَ ْ‬
‫ثَلثَاً)) وهذا ل يحتج به‪ ،‬وابن البيلماني وأبو َه مضعَفان‪ ،‬وإن كان الب أحَسَن حالً وكحديث‬
‫عثمان الذي رواه أبو داود أنه صلى ال عليه وسلم‪(( :‬مَسَحَ رَأسَ ُه ثَلثاً)) وقال أبو داود‪ :‬أحاديثُ‬
‫ح كلّها تدل على أن مسح الرأس مرة‪ ،‬ولم يصحّ عنه في حديث واحد أنه اقتصر‬
‫عثمان الصحا ُ‬
‫ض رأسه البتة‪ ،‬ولكن كان إذا مسح بناصيته كمل على العمامة‪ ،‬فأمّا حديثُ أنس الذي‬
‫على مسح بع ِ‬
‫ل يَدَه مِنْ‬
‫ط ِريّةٌ‪ ،‬فَأدْخَ َ‬
‫ل صلى ال عليه وسلم يتوضأ وعليه عمَامة ق ْ‬
‫رواه أبو داود‪(( :‬رأيتُ رسولَ ا ّ‬
‫ض ال ِعمًامَة))‪ .‬فهذا مقصود أنس به أن اَلنبيَ صلى ال‬
‫تحت العمَامَة‪ ،‬فمسح مُقدّ َم رأسه‪ ،‬ولم َينْقُ ِ‬
‫ل على العِمامة‪ ،‬وقد‬
‫ح الشعر كلّه‪ ،‬ولم ينفِ التكمي َ‬
‫عبَ مس َ‬
‫عليه وسلم لم ينقُض عِمامته حتى يستو ِ‬
‫أثبته المغيرةُ بن شعبة وغيره‪ ،‬فسكوتُ أنس عنه ل يدل على نفيه ولم يتوضأ صلى ال عليه وسلم‬
‫إل تمضمض واستنشق‪ ،‬ولم يُحفظ عنه أنه صلى ال عليه وسلم به مرة واحدة‪ ،‬وكذلك كان‬
‫ل به مرة واحدة البتة‪ ،‬وكان يمسح على رأسه تارة‪ ،‬وعلى العِمامة‬
‫وضوءه مرتبًا متوالياً‪ ،‬لم يُخِ َ‬
‫تارة‪ ،‬وعلى الناصية والعمامة تارة‪.‬‬
‫وأما اقتصارُه على الناصية مجردة‪ ،‬فلم يُحفظ عنه كما تقدم وكان يغسل رجليه إذا لم يكونا‬
‫في خُفين ول جوربين‪ ،‬ويمسح عليهما إذا كانا في الخفين أو الجوربين وكان يمسح أذنيه مع رأسه‪،‬‬
‫وكان يمسح ظاهرهما وباطنهما‪ ،‬ولم يثبت عنه أنه أخذ لهما ماءً جديداً‪ ،‬وإنما صح ذلك عن ابن‬
‫عمر ولم يَصح عنه في مسح العُنق حديث البتة‪ ،‬ولم يحفظ عنه أنه كان يقول على وضوئه شيئاً‬
‫خ َتلَق‪ ،‬لم يقُلْ رسولُ الّ‬
‫ب مُ ْ‬
‫غيرَ التسمية‪َ ،‬وكُلّ حديث في أذكار الوضوء الذي يقال عليه‪َ ،‬فكَ ِذ ٌ‬
‫شهَدُ‬
‫علّمه لمته‪ ،‬ول ثبت عنه غير التسمية في أوله وقوله‪(( :‬أَ ْ‬
‫صلى ال عليه وسلم شيئًا منه‪ ،‬ول َ‬
‫ج َع ْلنِي مِنَ ال ّتوّابِينَ‪،‬‬
‫عبْ ُدهُ َورَسُولُهُ‪ ،‬الّلهُمّ ا ْ‬
‫حمّداً َ‬
‫ن مُ َ‬
‫شهَدُ أَ ّ‬
‫ك لَهُ‪َ ،‬وأَ ْ‬
‫شرِي َ‬
‫لّ وَحْ َدهُ لَ َ‬
‫ل إل َه إِلّ ا ُ‬
‫أَن َ‬
‫طهّرينَ)) في آخرِه وفي حديث آخر في ((سنن النسائي)) ممّا يقال بعد الوضوء‬
‫ن ال ُمتَ َ‬
‫ج َع ْلنِي مِ َ‬
‫وا ْ‬
‫ب ِإَل ْيكَ))‪.‬‬
‫ك َوَأتُو ُ‬
‫س َتغْ ِف ُر َ‬
‫حمْ ِدكَ‪َ ،‬أ ْنتَ‪ ،‬أَ ْ‬
‫ك الّلهُ ّم َوبِ َ‬
‫سبْحَا َن َ‬
‫أيضاً‪ُ (( :‬‬
‫ن يقول في أوله‪ :‬نويت رفعَ الحدث‪ ،‬ول استباح َة الصلة‪ ،‬ل هو‪ ،‬ول أح ٌد من‬
‫َولَمْ َيكُ ْ‬
‫أصحابه البتة‪ ،‬ولم يُرو عنه في ذلك حرف واحد‪ ،‬ل بإِسناد صحيح‪ ،‬ول ضعيف‪ ،‬ولم يتجاوز‬

‫‪85‬‬

‫ل ذلك‬
‫الثلث قطّ‪ ،‬وكذلك لم يُثبت عنه أنه تجاوز المِرفقين والكعبين‪ ،‬ولكن أبو هريرة كان يفع ُ‬
‫ويتأوّل حديث إطالة الغرة‪ ،‬وأما حديثُ أبي هريرة في صفة وضوء النبي صلى ال عليه وسلم أنه‬
‫غسل يديه حتى أشرع في العضُدين‪ ،‬ورجليه حتى أشرع في الساقين فهو إنما يدل على إدخال‬
‫المرفقين والكعبين في الوضوء‪ ،‬ول يدل على مسألة الِطالة‪.‬‬
‫ولم يكن رسول ال صلى ال عليه وسلم يعتاد تنشيفَ أعضائه بعد الوضوء‪ ،‬ول صح عنه‬
‫في ذلك حديث البتة‪ ،‬بل الذي صح عنه خلفه‪ ،‬وأما حديث عائشة كان للنبي صلى ال عليه وسلم‬
‫ل صلى ال عليه وسلم إذا‬
‫ف ِبهَا بَع َد الوُضوءِ‪ ،‬وحديث معاذ بن جبل‪ :‬رأيت رسول ا ّ‬
‫ش ُ‬
‫خِرقَ ٌة ُينَ ّ‬
‫ط َرفِ ثوبه‪ ،‬فضعيفان ل يحتج بمثلهما‪ ،‬في الول سليمان بن أرقم‬
‫توضأ مسح على وجهه بِ َ‬
‫متروك‪ ،‬وفي الثاني عبد الرحمن بن زياد بن أنعم الفريقي ضعيف‪ ،‬قال الترمذي‪ :‬ول يصح عن‬
‫النبي صلى ال عليه وسلم في هذا الباب شيء‪.‬‬
‫ن من هديه صلى ال عليه وسلم أن يُصبّ عليه الماءُ كلما توضأ‪ ،‬ولكن تارة يصبّ‬
‫ولم َيكُ ْ‬
‫ب عليه أحياناً لحاجة كما في ((الصحيحين)) عن المغيرة بن‬
‫ن يص ّ‬
‫على نفسه‪ ،‬وربما عاونه مَ ْ‬
‫ب عليه في السفر لما توضأ‪.‬‬
‫شعبة أنه ص ّ‬
‫وكان يخلل لحيته أحياناً‪ ،‬ولم يكن يُواظبُ على ذلك‪ .‬وقد اختلف أئمة الحديث فيه‪ ،‬فصحح‬
‫خلّلُ لحيته‪ ،‬وقال أحمد وأبو زرعة‪ :‬ل يثبت في‬
‫الترمذي وغيره أنه صلى ال عليه وسلم كان يُ َ‬
‫تخليل اللحية حديث‪.‬‬
‫ن شداد‪:‬‬
‫س َت ْورِدِ ب ِ‬
‫ل الصابع لم يكن يُحافظ عليه‪ ،‬وفي ((السنن)) عن المُ ْ‬
‫وكذلك تخلي ُ‬
‫ك أصابعَ رجليه بخنصره‪ ،‬وهذا إن ثبت عنه‪ ،‬فإنما‬
‫رأيت النبي صلى ال عليه وسلم إذا توضأ يُدل ُ‬
‫كان يفعله أحياناً‪ ،‬ولهذا لم يروه الذين اعتنوا بضبط وضوئه‪ ،‬كعثمان‪ ،‬وعلي‪ ،‬وعبد الّ بن زيد‪،‬‬
‫ن لهيعة‪.‬‬
‫لبَ‬
‫والرّبيّعِ‪ ،‬وغيرهم‪ ،‬على أن في إسناده عبد ا ّ‬
‫وأمّا تحريكُ خاتمه‪ ،‬فقد رُوي فيه حديث ضعيف من رواية معمر بن محمّد‬
‫ل بن أبي رافع عن أبيه عن جدّه أن النبي صلى ال عليه وسلم ((كان إذا توضأ حرّك‬
‫بن عبيد ا ّ‬
‫خَاتَمه))‪ ،‬ومعمر وأبوه ضعيفان‪ ،‬ذكر ذلك الدارقطني‪.‬‬
‫فصل‬
‫في هديه صلى ال عليه وسلم في المسح على الخفين‬

‫‪86‬‬

‫خ ذلك حتى تُوفي‪ ،‬ووقّت للمقيم يومًا وليلة‪،‬‬
‫صح عنه أنه مسح في الحضر والسفر‪ ،‬ولم يُنس ْ‬
‫وللمسافِر ثلثَة أيام ولياليهن في عدة أحاديث حسان وصحاح‪ ،‬وكان يمسح ظاهر الخفين‪ ،‬ولم‬
‫ح أسفلهما إل في حديث منقطع والحاديث الصحيحة على خلفه‪ ،‬ومسح على‬
‫يصح عنه مس ُ‬
‫ل وأمراً‬
‫الجوربين والنعلين‪ ،‬ومسح على العِمامة مقتصِراً عليها‪ ،‬ومع الناصية‪ ،‬وثبت عنه ذلك فع ً‬
‫في عدة أحاديث‪ ،‬لكن في قضايا أعيان يُحتمل أن تكون خاصة بحال الحاجة والضرورة‪ ،‬ويُحتمل‬
‫ل أعلم‪.‬‬
‫العموم كالخفين‪ ،‬وهو أظهر وا ّ‬
‫ولم يكن يتكلف ضِدّ حاله التي عليها قدماه‪ ،‬بل إن كانتا في الخف مسح عليهما ولم‬
‫ع ُهمَا‪ ،‬وإن كانتا مكشوفتين‪ ،‬غسل القدمين‪ ،‬ولم يل َبسِ الخف لِيمسح عليه‪ ،‬وهذا أعدلُ القوال في‬
‫َي ْنزِ ْ‬
‫ل أعلم‪.‬‬
‫مسألة الفضل من المسح والغسل‪ ،‬قاله‪ ،‬شيخنا‪ ،‬وا ّ‬
‫فصل‬
‫في هديه صلى ال عليه وسلم في التيمم‬
‫ح عنه أنه تيمم‬
‫كان صلى ال عليه وسلم يتيمم بضربة واحدة للوجه والكفين‪ ،‬ولم َيصِ ّ‬
‫بضربتين‪ ،‬ول إلى المرفقين‪ .‬قال الِمام أحمد‪ :‬من قال‪ :‬إن التيمم إلى‪ ،‬المرفقين‪ ،‬فإنما هو شيء‬
‫سبِخَ ًة أو رملً‪ .‬وصح‬
‫زاده مِن عنده وكذلك كان يتيمم بالرض التي يصلي عليها‪ ،‬تراباً كانت َأوْ َ‬
‫طهُو ُرهُ))‪ ،‬وهذا نص صريح‬
‫سجِ ُد ُه وَ َ‬
‫لةُ‪َ ،‬ف ِعنْ َدهُ مَ ْ‬
‫ن ُأ ّمتِي الصّ َ‬
‫ل مِ ْ‬
‫ح ْيثُمَا أَ ْد َر َكتْ رَجُ ً‬
‫عنه أنه قال‪َ (( :‬‬
‫في أن من أدركته الصلة في الرمل‪ ،‬فالرمل له طهور‪ .‬ولما سافر هو وأصحابُه في غزوة تبوك‪،‬‬
‫قطعوا تلك الرمال في طريقهم‪ ،‬وماؤهم في غاية القِلة‪ ،‬ولم يُرو عنه أنه حمل معه التراب‪ ،‬ول أمر‬
‫ل أكثر من التراب‪ ،‬وكذلك أرضُ‬
‫به‪ ،‬ول فعله أحد من أصحابه‪ ،‬مع القطع بأن في المفاوز الرما َ‬
‫ل أعلم وهذا قول الجمهور‪.‬‬
‫الحجاز وغيره‪ ،‬ومن تدبر هذا‪ ،‬قطع بأنه كان يتيمم بالرمل‪ ،‬وا ّ‬
‫وأمّا ما ذكر في صفة التيمم من وضع بطون أصابع يده اليسرى على ظهور اليمنى‪ ،‬ثم‬
‫إمرارها إلى المرفق‪ ،‬ثم إدارة بطن كفه على بطن الذراع‪ ،‬وإقامة إبهامه اليسرى كالمؤذن‪ ،‬إلى أن‬
‫يصل إلى إبهامه اليمنى‪َ ،‬فيُطبِقها عليها‪ ،‬فهذا مما يُعلم قطعًا أن النبي صلى ال عليه وسلم لم يفعله‪،‬‬
‫ول علّمه أحداً من أصحابه‪ ،‬ول أمر به‪ ،‬ول استحسنه‪ ،‬وهذا هديُه‪ ،‬إليه التحاكُم‪ ،‬وكذلك لم َيصِحّ‬
‫عنه التيمّ ُم لكِل صلة‪ ،‬ول أمر به‪ ،‬بل أطلق التيمم‪ ،‬وجعله قائمًا مقام الوضوء وهذا يقتضي أن‬
‫يكون حكمُه حكمَه‪ ،‬إل فيما اقتضى الدليل خلفه‪.‬‬
‫فصل‬

‫‪87‬‬

‫في هديه صلى ال عليه وسلم في الصلة‬
‫لّ َأ ْك َبرُ)) ولم يقل شيئاً قبلها ول تلفّظ‬
‫كان صلى ال عليه وسلم إذا قام إلى الصلة قال‪(( :‬ا ُ‬
‫ل القبلة أربعَ ركعات إماماً أو مأموماً‪ ،‬ول قال‪ :‬أداءً‬
‫لّ صلة كذا مُستقبِ َ‬
‫بالنية البتة‪ ،‬ول قال‪ :‬أصلي ِ‬
‫ول قضاءً‪ ،‬ول فرض الوقت‪ ،‬وهذه عشرُ بدع لم َينْقُلْ عنه أحد قط بإسناد صحيح ول ضعيف ول‬
‫مسند ول مرسل لفظةً واحد ًة منها البتة‪ ،‬بل ول عن أحد من أصحابه‪ ،‬ول استحسنه أح ٌد من‬
‫ل عنه في الصلة‪:‬‬
‫غرّ بعضَ المتأخرين قولُ الشافعي رضي ا ّ‬
‫التابعين‪ ،‬ول الئم ُة الربعة‪ ،‬وإنما َ‬
‫إنها ليست كالصيام‪ ،‬ول يدخل فيها أحد إل بذكر‪ ،‬فظن أن الذكر تلفّظُ المصلي بالنية‪ ،‬وإنما أراد‬
‫ي أمراً لم يفعله النبي‬
‫حبّ الشافع ّ‬
‫الشافعي رحمه الّ بالذكر‪ :‬تكبيرةَ الِحرام ليس إل‪ ،‬وكيف يست ِ‬
‫صلى ال عليه وسلم في صلة واحدة‪ ،‬ول أح ٌد مِن خلفائه وأصحابِه‪ ،‬وهذا هديُهم وسيرتُهم‪ ،‬فإن‬
‫ل من هديهم‪،‬‬
‫ي أكم ُ‬
‫َأوْجَ َدنَا أحدٌ حرفاً واحداً عنهم في ذلك‪ ،‬قبلناه‪ ،‬وقابلناه بالتسليم والقبول‪ ،‬ول هد َ‬
‫ول سنةَ إل ما تلقّوه عن صاحب الشرع صلى ال عليه وسلم‪.‬‬
‫لّ َأ ْك َبرُ)) ل غيرَها‪ ،‬ولم ينقل أحدٌ عنه سواها‪.‬‬
‫وكان دأبُه في إحرامه لفظةَ‪(( :‬ا ُ‬
‫ل بها القبل َة إلى فروع أُذنيه‪،‬‬
‫وكان يرفع يديه معها ممدود َة الصابع‪ ،‬مستقب ً‬
‫ي َومَنْ معه قالوا‪ :‬حتى يُحاذيَ بهما المَنكِبيْنِ‪ ،‬وكذلك قال ابن‬
‫ورُوي إلى منكبيه‪ ،‬فأبو حميد السّاعد ّ‬
‫عمر‪ .‬وقال وائل بن حُجر‪ :‬إلى حِيال أُذنيه‪ .‬وقال البراء‪ :‬قريبًا من أُذنيه‪ .‬وقيل‪ :‬هو من العمل‬
‫المخيّر فيه‪ ،‬وقيل‪ :‬كان أعلها إلى فروع أُذنيه‪ ،‬وكفّاه إلى منكبيه‪ ،‬فل يكون اختلفاً‪ ،‬ولم يختلف‬
‫عنه في محل هذا الرفع‪ ،‬ثم يضعُ اليُمنى على ظه ِر اليُسرى‪.‬‬
‫ت َبيْنَ‬
‫ي َكمَا بَاعَ ْد َ‬
‫وكان يستفتح تارة بـ ((الّلهُ ّم بَاعِ ْد َب ْينِي َو َبيْنَ خَطَايَا َ‬
‫ب وَالخَطَايَا‬
‫ي بِالمَا ِء وَال ّثلْج وَال َبرَدِ‪ ،‬اللّهُ ّم نَ ّقنِي مِنَ ال ّذنُو ِ‬
‫س ْلنِي مِنْ خَطَايَا َ‬
‫شرِقِ وَال َم ْغ ِربِ‪ ،‬الّلهُمّ اغْ ِ‬
‫المَ ْ‬
‫ض مِنَ ال ّد َنسِ))‪.‬‬
‫ل ْبيَ ُ‬
‫َكمَا ُينَقّى ال ّث ْوبُ ا َ‬
‫حنِيفًا مُسلِمًا َومَا َأنَا مِنَ‬
‫لرْضَ َ‬
‫ت وَا َ‬
‫سمَاوَا ِ‬
‫طرَ ال ّ‬
‫ي ِللّذِي فَ َ‬
‫ج ِه َ‬
‫ج ْهتُ وَ ْ‬
‫وتارة يقول‪(( :‬وَ ّ‬
‫شرِيكَ لَهُ‪َ ،‬وبِذِلكَ ُأ ِم ْرتُ‪َ ،‬وَأنَا‬
‫لّ َربّ العَاَلمِينَ‪ ،‬لَ َ‬
‫حيَايَ َومَماتِي ِ‬
‫سكِي َومَ ْ‬
‫ن صَلتِي َونُ ُ‬
‫ش ِركِينَ‪ ،‬إ ّ‬
‫المُ ْ‬
‫ت نَفْسِي‪ ،‬وَاغتَرَفتُ‬
‫ظَل ْم ُ‬
‫عبْ ُدكَ‪َ ،‬‬
‫ل َأ ْنتَ‪َ ،‬أ ْنتَ َربّي‪َ ،‬وَأنَا َ‬
‫ل إلهَ إِ ّ‬
‫سِلمِينَ‪ ،‬اللّهُ ّم َأ ْنتَ ال َمِلكُ‪َ ،‬‬
‫َأوّلُ المُ ْ‬
‫ل َيهْدِي‬
‫حسَنِ الَخلَق َ‬
‫ل َأ ْنتَ‪ ،‬وَاه ِدنِي لَ ْ‬
‫ل َيغْ ِف ُر ال ّذنُوبَ إِ ّ‬
‫جمِي َعهَا‪ِ ،‬إنّهُ َ‬
‫بِ َذ ْنبِي‪ ،‬فَاغْفِر لِي ُذنُوبِي َ‬
‫سعْ َد ْيكَ‪،‬‬
‫ك وَ َ‬
‫س ّيئَها إِلّ َأ ْنتَ‪َ ،‬ل ّب ْي َ‬
‫عنّي َ‬
‫صرِفُ َ‬
‫ل َي ْ‬
‫سيّىءَ الَخْلَقِ‪َ ،‬‬
‫عنّي َ‬
‫ص ِرفْ َ‬
‫ل َأ ْنتَ‪ ،‬وَا ْ‬
‫س ِنهَا إِ ّ‬
‫لِحْ َ‬

‫‪88‬‬

‫ب ِإَل ْيكَ))‪ ،‬ولكن‬
‫س َتغْ ِف ُركَ َوَأتُو ُ‬
‫ت َو َتعَاَل ْيتَ‪ ،‬أَ ْ‬
‫ك َتبَا َر ْك َ‬
‫ك َوِإلَي َ‬
‫شرّ َل ْيسَ ِإَل ْيكَ‪َ ،‬أنَا ِب َ‬
‫ل ِبيَ َد ْيكَ‪ ،‬وَال ّ‬
‫خ ْيرُ كُ ٌ‬
‫وَالْ َ‬
‫المحفوظ أن هذا الستفتاح إنما كان يقوله في قيام الليل‪.‬‬
‫لرْضِ‪ ،‬عَالِمَ‬
‫ت وَا َ‬
‫طرَ السماوَا ِ‬
‫سرَافِيلَ‪ ،‬فَا ِ‬
‫ل َوإِ ْ‬
‫ل َومِيكَائِي َ‬
‫وتارة يقول‪(( :‬الّلهُ ّم َربّ ج ْبرَائِي َ‬
‫خ ُتِلفَ فِيه مِنَ الحَقّ‬
‫خ َتلِفُونَ‪ ،‬اهْدِني ِلمَا ا ْ‬
‫عبَا ِدكَ فِيمَا كَانُوا فِي ِه يَ ْ‬
‫حكُ ُم َبيْنَ ِ‬
‫شهَا َدةِ‪َ ،‬أ ْنتَ تَ ْ‬
‫ال َغ ْيبِ وَال ّ‬
‫ستَقِيم))‪.‬‬
‫ط مُ ْ‬
‫ن تَشَا ُء ِإلَى صرَا ٍ‬
‫بِإِ ْذ ِنكَ‪ِ ،‬إ ّنكَ تَهدِي مَ ْ‬
‫ن ‪ ))...‬الحديث‪.‬‬
‫لرْضِ‪َ ،‬ومَنْ فِيهِ ّ‬
‫ت وَا َ‬
‫سمَاوَا ِ‬
‫ت نُورُ ال ّ‬
‫حمْدُ‪َ ،‬أ ْن َ‬
‫وتارة يقول‪(( :‬الّلهُ ّم َلكَ الْ َ‬
‫ل عنهما أنه كبر‪ ،‬ثم قال ذلك‪.‬‬
‫وسيأتي في بعض طرقه الصحيحة عن ابن عباس رضي ا ّ‬
‫حمْدُ لِّ‬
‫لّ َكثِيراً‪ ،‬الْ َ‬
‫حمْدُ ِ‬
‫لّ َكثِيراً‪ ،‬الْ َ‬
‫حمْدُ ِ‬
‫لّ َأ ْك َبرُ‪ ،‬الْ َ‬
‫لّ َأ ْك َبرُ‪ ،‬ا ُ‬
‫وتارة يقول‪(( :‬الُّ َأ ْك َبرُ‪ ،‬ا ُ‬
‫لّ ُب ْك َرةً َوَأصِيلً‪ ،‬الّلهُ ّم ِإنّي‬
‫س ْبحَانَ ا ِ‬
‫لّ ُب ْك َرةً َوَأصِيلً‪ُ ،‬‬
‫سبْحَانَ ا ِ‬
‫لّ ُب ْك َرةً َوَأصِيلً‪ُ ،‬‬
‫سبْحَانَ ا ِ‬
‫َكثِيراً‪ ،‬وَ ُ‬
‫شيْطَانِ الرَجِي ِم مِنْ َه ْم ِزهِ َونَفْخِ ِه َونَ ْفثِهِ))‪.‬‬
‫ن ال ّ‬
‫ك مِ َ‬
‫أَعُوذُ ِب َ‬
‫ش َراً‪،‬‬
‫حمَدُ عَشْراً‪ ،‬ثُ ّم ُي َهلّلُ عَ ْ‬
‫شرَ مرَاتٍ‪ ،‬ثُ ّم يَ ْ‬
‫سبّحُ عَ ْ‬
‫ش َر َمرّاتٍ‪ ،‬ثُ ّم يُ َ‬
‫وتارة يقول‪(( :‬الُّ َأ ْك َبرُ عَ ْ‬
‫ش َراً))‪ ،‬ثُمّ يقول‪(( :‬الّلهُمّ‬
‫س َتغْ ِفرُ عَشْراً‪ ،‬ثُ ّم يَقول‪(( :‬الّلهُ ّم اغْ ِفرْ لِي وَاهْدِني وَا ْرزُ ْقنِي وَعَا ِفنِي عَ ْ‬
‫ثُ ّم يَ ْ‬
‫ش َراً))‬
‫ق المُقَامِ َيوْ َم ال ِقيَامَةِ عَ ْ‬
‫ك مِنْ ضِي ِ‬
‫ِإنّي أَعُو ُذ ِب َ‬
‫فكل هذه النواع صحت عنه صلى ال عليه وسلم‪.‬‬
‫س ُمكَ‪ ،‬و َتعَالَى جَ ّدكَ‪ ،‬وَلَ‬
‫حمْ ِدكَ‪َ ،‬و َتبَا َركَ ا ْ‬
‫ك الّلهُمّ َوبِ َ‬
‫سبْحَا َن َ‬
‫وروي عنه أنه كان يستفتح بـ (( ُ‬
‫ل السنن من حديث علي بن علي الرفاعي‪ ،‬عن أبي المتوكل النّاجي‪ ،‬عن‬
‫غ ْي ُركَ)) ذكر ذلك أه ُ‬
‫إِلهِ َ‬
‫أبي سعيد على أنه ربما أرسل‪ ،‬وقد رُوي مثله من حديث عائشة رضي الّ عنها‪ ،‬والحاديث التي‬
‫قبله أثبتُ منه‪ ،‬ولكن صح عن عمر بن الخطاب رضي ال عنه أنه كان يستفتح به في مقام النبي‬
‫صلى ال عليه وسلم ويجهر به‪ ،‬ويعلّمه الناس وقال الِمام أحمد‪ :‬أمّا أنا فأذهب إلى ما روي عن‬
‫عمر‪ ،‬ولو أن رجلً استفتح ببعض ما رُوي عن النبي صلى ال عليه وسلم من الستفتاح كان‬
‫حسناً‪.‬‬
‫وإنما اختار المام أحمد هذا لعشرة أوجه قد ذكرتُها في مواضع أخرى‪ .‬منها جهرُ‬
‫عمر به يعلّمه الصحابة‪.‬‬
‫ومنها اشتمالُه على أفضل الكلم بعد القرآَن‪ ،‬فإن أفضل الكلم بعد القرآَن سبحان الِّ‪،‬‬
‫ح مع تكبيرة الِحرام‪.‬‬
‫ل أكبر‪ ،‬وقد تضمنها هذا الستفتا ُ‬
‫والحمد لّ‪ ،‬ول إِله إِل الّ وا ّ‬

‫‪89‬‬

‫ومنها أنه استفتاح أخلصُ للثناء على الّ‪ ،‬وغيره متضمن للدعاء‪ ،‬ولهذا كانت سورة‬
‫ل ثلث القرآن‪ ،‬لنها أخلصت لوصف الرحمن تبارك وتعالى‪ ،‬والثناء عليه ‪ ،‬ولهذا‬
‫الِخلص تَعدِ ُ‬
‫ل أكبر)) أفضل الكلم بعد القرآن ‪ ،‬فيلزم أن ما‬
‫كان ((سبحان الّ‪ ،‬والحمد لّ ‪ ،‬ول إِله إِل الّ ‪ ،‬وا ّ‬
‫تضمنها من الستفتاحات أفضل من غيره من الستفتاحات‪.‬‬
‫ومنها أن غيرَه من الستفتاحات عامتُها إنما هي في قيام الليل في النافلة‪ ،‬وهذا كان عمرُ‬
‫يفعله ‪ ،‬ويعلّمه الناس في الفرض‪.‬‬
‫ومنها أن هذا الستفتاح إنشاء للثناء على الرّب تعالى‪ ،‬متضمن للِخبار عن صفات كماله ‪،‬‬
‫ونعوت جلله ‪ ،‬والستفتاح بـ ((وجهت وجهي)) إخبار عن عبودية العبد‪ ،‬وبينهما من الفرق ما‬
‫بينهما‪.‬‬
‫ومنها أن من اختار الستفتاح بـ ((وجهت وجهي)) ل يكمله ‪ ،‬وإنما يأخذ بقطعة من الحديث‬
‫‪ ،‬وي َذرُ باقيه ‪ ،‬بخلف الستفتاح بـ ((سبحانك اللهم وبحمدك)) فإن من ذهب إليه يقوله كله إلى‬
‫آخره‪.‬‬
‫وكان يقول بعد ذلك‪(( :‬أعوذ بالّ من الشيطان الرجيم)) ثم يقرأ الفاتحة‪ ،‬يجهر بـ ((بسم الّ‬
‫الرّحمن الرّحيم)) تارة‪ ،‬ويخفيها أكثر مما يجهر بها‪.‬‬
‫ول ريب أنه لم يكن يجهر بها دائمًا في كل يوم وليلة خمس مرات أبداً‪ ،‬حضراً وسفراً‪،‬‬
‫ويخفي ذلك على خلفائه الرّاشدين ‪ ،‬وعلى جُمهور أصحابه ‪ ،‬وأهل بلده في العصار الفاضلة‪ ،‬هذا‬
‫مِن أمحل المحال حتى يحتاج إلى التشبّث فيه بألفاظ مجملة‪ ،‬وأحاديث واهية‪ ،‬فصحيح تلك‬
‫الحاديث غيرُ صريح ‪ ،‬وصريحُها غير صحيح ‪ ،‬وهذا موضع يستدعي مجلّداً ضخما‪.‬‬
‫وكانت قراءته مداً‪ ،‬يقِف عند كل آية‪ ،‬ويم ّد بها صوته‪.‬‬
‫فإذا فرغ من قراءة الفاتحة‪ ،‬قال‪(( :‬آمين))‪ ،‬فإن كان يجهر بالقراءة رفع بها صوته وقالها‬
‫من خلفه‪.‬‬
‫وكان له سكتتانِ‪ ،‬سكتة بين التكبير والقراءة‪ ،‬وعنها سأله أبو هريرة‪ ،‬واختلف في‬
‫الثانية‪ ،‬فروي أنها بعد الفاتحة‪ .‬وقيل‪ :‬إنها بعد القراءة وقبل الركوع‪ .‬وقيل‪ :‬هي سكتتان غير‬
‫الولى‪ ،‬فتكون ثلثاً‪ ،‬والظاهر إنما هي اثنتان فقط‪ ،‬وأمّا الثالثة‪ ،‬فلطيفة جداً لجل ترا ّد النّفَس‪ ،‬ولم‬
‫يكن َيصِل القراءة بالركوع‪ ،‬بخلف السكتة الولى‪ ،‬فإنه كان يجعلها بقدر الستفتاح‪ ،‬والثانية قد‬
‫قيل‪ :‬إنها لجل قراءة المأموم‪ ،‬فعلى هذا‪ :‬ينبغي تطويلها بقدر قراءة الفاتحة‪ ،‬وأمّا الثالثة‪ ،‬فللراحة‬

‫‪90‬‬

‫جعَلها سكتةً ثالثة‪ ،‬فل‬
‫والنفس فقط‪ ،‬وهي سكتة لطيفة‪ ،‬فمن لم يذكرها‪ ،‬فلقصرها‪ ،‬ومن اعتبرها‪َ ،‬‬
‫اختلف بين الروايتين‪ ،‬وهذا أظهر ما يقال في هذا الحديث وقد صح حديث السكتتين‪ ،‬من رواية‬
‫سمرة‪ ،‬وأبي بن كعب‪ ،‬وعمران بن حصين‪ ،‬ذكر ذلك أبو حاتم في ((صحيحه)) وسمرة هو ابن‬
‫ت من‬
‫جندب‪ ،‬وقد تبين بذلك أن أحد من روى حديث السكتتين سمرة بن جندب وقد قال‪ :‬حفظ ُ‬
‫ل صلى ال عليه وسلم سكتتين‪ :‬سكت ًة إذا كبر‪ ،‬وسكتة إذا فرغ من قراءة‪{ :‬غير‬
‫رسول ا ّ‬
‫المغضوب عليهم ول الضالين} [الفاتحة‪ .]7 :‬وفي بعض طرق الحديث‪ :‬فإذا فرغ من القراءة‪،‬‬
‫سكت وهذا كالمجمل‪ ،‬واللفظ الول مفسّر مبين‪ ،‬ولهذا قال أبو سَلمة بن عبد الرحمَن‪ :‬للمام‬
‫سكتتان‪ ،‬فاغتنموا فيهما القراءة بفاتحة الكِتاب إذا افتتح الصلة‪ ،‬وإذا قال‪{ :‬ول الضالين} [الفاتحة‪:‬‬
‫‪ ]7‬على أن تعيين محل السكتتين‪ ،‬إنما هو من تفسير قتادة‪ ،‬فإنه روى الحديث عن الحسن‪ ،‬عن‬
‫ل صلى ال عليه وسلم في‪ ،‬فأنكر ذلك عمران‪ ،‬فقال‪:‬‬
‫سمرة قال‪ :‬سكتتان حفظتهما عن رسول ا ّ‬
‫حفظناها سكتة‪ ،‬فكتبنا إلى أبيّ بن كعب بالمدينة‪ ،‬فكتب أُبي أن قد حفظ سمرة‪ ،‬قال سعيد؟ فقلنا‬
‫لقتادة‪ :‬ما هاتان السكتتان قال‪ :‬إذا دخل في الصلة‪ ،‬وإذا فرغ من القراءة‪ ،‬ثم قال بعد ذلك‪ :‬وإذا‬
‫قال‪ :‬ول الضالين قال‪ :‬وكان يعجبه إذا فرغ من القراءة أن يسكت حتى يترا ّد إليه نَفَسُه ومن يحتج‬
‫بالحسن عن سمرة يحتج بهذا‪.‬‬
‫فإذا فرغ من الفاتحة‪ ،‬أخذ في سورة غيرِها‪َ ،‬ويُخَفّ ُفهَا لعارض مِن سفر أو غيره‪ ،‬ويتوسط‬
‫فيها غالباً‪.‬‬
‫قراءته صلى ال عليه وسلم في الصلة‬
‫وكان يقرأ في الفجر بنحو ستين آية إلى مائة آية‪ ،‬وصلها بسورة (ق)‪ ،‬وصلها بـ‬
‫(الروم) وصلها بـ (إذَا الشّمسُ ُك ّورَت) وصلها بـ (إِذَا ُز ْل ِزَلتْ) في الركعتين كليهما‪ ،‬وصلها بـ‬
‫(المعوّ َذ َتيْنِ) وكان في السفر وصلها‪ ،‬فافتتح بـ (سورة الم ْؤ ِمنِين) حتى إذا بلغ ذكر موسى‬
‫س ْعلَةٌ فركع‪.‬‬
‫وهارون في الركعة الولى‪ ،‬أخذته َ‬
‫وكان يُصليها يومَ الجمعة بـ (ألم تنزيل السّجدة) وسورة (هل أتى على الِنسان ) كاملتين‪،‬‬
‫ولم يفعل ما يفعلُه كثي ٌر منِ النّاس اليوم من قراءة بعض هذه وبعض هذه في الركعتين‪ ،‬وقراءة‬
‫السجدة وحدَها في الركعتين‪ ،‬وهو خلف السنة‪ .‬وأما ما يظنه كثي ٌر مِن الجهال أن صبحَ يوم‬
‫ض الئمة قراءةَ سورة السجدة لجل هذا الظن‪،‬‬
‫الجمعة ُفضّلَ بسجدة‪ ،‬فجهل عظيم‪ ،‬ولهذا كره بع ُ‬
‫وإنما كان صلى ال عليه وسلم يقرأ هاتين السورتين لما اشتملتا عليه من ذكر المبدإِ والمعاد‪ ،‬وخلقِ‬

‫‪91‬‬

‫آدم‪ ،‬ودخولِ الجنّة والنّار‪ ،‬وذلك ممّا كان ويكونُ في يومِ الجمعة‪ ،‬فكان يقرأ في فجرها ما كان‬
‫ويكون في ذلك اليوم‪ ،‬تذكيراً للمة بحوادث هذا اليوم‪ ،‬كما كان يقرأ في المجامع العظام كالعياد‬
‫والجمعة بسورة (ق) و (واقتربت) و (سبّح) و (الغاشية)‪.‬‬
‫فصل‬
‫وأما الظهر‪ ،‬فكان يُطيل قراءتَها أحياناً‪ ،‬حتى قال أبو سعيد‪(( :‬كانت صلةُ الظهر تُقام‪،‬‬
‫فيذهب الذاهب إلى البقيع‪ ،‬فيقضي حاجته‪ ،‬ثم يأتي أهله‪ ،‬فيتوضأ‪ ،‬ويدرك النبي صلى ال عليه‬
‫وسلم في الركعة الولى ممّا يطيلُها)) رواه مسلم‪ .‬وكان يقرأ فيها تارة بقدر (ألم تنزيل) وتارة بـ‬
‫(سبح اسم ربك العلى) و (الليل إذا يغشى) وتارة بـ (السماء ذات البروج) و (السماء والطارق)‪.‬‬
‫وأما العصر‪ ،‬فعلى النصف مِن قراءة صلة الظهر إذا طالت‪ ،‬وبقدرها إذا قصُرت‪.‬‬
‫وأما المغرب‪ ،‬فكان هديُه فيها خلفَ عمل الناس اليوم‪ ،‬فإنه صلها مرة‬
‫بـ(العراف) فرّقها في الركعتين‪ ،‬ومرة بـ (الطور) ومرة بـ (المرسلت)‪.‬‬
‫قال أبو عمر بن عبد البر‪ :‬روي عن النبي صلى ال عليه وسلم أنه قرأ في المغرب بـ‬
‫(المص) وأنه قرأ فيها بـ (الصافات) وأنه قرأ فيها بـ (حم الدخان) وأنه قرأ فيها بـ(سبح اسم ربك‬
‫العلى) وأنه قرأ فيها بـ (التين والزيتون) وأنه قرأ فيها بـ (المعوّذتين) وأنه قرأ فيها بـ‬
‫(المرسلت) وأنه كان يقرأ فيها بقصار المفصل قال‪ :‬وهي كلها آثار صحاح مشهورة‪ .‬انتهى‪.‬‬
‫(يتبع‪)...‬‬
‫@‬

‫ل مروان بن الحكم‪ ،‬ولهذا‬
‫وأما المداومة فيها على قراءة قِصار المفصل دائماً‪ ،‬فهو فع ُ‬

‫ت رسول الّ‬
‫ك تقرأ في المغرب بقصار المفصّل؟! وقد رأي ُ‬
‫أنكر عليه زي ُد بن ثابت‪ ،‬وقال‪ :‬مَاَل َ‬
‫صلى ال عليه وسلم يقرأ في المغرب بطولى الطُوليين‪ .‬قال‪ :‬قلت‪ :‬وما طُولى الطوليين؟ قال‪:‬‬
‫(العراف) وهذا حديث صحيح رواه أهل السنن‪.‬‬
‫ل عنها أن النبي قرأ في المغرب بسورة (العراف)‬
‫وذكر النّسائي عن عائشة رضي ا ّ‬
‫فرقها في الركعتين‪.‬‬
‫ف السنة‪ ،‬وهو فعل‬
‫فالمحافظة فيها على الية القصيرة‪ ،‬والسورةِ من قِصار الم ُفصّل خل ُ‬
‫مروان بن الحكم‪.‬‬
‫وأما العشاء الخرة‪ ،‬فقرأ فيها صلى ال عليه وسلم بـ (التين والزيتون) ووقّت لمعاذ‬
‫فيها بـ (الشمس وضحاها) و (سبّح اسم ربك العلى) و (الليل إذا يغشى) ونحوها‪ ،‬وأنكر عليه‬

‫‪92‬‬

‫قراءتَه فيها بـ (البقرة) بعدما صلّى معه‪ ،‬ثم ذهب إلى بني عمرو بن عوف‪ ،‬فأعادها لهم بعدما‬
‫مضى من الليل ما شاء الّ‪ ،‬وقرأ بهم بـ (البقرة) ولهذا قال له‪(( :‬أفتان أنت يا معاذ)) فتعلق‬
‫النّقّارون بهذه الكلمة‪ ،‬ولم يلتفِتوا إلى ما قبلها ول ما بعدها‪.‬‬
‫وأما الجمعةُ‪ ،‬فكان يقرأ فيها بسورتي (الجمعة) و (المنافقين ) كَا ِمَلتَينِ و‬
‫(سورة سبّح) و (الغاشية)‪.‬‬
‫وأما القتصار على قراءة أواخر السورتين من (يا أيها الذين آمنوا) إلى آخرها‪ ،‬فلم يفعله‬
‫قطّ‪ ،‬وهو مخالف لهديه الذي كان يُحافظ عليه‪.‬‬
‫وأما قراءته في العياد‪ ،‬فتارة كان يقرأ سورتي (ق) و (اقتربت) كاملتين‪ ،‬وتارة‬
‫سورتي (سبّح) و (الغاشية) وهذا هو الهدي الذي استمر صلى ال عليه وسلم إلى أن لقي الَّ عز‬
‫وجل‪ ،‬لم ينسخه شيء‪.‬‬
‫ولهذا أخذ به خلفاؤه الراشدون من بعده‪ ،‬فقرأ أبو بكر رضي ال عنه في الفجر بسورة‬
‫ل صلى ال عليه وسلم؟‬
‫(البقرة) حتى سلّم منها قريبًا من طلوع الشمس‪ ،‬فقالوا‪ :‬يا خليفَة رسول ا ّ‬
‫س تطلعُ‪ ،‬فقال‪ :‬لو طلَعت لم تجدنا غافلين‪.‬‬
‫كادت الشم ُ‬
‫ل عنه يقرأ فيها بـ (يوسف) و (النحل) و بـ (هود) و (بني إسرائيل)‬
‫وكان عمر رضي ا ّ‬
‫ف على خلفائه الراشدين‪،‬‬
‫ونحوها من السور‪ ،‬ولو كان تطويلُه صلى ال عليه وسلم منسوخاً لم يخ َ‬
‫َويَطّلعْ عليه النّقّارون‪.‬‬
‫سمُرة أن النبي صلى ال عليه‬
‫وأما الحديث الذي رواه مسلم في ((صحيحه)) عن جابر بن َ‬
‫وسلم كان يقرأ في الفجر {ق والقرآنِ المجيد} [ق‪ ]1 :‬وكانت صلته بعد تخفيفاً فالمراد بقوله‬
‫((بعدُ)) أي‪ :‬بعد الفجر‪ ،‬أي‪ :‬إنه كان يطيل قراءة الفجر أكثر من غيرها‪ ،‬وصلته بعدها تخفيفاً‪.‬‬
‫ل أم الفضل وقد سمعت ابن عباس يقرأ و (المرسلت عرفاً) فقالت‪ :‬يا بني لقد‬
‫ويدل على ذلك قو ُ‬
‫ل صلى ال عليه وسلم يقرأ بها في‬
‫ت من رسولِ ا ّ‬
‫خرُ ما سمع ُ‬
‫َذ ّك ْر َتنِي بقراءة هذه السورة‪ ،‬إنها ل ِ‬
‫المغرب فهذا في آخر المر‪.‬‬
‫وأيضاً فإن قوله‪ :‬وكانت صلته((بعدُ)) غايةٌ قد حذف ما هي مضافة إليه‪ ،‬فل يجوز‬
‫إضمارُ ما ل يدل عليه السياقُ‪ ،‬وترك إضمار ما يقتضيه السياقُ‪ ،‬والسياقُ إنما يقتضي أن صلته‬
‫بعد الفجر كانت تخفيفاً‪ ،‬ول يقتضي أن صلتَه كلّها بعد ذلك اليوم كانت تخفيفاً‪ ،‬هذا ما ل يدل عليه‬
‫اللفظ‪ ،‬ولو كان هو المرادَ‪ ،‬لم يخف على خلفائه الراشدين‪ ،‬فيتمسكون بالمنسوخ‪ ،‬ويدعون الناسخ‪.‬‬

‫‪93‬‬

‫وأمّا قولُه صلى ال عليه وسلم‪(( :‬أَ ّيكُم أَ ّم النّاسَ‪َ ،‬ف ْليُخَ ّففْ)) وقول أنس رضي الّ‬
‫لةً في تَمامٍ فالتخفيف أمر نسبي َيرْجِحُ‬
‫ف النّاسِ صَ َ‬
‫خ ّ‬
‫ل صلى ال عليه وسلم أ َ‬
‫عنه‪ :‬كان رسولُ ا ّ‬
‫إلى ما فعله النبي صلى ال عليه وسلم‪ ،‬وواظب عليه‪ ،‬ل إلى شهوة المأمومين‪ ،‬فإنه صلى ال عليه‬
‫وسلم لم يكن يأمرهم بأمر‪ ،‬ثم يُخالفه‪ ،‬وقد عَلمَ أن من ورائه الكبيرَ والضعيفَ وذَا الحاجة‪ ،‬فالذي‬
‫ف الذي أمرَ به‪ ،‬فإَنه كان يُمكن أن تكون صلتُه أطولَ منِ ذلك بأضعاف مضاعفة‪،‬‬
‫فعله هو التخفي ُ‬
‫فهي خفيفةٌ بالنسبة إلى أطول منها‪ ،‬وهديُه الذي كان واظب عليه هو الحاك ُم على كل ما تنازع فيه‬
‫المتنازعون‪ ،‬ويدل عليه ما رواه النسائي وغيره عن ابن عمر رضي الّ عنهما قال‪ :‬كان رسولُ‬
‫الّ يأمرنا بالتخفيف ويؤمّنا بـ (الصافات) فالقراءة بـ (الصافات) من التخفيف الذي كان يأمر به‪،‬‬
‫ل أعلم‪.‬‬
‫وا ّ‬
‫فصل‬
‫وكان صلى ال عليه وسلم ل يعين سورة في الصلة بعينها ل يقرأ إل بها إل في الجمعة‬
‫والعيدين‪ ،‬وأمّا في سائر الصلوات‪ ،‬فقد ذكر أبو داود من حديث عمرو بن شعيب‪ ،‬عن أبيه‪ ،‬عن‬
‫ل صلى ال عليه‬
‫ل سورةٌ صغيرةٌ ول كبيرةٌ إل وقد سمِعتُ رسولَ ا ّ‬
‫جدّه أنه قال‪ :‬مَا منَ المفصّ ِ‬
‫وسلم يَؤ ّم الناسَ بها في اَلصّل ِة ال َمكْتُوبةِ‪.‬‬
‫وكان من هديه قراء َة السورة كاملة‪ ،‬وربما قرأها في الركعتين‪ ،‬وربما قرأ أول السورة‪.‬‬
‫وأما قراءة أواخر السور وأوساطِها‪ ،‬فلم يُحفظ عنه‪ .‬وأما قراءةُ السورتين في ركعة‪ ،‬فكان يفعله في‬
‫ل عنه‪ :‬إني لعرف‬
‫ث ابن مسعود رضي ا ّ‬
‫النافلة‪ ،‬وأما في الفرض‪ ،‬فلم يُحفظ عنه‪ .‬وأما حدي ُ‬
‫ل صلى ال عليه وسلم يقرُن بينهن السورتين في الركعة (الرحمن) و‬
‫النظا ِئرَ التي كان رسولُ ا ّ‬
‫(النجم) في ركعة و (اقتربت) و (الحاقة) في ركعة و (الطور) و (الذاريات) في ركعة و (إذا‬
‫وقعت) و (ن) في ركعة الحديث فهذا حكاية فعل لم يُعين محلّه هل كان في الفرض أو في النفل؟‬
‫وهو محتمِل‪ .‬وأما قراءةُ سورة واحدة في ركعتين معاً‪ ،‬فقلما كان يفعله‪ .‬وقد ذكر أبو داود عن رجل‬
‫ل صلى ال عليه وسلم يقرأ في الصبح (إذا زلزلت) في الركعتين‬
‫من جُهينة أنه سمع رسول ا ّ‬
‫ل صلى ال عليه وسلم‪ ،‬أم قرأ ذلك عمداً‪.‬‬
‫كلتيهما‪ ،‬قال‪ :‬فل أدري أنسيَ رسولُ ا ّ‬
‫فصل‬
‫ل الركعة الولى على الثانية مِن صلة الصّبح ومِن كل‬
‫وكان صلى ال عليه وسلم يُطي ُ‬
‫صلة‪ ،‬وربما كان يُطيلها حتى ل يسمَعَ وقْعَ قدمٍ‪ ،‬وكان يُطيل صلة الصبح أكث َر مِن سائر‬

‫‪94‬‬

‫لّ تعالى وملئكتُه‪ ،‬وقيل‪ :‬يشهدُه ملئك ُة الليلِ‬
‫الصلوات‪ ،‬وهذا لن قرآن الفجر مشهود‪ ،‬يشهده ا ُ‬
‫والنهارِ‪ ،‬والقولن مبنيان على أن النزولَ الِلهي هل يدو ُم إلى انقضاء صلة الصبح‪ ،‬أو إلى طلوع‬
‫الفجر؟ وقد ورد فيه هذا وهذا‪.‬‬
‫ل تطويلُها عوضًا عما نقصته من العدد‪.‬‬
‫جعِ َ‬
‫وأيضاً فإنها لما نقص عددُ ركعاتها‪ُ ،‬‬
‫ب النوم‪ ،‬والناس مستريحون‪.‬‬
‫وأيضاً فإنها تكون عقي َ‬
‫وأيضاً فإنهم لم يأخذوا َبعْدُ في استقبال المعاش‪ ،‬وأسباب الدنيا‪.‬‬
‫وأيضاً فإنها تكون في وقت تواطأ فيه السمعُ واللّسان والقلبُ لفراغه وعدمِ تمكن الشتغال‬
‫ن ويتدبره‪.‬‬
‫فيه‪ ،‬فَيفه ُم القُرآ َ‬
‫وأيضاً فإنها أساس العمل وأولُه‪ ،‬فأُعطيت فضلً من الهتمام بها وتطويلها‪ ،‬وهذه أسرار‬
‫ح َك ِمهَا‪ ،‬والّ المستعان‪.‬‬
‫إنما يعرفها من له التفات إلى أسرار الشريعة ومقاصدها وَ ِ‬
‫فصل‬
‫وكان صلى ال عليه وسلم إذا فرغ من القراءة‪ ،‬سكت بقدر ما يترادّ إليه نفسُه‪ ،‬ثم رفع يديه‬
‫كما تقدّم‪ ،‬وكبّر راكعاً‪ ،‬ووضع كفّيه على رُكبتيه كالقابض عليهما‪ ،‬ووتَر يديه‪ ،‬فنحاهما عن جنبيه‪،‬‬
‫ل له‪.‬‬
‫ب رأسه‪ ،‬ولم يَخ ِفضْه‪ ،‬بل يجعلُه حيالَ ظهره معادِ ً‬
‫ص ْ‬
‫وبسط ظهره ومدّه‪ ،‬واعتدل‪ ،‬ولم َينْ ِ‬
‫ك الّلهُمّ‬
‫سبْحَا َن َ‬
‫ن َر ّبيَ ا ْلعَظِيمِ))وتارة يقول مع ذلك‪ ،‬أو مقتصِرًا عليه‪ُ (( :‬‬
‫سبْحَا َ‬
‫وكان يقول‪ُ (( :‬‬
‫حمْ ِدكَ‪ ،‬الّلهُ ّم اغْ ِفرْ لِي)) وكان ركوعُه المعتادُ مقدارَ عشرِ تسبيحات‪ ،‬وسجودُه كذلك‪ .‬وأما‬
‫َر ّبنَا َوبِ َ‬
‫ف النبي صلى ال عليه وسلم‪ ،‬فكان قيامُه‬
‫خ ْل َ‬
‫ت الصلةَ َ‬
‫ل عنه‪َ :‬رمَ ْق ُ‬
‫حديث البراء بن عازب رضي ا ّ‬
‫فركوعُه فاعتدالُه فسجدتُه‪ ،‬فجلستُه ما بين السجدتين قريباً من السواء‪ .‬فهذا قد َفهِ َم منه بعضُهم أنه‬
‫كان يركع بقدر قيامه‪ ،‬ويسجُد بقدره‪ ،‬ويعتدِل كذلك‪ .‬وفي هذا الفهم شيء‪ ،‬لنه صلى ال عليه وسلم‬
‫كان يقرأ في الصبح بالمائة آية أو نحوها‪ ،‬وقد تقدم أنه قرأ في المغرب بـ (العراف) و (الطور) و‬
‫(المرسلت) ومعلوم أن ركوعه وسجوده لم يكن قدر هذه القراءة‪ ،‬ويدل عليه حديثُ أنس الذي‬
‫ل صلى ال عليه وسلم أشبهَ صلة‬
‫رواه أهل السنن أنه قال‪ :‬ما صليتُ وراءَ أحد بعدَ رسول ا ّ‬
‫ل صلى ال عليه وسلم‪ .‬إل هذا الفتى يعني عم َر بن عبد العزيز‪ ،‬قال‪ :‬فحز ْرنَا في ركوعه‬
‫برسول ا ّ‬
‫عشرَ تسبيحات‪ ،‬وفي سجوده عشر تسبيحات هذا مع قول أنس أنه كان يؤمهم بـ (الصافات) فمرادُ‬
‫ل أعلم ‪ -‬أن صلته صلى ال عليه وسلم كانت معتدِلة‪ ،‬فكان إذا أطال القيام‪ ،‬أطال‬
‫البراء ‪ -‬وا ّ‬
‫ل الركوع والسجود بقدر‬
‫الركوع والسجود‪ ،‬وإذا خفف القيام‪ ،‬خفف الركوعَ والسجود‪ ،‬وتارة يجع ُ‬

‫‪95‬‬

‫ل ذلك أحيانًا في صلة الليل وحدها‪ ،‬وفعله أيضاً قريبًا من ذلك في صلة‬
‫القيام‪ ،‬ولكن كان يفعَ ُ‬
‫ل الصلة وتناسبها‪.‬‬
‫الكسوف‪ ،‬وهديه الغالبُ صلى ال عليه وسلم تعدي ُ‬
‫ل ِئكَةِ والرّوح))‪ .‬وتارة يقول‪(( :‬الّلهُمّ‬
‫ب المَ َ‬
‫سبّوحٌ قُدّوسٌ َر ّ‬
‫وكان يقول أيضًا في ركوعه (( ُ‬
‫صبِي))‪ .‬وهذا‬
‫ع َ‬
‫ظمِي وَ َ‬
‫س ْمعِي َو َبصَرِى َومُخّي وَعَ ْ‬
‫سَل ْمتُ‪ ،‬خَشَ َع َلكَ َ‬
‫َلكَ َر َك ْعتُ‪َ ،‬وبِك آ َم ْنتُ‪َ ،‬وَلكَ أَ ْ‬
‫إنما حُفظ عنه في قيام الليل‪.‬‬
‫حمِدَه)) َو َيرْفَع يديه كما تقدم‪،‬‬
‫لّ لِمنْ َ‬
‫ثم كان يرفع رأسه بعد ذلك قائلً‪(( :‬سَمعَ ا ُ‬
‫وروى رف َع اليدين عنه في هذه المواطن الثلثة نحوٌ من ثلثين نفساً‪ ،‬واتفق على روايتها العشرةُ‪،‬‬
‫ف ذلك البتة‪ ،‬بل كان ذلك هديَه دائمًا إلى أن فارق الدنيا‪ ،‬ولم يصح عنه حديثُ‬
‫ولم يثبت عنه خِل ُ‬
‫ك ابنِ مسعود الرف َع ممّا يُقدّم على هديه‬
‫البراء‪ :‬ثم ل يعود بل هي من زيادة يزيد بن زياد‪ .‬فليس تر ُ‬
‫ك من فعل ابن مسعود في الصلة أشياء ليس ُمعَا ِرضُها مقارباً ول مدانيًا للرفع‪ ،‬فقد‬
‫المعلوم‪ ،‬فقد تُر َ‬
‫ن فعله التطبيق والفتراش في السجود‪ ،‬ووقوفه إمامًا بين الثنين في وسطهما دون التقدّم‬
‫ترك مِ ْ‬
‫عليهما‪ ،‬وصلته الفرض في البيت بأصحابه بغير أذان ول إقامة لجل تأخير المراء‪ ،‬وأين‬
‫الحاديثُ في خلف ذلك من الحاديث التي في الرفع كثر ًة وصحة وصراح ًة وعملً‪ ،‬وبالّ‬
‫التوفيق‪.‬‬
‫جزِىء صلةٌ لَ‬
‫وكان دائماً يُقيم صُلبه إذا رفع من الركوع‪ ،‬وبينَ السجدتين‪ ،‬ويقول ((لَ ُت ْ‬
‫ص ْلبَ ُه في ال ّركُوعِ وَالسّجُودِ)) ذكره ابن خزيمة في ((صحيحه))‪.‬‬
‫يُقِيمُ فِيهَا الرّجُلُ ُ‬
‫حمْدُ))وربما قال‪:‬‬
‫حمْدُ)) وربما قال‪َ (( :‬ر ّبنَا َلكَ الْ َ‬
‫وكان إذا استوى قائماً‪ ،‬قال‪َ (( :‬ر ّبنَا َوَلكَ الْ َ‬
‫حمْد))صح ذلك عنه‪ .‬وأما الجمع بين ((الّلهُمّ)) و ((الواو)) فلم يصح‪.‬‬
‫((الّلهُ ّم َر ّبنَا لك الْ َ‬
‫وكان من هديه إطال ُة هذا الركن بقدر الركوعِ والسجود‪ ،‬فصح عنه أنه كان يقول‪(( :‬سَمعَ‬
‫شيْ ٍء َبعْدُ‪،‬‬
‫ت مِنْ َ‬
‫ش ْئ َ‬
‫لرْض‪َ ،‬ومِلْ َء مَا ِ‬
‫سمَاوَاتِ‪َ ،‬ومِلْءَ ا َ‬
‫حمْدُ‪ ،‬مِلْ َء ال ّ‬
‫حمِ َدهُ‪ ،‬اللّهُ ّم َر ّبنَا َلكَ الْ َ‬
‫لّ لِمن َ‬
‫ا ُ‬
‫ي ِلمَا َم َن ْعتَ‪ ،‬وَلَ‬
‫طَ‬
‫ط ْيتَ‪ ،‬وَلَ ُمعْ ِ‬
‫ل مَان َع ِلمَا أَعْ َ‬
‫عبْدٌ َ‬
‫ل ا ْل َعبْدُ َو ُكُلنَا َلكَ َ‬
‫ق مَا قَا َ‬
‫ل ال ّثنَاءِ وَالمَجْدِ‪ ،‬أَحَ ّ‬
‫أَهْ َ‬
‫َينْفَعُ ذَا الجَ ّد ِم ْنكَ الجَدّ))‪.‬‬
‫ج وَال َبرَدِ‪َ ،‬ونَ ّقنِي مِنَ‬
‫ي بِالمَا ِء وَال ّثلْ ِ‬
‫س ْلنِي مِنْ خَطَايَا َ‬
‫وصح عنه أنه كان يقول فيه‪(( :‬الّلهُ ّم اغْ ِ‬
‫ي َكمَا بَاعَ ْدتَ َبيْنَ‬
‫ن ال ّدنَسِ‪َ ،‬وبَاعِد َب ْينِي َو َبيْنَ خَطَايَا َ‬
‫ض مِ َ‬
‫ل ْبيَ ُ‬
‫ب وَالْخَطَايَا َكمَا ُينَقّى ال ّث ْوبُ ا َ‬
‫ال ّذنُو ِ‬
‫شرِقِ وَا ْل َم ْغ ِربِ))‪.‬‬
‫المَ ْ‬
‫حمْدُ)) حتى كان بقدر الركوع‪.‬‬
‫ي الْ َ‬
‫حمْدُ‪ِ ،‬ل َر ّب َ‬
‫وصح عنه أنه كرر فيه قوله‪ِ(( :‬ل َر ّبيَ الْ َ‬

‫‪96‬‬

‫ي من إطَاَلتِه‬
‫سَ‬
‫ح عنه أنه كان إذا رفع رأسه من الركوع يمكُث حتى يقول القائل‪ :‬قد ن ِ‬
‫وص ّ‬
‫لهذا الرّكن‪ .‬وذكر مسلم عن أنس رضيَ الُّ عنه‪ :‬كان رسولُ ال صلى ال عليه وسلم إذا قال سَمعَ‬
‫حمِدَه‪ ،‬قام حتى نقول‪ :‬قَ ْد أَوهَمَ‪ُ ،‬ثمّ يسجُدُ‪ ،‬ثم يَ ْقعُ ُد بين السجدتين حتى نقولَ‪ :‬قد أوهم‪.‬‬
‫لّ لِمنْ َ‬
‫ا ُ‬
‫وصح عنه في صلة الكُسوف أنه أطال هذا الركنَ بعد الركوع حتى كان قريبًا من ركوعه‪،‬‬
‫وكان ركوعُه قريباً من قيامه‪.‬‬
‫فهدا هديُه المعلوم الذي ل مُعارِض له بوجه‪.‬‬
‫ل صلى ال عليه وسلم وسجودُه وبينَ‬
‫ث البراء بن عازب‪ :‬كان ركوعُ رسول ا ّ‬
‫وأما حدي ُ‬
‫السجدتين‪ ،‬وإذا رَفَ َع رأسه من الركوع ‪ -‬ما خل القيامَ والقعُودَ ‪ -‬قريبًا مِنَ السواء‪ .‬رواه البخاري‬
‫فقد تشبّث به مَن ظن تقصيرَ هذين الركنين‪ ،‬ول متعلق له‪ ،‬فإن الحديث مصرّح فيه بالتسوية بين‬
‫هذين الركنين وبين سائر الركان‪ ،‬فلو كان القيامُ والقعود المس َت ْثنَ َييْنِ هو القيامَ بعد الركوع والقعودَ‬
‫بين السجدتين‪ ،‬لناقض الحديثُ الواحد بعضَه بعضاً‪ ،‬فتعيّن قطعًا أن يكون المرادُ بالقيام والقعود‬
‫قيا َم القراءة‪ ،‬وقعود التشهد‪ ،‬ولهذا كان هديُه صلى ال عليه وسلم‪ ،‬فيهما إطالَتهما على سائر‬
‫ل ال صلى ال عليه‬
‫ل واضح‪ ،‬وهُو مما خفي من هدي رسو ِ‬
‫الركان كما تقدم بيانُه‪ ،‬وهذا بحمد ا ّ‬
‫ل أن يخفى عليه‪.‬‬
‫وسلم صلته على من شاء ا ّ‬
‫قال شيخنا‪ :‬وتقصيرُ هذين الركنين مما تصرّف فيه أمرا ُء بني أمية في الصلة‪ ،‬وأحدثُوه‬
‫فيها‪ ،‬كما أحدثوا فيها تركَ إتمام التكبير‪ ،‬وكما أحدثوا التأخيرَ الشديد‪ ،‬وكما أحدثوا غي َر ذلك مما‬
‫ي في ذلك مَنْ ُر َبيّ حتى ظن أنه من السنة‪.‬‬
‫يُخالف هديَه صلى ال عليه وسلم و ُر ّب َ‬
‫فصل‬
‫خرّ ساجداً‪ ،‬ول يرفع يديه وقد روي عنه أنه كان يرفعهما أيضاً‪ ،‬وصححه‬
‫ثم كان يُكبّر وَي ِ‬
‫ح ذلك عنه البتة‪ ،‬والذي غرّه أن‬
‫بعضُ الحفاظ كأبي محمد بن حزم رحمه الّ‪ ،‬وهو وهم‪ ،‬فل َيصِ ّ‬
‫ي غلط من قوله‪ :‬كان يُكبر في كل خفض ورفع إلى قوله‪ :‬كان يرفع يديه عند كل خفض‬
‫الراو َ‬
‫ل أعلم‪.‬‬
‫ورفع‪ ،‬وهو ثقة ولم يفطن لسبب غلط الراوي ووهمه‪ ،‬فصححه‪ .‬وا ّ‬
‫وكان صلى ال عليه وسلم َيضَ ُع رُكبتيه قبل يديه‪ ،‬ثمّ يديه بعدهما‪ ،‬ثم جبهتَه وأنفَه‪،‬‬
‫هذا هو الصحيح الذي رواه شريك‪ ،‬عن عاصم بن كليب‪ ،‬عن أبيه‪ ،‬عن وائل بن حُجر‪ :‬رأيتُ‬
‫ل صلى ال عليه وسلم إذا سجد‪ ،‬وضع ركبتيه قبل يديه‪ ،‬وإذا نهض‪ ،‬رفع يديه قبل‬
‫رسول ا ّ‬
‫ف ذلك‪.‬‬
‫ركبتيه‪ ،‬ولم يُرو في فعله ما ُيخَاِل ُ‬

‫‪97‬‬

‫ك ال َبعِيرُ‪،‬‬
‫ث أبي هريرة يرفعه‪(( :‬إِذَا سَجَ َد َأحَ ُدكُمْ‪ ،‬فَلَ َي ْبرُك َكمَا َي ْب ُر ُ‬
‫وأما حدي ُ‬
‫ل أعلم ‪ -‬قد وقع فيه وهم من بعض الرواة‪ ،‬فإن أوّله‬
‫ل ر ْك َب َتيْهِ)) فالحديث ‪ -‬وا ّ‬
‫َو ْليَضَ ْع يَ َديْهِ َقبْ َ‬
‫يُخالف آخره‪ ،‬فإنه إذا وَضَع يديه قبل ركبتيه‪ ،‬فقد َب َركَ كما يبرَك البعير‪ ،‬فإن البعير إنما يضع يديه‬
‫أولً‪ ،‬ولما علم أصحابُ هذا القول ذلك‪ ،‬قالوا‪ :‬ركبتا البعير في يديه‪ ،‬ل في رجليه‪ ،‬فهو إذا برك‪،‬‬
‫وضع ركبتيه أولً‪ ،‬فهذا هو المنهي عنه‪ ،‬وهو فاسد لوجوه‪.‬‬
‫أحدها‪ :‬أن البعير إذا برك‪ ،‬فإنه يضع يديه أولً‪ ،‬وتبقى رجله قائمتين‪ ،‬فإذا نهض‪ ،‬فإنه‬
‫ينهض برجليه أولً‪ ،‬وتبقى يداه على الرض‪ ،‬وهذا هو الذي نهى عنه صلى ال عليه وسلم‪،‬وفعل‬
‫خلفه‪ .‬وكان أول ما يقع منه على الرض القربُ منها فالقربُ‪ ،‬وأول ما يرتفع عن الرض منها‬
‫العلى فالعلى‪.‬‬
‫وكان يضع ركبتيه أولً‪ ،‬ثم يديه‪ ،‬ثم جبهتَه‪ .‬وإذا رفع‪ ،‬رفع رأسه أولً‪ ،‬ثم يديه‪ ،‬ثم ركبتيه‪،‬‬
‫س فعل البعير‪ ،‬وهو صلى ال عليه وسلم نهى في الصلة عن التشبه بالحيوانات‪ ،‬فنهى‬
‫وهذا عك ُ‬
‫سبُع‪ ،‬وإقعاء كإقعاء‬
‫عن بُروك كبُروكِ البعير‪ ،‬والتفات كالتفات الثعلب‪ ،‬وافتراش كافتراش ال ّ‬
‫ش ْمسِ‪ ،‬فه ْديُ المصلي مخالفٌ‬
‫الكلب‪ ،‬ونقر كنقر الغراب ورف ِع اليدي وقت السلم كأذناب الخيل ال ّ‬
‫لهدي الحيوانات‪.‬‬
‫الثاني‪ :‬أن قولهم‪ :‬رُكبتا البعير في يديه كلم ل يُعقل‪ ،‬ول يعرفه أهل اللغة وإنما‬
‫الركبة في الرجلين‪ ،‬وإن أطلق على اللتين في يديه اسم الركبة‪ ،‬فعلى سبيل التغليب‪.‬‬
‫ض من‬
‫الثالث‪ :‬أنه لو كان كما قالوه‪ ،‬لقال‪ :‬فليبرُك كما يبرك البعير‪ ،‬وإن أول ما يمسّ الر َ‬
‫ن من تأمل بُروك البعير‪ ،‬وعلم أن النبي صلى ال عليه وسلم نهى عن‬
‫سرُ المسألة أ ّ‬
‫البعير يداه‪ .‬و ِ‬
‫ل أعلم‪.‬‬
‫بُروك كبروك البعير‪ ،‬علم أن حديث وائل بن حُجر هو الصواب‪ ،‬وا ّ‬
‫وكان يقع لي أن حديث أبي هريرة كما ذكرنا ممّا انقلب على بعض الرواة متنُه‬
‫ن بِلَلً‬
‫ث ابن عمر ((إِ َ‬
‫وأصلُه‪ ،‬ولعله‪(( :‬وليضع ركبتيه قبل يديه)) كما انقلب على بعضهم حدي ُ‬
‫ن أُمّ مكتوم يؤذن بليل‪ ،‬فكلوا‬
‫ن أُ ّم مكتوم))‪ .‬فقال‪(( :‬اب ُ‬
‫ش َربُوا حتّى ُيؤَذّنَ اب ُ‬
‫ُيؤَذّنُ بليل‪ ،‬ف ُكلُوا وا ْ‬
‫ل يلقى في النّارِ‪َ ،‬فتَقُولُ‪ :‬هَلْ‬
‫ث ((لَ َيزَا ُ‬
‫واشربوا حتى يُؤذّن بِلل))‪ .‬وكما انقلب على بعضهم حدي ُ‬
‫س ِك ُنهُم إيّاهَا)) فقال‪َ (( :‬وأَمّا النّار فينشىءُ‬
‫خلْقًا يُ ْ‬
‫لّ لهَا َ‬
‫جنَةُ َف ُينْشِىءُ ا ُ‬
‫مِنْ َمزِيدٍ‪ ...‬إلى أن قال‪َ :‬وَأمّا ال َ‬
‫الّ لها خلقًا يُسكنهم ِإيّاها)) حتى رأيتُ أبا بكر بن أبي شيبة قد رواه كذلك‪ ،‬فقال ابن أبي شيبة‪:‬‬
‫حدثنا محمد بن فضيل‪،‬عن عبد الّ بن سعيد‪ ،‬عن جدّه‪ ،‬عن أبي هريرة‪ ،‬عن النبي صلى ال عليه‬

‫‪98‬‬

‫ل َي ْب ُركْ َك ُبرُوكِ الفَحْلِ)) ورواه الثرم في‬
‫ل يَدَيهِ‪ ،‬وَ َ‬
‫وسلم قال‪(( :‬إذَا سَجَ َد أَحَ ُدكُمْ‪َ ،‬ف ْل َيبْ َدأْ ِب ُر ْك َب َتيْهِ َقبْ َ‬
‫((سننه)) أيضًا عن أبي بكر كذلك‪ .‬وقد روي عن أبي هريرة عن النبى صلى ال عليه وسلم ما‬
‫يُصدّق ذلك‪ ،‬ويُوافق حديثَ وائل بن حُجر‪ .‬قال ابن أبي داود‪ :‬حدثنا يُوسُف بن عدي‪ ،‬حدثنا ابن‬
‫فضيل هو محمد‪ ،‬عن عبد الّ بن سعيد‪ ،‬عن جدّه‪ ،‬عن أبي هريرة أن النبي صلى ال عليه وسلم‬
‫كان إذا سجد بدأ بركبتيه قبل يديه‪.‬‬
‫وقد روى ابن خزيمة في ((صحيحه)) من حديث مُصعب بن سعد‪ ،‬عن أبيه قال‪ :‬كنا نضعُ‬
‫ث أبي هريرة محفوظاً‪،‬‬
‫اليدين قبل الركبتين‪َ ،‬فأُمرنا بالرّكبتين قبل اليدين وعلى هذا فإن كان حدي ُ‬
‫فإنه منسوخ‪ ،‬وهذه طريق ُة صاحب ((المغنى)) وغيره‪ ،‬ولكنْ للحديث علتان‪:‬‬
‫إحداهما‪ :‬أنه من رواية يحيى بن سلمة بن كهيل‪ ،‬وليس ممن يُحتج به‪ ،‬قال النّسائي‪ :‬متروك‪.‬‬
‫وقال ابن حبان‪ :‬منكر الحديث جداً ل يُحتج به‪ ،‬وقال ابن معين‪ :‬ليس بشيء‪.‬‬
‫الثانية‪ :‬أن المحفوظ من رواية مصعب بن سعد عن أبيه هذا إنما هو قص ُة التطبيق‪ ،‬وقول‬
‫سعد‪ :‬كنا نصنع هذا‪ ،‬فأمرنا أن نضع أيدينا على الركب‪.‬‬
‫وأما قول صاحب ((المغني)) عن أبي سعيد قال‪ :‬كنا نضع اليدين قبل الركبتين‪ ،‬فَُأ ِم ْرنَا أن‬
‫ل أعلم ‪ -‬وهم في السم‪ ،‬وإنما هو عن سعد‪ ،‬وهو أيضًا وهم‬
‫نضع الركبتين قبل اليدين‪ ،‬فهذا ‪ -‬وا ّ‬
‫ل أعلم‪.‬‬
‫في المتن كما تقدم‪ ،‬وإنما هو في قصة التطبيق‪ ،‬وا ّ‬
‫وأما حديث أبي هريرة المتقدم‪ ،‬فقد علله البخاري‪ ،‬والترمذي‪ ،‬والدارقطني‪ .‬قال البخاري‪:‬‬
‫ل بن حسن ل يُتابع عليه‪ ،‬وقال‪ :‬ل أدري أَسَم َع من أبي الزناد‪ ،‬أم ل‪.‬‬
‫محمد بن عبد ا ّ‬
‫وقال الترمذي‪ :‬غريب ل نعرفه من حديث أبي الزناد إل من هذا ا لوجه‪.‬‬
‫ل بن الحسن العلوي‪،‬‬
‫وقال الدارقطني‪ :‬تفرد به عبد العزيز الدراوردي‪ ،‬عن محمد بن عبد ا ّ‬
‫ل بن الحسن‬
‫عن أبي الزناد‪ ،‬وقد ذكر النسائي عن قتيبة‪ ،‬حدثنا عبد الّ بن نافع‪ ،‬عن محمد بن عبد ا ّ‬
‫العلوي‪ ،‬عن أبي الزناد عن العرج‪ ،‬عن أبي هريرة أن النبي صلى ال عليه وسلم قال‪َ (( :‬ي ْعمِدُ‬
‫جمَلُ)) ولم يزد‪ .‬قال أبو بكر بن أبي داود‪ :‬وهذه سنة تفرد بها‬
‫أَحَ ُدكُم في صلته‪َ ،‬ف َي ْب ُركُ كما َي ْب ُركُ ال َ‬
‫ل المدينة‪ ،‬ولهم فيها إسنادان‪ ،‬هذا أحدهما‪ ،‬والخر عن عبيد الّ‪ ،‬عن نافع‪ ،‬عن ابن عمر‪ ،‬عن‬
‫أه ُ‬
‫النبي صلى ال عليه وسلم‪.‬‬
‫قلت‪ :‬أراد الحديثَ الذي رواه أصبغ بن الفرج‪ ،‬عن الدراوردي‪ ،‬عن عبيد الّ‪ ،‬عن نافع‪،‬‬
‫ل رُكبتيه‪ ،‬ويقول‪:‬كان النبي صلى ال عليه وسلم يفعل ذلك‪.‬‬
‫عن ابن عمر أنه كان يضَع يَدَيهِ َقبْ َ‬

‫‪99‬‬

‫رواه الحاكم في ((المستدرَك)) من طريق محرز بن سلمة عن الدراوردي وقال‪ :‬على شرط مسلم‬
‫ت رسول الّ‬
‫وقد رواه الحاك ُم مِنْ حديث حفص بن غياث‪ ،‬عن عاصم الحول‪ ،‬عن أنس قال‪ :‬رأي ُ‬
‫ت رُكبتاه يَ َديْهِ قال الحاكم‪ :‬على شرطهما‪ ،‬ول أعلم له‬
‫سبَ َق ْ‬
‫صلى ال عليه وسلم انحطّ بالتكبير حتى َ‬
‫علة‪.‬‬
‫ت أبي عن هذا الحديث‪ ،‬فقال‪ :‬هذا الحديث منكر‪.‬‬
‫قلت‪ :‬قال عبد الرحمن بن أبي حاتم‪ :‬سأل ُ‬
‫ل أعلم ‪ -‬لنه من رواية العلء بن إسماعيل العطار‪ ،‬عن حفص بن غياث‪،‬‬
‫انتهى‪ .‬وإنما أنكره ‪ -‬وا ّ‬
‫والعلء هذا مجهول ل ذكر له في الكتب الستة‪ .‬فهذه الحاديث المرفوعة من الجانبين كما ترى‪.‬‬
‫ل عنه‬
‫وأما الثار المحفوظة عن الصحابة‪ ،‬فالمحفوظ عن عمر بن الخطاب رضي ا ّ‬
‫أنه كان يضع ركبتيه قبل يديه‪ ،‬ذكره عنه عبد الرزاق وابن المنذر‪ ،‬وغيرهما‪ ،‬وهو المروي عن‬
‫ل عنه‪ ،‬ذكره الطحاوى عن فهد عن عمر بن حفص‪ ،‬عن ابيه‪ ،‬عن العمش‪،‬‬
‫ابن مسعود رضي ا ّ‬
‫ل علقمة والسود قال‪ :‬حفظنا عن عمر في صلته أنه خرّ بعد‬
‫عن إبراهيمِ‪ ،‬عن أصحاب عبد ا ّ‬
‫خ ّر البعير‪ ،‬ووضع ركبتيه قبل يديه‪ ،‬ثم ساق من طريق الحجاج بن‬
‫ركوعه على ركبتيه كما يَ ِ‬
‫ل بن مسعود أن ركبتيه كانتا تقعان على الرض‬
‫أرطاة قال‪ :‬قال إبراهيم النخعي‪ :‬حفظ عن عبد ا ّ‬
‫قبل يديه‪ ،‬وذكر عن أبي مرزوق عن وهب‪ ،‬عن شعبة‪ ،‬عن مغيرة قال‪ :‬سألت إبراهيم عن الرجل‬
‫يبدأ بيديه قبل ركبتيه إذا سجد؟ قال‪ :‬أو يصنع ذلك إل أحمق أو مجنون!‬
‫قال ابن المنذر‪ :‬وقد اختلف أهل العلم في هذا الباب‪ ،‬فممن رأى أن يضع ركبتيه قبل يديه‬
‫عمرُ بن الخطاب رضي الّ عنه‪ ،‬وبه قال النخعيّ‪ ،‬ومسل ُم بن يسار‪ ،‬والثوريّ‪ ،‬والشافعيّ‪ ،‬وأحمدُ‪،‬‬
‫ل الكوفة‪.‬‬
‫وإسحاق‪ ،‬وأبو حنيفة وأصحابُه‪ ،‬وأه ُ‬
‫وقالت طائفة‪ :‬يضع يديه قبل ركبتيه‪ ،‬أدركنا النّاس يضعون أيديَهم قبل رُكبهم‪ :‬قال ابنُ أبي‬
‫داود‪ :‬وهو قول أصحاب الحديث‪.‬‬
‫ث أبي هريرة بلفظ آخر ذكره البيهقي‪ ،‬وهو‪((:‬إذا سجد أحدكم‪ ،‬فل يبرُك‬
‫قلت‪ :‬وقد روي حدي ُ‬
‫كما يبرُك البعيرُ‪ ،‬وليضع يديه على ركبتيه)) قال البيهقي‪ :‬فإن كان محفوظاً‪ ،‬كان دليلً على أنه‬
‫يضع يديه قبل ركبتيه عند الِهواء إلى السجود‪.‬‬
‫وحديث وائل بن حُجر أولى لوجوه‪.‬‬
‫أحدها‪ :‬أنه أثبت من حديث أبي هريرة‪ ،‬قاله الخطابي‪ ،‬وغيره‪.‬‬

‫‪100‬‬

‫الثاني‪ :‬أن حديث أبي هريرة مضطرب المتن كما تقدم‪ ،‬فمنهم من يقول فيه‪ :‬وليضع يديه‬
‫قبل ركبتيه‪ ،‬ومنهم من يقول بالعكس‪ ،‬ومنهم من يقول‪ :‬وليضع يديه على ركبتيه‪ ،‬ومنهم من يحذف‬
‫هذه الجملة رأساً‪.‬‬
‫الثالث‪ :‬ما تقدم من تعليل البخاري والدارقطني وغيرهما‪.‬‬
‫الرابع‪ :‬أنه على تقدير ثبوته قد ادعى فيه جماعة من أهل العلم النسخَ قال ابن المنذر‪ :‬وقد‬
‫ض أصحابنا أن وضع اليدين قبل الركبتين منسوخ‪ ،‬وقد تقدم ذلك‪.‬‬
‫زعم بع ُ‬
‫الخامس‪ :‬أنه الموافق لنهي النبي صلى ال عليه وسلم عن بروك كبروك الجمل في‬
‫الصلة‪ ،‬بخلف حديث أبي هريرة‪.‬‬
‫السادس‪ :‬أنه الموافق للمنقول عن الصحابة‪ ،‬كعمر بن الخطاب‪ ،‬وابنه‪ ،‬وعبد الّ بن مسعود‪،‬‬
‫ل عنه على اختلف عنه‪.‬‬
‫ولم ينقل عن أحد منهم ما يُوافق حديثَ أبي هريرة إل عن عمر رضي ا ّ‬
‫السابع‪ :‬أن له شواهد من حديث ابن عمر وأنس كما تقدم‪ ،‬وليس لحديث أبي هريرة شاهد‪،‬‬
‫فلو تقاوما‪ ،‬لَقُدّم حديثُ وائل بن حُجر من أجل شواهده‪ ،‬فكيف وحديثُ وائل أقوى كما تقدم‪.‬‬
‫الثامن‪ :‬أن أكثر الناس عليه‪ ،‬والقول الخر إنما يُحفظ عن الوزاعي ومالك‪ ،‬وأمّا قول ابن‬
‫أبي داود‪ :‬إنه قول أهل الحديث‪ ،‬فإنما أراد به بعضهم‪ ،‬وإل فأحمد والشافعي وإسحاق على خلفه‪.‬‬
‫التاسع‪ :‬أنه حديث فيه قصة مَحكية سيقت لحكاية فعله صلى ال عليه وسلم‪ ،‬فهو أولى أن‬
‫يكون محفوظاً‪ ،‬لن الحديث إذا كان فيه قصة محكية‪ ،‬دلّ على أنه حفظ‪.‬‬
‫العاشر‪ :‬أن الفعال المحكية فيه كلها ثابتة صحيحة من رواية غيره‪ ،‬فهي أفعال معروفة‬
‫ل أعلم‪.‬‬
‫صحيحة‪ ،‬وهذا واحد منها‪ ،‬فله حكمها‪ ،‬ومعارضُه ليس مقاوماً له‪ ،‬فيتعين ترجيحه‪ ،‬وا ّ‬
‫وكان النبي صلى ال عليه وسلم يسجُد على جبهته وأنفه دون كُور العِمامة‪ ،‬ولم‬
‫يثُبت عنه السجو ُد على كُور ال ِعمَامَ ِة من حديث صحيح ول حسن‪ ،‬ولكن روى عبد الرزاق في‬
‫((المصنف)) من حديث أبي هريرة قال‪ :‬كان رسول ال صلى ال عليه وسلم يسجُد على كُور‬
‫ح ّررٍ‪ ،‬وهو متروك وذكره أبو أحمد الزبيري من حديث‬
‫ل بن مُ َ‬
‫عِمامته‪ ،‬وهو من رواية عبد ا ّ‬
‫جابر‪ ،‬ولكنه من رواية عمر بن شَمر عن جابر الجعفي‪ ،‬متروك عن متروك‪ ،‬وقد ذكر أبو داود في‬
‫ل يُصلي في المسجد‪ ،‬فسجد بجبينه‪ ،‬وقد‬
‫ل صلى ال عليه وسلم رأى رج ً‬
‫المراسيل أن رسول ا ّ‬
‫ل صلى ال عليه وسلم عن جبهته‪.‬‬
‫اعتم على جبهته‪ ،‬فحسر رسولُ ا ّ‬

‫‪101‬‬

‫وكان رسولُ الِّ صلى ال عليه وسلم يسج ُد على الرض كثيراً‪ ،‬وعلى الماء والطين‪،‬‬
‫خ ْم َر ِة المتّخذة من خُوص النخل‪ ،‬وعلى الحصير المتّخذ منه‪ ،‬و الفروة المدبوغة‪.‬‬
‫وعلى ال ُ‬
‫وكان إذا سجد‪ ،‬مكّن جبهته وأنفه من الرض‪ ،‬ونحّى يديه عن جنبيه‪ ،‬وجافى بهما حتى‬
‫ض إبطيه‪ ،‬ولو شاءت َب ْهمَة ‪ -‬وهي الشاة الصغيرة ‪ -‬أن ت ُمرّ تحتهما لمرت‪.‬‬
‫يُرى بيا ُ‬
‫وكان يضع يديه حَذو منكبيه وأُذنيه‪ ،‬وفي ((صحيح مسلم)) عن البراء أنه صلى ال عليه‬
‫ك وَارْفَ ْع ِمرْفَ َق ْيكَ))‪.‬‬
‫وسلم قال‪(( :‬إِذَا سَجَ ْدتَ‪َ ،‬فضَعْ كَ ّف ْي َ‬
‫وكان يعتدِل في سجوده‪ ،‬ويستقبل بأطراف أصابع رجليه القبلة‪.‬‬
‫وكان يبسُط كفيه وأصابعَه‪ ،‬ول يُفرّج بينها ول يقبضها‪ ،‬وفي ((صحيح ابن حبان))‪(( :‬كان‬
‫إذا ركع‪ ،‬فرج أصابعه‪ ،‬فإذا سَجَدَ‪ ،‬ض ّم أصابعه))‪.‬‬
‫علَى)) وأمر به‪.‬‬
‫ن َر ّبيَ الَ ْ‬
‫سبْحَا َ‬
‫وكان يقول‪ُ (( :‬‬
‫ك الّلهُ ّم اغْ ِفرْ لي))‪.‬‬
‫حمْ ِد َ‬
‫ك الّلهُ ّم َر ّبنَا َوبِ َ‬
‫سبْحَا َن َ‬
‫وكان يقول‪ُ (( :‬‬
‫لئِك َة والرّوحِ))‪.‬‬
‫س َربّ المَ َ‬
‫سبّوحٌ قُدّو ٌ‬
‫وكان يقول‪ُ (( :‬‬
‫ل َأ ْنتَ))‪.‬‬
‫ل ِإلَ َه إِ ّ‬
‫حمْ ِدكَ‪َ ،‬‬
‫ك الّلهُمّ َوبِ َ‬
‫سبْحَا َن َ‬
‫وكان يقول (( ُ‬
‫ك مِنْ عُقُو َب ِتكَ‪َ ،‬وأَعُوذُ ِبكَ‬
‫طكَ‪َ ،‬و ِب ُمعَافَا ِت َ‬
‫وكان يقول‪(( :‬الّلهُ ّم ِإنّي أَعُو ُذ ِب ِرضَاكَ مِنْ سَخَ ِ‬
‫سكَ))‪.‬‬
‫علَى نَفْ ِ‬
‫ت َكمَا َأ ْث َن ْيتَ َ‬
‫علَيكَ‪َ ،‬أ ْن َ‬
‫ل أُحْصي َثنَاءً َ‬
‫ِم ْنكَ‪َ ،‬‬
‫ص ّو َرهُ‪،‬‬
‫خلَقَهُ َو َ‬
‫جهِي ِللّذِي َ‬
‫سَل ْمتُ‪ ،‬سجد وَ ْ‬
‫سجَدتُ‪َ ،‬و ِبكَ آ َم ْنتُ‪َ ،‬وَلكَ أَ ْ‬
‫وكان يقول‪(( :‬الّلهُ ّم َلكَ َ‬
‫لّ َأحْسَنُ الْخَالِقينَ))‪.‬‬
‫ص َرهُ‪َ ،‬تبَا َركَ ا ُ‬
‫س ْمعَهُ َو َب َ‬
‫وَشَقّ َ‬
‫س َرهُ))‪.‬‬
‫خ َرهُ‪،‬وَعَل ِن َيتَ ُه وَ ِ‬
‫جلّه‪َ ،‬وَأ ّولَه وَآ ِ‬
‫وكان يقول‪(( :‬الّلهُ ّم اغْ ِفرْ لِي َذ ْنبِي ُكلّهُ‪ ،‬دِقّه َو ِ‬
‫علَمُ بِ ِه ِمنّي‪،‬‬
‫ت أَ ْ‬
‫سرَافِي في َأ ْمرِي‪َ ،‬ومَا َأ ْن َ‬
‫ج ْهلِي َوإِ ْ‬
‫وكان يقول‪(( :‬الّلهُ ّم اغْفِر لِي خَطِيئَتي وَ َ‬
‫ت َومَا‬
‫ل ذِلكَ عنْدِي‪ ،‬الّلهُمّ اغْفِر لِي مَا قَ ّد ْم ُ‬
‫طئِي وَعَمدِي‪ ،‬وَك ّ‬
‫الّلهُمّ اغْ ِف ْر لِي جِدّي وَ َهزْلي‪ ،‬وَخَ َ‬
‫ل َأ ْنتَ))‪.‬‬
‫ل إِل َه إِ ّ‬
‫ت إٍلهِي‪َ ،‬‬
‫عَل ْنتُ‪َ ،‬أ ْن َ‬
‫س َر ْرتُ‪َ ،‬ومَا أَ ْ‬
‫خ ْرتُ‪َ ،‬ومَا أَ ْ‬
‫أَ ّ‬
‫ن َيمِينِي‬
‫صرِي نُوراً‪ ،‬وَعَ ْ‬
‫س ْمعِي نُوراً‪ ،‬وَفِي َب َ‬
‫جعَلْ في َق ْلبِي نُوراً‪ ،‬وَفِي َ‬
‫وكان يقول‪(( :‬الّلهُمّ ا ْ‬
‫جعَلْ لِي‬
‫حتِي نُوراً‪ ،‬وَا ْ‬
‫خلْفِي نُوراً‪ ،‬وَ َفوْقِي نُوراً‪َ ،‬وتَ ْ‬
‫شمَالِي نُوراً‪َ ،‬وَأمَامِي نُوراً‪ ،‬وَ َ‬
‫نوراً‪ ،‬وَعَنْ ِ‬
‫نُوراً))‪.‬‬
‫ب َلكُمْ))‪ .‬وهل هذا‬
‫ستَجَا َ‬
‫ن يُ ْ‬
‫ن أَ ْ‬
‫وأمر بالجتهاد في الدعاء في السجود وقال‪ِ(( :‬إنّهُ َقمِ ٌ‬
‫ي إِذا دعا في محل‪ ،‬فليكن في السجود؟ وفرق‬
‫أمر بأن يُكثر الدعاء في السجود‪ ،‬أو أمر بأن الداع َ‬

‫‪102‬‬

‫ل عليه الحديثُ أن الدعاء نوعان‪ :‬دعاء ثناءٍ‪ ،‬ودعاءُ مسألة‪ ،‬والنبي‬
‫بين المرين‪ ،‬وأحسنُ ما يحم ُ‬
‫صلى ال عليه وسلم كان يُكثر في سجوده من النوعين‪ ،‬والدعاءُ الذي َأ َم َر به في السجود يتناول‬
‫النوعين‪.‬‬
‫والستجابة أيضاً نوعان‪ :‬استجابةُ دعاءِ الطالب بإعطائه سؤالَه‪ ،‬واستجابةُ دعاء المُثني‬
‫ع إِذَا دَعَانِ} [البقرة‪]187 :‬‬
‫ع َوةَ الدّا ِ‬
‫سرَ قوله تعالى‪{ :‬أجِيبُ دَ ْ‬
‫بالثواب‪ ،‬وبكل واحد من النوعين فُ ّ‬
‫والصحيح أنه يعم النوعين‪.‬‬
‫فصل‬
‫وقد اختلف الناس في القيام والسجود أ ُي ُهمَا أفضلُ؟ فرجحت طائفة القيام لوجوه‪.‬‬
‫(يتبع‪)...‬‬
‫أحدُها‪ :‬أن ِذكْره أفضلُ الذكار‪ ،‬فكان ركنُه أفضلَ الركان‪.‬‬

‫@‬

‫والثاني‪ :‬قوله تعالى‪{ :‬قُومُوا لِ قَا ِنتِينَ} [البقرة‪ .]238 :‬الثالث‪ :‬قوله صلى ال عليه وسلم‪:‬‬
‫ل ال ُقنُوتِ))‪.‬‬
‫لةِ طُو ُ‬
‫ل الصّ َ‬
‫((أَفْضَ ُ‬
‫ب مَا َيكُونُ ا ْل َعبْدُ‬
‫وقالت طائفة‪ :‬السجو ُد أفضلُ‪ ،‬واحتجت بقولِه صلى ال عليه وسلم‪(( :‬أَ ْق َر ُ‬
‫ل صلى ال‬
‫ن مولى رسول ا ّ‬
‫مِنْ َربّ ِه وَ ُهوَ سَاجدٌ)) وبحديث مَعدان بنِ أبي طلحة قال‪ :‬لقيتُ ثوبا َ‬
‫س ِم ْعتُ‬
‫عَل ْيكَ بِالسّجُودِ)) فإني َ‬
‫لّ أن ينفعَني به؟ فقال‪َ (( :‬‬
‫عليه وسلم‪ ،‬فقلتُ‪ :‬حدّثني بحديثٍ عسى ا ُ‬
‫لّ لَ ُه ِبهَا َدرَجَةً‪ ،‬وَحَطّ‬
‫ل رَفَعَ ا ُ‬
‫عبْ ٍد يَسْجُدُ لِّ سَجْ َد ًة إِ ّ‬
‫ل صلى ال عليه وسلم يقول‪(( :‬مَا مِنْ َ‬
‫رسولَ ا ّ‬
‫ل صلى‬
‫عنْهُ ِبهَا خَطِيئَةً)) قال معدان‪ :‬ثم لقِيتُ أبا الدرداء‪ ،‬فسألتُه‪ ،‬فقال لِي مثلَ ذلك‪.‬وقال رسولُ ا ّ‬
‫َ‬
‫سكَ ِب َك ْث َرةِ‬
‫علَى نَفْ ِ‬
‫ال عليه وسلم لِربيعة بنِ كعبٍ السلمي وقد سأله مرافقتَه في الجنّة ((أَع ِنيّ َ‬
‫السّجُودِ))‪.‬‬
‫وأولُ سورة أُنزِلت على رسول الّ صلى ال عليه وسلم سور ُة (ا ْق َرأْ) على الصح‪ ،‬وختمها‬
‫بقوله‪{ :‬وَاسْجُ ْد وَا ْق َت ِربْ} [العلق‪.]19 :‬‬
‫وبأن السجود لّ يقع مِن المخلوقات كلّها علويّها وسُفليّها‪ ،‬وبأن الساجد أذلّ ما يكون لربه‬
‫وأخضعُ له‪ ،‬وذلك أشرفُ حالت العبد‪ ،‬فلهذا كان أقرب ما يكون من ربّه في هذه الحالة‪ ،‬وبأن‬
‫السجودَ هو س ّر العبودية‪ ،‬فإن العبودية هي الذّلّ والخُضوعُ‪ ،‬يقال‪ :‬طريق معبّد‪ ،‬أي ذللته القدام‪،‬‬
‫ل ما يكون العبد وأخضع إذا كان ساجداً‪.‬‬
‫ووطأته‪ ،‬وأذ ّ‬

‫‪103‬‬

‫وقالت طائفة‪ :‬طولُ القيا ِم بالليل أفضلُ‪ ،‬وكثرةُ الركوع والسجود بالنهار أفضلُ‪ ،‬واحتجت‬
‫خصّت باسم القيام‪ ،‬لقوله تعالى‪{ :‬قُ ِم الَليْلَ} [المزمل‪ :‬ا] وقوله‬
‫هذه الطائفةُ بأن صلة الليل قد ُ‬
‫حتِسَاباً))‪ ،‬ولهذا يُقال‪ :‬قيامُ الليل‪ ،‬ول يقال‪ :‬قيامُ‬
‫ن إِيمَانًا وَا ْ‬
‫صلى ال عليه وسلم‪(( :‬مَنْ قَا َم َرمَضا َ‬
‫ي النبي صلى ال عليه وسلم‪،‬فإنه ما زاد في الليل على إحدى عشرة‬
‫النهار‪ ،‬قالوا‪ :‬وهذا كان هد َ‬
‫ركعة‪ ،‬أو ثلثَ عشرة ركعة‪.‬‬
‫وكان يُصلي الركعة في بعض الليالي بالبقرة وآل عمران والنساء وأما بالنهار‪ ،‬فلم يُحفظ‬
‫عنه شيء من ذلك‪ ،‬بل كان يخفف السنن‪.‬‬
‫وقال شيخنا‪ :‬الصواب أنهما سواء‪ ،‬والقيا ُم أفضلُ بذكره وهو القراءة‪ ،‬والسجودُ أفضلُ‬
‫ل مِن هيئَة القيام‪ ،‬وذكرُ القيام أفضلُ من ذكر السجود‪ ،‬وهكذا كان هَ ْديُ‬
‫بهيئَته‪ ،‬فهيئَةُ السجود أفض ُ‬
‫ل صلى ال عليه وسلم‪ ،‬فإنه كان إذا أطال القيام‪ ،‬أطال الركوعَ والسجود‪ ،‬كما فعل في‬
‫رسول ا ّ‬
‫صلة الكسوف‪ ،‬وفي صلة الليل‪ ،‬وكان إذا خَ َففَ القيام‪ ،‬خَ ّففَ الركوعَ والسجود‪ ،‬وكذلك كان يفعلُ‬
‫في الفرض‪ ،‬كما قاله البراء بن عازب‪ :‬كان قيامُه وركوعُه وسجُودُه واعتدالُه قريبًا من السواء‪.‬‬
‫ل أعلم‪.‬‬
‫وا ّ‬
‫فصل‬
‫ثم كان صلى ال عليه وسلم يرفع رأسه مكبّراً غيرَ رافعٍ يديه‪ ،‬ويرفع من السجود رأسه قبل‬
‫ب اليمنى‪ .‬وذكر النّسائي عن‬
‫يديه‪ ،‬ثم يجلِس مفترِشاً‪ ،‬يف ِرشُ رجلَه اليُسرى‪ ،‬ويجلس عليها‪َ ،‬و َي ْنصِ ُ‬
‫ابن عمر قال‪ :‬مِن سنة الصلة أن ينصِب القدم اليمنى‪ ،‬واستقبالُه بأصابعها القبلة‪ ،‬والجلوسُ على‬
‫اليسرى ولم يحفظ عنه صلى ال عليه وسلم في هذا الموضع جلسة غير هذه‪.‬‬
‫وكان يضع يديه على فخذيه‪ ،‬ويجعل مِرفقه على فخذه‪ ،‬وطرف يده على رُكبته‪ ،‬ويقبض‬
‫ثنتين من أصابعه‪ ،‬ويحلّق حلقة‪ ،‬ثم يرفع أصبعه يدعو بها ويُحرّكها‪ ،‬هكذا قال وائل بن حُجر عنه‪.‬‬
‫ل بن الزبير أن النبي صلى ال عليه وسلم كان يُشير‬
‫وأما حديث أبي داود عَنْ عبد ا ّ‬
‫بأصبعه إذا دعا ول يُحركها فهذه الزيادة في صحتها نظر‪ ،‬وقد ذكر مسلم الحديث بطوله في‬
‫ل صلى ال عليه وسلم إذا َقعَدَ في‬
‫((صحيحه))عنه‪ ،‬ولم يذكر هذه الزيادة‪ ،‬بل قال‪ :‬كان رسولُ ا ّ‬
‫الصلة‪ ،‬جعل قدمَه اليسرى بين فخذه وساقه‪ ،‬وفرش قدمه ال ُيمْنى‪ ،‬ووضع يَدَه اليُسرى على رُكبته‬
‫اليسرى‪ ،‬ووضع يده اليمنى على فخذه اليمنى‪ ،‬وأشار بأصبعه‪.‬‬
‫وأيضاً فليس في حديث أبي داود عنه أن هذا كان في الصلة‪.‬‬

‫‪104‬‬

‫وأيضاً لو كان في الصلة‪ ،‬لكان نافياً‪ ،‬وحديث وائل بن حُجر مثبتاً‪،‬وهو مقدّم‪ ،‬وهو حديث‬
‫صحيح‪ ،‬ذكره أبو حاتم في ((صحيحه))‪.‬‬
‫جبُرني وَاهْدِني‪ ،‬وَا ْرزُ ْقنِي))‬
‫ح ْمنِي وا ْ‬
‫ثم كان يقول‪[ :‬بين السجدتين]‪(( :‬الّلهُ ّم اغ ِفرْ لِي وَارْ َ‬
‫هكذا ذكره ابن عباس رضي الّ عنهما عنه صلى ال عليه وسلم وذكر حذيفة أنه كان يقول‪َ (( :‬ربّ‬
‫ب اغ ِفرْ لِي))‪.‬‬
‫اغْ ِفرْ لي‪َ ،‬ر ّ‬
‫وكان هديه صلى ال عليه وسلم إطال َة هذا الركن بقدر السجود‪ ،‬وهكذا الثابتُ عنه في‬
‫ل صلى ال عليه وسلم‬
‫ل عنه‪ :‬كانَ رسولُ ا ّ‬
‫جميع الحاديث‪ ،‬وفي ((الصحيح)) عن أنس رضي ا ّ‬
‫يقعُد بين السجدتين حتى نقول‪ :‬قَ ْد َأوْهَ َم وهذه السنةُ تركها أكثرُ الناس مِن بعد انقراض عصر‬
‫الصحابة‪ ،‬ولهذا قال ثابت‪ :‬وكان أنس يصنع شيئًا ل أراكم تصنعونه‪ ،‬يمكُث بين السجدتين حتى‬
‫نقول‪ :‬قد نسي‪ ،‬أوقد أوهم‪.‬‬
‫وأما من حكّم السنة ولم يلتفت إلى ما خالفها‪ ،‬فإنه ل يعبأ بما خالف هذا الهديَ‪.‬‬
‫فصل‬
‫ثم كان صلى ال عليه وسلم ينهض على صدور قدميه وركبتيه معتمِدًا على فخذيه كما ذكر‬
‫عنه‪ :‬وائل وأبو هريرة‪ ،‬ول يعتمِد على الرض بيديه وقد ذكر عنه مالك بن الحُويرث أنه كان ل‬
‫ينهضُ حتى يستوي جالسا‪ .‬وهذه هي التي تُسمى جلسة الستراحة‪.‬‬
‫واختلف الفقهاء فيها هل هي من سنن الصلة‪ ،‬فيستحب لكل أحد أن يفعلها‪ ،‬أو ليست من‬
‫السنن‪ ،‬وإنما يفعلُها من احتاج إليها؟ على قولين هما روايتان عن أحمد رحمه الّ‪ .‬قال الخلل‪:‬‬
‫رجع أحمد إلى حديث مالك بن الحويرث في جلسة الستراحة‪ ،‬وقال‪ :‬أخبرني يُوسف بن موسى‪،‬‬
‫أن أبا أُمامة سئلَ عن النهوض‪ ،‬فقال‪ :‬على صُدور القدمين على حديث رفاعة‪ .‬وفي حديث ابن‬
‫ل على أنه كان ينهض على صدور قدميه‪ ،‬وقد روي عن عدة من أصحاب النبي‬
‫عجلن ما يد ّ‬
‫صلى ال عليه وسلم‪ ،‬وسائر من وصف صلته صلى ال عليه وسلم لم يذكر هذه الجلسة‪ ،‬وإنما‬
‫ذكرت في حديث أبي حُميد‪ ،‬ومالك بن الحويرث‪ .‬ولو كان هديُه صلى ال عليه وسلم فعلَها دائماً‪،‬‬
‫لذكرها كلّ من وصف صلته صلى ال عليه وسلم ومجردُ فعله صلى ال عليه وسلم لها ل يدلّ‬
‫على أنها من سنن الصلة‪ ،‬إل إذا علِمَ أنه فعلها على أنها سنّة يُقتدى به فيها‪ ،‬وأما إذا قُدّر أنه فعلها‬
‫للحاجة‪ ،‬لم يدل على كونها سنة من سنن الصلة‪ ،‬فهذا من تحقيق ال َمنَاط في هذه المسألة‪.‬‬

‫‪105‬‬

‫وكان إذا نهض‪ ،‬افتتح القراءة‪ ،‬ولم يسكت كما كان يسكُت عند افتتاح الصلة‪ ،‬فاختلف‬
‫الفقهاء‪ :‬هل هذا موضع استعاذة أم ل بعد اتفاقهم على أنه ليس موضعَ استفتاح؟ وفي ذلك قولن‬
‫هما روايتان عن أحمد‪ ،‬وقد بناهما بعض أصحابه على أن قراءة الصلة هل هي قراءة واحدة؟‬
‫ل ركعة مستقلة برأسها‪ .‬ول نزاع بينهم أن الستفتاح‬
‫فيكفي فيها استعاذة واحدة‪ ،‬أو قراءةُ ك ّ‬
‫لمجموع الصلة‪ ،‬والكتفاء باستعاذة واحدة أظهر‪ ،‬للحديث الصحيح عن أبي هريرة أن النبي صلى‬
‫ب العَاَلمِين) ولم‬
‫حمْدُ لِّ َر ّ‬
‫ال عليه وسلم كان إذا نهض من الركعة الثانية استفتح القراءة بـ (الْ َ‬
‫يسكت وإنما يكفي استعاذة واحدة‪ ،‬لنه لم يتخلل القراءتين سكوتٌ‪ ،‬بل تخللهما ذكر‪ ،‬فهي كالقراءة‬
‫الواحدة إذا تخللها حمدُ الِّ‪ ،‬أو تسبيح‪ ،‬أو تهليل‪ ،‬أو صلة على النبي صلى ال عليه وسلم ونحو‬
‫ذلك‪.‬‬
‫ي صلى ال عليه وسلم‪ ،‬يصلي الثانية كالولى سواء‪ ،‬إل في أربعة أشياء‪:‬‬
‫وكان النب ّ‬
‫السكوت‪ ،‬والستفتاح‪ ،‬وتكبيرة الِحرام‪ ،‬وتطويلها كالولى‪ ،‬فإنه صلى ال عليه وسلم كان ل‬
‫يستفتحُ‪ ،‬ول يسكتُ‪ ،‬ول يُكبر للِحرام فيها‪ ،‬ويقصرها عن الولى‪ ،‬فتكون الولى أطولَ منها في‬
‫كل صلة كما تقدم‪.‬‬
‫فإذا جلس للتشهد‪ ،‬وضع يده اليسرى على فخذه اليسرى‪ ،‬ووضع يده اليمنى على‬
‫صبُها نصباً‪ ،‬ول يُنيمها‪،‬بل يَحنيها شيئاً‪ ،‬ويحركها‬
‫فخذه اليمنى‪ ،‬وأشار بأصبعه السبابة‪ ،‬وكان ل ين ِ‬
‫شيئاً‪ ،‬كما تقدم في حديث وائل بن حُجر‪ ،‬وكان يقبِض أصبعين وهما الخِنصر والبِنصر‪ ،‬ويُحلّق‬
‫حلقة وهي الوسطى مع الِبهام ويرفع السبابة يدعو بها‪ ،‬ويرمي ببصره إليها‪ ،‬ويبسُط الكف‬
‫اليسرى على الفخذ اليسرى‪ ،‬ويتحامل عليها‪.‬‬
‫وأما صفة جلوسه‪ ،‬فكما تقدم بين السجدتين سواء‪ ،‬يجلس على رجله اليُسرى‪ ،‬وينصِب‬
‫اليمنى‪ .‬ولم يُرو عنه في هذه الجلسة غير هذه الصفة‪.‬‬
‫ل عنه الذي رواه مسلم ((صحيحه)) أنه صلى ال‬
‫ل بن الزبير رضي ا ّ‬
‫ث عبد ا ّ‬
‫وأما حدي ُ‬
‫عليه وسلم‪ ،‬كان إذا َقعَد في الصلة‪ ،‬جعل قَ َدمَه اليُسرى بين فخذه وساقه‪ ،‬وفرش قدمه اليمنى فهذا‬
‫في التّشهد الخير كما يأتي‪ ،‬وهو أح ُد الصفتين اللتين رُويتا عنه‪ ،‬ففي ((الصحيحين)) مِن حديث‬
‫جلَس على رِجله‬
‫أبي حُميد في صفة صلته صلى ال عليه وسلم‪(( :‬فإذَا جلس في الركعتين‪َ ،‬‬
‫ب اليمنى‪،‬‬
‫اليُسرى‪ ،‬ونصَب الخرى‪ ،‬وإذا جلس في الركعة الخيرة‪ ،‬قدّم رجله اليسرى‪ ،‬وَنص َ‬
‫وَ َقعَد على مقعدته)) فذكر أبو حُميد أنه كان ينصِب اليمنى‪ .‬وذكر ابن الزبير أنه كان يفرشها‪ ،‬ولم‬

‫‪106‬‬

‫يقل أحد عنه صلى ال عليه وسلم‪ :‬إن هذه صفة جلوسه في التشهد الول‪ ،‬ول أعلم أحداً قال به‪ ،‬بل‬
‫مِن الناس من قال‪ :‬يتورّك في التشهدين‪ ،‬وهذا مذهب مالك رحمه الّ‪،‬ومنهم من قال‪ :‬يفترش فيهما‪،‬‬
‫فينصب اليمنى‪ ،‬ويفترش اليُسرى‪ ،‬ويجلس عليها‪ ،‬وهو قول أبي حنيفة رحمه الّ‪ ،‬ومنهم من قال‬
‫يتورّك في كل تشهد يليه السلم‪ ،‬ويفترش في غيره‪ ،‬وهو قول الشافعي رحمه الّ‪ ،‬ومنهم من قال‬
‫ل صلة فيها تشهدان في الخير منهما‪ ،‬فرقًا بين الجلوسين‪ ،‬وهو قول الِمام أحمد‬
‫يتورّك في ك ّ‬
‫ل عنه أنه فرش قدمه اليمنى‪ :‬أنه كان يجلس في هذا‬
‫رحمه الّ‪ .‬ومعنى حديث ابن الزبير رضي ا ّ‬
‫الجلوس على مقعدته‪ ،‬فتكون قدمه اليمنى مفروشةً‪ ،‬وقدمُه اليُسرى بين فخذه وساقه‪ ،‬ومقعدته على‬
‫الرض‪ ،‬فوقع الختلف في قدمه اليمنى في هذا الجلوس‪ :‬هل كانت مفروشة أو منصوبة؟ وهذا ‪-‬‬
‫ل أعلم ‪ -‬ليس اختلفاً في الحقيقة‪ ،‬فإنه كان ل يجلس على قدمه‪ ،‬بل يخرجها عن يمينه‪ ،‬فتكون‬
‫وا ّ‬
‫بين المنصوبة والمفروشة‪ ،‬فإنها تكون على باطنها اليمن‪ ،‬فهي مفروشة بمعنى أنه ليس ناصباً‬
‫لها‪ ،‬جالسًا على عقبه‪ ،‬ومنصوبة بمعنى أنه ليس جالسًا على باطنها وظهرها إلى الرض‪ ،‬فصح‬
‫ل هذا‬
‫ل بن الزبير‪ ،‬أو يقال‪ :‬إنه صلى ال عليه وسلم كان يَ ْفعَ ُ‬
‫قول أبي حُميد ومن معه‪ ،‬وقول عبد ا ّ‬
‫ل أعلم‪.‬‬
‫صبُ قدمَه‪ ،‬وربما فرشها أحياناً‪ ،‬وهذا أروحُ لها‪ .‬وا ّ‬
‫وهذا‪ ،‬فكان ين ِ‬
‫ثم كان صلى ال عليه وسلم يتشهد دائماً في هذه الجلسة‪َ ،‬و ُي َعلّم أصحابه أن يقولوا‪:‬‬
‫عَل ْينَا‬
‫لّ َو َب َركَاتُه‪ ،‬السّلَمُ َ‬
‫حمَةُ ا ِ‬
‫عَل ْيكَ َأ ّيهَا ال ّن ِبيّ َورَ ْ‬
‫ط ّيبَاتُ‪ ،‬السّلَمُ َ‬
‫ت وَال ّ‬
‫لّ وَالصلَوا ُ‬
‫حيّاتُ ِ‬
‫((التّ ِ‬
‫عبْ ُد ُه َورَسُولُه))‪ .‬وقد ذكر‬
‫حمّداً َ‬
‫شهَد أَنّ مُ َ‬
‫ل إِل َه إِلّ الُّ‪َ ،‬وأَ ْ‬
‫شهَدُ أَنْ َ‬
‫لّ الصّالِحِينَ‪ ،‬أَ ْ‬
‫عبَادِ ا ِ‬
‫علَى ِ‬
‫وَ َ‬
‫لّ صلى ال عليه وسلم يُعلّمنا التشهد‪،‬‬
‫النسائي من حديث أبي الزبير عن جابر قال‪ :‬كان رسُول ا ِ‬
‫عَل ْيكَ‬
‫ط ّيبَاتُ‪ ،‬السلَمُ َ‬
‫حيّاتُ لِِ‪ ،‬وَالصلَواتُ‪ ،‬وَال ّ‬
‫كما يُعلمنا السور َة من القرآن‪(( :‬بِسْمِ الِّ‪َ ،‬وبِالِّ‪ ،‬التّ ِ‬
‫ل إِله إِلّ الُّ‪،‬‬
‫شهَ ُد أَنْ َ‬
‫حيْنَ‪ ،‬أَ ْ‬
‫لّ الصّالِ ِ‬
‫عبَادِ ا ِ‬
‫علَى ِ‬
‫عَل ْينَا وَ َ‬
‫لّ َو َب َركَاتُه‪ ،‬السّلَمُ َ‬
‫حمَةُ ا ِ‬
‫ي َورَ ْ‬
‫َأ ّيهَا النبّ ّ‬
‫ن النّار))‪.‬‬
‫لّ مِ ْ‬
‫جنّةَ‪َ ،‬وأَعُو ُذ بِا ِ‬
‫عبْ ُد ُه َورَسُولُه‪ ،‬أَسْأَلُ الَّ ال َ‬
‫حمّداً َ‬
‫ن مُ َ‬
‫شهَدُ أَ ّ‬
‫َوأَ ْ‬
‫ولم تجىء التسمي ُة في أول التشهد إل في هذا الحديث‪ ،‬وله علة غيرُ عنعنة أبي الزبير‪.‬‬
‫ضفِ ‪-‬وهي الحجارة‬
‫وكان صلى ال عليه وسلم يخفّف هذا التشهد جداً حتى كأنه على ال ّر ْ‬
‫ط أنه صلى عليه وعلى آله في هذا التشهد‪ ،‬ول كان أيضاً يستعيذُ‬
‫المحماة‪ -‬ولم يُنقل عنه في حديث ق ّ‬
‫ب ذلك‪،‬‬
‫ب النّار‪ ،‬وفِتنة المحيا والممات‪ ،‬وفِتن ِة المسيح الدّجال‪ ،‬ومن استح ّ‬
‫فيه مِن عذاب القبر وعذا ِ‬
‫فإنما فهمه من عمومات وإطلقات قد صح تبيينُ موضعها‪ ،‬وتقييدُها بالتشهد الخير‪.‬‬

‫‪107‬‬

‫ثم كان ينهض مكبّراً على صدور قدميه وعلى ركبتيه معتمداً على فخذه كما تقدم‪،‬‬
‫ل بن عمر رضي الّ عنهما أنه كان يرفَع يديه في‬
‫وقد ذكر مسلم في ((صحيحه)) من حديث عبد ا ّ‬
‫هذا الموضع‪ ،‬وهي في بعض طرق البخاري أيضاً‪ ،‬على أنّ هذه الزيادة ليست متفقًا عليها في‬
‫ل بن عمر‪ ،‬فأكثر رواته ل يذكُرونها‪ ،‬وقد جاءَ ذِكرها مصرحاً به في حديث أبي حُميد‬
‫حديث عبد ا ّ‬
‫لّ صلى ال عليه وسلم إذا قام إلى الصلة‪ ،‬كبّر‪ ،‬ثُمّ رفع يَ َديْهِ حتى‬
‫الساعدي قال‪ :‬كان رسولُ ا ِ‬
‫يُحا ِذيَ بهما َم ْن ِك َبيْهِ‪َ ،‬ويُقِيمُ كُلّ عُضوٍ في موضعه‪ ،‬ثم يَ ْقرَأ‪ ،‬ثم يرفع يديه حتى يُحا ِذيَ بهما َم ْن ِك َبيْهِ‪،‬‬
‫لّ لِمنْ‬
‫ثم يركعُ ويضَعُ راحتيه على رُكبتيه معتدِلً ل يُص ّوبُ رأسه ول يُقْنعُ به‪ ،‬ثُمّ يقولُ‪ :‬سَمعَ ا ُ‬
‫ضعِه‪ ،‬ثم َيهْوي إلى‬
‫حتّى يُحَا ِذيَ بهما َم ْن ِك َبيْهِ‪ ،‬حتّى يَ َق ّر كُلّ عَظ ٍم إلى َم ْو ِ‬
‫حمِ َدهُ‪َ ،‬ويَرفَعُ يَ َديْهِ َ‬
‫َ‬
‫جَليْ ِه إذا‬
‫ح أَصَابع رِ ْ‬
‫عَل ْيهَا‪ ،‬ويَفتَ ُ‬
‫جلَه‪َ ،‬فيَ ْقعُدُ َ‬
‫جنْبيْهِ ثم َيرْفَ ُع َرأْسَهُ‪َ ،‬و َي ْثنِي رِ ْ‬
‫الرْض‪َ ،‬ويُجَافي يَ َديْهِ عَنْ َ‬
‫ضعِه‪ ،‬ثُمّ يقُو ُم فيصنَعُ في‬
‫جلِ ِه اليُسرى حتى‪ .‬يَريِحَ كُلّ عظ ٍم إلى مَو ِ‬
‫علَى رِ ْ‬
‫جِلسُ َ‬
‫سَجَد‪ ،‬ثم ُي َك ّبرُ‪َ ،‬ويَ ْ‬
‫عنْدَ افتتاحِ‬
‫صنَعُ ِ‬
‫ي ِب ِهمَا َم ْن ِك َبيْهِ كما َي ْ‬
‫حتّى يُحا ِذ َ‬
‫ن رَفَ َع يَ َديْهِ َ‬
‫ن ال ّركَعَتيْ ِ‬
‫الخرى ِمثْلَ َذِلكَ‪ ،‬ثم إذَا قَا َم مِ َ‬
‫جَلسَ‬
‫الصلة‪ ،‬ثم ُيصَلّي بَقي َة صَلَتِه َهكَذَا‪ ،‬حتى إذا كَا َنتِ السّجْ َدةُ التي فيها التسليمُ‪ ،‬أخرج رِجليه‪ ،‬وَ َ‬
‫س ِر ُمتَورّكاً‪ .‬هذا سياق أبي حاتم في ((صحيحه)) وهو في ((صحيح مسلم)) أيضاً‪،‬‬
‫علَى شِقّه اليْ َ‬
‫َ‬
‫ل عنه‪ ،‬عن النبي صلى ال‬
‫وقد ذكره الترمذي مصححًا له من حديث علي بن أبي طالب رضي ا ّ‬
‫عليه وسلم أنه كانَ يرفع يديه في هذه المواطن أيضاً‪.‬‬
‫ثم كان يقرأ الفاتحة وحدها‪ ،‬ولم يثبت عنه أنه قرأ في الركعتين الخريين بعد‬
‫الفاتحة شيئاً‪ ،‬وقد ذهب الشافعي في أحد قوليه وغيره إلى استحباب القراءة بما زاد على الفاتحة في‬
‫ل صلى‬
‫الخريين‪ ،‬واحتج لهذا القولِ بحديث أبي سعيد الذي في ((الصحيح))‪ :‬حز ْرنَا قيامَ رسول ا ّ‬
‫ال عليه وسلم في الظهر في الركعتين الوليين قَدْر قِراءة (ألم تنزيلَ السّجدة)‪ ،‬وحزرنا قيامَه في‬
‫الركعتين الخريين قَ ْد َر النصف مِن ذلك‪ ،‬وحزرنا قيامَه في الركعتين الوليين من العصر على‬
‫ن من الظهر‪ ،‬وفي الُخريين من العصر على النصف من ذلك‪.‬‬
‫خ َر َييْ ِ‬
‫قدر قيامه في الركعتين الُ ْ‬
‫وحديث أبي قتادة المتفق عليه ظاهرٌ في القتصار على فاتحة الكتاب في الركعتين‬
‫الُخريين‪.‬‬
‫ل عنه‪ :‬وكانَ رسولُ الّ صلى ال عليه وسلم يُصلي بنا‪ ،‬فيقرأ في‬
‫قال أبو قتادة رضي ا ّ‬
‫الظّهر والعصر في الركعتين الوليين بفاتحة الكتاب وسُورتين‪ ،‬ويُسمعنا الية أحياناً‪ .‬زاد مسلم‪:‬‬
‫ويقرأُ في الُخريين بفاتحة الكتاب‪ ،‬والحديثان غير صريحين في محل النزاع‪ .‬وأما حديث أبي‬

‫‪108‬‬

‫سعيد‪ ،‬فإنما هو حَزر منهم وتخمين‪ ،‬ليس إخباراً عن تفسير نفسِ فعله صلى ال عليه وسلم‪ .‬وأما‬
‫حديث أبي قتادة‪ ،‬فيمكن أن يُراد به أنه كان يقتصر على الفاتحة‪ ،‬وأن يُراد به أنه لم يكن يُخِلّ بها‬
‫في الركعتين الُخريين‪ ،‬بل كان يقرؤها فيهما‪ ،‬كما كان يقرؤها في الوليين‪ ،‬فكان يقرأ الفاتحة في‬
‫كل ركعة‪ ،‬وإن كان حديث أبي قتادة في القتصار أظهر‪ ،‬فإنه في معرض التقسيم‪ ،‬فإذا قال‪ :‬كان‬
‫يقرأ في الوليين بالفاتحة والسورة‪ ،‬وفي الُخريين بالفاتحة‪ ،‬كان كالتصريح في اختصاص كل قسم‬
‫بما ذكر فيه‪ ،‬وعلى هذا‪ ،‬فيمكن أن يُقال‪ :‬إن هذا أكثر فعله‪ ،‬وربما قرأ في الركعتين الُخريين‬
‫بشيء فوق الفاتحة‪ ،‬كما دل عليه حديثُ أبي سعيد‪ ،‬وهذا كما أن هديَه صلى ال عليه وسلم كان‬
‫تطويلَ القراءة في الفجر‪ ،‬وكان يخففها أحياناً‪ ،‬وتخفيف القراءة في المغرب‪ ،‬وكان يُطيلها أحياناً‪،‬‬
‫وترك القنوت في الفجر‪ ،‬وكان يقنت فيها أحياناً‪ ،‬والِسرار في الظهر والعصر بالقراءة‪ ،‬وكان‬
‫يُسمع الصحابة الية فيها أحياناً‪،‬وترك الجهر بالبسملة‪ ،‬وكان يجهر بها أحياناً‪.‬‬
‫والمقصود أنه كان يفعل في الصلة شيئاً أحيانًا لِعارض لم يكن من فعله الراتب‪،‬‬
‫ت في الصلة‬
‫ومن هذا لما بعث صلى ال عليه وسلم فارساً طليعة‪ ،‬ثم قام إلى الصلة‪ ،‬وجعل يلت ِف ُ‬
‫شعْب الذي يجيء منه الطليعة‪ ،‬ولم يكن من هديه صلى ال عليه وسلم اللتفاتُ في الصلة‪،‬‬
‫إلى ال ّ‬
‫ل صلى ال عليه وسلم‬
‫وفي ((صحيح البخاريَ)) عن عائشة رضي الّ عنها قالت سألتُ رسول ا ّ‬
‫ل ِة ا ْل َعبْدِ))‪.‬‬
‫ن مِنْ ص َ‬
‫شيْطَا ُ‬
‫خ َتلِسُ ُه ال ّ‬
‫س يَ ْ‬
‫ل ٌ‬
‫ختِ َ‬
‫ت في الصلة؟ فقال‪ُ (( :‬هوَ ا ْ‬
‫عن اللتفا ِ‬
‫وفي الترمذي من حديث سعيد بن المسيب عن أنس رضي الّ عنه قال‪ :‬قال لي رسول الّ‬
‫ك وَال ْلتِفَاتَ في الصّلَة‪ ،‬فَإِنّ اللتفاتَ في الصّلةِ َهَلكَةٌ‪ ،‬فإن كان‬
‫صلى ال عليه وسلم‪(( :‬يَا ُب َنيّ ِإيّا َ‬
‫وَل بُدّ ففي التطوّعِ‪ ،‬ل في الفرض)) ولكن للحديث علتان‪:‬‬
‫إحداهما‪ :‬إن رواية سعيد عن أنس ل تعرف‪.‬‬
‫الثانية‪ :‬إن في طريقه علي بن زيد بن جدعان‪ ،‬وقد ذكر البزار في مسنده من حديث يُوسف‬
‫بن عبد الّ بن سلم عن أبي الدرداء عن النبي صلى ال عليه وسلم‪(( :‬ل صَلة لِلملتفت))‪ .‬فأما‬
‫ل صلى ال عليه وسلم كان يلحظ في الصلة يميناً وشمالً‪ ،‬ول‬
‫حديث ابن عباس‪(( :‬إن رسُولَ ا ّ‬
‫يلوي عنقه خلف ظهره)) فهذا حديث ل يثبُت قال الترمذي فيه‪ :‬حديث غريب‪ .‬ولم يزد‪.‬‬
‫وقال الخلل‪ :‬أخبرني الميموني أن أبا عبد الّ قيل له‪ :‬إن بعض الناس أسند أن النبي صلى‬
‫ال عليه وسلم‪ .‬كان يلحظ في الصلة‪ .‬فأنكر ذلك إنكاراً شديداً‪ ،‬حتى تغير وجهُه‪ ،‬وتغير لونُه‪،‬‬
‫وتحرك بدنُه‪ ،‬ورأيتُه في حال ما رأيتُه في حالٍ قطّ أسوأ منها‪ ،‬وقال‪ .‬النبي صلى ال عليه وسلم‪.‬‬

‫‪109‬‬

‫كان يُلحظ في الصلة؟! يعني أنه أنكر ذلك‪ ،‬وأحسبه قال‪ :‬ليس له إسناد‪ ،‬وقال‪ :‬من روى هذا؟!‬
‫ل وَهّنَ حديثَ سعيد هذا‪،‬‬
‫إنما هذا من سعيد بن المسيب‪ ،‬ثم قال لي بعض أصحابنا‪ :‬إن أبا عبد ا ّ‬
‫وضعف إسناده‪ ،‬وقال‪ :‬إنما هو عن رجل عن سعيد‪ ،‬وقال عبد الّ بن أحمد‪ :‬حدثت أبي بحديث‬
‫حسان بن إبراهيم عن عبد الملك الكوفي قال‪ :‬سمعت العلء قال‪ :‬سمعت مكحولً يحدّث عن أبي‬
‫أمامة وواثلة‪ :‬كان النبي صلى ال عليه وسلم‪ :‬إذا قام إلى الصلة لم يلتفت يميناً ول شمالً‪ ،‬و َرمَى‬
‫ل أنكر هذا وهذا‪،‬‬
‫ببصره في موضع سجوده‪ ،‬فأنكره جداً‪ ،‬وقال‪ :‬اضِرب عليه‪ .‬فأحمد رحمه ا ّ‬
‫وكان إنكارُه للول أشد‪ ،‬لنه باطل سنداً ومتناً‪.‬‬
‫ل أعلم‪.‬‬
‫والثاني‪ :‬إنما أنكر سنده‪ ،‬وإل فمتنه غير منكر‪ ،‬وا ّ‬
‫ولو ثبت الول‪ ،‬لكان حكاية فعل َف َعلَهُ‪ ،‬لعله كان لمصلحة تتعلق بالصلة ككلمه عليه‬
‫السلم هو وأبو بكر وعمر‪ ،‬وذو اليدين في الصلة لمصلحتها‪ ،‬أو لمصلحة المسلمين‪ ،‬كالحديث‬
‫ب بالصلة يعني صلةَ‬
‫ل بن الحنظلية قال‪ :‬ثُو َ‬
‫سهْ ِ‬
‫سلُولي عن َ‬
‫الذي رواه أبو داود عن أبي كبشة ال ّ‬
‫ل صلى ال عليه وسلم‪ ،‬يصلي وهو يلت ِفتُ إلى الشّعبِ‪ .‬قال أبو داود‪ :‬يعني‬
‫الصبح‪ ،‬فجعل رسولُ ا ّ‬
‫ح ُرسُ فهذا اللتفات من الشتغال بالجهاد في الصلة‬
‫وكان أرسل فارسًا إلى الشّعب من الليل يَ ْ‬
‫ل عمر‪ :‬إني لجهّز جيشي وأنا في‬
‫وهو يدخل في مداخل العبادات‪ ،‬كصلة الخوف‪ ،‬وقريبٌ منه قو ُ‬
‫الصلة‪ .‬فهذا جمع بين الجهاد والصلة‪ .‬ونظيره التفكر في معاني القرآن‪ ،‬واستخراجُ كنوز العلم‬
‫منه في الصلة‪ ،‬فهذا جم ٌع بين الصلة والعلم‪ ،‬فهذا لون‪ ،‬والتفاتُ الغافلين الّلهين وأفكارهم لون‬
‫ل التوفيق‪.‬‬
‫آَخر‪ ،‬وبا ّ‬
‫فهديه الراتب صلى ال عليه وسلم إطالةُ الركعتين الوليين من الرّباعية على‬
‫الُخريين‪ ،‬وإطالة الولى من الوليين على الثانية‪ ،‬ولهذا قال سعد لعمر‪ :‬أما أنا فأطيلُ في الوليين‪،‬‬
‫ل صلى ال عليه وسلم‪.‬‬
‫ي بصلة رسول ا ّ‬
‫وأحذف في الُخريين‪ ،‬ول آلُو أن أقتد َ‬
‫وكذلك كان هديُه صلى ال عليه وسلم‪ .‬إطالَة صلة الفجر على سائر‬
‫لّ الصلة ركعتين ركعتين‪ ،‬فلما هاجر‬
‫الصلوات‪ ،‬كما تقدم‪ .‬قالت عائشة رضي الّ عنها‪ :‬فرض ا ُ‬
‫لّ صلى ال عليه وسلم‪،‬زِيد في صلة الحضر‪ ،‬إل الفجر‪ ،‬فإنها أُ ِقرّت على حالها من أجل‬
‫رسولُ ا ِ‬
‫طول القراءة‪ ،‬والمغرب‪ ،‬لنها وتر النهار‪ .‬رواه أبو حاتم بن حبان في ((صحيحه)) وأصله في‬
‫((صحيح البخاري))‪ ،‬وهذا كان هديَه صلى ال عليه وسلم في سائر صلته إطال ُة أولها على‬
‫آخرها‪ ،‬كما فعل في الكسوف‪ ،‬وفي قيام الليل لما صلّى ركعتين طويلتين‪ ،‬ثم ركعتين وهما دون‬

‫‪110‬‬

‫اللتين قبلهما‪ ،‬ثم ركعتين وهما دون اللتين قبلهما‪ ،‬حتى أتم صلته‪ .‬ول يُناقض هذا افتتاحَه صلى‬
‫ال عليه وسلم صلة الليل بركعتين خفيفتين‪ ،‬وأمره بذلك‪ ،‬لن هاتين الركعتين مفتاحُ قيام الليل‪،‬‬
‫فهما بمنزلة سنة الفجر وغيرها‪.‬‬
‫وكذلك الركعتان اللتان كان يُصليهما أحيانًا بعد وتره‪ ،‬تارة جالِساً‪،‬‬
‫ل ِتكُمْ بِالّليْلِ ِوتْراً)) فإن هاتين الركعتين ل تُنافيان هذا‬
‫ج َعلُوا آخ َر صَ َ‬
‫وتارة قائماً‪ ،‬مع قوله‪(( :‬ا ْ‬
‫المر‪ ،‬كما أن المغرب وت ُر للنهار‪ ،‬وصل ُة السنة شفعاً بعدها ل يُخرجها عن كونها وترًا للنهار‪،‬‬
‫وكذلك الوترُ لمَا كان عبادة مستقلة‪ ،‬وهو وتر الليل‪ ،‬كانت الركعتان بعده جاريتين مجرى سنة‬
‫المغرب‪ ،‬من المغرب‪ ،‬ولما كان المغرب فرضاً‪ ،‬كانت محافظته عليه السلم على سنتها أكثر من‬
‫محافظته على سنة الوتر‪ ،‬وهذا على أصل من يقول بوجوب الوتر ظاهرٌ جداً‪ ،‬وسيأتي مزيد كلم‬
‫ل التوفيق‪.‬‬
‫في هاتين الركعتين إن شاء الّ تعالى‪ ،‬وهي مسألة شريفة لعلك ل تراها في مصنف‪ ،‬وبا ّ‬
‫فصل‬
‫وكان صلى ال عليه وسلم إذا جلس في التشهد الخيرِ‪ ،‬جلس متورّكاً‪ ،‬وكان يُفضي بوركه‬
‫إلى الرض‪ ،‬ويُخرج قدمه من ناحية واحدة‪.‬‬
‫فهذا أحد الوجوه الثلثة التي رُويت عنه صلى ال عليه وسلم في التورّكِ‪ .‬ذكره أبو داود في‬
‫ل بن لهيعة وقد ذكر أبو حاتم في ((صحيحه)) هذه‬
‫حديث أبي حُميد الساعدي من طريق عبد ا ّ‬
‫الصفة من حديث أبي حميد الساعدي من غير طريق ابن لهيعة‪ ،‬وقد تقدم حديثه‪.‬‬
‫الوجه الثاني‪ :‬ذكره البخاري في ((صحيحه)) من حديث أبي حميد أيضاً قال‪ :‬وإذا جلس في‬
‫الرّكعة الخرة‪ ،‬قَدّم رجله اليُسرى ونصب اليمنى‪ ،‬وقعد على مقعدته فهذا هو الموافق الول في‬
‫الجلوس على ال َورِك‪ ،‬وفيه زيادة وصف في هيئة القَ َدمَين لم تتعرض الرواية الولى لها‪.‬‬
‫ل بن الزبير‪ :‬أنه صلى ال‬
‫الوجه الثالث‪ :‬ما ذكره مسلم في ((صحيحه)) من حديث عبد ا ّ‬
‫ش قدمه اليمنى‪ ،‬وهذه هي الصفة التي‬
‫عليه وسلم كان يجعل قدمه اليُسرى بين فخذه وساقه‪ ،‬ويفر ُ‬
‫خرَقِي في ((مختصره)) وهذا مخالف للصفتين الوليين في إخراج اليسرى‬
‫اختارها أبو القاسم ال ِ‬
‫من جانبه اليمن‪ ،‬وفي نصب اليُمنى‪ ،‬ولعله كان يفعل هذا تارة‪ ،‬وهذا تارة‪ ،‬وهذا أظهر‪.‬‬
‫ويحتمِل أن يكون من اختلف الرواة‪ ،‬ولم يُذكر عنه عليه السلم هذا التوركُ إل في التشهد‬
‫ص بالصلة التي فيها تشهدان‪ ،‬وهذا‬
‫الذي يليه السلم‪ .‬قال الِمام أحمد ومن وافقه‪ :‬هذا مخصو ٌ‬

‫‪111‬‬

‫جعِل فرقًا بين الجلوس في التشهد الول الذي يُسن تخفيفه‪ ،‬فيكون الجالس فيه متهيئاً‬
‫التورك فيها ُ‬
‫للقيام‪ ،‬وبين الجلوس في التشهد الثاني الذي يكون الجالس فيه مُطمئناً‪.‬‬
‫ن هيئة الجلوسين فارقة بين التشهدين‪،‬مذكرة للمصلي حاله‪ .‬فيهما‪.‬‬
‫وأيضاً فتكو ُ‬
‫وأيضاً فإن أبا حُميد إنما ذكر هذه الصفة عنه في الجلسة التي في التشهد الثاني‪ ،‬فإنه ذكر‬
‫صفة جلوسه في التشهد الول‪ ،‬وأنه كان يجلس مفترشاً‪ ،‬ثم قال‪(( :‬وإذا جلس في الركعة الخرة))‬
‫وفي لفظ‪(( :‬فإذا جلس في الركعة الرابعة))‪.‬‬
‫وأما قوله في بعض ألفاظه‪ :‬حتى إذا كانت الجلسة التي فيها التسليمُ‪ ،‬أخرج رجله اليُسرى‪،‬‬
‫وجلس على شقه متورّكاً‪ ،‬فهذا قد يحتج به من يرى التورك يُشرع في كل تشهد يليه السلم‪،‬‬
‫فيتورك في الثانية‪ ،‬وهو قول الشافعي رحمه ال‪ ،‬وليس بصريح في الدّللة‪ ،‬بل سياقُ الحديث يدل‬
‫على أن ذلك إنما كان في التشهد‪،‬الذي يليه السلم من الرباعية والثلثية‪ ،‬فإنه ذكر صفة جلوسه في‬
‫التشهد الول وقيامه منه‪ ،‬ثم قال‪(( :‬حتى إذا كانت السجدة التي فيها التسليمُ‪ ،‬جلس متورّكاً)) فهذا‬
‫السياق ظاهر في اختصاص هذا الجلوس بالتشهد الثاني‪.‬‬
‫فصل‬
‫جلَس في التشهُد‪ ،‬وضع يدَه اليمنى على فخذِه اليمنى‪ ،‬وضمَ‬
‫وكان صلى ال عليه وسلم إذا َ‬
‫أصابعه الثلث‪ ،‬ونصَب السبابة‪ .‬وفي لفظ‪ :‬وقبض أصابعه الثلث‪ ،‬ووضع يده اليسرى على فخذه‬
‫اليسرى‪ .‬ذكره مسلم عن ابن عمر‪.‬‬
‫وقال وائِل بن حُجر‪(( :‬جعل حَ ّد ِمرْفَقِه اليمن على فَخذِه اليمنى‪ ،‬ثم قبض ثنتين من‬
‫أصابعه‪ ،‬وحلّق حلقة‪ ،‬ثم رفع أصبعه فرأيته يُحركها يدعُو بها)) وهو في ((السنن))‪.‬‬
‫وفي حديث ابن عمر في ((صحيح مسلم)) ((عَقَدَ ثَلثَ َة وَخَمسِينَ))‪.‬‬
‫ت كلّها واحدة‪ ،‬فإن من قال‪ :‬قبض أصابعه الثلث‪ ،‬أراد به‪ :‬أن الوسطى كانت‬
‫وهذه الروايا ُ‬
‫مضمومة لم تكن منشورة كالسبابة‪ ،‬ومن قال‪ :‬قبض ثنتين من أصابعه‪ ،‬أراد‪ :‬أن الوسطى لم تكن‬
‫مقبوضة مع البنصر‪ ،‬بل الخنصر والبنصر متساويتان في القبض دون الوسطى‪ ،‬وقد صرّح بذلك‬
‫من قال‪ :‬وعقد ثلثة وخمسين‪ ،‬فإن الوسطى في هذا العقد تكونُ مضمومة‪ ،‬ول تكون مقبوضة مع‬
‫البنصر‪.‬‬
‫وقد استشكل كثير من الفضلء هذا‪ ،‬إذ عق ُد ثلث وخمسين ل يُلئِم واحدة من الصفتين‬
‫المذكورتين‪ ،‬فإن الخنصر ل بد أن تركب البنصر في هذا العقد‪.‬‬

‫‪112‬‬

‫ض الفضلء‪ ،‬بأن الثلثة لها صفتان في هذا العقد‪ :‬قديمة‪ ،‬وهي التي‬
‫وقد أجاب عن هذا بع ُ‬
‫ذكرت في حديث ابن عمر‪ :‬تكون فيها الصابع الثلث مضمومة مع تحليق الِبهام مع الوسطى‪،‬‬
‫ل أعلم‪.‬‬
‫وحديثة‪ ،‬وهي المعروفة اليوم بين أهل الحساب‪ ،‬وا ّ‬
‫وكان يبسُط ذراعه على فخذه ول يجافيها‪ ،‬فيكون حد مرفقه عند آخر فخذه‪ ،‬وأما اليُسرى‪،‬‬
‫فممدودة الصابع على الفخذ اليُسرى‪.‬‬
‫وكان يستقبل بأصابعه القبلة في رفع يديه‪ ،‬في ركوعه‪ ،‬وفي سجوده‪ ،‬وفي تشهده‪،‬‬
‫ويستقبل أيضاً بأصابع رجليه القبلة في سجوده‪ .‬وكان يقول في كل ركعتين‪ :‬التحيات‪.‬‬
‫وأما المواضع التي كان يدعو فيها في الصلة‪ ،‬فسبعة مواطن‪.‬‬
‫أحدُها‪ :‬بعد تكبيرة الِحرام في محل الستفتاح‪.‬‬
‫الثاني‪ :‬قبل الركوع وبعد الفراغ من القراءة في الوتر والقنوت العارض في الصبح قبل‬
‫الركوع إن صح ذلك‪ ،‬فإن فيه نظراً‪.‬‬
‫ل بن‬
‫الثالث‪ :‬بعد العتدال من الركوع‪ ،‬كما ثبت ذلك في ((صحيح مسلم)) من حديث عبد ا ّ‬
‫ل لمِنْ‬
‫أبي أوفى‪ :‬كان رسولُ الّ صلى ال عليه وسلم إذا رفع رأسه من الركوع قال‪(( :‬سَمعَ ا ّ‬
‫ش ْئتَ مِنْ شَي ٍء َبعْدُ‪ ،‬الّلهُمّ‬
‫لرْضِ‪َ ،‬ومِلْءَ مَا ِ‬
‫سمَاوَاتِ‪َ ،‬ومِلْءَ ا َ‬
‫حمْدُ‪ ،‬مِلْ َء ال ّ‬
‫ك الْ َ‬
‫حمِ َدهُ‪ ،‬الّلهُمّ َر ّبنَا َل َ‬
‫َ‬
‫ل ْبيَضُ‬
‫ن ال ّذنُوبِ وَالْخَطَايَا َكمَا ُينَقّى ال ّث ْوبُ ا َ‬
‫ط ّه ْرنِي مِ َ‬
‫ج وَالبَرَدِ‪ ،‬وَالمَا ِء البَارِدِ‪ ،‬الّلهُمّ َ‬
‫طهّرنِي بِالثّل ِ‬
‫َ‬
‫مِنَ ا ْلوَسَخِ))‪.‬‬
‫حمْ ِدكَ‪ ،‬اللّهمّ اغْ ِف ْر لِي))‪.‬‬
‫ك الّلهُمّ َر ّبنَا َوبِ َ‬
‫سبْحَا َن َ‬
‫الرّابع‪ :‬في ركوعه كان يقول‪ُ (( :‬‬
‫الخامس‪ :‬في سجوده‪ ،‬وكان فيه غالب دعائه‪.‬‬
‫السادس‪ :‬بين السجدتين‪.‬‬
‫السابع‪ :‬بعد التشهد وقبل السلم‪ ،‬وبذلك أمر في حديث أبي هريرة‪ ،‬وحديث َفضَالة بن عبيد‬
‫وأمر أيضاً بالدعاء في السجود‪.‬‬
‫وأما الدعاء بعد السلم من الصلة مستقبل القبلة أو المأمومين‪ ،‬فلم يكن ذلك مِن‬
‫هديه صلى ال عليه وسلم أصلً‪ ،‬ول روي عنه بإسناد صحيح‪ ،‬ول حسن‪.‬‬
‫وأما تخصيص ذلك بصلتي الفجر والعصر‪ ،‬فلم يفعل ذلك هو ول أحدٌ من خلفائه‪ ،‬ول‬
‫أرشد إليه ُأمّته‪ ،‬وإنما هو استحسان رآه من رآه عوضًا من السنّة بعدهما‪ ،‬والّ أعلم‪ .‬وعامة الدعية‬
‫المتعلقة بالصلة إنما فعلَها فيها‪ ،‬وأمر بها فيها‪ ،‬وهذا هو اللئق بحال المصلي‪ ،‬فإنه مقبل على‬

‫‪113‬‬

‫ربه‪ ،‬يناجيه ما دام في الصلة‪ ،‬فإذا سلّم منها‪ ،‬انقطعت تلك المناجاة‪ ،‬وزال ذلك الموقف بين يديه‬
‫والقرب منه‪ ،‬فكيف يترك سؤاله في حال مناجاته والقرب منه‪ ،‬والِقبال عليه‪ ،‬ثم يسأله إذا انصرف‬
‫عنه؟! ول ريب أن عكس هذا الحال هو الولى بالمصلي‪ ،‬إل أن ها هنا نكتة لطيفة‪ ،‬وهو أن‬
‫حمِدَه وكبّره بالذكار المشروعة عقيب‬
‫ل وهلّله وسبّحه وَ َ‬
‫المصلي إذا فرغ من صلته‪ ،‬وذكر ا ّ‬
‫الصلة‪ ،‬استحب له أن يُصلي على النبيّ صلى ال عليه وسلم بعد ذلك‪ ،‬ويدعو بما شاء‪ ،‬ويكون‬
‫حمِدَه‪ ،‬وأثنى عليه‪،‬‬
‫دعاؤه عقيبَ هذه العبادة الثانية‪ ،‬ل لكونه دبر الصلة‪ ،‬فإن كل من ذكر الّ‪ ،‬وَ َ‬
‫ل صلى ال عليه وسلم استحب له الدعا ُء عقيبَ ذلك‪ ،‬كما في حديث فَضالة‬
‫وصلى على‪ ،‬رسول ا ّ‬
‫ي صلى ال عليه وسلم‪،‬‬
‫علَى ال ّن ِب ّ‬
‫عَليْهِ‪ ،‬ثُمّ لِيصلّ َ‬
‫لّ وَال ّثنَاءِ َ‬
‫حمْدِ ا ِ‬
‫صلّى أَحَ ُدكُمْ‪َ ،‬ف ْليَبدأْ بِ َ‬
‫بن عبيد ((إِذا َ‬
‫ثُ ّم ِليَدْعُ ِبمَا شَاءَ)) قال الترمذي‪ :‬حديث صحيح‪.‬‬
‫فصل‬
‫حمَةُ الّ‪ ،‬وَعَنْ يساره كذلك‪.‬‬
‫علَيكُ ْم َورَ ْ‬
‫ثم كان صلى ال عليه وسلم يُسلم عن يمينه‪ :‬السلمُ َ‬
‫هذا كَانَ فِعله الراتب رواه عنه خمسةَ عشر صحابياً‪ ،‬وهم‪ :‬عبد الّ بن مسعود‪ ،‬وسعدُ بن أبي‬
‫وقاص‪ ،‬وسهلُ بن سعد الساعدي‪ ،‬ووائل بن حُجر‪ ،‬وأبو موسى الشعري‪ ،‬وحُذيفة بن اليمان‪،‬‬
‫ل بن عمر‪ ،‬وجابر بن سمرة‪ ،‬والبراء بن عازب‪ ،‬وأبو مالك الشعري‪،‬‬
‫وعمّار بن ياسر‪ ،‬وعبد ا ّ‬
‫وطلق بن علي‪ ،‬وأوس بن أوس‪،‬وأبو رمثة‪ ،‬وعدي بن عميرة‪،‬رضي الّ عنهم‪.‬‬
‫وقد روى عنه صلى ال عليه وسلم أنه كان يُسلّم تسليمة واحدة تلقاء وجهه ولكن لم يثبت‬
‫ل عنها أنه صلى ال عليه وسلم‪:‬‬
‫عنه ذلك مِن وجه صحيح‪ ،‬وأجودُ ما فيه حديثُ عائشة رضي ا ّ‬
‫كان يُسلم تسليمةً واحدة‪ :‬السل ُم عليكم يرفع بها صوته حتى يُوقِظَنا‪ ،‬هو حديث معلول‪ ،‬وهو في‬
‫السنن‪ ،‬لكنه كان في قيام الليل والذين َروَوا عنه التسليمتين َر َووْا ما شاهدوه في الفرض‬
‫والنفل‪،‬على أن حديثَ عائشة ليس صريحاً في القتصار على التسليمة الواحدة‪ ،‬بل أخبرت أنه كان‬
‫يسلم تسليمة واحدة يُوقظهم بها‪ ،‬ولم تنف الخرى‪ ،‬بل سكتت عنها‪ ،‬وليس سكوتُها عنها مقدمًا على‬
‫رواية من حفظها وضبطها‪ ،‬وهم أكثر عدداً‪ ،‬وأحاديثهم أصحّ‪ ،‬وكثير من أحاديثهم صحيح‪ ،‬والباقي‬
‫حسان‪.‬‬
‫قال أبو عمر بن عبد البر‪ :‬روي عن النبي صلى ال عليه وسلم أنه كان يُسلم تسليمة واحدة‬
‫مِن حديث سعد بن أبي وقاص‪ ،‬ومن حديث عائشة‪ ،‬ومن حديث أنس‪ ،‬إل أنها معلولة‪ ،‬ول‬
‫ل العلم بالحديث‪ ،‬ثم ذكر علة حديث سعد‪ :‬أن النبي صلى ال عليه وسلم كان يُسلم في‬
‫يصححها أه ُ‬

‫‪114‬‬

‫الصلة تسليمة واحدة‪ .‬قال‪ :‬وهذا وهم وغلط‪ ،‬وإنما الحديث‪ :‬كان رسول ال صلى ال عليه وسلم‬
‫ث مِن طريق ابن المبارك‪ ،‬عن مصعب بن ثابت‪ ،‬عن‬
‫يُسلم عن يمينه وعنْ يساره‪،‬ثم ساق الحدي َ‬
‫ل صلى ال عليه‬
‫إسماعيل بن محمد بن سعد‪ ،‬عن عامر بن سعد‪ ،‬عن أبيه قال‪ :‬رأيتُ رسولَ ا ّ‬
‫وسلم يُسلم عن يمينه وعن شِماله حتى كَأنّي أنظر إلى صفحة خده‪ ،‬فقال الزهريّ‪ :‬ما سمِعنا هذا‬
‫لّ صلى‬
‫ل صلى ال عليه وسلم‪ ،‬فقال له إسماعيل بن محمد‪ :‬أكُلّ حديثِ رسولِ ا ِ‬
‫من حديثِ رسول ا ّ‬
‫جعَلَ هذا مِن النصف الذي لم‬
‫ال عليه وسلم قد سمعتَه؟ قال‪ :‬ل‪ ،‬قال‪ :‬فنِصفَه؟ قال‪ :‬ل‪ ،‬قال‪ :‬فا ْ‬
‫ل عنها‪ :‬عن النبي صلى ال عليه وسلم‪ :،‬كانّ يسلم تسليمةً‬
‫سمَعْ‪ .‬قال‪ :‬وأما حديثُ عائشة رضي ا ّ‬
‫تَ ْ‬
‫واحدة‪ ،‬فلم يرفعه أحد إل زهير بن محمد وحده عن هشام بن عروة‪ ،‬عن أبيه‪ ،‬عن عائشة‪ ،‬رواه‬
‫عنه عمرو بن أبي سلمة وغيره‪ ،‬وزهير بن محمد عند الجميع‪ ،‬كثير الخطأ ل يحتج به‪ ،‬وذكر‬
‫ليحيى بن معين هذا الحديث‪ ،‬فقال‪ :‬حديث عمرو بن أبي سلمة وزهير ضعيفان‪ ،‬ل حجة فيهما قال‪:‬‬
‫وأما حديث أنس‪ ،‬فلم يأت إل من طريق أيوب السختياني عن أنس‪ ،‬ولم يسمع أيوب من أنس عندهم‬
‫شيئاً‪ ،‬قال‪ :‬وقد روي مرسلً عن الحسن أن النبي صلى ال عليه وسلم وأبا بكر وعمر رضي الّ‬
‫عنهما كانوا يُسلمون تسلمية واحدة‪ ،‬وليس مع القائلين بالتسليمة غير عمل أهل المدينة‪ ،‬قالوا‪ :‬وهو‬
‫عمل قد توارثوه كابراً عن كابر‪ ،‬ومثله يصح الحتجاجُ به‪ ،‬لنه ل يخفى لوقوعه في كل يوم‬
‫مراراً‪ ،‬وهذه طريقةٌ قد خالفهم فيها سائرُ الفقهاءِ‪ ،‬والصوابُ معهم‪ ،‬والسننُ الثابتة عن رسول الّ‬
‫صلى ال عليه وسلم ل تُدفع ول تُرد بعمل أهل بلد كائنًا من كان‪ ،‬وقد أحدث الُمراءُ بالمدينة‬
‫ل أهل المدينة الذي‬
‫ت إلى استمراره وعم ُ‬
‫وغيرِها في الصلة أموراً استمر عليها العملُ‪ ،‬ولم ُي ْلتَ َف ْ‬
‫يحتج به مَا كان في زمن الخلفاء الراشدين‪ ،‬وأما عملُهم بعد موتهم‪ ،‬وبعد انقراض عصر مَنْ كان‬
‫بها في الصحابة‪ ،‬فل فرق بينهم وبين عمل غيرهم‪ ،‬والسنة تحكُم بين الناسِ‪ ،‬ل عملُ أحد بعد‬
‫ل التوفيق‪.‬‬
‫ل صلى ال عليه وسلم وخلفائه‪ ،‬وبا ّ‬
‫رسول ا ّ‬
‫فصل‬
‫ب ال َق ْبرِ‪،‬‬
‫وكان صلى ال عليه وسلم يدعو في صلته فيقول‪(( :‬الّلهُ ّم إنّي أَعو ُذ ِبكَ مِنْ عَذَا ِ‬
‫ك مِنَ المَ ْأثَمِ‬
‫حيَا وَال َممَاتِ‪ ،‬الّلهُ ّم ِإنّي أَعُو ُذ ِب َ‬
‫ك مِنْ ِفتْ َة المَ ْ‬
‫ح الدّجّالِ‪َ ،‬وأَعُوذُ ِب َ‬
‫ك مِنْ ِف ْتنَ ِة المَسِي ِ‬
‫َوأَعُوذُ ب َ‬
‫وَال َمغْرَمِ))‪.‬‬
‫وكان يقول في صلتِه أيضاً‪(( :‬الّلهُ ّم اغْ ِفرْ لي َذنْبي‪َ ،‬ووَسّعْ لِي فِي دَارِي‪َ ،‬وبَا ِركْ لِي فِيمَا‬
‫َرزَ ْق َتنِي))‪.‬‬

‫‪115‬‬

‫ش ْكرَ‬
‫علَى الرّشْدِ‪َ ،‬وأَسَْأُلكَ ُ‬
‫ك ال ّثبَاتَ فِي الَمرِ‪ ،‬وَال َعزِيمَةَ َ‬
‫وكان يقول‪(( :‬الّلهُ ّم ِإنّي أَسَْأُل َ‬
‫خ ْي ِر مَا تَعلَمُ‪َ ،‬وأَعُو ُذ ِبكَ مِنْ‬
‫ك مِنْ َ‬
‫سلِيماً‪َ ،‬ولِسَانًا صَادِقاً‪َ ،‬وأَسَْأُل َ‬
‫عبَا َد ِتكَ‪َ ،‬وأَسَْأُلكَ َقلْباً َ‬
‫ِن ْع َم ِتكَ‪ ،‬وَحُسْنَ ِ‬
‫ك ِلمَا َت ْعلَمُ))‪.‬‬
‫س َتغْ ِف ُر َ‬
‫ش ّر مَا َت ْعلَمُ‪َ ،‬وأَ ْ‬
‫َ‬
‫ت َوِل ّيهَا‬
‫ن َزكّاهَا‪َ ،‬أ ْن َ‬
‫خ ْي ُر مَ ْ‬
‫ط نَفْسِي تَ ْقوَاهَا‪َ ،‬و َز ّكهَا َأ ْنتَ َ‬
‫وكان يقول في سجوده (( َربّ أعْ ِ‬
‫َو َموْلَهَا))‪.‬وقد تقدم ذِكر بعض ما كان يقول في ركوعه وسجوده وجلوسه واعتداله في الركوع‪.‬‬
‫فصل‬
‫ب اغْفِر‬
‫والمحفوظ في أدعيته صلى ال عليه وسلم في الصلة كلّها بلفظ الِفراد‪ ،‬كقوله‪(( :‬رَ ّ‬
‫ح ْمنِي وَاهْ ِدنِي))‪ ،‬وسائر الدعية المحفوظة عنه‪ ،‬ومنها قولُه في دعاء الستفتاح‪(( :‬الّلهُمّ‬
‫لِي وَارْ َ‬
‫شرِقِ‬
‫ت َبيْنَ المَ ْ‬
‫ي َكمَا بَاعَ ْد َ‬
‫ج وَالما ِء وَال َبرَدِ‪ ،‬الّلهُمّ بَاعِ ْد َب ْينِي َو َبيْنَ خَطَايَا َ‬
‫ي بِال ّثلْ ِ‬
‫س ْلنِي مِنْ خَطَايَا َ‬
‫اغْ ِ‬
‫وَال َمغْ ِربِ)) الحديث‪.‬‬
‫ل وأهل ((السنن)) من حديث ثوبان عن النبي صلى ال عليه‬
‫وروى الِمام أحمد رحمه ا ّ‬
‫ع َوةٍ دونهم‪ ،‬فَإِنْ َفعَل‪ ،‬فَقَدْ خَا َنهُم)) قال ابن خزيمة في‬
‫ص نَفْسَ ُه بِدَ ْ‬
‫خ ّ‬
‫عبْدٌ َقوْماً َفيَ ُ‬
‫وسلم‪(( :‬لَ َيؤُمّ َ‬
‫((صحيحه))‪ :‬وقد ذكر حديث ((اللّهُ ّم بَاعِ ْد َب ْينِي وَبين‪ .‬خَطَايَايَ)) ‪ ...‬الحديث قال‪ :‬في هذا دليلٌ‬
‫ع َوةٍ دُو َنهُم‪ ،‬فَإنْ َفعَلَ فَقَد خَا َنهُمْ))‬
‫ص نَفْسَه بِدَ ْ‬
‫عبْدٌ َقوْماً َفيَخ ّ‬
‫على رد الحديث الموضوع ((لَ يؤم َ‬
‫وسمعتُ شيخ الِسلم ابن تيمية يقول‪ :‬هذا الحديثُ عندي في الدعاء الذي يدعو به الِمامُ‬
‫ل أعلم‪.‬‬
‫وللمأمومين‪ ،‬ويشترِكون فيه كدعاء القنوت ونحوه وا ّ‬
‫فصل‬
‫وكان صلى ال عليه وسلم إذا قام في الصلة‪ ،‬طأطأ رأسَه‪ ،‬ذكره الِمام أحمد رحمه ال‬
‫ص ُرهُ إشارتَه‪ ،‬وقد تقدم‪ .‬وكان قد جعل الّ تعالى عينه ونعيمَه وسرورَه‬
‫وكان في التشهد ل يُجاوز َب َ‬
‫ع ْينِي فِي‬
‫ج ِعَلتْ ُق ّرةُ َ‬
‫لةِ))‪ .‬وكان يقول‪(( :‬وَ ُ‬
‫وروحَه في الصلة‪ .‬وكان يقول‪(( :‬يا بِلَلُ أرحن ْاِ بِالص َ‬
‫لةِ))‪ .‬ومع هذا لم يكن يش َغلُه ما هو فيه من ذلك عن مراعاة أحوال المأمومين وغيرهم مع‬
‫الصّ َ‬
‫كمال إقباله‪ .‬وقربه من الّ تعالى وحضورِ قلبه بين يديه واجتماعِه عليه‪.‬‬
‫ق على‬
‫وكان يدخل في الصلة وهو يُريد إطالتها‪ ،‬فيسمع بكا َء الصبي‪ ،‬فيخففها مخاف َة أن يَشُ ّ‬
‫أمّه‪ ،‬وأرسل مرة فارساً طَليعةً له‪ ،‬فقام يصلي‪ ،‬وجعل يلتفِت إلى الشّعب الذي يجيء منه الفارس‪،‬‬
‫ش َغلْه ما هو فيه عن مراعاة حال فارسه‪.‬‬
‫ولم ي ْ‬

‫‪116‬‬

‫ل أمامة بنت أبي العاص بن الربيع ابنةَ بنته زينب على‬
‫وكذلك كان يُصلي الفرض وهو حام ٌ‬
‫عاتقه‪ ،‬إذا قام‪ ،‬حملها‪ ،‬وإذا ركع وسجد‪ ،‬وضعها‪.‬‬
‫(يتبع‪)...‬‬
‫@‬

‫وكان يصلي فيجيء الحسنُ أو الحسين فيركبُ ظهره فيُطيل السجدة‪ ،‬كَراهية أن يُلقيَه‬

‫عن ظهره‪.‬وكان يُصلي‪ ،‬فتجيء عائش ُة مِن حاجتها والبابُ مُغلَق‪ ،‬فيمشي‪ ،‬فيفتح لها البابَ‪ ،‬ثمّ‬
‫يرجِ ُع إلى الصلة‪.‬‬
‫وكان َيرُدُ السلم بالِشارة على من يُسلم عليه وهو في الصلة وقال جابر‪ :‬بعثني‬
‫ل صلى ال عليه وسلم لحاجة‪ ،‬ثم أدركتُهُ وهو يصلي‪ ،‬فسلمتُ عليه‪ ،‬فأشار إليّ‪ .‬ذكره‬
‫رسولُ ا ّ‬
‫ل عنه‪ :‬كان النبيّ صلى ال عليه وسلم يُشير في‬
‫مسلم في ((صحيحه))‪ .‬وقال أنس رضي ا ّ‬
‫الصلة‪ ،‬ذكره الِمام أحمد رحمه الّ‪.‬‬
‫ت عليه‪ ،‬فرد‬
‫ل صلى ال عليه وسلم وهو يُصلي‪ ،‬فسلم ُ‬
‫وقال صُهيب‪ :‬مررتُ برسول ا ّ‬
‫إشارة‪ ،‬قال الراوي‪ :‬ل أعلمه‪ ،‬قال‪ :‬إل إشارة بأصبعه‪ ،‬وهو في ((السنن)) و((المسند))‪.‬‬
‫ل صلى ال عليه وسلم إلى قُباء‬
‫ل بن عمر رضي الّ عنهما‪ :‬خرج رسولُ ا ّ‬
‫وقال عبد ا ّ‬
‫ت لبلل‪ :‬كيف رأيتَ رسول‬
‫يُصلي فيه‪ ،‬قال‪ :‬فجاءته النصارُ‪ ،‬فسلّموا عليه وهو في الصلة‪ ،‬فقل ُ‬
‫ل صلى ال عليه وسلم يردّ عليهم حين كانوا يُسلّمون عليه وهو يصلّي؟ قال‪ :‬يقول‪ :‬هكذا‪ ،‬وبسط‬
‫ا ّ‬
‫جعفر بن عون كفه‪ ،‬وجعل بطنه أسفل‪ ،‬وجعل ظهره إلى فوق))‪ ،‬وهو في ((السنن)) و ((المسند))‬
‫وصححه الترمذي‪،‬ولفظه‪ :‬كان يشير بيده‪.‬‬
‫ل عنه‪ :‬لما قَدِمتُ من الحبشة أتيت النبي صلى ال عليه‬
‫ل بن مسعود رضي ا ّ‬
‫وقال عبد ا ّ‬
‫وسلم وهو يصلي‪ ،‬فسلّمت عليه‪ ،‬فأومأ برأسه‪ ،‬ذكره البيهقي‪.‬‬
‫ل صلى ال عليه‬
‫وأما حديث أبي غطفان عن أبي ُه َر ْيرَة رضي الّ عنه قال‪ :‬قال رسولُ ا ّ‬
‫لتِ ِه إِشَا َرةً تُ ْفهَمُ عَنهُ‪َ ،‬ف ْل ُيعِ ْد صَلته)) فحديث باطل‪ ،‬ذكره الدارقطني‬
‫وسلم‪(( :‬مَنْ أَشَارَ فِي صَ َ‬
‫وقال‪ :‬قال لنا ابن أبي داود‪ :‬أبو غطفان هذا رجل مجهول‪ ،‬والصحيح عن النبي صلى ال عليه‬
‫وسلم أنه كان يُشير في صلته رواه أنس وجابر وغيرهما‪.‬‬
‫غ َمزَهَا‬
‫وكان صلى ال عليه وسلم يُصلي وعائشة معت ِرضَ ًة بينَه وبين القبلة‪ ،‬فإذا سجد‪َ ،‬‬
‫بيده‪ ،‬فقبضت رجليها‪ ،‬وإذا قام بسطتهما‪.‬‬
‫علَى يَدِه‪.‬‬
‫ل لُعابُه َ‬
‫ن ليقطع عليه صلتَه‪ ،‬فأخذه‪ ،‬فخنقه حتى سَا َ‬
‫وكان يُصلي‪ ،‬فجاءه الشيطا ُ‬

‫‪117‬‬

‫سجَ َد على‬
‫وكان يُصلي على المنبر ويركع عليه‪ ،‬فإذا جاءت السجدة‪ ،‬نزل ال َقهْقَرى‪ ،‬فَ َ‬
‫صعِدَ عليه‪.‬‬
‫الرض ثم َ‬
‫وكان يُصلي إلى جِدار‪ ،‬فجاءت َب ْهمَةٌ تم ّر من بين يديه‪ ،‬فما زال يُدارئها‪،‬حتى لَصقَ بطنُه‬
‫بالجدار‪ ،‬ومرت من ورائه‪.‬‬
‫يدارئها‪ :‬يفاعلها من المدارأة وهي المدافعة‪.‬‬
‫ن من بني عبد المطلب قد اقتتلتا‪ ،‬فأخذهما بيديه‪َ ،‬ف َنزَعَ إحداهما‬
‫وكان يُصلي‪ ،‬فجاءته جاريتا ِ‬
‫من الخرى وهو في الصلة ولفظ أحمد فيه‪ :‬فأخذتا بركبتي النبي صلى ال عليه وسلم‪ ،‬فنزع‬
‫ص ِرفْ‪.‬‬
‫بينهما‪ ،‬أو فرّق بينهما‪ ،‬ولم َينْ َ‬
‫وكان يُصلي‪ ،‬فم ّر بين يديه غلم‪ ،‬فقال بيده هكذا‪ ،‬فرجع‪ ،‬ومرت بين يديه جاريةٌ فقال بيده‬
‫غَلبُ)) ذكره الِمام أحمد‪ ،‬وهو‬
‫ل صلى ال عليه وسلم‪(( :‬هُنّ أَ ْ‬
‫هكذا‪ ،‬فمضت‪ ،‬فلما صلّى رسولُ ا ّ‬
‫في ((السنن))‪.‬‬
‫وكان ينفُخ في صلته‪ ،‬ذكره الِمام أحمد‪ ،‬وهو في ((السنن))‪.‬‬
‫لةِ كَلَمٌ)) فل أصل له عن رسول صلى ال عليه وسلم‪ ،‬وإنما‬
‫وأمّا حديث‪(( :‬النّفْخُ فِي الصّ َ‬
‫رواه سعيد في ((سننه)) عن ابن عباس رضي الّ عنهما من قوله إن صح‬
‫حنَحُ في صلته قال علي بن أبي طالب رضي الّ‬
‫وكان يبكي في صلته‪ ،‬وكان َي َتنَ ْ‬
‫ل صلى ال عليه وسلم ساعةٌ آتيه فيها‪ ،‬فإذا أتيتُه استأذنتُ‪،‬فإن وجدتُه‬
‫عنه‪ :‬كان لي من رسول ا ّ‬
‫يُصلي فتنحنح‪ ،‬دخلتُ‪ ،‬وإن وجدته فارغاً‪ ،‬أذن لي‪ ،‬ذكره النسائي‪ .‬وأحمد‪ ،‬ولفظ أحمد‪ :‬كان لي مِن‬
‫ت عليه وهو يصلي‪ ،‬تنحنح‪.‬‬
‫ل صلى ال عليه وسلم مَدخلنِ بالليل والنهار‪ ،‬وكنت إذا دخل ُ‬
‫رسول ا ّ‬
‫رواه أحمد‪ ،‬وعمل به‪ ،‬فكان يتنحنحُ في صلته ول يرى النحنحة مبطلة للصلة‪.‬‬
‫ل بن عمرو عنه‪:‬‬
‫وكان يُصلي حافياً تارةً‪ ،‬ومنتعلً أخرى‪ ،‬كذلك قال عبد ا ّ‬
‫َوَأ َمرَ بالصلة بالنعل مُخالفة لليهود‪.‬‬
‫وكان يُصلي في الثوب الواحد تارة‪ ،‬وفي الثوبين تارة‪ ،‬وهو أكثر‪.‬‬
‫وقنت في الفجر بعد الركوع شهراً‪ ،‬ثم ترك القنوت ولم يكن‬
‫لّ صلى ال عليه وسلم كان في كل غداة بعد‬
‫مِن هديه القنوتُ فيها دائماً‪ ،‬ومِنْ المحال أن رسولَ ا ِ‬
‫ت ‪ )) ...‬الخ ويرفعُ بذلك‬
‫اعتداله من الركوع يقول‪(( :‬الّلهُمَ اهْدِني فِيمَنْ هَ َد ْيتَ‪َ ،‬و َت َوّلنِي فِيمَنْ َوّل ْي َ‬
‫صوته‪ ،‬ويؤمّن عليه أصحابُه دائمًا إلى أن فارق الدنيا‪ ،‬ثم ل يكون ذلك معلوماً عند المة‪ ،‬بل‬

‫‪118‬‬

‫ل من يقول منهم‪ :‬إنه ُمحْ َدثٌ‪ ،‬كما قال سعد‬
‫يُضيعه أكث ُر أمته‪ ،‬وجمهورُ أصحابه‪ ،‬بل كلُهم‪ ،‬حتى يقو َ‬
‫ل صلى ال عليه وسلم‪ ،‬وأبي‬
‫ت إنّك قد صليتَ خلفَ رسولِ ا ّ‬
‫بن طارق الشجعي‪ :‬قلتُ لبي‪ :‬يا أب ِ‬
‫بكر‪ ،‬وعمر‪ ،‬وعثمان‪،‬وعلي‪ ،‬رضي الّ عنهم ها هنا‪ ،‬وبالكُوفة منذ خمس سنين‪ ،‬فكانوا يقنتون في‬
‫ث رواه أهل السنن وأحمد وقال الترمذي‪ :‬حديث حسن صحيح‪ .‬وذكر‬
‫ي مُحْ َد ٌ‬
‫ي ُب َن ّ‬
‫الفجر‪.‬؟ فقال‪َ :‬أ ْ‬
‫ت في صلة الفجر‬
‫الدارقطني عن سعيد بن جبير قال‪ :‬أشهد أني سمعت ابن عباس يقول‪ :‬إن القنو َ‬
‫ت مع ابن عمر صلة الصبح‪ ،‬فلم يقنُت‪ ،‬فقلت له ل‬
‫بِدعة‪ ،‬وذكر البيهقي عن أبي مِجلز قال‪ :‬صلي ُ‬
‫أراك تقنُت‪ ،‬فقال‪ :‬ل أحفظُه عن أحد من أصحابنا‪.‬‬
‫ل غداة‪ ،‬ويدعو‬
‫ل صلى ال عليه وسلم لو كان يقنت ك ّ‬
‫ومن المعلوم بالضرورة أن رسولَ ا ّ‬
‫ل المة لذلك ُكلّهم كنقلهم لجهره بالقراءة فيها وعددها‬
‫بهذا الدعاء‪ ،‬ويؤمّن الصحابة‪ ،‬لكان نق ُ‬
‫ووقتها‪ ،‬وإن جاز عليهم تضييعُ أمر القنوت منها‪ ،‬جاز عليهم تضييعُ ذلك‪ ،‬ول فرق‪ ،‬وبهذا الطريق‬
‫ضيّ ُع أكثر المة‬
‫س مرات دائمًا مستمرًا ثم ُي َ‬
‫ل يوم وليلةٍ خَم َ‬
‫علمنا أنه لم يكن هديُه الجهرَ بالبسملة ك ّ‬
‫ذلك‪ ،‬ويخفى عليها‪ ،‬وهذا مِن أمحلِ المحال بل لو كان ذلك واقعاً‪ ،‬لكان نقلُه كنقل عدد الصلوات‪،‬‬
‫ل الموفق‪.‬‬
‫وعدد الركعات‪ ،‬والجهر والِخفات‪ ،‬وعدد السجدات‪ ،‬ومواضع الركان وترتيبها‪ ،‬وا ّ‬
‫والِنصاف الذي يرتضيه العالم المنصف‪ ،‬أنه صلى ال عليه وسلم جهر‪ ،‬وأسر‪ ،‬وقنت‪،‬‬
‫وترك‪ ،‬وكان إسرارُه أكثَر من جهره‪ ،‬وتركه القنوتَ أكثر من فعله‪ ،‬فإنه إنما قنت عند النوازل‬
‫للدعاء لقوم‪ ،‬وللدعاء على آخرين‪،‬ثم تركه لما قَدِمَ من دعا لهم‪ ،‬وتخلّصوا من السر‪ ،‬وأسلم من‬
‫دعا عليهم وجاءوا تائبين‪ ،‬فكان قنوتُه لعارض‪ ،‬فلما زال َترَك القنوت‪ ،‬ولم يختصّ بالفجر‪ ،‬بل كان‬
‫يقنُت في صلة الفجر والمغرب‪ ،‬ذكره البخاري في ((صحيحه)) عن أنس وقد ذكره مسلم عن‬
‫ل صلى ال عليه وسلم شهراً متتابعاً في‬
‫البراء وذكر الِمام أحمد عن ابن عباس قال‪ :‬قنت رسولُ ا ّ‬
‫حمِدَه من‬
‫لّ لِمنْ َ‬
‫الظهر‪ ،‬والعصر‪ ،‬والمغرب‪ ،‬والعشاء‪ ،‬والصّبح في ُد ُب ِر كل صلة إذا قال‪ :‬سَمعَ ا ُ‬
‫ي من بني سليم على رِعل وذَكوان وعُصية‪ ،‬ويؤمّن من خلفه‪،‬‬
‫الركعة الخيرة‪ ،‬يدعو على ح ّ‬
‫ورواه أبو داود‪.‬‬
‫وكان هديُه صلى ال عليه وسلم القنوت في النوازل خاصة‪ ،‬وتركَه عند عدمها‪ ،‬ولم‬
‫يكن يخصه بالفجر‪ ،‬بل كان أكثر قنوته فيها لجل ما شرع فيها من التطويل‪ ،‬ولتصالها بصلة‬
‫الليل‪ ،‬وقربِها من السّحَر‪ ،‬وساعةِ الِجابة‪ ،‬وللتنزل الِلهى‪ ،‬ولنها الصلةُ‪ ،‬المشهودة التي يشهدها‬
‫ل وملئكتُه‪ ،‬أو ملئك ُة الليل والنهار‪ ،‬كما رُوي هذا‪ ،‬وهذا‪ ،‬في تفسير قوله تعالى‪{ :‬إِنّ ُقرْآنَ‬
‫ا ّ‬

‫‪119‬‬

‫ل بن سعيد بن أبي سعيد‬
‫ث ابن أبي فُديك‪ ،‬عن عبد ا ّ‬
‫شهُوداً} [السراء‪ .]78 :‬وأما حدي ُ‬
‫جرِ كَانَ مَ ْ‬
‫الفَ ْ‬
‫ل صلى ال عليه وسلم إذا رفع رأسَه مِنَ‬
‫المقبُري‪ ،‬عن أبيه‪ ،‬عن أبي ُه َر ْيرَة قال‪ :‬كان رسول ا ّ‬
‫ع من صلة الصّبح في الرَكعة الثانية‪ ،‬يرفع يديه فيها‪ ،‬فيدعو بهذا الدعاء‪(( :‬اللّه ّم اهْدِني‬
‫ال ّركُو ِ‬
‫ش ّر مَا‬
‫ط ْيتَ‪ ،‬وَقِني َ‬
‫ن َت َوّل ْيتَ‪َ ،‬وبَارِك لي فِيمَا أَعْ َ‬
‫فِيمَنْ هَ َد ْيتَ‪ ،‬وَعَافِني فِيمَنْ عَا َف ْيتَ‪َ ،‬و َت َوّلنِي فِيمَ ْ‬
‫ت َر ّبنَا وَتعاَل ْيتَ)) فما أبين‬
‫ن وَاَل ْيتَ‪َ ،‬تبَا َر ْك َ‬
‫ل مَ ْ‬
‫ل يَذِ ّ‬
‫عَل ْيكَ‪ِ ،‬إنّهُ َ‬
‫ل يُقْضى َ‬
‫ك تَ ْقضِي وَ َ‬
‫ض ْيتَ‪ِ ،‬إ ّن َ‬
‫َق َ‬
‫الحتجاج به لو كان صحيحاً أو حسناً‪ ،‬ولكن ل يحتج بعبد الّ هذا وإن كان الحاكم صحح حديثه في‬
‫ل المزني‪ :‬حدثنا يوسف بن موسى‪ ،‬حدثنا أحمد بن صالح‪ ،‬حدثنا ابن‬
‫القنوت عن أحمد بن عبد ا ّ‬
‫ل صلى ال عليه‬
‫أبي فديك فذكره نعم صحّ عن أبي ُهرَيرَة أنه قال‪ :‬والّ لنا أقربُكم صل ًة برسول ا ّ‬
‫حمِده‪،‬‬
‫لّ ِلمَنْ َ‬
‫وسلم‪ ،‬فكان أبو هريرة يقنُت في الركعة الخيرة مِن صلة الصبح بعدما يقول‪ :‬سَمعَ ا ُ‬
‫ن الكُفّار ول ريب أن رسولَ الِّ صلى ال عليه وسلم فعل ذلك‪ ،‬ث ّم تركه‪،‬‬
‫فيدعو للمؤمنين‪ ،‬ويلع ُ‬
‫ل صلى ال عليه وسلم فعله‪،‬‬
‫ل هذا القنوتِ سنة‪ ،‬وأن رسول ا ّ‬
‫ب أبو هريرة أن يُعلّمهم أن مِث َ‬
‫فأح ّ‬
‫وهذا رد على أهل الكوفة الذين يكرهون القنوت في الفجر مطلقًا عند النوازل وغيرها‬
‫ويقولون‪ :‬هو منسوخ‪ ،‬وفعله بدعة‪ ،‬فأهلُ الحديث متوسطون بين هؤلء وبين من استحبه‬
‫ل صلى‬
‫عند النوازل وغيرها‪ ،‬وهم أسعدُ بالحديث من الطائفتين‪ ،‬فإنهم يقنُتون حيثُ قنت رسولُ ا ّ‬
‫ال عليه وسلم‪ ،‬ويتركُونه حيث تركه‪ ،‬فيقتدون به في فعله وتركه‪،‬ويقولون‪ :‬فِعله سنة‪ ،‬وتركُه لسنة‪،‬‬
‫علَه مخالفاً‬
‫ومع هذا فل يُنكرون على من داوم عليه‪ ،‬ول يكرهون فعله‪ ،‬ول يرونه بدعة‪ ،‬ول فا ِ‬
‫للسنة‪ ،‬كما ل يُنكِرون على من أنكره عند النوازل‪ ،‬ول يرون تركه بدعة‪ ،‬ول تارِكه مخالفاً للسنة‪،‬‬
‫بل من قنت‪ ،‬فقد أحسن‪ ،‬ومن تركه فقد أحسن‪ ،‬وركن العتدال محل الدعاء والثناء‪ ،‬وقد جمعهما‬
‫النبي صلى ال عليه وسلم فيه‪ ،‬ودعاء القنوت دعاء وثناء‪ ،‬فهو أولى بهذا المحل‪ ،‬وإذا جهر به‬
‫الِمام أحيانًا لِيعلّم المأمومين‪ ،‬فل بأس بذلك‪ ،‬فقد جهر عمر بالستفتاح ليعلم المأمومين‪ ،‬وجهر ابن‬
‫عباس بقراءة الفاتحة في صلة الجنازة ليعلمهم أنها سنة‪ ،‬ومن هذا أيضاً جهر الِمام بالتأمين‪ ،‬وهذا‬
‫من الختلف المباح الذي ل يُعنّف فيه من فعله‪ ،‬ول مَنْ تَركه‪ ،‬وهذا كرفع اليدين في الصلة‬
‫وتركه‪ ،‬وكالخلف في أنواع التشهدات‪ ،‬وأنواع الذان والِقامة‪ ،‬وأنواع النسك من الِفراد والقِران‬
‫والتمتع‪ ،‬وليس مقصودُنا إل ذكر هديه صلى ال عليه وسلم الذي كان يفعله هو‪ ،‬فإنه قِبلَ ُة القصد‪،‬‬
‫وإليه التوجّه في هذا الكتاب‪ ،‬وعليه مدارُ التفتيش والطلب‪ ،‬وهذا شيء‪ ،‬والجائز الذي ل يُنكر فعلُه‬
‫وتركُه شيء‪ ،‬فنحن لم نتعرض في هذا الكتاب لما يجوز‪ ،‬ولما ل يجوز‪ ،‬وإنما مقصودُنا فيه هديُ‬

‫‪120‬‬

‫النبي صلى ال عليه وسلم الذي كان يختاره لنفسه‪ ،‬فإنه أكملُ الهدي وأفضلُه‪ ،‬فإذا قلنا‪ :‬لم يكن مِن‬
‫ل ذلك على كراهية غيره‪ ،‬ول أنه‬
‫هديه المداوم ُة على القنوت في الفجر‪ ،‬ول الجهرُ بالبسملة‪ ،‬لم يد ّ‬
‫بدعة‪ ،‬ولكن هديُه صلى ال عليه وسلم أكملُ الهدي وأفضلُه‪ ،‬والّ المستعان‪.‬‬
‫ل صلى‬
‫وأما حديث أبي جعفر الرازي عن الربيع بن أنس‪ ،‬عن أنس قال‪ :‬ما زالَ رسولُ ا ّ‬
‫ال عليه وسلم يقنت في الفجر حتى فارق الدنيا وهو في ((المسند)) والترمذي وغيرهما‪ ،‬فأبو‬
‫جعفر قد ضعفه أحمد وغيره وقال ابن المديني‪ :‬كان يخلط وقال أبو زرعة‪ :‬كان يهم كثيراً‪ .‬وقال‬
‫ابن حبان‪ :‬كان ينفرد بالمناكير عن المشاهير‪.‬‬
‫ل روحه‪ :‬وهذا الِسناد نفسه هو إسناد حديث { َوإِ ْذ أَخَذَ‬
‫وقال لي شيخنا ابن تيمية قدّس ا ّ‬
‫ظهُورِهِمْ} [العراف‪ .]172 :‬حديث أبي بن كعب الطويل‪ ،‬وفيه‪ :‬وكان روحُ‬
‫َر ّبكَ مِن َبنِي آدَم مِنْ ُ‬
‫ل تلك الروحَ‬
‫عيسى عليه السلم من تلك الرواح التي أخذ عليها العه َد والميثاقَ في زمن آدم‪ ،‬فأَرس َ‬
‫ل في صورة بشر فتمثل لها‬
‫إلى مريم عليها السلم حين انتبذت من أهلها مكاناً شرقيا‪ ،‬فأرسله ا ّ‬
‫بشراً سوياً‪ ،‬قال‪ :‬فحملت الذي يخاطبها‪ ،‬فدخل مِن فرجها‪ ،‬وهذا غلط محض‪ ،‬فإن الذي أرسل إليها‬
‫ب َلكِ غُلَمًا َزكِياً} [مريم‪ ]19 :‬ولم يكن الذي‬
‫ل َر ّبكِ ل َه َ‬
‫الملك الذي قال لها؟ {ِإ ّنمَا َأنَا رَسُو ُ‬
‫خاطبها بهذا هو عيسى بن مريم‪ ،‬هذا محال‪.‬‬
‫والمقصود أن أبا جعفر الرازي صاحبُ مناكير‪،‬ل يَحتج بما تفرد به أح ٌد من أهل الحديث‬
‫البتة‪ ،‬ولو صح‪ ،‬لم يكن فيه دليل على هذا القنوت المعين البتة‪ ،‬فإنه ليس فيه أن القنوتَ هذا الدعاءُ‪،‬‬
‫فإن القنوتَ يُطلق على القيا م‪ ،‬والسكوت‪ ،‬ودوام العبادة‪ ،‬والدعاء‪ ،‬والتسبيح‪ ،‬والخشوع‪ ،‬كما قال‬
‫ل لَهُ قَا ِنتُون} [الروم‪ ،]26 :‬وقال تعالى‪َ{ :‬أمّنْ ُهوَ قَا ِنتٌ‬
‫ض كُ ّ‬
‫لرْ ِ‬
‫سمَاوَاتِ وَا َ‬
‫تعالى‪َ { :‬ولَ ُه مَنْ في ال ّ‬
‫خ َر َة َو َيرْجُو رَحمَ َة َربّه}[الزمر‪ ،]9 :‬وقال تعالى‪َ { :‬وصَدّ َقتْ‬
‫آنا َء الّليْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْ َذرُ ال ِ‬
‫ت مِنَ القَا ِنتِينَ} [التحريم‪ ]12 :‬وقال صلى ال عليه وسلم ((أَ ْفضَلُ الصلةِ‬
‫ِب َكِلمَاتِ َر ّبهَا َو ُك ُتبِ ِه َوكَا َن ْ‬
‫طُولُ ال ُقنُوت))‪ .‬وقال زيد بن أرقم‪ :‬لما نزل قوله تعالى‪{ :‬وَقُومُوا لِّ قَا ِنتِينَ} [البقرة‪ ]238 :‬أمرنا‬
‫ل عنه لم يقل‪ :‬لم يزل يقنُت بعد الركوع رافعًا صوته‬
‫ن الكَلمِ‪ .‬وأنس رضي ا ّ‬
‫سكُوتِ‪ ،‬ونُهينا عَ ِ‬
‫بال ّ‬
‫((الّلهُ ّم اهدني فيمن هديت‪ ))..‬إلى آخره ويؤمّن من خلفه‪ ،‬ول ريب أن قوله‪ :‬ربّنا ولكَ الحمدُ‪ ،‬مِلءَ‬
‫السماواتِ‪َ ،‬ومِلءَ الرضِ‪ ،‬ومِلءَ ما شئت من شيء بعدُ‪ ،‬أهلَ الثناء والمجد‪ ،‬أحقّ ما قال العبدُ‪...‬‬
‫ل هذا الركن قنوتٌ‪ ،‬وتطويلُ القراءة قنوت‪،‬‬
‫إلى آخر الدعاء والثناء الذي كان يقوله‪ ،‬قنوتٌ‪ ،‬وتطوي ُ‬

‫‪121‬‬

‫وهذا الدعا ُء المعيّن قنوت‪ ،‬فمن أين لكم أن أنسًا إِنما أراد هذا الدعاء المعين دون سائر أقسام‬
‫القنوت؟!‬
‫ت دليل على إرادة‬
‫ن غيرها مِن الصلوا ِ‬
‫ول يقال‪ :‬تخصيصُه القنوتَ بالفجر دو َ‬
‫الدعاء المعين‪ ،‬إذ سائر ما ذكرتم من أقسام القنوت مشترَك بين الفجر وغيرها‪ ،‬وأنس خصّ الفجر‬
‫دون سائر الصلوات بالقنوت‪ ،‬ول يمكن أن يُقال‪ :‬إنه الدعاء على الكفار‪ ،‬ول الدعاء للمستضعفين‬
‫من المؤمنين‪ ،‬لن أنساً قد أخبر أنه كان قنت شهرًا ثم تركَه‪ ،‬فتعيّن أن يكون هذا الدعاء الذي داوم‬
‫عليه هو القنوتَ المعروف‪ ،‬وقد قنت أبو بكر‪ ،‬وعمر‪ ،‬وعثمان‪ ،‬وعلي‪ ،‬والبراء بن عازب‪ ،‬وأبو‬
‫ل بن عباس‪ ،‬وأبو موسى الشعري‪ ،‬وأنس بن مالك وغيرهم‪.‬‬
‫هريرة‪ ،‬وعبد ا ّ‬
‫والجواب من وجوه‪ .‬أحدُها‪ :‬أن أنسًا قد أخبر أنه صلى ال عليه وسلم كان يقنُت في الفجر‬
‫والمغرب كما ذكره البخاري‪ ،‬فلم يخصص القنوت بالفجر‪ ،‬وكذلك ذكر البراء بن عازب سواء‪ ،‬فما‬
‫ل القنوت أخص بالفجر؟!‬
‫با ُ‬
‫ت المغرب منسوخ‪ ،‬قال لكم منازعوكم من أهل الكوفة‪ :‬وكذلك قنوتُ الفجر‬
‫فإن قلتم‪ :‬قنو ُ‬
‫ل على نسخ قنوت الفجر سواء‪ ،‬ول‬
‫سواء‪ ،‬ول تأتون بحجة على نسخ قنوت المغرب إل كانت دلي ً‬
‫ت المغرب‬
‫ل على نسخ قنوت المغرب وإحكام قنوتِ الفجر‪ .‬فإن قلتم‪ :‬قُنو ُ‬
‫يُمكنكم أبدًا أن تُقيموا دلي ً‬
‫كان قنوتًا للنوازل‪ ،‬ل قنوتاً راتباً‪ ،‬قال منازعوكم من أهل الحديث‪ :‬نعم كذلك هو‪ ،‬وكذلك قنوتُ‬
‫الفجر سواء‪ ،‬وما الفرق؟ قالوا‪ :‬ويدل على أن قنوت الفجر كان قنوتَ نازلة‪ ،‬ل قنوتاً راتباً أن أنساً‬
‫نفسه أخبر بذلك‪ ،‬وَعُمدَتكم في القنوت الراتب إنما هو أنس‪ ،‬وأنس أخبر أنه كان قنوتَ نازلة ثم‬
‫تركه‪ ،‬ففي((الصحيحين))عن أنس قال‪ :‬ق َنتَ رسولُ ال صلى ال عليه وسلم شهرًا يدعو على حي‬
‫مِن أحيا ِء العرب‪ ،‬ثم تركه‪.‬‬
‫الثاني‪ :‬أن شَبابة روى عن قيس بن الربيع‪ ،‬عن عاصم بن سليمان قال‪ :‬قلنا لنس بن مالك‪:‬‬
‫إن قومًا يزعمُون أن النبي صلى ال عليه وسلم لم يزل يقنُت بالفجر‪ ،‬قال‪ :‬كذبوا‪ ،‬وإنما قَنتَ رسول‬
‫ل صلى ال عليه وسلم شهراً واحدًا يدعو على حيّ من أحياء العرب‪ ،‬وقيس بن الربيع وإن كان‬
‫ا ّ‬
‫يحيى بن معين ضعفه‪ ،‬فقد وثقه غيره‪ ،‬وليس بدون أبي جعفر الرازي‪ ،‬فكيف يكون أبو جعفر حجة‬
‫في قوله‪ :‬لم يزل يقنت حتى فارق الدنيا وقيس ليس بحجة في هذا الحديث‪ ،‬وهو أوثقُ منه أو مثلُه‪،‬‬
‫والذين ضعفوا أبا جعفر أكث ُر من الذين ضعفوا قيساً‪ ،‬فإنما يعرف تضعيفُ قيس عن يحيى‪ ،‬وذكر‬
‫ب تضعيفه‪ ،‬فقال أحمد بن سعيد بن أبي مريم‪ :‬سألت يحيى عن قيس بن الربيع‪ ،‬فقال‪ :‬ضعيف ل‬
‫سب َ‬

‫‪122‬‬

‫يُكتب حديثه‪ ،‬كان يحدّث بالحديث عن عبيدة‪،‬وهو عنده عن منصور‪ ،‬ومثل هذا ل يوجب رد حديث‬
‫الراوي‪ ،‬لن غاية ذلك أن يكون غلط ووهم في ذكر عبيدة بدل منصور‪ ،‬ومن الذي يسلم من هذا‬
‫من المحدثين؟‬
‫ت النبي صلى ال عليه‬
‫الثالث‪ :‬أن أنساً أخبر أنهم لم يكونوا يقنُتون‪ ،‬وأن بدء القنوت هو قنو ُ‬
‫وسلم يدعو على رِعل وذَكوان‪ ،‬ففي ((الصحيحين)) من حديث عبد العزيز بن صهيب‪،‬عن أنس‬
‫حيّانِ‬
‫ل صلى ال عليه وسلم سبعين رجلً لحاجة‪ ،‬يقال لهم‪ :‬ال ُقرّاءُ‪ ،‬فعرض لهم َ‬
‫قال‪ :‬بعثَ رسولُ ا ّ‬
‫من بني سليم رِعل وذَكوان عند بئر يقال له‪ :‬بئر مَعونة‪ ،‬فقال القوم‪ :‬والّ ما إياكم أردنا‪ ،‬وإنما نحن‬
‫ل صلى ال عليه وسلم‬
‫ل صلى ال عليه وسلم‪ ،‬فقتلوهم‪ ،‬فدعا رسولُ ا ّ‬
‫مجتازون في حاجة لرسول ا ّ‬
‫عليهم شهرًا في صلة الغداة‪ ،‬فذلك بد ُء القنوت‪ ،‬وما كنا نقنُت‪.‬‬
‫فهذا يدل على أنه لم يكن من هديه صلى ال عليه وسلم القنوت دائماً‪ ،‬وقول أنس‪ :‬فذلك بدءُ‬
‫القنوتُ‪ ،‬مع قوله‪ :‬قنت شهراً‪ ،‬ثم تركه‪ ،‬دليل على أنه أراد بما أثبته من القنوت قنوتَ النوازل‪ ،‬وهو‬
‫الذي وقّته بشهر‪ ،‬وهذا كما قنت في صلة العتمة شهراً‪ ،‬كما في ((الصحيحين)) عن يحيى بن أبي‬
‫ل صلى ال عليه وسلم قنت في صلة ال َع َتمَة‬
‫كثير‪ ،‬عن أبي سلمة‪ ،‬عن أبي هريرة أن رسول ا ّ‬
‫ن َأبِي‬
‫عيّاشَ بْ َ‬
‫سَلمَ َة بْنَ هِشَام‪ ،‬الّلهُمّ َأنْجِ َ‬
‫ن ا ْل َولِيدِ‪ ،‬الّلهُ ّم َأنْجِ َ‬
‫ج ا ْل َولِيدَ بْ َ‬
‫شهراً يقول في قنوته‪(( :‬الّلهُمّ َأنْ ِ‬
‫عَل ْيهِمْ‬
‫ج َع ْلهَا َ‬
‫علَى مُضرَ‪ ،‬الّلهُمّ ا ْ‬
‫ن ال ُم ْؤ ِمنِينَ‪ ،‬الّلهُمّ اشْدُ ْد وَطَْأ َتكَ َ‬
‫ستَضعفِينَ مِ ْ‬
‫َربِيعَةَ‪ ،‬الّلهُ ّم َأنْجِ المُ ْ‬
‫ت ذلك له‪ ،‬فقال‪ :‬أو ما‬
‫ع لهم‪ ،‬فذكر ُ‬
‫سنِينَ كَسِني يُوسُف))‪ .‬قال أبو هريرة‪ :‬وأصبح ذاتَ يوم فلم يد ُ‬
‫ِ‬
‫تراهم قد قَ ِدمُوا‪ ،‬فقنوتُه في الفجر كان هكذا سواء لجل أمر عارض ونازلة‪ ،‬ولذلك وقّته أنس‬
‫بشهر‪.‬‬
‫وقد روي عن أبي هريرة أنه قنت لهم أيضاً في الفجر شهرا‪ ،‬وكلهما صحيح‪ ،‬وقد تقدم‬
‫ل صلى ال عليه وسلم‪ :‬شهراً متتابعاً في الظهر‪،‬‬
‫ذكر حديث عكرمة عن ابن عباس‪ :‬قنت رسول ا ّ‬
‫والعصر‪ ،‬والمغرب‪ ،‬والعشاء‪ ،‬والصبح‪ ،‬ورواه أبو داود وغيره‪ ،‬وهو حديث صحيح‪.‬‬
‫وقد ذكر الطبراني في ((معجمه)) من حديث محمد بن أنس‪ :‬حدثنا مُطرّف بن طريف‪ ،‬عن‬
‫أبي الجهم‪ ،‬عن البراء بن عازب‪ ،‬أن النبي صلى ال عليه وسلم كان ل يُصليّ صل ًة مكتوبة إل‬
‫قنت فيها‪.‬‬
‫قال الطبراني‪ :‬لم يروه عن مطرّف إل محمد بن أنس‪ .‬انتهى‪.‬‬

‫‪123‬‬

‫وهذا الِسناد وإن كان ل تقوم به حُجة‪ ،‬فالحديث صحيح من جهة المعنى‪ ،‬لن القنوت هو‬
‫ل صلى ال عليه وسلم لم يُصل مكتوبة إل دعا فيها‪ ،‬كما تقدم‪ ،‬وهذا‬
‫الدعاء‪ ،‬ومعلوم أن رسول ا ّ‬
‫هو الذي أراده أنس في حديث أبي جعفر الرازي إن صح أنه لم يزل يقنت حتى فارق الدنيا‪ ،‬ونحن‬
‫ل نشك ول نرتاب في صحة ذلك‪ ،‬وأن دعاءه استمر في الفجر إلى أن فارق الدنيا‪.‬‬
‫الوجه الرابع‪ :‬أن طرق أحاديث أنس تُبين المراد‪ ،‬ويصدق بعضها بعضاً‪ ،‬ول‬
‫تتناقض‪ .‬وفي ((الصحيحين)) من حديث عاصم الحول قال‪ :‬سألت أنس بن مالك عن القنوت في‬
‫ل الركوع أو بعده؟ قال‪ :‬قبله؟ قلتُ‪ :‬وإن فلناً أخبرني‬
‫الصلة؟ فقال‪ :‬قد كان القنوت‪ ،‬فقلت‪ :‬كان قب َ‬
‫ل صلى ال عليه وسلم بعد الركوع‬
‫عنك أنك قلت‪ :‬قنت بعدَه‪ .‬قال‪ :‬كذب‪ ،‬إنما قلت‪ :‬قنتَ رسول ا ّ‬
‫شهراً‪ .‬وقد ظن طائفة أن هذا الحديث معلول تفرد به عاصم‪ ،‬وسائر الرواة‪ .‬عن أنس خالفوه‪،‬‬
‫ب أنس موضع القنوتين‪ ،‬والحافظ قد يهم‪ ،‬والجواد قد‬
‫فقالوا‪ :‬عاصم ثقة جداً‪ ،‬غيرَ أنه خالف أصحا َ‬
‫ت لبي عبد ال ‪ -‬يعني أحمد بن حنبل ‪ :-‬أيقول‬
‫يعثُر‪ ،‬وحكوا عن الِمام أحمد تعليله‪ ،‬فقال الثرم‪ :‬قل ُ‬
‫ل صلى ال عليه وسلم قنت قبل الركوع غيرَ عاصم الحول؟‬
‫أحد في حديث أنس‪ :‬إن رسول ا ّ‬
‫فقال‪ :‬ما علمتُ أحدًا يقوله غيرُه‪ .‬قال أبو عبد الّ‪ :‬خالفهم عاصم ُكلّهم‪ ،‬هشام عن قتادة عن أنس‪،‬‬
‫والتيمي‪ ،‬عن أبي مجلز‪ ،‬عن أنس‪ ،‬عن النبي صلى ال عليه وسلم‪ :‬قنت بعد الركوع‪ ،‬وأيوبُ عن‬
‫محمد بن سيرين قال‪ :‬سألت أنسا‪ .‬وحنظلة السدوسي عن أنس أربعة وجوه‪ .‬وأما عاصم فقال‪ :‬قلت‬
‫ت بعد الركوع شهراً‪ .‬قيل له‪ :‬من ذكره عن عاصم؟ قال‪ :‬أبو معاوية‬
‫له؟ فقال‪ :‬كذبوا‪ ،‬إنما قن َ‬
‫وغيره‪ ،‬قيل لبي عبد الّ‪ :‬وسائر الحاديث أليس إنما هي الركوع؟ فقال‪ :‬بلى كلها عن خُفاف بن‬
‫حضَة‪ ،‬وأبي هريرة‪.‬‬
‫إيماء بنِ رَ ْ‬
‫قلت لبي عبد ال‪ :‬فلم ترخص إذًا في القنوت قبل الركوع‪ ،‬وإنما صح الحديثُ بعد الركوع؟‬
‫فقال‪ :‬القنوت في الفجر بعد الركوع‪ ،‬وفي الوتر يُختار بعد الركوع‪ ،‬ومن قنت قبل الركوع‪ ،‬فل‬
‫بأس‪ ،‬لفعل أصحاب النبي صلى ال عليه وسلم‪ ،‬واختلفهم‪ ،‬فأما في الفجر‪ ،‬فبعد الركوع‪.‬‬
‫فيقال‪ :‬من العجب تعليلُ هذا الحديث الصحيح المتفق على صحته‪ ،‬ورواه أئمة ثقات أثبات‬
‫حفاظ‪ ،‬والحتجاج بمثل حديث أبي جعفر الرازي‪ ،‬وقيس بن الربيع‪ ،‬وعمرو بن أيوب‪ ،‬وعمرو بن‬
‫عبيد‪ ،‬ودينار‪ ،‬وجابر الجعفي‪ ،‬وقل من تحمّل مذهباً‪ ،‬وانتصر له في كل شيء إل اضطر إلى هذا‬
‫المسلك‪.‬‬

‫‪124‬‬

‫فنقول وبال التوفيق‪ :‬أحاديث أنس كلها صحاح‪ ،‬يُصدّق بعضُها بعضاً‪ ،‬ول تتناقضُ‪،‬‬
‫والقنوت الذي ذكره قبل الركوع غي ُر القنوت الذي ذكره بعده‪ ،‬والذي وقته غير الذي أطلقه‪ ،‬فالذي‬
‫ذكره قبل الركوع هو إطال ُة القيام للقراءة‪ ،‬وهو الذي قال فيه النبي صلى ال عليه وسلم‪(( :‬أَفْضلُ‬
‫لةِ طُولُ القنُوتِ)) والذي ذكره بعده‪ ،‬هو إطالةُ القيام للدعاء‪ ،‬فعله شهراً يدعو على قوم‪،‬‬
‫الصّ َ‬
‫ويدعو لقوم‪ ،‬ثم استمرّ يُطيل هذا الركنَ للدعاء والثناء‪ ،‬إلى أن فارق الدنيا‪ ،‬كما في ((الصحيحين))‬
‫ل ال صلى ال عليه وسلم يُصلي‬
‫عن ثابت‪ ،‬عن أنس قال‪ :‬إني ل أزال أُصلي بكم كما كان رسو ُ‬
‫بنا‪ ،‬قال‪ :‬وكان أنس يصنع شيئًا ل أراكم تصنعونه‪ ،‬كان إذا رفع رأسه من الركوع انتصب قائماً‪،‬‬
‫حتى يقول القائلُ‪ :‬قد نسي‪ ،‬وإذا رفع رأسه من السجدة يمكُث‪ ،‬حتى يقول القائلُ‪ :‬قد نسي‪ .‬فهذا هو‬
‫ت الذي ما زال عليه حتى فارق الدنيا‪.‬‬
‫القنو ُ‬
‫ومعلوم أنه لم يكن يسكُت في مثل هذا الوقوف الطويل‪ ،‬بلَ كان يثني على ربه‪ ،‬ويُمجّده‪،‬‬
‫ويدعوه‪ ،‬وهذا غيرُ القنوتِ الموقّت بشهر‪ ،‬فإن ذلك دعاء على رِعل وذَكوان وعُصيّة وبني لِحيان‪،‬‬
‫ودُعاء للمستضعفين الذين كانوا بمكة‪ .‬وأما تخصيصُ هذا بالفجر‪ ،‬فبحسب سؤال السائل‪ ،‬فإنما‬
‫سأله عن قنوت الفجر‪ ،‬فأجابه عما سأله عنه‪ .‬وأيضاً‪ ،‬فإنه كان يطيل صلة الفجر دون سائر‬
‫الصلوات‪ ،‬ويقرأ فيها بالستين إلى المائة‪ ،‬وكان كما قال البراء بن عازب‪ :‬ركُوعُه‪ ،‬واعتداله‪،‬‬
‫وسجودُه‪ ،‬وقيامُه متقارباً‪ .‬وكان يظهرُ مِن تطويله بعد الركوع في صلة الفجر ما ل يظهر في‬
‫سائر الصلوات بذلك‪ .‬ومعلوم أنه كان يدعو ربه‪ ،‬ويثني عليه‪ ،‬ويمجده في هذا العتدال‪ ،‬كما‬
‫تقدمت الحاديث بذلك‪ ،‬وهذا قنوتٌ منه ل ريبَ‪ ،‬فنحن ل نشكّ ول نرتابُ أنه يزل يقنت في الفجر‬
‫حتى فارق الدنيا‪.‬‬
‫ولما صار القنوتُ في لِسان الفقهاء وأكث ِر الناس‪ ،‬هو هذا الدعاء المعروف‪ :‬اللهم‬
‫اهدني فيمن هديت‪ ...‬إلى آخره‪ ،‬وسمعوا أنه لم يزل يقنت في الفجر حتى فارق الدنيا‪ ،‬وكذلك‬
‫الخلفا ُء الراشدون وغيرهم من الصحابة‪ ،‬حملوا القنوت في لفظ الصحابة على القنوت في‬
‫ل صلى ال عليه وسلم وأصحابَه‬
‫اصطلحهم‪ ،‬ونشأ مَن ل يعرف غيرَ ذلك‪ ،‬فلم يشك أن رسول ا ّ‬
‫ل غداة‪ ،‬وهذا هو الذي نازعهم فيه جمهورُ العلماء‪ ،‬وقالوا‪ :‬لم يكن هذا من‬
‫كانوا مداومين عليه ك ّ‬
‫فِعله الراتب‪ ،‬بل ول يثبُت عنه أنه فعله‪.‬‬
‫وغاية ما رُوي عنه في هذا القنوت‪ ،‬أنه علمه للحسن بن علي‪ ،‬كما في ((المسند)) و‬
‫ل ال صلى ال عليه وسلم كلماتٍ أقولهن في قُنوت الوترِ‪:‬‬
‫((السنن)) الربع عنه قال‪ :‬علّمني رسو ُ‬

‫‪125‬‬

‫((الّلهُ ّم اهْدِني فِيمَنْ هَ َد ْيتَ‪ ،‬وَعَا ِفنِي فِيمَنْ عَا َف ْيتَ‪َ ،‬و َت َوّلنِي فِيمَنْ َت َوّل ْيتَ‪َ ،‬وبَارِك لِي فِيمَا أَعْط ْيتَ‪،‬‬
‫ن وَالَيتَ‪َ ،‬تبَا َر ْكتَ َر ّبنَا‬
‫ل مَ ْ‬
‫ل يَذِ ّ‬
‫عَل ْيكَ‪ِ ،‬إنّه َ‬
‫ك تَ ْقضِي‪ ،‬وَلَ يُ ْقضَى َ‬
‫ض ْيتَ‪ ،‬فَإ َن َ‬
‫شرّ مَا َق َ‬
‫وَقِني َ‬
‫َو َتعَاَل ْيتَ))) قال الترمذي‪ :‬حديث حسن‪ ،‬ول نعرف في القنوت عن النبي صلى ال عليه وسلم شيئاً‬
‫ل َي ِع ّز مَن عَا َد ْيتَ))‪.‬‬
‫ن وَاَل ْيتَ))‪(( ،‬وَ َ‬
‫ل مَ ْ‬
‫ن من هذا‪ ،‬وزاد البيهقي بعد ((وَلَ يَذِ ّ‬
‫أحس َ‬
‫وممّا يدل على أن مراد أنس بالقنوت بعد الركوع هو القيا ُم للدعاء والثناء ما رواه‬
‫سليمان بن حرب‪ :‬حدثنا أبو هلل‪ ،‬حدثنا حنظلة إمامُ مسجد قتادة‪ ،‬قلت‪ :‬هو السدوسي‪ ،‬قال‪:‬‬
‫اختلفت أنا وقتادة في القنوت في صلة الصبح‪ ،‬فقال قتادة‪ :‬قبل الركوع‪ ،‬وقلت‪ ،‬أنا‪ :‬بعد الركوع‪،‬‬
‫فأتينا أنس بن مالك‪ ،‬فذكرنا له ذلك‪ ،‬فقال‪ :‬أتيتُ النبي صلى ال عليه وسلم في صلة الفجر‪ ،‬فكبر‪،‬‬
‫وركع‪ ،‬ورفع رأسه‪ ،‬ثم سجد‪ ،‬ثم قام في الثانية‪ ،‬فكبر‪ ،‬وركع‪ ،‬ثم رفع رأسه‪ ،‬فقام ساعة ثم وقع‬
‫ساجداً‪ .‬وهذا مثل حديث ثابت عنه سواء‪ ،‬وهو يُبين مراد أنس بالقنوت‪ ،‬فإنه ذكره دليلً لمن قال‪:‬‬
‫ل التوفيق‪.‬‬
‫إنه قنت بعد الركوع‪ ،‬فهذا القيام والتطويل هو كان مرا َد أنس‪ ،‬فاتفقت أحاديثُه كلُها‪ ،‬وبا ّ‬
‫وأما المروي عن الصحابة‪ ،‬فنوعان‪:‬‬
‫ت الصديق رضي الّ عنه في محاربه الصحابة لمسيلِمة‪،‬‬
‫أحدُهما‪ :‬قنوت عند النوازل‪ ،‬كقنو ِ‬
‫وعِند محاربة أهل الكتاب‪ ،‬وكذلك قنوتُ عمر‪ ،‬وقنوت علي عند محاربته لمعاوية وأهل الشام‪.‬‬
‫ل أعلم‪.‬‬
‫الثاني‪ :‬مطلَق‪ ،‬مرادُ من حكاه عنهم به تطويلُ هذا الركن للدعاء والثناء‪ ،‬وا ّ‬
‫فصل‬
‫في هديه صلى ال عليه وسلم في سجود السهو‬
‫سوْنَ‪ ،‬فَإِذَا نَسِيتُ‬
‫ش ٌر ِم ْثُلكُمْ‪َ ،‬أنْسَى َكمَا َتنْ َ‬
‫ثبت عنه صلى ال عليه وسلم أنه قال‪ِ(( :‬إ ّنمَا َأنَا بَ َ‬
‫فَ َذ ّكرُوني))‪.‬‬
‫ل على أمته‪ ،‬وإكمالِ دينهم‪ ،‬ليقتدوا به فيما يشرعُه‬
‫وكان سهوه في الصلة من تمام نعمة ا ّ‬
‫لهم عند السهو‪ ،‬وهذا معنى الحديث المنقطع الذي في ((الموَطأ))‪(( :‬إِ ّنمَا أنْسَى أوْ أنَسّى لَسُنَ))‪.‬‬
‫وكان صلى ال عليه وسلم ينسى‪ ،‬فيترتب على سهوه أحكامٌ شرعية تجري على‬
‫سهو أمته إلى يوم القيامة‪ ،‬فقام صلى ال عليه وسلم من اثنتين في الرّباعية‪ ،‬ولم يجلس بينهما‪ ،‬فلما‬
‫قض صلته‪ ،‬سجد سجدتين قبل السلم‪ ،‬ثم سلم‪ ،‬فأخ َذ من هَذا قاعدة‪ :‬أن من ترك شيئاً من أجزاء‬
‫الصلة التي ليست بأركان سهواً‪ ،‬سَجد له قبل السلم‪ ،‬وأخذَ من بعض طرقه أنه‪ :‬إذا ترك ذلك‬
‫سبّحُوا‪ ،‬فأشار إليهم‪ :‬أن قوموا‪.‬‬
‫وشرع في ركن‪ ،‬لم يرجع إلى المتروك‪ ،‬لَنه لما قام‪َ ،‬‬

‫‪126‬‬

‫ح ْينَة‪ ،‬أنه‬
‫ل بن بُ َ‬
‫واختلف عنه في محل هذا السجود‪ ،‬ففي ((الصحيحين)) من حديث عبد ا ّ‬
‫ن من الظهر‪ ،‬ولم يَجْلس بينهما‪ ،‬فلما قضى صلته‪ ،‬سَجَدَ سَجْ َد َتيْنِ‪،‬‬
‫صلى ال عليه وسلم قام من ا ْث َن َتيْ ِ‬
‫ثم سلّم بعد ذلكَ‪.‬‬
‫سلّمَ‪.‬‬
‫وفي رواية متفق عليها‪ :‬ي َكبّر في كل سجدة وهو جالِس قبل أن يُ َ‬
‫وفي ((المسند)) من حديث يزيد بن هارون‪ ،‬عن المسعودي‪ ،‬عن زياد بن عِلقة قال‪ :‬صلّى‬
‫بنا المغيرةُ بن شعبة‪ ،‬فلما صلى ركعتين‪ ،‬قام ولم يجلِس‪ ،‬فسبّح به مَن خلفه‪ ،‬فَأشار إليهم‪ :‬أن قوموا‪،‬‬
‫ل صلى ال‬
‫غ من صلته‪ ،‬سلّم‪ ،‬ثم سجد سجدتين‪ ،‬وسلّم‪ ،‬ثم قال‪ :‬هكذا صنع بنا رسولُ ا ّ‬
‫فلما َفرَ َ‬
‫عليه وسلم‪ ،‬وصححه الترمذي‬
‫وذكر البيهقي من حديث عبد الرحمن بن شمَاسَة المَضري قال‪ :‬صلّى بنا عقبة بن عامر‬
‫الجُهني‪ ،‬فقام وعليه جلوسٌ‪ ،‬فقالَ الناس‪ :‬سُبحانَ الِّ‪ ،‬سبحان الّ‪ ،‬فلم يجلس‪ ،‬ومضى على قيامه‪،‬‬
‫فلما كان في آخر صلته‪ ،‬سجد سجدتي السَهو وهو جاَلس‪ ،‬فلما سلّم‪ ،‬قال‪ :‬إني سمعتكم آنفًا تقولون‪:‬‬
‫ل بن بُحينة أولى لثلثة وجوه‪.‬‬
‫سنّ َة الّذِي ص َنعْت وحديث عبد ا ّ‬
‫لّ لكيما أجلس‪ ،‬لكِنّ الَ ّ‬
‫سبحانَ ا ِ‬
‫ح من حديث المغيرة‪.‬‬
‫أحدها‪ :‬أنه أص ّ‬
‫الثاني‪ :‬أنه أصرح منه‪ ،‬فإن قول المغيرة‪ :‬وهكذا صنع بنا رسول ال صلى ال عليه وسلم‪،‬‬
‫يجوز أن يرجع إلى جميع ما فعل المغيرة‪ ،‬ويكون قد سجد النبي صلى ال عليه وسلم في‬
‫هذا‪،‬السهو مرة قبل السلم‪ ،‬ومرة بعده‪ ،‬فحكى ابن بُحينة ما شاهده‪ ،‬وحكى المغيرةُ ما شاهده‪،‬‬
‫فيكون كِل المرين جائزاً‪ ،‬ويجوز أن يُريد المغيرة أنه صلى ال عليه وسلم قام ولم يرجع‪ ،‬ثم سجد‬
‫للسهو‪.‬‬
‫الثالث‪ :‬أن المغيرة لعله نسي السجود قبل السلم وسجده بعده‪ ،‬وهذه صفة السهو‪ ،‬وهذا ل‬
‫ل أعلم‪.‬‬
‫يمكن أن يقال في السجود قبل السلم‪ ،‬وا ّ‬
‫فصل‬
‫صرِ‪،‬‬
‫شيّ‪ ،‬إما الظّهرِ‪ ،‬وإما ال َع ْ‬
‫وسلّم صلى ال عليه وسلم من ركعتين في إحدى صلتي العَ ِ‬
‫ن بعد السّل ِم والكلم‪ ،‬يُكبّر حِين يسجدُ‪ ،‬ث ّم يُكبّر حين‬
‫سجَدَ سَجْ َد َتيْ ِ‬
‫ثُ ّم َت َكلّمَ‪ ،‬ثُ ّم أ َت ّمهَا‪ ،‬ثُمّ سلّم‪ ،‬ثمّ َ‬
‫يرفع‪.‬‬
‫وذكر أبو داود والترمذي أن النبي صلى ال عليه وسلم صلّى بهم‪ ،‬فسجد سجدتين‪ ،‬ثم تشهد‪،‬‬
‫ثم سلّم‪ ،‬وقال الترمذي‪ :‬حسن غريب‪.‬‬

‫‪127‬‬

‫وصلى يوماً فسلّم وانصرف‪ ،‬وقد بقي مِن الصلة ركعة‪ ،‬فأدركه طلح ُة بن عبيد الّ‪ ،‬فقال‪:‬‬
‫نسيتَ من الصلة ركعة‪ ،‬فرجع فدخل المسجد‪ ،‬وأمر بللً فأقام الصلة‪ ،‬فصلى للناس َر ْكعَ ًة ذكره‬
‫الِمام أحمد رحمه الّ‪.‬‬
‫وصلى الظهر خمساً‪ ،‬فقيل له‪ :‬زِي َد في الصلة؟ قال‪ :‬وما ذاكَ؟ قالوا‪ :‬صليتَ خمساً‪ ،‬فسجَدَ‬
‫سجدتين بعدما سلم‪ .‬متفق عليه‪.‬‬
‫وصلى العصر ثلثاً‪ ،‬ثم دخل منزله‪ ،‬فذكّره الناس‪ ،‬فخرج فصلى بهم ركعة‪ ،‬ثم سلم‪ ،‬ثم‬
‫سجد سجدتين‪ ،‬ثم سلم‪.‬‬
‫ظ عنه صلى ال عليه وسلم من سهوه في الصلة‪ ،‬وهو خمسة مواضع‪،‬‬
‫ع مَا حُفِ َ‬
‫فهذا مجمو ُ‬
‫ل السلم‪ ،‬وفي بعضه بعدَه‪.‬‬
‫وقد تضمن سجود ُه في بعضه قب َ‬
‫فقال الشافعي رحمه الّ‪ُ :‬كلّه قبل السلم‪.‬‬
‫وقال أبو حنيفة رحمه الّ‪ُ :‬كلُه بعد السلم‪.‬‬
‫وقال مالك رحمه الّ‪ :‬كُلّ سهو كان نقصانًا في الصلة‪ ،‬فإن سجوده قبل السلم‪ ،‬وكُلّ سهو‬
‫كان زيادة في الصلة‪ ،‬فإن سجوده بعد السلم‪ ،‬وإذا اجتمع سهوانِ‪ :‬زيادة ونقصان‪ ،‬فالسجودُ لهما‬
‫قبل السلم‪.‬‬
‫قال أبو عمر بن عبد البر‪ :‬هذا مذهبُه ل خلف عنه فيه‪ ،‬ولو سجد أحد عنده لسهوه بخلف‬
‫ذلك‪ ،‬فجعل السجود كلّه بعد السلم‪ ،‬أو كلّه قبل السلم‪ ،‬لم يكن عليه شيء‪ ،‬لنه عنده من باب‬
‫ف من هذه المة في ذلك‪.‬‬
‫قضاء القاضي باجتهاده‪ ،‬لختلف الثار المرفوعةِ‪ ،‬والسل ِ‬
‫وأما الِمام أحمد رحمه الّ‪ ،‬فقال الثرم‪ :‬سمعت أحمد بن حنبل يُسأل عن سجود السهو‪ :‬قبل‬
‫السلم‪ ،‬أم بعده؟ فقال‪ :‬في مواضع قبل السلم‪ ،‬وفي مواضع بعده‪ ،‬كما صنع النبي صلى ال عليه‬
‫وسلم حين سلّم من اثنتين‪ ،‬ثم سجد بعد السلم‪ ،‬على حديث أبي هريرة في قصة ذي اليدين‪.‬‬
‫ومن سلم من ثلث سجد أيضاً بعد السلم على حديث عمران بن حصين وفي التحري‬
‫يسجد بعد السلم على حديث ابن مسعود‪ ،‬وفي القيام من اثنتين يسجد قبل السلم على حديث ابن‬
‫ث أبي سعيد الخدرى وحديثِ عبد‬
‫بُحينة وفي الشك يَبني على اليقين‪ ،‬ويسجدُ قبل السلم على حدي ِ‬
‫الرحمن بن عوف‪.‬‬
‫قال الثرم‪ :‬فقلتُ لحمد بن حنبل‪ :‬فما كان سِوى هذه المواضع؟ قال يسجدُ فيها كلّها قبل‬
‫السلم‪ ،‬لنه يتم ما نقص من صلته‪ ،‬قال‪ :‬ولول ما روي عن النبي صلى ال عليه وسلم‪ ،‬لرأيتُ‬

‫‪128‬‬

‫السجو َد كلّه قبل السلم‪ ،‬لنه من شأن الصلة‪ ،‬فيقضيه فى السلم‪ ،‬ولكن أقولُ‪ :‬كل ما روي عن‬
‫النبي صلى ال عليه وسلم أنه سجد فيه بعد السلم‪ ،‬يسجد فيه بعد السلم‪ ،‬وسائر السهو يسجد فيه‬
‫قبل السلم‪.‬‬
‫ل صلى‬
‫وقال داود بن علي‪ :‬ل يسجد أحد للسهو إل في الخمسة المواضع سجد فيها رسول ا ّ‬
‫ال عليه وسلم‪ .‬انتهى‪.‬‬
‫وأما الشكّ‪ ،‬فلم يَعرِض له صلى ال عليه وسلم‪ ،‬بل أمر فيه بالبناء على اليقين‪،‬‬
‫ك على وجهين‪ :‬اليقين والتحري‪ ،‬فمن‬
‫وإسقاط الشك‪ ،‬والسجود قبل السلم‪ .‬فقال الِمامُ أحمد‪ :‬الش ّ‬
‫رجع إلى اليقين‪ ،‬ألغى الشك‪ ،‬وسجَد سجدتي السهو قبل السلم على حديث أبي سعيد الخدري‪ ،‬وإذا‬
‫رجع إلى التحرّي وهو أكثرُ الوهم‪ ،‬سجدتي السهو بعد السلم على حديث ابن مسعود الذي يرويه‬
‫منصور‪ .‬انتهى‪.‬‬
‫لتِهِ‪ ،‬فلَ ْم يَ ْد ِر كَ َمْ صلى َأثَلَثًا أَ ْم َأ ْر َبعَاً‪،‬‬
‫ك أَحَ ُدكُمْ فِي صَ َ‬
‫شّ‬
‫وأما حديث أبي سعيد‪ ،‬فهو ((إِذَا َ‬
‫سلّمَ))‬
‫ل أن يُ َ‬
‫سجُدُ سَجْ َد َتيْنِ َقبْ َ‬
‫س َتيْقَنَ‪ ،‬ث ّم يَ ْ‬
‫علَى مَا ا ْ‬
‫شكّ‪ ،‬وَل َيبْنِ َ‬
‫طرَحِ ال ّ‬
‫َف ْليَ ْ‬
‫صوَابَ‪ ،‬ثُ ّم ِليَسجُد‬
‫لتِهِ‪ ،‬فليتحر ال ّ‬
‫ك أَحَ ُدكُم فِي صَ َ‬
‫شّ‬
‫ث ابن مسعود‪ ،‬فهو ((إِذَا َ‬
‫وأما حدي ُ‬
‫سلّم‪ ،‬ث ّم يَسْجدَ سَج َدتَينِ)) وهذا هو الذي‬
‫سَج َدتَينِ)) متفق عليهما‪ .‬وفي لفظ ((الصحيحين))‪(( :‬ثم يُ َ‬
‫قال الِمامُ أحمد‪ ،‬وإذا رجع إلى التحري‪ ،‬سجد بعد السلم‪.‬‬
‫والفرق عنده بين التحري واليقين‪ ،‬أن المصلي إذا كان إمامًا بنى على غالب ظنّه وأكثرِ‬
‫ث ابن مسعود‪ ،‬وإن كان منفرداً‪ ،‬بنى على‬
‫وهمه‪ ،‬وهذا هو التحري‪ ،‬فسجد له بعد السلم على حدي ِ‬
‫اليقين‪ ،‬وسجد قبل السّلم على حديثِ أبى سعيد‪ ،‬وهذه طريقةُ أكثر أصحابه في تحصيل ظاهر‬
‫مذهبه‪ .‬وعنه‪ :‬روايتان‪.‬أخريان‪ :‬إحداهما‪ :‬أنه يبني على اليقين مطلقاً‪ ،‬وهو مذهبُ الشافعي ومالك‪،‬‬
‫والخرى‪ :‬على غالب ظنه مطلقاً‪ ،‬وظاهر نصوصه إنما يدل على الفرق بين الشك‪ ،‬وبين الظن‬
‫الغالب القوي‪ ،‬فمع الشكّ يبني على اليقين‪ ،‬ومع أكث ِر الوهم أو الظنّ الغالب يتحرّى‪ ،‬وعلى هذا‬
‫ل في الشك‪ :‬إذا كان‬
‫ل أعلم‪ .‬وقال أبو حنيفة رحمه ا ّ‬
‫مدارُ أجوبته‪ .‬وعلى الحالين حملُ الحديثين‪ ،‬وا ّ‬
‫ف الصلة‪ ،‬فإن عرض له كثيراً‪ ،‬فإن كان له ظنّ غالب‪ ،‬بنى عليه‪ ،‬وإن لم‬
‫ض له‪ ،‬استأن َ‬
‫عرَ َ‬
‫أوّل مَا َ‬
‫يكن له ظن‪ ،‬بنى على اليقين‪.‬‬
‫فصل‬

‫‪129‬‬

‫ض عينيه في الصلة‪ ،‬وقد تقدم أنه كان في‬
‫ولم يكن من هديه صلى ال عليه وسلم تغمي ُ‬
‫التشهد يُومىء ببصره إلى أصبعه في الدعاء‪ ،‬ول تجَا ِوزُ بَصرهُ إشارتَه‬
‫ل عنه قال‪ :‬كان ِقرَامٌ لعائشة‪ ،‬سترت به‬
‫وذكر البخاري في ((صحيحه)) عن أنس رضي ا ّ‬
‫ل تصاوِيرُهُ‬
‫ل َتزَا َ‬
‫عنّي ِقرَا َمكِ هَذَا‪ ،‬فَِإنَة َ‬
‫ي صلى ال عليه وسلم‪َ(( :‬أمِيطِي َ‬
‫جا ِنبَ بيتها‪ ،‬فقال النب ّ‬
‫ت له في صلته‪ .‬وفي‬
‫ض ْ‬
‫عرَ َ‬
‫لتِي)) ولو كان يُغمض عينيه في صلته‪ ،‬لما َ‬
‫ض لِي في صَ َ‬
‫َت ْعرِ ُ‬
‫الستدلل بهذا الحديث نظرٌ‪ ،‬لن الذي كان يعرِض له في صلته‪ :‬هل تذكّر تلك التصاوير بعد‬
‫رؤيتها‪ ،‬أو نفس رؤيتها؟ هذا محتمل‪ ،‬وهذا محتمل‪ ،‬وأبينُ دللةَ منه حديثُ عائشة رضي الّ عنها‪،‬‬
‫خمِيصَةٍ لها أعلمٌ‪ ،‬فنظر إلى أعلمها نظرة‪ ،‬فلما انصرف‬
‫أن النبي صلى ال عليه وسلم صلّى في َ‬
‫جهْمٍ‪ ،‬و ْأتُونِي بِا ْنبِجا ِنيّةِ َأبِي جَهمٍ‪َ ،‬فِإ ّنهَا َأ ْل َهتْنى آنفاً‬
‫خمِيصَتي هَ ِذ ِه ِإلَى َأبِي َ‬
‫قال‪(( :‬اذْهَبُوا بِ َ‬
‫لتِي))‪.‬وفي الستدلل بهذا أيضاً ما فيه‪ ،‬إذ غايتُه أنه حانت منه التفاتة إليها فشغلته تلك اللتفاتةُ‬
‫صَ َ‬
‫ول يدُلُ حديثُ التفاته إلى الشّعب لما أرسل إليه إليه الفارس طليعة‪ ،‬لن ذلك النظرَ واللتفاتَ منه‬
‫ل على ذلك مَ ّد يده في صلة الكسوف ليتناولَ العُنقود لما‬
‫كان لِلحاجة‪ ،‬لهتمامه بأمو ِر الجيش‪ ،‬يدُ ُ‬
‫ن وكذلك حديثُ مدافعته‬
‫ب المِحْجَ ِ‬
‫ح َ‬
‫رأى الجنة‪ ،‬وكذلك رؤيتهُ النّارَ وصاحب َة الهرة فيها‪ ،‬وصا ِ‬
‫للبهيمة التي أرادت أن تمر بين يديه‪ ،‬وردّه الغلمَ والجارية‪ ،‬وحجزُه الجاريتين‪ ،‬وكذلك أحاديثُ ردّ‬
‫السلم بالِشارة على من سلم عليه و الصلة‪ ،‬فإنه إنما كان يُشير إلى من يراه‪ ،‬وكذلك حديثُ‬
‫ث وغيرُها يُستفاد مِن‬
‫تعرّضِ الشيطان له فأخذه فخنفه‪ ،‬وكان ذلك رؤيةَ عين‪ ،‬فهذه الحادي ُ‬
‫ض عينيه في الصلة‪.‬‬
‫مجموعها العلم بأنه لم يكن ُي ْغ ِم ُ‬
‫ل اليهود‪ ،‬وأباحه‬
‫وقد اختلف الفقهاء في كراهته‪ ،‬فكرِهه الِمامُ أحمد وغيرُه‪ ،‬وقالوا‪:‬هو فع ُ‬
‫ح الصلة وسرّها‬
‫ب إلى تحصيل الخشوع الذي هو رو ُ‬
‫جماعة ولم يكرهوه‪ ،‬وقالوا‪ :‬قد يكونُ أقر َ‬
‫ومقصودها‪ .‬والصواب أن يُقال‪ :‬إن كان تفتيحُ العين ل يُخِلُ بالخشوع‪ ،‬فهو أفضل‪ ،‬وإن كان يحول‬
‫بينه وبين الخشوع لما في قبلته من الزخرفة والتزويق أو غيره مما يُشوش عليه قلبه‪ ،‬فهنالك ل‬
‫ب إلى أصول الشرع ومقاصده من القول‬
‫يُكره التغميضُ قطعاً‪ ،‬والقولُ باستحبابه في هذا الحال أقر ُ‬
‫بالكراهة‪ ،‬وال أعلم‪.‬‬
‫فصل‬
‫ل صلى ال عليه وسلم يقوله بعد انصرافه من الصلة‪ ،‬وجلوسِه بعدَها‪ ،‬وسرعةِ‬
‫فيما كان رسولُ ا ّ‬
‫النتقال منها‪ ،‬وما شرعه لمته من الذكار والقراءة بعدها‬

‫‪130‬‬

‫ت السّلَمُ‪ ،‬ومنكَ السلَمُ‪َ ،‬تبَا َر ْكتَ يَا ذَا الجَلَلِ‬
‫كان إذا سلم‪ ،‬استغفر ثلثاً‪ ،‬وقال‪(( :‬الّلهُمّ َأ ْن َ‬
‫ل ْكرَامِ))‬
‫وَا ِ‬
‫ل إلى المأمومين‪.‬‬
‫ل القِبلة إل مقدارَ ما يقولُ ذلك‪ ،‬بل يُسرع النتقا َ‬
‫ولم يمكث مستقبِ َ‬
‫ل صلى ال عليه وسلم كثيراً‬
‫وكان ينفتِل عن يمينه وعن يساره‪ ،‬وقال ابن مسعود‪ :‬رأيتُ رسول ا ّ‬
‫ينصرِف عن يساره‪.‬‬
‫ل صلى ال عليه وسلم ينصرف عن يمينه‪ ،‬والول فى‬
‫وقال أنس‪ :‬أكثرُ ما رأيتُ رسولَ ا ّ‬
‫((الصحيحين)) والثاني في ((مسلم))‪.‬‬
‫ل صلى ال عليه وسلم ينفتِلُ عن يمينه وعن يساره‬
‫وقال عبد ال بن عمرو‪ :‬رأيتُ رسول ا ّ‬
‫في الصلة‪.‬‬
‫(يتبع‪)...‬‬
‫@‬

‫ثم كان يُقبِل على المأمومين بوجهه‪ ،‬ول يخصّ ناحيةً منهم دون ناحية‪.‬‬
‫طلُ َع الشمسُ‪.‬‬
‫وكان إذا صلى الفجرَ‪ ،‬جلس في مصله حتى تَ ْ‬
‫شرِيكَ لَهُ‪،‬له ال ُم ْلكُ‬
‫ل وَحْدَه لَ َ‬
‫ل إله إِلّ ا ّ‬
‫ل صلة مكتوبة‪َ (( :‬‬
‫وكان يقولُ في ُدبُر ك ّ‬

‫ل َينْفَعُ ذَا‬
‫طيَ ِلمَا َم َن ْعتَ‪ ،‬وَ َ‬
‫طيْتَ‪،‬وَل معْ ِ‬
‫ل مَان َع ِلمَا أَعْ َ‬
‫علَى كُلّ شيء قَدِيرٌ‪ ،‬الّلهُمّ َ‬
‫حمْدُ‪ ،‬و ُهوَ َ‬
‫َولَهُ الْ َ‬
‫الجَ ّد ِم ْنكَ الجَدّ))‬
‫علَى كُلّ شَيء‬
‫ك وَلهُ الْحَمدُ‪ ،‬وَهوَ َ‬
‫ك لَهُ‪ ،‬لَهُ ال ُم ْل ُ‬
‫شرِي َ‬
‫لّ وَحْ َدهُ ل َ‬
‫وكان يقول‪(( :‬لَ إله إِل ا ُ‬
‫ل ِإيّاهُ‪ ،‬لَهُ ال ّن ْعمَةُ‪َ ،‬ولً ُه الَفَضْلُ‪َ ،‬ولَهُ ال ّثنَاءُ‬
‫ل إلهَ إلّ الُّ‪ ،‬وَل َن ْعبُدُ إ َ‬
‫ل بالّ‪َ ،‬‬
‫ل وَل ُق ّوةَ إِ ّ‬
‫حوْ َ‬
‫قَديرٌ‪ ،‬وَلَ َ‬
‫ن َولَو َكرِه ا ْلكَا ِفرُونَ))‬
‫ن لَهُ الدّي َ‬
‫ل إله إِلّ الُّ‪ ،‬مُخْلصي َ‬
‫الْحَسَنُ‪َ ،‬‬
‫ل صلى ال عليه وسلم‬
‫وذكر أبو داود عن علي بن أبي طالب رضي الّ عنه‪ ،‬أن رسول ا ّ‬
‫عَل ْنتُ‪َ ،‬ومَا‬
‫س َر ْرتُ‪َ ،‬ومَا أ ْ‬
‫خرْت‪َ ،‬ومَا أ ْ‬
‫كان إذا سلّم من الصلة قال‪(( :‬الّلهُ ّم اغْفرْ لي مَا قَ ّد ْمتُ‪َ ،‬ومَا أ ّ‬
‫ل إل َه إِل ْا ْنتَ))‪.‬‬
‫خرُ‪َ ،‬‬
‫ت المُؤَ ّ‬
‫ت المُقَدّمُ‪ ،‬وَأ ْن َ‬
‫علَمُ به منّي‪ ،‬أ ْن َ‬
‫ت أَ ْ‬
‫سرَفتُ‪َ ،‬ومَا أ ْن َ‬
‫أْ‬
‫هذه قطعة من حديث علي الطويل الذي رواه مسلم في استفتاح الصلة والسلم‪ ،‬وما كان‬
‫يقوله في ركوعه وسجوده‪.‬‬
‫ولمسلم فيه لفظان‬
‫أحدُهما‪ :‬إن النبي صلى ال عليه وسلم كان يقوله بين التشهد والتسليم‪ ،‬وهذا هو الصواب‬
‫ل أعلم‪.‬‬
‫والثاني‪ :‬كان يقوله بعد السلم‪ ،‬ولعله كان يقوله في الموضعين‪ ،‬وا ّ‬

‫‪131‬‬

‫ل كُلّ‬
‫ل صلى ال عليه وسلم يقو ُ‬
‫وذكر المام أحمد عن زيد بن أرقم قال‪ :‬كان رسولُ ا ّ‬
‫ك َلكَ‪ ،‬الّلهُ ّم َر ّبنَا‬
‫شرِي َ‬
‫ب كُلّ شَي ٍء َو َملِيكَهُ‪ ،‬أَنا شَهي ٌد َأنّك الرّبّ وحدك ل َ‬
‫صلة‪(( :‬الّلهُمّ َربّنا َو َر ّ‬
‫ن ال ِعبَادَ‬
‫شهِي ٌد أَ ّ‬
‫عبْ ُدكَ وَرسولك الّلهُ ّم َر ّبنَا َو َربّ كُلّ شَيءٍ‪َ ،‬أنَا َ‬
‫حمَداً َ‬
‫ن مُ َ‬
‫شهِي ٌد أَ ّ‬
‫َو َربّ كلّ شَيءٍ‪َ ،‬أنَا َ‬
‫خ َرةِ‬
‫ن ال ّد ْنيَا وَال ِ‬
‫ك َوأَ ْهلِي في كلّ ساعَة مِ َ‬
‫خلِصًا َل َ‬
‫ج َعلْني م ْ‬
‫خ َوةٌ‪ ،‬الّلهُمّ َر ّبنَا وَرب كل شَيءٍ‪ ،‬ا ْ‬
‫ُكّلهُم إِ ْ‬
‫ت وَالَرض‪ .‬ال َأ ْك َبرُ‬
‫سمَاوا ِ‬
‫لّ نُور ال ّ‬
‫لّ أ ْك َبرُ الَك ْبرُ ا ُ‬
‫جبْ‪ ،‬ا ُ‬
‫ستَ ِ‬
‫سمَ ْع وَا ْ‬
‫يَا ذَا الجلل وَالِكرَامِ‪ ،‬ا ْ‬
‫ل ْك َبرُ)) ورواه أبو داود‪.‬‬
‫لّ َأ ْك َبرُ ال َ‬
‫لّ َو ِنعْمَ ا ْل َوكِيلُ‪ ،‬ا ُ‬
‫س ِبيَ ا ُ‬
‫حْ‬
‫ل ْك َبرُ‪َ ،‬‬
‫اَ‬
‫لّ أكبرُ‬
‫لّ كذلك‪ ،‬وا ُ‬
‫وندب أمته إلى أن يقولُوا في دُبر كل صلة‪ :‬سُبحانَ الِّ ثلثاً والحمدُ ِ‬
‫حمْ ُد وَ ُهوَعلى كُلّ شيءٍ قدير‪.‬‬
‫ل وَحْدَه ل شريك له‪ ،‬لَهُ ال ُملْك َولَهُ الْ َ‬
‫كذلك‪ ،‬وتمام المائة‪ :‬ل إلهَ إل ا ّ‬
‫وفي صفة أخرى‪ :‬التكبيرُ أربعاً وثلثين فتتم به المائه‬
‫وفي صفة أخرى‪(( :‬خمساً وعشرين تسبيحة‪ ،‬ومثلها تحميدة‪ ،‬ومثلها تكبيرة‪ ،‬ومثلها ل إله‬
‫علَى كُلّ شيءٍ قَدِير))‬
‫حمْ ُد وَ ُهوَ َ‬
‫شرِيكَ له‪ ،‬له الملكُ وله الْ َ‬
‫إل الُّ وحدَه ل َ‬
‫وفي صفةٍ أخرى‪(( :‬عشر تسبيحات‪ ،‬وعشر تحميدات‪ ،‬وعشر تكبيرات))‬
‫وفي صفة أخرى ((إحدى عشرة)) كما في ((صحيح مسلم)) في بعضِ روايات حديث أبي‬
‫ل صلة ثلثًا وثلثين إحدى عشرة‪ ،‬وإحدى‬
‫حمَدُونَ‪َ ،‬و ُي َك ّبرُونَ ُد ُب َر كُ ّ‬
‫سبّحُونَ‪َ ،‬ويَ ْ‬
‫هريرة (( َويُ َ‬
‫عشرة‪ ،‬وإحدى عشرة‪ ،‬فذلك ثلثة وثلثون)) والذى يظهر في هذه الصفة‪ ،‬أنها مِن تصرف بعض‬
‫ل صلة ثلثًا وثلثين))‬
‫حمَدُونَ‪َ ،‬و ُي َك ّبرُونَ ُد ُب َر كُ ّ‬
‫ن َويَ ْ‬
‫سبّحُو َ‬
‫الرواة وتفسيره‪ ،‬لَن لفظ الحديث ((يُ َ‬
‫ت التسبيح والتحميد والتكبير‪،‬‬
‫وإنما ُمرَادُه بهذا أن يكون الثلث والثلثون في كل واحدة من كلما ِ‬
‫حمْدُ لّ‪ ،‬والّ أكبر‪ ،‬ثلثًا وثلثين)) لن راوي الحديث سُمي عن أبي‬
‫اى ((قولوا‪(( :‬سُبحانَ الِّ‪ ،‬وال َ‬
‫لّ أكبر‪ ،‬حتى يكون‬
‫صالح السمان‪ ،‬وبذلك فسره أبو صالح قال‪ :‬قولوا‪(( :‬سُبحانَ ال والحمدُ لِّ‪ ،‬وا ُ‬
‫منهن ُكلّهن ثلث وثلثون))‪.‬‬
‫وأما تخصيصُه بإحدى عشرة‪ ،‬فل نظير له في شيء من الذكار بخلف المائة‪ ،‬فإن لها‬
‫نظائر‪ ،‬والعشر لها نظائ ُر أيضاً‪ ،‬كما في السنن من حديث أبي ذر أن رسول ال صلى ال عليه‬
‫لّ وَحْ َدهُ لَ‬
‫ل إلهَ إلّ ا ُ‬
‫جَليْهِ َقبْلَ أن يَت َكلّمَ‪َ ،‬‬
‫ن رِ ْ‬
‫ج ِر وَ ُه َو ثَا ٍ‬
‫لةِ الْفَ ْ‬
‫وسلم قال‪(( :‬مَنْ قَالَ فِي ُد ُب ِر صَ َ‬
‫شرُ‬
‫ب لَهُ عَ ْ‬
‫ش َر َمرّات‪ُ ،‬ك ِت َ‬
‫علَى كُلّ شَيءٍ قَدِيرٌ‪ ،‬عَ ْ‬
‫حمْ ُد يُحيِي َو ُيمِيتُ وهو َ‬
‫شرِيكَ لَهُ‪ ،‬لَ ُه ال ُم ْلكُ‪َ ،‬ولَ ُه الْ َ‬
‫َ‬
‫ن كُلّ‬
‫ح ْر ٍز مِ ْ‬
‫ك ُكلّهُ في ِ‬
‫ن َي ْومَهُ ذِل َ‬
‫شرُ َدرَجَاتٍ‪َ ،‬وكَا َ‬
‫س ّيئَاتٍ‪َ ،‬ورُف َع لَهُ عَ ْ‬
‫عنْهَُ عشر َ‬
‫حيَ َ‬
‫سنَاتٍ‪َ ،‬ومُ ِ‬
‫حَ َ‬

‫‪132‬‬

‫ش ْركَ بال)) قال الترمذي‪:‬‬
‫ل ال ّ‬
‫ك ا ْل َيوْم إِ ّ‬
‫ن يُ ْد ِركَهُ فِي ذِل َ‬
‫ب أَ ْ‬
‫شيْطَانِ‪َ ،‬ولَ ْم َي ْنبَغِ لِ َذ ْن ٍ‬
‫س مِنَ ال ّ‬
‫ح ِر َ‬
‫َم ْكرُوه وَ ُ‬
‫حديث حسن صحيح‪.‬‬
‫وفي ((مسند الِمام أحمد)) من حديث أم سلمة‪ ،‬أنه صلى ال عليه وسلم أنه صلى‬
‫ل عند النوم ثلثاً‬
‫ال عليه وسلم علّم ابنته فاطمة لما جاءت تسأله الخادم‪ ،‬فأمرها‪ :‬أن تسبّحَ ا ّ‬
‫ل إل َه إِلّ الُّ‬
‫وثلثين‪ ،‬وتحمدَه ثلثًا وثلثين‪ ،‬وتكبّره ثلثًا وثلثين‪ ،‬وإذا صلّت الصبحَ أن تقول‪َ (( :‬‬
‫لةِ‬
‫شرَ َمرّاتٍ‪َ ،‬و َبعْدَ صَ َ‬
‫علَى كُلّ شَيءٍ قَديرٌ‪ ،‬عَ ْ‬
‫حمْ ُد وَ ُهوَ َ‬
‫شرِيكَ لَهُ‪ ،‬لَ ُه ال ُم ْلكُ‪َ ،‬ولَ ُه الْ َ‬
‫وَحْ َدهُ لَ َ‬
‫ش َر َمرّات))‪.‬‬
‫ال َمغْربِ‪ ،‬عَ ْ‬
‫ل إل َه إِلّ‬
‫صبَحَ‪َ :‬‬
‫ل إِذا َأ ْ‬
‫وفي ((صحيح ابن حبان)) عن أبي أيوب النصاري يرفعه‪(( :‬مَنْ قَا َ‬
‫ب لَ ُه ِبهِنّ عَشرُ‬
‫ش َر َمرّاتٍ‪ُ ،‬ك ِت َ‬
‫علَى كُلَ شىء قَدِيرٌ عَ ْ‬
‫حمْد وَ ُهوَ َ‬
‫ك لَهُ‪ ،‬لَ ُه ال ُم ْلكُ َولَ ُه الْ َ‬
‫شرِي َ‬
‫لّ وَحْ َدهُ لَ َ‬
‫ا ُ‬
‫عتَاقَ ِة َأ ْربَع رِقَابٍ‪،‬‬
‫ن لَهُ عِدْلَ َ‬
‫شرُ َدرَجَاتٍ‪َ ،‬وكُ ّ‬
‫شرُ سَيئَاتٍ‪َ ،‬و لَ ُه بهنّ عَ ْ‬
‫عنْ ُه ِبهِنّ عَ ْ‬
‫حيَ َ‬
‫سنَاتٍ‪َ ،‬ومُ ِ‬
‫حَ َ‬
‫حتّى‬
‫ل ذِلكَ َ‬
‫صلّى ال َم ْغ ِربَ ُد ُب َر صَلتِهِ َف ِمثْ ُ‬
‫حتَى ُيمْسِى‪َ ،‬ومَنْ قَاَلهُنّ إِذَا َ‬
‫حرَسًا مِنَ الشيطان َ‬
‫َوكُنّ لَهُ َ‬
‫لّ أكبرُ عشراً‪ ،‬والحمدُ لِّ عشراً‬
‫ل النبي صلى ال عليه وسلم في الستفتاح ((ا ُ‬
‫صبِحَ)) وقد تقدم قو ُ‬
‫ُي ْ‬
‫ل إلهَ إِلّ الَُ عَشْراً‪ ،‬ويستغ ِفرُ الّ عشرا‪ ،‬ويقول‪ :‬اللهم‪ ،‬اغفر لي‪ ،‬وَاهْدِني‬
‫وسبحانَ الَِ عشراً‪ ،‬وَ َ‬
‫وارزقني عشراً‪ ،‬ويتعوذ مِن ضِيق المقام يوم القيامة عشراً)) فالعشر في الَذكار والدعوات كثيرة‪.‬‬
‫وأما الِحدى عشرة‪ ،‬فلم يجىء ذكرُها شيء من ذلك البتة إل في بعض طُرق حديث أبي هريرة‬
‫ل أعلم‪.‬‬
‫المتقدم وا ّ‬
‫ل عند انصرافه‬
‫وقد ذكر أبو حاتم في ((صحيحه))‪ ،‬أن النبي صلى ال عليه وسلم كان يقو ُ‬
‫ج َع ْلتَ فِيهَا‬
‫ح لي ُدنْيايَ‪،‬التى َ‬
‫صمَ َة َأ ْمرِي‪َ ،‬وَأصْل ْ‬
‫ع ْ‬
‫ج َع ْلتَهُ ِ‬
‫من صلته‪(( :‬الّلهُمّ أصْلحْ لِي دِينِي الّذي َ‬
‫ل مَانعَ‬
‫ك ِم ْنكَ‪َ ،‬‬
‫طكَ‪َ ،‬وأَعُو ُذ ِبعَ ْف ِوكَ من نِ ْق َم ِتكَ‪ ،‬وأَعُو ُذ ِب َ‬
‫سخَ ِ‬
‫ك مِنْ َ‬
‫َمعَاشِي‪ ،‬الّلهُمّ ِإنّي أَعُوذُ بِرضَا َ‬
‫ل َينْفَعُ ذا الجَدّ ِم ْنكَ الجَدّ))‪.‬‬
‫طيَ ِلمَا َم َن ْعتَ‪ ،‬وَ َ‬
‫ل ُمعْ ِ‬
‫ط ْيتَ‪ ،‬وَ َ‬
‫ِلمَا أَعْ َ‬
‫ت وراء نبيكم صلى ال عليه‬
‫وذكر الحاكم في ((مستدركه)) عن أبي أيوب أنه قال‪ :‬ما صلي ُ‬
‫ي وَ ُذنُوبِي ُكّلهَا‪ ،‬الّلهُمّ‬
‫وسلم إل سمعتُه حِين ينص ِرفُ مِن صلته يقول‪(( :‬الّلهُمّ اغْ ِف ْر لِي خطَايَا َ‬
‫حهَا إِلّ َأ ْنتَ‪ ،‬وَلَ‬
‫ل َيهْدِي ِلصَالِ ِ‬
‫عمَالِ والَخلَقِ‪ِ ،‬إنّهُ َ‬
‫َأ ْن ِع ْمنِي َوأَحْينِي وَارْزُقنِي‪ ،‬وَاهْ ِدنِي ِلصَالِح ال ْ‬
‫صرِفُ عَنْ سَي ِئهَا إِلّ َأ ْنتَ))‪.‬‬
‫َي ْ‬
‫ي صلى ال‬
‫وذكر ابن حبان في ((صحيحه)) عن الحارث بن مسلم التميمي قالَ‪ :‬قال لي النب ّ‬
‫ك إِنْ‬
‫سبْ َع َمرّاتٍ‪ ،‬فَِإ ّن َ‬
‫ن النّارِ َ‬
‫جرْني مِ َ‬
‫ل أَنت تت َكلّم‪ :‬الّلهُمّ أَ ِ‬
‫صبْحَ‪ ،‬فَقُلْ َقبْ َ‬
‫ت ال ّ‬
‫صلّي َ‬
‫عليه وسلم‪(( :‬إِذَا َ‬

‫‪133‬‬

‫جرْني‬
‫ن تت َكلّمَ‪ :‬الّلهُمّ َأ ِ‬
‫ل أَ ْ‬
‫ت ال َم ْغ ِربَ‪ ،‬فَقُلْ َقبْ َ‬
‫صَليْ َ‬
‫ن النّار‪َ ،‬وإِذَا َ‬
‫لّ َلكَ جَوارًا مِ َ‬
‫ن َي ْو ِمكَ‪َ ،‬ك َتبَ ا ُ‬
‫ُمتّ مِ ْ‬
‫ن النّارِ))‬
‫جوَاراً مِ َ‬
‫لّ َلكَ ِ‬
‫ن َل ْيَل ِتكَ َك َتبَ ا ُ‬
‫ت مِ ْ‬
‫ك إِنْ ُم َ‬
‫سبْ َع َمرّاتٍ فَِإ ّن َ‬
‫مِنَ النّارِ َ‬
‫وقد ذكر النسائي في ((السنن الكبير)) من حديث أبي أمامة قال‪ :‬قال رسولُ الّ صلى ال‬
‫ل أَنْ‬
‫جنّ ِة إِ ّ‬
‫ل ٍة َم ْكتُوبة‪ ،‬لَم َيمْنع ُه من ُدخُولِ ال َ‬
‫ل صَ َ‬
‫عليه وسلم‪(( :‬مَنْ َق َرَأ آيَةَ ا ْل ُكرْسِي في ُد ُبرِ كُ ّ‬
‫يَموتَ))‪ .‬وهذا الحديثُ تفرد به محمد بن حمير‪ ،‬عن محمد بن زياد اللهاني‪ ،‬عن أبي أمامة‪ ،‬ورواه‬
‫ث مِن الناس مَن يصححه‪ ،‬ويقول‪:‬‬
‫النسائي عن الحسين بن بشر‪ ،‬عن محمد بن حمير‪ .‬وهذا الحدي ُ‬
‫الحسين بن بشر قد قال فيه النسائي‪ :‬ل بأس به‪ ،‬وفي موضع اَخر‪ :‬ثقة‪ .‬وأما المحمدان‪ ،‬فاحتج بهما‬
‫البخاري في ((صحيحه)) قالوا‪ :‬فالحديث على رسمه‪ ،‬ومنهم من يقول‪ :‬هو موضوع‪ ،‬وأدخله أبو‬
‫الفرج ابن الجوزي في كتابه في الموضوعات‪ ،‬وتعلق على محمد بن حمير‪ ،‬وأن أبا حاتم الرازي‬
‫قال‪ :‬ل يُحتج به‪ ،‬وقال يعقوب بن سفيان‪ :‬ليس بقوي‪ ،‬وأنكر ذلك عليه بعضُ الحفاظ‪ ،‬ووثقوا‬
‫ل من صنف في الحديث‬
‫ث موضوع‪ ،‬وقد احتج به أج ّ‬
‫ل من أن يكون له حدي ٌ‬
‫محمداً‪ ،‬وقال‪ :‬هُو أج ّ‬
‫الصحيح‪ ،‬وهو البخاري‪ ،‬ووثقه أشدّ الناس مقالة في الرجال يحيى بن معين‪ ،‬وقد رواه الطبراني‬
‫ل صلى ال‬
‫في ((معجمه)) أيضاً من حديث عبد الّ بن حسن عن أبيه‪ ،‬عن جده قال‪ :‬قال رسول ا ّ‬
‫خرَى))‬
‫لةِ الُ ْ‬
‫لّ ِإلَى الصّ َ‬
‫لةِ ال َم ْكتُوبَةِ‪ ،‬كَانَ في ِذمّةِ ا ِ‬
‫سيّ في ُد ُبرِ الصّ َ‬
‫عليه وسلم‪(( :‬مَنْ َق َرَأ آيَةَ ا ْل ُكرْ ِ‬
‫ل بن عمر‪ ،‬والمغيرة بن‬
‫ث مِن حديث أبي أمامة‪ ،‬وعلي بن أبي طالب‪ ،‬وعبد ا ّ‬
‫وقد رُوي هَذَا الحدي ُ‬
‫شعبة‪ ،‬وجابر بن عبد الّ‪ ،‬وأنس بن مالك‪ ،‬وفيها ُكلّها ضعف‪ ،‬ولكن إذا انضم بعضها إلى بعض مع‬
‫تبايُن طرقها واختلفِ مَخَارِجها‪ ،‬دلت على أن الحديث له أصل وليس بموضوع‪ .‬وبلغني عن‬
‫ل صلة‪ .‬وفي المسند‬
‫شيخنا أبي العباس ابن تيمية قدّس الّ روحَه أنه قال‪ :‬ما تركتُها عقيبَ كُ ّ‬
‫لّ صلى ال عليه وسلم‪ :‬أن أقرأ بال ُم َعوّذَاتِ في‬
‫والسّنن‪ ،‬عن عُقبة بن عامر قال‪(( :‬أمرني رسولُ ا ِ‬
‫لةٍ)) ورواه أبو حاتم ابن حبان في ((صحيحه))‪ ،‬والحاكم في ((المستدرك))‪ ،‬وقال‪:‬‬
‫ل صَ َ‬
‫ُد ُبرِ كُ ّ‬
‫صحيح على شرط مسلم‪ .‬ولفظ الترمذي ((بالمعوذتين))‪.‬‬
‫وفي ((معجم الطبراني))‪ ،‬و ((مسند أبي يعلى ال َموْصِلي)) من حديث عمر بن نبهان‪ ،‬وقد‬
‫جنّةِ شَاءَ‪َ ،‬و ُزوّجَ‬
‫ي َأ ْبوَابِ ال َ‬
‫ل مِنْ َأ ّ‬
‫ن مَعَ الِيمَانِ‪َ ،‬دخَ َ‬
‫ث مَنْ جَا َء ِبهِ ّ‬
‫تُكلّم فيه عن جابر يرفعه‪(( :‬ثَل ٌ‬
‫لةٍ َم ْكتُوبَةٍ‬
‫ل صَ َ‬
‫ح ْيثُ شَاءَ‪ ،‬مَنْ عَفَا عَنْ قَا ِتلِه‪َ ،‬وأَدّى َديْناً خَ ِفيّاً‪ ،‬وَ َق َرأَ في ُد ُب ِر كُ ّ‬
‫مِنَ الحُو ِر العِينِ َ‬
‫ن يَا رَسُولَ الِّ))‪ :‬قَالَ‪:‬‬
‫ل عنه‪َ(( :‬أوْ إِحْدَاهُ ّ‬
‫لّ أَحَدٌ)) فقال أبو بَكرٍ رضي ا ّ‬
‫شرَ َمرّاتٍ‪ ،‬قُلْ ُهوَ ا ُ‬
‫عَ ْ‬
‫((أَوْ إحْدَاهُنّ))‪.‬‬

‫‪134‬‬

‫حسْنِ‬
‫ش ْك ِركَ وَ ُ‬
‫ك وَ ُ‬
‫علَى ِذ ْك ِر َ‬
‫عنّي َ‬
‫ل صلةٍ‪(( :‬اللّهمّ أَ ِ‬
‫وأوصى معاذًا أن يقول في ُد ُب ِر كُ ّ‬
‫عبَا َد ِتكَ))‬
‫ِ‬
‫وَ ُد ُبرُ الصلة يحتمل قبل السلم وبعده‪ ،‬وكان شيخنا يُرجّح أن يكون قبل السلم‪ ،‬فراجعته‬
‫فيه‪ ،‬فقال‪ُ :‬د ُب ُر كُلّ شيء منه‪ ،‬ك ُد ُب ِر الحيوان‪.‬‬
‫فصل‬
‫وكان رسولُ الّ صلى ال عليه وسلم إذا صلى إلى الجِدار‪ ،‬جعل بينه وبينه قدر ممرّ الشاة‪،‬‬
‫ولم يكن يتباعَ ُد منه‪ ،‬بل أمر بالقُرب من السّترة‪ ،‬وكان إذا صلّى إلى عُود أو عَمود أو شَجرة‪ ،‬جعله‬
‫صمُد له صمداً‪ ،‬وكان َي ْر ُكزُ الحَربة في السفر والب ّريّة‪ ،‬فيُصلي‬
‫على حاجبه اليمنِ أو اليسر‪ ،‬ولم َي ْ‬
‫إليها‪ ،‬فتكون سترتَه‪ ،‬وكان ُي َعرّض راحلته‪ ،‬فيُصلي إليها‪ ،‬وكان يأخذُ الرحل ف َيعْ ِدلُه فيصلي إلى‬
‫آخِرتِه‪ ،‬وأمر المصلي أن يستت ِر ولو بِسهم أو عصا‪ ،‬فإن لم يجد فليخطّ خطاً في الرض‪ ،‬قال أبو‬
‫ط عرضًا مثلُ الهلل‪.‬وقال عبد الّ‪ :‬الخط بالطول‪ ،‬وأما‬
‫داود سمعتُ أحمد بن حنبل يقول‪ :‬الخ ّ‬
‫العصا‪ ،‬فتُنصب نصباً‪ ،‬فإن لم يكن سُترة‪ ،‬فإنه صح عنه أنه يقطع صلتَه‪(( ،‬المرأةُ والحِمارُ‬
‫ل بن ُمغَفّل‪.‬‬
‫والكلبُ السودُ))‪ .‬وثبت ذلك عنه من رواية أبي ذر وأبي ُه َر ْيرَة‪ ،‬وابن عباس‪ ،‬وعبد ا ّ‬
‫ومعارِض هذه الحاديث قسمان‪ :‬صحيح غير صريح‪ ،‬وصريح غير صحيح‪ ،‬فل يترك العمل بها‬
‫ل صلى ال عليه وسلم يصلي وعائشةُ رضي ال عنها نائمة في‬
‫لمعارض هذا شأنه‪ .‬وكان رسول ا ّ‬
‫قبلته وكأنّ ذلك ليس كالمَارّ‪ ،‬فإن الرجل محرّم عليه المرو ُر بين يدي المصلي‪ ،‬ول يُكره له أن‬
‫يكون لبثًا بين يديه‪ ،‬وهكذا المرأةُ يقطع مرورُها الصل َة دون لُبثها‪ ،‬وال أعلم‪.‬‬
‫فصل‬
‫في هديه صلى ال عليه وسلم في السنن الرواتب‬
‫كان صلى ال عليه وسلم يُحافظ على عشر ركعات في الحضر دائماً‪ ،‬وهى التي قال فيها‬
‫ت مِن النبي صلى ال عليه وسلم عشرَ ركعات‪ :‬ركعتين قبل الظّهرِ‪ ،‬وركعتين‬
‫ظ ُ‬
‫ابن عمر‪(( :‬حَفِ ْ‬
‫ل الصّبح))‪ .‬فهذه‬
‫بعدَها وركعتين بعد المغرب في بيته‪ ،‬وركعتينِ بعد العشاء في بيته‪ ،‬وركعتينِ قب َ‬
‫لم يكن يدعُها في الحضر أبداً‪ ،‬ولما فاتته الركعتانِ بعد الظهر قضاهما بعد العصر‪ ،‬وداوم عليهما‪،‬‬
‫عمِلَ عَملً أثبته‪ ،‬وقضاء‪ .‬السنن الرواتب في أوقات النهى عام له‬
‫لنه صلى ال عليه وسلم كان إذا َ‬
‫ولمته‪ ،‬وأما المداومة على تلك الركعتين في وقت النهي‪ ،‬فمختص به كما سيأتي تقري ُر ذلك في‬
‫ل الظهر أربعاً‪ ،‬كما في ((صحيح‬
‫ذكر خصائصه إن شاء ال تعالى‪ .‬وكان يُصلّي أحياناً قب َ‬

‫‪135‬‬

‫ظهْر‪،‬‬
‫ل ال ّ‬
‫ع َأ ْربَعاً َقبْ َ‬
‫ل يَدَ ُ‬
‫ل عنها أنه صلى ال عليه وسلم‪(( :‬كَانَ َ‬
‫البخاري)) عن عائشة رضي ا ّ‬
‫صلّى أربعاً‪،‬‬
‫وركعتين قبل الغداة))‪ ،‬فَِإمّا أن يُقال‪ :‬إنه صلى ال عليه وسلم كان إذا صلّى في بيته َ‬
‫وإذا صلّى في المسجد صلّى ركعتين‪ ،‬وهذا أظهر‪ ،‬وِإمّا أن يُقال‪ :‬كان يفعلُ هذا‪ ،‬ويفعل هذا‪ ،‬فحكى‬
‫كلّ عن عائشة وابن عمر ما شاهده‪ ،‬والحديثان صحيحان ل مطعن في واحد منهما‪ .‬وقد يُقال‪ :‬إن‬
‫هذه الربعَ لم تكن سن َة الظهر‪ ،‬بل هي صلةٌ مستقِلة كان يصليها بعد الزوال‪ ،‬كما ذكره الِمام‬
‫أحمد عن عبد الّ بن السائب‪ ،‬أن رسولَ الِّ صلى ال عليه وسلم كان يُصلي أربعًا بعد أن تزولَ‬
‫ل صَالح))‪.‬‬
‫عمَ ٌ‬
‫صعَدَ لِي فِيهَا َ‬
‫ن َي ْ‬
‫ب أَ ْ‬
‫ح ّ‬
‫سمَاءِ‪ ،‬فَأُ ِ‬
‫ب ال ّ‬
‫الشمس‪ ،‬وقال‪(( :‬إنّهَا سَاعَةٌ تُ ْفتَحُ فِيهَا َأ ْبوَا ُ‬
‫وفي السنن أيضاً عن عائش َة رضي الّ عنها‪(( :‬أن رسولَ الِّ صلى ال عليه وسلم‪،‬‬
‫ل صلى ال‬
‫كان إذا لم يُصلّ أربعاً قبل الظهر‪ ،‬صلهُنّ بعدها)) وقال ابن ماجه‪(( :‬كان رسولُ ا ّ‬
‫عليه وسلم إذا فاتته الربعُ قبل الظهر‪ ،‬صلّها بعد الركعتين بعد الظهر)) وفي التّرمذي عن علي‬
‫لّ صلى ال عليه وسلم يصلي أربعاً قبل الظهر‪،‬‬
‫ل عنه قال‪(( :‬كان رسولُ ا ِ‬
‫بن أبي طالب رضي ا ّ‬
‫لّ صلى ال عليه وسلم ((يصلي‬
‫وبعدها ركعتين))‪ .‬وذكر ابن ماجه أيضاً عن عائشة‪ :‬كانَ رسولُ ا ِ‬
‫ل أعلم ‪ -‬هي الربع‬
‫أربعاً قبل الظهر‪ ،‬يطيل فِيهِنّ القِيام‪ ،‬ويحسن فيهن الركوعَ والسجود)) فهذه‪ -‬وا ّ‬
‫ل بن عمر‪،‬‬
‫التي أرادت عائشة أنه كان ل يدعهن وأما سن ُة الظهر‪ ،‬فالركعتان اللتانِ قال عبدُ ا ّ‬
‫يُوضح ذلك أن سائرَ الصلواتِ سنتُها ركعتانِ ركعتانِ‪ ،‬والفجرِ جمع كونها ركعتين‪ ،‬والناس في‬
‫غ ما يكونون‪ ،‬ومع هذا سنتُها ركعتانِ‪ ،‬وعلى هذا‪ ،‬فتكونُ هذه الرب ُع التي قبل الظهر‬
‫وقتها أفر ُ‬
‫لّ بنُ مسعود يُصلي بعد الزوال ثمانَ‬
‫وِرداً مُستقِلً سببُه انتصافُ النهار وزوالُ الشمس وكان عبدُ ا ِ‬
‫ل أعلم ‪ -‬أن انتصافَ النهار مقابِل‬
‫س ّر هذا ‪ -‬وا ّ‬
‫ن بمثلهن مِن قيا ِم الليل و ِ‬
‫ركعات‪ ،‬ويقول‪ :‬إنّهنّ َيعْ ِدلْ َ‬
‫لنتصاف الليل‪ ،‬وأبوابُ السماء تُفتح بعد زوال الشمس‪ ،‬ويحصلُ النزول اللهِي بعد انتصاف‬
‫الليل‪ ،‬فهما وقتا قرب ورحمة‪ ،‬هذا تُفتح فيه أبوابُ السماء‪ ،‬وهذا ينزِل فيه الربّ تبارك وتعالى إلى‬
‫لّ صلى ال‬
‫سماء الدنيا‪ .‬وقد روى مسلم في ((صحيحه)) من حديث أمّ حبيبة قالت‪ :‬سمعتُ رسولَ ا ِ‬
‫جنَةِ)) وزاد‬
‫ن َبيْت في ال َ‬
‫ش َر َة َر ْكعَة‪ُ ،‬ب ِنيَ لَ ُه ِبهِ ّ‬
‫ن صَلّى في َيوْمٍ َوَل ْيلَ ٍة ثِن َتيْ عَ ْ‬
‫عليه وسلم يقول‪(( :‬مَ ْ‬
‫ظ ْهرِ‪َ ،‬و َر ْك َع َتيْنِ بعدها‪ ،‬وركعتينِ بعد المغرب‪ ،‬وركعتين بعد‬
‫النسائي والترمذي فيه‪َ(( :‬أ ْربَعاً َقبْلَ ال ّ‬
‫العشاء‪ ،‬وركعتين قبل صلة الفجر)) قال النسائي‪(( :‬وركعتين قبل العصر)) (بدل) ((وركعتين بعد‬
‫ش َر َة َر ْكعَةَ‬
‫علَى ِث َن َتيْ عَ ْ‬
‫العشاء)) وصححه الترمذي وذكر ابن ماجه عن عائشة ترفعه‪(( :‬مَنْ ثَا َبرَ َ‬
‫ن َبعْ َد ال َم ْغرِبِ‪،‬‬
‫ن َبعْدَها‪َ ،‬و َر ْك َع َتيْ ِ‬
‫ظ ْهرِ‪َ ،‬و َر ْك َع َتيْ ِ‬
‫ل ال ّ‬
‫جنّةِ‪َ :‬أرْبعاً َقبْ َ‬
‫ل لَ ُه َبيْتاً فِي ال َ‬
‫سنّةِ‪َ ،‬بنَى ا ُ‬
‫مِنْ ال ّ‬

‫‪136‬‬

‫جرِ))‪ .‬وذكر أيضاً عن أبي ُه َريْرة‪ ،‬عن النبي صلى ال عليه‬
‫ل الْفَ ْ‬
‫ن َبعْ َد العِشَاءِ‪َ ،‬و َر ْك َعتَيْنِ َقبْ َ‬
‫َو َر ْك َع َتيْ ِ‬
‫ن أظنه قال‪:‬‬
‫ن قبل الظهر‪ ،‬وركعتينِ بعدها‪ ،‬وركعتي ِ‬
‫وسلم نحوه وقال‪(( :‬ركعتينِ قبل الفجر‪ ،‬وركعتي ِ‬
‫ن بعد المغرب أظنه قال‪ :‬وركعتينِ بعد العشاء الخرة)) وهذا التفسير‪ ،‬يح َتمِل‬
‫قبل العصر‪ ،‬وركعتي ِ‬
‫ل أن يكون من كلم النبي صلى ال عليه‬
‫ن مِن كلم بعض الرواة مُ ْدرَجاً في الحديث‪ ،‬ويح َتمِ ُ‬
‫أن يكو َ‬
‫ل أعلم‪.‬‬
‫وسلم مرفوعاً‪ ،‬وا ّ‬
‫وأما الربع قبل العصر‪ ،‬فلم يصحّ عنه عليه السلم في فعلها شيء إل حديثُ‬
‫عاصم بن ضمرة عن علي الحديث الطويل‪ ،‬أنه صلى ال عليه وسلم‪(( :‬كان يُصلي في النهار ست‬
‫عشرة ركعة‪ ،‬يُصلي إذا كانت الشمس من هاهنا َك َه ْي َئ ِتهَا من هاهنا لصلة الظهر أربعَ ركعات‪،‬‬
‫وكان يُصلّي قبل الظهر أربعَ ركعات‪ ،‬وبعد الظهر ركعتين‪ ،‬وقبل العصر أربعَ ركعات)) وفي‬
‫لفظ‪ :‬كان إذا زالتِ الشمس مِن هاهنا َك َه ْي َئ ِتهَا من هاهنا عند العصر‪ ،‬صلّى ركعتين‪ ،‬وإذا كانت‬
‫الشمسُ من هاهنا َك َه ْي َئ ِتهَا من هاهنا عند الظهر‪ ،‬صلّى أربعاً‪ ،‬ويُصلي قبل الظهر أربعاً وبعدها‬
‫ركعتين‪ ،‬وقبل العصر أربعاً‪ ،‬ويفصل بين كل ركعتين بالتسليم على الملئكة المقربين ومن تبعهم‬
‫من المؤمنين والمسلمين))‪ .‬وسمعتُ شيخ الِسلم ابن تيمية يُنكر هذا الحديث ويدفعه جداً‪ ،‬ويقول‪:‬‬
‫إنه موضوع‪ .‬ويذكر عن أبي إسحاق الجُوزجاني إنكاره‪ .‬وقد روى أحمد‪ ،‬وأبو داود‪ ،‬والترمذي من‬
‫ل ا ْل َعصْرِ‬
‫لّ امرءًا صَلّى َقبْ َ‬
‫حديث ابن عمر عن النبي صلى ال عليه وسلم أنه قال‪(( :‬رَحِمَ ا ُ‬
‫َأ ْربَعاً))‪ .‬وقد اختلف في هذا الحديث‪ ،‬فصححه ابن حبان‪ ،‬وعلله غيرُه‪ ،‬قال ابنُ أبي حاتم‪ :‬سمعت‬
‫أبي يقول‪ :‬سألت أبا الوليد الطيالسي عن حديث محمد بن مسلم بن المثنى عن أبيه عن ابن عمر‪،‬‬
‫ص ِر َأرْبعاً))‪ .‬فقال‪ :‬دع هذا‪ .‬فقلت‪:‬‬
‫ل ا ْلعَ ْ‬
‫صلًى َقبْ َ‬
‫لّ امرءاً َ‬
‫ي صلى ال عليه وسلم‪(( :‬رَحِمَ ا ُ‬
‫عن النب ّ‬
‫إن أبا داود قد رواه‪ ،‬فقال‪ :‬قال أبو الوليد‪ :‬كان ابن عمر يقول‪(( :‬حفظتُ عن النبي صلى ال عليه‬
‫ظتُ ثنتي عشرةَ‬
‫ت في اليوم والليلة))‪ ،‬فلو كان هذا لعدّه‪ .‬قال أبي‪ :‬كان يقول‪(( :‬حَفِ َ‬
‫وسلم عشرَ ركعا ٍ‬
‫ركعةَ))‪ .‬وهذا ليس بعلة أصلً فإن ابن عمر إنما أخبر بما حفظه من فعل النبي صلى ال عليه‬
‫وسلم‪ ،‬لم يُخبر عن غير ذلك‪ .،‬تنافي بين الحديثين البتة‪.‬‬
‫وأما الركعتان قبل المغرب‪ ،‬فإنه لم يُنقل عنه صلى ال عليه وسلم أنه كان يُصليهما‪ ،‬و عنه‬
‫أنه أَقرّ أصحابه عليهما‪ ،‬وكان يراهم يصلونهما‪ ،‬فلم يأمرهم ولم ينههم‪ ،‬وفى ((الصحيحين)) عن‬
‫ل ال َم ْغ ِربِ))‬
‫ل ال َم ْغ ِربِ صلّوا قَب َ‬
‫ي صلى ال عليه وسلم أنه قال‪(( :‬صلُوا َقبْ َ‬
‫ل المُزني‪ ،‬عن النب ّ‬
‫عبد ا ّ‬

‫‪137‬‬

‫س سنة)) وهذا هو الصوابُ في هاتين الركعتين‪،‬‬
‫قال في الثّاِلثَةِ‪ِ(( :‬لمَنْ شَا َء َكرَاهَةَ أن يتخذها النا ُ‬
‫ن مندوبٌ إليهما‪ ،‬وليستا راتبة كسائر السنن الرواتب‪.‬‬
‫ستَح ّبتَا ِ‬
‫أنهما مُ ْ‬
‫وكان يُصلي عام َة السنن‪ ،‬والتطوع الذي ل سبب له في بيته‪ ،‬ل سيما المغرب‪ ،‬فإنه‬
‫لم يُنقل عنه أنه فعلها في المسجد البتة‪.‬‬
‫ل الركعتينِ‪ .‬المغرب في بيته‪ ،‬كذا‬
‫وقال الِمام أحمد في رواية حنبل‪ :‬السنة أن يُصليَ الرج ُ‬
‫رُويَ عن النبي صلى ال عليه وسلم وأصحابه‪ .‬قال السائب بن يزيد‪ :‬رأيتُ الناس في زمن عمر بن‬
‫الخطاب‪ ،‬إذا انصرفوا من المغرب‪ ،‬انصرفوا‪ .‬حتى ل يَبقى في المسجد أحد‪ ،‬كأنهم ل يُصلون بعد‬
‫المغرب حتى يصيروا إلى أهليهم انتهى كلمه‪ .‬فإن صلّى الركعتين في المسجد‪ ،‬فهل يجزئ عنه‪،‬‬
‫ل أنه قال‪ :‬بلغني عن رجل سماه أنه قال‪ :‬لو أن‬
‫وتقع موقعها؟ اختلف قولُه‪ ،‬فروى عنه ابنُه عبد ا ّ‬
‫ل صلّى الركعتين بعد المغرب في المسجد ما أجزأه؟ فقال‪ :‬ما أحسنَ ما قال هذا الرجلُ‪ ،‬وما‬
‫رج ً‬
‫أجودَ ما انتزع‪ ،‬قال أبو حفص‪ :‬ووجهه أمر النبي صلى ال عليه وسلم بهذه الصلة في البيوت‪.‬‬
‫وقال المروزي‪ :‬من صلى ركعتين بعد المغرب في المسجد يكون عاصياً‪ ،‬قال‪ :‬ما أعرف هذا‪ ،‬قلتُ‬
‫له‪ :‬يُحكى عن أبي ثور أنه قال‪ :‬هو عاص‪ .‬قال‪ :‬لعله ذهب إلى قول النبي صلى ال عليه وسلم‪:‬‬
‫ض في البيت‪ ،‬وترك المسجد‪،‬‬
‫صلّى الفر َ‬
‫ج َعلُوهَا فِي ُبيُو ِتكُمْ))‪ .‬قال أبو حفص‪ :‬ووجهُه أنه لو َ‬
‫((ا ْ‬
‫أجزأه‪ ،‬فكذلك السنة انتهى كلمه وليس هذا وجهَه عند أحمد رحمه الّ‪ ،‬وانما وجهُه أن السنن ل‬
‫ل أعلم‪.‬‬
‫يُشترط لها مكان معين‪ ،‬ول جماعة‪ ،‬فيجوزُ فعلها في البيت والمسجد‪ ،‬وا ّ‬
‫وفي سنة المغرب سنتان‪ ،‬إحداهما‪ :‬أنه ل يُفصل بينها وبين المغرب بكلم‪ ،‬قال‬
‫ل في رواية الميموني والمروزي‪ :‬يستحب أل يكون قبل الركعتين بعد المغرب إلى‬
‫أحمد رحمه ا ّ‬
‫صّليَهما كلمٌ وقال الحسن بن محمد‪ :‬رأيت أحمد إذا سلم من صلة المغرب‪ ،‬قام ولم يتكلم‪ ،‬ولم‬
‫أن ُي َ‬
‫يركع في المسجد قبل أن يدخل الدار‪ ،‬قال أبو حفص‪ :‬ووجهه قول مكحول‪ :‬قال رسول ال صلى‬
‫عّليّينَ))‪ ،‬ولنه‬
‫ت صَلته فِي ِ‬
‫ل أَنْ يَت َكلّمَ‪ ،‬رُ ِف َع ْ‬
‫ن َبعْدَ ال َم ْغ ِربِ قَب َ‬
‫صلّى َر ْك َع َتيْ ِ‬
‫ال عليه وسلم‪(( :‬مَن َ‬
‫يتصل النفل بالفرض‪ ،‬انتهى كلمه‪.‬‬
‫والسنة الثانية‪ :‬أن تفعل في البيت‪ ،‬فقد روى النسائي‪ ،‬وأبو داود‪ ،‬والتّرمذي من حديث كعب‬
‫بن عُجرة‪ ،‬أن النبي صلى ال عليه وسلم أتى مسج َد بني عبد الشهل‪ ،‬فصلّى فيه المغربَ‪ ،‬فلما‬
‫سبّحُونَ بعدها فقال‪(( :‬هَ ِذهِ صَلة ا ْل ُبيُوتِ))‪ .‬ورواه ابن ماجه من حديث رافع‬
‫ضوْا صَلتهم رآهم يُ َ‬
‫َق َ‬
‫ن ال َر ْك َع َتيْنِ فِي ُبيُو ِتكُم))‪.‬‬
‫بن خديج‪ ،‬وقال فيها‪(( :‬ا ْر َكعُوا هَا َتيْ ِ‬

‫‪138‬‬

‫والمقصود‪ ،‬أن هدي النبي صلى ال عليه وسلم‪ ،‬فعل عامة السنن والتطوع في بيته كما في‬
‫ل الظّهر‪،‬‬
‫ظتُ عن النبي صلى ال عليه وسلم عشرَ ركعات‪ :‬ركعتين قب َ‬
‫الصحيح عن ابن عمر‪ :‬حَفِ ْ‬
‫وركعتينِ بعدها‪ ،‬وركعتين بعد المغرب في بيته‪ ،‬وركعتين بعد العشاء في بيته‪ ،‬وركعتين قبل صلة‬
‫الصبح‪.‬‬
‫وفي ((صحيح مسلم)) عن عائشة رضي الّ عنها قالت‪ :‬كان النبي صلى ال عليه وسلم‬
‫يُصلي في بيتي أربعاً قبل الظهر‪ ،‬ثم يخرج فيُصلي بالناس‪ ،‬ثم يدخُل فيُصلي ركعتين‪ ،‬وكان يُصلي‬
‫بالناس المغرب‪ ،‬ثم يدخل فيُصلي ركعتين‪ ،‬ويُصلي‪ ،‬بالناس العشاء‪ ،‬ثم يدخل بيتي فيُصلي ركعتين‪.‬‬
‫وكذلك المحفوظ عنه في سنة الفجر‪ ،‬إنما كان يُصليها في بيته كما قالت حفصة وفي‬
‫جمُعة في بيته‬
‫((الصحيحين)) عن ابن عمر‪ ،‬أنه صلى ال عليه وسلم كان يُصلي ركعتينِ بعد ال ُ‬
‫وسيأتي الكلم على ذكر سنة الجمعة بعدها والصلة قبلَها‪ ،‬عند ذكر هديه في الجمعة إن شاء الّ‬
‫لةِ ال َمرْءِ في َب ْيتِه إِلّ‬
‫ل صَ َ‬
‫صلّوا في ُبيُو ِتكُمْ‪َ ،‬فإِنّ أَ ْفضَ َ‬
‫س َ‬
‫تعالى‪ ،‬وهو مُوافِق لقوله في‪َ(( :‬أ ّيهَا النّا ُ‬
‫ل السنن‪ ،‬والتطوع في البيت إِل لِعارض‪،‬‬
‫ي النبي صلى ال عليه وسلم و فع َ‬
‫ال َم ْكتُوبَةَ))‪ .‬وكان هد ُ‬
‫كما أن هديَه كان فِعلَ الفرائض في المسجد إِل لِعارض من سفر‪ ،‬أو مرض‪ ،‬أو غيره مما يمنعُه‬
‫من المسجد‪ ،‬وكان تعاهده ومحافظته على سنة الفجر أش ّد مِن جميع النوافل‪.‬‬
‫ولذلك لم يكن يدعُها هي والوترَ سفرًا وحضراً‪ ،‬وكان في السفر يُواظب على سنة‬
‫الفجر والوتر أشدّ مِن جميع النوافل دون سائر السنن‪ ،‬ولم يُنقل عنه في السفر أنه صلى ال عليه‬
‫صلّى سنة راتبة غيرَهما‪ ،‬ولذلك كان ابن عمر ل يزيد على ركعتين ويقول‪ :‬سافرتُ مع‬
‫وسلم َ‬
‫ل صلى ال عليه وسلم‪ ،‬ومع أبي بكر‪ ،‬وعمر رضي الّ عنهما‪ ،‬فكانوا ل يزيدون في‬
‫رسول ا ّ‬
‫السفر على ركعتين‪ ،‬وهذا وإن احتمل أنهم لم يكونوا يربّعون‪ ،‬إل أنهم لم يُصلوا السنة‪ ،‬لكن قد ثبت‬
‫سبّحا لتممتُ‪ ،‬وهذا من فقهه‬
‫عن ابن عمر أنه سئل عن سنة الظهر في السفر‪ ،‬فقال‪ :‬لو كنتُ مُ َ‬
‫رضي الّ عنه‪ ،‬فإن الّ سُبحانه وتعالى خفّف عن المسافر في الرباعية شطرَها‪ ،‬فلو شرع له‬
‫الركعتانِ قبلها أو بعدها‪ ،‬لكان الِتمام أولى به‪.‬‬
‫ي الصلتين آكدُ‪ ،‬سنة الفجر أو الوتر؟ قولين‪ :‬ول يمكن‬
‫وقد اختلف الفقهاءُ‪ :‬أ ّ‬
‫الترجيحُ باختلف الفقهاء في وجوب الوتر‪ ،‬فقد اختلفوا أيضاً في وجوب سنة الفجر‪ ،‬وسمعت شيخَ‬
‫الِسلم ابن تيمية يقول‪ :‬سنة الفجر تجري مجرى بداية العمل‪ ،‬والوتر خاتمته‪ .‬ولذلك كان النبي‬

‫‪139‬‬

‫صلى ال عليه وسلم يصلى سنة الفجر والوتر بسورتي الِخلص‪ ،‬وهما الجامعتان لتوحي ِد العلم‬
‫والعمل‪ ،‬وتوحي ِد المعرفة والِرادة‪ ،‬وتوحيدِ العتقا ِد والقصد‪ ،‬انتهى‪.‬‬
‫ل أَحَد}‪ :‬متضمنة لتوحيد العتقاد والمعرفة‪ ،‬وما‬
‫فسورة {قُلْ ُهوَ ا ُ‬
‫يجب إثباته للرَب تعالى من الَحَ ِديّةِ المنافية لمطلق المشاركة بوجه من الوجوه‪ ،‬والصمديّة المثبتة‬
‫ص بوجه من الوجوه‪ ،‬ونفي الولد والوالد الذي هو من‬
‫له جميع صفات الكمال التي ل يلحقها نق ّ‬
‫لوزام الصمدية‪ ،‬وغناه َوأَحَديّته ونفي الكفء المتضمّن لخفي التشبيه والتمثيل والتنظير‪ ،‬فتضمنت‬
‫ت كل كمال له‪ ،‬ونفي كل نقص عنه‪ ،‬ونفيَ إثبات شبيه أو مثيل له في كماله‪ ،‬ونفي‬
‫هذه السورة إثبا َ‬
‫مطلق الشريك عنه‪ ،‬وهذه الصول هي مجامع التوحيد العلمي العتقاد في الذي يُباين صاحبُه‬
‫ث القرآن‪ ،‬فإن القرآن مدارُه على الخبر‬
‫جميعَ فرق الضلل والشرك‪ ،‬ولذلك كانت َتعْدِل ثل َ‬
‫والِنشاء‪ ،‬والِنشاء ثلثة‪ :‬أمر‪ ،‬ونهي‪ ،‬وإباحة‪ .‬والخبر نوعان‪ :‬خبر عن الخالق تعالى وأسمائه‬
‫وصفاته وأحكامه‪ ،‬وخبر عن خلقه‪ .‬فأخلصت سورة {قل هو ال أحد} الخب َر عنه‪ ،‬وعن أسمائه‪،‬‬
‫ث القرآن‪ ،‬وخلّصت قارئها المؤمنَ بها من الشرك العلمى‪ ،‬كما خلّصت سورة‬
‫وِصفاته‪ ،‬فعدلت ثل َ‬
‫ل يَا َأ ّيهَا ا ْلكَا ِفرُون} من الشرك العملي الِرادي القصدي‪ .‬ولما كان العلم قبل العمل وهو إمامُه‬
‫{قُ ْ‬
‫ث القران‪.‬‬
‫لّ أَحَد} تعدِل ثل َ‬
‫وقائدُه وسائقُه‪ ،‬والحاكُم عليه ومنزله منازِله‪ ،‬كانت سورة {قُل ُهوَ ا ُ‬
‫والحاديث بذلك تكاد تبلغ مبلغ التواتر‪ ،‬و{قل يا أيها الكافرون}‪ ،‬تعدِل ربع القرآن‪ ،‬والحديث بذلك‬
‫ف القُرآنِ‪ ،‬وَقُل‬
‫ص َ‬
‫ل ِن ْ‬
‫في الترمذي من رواية ابن عباس رضي الّ عنهما يرفعه‪(( :‬إِذَا ُز ْل ِزَلتْ َتعْدِ ُ‬
‫ل ُربُ َع الْ ُقرْآنِ))‪ .‬رواه الحاكم في‬
‫ل يَا َأ ّيهَا ا ْلكَا ِفرُونَ‪َ ،‬تعْدِ ُ‬
‫ل ُثُلثَ ال ُقرْآنِ‪ ،‬وَقُ ْ‬
‫لّ أَحَدٌ‪ ،‬تَعدِ ُ‬
‫ُهوَ ا ُ‬
‫((المستدرك)) وقال‪ :‬صحيح الِسناد‪.‬‬
‫ب على النفوس لجل متابعتها هواها‪ ،‬وكثيرٌ منها‬
‫ولما كان الشرك العملي الِرادي اغل َ‬
‫ترتكبه مع علمها بمضرّته وبطلنِه‪ِ ،‬لمَا لهَا فيه من نيل الغراض‪ ،‬وإزالتُه‪ ،‬وقلعُه منها أصعبُ‪،‬‬
‫وأشدّ من قلع الشرك العلمي وإزالته‪ ،‬لن هذا يزول بالعلم والحُجّة‪ ،‬ول يمكن صاحبُه أن يعلم‬
‫الشىء على غير ما هو عليه‪ ،‬بخلف شرك الِرادة والقصد‪ ،‬فإن صاحبه يرتكِب ما يدله العلم على‬
‫بطلنه وضرره لجل غلبة هواه‪ ،‬واستيلء سُلطان الشهوة والغضب على نفسه‪ ،‬فجاء من التأكيد‬
‫ل يَا َأ ّيهَا ا ْلكَا ِفرُون} المتضمنة لِزالة الشرك العملي‪ ،‬ما لم يجىء مثلُه في‬
‫والتكرار في سورة {قُ ْ‬
‫لّ أَحَدٌ}‪ ،‬ولما كان القرآن شطرين‪ :‬شطراً في الدنيا وأحكامِها‪ ،‬ومتعلقاتِها‪،‬‬
‫سورة {قُل ُهوَ ا ُ‬
‫والمو ِر الواقعة فيها من أفعال المكلفين وغيرها‪ ،‬وشطراً في الخرة وما يقع فيها‪ ،‬وكانت سورة‬

‫‪140‬‬

‫خلِصت من أولها وآخرها لهذا الشطر‪ ،‬فلم يذكر فيها إل الخرة‪ .‬وما يكون فيها‬
‫{إِذَا ُز ْلزَِلتْ} قد أُ ْ‬
‫ل نصفَ القرآن‪ ،‬فأحرى بهذا الحديث أن يكون صحيحًا ‪-‬‬
‫سكّانها‪ ،‬كانت تَعدِ ُ‬
‫من أحوال الرض و ُ‬
‫ل أعلم ‪ -‬ولهذا كان يقرأ بهاتين السورتين في ركعتي الطواف‪ ،‬ولنهما سورتا الِخلص‬
‫وا ّ‬
‫والتوحيد‪ ،‬كان يفتتح بهما عمل النهار‪ ،‬ويختمها بهما‪ ،‬ويقرأ بهما في الحج الذي هو شعار التوحيد‪.‬‬
‫فصل‬
‫وكان صلى ال عليه وسلم يضطجع بعد سنة الفجر على شِقه اليمن‪ ،‬هذا الذي ثبت عنه فى‬
‫ل عنها وذكر الترمذي من حديث أبى هريرة رضي الّ‬
‫((الصحيحين)) من حديث عائشة رضي ا ّ‬
‫علَى‬
‫ل الصّبحِ‪َ ،‬ف ْل َيضْطَجعْ َ‬
‫صلّى أَحَ ُدكُ ُم ال ّر ْك َع َتيْنِ َقبْ َ‬
‫عنه‪ ،‬عنه صلى ال عليه وسلم أنه قال‪(( :‬إِذَا َ‬
‫ل ْيمَنِ)) قال الترمذي‪ :‬حديث حسن غريب‪ .‬وسمعت ابن تيمية يقول‪ :‬هذا باطل‪ ،‬وليس‬
‫ج ْنبِهِ ا َ‬
‫َ‬
‫بصحيح‪ ،‬وإنما الصحيح عنه الفعل ل المرُ بها‪ ،‬والمر تفرد به عبد الواحد بن زياد وغلط فيه‪،‬‬
‫وأما ابن حزم ومن تابعه‪ ،‬فإنهم يوجبون هذه الضجعة‪ ،‬ويُبطل ابن حزم صلةَ من لم يضجعها بهذا‬
‫الحديثِ‪ ،‬وهذا مما تفرد به عن المة‪ ،‬ورأيت مجلداً لبعض أصحابه قد نصر فيه هذا المذهب‪ .‬وقد‬
‫ذكر عبد الرزّاق في ((المصنف)) عن معمر‪ ،‬عن أيوب‪ ،‬عن ابن سيرين‪ ،‬أن أبا موسى‪ ،‬ورافعَ بن‬
‫خَديج‪ ،‬وأنسَ بن مالك رضي الّ عنهم‪ ،‬كانوا يضطجعون بعد ركعتي الفجر‪ ،‬ويأمرون بذلك‪،‬‬
‫وذكر عن معمر‪ ،‬عن أيوب‪ ،‬عن نافع‪ ،‬أن ابن عمر كان ل يفعله‪ ،‬ويقول‪ :‬كفانا بالتسليم‪ .‬وذكر عن‬
‫ابن جريج‪ :‬أخبرني من أصدق أن عائشة رضي الّ عنها كانت تقول‪(( :‬إن النبي صلى ال عليه‬
‫صبُهم إذا‬
‫ن عمر يَح ِ‬
‫وسلم لم يكن يضطجع لسنة‪ ،‬ولكنه كان يدَأبُ ليله فيستريح))‪ .‬قال‪ :‬وكان اب ُ‬
‫رآهم يضطجعون على أيمانهم‪ .‬وذكر ابن أبي شيبة عن أبي الصّدّيق الناجي‪ ،‬أن ابن عمر رأى‬
‫قومًا اضطجعوا بعد ركعتي الفجر‪ ،‬فأرسل إليهم فنهاهم‪ ،‬فقالوا‪ :‬نريد بذلك السنة‪ ،‬فقال ابنُ عمر‪:‬‬
‫ت ابن عمر عنها فقال‪ :‬يلعبُ بكم الشّيطانُ‪ .‬قال‬
‫ارجع إليهم وأخبرهم أنها بدعة‪ .‬وقال أبو مِجلز‪ :‬سأل ُ‬
‫صلّى الركعتين يفعل كما يفعل الحمار إذا تمعّك‪.‬‬
‫ابنُ عمر رضي الّ عنه‪ :‬ما بالُ الرجل إذا َ‬
‫وقد غل في هذه الضجعة طائفتان‪ ،‬وتوسط فيها طائفةّ ثالثة‪ ،‬فأوجبها جماعة من أهل‬
‫الظاهر‪ ،‬وأبطلوا الصلةَ بتركها كابن حزم ومن وافقه‪ ،‬وكرهها جماعة من الفقهاء‪ ،‬وسموها بدعة‪،‬‬
‫وتوسط فيها مالك وغيره‪ ،‬فلم يروا بها بأسًا لمن فعلها راحة‪ ،‬وكرهوها لمن فعلها استناناً‪،‬‬
‫واستحبها طائفة على الِطلق‪ ،‬سواء استراح بها أم ل‪ ،‬واحتجوا بحديث أبي هريرة‪ .‬والذين‬
‫ب مَن فعلها‪ ،‬ومنهم من‬
‫كرهوها‪ ،‬مِنهم مَن احتج بآثار الصحابة كابن عمر وغيره‪ ،‬حيث كان يحص ُ‬

‫‪141‬‬

‫أنكر فعل النبي صلى ال عليه وسلم لها‪ ،‬وقال‪ :‬الصحيح أن اضطجاعه كان بعد الوتر‪ ،‬وقبل‬
‫ركعتي الفجر‪ ،‬كما هو مصرح به في حديث ابن عباس قال‪ :‬وأما حديثُ عائشة‪ ،‬فاختلف على ابن‬
‫شهاب فيه‪ ،‬فقال مالك عنه‪ :‬فإذا فرغ يعني من الليل‪ ،‬اضطجع على شِقه اليمن حتى يأتيه المؤذن‬
‫فصلي ركعتين خفيفتين وهذا صريح أن الضجعة قبل سنة الفجر‪ ،‬وقال غيرُه عن ابن شهاب‪ :‬فإذا‬
‫سكت المؤذن من أذان الفجر‪ ،‬وتبين له الفجرُ‪ ،‬وجاءه المؤذن‪ ،‬قام فركع ركعتين خفيفتين‪ ،‬ثم‬
‫اضطجع على شقه اليمن‪ .‬قالوا‪ :‬وإذا اختلف أصحاب ابن شهاب فالقول ما قاله مالك‪ ،‬لنه أثبتُهم‬
‫فيه وأحفظُهم‪ .‬وقال الخرون‪:‬بل الصواب هذا مع من خالف مالكاً‪ ،‬وقال أبو بكر الخطيب‪ :‬روى‬
‫لّ صلى ال عليه وسلم يصلي من الليل إحدى‬
‫مالك عن الزهري‪ ،‬عروة‪ ،‬عن عائشة‪ :‬كان رسولُ ا ِ‬
‫عشرة ركعة‪ ،‬يوتر منها بواحدة‪ ،‬فإذا فرغ منها‪ ،‬اضطجع على شِقه اليمن حتى يأتيه المؤذن‪،‬‬
‫ن أبي ذئب‪ .‬والوزاعي‪،‬‬
‫((ركعتين خفيفتين))‪ .‬وخالف مالكاً‪ ،‬عقيلٌ‪ ،‬ويونس‪ ،‬وشعيب‪ ،‬واب ُ‬
‫وغيرهم‪ ،‬فرووا عن الزهري‪ ،‬أن النبي صلى ال عليه وسلم‪ ،‬كان يركع الركعتين للفجر‪ ،‬ثم‬
‫يضطجع على شقه اليمن حتى يأتيه المؤذن‪ ،‬فيخرج معه فذكر ما أن اضطجاعه كان قبل ركعتي‬
‫الفجر وفي حديث الجماعة‪ ،‬أنه اضطجع بعد فحكم العلماء أن مالكاً أخطأ وأصاب غيره‪ ،‬انتهى‬
‫كلمه‪.‬‬
‫وقال أبو طالب‪ :‬قلتُ لحمد‪ :‬حدثنا أبو الصلت‪ ،‬عن أبي كُدَينة‪،‬عن سهيل بن أبي صالح عن‬
‫أبيه‪ ،‬عن أبي هريرة‪ ،‬عن النبي صلى ال عليه وسلم‪ ،‬أنه اضطجع بعد ركعتي الفجر‪ ،‬قال‪ :‬شعبة ل‬
‫يرفعه‪ ،‬قلتُ‪ :‬فإن لم يضطجع عليه شيء؟ قال‪ :‬ل‪ ،‬عائشة ترويه وابن عمر ينكره‪ .‬قال الخلل‪:‬‬
‫وأنبأنا المروزي أن أبا عبد الّ قال‪ :‬حديثُ أبي هريرة ليس بذاك‪ .‬قلت‪ :‬إن العمش يُحدث به عن‬
‫أبي صالح‪ ،‬عن أبي هريرة‪ .‬قال‪ :‬عبد الواحد وحده يُحدث به‪ .‬وقال إبراهيم بن الحارث‪ :‬إن أبا عبد‬
‫الّ سئل عن الضطجاع بعد ركعتي الفجر قال‪ :‬ما أفعلُه‪ ،‬وإن فعله رجل‪ ،‬فحسن‪ .‬انتهى‪ .‬فلو كان‬
‫حديث عبد الواحد بن زياد‪ ،‬عن العمش‪ ،‬عن أبي صالح صحيحًا عنده‪ ،‬لكان أقلّ درجاته عنده‬
‫الستحبابَ‪ ،‬وقد تقال‪ :‬إن عائشة رضي الّ عنها روت هذا‪ ،‬وروت هذا‪ ،‬فكان يفعلُ هذا تارة‪ ،‬وهذا‬
‫تارة‪ ،‬فليس في ذلك خلف‪ ،‬فإنه من المباح‪ ،‬وال أعلم‪.‬‬
‫وفي اضطجاعه على شِقه اليمن سر‪ ،‬وهو أن القلب معلّق في الجانب اليسر‪ ،‬فإذا نام‬
‫الرجل على الجنب اليسر‪ ،‬استثقل نوماً‪ ،‬لنه يكون في دَعة واستراحة‪ ،‬فيثقل نومه‪ ،‬فإذا نام على‬
‫شِقه اليمن‪ ،‬فإنه يقلق ول يستغرق في النوم‪ ،‬لقلق القلب‪ ،‬وطلبه مستقره‪ ،‬وميله إليه‪ ،‬ولهذا استحب‬

‫‪142‬‬

‫الطباء النوم على الجانب اليسر لكمال الراحة وطيب المنام‪ ،‬وصاحب الشرع يستحب النوم على‬
‫الجانب اليمن‪ ،‬لئل يثقل نومه فينام عن قيام الليل‪ ،‬فالنوم على الجانب اليمن أنفعُ للقلب‪ ،‬وعلى‬
‫ل أعلم‪.‬‬
‫الجانب اليسر أنفع للبدن‪ ،‬وا ّ‬
‫فصل‬
‫في هديه صلى ال عليه وسلم في قيام الليل‬
‫ف والخلف في أنه‪ :‬هل كان فرضًا عليه أم ل؟ والطائفتان احتجوا بقوله‬
‫قد اختلف السل ُ‬
‫ن ا ْلَليْلِ َف َتهَجّد بِ ِه نَا ِفلَ ًة َلكَ} [الِسراء‪ ]79 :‬قالوا‪ :‬فهذا صريح في عدم الوجوب‪ ،‬قال‬
‫تعالى‪َ { :‬ومِ َ‬
‫ل إِلّ َقلِيلً}‬
‫الخرون‪ .‬أمره بالتهجد في هذه السورة‪ ،‬كما أمره في قوله تعالى‪{ :‬يََأ ّيهَا الم ّزمّلُ قُ ِم ا ْلّليْ َ‬
‫[المزمل‪ ]1:‬ولم يجىء ما ينسخُه عنه‪ ،‬وأما قولُه تعالى‪{ :‬نَا ِفلَ ًة َلكَ} فلو كان المرا ُد به التطوعَ‪ ،‬لم‬
‫يخصه بكونه نافلة له‪ ،‬وإنما المراد بالنافلة الزيادة‪ ،‬ومطلقُ الزيادة ل يدل على التطوع‪ ،‬قال تعالى‪:‬‬
‫ق َو َيعْقوبَ نَا ِفلَةً} [النبياء‪ ،]72 :‬أى زيادة على الولد‪ ،‬وكذلك النافلة في تهجد‬
‫سحَا َ‬
‫{ َووَهَبنَا لَهُ إِ ْ‬
‫النبي صلى ال عليه وسلم زيادة في درجاته‪ ،‬وفي أجره ولهذا خصه بها‪ ،‬فإن قيامَ الليل في حق‬
‫غيره مباحٌ‪ ،‬ومكفّر للسيئات‪ ،‬وأما النبي صلى ال عليه وسلم‪ ،‬فقد غَ َفرَ الُّ له ما تقدم مِن ذنبه وما‬
‫تأخر‪ ،‬فهو يعمل في زيادة الدرجات وعلو المراتب‪ ،‬وغيره يعمل في التكفير‪ .‬قال مجاهد‪ :‬إنما كان‬
‫نافل ًة للنبي صلى ال عليه وسلم‪ ،‬لنه قد غُ ِفرَ له ما تقدم من ذنبه وما تأخر‪ ،‬فكانت طاعته نافلة‪،‬‬
‫أي‪ :‬وزيادة في الثواب‪ ،‬ولغيره كفارة لذنوبه‪ ،‬قال ابن المنذر في تفسيره‪ :‬حدثنا يعلى بن أبي عبيد‪،‬‬
‫ل بن كثير‪ ،‬عن‪ ،‬مجاهد قال‪ :‬ما سوى المكتوبة‪ ،‬فهو نافلة‬
‫حدثنا الحجاج‪ ،‬عن ابن جريج‪ ،‬عن عبد ا ّ‬
‫مِن أجل أنه ل يعمل في كفارة الذنوب‪ ،‬وليست للناس نوافل‪ ،‬إنما هي للنبي صلى ال عليه وسلم‬
‫خاصة‪ ،‬والناس جميعًا يعملون ما سوى المكتوبة لذنوبهم في كفارتها‪.‬‬
‫ن نصر‪ ،‬حدثنا عبد الّ‪ ،‬حدثنا عمرو‪ ،‬عن سعيد وقبيصة‪ ،‬عن سفيان‪ ،‬عن أبي‬
‫حدثنا محمد ب ُ‬
‫ن الّليْلِ َف َت َهجّ ْد بِهِ نَا ِفلَة َلكَ} [السراء‪ ،]79 :‬قال‪ :‬ل تكون‬
‫عثمان‪ ،‬عن الحسن في قوله تعالى‪َ { :‬ومِ َ‬
‫نافلة الليل إل للنبى صلى ال عليه وسلم‪ .‬وذكر عن الضحاك‪ ،‬قال‪ :‬نافلة للنبى صلى ال عليه وسلم‬
‫خاصة‪.‬‬
‫وذكر سُليم بن حيان‪ ،‬حدثنا أبو غالب‪ ،‬حدثنا أبو أمامة‪ ،‬قال‪ :‬إذا وضعتَ الطهو َر مواضعه‪،‬‬
‫ت تصلي‪ ،‬كانت لك فضيلةً وأجراً‪ ،‬فقال رجل‪ :‬يا أبا أمامة‪ ،‬أرأيت إن قام‬
‫ت مغفوراً لك‪ ،‬فإن قم َ‬
‫قم َ‬
‫يصلي تكون له نافلة؟ قال‪ :‬ل‪ ،‬إنما النافل ُة للنبي صلى ال عليه وسلم‪ ،‬فكيف يكون له نافلة‪ ،‬وهو‬

‫‪143‬‬

‫يسعى في الذنوب والخطايا؟! تكون له فضيلة وأجراً قلتُ‪ :‬والمقصودُ أن النافلة في الية‪ ،‬لم يُرد‬
‫بها ما يجوز فعلُه وتركه‪ ،‬كالمستحب‪ ،‬والمندوب‪ ،‬وإنما المراد بها الزيادة في الدرجات‪ ،‬وهذا قدر‬
‫ل عليه المر من الوجوب‪،‬‬
‫مشترك بين الفرض والمستحب‪ ،‬فل يكون قوله‪{ :‬نافلة لك} نافياً لما د ّ‬
‫وسيأتي مزيدُ بيان لهذه المسألة إن شاء الّ تعالى‪ ،‬عند ذكر خصائص النبي صلى ال عليه وسلم‪.‬‬
‫ولم يكن صلى ال عليه وسلم يدع قيا َم الليل حضراً ول سفراً‪ ،‬وكان إذا غلبه نوم أو‬
‫وجع‪ ،‬صلى من النهار ثنتي عشرة ركعة‪ .‬فسمعت شيخ الِسلم ابن تيمية يقول‪ :‬في هذا دليل على‬
‫أن الوتر ل يُقض لفوات محله‪ ،‬فهو كتحية المسجد‪ ،‬وصلةِ الكسوف والستسقاءِ ونحوها‪ ،‬لن‬
‫المقصو َد به أن يكون آخ ُر صلة الليل وتراً‪ ،‬كما أن المغرب آخر صلة النهار‪ ،‬فإذا انقضى الليل‬
‫وصليت الصبح‪ ،‬لم يقع الوتر موقعَه‪ .‬هذا معنى كلمه‪ .‬وقد روى أبو داود‪ ،‬وابن ماجه من حديث‬
‫صلّه إذا‬
‫ن ال ِوتْ ِر َأ ْو نَسِيه‪َ ،‬ف ْليُ َ‬
‫ن نَامَ عَ ِ‬
‫أبي سعيد الخُدري‪ ،‬عن النبي صلى ال عليه وسلم قال‪(( :‬مَ ْ‬
‫ح أَو َذ َكرَ)) ولكن لهذا الحديث عدة علل‪.‬‬
‫أصبَ َ‬
‫أحدُها‪ :‬أنه من رواية عبد الرحمن بن زيد بن أسلم وهو ضعيف‪.‬‬
‫الثاني‪ :‬أن الصحيح فيه أنه مرسل له عن أبيه‪ ،‬عن النبي صلى ال عليه وسلم‪ ،‬قال‬
‫الترمذي‪ .‬هذا أصح‪ ،‬يعني المرسل‪.‬‬
‫الثالث‪ :‬أن ابن ماجه حكى عن محمد بن يحيى بعد أن روى حديث أبى سعيد‪ :‬الصحيح أن‬
‫صبِحُوا))‪ .‬قال‪ :‬فهذا الحديث دليل على أن حديث‬
‫النبي صلى ال عليه وسلم قال‪(( :‬أَ ْو ِترُوا َقبْلَ أَن ت ْ‬
‫عبد الرحمن واهٍ‪.‬‬
‫وكان قيامُه صلى ال عليه وسلم بالليل إحدى عشرة ركعة‪ ،‬أو ثلثَ عشرة‪ ،‬كما قال‬
‫لّ صلى‬
‫ابن عباس وعائشة‪ ،‬فإنه ثبت عنهما هذا وهذا‪ ،‬ففي ((الصحيحين)) عنها‪ :‬ما كان رسولُ ا ِ‬
‫ال عليه وسلم يزيد في رمضان ول غيره على إحدى عشرة ركعة‪ .‬وفى ((الصحيحين)) عنها‬
‫ث عشر‪ .‬ركعة‪ ،‬يُوتر من ذلك‬
‫لّ صلى ال عليه وسلم يُصلي من الليل ثل َ‬
‫أيضاً‪ ،‬كان رسول ا ِ‬
‫خرِهِن والصحيح عن عائشة الول‪ :‬والركعتان فوق الِحدى‬
‫بخمس‪ ،‬ل يجلس في شيء إل في آ ِ‬
‫ل صلى ال عليه‬
‫عشرة هما ركعتا الفجر‪ ،‬جاء ذلك مبيناً عنها في هذا الحديث بعينه‪ ،‬كان رسول ا ّ‬
‫وسلم يُصلي ثلث عشرة ركعة بركعتي الفجر‪ ،‬ذكره مسلم في ((صحيحه))‪ .‬وقال البخاري‪ :‬في‬
‫ث عشرة ركعة‪ ،‬ثم يُصلي إذا‬
‫ل صلى ال عليه وسلم يُصلي بالليل ثل َ‬
‫هذا الحديث‪ :‬كان رسول ا ّ‬
‫سمع النداء بالفجر ركعتين خفيفتين وفي ((الصحيحين)) عن القاسم بن محمد قال‪ :‬سمعتُ عائشة‬

‫‪144‬‬

‫رضي الّ عنها تقول‪ :‬كانت صلةُ رسول ال صلى ال عليه وسلم من الليل عشرَ ركعات‪ ،‬ويُوتر‬
‫بسجدة‪ ،‬ويركع ركعتي الفجر‪ ،‬وذلك ثلثَ عشرة ركعة‪ ،‬فهذا مفسر مبين‪.‬‬
‫وأما ابنُ عباس‪ ،‬فقد اختلف عليه‪ ،‬ففي ((الصحيحين)) عن أبي جمرة عنه‪ :‬كانت صلةُ‬
‫ث عشرة ركعةً يعني بالليل لكن قد جاء عنه هذا مفسراً أنها‬
‫ل صلى ال عليه وسلم ثل َ‬
‫رسولِ ا ّ‬
‫ل بن عمر رضي الّ عنهما‪ ،‬عن‬
‫ل بن عباس‪ ،‬وعبد ا ّ‬
‫بركعتي الفجر‪ .‬قال الشعبي‪ :‬سألتُ عبد ا ّ‬
‫ل صلى ال عليه وسلم بالليل‪ ،‬فقال‪ :‬ثلثَ ركعات ركعة‪ ،‬منها ثمان‪ ،‬ويُوتر بثلث‪،‬‬
‫صلةِ رسول ا ّ‬
‫وركعتين قبل صلة الفجر‪ .‬وفي ((الصحيحين)) عن كُريب عنه‪ ،‬في قصة مبيته عند خالته ميمونة‬
‫بنت الحارث‪ ،‬أنه صلى ال عليه وسلم صلّى ثلث عشرة ركعة‪ ،‬ثم نام حتى نفخ‪ ،‬فلما تبيّن له‬
‫الفجرُ‪ ،‬صلّى ركعتين خفيفتينِ وفي لفظ‪ :‬فصلّى ركعتين‪ ،‬ثم ركعتين‪ ،‬ثم ركعتين‪ ،‬ثم ركعتين‪ ،‬ثم‬
‫ركعتين‪ ،‬ثم ركعتين‪ ،‬ثم أوتر ثم اضطجع حتى جاءه المؤذّنُ‪ .‬فقام فصلّى ركعتين خفيفتين‪ ،‬ثم خرج‬
‫ق على إحدى عشرة ركعة‪.‬‬
‫يُصلي الصبح‪ .‬فقد حصل التفا ُ‬
‫واختلف في الركعتين الخيرتين هل هما ركعتا الفجر أو هما غيرهما‪ .‬فإذا انضاف‬
‫ع ورده الراتب‬
‫ذلك إلى عدد ركعات الفرض والسنن الراتبة التي كان يُحافظ عليها‪ ،‬جاء مجمو ُ‬
‫بالليل والنهار أربعين ركعة‪ ،‬كان يُحافظ عليها دائماً سبعة عشر فرضاً‪ ،‬وعشر ركعات‪ ،‬أو ثنتا‬
‫عشرة سنة راتبة‪ ،‬وإحدى عشرة‪ ،‬أو ثلث عشرة ركعة قيامه بالليل‪ ،‬والمجموع أربعون ركعة‪،‬‬
‫وما زاد على ذلك‪ ،‬فعارض غي ُر راتب‪ ،‬كصلة الفتح ثمان ركعات‪ ،‬وصلة الضحى إذا قَدِ َم من‬
‫سفر‪ ،‬وصلته عند من يزوره‪ ،‬وتحية المسجد ونحو ذلك‪ ،‬فينبغي للعبد أن يُواظب على هذا الورد‬
‫دائمًا إلى الممات‪ ،‬فما أسرع الِجابة وأعجل فتح الباب لمن يقرعُه كلّ يوم وليلة أربعين مرة‪ .‬والّ‬
‫المستعان‪.‬‬
‫فصل‬
‫في سياق صلته صلى ال عليه وسلم بالليل ووتره وذكر صلة أول الليل‪.‬‬
‫ل صلى ال عليه وسلم العِشاء قطّ فدخل‬
‫ل عنها‪ :‬ما صلّى رسولُ ا ّ‬
‫قالت عائش ُة رضي ا ّ‬
‫علي‪ ،‬إل صلّى أربع ركعات‪ ،‬أو ست ركعات‪ ،‬ثم يأوي إلى فراشه‪.‬‬
‫وقال ابن عباس لما بات عنده‪ :‬صلّى العِشاء‪ ،‬ثم جَاء‪ ،‬ثُ ّم صلَى‪ ،‬ثم نام ذكرهما أبو داود‪.‬‬
‫وكان إذا استيقظ‪ ،‬بدأ بالسواك‪ ،‬ثم يذكُر ال تعالى‪ ،‬وقد تقدم ذكرهما كان يقوله عند استيقاظه‪ ،‬ثم‬
‫يتطهر‪ ،‬ثم يُصلى ركعتين خفيفتين‪ ،‬كما في ((صحيح مسلم))‪ ،‬عن عائشة قالت‪ :‬كان رسولُ الّ‬

‫‪145‬‬

‫صلى ال عليه وسلم إذا قام من الليل‪ ،‬افتتح صلتَه بركعتينِ خفيفتين وأمر بذلك في حديث أبي‬
‫ل عنه قال‪(( :‬إذا قام أحدُكم مِن الليل‪ ،‬فليفتَتح صلتَه بركعتين خفيفتين)) ((رواه‬
‫هريرة رضي ا ّ‬
‫مسلم)) وكان يقومُ تارة إذا انتصف الليلُ‪ ،‬أو قبله بقليل‪ ،‬أو بعدَه بقليل‪ ،‬وربما كان يقوم إذا سمع‬
‫خ وهو الدّيكُ وهو إنما يصيح في النصف الثاني‪ ،‬وكان يقطع ورده تارة‪ ،‬ويصله تارة وهو‬
‫الصارِ َ‬
‫الكثر‪ ،‬ويقطعه كما قال ابن عباس في حديث مبيته عنده‪ ،‬أنه صلى ال عليه وسلم استيقظ‪،‬‬
‫ف ا ْلّليْلِ وَال ّنهَارِ ليَاتٍ‬
‫ل ِ‬
‫ختِ َ‬
‫ض وَا ْ‬
‫لرْ ِ‬
‫سمَاوَاتِ‪ ،‬وا َ‬
‫ق ال ّ‬
‫خلْ ِ‬
‫فتسوّك‪ ،‬وتوضأ‪ ،‬وهو يقول‪{ :‬إِنّ فِي َ‬
‫لُولي اللبَاب} [آل عمران‪ ]190 :‬فقرأ هؤلء اليات حتى ختم السورة‪ ،‬ثم قام فصلّى ركعتين‬
‫أطال فيهما القيا َم والركوع والسجودَ‪ ،‬ثم انصرف‪ ،‬فنام حتى نفخ‪ ،‬ثم فعل ذلك ثلثَ مرات بست‬
‫ركعات كل ذلك يَستاك ويتوضأ‪ ،‬ويقرأ هؤلء اليات‪ ،‬ثم أوتر بثلث‪ ،‬فأَذن المؤذّن؟ فخرج إلى‬
‫س ْمعِي نُوراً‪ ،‬وَاجعَل في‬
‫جعَلْ في َ‬
‫جعَلْ في قَلبي نُوراً‪ ،‬وَفِي لِسَانِي‪ .‬وَا ْ‬
‫الصلة وهو يقول‪(( :‬الّلهُمّ ا ْ‬
‫حتِي نُوراُ‪،‬‬
‫ن تَ ْ‬
‫جعَل مِنْ َفوْقِي نُوراً‪َ ،‬ومِ ْ‬
‫خلْفِي نُوراَ‪ ،‬ومن َأمَامِي نُوراً‪ ،‬وَا ْ‬
‫ل مِنْ َ‬
‫جعَ ْ‬
‫صرِي نُوراً‪ ،‬وَا ْ‬
‫َب َ‬
‫الّلهُمّ أَعْطِني نوراً)) رواه مسلم‪ .‬ولم يذكر ابنُ عباس افتتاحَه بركعتين خفيفتين كما ذكرته عائشة‪،‬‬
‫أنه كان يفعل هذا تارة‪ ،‬وهذا تارة‪َ ،‬وِإمّا أن تكون عائشةُ حفظت ما لم يحفظ بن عباس‪ ،‬وهو‬
‫الظهر لملزمتها له‪ ،‬ولمراعاتها ذلك‪ ،‬ولكونها أعلمَ الخلق‪ .‬بقيامه بالليل‪ ،‬وابنُ عباس إنما شاهده‬
‫ليلة المبيت عند خالته‪ ،‬وإذا اختلف ابنُ عباس وعائشة في شيء من أمر قيامِه بالليل‪ ،‬فالقولُ ما‬
‫قالت عائشة‪.‬‬
‫وكان قيامُه بالليل ووِترُه أنواعاً‪ ،‬فمِنها هذا الذي ذكره ابن عباس‪.‬‬
‫النوع الثاني‪ :‬الذي ذكرته عائشة‪ ،‬أنه كان يفتتح صلته بركعتين‪ .‬ثم يُتمم‬
‫ورده إحدى عشرة ركعة‪ ،‬يُسلم من كل ركعتين ويوتر بركعة‪.‬‬
‫النوع الثالث‪ :‬ثلث عشرة ركعة كذلك‪.‬‬
‫النوع الرابع‪ :‬يُصلي ثمانَ ركعات‪ ،‬يُسلم من كل ركعتين‪ ،‬ثم‬
‫يُوتر‪ .‬سردًا متوالية‪ ،‬ل يجلس في شيء إل في آخرهن‪.‬‬
‫النوع الخامس‪ :‬تسع ركعات‪ ،‬يسرُد منهن ثمانياً ل‬
‫يجلِس في شيء إل في الثامنة‪ ،‬يجلِس يذكر الّ تعالى ويحمده ويدعوه‪ ،‬ثم ينهض ول يسلم‪ ،‬ثم‬
‫يُصلي التاسعة‪ ،‬يسلم ثم يقعد‪ ،‬ويتشهد‪ ،‬ويُسلّم‪ ،‬ثم يُصلي ركعتين جالساً بعدما يسلم‪.‬‬

‫‪146‬‬

‫النوع السادس‪ :‬يُصلي سبعاً كالتسع لمذكورة‪،‬‬
‫ثم يُصلي بعدها ركعتين جالساً‪.‬‬
‫النوع السابع‪ :‬أنه كان يُصلي مَثنى‬
‫مَثنى‪ ،‬ثم يُوتر بثلث ل يفصِل بينهن فهذا رواه الِمام أحمد رحمه الّ عن عائشة‪ ،‬أنه كان يُوتِر‬
‫بثلث ل فصل فيهن وروى النسائي عنها‪ :‬كان ل يُسلم في ركعتي الوتر وهذه الصفة فيها نظر‪،‬‬
‫فقد روى أبو حاتم بن حبان في ((صحيحه)) عن أبي هريرة‪ ،‬النبى صلى ال عليه وسلم‪(( :‬ل‬
‫ش ّبهُوا ِبصَلةِ المَغ ِربِ))‪ .‬قال الدارقطني‪ :‬رواته كلهم‬
‫ل تَ َ‬
‫سبْعٍ‪ ،‬وَ َ‬
‫لثٍ‪َ ،‬أ ْو ِترُوا بِخَمسٍ َأوْ َ‬
‫تُو ِترُوا ِبثَ َ‬
‫ثقات‪ ،‬قال مهنا‪ :‬سألتُ أبا عبد الّ‪ :‬إلى أي شيء تذهب في الوتر‪ ،‬تُسلم في الركعتين؟ قال‪ :‬نعم‪.‬‬
‫قلتُ‪ :‬لَي شيء؟ قال‪ :‬لن الحاديث فيه أقوى وأكثر عن النبي صلى ال عليه وسلم في الركعتين‪.‬‬
‫الزهري‪ ،‬عن عروة‪ ،‬عن عائشة‪ ،‬أن النبي صلى ال عليه وسلم‪ ،‬سلم من الركعتين وقال حرب‪:‬‬
‫سئل أحمد عن الوتر؟ قال‪ :‬في الركعتين‪ .‬وإن لم يسلم‪ ،‬رجوت أل يضرّه‪ ،‬إل أن التسليم أثبتُ عن‬
‫النبي صلى ال عليه وسلم‪ ،‬وقال أبو طالب‪ :‬سألتُ أبا عبد الّ‪ :‬إلى أي حديث تذهب في‪ ،‬الوتر؟‬
‫قال‪ :‬أذهب إليها كلّها‪ :‬مَنْ صلّى خمساً ل يجلس إل في آخرهن‪ ،‬ومن صلّى سبعاً ل يجلس إل في‬
‫آخرهن‪ ،‬وقد روي فَي حديث زرارة عن عائشة‪ :‬يُوتر بتسع يجلَس في الثامنة قال‪ :‬ولكن أكثر‬
‫الحديث وأقواه ركعة‪ ،‬فأنا أذهبُ إليهاَ‪ .‬قلت‪ :‬ابن مسعود يقول‪ :‬ثلث‪ ،‬قال‪ :‬نعم‪ ،‬قد عاب على سعد‬
‫ركعة‪ ،‬فقال له سعد أيضاً شيئًا يرد عليه‪.‬‬
‫النوع الثامن‪ :‬ما رواه النسائي‪،‬‬
‫عن حُذيفة‪ ،‬أنه صلّى مع النبي صلى ال عليه وسلم فى رمضان‪ ،‬فركع‪ ،‬فقال في ركوعه‪:‬‬
‫ل مَا‬
‫ن رَبيَ ا ْلعَظيمِ)) مثل ما كان قائماً‪ ،‬ثم جلس يقول‪َ (( :‬ربّ اغف ْر لي‪َ ،‬ربّ اغْ ِف ْر لي)) مث َ‬
‫سبْحَا َ‬
‫(( ُ‬
‫علًى)) مثلَ ما كان قائماً‪ ،‬فما صلّى إل أربع ركعات‬
‫ن َر ّبيَ الَ ْ‬
‫سبْحَا َ‬
‫كان قائماً‪ .‬ثم سجد‪ ،‬فقال‪ُ (( :‬‬
‫حتى جاء بلل يدعوه إلى الغداة‪ ،‬وأوتر أوّل الليل‪ ،‬ووسطه‪ ،‬وآخرَه‪ .‬وقام ليلة تامة بآية يتلوها‬
‫عبَا ُدكَ} [المائدة‪.]118 :‬‬
‫ن ُتعَ ّذ ْبهُمْ فَِإ ّنهُم ِ‬
‫ويردّدُها حتى الصباح وهي‪{ :‬إ ْ‬
‫وكانت صلته بالليل ثلثةَ أنواع‬
‫أحدها ‪ -‬وهو أكثرها‪ :‬صلته قائماً‬
‫الثاني‪ :‬أنه كان يُصلي قاعداً‪ ،‬ويركع قاعداً‬

‫‪147‬‬

‫الثالث‪ :‬أنه كان يقرأ قاعداً‪ ،‬فإذا بقي يسي ٌر مِن قراءته‪ ،‬قام فركع قائماً‪ ،‬والنواع الثلثة‬
‫صحت عنه‪.‬‬
‫وأما صفة جلوسه في محل القيام‪ ،‬ففي ((سنن النسائي))‪ ،‬عن عبد الّ بن شقيق‪ ،‬عن عائشة‬
‫ل صلى ال عليه وسلم يصلي متربّعاً قال النسائي‪ :‬ل أعلم أحداً روى هذا‬
‫قالت‪ :‬رأيتُ رسول ا ّ‬
‫الحديثَ غي َر أبي داود‪ ،‬يعني الحفري‪ ،‬وأبو داود ثقة‪ ،‬ول أحسب إل أن هذا الحديث خطأ والّ‬
‫أعلم‪.‬‬
‫فصل‬
‫وقد ثبت عنه صلى ال عليه وسلم أنه كان يصلي بعد الوتر ركعتين جالساً تارة‪ ،‬وتارة يقرأ‬
‫سلَمة قال‪ :‬سألتُ عائشة‬
‫فيهما جالساً‪ ،‬فإذا أراد أن يركع‪ ،‬قام فركع‪ ،‬وفي ((صحيح مسلم)) عن أبي َ‬
‫ل صلى ال عليه وسلم‪ ،‬فقالت‪ :‬كان يُصلي ثلثَ عشرة ركعةً‪،‬‬
‫ل عنها عن صلة رسولِ ا ّ‬
‫رضي ا ّ‬
‫يُصلي ثمانَ ركعات‪ ،‬ثم يُوتِر‪ ،‬ثم يُصلي ركعتين وهو جالس‪ ،‬فإذا أراد أن يركع‪ ،‬قام فركع‪ ،‬ثم‬
‫يُصلي ركعتين بين النداءِ والِقام ِة مِن صلة الصبح وفي ((المسند)) عن أم سلمة‪ ،‬أن النبي صلى‬
‫ال عليه وسلم‪ ،‬كان يُصلي بعد الوتر ركعتين خفيفتين وهو جالس وقال الترمذي‪ :‬روي نح ُو هذا‬
‫عن عائشة‪ ،‬وأبي أمامة‪ ،‬وغيرِ واح ٍد عن النبي صلى ال عليه وسلم‪.‬‬
‫ل صلى ال عليه وسلم‪ ،‬كان يُصلي ركعتين بعد‬
‫وفي ((المسند)) عن أبي أمامة‪ ،‬أن رسول ا ّ‬
‫ل يَا َأ ّيهَا ا ْلكَا ِفرُونَ}‪.‬‬
‫الوتر وهو جالس‪ ،‬يقرأ فيهما بـ{إِذَا زُل ِزلَت} و {قُ ْ‬
‫ل عنه‪.‬‬
‫وروى الدارقطني نحوَه من حديث أنس رضي ا ّ‬
‫ج َعلُوا‬
‫وقد أشكل هذا على كثير من الناس‪ ،‬فظنوه معارضاً‪ ،‬لقوله صلى ال عليه وسلم‪(( :‬ا ْ‬
‫ل هاتين الركعتين‪ ،‬وقال أحمد‪ :‬ل أفعله ول أمنعُ‬
‫ل ِوتْراً))‪ .‬وأنكر مالك رحمه ا ّ‬
‫لتِكُم بِا ْلّليْ ِ‬
‫خ َر صَ َ‬
‫آِ‬
‫مَنْ فعله‪ ،‬قال‪ :‬وأنكره مالك وقالت طائفة‪ :‬إنما فعل هاتين الركعتين‪ ،‬ليبين جوا َز الصلة بعد الوتر‪،‬‬
‫ل ِتكُم بِا ْلّليْلِ ِوتْراً)) على الستحباب‪،‬‬
‫خ َر صَ َ‬
‫ج َعلُوا آ ِ‬
‫وأن فعله ل يقطع التنفّل‪ ،‬وحملوا قولُه‪(( :‬ا ْ‬
‫وصلة الركعتين بعده على الجواز‪.‬‬
‫والصواب‪ :‬أن يقال‪ :‬إن هاتين الركعتين تجريان مجرى السنة‪ ،‬وتكميل الوتر‪ ،‬فإن الوترَ‬
‫ب مِن المغرب‪،‬‬
‫عبادة مستقلة‪ ،‬ول سيما إن قيل بوجوبه‪ ،‬فتجري الركعتان بعده‪ .‬مجرى سنة المغر ِ‬
‫ل أعلم‪.‬‬
‫فإنها وِتر النهار‪ ،‬والركعتان بعدها تكميل لها‪ ،‬فكذلك الركعتان بعد وتر الليل‪ ،‬وا ّ‬
‫فصل‬

‫‪148‬‬

‫ولم يُحفظ عنه صلى ال عليه وسلم أنه قنت في الوتر‪ ،‬إل في حديث رواه ابن ماجه‪ ،‬عن‬
‫علي بن ميمون الرّقي‪ ،‬حدثنا مخلد بن يزيد‪ ،‬عن سفيان‪ ،‬عن زُبيد اليامي‪ ،‬عن سعيد بن عبد‬
‫ل صلى ال عليه وسلم كان يُوتر فيقنُت‬
‫الرحمن بن أبزى‪ ،‬عن أبيه‪ ،‬عن أبي بن كعب‪ ،‬أن رسول ا ّ‬
‫ن كُلّ شيء ثبت عن‬
‫قبل الركوع وقال أحمد في رواية ابنه عبد الّ‪ :‬أختار القنوت بعد الركوع‪ ،‬إ ّ‬
‫النبي صلى ال عليه وسلم في القنوت‪ ،‬إنما هو في الفجر لمَا رفع رأسه من الركوع‪ ،‬وقنوت الوتر‬
‫ل أو بعدُ شيء‪.‬‬
‫أختارُه بعد الركوع‪ ،‬ولم يصحّ عن النبي صلى ال عليه وسلم في قنوت الوتر قب ُ‬
‫وقال الخلّل‪ :‬أخبرني محمد بن يحيى الكحال‪ ،‬أنه قال لبي عبد الّ في القنوت في الوتر؟ فقال‪:‬‬
‫ليس يُروى فيه عن النبي صلى ال عليه وسلم شيء‪ ،‬ولكن كان عمر يقنُت من السنة إلى السنة‪.‬‬
‫(يتبع‪)...‬‬
‫وقد روى أحمد وأهل ((السنن)) من حديث الحسن بن علي رضي ال عنهما قال‪ :‬علّمني‬

‫@‬

‫ت أقولهن في الوتر‪(( :‬الّلهُمّ اهْ ِدنِي فِيمَنْ هَ َد ْيتَ‪ ،‬وَعَافِني فِيمَنْ‬
‫ل صلى ال عليه وسلم كلما ٍ‬
‫رسول ا ّ‬
‫ل يُ ْقضَى‬
‫ك تَ ْقضِي وَ َ‬
‫ض ْيتَ‪ِ ،‬إ ّن َ‬
‫ش ّر مَا ق َ‬
‫طيْتَ‪ ،‬وَ ِقنِي َ‬
‫ن َت َوّل ْيتَ‪َ ،‬وبَارِك لِي فِيمَا أَعْ َ‬
‫عَا َف ْيتَ‪َ ،‬وتَوّلنِي فِيمَ ْ‬
‫ل َي ِعزّ من‬
‫ن َواَل ْيتَ‪َ ،‬تبَا َر ْكتَ َر ّبنَا َو َتعَاَل ْيتَ)) زاد البيهقي والنسائي‪(( :‬وَ َ‬
‫ل مَ ْ‬
‫ل يَذِ ّ‬
‫عَل ْيكَ‪ِ ،‬إنّهُ َ‬
‫َ‬
‫عَا َد ْيتَ))‪.‬‬
‫علَى النَبيّ))‬
‫صلّى الُّ َ‬
‫وزاد النسائي في روايته‪(( :‬وَ َ‬
‫ل صلى ال عليه وسلم في وتري‬
‫وزاد الحاكم في ((المستدرك)) وقال‪(( :‬علّمني رسولُ ا ّ‬
‫إذا رفعت رأسي ولم يبق إل السجود))‪ .‬ورواه ابن حبان في ((صحيحه)) ولفظه سمعتُ رسول الّ‬
‫صلى ال عليه وسلم يدعو‪.‬‬
‫قال الترمذي‪ :‬وفي الباب عن علي رضي الّ عنه‪ ،‬وهذا حديث ل نعرِفُه إل مِن هذا الوجه‬
‫من حديث أبي الحوراء السعدي‪ ،‬واسمه ربيعة بن شيبان‪ ،‬ول نعرف عن النبي صلى ال عليه‬
‫ن مِن هذا انتهى‪.‬‬
‫وسلم في القنوت في الوتر شيئاً أحس َ‬
‫والقنوت في الوتر محفوظ عن عمر‪ ،‬وابن مسعود‪ ،‬والرواية عنهم أصح من القنوت في‬
‫الفجر‪ ،‬والروايةُ عن النبي صلى ال عليه وسلم في قنوت الفجر‪ ،‬أصح الرواية في قنوت الوتر‪.‬‬
‫ل أعلم‪.‬‬
‫وا ّ‬
‫وقد روى أبو داود والترمذي والنسائي من حديث عليّ بن أبي طالب رضي الّ‬
‫ك مِن‬
‫ل صلى ال عليه وسلم ‪ -‬كان يقول في آخر وتره‪(( :‬الّلهُمّ إنّي أعوذ ِب ِرضَا َ‬
‫عنه‪ ،‬أن رسول ا ّ‬

‫‪149‬‬

‫سكَ))‪.‬‬
‫علَى نَفْ ِ‬
‫ك َأ ْنتَ َكمَا َأ ْث َن ْيتَ َ‬
‫عَل ْي َ‬
‫حصِي ثَناءً َ‬
‫ل أُ ْ‬
‫ك مِنكَ َ‬
‫ك مِنْ عُقُو َبتِكَ‪َ ،‬وأَعُوذُ ِب َ‬
‫طكَ‪َ ،‬و ِب ُمعَافَا ِت َ‬
‫سَخَ ِ‬
‫غ مِنْ‬
‫ل إِذَا َفرَ َ‬
‫وهذا يحتمِل‪ ،‬أنه قبل فراغه منه وبعده‪ ،‬وفي إحدى الروايات عن النسائي‪ :‬كان يقو ُ‬
‫ح َرصْتُ)) وثبت عنه صلى‬
‫ك َوَلوْ َ‬
‫عَليْ َ‬
‫حصِي ثنَاءً َ‬
‫ل أُ ْ‬
‫صَلته‪ ،‬وتب ّوأَ مضجعه‪ ،‬وفي هذه الرواية‪َ (( :‬‬
‫ال عليه وسلم‪ -‬أنه قال ذلك في السجود‪ ،‬فلعله قاله في الصلة وبعدها‪ .‬وذكر الحاكم في‬
‫ل عنهما‪ ،‬في صلة النبي صلى ال عليه وسلم‪،‬‬
‫((المستدرك)) من حديث ابن عباس رضي ا ّ‬
‫صرِي نُوراً‪،‬‬
‫ووتره‪ :‬ثم أوتر‪ ،‬فلما قضى صلته‪ ،‬سمعته يقول‪(( :‬الّلهُمّ اجعَلْ في َقلْبي ُنوّرا‪ ،‬وَفي َب َ‬
‫حتِي نُوراً‪َ ،‬وَأمَامِي نُوراً‪،‬‬
‫شمَالِي نُوراً‪ ،‬وَفَوقِي نُوراً‪َ ،‬وتَ ْ‬
‫س ْمعِي نُوراً‪ ،‬وَعَنْ َيمِينِي نُوراً‪ ،‬وَعَنْ ِ‬
‫وفي َ‬
‫ل مِن ولد‬
‫ك نُوراً))‪ .‬قال كُريب‪ :‬وسبع في القنوت‪ ،‬فلقيتُ رج ً‬
‫جعَل لِي َيوْ َم لِقَا ِئ َ‬
‫خلْفِي نُورا‪ ،‬وَا ْ‬
‫وَ َ‬
‫شرِي))‪ ،‬وذكر خصلتين‪ ،‬وفي‬
‫ش ْعرِي َوبَ َ‬
‫عصَبي وَ َ‬
‫حمِي وَ َدمِي‪ ،‬وَ َ‬
‫العباس‪ ،‬فحدثني بهن‪ ،‬فذكر‪(( :‬لَ ْ‬
‫رواية النسائي في هذا الحديث‪ ،‬وكان يقولُ في سجوده وفي رواية لمسلم في هذا الحديث‪ :‬فخرج‬
‫إلى الصلة يعني صلة الصبح‪ ،‬وهو يقول‪ ...‬فذكر هذا الدعاء‪ ،‬وفي رواية له أيضاً‪(( ،‬وفي لِسَاني‬
‫ج َعلْني نُورا))‪.‬‬
‫جعَلْ في نَفْسِي نُوراً‪َ ،‬وأَعْظِ ْم لِي نُوراً))‪ ،‬وفي رواية له‪(( ،‬وَا ْ‬
‫نُوراً وَا ْ‬
‫ل صلى ال عليه‬
‫وذكر أبو داود‪ ،‬والنسائي من حديث أبي بن كعب‪ ،‬قال‪(( :‬كان رسول ا ّ‬
‫وسلم يقرأ في الوتر‪{ ،‬سبح اسم ربك العلى} و {قل يا أيها الكافرون} و {قل هو الُّ أحد}‪ ،‬فإذا‬
‫ص ْوتَهُ في الثّاِلثَةِ ويرفع))‪ .‬وهذا لفظ‬
‫لثَ َمرّاتٍ‪ ،‬يَم ّد بها َ‬
‫ك القُدُوس ثَ َ‬
‫سبْحَانَ ال َمِل ِ‬
‫سلم قال‪ُ (( :‬‬
‫ل ِئكَ ِة وَالرّوح))‪.‬‬
‫النسائي‪ .‬زاد الدارقطني (( َربّ المَ َ‬
‫ل َربّ‬
‫حمْدُ ِ‬
‫ل آيَةٍ فيقول‪(( :‬ال َ‬
‫وكان صلى ال عليه وسلم يقَطّعُ قراءتَه‪ ،‬وي ِقفُ عِن َد كُ ّ‬
‫ن الرّحِيم‪ ،‬وي ِقفُ‪ :‬مَالِك َيوْ ِم الدّين))‪.‬‬
‫العَاَلمِين‪ ،‬ويقِف‪ :‬الرّحم ِ‬
‫وذكر الزهري أن قراءة رسول ال صلى ال عليه وسلم كانت آية آية‪ ،‬وهذا هو الفضل‪،‬‬
‫ض القراء إلى تتبع الغراض‬
‫الوقوفُ على رؤوس اليات وإن تعلقت بما بعدها‪ ،‬وذهب بع ُ‬
‫والمقاصد‪ ،‬والوقوف عند انتهائها‪ ،‬واتباعُ هدي النبي صلى ال عليه وسلم وسنته أولى‪ .‬وممّن ذكر‬
‫ذلك البيهقى في ((شعب الِيمان)) وغيره‪ ،‬ورجح الوقوف على رؤوس الي وإن تعلقت بما بعدها‪.‬‬
‫طوَلِ منها‪ ،‬وقام بآَية ُيرَدّدُهَا‬
‫ن أَ ْ‬
‫وكان صلى ال عليه وسلم يُرتّل السورة حتى تكون أطولَ مِ ْ‬
‫حتى الصباح‪.‬‬
‫وقد اختلف الناسُ في الفضل من الترتيل وقلة القراءة‪ ،‬كثرة القراءة‪ :‬أيهما أفضل؟‬
‫على قولين‪.‬‬

‫‪150‬‬

‫ل عنهما وغيرُهما إلى أن الترتيلَ والتدبر مع قلة‬
‫فذهب ابنُ مسعود وابن عباس رضي ا ّ‬
‫ب هذا القول بأن المقصود من القراءة‬
‫القراءة أفضلُ مِن سرعة القراءة مع كثرتها‪ .‬واحتج أربا ُ‬
‫ل به‪ ،‬وتلوتُه وحفظُه وسيلة إلى معانيه‪ ،‬كما قال بعض السلف‪ :‬نزل‬
‫فهمُه وتدبّره‪ ،‬والفق ُه فيه والعم ُ‬
‫ل القرآن هم العالِمون به‪ ،‬والعاملون بما فيه‪،‬‬
‫القرآن لِيعمَل به‪ ،‬فاتخذوا تلوته عملً‪ ،‬ولهذا كان أه ُ‬
‫وإن لم يحفظوه عن ظهر قلب وأما من حفظه ولم يفهمه ولم يعمل بما فيه‪ ،‬فليس مِن أهله وإن أقام‬
‫حروفه إقامةَ السهم‪.‬‬
‫قالوا‪ :‬ولن الِيمان أفضلُ العمال‪ ،‬وفهم القرآن وتدبّره هو الذي يُثمر الِيمان‪ ،‬وأما مجردُ‬
‫التلوة من غير فهم ول تدبر‪ ،‬فيفعلها البرّ والفاجرُ‪ ،‬والمؤمن والمنافق‪ ،‬كما قال النبي صلى ال‬
‫ط ْع ُمهَا ُمرّ))‪.‬‬
‫ط ّيبٌ‪ ،‬وَ َ‬
‫حهَا َ‬
‫ل ال ّريْحَانَةِ‪ ،‬رِي ُ‬
‫ق الّذِي يَق َرُأ الْ ُقرْانَ‪َ ،‬ك َمثَ ِ‬
‫ل ال ُمنَافِ ِ‬
‫عليه وسلم‪َ (( :‬و َمثَ ُ‬
‫ل القرآن والِيمان‪ ،‬وهم أفضل الناس‪ .‬والثانية‪ :‬من عَدِم‬
‫والناس في هذا أربع طبقات‪ :‬أه ُ‬
‫القرآن والِيمان‪ .‬الثالثة‪ :‬من أوتي قرآناً‪ ،‬ولم يُؤت إيماناً‪ ،‬الرابعة‪ :‬من أوتي إيمانًا ولم يُؤت قرآناً‪.‬‬
‫قالوا‪ :‬فكما أن من أوتي إيمانًا بل قرآن أفضلُ ممن أوتي قرآنًا بل إيمان‪ ،‬فكذلك من أوتي‬
‫ي النبي‬
‫تدبراً‪ ،‬وفهمًا في التلوة أفضل ممن أوتي كثرة قراءة وسرعتها بل تدبر‪ .‬قالوا‪ :‬وهذا هد ُ‬
‫ل من أطول منها‪ ،‬وقام بآية حتى‬
‫صلى ال عليه وسلم‪ ،‬فإنه كان يرتّل السورة حتى تكون أطو َ‬
‫الصباح‪.‬‬
‫وقال أصحابُ الشافعي رحمه الّ‪ :‬كثرة القراءة أفضلُ‪ ،‬واحتجوا بحديث ابن مسعود رضي‬
‫سنَةٌ‪،‬‬
‫ن ِكتَابِ الِّ‪َ ،‬فلَ ُه بِهِ حَ َ‬
‫حرْفًا مِ ْ‬
‫ل صلى ال عليه وسلم‪(( :‬مَنْ َق َرأَ َ‬
‫الّ عنه قال‪ :‬قال رسول ا ّ‬
‫ح ْرفٌ))‪ .‬رواه‬
‫ح ْرفٌ‪َ ،‬ومِيمٌ َ‬
‫ح ْرفٌ‪ ،‬وَلَمٌ َ‬
‫ن َألِف َ‬
‫حرْف‪َ ،‬وَلكِ ْ‬
‫ل أَقُولُ الم َ‬
‫ش ِر َأ ْمثَاِلهَا‪َ ،‬‬
‫سنَةُ ِبعَ ْ‬
‫وَالْحَ َ‬
‫الترمذي‪ .‬وصححه‪.‬‬
‫قالوا‪ :‬ولن عثمان بن عفان قرَأ القرآن في ركعة‪ ،‬وذكروا آثارًا عن كثير من السلف في‬
‫كثرة القراءة‪.‬‬
‫ل وأرفعُ قدراً‪ ،‬وثوابَ‬
‫والصواب في المسألة أن يُقال‪ :‬إن ثواب قراءة الترتيل والتدبر أج ّ‬
‫كثرة القراءة أكثرُ عدداً‪ ،‬فالول‪ :‬كمن تصدّق بجوهرة عظيمة‪ ،‬أو أعتق عبداً قيمتُه نفيسة جداً‪،‬‬
‫والثاني‪ :‬كمن تصدّق بعدد كثير من الدراهم‪ ،‬أو أعتق عددًا من العبيد قيمتُهم رخيصة‪ ،‬وفي‬
‫((صحيح البخاري)) عن قتادة قال‪ :‬سألت أنساً عن قراءة النبي صلى ال عليه وسلم‪ ،‬فقال‪(( :‬كان‬
‫يمدّ مدّا))‪.‬‬

‫‪151‬‬

‫وقال شعبة‪ :‬حدثنا أبو جمرة‪ ،‬قال‪ :‬قلت لبن عباس‪ :‬إني رجل سريعُ القِراءة‪ ،‬وربما قرأتُ‬
‫ب ِإَليّ من أن أفعل َذِلكَ‬
‫القرآن في ليلة مرة أو مرتين‪ ،‬فقال ابنُ عباس‪ :‬لن أقرأ سورةَ واحدة أعج ُ‬
‫الذي تفعل‪ ،‬فإن كنت فاعلً ول بد‪ ،‬فاقرأ قِرا َء ًة تُسْم ُع أُ ُذ َنيْك‪ ،‬وَيعيها قلبُك‪.‬‬
‫ن الصوت‪ ،‬فقال‪ :‬رتّل فِداك أبي‬
‫وقال إبراهيم‪ :‬قرأ علقمةُ على ابن مسعود‪ ،‬وكان حس َ‬
‫ن القرآن‪.‬‬
‫وأمي‪ ،‬فإنه زي ُ‬
‫عنْدَ عَجَائبِهِ‪،‬‬
‫ل َت ْن ُثرُوه َن ْث َر الدّقَل‪ ،‬وَقِفُوا ِ‬
‫ش ْعرِ‪ ،‬وَ َ‬
‫ل َتهُذّوا ال ُقرْآنَ هَ ّذ ال ّ‬
‫وقال ابن مسعود‪َ :‬‬
‫خ َر السّو َرةِ‪.‬‬
‫ل َيكُنْ هَ ّم أَحَ ِدكُمْ آ ِ‬
‫ح ّركُوا بِ ِه ال ُقلُوبَ‪ ،‬وَ َ‬
‫وَ َ‬
‫ن آ َمنُوا} فأصغِ لها سمعك‪ ،‬فإنه خيرٌ‬
‫ل يقول‪{ :‬يََأ ّيهَا الّذِي َ‬
‫ل أيضاً‪ :‬إذا سمعتَ ا ّ‬
‫وقال عبد ا ّ‬
‫ي امرأة وأنا أقرُأ (سورةَ‬
‫تُؤمر به‪ ،‬أو ش ّر تُصرف عنه‪ .‬وقال عبد الرحمن بن أبي ليلى‪ :‬دخلت عل ّ‬
‫ت مِن‬
‫ل إني فيها منذ ستةِ أشهر وما فرغ ُ‬
‫هُود) فقالت‪ :‬يا عبد الرحمن‪ :‬هكذا تقرأ سورة هود؟! وا ّ‬
‫قراءتها‪.‬‬
‫وكان رسولُ الّ صلى ال عليه وسلم يُس ُر بالقراءة في صلة الليل تارة‪ ،‬ويجهر بها تارة‪،‬‬
‫ويُطيل القيام تارة‪ ،‬ويخفّفه تارة‪ ،‬ويُوتر آخر الليل ‪ -‬وهو الكثر ‪ -‬وأوّله تارة‪ ،‬وأوسطَه تارة‪.‬‬
‫وكان يُصلي التطوع بالليل والنهار على راحلته في السفر ِقبَلَ أي جهة توجهت به‪،‬‬
‫ض مِن ركوعه‪ ،‬وقد روى أحمد وأبو داود عن أنس‬
‫فيركع ويسجد عليها إيماءً‪ ،‬ويجعل سجودَه أخف َ‬
‫ل صلى ال عليه وسلم إذا أراد أن يُصلي على راحلته تطوعاً‪،‬‬
‫بن مالك‪ ،‬قال‪(( :‬كانَ رسولُ ا ّ‬
‫استقبل القبلة‪ ،‬فكبر للصلة‪ ،‬ثم خلّى عن راحلته‪ ،‬ثم صلّى أينما توجهت به)) فاختلف الرواة عن‬
‫أحمد‪ :‬هل يلزمه أن يفعل ذلك إذا قدر عليه؟ على روايتين‪ :‬فإن أمكنه الستدار ُة إلى القبلة في‬
‫حمِل أو عمارية ونحوها‪ ،‬فهل يلزمه‪ ،‬أو يجوز له أن يُصّليَ حيث‬
‫ل أن يكون في مَ ْ‬
‫صلته كلّها مِث َ‬
‫حمِلٍ‪ :‬أنه ل يُجزئُه إل أن‬
‫توجهت به الراحلةُ؟ فروى محمد بن الحكم عن أحمد فيمن صلّى في مَ ْ‬
‫يستقبل القبلة‪ ،‬لنه يمكنه أن يدور‪ ،‬وصاحب الراحلة والدابة ل يُمكنه‪ .‬وروى عنه أبو طالب أنه‬
‫حمِلِ شديدة يُصلي حيث كان وجهه‪ .‬واختلفت الرواية عنه في السجود في‬
‫قال‪ :‬الستدارةُ في المَ ْ‬
‫حمِل‪ ،‬فيسجد‪.‬‬
‫حمِلً فقدر أن يسجد في المَ ْ‬
‫ل أنه قال‪ :‬وإن كان مَ ْ‬
‫حمِلِ‪ ،‬فروى عنه ابنه عبد ا ّ‬
‫المَ ْ‬
‫حمِلِ أحبّ إليّ أن يسجد‪ ،‬لنه يمُكنه‪ .‬وروى عنه الفضل بن‬
‫وروى عنه الميموني‪ ،‬إذا صلّى في المَ ْ‬
‫حمِلِ إذا أمكنه وروى عنه جعفر بن محمد‪ :‬السجود على ال ِمرْفَقَةِ إذا كان في‬
‫زياد‪ :‬يسجد في المَ ْ‬

‫‪152‬‬

‫ض مِن الركوع‪ ،‬وكذا روى‬
‫حمِلِ‪ ،‬وربما أسند على البعير‪ ،‬ولكن يُومىء ويجعل السجودَ أخف َ‬
‫المَ ْ‬
‫عنه أبو داود‪.‬‬
‫فصل‬
‫في هديه صلى ال عليه وسلم فى صلة الضحى‬
‫ت رسول الّ‬
‫روى البخاري في ((صحيحه)) عن عائشة رضي الّ عنها‪ ،‬قالت‪ :‬ما رأي ُ‬
‫سبْح َة الضحى‪ ،‬وإني لُسبّحُها‪ .‬وروى أيضاً من حديث ُم َورّقٍ العِجلي‪،‬‬
‫صلى ال عليه وسلم يُصلي ُ‬
‫قلتُ لبن عمر‪ :‬أتُصلي الضحى؟ قال ل‪ ،‬قلتُ‪َ :‬ف ُعمَر؟ قال‪ :‬ل‪ ،‬قلتْ‪ :‬فأبو بكر؟ قال‪ :‬ل‪ .‬قلت‪:‬‬
‫ي صلى ال عليه وسلم؟ قال‪ :‬ل إخاله‪.‬‬
‫فالنب ّ‬
‫وذكر عن ابن أبي ليلى قال‪ :‬ما حدثنا أحد أنه رأى النبي صلى ال عليه وسلم يُصلي‬
‫الضحى غي َر أم هانىء‪ ،‬فإنها قالت‪ :‬إن النبي صلى ال عليه وسلم دخل بيتَها يومَ فتح مكة‪،‬‬
‫ف مِنها‪ ،‬غير أن ُه يُتم الركوعَ و السجود‪.‬‬
‫فاغتسل‪ ،‬وصلّى ثمانَ ركعات‪ ،‬فلم أرّ صلةً قطّ أخ َ‬
‫ل صلى‬
‫ل بن شقيق قال‪ :‬سألت عائشة هل كان رسولُ ا ّ‬
‫وفي ((صحيح مسلم))‪ ،‬عن عبد ا ّ‬
‫ال عليه وسلم يُصلي الضحى؟ قالت‪ :‬ل إل أن يَجي َء مِن مغيبه‪.‬‬
‫لّ صلى ال عليه وسلم يَ ْقرُنُ بين السور؟ قالت‪ :‬مِن المفصل‪.‬‬
‫قلتُ‪ :‬هل كان رسولُ ا ِ‬
‫ل صلى ال عليه وسلم يُصلي‬
‫وفي ((صحيح مسلم)) عن عائشة‪ ،‬قالت‪ :‬كان رسولُ ا ّ‬
‫ل صلى ال عليه‬
‫ل وفي ((الصحيحين)) عن أم هانئ‪ ،‬أن رسولَ ا ِ‬
‫الضحى أربعاً‪ ،‬ويزيد ما شاء ا ّ‬
‫وسلم صلّى يوم الفتح ثمان ركعات وذلك ضحى‪.‬‬
‫وقال الحاكم في ((المستدرك))‪ :‬حدثنا الصم‪ ،‬حدثنا الصغاني‪ ،‬حدثنا ابن أبي مريم‪ ،‬حدثنا‬
‫بكر بن مضر‪ ،‬حدثنا عمرو بن الحارث‪ ،‬عن بكر بن الشج‪ ،‬عن الضحاك بن عبد الّ‪ ،‬عن أنس‬
‫سبْح َة الضّحى‪ ،‬صلّى‬
‫ل صلى ال عليه وسلم صلى في سفر ُ‬
‫رضي الّ عنه قال‪ :‬رأيتُ رسول ا ّ‬
‫غبَ ٍة َورَ ْهبَةٍ‪َ ،‬فسََأ ْلتُ َربّي ثَلَثاً‪ ،‬فَأَعْطَانِي‬
‫لةَ رَ ْ‬
‫تص َ‬
‫صلّ ْي ُ‬
‫ثمانَ ركعات‪ ،‬فلما انصرف‪ ،‬قال‪ِ(( :‬إنّي َ‬
‫عَل ْيهِمْ عَ ُد ّواً‪ ،‬فَ َفعَلَ‪،‬‬
‫ظ ِهرَ َ‬
‫ل يُ ْ‬
‫سنِينَ فَ َفعَلَ‪ ،‬وسألتُه أَ ّ‬
‫ل ُأ ّمتِي بِال ّ‬
‫ل يَ ْقتُ َ‬
‫ا ْث َن َتيْنِ‪َ ،‬و َم َن َعنِي وَاحِ َدةً‪ ،‬سََأ ْلتُ ُه أَ َ‬
‫ل هذا يُنظر من‬
‫عَليّ))‪ .‬قال الحاكم صحيح قلت‪ :‬الضحاك بن عبد ا ّ‬
‫شيَعاً فََأبَى َ‬
‫سهُمْ ِ‬
‫ل يُلب َ‬
‫وَسََأ ْلتُ ُه أَنْ َ‬
‫هو وما حاله؟‬
‫وقال الحاكم‪ :‬في كتاب ((فضل الضحى))‪ :‬حدثنا أبو بكر الفقيه‪ ،‬أخبرنا بشر بن يحيى‪،‬‬
‫ل بن الحصين‪ ،‬عن هلل بن يساف‪ ،‬عن‬
‫حدثنا محمد بن صالح الدولبي‪ ،‬حدثنا خالد بن عبد ا ّ‬

‫‪153‬‬

‫ل ال صلى ال عليه وسلم الضحى‪ ،‬ثم قال‪:‬‬
‫زاذان‪ ،‬عن عائشة رضي الّ عنها قالت‪ :‬صلّى رسو ُ‬
‫ك َأ ْنتَ ال ّتوّابُ الرّحِي ُم الغَفُورُ)) حتى قالها مائة مرة‪.‬‬
‫عَليّ ِإ ّن َ‬
‫حمْني‪َ ،‬و ُتبْ َ‬
‫((الّلهُ ّم اغْ ِفرْ لي‪ ،‬وَار َ‬
‫حدثنا أبو العباس الصم‪ ،‬حدثنا أسد بن عاصم‪ ،‬حدثنا الحصين بن حفص‪ ،‬عن سُفيان‪ ،‬عن‬
‫ل صلى ال عليه وسلم‪ ،‬صلّى الضحى ركعتين‪ ،‬وأربعاً‪،‬‬
‫عمر بن ذر‪ ،‬عن مجاهد‪ ،‬أن رسول ا ّ‬
‫وستاً وثمانياً‬
‫وقال الِمام أحمد‪ :‬حدثنا أبو سعيد مولى بني هاشم‪ ،‬حدثنا عثمان بن عبد الملك العمري‪،‬‬
‫حدثتنا عائشة بنت سعد‪ ،‬عن أم ذرة‪ ،‬قالت‪ :‬رأيتُ عائشة رضي الّ عنها تُصلي الضّحى وتقول‪ :‬ما‬
‫رأيتُ رسول ال صلى ال عليه وسلم يصلي إل أربعَ ركعات‪.‬‬
‫وقال الحاكم أيضاً‪ :‬أخبرنا أبو أحمد بكر بن محمد المروزي‪ ،‬حدثنا أبو قِلبة‪ ،‬حدثنا أبو‬
‫الوليد‪ ،‬حدثنا أبو عَوانة‪ ،‬عن حصين بن عبد الرحمن‪ ،‬عن عمرو بن مرة‪ ،‬عن عمارة بن عمير‪،‬‬
‫ل صلى ال عليه وسلم يصلي صلة الضحى‪.‬‬
‫عن ابن جبير بن مطعم‪ ،‬عن أبيه أنه رأى رسول ا ّ‬
‫قال الحاكم أيضاً‪ :‬حدثنا إسماعيل بن محمد‪ ،‬حدثنا محمد بن عدي بن كامل‪ ،‬حدثنا وهب بن‬
‫بقية الواسطي‪ ،‬حدثنا خالد بن عبد الّ‪ ،‬عن محمد بن قيس‪ ،‬عن جابر بن عبد الّ‪ ،‬أن النبي صلى‬
‫ال عليه وسلم صلى الضّحى ستّ ركعات‪.‬‬
‫ثم روى الحاكم عن إسحاق بن بشير المحاملي‪ ،‬حدثنا عيسى بن موسى‪ ،‬عن جابر‪ ،‬عن‬
‫عمر بن صبح‪ ،‬عن مقاتل بن حيان‪ ،‬عن مسلم بن صبيح‪ ،‬عن مسروق‪ ،‬عن عائشة وأم سلمة‬
‫ل صلى ال عليه وسلم يُصلي صلة الضحى ثنتي عشرة‬
‫رضي الّ عنهما‪ ،‬قالتا‪ :‬كان رسول ا ّ‬
‫ركعة‪ ،‬وذكر حديثًا طويلً‪.‬‬
‫وقال الحاكم‪ :‬أخبرنا أبو أحمد بن محمد الصيرفي‪ ،‬حدثنا أبو قِلبة الرقاشي‪ ،‬حدثنا أبو‬
‫ل عنه‪(( :‬أن النبي‬
‫الوليد‪ ،‬حدثنا شعبة‪ ،‬عن أبي إسحاق‪ ،‬عن عاصم بن ضُمرة‪ ،‬عن علي رضي ا ّ‬
‫صلى ال عليه وسلم كان يُصلي الضحى))‪.‬‬
‫وبه إلى أبي الوليد‪ .‬حدثنا أبو عَوانة‪ ،‬عن حُصين بن عبد الرحمن‪ ،‬عن عمرو بن مرة‪ ،‬عن‬
‫ل صلى ال عليه‬
‫عِمارة بن عمير العبدي‪ ،‬عن ابن جبير بن مُطعم‪ ،‬عن أبيه‪ ،‬أنه رأى رسول ا ّ‬
‫وسلم يُصلي الضحى‪ .‬قال الحاكم‪ :‬وفي الباب عن أبي سعيد الخُدري‪ ،‬وأبي ذر الغِفاري‪ ،‬وزيد بن‬
‫ل بن أبي أوفى‪ ،‬وعِتبان بن مالك‪،‬‬
‫أرقم‪ ،‬وأبي هريرة‪ ،‬وبُريدة السلمي‪ ،‬وأبي الدرداء‪ ،‬وعبد ا ّ‬
‫ل السلمي‪ ،‬ونعيم بن همّار الغطفاني‪ ،‬وأبي أمامة الباهلي رضي‬
‫وأنس بن مالك‪ ،‬وعُتبة بن عبد ا ّ‬

‫‪154‬‬

‫ل عنهن‪ ،‬كلهم شهدوا‬
‫ل عنهم‪ ،‬ومن النساء‪ ،‬عائشة بنت أبي بكر‪ ،‬وأم هانىء‪ ،‬وأم سلمة رضى ا ّ‬
‫ا ّ‬
‫أن النبي صلى ال عليه وسلم كان يُصليها‪.‬‬
‫وذكر الطبراني من حديث علي‪ ،‬وأنس‪ ،‬وعائشة‪ ،‬وجابر‪ ،‬أن النبي صلى ال عليه وسلم‬
‫كان يُصلي الضحى ست ركعات‪.‬‬
‫فاختلف الناس في هذه الحاديث على طرق‪ ،‬منهم من رجح رواية الفعل على الترك‬
‫بأنها مثبتة تتضمن زياد َة علم خفيت على النافي‪ .‬قالوا‪ :‬وقد يجوز أن يذهب عل ُم مثل هذا على كثير‬
‫ن أبي‬
‫يبُ‬
‫من الناس‪ ،‬ويُوجد عند القل‪ .‬قالوا‪ :‬وقد أخبرت عائشة‪ ،‬وأنس‪ ،‬وجابر‪ ،‬وأم هانىء‪ ،‬وعل ّ‬
‫ث الصحيحة المتضمن ُة للوصية بها‪ ،‬والمحافظةِ عليها‪،‬‬
‫طالب‪ ،‬أنه صلها‪ .‬قالوا‪ :‬ويؤيد هذا الحادي ُ‬
‫ل عنه قال‪ :‬أوصاني‬
‫ومدحِ فاعلها‪ ،‬والثنا ِء عليه‪ ،‬ففي ((الصحيحين)) عن أبي هريرة رضي ا ّ‬
‫خليلي محمد بصيا ِم ثلثَةِ أيام مِن كل شهر‪ ،‬وركعتي الضحى‪ ،‬وأن أُو ِترَ قبل أن أنام‪.‬‬
‫وفي ((صحيح مسلم)) نحوه عن أبي الدرداء‪.‬‬
‫ى مِن َأحَ ِدكُم‬
‫علَى كُلّ سُلَم َ‬
‫وفي ((صحيح مسلم))‪ ،‬عن أبي ذر يرفعه‪ ،‬قال‪(( :‬يُصبِحُ َ‬
‫ل تَح ِميْ َد ٍة صَدَقَةٌ‪َ ،‬وكُلّ َت ْهلِيلَ ٍة صَدَقَةٌ‪َ ،‬وكُلّ َت ْكبِي َر ٍة صَدَقَةٌ‪َ ،‬وَأ ْمرٌ‬
‫ل تَس ِبيْحَ ٍة صدَقَةٌ‪َ ،‬وكُ ّ‬
‫صَدَقَةٌ‪َ ،‬فكُ ّ‬
‫ن الضحَى))‪.‬‬
‫ن َي ْر َك ُع ُهمَا مِ َ‬
‫ك َر ْكعَتا ِ‬
‫جزِى ُء مِن َذِل َ‬
‫ن ال ُم ْن َكرِ صَدَقَةٌ‪ ،‬وت ْ‬
‫بِال َم ْعرُوفِ صَدَقَةٌ‪َ ،‬و َن ْهيٌ عَ ِ‬
‫جهَني‪ ،‬أن رسول ال صلى ال عليه وسلم‪.‬‬
‫وفي ((مسند الِمام أحمد))‪ ،‬عن مُعاذ بن أنس ال ُ‬
‫ح رَكعتَي الضّحى ل يقول إِلّ‬
‫سبّ َ‬
‫حتّى يُ َ‬
‫صبْحِ َ‬
‫لةِ ال ّ‬
‫ن صَ َ‬
‫ص ِرفُ مِ ْ‬
‫ن َي ْن َ‬
‫لهُ حي َ‬
‫قال‪(( :‬مَن َقعَدَ في ُمصَ ّ‬
‫حرِ))‪.‬‬
‫ل َزبَدِ الب ْ‬
‫خَيراً‪ ،‬غَ َفرَ ال خَطَايَا ُه وإِن كَا َنتْ ِمثْ َ‬
‫ل عنه‪ ،‬قال‪ :‬قال رسول الّ‬
‫وفي الترمذى‪ ،‬و((سنن ابن ماجه)) عن أبي هريرة رضي ا ّ‬
‫حرِ))‪.‬‬
‫ل َزبَ ِد البَ ْ‬
‫سبْحَ ِة الضّحَى‪ ،‬غ ِف َر لَهُ ُذنُوبُه وإِن كانَت ِمثْ َ‬
‫صلى ال عليه وسلم ((مَن حَافَظَ على ُ‬
‫وفي ((المسند)) والسنن‪ ،‬عن نعيم بن همّار قال‪ :‬سمعت رسول ال صلى ال عليه وسلم‬
‫خرَه)) رواه‬
‫ل النّهار أكفك آ ِ‬
‫ت في أوّ ِ‬
‫ن َأرْبعِ َركَعا ٍ‬
‫ل َتعْجزَنّ عَ ْ‬
‫ن آدَمَ َ‬
‫يقول ((قال الّ عز وجل‪ :‬يا ابْ َ‬
‫الترمذي من حديث أبي الدرداء‪ ،‬وأبي ذر‪.‬‬
‫ن صَلّى الضّحَى ِث ْن َتيْ‬
‫وفي ((جامع الترمذي)) و((سنن ابن ماجه))‪ ،‬عن أنس مرفوعاً‪(( :‬مَ ْ‬
‫ب في الجنة))‪.‬‬
‫لّ لَهُ َقصْراً مِن ذَ َه ٍ‬
‫ش َرةَ َر ْكعَةً‪َ ،‬بنَى ا ُ‬
‫عَ ْ‬

‫‪155‬‬

‫وفي ((صحيح مسلم))‪ ،‬عن زيد بن أرقم أنه رأى قومًا يُصلون من الضحى في مسجد قُباء‪،‬‬
‫ل صلى ال عليه وسلم قال‪:‬‬
‫علِموا أن الصلة في غير هذه الساعة أفضلُ إنّ رسول ا ّ‬
‫فقال‪ :‬أما لقد َ‬
‫ن َت ْرمَض الفِصَالُ))‪.‬‬
‫ل ُة الوّابين حي َ‬
‫((ص َ‬
‫ض الفِصال‪ ،‬أي‪ :‬يشتد حر النهار‪ ،‬فتجد الفِصال حرار َة الرمضاء‪ .‬وفي‬
‫وقوله‪ :‬ترمَ ُ‬
‫((الصحيح)) أن النبي صلى ال عليه وسلم صلى الضّحى في بيت عِتبان بن مالك ركعتين‪.‬‬
‫ل الواسطي‪ ،‬عن محمد بن عمرو‪ ،‬عن‬
‫وفي ((مستدرك)) الحاكم من حديث خالد بن عبد ا ّ‬
‫ل صلى ال عليه وسلم قال‪(( :‬ل يُحافِظُ عَلى صَلةِ الضّحَى‬
‫أبي سلمة‪ ،‬عن أبي هريرة‪ ،‬أن رسول ا ّ‬
‫إل َأوَاب)) وقال‪(( :‬هذا إسناد قد احتج بمثله مسلمُ بن الحجاج‪ ،‬وأنه حدث عن شيوخه‪ ،‬عن محمد‬
‫ل عنه‪ ،‬عن النبي صلى ال عليه وسلم ((مَا أَذِنَ‬
‫بن عمرو‪ ،‬عن أبي سلمة‪ ،‬عن أبي هريرة رضي ا ّ‬
‫ن ِل َن ِبيّ َي َت َغنّى بِال ُقرْآنِ)) قال‪ :‬ولعل قائلً يقول‪ :‬قد أرسله حماد بن سلمة‪ ،‬وعبد‬
‫ال لِشَيء ما أَذِ َ‬
‫ل ثقة‪ ،‬والزيادة من‬
‫العزيز بن محمد ال ّدرَاوردي‪ ،‬عن محمد بن عمرو‪ ،‬فيقال له‪ :‬خالد بن عبد ا ّ‬
‫الثقة مقبولة‪.‬‬
‫ثم روى الحاكم‪ :‬حدثنا عبدان بن يزيد‪ ،‬حدثنا محمد بن المغيرة السكري‪ ،‬حدثنا القاسم بن‬
‫الحكم العرَني‪ ،‬حدثنا سليمان بن داود اليمامي‪ ،‬حدثنا يحيى بن أبي كثير‪ ،‬عن أبي سلمة‪ ،‬عن أبي‬
‫ب الضّحَى‪ ،‬فَإِذَا كَانَ‬
‫ل لَهُ با ُ‬
‫جنّةِ بابًا يُقا ُ‬
‫هريرة‪ ،‬قال‪ :‬قال رسول الّ صلى ال عليه وسلم‪(( :‬إِنَ ِللْ َ‬
‫حمَةِ‬
‫خلُوه ِبرَ ْ‬
‫َيوْم ال ِقيَامَة نادَى ُمنَادٍ‪َ :‬أيْنَ الّذِينَ كانوا يُداوِمونَ عَلى صلة الضحَى‪ ،‬هذا بابكم‪ ،‬فادْ ُ‬
‫الِ))‪.‬‬
‫وقال الترمذي في ((الجامع))‪ :‬حدثنا أبو كُريبٍ محمد بن العلء‪ ،‬حدثنا يُونس بن بكير‪،‬‬
‫عن محمد بن إسحاق‪ ،‬قال‪ :‬حدثني موسى بن فلن‪ ،‬عن عمه ثُمامة بن أنس بن مالك‪ ،‬عن أنس بن‬
‫لّ لَهُ‬
‫صلّى الضّحى ِث ْن َتيْ عَش َر َة َر ْكعَةً‪َ ،‬بنَى ا ُ‬
‫مالك‪ ،‬قال‪ :‬قال رسول ال صلى ال عليه وسلم ((مَن َ‬
‫جنّة))‪ .،‬قال الترمذي‪ :‬حديث غريب ل نعرفه إل من هذا الوجه‪ .‬وكان أحمد‬
‫َقصْراً مِنْ ذَ َهبٍ في ال َ‬
‫يرى أصحّ شيء في هذا الباب حديثَ أم هانئ‪ .‬قلت‪ :‬وموسى ابن فلن هذا‪ ،‬هو موسى بن عبد الّ‬
‫بن المثنى بن أنس بن مالك‪.‬‬
‫وفي ((جامعه)) أيضاً مِن حديث عَطية ال َعوْفي‪ ،‬عن أبي سعيد الخُدري‪ ،‬قال‪ :‬كانَ رسول‬
‫ل صلى ال عليه وسلم يصلي الضّحَى حتى نقولَ‪ :‬ل يدعُها‪ ،‬ويدعُها حتى نقولَ‪ :‬ل يصليها‪ .‬قال‪:‬‬
‫ا ّ‬
‫هذا حديث حسن غريب‪.‬‬

‫‪156‬‬

‫وقال الِمام أحمد في ((مسنده)) حدثنا أبو اليمان‪ ،‬حدثنا إسماعيل بن عياش‪ ،‬عن يحيى بن‬
‫ن مَشى إلى‬
‫الحارث ال ّذمَاريَ‪ ،‬عن القاسم‪ ،‬عن أبي أمامة‪ ،‬عن النبي صلى ال عليه وسلم‪ ،‬قال‪(( :‬مَ ْ‬
‫ن لَهُ‬
‫ن مَشى إلى سُبحَة الضّحَى كَا َ‬
‫ج المُحرِم‪ ،‬ومَ ْ‬
‫جرِ الحا ّ‬
‫ن لَه كَأَ ْ‬
‫طهّر‪ ،‬كا َ‬
‫صَلةٍ مكَتوبَ ٍة وَهوَ ُمتَ َ‬
‫عّليِين)) قال أبو أمامة‪ :‬الغدو‬
‫ل َل ْغوَ َب ْينَهمَا ِكتَابٌ في ِ‬
‫ج ِر المُع َت ِمرِ‪َ ،‬وصَلة عَلى إِثرِ صَلة َ‬
‫كَأَ ْ‬
‫لّ ع ّز وَجَلّ‪.‬‬
‫والرواح إلى ه ِذ ِه المَساجِ ِد مِنَ الجِهادِ في سَبيلِ ا ِ‬
‫وقال الحاكم‪ :‬حدثنا أبو العباس‪ ،‬حدثنا محمد بن إسحاق الصغاني حدثنا أبو المورّع‬
‫محاضر بن المورّع‪ ،‬حدثنا الحوصُ بن حكيم‪ ،‬حدثني عبد الّ بن عامر اللهاني‪ ،‬عن منيب بن‬
‫ل صلى ال عليه وسلم أنه كان يقول‪(( :‬مَن‬
‫ل السّلمي‪ ،‬عن أبي أمامة‪ ،‬عن رسول ا ّ‬
‫عيينة بن عبد ا ّ‬
‫ن لَ ُه كَأَجرِ‬
‫حتّى الضّحَى‪ ،‬ث ّم يُصلّي سُبحَ َة الضّحَى‪ ،‬كا َ‬
‫جمَاعَةٍ‪ ،‬ث ّم ثبتَ فيهِ َ‬
‫صلّى الصبحَ في مَسجِدِ َ‬
‫َ‬
‫جتُه وَعُمرَتُه))‪.‬‬
‫حّ‬
‫ج َأ ْو ُم ْع َت ِمرٍ تَام لَهُ َ‬
‫حا ّ‬
‫وقال ابن أبي شيبة‪ :‬حدثني حاتم بن إسماعيل‪ ،‬عن حميد بن صخر‪ ،‬عن المقبُري‪ ،‬عن‬
‫ل عنه‪ ،‬قال‪ :‬بعث النبي صلى ال عليه وسلم جيشاً‪ ،‬فأعظموا‬
‫العرج‪ ،‬عن أبي هُريرة رضي ا ّ‬
‫ع كر ًة ول أعظَمَ غنيمة‬
‫الغنيمةَ‪ ،‬وأسرعوا ال َكرّة‪ .‬فقال رجل‪ :‬يا رسول الّ ! ما رأينا بعثاً قطّ أسر َ‬
‫ل توضأَ في بَيتِهِ َفأَحْسَنَ‬
‫ع َك ّرةً‪َ ،‬وأَعْظَمَ غَنيمَةً‪ :‬رَجُ ٌ‬
‫من هذا البَعثِ‪ ،‬فقال‪(( :‬أَل أُخبِركُ ْم بِأَسرَ َ‬
‫ع ال َكرَةَ‬
‫ل َة الغَداةِ‪ ،‬ثُ ّم أَع َقبَ بِصلةِ الضّحى‪ ،‬فَقَد َأرَ َ‬
‫صلّى في ِه صَ َ‬
‫عمَدَ إلى المَسجِد‪َ ،‬ف َ‬
‫وُضوءَه‪ ،‬ثَمّ َ‬
‫وَأعْظَمَ ال َغنِيمَة))‪.‬‬
‫وفي الباب أحاديث سوى هذه‪ ،‬لكم هذه أمثلها قال الحاكم‪ :‬صحبتُ جماع ًة من أئمة الحديث‪،‬‬
‫فوجدتهم يختارون هذا العددَ‪ ،‬يعني أربعَ ركعات‪ ،‬ويُصلون هذه الصلة أربعاً‪ ،‬لتواتر الخبار‬
‫الصحيحة فيه‪ ،‬وإليه أذهب‪ ،‬وإليه أدعو اتّباعاَ للخبار المأثورة‪ ،‬واقتداء بمشايخ الحديث فيه‪.‬‬
‫قال ابن جرير الطبري وقد ذكر الخبا َر المرفوع َة في صلة الضحى‪ ،‬واختلف عددها‪:‬‬
‫وليس في هذه الحاديث حديثّ يدفع صاحبه‪ ،‬وذلك أن من حكى أنه صلى الضحى أربعاً جائز أن‬
‫ل أخرى صلى ركعتين‪ ،‬ورآه آخرُ في حال أخرى‬
‫يكون رآه في حال فعلِه ذلك‪ ،‬ورآه غيرُه في حا ٍ‬
‫ث على أن يُصلي ركعتين‪ ،‬وآخر‬
‫ث على أن يُصلي ستاً‪ ،‬وآخر يح ّ‬
‫صلها ثمانياً‪ ،‬وسمعه آخر يح ّ‬
‫على عشر‪ ،‬وآخر على ثنتي عشرة‪ ،‬فأخبر كلّ واحد منهم عما رأى وسمع‪ .‬قال‪ :‬والدليل على‬
‫ل بن عمر يقول لبي ذر‪ :‬أوصني يا عم‪،‬‬
‫صحة قولنا‪ ،‬ما ر ِويَ عن زيد بن أسلم قال‪ .‬سمعتُ عبد ا ّ‬
‫صلّى الضّحى َر ْك َع َتيْنِ‪ ،‬لَمْ‬
‫ل صلى ال عليه وسلم كما سألتني‪ ،‬فقال؟ ((مَنْ َ‬
‫قال‪ :‬سألتُ رسول ا ّ‬

‫‪157‬‬

‫ك ال َيوْمَ َذ ْنبٌ‪،‬‬
‫ستّا‪ ،‬لَ ْم َيلْحَقْةُ َذِل َ‬
‫صلّى ِ‬
‫ن العَابِدين‪ ،‬ومَن َ‬
‫ب مِ َ‬
‫صلًى أربَعاً‪ ،‬ك ِت َ‬
‫ي ْك َتبْ مِن الغَا ِفلِينَ‪َ ،‬ومَنْ َ‬
‫جنّة))‪.‬‬
‫ل لَ ُه َبيْتا في ال َ‬
‫صلّى عَشْرًا بَنى ا ّ‬
‫ن القَا ِنتِينَ‪ ،‬ومَنْ َ‬
‫صلّى ثَمانِياَ‪ُ ،‬ك ِتبَ مِ َ‬
‫َومَنْ َ‬
‫ل صلى ال عليه وسلم يومًا الضحى ركعتين‪ ،‬ثم يوماً أربعاً‪ ،‬ثم‬
‫وقال مجاهد‪ :‬صلّى رسولُ ا ّ‬
‫خ ِب ٍر ممن‬
‫ستّا‪ ،‬ثم يوماً ثمانيًا ثم تركَ‪ .‬فأبان هذا الخبر عن صحة ما قلنا من احتمال خبر كل مُ ْ‬
‫يوماً ِ‬
‫تقدم أن يكون إخبارُه لِما أخبر عنه في صلة الضّحى على قدر ما شاهده وعاينه‪.‬‬
‫والصواب‪ :‬إذا كان المر كذلك‪ :‬أن يُصلّيها من أراد على ما شاء من العدد‪ .‬وقد ر ِويَ هذا‬
‫عن قوم من السلف حدثنا ابنُ حميد‪ ،‬حدثنا جرير‪ ،‬عن إبراهيم‪ ،‬سأل رجل السود‪ ،‬كم أصلي‬
‫الضحى؟ قال‪ :‬كم شئت‪.‬‬
‫وطائفة ثانية‪ ،‬ذهبت إلى أحاديث الترك‪ ،‬ورجّحتها من جهة صحة إسنادها‪ ،‬وعمل‬
‫الصحابة بموجبها‪ ،‬فروى البخاري عن ابن عمر‪ ،‬أنه لم يكن يُصليها‪ ،‬ول أبو بكر‪ ،‬ول عمر‪ .‬قلت‪:‬‬
‫فالنبي صلى ال عليه وسلم قال‪ :‬ل إخاله‪ .‬وقال وكيع‪ :‬حدثنا سفيان الثوري‪ ،‬عن عاصم بن كُليب‪،‬‬
‫ل صلى ال عليه وسلم صلّى صلة الضحى إل‬
‫عن أبيه‪ ،‬عن أبي هريرة‪ ،‬قال‪ :‬ما رأيتُ رسول ا ّ‬
‫يوماً واحداً‪ .‬وقال علي بن المديني‪ :‬حدثنا معاذ بن معاذ‪ ،‬حدثنا شعبة‪ ،‬حدثنا فضيل بن فَضالة‪ ،‬عن‬
‫عبد الرحمن بن أبي بكرة‪ ،‬قال‪ :‬رأى أبو بكرة ناسًا يُصلون الضحى‪ ،‬قال‪ :‬إنكم لتصلون صلة ما‬
‫صلها رسول ال صلى ال عليه وسلم ول عامَةُ أصحابه‪.‬‬
‫وفي ((الموطأ))‪ :‬عن مالك‪ ،‬عن ابن شهاب‪ ،‬عن عُروة‪ ،‬عن عائشة قالت‪ :‬ما سبّح رسولُ‬
‫ل صلى ال عليه‬
‫ل صلى ال عليه وسلم سُبح َة الضّحى قطّ‪ ،‬وإني لسبّحُها‪ ،‬وإن كان رسولُ ا ّ‬
‫ا ّ‬
‫ع العمل وهو يحب أن يعمل به خشي َة أن يعمل به الناس‪َ ،‬فيُفرض عليهم‪.‬‬
‫وسلم ليَدَ ُ‬
‫وقال أبو الحسن علي بن بطّال‪ :‬فأخذ قوم من السّلف بحديث عائشة‪ ،‬ولم َيرَوا صلةَ‬
‫الضحى‪ ،‬وقال قوم‪ :‬إنها بدعة‪ ،‬روى الشعبي‪ ،‬عن قيس بن عُبيد‪ ،‬قال‪ :‬كنت أختلِف إلى ابن مسعود‬
‫سنَةَ كلّها‪ ،‬فما رأيتُه مصليًا الضحى‪ .‬وروى شعبة‪ ،‬عن سعد بن إبراهيم‪ ،‬عن أبيه أن عبد الرحمن‬
‫ال ّ‬
‫بن عوف‪ ،‬كان ل يصلي الضحى‪ .‬وعن مجاهد‪ ،‬قال‪ :‬دخلت أنا وعروة بن الزبير المسجدَ‪ ،‬فإذا ابنُ‬
‫عمر جالس عند حُجرة عائشة‪ ،‬وإذا الناس في المسجد يُصلون صلة الضحى‪ ،‬فسألناه عن‬
‫ت البِدْعةُ‪.‬‬
‫صلتهم‪ ،‬فقال‪ :‬بدعة‪ .،‬وقال مرة‪ :‬ونِع َم ِ‬
‫ت ابن عمر يقول‪ :‬ما ابتدع المسلمون أفضل صلة مِن الضحى‪،‬‬
‫وقال الشعبي‪ :‬سمع ُ‬
‫وسئل أنس بن مالك عن صلة الضحى‪ ،‬فقال‪ :‬الصلوات خمس‪.‬‬

‫‪158‬‬

‫غبّا‪ ،‬فتُصلى في بعض اليام دون بعض‪ ،‬وهذا أحدُ‬
‫وذهبت طائفة ثالثة إلى استحباب فعلها ِ‬
‫الروايتين عن أحمد‪ ،‬وحكاه الطبري عن جماعة‪ ،‬قال‪ :‬واحتجوا بما روى الجُريري‪ ،‬عن عبد الّ‬
‫ن رسول ال صلى ال عليه وسلم يُصلي الضحى؟ قالت‪ :‬ل إل أن‬
‫بن شَقيق‪ ،‬قال‪ :‬قلتُ لعائشة أكا َ‬
‫ل صلى ال عليه وسلم يُصلي الضحى‪،‬‬
‫يَجي َء مِن مغيبه ثم ذكر حديث أبي سعيد‪ :‬كان رسولُ ا ّ‬
‫حتى نقول ل يدعها‪ ،‬ويدعها حتى نقول‪ :‬ل يصليها‪ ،‬وقد تقدم‪ .‬ثم قال كذا ذكر من كان يفعل ذلك‬
‫مِن السلف وروى شعبة‪ ،‬عن حبيب بن الشهيد‪ ،‬عن عكرمة قال‪ :‬كان ابنُ عباس يُصليها يوماً‪،‬‬
‫ويدعها عشرة أيام يعني صل َة الضحى وروى شعبة‪ ،‬عن عبد الّ بن دينار‪ ،‬عن ابن عمر‪ ،‬أنه كان‬
‫ل يُصلي الضحى‪ .‬فإذا أتى مسجد قُباء‪ ،‬صلّى‪ ،‬وكان يأتيه كلّ سبت‪ .‬وروى سفيان‪ ،‬عن منصور‪،‬‬
‫قال كانوا يكرهون أن يحافظوا عليها كالمكتوبة‪ ،‬ويُصلون ويدعون يعني صلة الضحى‪ .‬وعن‬
‫سعيد بن جبير‪ :‬إني لدع صلة الضحى وأنا أشتهيها‪ ،‬مخافة أن أراها حتماً علي وقال مسروق‪:‬‬
‫كنا نقرأ في المسجد‪ ،‬فنبقى بعد قيام ابن مسعود‪ ،‬ثم نقوم‪ ،‬فنصلي الضحى‪ ،‬فبلغ ابن مسعود ذلك‬
‫جلَز‬
‫فقال‪ :‬لِم تُحمّلون عبادَ ال ما لم يُحمّلهم الّ؟! إن كنتم ل بُدّ فاعلين‪ ،‬ففي بيوتكم وكان أبو مِ ْ‬
‫يصلي الضحى في منزله‪.‬‬
‫قال هؤلء‪ :‬وهذا أولى لئل يتوهم متوهمٌ وجوبَها بالمحافظة عليها‪ ،‬أو كونَها سن َة راتبةً‬
‫شرَ لي َأبَواي ما َترَكتها‪ .‬فإنها كانت تُصليها في البيت حتى ل يراها الناس‪.‬‬
‫ولهذا قالت عائشة‪ :‬لو نُ ِ‬
‫وذهبت طائفة رابعة إلى أنها تُفعل بسبب من السباب‪ ،‬وأن النبي صلى ال عليه‬
‫وسلم‪ ،‬إنما فعلها بسبب‪ ،‬قالوا‪ :‬وصلته صلى ال عليه وسلم يومَ الفتح ثمان ركعات ضحى‪ ،‬إنما‬
‫كانت مِن أجل الفتح‪ ،‬وأن سنة الفتح أن تصلى عنده ثمان ركعات‪ ،‬وكان المراء يُسمونها صلة‬
‫ي في ((تاريخه)) عن الشعبي قال‪ :‬لما فتح خالد بن الوليد الحِجرة‪ ،‬صلَى صلة‬
‫الفتح وذكر الطبر َ‬
‫الفتح ثمانَ ركعات لم يُسلم فيهن‪ ،‬ثم انصرف‪ .‬قالوا‪ :‬وقول أم هانىء‪(( :‬وذلك ضحى))‪ .‬تريد أن‬
‫فعله لهذه الصلة كان ضحى‪ ،‬ل أن الضحى اسم لتلك الصلة‪ .‬قالوا‪ :‬وأما صلته في بيت عِتبان‬
‫ل بيني‬
‫ت بصري‪ ،‬وإنّ السيول تحو ُ‬
‫عتْبان قال له‪ :‬إنّي أنكر َ‬
‫بن مالك‪ ،‬فإنما كانت لسبب أيضاَ‪ ،‬فإن ِ‬
‫ت أنك جئت‪ ،‬فصليتَ في بيتي مكاناً أتخذه مسجداَ‪ ،‬فقال‪(( :‬أفعل إن شاء‬
‫وبين مسجد قومي‪ ،‬فَودِد ُ‬
‫ل صلى ال عليه وسلم وأبو بكر معه بعدما أشت ّد النهارُ فاستأذن‬
‫ال تعالى)) قال‪ :‬فغدا عليّ رسول ا ّ‬
‫صّليَ مِن بَي ِتكَ))‪،‬؟‬
‫حبّ أَن أ َ‬
‫النبي صلى ال عليه وسلم فأذنت له‪ ،‬فلم يجلِس حتى قال‪(( :‬أين ت ِ‬

‫‪159‬‬

‫فأشرت إليه من المكان الذي أُحب أن يصلي فيه‪ ،‬فقام وصففنا خلفه‪ ،‬وصلى‪ ،‬ثم سلم‪ ،‬وسلمنا حين‬
‫سلم‪ .‬متفق عليه‪.‬‬
‫فهذا أصل هذه الصلة وقصتها‪ ،‬ولفظ البخاري فيها‪ ،‬فاختصره بعض الرواة عن عِتبان‪،‬‬
‫ل ال صلى ال عليه وسلم صلّى في بيتي سُبحة الضحى‪ ،‬فقاموا وراءه فصّلوْا‪.‬‬
‫فقال‪ :‬إن رسو َ‬
‫ل صلى ال عليه وسلم يُصلي الضحى إل أن يَقْدَ َم مِنْ‬
‫وأما قولُ عائشة‪ :‬لم يكن رسول ا ّ‬
‫مغيبه‪ ،‬فهذا من أبين المور أن صلته لها إنما كانت لسبب‪ ،‬فإنه صلى ال عليه وسلم كان إذا‪ .‬قَدِمَ‬
‫من سفر‪ ،‬بدأ بالمسجد‪ ،‬فصلى فيه ركعتين‪.‬‬
‫ل صلى ال‬
‫فهذا كان هديَه‪ ،‬وعائشةُ أخبرت بهذا وهذا‪ ،‬وهي القائلةُ‪(( :‬ما صلّى رسول ا ّ‬
‫عليه وسلم صلةَ الضحى قطّ))‪.‬‬
‫فالذي أثبتته فعلها بسبب‪ ،‬كقدومه من سفر‪ ،‬وفتحه‪ ،‬وزيارتِه لقوم ونحوه‪ ،‬وكذلك إتيانُه‬
‫مسجد قباء للصلة فيه‪ ،‬وكذلك ما رواه يوسف بن يعقوب‪ ،‬حدّثنا محمد بن أبي بكر‪ ،‬حدّثنا سلمة بن‬
‫ن أبي أوفى صلى الضّحى ركعتين يوم بُشّر برأس أبي جهل‪.‬‬
‫رجاء‪ ،‬حدّثتنا الشعثاء‪ ،‬قالت‪ :‬رأيتُ اب َ‬
‫ح فهي صلة شكر وقعت وقت الضحى‪ ،‬كشُكر الفتح والذيَ نفته‪ ،‬هو ما كان يفعله‬
‫فهذا إن ص ّ‬
‫الناس‪ ،‬تصلونها لغير سبب‪ ،‬وهي لم تقل‪ :‬إن ذلك مكروه‪ ،‬ول مخالفٌ لسنته‪ ،‬ولكن لم يكن مِن‬
‫هديه فعلُها لغير سبب‪ .‬وقد أوصى بها وندب إليها‪ ،‬وحضّ عليها‪ ،‬وكان يَستغني عنها بقيام الليل‪،‬‬
‫خلْفَ ًة ِلمَن أَرادَ أَنْ‬
‫ل والنّهارَ ِ‬
‫ل الَليْ َ‬
‫جعَ َ‬
‫فإن فيه غُنية عنها وهي كالبدل منه‪ ،‬قال تعالى‪{ :‬وَ ُه َو الّذي َ‬
‫يَ ّذ ّكرَ أ ْو أرادَ شُكو َراً} [الفرقان‪ ]62 :‬قال ابن عباس‪ ،‬والحسن‪ ،‬وقتادة‪ :‬عوضاً وخلفاً يقوم أحدُهما‬
‫مقامَ صاحبه‪ ،‬فمن فاته عمل في أحدهما‪ ،‬قضاه في الخر‪.‬‬
‫س إلى‬
‫حمَان النا َ‬
‫قال قتادة‪ :‬فأدوا لّ من أعمالكم خيراً في هذا الليل والنهار‪ ،‬فإنهما مطيّتان يُق ِ‬
‫ل موعود إلى يوم القيامة‪.‬‬
‫آجالهم‪ ،‬ويُقرّبان كلّ بعيد‪ ،‬ويبليان كلّ جديد‪ ،‬ويَجيئان بك ّ‬
‫وقال شقيق‪ :‬جاء رجل إلى عمر بن الخطاب رضي ال عنه فقال‪ :‬فاتتني الصلةُ الليلة‪،‬‬
‫ل عزّ وجل جعل الليلَ والنهار خِلفة لمن أراد أن‬
‫فقال‪ :‬أدرك ما فاتك مِن ليلتك في نهارك‪ ،‬فإن ا ّ‬
‫ي ّذكّر أو أراد شُكورا‪.‬‬
‫ل عنهم يدل على هذا‪ ،‬فإن ابن عباس كان يُصليها يوماً‪،‬‬
‫قالوا‪ :‬وفِعل الصحابة رضي ا ّ‬
‫ويدعها عشرة‪ ،‬وكان ابنُ عمر ل يصليها‪ ،‬فإذا أتى مسجد قُباء‪ ،‬صلها‪ ،‬وكان يأتيه كلّ سبت وقال‬
‫سفيان‪ ،‬عن منصور‪ :‬كانوا يكرهون أن يُحافظوا عليها‪ ،‬كالمكتوبة‪ ،‬ويصلون ويَدعون‪ ،‬قالوا‪ :‬ومِن‬

‫‪160‬‬

‫ل من النصار كان ضخماً‪ ،‬فقال للنبي صلى ال عليه وسلم‪:‬‬
‫هذا الحديثُ الصحيح عن أنس‪ ،‬أن رج ً‬
‫ي معك‪ ،‬فصنع للنبي صلى ال عليه وسلم طعاماً‪ ،‬ودعاه إلى بيته‪ ،‬ونضح له‬
‫إني ل أستطيع أن أُصل َ‬
‫طرفَ حصير بماء‪ ،‬فصلى عليه ركعتين قال أنس ما رأيته صلى الضحى غير ذلك اليوم رواه‬
‫البخاري‪.‬‬
‫ومن تأمل الحاديث المرفوعة وآثارَ الصحابة‪ ،‬وجدها ل تدل إل على هذا القول‪،‬‬
‫ث الترغيب فيها‪ ،‬والوصيةُ بها‪ ،‬فالصحيح منها كحديث أبي هريرة وأبي ذر ليدل على‬
‫وأما أحادي ُ‬
‫أنها سنة راتبة لكل أحد‪ ،‬وإنما أوصى أبا هريرة بذلك‪ ،‬لنه قد روي أن أبا هريرة كان يختار درس‬
‫الحديث بالليل على الصلة‪ ،‬فأمره بالضحى بدلً من قيام الليل‪ ،‬ولهذا أمره أل ينام حتى يوتر‪ ،‬ولم‬
‫يأمر بذلك أبا بكر وعمر وسائر الصحابة‪.‬‬
‫وعامة أحاديث الباب في أسانيدها مقال‪ ،‬وبعضها منقطع‪ ،‬وبعضها موضوع ل يحل‬
‫ط ْعهَا إل عَنْ‬
‫الحتجاج به‪ ،‬كحديث يروى عن أنس مرفوعًا ((مَنْ دَاوَمَ على صَلَ ِة الضّحَى ول ْم يَق َ‬
‫ن نورٍ)) وضعه زكريا بن دُويد الكِندي‪ ،‬عن‬
‫ن نُورٍ في بَحرٍ مِ ْ‬
‫ت َأنَا وَهُو في َز ْورَقٍ مِ ْ‬
‫علّة‪ ،‬كن ُ‬
‫ِ‬
‫حميد‪.‬‬
‫وأما حديث يعلى بن أشدق‪ ،‬عن عبد ال بن جراد‪ ،‬عن النبي صلى ال عليه وسلم‪(( :‬من‬
‫سنَةَِ من الدّ ْهرِ ث ّم يَنسَاهَا َويَدَعهَا‪،‬‬
‫صلّيها ال ّ‬
‫ن الرّجُلَ َل ُي َ‬
‫صلّى ِم ْنكُم صلَ َة الضُحى‪َ ،‬فلْيصلها ُم َت َعبّداً‪ ،‬فإ ّ‬
‫َ‬
‫ن النّاقَة إلى َولَدِهَا إذا فَقَدَته)) فيا عجباً للحاكم كيف يحتج بهذا وأمثاله‪ ،‬فإنه يروي‬
‫ن إليهِ َكمَا تَحِ ّ‬
‫َفتَحِ ّ‬
‫هذا الحديثُ في كتاب أفرده للضحى‪ ،‬وهذه نسخة موضوعة على رسول ال صلى ال عليه وسلم‬
‫يعنى نسخة يعلى بن الشدق‪ .‬وقال ابن عدى‪ :‬روى يعلى بن الشدق‪ ،‬عن عمه عبد الّ بن جراد‪،‬‬
‫عن النبي صلى ال عليه وسلم‪ :‬أحاديث كثيرة منكرة‪ ،‬وهو وعمّه غي ُر معروفين‪ ،‬وبلغي عن أبي‬
‫ل صلى ال عليه وسلم؟ فقال‪:‬‬
‫مسهر‪ ،‬قال‪ :‬قلت ليعلى بن الشدق‪ :‬ما سمع عمّك من حديث رسول ا ّ‬
‫ل بن جراد‪،‬‬
‫جامعَ سفيان‪ ،‬وموطأ مالك‪ ،‬وشيئًا من الفوائد‪ .‬وقال أبو حاتم بن حبان‪ :‬لقي يعلى عبد ا ّ‬
‫فلما َكبِر‪ ،‬اجتمع عليه من ل دِين له‪ ،‬فوضعوا له شهباً بمائتي حديث‪ ،‬فجعل يحدّث بها وهو ل‬
‫يدري‪ ،‬وهو الذي قال له بعضُ مشايخ أصحابنا‪ :‬أيّ شيء سمعته من عبد الّ بن جراد؟ فقال‪ :‬هذه‬
‫ل الرواية عنه بحال‪.‬‬
‫النسخة‪ ،‬وجامعُ سفيان ل تحِ ُ‬
‫ث عمر بن صُبح عن مقاتل بن حيان حديث عائشة المتقدم‪ :‬كان رسول الّ‬
‫وكذلك حدي ُ‬
‫صلى ال عليه وسلم يُصلي الضحى ثنتي عشرة ركعة‪ ،‬وهو حديث طويل ذكره الحاكم في ((صلة‬

‫‪161‬‬

‫الضحى)) وهو حديث موضوع‪ ،‬المتهم به عمر بن صبح قال البخاري‪ :‬حدَثني يحيى‪ ،‬عن علي بن‬
‫جرير‪ ،‬قال سمعت عمر بن صبح يقول‪ :‬أنا وضعت خطبة النبي صلى ال عليه وسلم‪ ،‬وقال ابن‬
‫عدى منكر الحديث‪ .‬وقال ابن حبان‪ :‬يضع الحديث على الثقات‪ ،‬ل يَحِلّ كتب حديثه إل على جهة‬
‫التعجب منه‪ ،‬وقال الدارقطني‪ :‬متروك‪ ،‬وقال الزدي كذاب‪.‬‬
‫ث عبد العزيز بن أبان‪ ،‬عن الثوري‪ ،‬عن حجاج بن ُفرَافِصة‪ ،‬عن مكحول‪ ،‬عن‬
‫وكذلك حدي ُ‬
‫جرَادِ‪،‬‬
‫علَى سبحَ ِة الضّحى‪ ،‬غُ ِف َرتْ ذُنوبه‪ ،‬وإن كانت مثل عَدَدِ ال َ‬
‫أبي هريرة مرفوعًا ((مَن حَافظَ َ‬
‫ن زبَ ِد البَحرِ)) ذكره الحاكم أيضاً‪ .‬وعبد العزيز هذا‪ ،‬قال ابن نمير‪ :‬هو كذّاب‪ ،‬وقال يحيى‪:‬‬
‫َوأَكثر مِ ْ‬
‫ليس بشيء‪ ،‬كذاب خبيث يضع الحديث‪ ،‬وقال البخاري‪ ،‬والنسائي‪ ،‬والدارقطني‪ :‬متروكُ الحديث‪.‬‬
‫علَى شُ ْفعَةِ‬
‫وكذلك حديث النهاس بن قهم‪ ،‬عن شداد‪ ،‬عن أبي هريرة يرفعه ((من حَافَظَ َ‬
‫ت َأ ْكثَر مِن َزبَدِ البحر))‪ .‬والنهاس‪ ،‬قال يحيى‪ :‬ليس بشيء ضعيف‬
‫ن كَا َن ْ‬
‫الضُحَى‪ ،‬غُ ِف َرتْ ُذنُوبُه وَإ ْ‬
‫كان يروي عن عطاء‪ ،‬عن ابن عباس أشياء منكرة‪ ،‬وقال النسائي‪ :‬ضعيف‪ ،‬وقال ابن عدي‪:‬‬
‫ليساوى شيئاً‪ ،‬وقال ابن حبان‪ :‬كان يروي المناكير عن المشاهير‪ ،‬ويخالف الثقات‪ ،‬ل يجوز‬
‫الحتجاج به‪ ،‬وقال الدارقطني‪ :‬مضطرب الحديث‪ ،‬تركه يحيى القطان‪.‬‬
‫ل صلى ال عليه‬
‫وأما حديث حُميد بن صخر‪ ،‬عن المقبري‪ ،‬عن أبي هريرة‪ :‬بعث رسول ا ّ‬
‫وسلم‪ ،‬بعثاً الحديثَ‪ ،‬وقد تقدم‪ .‬فحميد هذا ضعفه النسائي‪ ،‬ويحيى بن معين‪ ،‬ووثقه آخرون‪ ،‬وأُن ِكرَ‬
‫ل أعلم‪.‬‬
‫عليه بعض حديثه‪ ،‬وهو ممن ل يحتج به إذا انفرد وا ّ‬
‫وأما حديث محمد بن إسحاق‪ ،‬عن موسى‪ ،‬عن عبد ال بن المثنى‪ ،‬عن أنس‪ ،‬عن عمه‬
‫جنّةِ مِنْ ذَ َهبٍ))‪ ،‬فمن الحاديث‬
‫صلّى الضّحَى‪ ،‬بنى ال له َقصْراً في ال َ‬
‫ن َ‬
‫ثُمامة‪ ،‬عن أنس يرفعه ((مَ ْ‬
‫الغرائب‪ ،‬وقال الترمذيَ‪ :‬غريب ل نعرفه إل من هذا الوجه‪.‬‬
‫ل ال ّنهَارِ‪َ ،‬أكْ ِفكَ‬
‫ن أ ْربَعِ ر َكعَات فى أوّ ِ‬
‫ج ْز لي عَ ْ‬
‫ل َتعْ ِ‬
‫وأما حديث نعيم بن همّار‪(( :‬ابن آدَمَ َ‬
‫خ َرهُ))‪ ،‬وكذلك حديث أبي الدرداء‪ ،‬وأبي ذر‪ ،‬فسمعت شيخ الِسلم ابن تيمية يقول‪ :‬هذه الربع‬
‫آِ‬
‫عندي هي الفجر وسنتها‪.‬‬
‫فصل‬
‫س ُر أو‬
‫وكان مِن هديه صلى ال عليه وسلم وهدي أصحابه سجو ُد الشكر عند تجدّد نِعمة ت ُ‬
‫اندفاع نِقمة‪ ،‬كما في ((المسند)) عن أبي بكرة‪ ،‬أن النبي صلى ال عليه وسلم كان إذا أتاه أمرٌ‬
‫شكْراً ل َتعَالى‪.‬‬
‫سرّه‪ ،‬خرّ ل سَاجِداً ُ‬
‫يَ ُ‬

‫‪162‬‬

‫خرّ لّ سَاجِداً‪.‬‬
‫شرَ بحَاجَةٍ‪ ،‬ف َ‬
‫وذكر ابنُ ماجه‪ ،‬عن أنس‪ ،‬أن النبي صلى ال عليه وسلم بُ ّ‬
‫وذكر البيهقي بإسناد على شرط البخاري‪ ،‬أن عليًا رضي ال عنه‪ ،‬لما كتب إلى النبي صلى‬
‫علَى َهمْدَانَ‪ ،‬السّلَمَ عَلى‬
‫ال عليه وسلم بإسلم همْدَان‪ ،‬خرّ ساجداً ثم رفع رأسه‪ ،‬فقال‪(( :‬السّلَم َ‬
‫َهمْدان)) وصدر الحديث في صحيح البخاري وهذا تمامه بإسناده عند البيهقي‪.‬‬
‫ل صلى ال عليه وسلم‪،‬‬
‫وفي ((المسند)) من حديث عبد الرحمن بن عوف‪ ،‬أن رسول ا ّ‬
‫سجد شكراً لما جاءته البُشرى من ربه‪ ،‬أنه من صلّى عليك‪ ،‬صّليْت عليه‪ ،‬ومن سلّم عليك‪ ،‬سلمتُ‬
‫عليه‪.‬‬
‫ل صلى ال عليه وسلم في‬
‫وفي سنن أبي داود من حديث سعد بن أبي وقاص‪ ،‬أن رسول ا ّ‬
‫ت رَبي وشَ َف ْعتُ لمّتي‪،‬‬
‫رفع يديه فسأل الّ ساعة‪ ،‬ثم خرّ ساجدًا ثلثَ مرات‪ ،‬ثم قال‪(( :‬إنّي سََأ ْل ُ‬
‫ت َربّي لمّتي‪ ،‬فَأَعْطَاني‬
‫ش ْك َرًا ِل َربّي‪ ،‬ثُ ّم رَفعت رأسْي‪ ،‬فَسَأل ُ‬
‫فَأَعْطَاني ثُلثَ ُأمّتي‪ ،‬فَخ َررْت سَاجِداً ُ‬
‫لمّتي‪ ،‬فأعطَاني الثّلثَ‬
‫سَأ ْلتُ َربّي ُ‬
‫خ َررَت سَاجداً شكْرًا ِلرَبي ث ّم رَفَعت رَأسي‪ ،‬فَ َ‬
‫الثّلثَ الثاني‪ ،‬فَ َ‬
‫خرَ‪ ،‬فَخَر َرتُ ساجدًا لربّي))‪.‬‬
‫ال َ‬
‫ل عليه‪ ،‬ذكره البخاري‪.‬‬
‫وسجد كعب بن مالك لما جاءته البشرى بتوبة ا ّ‬
‫ل عنه‪ ،‬أنه سجد حين وجد ذا الثّ َديّة في قتلى الخوارج‪.‬‬
‫وذكر أحمد عن علي رضي ا ّ‬
‫(يتبع‪)...‬‬
‫ل عنه‪ ،‬سجد حين جاءه قتلُ‬
‫وذكر سعيد بن منصور‪ ،‬أن أبا بكر الصّديق رضي ا ّ‬

‫@‬
‫مسيلِمة‪.‬‬

‫فصل‬
‫في هديه صلى ال عليه وسلم في سجود القرآن‬
‫كان صلى ال عليه وسلم‪ ،‬إذا مرّ بسجدة‪ ،‬كبّر وسجد‪ ،‬وربما قال في سجوده ((سَجَ َد وَجهي‬
‫س ْمعَ ُه َوبَص َرهُ بِحَولِ ِه وَ ُق ّوتِهِ))‪.‬‬
‫خلَقَهُ وَص ّو َرهُ وَشَقّ َ‬
‫ِللّذي َ‬
‫خ َراً‪،‬‬
‫عنْ َدكَ ذُ ْ‬
‫ج َع ْلهَا لي ِ‬
‫ج َراً‪ ،‬وا ْ‬
‫عنّي بها وِزرا‪ ،‬وا ْكتُب لي بها أَ ْ‬
‫وربما قال‪(( :‬اللّهم احطط َ‬
‫عبْ ِدكَ داودَ))‪ .‬ذكرهما أهل السنن‪.‬‬
‫َوتَقبّلها ِمنّي َكمَا تَ َقبّلتَها مِن َ‬
‫ولم يُذكر عنه أنه كان يكبر للرفع من هذا السجود‪ ،‬ولذلك لم يذكره الخِرقي ومتقدمو‬
‫الصحاب‪ ،‬ول نُقِلَ فيه عنه تشهد ول سلم البتة وأنكر أحمد والشافعي السلمَ فيه‪ ،‬فالمنصوص‬

‫‪163‬‬

‫عن الشافعي‪ :‬إنه ل تشهدَ فيه ول تسليم‪ ،‬وقال أحمد‪ :‬أما التسليمُ‪ ،‬فل أدري ما هو‪ ،‬وهذا هو‬
‫الصواب الذي ل ينبغي غيره‪.‬‬
‫وصح عنه صلى ال عليه وسلم أنه سجد في (الم تنزيل)‪ ،‬وفي (ص)‪ ،‬وفي (النجم) وفي؟‬
‫خلَق)‪.‬‬
‫(إذا السَماء انشقّت)‪ ،‬وفي (اقرأ باسْم َر ّبكَ الذي َ‬
‫ل صلى ال عليه وسلم‪ ،‬أقرأه خمسَ‬
‫وذكر أبو داود عن عمرو بن العاص‪ ،‬أن رسول ا ّ‬
‫عشرة‪ ،‬سجدة‪ ،‬منها ثلث في المفصّل‪ ،‬وفي سورة الحج سجدتان‪.‬‬
‫وأما حديث أبي الدرداء‪ ،‬سجدت مع رسول الّ صلى ال عليه وسلم إحدى عشرة‬
‫سجدة‪ ،‬ليس فيها من المفصّل شيء‪( :‬العراف)‪ ،‬و(الرعد)‪ ،‬و(النحل)‪ ،‬و(بني إسرائيل)‪،‬‬
‫و(مريم)‪ ،‬و(الحج)‪ ،‬و(سجدة الفرقان)‪ ،‬و(النمل)‪ ،‬و(السجدة)‪ ،‬وصلى ال عليه وسلم‪ ،‬و(سجدة‬
‫الحواميم)‪ ،‬فقال أبو داود‪ :‬روى أبو الدرداء عن النبي صلى ال عليه وسلم إحدى عشرة سجدة‪،‬‬
‫وإسناده واهٍ‪.‬‬
‫ل صلى ال عليه وسلم لم يسجد في‬
‫وأما حديث ابن عباس رضي الّ عنهما‪ ،‬أن رسول ا ّ‬
‫المفصل منذ تحول إلى المدينة‪ .‬رواه أبو داود فهو حديث ضعيف‪ ،‬في إسناده أبو قدامة الحارث بن‬
‫عبيد‪ ،‬ل يحتج بحديثه‪ .‬قال الِمام أحمد‪ :‬أبو قدامة مضطرِب الحديث‪ .‬وقال يحيى بن معين‪:‬‬
‫ضعيف‪ ،‬وقال النسائي‪ :‬صدوق عنده مناكير‪ ،‬وقال أبو حاتم البستي‪ :‬كان شيخاً صالحًا ممن كثر‬
‫وهمه وعلّله ابن القطان بمطر الوراق‪ ،‬وقال‪ :‬كان يشبهه في سوء الحفظ محمد بن عبد الرحمن بن‬
‫ج حديثه انتهى كلمه‪.‬‬
‫أبي ليلى‪ ،‬وعيب على مسلم إخرا ُ‬
‫ول عيب على مسلم في إخراج حديثه‪ ،‬لنه ينتقي من أحاديث هذا الضرب ما يعلم أنه‬
‫حفظه‪ ،‬كما يطرح من أحاديث الثقة ما يعلم أنه غلِط فيه‪ ،‬فغلِط في هذا المقام من استدرك عليه‬
‫إخراجَ جميع حديث الثقة‪ ،‬ومن ضعّف جميع حديث سيىء الحفظ‪ ،‬فالولى‪ :‬طريقة الحاكم وأمثاله‪،‬‬
‫والثانية‪ :‬طريقة أبي محمد بن حزم وأشكاله‪ ،‬وطريقة مسلم هي طريقة أئمة هذا الشأن والّ‬
‫المستعان‪.‬‬
‫ك الَذي‬
‫وقد صح عن أبي هريرة أنه سجد مع النبي صلى ال عليه وسلم في (اقرأ باسْم َر ّب َ‬
‫سمَا ُء انْشَقّت)‪ ،‬وهو إنما أسلم بعد مَقدَم النبي صلى ال عليه وسلم المدَينة بست‬
‫خلَق)‪ ،‬وفي (إذَا ال ّ‬
‫َ‬
‫سنين أو سبع‪ ،‬فلو تعارض الحديثان من كل وجه‪ ،‬وتقاوما في الصحة‪ ،‬لتعين تقديمُ حديث أبي‬

‫‪164‬‬

‫ث أبي هريرة في غاية‬
‫هريرة‪ ،‬لنه مثبت معه زيادة علم خفيت على ابن عباس‪ ،‬فكيف وحدي ُ‬
‫ل أعلم‪.‬‬
‫الصحَة متفق على صحته‪ ،‬وحديث ابن عباس فيه من الضعف ما فيه‪ .‬وا ّ‬
‫فصل‬
‫في هديه صلى ال عليه وسلم في الجمعة وذكر خصائص يومها‬
‫لوّلونَ‬
‫ثبت في ((الصحيحين)) عن النبي صلى ال عليه وسلم أنه قال‪(( :‬نَحْنُ الخرُونَ ا َ‬
‫خ َتلَفوا‬
‫عَل ْيهِم‪ ،‬فا ْ‬
‫السّابِقونَ َيوْ َم القِيامَة‪َ ،‬بيْ َد أنّهم أوتُوا الكتاب مِنْ َق ْبِلنَا‪ ،‬ثُمّ هذَا َي ْو ُمهُ ُم الّذِي فَرضَ الُّ َ‬
‫لّ له‪ ،‬والنّاسُ لَنا فيه َتبَع‪ ،‬ال َيهُودُ غداً‪ ،‬وال ّنصَارَى َبعْدَ غَدٍ))‪.‬‬
‫فِيهِ‪ ،‬فهَدانَا ا ُ‬
‫ل صلى ال‬
‫وفي ((صحيح مسلم)) عن أبي هريرة‪ ،‬وحُذيفة رضي الّ عنهما قال‪ :‬رسول ا ّ‬
‫ن لِلنّصارى َيوْمُ الَحَدِ‪،‬‬
‫س ْبتِ‪ ،‬وكَا َ‬
‫ن ِل ْل َيهُو ِد ال ّ‬
‫جمُعة مَنْ كان َق ْبلَنا‪ ،‬فَكا َ‬
‫عليه وسلم ((أَضَلّ الُّ عَن ال ُ‬
‫س ْبتَ والَحَدَ‪ ،‬وكَذِلكَ هُم َتبَ ٌع َلنَا يَومَ ال ِقيَامَةِ‪ ،‬نحن‬
‫ج ُمعَ َة وال ّ‬
‫جعَلَ ال ُ‬
‫لّ ِبنَا‪َ ،‬فهَدَانَا ليومِ الجمعة فَ َ‬
‫فجاء ا ُ‬
‫ن َيوْمَ القِيامَةِ‪ ،‬المَقْضيّ لهم قبل الخلئِق))‪.‬‬
‫لوّلو َ‬
‫ل الدّنيا‪ ،‬وا َ‬
‫ن أَهْ ِ‬
‫خرُونَ مِ ْ‬
‫ال ِ‬
‫وفي ((المسند)) والسنن‪ ،‬من حديث أوس بن أوس‪ ،‬عن النبي صلى ال عليه وسلم‬
‫لّ آدَمَ‪ ،‬وفيه قُبضَ‪ ،‬وفيه النّفخَةُ‪ ،‬الصعْقَةُ‪ ،‬فأك ِثرُوا عليّ مِنَ‬
‫خلَقَ ا ُ‬
‫أَفْضل َأيّا ِمكُم يَومُ الجمعَةِ‪ ،‬فيه َ‬
‫ك وَقَدْ‬
‫عَل ْي َ‬
‫ض صَلتنَا َ‬
‫ف ُت ْعرَ ُ‬
‫ل َو َك ْي َ‬
‫ل َتكُم مَعرُوضةٌ عليّ)) قالوا‪ :‬يا رسولَ ا ّ‬
‫ن صَ َ‬
‫الصّلةِ فيه‪ ،‬فإِ ّ‬
‫ل أَجْسَادَ النبياءِ))‪ .‬ورواه الحاكم‪،‬‬
‫ض أَنْ ت ْأكُ َ‬
‫حرّ َم على الَر ِ‬
‫َأ َر ْمتَ؟ (يعني‪ :‬ق ْد َبلِيتَ)‪(( .‬إنّ الّ َ‬
‫في((المستدرك)) وابن حبان في ((صحيحه))‪.‬‬
‫وفي ((جامع الترمذي))‪ ،‬من حديث أبي هريرة‪ ،‬عن النبي صلى ال عليه وسلم‪ ،‬قال‪:‬‬
‫جنّةَ‪ ،‬وفيه أُخرِجَ منها‪،‬‬
‫لّ آدَمَ‪ ،‬وفيه أدْخِلَ ال َ‬
‫خلَقَ ا ُ‬
‫ج ُمعَةِ‪ ،‬فيه َ‬
‫س َيوْمُ ال ُ‬
‫ش ْم ُ‬
‫طَل َعتْ فيه ال ّ‬
‫خ ْيرُ َيوْمٍ َ‬
‫(( َ‬
‫ج ُمعَةِ))‪ .‬قال‪ :‬حديث حسن صحيح‪ ،‬وصححه الحاكم‪.‬‬
‫ول تَقومُ السّاعَ ُة إِلّ في َيوْمِ ال ُ‬
‫ق آدَمُ‪،‬‬
‫خلِ َ‬
‫جمُعةِ‪ ،‬فيه ُ‬
‫سيّدُ اليّام َيوْمُ ال ُ‬
‫وفي ((المستدرك)) أيضاً عن أبي هريرة مرفوعًا (( َ‬
‫ج ُمعَةِ))‪.‬‬
‫خرِجَ ِم ْنهَا‪ ،‬ول تَقو ُم السّاعَ ُة إِلّ َيوْمَ ال ُ‬
‫جنّة‪ ،‬وفيه ُأ ْ‬
‫وفيه أُدْخِلَ ال َ‬
‫شمْس يومُ‬
‫طَلعَت عليه ال ّ‬
‫وروى مالك في ((الموطأ))‪ ،‬عن أبي هريرة مرفوعًا ((خيْر َيوْمٍ َ‬
‫ن دابّةٍ إل‬
‫خلِقَ آدمُ‪ ،‬وفيه أُ ْهبِطَ‪ ،‬وفيه تِيبَ عَليه‪ ،‬وفيه مَاتَ‪ ،‬وفيه تقو ُم السّاعةُ‪ ،‬وما م ْ‬
‫جمُعةِ‪ ،‬فيه ُ‬
‫ال ُ‬
‫ن والِنسَ‪،‬‬
‫ش ْمسُ شَفَقًا مِنَ السّاعَ ِة إِلّ الجِ ّ‬
‫ن تصبِحُ حتّى تَطْل َع ال ّ‬
‫جمُعةِ مِنْ حِي َ‬
‫وَ ِهيَ ُمصِيخَ ٌة َيوْمَ ال ُ‬
‫ل أَعْطَاهُ إيّاه))‪ .‬قال كعب‪ :‬ذلك في كلّ‬
‫شيْئًا إِ ّ‬
‫صلّي يَسْأَلُ الّ َ‬
‫سلِمّ وَ ُه َو ُي َ‬
‫وفِيهِ سَاعَةٌ ل يُصادِ ُفهَا عَب ٌد مُ ْ‬
‫لّ صلى ال عليه وسلم‪.‬‬
‫ق رَسُولُ ا ِ‬
‫ج ُمعَةٍ‪ ،‬فَقَرَأ َك ْعبّ ال ّتوْراةَ‪ ،‬فَقَال‪ :‬صدَ َ‬
‫سنَ ٍة َيوْمٌ‪ ،‬فقلتُ‪ :‬بَلْ في كُلّ ُ‬

‫‪165‬‬

‫علِمتُ َأيّة سَاعَةٍ هي‪،‬‬
‫جلِسي مَ َع كَعبٍ‪ ،‬قَالَ‪ :‬قَدْ َ‬
‫لّ بْنَ سَلَمٍ‪ ،‬فحَ ّدثْتهُ ِب َم ْ‬
‫عبْدَ ا ِ‬
‫ل َأبُو ُه َر ْي َرةَ‪ ،‬ثُ ّم لَقِيتُ َ‬
‫قَا َ‬
‫ل صلى ال‬
‫ل رَسُولُ ا ّ‬
‫ف وَقَدْ قَا َ‬
‫ج ُمعَةِ‪ ،‬فَقُلتُ‪ :‬كَي َ‬
‫خرُ سَاعَةٍ في َيوْمِ ال ُ‬
‫قُلت‪ :‬فأَخ ِب ْرنِي ِبهَا‪ ،‬قال‪ِ :‬هيَ آ ِ‬
‫ل ابن سلم‪َ :‬ألَمْ يَقُلْ‬
‫ل ُيصَلّى فيها؟ فَقَا َ‬
‫ك السّاعَةُ َ‬
‫صلّي َو ِت ْل َ‬
‫عليه وسلم ل يصَادِ ُفهَا عَبدٌ مسلِ ّم وَهوَ ي َ‬
‫حتّى يُصلّيَ))؟‬
‫لةَ‪َ ،‬ف ُهوَ في صًلةٍ َ‬
‫ظرُ الص َ‬
‫س مَجلِسًا َي ْنتَ ِ‬
‫جَل َ‬
‫ل ((مَن َ‬
‫رَسُولُ ا ّ‬
‫جمُعة))‪.‬‬
‫وفي ((صحيح ابن حبان)) مرفوعاً‪(( :‬ل تطلع الشمس على يوم خير من َيوْمِ ال ُ‬
‫لّ عنه‪ ،‬قال‪ :‬أتى جبريلُ‬
‫وفي ((مسند الشافعي)) من حديث أنس بن مالك رضي ا ُ‬
‫ل النبيّ صلى ال عليه‬
‫ل صلى ال عليه وسلم‪ .‬بمرْآة َب ْيضَاءَ‪ ،‬فِيها نُكتةٌ‪ ،‬فَقَا َ‬
‫عليه السلم رسولَ ا ّ‬
‫س َلكُمْ فيها َتبَعٌ‪ ،‬اليهودُ‬
‫ت ِبهَا َأ ْنتَ َوُأ ّم ُتكَ‪ ،‬والنّا ُ‬
‫ض ْل َ‬
‫جمُعةِ‪ُ ،‬ف ّ‬
‫وسلم ما ه ِذهِ؟ فقال‪(( :‬ه ِذ ِه يَومُ ال ُ‬
‫س ُتجِيبَ لَ ُه و ُهوَ‬
‫خ ْيرٍ إل ا ْ‬
‫ل بِ َ‬
‫عبْدٌ ُم ْؤمِنٌ يدعو ا ّ‬
‫خ ْيرٌ‪ ،‬وفيها سَاعَةٌ ل يُوافِقُها َ‬
‫والنّصارى‪ ،‬ولكم فيها َ‬
‫ك اتّخَذَ‬
‫ل ! ما يومُ المزيدِ؟ قال‪ :‬إِنّ َر ّب َ‬
‫جبْري ُ‬
‫عنْ َدنَا َيوْمُ المزيد‪ ،‬فقال النبي صلى ال عليه وسلم‪ :‬يا ِ‬
‫ِ‬
‫ج ُمعَ ِة أنزلَ الّ سُبحَانَهُ ما شَا َء مِنْ‬
‫ن َيوْمُ ال ُ‬
‫سكٍ‪ ،‬فإذا كَا َ‬
‫ن مِ ْ‬
‫ب مِ ْ‬
‫س وَادِياً أفيحَ فِي ِه ُك ُث ٌ‬
‫فِي ال ِفرْ َدوْ ِ‬
‫ف تِلكَ المنا ِبرَ بِمنَا ِب َر مِنْ ذَ َهبٍ ُم َكّللَةٍ‬
‫ح ّ‬
‫ن نُورٍ عَليها مَقَاعِ ُد النّبيّينَ‪ ،‬و َ‬
‫ح ْولَ ُه َمنَا ِب ُر مِ ْ‬
‫ل ِئ َكتِهِ‪ ،‬وَ َ‬
‫مَ َ‬
‫ك ال ُك ُثبِ))‪ ،‬فيقولُ الُّ‬
‫ن َورَائهم على ِت ْل َ‬
‫شهَداءُ والصّدّيقُونَ‪ ،‬فجلسوا مِ ْ‬
‫بالياقوت وَالزّبَرجَدِ‪ ،‬عليها ال ّ‬
‫طكُم‪ ،‬فيقولون‪ :‬ربّنا نسألك رضوانَك‪ ،‬فيقول‪:‬‬
‫سلُوني أُعْ ِ‬
‫عزّ وجَلّ‪(( :‬أَنا َربّكم قَ ْد صَدَقتكم وعدي‪ ،‬ف َ‬
‫جمُع ِة لِما يُعطيهم فيه ربّهم مِنَ‬
‫ن َيوْمَ ال ُ‬
‫حبّو َ‬
‫قَ ْد َرضِيتُ ع ْنكُم َوَلكُم مَا َتمَن ْيتُم َولَ َديّ مَزيد‪ ،‬فهم يُ ِ‬
‫خلَقَ آدم‪ ،‬وفيه تقوم‬
‫ك وتَعالى على العرش‪ ،‬وفيه َ‬
‫خ ْيرِ‪ ،‬و ُه َو اليومُ الّذي اسْتوى فيه ربّك َتبَا َر َ‬
‫ال َ‬
‫السّاعة))‪.‬‬
‫رواه الشافعي عن إبراهيم بن محمد‪ ،‬حدثني موسى بن عُبيدة‪ ،‬قال‪ :‬حدثني أبو الزهر‬
‫ل بن عبيد‪ ،‬عن عمير بن أنس‪.‬‬
‫معاوية بن إسحاق بن طلحة‪ ،‬عن عبد ا ّ‬
‫ثم قال‪ :‬وأخبرنا إبراهيم قال‪ :‬حدثني أبو عمران إبراهيم بن الجعد‪ ،‬عن أنس شبيهًا به‪.‬‬
‫ن الرأي في شيخه إبراهيم هذا‪ ،‬لكن قال فيه الِمام أحمد رحمه لّ‪:‬‬
‫وكان الشافعي حس َ‬
‫معتزلي جهمي قدري كُلّ بلء فيه‪.‬‬
‫ي صلى ال عليه‬
‫ورواه أبو اليمان الحكم بن نافع‪ ،‬حدثنا صفوان‪ :‬قال‪ :‬قال أنس‪ :‬قال النب ّ‬
‫جبْريلُ فذكره)) ورواه محمد بن شعيب‪ ،‬عن عمر مولى غُفرة‪ ،‬عن أنس وروا ُه أبو‬
‫وسلم ((أتاني ِ‬
‫ظبية‪ ،‬عن عثمان بن عُمير‪ ،‬عن أنس‪ .‬وجمع أبو بكر بن أبي داود طرقه‪.‬‬

‫‪166‬‬

‫وفي ((مسند أحمد)) من حديث علي بن أبي طلحة‪ ،‬عن أبي هريرة‪ ،‬قال‪ :‬قيل للنبي صلى‬
‫صعْقَةُ‪،‬‬
‫ك آدَمَ‪ ،‬وفيه ال ّ‬
‫ط ِبعَت طِينَ ُة أَبي َ‬
‫س ّميَ َيوْم الجمعة؟ قال ((لَنّ فيه ُ‬
‫ال عليه وسلم‪ :‬لي شيء ُ‬
‫س ُتجِيبَ له))‪.‬‬
‫خ ِر ِه ثَلثُ سَاعاتٍ‪ ،‬منها سَاعَ ٌة مَنْ دعا ال فيها ا ْ‬
‫والبعْثَةُ‪ ،‬وفيه البَطْشَةُ‪ ،‬وفي آ ِ‬
‫وقال الحسن بن سفيان النّسوي في ((مسنده)) حدثنا أبومروان هشام بن خالد الزرق‪،‬‬
‫ل مولى غُفرة‪ ،‬حدثني أنس بن مالك‪ ،‬قال‪:‬‬
‫حدثنا الحسن بن يحيى الخُشني‪ ،‬حدثنا عمر بن عبد ا ّ‬
‫ل صلى ال عليه وسلم يقول‪(( :‬أتاني جِبريلُ وفي يَده َك َه ْيئَة ال ِمرْآة البيضاء‪ ،‬فيها‬
‫سمعت رسول ا ّ‬
‫ك مِنْ‬
‫ل ّم ِت َ‬
‫ك وَ ُ‬
‫ن عيداً ل َ‬
‫ج ُمعَة ُب ِع ْثتُ بها ِإَل ْيكَ تكُو ُ‬
‫سوْداءُ‪ ،‬فقلت‪ :‬ما هذه يا جِبريلُ؟ فقال‪ :‬هذه ال ُ‬
‫ن ْكتَةٌ َ‬
‫خرُون السَابقونَ َيوْ َم ال ِقيَامَة‪،‬‬
‫خ ْي ٌر كَثير‪َ ،‬أ ْنتُمُ ال ِ‬
‫جبْريل؟ قال‪ :‬لَكمْ فيها َ‬
‫بعدِك‪ .‬فقلت‪ :‬وما لَنا فيها يا ِ‬
‫ل أَعْطاه‪ .‬قلتُ‪ :‬فما هذه ال ّن ْكتَ ُة السّوداء يا‬
‫سلِمٌ يصلّي يَسْألُ الَّ شَيئًا إِ ّ‬
‫عبْ ٌد مُ ْ‬
‫وفيها سَاعَةٌ ل يُوافِقُها َ‬
‫ليّام‪ ،‬ونحنُ نسميه عندنا يو َم المَزيد‪.‬‬
‫سيّد ا َ‬
‫جمُعة وهو َ‬
‫جِبرِيلُ؟ قال‪ :‬هذه السّاعة تكون في يوم ال ُ‬
‫سكٍ أبْيض‪ ،‬فإذا‬
‫ن مِ ْ‬
‫ح مِ ْ‬
‫جنّة وادياً أفي َ‬
‫ن َر ّبكَ اتّخَذَ في ال َ‬
‫جبْريل؟ قال‪ :‬ذلك بِأَ ّ‬
‫قلت‪ :‬وما يو ُم المَزيد يا ِ‬
‫ف ال ُكرْسيّ‬
‫ح ّ‬
‫سيّه‪ ،‬ويُ َ‬
‫عرْشِ ِه إِلى كُر ِ‬
‫ل مِن َ‬
‫عزّ وَجَ ّ‬
‫ن َأيّام الَخرة‪َ ،‬هبَطَ ال ّربّ َ‬
‫جمُعة مِ ْ‬
‫كان َيوْمُ ال ُ‬
‫حفّ المنا ِبرُ ِبكَراسِي مِنْ ذَهَب‪ ،‬فيجِلسُ عليها الصّدّيقون‬
‫ن النّورِ فيجلسُ عليها ال ّن ِبيّونَ وتُ َ‬
‫بِمنا ِبرَ مِ َ‬
‫ك ل يرون لهلِ المنابِر‬
‫ن المِس ِ‬
‫غرَفهم‪ ،‬فيجلسون على كُثبا ِ‬
‫ف من ُ‬
‫ط أهلُ ال ُغ َر ِ‬
‫والشّهداء‪ ،‬و َي ْهبِ ُ‬
‫والكراسي فَضلً في المجلِس‪ ،‬ثمّ َيتَبدّى لهم ذو الجَلل والِكرام تبارك وتعالى‪ ،‬فيقول‪ :‬سلوني‪،‬‬
‫حتّى‬
‫شهَ ُد لَهم عَلى الرّضى‪ ،‬ثم يقول‪ :‬سَلوني‪ ،‬فيسألونَه َ‬
‫ج َمعِهم‪ :‬نَسَْألُك الرّضى يا ربّ‪ ،‬فيَ ْ‬
‫فيقولون بَِأ ْ‬
‫س ِم َعتْ‪ ،‬ول خَطَر على‬
‫ن رَأت‪ ،‬ول أُذنٌ َ‬
‫عيْ ٌ‬
‫عَل ْيهِم بِما ل َ‬
‫عبْ ٍد ِم ْنهُم‪ ،‬قال‪ :‬ثُ ّم يُسْعى َ‬
‫تَن َت ِهيَ َن ْهمَ ُة كُلّ َ‬
‫غرَفِهم‪ ،‬وهي غُرفَ ٌة مِنْ‬
‫ل ال ُغرَف إلى ُ‬
‫ن ُكرْسيّه إِلى عَرشِهِ‪َ ،‬و َي ْرتَفعُ أهْ ُ‬
‫جبّار مِ ْ‬
‫قَلب بَشَر‪ ،‬ثُ ّم يَرتَفع ال َ‬
‫ل وَصمٌ ُم َنوّرة‪ ،‬فيها‬
‫لُؤُلؤَ ٍة َبيْضاء‪ ،‬أو ياقُوتَةٍ حَمراء‪ ،‬أو زُمرّدةٍ خضراء‪ ،‬ليس فيها َفصْ ٌم وَ َ‬
‫جنّة‬
‫طرِد ٌة ُمتَدَليَةٌ فيها ِثمَارُها‪ ،‬فيها أزواجُها وَخَدمُها َومَسا ِكنُها قال‪ :‬فأهلُ ال َ‬
‫أنهارُها‪ ،‬أو قال‪ :‬مُ ّ‬
‫شرُ أهل الدّنيا في الدّنيا بالمطر))‪.‬‬
‫جمُعة‪ ،‬كما يَتبَا َ‬
‫يَتباشَرون في الجنّة ِبيَومِ ال ُ‬
‫وقال ابن أبي الدنيا في كتاب ((صفة الجنة))‪ :‬حدثني أزهر بن مروان الرقاشي‪ ،‬حدثني عبد‬
‫عرَادة الشيباني‪ ،‬حدثنا القاسم بن مُطيّب‪ ،‬عن العمش‪ ،‬عن أبي وائل‪ ،‬عن حُذيفة‪ ،‬قال‪ :‬قال‬
‫ل بن َ‬
‫ا ّ‬
‫ض َوئِها‪ ،‬وإذا في‬
‫ن المرَائي وأ ْ‬
‫ج ْبرِيل وفي كَفّه ِمرْآةٌ كأحْسَ ِ‬
‫ل صلى ال عليه وسلم‪(( :‬أَتاني ِ‬
‫رسولُ ا ّ‬
‫ج ُمعَةُ‪ ،‬قلت‪ :‬وما الجُمعَةُ؟ قال‪:‬‬
‫وَسَطِها َل ْمعَةٌ سوداءُ‪ ،‬فقلت‪ :‬ما هذه اللّ ْمعَ ُة التي أرى فيها؟ قال‪ :‬هذه ال ُ‬
‫خ ِبرُك باسْمه‬
‫ضلِهِ في الدّنيا‪ ،‬وما يرجى فيه لهله‪ ،‬وأُ ْ‬
‫شرَفِهِ و َف ْ‬
‫خ ِب ُركَ بِ َ‬
‫ن َأيّام َر ّبكَ عظيم‪ ،‬وَسَأ ْ‬
‫َيوْمٌ مِ ْ‬

‫‪167‬‬

‫جمَعَ فيه أمر الخلق‪ ،‬وأمّا ما يُرجَى فيه‬
‫ضلُهُ في الدنيا‪ ،‬فإن ال عزّ وجَلّ َ‬
‫شرَفه وَ َف ْ‬
‫في الخِرة‪ ،‬فأما َ‬
‫خيْراً إل أعطاهما‬
‫سِلمَ ٌة يَسْأَلنِ الّ تعالى فيها َ‬
‫سلِمٌ َأ ْو َأمَ ٌة مُ ْ‬
‫عبْ ٌد مُ ْ‬
‫لهله‪ ،‬فإنّ فيه سَاعَةً ل يُوافِقُها َ‬
‫جنّة‪،‬‬
‫ص ّيرَ أهْلَ الجنَة إلى ال َ‬
‫ك و َتعَالى إذا َ‬
‫خرَة واسْمه‪ ،‬فإنّ الّ تبار َ‬
‫ضلُهُ في ال ِ‬
‫شرَفُ ُه وَف ْ‬
‫إياه‪ ،‬وأمّا َ‬
‫ل وَلَ َنهَارّ إِلّ قَدْ علم الُّ‬
‫ت عليهم هذه الّيام وهذه اللّيالي‪ ،‬ليس فيها لَي ٌ‬
‫ج َر ْ‬
‫وأهْل النار إلى الناّر‪َ ،‬‬
‫ج ُم َعتِهم‪ ،‬نادى‬
‫ج ُمعَةِ إلى ُ‬
‫ك وَسَاعَاتِه‪ ،‬فإذا كان َيوْمُ الج ُمعَة حين يخرج أهل ال ُ‬
‫ل مِقدَارَ َذِل َ‬
‫عزَ وَجَ ّ‬
‫جنّة اخرجوا إلى وادي المَزيد‪ ،‬ووَادي المَزيد ل يعلم سعَة طوله وعرضه‬
‫أَهْلَ الجنّة ُمنَادٍ‪ ،‬يا أهْل ال َ‬
‫ن ال ْنبِياء بمناب َر مِنْ نور‪ ،‬ويخرج‬
‫غ ْلمَا ُ‬
‫خرُج ِ‬
‫سمَاء قال‪ :‬فَي ْ‬
‫ن المِسك‪ ،‬رؤوسها في ال ّ‬
‫إلّ الُّ‪ ،‬فيه كُثبَا ُ‬
‫لّ عليهم ريحاً‬
‫ت لَهم‪َ ،‬وأَخَ َذ ال َقوْ ُم مَجَالِسَهم‪َ ،‬ب َعثَ ا ُ‬
‫ضعَ ْ‬
‫ن يَاقوتٍ‪ ،‬فإذا ُو ِ‬
‫غ ْلمَانُ المؤمنين ِبكَراسي مِ ْ‬
‫ِ‬
‫خرِجهُ في وجو ِههِم وأشْعارِهِم‪ِ ،‬تلْك‬
‫ت ثِيا ِبهِم‪ ،‬وتُ ْ‬
‫تدعى المُثيرة‪ ،‬تُثي ُر ذلك المِسكَ‪ ،‬وتُدْخِله مِن تَح ِ‬
‫ك مِن امرأةِ أحَ ِدكُم‪ ،‬لو دُفعَ إليها كُلّ طِيب على وَجْه الرض‪.‬‬
‫ك المِس ِ‬
‫صنَع بِذِل َ‬
‫ف َت ْ‬
‫علَم كَي َ‬
‫الرّيح أَ ْ‬
‫ضعُوه بَين أَظ ُهرِهِم‪ ،‬فيكون أوّل ما يَسمَعونَهُ‬
‫عرْشِهِ‪َ :‬‬
‫ح َملَة َ‬
‫قال‪ُ :‬ثم يُوحي ال تبارك وتعالى إلى َ‬
‫سلُوني فهذا‬
‫سلِي‪ ،‬وا ّتبَعوا أمْري‪َ ،‬‬
‫منه‪ :‬إليّ يا عبادي الذين أطاعُوني بِالغَيب وَلم يَروني‪ ،‬وصَدّقوا رُ ُ‬
‫ن يَا أَهلَ‬
‫لّ إلَيهم‪ :‬أَ ْ‬
‫عنّا‪ ،‬فيرْجِعُ ا ُ‬
‫عنْك فَا ْرضَ َ‬
‫ضيْنا َ‬
‫ج َت ِمعُونَ على َكِلمَةٍ واحِ َدةٍ‪ :‬ر ِ‬
‫يَومُ المَزيد‪ ،‬في َ‬
‫ج َت ِمعُونَ على َكِلمَةٍ‬
‫سلُوني فهذا َيوْمُ المَزيد‪َ ،‬فيَ ْ‬
‫س ِك ْنكُم داري‪ ،‬فَ َ‬
‫ع ْنكُم لم أُ ْ‬
‫جنّة ِإنّي َل ْو لم َأرْضَ َ‬
‫ال َ‬
‫ن نُوره‬
‫عزّ وجَلّ‪َ ،‬ف َيغْشَاهُم مِ ْ‬
‫جلّى لهم َ‬
‫جبَ‪َ ،‬فيَت َ‬
‫ف ت ْلكَ الحُ ُ‬
‫ش ُ‬
‫ظ ْر إليه‪ ،‬ف َيكْ ِ‬
‫ك َننْ ُ‬
‫ج َه َ‬
‫وَاحِ َدةٍ‪ :‬يا َر ّبنَا وَ ْ‬
‫ل َلهُم‪ :‬ارْجعوا إلى مَنا ِزلِكم‪،‬‬
‫ن نُو ِرهِ‪ ،‬ثُ ّم يُقا ُ‬
‫ح َترِقُوا‪ ،‬لحْترَقوا لِما َيغْشَاهُم مِ ْ‬
‫شَي ٌء َلوْل َأنّه َقضَى أل َي ْ‬
‫جعُون إلى‬
‫علَى مَا كانوا فيه‪َ ،‬ف َيرْ ِ‬
‫ض ْعفَ َ‬
‫ف َيرْجِعون إلى َمنَا ِزِلهِم وَقَ ْد أَعْطَى‪ .‬كُل وَاحِ ٍد ِم ْنهُمْ ال ّ‬
‫جعُوا‬
‫حتّى َيرْ ِ‬
‫شيَهمْ مِن نُو ِرهِ‪ ،‬فإذا رَجعُوا تَرا ّد النّورُ َ‬
‫ن عليهم ممّا غَ ِ‬
‫عَل ْيهِنّ وَخَفِي َ‬
‫جهِم وقد خَفُوا َ‬
‫َأ ْزوَا ِ‬
‫ج ْعتُم عَلى‬
‫عنْ ِدنَا على صورة ورَ َ‬
‫جتُم مِنْ ِ‬
‫خرَ ْ‬
‫جهُم‪ :‬لَقَدْ َ‬
‫عَليْها‪َ ،‬فتَقول َلهُم َأ ْزوَا ُ‬
‫ص َورِهم الّتي كانوا َ‬
‫إلى ُ‬
‫خلْقٌ‪،‬‬
‫ظرْنا ِمنْه قال‪ :‬وِإنّهُ وَالِّ ما أحاطَ به َ‬
‫جلّى لنا‪َ ،‬فنَ َ‬
‫ل تَ َ‬
‫عزّ وجَ ّ‬
‫غ ْيرِها‪ ،‬فيقولون‪ :‬ذلك لنّ الَّ َ‬
‫َ‬
‫ظرْنا ِمنْه‪ ،‬قال‪َ :‬فهُم َيتَ َقّلبُون‬
‫ن ُي ِر َيهُم قال‪ :‬فَذِلكَ قولهم َفنَ َ‬
‫ظ َمتِهِ وَجَللِهِ ما شَا َء أَ ْ‬
‫وَلكنّهُ قَد أراهم مِنْ‪ ،‬ع َ‬
‫ل صلى ال عليه‬
‫جنّة ونَعيمِها في كلّ سَبعَ ِة َأيّام الضعفَ عَلى مَا كَانوا فيه‪ .‬قال رسول ا ّ‬
‫سكِ ال َ‬
‫في مِ ْ‬
‫وسلم‪ :‬فَ َذِلكَ َق ْولُه تعالى‪{ :‬فَل َت ْعلَ ُم نَفسٌ ما ُأخْ ِفيَ َلهُم مِنْ ُق َر ِة أَعْينٍ جَزا ًء ِبمَا كَانوا يَعمَلون}‬
‫[السجدة‪.]17 :‬‬
‫ورواه أبو نُعيم في ((صفة الجنة)) من حديث عِصمة بن محمد حدثنا‪ ،‬موسى بن عقبة‪ ،‬عن‬
‫أبي صالح‪ ،‬عن أنس شبيهًا به‪.‬‬

‫‪168‬‬

‫وذكر أبو نعيم في ((صفة الجنة)) من حديث المسعودي‪ ،‬عن المِنهال‪ ،‬عن أبي عبيدة‪ ،‬عن‬
‫ل تبَارك وتعالى َي ْب ُرزُ لهل الجنة في كل جمعة‬
‫جمُعة في الدنيا‪ ،‬فإن ا ّ‬
‫عبد الّ قال‪ :‬سارعوا إلى ال ُ‬
‫على كثيب من كافور أبيض‪ ،‬فيكونون منه سبحانه بالقرب على قدر سُرعتهم إلى الجمعة‪ ،‬ويُح ِدثُ‬
‫لهم من الكرامة شيئًا لم يكونوا رأوه قبل ذلك‪ ،‬فيرجِعون إلى أهليهم وقد أحدث لهم‪.‬‬
‫فصل‬
‫في مبدإ الجمعة‬
‫قال ابن إسحاق‪ :‬حدثني محمد بن أبي أمامة بن سهل بن حنيف‪ ،‬عن أبيه‪ ،‬قال‪ :‬حدثني عبد‬
‫ت به إلى الجمعة‪ ،‬فسمع‬
‫ف بصرُه‪ ،‬فإذا خرج ُ‬
‫الرحمن بن كعب بن مالك‪ ،‬قال‪ :‬كنت قائدَ أبي حين ُك ّ‬
‫ن زُرارة‪ ،‬فمكث حينًا على ذلك فقلت‪ :‬إن هذا لعجز أل أسأله‬
‫الذانَ بها‪ ،‬استغفر لبي أمامة أسعد ب ِ‬
‫ت به كما كنتُ أخرج‪ ،‬فلما سمع الذان للجمعة‪ ،‬استغفرَ له‪ ،‬فقلت‪ :‬يا أبتاه ! أرأيتَ‬
‫عَنْ هذا‪ ،‬فخرج ُ‬
‫ل من جمّع‬
‫ت الذان يومَ الجمعة؟ قال‪ :‬أي ُب َنيّ ! كان أسع ُد أو َ‬
‫ن زُرارة كلما سمع َ‬
‫استغفارَك لسعد ب ِ‬
‫حرّة بني بَياضة في نقيع‬
‫ل صلى ال عليه وسلم في َهزْم النّبيتِ مِن َ‬
‫بنا بالمدينة قبل مَقْدَمِ رسول ا ّ‬
‫خضَماتِ‪ .‬قلتُ‪ :‬فكم كُنتم يومئذ؟ قال‪ :‬أربعون رجلً‪.‬‬
‫يُقال له‪ :‬نقيع ال َ‬
‫قال البيهقي‪ ،‬ومحمد بن إسحاق إذا ذكر سماعه من الراوي‪ ،‬وكان الراوي ثقة‪ ،‬استقام‬
‫الِسنادُ‪ ،‬وهذا حديث حسن صحيح الِسناد انتهى‪.‬‬
‫ل صلى ال عليه وسلم المدينة‪ ،‬فأقام بقُباء في‬
‫قلت‪ :‬وهذا كان مبدأ الجمعة‪ .‬ثم قَدم رسولُ ا ّ‬
‫بني عمرو بن عوف‪ ،‬كما قاله ابنُ إسحاَق يوم الثنين‪ ،‬ويومَ الثلثاء‪ ،‬ويومَ الربعاء‪ ،‬ويومَ‬
‫الخميس‪ ،‬وأسسّ مسجدَهم‪ ،‬ثم خرج يومَ الجمعة‪ ،‬فأدركته الجمعةُ في بني سالم بن عوف‪ ،‬فصلّها‬
‫في المسجد الذي في بطن الوادي‪ ،‬وكانت أوّل جمعة صلها بالمدينة‪ ،‬وذلك قبل تأسيسِ مسجده‪.‬‬
‫ل صلى ال عليه وسلم‪ ،‬فيما بلغني عن‬
‫قال ابن إسحاق‪ :‬وكانت أوّل خطبة خطبها رسولُ ا ّ‬
‫ل صلى ال عليه وسلم ما لم يقُلْ ‪ -‬أنه‬
‫ل أن نقول على رسول ا ّ‬
‫سلَمة بن عبد الرحمن ‪-‬ونعوذ با ّ‬
‫أبي َ‬
‫لنْفُسكمَ‬
‫ل وأثنى عليه بما هو أهله‪ ،‬ثم قال‪(( :‬أمّا َبعْدُ أيُها النّاسُ‪ ،‬فَقَدّموا َ‬
‫قام فِيهم خطيباً‪ ،‬فحمد ا ّ‬
‫غ َنمَه لَيس لها رَاع‪ ،‬ثُ ّم ليقولَنّ لَ ُه ربّه وَليْس لَة ُترْجُمان‪ ،‬ول‬
‫صعَقَنّ أحَدُكم‪ ،‬ثُ ّم َليَدَعَنّ َ‬
‫ل َل ُي ْ‬
‫َت ْعَلمُنّ وَا ّ‬
‫ت ِلنَفسِك‪،‬‬
‫عَل ْيكَ‪َ ،‬فمَا قَ ّد ْم َ‬
‫ض ْلتُ َ‬
‫ك رَسولي‪َ ،‬ف َبّلغَك‪ ،‬وآ َتيْتك مَالً‪ ،‬وأ ْف َ‬
‫ب يَحْجبُه دُونه ْالَ ْم يَاْت َ‬
‫حاج ٌ‬
‫ن يَ ِقيَ‬
‫عأ ْ‬
‫ستَطا َ‬
‫غ ْيرَ جَهنّم‪َ ،‬فمَنِ ا ْ‬
‫ل َيرَى َ‬
‫َفَل َينْظرنّ يَميناً وشِمالً‪ ،‬فل يَرى شَيئاً‪ ،‬ثُ ّم َل َينْظرَنّ قدّامَه فَ َ‬

‫‪169‬‬

‫شرَ‬
‫ن ِبهَا تُجْزى اَلحَسن ُة بعَ ْ‬
‫ق منْ َتمْرة‪َ ،‬ف ْليَ ْفعَل‪ ،‬ومن لَ ْم يَجد‪ ،‬فَبكَلمَةٍ طيّبةٍ‪ ،‬فَإ ّ‬
‫جهَ ُه منَ النّا ِر ولو بش ّ‬
‫وَ ْ‬
‫ل وبركاته))‪.‬‬
‫َأ ْمثَالهَا إلى سًبعمائة ضعف‪ ،‬والسلم علَيكَم ورحمة ا ّ‬
‫ل صلى ال عليه وسلم مرة أخرى‪ ،‬فقال‪(( :‬إن الحمد لّ‬
‫قال ابن إسحاق‪ :‬ثم خطب رسولُ ا ّ‬
‫ن َيهْدِه الّ‪ ،‬فل ُمضِلّ له‪ ،‬ومَن‬
‫سيّئاتِ أعْمالِنا مَ ْ‬
‫ن شرور أنْفُسِنا‪ ،‬و َ‬
‫ل مِ ْ‬
‫س َتعِينُه‪ ،‬نَعوذُ با ّ‬
‫أَحمَ ُد ُه وأَ ْ‬
‫ك له‪ ،‬إنّ أحسَن الحَديث كِتابُ الّ‪ ،‬قَدْ‬
‫لّ وَحْدَه ل شَري َ‬
‫شهَ ُد أن ل إله إلّ ا ُ‬
‫ي له‪ ،‬وأ ْ‬
‫ضلِل‪ ،‬فل ها ِد َ‬
‫ُي ْ‬
‫ن أحاديث النّاس‪،‬‬
‫أَ ْفلَحَ مَن َز ّينَه الّ في قلبه‪ ،‬وأدخله في الِسلم بعد الكفر‪ ،‬فاختارَه على ما سواه مِ ْ‬
‫لّ و ِذ ْكرَه‪،‬‬
‫ن كُلّ قُلو ِبكُم‪ ،‬ول َتمَلوا كَلمَ ا ِ‬
‫لّ مِ ْ‬
‫حبّوا ا َ‬
‫حبّ الُّ‪َ ،‬أ ِ‬
‫حبّوا ما أَ َ‬
‫ث وأبْلغُه‪َ ،‬أ ِ‬
‫إنّه َأحْسَنُ الحدي ِ‬
‫ختَا ُر َو َيصْطَفِي‪ ،‬قد سمّاه الّ خِيرَته مِنَ العمال‪،‬‬
‫ل يَ ْ‬
‫خلُقُ ا ّ‬
‫ل مَا يَ ْ‬
‫ن كُ ّ‬
‫ول تَقسُ قُلوبُكم‪ ،‬فإنّه مِ ْ‬
‫عبُدوا‬
‫حرَامِ‪ ،‬فا ْ‬
‫ل وَال َ‬
‫ن كُلّ مَا أُوتيَ النّاسُ من الحَل ِ‬
‫ومُصطفَا ُه من ال ِعبَا ِد والصّالح مِنَ الحديث‪ ،‬ومِ ْ‬
‫لّ صالحَ ما تقولون بأفْواهِكم‪َ ،‬وتَحابّوا ِبرُوح‬
‫ق تُقَاتِه‪ ،‬واصْدُقُوا ا َ‬
‫شيْئاً‪ ،‬واتّقوه حَ ّ‬
‫شرِكوا به َ‬
‫ل ول تُ ْ‬
‫ا ّ‬
‫ل وبركاته))‪.‬‬
‫حمَة ا ّ‬
‫علَيكم َورَ ْ‬
‫عهْدُه‪ ،‬والسّلمُ َ‬
‫ب أَنْ يُن َكثَ َ‬
‫ض ُ‬
‫لّ َي ْغ َ‬
‫لّ َبيْنكم‪ ،‬إنّ ا َ‬
‫ا ِ‬
‫وقد تقدم طرف من خطبته عليه السلم عند ذكر هديه في الخطب‪.‬‬
‫فصل‬
‫وكان من هديه صلى ال عليه وسلم تعظيمُ هذا اليوم وتشريفه‪ ،‬وتخصيصه بعبادات يختص‬
‫بها عن غيره‪ .‬وقد اختلف العلماء‪ :‬هل هو أفضلُ‪ ،‬أم يومُ عرفة؟ على قولين‪ :‬هما وجهان لصحاب‬
‫الشافعي‪.‬‬
‫وكان صلى ال عليه وسلم يقرأ في فجره بسورتي (الم تنزيل) و (هل أتى على‬
‫ص هذه الصلة بسجدة زائدة‪ ،‬ويسمونها‬
‫الِنسان)‪ .‬ويظن كثير ممن ل علم عنده أن المراد تخصي ُ‬
‫سجدة الجمعة‪ ،‬وإذا لم يقرأ أحدُهم هذه السورة‪ ،‬استحبّ قراءة سورة أخرى فيها سجدة‪ ،‬ولهذا كره‬
‫من كره من الئمة المداومة على قراءة هذه السورة في فجر الجمعة‪ ،‬دفعاً لتوهم الجاهلين‪،‬‬
‫ي صلى ال عليه وسلم يقرأ هاتين السورتين في‬
‫وسمعت شيخَ الِسلم ابن تيمية يقول‪ :‬إنما كان النب ّ‬
‫فجر الجمعة‪ ،‬لنهما تضمنتا ما كان ويكون في يَومِها‪ ،‬فإنهما اشتملتا على خلق آدم‪ ،‬وعلى ذِكر‬
‫المعاد‪ ،‬وحشر العباد‪ ،‬وذلك يكون يومَ الجمعة‪ ،‬وكان في قراءتهما في هذا اليوم تذكيرٌ للمة بما‬
‫ث اتفقت‪.‬‬
‫كان فيه ويكون‪ ،‬والسجدة جاءت تبعًا ليست مقصودة حتى يقصدَ المصلي قراءتها حي ُ‬
‫فهذه خاصة من خواص يوم الجمعة‪.‬‬

‫‪170‬‬

‫ب كثرة الصلة على النبي صلى ال عليه وسلم فيه وفي ليلته‪ ،‬لقوله‬
‫الخاصة الثانية‪ :‬استحبا ُ‬
‫ل صلى ال‬
‫جمُعة))‪ .‬ورسول ا ّ‬
‫جمُعة َوَل ْيلَة ال ُ‬
‫علّي يوم ال ُ‬
‫ن الصلة َ‬
‫صلى ال عليه وسلم ((أكثِروا مِ َ‬
‫عليه وسلم سيدُ النام‪ ،‬ويوم الجمعة سيدُ اليام‪ ،‬فللصلةِ عليه في هذا اليوم مزيةٌ ليست لغيره مع‬
‫حكمة أخرى‪ ،‬وهي أن كل خير نالته أمتُه في الدنيا والخرة‪ ،‬فإنما نالته على يده‪ ،‬فجمع الّ لمته‬
‫به بين خيري الدنيا والخرة‪ ،‬فأعظ ُم كرامة تحصل لهم‪ ،‬فإنما تحصل يوم الجمعة‪ ،‬فإن فيه بعثَهم‬
‫إلى منازلهم وقصورِهم في الجنّة‪ ،‬وهو يو ُم المزيد لهم إذا دخلوا الجنّة‪ ،‬وهو يوم عيد لهم في الدنيا‪،‬‬
‫ويوم فيه يُسعفهم الّ تعالى بطلباتهم وحوائجهم‪ ،‬ول َيرُدّ سائلهم‪ ،‬وهذا كلُ إنما عرفوه وحصل لهم‬
‫بسببه وعلى يده‪ ،‬فمن شكرِه وحمده‪ ،‬وأدا ِء القليل من حقه صلى ال عليه وسلم أن نكثر الصلة‬
‫عليه في هذا اليوم وليلته‪.‬‬
‫الخاصة الثالثة‪ :‬صلة الجمعة التي هي من آكد فروض الِسلم‪ ،‬ومِن أعظم مجامع‬
‫المسلمين‪ ،‬وهي أعظمُ مِن كل مجمع يجتمعون فيه وأفرضُه سوى مجمع عرفة‪ ،‬ومن تركها تهاوناً‬
‫ب أهل الجنة يومَ القيامة‪ ،‬وسبقُهم إلى الزيارة يومَ المزيد بحسب قُربهم‬
‫ل على قلبه‪ ،‬وقُر ُ‬
‫بها‪ ،‬طبع ا ُ‬
‫من الِمام يو َم الجمعة وتبكيرهم‪.‬‬
‫الخاصة الرابعة‪ :‬المر بالغتسال في يومها‪ ،‬وهو أمرٌ مؤكد جداً‪ ،‬ووجوبه أقوى مِن‬
‫وجوب الوتر‪ ،‬وقراءة البسملة في الصلة‪ ،‬ووجوب الوضوءِ من مس النساء‪ ،‬ووجوب الوضوءِ‬
‫مِن م ّر الذكر‪ ،‬ووجوب الوضوءِ من القهقهة في الصلة‪ ،‬ووجوب الوضو ِء من الرّعاف‪،‬‬
‫والحِجامة‪ ،‬والقيء‪ ،‬ووجوب الصلة على النبي صلى ال عليه وسلم في التشهد الخير‪ ،‬ووجوب‬
‫القراءة على المأموم‪.‬‬
‫ل بين من به رائحة يحتاج إلى‬
‫وللناس في وجوبه ثلث ُة أقوال‪ :‬النفيُ والِثبات‪ ،‬والتفصي ُ‬
‫إزالتها‪ ،‬فيجب عليه‪ ،‬ومن هو مستغن عنه‪ ،‬فيستحب له‪ ،‬والثلثة لصحاب أحمد‪.‬‬
‫الخاصة الخامسة‪ :‬التطيب فيه‪ ،‬وهو أفضل من التطيب في غيره من أيام السبوع‪.‬‬
‫الخاصة السادسة‪ :‬السّواك فيه‪ ،‬وله مزية على السواك في غيره‪.‬‬
‫الخاصة السابعة‪ :‬التبكير للصلة‪.‬‬
‫الخاصة الثامنة‪ :‬أن يشتغل بالصلة‪ ،‬والذكر‪ ،‬والقراءة حتى يخرج الِمام‪.‬‬

‫‪171‬‬

‫الخاصة التاسعة‪ :‬الِنصات للخطبة إذا سمعها وجوبًا في أصح القولين‪ ،‬فإن تركه‪ ،‬كان‬
‫ج ُمعَةَ‬
‫صتْ‪ ،‬فَل ُ‬
‫حبِه أن ِ‬
‫لغياً‪ ،‬ومن لغا‪ ،‬فل جمعة له‪ ،‬وفي ((المسند))‪ ،‬مرفوعًا ((والذي يقول لِصا ِ‬
‫لَهُ))‪.‬‬
‫الخاصة العاشرة‪ :‬قراءة سورة الكهف في يومها‪ ،‬فقد روي عن النبي صلى ال عليه وسلم‪:‬‬
‫سمَاء يُضىء بِه َيوْمَ‬
‫ن ال ّ‬
‫عنَا ِ‬
‫ف َيوْمَ الج ُمعَةِ‪ ،‬سَطَ َع لَ ُه نُو ٌر مِن تَحتِ قَ َدمِ ِه إلى َ‬
‫((مَنْ قَرأَ سُو َرةَ ال َك ْه ِ‬
‫ج ُم َع َتيْنِ))‪.‬‬
‫القِيامَةِ‪ ،‬وغُ ِف َر لَ ُه مَا َبيْنَ ال ُ‬
‫وذكره سعيد بن منصور مِن قول أبي سعيد الخُدري وهو أشبه‪.‬‬
‫ت الزوال عند الشافعى رحمه الّ ومن وافقه‪،‬‬
‫ل الصلة فيه وق َ‬
‫الحادية عشرة‪ :‬إنه ل يُكره فع ُ‬
‫وهو اختيار شيخنا أبي العباس بن تيمية‪َ ،‬ولَم يكن اعتمادُه‪ .‬على حديث ليث‪ ،‬عن مجاهد‪ ،‬عن أبي‬
‫الخليل‪ ،‬عن أبي قتادة‪ ،‬عن النبي صلى ال عليه وسلم‪ ،‬أنه كره الصلة نِصف النهار إل يومَ‬
‫ج ُمعَة وإنما كان اعتمادُه على أن من جاء إلى الجمعة‬
‫ل َيوْمَ ال ُ‬
‫جرُ إ ّ‬
‫ج َهنّ َم تُسَ ّ‬
‫الجمعة‪ .‬وقال‪ :‬إنّ َ‬
‫ل َيوْمَ الجُمعَةِ‪،‬‬
‫ل رَجُ ٌ‬
‫يُستحب له أن يُصّليَ حتى يخرج الِمام‪ ،‬وفي الحديث الصحيح ((ل َي ْغتَسِ ُ‬
‫ق َبيْنَ‬
‫ل يُ َفرّ ُ‬
‫س مِن طِيبِ بَيتِه‪ ،‬ثُ ّم يَخرُجُ‪ ،‬فَ َ‬
‫ط ْهرٍ‪َ ،‬ويَدّهِنُ مِن دُ ْهنِهِ‪َ ،‬أ ْو َيمَ ّ‬
‫ع مِنْ ُ‬
‫ستَطَا َ‬
‫ط ّهرُ مَا ا ْ‬
‫َو َيتَ َ‬
‫خرَى))‪.‬‬
‫ج ُمعَةِ ال ْ‬
‫لمَامُ إلّ غُ ِف َر لَهُ مَا بَينةُ َو َبيْنَ ال ُ‬
‫ت إذا َت َكلّمَ ا ِ‬
‫ب لَهُ‪ ،‬ثُ ّم ي ْنصِ ُ‬
‫صلّي مَا ُك ِت َ‬
‫ا ْث َنيْن‪ ،‬ثُ ّم ُي َ‬
‫رواه البخاري فندبه إلى الصلة ما كتِب له‪ ،‬ولم يمنعه عنها إل في وقت خروج الِمام‪ ،‬ولهذا قال‬
‫ل عنه‪ ،‬وتبعه عليه الِمام أحمد بن حنبل‪:‬‬
‫غيرُ واحد من السلف‪ ،‬منهم عمر بن الخطاب رضي ا ّ‬
‫خروجُ الِمام يمنع الصلة‪ ،‬وخطبتُه تمنع الكلم‪ ،‬فجعلوا المانع من الصلة خروجَ الِمام‪ ،‬ل‬
‫ف النهار‪.‬‬
‫انتصا َ‬
‫وأيضاً‪ ،‬فإن الناس يكونون في المسجد تحت السقوف‪ ،‬ول يشعرُون بوقت الزوال‪ ،‬والرجلُ‬
‫ل بالصلة ل يدرى بوقت الزوال‪ ،‬ول يُمكنه أن يخرج‪ ،‬ويتخطّى رقاب الناس‪،‬‬
‫يكون متشاغِ ً‬
‫وينظُر إلى الشمس ويرجِعَ‪ ،‬ول يشرع له ذلك‪.‬‬
‫وحديث أبي قتادة هذا‪ ،‬قال أبو داود‪ :‬هو مرسل لن أبا الخليل لم يسمع من أبي قتادة‪،‬‬
‫والمرسل إذا اتصل به عمل‪ ،‬وَعَضَ َدهُ قياسٌ‪ ،‬أو قولُ صحابي‪ ،‬أو كان مرسله معروفاً باختيار‬
‫عمِلَ به‪.‬‬
‫الشيوخ ورغبتهِ عن الرواية عن الضعفاء والمتروكين ونحو ذلك مما يقتضي قوته‪ُ ،‬‬
‫وأيضاً‪ ،‬فقد عضده شواهد أخر‪ ،‬منها ما ذكره الشافعي في كتابه فقال‪ :‬روي عن إسحاق بن‬
‫عبد الّ‪ ،‬عن سعيد بن أبي سعيد‪ ،‬عن أبي هريرة‪ ،‬أن النبي صلى ال عليه وسلم نَهى عَنِ الصّلةِ‬

‫‪172‬‬

‫نِصفَ النهار حتى تزول الشمسُ إل يومَ الجمعة‪ .‬هكذا رواه رحمه الّ في كتاب ((اختلف‬
‫الحديث)) ورواه في ((كتاب الجمعة)) حدثنا إبراهيم بن محمد‪ ،‬عن إسحاق‪ ،‬ورواه أبو خالد‬
‫ل بن سعيد المقبري‪ ،‬عن أبي هريرة‪ ،‬عن النبي‬
‫الحمر‪ ،‬عن شيخ من أهل المدينة‪ ،‬يقال له‪ :‬عبد ا ّ‬
‫صلى ال عليه وسلم‪ .‬وقد رواه البيهقي في ((المعرفة)) من حديث عطاء بن عجلن‪ ،‬عن أبي‬
‫نضرة‪ ،‬عن أبى سعيد وأبي هريرة قال‪ :‬كان النبيّ صلى ال عليه وسلم ينهى عن الصلة نِصفَ‬
‫النهار‪ ،‬إل يوم الجمعة ولكن إسناده فيه من ل يحتج به‪ ،‬قاله البيهقي‪ ،‬قال‪ :‬ولكن إذا انضمت هذه‬
‫الحاديث إلى حديث أبي قتادة أحدثت بعض القوة‪ .‬قال الشافعي‪ :‬من شأن الناس التهجير إلى‬
‫الجمعة‪ ،‬والصلةُ إلى خروج الِمام‪ ،‬قال البيهقى‪ :‬الذي أشار إليه الشافعي موجود في الحاديث‬
‫الصحيحة وهو أن النبي صلى ال عليه وسلم رغّب في التبكير إلى الجمعة‪ ،‬وفي الصلة إلى‬
‫خروج الِمام من غير استثناء‪ ،‬وذلك يُوافِق هذه الحاديث التي أُبيحت فيها الصلة نصف النهار‬
‫يوم الجمعة‪ ،‬وروينا الرّخصة في ذلك عن عطاء‪ ،‬وطاووس‪ ،‬والحسن‪ ،‬ومكحول‪ .‬قلت‪ :‬اختلف‬
‫الناسُ في كراهة الصل ِة نِصفَ النهار على ثلثة أقوال‪:‬‬
‫أحدها‪ :‬أنه ليس وقت كراهة بحال‪ ،‬وهو مذهب مالك‪.‬‬
‫الثاني‪ :‬أنه وقت كراهة في يوم الجمعة وغيرها‪ ،‬وهو مذهب أبي حنيفة‪ ،‬والمشهور من‬
‫مذهب أحمد‪.‬‬
‫والثالث‪ :‬أنه وقت كراهة إل يومَ الجمعة‪ ،‬فليس بوقت كراهة‪ ،‬وهذا مذهب الشافعي‪.‬‬
‫الثانية عشرة‪ :‬قراءة (سورة الجمعة) و (المنافقين )‪ ،‬أو (سبح والغاشية)‪ .‬صلة الجمعة‪ ،‬فقد‬
‫ل صلى ال عليه وسلم يقرأ بهن في الجمعة‪ ،‬ذكره مسلم في ((صحيحه))‪.‬‬
‫كان رسول ا ّ‬
‫جمُعةِ) و (هَلْ أتاك حديثُ الغاشية)‬
‫وفيه أيضاً‪ :‬أنه صلى ال عليه وسلم‪ ،‬كان يقرأ فيها بـ (ال ُ‬
‫ثبت عنه ذلك كلّه‪.‬‬
‫ول يُستحب أن يقرأ مِن كل سورة بعضها‪ ،‬أو يقرأ إحداهما في الركعتين‪ ،‬فإنه خلفُ‬
‫جهّال المة يُداومون على ذلك‪.‬‬
‫السنة‪ ،‬و ُ‬
‫الثالثة عشرة‪ :،‬أنه يو ُم عيد متكرّر في السبوع‪ ،‬وقد روى أبو عبد الّ بن ماجه في‬
‫((سننه)) من حديث أبي لُبابة بنِ عبدِ المُنذر قال‪ :‬قال رسول صلى ال عليه وسلم‪(( :‬إن يَومَ‬
‫ن َيوْمِ الضْحَى‪َ ،‬و َيوْمِ الفِطْر‪ ،‬فيه‬
‫ل مِ ْ‬
‫عنْدَ ا ّ‬
‫ظمُها عنِد ال‪ ،‬و ُه َو أَعْظَم ِ‬
‫سيّد اليام‪ ،‬وأَعْ َ‬
‫ج ُمعَةِ َ‬
‫ال ُ‬
‫خلَقَ الّ فيه آدم‪ ،‬وأَ ْهبَطَ فيه آدم إلى الرض‪ ،‬وفيه توفّى ال آدم‪ ،‬وفيه ساعَةٌ ل يَسْأَلُ‬
‫خَمسُ خِللٍ‪َ :‬‬

‫‪173‬‬

‫ك مُ َق ّربٍ‪ ،‬ول سماءٍ‪،‬‬
‫ن َمَل ٍ‬
‫ال العَبدُ فيها شيئاً إل أعطاه‪ ،‬ما لم يسأل حراماً‪ ،‬وفيه تقومُ السّاعَةُ‪ ،‬ما مِ ْ‬
‫ن َيوْمِ الجمعة))‪.‬‬
‫ن يُشْفِقن مِ ْ‬
‫جرٍ إل وه ّ‬
‫شَ‬
‫ول أرضٍ‪ ،‬وَل ِريَاحٍ‪ ،‬ول جِبالٍ‪ ،‬ول َ‬
‫الرابعة عشرة‪ :‬إنه يُستحب أن يلبَس فيه أحسَنَ الثياب التي يق ِدرُ عليها‪ ،‬فقد روى الِمام‬
‫ل صلى ال عليه وسلم يقول‪(( :‬مَنِ‬
‫أحمد في ((مسنده)) من حديث أبي أيوب قال‪ :‬سمعتُ رسول ا ّ‬
‫سكِينةُ‬
‫ج وعليه ال ّ‬
‫خرَ َ‬
‫ن له‪ ،‬وَل ِبسَ مِن أَحسَنِ ثيابِهِ‪ ،‬ثمّ َ‬
‫ب إنْ كا َ‬
‫غتَسَلَ يوم الجمُع ِة َو َمسّ مِنْ طِي ٍ‬
‫اْ‬
‫صّليَ‪ ،‬كانت‬
‫خرَج إمامُه حتّى َ‬
‫ت إذا َ‬
‫ص َ‬
‫ن بَدا له‪ ،‬ول ْم ُيؤْذِ أحدًا ثُمّ أَن َ‬
‫حتّى يَأْتيَ المسجدَ‪ ،‬ثُمّ َي ْركَ َع إ ْ‬
‫كَفّا َرةً لما بينهما‪.‬‬
‫وفي ((سنن أبي داود))‪ ،‬عن عبد الّ بن سلم‪ ،‬أنه سمع رسول ال صلى ال عليه وسلم‬
‫يقول على المِنبَر في َيوْمِ الجمعة‪(( :‬ما على أحَدِكم لو اشتَرى ثَوبين ِليَومِ الجُمعة سِوى َث ْو َبيْ‬
‫ِم ْه َنتِه))‪.‬‬
‫وفي ((سنن ابن ماجه))‪ ،‬عن عائشة رضي ال عنها‪ ،‬أن النبي صلى ال عليه وسلم خطب‬
‫ن َيتَخّ َذ ثَو َبيْن‬
‫سعَ ًة أَ ْ‬
‫ب النّمار‪ ،‬فقال‪(( :‬ما على أَحَ ِدكُ ْم إن وَجَدَ َ‬
‫الناسَ يومَ الجمعة‪ ،‬فرأى عليهم ثِيا َ‬
‫ي مِه َنتِه))‪.‬‬
‫سوَى ثَو َب ْ‬
‫ج ُم َعتِهِ ِ‬
‫لِ ُ‬
‫الخامسة عشرة‪ :‬أنه يستحب فيه تجميرُ المسجد‪ ،‬فقد ذكر سعيدُ بن منصور‪ ،‬عن نعيم بن‬
‫ل عنه أمر أن يج ّمرَ مسج ُد المدينة كُلّ جمعة حين‬
‫ل المُجمِر‪ ،‬أن عمر بن الخطاب رضي ا ّ‬
‫عبد ا ّ‬
‫ينتصِف النهار‪.‬‬
‫جمِر‪.‬‬
‫قلت‪ :‬ولذلك سمي نعيم الم ْ‬
‫السادسة عشرة‪ :‬أنه ل يجوز السفرُ في يومها لمن تلزمه الجمعة قبل فعلها بعد دخول‬
‫وقتها‪ ،‬وأما قبله‪ ،‬فللعلماء ثلث ُة أقوال‪ ،‬وهي روايات منصوصات عن أحمد‪ ،‬أحدها‪ :‬ل يجوز‪،‬‬
‫والثاني‪ :‬يجوز‪ ،‬والثالث‪ :‬يجوز للجهاد خاصة‪.‬‬
‫وأما مذهب الشافعي رحمه الّ‪ ،‬فيحرم عنده السفر يومَ الجمعة بعد الزوال‪ ،‬ولهم في سفر‬
‫الطاعة وجهان‪ ،‬أحدهما‪ :‬تحريمه‪ ،‬وهو اختيار النووي‪ ،‬والثاني‪ :‬جوازه وهو اختيار الرافعي‪.‬‬
‫وأما السفر قبل الزوال‪ ،‬فللشافعي فيه قولن‪ :‬القديم‪ :‬جوازه‪ ،‬والجديد‪ :‬أنه كالسفر بعد زوال‪.‬‬
‫وأما مذهب مالك‪ ،‬فقال صاحب ((التفريع))‪ :‬ول يسافر أح ٌد يوم الجمعة بعد الزوال حتى‬
‫يُصليَ الجمعة‪ ،‬ول بأس أن يسافر قبل الزوال‪ ،‬والختيار‪ :‬أن ل يسافر إذا طلع الفجر وهو حاضر‬
‫حتى يُصليَ الجمعة‪.‬‬

‫‪174‬‬

‫وذهب أبو حنيفة إلى جواز السفر مطلقاً‪ ،‬وقد روى الدارقطني في ((الفراد))‪ ،‬من حديث‬
‫ن دارِ إقامَته يومَ‬
‫ل صلى ال عليه وسلم قال‪(( :‬مَن سَاف َر مِ ْ‬
‫ابن عمر رضي الّ عنهما أن رسول أ ّ‬
‫علَي ِه المَلئِكةُ ال يصحَب في سَ َفرِه))‪ .‬وهو من حديث ابن لهيعة‪.‬‬
‫عتْ َ‬
‫الجمعةِ‪ ،‬دَ َ‬
‫وفي ((مسند الِمام أحمد)) من حديث الحكم‪ ،‬عن مِقْسَم‪ ،‬عن ابن عباس قال‪ :‬بعثَ رسولُ‬
‫ك يَومَ الجمعة‪ ،‬قال‪ :‬فغدا أصحابُه‪،‬‬
‫ل بن رواحة في سرية‪ ،‬فوافق ذِل َ‬
‫ل صلى ال عليه وسلم عبد ا ّ‬
‫ا ّ‬
‫ل صلى ال عليه وسلم‪ ،‬ثم ألحقهم‪ ،‬فلما صلّى النبي صلى ال‬
‫وقال‪ :‬أتخلّف وأصلي مع رسولِ ا ّ‬
‫ن َتغْ ُد َو مَع أصحَابِك؟ فقال‪ :‬أردت أن أصلّي معك‪ ،‬ثم ألحقَهم‪،‬‬
‫عليه وسلم‪ ،‬رآه‪ ،‬فقال‪ :‬ما َم َنعَك أَ ْ‬
‫ت مَا في الَرضِ ما أ ْدرَكتَ فَضلَ غَ ْد َوتِهم))‪.‬‬
‫فقال‪َ( :‬لوْ أَنفَ ْق َ‬
‫وأُعِلّ هذا الحديثُ‪ ،‬بأن الحكم لم يسمع من مقسم‪.‬‬
‫خفِ المسافرُ فَوتَ رفقته‪ ،‬فإن خاف فوت رفقته وانقطاعَه بعدهم‪ ،‬جاز له السفرُ‬
‫هذا إذا لم يَ َ‬
‫مطلقاً‪ ،‬لن هذا عذر يُسقط الجمعة والجماعة‪.‬‬
‫ولعل ما روي عن الوزاعي ‪ -‬أنه سئل عن مسافر سمع أذان الجمعة وقد أسرج دابته‪،‬‬
‫ل ابن عمر رضي ال عنه‪ :‬الجمعة ل تح ِبسُ‬
‫ل على هذا‪ ،‬وكذلك قو ُ‬
‫ض على سفر ِه ‪ -‬محمو ٌ‬
‫فقال‪ :‬لِيم ِ‬
‫عن السفر‪ .‬وإن كان مرادهم جواز السفر مطلقاً‪ ،‬فهي مسألة نزاع‪ .‬والدليل‪ :‬هو الفاصل‪ ،‬على أن‬
‫عبد الرزاق قد روى في ((مصنفه)) عن معمر‪ ،‬عن خالد الحذاء‪ ،‬عن ابن سيرين أو غيره‪ ،‬أن‬
‫ل عليه ثيابُ سَفَر بعد ما قضى الجمعة‪ ،‬فقال‪ :‬ما شأنُك؟ قال‪ :‬أردتُ‬
‫عمر بن الخطاب رأى رج ً‬
‫ضرْ وقتُها‬
‫سفراً‪ ،‬فكرِ ْهتُ أن أخرُجَُ حتى أصلي‪ ،‬فقال عمر‪ :‬إن الجمعة ل تمنعُك السفرَ ما لم يح ُ‬
‫فهذا قول من يمنع السفر بعد الزوال‪ ،‬ول يمنع منه قبله‪.‬‬
‫وذكره‪ .‬عبد الرزاق أيضاً عن الثوري‪ ،‬عن السود بن قيس‪ ،‬عن أبيه قال‪ :‬أبص َر عمرُ بن‬
‫ل عليه ه ْيئَ ُة السّفرِ‪ ،‬وقال الرجلُ‪ :‬إن اليومَ يوم جمعة ولول ذلك‪ ،‬لخرجتُ‪ ،‬فقال عمر‪:‬‬
‫الخطاب رج ً‬
‫ن الرواح‪.‬‬
‫إن الجمعة ل تحبسُ مسافرا‪ ،‬فاخرُج ما لم يَحِ ِ‬
‫وذكر أيضًا عن الثوري‪ ،‬عن ابن أبي ذئب‪ ،‬عن صالح بن كثير‪ ،‬عن الزهري قال‪ :‬خرج‬
‫رسول ال صلى ال عليه وسلم مسافرًا يوم الجمعة ضُحى قبل الصلة‪.‬‬
‫وذكر عن معمَر قال‪ :‬سألت يحيى بن أبي كثير‪ :‬هل يخرج الرجل يومَ الجمعة؟ فكرهه‪،‬‬
‫فجعلت أحدّثه بالرخصة فيه‪ ،‬فقال لي‪ :‬قلما يخرج رجل في يوم الجمعة إل رأى ما يكرهه‪ ،‬لو‬
‫نظرت في ذلك‪ ،‬وجدتَه كذلك‪.‬‬

‫‪175‬‬

‫ل يوم‬
‫وذكر ابن المبارك‪ ،‬عن الوزاعي‪ ،‬عن حسان بن أبي عطية‪ ،‬قال‪ :‬إذا سافر الرجُ ُ‬
‫الجمعة‪ ،‬دعا عليه النها ُر أن ل ُيعَانَ على حاجته‪ ،‬ول يُصاحب في سفره‪.‬‬
‫وذكر الوزاعي‪ ،‬عن ابن المسيَب‪ ،‬أنه قال‪ :‬السفر يو َم الجمعة بعد الصلة‪ .‬قال ابن جُريج‪:‬‬
‫قلت لعطاء‪ :‬أبلغك أنه كان يُقال‪ :‬إذا أمسى في قرية جامعة مِن ليلة الجمعة‪ ،‬فل يذهب حتى يُجمّعَ؟‬
‫قال‪ :‬إن ذلك ليكره‪ .‬قلت‪ :‬فمِن يوم الخميس؟ قال‪ :‬ل‪ ،‬ذلك النهار فل يضره‪.‬‬
‫السابعة عشرة‪ :‬أن للماشي إلى الجمعة بكل خُطوة أجرَ سنة صيامَها وقيامَها‪ ،‬قال عبد‬
‫الرزاق‪ :‬عن معمر‪ ،‬عن يحيى بن أبي كثير‪ ،‬عن أبي قلبة‪ ،‬عن أبي الشعث الصنعاني‪ ،‬عن أوس‬
‫ج ُمعَةِ‪ ،‬و َب ّكرَ وابت َكرَ‪،‬‬
‫ل َيوْمَ ال ُ‬
‫غتَسَ َ‬
‫ل صلى ال عليه وسلم ((من غسّل وا ْ‬
‫بن أوس‪ ،‬قال‪ :‬قال رسول ا ّ‬
‫لّ يسير))‪.‬‬
‫سنَةٍ وقيامها‪ ،‬وذِلكَ على ا ِ‬
‫ط َو ٍة يَخْطُوها صِيامُ َ‬
‫ن لَه ِبكُلّ خ ْ‬
‫صتَ‪ ،‬كا َ‬
‫ودنا مِنَ المام‪ ،‬فَأ ْن َ‬
‫ورواه الِمام أحمد في ((مسنده))‪.‬‬
‫وقال الِمام أحمد‪ :‬غَسّلَ بالتشديد‪ :‬جامع أهله‪ ،‬وكذلك فسّره وكيع‪.‬‬
‫الثامنة عشرة‪ :‬أنه يوم تكفير السيّئات‪ ،‬فقد روى الِمام أحمد في‪(( .‬مسنده)) عن سلمان قال‪:‬‬
‫ل صلى ال عليه وسلم ((َأتَدريَ ما يَومُ الجُمعة؟)) قلت‪ُ :‬هوَ اليوم الذي جَم َع اللّة فيه‬
‫لي رسول ا ّ‬
‫جمُعة‪،‬‬
‫طهّر الرّجُلُ فَيحسِن طهُورَة‪ ،‬ثمَ يأتي ال ُ‬
‫جمُعة‪ ،‬ل َيتَ َ‬
‫أَباكم آدم قال‪(( :‬ولكنّي أَدْري ما يَومُ ال ُ‬
‫ج ُت ِن َبتِ‬
‫ضيَ المام صَلتَه إل كانت كَفّا َرةَ لما َب ْينَه وبَين الجمعةِ المقبلَة ما ا ْ‬
‫حتّى يَق ِ‬
‫َف ُينْصت َ‬
‫المَ ْقتَلة))‪.‬‬
‫وفي ((المسند)) أيضًا من حديث عطاء الخراساني‪ ،‬عن نُبيشة الهُذلي‪ ،‬أنه كان يُحدّث عن‬
‫ل ِإلَى المَسجِد ل يؤذي‬
‫ج ُمعَةِ‪ ،‬ثُ ّم أَقبَ َ‬
‫ل يَومَ ال ُ‬
‫ل صلى ال عليه وسلم‪(( :‬إنّ المسلِ َم إذا اغتَسَ َ‬
‫رسول ا ّ‬
‫صتَ‬
‫س َتمَع َوأَن َ‬
‫جَلسَ‪ ،‬فَا ْ‬
‫خرَجَ‪َ ،‬‬
‫لمَامَ قد َ‬
‫صلّى مَا بَدَا لَهُ‪َ ،‬وإِن وَجَ َد ا ِ‬
‫خرَج‪َ ،‬‬
‫أحَداَ‪ ،‬فَإن لَ ْم يَجِدِ الِمام َ‬
‫ج ُمعَةِ‬
‫ج ُم َعتَ ُه وكَلمَهُ‪ ،‬إن لَ ْم ُيغْ َف ْر لَه في جُم َعتِه ِتلْك ذُنوبُه كلّها‪ ،‬أن تكُون كَفَا َر ًة ِللْ ُ‬
‫لمَامُ ُ‬
‫ضيَ ا ِ‬
‫حتّى يَق ِ‬
‫َ‬
‫اّلتِي َتلِيها))‪.‬‬
‫ل صلى ال عليه وسلم ((ل َي ْغتَسِل‬
‫وفي ((صحيح البخاري))‪ ،‬عن سلمان قال‪ :‬قال رسول ا ّ‬
‫ب َب ْيتِه‪ ،‬ثُمّ َيخْرج‪،‬‬
‫ن مِنْ دُهنِ ِه َأ ْو يَصرّ مِن طي ِ‬
‫طهْر‪َ ،‬ويَدّهِ ُ‬
‫ع مِن ُ‬
‫ج ُمعَ ِة َو َيتَط ّهرُ ما استطَا َ‬
‫ل يَومَ ال ُ‬
‫رَجُ ٌ‬
‫لمَام‪ ،‬إل غ ِف َر لَ ُه مَا بيْن ُه وبَينَ الجُمعةِ‬
‫ن اثنينِ‪ ،‬ثُمّ ُيصَلي مَاك ِتبَ لَهُ‪ ،‬ثُ ّم يُنصتُ إذَا َت َكلّمَ ا ِ‬
‫فليفرّقُ بَي َ‬
‫الُخرَى))‪.‬‬
‫(يتبع‪)...‬‬

‫‪176‬‬

‫@‬

‫ل صلى ال عليه وسلم‬
‫وفي ((مسند أحمد))‪ ،‬من حديث أبي الدرداء قال‪ :‬قال رسولُ ا ّ‬

‫عَليْه‬
‫جمُعة‪ ،‬ث ّم َل ِبسَ ثِيابَه‪َ ،‬و َمسّ طيبًا إن كان عنده‪ ،‬ثُ ّم مَشى إلى الجمُعة و َ‬
‫ل َيوْمَ ال ُ‬
‫غتَسَ َ‬
‫نا ْ‬
‫((مَ ِ‬
‫ص ِرفَ الِمام‪ ،‬غُ ِف َر لَه ما‬
‫ط أَحَداً‪ ،‬ولم يُؤذِه‪ ،‬وركَعَ ما ُقضِي له‪ ،‬ثُ ّم انتظرَ حتّى َي ْن َ‬
‫سكِينَةُ‪ ،‬ولم َيتَخَ ّ‬
‫ال ّ‬
‫بَين الج ُم َعتَين))‪.‬‬
‫ل يو ٍم إل يومَ الجمعة‪ .‬وقد تقدم حديثُ أبي قتادة في ذلك‪،‬‬
‫سجّر كُ ّ‬
‫التاسعة عشرة‪ :‬أن جهنم ت َ‬
‫ل أعلم ‪ -‬أنه أفضل اليام عِند الّ‪ ،‬ويقعُ فيه من الطاعات‪ ،‬والعبادات‪ ،‬والدعوات‪،‬‬
‫وسر ذلك ‪ -‬وا ّ‬
‫والبتهال إلى ال سبحانه وتعالى‪ ،‬ما يمنع من تسجير جهنم فيه‪ .‬ولذلك تكُون معاصي أهل الِيمان‬
‫ل مِن معاصيهم في غيره‪ ،‬حتى إن أهلَ الفجور ليمتنِعون فيه مما ل يمتنِعون منه في يوم‬
‫فيه أق ّ‬
‫السبت وغيره‪.‬‬
‫ل يوم إل يومَ‬
‫وهذا الحديث الظاهر منه أن المراد سَجْر جهنمِ في الدنيا‪ ،‬وأنها توقد ك ّ‬
‫الجمعة‪ ،‬وأما يوم القيامة‪ ،‬فإنه ل يفتّر عَذَابُها‪ ،‬ول يخَفّف عن أهلها الذين هم أهلها يوماً من اليام‪،‬‬
‫ولذلك يَدعون الخزن َة أن يدعوا ربّهم ليخفف عنهم يومًا من العذاب‪ ،‬فل يُجيبونهم إلى ذلك‪.‬‬
‫العشرون‪ :‬أن فيه ساعةَ الِجابة‪ ،‬وهي الساعة التي ل يسأل الَّ عبدٌ مسلم فيها شيئاً إل‬
‫ل صلى ال‬
‫أعطاه‪ ،‬ففي ((الصحيحين)) من حديث أبي هريرة رضي ال عنه‪ ،‬قال‪ :‬قال رسول ا ّ‬
‫ل أعْطَاهُ‬
‫ج ُمعَ ِة لَساعَةً ل يوافِقها عب ّد مُسلم وهو قائم يصلّي يسألُ الّ شَيئًا إِ ّ‬
‫عليه وسلم ((إنّ في ال ُ‬
‫ِإيّاهُ‪ ،‬وقال‪ :‬بِيدِه ي َقلّلها))‪.‬‬
‫وفي المسند من حديث أبي لُبابة بن عبد المنذر‪ ،‬عن النبي صلى ال عليه وسلم قال‪(( :‬سيّدُ‬
‫طرِ‪َ ،‬و َيوْمِ الضْحى‪ ،‬وفيهِ خَمسُ‬
‫ن يومِ الفِ ْ‬
‫ل مِ ْ‬
‫ظمُها عِندَ الّ‪ ،‬وأعظم غِد ا ّ‬
‫ج ُمعَة‪ ،‬وأَعْ َ‬
‫اليّام يومُ ال ُ‬
‫ل آدَمَ‪ ،‬وفيه ساعةٌ‬
‫ع ّز وَجَ ّ‬
‫خلَقَ الُّ فِي ِه آدَمَ‪ ،‬وأَهبَطَ الُّ فِي ِه آدَ َم إلى الرْضِ‪ ،‬وفيه َتوَفّى الّ َ‬
‫خصَالٍ‪َ :‬‬
‫ِ‬
‫ك مُ َق ّربٍ‪،‬‬
‫حرَاماً‪ ،‬وفي ِه تَقُومُ الساعَةُ‪ ،‬ما مِنْ َمَل ٍ‬
‫ل أَتاهُ ال ِإيّاهُ ما لم يَسْأَل َ‬
‫شيْئًا إِ ّ‬
‫لّ العبد فيهَا َ‬
‫ل يَسْأَلُ ا َ‬
‫ج ُمعَة))‪.‬‬
‫ن مِن َيوْمِ ال ُ‬
‫ن يُشْفِقْ َ‬
‫جرٍ‪ ،‬إل وه ّ‬
‫شَ‬
‫حرٍ‪ ،‬ول جِبالٍ‪ ،‬ول َ‬
‫ول أرْضٍ‪ ،‬ول رِياحٍ‪ ،‬ول بَ ْ‬
‫فصل‬
‫وقد اختلف الناس في هذه الساعة‪ :‬هل هي باقية أو قد رُفِعت؟ على قولين‪ ،‬حكاهما ابن عبد‬
‫البَر وغيرُه‪ ،‬والذين قالوا‪ :‬هي باقية ولم تُرفع‪ ،‬اختلفوا‪ ،‬هل هي في وقت من اليوم بعينه‪ ،‬أم هي‬
‫غير معينة؟ على قولين‪ .‬ثم اختلف من قال بعدم تعيينها‪ :‬هل هي تنتقل في ساعات اليوم‪ ،‬أو ل؟‬
‫على قولين أيضاً‪ ،‬والذين قالوا بتعيينها‪ ،‬اختلفوا على أحد عشر قولً‪.‬‬

‫‪177‬‬

‫ل عنه أنه قال‪ :‬هي مِن طلوع الفجر إلى‬
‫قال ابن المنذر‪ :‬روينا عن أبي هريرة رضي ا ّ‬
‫طلوع الشمس‪ ،‬وبعدَ صلة العصر إلى غروبِ الشمس‪.‬‬
‫الثاني‪ :‬أنها عند الزوالِ‪ ،‬ذكره ابن المنذر عن الحسن البَصري‪ ،‬وأبي العالية‪.‬‬
‫الثالث‪ :‬أنها إذا أذن المؤذّن بصلة الجمعة‪ ،‬قال ابن المنذر‪ :‬روينا ذلك عن عائشة رضي‬
‫الّ عنها‪.‬‬
‫الرابع‪ :‬أنها إذا جلس الما ُم على المنبر يخطُب حتى يفرُغ قال ابن المنذر‪ :‬رويناه عن‬
‫الحسن البصري‪.‬‬
‫الخامس‪ :‬قاله أبو بردة‪ :‬هي الساعة التي اختار ال وقتها للصلة‪.‬‬
‫السادس‪ :‬قاله أبو السوار العدوي‪ ،‬وقال‪ :‬كانوا يرون أن الدعاء مستجاب ما بين زوال‬
‫الشمس إلى أن تدخل الصلة‪.‬‬
‫السابع‪ :‬قاله أبو ذر‪ :‬إنها ما بين أن ترتفع الشمس شبراً إلى ذراع‪.‬‬
‫ل بن‬
‫الثامن‪ :‬أنها ما بين العصر إلى غروب الشمس‪ ،‬قاله أبو هريرة‪ ،‬وعطاء‪ ،‬وعبد ا ّ‬
‫سلم‪ ،‬وطاووس‪ ،‬حكى ذلك كله ابن المنذر‪.‬‬
‫التاسع‪ :‬أنها آخ ُر ساعة بعد العصر‪ ،‬وهو قول أحمد‪ ،‬وجمهور الصحابة‪ ،‬و التابعين‪.‬‬
‫العاشر‪ :‬أنها من حين خروج الِمام إلى فراغ الصلة‪ ،‬حكاه النووي وغيره‪.‬‬
‫الحادي عشر‪ :‬أنها الساعة الثالثةُ من النهار‪ ،‬حكاه صاحب ((المغني)) فيه‪ .‬وقال كعب‪ :‬لو‬
‫قسم الِنسان جمعة في جمع‪ ،‬أتى على تلك الساعة‪ .‬وقال عمر‪ :‬إن طلبَ حاجة في يوم ليسير‪.‬‬
‫وأرجح هذه القوال‪ :‬قولن تضمنتهما الحاديث الثابتة‪ ،‬وأحدهما أرجح من الخر‪.‬‬
‫الول‪ :‬أنها من جلوس الِمام إلى انقضاء الصلة‪ ،‬وحجة هذا القول ما روى مسلم‬
‫في ((صحيحه)) من حديث أبي بُردة بن أبي موسى‪ ،‬أن عبد الّ بن عمر قال له‪ :‬أسمعتَ أباك‬
‫ل صلى ال عليه وسلم في شأن ساعة الجمعة شيئاً؟ قال‪ :‬نعم سمعتُه يقول‪:‬‬
‫يحدّث عن رسول ا ّ‬
‫لمَا ُم إلى أن تُ ْقضَى‬
‫جلِسَ ا ِ‬
‫ن أَن َي ْ‬
‫ي مَا َبيْ َ‬
‫ل صلى ال عليه وسلم يقول‪(( :‬هِ َ‬
‫سمعتُ رسولَ ا ّ‬
‫لةُ))‪.‬‬
‫الصّ َ‬
‫وروى ابن ماجه‪ ،‬والترمذي‪ ،‬من حديث عمرو بن عوف المزني‪ ،‬عن النبي صلى ال عليه‬
‫ل!‬
‫لّ إيَاه)) قالوا‪ :‬يا رسول ا ّ‬
‫ل العبد فيها شيئاً إلّ آتاه ا ُ‬
‫وسلم قال‪(( :‬إنّ في الجمُعة سَاعةً ل يسألُ ا َ‬
‫ن تُقام الصّلة إلى النصراف منها))‪.‬‬
‫َأيّةُ سَاعَةٍ ِهيَ؟ قال‪(( :‬حِي َ‬

‫‪178‬‬

‫والقول الثاني‪ :‬أنها بعد العصر‪ ،‬وهذا أرجح القولين‪ ،‬وهو قول عبد الّ بن سلم‪،‬‬
‫وأبي هريرة‪ ،‬والِمام أحمد‪ ،‬وخلق‪ .‬وحجة هذا القول ما رواه أحمد في ((مسنده)) من حديث أبي‬
‫عبْدٌ مسلم‬
‫سعيد وأبي هريرة‪ ،‬أن النبي صلى ال عليه وسلم قال‪(( :‬إنَ في الجمعة ساعةً ل يُوافِقها َ‬
‫ل أعْطاه إيّا ُه و ِهيَ َبعْ َد العَصرِ))‪.‬‬
‫خيْراً إِ ّ‬
‫يَسأَلُ الّ فيهَا َ‬
‫وروى أبو داود والنسائي‪ ،‬عن جابر‪ ،‬عن النبي صلى ال عليه وسلم قال‪(( :‬يوم الجمعةِ اثنَا‬
‫خرَ سَاعَ ٍة بَعدَ‬
‫ل أعطَاه‪ ،‬فال َتمِسُوها آ ِ‬
‫شيْئاً إ ّ‬
‫ل يُوجَ ُد مُسلِ ٌم يَسْأَلُ الَّ فِيهَا َ‬
‫شرَ سَاعَةً‪ ،‬فِيهَا سَاعَةٌ َ‬
‫عَ َ‬
‫العَصر))‪.‬‬
‫وروى سعيد بن منصور في ((سننه)) عن أبي سلمة بن عبد الرحمن‪ ،‬أن ناساً من أصحاب‬
‫ل صلى ال عليه وسلم اجتمعوا‪ ،‬فتذاكروا الساعة التي في يوم الجمعة‪ ،‬فتفرّقوا ولم يختلِفوا‬
‫رسول ا ّ‬
‫أنها آخرُ ساعة من يوم الجمعة‪.‬‬
‫لّ صلى ال عليه وسلم‬
‫وفي ((سنن ابن ماجه))‪ :‬عن عبد ال بن سلم‪ ،‬قال‪ :‬قلت ورسولُ ا ِ‬
‫ل (يعني التوراة) في يَومِ الج ُمعَة سَاعَة ل يُوافِقُها عَب ٌد مُؤمِنٌ يُصلي‬
‫جالِس‪ :‬إنّا َلنَجِدُ في ِكتَابِ ا ّ‬
‫لّ صلى ال عليه‬
‫جتَهُ قَالَ عَبدُ الِ‪ :‬فأشا َر إلي رسولُ ا ِ‬
‫شيْئًا إِلّ َقضَى ال لَهُ حَا َ‬
‫ع ّز وَجَلّ َ‬
‫يسألُ الَّ َ‬
‫وسلم أو َبعْضَ سَاعَةٍ‪ .‬قلت‪ :‬صدقتَ يا رسُولَ ال‪ ،‬أو بَعضَ سَاعة‪ .‬قلت‪َ :‬أيّ ساع ٍة هي؟ قال‪(( :‬هي‬
‫آخرُ ساعةٍ من سَاعات النّهار))‪ .‬قلت‪ :‬إنها ليست ساع َة صلة‪ ،‬قال‪ :‬بلى إن العبدَ المؤمنَ إذا صلّى‪،‬‬
‫ل الصلَة‪ ،‬فهو في صَلةٍ))‪.‬‬
‫جَلسَ ل يجلِسُه إ ً‬
‫ثم َ‬
‫وفي ((مسند أحمد)) من حديث أبي هريرة‪ ،‬قال‪ :‬قيل للنبي صلى ال عليه وسلم‪ :‬لي شيء‬
‫صعْقَةُ وال َب ْعثَةُ‪ ،‬وفيها البَطْشَةُ‪،‬‬
‫ط ِب َعتْ طينَ ُة أبيك آدَمَ‪ ،‬وفيها ال ّ‬
‫ي يوم الجمعة؟ قال‪(( :‬لنّ فيها ُ‬
‫س ّم َ‬
‫ُ‬
‫ب لَهُ))‪.‬‬
‫وفي آخِر ثَلثِ سَاعَاتٍ ِمنْها سَاعَ ٌة مَنْ دَعَا ال فِيهَا استُجي َ‬
‫وفي ((سنن أبي داود))‪ ،‬والترمذي‪ ،‬والنسائي من حديث أبي سلمة بن عبد الرحمن‪ ،‬عن‬
‫ج ُمعَة‪،‬‬
‫طَل َعتْ فِي ِه الشّمس َيوْمُ ال ُ‬
‫خ ْي ُر َيوْمٍ َ‬
‫ل صلى ال عليه وسلم‪َ (( :‬‬
‫أبي هريرة قال‪ :‬قالَ رسولُ ا ّ‬
‫ب عليه‪ ،‬وفيه مات‪ ،‬وفيه تقومُ الساعة‪ ،‬وما مِن دابّ ِة إل وهي‬
‫ق آدَمُ‪ ،‬وفيه أ ْهبِطَ‪ ،‬وفيه تِي َ‬
‫خلِ َ‬
‫فيه ُ‬
‫ن والنسَ‪ ،‬وفيه‬
‫ش ْمسُ شَفَقًا من السّاعَة‪ ،‬إل الج ّ‬
‫طلُعَ ال ّ‬
‫ي تَ ْ‬
‫ج ُمعَة‪ ،‬من حين تُصبِحُ حت َ‬
‫مُصيخَةٌ يَومَ ال ُ‬
‫عزّ َوجَلّ حاجةً إل أعطا ُه إيّاها)) قال كعب‪ :‬ذلك‬
‫سأَلُ الَّ َ‬
‫صلّي يَ ْ‬
‫سلِمٌ وهو ُي َ‬
‫عبْد مُ ْ‬
‫ساعةٌ ل يُصادفها َ‬
‫ب التوراة‪ ،‬فقال‪ :‬صدق رسول ال صلى ال‬
‫في كلّ سن ٍة يوم؟ فقلتُ‪ :‬بل في كل ج ُمعَةٍ قال‪ :‬فقرأ كع ٌ‬
‫ل بنُ‬
‫عبْدُ ا ّ‬
‫ل بنَ سلم‪ ،‬فحدثته بمجلِسي مَ َع َكعْب‪ ،‬فَقالَ َ‬
‫عليه وسلم‪ .‬قال أبو هريرة‪ :‬ث ّم لَ ِقيْت عبدَ ا ّ‬

‫‪179‬‬

‫ل بنُ سَلَم‪ :‬هي‬
‫عبْدُ ا ّ‬
‫خبِرني ِبهَا‪ ،‬فَقَالَ َ‬
‫ت أيّة سَاعَةٍ ِهيَ‪ .‬قال أبُو ُه َر ْي َرةَ‪ :‬فَ ُق ْلتُ‪ :‬أَ ْ‬
‫سلم‪ :‬وقد علم ُ‬
‫ل رَسُولُ الِ صلى‬
‫ج ُمعَةِ‪ ،‬وَقَدْ قَا َ‬
‫ن َيوْمِ ال ُ‬
‫خرُ سَاعَ ٍة مِ ْ‬
‫ج ُمعَةِ‪ ،‬فقلت‪َ :‬ك ْيفَ ِهيَ آ ِ‬
‫ن َيوْمِ ال ُ‬
‫خرُ سَاعَ ٍة مِ ْ‬
‫آِ‬
‫ل بن‬
‫صلّى فِيهَا؟ فقال عبدُ ا ّ‬
‫ك السّاعَةُ ل ُي َ‬
‫سلِم وَ ُه َو ُيصَلّي)) و ِت ْل َ‬
‫عبْ ٌد مُ ْ‬
‫ال عليه وسلم‪(( :‬ل ُيصَادِ ُفهَا َ‬
‫لةٍ‬
‫لةَ‪َ ،‬ف ُه َو في صَ َ‬
‫ظ ُر الص َ‬
‫جلِسًا َي ْنتَ ِ‬
‫س مَ ْ‬
‫جلَ َ‬
‫سلم‪ :‬ألَم يَقُل رَسُولُ ال صلى ال عليه وسلم‪(( :‬من َ‬
‫صلّيَ))؟ قال‪ :‬فقلت‪ :‬بلى‪ .‬فقال‪ُ :‬هوَ ذَاكَ‪.‬‬
‫حتّى ُي َ‬
‫َ‬
‫قال الترمذي‪ :‬حديث حسن صحيح‪ .‬وفي ((الصحيحين)) بعضه‪.‬‬
‫وأما من قال إنّها من حين يفتتح الِما ُم الخطبة إلى فراغه من الصلة‪ ،‬فاحتج بما‬
‫ل بن عمر‪:‬‬
‫رواه مسلم في ((صحيحه))‪ ،‬عن أبي بردة بن أبي موسى الشعري‪ ،‬قال‪ :‬قال عبد ا ّ‬
‫أسمعتَ أباك يُحدّث عن رسول صلى ال عليه وسلم فى شأن ساعة الجمعة؟ قال‪ :‬قُلت‪ :‬نعم سمعتُه‬
‫ن يَجلِس الِمامُ إلى أن يقضِيَ الِمام الصلة))‪.‬‬
‫يقول‪ :‬سمعتُ رسول ال يقول‪ِ (( :‬هيَ مَا َبيْنَ أَ ْ‬
‫وأما من قال‪ :‬هي ساعة الصلة‪ ،‬فاحتج بما رواه الترمذي‪ ،‬وابن ماجه‪ ،‬من حديث عمرو‬
‫ج ُمعَة لَسَاعَةً ل‬
‫ل صلى ال عليه وسلم يقول‪(( :‬إنّ في ال ُ‬
‫بن عوف المزني‪ ،‬قال‪ :‬سمعت رسول ا ّ‬
‫ل أيةُ ساعة ِهيَ؟ قال‪(( :‬حِينَ تُقامُ‬
‫لّ ِإيّاهُ))‪ .‬قالوا‪ :‬يا رسولَ ا ّ‬
‫شيْئًا إِلّ آتاهُ ا ُ‬
‫لّ ال َعبْدُ فِيهَا َ‬
‫يَسْأَلُ ا َ‬
‫صرَافِ ِم ْنهَا))‪ .‬ولكن هذا الحديث ضعيف‪ ،‬قال أبو عمر بن عبد البر‪ :‬هو حديث لم‬
‫الصّلة إلى الن ِ‬
‫ل بن عمرو بن عوف‪ ،‬عن أبيه‪ ،‬عن جده‪ ،‬وليس هو ممن يُحتجّ‬
‫يروه فيما علمت إل كثيرُ بن عبد ا ّ‬
‫بحديثه‪ .‬وقد روى روحُ بن عبادة‪ ،‬عن عوف‪ ،‬عن معاوية بن قرة‪ ،‬عن أبي بردة عن أبي موسى‪،‬‬
‫ل بن عمر‪ :‬هي الساعة التي يخرج فيها الِمام إلى أن تقضَى الصلةُ‪ .‬فقال ابن عمر‪:‬‬
‫أنه قال لعبد ا ّ‬
‫لّ بك‪.‬‬
‫أصابَ ا ُ‬
‫ج ْي َرةَ‪ ،‬عن أبي ذر‪ ،‬أن امرأته سألته عن الساعة التي يُستجابُ فيها‬
‫حَ‬
‫وروى عبد الرحمن بن ُ‬
‫يومَ الجمعة للعبد المؤمن‪ ،‬فقال لها‪ :‬هي مع رفع الشمس بيسير‪ ،‬فإن سألتنِي بعدها‪ ،‬فأنت طالق‪.‬‬
‫صلّي)) وبعد العصر ل صلة‬
‫واحتج هؤلء أيضًا بقوله في حديث أبي هريرة ((و ُهوَ قَائِ ٌم ُي َ‬
‫في ذلك الوقت‪ ،‬والخذ بظاهر الحديث أولى‪ .‬قال أبو عمر يحتج أيضاً من ذهب إلى هذا بحديث‬
‫حتِ‬
‫ش ْمسُ‪ ،‬وفاءت الَفياءُ‪ ،‬ورَا َ‬
‫علي‪ ،‬عن النبي صلى ال عليه وسلم أنه قال‪(( :‬إذا زالت ال ّ‬
‫لوّابِينَ غَفُوراً}‬
‫نل َ‬
‫لرْواح‪ ،‬فاطلبوا إلى الّ حوائجكم‪ ،‬فإنّها ساعة الوابين‪ ،‬ثم تل‪{ :‬فَِإنّ ُه كَا َ‬
‫اَ‬
‫[الِسراء‪.))]25 :‬‬

‫‪180‬‬

‫وروى سعيدُ بن جُبير‪ ،‬عن ابن عباس رضي الّ عنهما‪ ،‬قال‪ :‬الساعة التي تُذكر يومَ‬
‫الجمعة‪ :‬ما بين صلة العصر إلى غروب الشمس‪ .‬وكان سعيد بن جُبير‪ ،‬إذا صلى العصر‪ ،‬لم يُكلّم‬
‫أحدا حتى تغرب الشمس‪ ،‬وهذا هو قول أكثر السلف‪ ،‬وعليه أكثر الحاديث‪ .‬ويليه القول‪ :‬بأنها‬
‫ساعة الصلة‪ ،‬وبقية القوال ل دليل عليها‪.‬‬
‫وعنديَ أن ساعة الصلة ساعةٌ ترجى فيها الِجاب ُة أيضاً‪ ،‬فكلهما ساعةُ إجابة‪ ،‬وإن‬
‫خ ُر ساعة بعد العصر‪ ،‬فهي ساعة معينة من اليوم ل تتقدم ول‬
‫كانت الساعة المخصوصة هي آ ِ‬
‫تتأخر‪ ،‬وأما ساع ُة الصلة‪ ،‬فتابعة للصلة تقدمت أو تأخرت‪ ،‬لن لجتماع المسلمين وصلتهم‬
‫وتضرّعهم وابتهالِهم إلى الّ تعالى تأثيراً في الِجابة‪ ،‬فساعة اجتماعهم ساع ٌة تُرجي في الجاِبةُ‪،‬‬
‫ض أمته على الدعاء‬
‫وعلى هذا تتفق الحاديث كلها‪ ،‬ويكون النبي صلى ال عليه وسلم قد ح ّ‬
‫والبتهال إلى الّ تعالى في هاتين الساعتين‪.‬‬
‫ونظير هذا قوله صلى ال عليه وسلم وقد سئل عن المسجد الذي أسّس على التقوى‪ ،‬فقال‪:‬‬
‫(( ُهوَ مَسجِدُكم هذا)) وأَشا َر إلى مَسْجِ ِد المَدِينَة‪ .‬وهذا ل ينفي أن يكون مسجد قباء الذى نزلت فيه‬
‫ل منهما مؤسس على التقوى‪.‬‬
‫الية مؤسسًا على التقوى‪ ،‬بل ك ّ‬
‫وكذلك قولُه في ساعة الجمعة ((هي ما َبيْنَ أن يجلس الما ُم إلى أن تنقضي الصلة)) ل‬
‫يُنافي قوله في الحديث الخر ((فالتَمسُوها آخرَ سَاعَة َبعْ َد ال َعصْرِ))‪.‬‬
‫ويشبه هذا في السماء قوله صلى ال عليه وسلم‪(( :‬ما َتعُدّون الرّقوبَ فيكم))؟ قالوا‪ :‬مَن لَمْ‬
‫شيْئاً))‪.‬‬
‫ن َولَدِه َ‬
‫ن لَمْ يُقَدّم مِ ْ‬
‫ب مَ ْ‬
‫يُولَد له‪ ،‬قال‪(( :‬الرّقو ُ‬
‫فأخبر أن هذا هو الرّقوب‪ ،‬إذ لم يحصل له من ولده من الجر ما حصل لمن قَدّم منهم‬
‫فرطاً‪ ،‬وهذا ل ينافي أن يُسمى من لم يولد له رقوباً‪.‬‬
‫س فيكم))؟ قالوا‪ :‬من ل درْهَمَ له ول َمتَاع‪.‬‬
‫ن المُفْل َ‬
‫ومثله قوله صلى ال عليه وسلم ((ما تعُدّو َ‬
‫ضرَبَ هذَا‪ ،‬وسَ َفكَ‬
‫حسَنات أ ْمثَال الجبال‪ ،‬ويأَتي وقد لَط َم هذا‪ ،‬و َ‬
‫قال‪(( :‬المُفْلسُ من يَأتي يَومَ القيامَة ب ً‬
‫سنَاته)) الحديث‪.‬‬
‫دَمَ هذَا‪َ َ،‬فيَأخُذ هذا من حَسًناتَه‪ ،‬وَهَذَا منْ حَ َ‬
‫طوّاف الّذي َترُدّه اللّ ْقمَ ُة واللّقْمتَان‪،‬‬
‫ومثلُه قولُه صلى ال عليه وسلم‪(( :‬ليس المسكينُ بهذا ال َ‬
‫ق عليه))‪.‬‬
‫ل النّاسَ‪ ،‬ول ُيتَفَطَنُ لَهُ َف ُي َتصَدّ َ‬
‫ن الّذي ل يَسْاُ ُ‬
‫وال ّتمْر ُة وال ّتمْرتَانِ‪ ،‬وَلكِنّ المسْكي َ‬
‫وهذه الساعة هي آخِر ساعة بعد العصر‪ ،‬يعظّمها جميع أهل الملل‪ .‬وعند أهل‬
‫الكتاب هي ساعة الِجابة‪ ،‬وهذا مما ل غرض لهم في تبديله وتحريفه‪ ،‬وقد اعترف به مؤمنُهم‪.‬‬

‫‪181‬‬

‫وأما من قال بتنقلها‪ ،‬فرام الجمع بذلك بين الحاديث‪ ،‬كما قيل ذلك في ليلة‬
‫القدر‪ ،‬وهذا ليس بقوي‪ ،‬فإن ليل َة القدر قد قال فيها النبي صلى ال عليه وسلم‪(( :‬فال َتمِسُوها في‬
‫سعَ ٍة َتبْقَى))‪ .‬ولم يجىء مثلُ ذلك في ساعة الجمعة‪.‬‬
‫خَامِسَ ٍة َتبْقَى‪ ،‬في سَا ِبعَ ٍة تَبقَى‪ ،‬في تَا ِ‬
‫ث صريح بأنها ليلة كذا وكذا‪ ،‬بخلف‬
‫وأيضاً فالحاديث التي في ليلة القدر‪ ،‬ليس فيها حدي ّ‬
‫أحاديث ساعة الجمعة‪ ،‬فظهر الفرق بينهما‪.‬‬
‫وأما قول من قال‪ :‬إنَها رُفعت‪ ،‬فهو نظيرُ قول مَن قال‪ :‬إن ليلة القدر رُ ِفعَت‪ ،‬وهذا القائل‪ ،‬إنْ‬
‫ل المة‪ ،‬وإن رُفعَ‬
‫أراد أنّها كانت معلومة‪ ،‬فرفع علمُها عن المة‪ ،‬فيقال له‪ :‬لم يُرفع علمها عن كُ ّ‬
‫عن بعضهم‪ ،‬وإن أراد أن حقيقتها وكونَها ساعة إجابة ر ِف َعتْ‪ ،‬فقولٌ باطل مخالف للحاديث‬
‫ل أعلم‪.‬‬
‫الصحيحة الصريحة‪ ،‬فل يعول عليه‪ .‬وا ّ‬
‫خصّت من بين سائر الصلوات‬
‫الحادية والعشرون‪ :‬أن فيه صلةَ الجمعة التي ُ‬
‫المفروضات بخصائص ل توجد في غيرها من الجتماع‪ ،‬والعدد المخصوص‪ ،‬واشتراط الِقامة‪،‬‬
‫ت نظيرُه إل في صلة العصر‪،‬‬
‫والستيطان‪ ،‬والجهر بالقراءة‪ .‬وقد جاء من التشديد فيها ما لم يأ ِ‬
‫ل صلى ال‬
‫ضمْرِي ‪ -‬وكانت له صحبة ‪ -‬إن رسول ا ّ‬
‫جعْ ِد ال ّ‬
‫ففي السنن الربعة‪ ،‬من حديث أبي ال َ‬
‫جمَع تَهاوُناً‪ ،‬طَبعَ الُّ عَلى َق ْلبِهِ))‪ .‬قال الترمذي‪ :‬حديث حسن‪،‬‬
‫ك ثَلثَ ُ‬
‫عليه وسلم قال‪(( :‬مَن َت َر َ‬
‫وسألت محمد بن إسماعيل عن اسم أبي الجعد الضمري‪ ،‬فقال‪ :‬لم يُعرف اسمه‪ ،‬وقال‪ :‬ل أع ِرفُ له‬
‫عن النبي صلى ال عليه وسلم إل هذا الحديث‪ .‬وقد جاء في السنن عن النبي صلى ال عليه وسلم‬
‫المرُ لمن تركها أن يتصدّق بدينار‪ ،‬فإن لم يجد‪ ،‬فنصف دينار‪ .‬رواه أبو داود‪ ،‬والنسائي من رواية‬
‫قدامة بن وبرة‪ ،‬عن سمرة بن جندب‪ .‬ولكن قال أحمد‪ :‬قدامة بن وبرة ل يعرف‪ .‬وقال يحيى بن‬
‫معين‪ :‬ثقة‪ ،‬وحُكي عن البخاري‪ ،‬أنه ل يصح سماعه من سمرة‪ .‬وأجمع المسلمون على أن الجمعة‬
‫ل يُحكى عن الشافعي‪ ،‬أنها فرض كفاية‪ ،‬وهذا غلط عليه منشؤه أنه قال‪ :‬وأما‬
‫فرضُ عين‪ ،‬إل قو ً‬
‫صلة العيد‪ ،‬فتجب على كل من تجب عليه صلةُ الجمعة‪ ،‬فظن هذا القائل أن العيد لما كانت فرضَ‬
‫كفاية‪ ،‬كانت الجمعة كذلك‪ .‬وهذا فاسد‪ ،‬بل هذا نص من الشافعي أن العيد واجب على الجميع‪ ،‬وهذا‬
‫ض كفاية‪ ،‬فإن فرض الكفاية‬
‫ج ُمعَةِ‪ ،‬وأن يكون فر َ‬
‫يحتمل أمرين‪ ،‬أحدهما‪ :‬أن يكون فرضَ عين كال ُ‬
‫ب على الجميع‪ ،‬كفرض العيان سواء‪ ،‬وإنما يختلِفانِ بسقُوطه عن البعض بعد وجوبه بفعل‬
‫يج ُ‬
‫الخرين‪.‬‬

‫‪182‬‬

‫الثانية والعشرون‪ :‬أن فيه الخطبةَ التي يُقصد بها الثناءُ على الّ وتمجيدُه‪ ،‬والشهادةُ له‬
‫بالوحدانية‪ ،‬ولرسولِه صلى ال عليه وسلم بالرسالةِ‪ ،‬وتذكيرُ العباد بأيامه‪ ،‬وتحذيرُهم من بأسه‬
‫جنَانه‪ ،‬ونهيُهم عما يقربهم من سخطه وناره‪ ،‬فهذا هو‬
‫ونِقمته‪ ،‬ووصيتُهم بما يُ َق ّربُهم إليه‪ ،‬وإلى ِ‬
‫مقصود الخطبة والجتماع لها‪.‬‬
‫الثالثة والعشرون‪ :‬أنه اليوم الذي يُستحب أن يُتفرّغ فيه للعبادة‪ ،‬وله على سائر اليام مزية‬
‫بأنواع مِن العبادات واجبة ومستحبة‪ ،‬فال سبحانه جعل لهل كل ِملّةٍ يوماً يتفرغون فيه للعبادة‪،‬‬
‫ويتخلّون فيه عن أشغال الدنيا‪ ،‬فيومُ الجمعة يومُ عبادة‪ ،‬وهو في اليام كشهر رمضان في الشهور‪،‬‬
‫وساعةُ الِجابة فيه كليلة القدر في رمضان‪ .‬ولهذا من صح له يومُ جمعته وسلِم‪ ،‬سلمت له سائرُ‬
‫س َنتِه‪ ،‬ومن صحت له حَجتُه وسلِمت له‪ ،‬صح‬
‫سلِمت له سائرُ َ‬
‫جمعته‪ ،‬ومن صح له رمضان وسلم‪َ ،‬‬
‫ن العمر‪ .‬وبال‬
‫ج ميزا ُ‬
‫ن ميزانُ العام‪ ،‬والح ُ‬
‫له سائ ُر عمره‪ ،‬فيو ُم الجمعة ميزانُ السبوع‪ ،‬ورمضا ُ‬
‫التوفيق‪.‬‬
‫الرابعة والعشرون‪ :‬أنه لما كان في السبوع كالعيد في العام‪ ،‬وكان العيدُ مشتمِلً‬
‫على صلة وقُربان‪ ،‬وكان يو ُم الجمعة يومَ صلة‪ ،‬جعل ال سبحانه التعجيلَ فيه إلى المسجد بدلً‬
‫من القربان‪ ،‬وقائماً مقامه‪ ،‬فيجتمع للرائح فيه إلى المسجد الصلةُ‪ ،‬والقربان‪ ،‬كما في‬
‫((الصحيحين)) عن أبي هريرة‪ ،‬عن النبي صلى ال عليه وسلم‪ ،‬أنه قال‪(( :‬مَن رَاحَ في السّاعَةِ‬
‫ب بَ َق َرةً‪ ،‬ومَنْ رَاحَ في السّاعة‬
‫ن رَاحَ في السّاعَ ِة الثّا ِنيَةِ‪َ ،‬فكَأنّما َق ّر َ‬
‫الُولى‪َ ،‬فكَأنما َق ّربَ بَ َدنَةً‪ ،‬ومَ ْ‬
‫ب َكبْشًَا أَقرَنَ))‪.‬‬
‫الثّاِلثَةِ‪ ،‬فَكأنّما َق ّر َ‬
‫وقد اختلف الفقهاء في هذه الساعة على قولين‪:‬‬
‫أحدهما‪ :‬أنها من أول النهار‪ ،‬وهذا هو المعروف في مذهب الشافعي وأحمد وغيرهما‪.‬‬
‫والثاني‪ :‬أنها أجزاء من الساعة السادسة بعد الزوال‪ ،‬وهذا هو المعروف في مذهب مالك‪،‬‬
‫واختاره بعضُ الشافعية‪ ،‬واحتجوا عليه بحجتين‪:‬‬
‫ل الغُد ّو الذي ل يكون إل قبل‬
‫إحداهما‪ :‬أن الرواح ل يكون إل بعد الزوال‪ ،‬وهو مقاب ُ‬
‫ش ْهرٌ} [سبأ‪ .]12 :‬قال الجوهري‪ :‬ول يكون إل بعد‬
‫حهَا َ‬
‫ش ْه ٌر َو َروَا ُ‬
‫الزوال‪ ،‬قال تعالى‪{ :‬غُ ُدوّها َ‬
‫الزوال‪.‬‬
‫الحجة الثانية‪ :‬أن السلف كانوا أحرصَ شيء على الخير‪ ،‬ولم يكونوا َيغْدون إلى الجمعة من‬
‫وقت طلوع الشمس‪ ،‬وأنكر مالك التبكي َر إليها في أول النهار‪ ،‬وقال‪ :‬لم نُدرك عليه أهل المدينة‪.‬‬

‫‪183‬‬

‫ب القول الول‪ ،‬بحديث جابر رضي اللله عنه عن النبي صلى ال عليه‬
‫واحتج أصحا ُ‬
‫ج ُمعَ ِة ِث ْنتَا عشرَة سَاعَةً))‪ .‬قالوا‪ :‬والساعات المعهودة‪ ،‬هي الساعات التي هي ثنتا‬
‫وسلم‪َ (( :‬يوْمُ ال ُ‬
‫عشرة ساعة‪ ،‬وهي نوعان‪ :‬ساعات تعديلية‪ ،‬وساعات زمانية‪ ،‬قالوا‪ :‬ويدل على هذا القول‪ ،‬أن‬
‫النبي صلى ال عليه وسلم إنما َبلَغَ بالساعات إلى ست‪ ،‬ولم يزد عليها‪ ،‬ولو كانت الساعة أجزاء‬
‫صغاراً مثل الساعة التي تُفعل فيها الجمعة‪ ،‬لم تنحصر في ستة أجزاء‪ ،‬بخلف ما إذا كان المُرادُ‬
‫بها الساعات المعهودة‪ ،‬فإن الساعة السادسة متى خرجت‪ ،‬ودخلت السابعة‪ ،‬خرج الِمامُ‪ ،‬وطُويتِ‬
‫الصحف‪ ،‬ولم يكتب لحد قربان بعد ذلك‪ ،‬كما جاء مصرحًا به في ((سنن أبي داود)) من حديث‬
‫ت الشّياطِينُ‬
‫ج ُمعَةِ‪ ،‬غَ َد ِ‬
‫ن َيوْمُ ال ُ‬
‫علي رضي ال عنه‪ ،‬عن النبي صلى ال عليه وسلم‪(( :‬إذا كَا َ‬
‫ج ُمعَةِ‪َ ،‬و َتغْدُو‬
‫ث َو ُي َثبّطُونَهُم عَنِ ال ُ‬
‫ث أَو ال ّربَا ِئ ِ‬
‫سوَاق‪َ ،‬ف َي ْرمُونَ النّاسَ بالترابي ِ‬
‫ِبرَايَا ِتهَا إلى الَ ْ‬
‫خرُجَ‬
‫ع َتيْن حتّى يَ ْ‬
‫ل مِن سَاعَةٍ‪ ،‬والرّجُلَ مِنْ سَا َ‬
‫علَى أ ْبوَاب المَسَاجِدِ‪َ ،‬فيَكتُبونَ الرّجُ َ‬
‫جِلسُ َ‬
‫ل ِئكَةُ‪ ،‬تَ ْ‬
‫المَ َ‬
‫لمَام))‪.‬‬
‫اِ‬
‫ل العلم في تلك الساعات‪ ،‬فقالت طائفة منهم‪ :‬أراد‬
‫قال أبو عمر بن عبد البر‪ :‬أختلف أه ُ‬
‫ت مِن طلوع الشمس وصفائِها‪ ،‬والفضلُ عندهم التبكيرُ في ذلك الوقت إلى الجمعة‪ ،‬وهو‬
‫الساعا ِ‬
‫قول الثوري‪ ،‬وأبي حنيفة والشافعي‪ ،‬وأكثر العلماء‪ ،‬بل كلهم يستحب البكور إليها‪.‬‬
‫قال الشافعي رحمه الّ‪ :‬ولو بكر إليها بعد الفجر‪ ،‬وقبل طلوع الشمس‪ ،‬كان حسناً‪ .‬وذكر‬
‫الثرم‪ ،‬قال‪ :‬قيل لحمد بن حنبل‪ :‬كان مالك بن أنس يقول‪ :‬ل ينبغي التهجير يومَ الجمعة باكراً‪،‬‬
‫ل إلى أي شيء ذهب في هذا‪،‬‬
‫فقال‪ :‬هذا خلف حديث النبي صلى ال عليه وسلم‪ .‬وقال‪ :‬سبحان ا ّ‬
‫جزُوراً))‪ .‬قال‪ :‬وأما مالك فذكر يحيى بن عمر‪ ،‬عن‬
‫والنبي صلى ال عليه وسلم يقول‪(( :‬كال ُمهْدِي َ‬
‫حرملة‪ ،‬أنه سأل ابن وهب عن تفسير هذه الساعات‪ :‬أهو الغدّو من أول ساعات النهار‪ ،‬أو إنما أراد‬
‫ت الرواح؟ فقال ابنُ وهب‪ :‬سألتُ مالكاً عن هذا‪ ،‬فقال‪ :‬أما الذي يقع بقلبي‪ ،‬فإنه‬
‫بهذا القولِ ساعا ِ‬
‫إنما أراد ساعة واحدة تكونُ فيها هذه الساعاتُ‪ ،‬من راح من أول تلك الساعة‪ ،‬أو الثانية‪ ،‬أو الثالثة‪،‬‬
‫ج ُمعَةُ حتّى يكون النهارُ تسعَ‬
‫صلّيتِ ال ُ‬
‫أو الرابعة‪ ،‬أو الخامسة‪ ،‬أو السادسة‪ .‬ولو لم يكن كذلك‪ ،‬ما ُ‬
‫ساعات في وقت العصر‪ ،‬أو قريبًا من ذلك‪ .‬وكان ابنُ حبيب‪ ،‬يُنكر مالك هذا‪ ،‬ويميل إلى القول‬
‫الول‪ ،‬وقال‪ :‬قول مالك هذا تحريف في تأويل الحديث‪ ،‬ومحال من وجوه‪ .‬وقال‪ :‬يدلُك أنه ل يجوز‬
‫ساعات في ساعة واحدة‪ :‬أن الشمس إنما تزول في الساعة السادسة من النهار‪ ،‬وهو وقت الذان‪،‬‬
‫وخروجِ الِمام إلى الخطبة‪ ،‬فدل ذلك على أن الساعات في هذا الحديث هي ساعات النهار‬

‫‪184‬‬

‫المعروفات‪ ،‬فبدأ بأول ساعات النهار‪ ،‬فقال‪ :‬من راح في الساعة الولى‪ ،‬فكأنّما قرب بدنة‪ ،‬ثم قال‪:‬‬
‫في الساعة الخامسة بيضة‪ ،‬ثم انقطع التهجير‪ ،‬وحان وقت الذان‪ ،‬فشرحُ الحديث بيّن في لفظه‪،‬‬
‫ف مِن القول‪ ،‬وما ل يكون‪ ،‬وزهّد شارحُه الناسَ فيما‬
‫خ ْل ِ‬
‫شرِحَ بال ُ‬
‫ف عن موضعه‪ ،‬و ُ‬
‫ح ّر َ‬
‫ولكنه ُ‬
‫رغبهم فيه رسول ال صلى ال عليه وسلم من التهجير من أول النهار‪ ،‬وزعم أن ذلك كلّه إنما‬
‫يجتمع في ساعة واحدة قربَ زوال الشمس‪ ،‬قال‪ :‬وقد جاءت الثارُ بالتهجير إلى الجمعة في أول‬
‫النهار‪ ،‬وقد سُقنا ذلك في موضعه من كتاب واضح السنن بما فيه بيان وكفاية‪.‬‬
‫هذا كله قول عبد الملك بن حبيب‪ ،‬ثم رد عليه أبو عمر‪ ،‬وقال‪ :‬هذا تحامل منه على مالك‬
‫ى أنكره وجعله خُلفاً وتحريفًا من التأويل‪ ،‬والذي قاله مالك‬
‫رحمه الّ تعالى‪ ،‬فهو الذي قال القول الذ ِ‬
‫تشهد له الثار الصحاح من رواية الئمة‪ ،‬ويشهد له أيضًا العملُ بالمدينة عنده‪ ،‬وهذا مما يصحُ فيه‬
‫الحتجاجُ بالعمل‪ ،‬لنه أمر يتردّد كل جمعة ل يخفى على عامة العلماء‪ .‬فمن الثار التي يحتج بها‬
‫مالك ما رواه الزهري عن سعيد بن المسيّب‪ ،‬عن أبي هريرة‪ ،‬أن النبي صلى ال عليه وسلم قال‪:‬‬
‫لوّلَ‪،‬‬
‫لوّلَ فَا َ‬
‫ن النّاسَ‪ ،‬ا َ‬
‫لئِكةٌ‪ ،‬يَك ُتبُو َ‬
‫ن َأبْوابِ المَسْجِ ِد مَ َ‬
‫ب مِ ْ‬
‫ل بَا ٍ‬
‫علَى كُ ّ‬
‫ج ُمعَةِ‪ ،‬قَامَ َ‬
‫ن َيوْمُ ال ُ‬
‫((إذَا كَا َ‬
‫حتّى‬
‫ج ُمعَ ِة كَال ُمهْدي بَ َدنَةً‪ ،‬ثُ َم الّذِي يَليهِ كال ُمهْدِي بَقَرةً‪ ،‬ثُ ّم الّذِي يَليهِ كَالمُهدِي َكبْشَاً‪َ ،‬‬
‫ج ُر إلَى ال ُ‬
‫فال ُمهَ ّ‬
‫طبَة))‪ .‬قال‪ :‬أل ترى إلى‬
‫س َت َمعُوا الخُ ْ‬
‫لمَامُ‪ ،‬طُو َيتِ الصّحفُ‪ ،‬وا ْ‬
‫جَلسَ ا ِ‬
‫ذ َكرَ الدّجَاجَة وَال َبيْضةَ‪ ،‬فإذَا َ‬
‫ج ُر إلى الجمعة كالمهدي بدنة‪ ،‬ثم‬
‫ما في هذا الحديث‪ ،‬فإنه قال‪ :‬يكتبونَ الناس الول فالول‪ ،‬فالمه ّ‬
‫الذي يليه فجعل الول مهجراً‪ ،‬وهذه اللفظة إنما هي مأخوذة من الهاجرة والتهجير‪ ،‬وذلك وقت‬
‫ت طلوع الشمس‪ ،‬لن ذلك الوقت ليس بهاجرة ول تهجير‪،‬‬
‫النهوض إلى الجمعة‪ ،‬وليس ذلك وق َ‬
‫وفي الحديث‪(( :‬ثمّ الذي يليه‪ ،‬ث ّم الذي يليه))‪ .‬ولم يذكر الساعة‪ .‬قال‪ :‬والطرق بهذا اللفظ كثيرة‪،‬‬
‫ج ُمعَةِ كال ُمهْدِي بَ َدنَةً))‪ .‬وفي أكثرها‪:‬‬
‫ل إلى ال ُ‬
‫مذكورة في ((التمهيد))‪ ،‬وفي بعضها ((المتعجّ ُ‬
‫جزُورَا)) الحديث‪ .‬وفي بعضها‪ ،‬ما يدل على أنه جعل الرائح إلى الجمعة في‬
‫جرُ كال ُمهْدِي َ‬
‫((المه ّ‬
‫أول الساعة كالمُهدي بدنة‪ ،‬وفي آخرها كذلك‪ ،‬وفي أول الساعة الثانية كالمهدي بقرة‪ ،‬وفي آخرها‬
‫ج ُمعَةِ‬
‫جرُ إلى ال ُ‬
‫كذلك‪ .‬وقال بعض أصحاب الشافعي‪ :‬لم يُرد صلى ال عليه وسلم بقوله‪(( :‬المه ّ‬
‫كال ُمهْ ِديَ بَ َدنَةً))‪ ،‬الناهض إليها في الهجير والهاجرة‪ ،‬وإنما أراد التارك لشغاله وأعماله من‬
‫أغراض أهل الدنيا للنهوض إلى الجمعة‪ ،‬كالمُهدي بدنة‪ ،‬وذلك مأخوذ من الهجرة وهو تركُ‬
‫ب التبكير إلى‬
‫الوطن‪ ،‬والنهوضُ إلى غيره‪ ،‬ومنه سمّي المهاجرون‪ .‬وقال الشافعي رحمه ال‪ :‬أح ّ‬
‫الجمعة‪ ،‬ول تُؤتى إل مشياً‪ .‬هذا كله كل ُم أبي عمر‪.‬‬

‫‪185‬‬

‫قلت‪ :‬ومدار إنكار التبكير أول النهار على ثلثة أمور‪ ،‬أحدها‪ :‬على لفظة الرواح‪،‬‬
‫وإنها ل تكون إل بعد الزوال‪ ،‬والثاني‪ :‬لفظة التهجير‪ ،‬وهي إنما تكون بالهاجرة وقت شدة الحر‪،‬‬
‫والثالث‪ :‬عمل أهل المدينة‪ ،‬فإنهم لم يكونوا يأتون من أول النهار‪.‬‬
‫فأما لفظة الرواح‪ ،‬فل ريب أنها تُطلق على المضى بعد الزوال‪ ،‬وهذا إنما‬
‫ش ْهرٌ} [سبأ‪ ،]12 :‬وقوله‬
‫حهَا َ‬
‫ش ْه ٌر َو َروَا ُ‬
‫يكون في الكثر إذا قُرنت بالغُدوّ‪ ،‬كقوله تعالى‪{ :‬غُ ُدوّها َ‬
‫جنّ ِة ُكّلمَا غَدَا َأوْ رَاحَ))‪.‬‬
‫لّ لَ ُه ُنزُلً في ال َ‬
‫صلى ال عليه وسلم‪(( :‬مَنْ غَدا إلى المَسجِد َورَاحَ‪ ،‬أَعَدّ ا ُ‬
‫وقول الشاعر‪:‬‬
‫َنرُوحُ َو َنغْدُو لِحَاجَا ِتنَا‬

‫وَحَاجَ ُة مَنْ عَاشَ ل َتنْ َقضِي‬

‫وقد يُطلق الرواح بمعنى الذهاب والمضي‪ ،‬وهذا إنما يجيء‪ ،‬إذا كانت مجردة عن القتران‬
‫بالغدو‪.‬‬
‫ل الرواح في السير في كل‬
‫ض العرب يستعمِ ُ‬
‫وقال الزهري في ((التهذيب))‪ :‬سمعت بع َ‬
‫وقت‪ ،‬يقال‪ :‬راح القوم‪ :‬إذا سارُوا‪ ،‬وغ َدوْا كذلك‪ ،‬ويقول أحدهم لصاحبه‪ :‬تروّح‪ ،‬ويخاطب‬
‫أصحابه‪ ،‬فيقول‪ :‬رُوحوا أي‪ :‬سيروا‪ ،‬ويقول الخر‪ :‬أل تروحُونَ؟ ومِنْ ذلك ما جاء في الخبار‬
‫الصحيحة الثابتة‪ ،‬وهو بمعنى المضي إلى الجمعة والخِفّةِ إليها‪ ،‬ل بمعنى الرواح بالعشي‪.‬‬
‫وأما لفظ التهجير والمهجّر‪ ،‬فمن الهجير‪ ،‬والهاجرة‪ ،‬قال الجوهري‪ :‬هي نصف‬
‫النهار عند اشتداد الحر‪ ،‬تقول منه‪ :‬هجّر النهارُ‪ ،‬قال امرؤ القيس‪:‬‬
‫فَدَعْها وَسَــلّ الهَمّ عنها‬

‫بجَسْر ٍة إذَا صَا َم النّها ُر وهَجّرا‬

‫ويقال‪ :‬أتينا أهلنا مهجّرين‪ ،‬أي‪ :‬في وقت الهاجرة‪ ،‬والتهجير والتهجّر‪ :‬السير في الهاجرة‪،‬‬
‫ل أهل المدينة‪.‬‬
‫فهذا ما يقرّر به قو ُ‬
‫قال الخرون‪ :‬الكلم في لفظ التهجير‪ ،‬كالكلم في لفظ الرواح‪ ،‬فإنه يطلق ويُراد به التبكير‪.‬‬
‫قال الزهري في ((التهذيب))‪ :‬روى مالك‪ ،‬عن سُمي‪ ،‬عن أبي صالح‪ ،‬عن أبي هريرة‪،‬‬
‫ل صلى ال عليه وسلم‪(( :‬لو َي ْعلَمُ النّاسُ ما في التَهجير‪ ،‬لستَبقوا إليه))‪.‬‬
‫قال‪ :‬قال رسول ا ّ‬
‫جمُعة كال ُمهْدِي بَدَنة))‪ .‬قال‪ :‬ويذهب كثيرٌ من‬
‫ج ُر إلى ال ُ‬
‫وفي حديث آخر مرفوع‪(( :‬المه ّ‬
‫ت الزوال وهو غلط‪ ،‬والصواب فيه‬
‫الناس إلى أن التهجير في هذه الحاديث تفعيل من الهاجرة وق َ‬
‫ما روى أبو داود المصاحفي‪ ،‬عن النّضر بن شُميل‪ ،‬أنه قال‪ :‬التهجير إلى الجمعة وغيرها‪ :‬التبكير‬
‫ل يقول ذلك‪ ،‬قاله في تفسير هذا الحديث‪.‬‬
‫ت الخلي َ‬
‫والمبادرة إلى كل شيء قال‪ :‬سمع ُ‬

‫‪186‬‬

‫قال الزهري‪ :‬وهذا صحيح‪ ،‬وهي لغة أهل الحجاز ومن جاورهم من قيس‪ ،‬قال لبيد‪:‬‬
‫ج ٍر َبعْدَما ابْتكَرُوا‬
‫ن ِبهَ ْ‬
‫رَاحَ القَطي ُ‬

‫س ْلمَى َومَا تَ َذرُ‬
‫َفمَا تُواصلهُ َ‬

‫فقرن الهَجر بالبتكار‪ ،‬والرواحُ عندهم‪ :‬الذهاب والمضي‪ ،‬يقال‪ :‬راح القوم‪ :‬إذا خفّوا و َمرّوا‬
‫أيّ وقت كان‪ .‬وقوله صلى ال عليه وسلم‪َ(( :‬لوْ يَعلَ ُم النّاس مَا في التّهجِيرِ‪ ،‬لستبَقُوا ِإلَيهِ)) أراد به‬
‫التبكي َر إلى جميع الصّلوات‪ ،‬وهو المضي إليها في أول أوقاتها‪ ،‬قال الزهري‪ :‬وسائر العرب‬
‫يقولون‪ :‬هجّر الرجل‪ :‬إذا خرج وقت الهاجرة‪ ،‬وروى أبو عبيد عن أبي زيد‪ :‬هجّر الرجل‪ :‬إذا‬
‫خرج بالهاجرة‪ .‬قال‪ :‬وهي نصف النهار‪ .‬ثم قال الزهري‪ :‬أنشدني المنذري فيما روى ثعلب‪ ،‬عن‬
‫جعْثنَة بنُ جوّاس الرّبعِي في ناقته‪:‬‬
‫ابن العرابي في ((نوادره))‪ ،‬قال‪ :‬قال ِ‬
‫سمِي ونَ ْذرِي‬
‫ل تَ ْذ ُكرِينَ قَ َ‬
‫هَ ْ‬
‫ضرِ‬
‫ح ْ‬
‫ضرَارٌ جوادُ ال ُ‬
‫إ ْذ َأ ْنتِ ِم ْ‬
‫ت بِقَـــ ْدرِ‬
‫بَِأ ْر َبعِينَ ق ّد َر ْ‬

‫ت ِب ُعرُوضِ الجَفْـرِ‬
‫َأ ْزمَانَ َأ ْن ِ‬
‫ن لَمْ َت ْن َهضِي ِبوِقْري‬
‫يإ ْ‬
‫عَل ّ‬
‫َ‬
‫بِالخَالِ ِديّ ل ِبصَاعِ حَجـرِ‬

‫و َتصْحَبي أَيانِقاً في سَفــ ِر‬

‫جرُونَ ِبهَجِي ِر الفَجْــرِ‬
‫ُيهَ ّ‬

‫ث ّمتَ َتمْشِي لَيَلهُم َفتَسـرِي‬

‫ج الغُبرِ‬
‫ض الفِجَا ِ‬
‫ن أَغرَا َ‬
‫طوُو َ‬
‫يَ ْ‬

‫جرِ‬
‫ج ِر ُبرُو َد التّ ْ‬
‫طيّ َأخِي التّ ْ‬
‫َ‬
‫حرِ‪.‬‬
‫قال الزهري‪ :‬يُهجّرون بهجير الفجر‪ ،‬أي‪ :‬يبكرون بوقت السّ َ‬
‫وأما كون أهل المدينة لم يكونوا َيرُوحون إلى الجمعة أوّل النهار‪ ،‬فهذا غايةُ عملهم في‬
‫ع أهل المدينة حجة‪ ،‬فإن هذا ليس‬
‫زمان مالك رحمه الّ‪ ،‬وهذا ليس بحجة‪ ،‬ول عند مَن يقول‪ :‬إجما ُ‬
‫فيه إل تركُ الرواح إلى الجمعة من أول النهار‪ ،‬وهذا جائز بالضرورة‪ .‬وقد يكون اشتغالُ الرجل‬
‫ل مِن َروَاحه إلى الجمعة من‬
‫بمصالحه ومصالح أهله ومعاشِه وغي ِر ذلك من أمور دينه ودنياه أفض َ‬
‫س الرجل في مصله حتى يُصليَ‬
‫أوَل النهار‪ ،‬ول ريبَ أن انتظا َر الصلة بعد الصلة‪ ،‬وجلو َ‬
‫الصلة الخرى‪ ،‬أفضلُ من ذهابه وعوده في وقت آخر للثانية‪ ،‬كما قال صلى ال عليه وسلم‪:‬‬
‫صلّي‪ ،‬ثُ ّم َيرُوح إِلى أَ ْهلِه)) وأخبر‪:‬‬
‫ن الّذِي ُي َ‬
‫ل مِ َ‬
‫صلّيهَا مَعَ الِمام أَ ْفضَ ُ‬
‫لةَ‪ ،‬ثُ ّم ُي َ‬
‫((والّذِي َي ْنتَظِر الصَ َ‬
‫ل تُصلي عليه ما دامَ في مُصله)) وأخبر‪(( :‬أن انتظار الصلة بعد الصلة‪،‬‬
‫((أن المل ِئكَة لم َتزَ ْ‬
‫ل ِئ َكتَه بمَن‬
‫مما يمحُو الُّ به الخَطايا و َيرْفَ ُع بِهِ الدرجات‪ ،‬وأنه الرَباط)) وأخبر‪(( :‬أن ال ُيبَاهِي مَ َ‬
‫خرَى)) وهذا يدل على أن من صلّى الصبح‪ ،‬ثم جلس ينتظِر الجمعة‪،‬‬
‫ظ ُر أُ ْ‬
‫جَلسَ يَنتَ ِ‬
‫َقضَى َفرِيضَة و َ‬

‫‪187‬‬

‫فهو أفضلُ ممن يذهب‪ ،‬ثم يجيء في وقتها‪ ،‬وكون أهل المدينة وغيرهم ل يفعلون ذلك‪ ،‬ل يدل‬
‫ل أعلم‪.‬‬
‫على أنه مكروه‪ ،‬فهكذا المجيء إليها والتبكي ُر في أول النهار‪ ،‬وا ّ‬
‫الخامسة والعشرون‪ :‬أن للصدقة فيه مزيةً عليها في سائر اليام‪ ،‬والصدقةُ فيه‬
‫بالنسبة إلى سائر أيام السبوع‪ ،‬كالصدقةِ في شهر رمضان بالنسبة إلى سائر الشهور‪ .‬وشاهدتُ‬
‫شيخَ الِسلم ابن تيمية قدس الّ روحه‪ ،‬إذا خرج إلى الجمعة يأخذُ ما وجد في البيت من خبز أو‬
‫غيره‪ ،‬فيتصدق به في طريقه سراً‪ ،‬وسمعته يقول‪ :‬إذا كان الّ قد أمرنا بالصدقة بين يدي مناجاة‬
‫ل وأولى بالفضيلة‪ .‬وقال‬
‫ل صلى ال عليه وسلم‪ ،‬فالصدقة بين يدي مناجاته تعالى أفض ُ‬
‫رسول ا ّ‬
‫أحمد بن زهير بن حرب‪ :‬حدثنا أبي‪ ،‬حدثنا جرير‪ ،‬عن منصور‪ ،‬عن مجاهد‪ ،‬عن ابن عباس‪ ،‬قال‪:‬‬
‫اجتمع أبو هريرة‪ ،‬وكعب‪ ،‬فقال أبو هريرة‪ :‬إن في الجمعة لساعةً ل يُوافِقها رجلٌ مسلم في صلة‬
‫يسألُ الّ عز وجل شيئًا إل آتاه إيّاه‪ ،‬فقال كعب‪ :‬أنا أح ّدثُكم عن يوم الجمعة‪ ،‬إنه إذا كان يومُ الجمعة‬
‫ن آدم‬
‫َفزِعت له السماواتُ والرضُ‪ ،‬والبرّ‪ ،‬والبحرُ‪ ،‬والجبال‪ ،‬والشجرُ‪ ،‬والخلئقُ كلُها‪ ،‬إل اب َ‬
‫والشياطين‪ ،‬وحفّت الملئكة بأبواب المسجد‪ ،‬فيكتُبون من جاء الول فالول حتى يخرج الِمام‪ ،‬فإذا‬
‫ق على كُلّ حالِم أن‬
‫طوَوا صحُفَهم‪ ،‬فمن جاء بعد‪ ،‬جاء لحق الّ‪ ،‬لما كُتب عليه‪ ،‬وح ّ‬
‫خرج المام‪َ ،‬‬
‫ليّامِ‪ ،‬ولم تطلُعِ‬
‫يغتسِل يومئذ كاغتساله من الجنابة‪ ،‬والصدقةُ فيه أعظ ُم من الصدقة في سائر ا َ‬
‫الشمس ولم تغرُب على مثل يوم الجمعة‪ .‬فقال ابن عباس‪ :‬هذا حديث كعب وأَبي هريرة‪ ،‬وأنا أرى‬
‫ب يمس منه‪.‬‬
‫إن كان لهله طي ٌ‬
‫ل عزّ وجلّ فيه لوليائه المؤمنين في‬
‫السادسة والعشرون‪ :‬أنه يوم يتجلّى ا ّ‬
‫الجنة‪ ،‬وزيارتهم له‪ ،‬فيكون أقربُهم منهم أقربَهم من الِمام‪ ،‬وأسبقهم إلى الزيارة أسبقَهم إلى الجمعة‪.‬‬
‫وروى يحيى بن يمان‪ ،‬عن شريك‪ ،‬عن أبي اليقظان‪ ،‬عن أنس بن مالك رضي ال عنه‪ ،‬في قوله‬
‫عز وجل‪َ { :‬ولَ َد ْينَا َمزِيدٌ} [ق‪ ]35 :‬قال‪ :‬يتجلّى لهم في كلّ جمعة‪.‬‬
‫وذكر الطبراني في ((معجمه))‪ ،‬من حديث أبي نعيم المسعودي‪ ،‬عن المِنهال بن عمرو‪،‬‬
‫عن أبي عُبيدة قال‪ :‬قال عبد الّ‪ :‬سارعوا إلى الجمُعةِ‪ ،‬فإن الّ عز وجل َي ْبرُز لهلِ الجنة في كل‬
‫جُمعَة في َكثِيبٍ مِنْ كافور فيكونون منه في القُرب على قدر تسارعهم إلى الجمعة‪ ،‬فيُح ِدثُ الُّ‬
‫سُبحانه لهم مِن الكرامة شيئًا لم يكُونوا قد رأوْه قبل ذلك‪ ،‬ثم يَرجعُون إلى أهليهم‪ ،‬فيُحدّثونهم بما‬
‫أحدث الّ لهم‪ .‬قال‪ :‬ثم دخل عبدُ الّ المسجَد‪ ،‬فإذا هو برجلين‪ ،‬فقال عبدُ الّ‪ :‬رجلن وأنا الثالث‪ ،‬إن‬
‫لّ يُبارك في الثالث‪.‬‬
‫يشأِ ا ُ‬

‫‪188‬‬

‫ل بن مسعود رضي‬
‫ش َعبِ)) عن علقمة بن قيس قال‪ :‬رُحت مع عبد ا ّ‬
‫وذكر البيهقى في ((ال ّ‬
‫ل عنه إلى جمعة‪ ،‬فوجد ثلثة قد سبقوه‪ ،‬فقال‪ :‬رابع أربعة‪ ،‬وما راب ُع أربعة ببعيد‪ .‬ثم قال‪ :‬إني‬
‫ا ّ‬
‫علَى قَ ْدرِ‬
‫ن يَو َم ال ِقيَامَةِ مِنَ الِّ َ‬
‫ن النّاسَ يَجلِسُو َ‬
‫ل صلى ال عليه وسلم‪ :‬يقول ((إ ّ‬
‫سمعت رسولَ ا ّ‬
‫حهِمْ إلى الج ُمعَةَ‪ ،‬الول‪ ،‬ثُمّ الثاني‪ ،‬ثمّ الثالث‪ ،‬ثُ ّم الرابع))‪ .‬ثم قَالَ‪َ (( :‬ومَا ر ْابَع َأ ْر َبعَ ٍة ِب َبعِيدٍ))‪.‬‬
‫َروَا ِ‬
‫قال الدارقطني في كتاب ((الرؤية))‪ :‬حدثنا أحمد بن سلمان بن الحسن‪ ،‬حدثنا محمد بن‬
‫عثمان بن محمد‪ ،‬حدثنها مروان بن جعفر‪ ،‬حدثنا نافع أبو الحسن مولى بني هاشم‪ ،‬حدثنا عطاء بن‬
‫ل صلى ال عليه وسلم‪(( :‬إِذَا كَانَ‬
‫أبي ميمونة‪ ،‬عن أنس بن مالك رضي الّ عنه‪ ،‬قال‪ :‬قال رسولُ ا ّ‬
‫ن َب ّكرَ في كُلّ جُمعَةِ‪َ ،‬و َترَاهُ ال ُمؤْمنَاتُ‬
‫ظ ِر إلَيهِ مَ ْ‬
‫عهْداً بِالنّ َ‬
‫ن َربّهم‪ ،‬فأَحْ َد ُثهُم َ‬
‫يَومُ ال ِقيَامَةِ‪َ ،‬رأَى ال ُم ْؤمِنُو َ‬
‫حرِ))‪.‬‬
‫َيوْمَ الفطر َو َيوْمَ النّ ْ‬
‫حدثنا محمد بن نوح‪ ،‬حدثنا محمد بن موسى بن سفيان السكري‪ ،‬حدثنا عبد الّ بن الجهم‬
‫الرازي‪ ،‬حدثنا عمرو بن أبي قيس‪ ،‬عن أبي طيبة‪ ،‬عن عاصم‪ ،‬عن عثمان بن عمير أبي اليقظان‪،‬‬
‫ل وَفِي يَ ِدهِ‬
‫ج ْب ِريْ ُ‬
‫عن أنس بن مالك رضي الِّ عنه‪ ،‬عن رسول صلى ال عليه وسلم‪ ،‬قال‪(( :‬أَتَانِي ِ‬
‫عَل ْيكَ‬
‫ج ْبرِيلُ؟ قَالَ‪ :‬ه ِذهِ الج ُمعَة َي ْعرِضهَا الَُ َ‬
‫كَال ِم ْرَآةِ ال َبيْضاءِ فِيهَا كَالن ْكتَةِ السوْدَاءِ‪ ،‬فَ ُق ْلتُ‪ :‬مَا هَذَا يَا ِ‬
‫لوّلُ‪ ،‬وال َيهُودُ‬
‫خ ْيرٌ‪َ ،‬أ ْنتَ فِيهَا ا َ‬
‫ك مِنْ َبعْ ِدكَ‪ُ ،‬ق ْلتُ‪َ :‬ومَا َلنَا فيها؟ قَالَ‪َ :‬لكُمْ فِيهَا َ‬
‫لِتكُونَ َلكَ عِيداً ولِ َق ْو ِم َ‬
‫ل أَعْطَاهُ‪َ ،‬أوْ‬
‫شيْئاً ُه َو لَهُ قَسْ ٌم إِ ّ‬
‫عبْدٌ فِيهَا َ‬
‫عزّ وَجَلّ َ‬
‫ل يَسْأَلُ الَّ َ‬
‫وَالنّصَارَى مِنْ َبعْ ِدكَ‪َ ،‬وَلكَ فِيهَا سَاعَةٌ َ‬
‫عنْ ُه مَا ُهوَ‬
‫عَليْهِ‪ ،‬وإِلّ دَفَعَ َ‬
‫شرّ مَا ُهوَ َم ْكتُوبٌ َ‬
‫لّ مِنْ َ‬
‫ل أَعطَا ُه أَ ْفضَلَ ِمنْهُ‪َ ،‬وأَعَاذُه ا ُ‬
‫َل ْيسَ لَهُ قَسْ ٌم إِ ّ‬
‫عنْ َدنَا‬
‫ج ُمعَةِ‪ ،‬وَ ُهوَ ِ‬
‫ي السّاعَةُ تَقُو ُم َيوْمَ ال ُ‬
‫سوْدَاءُ؟ قَالَ‪ِ :‬ه َ‬
‫ن ذلِك‪ .‬قال‪ُ :‬ق ْلتُ‪َ :‬ومَا ه ِذ ِه النّكتةُ ال ّ‬
‫أَعظَمُ مِ ْ‬
‫ل ! َومَا َيوْمُ ال َمزِيدِ؟ قال‪ :‬ذِلكَ أَنّ‬
‫خ َرةِ َيوْ َم المَزيدِ‪ .‬قَالَ‪ُ :‬ق ْلتُ‪ :‬يَا جِبرِي ُ‬
‫ليّامِ‪َ ،‬ويَدْعُو ُه أَهْلُ ال ِ‬
‫سيّدُ ا َ‬
‫َ‬
‫سيّه‪،‬‬
‫علَى ُكرْ ِ‬
‫ج ُمعَةِ‪َ ،‬نزَلَ َ‬
‫ن َيوْمُ ال ُ‬
‫ك َأ ْبيَضَ‪ ،‬فَإِذَا كَا َ‬
‫سٍ‬
‫ن مِ ْ‬
‫جنّ ِة وَادِيًا أَ ْفيَحَ مِ ْ‬
‫ل اتّخَذَ في ال َ‬
‫ع ّز وَجَ ّ‬
‫َر ّبكَ َ‬
‫ف ال َمنَا ِبرُ ِب َمنَا ِب َر مِنْ‬
‫ح ّ‬
‫عَل ْيهَا‪ ،‬ثُمّ ُ‬
‫جلِسُوا َ‬
‫حتّى يَ ْ‬
‫ي ِب َمنَا ِب َر مِنْ نُورٍ‪َ ،‬فيَجِي ُء ال ّن ِبيُونَ َ‬
‫ف ال ُكرْسِ ّ‬
‫ح ّ‬
‫ثُمّ ُ‬
‫علَى‬
‫حتّى يَجلِسُوا َ‬
‫ل الغُرفِ َ‬
‫عَل ْيهَا‪َ ،‬ويَجي ُء أَهْ ُ‬
‫جلِسُوا َ‬
‫حتَى يَ ْ‬
‫ن والشُهدَاءُ َ‬
‫ذَ َهبٍ‪َ ،‬فيَجِي ُء الصّدّيقو َ‬
‫ظرُونَ ِإَليْهِ َفيَقُولُ‪َ :‬أنَا الّذِي صدَقْتكُمْ وَعدِي‪،‬‬
‫ع ّز وَجَلّ‪ ،‬قال‪َ :‬ف َينْ ُ‬
‫جلّى َلهُمْ َر ّبهُمْ َ‬
‫ال ُك ُثبِ‪ ،‬قَالَ‪ :‬ث ّم َيتَ َ‬
‫ي أن ِزَلكُمْ دَارِي‪،‬‬
‫سلُونِي‪َ ،‬فيَسَألُونَ ُه الرّضى‪ .‬قَالَ‪ :‬رِضَا َ‬
‫ل َكرَا َمتِي فَ َ‬
‫عَل ْيكُم ِن ْع َمتِي‪ ،‬وهَذَا مَحَ ّ‬
‫وَأ ْت َممْتُ َ‬
‫حتّى َت ْن َت ِهيَ‬
‫شهَدُ َلهُ ْم بِالرِضى‪ ،‬ثُ ّم يَسَْألُونَهُ‪َ ،‬‬
‫سلُوفِي‪َ ،‬فيَسَْألُونَهُ الرّضى‪ .‬قَالَ‪َ :‬ف ْ‬
‫وأَناَلكُمْ َكرَا َمتِي‪ ،‬فَ َ‬
‫شرٍ‪ .‬قَالَ‪ :‬لُمّ‬
‫علَى َق ْلبِ بَ َ‬
‫طرَ َ‬
‫ل أُذُنٌ سَم َعتْ‪ ،‬وَلَ خَ َ‬
‫ت وَ َ‬
‫ك مَا لَ عَينّ َرَأ ْ‬
‫عنْدَ َذِل َ‬
‫ح َلهُمْ ِ‬
‫غ َبتُهمْ‪ ،‬ث ّم يُ ْفتَ ُ‬
‫رَ ْ‬
‫غرْفَةٍ‬
‫غرَ ِفهِم‪ .‬قَال‪ :‬كُلّ ُ‬
‫ف إِلى ُ‬
‫ل ال ُغرَ ِ‬
‫شهَدَاء‪ ،‬ويَجِي ُء أَهْ ُ‬
‫ن وال ّ‬
‫ب ال ِع ّزةِ‪َ ،‬و َي ْرتَف ُع َمعَ ُه ال ّن ِبيّو َ‬
‫َي ْرتَفعُ َر ّ‬

‫‪189‬‬

‫للِيهَا‬
‫خضْراء‪ ،‬أَبوابها وعَ َ‬
‫ن َز َبرْجَ َدةٍ َ‬
‫غرْفَةٌ مِ ْ‬
‫ح ْمرَاءُ‪ ،‬و ُ‬
‫مِنْ ُل ْؤُل َؤةٍ ل َوصْلَ فِيهَا وَلَ َفصْمَ‪ ،‬يَاقُوتَة َ‬
‫جهَا وخَ َدمُها‪ .‬قال‪ :‬فَليْسُوا إِلى‬
‫طرِدَة متدلّية فِيهَا َأ ْثمَارُهَا‪ ،‬فِيها َأزْوا ُ‬
‫وسقَائِ ُفهَا وأَغْلفُها مِنها أنهارُها مُ ّ‬
‫جهِ ِه ال َكرِيمِ‪ ،‬فَذِلكَ‬
‫ظ ِر ِإلَى وَ ْ‬
‫ل والنّ َ‬
‫عزّ وَجَ ّ‬
‫ن َكرَامَةِ الِّ َ‬
‫ج ُمعَ ِة لِيزْدَادُوا م ْ‬
‫شَيء أَحوجَ ِم ْنهُ ْم إِلى َيوْمِ ال ُ‬
‫َيوْمُ ال َمزِيدِ))‪.‬‬
‫ث عدةُ طرق‪ ،‬ذكرها أبو الحسن الدارقطني في كتاب ((الرؤية))‪.‬‬
‫ولهذا الحدي ِ‬
‫سرَ الشاهد الذي أقسم الّ به في كتابه بيوم الجمعة‪ ،‬قال‬
‫السابعة والعشرون‪ :‬أنه قد فُ ّ‬
‫حُميد بن زنجويه‪ :‬حدثنا عبد الّ بن موسى‪ ،‬أنبأنا موسى بن عُبيدة‪ ،‬عن أيوب بن خالد‪ ،‬عن عبد الّ‬
‫بن رافع‪ ،‬عن أبي هريرة قال‪ :‬قال رسول ال صلى ال عليه وسلم‪(( :‬ال َيوْ ُم المَوْعُودُ‪َ :‬يوْ ُم ال ِقيَامَةِ‪،‬‬
‫ل مِن‬
‫علَى أَ ْفضَ َ‬
‫غ َربَتْ َ‬
‫ش ْمسٌ‪ ،‬وَلَ َ‬
‫طَل َعتْ َ‬
‫ج ُمعَةِ‪ ،‬مَا َ‬
‫عرَفَة‪ ،‬وَالشّاهِ ُد َيوْمُ ال ُ‬
‫وا ْليَوْ ُم المَشْهود‪ :‬هو يَومُ َ‬
‫شرّ‬
‫س َتعِي ُذ ُه منْ َ‬
‫ب لَهُ‪َ ،‬أ ْو يَ ْ‬
‫ستَجَا َ‬
‫ن يَدْعُو الَّ فيهَا بخَير إلّ ا ْ‬
‫عبْ ٌد ُم ْؤمِ ّ‬
‫ل يُوافِ ُقهَا َ‬
‫ج ُمعَةِ‪ ،‬فِيهِ سَاعَةٌ َ‬
‫يَومِ ال ُ‬
‫ل أعَاذَ ِمنْهُ))‪.‬‬
‫إِ ّ‬
‫ورواه الحارث بن أبي أسامة في ((مسنده))‪ ،‬عن روح‪ ،‬عن موسى بن عبيدة‪.‬‬
‫وفي ((معجم الطبراني))‪ ،‬من حديث محمد بن إسماعيل بن عياش‪ ،‬حدثني أبي‪ ،‬حدثني‬
‫ل صلى ال‬
‫ضَمضم بن زرعة‪ ،‬عن شُريح بن عبيد‪ ،‬عن أبي مالك الشعري قال‪ :‬قال رسولُ ا ّ‬
‫عرَفَةَ‪َ ،‬و َيوْمُ‬
‫ج ُمعَةِ‪ ،‬والمَشهُودُ‪َ :‬يوْمُ َ‬
‫عليه وسلم‪(( :‬ا ْل َيوْمُ ال َموْعُودُ‪َ :‬يوْ ُم ال ِقيَامَةِ‪ ،‬والشّاهِ ُد َيوْمُ ال ُ‬
‫صرِ)) وقد رُوي من حديث جُبير بن مطعم‪.‬‬
‫لةُ ال َع ْ‬
‫لّ َلنَا‪َ ،‬وصَل ُة الوُسْطَى صَ َ‬
‫خ َرهُ ا ُ‬
‫ج ُمعَةِ َذ َ‬
‫ال ُ‬
‫ل أعلم ‪ :-‬أنه من تفسير أبي هريرة‪ ،‬فقد قال الِمام أحمد‪ :‬حدثنا محمد‬
‫قلت‪ :‬والظاهر ‪ -‬وا ّ‬
‫بن جعفر‪ ،‬حدثنا شعبة سمعت علي بن زيد ويونس بن عبيد يحدثان عن عما ٍر مولى بني هاشم‪ ،‬عن‬
‫أبي هريرة‪ ،‬أما علي بن زيد‪ ،‬فرفعه إلى النبي‪ ،‬وأما يونس‪ ،‬فلم َيعْدُ أبا هريرة أنه قال‪ :‬في هذه‬
‫شهُود} قال‪ :‬الشاهِد‪ :‬يوم الجمعة‪ ،‬والمشهود يو ُم عرفة‪ ،‬والموعود‪ :‬يوم القيامة‪.‬‬
‫الية‪{ :‬وشَاهِ ٍد َومَ ْ‬
‫الثامنة والعشرون‪ :‬أنه اليوم الذي تفزع منه السماواتُ والرضُ‪ ،‬والجبالُ والبحارُ‪،‬‬
‫والخلئقُ كلها إل الِنسَ والجِنّ‪ ،‬فروى أبو الجوّاب‪ ،‬عن عمّار بن رزيق‪ ،‬عن منصور‪ ،‬عن‬
‫ل صلى ال‬
‫مجاهد‪ ،‬عن ابن عباس‪ ،‬قال‪ :‬اجتمع كعب وأبو هريرة‪ ،‬فقال أبو هريرة‪ :‬قال رسولُ ا ّ‬
‫خرَة إلّ أعطاه‬
‫عبْ ٌد مُسلِ ٌم يَسْأَلُ الَّ فِيهَا خَي َر الدُنيَا وال ِ‬
‫عليه وسلم‪(( :‬إنّ في الج ُمعَةِ لَسَاعَةً ل يُوافِ ُقهَا َ‬
‫ت لَ ُه السّماواتُ‬
‫ع ْ‬
‫ج ُمعَةِ‪ ،‬فزِ َ‬
‫ن َيوْمُ ال ُ‬
‫ج ُمعَةِ‪ ،‬إنّ ُه إِذَا كَا َ‬
‫ن يَومِ ال ُ‬
‫ل َك ْعبٌ‪ :‬أل أُحَدّثكم عَ ْ‬
‫إياه))‪ .‬فَقَا َ‬
‫ت الملئكةُ بأبَواب‬
‫لرْض‪ ،‬والجبال‪ ،‬والبحار‪ ،‬والخلئق كلّها إل ابنَ آدم والشياطين‪ ،‬وح ّف ِ‬
‫وا َ‬

‫‪190‬‬

‫ط َووْا صُح َفهُم‪ ،‬ومَنْ جَا َء َبعْدُ‬
‫خرَجَ الِمامُ‪َ ،‬‬
‫لوّل حتى يخرجَ الِمامُ‪َ ،‬فإِذَا َ‬
‫لوَلَ فا َ‬
‫المساجد‪ ،‬فيك ُتبُونَ ا َ‬
‫جنَابَة‪ ،‬والصّدَقَةُ‬
‫علَى كُلّ حالِم أَن َي ْغتَسِلَ فيه‪ ،‬كاغتِسالِه مِنَ ال َ‬
‫عَليْهِ‪ ،‬ويَحِقّ َ‬
‫جَا َء لِحَقّ الِّ‪ ،‬وِلمَا ُك ِتبَ َ‬
‫جمُعةِ‪ .‬قال ابن‬
‫علَى َيوْم َك َيوْمِ ال ُ‬
‫طلُ ِع الشّمس َولَ ْم َت ْغرُب َ‬
‫ن الصّدَقَةِ في سَا ِئ ِر اليّامِ‪َ ،‬ولَم تَ ْ‬
‫فِي ِه أَفضَلُ مِ َ‬
‫عباس‪ :‬هذا حديث كعب وأبي هريرة‪ ،‬وأنا أرى‪ ،‬من كان لهله طِيب أن يصرّفه يومئذ‪.‬‬
‫وفي حديث أبي هُريرة‪ :‬عن النبي صلى ال عليه وسلم ((ل تطلع الشمس ول تغرب على‬
‫ع ليوم الجمعة إل هذين الثّقلين مِن الجن‬
‫ل مِن يوم الجمعة‪ ،‬وما من دابة إل وهي تفزَ ُ‬
‫يوم أفض َ‬
‫خرَب فيه‬
‫والِنس))‪ ،‬وهذا حديث صحيح وذلك أنه اليوم الذي تقومُ فيه الساعة‪ ،‬ويُطوى العالم‪ ،‬وتَ ْ‬
‫الدنيا‪ ،‬ويُبعث فيه الناس إلى منازلهم من الجنة والنار‪.‬‬
‫ل الكِتاب‬
‫ل لهده المة‪ ،‬وأضلّ عنه أه َ‬
‫التاسعة والعشرون‪ :‬أنه اليومُ الذي ادّخره ا ّ‬
‫قبلهم‪ ،‬كما في ((الصحيح))‪ ،‬من حديث أبي هريرة عن النبي صلى ال عليه وسلم قال‪(( :‬ما طلعتِ‬
‫لّ لَهُ‪َ ،‬وضَلّ النّاسُ عنَه‪ ،‬فالنّاس َلنَا فِيهِ‬
‫ج ُمعَةِ‪ ،‬هَدَانا ا ُ‬
‫خيِر مِن َيوْمِ ال ُ‬
‫علَى َيوْمٍ َ‬
‫غ َر َبتْ َ‬
‫شمْسُ‪ ،‬ول َ‬
‫ال ّ‬
‫لّ َلنَا))‪.‬‬
‫سبْت‪ ،‬وللنّصَارَى يَومُ الحد))‪ .‬وفي حديث آخر ((ذخره ا ُ‬
‫َتبَعٌ‪ ،‬هوَ َلنَا‪ ،‬وَلليَهو ِد َيوْمُ ال ّ‬
‫(يتبع‪)...‬‬
‫@‬

‫وقال الِمام أحمد‪ :‬حدثنا علي بن عاصم‪ ،‬عن حصين بن عبد الرحمن‪ ،‬عن عمر بن‬

‫قيس‪ ،‬عن محمد بن الشعث‪ ،‬عن عائشة قالت‪(( :‬بينما أنا عنِد النبي صلى ال عليه وسلم إذ استأذن‬
‫عَل ْيكَ‪ .‬قالت‪:‬‬
‫عَل ْيكَ‪ ،‬قال النبي صلى ال عليه وسلم‪ :‬و َ‬
‫ل من اليهود‪ ،‬فأذِن له‪ ،‬فقال‪ :‬السّامُ َ‬
‫رج ٌ‬
‫علَيكَ‪،‬‬
‫ل ذلك‪ ،‬فقال النبي صلى ال عليه وسلم‪ :‬وَ َ‬
‫َف َه ِممْت أن أَتكلّم‪ ،‬قالت‪ :‬ثم دخل الثانية‪ ،‬فقال مِث َ‬
‫ضبُ‬
‫غ َ‬
‫عَل ْيكُم‪ ،‬و َ‬
‫ت أن أتكلّم‪ ،‬ثم دخل الثالثة‪ ،‬فقال‪ :‬السّامُ عليكم‪ ،‬قالت‪ ،‬فقلتُ‪ :‬بل السّامُ َ‬
‫قالت‪ .‬فهمم ُ‬
‫عزّ وجَلّ‪ .‬قالت‪ :‬فنظر إليّ‬
‫حيُون رسولَ الّ بما لم يُحيّه به الُّ َ‬
‫ن القردة والخنازير‪ ،‬أتُ َ‬
‫الّ‪ ،‬إخوا َ‬
‫عَل ْيهِم‪َ ،‬فلَم َيضُ ّرنَا شيئاً‪َ ،‬وَل ِز َمهُم‬
‫حشَ‪ ،‬قَالُوا َقوْلً َفرَدَ ْدنَاه َ‬
‫ل التّفَ ّ‬
‫حشَ وَ َ‬
‫ب الفُ ْ‬
‫ح ّ‬
‫ل يُ ِ‬
‫فقال‪ :‬مَ ْه إِنّ الّ َ‬
‫ضلّوا‬
‫لّ لَها‪ ،‬و َ‬
‫ج ُمعَةِ التي هَدَانَا ا ُ‬
‫علَى ال ُ‬
‫علَى شيء َكمَا يَحْسُدُونَا َ‬
‫إلى يَو ِم ال ِقيَامَةِ‪ِ،،‬إنّهم ل يَحْسُدُوناَ َ‬
‫علَى َق ْوِلنَا خلف الِمام‪ :‬آمين))‪.‬‬
‫عنْها‪ ،‬و َ‬
‫ل لهَا‪ ،‬وضَلوا َ‬
‫ع ْنهَا‪ ،‬وَعَلى ال ِق ْبلَةِ الّتي هَدَانَا ا ُ‬
‫َ‬
‫وفي ((الصحيحين)) من حديث أبي هريرة‪ ،‬عن النبي صلى ال عليه وسلم‪(( ،‬نَحنُ‬
‫ب مِن َق ْبِلنَا‪ ،‬وأُوتِينَا ُه مِن بَعدِهمْ‪َ ،‬فهَذا َي ْو ُمهُ ُم الَذِي‬
‫ن َيوْ َم ال ِقيَامَةِ‪َ ،‬بيْ َد َأنّه ْم أُوتُوا ال ِكتَا َ‬
‫الخِرونَ السّابِقو َ‬
‫س َلنَا فيه َتبَعٌ‪ ،‬ال َيهُودُ غَداً‪ ،‬والنّصَارَى َبعْدَ غَدٍ))‪.‬‬
‫لّ لَهُ‪ ،‬فَالنّا ُ‬
‫خ َتلَفُوا فِيه‪َ ،‬فهَدانَا ا ُ‬
‫عَل ْيهِمْ‪ ،‬فَا ْ‬
‫َفرَضَ الُّ َ‬
‫وفي ((بيد)) لغتان بالباء ‪ ،‬وهي المشهورة ‪ ،‬و َميْدَ بالميم ‪ ،‬حكاها أبو عبيد ‪.‬‬

‫‪191‬‬

‫وفي هذه الكلمة قولن ‪ ،‬أحدهما ‪ :‬أنها بمعنى ((غير)) وهو أشهر معنييها ‪ ،‬والثاني ‪ :‬بمعى‬
‫((على)) وأنشد أبو عبيد شاهدًا له ‪:‬‬
‫عمْداً فَعلت ذَاكَ بي َد َأنّي‬
‫َ‬

‫ت لَمْ ت ِرنّي‬
‫ل لَو َهَل ْك ُ‬
‫إخَا ُ‬

‫‪ :‬ت ِرنّي‪ :‬تَفعلي مِن الرنين ‪.‬‬
‫الثلثون‪ :‬أنه خِيرة الّ من أيام السبوع‪ ،‬كما أن شهر رمضان خيرتُه من شهور العام‪،‬‬
‫وليلة القدر خيرتُه من الليالي‪ ،‬ومكةُ خيرتُه مِن الرض‪ ،‬ومحمد صلى ال عليه وسلم خِيرتُه مِن‬
‫خلقه‪ .‬قال آدم بن أبي إياس‪ :‬حدثنا شيبان أبو معاوية‪ ،‬عن عاصم بن أبي النّجود‪ ،‬عن أبي صالح‪،‬‬
‫ل عزّ وجَلَ اختار الشهورَ‪ ،‬واختار شه َر رمضان‪ ،‬واختار اليامَ‪،‬‬
‫عن كعب الحبار‪ .‬قال‪ :‬إن ا ّ‬
‫واختار يومَ الجمعة‪ ،‬واختار الليالي‪ ،‬واحتار ليل َة القدر‪ ،‬واختار الساعاتِ‪ ،‬واختار ساع َة الصلة‪،‬‬
‫ن يُك ّفرُ ما بينه وبين رمضان‪،‬‬
‫والجمعةُ تكفّر ما بينها وبين الجمعة الخرى‪ ،‬وتزيد ثلثاً‪ ،‬ورمضا ُ‬
‫والحجّ يكفر ما بينه وبين الحج‪ ،‬وال ُع ْمرَة تكفّر ما بينها وبين العمرة‪ ،‬ويموت الرجل بين حسنتين‪:‬‬
‫ق أبواب النار‪،‬‬
‫حسنةٍ قضاها‪ ،‬وحسن ٍة ينتظرها يعني صلتين‪ ،‬وتُصفّد الشياطين في رمضان‪ ،‬و ُت ْغلَ ُ‬
‫ل أحب إلى الّ‬
‫ي الخير؟ هلُم‪ .‬رمضان أجمع‪ ،‬وما مِن ليا ٍ‬
‫غَ‬
‫وتُفتحُ فيه أبوابُ الجنة‪ ،‬ويقال فيه‪ :‬يا بَا ِ‬
‫العملُ فيهنّ من ليالي العشر‪.‬‬
‫الحادية والثلثون‪ :‬إن الموتى تدنو أرواحُهم مِن قبورهم‪ ،‬وتُوافيها في يوم الجمعة‪،‬‬
‫فيعرفون ُزوّارهم ومَن َي ُم ّر بهم‪ ،‬ويُسلم عليهم‪ ،‬ويلقاهم في ذلك اليوم أكثر من معرفتهم بهم في‬
‫غيره من اليام‪ ،‬فهو يوم تلتقي فيه الحياء والموات‪ ،‬فإذا قامت فيه الساعةُ‪ ،‬التقى الولون‬
‫ب والعبدُ‪ ،‬والعاملُ وعمله‪ ،‬والمظلومُ وظاِلمُه‬
‫والخِرون‪ ،‬وأهلُ الرض وأهلُ السماء‪ ،‬والر ّ‬
‫س والقمرُ‪ ،‬ولم تلتقيا قبل ذلك قطّ‪ ،‬وهو يومُ الجمع واللقاء‪ ،‬ولهذا يلتقي الناسُ فيه في الدنيا‬
‫والشم ُ‬
‫أكثَر من التقائهم في غيره‪ ،‬فهو يو ُم التلق‪ .‬قال ابو التياح يزيد بن حميد‪ :‬كان مطرّف بن عبد الّ‬
‫يبادر فيدخل كل جمعة‪ ،‬فأدلج حتى إذا كان عند المقابر يوم الجمعة‪ ،‬قال‪ :‬فرأيت صاحبَ كلّ قبر‬
‫جالساً على قبره‪ ،‬فقالوا‪ :‬هذا مطرّف يأتي الجمعة‪ ،‬قال فقلت لهم‪ :‬وتعلمون عن عندكم الجمعة؟‬
‫قالوا‪ :‬نعم‪ ،‬ونعلم ما تقولُ فيه الطير‪ ،‬قلت‪ :‬وما تقول فيه الطير؟ قالوا‪ :‬تقول‪ :‬ربي سلّم سلّم يوم‬
‫صالح‪.‬‬
‫وذكر ابن أبي الدنيا في كتاب ((المنامات)) وغيره‪ ،‬عن بعض أهل عاصم الجَحدري‪ ،‬قال‪:‬‬
‫رأيت عاصماً الجحدريّ في منامي بعد موته لسنتين‪ ،‬فقلتُ‪ :‬أليس قد ِمتّ؟ قال‪ :‬بلى‪ ،‬قلتُ‪ :‬فأينَ‬

‫‪192‬‬

‫ل في روضة من رياض الجنة‪ ،‬أنا ونفرٌ مِن أصحابي‪ ،‬نجتم ُع كل ليلة جمعة‬
‫أنت؟ قال‪ :‬أنا وا ّ‬
‫ل المزني‪ ،‬فنتلقى أخباركم‪ .‬قلت‪ :‬أجسامُكم أم أرواحكم؟ قال‪ :‬هيهاتَ‬
‫وصبيحتها إلى بكر بن عبد ا ّ‬
‫َبلِيت الجسام‪ ،‬وإنما تتلقى الرواحُ‪ ،‬قال‪ :‬قلت‪ :‬فهل تعلمون بزيارتنا لكم؟ قال‪ :‬نعلم بها عشيَة‬
‫الجمعة‪ ،‬ويو َم الجمعة كله‪ ،‬وليل َة السبت إلى طلوع الشمس‪ .‬قال‪ :‬قلتُ‪ :‬فكيف ذلك دونَ اليام كلّها؟‬
‫قال‪ :‬لفضل يوم الجمعة وعظمته‪.‬‬
‫وذكر ابن أبي الدنيا أيضاً‪ ،‬عن محمد بن واسع‪ ،‬أنه كان يذهب كل غَداةِ سبت حتى يأتي‬
‫الجبّانة‪ ،‬فيقِف على القبور‪ ،‬فيُسلم عليهم‪ ،‬ويدعو لهم‪ ،‬ثم ينصرف‪ .‬فقيل له‪ :‬لو صيّرت هذا اليومَ‬
‫يوم الثنين‪ .‬قال‪ :‬بلغني أن الموتى يعلمون بزوّارِهم يومَ الجمعة‪ ،‬ويوماً قبله‪ ،‬ويوماً بعده‪.‬‬
‫وذكر عن سفيان الثوريَ قال بلغني عن الضحاك‪،‬أنه قال‪ :‬من زار قبرَاً يو َم السبت قبل‬
‫طلوع الشمس‪ ،‬علم الميت بزيارته فقيل له‪ :‬كيف‪:‬ذلك؟ قال لِمكان يوم الجمعة‪.‬‬
‫الثانية والثلثون‪ :‬أنه يكره إفرا ُد يوم الجمعة بالصوم‪ ،‬هذا منصوصُ أحمد‪ ،‬قال‬
‫ث النهي عن أن يُفرد‪ ،‬ثم قال‪ :‬إل أن يكون‬
‫الثرم‪ :‬قيل لبي عبد الّ‪ :‬صيام يوم الجمعة؟ فذكر حدي َ‬
‫في صيام كان يصومه‪ ،‬وأما أن يفردَ‪ ،‬فل‪ .‬قلت‪ :‬رجل كان يصوم يوماً‪ ،‬ويفطر يوماً‪ ،‬فوقع فطره‬
‫يومَ الخميس‪ ،‬وصومه يوم الجمعة‪ ،‬وفِطره يو َم السبت‪ ،‬فصار الجمعة مفرداً؟ قال‪ :‬هذا إل أن يتعمّد‬
‫صومَه خاصة‪ ،‬إنما ُكرِه أن يتعمد الجمعة‪.‬‬
‫وأباح مالك‪ ،‬وأبو حنيفة صومَه كسائر اليام‪ ،‬قال مالك‪ :‬لم أسمع أحداً من أهل العلم والفقه‬
‫ومن يُقتدى به ينهى عن صيام يوم الجمعة‪ ،‬وصيامه حسن‪ ،‬وقد رأيتُ بعض أهل العلم يصومُه‪،‬‬
‫وأراه كان يتحراه‪ .‬قال ابن عبد البر‪ :‬اختلفت الثارُ عن النبي صلى ال عليه وسلم في صيام يوم‬
‫ل عنه‪ ،‬أن النبي صلى ال عليه وسلم كان يصوم ثلثة أيام مِن‬
‫الجمعة‪ ،‬فروى ابن مسعود رضي ا ّ‬
‫كل شهر‪ ،‬وقال‪ :‬قّلمَا رأيته مفطِراً يومَ الجمعة وهذا حديث صحيح‪ .‬وقد روي عن ابن عمر رضي‬
‫ل صلى ال عليه وسلم يفطر يومَ الجمعة قطُ‪ .‬ذكره ابن أبي‬
‫الّ عنهما‪ ،‬أنه قال‪ :‬ما رأيت رسول ا ّ‬
‫شيبة‪ ،‬عن حفص بن غياث‪ ،‬عن ليث بن أبي سليم‪ ،‬عن عمير بن أبي عمير‪ ،‬عن ابن عمر‪.‬‬
‫ن عباس‪ ،‬أنه كان يصومُه ويُواظب عليه‪ .‬وأما الذي ذكره مالك‪ ،‬فيقولون‪ :‬إنه‬
‫وروى اب ُ‬
‫محمد بن المنكدر‪ .‬وقيل‪ :‬صفوان بن سليم‪.‬‬

‫‪193‬‬

‫وروى الدراوردي‪ ،‬عن صفوان بن سليم‪ ،‬عن رجل من بني جشم‪ ،‬أنه سمع أبا هُريرة‬
‫غ َر ٌر زُ ْهرٌ‬
‫ش َرةُ أيّا ٍم ُ‬
‫ب لَهُ عَ ْ‬
‫ج ُمعَةِ‪ُ ،‬ك ِت َ‬
‫ل صلى ال عليه وسلم‪(( :‬مَنْ صا َم َيوْمَ ال ُ‬
‫يقول‪ :‬قال رسول ا ّ‬
‫خرَة ل يُشاكِلهُنّ أيا ُم الدّنيا))‪.‬‬
‫مِن أيّامِ ال ِ‬
‫والصل في صوم يوم الجمعة أنه عمل بر ليمنع منه إل بدليل ل معارِض له‪ .‬قُلتُ‪ :‬قد‬
‫صح المعارِض صحةً لمطعن فيها البتة‪ ،‬ففي ((الصحيحين))‪ ،‬عن محمد بن عباد‪ ،‬قال‪ :‬سألت‬
‫جابراً‪ :‬أنهى رسول ال صلى ال عليه وسلم عن صيام يوم الجمعة؟ قال‪ :‬نعم‪ .‬وفي ((صحيح‬
‫مسلم))‪ ،‬عن محمد بن عباد‪ ،‬قال‪ :‬سألتُ جابر بن عبد ال‪ ،‬وهو يطوفُ بالبيت‪ :‬أنهى رسول الّ‬
‫صلى ال عليه وسلم عن صيام يوم الجمعة؟ قال‪ :‬نعم وربّ هذه ال َب ِنيّةِ‪.‬‬
‫ل صلى ال عليه وسلم‬
‫وفي ((الصحيحين)) من حديث أبي هريرة‪ ،‬قال‪ :‬سمعتُ رسول ا ّ‬
‫ج ُمعَ ِة إل أنْ َيصُو َم َي ْومَاً قبلَهُ‪ ،‬أَو َي َومََاً َبعْدَه))‪ .‬واللفظ للبخاري‪.‬‬
‫يقول‪(( :‬ل َيصُومَنّ أح ُدكُم َيوْمَ ال ُ‬
‫وفي ((صحيح مسلم))‪ ،‬عن أبي هريرة‪ ،‬عن النبي صلى ال عليه وسلم‪ ،‬قال‪(( :‬ل تَخصوا‬
‫ن َيكُونَ‬
‫ليّامِ‪ ،‬إل أَ ْ‬
‫ن َبيْن سَا ِئرِ ا َ‬
‫صيَام م ْ‬
‫ج ُمعَةِ ب ِ‬
‫خصّوا يَومَ ال ُ‬
‫ج ُمعَ ِة بِقِيا ِم من بين الليالي‪ ،‬ول تَ ُ‬
‫َل ْيلَةَ ال ُ‬
‫صوْمِ َيصُومُهُ أَحَ ُدكُم))‪.‬‬
‫في َ‬
‫وفي ((صحيح البخاري))‪ ،‬عن جُويرية بنت الحارث‪(( ،‬أن النبي صلى ال عليه وسلم دخل‬
‫ن أن َتصُومي غداً؟‬
‫عليها يو َم الجمعة وهي صائمة‪ ،‬فقال‪ :‬أصُمت َأ ْمسِ؟ قَاَلتْ‪ :‬ل‪ .‬قَالَ‪َ :‬ف ُترِيدِي َ‬
‫قالت‪ :‬ل‪ .‬قَالَ‪ :‬فأَفطِري))‪.‬‬
‫وفي ((مسند أحمد)) عن ابن عباس‪ ،‬أن النبي صلى ال عليه وسلم قال‪(( :‬ل َتصُومُوا يَومَ‬
‫ج ُمعَةِ َوحْ َدهُ))‪.‬‬
‫ال ُ‬
‫وفي ((مسنده)) أيضاً عن جنادة الزدي قال‪ :‬دخلتُ على رسول صلى ال عليه وسلم‪ ،‬يومَ‬
‫جمعة في سبعة من الزد‪ ،‬أنا ثامنهم وهو يتغدّى‪ ،‬فقال‪(( :‬هلموا إلى الغداء)) فقلنا‪ :‬يا رسولَ الّ !‬
‫إنا صيام‪ .‬فقال‪ :‬أصُمتم أمسِ؟ قلنا‪ :‬ل‪ .‬قال‪ :‬فتصومُون غداً؟ قلنا‪ :‬ل‪ .‬قال‪ :‬فأَفْطِروا‪ .‬قال‪ :‬فأكلنا مع‬
‫جلَس على المنبر‪ ،‬دعا بإناء ماء‪ ،‬فشرب وهو‬
‫ل صلى ال عليه وسلم قال‪ :.‬فلما خرج و َ‬
‫رسول ا ّ‬
‫س ينظرون إليه‪ ،‬يُريهم أنه ل يَصومُ يَومَ الجمعة))‪.‬‬
‫على المنبر‪ ،‬والنا ُ‬
‫ل صلى ال عليه وسلم ((يَوْمُ‬
‫وفي ((مسنده)) أيضاً‪ ،‬عن أبي هريرة‪ ،‬قال‪ :‬قال رسول ا ّ‬
‫ل أَنْ َتصُومُوا قَبلَهُ َأ ْو َبعْدَه))‪.‬‬
‫صيَا ِمكُم إ ّ‬
‫ج َعلُوا َيوْمَ عِيدِكم َيوْمَ ِ‬
‫ل تَ ْ‬
‫ج ُمعَةِ َيوْمُ عِيدٍ‪ ،‬فَ َ‬
‫ال ُ‬

‫‪194‬‬

‫وذكر ابن أبي شيبة‪ ،‬عن سفيان بن عُيينة‪ ،‬عن عمران بن ظبيان‪ ،‬عن حُكيم بن سعد‪ ،‬عن‬
‫علي بن أبي طالب رضي الّ عنه‪ ،‬قال‪ :‬من كان منكم متطوعًا مِن الشهر أياماً‪ ،‬فليكن في صومه‬
‫يوم الخميس‪ ،‬ول يص ْم يومَ الجمعة‪ ،‬فإنه يومُ طعام وشراب‪ ،‬وذكر‪ ،‬فيجمع ال له يومين صالحين‪:‬‬
‫يوم صيامه‪ ،‬ويوم نسكه مع المسلمين‪.‬‬
‫وذكر ابن جرير‪ ،‬عن مغيرة‪ ،‬عن إبراهيم‪ :‬إنهم كرهوا صوم الجمعة لِي ْق َووْا على‬
‫الصلة‪.‬‬
‫قلتُ‪ :‬المأخذ في كراهته‪ :‬ثلثة أمور‪ ،‬هذا أحدها‪ ،‬ولكن يُشكل عليه زوال الكراهية بضم يوم‬
‫قبله‪ ،‬أو بعده إليه‪.‬‬
‫والثاني‪ :‬أنه يوم عيد‪ ،‬وهو الذي أشار إليه صلى ال عليه وسلم وقد أُورِ َد على هذا التعليل‬
‫إشكالن‪ .‬أحدهما‪ :‬أن صومه ليسر بحرام‪ ،‬وصوم يوم العيد حرام‪ .‬والثاني‪ :‬إن الكراهة تزول بعدم‬
‫إفراده‪ ،‬وأجيب عن الِشكالين‪ ،‬بأنه ليس عيد العامٍ‪ ،‬بل عيد السبوع‪ ،‬والتحريمُ إنما هو لصوم عيد‬
‫العام‪ .‬وأما إذا صام يوماً قبله‪ ،‬أو يوماً بعده‪ ،‬فل يكون قد صامه لجل كونه جمعة وعيداً‪ ،‬فتزول‬
‫المفسدة الناشئة من تخصيصه‪ ،‬بل يكون داخلً في صيامه تبعاً‪ ،‬وعلى هذا يحمل ما رواه الِمام‬
‫ل بن مسعود إن صح قال‪َ :‬قّلمَا‬
‫ل في ((مسنده)) والنسائي‪ ،‬والترمذي من حديث عبد ا ّ‬
‫أحمد رحمه ا ّ‬
‫ح هذا‪ ،‬تعين حمله على أنه كان‬
‫رأيتُ رسول ال صلى ال عليه وسلم يفطر َيوْمَ ج ُمعَةٍ‪ .‬فإن ص ّ‬
‫ث النهي الثابتة في‬
‫يدخل في صيامه تبعاً‪ ،‬ل أنه كان يُفرده لصحة النهي عنه‪ .‬وأين أحادي ُ‬
‫((الصحيحين))‪ ،‬من حديث الجواز الذي لم يروه أحد من أهل الصحيح‪ ،‬وقد حكم الترمذي بغرابته‪،‬‬
‫فكيف تعارض به الحاديث الصحيحة الصريحة‪ ،‬ثم يُقدم عليها؟!‬
‫والمأخذ الثالث‪ :‬سد الذريعة من أن يُلحق بالدّين ما ليس فيه‪ ،‬ويُوجب التشبه بأهل الكتاب في‬
‫تخصيص بعض اليام بالتجرد عن العمال الدنيوية‪ ،‬وينضم إلى هذا المعنى‪ :‬أن هذا اليوم لما كان‬
‫ظنّة تتابع الناس في صومه‪،‬‬
‫ظاه َر الفضل على اليام‪ ،‬كان الداعي إلى صومه قوياَ‪ ،‬فهو في مَ ِ‬
‫واحتفالِهم به ما ل يحتفلون بصوم يو ٍم غيره‪ ،‬وفي ذلك إلحاق بالشرع ما ليس منه‪ .‬ولهذا المعنى‬
‫ل أعلم ‪ -‬نهي عن تخصيص ليلةِ الجمعة بالقيام من بين الليالي‪،‬‬
‫‪-‬وا ّ‬

‫لنها من أفضل الليالي‪،‬‬

‫ظنّ ِة تخصيصها بالعبادة‪،‬‬
‫حتى فضّلها بعضهم على ليلة القدر‪ ،‬وحكيت رواية عن أحمد‪ ،‬فهى في مَ ِ‬
‫ل أعلم‪.‬‬
‫ع الذريعة‪ ،‬وسدّها بالنهي عن تخصيصها بالقيام‪ .‬وا ّ‬
‫فحسم الشار ُ‬

‫‪195‬‬

‫فإن قيل‪ :‬ما تقولون في تخصيص يوم غيره بالصيام؟ قيل‪ :‬أما تخصيص ما خصصه‬
‫ص غيره‪ ،‬كيوم السبت‪،‬‬
‫سنّةٌ‪ ،‬وأما تخصي ُ‬
‫الشارع‪ ،‬كيوم الثنين‪ ،‬ويوم عرفة‪ ،‬ويوم عاشوراء‪ ،‬ف ُ‬
‫ب إلى التشبه بالكفار لتخصيص أيام‬
‫والثلثاء‪ ،‬والحد‪ ،‬والربعاء‪ ،‬فمكروه‪ .‬وما كان منها أقر َ‬
‫ب إلى التحريم‪.‬‬
‫أعيادهم بالتعظيم والصيام‪ ،‬فأشد كراهةً‪ ،‬وأقر ُ‬
‫الثالثة الثلثون‪ :‬إنه يوم اجتماع الناس وتذكيرهم بالمبدأ والمعاد‪ ،‬وقد شرع الّ‬
‫سبحانه وتعالى لكل أمة في السبوع يومًا يتفرّغون فيه للعبادة‪ ،‬ويجتمعون فيه لتذكّر المبدإ‬
‫والمعاد‪ ،‬والثواب والعقاب‪ ،‬ويتذّكرون به اجتماعهم يوم الجمع الكبر قيامًا بينهن يدي رب‬
‫العالمين‪ ،‬وكان أحق اليام بهذا العرض المطلوب اليوم الذي يجمع الّ فيه الخلئق‪ ،‬وذلك يوم‬
‫ل لهذه المة لفضلها وشرفها‪ ،‬فشرع اجتماعهم في هذا اليومٍ لطاعته‪ ،‬وقدّر‬
‫الجمعة‪ ،‬فادّخره ا ّ‬
‫اجتماعهم فيه مع المم لنيل كرامته‪ ،‬فهو يوم الجتماع شرعا في الدنيا‪ ،‬وقدراً في الخرة‪ ،‬وفي‬
‫مقدار انتصافه وقت الخطبة والصلة يكون أهل الجنة في منازلهم‪ ،‬وأهل النار في منازلهم‪ ،‬كما‬
‫ل أهلُ الجنة في‬
‫ثبت عن ابن مسعود من غير وجه أنه قال‪ :‬ل ينتصف النهارُ يوم القيامة حتى يَقِي َ‬
‫ن مَقيلً}‬
‫جنّ ِة يومئذٍ خير مستقراً وأحس ُ‬
‫منازلهم‪ ،‬وأهل النارِ في منازلهم‪ ،‬وقرأ‪{ :‬أصحابُ ال َ‬
‫جحِيم}‪ ،‬وكذلك هي في قراءته‪ .‬ولهذا كون اليام سبعة‬
‫[الفرقان‪ ]24:‬وقرأ‪{ :‬ثُ ّم إنّ مَقِيَلهْم لِلى ال َ‬
‫إنما تعرِفُه المم التي لها كتاب‪ ،‬فأما أمة ل كتاب لها‪ ،‬فل تعرف ذلك إل من تلقّاه منهم عن أمم‬
‫النبياء‪ ،‬فإنه ليس هنا علمة حِسّية يُعرف بها كونُ اليام سبعة‪ ،‬بخلف الشهر والسنة‪ ،‬وفصولها‪،‬‬
‫ولما خلق الّ السماوات والرض وما بينهما في ستة أيام‪.‬‬
‫وتعرّف بذلك إلى عباده على ألسنة رسله وأنبيائه‪ ،‬شرع لهم في السبوع‬
‫يومًا يُذكّرهم فيه بذلك‪ ،‬وحكم ِة الخلق وما خلقوا له‪ ،‬وبأجَل العالمِ‪ ،‬وطيّ السماوات والرض‪،‬‬
‫وعَودِ المر كما بدأه سبحانه وعداً عليه حقاً‪ ،‬وقولً صدقاً‪ ،‬ولهذا كان النبي صلى ال عليه وسلم‬
‫يقرأ في فجر يوم الجمعة سورتي (الم تنزيل)؟ (هل أتى على الِنسان) لما اشتملت عليه هاتان‬
‫السورتان مما كان ويكون من المبدأ والمعاد‪ ،‬وحشر الخلئق‪ ،‬وبعثِهم من القبور إلى الجنة والنار‪،‬‬
‫ل لجل السجدة كما يظنه من نقص علمه ومعرفته‪ ،‬فيأتي بسجدة من سورة أخرى‪ ،‬ويعتقد أن فجر‬
‫يوم الجمعة فضّل بسجدة‪ ،‬وينكر على من لم يفعلها‪ .‬وهكذا كانت قراءته صلى ال عليه وسلم في‬
‫المجامع الكبار‪ ،‬كالعياد ونحوها‪ ،‬بالسورة المشتملة على التوحيد‪ ،‬والمبدإ والمعاد‪ ،‬وقصصِ‬
‫ل به من كذّبهم وكفر بهم من الهلك والشقاء‪ ،‬ومن آمن منهم‬
‫النبياء مع أممهم‪ ،‬وما عامل ا ّ‬

‫‪196‬‬

‫وصدّقهم من النجاة والعافية‪ .‬كما كان يقرأ في العيدين بسورتي (ق و القرآن المجيد)‪ ،‬و (اقتربت‬
‫الساع ُة وانشقّ القمرُ)؟ تارة‪ :‬بـ (سبح اسم ربك العلى)‪ ،‬و (هل أتاك حديث الغاشية)‪ ،‬وتارة يقرأ‬
‫ب السّعي إليها‪ ،‬وتركِ العلم‬
‫في الجمعة بسورة الجمعة لما تضمّنت من المر بهذه الصلة‪ ،‬وإيجا ِ‬
‫العائق عنها‪ ،‬والمر بإكثار ذكر ال ليحصُل لهم الفلحُ في الدارين‪ ،‬فإن في نسيان ذكره تعالى‬
‫العطبَ والهلكَ في الدارين‪ ،‬ويقرأ في الثانية بسورة (إذا جاءك المنافقون) تحذيرًا للمة من النفاق‬
‫المردي‪ ،‬وتحذيرًا لهم أن تشغَلهَم أموالهُم وأولدهم عن صلة الجمعة‪ ،‬وعن ذِكر الّ‪ ،‬وأنهم إن‬
‫فعلوا ذلك خسروا ول بد‪ ،‬وحضاً لههم على الِنفاق الذي هو من أكبر أسباب سعادتهم‪ ،‬وتحذيراً‬
‫لهم من هجوم الموت وهم على حالة يطلبون الِقالة‪ ،‬ويتمنَون الرجعة‪ ،‬ول يُجابون إليها‪ ،‬وكذلك‬
‫كان‪ :‬صلى ال عليه وسلم يفعل عند قدوم وفد يريد أن يُسمعهم القرآن‪ ،‬وكان يُطيل قراءة الصلة‬
‫الجهرية لذلك‪ ،‬كما صلّى المغرب بـ (العراف) و بـ (الطور)‪ ،‬و (ق)‪ .‬وكان يُصلي الفجر بنحو‬
‫مائة آية‪.‬‬
‫وكذلك كانت خطبته صلى ال عليه وسلم‪ ،‬إنما هي تقرير لصول‬
‫الِيمان من الِيمان بال وملئكته‪ ،‬وكتبه‪ ،‬ورسله‪ ،‬ولقائِه‪ ،‬وذكرِ الجنة‪ ،‬والنار‪ ،‬وما أعدّ ال‬
‫لوليائه وأهل طاعته‪ ،‬وما أعدّ لعدائه وأهل معصيته‪ ،‬فيمل القلوب مِن خُطبته إيماناًَ وتوحيداً‪،‬‬
‫ومعرفة بالّ وأيامه‪ ،‬ل كخُطب غيره التي إنما تُفيد أموراً مشتركة بين الخلئق‪ ،‬وهي النّوح على‬
‫ل في القلب إيمانًا بالّ‪ ،‬ول توحيداً له‪ ،‬ول معرفة‬
‫الحياة‪ ،‬والتخويف بالموت‪ ،‬فإن هذا أمر ل يُحصّ ُ‬
‫خاصة به‪ ،‬ول تذكيراً بأيامه‪ ،‬ول بعثًا للنفوس على محبته والشوق إلى لقائه‪ ،‬فيخرج السامعون ولم‬
‫يستفيدوا فائدة‪ ،‬غير أنهم يموتون‪ ،‬وتُقسم أموالهم‪ ،‬ويُبلي الترابُ أجسامهم‪ ،‬فيا ليت شعري أيّ‬
‫إيمان حصل بهذا؟! وأيّ توحيد ومعرفة وعلم نافع حصل به؟!‪.‬‬
‫ومن تأمل خطب النبي صلى ال عليه وسلم‪ ،‬وخطب أصحابه‪ ،‬وجدها كفيلة ببيان الهدى‬
‫والتوحيد‪ ،‬وذِكر صفات الربّ جل جلله‪ ،‬وأصولِ اليمان الكلية‪ ،‬والدعوة إلى الّ‪ ،‬وذِكر آلئه‬
‫تعالى التي تُحبّبه إلى خلقه وأيامِه التي تخوّفهم من بأسه‪ ،‬والمر بذكره وشكره الذي يُحبّبهم إليه‪،‬‬
‫ل وصفاته وأسمائه‪ ،‬ما يُحبّبه إلى خلقه‪ ،‬ويأمرون من طاعته وشكره‪ ،‬وذِكره‬
‫فيذكرون مِن عظمة ا ّ‬
‫ما يُحبّبهم إليه‪ ،‬فينصرف السامعون وقد أحبوه وأحبهم‪ ،‬ثم طال العهد‪ ،‬وخفي نور النبوة‪ ،‬وصارت‬
‫طوْها صورها‪ ،‬وزيّنوها بما‬
‫الشرائعُ والوامرُ رسومًا تُقام من غير مراعاة حقائقها ومقاصدها‪ ،‬فأع َ‬
‫زينوها به فجعلوا الرسوم والوضاع سنناً ل ينبغي الخللُ بها‪ ،‬وأخلّوا بالمقاصد التي ل ينبغي‬

‫‪197‬‬

‫ظ القلوب منها‪،‬‬
‫الِخلل بها‪ ،‬فرصعوا الخُطب بالتسَجيع والفِقر‪ ،‬وعلم البديع‪ ،‬فَنقَص بل عَدمَ ح ُ‬
‫وفات المقصود بها‪.‬‬
‫فمما حفظ من خطبته صلى ال عليه وسلم أنه كان يكثر أن يخطُب بالقرآن وسورة (ق)‪.‬‬
‫ل صلى ال عليه وسلم‬
‫قالت أم هشام بنت الحارث بن النعمان‪ :‬ما حفظت (ق) إل منْ في رسول ا ّ‬
‫مما يخطب بها أعى المنبر‪.‬‬
‫وحُفظ من خطبته صلى ال عليه وسلم‪ ،‬من رواية علي بن زيد بن جدعان وفيها ضعف‪،‬‬
‫س توبوا إلى الّ عز وجل قبل أن تَموتوا‪ ،‬وبا ِدرُوا بالعمال الصالحة قَبل أَن تُشغَلوا‪،‬‬
‫((يا أيّها النا ُ‬
‫وصِلوا الّذي بينكم وبين ربَكم بكثرة ذِكركم له‪ ،‬وكثرةِ الصدقة في الس ّر والعلنية تُؤجروا‪،‬‬
‫وتحمَدوا‪ ،‬وتُرزقوا‪ .‬واعلموا أن ال عز وجل‪ ،‬قد فرض عليكم الجمع َة فريضةَ مكتوبةَ في مقامي‬
‫سبِيلً‪َ ،‬فمَن تَر َكهَا في حياتي‪،‬‬
‫هذا‪ ،‬في شهري هذا‪ ،‬في عَامي هَذَا‪ ،‬إِلى َيوْ ِم القِيامَةِ‪ ،‬مَنْ َوجَ َد إليها َ‬
‫أو بعد مماتي جحوداً بها‪ ،‬أو استخفافاً بها‪ ،‬وله إمامٌ جائر أو عادِل‪ ،‬فل جمع الّ شملَه‪ ،‬ول بارَك‬
‫له في أمره‪ ،‬أل ول صَلة له‪ ،‬أل ول وضو َء له‪ ،‬أل ول صَو َم له‪ ،‬أل ول َزكَاةَ له‪ ،‬أل ول حجَ له‪،‬‬
‫ن ا ْم َرأَ ٌة رَجُلً‪ ،‬أل ول َي ُؤمَنّ‬
‫لّ عليه‪ ،‬أل ول َت ُؤمَ ّ‬
‫أل ول َب َركَة له حتى يتوبَ‪ ،‬فإن تابَ‪ ،‬تابَ ا ُ‬
‫سيْفَه وسَوطَه))‪.‬‬
‫أعرابي مُهاجِراً‪ ،‬أل ول يَؤمَنّ فَاجرٌ مُؤمنَاً‪ ،‬إل أن يَق َه َرهُ سلطَانٌ فَيخَافَ َ‬
‫ل مِنْ شُرورِ أنفسنا‪ ،‬مَنْ‬
‫وحفظ مِن خطبته أيضاً‪(( :‬الحمدُ لِ نستعينُه‪ ،‬ونستغفرُه‪ ،‬ونعوذُ با ّ‬
‫ك لَهُ‪ ،‬وأشه ُد أن‬
‫ل إله إل الّ وحدَه ل شَري َ‬
‫َيهْدِ الّ‪ ،‬فل مضلّ له‪ ،‬ومن يضلِل فَل هادي له‪ ،‬وأشه ُد أَ ّ‬
‫لّ َورَسُولَه‪ ،‬فَقَد رَشَدَ‬
‫ن يَدَي السّاعَةِ‪ ،‬مَنْ يُطعِ ا َ‬
‫ق بشيرًا ونذيراً َبيْ َ‬
‫مُحمداً عبده ورسولُه‪ ،‬أرسله بالح ّ‬
‫ل شيئا))‪ .‬رواه أبو داود وسيأتي إن شاء الّ‬
‫ضرّ ا ّ‬
‫ضرّ إل نَفْسَة‪ ،‬ول َي ُ‬
‫ص ِهمَا‪ ،‬فإنه ل َي ُ‬
‫ومن َي ْع ِ‬
‫تعالى ذِكر خطبه في الحج‪.‬‬
‫فصل‬
‫في هديه صلى ال عليه وسلم في خطبه‬
‫كان إذا خطب‪ ،‬احمرّت عيناه‪ ،‬وعل صوتُه‪ ،‬واشتد غضبُه حتى كأنه منذرُ جيش‪ ،‬يقول‪:‬‬
‫سبّابَ ِة وَالوُسْطَى))‪.‬‬
‫ن أص ُبعَيهِ ال ّ‬
‫حكُمْ ومساكم)) ويقول‪ُ (( :‬بعِثتُ َأنَا والسّاعَة َكهَاتَينِ‪َ ،‬ويَ ْقرُنُ َبيْ َ‬
‫صبّ َ‬
‫(( َ‬
‫شرّ الُمو ِر مُحْ َدثَاتُها‪،‬‬
‫حمّدِ‪ ،‬وَ َ‬
‫خ ْي َر الهدْي هَدْي مُ َ‬
‫ث ِكتَابُ ال‪ ،‬وَ َ‬
‫خ ْيرَ الحَدي ِ‬
‫ويقول‪َ(( :‬أمّا َبعْدُ‪ ،‬فإنّ َ‬
‫ن نَفْسِهِ‪ ،‬مَن ت َركَ مَالً‪ ،‬فَلَهلِهِ‪َ ،‬ومَنْ َت َركَ‬
‫ل م ْؤمِنٍ مِ ْ‬
‫للَة))‪ .‬ثم يقول‪َ(( :‬أنَا َأ ْولَى ِبكُ ّ‬
‫َوكُلّ بِدعَ ٍة ضَ َ‬
‫ضيَاعاً‪ ،‬فإليّ وعليّ)) رواه مسلم‪.‬‬
‫َد ْينًَا أَو َ‬

‫‪198‬‬

‫علَيهِ‪ ،‬ثُمّ‬
‫ل و ُي ْثنِي َ‬
‫حمَدُ ا ّ‬
‫وفي لفظ‪ :‬كانت خُطبة النبي صلى ال عليه وسلم َيوْمَ الجمعَةِ‪َ ،‬ي ْ‬
‫ص ْوتُه فَ َذ َكرُه‪.‬‬
‫ل َ‬
‫علَى أ َث ِر ذِلكَ وَقَدْ عَ َ‬
‫يَقُولُ َ‬
‫ل لَهُ‪َ ،‬ومَنْ‬
‫عَليْهِ ِبمَا ُه َو أَ ْهلُه‪ ،‬ثُ ّم يَقُولُ‪(( :‬مَنْ َيهْدِ الُّ‪ ،‬فَل ُمضِ ّ‬
‫ل َو ُي ْثنِي َ‬
‫حمَدُ ا ّ‬
‫وفي لفظ‪ :‬يَ ْ‬
‫ث ِكتَابُ الِّ))‪.‬‬
‫خيْر الحَدِي ِ‬
‫ي لَهُ‪ ،‬وَ َ‬
‫ضلِلْ‪ ،‬فلَ هَا ِد َ‬
‫ُي ْ‬
‫للَةٍ في النّارِ))‪.‬‬
‫لض َ‬
‫للَةٌ‪َ ،‬وكُ ّ‬
‫وفي لفظ للنسائي‪(( ،‬وكُلُ بِدْع ٍة ض َ‬
‫وكان يقول في خطبته بعد التحميدِ والثناءِ والتشهد ((َأمّا َبعْدُ))‪.‬‬
‫ت الجوامع‪ ،‬وكان يقول‪:‬‬
‫وكان يُقصّرُ الخُطبة‪ ،‬ويطيل الصلة‪ ،‬ويكثر الذّكر‪ ،‬ويَقْصدُ الكلما ِ‬
‫ط َبتِه‪َ ،‬م ِئنّ ٌة مِنْ فِ ْقهِهٌ))‬
‫صرَ خُ ْ‬
‫ل وَ ِق َ‬
‫ل صَلَ ِة الرّجُ ِ‬
‫((إنّ طُو َ‬
‫وكان ُي َعلّمُ أصحابَه في خُطبته قواعِدَ الِسلم‪ ،‬وشرائعَه‪ ،‬ويأمرهم‪ ،‬وينهاهم في خطبته إذا‬
‫عرَض له أمر‪ ،‬أو نهى‪ ،‬كما أمر الداخل وهو يخطب أن يُصلي ركعتين‪.‬‬
‫َ‬
‫ونهى المتخطّي رِقابَ الناس عن ذلك‪ ،‬وأمره بالجلوس‪ .‬وكان يقطعُ خطبته للحاجة ت ْعرِضُ‪،‬‬
‫ن أَحَ ٍد من أصحابه‪ ،‬فيُجيبه‪ ،‬ثم يعود إلى خُطبته‪ ،‬فيتمّها‪.‬‬
‫ل مِ ْ‬
‫أو السؤا ِ‬
‫وكان ربما نزل عن المنبر للحاجة‪ ،‬ثم يعودُ َف ُي ِتمّها‪ ،‬كما نزل لخذ الحسن والحسين رضي‬
‫الّ عنهما‪ ،‬فأخذهما‪ ،‬ثم رَ ِقيَ بهما المنبر‪ ،‬فأتم خطبته‪.‬‬
‫وكان يدعو الرجل في خطبته‪ :‬تعالَ يا فلن‪ ،‬اجِلسْ يا فلن‪ ،‬صلّ يا فُلن‪.‬‬
‫ى منهم ذا فاقة وحاجة‪ ،‬أمرهم بالصدقة‪،‬‬
‫وكان يأمرهم بمقتضى الحال في خطبته‪ ،‬فإذا رأ َ‬
‫وحضهم عليها‪.‬‬
‫ل تعالى ودعائه‪.‬‬
‫سبّابَة في خطبته عند ذكر ا ّ‬
‫وكان يُشير بأصبعه ال ّ‬
‫ط المطر في خطبته‪.‬‬
‫وكان يستسقي بهم إذا قَحَ َ‬
‫وكان يمهل يوم الجمعة حتى يجتم َع الناسُ‪ ،‬فإذا اجتمعوا‪ ،‬خرج إليهم وحدَه من‬
‫غير شاويش يصيح بين يديه‪ ،‬ول لبس طيلسان‪ ،‬ول طرحة‪ ،‬ول سواد‪ ،‬فإذا دخل المسجد‪ ،‬سلّم‬
‫ل القبلة‪ ،‬ثم يجلِس‪،‬‬
‫صعِد المنبر‪ ،‬استقبل الناسَ بوجهه‪ ،‬وسلّم عليهم‪ ،‬ولم يدع مستقب َ‬
‫عليهم‪ ،‬فإذا َ‬
‫ل بين‬
‫ويأخذ بللٌ في الذان‪ ،‬فإذا فرغ‪ .‬منه‪ ،‬قام النبي صلى ال عليه وسلم فخطب من غير فَص ٍ‬
‫الذان والخطبة‪ ،‬ل بإيراد خبر ول غيره‪.‬‬
‫ولم يكن يأخذ بيده سيفًا ول غيرَه‪ ،‬وإنما كان يع َتمِد على قوس أو عصاً قبل أن يتّخذ المنبر‪،‬‬
‫وكان في الحرب يَعتمد على قوس‪ ،‬وفي الجمعة يعتمِد على عصا‪ .‬ولم يُحفظ عنه أنه اعتمد على‬

‫‪199‬‬

‫سيف‪ ،‬وما يظنه بعض الجهال أنه كان يعتمد على السيف دائماً‪ ،‬وأن ذلك إشارة إلى أن الدين قام‬
‫بالسيف‪َ ،‬فمِن فَرطِ جهله‪ ،‬فإنه ل يُحفظ عنه بعد اتخاذ المنبر أنه كان يرقاه بسيف‪ ،‬ول قوس‪ ،‬ول‬
‫غيره‪ ،‬ول قبل اتخاذه أنه أخذ بيده سيفًا البتة‪ ،‬وإنما كان يعتمِد على عصا أو قوس‪.‬‬
‫وكان منبره ثلثَ درجات‪ ،‬وكان قبلِ اتخاذه يخطُب إلى جِذع يستند إليه‪ ،‬فلما تحوّل‬
‫إلى المنبر‪ ،‬حنّ الجِذْعُ حنيناً سمعه أهل المسجد‪ ،‬فنزل إليه صلى ال عليه وسلم وضمّه قال أنس‪:‬‬
‫حنّ لما فقد ما كان يسمع من الوحي‪ ،‬وفقده التصاق النبي صلى ال عليه وسلم‪.‬‬
‫ولم يُوضع المنبر في وسط المسجد‪ ،‬وإنما وضع في جانبه الغربي قريباً من الحائط‪ ،‬وكان‬
‫بينه وبين الحائط قدر ممر الشاة‪.‬‬
‫وكان إذا جلس عليه النبي صلى ال عليه وسلم في غير الجمعة‪ ،‬أو خطب قائماً في‬
‫الجمعة‪ ،‬استدار أصحابُه إليه بوجوههم‪ ،‬وكان وجهه صلى ال عليه وسلم قِبلَهم في وقت الخطبة‪.‬‬
‫وكان يقوم فيخطب‪ ،‬ثم يجلِس جلسة خفيفة‪ ،‬ثم يقوم‪ ،‬فيخطب الثانية‪ ،‬فإذا فرغ منها‪ ،‬أخذ‬
‫بلل في الِقامة‪ .‬وكان يأمر الناس بالدنّو منه‪ ،‬ويأمرهم بالِنصات‪ ،‬وتخبرهم أن الرجل إذا قَالَ‬
‫ن َلغَا فَلَ ج ُمعَة لَهُ))‪ .‬وكان يقول‪(( :‬مَن َت َكلّمَ َيوْمَ الج ُمعَة‬
‫لِصاحبه‪َ :‬أ ْنصِت فَقَ ْد َلغَا‪ .‬ويقول‪(( :‬مَ ْ‬
‫ج ُمعَة))‪ .‬رواه‬
‫ل لَه‪ :‬أنْصت َليْسَت لَهُ ُ‬
‫ل أَسفَاراً‪ ،‬والَذِي يَقُو َ‬
‫حمِ ُ‬
‫حمَا ِر يَ ْ‬
‫طبُ‪َ ،‬ف ُهوَ َك َمثَلِ ال ِ‬
‫والِمامُ َيخْ ُ‬
‫الِمام أحمد‪.‬‬
‫ل صلى ال عليه وسلم يوم الجمعة (تبارك) وهو قائم‪،‬‬
‫وقال أبي بن كعب‪ :‬قرأ رسول ا ّ‬
‫فذكّرنا بأيّام ال‪ ،‬وأبو الدرداء أو أبو ذر يَغ ِمزُني‪ ،‬فقال‪ :‬متى أُن ِزَلتْ هذه السورة؟ فإني لم أسمعها‬
‫إلى الَن‪ ،‬فأشار إليه أن اسكت‪ ،‬فلما انصرفوا‪ ،‬قال‪ :‬سألتُك متى أُنزلت هذه السورة فلم تخبرني‪،‬‬
‫ل صلى ال عليه وسلم‬
‫فقال‪ :‬إنّه ليحسن لك من صلتك اليوم إل ما لغوتَ‪ ،‬فذهب إلى رسول ا ّ‬
‫فذكر له ذلك‪ ،‬وأخبره بالذي قال له أُبي‪ ،‬فقال رسول ال صلى ال عليه وسلم ((صَدَق أبيّ))‪ .‬ذكره‬
‫ابن ماجه‪ ،‬وسعيد بن منصور‪ ،‬وأصله في ((مسند أحمد))‪.‬‬
‫ج ُمعَة ثَلثَ ُة نَفَر‪ :‬رَجُلٌ حَضرَها يَلغُو وَ ُهوَ حَظُه‬
‫حضُر ال ُ‬
‫وقال صلى ال عليه وسلم‪(( :‬يَ ْ‬
‫ع ّز وَجَلّ إن شَا َء أَعْطَاهُ‪ ،‬وإنْ شَا َء َم َنعَهْ‪َ ،‬ورَجلٌ‬
‫ضرَها يَدْعو‪َ ،‬ف ُه َو رَجُلُ دَعا الّ َ‬
‫ح َ‬
‫منها‪ ،‬ورَجُلٌ َ‬
‫ج ُمعَ ِة التي‬
‫سلِمٍ‪َ ،‬ولَ ْم ُيؤْذِ أحداً‪ ،‬فَهي كَفّا َر ٌة له إلى َيوْمِ ال ُ‬
‫سكُوتٍ‪َ ،‬ولَمْ َي َتخَطّ رَ َقبَ َة مُ ْ‬
‫حضَرهَا بإنْصاتٍ وَ ُ‬
‫َ‬
‫ش ُر أمثَالِها} [النعام‪:‬‬
‫سنَةِ َفلَهُ عَ ْ‬
‫ل يقول‪{ :‬مَن جَا َء بِالحَ َ‬
‫ل عزّ وجَ َ‬
‫تَليها‪ ،‬وَزيادَة ثَلثَ َة أيْامٍ‪ ،‬وَ َذِلكَ أن ا ّ‬
‫‪ ،))]160‬ذكره أحمد وأبو داود‪.‬‬

‫‪200‬‬

‫وكان إذا فرغ بلل من الذان‪ ،‬أخذ النبي صلى ال عليه وسلم في الخطبة‪ ،‬ولم يقم‬
‫سنّة لها‬
‫أح ٌد يركع ركعتين البتة‪ ،‬ولم يكن الذانُ إل واحداً‪ ،‬وهذا يدل على أن الجمعة كالعيد‪ ،‬ل ُ‬
‫سنّة‪ ،‬فإن النبي صلى ال عليه وسلم كان يخرج مِن‬
‫ل ال ّ‬
‫قبلها‪ ،‬وهذا أصحّ قولي العلماء‪ ،‬وعليه تد ّ‬
‫بيته‪ ،‬فإذا رَقِي المنبر‪ ،‬أخذ بللٌ في أذان الجمعة‪ ،‬فإذا أكمله‪ ،‬أخذ النبيّ صلى ال عليه وسلم في‬
‫سنّة؟! ومن ظن أنهم كانوا إذا‬
‫ي عين‪ ،‬فمتى كانوا يُصلون ال ّ‬
‫الخطبة من غير فصل‪ ،‬وهذا كان رَأ َ‬
‫سنّة‪ ،‬وهذا‬
‫ل عنه من الذان‪ ،‬قاموا كلّهم‪ ،‬فركعوا ركعتن‪ ،‬فهو أجهلُ الناس بال ّ‬
‫فرغ بلل رضي ا ّ‬
‫سنّة قبلها‪ ،‬هو مذهب مالك‪ ،‬وأحمد في المشهور عنه‪ ،‬وأح ُد الوجهين‬
‫الذي ذكرناه من أنه ل ُ‬
‫لصحاب الشافعي‪.‬‬
‫سنّة‪ ،‬منهم من احتج أنها ظه ٌر مقصورة‪ ،‬فيثبت لها أحكا ُم الظهر‪ ،‬وهذه‬
‫والذين قالوا‪ :‬إن لها ُ‬
‫حجة ضعيفة جداً‪ ،‬فإن الجمعة صلةٌ مستقِلة بنفسها تُخالف الظهر في الجهر‪ ،‬والعدد‪ ،‬والخطبة‪،‬‬
‫ق مسألة النزاع بموارد التفاق أولى من‬
‫والشروط المعتبرة لها‪ ،‬وتُوافقها في الوقت‪ ،‬وليس إلحا ُ‬
‫إلحاقها بموارد الفتراق‪ ،‬بل إلحاقها بموارد الفتراق أولى‪ ،‬لنها أكثر مما اتفقا فيه‪.‬‬
‫سنّة ما كان‬
‫سنّة لها بالقياس على الظهر‪ ،‬وهو أيضاً قياس فاسد‪ ،‬فإن ال ُ‬
‫ومنهم من أثبت ال ّ‬
‫ثابتًا عن النبي من قول أو فعل‪ ،‬أو سُنة خلفائه الراشدين‪ ،‬وليس في مسألتنا شيء من ذلك‪ ،‬ول‬
‫يجوز إثباتُ السنن في مثل هذا بالقياس‪ ،‬وأن هذا مما انعقد سببُ فعله في عهد النبي صلى ال عليه‬
‫سنّة‪ ،‬ونظي ُر هذا‪ ،‬أن يُشرع لصلة العيد سنة قبلها‬
‫وسلم‪ ،‬فإذا لم يفعله ولم يشرعه‪ ،‬كان تركُه هو ال ُ‬
‫أو بعدها بالقياس‪ ،‬فلذلك كان الصحيحُ أنه ل يسن الغسل للمبيت بمزدلفة‪ ،‬ول لِرمي الجمار‪ ،‬ول‬
‫للطواف‪ ،‬ول للكسوف‪ ،‬ول للستسقاء‪ ،‬لن النبي صلى ال عليه وسلم وأصحابَه لم يغتسلوا لذلك‬
‫مع فعلهم لهذه العبادات‪.‬‬
‫ومنهم من احتج بما ذكره البخاري في ((صحيحه)) فقال‪ :‬باب الصلة قبل الجمعة وبعدها‪:‬‬
‫ل بن يُوسف‪ ،‬أنبأنا مالك‪ ،‬عن نافع‪ ،‬عن ابن عمر‪ ،‬أن النبي صلى ال عليه وسلم‪ ،‬كان‬
‫حدثنا عبد ا ّ‬
‫ل الظّهر ركعتين‪ ،‬وبعدها ركعتين‪ ،‬وبعد المغرب ركعتين في بيته‪ ،‬وقبل العشاء ركعتين‪،‬‬
‫يُصلي قب َ‬
‫صرِف‪ ،‬فيُصلي ركعتين وهذا ل حُجة فيه‪ ،‬ولم يُرد به البخاري‬
‫وكان ل يُصلي بعد الجمعة حتى ين َ‬
‫إثباتَ السنة قبل الجمعة‪ ،‬وإنما مرادُه أنه هل ورد في الصلة قبلها أو بعدها شيء؟ ثم ذكر هذا‬
‫ل السنة إل بعدها‪ ،‬ولم يرد قبلها شيء‪.‬‬
‫الحديث‪ ،‬أي‪ :‬أنه لم يُرو عنه فع ُ‬

‫‪201‬‬

‫وهذا نظير ما فعل في كتاب العيدين‪ ،‬فإنه قال‪ :‬باب الصلة قبل العيد وبعدها‪ ،‬وقال أبو‬
‫المعلّى‪ :‬سمعت سعيدًا عن ابن عباس‪ ،‬أنه كره الصلة قبل العيد‪ .‬ثم ذكر حديث سعيد بن جبير‪ ،‬عن‬
‫ابن عباس أن النبي صلى ال عليه وسلم خرج يوم الفطر‪ ،‬فصلّى ركعتين‪ ،‬لم يصل قبلَهما ول‬
‫بعدَهما ومعه بلل الحديث‪.‬‬
‫ل على أنه ل تشرع الصلةُ قبلَها ول‬
‫فترجم للعيد مثلَ ما ترجم للجمعة‪ ،‬وذكر للعيد حديثاً دا ً‬
‫بعدَها‪ ،‬فدل على أن مراده من الجمعة كذلك‪.‬‬
‫ل عن الظهر‪ -‬وقد ذكر في الحديث السنة قبل الظهر‬
‫وقد ظن بعضُهم أن الجمعة لما كانت بد ً‬
‫ل على أن الجمعة كذلك‪ ،‬وإنما قال‪(( :‬وكان ل يُصلي بعد الجمعة حتى ينص ِرفَ)) بياناً‬
‫وبعدها ‪ -‬د ّ‬
‫لموضع صلة السنة بعد الجمعة‪ ،‬وأنه بعد النصراف‪ ،‬وهذا الظن غلط منه‪ ،‬لن البخاري قد ذكر‬
‫ل صلى ال عليه‬
‫ل عنه‪ :‬صليتُ مع رسول ا ّ‬
‫ث ابن عمر رضي ا ّ‬
‫في باب التطوع بعد المكتوبة حدي َ‬
‫سجْدتينِ قبل الظهر‪ ،‬وسجدتين بعدَ الظهر‪ ،‬وسجدتين بعدَ المغرب‪ ،‬وسجدتينِ بعد العشاء‪،‬‬
‫وسلم َ‬
‫ن بعد الجمعة‪ .‬فهذا صريح في أن الجمعة عند الصحابة صلةٌ مست ِقلَة بنفسها غير الظهر‪،‬‬
‫وسجدتي ِ‬
‫علِ َم أنه ل سنة‬
‫وإل لم يحتج إلى ذِكرها لِدخولها تحتَ اسم الظهر‪ ،‬فلما لم يذكر لها سنةً إل بعدها‪ُ ،‬‬
‫لها قبلها‪.‬‬
‫سلَيك‬
‫ومنهم من احتج بما رواه ابن ماجه في ((سننه)) عن أبي هريرة وجابر‪ ،‬قال‪ :‬جاء ُ‬
‫ن تَجِيءَ؟))‬
‫صّل ْيتَ ر ْك َع َتيْن َقبْلَ أَ ْ‬
‫ل صلى ال عليه وسلم يخطبُ فقال له‪َ(( :‬أ َ‬
‫الغَطفاني ورسولُ ا ّ‬
‫جوّز فيهما))‪ .‬وإسناده ثقات‪.‬‬
‫ل َر ْك َع َتيْنِ َوتَ َ‬
‫قال‪ :‬ل‪ .‬قال‪(( :‬فَص ّ‬
‫قال أبو البركات ابن تيمية‪ :‬وقوله‪(( :‬قبل أن تجيء)) يدل عن أن هاتين الركعتين سنة‬
‫الجمعة‪ ،‬وليست تحية المسجد‪ .‬قال‪ :‬شيخنا حفيدُه أبو العباس‪ :‬وهذا غلط‪ ،‬والحديث المعروف في‬
‫ل صلى ال عليه وسلم يخطب‪،‬‬
‫((الصحيحين)) عن جابر‪ ،‬قال‪ :‬دخل رجال يومَ الجمعة ورسول ا ّ‬
‫طبُ‪،‬‬
‫لمَا ُم يَخْ ُ‬
‫ج ُمعَةَ وا ِ‬
‫فقال ((أَصّل ْيتَ)) قال‪ :‬ل‪ .‬قال‪َ :‬فصّل َر ْك َع َتيْن‪ .‬وقال‪(( :‬إذا جاء أَحَ ُدكُم ال ُ‬
‫ج ّوزْ فيهما))‪ .‬فهذا هو المحفوظ في هذا الحديث‪ ،‬وأفراد ابن ماجه في الغالب‬
‫فَل َي ْركَعْ َر ْك َع َتيْنِ‪َ ،‬ولْيتَ َ‬
‫غيرُ صحيحة‪ ،‬هذا معنى كلمه‪.‬‬
‫وقال شيخنا أبو الحجّاج الحافظ المزي‪ :‬هذا تصحيف من الرواة‪ ،‬إنما هو ((أصليتَ قبل أن‬
‫ب ابنِ ماجه إنما تداولته شيوخ لم يعتنوا به‪ ،‬بخلف صحيحي‬
‫تجلس)) فغلط فيه الناسخُ‪ .‬وقال‪ :‬وكتا ُ‬

‫‪202‬‬

‫البخاري ومسلم‪ ،‬فإن الحفاظ تداولوهما‪ ،‬واع َت َنوْا بضبطهما وتصحيحهما‪ ،‬قال‪ :‬ولذلك وقع فيه‬
‫أغلطٌ وتصحيف‪.‬‬
‫قلت‪ :‬ويدل على صحة هذا أن الذين اع َت َنوْا بضبط سنن الصلة قبلها وبعدها‪ ،‬وصنفوا في‬
‫ذلك من أهل الحكام والسنن وغيرها‪ ،‬لم يذكر واحدٌ منهم هذا الحديثَ في سنة الجمعة قبلها‪ ،‬وإنما‬
‫ذكروه في استحباب فعل تحية المسجد والِمام على المنبر‪ ،‬واحتجوا به على من منع مِن فعلها في‬
‫هذه الحال‪ ،‬فلو كانت هي سنةَ الجمعة‪ ،‬لكان ذكرها هناك‪ ،‬والترجمةُ عليها‪ ،‬وحفظُها‪ ،‬وشهرتُها‬
‫أولى من تحية المسجد‪ .‬ويدل عليه أيضًا أن النبي صلى ال عليه وسلم‪ ،‬لم يأمر بهاتين الركعتين إل‬
‫الداخل لجل أنها تحيةُ المسجد‪ .‬ولو كانت سنة الجمعة‪ ،‬لمر بها القاعدين أيضاً‪ ،‬ولم يخص بها‬
‫الداخل وحده‪.‬‬
‫ومنهم من احتج بما رواه أبو داود في ((سننه))‪ ،‬قال‪ :‬حدثنا مسدّد‪ ،‬قال‪ :‬حدثنا إسماعيل‪،‬‬
‫حدثنا أيوب‪ ،‬عن نافع‪ ،‬قال‪ :‬كان ابن عمر يُطيل الصلة قبل الجمعة‪ ،‬ويُصلي بعدها ركعتين في‬
‫ل صلى ال عليه وسلم كان يفعل ذلك‪ .‬وهذا ل حجة فيه على أن للجمعة‬
‫بيته‪ ،‬وحدث أن رسول ا ّ‬
‫سنةً قبلها‪ ،‬وإنما أراد بقوله‪ :‬إن رسول ال صلى ال عليه وسلم كان يفعل ذلك‪ :‬أنه كان يُصلي‬
‫الركعتين بعد الجمعة في بيته ل يُصليهما في المسجد‪ ،‬وهذا هو الفضل فيهما‪ ،‬كما ثبت في‬
‫ل صلى ال عليه وسلم كان يُصلي بعد الجمعة ركعتين‬
‫((الصحيحين)) عن ابن عمر أن رسول ا ّ‬
‫في بيته‪ .‬وفي ((السنن)) عن ابن عمر‪ ،‬أنه إذا كان بمكة‪ ،‬فصلى الجمعة‪ ،‬تقدم‪ ،‬فصلّى ركعتين‪ ،‬ثم‬
‫تقدم فصلّى أربعاً‪ ،‬وإذا كان بالمدينة‪ ،‬صلى الجمعة‪ ،‬ثم رجع إلى بيته‪ ،‬فصلّى ركعتين‪ ،‬ولم يُصل‬
‫ل عليه وآله وسلم يفعل ذلك‪ .‬وأما إطالة ابن عمر‬
‫ل صلى ا ّ‬
‫بالمسجد‪ ،‬فقيل له‪ ،‬فقال‪ :‬كان رسول ا ّ‬
‫ع مطلق‪ ،‬وهذا هو الولى لمن جاء إلى الجمعة أن يشتغِل بالصلة‬
‫الصلة قبل الجمعة‪ ،‬فإنه تطو ٌ‬
‫حتى يخرج الِمام‪ ،‬كما تقدم من حديث أبي هريرة‪ ،‬ونُبيشة الهذلي عن النبي صلى ال عليه وسلم‪.‬‬
‫قال أبو هريرة عن النبي صلى ال عليه وسلم‪(( :‬من اغتسل يوم الجمعة‪ ،‬ثم أتى المسجدَ‪،‬‬
‫فصلّى ما قُ ّد َر له‪ ،‬ثم أنصتَ حتى يَفرُغَ المامُ من خُطبته‪ ،‬ثم يُصلي معه‪ ،‬غُ ِف َر له ما بينه وبين‬
‫الجمعة الخرى‪ ،‬وفضل ثلثة أيّامٍ))‪ .‬وفي حديث نُبيشة الهذلي‪(( :‬إن المسلمَ إذا اغتسل يومَ‬
‫الجمعة‪ ،‬ثم أقبلَ إلى المسجد ل يُؤذي أحداً‪ ،‬فإن لم يجد الِمام خَرج‪ ،‬صلّى ما بدا له‪ ،‬وإن وجد‬
‫المامَ خرج‪ ،‬جلس‪ ،‬فاستمع وأنصت حتى يقضيَ المامُ جمعته وكلمَه‪ ،‬إن ل َم يُغفر له في جُمعته‬
‫ن تكون كَفّا َر ًة للجمعة التي تليها)) هكذا كان هديُ الصحابة رضي الّ عنهم‪.‬‬
‫تلك ذنوبه كلّها أَ ْ‬

‫‪203‬‬

‫قال ابن المنذر‪ :‬روينا عن ابن عمر‪ :‬أنه كان يُصلي قبل الجمعة ثِنتي عشرة ركعة‪.‬‬
‫وعن ابن عباس‪ ،‬أنه كان يصلي ثمان ركعات‪ .‬وهذا دليل على أن ذلك كان منهم من باب‬
‫التطوع المطلق‪ ،‬ولذلك اختلف في العدد المرويَ عنهم في ذلك‪ ،‬وقال الترمذي في ((الجامع))‪:‬‬
‫ورُوي عن ابن مسعود‪ ،‬أنه كان يُصلي قبل الجمعة أربعاً وبعدها أربعاً‪ .‬وإليه ذهب ابنُ المبارك‬
‫والثوريّ‪.‬‬
‫وقال إسحاق بن إبراهيم بن هانىء النيسابوري‪ :‬رأيتُ أبا عبد الّ‪ ،‬إذا كان يوم الجمعة‬
‫يُصلي إلى أن يعل َم أن الشمس قد قاربت أن تزول‪ ،‬فإذا قاربت‪ ،‬أمسك عن الصلة حتى يُؤذّنَ‬
‫المؤذّن‪ ،‬فإذا أخذ في الذان‪ ،‬قام فصلى ركعتين أو أربعاً‪ ،‬يَفصِل بينهما بالسلم‪ ،‬فإذا صلى‬
‫الفريضة‪ ،‬انتظر في المسجد‪ ،‬ثم يخرج منه‪ ،‬فيأتي بعض المساجد التي بحضرة الجامع‪ ،‬فيُصلي فيه‬
‫ركعتين‪ ،‬ثم يجلس‪ ،‬وربما صلّى أربعاً‪ ،‬ثم يجلس‪ ،‬ثم يقوم‪ ،‬فيصلي ركعتين أخريين‪ ،‬فتلك ست‬
‫ركعات على حديث علي‪ ،‬وربما صلى بعد الست ستاً أخر‪ ،‬أو أقل‪ ،‬أو أكثر‪ .‬وقد أخذ من هذا بعضُ‬
‫أصحابه رواية‪ :‬أن للجمعة قبلها سنة ركعتين أو أربعاً‪ ،‬وليس هذا بصريح‪ ،‬بل ول ظاهر‪ ،‬فإن‬
‫أحمد كان يُمسك عن الصلة في وقت النهي‪ ،‬فإذا زال وقت النهي‪ ،‬قام فأتم تطوعه إلى خروج‬
‫الِمام‪ ،‬فربما أدرك أربعاً‪ ،‬وربما لم يُدرك إل ركعتين‪.‬‬
‫ومنهم من احتج على ثبوت السنة قبلها‪ ،‬بما رواه ابن ماجه في ((سننه)) حدثنا محمد بن‬
‫يحيى‪ ،‬حدثنا يزيد بن عبد ربّه‪ ،‬حدثنا بقية‪ ،‬عن مبشر بن عبيد‪ ،‬عن حجاج بن أرطاة‪ ،‬عن عطية‬
‫ال َعوْفي‪ ،‬عن ابن عباس‪ ،‬قال‪ :‬كان النبي صلى ال عليه وسلم يركع قبل الجُمعة أربعاً‪ ،‬ل يفصِل‬
‫بينها في شيء منها‪ .‬قال ابن ماجه‪ :‬باب الصلة قبل الجمعة‪ ،‬فذكره‪.‬‬
‫وهذا الحديث فيه عدة بليا‪ ،‬إحداها‪ :‬بقية بن الوليد‪ :‬إمام المدلسين وقد عنعنه‪ ،‬ولم يصرح‬
‫بالسماع‪.‬‬
‫الثانية‪ :‬مبشر بن عُبيد‪ ،‬المنكر الحديث‪ .‬وقال عبد الّ بن أحمد‪ :‬سمعت أبي يقول‪ :‬شيخ كان‬
‫يقال له‪ :‬مبشر بن عبيد كان بحمص‪ ،‬أظنه كوفياً‪ ،‬روى عنه بقية‪ ،‬وأبو المغيرة‪ ،‬أحاديثُه أحاديث‬
‫موضوعة كذب‪ .‬وقال الدارقطني‪ :‬مبشر بن عبيد متروك الحديث‪ ،‬أحاديثه ل يتابع عليها‪.‬‬
‫الثالثة‪ :‬الحجاج بن أرطاة الضعيف المدلس‪.‬‬
‫الرابعة‪.:‬عطية العوفي‪ ،‬قال البخاري‪ :‬كان هشيم يتكلم فيه‪ ،‬وضعفه أحمد وغيره‪.‬‬

‫‪204‬‬

‫وقال البيهقي‪ :‬عطية ال َعوْفي ل يحتج به‪ ،‬ومبشر بن عبيد الحمصي منسوب إلى‬
‫وضع الحديث‪ ،‬والحجاج بن أرطاة‪ ،‬ل يحتج به‪ .‬قال بعضهم‪ :‬ولعل الحديث انقلب على بعضِ‬
‫جمُعة أربعاً‪ ،‬وإنما هو بعد الجمعة‪،‬‬
‫هؤلء الثلثة الضعفاء‪ ،‬لعدم ضبطهم وإتقانهم‪ ،‬فقال‪َ :‬قبْلَ ال ُ‬
‫ل بن عمر‬
‫فيكون موافقًا لما ثبت في ((الصحيح)) ونظير هذا‪ :‬قول الشافعي في رواية عبد ا ّ‬
‫العمري‪(( :‬للفارس سهمان‪ ،‬وللراجل سهم))‪ .‬قال الشافعي‪ :‬كأنه سمع نافعًا يقول‪ :‬للفرس سهمان‪،‬‬
‫وللراجل سهم‪ ،‬فقال‪ :‬للفارس سهمان‪ ،‬وللراجل سهم‪ .‬حتى يكون موافقاً لحديث أخيه عبيد الّ‪ ،‬قال‪:‬‬
‫ل بن عمر على أخيه عبد الّ في الحفظ‪.‬‬
‫وليس يشك أحد من أهل العلم في تقديم عبيد ا ّ‬
‫جهَنم يُلقى‬
‫قلت‪ :‬ونظير هذا ما قاله شيخُ الِسلم ابن تيمية في حديث أبي هريرة ((ل َتزَالُ َ‬
‫ب العِ ّزةِ فيها قدمَه‪َ ،‬ف َي ْروِي بَعضُها إلى َبعْض‪،‬‬
‫فيهَا‪ ،‬وهي تَقُول‪ :‬هَل مِن مَزيد؟ حتى َيضَ َع ر ّ‬
‫وتقول‪ :‬قَط‪ ،‬قَط‪ .‬وأما الجنةُ‪ :‬فيُنشىء ال لها خلقاً)) فانقلب على بعض الرواة فقال أما النار‪:‬‬
‫فينشىء الّ لها خلقاً‪.‬‬
‫ن أم‬
‫قلت‪ :‬ونظيرُ هذا حديثُ عائشة ((إن بللً يؤذّن بلَيل‪ ،‬ف ُكلُوا واش َربُوا حتى يُؤذّن اب ُ‬
‫ن أم مكتوم يؤذّن بليل‪ ،‬فكلوا‬
‫مكتوم)) وهو في ((الصحيحين)) فانقلب على بعض الرواة‪ ،‬فقال‪ :‬اب ُ‬
‫واشربوا حتى يؤذّن بلل‪.‬‬
‫ك البَعي ُر وليضَعْ‬
‫ل َي ْبرُك كمَا َي ْب ُر ُ‬
‫صلَى أَحَ ُدكُم فَ َ‬
‫ونظيره أيضاً عندي حديث أبي هريرة ((إذا َ‬
‫ل أعلم ‪ -‬فيما قاله رسولُه الصادق المصدوق‪(( ،‬وليضع ركبتيه‬
‫ل رُك َب َتيْهِ)) وأظنه وَهِ َم ‪ -‬وا ّ‬
‫يَدَه َقبْ َ‬
‫ل صلى ال عليه وسلم ((إذا سجد‪ ،‬وضع رُكبتيه‬
‫قبل يديه))‪ .‬كما قال وائل بن حُجر‪ :‬كان رسول ا ّ‬
‫ث وائل بن حجر‪ ،‬أصح من حديث أبي هريرة‪ .‬وقد سبقت‬
‫قبل يديه))‪ .‬وقال الخطابي وغيره‪ :‬وحدي ُ‬
‫المسألة مستوفاة في هذا الكتاب والحمد ل‪.‬‬
‫س ّنتَها‪،‬‬
‫وكان صلى ال عليه وسلم إذا صلى الجمعة‪ ،‬دخل إلى منزله‪ ،‬فصلى ركعتين ُ‬
‫ن صلها أن يُصليَ بعدها أربعاً‪ .‬قال شيخنا أبو العباس ابن تيمية‪ :‬إن صلى في المسجد‪،‬‬
‫وأمر مَ ْ‬
‫صلى أربعاً‪ ،‬وإن صلى في بيته‪ ،‬صلى ركعتين‪ .‬قلتُ‪ :‬وعلى هذا تدل الحاديث‪ ،‬وقد ذكر أبو داود‬
‫عن ابن عمر أنه كان إذا صلّى في المسجد‪ ،‬صلى أربعاً‪ ،‬وإذا صلى في بيته‪ ،‬صلى ركعتين‪.‬‬
‫وفي ((الصحيحين))‪ :‬عن ابن عمر‪ ،‬أن النبي صلى ال عليه وسلم‪ ،‬كان يصلي بعد الجمعة‬
‫ركعتين في بيته‪ .‬وفي ((صحيح مسلم))‪ ،‬عن أبي هريرة‪ ،‬عن النبي صلى ال عليه وسلم ((إِذَا‬
‫ل أعلم‪.‬‬
‫ج ُمعَة‪َ ،‬فلْيصَلّ َبعْدَهَا َأ ْربَ َع َر َكعَاتٍ))‪ .‬وا ّ‬
‫صلّى أَحَ ُدكُمُ ال ُ‬
‫َ‬

‫‪205‬‬

‫فصل‬
‫في هديه صلى ال عليه وسلم‪ ،‬في العيدين‬
‫كان صلى ال عليه وسلم يُصلي العيدين في ال ُمصَلّى‪ ،‬وهو المصلّى الذي على باب المدينة‬
‫حمِلُ الحاج‪ ،‬ولم يُصلّ العيدَ بمسجده إل مرةً واحدة‬
‫الشرقي‪ ،‬وهو المصلّى الذي يُوضع فيه مَ ْ‬
‫أصابهم مطر‪ ،‬فصلّى بهم العيدَ في المسجد إن ثبت الحديث‪ ،‬وهو في سنن أبي داود وابن ماجة‬
‫وهديُه كان فِعلهما في المصلّى دائماً‪.‬‬
‫حلّة يلبَسُها للعيدين والجمعة‪ ،‬ومرة كان‬
‫وكان يلبَس للخروج إليهما أجملَ ثيابه‪ ،‬فكان له ُ‬
‫ض الناس‪ ،‬فإنه لو‬
‫يَلبَس بُردَين أخضرين‪ ،‬ومرة برداً أحمر‪ ،‬وليس هو أحمرَ مُصمَتاً كما يظنه بع ُ‬
‫كان كذلك‪ ،‬لم يكن بُرداً‪ ،‬وإنما فيه خطوط حمر كالبرود اليمنية‪ ،‬فسمي أحمر باعتبار ما فيه من‬
‫ض النهيُ عن لُبس المعصفر والحمر‪،‬‬
‫ذلك‪ .‬وقد صح عنه صلى ال عليه وسلم مِن غير معار ٍ‬
‫ل بن عمرو لما رأى عليه ثوبين أحمرين أن يَحرِقَهما فلم يكن ليكره الحمر هذه‬
‫وأمر عبد ا ّ‬
‫الكراهة الشديدة ثم يلبَسُه‪ ،‬والذي يقُوم عليه الدليل تحري ُم لِباس الحمر‪ ،‬أو كراهيتُه كراهية شديدة‪.‬‬
‫(يتبع‪)...‬‬
‫وكان صلى ال عليه وسلم يأكُل قبلَ خروجه في عيد الفطر تمرات‪ ،‬ويأكلهن‬

‫@‬

‫وتراً‪ ،‬وأما في عيد الضحى‪ ،‬فكان ل يَطعَمُ حتى يَرجِ َع مِن المصلّى‪ ،‬فيأكل من أضحيته‪.‬‬
‫وكان يغتسل للعيدين‪ ،‬صح الحديث فيه‪ ،‬وفيه حديثان ضعيفان‪ :‬حديث ابن‬
‫عباس‪ ،‬من رواية جبارة بن ُم َغلّس‪ ،‬وحديث الفاكِه بن سعد‪ ،‬من رواية يوسف بن خالد السمتي‪.‬‬
‫سنّة‪ ،‬أنه كان يغتسل يوم العيد قبل خروجه‪.‬‬
‫ولكن ثبت عن ابن عمر مع شِدة اتّباعه لل ُ‬
‫وكان صلى ال عليه وسلم يخرج ماشياً‪ ،‬والعَ َن َزةُ تحمل بين يديه‪ ،‬فإذا‬
‫وصل إلى المصلّى‪ُ ،‬نصِبت بين يديه ليصليَ إليها‪ ،‬فإن المصلّى كان إذ ذاك فضا ًء لم يكن فيه بناءٌ‬
‫ول حائط‪ ،‬وكانت الحربةُ سُترتَه‪.‬‬
‫ن عمر مع شدة اتباعه للسنة‪ ،‬ل‬
‫وكان ُيؤَخّر صلة عيد الفطر‪ ،‬ويُعجّل الضحى‪ ،‬وكان اب ُ‬
‫يخرُج حتى تطلُع الشمسُ‪ ،‬ويكبّر مِن بيته إلى المصلى‪ .‬وكان صلى ال عليه وسلم إذا انتهى إلى‬
‫المصلّى‪ ،‬أخذ في الصلة من غير أذان ول إقامة ول قول‪ :‬الصلة جامعة‪ ،‬والسنة‪ :‬أنه ل يُفعل‬
‫شيء من ذلك‪.‬‬
‫ولم يكن هو ول أصحابُه يُصلون إذا انتهوا إلى المصلّى شيئًا قبل الصلة ول بعدها‪.‬‬

‫‪206‬‬

‫وكان يبدأ بالصلة قبلَ الخُطبة‪ ،‬فيُصلّي ركعتين‪ ،‬يكبّر في الولى سب َع تكبيراتِ‬
‫مُتوالية بتكبيرة الفتتاح‪ ،‬يسكُت بين كُل تكبيرتين سكت ًة يسيرة‪ ،‬ولم يُحفَظ عَنه ذكرٌ معين بين‬
‫التكبيرات‪ ،‬ولكن ذُكرَ عن ابن مسعود أنه قال‪ :‬يَحمَدُ الَّ‪ ،‬ويُثنيَ عليه‪ ،‬ويصلّي على النبي صلى ال‬
‫ل تكبيرة‪.‬‬
‫ن عمر مع تحريه للتباع‪ ،‬يرفع يديه مع كُ ّ‬
‫عليه وسلم‪ ،‬ذكرهَ الخلل‪ .‬وكان اب ُ‬
‫وكان صلى ال عليه وسلم إذا أتم التكبير‪ ،‬أخذ في القراءة‪ ،‬فقرأ فاتِحة‬
‫الكتاب‪ ،‬ثم قرأ بعدها (ق والقرآن المجيد) في إحدى الركعتين‪ ،‬وفي الخرى‪( ،‬اقتربَت الساعَةُ‬
‫وانشقّ ال َق َمرُ)‪.‬‬
‫ث الغَاشية) صح عنه هذا وهذا‪،‬‬
‫وربما قرأ فيهما (سبحّ اس َم ربّك العلى)‪ ،‬و (هل أتاك حدي ُ‬
‫ولم َيصِح عنه غي ُر ذلك‪.‬‬
‫فإذا فرغ من القراءة‪ ،‬كبّر وركع‪ ،‬ثم إذا أكمل الركعة‪ ،‬وقام من السجود‪ ،‬كبّر خمساً‬
‫متوالية‪ ،‬فإذا أكمل التكبيرَ‪ ،‬أخذ في القراءةِ‪ ،‬فيكون التكبيرُ َأوّل ما يبدأ به في الركعتين‪ ،‬والقراءة‬
‫يليها الركوع‪ ،‬وقد رُوي عنه صلى ال عليه وسلم أنه والى بين القراءتين‪ ،‬فكبر أولً‪ ،‬ثم قرأ‬
‫وركع‪ ،‬فلما قام في الثانية‪ ،‬قرأ وجعل التكبير بعد القراءة‪ ،‬ولكن لم يثبت هذا عنه‪ ،‬فإنه من رواية‬
‫محمد بن معاوية النيسابوري‪ .‬قال البيهقي‪ :‬رماه غيرُ واحد بالكذب‪.‬‬
‫ل بن عمرو بن عوف‪ ،‬عن أبيه عن جده‪ ،‬أن‬
‫وقد روى الترمذي من حديث كثير بن عبد ا ّ‬
‫خرَة خمساً‬
‫ل صلى ال عليه وسلم ‪.‬كبّر في العيدين في الولى سبعاً قَبل ال ِقرَاءَة‪ ،‬وفي ال ِ‬
‫رسول ا ّ‬
‫ل القراءة‪ .‬قال الترمذي‪ :‬سألت محمداً يعني البخاريّ عن هذا الحديث‪ ،‬قال‪ :‬ليس في الباب شيء‬
‫قَب َ‬
‫ح مِن هذا‪ ،‬وبه أقول‪ ،‬وقال‪ :‬وحديث عبد ال بن عبد الرحمن الطائفي عن عمرو بن شعيب‪،‬‬
‫أص ّ‬
‫عن أبيه‪ ،‬عن جده في هذا الباب‪ ،‬هو صحيح أيضاً‪.‬‬
‫قلت‪ :‬يُريد حديثه أن النبي صلى ال عليه وسلم كبّر في عيد ثِنتي عشرة تكبيرة‪ ،‬سبعاً في‬
‫الُولى‪ ،‬وخمساً في الخرة‪ ،‬ولم يُصل قبلها ول بعدها‪ .‬قال أحمد‪ :‬وأنا أذهب إلى هذا‪ .‬قلت‪ :‬وكثير‬
‫ل بن عمرو هذا ضرب أحمد على حديثه في ((المسند)) وقال‪ :‬ل يُساوي حديثُه شيئاً‪،‬‬
‫بن عبد ا ّ‬
‫والترمذي تارة يُصحح حديثه‪ ،‬وتارة يُحسنه‪ ،‬وقد صرح البخاريّ بأنه أصح شيء في الباب‪ ،‬مع‬
‫حكمه بصحة حديث عمرو بن شعيب‪ ،‬وأخبر أنه يذهب إليه‪ .‬وال أعلم‪.‬‬
‫وكان صلى ال عليه وسلم إذا أكمل الصلةَ‪ ،‬انصرف‪ ،‬فقام مُقابِل الناس‪ ،‬والناسُ‬
‫جلوس على صفوفهم‪ ،‬فيعِظهم ويُوصيهم‪ ،‬ويأمرهم وينهاهم‪ ،‬وإن كان يُريد أن يقطع بعثاً قطعه‪ ،‬أو‬

‫‪207‬‬

‫ج منبر المدينة‪ ،‬وإنما كان‬
‫خرِ ُ‬
‫يأمر بشيء أمر به‪ .‬ولم يكن هُنالك مِنبر يرقى عليه‪ ،‬ولم يكن ي ْ‬
‫يخطبهم قائماً على الرض‪ ،‬قال جابر‪ :‬شهِدتُ مع رسولِ الّ صلى ال عليه وسلم الصلة يومَ‬
‫العيد‪ ،‬فبدأ بالصلة قبل الخطبة بل أذان ول إقامة‪ ،‬ثم قام متوكئًا على بلل‪ ،‬فامر بتقوى الّ‪ ،‬وحثّ‬
‫على طاعته‪ ،‬ووعظ الناّس‪ ،‬وذكّرهم‪ ،‬ثم مضى حتى أتى النساء‪ ،‬فوعظهن وذكّرهُن‪ ،‬متفق عليه‪.‬‬
‫ن النبي صلى ال عليه وسلم يخرُج يوم الفِطر والضحى إلى المُصلّى‪،‬‬
‫وقال أبو سعيد الخُدري‪ :‬كا َ‬
‫ل الناس‪ ،‬والناسُ جلوس على صفوفهم ‪ ...‬الحديث‪.‬‬
‫فأول ما يَبدأ به الصّلةُ‪ ،‬ثم ينص ِرفُ‪ ،‬فيقُوم مقابِ َ‬
‫رواه مسلم‪.‬‬
‫وذكر أبو سعيد الخُدري‪ :‬أنه صلى ال عليه وسلم‪ .‬كان يخرج يوم العيد‪ ،‬فيُصلي بالناس‬
‫ل الناس وهم صفوف جلوسٌ‪ ،‬فيقول‪(( :‬تَصَدّقوا))‪،‬‬
‫سلّم‪ ،‬فيقِف على راحلته مستقبِ َ‬
‫ركعتين‪ ،‬ثم يُ َ‬
‫فأكث ُر من يتصدق النساء‪ ،‬بالقُرط والخاتم والشيء‪ .‬فإن كانت له حاجة يُريد أن يبعث بعثًا يذكره‬
‫لهم‪ ،‬وإل انصرف‪.‬‬
‫وقد كان يقع لي أن هذا وهم‪ ،‬فإن النبي صلى ال عليه وسلم‪ ،‬إنما كان يخرج إلى العيد‬
‫خلَد‬
‫ن مَ ْ‬
‫ماشياً‪ ،‬والعنزة بين يديه‪ ،‬وإنما خطب على راحلته يومَ النحر بمِنى‪ ،‬إلى أن رأيتُ بَقِي ب َ‬
‫ل بن نُمير‪ ،‬حدّثنا‬
‫الحافظ قد ذكر هذا الحديث في ((مسنده)) عن أبي بكر بن أبي شيبة‪ ،‬حدّثنا عبد ا ّ‬
‫داود بن قيس‪ ،‬حدّثنا عِياض بن عبد الّ بن سعد بن أبي سرح‪ ،‬عن أبي سعيد الخُدري‪ ،‬قال‪ :‬كان‬
‫ك الركعتين‪ ،‬ثم‬
‫ل صلى ال عليه وسلم يخرُج َيوْ َم العِيد مِن يَو ِم الفِطر‪ ،‬فيُصلي بالناس َت ْي ِن َ‬
‫رسول ا ّ‬
‫يُسلم‪ ،‬فيستقبل الناس‪ ،‬فيقول‪َ (( :‬تصَدّقُوا))‪ .‬وكان أكثرُ من يتصدق النساء وذكر الحديث‪.‬‬
‫ثم قال‪ :‬حدّثنا أبو بكر بن خلّد‪ ،‬حدّثنا أبو عامر‪ ،‬حدّثنا داود‪ ،‬عن عِياض‪ ،‬عن أبي سعيد‪:‬‬
‫كان النبيّ صلى ال عليه وسلم يخرُج في يوم الفطر‪ ،‬فيُصلي بالناس‪ ،‬فيبدأ بالركعتين‪ ،‬ثم يستق ِبلُهم‬
‫وهم جلوس‪ ،‬فيقول‪(( :‬تَصدّقُوا)) فذكر مثله وهذا إسنادُ أبن ماجه إل أنه رواه عن أبي كريب‪ ،‬عن‬
‫أبي أسامة‪ ،‬عن داود‪ .‬ولعله‪ :‬ثم يقوم على رجليه‪ ،‬كما قال جابر‪ :‬قام متوكئًا على بلل‪ ،‬فتصحّف‬
‫ل أعلم‪.‬‬
‫على الكاتب‪ :‬براحلته‪ .‬وا ّ‬
‫ت صلةَ الفِطر مع نبي الّ‬
‫فإن قيل‪ :‬فقد أخرجا في ((الصحيحين)) عن ابن عباس‪ ،‬قال شهِد ُ‬
‫صلّيها قبل الخطبة‪ ،‬ثم‬
‫صلى ال عليه وسلم‪ ،‬وأبي بكر‪ ،‬وعمر‪ ،‬وعثمانَ رضي الّ عنهم‪ ،‬فكلّهم ُي َ‬
‫ل بيده‪ ،‬ثم أقبل‬
‫س الرّجا َ‬
‫جّل ُ‬
‫ل صلى ال عليه وسلم‪ ،‬كأني أنظر إليه حين يُ َ‬
‫يخطُب‪ ،‬قال‪ :‬فنزل نبي ا ّ‬

‫‪208‬‬

‫ك على أَنْ ل‬
‫ت يُبا ِي ْع َن َ‬
‫ك المُؤمِنا ُ‬
‫ي إذا جَاء َ‬
‫يشقّهم حتى جاء إلى النساء ومعه بلل‪ ،‬فقال‪{ :‬يََأيّها النّب ّ‬
‫شيْئاً} [الممتحنة‪ ]12 :‬فتل الية حتى فرغ منها‪ ،‬الحديثَ‪.‬‬
‫ش ِركْنَ بِالّ َ‬
‫يُ ْ‬
‫وفي ((الصحيحين)) أيضاً‪ ،‬عن جابر‪ ،‬أن النبي صلى ال عليه وسلم قام‪ ،‬فبدأ بالصلة‪ ،‬ثم‬
‫ل صلى ال عليه وسلم نزل فأتى النساء فذكّرهن‪ ،‬الحديث‪ .‬وهو‬
‫خطب النّاسَ َبعْدُ‪ ،‬فلما فرغ نبيّ ا ّ‬
‫ن أو طين أو‬
‫يدل على أنه كان يخطب على منبر‪ ،‬أو على‪ ،‬راحلته‪ ،‬ولعله كان قد بُني له منبر من َلبِ ٍ‬
‫نحوه؟‬
‫قيل‪ :‬ل ريب في صحة هذين الحديثين‪ ،‬ول ريب أن المِنبر لم يكن يُخرَج من المسجد‪ ،‬وأول‬
‫من أخرجه مروانُ بن الحكم‪ ،‬فأُن ِكرَ عليه‪ ،‬وأما منبر اللّبن والطين‪ ،‬فأول من بناه كثير بن الصلت‬
‫في إمارة مروان على المدينة‪ ،‬كما هو في ((الصحيحين)) فلعله صلى ال عليه وسلم كانَ يقوم في‬
‫المصلَى على مكان مرتفع‪ ،‬أو دُكان وهي التي تسمى مِصطَبة‪ ،‬ثم ينحدر منه إلى النساء‪ ،‬فيقِف‬
‫ل أعلم‪.‬‬
‫عليهن‪ ،‬فيخطبهُن‪ ،‬فيعِظهن‪ ،‬ويذ ّكرُهن‪ .‬وا ّ‬
‫وكان يفتتح خُطَبه كلّها بالحمد الّ‪ ،‬ولم يُحفظ عنه في حديث واحد‪ ،‬أنه كان يفتتح‬
‫خطبتي العيدين بالتكبير‪ ،‬وإنما روى ابن ماجه في ((سننه)) عن سعد القرظ مؤذّن النبي صلى ال‬
‫ن أضعافِ الخطبة‪ ،‬ويكثر التكبير في خطبتي العيدين‪ .‬وهذا‬
‫عليه وسلم أنّه كان يُكثر التكبير َبيْ َ‬
‫ليدل على أنه كان يفتتحها به‪ .‬وقد اختلف الناسُ في افتتاح خُطبة العيدين والستسقاء‪ ،‬فقيل‪:‬‬
‫يُفتتحان بالتكبير‪ ،‬وقيل تفتتح خطبة الستسقاء بالستغفار‪ ،‬وقيل‪ :‬يُفتتحان بالحمد‪ .‬قال شيخ السلم‬
‫حمْدِ‬
‫ل ُيبْدَأ في ِه بِ َ‬
‫ل َأ ْمرٍ ذي بالٍ َ‬
‫ابن تيمية‪ :‬وهو الصواب‪ ،‬لن النبي صلى ال عليه وسلم قال ((ك ّ‬
‫الّ‪َ ،‬ف ُه َو أَجْذَمُ))‪.‬‬
‫وكان يفتتح خطبَه كلّها بالحمد ل‪.‬‬
‫ورخص صلى ال عليه وسلم لمن شهد العيد‪ :‬أن يجلس للخطبة‪ ،‬وأن يذهب‪ ،‬ورخّص لهم‬
‫إذا وقع العي ُد يومَ الجمعة أن يجتزئوا بصلة العيد عن حضور الجمعة‬
‫ق يوم العيد‪ ،‬فيذهب في طريق‪ ،‬ويرجعُ في آخر‬
‫‪.‬وكان صلى ال عليه وسلم يُخالف الطري َ‬
‫فقيل‪ :‬ليسلّ َم على أهل الطريقين‪ ،‬وقيل‪ :‬لينال بركتَه الفريقان‪ ،‬وقيل‪ :‬ليقضيَ حاجة من له حاجة‬
‫عزّة‬
‫منهما‪ ،‬وقيل‪ :‬ليظهر شعا ِئرَ الِسلم في سائر الفِجاج والطرق‪ ،‬وقيل‪ :‬ليغيظ المنافقين برؤيتهم ِ‬
‫ى المسجد والمصلّى إحدى‬
‫السلم وأهله‪ ،‬وقيام شعائره‪ ،‬وقيل‪ :‬لتكثر شهاد ُة البِقاع‪ ،‬فإن الذاهب إل َ‬

‫‪209‬‬

‫خطوتيه ترفعُ درجة‪ ،‬والخرى تحطّ خطيئة حتى يرجع إلى منزله‪ ،‬وقيل وهو الصح‪ :‬إنه لذلك‬
‫حكَم التي ل يخلو فعلُه عنها‪.‬‬
‫ُكلّه‪ ،‬ولغيره من ال ِ‬
‫وروي عنه‪ ،‬أنه كان يُكبّر من صلة الفجر يوم عرفة إلى العصر من آخر أيام‬
‫حمْدُ‪.‬‬
‫لّ أَكبَر‪ ،‬وَلِّ ال َ‬
‫لّ َأ ْك َبرُ‪ ،‬ا ُ‬
‫ل إلَهَ إلّ الُّ‪ ،‬وا ُ‬
‫لّ َأ ْك َبرُ‪َ ،‬‬
‫لّ َأ ْك َبرُ‪ ،‬ا ُ‬
‫التشريق‪ :‬ا ُ‬
‫فصل‬
‫في هديه صلى ال عليه وسلم في صلة الكسوف‬
‫ج ّر رداءه‪ ،‬وكان‬
‫ج صلى ال عليه وسلم إلى المسجد مُسرِعاً فزِعاً ي ُ‬
‫ت الشّمسُ‪ ،‬خر َ‬
‫لما كَسَ َف ِ‬
‫كسُوفُها في أوّل النهار على مقدار رُمحين أو ثلثة مِن طلوعها‪ ،‬فتقدَم‪ ،‬فصلى ركعتين‪ ،‬قرأ في‬
‫الولى بفاتحة الكتاب‪ ،‬وسورة طويلة‪ ،‬جهر بالقراءة‪ ،‬ثم ركع‪ ،‬فأطال الركوع‪ ،‬ثم رفع رأسه من‬
‫حمِ َد ُه َر ّبنَا َلكَ‬
‫ل ِلمَنْ َ‬
‫الركوع‪ ،‬فأطال القيام وهو دون القيام الول‪ ،‬وقال لما رفع رأسه‪(( :‬سَمعَ ا ّ‬
‫حمْد))‪ ،‬ثم أخذ في القراءة‪ ،‬ثم ركع‪ ،‬فأطال الركوع وهو دون الركوع الولِ‪ ،‬ثم رفع رأسه من‬
‫ال َ‬
‫الركوع‪ ،‬ثم سجد سجدة طويلة فأطال السجود‪ ،‬ثم فعل في الركعة الخرى مِثلَ ما فعل في الولى‪،‬‬
‫ل ركعة رُكوعان وسجودان‪ ،‬فاستكمل في الركعتين أربعَ ركعات وأربعَ سجدات‪ ،‬ورأى‬
‫فكان في كُ ّ‬
‫في صلته تلك الجنة والنار‪ ،‬وه ّم أن يأخذ عُنقوداً من الجنة‪ ،‬فيُريَهم إياه‪ ،‬ورأى أهل العذاب في‬
‫النار‪ ،‬فرأى امرأة تخدِشُها ِه ّرةٌ ربطتها حتى ماتت جُوعاً وعطشاً‪ ،‬ورأى عمرو بن مالك يجر‬
‫ل من غيّر دين إبراهيم‪ ،‬ورأى فيها سارِقَ الحاج يُعذَب‪ ،‬ثم انصرف‪،‬‬
‫أمعاءَه في النار‪ ،‬وكان أو َ‬
‫ش ْمسَ وَال َقمَر َآ َيتَانِ مِن آياتِ الّ ل يَخْسِفَانِ ب َم ْوتِ‬
‫فخطب بهم خطبة بليغة‪ ،‬حُفِظَ منها قوله‪(( :‬إنّ ال ّ‬
‫ل مَا أَحَدٌ‬
‫حمّد‪ ،‬وا ّ‬
‫صلُوا‪ ،‬وتَصدَقوا يا ُأمّةَ ُم َ‬
‫ل وكَبروا‪ ،‬و َ‬
‫أَحَدٍ‪ ،‬وَل لِحَياتِهِ‪ ،‬فإذا رَأ ْيتُم َذِلكَ‪ ،‬فادعوا ا ّ‬
‫حمّد‪ ،‬وال لَو تَعلَمون ما أَعلَم لَضحِكتم قَليلً‪،‬‬
‫ن يزنيَ عَب ُدهُ‪َ ،‬أ ْو َتزْنيَ َأمَته‪ ،‬يا أمّة م َ‬
‫أَغ َيرَ مِنَ ال أَ ْ‬
‫َوَل َب َكيْت ْم َكثِيراً))‪.‬‬
‫حتّى لَقَ ْد رأيتُني أريد أن آخذَ قِطفًا مِن‬
‫وقال‪(( :‬لَقَ ْد رَأيتُ في مَقَامِي هذا كُلّ شَي ٍء وُعِدتُم به‪َ ،‬‬
‫ن رأيْتمُوني تَأَخّرتُ))‪.‬‬
‫ج َهنّم يَحطِم َب ْعضُها َب ْعضَاً حِي َ‬
‫ن رأيتُمُوني َأتَقدَمُ‪َ ،‬ولَقَد رأيتُ َ‬
‫الجنة حِي َ‬
‫ل ألنار النّسَاءَ‪.‬‬
‫ط أَفْظَعَ منها‪ ،‬ورَأيْت أكثَر أه ِ‬
‫وفي لفظ‪َ :‬ورَأيت النّارَ فلم أرَ كاليوم َمنْظراَ قَ ّ‬
‫ن العَشيرَ‪َ ،‬ويَكفرنَ الِحسَان‪،‬‬
‫قالُوا‪َ :‬وبِمَ يا رسول الّ؟ قال‪ِ :‬بكُفرِهنّ‪ .‬قيل‪ :‬أيكفُرنَ بالّ؟ قال‪َ :‬يكْفر َ‬
‫ن الدّ ْهرَ ُكلّه‪ ،‬ثُ ّم رأت مِنكَ شَيئاً‪ ،‬قالت‪ :‬مَا رَأ ْيتُ مِنكَ خَيراً قطّ‪.‬‬
‫لو أَحسَنتَ إلى إحْداه ّ‬

‫‪210‬‬

‫ي أ َنكُم تُفتَنون في القُبو ِر مِثلَ‪ ،‬أو قَريبًا مِنْ ِف ْتنَ ِة الدّجَال‪ُ ،‬يؤْتى أَحَ ُدكُم‬
‫ومنها‪(( :‬ولَقَدْ أُوحِي إل ّ‬
‫حمّد رَسُول الّ‪ ،‬جاءنَا‬
‫ع ْلمُك ِبهَذا الرّجُلِ؟ فََأمّا المُؤمِن أو قال‪ :‬المُوقِن‪ ،‬فيقول‪ :‬مُ َ‬
‫َفيُقال له‪ :‬ما ِ‬
‫ت لمؤمنا‪ ،‬وأمّا المُنافِق‬
‫علِمنَا إن كن َ‬
‫ت وَالهُدَى‪ ،‬فََأجَبنا‪ ،‬وآمنَاّ‪ ،‬وا ّتبَعنَا‪ ،‬فيُقال لَهُ‪ :‬نم صَالِحاً فَقَدْ َ‬
‫بالب ّينَا ِ‬
‫َأوْ قَالَ‪ :‬ال ُمرْتابُ‪ ،‬فيَقُول‪ :‬ل أ ْدرِي‪ ،‬س ِمعْت النّاسَ يَقولُون شَيئاً‪ ،‬فقلتُه))‪.‬‬
‫حمِدَ ال‬
‫سلّمَ‪َ ،‬‬
‫وفي طريق أخرى لحمد بن حنبل رحمه الّ‪ ،‬أنه صلي ال عليه وسلم لما َ‬
‫وأثنى عليه‪ ،‬وشَهد أن ل إلَه إلّ الّ‪ ،‬وأنّه عبدُه ورسولُه‪ ،‬ثم قال‪َ(( :‬أ ّيهَا النّاسُ‪ُ ،‬أنُشِ ُدكُم بالِّ هَلْ‬
‫شهَدُ‬
‫خبَرتُموني بِ َذلِك؟ فَقَا َم رَجُلٌ‪ ،‬فَقَالَ‪ :‬نَ ْ‬
‫ت ربّي لمَا أ ْ‬
‫ن َت ْبلِيغ رِسَال ِ‬
‫ن أنّي قَصرْتُ في شيء مِ ْ‬
‫َت ْعلَمو َ‬
‫ن رِجَالً‬
‫عَليْكَ))‪ .‬ثُمّ قَال‪(( :‬أمّا بَعدُ فإ ّ‬
‫ت الّذي َ‬
‫ل ّم ِتكَ‪ ،‬وقَضيْ َ‬
‫حتَ ُ‬
‫ت َر ّبكَ‪َ ،‬ونَصَ ْ‬
‫ل ِ‬
‫ت رِسَا َ‬
‫أّنكَ قَ ْد َبّل ْغ َ‬
‫ت رِجَالٍ‬
‫شمْس‪ ،‬وكُسُوفَ هَذا ال َقمَر‪َ ،‬و َزوَالَ هذه النّجُومِ عَن مَطالِعها لِمو ِ‬
‫ن كُسُوفَ ه ِذ ِه ال ّ‬
‫ن أَ ّ‬
‫عمُو َ‬
‫يَز َ‬
‫ل تَبا َركَ َو َتعَالى َي ْع َت ِبرُ ِبهَا عِبا ُدهُ‪،‬‬
‫ظمَا َء مِنْ أَهْل الرْضِ‪ ،‬وإ ّنهُم قَ ْد كَ َذبُوا‪َ ،‬وَل ِك ّنهَا آيات مِن آياتِ ا ّ‬
‫عُ َ‬
‫ن أ ْمرِ دُنيَاكُمْ‬
‫صلّي ما َأ ْنتُم لقُوه مِ ْ‬
‫ت منُذ ُق ْمتُ ُأ َ‬
‫لّ لَقَ ْد َرَأ ْي ُ‬
‫ث مِنهُم َت ْوبَةً‪ ،‬وايْمُ ا ِ‬
‫ن يُحْ ِد ُ‬
‫ظرُ م ْ‬
‫َفيَن ُ‬
‫ع َو ُر الدّجّالُ‪،‬‬
‫ج ثَلثَون كَذّاباً آخرُهُم ال ْ‬
‫خرُ َ‬
‫حتّى يَ ْ‬
‫علَمُ ‪ -‬ل تَقوم السّاعَةُ َ‬
‫لّ أَ ْ‬
‫خ َر ِتكُم‪ ،‬وإنّ ُه ‪ -‬وا ُ‬
‫وآ ِ‬
‫ل ْنصَارِ‪ ،‬بَينَه و َبيْنَ حُجرَة عائشة‪،‬‬
‫ن أَبي تحيى لِشيْخٍ حِينَئ ٍذ مَن ا َ‬
‫عيْ ُ‬
‫ن اليسْرى‪ ،‬كََأنّها َ‬
‫َممْسُوح ال َعيْ ِ‬
‫سَلفَ‪،‬‬
‫ع َملِه َ‬
‫ن بِ ِه َوصَدّقَهُ واتّبعَه‪ ،‬لَم يَن َفعْه صَالح مِن َ‬
‫ف َيزْعُمُ أنّه الُّ‪َ ،‬فمَن آمَ َ‬
‫س ْو َ‬
‫خرُجْ‪ ،‬ف َ‬
‫وإنّه َمتَى يَ ْ‬
‫حرَمَ‬
‫ض ُكّلهَا إلّ ال َ‬
‫لرْ ِ‬
‫علَى ا َ‬
‫سيَظ َهرُ َ‬
‫سلَفاً‪ ،‬وإنّه َ‬
‫ع َملِهِ َ‬
‫وَمن كَفَر به وكَذّبه‪ ،‬لَم يُعاقَب بشي ٍء مِنْ َ‬
‫ل عزّ‬
‫حصُر المُؤمنين في َبيْت المَقْدِس‪َ ،‬ف ُي َزلْزَلونَ زِلزَالً شَدِي َداً‪ ،‬ثُمّ يُهِلكُه ا ّ‬
‫َو َب ْيتَ المَقدِس‪ ،‬وإنه يَ ْ‬
‫ج َرةِ ل ُينَادي‪ :‬يا مُسْلمُ‪ ،‬يا‬
‫ل الشّ َ‬
‫ط َأوْ قَال‪َ :‬أصْلَ الحَائِطِ‪ ،‬وأصْ َ‬
‫ل وَجنودَه‪ ،‬حتى إنّ جِذْمَ الحَائِ ِ‬
‫وجَ ّ‬
‫حتَى َت َروْا ُأمُوراً َيتَفَاقَمُ‬
‫ن ذِلكَ َ‬
‫ُم ْؤمِن‪ ،‬هذَا َيهُو ِديٌ‪َ ،‬أوْ قَالَ‪ :‬هَذَا كَا ِفرٌ‪َ ،‬ف َتعَالَ فا ْق ُتلْهُ قَالَ‪َ :‬ولَنْ َيكُو َ‬
‫جبَالٌ عَنْ‬
‫ن نَبيّكمْ َذكَر َلكُ ْم ِم ْنهَا ِذكْراَ‪ :‬وحتّى َتزُولَ ِ‬
‫ل كَا َ‬
‫ن َبيْنكم‪ :‬هَ ْ‬
‫ش ْأ ُنهَا في َأنْفُسِكم‪ ،‬وتساءلو َ‬
‫َبيْنكم َ‬
‫ك ال َقبْضُ))‪.‬‬
‫مَراتِبها‪ ،‬ث ّم على أثَر َذِل َ‬
‫فهذا الذي صح عنه صلي ال عليه وسلم‪ :‬من صفة صلة الكسوف وخطبتها‪ .‬وقد‬
‫رُوي عنه أنه صلّها على صفات أخر‪.‬‬
‫ل ركعة بثلث ركوعات‪.‬‬
‫منها‪ :‬كُ ّ‬
‫ومنها‪ :‬كل ركعة بأربع ركوعات‪.‬‬
‫صلّيت كل ركعة بركوع واحد‪ ،‬ولكن كِبار الئمة‪ ،‬ل يُصححون‬
‫ومنها‪ :‬إنها كإحدى صلة ُ‬
‫ذلك‪ ،‬كالِمام أحمد‪ ،‬والبخاري‪ ،‬والشافعي‪ ،‬ويرونه غلطاً‪ .‬قال الشافعي وقد سأله سائل‪ ،‬فقال‪ :‬روى‬

‫‪211‬‬

‫ت له‪:‬‬
‫بعضُهم أن النبي صلي ال عليه وسلم صلى بثَلث ركعاتٍ في كل ركعة‪ ،‬قال الشافعي‪ :‬فقل ُ‬
‫ث الركوعين في‬
‫أتقول به أنت؟ قال‪ :‬ل‪ ،‬ولكن لِم لم تقل به أنت وهو زياد ٌة على حديثكم؟ يعني حدي َ‬
‫ل أعلم ‪-‬‬
‫الركعة‪ ،‬فقلتُ‪ :‬هو من وجه منقطع‪ ،‬ونحن ل نثبت المنقطع على النفراد‪ ،‬ووج ٍه نراه ‪-‬وا ّ‬
‫ل عبيد بن عمير‪ :‬حدثني من أصدّق‪ ،‬قال عطاء‪ :‬حسبته يُريد‬
‫غلطاً‪ ،‬قال البيهقي‪ :‬أراد بالمنقطع قو َ‬
‫ث رُكوعات وأربعَ سجدات‪ .‬وقال قتادة‪ :‬عن عطاء‪،‬‬
‫ل ركعة ثل َ‬
‫عائشة الحديث‪ ،‬وفيه‪ :‬فركع في ك ّ‬
‫عن عُبيد بن عمير‪ ،‬عنها‪ :‬ست ركعات في أربع سجدات فعطاء‪ ،‬إنما أسنده عن عائشة بالظن‬
‫والحسبان‪ ،‬ل باليقين‪ ،‬وكيف يكون ذلك محفوظاً عن عائشة‪ ،‬وقد ثبت عن عُروة‪ ،‬وعَمرة‪ ،‬عن‬
‫عائشة خلفه وعروة وعمرة أخصّ بعائشة وألزمُ لها من عُبيد بن عمير وهما اثنان‪ ،‬فروايتُهما‬
‫أولى أن تكون هي المحفوظة‪ .‬قال‪ :‬وأما الذي يراه الشافعي غلطاً‪ ،‬فأحسبه حديثَ عطاء عن جابر‪:‬‬
‫ل صلي‬
‫ت إبراهيمُ بن رسول ا ّ‬
‫ل صلي ال عليه وسلم يومَ ما َ‬
‫ت الشمسُ في عهد رسول ا ّ‬
‫((انكسف ِ‬
‫س لموت إبراهيم‪ ،‬فقام النبي صلي ال عليه وسلم‪،‬‬
‫ال عليه وسلم‪ ،.‬فقال الناسُ إنما انكسفت الشّم ُ‬
‫فصلّى بالنّاس ستِ ركعات في أربع سجدات)) الحديث‪.‬‬
‫قال البيهقي‪ :‬من نظر في قصة هذا الحديث‪ ،‬وقصة حديث أبي الزبير‪ ،‬علم أنهما قصة‬
‫واحدة‪ ،‬وأن الصلة التي أخبر عنها إنما فعلها مرة واحدة‪ ،‬وذلك في يوم توفي ابنه إبراهيم عليه‬
‫السلم‪.‬‬
‫قال‪ :‬ثم وقع الخلفُ بين عبد الملك يعني ابن أبي سُليمان‪ ،‬عن عطاء‪ ،‬عن جابر‪ ،‬وبين‬
‫هشام الدستوائي‪ ،‬عن أبي الزّبير‪ ،‬عن جابر في عدد الركوع في كل ركعة‪ ،‬فوجدنا رواية هشام‬
‫أولى‪ ،‬يعني أن في كل ركعة ركوعين فقط‪ ،‬لكونه مع أبي الزبير أحفظ من عبد الملك‪ ،‬ولموافقة‬
‫روايته في عدد الركوع رواية عَمرة وعروة عن عائشة‪ ،‬ورواية كثير بن عباس‪ ،‬وعطاء بن‬
‫ل بن عمرو‪ ،‬ثم رواية يحيى بن سليم وغيره‪،‬‬
‫يسار‪ ،‬عن ابن عباس‪ ،‬ورواية أبي سلمة عن عبد ا ّ‬
‫وقد خولف عب ُد الملك في روايته عن عطاء‪ ،‬فرواه ابن جريج وقتادة‪ ،‬عن عطاء‪ ،‬عن عُبيد بن‬
‫عمير‪ :‬ست ركعات في أربع سجدات‪ ،‬فرواية هشام عن أبي الزبير عن جابر التي لم يقع فيها‬
‫الخلفُ ويُوافقها عدد كثي ٌر أولى من روايتي عطاء اللتين إنما إسناد أحدِهما بالتوهم‪ ،‬والخرى‬
‫يتفرد بها عنه عبد الملك بن أبي سليمان‪ ،‬الذي قد أُخ َذ عليه الغلطُ في غير حديث‪.‬‬
‫قال‪ :‬وأما حديثُ حبيب بن أبي ثابت‪ ،‬عن طاووس‪ ،‬عن ابن عباس‪ ،‬عن النبي صلي ال‬
‫عليه وسلم‪ ،‬أنه صلى في كسوف‪ ،‬فقرأ‪ ،‬ثم ركع‪ ،‬ثم قرأ‪ ،‬ثم ركع‪ ،‬ثم قرأ‪ ،‬ثم ركع‪ ،‬ثم قرأ‪ ،‬ثم ركع‪،‬‬

‫‪212‬‬

‫ثم سجد قال والخرى مثلها‪ ،‬فرواه مسلم في ((صحيحه)) وهو مما تفرد به حبيب بن أبي ثابت‪،‬‬
‫وحبيب وإن كان ثقة‪ ،‬فكان يُدلس‪ ،‬ولم يُبين فيه سماعَه مِن طاووس‪ ،‬فيشبه أن يكون حمله عن غير‬
‫موثوق به‪ ،‬وقد خالفه في رفعه ومتنه سليمان المكي الحول‪ ،‬فرواه عن طاووس‪ ،‬عن ابن عباس‬
‫مِن فعله ثلثَ ركعات في ركعة‪ .‬وقد خولف سليمان أيضاً في عدد الركوع‪ ،‬فرواه جماعة عن ابن‬
‫عباس مِن فعله‪ ،‬كما رواه عطاء بن يسار وغيره عنه‪ ،‬عن النبي صلي ال عليه وسلم‪ ،‬يعني في كل‬
‫ي عن هذه الروايات الثلث‪ ،‬فلم يخرّج‬
‫ركعة ركوعان‪ .‬قال‪ :‬وقد أعرض محمد بن إسماعيل البخار َ‬
‫شيئًا منها في ((الصحيح)) لمخالفتهن ما هو أصح إسناداً‪ ،‬وأكثر عدداً‪ ،‬وأوثق رجالً‪ ،‬وقال‬
‫البخاري في رواية أبي عيسى الترمذي عنه‪ :‬أصحّ الروايات عندي في صلة الكسوف أربعُ‬
‫ركعات في أربع سجداتٍ قال البيهقي‪ :‬وروي عن حذيفة مرفوعاً ((أربع ركعات في كل ركعة))‪،‬‬
‫وإسناده ضعيف‪.‬‬
‫ورُوي عن أبيّ بنِ كعب مرفوعًا ((خمس ركوعات في كل ركعة)) وصاحبا الصحيح لم‬
‫يحتجا بمثل إسناد حديثه‪.‬‬
‫قال‪ :‬وذهب جماعة من أهل الحديث إلى تصحيح الروايات في عدد الركعات‪ ،‬وحملوها‬
‫ق بن‬
‫على أن النبي صلي ال عليه وسلم فعلها مراراً‪ ،‬وأن الجميع جائز‪ ،‬فممن ذهب إليه إسحا ُ‬
‫راهويه‪ ،‬ومحمد بن إسحاق بن خزيمة‪ ،‬وأبو بكر بن إسحاق الضبعي‪ ،‬وأبو سليمان الخطابي‪،‬‬
‫واستحسنه ابن المنذر‪ .‬والذي ذهب إليه البخاري والشافعي من ترجيح الخبار أولى لما ذكرنا من‬
‫رجوع الخبار إلى حكاية صلته صلي ال عليه وسلم في يومَ توفي ابنه‪.‬‬
‫قلت‪ :‬والمنصوصُ عن أحمد أيضاًَ أخذه بحديث عائشة وحده في كل ركعة ركوعان‬
‫وسجودان‪ .‬قال في رواية المروزي‪ :‬وأذهب إلى أن صلة الكسوف أربعُ ركعات‪ ،‬وأربعُ سجدات‪،‬‬
‫في كل ركعة ركعتان وسجدتان‪ ،‬وأذهب إلى حديث عائشة‪ ،‬أكثرُ الحاديث على هذا‪ .‬وهذا اختيارُ‬
‫أبي بكر وقدماء الصحاب‪ ،‬وهو اختيار شيخنا أبي العباس ابن تيمية‪.‬؟كان يضعف كُلّ ما خالفه‬
‫من الحاديث‪ ،‬ويقول‪ :‬هي غلط‪ ،‬وإنما صلّى النبي‪:‬صلي ال عليه وسلم الكسوفَ مرة واحدة يومَ‬
‫ل أعلم‪.‬‬
‫مات ابنه ابراهيم‪ .‬وا ّ‬
‫وأمر صلي ال عليه وسلم في الكسوف بذكرِ الّ‪ ،‬والصلةِ‪ ،‬والدعاء‪ ،‬والستغفار والصدقة‪،‬‬
‫ل أعلم‪.‬‬
‫والعتاقة‪ ،‬وا ّ‬
‫فصل‬

‫‪213‬‬

‫في هديه صلي ال عليه وسلم الستسقاء‬
‫ثبت عنه صلي ال عليه وسلم‪ ،‬أنه استسقى على وجوه‪.‬‬
‫أحدها‪ :‬يومَ الجمعة على المنبر في أثناء خطبته‪ ،‬وقال‪(( :‬اللّهم أَغِثنا‪ ،‬الّلهُم أَغِثنَا‪ ،‬الّلهُمّ‬
‫غ ْثنَا‪ ،‬اللّهم اسقِنا‪ ،‬الّلهُم اس ِقنَا‪ ،‬الّلهُمّ اس ِقنَا))‪.‬‬
‫أَ ِ‬
‫الوجه الثاني‪ :‬أنه صلي ال عليه وسلم وعد الناسَ يوماً يخرجُون فيه إلى المصلى‪ ،‬فخرج‬
‫صعِ َد المنبر‬
‫لما طلعت الشمسُ متواضعاً‪ ،‬متبذّلً‪ ،‬متخشّعاً‪ ،‬مترسّلً‪ ،‬متضّرعاً‪ ،‬فلما وافى المصلّى‪َ ،‬‬
‫ إن صحِ‪ ،‬وإل ففي القلب منه شيء ‪ -‬فحمد ال وأثنى عليه وكبّره‪ ،‬وكان مما حُفِظ من خطبته‬‫ك َيوْمِ الذَين‪ ،‬ل إله إل الُّ‪ ،‬يَ ْفعَلُ ما يُريد‪،‬‬
‫ب العالَمين‪ ،‬الرّحْمن الرّحيم‪ ،‬ماِل ِ‬
‫ل َر ّ‬
‫حمْدُ ِ‬
‫ودعائه‪(( :‬ال َ‬
‫ي َونَحْن الفُقَراءُ‪َ ،‬أ ْنزِل‬
‫ل ل إله إل أنت‪ ،‬تَ ْفعَل ما تُريدُ‪ ،‬الّلهُم ل إل إله إل َأ ْنتَ‪َ ،‬أ ْنتَ الغَن ُ‬
‫الّلهُم أَنتَ ا ّ‬
‫علَينَا ال َغ ْيثَ‪ ،‬واجعَل ما َأ ْن َز ْلتَه علينا ُق ّو ًة َلنَا‪ ،‬وَبلغَاً إلى حين)) ثم رفع يديه‪ ،‬وأخذ في التضرّع‪،‬‬
‫َ‬
‫ض إبطيه‪ ،‬ثم حوّل إلى الناس ظهَره‪ ،‬واستقبل‬
‫والبتهال‪ ،‬والدعاء‪ ،‬وبالغ في الرفع حتى بدا بيا ُ‬
‫ن على اليسر‪ ،‬واليسر على اليمن‪،‬‬
‫القبلة‪ ،‬وحول إذ ذاك رداءَه وهو مستقبل القبلة‪ ،‬فجعل اليم َ‬
‫ل القِبلة‪،‬‬
‫وظهرَ الرداء لبطنه‪ ،‬وبطنه لظهره‪ ،‬وكان الرداء خميصةً سوداء‪ ،‬وأخذ في الدعاء مستقب َ‬
‫س كذلك‪ ،‬ثم نزل فصلّى بهم ركعتين كصلة العيد من غير أذان ول إقامة ول ندا ٍء البتة‪ ،‬جهر‬
‫والنا ُ‬
‫فيهما بالقراءة‪ ،‬وقرأ في الولى بعد فاتحة الكتاب‪{.:‬سبح اسم ربك العلى} [العلى‪ ،]1 :‬وفي‬
‫الثانية‪{ :‬هل أتاك حديث الغاشية} [الغاشية‪.]1 :‬‬
‫الوجه الثالث‪:‬أنه صلي ال عليه وسلم استسقى على منبر المدينة استسقاء مجرداً في غير‬
‫يوم جمعة‪ ،‬ولم يُحفظ عنه صلي ال عليه وسلم في هذا الستسقاء صلة‪.‬‬
‫الوجه الرابع‪ :‬أنه صلي ال عليه وسلم استسقى وهو جالس في المسجد‪ ،‬فرفعٍ يديه‪ ،‬ودعا‬
‫غ ْي َر را ِئثٍ‪ ،‬نافِعاً‬
‫طبَقاً عَاجِلً َ‬
‫غيْثًا مُغيثا َمرِيعاً َ‬
‫ظ مِن دعائه حينئذ‪(( :‬الّلهُم اسْقِنا َ‬
‫الَّ عز وجل‪ ،‬فحُفِ َ‬
‫غ ْيرَ ضَارّ))‬
‫َ‬
‫الوجه الخامس‪ :‬أنه صلي ال عليه وسلم استسقى عند أحجار الزيت قريبَا من الزّوراء‪،‬‬
‫وهي خارج باب المسجد الذي يُدعى اليوم باب السلم نحو قذفةِ حجر‪ ،‬ينعطفُ عن يمين الخارج‬
‫من المسجد‪.‬‬
‫الوجه السادس‪ :‬أنه صلى ال عليه وسلم استسقى في بعض غزواته لما سبقه المشركون إلى‬
‫ل صلي ال عليه وسلم‪ .‬وقال بعضُ المنافقين‪:‬‬
‫شكَوا إلى رسول ا ّ‬
‫ن العطشُ‪ ،‬ف َ‬
‫الماء‪ ،‬فأصاب المسلمي َ‬

‫‪214‬‬

‫ي صلي ال عليه وسلم؟ فقال‪:‬‬
‫لو كان نبياً‪ ،‬لستسقى لقومه‪ ،‬كما استسقى موسى لقومه‪ ،‬فبلغ ذلك النب ّ‬
‫ط يَدَيه‪ ،‬ودعا‪ ،‬فما ر ّد يديه من دعائه‪ ،‬حتى أظّلهُمُ‬
‫ى َربّكم أَنْ يَسْ ِقيَكم‪ ،‬ثُ َم بَسَ َ‬
‫سَ‬
‫((أَوَقَدْ قَالُوها؟ عَ َ‬
‫ل الوادي‪ ،‬فشرب الناس‪ ،‬فار َت َووْا))‪.‬‬
‫السّحابُ‪ ،‬وأُمطِروا‪ ،‬فأفع َم السي ُ‬
‫ح َمتَك‪،‬‬
‫ش ِر رَ ْ‬
‫ك َو َبهَا ِئ َمكَ‪ ،‬وانْ ُ‬
‫عبَا َد َ‬
‫وحُفظ من دعائه في الستسقاء‪(( :‬الّلهُم اسقِ ِ‬
‫غ ْي َر اَجِل))‪.‬‬
‫ك ال َم ّيتَ))‪(( ،‬الَلهُم اسْقِنا غَيثًا ُمغِيثًا مَريئاً‪ ،‬مريعاً‪ ،‬نافِعًا غير ضارّ‪ ،‬عاجِلً َ‬
‫وأَحْي َبلَ َد َ‬
‫وأُغيث صلى ال عليه وسلم في كل مرة استسقى فيها‪.‬‬
‫ل صلى ال عليه وسلم إن التمر في‬
‫واستسقى مرة‪ ،‬فقام إليه أبو لُبابة فقال‪ :‬يا رسول ا ّ‬
‫حتّى يَقومَ أبو ُلبَابة عُرياناً‪َ ،‬فيَس ّد ثَعَلبَ‬
‫ل صلى ال عليه وسلم‪(( :‬اللّهم اس ِقنَا َ‬
‫المَرابد‪ ،‬فقال رسول ا ّ‬
‫ِم ْربَدِه بإزاره))‪ ،‬فأمطرت‪ ،‬فاجتمعوا إلى أبي لُبابة‪ ،‬فقالوا‪ :‬إنها لن تُقلعَ حتى تقوم عُرياناً‪ ،‬فتسُدّ‬
‫ل صلى ال عليه وسلم‪ ،‬ففعل‪ ،‬فاستهلت السماء‪.‬‬
‫ثعلبَ مربدك بإزارك كما قال رسول ا ّ‬
‫علَينَا‪ ،‬الّلهُم‬
‫حوَاَل ْينَا ول َ‬
‫ولما كثر المطر‪ ،‬سألوه الستصحاء‪ ،‬فاستصحى لهم وقال‪(( :‬اللهم َ‬
‫على الكام والجِبال‪ ،‬وَالظّراب‪ ،‬وبُطونِ الودية َو َمنَابِت الشّجَر))‪.‬‬
‫وكان صلى ال عليه وسلم‪ :‬إذا رأى مطر قال‪(( :‬الّلهم ص ّيبَاً نَافِعاً))‬
‫عهْدٍ ِب َربّه))‪.‬‬
‫وكان يحسر ثوبَه حتى يصيبه من المطر‪ ،‬فسئل عن ذلك‪،‬فقال‪(( :‬لنه حَديثُ َ‬
‫قال الشافعي رحمه الّ‪ :‬أخبرني من ل أتهم عن يزيد بن الهاد‪ ،‬أن النبي صلى ال عليه‬
‫حمَدَ‬
‫ط ّه َر منه‪ ،‬ونَ ْ‬
‫طهُوراً‪َ ،‬ف َنتَ َ‬
‫ج َعلَهُ ال َ‬
‫وسلم كان إذا سال السيل قال‪(( :‬اخرُجُوا ِبنَا إلى هَذَا الَذِي َ‬
‫عَليْهِ))‪.‬‬
‫الَّ َ‬
‫ل أن عمر كان إذا سال السيلُ ذهب بأصحابه‬
‫وأخبرني من ل أتّهم‪ ،‬عن إسحاق بن عبد ا ّ‬
‫إليه‪ ،‬وقال‪ :‬ما كان لِيجيء منْ مجيئه أحدٌ إل تمسّحنا به‪.‬‬
‫ف ذلك في وجهه‪ ،‬فأقبل وأدبر‪ ،‬فإذا‬
‫ع ِر َ‬
‫وكان صلى ال عليه وسلم إذا رأى الغي َم والريح‪ُ ،‬‬
‫س ّريَ عنه‪ ،‬وذهب عنه ذلك‪ ،‬وكان يخشى أن يكون فيه العذاب‪ .‬قال الشافعي‪ :‬وروي عن‬
‫أمطرت‪ُ ،‬‬
‫ن عبد الّ عن أبيه مرفوعًا أنه كان إذا استسقى قال‪(( :‬الّلهُم اس ِقنَا غيثًا مُغيثاً َهنِيئًا َمرِيئاً غَدَقاً‬
‫سالم ب ِ‬
‫طبَقاً سَحّاً دائماً‪ ،‬الّلهُم اس ِقنَا ال َغ ْيثَ‪ ،‬ول تجعلنا من القَانِطين‪ ،‬اللهم إن بِالعبادِ والبِلدِ‬
‫مُجلّلً عَامّاً َ‬
‫ت لنا ال ّزرَعَ‪ ،‬وأَ ِدرّ لنا‬
‫ل إليك‪ ،‬اللهم َأ ْن ِب ْ‬
‫ض ْنكِ ما ل نشكوه إ ّ‬
‫والبهائِم والخلق مِن اللوا ِء والجهد وال ّ‬
‫جهْدَ والجُوعَ‬
‫ضرْعَ‪ ،‬واسقِنا مِن بركات السماء‪ ،‬وأن ِبتْ لنا مِن بركات الرض‪ ،‬اللهم ارفع عنا ال َ‬
‫ال ّ‬

‫‪215‬‬

‫والعُريَ‪ ،‬واكشفْ عنا مِن البلء ما ل يكشِفُه غيرُك‪ ،‬اللهم إنا نستغفِرك‪ ،‬إنك كنتَ غفّاراً‪ ،‬فأرسل‬
‫السماء علينا مِدراراً))‪.‬‬
‫ب أن يدعوَ الِمام بهذا‪ ،‬قال‪ :‬وبلغني أن النبي صلى ال عليه‬
‫قال الشافعي رحمه الّ‪ :‬وأح ّ‬
‫وسلم كان إذا دعا في الستسقاء رفع يديه وبلغنا أن النبي صلى ال عليه وسلم كان يتمطّر في أول‬
‫مطرة حتى يصيبَ جسده‪ .‬قال‪ :‬وبلغني أن بعض أصحاب النبي صلى ال عليه وسلم كان إذا أصبح‬
‫ك َلهَا}‬
‫سَ‬
‫حمَةٍ فل مم ِ‬
‫لّ لِلنّاس من رَ ْ‬
‫طرَ الناس‪ ،‬قال‪ :‬مُطِرنا بنَوءِ الفَتح‪ ،‬ثم يقرأ‪{ :‬ما يَفتحَ ا ُ‬
‫وقد مُ ِ‬
‫[فاطر‪.]2 :‬‬
‫قال‪ :‬وأخبرني من ل أتهم عن عبد العزيز بن عمر‪،‬عن مكحول عن ابن عمر عن‬
‫النبي صلى ال عليه وسلم أنه قال‪(( :‬اطلبُوا استجابة الدعاء عند التقاء الجيوش وإقامة الصلة‪،‬‬
‫ونزول الغيث))‪.‬‬
‫ظتُ عن غير واحد طلبَ الِجابة غد‪ :‬نزول الغيث‪ ،‬وإقامة الصلة‪ .‬قال البيهقى‪ :‬وقد‬
‫وقد حَف ْ‬
‫روينا في حديث موصول عن سهل بن سعد‪ ،‬عن النبي صلى ال عليه وسلم ((الدعاء ل ُيرَ ّد عنِدَ‬
‫طرِ))‪ .‬وروينا عن أبي أمامة‪ ،‬عن النبي صلى ال عليه وسلم قال‪:‬‬
‫ت المَ َ‬
‫ح َ‬
‫عنْ َد البَأس‪ ،‬وتَ ْ‬
‫النداءِ‪ ،‬وَ ِ‬
‫ح أبوابُ السماء‪ ،‬ويُستجابُ الدعاء في أربعة مواطن‪ :‬عند التقاء الصّفوف‪ ،‬وعِندَ ُنزُول‬
‫((تُفتَ ُ‬
‫عنْدَ ُر ْؤيَ ِة ال َك ْعبَةِ))‪.‬‬
‫ال َغيْث‪ ،‬وعندَ إقَامَة الصّلةِ‪ ،‬وَ ِ‬
‫فصل‬
‫في هديه صلى ال عليه وسلم في سفره وعبادته فيه‬
‫كانت أسفاره صلى ال عليه وسلم دائر َة بين أربعة أسفار‪ :‬سفرِه لهجرته‪ ،‬وسفره للجهاد‬
‫وهو أكثرها‪ ،‬وسفرِه للعمرة‪ ،‬وسفرِه للحج‪.‬‬
‫وكان إذا أراد سفراً‪ ،‬أقرع بين نسائه‪ ،‬فأ ّي ُتهُن