‫الشاطبي‬

‫كتاب العتصام‬

‫كتاب العتصام‬
‫للعلمة أبي إسحاق إبراهيم بن موسى‬
‫الشاطبي‬

‫خطبة الكتاب‬
‫المد ل الحمود على كل حال‪ ،‬الذي بمده يستفتح كل أمر ذي بال‪ ،‬خالق اللق لا شاء‪،‬‬
‫وميسرهم على وفق علمه وإرادته‪ ،‬ل على وفق أغراضهم لا سر وساء‪ ،‬ومصرفهم بقتضى‬
‫القبضتي ‪ ،‬فمنهم شقي وسعيد‪ ،‬وهداهم النجدين فمنهم قريب وبعيد‪ ،‬ومسويهم على قبول اللامي‬
‫ففاجر وتقي ‪ ،‬كما قدر أرزاقهم بالعدل على حكم الطرفي ففقي وغن ‪ ،‬كل منهم جار على ذلك‬
‫السلوب فل يعدوه‪ ،‬فلو تالؤوا على أن يسدوا ذلك الفتق ل يسدوه‪ ،‬أو يردوا ذلك الكم السابق‬
‫ل ينسخوه ول يردوه‪ ،‬فل إطلق لم على تقييده ول انفصال ‪ " ،‬ول يسجد من ف السماوات‬
‫والرض طوعا وكرها وظللم بالغدو والصال " ‪.‬‬
‫والصلة والسلم على سيدنا ومولنا ممد نب الرحة ‪ ،‬وكاشف الغمة ‪ ،‬الذي نسخت شريعته كل‬
‫شريعة ‪ ،‬وشلت دعوته كل أمة ‪ ،‬فلم يبق لحد حجة دون حجته ‪ ،‬ول استقام لعاقل طريق سوى ل‬
‫حب مجته ‪ ،‬وجعت تت حكمتها كل معن مؤتلف ‪ ،‬فل يسمع بعد وضعها خلف مالف ول‬
‫قول متلف ‪ ،‬فالسالك سبيلها معدود ف الفرقة الناجية ‪ ،‬والناكب عنها مصدود إل الفرق القصرة أو‬
‫الفرق الغالية ‪ .‬صلى ال عليه وعلى آله وصحبه الذين اهتدوا بشمسه النية ‪ ،‬واقتفوا آثاره‬
‫اللئحة ‪ ،‬وأنواره الواضحة وضوح الظهية ‪ ،‬وفرقوا بصوارم أيديهم وألسنتهم بي كل نفس فاجرة‬
‫ومبورة ‪ ،‬وبي كل حجة بالغة وحجة مبية ‪ ،‬وعلى التابعي لم على ذلك السبيل ‪ ،‬سائر النتمي‬
‫إل ذلك القبيل ‪ ،‬وسلم تسليما كثيا ‪.‬‬
‫أما بعد ‪ :‬فإن أذكرك أيها الصديق الوف ‪ ،‬والالصة الصفى ‪ ،‬ف مقدمة ينبغي تقديها قبل الشروع‬
‫ف القصود ‪ ،‬وهي معن قول رسول ال صلى ال عليه وسلم ‪.‬‬
‫ف معن قول صلى ال عليه وسلم بدىء السلم غريبا‬
‫وهي معن قول رسول ال صلى ال عليه وسلم "بدىء السلم غريبا وسيعود غريبا كما بدىء‬
‫فطوب للغرباء ‪ ،‬قيل ‪ :‬ومن الغرباء يا رسول ال ؟ قال ‪ :‬الذين يصلحون عند فساد الناس" وف رواية‬
‫قيل ‪ ":‬ومن الغرباء يا رسول ال ؟ قال ‪ :‬الناع من القبائل" وهذا ممل ولكنه مبي ف الرواية‬
‫الخرى ‪ .‬وجاء من طريق آخر" بدىء السلم غريبا ول تقوم الساعة حت يكون غريبا كما بدىء‬
‫فطوب للغرباء حي يفسد الناس" ‪ ،‬وف رواية لبن وهب قال عليه الصلة والسلم ‪ ":‬طوب للغرباء‬
‫الذين يسكون بكتاب ال حي يترك ويعملون بالسنة حي تطفى" ‪ ،‬وف رواية ‪" :‬إن السلم بدىء‬
‫‪1‬‬

‫الشاطبي‬

‫كتاب العتصام‬

‫غريبا وسيعود غريبا كما بدىء فطوب للغرباء قالوا ‪ :‬يا رسول ال كيف يكون غريبا ؟ قال ‪ :‬كما‬
‫يقال للرجل ف حي كذا وكذا إنه لغريب" وف رواية ‪ ":‬أنه سئل عن الغرباء قال ‪ :‬الذين ييون ما‬
‫أمات الناس من سنت" ‪ .‬وجلة العن فيه من جهة وصف الغربة ما ظهر بالعيان والشاهدة ف أول‬
‫السلم وآخره ‪ ،‬وذلك أن رسول ال صلى ال عليه وسلم بعثه ال تعال على حي فترة من الرسل ‪،‬‬
‫وف جاهلية جهلء ‪ ،‬ل تعرف من الق رسا ‪ ،‬ول تقيم به ف مقاطع القوق حكما ‪ ،‬بل كانت‬
‫تنتحل ما وجدت عليه آباءها ‪ ،‬وما استحسنه أسلفها ‪ ،‬من الراء النحرفة ‪ ،‬والنحل الخترعة ‪،‬‬
‫والذاهب البتدعة ‪ ،‬فحي قام فيهم صلى ال عليه وسلم بشيا ونذيرا ‪ ،‬وداعيا إل ال بإذنه وسراجا‬
‫منيا ‪ ،‬فسرعان ما عارضوا معروفه بالنكر ‪ ،‬وغيوا ف وجه صوابه بالفك ‪ ،‬ونسبوا إليه إذ خالفهم‬
‫ف الشرعة ‪ ،‬ونابذهم ف النحلة ‪ ،‬كل مال ‪ ،‬ورموه بأنواع البهتان ‪ ،‬فتار ًة يرمونه بالكذب وهو‬
‫الصادق الصدوق ‪ ،‬الذي ل يربوا عليه قط خبا بلف مبه ‪ ،‬وآونة يتهمونه بالسحر ‪ ،‬وف‬
‫علمهم أنه ل يكن من أهله ول من يدعيه ‪ ،‬وكرة يقولون ‪ :‬إنه منون مع تققهم بكمال عقله ‪،‬‬
‫وبراءته من مس الشيطان وخبلة ‪ ،‬وإذا دعاهم إل عبادة العبود بق وحده ل شريك له ‪ ،‬قالوا ‪" :‬‬
‫أجعل اللة إلا واحدا إن هذا لشيء عجاب " مع القرار بقتضى هذه الدعوة الصادقة ‪" :‬فإذا ركبوا‬
‫ف الفلك دعوا ال ملصي له الدين " وإذا أنذرهم بطشة يوم القيامة ‪ ،‬أنكروا ما يشاهدون من الدلة‬
‫على إمكانه ‪ ،‬وقالوا ‪ " :‬أإذا متنا وكنا ترابا ذلك رجع بعيد " وإذا خوفهم نقمة ال ‪ ،‬قالوا ‪" :‬اللهم‬
‫إن كان هذا هو الق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم " اعتراضا على‬
‫صحة ما أخبهم به ما هو كائن ل مالة ‪ ،‬وإذا جاءهم بآية خارقة افترقوا ف الضللة على فرق ‪،‬‬
‫واخترقوا فيها بجرد العناد ما ل يقبله أهل التهدي إل التفرقة بي الق والباطل ‪ ،‬كل ذلك منهم إل‬
‫التأسي بم والوافقة لم على ما ينتحلون ‪ ،‬إذ رأوا خلف الخالف لم ف باطلهم ردا لا هم عليه ‪،‬‬
‫ونبذا لا شدوا عليه يد الظنة ‪ ،‬واعتقدوا إذ ل يتمسكوا بدليل أن اللف يوهن الثقة ويقبح جهة‬
‫الستحسان ‪ ،‬وخصوصا حي اجتهدوا ف النتصار بعلم فلم يدوا أكثر من تقليد الباء ‪ .‬ولذلك‬
‫أخب ال تعال عن إبراهيم عليه السلم ف ماجة قومه ‪ " :‬ما تعبدون * قالوا نعبد أصناما فنظل لا‬
‫عاكفي * قال هل يسمعونكم إذ تدعون * أو ينفعونكم أو يضرون * قالوا بل وجدنا آباءنا كذلك‬
‫يفعلون " فحادوا كما ترى عن الواب القاطع الورد ‪ ،‬مورد السؤال إل الستمساك بتقليد الباء ‪.‬‬
‫وقال ال تعال ‪ " :‬أم آتيناهم كتابا من قبله فهم به مستمسكون * بل قالوا إنا وجدنا آباءنا على أمة‬
‫وإنا على آثارهم مهتدون " فرجعوا عن جواب ما ألزموا إل التقليد ‪ ،‬فقال تعال ‪ " :‬قال أو لو‬
‫جئتكم بأهدى ما وجدت عليه آباءكم " فأجابوا بجرد النكار ‪ ،‬ركونا إل ما ذكروا من التقليد ل‬
‫بواب السؤال ‪.‬‬

‫‪2‬‬

‫الشاطبي‬

‫كتاب العتصام‬

‫فكذلك كانوا مع النب صلى ال عليه وسلم ‪ ،‬فأنكروا ما توقعوا معه زوال ما بأيديهم ‪ ،‬لنه خرج‬
‫عن معتادهم ‪ ،‬وأتى بلف ما كانوا عليه من كفرهم وضللم ‪ ،‬حت أرادوا أن يستنلوه على وجه‬
‫السياسة ف زعمهم ‪ ،‬ليوقعوا بينهم وبي الؤالفة والوافقة ولو ف بعض الوقات ‪ ،‬أو ف بعض‬
‫الحوال ‪ ،‬أو على بعض الوجوه ‪ ،‬ويقنعوا منه بذلك ‪ ،‬ليقف لم بتلك الوافقة واهي بنائهم ‪ ،‬فأب‬
‫عليه الصلة والسلم إل الثبوت على مض الق والحافظة على خالص الصواب ‪ ،‬وأنزل ال ‪" :‬قل‬
‫يا أيها الكافرون * ل أعبد ما تعبدون " إل آخر السورة ‪ ،‬فنصبوا له عند ذلك حرب العدواة ‪،‬‬
‫ورموه بسهام القطيعة ‪ ،‬وصار أهل السلم كلهم حربا عليه ‪ ،‬عاد الول الميم ‪ ،‬عليه كالعذاب الليم‬
‫‪ ،‬فأقربم إليه نسبا كان أبعد الناس عن موالته ‪ ،‬كأب جهل وغيه ‪ ،‬وألصقهم به رحا ‪ ،‬كانوا‬
‫أقسى قلوبا عليه ‪ ،‬فأي غربة توازي هذه الغربة ؟ ومع ذلك فلم يكله ال إل نفسه ‪ ،‬ول سلطهم‬
‫على النيل من أذاه ‪ ،‬إل نيل الصلوفي ‪ ،‬بل حفظه وعصمه ‪ ،‬وتوله بالرعاية والكلء ‪ ،‬حت بلغ‬
‫رسالة ربه ‪.‬‬
‫ث ما زالت الشريعة ف أثناء نزولا ‪ ،‬وعلى توال تقريرها ‪ ،‬تبعد بي أهلها وبي غيهم ‪ ،‬وتضع‬
‫الدود بي حقها وبي ما ابتدعوا ‪ ،‬ولكن على وجه من الكمة عجيب ‪ ،‬وهو التأليف بي أحكامها‬
‫وبي أكابرهم ف أصل الدين الول الصيل ‪ ،‬ففي العرب نسبتهم إل أبيهم إبراهيم عليه السلم ‪ ،‬وف‬
‫غيهم لنبيائهم البعوثي فيهم ‪ ،‬كقوله تعال بعد ذكر كثي من النبياء ‪" :‬أولئك الذين هدى ال‬
‫فبهداهم اقتده " وقوله تعال ‪ " :‬شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا والذي أوحينا إليك وما‬
‫وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا الدين ول تتفرقوا فيه كب على الشركي " ‪.‬‬
‫وما زال عليه الصلة والسلم يدعو لا ‪ ،‬فيؤوب إليه الواحد بعد الواحد على حكم الختفاء ‪ ،‬خوفا‬
‫من عادية الكفار ‪ ،‬زمان ظهورهم على دعوة السلم ‪ ،‬فلما اطلعوا على الخالفة أنفوا ‪ ،‬وقاموا‬
‫وقعدوا ‪ ،‬فمن أهل السلم من لأ إل قبيلة فحموه على إغماض ‪ ،‬أو على دفع العار ف الخفار ‪.‬‬
‫ومنهم من فر من الذاية وخوف الغرة ‪ ،‬هجرةً إل ال وحبا ف السلم ‪ .‬ومنهم من ل يكن له وزر‬
‫يميه ‪ ،‬ول ملجأ يركن إليه ‪ ،‬فلقي منهم من الشدة والغلطة والعذاب أو القتل ما هو معلوم ‪ ،‬حت‬
‫زل منهم من زل فرجع أمره بسبب الرجوع إل الوافقة ‪ ،‬وبقي منهم من بقي صابرا متسبا ‪ ،‬إل أن‬
‫أنزل ال تعال الرخصة ف النطق بكلمة الكفر على حكم الوافقة ظاهرا ‪ ،‬ليحصل بينهم وبي الناطق‬
‫الوافقة ‪ ،‬وتزول الخالفة ‪ ،‬فنل إليها من نزل على حكم التقية ‪ ،‬ريثما يتنفس من كربه ويتروح من‬
‫خناقه ‪ ،‬وقلبه مطمئن باليان ‪ .‬وهذه غربة أيضا ظاهرة ‪ ،‬وإنا كان هذا جهلً منهم بواقع الكمة ‪،‬‬
‫وأن ما جائهم به نبيهم صلى ال عليه وسلم هو الق ضد ما هم عليه ‪ ،‬فمن جهل شيئا عاداه ‪ ،‬فلو‬
‫علموا لصل الوفاق ‪ ،‬ول يسمع اللف ‪ ،‬ولكن سابق القدر حتم على اللق ما هم عليه قال ال‬
‫تعال ‪" :‬ول يزالون متلفي * إل من رحم ربك " ‪.‬‬
‫‪3‬‬

‫الشاطبي‬

‫كتاب العتصام‬

‫ث استمر تزيد السلم ‪ ،‬واستقام طريقه على مدة حياة النب صلى ال عليه وسلم ‪ ،‬ومن بعد موته‬
‫وأكثر قرن الصحابة رضي ال عنهم ‪ ،‬إل أن نبغت فيهم نوابغ الروج عن السنة ‪ ،‬واصغوا إل البدع‬
‫الضلة كبدعة القدر وبدعة الوارج وهي الت نبه عليها الديث بقوله ‪" :‬يقتلون أهل السلم ‪،‬‬
‫ويدعون أهل الوثان ‪ ،‬يقرؤون القرآن ل ياوز تراقيهم" يعن ل يتفقهون فيه ‪ ،‬بل يأخذونه على‬
‫الظاهر ‪ :‬كما بينه حديث ابن عمر الت بول ال ‪ .‬وهذا كله ف آخر عهد الصحابة ‪.‬‬
‫ث ل تزل الفرق تكثر حسبما وعد به الصادق صلى ال عليه وسلم ف قوله ‪:‬‬
‫"افترقت اليهود على إحدى وسبعي فرقة والنصارى مثل ذلك وتفترق أمت على ثلث وسبعي فرقة"‬
‫وف الديث الخر ‪:‬‬
‫"لتتبعن سنن من كان قبلكم شبا بشب وذراعا بذراع حت لو دخلوا ف جحر ضب لتبعتموهم قلنا‬
‫يا رسول ال اليهود والنصارى ؟ قال ‪ :‬فمن ؟" وهذا أعم من الول فإن الول عند كثي من أهل‬
‫العلم خاص بأهل الهواء وهذا الثان عام ف الخالفات ‪ ،‬ويدل على ذلك من الديث قوله ‪" :‬حت‬
‫لو دخلوا ف جحر ضب لتبعتموهم" ‪.‬‬
‫وكل صاحب مالفة فمن شأنه أن يدعو غيه إليها ‪ ،‬ويص سؤاله بل سواه عليها ‪ ،‬إذ التأسي ف‬
‫الفعال والذاهب موضوع طلبه ف البلة ‪ ،‬وبسببه تقع ف الخالف الخالفة ‪ ،‬وتصل من الوافق‬
‫الؤالفة ‪ ،‬ومنه تنشأ العدواة والبغضاء للمختلفي ‪.‬‬
‫كان السلم ف أوله وجدته مقاوما بل ظاهرا ‪ ،‬وأهله غالبون وسوادهم أعظم السودة ‪ ،‬فخل من‬
‫وصف الغربة بكثرة الهل والولياء الناصرين ‪ ،‬فلم يكن لغيهم من ل يسلك سبيلهم أو سلكه‬
‫ولكنه ابتدع فيه صولة يعظم موقعها ‪ ،‬ول قوة يضعف دونا حزب ال الفلحون ‪ ،‬فصار على‬
‫استقامة ‪ ،‬وجرى على اجتماع واتساق ‪ ،‬فالشاذ مقهور مضطهد ‪ ،‬إل أن أخذ اجتماعه ف الفتراق‬
‫الوعود ‪ ،‬وقوته إل الضعف النتظر ‪ ،‬والشاذ عنه تقوى صولته ويكثر سواده ‪ ،‬واقتضى سر التأسي‬
‫الطالبة بالوافقة ول شك أن الغالب أغلب ‪ ،‬فتكالبت على سواد السنة البدع والهواء ‪ ،‬فتفرق‬
‫أكثرهم شيعا ‪ .‬وهذه سنة ال ف اللق ‪ :‬إن أهل الق ف جنب أهل الباطل قليل لقوله تعال ‪ " :‬وما‬
‫أكثر الناس ولو حرصت بؤمني " وقوله تعال ‪ " :‬وقليل من عبادي الشكور " ولينجز ال ما وعد به‬
‫نبيه صلى ال عليه وسلم من عود وصف الغربة إليه ‪ ،‬فإن الغربة ل تكون إل مع فقد الهل أو‬
‫قلتهم ‪ ،‬وذلك حي يصي العروف منكرا ‪ ،‬والنكر معروفا ‪ ،‬وتصي السنة بدع ًة ‪ ،‬والبدعة سنة ‪،‬‬
‫فيقام على أهل السنة بالتثريب والتعنيف ‪ ،‬كما كان أولً يقام على أهل البدعة طمعا من البتدع أن‬
‫تتمع كلمة الضلل ‪ ،‬ويأب ال أن تتمع حت تقوم الساعة ‪ ،‬فل تتمع الفرق كلها على كثرتا على‬
‫مالفة السنة عادة وسعا ‪ ،‬بل ل بد أن تثبت جاعة أهل السنة حت يأت أمر ال ‪ ،‬غي أنم لكثرة ما‬
‫تناوشهم الفرق الضالة وتناصبهم العداوة والبغضاء استدعاء إل موافقتهم ‪ ،‬ل يزالون ف جهاد‬
‫‪4‬‬

‫الشاطبي‬

‫كتاب العتصام‬

‫ونزاع ‪ ،‬ومدافعة وقراع ‪ ،‬آناء الليل والنهار ‪ ،‬وبذلك يضاعف ال لم الجر الزيل ويثيبهم الثواب‬
‫العظيم ‪.‬‬
‫فقد تلخص ما تقدم أن مطالبة الخالفة بالوافقة جار مع الزمان ل يتص بزمان دون زمان ‪ ،‬فمن‬
‫وافق فهو عند الطالب الصيب على أي حال كان ‪ ،‬ومن خالف فهو الخطىء الصاب ‪ ،‬ومن وافق‬
‫فهو الحمود السعيد ‪ ،‬ومن خالف فهو الذموم الطرود ‪ ،‬ومن وافق فقد سلك سبيل الداية ‪ ،‬ومن‬
‫خالف فقد تاه ف طرق الضللة والغواية ‪.‬‬
‫وإنا قدمت هذه القدمة لعن أذكره ‪ .‬وذلك أن ول المد ل أزل منذ فتق للفهم عقلي ووجه شطر‬
‫العلم طلب ‪ ،‬أنظر ف عقلياته ‪ ،‬وشرعياته ‪ ،‬وأصوله وفروعه ل أقتصر منه على علم دون علم ‪ ،‬ول‬
‫أفردت عن أنواعه نوعا دون آخر ‪ ،‬حسبما اقتضاه الزمان والكان ‪ ،‬وأعطته النة الخلوقة ف أصل‬
‫فطرت ‪ ،‬بل خضت ف لجه خوض الحسن للسباحة ‪ ،‬وأقدمت ف ميادينه إقدام الريء ‪ ،‬حت‬
‫كدت أتلف ف بعض أعماقه ‪ ،‬أو أنقطع ف رفقت ‪ ،‬الت بالنس با تاسرت على ما قدر ل ‪ ،‬غائبا‬
‫عن مقال القائل وعذل العاذل ‪ ،‬ومعرضا عن صد الصاد ولوم اللئم ‪ ،‬إل أن من علي الرب الكري ‪،‬‬
‫الرؤوف الرحيم ‪ ،‬فشرح ل من معان الشريعة ما ل يكن ف حساب ‪ ،‬وألقى ف نفسي القاصرة أن‬
‫كتاب ال وسنة نبيه ل يتركا ف سبيل الداية لقائل ما يقول ول أبقيا لغيها مالً يعتد فيه ‪ ،‬وإن‬
‫الدين قد كمل ‪ ،‬والسعادة الكبى فيما وضع ‪ ،‬والطلبة فيما شرع ‪ ،‬وما سوى ذلك فضلل‬
‫وبتان ‪ ،‬وإفك وخسران ‪ ،‬وأن العاقد عليهما بكلتا يديه مستمسك بالعروة الوثقى ‪ ،‬مصل لكليت‬
‫الي دنيا وأخرى ‪ ،‬وما سواها فأحلم وخيالت وأوهام ‪ ،‬وقام ل على صحة ذلك البهان الذي ل‬
‫شبهة تطرق حول حاه ‪ ،‬ول ترتي نو مرماه ‪ " :‬ذلك من فضل ال علينا وعلى الناس ولكن أكثر‬
‫الناس ل يشكرون " والمد ل والشكر كثيا كما هو أهله ‪ .‬فمن هنالك قويت نفسي على الشي‬
‫ف طريقه بقدار ما يسر ال فيه ‪ ،‬فابتدأت بأصول الدين عملً واعتقادا ‪ ،‬ث بفروعه البينة على تلك‬
‫الصول ‪ ،‬وف خلل ذلك أبي ما هو من السنن أو من البدع ‪ ،‬كما أبي ما هو من الائز وما هو‬
‫من المتنع ‪ ،‬وأعرض ذلك على علم الصول الدينية والفقهية ‪ ،‬ث أطالب نفسي بالشي مع للجماعة‬
‫الت ساها رسول ال صلى ال عليه وسلم بالسواد العظم ‪ ،‬ف الوصف الذي كان عليه هو وأصحابه‬
‫وترك البدع الت نص عليها العلماء أنا بدع وأعمال متلفة ‪.‬‬
‫وكنت ف اثناء ذلك قد دخلت ف بعض خطط المهور من الطابة والمامة ونوها فلما أردت‬
‫الستقامة على الطريق ‪ ،‬وجدت نفسي غريبا ف جهور أهل الوقت لكون خططهم قد غلبت عليها‬
‫العوائد ‪ ،‬ودخلت على سننها الصلية شوائب من الحدثات الزوائد ‪ ،‬ول يكن ذلك بدعا ف الزمنة‬
‫التقدمة ‪ ،‬فكيف ف زماننا هذا فقد روي عن السلف الصال من التنبيه على ذلك كثي ‪ ،‬كما" روي‬
‫عن أب الدرداء أنه قال ‪ :‬لو خرج رسول ال صلى ال عليه وسلم عليكم ما عرف شيئا ما كان عليه‬
‫‪5‬‬

‫الشاطبي‬

‫كتاب العتصام‬

‫هو وأصحابه إل الصلة" ‪ .‬قال الوزاعي ‪ :‬فكيف لو كان اليوم ؟ قال عيسى بن يونس ‪ :‬فكيف لو‬
‫أدرك الوزاعي هذا الزمان ؟‬
‫وعن أم الدرداء قالت ‪ :‬دخل أبو الدراداء وهو غضبان ‪ ،‬فقلت ‪ :‬ما أغضبك ؟ فقال ‪ :‬وال ما أعرف‬
‫فيهم شيئا من أمر ممد إل أنم يصلون جيعا ‪.‬‬
‫وعن أنس بن مالك قال ‪ :‬ما أعرف منكم ما كنت أعهده على عهد رسول ال صلى ال عليه وسلم‬
‫غي قولكم ‪ :‬ل إله إل ال ‪ .‬قلنا ‪ :‬بلى يا أبا حزة ؟ قال ‪ :‬قد صليتم حت تغرب الشمس ‪ ،‬أفكانت‬
‫تلك صلة رسول ال صلى ال عليه وسلم ؟ وعن أنس قال ‪ :‬لو أن رجلً أدرك السلف الول ث‬
‫بعث اليوم ما عرف من السلم شيئا ‪ ،‬قال ‪ :‬ووضع يده على خده ث قال ‪ :‬إل هذه الصلة ‪ ،‬ث‬
‫قال ‪ :‬أما وال على ذلك لن عاش ف النكر ول يدرك ذلك السلف الصال فرأى مبتدعا يدعو إل‬
‫بدعته ‪ ،‬ورأى صاحب دنيا يدعو إل دنياه ‪ ،‬فعصمه ال من ذلك ‪ ،‬وجعل قلبه ين إل ذلك السلف‬
‫الصال ‪ ،‬يسأل عن سبلهم ‪ ،‬ويقتص آثارهم ‪ ،‬ويتبع سبيلهم ‪ ،‬ليعوض أجرا عظيما ‪ ،‬وكذلك‬
‫فكونوا إن شاء ال ‪.‬‬
‫وعن ميمون بن مهران قال ‪ :‬لو أن رجلً أنشر فيكم من السلف ما عرف غي هذه القبلة ‪.‬‬
‫وعن سهل بن مالك عن أبيه قال ‪ :‬ما أعرف شيئا ما أدركت عليه الناس إل النداء بالصلة ‪ .‬إل ما‬
‫أشبه هذا من الثار الدالة على أن الحدثات ‪ ،‬تدخل ف الشروعات ‪ ،‬وأن ذلك قد كان قبل زماننا ‪،‬‬
‫وإنا تتكاثر على توال الدهور إل الن ‪.‬‬
‫فتردد النظر بي أن أتبع السنة على شرط مالفة ما اعتاد الناس فل بد من حصول نو ما حصل‬
‫لخالفي العوائد ‪ ،‬ول سيما إذا ادعى أهلها أم ما هم عليه هو السنة ل سواها إل أن ف ذلك العبء‬
‫الثقيل ما فيه من الجر الزيل وبي أن أتبعهم على شرط مالفة السنة والسلف الصال ‪ ،‬فأدخل تت‬
‫ترجة الضلل عائذا بال من ذلك ‪ ،‬إل أن أوافق العتاد ‪ ،‬وأعد من الؤالفي ‪ ،‬ل من الخالفي ‪،‬‬
‫فرأيت أن اللك ف أتباع السنة هو النجاة ‪ ،‬وأن الناس لن يغنوا عن من ال شيئا ‪ ،‬فأخذت ف ذلك‬
‫على حكم التدريج ف بعض المور ‪ ،‬فقامت علي القيامة ‪ ،‬وتواترت علي اللمة ‪ ،‬وفوق إل العتاب‬
‫سهامه ‪ ،‬ونسبت إل البدعة والضللة ‪ ،‬وأنزلت منلة أهل الغباوة والهالة ‪ ،‬وإن لو التمست لتلك‬
‫الحدثات مرجا لوجدت ‪ ،‬غي أن ضيق العطن ‪ ،‬والبعد عن أهل الفطن ‪ ،‬رقى ب مرتقى صعبا‬
‫وضيق علي مالً رحبا ‪ ،‬وهو كلم يشي بظاهره إل أن اتباع التشابات ‪ ،‬لوافقات العادات ‪ ،‬أول‬
‫من اتباع الواضحات ‪ ،‬وإن خالفت السلف الول ‪.‬‬
‫وربا ألوا ف تقبيح ما وجهت إليه وجهت با تشمئز منه القلوب ‪ ،‬أو خرجوا بالنسبة إل بعض الفرق‬
‫الارجة عن السنة شهادة ستكب ويسألون عنها يوم القيامة فتارةً نسبت إل القول بأن الدعاء ل‬

‫‪6‬‬

‫الشاطبي‬

‫كتاب العتصام‬

‫ينفع ول فائدة فيه كما يعزى إل بعض الناس ‪ ،‬بسبب أن ل ألتزم الدعاء بيئة الجتماع ف أدبار‬
‫الصلة حالة المامة ‪ .‬وسيأت ما ف ذلك من الخالفة للسنة وللسلف الصال والعلماء ‪.‬‬
‫وتارةً نسبت إل الرفض وبغض الصحابة رضي ال عنهم ‪ ،‬بسبب أن ل ألتزم ذكر اللفاء الراشدين‬
‫منهم ف الطبة على الصوص ‪ ،‬إذ ل يكن ذلك من شأن السلف ف خطبهم ‪ ،‬ول ذكره أحد من‬
‫العلماء العتبين ف أجزاء الطب ‪ .‬وقد سئل ( أصبغ ) عن دعاء الطيب للخلفاء التقدمي فقال ‪:‬‬
‫هو بدعة ول ينبغي العمل به ‪ ،‬وأحسنه أن يدعو للمسلمي عامة ‪ .‬قيل له ‪ :‬فدعاؤه للغزاة‬
‫والرابطي ؟ قال ‪ :‬ما أرى به بأسا عند الاجة إليه ‪ ،‬وأما أن يكون شيئا يصمد له ف خطبته دائما‬
‫فإن أكره ذلك ‪ .‬ونص أيضا عز الدين بن عبد السلم ‪ :‬على أن الدعاء للخلفاء ف الطبة بدعة غي‬
‫مبوبة ‪.‬‬
‫وتارةً أضيف إل القول بواز القيام على الئمة ‪ ،‬وما أضافوه إل من عدم ذكري لم ف الطبة ‪،‬‬
‫وذكرهم فيه مدث ل يكن عليه من تقدم ‪.‬‬
‫وتارة أحل على التزام الرج والتنطع ف الدين ‪ ،‬وإنا حلهم على ذلك أن التزمت ف التكليف‬
‫والفتيا المل على مشهور الذهب اللتزم ل أتعداه ‪ ،‬وهم يتعدونه ويفتون با يسهل على السائل‬
‫ويوافق هواه ‪ ،‬وإن كان شاذا ف الذهب اللتزم أو ف غيه وأئمة أهل العلم على خلف ذلك‬
‫وللمسألة بسط ف كتاب ( الوافقات ) ‪.‬‬
‫وتارةً نسبت إل معاداة أولياء ال ‪ ،‬وسبب ذلك أن عاديت بعض الفقراء البتدعي الخالفي للسنة‬
‫النتصبي بزعمهم لداية اللق ‪ ،‬وتكلمت للجمهور على جلة من أحوال هؤلء الذين نسبوا إل‬
‫الصوفية ول يتشبهوا بم ‪.‬‬
‫وتارةً نسبت إل مالفة السنة والماعة ‪ ،‬بناءً منهم على أن الماعة الت أمر بأتباعها وهي الناجية ما‬
‫عليه العموم ‪ ،‬ول يعلموا أن الماعة ما كان عليه النب صلى ال عليه وسلم وأصحابه والتابعون لم‬
‫بإحسان ‪ .‬وسيأت بيان ذلك بول ال ‪ ،‬وكذبوا علي ف جيع ذلك ‪ ،‬أو وهوا ‪ ،‬والمد ل على كل‬
‫حال ‪.‬‬
‫فكنت على حالة تشبه حالة المام الشهي عبد الرحن بن بطة الافظ مع أهل زمانه إذ حكى عن‬
‫نفسه فقال ‪ :‬عجبت من حال ف سفري وحضري مع القربي من والبعدين ‪ ،‬والعارفي‬
‫والنكرين ‪ ،‬فإن وجدت بكة وخراسان وغيها من الماكن أكثر من لقيت با موافقا أو مالفا ‪،‬‬
‫دعان إل متابعته على ما يقوله ‪ ،‬وتصديق قوله والشهادة له ‪ ،‬فإن كنت صدقته فيما يقول وأجزت‬
‫له ذلك كما يفعله أهل هذا الزمان ـ سان موافقا وإن وقفت ف حرف من قوله أو ف شيء من‬
‫فعله ـ سان مالفا ‪ ،‬وإن ذكرت ف واحد منها أن الكتاب والسنة بلف ذلك وارد ‪ ،‬سان‬
‫خارجيا ‪ ،‬وإن قرأت عليه حديثا ف التوحيد سان مشبها ‪ ،‬وإن كان ف الرؤية سان ساليا ‪ ،‬وإن‬
‫‪7‬‬

‫الشاطبي‬

‫كتاب العتصام‬

‫كان ف اليان سان مرجئيا ‪ ،‬وإن كان ف العمال ‪ ،‬سان قدريا ‪ ،‬وإن كان ف العرفة سان كراميا‬
‫‪ ،‬وإن كان ف فضائل أب بكر وعمر ‪ ،‬سان ناصبيا ‪ ،‬وإن كان ف فضائل أهل البيت سان رافضيا ‪،‬‬
‫وإن سكت عن تفسي آية أو حديث فلم أجب فيهما إل بما ‪ ،‬سان ظاهريا ‪ ،‬وإن أجبت بغيها ‪،‬‬
‫سان باطنيا ‪ ،‬وإن أجبت بتأويل ‪ ،‬سان أشعريا وإن جحدتما ‪ ،‬سان معتزليا ‪ ،‬وإن كان ف السنن‬
‫مثل القراءة ‪ ،‬سان شفعويا ‪ ،‬وإن كان ف القنوت ‪ ،‬سان حنفيا ‪ ،‬وإن كان ف القرآن ‪ ،‬سان‬
‫حنبليا ‪ ،‬وإن ذكرت رجحان ما ذهب كل واحد إليه من الخبار ـ إذ ليس ف الكم والديث‬
‫ماباة ـ قالوا ‪ :‬طعن ف تزكيتهم ‪ ،‬ث أعجب من ذلك أنم يسمونن فيما يقرؤون علي من أحاديث‬
‫رسول ال صلى ال عليه وسلم ما يشتهون من هذه السامي ‪ ،‬ومهما وافقت بعضهم عادان غيه ‪،‬‬
‫وإن داهنت جاعتهم أسخطت ال تبارك وتعال ‪ ،‬ولن يغنوا عن من ال شيئا ‪ .‬وإن مستمسك‬
‫بالكتاب والسنة وأستغفر ال الذي ل إله إل هو وهو الغفور الرحيم ‪.‬‬
‫ل مذكورا‬
‫هذا تام الكاية فكأنه رحه ال تكلم على لسان الميع ‪ .‬فقلما تد عالا مشهورا أو فاض ً‬
‫‪ ،‬إل وقد نبذ بذه المور أو بعضها ‪ ،‬لن الوى قد يداخل الخالف ‪ ،‬بل سبب الروج عن السنة‬
‫الهل با ‪ ،‬والوى التبع الغالب على أهل اللف ‪ ،‬فإذا كان كذلك حل على صاحب السنة ‪ ،‬إنه‬
‫غي صاحبها ‪ ،‬ورجع بالتشنيع عليه والتقبيح لقوله وفعله ‪ ،‬حت ينسب هذه الناسب ‪.‬‬
‫وقد نقل عن السيد العباد بعد الصحابة ( أويس ) القرن أنه قال ‪ :‬إن المر بالعروف والنهي عن‬
‫النكر ل يدعا للمؤمن صديقا ‪ ،‬نأمرهم بالعروف فيشتمون أعراضنا ويدون ف ذلك أعوانا من‬
‫الفاسقي ‪ ،‬حت ـ وال لقد رمون بالعظائم ‪ ،‬وأي ال ل أدع أن أقوم فيهم بقه ‪.‬‬
‫فمن هذا الباب يرجع السلم غريبا كما بدأ ‪ ،‬لن الؤالف فيه على وصفه الول قليل ‪ ،‬فصار‬
‫الخالف هو الكثي ‪ ،‬فاندرست رسوم السنة حت مدت البدع أعناقها ‪ ،‬فأشكل مرماها على المهور‬
‫فظهر مصداق الديث الصحيح ‪.‬‬
‫ولا وقع علي من النكار ما وقع مع ما هدى ال إليه وله المد ‪ ،‬ل أزل أتبع البدع الت نبه عليها‬
‫رسول ال صلى ال عليه وسلم وحذر منها ‪ ،‬وبي أنا ضللة وخروج عن الادة وأشار العلماء إل‬
‫تييزها والتعريف بملة منها ‪ ،‬لعلي أجتنبها فيما استطعت ‪ ،‬وأبث عن السنن الت كادت تطفىء‬
‫نورها تلك الحدثات لعلي أجلو بالعمل سناها ‪ ،‬وأعد يوم القيامة فيمن أحياها ‪ ،‬إذ ما من بدعة‬
‫تدث إل ويوت من السنن ما هو ف مقابلتها ‪ ،‬حسبما جاء عن السلف ف ذلك ‪ .‬فعن ابن عباس‬
‫قال ‪ :‬ما يأت على الناس من عام إل أحدثوا فيه بدعة وأماتوا فيه سنة ‪ ،‬حت تيا البدعة وتوت السنن‬
‫‪ .‬وف بعض الخبار ‪ :‬ل يدث رجل بدعة إل ترك من السنة ما هو خي منها ‪ .‬وعن لقمان بن أب‬
‫إدريس الولن أنه كان يقول ‪ :‬ما أحدثت أمة ف دينها بدعة إل رفع با عنهم سنة ‪ .‬وعن حسان‬

‫‪8‬‬

‫الشاطبي‬

‫كتاب العتصام‬

‫بن عطية قال ‪ :‬ما أحدث قوم بدعة ف دينهم إل نزع ال من سنتهم مثلها ث ل يعدها إليهم إل يوم‬
‫القيامة ‪ ،‬إل غي ذلك ما جاء ف هذا العن وهو مشاهد معلوم حسبما يأت بيانه إن شاء ال تعال ‪.‬‬
‫وجاء من الترغيب ف إحياء السنن ما جاء ‪ .‬فقد خرج ابن وهب حديثا عن النب صلى ال عليه‬
‫وسلم أنه قال ‪:‬‬
‫" من أحيا سنة من سنت قد أميتت بعدي فإن له من الجر مثل من عمل با من الناس ل ينقص ذلك‬
‫من أجورهم شيئا ‪ ،‬ومن ابتدع بدعة ضللة ل يرضاها ال رسوله فإن عليه إث من عمل با ل ينقص‬
‫ذلك من آثام الناس شيئا" وأخرجه الترمذي باختلف ف بعض اللفاظ مع اتفاق العن وقال فيه ‪:‬‬
‫حديث حسن ‪.‬‬
‫وف الترمذي "عن أنس قال ‪ :‬قال ل رسول ال صلى ال عليه وسلم ‪:‬‬
‫يا بن إن قدرت أن تصبح وتسي ليس ف قلبك غش لحد فافعل ث قال ل ‪ :‬يا بن وذلك من‬
‫سنت ‪ ،‬ومن أحيا سنت فقد أحبن ‪ ،‬ومن أحبن كان معي ف النة" حديث حسن ‪.‬‬
‫فرجوت بالنظر ف هذا الوضع النتظام ف سلك من أحيا سنة وأمات بدعة ‪ .‬وعلى طول العهد‬
‫ودوام النظر اجتمع ل ف البدع والسنن أصول قررت أحكامها الشريعة ‪ ،‬وفروع طالت أفنانا لكنها‬
‫تنتظمها تلك الصول ‪ ،‬وقلما توجد على الترتيب الذي سنح ف الاطر ‪ ،‬فمالت إل بثها النفس ‪،‬‬
‫ورأت أنه من الكيد الطلب لا فيه من رفع اللتباس الناشىء بي السنن والبدع ‪ ،‬لنه لا كثرت‬
‫البدع وعم ضررها ‪ ،‬واستطار شررها ‪ ،‬ودام الكباب على العمل با ‪ ،‬والسكوت من التأخرين عن‬
‫النكار لا ‪ ،‬وخلفت بعدهم خلوف جهلوا أو غفلوا عن القيام بفرض القيام فيها ‪ ،‬صارت كأنا‬
‫سنن مقررات ‪ ،‬وشرائع من صاحب الشرع مررات ‪ ،‬فاختلط الشروع بغيه ‪ ،‬فعاد الراجع إل‬
‫مض السنة كالارج عنها كما تقدم ‪ ،‬فالتبس بعضها ببعض ‪ ،‬فتأكد الوجوب بالنسبة إل من عنده‬
‫فيها علم ‪ ،‬وقلما صنف فيها على الصوص تصنيف ‪ ،‬وما صنف فيها فغي كاف ف هذه الواقف ‪،‬‬
‫مع أن الداخل ف هذا المر اليوم فاقد الساعد ‪ ،‬عدي العي ‪ ،‬فالوال ل يلد به إل الرض ‪ ،‬ويلقي‬
‫له باليد إل العجز عن بث الق ‪ ،‬بعد رسوخ العوائد ف القلوب ‪ ،‬والعادي يريسه بالردبيس ويروم‬
‫أخذه بالعذاب البئيس ‪ ،‬لنه يرد عوائده الراسخة ف القلوب ‪ ،‬التداولة ف العمال ‪ ،‬دينا يتعبد به ‪،‬‬
‫وشريعة يسلك عليها ل حجة له إل عمل الباء والجداد ‪ ،‬مع بعض الشياخ العالي ‪ ،‬كانوا من‬
‫أهل النظر ف هذه المور أم ل ‪ .‬ول يلتفتوا إل أنم عند موافقتهم للباء والشياخ مالفون للسلف‬
‫الصال ‪ ،‬فالعترض لثل هذا المر ينحو نو عمر بن عبد العزيز رضي ال عنه ف العمل حيث قال ‪:‬‬
‫أل وإن أعال أمرا ل يعي عليه إل ال قد فن عليه الكبي ‪ ،‬وكب عليه الصغي ‪ ،‬وفصح عليه‬
‫العجمي ‪ ،‬وهاجر عليه العراب ‪ ،‬حت حسبوه دينا ل يرون الق غيه ‪.‬‬

‫‪9‬‬

‫الشاطبي‬

‫كتاب العتصام‬

‫وكذلك ما نن بصدد الكلم عليه ‪ ،‬غي أنه أمر ل سبيل إل إهاله ‪ ،‬ول يسع أحدا من له منة إل‬
‫الخذ بالزم والعزم ف بثه ‪ ،‬بعد تصيله على كماله ‪ ،‬وإن كره الخالف فكراهيته ل حجة فيها على‬
‫الق إل يرفع منارة ‪ ،‬ول تكشف وتلى أنواره ‪ ،‬فقد خرج أبو الطاهر السلفي بسنده "إل أب هريرة‬
‫أن النب صلى ال عليه وسلم قال له ‪:‬‬
‫يا أبا هريرة علم الناس القرآن وتعلمه ‪ ،‬فإنك إن مت وأنت كذلك زارت اللئكة قبك كما يزار‬
‫البيت العتيق ‪ ،‬وعلم الناس سنت وإن كرهوا ذلك ‪ ،‬وإن أحببت أل توقف على الصراط طرفة عي‬
‫حت تدخل فل تدث ف دين ال حدثا برأيك" ‪.‬‬
‫قال أبو عبد ال بن القطان ‪ :‬وقد جع ال له ذلك كله من إفراء كتاب ال والتحديث بالسنة ‪ ،‬أحب‬
‫الناس أم كرهوا ‪ ،‬وترك الدث حت إنه كان ل يتأول شيئا ما روى تتميما للسلمة من الطأ ‪.‬‬
‫على أن أبا العرب التميمي حكى عن ابن فروخ أنه كتب إل مالك بن أنس ‪ :‬إن بلدنا كثي البدع‬
‫وإنه ألف كلما ف الرد عليهم ‪ .‬فكتب إليه مالك يقول له ‪ :‬إن ظننت ذلك بنفسك خفت أن تزل‬
‫فتهلك ‪ ،‬ل يرد عليهم إل من كان ضابطا عارفا با يقول لم ل يقدرون أن يعرجوا عليه فهذا ل‬
‫بأس به ‪ ،‬وأما غي ذلك فإن أخاف أن يكلمهم فيخطىء فيمضوا على خطئه أو يظفروا منه بشيء‬
‫فيطغوا ويزدادوا تاديا على ذلك ‪.‬‬
‫وهذا الكلم يقضي لثلي بالحجام دون القدام ‪ ،‬وشياع هذا النكر وفشوا العمل به وتظاهر أصحابه‬
‫يقضي لن له بذا القام منة بالقدام دون الحجام ‪ ،‬لن البدع قد عمت وجرت أفراسها من غي‬
‫مغي ملء أعنتها ‪.‬‬
‫وحكى ابن وضاح عن غي واحد ‪ :‬أن أسد بن موسى كتب إل أسد بن الفرات ‪ :‬اعلم يا أخي أن‬
‫ما حلن على الكتب إليك ما أنكر أهل بلدك من صال ما أعطاك ال من إنصافك الناس ‪ ،‬وحسن‬
‫حالك ما أظهرت من السنة ‪ .‬وعيبك لهل البدع وكثرة ذكرك لم وطعنك عليهم ‪ ،‬فقمعهم ال‬
‫بك ‪ ،‬وشد بك ظهر أهل السنة ‪ ،‬وقواك عليهم بإظهار عيبهم ‪ ،‬والطعن عليهم ‪ ،‬واذلم ال بذلك‬
‫وصاروا ببدعتهم مستترين ‪ .‬فأبشر يا أخي بثواب ال ‪ ،‬واعتد به من أفضل حسناتك من الصلة‬
‫والصيام والج والهاد ‪ .‬وأين تقع هذه العمال من إقامة كتاب ال وإحياء سنة رسول ال صلى ال‬
‫عليه وسلم ؟! وقد قال رسول ال صلى ال عليه وسلم ‪:‬‬
‫"ومن أحيا شيئا من سنت كنت أنا وهو ف النة كهاتي وضم بي إصبعيه ‪ ،‬وقال أيا داع دعا إل‬
‫هذه فاتبع عليه كان له مثل أجر من تبعه إل يوم القيامة" ‪ ،‬فمن يدرك يا أخي هذا بشيء من‬
‫عمله ؟! وذكر أيضا ‪ :‬إن ل عند كل بدعة كيد با السلم وليا ل يذب عنها ‪ ،‬وينطق بعلمتها ‪،‬‬
‫فاغتنم يا أخي هذا الفضل وكن من أهله ‪" ،‬فإن النب صلى ال عليه وسلم قال لعاذ حي بعثه إل‬
‫اليمن فأوصاه وقال ‪:‬‬
‫‪10‬‬

‫الشاطبي‬

‫كتاب العتصام‬

‫ل واحدا خي لك من كذا وكذا" ‪ .‬وأعظم القول فيه ‪ ،‬فاغتنم ذلك وادع إل‬
‫لن يهدي ال بك رج ً‬
‫السنة حت يكون لك ف ذلك ألفة وجاعة يقومون مقامك إن حدث بك حدث ‪ ،‬فيكونون أئمة‬
‫بعدك فيكون لك ثواب إل يوم القيامة كما جاء الثر ‪ .‬فاعمل على بصية ونية حسنة فيد ال بك‬
‫البتدع والفتون الزائغ الائر ‪ ،‬فتكون خلفا من نبيك صلى ال عليه وسلم فأحي كتاب ال وسنة نبيه‬
‫‪ ،‬فإنك لن تلقى ال بعمل يشبهه ‪.‬‬
‫انتهى ما قصدت إيراده من كلم أسد رحه ال ‪ .‬وهو ما يقوي جانب القدام مع ما روي عن عمر‬
‫بن عبد العزيز رضي ال عنه أنه خطب الناس فكان من جلة كلمه ف خطبته أن قال ‪ :‬وال إن لول‬
‫أن أنعش سنة قد أميتت ‪ ،‬أو أن أميت بدعة قد أحييت ‪ ،‬لكرهت أن أعيش فيكم فواقا ‪.‬‬
‫وخرج ابن وضاح ف كتاب القطعان وحديث الوزاعي أنه بلغه عن السن أنه قال ‪ :‬لن يزال ل‬
‫نصحاء ف الرض من عباده يعرضون أعمال العباد على كتاب ال فإذا وافقوه حدوا ال ‪ ،‬وإذا‬
‫خالفوه عرفوا بكتاب ال ضللة من ضل وهدى من اهتدى ‪ ،‬فأولئك خلفاء ال ‪.‬‬
‫وفيه عن سفيان قال ‪ :‬اسلكوا سبيل الق ول تستوحشوا من قلة أهله ‪ .‬فوقع الترديد بي النظرين ‪.‬‬
‫ث إن أخذت ف ذلك مع بعض الخوان الذين أحللتهم من قلب مل السويداء وقاموا ل ف عامة‬
‫أدواء نفسي مقام الدواء ‪ ،‬فرأوا أنه من العمل الذي ل شبهة ف طلب الشرع نشره ‪ ،‬ول إشكال ف‬
‫أنه بسب الوقت من أوجب الواجبات ‪ ،‬فاستخرت ال تعال ف وضع كتاب يشتمل على بيان‬
‫البدع وأحكامها وما يتعلق با من السائل أصولً وفروعا وسيته بـ العتصام ‪ .‬وال أسأل أن يعله‬
‫عملً خالصا ‪ ،‬ويعل ظل الفائدة به مدودا ل قالصا ‪ ،‬والجر على العناء فيه كاملً ل ناقصا ‪ ،‬ول‬
‫حول ول قوة إل بال العلي العظيم ‪.‬‬
‫وينحصر الكلم فيه بسب الغرض القصود ف جلة أبواب وف كل باب منها فصول اقتضاها بسط‬
‫السائل النحصرة فيه وما انر معها من الفروع التعلقة به ‪.‬‬
‫الباب الول ف تعريف البدع وبيان معناها وما اشتق منه لفظا‬
‫وأصل مادة بدع للختراع على غي مثال سابق ‪ ،‬ومنه قول ال تعال ‪" :‬بديع السموات والرض"‬
‫أي مترعها من غي مثال سابق متقدم ‪ ،‬وقوله تعال ‪" :‬قل ما كنت بدعا من الرسل" أي ما كنت‬
‫أول من جاء بالرسالة من ال إل العباد بل تقدمن كثي من الرسل ‪ ،‬ويقال ‪ :‬ابتدع فلن بدعة يعن‬
‫ابتدأ طريقة ل يسبقه إليها سابق ‪ .‬وهذا أمر بديع ‪ ،‬يقال ف الشيء الستحسن الذي ل مثال له ف‬
‫السن ‪ ،‬فكأنه ل يتقدمه ما هو مثله ول ما يشبهه ‪.‬‬

‫‪11‬‬

‫الشاطبي‬

‫كتاب العتصام‬

‫ومن هذا العن سيت البدعة بدعة ‪،‬فاستخراجها للسلوك عليها هو البتداع ‪ ،‬وهيئتها هي البدعة ‪،‬‬
‫وقد يسمى العلم العمول على ذلك الوجه بدعة ‪ ،‬فمن هذا العن سي العمل الذي ل دليل عليه ف‬
‫الشرع بدعة‪ ،‬وهو إطلق أخص منه ف اللغة حسبما يذكر بول ال ‪.‬‬
‫ثبت ف علم الصول أن الحكام التعلقة بأفعال العباد وأقوالم ثلثة ‪ :‬حكم يقتضيه معن المر ‪،‬‬
‫كان للياب أو الندب ‪ .‬وحكم يقتضيه معن النهي ‪ ،‬كان للكراهة أو التحري ‪ .‬وحكم يقتضيه‬
‫معن التخيي ‪ ،‬وهو الباحة ‪ .‬فأفعال العباد وأقوالم ‪ ،‬ل تعدو هذه القسام الثلثة ‪ :‬مطلوب فعله ‪،‬‬
‫ومطلوب تركة ‪ ،‬ومأذون ف فعله وتركه ‪ .‬والطلوب تركه ل يطلب تركه إل لكونه مالفا للقسمي‬
‫الخيين ‪ ،‬لكنه على ضربي ‪:‬‬
‫أحدها ‪ :‬أن يطلب تركه ‪ ،‬وينهى عنه لكونه مالفة خاصة مع مرد النظر عن غي ذلك ‪ ،‬وهو إن‬
‫ل معصية وإثا ‪ ،‬وسي فاعله عاصيا وآثا وإل ل يسم بذلك ‪ ،‬ودخل ف حكم‬
‫كان مرما سي فع ً‬
‫العفو حسبما هو مبي ف غي هذا الوضع ‪ ،‬ول يسمى بسب الفعل جائزا ول مباحا ‪ ،‬لن المع‬
‫بي الواز والنهي ‪ ،‬جع بي متنافيي ‪.‬‬
‫والثان ‪ :‬أن يطلب تركه وينهى عنه لكونه مالفة لظاهر التشريع من جهة ضرب الدود ‪ ،‬وتعيي‬
‫الكيفيات ‪ ،‬والتزام اليئات العينة أو الزمنة العينة مع الدوام ونو ذلك ‪.‬‬
‫وهذا هو البتداع والبدعة ‪ ،‬ويسمى فاعله مبتدعا ‪ ،‬فالبدعة إذن عبارة عن طريقة ف الدين مترعة‬
‫تضاهي الشرعية يقصد بالسلوك عليها البالغة ف التعبد ل سبحانه ‪ ،‬وهذا على رأي من ل يدخل‬
‫العادات ف معن البدعة ‪ ،‬وإنا يصها بالعبادات ‪ ،‬وأما على رأي من أدخل العمال العادية ف معن‬
‫البدعة فيقول ‪ :‬البدعة طريقة ف الدين مترعة تضاهي الشرعية يقصد بالسلوك عليها ما يقصد‬
‫بالطريقة الشرعية ‪ ،‬ول بد من بيان ألفاظ هذا الد ‪ .‬فالطريقة ‪ ،‬والطريق والسبيل والسنن هي بعن‬
‫واحد وهو ما رسم للسلوك عليه وإنا قيدت بالدين لنا فيه تترع وإليه يضيفها صاحبها وأيضا فلو‬
‫كانت طريقة مترعة ف الدنيا على الصوص ل تسم بدعة كإحداث الصنائع والبلدان الت ل عهد با‬
‫فيما تقدم ‪.‬‬
‫ولا كانت الطرائق ف الدين تنقسم ـ فمنها ما له أصل ف الشريعة ‪ ،‬ومنها ما ليس له أصل فيها ـ‬
‫خص منها ما هو القصود بالد وهو القسم الخترع ‪ ،‬أي طريقة ابتدعت على غي مثال تقدمها من‬
‫الشارع ‪ ،‬إذ البدعة إنا خاصتها أنا خارجة عما رسه الشارع ‪ ،‬وبذا القيد انفصلت عن كل ما‬
‫ظهر لبادي الرأي أنه مترع ما هو متعلق بالدين ‪ ،‬كعلم النحو والتصريف ومفردات اللغة وأصول‬
‫الفقه وأصول الدين ‪ ،‬وسائر العلوم الادمة للشريعة ‪ .‬فإنا وإن ل توجد ف الزمان الول فأصولا‬
‫موجودة ف الشرع ‪ ،‬إذ المر بإعراب القرآن منقول ‪ ،‬وعلوم اللسان هادية للصواب ف الكتاب‬
‫والسنة فحقيقتها إذا أنا فقه التعبد باللفاظ الشرعية الدالة على معانيها كيف تؤخذ وتؤذي ‪.‬‬
‫‪12‬‬

‫الشاطبي‬

‫كتاب العتصام‬

‫وأصول الفقه إنا معناها استقراء كليات الدلة حت تكون عند الجتهد نصب عي وعند الطالب‬
‫سهلة اللتمس ‪.‬‬
‫وكذلك أصول الدين ‪ ،‬وهو علم الكلم ‪ ،‬إنا حاصله تقرير لدلة القرآن والسنة أو ما ينشأ عنها ف‬
‫التوحيد وما يتعلق به ‪ ،‬كما كان الفقه تقريرا لدلتها ف الفروع العبادية ‪.‬‬
‫( فإن قيل ) ‪ :‬فإن تصنيفها على ذلك الوجه مترع ‪.‬‬
‫( فالواب ) ‪ :‬أن له أصلً ف الشرع ‪ ،‬ففي الديث ما يدل عليه ‪ ،‬ولو سلم أنه ليس ف ذلك دليل‬
‫على الصوص ‪ ،‬فالشرع بملته يدل على اعتباره ‪ ،‬وهو مستمد من قاعدة الصال الرسلة ‪ ،‬وسيأت‬
‫بسطها بول ال ‪.‬‬
‫فعلى القول بإثباتا أصلً شرعيا ل إشكال ف أن كل علم خادم للشريعة داخل تت أدلته الت ليست‬
‫بأخوذة من جزئي واحد ‪ ،‬فليست ببدعة البتة ‪.‬‬
‫وعلى القول بنفيها ل بد أن تكون تلك العلوم مبتدعات ‪ ،‬إذا دخلت ف علم البدع كانت قبيحة ‪،‬‬
‫لن كل بدعة ضللة من غي إشكال ‪ ،‬كما يأت بيانه إن شاء ال ‪.‬‬
‫ويلزم من ذلك أن يكون كتب ا لصحف وجع القرآن قبيحا ‪ ،‬وهو باطل بالجاع فليس أذا ببدعة‬
‫‪.‬‬
‫ويلزم أن يكون له دليل شرعي ‪ ،‬وليس إل هذا النوع من الستدلل ‪ ،‬وهو الأخوذ من جلة الشريعة‬
‫‪.‬‬
‫وإذا ثبت جزئي ف الصال الرسلة ‪ ،‬ثبت مطلق الصال الرسلة ‪.‬‬
‫فعلى هذا ل ينبغي أن يسمى علم النحو أو غيه من علوم اللسان أو علم الصول أو ما أشبه ذلك‬
‫ل‪.‬‬
‫من العلوم الادمة للشريعة ‪ ،‬بدعة أص ً‬
‫ومن ساه بدعة فإما على الجاز كما سى عمر بن الطاب رضي ال عنه قيام الناس ف ليال رمضان‬
‫بدعة ‪ ،‬وإما جهلً بواقع السنة والبدعة ‪ ،‬فل يكون قول من قال ذلك معتدا به ول معتمدا عليه ‪.‬‬
‫وقوله ف الد تضاهي الشرعية يعن أنا تشابه الطريقة الشرعية من غي أن تكون ف القيقة‬
‫كذلك ‪ ،‬بل هي مضادة لا من أوجه متعددة ‪.‬‬
‫منها ‪ :‬وضع الدود كالناذر للصيام قائما ل يقعد ‪ ،‬ضاحيا ل يستظل ‪ ،‬والختصاص ف النقطاع‬
‫للعبادة ‪ ،‬والقتصار من الأكل واللبس على صنف دون صنف من غي علة ‪.‬‬
‫ومنها ‪ :‬التزام الكيفيات واليئات العينة ‪ ،‬كالذكر بيئة الجتماع على صوت واحد ‪ ،‬واتاذ يوم‬
‫ولدة النب صلى ال عليه وسلم عيدا ‪ ،‬وما أشبه ذلك ‪.‬‬
‫ومنها ‪ :‬التزام العبادات العينة ف أوقات معينة ل يوجد لا ذلك التعيي ف الشريعة ‪ ،‬كالتزام صيام يرم‬
‫النصف من شعبان وقيام ليلته ‪.‬‬
‫‪13‬‬

‫الشاطبي‬

‫كتاب العتصام‬

‫وث أوجه تضاهي با البدعة المور الشروعة ‪ ،‬فلو كانت ل تضاهي المور الشروعة ل تكن بدعة‬
‫ـ لنا تصي من باب الفعال العادية ‪.‬‬
‫وأيضا فإن صاحب البدعة إنا يترعها ليضاهي با السنة حت يكون ملبسا با على الغي ‪ ،‬أو تكون‬
‫هي ما تلتبس عليه بالسنة ‪ ،‬إذ النسان ل يقصد الستتباع بأمر ل يشابه الشروع ‪ ،‬لنه إذ ذاك ل‬
‫يستجلب به ف ذلك البتداع نفعا ول يدفع به ضررا ‪ ،‬ول ييبه غيه إليه ‪.‬‬
‫ولذلك تد البتدع ينتصر لبدعته بأمور تيل التشريع ولو بدعوى القتداء بفلن العروف منصبه ف‬
‫أهل الي ‪.‬‬
‫فأنت ترى العرب الاهلية ف تغيي ملة إبراهيم عليه السلم كيف تأولوا فيما أحدثوا احتجاجا‬
‫منهم ‪ ،‬كقولم ف أصل الشراك "ما نعبدهم إل ليقربونا إل ال زلفى" وكترك المس الوقوف بعرفة‬
‫لقولم ‪ :‬ل نرج من الرم اعتدادا برمته ‪ .‬وطواف من طاف منهم بالبيت عريانا قائلي ‪ :‬ل‬
‫نطوف بثياب عصينا ال فيها ‪ ،‬وما أشبه ذلك ما وجهوه ليصيوه بالتوجيه كالشروع ‪ ،‬فما ظنك‬
‫بن عد أو عد نفسه من خواص أهل اللة؟ فهم أحرى بذلك ‪ ،‬وهم الخطئون وظنهم الصابة ‪ ،‬وإذا‬
‫تبي هذا ظهر أن مضاهاة المور الشروعة ضرورية الخذ ف أجزاء الد ‪.‬‬
‫وقوله ‪ :‬يقصد بالسلوك عليها البالغة ف التعبد ل تعال هو تام معن البدعة إذ هو القصود‬
‫بتشريعها ‪.‬‬
‫وذلك أن أصل الدخول فيها يث على النقطاع إل العبادة والترغيب ف ذلك ‪ ،‬لن ال تعال يقول‬
‫‪" :‬وما خلقت الن والنس إل ليعبدون" فكأن البتدع رأى أن القصود هذا العن ‪ ،‬ول يتبي له أن‬
‫ما وضعه الشارع فيه من القواني والدود كاف ‪ ،‬فرأى من نفسه أنه ل بد لا أطلق المر فيه من‬
‫قواني منضبطة ‪ ،‬وأحوال مرتبطة ‪ ،‬مع ما يداخل النفوس من حب الظهور أو عدم مظنته ‪ ،‬فدخلت‬
‫ف هذا الضبط شائبة البدعة ‪.‬‬
‫وأيضا فإن النفوس قد تل وتسأم من الدوام على العبادات الرتبة ‪ ،‬فإذا جدد لا أمر ل تعهده ‪،‬‬
‫حصل با نشاط آخر ل يكون لا مع البقاء على المر الول ‪ ،‬ولذلك قالوا ‪ ( :‬لكل جديد لذة )‬
‫بكم هذا العن ‪ ،‬كمن قال ‪ :‬كما تدث للناس أقضية بقدر ما أحدثوا من الفجور ‪ ،‬فكذلك‬
‫تدث لم مرغبات ف الي بقدر ما حدث لم من الفتور ‪.‬‬
‫وف حديث معاذ بن جبل رضي ال عنه ‪ :‬فيوشك قائل أن يقول ما هم بتبعي فيتبعون وقد قرأتك‬
‫القرآن فل يتتبعن حت أبتدع لم غيه ‪ .‬فإياكم وما ابتدع فإن ما ابتدع ضللة ‪.‬‬
‫وقد تبي بذا القيد أن البدع ل تدخل ف العادات ‪ .‬فكل ما اخترع من الطرق ف الدين ما يضاهي‬
‫الشروع ول يقصد به التعبد فقد خرج عن هذه التسمية ‪ ،‬كالغارم اللزمة على الموال وغيها على‬
‫نسبة مصوصة وقدر مصوص ما يشبه فرض الزكوات ول يكن إليها ضرورة ‪.‬‬
‫‪14‬‬

‫الشاطبي‬

‫كتاب العتصام‬

‫وكذلك اتاذ الناخل وغسل اليد بالشنان وما أشبه ذلك من المور الت ل تكن قبل ‪ ،‬فإنا ل‬
‫تسمى بدعا على إحدى الطريقتي ‪.‬‬
‫وأما الد على الطريقة الخرى فقد تبي معناه إل قوله ‪ :‬يقصد با ما يقصد بالطريقة الشرعية ‪.‬‬
‫ومعناه أن الشريعة إنا جاءت لصال العباد ف عاجلتهم وآجلتهم لتأتيهم ف الدارين على أكمل‬
‫وجوهها ‪ ،‬فهو الذي يقصده البتدع ببدعته ‪ .‬لن البدعة إما أن تتعلق بالعادات أو العبادات ‪ ،‬فإن‬
‫تعلقت بالعبادات فإنا أراد با أن يأت تعبده على أبلغ ما يكون ف زعمه ليفوز بأت الراتب ف الخرة‬
‫ف ظنه ‪.‬وإن تعلقت بالعادات فكذلك ‪ ،‬لنه إنا وضعها لتأت أمور دنياه على تام الصلحة فيها ‪.‬‬
‫فمن يعل الناخل ف قسم البدع فظاهر أن التمتع عنده بلذة الدقيق النخول أت منه بغي النخول ‪.‬‬
‫وكذلك البناءات الشيدة الختلفة ‪ ،‬التمتع با أبلغ منه بالشوش والرب ‪.‬‬
‫ومثله الصادرات ف الموال بالنسبة إل أول المر ‪ ،‬وقد أباحت الشريعة التوسع ف التصرفات ‪،‬‬
‫فيعد البتدع هذا من ذلك ‪.‬‬
‫وقد ظهر معن البدعة وما هي ف الشرع والمد ل ‪.‬‬
‫فصل ف الد‬
‫وف الد أيضا معن آخر ما ينظر فيه ‪ .‬وهو أن البدعة من حيث قيل فيها ‪ :‬أنا طريقة ف الدين‬
‫مترعة ـ إل آخره ـ يدخل ف عموم لفظها البدعة التركية ‪ ،‬كما يدخل فيه البدعة غي التركية‬
‫ل ـ يكون حللً‬
‫فقد يقع البتداع بنفس الترك تريا للمتروك أو غي تري ‪ ،‬فإن الفعل ـ مث ً‬
‫بالشرع فيحرمه النسان على نفسه أو يقصد تركه قصدا ‪.‬‬
‫فبهذا الترك إما أن يكون لمر يعتب مثله شرعا أو ل ‪ ،‬فإن كان لمر يعتب فل حرج فيه ‪ ،‬إذ معناه‬
‫أنه ترك ما يوز تركه أو ما يطلب بتركه ‪ ،‬كالذي يرم على نفسه الطعام الفلن من جهة أنه يضره‬
‫ف جسمه أو عقله أو دينه وما أشبه ذلك ‪ ،‬فل مانع هنا من الترك ‪ :‬بل إن قلنا بطلب التداوي‬
‫للمريض فإن الترك هنا مطلوب ‪ ،‬وإن قلنا بإباحة التداوي ‪ ،‬فالترك مباح ‪.‬‬
‫فهذا راجع إل العزم على المية من الضرات وأصله قوله عليه الصلة والسلم ‪ " :‬يا معشر الشباب‬
‫من استطاع منكم الباءة فليتزوج" ـ إل أن قال ـ ‪ ":‬ومن ل يستطع فعليه بالصوم "الذي يكسر‬
‫من شهوة الشباب حت ل تطغى عليه الشهوة فيصي إل العنت ‪.‬‬
‫وكذلك إذا ترك ما ل بأس به حذرا ما به البأس فذلك من أوصاف التقي ‪ ،‬وكتارك التشابه ‪،‬‬
‫حذرا من الوقوع ف الرام ‪ ،‬واستباءً للدين والعرض ‪.‬‬

‫‪15‬‬

‫الشاطبي‬

‫كتاب العتصام‬

‫وإن كان الترك لغي ذلك ‪ ،‬فإما أن يكون تدينا أو ل ‪ ،‬فإن ل يكن تدينا فالتارك عابث بتحريه‬
‫الفعل أو بعزيته على الترك ‪ .‬ول يسمى هذا الترك بدعة إذ ل يدخل تت لفظ الد إل على الطريقة‬
‫الثانية القائلة ‪ :‬إن البدعة تدخل ف العادات ‪ .‬وأما على الطريقة الول فل يدخل ‪ .‬لكن هذا التارك‬
‫يصي عاصيا بتركه أو باعتقاده التحري فيما أحل ال ‪.‬‬
‫وأما إن كان الترك تدينا فهو البتداع ف الدين على كلتا الطريقتي ‪ ،‬إذ قد فرضنا الفعل جائزا‬
‫شرعا فصار الترك القصود معارضة للشارع ف شرع التحليل وف مثله نزل قول ال تعال ‪ " :‬يا أيها‬
‫الذين آمنوا ل ترموا طيبات ما أحل ال لكم ول تعتدوا إن ال ل يب العتدين " فنهى أولً عن‬
‫تري اللل ‪ .‬ث جاءت الية تشعر بأن ذلك اعتداء ل يبه ال ‪.‬‬
‫وسيأت للية تقرير إن شاء ال ‪.‬‬
‫لن بعض الصحابة هم أن يرم على نفسه النوم بالليل ‪ ،‬وآخر الكل بالنهار ‪ ،‬وآخر إتيان النساء ‪،‬‬
‫وبعضهم هم بالختصاء ‪ ،‬مبالغة ف ترك شأن النساء ‪ .‬وف أمثال ذلك قال النب صلى ال عليه وسلم‬
‫‪:‬‬
‫"من رغب عن سنت فليس من" ‪.‬‬
‫فإذا كل من منع نفسه من تناول ما أحل ال من غي عذر شرعي فهو خارج عن سنة النب صلى ال‬
‫عليه وسلم ‪ .‬والعامل بغي السنة تدينا ‪ ،‬هو البتدع بعينه ‪.‬‬
‫فإن قيل ‪ :‬فتارك الطلوبات الشرعية ندبا أو وجوبا ‪ ،‬هل يسمى مبتدعا أم ل ؟ ‪.‬‬
‫فالواب ‪ :‬أن التارك للمطلوبات على ضربي ‪:‬‬
‫أحدها ‪ :‬أن يتركها لغي التدين إما كسلً أو تضييعا أو ما أشبه ذلك من الدواعي النفسية ‪ .‬فهذا‬
‫الضرب راجع إل الخالفة للمر ‪ ،‬فإن كان ف واجب فمعصية وإن كان ف ندب فليس بعصية ‪ ،‬إذا‬
‫كان الترك جزئيا ‪ ،‬وإن كليا فمعصية حسبما تبي ف الصول ‪.‬‬
‫والثان ‪ :‬أن يتركها تدينا ‪ .‬فهذا الضرب من قبيل البدع حيث تدين بضد ما شرع ال ‪ ،‬ومثاله أهل‬
‫الباحة القائلي بإسقاط التكاليف إذا بلغ السالك عندهم البلغ الذي حدوه ‪.‬‬
‫فإذا قوله ف الد ‪ :‬طريقة مترعة تضاهي الشرعية يشمل البدعة التركية ‪ ،‬كما يشمل غيها ‪ ،‬لن‬
‫الطريقة الشرعية أيضا تنقسم إل ترك وغيه ‪.‬‬
‫وسواء علينا قلنا ‪ :‬إن الترك فعل أم قلنا ‪ :‬إنه نفي الفعل ‪ .‬الطريقتي الذكورتي ف أصول الفقه ‪.‬‬
‫وكما يشمل الد الترك يشمل أيضا ضد ذلك ‪.‬‬
‫وهو ثلثة أقسام ‪:‬‬
‫قسم العتقاد ‪ ،‬وقسم القول ‪ ،‬وقسم الفعل ‪ ،‬فالميع أربعة أقسام ‪.‬‬
‫وبالملة ‪ ،‬فكل ما يتعلق به الطاب الشرعي ‪ ،‬يتعلق به البتداع ‪.‬‬
‫‪16‬‬

‫الشاطبي‬

‫كتاب العتصام‬

‫الباب الثان ف ذم البدع وسوء منقلب أصحابا‬
‫ل خفاء أن البدع من حيث تصورها يعلم العاقل ذمها ‪ ،‬لن اتباعها خروج عن الصراط الستقيم‬
‫ورمي ف عماية ‪ .‬وبيان ذلك من جهة النظر ‪ ،‬والنقل الشرعي العام ‪.‬‬
‫أما النظر فمن وجوه ‪:‬‬
‫أحدها ‪ :‬أنه قد علم بالتجارب والبة السارية ف العال من أول الدنيا إل اليوم أن العقول غي‬
‫مستقلة بصالها ‪ ،‬استجلبا لا ‪ ،‬أو مفاسدها ‪ ،‬استدفاعا لا ‪ .‬لنا إما دنيوية أو أخروية ‪.‬‬
‫فأما الدنيوية فل يستقل باستدراكها على التفصيل البتة ل ف ابتداء وضعها أولً ‪ ،‬ول ف استدراك ما‬
‫عسى أن يعرض ف طريقها ‪ ،‬إما ف السوابق ‪ ،‬وإما ف اللواحق ‪ ،‬لن وضعها أولً ل يكن إل بتعليم‬
‫ال تعال ‪.‬‬
‫لن آدم عليه السلم لا أنزل إل الرض علم كيف يستجلب مصال دنياه إذ ل يكن ذلك من معلومة‬
‫أو ًل ‪ ،‬إل على قول من قال ‪ :‬إن ذلك داخل تت مقتضى قول ال تعال ‪ " :‬وعلم آدم الساء كلها‬
‫" وعند ذلك يكون تعليما غي عقلي ‪ .‬ث توارثته ذريته كذلك ف الملة ‪ .‬لكن فرعت العقول من‬
‫أصولا تفريعا تتوهم استقللا به ‪.‬‬
‫ودخل ف الصول الدواخل حسبما أظهرت ذلك أزمنة الفترات ‪ ،‬إذ ل تر مصال الفترات على‬
‫استقامة ‪ ،‬لوجود الفت والرج ‪ ،‬وظهور أوجه الفساد ‪.‬‬
‫فلول أن من ال على اللق ببعثة النبياء ل تستقم لم حياة ‪ ،‬ول جرت أحوالم على كمال‬
‫مصالهم وهذا معلوم بالنظر ف أخبار الولي والخرين ‪.‬‬
‫ل ‪ .‬فإن‬
‫وأما الصال الخروية ‪ ،‬فأبعد عن مصال العقول من جهة وضع أسبابا ‪ ،‬وهي العبادات مث ً‬
‫العقل ل يشعر با على الملة ‪ ،‬فضلً عن العلم با على التفصيل ‪.‬‬
‫ومن جهة تصور الدار الخرى وكونا آتية فل بد وأنا دار جزاء على العمال فإن الذي يدرك‬
‫العقل من ذلك مرد المكان أن يشعر با ‪.‬‬
‫ول يغترن ذو الجى بأحوال الفلسفة الدعي لدراك الحوال الخروية بجرد العقل ‪ ،‬قبل النظر ف‬
‫الشرع ‪ ،‬فإن دعواهم بألسنتهم ف السألة بلف ما عليه المر ف نفسه ‪ .‬لن الشرائع ل تزل واردة‬
‫على بن آدم من جهة الرسل ‪ .‬والنبياء أيضا ل يزالوا موجودين ف العال وهم أكثر ‪ .‬وكل ذلك من‬
‫لدن آدم عليه السلم إل أن انتهت بذه الشريعة الحمدية ‪.‬‬
‫غي أن الشريعة كانت إذا أخذت ف الدروس بعث ال نبيا من أنبيائه يبي للناس ما خلقوا لجله وهو‬
‫التعبد ل ‪ .‬فل بد أن يبقى من الشريعة الفروضة ‪ ،‬ما بي زمان أخذها ف الندراس وبي إنزال‬
‫الشريعة بعدها ـ بعض الصول العلومة ‪.‬‬
‫‪17‬‬

‫الشاطبي‬

‫كتاب العتصام‬

‫فأتى الفلسفة إل تلك الصول فتلقفوها أو تلقفوا منها ‪ ،‬فأرادوا أن يرجوه على مقتضى عقولم ‪،‬‬
‫وجعلوا ذلك عقليا ل شرعيا ‪ ،‬وليس المر كما زعموا ‪.‬‬
‫فالعقل غي مستقل البتة ‪ .‬ول ينبن على غي أصل ‪ ،‬وإنا ينبن على أصل متقدم مسلم على الطلق‬
‫‪ .‬ول يكن ف أحوال الخرة قبلهم أصل مسلم إل من طريق الوحي ‪.‬‬
‫ولذا العن بسط سيأت إن شاء ال ‪.‬‬
‫فعلى الملة ‪ ،‬العقول ل تستقل بإدراك مصالها دون الوحي ‪ .‬فالبتداع مضاد لذا الصل ‪ ،‬لنه‬
‫ليس له مستند شرعي بالفرض ‪ ،‬فل يبقى إل ما ادعوه من العقل ‪ .‬فالبتدع ليس على ثقة من بدعته‬
‫أن ينال بسبب العمل با ‪ ،‬ما رام تصيله من جهتها ‪ ،‬فصارت كالعبث ‪.‬‬
‫هذا إن قلنا ‪ :‬إن الشرائع جاءت لصال العباد ‪.‬‬
‫وأما على القول الخر فأحرى أن ل يكون صاحب البدعة على ثقة منها ‪ ،‬لنا إذ ذاك مرد تعبد‬
‫وإلزام من جهة المر للمأمور ‪ .‬والعقل بعزل عن هذه الطة حسبما تبي ف علم الصول ‪ .‬وناهيك‬
‫من نلة ينتحلها صاحبها ف أرفع مطالبة ل ثقة با ‪ ،‬ويلقي من يدها ما هو على ثقة منه ‪.‬‬
‫والثان ‪ :‬أن الشريعة جاءت كاملة ل تتمل الزيادة ول النقصان ‪ ،‬لن ال تعال قال فيها ‪" :‬اليوم‬
‫أكملت لكم دينكم وأتمت عليكم نعمت ورضيت لكم السلم دينا " ‪.‬‬
‫وف حديث العرباض بن سارية ‪:‬‬
‫"وعظنا رسول ال صلى ال عليه وسلم موعظة ذرفت منها العي ووجلت منها القلوب ‪ ،‬فقلنا ‪ :‬يا‬
‫رسول ال ‪ ،‬إن هذه موعظة مودع فما تعهد إلينا ؟ قال ‪ :‬تركتكم على البيضاء ليلها كنهارها ‪ ،‬ول‬
‫يزيغ عنها بعدي إل هالك ‪ ،‬ومن يعش منكم فسيى اختلفا كثيا فعليكم با عرفتم من سنت وسنة‬
‫الراشدين من بعدي " الديث ‪.‬‬
‫وثبت أن النب صلى ال عليه وسلم ل يت حت أتى ببيان جيع ما يتاج إليه ف أمر الدين والدنيا‬
‫وهذا ل مالف عليه من أهل السنة ‪.‬‬
‫فإذا كان كذلك ‪ ،‬فالبتدع إنا مصول قوله بلسان حالة أو مقالة ‪ :‬إن الشريعة ل تتم ‪ ،‬وأنه بقي‬
‫منها أشياء يب أو يستحب استدراكها ‪ ،‬لنه لو كان معتقدا لكمالا وتامها من كل وجه ‪ ،‬ل‬
‫يبتدع ول استدرك عليها وقائل هذا ضال عن الصراط الستقيم ‪.‬‬
‫قال ابن الاجشون ‪ :‬سعت مالكا يقول ‪ :‬من ابتدع ف السلم بدعة يراها حسنة زعم أن ممدا‬
‫صلى ال عليه وسلم خان الرسالة ‪ ،‬لن ال يقول ‪ " :‬اليوم أكملت لكم دينكم " فما ل يكن يومئذ‬
‫دينا ‪ ،‬فل يكون اليوم دينا ‪.‬‬
‫والثالث ‪ :‬أن البتدع معاند للشرع ومشاق له ‪ ،‬لن الشارع قد عي لطالب العبد طرقا خاصة على‬
‫وجوه خاصة ‪ ،‬وقصر اللق عليها بالمر والنهي والوعد والوعيد وأخب أن الي فيها ‪ ،‬وأن الشر ف‬
‫‪18‬‬

‫الشاطبي‬

‫كتاب العتصام‬

‫تعديها ـ إل غي ذلك ‪ ،‬لن ال يعلم ونن ل نعلم ‪ ،‬وأنه إنا أرسل الرسول صلى ال عليه وسلم‬
‫رحة للعالي ‪ .‬فالبتدع راد لذا كله ‪ ،‬فإنه يزعم أن ث طرقا أخر ‪ ،‬ليس ما حصره الشارع‬
‫بحصور ‪ ،‬ول ما عينه بتعي ‪ ،‬كأن الشارع يعلم ‪ ،‬ونن أيضا نعلم ‪ .‬بل ربا يفهم من استدراكه‬
‫الطرق على الشارع ‪ ،‬أنه علم ما ل يعلمه الشارع ‪.‬‬
‫وهذا إن كان مقصودا للمبتدع فهو كفر بالشريعة والشارع ‪ ،‬وإن كان غي مقصود فهو ضلل مبي‬
‫‪.‬‬
‫وإل هذا العن أشار عمر بن عبد العزيز رضي ال عنه ‪ ،‬إذ كتب له عدي بن أرطأة يستشيه ف‬
‫بعض القدرية ‪ ،‬فكتب إليه ‪:‬‬
‫أما بعد ‪ ،‬فإن أوصيك يتقوى ال والقتصاد ف أمره واتباع سنة نبيه صلى ال عليه وسلم ‪ ،‬وترك ما‬
‫أحدث الحدثون فيما قد جرت سنته وكفوا مؤنته ‪ ،‬فعليك بلزوم السنة ‪ ،‬فإن السنة إنا سنها من قد‬
‫عرف ما ف خلفها من الطأ والزلل والمق والتعمق ‪ ،‬فارض لنفسك با رضي به القوم لنفسهم ‪،‬‬
‫فإنم على علم وقفوا ‪ ،‬وببصر نافذ قد كفوا وهم كانوا على كشف المور أقوى ‪ ،‬وبفضل كانوا‬
‫فيه أحرى ‪ .‬فلئن قلتم ‪ :‬أمر حدث بعدهم ‪ ،‬ما أحدثه بعدهم إل من اتبع غي سننهم ‪ ،‬ورغب بنفسه‬
‫عنهم ‪ ،‬إنم لم السابقون ‪ ،‬فقد تكلموا منه با يكفي ‪ ،‬ووصفوا منه ما يشفي ‪ ،‬فما دونم مقصرا ‪،‬‬
‫وما فوقهم مسر ‪ ،‬لقد قصر عنهم آخرون فغلوا وأنم بي ذلك لعلى هدى مستقيم ‪.‬‬
‫ث ختم الكتاب بكم مسألته ‪.‬‬
‫فقوله فإن السنة إنا سنها من قد عرف ما ف خلفها فهو مقصود الستشهاد ‪.‬‬
‫والرابع ‪ :‬أن البتدع قد نزل نفسه منلة الضاهي للشارع ‪ ،‬لن الشارع وضع الشرائع وألزم اللق‬
‫الري على سننها ‪ ،‬وصار هو النفرد بذلك ‪ ،‬لنه حكم بي اللق فيما كانوا فيه يتلفون ‪ .‬وإل فلو‬
‫كان التشريع من مدركات اللق ل تزل الشرائع ‪ ،‬ول يبق اللف بي الناس ‪ .‬ول احتيج إل بعث‬
‫الرسل عليهم السلم ‪.‬‬
‫هذا الذي ابتدع ف دين ال قد صي نفسه نظيا ومضاهيا حيث شرع مع الشارع ‪ ،‬وفتح للختلف‬
‫بابا ‪ ،‬ورد قصد الشارع ف النفراد بالتشريع وكفى بذلك ‪.‬‬
‫والامس ‪ :‬أنه ابتاع للهوى لن العقل إذا ل يكن متبعا للشرع ل يبق له إل الوى والشهوة ‪ ،‬وأنت‬
‫تعلم ما ف اتباع الوى وأنه ضلل مبي ‪ .‬أل ترى قول ال تعال ‪ " :‬يا داود إنا جعلناك خليفة ف‬
‫الرض فاحكم بي الناس بالق ول تتبع الوى فيضلك عن سبيل ال إن الذين يضلون عن سبيل ال‬
‫لم عذاب شديد با نسوا يوم الساب " ‪.‬‬
‫فحصر الكم ف أمرين ل ثالث لما عنده ‪ ،‬وهو الق والوى ‪ ،‬وعزل العقل مردا إذ ل يكن ف‬
‫العادة إل ذلك ‪ .‬وقال ‪ " :‬ول تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا واتبع هواه " ‪.‬‬
‫‪19‬‬

‫الشاطبي‬

‫كتاب العتصام‬

‫فجعل المر مصورا بي أمرين ‪ ،‬اتباع الذكر ‪ ،‬واتباع الوى ‪ ،‬وقال ‪ " :‬ومن أضل من اتبع هواه‬
‫بغي هدى من ال " ‪.‬‬
‫وهي مثل ما قبلها ‪ .‬وتأملوا هذه الية فإنا صرية ف أن من ل يتبع هدى ال ف هوى نفسه ‪ ،‬فل‬
‫أحد أضل منه ‪.‬‬
‫وهذا شأن اليتدع ‪ ،‬فإنه اتبع هواه بغي هدى من ال ‪ .‬وهدى ال هو القرآن ‪ .‬وما بينته الشريعة‬
‫وبينته الية أن اتباع الوى على ضربي ‪:‬‬
‫أحدها ‪ :‬أن يكون تابعا للمر والنهي فليس بذموم ول صاحبه بضال ‪ .‬كيف وقد قدم الدى‬
‫فاستنار به ف طريق هواه ‪ ،‬وهو شأن الؤمن التقي ‪.‬‬
‫والخر ‪ :‬أن يكون هواه هو القدم بالقصد الول ‪ ،‬كان المر والنهي تابعي بالسنة إليه أو غي تابعي‬
‫وهو الذموم ‪.‬‬
‫والبتدع قدم هوى نفسه على هدى ال فكان أضل الناس وهو يظن أنه على هدى ‪.‬‬
‫وقد انر هنا معن يتأكد التنبيه عليه ‪ ،‬وهو أن الية الذكورة عينت للتباع ف الحكام الشرعية‬
‫طريقي ‪:‬‬
‫أحدها ‪ :‬الشريعة ‪ ،‬ول مرية ف أنا علم وحق وهدى ‪ ،‬والخر ‪ :‬الوى وهو الذموم ‪ ،‬لنه ل يذكر‬
‫ف القرآن إل ف سياق الذم ‪ ،‬ول يعل ث طريقا ثالثا ‪ .‬ومن تتبع اليات ‪ ،‬ألفى ذلك كذلك ‪.‬‬
‫ث العلم الذي أحيل عليه والق الذي حد إنا هو القرآن وما نزل من عند ال ‪ ،‬كقوله تعال ‪" :‬قل‬
‫آلذكرين حرم أم النثيي أما اشتملت عليه أرحام النثيي نبئون بعلم إن كنتم صادقي" وقال بعد‬
‫ذلك ‪" :‬أم كنتم شهداء إذ وصاكم ال بذا فمن أظلم من افترى على ال كذبا ليضل الناس بغي علم‬
‫" وقال ‪" :‬قد خسر الذين قتلوا أولدهم سفها بغي علم وحرموا ما رزقهم ال افتراء على ال قد‬
‫ضلوا وما كانوا مهتدين " ‪ .‬وهذا كله لتباع أهوائهم ف التشريع بغي هدى من ال ‪ ،‬وقال ‪" :‬ما‬
‫جعل ال من بية ول سائبة ول وصيلة ول حام ولكن الذين كفروا يفترون على ال الكذب " ‪.‬‬
‫وهو اتباع الوى ف التشريع ‪ ،‬إذ حقيقته افتراء على ال ‪ .‬وقال ‪" :‬أفرأيت من اتذ إله هواه وأضله‬
‫ال على علم وختم على سعه وقلبه وجعل على بصره غشاوة فمن يهديه من بعد ال " أي ل يهديه‬
‫دون ال شيء ‪ .‬وذلك بالشرع ل بغيه وهو الدى ‪.‬‬
‫وإذا ثبت هذا وأن المر دائر بي الشرع والوى ‪ ،‬تزلزلت قاعدة حكم العقل الجرد ‪ ،‬فكأنه ليس‬
‫للعقل ف هذا اليدان مال إل من تت نظر الوى ‪ ،‬فهو إذا اتباع الوى بعينه ف تشريع الحكام ‪.‬‬
‫ودع النظر العقلي ف العقولت الحضة فل كلم فيه هنا ‪ ،‬وإن كان أهله قد زلوا أيضا بالبتداع‬
‫فإنا زلوا من حيث ورود الطاب ومن حيث التشريع ‪ ،‬ولذلك عذر الميع قبل إرسال الرسل ‪،‬‬

‫‪20‬‬

‫الشاطبي‬

‫كتاب العتصام‬

‫أعن ف خطئهم ف التشريعات والعقليات ‪ ،‬حت جاءت الرسل فلم يبق لحد حجة يستقيم إليها‬
‫"رسل مبشرين ومنذرين لئل يكون للناس على ال حجة بعد الرسل " ول الجة البالغة ‪.‬‬
‫فهذه قاعدة ينبغي أن تكون من بال الناظر ف هذا القام ‪ ،‬وإن كانت أصولية فهذه نكتتها مستنبطة‬
‫من كتاب ال ‪ .‬انتهى ‪.‬‬
‫فصل ف النقل الوجه الول‬
‫وأما النقل فمن وجوه ‪:‬‬
‫أحدها ‪ :‬ما جاء ف القرآن الكري ما يدل على ذم من ابتدع ف دين ال ف الملة ‪.‬‬
‫فمن ذلك قول ال تعال ‪ " :‬هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات مكمات هن أم الكتاب وأخر‬
‫متشابات فأما الذين ف قلوبم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله وما يعلم تأويله إل‬
‫ال " فهذه الية أعظم الشواهد ‪ .‬وقد جاء ف الديث تفسيها ‪ ،‬فصح " من حديث عائشة رضي‬
‫ال عنها أنا قالت ‪ :‬سألت رسول ال صلى ال عليه وسلم عن قوله ‪" :‬فأما الذين ف قلوبم زيغ‬
‫فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله " قال ‪ :‬فإذا رأيتهم فاعرفيهم" ‪.‬‬
‫وصح عنها أنا قالت ‪ " :‬سئل رسول ال صلى ال عليه وسلم عن هذه الية ‪ " :‬هو الذي أنزل‬
‫عليك الكتاب " إل آخر الية فقال رسول ال صلى ال عليه وسلم ‪ :‬إذا رأيتم الذين يتبعون ما‬
‫تشابه منه فأولئك الذين سى ال فاحذروهم" ‪.‬‬
‫وهذا التفسي مبهم ‪ ،‬ولكنه جاء ف رواية عن عائشة أيضا قالت ‪ ":‬تل رسول ال صلى ال عليه‬
‫وسلم هذه الية ‪ " :‬هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات مكمات " الية ـ قال ‪ :‬فإذا رأيتم‬
‫الذين يادلون فيه ‪ ،‬فهم الذين عن ال فاحذروهم " وهذا أبي لنه جعل علمة الزيغ الدال ف‬
‫القرآن ‪ .‬وهذا الدال مقيد باتباع التشابه ‪.‬‬
‫فإذا الذم إنا لق من جادل فيه بترك الحكم ـ وهو أم الكتاب ومعظمه ـ والتمسك بتشابه ‪.‬‬
‫ولكنه بعد مفتقر إل تفسي أظهر ‪ .‬فجاء " عن أب غالب واسه حزور قال ‪ :‬كنت بالشام فبعث‬
‫الهلب سبعي رأسا من الوارج فنصبوا على درج دمشق ‪ ،‬فكنت على ظهر بيت ل فمر أبو أمامة‬
‫فنلت فاتبعته ‪ ،‬فلما وقف عليهم دمعت عيناه وقال ‪ :‬سبحان ال ! ما يصنع السلطان ببن آدم ! ـ‬
‫قالا ثلثا ـ كلب جهنم كلب جهنم شر قتلى تت ظل السماء ـ ثلث مرات ـ خي قتلى من‬
‫قتلوه ‪ ،‬طوب لن قتلهم أو قتلوه ‪ .‬ث التفت إل فقال ‪ :‬أبا غالب إنك بأرض هم با كثي فاعاذك‬
‫ال منهم قلت ‪ :‬رأيتك بكيت حي رأيتهم قال ‪ :‬بكيت رحة حي رأيتهم كانوا من أهل‬
‫السلم ‪ ،‬هل تقرأ سورة آل عمران ؟ قلت نعم ‪ :‬فقرأ ‪ " :‬هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات‬
‫مكمات هن أم الكتاب " حت بلغ ‪ " :‬وما يعلم تأويله إل ال " وإن هؤلء كان ف قلوبم زيغ بم‬
‫‪21‬‬

‫الشاطبي‬

‫كتاب العتصام‬

‫ث قرأ ‪ " :‬ول تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم البينات " إل قوله " ففي رحة ال‬
‫هم فيها خالدون " قلت ‪ :‬هم هؤلء يا أبا أمامة ؟ قال ‪ :‬نعم ‪ .‬قلت من قبلك تقول أو شيء سعت‬
‫من النب صلى ال عليه وسلم ؟ قال ‪ :‬إن إذا لريء ‪ ،‬بل سعته من رسول ال صلى ال عليه‬
‫وسلم ‪ ،‬ل مرة ول مرتي ـ حت عد سبعا ـ ث قال ‪:‬‬
‫إن بن إسرائيل تفرقوا على إحدى وسبعي فرقة وإن هذه المة تزيد عليها فرقة كلها ف النار إل‬
‫السواد العظم قلت ‪ :‬يا أبا أمامة أل ترى ما فعلوا ؟ قال ‪ " :‬عليه ما حل وعليكم ما حلتم " "‬
‫خرجه إساعيل القاضي وغيه ‪.‬‬
‫وف رواية قال ‪ :‬قال " أل ترى ما فيه السواد العظم " وذلك ف أول خلفة عبد اللك والقتل يومئذ‬
‫ظاهر ‪ .‬قال ‪ :‬عليه ما حل وعليكم ما حلتم وخرجه الترمذي متصرا وقال فيه ‪ :‬حديث حسن ‪،‬‬
‫وخرجه الطحاوي أيضا باختلف ف بعض اللفاظ وفيه فقيل له ‪ :‬يا أبا أمامة تقول لم هذا القول‬
‫ث تبكي ! ـ يعن قوله ‪ :‬شر قتلى ـ إل آخره ـ قال ‪ :‬رحة لم إنم كانوا من أهل السلم‬
‫فخرجوا منه ث تل ‪ " :‬هو الذي أنزل عليك الكتاب " حت ختمها ‪ .‬ث قال ‪ :‬هم هؤلء ث تل‬
‫هذه الية ‪ " :‬يوم تبيض وجوه وتسود وجوه " حت ختمها ‪ .‬ث قال ‪ :‬هم هؤلء ‪.‬‬
‫وذكر الجري عن طاوس قال ‪ :‬ذكر لبن عباس الوارج وما يصيبهم عند قراءة القرآن ‪ ،‬فقال‬
‫يؤمنون بحكمه ‪ ،‬ويضلون عند متشابه ‪ .‬وقرأ ‪ " :‬وما يعلم تأويله إل ال والراسخون ف العلم‬
‫يقولون آمنا به " ‪.‬‬
‫فقد ظهر بذا التفسي أنم أهل البدع ‪ ،‬لن أبا أمامة رضي ال عنه جعل الوارج داخلي ف عموم‬
‫الية ‪ ،‬وأنا تتنل عليهم ‪ .‬وهم من أهل البدع عند العلماء ‪ ،‬إما على أنم خرجوا ببدعتهم عن أهل‬
‫السلم ‪ ،‬وإما على أنم من أهل السلم ل يرجوا عنهم ‪ ،‬على اختلف العلماء فيهم ‪.‬‬
‫وجعل هذه الطائفة من ف قلوبم زيغ فزيغ بم ‪ .‬وهذا الوصف موجود ف أهل البدع كلهم ‪ ،‬مع أن‬
‫لفظ الية عام وف غيهم من كان على صفاتم ‪.‬‬
‫أل ترى أن صدر هذه السورة غنما نزل ف نصارى نران ومناظرتم لرسول ال صلى ال عليه وسلم‬
‫ف اعتقادهم ف عيسى عليه السلم ‪ ،‬حيث تأولوا عليه أنه الله أو أنه ابن ال أو أنه ثالث ثلثة ‪،‬‬
‫بأوجه متشابة وتركوا ما هو الواضح ف عبوديته حسبما نقله أهل السي! ث تأوله العلماء من السلف‬
‫الصال على قضايا دخل أصحابا تت حكم اللفظ كالوارج فهي ظاهرة ف العموم ‪.‬‬
‫ث تل أبو أمامة الية الخرى ‪ ،‬وهي قوله سبحانه ‪ " :‬ول تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما‬
‫جاءهم البينات " إل قوله ‪ " :‬ففي رحة ال هم فيها خالدون " وفسرها بعن ما فسر به الية‬
‫الخرى ‪ ،‬فهي الوعيد والتهديد لن تلك صفته ‪ ،‬ونى الؤمني أن يكونوا مثلهم ‪.‬‬

‫‪22‬‬

‫الشاطبي‬

‫كتاب العتصام‬

‫ونقل عبيد عن حيد بن مهران قال ‪ :‬سألت السن كيف يصنع أهل هذه الهواء البيثة بذه الية‬
‫ف آل عمران ‪ " :‬ول تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم البينات " قال ‪ :‬نبذوها‬
‫ورب الكعبة وراء ظهورهم ‪.‬‬
‫وعن أب أمامة أيضا قال ‪ :‬هم الرورية ‪.‬‬
‫وقال ابن وهب ‪ :‬سعت مالكا يقول ‪ :‬ما آية ف كتاب ال أشد على أهل الختلف من أهل‬
‫الهواء من هذه الية ‪ " :‬يوم تبيض وجوه " إل قوله ‪ " :‬با كنتم تكفرون " قال مالك ‪ :‬فاي كلم‬
‫أبي من هذا ؟ فرأيته يتأولا لهل الهواء ‪ .‬ورواه ابن القاسم وزاد ‪ :‬قال ل مالك ‪ :‬إنا هذه الية‬
‫لهل القبلة ‪ .‬وما ذكره ف الية قد نقل عن غي واحد كالذي تقدم للحسن ‪.‬‬
‫وعن قتادة ف قوله تعال ‪ " :‬كالذين تفرقوا واختلفوا " يعن أهل البدع ‪.‬‬
‫وعن ابن عباس ف قوله ‪ " :‬يوم تبيض وجوه وتسود وجوه " قال ‪ :‬تبيض وجوه أهل السنة ‪ ،‬وتسود‬
‫وجوه أهل البدعة ‪.‬‬
‫ومن اليات قوله تعال ‪ " :‬وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ول تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله‬
‫ذلكم وصاكم به لعلكم تتقون " فالصراط الستقيم هو سبيل ال الذي دعا عليه وهو السنة ‪ ،‬والسبل‬
‫هي سبل الختلف الائدين عن الصراط الستقيم وهم أهل البدع ‪ .‬وليس الراد سبل العاصي ‪ ،‬لن‬
‫العاصي من حيث هي معاص ل يضعها أحد طريقا تسلك دائما على مضاهاة التشريع ‪ .‬وإنا هذا‬
‫الوصف خاص بالبدع الحدثات ‪.‬‬
‫ويدل على هذا ما روى إساعيل عن سليمان بن حرب ‪ ،‬قال ‪ :‬حدثنا حاد بن زيد عن عاصم بن‬
‫بدلة عن أب وائل عن عبد ال قال ‪:‬‬
‫ل ‪ ،‬وخط‬
‫ل ‪ ،‬وخط لنا سليمان خطا طوي ً‬
‫"خط لنا رسول ال صلى ال عليه وسلم يوما خطا طوي ً‬
‫عن يينه وعن يساره فقال ‪ :‬هذا سبيل ال ث خط لنا خطوطا عن يينه ويساره وقال ‪ :‬هذه سبل‬
‫وعلى كل سبيل منها شيطان يدعو إليه ث تل هذه الية ‪ " :‬وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ول‬
‫تتبعوا السبل " ـ يعن الطوط ـ "فتفرق بكم عن سبيله" "‪.‬‬
‫وعن عمر بن سلمة المدان قال ‪ :‬كنا جلوسا ف حلقة ابن مسعود ف السجد وهو بطحاء قبل أن‬
‫يصب ‪ .‬فقال له عبيد ال بن عمر بن الطاب ‪ ،‬وكان أتى غازيا ‪ :‬ما الصراط الستقيم يا أبا عبد‬
‫الرحن ؟ قال ‪ :‬هو ورب الكعبة الذي ثبت عليه أبوك حت دخل النة ‪ .‬ث حلف على ذلك ثلث‬
‫أيان ولء ‪ ،‬ث خط ف البطحاء ‪ ،‬خطا بيده وخط بنبيه خطوطا وقال ‪ :‬ترككم نبيكم صلى ال‬
‫عليه وسلم على طرفه وطرفه الخر ف النة ‪ ،‬فمن ثبت عليه دخل النة ‪ ،‬ومن أخذ ف هذه الطوط‬
‫هلك ‪.‬‬

‫‪23‬‬

‫الشاطبي‬

‫كتاب العتصام‬

‫وف رواية ‪ :‬يا أبا عبد الرحن ‪ ،‬ما الصراط الستقيم ؟ قال ‪ :‬تركنا رسول ال صلى ال عليه وسلم ف‬
‫أدناه وطرفه ف النة ‪ ،‬وعن يينه جواد وعن يساره جواد ؟ وعليها رجال يدعون من مر بم ‪ :‬هلم‬
‫لك ‪ ،‬فمن أخذ منهم ف تلك الطرق انتهت به إل النار ‪ ،‬ومن استقام إل الطريق العظم أنتهى به‬
‫إل النة ‪ .‬ث تل ابن مسعود ‪ " :‬وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه " الية كلها ‪.‬‬
‫وعن ماهد ف قوله ‪ " :‬ول تتبعوا السبل " قال ‪ :‬البدع والشبهات ‪.‬‬
‫وعن عبد الرحن بن مهدي ‪ :‬قد سئل مالك بن أنس عن السنة قال ‪ :‬هي ما ل إسم له غي السنة ‪،‬‬
‫تل ‪ " :‬وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ول تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله " ‪.‬‬
‫قال بكر بن العلء ‪ :‬يريد ـ إن شاء ال ـ حديث ابن مسعود"أن النب صلى ال عليه وسلم خط له‬
‫خطا" ‪ ،‬وذكر الديث ‪.‬‬
‫فهذا التفسي يدل على شول الية لميع طرق البدع ل تتص ببدعة دون أخرى ‪.‬‬
‫ومن اليات قول ال تعال ‪ " :‬وعلى ال قصد السبيل ومنها جائر ولو شاء لداكم أجعي " فالسبيل‬
‫القصد هو طريق الق ‪ ،‬وما سواه جار عن الق ‪ ،‬أي عادل عنه ‪ ،‬وهي طرق البدع والضللت ‪،‬‬
‫أعاذنا ال من سلوكها بفضله ‪ .‬وكفى بالائر أن يذر منه ‪ .‬فالساق يدل على التحذير والنهي ‪.‬‬
‫وذكر ابن وضاح قال ‪ :‬سئل عاصم بن بدلة وقيل له ‪ :‬أبا بكر ‪ ،‬هل رأيت قول ال تعال ‪ " :‬وعلى‬
‫ال قصد السبيل ومنها جائر ولو شاء لداكم أجعي " قال ‪ :‬حدثنا أبو وائل عن عبد ال بن مسعود‬
‫قال ‪ ":‬خط عبد ال خطا مستقيما وخط خطوطا عن يينه وخطوطا عن شاله ‪ ،‬فقال ‪ :‬خط رسول‬
‫ال صلى ال عليه وسلم هكذا ‪ ،‬فقال للخط الستقيم ‪ :‬هذا سبيل ال وللخطوط الت عن يينه وشاله‬
‫‪ :‬هذه سبل متفرقة على كل سبيل منها شيطان يدعوإليه" والسبيل مشتركة قال ال تعال ‪ " :‬وأن‬
‫هذا صراطي مستقيما فاتبعوه " إل آخرها ‪.‬‬
‫عن التستري ‪ :‬قصد السبيل طريق السنة ‪ ،‬ومنها جائر والتقصي ‪ ،‬وذلك يفيد أن الائر هو الغال‬
‫أو القصر ‪ ،‬وكلها من أوصاف البدع ‪.‬‬
‫وعن علي رضي ال عنه أنه كان يقرؤها و منكم جائر ‪ .‬قالوا ‪ :‬يعن هذه المة ‪ ،‬فكأن هذه الية‬
‫مع الية قبلها يتواردان على معن واحد ‪.‬‬
‫ومنها قوله تعال ‪" :‬إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا لست منهم ف شيء إنا أمرهم إل ال ث‬
‫ينبئهم با كانوا يفعلون" ‪.‬‬
‫هذه الية قد جاء تفسيها ف الديث من طريق عائشة رضي ال عنها ‪ ،‬قالت ‪ " :‬قال رسول ال‬
‫صلى ال عليه وسلم ‪ :‬يا عائشة "إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا " من هم ؟ قلت ‪ :‬ال وسوله‬
‫أعلم ‪ .‬قال هم أصحاب الهواء وأصحاب البدع وأصحاب الضللة من هذه المة ‪ ،‬يا عائشة إن‬

‫‪24‬‬

‫الشاطبي‬

‫كتاب العتصام‬

‫لكل ذنب توبة ‪ ،‬ما خل أصحاب الهواء والبدع ليس لم توب ًة ‪ ،‬وأنا بريء منهم وهم من برآء‪ ".‬؟‬
‫‪.‬‬
‫قال ابن عطية ‪ :‬هذه الية نعم أهل الهواء والبدع الشذوذ ف الفروع وغي ذلك من أهل التعمق ف‬
‫الدال والوض ف الكلم ‪ .‬هذه كلها عرضة للزلل ومظنة لسوء العتقد ‪ .‬ويريد ـ وال أعلم ـ‬
‫بأهل التعمق ف الفروع ما ذكره أبو عمر بن عبد الب ف فصل ذم الرأي من كتاب العلم له ‪ ،‬وسيأت‬
‫ذكره بول ال ‪.‬‬
‫وحكى ابن بطال ف شرح البخاري عن أب حنيفة أنه قال ‪ :‬لقيت عطاء بن أب رباح بكة فسألته‬
‫عن شيء فقال ‪ :‬من أين أنت ؟ قلت ‪ :‬من أهل الكوفة ‪ ،‬قال ‪ :‬أنت من أهل القرية الذين فرقوا‬
‫دينهم وكانوا شيعا ؟ قلت ‪ :‬نعم ‪ ،‬قال ‪ :‬من أي الصناف أنت ‪ ،‬قلت ‪ :‬من ل يسب السلف ‪،‬‬
‫ويؤمن بالقدر ول يكفر أحدا بذنب ‪ ،‬فقال عطاء ‪ :‬عرفت فالزم ‪.‬‬
‫وعن السن قال ‪ :‬خرج علينا عثمان بن عفان رضي ال عنه يوما يطبنا ‪ ،‬فقطعوا عليه كلمه ‪،‬‬
‫فتراموا بالبطحاء ‪ ،‬حت جعلت ما أبصر أدي السماء ‪ ،‬قال ‪ :‬وسعنا صوتا من بعض حجر أزواج‬
‫النب صلى ال عليه وسلم ‪ ،‬فقيل ‪ :‬هذا صوت أم الؤمني ‪ ،‬قال ‪ :‬فسمعتها وهي تقول ‪ :‬أل إن‬
‫نبيكم قد برىء من فرق دينه واحتزب ‪ ،‬وتلت ‪" :‬إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا لست منهم ف‬
‫شيء " ‪.‬‬
‫قال القاضي إساعيل ‪ :‬أحسبه يعن بقوله ‪ :‬أم الؤمني أم سلمة ‪ ،‬وأن ذلك قد ذكر ف يعض‬
‫الديث ‪ ،‬وقد كانت عائشة ف ذلك الوقت حاجة ‪.‬‬
‫وعن أب هريرة أنا نزلت ف هذه المة ‪ .‬وعن أب أمامة هم الوارج ‪.‬‬
‫قال القاضي ظاهر القرآن يدل على أن كل من ابتدع ف الدين بدعة من الوارج وغيهم فهو داخل‬
‫ف هذه الية ‪ ،‬لنم إذا ابتدعوا تادلوا وتاصموا وتفرقوا وكانوا شيعا ‪.‬‬
‫ومنها قوله تعال ‪ " :‬ول تكونوا من الشركي * من الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا كل حزب با‬
‫لديهم فرحون " ‪.‬‬
‫قرىء فارقوا دينهم وفسر عن أب هريرة أنم الوارج ‪ .‬ورواه أبو أمامة مرفوعا‪.‬‬
‫وقيل ‪ :‬هم أصحاب الهواء والبدع ‪ .‬قالوا ‪ :‬روته عائشة رضي ال عنها مرفوعا إل النب صلى ال‬
‫عليه وسلم ‪ .‬وذلك لن هذا شأن من ابتدع حسبما قاله إساعيل القاضي وكما تقدم ف الي الخر‬
‫‪.‬‬
‫ومنها قوله تعال ‪" :‬قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذابا من فوقكم أو من تت أرجلكم أو‬
‫يلبسكم شيعا ويذيق بعضكم بأس بعض انظر كيف نصرف اليات لعلهم يفقهون" ‪.‬‬

‫‪25‬‬

‫الشاطبي‬

‫كتاب العتصام‬

‫فعن ابن عباس أن لبسكم شيعا هو الهوء الختلفة ‪ ،‬ويكون على هذا قوله ‪ " :‬ويذيق بعضكم بأس‬
‫بعض " تكفي البعض للبعض حت يتقاتلوا ‪ ،‬كما جرى للخوارج حي خرجوا على أهل السنة‬
‫والماعة ‪ .‬وقيل معن "أو يلبسكم شيعا " ما فيه إلباس من الختلف ‪.‬‬
‫وقال ماهد وأبو العالية ‪ :‬إن الية لمة ممد صلى ال عليه وسلم ‪ .‬قال أبو العالية ‪ :‬هن أربع ‪ ،‬ظهر‬
‫اثنتان بعد وفاة النب صلى ال عليه وسلم بمس وعشرين سنة ‪ ،‬فألبسوا شيعا وأذيق بعضكم بأس‬
‫بعض ‪ ،‬وبقيت اثنتان ‪ ،‬فهما ول بد واقعتان ‪ ،‬السف من تت أرجلكم والسخ من فوقكم ‪ ،‬وهذا‬
‫كله صريح ف أن اختلف الهواء مكروه غي مبوب ومذموم غي ممود ‪.‬‬
‫وفيما نقل عن ماهد ف قول ال ‪" :‬ول يزالون متلفي * إل من رحم ربك ولذلك خلقهم" قال ف‬
‫الختلفي ‪ :‬إنم أهل الباطل ‪" .‬إل من رحم ربك " قال ‪ :‬فإن أهل الق ليس فيهم اختلف ‪.‬‬
‫وروي عن مطرف بن الشخي أنه قال ‪ :‬لو كانت الهواء واحدا لقال القائل ‪ :‬لعل الق فيه ‪ .‬فلما‬
‫تشعبت وتفرقت عرف كل ذي عقل أن الق ل يتفرق ‪.‬‬
‫وعن عكرمة " ول يزالون متلفي " يعن ف الهواء "إل من رحم ربك " هم أهل السنة ‪.‬‬
‫ونقل أبو بكر ثابت الطيب عن منصور بن عبد ال بن الرحن قال ‪ :‬كنت جالسا عند السن‬
‫ورجل خلفي قاعد فجعل يأمرن أن أسأله عن قول ال ‪" :‬ول يزالون متلفي" قال ‪ :‬نعم ل يزالون‬
‫متلفي على أديان شت إل من رحم ربك فمن رحم غي متلف ‪.‬‬
‫وروى ابن وهب ‪ ،‬عن عمر بن عبد العزيز ‪ ،‬ومالك بن أنس أن أهل الرحة ل يتلفون ‪.‬‬
‫ولذه الية بسط يأت بعد إن شاء ال ‪.‬‬
‫وف البخاري عن عمرو عن مصعب قال ‪ :‬سألت أب عن قوله تعال ‪" :‬قل هل ننبئكم بالخسرين‬
‫أعمال" هم الرورية ؟ قال ‪ :‬ل ‪ :‬هم اليهود والنصارى ‪ ،‬أما اليهود فكذبوا ممدا صلى ال عليه‬
‫وسلم ‪ ،‬وأما النصارى فكذبوا بالنة وقالوا ‪ :‬ل طعام فيها ول شراب ‪ .‬والرورية "الذين ينقضون‬
‫عهد ال من بعد ميثاقه" وكان شعبه يسميهم الفاسقي ‪.‬‬
‫وف تفسي سعيد بن منصور ‪ ،‬عن مصعب بن سعد قال ‪ :‬قلت لب ‪" :‬الذين ضل سعيهم ف الياة‬
‫الدنيا وهم يسبون أنم يسنون صنعا " أهم الرورية ؟ قال ‪ :‬ل ! أولئك أصحاب الصوامع ‪ .‬ولكن‬
‫الرورية الذين قال ال فيهم ‪" :‬فلما زاغوا أزاغ ال قلوبم " ‪.‬‬
‫وخرج عبد بن حيد ف تفسيه هذا العن بلفظ آخر عن مصعب بن سعد فأتى على هذه الية ‪" :‬قل‬
‫هل ننبئكم بالخسرين أعمال" إل قوله ‪ " :‬يسنون صنعا " قلت ‪ :‬أهم الرورية ؟ قال ‪ :‬ل ! هم‬
‫اليهود والنصارى ‪ ،‬أما اليهود فكفروا بحمد صلى ال عليه وسلم ‪ ،‬وأما النصارى فكفروا بالنة‬
‫وقالوا ‪ :‬ليس فيها طعام ول شراب ‪ ،‬ولكن الرورية ‪" :‬الذين ينقضون عهد ال من بعد ميثاقه‬
‫ويقطعون ما أمر ال به أن يوصل ويفسدون ف الرض "‬
‫‪26‬‬

‫الشاطبي‬

‫كتاب العتصام‬

‫فالول ‪ :‬لنم خرجوا عن طريق الق بشهادة رسول ال صلى ال عليه وسلم ‪ ،‬لنم تأولوا‬
‫التأويلت الفاسدة ‪ ،‬وكذا فعل البتدعة وهو بابم الذي دخلوا فيه ‪.‬‬
‫والثان ‪ :‬لنم تصرفوا ف أحكام القرآن والسنة هذا التصرف ‪.‬‬
‫فأهل حروراء وغيهم من الوارج قطعوا قوله تعال ‪" :‬إن الكم إل ل" عن قوله ‪" :‬يكم به ذوا‬
‫عدل " وغيها ‪.‬‬
‫وكذا فعل سائر البتدعة حسبما يأتيك بول ال ‪.‬‬
‫ومنه روى عمرو بن مهاجر قال ‪ :‬بلغ عمر بن عبد العزيز رحه ال أن غيلن القدري يقول ف القدر‬
‫‪ ،‬فيعث إليه فحجبه أياما ‪ ،‬ث أدخله عليه فقال يا غيلن! ما هذا الذي بلغن عنك ؟ قال عمرو بن‬
‫مهاجر ‪ :‬فأشرت إليه أل يقول شيئا ‪ .‬قال فقال ‪ :‬نعم يا أمي الؤمني ‪ :‬إن ال عز وجل يقول "هل‬
‫أتى على النسان حي من الدهر ل يكن شيئا مذكورا * إنا خلقنا النسان من نطفة أمشاج نبتليه‬
‫فجعلناه سيعا بصيا" "إنا هديناه السبيل إما شاكرا وإما كفورا" قال عمر إقرأ إل آخر السورة ‪" :‬وما‬
‫تشاؤون إل أن يشاء ال إن ال كان عليما حكيما * يدخل من يشاء ف رحته والظالي أعد لم‬
‫عذابا أليما" ث قال ‪ :‬ما تقول يا غيلن ؟ قال أقول ‪ :‬قد كنت أعمى فبصرتن ‪ ،‬وأصم فأسعتن ‪،‬‬
‫وضالً فهديتن ‪ .‬فقال عمر ‪ :‬اللهم إن كان عبدك غيلن صادقا وإل فاصلبه ! قال فأمسك عن‬
‫الكلم ف القدر فوله عمر بن عبد العزيز دار الضرب بدمشق ‪ ،‬فلما مات عمر بن عبد العزيز‬
‫وأفضت اللفة إل هشام تكلم ف القدر ‪ ،‬فبعث إليه هشام فقطع يده ‪ ،‬فمر به رجل والذباب على‬
‫يده ‪ ،‬فقال ‪ :‬يا غيلن! هذا قضاء وقدر ‪ .‬قال ‪ :‬كذبت لعمر ال ما هذا قضاء ول قدر ‪ .‬فبعث إليه‬
‫هشام فصلبه ‪.‬‬
‫والثالث ‪ :‬لن الرورية جردوا السيوف على عباد ال وهو غاية الفساد ف الرض ‪ ،‬وذلك كثي من‬
‫أهل البدع شائع ‪ ،‬وسائرهم يفسدون بوجوه من إيقاع العداوة والبغضاء بي أهل السلم ‪.‬‬
‫وهذه الوصاف الثلثة تقتضيها الفرقة الت نبه عليها الكتاب والسنة كقوله تعال ‪" :‬ول تكونوا‬
‫كالذين تفرقوا واختلفوا " وقوله تعال ‪" :‬إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا" وأشباه ذلك ‪.‬‬
‫وف الديث ‪ :‬إن المة تتفرق على بضع وسبعي فرقة ‪.‬‬
‫وهذا التفسي ف الرواية الول لصعب بن سعد أيضا فقد وافق أباه على العن الذكور ‪.‬‬
‫ث فسر سعد بن أب وقاص ف رواية سعيد بن منصور ‪ :‬أن ذلك بسبب الزيغ الاصل فيهم ‪ :‬وذلك‬
‫قوله تعال ‪" :‬فلما زاغوا أزاغ ال قلوبم" وهو راجع إل آية أل عمران ف قوله ‪" :‬فأما الذين ف‬
‫قلوبم زيغ فيتبعون ما تشابه منه" ‪ .‬الية ‪ ،‬فإنه أدخل رضي ال عنه الرورية ف اليتي بالعن ‪ ،‬وهو‬
‫الزيغ ف إحداها ‪ ،‬والوصاف الذكورة ف الخرى لنا فيهم موجودة ‪ .‬فآية الرعد تشمل بلفظها ‪،‬‬
‫لن اللفظ فيها يقتضي العموم لغةً ‪ ،‬وإن حلناها على الكفار خصوصا فهي تعطي أيضا فيهم حكما‬
‫‪27‬‬

‫الشاطبي‬

‫كتاب العتصام‬

‫من جهة ترتيب الزاء على الوصاف الذكورة حسبما هو مبي ف الصول ‪ .‬وكذلك آية الصف‬
‫لنا خاصة بقوم موسى عليه السلم ‪ .‬ومن هنا كان شبعة يسميهم الفاسقي ـ أعن الرورية ـ‬
‫لن معن الية واقع عليهم ‪ .‬وقد جاء فيها ‪" :‬وال ل يهدي القوم الفاسقي" والزيغ أيضا كان‬
‫موجودا فيهم ‪ ،‬فدخلوا ف معن قوله ‪" :‬فلما زاغوا أزاغ ال قلوبم" ومن هنا يفهم أنا ل تتص من‬
‫أهل البدعة بالرورية ‪ ،‬بل تعم كل من اتصف بتلك الوصاف الت أصلها الزيغ ‪ ،‬وهو اليل عن‬
‫الق ابتاعا للهوى ‪ .‬وإنا فسرها سعد رضي ال عنه بالرورية لنه إنا سئل عنهم على الصوص‬
‫وال أعلم ‪ ،‬لنم أول من ابتدع ف دين ال ‪ ،‬فل يقتضي ذلك تصيصا ‪.‬‬
‫وأما السؤال عنها أو ًل ‪ ،‬وهي آية الكهف ‪ ،‬فإن سعدا نفى أن تشمل الرورية ‪.‬‬
‫وقد جاء عن علي بن أب طالب رضي ال عنه أنه فسر الخسرين أعمالً بالرورية أيضا ‪ .‬فروى‬
‫عبد بن حيد عن ابن الطفيل قال ‪ :‬قام ابن الكواء إل علي فقال ‪ :‬يا أمي الؤمني ! من الذين ضل‬
‫سعيهم ف الياة الدنيا وهم يسبون أنم يسنون صنعا ؟ قال ‪ :‬منهم أهل حروراء وهو أيضا‬
‫منقول ف تفسي سفيان الثوري ‪ .‬وف جامع ابن وهب أنه سأله عن الية فقال له ‪ :‬ارق إل أخبك‬
‫ـ وكان على النب ـ فرقى إليه درجتي ‪ ،‬فتناوله بعصا كانت ف يده ‪ ،‬فجعل يضربه با ‪ ،‬ث قال له‬
‫علي ‪ :‬أنت وأصحابك ‪ .‬وخرج عبد بن حيد أيضا عن ممد بن جبي بن مطعم قال ‪ :‬أخبن رجل‬
‫من بن أود أن عليا خطب الناس بالعراق وهو يسمع ‪ ،‬فصاح به ابن الكواء من أقصى السجد فقال‬
‫‪ :‬يا أمي الؤمني ! من الخسرين أعمالً ؟ قال ‪ :‬أنت ‪ .‬فقتل ابن الكواء يوم الوارج ‪ .‬ونقل‬
‫بعض أهل التفسي أن ابن الكواء سأله فقال ‪ :‬أنتم أهل حروراء ‪ ،‬وأهل الرياء ‪ ،‬والذين يبطون‬
‫الصنيعة بالنة ‪ .‬فالرواية الول تدل على أن أهل حروراء بعض من شلته الية ‪.‬‬
‫ولا قال سبحانه ف وصفهم ‪" :‬الذين ضل سعيهم ف الياة الدنيا" وصفهم بالضلل مع ظن‬
‫الهتداء ‪ ،‬دل على أنم البتدعون ف أعمالم عموما ‪ ،‬كانوا من أهل الكتاب أولً ‪ ،‬من حيث قال‬
‫النب ‪" :‬كل بدعة ضللة" وسيأت شرح ذلك بعون ال ‪ .‬فقد يتمع التفسيان ف الية ‪ :‬تفسي سعد‬
‫بأنم اليهود والنصارى ‪ ،‬وتفسي علي بأنم أهل البدعة ‪ .‬لنم قد اتفقوا على البتداع ولذلك فسر‬
‫كفر النصارى بأنم تأولوا ف النة غي ما هي عليه ‪ ،‬وهو التأويل بالرأي ‪ .‬فاجتمعت اليات الثلث‬
‫على ذم البدعة ‪ ،‬وأشعر كلم سعد ين أب وقاص بأن كل آية اقتضت وصفا من أوصاف البتدعة‬
‫فهم مقصدون با فيها من الذم والزي وسوء الزاء إما بعموم اللفظ وإما بعن الوصف ‪.‬‬
‫وروى ابن وهب "أن النب صلى ال عليه وسلم أتى بكتاب ف كتف فقال ‪:‬‬
‫كفى بقوم حقا ـ أو قال ضللً ـ أن يرغبوا عما جاءهم به نبيهم إل غي نبيهم ‪ ،‬أو كتاب إل‬
‫غي كتابم فنلت ‪" :‬أول يكفهم أنا أنزلنا عليك الكتاب يتلى عليهم " " ‪.‬‬
‫وخرج عبد الميد عن السن قال ‪ :‬قال رسول ال صلى ال عليه وسلم ‪:‬‬
‫‪28‬‬

‫الشاطبي‬

‫كتاب العتصام‬

‫"من رغب عن سنت فليس من ث تل هذه الية ‪" :‬قل إن كنتم تبون ال فاتبعون يببكم ال" إل‬
‫آخر الية " ‪.‬‬
‫وخرج هو وغيه عن عبد ال بن عباس رضي ال عنه ف قول ال ‪" :‬علمت نفس ما قدمت وأخرت"‬
‫قال ‪ :‬ما قدمت من عمل خيأو شر ‪ ،‬وما أخرت من سنة يعمل با من بعده ‪ .‬وهذا التفسي قد‬
‫يتاج إل تفسي ‪ .‬فروي عن عبد ال قال ‪ :‬ما قدمت من خي وما أخرت من سنة صالة يعمل با‬
‫من بعدها ‪ ،‬فغن له مثل أجر من عمل با ل ينقص ذلك من أجورهم شيئا ‪ ،‬وما أخرت من سنة‬
‫سيئة ‪ ،‬كان عليه مثل وزر من عمل با ل ينقص ذلك من أوزارهم شيئا ‪ :‬أخرجه ابن مبارك وغيه‬
‫‪.‬‬
‫وجاء عن سفيان بن عيينة وأب قلبة وغيها أنم قالوا ‪ :‬كل صاحب بدعة أو فرية ذليل ‪ .‬واستدلوا‬
‫بقول ال تعال ‪" :‬إن الذين اتذوا العجل سينالم غضب من ربم وذلة ف الياة الدنيا وكذلك نزي‬
‫الفترين " ‪.‬‬
‫وخرج ابن وهب عن ماهد ف قول ال ‪" :‬إنا نن نيي الوتى ونكتب ما قدموا وآثارهم" يقول ‪ :‬ما‬
‫قدموا من خي ‪ ،‬وآثارهم الت أورثوا الناس بعدهم من الضللة ‪.‬‬
‫وخرج أيضا عن ابن عون ‪ ،‬عن ممد بن سيين أنه قال ‪ :‬إن أرى أسرع الناس ردةً ‪ ،‬أصحاب‬
‫الهواء ‪" :‬وإذا رأيت الذين يوضون ف آياتنا فأعرض عنهم حت يوضوا ف حديث غيه" ‪.‬‬
‫وذكر الجري عن أب الوزاء أنه ذكر أصحاب الهواء فقال ‪ :‬والذي نفس أب الوزاء بيده لن‬
‫تتلىء داري قردة وخنازير أحب إل من أن ياورن رجل منهم ‪ ،‬ولقد ‪ ،‬دخلوا ف هذه الية ‪" :‬ها‬
‫أنتم أولء تبونم ول يبونكم وتؤمنون بالكتاب كله" إل قوله ‪" :‬إن ال عليم بذات الصدور" ‪.‬‬
‫واليات الصرحة والشية إل ذمهم والنهي عن ملبسة أحوالم كثية ‪ ،‬فلنقتصر على ما ذكرنا ‪،‬‬
‫ففيه ـ إن شاء ال ـ الوعظة لن اتعظ ‪ ،‬والشفاء لا ف الصدور ‪.‬‬
‫فصل الوجه الثان من النقل‬
‫ما جاء ف الحاديث النقولة عن رسول ال صلى ال عليه وسلم ‪ ،‬وهي كثية تكاد تفوت الصر إل‬
‫أنا نذكر منها ما تيسر ما يدل على الباقي ونتحرى ف ذلك ـ بول ال ـ ما هو أقرب إل الصحة‬
‫‪.‬‬
‫فمن ذلك ما ف الصحيح من حديث عائشة رضي ال عنها عن النب صلى ال عليه وسلم قال ‪:‬‬
‫"من أحدث ف أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد" وف رواية لـمسلم ‪ ":‬من عمل عملً ليس عليه أمرنا‬
‫فهو رد" وهذا الديث عده العلماء ثلث السلم ‪ ،‬لنه جع وجه الخالفة لمره عليه السلم ‪.‬‬
‫ويستوي ف ذلك ما كان بدعة أو معصية ‪.‬‬
‫‪29‬‬

‫الشاطبي‬

‫كتاب العتصام‬

‫وخرج مسلم ‪ ،‬عن جابر بن عبد ال "أن رسول ال صلى ال عليه وسلم كان يقول ف خطبته ‪:‬‬
‫أما بعد فإن خي الديث كتاب ال ‪ ،‬وخي الدي هدي ممد ‪ ،‬وشر المور مدثاتا ‪ ،‬وكل بدعة‬
‫ضللة " ‪.‬‬
‫وف رواية قال ‪ " :‬كان رسول ال صلى ال عليه وسلم يطب الناس ‪ ،‬يمد ال ويثن عليه با هو‬
‫أهله ث يقول ‪ :‬من يهده ال فل مضل له ‪ ،‬ومن يضلل فل هادي له ‪ ،‬وخي الديث كتاب ال ‪،‬‬
‫وخي الدي هدي ممد ‪ ،‬وشر المور مدثاتا وكل مدثة بدعة" ‪.‬‬
‫وف رواية للـنسائي "وكل مدثة بدعة ‪ ،‬وكل بدعة ف النار" ‪.‬‬
‫وذكر أن عمر رضي ال عنه كان يطب بذه الطبة ‪ .‬وعن ابن مسعود موقوفا ومرفوعا ‪ :‬أنه كان‬
‫يقول ‪:‬‬
‫إنا ها اثنتان ـ الكلم ‪ ،‬والدى ـ فأحسن الكلم كلم ال ‪ ،‬وأحسن الدى هدى ممد ‪ ،‬أل‬
‫وإياكم ومدثات المور ‪ ،‬فإن شر المور مدثاتا ‪ ،‬إن كل مدثة بدعة ‪ .‬وف لفظ غي أنكم‬
‫ستحدثون ويدث لكم ‪ ،‬فكل مدثة ضللة وكل ضللة ف النار كان ابن مسعود يطب بذا كل‬
‫خيس ‪.‬‬
‫وف رواية أخرى عنه ‪ :‬إنا ها اثنتان ـ الدى والكلم ـ فأفضل الكلم ـ أو أصدق الكلم ـ‬
‫كلم ال ‪ ،‬وأحسن الدى هدى ال بل ممد ‪ ،‬وشر المور مدثاتا ‪ ،‬وكل مدثة بدعة ‪ ،‬أل ل‬
‫يتطاولن عليكم المر فتقسوا قلوبكم ‪ ،‬ول يلهينكم المل ‪ ،‬فإن كل ما هو آت قريب ‪ ،‬أل إن بعيدا‬
‫ما ليس آتيا ‪.‬‬
‫وف رواية أخرى عنه ‪ :‬أحسن الديث كتاب ال ‪ ،‬وأحسن الدى هدى ممد وشر المور مدثاتا ‪،‬‬
‫و " إنا توعدون لت وما أنتم بعجزين " ‪.‬‬
‫وروى ابن ماجة مرفوعا عن ابن مسعود أن رسول ال صلى ال عليه وسلم قال ‪" :‬إياكم ومدثات‬
‫المور ‪ ،‬فإن شر المور مدثاتا ‪ ،‬وإن كل مدثة بدعة وإن كل بدعة ضللة" والشهور أنه موقوف‬
‫على ابن مسعود ‪.‬‬
‫وف الصحيح من حديث أب هريرة قال ‪ :‬قال رسول ال صلى ال عليه وسلم ‪:‬‬
‫"من دعا إل الدى كان له من الجر مثل أجور من يتبعه ل ينقص ذلك من أجورهم شيئا ‪ .‬ومن‬
‫دعا إل ضللة كان عليه من الث مثل آثام من يتبعه ل ينقص ذلك من آثامهم شيئا" ‪.‬‬
‫وف الصحيح أيضا عنه عليه الصلة والسلم أنه قال ‪:‬‬
‫"من سن سنة خي فاتبع عليها فله أجره ‪ .‬ومثل أجور من أتبعه غي منقوص من أجورهم شيء ومن‬
‫سن سنة شر فاتبع عليها كان عليه وزره ومثل أوزار من اتبعه غي منقوص من أوزارهم شيء" خرجه‬
‫الترمذي ‪.‬‬
‫‪30‬‬

‫الشاطبي‬

‫كتاب العتصام‬

‫وروى الترمذي أيضا وصححه ‪ ،‬وأبو داود وغيها عن العرباض بن سارية قال ‪:‬‬
‫"صلى بنا رسول ال صلى ال عليه وسلم ذات يوم ث أقبل علينا فوعظنا موعظةً بليغة ذرفت منها‬
‫العيون ووجلت منها القلوب ‪ .‬فقال قائل ‪ :‬يا رسول ال ؟ كأن هذا موعظة مودع ‪ ،‬فماذا تعهد إلينا‬
‫؟ فقال أوصيكم بتقوى ال والسمع والطاعة لولة المر وإن كان عبدا حبشيا ‪ .‬فإنه من يعيش منكم‬
‫بعدي فسيى اختلفا كثيا ‪ ،‬فعليكم بسنت وسنة اللفاء الراشدين الهديي ‪ ،‬تسكوا با وعضوا‬
‫عليها بالنواجذ ‪ ،‬وإياكم ومدثات المور ‪ ،‬فإن كل مدثة بدعة وكل ضللة " وروى على وجوه‬
‫من طرق ‪.‬‬
‫وف الصحيح "عن حذيفة أنه قال ‪:‬يا رسول ال ! هل بعد هذا الي شر ؟ قال ‪ :‬نعم قوم يستنون‬
‫بغي سنت ‪ ،‬ويهتدون بغي هديي قال فقلت ‪ :‬هل بعد ذلك الشر من شر ؟ قال ‪ :‬نعم دعاة على نار‬
‫جهنم من أجابم قذفوه فيها قلت ‪ :‬يا رسول ال ‪ ،‬صفهم لنا ‪ .‬قال نعم هم من جلدتنا ‪ ،‬ويتكلمون‬
‫بألسنتنا قلت ‪ :‬فما تأمرن إن أدركت ذلك ؟ قال ‪ :‬تلزم جاعة السلمي وإمامهم قلت ‪ :‬فإن ل يكن‬
‫إمام ول جاعة ؟ قال ‪ :‬فاعتزل تلك الفرق كلها ولو أن تعض بأصل شجرة حت يدرك الوت وأنت‬
‫على ذلك" وخرجه البخاري على نو آخر ‪.‬‬
‫وف حديث الصحيفة ‪:‬‬
‫" الدينة حرم ما بي عي إل ثور من أحدث فيها حدثا أو آوى مدثا فعليه لعنة ال واللئكة والناس‬
‫أجعي ‪ ،‬ل يقبل ال منه يوم القيامة صرفا ول عدلً"وهذا الديث ف سياق العموم فيشمل كل‬
‫حدث أحدث فيها ما يناف الشرع ‪ .‬والبدع من أقبح الدث ‪ .‬وقد استدل به مالك ف مسألة تأت‬
‫ف موضعها بول ال ‪ .‬وهو وإن كان متصا بالدينة فغيها أيضا يدخل ف العن ‪.‬‬
‫وف الوطأ من حديث أب هريرة ‪:‬‬
‫"أن رسول ال صلى ال عليه وسلم خرج إل القبة ‪ :‬فقال ‪ :‬السلم عليكم دار قوم مؤمني ‪ ،‬وإنا‬
‫إن شاء ال بكم لحقون" الديث ـ إل أن قال فيه "فليذادن رجال عن حوضي كما يذاد البعي‬
‫الضال ‪ ،‬أناديهم أل هلم ! أل هلم ! فيقال ‪ :‬أنم قد بدلوا بعدك ‪ .‬فأقول ‪ :‬فسحقا ! فسحقا!‬
‫فسحقا " حله جاعة من العلماء على أنم أهل البدع ‪ ،‬وحله آخرون على الرتدين عن السلم ‪.‬‬
‫والذي يدل على الول ما خرجه خثيمة بن سليمان عن يزيد الرقاشي قال ‪ :‬سألت أنس بن مالك‬
‫فقلت ‪ :‬إن ها هنا قوما يشهدون علينا بالكفر والشرك ‪ ،‬ويكذبون بالوض والشفاعة ‪ ،‬فهل سعت‬
‫من رسول ال صلى ال عليه وسلم ف ذلك شيئا ؟ قال ‪ :‬نعم سعت رسول ال صلى ال عليه وسلم‬
‫يقول ‪:‬‬
‫"بي العبد والكفر ـ أو الشرك ـ ترك الصلة ‪ ،‬فإذا تركها فقد أشرك ‪ .‬وحوضي كما بي أيلة إل‬
‫مكة أباريقه كنجوم السماء ـ أو قال ‪ :‬كعدد نوم السماء ـ له ميزابان من النة ‪ ،‬كلما نضب‬
‫‪31‬‬

‫الشاطبي‬

‫كتاب العتصام‬

‫أمداه ‪ ،‬من شرب منه شربة ل يظمأ بعدها أبدا ‪ ،‬وسيده أقوام ذابلة شفاههم فل يطعمون منه قطرة‬
‫واحدة ‪ .‬من كذب به اليوم ل يصب منه الشراب يومئذ" فهذا الديث على أنم من أهل القبلة ‪.‬‬
‫فنسبتهم أهل السلم إل الكفر من أوصاف الوارج ‪ ،‬والتكذيب بالوض من أوصاف أهل‬
‫العتزال وغيهم ‪ .‬مع ما ف حديث الوطأ من قول النب صلى ال عليه وسلم ‪" :‬أل هلم" لنه‬
‫عرفهم بالغرة والتحجيل الذي جعله من خصائص أمته ‪ ،‬وإل فلو ل يكونوا من المة ل يعرفهم‬
‫بالعلمة الذكورة ‪.‬‬
‫وصح من حديث ابن عباس رضي ال عنه قال ‪:‬‬
‫"قام فينا رسول ال صلى ال عليه وسلم بالوعظة فقال ‪ :‬إنكم مشورون إل ال حفاةً عراةً غرل‬
‫"كما بدأنا أول خلق نعيده وعدا علينا إنا كنا فاعلي" قال ـ أول من يكسى يوم القيامة إبراهيم ـ‬
‫وإنه يستدعى برجال من أمت فيؤخذ بم ذات الشمال ‪ ،‬فأقول كما قال العبد الصال ‪" :‬وكنت‬
‫عليهم شهيدا ما دمت فيهم فلما توفيتن كنت أنت الرقيب عليهم وأنت على كل شيء شهيد * إن‬
‫تعذبم فإنم عبادك وإن تغفر لم فإنك أنت العزيز الكيم" فيقال هؤلء ل يزالوا مرتدين على‬
‫أعقابم منذ فارقتهم" ‪.‬‬
‫ويتمل هذا الديث أن يراد به أهل البدع كحديث الوطأ ‪ ،‬ويتمل أن يراد به من ارتد بعد النب‬
‫صلى ال عليه وسلم ‪.‬‬
‫وف الترمذي ‪ ،‬عن أب هريرة رضي ال عنه أن رسول ال صلى ال عليه وسلم قال ‪:‬‬
‫"تفرقت اليهود على إحدى وسبعي فرقة ‪ ،‬والنصارى مثل ذلك ‪ ،‬وتفترق أمت على ثلث وسبعي‬
‫فرقة" حسن صحيح ‪.‬‬
‫وف الديث روايات أخرى سيأت ذكرها والكلم عليها إن شاء ال ‪ .‬ولكن الفرق فيها عند أكثر‬
‫العلماء فرق أهل البدع ‪ .‬وف الصحيح أنه صلى ال عليه وسلم قال ‪:‬‬
‫"إن ال ل يقبض العلم انتزاعا ينتزعه من الناس ‪ ،‬ولكن يقبض العلم بقبض العلماء ‪ ،‬حت إذا ل يبق‬
‫عال اتذ الناس رؤساء جهالً فسئلوا فأفتوا بغي علم فضلوا وأضلوا" وهو آت على وجوه كثية ف‬
‫البخاري وغيه ‪.‬‬
‫وف مسلم عن ابن مسعود رضي ال عنه أنه قال ‪:‬‬
‫" من سره أن يلقى ال غدا مسلما فليحافظ على هؤلء الصلوات حيث ينادى بن ‪ ،‬فإن ال عز‬
‫وجل شرع لنبيكم صلى ال عليه وسلم سنن الدى ‪ ،‬وأنن من سنن الدى ‪ ،‬ولو أنكم صليتم ف‬
‫بيوتكم كما يصلي هذا التخلف ف بيته لتركتم سنة نبيكم ‪ ،‬ولو تركتم سنة نبيكم صلى ال عليه‬
‫وسلم لضللتم " الديث ‪.‬‬
‫فتأملوا كيف جعل ترك السنة ضللة ! وف رواية ‪:‬‬
‫‪32‬‬

‫الشاطبي‬

‫كتاب العتصام‬

‫"لو تركتم سنة نبيكم صلى ال عليه وسلم لكفرت" وهو أشد ف التحذير ‪.‬‬
‫وفيه أن النب صلى ال عليه وسلم قال ‪:‬‬
‫"إن تارك فيكم ثقلي أولما كتاب ال فيه الدى والنور ـ وف رواية فيه الدى ـ من استمسك به‬
‫وأخذ به كان على الدى ‪ .‬ومن أخطأه ضل وف رواية ‪ :‬من اتبعه كان على الدى ومن تركه كان‬
‫على ضللة" ‪.‬‬
‫وما جاء ف هذا الباب أيضا ما خرج ابن وضاح ونوه لبن وهب عن أب هريرة أن رسول ال صلى‬
‫ال عليه وسلم قال ‪:‬‬
‫" سيكون ف أمت دجالون كذابون يأتونكم ببدع من الديث ل تسمعوه أنتم ول آباؤهم ‪ ،‬فإياكم‬
‫إياهم ل يفتنونكم" ‪.‬‬
‫وف الترمذي أنه عليه الصلة والسلم قال ‪:‬‬
‫"من أحيا سنةً من سنت قد أميتت بعدي فإن له من الجر مثل أجر من عمل با من غي أن يتقص‬
‫ذلك من أجورهم شيئا ‪ ،‬ومن ابتدع بدعة ضللة ل ترضي ال ورسوله كان عليه مثل وزر من عمل‬
‫با ل ينقص ذلك من أوزار الناس شيئا" حديث حسن ‪.‬‬
‫ولبن وضاح وغيه من حديث عائشة رضي ال عنها ‪:‬‬
‫" من أتى صاحب بدعة ليوقره فقد أعان على هدم السلم " ‪.‬‬
‫وعن السن أن رسول ال صلى ال عليه وسلم قال ‪:‬‬
‫"إن أحببت أن ل توقف على الصراط طرفة عي حت تدخل النة فل تدث ف دين ال حدثا‬
‫برأيك" ‪.‬‬
‫وعنه عليه الصلة والسلم أنه قال ‪:‬‬
‫"من اقتدى ب فهو من ومن رغب عن سنت فليس من" ‪.‬‬
‫وخرج الطحاوي أن النب صلى ال عليه وسلم قال ‪:‬‬
‫"ستة ألعنهم لعنهم ال وكل نب ماب ‪ :‬الزائد ف دين ال ‪ ،‬والكذب بقدر ال ‪ ،‬والتسلط بالبوت‬
‫يذل به من أعز ال ويعز به من أذل ال ‪ ،‬والتارك لسنت ‪ ،‬والستحل لرم ال ‪ ،‬والستحل من عترت‬
‫ما حرم ال" ‪.‬‬
‫وف رواية أب بكر بن ثابت الطيب ‪" :‬ستة لعنهم ال ولعنتهم" وفيه ‪" :‬والراغب عن سنت إل بدع"‬
‫‪.‬‬
‫وف الطحاوي أن رسول ال صلى ال عليه وسلم قال ‪:‬‬
‫"إن لكل عابد شرةً ولكل شرة فترة فإما إل سنة وإما إل بدعة ـ فمن كانت فترته إل سنت فقد‬
‫اهتدى ‪ ،‬ومن كانت فترته إل غي ذلك فقد هلك" ‪.‬‬
‫‪33‬‬

‫الشاطبي‬

‫كتاب العتصام‬

‫وف معجم البغوي عن ماهد قال ‪ :‬دخلت أنا وأبو يي بن جعدة على رجل من النصار من‬
‫أصحاب رسول ال صلى ال عليه وسلم قال ‪ " :‬ذكروا عند رسول ال صلى ال عليه وسلم مولة‬
‫لبن عبد الطلب فقالوا ‪ :‬إنا قامت الليل وصامت النهار فقال رسول ال صلى ال عليه وسلم ‪:‬‬
‫لكن أنام وأصلي ‪ ،‬وأصوم وأفطر ‪ ،‬فمن اقتدى ب فهو من‪ ،‬ومن رغب عن سنت فليس من ‪ ،‬إن‬
‫لكل عامل شرةً ث فترة فمن كانت فترته إل بدعة فقد ضل ‪ ،‬ومن كانت فترته إل سنة فقد اهتدى"‬
‫‪.‬‬
‫وعن أب وائل ‪ ،‬عن عبد ال ‪ ،‬عن النب صلى ال عليه وسلم أنه قال ‪:‬‬
‫"إن أشد الناس عذابا يوم القيامة رجل قتل نبيا أو قتله نب ‪ ،‬وإمام ضللة ومثل من السلمي" ‪.‬‬
‫وف منتقى حديث خثيمة ‪ ،‬عن سليمان ‪ ،‬عن عبد ال أن رسول ال صلى ال عليه وسلم قال ‪:‬‬
‫"سيكون من بعدي أمراء يؤخرون الصلة عن مواقيتها فيحدثون البدعة ‪ ،‬قال عبد ال بن مسعود ‪:‬‬
‫فكيف أصنع إذا أدركتهم ؟ قال ‪ :‬تسألن يا ابن أم عبد ال كيف تصنع ؟ ل طاعة لن عصى ال" ‪.‬‬
‫وف الترمذي عن أب سعيد الدري قال ‪ :‬قال رسول ال صلى ال عليه وسلم ‪:‬‬
‫"من أكل طيبا وعمل ف سنة وأمن الناس بوائقة دخل النة فقال رجل ‪ :‬يا رسول ال إن هذا اليوم‬
‫ف الناس لكثي ‪ ،‬قال ‪:‬وسيكون ف قرون بعدي" حديث غريب ‪.‬‬
‫وف كتاب الطحاوي عن عبد ال بن عمرو بن العاص أن رسول ال صلى ال عليه وسلم قال ‪:‬‬
‫"كيف بكم وبزمان ـ أو قال ‪ :‬يوشك أن يأت زمان ـ يغربل الناس فيه غربلة ‪ ،‬وتبقى حثالة من‬
‫الناس قد مرجت عهودهم وأماناتم ‪ ،‬اختلفوا فصارت هكذا ـ وشبك بي أصابعه ـ قالوا ‪:‬‬
‫وكيف بنا يا رسول ال ؟ قال ‪ :‬تأخذون با تعرفون ‪ ،‬وتذرون ما تنكرون ‪ ،‬وتقبلون على أمر‬
‫خاصتكم ـ وتذرون أمر عامتكم" ‪.‬‬
‫وخرج ابن وهب مرسلً "أن رسول ال صلى ال عليه وسلم قال ‪:‬إياكم والشعاب قالوا ‪ :‬وما‬
‫الشعاب يا رسول ال ؟ قال الهواء" ‪.‬‬
‫وخرج أيضا ‪:‬‬
‫"إن ال ليدخل العبد النة بالسنة يتمسك با" ‪ .‬وف كتاب السنة للجري من طريق الوليد بن مسلم‬
‫عن معاذ بن جبل قال ‪ :‬قال ‪ :‬قال رسول ال صلى ال عليه وسلم ‪:‬‬
‫"إذا حدث ف أمت البدع وشتم أصحاب ‪ ،‬فليظهر العال علمه ‪ ،‬فمن ل يفعل فعليه لعنة ال واللئكة‬
‫والناس أجعي" ‪.‬‬
‫قال عبد ال بن السن ‪ :‬فقلت للوليد بن مسلم ‪ :‬ما إظهار العلم ؟ قال ‪ :‬إظهار السنة ‪ .‬والحاديث‬
‫كثية ‪.‬‬

‫‪34‬‬

‫الشاطبي‬

‫كتاب العتصام‬

‫وليعلم الوفق أن بعض ما ذكر من الحاديث يقصر عن رتبة الصحيح وإنا أتى با عملً با أصله‬
‫الحدثون ف أحاديث الترغيب والترهيب ‪ .‬وإذ قد ثبت ذم البدع وأهلها بالدليل القاطع القرآن‬
‫والدليل السن الصحيح ‪ ،‬فما زيد من غيه فل حرج ف التيان به إن شاء ال ‪.‬‬
‫فصل الوجه الثالث من النقل‬
‫ما جاء عن السلف الصال من الصحابة والتابعي رضي ال عنهم ف ذم البدع وأهلها وهو كثي ‪.‬‬
‫فما جاء عن الصحابة ما صح عن عمر بن الطاب رضي ال عنه أنه خطب الناس فقال ‪ :‬أيها‬
‫الناس ! قد سنت لكم السنن ‪ ،‬وفرضت لكم الفرائض ‪ ،‬وتركتم على الواضحة ‪ ،‬إل أن تضلوا‬
‫بالناس يينا وشا ًل ‪ .‬وصفق بإحدى يديه على الخرى ‪ .‬ث قال ‪ :‬إياكم أن تلكوا عن آية الرجم ـ‬
‫أن يقول قائل ‪ :‬ل ند حدين ف كتاب ال ‪ .‬فقد رجم رسول ال صلى ال عليه وسلم ورجنا ـ‬
‫إل آخر الديث ‪.‬‬
‫وف الصحيح عن حذيفة رضي ال عنه أنه قال ‪ :‬يا معشر القراء استقيموا فقد سبقتم سبقا يعيدا ‪،‬‬
‫ولئن أخذت يينا وشالً لقد ضللتم ضللً بعيدا ‪.‬‬
‫وروى عنه من طريق آخر أنه كان يدخل السجد فيقف على اللق فيقول ‪ :‬يا معشر القراء ‪ ،‬اسلكوا‬
‫الطريق فلئن سلكتموها لقد سبقتم سبقا بعيدا ‪ ،‬ولئن أخذت يينا وشا ًل لقد ضللتم ضللً بعيدا ‪.‬‬
‫وف رواية ابن البارك ‪ :‬فو ال لئن استقمتم لقد سبقتم سبقا بعيدا ‪ .‬الديث ‪.‬‬
‫وعنه أيضا ‪ :‬أخوف ما أخاف على الناس اثنتان ‪ :‬أن يؤثروا ما يرون على ما يعملون وأن يضلوا‬
‫وهم ل يشعرون ‪ .‬قال سفيان ‪ :‬وهو صاحب البدعة ‪.‬‬
‫وعنه أيضا ‪ :‬أنه أخذ حجرين فوضع أحدها على الخر ث قال لصحابه ‪ :‬هل ترون ما بي هذين‬
‫الجرين من النور ؟ قالوا ‪ :‬يا أبا عبد ال ما نرى بينهما من النور إل قليلً ‪ .‬قال ‪ :‬والذي نفسي‬
‫بيده لتظهرن البدع حت ل يرى من الق إل قدر ما بي هذين الجرين من النور ‪ ،‬وال لتفشون‬
‫البدع حت إذا ترك منها شيء قالوا ‪ :‬تركت السنة ‪.‬‬
‫وعنه أنه قال ‪ :‬أول ما تفقدون من دينكم المانة ‪ ،‬وآخر ما تفقدون الصلة ولتنقضن عرى السلم‬
‫عرو ًة عروةً وليطئن نساءكم وهن حيض ‪ ،‬ولتسلكن طريق من كان قبلكم حذو القذة بالقذة ‪،‬‬
‫وحذو النعل بالنعل ‪ ،‬ل تطئون طريقهم ول تطىء بكم ‪ ،‬وحت تبقى فرقتان من فرق كثية تقول‬
‫إحداها ‪ :‬ما بال الصلوات المس ؟ لقد ضل من كان قبلنا إنا قال ال ‪" :‬وأقم الصلة طرف النهار‬
‫وزلفا من الليل" ل تصلون إل ثلثا ‪.‬‬
‫وتقول الخرى ‪ :‬إنا الؤمنون بال كإيان اللئكة ‪ ،‬ما فيها كافر ول منافق ‪ .‬حق على ال أن‬
‫يشرها مع الدجال ‪.‬‬
‫‪35‬‬

‫الشاطبي‬

‫كتاب العتصام‬

‫وهذا العن موافق لا ثبت من حديث أب رافع عن النب صلى ال عليه وسلم أنه قال ‪:‬‬
‫"ل ألفي أحدكم متكئا على أريكته يأتيه المر من أمري ما أمرت به أو نيت عنه فيقول ‪ :‬ل أدري‬
‫ل أدري ‪ ،‬ما وجدنا ف كتاب ال اتبعناه" فإن السنة جاءت مفسرة للكتاب فمن أخذ بالكتاب من‬
‫غي معرفة بالسنة زل عن الكتاب كما زل عن السنة ‪.‬‬
‫فلذلك يقول القائل ‪ :‬لقد ضل من كان قبلنا إل آخره ‪.‬‬
‫وهذه الثار عن حذيفة من تريج ابن وضاح ‪.‬‬
‫وخرج أيضا عن عبد ال بن مسعود رضي ال عنه أنه قال ‪ :‬اتبعوا آثارنا ول تبتدعوا فقد كفيتم ‪.‬‬
‫وخرج عنه ابن وهب أيضا انه قال ‪ :‬عليكم بالعلم قبل أن يقبض ‪ ،‬وقبضه بذهاب أهله ‪ .‬عليكم‬
‫بالعلم فإن أحدكم ل يدري مت يفتقر إل ما عنده ‪ .‬وستجدون أقواما يزعمون أنم يدعون إل‬
‫كتاب ال وقد نبذوه وراء ظهورهم ‪ ،‬فعليكم بالعلم وإياكم والتبدع والتنطع والتعمق وعليكم‬
‫بالعتيق ‪.‬‬
‫وعنه أيضا ‪ :‬ليس عام إل والذي بعده شر منه ‪ .‬ل أقول ‪ :‬عام أمطر من عام ‪ ،‬ول عام أخصب من‬
‫عام ‪ ،‬ول أمي خي من أمي ‪ ،‬ولكن ذهاب علمائكم وخياركم ث يدث قوم يقيسون المور بآرائهم‬
‫فيهدم السلم ويثلم ‪.‬‬
‫وقال أيضا ‪ :‬كيف أنتم إذا ألبستم فتنةً يهرم فيها الكبي وينشأ فيها الصغي تري على الناس يدثونا‬
‫سنة ‪ .‬وإذا غيت ‪ ،‬قيل ‪ :‬هذا منكر ‪.‬‬
‫وقال أيضا ‪ :‬أيها الناس ! ل تبتدعوا ول تنطوا ول تعمقوا ‪ ،‬وعليكم بالعتيق خذوا ما تعرفون ودعوا‬
‫ما تنكرون ‪.‬‬
‫وعنه أيضا ‪ :‬القصد ف السنة خي من الجتهاد ف البدعة ‪.‬‬
‫وقد روي معناه مرفوعا إل النب صلى ال عليه وسلم ‪:‬‬
‫"عمل قليل ف سنة ‪ ،‬خي من عمل كثي ف بدعة" ‪.‬‬
‫وعنه أيضا خرجه قاسم بن أصبغ أنه قال ‪ " :‬أشد الناس عذابا يوم القيامة إمام ضال يضل الناس‬
‫بغي ما أنزل ال ‪ ،‬ومصور ‪ ،‬ورجل قتل نبيا أو قتله نب "‪.‬‬
‫وعن أب بكر الصديق رضي ال عنه قال ‪ :‬لست تاركا شيئا كان رسول ال صلى ال عليه وسلم‬
‫يعمل به إل عملت به ‪ ،‬إن أخشى إن تركت شيئا من أمره أن أزيغ‪.‬‬
‫خرج ابن البارك عن عمر بن الطاب ‪ :‬أن يزيد بن أب سفيان يأكل ألوان الطعام ‪ ،‬فقال عمر لول‬
‫له ـ يقال له يرفأ ـ إذا علمت أنه قد حضر عشاؤه ‪ ،‬فأعلمن ‪ .‬فلما حضر عشاؤه أعلمه ‪ ،‬فأتاه‬
‫عمر فسلم عليه ‪ ،‬فاستأذن فأذن له فدخل ‪ ،‬فقرب عشاؤه فجاء بثريد لم فأكل عمر معه منها ‪ ،‬ث‬

‫‪36‬‬

‫الشاطبي‬

‫كتاب العتصام‬

‫قرب شواء فبسط يزيد يده ‪ ،‬وكف عمر يده ث قال ‪ :‬وال يا يزيد بن أب سفيان ‪ ،‬أطعام بعد‬
‫طعام ؟ والذي نفس عمر بيده لئن خالفتم عن سنتهم ليخالفن بكم عن طريقهم ‪.‬‬
‫وعن ابن عمر ‪ :‬صلة السفر ركعتان من خالف السنة كفر ‪.‬‬
‫وخرج الجري عن السائب بن يزيد قال ‪ :‬أتى عمر بن الطاب فقالوا ‪ :‬يا أمي الؤمني إنا لقينا‬
‫رجلً يسأل عن تأويل القرآن ‪ ،‬فقال ‪ :‬اللهم أمكن منه ‪ ،‬قال ‪ :‬فبينما عمر ذات يوم يغدي الناس إذ‬
‫جاءه عليه ثياب وعمامة فتغدى حت إذا فرغ قال ‪ :‬يا أمي الؤمني "والذاريات ذروا * فالاملت‬
‫وقرا" فقال عمر ‪ :‬أنت ‪ ،‬هو ؟ فقام غليه مسرا عن ذراعيه فلم يزل يلده حت سقطت عمامته فقال‬
‫‪ :‬والذي نفسي بيده لو وجدتك ملوقا لضربت رأسك ‪ ،‬ألبسوه ثيابه واحلوه على قتب ث أخرجوه‬
‫حت تقدموا به بلده ‪ ،‬ث ليقم خطيبا ث ليقل ‪ :‬إن صبيغا طلب العلم فأخطأ فلم يزل وضيعا ف قومه‬
‫حت هلك ‪ ،‬وكان سيد قومه ‪.‬‬
‫وخرج ابن البارك وغيه عن أب بن كعب أنه قال ‪ :‬عليكم بالسبيل والسنة ‪ ،‬فإنه ما على الرض‬
‫من عبد على السبيل والسنة ذكر ال ففاضت عيناه من خشية ال فيعذبه ال أبدا ‪ .‬وما على الرض‬
‫من عبد على السبيل والسنة ذكر ال ف نفسه فاقشعر جلده من خشية ال إل كان مثله كمثل شجرة‬
‫قد يبس ورقها فهي كذلك إذا أصابتها ريح شديدة فتحات عنها ورقها إل حط ال عنه خطاياه كما‬
‫تات عن الشجرة ورقها ‪ ،‬فإن اقتصادا ف سبيل ال وسنة خي من اجتهاد ف خلف سبيل ال وسنة‬
‫‪ ،‬وانظروا أن يكون عملكم إن كان اجتهادا واقتصادا أن يكون على منهاج النبياء وسنتهم ‪.‬‬
‫وخرج ابن وضاح عن ابن عباس قال ‪ :‬ما يأت على الناس من عام إل أحدثوا فيه بدعة وأماتوا‬
‫سنة ‪ ،‬حت تيا البدع وتوت السنن ‪.‬‬
‫وعنه أنه قال ‪ :‬عليكم بالستفاضة والثر وإياكم والبدع ‪.‬‬
‫وخرج ابن وهب عنه أيضا قال ‪ :‬من أحدث رأيا ليس ف كتاب ال ول تض به سنة من رسول‬
‫ال صلى ال عليه وسلم ل يدر ما هو عليه إذا لقي ال عز وجل ‪.‬‬
‫وخرج أبو داود وغيه عن معاذ بن جبل رضي ال عنه أنه قال يوما ‪ :‬إن من ورائكم فتنا يكثر فيها‬
‫الال ‪ ،‬ويفتح فيه القرآن ‪ ،‬حت يأخذه الؤمن والنافق ‪ ،‬والرجل ‪ ،‬والرأة ‪ ،‬والصغي‪ ،‬والكبي ‪،‬‬
‫والعبد ‪ ،‬والر‪ ،‬فيوشك قائل أن يقول ‪ ،‬ما للناس ل يتبعون وقد قرأت القرآن ؟ ما هم بتبعي حت‬
‫أبتدع لم غيه ‪ ،‬وإياكم وما ابتدع فإن ما ابتدع ضللة ‪ ،‬وأحذركم زيغة الكيم فإن الشيطان قد‬
‫يقول كلمة الضللة على لسان الكيم ‪ ،‬وقد يقول النافق كلمة الق ‪.‬‬
‫قال الراوي ‪ :‬قلت لعاذ ‪ :‬وما يدرين يرحك ال إن الكيم قد يقول كلمة ضللة ‪ ،‬وإن النافق قد‬
‫يقول كلمة الق ؟ قال ‪ :‬بلى ! اجتنب من كلم الكيم غي الشتهرات الت يقال فيها ‪ :‬ما هذه ؟‬
‫ول يثنينك ذلك عنه ‪ ،‬فإنه لعله أن يراجع وتلق الق إذا سعته فإن على الق نورا ‪.‬‬
‫‪37‬‬

‫الشاطبي‬

‫كتاب العتصام‬

‫وف رواية مكان الشتهرات الشتبهات وفسر بأنه ما تشابه عليك من قول حت يقال ‪ :‬ما أراد بذه‬
‫الكلمة ؟ ويريد ـ وال أعلم ـ ما ل يشتمل ظاهره على مقتضى السنة حت تنكره القلوب ويقول‬
‫الناس ‪ :‬ما هذه ؟ وذلك راجع إل ما يذر من زلة العال حسبما يأت بول ال ‪.‬‬
‫وما جاء عمن بعد الصحابة رضي ال عنهم ما ذكر ابن وضاح عن السن قال ‪ :‬صاحب البدعة ل‬
‫يزداد اجتهادا ‪ ،‬صياما وصلةً ‪ ،‬إل ازداد من ال بعدا ‪.‬‬
‫وخرج ابن وهب عن أب إدريس الولن أنه قال ‪ :‬لن أرى ف السجد نارا ل أستطيع إطفاءها ‪،‬‬
‫أحب إل من أن أرى فيه بدعة ل أستطيع تغييها ‪.‬‬
‫وعن الفضيل بن عياض ‪ :‬اتبع طرق الدى ول يضرك قلة السالكي ‪ ،‬وإياك وطرق الضللة ول تغتر‬
‫بكثرة الالكي ‪.‬‬
‫وعن السن ‪ :‬ل تالس صاحب هوى فيقذف ف قلبك ما تتبعه عليه فتهلك ‪ ،‬أو تالفه فيمرض‬
‫قلبك ‪.‬‬
‫وعنه أيضا ف قول ال تعال ‪" :‬كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم" قال ‪ :‬كتب‬
‫ال صيام رمضان على أهل السلم كما كتبه على من كان قبلهم ‪ ،‬فأما اليهود فرفضوه ‪ ،‬وأما‬
‫النصارى فشق عليهم فزادوا فيه عشرا وآخروه إل أخف ما يكون عليهم فيه الصوم من الزمنة ‪،‬‬
‫فكان السن إذا حدث بذا الديث قال ‪ :‬عمل قليل ف سنة خي من عمل كثي ف بدعة ‪.‬‬
‫وعن أب قلبة ‪ :‬ل تالسوا أهل الهواء ول تادلوهم فإن ل آمن أن يغمسوكم ف ضللتهم‬
‫ويلبسوا عليكم ما كنتم تعرفون ‪ ،‬قال أيوب ‪ :‬وكان ـ وال ـ من الفقهاء ذوي اللباب ‪.‬‬
‫وعنه أيضا ‪ :‬أنه كان يقول ‪ :‬إن أهل الهواء أهل ضللة ‪ ،‬ول أرى مصيهم إل إل النار ‪.‬‬
‫وعن السن ‪ :‬ل تالس صاحب بدعة فإنه يرض قلبك ‪.‬‬
‫وعن أيوب السخيان أنه كان يقول ‪ :‬ما ازداد صاحب بدعة اجتهادا إل ازداد من ال بعدا ‪.‬‬
‫وعن أب قلبة ‪ :‬ما ابتدع رجل بدعة إل استحل السيف ‪.‬‬
‫وكان أيوب يسمي أصحاب البدع خوارج ويقول ‪ :‬إن الوارج اختلفوا ف السم واجتمعوا على‬
‫السيف ‪.‬‬
‫وخرج ابن وهب عن سفيان قال ‪ :‬كان رجل فقيه يقول ‪ :‬ما أحب أن هديت الناس كلهم‬
‫ل واحدا ‪.‬‬
‫وأضللت رج ً‬
‫وخرج عنه أنه كان يقول ‪ :‬ل يستقيم قول إل بعمل ‪ ،‬ول قول وعمل إل بنية ‪ ،‬ول قول ول عمل‬
‫ول نية إل موافقا للسنة ‪.‬‬
‫وذكر الجري أن ابن سيين كان يرى أسرع الناس ردة أهل الهواء ‪.‬‬
‫‪38‬‬

‫الشاطبي‬

‫كتاب العتصام‬

‫وعن إبراهيم ‪ :‬ول تكلموهم إن أخاف أن ترتد قلوبكم ‪.‬‬
‫وعن هشام بن حسان قال ‪ :‬ل يقبل ال من صاحب بدعة صياما ول صلةً ول حجا ول جهادا‬
‫ول عمرةً ول صدقةً ول عتقا ول صرفا ول عد ًل ـ زاد ابن وهب عنه ـ وليأتي على الناس زمان‬
‫يشتبه فيه الق والباطل ‪ ،‬فإذا كان ذلك ل ينفع فيه دعاء إل كدعاء الغرق ‪.‬‬
‫وعن يي بن أب كثي قال ‪ :‬إذا لقيت صاحب بدعة ف طريق ‪ ،‬فخذ ف طريق آخر ‪.‬‬
‫وعن بعض السلف ‪ :‬من جالس صاحب بدعة فزعت منه العصمة ‪ ،‬ووكل إل نفسه ‪.‬‬
‫وعن العوام بن حوشب أنه كان يقول لبنه ‪ :‬يا عيسى ‪ ،‬أصلح قلبك وأقلل مالك ‪ ،‬وكان يقول ‪:‬‬
‫وال لن أرى عيسى ف مالس أصحاب البابط والشربة والباطل أحب إل من أن أراه يالس‬
‫أصحاب الصومات ‪.‬‬
‫قال ابن وضاح ‪ :‬يعن أهل البدع ‪.‬‬
‫وقال رجال لـ أب بكر بن عياش ‪ :‬يا أبا بكر ‪ ،‬من السن ؟ قال ‪ :‬الذي إذا ذكرت الهواء ل‬
‫يغضب لشيء منها ‪.‬‬
‫وقال يونس بن عبيد ‪ :‬إن الذي تعرض عليه السنة فيقبلها الغريب ‪ ،‬وأغرب منه صاحبها ‪.‬‬
‫وعن يي بن أب عمر الشيبان قال ‪ :‬كان يقال يأب لصاحب بدعة بتوبة ‪ ،‬وما انتقل صاحب بدعة‬
‫إل إل شر منها ‪.‬‬
‫وعن أب العالية ‪ :‬تعلموا السلم فإذا تعلمتموه فل ترغبوا عنه ‪ ،‬وعليكم بالصراط الستقيم فإنه‬
‫السلم ‪ ،‬ول ترفوا يينا ول شا ًل وعليكم بسنة نبيكم ‪ ،‬وما كان عليه أصحابه من قبل أن يقتلوا‬
‫صاحبهم ‪ ،‬ومن قبل أن يفعلوا الذي فعلوا ‪ .‬قد قرأنا القرآن من قبل أن يقتلوا صاحبهم ومن قبل أن‬
‫يفعلوا الذي فعلوا ‪ ،‬وإياكم وهذه الهواء ‪ ،‬الت تلقي بي الناس العداوة والبغضاء ‪ .‬فحدث السن‬
‫بذلك فقال ‪ :‬رحه ال ‪ ،‬صدق ونصح ‪.‬‬
‫خرجه ابن وضاح وغيه ‪.‬‬
‫وكان مالك كثيا ما ينشد ‪:‬‬
‫وخيأمور الدين ما كان سنة وشر المور الحدثات البدائع‬
‫وعن مقاتل بن حيان قال ‪ :‬أهل هذه الهواء آفة أمة ممد صلى ال عليه وسلم ‪ ،‬أنم يذكرون النب‬
‫صلى ال عليه وسلم وأهل بيته فيتصيدون بذا الذكر السن عند الهال من الناس فيقذفون بم ف‬
‫الهالك ‪ ،‬فما أشبههم بن يسقي الصب باسم العسل ‪ ،‬ومن يسقي السهم القاتل باسم الترياق !‬
‫فأبصرهم فإنك إن ل تكن أصبحت ف بر الاء ‪ ،‬فقد أصبحت ف بر الهواء الذي هو أعمق غورا‬

‫‪39‬‬

‫الشاطبي‬

‫كتاب العتصام‬

‫وأشد اضطرابا ‪ ،‬وأكثر صواعق وأبعد مذهبا من البحر وما فيه ‪ ،‬ففلك مطيتك الت تقطع با سفر‬
‫الضلل اتباع السنة ‪.‬‬
‫وعن ابن البارك قال ‪ :‬أعلم أي أخي ! إن الوت كرامةً لكل مسلم لقي ال على السنة ‪ ،‬فإنا ل وإنا‬
‫إليه راجعون ‪ ،‬فإل ال نشكو وحشتنا وذهاب الخوان ‪ ،‬وقلة العوان ‪ ،‬وظهور البدع ‪ .‬وإل ال‬
‫نشكو عظيم ما حل بذه المة من ذهاب العلماء وأهل السنة وظهور البدع ‪.‬‬
‫وكان إبراهيم التيمي يقول ‪ :‬اللهم اعصمن بدينك وبسنة نبيك من الختلف ف الق ‪ ،‬ومن اتباع‬
‫الوى ‪ ،‬ومن سبل الضللة ‪ ،‬ومن شبهات المور ‪ ،‬ومن الزيغ والصومات ‪.‬‬
‫وعن عمر بن عبد العزيز رحه ال كان يكتب ف كتبه ‪ :‬إن أحذركم ما مالت إليه الهواء والزيغ‬
‫البعيدة ‪.‬‬
‫ولا بايعه الناس صعد على النب فحمد ال وأثن عليه ث قال ‪ :‬أيها الناس ! إنه ليس بعد نبيكم نب ‪،‬‬
‫ول بعد كتابكم كتاب ‪ ،‬ول بعد سنتكم سنة ‪ ،‬ول بعد أمتكم أمة ‪ ،‬أل وإن اللل ما أحل ال ف‬
‫كتابه على لسان نبيه حلل إل يوم القيامة ‪ ،‬أل وإن الرام ما حرم ال ف كتابه على لسان نبيه حرام‬
‫إل يوم القيامة ‪ .‬أل وإن لست ببتدع ولكن متبع ‪ ،‬أل وإن لست بقاض ولكن منفذ ‪ ،‬أل وإن‬
‫لست بازن ولكن أضع حيث أمرت ‪ ،‬أل وإن لست بيكم ولكن أثقلكم حلً ‪ .‬أل ول طاعة‬
‫لخلوق ف معصية الالق ‪ .‬ث نزل ‪.‬‬
‫وفيه ‪ :‬قال عروة بن أذينة عن أذينة يرثيه با ‪:‬‬
‫وأحييت ف السلم علما وسن ًة ول تبتدع حكما من الكم أسحما‬
‫ففي كل يوم كنت تدم بدع ًة وتبن لنا من سنة ما تدما‬
‫ومن كلمه الذي عن به ويفظه العلماء وكان يعجب مالكا جدا ‪ ،‬وهو أن قال ‪ :‬سن رسول ال‬
‫صلى ال عليه وسلم وولة المر من بعده سننا الخذ با تصديق لكتاب ال ‪ ،‬واستكمال لطاعة‬
‫ال ‪ ،‬وقوةً على دين ال ‪ ،‬ليس لحد تغييها ول تبديلها ول النظر ف شيء خالفه ‪ .‬من عمل با‬
‫مهتد ‪ ،‬ومن انتصر با منصور ‪ ،‬ومن خالفها اتبع غي سبيل الؤمني ‪ ،‬ووله ال ما تول ‪ ،‬واصله‬
‫جهنم وساءت مصيا‪.‬‬
‫وبق وكان يعجبهم فإنه كلم متصر جع أصولً حسنة من السنة ‪ :‬منها ما نن فيه لن قوله ‪ :‬ليس‬
‫لحد تغييها ول تبديلها ول النظر ف شيء خالفها ‪ ،‬قطع لادة البتداع جلة ‪ .‬وقوله ‪ :‬من عمل با‬
‫مهتد ـ إل آخر الكلم ـ مدح لتبع السنة وذم لن خالفها بالدليل الدال على ذلك ‪ ،‬وهو قول ال‬
‫سبحانه وتعال ‪" :‬ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبي له الدى ويتبع غي سبيل الؤمني نوله ما تول‬
‫ونصله جهنم وساءت مصيا" ‪ .‬ومنها ما سنه ولة المر من بعد النب صلى ال عليه وسلم فهو سنة‬
‫ل بدعة فيه البتة ‪ ،‬وإن ل يعلم ف كتاب ال ول سنة نبيه صلى ال عليه وسلم نص عليه على‬
‫‪40‬‬

‫الشاطبي‬

‫كتاب العتصام‬

‫الصوص ‪ .‬فقد جاء ما يدل عليه ف الملة ‪ ،‬وذلك نص حديث العرباض بن سارية رضي ال عنه‬
‫حيث قال فيه ‪" :‬فعليكم بسنت وسنة اللفاء الراشدين والهديي ‪ ،‬تسكوا با وعضوا عليها بالنواجذ‬
‫‪ ،‬وإياكم ومدثات المور" فقرن عليه السلم ـ كما ترى ـ سنة اللفاء الراشدين بسنته وإن من‬
‫اتباع سنته اتباع سنتهم ‪ ،‬وإن الحدثات خلف ذلك ليست منها ف شيء ‪ .‬لنم رضي ال عنهم‬
‫فيما سنوه إما متبعون لسنة نبيهم عليه السلم نفسها ‪ ،‬وإما متبعون لا فهموا من سنته صلى ال عليه‬
‫وسلم ف الملة والتفصيل على وجه يفى على غيهم مثله ‪ ،‬ل زائد على ذلك ‪ .‬وسيأت بيانه بول‬
‫ال ‪.‬‬
‫على أن أبا عبد ال الاكم نقل عن يي بن آدم قول السلف الصال ‪ :‬سنة أب بكر وعمر رضي‬
‫ال عنهما أن العن فيه أن يعلم أن النب صلى ال عليه وسلم مات وهو على تلك السنة ‪ ،‬وأنه ل‬
‫يتاج مع قول النب صلى ال عليه وسلم إل قول أحد وما قال صحيح ف نفسه فهو ما يتمله‬
‫حديث العرباض رضي ال عنه ‪ ،‬فل زائد إذا على ما ثبت ف السنة النبوية ‪ .‬إل أنه قد ياف أن‬
‫تكون منسوخة بسنة أخرى ‪ ،‬فافتقر العلماء إل النظر ف عمل اللفاء بعده‪ ،‬لعلموا أن ذلك هو الذي‬
‫مات عليه النب صلى ال عليه وسلم من غي أن يكون له ناسخ ‪ ،‬لنم كانوا يأخذون بالحداث‬
‫فالحداث من أمره ‪ .‬وعلى هذا العن ‪ ،‬بن مالك بن أنس ف احتجاجه بالعمل ‪ ،‬ورجوعه إليه عند‬
‫تعارض السنن ‪.‬‬
‫ومن الصول الضمنة ف أثر عمر بن عبد العزيز أن سنة ولة المر وعملهم تفسي لكتاب ال وسنة‬
‫رسوله صلى ال عليه وسلم ‪ ،‬لقوله ‪ :‬الخذ با تصديق لكتاب ال ‪ ،‬واستكمال لطاعة ال ‪ ،‬وقوة‬
‫على دين ال‪ .‬وهو أصل مقرر ف غي هذا الوضع ‪ ،‬فقد جع كلم عمر بن عبد العزيز رحه ال‬
‫أصولً حسنة وفوائد مهمة ‪.‬‬
‫وما يعزى لـأب إلياس اللبان ‪ :‬ثلث لو كتب ف ظفر لوسعهن ‪ ،‬وفيهن خي الدنيا والخرة ‪،‬‬
‫اتبع ل تبتدع ‪ ،‬اتضع ل ترتفع ‪ ،‬ومن ورع ل يتسع ‪ .‬ولثار هنا كثية ‪.‬‬
‫فصل الوجه الرابع من النقل‬
‫ما جاء ف ذم البدع وأهلها عن الصوفية الشهورين عند الناس ‪ .‬وإنا خصصنا هذا الوضع بالذكر‬
‫وإن كان فيما تقدم من النقل كفاية ‪ ،‬لن كثيا من الهال يعتقدون فيهم أنم متساهلون ف‬
‫التباع ‪،‬وأن اختراع العبادات والتزام ما ل يأت ف الشرع التزامه ما يقولون به ويعملون عليه ‪،‬‬
‫وحاشاهم من ذلك أن يعتقدوه أو يقولوا به ‪ ،‬فأول شيء بنوا عليه طريقتهم اتباع السنة واجتناب ما‬
‫خالفها حت زعم مذكرهم ‪ ،‬وحافظ مأخذهم ‪ ،‬وعمود نلتهم ‪ ( ،‬أبو القاسم القشيي ) أنم إنا‬
‫اختصوا باسم التصوف انفرادا به عن أهل البدع ‪ ،‬فذكر أن السلمي بعد رسول ال صلى ال عليه‬
‫‪41‬‬

‫الشاطبي‬

‫كتاب العتصام‬

‫وسلم ل يتسم أفاضلهم ف عصرهم باسم علم سوى الصحبة إذ ل فضيلة فوقها ‪ ،‬ث سي من يليهم‬
‫التابعي ‪ ،‬ورأوا هذا السم أشرف الساء ‪ ،‬ث قيل لن بعدهم أتباع التابعي ‪ .‬ث اختلف الناس‬
‫وتباينت الراتب ‪ ،‬فقيل لواص الناس من له شدة عناية من الدين الزهاد والعباد ‪ .‬قال ‪ :‬ث ظهرت‬
‫البدع وادعى كل فريق أن فيهم زهادا وعبادا فانفرد خواص أهل السنة الراعون أنفسهم مع ال‬
‫الافظون قلوبم عن الغفلة باسم التصوف ‪ .‬هذا معن كلمه ‪ ،‬فقد عد هذا اللقب مصوصا باتباع‬
‫السنة ومباينة البدعة ‪ .‬وف ذلك ما يدل على خلف ما يعتقده الهال ومن ل عبة به من الدعي‬
‫للعلم ‪.‬‬
‫وف غرضي إن فسح ال ف الدة وأعانن بفضله ويسر ل السباب أن ألص ف طريقة القوم نوذجا‬
‫يستدل به على صحتها وجريانا على الطريقة الثلى ‪ ،‬وأنه إنا داخلتها الفاسد وتطرقت إليها البدع‬
‫من جهة قوم تأخرت أزمانم عن عهد ذلك السلف الصال ‪ ،‬وادعوا الدخول فيها من غي سلوك‬
‫شرعي ول فهم لقاصد أهلها ؟ وتقولوا عليهم ما ل يقولوا به ‪ ،‬حت صارت ف هذا الزمان الخي‬
‫كأنا شريعة أخرى غي ما أتى با ممد صلى ال عليه وسلم ‪ .‬وأعظم من ذلك أنم يتساهلون ف‬
‫اتباع السنة ‪ ،‬ويرون اختراع العبادات طريقا للتعبد صحيحا ‪ ،‬وطربقة القوم بريئة من هذا الباط‬
‫بمد ال ‪.‬‬
‫فقد قال الفضيل بن عياض ‪ :‬من جلس مع صاحب بدعة ل يعط الكمة ‪.‬‬
‫وقيل لـإبراهيم بن أدهم ‪ :‬إن ال يقول ف كتابه "ادعون أستجب لكم" ‪ .‬ونن ندعوه منذ دهر‬
‫فل يستجيب لنا ! فقال ‪ :‬ماتت قلوبكم ف عشرة أشياء أولا عرفتم ال فلم تؤدوا حقه ‪ .‬والثان ‪:‬‬
‫قرأت كتاب ال ول تعملوا به ‪ ،‬والثالث ‪ :‬ادعيتم حب رسول ال صلى ال عليه وسلم وتركتم سنته‬
‫‪ .‬والرابع ‪ :‬ادعيتم عداوة الشيطان ووافقتموه ‪ .‬والامس ‪ :‬قلتم نب النة وما تعملون لا إل آخر‬
‫الكاية ‪.‬‬
‫وقال ذو النون الصري ‪ :‬من علمة حب ال متابعة حبيب ال صلى ال عليه وسلم ف أخلقه‬
‫وأفعاله وأمره وسنته ‪.‬‬
‫وقال ‪ :‬إنا دخل الفساد على اللق من ستة أشياء ‪ ،‬الول ‪ :‬ضعف النية بعمل الخرة ‪ .‬والثان ‪:‬‬
‫صارت أبدانم مهيئة لشهواتم ‪ .‬والثالث ‪ :‬غلبهم طول المل مع قصر الجل ‪ .‬والرابع ‪ :‬آثروا‬
‫رضاء الخلوقي على رضاء ال ‪ .‬والامس ‪ :‬اتبعوا أهواءهم ونبذوا سنة نبيهم صلى ال عليه وسلم ‪،‬‬
‫والسادس ‪ :‬جعلوا زلت السلف حجة لنفسهم ودفنوا أكثر مناقبهم ‪.‬‬
‫وقال لرجل أوصاه ‪ :‬ليكن آثر الشياء عندك وأحبها إليك أحكام ما افترض ال عليك ‪ ،‬واتقاء ما‬
‫ناك عنه ‪ ،‬فإن ما تعبدك ال به خي لك ما تتاره لنفسك من أعمال الب الت تب عليك ‪ ،‬وأنت‬
‫ترى أنا أبلغ لك فيما تريد ‪ ،‬كالذي يؤدب نفسه بالفقر والتقلل وما أشبه ذلك ‪ ،‬وإنا للعبد أن‬
‫‪42‬‬

‫الشاطبي‬

‫كتاب العتصام‬

‫يراعي أبدا ما وجب عليه من فرض يكمه على تام حدوده ‪ ،‬وينظر إل ما ني عنه فيتقيه على‬
‫أحكام ما ينغب‪ ،‬فإن الذي قطع العباد عن ربم ‪ ،‬وقطعهم عن أن يذوقوا حلوة اليان وأن يبلغوا‬
‫حقائق الصدق ‪ ،‬وحجب قلوبم عن النظر إل الخرة ‪ ،‬تاونم بأحكام ما فرض عليهم ف قلوبم‬
‫وأساعهم وأبصارهم وألسنتهم وايديهم وأرجلهم وبطونم وفروجهم ‪ .‬ولو وقفوا على هذه الشياء‬
‫وأحكموها لدخل عليهم الب إدخالً تعجز أبدانم وقلوبم عن حل ما رزقهم ال من حسن معونته ‪،‬‬
‫وفوائد كرامته ‪ ،‬ولكن أكثر القراء والنساك حقروا مقرات الذنوب ‪ ،‬وتانوا بالقليل ما هم فيه من‬
‫العيوب ‪ ،‬فحرموا ثواب لذة الصادقي ف العاجل ‪.‬‬
‫وقال بشر الاف ‪ :‬رأيت النب صلى ال عليه وسلم ف النام فقال ل ‪ :‬يا بشر ! تدري ل رفعك‬
‫ال بي أقرانك ؟قلت ‪ :‬ل يا رسول ال ‪ ،‬قال ‪ :‬لتباعك سنت ‪ ،‬وحرمتك للصالي ‪ ،‬ونصيحتك‬
‫لخوانك ‪ ،‬ومبتك لصحاب وأهل بيت هو الذي بلغك منازل البرار‪.‬‬
‫وقال يي بن معاذ الرازي ‪ :‬اختلف الناس كلهم يرجع إل ثلثة أصول ‪ ،‬فلكل واحد منها ضد ‪،‬‬
‫فمن سقط عنه وقع ف ضده ‪ :‬التوحيد وضده الشرك ‪ ،‬والسنة وضدها البدعة ‪ ،‬والطاعة وضدها‬
‫العصية ‪.‬‬
‫وقال أبو بكر الدقاق وكان من أقران النيد ‪ :‬كنت مارا ف تيه بن إسرائيل فخطر ببال أن علم‬
‫القيقة مباين لعلم الشريعة ‪ ،‬فهتف ب هاتف ‪ :‬كل حقيقة ل تتبعها الشريعة فهي كفر ‪.‬‬
‫وقال أبو علي السن بن علي الوزجان ‪ :‬من علمات السعادة على العبد تيسي الطاعة عليه ‪،‬‬
‫وموافقة السنة ف أفعاله ‪ ،‬وصحبته لهل الصلح ‪ ،‬وحسن أخلقه مع الخوان ‪ ،‬وبذل معروفه‬
‫للخلق واهتمامه للمسلمي ‪ ،‬ومراعاته لوقاته ‪.‬‬
‫وسئل كيف الطريق إل ال ؟ فقال ‪ :‬الطرق إل ال كثية ‪ ،‬وأوضح الطرق وأبعدها عن الشبه اتباع‬
‫ل وعزما وعقدا ونيةً ‪ ،‬لن ال يقول ‪" :‬وإن تطيعوه تتدوا" فقيل له ‪ :‬كيف الطريق إل‬
‫قولً وفع ً‬
‫السنة ؟ فقال ‪ :‬مانية البدع ‪ ،‬واتباع ما أجع عليه الصدر الول من علماء السلم ‪ ،‬والتباعد عن‬
‫مالس الكلم وأهله ‪ ،‬ولزوم طريقة القتداء وبذلك أمر النب صلى ال عليه وسلم بقوله تعال ‪" :‬ث‬
‫أوحينا إليك أن اتبع ملة إبراهيم" ‪.‬‬
‫وقال أبو بكر الترمذي ‪ :‬ل يد أحد تام المة بأوصافها إل أهل الحبة ‪ ،‬وإنا أخذوا ذلك باتباع‬
‫السنة ومانية البدعة ‪ ،‬فإن ممد صلى ال عليه وسلم كان أعلى اللق كلهم هة وأقربم زلفى ‪.‬‬
‫وقال أبو السن الوراق ‪ :‬ل يصل العبد إل ال إل بال وبوافقة حبيبه صلى ال عليه وسلم ف‬
‫شرائعه ‪ .‬ومن جعل الطريق إل الوصول ف غي القتداء يضل من حيث أنه مهتد وقال ‪ :‬الصدق‬
‫استقامة الطريق ف الدين واتباع السنة ف الشرع ‪ .‬وقال ‪ :‬علمة مبة ال متابعة حبيبه صلى ال عليه‬
‫وسلم ‪.‬‬
‫‪43‬‬

‫الشاطبي‬

‫كتاب العتصام‬

‫ومثله عن إبراهيم القمار قال ‪ :‬علمة مبة ال إيثار طاعته ومتابعة نبيه ‪.‬‬
‫وقال أبو ممد بن عبد الوهاب الثقفي ‪ :‬ل يقبل ال من العمال إل ما كان صوابا ‪ ،‬ومن صوابا‬
‫إل ما كان خالصا ‪ ،‬ومن خالصها إل ما وافق السنة ‪.‬‬
‫وإبراهيم بن شيبان القرميسين صحب أبا عبد ال الغرب وإبراهيم الواص ‪ ،‬وكان شديدا على أهل‬
‫البدع متمسكا بالكتاب والسنة ‪ ،‬لزما لطريق الشايخ والئمة ‪ ،‬حت قال فيه عبد ال بن منازل ‪:‬‬
‫إبراهيم بن شيبان حجة ال على الفقراء وأهل الداب والعاملت ‪.‬‬
‫وقال أبو بكر بن سعدان وهو من أصحاب النيد وغيه ‪ :‬العتصام بال هو المتناع من الغفلة‬
‫والعاصي والبدع والضللت ‪.‬‬
‫وقال أبو عمر الزجاجي وهو من أصحاب النيد والثوري وغيها ‪ :‬كان الناس ف الاهلية يتبعون‬
‫ما تستحسنه عقولم وطبائعهم ‪ ،‬فجاء النب صلى ال عليه وسلم فردهم إل الشريعة والتباع ‪،‬‬
‫فالعقل الصحيح الذي يستحسن ما يستحسنه الشرع ويستقبح ما يستقبحه ‪.‬‬
‫وقيل لساعيل بن ممد السلمي جد أب عبد الرحن السلمي ‪ ،‬ولقي النيد وغيه ‪ :‬ما الذي ل بد‬
‫للعبد منه ؟ فقال ‪ :‬ملزمة العبودية على السنة ودوام الراقبة ‪.‬‬
‫وقال أبو عثمان الغرب التونسي ‪ :‬هي الوقوف مع الدود ل يقصر فيها ول يتعداها قال ال تعال ‪:‬‬
‫"ومن يتعد حدود ال فقد ظلم نفسه" ‪.‬‬
‫وقال أبو يزيد البسطامي ‪ :‬عملت ف الجاهدة ثلثي سنة فما وجدت شيئا أشد من العلم ومتابعته ‪،‬‬
‫ولول اختلف العلماء لشقيت ‪ .‬واختلف العلماء رحة إل ف تريد التوحيد ‪ ،‬ومتابعة العلم هي‬
‫متابعة السنة ل غيها‬
‫ل مقصودا‬
‫وروي عنه أنه قال ‪ :‬قم بنا ننظر إل هذا الرجل الذي قد شهر نفسه بالولية ـ كان رج ً‬
‫مشهورا بالزهد ـ قال الرواي ‪ :‬فمضينا ‪ ،‬فلما خرج من نبيه ودخل السجد رمى ببصاقة تاه القبلة‬
‫‪ ،‬فانصرف أبو يزيد ول يسلم عليه ‪ ،‬وقال ‪ :‬هذا غي مأمون على أدب من آداب رسول ال صلى‬
‫ال عليه وسلم فكيف يكون مأمونا على ما يدعيه ؟ ‪.‬‬
‫وهذا أصل أصله أبو يزيد رحه ال للقوم ‪ :‬وهو أن الولية ل تصل لتارك السنة وإن كان ذلك‬
‫ل منه ‪ ،‬فما ظنك به إذا كان عاملً بالبدعة كفاحا ؟ ‪.‬‬
‫جه ً‬
‫وقال ‪ :‬همت أن أسأل ال أن يكفين مؤنة الكل ومؤنة النساء ث قلت ‪ :‬كيف يوز أن أسأل ال‬
‫هذا ؟ ول يسأله رسول ال صلى ال عليه وسلم فلم أسأله ؟ ث إن ال سبحانه كفان مؤنة النساء‬
‫حت ل أبال استقبلتن امرأة أم حائط ‪.‬‬
‫وقال ‪ :‬لو نظرت إل رجل أعطي من الكرامات حت يرتقي ف الواء فل تغتروا به حت تنظروا كيف‬
‫تدونه عند المر والنهي ‪ ،‬وحفظ الدود وآداب الشريعة ‪.‬‬
‫‪44‬‬

‫الشاطبي‬

‫كتاب العتصام‬

‫وقال سهل التستري ‪ :‬كل فعل يفعله العبد بالقتداء ‪ :‬طاع ًة كان أو معصية ‪ ،‬فهو عيش النفس ـ‬
‫يعن باتباع الوى ـ وكل فعل يفعله العبد بالقتداء فهو عتاب على النفس ـ يعن لنه ل هوى له‬
‫فيه ـ واتباع الوى هو الذموم ‪ ،‬ومقصود القوم تركه البتة ‪.‬‬
‫وقال ‪ :‬أصولنا سبعة أشياء ‪ ،‬التمسك بكتاب ال ‪ ،‬والقتداء بسنة رسول ال صلى ال عليه وسلم ‪،‬‬
‫وأكل اللل ‪ ،‬وكف الذى ‪ ،‬واجتناب الثام ‪ ،‬والتوبة ‪ ،‬وأداء القوق ‪ .‬وقال ‪ :‬قد أيس اللق من‬
‫هذه الصال الثلث ‪ :‬ملزمة التوبة ‪ ،‬ومتابعة السنة ‪ ،‬وترك أذى اللق ‪ .‬وسئل عن الفتوة فقال ‪:‬‬
‫اتباع السنة ‪.‬‬
‫وقال أبو سليمان الداران ‪ :‬ربا تقع ف قلب النكتة من نكتة القوم أياما فل أقبل منه إل بشاهدين‬
‫عدلي ـ الكتاب والسنة ‪.‬‬
‫ل بل اتباع سنة فباطل عمله ‪.‬‬
‫وقال أحد بن أب الواري ‪ :‬من عمل عم ً‬
‫وقال أبو حفص الداد ‪ :‬من ل يزن أفعاله وأحواله ف كل وقت بالكتاب والسنة ول يتهم خواطره‬
‫فل تعده ف ديوان الرجال ‪ .‬وسئل عن البدعة فقال ‪ :‬التعدي ف الحكام ‪ ،‬والتهاون ف السنن ‪،‬‬
‫واتباع الراء والهواء ‪ ،‬وترك التباع والقتداء قال ‪ :‬وما ظهرت حالة عالية إل من ملزمة أمر‬
‫صحيح ‪.‬‬
‫وسئل حدون القصار ‪ :‬مت يوز للرجل أن يتكلم على الناس ؟ فقال ‪ :‬إذا تعي عليه أداء فرض من‬
‫فرائض ال ف عمله ‪ ،‬أو خاف هلك إنسان ف بدعة يرجو أن ينجيه ال منها ‪.‬‬
‫وقال ‪ :‬من نظر ف سي السلف عرف تقصيه ‪ ،‬وتلفه عن درجات الرجال ‪.‬‬
‫وهذه ـ وال أعلم ـ إشارة إل الثابرة على القتداء بم فإنم أهل السنة ‪.‬‬
‫وقال أبو القاسم النيد لرجل ذكر العرفة وقال ‪ :‬أهل العرفة بال يصلون إل ترك الركات من باب‬
‫الب والتقرب إل ال فقال النيد ‪ :‬إن هذا قول قوم تكلموا بإسقاط العمال عن ال تعال وإليه‬
‫يرجعون فيها ‪ .‬قال ‪ :‬ولو بقيت ألف عام ل أنقص من أعمال الب ذرة ‪ ،‬إل أن يال ب دونا ‪.‬‬
‫وقال ‪ :‬الطرق كلها مسدودة على اللق إل على من اقتفى أثر الرسول صلى ال عليه وسلم ‪.‬‬
‫وقال ‪ :‬مذهبنا هذا مقيد بالكتاب والسنة ‪.‬‬
‫وقال ‪ :‬من ل يفظ القرآن ويكتب الديث ل يقتدى به ف هذا المر لن علمنا هذا مقيد بالكتاب‬
‫والسنة ‪ .‬وقال ‪ :‬هذا مشيد بديث رسول ال صلى ال عليه وسلم ‪.‬‬
‫وقال أبو عثمان البي ‪ :‬الصحبة مع ال تعال بسن الدب ودوام اليبة والراقبة ‪ ،‬والصحبة مع‬
‫رسول ال صلى ال عليه وسلم باتباع سنته ‪ ،‬ولزوم ظاهر العلم ‪ ،‬والصحبة مع أولياء ال بالحترام‬
‫والدمة ‪ .‬إل آخر ما قال ‪.‬‬

‫‪45‬‬

‫الشاطبي‬

‫كتاب العتصام‬

‫ولا تغي عليه الال مزق ابنه أبو بكر قميصا على نفسه ‪ ،‬ففتح أبو عثمان عينيه وقال ‪ ،‬خلف السنة‬
‫يا بن ف‬
‫الظاهر ‪ ،‬علمة رياء ف الباطن ‪.‬‬
‫وقال ‪ :‬من أمر السنة على نفسه قولً وفعلً نطق بالكمة ‪ ،‬ومن أمر الوى على نفسه قولً وفعلً‬
‫نطق بالبدعة ‪ ،‬قال ال تعال ‪" :‬وإن تطيعوه تتدوا" ‪.‬‬
‫قال أبو السي النوري ‪ :‬من رأيته يدعي مع ال حالة ترجه عن حد العلم الشرعي فل تقربن منه‬
‫‪.‬‬
‫وقال ممد بن الفضل البلخي ‪ :‬ذهاب السلم من أربعة ‪ :‬ل يعملون با يعلمون ‪ ،‬ويعملون با ل‬
‫يعلمون ‪ ،‬ول يتعلمون ‪ ،‬وينعون الناس من التعلم ‪.‬‬
‫هذا ما قال ‪ ،‬وهو وصف صوفيتنا اليوم ‪ ،‬عياذا بال ‪.‬‬
‫وقال ‪ :‬أعرفهم بال أشدهم ماهدةً ف أوامره ‪ ،‬وأتبعهم لسنة نبيه ‪.‬‬
‫وقال شاة الكرمان ‪ :‬من غض بصره عن الحارم ‪ ،‬وأمسك نفسه عن الشبهات ‪ ،‬وعمر باطنه بدوام‬
‫الراقبة ‪ ،‬وظاهره باتباع السنة ‪ ،‬وعود نفسه أكل اللل ‪ ،‬ل تطىء له فراسه ‪.‬‬
‫وقال أبو سعيد الراز ‪ :‬كل باطن يالفه ظاهر فهو باطل ‪.‬‬
‫وقال أبو العباس بن عطاء وهو من أقران النيد ‪ :‬من ألزم نفسه آداب ال نور ال قلبه بنور العرفة ‪،‬‬
‫ول مقام أشرف من مقام متابعة البيب صلى ال عليه وسلم ف أوامره وأفعاله وأخلقه ‪.‬‬
‫وقال أيضا ‪ :‬أعظم الغفلة غفلة العبد عن ربه عز وجل وغفلته عن أوامره ‪ ،‬وغفلته عن آداب معاملته‬
‫‪.‬‬
‫وقال إبراهيم الواص ‪ :‬ليس العال بكثرة الرواية ‪ ،‬وإنا العال من اتبع العلم واستعمله واقتدى بالسنن‬
‫وإن كان قليل العلم ‪.‬‬
‫وسئل عن العافية فقال ‪ :‬العافية أربعة أشياء ‪ ،‬دين بل بدعة ‪ ،‬وعمل بل آفة ‪ ،‬وقلب بل شغل ‪،‬‬
‫ونفس بل شهوة ‪.‬‬
‫وقال ‪ :‬الصب ‪ ،‬الثبات على أحكام الكتاب والسنة ‪.‬‬
‫وقال بنان المال ـ وسئل عن أصل أحوال الصوفية فقال ‪ : ،‬الثقة بالضمون والقيام بالوامر ‪،‬‬
‫ومراعاة السر ‪ ،‬والتخلي من الكوني ‪.‬‬
‫وقال أبو حزة البغدادي ‪ :‬من علم طريق الق سهل عليه سلوكه ‪ ،‬ول دليل على الطريق إل ال إل‬
‫متابعة سنة الرسول صلى ال عليه وسلم ف أحواله وأفعاله وأقواله ‪.‬‬
‫وقال أبو إسحاق الرقاشي ‪ :‬علمة مبة ال إيثار طاعته ومتابعة نبيه اهـ ‪ .‬ودليله قوله تعال ‪" :‬قل‬
‫إن كنتم تبون ال فاتبعون يببكم ال" ‪.‬‬
‫‪46‬‬

‫الشاطبي‬

‫كتاب العتصام‬

‫وقال مشاذ الدينوري ‪ :‬آداب الريد ف التزام حرمات الشايخ ‪ ،‬وحرمة الخوان ‪ ،‬والروج عن‬
‫السباب ‪ ،‬وحفظ آداب الشرع على نفسه ‪.‬‬
‫وسئل أبو علي الروزباري عمن يسمع اللهي ويقول ‪ :‬هي ل حلل ‪ ،‬لن قد وصلت إل درجة‬
‫ل يؤثر ف اختلف الحوال ‪ .‬فقال ‪ :‬نعم قد وصل ولكن إل سقر ‪.‬‬
‫وقال أبو ممد عبد ال بن منازل ‪ :‬ل يضيع أحد فريضة من الفرائض إل ابتله ال بتضييع السنن ‪،‬‬
‫ول يبتل بتضييع السنن أحد إل يوشك أن يبتلي بالبدع ‪.‬‬
‫وقال أبو يعقوب النهرجوري ‪ :‬أفضل الحوال ما قارن العلم ‪.‬‬
‫وقال أبو عمرو بن نيد ‪ :‬كل حال ل يكون عن نتيجة علم فإن ضرره على صاحبه أكثر من نفعه ‪.‬‬
‫وقال بندار بن السي ‪ :‬صحبة أهل البدع تورث العراض عن الق ‪.‬‬
‫وقال أبو بكر الطمستان ‪ :‬الطريق واضح ‪ ،‬والكتاب والسنة قائم بي أظهرنا ‪ ،‬وفضل الصحابة‬
‫معلوم لسبقهم إل الجرة ولصحبتهم ‪ ،‬فمن صحب منا الكتاب والسنة ‪ ،‬وتغرب عن نفسه واللق ‪،‬‬
‫وهاجر بقلبه إل ال ‪،‬‬
‫فهو الصادق الصيب ‪.‬‬
‫وقال أبو القاسم النصراباذي ‪ :‬أصل التصوف ملزمة الكتاب والسنة ـ وترك البدع والهواء ‪،‬‬
‫وتعظيم حرمات الشايخ ‪ ،‬ورؤية أعذار اللق ‪ .‬والداومة على الوراد ‪ ،‬وترك ارتكاب الرخص‬
‫والتأويلت ‪.‬‬
‫وكلمهم ف هذا الباب يطول ‪ .‬وقد نقلنا عن جلة من اشتهر منهم ينيف على الربعي شيخا ‪،‬‬
‫جيعهم يشي أو يصرح بأن البتداع ضلل ـ والسلوك عليه تيه ‪ ،‬واستعماله رمي ف عماية ‪ ،‬وأنه‬
‫مناف لطلب النجاة ‪ ،‬وصاحبه غي مفوظ ‪ ،‬وموكول إل نفسه ‪ ،‬ومطرود عن نيل الكمة ‪ .‬وأن‬
‫الصوفية الذين نسبت إليهم الطريقة مموعون على تعظيم الشريعة ‪ ،‬مقيمون على متابعة السنة ‪ ،‬غي‬
‫ملي بشيء من آدابا ‪ ،‬أبعد الناس عن البدع وأهلها ‪ .‬ولذلك ل ند منهم من ينسب إل فرق من‬
‫الفرق الضالة ‪ ،‬ول من ييل إل خلف السنة ‪ .‬وأكثر من ذكر منهم علماء وفقهاء ومدثون ومن‬
‫يؤخذ عنه الدين أصولً وفروعا ومن ل يكن كذلك ‪ ،‬فل بد من أن يكون فقهيا ف دينه بقدار‬
‫كفايته ‪.‬‬
‫وهم كانوا أهل القائق والواجد والذواق والحوال والسرار التوحيدية ‪ .‬فهم الجة لنا على كل‬
‫من ينتسب إل طريقهم ول يري على منهاجهم ‪ ،‬بل يأت ببدع مدثات ‪ ،‬وأهواء متبعات ‪ ،‬وينسبها‬
‫إليهم ‪ ،‬تأويلً عليهم ‪ .‬من قول متمل ‪ ،‬أو فعل من قضايا الحوال ‪ ،‬أو استمساكا بصلحة شهد‬
‫الشرع بإلغائها ‪ ،‬أو ما أشبه ذلك ‪ .‬فكثيا ما ترى التأخرين من يتشبه بم ‪ ،‬يرتكب من العمال ما‬
‫أجع الناس على فساده شرعا ‪ ،‬ويتج بكايات هي قضايا أحوال ‪ ،‬إن صحت ل يكن فيها حجة ‪،‬‬
‫‪47‬‬

‫الشاطبي‬

‫كتاب العتصام‬

‫لوجوه عدة ‪ ،‬ويترك من كلمهم وأحوالم ما هو واضح ف الق الصريح ‪ ،‬والتباع الصحيح ‪ ،‬شأن‬
‫من اتبع من الدلة الشرعية ما تشابه با ‪.‬‬
‫ولا كان أهل التصرف ف طريقهم بالنسبة إل إجاعهم على أمر كسائر أهل العلوم ف علومهم ‪،‬‬
‫أتيت من كلمهم با يقوم منه دليل على مدعي السنة وذم البدعة ف طريقتهم حت يكون دليلً لنا من‬
‫جهتهم ‪ ،‬على أهل البدع عموما ‪ ،‬وعلى الدعي ف طريقهم خصوصا ‪ ،‬وبال التوفيق ‪.‬‬
‫فصل الوجه الامس من النقل‬
‫ما جاء منه ف ذم الرأي الذموم ‪ ،‬وهو البن على غي أسس ‪ ،‬والستند إل غي أصل من كتاب ول‬
‫سنة ‪ ،‬لكنه وجه تشريعي فصار نوعا من البتداع ‪ ،‬بل هو النس فيها ‪ ،‬فإن جيع البدع إنا هي‬
‫رأي على غي أصل ‪ ،‬ولذلك وصف بوصف الضلل ‪ .‬ففي الصحيح ‪ ،‬عن عبد ال بن عمرو بن‬
‫العاص قال ‪ :‬سعت رسول ال صلى ال عليه وسلم يقول ‪:‬‬
‫"إن ال ل ينتزع العلم من الناس بعد إذ أعطاهوه انتزاعا ‪ .‬ولكن ينتزعه منهم مع قبض العلماء‬
‫بعلمهم ‪ ،‬فيبقى ناس جهال يستفتون فيفتون برأيهم فيضلون ويضلون" ‪.‬‬
‫فإذا كذلك ‪ ،‬فذم الرأي عائد على البدع بالذم ل مالة ‪.‬‬
‫وخرج ابن البارك وغيه ‪ ،‬عن عوف بن مالك الشجعي قال ‪ :‬قال رسول ال صلى ال عليه وسلم‬
‫‪" :‬تفترق أمت على بضع وسبعي فرقة ‪ ،‬أعظمها فتنة قوم يقيسون الدين برأيهم يرمون به ما أحل‬
‫ال ‪ ،‬ويلون به ما حرم" ‪.‬‬
‫قال ابن عبد الب ‪ :‬هذا هو القياس على غي أصل والكلم ف الدين بالتخرص والظن ‪ ،‬أل ترى إل‬
‫قوله ف الديث ‪ :‬يلون الرام ويرمون اللل ؟ ومعلوم أن اللل ما ف كتاب ال وسنة رسوله‬
‫تليله ‪ ،‬والرام ما كان ف كتاب ال وسنة رسوله تريه ‪ .‬فمن جهل ذلك وقال فيما سئل عنه‬
‫بغيعلم ‪ ،‬وقاس برأيه ما خرج منه عن السنة ‪ ،‬فهذا الذي قاس برأيه فضل وأضل ‪ ،‬ومن رد الفروع‬
‫ف علمه إل أصولا فلم يقل برأيه ‪.‬‬
‫وخرج ابن البارك حديثا ‪ ،‬قال ‪ :‬إن من أشراط الساعة ثلثا ‪ ،‬وإحداهن ‪ :‬أن يلتمس العلم عند‬
‫الصاغر ‪ ،‬قيل لبن البارك ‪ :‬من الصاغر ؟ قال ‪ :‬الذين يقولون برأيهم ‪ .‬فأما صغي يروي عن‬
‫كبي ‪ ،‬فليس بصغي ‪.‬‬
‫وخرج ابن وهب عن عمر بن الطاب رضي ال عنه أنه قال ‪ :‬أصبح أهل الرأي أعداء السنن ‪،‬‬
‫أعيتهم الحاديث أن يعوها وتفلتت منهم ‪ .‬قال سحنون ‪ :‬يعن البدع ‪.‬‬
‫وف رواية ‪ :‬إياكم وأصحاب الرأي ‪ ،‬فإنم أعداء السنن ‪ ،‬أعيتهم الحاديث أن يفظوها فقالوا‬
‫بالرأي ‪ ،‬فضلوا وأضلوا ‪.‬‬
‫‪48‬‬

‫الشاطبي‬

‫كتاب العتصام‬

‫وف رواية لـابن وهب ‪ :‬أن أصحاب الرأي أعداء السنة ‪ ،‬أعيتهم أن يفظوها ‪ ،‬وتفلتت منهم أن‬
‫يعوها ‪ ،‬واستحيوا حي يسألوا أن يقولوا ‪ :‬ل نعلم ‪ ،‬فعارضوا السنن برأيهم ‪ ،‬فإياكم وإياكم ‪.‬‬
‫قال أبو بكر بن أب داود ‪ :‬أهل الرأي هم أهل البدع ‪.‬‬
‫وعن ابن عباس رضي ال عنه قال ‪ :‬من أحدث رأيا ليس ف كتاب ال ‪ ،‬ول تض به سنةً من رسول‬
‫ال صلى ال عليه وسلم ‪ ،‬ل يدر ما هو عليه إذا لقي ال عز وجل ‪.‬‬
‫وعن ابن مسعود رضي ال عنه ‪ :‬قراؤكم يذهبون ‪ ،‬ويتخذ الناس رؤساء جهالً يقيسون المور‬
‫برأيهم ‪.‬‬
‫وخرج ابن وهب وغيه عن عمر بن الطاب أنه قال ‪ :‬السنة ما سنه ال ورسوله ‪ ،‬ل تعلوا حظ‬
‫الرأي سنةً للمة ‪.‬‬
‫وخرج أيضا عن هشام بن عروة عن أبيه قال ‪ :‬ل يزل أمر بن إسرائيل مستقيما حت أدرك فيهم‬
‫الولدون أبناء سبايا المم ‪ ،‬فأخذوا فيهم بالرأي فأضلوا بن إسرائيل ‪.‬‬
‫وعن الشعب ‪ :‬إنا هلكتم حي تركتم الثار وأخذت بالقاييس ‪.‬‬
‫وعن السن ‪ :‬إنا هلك من كان قبلكم حي شعبت بم السبل ‪ ،‬وحادوا عن الطريق فتركوا الثار ‪،‬‬
‫وقالوا ف الدين برأيهم ‪ ،‬فضلوا وأضلوا ‪.‬‬
‫وعن دراج بن السهم بن أسح قال ‪ :‬يأت على الناس زمان يسمن الرجل راحلته حت تعقد‬
‫شحما ‪ ،‬ث يسي عليها ف المصار حت تعود نقضا ‪ ،‬يلتمس من يفتيه بسنة قد عمل با فل يد إل‬
‫من يفتيه بالظن ‪.‬‬
‫وقد اختلف العلماء ف الرأي القصود بذه الخبار والثار ‪ .‬فقد قالت طائفة ‪ :‬الراد به رأي أهل‬
‫البدع الخالفي للسنن ‪ ،‬لكن ف العتقاد كمذهب جهم وسائر مذاهب أهل الكلم لنم استعملوا‬
‫آراءهم ف رد الحاديث الثابتة عن النب صلى ال عليه وسلم ‪ ،‬بل وف رد ظواهر القرآن لغي سبب‬
‫يوجب الرد ويقتضي التأويل كما قالوا بنفي الرؤية نفيا للظاهر بالحتملت ‪ ،‬ونفي عذاب القب ‪،‬‬
‫ونفي اليزان والصراط ‪ .‬وكذلك ردوا أحاديث الشفاعة والوض ـ إل أشياء يطول ذكرها ـ‬
‫وهي مذكورة ف كتب الكلم ‪.‬‬
‫وقالت طائفة ‪ :‬إنا الرأي الذموم العيب الرأي البتدع وما كان مثله من ضروب البدع ‪ ،‬فإن حقائق‬
‫جيع البدع رجوع إل الرأي ‪ ،‬وخروج عن الشرع وهذا هو القول الظهر ‪ .‬إذ الدلة التقدمة ل‬
‫تقتضي بالقصد الول من البدع نوعا دون نوع بل ظاهرها تقتضي العموم ف كل بدعة حدثت أو‬
‫تدث إل يوم القيامة ‪ ،‬كانت من الصول أو الفروع ‪ ،‬كما قاله القاضي إساعيل ف قوله تعال ‪:‬‬
‫"إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا لست منهم ف شيء" بعدما حكى أنا نزلت ف الوارج ‪ .‬وكأن‬
‫القائل بالتخصيص ـ وال أعلم ـ ل يقل به بالقصد الول ‪ ،‬بل أتى بثال ما تتضمنه الية ‪ ،‬كالثال‬
‫‪49‬‬

‫الشاطبي‬

‫كتاب العتصام‬

‫الذكور فإنه موافق لا كان مشتهرا ف ذلك الزمان ‪ ،‬فهو أول ما يثل به ويبقى ما عداه مسكوتا عن‬
‫ذكره عند القائل به ‪ ،‬ولو سئل عن العموم لقال به ‪ .‬وهكذا كل ما تقدم من القوال الاصة ببعض‬
‫أهل البدع إنا تصل على التفسي بسب الاجة ‪ .‬أل ترى أن الية الول من سورة آل عمران إنا‬
‫نزلت ف قصة نصارى نران ؟ ث نزلت على الوارج حسبما تقدم إل غي ذلك ما يذكر ف التفسي‬
‫ـ إنا يملون على ما يشمله الوضع بسب الاجة الاضرة ل بسب ما يقتضيه اللفظ لغ ًة ‪.‬‬
‫وهكذا ينبغي أن تفهم أقوال الفسرين التقدمي ‪ ،‬وهو الول لناصبهم ف العلم ‪ ،‬ومراتبهم ف فهم‬
‫الكتاب والسنة ‪ .‬ولذا العن تقرير ف غي هذا الوضع ‪.‬‬
‫وقالت طائفة وهم فيما زعم ابن عبد الب جهور أهل العلم ‪ :‬الرأي الذكور ف هذه الثار هو القول‬
‫ف أحكام شرائع الدين بالستحسان والظنون ‪ ،‬والشتغال بفظ العضلت والغلوطات ‪ ،‬ورد‬
‫الفروع والنوازع بعضها إل بعض قياسا ‪ ،‬دون ردها إل أصولا والنظر ف عللها واعتبارها ‪،‬‬
‫فاستعمل فيها الرأي قبل أن تنل ‪ ،‬وفرعت قبل أن تقع ‪ ،‬وتكلم فيها قبل أن تكون ‪ ،‬بالرأي الضارع‬
‫للظن ‪ ،‬قالوا ‪ :‬لن ف الشتغال بذا والستغراق فيه تعطيل السنن والبعث على جهلها ‪ ،‬وترك‬
‫الوقوف على ما يلزم الوقوف عليه منها ‪ ،‬ومن كتاب ال تعال ومعانيه واحتجوا على ذلك بأشياءً ‪،‬‬
‫منها ‪ :‬أن عمر رضي ال عنه لعن من سأل عما ل يكن وما جاء من النهي عن الغلوطات ‪ ،‬وهي‬
‫صعاب السائل ‪ ،‬وعن كثرة السؤال ‪ ،‬وأنه كره السائل وعابا ‪ ،‬وإن كثيا من السلف ل يكن ييب‬
‫إل عما نزل من النوازل دون ما ل ينل ‪.‬‬
‫وهذا القول غي مالف لا قبله ‪ ،‬لن من قال به قد منع من الرأي وإن كان غي مذموم ‪ ،‬لن الكثار‬
‫منه ذريعة إل الرأي الذموم ‪ ،‬وهو ترك النظر ف السنن اقتصارا على الرأي ‪ ،‬وإذا كان كذلك اجتمع‬
‫مع ما قبله ‪ ،‬فإن من عادة الشرع أنه إذا نى عن شيء وشدد فيع منع ما حواليه ‪ ،‬وما دار به ورتع‬
‫حول حاه ‪ .‬أل ترى إل قوله عله السلم ‪:‬‬
‫"اللل بي والرام بي وبينهما أمور مشتبهة" ‪ ،‬وكذلك جاء ف الشرع أصل سد الذرائع ‪ ،‬وهو‬
‫منع الائز لنه ير إل غي الائز ‪ .‬وبسب عظم الفسدة ف المنوع ‪ ،‬يكون اتساع النع ف الذريعة‬
‫وشدته ‪.‬‬
‫وما تقدم من الدلة يبي ذلك عظم النفسدة ف البتداع فالرم حول حاه يتسع جدا ‪ ،‬ولذلك تنصل‬
‫العلماء من القول بالقياس وإن كان جاريا على الطريقة ‪ ،‬فامتنع جاعة من الفتيا به قبل نزول‬
‫السألة ‪ ،‬وحكوا ف ذلك حديثا عن النب صلى ال عليه وسلم أنه قال ‪:‬‬
‫"ل تعجلوا بالبلية قبل نزولا فإنكم إن تفعلوا تشتت بكم الطرق ها هنا وها هنا" وصح نيه عليه‬
‫الصلم عن كثرة السؤال ‪ .‬وقال ‪:‬‬

‫‪50‬‬

‫الشاطبي‬

‫كتاب العتصام‬

‫"إن ال فرض فرائض فل تضيعوها ‪ ،‬ونى عن أشياء فل تنتهكوها ‪ ،‬وحد حدودا فل تعتدوها ‪،‬‬
‫وعفا أشياء رحةً لكم ل عن نسيان فل تبحثوا عنها" ‪ .‬وأحال با جاعة على المراء فلم يكونوا‬
‫يفتون حت يكون المي هو الذي يتول ذلك ‪ ،‬ويسمونا ‪ :‬صواف المراء ‪.‬‬
‫وكان جاعة يفتون على الروج عن العهدة ‪ ،‬وأنه رأي ليس بعلم ‪ ،‬كما قال أبو بكر الصديق رضي‬
‫ال عنه إذ سئل ف الكللة ‪ :‬أقول فيها برأيي فإن كان صوابا فمن ال وإن كان خطأً فمن ومن‬
‫الشيطان ‪ .‬ث أجاب ‪.‬‬
‫وجاء رجل إل سعيد بن السيب فسأله عن شيء فأمله عليه ‪ ،‬ث سأله عن رأيه فأجابه ‪ ،‬فكتب‬
‫الرجل ‪ ،‬فقال رجل من جلساء سعيد ‪ :‬أتكتب يا أبا ممد رأيك ؟ فقال سعيد للرجل ‪ :‬ناولنيها‬
‫فناوله الصحيفة فخرقها ‪.‬‬
‫وسئل القاسم بن ممد عن شيء فأجاب ‪ ،‬فلما ول الرجل دعاه فقال له ‪ :‬ل تقل إن القاسم زعم أن‬
‫هذا هو الق ‪ ،‬ولكن إن اضطررت إليه عملت به ‪.‬‬
‫وقال مالك بن أنس ‪ :‬قبض رسول ال صلى ال عليه وسلم وقد ت هذا المر واستكمل ‪ ،‬فإنا ينبغي‬
‫أن نتبع آثار رسول ال صلى ال عليه وسلم ول نتبع الرأي ‪ ،‬فإنه مت أتبع الرأي جاء رجل آخر‬
‫أقوى ف الرأي منك ‪ ،‬فأتبعته ‪ ،‬فأنت كلما جاء رجل غلبك اتبعته ‪ ،‬أرى هذا ل يتم ‪.‬‬
‫ث ثبت أنه كان يقول برأيه ‪ ،‬ولكن كثيا ما كان يقول بعد أن يتهد رأيه ف النازلة ‪" :‬إن نظن إل‬
‫ظنا وما نن بستيقني" ولجل الوف على من كان يتعمق فيه ل يزل يذمه ويذم م تعمق فيه ‪ ،‬فقد‬
‫كان ينحى على أهل العراق لكثرة تصرفهم به ف الحكام ‪ ،‬فحكي عنه ف ذلك أشياء من أخفها‬
‫قوله ‪ :‬الستحسان تسعة أعشار العلم ول يكاد الغرق ف القياس إل يفارق السنة ‪.‬‬
‫والثار التقدمة ليست عند مالك مصوصة بالرأي ف العتقاد ‪ .‬فهذه كلها تشديدات ف الرأي وإن‬
‫كان جاريا على الصول ‪ ،‬حذرا من الوقوع ف الرأي غي الاري على أصل ‪.‬‬
‫ولبن عبد الب ـ هنا ـ كلم كثي كرهنا التيان به ‪.‬‬
‫والاصل من جيمع ما تقدم أن الرأي الذموم ما بن على الهل واتباع الوى من غي أن يرجع إليه ‪،‬‬
‫وما كان منه ذريعة إليه وإن كان ف أصله ممودا ‪ ،‬وذلك راجع إل أصل شرعي ‪ ،‬فالول داخل‬
‫تت حد البدعة وتتنل عليه أدلة الذم ‪ ،‬والثان خارج عنه ول يكون بدعةً أبدا ‪.‬‬
‫فصل الوجه السادس من النقل‬

‫‪51‬‬

‫الشاطبي‬

‫كتاب العتصام‬

‫يذكر فيه بعض ما ف البدع من الوصاف الحذورة ‪ ،‬والعان الذمومة ‪ ،‬وأنواع الشؤم ‪ ،‬وهو‬
‫كالشرح لا تقدم أو ًل ‪ ،‬وفيه زيادة بسط وبيان زائد على ما تقدم ف أثناء الدلة ‪ ،‬فلنتكلم على ما‬
‫يسع ذكره بسب الوقت والال ‪.‬‬
‫فاعملوا أن البدعة ل يقبل معها عبادة من صلةول صيام ول صدقة ول غي ها من القربات ‪.‬‬
‫ومالس صاحبها تنع منه العصمة ويوكل إل نفسه ‪ ،‬والاشي إليه وموقره معي على هدم السلم ‪،‬‬
‫فما الظن بصاحبها وهو ملعون على لسان الشريعة ‪ ،‬ويزداد من ال بعبادته بعدا ؟ ! وهي مظنة إلقاء‬
‫العدواة والبغضاء ‪ ،‬ومانعة من الشفاعة الحمدية ‪ ،‬ورافعة للسنن الت تقابلها ‪ ،‬وعلى مبتدعها إث من‬
‫عمل با ‪ ،‬وليس له من توبة ‪ ،‬وتلقى عليه الذلة والغضب من ال ‪ ،‬ويبعد عن حوض رسول ال صلى‬
‫ال عليه وسلم ‪ ،‬وياف عليه أن يكون معدودا ف الكفار الارجي عن اللة ‪ ،‬وسوء الاتة عند‬
‫الروج من الدنيا ‪ ،‬ويسود وجهه ف الخرة يعذب بنار جهنم ‪ ،‬وقد تبأ منه رسول ال صلى ال‬
‫عليه وسلم ‪ ،‬وتبأ منه السلمون وياف عليه الفتنة ف الدنيا زيادة إل عذاب الخرة ‪.‬‬
‫فأما أن البدعة ل يقبل معها عمل ‪ ،‬فقد روي عن الوزاعي أنه قال ‪ :‬كان بعض أهل العلم يقول ‪:‬‬
‫ل يقبل ال من ذي بدعة صلةً ول صياما ول صدقةً ول جهادا ول حجا ول عمرةً ول صرفا ول‬
‫عد ًل ‪.‬‬
‫وفيما كتب به أسد بن موسى ‪ :‬وإياك أن يكون لك من البدع أخ أوجليس أو صاحب ‪ ،‬فإنه جاء‬
‫الثر ‪ :‬من جالس صاحب بدعة نزعت منه العصمة ووكل إل نفسه ‪ ،‬ومن مشى إل صاحب بدعة‬
‫مشى إل هدم السلم ‪ .‬وجاء ‪ :‬ما من إله يعبد من دون ال أبغض إل ال من صاحب هوى ‪،‬‬
‫ووقعت اللعنة من رسول ال صلى ال عليه وسلم على أهل البدع ‪ ،‬وإن ال ل يقبل منهم صرفا ول‬
‫عد ًل ‪ ،‬ول فريضةً ول تطوعا ‪ ،‬وكلما ازدادوا اجتهادا ـ صوما وصلةً ـ ازدادوا من ال بعدا ‪.‬‬
‫فارفض مالستهم وأذلم وأبعدهم ‪ ،‬كما أبعدهم وأذلم رسول ال صلى ال عليه وسلم وأئمة الدى‬
‫بعده ‪.‬‬
‫وكان أيوب السخيتان يقول ‪ :‬ما ازداد صاحب بدعة اجتهادا إل ازداد من ال بعدا ‪.‬‬
‫وقال هشام بن حسان ‪ :‬ل يقبل ال من صاحب بدعة صلةً ول صياما ول زكاةً ول حجا ول‬
‫جهادا ول عمرةً ول صدقةً ول عتقا ول صرفا ول عدلً ‪.‬‬
‫وخرج ابن وهب عن عبد ال بن عمر قال ‪ :‬من كان يزعم أن مع ال قاضيا أو رازقا أو يلك لنفسه‬
‫ضرا أو نفعا أو موتا أو حياةً أو نشورا ‪ ،‬لقي ال فأدحض حجته ‪ ،‬وأخرس لسانه ‪ ،‬وجعل صلته‬
‫وصيامه هبا ًء منثورا ‪ ،‬وقطع به السباب ‪ ،‬وكبه ف النار على وجهه ‪.‬‬
‫وهذه الحاديث وما كان نوها ما ذكرناه تتضمن عمدة صحتها كلها ‪ .‬فإن العن القرر فيها له ف‬
‫الشريعة أصل صحيح ل مطعن فيه ‪.‬‬
‫‪52‬‬

‫الشاطبي‬

‫كتاب العتصام‬

‫أما أولً ‪ :‬فإنه قد جاء ف بعضها ما يقتضي عدم القبول وهو ف الصحيح كبدعة القدرية حيث قال‬
‫فيها عبد بن عمر ‪:‬‬
‫إذا لقيت أولئك فأخبهم أن بريء منهم ‪ ،‬وأنم براء من ‪ ،‬فوالذي يلف به عبد ال بن عمر لو‬
‫كان لحدهم مثل أحد ذهبا فأنفقه ما تقبله ال منه حت يؤمن بالقدر ‪ .‬ث استشهد بديث جبيل‬
‫الذكور ف صحيح مسلم ‪.‬‬
‫ومثله حديث الوارج وقوله فيه ‪:‬‬
‫يرقون من الدين كما يرق السهم من الرمية ـ بعد قوله ـ " تقرون صلتكم مع صلتم‬
‫وصيامكم مع صيامهم وأعمالكم مع أعمالم" ‪ .‬الديث ‪.‬‬
‫وإذا ثبت ف بعضهم هذا لجل بدعة فكل مبتدع باف عليه مثل من ذكره ‪.‬‬
‫وأما ثانيا ‪ :‬فإن كان البتدع ل يقبل منه عمل ‪ ،‬إما أن يراد أنه ل يقبل له بإطلق على أي وجه وقع‬
‫من وفاق سنة أو خلفها ‪ ،‬وإما أن يراد أنه ل يقبل منه ما ابتدع فيه خاصة دون ما ل يبتدع فيه ‪.‬‬
‫فأما الول ‪ :‬فيمكن على أحد أوجه ثلثة ‪.‬‬
‫الول ‪ :‬أن يكون على ظاهره من أن كل مبتدع أي بدعة كانت ‪ ،‬فأعماله ل تقبل معها ـ داخلتها‬
‫تلك البدعة أم ل ‪ .‬ويشي إليه حديث ابن عمر الذكور آنفا ‪ ،‬ويدل عليه حديث علي بن أب طالب‬
‫رضي ال عنه أنه خطب الناس وعليه سيف فيه صحيفه معلقة ‪ ،‬فقال وال ما عندنا كتاب نقرؤه إل‬
‫كتاب ال وما ف هذه الصحيفة ‪ ،‬فنشرها فإذا فيها ـ أسنان البل ‪ ،‬وإذا فيها ‪ :‬الدينة حرم من عي‬
‫إل كذا ‪.‬من أحدث فيها حدثا فعليه لعنه ال واللئكة والناس أجعي ل يقبل ال منه صرفا ول عدلً‬
‫‪ .‬وذلك على رأي من فسر الصرف والعدل بالفريضة والنافلة ‪ .‬وهذا شديد جدا على أهل الحداث‬
‫ف الدين ‪.‬‬
‫ل يتفرع عليه سائر العمال ‪ ،‬كما إذا ذهب إل إنكار العمل بب الواحد‬
‫الثان ‪ :‬أن تكون بدعته أص ً‬
‫بإطلق ‪ ،‬فإن عامة التكليف مبن عليه ‪ ،‬لن المر إنا يرد على الكلف من كتاب ال أو من سنة‬
‫رسوله ‪ .‬وما تفرع منهما راجع إليهما ‪ .‬فإن كان واردا من السنة فمعظم نقل السنة بالحاد ‪ ،‬بل قد‬
‫أعوز أن يوجد حديث عن رسول ال صلى ال عليه وسلم متواترا ‪ ،‬وإن كان واردا من الكتاب فإنا‬
‫تبينه السنة فكل ما ل يبي ف القرآن فل بد لطرح نقل الحاد أن يستعمل رأيه وهو البتداع بعينه ‪،‬‬
‫فيكون فرع ينبن على ذلك بدعة ل يقبل منه شيء ‪ ،‬كما ف الصحيح من قوله عليه السلم ‪:‬‬
‫"كل عمل ليس عليه أمرنا فهو رد" وكما إذا كانت البدعة الت ينبن عليها كل عمل ‪ ،‬فإن العمال‬
‫بالنيات ‪ ،‬وإنا لكل امرىء ما نوى ‪.‬‬

‫‪53‬‬

‫الشاطبي‬

‫كتاب العتصام‬

‫ومن أمثلة ذلك قول من يقول ‪ :‬إن العمال إنا تلزم من ل يبلغ درجة الولياء الكاشفي بقائق‬
‫التوحيد ‪ ،‬فأما من رفع له الجاب وكوشف بقيقة ما هنالك فقد ارتفع التكليف عنه ‪ ،‬بناءً منهم‬
‫على أصل هو كفر صريح ل يليق ف هذا الوضع ذكره ‪.‬‬
‫وف الترمذي عن أب رافع عن النب صلى ال عليه وسلم أنه قال ‪:‬‬
‫"ل ألفي أحدكم متكئا على أريكته يأتيه أمري فيما أمرت به أو نيت عنه فيقول ‪ :‬ل أدري ! ما‬
‫وجدنا ف كتاب ال اتبعناه !" ‪.‬‬
‫وف رواية ‪ " :‬أل! هل عسى رجل يبلغه عن الديث وهو متكىء على أريكته فيقول ‪ :‬بيننا وبينكم‬
‫كتاب ال ( قال ) فما وجدنا فيه حل ًل حللناه وما وجدنا فيه حراما حرمناه ‪ ،‬وإن ما حرم رسول‬
‫ال كما حرم ال" حديث حسن ‪.‬‬
‫وإنا جاء هذا الديث على الذم وإثبات أن سنة رسول ال صلى ال عليه وسلم ف التحليل والتحري‬
‫ككتاب ال ‪ ،‬فمن ترك ذلك فقد بن أعماله على رأيه على كتاب ال ول على سنة رسول ال صلى‬
‫ال عليه وسلم ‪.‬‬
‫ومن المثلة إذا كانت البدعة ترج صاحبها عن السلم باتفاق أو باختلف ‪ ،‬إذ للعملء ف تكفي‬
‫أهل البدع قولن ‪ .‬وف الظواهر ما يدل على ذلك كقوله عليه السلم ف بعض روايات حديث‬
‫الوارج حي ذكر السهم بصيغة الوارج من الرمية بي الفرث والدم ومن اليات قوله سبحانه‬
‫وتعال‪":‬يوم تبيض وجوه وتسود وجوه"‪ ،‬ونو الظواهر التقدمة ‪.‬‬
‫الوجه الثالث ‪ :‬أن صاحب البدعة ف بعض المور التعبدية أو غيها قد يره اعتقاد بدعته الاصة إل‬
‫التأويل الذي يصي اعتقاده ف الشريعة ضعيفا ‪ ،‬وذلك يبطل عليه جيع عمله ‪ .‬بيان ذلك أمثلة ‪:‬‬
‫منها ‪ :‬أن يترك العقل مع الشرع ف التشريع ‪ ،‬وإنا يأت الشرع كاشفا لا اقتضاه العقل ‪ ،‬فما ليت‬
‫شعري هل حكم هؤلء ف التعبد ل شرعه أم عقولم ؟ بل صار الشرع ف نلتهم كالتابع العي ل‬
‫حاكما متبعا ‪ ،‬وهذا هو التشريع الذي ل يبق للشرع معه أصالة ‪ ،‬فكل ما عمل هذا العامل مبنيا‬
‫على ما اقتضاه عقله ‪ ،‬وإن شرك الشرع فعلى حكم الشركة ل على إفراد الشرع ‪ ،‬فل يصح بناء‬
‫على الدليل الدال على إبطال التحسي والتقبيح العقليي ‪ ،‬إذ هو عند علماء الكلم من مشهور البدع‬
‫‪ ،‬وكل بدعة ضللة ‪.‬‬
‫ومنها ‪ :‬أن الستحسن للبدع يلزمه عادةً أن يكون الشرع عنده ل يكمل بعد ‪ ،‬فل يكون لقوله تعال‬
‫‪" :‬اليوم أكملت لكم دينكم" معن يعتب به عندهم ‪ ،‬ومسن الظن منهم يتأولا حت يرجها عن‬
‫ظاهرها ‪ ،‬وذلك أن هؤلء الفرق الت تبتدع العبادات أكثرها من يكثر الزهد والنقطاع والنفراد‬
‫عن اللق ‪ ،‬وإل القتداء بم يري أغمار العوام ‪ ،‬والذي يلزم الماعة وإن كان أتقى خلق ال ل‬
‫يعدونه إل من العامة ‪ .‬وأما الاصة فهم أهل تلك الزيادات ‪ ،‬ولذلك تد كثيا من العتزين بم ‪،‬‬
‫‪54‬‬

‫الشاطبي‬

‫كتاب العتصام‬

‫والائلي إل جهتهم ‪ ،‬يزدرون بغيهم من ل ينتحل مثل ما انتحلوا ‪ ،‬ويعدونم من الحجوبي عن‬
‫أنوارهم ‪ ،‬فكل من يعتقد هذا العن يضعف ف يده قانون الشرع الذي ضبطه السلف الصال ‪ ،‬وبي‬
‫حدوده الفقهاء الراسخون ف العلم ‪ ،‬إذ ليس هو عنده ف طريق السلوك بنهض حت يدخل مداخل‬
‫خاصتهم ‪ ،‬وعند ذلك ل يبقى لعمل ف أيديهم روح العتماد القيقي ‪ ،‬وهو باب عدم القبول ف‬
‫تلك العمال ‪ ،‬وإن كانت بسب ظاهر المر مشروعة ‪ ،‬لن العتقاد فيها أفسدها عليهم ‪ ،‬فحقيق‬
‫أن ل يقبل من هذا شأنه صرف ول عدل ‪ ،‬والعياذ بال ! ‪.‬‬
‫وأما الثان ‪ :‬وهو أن يراد بعدم القبول لعمالم ما ابتدعوا فيه خاصة فيظهر أيضا ‪ ،‬وعليه يدل‬
‫الديث التقدم ‪" :‬كل عمل ليس عليه أمرنا فهو رد" والميع من قوله ‪" :‬كل بدعة ضللة" أي أن‬
‫صاحبها ليس على الصراط الستقيم ‪ ،‬وهو معن عدم القبول ‪ ،‬وفاق قول ال ‪" :‬ول تتبعوا السبل‬
‫فتفرق بكم عن سبيله" ‪ ،‬وصاحب البدعة ل يقتصر ف الغالب على الصلة دون الصيام ‪ ،‬ول على‬
‫الصيام دون الزكاة ‪ ،‬ول على الزكاة دون الج ‪ ،‬ول على الج دون الهاد ‪ ،‬إل غي ذلك من‬
‫العمال ‪ ،‬لن الباعث له على ذلك حاضر معه ف الميع ‪ ،‬وهو الوى والهل بشريعة ال ‪ ،‬كما‬
‫سيأت إن شاء ال ‪.‬‬
‫وف البسوطة عن يي بن يي أنه ذكر العراف وأهله فتوجع واسترجع ‪ ،‬ث قال ‪ :‬قوم أرادوا وجها‬
‫من الي فلم يصيبوه فقيل له ‪ :‬يا أبا ممد ! أفيجى لم مع ذلك لسعيهم ثواب ؟ قال ‪ :‬ليس ف‬
‫خلف السنة رجاء ثواب ‪.‬‬
‫وأما أن صاحب البدعة تنع منه العصمة ويوكل إل نفسه فقد تقدم نقله ‪ ،‬ومعناه ظاهر جدا ‪ ،‬فإن‬
‫ال تعال بعث إلينا ممدا صلى ال عليه وسلم رح ًة للعالي حسبما أخب ف كتابه ‪ ،‬وقد كنا قبل‬
‫ل ‪ ،‬ول نعرف من مصالنا الدنيوية إل قليلً على غي‬
‫طلوع ذلك النور العظم ل نتدي سبي ً‬
‫كمال ‪ ،‬ول من مصالنا الخروية قليلً ول كثيا ‪ ،‬بل كان كل أحد يركب هواه وإن كان فيه ما‬
‫فيه ‪ ،‬ويطرح هوى غيه فل يلتفت إليه ‪ ،‬فل يزال الختلف بينهم والفساد فيهم يص ويعم ‪ ،‬حت‬
‫بعث ال نبيه صلى ال عليه وسلم لزوال الريب واللتباس ‪ ،‬وارتفاع اللف الواقع بي الناس ‪ ،‬كما‬
‫قال ال تعال ‪" :‬كان الناس أمة واحدة فبعث ال النبيي" إل قوله ‪" :‬فهدى ال الذين آمنوا لا‬
‫اختلفوا فيه من الق بإذنه" وقوله ‪" :‬وما كان الناس إل أمة واحدة فاختلفوا" ول يكن حاكما بينهم‬
‫فيما اختلفوا فيه إل وقد جاءهم با ينتظم به شلهم ‪ ،‬وتتمع به كلمتهم ‪ ،‬وذلك راجع إل الهة الت‬
‫من أجلها اختلفوا ‪ ،‬وهو ما يعود عليهم بالصلح ف العاجل والجل ‪ ،‬ويدرأ عنهم الفساد على‬
‫الطلق ‪ ،‬فانفضت الديان والدماء والعقل والنساب والموال ‪ ،‬من طرق يعرف مآخذها العلماء‬
‫‪ .‬وذلك ‪ ،‬القرآن النل على النب صلى ال عليه وسلم قو ًل وعملً وإقرارا ‪ ،‬ول يردوا إل تدبي‬
‫أنفسهم للعلم بأنم ل يستطيعون ذلك ول يستقلون بدرك مصالهم ول تدبي أنفسهم ‪ ،‬فإذا ترك‬
‫‪55‬‬

‫الشاطبي‬

‫كتاب العتصام‬

‫البتدع هذه البات العظيمة ‪ ،‬والعطايا الزيلة ‪ ،‬وأخذ ف استصلح نفسه أو دنياه بنفسه با ل يعل‬
‫الشرع عليه دليلً ‪ ،‬فكيف له بالعصمة والدخول تت هذه الرحة ؟ وقد حل يده من حبل العصمة‬
‫إل تدبي نفسه ‪ ،‬فهو حقيق بالبعد عن الرحة ‪ .‬قال ال تعال ‪" :‬واعتصموا ببل ال جيعا ول‬
‫تفرقوا" بعد قوله ‪" :‬اتقوا ال حق تقاته" فأشعر أن العتصام ببل ال هو تقوى ال حقا ‪ ،‬وأن ما‬
‫سوى ذلك تفرقة ‪ ،‬لقوله ‪" :‬ول تفرقوا" والفرقة من أخس أوصاف البتدعة ‪ ،‬لنه خرج عن حكم‬
‫ال وباين جاعة أهل السلم ‪.‬‬
‫روى عبد بن حيد بن عبد ال ‪ :‬أن حبل ال الماعة ‪.‬‬
‫وعن قتادة ‪ :‬حبل ال التي ‪ ،‬هذا القرآن وسنته ‪ ،‬وعهده إل عباده الذي أمر أن يعتصم با فيه من‬
‫الي ‪ ،‬والثقة أن يتمسكوا به ويعتصموا ببله ‪ ،‬إل آخر ما قال ومن ذلك قوله تعال ‪" :‬واعتصموا‬
‫بال هو مولكم" ‪.‬‬
‫وأما أن الاشي إليه والوقر له معي على هدم السلم فقد تقدم من نقله ‪.‬‬
‫وروي أيضا مرفوعا ‪:‬‬
‫"من أتى صاحب بدعة ليوقره ‪ ،‬فقد أعان على هدم السلم" ‪.‬‬
‫وعن هشام بن عروة قال ‪:‬‬
‫قال رسول ال صلى ال عليه وسلم ‪":‬من وقر صاحب بدعة فقد أعان على هدم السلم" ‪.‬‬
‫ويامعها ف العن ما صح من قوله عليه الصلة والسلم ‪" :‬من أحدث حدثا أو آوى مدثا فعليه لعنة‬
‫ال واللئكة والناس أجعي" الديث ‪.‬‬
‫فإن اليواء يامع التوقي ‪ ،‬ووجه ذلك ظاهر لن الشي إليه والتوقي له تعظيم له لجل بدعته ‪ ،‬وقد‬
‫علمنا أن الشرع يأمر بزجره وإهانته وإذلله با هو اشد من هذا ‪ ،‬كالضرب والقتل ‪ ،‬فصار توقيه‬
‫صدودا عن العمل بشرع السلم ‪ ،‬وإقبالً على ما يضاده وينافيه ‪ ،‬والسلم ل ينهدم إل بترك العمل‬
‫به والعمل با ينافيه ‪.‬‬
‫وأيضا فإن توقي صاحب البدعة مظنة لفسدتي تعودان على السلم بالدم ‪:‬‬
‫إحداها ‪ :‬التفات الهال والعامة إل ذلك التوقي ‪ ،‬فيعتقدون ف البتدع أنه أفضل الناس ‪ ،‬وأن ما هو‬
‫عليه خي ما عليه غيه ‪ ،‬فيؤدي ذلك إل اتباعه على بدعته دون اتباع أهل السنة على سنتهم ‪.‬‬
‫والثانية ‪ :‬أنه إذا وقر من أجل بدعته صار ذلك كالادي الحرض له على إنشاء البتداع ف كل شيء‬
‫‪.‬‬
‫وعلى كل حال فتحيا البدع وتوت السنن ‪ ،‬وهو هدم السلم بعينه ‪.‬‬

‫‪56‬‬

‫الشاطبي‬

‫كتاب العتصام‬

‫وعلى ذلك دل حديث معاذ ‪ :‬فيوشك قائل أن يقول ‪ :‬ما لم ل يتبعون وقد قرأت القرآن ؟ ما هم‬
‫بتبعي حت أبتدع لم غيه ‪ ،‬وإياكم وما ابتدع ‪ ،‬فإن ما ابتدع ضللة فهو يقتضي أن السنن توت‬
‫إذا أحييت البدع ‪ ،‬وإذا ماتت اندم السلم ‪.‬‬
‫وعلى ذلك دل النقل عن السلف زيادة إل صحة العتبار ‪ ،‬لن الباطل إذا عمل به لزم ترك العمل‬
‫بالق كما ف العكس ‪ ،‬لن الحل الواحد ل يشتغل إل بأحد الضدين ‪.‬‬
‫وأيضا فمن السنة الثابتة ترك البدع ‪ ،‬فمن عمل ببدعة واحدة فقد ترك تلك السنة ‪.‬‬
‫فمما جاء من ذلك ما تقدم ذكره عن حذيفة رضي ال عنه أنه أخذ حجرين فوضع أحدها على‬
‫الخر ث قال لصحابه ‪ :‬هل ترون ما بي هذين الجرين من النور ؟ قالوا ‪ :‬يا أبا عبد ال ! ما نرى‬
‫بينهما إل قليلً ‪ ،‬قال ‪ :‬والذي نفسي بيده لتظهرن البدع حت ل يرى من الق إل قدر ما بي هذين‬
‫الجرين من النور ‪ ،‬وال لتفشون البدع حت إذا ترك منها شيء قالوا ‪ :‬تركت السنة ‪ .‬وله آخر قد‬
‫تقدم ‪.‬‬
‫وعن أب إدريس الولن أنه كان يقول ‪ :‬ما أحدثت أمة ف دينها بدعة إل رفع ال با عنهم سنته ‪.‬‬
‫وعن حسان بن عطية قال ‪ :‬ما أحدث قوم بدعة ف دينهم إل نزع ال من سنتهم مثلها ‪ ،‬ث ل يعدها‬
‫إليهم إل يوم القيامة ‪.‬‬
‫وعن بعض السلف يرفعه ‪:‬‬
‫"ل يدث رجل ف السلم بدعةً إل ترك من السنة ما هو خي منها" ‪.‬‬
‫وعن ابن عباس رضي ال عنه قال ‪ :‬ما يأت على الناس من عام إل أحدثوا فيه بدعةً وأماتوا فيه سن ًة ‪،‬‬
‫حت تيا البدع وتوت السنن ‪.‬‬
‫وأما أن صاحبها ملعون على لسان الشريعة ‪ ،‬فلقوله عليه الصلة والسلم ‪:‬‬
‫"من أحدث حدثا آو آوى مدثا فعليه لعنة ال واللئكة والناس أجعي" ‪.‬‬
‫وعد من الحاديث ‪ ،‬والستنان بسنة سوء ل تكن ‪.‬‬
‫وهذه اللعنة قد اشترك فيها صاحب البدعة مع من كفر بعد إيانه ‪ ،‬وقد شهد أن بعثه النب صلى ال‬
‫عليه وسلم حق ل شك فيها ‪ ،‬وجاءه الدى من ال والبيان الشاف ‪ ،‬وذلك قول ال تعال ‪" :‬كيف‬
‫يهدي ال قوما كفروا بعد إيانم وشهدوا أن الرسول حق " إل قوله ‪" :‬أولئك جزاؤهم أن عليهم‬
‫لعنة ال واللئكة والناس أجعي" إل آخرها ‪.‬‬
‫واشترك أيضا مع من كتم ما أنزل ال وبينه ف كتابه ‪ .‬وذلك قوله تعال ‪" :‬إن الذين يكتمون ما‬
‫أنزلنا من البينات والدى من بعد ما بيناه للناس ف الكتاب أولئك يلعنهم ال ويلعنهم اللعنون" إل‬
‫آخرها ‪.‬‬

‫‪57‬‬

‫الشاطبي‬

‫كتاب العتصام‬

‫فتأملوا العن الذي اشترك البتدع فيه مع هاتي الفرقتي ‪ ،‬وذلك مضادة الشارع فيما شرع ‪ ،‬لن ال‬
‫تعال أنزل الكتاب وشرع الشرائع ‪ ،‬وبي الطريق للسالكي على غاية ما يكن من البيان ‪ ،‬فضادها‬
‫الكافر بأن جحدها جحدا ‪ ،‬وضادها كاتها بنفس الكتمان ‪ ،‬لن الشارع يبي ويظهر ‪ ،‬وهذا يكتم‬
‫ويفي ‪ ،‬وضادها البتدع بأن وضع الوسيلة لترك ما بي وإخفاء ما أظهر ‪ ،‬لن من شأنه أن يدخل‬
‫الشكال ف الواضحات ‪ ،‬من أجل اتباع التشابات ‪ ،‬لن الواضحات ‪ ،‬تدم له ما بن عليه من‬
‫التشابات ‪ ،‬فهو آخذ ف إدخال الشكال على الواضح ‪ ،‬حت يرتكب ما جاءت اللعنة ف البتداع‬
‫به من ال واللئكة والناس أجعي ‪.‬‬
‫قال أبو مصعب صاحب مالك ‪ :‬قدم علينا ابن مهدي ـ يعن الدينة ـ فصلى ووضع رداءه بي‬
‫يدي الصف فلما سلم المام رمقه الناس بأبصارهم ورمقوا مالكا ‪ ،‬وكان قد صلى خلف المام ‪،‬‬
‫فلما سلم قال ‪ :‬من ها هنا من الرس ؟ فجاءه نفسان فقال ‪ :‬خذا صاحب هذا الثوب فاحبساه ‪.‬‬
‫فحبس ‪ ،‬فقيل له ‪ :‬إنه ابن مهدي فوجه إليه ‪ ،‬وقال له ‪ :‬أما خفت ال واتقيته أن وضعت ثوبك بي‬
‫يديك ف الصف وشغلت الصلي بالنظر إليه ‪ ،‬وأحدثت ف مسجدنا شيئا ما كنا نعرفه ‪ ،‬وقد قال‬
‫النب صلى ال عليه وسلم ‪:‬‬
‫"من أحدث ف مسجدنا حدثا فعليه لعنة ال واللئكة والناس أجعي؟" فبكى ابن مهدي وآل على‬
‫نفسه أن ل يفعل ذلك أبدا ف مسجد النب صلى ال عليه وسلم ول ف غيه ‪.‬‬
‫وهذا غاية ف التوقي والتحفظ ف ترك إحداث ما ل يكن خوفا من تلك اللعنة ‪ .‬فما ظنك با سوى‬
‫وضع الثوب ؟‬
‫وتقدم حديث الطحاوي ‪ :‬ستة ألعنهم ‪ .‬لعنهم ال فذكر فيهم التارك لسنته عليه الصلة والسلم‬
‫أخذا بالبدعة ‪.‬‬
‫وأما أنه يزداد من ال بعدا ‪ .‬فلما روي عن السن أنه قال ‪ :‬صاحب البدعة ما يزداد من ال اجتهادا‬
‫‪ ،‬صياما وصلةً ‪ ،‬إل ازداد من ال بعدا ‪.‬‬
‫وعن أيوب السختيان قال ‪ :‬ما ازداد صاحب بدعة اجتهادا إل ازداد من ال بعدا ‪.‬‬
‫فصل‪:‬الوجه السادس من النقل‬
‫ويصحح هذا النقل ما أشار إليه الديث الصحيح ف قوله عليه الصلة والسلم ف الوارج ‪:‬‬
‫"يرج من ضئضىء هذا قوم تقرون صلتكم مع صلتم وصيامكم مع صيامهم ـ إل أن قال ـ‬
‫يرقون من الدين كما يرق السهم من الرمية" فبي أولً اجتهادهم ث بي آخرا بعدهم من ال تعال ‪.‬‬
‫وهو بي أيضا من جهة أنه ل يقبل منه صرف ول عدل كما تقدم ‪ ،‬فكل عمل يعمله على البدعة‬
‫فكما لو ل يعمله ويزيد على تارك العمل بالعناد الذي تضمنه ابتداعه ‪ ،‬والفساد الداخل على الناس به‬
‫‪58‬‬

‫الشاطبي‬

‫كتاب العتصام‬

‫ف أصل الشريعة ‪ ،‬وف فروع العمال والعتقادات وهو يظن مع ذلك أن بدعته تقربه من ال‬
‫وتوصله إل النة ‪.‬‬
‫وقد ثبت بالنقل الصحيح الصريح بأنه ل يقربه إل ال إل العمل با شرع ‪ ،‬وعلى الوجه الذي شرع‬
‫ـ وهو تاركه ‪ ،‬وأن البدع تبط العمال ـ وهو ينتحلها ‪.‬‬
‫وأما أن البدع مظنة إلقاء العداوة والبغضاء بي أهل السلم ‪ ,‬فلنا تقتضي التفرق شيعا ‪.‬‬
‫وقد أشار إل ذلك القرآن الكري حسبما تقدم ف قوله تعال ‪" :‬ول تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا‬
‫من بعد ما جاءهم البينات" وقوله ‪" :‬ول تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله" ‪ ،‬وقوله ‪" :‬ول تكونوا‬
‫من الشركي * من الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا كل حزب با لديهم فرحون" ‪ ،‬وقوله ‪" :‬إن‬
‫الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا لست منهم ف شيء" وما أشبه ذلك من اليات ف هذا العن ‪.‬‬
‫وقد بي عليه الصلة والسلم ‪:‬‬
‫"أن الفساد ذات البي هي الالقة وأنا تلق الدين" هذه الشواهد تدل على وقوع الفتراق والعداوة‬
‫عند وقوع البتداع ‪.‬‬
‫وأول شاهد عليه ف الواقع قصة الوارج إذ عادوا أهل السلم حت صاروا يقتلونم ويدعون الكفار‬
‫كما أخب عنه الديث الصحيح ‪ ،‬ث يليهم كل من كان له صولة منهم بقرب اللوك فإنم تناولوا أهل‬
‫السنة بكل نكال وعذاب وقتل أيضا ‪ ،‬حسبما بينه جيع أهل الخبار ‪.‬‬
‫ث يليهم كل من ابتدع بدعة فإن من شأنم أن يثبطوا الناس عن اتباع الشريعة ويذمونم ويزعمون‬
‫أنم الرجاس الناس الكبي على الدنيا ويضعون عليهم شواهد اليات ف ذم الدنيا وذم الكبي‬
‫عليها ‪ ،‬كما يروى عن عمرو بن عبيد أنه قال ‪ :‬لو شهد عندي علي وعثمان وطلحة والزبي على‬
‫شراك نعل ما أجزت شهادتم ‪.‬‬
‫وعن معاذ بن معاذ قال ‪ :‬قلت لعمرو بن عبيد ‪ :‬كيف حدث السن عن عثمان أنه ورث امرأة عبد‬
‫الرحن بعد انقضاء عدتا ؟ فقال ‪ :‬إن فعل عثمان ل يكن سنة ‪.‬‬
‫وقيل له ‪ :‬كيف حدث السن عن سرة ف السكتتي ؟ فقال ‪ :‬ما تصنع بسمرة ! قبح ال سرة اهـ‬
‫‪ .‬بل قبح ال عمرو بن عبيد ‪ ،‬وسئل يوما عم شيء فأجاب فيه ‪.‬‬
‫قال الراوي ‪ :‬قلت ليس هكذا يقول أصحابنا ‪ .‬قال ‪ :‬ومن أصحابك ل أبا لك ؟ قلت ‪ :‬أيوب ‪،‬‬
‫ويونس ‪ ،‬وأبن عون ‪ ،‬والتميمي ‪ .‬قال أولئك أناس أرجاس ‪ ،‬أموات غي أحياء ‪.‬‬
‫فهكذا أهل الضلل يسبون السلف الصال لعل بضاعتهم تنفق ‪" .‬ويأب ال إل أن يتم نوره" ‪.‬‬
‫وأصل هذا الفساد من قبل الوراج فهم أول من لعن السلف الصال ‪ ،‬وكفر الصحابة رضي ال عن‬
‫الصحابة ‪ ،‬ومثل هذا كله يورث العدواة والبغضاء ‪.‬‬

‫‪59‬‬

‫الشاطبي‬

‫كتاب العتصام‬

‫وأيضا فإن فرقة النجاة وهم أهل السنة مأمورون بعداوة أهل البدع والتشريد بم والتنكيل بن اناش‬
‫إل جهتهم يالقتل فما دونه ‪ ،‬وقد حذر العلماء من مصاحبتهم ومالستهم حسبما تقدم ‪ ،‬وذلك‬
‫مظنة إلقاء العداوة والبغضاء ‪ .‬لكن الدرك فيها على من تسبب ف الوراج عن الماعة با أحدثه من‬
‫اتباع غي سبيل الؤمني ل على التعادي مطلقا ‪ .‬كيف ونن مأمورون بعاداتم وهم مأمورون‬
‫بوالتنا والرجوع إل الماعة ؟‬
‫وأما أنا مانعة من شفاعة ممد صلى ال عليه وسلم ‪ ،‬فلما روي أنه عليه السلم قال ‪:‬‬
‫"حلت شفاعت لمت إل صاحب بدعة" ويشي إل صحة العن فيه ما ف الصحيح قال ‪:‬‬
‫" أول من يكسى يوم القيامة إبراهيم ‪ ،‬وأنه سيؤتى برجال من أمت فيؤخذ بم ذات الشمال ـ إل‬
‫قوله ‪ ،‬فيقال ل يزالوا مرتدين على أعقابم " الديث ‪ ،‬وقد تقدم ‪ .‬ففيه أنه ل يذكر لم شفاعة‬
‫رسول ال صلى ال عليه وسلم ‪ ،‬وإنا قال ‪" :‬فأقول لم سحقا كما قال العبد الصال" ويظهر من‬
‫أول الديث أن ذلك الرتداء ل يكن ارتداد كفر لقوله ‪" :‬وإنه سيؤتى برجال من أمت" ولو كانوا‬
‫مرتدين عن السلم لا نسبوا إل أمته ‪،‬ولنه عليه السلم أتى بالية وفيها "وإن تغفر لم فإنك أنت‬
‫العزيز الكيم" ‪ ،‬ولو علم النب صلى ال عليه وسلم أنم خارجون عن السلم جلة لا ذكرها ‪ ،‬لن‬
‫من مات على الكفر ل غفران له البتة ‪ ،‬وإنا يرجى الغفران لن ل يرجه عمله عن السلم لقول ال‬
‫تعال ‪" :‬إن ال ل يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لن يشاء" ‪.‬‬
‫ومثل هذا الديث حديث الوطأ لقوله فيه ‪" :‬فأقول فسحقا فسحقا" ‪.‬‬
‫وأما أنا رافعة للسنن الت تقابلها ‪ ،‬فقد تقدم الستشهاد عليه ف أن الوقر لصاحبها معي على هدم‬
‫السلم ‪.‬‬
‫وأما أن على مبتدعها إث من عمل با إل يوم القيامة ‪ ،‬فلقوله تعال ‪" :‬ليحملوا أوزارهم كاملة يوم‬
‫القيامة ومن أوزار الذين يضلونم بغي علم " ولا ف الصحيح من قوله عليه الصلة والسلم ‪:‬‬
‫"من سن سنةً سيئةً كان عليه وزرها ووزر من عمل با" الديث ‪.‬‬
‫وإل ذلك أشار الديث الخر ‪:‬‬
‫"ما من نفس تقتل ظلما إل كان على ابن آدم الول كفل منها ‪ ،‬لنه أول من سن القتل" ‪.‬‬
‫وهذا التعليل يشعر بقتضى الديث قبله ‪ ،‬إذ علل تعليق الث على ابن آدم لكونه أول من سن القتل ‪،‬‬
‫فدل على أن من سن ما ل يرضاه ال ورسوله فهو مثله ‪ ،‬إذ ل يتعلق الث بن سن القتل لكونه قتلً‬
‫دون غيه ‪ ،‬بل لكونه سن سنة سوء وجعلها طريقا مسلوكة ‪.‬‬
‫ومثل هذا ما جاء ف معناه ما تقدم أو يأت كقوله ‪:‬‬
‫"ومن ابتدع بدعة ضللة ل ترضي ال ورسوله كان عليه مثل آثام من عمل با ل ينقص ذلك من‬
‫أوزار الناس شيئا" وغي ذلك من الحاديث ‪.‬‬
‫‪60‬‬

‫الشاطبي‬

‫كتاب العتصام‬

‫فليتق ال امرؤ ربه ولينظر قبل الحداث ف أي مزلة يضع قدمه ف مصون أمره ‪ ،‬يثق بعقله ف‬
‫التشريع ويتهم ربه فيما شرع ‪ ،‬ول يدري السكي ما الذي يوضع له ف ميزان شيئاته ما ليس ف‬
‫حسابه ‪ ،‬ول شعر أنه من عمله ‪ ،‬فما من بدعة يبتدعها أحد فيعمل با من بعده ‪ ،‬إل كتب عليه إث‬
‫ذلك العامل ‪ ،‬زيادةً إل إث ابتداعه أولً ‪ ،‬ث عمله ثانيا ‪.‬‬
‫وإذا ثبت أن كل بدعة تبتدع فل تزداد على طول الزمان إل مضيا ـ حسبما تقدم ـ واشتهارا‬
‫وانتشارا ‪،‬فعلى وزان ذلك يكون إث البتدع لا ‪ ،‬كما أن من سن سن ًة حسنةً كان له أجرها وأجر‬
‫من عمل با إل يوم القيامة ‪ ،‬وأيضا ‪ .‬فإذا كانت كل بدعة يلزمها إماتة سنة تقابلها ‪ ،‬كان على‬
‫البتدع إث ذلك أيضا ‪ ،‬فهو إث زائد على إث البتداع ‪ ،‬وذلك الث يتضاعف تضاعف إث البدعة‬
‫بالعمل با ‪ ،‬لنا كلما تددت ف قول أو عمل تددت ف قول إماتة السنة كذلك ‪.‬‬
‫واعتبوا ذلك ببدعة الوراج فإن النب صلى ال عليه وسلم عرفنا بأنم ‪:‬‬
‫"يرقون من الدين كما يرق السهم من الرمية" الديث إل آخره ‪ .‬ففيه بيان أنم ل يبق لم من‬
‫الدين إل ما إذا نظر فيه الناظر شك فيه وتارى ‪ .‬هل هو موجود فيهم أم ل ؟ وإنا سببه البتداع ف‬
‫دين ال ‪ ،‬وهو الذي دل عليه قوله ‪" :‬يقتلون أهل السلم ويدعون أهل الوثان " ‪ ،‬وقوله ‪:‬‬
‫"يقرؤون القرآن ل يتجاوز تراقيهم" فهذه بدع ثلث ‪ ،‬إعاذة ال بفضله ‪.‬‬
‫وأما أن صاحبها ليس له من توبة فلما جاء من قوله عليه الصلة والسلم ‪:‬‬
‫"إن ال حجر التوبة على كل صاحب بدعة" ‪.‬‬
‫وعن يي بن أب عمرو الشيبان قال ‪ :‬كان يقال يأب ال لصاحب بدعة بتوبة ‪ ،‬وما انتقل صاحب‬
‫بدعة إل إل أشر منها ‪.‬‬
‫ونوه عن طريق علي بن أب طالب رضي ال عنه قال ‪ :‬ما كان رجل على رأي من البدعة فتركه إل‬
‫إل ما هو شر منه ‪.‬‬
‫خرج هذه الثار ابن وضاح ‪.‬‬
‫وخرج ابن وهب ‪،‬عن عمر بن عبد العزيز أنه كان يقول ‪ :‬اثنان ل نعاتبهما ‪ :‬صاحب طمع ‪،‬‬
‫وصاحب هوى ‪ ،‬فإنما ل ينعان ‪.‬‬
‫وعن ابن شوذب قال ‪ :‬سعت عبد ال بن القاسم وهو يقول ‪ :‬ما كان عبد على هوى تركه إل ما‬
‫هو شر منه ‪ .‬قال ‪ :‬فذكرت ذلك لبعض أصحابنا فقال ‪ :‬تصديقه ف حديث عن النب صلى ال عليه‬
‫وسلم ‪:‬‬
‫"يرقون من الدين مروق السهم من الرمية ث ل يرجعون إليه حت يرجع السهم على فوقه" ‪.‬‬
‫وعن أيوب قال ‪ :‬كان رجل يرى رأيا فرجع فأتيت ممدا فرحا بذلك أخبه ‪ ،‬فقلت ‪ :‬أشعرت أن‬
‫فلنا ترك رأيه الذي كان يرى ؟ فقال ‪ :‬انظر إلم يتحول ؟ إن آخر الديث أشد عليهم من الول ‪،‬‬
‫‪61‬‬

‫الشاطبي‬

‫كتاب العتصام‬

‫وأوله ‪" :‬يرقون من الدين" وآخره ‪" :‬ث ل يعودون" وهو حديث أب ذر أن النب صلى ال عليه‬
‫وسلم قال ‪:‬‬
‫"سيكون من أمت قوم يقرؤون القرآن ول ياوز حلقيمهم ‪ ،‬يرجون من الدين كما يرج السهم‬
‫من الرمية ث ل يعودون فيه ‪ ،‬هم شر اللق والليقة" ‪.‬‬
‫فهذه شهادة الديث الصحيح لعن هذه الثار ‪ .‬وحاصلها أنه [ ل ] توبةً لصاحب البدعة عن بدعته‬
‫فإن خرج عنها فإنا يرج إل ما هو شر منها كما ف حديث أيوب ‪ ،‬أو يكون من يظهر الروج‬
‫عنها وهو مصر عليها بعد ‪ ،‬كقصة غيلن مع عمر بن عبد العزيز ‪.‬‬
‫ويدل على ذلك أيضا حديث الفرق إذ قال فيه ‪:‬‬
‫"وإنه سيخرج ف أمت أقوام تارى بم تلك الهواء ‪ ،‬كما يتجارى الكلب بصاحبه ‪ ،‬ل يبقى منه‬
‫عرق ول مفصل إل دخله" وهذا النفي يقتضي العموم بإطلق ‪ ،‬ولكنه قد يمل على العموم‬
‫العادي ‪ ،‬إذ ل يبعد أن يتوب عما رأى ويرجع إل الق ‪ ،‬كما نقل عن عبد ال بن السن العنبي ‪،‬‬
‫وما نقلوه ف مناظرة ابن عباس الرورية الارجي على علي رضي ال عنه ‪ ،‬وف مناظرة عمر بن عبد‬
‫العزيز لبعضهم ‪ .‬ولكن الغالب ف الواقع الصرار ‪.‬‬
‫ومن هنالك قلنا ‪ :‬يبعد أن يتوب بعضهم لن الديث يقتضي العموم بظاهره ‪ ،‬وسيأت بيان ذلك‬
‫بأبسط من هذا إن شاء ال ‪.‬‬
‫وسبب بعده عن التوبة أن الدخول تت تكاليف الشريعة صعب على النفس لنه أمر مالف للهوى ‪،‬‬
‫وصاد عن سبيل الشهوات ‪ ،‬فيثقل عليها جدا لن الق ثقيل ‪ ،‬والنفس إنا تنشط با يوافق هواها ل‬
‫با يالفه ‪ ،‬وكل بدعة فللهوى فيها مدخل ‪ ،‬لنا راجعة إل نظر مترعها ل إل نظر الشارع ‪ ،‬فعلى‬
‫حكم التبع ل بكم الصل مع ضميمة أ خرى ‪ ،‬وهي أن البتدع ل بد له من تعلق بشبهة دليل‬
‫ينسبها إل الشارع ‪ ،‬ويدعي أن ما ذكره هو مقصود الشارع ‪ ،‬فصار هواه مقصودا بدليل شرعي ف‬
‫زعمه ‪ ،‬فكيف يكنه الروج عن ذلك وداعي الوى مستمسك بسن ما يتمسك به ؟ وهو الدليل‬
‫الشرعي ف الملة ‪.‬‬
‫ومن الدليل على ذلك ما روي عن الوزاعي قال ‪ :‬بلغن أن من ابتدع بدعة ضللة آلفه الشيطان‬
‫العبادة أو ألقى عليه الشوع والبكاء كي يصطاد به ‪ .‬وقال بعض الصحابة ‪ :‬أشد الناس عبداة مفتون‬
‫‪ .‬واحتج بقوله عليه الصلة والسلم ‪" :‬يقر أحدكم صلته ف صلته وصيامه ف صيامه" إل آخر‬
‫الديث ‪.‬‬
‫ويقق ما قاله الواقع كما نقل ف الخبار عن الوارج وغيهم ‪.‬‬
‫فالبتدع يزيد ف الجتهاد لينال ف الدنيا التعظيم والال والاه وغي ذلك من أصناف الشهوات ‪ ،‬بل‬
‫التعظيم على شهوات الدنيا ‪ ،‬أل ترى إل انقطاع الرهبان ف الصوامع والديارات ‪ ،‬عن جيع‬
‫‪62‬‬

‫الشاطبي‬

‫كتاب العتصام‬

‫اللذوذات ‪ ،‬ومقاساتم ف أصناف العبادات ‪ ،‬والكف عن الشهوات ؟ وهم مع ذلك خالدون ف‬
‫جهنم ‪ .‬قال ال ‪" :‬وجوه يومئذ خاشعة * عاملة ناصبة * تصلى نارا حامية" وقال ‪" :‬قل هل ننبئكم‬
‫بالخسرين أعمال * الذين ضل سعيهم ف الياة الدنيا وهم يسبون أنم يسنون صنعا" وما ذاك إل‬
‫لفة يدونا ف ذلك اللتزام ‪،‬ونشاط بداخلهم يستسهلون به الصعب بسبب ما داخل النفس من‬
‫الوى ‪ ،‬فإذا بدا للمبتدع ما هو عليه رآه مبوبا عنده لستبعاده للشهوات وعمله من جلتها ورآه‬
‫موافقا للدليل عنده ‪ ،‬فما الذي يصده عن الستمساك به ‪ ،‬والزدياد منه ؟ وهو يرى أن أعماله‬
‫أفضل من أعمال غيه ‪ ،‬واعتقاد أنه أوفق وأعلى ؟ أفيفيد البهان مطلبا ؟ "كذلك يضل ال من يشاء‬
‫ويهدي من يشاء" ‪.‬‬
‫وأما أن البتدع يلقى عليه الذل ف الدنيا والغضب من ال تعال ‪ :‬فلقوله تعال ‪" :‬إن الذين اتذوا‬
‫العجل سينالم غضب من ربم وذلة ف الياة الدنيا وكذلك نزي الفترين" حسبما جاء ف تفسي‬
‫الية عن بعض السلف وقد تقدم ‪ .‬ووجهه ظاهر لن التخذين للعجل إنا ضلوا به حت عبدوه ‪ ،‬لا‬
‫سعوا من خواره ‪ ،‬ولا ألقى إليهم السامري فيه ‪ ،‬فكان ف حقهم شبهة خرجوا با عن الق الذي‬
‫كان ف أيديهم ‪ .‬قال ال تعال ‪" :‬وكذلك نزي الفترين" فهو عموم فيهم وفيمن أشبههم ‪ ،‬من‬
‫حيث كانت البدع كلها افتراء على ال حسبما أخب ف كتابه ف قوله تعال ‪" :‬قد خسر الذين قتلوا‬
‫أولدهم سفها بغي علم وحرموا ما رزقهم ال افتراء على ال" ‪.‬‬
‫فإذا كل من ابتدع ف دين ال فهو ذليل حقي بسبب بدعته وإن ظهر لبادي الرأي عزه وجبيته فهم‬
‫ف أنفسهم أذلء ‪ ،‬وأيضا فإن الذلة الاضرة بي أيدينا موجودة ف غالب الحوال ‪ .‬أل ترى أحوال‬
‫البتدعة ف زمان التابعي ‪ ،‬وفيما بعد ذلك ؟ حت تلبسوا بالسلطي ولذوا بأهل الدنيا ‪ ،‬ومن ل‬
‫يقدر على ذلك استخفى ببدعته وهرب با عن مالطة المهور ‪ ،‬وعمل بأعمالا على التقية ‪.‬‬
‫وقد أخب ال أن هؤلء الذين اتذوا العجل سينالم ما وعدهم فأنز ال وعده ‪ ،‬فقال ‪" :‬وضربت‬
‫عليهم الذلة والسكنة وباءوا بغضب من ال" وصدق ذلك الواقع باليهود حيثما حلوا ف أي مكان‬
‫وزمان كانوا ل يزالون أذلء مقهورين ‪" :‬ذلك با عصوا وكانوا يعتدون" ومن جلة العتداء اتاذهم‬
‫العجل ‪ ،‬هذا بالنسبة إل الذلة ‪ ،‬وأما الغضب فمضمون بصادق أن يكون البتدع داخلً ف حكم‬
‫الغضب وال الواقي بفضله ‪.‬‬
‫وأما البعد عن حوض رسول ال صلى ال عليه وسلم ‪ .‬فلحديث الوطأ ‪:‬‬
‫"فليذادن رجال عن حوضي كما يذاد البعي الضال ‪ "..‬الديث ‪ .‬وف البخاري ‪ ،‬عن أساء ‪ ،‬عن‬
‫النب صلى ال عليه وسلم أنه قال ‪:‬‬
‫"أنا على حوضي أنتظر من يرد علي ‪ ،‬فيؤخذ بناس من دون ‪،‬فأقول ‪ :‬أمت ! فيقال ‪ :‬إنك ل‬
‫تدري ‪ ،‬مشوا القهقرى" ‪ .‬وف حديث عبد ال ‪:‬‬
‫‪63‬‬

‫الشاطبي‬

‫كتاب العتصام‬

‫"أنا فرطكم على الوض ليفعن إل رجال منكم حت إذا تأهبت لتناولم اختلجوا دون ‪ ،‬فأقول ‪:‬‬
‫أي رب ! أصحاب ‪ ،‬يقول ‪ :‬ل تدري ما أحدثوه بعدك" ‪.‬‬
‫والظهر أنم من الداخلي ف غمار هذه المة لجل ما دل على ذلك فيهم وهو الغرة والتحجيل ‪،‬‬
‫لن ذلك ل يكون لهل الكفر الحض ‪ ،‬كان كفرهم أصلً أو ارتدادا ‪.‬‬
‫ولقوله ‪" :‬قد بدلوا بعدك" ولو كان الكفر لقال ‪ :‬قد كفروا بعدك ‪ .‬وأقرب ما يمل عليه تبديل‬
‫السنة ‪ ،‬وهو واقع على أهل البدع ‪ .‬ومن قال ‪ :‬إنه النفاق ‪ .‬فذلك غي خارج عن مقصودنا ‪ ،‬لن‬
‫أهل النفاق إنا أخذوا الشريعة تقيةً ل تعبدا ‪ ،‬فوضعوها غي مواضعها وهو عي البتداع ‪.‬‬
‫ويري هذا الجرى كل من اتذ السنة والعمل با حيلةً وذريع ًة إل نيل حطام الدنيا ل على التعبد با‬
‫ل تعال ‪ ،‬لنه تبديل لا وإخراج لا عن وضعها الشرعي ‪.‬‬
‫وأما الوف عليه من أن يكون كافرا ‪ .‬فلن العلماء من السلف الول وغيهم اختلفوا ف تكفي‬
‫كثي من فرقهم مثل الوارج والقدرية وغيهم ‪ ،‬ودل ذلك ظاهر قوله تعال ‪" :‬إن الذين فرقوا دينهم‬
‫وكانوا شيعا لست منهم ف شيء" ‪ ،‬وقوله ‪" :‬يوم تبيض وجوه وتسود وجوه" ‪ .‬الية ‪ .‬وقد حكم‬
‫العلماء بكفر جلة منهم كالباطنية وسواهم ‪ ،‬لن مذهبهم راجع إل مذهب اللولية القائلي با يشبه‬
‫قول النصارى ف اللهوت والناسوت ‪ ،‬والعلماء إذا اختلفوا ف أمر ‪ :‬هل هو كفر أم ل ؟ فكل عاقل‬
‫يربأ بنفسه أن ينسب إل خطه خسف كهذه بيث يقال له ‪ :‬إن العلماء اختلفوا ‪ :‬هل أنت كافر أم‬
‫ضال غي كافر؟ أو يقال ‪ :‬إن جاعةً من أهل العلم قالوا‬
‫بكفرك وأنت حلل الدم ‪.‬‬
‫وأما أنه ياف على صاحبها سوء الاتة والعياذ بال ‪ .‬فلن صاحبها مرتكب إثا ‪ ،‬وعاص ل تعال‬
‫حتما ‪ ،‬ول تقول الن ‪ :‬هو عاص بالكبائر أو بالصغائر ‪ ،‬بل نقول ‪ :‬هو مصر على ما نى ال عنه ‪،‬‬
‫والصرار يعظم الصغية إن كانت صغية حت تصي كبية ‪ ،‬وإن كانت كبية فأعظم ‪ .‬ومن مات‬
‫مصرا على العصية فيخاف عليه ‪ ،‬فربا إذا كشف الغطاء وعاين علمات الخرة استفزه الشيطان‬
‫وغلبه على قلبه ‪ ،‬حت يوت على التغيي والتبديل ‪ ،‬وخصوصا حي كان مطيعا له فيما تقدم من‬
‫زمانه ‪ ،‬مع حب الدنيا الستول عليه ‪.‬‬
‫قال عبد الق الشبيلي ‪ :‬إن سوء الاتة ل يكون لن استقام ظاهره وصلح باطنه ‪ ،‬ما سع بذا قط‬
‫ول علم به والمد ل ‪ ،‬وإنا يكون لن كان له فساد ف العقل أو إصرار على الكبائر ‪ ،‬وإقدام على‬
‫العظائم ‪ ،‬أو لن كان مستقيما ث تغيت حاله وخرج عن سننه ‪ ،‬وأخذ ف طريق غي طريقه ‪ ،‬فيكون‬
‫عمله ذلك سببا لسوء خاتته وسوء عاقبته ‪ ،‬والعياذ بال ‪ .‬قال ال تعال ‪" :‬إن ال ل يغي ما بقوم‬
‫حت يغيوا ما بأنفسهم" ‪.‬‬

‫‪64‬‬

‫الشاطبي‬

‫كتاب العتصام‬

‫فهذا ظاهر إذا اغتر بالبدعة من حيث هي معصية ‪ .‬فإذا نظرنا إل كونا بدعة فذلك أعظم ‪ ،‬لن‬
‫البتدع مع كونه مصرا على ما ني عنه يزيد على الصر بأنه معارض للشريعة بعقله ‪ ،‬غي مسلم لا‬
‫ف تصيل أمره ‪ ،‬معتقدا ف العصية أنا طاعة ‪ ،‬حيث حسن ما قبحه الشارع ‪ ،‬وف الطاعة أنا ل‬
‫تكون طاعة إل بضميمه نظره ‪ ،‬فهو قد قبح ما حسنه الشارع ‪ ،‬ومن كان هكذا فحقيق بالقرب من‬
‫سوء الاتة إل ما شاء ال ‪ .‬وقد قال تعال ف جلة ذم ‪" :‬أفأمنوا مكر ال فل يأمن مكر ال إل القوم‬
‫الاسرون" ‪.‬‬
‫والكر جلب السوء من حيث ل يفطن له ‪ ،‬وسوء الاتة من مكر ال ‪ ،‬إذ يأت النسان من حيث ل‬
‫يشعر به ‪ .‬اللهم إنا نسألك العفو العافية ‪.‬‬
‫وأما اسوداد وجهه ف الخرة فقد تقدم ف ذلك معن قوله ‪" :‬يوم تبيض وجوه وتسود وجوه " ‪.‬‬
‫وفيها أيضا الوعيد بالعذاب لقوله ‪" :‬فذوقوا العذاب با كنتم تكفرون" وقوله قبل ذلك ‪" :‬وأولئك‬
‫لم عذاب عظيم " ‪.‬‬
‫حكى عياض عن مالك من رواية ابن نافع عنه قال ‪ :‬لو أن العبد ارتكب الكبائر كلها دون الشراك‬
‫بال شيئا ث نا من هذه الهواء لرجوت أن يكون ف أعلى جنات الفردوس ‪ ،‬لن كل كبية بي‬
‫العبد وربه وهو منها على رجاء ‪ ،‬وكل هوى ليس هو منه على رجاء إنا يهوي بصاحبه ف نار‬
‫جهنم ‪.‬‬
‫وأما الباءة منه ففي قوله ‪" :‬إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا لست منهم ف شيء " ‪ .‬وف الديث‬
‫‪:‬‬
‫"أنا بريء منهم وهم براء من" ‪.‬‬
‫وقال ابن عمر رضي ال عنه ف أهل القدر ‪ :‬إذا لقيت أولئك فأخبهم أن بريء منهم وأنم براء من‬
‫‪.‬‬
‫وجاء عن السن ‪ :‬ل تالس صاحب بدعة فإنه يرض قلبك ‪.‬‬
‫وعن سفيان الثوري ‪ :‬من جالس صاحب بدعة ل يسلم من إحدى ثلث ‪ :‬إما أن يكون فتنةً لغيه ‪،‬‬
‫وإما أن يقع بقلبه شيء يزل به فيدخله النار ‪ ،‬وإما أن يقول ‪ :‬وال ل أبال ما تكلموا به ‪ ،‬وإن واثق‬
‫بنفسي ‪ .‬فمن يأمن بغي ال طرفة عي على دينه سلبه إياه ‪.‬‬
‫وعن يي بن أب كثي قال ‪ :‬إذا لقيت صاحب بدعة ف طريق فخذ ف طريق آخر ‪.‬‬
‫وعن أب قلبة قال ‪ :‬ل تالسوا أهل الهواء ول تادلوهم فإن ل آمن أن يغمروكم ف ضللتهم‬
‫ويلبسوا عليكم ما كنتم تعرفون ‪.‬‬
‫وعن إبراهيم قال ‪ :‬ل تالسوا أصحاب الهواء ول تكلموهم فإن أخاف أن ترتد قلوبكم ‪.‬‬
‫والثار ف ذلك كثية ‪ .‬ويعضدها ما روي عنه عليه السلم أنه قال ‪:‬‬
‫‪65‬‬

‫الشاطبي‬

‫كتاب العتصام‬

‫"الرء على دين خليله ‪ ،‬فلينظر أحدكم من يالل" ‪ .‬ووجه ذلك ظاهر منبه عليه ف كلم أب قلبة ‪،‬‬
‫إذ قد يكون الرء على يقي من أمر من أمور السنة ‪ ،‬فيلقي له صاحب الوى فيه هوى ما يتمله‬
‫اللفظ ل أصل له ‪ ،‬أو يزيد له فيه قيدا من رأيه ‪ ،‬فيقبله قلبه ‪ ،‬فإذا رجع إل ما كان يعرفه وجده‬
‫مظلما فإما أن يشعر به فيده بالعلم ‪ ،‬أو ل يقدر على رده ‪ .‬وأما أن ل يشعر به فيمضي مع من‬
‫هلك ‪.‬‬
‫قال ابن وهب ‪ :‬وسعت مالكا إذا جاءه بعض أهل الهواء يقول ‪ :‬أما أنا فعلى بينة من رب ‪ ،‬وأما‬
‫أنت فشاك ‪ ،‬فاذهب إل شاك مثلك فخاصمه ‪ ،‬ث قرأ ‪:‬‬
‫"قل هذه سبيلي أدعو إل ال على بصية " ‪.‬‬
‫فهذا شأن من تقدم من عدم تكي زائغ القلب أن يسمع كلمه ‪.‬‬
‫ومثل رده بالعلم جوابه لن سأله ف قوله ‪" :‬الرحن على العرش استوى" كيف استوى ؟ فقال له ‪:‬‬
‫الستواء معلوم والكيف مهول ‪ ،‬والسؤال عنه بدعة ‪ .‬وأراك صاحب بدعة ث أمر بإخراج السائل ‪.‬‬
‫ومثل ما ل يقدر على رده ما حكى الباجي قال ‪ :‬قال مالك ‪ :‬كان يقال ‪ :‬ل تكن زائغ القلب من‬
‫أذنك ‪ ،‬فإنك ل تدري ما يعلقك من ذلك ‪.‬‬
‫ولقد سع رجل من النصار من أهل الدينة شيئا من بعض أهل القدر ‪ ،‬فعلق قلبه ‪ ،‬فكان يأت إخوانه‬
‫الذين يستنصحهم ‪ ،‬فإذا نوه قال ‪ :‬فكيف با علق قلب لو علمت أن ال يرضى أن ألقي نفسي من‬
‫فوق هذه النارة فعلت ‪.‬‬
‫ث حكى أيضا عن مالك أنه قال ‪ :‬ل تالس القدري ول تكلمه إل أن تلس إليه ‪ ،‬فتغلظ عليه ‪،‬‬
‫لقوله ‪" :‬ل تد قوما يؤمنون بال واليوم الخر يوادون من حاد ال ورسوله" فل توادوهم ‪.‬‬
‫وأما أنه يشى عليه الفتنة ‪ ،‬فلما حكى عياض عن سفيان بن عيينة أنه قال ‪ :‬سألت مالكا عمن‬
‫أحرم من الدينة وراء اليقات ؟ فقال ‪ :‬هذا مالف ل ورسوله ‪ ،‬أخشى عليه الفتنة ف الدنيا ‪،‬‬
‫والعذاب الليم ف الخرة ‪ .‬أما سعت قوله تعال ‪" :‬فليحذر الذين يالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة‬
‫أو يصيبهم عذاب أليم" ‪ .‬وقد أمر النب صلى ال عليه وسلم أن يهل من الواقيت ‪.‬‬
‫وحكى ابن العرب عن الزبي بن بكار قال ‪ :‬سعت مالك بن أنس ـ وأتاه رجل فقال ‪ :‬يا أبا عبد ال‬
‫من أين أحرم ؟ ـ قال ‪ :‬من ذي الليفة من حيث أحرم رسول ال صلى ال عليه وسلم ‪ .‬فقال ‪:‬‬
‫إن أريد أن أحرم من السجد ‪ .‬فقال ل تفعل ‪ .‬قال ‪ :‬فإن أريد أن أحرم من السجد من عند القب ‪.‬‬
‫قال ‪ :‬ل تفعل فإن أخشى عليك الفتنة ‪ .‬فقال ‪ :‬واي فتنة هذه ؟ إنا هي أميال أزيدها ‪ ،‬قال ‪ :‬وأي‬
‫فتنة أعظم من أن ترى أنك سبقت إل فضيلة قصر عنها رسول ال صلى ال عليه وسلم ؟ إن سعت‬
‫ال يقول ‪" :‬فليحذر الذين يالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم" ‪.‬‬

‫‪66‬‬

‫الشاطبي‬

‫كتاب العتصام‬

‫وهذه الفتنة الت ذكرها مالك رحه ال تفسي الية هي شأن أهل البدع وقاعدتم الت يؤسسون عليها‬
‫بنيانم ‪ ،‬فإنم يرون أن ما ذكره ال ف كتابه وما سنه نبيه صلى ال عليه وسلم دون ما اهتدوا إليه‬
‫بعقولم ‪.‬‬
‫وف مثل ذلك قال ابن مسعود رضي ال عنه فيما روي عن ابن وضاح ‪ :‬لقد هديتم لا ل يهتد له‬
‫نبيكم ‪ ،‬وإنكم لتمسكون بذنب ضللة ـ إذ مر بقوم كان رجل يمعهم يقول ‪ :‬رحم ال من قال‬
‫كذا وكذا مرة سبحان ال فيقول القوم ‪ .‬ويقول رحم ال من قال كذا وكذا مرة المد ل فيقول‬
‫القوم ‪.‬‬
‫ث إن ما استدل به مالك من اليات الكرية نزلت ف شان النافقي حي أمر رسول ال صلى ال عليه‬
‫وسلم بفر الندق ‪ ،‬وهم الذين كانوا يتسللون لواذا ‪.‬‬
‫وقد تقدم أن النفاق من أصله بدعة ‪ ،‬لنه وضع بدعة ف الشريعة على غي ما وضعها ال تعال ‪،‬‬
‫ولذلك لا أخب تعال عن النافقي قال ‪" :‬أولئك الذين اشتروا الضللة بالدى" فمن حيث كانت‬
‫عامة ف الخالفي عن أمره يدخلون أيضا من باب أحرى ‪.‬‬
‫فهذه جلة يستدل با على ما بقي ‪ ،‬إذ ما تقدم من اليات والحاديث فيها ما يتعلق بذا العن‬
‫كثي ‪ ،‬وبسط معانيها طويل ‪ ،‬فلنقتصر على ما ذكرنا وبال التوفيق ‪.‬‬
‫فصل وبقي ما هو متاج إل ذكره ف هذا الوضع‬
‫وبقي ما هو متاج إل ذكره ف هذا الوضع شرح معن عام يتعلق با تقدم ‪.‬‬
‫وهو أن البدع ضللة ‪ ،‬وأن البتدع ضال ومضل ‪ ،‬والضللة مذكورة ف كثي من النقل الذكور ‪،‬‬
‫ويشي إليها ف آيات الختلف والتفرق شيعا وتفرق الطرق ‪ ،‬بلف سائر العاصي ‪ ،‬فإنا ل‬
‫توصف ف الغالب بوصف الضللة إل أن تكون بدعة أو شبه البدعة ‪ .‬وكذلك الطأ الواقع ف‬
‫الشروعات ـ وهو العفو ـ ل يسمى ضللً ‪ ،‬ول يطلق على الخطىء اسم ضال ‪ ،‬كما ل يطلق‬
‫على العتمد لسائر العاصي ‪ .‬وإنا ذلك ـ وال أعلم ـ لكمة قصد التنبيه عليها ‪ ،‬وذلك أن‬
‫الضلل والضللة ضد الدي والدى ‪ ،‬والعرب تطلق الدى حقيقة ف الظاهر الحسوس ‪ ،‬فتقول ‪:‬‬
‫هديته الطريق وهديته إل الطريق ‪ .‬ومنه ‪ :‬نقل إل طريق الي والشر ‪ ،‬قال تعال ‪" :‬إنا هديناه‬
‫السبيل" ‪" ،‬وهديناه النجدين" ‪" ،‬اهدنا الصراط الستقيم" ‪ ،‬والصراط والطريق والسبيل بعن واحد ‪،‬‬
‫فهو حقيقة ف الطريق الحسوس ‪ ،‬وماز ف الطريق العنوي ‪ ،‬وضده الضلل ‪ ،‬وهو الروج عن‬
‫الطريق ومنه البعي الضال ‪ ،‬والشاة الضالة ‪ .‬ورجل ضل عن الطريق إذا خرج عنه ؟ لنه التبس عليه‬
‫المر ول يكن له هاد يهديه ‪ ،‬وهو الدليل ‪.‬‬

‫‪67‬‬

‫الشاطبي‬

‫كتاب العتصام‬

‫فصاحب البدعة لا غلب الوى مع الهل بطريق السنة توهم أن ما ظهر له بعقله هو الطريق القوي‬
‫دون غيه ‪ ،‬فمضى عليه فحاد بسببه عن الطريق الستقيم ‪ ،‬فهو ضال من حيث ظن أنه راكب‬
‫للجادة ‪ ،‬كالار بالليل على الادة وليس له دليل يهديه ‪ ،‬يوشك أن يضل عنها فيقع ف متابعة ‪ ،‬وإن‬
‫كان بزعمه يتحرى قصدها ‪ .‬فالبتدع من هذه المة إنا ضل ف أدلتها حيث أخذها مأخذ الوى‬
‫والشهوة ل مأخذ النقياد تت أحكام ال ‪ .‬وهذا هو الفرق بي البتدع وغيه ‪ ،‬لن البتدع جعل‬
‫الوى أول مطالبه ‪ ،‬وأخذ الدلة بالتبع ‪ ،‬ومن شأن الدلة أنا جارية على كلم العرب ومن شأن‬
‫كلمها الحتراز فيه بالظواهر ‪ ،‬فكما تد فيه نصا ل يتمل التأويل تد فيه الظاهر الذي يتمله‬
‫احتمالً مرجوحا حسبما قرره من تقدم ف غي العلم ‪ ،‬وكل ظاهر يكن فيه أن يصرف عن مقتضاه‬
‫ف الظاهر القصود ‪ ،‬ويتأول على غي ما قصد فيه ‪ .‬فإذا انضم إل ذلك الهل بأصول الشريعة ‪،‬‬
‫وعدم الضطلع بقاصدها ‪ ،‬كان المر أشد وأقرب إل التحريف والروج عن مقاصد الشرع ‪.‬‬
‫فكان الدرك أعرق ف الروج عن السنة ‪ ،‬وأمكن ف ضلل البدعة ‪ ،‬فإذا غلب الوى أمكن انقياد‬
‫ألفاظ الدلة إل ما اراد منها ‪.‬‬
‫والدليل على ذلك أنك ل تد مبتدعا من ينسب إل اللة إل وهو يستشهد على بدعته بدليل شرعي‬
‫فينله على ما وافق عقله وشهوته وهو أمر ثابت ف الكمة الزلية الت ل مرد لا ‪ .‬قال تعال ‪:‬‬
‫"يضل به كثيا ويهدي به كثيا " وقال ‪" :‬كذلك يضل ال من يشاء ويهدي من يشاء" ‪ .‬لكن إنا‬
‫ينساق لم من الدلة التشابه منها ل الواضح ‪ ،‬والقليل منها كالكثي ‪ ،‬وهو أدل الدليل على اتباع‬
‫الوى فإن العظم والمهور من الدلة إذا دل على أمر بظاهره فهو الق ‪ ،‬فإن جاء على ما ظاهره‬
‫اللف فهو النادر والقليل ‪ ،‬فكان من حق الظاهر رد القليل إل الكثي ‪ ،‬والتشابه إل الواضح ‪ ،‬غي‬
‫أن الوى زاغ بن أراد ال زيغه فهو ف تيه ‪ ،‬من حيث يظن أنه على الطريق ‪ ،‬بلف غي البتدع‬
‫فإنه إنا جعل الداية إل الق أول مطالبه ‪ ،‬وأخر هواه ـ إن كان ـ فجعله بالتبع ‪ ،‬فوجد جهور‬
‫الدلة ومعظم الكتاب واضحا ف الطلب الذي بث عنه ‪ ،‬فوجد الادة ‪ ،‬وما شذ له عن ذلك ‪ ،‬فإما‬
‫أن يرده إليه ‪ .‬وإما أن يكله إل عاله ول يتكلف البحث عن تأويله ‪.‬‬
‫وفيصل القضية بينهما قوله تعال ‪" :‬فأما الذين ف قلوبم زيغ فيتبعون ما تشابه منه" إل قوله ‪:‬‬
‫"والراسخون ف العلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا" فل يصح أن يسمى من هذه حالة مبتدعا ول‬
‫ضا ًل ‪ ،‬وإن حصل ف اللف أو خفي عليه ‪.‬‬
‫أما أنه غي مبتدع فلنه اتبع الدلة ملقيا إليه حكمة النقياد ‪ ،‬باسطا يد الفتقار ‪،‬مؤخرا ‪ ،‬ومقدما‬
‫لمر ال ‪.‬‬
‫وأما كونه غي ضال فلنه على الادة سلك ‪ ،‬وإليها لأ ‪ ،‬فإن خرج عنها يوما فأخطأ فل حرج عليه‬
‫‪ ،‬بل يكون مأجورا حسبما بينه الديث الصحيح ‪:‬‬
‫‪68‬‬

‫الشاطبي‬

‫كتاب العتصام‬

‫"إذ اجتهد الاكم فأخطأ فله أجر وإن أصاب فله أجران" وإن خرج متعمدا فليس على أن يعل‬
‫خروجه طريقا مسلوكا له أو لغيه ‪ ،‬وشرعا يدان به ‪.‬‬
‫على أنه إذا وقع الذنب موقع القتداء قد يسمى استنانا فيعامل من سنه كما جاء ف الديث ‪:‬‬
‫"من سن سنةً سيئةً كان عليه وزرها ووزر من عمل با" الديث ‪ ،‬وقوله عليه السلم ‪:‬‬
‫"ما من نفس تقتل ظلما إل كان على ابن آدم الول كفل منها لنه أول من سن القتل" فسمي القتل‬
‫سنةً بالنسبة إل من عمل به عملً يقتدى به فيه لكنه ل يسمى بدعة لنه ل يوضع على أن يكون‬
‫تشريعا ول يسمى ضللً لنه ليس ف طريق الشروع أو ف مضاهاته له ‪.‬‬
‫وهذا تقرير واضح يشهد له الواقع ف تسمية البدع ضللت ‪ ،‬ويشهد له أيضا أحوال من تقدم قبل‬
‫السلم ‪ ،‬وف زمان رسول ال صلى ال عليه وسلم ‪ ،‬فإن ال تعال قال ‪" :‬وإذا قيل لم أنفقوا ما‬
‫رزقكم ال قال الذين كفروا للذين آمنوا أنطعم من لو يشاء ال أطعمه" فإن الكفار لا أمروا بالنفاق‬
‫شحوا على أموالم وأرادوا أن يعلوا لذلك الشح مرجا فقالوا ‪ :‬أنطعم من لو يشاء ال أطعمه ؟‬
‫ومعلوم أن ال لو شاء ل يوج أحدا إل أحد ‪ ،‬لكنه ابتلى عباده لينظر كيف يعملون ‪ ،‬فقص هواهم‬
‫على هذا الصل العظيم ‪ ،‬واتبعوا ما تشابه من الكتاب بالنسبة إليه فلذلك قيل لم ‪" :‬إن أنتم إل ف‬
‫ضلل مبي" ‪.‬‬
‫وقال تعال ‪" :‬أل تر إل الذين يزعمون أنم آمنوا با أنزل إليك وما أنزل من قبلك يريدون أن‬
‫يتحاكموا إل الطاغوت" فكأن هؤلء قد أقروا بالتحكيم ‪ ،‬غي أنم أرادوا أن يكون التحيكم على‬
‫وفق أغراضهم زيغا عن الق وظنا منهم أن الميع حكم ‪ ،‬وأن ما يكم به كعب بن الشرف أو‬
‫غيه مثل ما يكم به النب صلى ال عليه وسلم ‪ ،‬وجهلوا أن حكم النب صلى ال عليه وسلم هو‬
‫حكم ال الذي ل يرد ‪ ،‬وأن حكم غيه معه مردود ‪ ،‬إن ل يكن جاريا على حكم ال ‪ ،‬فلذلك قال‬
‫تعال ‪" :‬ويريد الشيطان أن يضلهم ضلل بعيدا" لن ظاهر الية يدل على أنا نزلت فيمن دخل ف‬
‫السلم لقوله ‪" :‬أل تر إل الذين يزعمون" كذا ـ إل آخره ‪ .‬وجاعة من الفسرين قالوا ‪ :‬إنا نزلت‬
‫ف رجل من النافقي ‪ ،‬أو ف رجل من النصار ‪.‬‬
‫وقال سبحانه ‪" :‬ما جعل ال من بية ول سائبة ول وصيلة ول حام" فهم شرعوا شرعة ‪ ،‬وابتدعوا‬
‫ف ملة إبراهيم عليه السلم هذه البدعة ‪ ،‬توها أن ذلك يقربم من ال كما يقرب من ال ما جاء به‬
‫إبراهيم عليه السلم من الق ‪ ،‬فنلوا وافتروا على ال الكذب ‪ ،‬إذ زعموا أن هذا من ذلك ‪ ،‬وتاهوا‬
‫ف الشروع ‪ ،‬فلذلك قال ال تعال على أثر الية ‪" :‬يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم ل يضركم‬
‫من ضل إذا اهتديتم" ‪ ،‬وقال سبحانه ‪" :‬قد خسر الذين قتلوا أولدهم سفها بغي علم وحرموا ما‬
‫رزقهم ال افتراء على ال" ‪ ،‬فهذه فذلكه لملة بعد تفصيل تقدي ‪ ،‬وهو قوله تعال ‪" :‬وجعلوا ل ما‬
‫ذرأ من الرث والنعام نصيبا" الية ‪ .‬فهذا تشريع كالذكور قبل هذا ‪ ،‬ث قال ‪" :‬وكذلك زين لكثي‬
‫‪69‬‬

‫الشاطبي‬

‫كتاب العتصام‬

‫من الشركي قتل أولدهم شركاؤهم ليدوهم وليلبسوا عليهم دينهم" وهو تشريع أيضا بالرأي مثل‬
‫الول ‪ ،‬ث قال ‪" :‬وقالوا هذه أنعام وحرث حجر ل يطعمها إل من نشاء بزعمهم" إل آخرها ‪،‬‬
‫فحاصل المر أنم قتلوا أولدهم بغي علم وحرموا ما أعطاهم ال من الرزق بالرأي على جهة‬
‫التشريع فلذلك قال تعال ‪" :‬قد ضلوا وما كانوا مهتدين" ث قال تعال بعد تعزيزهم على هذه‬
‫الحرمات الت حرموها وهي ما ف قوله ‪" :‬قل آلذكرين حرم أم النثيي أما اشتملت عليه أرحام‬
‫النثيي" ‪ ،‬وإل قوله ‪" :‬فمن أظلم من افترى على ال كذبا ليضل الناس بغي علم إن ال ل يهدي‬
‫القوم الظالي" وقوله ‪" :‬عليه أرحام" يعن أنه يضله ‪.‬‬
‫واليات الت قرر فيها حال الشركي ف إشراكهم أتى فيها بذكر الضلل لن حقيقته أنه خروج عن‬
‫الصراط الستقيم ‪ ،‬لنم وضعوا آلتهم لتقربم إل ال زلفى ف زعمهم ‪ ،‬فقالوا ‪" :‬ما نعبدهم إل‬
‫ليقربونا إل ال زلفى" فوضعوهم موضع من يتوسل به حت عبدوهم من دون ال ‪ ،‬إذ كان أول‬
‫وضعها فيما ذكر العلماء صورا لقوم يودونم ويتبكون بم ث عبدت فأخذتا العرب من غيها على‬
‫ذلك القصد ‪ ،‬وهو الضلل البي ‪.‬‬
‫وقال تعال ‪" :‬لقد كفر الذين قالوا إن ال ثالث ثلثة وما من إله إل إله واحد" فزعموا ف الله‬
‫الق ما زعموا من الباطل ‪ ،‬بناء على دليل عندهم متشابه ف نفس المر حسبما ذكره أهل السي ‪،‬‬
‫فتاهوا بالشبهة عن الق ‪ ،‬لتركهم الواضحات ‪ ،‬وميلهم إل التشابات ‪ ،‬كما أخب ال تعال ف آية‬
‫آل عمران ‪ ،‬فلذلك قال تعال ‪" :‬قل يا أهل الكتاب ل تغلوا ف دينكم غي الق ول تتبعوا أهواء قوم‬
‫قد ضلوا من قبل وأضلوا كثيا وضلوا عن سواء السبيل" وهم النصارى ‪ ،‬ضلوا ف عيسى عليه السلم‬
‫‪ ،‬ومن ث قال تعال بعد ذكر شواهد العبودية ف عيسى ‪" :‬ذلك عيسى ابن مري قول الق الذي فيه‬
‫يترون" وبعد ذكر دلئل التوحيد وتقديس الواحد تبارك وتعال عن اتاذ الولد وذكر اختلفهم ف‬
‫مقالتم الشنيعة قال ‪" :‬لكن الظالون اليوم ف ضلل مبي" ‪.‬‬
‫وذكر ال النافقي وأنم يادعون ال والذين آمنوا ‪ ،‬وذلك لكونم يدخلون معهم ف احوال‬
‫التكاليف على كسل وتقية أن ذلك يلصهم ‪ ،‬أو أنه يغن عنهم شيئا وهم ف اليقية إنا يادعون‬
‫أنفسهم ‪ ،‬وهذا هو الضلل بعينه ‪ ،‬لنه إذا كان يفعل شيئا يظن أنه له ‪ ،‬فإذا هو عليه ‪ ،‬فليس على‬
‫هدى من عمله ‪ ،‬ول هو سالك على سبيله ‪ ،‬فلذلك قال ‪" :‬إن النافقي يادعون ال وهو خادعهم"‬
‫إل قوله ‪" :‬ومن يضلل ال فلن تد له سبيل" ‪.‬‬
‫وقال تعال حكايةً عن الرجل الذي جاء من أقصى الدينة يسعى ‪" :‬أأتذ من دونه آلة إن يردن‬
‫الرحن بضر ل تغن عن شفاعتهم شيئا ول ينقذون" ؟ معناه كيف أبعد من دون ال ما ل يغن‬
‫شيئا ‪ ،‬وأترك إفراد الرب الذي بيده الضر والنفع ؟ هذا خروج عن طريق إل غي طريق "إن إذا لفي‬
‫ضلل مبي" ‪.‬‬
‫‪70‬‬

‫الشاطبي‬

‫كتاب العتصام‬

‫والمثلة ف تقرير هذا الصل كثية ‪ ،‬جيعها يشهد بأن الضلل ف غالب المر إنا يستعمل ف‬
‫موضوع يزل صاحبه لشبهة تعرض له ‪ ،‬أو تقليد من عرضت له الشبهة ‪ ،‬فيتخذ ذلك الزلل شرعا‬
‫ودينا يدين به ‪ ،‬مع وجود واضحة الطريق الق ومض الصواب ‪.‬‬
‫ولا ل يكن الكفر ف الواقع مقتصرا على هذا الطريق بل ث طريق آخر وهو الكفر بعد العرفان عنادا‬
‫أو ظلما ‪ ،‬ذكر ال تعال الصنفي ف السورة الامعة وهي أم القرآن فقال ‪" :‬اهدنا الصراط الستقيم‬
‫* صراط الذين أنعمت عليهم " فهذه هي الجة العظمى الت دعا النبياء عليهم السلم إليها ‪ .‬ث قال‬
‫‪" :‬غي الغضوب عليهم ول الضالي" فالغضوب عليهم هم اليهود لنم كفروا بعد معرفتهم نبوة‬
‫ممد صلى ال عليه وسلم ‪ .‬أل ترى إل قول ال فيهم ‪" :‬الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون‬
‫أبناءهم" ‪.‬‬
‫"يعن اليهود ‪ ،‬والضالون هم النصارى" لنم ضلوا ف الجة ف عيسى عليه السلم ‪ ،‬وعلى هذا‬
‫التفسي أكثر الفسرين وهو مروي عن النب صلى ال عليه وسلم ‪.‬‬
‫ويلحق بم ف الضلل الشركون الذين أشركوا مع ال إلا غيه ‪ ،‬لنه قد جاء ف أثناء القرآن ما يدل‬
‫على ذلك ‪ ،‬لن لفظ القرآن ف قوله ‪" :‬ول الضالي" يعمهم وغيهم ‪ ،‬فكل من ضل عن سواء‬
‫السبيل داخل فيه ‪.‬‬
‫ول يبعد أن يقال ‪ :‬إن الضالي يدخل فيه كل من ضل عن الصراط الستقيم كان من هذه المة أو‬
‫ل ‪ ،‬إذ قد تقدم ف اليات الذكورة قبل هذا مثله ‪ ،‬فقوله تعال ‪" :‬ول تتبعوا السبل فتفرق بكم عن‬
‫سبيله" عام ف كل ضال كان ضلله كضلل الشرك أو النفاق ‪ ،‬أو كضلل الفرق العدودة ف اللة‬
‫السلمية ‪ ،‬وهو أبلغ وأعلى ف قصد حصر أهل الضلل ‪ ،‬وهو اللئق بكلية فاتة الكتاب والسبع‬
‫الثان والقرآن العظيم ‪ ،‬الذي أوتيه ممد صلى ال عليه وسلم ‪.‬‬
‫وقد خرجنا عن القصود بعض خروج ‪ ،‬ولكنه عاضد لا نن فيه وبال التوفيق ‪.‬‬
‫الباب الثالث‬
‫ف أن ذم البدع والحدثات عام ل يص مدثة دون غيها ويدخل تت هذه الترجة جلة من شبه‬
‫البتدعة الت احتجوا با‬
‫فاعلموا ـ رحكم ال ـ أن ما تقدم من الدلة حجة ف عموم الذم من أوجه ‪:‬‬
‫أحدها ‪ :‬أنا جاءت مطلقة عامة على كثرتا ل يقع فيها استثناء البتة ‪ ،‬ول يأت فيها ما يقتضي أن‬
‫منها ما هو هدى ‪ ،‬ول جاء فيها ‪ :‬كل بدعة ضللة إل كذا وكذا ‪ ،‬ول شيء من هذه العان ‪ ،‬فلو‬
‫كان هنالك مدثة يقتضي النظر الشرعي فيها الستحسان أو أنا لحقة بالشروعات ‪ ،‬لذكر ذلك ف‬

‫‪71‬‬

‫الشاطبي‬

‫كتاب العتصام‬

‫آية أو حديث ‪ ،‬لكنه ل يوجد ‪ ،‬فدل على أن تلك الدلة بأسرها على حقيقة ظاهرها من الكلية الت‬
‫ل يتخلف عن مقتضاها فرد من الفراد ‪.‬‬
‫والثان ‪ :‬أنه قد ثبت ف الصول العلمية أن كل قاعدة كلية أو دليل شرعي كلي إذا تكررت ف‬
‫مواضيع كثية وأتى با شواهد على معان أصولية أو فروعية ‪ ،‬ول يقترن با تقييد ول تصيص ‪ ،‬مع‬
‫تكررها ‪ ،‬وإعادة تقررها ‪ ،‬فذلك دليل على بقائها على مقتضى لفظها من العموم كقوله تعال ‪" :‬أل‬
‫تزر وازرة وزر أخرى * وأن ليس للنسان إل ما سعى" وما أشبه ذلك ‪ .‬وبسط الستدلل على‬
‫ذلك هناك ‪ ،‬فما نن بصدده من هذا القبيل ‪ ،‬إذ جاء ف الحاديث التعددة والتكررة ف أوقات شت‬
‫وبسب الحوال الختلفة ‪:‬‬
‫أن كل بدعة ضللة ‪ ،‬وأن كل مدثة بدعة ‪ .‬وما كان نو ذلك من العبارات الدالة على أن البدع‬
‫مذمومة ‪ .‬ول يأت ف آية ول حديث تقييد ول تصيص ول ما يفهم منه خلف ظاهر الكلية فيها ‪.‬‬
‫فدل ذلك دللة واضحة على أنا على عمومها وإطلقها ‪.‬‬
‫والثالث ‪ :‬إجاع السلف الصال من الصحابة والتابعي ومن يليهم على ذمها كذلك ‪ ،‬وتقبيحها‬
‫والروب عنها ‪ ،‬وعمن اتسم بشيء منها ‪ ،‬ول يقع منهم ف ذلك توقف ول مثنوية ‪ .‬فهو ـ بسب‬
‫الستقراء ـ إجاع ثابت ‪ ،‬فدل على أن كل بدعة ليست بق بل هي من الباطل ‪.‬‬
‫والرابع ‪ :‬أن متعقل البدعة ذلك بنفسه ‪ ،‬لنه من باب مضادة الشارع واطراح الشرع ‪ ،‬وكل ما كان‬
‫بذه الثابة فمحال أن ينقسم إل حسن وقبيح ‪ ،‬وأن يكون منه ما يدح ومنه ما يذم ‪ ،‬إذ ل يصح ف‬
‫معقول ول منقول استحسان مشاقة الشارع ‪ .‬وقد تقدم بسط هذا ف أول الباب الثان ‪ .‬وأيضا فلو‬
‫فرض أنه جاء ف النقل استحسان بعض البدع أو استثناء بعضها عن الذم ل يتصور لن البدعة طريقة‬
‫تضاهي الشروعة من غي أن تكون كذلك ‪ .‬وكون الشارع يستحسنها دليل على مشروعيتها ‪ ،‬إذ لو‬
‫قال الشارع ‪ :‬الحدثة الفلنية حسنة لصارت مشروعة ‪ ،‬كما أشاروا إليه ف الستحسان حسبما‬
‫يأت إن شاء ال ‪.‬‬
‫ولا ثبت ذمها ذم صاحبها لنا ليست بذمومة من حيث تصورها فقط ‪ ،‬بل من حيث اتصف با‬
‫التصف ‪ ،‬فهو إذا الذموم على القيقة ‪ ،‬والذم خاص التأثيم ‪ ،‬فالبتدع مذموم آث ‪ ،‬وذلك على‬
‫الطلق والعموم ‪ .‬ويدل على ذلك أربعة أوجه ‪:‬‬
‫أحدها ‪ :‬أن الدلة الذكورة إن جاءت فيهم نصا فظاهر ‪ ،‬كقوله تعال ‪" :‬إن الذين فرقوا دينهم‬
‫وكانوا شيعا لست منهم ف شيء " وقوله ‪" :‬ول تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم‬
‫البينات" إل آخر الية ‪ .‬وقوله عليه السلم ‪:‬‬
‫"فليذادن رجال عن حوضي" الديث ‪ .‬إل سائر ما نص فيه عليهم ‪ .‬وإن كانت نصا ف البدعة‬
‫فراجعة العن إل البتدع من غي إشكال ‪ ،‬وإذا رجع الميع إل ذمهم ‪ ،‬رجع الميع إل تأثيمهم ‪.‬‬
‫‪72‬‬

‫الشاطبي‬

‫كتاب العتصام‬

‫والثان ‪ :‬أن الشرع قد دل على أن الوى هو التبع الول ف البدع ‪ ،‬وهو القصود السابق ف حقهم‬
‫ودليل الشرع كالتبع ف حقهم ‪ .‬ولذلك تدهم يتأولون كل دليل خالف هواهم ‪ ،‬ويتبعون كل شبهة‬
‫وافقت أغراضهم ‪ .‬أل ترى إل قوله تعال ‪" :‬فأما الذين ف قلوبم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء‬
‫الفتنة وابتغاء تأويله" فأثبت لم الزيغ أو ًل ‪،‬وهو اليل عن الصواب ‪ ،‬ث اتباع التشابه وهو خلف‬
‫الحكم الواضح العن ‪ ،‬الذي هو أم الكتاب ومعظمه ‪ .‬ومتشابه على هذا قليل ‪ ،‬فتركوا اتباع العظم‬
‫إل اتباع القل التشابه الذي ل يعطي مفهوما واضحا ابتغاء تأويله ‪ ،‬وطلبا لعناه الذي ل يعلمه إل‬
‫ال ‪ ،‬أو يعلمه ال والراسخون ف العلم ‪ ،‬وليس إل برده إل الحكم ول يفعل البتدعة ذلك ‪ .‬فانظروا‬
‫كيف اتبعوا أهواءهم أولً ف مطالبة الشرع ‪ ،‬بشهادة ال ‪.‬‬
‫وقال ال تعال ‪" :‬إن الذين فرقوا دينهم" الية ‪.‬‬
‫فنسب إليهم التفريق ‪ ،‬ولو كان التفريق من مقتضى الدليل ل ينسبه إليهم ول أتى به ف معرضهم‬
‫الذم وليس ذلك إل باتباع الوى ‪.‬‬
‫وقال تعال ‪" :‬ول تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله" فجعل طريق الق واضحا مستقيما ونى عن‬
‫البنيات ‪ .‬والواضح من الطرق والبنيات ‪ ،‬كل ذلك معلوم بالعوائد الارية ‪ ،‬فإذا وقع التشبيه با‬
‫بطريق الق مع البنيات ف الشرع فواضح أيضا ‪ ،‬فمن ترك الواضح واتبع غيه فهو متبع لواه ل‬
‫للشرع ‪.‬‬
‫وقال تعال ‪" :‬ول تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم البينات" فهذا دليل على ميء‬
‫البيان الشاف ‪ ،‬وأن التفرق إنا حصل من جهة التفرقي ل من جهة الدليل ‪ ،‬فهو إذا من تلقاء‬
‫أنفسهم ‪ ،‬وهو اتباع الوى بعينه ‪ .‬والدلة على هذا كثية تشي أو تصرح بأن كل مبتدع إنا يتبع‬
‫هواه ‪ ،‬وإذا اتبع هواه كان مذموما وآثا ‪ .‬والدلة عليه أيضا كثية ‪ ،‬كقوله ‪" :‬ومن أضل من اتبع‬
‫هواه بغي هدى من ال" وقوله ‪" :‬ول تتبع الوى فيضلك عن سبيل ال إن الذين يضلون عن سبيل‬
‫ال لم عذاب شديد " وقوله ‪:‬‬
‫"ول تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا واتبع هواه" وما أشبه ذلك ‪ .‬فإذا كل مبتدع مذموم آث ‪.‬‬
‫والثالث ‪ :‬أن عامة البتدعة قائلة بالتحسن والتقبيح ‪ ،‬فهو عمدتم الول وقاعدتم الت يبنون عليها‬
‫الشرع ‪ ،‬فهو القدم ف نلهم بيث ل يتهمون العقل ‪ ،‬وقد يتهمون الدلة إذا ل توافقهم ف الظاهر ‪،‬‬
‫حت يردوا كثيا من الدلة الشرعية ‪.‬‬
‫وقد علمت ـ أيها الناظر ـ أنه ليس كل ما يقضي به العقل يكون حقا ‪ ،‬ولذلك تراهم يرتضون‬
‫اليوم مذهبا ويرجعون عنه غدا ‪ ،‬ث يصيون بعد غد إل رأي ثالث ‪ .‬ولو كان كل ما يقضي به حقا‬
‫لكفى ف إصلح معاش اللق ومعادهم ‪ ،‬ول يكن لبعثة الرسل عليهم السلم فائدة ‪ ،‬ولكان على‬
‫هذا الصل تعد الرسالة عبثا ل معن له ‪ ،‬وهو كله باطل ‪ ،‬فما أدى إليه مثله ‪.‬‬
‫‪73‬‬

‫الشاطبي‬

‫كتاب العتصام‬

‫فأنت ترى أنم قدموا أهواءهم على الشرع ‪ ،‬ولذلك سوا ف بعض الحاديث وف إشارة القرآن أهل‬
‫الهواء ‪ ،‬وذلك لغلبة الوى على عقولم واشتهاره فيهم ‪ ،‬لن التسمية بالشتق إنا يطلق إطلق‬
‫اللقب إذا غلب ما اشتقت منه على السمى با ‪ ،‬فإذا تأثيم من هذه صفته ظاهر ‪ ،‬لن مرجعه إل‬
‫اتباع الرأي وهو اتباع الوى الذكور آنفا ‪.‬‬
‫والرابع ‪ :‬أن كل راسخ ل يبتدع أبدا ‪ ،‬وإنا يقع البتداع من ل يتمكن من العلم الذي ابتدع فيه ‪،‬‬
‫حسبما دل عليه الديث ويأت تقريره بول ال ‪ ،‬فإنا يؤتى الناس من قبل جهالم الذين يسبون أنم‬
‫علماء ‪ ،‬وإذا كان كذلك فاجتهاد من اجتهد منهي عنه إذ ل يستكمل شروط الجتهاد ‪ ،‬فهو على‬
‫أصل العمومية ‪ ،‬ولا كان العامي حراما عليه النظر ف الدلة والستنباط ‪ ،‬كان الخضرم الذي بقي‬
‫عليه كثي من الهلت مثله ف تري الستنباط والنظر العمول به ‪ ،‬فإذا أقدم على مرم عليه كان آثا‬
‫بإطلق ‪.‬‬
‫وبذه الوجه الخية ظهر وجه تأثيمه وتبي الفرق بينه وبي الجتهد الخطىء ف اجتهاده ‪ ،‬وسيأت‬
‫له تقرير أبسط من هذا إن شاء ال ‪.‬‬
‫وحاصل ما ذكر هنا أن كل مبتدع آث ولو فرض عاملً بالبدعة الكروهة ـ إن ثبت فيها كراهة‬
‫التنيه ـ لنه إما مستنبط لا فاستنباطه على الترتيب الذكور غي جائز ‪ ،‬وإما نائ‬
‫فصل ل يلو النسوب إلىالبدعة أن يكون متهدا أو مقلدا‬
‫ل يلو النسوب إل البدعة أن يكون متهدا فيها أو مقلدا ‪ ،‬والقلد إما مقلد مع القرار بالدليل الذي‬
‫ل والخذ فيه بالنظر ‪ ،‬وإما مقلد له فيه من غي نظر كالعامي الصرف ‪ ،‬فهذه ثلثة‬
‫زعمه الجتهد دلي ً‬
‫أقسام ‪:‬‬

‫فالقسم الول ‪ :‬على ضربي ‪ :‬أحدها أن يصح كونه متهدا ‪ ،‬فالبتداع منه ل يقع إل فلته‬

‫وبالعرض ل بالذات ‪ ،‬وإنا تسمىغلطة أو زلة لن صاحبها ل يقصد اتباع التشابه ابتغاء الفتنة تأويل‬
‫الكتاب ‪ ،‬أي ل يتبع هواه ول جعله عمدة ‪ ،‬والدليل عليه أنه إذا ظهر له الق أذعن له وأقر به ‪.‬‬
‫ومثاله ما يذكر عن عون بن عبد ال بن عتبة بن مسعود أنه كان يقول بالرجاء ث رجع عنه ‪ ،‬وقال‬
‫‪ :‬وأول ما أفارق ـ غي شاك ـ أفارق ما يقول الرجئون ‪.‬‬
‫وذكر مسلم عن يزيد بن صهيب الفقي قال ‪ :‬كنت قد شغفن رأي من رأي الوارج ‪ ،‬فخرجنا ف‬
‫عصابة ذوي عدد نريد أن نج ‪ ،‬ث نرج على الناس ‪ .‬قال فمررنا على الدينة ‪ ،‬فإذا جابر بن عبد‬
‫ال يدث القوم جالسا إل سارية عن رسول ال صلى ال عليه وسلم ‪ ،‬قال ‪ :‬وإذا هو قد ذكر‬
‫الهنميي قال ‪ :‬فقلت له ‪ :‬يا صاحب رسول ال ‪ ،‬ما هذا الذي تدثون ؟ ـ وال يقول ‪" :‬إنك‬
‫من تدخل النار فقد أخزيته" و"كلما أرادوا أن يرجوا منها أعيدوا فيها" فما هذا الذي تقولون ؟‬
‫قال ‪ :‬فقال ‪ :‬أفتقرأ القرآن ؟ قلت ‪ :‬نعم ‪ ،‬قال ‪ :‬فهل سعت بقام ممد صلى ال عليه وسلم ؟ ـ‬
‫‪74‬‬

‫الشاطبي‬

‫كتاب العتصام‬

‫يعن الذي بعثه ال فيه ـ قلت ‪ :‬نعم ‪ ،‬قال ‪ :‬فإنه مقام ممد صلى ال عليه وسلم الحمود الذي‬
‫يرج ال به من يرج من النار ‪ .‬قال ‪ :‬ث نعت وضع الصراط ومر الناس عليه ‪ .‬قال ‪ :‬وأخاف‬
‫أل أكون أحفظ ذلك ‪ .‬قال ‪ :‬غي أنه قد زعم أن قوما يرجون من النار بعد أن يونوا فيها ‪ .‬قال‬
‫‪ :‬يعن فيخرجون كأنم القراطيس ‪ ،‬فرجعنا وقلنا ‪ :‬ويكم ! أترون الشيخ يكذب على رسول ال‬
‫صلى ال عليه وسلم ؟ فرجعنا فل وال ما خرج منا غي رجل واحد ‪ .‬أو كما قال ‪.‬‬
‫ويزيد الفقي من ثقات أهل الديث ‪ ،‬وثقة ابن معي ‪ ،‬وأبو زرعة ‪ .‬وقال أبو حات ‪ :‬صدوق ‪،‬‬
‫وخرج عنه البخاري ‪.‬‬
‫وعبيد ال بن السن العنبي كان من ثقة أهل الديث ‪ ،‬ومن كبار العلماء العارفي بالسنة ‪ ،‬إل أن‬
‫الناس رموه بالبدعة بسبب قول حكى عنه من أنه كان يقول ‪ :‬بأن كل متهد من أهل الديان‬
‫مصيب ‪ ،‬حت كفره القاضي أبو بكر وغيه ‪ .‬وحكى القتيب عنه كان يقول ‪ :‬إن القرآن يدل على‬
‫الختلف فالقول بالقدر صحيح وله أصل ف الكتاب ‪ ،‬والقول بالجبار صحيح وله أصل ف‬
‫الكتاب ‪ ،‬ومن قال بذا فهو مصيب لن الية الواحدة ربا دلت على وجهي متلفي ‪.‬‬
‫وسئل يوما عن أهل القدر وأهل الجبار ‪ ،‬قال ‪ :‬كل مصيب ‪ ،‬هؤلء قوم عظموا ال ‪ ،‬وهؤلء قوم‬
‫نزهوا ال ‪ .‬قال ‪ :‬وكذلك القول ف الساء ‪ ،‬فكل من سى الزان مؤمنا فقد أصاب ‪ ،‬ومن ساه‬
‫كافرا فقد أصاب ‪ ،‬ومن قال هو فاسق وليس بؤمن ول كافر فقد أصاب ‪ ،‬ومن قال هو كافر وليس‬
‫بشرك فقد أصاب لن القرآن يدل على كل هذه العان ‪ .‬قال ‪ :‬وكذلك السنن الختلفة ‪ ،‬كالقول‬
‫بالقرعة وخلفه ‪ ،‬والقول بالسعاية وخلفه ‪ ،‬وقتل الؤمن بالكافر ‪ ،‬ول يقتل مؤمن بكافر ‪ ،‬وبأي‬
‫ذلك أخذ الفقيه فهو مصيب ‪ .‬قال ‪ :‬ولو قال قائل ‪ :‬إن القاتل ف النار ‪ .‬كان مصيبا ‪ ،‬ولو قال ‪ :‬ف‬
‫النة ‪ .‬كان مصيبا ‪ ،‬ولو وقف وأرجأ أمره كان مصيبا إذا كان إنا يريد بقوله إن ال تعبده بذلك‬
‫وليس عليه علم الغيب ‪.‬‬
‫قال ابن أب خثيمة ‪ :‬أخبن سليمان بن أب شيخ قال ‪ :‬كان عبيد ال بن السن بن السي بن أب‬
‫الريقي العنبي البصري اتم بأمر عظيم ‪ ،‬وروى عنه كلم رديء ‪.‬‬
‫قال بعض التأخرين ‪ :‬هذا الذي ذكره ابن أب شيخ عنه قد روي أنه رجع عنه لا تبي له الصواب ‪،‬‬
‫وقال ‪ :‬إذا أرجع وأنا من الصاغر ‪ ،‬ولن أكون ذنبا ف الق ‪ ،‬أحب إل أن أكون رأا ف الباطل‬
‫اهـ ‪.‬‬
‫فإن ثبت عنه ما قيل فيه فهو على جهة الزلة من العال ‪ ،‬وقد رجع عنها رجوع الفاضل إل الق ‪،‬‬
‫لنه بسب ظاهر حالة فيما نقل عنه إنا اتبع ظواهر الدلة الشرعية فيما ذهب إليه ‪ ،‬ول يتبع عقله ‪،‬‬
‫ول صادم الشرع بنظره ‪ ،‬فهو أقرب من مالفة الوى ‪.‬‬
‫ومن ذلك الطريق ـ وال أعلم ـ وفق إل الرجوع إل الق ‪.‬‬
‫‪75‬‬

‫الشاطبي‬

‫كتاب العتصام‬

‫وكذلك يزيد الفقي فيما ذكره عنه ‪ ،‬ل كما عارض الوارج عبد ال بن عباس رضي ال عنه ‪ ،‬إذ‬
‫طالبه بالجة ‪ ،‬فقال بعضهم ‪ :‬ل تاصموه فإنه من قال ال فيه ‪" :‬بل هم قوم خصمون" فرجحوا‬
‫التشابه على الحكم ‪ ،‬وناصبوا باللف السواد العظم ‪.‬‬
‫وأما إن ل يصح بسبار العلم أنه من الجتهدين فهو الري باستنباط ما خالف الشرع كما تقدم ‪ ،‬إذ‬
‫قد اجتمع له مع الهل بقواعد الشرع ‪ ،‬الوى الباعث عليه ف الصل ‪ ،‬وهو التبعية ‪ ،‬إذ قد تصل له‬
‫مرتبة المامة والقتداء ‪ ،‬وللنفس فيها من اللذة ما ل مزيد عليه ‪ ،‬ولذلك يعسر خروج حب الرئاسة‬
‫من القلب إذا انفرد ‪ ،‬حت قال الصوفية ‪ :‬حب الرئاسة آخر ما يرج من قلوب الصديقي ‪ ،‬فكيف‬
‫إذا انضاف إليه الوى من الصل وانضاف إل هذين المرين دليل ـ ف ظنه ـ شرعي على صحة‬
‫ما ذهب إليه ‪ ،‬فيتمكن الوى من قلبه تكنا ل يكن ف العادة النفكاك عنه ‪ ،‬وجرى منه مرى‬
‫الكلب من صاحبه ‪.‬‬
‫كما جاء ف حديث الفرق ‪ .‬فهذا النوع ظاهر أنه آث ف ابتداعه إث من سن سن ًة سيئ ًة ‪.‬‬
‫ومن أمثلته أن المامية من الشيعة تذهب إل وضع خليفة دون النب صلى ال عليه وسلم ‪ ،‬وتزعم أنه‬
‫مثل النب صلى ال عليه وسلم ف العصمة ‪ ،‬بناءً على أصل متوهم ‪ ،‬فوضعوه على أن الشريعة أبدا‬
‫مفتقرة إل شرح وبيان لميع الكلفي ‪ ،‬إما بالسافهة أو بالنقل من شافه العصوم ‪ ،‬وإنا وضعوا ذلك‬
‫بسب ما ظهر لم بادىء الرأي من غي دليل عقلي ول نقلي ‪ ،‬بل بشبهة زعموا أنا عقلية ‪ ،‬وشبه‬
‫من النقل باطلة ‪ ،‬إما ف أصلها ‪ ،‬وإما ف تقيق مناطها ‪ ،‬وتقيق ما يدعون ولا يرد عليهم به مذكرو‬
‫ف كتب الئمة ‪ ،‬وهو يرجع ـ ف القيقة ـ إل دعاو ‪ ،‬وإذا طولبوا بالدليل عليها سقط ف‬
‫أيديهم ‪ ،‬إذ ل برهان لم من جهة من الهات ‪.‬‬
‫وأقوى شبههم مسألة اختلف المة وأنه ل بد من واحد يرتفع به اللف ‪ ،‬أن ال يقول ‪" :‬ول‬
‫يزالون متلفي * إل من رحم ربك" ول يكون كذلك إل إذا أعطي العصمة كما أعطيها النب صلى‬
‫ال عليه وسلم ‪ ،‬لنه وارث ‪ ،‬وإل فكل مق أو مبطل يدعي أنه الرحوم ‪ ،‬وأنه الذي وصل إل الق‬
‫دون من سواه فإن طولبوا بالدليل على العصمة ل يأتوا بشيء غي أن لم مذهبا يفونه ول يظهرونه‬
‫إل لواصهم ‪ ،‬لنه كفر مض ودعوى بغي برهان ‪.‬‬
‫قال ابن العرب ف كتاب العواصم ‪ :‬خرجت من بلدي على الفطرة ‪ ،‬فلم ألق ف طريقي إل مهتديا ‪،‬‬
‫حيث بلغت هذه الطائفة ـ يعن المامية والباطنية من فرق الشيعة ـ فهي أول بدعة لقيت ‪ ،‬ولو‬
‫فجأتن بدعة مشبهة كالقول بالخلوق أو نفي الصفات أو الرجاء ل آمن الشيطان ‪ .‬فلما رأيت‬
‫حاقاتم أقمت على حذر ‪ ،‬وترددت فيها على أقوام أهل عقائد سليمة ‪ ،‬ولبثت بينهم ثانية أشهر ‪.‬‬
‫ث خرجت إل الشام فوردت بيت القدس فألفيت فيها ثان وعشرين حلقة ومدرستي ـ مدرسة‬
‫الشافعية بباب السباط وأخرى للحنفية ـ وكان فيها من رؤوس العلماء البتدعة ومن أحبار اليهود‬
‫‪76‬‬

‫الشاطبي‬

‫كتاب العتصام‬

‫والنصارى كثي ‪ ،‬فوعيت العلم وناظرت كل طائفة بضرة شيخنا أب بكر الفهري وغيه من أهل‬
‫السنة ‪.‬‬
‫ث نزلت إل الساحل لغراض وكان ملوءا من هذه النحل الباطنية والمامية ـ فطفت ف مدن‬
‫الساحل لتلك الغراض نوا من خسة أشهر ‪ ،‬ونزلت بعكا ‪ ،‬وكان رأس المامية با حينئذ أبو‬
‫الفتح العكي ‪ ،‬وبا من أهل السنة شيخ يقال له الفقيه الديبقي ‪ ،‬فاجتمعت بأب الفتح ف ملسه وأنا‬
‫ابن العشرين ‪ .‬فلما رآن صغي السن كثي العلم متدربا ولع أب ‪ ،‬فيهم ـ لعمر ال ‪ ،‬وإن كانوا على‬
‫باطل ـ انطباع وإنصاف وإقرار بالفضل إذا ظهر ‪ ،‬فكان ل يفارقن ‪ ،‬ويساومن الدال ول‬
‫يفاترن ‪ ،‬فتكلمت على مذهب المامية والقول بالتعليم من العصوم با يطول ذكره ‪.‬‬
‫ومن جلة ذلك أنم يقولون ‪ :‬إن ال ف عباده أسرارا وأحكاما والعقل ل يستقل بدركها ‪ ،‬فل‬
‫يعرف ذلك إل من قبل إمام معصوم ‪ ،‬فقلت لم ‪ :‬أمات المام البلغ عن ال لول ما أمره بالتبليغ أم‬
‫هو ملد ؟ فقال ل ‪ :‬مات وليس هذا بذهبه ولكنه تستر معي ‪ .‬فقلت ‪ :‬هل خلفه أحد ؟ فقال ‪:‬‬
‫خلفه وصيه علي ‪ ،‬قلت ‪ :‬فهل قضى بالق وأنفذه ؟ قال ‪ :‬ل يتمكن لغلبة العاند ‪ .‬قلت ‪ :‬فهل‬
‫أنفذه حي قدر ؟ قال ‪ :‬منعته التقية ول تفارقه إل الوت إل أنا كانت تقوى تار ًة وتضعف أخرى ‪،‬‬
‫فلم يكن إل الدارة لئل تنفتح عليه أبواب الختلل ‪ ،‬قلت ‪ :‬وهذه الدارة حق أم ل ؟ فقال ‪ :‬باطل‬
‫أباحته الضرورة ‪ .‬قلت ‪ :‬فأين العصمة ؟ قال ‪ :‬إنا نعن العصمة مع القدرة ‪ .‬قلت ‪ :‬فمن بعده إل‬
‫الن وجدوا القدرة أم ل ؟ قال ‪ :‬ل ‪ .‬قلت ‪ :‬فالدين مهمل ‪ ،‬والق مهول ممل ؟ قال ‪ :‬سيظهر‬
‫‪ .‬قلت ‪ :‬بن ؟ قال ‪ :‬بالمام النتظر ‪ .‬قلت ‪ :‬لعله الدجال ‪ .‬فما بقي أحد إل ضحك ‪ ،‬وقطعنا‬
‫الكلم على غرض من لن خفت أن ألمه فينتقم من ف بلده ‪.‬‬
‫ث قلت ‪ :‬ومن أعجب ما ف هذا الكلم أن الكلم أن المام إذا أوصى إل من ل قدرة له فقد ضيع‬
‫فل عصمة له ‪ .‬وأعجب منه أن الباري تعال ـ على مذهبه ـ إذا علم أنه ل علم إل بعلم وأرسله‬
‫عاجزا مضطربا ل يكنه أن يقول ما علم ‪ ،‬فكأنه ما علمه وما بعثه ‪ .‬وهذا عجز منه وجور ‪ ،‬ل‬
‫سيما على مذهبهم ‪.‬‬
‫فرأوا من الكلم ما ل يكنهم أن يقوموا معه بقائمة ‪ ،‬وشاع الديث ‪ .‬فرأى رئيس الباطنية السمي‬
‫بالساعيلية أن يتمع معي ‪ ،‬فجاءن أبو الفتح إل ملس الفقيه الديبقي وقال ‪ :‬إن رئيس الساعيلية‬
‫رغب ف الكلم معك ‪ .‬فقلت ‪ :‬أنا مشغول ‪ .‬فقال ‪ :‬هنا موضع مرتب قد جاء إليه ‪ ،‬وهو مرس‬
‫الطبانيي ‪ ،‬مسجد ف قصر على البحر ‪ .‬وتامل علي ‪ ،‬فقمت ما بي حشمة وحسبة ‪ ،‬ودخلت‬
‫قصر الحرس ‪ ،‬وطلعنا إليه فوجدتم قد اجتمعوا ف زاوية الحرس الشرقية ‪ ،‬فرأيت النكر ف‬
‫وجوههم ‪ ،‬فسلمت ث قصدت جهة الحراب فركعت عنده ركعتي ل عمل ل فيهما إل تدبي القول‬
‫معهم ‪ ،‬واللص منهم ‪ ،‬فلعمر الذي قضى علي بالقبال إل أن أحدثكم ‪ ،‬إن ما كنت رجوت‬
‫‪77‬‬

‫الشاطبي‬

‫كتاب العتصام‬

‫الروج عن ذلك الجلس أبدا ‪ .‬ولقد كنت أنظر ف البحر يضرب ف حجارة سود مددة تت‬
‫طاقات الحرس ‪ ،‬فأقول ‪ :‬هذا قبي الذي يدفنون فيه ‪ ،‬وأنشد ف سري ‪:‬‬
‫أل ! هل إل الدنيا معاد؟ وهل لنا سوى البحر قب ؟ أو سوى الاء أكفان‬
‫وهي كانت الشدة الرابعة من شدائد عمري الذي أنقذن ال منها فلما سلمت استقبلتهم وسألتهم‬
‫عن أحوالم عادة ‪ ،‬وقد اجتمعت إل نفسي ‪ ،‬وقلت ‪ :‬أشرف ميتة ف أشرف موطن أناضل فيه عن‬
‫الدين ‪ .‬فقال ل أبو الفتح ـ وأشار إل فت حسن الوجه ـ هذا سيد الطائفة ومقدمها ‪ .‬فدعوت له‬
‫فسكت ‪ ،‬فبادرن وقال ‪ :‬قد بلغتن مالسك وأني إل كلمك ‪ ،‬وأنت تقول ‪ :‬قال ال وفعل ‪ ،‬فأي‬
‫شيء هو ال الذي تدعو إليه ؟ أخبن وأخرج عن هذه الخرقة الت جازت لك على هذه الطائفة‬
‫الضعيفة وقد اختطفن أصحابه قبل الواب ‪ ،‬فعمدت ـ بتوفيق ال إل كنانت واستخرجت منها‬
‫سهما أصاب حبة قلبه فسقط لليدين وللفم ‪.‬‬
‫وشرح ذلك أن المام أبا بكر أحد بن إبراهيم الساعيلي الافظ الرجان قال ‪ :‬كنت أبغض الناس‬
‫فيمن يقرأ علم الكلم ‪ ،‬فدخلت يوما إل الري ‪ ،‬ودخلت جامعها أول دخول واستقبلت سارية‬
‫أركع عندها ‪ ،‬وإذا بواري رجلن يتذكران علم الكلم ‪ ،‬فتطيت بما ‪ ،‬وقلت ‪ :‬أول ما دخلت‬
‫هذا البلد سعت فيه ما أكره وجعلت أخفف الصلة حت أبعد عنهما ‪ ،‬فعلق ب من قولما ‪ :‬إن‬
‫ل ولكن يطالبهم بلم‬
‫هؤلء الباطنية أسخف خلق ال عقولً ‪ ،‬وينبغي للنحرير أن ل يتكلف لم دلي ً‬
‫فل قبل لم با ‪ .‬وسلمت مسرعا ‪.‬‬
‫وشاء ال بعد ذلك أن كشف رجل من الساعيلية القناع ف اللاد ‪ ،‬وجعل يكاتب وشكي المي‬
‫يدعوه إليه ويقول له ‪ :‬إن ل أقبل دين ممد إل بالعجزة فإن أظهرتوها رجعنا إليكم ‪ ،‬وانرت الال‬
‫إل أن اختاروا منهم رجلً له دهاء ومنة ( أي قوة ) فورد على وشكي رسو ًل ‪ ،‬فقال له ‪ :‬إنك أمي‬
‫ومن شأن المراء واللوك أن تتخصص عن العلوم ول تقلد أحدا ف عقيدة ‪ ،‬وإنا حقهم أن يفصحوا‬
‫عن الباهي ‪ .‬فقال وشكي ‪ :‬أختار رجلً من أهل ملكت ‪،‬ول أنتدب للمناظرة بنفسي ‪ ،‬فيناظرك‬
‫بي يدي ‪ .‬فقال له اللحد ‪ :‬اختر أبا بكر الساعيلي ‪ .‬لعلمه بأنه ليس من أهل علم التوحيد وإنا‬
‫كان إماما ف الديث ‪ .‬ولكن كان وشكي ـ لعاميه فيه ـ يعتقد أنه أعلم أهل الرض بأنواع‬
‫العلوم ‪ .‬فقال وشكي ‪ :‬ذلك مرادي ‪ ،‬فإنه رجل جيد ‪ .‬فأرسل إل أب بكر الساعيلي برجان‬
‫ليحل إليه إل غزنه ‪ .‬فلم يبق من العلماء أحد إل يئس من الدين ‪ ،‬وقال سيبهت الساعيلي الكافر‬
‫مذهبا الساعيلي الافظ مذهبا ‪ .‬ول يكنهم أن يقولوا للملك ‪ :‬إنه ل علم عنده بذلك لئل يتهمهم‬
‫‪ .‬فلجأوا إل ال ف نصر دينه ‪.‬‬
‫قال الساعيلي الافظ ‪ :‬فلما جائن البيد ‪ ،‬وأخذت ف السي وتدانت ل الدار قلت ‪ :‬إنا ل ‪.‬‬
‫وكيف أناظر فيما ل أدري ؟ هل أتبأ عند اللك وأرشده إل من يسن الدل ‪ ،‬ويعلم بجج ال‬
‫‪78‬‬

‫الشاطبي‬

‫كتاب العتصام‬

‫على دينه ؟ ندمت على ما سلف من عمري إذا ل أنظر ف شيء من علم الكلم ‪ ،‬ث أذكرن ال ما‬
‫كنت سعته من الرجلي بامع الري فقويت نفسي ‪ ،‬وعولت على أن أجعل ذلك عمدت ‪ ،‬وبلغت‬
‫البلد فتلقان اللك ث جيع اللق ‪ .‬وحضر الساعيلي الذهب مع الساعيلي النسب ‪ .‬وقال اللك‬
‫للباطن ‪ :‬أذكر قولك يسمعه المام ‪ .‬فلما أخذ ف ذكره واستوفاه ‪ .‬قال له الافظ ‪ :‬ل ؟ سعها‬
‫اللحد قال ‪ :‬هذا إمام قد عرف مقالت ‪ .‬ففهمت ‪ .‬قال الساعيلي ‪ :‬فخرجت من ذلك الوقت ‪،‬‬
‫وأمرت بقراءة علم الكلم ‪ ،‬وعملت أنه عمدة من عمد السلم ‪.‬‬
‫قال ابن العرب ‪ :‬وأنا حي انتهى ب المر إل ذلك قلت ‪ :‬إن كان ف الجل تنفس فهذا شبيه بيوم‬
‫الساعيلي ‪ .‬فوجهت إل أب الفتح الكلم وقلت له ‪ :‬لقد كنت ف ل شيء ولو خرجت من عكا‬
‫قبل أن أجتمع بذا العال ما رحلت إل عريا عن نادرة اليام ‪ ،‬ونظر إل حذقه بالكلم ومعرفته حيق‬
‫قال ل ‪ :‬أي شيء هو ال ؟ ول يسأل بثل هذا إل مثله ‪ .‬ولكن بقيت ها هنا نكتة ‪ ،‬ل بد من أن‬
‫نأخذها اليوم عنه ‪ ،‬وتكون ضيافتنا عنده ‪ .‬ل قلت ‪ :‬أي شيء هو ال فاقتصرت من حروف‬
‫الستفهام على أي وتركت المزة وهل وكيف وأن وكم وما ‪ ،‬هي أيضا من ثوان حروف‬
‫الستفهام وعدلت عن اللم من حروفه ‪ ،‬وهذا سؤال ثان عن حكمة ثانية ‪ ،‬وهو أن لـ أي معنيي‬
‫ف الستفهام ‪ .‬فأي العنيي قصدت با ؟ ول سألت برف متمل ؟ ول تسأل برف مصرح بعن‬
‫واحد ؟ هل وقع ذلك بغي علم ول قصد حكمة ؟ أم بقصد حكمة ؟ فبينها لنا ‪.‬‬
‫فما هو إل أن افتتحت هذا الكلم وانبسطت فيه وهو يتغي حت اصفر آخرا من الوجل ‪ ،‬كما اسود‬
‫أو ًل من القد ‪ .‬ورجع أحد أصحابه الذي كان عن يينه إل آخر كان بانبه ‪ ،‬وقال له ‪ :‬ما هذا‬
‫الصب إل بر زاخر من العلم ‪ ،‬ما رأينا مثله قط ‪ ،‬وهم ما رأوا واحدا به رمق إل أهلكوه ‪ ،‬لن‬
‫الدولة لم ‪ ،‬ولول مكاننا من رفعة دولة ملك الشام ووال عكا كان يظينا ما تلصت منهم ف العادة‬
‫أبدا ‪.‬‬
‫وحي سعت تلك الكلمة من إعظامي قلت ‪ :‬هذا ملس عظيم ‪ ،‬وكلم طويل ‪ ،‬يفتقر إل تفصيل ‪،‬‬
‫ل‪.‬‬
‫ولكن نتواعد إل يوم آخر ‪ .‬وقمت وخرجت ‪ ،‬فقاموا كلهم معي وقالوا ‪ :‬ل بد أن تبقى قلي ً‬
‫فقلت ‪ :‬ل ‪.‬وأسرعت حافيا وخرجت على الباب أعدو حت أشرفت على قارعة الطريق ‪ ،‬وبقيت‬
‫هناك مبشرا نفسي بالياة ‪ ،‬حت خرجوا بعدي وأخرجوا ل ( ل يكي ) ولبستها ومشيت معهم‬
‫متضاحكا ‪ ،‬ووعدون بجلس آخر فلم اوف لم ‪ ،‬وخفت وفات ف وفائي ‪.‬‬
‫قال ابن العرب ‪ :‬وقد قال ل أصحابنا النصرية بالسجد القصى ‪ :‬إن شيخنا أبا الفتح نصر بن إبراهيم‬
‫القدسي اجتمع برئيس من الشيعة المامية ‪ ،‬فشكا إليه فساد اللق ‪ ،‬وأن هذا المر ل يصلح إل‬
‫بروج المام النتظر ‪ ،‬فقال نصر ‪ :‬هل لروجه ميقات أم ل ؟ قال الشيعي ‪ :‬نعم ‪ ،‬قال له أبو الفتح‬
‫‪79‬‬

‫الشاطبي‬

‫كتاب العتصام‬

‫‪ :‬ومعلوم هو أو مهول ؟ قال ‪ :‬معلوم ‪ .‬قال نصر ‪ :‬ومت يكون ؟ قال ‪ :‬إذا فسد اللق ‪ .‬قال أبو‬
‫الفتح ‪ :‬فهل تبسونه عن اللق وقد فسد جيعهم إل أنتم فلو فسدت لرج ‪،‬فأسرعوا به وأطلقوه من‬
‫سجنه وعجلوا بالرجوع إل مذهبنا ‪ .‬فبهت ‪ .‬وأظنه سعها عن شيخه أب الفتح سليمان بن أيوب‬
‫الرازي الزاهد ‪.‬‬
‫انتهى ما حكاه ابن العرب وغيه ‪،‬وفيه غنية لن عرج عن تعرف أصولم ‪ ،‬وف أثناء الكتاب منه أمثلة‬
‫كثية ‪.‬‬
‫القسم الثان ‪ :‬يتنوع أيضا ‪،‬وهو الذي ل يستنبط بنفسه وإنا اتبع غيه من الستنبطي ‪ ،‬لكن بيث‬
‫أقر بالشبهة واستصوبا ‪ ،‬وقام بالدعوة با مقام متبوعه ‪ ،‬لنقداحها ف قلبه ‪ ،‬فهو مثل الول ‪،‬وإن ل‬
‫يصر إل تلك الال ولكنه تكن حب الذهب من قلبه حت عادى عليه ووال ‪.‬‬
‫وصاحب هذا القسم ل يلو من استدلل ولو على أعم ما يكون ‪ .‬فقد يلحق بن نظر ف الشبهة وإن‬
‫كان عاميا ‪ ،‬لنه عرض للستدلل ‪ ،‬وهو علم أنه ل يعرف النظر ول ما ينظر فيه ‪ ،‬ومع ذلك فل‬
‫يبلغ من استدل بالدليل الملي مبلغ من استدل على التفصيل ‪ ،‬وفرق بينهما ف التمثيل ‪:‬‬
‫أن الول أخذ شبهات مبتدعة فوقف وراءها ‪ ،‬حت إذا طولب فيها بالريان على مقتضى العلم تبلد‬
‫وانقطع ‪ ،‬أو خرج إل ما ل يعقل ‪ ،‬وأما الثان فحسن الظن بصاحب البدعة فتبعه ‪ ،‬ول يكن له دليل‬
‫على التفصيل يتعلق به ‪ ،‬إل تسي الظن بالبتدع خاصة ‪ .‬وهذا القسم ف العوام كثي ‪.‬‬
‫فمثال الول حال حدان بن قرمط النسوب إليه القرامطة ‪ ،‬إذ كان أحد دعاة الباطنية فاستجاب له‬
‫جاعة نسبوا إليه ‪ ،‬وكان رجلً من أهل الكوفة مائلً إل الزهد فصادفه أحد دعاة الباطنية وهو‬
‫متوجه إل قريته وبي يديه بقر يسوقه ‪ ،‬فقال له حدان ـ وهو ل يعرف حاله ـ ‪ :‬أراك سافرت‬
‫عن موضع بعيد ‪ ،‬فأين مقصدك ؟ فذكر موضعا هو قرية حدان ‪ ،‬فقال له حدان ‪ :‬اركب بقرة من‬
‫هذا البقر لتستريح به عن تعب الشي ‪ ،‬فلما رآه مائلً إل الديانة أتاه من ذلك الباب ‪ ،‬وقال ‪ :‬إن ل‬
‫أؤمن بل أؤمر بذلك ‪ ،‬فقال له ‪ :‬وكأنك ل تعمل إل بأمر ‪ ،‬فقال ‪ :‬نعم ‪ ،‬فقال حدان ‪ :‬وبأمر من‬
‫تعمل ؟ قال بأمر مالكي ومالكك ومن له الدنيا والخرة ‪ ،‬قال ‪ :‬ذلك هو رب العالي ‪ ،‬قال ‪:‬‬
‫صدقت ‪ ،‬ولكن ال يهب ملكه من يشاء ‪ .‬قال ‪ :‬وما غرضك ف البقعة الت أنت متوجه إليها ؟ قال‬
‫‪ :‬أمرت أن أدعو أهلها من الهل إل العلم ‪ .‬ومن الضلل إل الدى ‪ ،‬ومن الشقاوة إل السعادة ‪.‬‬
‫وأن أستنقذهم من ورطات الذل والفقر ‪ ،‬وأملكهم ما يستغنون به عن الكد والتعب ‪ .‬فقال له حدان‬
‫‪ :‬أنقذن أنقذك ال ‪ ،‬وافض علي من العمل ما تيين به ‪ ،‬فما أشد احيتاجي لثل ما ذكرت ! فقال ‪:‬‬
‫فما أمرت أن أخرج السر الكنون إل أحد إل بعد الثقة به والعهد إليه ‪ ،‬فقال ‪ :‬فما عهدك ؟ فاذكره‬
‫فإن ملتزم له ‪ .‬فقال ‪ :‬أن تعل ل وللمام عهد ال على نفسك وميثاقك أل ترج سر المام الذي‬
‫ألقيه إليك ول تفشي سري أيضا ‪ .‬فالتزم حدان عهده ‪ .‬ث اندفع الداعي ف تعليمه فنون جهله ‪،‬‬
‫‪80‬‬

‫الشاطبي‬

‫كتاب العتصام‬

‫حت استدرجه واستغواه ‪ ،‬واستجاب له ف جيع ما ادعاه ‪ ،‬ث انتدب للدعوة وصار أصلً من أصول‬
‫هذه البدعة ‪ ،‬فسمي أتباعه القرامطة ‪.‬‬
‫ومثال الثان ما حكاه ال ف قوله تعال ‪" :‬وإذا قيل لم تعالوا إل ما أنزل ال وإل الرسول قالوا‬
‫حسبنا ما وجدنا عليه آباءنا" وقوله تعال ‪" :‬قال هل يسمعونكم إذ تدعون * أو ينفعونكم أو يضرون‬
‫* قالوا بل وجدنا آباءنا كذلك يفعلون " ‪.‬‬
‫وحكى السعودي أنه كان ف أعلى صعيد مصر رجل من القبط من يظهر دين النصرانية وكان يشار‬
‫إليه بالعلم والفهم ‪ ،‬فبلغ خبه أحد بن طولون ‪ ،‬فاستحضره وسأله عن أشياء كثية ‪ ،‬من جلتها أنه‬
‫أمر ف بعض اليام وقد أحضر ملسه بعض أهل النظر ليسأله عن الدليل على صحة دين النصرانية ‪،‬‬
‫فسألوه عن ذلك ‪ .‬فقال ‪ :‬دليلي على صحتها وجودي إياها متناقضة متنافية ‪ ،‬تدفعها العقول وتنفر‬
‫منها النفوس ‪ ،‬لتباينها وتضادها ‪ ،‬ل نظر يقويها ‪ ،‬ول جدل يصححها ‪ ،‬ول برهان يعضدها من‬
‫العقل والس عند أهل التأمل فيها ‪ ،‬والفحص عنها ‪ .‬ورأيت مع ذلك أما كثية وملوكا عظيمة‬
‫ذوي معرفة ‪ ،‬وحسن سياسة ‪ ،‬وعقول راجحة ‪ ،‬قد انقادوا إليها ‪ ،‬وتدينوا با مع ما ذكرت من‬
‫تناقضها ف العقل فعلمت أنم ل يقبلوها ول تدينوا با إل بدلئل شاهدوها ‪ ،‬وآيات ومعجزات‬
‫عرفوها ‪ ،‬أوجبت انقيادهم إليها ‪ ،‬والتدين با ‪.‬‬
‫فقال له السائل ‪ :‬وما التضاد الذي فيها ؟ وهل يدرك ذلك أم تعلم غايته ؟ منها قولم بأن الثلثة‬
‫واحد وأن الواحد ثلثة ‪ .‬ووصفهم للقانيم والوهر وهو الثالوثي ‪ ،‬وهل القانيم ف أنفسها قادرة‬
‫عالة أم ل ؟ وف اتاد ربم القدي بالنسان الحدث ‪ ،‬وما جرى ف ولدته وصلبه وقتله ‪ .‬وهل ف‬
‫التشنيع أكب وأفحش من إله صلب وبصق ف وجهه ؟ ووضع على رأسه إكليل الشوك وضرب رأسه‬
‫بالقضيب ؟ وسرت قدماه ‪ ،‬ونز بالسنة والشب جنباه ؟ وطلب الاء فسقي الل من بطيخ النظل‬
‫؟ فأمسكوا عن مناظرته ‪ ،‬لا قد أعطاهم من تناقض مذهبه وفساده اهـ ‪.‬‬
‫والشاهد من الكاية العتماد على الشيوخ والباء من غي برهان ول دليل ‪.‬‬
‫القسم الثالث ‪ :‬يتنوع أيضا وهو الذي قلد غيه على الباءة الصلية ‪ ،‬فل يلو أن يكون ث من هو‬
‫أول بالتقليد منه ‪ ،‬بناء على التسامع الاري بي اللق بالنسبة إل الم الغفي إليه ف أمور دينهم من‬
‫عال وغيه ‪ ،‬وتعظيمهم له بلف الغي ‪ .‬أو ل يكون ث من هو أول منه ‪ ،‬لكنه ليس ف إقبال اللق‬
‫عليه وتعظيمهم له ما يبلغ تلك الرتبة ‪ ،‬فإن كان هناك منتصبون فتركهم هذا القلد وقلد غيهم فهو‬
‫آث إذ ل يرجع إل من أمر بالرجوع إليه ‪ ،‬بل تركه ورضي لنفسه بأخسر الصفقتي فهو غي معذور ‪.‬‬
‫إذ قلد ف دينه من ليس بعارف بالدين ف حكم الظاهر ‪ ،‬فعمل بالبدعة وهو يظن أنه على الصراط‬
‫الستقيم ‪.‬‬
‫‪81‬‬

‫الشاطبي‬

‫كتاب العتصام‬

‫وهذا حال من بعث فيهم رسول ال صلى ال عليه وسلم فإنم تركوا دينهم الق ورجعوا إل باطل‬
‫آبائهم ‪ .‬ول ينظروا نظر الستبصر ‪ ،‬حت ل يفرقوا بي الطريقي ‪ ،‬وغطى الوى على عقولم دون أن‬
‫يبصروا الطريق ‪ ،‬فكذلك أهل هذا النوع ‪.‬‬
‫وقل ما تد من هذه صفته إل وهو يوال فيما ارتكب ويعادي بجرد التقليد ‪.‬‬
‫خرج البغوي " عن أب الطفيل الكنان أن رجلً ولد له غلم على عهد رسول ال صلى ال عليه‬
‫وسلم ‪،‬فأت به النب صلى ال عليه وسلم فدعا له بالبكة وأخذ ببهته فنبتت شعرة ببهته كأنا سلفة‬
‫فرس ‪ .‬قال ‪ :‬فشب الغلم ‪ ،‬فلما كان زمن الوارج أجابم فسقطت الشعرة عن جبهته ‪ ،‬فأخذه‬
‫أبوه فقيده وحبسه مافة أن يلحق بم أحد ‪ ،‬قال ‪ :‬فدخلنا عليه فوعظناه وقلنا له ‪ :‬أل تر بركة النب‬
‫صلى ال عليه وسلم وقعت ؟ قال ‪ :‬فلم نزل به حت رجع عن رأيهم ‪ .‬قال ‪ :‬فرد ال عز وجل‬
‫الشعرة ف جبهته إذ تاب " ‪.‬‬
‫وإن ل يكن هناك منتصبون إل هذا القلد الامل بي الناس ‪ ،‬مع أنه قد نصب نفسه منصب‬
‫الستحقي ‪ ،‬ففي تأثيمه نظر ‪ .‬ويتمل أن يقال فيه ‪ :‬إنه آث ‪.‬‬
‫ونظيه مسألة أهل الفترات العاملي تبعا لبائهم ‪ ،‬واستنامة لا عليه أهل عصرهم ‪ ،‬من عبادة غي ال‬
‫وما أشبه ذلك ‪ .‬لن العلماء يقولون ف حكمهم ‪ :‬إنم على قسمي ‪ :‬قسم غابت عليه الشريعة ول‬
‫يدر ما يتقرب به إل ال تعال ‪ ،‬فوقف عن العمل بكل ما يتوهه العقل أنه يقرب إل ال ‪ ،‬ورأى ما‬
‫أهل عصره عاملون به ما ليس لم فيه مستند إل استحسانم ‪،‬فلم يستفزه ذلك على الوقوف عنه ‪.‬‬
‫وهؤلء هم الداخلون حقيقة تت عموم الية الكرية ‪" :‬وما كنا معذبي حت نبعث رسول " ‪.‬‬
‫وقسم لبس ما عليه أهل عصره من عبادة غي ال ‪ ،‬والتحري والتحليل بالرأي ووافقوهم ف اعتقاد ما‬
‫اعتقدوا من الباطل ‪ ،‬فهؤلء نص العلماء على أنم غي معذورين ‪ ،‬مشاركون لهل عصرهم ف‬
‫الؤاخذة ‪ ،‬لنم وافقوهم ف العمل والوالة والعاداة على تلك الشرعة فصاروا من أهلها ‪ .‬فكذلك‬
‫ما نن ف الكلم عليه ‪ ،‬إذ ل فرق بينهما ‪.‬‬
‫ومن العلماء من يطلق العبارة ويقول ‪ :‬كيفما كان ل يعذب أحد إل بعد الرسل وعدم القبول منهم ‪.‬‬
‫وهذا إن ثبت قولً هكذا ‪ ،‬فنظيه ف مسألتنا أن يأت عال أعلم من ذلك النتصب يبي السنة من‬
‫البدعة ‪ ،‬فإن راجعه هذا القلد ف أحكام دينه ول يقتصر على الول فقد أخذ بالحتياط الذي هو‬
‫شأن العقلء ورجاء السلمة ‪ ،‬وإن اقتصر على الول ظهر عناده ‪ ،‬لنه مع هذا الفرض ل يرض بذا‬
‫الطارىء ‪ ،‬وإذا ل يرضه كان ذلك لوى داخله ‪ ،‬وتعصب جرى ف قلبه مرى الكلب ف صاحبه ‪.‬‬
‫وهو إذا بلغ هذا البلغ ل يبعد أن يقتصر لذهب صاحبه ‪ ،‬ويستدل عليه بأقصى ما يقدر عليه ف‬
‫عموميته ‪ .‬وحكمه قد تقدم ف القسم قبله ‪.‬‬

‫‪82‬‬

‫الشاطبي‬

‫كتاب العتصام‬

‫فأنت ترى صاحب الشريعة صلى ال عليه وسلم ـ حي بعث إل أصحاب أهواء وبدع ‪ ،‬وقد‬
‫استندوا إل آبائهم وعظمائهم فبها ‪ ،‬وردوا ما جاء به النب صلى ال عليه وسلم ‪ ،‬وغطى على قلوبم‬
‫رين الوى حت التبست عليهم العجزات بغيها ـ كيف صارت شريعته صلى ال عليه وسلم حجة‬
‫عليهم على الطلق والعموم ‪ ،‬وصار اليت منهم مسوقا إل النار على العموم ‪ ،‬من غي تفرقة بي‬
‫العاند صراحا وغيه ‪ ،‬وما ذاك إل لقيام الجة عليهم ‪ ،‬بجرد بعثته وإرساله لم ‪ ،‬مبينا للحق الذي‬
‫خالفوه ‪ .‬فمسألتنا شبيهة بذلك ‪ ،‬فمن أخذ بالزم فقد استبأ لدينه‪ ،‬ومن تابع الوى خيف عليه‬
‫اللك ‪ ،‬وحسبنا ال ‪.‬‬
‫فصل ولند هذا الوضع شيئا من البيان‬
‫ولنرد هذا الوضع شيئا من البيان فإنه أكيد ‪ ،‬لنه تقيق مناط الكتاب وما احتوى عليه من السائل ‪.‬‬
‫فنقول وبال التوفيق ‪:‬‬
‫إن لفظ أهل الهواء وعبارة أهل البدع إنا تطلق حقيقةً على الذين ابتدعوها ‪ ،‬وقدموا فيها‬
‫شريعة الوى بالستنباط والنصر لا ‪ ،‬والستدلل على صحتها ف زعمهم ‪ ،‬حت عد خلفهم ‪،‬‬
‫وشبههم منظورا فيها ‪ ،‬ومتاجا إل ردها والواب عنها ‪ .‬كما نقول ف ألقاب الفرق من العتزلة‬
‫والقدرية والرجئة والوارج والباطنية ومن أشبههم ‪ ،‬بأنا ألقاب لن قام بتلك النحل ما بي مستنط‬
‫لا وناصرلا ‪ ،‬وذاب عنها ‪ .‬كلفظ أهل السنة إنا يطلق على ناصريها ‪ ،‬وعلى من استنبط على‬
‫وفقها ‪ ،‬والامي لذمارها ‪.‬‬
‫ويرشح ذلك أن قول ال تعال ‪" :‬إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا" يشعر بإطلق اللفظ على من‬
‫جعل ذلك الفعل الذي هو التفريق ‪ ،‬وليس إل الخترع أو من قام مقامه ‪.‬‬
‫وكذلك قوله تعال ‪" :‬ول تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا" وقوله تعال ‪" :‬فأما الذين ف قلوبم زيغ‬
‫فيتبعون ما تشابه منه" فإن اتباع التشابه متص بن انتصب منصب الجتهد ل بغيه ‪.‬‬
‫وكذلك قول النب صلى ال عليه وسلم ‪:‬‬
‫"حت إذا ل يبق عال اتذ الناس رؤساء جهالً فسئلوا فأفتوا بغي علم" ‪ ،‬لنم أقاموا أنفسهم مقام‬
‫الستنبط للحكام الشرعية القتدى به فيها ‪ .‬بلف العوام ‪ ،‬فإنم متبعون لا تقرر عند علمائهم لنه‬
‫فرضهم ‪ ،‬فليسوا بتبعي للمتشابه حقيق ًة ‪ ،‬ول هم متبعون للهوى ‪ .‬وإنا يتبعون ما يقال لم كائنا ما‬
‫كان ‪ ،‬فل يطلق على العوام لفظ أهل الهواء حت يوضوا بأنظارهم فيها ويسنوا بنظرهم ويقبحوا‬
‫‪ .‬وعند ذلك يتعي للفظ أهل الهواء وأهل البدع مدلول واحد ‪ ،‬وهو أنه من انتصب للبتداع‬
‫ولترجيحه على غيها وأما أهل الغفلة عن ذلك والسالكون سبل رؤساهم بجرد التقليد من غي نظر‬
‫فل ‪.‬‬
‫‪83‬‬

‫الشاطبي‬

‫كتاب العتصام‬

‫فحقيقة السألة أنا تتوي على قسمي ‪ :‬مبتدع ومقتد به ‪ .‬فالقتدي به كأنه ل يدخل ف العبارة‬
‫بجرد القتداء لنه ف حكم التبع ‪ ،‬والبتدع هو الخترع ‪ .‬أو الستدل على صحة ذلك الختراع ‪،‬‬
‫وسواء علينا أكان ذلك الستدلل من قبيل الاص بالنظر ف العلم ‪ ،‬أو كان من قبيل الستدلل‬
‫العامي ‪ ،‬فإن ال سبحانه ذم أقواما قالوا ‪" :‬إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مقتدون"‬
‫فكأنم استدلوا إل دليل جلي ‪ ،‬وهو الباء إذ كانوا عندهم من أهل العقل ‪ ،‬وقد كانوا على هذا‬
‫الدين ‪ ،‬وليس إل لنه صواب ‪ ،‬فنحن عليه ‪ ،‬لنه لو كان خطأ لا ذهبوا إليه ‪.‬‬
‫وهو نظي من يستدل على صحة البدعة بعمل الشيوخ ومن يشار إليه بالصلح ‪ ،‬ول ينظر إل كونه‬
‫من أهل الجتهاد ف الشريعة أو من أهل التقليد ‪ ،‬ول كونه يعمل بعلم أو بهل ‪ .‬ولكن مثل هذا يعد‬
‫استدللً ف الملة من حيث جعل عمدةً ف اتباع الوى واطراح ما سواه ‪ .‬فمن أخذ به فهو آخذ‬
‫بالبدعة بدليل مثله ‪ ،‬ودخل ف مسمى أهل البتداع ‪ ،‬إذ كان من حق من كان هذا سبيله أن ينظر ف‬
‫الق إن جاءه ‪ ،‬ويبحث ويتأن ويسأل حت يتبي له فيتبعه ‪ ،‬أو الباطل فيجتنبه ‪ .‬ولذلك قال تعال‬
‫ردا على الحتجي با تقدم ‪ " :‬قال أو لو جئتكم بأهدى ما وجدت عليه آباءكم " وف الية الخرى‬
‫‪" :‬وإذا قيل لم اتبعوا ما أنزل ال قالوا بل نتبع ما ألفينا عليه آباءنا" فقال تعال ‪ " :‬أو لو كان آباؤهم‬
‫ل يعقلون شيئا ول يهتدون " وف الية الخرى ‪ " :‬أو لو كان الشيطان يدعوهم إل عذاب السعي "‬
‫وأمثال ذلك كثي ‪.‬‬
‫وعلمة من هذا شأنه أن يرد خلف مذهبه با عليه من شبهة دليل تفصيلي أو إجال ‪ ،‬ويتعصب لا‬
‫هو عليه غي ملتفت إل غيه ‪ ،‬وهو عي اتباع الوى ‪ .‬فهو الذموم حقا ‪ .‬وعليه يصل الث ‪ ،‬فإن‬
‫من كان مسترشدا مال إل الق حيث وجده ول يرده ‪ ،‬وهو العتاد ف طالب الق ‪ .‬ولذلك بادر‬
‫الحققون إل اتباع رسول ال صلى ال عليه وسلم حي تبي لم الق ‪.‬‬
‫فإن ل يد سوى ما تقدم له من البدعة ‪ ،‬ول يدخل مع التعاصيي لكنه عمل با ‪ ،‬فإن قلنا ‪ :‬إن‬
‫أهل الفترة معذبون على الطلق إذا اتبعوا من اخترع منهم ‪ ،‬فالتبعون للمبتدع إذا ل يدوا مقا‬
‫مؤخذون أيضا ‪.‬وإن قلنا ‪ :‬ل يعذبون حت يبعث لم الرسول وإن عملوا بالكفر فهؤلء ل‬
‫يؤخذون ما ل يكن فيه مق ‪ ،‬فإذا ذاك يؤاخذون من حيث إنم معه بي أحد أمرين ‪ :‬إما أن يتبعوه‬
‫على طريق الق فيتركوا ما هم عليه ‪ .‬وإما أن ل يتبعوه فل بد من عناد ما وتعصب فيدخلون إذ ذاك‬
‫تت عبارة ( أهل الهواء ) فيأثون ‪.‬‬
‫وكل من اتبع بيان سعان ف بدعته الت اشتهرت عند العلماء مقلدا فيها على حكم الرضاء با ورد ما‬
‫سواها ‪ ،‬فهو ف الث مع من اتبع ‪ ،‬فقد زعم أن معبوده ف صورة النسان وأنه يهلك كله إل وجهه‬
‫ث زعم أن روح الله حل ف علي ث ف فلن ‪ ،‬ث ف بيان نفسه ‪.‬‬

‫‪84‬‬

‫الشاطبي‬

‫كتاب العتصام‬

‫وكذلك من اتبع الغية بن سعيد العجلي الذي ادعى النبوة مدة وزعم أنه يي الوتى بالسم‬
‫العظم ‪ ،‬وأن لعبوده أعضاء على حروف الجاء على كيفية يشمئز منها قلب الؤمن إل إلادات‬
‫أخر ‪.‬‬
‫وكذلك من اتبع الهدي الغرب النسوب إليه كثي من بدع الغرب ‪ ،‬فهو ف الث والتسمية مع من‬
‫اتبع إذا انتصب ناصرا لا ومتجا عليها ‪ .‬وقانا ال شر التعصب على غي بصية من الق بفضله‬
‫ورحته ‪.‬‬
‫فصل إذا ثبت أن البتدع آث‬
‫إذا ثبت أن البتدع آث فليس الواقع عليه على رتبة واحدة ‪ ،‬بل هو على مراتب متلفة ‪ ،‬من جهة‬
‫كون صاحبها مستترا با أو معلنا ‪ ،‬ومن جهة كون البدعة حقيقية أو إضافية ‪ ،‬ومن جهة كونا بينة‬
‫أو مشكلة ‪ ،‬ومن جهة كونا كفرا أو غي كفر ‪ ،‬ومن جهة الصرار عليها أو عدمة ‪ ،‬إل غي ذلك‬
‫من الوجوه الت يقطع معها بالتفاوت ف عظم الث وعدمه أو يغلب على الظن ‪.‬‬
‫وهذا العن وإن ل يف على العال بالصول فل يترك التنبيه على وجه التفاوت بقول جلي ‪ ،‬فهو‬
‫الول ي هذا القام ‪.‬‬
‫فأما الختلف من جهة كون صاحبها مدعيا للجتهاد أو مقلدا فظاهر ‪ ،‬لن الزيغ ف قلب الناظر‬
‫ف التشابات ابتغاء تأويلها ‪ ،‬أمكن منه ف قلب القلد وإن ادعى النظر أيضا ‪ ،‬لن القلد الناظر ل بد‬
‫من استناده إل مقلده ف بعض الصول الت يبن عليها ‪ .‬أو القلد قد انفرد با دونه ‪ .‬فهو آخذ بط‬
‫ما ل يأخذ فيه الخر ‪ ،‬إل أن يكون هذا القلد ناظرا لنفسه ‪ ،‬فحينئذ ل يدعي رتبة التقليد فصار ف‬
‫درجة الول ‪ ،‬وزاد عليه الول بأنه أول من سن تلك السنة السيئة ‪ ،‬فيكون عليه وزرها ووزر من‬
‫عمل با ‪ .‬وهذا الثان من عمل با فيكون على الول من إثه ما عينه الديث الصحيح فوزره أعظم‬
‫على كل تقدير ‪ ،‬والثان دونه لنه إن نظر وعاند الق واحتج لرأيه ‪ ،‬فليس له إدلة جلية ل تفصيلية‬
‫‪ .‬والفرق بينهما ظاهر ‪ ،‬فإن الدلة التفصيلية أبلغ ف الحتجاج على عي السألة من الدلة الملية ‪،‬‬
‫فتكون البالغة ف الوزر بقدار البالغة ف الستدلل ‪.‬‬
‫وأما الختلف من جهة وقوعها ف الضروريات أو غيها فالشارة إليه ستأت عند التكلم على‬
‫أحكام البدع ‪.‬‬
‫وأما الختلف من جهة السرار والعلن ‪ ،‬فظاهر أن السر با ضرورة مقصور عليه ل يتعداه إل‬
‫غيه ‪ ،‬فعلى أي صورة فرضت البدعة من كونا كبية أو صغية أو مكروهة ‪ ،‬هي باقية على أصل‬
‫حكمها ‪ .‬فإذا أعلن با ـ وإن ل يدع إليها ـ فإعلنه با ذريعة إل القتداء به ‪.‬‬

‫‪85‬‬

‫الشاطبي‬

‫كتاب العتصام‬

‫وسيأت ـ بول ال ـ أن الذريعة قد تري مرى التذرع إليه أو تفارقه ‪ ،‬فانضم إل وزر العمل با‬
‫وزر نصبها لن يقتدي به فيها ‪ ،‬والوزر ف ذلك أعظم بل إشكال ‪.‬‬
‫ومثاله ما حكى الطرطوشي ف أصل القيام ليلة النصف من شعبان عن أب ممد القدسي ‪ ،‬قال ‪ :‬ل‬
‫يكن عندنا ببيت القدس صلة الرغائب هذه الت تصلى ف رجب وشعبان ‪ .‬وأول ما أحدثت عندنا‬
‫ف سنة ثان وأربعي وأربعمائة ‪ :‬قدم علينا رجل ف بيت القدس يعرف بابن أب المراء ‪ ،‬وكان‬
‫حسن التلوة ‪ ،‬فقام فصلى ف السجد القصى ليلة النصف من شعبان فأحرم خلفه رجل ‪ ،‬ث‬
‫انضاف إليهما ثالث ورابع ‪ ،‬فما ختمها إل وهو ف جاعة كبية ‪ ،‬ث جاء ف العال القابل فصلى‬
‫معه خلق كثي ‪ ،‬وشاعت ف السجد وانتشرت الصلة ف السجد القصى وبيوت الناس ومنازلم ‪،‬‬
‫ث استمرت كأنا سنة إل يومنا هذا ‪ .‬فقلت له ‪ :‬فرأيتك تصليها ف جاعة ‪.‬‬
‫قال ‪ :‬نعم ! وأستغفر ال منها ‪.‬‬
‫وأما الختلف من جهة الدعوة إليها وعدمها فظاهر أيضا ‪ ،‬لن غي الداعي وإن كان عرضة‬
‫بالقتداء فقد ل يقتدى به ‪ ،‬ويتلف الناس ف توفر دواعيهم على القتداء به ‪ ،‬إذ قد يكون خامل‬
‫الذكر ‪ ،‬وقد يكون مشتهرا ول يقتدي به ‪ ،‬لشهرة من هو أعظم عند الناس منلة منه ‪.‬‬
‫وأما الداعي إذا دعا إليها فمظنة القتداء أقوى وأظهر ‪ ،‬ول سيما البتدع اللسان الفصيح الخذ‬
‫بجامع القلوب ‪ ،‬إذا أخذ ف الترغيب والترهيب ‪ ،‬وأدل بشبهته الت تداخل القلب بزخرفها ‪ ،‬كما‬
‫كان معبد الهن يدعو الناس إل ما هو عليه من القول بالقدر ‪ ،‬ويلوي بلسانه نسبته إل السن‬
‫البصري ‪.‬‬
‫فروي عن سفيان بن عيينة أن عمرو بن عبيد عن مسألة فأجاب فيها وقال ‪ :‬هو من رأي السن‬
‫فقال له رجل ‪ :‬إنم يروون عن السن خلف هذا ‪ .‬فقال ‪ :‬إنا قلت لك هذا من رأيي السن‬
‫يريد نفسه ‪.‬‬
‫وقال ممد بن عبد ال النصاري ‪ :‬كان عمرو بن عبيد إذا سئل عن شيء قال ‪ :‬هذا من قول‬
‫السن فيوهم‬
‫أنه السن بن أب السن وإنا هو قوله ‪.‬‬
‫وأما الختلف من جهة كونه خارجا على أهل السنة أو غي خارج ‪ ،‬فلن غي الارج ل يزد على‬
‫الدعوة مفسدة أخرى يترتب عليه إث ‪ ،‬والارج زاد الروج على الئمة ـ وهو موجب للقتل ـ‬
‫والسعي ف الرض بالفساد ‪ ،‬وإثارة الفت والروب ‪ ،‬إل حصول العداوة والبغضاء بي أولئك الفرق‬
‫‪ ،‬فله من الث العظيم أوفر حظ ‪.‬‬
‫ومثاله قصة الوارج الذين قال فيهم رسول ال صلى ال عليه وسلم ‪:‬‬

‫‪86‬‬

‫الشاطبي‬

‫كتاب العتصام‬

‫"يقتلون أهل السلم ‪ ،‬ويدعون أهل الوثان ‪ ،‬يرقون من الدين كما يرق السهم من الرمية" ‪،‬‬
‫وأخبارهم شهية ‪.‬‬
‫وقد ل يرجون هذا الروج بل يقتصرون على الدعوة لكن على وجه أدعى إل الجابة ‪ ،‬لن فيه‬
‫نوعا من الكراه والخافة ‪ ،‬فل هو مرد دعوة ‪ ،‬ول هو شق العصا من كل وجه ‪ .‬وذلك أن‬
‫يستعي على دعوة بأول المر من الولة والسلطي ‪ ،‬فإن القتداء هنا أقوى بسبب خوف الولة ف‬
‫ل ‪ ،‬كما اتفق لبشر الريسي ف زمن الأمون ‪ ،‬ولحد بن أب داؤد‬
‫اليقاع بالب سجنا أو ضربا أو قت ً‬
‫ف خلفة الواثق ‪ ،‬وكما اتفق لعلماء الالكية بالندلس إذ صارت وليتها للمهديي ‪ ،‬فمزقوا كتب‬
‫الالكية وسوها كتب الرأي ‪ ،‬ونكلوا بملة من الفضلء بسبب أخذهم ف الشريعة بذهب مالك ‪.‬‬
‫وكانوا هم مرتكبي للظاهرية الحضة ‪ ،‬الت هي عند العلماء بدع ًة ظهرت بعد الائتي من الجرة ‪.‬‬
‫ويا ليتهم وافقوا مذهب داود وأصحابه ! لكنهم تعدوا ذلك إل أن قالوا برأيهم ووضعوا للناس‬
‫مذاهب ل عهد لم با ف الشريعة ‪ ،‬وحلوهم عليها طوعا أو كرها ‪ ،‬حت عم داؤها ف الناس ‪،‬‬
‫ل ‪ ،‬ث ذهب منها جلة وبقيت أخرى إل اليوم ‪ .‬ولعل الزمان يتسع إل ذكر جلة‬
‫وثبتت زمانا طوي ً‬
‫منها ف أثناء الكتاب بول ال ‪.‬‬
‫فهذا الوجه ‪ ،‬الوزر فيه أعظم من مرد الدعوة من وجهي ‪ :‬الول الخافة والكراه بالسلم‬
‫والقتل ‪ ،‬والخر كثرة الداخلي ف الدعوة ‪ ،‬لن العذار والنذر الخريي قد ل يقوم له كثي من‬
‫النفوس ‪ ،‬بلف الدنيوي ‪ .‬ولجل ذلك شرعت الدود والزواجر ف الشرع ‪ ،‬و إن ال ليزع‬
‫بالسلطان ‪ ،‬ما ل يزعه بالقرآن بالبتدع إذا ل ينتصر بإجابة دعوته بجرد العذار والنذار الذي يعظ‬
‫به ‪ ،‬حاول النتهاض بأول المر ‪ ،‬ليكون ذلك أحرى بالجابة ‪.‬‬
‫وأما الختلف من جهة كون البدعة حقيقية أو إضافية ‪ ،‬فإن القيقية أعظم وزرا ‪ ،‬لنا الت باشرها‬
‫النتهي بغي واسطة ‪ ،‬ولنا مالفة مضة وخروج عن السنة ظاهر ‪ .‬كالقول بالقدر ‪ ،‬والتحسي‬
‫والتقبيح ‪ ،‬والقول بإنكار خب لواحد ‪ ،‬وإنكار الجاع ‪ ،‬وإنكار تري المر ‪ ،‬والقول بالمام‬
‫العصوم ‪ ،‬وما أشبه ذلك ‪.‬‬
‫فإذا فرضت غضافية ‪ :‬فمعن الضافية أنا مشروعة من وجه ‪ ،‬ورأي مرد من وجه ‪.‬‬
‫إذ يدخلها من جهة الخترع رأي ف بعض أحوالا فلم تناف الدلة من كل وجه ‪ .‬هذا وإن كانت‬
‫تري مرى القيقة ‪ ،‬ولكن الفرق بينهما ظاهر كما سيأت إن شاء ال ‪.‬‬
‫وبسب ذلك الختلف يتلف الوزر ‪ .‬ومثاله جعل الصاحف ف الساجد للقراءة آخر صلة الصبح‬
‫بدعة ‪.‬‬
‫قال مالك ‪ :‬أول من جعل مصحفا الجاج بن يوسف ‪ .‬يريد أنه أول من رتب القراءة ف الصحف‬
‫إثر صلة الصبح ف السجد ‪ .‬قال ابن رشد ‪ :‬مثل ما يصنع عندنا إل اليوم ‪.‬‬
‫‪87‬‬

‫الشاطبي‬

‫كتاب العتصام‬

‫فهذه مدثة ـ أعن وضعه ف السجد ـ لن القراءة ف السجد مشروع ف الملة معمول به ‪ ،‬إل‬
‫أن تصيص السجد بالقراءة على ذلك الوجه هو الحدث ‪.‬‬
‫ومثله وضع الصاحف ف زماننا للقراءة يوم المعة وتبيسها على ذلك القصد ‪.‬‬
‫وأما الختلف من جهة كونا ظاهرة الأخذ أو مشكلة ‪ .‬فلن الظاهر عند القدام عليها مض مالفة‬
‫‪ ،‬فإن كانت مشكلة فليست بحض مالفة ‪ ،‬لمكان أن ل تكون بدعة والقدام على الحتمل ‪،‬‬
‫أخفظ رتبة من القدام على الظاهر ‪ ،‬ولذلك عذ العلماء ترك التشابه من قبيل الندوب إليه ف الملة‬
‫‪ .‬ونبه الديث على أن ترك التشابه لئل يقع ف الرام ‪ ،‬فهو حى له ‪ ،‬وإن الواقع ف التشابه واقع ف‬
‫الرام ‪ ،‬وليس ترك الرام ف الملة من قبيل الندوب بل من قبيل الواجب ‪ ،‬فكذلك حكم الفعل‬
‫الشتبه ف البدعة ‪ ،‬فالتقارب بينهما بي ‪.‬‬
‫وإن قلنا ‪ :‬إن ترك التشابه من باب الندوب ‪ ،‬وإن مواقعته من باب الكروه فالختلف أيضا واقع‬
‫من هذه الهة ‪ ،‬فإن الث ف الحرمة هو الظاهر ‪ .‬وأما الكروهة فل إث فيها ف الملة ‪ ،‬ما ل يقترن‬
‫با ما يوجبها ‪ ،‬كالصرار عليها ‪ ،‬إذ الصرار على الصغية يصيها كبية ‪ ،‬فكذلك الصرار على‬
‫الكروه فقد يصيه صغية ‪ ،‬ول فرق بي الصغية والكبية ف مطلق التأثيم ‪ ،‬وإن حصل الفرق من‬
‫جهة أخرى ‪ .‬بلف الكروه مع الصغية ‪ .‬والشأن ف البدع ـ وإن كانت مكروهة ـ ف الدوام‬
‫عليها وإظهارها من القتدى بم ف مامع الناس وف الساجد ‪ .‬فقلما تقدم بل تقع منهم على أصلها‬
‫من الكراهية إل ويقترن با ما يدخلها ف مطلق التأثيم من إصرار أو تعليم أو إشاعة أو تعصب لا أو‬
‫ما أشبه ذلك ‪ .‬فل يكاد يوجد ف البدع ـ بسب الوقوع ـ مكروه ل زائد فيه على الكراهية ‪.‬‬
‫وال أعلم ‪.‬‬
‫وأما الختلف بسب الصرار عليها أو عدمه فلن الذنب قد يكون صغيا فيعظم بالصرار عليه ‪.‬‬
‫كذلك البدعة تكون صغية فتعظم بالصرار عليها ‪ .‬فإذا كانت فلته فهي أهون منها إذا داوم عليها‬
‫‪ .‬ويلحق بذا العن إذا تاون با البتدع وسهل أمرها ‪ ،‬نظي الذنب إذا تاون به ‪ .‬فالتهاون أعظم‬
‫وزرا من غيه ‪.‬‬
‫وأما الختلف من جهة كونا كفرا وعدمه فظاهر أيضا ‪ .‬لن ما هو كفر جزاؤه التخليد ف العذاب‬
‫ـ عافانا ال ـ وليس كذلك ما ل يبلغ حكم سائر الكبائر مع الكفر ف العاصي ‪ ،‬فل بدعة أعظم‬
‫وزرا من بدعة ترج عن السلم ‪ ،‬كما أنه ل ذنب أعظم من ذنب يرج عن السلم ‪ .‬فبدعة‬
‫الباطنية والزنادقة ‪ ،‬ليس كبدعة العتزلة والرجئة وأشباههم ‪ ،‬ووجوه التفاوت كثية ‪ ،‬ولظهورها عند‬
‫العلماء ل نبسط الكلم عليها ‪ .‬وال الستعان بفضله ‪.‬‬
‫فصل‬
‫‪88‬‬

‫الشاطبي‬

‫كتاب العتصام‬

‫ويتعلق بذا الفصل أمر آخر وهو الكم ف القيام على أهل البدع من الاصة أو العامة وهذا باب‬
‫كبي ف الفقه تعلق بم من جهة جنايتهم على الدين ‪ ،‬وفسادهم ف الرض ‪ .‬وخروجهم عن جادة‬
‫السلم ‪ ،‬إل بنيات الطريق الت نبه عليها قول ال تعال ‪" :‬وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ول‬
‫تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله " وهو فصل من تام الكلم على التأثيم ‪ .‬لكنه مفتقر إل النظر ف‬
‫شعب كثية ‪ ،‬منها ما تكلم عليها العلماء ‪ ،‬ومنها ما ل يتكلموا عليها ‪ ،‬لن ذلك حدث بعد موت‬
‫الجتهدين ‪ ،‬وأهل الماية للدين ‪ ،‬فهو باب يكثر التفريغ فيه بيث يستدعي تأليفا مستقلً ‪ ،‬فرأينا أن‬
‫بسط ذلك يطول ‪ ،‬مع أن العناء فيه قليل الدوى ف هذه الزمنة التأخرة لتكاسل الاصة ‪ ،‬عن‬
‫النظر فيما يصلح العامة ‪ ،‬وغلبة الهل على العامة ‪ ،‬حت إنم ل يفرقون بي السنة والبدعة ‪.‬‬
‫بل قد انقلب الال إل أن عادت السنة بدعة ‪ ،‬فقاموا ف غي موضع القيام ‪ ،‬واستقاموا إل غي‬
‫مستقام ‪ ،‬فعم الداء ‪ ،‬وعدم الطباء ‪ ،‬حسبما جاءت به الخبار ‪ .‬فرأينا أن ل نفرد هذا العن بباب‬
‫يصه ‪ ،‬وأن ل نبسط القول فيه ‪ ،‬وأن نقتصر من ذلك على لحة تكون خاتة لذا الباب ‪ ،‬ف‬
‫الشارة إل أنواع الحكام الت يقام عليهم با ف الملة ل ف النفصيل ‪ ،‬وبال التوفيق ‪.‬‬
‫فنقول ‪ :‬إن القيام عليهم بالتثريب أو التنكيل أو الطرد أو البعاد أو النكائر هو بسب حال البدعة‬
‫ف نفسها من كونا عظيمة الفسدة ف الدين ‪ ،‬أم ل ‪ ،‬وكون صاحبها مشتهرا با أو ل ‪ ،‬وداعيا‬
‫إليها أو ل ‪ ،‬ومستطيا بالتباع وخارجا عن الناس أو ل ‪ ،‬وكونه عاملً با على جهة الهل أو ل ‪.‬‬
‫وكل من هذه القسام له حكم اجتهادي يصه ‪ ،‬إذ ل يأت ف الشرع ف البدعة حد ل يزاد عليه ول‬
‫ينقص منه ‪ ،‬كما جاء ف كثي من العاصي ‪ ،‬كالسرقة والرابة والقتل والقذف والراح والمر وغي‬
‫ذلك ‪ .‬ل جرم أن الجتهدين من المة نظروا فيها بسب النوازل ‪ ،‬وحكموا باجتهاد الرأي ‪ ،‬تفريعا‬
‫على ما تقدم لم ف بعضها من النص ‪ ،‬كما جاء ف الوارج من الثر بقتلهم ‪ ،‬وما جاء عن عمر بن‬
‫الطاب رضي ال عنه ف صبيغ العراقي ‪.‬‬
‫فخرج من مموع ما تكلم فيه العلماء أنواع ‪.‬‬
‫أحدها ‪ :‬الرشاد والتعليم وإقامة الجة كمسألة ابن عباس رضي ال عنه حي ذهب إل الوارج‬
‫فكلمهم حت رجع منهم ألفان أو ثلثة آلف ‪.‬‬
‫والثان ‪ :‬الجران وترك الكلم والسلم حسبما تقدم عن جلة من السلف ف هجرانم لن تلبس‬
‫ببدعة ‪ ،‬وما جاء عن عمر رضي ال عنه من قصة صبيغ العراقي ‪.‬‬
‫والثالث ‪ :‬كما غرب عمر صبيغا ‪ .‬ويري مراه السجن وهو ‪:‬‬
‫الرابع ‪ :‬كما سجنوا اللج قبل قتله سني عديدة ‪.‬‬
‫والامس ‪ :‬ذكرهم با هم عليه وإشاعة بدعتهم كي يذروا ‪ ،‬ولئل يغتر بكلمهم ‪ ،‬كما جاء عن‬
‫كثي من السلف ف ذلك ‪.‬‬
‫‪89‬‬

‫الشاطبي‬

‫كتاب العتصام‬

‫السادس ‪ :‬القتل إذا ناصبوا السلمي وخرجوا عليهم كما قاتل علي رضي ال عنه الوارج ‪ ،‬وغيه‬
‫من خلفاء السنة ‪.‬‬
‫والسابع ‪ :‬القتل إن ل يرجعوا من الستتابة ‪ ،‬وهو قد أظهر بدعته وأما من أسرها وكانت كفرا أو‬
‫ما يرجع إليه فالقتل بل استتابة وهو ‪:‬‬
‫الثامن ‪ :‬لنه من باب النفاق كالزنادقة ‪.‬‬
‫والتاسع ‪ :‬تكفي من دل الدليل على كفره ‪،‬كما إذا كانت البدعة صرية ف الكفر كالباحية‬
‫والقائلي باللول كالباطنية ‪ ،‬أو كانت السألة ف باب التكفي بالآل ‪ ،‬فذهب الجتهد إل كابن‬
‫الطيب ف تكفيه جلةً من الفرق ‪ .‬وينبن على ذلك ‪:‬‬
‫والعاشر ‪ :‬وذلك أنه ل يرثهم ورثتهم من السلمي ول يرثون أحدا منهم ‪ ،‬ول يغسلون إذا ماتوا ‪،‬‬
‫ول يصلون عليهم ول يدفنون ف مقابر السلمي ‪ ،‬ما ل يكن الستتر ‪ ،‬فإن الستتر يكم له بكم‬
‫الظاهر ‪ ،‬وورثته أعرف بالنسبة إل الياث ‪.‬‬
‫والادي عشر ‪ :‬المر بأن ل يناكحوا ‪ ،‬وهو من ناحية الجران ‪ ،‬وعدم الواصلة ‪.‬‬
‫والثان عشر ‪ :‬تريهم على الملة ‪ ،‬فل تقبل شهادتم ول روايتهم ‪ ،‬ول يكونون ولةً ول قضا ًة ‪،‬‬
‫ول ينصبون ف مناصب العدالة من إمامة أو خطابة ‪ .‬إل أنه قد ثبت عن جلة من السلف رواية‬
‫جاعة منهم ‪ ،‬واختلفوا ف الصلة خلفهم من باب الدب ليجعوا عما هم عليه ‪.‬‬
‫والثالث عشر ‪ :‬ترك عيادة مرضاهم ‪ ،‬وهو من باب الزجر والعقوبة ‪.‬‬
‫والرابع عشر ‪ :‬ترك شهود جنائزهم كذلك ‪.‬‬
‫والامس عشر ‪ :‬الضرب كما ضرب عمر رضي ال عنه صبيغا ‪.‬‬
‫وروي عن مالك رضي ال عنه ف القائل بالخلوق ‪ :‬أنه يوجع ضربا ويسجن حت يوت ‪.‬‬
‫ورأيت ف بعض تواريخ بغداد عن الشافعي أنه قال ‪ :‬حكم ف أصحاب الكلم أن يضربوا بالرائد ‪،‬‬
‫ويملوا على البل ‪ ،‬ويطاف بم ف العشائر والقبائل ويقال ‪ :‬هذا جزاء من ترك الكتاب والسنة ‪،‬‬
‫وأخذ ف الكلم ‪ ،‬يعن أهل البدع ‪.‬‬
‫فصل فإن قيل ‪ :‬كيف هذا وقد ثبت ف الشريعة‬
‫فإن قيل ‪ :‬كيف هذا وقد ثبت ف الشريعة ما يدل على تصيص تلك العمومات وتقييد تلك‬
‫الطلقات وفرع العلماء منها كثيا من السائل وأصلوا منها أصولً يتذى حذوها ‪ ،‬على وفق ما ثبت‬
‫نقله ؟ إذ الظواهر ترج على مقتضى ظهورها بالجتهاد ‪ ،‬وبالري إن كان ما يستنبط بالجتهاد‬
‫مقيسا على مل التخصيص ‪ .‬فلذلك قسم الناس البدع ول يقولوا بذمها على الطلق ‪.‬‬
‫وحاصل ما ذكروا من ذلك يرجع إل أوجه ‪:‬‬
‫‪90‬‬

‫الشاطبي‬

‫كتاب العتصام‬

‫أحدها ‪ :‬ما ف الصحيح من قوله صلى ال عليه وسلم ‪:‬‬
‫"من سن سنةً حسنةً كان له أجرها وأجر من عمل با ل ينقص ذلك من أجورهم شيئا ‪ ،‬ومن سن‬
‫سنةً سيئةً كان عليه وزرها ووزر من عمل با ل ينقص ذلك من أوزارهم شيئا" ‪.‬‬
‫وخرج الترمذي وصححه أن رسول ال صلى ال عليه وسلم قال ‪:‬‬
‫"من دل على خي فله أجر فاعله" ‪.‬‬
‫وخرج أيضا عن جرير بن عبد ال قال ‪ :‬قال رسول ال صلى ال عليه وسلم ‪:‬‬
‫"من سنة سن ًة خي فاتبع عليها فله أجره ومثل أجور من اتبعه غي منقوص من أجورهم شيئا ‪ ،‬ومن‬
‫سن سنةً شر فاتبع عليها كان عليه وزرها ومثل أوزار من اتبعه غي منقوص من أوزارهم شيئا" حسن‬
‫صحيح ‪.‬‬
‫فهذه الحاديث صرية ف أن من سن سنةً خي فذلك خي ‪ ،‬ودل على أنه فيمن ابتدع من سن‬
‫فنسب الستنان إل الكلف دون الشارع ولو كان الراد ‪ :‬من عمل سنةً ثابتة ف الشرع لا قال ‪:‬‬
‫من سن ويدل على ذلك قوله صلى ال عليه وسلم ‪:‬‬
‫"ما من نفس تقتل ظلما إل كان على ابن آدم كفل من دمها لنه أول من سن القتل" فسن ـ ها هنا‬
‫ـ على حقيقته لنه اخترع ما ل يكن قبل معمولً به ف الرض بعد وجود آدم عليه السلم ‪.‬‬
‫فكذلك قوله ‪" :‬من سن سنةً حسنةً" أي من اخترعها من نفسه لكن بشرط أن تكون حسنة فله من‬
‫الجر ما ذكر ‪ ،‬فليس الراد ‪ :‬من عمل سنةً ثابتة ‪.‬‬
‫وإنا العبارة عن هذا العن أن يقال ‪ :‬من عمل بسنت أو سنة من سنت ‪ ،‬وما أشبه ذلك ‪ .‬كما خرج‬
‫الترمذي "أن النب صلى ال عليه وسلم قال لبلل بن الارث ‪:‬‬
‫أعلم قال ‪ :‬أعلم يا رسول ال ( ؟ ) ‪ ،‬قال ‪ :‬اعلم يا بلل قال ‪ :‬أعلم يا رسول ال ‪ ،‬قال ‪ :‬إنه من‬
‫أحيا سنةً من سنت قد أميتت بعدي فإن له من الجر مثل من عمل با من غي أن ينقص ذلك من‬
‫أجورهم شيئا ‪ ،‬ومن ابتدع بدع ًة ضللة ل ترضي ال ورسوله كان عليه مثل إث من عمل با ل‬
‫ينقص ذلك من آثام الناس شيئا" حديث حسن ‪.‬‬
‫"وعن أنس رضي ال عنه قال ‪ :‬قال ل رسول ال صلى ال عليه وسلم ‪:‬‬
‫يا بن ‪ ،‬إن قدرت أن تصبح وتسي ليس ف قلبك غش لحد فافعل ‪ ،‬ـ ث قال ل ‪ :‬يا بن وذلك‬
‫من سنت ‪ ،‬ومن أحيا سنت فقد أحبن ‪ ،‬ومن أحبن كان معي ف النة" حديث حسن ‪.‬‬
‫فقوله ‪" :‬من أحيا سنةً من سنت قد أمييت بعدي" واضح ف العمل با ثبت أنه سنة ‪ ،‬وكذلك قوله ‪:‬‬
‫"من أحيا سنت فقد أحبن" ‪ ،‬ظاهر ف السنن الثايتة ‪ ،‬بلف قوله ‪ :‬من سن كذا ‪ ،‬فإنه ف الختراع‬
‫أو ًل من غي أن يكون ثابتا ف السنة ‪.‬‬

‫‪91‬‬

‫الشاطبي‬

‫كتاب العتصام‬

‫وأما قوله لبلن بن الارث ‪" ،‬ومن ابتدع بدعة ضللة" فظاهر أن البدعة ل تذم بإطلق بل بشرط‬
‫أن تكون ضللة ‪ ،‬وأن تكون ل يرضاها ال ورسوله ‪ ،‬فاقتضى هذا كله أن البدعة إذا ل تكن ل‬
‫يلحقها ذم ‪ ،‬ول تبع صاحبها وزر ‪ ،‬فعادت إل أنا سنةً حسن ًة ‪ ،‬ودخلت تت الوعد بالجر ‪.‬‬
‫والثان ‪ :‬أن السلف الصال رضي ال عنهم ـ وأعلهم الصحابة ـ قد عملوا با ل يأت به كتاب‬
‫ول سنة ما رأوه حسنا وأجعوا عليه ‪ ،‬ول تمتع أمة ممد صلى ال عليه وسلم على ضللة ‪ ،‬وإنا‬
‫يتمعون على هدى وما هو حسن ‪.‬‬
‫فقد أجعوا على جع القرآن وكتبه ف الصاحف ‪ ،‬وعلى جع الناس على الصاحف العثمانية ‪،‬‬
‫واطراح ما سوى ذلك من القراءات الت كانت مستعملة ف زمان رسول ال صلى ال عليه وسلم ‪،‬‬
‫ول يكن ف ذلك نص ول حظر ‪ ،‬ث اقتفى الناس أثرهم ف ذلك الرأي السن ‪ ،‬فجمعوا العلم‬
‫ودونوه وكتبوه ‪ ،‬ومن سباقهم ف ذلك مالك بن أنس رضي ال عنه ‪ ،‬وقد كان من أشدهم اتباعا‬
‫وأبعدهم من البتداع ‪.‬‬
‫هذا وإن كان قد نقل عنهم كراهية كتب العلم من الديث وغيه ‪ ،‬فإنا هو ممول إما على الوف‬
‫من التكال على الكتب استغناء به عن الفظ والتحصيل ‪ ،‬وما على ما كان رأيا دون ما كان نقلً‬
‫من كتاب أو سنة ‪.‬‬
‫ث اتفق الناس بعد ذلك على تدوين الميع لا ضعف المر ‪ ،‬وقل الجتهدون ف التحصيل ‪ ،‬فخافوا‬
‫على الدين جل ًة ‪.‬‬
‫قال اللخمي لا ذكر كلمالك وغيه ف كراهية بيع كتب العلم والجارة على تعليمه ‪ ،‬وخرج عليه‬
‫الجارة على كتبه ‪ ،‬وحكى اللف وقال ‪ :‬ل أرى اليوم أن يتلف ف ذلك أنه جائز ‪ ،‬لن حفظ‬
‫الناس وأفهامهم قد نقصت ‪ ،‬وقد كان كثي من تقدم ليست لم كتب ‪.‬‬
‫قال مالك ‪ :‬ول يكن للقاسم ول لسعيد كتب ‪ ،‬وما كنت أقرأ على أحد يكتب ف هذه اللواح ‪،‬‬
‫ولقد قلت لبن شهاب ‪ :‬أكنت تكتب العلم ؟ فقال ‪ :‬ل ‪ ،‬فقلت ‪ :‬أكنت تب أن يقيدوا عليك‬
‫الديث ؟ فقال ‪ :‬ل ‪ .‬فهذا كان شأن الناس فلو سار الناس سيتم لضاع العلم ول يكن بيننا منه‬
‫ولو رسه أو اسه ‪ ،‬وهكذا الناس اليوم يقرؤون كتبهم ‪ ،‬ث هم ف التقصي على ما هم عليه ‪.‬‬
‫وأيضا فإنه خلف عندنا ف مسائل الفروع أن القول فيها بالجتهاد والقياس واجب ‪ ،‬وإذا كان‬
‫كذلك كان إهال كتبها وبيعها يؤدي إل التقصي ف الجتهاد وأن ل يوضع مواضعه ‪ ،‬لن ف معرفة‬
‫أقوال التقدمي والترجيح بي أقاويلهم قوى وزيادة ف وضع الجتهاد مواضعه ‪.‬‬
‫انتهى ما قاله اللخمي ‪ ،‬وفيه إجازة العمل با ل يكن عليه من تقدم لن له وجها صحيحا ‪ ،‬فكذلك‬
‫نقول ‪ :‬كل ما كان من الحدثات له وجه صحيح فليس بذموم ‪ ،‬بل هو ممود ‪ ،‬وصاحبه الذي سنه‬
‫مدوح ‪ ،‬فأين ذمها بإطلق أو على العموم ؟‬
‫‪92‬‬

‫الشاطبي‬

‫كتاب العتصام‬

‫وقد قال عمر بن عبد العزيز رضي ال عنه ‪ :‬تدث للناس أقضية بقدر ما أحدثوا من الفجور ‪.‬‬
‫فأجاز ـ كما ترى ـ إحداث القضية واحترعها على قدر اختراع الفجار للفجور ‪ ،‬وإن ل يكن‬
‫لتلك الحدثات أصل ‪ ،‬وقتل الماعة بالواحد وهو مكي عن عمر وعلي وابن عباس والغية بن‬
‫شعبة رضي ال عنهم ‪.‬‬
‫وأخذ مالك وأصحابه بقول اليت ‪ :‬دمي عند فلن ‪ ،‬ول يأت له ف الوطأ بأصل ساعي ‪ ،‬وإنا علل‬
‫بأمر مصطلحي ‪ ،‬وف مذهبه من ذلك مسائل كثية ‪ ،‬فإن كان ذلك جائزا مع أنه مترع ‪ ،‬فلم ل‬
‫يوز مثله ـ وقد اجتمعا ف العلة ـ لن الميع مصال معتبة ف الملة ‪ ،‬وإن ل يكن شيء من‬
‫ذلك جائزا فلم اجتمعوا على جلة وفرع غيهم على بعضها ؟ ول يبقى إل أن يقال ‪ :‬إنم يتابعون‬
‫على ما عمل هؤلء دون غيهم وإن اجتمعا ف العلة السوغة للقياس ‪ ،‬وعند ذلك يصي القتصار‬
‫تكما ‪ ،‬وهو باطل فما أدى إليه مثله ‪ ،‬فثبت أن البدع تنقسم ‪.‬‬
‫فالواب وبال التوفيق أن يقول ‪:‬‬
‫أما الوجه الول ‪ :‬وهو قوله صلى ال عليه وسلم ‪:‬‬
‫"من سن سنةً حسنةً" الديث ‪ .‬فليس الراد به الختراع البتة ‪ ،‬وإل لزم من ذلك التعارض بي الدلة‬
‫القطعية ـ إن زعم مورد السؤال أن ما ذكره من الدليل مقطوع به ‪ ،‬فإن زعم أنه مظنون فما تقدم‬
‫من الدليل على ذم البدع مقطوع به ‪ ،‬فيلزم التعارض بي القطعي والظن ‪ ،‬والتفاق من الحققي ‪،‬‬
‫ولكن فيه بثا ـ أو نظرا ـ من وجهي ‪:‬‬
‫أحدها ‪ :‬أنه يقال ‪ :‬إنه من قبيل التعارضي ‪ ،‬إذ تقدم اولً أن أدلة الذم تكرر عمومها ف أحاديث‬
‫كثية من غي تصيص ‪ ،‬وإذا تعارضت أدلة العموم والتخصيص ‪ ،‬ل يقبل بعد ذلك التخصيص ‪.‬‬
‫والثان ‪ :‬على التنل لفقد التعارض ‪ ،‬فليس الراد بالديث الستنان بعن الختراع ‪،‬وإنا الراد به‬
‫العمل با ثبت من السنة النبوية ‪ ،‬وذلك لوجهي ‪:‬‬
‫أحدها ‪ :‬أن السبب الذي جاء لجله الديث هو الصدقة الشروعة ‪ ،‬بدليل ما ف الصحيح من‬
‫حديث جرير بن عبد ال رضي ال عنهما قال ‪:‬‬
‫"كنا عند رسول ال صلى ال عليه وسلم ف صدر النهار فجاءه قوم حفاة عراة متاب النمار ـ أو‬
‫العباء ـ متقلدي السيوف ‪ ،‬عامتهم مضر ‪ ،‬بل كلهم من مضر ‪ ،‬فتعمر وجه رسول ال صلى ال‬
‫عليه وسلم لا رآهم من الفاقة ‪ ،‬فدخل ث خرج فأمر بللً فأذن وأقام ‪ ،‬فصلى ث خطب فقال ‪:‬‬
‫"يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة" والية الت ف سورة الشر ‪" :‬اتقوا ال‬
‫ولتنظر نفس ما قدمت لغد" تصدق رجل من ديناره ‪ ،‬من درهه ‪ ،‬من ثوبه ‪ ،‬من صاع بره ‪ ،‬من‬
‫صاع تره ‪ ،‬حت قال ‪ :‬ولو بشق ترة ‪،‬قال ‪ :‬فجاءه رجل من النصار بصرة كادت كفه تعجز عنها‬
‫‪ ،‬بل قد عجزت ‪ .‬قال ‪ :‬ث تتابع الناس حت رأيت كومي من طعام وثياب ‪ ،‬حت رأيت وجه رسول‬
‫‪93‬‬

‫الشاطبي‬

‫كتاب العتصام‬

‫ال صلى ال عليه وسلم يتهلل كأنه مذهبة ‪ ،‬فقال رسول ال صلى ال عليه وسلم ‪ :‬من سن ف‬
‫السلم سنةً حسنةً فله أجرها وأجر من عمل با بعده من غي أن ينقص من أجورهم شيء ‪ ،‬ومن‬
‫سن سنة سيئة كان عليه وزرها ووزر من عمل با من غي أن ينقص من أوزارهم شيء" ‪.‬‬
‫فتأملوا أين قال رسول ال صلى ال عليه وسلم من سن سن ًة سيئة ؟ تدوا ذلك فيمن عمل بقتضى‬
‫الذكور على أبلغ ما يقدر عليه حت بتلك الصرة ‪ ،‬فانفتح بسببه باب الصدقة على الوجه البلغ ‪،‬‬
‫فسر بذلك رسول ال صلى ال عليه وسلم حت قال ‪" :‬من سنة ف السلم سن ًة حسنةً" الديث ‪،‬‬
‫فدل على أن السنة ها هنا مثل ما فعل ذلك الصحاب وهو العمل ‪ ،‬با ثبت كونه سنة ‪ ،‬وأن الديث‬
‫مطابق لقوله ف الديث الخر ‪" :‬من أحيا سنةً من سنت قد أميتت بعدي ـ الديث إل قوله ـ‬
‫ومن ابتدع بدعة ضللة" فجعل مقابل تلك السنة البتداع ‪ ،‬فظهر أن السنة السنة ليست ببتدعة ‪،‬‬
‫وكذلك قوله صلى ال عليه وسلم ‪" :‬ومن أحيا سنت فقد أحبن" ‪.‬‬
‫ووجه ذلك ف الديث الول ظاهر لنه صلى ال عليه وسلم لا مضى على الصدقة أولً ث جاء ذلك‬
‫النصاري با جاء به فانثال بعده العطاء إل الكفاية ‪ ،‬فكأنا كانت سنة أيقظها رضي ال تعال عنه‬
‫بفعله ‪ .‬فليس معناه من اخترع سن ًة وابتدعها ول تكن ثابتة ‪.‬‬
‫ونو هذا الديث ف رقائق ابن البارك ما يوضع معناه عن حذيفة رضي ال عنه قال ‪ ":‬قام سائل‬
‫على عهد رسول ال صلى ال عليه وسلم فسأل ‪ ،‬فسكت القوم ‪ .‬ث إن رجلً أعطاء فأعطاه القوم ‪،‬‬
‫فقال رسول ال صلى ال عليه وسلم ‪:‬‬
‫من است خيا فاست به فله أجره ومثل أجور من تبعه غي منتقص من أجورهم شيئا ‪ ،‬ومن است‬
‫شرا فاست به فعليه وزره ومثل أوزار من تبعه غي منتقص من أوزارهم" فإذا قوله ‪" :‬من سنة سنةً"‬
‫معناه من عمل بسنة ‪ ،‬ل من اخترع سنة ‪.‬‬
‫والوجه الثان من وجهي الواب ‪ :‬أن قوله ‪" :‬من سن سنةً حسنةً ومن سن سن ًة سيئةً" ل يكن حله‬
‫على الختراع من أصل ‪ ،‬لن كونا حسنة أو سيئة ل يعرف إل من جهة الشرع ‪ ،‬لن التحسي‬
‫والتقبيح متص بالشرع ‪ ،‬ل مدخل للعقل فيه وهو مذهب جاعة أهل السنة ‪ .‬وإنا يقول به البتدعة ‪.‬‬
‫أعن التحسي والتقبيح بالعقل فلزم أن تكون السنة ف الديث إما حسنة ف الشرع وإنا قبيحة‬
‫بالشرع ‪ ،‬فل يصدق إل على مثل الصدقة الذكورة ‪ ،‬وما أشبهها من السنن الشروعة ‪ .‬وتبقى السنة‬
‫السيئة منلة على العاصي الت ثبت بالشرع كونا معاصي ‪ ،‬كالقتل النبه عليه ف حديث ابن آدم‬
‫حيث قال عليه السلم ‪" :‬لنه أول من سن القتل" وعلى البدع لنه قد ثبت ذمها والنهي عنها‬
‫بالشرع كما تقدم ‪.‬‬
‫وأما قوله ‪" :‬من ابتدع بدعة ضللة" فهو على ظاهره ‪ ،‬لن سبب الديث ل يقيده بشيء فل بد من‬
‫حله على ظاهر اللفظ كالعمومات البتدأة الت ل تثبت لا أسباب ‪ .‬ويصح أن يمل على نو ذلك‬
‫‪94‬‬

‫الشاطبي‬

‫كتاب العتصام‬

‫قوله ‪" :‬ومن سن سنةً سيئةً" أي من اخترعها ‪ .‬وشل ما كان منها مترعا ابتداءً من العاصي كالقتل‬
‫من أحد ابن آدم ‪ ،‬وما كان مترعا بكم الال ‪ ،‬إذ كانت قبل مهملة متناساة ‪ ،‬فاثارها عمل هذا‬
‫العامل ‪.‬‬
‫فقد عاد الديث ـ والمد ل ـ حج ًة على أهل البدع من جهة لفظه ‪ ،‬وشرح الحاديث الخر له‬
‫‪.‬‬
‫وإنا يبقى النظر ف قوله ‪" :‬ومن ابتدع بدعة ضللة" وإن تقييد البدعة بالضللة يفيد مفهوما ‪ ،‬والمر‬
‫فيه قريب لن الضافة فيه ل تفد مفهوما ‪ .‬وإن قلنا بالفهوم على رأي طائفة من أهل الصول ‪ ،‬فإن‬
‫الدليل دل على تعطليه ف هذا الوضع كما دل دليل تري الربا قليله وكثية على تعطيل الفهوم ف‬
‫قوله ال تعال ‪ " :‬ل تأكلوا الربا أضعافا مضاعفة" ولن الضللة لزمة للبدعة بإطلق ‪ ،‬بالدلة‬
‫التقدمة ‪ ،‬فل مفهوم أيضا ‪.‬‬
‫والواب عن الشكال الثان ‪ :‬أن جيع ما ذكر فيه من قبيل الصال الرسلة ‪ ،‬ل من قبيل البدعة‬
‫الحدثة ‪ .‬والصال الرسلة قد عمل بقتضاها السلف الصال من الصحابة ومن بعدهم ‪ .‬فهي من‬
‫الصول الفقهية الثابتة عند أهل الصول ‪ ،‬وإن كان فيها خلف بينهم ‪ .‬ولكن ل يعد ذلك قدحا‬
‫على ما نن فيه ‪.‬‬
‫أما جع لصحف وقصر الناس عليه فهو على القيقة من هذا الباب ‪ ،‬إذ أنزل القرآن على سبعة‬
‫أحرف كلها شاف كاف تسهيلً على العرب الختلفات اللغات ‪ ،‬فكانت الصلحة ف ذلك ظاهرة ‪،‬‬
‫إل أنه عرض ف إباحة ذلك بعد زمان رسول ال صلى ال عليه وسلم فتح لباب الختلف ف القرآن‬
‫‪ ،‬حيث اختلفوا ف القراءة حسبما يأت بول ال تعال ‪ ،‬فخاف الصحابة ـ رضوان ال تعال عليهم‬
‫ـ اختلف المة ف ينبوع اللة ‪ ،‬فقصروا الناس على ما ثبت منها ف مصاحف عثمان رضي ال‬
‫عنه ‪ ،‬واطرحوا ما سوى ذلك ‪ ،‬علما بأن ما اطرحوه ‪ ،‬مضمن فيما أثبتوه لنه من قبيل القراءات الت‬
‫يؤدي با القرآن ‪.‬‬
‫ث ضبطوا ذلك بالرواية حي فسدت اللسنة ‪ ،‬ودخل ف السلم أهل العجمة خوفا من فتح باب‬
‫آخر من الفساد ‪ ،‬وهو أن يدخل أهل اللاد ف القرآن أو ف القراءات ما ليس منها فيستعينوا بذلك‬
‫ف بث إلادهم ‪ .‬أل ترى أنه لا ل بكنهم الدخول من هذا الباب دخلوا من جهة التأويل والدعوى‬
‫ف معان القرآن ‪ ،‬حسبما يأت ذكره إن شاء ال تعال ‪.‬‬
‫فحق ما فعل أصحاب رسول ال صلى ال عليه وسلم ‪ ،‬لن له أصلً يشهد له ف الملة ‪ .‬وهو المر‬
‫بتبليغ الشريعة ‪ ،‬وذلك ل خلف فيه ‪ ،‬لقوله تعال ‪" :‬يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك"‬
‫وأمته مثله ‪ .‬وف الديث ‪:‬‬

‫‪95‬‬

‫الشاطبي‬

‫كتاب العتصام‬

‫"ليبلغ الشاهد منكم الغائب" وأشباهه ‪ .‬والتبليغ كما ل يتقيد بكيفية معلومة لنه من قبيل العقول‬
‫العن ‪ ،‬فيصح بأي شيء أمكن من الفظ والتلقي والكتابة وغيها ‪ ،‬وكذلك ل يتقيد حفظه عن‬
‫التحريف والزيغ بكيفية دون أخرى ‪ ،‬إذا ل يعد على الصل بإبطال كمسألة الصحف ولذلك أجع‬
‫عليه السلف الصال ‪.‬‬
‫وأما ما سوى الصحف فالمر فيه أسهل ‪ ،‬فقد ثبت ف السنة كتابة العلم ‪ .‬ففي الصحيح قوله صلى‬
‫ال عليه وسلم ‪:‬‬
‫"اكتبوا لب شاه" وعن أب هريرة رضي ال عنه أنه قال ‪ :‬ليس أحد من أصحاب رسول ال صلى ال‬
‫عليه وسلم أكثر حديثا من عن رسول ال صلى ال عليه وسلم إل عبد ال بن عمرو ‪ ،‬فإنه كان‬
‫يكتب وكنت ل أكتب ‪.‬‬
‫وذكر أهل السي أنه كان لرسول ال صلى ال عليه وسلم كتاب يكتبون له الوحي وغيه ‪ ،‬منهم‬
‫عثمان وعلي معاوية والغية بن شعبة وأب كعب وزيد بن ثابت وغيهم ‪ ،‬وأيضا فإن الكتابة من‬
‫قبيل ما ل يتم الواجب إل به إذا تعي لضعف الفظ ‪ ،‬وخوف اندراس العلم ‪ ،‬كما خيف دروسه‬
‫حينئذ ‪ .‬وهو الذي نبه عليه اللخمي فيما تقدم ‪.‬‬
‫وإن تعلق با ورد من اللف ف الصال الرسلة ‪ ،‬وأن البناء عليها غي صحيح عند جاعة من‬
‫الصوليي ‪ ،‬فالجة عليهم إجاع الصحابة على الصحف والرجوع إليه ‪ .‬وإذا ثبت اعتبارها ف‬
‫صورة ثبت اعتبارها مطلقا ‪ .‬ول يبقى بي الختلفي نزاع إل ف الفروع ‪.‬‬
‫وف الصحيح قوله صلى ال عليه وسلم ‪:‬‬
‫"فعليكم بسنت وسنة اللفاء الراشدين الهديي ‪ ،‬تسكوا با ‪ ،‬وعضوا عليها بالنواجذ ‪ ،‬وإياكم‬
‫ومدثات المور" فأعطى الديث ـ كما ترى ـ أن ما سنه اللفاء الراشدون لحق بسنة رسول‬
‫ال صلى ال عليه وسلم ‪ .‬لن ما سنوه ل يعدو أحد أمرين ‪ :‬إما أن يكون مقصودا بدليل شرعي ‪،‬‬
‫فذلك سنةً ل بدعة ‪ .‬وإما بغي دليل ـ ومعاذ ال من ذلك ـ ولكن هذا الديث دليل على إثباته‬
‫سنة ‪ ،‬إذ قد أثبته كذلك صاحب الشريعة صلى ال عليه وسلم ‪ .‬ودليله من الشرع ثابت فليس ببدعة‬
‫‪ .‬ولذلك أردف اتباعهم بالنهي عن البدع بإطلق ‪ .‬ولو كان عملهم ذلك بدعةً لوقع ف الديث‬
‫التدافع ‪.‬‬
‫وبذلك ياب عن مسألة قتل الماعة بالواحد لنه منقول عن عمر بن الطاب رضي ال عنه ‪ ،‬وهو‬
‫أحد اللفاء الراشدين ‪ ،‬وتضمي الصناع وهو منقول عن اللفاء الربعة رضي ال عنهم ‪.‬‬
‫وأما ما يروى عن عمر بن عبد العزيز فلم أره ثابتا من طريق صحيح ‪ .‬وإن سلم فراجع إما لصل‬
‫الصال الرسلة ـ إن ل نقل ‪ :‬إن أصله قصة البقرة ‪ .‬وإن ثبت أن الصال الرسلة مقول با عند‬

‫‪96‬‬

‫الشاطبي‬

‫كتاب العتصام‬

‫السلف ‪ ،‬مع أن القائلي با يذمون البدع وأهلها ويتبؤن منهم ـ دل على أن البدع مباينة لا‬
‫وليست منها ف شيء ولذه السألة باب تذكر فيه ‪.‬‬
‫فصل وما يورد ف هذا الوضع‬
‫وما يورد ف هذا الوضع أن العلماء قسموا البدع بأقسام أحكام الشريعة المسة ول يعدوها قسما‬
‫واحدا مذموما ‪ ،‬فجعلوا منها ما هو واجب ومندوب ومباح ومكروه ومرم ‪ ،‬وبسط ذلك القراف‬
‫بسطا شافيا ـ وأصل ما أتى به من ذلك شيخه عز الدين بن عبد السلم ‪ ،‬وها أنا آت به على نصه‬
‫ـ فقال ‪:‬‬
‫اعلم أن الصحاب ـ فيما رأيت ‪ ،‬متفقون على إنكار البدع ‪ ،‬نص على ذلك ابن أب زيد وغيه ‪،‬‬
‫والق النفصيل وأنا خسة أقسام ‪:‬‬
‫قسم واجب ‪ .‬وهو ما تناولته قواعد الوجوب وأدلته من الشرع ‪ ،‬كتدوين القرآن والشرائع إذا خيف‬
‫عليها الضياع ‪ ،‬وأن التبليغ لن بعدنا من القرون واجب إجاعا ‪ ،‬وإهال ذلك حرام إجاعا فمثل‬
‫هذا النوع ل ينبغي أن يتلف ف وجوبه ‪.‬‬
‫القسم الثان الحرم ‪ :‬وهو كل بدعة تناولتها قواعد التحري وأدلته من الشريعة ‪ ،‬كالكوس‬
‫والحدثات من الظال ‪ ،‬والحدثات النافية لقواعد الشريعة ‪ ،‬كتقدي الهال على العلماء ‪ ،‬وتولية‬
‫الناصب الشرعية من ل يصلح بطريق التوريث ‪ ،‬وجعل الستند ف ذلك كون النصب كان لبيه ‪،‬‬
‫وهو ف نفسه ليس بأهل ‪.‬‬
‫القسم الثالث ‪ :‬أن من البدع ما هو مندوب إليه ‪ ،‬وهو ما تنالولته قواعد الندب وأدلته ‪ ،‬كصلة‬
‫التراويح ‪ ،‬ولقامة صور الئمة والقضاة وولة المور على خلف ما كان عليه الصحابة رضوان ال‬
‫عليهم ‪ ،‬بسبب أن الصال والقاصد الشرعية ل تصل إل بعظمة الولة ف نفوس الناس ‪ .‬وكان‬
‫الناس ف زمن الصحابة رضي ال عنهم معظم تعظيمهم إنا هو بالدين وسبق الجرة ‪.‬‬
‫ث اختل النظام وذهب ذلك القرن ‪ ،‬وحدت قرن آخر ل يعظمون إل بالصور فتعي تفخيم الصور‬
‫حت تصل الصال ‪.‬‬
‫وقد كان عمر بن الطاب رضي ال عنه يأكل خبز الشعي واللح ‪ ،‬ويفرض لعامله نصف شاة كل‬
‫يوم ‪ ،‬لعلمه بأن الالة الت هو عليها غيه لان ف نفوس الناس ول يترموه ‪ ،‬وتاسروا عليه‬
‫بالخالفة ‪ ،‬فاحتاج إل أن يضع غيه ف صورة أخرى تفظ النظام ‪ .‬ولذلك لا قدم الشام وجد‬
‫معاوية بن أب سفيان قد اتذ الجاب واتذ الراكب النفسية والثياب الائلة العلية ‪ ،‬وسلك ما سلكه‬
‫اللوك ‪ ،‬فسأله عن ذلك ‪ ،‬فقال ‪ :‬إنا بأرض نن فيها متاجون لذا ‪ .‬فقال له ‪ :‬ل آمرك ول أناك ‪.‬‬
‫ومعناه أنت أعلم بالك هل أنت متاج إليه ‪ .‬فدل ذلك من عمر وغيه على أن أحوال الئمة وولة‬
‫‪97‬‬

‫الشاطبي‬

‫كتاب العتصام‬

‫المور تتلف باختلف المصار والقرون وأحوال ‪ .‬فكذلك يتاج إل تديد زخارف وسيايات ل‬
‫تكن قدية ‪ ،‬وربا وجبت ف بعض الحوال ‪.‬‬
‫القسم الرابع ‪ :‬بدعة مكروهة وهي ماتناولته أدلة الكراهة من الشريعة وقواعدها كتخصيص اليام‬
‫الفاضلة أو غيها بنوع من العبادة ‪ .‬ولذلك ورد ف الصحيح ـ خرجه مسلم وغيه ‪:‬‬
‫أن رسول ال صلى ال عليه وسلم نى عن تصيص يوم المعة بصيام ‪ ،‬أو ليلة بقيام ‪.‬‬
‫ومن هذا الباب الزيادة ف الندوبات الحدودات ‪.‬‬
‫كما ورد ف التسبيح عقب الفريضة ثلثا وثلثي ‪ ،‬فتفعل مائة ‪.‬‬
‫وورد صاع ف زكاة الفطر فيجعل عشرة أصواع ‪ ،‬بسبب أن الزيادة فيها إظهار الستظهار على‬
‫الشارع وقلة أدب معه ‪ .‬بل شأن العظماء إذا حددوا شيئا وقف عنده وعد الروج عنه قلة أدب ‪.‬‬
‫ولزيادة ف الواجب أو عليه أشد ف النع ‪ ،‬لنه يؤدي إل أن يعتقد أن الواجب هو الصل والزيد‬
‫عليه ‪ ،‬ولذلك نى مالك رضي ال عنه عن إيصال ستة أيام من شوال ‪ ،‬لئل يعتقد أنا من رمضان‬
‫ل دخل إل مسجد رسول ال صلى ال عليه وسلم فصلى الفرض‬
‫وخرج أبو داود ف سننه "أن رج ً‬
‫وقام ليصلي ركعتي ‪ ،‬فقال له عمر بن الطاب رضي ال عنه ‪ :‬اجلس حت تفصل بي فرضك‬
‫ونفلك ‪ ،‬فهكذا من قبلنا ‪ .‬فقال رسول ال صلى ال عليه وسلم ‪ :‬اصاب ال بك يا ابن الطاب"‬
‫يريد عمر أن من قبلنا وصلوا النوافل بالفرائض واعتقدوا الميع واجبا ‪ ،‬وذلك تغيي للشرائع ‪ ،‬وهو‬
‫حرام إجاعا ‪.‬‬
‫القسم الامس ‪ :‬البدع الباحة ‪ ،‬وهي ما تناولته أدلة الباحة وقواعدها من الشريعة ‪ ،‬كاتاذ الناخل‬
‫للدقيق ‪ ،‬ففي الثار ‪ :‬أول شيء أحدثه الناس بعد رسول ال صلى ال عليه وسلم اتاذ الناخل ‪ .‬لن‬
‫تليي العيش وإصلحه من الباحات فوسائله مباحة ‪.‬‬
‫فالبدعة إذا عرضت تعرض على قواعد الشرع وأدلته ‪ ،‬فأي شيء تناولا من الدلة والقواعد ألقت‬
‫به من إياب أو تري أو غيها ‪ .‬وإن نظر إليها من حيث الملة بالنظر إل كونا بدع ًة مع قطع النظر‬
‫فيما يتقاضاها كرهت ‪ ،‬فإن الي كله ف التباع ‪،‬والشر كله ف البتداع ‪.‬‬
‫وذكر شيخه ف قواعده ف فصل البدع منها ـ بعد ما قسم أحكامها إل المسة ـ أن الطريق ف‬
‫معرفة ذلك أن تعرض البدعة على قواعد الشريعة ‪ ،‬فإن دخلت ف قواعد الياب فهي واجبة إل أن‬
‫قال ‪ :‬وللبدع الواجبة أمثلة ‪.‬‬
‫أحدها ‪ :‬الشتغال بالذي يفهم به كلم ال تعال وكلك رسوله صلى ال عليه وسلم ‪ ،‬وذلك‬
‫واجب لن حفظ الشريعة واجب ‪.‬‬
‫والثان ‪ :‬حفظ غريب الكتاب والسنة من اللغة ‪.‬‬
‫والثالث ‪ :‬تدوين أصول الفقه ‪.‬‬
‫‪98‬‬

‫الشاطبي‬

‫كتاب العتصام‬

‫والرابع ‪ :‬الكلم ف الرح والتعديل لتمييز الصحيح من السقيم ‪.‬‬
‫ث قال ‪ :‬والبدع الحرمة أمثلة ( منها ) مذهب القدرية ومذهب البية والرجئة والجسمة ‪ .‬والرد‬
‫على هؤلء من البدع الواجبة ‪.‬‬
‫قال ‪ :‬وللمندوب أمثلة ‪ ( .‬منها ) إحداث الربط والدارس وبناء القناطر ‪ ( .‬ومنها ) كل إحسان ل‬
‫يعهد ف الصدر الول ‪ ( .‬ومنها ) الكلم ف دقائق التصوف والكلم ف الدل ‪ ( .‬ومنها ) جع‬
‫الحافل ‪ ،‬للستدلل ف السائل ‪ ،‬إن قصد بذلك وجهه تعال ‪.‬‬
‫قال ‪ :‬وللكراهة أمثلة ‪ ( .‬ومنها ) زخرفة الساجد وتزويق الصاحف ‪ .‬وأما تلحي القرآن بيث تتغي‬
‫ألفاظه عن الوضع العرب فالصح أنه من البدع الحرمة ‪.‬‬
‫قال ‪ :‬وللبدع الباحة أمثلة ‪ ( .‬ومنها ) الصافحة عقب صلة الصبح والعصر ‪ ( ،‬ومنها ) التوسع ف‬
‫اللذيذ من الأكل والشرب واللبس والساكن ‪ ،‬ولبس الطيالسة وتوسيع الكمام ‪ .‬وقد اختلف ف‬
‫بعض ذلك ‪ ،‬فجعله بعض العلماء من البدع الكروهة ‪ ،‬وجعله آخرون من السنن الفعولة على عهد‬
‫رسول ال صلى ال عليه وسلم فما بعده كالستعاذة والبسملة ف الصلة ‪ .‬انتهى مصول ما قال ‪.‬‬
‫وهو يصرح مع ما قبله بأن البدع تنقسم بأقسام الشريعة ‪ ،‬فل يصح أن تمل أدلة ذم البدع على‬
‫العموم بل لا مصصات ‪.‬‬
‫والواب ‪ :‬أن هذا التقسيم أمر مترع ل يدل عليه دليل شرعي بل هو نفسه متدافع ‪ ،‬لن من حقيقة‬
‫البدعة أن ل يدل عليها دليل شرعي ل من نصوص الشرع ول من قواعده ‪ ،‬إذ لو كان هنالك ما‬
‫ل ف عموم‬
‫يدل من الشرع على وجوب أو ندب أو إباحة لا كان ث بدعة ‪ ،‬ولكان العمل داخ ً‬
‫العمال الأمورة با أو الخي فيها ‪ .‬فالميع بي عد تلك الشياء بدعا ‪ ،‬وبي كون الدلة تدل على‬
‫وجوبا أو ندبا أو إباحتها جع بي متنافيي ‪.‬‬
‫أما الكروه منها والحرم فمسلم من جهة كونا بدعا ل من جهة أخرى ‪ ،‬إذ لو دل دليل على منع‬
‫أمر أو كراهته ل يثبت ذلك كونه بدعة ‪ ،‬لمكان أن يكون معصية ‪ ،‬كالقتل والسرقة وشرب المر‬
‫ونوها ‪ .‬فل بدعة يتصور فيها ذلك التقسيم البتة ‪ ،‬إل الكراهية والتحري حسبما يذكر ف بابه ‪.‬‬
‫فما ذكر القراف عن الصحاب من التفاق على إنكار البدع صحيح ‪ ،‬وما قسمه فيها غي صحيح ‪.‬‬
‫ومن العجب حكاية التفاق مع الصادمة باللف ومع معرفته با يلزمه ف خرق الجاع ‪ .‬وكأنه إنا‬
‫اتبع ف هذا التقسيم شيخه من غي تأمل ‪ .‬فإن ابن عبد السلم ظاهر منه أنه سى الصال الرسلة بدعا‬
‫‪ ،‬بنا ًء ـ وال أعلم ـ على أنا ل تدخل أعيانا تت النصوص العينة ‪ .‬وإن كانت تلئم قواعد‬
‫الشرع ‪ .‬فمن هنالك جعل القواعد هي الدالة على استحسانا بتسمية لا بلفظ البدع وهو من حيث‬
‫فقدان الدليل العي على السألة ‪ ،‬واستحسانا من حيث دخولا تت القواعد ‪ .‬ولا بن على اعتماد‬
‫تلك القواعد استوت عنده مع العمال الداخلة تت النصوص العينة ‪ .‬وصار من القائلي بالصال‬
‫‪99‬‬

‫الشاطبي‬

‫كتاب العتصام‬

‫الرسلة ‪ ،‬وساها بدعا ف اللفظ ‪ ،‬كما سى عمر رضي ال عنه المع ف قيام رمضان ف السجد‬
‫بدعة ‪ ،‬كما سيأت إن شاء ال تعال ‪.‬‬
‫أما القراف فل عذر له ف نقل تلك القسام على غي مراد شيخه ‪ ،‬ول على مراد الناس ‪ ،‬لنه خالف‬
‫الكل ف ذلك التقسيم فصار مالفا للجاع ‪.‬‬
‫ث نقول ‪ :‬أما قسم الواجب فقد تقدم ما فيه آنفا فل نعيده ‪ ،‬وأما قسم التحري فليس فيه ما هو بدعة‬
‫هكذا بإطلق ‪ ،‬بل ذلك كله مالفة للمر الشروع ‪ .‬فل يزيد على تري أكل الال بالباطل إل من‬
‫جهة كونه موضوعا على وزان الحكام الشرعية اللزمة‪ ،‬كالزكوات الفروضة ‪ ،‬والنفقات القدرة ‪،‬‬
‫وسيأت بيان ذلك ف موضعه إن شاء ال تعال ‪ ،‬وقد تقدم ف الباب الول منه طرف ‪.‬‬
‫فإذا ل يصح أن يطلق القول ف هذا القسم بأنه بدعة أن يقسم المر ذلك ‪.‬‬
‫وأما قسم الندوب فليس من البدع بال وتبيي ذلك بالنظر ف المثلة الت مثل لا بصلة التراويح ف‬
‫رمضان جاعة ف السجد ‪ .‬فقد قام با النب صلى ال عليه وسلم ف السجد واجتمع الناس خلفه ‪.‬‬
‫فخرج أبو داود عن أب ذر قال ‪:‬‬
‫"صمنا مع رسول ال صلى ال عليه وسلم رمضان ‪ ،‬فلم يقم بنا شيئا من الشهر حت بقي سبع ‪،‬‬
‫فقام بنا حت ذهب ثلث الليل ‪ ،‬فلما كانت السادسة ل يقم بنا ؟ فلما كانت الامسة قام بنا حت‬
‫ذهب شطر الليل فقلنا ‪ :‬يا رسول ال لو نفلتنا قيام هذه الليلة ؟ ـ قال ـ فقال ‪ :‬إن الرجل إذا‬
‫صلى مع المام حت ينصرف حسب له قيام الليلة ‪ ،‬قال ‪ :‬فلما كانت الرابعة ل يقم ‪ ،‬فلما كانت‬
‫الثالثة جع أهله ونساءه والناس ‪ ،‬فقام بنا حت خشينا أن يفوتنا الفلح ـ قال ـ قلت ‪ :‬وما‬
‫الفلح ؟ قال ‪ :‬السحور "‪ .‬ث ل يقم بنا بقية الشهر ‪ ،‬ونوه ف الترمذي ‪ ،‬وقال فيه حس ًن صحيح ‪.‬‬
‫لكنه صلى ال عليه وسلم لا خاف افتراضه على المة أمسك عن ذلك ‪ ،‬ففي الصحيح عن عائشة‬
‫رضي ال عنها ‪" :‬أن النب صلى ال عليه وسلم صلى ف السجد ذات ليلة فصلى بصلته ناس ‪ ،‬ث‬
‫صلى القابلة فكثر الناس ث اجتمعوا الليلة الثالثة أو الرابعة فلم يرج إليهم النب صلى ال عليه وسلم ‪،‬‬
‫فلما أصبح قال ‪:‬‬
‫قد رأيت الذي صنعتم ‪ ،‬فلم ينعن من الروج إل أن خشيت أن يفرض عليكم " ‪ ،‬وذلك ف‬
‫رمضان ‪ ،‬وخرجه مالك ف الوطأ ‪.‬‬
‫فتأملوا ففي هذا الديث ما يدل على كونا سنة ‪ ،‬فإن قيامه أو ًل بم دليل على صحة القيام ف‬
‫السجد جاعة ف رمضان وامتناعه بعد ذلك من الروج خشية الفتراض ل يدل على امتناعه‬
‫مطلقا ‪ ،‬لن زمانه كان زمان زحي وتشريع ‪ ،‬فيمكن أن يوحى إليه إذا عمل به الناس باللزام ‪ ،‬فلما‬
‫زالت علة التشريع بوت رسول ال صلى ال عليه وسلم رجع المر إل أصله ‪ ،‬وقد ثبت الواز فل‬
‫ناسخ له ‪.‬‬
‫‪100‬‬

‫الشاطبي‬

‫كتاب العتصام‬

‫وإنا ل يقم ذلك أبو بكر رضي ال عنه لحد أمرين ‪ :‬إما لنه رأى أن قيام الناس آخر الليل وما هم‬
‫به عليه كان أفضل عنده من جعهم على إمام أول الليل ذكره الطرطوشي ‪ ،‬وإما لضيق زمانه رضي‬
‫ال عنه عن النظر ف هذه الفروع ‪ ،‬مع شغله بأهل الردة وغي ذلك ما هو أوكد من صلة التراويح ‪.‬‬
‫فلما تهد السلم ف زمن عمر رضي ال عنه ورأى الناس ف السجد أوزاعا ـ كما جاء ف الب ـ‬
‫قال ‪ :‬لو جعت الناس على قارىء واحد لكان أمثل ‪ ،‬فلما ت له ذلك نبه على أن قيامهم آخر الليل‬
‫أفضل ‪ ،‬ث اتفق السلف على صحة ذلك وإقراره ‪ ،‬والمة ل تتمع على ضللة ‪.‬‬
‫وقد نص الصوليون أن الجاع ل يكون إل عن دليل شرعي ‪.‬‬
‫فإن قيل ‪ :‬فقد ساها عمر رضي ال عنه بدعة وحسنها بقوله ‪ :‬نعمت البدعة هذه وإذا ثبتت بدعة‬
‫مستحسنة ف الشرع ثبت مطلق الستحسان ف البدع ‪.‬‬
‫فالواب ‪ :‬إنا ساها بدعة باعتبار ظاهر الال من حيث تركها رسول ال صلى ال عليه وسلم ‪،‬‬
‫واتفق أن ل تقع ف زمان أب بكر رضي ال عنه ‪ ،‬ل أنا بدعة ف العن ‪ ،‬فمن ساها بدعة بذا‬
‫العتبار فل مشاحة ف الساسي ‪ ،‬وعند ذلك فل يوز أن يستدل با على جواز البتداع بالعن‬
‫التكلم فيه ‪ ،‬لنه نوع من تريف الكلم عن مواضعه ‪ ،‬فقد قالت عائشة رضي ال تعال عنها ‪:‬‬
‫إن كان رسول ال صلى ال عليه وسلم ليدع العمل وهو يب أن يعمل به خشية أن يعمل به الناس‬
‫فيفرض عليهم ‪.‬‬
‫وقد نى النب صلى ا ل عليه وسلم عن الوصال رحةً بالمة وقال ‪:‬‬
‫"إن لست كهيئتكم ‪ ،‬إن أبيت عند رب يطعمن ويسقين" وواصل الناس بعده لعلمهم بوجه علة‬
‫النهي حسبما يأت إن شاء ال تعال ‪.‬‬
‫وذكر القراف من جلة المثلة إقامة صور الئمة والقضاة إل ما قال ‪ ،‬وليس ذلك من قبيل البدع‬
‫بسبيل ‪ ،‬أما أولً فإن التجمل بالنسبة إل ذوي اليئات والناصب الرفيعة مطلوب ‪ ،‬وقد كان للنب‬
‫صلى ال عليه وسلم حلة يتجمل با للوفود ‪ ،‬ومن العلة ف ذلك ما قاله القراف من أن ذلك أهيب‬
‫وأوقع ف النفوس ‪ ،‬من تعظيم العظماء ‪ ،‬ومثله التجمل للقاء العظماء كما جاء ف حديث أشج عبد‬
‫القيس ‪ ،‬وأما ثانيا ‪ :‬فإن سلمنا أن ل دليل عليه بصوصه فهو من قبيل الصال الرسلة ‪ ،‬وقد مر أنا‬
‫ثابتة ف الشرع ‪ .‬وما قاله من أن عمر كان يأكل خبز الشعي ويفرض لعامله نصف شاة ‪ ،‬فليس فيه‬
‫تفخيم صورة المام ول عدمه ‪ ،‬بل فرض له ما يتاج إليه خاصة ‪ ،‬وإل فنصف شاة لبعض العمال قد‬
‫ل يكفيه لكثرة عيال وطروق ضيف وسائر ما يتاج إليه من لباس وركوب وغيها ‪ ،‬فذلك قريب‬
‫من أكل الشعي ف العن ‪ ،‬وأيضا فإن ما يرجع إل الأكول والشروب ل تمل فيه بالنسبة إل‬
‫الظهور للناس ‪.‬‬

‫‪101‬‬

‫الشاطبي‬

‫كتاب العتصام‬

‫وقوله ‪ :‬فكذلك يتاجون إل تديد زخارف وسياسات ل تكن قدية ‪ ،‬وربا وجبت ف بعض‬
‫الحوال ‪ ،‬مفتقر إل التأمل ‪ ،‬ففيه ـ على الملة ـ أنه مناقض لقوله ف آخر الفصل ‪ :‬الي كله ف‬
‫التباع ‪ ،‬والشر كله ف البتداع مع ما ذكره قبله ‪.‬‬
‫فهذا كلم يقتضي أن البتداع شر كله ‪ ،‬فل يكن أن يتمع مع فرض الوجوب ‪ .‬وهو قد ذكر أن‬
‫البدعة قد تب ‪ ،‬وإذا وجبت لزم العمل با ‪ ،‬وهي لا فاتت ضمن الشر كله فقد اجتمع فيها المر‬
‫با والمر بتركها ‪ ،‬ول يكن فيهما النفكاك ـ وإن كانا من جهتي ـ لن الوقوع يستلزم‬
‫الجتماع ‪ ،‬وليسا كالصلة ف الدار الغصوبة ‪ .‬لن النفكاك ف الوقوع مكن ‪ ،‬وها هنا إذا وجبت‬
‫فإنا تب على الصوص ‪ ،‬وقد فرض أن الشر فيها على الصوص فلزم التناقض ‪ ،‬وأما على التفصيل‬
‫فإن تديد الزخارف فيه من الطأ ما ل يفى ‪.‬‬
‫وأما السياسات ‪ ،‬فإن كانت جارية على مقتضى الدليل الشرعي فليست ببدع ‪ ،‬وإن خرجت عن‬
‫ذلك فكيف يندب إليها ؟ وهي مسألة الناع ‪.‬‬
‫وذكر ف قسم الكروه أشياء هي من قبيل البدع ف الملة ول كلم فيها ‪ ،‬أو من قبيل الحتياط على‬
‫العبادات الحضة أن ل يزداد فيها ول ينقص منها ‪ ،‬وذلك صحيح ‪ ،‬لن الزيادة فيها والنقصان منها‬
‫بدع منكرة ‪ .‬فحالتها وذرائعها يتاط با ف جانب النهي ‪.‬‬
‫وذكر ف قسم الباح مسألة الناخل ‪ ،‬وليست ـ ف القيقة ـ من البدع بل هي من باب التنعم ‪،‬‬
‫ول يقال فيمن تنعم بباح ‪ :‬إنه قد ابتدع ‪ ،‬وإنا يرجع ذلك ـ إذا اعتب ـ إل جهة السراف ف‬
‫الأكل ‪ ،‬لن السراف كما يكون ف جهة الكمية يكون ف جهة الكيفية ‪ ،‬فالناخل ل تعدو القسمي‬
‫‪ ،‬فإن كان السراف من ماله ‪ ،‬فإن كره ‪ ،‬وإل اغتفر مع أن الصل الواز ‪.‬‬
‫وما يكيه أهل التذكي من الثار أو أول ما أحدث الناس أربعة أشياء ‪ :‬الناخل ‪ ،‬والشبع ‪ ،‬وغسل‬
‫ل ـ ليس ببدعة ‪ ،‬وإنا‬
‫اليدين بالشنان بعد الطعام ‪ ،‬والكل على الوائد ‪ ،‬وهذا كله ـ إن ثبت نق ً‬
‫يرجع إل أمر آخر ‪ ،‬وإن سلم أنه بدعة فل نسلم أنا مباحة ‪ ،‬بل هي ضللة ومنهي عنها ‪ ،‬ولكنا‬
‫نقول بذلك ‪.‬‬
‫فصل وأما ما قاله عز الدين‬
‫وأما ما قاله عز الدين ‪ ،‬فالكلم فيه على ما تقدم ‪ ،‬فأمثلة الواجب منها من قبل ما ل يتم الواجب إل‬
‫به ـ كما قال ـ فل يشترط أن يكون معمولً به ف السلف ول أن يكون له أصل ف الشريعة على‬
‫الصوص ‪ ،‬لنه من باب الصال الرسلة ل البدع ‪.‬‬

‫‪102‬‬

‫الشاطبي‬

‫كتاب العتصام‬

‫أما هذا الثان فقد تقدم ‪ ،‬وأما الول لو كان ث من يسي إل فريضة الج طيانا ف الواء أو مشيا‬
‫على الاء ل يعد مبتدعا بشيه كذلك ‪ ،‬لن القصود إنا هو التوصل إل مكة لداء الفرض وقد حصل‬
‫على الكمال ‪ .‬فكذلك هذا ‪.‬‬
‫على أن هذه أشياء قد ذمها بعض من تقدم من الصنفي ف طريقة التصوف وعدها من جلة ما ابتدع‬
‫الناس ‪ ،‬وذلك غي صحيح ‪ ،‬ويكفي ف رده إجاع الناس قبله على خلف ما قال ‪.‬‬
‫على أنه نقل عن القاسم بن ميمرة ‪ :‬أنه ذكرت عنده العربية فقال ‪ :‬أولا كب ‪ ،‬وآخرها بغي ‪،‬‬
‫وحكي أن بعض السلف قال ‪ :‬النحو يذهب الشوع من القلب ‪ ،‬ومن أراد أن يزدري الناس كلهم‬
‫فلينظر ف النحو ‪ ،‬ونقل نو من هذه ‪ ،‬وهذه كلها ل دليل فيها على الذم لنه ل يذم النحو من حيث‬
‫هو بدعة بل من حيث ما يكتسب به أمر زائد ‪ ،‬كما يذم سائر علماء السوء ل لجل علومهم بل‬
‫لجل ما يدث لم بالعرض من الكب به والعجب وغيها ‪ ،‬ول يلزم من ذلك كون العلم بدعة ‪،‬‬
‫فتسمية العلوم الت يكتسب با أمر مذموم بدعا إما على الجاز الحض من حيث ل يتج إليها أولً ث‬
‫احيتج بعد ‪ ،‬أو من عدم العرفة بوضوع البدعة ‪ ،‬إذ من العلوم الشرعية ما يداخل صاحبها الكب‬
‫والزهو وغيها ‪ ،‬ول يعود ذلك عليها بذم ‪.‬‬
‫وما حكى بعض هذه التصوفة عن بعض علماء اللف قال ‪ :‬العلوم تسعة ‪ .‬أربعة منها سنة معروفة‬
‫من الصحابة والتابعي ‪ ،‬وخسة مدثة ل تكن تعرف فيما سلف ‪ ،‬فأما الربعة العروفة ‪ .‬فعلم اليان‬
‫‪ ،‬وعلم القرآن ‪ ،‬وعلم الثار ‪ ،‬والفتاوى ‪ ،‬وأما المسة الحدثة ‪ :‬فالنحو ‪ ،‬والعروض ‪ ،‬وعلم‬
‫القاييس ‪ ،‬والدل ف الفقه ‪ ،‬وعلم العقول بالنظر ‪.‬‬
‫وهذا ـ إن صح نقله ـ فليس أولً كما قال ‪ ،‬فإن أهل العربية يكون عن أب السود الدؤل أن‬
‫علي بن أب طالب رضي ال عنه هو الذي أشار عليه بوضع شيء ف النحو حي سع أعرابيا قارئا ‪.‬‬
‫"أن ال بريء من الشركي ورسوله" ـ بالر ـ وقد روي عن ابن مليكة أن عمر بن الطاب‬
‫رضي ال عنه أمر أن ل يقرأ القرآن إل عال باللغة ‪ ،‬وأمر أبا السود فوضع النحو ‪ ،‬والعروض من‬
‫جنس النحو ‪ ،‬وإذا كانت الشارة من واحد من اللفاء الراشدين صار النحو والنظر ف الكلم العرب‬
‫من سنة اللفاء الراشدين ‪ ،‬وإن سلم أنه ليس كذلك ‪ ،‬فقاعدة الصال تعم علوم العربية ‪ ،‬أي تكون‬
‫من قبيل الشروع ‪ ،‬فهي من جنس كتب الصحف وتدوين الشرائع ‪ ،‬وما ذكر عن القاسم بن ميمرة‬
‫قد رجع عنه ‪.‬‬
‫قال أحد بن يي ثعلبا ( ؟ ) قال ‪ :‬كان أحد الئمة ف الدين يعيب النحو ويقول ‪ :‬أول تعلمه‬
‫شغل ‪ ،‬وآخره يزدري العال به الناس ‪ ،‬فقرأ يوما ‪" :‬إنا يشى ال من عباده العلماء" برفع ال‬
‫ونصب العلماء فقيل له ‪ :‬كفرت من حيث ل تعلم ‪ :‬تعل ال يشى العلماء ؟ فقال ‪ :‬ل طعنت‬
‫( ؟ ) قال عن علم يدل إل معرفة هذا أبدا ‪.‬‬
‫‪103‬‬

‫الشاطبي‬

‫كتاب العتصام‬

‫قال عثمان بن سعيد الدان ‪ :‬المام الذي ذكره أحد بن يي هم القاسم بن بن ميمرة ‪ .‬قال ‪ :‬وقد‬
‫جرى لعبد ال بن أب إسحاق مع ممد بن سيين كلم ‪ ،‬وكان ابن سيين ينتقص النحويي ‪،‬‬
‫فاجتمعا ف جنازة فقرأ ابن سيين "إنا يشى ال من عباده العلماء" برفع اسم ال ‪ ،‬فقال له ابن أب‬
‫إسحاق ‪ :‬كفرت يا أبا بكر ‪.‬تعيب على هؤلء الذين يقيمون كتاب ال ؟ فقال ابن سيين ‪ :‬إن‬
‫كنت أخطأت فأستغفر ال ‪.‬‬
‫وأما علم القاييس فأصله ف السنة ‪ ،‬ث ف علم السلف بالقياس ‪ .‬ث قد جاء ف ذم القياس أشياء‬
‫حلوها عل‬
‫فصل وما يتعلق به بعض التكلفي‬
‫وما يتعلق به بعض التكلفي أن الصوفية هم الشهورون باتباع السنة ‪ ،‬القتدون أفعال السلف‬
‫الصال ‪ ،‬الثابرون ف أقوالم وأفعالم على القتداء التام والفرار عما يالف ذلك ‪ ،‬ولذلك جعلوا‬
‫طريقتهم مبنية على أكل اللل ‪ ،‬واتباع السنة والخلص وهذا هو الق ‪ .‬ولكنهم ف كثي من‬
‫المور يستحسنون أشياء ل تأت ف كتاب ول سنة ‪ ،‬ول عمل بأمثالا السلف الصال ‪ .‬فيعملون‬
‫بقتضاها ‪ ،‬ويثابرون عليها ‪ ،‬ويكمونا طريقا لم مهيعا وسنة ل تلف ‪ ،‬بل ربا أوجبوها ف بعض‬
‫الحوال فلول أن ف ذلك رخصة ل يصح لم ما بنوا عليه ‪.‬‬
‫فمن ذلك أنم يعتمدون ف كثي من الحكام على الكشف والعاينة ‪ ،‬وخرق العادة ‪ ،‬فيحكمون‬
‫بالل والرمة ‪ ،‬ويثبتون على ذلك القدام والحجام ‪،‬كما يكى عن الحاسب أنه كان إذا تناول‬
‫طعاما ف شبهة ينبض له عرق ف أصبعه فيمتنع منه ‪.‬‬
‫وقال الشبلي ‪ :‬اعتقدت وقتا أن ل آكل إل من حلل ‪ ،‬فكنت أدور ف الباري ‪ ،‬فرأيت شجرة تي‬
‫فمددت يدي إليها لكل فنادتن الشجرة ‪ :‬احفظ عليك عهدك ‪ ،‬ل تأكل من فإن ليهودي ‪.‬‬
‫وقال إبراهيم الواص رحه ال ‪ :‬دخلت خربة ف بعض السفار ف طريق مكة بالليل فإذا فيها سبع‬
‫عظيم فخفت ‪ ،‬فهتف ب هاتف ‪ :‬اثبت فإن حولك سبعي ألف ملك يفظونك ‪.‬‬
‫فمثل هذه الشياء إذا عرضت على قواعد الشريعة ظهر عدم البناء عليها ‪ ،‬إذ الكاشفة ‪ ،‬أو الاتف‬
‫الجهول ‪ ،‬أو ترك بعض العروق ‪ ،‬ل يدل على التحليل ول التحري لمكانه ف نفسه ‪ ،‬وإل لو‬
‫حضر ذلك حاكم أو غيه لكان يب عليه أو يندب البحث عنه حت يستخرج من يد واضعة بي‬
‫أيديهم إل مستحقه ‪ .‬ولو هتف هاتف بأن فلنا قتل القتول الفلن ‪ ،‬أمر أخذ مال فلن ‪ ،‬أو زن ‪،‬‬
‫أو سرق ‪ .‬أكان يب عليه العمل بقوله ؟ و يكون شاهدا ف بعض الحكام ؟ شرعي ؟ هذا ما ل‬
‫يعهد ف الشرع مثله ‪.‬‬
‫ولذلك قال العلماء ‪ :‬لو أن نبيا من النبياء ادعى الرسالة ‪ .‬وقال ‪ :‬إنن إن أدع هذه الشجرة‬
‫ل على‬
‫تكلمن ‪ ،‬ث دعاها فأتت وكلمته وقالت ‪ :‬إنك كاذب ‪ .‬لكان ذلك دليلً على صدقة ل دلي ً‬
‫‪104‬‬

‫الشاطبي‬

‫كتاب العتصام‬

‫كذبه ‪ ،‬لنه تدى بأمر جاءه على وفق ما ادعاه ‪ .‬وكون الكلم تصديقا أو تكذيبا أمر خارج عن‬
‫مقتضى الدعوى ل حكم له ‪.‬‬
‫فكذلك نقول ف هذه السألة ‪ :‬إذا فرضنا أن انقباض العرق لزم لكون الطعام حراما ‪ ،‬ل يدل ذلك‬
‫على أن الكم بالمساك عنه إذا ل يدل عليه دليل معتب ف الشرع معلوم ‪.‬‬
‫فكذلك مسألة الواص ‪ .‬فإن التوقي من مظان الهلكات مشروع ‪ ،‬فخلفه يظهر أنه خلف‬
‫الشروع ‪ ،‬وهو معتاد ف أهل هاته الطريقة ‪.‬‬
‫وكذلك كلم الشجرة للشبلي من جلة الوارق وبناء الكم عليه غي معهود ‪.‬‬
‫ومن ذلك أنم يبنون طريقهم على اجتناب الرخص جلة ‪ ،‬حت إن شيخهم الذي مهد لم الطريقة أبا‬
‫القاسم القشيي قال ف باب وصية الريدين من رسالته ‪ :‬إن اختلف على الريد فتاوى الفقهاء يأخذ‬
‫بالحوط ‪ ،‬ويقصد أبدا الروج عن اللف ‪ ،‬فإن الرخص ف الشريعة للمستضعفي وأصحاب‬
‫الوائج والشغال ‪ ،‬وهؤلء الطائفة ـ يعن الصوفية ـ ليس لم شغل سوى القيام بقه سبحانه ‪.‬‬
‫ولذا قيل ‪ :‬إذا انط الفقي عن درجة القيقة إل رخصة الشريعة ‪ ،‬فقد فسخ عقده ‪ ،‬ونقص عهده‬
‫فيما بينه وبي ال ‪.‬‬
‫فهذا الكلم ظاهر ف أنه ليس من شأنم الترخص ف مواطن الترخص الشروع ‪ ،‬وهو ما كان عليه‬
‫رسول ال صلى ال عليه وسلم ‪ ،‬والسلف الصال من الصحابة والتابعي ‪ .‬فالتزام العزائم مع وجود‬
‫مضار الرخص التيي قال فيها رسول ال عليه وسلم ‪:‬‬
‫"إن ال يب أن تؤتى رخصه كما يب أن تؤتى عزائمه" فيه ما فيه ‪ .‬وظاهره أنه بدعة استحسنوها‬
‫قمعا للنفس عن السترسال ف اليل إل الراحة وإيثارا إل ما يبن عليه من الجاهدة ‪.‬‬
‫ومن ذلك‬
‫الباب الرابع ف مأخذ أهل البدع بالستدلل‬
‫كل خارج عن السنة من يدعي الدخول فيها والكون من أهلها ل بد له من تكلف ف الستدلل‬
‫بأدلتها على خصوصات مسائلهم ‪ ،‬وإل كذب اطراحها دعواهم ‪ ،‬بل كل مبتدع من هذه المة إما‬
‫أن تدعي أنه هو صاحب السنة دون من خالفه من الفرق فل يكنه الرجوع إل التعلق بشبهها ‪ ،‬وإذا‬
‫رجع إليها كان الواجب عليه أن يأخذ الستدلل مأخذ أهله العارفي بكلم العرب وكليات الشريعة‬
‫ومقاصدها ‪ ،‬كما كان السلف الول يأخذونا ‪ ،‬إل أن هؤلء ـ كما يتبي بعد ـ ل يبلغوا مبلغ‬
‫الناظرين فيها بإطلق ‪ .‬إما لعدم الرسوخ ف معرفة كلم العرب والعلم بقاصدها ‪ .‬وإما لعدم‬
‫الرسوخ ف العلم بقواعد الصول الت من جهتها تستنبط الحكام الشرعية ‪ ،‬وإما لعدم المرين جيعا‬
‫‪ .‬فبالري أن تصي مآخذهم للدلة مالفة لأخذ من تقدمهم من الحققي للمرين ‪.‬‬
‫وإذا تقرر هذا فل بد من التنبيه على تلك الآخذ لكي تذر وتتقى فنقول ‪:‬‬
‫‪105‬‬

‫الشاطبي‬

‫كتاب العتصام‬

‫قال ال سبحانه وتعال ‪" :‬فأما الذين ف قلوبم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله"‬
‫وذلك أن هذه الية شلت قسمي ها أصل الشي على طريق الصواب أو على طريق الطأ ‪.‬‬
‫أحدها ‪ :‬الراسخون ف العلم وهم الثابتو القدام ف علم الشريعة ‪ .‬ولا كان ذلك متعذرا إل على من‬
‫حصل المرين التقدمي ل يكن بد من العرفة بما معا على حسب ما تعطيه النة النسانية ‪ ،‬وإذ ذاك‬
‫يطلق عليه ( أنه راسخ ف العلم ) ومقتضى الية مدحه ‪ ،‬فهو إذا أهل للهداية والستنباط ‪.‬‬
‫وحي خص أهل الزيغ باتباع التشابه دل التخصيص على أن الراسخي ل يتبعونه ‪ ،‬فإذا ل يتبعون إل‬
‫الحكم وهو أم الكتاب ومعظمه ‪.‬‬
‫فكل دليل خاص أو عام شهد له معظم الشريعة فهو الدليل الصحيح ‪ ،‬وما سواه فاسد ‪ .‬إذ ليس بي‬
‫الصحيح والفاسد واسطة ف الدلة يستند إليها ‪ .‬وإذ لو كان ث ثالث لنصت عليه الية ‪.‬‬
‫ث لا خص الزائغون بكونم يتبعون التشابه أيضا علم أن الراسخي ل يتبعونه ‪ ،‬فإن تأولوه فبالرد إل‬
‫الحكم بأن أمكن حله على الحكم ‪ ،‬بقتضى القواعد ‪ ،‬فهذا التشابه الضاف ل القيقي ‪ .‬وليس ف‬
‫الية نص على حكمه بالنسبة إل الراسخي ‪ ،‬فليجع عندهم إل الحكم الذي هو أم الكتاب ‪ ،‬وإن‬
‫ل يتأولوه بناءً على أنه متشابه حقيقي ‪ ،‬فيقاتلون بالتسليم وقولم ‪" :‬آمنا به كل من عند ربنا"‬
‫وهؤلء هم أولو اللباب ‪.‬‬
‫وكذلك ذكر ف أهل الزيغ أنم يتبعون التشابه ابتغاء الفتنة ‪ .‬فهم يطلبون به أهواءهم لصول الفتنة ‪.‬‬
‫فليس ف نظرهم إذا ف الدليل نظر الستبصر حت يكون هواه تت حكمه ‪ ،‬بل نظر من حكم بالوى‬
‫‪ ،‬ث أتى بالدليل كالشاهد له ‪ ،‬ول يذكر مثل ذلك ف الراسخي ‪ ،‬فهم إذن بضد هؤلء حيث وقفوا‬
‫ف التشابه فلم يكموا فيه ول عليه سوى التسليم ‪ ،‬وهذا العن خاص بن طلب الق من الدلة ‪ ،‬ل‬
‫يدخل فيه من طلب ف الدلة ما يصحح هواه السابق ‪.‬‬
‫ولقسم الثان ‪ :‬من ليس براسخ ف العلم وهو الزائغ فحصل له من الدلة وصفان ‪:‬‬
‫أحدها بالنص وهو الزيغ لقوله تعال ‪" :‬فأما الذين ف قلوبم زيغ " والزيغ هو اليل عن الصراط‬
‫الستقيم وهو ذم لم ‪.‬‬
‫والوصف الثان بالعن الذي أعطاه التقسيم وهو عدم الرسوخ ف العلم ‪ ،‬وكل منفي عنه الرسوخ‬
‫فإل الهل ما هو مائل ‪ ،‬ومن جهة الهل حصل له الزيغ ‪ ،‬لن من نفي عنه طريق الستنباط ‪،‬‬
‫واتباع الدلة لبعض الهالت ‪ ،‬ل يل له أن يتبع الدلة الحكمة ول التشابة ‪ ،‬ولو فرضنا أنه يتبع‬
‫الحكم ل يكن اتباعه مفيدا لكمه لمكان أن يتبعه على وجه واضح البطلن أو متشابه ‪ .‬فما ظنك‬
‫به إذا اتبع التشابه ‪.‬‬
‫ث اتباعه للمتشابه ـ ولو كان من جهة السترشاد به ل للفتنة به ـ ل يصل به مقصودا على حال‬
‫‪ .‬فما ظنك به إذا اتبع ابتغاء الفتنة ؟ وهكذا الحكم إذا اتبعه ابتغاء الفتنة به ‪ .‬فكثيا ما ترى الهال‬
‫‪106‬‬

‫الشاطبي‬

‫كتاب العتصام‬

‫يتجون لنفسهم بأدلة فاسدة وبأدلة صحيح اقتصارا بالنظر على دليل ما ‪ ،‬واطراحا للنظر ف غيه‬
‫من الدلة الصولية والفروعية العاضدة لنظره أو العارضة له ‪.‬‬
‫وكثي من يدعي العلم يتخذ هذا الطريق مسلكا ‪ ،‬وربا أفت بقتضاه وعمل على وفقه إذا كان له فيه‬
‫غرض ‪ ،‬أو أعرض عن غرض له عرض ف الفتيا ‪ ،‬كجواز تنفيل المام اليش جيع ما غنموا على‬
‫طريقة من عز بز ل طريقة الشرع ‪ ،‬بناءً على نقل بعض العلماء أنه يوز تنفيل السرية جيع ما‬
‫غنمت ث عزا ذلك ـ وهو مالكي الذهب ـ إل مالك حيث قال ف كلم روي عنه ‪ :‬ما نفل‬
‫المام فهو جائز فأخذ هذه العبارة نصا على جواز تنفيل المام اليش جيع ما غنم ‪ ،‬ول يلتفت ف‬
‫النفل إل أن السرية هي القطعة من اليش بعينه ‪ .‬ول التفت أيضا إل أن النفل عند مالك ل يكون‬
‫إل من المس ‪ ،‬ل اختلف عنه ف ذلك أعلمه ‪ ،‬ول عن أحد من أصحابه ‪ ،‬فما نفل المام منه فهو‬
‫جائز ‪ ،‬لنه ممول على الجتهاد ‪.‬‬
‫وكذلك المر ف كل مسألة فيها الوى أو ًل ‪ ،‬ث يطلب لا الخرج من كلم العلماء أو من أدلة‬
‫الشرع وكلم العرب أبدا ‪ ،‬لتساعه وتصرفه ‪ ،‬واحتمالتا كثية لكن يعلم الراسخون الراد منه من‬
‫أوله إل آخره وفحواه ‪ ،‬أو بساط حاله أو قرائنه ‪ .‬فمن ل يعتبه من أوله إل آخره ويعتب ما ابتن‬
‫عليه زل ف فهمه ‪ .‬وهو شأن من يأخذ الدلة من أطراف العبارة الشرعية ول ينظر بعضها ببعض ‪،‬‬
‫فيوشك أن يزل ‪ .‬وليس هذا من شأن الراسخي ‪ ،‬وإنا هو من شأن من استعجل طلبا للمخرج ف‬
‫دعواه ‪.‬‬
‫فقد حصل من الية الذكورة أن الزيغ ل يري على طريق الراسخ بغي حكم التفاق ‪ ،‬وأن الراسخ‬
‫ل زيغ معه بالقصد البتة ‪.‬‬
‫فصل إذا ثبت هذا رجعنا منه إل معن آخر‬
‫إذا ثبت هذا رجعنا منه إل معن آخر فنقول ‪:‬‬
‫إن للراسخي طريقا يسلكونا ف اتباع الق ‪ .‬وأن الزائغي على طريق غي طريقهم فاحتجنا إل بيان‬
‫الطريق الت سلكها هؤلء لنتجنبها ‪ ،‬كما نبي الطريق الت سلكها الراسخون لنسلكها ‪ ،‬وقد بي‬
‫ذلك أهل أصول الفقه وبسطوا القول فيه ‪ ،‬ول يبسطوا القول ف طريق الزائغي ‪ .‬فهل يكن حصر‬
‫مآخذها أو ل ؟ فنظرنا ف آية أخرى تتعلق بم كما تتعلق بالراسخي ‪ ،‬وهي قوله تعال ‪" :‬وأن هذا‬
‫صراطي مستقيما فاتبعوه ول تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله" فأفادت الية أن طريق الق واحدة‬
‫‪ ،‬وأن للباطل طرقا متعددة ل واحدة ‪ ،‬وتعددها ل يص بعدد مصوص وهكذا الديث الفسر للية‬
‫وهو قول ابن مسعود رضي ال عنه ‪.‬‬

‫‪107‬‬

‫الشاطبي‬

‫كتاب العتصام‬

‫"خط لنا رسول ال صلى ال عليه وسلم خطا فقال ‪ :‬هذا سبيل ال مستقيما ‪ .‬ث خط خطوطا عن‬
‫يي ذلك الط وعن شاله ث قال ‪ :‬هذه سبل على كل سبيل منها شيطان يدعو إليه" ث تل هذه الية‬
‫‪.‬‬
‫ففي الديث أنا خطوط متعددة غي مصورة بعدد ‪ ،‬فلم يكن لنا سبيل إل حصر عددها من جهة‬
‫النقل ‪ ،‬ول لنا أيضا سبيل إل حصرها من جهة العقل أو الستقراء ‪.‬‬
‫أما العقل فإنه ل يقضي بعدد دون آخر ‪ ،‬لنه غي راجع إل أمر مصور ‪ ،‬أل ترى أن الزيغ راجع إل‬
‫الهالت ؟ ووجوه الهل ل تنحصر ‪ ،‬فصار طلب حصرها عناء من غي فائدة ‪.‬‬
‫وأما الستقراء فغي نافع أيضا ف هذا الطلب ‪ ،‬لنا لا نظرنا ف طرق البدع من حي نبتت وجدناها‬
‫تزداد على اليام ‪ ،‬ول يأت زمان إل وغريبة من غرائب الستنباط تدث ‪ ،‬إل زماننا هذا ‪.‬‬
‫وإذا كان كذلك فيمكن أن يدث بعد زماننا استدللت أخر ل عهد لنا يها فيما تقدم ‪ .‬ل سيما‬
‫عند كثرة الهل ‪ ،‬وقلة العلم ‪ ،‬وبعد الناظرين فيه عن درجة الجتهاد فل يكن إذا حصرها من هذا‬
‫الوجه ‪ .‬ول يقال ‪ :‬إنا ترجع إل مالفة طريق الق ‪ .‬فإن أوجه الخالفة ل تنحصر أيضا ‪.‬‬
‫فثبت أن تتبع هذا الوجه عناء ‪ .‬لكنا نذكر من ذلك أوجها كلية يقاس عليها ما سواها ‪.‬‬
‫فمنها ‪ :‬اعتمادهم على الحاديث الواهية الضعيفة ‪ ،‬والكذوب فيها على رسول ال صلى ال عليه‬
‫وسلم ‪ ،‬والت ل يقبلها أهل صناعة الديث ف البناء عليها ‪.‬‬
‫وإنا أخذ بعض العلماء بالديث السن للاقه عند الحدثي بالصحيح ‪ ،‬لن سنده ليس فيه من‬
‫يعاب برحه متفق عليها ‪ ،‬وكذلك أخذ من أخذ منهم بالرسل ليس إل من حيث ألق بالصحيح ف‬
‫أن التروك ذكره كالذكور والعدل ‪ ،‬فأما ما دون ذلك فل يؤخذ به بال عند علماء الديث ‪.‬‬
‫ولو كان من شأن أهل السلم إذا يبي ( ؟ ) عنه الخذ من الحاديث بكل ما جاء عن كل من‬
‫جاء ل يكن لنتصابم للتعديل والتجريح معن ‪ ،‬مع أنم قد أجعوا على ذلك ‪ ،‬ول كان لطلب‬
‫السناد معن يتحصل ‪ ،‬فلذلك جعلوا السناد من الدين ول يعنون حدثن فلن عن فلن مردا ‪،‬‬
‫بل يريدون ذلك لا تضمنه من معرفة الرجال الذين براويته عنهم ‪ ،‬حت ل يسند عن مهول ول‬
‫مروح ول منهم ‪ ،‬إل عمن تصل الثقة بروايته ‪ ،‬لن روح السألة أن يغلب على الظن من غي ريبة‬
‫أن ذلك الديث قد قاله النب صلى ال عليه وسلم ‪ ،‬لنعتمد عليه ف الشريعة ‪ ،‬ونسند إليه الحكام ‪.‬‬
‫والحاديث الضعيفة السناد ل يغلب على الظن أن النب صلى ال عليه وسلم ‪ ،‬قالا فل يكن أن‬
‫يسند إليها حكم ‪ ،‬فما ظنك بالحاديث العروفة الكذب ؟‬
‫نعم الامل على اعتمادها ف الغالب إنا هو ما تقدم من الوى التبع ‪ ،‬وهذا كله على فرض أن ل‬
‫يعارض الديث أصل من أصول الشريعة ‪ ،‬وأما إذا كان له معارض فأجرى أن ل يؤخذ به ‪ ،‬فهو‬
‫هدم لصل من أصول الشريعة ‪ ،‬والجاع على منعه إذا كان صحيحا ف الظاهر ‪ ،‬وذلك دليل على‬
‫‪108‬‬

‫الشاطبي‬

‫كتاب العتصام‬

‫الوهم من بعض الرواة أو الغلط من بعض الرواة أو النسيان ‪ .‬فما الظن به إذا ل يصح ؟ على أنه قد‬
‫روي عن أحد بن حنبل أنه قال ‪ :‬الديث الضعيف خي من القياس ‪ .‬وظاهره يقتضي العمل‬
‫بالديث غي الصحيح ‪ ،‬لنه قدمه على القياس العمول به عند جهور السلمي ‪ ،‬بل هو إجاع‬
‫السلف رضي ال عنهم ‪ .‬فدل على أنه عنده أعلى رتبة ف العمل من القياس ‪.‬‬
‫والواب عن هذا ‪ :‬أنه كلم متهد يتمل اجتهاده الطأ والصواب ‪ ،‬إذ ليس له على ذلك دليل‬
‫يقطع العذر ‪ ،‬وإن سلم فيمكن حله على خلف ظاهره ‪ ،‬لجاعهم على طرح الضعيف السناد‬
‫فيجب تأويله على أن يكون أراد به السن السند وما دار به على القول بإعماله ‪ ،‬أو أراد خي من‬
‫القياس لو كان مأخوذا به فكأنه يرد القياس بذلك الكلم مبالغة ف معارضة من اعتمده أصلً حت‬
‫رد به الحاديث وقد كان رحه ال تعال ييل إل نفي القياس ‪ ،‬ولذلك قال ‪ :‬ما زلنا نلعن أهل‬
‫الرأي ويلعنونا حت جاء الشافعي فخرج بيننا ‪ .‬أو أراد بالقياس القياس الفاسد الذي ل أصل له من‬
‫كتاب ول سنة ول إجاع ‪ ،‬ففضل عليه الديث الضعيف وإن ل يعمل به ‪ .‬وأيضا فإذا أمكن أن‬
‫يمل كلم أحد على ما يسوغ ل يصح العتماد عليه ف معارضة كلم الئمة رضي ال عنهم ‪.‬‬
‫فإن قيل ‪ :‬هذا كله رد على الئمة الذين اعتمدوا على الحاديث الت ل تبلغ درجة الصحيح ‪ ،‬فإنم‬
‫كما نصوا على اشتراط صحة السناد ‪ ،‬كذلك نصوا أيضاعلى أن أحاديث الترغيب والترهيب ل‬
‫يشترط ف نقلها للعتماد صحة ‪ ،‬السناد ‪ ،‬بل إن كان ذلك فبها ونعمت ‪ ،‬وإل فل حرج على من‬
‫نقلها واستند إليها ‪ ،‬فقد فعله الئمة كـ مالك ف الوطأ ‪ ،‬وابن البارك ف رقائقه ‪ ،‬وأحد بن حنبل‬
‫ف رقائقه ‪ ،‬وسفيان ف جع الي ‪ ،‬وغيهم ‪.‬‬
‫فكل ما ف هذا النوع من النقولت راجع إل الترغيب والترهيب ‪ ،‬وإذا جاز اعتماد مثله ‪ ،‬جاز فيما‬
‫كان نوه ما يرجع إليه كصلة الرغائب والعراج ‪ ،‬وليلة النصف من شعبان ‪ ،‬وليلة أول جعة من‬
‫رجب ‪ ،‬وصلة اليان والسبوع ‪ ،‬وصلة بر الوالدين ويوم عاشوراء وصيام رجب ‪ ،‬والسابع‬
‫والعشرين منه ‪ ،‬وما أشبه ذلك ‪ ،‬فإن جيعها راجع إل الترغيب ف العمل الصال ‪ ،‬فالصلة على‬
‫الملة ثابت أصلها ‪ ،‬وكذلك الصيام وقيام الليل ‪ ،‬كل ذلك راجع إل خي نقلت فضيلته على‬
‫الصوص ‪.‬‬
‫وإذا ثبت هذا فكل ما نقلت فضيلته ف الحاديث فهو من باب الترغيب ‪ ،‬فل يلزم فيه شهادة أهل‬
‫الديث بصحة السناد بلف الحكام ‪.‬‬
‫فإذا هذا الوجه من الستدلل من طريق الراسخي ل من طريق الذين ف قلوبم زيغ ‪ ،‬حيث فرقوا‬
‫بي أحاديث الحكام فاشترطوا فيها الصحة ‪ ،‬وبي أحاديث الترغيب والترهيب فلم يشترطوا فيها‬
‫ذلك ‪.‬‬

‫‪109‬‬

‫الشاطبي‬

‫كتاب العتصام‬

‫فالواب ‪ :‬أن ما ذكره علماء الديث من التساهل ف أحاديث الترغيب والترهيب ل ينتظم مع‬
‫ل‪،‬‬
‫مسألتنا الفروضة ‪ ،‬وبيانه ‪ :‬أن العمل التكلم فيه إما أن يكون منصوصا على أصله جلة وتفصي ً‬
‫ل‪.‬‬
‫ل ‪ ،‬أو يكون منصوصا عليه جلةً ل تفصي ً‬
‫أو ل يكون منصوصا عليه ل جلةً ول تفصي ً‬
‫فالول ‪ :‬ل إشكال ف صحته ‪ ،‬كالصلوات الفروضات والنوافل الرتبة لسباب وغيها ‪ ،‬وكالصيام‬
‫الفروض ‪ ،‬أو الندوب على الوجه العروف ‪ ،‬إذا فعلت على الوجه الذي نص عليه من غي زيادة ول‬
‫نقصان ‪ ،‬كصيام عاشوراء أو يوم عرفة والوتر بعد نوافل الليل ‪ ،‬وصلة الكسوف ‪ .‬فالنص جاء ف‬
‫هذه الشياء صحيحا على ما شرطوا ‪ ،‬فثبتت أحكامها من الفرض والسنة والستحباب ‪ ،‬فإذا ورد‬
‫ف مثلها أحاديث ترغيب فيها ‪ ،‬أو تذير من ترك الفرض منها ‪ ،‬وليست بالغة مبلغ الصحة ‪ ،‬ول هي‬
‫أيضا من الضعف بيث ل يقبلها أحد ‪ ،‬أو كانت موضوعة ل يصح الستشهاد با ‪ ،‬فل بأس‬
‫بذكرها والتحذير با والترغيب ‪ ،‬بعد ثبوت أصلها من طريق صحيح ‪.‬‬
‫والثان ‪ :‬ظاهر أنه غي صحيح ‪ ،‬وهو عي البدعة ‪ .‬لنه ل يرجع إل لجرد الرأي البن على الوى ‪،‬‬
‫وهو أبدع البدع وأفحشها ‪ ،‬كالرهبانية النفية عن السلم ‪ ،‬والصاء لن خشي العنت ‪ ،‬والتعبد‬
‫بالقيام ف الشمس ‪ ،‬أو بالصمت من غي كلم أحد ‪ .‬فالترغيب ف مثل هذا ل يصح ‪ ،‬إذ ل يوجد‬
‫ف الشرع ‪ ،‬ول أصل له يرغب ف مثله ‪ ،‬أو يذر من مالفته ‪.‬‬
‫والثالث ‪ :‬ربا يتوهم أنه كالول من جهة أنه إذا ثبت أصل عبادة ف الملة ‪ ،‬فيسهل ف التفصيل‬
‫نقله من طريق غي مشترط الصحة ‪ ،‬فمطلق التنفل بالصلة مشروع ‪ ،‬فإذا جاء ترغيب ف صلة ليلة‬
‫النصف من شعبان فقد عضده أصل الترغيب ف صلة النافلة ‪ .‬وكذلك إذا ثبت أصل صيام ‪ ،‬ثبت‬
‫صيام السابع والعشرين من رجب ‪ ،‬وما أشبه ذلك ‪ .‬وليس كما توهوا ‪ ،‬لن الصل إذا ثبت ف‬
‫الملة ل يلزم غثباته ف التفصيل ‪ ،‬فإذا ثبت مطلق الصلة ل يلزم منه إثبات الظهر والعصر أو الوتر‬
‫أو غيها حت ينص عليها على الصوص ‪ .‬وكذلك إذا ثبت مطلق الصيام ل يلزم منه إثبات صوم‬
‫رمضان أو عاشوراء أو شعبان أو غي ذلك ‪ ،‬حت يثبت بالفصيل بدليل صحيح ‪ .‬ث ينظر بعد ذلك‬
‫ف أحاديث الترغيب والترهيب بالنسبة إل ذلك العمل الاص الثايت بالدليل الصحيح ‪.‬‬
‫وليس فيما ذكر ف السؤال شيء من ذلك ‪ ،‬إذ ل ملزمة بي ثبوت التنفل الليلي والنهاري ف‬
‫الملة ‪ ،‬وبي قيام ليلة النصف من شعبان بكذا وكذا ركعة ‪ .‬يقرأ ف كل لكعة منها بسورة كذا‬
‫على الصوص كذا وكذا مرة ‪ .‬ومثله صيام اليوم الفلن من الشهر الفلن ‪ ،‬حت تصي تلك العبادة‬
‫مقصودة على الصوص ‪ ،‬ليس ف شيء من ذلك ما يقتضيه مطلق شرعية التنفل بالصلة أو الصيام ‪.‬‬
‫والدليل على ذلك أن تفضيل يوم من اليام أو زمان من الزمنة بعبادة ما يتضمن حكما شرعيا فيه‬
‫ل ‪ ،‬أو لعرفة ‪ ،‬أو لشعبان مزية على مطلق التنفل بالصيام ‪،‬‬
‫على الصوص ‪ ،‬كما ثبت لعاشوراء مث ً‬
‫فإنه ثبت له مزية على الصيام ف مطلق اليام ‪ .‬فتلك الزية اقتضت مرتبة ف الحكام أعلى من غيها‬
‫‪110‬‬

‫الشاطبي‬

‫كتاب العتصام‬

‫بيث ل تفهم من مطلق مشروعية الصلة النافلة ‪ ،‬لن مطلق الشروعية يقتضي أن السنة بعشر‬
‫أمثالا إل سبعمائة ضعف ف الملة ‪ .‬وصيام يوم عاشوراء يقتضي أنه يكفر السنة الت قبله ‪ ،‬فهو أمر‬
‫زائد على مطلق الشروعية ‪ ،‬ومساقه يفيد له مزية ف الرتبة ‪ ،‬وذلك راجع إل الكم ‪.‬‬
‫فإذا هذا الترغيب الاص يقتضي مرتبة ف نوع من الندوب خاصة ‪ ،‬فل بد من رجوع إثبات الكم‬
‫إل الحاديث الصحيحة بنا ًء على قولم ‪ :‬إن الحكام ل تثبت إل من طريق صحيح والبدع‬
‫الستدل عليها بغي الصحيح ل بد فيها من الزيادة على الشروعات كالتقييد بزمان أو عدد أو كيفية‬
‫ما ‪ .‬فليزم أن تكون أحكام تلك الزيادات ثابتة بغي الصحيح ‪ ،‬وهو ناقض لا أسسه العلماء ‪.‬‬
‫ول يقال ‪ :‬إنم يريدون أحكام الوجوب والتحري فقط ‪ .‬لنا نقول ‪ :‬هذا تكم من غي دليل ‪ ،‬بل‬
‫الحكام خسة ‪ .‬فكما ل يثبت الوجوب إل بالصحيح فإذا ثبت الكم فاستسهل أن يثبت ف‬
‫أحاديث الترغيب والترهيب ‪ ،‬ول عليك ‪ .‬فعلى كل تقدير ‪ :‬كل ما رغب فيه إن ثبت حكمه‬
‫ومرتبته ف الشروعات من طريق صحيح فالترغيب فيه بغي الصحيح مغتفر ‪ .‬وإن ل يثبت إل من‬
‫فصل ومنها ضد هذا وهو ردهم للحاديث الت جرت غي موافقة لغراضهم‬
‫ومنها ضد هذا ‪ .‬وهو ردهم للحاديث الت جرت غي موافقة لغراضهم ومذاهبهم ‪ ،‬ويدعون أنا‬
‫مالفة للمعقول ‪ ،‬وغيجارية على مقتضى الدليل ‪ ،‬فيجب ردها ‪ .‬كلمنكرين لعذاب القب ‪،‬‬
‫والصراط ‪ ،‬واليزان ‪ ،‬ورؤية ال عز وجل ف الخرة ‪ .‬وكذلك ‪.‬‬
‫حديث الذباب وقتله ‪ .‬وأن ف أحد جناحيه داء وف الخر دواء ‪ ،‬وأنه يقدم الذي فيه الداء !‬
‫وحديث ‪:‬‬
‫الذي أخذ أخاه بطنه فأمره النب صلى ال عليه وسلم بسقيه العسل ‪ ،‬وما أشبه ذلك من الحاديث‬
‫الصحيحة النقولة نقل العدول ‪.‬‬
‫ربا قدحوا ف الرواة من الصحابة والتابعي رضي ال تعال عنهم ـ وحاشاهم ـ وفيمن اتفق الئمة‬
‫من الحدثي على عدالتهم وإمامتهم ‪ .‬كل ذلك ليدوا به على من خالفهم ف الذهب ‪ ،‬وربا ردوا‬
‫فتاويهم وقبحوها ف أساع العامة ‪ ،‬لينفروا المة عن اتباع السنة وأهلها ‪ .‬كما روي عن أب بكر بن‬
‫ممد أنه قال ‪ :‬قال عمرو بن عبيد ‪ :‬أل يعفى عن اللص دون السلطان ‪ .‬قال فحدثته بديث‬
‫صفوان بن أمية عن النب صلى ال عليه وسلم حيث قال ‪:‬‬
‫"فهل قبل أن تأتين به" قال ‪ :‬أتلف بال أن النب صلى ال عليه وسلم قاله ؟ قلت ‪ :‬أفتحلف بال أن‬
‫النب صلى ال عليه وسلم ل يقله ؟ فحدثت به ابن عون ـ قال ـ فلما عظمت اللقة قال ‪ :‬يا ابا‬
‫بكر حديث ‪.‬‬

‫‪111‬‬

‫الشاطبي‬

‫كتاب العتصام‬

‫وقد جعلوا القول بإثبات الصراط واليزان والوض قولً با ل يعقل ‪ .‬وقد سئل بعضهم ‪ :‬هل يكفر‬
‫من قال برؤية الباري ف الخرة ؟ فقال ‪ :‬ل يكفر لنه قال ما ل يعقل ‪ ،‬ومن قال ما ل يعقل فليس‬
‫بكافر ‪.‬‬
‫وذهبت طائفة إل نفي أخبار الحاد جلةً ‪ ،‬والقتصار على ما استحسنته عقولم ف فهم القرآن ‪،‬‬
‫حت أباحوا المر بقوله ‪" :‬ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالات جناح فيما طعموا " الية ‪ .‬ففي‬
‫هؤلء وأمثالم قال رسول ال صلى ال عليه وسلم ‪:‬‬
‫"ل ألفي أحدكم متكئا على أريكته يأتيه المر من أمري ما أمرت به أو نيت عنه ‪ ،‬فيقول ‪ :‬ل‬
‫أدري ما وجدنا ف كتاب ال اتبعناه" وهذا وعيد شديد تضمنه النهي ‪ ،‬لحق بن ارتكب رد السنة ‪.‬‬
‫ولا ردوها بتحكم العقول كان الكلم معهم راجعا إل أصل التسحي والتقبيح وهو مذكور ف‬
‫الصول ‪ ،‬وسيأت له بيان إن شاء ال ‪.‬‬
‫وقال عمر بن النضر ‪ :‬سئل عمرو بن عبيد يوما عن شيء ـ وأنا عنده ـ فأجاب فيه ‪ .‬فقلت له ‪:‬‬
‫ليس هكذا يقول أصحابنا ‪ ،‬قال ‪ :‬ومن أصحابك ل أبا لك ؟ قلت ‪ :‬أيوب ‪ ،‬ويونس ‪ ،‬وابن عون ‪،‬‬
‫والتميمي ‪ .‬قال ‪ :‬أولئك أناس أرجال أموات غي أحياء ‪.‬‬
‫وقال ابن علية ‪ :‬حدثن اليسع ‪ ،‬قال ‪ :‬تكلم واصل ( يعن ابن عطاء ) يوما ـ قال ـ فقال عمرو‬
‫بن عبيد ‪ :‬أل تسمعون ؟ ما كلم السن وابن سيين عندما تسمعون إل خرقة حيضة ملقاة ‪ .‬كان‬
‫واصل بن عطاء أول من تكلم ف العتزال فدخل معه ف ذلك عمرو بن عبيد فأعجب به ‪ ،‬فزوجه‬
‫أخته ‪ .‬وقال لا ‪ :‬وزجتك برجل ما يصلح إل أن يكون خليفة ‪ .‬ث تاوزوا الد حت ردوا القرآن‬
‫بالتلويح والتصريح لرأيهم السوء ‪ .‬فحكى عمرو بن علي أنه سع من يثق به أنه قال ‪ :‬كنت عند‬
‫عمرو بن عبيد ـ وهو جالس على دكان عثمان الطويل ـ فأتاه رجل فقال ‪ :‬يا أبا عثمان ! ما‬
‫سعت من السن يقول ف قول ال عز وجل ‪" :‬قل لو كنتم ف بيوتكم لبز الذين كتب عليهم القتل‬
‫إل مضاجعهم" قال ‪ :‬تريد أخبك برأي حسن ‪ .‬قال ‪ :‬ل أريد إل ما سعت من السن ‪ .‬قال ‪:‬‬
‫ل ‪ ،‬وكتب على قوم الدم فل يوتون‬
‫سعت السن يقول ‪ :‬كتب ال على قوم القتل فل يوتون إل قت ً‬
‫إل هدما ‪ ،‬وكتب على قوم الغرق فل يوتون إل غرقا ‪ ،‬وكتب على قوم الريق فل يوتون إل حرقا‬
‫‪ .‬فقال له عثمان الطويل ‪ :‬يا أبا عثمان ‪ ،‬ليس هذا قولنا ‪ .‬قال عمرو ‪ :‬قد قلت أريد أن أخبك برأي‬
‫السن ‪ ،‬فأنا أكذب على السن ‪.‬‬
‫وعن الثرم عن أحد بن حنبل قال ‪ :‬حدثنا معاذ ‪ .‬قال ‪ :‬كنت عند عمرو بن عبيد فجاءه عثمان بن‬
‫فلن ‪ .‬فقال ‪ :‬يا أبا عثمان ! سعت ـ وال ـ بالكفر ‪ .‬قال ما هو ؟ ل تعجل بالكفر ‪ .‬قال ‪:‬‬
‫هاشم الوقص زعم أن "تبت يدا أب لب " وقوله تعال ‪" :‬ذرن ومن خلقت وحيدا" ل يكن هذا ف‬
‫أم الكتاب ‪ ،‬وال تعال يقول ‪" :‬حم * والكتاب البي * إنا جعلناه قرآنا عربيا لعلكم تعقلون * وإنه‬
‫‪112‬‬

‫الشاطبي‬

‫كتاب العتصام‬

‫ف أم الكتاب لدينا لعلي حكيم " فما الكفر إل هذا فسكت ساعة ث تكلم فقال ‪ :‬وال لو كان المر‬
‫كما تقول ما كان علي أب لب من لوم ‪ ،‬ول كان على الوحيد من لوم ‪ .‬قال عثمان ـ ف ملسه‬
‫ـ ‪ :‬هذا وال الدين ـ قال معاذ ـ ث قال ف آخره ‪ :‬فذكرته لوكيع‪ ،‬فقال ‪ :‬يستتاب قائلها فإن‬
‫تاب ‪ .....‬وإل ضربت عنقه ‪.‬‬
‫ومثل هذا مكي ‪ ،‬لكن عن بعض الرموقي من أئمة الديث ‪ ،‬فروي عن علي بن الدين ‪ ،‬عن‬
‫الؤمل ‪ ،‬عن السن بن وهب المحي ‪ ،‬قال ‪ :‬الذي كان بين وبي فلن خاص فانطلق بأهله إل بئر‬
‫ميمون ‪ ،‬فأرسل إل ‪ :‬أن ائتن ‪ ،‬فأتيته عشية فبت عنده ‪ .‬قال ‪ :‬فهو ف فسطاط وأنا ف فسطاط آخر‬
‫‪ ،‬فجعلت أسع صوته الليل كله كأنه دوي النحل ‪ .‬قال ‪ :‬فلما أصبحنا جاء بغذائه فتغذينا قال ‪:‬‬
‫وذكر ما بين وبينه من الخاء والق ‪ .‬قال ‪ :‬فقال ل ‪ :‬أدعوك إل رأي السن ‪ .‬قال ‪ :‬وفتح ل‬
‫شيئا من القدر ‪ .‬قال ‪ :‬فقمت من عنده فما كلمته بكلمة حت لقي ال ‪ .‬قال ‪ :‬فأنا يوما خارج من‬
‫الطريق ف الطواف وهو داخل ‪ ،‬أو أنا داخل وهو خارج ‪ ،‬فأخذ بيدي فقال ‪ :‬يا أبا عمر ‪ ،‬حت مت‬
‫؟ حت مت ؟ قال ‪ :‬فلم أكلمه ‪ ،‬فقال ‪ :‬ما ل ؟ أرأيت لو أن رجلً قال ‪ :‬تبت يدا أب لب ليست‬
‫من القرآن ؟ ما كنت تقول له ؟ قال ‪ :‬فنعت يدي من يده ‪ .‬قال علي ‪ :‬قال مؤمل ‪ :‬فحدثت به‬
‫سفيان بن عيينة ‪ .‬فقال ل ‪ :‬ما كنت أرى أنه أبلغ هذا كله ‪.‬‬
‫قال علي ‪ :‬وسعته أنا وأحد بن حنبل ‪.‬‬
‫قال ‪ :‬حدثت أنا سفيان بن عيينة عن معلى الطحان ببعض حديثه ‪ ،‬فقال ‪ :‬ما أحوج صاحب هذا‬
‫الرأي إل أن يقتل ؟‬
‫فانظروا إل تاسرهم على كتاب ال تعال وسنة نبيه صلى ال عليه وسلم ! كل ذلك ترجيح‬
‫لذاهبهم على مض الق ‪ ،‬وأقربم إل هيبة الشريعة من يتطلب با الخرج فيتأول لا الواضحات ‪،‬‬
‫ويتبع التشابات ‪ ،‬وسياـي ‪ .‬والميع داخلون تت ذمها ‪.‬‬
‫وربا احتج طائفة من نابته البتدعة على رد الحاديث بأنا إنا تفيد الظن‪ ،‬وقد ذم الظن ف القرآن ‪،‬‬
‫كقوله تعال ‪" :‬إن يتبعون إل الظن وما توى النفس " وقال ‪" :‬إن يتبعون إل الظن وإن الظن ل‬
‫يغن من الق شيئا " وما جاء ف معناه ‪ ،‬حت أحلوا أشياء ما حرمها ال تعال على لسان نبيه صلى‬
‫ال عليه وسلم ‪ ،‬وليس تريها ف القرآن نصا ‪ ،‬وإنا قصدوا من ذلك أن يثبت لم من أنظار عقولم‬
‫ما استحسنوا ‪.‬‬
‫والظن الراد ف الية وف الديث أيضا غي ما زعموا ‪ ،‬وقد وجدنا له مال ثلثة ‪:‬‬
‫أحدها ‪ :‬الظن ف أصول الدين ‪ ،‬فإنه ل يغن عند العلماء لحتماله النقيض عند الظان ‪ ،‬بلف الظن‬
‫ف الفروع فإنه معمول به عند أهل الشريعة للدليل الدال على إعماله ‪ ،‬فكان الظن مذموما إل ما‬
‫تعلق منه بالفروع ‪ ،‬وهذا صحيح ذكره العلماء ف هذا الوضع ‪.‬‬
‫‪113‬‬

‫الشاطبي‬

‫كتاب العتصام‬

‫والثان ‪ :‬أن الظن هنا هو ترجيح أحد النقيضي على الخر من غي دليل مرجح ‪ ،‬ول شك أنه‬
‫مذموم هنا لنه من التحكم ‪ ،‬ولذلك أتبع ف الية بوى النفس ف قوله ‪" :‬إن يتبعون إل الظن وما‬
‫توى النفس " فكأنم مالوا إل أمر بجرد الغرض والوى ولذلك أثبت ذمه ‪ ،‬بلف الظن الذي‬
‫أثاره دليل ‪ ،‬فإنه غي مذموم ف الملة ‪ ،‬لنه خارج عن اتباع الوى ‪ ،‬ولذلك أثبت وعمل بقتضاه‬
‫حيث يليق العمل بثله كالفروع ‪.‬‬
‫والثالث ‪ :‬أن الظن على ضربي ‪ :‬ظن يستند إل أصل قطعي ‪ ،‬وهذه هي الظنون العمول با ف‬
‫الشريعة أينما وقعت لنا استندت إل أصل معلوم ‪ ،‬فهي من قبيل العلوم جنسه ‪ ،‬وظن ل يستند إل‬
‫ل وهو مذموم ـ كما تقدم ـ وإما مستند إل ظن مثله ‪،‬‬
‫قطعي ‪ ،‬بل إما مستند إل غي شيء أص ً‬
‫فلذلك الظن إن استند أيضا إل قطعي ‪ ،‬فكالول ‪ ،‬أو إل ظن ‪ ،‬رجعنا إليه ‪ ،‬فل بد أن يستند إل‬
‫قطعي ‪ ،‬وهو ممود ‪ ،‬أو إل غي شيء ‪ ،‬وهو مذموم ‪ ،‬فعلى كل تقدير ‪ :‬خب واحد صح سنده ‪،‬‬
‫فل بد من استناده إل أصل ف الشريعة قطعي فيجب قبوله ‪ ،‬ومن هنا قبلناه مطلقا ‪ ،‬كما أن ظنون‬
‫الكفار غي مستندة إل شيء ‪ ،‬فل بد من ردها وعدم اعتبارها ‪ ،‬وهذا الواب الخي مستمد من‬
‫أصل وقع بسطه ف كتابالوافقات والمد ل ‪.‬‬
‫ولقد بالغ بعض الضالي ف رد الحاديث ‪ ،‬ورد قول من اعتمد على ما فيها ‪ ،‬حت عدوا القول به‬
‫مالفا للعقل ‪ ،‬والقائل به معدود ف الجاني ‪.‬‬
‫فحكى أبو بكر العرب عن بعض من لقي بالشرق من النكرين للرؤية ‪ ،‬أنه قيل له ‪ :‬هل يكفر من‬
‫يقول بإثبات رؤية الباري أم ل ؟ فقال ‪ :‬ل ! لنه قال با ل يعقل ‪ ،‬ومن قال با ل يعقل ل يكفر ‪.‬‬
‫قال ابن العرب ‪ :‬فهذه منلتنا عندهم ‪ ،‬فليعتب الوفق با يؤدي إليه اتباع الوى ‪ ،‬أعاذنا ال من ذلك‬
‫بفضله ‪.‬‬
‫وزل بعض الرموقي ف زماننا ف هذه السألة ‪ ،‬فزعم أن خب الواحد كله زعم وهو ما حكى ف الثر‬
‫‪:‬‬
‫" بئس مطية الرجل زعموا " والثر الخر ‪:‬‬
‫" إياكم والظن فإن الظن أكذب الديث " ‪ ،‬وهذه من كلم هذا التأخر زلة عفا ال عنه ‪.‬‬
‫فصل ترصهم على الكلم ف القرآن والسنة‬
‫ومنها ‪ :‬ترصهم على الكلم ف القرآن والسنة العربيي مع العرو عن علم العربية الذي يفهم به عن‬
‫ال ورسوله ‪ ،‬فيفتانون على الشريعة با فهموا ‪ ،‬ويدينون به ‪ ،‬ويالفون الراسخون ف العلم ‪ ،‬وإنا‬
‫دخلوا ذلك من جهة تسي الظن بأنفسهم ‪ ،‬واعتقادهم أنم من أهل الجتهاد والستنباط ‪ ،‬وليسوا‬
‫كذلك ‪ ،‬كما حكي عن بعضهم أنه سئل عن قول ال تعال ‪" :‬ريح فيها صر" فقال ‪ :‬هو هذا‬
‫‪114‬‬

‫الشاطبي‬

‫كتاب العتصام‬

‫الصرصر ‪ ،‬يعن صرار الليل ‪ .‬وعن النظام أنه كان يقول ‪ :‬إذا آل الرء بغي اسم ال ل يكن موليا ‪.‬‬
‫قال ‪ :‬لن اليلء مشتق من اسم ال ‪ ،‬وقال بعضهم ف قول ال تعال ‪" :‬وعصى آدم ربه فغوى" ‪،‬‬
‫لكثرة أكله من السجرة ‪ ،‬يذهبون إل قول العرب غوى الفصيل إذا أكثر من اللب حت بشم ‪ ،‬ول‬
‫يقال فيه غوى ‪ ،‬وإنا غوى من الغي ‪ ،‬وف قوله سبحانه ‪" :‬ولقد ذرأنا لهنم" أي ‪ :‬ألقينا فيها ‪،‬‬
‫كأنه عندهم من قول العرب ذرته الريح وذلك ل يوز لن ذرأنا مهموز وذرته غي مهموز ‪،‬‬
‫وكذلك إذا كان من أذرته الدابة عن ظهرها لعدم المزة ‪ .‬ولكنه رباعي وذرأنا ثلثي ‪.‬‬
‫وحكى ابن قتيبة عن بشر الريسي أنه كان يقول للسائه ‪ :‬قضى ال لكم الوائج على أحسن‬
‫الوجوه وأهيئتها ‪ ،‬فسمع قاسم التمار قوما يضحكون ‪ ،‬فقال ‪ :‬هذا كما قال الشاعر ‪:‬‬
‫ضنت بشيء ما كلن يرزؤها‬
‫إن سليمى وال يكلؤها‬
‫وبشر الريسي رأس ف الرأي ‪ ،‬وقاسم التمار رأس ف على الكلم ‪.‬‬
‫قال ابن قتيبة ‪ :‬واحتجاجه ببشر أعجب من لن بشر ‪ .‬واستدل بعضهم تليل شحم النير بقول ال‬
‫تعال‬
‫‪" :‬ولم النير" فاقتصر على تري اللحم دون غيه ‪ ،‬فدل على أنه حلل ‪ .‬وربا سلم بعض العلماء‬
‫ما قالوا ‪ ،‬وزعم أن الشحم إنا حرم بالجاع ‪ .‬والمر أيسر من ذلك ‪ ،‬فإن اللحم يطلق على الشحم‬
‫وغيه حقيقة ‪ ،‬حت إذا خص بالذكر قيل ‪ :‬شحم كما يقال ‪ :‬عرق ‪ ،‬وعصب ‪ ،‬وجلد ‪ .‬ولو كان‬
‫على ما قالوا لزم أن ل يكون العرق والعصب ول اللد ول الخ ول النخاع ول غي ذلك ما خص‬
‫بالسم مرما ‪ .‬وهو خروج عن القول بتحري النير ‪.‬‬
‫ويكن أن يكون من خفي هذا الباب مذهب الوارج ف زعمهم ‪ :‬أن ل تكيم ‪.‬‬
‫استدللً بقوله تعال ‪" :‬إن الكم إل ل" فإنه مبن على أن اللفظ ورد بصيغة العموم ‪ ،‬فل يلحقه‬
‫تصيص ‪ ،‬فلذلك أعرضوا عن قول ال تعال ‪" :‬فابعثوا حكما من أهله وحكما من أهلها" وقوله ‪:‬‬
‫"يكم به ذوا عدل منكم" وإل فلو علموا تقيقا قاعدة العرب ف أن من العموم ل يرد به الصوص‬
‫ل يسرعوا إل النكار ولقالوا ف أنفسهم هل هذا العام مصوص ؟ فيتأولون ‪ ،‬وف الوضع وجه آخر‬
‫مذكور ف موضع غي هذا ‪ ،‬وكثيا ما يوقع الهل بكلم العرب ف ماز ل يرضى با عاقل ‪ ،‬اعاذنا‬
‫ال من الهل والعمل به بفضله ‪.‬‬
‫فمثل هذه الستدللت ل يعبأ با ‪ ،‬وتسقط مكالة أهلها ‪ ،‬ول يعد خلف أمثالم ‪ ،‬وما استدلوا‬
‫عليه من الحكام الفروعية أو الصولية فهو عي البدعة إذ هو خروج عن طريقة كلم العرب إل‬
‫اتباع الوى ‪ .‬فحق ما حكي عن عمر بن الطاب رضي ال عنه حيث قال ‪ :‬إنا هذا القرآن كلم‬
‫فضعوه مواضعه ول تتبعوا به أهواءكم ‪ .‬أي فضعوه على مواضع الكلم ول ترجوه عن ذلك ‪ ،‬فإنه‬
‫خروج عن طريقة الستقيم إل اتباع الوى ‪.‬‬
‫‪115‬‬

‫الشاطبي‬

‫كتاب العتصام‬

‫وعنه أيضا ‪ :‬إنا أخاف عليكم رجلي ‪ .‬رجل تأول القرآن على غي تأويله ‪ ،‬ورجل ينفس الال على‬
‫أخيه ‪ .‬وعن السن رضي ال تعال عنه أنه قيل له ‪ :‬أرأيت الرجل يتعلم العربية ليقيم با لسانه ويقيم‬
‫با منطقه ؟ قال ‪ :‬نعم ‪ .‬فليتعلمها ‪ ،‬فإن الرجل يقرأ بالية فيعياه توجيهيها فيهلك ‪ .‬وعنه أيضا قال ‪:‬‬
‫أهلكتكم العجمة ‪ ،‬تتأولون القرآن على غي تأويله ‪.‬‬
‫فصل ومنها ‪ :‬انرافهم عن الصول الواضحة‬
‫ومنها ‪ :‬انرافهم عن الصول الواضحة إل اتباع التشابات الت للعقول فيها مواقف ‪ ،‬وطلب الخذ‬
‫با تأويلً ـ كما أخب ال تعال ف كتابه ـ إشارة إل النصارى ف قولم بالثالوثي بقوله ‪" :‬فأما‬
‫الذين ف قلوبم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله" وقد علم العلماء أن كل دليل‬
‫فيه اشتباه وإشكال ليس بدليل ف القيقة ‪ ،‬حت يتبي معناه ويظهر الراد منه ‪ .‬ويشترط ف ذلك أن‬
‫ل يعارضه أصل قطعي ‪ .‬فإذا ل يظهر معناه لجال أو اشتراك أو عارضه قطعي كظهور تشبيه ‪،‬‬
‫فليس بدليل ‪ ،‬لن حقيقة الدليل أن يكون ظاهرا ف نفسه ‪ ،‬ودالً على غيه ‪ ،‬وإل احتيج إل دليل ‪،‬‬
‫ل‪.‬‬
‫فإن دل الدليل على عدم صحته فأحرى أن ل يكون دلي ً‬
‫ل فهي ف‬
‫ول يكن أن تعارض الفروع الزئية الصول الكلية ‪ ،‬لن الفروع الزئية إن ل تقتض عم ً‬
‫مل التوقف ‪ ،‬وإن اقتضت عملً فالرجوع إل الصول هو الصراط الستقيم ‪ .‬ويتناول الزئيات حت‬
‫إل الكليات ‪ .‬فمن عكس المر حاول شططا ودخل ف حكم الذم ‪ ،‬لن متبع الشبهات مذموم ‪.‬‬
‫فكيف يعتد بالتشابات دليلً ؟ أو يبن عليها حكم من الحكام ؟ وإذا ل تكن دليلً ف نفس المر‬
‫فجعلها بدعة مدثة هو الق ‪.‬‬
‫ومن المثلة أيضا أن جاعة زعموا أن القرآن ملوق تعلقا بالتشابه ‪ ،‬والتشابه الذي تعلقوا به على‬
‫وجهي ‪ :‬عقلي ـ ف زعمهم ـ وسعي ‪.‬‬
‫فالعقلي أن صفة الكلم من جلة الصفات ‪ ،‬وذات ال عندهم برئية من التركيب جلة ‪ ،‬وإثبات‬
‫صفات الذات قول بتركيب الذات ‪ ،‬وهو مال ‪ .‬لنه واحد على الطلق ‪ ،‬فل يكن أن يكون‬
‫متكلما بكلم قائم به ‪ ،‬كما ل يكون قادرا بقدرة قائمة به ‪ ،‬أو عالا بعلم قائم به ‪ ،‬إل سائر‬
‫الصفات ‪.‬‬
‫وأيضا فالكلم ل يعقل إل بأصوات وحروف ‪ ،‬وكل ذلك من صفات الحدثات ‪ ،‬والباري تنه عنها‬
‫‪ .‬وبعد هذا الصل يرجعون إل تأويل قوله سبحانه ‪" :‬وكلم ال موسى تكليما" وأشباهه ‪.‬‬
‫وأما السمعي فنحو قوله تعال ‪" :‬ال خالق كل شيء " والقرآن إما أن يكون شيئا ‪ ،‬أو ل شيء ‪،‬‬
‫ول شيء عدم ‪ ،‬والقرآن ثابت ‪ ،‬هذا خلف ‪ .‬وإن كان شيئا فقد شلته الية فهو إذا ملوق ‪ .‬وبذا‬
‫استدل الريسي على عبد العزيز الكي رحه ال تعال ‪.‬‬
‫‪116‬‬

‫الشاطبي‬

‫كتاب العتصام‬

‫أما تركهم للقاعدة فلم ينظروا ف قوله تعال ‪" :‬ليس كمثله شيء " وهذه الية نقلية عقلية ‪ ،‬لن‬
‫الشابه للمخلوق ف وجه ما ‪ ،‬ملوق مثله ‪ .‬إذ ما وجب للشيء وجب لثله ‪ .‬فكما تكون الية دليلً‬
‫ل لؤلء ‪ ،‬لنم عاملوه ف التنيه معاملة الخلوق ‪ ،‬حيث توهوا أن اتصاف‬
‫على نفي الشبه تكون دلي ً‬
‫ذاته بالصفات يقتضي التركيب ‪.‬‬
‫وأما تركهم لعان الطاب ‪ ،‬فإن العرب ل تفهم من قوله ‪" :‬السميع البصي" و "السميع العليم" أو‬
‫"القدير" ‪ ،‬وما اشبه ذلك إل من له سع وبصر وعلم وقدرة اتصف با ‪ ،‬فإخراجها عن حقائق‬
‫معانيها الت نزل القرآن با خروج عن أم الكتاب إل اتباع ما تشابه منه من غي حاجة ‪.‬‬
‫وحيث ردوا هذه الصفات إل الحوال الت هي العالية والقادرية ‪ ،‬فما ألزموه ف العلم والقدرة لزم‬
‫لم ف العالية والقادرية ‪ ،‬لنا إما موجودة فيلزم التركيب ‪ ،‬أو معدومة ‪ ،‬والعدم نفي مض ‪.‬‬
‫وأما كون الكلم هو الصوات والروف ‪ .‬فبناء على عدم النظر ف الكلم النفسي ‪ ،‬وهو مذكور ف‬
‫الًول ‪.‬‬
‫وأما الشبهة السمعية فكأنا عندهم بالتبع ‪ ،‬لن العقول عندهم هي العمدة العتمدة ‪ .‬ولكنهم يلزمهم‬
‫بذلك الدليل مثل ما مر وال لن قوله تعال ‪" :‬ال خالق كل شيء " إما أن يكون على عمومه ل‬
‫يتخلف عنه شيء ‪ ،‬أو ل ‪ .‬فإن كان على عمومه ‪ ،‬فتخصيصه إما بغي دليل ـ وهو التحكم ـ وإما‬
‫بدليل ‪ ،‬فأبرزوا حت ننظر فيه ‪ .‬ويلزم مثله ف الرادة إن ردوا الكلم إليها ‪ ،‬وكذلك غيها من‬
‫الصفات إن قرأوا با ‪ ،‬أو الحوال إن أنكروها ‪ ،‬وهذا الكلم معهم بسب الوقت ‪.‬‬
‫والذي يليق بالسألة أنواع أخر من الدلة الت تقتضي كون هذا الذهب بدعة ل يلئم قواعد الشريعة‬
‫‪.‬‬
‫ومن أغرب ما يوضع ههنا ما حكاه السعودي وذكره الجري ـ ف كتاب الشريعة ـ بأبسط ما‬
‫ذكره السعودي ‪ .‬واللفظ هنا للمسعودي مع إصلح بعض اللفاظ ‪،‬قال ‪ :‬ذكر صال بن علي‬
‫الاشي قال ‪ :‬حضرت يوما من اليام جلوس الهتدي للمظال ‪ ،‬فرأيت من سهولة الوصول ونفوذ‬
‫الكتب عنه إل النواحي فيما يتظلم به إليه ما استحسنته ‪ ،‬فأقبلت أرمقه ببصري إذا نظر ف القصص ‪،‬‬
‫فإذا رفع طرفه إل أطرقت ‪ ،‬فكأنه علم ما ف نفسي ‪.‬‬
‫فقال ل ‪ :‬يا صال أحسب أن ف نفسك شيئا تب أن تذكره ـ قال ـ فقلت ‪ :‬نعم يا أمي الؤمني‬
‫ل ‪ ،‬فقمت إليه‬
‫‪ .‬فأمسك ‪ .‬فلما فرغ من جلوسه أمر أن ل أبرح ‪ ،‬ونض ‪ ،‬فجلست جلوسا طوي ً‬
‫وهو على حصي الصلة فقال ل ‪ :‬يا صال أتدثن با ف نفسك ؟ أم أحدثك ؟ فقلت ‪ :‬بل هو أمي‬
‫الؤمني أحسن ‪.‬‬
‫فقال ‪ :‬كأنن بك وقد استحسنت من ملسنا ‪ ،‬فقلت ‪ :‬أي خليفة خليفتنا ‍ إن ل يكن يقول بقول‬
‫أبيه من القول بلق القرآن ‪ .‬فقال ‪ :‬قد كنت على ذلك برهة من الدهر ‪ ،‬حت أقدم علي الواثق‬
‫‪117‬‬

‫الشاطبي‬

‫كتاب العتصام‬

‫شيخا من أهل الفقه والديث من أذنة من الثغر الشامي ‪ ،‬مقيدا طوا ًل ‪ ،‬حسن الشبيه ‪ ،‬فسلم غي‬
‫هائب ‪ ،‬ودعا فأوجز ‪ ،‬فرأيت الياء منه ف حاليق عين الواثق والرحة عليه ‪.‬‬
‫فقال ‪ :‬يا شيخ أجب أبا عبد ال أحد بن أب داؤد عما يسألك عنه ‪ ،‬فقال ‪ :‬يا أمي الؤمني أحد‬
‫يصغر ويضعف ويقل عند الناظرة ‪ ،‬فرأيت الواثق وقد صار مكان الرحة غضبا عليه ‪ .‬فقال ‪ :‬أبو‬
‫عبد ال يصغر ويضعف ويقل عند مناظرتك ؟ فقال ‪ :‬هون عليك يا أمي الؤمني ‪ ،‬أتأذن ل ف‬
‫كلمه ؟ فقال له الواثق ‪ :‬قد أذنت ذلك ‪.‬‬
‫فأقبل الشيخ على أحد فقال ‪ :‬يا أحد إلم دعوت الناس ؟ فقال أحد ‪ :‬إل القول بلق القرآن ‪،‬‬
‫فقال له الشيخ ‪ :‬مقالتك هذه الت دعوت الناس إليها من القول بلق القرآن أداخله ف الدين فل‬
‫يكون الدين تاما إل بالقول با ؟ قال ‪ :‬نعم ‪ .‬قال الشيخ ‪ :‬فرسول ال صلى ال عليه وسلم دعا‬
‫الناس إليها أم تركهم ؟ قال ‪ :‬ل ‪ .‬قال له ‪ :‬يعلمها أم ل يعلمها ؟ قال ‪ :‬علمها ‪ .‬قال ‪ :‬فلم دعوت‬
‫الناس إل ما ل يدعهم رسول ال صلى ال عليه وسلم إليه وتركهم منه ؟ فأمسك ‪ ،‬فقال الشيخ ‪ :‬يا‬
‫أمي الؤمني هذه واحدة ‪.‬‬
‫ث قال له ‪ :‬أخبن يا أحد ‪ ،‬قال ال تعال ف كتابه العزيز ‪" :‬اليوم أكملت لكم دينكم" ‪ ،‬فقلت أنت‬
‫‪ :‬الدين ل يكون تاما إل بقالتك بلق القرآن ‪ ،‬فال تعال عز وجل صدق ف تام وكماله أم أنت ف‬
‫نقصانك ؟ فأمسك ‪ ،‬فقال الشيخ ‪ :‬يا أمي الؤمني ‪ ،‬وهذه ثانية ‍‍‪.‬‬
‫ث قال بعد ساعة ‪ :‬أخبن يا أحد ‪ ،‬قال ال عز وجل ‪" :‬يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك‬
‫وإن ل تفعل فما بلغت رسالته" فمقالتك هذه الت دعوت الناس إليها فيما بلغه رسول ال صلى ال‬
‫عليه وسلم إل المة أم ل ؟ فأمسك ‪ ،‬فقال الشيخ ‪ :‬يا أمي الؤمني ‪ ،‬وهذه ثالثة ‍‪ .‬ث قال بعد ساعة‬
‫‪ :‬أخبن يا أحد‍ ‍‍‪.‬‬
‫لا علم رسول ال صلى ال عليه وسلم مقالتك هذه الت دعوت الناس إليها ‪ :‬اتسع له عن أن أمسك‬
‫عنهم أم ل ؟ قال أحد ‪ :‬بل اتسع له ذلك ‪ .‬فقال الشيخ ‪ :‬وكذلك لب بكر ؟ وكذلك لعمر ؟‬
‫وكذلك لعثمان ؟ وكذلك لعلي ؟ رحة ال عليهم قال ‪ :‬نعم ‪ ،‬فصرف وجهه إل الواثق وقال ‪ :‬يا‬
‫أمي الؤمني ‍‍‪ :‬إذا ل يتسع لنا ما اتسع لنا ما اتسع لرسول ال صلى ال عليه ولصحابه فل وسع ال‬
‫علينا ‪ .‬ث قال الواثق ‪ :‬اقطعوا قيوده ‪ .‬فلما فكت جاذب عليها ‪ .‬فقال الواثق ‪ :‬دعوه ‪ .‬ث قال ‪ :‬يا‬
‫شيخ ل جاذبت عليها ؟ قال لن عقدت ف نيت أن أجاذب عليها ‪ ،‬فإذا أخذتا أوصيت أن تعل‬
‫بي يدي وكفي ‪ .‬ث أقول ‪ :‬يا رب ‍‪ ،‬سل عبدك ‪ :‬ل قيدن ظلما وارتاع ب أهلي ؟ فبكى الواثق‬
‫والشيخ وكل من حضر ‪ .‬ث قال له الواثق ‪ :‬يا شيخ ‪ :‬اجعلن ف حل ‪ .‬فقال ‪ :‬يا أمي الؤمني ‪ :‬ما‬
‫خرجت من منل حت جعلتك ف حل إعظاما لرسول ال صلى ال عليه وسلم ‪ ،‬ولقرابتك منه ‪.‬‬
‫فتهلل وجه الواثق وسر ‪ ،‬ث قال له ‪ :‬أقم عندي آنس بك ‪ .‬فقال له ‪ :‬مكان ف ذلك الثغر أنفع ‪،‬‬
‫‪118‬‬

‫الشاطبي‬

‫كتاب العتصام‬

‫وأنا شيخ كبي ‪ ،‬ول حاجة ‪ .‬قال ‪ :‬سل ما بدا لك ‪ .‬قال ‪ :‬يأذن أمي الؤمني ف رجوعي إل الوضع‬
‫الذي أخرجن منه هذا الظال ‪ .‬قال ‪ :‬قد أذنت لك ‪ .‬وأمر له بائزة فلم يقبلها ‪ .‬فرجعت من ذلك‬
‫الوقت عن تلك القالة ‪ ،‬وأحسب أيضا أن الواثق رجع عنها ‪.‬‬
‫فتأملوا هذه الا\كاية ففيها عبة لول اللباب ز وأنظروا كيف مأخذ الصوم ف لفحامهم‬
‫لصومهم بالرد عليهم بكتاب ال وسنة نبيه صلى ال عليه وسلم ‪.‬‬
‫ومدار الغلط ف هذا الفصل إنا هو على حرف واحد ‪ .‬وهو الهل بقاصد الشرع ‪ ،‬وعدم ضم‬
‫أطرافه بعضها لبعض ‪ .‬فإن مأخذ الدلة عند الئمة الراسخي إنا هو على أن تؤخذ الشريعة‬
‫كالصورة الواحدة بسب ما ثبت من كلياتا وجزئياتا الرتبة عليها ‪ ،‬وعامها الرتب على خاصها ‪،‬‬
‫ومطلقها الحمول على مقيدها ‪ ،‬ومملها الفسر بينهما ‪ ،‬إل ما سوى ذلك من مناحيها ‪ ،‬فإذا حصل‬
‫للناظر من جلتها حكم من الحكام فلذلك الذي نظمت به حي استنبطت ‪.‬‬
‫وما مثلها إل مثل النسان الصحيح السوي ‪ ،‬فكما أن النسان ل يكون إنسانا حت يستنطق فل‬
‫ينطق باليد وحدها ول بالرجل وحدها ول بالرأس وحده زل باللسان وحده ‪ ،‬بل بملته الت سي‬
‫با إنسانا ‪ .‬كذلك الشريعة ل يطلب منها الكم على حقيقة الستنباط إل بملتها ‪ ،‬ل من دليل‬
‫منها أي كان نطق ذلك الدليل ‪ .‬فإنا هو توهي ل حقيقي ‪ ،‬كاليد إذا استنقطت فإنا تنطق توها ل‬
‫حقيقة ‪ ،‬من حيث علمت أنا يد إنسان ل من حيث هي إنسان لنه مال ‪.‬‬
‫فشأن الراسخي تصور الشريعة صورة واحدة يدم بعضها كأعضاء افنسان إذا صورت صورة مثمرة‬
‫‪.‬‬
‫وشأن متبعي التشابات أخذ دليل ما أي كان عفوا وأخذا أوليا ‪ ،‬وإن كان ث ما يعارضه من كلي‬
‫أو جزئي ‪ .‬فكأن العضو الواحد ل يعطى ف مفهوم أحكام الشريعة حكما حقيقيا ‪ .‬فمتبعه متبع‬
‫متشابه ‪ ،‬ول يتبعه إل من ف قلبه زيغ كما شهد ال به ‪ " :‬ومن أصدق من ال قيل " ‪.‬‬
‫فصل وعند ذلك نقول‬
‫وعند ذلك نقول ‪:‬‬
‫من اتباع التشابات الخذ بالطلقات قبل النظر ف مقيداتا ‪ ،‬وبالعمومات من غي تأمل هل لا‬
‫مصصات أم ل ؟ وكذلك العكس ‪ ،‬بأن يكون النص مقيدا فيطلق ‪ ،‬أو خاصا فيعم بالرأي من غي‬
‫دليل سواه ‪ .‬فإن هذا السلك رمي ف عماية ‪ ،‬واتباع للهوى ف الدليل ‪ ،‬وذلك أن الطلق النصوص‬
‫على تقييده مشتيه إذا ل يقيد ‪ ،‬فإذا قيد صار واضحا ‪ ،‬كما أن إطلق القيد رأي ف ذلك القيد‬
‫معارض للنص من غي دليل ‪.‬‬

‫‪119‬‬

‫الشاطبي‬

‫كتاب العتصام‬

‫فمثال الول ‪ :‬أن الشريعة قد ورد طلبها على الكلفي على الطلق والعموم ‪ ،‬ول يرفعها عذر إل‬
‫العذر الرافع للخطاب رأسا ‪ ،‬وهو زوال العقل ‪ ،‬فلو بلغ الكلف ف مراتب الفضائل الدينية إل أي‬
‫رتبة بلغ ‪ ،‬بقي التكليف عليه كذلك إل الوت ول رتبة لحد يبلغها ف الدين كرتبة رسول ال صلى‬
‫ال عليه وسلم ‪ ،‬ث رتبة أصحابه البرة ‪ ،‬ول يسقط عنهم من التكليف مثقال ذرة ‪ ،‬إل ما كان من‬
‫تكليف ما ل يطاق بالنسبة إل الحاد ‪ ،‬كالزمن ل يطالب بالهاد ‪ ،‬والقعد ل يطالب بالصلة قائما‬
‫‪ ،‬والائض ل تطالب بالصلة الخاطب با ف حال حيضها ‪ ،‬ول ما أشبه ذلك ‪.‬‬
‫فمن رأى أن التكليف قد يرفعه البلوغ إل مرتبة ما من مراتب الدين ـ كما يقوله أهل الباحة ـ‬
‫كان قوله بدعة مرجة عن الدين ‪.‬‬
‫ومنه دعاوى أهل البدع على الحاديث الصحيحة مناقضتها للقرآن ‪ ،‬أو مناقضة بعضها بعضا ‪،‬‬
‫وفساد معانيها ‪ ،‬أو مالفتها للعقول ـ كما حكموا بذلك ف قوله صلى ال عليه وسلم للمتحاكمي‬
‫إليه ‪:‬‬
‫"والذي نفسي بيده لقضي بينكما بكتاب ال ‪ :‬مائة الشاة والادم رد عليك ‪ ،‬وعلى ابنك جلد مائة‬
‫وتغريب عام ‪ ،‬وعلى الرأة هذه الرجم واغد يا أنيس على امرأة هذا فإن اعترفت فارجها" فغدا عليها‬
‫فاعترفت ‪ ،‬فرجها ‪ .‬قالوا ‪ :‬هذا مالف لكتاب ال ‪ .‬لنه قضى بالرجم والتغريب ‪ ،‬وليس للرجم ول‬
‫ل فهو ما أردنا ‪ ،‬وإن كان حقا فقد ناقض كتاب‬
‫للتغريب ف كتاب ال ذكر ‪ ،‬فإن كان الديث باط ً‬
‫ال بزيادة الرجم والتغريب ‪.‬‬
‫فهذا اتباع للمتشابه ‪ ،‬لن الكتاب ف كلم العرب وف الشرع على وجوه ‪ :‬منها الكم والفرض‬
‫كقوله تعال ‪" :‬كتاب ال عليكم" ‪ ،‬وقال تعال ‪" :‬كتب عليكم الصيام" "وقالوا ربنا ل كتبت علينا‬
‫القتال" فكان العن ‪ :‬لقضي بينكما بكتاب ال ‪ ،‬أي بكم ال الذي شرع لنا ‪ .‬كما أن الكتاب‬
‫يطلق على القرآن ‪ ،‬فتخصيصهم الكتاب بأحد الحامل من غي دليل اتباع لا تشابه من الدلة ‪.‬‬
‫وف الديث ‪:‬‬
‫"مثل أمت كمطر ل يدري أوله خي أم آخره؟" قالوا ‪ :‬فهذا يقتضي أنه ل يثبت لول هذه المة فضل‬
‫على الصوص دون آخرها ول العكس ث نقل ‪:‬‬
‫"إن السلم بدىء غريبا وسيعود غريبا كما بدىء فطوب للغرباء" ‪ ،‬فهذا يقتضي تفضيل الولي‬
‫والخرين على الوسط ‪ .‬ث نقل ‪:‬‬
‫"خي القرون قرن ث الذين يلونم ث الذين يلونم" ‪ ،‬فاقتضي أن الولي أفضل على الطلق ‪.‬‬
‫قالوا ‪ :‬فهذا تناقض ‪ .‬وكذبوا ‪ ،‬ليس ث تناقض ول اختلف ‪.‬‬
‫ل‪،‬‬
‫وذلك أن التعارض إذا ظهر لبادي الرأي ف القولت الشرعية ‪ .‬فإما أن ل يكن المع بينهما أص ً‬
‫وإما أن يكن فإن ل يكن فهذا الفرض بي قطعي وظن ‪ ،‬أو بي ظني ‪ ،‬فأما بي قطعيي فل يقع ف‬
‫‪120‬‬

‫الشاطبي‬

‫كتاب العتصام‬

‫الشريعة ‪ ،‬ول يكن وقوعه ‪ ،‬لن تعارض القطعيي مال ‪ .‬فإن وقع بي قطعي وظن بطل الظن ‪ ،‬وإن‬
‫وقع بي ظنيي فههنا للعلماء فيه الترجيح ‪ ،‬والعمل بالرجح متعي ‪ ،‬وإن أمكن المع ـ فقد اتفق‬
‫النظار على إعمال وجه المع ‪ ،‬وإن كان وجه المع ضعيفا ‪ ،‬فإن المع أول عندهم ‪ ،‬وإعمال‬
‫الدلة أول من إهال بعضها ‪ ،‬فهؤلء البتدعة ل يرفعوا بذا الصل رأسا ‪ ،‬إما جهلً به أو عنادا ‪.‬‬
‫فإذا ثبت هذا فقوله ‪ " :‬خي القرون قرن" هو الصل ف الباب فل يبلغ أحد منا مبلغ الصحابة رضي‬
‫ال عنهم ‪ .‬وما سواه يتمل التأويل على حال أو زمان أو ف بعض الوجوه ‪.‬‬
‫وأما قوله ‪" :‬فطوب للغرباء" ل نص فيه على التفضيل الشار إليه ‪ ،‬بل هو دليل على جزاء حسن ‪،‬‬
‫ويبقى النظر ف كونم مثل جزاء الصحابة أو دونه أو فوقه متمل ‪ ،‬فليس ف الديث عليه دليل ‪ ،‬فل‬
‫بد من حله الصل ول إشكال ‪.‬‬
‫ومن ذلك قولم بالتناقض ف قوله صلى ال عليه وسلم ‪:‬‬
‫"ل تفضلون على يونس بن مت ول تيوا بي النبياء وبين" وقوله ‪:‬‬
‫"أنا سيد ولد آدم ول فخر" ووجه المع بينمها ظاهر ‪.‬‬
‫ومنه أنم قالوا ف قوله صلى ال عليه وسلم ‪:‬‬
‫"إذا استيقظ أحدكم من نومه فل يغمس يده ف الناء حت يغسلها ثلثا ‪ ،‬فإن أحدكم ل يدري أين‬
‫باتت يده" ‪ :‬إن هذا الديث يفسد آخره أوله ‪ ،‬فإن أوله صحيح لول قوله ‪ :‬فإن أحدكم ل يدري‬
‫كذا ‪ .‬فما منا أحد إل درى أين باتت يده ‪ .‬وأشد المور أن يكون مس با فرجه ‪ ،‬ولو أن رجلً‬
‫فعل ذلك ف اليقظة لا طلب بغسل يده ‪ .‬فكيف يطلب بالغسل ول يدري هل مس فرجه أم ل ؟‬
‫وهذا العتراض من النمط الذي قبله ‪ :‬إذ النائم قد يس فرجه فيصيبه شيء من ناسة ف الحل لعدم‬
‫استنجاء تقدم النوم ‪ ،‬أو يكون استجمر فوق موضع الستجمار ‪ ،‬وهو لو كان يقظان فمس لعلم‬
‫بالنجاسة إذا علقت بيده فيغسلها ف الناء لئل يفسد الاء ‪ .‬وإذا أمكن هذا ل يتوجه العتراض ‪.‬‬
‫فجميع ما ذكر ف هذا الفصل راجع إل إسقاط الحاديث بالرأي الذموم الذي تقدم الستشهاد عليه‬
‫أنه من البدع الحدثات ‪.‬‬
‫فصل ومنها ‪ :‬تريف الدلة عن مواضعها‬
‫ومنها ‪ :‬تريف الدلة عن مواضعها ‪ .‬بأن يرد الدليل على مناط فيصرف عن ذلك الناط إل أمر آخر‬
‫موها أن الناطي واحد ‪ ،‬وهو من خفيات تريف الكلم عن مواضعه والعياذ بال ‪ .‬ويغلب على‬
‫الظن أن من أقر بالسلم ‪ ،‬ويذم تريف الكلم عن مواضعه ‪ ،‬ل يلجأ إليه صراحا إل مع اشتباه‬
‫يعرض له ‪ ،‬أو جهل يصده عن الق ‪ ،‬مع هوى يعميه عن أخذ الدليل مأخذه ‪ ،‬فيكون بذلك السبب‬
‫مبتدعا ‪.‬‬
‫‪121‬‬

‫الشاطبي‬

‫كتاب العتصام‬

‫وبيان ذلك أن الدليل الشرعي إذا اقتضى أمرا ف الملة ما يتعلق بالعبادات ـ مثلً فأتى به الكلف‬
‫ف الملة أيضا ‪ ،‬كذكر ال والدعاء والنوافل الستحبات وما أشبهها ما يعلم من الشارع فيها‬
‫التوسعة ‪ .‬كان الدليل عاضدا لعلمه من جهتي ‪ :‬من جهة معناه ‪ ،‬ومن جهة عمل السلف الصال‬
‫به ‪ ،‬فإن أتى الكلف ف ذلك المر بكيفية مصوصة ‪ ،‬أو زمان مصوص ‪ ،‬أو مكان مصوص ‪ ،‬أو‬
‫مقارنا لعباده مصوصة ‪ ،‬والتزم ذلك بيث صار متخيلً أن الكيفية ‪ ،‬أو الزمان ‪ ،‬أو الكان ‪ ،‬مقصود‬
‫شرعا من غي أن يدل الدليل عليه ‪ .‬كان الدليل بعزل عن ذلك العن الستدل عليه ‪.‬‬
‫فإذا ندب الشرع مثلً إل ذكر ال فالتزم قوم الجتماع عليه على لسان واحد وبصوت أو ف وقت‬
‫معلوم مصوص عن سائر الوقات ـ ل يكن ف ندب الشرع ما يدل على هذا التخصيص اللتزم ‪،‬‬
‫بل فيه ما يدل على خلفه ‪ ،‬لن التزام المور غي اللزمة شرعا شأنا أن تفهم التشريع ‪ ،‬وخصوصا‬
‫مع من يقتدى به ف مامع الناس كالساجد ‪ .‬فإنا إذا ظهرت هذا الظهار ‪ ،‬ووضعت ف الساجد‬
‫كسائر الشعائر الت وضعها رسول ال صلى ال عليه وسلم ف الساجد وما أشبهها كالذان وصلة‬
‫العيدين والستسقاء والكسوف ـ فهم منها بل شك أنا سنن إذا ل تفهم منها الفرضية ‪ ،‬فأحرى‬
‫أن ل يتناولا الدليل الستدل به فصارت من هذه الهة بدعا مدثة بذلك ‪.‬‬
‫وعلى ذلك ترك التزام السلف لتلك الشياء أو عدم العمل با ‪ ،‬وهم كانوا أحق با وأهلها لو كانت‬
‫مشروعة على مقتضى القواعد ‪ ،‬لن الذكر قد ندب إليه الشرع ندبا ف مواضع كثية ‪ ،‬حت إنه ل‬
‫يطلب ف تكثي عبادة من العبادات ما طلب من التكثي من الذكر ‪ ،‬كقوله تعال ‪" :‬يا أيها الذين‬
‫آمنوا اذكروا ال ذكرا كثيا " الية وقوله ‪" :‬وابتغوا من فضل ال واذكروا ال كثيا لعلكم تفلحون‬
‫" بلف سائر العبادات ‪.‬‬
‫ومثل هذا الدعاء فإنه ذكر ال ‪ .‬ومع ذلك فلم يلتزموا فيه كيفيات ‪ ،‬ول قيدوه بأوقات مصوصة‬
‫بيث تشعر بيث تشعر باختصاص التعبد بتلك الوقات ‪ ،‬إل ما عينه الدليل كالغداة والعشي ‪ .‬ول‬
‫أظهروا منه إل ما نص الشارع على إظهاره كالذكر ف العيدين وشبهه ‪ ،‬وما سوى فكانوا مثابرين‬
‫على إخفائه وسره ‪ .‬ولذلك قال لم حي رفعوا أصواتم ‪:‬‬
‫"أربعوا على أنفسكم إنكم ل تدعون أصم ول غائبا" واشباهه ‪ ،‬ول يظهرون ف الماعات ‪.‬‬
‫فكل من خالف هذا الصل فقد خالف إطلق الدليل أو ًل ‪ ،‬لنه قيد فيه بالرأي ‪ .‬وخالف من كان‬
‫أعرف منه بالشريعة وهم السلف الصال رضي ال عنهم ‪ ،‬بل ‪:‬‬
‫كان رسول ال صلى ال عليه وسلم يترك العمل وهو يب أن يعمل به خوفا أن يعمل به الناس‬
‫فيفرض عليهم ‪.‬‬
‫وف فصل من الوافقات جلة من هذا ‪ ،‬وهو مزلة قدم ‪ .‬فقد يتوهم أن إطلق اللفظ يشعر بواز كل‬
‫ما يكن ف مدلوله وقوعا وليس خصوصا ف العبادات ‪ ،‬فإنا ممولة على التعبد على حسب ما تلقي‬
‫‪122‬‬

‫الشاطبي‬

‫كتاب العتصام‬

‫عن النب صلى ال عليه وسلم والسلف الصال ‪ ،‬كالصلوات حي وضعت بعيدة عن مدارك العقول‬
‫ف أركانا وترتيبها وأزمانا وكيفياتا ومقاديرها ‪ ،‬وسائر ما كان مثلها ـ حسبما يذكر ف باب‬
‫الصال الرسلة من هذا الكتاب إن شاء ال تعال ـ فل يدخل العبادات الرأي والستحسان هكذا‬
‫مطلقا لنه كالناف لوضعها ‪ ،‬ولن العقول ل تدرك معانيها على التفصيل ‪.‬‬
‫وكذلك حافظ العلماء على ترك إجراء القياس فيها ‪ ،‬كمالك بن أنس رضي ال عنه ‪ ،‬فإنه حافظ‬
‫على طرح الرأي جدا ‪ ،‬ول يعمل فيها من أنواع القياس إل قياس نفي الفارق حيث اضطر إليه ‪،‬‬
‫وكذلك غيه من العلماء ‪ ،‬وإن تفاوتوا فهم مافظون جيعا ف العبادات على التباع لنصوصها‬
‫لـ‬
‫ومنقولتا ‪ ،‬بلف غيها فبحسبها ل مطلقا ‪ ،‬فإن النسان قد أمر بذلك ف الملة ـ مث ً‬
‫فالخصص كالخالف لفهوم التوسعة ‪ ،‬وإن ل يفهم من ذلك توسعه فل بد من الرجوع إل أصل‬
‫الوقف من النقول ‪ ،‬لنا إن خرجنا عنه شككنا ف كون العبادة على ذلك الوجه مشروعة على‬
‫الطريقتي النبه عليهما ف كتاب الوافقات ‪ ،‬فيتعي الرجوع إل النقول وقوفا من غي زيادة ول‬
‫نقصان ‪.‬‬
‫ث إذا فهمنا التوسعة ‪ :‬فل بد من اعتبار أمر آخر ‪ ،‬وهو أن يكون العمل بيث ل يوهم التخصيص‬
‫زمانا دون غيه ‪ ،‬أو مكانا دون غيه ‪ ،‬أو كيفية دون غيها أو يوهم انتقال الكم من الستحباب‬
‫ـ مثلً ـ إل السنة أو الفرض ‪ .‬لنه قد يكون الدوام عليه على كيفية ما ‪ ،‬ف مامع الناس أو‬
‫مساجد الماعات أو نو ذلك موها لكونه سنة أو فرضا ‪ .. .‬بل هو كذلك ‪.‬‬
‫أل ترى أن كل ما أظهره رسول ال صلى ال عليه وسلم وواظب عليه جاعة إذا ل يكن فرضا فهو‬
‫سنة عند العلماء ‪ ،‬كصلة العيدين والستسقاء والكسوف ونو ذلك ؟ بلف قيام الليل وسائر‬
‫النوافل ‪ ،‬فإنا مستحبات ‪ ،‬وندب صلى ال عليه وسلم إل إخفائها ‪ :‬وإنا يضر إذا كانت تشاع‬
‫ويعلن با ‪.‬‬
‫ومن أمثلة هذا الصل التزام الدعاء بعد الصلوات باليئة الجتماعية معلنا با ف الماعات ‪ .‬وسيأت‬
‫بسط ذلك ف بابه إن شاء ال تعال ‪.‬‬
‫فصل ومنها ‪ :‬بناء طائفة منهم الظواهر الشرعية على تأويلت ل تعقل‬
‫ومنها ‪ :‬بناء طائفة منهم الظواهر الشرعية على تأويلت ل تعقل ـ يدعون فيها أنا هي القصود‬
‫والراد ‪ ،‬ل ما يفهم العرب ـ مسندة عندهم إل أصل ل يعقل وذلك أنم فيما ذكره العلماء ‪ :‬قوم‬
‫ل ‪ ،‬وإلقاء ذلك فيما بي الناس لينحل الدين ف أيديهم ‪ ،‬فلم‬
‫أرادوا إبطال الشريعة جلةً وتفصي ً‬
‫يكنهم إلقاء ذلك صراحا ‪ ،‬فيد ذلك ف وجوههم ‪ ،‬وتتد إليهم أيدي الكام ‪ ،‬فصرفوا إعناقهم إل‬
‫التحيل على ما قصدوا بأنواع من اليل من جلهتا صرف الم من الظواهر إحالة على أن لا بواطن‬
‫‪123‬‬

‫الشاطبي‬

‫كتاب العتصام‬

‫هي القصودة ‪ ،‬وأن الظواهر غي مرادة ‪ .‬فقالوا ‪ :‬كل ما ورد ف الشرع من الظواهر ف التكاليف‬
‫والشر والنشر ‪ ،‬والمور اللية فهي أمثلة ورموز إل بواطن ‪.‬‬
‫فمما زعموا ف الشرعية ‪ :‬أن النابة مبادرة الداعي للمستجيب بإفشاء سر إليه قبل أن ينال رتبة‬
‫الستحقاق ‪ .‬ومعن الغسل تديد العهد على من فعل ذلك ‪ .‬ومعن مامعة البهيمة مقابة من ل عهد‬
‫له ول يؤد شيئا من صدقة النجوى ـ وهو مائة وتسعة عشر درها ـ قالوا ‪ :‬فلذلك أوجب الشرع‬
‫القتل على الفاعل والفعول به ‪ ،‬وإل فالبهيمة مت يب القتل عليها ؟‬
‫والحتلم أن يسبق لسانه إل إفشاء السر ف غي مله ‪ ،‬فعليه الغسل ‪ ،‬أي تديد العاهدة والطهر هو‬
‫التبؤ من اعتقاد كل مذهب سوى متابعة المام ‪ .‬والتيمم الخذ من الأذون إل أن يسعد بشاهدة‬
‫الداعي والمام ‪ .‬والصيام هو المساك عن كشف السر ‪.‬‬
‫ولم من هذا الفك كثي ف المور اللية ن وأمور التكليف ‪ ،‬وأمور الخرة ‪ .‬وكله حوم على‬
‫إبطال الشريعة جلةً وتفصيلً ‪ ،‬إذ هم ثنوية ودهرية وإباحية ‪ ،‬منكرون للنبوة والشرائع والشر‬
‫والنشر والنة والنار واللئكة ‪ ،‬بل هم منكرون للربوبية ‪ .‬وهم السمون بالباطنية ‪.‬‬
‫وربا تسكوا بالروف والعداد بأن الثقب ف رأس الدمي سبع ‪ ،‬والكواكب السيارة سبع ‪ ،‬وأيام‬
‫السبوع سبع ‪ ،‬فهذا يدل على أن دور الئمة سبعة ‪ ،‬وبه يتم ‪ .‬وأن الطبائع أربع ‪ ،‬وفصول السنة‬
‫أربع ‪ ،‬فدل على أن أصول الربعة هي السابق والتال اللان ـ عندهم ‪ ،‬والناطق والساس ـ وها‬
‫المامان ـ والبوج اثنا عشر يدل على أن الجج اثنا عشر ‪ ،‬وهم الدعاة ‪ ،‬إل أنواع من هذا القبيل‬
‫‪ .‬وجيعها ليس فيه ما يقابل بالرد ‪ ،‬لن كل طائفة من البتدعة سوى هؤلء ربا يتمسكون بشبهة‬
‫تتاج إل النظر فيها معهم ‪ .‬أما هؤلء فقد خلعوا ف الذيان ( الربقة ) ‪ ،‬وصاروا عرضة للمز ‪،‬‬
‫وضحك ًة للعالي ‪ .‬وإنا ينسبون هذه الباطيل إل المام العصوم الذي زعموه ‪ ،‬وإبطال الئمة معلوم‬
‫ف كتب التكلمي ‪ .‬ولكن ل بد من نكتة متصرة ف الرد عليهم ‪.‬‬
‫فل يلو أن يكون ذلك عندهم إما من جهة دعوى الضرورة وهو مال ‪ .‬لن الضروري هو ما‬
‫يشترك فيه العقلء علما وإداركا ‪ ،‬وهذا ليس كذلك ‍‍‪.‬‬
‫وإما من جهة المام العصوم بسماعهم منه لتلك التأويلت ‪ .‬فنقول لن زعم ذلك ‪ :‬ما الذي دعاك‬
‫إل تصديق ممد صلى ال عليه وسلم سوى العجزة ؟ وليس لمامك معجزة ‪ ،‬فالقرآن يدل على أن‬
‫الراد ظاهره ‪ ،‬ل ما زعمت ‪ .‬فإن قال ‪ :‬ظاهر القرآن رموز إل بواطن فهمها المام العصوم ول‬
‫يفهمها فتعلمناها منه ‪ .‬قيل لم ‪ :‬من أي جهة تعلمتموها منه ؟ أبشاهد قلبه بالعي ؟ أو بسماع‬
‫منه ؟ ول بد من الستناد إل السماع بالذن ‪ .‬فيقال ‪ :‬فلعل لفظه ظاهر له باطن ل تفهمه ‪ ،‬ول‬
‫يطلعك عليه ‪ ،‬فل يوثق با فهمت من ظاهر لفظه ‪ ،‬فإن قال ‪ :‬صرح بالعن ‪ .‬وقال ‪ :‬ما ذكرته ظاهر‬
‫ل رمز فيه ‪ ،‬أو والراد ظاهره ‪ .‬قيل له ‪ :‬وباذا عرفت قوله أنه ظاهر ل رمز فيه ‪ ،‬بل أنه كما قال ؟‬
‫‪124‬‬

‫الشاطبي‬

‫كتاب العتصام‬

‫إذ يكن أن يكون له باطن ل تفهمه أيضا ‪ ،‬حت لو حلف بالطلق الظاهر أنه ل يقصد إل الظاهر ‪،‬‬
‫لحتمل أن يكون ف طلقه رمز وهو باطنه وليس مقتضى الظاهر ‪ .‬فإن قال ‪ :‬ذلك يؤدي إل حسم‬
‫باب التفهيم ‪.‬‬
‫قيل له ‪ :‬فأنتم حسمتموه بالنسبة إل النب صلى ال عليه وسلم ‪ ،‬فإن القرآن دائر على تقرير‬
‫الوحدانية ‪ ،‬والنة ‪ ،‬والنار ‪ ،‬والشر ‪ ،‬والنشر ‪ ،‬والنبياء ‪ ،‬والوحي ‪ ،‬واللئكة ‪ ،‬مؤكدا ذلك كله‬
‫بالقسم ‪ .‬وأنتم تقولون ‪ :‬إن ظاهره غي مراد وإن تته رمزا ‪ .‬فإن جاز ذلك عندكم بالنسبة إل النب‬
‫صلى ال عليه وسلم لصلحة وسر له ف الرمز ‪ ،‬جاز بالنسبة إل معصومكم أن يظهر لكم خلف ما‬
‫يضمره لصلحة وسر له فيه ‪ ،‬وهذا ل ميص لم عنه ‪.‬‬
‫قال أبو حامد الغزال رحه ال ‪ :‬ينبغي أن يعرف النسان أن رتبة هذه الفرقة هي أخس من رتبة كل‬
‫فرقة من فرق الضلل ‪ ،‬إذ ل تد فرقة تنقض مذهبها بنفس الذهب سوى هذه الت هي الباطنية ‪ .‬إذ‬
‫مذهبها إبطال النظر ‪ ،‬وتغيي اللفاظ عن موضوعها بدعوى الرمز ‪ ،‬وكل ما يتصور أن تنطق به‬
‫ألسنتهم فإما نظر أو نقل ‪ ،‬أما النظر فقد أبطلوه ‪ ،‬وأما النقل فقد جوزوا أن يراد باللفظ غي‬
‫موضوعة ‪ ،‬فل يبقى لم معتصم ‪ ،‬والتوفيق بيد ال ‪.‬‬
‫وذكر ابن العرب ف العواصم مأخذا آخر ف الرد عليهم أسهل من هذا ـ وقال إنم ل قبل لم به‬
‫ـ وهو أن يسلط عليهم ف كل ما يدعونه السؤال بـ ل ؟ خاصة ‪ ،‬فكل من وجهت عليه منهم‬
‫سقط ف يده ‪ ،‬وحكى ف ذلك حكاية ظريفة يسن موقعها ها هنا ‪ ،‬وتصور الذهب كاف ف ظهور‬
‫بطلنه إل أنه مع ظهور فساده وبعده عن الشرع قد اعتمده طوائف وبنوا عليه بدعا فاحشة ‪ ( .‬منها‬
‫) مذهب الهدي الغرب ‪ ،‬فإنه عد نفسه المام النتظر وأنه معصوم ‪ ،‬حت أن من شك ف عصمته ‪،‬‬
‫أو ف أنه الهدي النتظر كافر ‪.‬‬
‫وقد زعم ذووه أنه ألف ف المامة كتابا ذكر فيه أن ال استخلف آدم ونوحا وإبراهيم وموسى‬
‫وعيسى وممدا عليهم السلم ‪ ،‬وأن مدة اللفة ثلثون سنة ‪ ،‬وبعد ذلك فرق وأهواء ‪ ،‬وشح مطاع‬
‫‪ ،‬وهوى متبع ‪ ،‬وإعجاب كل ذي رأي برأيه ‪ ،‬فلم يزل المر على ذلك ‪ ،‬والباطل ظاهر والق‬
‫كامن ‪ ،‬والعلم مرفوع ـ كما أخب عليه الصلة والسلم ‪ :‬الهل ظاهر ‪ ،‬ول يبق من الدين اسه ‪،‬‬
‫ول من القرآن إل رسه حت جاء ال بالمام فأعاد به الدين ـ كما قال عليه الصلة والسلم ‪:‬‬
‫"بدىء السلم غريبا وسيعود غريبا كما بدىء فطوب للغرباء" وقال ‪ :‬إن طائفته هم الغرباء ‪ ،‬زعما‬
‫من غي برهان زائد على الدعوى ‪ ،‬وقال ف ذلك الكتاب ‪ :‬جاء ال بالهدي ‪ ،‬وطاعته نقية ‪ ،‬ل ير‬
‫مثلها قبل ول بعد ‪ ،‬وأن به قامت السموات ‪ ،‬والرض به تقوم ‪ ،‬ول ضد له ‪ ،‬ول مثل ‪ ،‬ول ند ‪،‬‬
‫ول كذب ‪ ،‬تعال ال عن قوله ‪ ،‬وهذا كما نزل أحاديث الترمذي و أب داود ف الفاطمي على نفسه‬
‫وأنه هو بل شك ‪.‬‬
‫‪125‬‬

‫الشاطبي‬

‫كتاب العتصام‬

‫وأول إظهاره لذلك أنه قام ف أصحابه خطيبا فقال ‪ :‬المد ل الفعال لا يريد ‪ ،‬القاضي لا يشاء ‪ ،‬ل‬
‫راد لمره ‪ ،‬ول معقب لكمه ‪ ،‬وصلى ال على النب البشر بالهدي يل الرض قسطا وعد ًل ‪ ،‬كما‬
‫ملئت ظلما وجورا يبعثه ال إذا نسخ الو بالباطل ‪ ،‬وأزيل العدل بالور ‪ ،‬مكانه بالغرب القصى ‪،‬‬
‫وزمانه آخر الزمان ‪ ،‬واسه اسم النب عليه الصلة والسلم ‪ ،‬ونسبه نسب النب صلى ال عليه‬
‫وسلم ‪ ،‬وقد ظهر جور المراء ‪ ،‬وامتلت الرض بالفساد ‪ ،‬وهذا آخر الزمان ‪ ،‬والسم السم‬
‫والنسب النسب والفعل الفعل ‪ .‬يشي إل ما جاء ف أحاديث الفاطمي ‪.‬‬
‫فلما فرغ بادر إليه من أصحابه عشرة ‪ ،‬فقالوا ‪ :‬هذه الصفة ل توجد إل فيك ‪ ،‬فأنت الهدي ‪،‬‬
‫فبايعوه على ذلك ‪ .‬وأحدث ف دين ال أحداثا كثية زيادة إل القرار بأنه الهدي العلوم ‪،‬‬
‫والتخصيص بالعصمة ‪ ،‬ث وضع ذلك ف الطب ‪ ،‬وضرب ف السكك ‪ ،‬بل كانت تلك الكلمة‬
‫عندهم ثالثة الشهادة ‪ ،‬فمن ل يؤمن با ‪ ،‬أو شك فيها ‪ ،‬فهو كافر كسائر الكفار ‪ ،‬وشرع القتل ف‬
‫مواضع ل يضعه الشرع فيها ‪ ،‬وهي نو من ثانية عشر موضعا ‪ ،‬كترك امتثال أمر من يستمع أمره ‪،‬‬
‫وترك حضور مواعظة ثلث مرات ‪ ،‬والداهنة إذا ظهرت ف أحد قتل ‪ ،‬وأشياء كثية ‪.‬‬
‫وكان مذهبه البدعة الظاهرية ‪ ،‬ومع ذلك فابتدع أشياء ‪ ،‬كوجوه من التثويب ‪ ،‬إذ كانوا ينادون عند‬
‫الصلة بتاصاليت السلم و بقيام تاصاليت ‪ ,‬سوردين و باردي و وأصبح ول المد وغيه‬
‫‪ ،‬فجرى العمل بميعها ف زمان الوحدين ‪ ،‬وبقي أكثرها بعدما انقرضت دولتهم حت إن أدركت‬
‫بنفسي ف جامع غرناطة العظم الرضا عن المام العصوم ‪ ،‬الهدي العلوم ‪ ،‬إل أن أزيلت وبقيت‬
‫أشياء مثية غفل عنها أو‬
‫غفلت ‪.‬‬
‫وقد كان السلطان أبو العلء إدريس بن يعقوب بن يوسف بن عبد الؤمن بن علي منهم ‪ ،‬ظهر له‬
‫قبح ما هم عليه من هذه البتداعات ‪ ،‬فأمر ـ حي استقر براكش ـ خليفته بإزالة جيع ما ابتدع‬
‫من قبله ‪ ،‬وكتب بذلك رسالة إل القطار يأمر فيها بتغيي تلك السنة ‪ ،‬ويوصي بتقوى ال والستعانة‬
‫به ‪ ،‬والتوكل عليه ‪ ،‬وأنه قد نبذ الباطل وأظهر الق ‪ ،‬وأن ل مهدي إل عيسى ‪ ،‬وأن ما ادعوه أنه‬
‫الهدي بدعة أزالا ‪ ،‬وأسقط اسم من ل تثبت عصمته ‪.‬‬
‫وذكر أن أباه النصور هم بأن يصدع با به صدع ‪ ،‬وأن يرفع الرف الذي رفع ‪ ،‬فلم يساعده الجل‬
‫لذلك ‪ ،‬ث لا مات واستخلف ابنه أبو ممد عبد الواحد اللقب بالرشيد ‪ ،‬وفد إليه جاعة من أهل‬
‫الذهب التسمي بالوحدين ‪ ،‬فقتلوا منه ف الذروة والغارب ‪ ،‬وضمنوا على أنفسهم الدخول تت‬
‫طاعته ‪ ،‬والوقوف على قدم الدمة بي يديه ‪ ،‬والدافعة عنه با استطاعوا ‪ ،‬لكن على شرط ذكر‬
‫الهدي وتصيصه بالعصمة ف الطبة والخاطبات ‪ ،‬ونقش اسه الاص ف السكك ‪ ،‬وإعادة الدعاء‬

‫‪126‬‬

‫الشاطبي‬

‫كتاب العتصام‬

‫بعد الصلة ‪ ،‬والنداء عليها بتاصاليت السلم عند كمال الذان ‪ ،‬و بتقام تاصاليت وهي إقامة‬
‫الصلة ‪ ،‬وما أشبه دلك من سودرين ‪ ،‬و قادري و أصبح ول المد وغي ذلك ‪.‬‬
‫وقد كان الرشيد استمر على العمل با رسم أبوه من ترك ذلك كله ‪ ،‬فلما انتدب الوحدون إل‬
‫الطاعة اشترطوا إعادته ما ترك ‪ ،‬فأسعفوا فيه ‪ ،‬فلما احتلوا منازلم أياما ول يعد شيء من تلك‬
‫العوائد ‪ ،‬ساءت ظنونم ‪ ،‬وتوقعوا انقطاع ما هو عمدتم ف دينهم ‪ ،‬وبلغ ذلك الرشيد ‪ ،‬فجدد‬
‫تأنيسهم بإعادتا ‪.‬‬
‫قال الؤرخ ‪ :‬فيا ل ! ماذا بلغ من سرورهم وما كانوا فيه من الرتياح لسماع تلك المور ‪،‬‬
‫واطلقت ألسنتهم بالدعاء لليفتهم بالنصر والتأييد ‪ ،‬وشلت الفراح فيهم الكبي والصغي ‪ ،‬وهذا‬
‫شأن صاحب البدعة ‪ ،‬فلن يسر بأعظم من انتشار بدعته وإظهارها "ومن يرد ال فتنته فلن تلك له‬
‫من ال شيئا" وهذا كله دائر على القول بالمامة والعصمة الذي هو رأي الشيعة ‪.‬‬
‫فصل ومنها ‪ :‬رأى قوم التغال ف تعظيم شيوخهم‬
‫ومنها ‪ :‬رأى قوم التغال ف تعظيم شيوخهم ‪ ،‬حت ألقوهم با ل يستحقونه ‪ .‬فالقتصد منهم يزعم‬
‫أنه ل ول ل أعظم من فلن ‪ ،‬وربا أغلقوا باب الولية دون سائر المة إل هذا الذكور ‪ ،‬وهو باطل‬
‫مض ‪ ،‬وبدعة فاحشة ‪ ،‬لنه ل يكن أن يبلغ التأخرون أبدا مبالغ التقدمي ‪ ،‬فخي القرون الذين‬
‫رأوا رسول ال صلى ال عليه وسلم وآمنوا به ‪ ،‬ث الذين يلونم ‪ ،‬وهذا يكون المر أبدا إل قيام‬
‫الساعة ‪ ،‬فأقوى ما كان أهل السلم ف دينهم وأعمالم ويقينهم وأحوالم ف أول السلم ‪ ،‬ث ل‬
‫زال ينقص شيئا فشيئا إل آخر الدنيا ‪ ،‬لكن ل يذهب الق جلة ‪ ،‬بل ل بد من طائفة تقوم به‬
‫وتعتقده ‪ ،‬وتعمل بقتضاه على حسبهم ف إيانم ‪ ،‬ل ما كان عليه الولون من كل وجه ‪ ،‬لنه ‪:‬‬
‫لو أنفق أحد من التأخرين وزن أحد ذهبا ‪ ،‬ما بلغ مد أحد من أصحاب رسول ال صلى ال عليه‬
‫وسلم ول نصيفه ‪ ،‬وإذا كان ذلك ف الال فكذلك ف سائر شعب اليان بشهادة التجربة العادية ‪.‬‬
‫ولا تقدم أول الكتاب أنه ل يزال الدين ف نقص فهو أصلي ل شك فيه ‪ ،‬وهو عند أهل السنة‬
‫والماعة ‪ ،‬فكيف يعتقد بعد ذلك ف أنه ول أهل الرض ؟ وليس ف المة ول غيه ؟ لكن الهل‬
‫الغالب ‪ ،‬والغلو ف التعظيم ‪ ،‬والتعصب للنحل ‪ ،‬يؤدي إل مثله أو أعظم منه ‪.‬‬
‫والتوسط يزعم أنه مساو للنب صلى ال عليه وسلم ‪ ،‬إل أنه ل يأتيه الوحي ‪ ،‬بلغن هذا عن طائفة‬
‫من الغالي ف شيخهم ‪ ،‬الاملي لطريقتهم ف زعمهم ‪ ،‬نظي ما ادعاه بعض تلمذه اللج ف‬
‫شيخهم على القتصاد منهم فيه ‪ ،‬والغال يزعم فيه أشنع من هذا ‪ ،‬كما ادعى أصحاب اللج ف‬
‫اللج ‪.‬‬

‫‪127‬‬

‫الشاطبي‬

‫كتاب العتصام‬

‫وقد حدثن بعض الشيوخ أهل العدالة والصدق ف النقل أنه قال ‪ :‬أقمت زمانا ف بعض القرى البادية‬
‫‪ ،‬وفيها من هذه الطائفة الشار إليها كثي قال ‪ :‬فخرجت يوما من منل لبعض شأن ‪ ،‬فرأيت‬
‫رجلي منهم قاعدين ‪ ،‬فتوهت أنما يتحدثان ف بعض فروع طريقتهم ‪ ،‬فقربت منهما على استخفاء‬
‫لسع من كلمهم ـ إذ من شأنم الستخفاء بأسرارهم ـ فتحدثا ف شيخهم وعظم منلته ‪ ،‬وأنه‬
‫ل أحد ف الدنيا مثله ‪ ،‬وطربا لذه القابلة طربا عظيما ‪ ،‬ث قال أحدها للخر ‪ :‬أتب الق ؟ هو‬
‫النب ‪ ،‬قال ‪ :‬نعم ‪ ،‬هذا هو الق ‪ .‬قال الخب ‪ :‬فقمت من ذلك الكان فارا أن يصيبن معهم قارعة ‪.‬‬
‫وهذا نط الشيعة المامية ‪ ،‬ولول الغلو ف الدين والتكالب على نصر الذهب والتهالك ف مبة‬
‫البتدع ‪ ،‬لا وسع ذلك عقل أحد ‪ ،‬ولكن النب صلى ال عليه وسلم قال ‪:‬‬
‫"لتتبعن سنن من كان قبلكم شبا بشب وذراعا بذراع" الديث ‪ ،‬فهؤلء غلوا كما غلت النصارى‬
‫ف عيسى عليه السلم ‪ ،‬حيث قالوا ‪ :‬إن ال هو السيح ابن مري ‪،‬فقال ال تعال ‪" :‬قل يا أهل‬
‫الكتاب ل تغلوا ف دينكم غي الق ول تتبعوا أهواء قوم قد ضلوا من قبل وأضلوا كثيا وضلوا عن‬
‫سواء السبيل" وف الديث ‪:‬‬
‫"ول تطرون كما أطرت النصارى عيسى ابن مري ‪ ،‬ولكن قولوا ‪ :‬عبد ال ورسوله" ‪.‬‬
‫ومن تأمل هذه الصناف وجد لا من البدع ف فروع الشريعة كثيا ‪ ،‬لن البدعة إذا دخلت ف‬
‫الصل سهلت مداخلتها الفروع ‪.‬‬
‫فصل وأضعف هؤلء احتجاجا قوم استندوا ف أخذ العمال إل القامات‬
‫وأضعف هؤلء احتجاجا قوم استندوا ف أخذ العمال إل القامات ‪ ،‬وأقبلوا وأعرضوا بسببها ‪،‬‬
‫فيقولون ‪ :‬رأينا فلنا الرجل الصال ‪ ،‬فقال لنا ‪ :‬اتركوا كذا ‪ ،‬واعملوا كذا ‪ .‬ويتفق هذا كثيا‬
‫للمتمرسي برسم التصوف ‪ ،‬وربا قال بعضهم ‪ :‬رأيت النب صلى ال عليه وسلم ف النوم ‪ ،‬فقال ل‬
‫كذا وأمرن بكذا ‪ ،‬فيعمل با ويترك با معرضا عن الدود الوضوعة ف الشريعة ‪ ،‬وهو خطأ ‪ ،‬لن‬
‫الرؤيا من غي النبياء ل يكم با شرعا على حال إل أن تعرض على ما ف أيدينا من الحكام‬
‫الشرعية ‪ ،‬فإن سوغتها عمل بقتضاها ‪ ،‬وإل وجب تركها والعراض عنها ‪ ،‬وإنا فائدتا البشارة ‪،‬‬
‫أو النذرة خاصة ‪ ،‬وأما استفادة الحكام فل ‪ ،‬كما يكى عن الكتان رحه ال قال ‪ :‬رأيت النب‬
‫صلى ال عليه وسلم ف النام ‪ ،‬فقلت ‪ :‬ادع ال أن ل ييت قلب ‪ ،‬فقال ‪ :‬قل كل يوم أربعي مرة يا‬
‫حي يا قيوم ل إله إل أنت فهذا كلم حسن ل إشكال ف صحته ‪ ،‬وكون الذكر يي القلب صحيح‬
‫شرعا ‪ ،‬وفائدة الرؤيا التنبيه على الي ‪ ،‬وهو من ناحية البشارة ‪ ،‬وإنا يبقى الكلم ف التحديد‬
‫بالربعي ‪ ،‬وإذا ل يوجد على اللزوم استقام ‪.‬‬

‫‪128‬‬

‫الشاطبي‬

‫كتاب العتصام‬

‫وعن أب يزيد البسطامي رحه ال ‪ ،‬قال ‪ :‬رأيت رب ف النام ‪ ،‬فقلت ‪ :‬كيف الطريق إليك ؟ فقال ‪:‬‬
‫أترك نفسك وتعال ؟ وشأن هذا الكلم من الشرع موجود فالعمل بقتضاه صحيح ‪ ،‬لنه كالتنبيه‬
‫لوضع الدليل ‪ ،‬لن ترك النفس معناه ترك هواها بإطلق ‪ ،‬والوقوف على قدم العبودية ‪ ،‬واليات‬
‫تدل على هذا العن ‪ ،‬كقوله تعال ‪" :‬وأما من خاف مقام ربه ونى النفس عن الوى*فإن النة هي‬
‫الأوى" وما أشبه ذلك ‪ ،‬فلو رأى ف النوم قائلً يقول ‪ :‬إن فلنا سرق فاقطعه ‪ ،‬أو عال فاسأله ‪ ،‬أو‬
‫اعمل با يقول لك ‪ ،‬أو فلن زن فحده ‪ ،‬وما أشبه ذلك ‪ ،‬ل يصح له العمل حت يقوم له الشاهد ف‬
‫اليقظة ‪ ،‬وإل كان عاملً بغي شريعة ‪ ،‬إذ ليس بعد رسول ال صلى ال عليه وسلم وحي ‪.‬‬
‫ول يقال ‪ :‬إن الرؤيا من أجزاء النبوة ‪ ،‬فل ينبغي أن تمل ‪ ،‬وأيضا إن الخب ف النام قد يكون النب‬
‫صلى ال عليه وسلم ‪ ،‬وهو قد قال ‪:‬‬
‫"من رآن ف النوم فقد رآن حقا ‪ ،‬فإن الشيطان ل يتمثل ب" وإذا كان ‪ ...‬فإخباره ف النوم‬
‫كإخباره ف اليقظة ‪.‬‬
‫لنا نقول ‪ :‬إن كانت الرؤيا من أجزاء النبوة فليست إلينا من كمال الوحي ‪ ،‬بل جز من أجزائه ‪،‬‬
‫والزء ل يقوم مقام الكل ف جيع الوجوه ‪ ،‬بل إنا يقوم مقامه ف بعض الوجوه ‪ ،‬وقد صرفت إل‬
‫جهة البشارة والنذارة ‪ ،‬وفيها كاف ‪.‬‬
‫وأيضا فإن الرؤيا الت هي جزء من أجزاء النبوة من شرطها أن تكون صالة من الرجل الصال ‪،‬‬
‫وحصول الشروط ما ينظر فيه ‪ ،‬فقد تتوفر ‪ ،‬وقد ل تتوفر ‪.‬‬
‫وأيضا فهي منقسمة إل اللم ‪ ،‬وهو من الشيطان ‪ ،‬وإل حديث النفس ‪ ،‬وقد تكون سبب هيجان‬
‫بعض أخلط ‪ ،‬فمت تتعي الصالة حت يكم با وترك غي الصالة ؟‬
‫ويلزم أيضا على ذلك أن يكون تديد وحي بكم بعد الن ضلى ال عليه وسلم ‪،‬وهو منهي عنه‬
‫بالجاع ‪.‬‬
‫يكى أن شريك بن عبد ال القاضي دخل على الهدي ‪ ،‬فلما رآه قال ‪ :‬علي بالسيف والنطع ‪ ،‬قال‬
‫‪ :‬ول يا أمي اليؤمني ؟ قال ‪ :‬رأيت ف منامي كأنك تطأ بساطي وأنت معرض عن ‪ ،‬فقصصت‬
‫رؤياي على من عبها ‪ ،‬فقال ل ‪ :‬يظهر لك طاعة ويضمر معصية ‪ .‬فقال له شريك ‪ :‬وال ما رؤياك‬
‫برؤيا إبراهيم الليل عليه السلم ‪ ،‬ول أن معبك بيوسف الصديق عليه السلم ‪ ،‬فبالحلم الكاذبة‬
‫تضرب أعناق الؤمني ؟ فاستحي الهدي ‪ ،‬وقال ‪ :‬اخرج عن ‪ .‬ث صرفه وأبعده ‪.‬‬
‫وحكى الغزال إن بعض الئمة أنه أفت بوجوب قتل رجل يقول بلق القرآن ‪ ،‬فروجع فيه فاستدل‬
‫بأن رجلً رأى ف منامه إبليس قد اجتاز بباب الدينة ول يدخلها ؟ فقيل ‪ :‬هل دخلتها ؟ فقال ‪:‬‬
‫أغنان عن دخولا رجل يقول بلق القرآن ‪ ،‬فقام ذلك الرجل فقال ‪ :‬لو أفت إبليس بوجوب قتلي ف‬
‫اليقظة هل تقلدونه ف فتواه ؟ فقالوا ‪ :‬ل ! فقال ‪ :‬قوله ف النام ل يزيد على قوله ف اليقظة ‪.‬‬
‫‪129‬‬

‫الشاطبي‬

‫كتاب العتصام‬

‫وأما الرؤيا الت يب فيها رسول ال صلى ال عليه وسلم الرائي بالكم فل بد من النظر فيها أيضا ‪،‬‬
‫لنه إذا أخب بكم موافق لشريعته ‪ ،‬فالكم با استقر ‪ ،‬وإن أخب بخالف ‪ ،‬فمحال ‪ ،‬لنه صلى ال‬
‫عليه وسلم ل ينسخ بعد موته شريعته الستقرة ف حياته ‪ ،‬لن الدين ل يتوقف استقراره بعد موته‬
‫على حصول الرائي النومية ‪ ،‬لن ذلك باطل بالجاع ‪ .‬فمن رأى شيئا من ذلك فل عمل عليه ‪،‬‬
‫وعند ذلك نقول ‪ :‬إن رؤياه غي صحيحة ‪ .‬إذ لو رآه حقا ل يبه با يالف الشرع ‪.‬‬
‫لكن يبقى النظر ف معن قوله صلى ال عليه وسلم ‪:‬‬
‫"من رآن ف النوم فقد رآن" وفيه تأويلن ‪:‬‬
‫احدها ‪ :‬ما ذكره ابن رشيد إذ سئل عن حاكم شهد عنده عدلن مشهوران بالعدالة ف قضية ‪ ،‬فلما‬
‫نام الاكم ذكر أنه رأى النب صلى ال عليه وسلم ‪ ،‬فقال له ‪ :‬ما تكم بذه الشهادة ؟ فإنا باطلة ‪.‬‬
‫فأجاب بأنه ل يل له أن يترك العمل بتلك الشهادة ‪ ،‬لن ذلك إبطال لحكام الشريعة بالرؤيا ‪،‬‬
‫وذلك باطل ل يصح أن يعتقد ‪ ،‬إذ ل يعلم الغيب من ناحيتها إل النبياء الذين رؤياهم وحي ‪ ،‬ومن‬
‫سواهم إنا رؤياهم ‪:‬‬
‫جزء من ستة وأربعي جزءا من النبوة ‪.‬‬
‫ث قال ‪ :‬وليس معن قوله ‪:‬‬
‫"من رآن فقد رآن حقا" أن كل من رأى ف منامه أنه رآه فقد رآه حقيقة ‪ .‬بدليل أن الرئي قد يراه‬
‫مرات على صور متلفة ‪ ،‬ويراه الرائي على صفة ‪ ،‬وغيه على صفة أخرى ‪ .‬ول يوز أن تتلف‬
‫صور النب صلى ال عليه وسلم ول صفاته ‪ .‬وإنا معن الديث ‪" :‬من رآن على صورت الت خلقت‬
‫عليها ‪ .‬فقد رآن ‪ ،‬إذ ل يتمثل الشيطان ب" إذ ل يقل ‪ :‬من رآن أنه رآن ‪ .‬وإنا قال ‪ :‬من رآن فقد‬
‫رآن ‪ .‬وأن لذا الرائي الذي رأى أنه رآه على صورة أنه رآه عليها ؟ وإن ظن أنه رآه ‪ ،‬ما ل يعلم‬
‫أن تلك الصورة صورته بعينها ‪ ،‬وهذا ما طريق لحد إل معرفته ‪.‬‬
‫فهذا ما نقل عن ابن رشيد ‪ .‬وحاصله يرجع إل أن الرئي قد يكون غي النب صلى ال عليه وسلم ‪،‬‬
‫وإن اعتقد الرائي أنه هو ‪.‬‬
‫والتأويل الثان يقوله علماء التعبي ‪ :‬إن الشيطان قد يأت النائم ف صورة ما من معارف الرائي وغيهم‬
‫فيشي له إل رجل آخر ‪ :‬هذا فلن النب ‪ ،‬وهذا اللك الفلن ‪ ،‬أو من أشبه هؤلء من ل يتمثل‬
‫الشيطان به ‪ .‬فيوقف اللبس على الرائي بذلك وله علمة عندهم ‪ .‬وإذا كان كذلك أمكن أن يكلمه‬
‫الشار إليه بالمر والنهي غي الوافقي للشرع ‪ ،‬فيظن الرائي أنه من قبل النب صلى ال عليه وسلم ‪،‬‬
‫ول يكون كذلك ‪ ،‬فل يوثق با يقول له أو يأمر أو ينهى ‪.‬‬
‫وما أحرى هذا الضرب أن يكون المر أو النهي فيه مالفا لكمال الول ‪ ،‬حقيق بأن يكون فيه‬
‫موافقا ‪ ،‬وعند ذلك ل يبقى ف السألة إشكال ‪ .‬نعم ل يكم بجرد الرؤيا حت يعرضها على العلم ‪،‬‬
‫‪130‬‬

‫الشاطبي‬

‫كتاب العتصام‬

‫لمكان اختلط أحد القسمي بالخر وعلى الملة فل يستدل بالرؤيا ف الحكام إل ضعيف النة ‪.‬‬
‫نعم يأت الرئي تأنيسا وبشارة ونذارة خاصة ‪ ،‬بيث ل يقطعون بقتضاها حكما ‪ ،‬ول يبنون عليها‬
‫أصلً ‪ ،‬وهو العتدال ف أخذها ‪ ،‬حسبما فهم من الشرع فيها ‪ ،‬وال أعلم ‪.‬‬
‫فصل وقد رأينا أن تتم الكلم ف الباب بفصل جع جلة من الستدللت التقدمة‬
‫وقد رأينا أن تتم الكلم ف الباب بفصل جع جلة من الستدللت التقدمة ‪ ،‬وغيها ف معناها ‪،‬‬
‫وفيه من نكت هذا الكتاب جلة أخرى ‪ ،‬فهو ما يتاج إليه بسب الوقت والال ‪ ،‬وإن كان فيه‬
‫طول ولكنه يدم ما نن فيه إن شاء ال تعال ‪.‬‬
‫وذلك أنه وقع السؤال عن قوم يتسمون بالفقراء يزعمون أنم سلكوا طريق الصوفية ‪ ،‬فيجتمعون ف‬
‫بعض الليال ويأخذون ف الذكر الهوري على صوت واحد ‪ ،‬ث ف الغناء والرقص ‪ ،‬إل آخر الليل ‪،‬‬
‫ويضر معهم بعض التسمي بالفقهاء ـ يترسون برسم الشيوخ الداة إل سلوك ذلك الطريق ‪ :‬هل‬
‫هذا العمل صحيح ف الشرع أم ل ؟‬
‫فوقع الواب بأن ذلك كله من البدع الحدثات ‪ ،‬الخالفة طريقة رسول ال صلى ال عليه وسلم ‪،‬‬
‫وطريقة أصحابه والتابعي لم بإحسان ‪ ،‬فنفع بذلك ن شاء من خلقه ‪.‬‬
‫ث إن الواب وصل إل بعض البلطان ‪ ،‬فقامت على العاملي بتلك البدع ‪ ،‬وخافوا اندراس‬
‫طريقتهم ‪ ،‬وانقطاع اكلهم با ‪ ،‬فأرادوا النتصار لنفسهم ‪ ،‬بعد أن راموا ذلك بالنتساب بالسنة‬
‫إل شيوخ الصوفية الذين ثبتت فضيلتهم واشتهرت ف النقطاع إل ال ‪ ،‬والعمل بالسنة طريقتهم ‪،‬‬
‫فلم يستقر لم الستدلل لكونم على ضد ما كان عليه القوم ‪ ،‬فإنم كانوا بنوا نلتهم على ثلثة‬
‫أصول ‪ :‬القتداء بالنب صلى ال عليه وسلم ف الخلق والفعال ‪ ،‬وأكل اللل ‪ ،‬وإخلص النية ف‬
‫جيع العمال ‪ ،‬وهؤلء قد خالفوهم ف هذه الصول ‪ ،‬فل يكنهم الدخول تت ترجتهم ‪.‬‬
‫وكان من قدر ال أن بعض الناس سأل بعض شيوخ الوقت ف مسألة تشبه هذه ‪ ،‬لكن حسن‬
‫ظاهرها بيث يكاد باطنها يفى على غي التأمل ‪ .‬فأجاب عفا ال عنه على مقتضى ظاهرها من غي‬
‫تعرض إل ما هم عليه من البدع والضللت ‪ ،‬ولا سع بعضهم بذا الواب أرسل به إل بلدة أخرى‬
‫‪ ،‬فأتى به فرحل إل غي بلده ‪ ،‬وشهر ف شيعته أن بيده حجة لطريقتهم تقهر كل حجة ‪ ،‬وأنه طالب‬
‫للمناظرة فيها ‪ ،‬فدعي لذلك فلم يقم فيه ول قعد ‪ ،‬غي أنه قال ‪ :‬إن هذه حجت ‪ ،‬وألقى بالبطاقة‬
‫الت بط الجيب ‪ ،‬وكان هو ومبه وأشياعه يطيون با رحا ‪ ،‬فوصلت السألة إل غرناطة ‪ ،‬وطلب‬
‫من الميع النظر فيها ‪ .‬فلم يسع أحد له قوة على النظر فيها إل أن يظهر وجه الصواب فيها الذي‬
‫يدان ال به لنه من النصيحة الت هي الدين القوي ‪ ،‬والصراط الستقيم ‪.‬‬

‫‪131‬‬

‫الشاطبي‬

‫كتاب العتصام‬

‫ونص خلصة السؤال ‪ :‬ما يقول الشيخ فلن ف جاعة من السلمي يتمعون ف رباط على ضفة‬
‫البحر ف الليال الفاضلة ‪ ،‬يقرؤون جزءا من القرآن ‪ ،‬ويستمعون من كتب الوعظ والرقائق ما أمكن‬
‫ف الوقت ‪ ،‬ويذكرون ال بأنواع التهليل والتسبيح والتقديس ‪ ،‬ث يقوم من بينهم قوال يذكر شيئا ف‬
‫مدح النب صلى ال عليه وسلم ‪ ،‬ويلقي من السماع ما تتوق النفس إليه وتشتاق ساعه من صفات‬
‫الصالي ‪ ،‬وذكر آلء ال ونعمائه ‪ ،‬ويشوقهم بذكر النازل الجازية ‪ ،‬والعاهد النبوية ‪ ،‬فيتواجدون‬
‫اشتياقا لذلك ‪ ،‬ث يأكلون ما حضر من الطعام ‪ ،‬ويمدون ال تعال ‪ ،‬ويرددون الصلة على النب‬
‫صلى ال عليه وسلم ‪ ،‬ويبتهلون بالدعية إل اللله ف صلح أمورهم ‪ ،‬ويدعون للمسلمي ولمامهم‬
‫ويفترقون ‪.‬‬
‫فهل يوز اجتماعهم هلى ماذكر ؟ أم ينعون وينكر عليهم ؟ ومن دعاهم من الحبي إل منله بقصد‬
‫التبك ‪ ،‬هل ييبون دعوته ويتمعون على الوجه الذكور أم ل ؟‬
‫فأجاب با مصوله ‪ :‬مالس تلوة القرآن وذكر ال هي رياض النة ث أتى بالشواهد على طلب ذكر‬
‫ال ‪ .‬وأما النشادات الشعرية ‪ .‬فإنا الشعر كلم حسنه حسن وقبيحه قبيح ‪ ،‬وف القرآن ف شعراء‬
‫السلم ‪" :‬إل الذين آمنوا وعملوا الصالات وذكروا ال كثيا " وذلك أن حسان بن ثابت ‪ ،‬وعبد‬
‫ال بن رواحة ‪ ،‬وكعبا لا سعوا قوله تعال ‪" :‬والشعراء يتبعهم الغاوون" ‪ .‬بكوا عند ساعها فنل‬
‫الستثناء وقد أنشد الشعر بي يدي رسول ال صلى ال عليه وسلم ‪ ،‬ورقت نفسه الكرية وذرفت‬
‫عيناه لبيات أخت النضر لا طبع عليه من الرأفة والرحة ‪.‬‬
‫وأما التواجد عند السماع ‪ ،‬فهو ف الصل رقد النفس ‪ ،‬واضطراب القلب فيتأثر الظاهر بتأثر الباطن‬
‫‪ .‬قال ال تعال ‪" :‬الذين إذا ذكر ال وجلت قلوبم" أي اضطربت رغبا أو رهبا ‪ .‬وعن اضطراب‬
‫القلب يصل اضطراب السم ‪ ،‬قال ال تعال ‪" :‬لو اطلعت عليهم لوليت منهم فرارا " الية ‪ .‬وقال‬
‫‪" :‬ففروا إل ال" فإنا التواجد رقة نفسية ‪ ،‬وهزة قلبية ‪ ،‬ونضة روحانية ‪ .‬وهذا هو التواجد عن‬
‫وجد ‪ .‬ول يسمع فيه نكي من الشرع ‪ .‬وذكر السلمي أنه كان يستدل بذه الية على حركة الوجد‬
‫ف وقت السماع ‪ .‬وهي ‪" :‬وربطنا على قلوبم إذ قاموا فقالوا ربنا" الية ‪ .‬وكان يقول ‪ :‬إن القلوب‬
‫مربوطة باللكوت ‪ ،‬حركتها أنوار الذكار ‪ ،‬وما يرد عليها من فنون السماع ‪.‬‬
‫ووراء هذا تواجد ل عن وجد ‪ ،‬فهو مناط الذم لخالفة ما ظهر لا بطن ‪ ،‬وقد يعزب فيه المر عند‬
‫القصد إل استنهاض العزائم ‪ ،‬وأعمال الركة ف يقظة القلب النائم ‪:‬‬
‫"يا أيها الناس ابكوا فإن ل تبكوا فتباكوا" ولكن شتان ما بينهما ‪.‬‬
‫وأما من دعا طائفة إل منله فتجاب دعوته ‪ ،‬وله ف ذلك قصده ونيته ‪ .‬فهذا ما ظهر تقييده على‬
‫مقتضى الظاهر ‪ ،‬وال يتول السرائر ‪ ،‬وإنا العمال بالنيات انتهى ما قيده ‪.‬‬

‫‪132‬‬

‫الشاطبي‬

‫كتاب العتصام‬

‫فكان ما ظهر ل ف هذا الواب ‪ :‬أن ما ذكره ف مالس الذكر الصحيح إذا كان على حسب ما‬
‫اجتمع عليه السلف الصال ‪ ،‬فإنم كانوا يتمعون لتدارس القرآن فيما بينهم ‪ ،‬حت يتعلم بعضهم من‬
‫بعض ‪ ،‬ويأخذ بعضهم من بعض ‪ ،‬فهو ملس من مالس الذكر الت جاء ف مثلها من حديث أب‬
‫هريرة رضي ال عنه عن النب صلى ال عليه وسلم ‪:‬‬
‫"ما اجتمع قوم ف بيت من بيوت ال يتلون كتاب ال ويتدارسونه بينهم ‪ ،‬إل نزلت عليهم السكينة‬
‫وغشيتهم الرحة ‪ ،‬وحفت بم اللئكة وذكرهم ال فيمن عنده" وهو الذي فهمه الصحابه رضي ال‬
‫تعال عنهم من الجتماع على تلوة كلم ال ‪.‬‬
‫وكذلك الجتماع على الذكر فإنه اجتماع على ذكر ال ففي رواية أخرى أنه قال ‪:‬‬
‫"ل يقعد قوم يذكرون ال إل حفتهم اللئكة" الديث الذكور ‪ .‬ل الجتماع للذكر على صوت‬
‫واحد ‪ ،‬وإذا اجتمع القوم على التذكي لنعم ال ‪ ،‬أو التذاكر ف العلم إن كانوا علماء ‪ ،‬أو كان فيهم‬
‫عال فجلس إليه متعلمون ‪ ،‬أو اجتمعوا يذكر بعضهم بعضا بالعمل بطاعة ال والبعد عن معصيته ـ‬
‫وما أشبه ذلك ما كان يعمل به رسول ال صلى ال عليه وسلم ف أصحابه ‪ ،‬وعمل به الصحابة‬
‫والتابعون ـ فهذه الجالس كلها مال ذكر وهي الت جاء فيها من الجر ما جاء ‪.‬‬
‫كما يكى عن أب ليلى أنه سئل عن القصص ‪ .‬فقال ‪ :‬أدركت أصحاب ممد صلى ال عليه وسلم‬
‫ويدث هذا با سع وهذا با سع ـ فأما أن يلسوا خطيبا فل ـ وكان كالذي نراه معمولً به ف‬
‫الساجد من اجتماع الطلبة على معلم يقرئهم القرآن أو علما من العلوم الشرعية ‪ .‬أو تتمع إليه‬
‫العامة فيعلمهم أمر دينهم ويذكرهم بال ويبي لم سنة نبيهم ليعملوا با ‪ ،‬ويبي لم الحدثات الت‬
‫هي ضللة ليحذروا منها‪ ،‬ويتجنبوا مواطنها والعمل با ‪.‬‬
‫فهذه مالس الذكر على القيقة وهي الت حرمها ال أهل البدع من هؤلء الفقراء الذين زعموا أنم‬
‫سلكوا طريق التصوف ‪ ،‬وقل ما تد منهم من يسن قراءة الفاتة ف الصلة إل على اللحن ‪ ،‬فضلً‬
‫عن غيها ‪ ،‬ول يعرف كيف يتعبد ول كيف يستنجي أو يتوضأ أو يغتسل من النابة ‪ .‬وكيف‬
‫يعلمون ذلك وهم قد حرموا مالس الذكر الت تغشاها الرحة ‪ ،‬وتنل فيها السكينة ‪ ،‬وتف با‬
‫اللئكة فبانطماس هذا النور عنهم ضلوا ‪ ،‬فاقتدوا بهال أمثالم ‪ ،‬وأخذوا يقرؤون الحاديث النبوية‬
‫واليات القرآنية فينلونا على آرائهم ‪ ،‬ل على ما قال أهل العلم فيها ‪ .‬فخرجوا عن الصراط‬
‫الستقيم ‪ ،‬إل أن يتمعوا ويقرأ أحدهم شيئا من القرآن يكون حسن الصوت طيب النغمة جيد‬
‫التلحي تشبه قراءته الغناء الذموم ‪ ،‬ث يقولون ‪ :‬تعالوا نذكر ال فيفعون أصواتم يشون ذلك‬
‫الذكر مداولة ‪ ،‬طائفة ف جهة ‪ ،‬وطائفة ف جهة أخرى ‪ ،‬على صوت واحد يشبه الغناء ‪ ،‬ويزعمون‬
‫أن هذا من مالس الذكر الندوب إليها ‪ ،‬وكذبوا ‪ :‬فإنه لو كان حقا لكان السلف الصال أول‬

‫‪133‬‬

‫الشاطبي‬

‫كتاب العتصام‬

‫بإدراكه وفهمه والعمل به ؟ وقد قال تعال ‪" :‬ادعوا ربكم تضرعا وخفية إنه ل يب العتدين"‬
‫والعتدون ف التفسي هم الرافعون أصواتم بالدعاء ‪.‬‬
‫"وعن أب موسى قال ‪ :‬كنا مع رسول ال صلى ال عليه وسلم ف سفر فجعل الناس يهرون بالتكبي‬
‫‪ ،‬فقال النب صلى ال عليه وسلم ‪ :‬أربعوا على أنفسكم ‪ ،‬إنكم ل تدعون أصم ول غائبا تدعون‬
‫سيعا قريبا ‪ ،‬وهو معكم" ‪ .‬وهذا الديث من تام تفسي الية ‪ ،‬ول يكونوا رضي ال عنهم يكبون‬
‫على صوت واحد ‪ ،‬ولكنه ناهم عن رفع الصوت ليكونوا متثلي للية ‪ .‬وقد جاء عن السلف أيضا‬
‫النهي عن الجتماع على الذكر ‪ ،‬والدعاء باليئة الت يتمع عليها هؤلء البتدعون وجاء عنهم النهي‬
‫عن الساجد التخذة لذلك ‪ ،‬وهي الربط الت يسمونا بالصفة ‪ .‬وذكر من ذلك ابن وهب وابن‬
‫وضاح وغيها ما فيه كفاية لن وفقه ال ‪.‬‬
‫فالاصل من هؤلء أنم حسنوا الظن بأنم فيما هم عليه مصيبون ‪ ،‬وأساؤوا الظن بالسلف الصال‬
‫أهل العمل الراجح الصريح ‪ ،‬وأهل الدين الصحيح ‪ .‬ث لا طالبهم لسان الال بالجة أخذوا كلم‬
‫الجيب وهم ل يعملون ‪ ،‬وقولوه ما ل يرضى به العلماء ‪ ،‬وقد بي ذلك ف كلم آخر إذ سئل عن‬
‫ذكر فقراء زماننا ‪ ،‬فأجاب بأن مالس الذكر الذكورة بي الحاديث أنا هي الت يتلى فيها القرآن ‪،‬‬
‫والت يتعلم فيها العلم والدين ‪ ،‬والت تعمر بالعلم والتذكي بالخرة والنة والنار ‪ .‬وكمجالس سفيان‬
‫الثوري ‪ ،‬والسن ‪ ،‬وابن سيين ‪ ،‬وأضرابم ‪.‬‬
‫أما مالس الذكر اللسان فقد صرح با ف حديث اللئكة السياحي ‪ ،‬لكن ل يذكر فيه جهرا‬
‫بالكلمات ‪ ،‬ول رفع أصوات ‪ ،‬وكذلك غيه ‪ .‬لكن الصل الشروع إعلن الفرائض وإخفاء‬
‫النوافل ‪ ،‬وأتى بالية وبقوله تعال ‪" :‬إذ نادى ربه نداء خفيا " وبديث ‪:‬‬
‫"أربعوا على أنفسكم" ‪ .‬قال ‪ :‬وفقراء الوقت قد تيوا بآيات ‪ ،‬وتيزوا بأصوات ‪ ،‬هي إل العتداء ‪،‬‬
‫أقربق منها إل القتداء وطريقتهم إل اتاذها مأكلة وصناعة ‪ ،‬أقرب منها إل اعتدادها قربةً وطاع ًة ‪.‬‬
‫انتهى معناه على اختصار أكثر الشواهد ‪ .‬وهي دليل على أن فتواه الحتج با ليس معناها ما رام‬
‫هؤلء البتدعة ‪ .‬فإنه سئل ف هذه عن فقراء الوقت ‪ ،‬فأجاب بذمهم ‪ ،‬وأن حديث النب صلى ال‬
‫عليه وسلم ل يتناول عملهم ‪ .‬وف الول إنا سئل عن قوم يتمعون لقراءة القرآن ‪ ،‬أو لذكر ال ‪.‬‬
‫وهذا السؤال يصدق على قوم يتمعون مثلً ف السجد فيذكرون ال كل واحد منهم ف نفسه أو‬
‫يتلو القرآن نفسه كما يصدق على مالس العلمي والتعلمي ‪ ،‬وما أشبه ذلك ما تقدم التنبيه عليه فل‬
‫يسعه وغيه من العلماء إل أن يذكر ماسن ذلك والثواب عليه ‪ .‬فلما سئل عن أهل البدع ف الذكر‬
‫والتلوة بي ما ينبغي أن يعتمد عليه الوفق ‪ ،‬ول توفيق إل بال العلي العظيم ‪.‬‬

‫‪134‬‬

‫الشاطبي‬

‫كتاب العتصام‬

‫وأما ما ذكره ف النشادات الشعرية ‪ ،‬فجائز للنسان أن ينشد الشعر الذي ل رفث فيه ‪ ،‬ول يذكر‬
‫بعصية ‪ ،‬وأن يسمعه من غيه إذا أنشد ‪ ،‬على الد الذي ينشد بي يدي رسول ال صلى ال عليه‬
‫وسلم ‪ ،‬أو عمل به الصحابة والتابعون ومن يقتدى به من العلماء ‪ ،‬وذلك أنه كان ينشد ويسمع‬
‫لفوائد ‪.‬‬
‫منها ‪ :‬النافخة عن رسول ال صلى ال عليه وسلم ‪ ،‬وعن السلم وأهله ‪ ،‬ولذلك " كان حسان بن‬
‫ثابت رضي ال عنه قد نصب له منب ف السجد ينشد عليه إذا وفدت الوفود ‪ ،‬حت يقولوا ‪ :‬خطيبه‬
‫أخطب من خطيبنا ‪ ،‬وشاعره أشعر من شاعرنا ‪ ،‬ويقول له صلى ال عليه وسلم ‪ :‬اهجهم وجبيل‬
‫معك" وهذا من باب الهاد ف سبيل ال ‪ ،‬ليس للفقراء من فضله ف غنائهم بالشعر قليل ول كثي ‪.‬‬
‫ومنها ‪ :‬أنم كانوا يتعرضون لاجاتم ويستشفعون بتقدي البيات بي يدي طلباتم ‪ .‬كما فعل ابن‬
‫زهي رضي ال عنه ‪ ،‬وأخت النضر بن الارث ‪ ،‬ومثل ما يفعل الشعراء مع الكباء ‪ .‬هذا ل حرج‬
‫فيه ما ل يكن ف الشعر ذكر ما ل يوز ‪ .‬ونظيه ف سائر الزمنة تقدي الشعر للخلفاء واللوك ومن‬
‫أشبههم قطعا من أشعارهم بي يدي حاجاتم ‪ ،‬كما يفعله أهل الوقت الجردون للسعاية على‬
‫الناس ‪ ،‬مع القدرة على الكتساب ‪ .‬وف الديث ‪:‬‬
‫"ل تصح الصدقة لغن ‪ ،‬ول لذي مرة سوي" فإنم ينشدون الشعار الت فيها ذكر ال وذكر‬
‫رسوله ‪ ،‬وكثيا ما يكون فيها ما ل يوز شرعا ‪ ،‬ويتمندلون بذكر ال ورسوله ف السواق والواضع‬
‫القذرة ‪ ،‬ويعلون ذلك آلة الخذ ما ف أيدي الناس ‪ ،‬لكن بأصوات مطربة ياف بسببها على النساء‬
‫ومن ل عقل له من الرجال ‪.‬‬
‫ومنها ‪ :‬أنم ربا أنشدوا الشعر ف السفار الهادية تنشيطا لكلل النفوس ‪ ،‬وتنبيها للرواحل أن‬
‫تنهض ف اثقالا ‪ ،‬وهذا حسن ‪ ،‬لكن العرب ل يكن لا من تسي النغمات ما يري مرى ما الناس‬
‫عليه اليوم ‪ ،‬بل كانوا ينشدون الشعر مطلقا من غي أن يتعلموا هذه الترجيعات الت حدثت بعدهم ‪،‬‬
‫بل كانوا يرققون الصوت ويططونه على وجه ل يليق بأمية العرب الذين ل يعرفوا صنائع الوسيقى ‪،‬‬
‫فلم يكن فيه إلذاذ ول إطراب يلهي ‪ ،‬وإنا كان لم شيء من النشاط كما كان البشة وعبد ال بن‬
‫رواحة يدوان بي يدي رسول ال صلى ال عليه وسلم ‪ ،‬وكما كان النصار يقولون عند حفر‬
‫الندق ‪:‬‬
‫على الهاد ما حيينا أبدا‬
‫نن الذين بايعوا ممدا‬
‫فيجيبهم صلى ال عليه وسلم بقوله ‪:‬‬
‫"اللهم ل خي إل خي الخرة ‪ .‬فاغفر للنصار والهاجرة" ‪.‬‬
‫ومنها ‪ :‬أن يتمثل الرجل بالبيت أو البيات من الكمة ف نفسه ليعظ نفسه أو ينشطها أو يركها‬
‫لقتضى معن الشعر ‪ ،‬أو يذكرها ذكرا مطلقا ‪ ،‬كما حكى أبو السن القراف الصوف عن السن أن‬
‫‪135‬‬

‫الشاطبي‬

‫كتاب العتصام‬

‫قوما أتوا عمر بن الطاب رضي ال عنه فقالوا ‪ :‬يا أمي الؤمني ! إن لنا إماما إذا فرغ من صلته‬
‫تغن ‪ .‬فقال عمر ‪ :‬من هو ؟ فذكر الرجل ‪ .‬فقال ‪ :‬قوموا بنا إليه فإنا إن وجهنا إليه يظن أنا تسسنا‬
‫عليه أمره ‪ .‬قال ‪ :‬فقام عمر مع جاعة من أصحاب النب صلى ال عليه وسلم حت أتوا الرجل وهو‬
‫ف السجد ‪ ،‬فلما أن نظر إل عمر قام فاستقبله فقال ‪ :‬يا أمي الؤمني ما حاجتك ؟ وما جاء بك ؟‬
‫إن كانت الاجة لنا كنا أحق بذلك منك أن نأتيك ‪ ،‬وإن‬
‫وقد رأينا أن تتم الكلم ف الباب بفصل جع جلة من الستدللت التقدمة‬
‫كانت الاجة لك فأحق من عظمناه خليفة رسول ال صلى ال عليه وسلم ‪ .‬قال له عمر ‪ :‬ويك !‬
‫بلغن عنك أمر ساءن ‪ .‬قال ‪ :‬وما هو يا أمي الؤمني ؟ قال ‪ :‬أتتمجن ف عبادتك ؟ قال ‪ :‬ل يا أمي‬
‫الؤمني ‪ ،‬لكنها عظة أعظ با نفسي ‪ .‬قال عمر ‪:‬قلها ‪ ،‬فإن كان كلما حسنا قلته معك وإن كان‬
‫قبيحا نيتك عنه ‪ .‬فقال ‪:‬‬
‫ف مدى الجران يبغي تعب‬
‫وفؤاد كلما عاتبته‬
‫ل أراه الدهر إل لهيا ف تاديه فقد برح ب‬
‫فن العمر كذا ف اللعب‬
‫يا قرين السوء ما هذا الصبا‬
‫وشباب بان عن فمضى قبل أن أقضي منه أرب‬
‫ما أرجي بعده إل الفنا ضيق الشيب على مطلب‬
‫ويح نفسي ل أراها أبدا ف جيل ل ول ف أدب‬
‫نفس ل كنت ول كان الوى راقب الول وخاف وارهب‬
‫قال ‪ :‬فقال عمر رصي ال عنه ‪:‬‬
‫نفس ل كنت ول كان الوى راقب الول وخاف وارهب‬
‫ث قال عمر ‪ :‬على هذا فليغن من غن ‪.‬‬
‫فتأملوا قوله ‪ :‬بلغن أمر ساءن ‪ .‬مع قوله ‪ :‬أتتمجن ف عبادتك ‪ .‬فهو من أشد ما يكون ف النكار ‪،‬‬
‫حت أعلمه أنه يردد لسانه أبيات حكمة فيها موعظة ‪ ،‬فحينئذ أقره وسلم له ‪.‬‬
‫هذا وما أسبهه كان فعل القوم ‪ ،‬وهم مع ذلك ل يقتصروا ف التنشيط للنفوس ول الوعظ على مرد‬
‫الشعر ‪ ،‬بل وعظوا أنفسهم بكل موعظة ‪ ،‬ول كانوا يستحضرون لذكر الشعار الغني ‪ ،‬إذ ل يكن‬
‫ذلك من طلباتم ‪ ،‬ول كان عندهم من الغناء الستعمل ف أزماننا شيء ‪ ،‬وإنا دخل ف السلم‬
‫بعدهم حي خالط العجم السلمي ‪.‬‬
‫وقد بي ذلك أبو السن القراف فقال ‪ :‬أي الاضي من الصدر الول حجة على من بعدهم ‪ ،‬ول‬
‫يكونوا يلحنون الشعار ول ينغمونا بأحسن ما يكون من النغم إل من وجه إرسال الشعر واتصال‬
‫‪136‬‬

‫الشاطبي‬

‫كتاب العتصام‬

‫القواف ‪ .‬فإن كان صوت أحدهم أشجن من صاحبه كان ذلك مردودا إل أصل اللقة ل يتصنعون‬
‫ول يتكلفون ‪.‬‬
‫هذا ما قال ‪ .‬فلذلك نص العلماء على كراهية ذلك الحدث ‪ .‬وحت سئل مالك بن أنس رضي ال‬
‫عنه عن الغناء الذي يستعمله أهل الدينة ‪ .‬فقال ‪ :‬إنا يفعله الفساق ولكن التقدمون أيضا يعدون‬
‫الغناء جزءا من أجزاء طريقة التعبد ‪ ،‬وطلب رقة النفوس ‪ ،‬وخشوع القلوب ‪ ،‬حت يقصدونه‬
‫قصدا ‪ ،‬ويتعمدون الليال الفاضلة ‪ ،‬فيجتمعون لجل الذكر الهري ‪ ،‬والشطح ‪ ،‬والرقص ‪،‬‬
‫والتغاشي ‪ ،‬والصياح ‪ ،‬وضرب القدام على وزن إيقاع الكف أو اللت ‪ ،‬وموافقة النغمات ‪.‬‬
‫هل ف كلم النب صلى ال عنه وعمله النقول ف الصحاح أو عمل السلف الصال أو أحد من العلماء‬
‫اثر؟ أو ف كلم الجيب ما يصرح بكلم مثل هذا ؟‬
‫بل سئل عن إنشاد الشعار بالصوامع كما يفعله الؤذنون اليوم ف الدعاء بالسحار ؟ فأجاب بأن‬
‫ذلك بدعة مضافة إل بدعة ‪ ،‬لن الدعاء بالصوامع بدعة ‪ .‬وإنشاد الشعر والقصائد بدعة أخرى ‪ ،‬إذ‬
‫ل يكن ذلك ف زمن السلف القتدى بم ‪.‬‬
‫وأما ما ذكره الجيب ف التواجد عند السماع من أنه أثر رقة النفس واضطراب القلب ‪ ،‬فإنه ل يبي‬
‫ذلك الثر ما هو ‪ ،‬كما أنه ل يبي معن الرقة ‪ ،‬ول عرج عليها بتفسي يرشد إل فهم التواجد عند‬
‫الصوفية ‪ ،‬وإنا ف كلمه أن ث أثرا ظاهرا يظهر على جسم التواجد ‪ ،‬وذلك الثر يتاج إل تفسي ‪،‬‬
‫ث التواجد يتاج إل شرح بسب ما يظهر من كلمه ‪.‬‬
‫والذي يظهر ف التواجد ما كان يبدو على جلة من أصحاب رسول ال صلى ال عليه وسلم ‪ ،‬وهو‬
‫البكاء واقشعرار اللد التابع للخوف الخذ بامع القلوب ‪ ،‬وبذلك وصف ال عباده ف كلمه حي‬
‫قال ‪" :‬ال نزل أحسن الديث كتابا متشابا مثان تقشعر منه جلود الذين يشون ربم ث تلي‬
‫جلودهم وقلوبم إل ذكر ال" وقال تعال ‪" :‬وإذا سعوا ما أنزل إل الرسول ترى أعينهم تفيض من‬
‫الدمع ما عرفوا من الق" وقال ‪" :‬إنا الؤمنون الذين إذا ذكر ال وجلت قلوبم وإذا تليت عليهم‬
‫آياته زادتم إيانا" إل قوله ‪" :‬أولئك هم الؤمنون حقا" ‪.‬‬
‫وعن عبد ال بن الي رضي ال عنه قال ‪:‬‬
‫انتهيت إل رسول ال صلى ال عليه وسلم وهو يصلي ‪ ،‬ولوفه أزير كأزير الرجل ( يعن من البكاء‬
‫) والزير صوت يشبه صوت غليان القدر ‪ .‬وعن السن قال ‪ :‬قرأ عمر بن الطاب رضي ال عنه ‪:‬‬
‫"إن عذاب ربك لواقع * ما له من دافع" فرب لا ربوة ‪ ،‬عيد منها عشرين يوما ‪ .‬وعن عبيد ال بن‬
‫عمر ‪ ،‬قال ‪ :‬صلى بنا عمر بن الطاب رضي ال عنه صلة الفجر ‪ ،‬فافتتح سورة يوسف فقرأها‬
‫حت إذا بلغ ‪" :‬وابيضت عيناه من الزن فهو كظيم" بكى حت انقطع ‪ .‬وف رواية لا انتهى إل قوله‬
‫‪" :‬إنا أشكو بثي وحزن إل ال" بكى حت سع نشيجه من وراء الصفوف ‪ .‬وعن أب صال قال ‪ :‬لا‬
‫‪137‬‬

‫الشاطبي‬

‫كتاب العتصام‬

‫قدم أهل اليمن ف زمان أب بكر رضي ال عنه سعوا القرآن فجعلوا يبكون ‪ ،‬فقال أبو بكر ‪ :‬هكذا‬
‫كنا حت قست قلوبنا ‪ .‬وعن ابن أب ليلى أنه قرأ سورة مري حت انتهى إل السجدة ‪" :‬خروا سجدا‬
‫وبكيا" فسجد با ‪ ،‬فلما رفع رأسه قال ‪ :‬هذه السجدة قد سجدناها فأين البكاء؟ إل غي ذلك من‬
‫الثار الدالة على أن أثر الوعظة الذي يكون بغي تصنع إنا هو على هذه الوجوه وما أشبهها ‪.‬‬
‫ومثله ما استدل به بعض الناس من قوله تعال ‪" :‬وربطنا على قلوبم إذ قاموا فقالوا ربنا رب‬
‫السماوات والرض" ذكره بعض الفسرين ‪ .‬وذلك أنه لا ألقى ال اليان ف قلوبم حضروا عند‬
‫ملكهم دقيانوس الكافر ‪ ،‬فتحركت فأرة أو هرة خاف لجلها اللك ‪ ،‬فنظر الفتية إل بعض ‪ ،‬ول‬
‫يتمالكوا أن قاموا مصرحي بالتوحيد ‪ ،‬معلني بالدليل والبهان ‪ ،‬منكرين على اللك نلة الكفر ‪،‬‬
‫باذلي أنفسهم ف ذات ال ‪ .‬فأوعدهم ث أخلفهم ‪ ،‬فتواعدوا الروج إل الغار ‪ ،‬إل أن كان منهم‬
‫ما حكى ال تعال ف كتابه ‪ ،‬فليس ف ذلك صعق ول صياح ‪ ،‬ول شطح ‪ ،‬ول تغاش مستعمل ‪ ،‬ول‬
‫شيء من ذلك ‪ ،‬وهو شأن فقرائنا اليوم ‪.‬‬
‫وخرج سعيد بن منصور ف تفسيه عن عبد ال بن عروة بن الزبي ‪ ،‬قال ‪ :‬قلت لدت أساء ‪ :‬كيف‬
‫كان أصحاب رسول ال صلى ال عليه وسلم إذا قرؤوا القرآن ؟ قالت ‪ :‬كانوا كما نعتهم ال ‪،‬‬
‫تدمع أعينهم وتقشعر جلودهم ‪ .‬قلت ‪ :‬إن ناسا ها هنا إذا سعوا ذلك تأخذهم عليه غشية ‪ .‬فقالت‬
‫‪ :‬أعوذ بال من الشيطان الرجيم ‪.‬‬
‫وخرج أبو عبيد من أحاديث أب حازم ‪ .‬قال ‪ :‬مر ابن عمر برجل من أهل العراق ساقط والناس‬
‫حوله ‪ ،‬فقال ‪ :‬ما هذا ؟ فقالوا ‪ :‬إذا قرئ عليه القرآن ‪ ،‬أو سع ال يذكر خر من خشية ال ‪ .‬قال‬
‫ابن عمر ‪ :‬وال إنا لنخشى ال ول نسقط ‪ .‬وهذا إنكار ‪.‬‬
‫وقيل لعائشة رضي ال عنها ‪ :‬إن قوما إذا سعوا القرآن يغشى عليهم ‪ .‬فقالت ‪ :‬إن القرآن أكرم من‬
‫أن تنف عنه عقول الرجال ‪ ،‬ولكنه كما قال ال تعال ‪ " :‬تقشعر منه جلود الذين يشون ربم ث‬
‫تلي جلودهم وقلوبم إل ذكر ال" وعن أنس بن مالك رضي ال عنه أنه سئل عن القوم يقرأ عليهم‬
‫القرآن فيصعقون فقال ‪ :‬ذلك فعل الوارج ‪.‬‬
‫وخرج أبو نعيم عن جابر بن عبد ال أن ابن الزبي رضي ال تعال عنه قال ‪ :‬جئت أب ‪ ،‬فقال ‪ :‬اين‬
‫كنت ؟ فقلت ‪ :‬وجدت أقواما يذكرون ال فيعد أحدهم حت يغشى عليه من خشية ال فقعدت‬
‫معهم ‪ ،‬فقال ‪ :‬ل تقعد بعدها ‪ .‬فرآن كأنه ل يأخذ ذلك ف فقال ‪ :‬رأيت رسول ال صلى ال عليه‬
‫وسلم يتلو القرآن ‪ .‬ورأيت أبا بكر وعمر يتلوان القرآن ‪ ،‬فل يصيبهم هذا ‪ ،‬أفتراهم أخشع ل من‬
‫أب بكر وعمر ؟ فرأيت ذلك كذلك فتركتهم ‪ ،‬وهذا بأن ذلك كله تعمل وتكلف ل يرضى به أهل‬
‫الدين ‪.‬‬

‫‪138‬‬

‫الشاطبي‬

‫كتاب العتصام‬

‫وسئل ممد بن سيين ‪ ،‬عن الرجل يقرأ عنده فيصعق ‪ ،‬فقال ‪ :‬ميعاد ما بيننا وبينه أن يلس على‬
‫حائط ث يقرأ عليه القرآن من أوله إى آخره ‪ ،‬فإن وقع فهو كما قال ‪.‬‬
‫وهذا الكلم حسن ف الحق والبطل ‪ ،‬لنه إنا كان عند الوارج نوعا من القحة ف النفوس الائلة‬
‫عن الصواب ‪ ،‬وقد تغالط النفس فيه فتظنه انفعالً صحيحا وليس كذلك ‪ .‬والدليل عليه أنه ل يظهر‬
‫على أحد من الصحابة ل هو ول ما يشبهه ‪ ،‬فإن مبناهم كان على الق ‪ ،‬فلم يكونوا يستعملون ف‬
‫دين ال هذه اللعب القبيحة السقطة للدب والروءة ‪.‬‬
‫نعم قد ل ينكر اتفاق الغشي ونوه أو الوت لن سع الوعظة بق فضعف عن مصابرة الرقة الاصلة‬
‫بسببها ‪ .‬فجعل اابن سيين ذلك الضابط ميزانا للمحق والبطل وهو ظاهر‪ ،‬فإن القحة ل تبقى مع‬
‫خوف السقوط من الائط ‪ .‬فقد اتفق من ذلك بعض النوادر وظهر فيها عذر التواجد ‪.‬‬
‫فحكي عن أب وائل ‪ ،‬قال ‪ :‬خرجنا مع عبد ال بن مسعود رضي ال عنه ومعناالربيع بن خثيمة‬
‫فممرنا على حداد ‪ ،‬فقام عبد ال ينظر إل حديده ف النار ‪ ،‬فنظر الربيع إليها فتمايل ليسقط ‪ ،‬ث إن‬
‫عبد ال مضى كما هو حت أتينا على شاطىء الفرات على أتون فلما رآه عبد ال والنار تلتهب ف‬
‫جوفه قرأ هذه الية ‪" :‬إذا رأتم من مكان بعيد سعوا لا تغيظا وزفيا" إل قوله ‪" :‬دعوا هنالك ثبورا‬
‫"فصعق الربيع‪ ،‬يعن غشي عليه ‪ .‬فاحتملناه فأتينا به أهله ـ قال ـ ورابطة عبد ال إل الظهر فلم‬
‫يفق‪ ،‬فرابطه إل الغرب‬
‫فأفاق‪ ،‬ورجع عبد ال إل أهله ‪.‬‬
‫فهذه حالت طرأت لواحد من أفاضل التابعي بحضر صحاب ‪ ،‬ول ينكر عليه لعلمه أن ذلك خارج‬
‫عن طاقته ‪ ،‬فصار بتلك الوعظة السنة كالغمى عليه ‪ ،‬فل حرج إذا ‪.‬‬
‫وحكي أن شابا كان يصحب النيد رضي ال عنه ـ وهو إمام الصوفية إذ ذاك ـ فكان الشاب إذا‬
‫سع شيئا من الذكر يزعق ‪ ،‬فقال له النيد يوما ‪ :‬إن فعلت ذلك مرةً أخرى ل تصحبن ‪ .‬فكان إذا‬
‫سع شيئا يتغي ‪ ،‬ويضبط نفسه حت كان يقطر العرق منه بكل شعرة من بدنه قطرة ‪ ،‬فيوما من اليام‬
‫صاح صيحه تلفت نفسه ‪ ،‬فهذا الشاب قد ظهر فيه مصداق ما قاله السلف ‪ ،‬لنه لو كانت صيحته‬
‫الول غلبته ل يقدر على ضبط نفسه ‪ ،‬وإن كان بشدة ‪ ،‬كما ل يقدر على ضبط نفسه الربيع بن‬
‫خثيمة ‪ ،‬وعليه أدبه الشيخ حي أنكر عليه ووعده بالفرقة ‪ ،‬إذ فهم منه أن تلك الزعقة من بقايا‬
‫رعونة النفس ‪ ،‬فلما خرج المر عن كسبه ـ بدليل موته ـ كانت صيحته عفوا ل حرج عليه فيها‬
‫إن شاء ال ‪.‬‬
‫بلف هؤلء القوم الذين ل يشموا من أوصاف الفضلء فأخذوا بالتشبه بم ‪ ،‬فابرز لم هواهم‬
‫التشبه بالوارج ‪ ،‬ويا ليتهم وقفوا عند هذا الد الذموم ‪ ،‬ولكن زادوا على ذلك الرقص والزمر‬
‫‪139‬‬

‫الشاطبي‬

‫كتاب العتصام‬

‫والدوران والضرب على الصدور ‪ ،‬وبعضهم يضرب على رأسه ‪ .‬وما أشبه ذلك من العمل الضحك‬
‫للحمقى ‪ ،‬لكونه من أعمال الصبيان والجاني ‪ ،‬البكي للعقلء ‪ ،‬رح ًة لم ‪ ،‬إذ ل يتخذ مثل هذا‬
‫طريقا إل ال وتشبها بالصالي ‪.‬‬
‫وقد صح من حديث العرياض بن سارية رضي ال عنه ‪ ،‬قال ‪:‬‬
‫"وعظنا رسول ال صلى ال عليه وسلم موعظ ًة بليغة ذرفت منها العيون ‪ ،‬ووجلت منها القلوب "‪،‬‬
‫الديث ‪ ،‬فقال المام الجري العال السن أبو بكر رضي ال عنه ‪ :‬ميزوا هذا الكلم ‪ ،‬فإنه ل يقل ‪:‬‬
‫صرخنا من موعظة ‪ ،‬ول طرقنا على رؤوسنا ‪ ،‬ول ضربنا على صدورنا ‪ ،‬ول زفنا ول رقصنا ‪ ،‬كما‬
‫يفعل كثي من الهال يصرخون عند الواعظ ويزعقون ‪ ،‬وينتاشون ـ قال ـ ‪ :‬وهذا كله من‬
‫الشيطان يلعب بم ‪ ،‬وهذا كله بدعة وضللة ‪ ،‬ويقال لن فعل هذا ‪:‬‬
‫اعلم أن النب صلى ال عليه وسلم أصدق الناس موعظ ًة ‪ ،‬وأنصح الناس لمته ‪ ،‬وأرق الناس قلبًأ ‪،‬‬
‫وخي الناس من جاء بعده ـ ل يشك ف ذلك عاقل ـ ما صرخوا عند موعظته ول زعقوا ول‬
‫رقصوا ول زفنوا ‪ ،‬ولو كان هذا صحيحا لكانوا أحق الناس به أن يفعلوه بي يدي رسول ال صلى‬
‫ال عليه وسلم ‪ ،‬ولكنه بدعة وباطل ومنكر فاعلم ذلك ‪ .‬انتهى كلمه ‪ .‬وهو واضح فيما نن فيه ‪.‬‬
‫ول بد من النظر ف المر كله الوجب للتأثر الظاهر ف السلف الولي مع هؤلء الدعي ‪ ،‬فوجدنا‬
‫الولي يظهر عليهم ذلك الثر بسبب ذكر ال ‪ ،‬أو بسماع آية من كتاب ال ‪ ،‬وبسبب رؤية‬
‫اعتبارية ـ كما ف قصة الربيع عند رؤيته للحداد والتون وهو موقد النار ـ ولسبب قراءة ف صلة‬
‫أو غيها ‪ ،‬ول ند أحدا منهم ـ فيما نقل العلماء ـ يستعملون الترن بالشعار لترق نفوسهم ‪،‬‬
‫فتتأثر ظواهرهم وطائفة الفقراء على الضد منهم ‪ ،‬فإنم يستعملون القرآن والديث والوعظ والتذكي‬
‫فل تتأثر ظواهرهم ‪ ،‬فإذا قام الزمر تسابقوا إل حركاتم العروفة لم ‪ ،‬فبالري أل يتأثروا على تلك‬
‫الوجوه الركوهة البتدعة ‪ .‬لن الق ل ينتج إل حقا كما أن الباطل‬
‫ل‪.‬‬
‫ل ينتج إل باط ً‬
‫وعلى هذا التقرير ينبن النظر ف حقيقة الرقة الذكورة ‪ ،‬وهي الحركة للظاهر ‪ .‬وذلك أن الرقة ضد‬
‫الغلط ‪ ،‬فنقول ‪ :‬هذا رقيق ليس بغليط ‪ ،‬ومكان رقيق إذا كان لي التراب ‪ ،‬ومثله الغليط ‪ ،‬فإذا‬
‫وصف بذلك فهو راجع إل لينه وتأثره ضد القسوة ‪ ،‬ويشعر بذلك قوله تعال ‪" :‬ث تلي جلودهم‬
‫وقلوبم إل ذكر ال" لن القلب الرقيق إذا أوردت عليه الوعظة خضع لا ولن وانقاد ‪ ،‬ولذلك قال‬
‫تعال ‪" :‬إنا الؤمنون الذين إذا ذكر ال وجلت قلوبم" فإن الوجل تأثر ولي يصل ف القلب بسبب‬
‫الوعظة ‪ ،‬فترى اللد من أجل ذلك يقسعر ‪ ،‬والعي تدمع ‪ ،‬واللي إذا حل بالقلب ـ وهو باطن‬
‫النسان ـ حل باللد بشهادة ال ـ وهو ظاهر النسان ـ فقد حل النفعال بجموع النسان‬

‫‪140‬‬

‫الشاطبي‬

‫كتاب العتصام‬

‫الولي ـ كما تقدم ـ فإذا رأيت أحدا سع موعظ ًة أي موعظة كانت ‪ ،‬فيظهر عليه من الثر ما‬
‫ظهر على السلف الصال ‪ ،‬علمت أنا رقة هي أول الوجد ‪ ،‬وأنا صحيحة ل اعتراض فيها ‪.‬‬
‫وإذا رأيت أحدا سع موعظة قرآنيةً أو سنيةً أو حكميةً ول يظهر عليه من تلك الثار شيء ‪ ،‬حت‬
‫يسمع شعرا مرقما أو غناء مطربا فتأثر ‪ ،‬فإنه ل يظهر عليه ف الغالب من تلك الثار شيء ‪ ،‬وإنا‬
‫يظهر عليه انزعاج بقيام ‪ ،‬أو دوران ‪ ،‬أو شطح ‪ ،‬أو صياح ‪ ،‬أو ما يناسب الغناء ‪ ،‬لن الرقة ضد‬
‫القسوة ـ كما تقدم ـ والطرب ضد الشوع ـ كما يقوله الصوفية ـ والطرب مناسب‬
‫للحركة ‪ ،‬لنه ثوران الطباع ‪ ،‬ولذلك اشترك فيه مع النسان اليوان ‪ ،‬كالبل والنحل ‪ ،‬ومن ل‬
‫عقل له من الطفال ‪ ،‬وغي ذلك ‪ .‬والشوع ضده ‪ ،‬لنه راجع إل السكون ‪ ،‬وقد فسر به لغة ‪،‬‬
‫كما فسر الطرب بأنه خفة تصحب النسان من حزن أو سرور ‪.‬‬
‫قال الشاعر ‪:‬‬
‫طرب الواله أو كالختبل‬
‫والتطريب مد الصوت وتسينه ‪.‬‬
‫وبيانه أن الشعر الغن به قد اشتمل على أمرين ‪:‬‬
‫أحدها ‪ :‬ما فيه من الكمة والوعظة ‪ ،‬وهذا متص بالقلوب ‪ .‬ففيها تعمل وبا تنفعل ‪ ،‬ومن هذه‬
‫الهة ينسب السماع إل الرواح ‪.‬‬
‫والثان ‪ :‬ما فيه من النغمات الرتبة على النسب التلحيينة ‪ ،‬وهو الؤثر ف الطبائع ‪ ،‬فيهيجها إل ما‬
‫يناسبها ‪ ،‬وهي الركات على اختلفها ‪ ،‬فكل تأثر ف القلب من جهة السماع تصل عنه آثار‬
‫الكون والضوع فهو رقة ‪ ،‬وهو التواجد الذي أشار إليه كلم الجيب ‪ -‬ول شك أنه ممود ‪-‬‬
‫وكل تأثر يصل عنه ضد السكون ‪،‬‬
‫فهو طرب ل رقة فيه ول تواجد ‪ ،‬ول هو عند شيوخ الصوفية ممود ‪ ،‬لكن هؤلء الفقراء ليس لم‬
‫من التواجد ‪ -‬ف الغالب ‪ -‬إل الثان الذموم ‪ ،‬فهم إذا متواجدون بالنغم واللحون ‪ ،‬ل يدركون من‬
‫معان الكمة شيئا ‪ .‬فقد باؤوا إذا بأخسر الصفقتي ‪ .‬نعوذ بال ‪.‬‬
‫وإنا جاءهم الغلط من جهة اختلط الناطي عليهم ‪ ،‬ومن جهة أنم استدلوا بغيه فقوله تعال ‪:‬‬
‫"ففروا إل ال" وقوله ‪ " :‬لو اطلعت عليهم لوليت منهم فرارا" ل دليل فيه على العن ‪ .‬وكذلك قوله‬
‫تعال ‪" :‬إذ قاموا فقالوا ربنا" أين فيه أنم قاموا يرقصون ‪ ،‬أو يزفنون ‪ ،‬أو يدورون على أقدامهم ؟‬
‫ونو ذلك ‪ ،‬فهو من الستدلل الداخل تت هذا الواب ‪.‬‬
‫ووقع ف كلم الجيب لفظ السماع غي مفسر ‪ ،‬ففهم منه الجتمع أنه الغناء الذي تستعمله شيعته ‪،‬‬
‫وهو فهم عموم الناس ‪ ،‬ل فهم الصوفية ‪ ،‬فإنه عندهم يطلق على كل صوت أفاد حكمة يضع لا‬
‫القلب ‪ ،‬ويلي لا اللد ‪ .‬وهو الذي يتواجدون عنده التواجد الحمود ‪ ،‬فسماع القرآن عنهم ساع ‪،‬‬
‫‪141‬‬

‫الشاطبي‬

‫كتاب العتصام‬

‫وكذلك ساع السنة وكلم الكماء والفضلء حت أصوات الطي وخرير الاء ‪ ،‬وصرير الباب ‪ .‬ومنه‬
‫ساع النظور أيضا إذا أعطى حكمة ‪ ،‬ول يستمعون هذا الخي إل ف الفرط ‪ ،‬وعلى غي استعداد‬
‫وعلى غي وجه اللتذاذ والطراب ‪ ،‬ول هم من يدوام عليه أو يتخذه عادة ‪ ،‬لن ذلك كله قادح ف‬
‫مقاصدهم الت بنوا عليها ‪.‬‬
‫قال النيد ‪ :‬إذا رأيت الريد يب السماع فاعلم أن فيه بقية من البطالة ‪ .‬وإنا لم من ساعة إذا اتفق‬
‫وجه الكمة إن كان فيه حكمة ‪ ،‬فاستوى عندهم النظم والنثر ‪ .‬وإن أطلق أحد منهم السماع ‪،‬‬
‫فمن حيث فهم الكمة ل من حيث يلئم الطباع لن من سعه من حيث يستحسنه فهو متعرض‬
‫للفتنة فيصي إل ما صار إليه السماع اللذ الطرب ‪.‬‬
‫ومن الدليل على أن السماع عندهم ما تقدم ‪ ،‬ما ذكر عن أب عثمان الغرب أنه قال ‪ :‬من ادعى‬
‫السماع ول يسمع صوت الطي وصرير الباب وتصفيق الرياح فهو مفتر مبتدع ‪ .‬وقال الصري ‪:‬‬
‫أيش أعمل بسماع ينقطع من يسمع منه ؟ وينبغي أن يكون ساعك ساعا متصلً غي منقطع ‪ .‬وعن‬
‫أحد بن سال قال ‪ :‬خدمت سهل بن عبد ال التستري سني ‪ ،‬فما رأيته تغي عند ساع شيء يسمعه‬
‫من الذكر أو القرآن أو غيه ‪ ،‬فلما كان ف آخر عمره قرىء بي يديه ‪" :‬فاليوم ل يؤخذ منكم فدية"‬
‫تغي وارتعد وكاد يسقط ‪ ،‬فلما رجع إل حال صحوه سألته عن ذلك فقال ‪ :‬يا حبيب ضعفنا ‪ .‬وقال‬
‫السلمي دخلت على أب عثمان الغرب وواحد يستقي الاء من البئر على بكرة ‪ ،‬فقال ل ‪ :‬يا أبا عبد‬
‫الرحن ! تدري إيش تقول هذه البكرة ؟ فقلت ‪ :‬ل ‪ .‬فقال ‪ :‬تقول ال ‪.‬‬
‫فهذه الكايات وأشباهها تدل على أن السماع عندهم كما تقدم ‪ ،‬وأنم ل يؤثرون ساع الشعار‬
‫ل على أن يتصنعوا فيها بالغان الطربة ‪ .‬ولا طال الزمان وبعدوا عن أحوال السلف‬
‫على غيها فض ً‬
‫الصال ‪ ،‬أخذ الوى ف التفريع ف السماع حت صار يستعمل منع الصنوع على قانون اللان ‪،‬‬
‫فتعشقت به الطباع ‪ ،‬وكثر العمل به ودام ـ وإن كان قصدهم به الراحة فقط ـ فصار قذى ف‬
‫طريق سلوكهم فرجعوا به القهقرى ‪،‬ث طال المد حت اعتقده الهال ف هذا الزمان وما قاربه أنه‬
‫قربة ‪ ،‬وجزء أجزاء طريقة التصوف ‪ ،‬وهو الدهى ‪.‬‬
‫وقول الجيب ‪ :‬وأما من دعا طائفة إل منله فتجاب دعوته وله ف دعوته قصده مطابق حسب ما‬
‫ذكر أولً ‪ ،‬بأن من دعا قوما إل منله لتعلم آية أو سورة من كتاب ال ‪ ،‬أو سنة من سنن رسول ال‬
‫صلى ال عليه وسلم ‪ ،‬أو مذاكرة ف علم أو ف نعم ال ‪ ،‬أو مؤانسة ف شعر فيه حكمة ليس فيه غناء‬
‫مكروه ول صحبه شطح ول زفن ول صياح ‪ ،‬وغي ذلك من النكرات ‪ ،‬ث ألقى إليهم من الطعام‬
‫على غي وجه التكلف والباهاة ‪ ،‬ول يقصد بذلك بدعة ‪ ،‬ول امتيازا لفرقة ترج بأفعالا وأقوالا عن‬
‫السنة فل شك ف استحسان ذلك ‪ ،‬لنه داخل ف حكم الأدبة القصود با حسن العشرة بي اليان‬

‫‪142‬‬

‫الشاطبي‬

‫كتاب العتصام‬

‫والخوان ‪ ،‬والتودد بي الصحاب ‪ ،‬وهي ف حكم الستحباب ‪ ،‬فإن كان فيها تذاكر ف علم أو‬
‫نوه ‪،‬فهي من باب التعاون على الي ‪.‬‬
‫ومثال ما يكى عن ممد بن حنيف ‪ ،‬قال ‪ :‬دخلت يوما على القاضي علي بن أحد ‪ ،‬فقال ل ‪ :‬يا‬
‫أبا عبد ال ! قلت ‪ :‬لبيك أيها القاضي ‪ ،‬قال ‪ :‬ها هنا أحكي لكم حكاية تتاج أن تكتبها باء‬
‫الذهب ‪ ،‬فقلت ‪ :‬أيها القاضي ! ما الذهب فل أجده ‪ ،‬ولكن أكتبها بالب اليد ‪ ،‬فقال ‪ :‬بلغن أنه‬
‫قيل أب عبد ال أحد بن حنبل ‪ :‬أن الارث الحاسب يتكلم ف علوم الصوفية ويتج عليه بالي ‪،‬‬
‫فقال أحد ‪ :‬أحب أن أسع كلمه من حيث ل يعلم ‪ ،‬فقال أنا أجعك معه ‪ ،‬فاتذ دعوة ودعا‬
‫الارث وأصحابه ودعا أحد ‪ ،‬فجلس بيث يرى الارث ‪ ،‬فحضرت الصلة ‪ ،‬فتقدم وصلى بم‬
‫الغرب ‪ ،‬وأحضر الطعام ‪ ،‬فجعل يأكل ويتحدث معهم ‪ ،‬فقال أحد ‪ :‬هذا منالسنة ‪.‬‬
‫فلما فرغوا من الطعام وغسلوا أيديهم جلس الارث وجلس أصحابه ‪ ،‬فقال ‪ :‬من أراد منكم أن‬
‫يسأل شيئا فليسأل ‪ ،‬فسئل عن الخلص ‪ ،‬وعن الرياء ‪ ،‬ومسائل كثية ‪ ،‬فاستشهد بالي والديث‬
‫‪ ،‬أحد يسمع ل ينكر شيئا من ذلك فلما مضى هدي من الليل أمر الارث قارئا يقرأ شيئا من‬
‫القرآن على الدو فقرأ ‪ ،‬فبكى بعضهم وانتخب آخرون ‪ ،‬ث سكت القارىء ‪ ،‬فدعا الارث‬
‫بدعوات خفاف ‪ ،‬ث قام إل الصلة ‪ ،‬فلما أصبحوا قال أحد ‪ :‬قد كان بلغن أن ها هنا مالس‬
‫للذكر يتمعون عليها ‪ ،‬فإن كان هذا من تلك الجالس فل أنكر منها شيئا ‪.‬‬
‫ففي هذه الكاية أن أحوال الصوفية توزن بيزان الشرع ‪ ،‬وأن مالس الذكر ليست ما زعم هؤلء‬
‫بل ما تقدم لنا ذكره ‪ ،‬وأما ما سوى ذلك ما اعتادوه فهو ما ينكر ‪.‬‬
‫والارث الحاسب من كبار الصوفية القتدى بم فإذا ليس ف كلم الجيب ما يتعلق به هؤلء‬
‫التأخرون إذ باينوا التقدمي من كل وجه ‪ ،‬وبال التوفيق ‪.‬‬
‫والمثلة ف الباب كثية لو تتبعت لرجنا عن القصود ‪ ،‬وإنا ذكرنا أمثلة تبي من استللتم الواهية‬
‫ما يضاهيها ‪ ،‬وحاصلها الروج ف الستدلل عن الطريق الذي أوضحه العلماء ‪ ،‬وبينه الئمة ‪،‬‬
‫وحصر أنواعه الراسخون ف العلم ‪.‬‬
‫ومن نظر إل طريق أهل البدع ف الستدللت عرف أنا ل تنضبط ‪ ،‬لنا سيالة ل تقف عند حد ‪.‬‬
‫وعلى كل وجه يصح لكل زائغ وكافر أن يستدل على زيغه وكفره حت ينسب النحلة الت التزمها‬
‫إل الشريعة ‪.‬‬
‫فقد رأينا وسعنا عن بعض الكفار أنه استدل على كفره بآيات القرآن ‪ .‬كما استدل بعض النصارى‬
‫على تشريك عيسى بقوله تعال ‪" :‬وكلمته ألقاها إل مري وروح منه" ‪ ،‬واستدل على أن الكفار من‬
‫أهل النة بإطلق قوله تعال ‪" :‬إن الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى والصابئي من آمن بال‬
‫واليوم الخر" واستدل بعض اليهود على تفضيلهم علينا بقوله سبحانه ‪" :‬اذكروا نعمت الت أنعمت‬
‫‪143‬‬

‫الشاطبي‬

‫كتاب العتصام‬

‫عليكم وأن فضلتكم على العالي" ‪ .‬وبعض اللولية استدل على قوله تعال ‪" :‬ونفخت فيه من‬
‫روحي" والتناسخي استدل بقوله ‪" :‬ف أي صورة ما شاء ركبك" ‪.‬‬
‫وكذلك كل من اتبع التشابات ‪ ،‬أو حرف الناطات ‪ ،‬أو حل اليات ‪ ،‬ما ل تمله عند السلف‬
‫الصال ‪ ،‬أو تسك بالحاديث الواهية ‪ ،‬أو اخذ الدلة ببادي الرأي ‪ ،‬له أن يستدل على كل فعل أو‬
‫قول أو اعتقاد وافق غرضه بآية أو حديث ل يفوز بذلك أصلً ‪ ،‬والدليل عليه استدلل كل فرقة‬
‫شهرت بالبدعة على بدعتها يآية أو حديث من غي توقف ـ حسبما تقدم ذكره ـ وسيأت له نظائر‬
‫أيضا إن شاء ال ‪.‬‬
‫فمن طلب خلص نفسه تثبت حت يتضح له الطريق ‪ ،‬ومن تساهل رمته أيدي الوى ف معاطب ل‬
‫ملص له منها إل ما شاء ال ‪.‬‬
‫الباب الامس ‪ :‬ف أحكام البدع القيقية والضافية والفرق بينهما‬
‫ول بد قبل النظر ف ذلك من تفسي البدعة القيقية والضافية فنقول وبال التوفيق ‪.‬‬
‫إن البدعة القيقية ‪ :‬هي الت ل يدل عليها دليل شرعي ل من كتاب ول سنة ول إجاع ول استدلل‬
‫معتب عند أهل العلم ل ف الملة ول ف التفصيل ‪ ،‬ولذلك سيت بدعة ‪ -‬كما تقدم ذكره ‪ -‬لنا‬
‫شئ مترع على غي مثال سابق ‪ ،‬وإن كان البتدع يأب أن ينسب إليه الروج عن الشرع ‪ ،‬إذ هو‬
‫مدع أنه داخل با استنبط تت مقتضى الدلة ‪ ،‬لكن تلك الدعوى غي صحيحة ل ف نفس المر ول‬
‫بسب الظاهر ‪ .‬أما بسب نفس المر فبالعرض ‪ ،‬وأما بسب الظاهر فإن أدلته شبه ليست بأدلة إن‬
‫ثبت أنه استدل ‪ ،‬وإل فالمر واضح ‪.‬‬
‫وأما البدعة الضافية فهي الت لا شائبتان ‪ :‬إحداها لا من الدلة متعلق ‪ ،‬فل تكون من تلك الهة‬
‫بدعة ‪ .‬والخرى ليس لا متعلق إل مثل ما للبدعة القيقية ‪ .‬فلما كان العمل الذي له شائبتان ل‬
‫يتخلص لحد الطرفي وضعنا له هذه التسمية وهي البدعة الضافية أي أنا بالنسبة إل إحدى‬
‫الهتي سنة لنا مستندة إل دليل ‪ ،‬وبالنسبة إل الهة الخرى بدعة لنا مستندة إل شبهة ل إل‬
‫دليل ‪ ،‬أو غي مستندة إل شيء ‪.‬‬
‫والفرق بينهما من جهة العن ‪ ،‬أن الدليل عليها من جهة الصل قائم ‪ ،‬ومن دهة الكيفيات أو‬
‫الحوال أو التفاصيل ل يقم عليها ‪ ،‬مع أنا متاجة إليه لن الغالب وقوعها ف التعبديات ل ف‬
‫العاديات الحضة ‪ .‬كما سنذكره إن شاء ال ‪.‬‬
‫ث نقول بعد هذا ‪ :‬إن القيقية لا كانت أكثر وأعم وأشهر ف الناس ذكرا ‪ ،‬وافترقت الفرق وكان‬
‫الناس شيعا ‪ ،‬وجرى من أمثلتها ما فيه الكفاية وهي أسبق ف فهم العلماء ـ تركنا الكلم فيما يتعلق‬
‫با من الحكام ‪ ،‬ومع ذلك فقلما تتص بكم دون الضافية ‪ ،‬بل ها معا يشتركان ف أكثر‬
‫‪144‬‬

‫الشاطبي‬

‫كتاب العتصام‬

‫الحكام الت هي مقصودا هذا الكتاب أن تشرح فيه ‪ ،‬بلف الضافية ‪ ،‬فإن لا أحكاما خاصة‬
‫وشرحا خاصا ـ وهو القصود ف هذا الباب إل أن الضافية أولً على ضربي ‪ :‬أحدها يقرب من‬
‫القيقية حت تكاد البدعة تعد حقيقية ‪ ،‬والخر يبعد منها حت يكاد سنة مضة ‪.‬‬
‫ولا انقسمت هذا النقسام صار من الكيد على كل قسم على حدته ‪ ،‬فلنعقد ف كل واحد منهما‬
‫فصولً بسب ما يقتضيه الوقت ‪ ،‬وبال التوفيق ‪.‬‬
‫فصل من فصول البدع الضافية قال ال سبحانه ف شأن عيسى عليه السلم ومن اتبعه ‪ :‬وجعلنا‬
‫ف قلوب الذين اتبعوه رأفة إل آخر الية‬
‫قال ال سبحانه ف شأن عيسى عليه السلم ومن اتبعه ‪" :‬وجعلنا ف قلوب الذين اتبعوه رأفة ورحة‬
‫ورهبانية ابتدعوها ما كتبناها عليهم إل ابتغاء رضوان ال فما رعوها حق رعايتها فآتينا الذين آمنوا‬
‫منهم أجرهم وكثي منهم فاسقون " ‪.‬‬
‫فخرج عبد بن حيد وإساعيل بن إسحاق القاضي وغيها " عن عبد ال بن مسعود رضي ال عنه‬
‫قال ‪ :‬قال ل رسول ال صلى ال عليه وسلم ‪ :‬هل تدري أي الناس أعلم ؟ قلت ‪ :‬ال ورسوله أعلم‬
‫‪ .‬قال ‪ :‬أعلم الناس أبصرهم بالق إذا اختلف الناس ‪ ،‬وإن كان مقصرا ف العمل ‪ ،‬وإن كان يزحف‬
‫على أليتيه ‪ ،‬واختلف من كان قبلنا على اثنتي وسبعي فرقة ‪ ،‬نا منها ثلث وهلك سائرها ‪ ،‬فرقة‬
‫آذت اللوك وقاتلتهم على دين ال ـ ودين عيسى ابن مري عليهما السلم ـ فساحوا ف البال‬
‫وترهبوا فيها ‪ ،‬هم الذين قال ال عز وجل فيهم ‪" :‬ورهبانية ابتدعوها ما كتبناها عليهم إل ابتغاء‬
‫رضوان ال فما رعوها حق رعايتها فآتينا الذين آمنوا منهم أجرهم وكثي منهم فاسقون" فالؤمني‬
‫الذين آمنوا ب وصدقوا ب والفاسقون الذين كذبوا وحجدوا" ‪ ،‬وهذا الديث من أحاديث الكوفيي‬
‫‪ .‬والرهبانية فيه بعن اعتزال اللق ف السياحة واطراح الدنيا ولذاتا من النساء وغي لك ‪ ،‬ومنه لزوم‬
‫الصوامع والديارة ـ على ما كان عليه أمر النصارى قبل السلم ـ مع التزام العبادة ‪ .‬وعلى هذا‬
‫التفسي جاعة من الفسرين ‪.‬‬
‫ويتمل أن يكون الستثناء ف قوله تعال ‪" :‬إل ابتغاء رضوان ال" متصلً ومنفصلً فإذا بنينا على‬
‫التصال فكأنه يقول ‪ :‬ما كتبناها عليهم إل على هذا الوجه الذي هو العمل با ابتغاء رضوان ال ‪.‬‬
‫فالعن أنا ما كتبت عليهم ـ أي ما شرعت لم ـ لكن بشرط قصد الرضوان ‪ ،‬فما رعوها حق‬
‫رعايتها ‪ ،‬بدليل أنم تركوا رعايتها حي ل يؤمنوا برسول ال صلى ال عليه وسلم ‪ .‬وهو قول طائفة‬
‫من الفسرين لن قصد الرضوان إذا كان شرطا ف العمل با شرع لم ‪ ،‬فمن حقهم أن يتبعوا ذلك‬
‫القصد فإل أين سار بم ساروا ‪ ،‬وإنا شرع لم على شرط أنه إذا نسخ بغيه رجعوا إل ما أحكم‬
‫وتركوا ما نسخ ‪ ،‬وهو معن ابتغاء الرضوان على القيقة ‪ ،‬فإذا ل يفعلوا وأصروا على الول كان‬
‫‪145‬‬

‫الشاطبي‬

‫كتاب العتصام‬

‫ذلك ابتاعا للهوى ل اتباعا للمشروع ‪ ،‬واتباع الشروع هو الذي يصل له الرضوان ‪ ،‬وقصد‬
‫الرضوان بذلك ‪.‬‬
‫قال تعال ‪ " :‬فآتينا الذين آمنوا منهم أجرهم وكثي منهم فاسقون " فالذين أمنوا هم الذين اتبعوا‬
‫الرهبانية ابتغاء رضوان ال ‪ ،‬والفاسقون هم الارجون عن الدخول فيها بشرطها إذ ل يؤمنوا برسول‬
‫ال صلى ال عليه وسلم ‪.‬‬
‫إل أن هذا التقرير يقتضي أن الشروع لم يسمى ابتداعا ‪ ،‬وهو خلف ما دل عليه حد البدعة ‪.‬‬
‫والواب أنه يسمى بدعة من حيث أخلوا بشرط الشروع ‪ ،‬إذ شرط عليهم فلم يقوموا به ‪ .‬وإذا‬
‫كانت العبادة مشروطة بشرط فيعمل با دون شرطها ل تكن عبادة على وجهها وصارت بدعة ‪،‬‬
‫كالخل قصدا بشرط من شروط الصلة ‪ ،‬مثل استقبال القبلة أو الطهارة أو غيها ‪ ،‬فحيث عرف‬
‫بذلك وعلمه فلم يلتزمه ودأب على الصلة دون شرطها فذلك العمل من قبيل البدع ‪ .‬فيكون ترهب‬
‫النصارى صحيحا قبل بعث ممد رسول ال صلى ال عليه وسلم ‪ ،‬فلما بعث وجب الرجوع عن‬
‫ذلك كله إل ملته ‪ ،‬فالبقاء عليه مع نسخه بقاء على ما هو باطل بالشرع ‪ ،‬وهو عي البدعة ‪.‬‬
‫وإذا بنينا على أن الستثناء منقطع ـ وهو قول فريق من الفسرين ـ فالعن ‪ :‬ما كتبناها عليهم‬
‫أصلً ‪ ،‬ولكنهم ابتدعوها ابتغاء رضوان ال ‪ ،‬فلم يعملوا با بشرطها ‪ ،‬وهو اليان برسول ال صلى‬
‫ال عليه وسلم ‪ ،‬إذ بعث إل الناس كافة ‪ .‬وإنا سيت بدعة على هذا الوجه لمرين ‪:‬‬
‫أحدها ‪ :‬يرجع إل أنا بدعة حقيقية ـ كما تقدم ـ لنا داخلة تت حد البدعة ‪.‬‬
‫والثان ‪ :‬يرجع إل أنا بدعة إضافية ‪ ،‬لن ظاهر القرآن دل على أنا ل تكن مذمومة ف حقهم‬
‫بإطلق ‪ ،‬بل لنم أخلوا بشرطها ‪ ،‬فمن ل يل منهم بشرطها وعمل با قبل بعث النب صلى ال‬
‫عليه وسلم حصل له فيها أجر ‪ ،‬حسبما دل عليه قوله ‪" :‬فآتينا الذين آمنوا منهم أجرهم" أي أن من‬
‫عمل با ف وقتها ث آمن بالنب صلى ال عليه وسلم بعد بعثه وفيناه أجره ‪.‬‬
‫وإنا قلنا ‪ :‬إنا ف هذا الوجه إضافية ‪ ،‬لنا لو كانت حقيقية لالفوا با شرعهم الذي كانوا عليه ‪،‬‬
‫لن هذا حقيقة البدعة ‪ ،‬فلم يكن لم با أجر ‪ ،‬بل كانوا يستحقون العقاب لخالفتهم لوامر ال‬
‫ونواهيه ‪ ،‬فدل على أنم فعلوا ما كانوا جائزا لم فعله ‪ ،‬فل تكون بدعتهم حقيقية ‪ ،‬لكنه ينظر على‬
‫أي معن أطلق عليها لفظ البدعة وسيأت بعد بول ال ‪.‬‬
‫وعلى كل تقدير فهذا القول ل يتعلق بذه المة منه حكم ‪ ،‬لنه نسخ ف شريعتنا فل رهبانية ف‬
‫السلم ‪ .‬وقال النب صلى ال عليه وسلم ‪:‬‬
‫"من رغب عن سنت فليس من" ‪.‬‬

‫‪146‬‬

‫الشاطبي‬

‫كتاب العتصام‬

‫على أن ابن العرب نقل ف الية أربعة أقوال ‪ :‬الول ما تقدم ‪ .‬والثان أن الرهبانية رفض النساء ‪،‬‬
‫وهو النسوخ ف شرعنا ‪ .‬والثالث اتاذ الصوامع للعزلة ‪ .‬والرابع السياحة ‪ .‬قال ‪ :‬وهو مندوب إليه‬
‫ف ديننا عند فساد الزمان ‪.‬‬
‫وطاهره يقتضي أنا بدعة ‪ ،‬لالذين ترهبوا قبل السلم إنا فعلوا ذلك فرارا منهم بدينهم ‪ .‬وسيت‬
‫بدعة ‪ .‬والندب إليها يقتضي أن ل ابتداع فيها ‪ ،‬فكيف يتمعان ؟ ولكن للمسألة بيان فقد يذكر‬
‫بول ال ‪.‬‬
‫وقيل ‪ :‬إن معن قوله تعال ‪" :‬ورهبانية ابتدعوها" إنم تركوا الق ‪ ،‬وأكلوا لوم النازير ‪ ،‬وشربوا‬
‫المر ‪ ،‬ول يغتسلوا من جنابة ‪ ،‬وتركوا التان ‪" ،‬فما رعوها" يعن الطاعة واللة "حق رعايتها" فالاء‬
‫راجعة إل غي مذكور ‪ ،‬وهو اللة الفهوم معناها من قوله ‪" :‬وجعلنا ف قلوب الذين اتبعوه رأفة‬
‫ورحة " لنه يفهم منه أن ث ملة متبعة ‪ ،‬كما دل قوله ‪" :‬إذ عرض عليه بالعشي" على الشمس حت‬
‫عاد عليها الضمي ف قوله ‪" :‬توارت بالجاب" ‪ ،‬وكان العن على هذا القول ‪ :‬ما كتبناها عليهم‬
‫على هذا الوجه الذي فعلوه ‪ ،‬وإنا أمرناهم بالق ‪ .‬فالبدعة فيه إذا حقيقية ل إضافية ‪ ،‬وعلى كل‬
‫تقدير ‪ ،‬فهذا الوجه هو الذي قال به أكثر العلماء ‪ ،‬فل نظر فيه بالنسبة إل هذه المة ‪.‬‬
‫وخرج سعيد بن منصور وإساعيل القاضي عن أب أمامة الباهلي رضي ال عنه أنه قال ‪ :‬أحدثتم قيام‬
‫شهر رمضان ول يكتب عليكم ‪ ،‬إنا كتب عليكم الصيام ‪ ،‬فدموا على القيام إذ فعلتموه ول‬
‫تتركوه ‪ ،‬فإن أناسا من ين إسرائيل ابتدعوها بدعا ل يكتبها ال عليهم ابتغوا با رضوان ال فما‬
‫رعوها حق رعايتها فعاتبهم ال بتركها فقال ‪" :‬ورهبانية ابتدعوها" الية ‪.‬‬
‫وف رواية ‪ :‬فإن أناسا من بن إسرائيل ابتدعوها بدعة ابتغاء رضوان ال ‪ ،‬فلم يرعوها حق رعايتها ‪،‬‬
‫فعاتبهم ال بتركها ‪ ،‬وتل هذه الية ‪" :‬ورهبانية ابتدعوها" الية ‪.‬‬
‫وهذا القول يقرب من قول بعض الفسرين ف قوله ك "فما رعوها حق رعايتها" يريد أنم قصروا فيها‬
‫ول يدوموا عليها ‪.‬‬
‫قال بعض نقلة التفسي ‪ :‬وف هذا التأويل لزوم التام لكل من بدأ بتطوع ونقل ‪ ،‬وأن يرعوه حق‬
‫رعايته ‪.‬‬
‫قال ابن العرب ـ وقد زاغ عن منهج الصواب ـ من يظن أنا رهبانية كتبت عليهم بعد أن التزموها‬
‫‪ .‬قال ‪ :‬وليس يرج هذا عن مضمون الكلم ‪ ،‬ول يعطيه أسلوبه ول معناه ‪ ،‬ول يكتب على أحد‬
‫شيء إل بشرع أو نذر ‪ .‬قال ‪ :‬وليس ف هذا اختلف بي أهل اللل ‪ ،‬وال أعلم ‪.‬‬
‫وهذا القول متاج إل النظر والتأمل إذا بنينا العمل على وقفه ‪ ،‬إذ أكثر العلماء على القول الول ‪،‬‬
‫فإن هذ اللة ل بدعة فيها ول تتمل القول بواز البتداع بال للقطع بالدليل ‪ ،‬غذ كل بدعة ضللة‬
‫ـ حسبما تقدم ـ فالصل أن يتبع الدليل ول عمل على خلفه ‪.‬‬
‫‪147‬‬

‫الشاطبي‬

‫كتاب العتصام‬

‫ومع ذلك فل نلي ـ بول ال ـ قول أب أمامة رضي ال عنه من نظر صحيح على وفق الدليل‬
‫الشرعي ‪ ،‬وإن كان فيه بعد بالنسبة إل ظاهر المر ‪ ،‬وذلك أنه عد عمل عمر رضي ال عنه ف جع‬
‫الناس ف السجد على قارىء واحد ف رمضان بدعة لقوله حي دخل السجد وهم يصلون ‪ :‬نعمت‬
‫البدعة هذه ‪ ،‬والت ينامون عنها أفضل ‪.‬‬
‫وقد مر أنه إنا ساها باعتبار ما ‪ ،‬وأن قيام المام بالناس ف السجد ف رمضان سنة ‪ ،‬عمل با‬
‫صاحب السنة رسول ال صلى ال عليه وسلم ‪ ،‬وإنا تركها خوفا من الفتراض ‪ ،‬فلما انقضى زمن‬
‫الوحي زالت العلة فعاد العمل با إل نصابه إل أن ذلك ل يتأت لب بكر رضي ال عنه زمان خلفته‬
‫‪ ،‬لعارضة ما هو أول بالنظر فيه ‪ ،‬وكذلك صدر خلفة عمر رضي ال عنه ‪ ،‬حت تأتى النظر فوقع‬
‫منه ‪ ،‬لكنه صار ف ظاهر المر كأنه أمر ل ير به عمل من تقدمه دائما ‪ ،‬فسماه بذلك السم ‪ ،‬ل‬
‫أنه أمر على خلف ما ثبت من السنة ‪.‬‬
‫فكأن أبا أمامة رضي ال عنه ‪ ،‬اعتب فيه نظر ذلك العمل به فسماه إحداثا ‪ ،‬موافقة لتسمية عمر‬
‫رضي ال عنه ‪ ،‬ث أمر بالداومة عليه بناءً على ما فهم من هذه الية من أن ترك الرعاية هو ترك‬
‫دوامهم على التزام عمل ليس بكتوب بل هو مندوب ‪ ،‬فلم يوفوا بقتضى ما التزموه ‪ ،‬لن الخذ ف‬
‫التطوعات غي اللزمة ‪ ،‬ول السنن الراتبة يقع على وجهي ‪:‬‬
‫أحدها ‪ :‬أن تؤخذ على أصلها فيما استطاع النسان ‪ ،‬فتارة بنشط لا وتارة ل ينشط ‪ ،‬أو يكنه‬
‫تارة بسب العادة ول يكنه أخرى لزاحة أشغال ونوها ‪ .‬وما أشبه ذلك ‪ ،‬كالرجل يكون له اليوم‬
‫ما يتصدق به قيتصدق ول يكون له ذلك غدا ‪ ،‬أو يكون له إل أنه ل ينشط للعطاء ‪ ،‬أو يرى‬
‫إمساكه أصلح ف عادته الارية له ‪ ،‬أو غي ذلك من المور الطارئة للنسان ‪ .‬فهذا الوجه ل حرج‬
‫على أحد ترك التطوعات كلها فيه ول لوم عليه ‪ ،‬إذ لو كان ث لوم أو عتب ل يكن تطوعا ‪ ،‬وهو‬
‫خلف الفرض ‪.‬‬
‫والثان ‪ :‬أن تأخذ مأخذ اللتزمات ‪ ،‬كالرجل يتخذ لنفسه وظيفة راتبه من عمل صال ف وقت من‬
‫الوقات ‪ ،‬كالتزام قيام حظ من الليل مثلً ‪ ،‬وصيام يوم بعينه لفضل ثبت فيه على الصوص ‪،‬‬
‫كعاشوراء وعرفة ‪ ،‬أو يتخذ وظيفة من ذكر ال بالغداوة والعشي ‪ ،‬وما أشبه ذلك ‪ .‬فهذا الوجه‬
‫أخذت فيه التطوعات مأخذ الواجبات من وجه ‪ ،‬أنه لا نوى الدؤوب عليها ف الستطاعة ‪ ،‬اشبهت‬
‫الواجبات والسنن الراتبة ‪ ،‬كما أنه لو كان ذلك الياب غي لزم بالشرع ل يصر واجبا إذ تركه‬
‫أصلً ل حرج فيه ف الملة ‪ ،‬أعن ترك اللتزام ‪ ،‬ونظيه عندنا النوافل الراتبة بعد الصلوات فإنا‬
‫مستحبة ف الصل ‪ ،‬ومن حيث صارت رواتب أشبهت السنن والواجبات ‪.‬‬
‫وهذا العن هو الفهوم من قوله صلى ال عليه وسلم ف الركعتي بعد العصر حي صلها فسئل‬
‫عنهما فقال ‪:‬‬
‫‪148‬‬

‫الشاطبي‬

‫كتاب العتصام‬

‫" يا ابنة أب أمية ‍ سألت عن الركعتي بعد العصر ؟ أتى ناس من عبد القيس بالسلم من قومهم‬
‫فشغلون عن الركعتي اللتي بعد الظهر فهما هاتان" لنه سئل عن صلته لما بعد ما نى عنهما ‪،‬‬
‫فإنه صلى ال عليه وسلم كان يصليهما بعد الظهر كالنوافل الراتبة ‪ ،‬فإما فاتتاه صلها بعد وقتهما‬
‫كالقضاء لما حسبما يقضى الواجب ‪.‬‬
‫فصار حينئذ لذا النوع حالة من التطوع بي حالتي ‪ ،‬إل أنه راجع إل خية الكلف ‪ .‬بسب ما‬
‫فهمنا من الشرع ‪ .‬وإذا كان كذلك فقد فهمنا من مقصود الشرع أيضا الخذ بالرفق والتيسي ‪ ،‬وأن‬
‫ل يلزم الكلف ما لعله يعجز عنه ‪ ،‬أو يرج بالتزامه ‪ ،‬فإن ترك اللتزام إن ل يبلغ مبلغ القدر الذي‬
‫يكره ابتداء ‪ ،‬فهو يقرب من العهد الذي يعله النسان بينه وبي ربه ‪ ،‬والوفاء بالعهد مطلوب ف‬
‫الملة ‪ ،‬فصار الخلل به مكروها ‪.‬‬
‫والدليل على صحة الخذ بالرفق‬
‫والدليل على صحة الخذ بالرفق ‪ ،‬وأنه الول والحرى ـ وإن كان الدوام على العمل أيضا مطلوبا‬
‫عيتدا ـ ف الكتاب والسنة "واعلموا أن فيكم رسول ال لو يطيعكم ف كثي من المر لعنتم" على‬
‫قول طائفة من الفسرين ‪ :‬أن الكثي من المر واقع ف التكاليف السلمية ‪ .‬ومعن لعنتم لرجتم ‪،‬‬
‫ولدخلت عليكم الشقة ‪ ،‬ودين ال ل حرج فيه "ولكن ال حبب إليكم اليان" بالتسهيل والتيسي‬
‫"وزينه ف قلوبكم" الية ‪.‬‬
‫وإنا بعث النب صلى ال عليه وسلم بالنيفية السمحة ‪ ،‬ووضع الصر والغلل الت كانت على‬
‫غيهم ‪ .‬وقال ال تعال ف صفة نبيه صلى ال عليه وسلم ‪":‬عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم‬
‫بالؤمني رؤوف رحيم "وقال تعال ‪" :‬يريد ال بكم اليسر ول يريد بكم العسر" وقال ‪" :‬يريد ال أن‬
‫يفف عنكم وخلق النسان ضعيفا" وسى ال تعال الخذ بالتشديد على النفس اعتداءً فقال تعال ‪:‬‬
‫"يا أيها الذين آمنوا ل ترموا طيبات ما أحل ال لكم ول تعتدوا" ومن الحاديث كثي ‪ ،‬كمسألة‬
‫الوصال ‪ ،‬ففي الديث "عن عائشة رضي ال عنها أنا قالت ‪:‬‬
‫ناهم النب صلى ال عليه وسلم عن الوصال رح ًة لم قالوا ‪ :‬إنك تواصل ‪ .‬قال ‪ :‬إن لست كهيئتكم‬
‫‪ ،‬إن أبيت عند رب ـ يطعمن ويسقين" ‪.‬‬
‫وعن أنس رضي ال عنه قال ‪:‬‬
‫" واصل رسول ال صلى ال عليه وسلم ف آخر شهر رمضان ‪ ،‬فواصل ناس من السلمي فبلغه ذلك‬
‫فقال ‪ :‬لو مد لنا شهر لواصلنا وصلً حت يدع التعمقون تعمقهم" وهذا إنكار ‪.‬‬

‫‪149‬‬

‫الشاطبي‬

‫كتاب العتصام‬

‫وعن أب هريرة رضي ال عنه قال ‪ ":‬نى رسول ال صلى ال عليه وسلم عن الوصال ‪ ،‬فقال رجل‬
‫من السلمي فإنك يا رسول ال تواصل ‪ .‬فقال رسول ال صلى ال عليه وسلم ‪ :‬وأيكم مثلي ؟ إن‬
‫أبيت عند رب يطعمن ويسقين" فلما أبوا أن ينتهوا عن الوصال بم يوما ‪ ،‬ث يوما ‪ .‬ث رأوا اللل ‪،‬‬
‫فقال ‪ :‬لو تأخر الشهر لزدتكم كالنكل ‪ ،‬حي أبوا أن ينتهوا‪.‬‬
‫ومن ذلك مسألة قيام النب صلى ال عليه وسلم بم ف رمضان ‪ .‬فإنه تركه مافة أن يفرض عليهم‬
‫فيعجزوا عنه فيقعوا ف الث والرج ‪ ،‬فكان ذلك رفقا منه بم ‪.‬‬
‫قال القاضي أبو الطيب ‪ :‬يتمل أن يكون ال تعال أوحى إليه أنه إن واصل وفقا هذه الصلة معهم‬
‫فرضت عليهم ‪.‬‬
‫و"قالت عائشة رضي ال تعال عنها ‪:‬‬
‫إن كان رسول ال صلى ال عليه وسلم ليدع العمل وهو يب أن يعمل به خشية أن يعمل به الناس‬
‫فيفرض عليهم" ‪.‬‬
‫وقد قيل هذا العن ف قوله صلى ال عليه وسلم ‪:‬‬
‫"ل تصوا يوم المعة بصيام" ‪.‬‬
‫قال الهلب ‪ :‬وجهه خشيت أن يستمر عليه فيفرض ‪.‬‬
‫وبذا العن يتمع النهي مع قول مالك رضي ال عنه ف الوطأ ‪ ،‬ول يكون به إشكال ‪.‬‬
‫ومن ذلك حديث الولء بنت تويت ‪".‬قالت عائشة رضي ال عنها ‪ :‬دخل علي رسول ال صلى‬
‫ال عليه وسلم وعندي امرأة فقال ‪ :‬من هذه ؟ فقلت ؟ امرأة ل تنام تصلي ‪ .‬فقال صلى ال عليه‬
‫وسلم ل تنام الليل خذوا من العمل ما تطيقون ‪ ،‬فوال ل يسأم ال حت تسأموا" ‪.‬‬
‫فأعاد لفظ ل تنام منكرا عليها ـ وال أعلم ـ غي راض فعلها ‪ ،‬لا خافه عليها من الكلل والسآمة‬
‫أو تعطيل حق أوكد ‪ .‬ونوه حديث أنس رضي ال عنه قال ‪ ":‬دخل رسول ال صلى ال عليه وسلم‬
‫السجد ـ وحبل مدود بي سارتي ـ فقال ‪ :‬ما هذا ؟ قالوا ‪ :‬حبل لزينب تصلي فإذا كسلت أو‬
‫فترت أمسكت به ‪ ،‬فقال ‪ :‬حلوه ‪ ،‬ليصل أحدكم نشاطه فإذا كسل أو فتر قعد" وف رواية ‪ " :‬ل ‪،‬‬
‫حلوه" ‪.‬‬
‫و"عن عبد ال بن عمرو رضي ال عنها قال ‪ :‬بلغ النب صلى ال عليه وسلم أن أصوم أسرد وأصلي‬
‫الليل ‪ ،‬فإما أرسل إل وإما لقيته ‪ :‬فقال ‪ :‬أل أخب أنك تصوم ل تفطر وتصلي الليل ؟ فل تفعل ‪.‬‬
‫فإن لعينك حظا ‪ ،‬ولنفسك حظا ‪ ،‬ولهلك حظا ‪ ،‬فصم وأفطر وصل ون" الديث ‪.‬‬
‫وف رواية عن ابن سلمة قال ‪ ":‬حدثن عبد ال بن عمرو العاص رضي ال عنهما ‪ ،‬قال ‪ :‬كنت‬
‫أصوم الدهر ‪ ،‬وأقرأ القرآن كل ليلة ‪ ،‬فإما ذكرت للنب صلى ال عليه وسلم وإما أرسل إل فأتيته‬
‫فقال ‪ :‬أل أخب أنك تصوم الدهر ‪ ،‬وتقرأ القرآن كل ليلة ؟ فقلت ‪ :‬بلى يا رسول ال ‪ ،‬ول أر ف‬
‫‪150‬‬

‫الشاطبي‬

‫كتاب العتصام‬

‫ذلك إل الي ‪ ،‬قال ‪ :‬فإن كان كذلك ـ أو قال كذلك ـ فحسبك أن تصوم كل شهر ثلثة أيام‬
‫فقلت ‪ :‬يا نب ال إن أطيق أفضل من ذلك ‪ .‬قال ‪ :‬فإن لزوجك عليك حقا ولزوارك عليك حقا ‪،‬‬
‫ولسدك عليك حقا ‪ ،‬قال ‪ :‬فصم صوم داود نب ال ‪ ،‬فإنه كان أعبد الناس ‪ ،‬قال ‪ :‬فقلت يا نب ال‬
‫ـ وما صوم داود؟ قال ‪ :‬كان يصوم يوما ويفطر يوما ـ قال واقرأ القرآن ف كل شهر ‪ ،‬قال ‪:‬‬
‫فقلت يا نب ال إن أطيق أفضل من ذلك ‪ .‬قال ‪ :‬فاقرأه ف كل سبع ‪ ،‬ول تزد على ذلك ‪ .‬فإن‬
‫لزوجك عليك حقا ‪ ،‬ولزوارك عليك حقا ولسدك عليك حقا قال ‪ :‬فشددت فشدد ال علي ‪ .‬قال‬
‫‪ :‬وقال ل النب صلى ال عليه وسلم ‪ :‬إنك ل تدري لعلك يطول بك عمر قال ‪ :‬فصرت إل الذي‬
‫قال ل النب صلى ال عليه وسلم ‪ .‬فلما كبت وددت أن كنت قبلت رخصة نب ال صلى ال عليه‬
‫وسلم "‪ .‬وف رواية قال ‪ ":‬صم يوما وأفطر يوما ‪ ،‬وذاك صيام داود وهو أعدل الصيام ‪ ،‬قال ‪،‬‬
‫فقلت ‪ :‬إن أطيق أفضل من ذلك ‪ .‬قال رسول ال صلى ال عليه وسلم ‪ :‬ل أفضل من ذلك ‪ ،‬قال‬
‫عبد ال بن عمرو ‪ :‬لن أكون قبلت الثلثة اليام الت قال رسول ال صلى ال عليه وسلم أحب إل‬
‫من أهلي ومال"‬
‫وف الترمذي عن جابر رضي ال عنه قال ‪ :‬ذكر رجل عند رسول ال صلى ال عليه وسلم بعبادة‬
‫واجتهاد ‪ ،‬وذكر عنده آخر بدعة ‪ .‬فقال النب صلى ال عليه وسلم ‪:‬‬
‫"ل يعدل بالدعة" والدعة الراد با هنا الرفق والتيسي ‪ .‬قال فيه الترمذي ‪ :‬حسن غريب‪.‬‬
‫وعن أنس رضي ال عنه قال ‪:‬‬
‫"جاء ثلثة رهط إل بيوت أزواج النب صلى ال عليه وسلم يسألون عن عبادة النب صلى ال عليه‬
‫وسلم فلما أخبوا كأنم تقالوها ‪ .‬فقالوا ‪ :‬وأين نن من النب صلى ال عليه وسلم ؟ وقد غفر ال له‬
‫ما تقدم من ذنبه وما تأخر؟ فقال أحدهم ‪ :‬أما أنا فإن أصلي الليل أبدا ‪ .‬وقال الخر ‪ :‬إن أصوم‬
‫الدهر ول أفطر ‪ .‬وقال الخر‪ :‬إن أعتزل النساء فل أتزوج أبدا ‪ .‬فجاء رسول ال صلى ال عليه‬
‫وسلم فقال ‪ :‬أنتم الذين قلتم كذا وكذا ؟ أما وال إن لخشاكم ل وأتقاكم له لكن أصوم وأفطر ‪،‬‬
‫وأصلي وارقد ‪ ،‬وأتزوج النساء ‪ ،‬فمن رغب عن سنت فليس من" ‪.‬‬
‫والحاديث ف هذا العن كثية ‪ ،‬وهي بملتها تدل على الخذ ف التسهيل والتيسي وإنا يتصور‬
‫ذلك على الوجه الول من عدم اللتزام ‪ ،‬وإن تصور مع اللتزام فعلى جهة ما ل يشق الدوام فيه‬
‫حسبما نفسره الن ‪.‬‬
‫فصل فأما إن التزم ذلك أحد التزاما‬
‫فأما إن التزم أحد ذلك التزاما فعلى وجهي ‪ :‬إما على جهة النذر ‪ ،‬وذلك مكروه ابتداء ‪ .‬أل ترى‬
‫إل حديث ابن عمر رضي ال عنهما قال ‪" :‬أخذ رسول ال صلى ال عليه وسلم يوما ينهانا عن‬
‫‪151‬‬

‫الشاطبي‬

‫كتاب العتصام‬

‫النذر ‪ ،‬يقول ‪ :‬إنه ل يرد شيئا ‪ ،‬وإنا يستخرج به من الشحيح ـ وف رواية ـ النذر ل يقدم شيئا‬
‫ول يؤخره ‪ ،‬وإنا يستخرج به من البخيل" ‪.‬‬
‫وعن أب هريرة رضي ال عنه أن النب صلى ال عليه وسلم قال ‪:‬‬
‫"ل تنذروا فإن النذر ل يغن من القدر شيئا ‪ ،‬وإنا يستخرج به من البخيل" ‪.‬‬
‫وإنا ورد هذا الديث ـ وال أعلم ـ تنبيها على عادة العرب ف أنا كانت تنذر ‪ ،‬إن شفى ال‬
‫مريضي فعلي صوم كذا ‪ ،‬وإن قدم غائب ‪ .‬أو أن أغنان ال فعلي صدقة كذا ‪ .‬فيقول ‪ :‬ل يغن من‬
‫قدر ال شيئا ‪ ،‬بل من قدر ال له الصحة ‪ ،‬أو الرض ‪ ،‬أو الغن أو الفقر ‪ ،‬أو غي ذلك ‪ ،‬فالنذر ل‬
‫ل على الوجه الذي ذكره‬
‫يوضع سببا لذلك ‪ ،‬كما وضعت صلة الرحم سببا ف الزيادة ف العمر مث ً‬
‫العلماء ‪ ،‬بل النذر وعدمه ف ذلك سواء ‪ ،‬ولكن ال يستخرج به من البخيل بشرعية الوفاء به لقوله‬
‫تعال ‪" :‬وأوفوا بعهد ال إذا عاهدت" وقوله صلى ال عليه وسلم ‪:‬‬
‫"من نذر أن يطيع ال فليطعه" وبه قال جاعة من العلماء ‪ ،‬كمالك و الشافعي ‪.‬‬
‫ووجه النهي أنه من باب التشديد على النفس ‪ ،‬وهو الذي تقدم الستشهاد على كراهته ‪ .‬وأما على‬
‫جهة اللتزام غي النذري ‪ ،‬فكأنه نوع من الوعد ‪ ،‬والوفاء بالعهد مطلوب ‪ ،‬فكأنه أوجب على نفسه‬
‫ما ل يوجبه عليه الشرع ‪ ،‬فهو تشديد أيضا ‪ ،‬وعليه يأت ما تقدم من ‪.‬‬
‫حديث الثلثة الذين أتوا يسألون عن عبادة النب صلى ال عليه وسلم ‪ :‬وقولم أين نن من النب صلى‬
‫ال عليه وسلم ؟ أل ‪ .‬وقال أحدهم ‪ :‬أما أنا فأفعل كذا أل ‪.‬‬
‫ونوه وقع ف بعض الروايات ‪:‬‬
‫"أن رسول ال صلى ال عليه وسلم أخب أن عبد ال بن عمرو رضي ال عنهما يقول ‪ :‬لقومن الليل‬
‫ولصومن النهار ما عشت "‪ .‬وليس بعن النذر إذ لو كان كذلك ل يقل له ‪" :‬صم من الشهر ثلثة‬
‫أيام "‪ ،‬صم كذا ولقال له ‪ :‬أوف بنذرك ‪ .‬لنه صلى ال عليه وسلم قال ‪:‬‬
‫"من نذر أن يطيع ال فليطعه" ‪.‬‬
‫فأما اللتزام بالعن النذري فل بد من الوفاء به وجوبا ل ندبا ـ على ما قاله العلماء ـ وجاء ف‬
‫الكتاب والسنة ما يدل عليه ‪ ،‬وهو مذكور ف كتب الفقه ‪ ،‬فل نطيل به ‪.‬‬
‫وأما العن الثان فالدلة تقتضي الوفاء به ف الملة ‪ ،‬ولكن ل تبلغ مبلغ العتاب على الترك ‪ ،‬حسبما‬
‫دلت عليه الدلة ف مأخذ أب أمامة رضي ال عنه للقيام ف السجد جاعة كان ذلك بصورة النوافل‬
‫الراتبة القتضية للدوام ف القصد الول ‪ ،‬فأمرهم بالدوام حت ل يكونوا كمن عاهد ث ل يوف بعهده‬
‫فيصي معاتبا ‪ ،‬لكن هذا القسم على وجهي ‪:‬‬
‫الوجه الول ‪ :‬أن يكون ف نفسه ما ل يطاق ‪ ،‬أو ما فيه حرج أو مشقة فادحة أو يؤدي إل تضييع‬
‫ما هو أول ‪ .‬فهذه هي الرهبانية الت قال فيها النب صلى ال عليه وسلم ‪:‬‬
‫‪152‬‬

‫الشاطبي‬

‫كتاب العتصام‬

‫"من رغب عن سنت فليس من" وسيأت الكلم ف ذلك إن شاء ال ‪.‬‬
‫والوجه الثان ‪ :‬أن ل يكون ف الدخول فيه مشقة ول حرج ‪ ،‬ولكنه عند الدوام عليه تلحق بسببه‬
‫الشقة والرج ‪ ،‬أو تضييع ما هو أوكد‪ .‬فها هنا أيضا يقع النهي ابتداءً ‪ ،‬وعليه دلت الدلة التقدمة ‪،‬‬
‫وجاء ف بعض روايات مسلم تفسي ذلك حيث قال ‪ :‬فشددت فشدد علي ‪ ،‬وقال ل النب صلى‬
‫ال عليه وسلم ‪:‬‬
‫"إنك ل تدري لعلك يطول بك عمر" ‪.‬‬
‫فتأملوا كيف اعتب ف التزام ما ل يلزم ابتداء ‪ ،‬أن يكون بيث ل يشق الدوام عليه إل الوت ‍ قال ‪:‬‬
‫فصرت إل الذي قال رسول ال صلى ال عليه وسلم ‪ ،‬فلما كبت وددت أنن قبلت رخصة نب ال‬
‫صلى ال عليه وسلم ‪.‬‬
‫وعلى ذلك العن ينغب أن يمل قوله صلى ال عليه وسلم ف حديث أب قتادة رضي ال عنه كيف‬
‫بن يصوم يومي ويفطر يوما؟ قال ‪:‬‬
‫ويطيق أحد ذلك ؟ ث قال ف صوم يوم وإفطار يوم ‪ :‬وددت أن طوقت ذلك فمعناه ـ وال أعلم ـ‬
‫وددت أن طوقت الدوام عليه وإل فقد كان يواصل الصيام ويقول ‪:‬‬
‫"إن لست كهيئتكم ‪ ،‬إن أبيت عند رب ـ يطعمن ويسقين" ‪.‬‬
‫وف الصحيح ‪:‬‬
‫"كان يصوم حت نقول ‪ :‬ل يفطر ‪ ،‬ويفطر حت نقول ‪ :‬ل يصوم" ‪.‬‬
‫فصل إذا ثبت هذا ‪ ،‬فالدخول ف عمل على نية اللتزام له‬
‫إذا ثبت هذا ‪ ،‬فالدخول ف عمل على نية اللتزام له إن كان ف العتاد بيث إذا داوم عليه أورث مللً‬
‫‪ ،‬ينبغي أن يعتقد أن هذا اللتزام مكروه ابتداء ‪ ،‬إذ هو مؤد إل أمور جيعها منهي عنه ‪:‬‬
‫أحدها ‪ :‬أن ال ورسوله أهدى ف هذا الدين التسهيل والتيسي ‪ ،‬وهذا اللتزم يشبه من ل يقبل‬
‫هديته ‪ ،‬وذلك يضاهي ردها على مهديها ‪ ،‬وهو غي لئق بالملوك مع سيده ‪ ،‬فكيف يليق بالعبد مع‬
‫ربه ؟‬
‫والثان ‪ :‬خوف التقصي أو العجز عن القيام با هو أول وآكد ف الشرع ‪ ،‬وقال صلى ال عليه وسلم‬
‫إخبارا عن داود عليه السلم ‪:‬‬
‫"إنه كان يصوم يوما ويفطر يوما ‪ ،‬ول يفر إذا لقى" تنبيها على أنه ل يضعفه الصيام عن لقاء لعدو‬
‫فيفر ويترك الهاد ف مواطن نكيده بسبب ضعفه ‪.‬‬
‫وقيل لعبد ال بن مسعود رضي ال عنه ‪ :‬إنك لتقل الصوم ‪ ،‬فقال ‪ :‬إنه يشغلن عن قراءة القرآن ‪،‬‬
‫وقراءة أحب إل منه ‪.‬‬
‫‪153‬‬

‫الشاطبي‬

‫كتاب العتصام‬

‫ولذلك كره مالك إحياء الليل كله ‪ ،‬وقال ‪ :‬لعله يصبح مغلوبا ‪ ،‬وف رسوله ال صلى ال عليه وسلم‬
‫أسوة ‪ ،‬ث قال ‪ :‬ل بأس به ما ل يضر بصلة الصبح ‪.‬‬
‫وقد جاء ف ‪ :‬صيام يوم عرفة أنه يكفر سنتي ‪ ،‬ث إن الفطار فيه للحاج أفضل ‪ ،‬لنه قوة على‬
‫الوقوف والدعاء ‪ ،‬ولبن وهب ف ذلك حكاية ‪ ،‬وقد جاء ف الديث ‪:‬‬
‫"إن لهلك عليك حقا ‪ ،‬ولزوارك عليك حقا ‪ ،‬ولنفسك عليك حقا" فإذا انقطع إل عباده ل تلزمه‬
‫الصل فربا أخل بشيء من هذه القوق ‪.‬‬
‫وعن أب جحيفة رضي ال تعال عنه ‪،‬قال ‪:‬‬
‫"آخر ما آخى رسول ال صلى ال عليه وسلم بي سلمان وأب الدرداء ‪ ،‬فزارسلمان أبا الدرداء ‪،‬‬
‫فرأى أم الدرداء متبذلة ‪ ،‬فقال ‪ :‬ما شأنك مبتذلة ؟ قالت ‪ :‬إن أخاك أبا الدرداء ليست له حاجة ف‬
‫الدنيا ‪ .‬قال ‪ :‬فلما جاء ابو الدرداء قرب إليه طعاما ‪ .‬فقال ‪ :‬كل فإن صائم ‪ ،‬قال ‪ :‬ما أنا بآكل‬
‫حت تأكل ‪ .‬قال ‪ :‬فأكل ‪ ،‬فلما كان الليل ذهب ابو الدرداء ليقوم ‪ ،‬فقال له سلمان ‪ :‬ن ‪ ،‬فنام ‪،‬‬
‫ث ذهب يقوم ‪ ،‬فقال له ‪ :‬ن فنام ‪ ،‬فلما كان عند الصبح قال له سلمان ‪ :‬قم الن ‪ ،‬فقاما فصليا ‪،‬‬
‫فقال سلمان ‪ :‬إن لنفسك عليك حقا ‪ ،‬ولربك عليك حقا ‪ ،‬ولضيفك عليك حقا ‪ ،‬ولهلك عليك‬
‫حقا ‪ ،‬فأعط لكل ذي حق حقه ‪ .‬فأتيا النب صلى ال عليه وسلم فذكرا ذلك له ‪ ،‬فقال ‪ :‬صدق‬
‫سلمان " قال الترمذي ‪ :‬صحيح ‪ .‬وهذا الديث قد جع التنبيه على حق الهل بالوطء والستمتاع ‪،‬‬
‫وما يرجع إليه ‪ ،‬والضيف بالدمة والتأنيس والؤاكلة وغيها ‪ ،‬والولد يالقيام عليهم بالكتساب‬
‫والدمة ‪ .‬والنفس بترك إدخال الشتقات عليها ‪ ،‬وحق الرب سبحانه بميع ما تقدم ‪ ،‬وبوظائف‬
‫أخر ‪ ،‬فرائض ونوافل آكد ما هو فيه ‪.‬‬
‫والواجب أن يعطى لكل ذي حق حقه ‪ ،‬وإذا التزم النسان أمرا من المور الندوبة ‪ ،‬أو أمرين أو‬
‫ثلثة ‪ ،‬فقد يصده ذلك عن القيام بغيها ‪ ،‬أو عن كماله على وجهة ‪ ،‬فيكون ملوما ‪.‬‬
‫والثالث ‪ :‬خوف كراهية النفس لذلك العمل اللتزم ‪ ،‬لنه قد فرض من جنس ما يشق الدوام عليه ‪،‬‬
‫فتدخل الشقة بيث ل يقرب من وقت العمل إل والنفس تشمئز منه ‪ ،‬وتود لو ل تعمل ‪ ،‬أو تتمن‬
‫لو ل تلتزم ‪ ،‬وإل هذا العن يشي حديث عائشة رضي ال عنها عن النب صلى ال عليه وسلم أنه قال‬
‫‪:‬‬
‫"إن هذا الدين متي فأوغلوا فيه برفق ‪ ،‬ول تبغضوا لنفسكم عبادة ال ‪ ،‬فإن النبت ل أرضا قطع‬
‫ول ظهرا أبقى" يشبه الوغل بالعنف بالنبت ‪ ،‬وهو النقطع ف بعض الطريق تعنيفا على الظهر ـ‬
‫وهو الركوب ـ حت وقف فلم يقدر على السي ‪ ،‬ولو رفق بدايته لوصل إل رأس السافة ‪.‬‬

‫‪154‬‬

‫الشاطبي‬

‫كتاب العتصام‬

‫فكذلك النسان عمره مسافة ‪ ،‬والغاية الوت ‪ ،‬ودابته نفسه ‪ ،‬فكما هو الطلوب الرفق بنفسه ‪ .‬حت‬
‫يسهل عليها قطع مسافة العمر بمل التكليف فنهى ف الديث عن التسبب ف تبغيض العبادة‬
‫للنفس ‪ ،‬وما نى الشرع عنه ل يكون حسنا ‪.‬‬
‫وخرج الطبان من حديث ابن عباس رضي ال عنهما قال ‪:‬‬
‫"لا نزلت ‪" :‬يا أيها النب إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا * وداعيا إل ال بإذنه وسراجا منيا" دعا‬
‫رسول ال صلى ال عليه وسلم عليا ومعاذا فقال ‪ :‬انطلقا فبشرا ‪ ،‬ويسرا ول تعسرا ‪ ،‬فإن أنزلت‬
‫علي ‪" :‬يا أيها النب إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا * وداعيا إل ال بإذنه وسراجا منيا " " ‪.‬‬
‫وخرج مسلم " عن سعيد بن أب بردة عن أبيه عن جده ‪ :‬أن النب صلى ال عليه وسلم بعثه ومعاذا‬
‫إل اليمن ‪ ،‬فقال ‪:‬‬
‫بشرا ول تنفرا ‪ ،‬ويسرا ول تعسرا ‪ ،‬وتطاوعا ول تتلفا" ‪.‬‬
‫وعنه "أن النب صلى ال عليه وسلم كان إذا بعث أحدا من أصحابه ف بعض أمره قال ‪ :‬بشروا ول‬
‫تنفروا ‪ ،‬ويسروا ول تعسروا" وهذا ني عن التعسي الذي التزام الرج ف التعبد نوع منه ‪.‬‬
‫وف الطبي عن جابر بن عبد ال قال ‪ " :‬مر النب صلى ال عليه وسلم على رجل يصلي على صخرة‬
‫بكة فأتى ناحية مكة فمكث مليا ‪ ،‬ث انصرف فوجد الرجل يصلي على حاله ‪ ،‬فقال ‪ :‬أيها الناس‬
‫عليكم بالقصد والقسط ـ ثلثاـ فإن ال لن يل حت تلوا" ‪.‬‬
‫وعن بريدة السلمي ‪:‬‬
‫"أن النب صلى ال عليه وسلم رأى رجلً يصلي ‪ ،‬فقال ‪ :‬من هذا ؟ فقلت ‪ :‬هذا فلن ‪ .‬فذكرت من‬
‫عبادته وصلته ‪ .‬فقال ‪ :‬إن خي دينكم يسره" ‪.‬‬
‫وهذا يشعر بعدم الرضا بتلك الالة ‪ ،‬وإنا ذلك مافة الكراهية للعمل ‪ ،‬وكراهية العمل مظنة للترك‬
‫الذي هو مكروه لن ألزم نفسه لجل نقض العهد ‪.‬‬
‫وهو الوجه الرابع ‪ :‬وقد مر ف الوجه الثالث ما يدل عليه ‪ ،‬فإن قوله صلى ال عليه وسلم ‪" :‬فإن‬
‫النبت ل أرضا قط ًع ‪ ،‬ول ظهرا أبقى ‪ ،‬ومع قوله ‪ :‬ول تبغضوا إل أنفسكم العبادة" يدل على أن‬
‫بعض العمل وكراهيته مظنة النقطاع ‪ ،‬ولذلك مثل صلى ال عليه وسلم بالنبت ـ وهو النقطع عن‬
‫استيفاء السافة ـ وهو الذي دل عليه قول ال تعال ‪" :‬فما رعوها حق رعايتها" على التفسي‬
‫الذكور ‪.‬‬
‫والامس ‪ :‬الوف من الدخول تت الغلو ف الدين ‪ ،‬فإن الغلو هو البالغة ف المر ‪ ،‬وماوزة الد‬
‫فيه إل حيز السراف ‪ ،‬وقد دل عليه ما تقدم أشياء ‪ ،‬حيث قال النب صلى ال عليه وسلم ‪" :‬يا ايها‬
‫الناس عليكم أنفسكم بالقصد" الديث ‪ .‬وقال ال عز وجل ‪" :‬يا أهل الكتاب ل تغلوا ف دينكم" ‪.‬‬

‫‪155‬‬

‫الشاطبي‬

‫كتاب العتصام‬

‫"وعن ابن عباس رضي ال عنهما ‪ ،‬قال ‪ :‬قال ل رسول ال صلى ال عليه وسلم غداة العقبة ‪ :‬اجع‬
‫ل حصيات من حصى الذف فلما وضعتهن ف يده قال ‪ :‬بأمثال هؤلء ؟ بأمثال هؤلء ؟ إياكم‬
‫والغلو ف الدين ‪ ،‬فإنا هلك من كان قبلكم بالغلو ف الدين" ‪.‬‬
‫فأشار إل أن الية ف النهي عن الغلو يشتمل معناها على كل ما هو غلو وإفراط ‪ ،‬واكثر هذه‬
‫الحاديث القيدة آنفا ‪ ،‬اخرجها الطبي ‪.‬‬
‫وخرج أيضا عن يي بن جعدة ‪ ،‬قال ‪ :‬كان يقال اعمل وأنت مشفق ‪ ،‬ودع العمل وأنت تبه ‪:‬‬
‫عمل دائم وإن قل ‪ ،‬خي من عمل كثي منقطع ‪ .‬وأتى معاذا رجل فقال ‪ :‬أوصن ‪ .‬قال ‪ :‬أمطيعي‬
‫أنت ؟ قال ‪ :‬نعم ‪ ،‬قال ‪ :‬صل ون ‪ ،‬وأفطر وصم ‪ ،‬واكتسب ول تأت ال إل وأنت مسلم ‪ ،‬وإياك‬
‫ودعوة الظلوم ‪.‬‬
‫وعن إسحاق بن سويد "أن رسول ال صلى ال عليه وسلم قال لعبد بن مطرف ‪ :‬يا عبد الل‍ه ‍‪ ‍،‬العلم‬
‫أفضل من العمل ‪ ،‬والسنة بي السيئتي ‪ ،‬وخي المور أوسطها ‪ ،‬وشر السي القحقة " ‪.‬‬
‫‍‍ومعن قوله ‪" :‬إن السنة بي السيئتي" ‪ ،‬أن السنة هي القصد والعدل ‪ ،‬والسيئتي ماوزة الد‬
‫والتقصي ‪ ،‬وهو الذي دل على معناه قول ال تعال ‪" :‬ول تعل يدك مغلولة إل عنقك ول تبسطها‬
‫كل البسط " الية ‪ ،‬وقوله ‪" :‬والذين إذا أنفقوا ل يسرفوا ول يقتروا " الية ‪ .‬ومعن القحقة ارفع‬
‫السي ‪ ،‬وإتعاب الظهر ‪ ،‬وهو راجع إل الغلو والفراط ‪.‬‬
‫ونوه عن يزيد بن مرة العفيقال ‪ :‬العلم خي من العمل ‪ ،‬والسنة بي السيئتي ‪.‬‬
‫وعن كعب الحبار ‪ :‬إن هذا الدين متي فل تبغض إليك دين ال وأوغل برفق ‪ ،‬فإن النبت ل يقطع‬
‫بعدا ول يسبق ظهرا ‪ ،‬واعمل عمل الرء الذي يرى أنه ل يوت اليوم ‪ ،‬واحذر حذر الرء الذي يرى‬
‫أنه يوت غدا ‪.‬‬
‫وخرج ابن وهب نوه عن عبد ال بن عمرو بن العاص ‪.‬‬
‫وهذه إشارة إل الخذ بالعمل الذي يقتضي الداومة عليه من غي حرج ‪.‬‬
‫وعن عمر بن إسحاق ‪ ،‬قال أدركت من أصحاب رسول ال صلى ال عليه وسلم أكثر من سبقن‬
‫منهم ؟ فمارأيت قوما أيسر سية ول أقل تشديدا منهم ‪.‬‬
‫وقال السن ‪ :‬دين ال وضع فوق التقصي ودون الغلو ‪.‬‬
‫والدلة ف هذا العن جيعها راجع إل أنه ل حرج ف الدين ‪ ،‬والرج كما ينطبق على الرج الال‬
‫ـ كالشروع ف عبادة شاقة ف نفسها ـ كذلك ينطلق على الرج الآل إذ كان الرج لزما مع‬
‫الدوام ‪ .‬كقصة عبد ال بن عمرو رضي ال عنهما وغيها ـ ما تقدم ـ مع أن الدوام مطلوب‬
‫حسبما اقتضاه قول اب أمامة رضي ال عنه ف قوله تعال ‪" :‬فما رعوها حق رعايتها" وقوله صلى ال‬
‫عليه وسلم ‪:‬‬
‫‪156‬‬

‫الشاطبي‬

‫كتاب العتصام‬

‫"أحب العمل إل ال ما داوم عليه صاحبه وإن قل" فلذلك كان صلى ال عليه وسلم إذا عمل عملً‬
‫أثبته ‪ ،‬حت قضى ركعتي ما بي الظهر والعصر بعد العصر ‪.‬‬
‫هذا إن كان العامل ل ينوي الدوام فيه ‪ ،‬فكيف إذ عقد ف نيته أن ل يتركه ؟ فهو أحرى بطلب‬
‫الدوام ‪ ،‬فلذلك "قال رسول ال صلى ال عليه وسلم لعبد ال بن عمرو ‪ :‬يا عبد ال ‍‪ ،‬ل تكن مثل‬
‫فلن ‪ ،‬كان يقوم الليل فترك قيام الليل" وهو حديث صحيح ‪ .‬فنهاه صلى ال عليه وسلم أن يكون‬
‫مثل فلن ‪ ،‬وهو ظاهر ف كراهته الترك من ذلك الفلن وغيه ‪.‬‬
‫فالاصل أن هذا القسم الذي هو مظنة للمشقة عند الدوام ـ مطلوب الترك لعلة كثرته ففهم عند‬
‫تقريره أنه إذا فقدت زال طلب الترك وإذا ارتفع طلب الترك رجع إل أصل العمل ـ وهو طلب‬
‫الفعل ـ‬
‫فالداخل فيه على التزام شرطه داخل ف مكروه ابتداء من وجه ‪ ،‬لمكان عدم الوفاء بالشرط ‪ ،‬وف‬
‫الندوب إليه حلً على ظاهر العزية على الوفاء ‪.‬‬
‫فمن حيث الندب أمره الشارع بالوفاء ‪ ،‬ومن حيث الكراهية كره له أن يدخل فيه ‪.‬‬
‫وحي صارت الكراهة هي القدمة كان دخوله ف العمل لقصد القربة يشبه الدخول فيه بغي أمر ‪،‬‬
‫فأشبه البتدع الداخل ف عبادة غي مأمور با ‪ .‬فقد يستسهل بذا العتبار إطلق البدعة عليها كما‬
‫استسهله أبو أمامة رضي ال عنه ‪.‬‬
‫ومن حيث كان العمل مأمورا به ابتداء قبل النظر ف الآل ‪ ،‬أو مع قطع النظر عن الشقة ‪ ،‬أو مع‬
‫اعتقاد الوفاء بالشرط ‪ ،‬أشبه صاحبه من دخل ف نافلة قصدا للتعبد با ‪ ،‬وذلك صحيح جار على‬
‫مقتضى أدلة الندب ‪ ،‬ولذلك أمر بعد الدخول فيه بالوفاء ‪ ،‬كان نذرا أو التزاما بالقلب غي نذر ‪.‬‬
‫ولو كان بدعة ‪ .‬داخلة ف حد البدعة ل يؤمر بالوفاء ‪ ،‬ولكان عمله باطلً ‪.‬‬
‫ل قائما ف الشمس ‪ ،‬فقال ‪:‬‬
‫ولذلك جاء ف الديث "أن رسول ال صلى ال عليه وسلم رأى رج ً‬
‫مابال هذا ؟ فقالوا ‪ :‬نذر أن ل يستظل ول يتكلم ول يلس ويصوم ‪ ،‬فقال صلى ال عليه وسلم ‪:‬‬
‫مروه فليجلس وليتكلم وليستظل ‪ ،‬وليتم صيامه " ‪.‬‬
‫فأنت ترى كيف أبطل عليه التبدع با ليس بشروع ‪ ،‬وأمره بالوفاء با هو مشروع ف الصل ‪ ،‬فلول‬
‫الفرق بينهما معن ل يكن للتفرقة بينهما معن مفهوم ‪ .‬وأيضا فإذا كان الداخل مأمورا بالدوام لزم‬
‫من ذلك أن يكون الدخول طاعة بل ل بد ‪ ،‬لن الباح فضلً عن الكروه والحرم ل يؤمر بالدوام‬
‫عليه ‪ ،‬ول نظي لذلك ف الشريعة ‪ .‬عليه أيد قوله صلى ال عليه وسلم ‪:‬‬
‫"من نذر أن يطيع ال فليطعه" ولن ال مدح من أوف بنذره ف قوله سبحانه ‪" :‬يوفون بالنذر" ف‬
‫معرج الدح وترتب الزاء السن ‪ ،‬وف آية الديد‪" :‬فآتينا الذين آمنوا منهم أجرهم" ‪ ،‬ول يكون‬
‫الجر إى على مطلوب شرعا ‪.‬‬
‫‪157‬‬

‫الشاطبي‬

‫كتاب العتصام‬

‫فتأملوا هذا العن فهو الذي يري عليه عمل السلف الصال رضي ال عنهم بقتضى الدلة ‪ ،‬وبه‬
‫يرتفع إشكال التعارض الظاهر لبادي الرأي ‪ ،‬حت تنتظم اليات والحاديث وسي من تقدم ‪ ،‬والمد‬
‫ل ‪ .‬غي أنه يبقى بعدها إشكالن قويان ‪ ،‬وبالنظر ف الواب عنهما ينتظم معن السألة على تامه ‪،‬‬
‫ل‪.‬‬
‫فنعقد ف كل إشكال فص ً‬
‫فصل الشكال الول ‪ :‬أن ما تقدم ف الية‬
‫الشكال الول ‪ :‬إن ما تقدم من الدلة على كراهية اللتزامات الت يشق دوامها معارض با دل على‬
‫خلفه ‪ ،‬فقد" كان رسول ال صلى ال عليه وسلم يقوم حت تورمت قدماه ‪ ،‬فيقال له ‪ :‬أو ليس قد‬
‫غفر ال لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر ؟ فيقول ‪ :‬أفل أكون عبدا شكورا" ويظل اليوم الطويل ف‬
‫الر الشديد صائما ‪ ،‬وكان صلى ال عليه وسلم يواصل الصيام ويبيت عند ربه يطعمه ويسقيه ونو‬
‫ذلك من اجتهاده ف عبادة ربه ‪ .‬وف رسول ال صلى ال عليه وسلم أسوة حسنة ‪ ،‬ونن مأمورون‬
‫بالتأسي به ‪.‬‬
‫فإن أبيتم هذا الدليل بسبب أنه صلى ال عليه وسلم كان مصوصا بذه القضية ‪ ،‬ولذلك كان ربه‬
‫يطعمه ويسقيه ‪ ،‬وكان يطيق من العمل ما ل تطيقه أمته ‪ .‬فما قولكم فيما ثبت من ذلك عن‬
‫الصحابة والتابعي ‪ ،‬وأئمة السلمي العارفي بتلك الدلة الت استدللتم با على الكراهية ؟ حت أن‬
‫بعضهم قعد من رجليه من كثرة التبتل ‪ ،‬وصارت جبهة بعضهم كركبة البعي من كثرة السجود ‪.‬‬
‫وجاء عثمان بن عفان رضي ال عنه أنه كان إذا صلى العشاء أوتر بركعة يقرأ فيها القرآن كله ‪،‬‬
‫وكم من رجل صلى الصبح بوضوء العشاء ‪ ،‬كذا كذا سنة ؟ ! وسرد الصيام كذا وكذا سنة ؟ !‬
‫وكانوا هم العارفي بالسنة ل ييلون عنها لظة ‪.‬‬
‫وروي عن ابن عمر وابن الزبي رضي ال عنهم أنما كانا يواصلن الصيام ‪ .‬وأجاز مالك ـ وهو‬
‫إمام ف القتداء ـ صيام الدهر ‪ ،‬يعن إذإ أفطر أيام العيد ‪.‬‬
‫وما يكى عن أويس القرن رضي ال عنه أنه كان يقوم ليلة حت يصبح ‪ ،‬ويقول ‪ :‬بلغن أن ل عبادا‬
‫سجودا أبدا أنه ينتفل بالصلة ‪ ،‬فتارة يطول فيها القيام ‪ ،‬وتارة الركوع ‪ ،‬وتارة السجود ‪.‬‬
‫وعن السود بن يزيد أنه كان يهد نفسه ف الصوم والعبادة حت يضر جسده ويصفر ‪ ،‬فكأن علقمة‬
‫يقول له ‪ :‬ويك ل تعذب هذا السد ؟ فيقول ‪ :‬إن المر جد ‪ ،‬إن المر جد ‪.‬‬
‫وعن انس بن مالك رضي ال عنه أم امرأة مسروق قالت ‪ :‬كانت يصلي حت تورمت قدماه ‪ ،‬فربا‬
‫جلست خلفه أبكي ما أراه يصنع بنفسه ‪.‬‬
‫وعن الشعبين قال ‪ :‬غشي على مسروق ف يوم كان مقداره خسي ألف سنة ‪.‬‬

‫‪158‬‬

‫الشاطبي‬

‫كتاب العتصام‬

‫وعن الربيع بن خيثم أنه قال ‪ :‬أتيت أويسا القرن فوجدته قد صلى الصبح وقعد فقلت ‪ :‬ل أشغله‬
‫عن التسبيح ‪ ،‬فلما كان وقت الصلة قام فصلى إل الظهر ‪ ،‬فلما صلى الظهر صلى إل العصر ‪ ،‬فلما‬
‫صلى العصر قعد يذكر ال إل الغرب ‪ ،‬فلما صلى الغرب صلى العشاء ‪ ،‬فلما العشاء صلى إل‬
‫الصبح جلس فأخذته عينه ‪ ،‬ث انتبه فسمعته يقول ‪ :‬اللهم إن أعوذ بك من عي نوامه ‪ ،‬وبطن ل‬
‫تشبع ‪.‬‬
‫والثار ف هذا العن كثية عن الولي ‪ ،‬وهي تدل على الخذ با هو شاق ف الدوام ول يعدهم‬
‫بذلك مالفي للسنة ‪ ،‬بل عدوهم من السابقي ‪ ،‬جعلنا ال منهم ‪.‬‬
‫وأيضا فإن النهي ليس عن العبادة الطلوبة ‪ ،‬بل هو عن الغلو فيها ‪ ،‬غلوا يدخل الشقة على العامل ‪،‬‬
‫فإذا فرضنا من فقدت ف حقه تلك العلة ‪ ،‬فل ينتهض النهي ف حقه ‪ ،‬كما إذا قال الشارع ‪:‬‬
‫ل يقضي القاضي وهو غضبان ـ وكانت علة النهي تشويش الفكر عن استيفاء الجج ـ اطرد‬
‫النهي مع كل مشويش ‪ ،‬وانتفى عند انتفائه ‪ ،‬حت إنه منتف مع وجود الغضب اليسي الذي ل ينع‬
‫من استيفاء الجج ‪ ،‬وهذا صحيح جار على الصول ‪.‬‬
‫وحال من فقدت ف حقه العلة حال من يعمل بكم غلبة الوف أو الرجاء أو الحبة فإن الوف‬
‫سوط سائق ‪ ،‬والرجاء حاد قائد ‪ ،‬والحبة سيل حامل ‪ ،‬فالائف إن وجد الشقة ‪ ،‬فالوف ما هو‬
‫أشق ‪ ،‬يمله على الصب ما هو أهون ‪ ،‬وإن كان العمل شاقا ‪ ،‬والراجي يعمل وإن وجد الشقة ‪،‬‬
‫لن رجاء الراحة التامة يمله على الصب على بعض التعب ‪ ،‬والحب يعمل ببذل الجهود شوقا إل‬
‫الحبوب ‪ ،‬فيسهل عليه الصعب ‪ ،‬ويقرب عليه البعيد ‪ ،‬وهو القوي ‪ ( ،‬كذا ) ول يرى أنه أوف‬
‫بعهد الحبة ‪ ،‬ول قام بشكر النعمة ‪ ،‬ويعمر النفاس ول يرى أنه أقصى نمته ‪.‬‬
‫وإذا كان كذلك صح المع بي الدلة ‪ ،‬وجاز الدخول ف العمل التزاما مع اليغال فيه ‪ ،‬إما‬
‫مطلقا ‪ ،‬وإما مع ظن انتفاء العلة ‪ ،‬وإن دخلت الشقة فيما بعد ‪ ،‬إذا صح مع العامل الدوام على‬
‫العمل ‪ ،‬ويكون ذلك جاريا على مقتضى الدلة وعمل السلف الصال ‪.‬‬
‫والواب ‪ :‬أن ما تقدم من أدلة النهي صحيح صريح ‪ ،‬وما نقل عن الولي يتمل ثلثة أوجه ‪:‬‬
‫أحدها ‪ :‬أن يمل أنم إنا عملوا على التوسط الذي هو مظنة الدوام ‪ ،‬فلم يلزموا أنفسهم با لعله‬
‫يدخل عليهم الشقة حت يتركوا بسببه ما هو أول ‪ ،‬أو يتركوا العمل ‪ ،‬أو يبغضوه لثقله على‬
‫ل ف حقهم ‪ ،‬فإنا طلبوا اليسر ل العسر ‪ ،‬وهو الذي كان‬
‫أنفسهم ‪ ،‬بل التزموا ما كان النفوس سه ً‬
‫حال رسول ال صلى ال عليه وسلم ‪ ،‬وحال من تقدم النقل عنه من التقدمي ‪ ،‬بناء على أنم إنا‬
‫عملوا بحض السنة والطريقة العامة لميع الكلفي ‪ .‬وهذه طريقة الطبي ف الواب ‪ .‬وما تقدم ف‬
‫السؤال ما يظهر منه خلف ذلك فقضايا أحوال يكن حلها على وجه صحيح ‪ ،‬إذا ثبت أن العامل‬
‫من يقتدى به ‪.‬‬
‫‪159‬‬

‫الشاطبي‬

‫كتاب العتصام‬

‫والثان ‪ :‬يتمل أن يكونوا عملوا على البالغة فيما استطاعوا ‪ ،‬لكن ل على جهة اللتزام ‪ ،‬ل بنذر‬
‫ول غيه وقد يدخل النسان ف أعمال يشق الدوام عليها ول يشق ف الال ‪ .‬فيغتنم نشاطه ف حالة‬
‫خاصة ‪ ،‬غي ناظر فيها فيما يأت ‪ ،‬ويكون جاريا فيه على أصل رفع الرج ‪ ،‬حت إذا ل يستطعه‬
‫تركه ول حرج عليه لن الندوب ل حرج ف تركه ف الملة ‪.‬‬
‫ويشعر بذا العن ما ف هذا الديث عن عائشة رضي ال عنها ‪ ،‬قالت ‪:‬‬
‫"كان رسول ال يصوم حت نقول ‪ :‬ل يفطر‪ .‬ويفطر حت نقول ‪ :‬ل يصوم ‪ .‬وما رأيته استكمل‬
‫صيام شهر قط إل رمضان "‪ .‬الديث ‪.‬‬
‫فتأملوا وجه اعتبار النشاط والفراغ من القوق التعلقة ‪ .‬أو القوة ف العمال وكذلك قول عبد ال‬
‫بن عمرو ف صيام يوم وإفطار يومي ليتن طوقت ذلك ‪ .‬إنا يريد الداومة ‪ ،‬لنه قد كان يوال‬
‫الصيام حت يقولوا ل يفطر ‪ .‬ول يعترض هذا الأخذ بقوله صلى ال عليه وسلم ‪:‬‬
‫"أحب العمل إل ال ما دام عليه صاحبه وإن قل" وإن كان عمله دائما ‪ ،‬لنه ممول على العمل‬
‫الذي يشق فيه الدوام ‪.‬‬
‫وأما ما نقل عنهم أدلة صلة الصبح بوضوء العشاء وقيام جيع الليل ‪ ،‬وصيام الدهر ونوه ‪ ،‬فيحتمل‬
‫أن يكون على الشرط الذكور ‪ ،‬وهو أن ل يلتزم ذلك ‪ .‬وإنا يدخل ف العمل ما ل يغتنم نشاطه ‪،‬‬
‫فإذا أتى زمان آخر وجد فيه النشاط أيضا ‪ ،‬وإذا ل يل با هو أول عمل كذلك ‪ ،‬فيتفق أن يدوم له‬
‫هذا النشاط زمانا طويلً ‪ .‬وف كل حالة هو ف فسحه الترك ‪ ،‬لكنه ينتهز الفرصة مع الوقات ‪ .‬فل‬
‫بعد ف أن يصحبه النشاط إل آخر العمر ‪ ،‬فيظنه الظان التزاما وليس بالتزام ‪ .‬وهذا صحيح ‪ ،‬ول‬
‫سيما مع سائق الوف أو حادي الرجاء أو حامل الحبة ‪ ،‬وهو معن قول صلى ال عليه وسلم ‪:‬‬
‫"وجعلت قرة عين ف الصلة" فلذلك قام صلى ال عليه وسلم حت تورمت قدماه ‪ ،‬وامتثل أمر ربه‬
‫ف قوله تعال ‪" :‬قم الليل إل قليلً" الية ‪.‬‬
‫والثالث ‪ :‬أن دخول الشقة وعدمه على الكلف ف الدوام أو غيه ليس أمرا منضبطا بل هو إضاف‬
‫متلف بسب اختلف الناس ف قوة أجسامهم ‪ .‬أو ف قوة عزائمهم ‪ ،‬أو ف قوة يقينهم ‪ ،‬أو نو‬
‫ذلك من أوصاف أجسامهم أو أنفسهم فقد يتلف العمل الواحد بالنسبة إل رجلي ‪ ،‬لن أحدها‬
‫أقوى جسما ‪ ،‬أو أقوى عزية أو يقينا بالوعود ‪ .‬والشقة قد تضعف بالنسبة إل قوة هذه المور‬
‫وأشباهها ‪ ،‬وتقوى مع ضعفها ‪.‬‬
‫فنحن نقول ‪ :‬كل عمل يشق الدوام على مثله بالنسبة إل زيد فهو منهي عنه ‪ ،‬ول يشق على عمرو‬
‫فل ينهى عنه ‪ .‬فنحن نمل ما داوم عليه الولون من العمال على أنه ل يكن شاقا عليهم ‪ ،‬وإن‬
‫كان ما هو أقل منه شاقا علينا ‪ ،‬فليس عمل مثلهم با عملوا به حج ًة لنا أن ندخل فيما دخلوا فيه ‪،‬‬

‫‪160‬‬

‫الشاطبي‬

‫كتاب العتصام‬

‫إل بشرط أن يتد مناط السألة فيما بيننا وبينهم ‪ .‬وهو أن يكون ذلك العمل ل يشق الدوام على مثله‬
‫‪.‬‬
‫وليس كلمنا ف هذا لشاهدة الميع ‪ ،‬فإن التوسط والخذ بالرفق هو الول والحرى بالميع ‪،‬‬
‫وهو الذي دلت عليه الدلة ‪ .‬دون اليغال الذي ل يسهل مثله على جيع اللق ول أكثرهم ‪ .‬إل‬
‫على القليل النادر منهم ‪.‬‬
‫والشاهد لصحة هذا العن قوله صلى ال عليه وسلم ‪:‬‬
‫"إن لست كهيئتكم ‪ ،‬إن أبيت عند رب ـ يطعمن ويسقين" يريد صلى ال عليه وسلم أنه ل يشق‬
‫عليه الوصال ‪ ،‬ول ينعه عن قضاء حق ال وحقوق اللق ‪ .‬فعلى هذا ‪ :‬من رزق أنوذجا ما أعطيه‬
‫صلى ال عليه وسلم فصار يوغل ف العمل مع قوته ونشاطه وخفة العمل عليه فل حرج ‪.‬‬
‫وأما رده صلى ال عليه وسلم على عبد ال بن عمرو فيمكن أن يكون شهد بأنه ل يطيق الدوام ‪،‬‬
‫ولذلك وقع له ما كان متوقعا ‪ ،‬حت قال ‪ :‬ليتن قبلت رخصة نب ال صلى ال عليه وسلم ‪ ،‬ويكون‬
‫عمل ابن الزبي وابن عمر وغيها ف الوصال جاريا على انم أعطوا حظا ما أعطيه رسول ال صلى‬
‫ال عليه وسلم ‪ ،‬وهذا بناء على أصل مذكور ف كتاب الوافقات والمد ل ‪ ،‬وإذا كان كذلك ل‬
‫يكن ف العمل النقول عن السلف مالفة لا سبق ‪.‬‬
‫فصل لكن يبقى النظر ف تعليل النهي‬
‫لكن يبقى النظر ف تعليل النهي ‪ ،‬وأنه يقتضي انتفاءه عند العلة ‪ ،‬وما ذكروه فيه صحيح ف الملة ‪،‬‬
‫وفيه ف التفصيل نظر ‪ ،‬وذلك أن العلة راجعة إل أمرين ‪:‬‬
‫أحدها ‪ :‬الوف من النقطاع والترك إذا التزم فيما يشق فيه الدوام ‪ ،‬والخر ‪ :‬الوف من التقصي‬
‫فيما هو الكد من حق ال وحقوق اللق ‪.‬‬
‫ل راجعا قاعدة معلومة ل مظنونة ‪،‬‬
‫أما الول ‪ :‬فإن رسول ال صلى ال عليه وسلم قد أصل فيه أص ً‬
‫وهي بيان أن العمل الورث للحرج عند الدوام منفي عن الشريعة ‪ ،‬كما أن أصل الرج منفي عنها ‪،‬‬
‫لنه ‪:‬‬
‫صلى ال عليه وسلم بعث بالنيفية السمحة ‪ ،‬ول ساح مع دخول الرج ‪ .‬فكل من ألزم نفسه ما‬
‫يلقى فيه الرج فقد يرج عن العتدال ف حق نفسه ‪ ،‬وصار إدخاله للحرج على نفسه من تلقاء‬
‫نفسه ‪ ،‬ل من الشارع ‪ ،‬فإن دخل ف العمل على شرط الوفاء ‪ ،‬فإن وف فحسن بعد الوقوع ‪ ،‬إذ قد‬
‫ظهر أن ذلك العمل إما غي شاق لنه قد أتى به بشرطه ‪ ،‬وإما شاق صب عليه فلم يوف النفس‬
‫حقها من الرفق ‪ ،‬وسيأت ‪ ،‬وإن ل يف ‪ .‬فكأنه نقض عهد ال وهو شديد ‪ ،‬فلو بقي على أصل براءة‬
‫الذمة من اللتزام ل يدخل عليه ما يتقي منه ‪.‬‬
‫‪161‬‬

‫الشاطبي‬

‫كتاب العتصام‬

‫لكن لقائل أم يقول ‪ :‬إن النهي ها هنا معلق بالرفق الراجع إل العامل ‪ ،‬كما قالت عائشة رضي ال‬
‫عنها ‪:‬‬
‫"نى النب صلى ال عليه وسلم عن الوصال رحة لم" ‪ ،‬فكأنه قد اعتب حظ النفس ف التعبد ‪ .‬فقيل‬
‫له ‪ :‬افعل واترك ‪ .‬أي ل تتكلف ما يشق عليك ‪ ،‬كما ل تتكلف ف الفرائض ما يشق عليك لن ال‬
‫إنا وضع الفرائض على العباد على وجه من التيسي يشترك فيه القوي والضعيف ‪ ،‬والصغي والكبي ‪،‬‬
‫والر والعبد ‪ ،‬والرجل والرأة ‪ ،‬حت إذا كان بعض الفرائض يدخل الرج على الكلف يسقط عنه‬
‫جلة أو يعوض عنه ما ل حرج فيه كذلك النوافل التكلم فيها ‪.‬‬
‫وإذا روعي حظ النفس ‪ ،‬فقد صار المر ف اليغال إل العامل ‪ .‬فله أن ل يكنها من حظها ‪ ،‬وأن‬
‫يستعملها فيما قد يشق عليها بالدوام ـ بنا ًء على القاعدة الؤصلة ف أصول الوافقات ف إسقاط‬
‫الظوظ ‪ .‬فل يكون إذا منهيا ـ على ذلك التقدير ـ فكما يب على النسان حق لغيه ما دام‬
‫طالبا له ‪ ،‬وله الية ف ترك الطلب به فيتفع الوجوب ‪ .‬كذلك جاء النهي حفظا على حظوظ‬
‫النفس ‪ .‬فإذا أسقطها صاحبها زال النهي ورجع العمل إل أصل الندب ‪.‬‬
‫والواب ‪ :‬أن حظوظ النفوس بالنسبة إل الطلب با قد يقال ‪ :‬إنه من حقوق ال على العباد ‪ ،‬وقد‬
‫يقال ‪ :‬إنه من حقوق العباد ‪ ،‬فل ينهض ما قلتم ‪ ،‬إذ ليس للمكلف خية فيه ‪ .‬فكما أنه متعبد‬
‫بالرفق بغيه كذلك هو مكلف بالرفق بنفسه ودل على ذلك قوله صلى ال عليه وسلم ‪:‬‬
‫"إن لنفسك عليك حقا" إل آخر الديث ‪ .‬فقرن حق النفس بق الغي ف الطلب ف قوله ‪" :‬فأعط‬
‫كل ذي حق حقه" ث جعل ذلك حقا من القوق ‪.‬‬
‫ول يطلق هذا اللفظ إل على ما كان لزما ‪ .‬ويدل عليه أنه ل يل للنسان أن يبيح لنفسه ول لغيه‬
‫دمه ‪ .‬ول قطع طرف من أطرافه ‪ ،‬ول إيلمه بشيء من اللم ‪ ،‬ومن فعل ذلك إث واستحق العقاب‬
‫‪ .‬وهو ظاهر ‪.‬‬
‫وإن قلنا ‪ :‬إنه من حق العبد ‪ ،‬وراجع إل خيته ‪ .‬فليس ذلك على الطلق ‪ ،‬إذ قد تبي ف الصول‬
‫أن حقوق العباد ليست مردة من حق ال ‪.‬‬
‫والدليل على ذلك ـ فيما نن فيه ـ أنه لو كان إل خيتنا بإطلق ل يقع النهي فيه علينا ‪ .‬بل كنا‬
‫ني فيه ابتداء ‪ ،‬وإل ذلك ( ؟ ) فإنه لو كان بية الكلف مضا لاز للناذر العبادة أن يتركها مت‬
‫شاء ويفعلها مت شاء ‪.‬‬
‫وقد اتفق الئمة على وجوب الوفاء بالنذر ‪ ،‬فيجري ما يشبه مراه ‪ .‬وايضا فقد فهمنا من الشرع أنه‬
‫حبب إلينا اليان وزينه ف قلوبنا ‪ ،‬ومن جلة التزيي تشريعه على وجه يستحسن الدخول فيه ‪ ،‬ول‬
‫يكون هذا مع شرعية الشقات ‪ .‬وإذا كان اليغال ف العمال من شأنه ف العادة أن يورث الكلل‬
‫‪162‬‬

‫الشاطبي‬

‫كتاب العتصام‬

‫والكراهية والنقطاع ـ الذي كالضد لتحبيب اليان وتزيينه ف القلوب ـ كان مكروها لنه على‬
‫خلف وضع الشريعة ‪ ،‬فلم ينبغ أن يدخل فيه على ذلك الوجه ‪.‬‬
‫وأما الثان ‪ :‬فإن القوق التعلقة بالكلف على أصناف كثية ‪ ،‬وأحكامها تتلف حسبما تعطيه‬
‫أصول الدلة ‪ ،‬ومن العلوم أنه إذا تعارض على الكلف حقان ول يكن المع بينهما ‪ ،‬فل بد من‬
‫تقدي ما هو آكد ف مقتضى الدليل ‪ ،‬فلو تعارض على الكلف واجب ومندوب لقدم الواجب على‬
‫الندوب ‪ ،‬وصار الندوب ف ذلك الوقت غي مندوب بل صار واجب الترك عقلً أوشرعا ‪ ،‬من باب‬
‫ما ل يتم الواجب إل به ‪.‬‬
‫وبقي النظر ف الندوب ‪ :‬هل وقع موقعه ف الندب أم ل ؟ فإن قلت ‪ :‬إن ترك الندوب هنا واجب‬
‫عقلً ‪ ،‬فقد ينهض الندوب سببا للثواب مع ما فيه من كونه مانعا من أداء الواجب ‪ .‬وإن قلت ‪ :‬إنه‬
‫واجب شرعا ‪ ،‬بعد من انتهاضه سببا للثواب إل على وجه ما ‪ ،‬وفيه أيضا ما فيه ‪.‬‬
‫فأنت ترى ما ف التزام النوافل على كل تقدير فرضا إذا كان مؤديا للحرج وهذا كله إذا كان‬
‫اللتزام صادا عن الوفاء بالواجبات مباشرة ‪ ،‬قصدا أو غي قصد ‪ ،‬ويدخل فيه ما ف حديث سلمان‬
‫مع أب الدرداء رضي ال عنهما إذ كان التزام قيام الليل مانعا له من أداء حقوق الزوجة ‪ ،‬من‬
‫الستمتاع الواجب عليه ف الملة وكذلك التزام صيام النهار ‪.‬‬
‫ومثله لو كان التزام صلة الضحى أو غيها من النوافل ملً بقيامه على مريضه ‪ ،‬الشرف والقيام‬
‫على إعانة أهله بالقوت أو ما أشبه ذلك ويري مراه ـ وإن ل يكن ف رتبته ـ أن لو كان ذلك‬
‫اللتزام يفضي به إل ضعف بدنه ‪ ،‬أو نك قواه ‪ ،‬حت ل يقدر على الكتساب لهله ‪ ،‬أو أداء‬
‫فرائضه على وجهها ‪ ،‬أو الهاد ‪ ،‬أو طلب العلم ‪ .‬كما نبه عليه حديث داود عليه السلم ‪ ،‬أنه كان‬
‫يصوم يوما ويفطر ول يفر إذا ل قى ‪.‬‬
‫وقد جاء ف مفروض الصيام ف السفر من التخيي ما جاء ‪ ،‬ث "إن رسول ال صلى ال عليه وسلم‬
‫قال عام الفتح ‪ :‬إنكم قد دنوت من عدوكم ‪ ،‬والفطر أقوى لكم ‪ .‬قال أبو سعيد الدري رضي ال‬
‫عنه ‪ :‬فأصبحنا منا الصائم ومنا الفطر ‪ .‬قال ‪ :‬ث سرنا فنلنا منلً فقال ‪ :‬إنكم تصبحون عدوكم‬
‫والفطر أقوى لكم فأفطروا قال ‪ :‬فكانت عزيةً من رسول ال صلى ال عليه وسلم " ‪.‬‬
‫وهذه إشارة إل أن الصيام ربا أضعف عن ملقاة العدو وعمل الهاد ‪ ،‬فصيام النفل أول بذا الكم‬
‫‪.‬‬
‫وعن جابر رضي ال عنه "أن النب صلى ال عليه وسلم رأى رجلً يظلل عليه ‪ ،‬والزحام عليه ‪ ،‬فقال‬
‫‪ :‬ليس من الب الصيام ف السفر" يعن أن الصيام [ف السفر] وإن كان واجبا ‪ ،‬ليس برا ف السفر ‪،‬‬
‫إذا بلغ به النسان ذلك الد ‪ .‬مع وجود الرخصة ‪ ،‬فالرخصة إذا مطلوبة ف مثله بيث تصي به آكد‬
‫من أداء الواجب ‪ ،‬فما ليس بواجب ف أصله أول ‪.‬‬
‫‪163‬‬

‫الشاطبي‬

‫كتاب العتصام‬

‫فالاصل أن كل من ألزم نفسه شيئا يشق عليه فلم يأت طريق الب على حده ‪.‬‬
‫فصل إذا ثبت ما تقدم ورد الشكال الثان‬
‫إذا ثبت ما تقدم ورد الشكال الثان ‪ ،‬وهو أن التزام النوافل الت يشق التزامها مالف ًة للدليل ‪ ،‬وإذا‬
‫خالفت فالتعبد با على ذاك التقدير متعبد با ل يشرع وهو عي البدعة ‪ .‬فإما أن تنتظمها أدلة ذم‬
‫البدعة أو ل ‪ ،‬فإن انتظمتها أدلة الذم فهو غي صحيح لمرين ‪.‬‬
‫أحدها ‪ :‬أن رسول ال صلى ال عليه وسلم لا كره لعبد ال بن عمرو ما كره وقال له ‪ :‬إن أطيق‬
‫أفضل من ذلك ‪ .‬فقال له صلى ال عليه وسلم ‪" :‬ل أفضل من ذلك" تركه بعد على التزامه ‪ ،‬ولول‬
‫أن عبد ال فهم منه بعد نيه القرار عليه لا التزمه ودوام عليه ‪ ،‬حت قال ‪ :‬ليتن قبلت رخصة رسول‬
‫ال صلى ال عليه وسلم ! فلو قلنا ‪ :‬إنا بدعة ـ وقد ذم كل بدعة ـ وقد ذم كل بدعة على العموم‬
‫ـ لكان مقرا له على خطا ‪ .‬وذلك ل يوز ‪ ،‬كما أنه ل ينبغي أن يعتقد ف الصحاب أنه خالف أمر‬
‫رسول ال صلى ال عليه وسلم قصدا للتعبد با ناه عنه ‪ .‬فالصحابة رضي ال تعال عنهم أتقى ل‬
‫من ذلك ‪ .‬وكذلك ما ثبت عن غيه من وصال الصيام وأشباهه ‪ .‬وإذا كان كذلك ل يكن أن‬
‫يقال ‪ :‬إنا بدعة ‪.‬‬
‫الثان ‪ :‬أن العامل با دائما بشرط الوفاء ‪ ،‬إن التزم الشرط فأداها على وجهها فلقد حصل مقصود‬
‫الشارع ‪ ،‬فارتفع النهي إذا ‪ .‬فل مالفة للدليل ‪ .‬فل ابتداع وإن ل يلتزم أداءها ‪ .‬فإن كان باختيار‬
‫فل إشكال ف الخالفة الذكورة ‪ ،‬كالناذر يترك الندوب بغي عذر ‪ ،‬ومع ذلك فل يسمى تركه بدعة‬
‫‪ .‬ول عمله ف وقت العمل بدعة ‪ ،‬ول يسمى بالجموع مبتدعا ‪ .‬وإن كان لعارض مرض أو غيه‬
‫من العذار ‪ .‬فل نسلم أنه مالف ‪ ،‬كما ل يكون مالفا ف الواجب إذا عارضه فيه عارض ‪،‬‬
‫كالصيام للمريض والج لغي الستطيع ‪ ،‬فل ابتداع إذا ‪.‬‬
‫وأما إن ل تنتظمها أدلة الذم ‪ ،‬فقد ثبت أن من أقسام البدع ما ليس بنهي ‪ ،‬بل هو ما يتعبد به ‪،‬‬
‫وليس من قبيل الصال الرسلة ‪ ،‬ول غيها ما له أصل على الملة ‪ .‬وحيئنذ يشمل هذا الصل كل‬
‫ملتزم تعبدي كان له أصل أم ل ؟ لكن فحيث يكون له أصل على الملة على التفصيل ‪ ،‬كتخصيص‬
‫ليلة مولد النب صلى ال عليه وسلم بالقيام فيها ‪ ،‬ويومه بالصيام ‪ ،‬أو بركعات مصوصة ‪ ،‬وقيام ليلة‬
‫أول جعة من رجب ‪ ،‬وليلة النصف من شعبان ‪ .‬والتزام الدعاء جهرا بآثار الصلوات مع انتصاب‬
‫المام ‪ ،‬وما أشبه ذلك ما له أصل جلي ‪ ،‬وعند ذلك ينخرم كل ما تقدم تأصيله ‪.‬‬
‫والواب عن الول ـ أن القرار ـ صحيح ‪ ،‬ول يتنع أن يتمع مع النهي الرشاد لمر خارجي ‪،‬‬
‫فإن النهي ل يكن لجل خلل ف نفس العبادة ‪ ،‬ول ف ركن من أركانا ‪ ،‬وإنا كان لجل الوف‬

‫‪164‬‬

‫الشاطبي‬

‫كتاب العتصام‬

‫من أمر متوقع ‪ ،‬كما قالت عائشة رضي ال تعال عنها ‪ :‬إن النهي عن الوصال كالتنكيل بم ‪ ،‬ولو‬
‫كان منهيا عنه بالنسبة إليهم لا فعل ‪.‬‬
‫فانظر كيف اجتمع ف الشيء الواحد كونه عبادةً ومنهيا عنه ‪ ،‬لكن باعتبارين ‪ ،‬ونظيه ف‬
‫الفقهيات ‪ ،‬ما يقوله جاعة من الحققي ف البيه بعد نداء المعة ‪ ،‬فإنه نى عنه ل من جهة كونه بيعأً‬
‫‪ ،‬بل من جهة كونه مانعا من حضور المعة ‪ ،‬فيجيزون البيع بعد الوقوع ‪ ،‬ويعلونه فاسدا ‪ ،‬وإن‬
‫وجد التصريح بالنهي فيه ‪ ،‬للعلم بأن النهي ليس براجع إل نفس البيع ‪ ،‬بل إل أمر ياوره ‪ ،‬ولذلك‬
‫يعلل جاعة من يقول بفسخ البيع لنه زجر للمتبايعي ل لجل النهي عنه ‪ ،‬فليس عند هؤلء ببيع‬
‫فاسد أيضا ‪ ،‬ول النهي راجع إل نفس البيع ‪.‬‬
‫فالمر بالعبادة شيء وكون الكلف يوف با أو ل ‪ ،‬شيء آخر ‪ ،‬فإقرار النب صلى ال عليه وسلم‬
‫لبن عمرو رضي ال عنهما على ما التزم ونيه إياه ابتداء ‪ ،‬ل يدل على الفساد ‪ ،‬وإل لزم التدافع ‪،‬‬
‫وهو مال ‪ ،‬إل أن ها هنا نظرا آخر ‪ :‬وهو أن رسول ال صلى ال عليه وسلم صار ف هذه السائل‬
‫كالرشد للمكلف وكالبتدىء ( ؟ ) بالنصيحة عند وجود مظنة الستنصاح ‪ ،‬فلما تكلف الكلف‬
‫على اجتهاده دون نصيحة الناصح العرف بعوارض النفوس ‪ ،‬صار كالتبع لرأيه مع وجود النص وإن‬
‫كان بتأويل ‪ ،‬فإن سي ف اللفظ فبهذا العتبار ‪ ،‬وإل فهو متبع للدليل النصوص من صاحب‬
‫النصيحة ‪ ،‬وهو الدال على النقطاع إل ال تعال بالعبادة ‪.‬‬
‫ومن هنا قيل فيها إنا بدعة إضافية ل حقيقية ‪ ،‬ومعن كونا إضافية أن الدليل فيها مرجوع بالنسبة‬
‫لن يشق عليه الدوام عليها ‪ ،‬وراجح بالنسبة إل من وف بشرطها ولذلك وف با عبد ال بن عمرو‬
‫رضي ال عنهما بعد ما ضعف ‪ ،‬وإن دخل عليه فيها بعض الرج حت تن قبول الرخصة ‪ ،‬بلف‬
‫البدعة القيقية ‪ ،‬فإن الدليل عليها مفقود حقيقة ‪ ،‬فضلً عن أن يكون مرجوحا ‪ ،‬فهذه السألة تشبه‬
‫مسألة خطأ الجتهد ‪ ،‬فالقول فيهما متقارب ‪ ،‬وسيأت الكلم فيهما إن شاء ال تعال ‪.‬‬
‫وأما قول السائل ف الشكال ‪ :‬إن التزم الشرط فأدى العبادة على وجهها ـ إل آخره ـ فصحيح ‪،‬‬
‫إل قوله ‪ :‬فإن تركها لعارض فل حرج كالريض ‪ ،‬فإن ما نن فيه ليس كذلك ‪ ،‬بل ث قسم آخر ‪،‬‬
‫لـ‬
‫وهو أن يتركها بسبب تسبب هو فيه ‪ .‬وإن ظهر أن ليس من سببه ‪ ،‬فإن ترك الهاد ـ مث ً‬
‫باختياره مالفة ظاهرة وتركه لرض أو نوه ل مالفة فيه ‪ ،‬فإن عمل ف سبب يلحقه عادة بالريض‬
‫حت ل يقدر على الهاد فهذه واسطة بي الطرفي ‪ ،‬فمن حيث تسببه ف الانع ل يكون ممودا عليه‬
‫‪ ،‬وهو نظي اليغال ف العمل الذي هو سبب ف كراهية العمل أو التقصي على الواجب ‪ ،‬وهذا‬
‫الكلف قد خالف النهي ‪ .‬ومن حيث وقع له الرج الانع ف العبادة من أدائها على وجهها قد‬
‫معذورا ‪ ،‬فصار هنا نظر بي نظرين ل يتخلص مع العمل إل واحد منهما ‪.‬‬

‫‪165‬‬

‫الشاطبي‬

‫كتاب العتصام‬

‫وأما قوله ‪ :‬ثبت أن من أقسام البدع ما ليس بنمهي عنه ‪ ،‬فليس كما قال ‪ ،‬وذاك أن الندوب هو من‬
‫حيث هو مندوب يشبه الواجب من جهة مطلق المر ‪ ،‬ويشبه الياح من جهة رفع الرج على التارك‬
‫‪ ،‬فهو واسطة بي الطرفي ل يتخلى إل واحد منهما ‪ ،‬إل أن قواعد الشرع شرطت ف ناحية العمل‬
‫شرطا ‪ ،‬كما شرطت ف ناحية تركه شرطا ‪ ،‬فشرط العمل به أن ل يدخل فيه مدخلً يؤديه إل‬
‫الرج الؤدي إل انرام الندب فهي رأسا ‪ ،‬أو انرام ما هو أول منه ‪ ،‬وما وراء هذا موكول إل‬
‫خية الكلف ‪ ،‬فإذا دخل فيه فل يلو أن يدخل فيه على قصد انرام الشرط أو ل ‪ ،‬فإن كان‬
‫كذلك ‪ ،‬فهو القسم الذي يأت إن شاء ال ‪ ،‬وحاصله أن الشارع طالبه برفع الرج ‪ ،‬وهو يطالب‬
‫نفسه بوضعه وإدخاله على نفسه وتكليفها ما ل يستطاع ‪ ،‬مع زيادة الخلل بكثي من الواجبات‬
‫والسنن الت هي أول ما دخل فيه ‪ ،‬ومعلوم أن هذه بدعة مذمومة ‪.‬‬
‫وإن دخل على غي ذلك القصد ‪ ،‬فل يلو أن يري الندوب على مراه أو ل ‪ ،‬فإن أجراه كذلك‬
‫بأن يفعل منه ما استطاع إذا وجد نشاطا ول يعارضه ما هو أول ما دخل فيه ‪ ،‬فهو مض السنة الت‬
‫ل مقال فيها ‪ ،‬لجتماع الدلة على صحة ذلك العمل ‪ ،‬إذ قد أمر فهو غي تارك ‪ ،‬ونى عن اليغال‬
‫وإدخال الرج فهو متحرز ‪ ،‬فل إشكال ف صحته ‪ ،‬وهو كان شأن السلف الول ومن بعدهم ‪،‬‬
‫وإن ل يره على مراه ولكنه أدخل فيه رأي اللتزام والدوام ‪ ،‬فذلك الرأي مكروه ابتدا ًء ‪.‬‬
‫لكن فهم من الشرع أن الوفاء ـ إن حصل ـ فهو ـ إن شاء ال ـ كفارة النهي ‪ ،‬فل يصدق‬
‫عليه ف هذا القسم معن البدعة ‪ ،‬لن ال تعال مدح الوفي بالنذر والوفي بعهدهم إذا عاهدوا ‪،‬‬
‫وإن ل يصل الوفاء تحض وجه النهي ‪ ،‬وربا أث ف اللتزام غي النذري ‪ ،‬ولجل احتمال عدم‬
‫الوفاء أطلق عليه لفظ البدعة ‪ ،‬ل لجل أنه عمل ل دليل عليه ‪ ،‬بل الدليل عليه قائم ‪.‬‬
‫ولذلك إذا التزم النسان بعض الندوبات الت يعلم أو يظن أن الدوام فيها ل يوقع ف حرج أصلً ـ‬
‫وهو الوجه الثالث من الوجه الثلثة البنه عليها ـ ل يقع ف ني ‪ ،‬بل ف مض الندوبات ‪،‬كالنوافل‬
‫الرواتب مع الصلوات ‪ ،‬والتسبيح والتحميد والتكبي ف آثارها ‪ ،‬والذكر اللسان اللتزم بالعشي‬
‫والبكار ‪ ،‬وما أشبه ذلك ما ل يل با هو أول ‪ ،‬ول يدخل حرجا بنفس العمل به ول بالدوام عليه‬
‫‪.‬‬
‫وف هذا القسم جاء التحريض على الدوام صريا ‪ ،‬ومنه كان جع عمر رضي ال عنه الناس ف‬
‫رمضان ف السجد ‪ ،‬ومضى عليه الناس ‪ ،‬لنه كان أولً سنة ثابتة من رسول ال صلى ال عليه وسلم‬
‫‪ ،‬ث إنه أقام للناس با كانوا قادرين عليه ومبي فيه ‪ ،‬وف شهر واحد من السنة ل دائما ‪ ،‬وموكولً‬
‫إل اختيارهم ‪ ،‬لنه قال ‪ :‬والت ينامون عنها أفضل ‪.‬‬
‫وقد فهم السلف الصال أن القيام ف البيوت أفضل ‪ ،‬فكان كثي منهم ينصرفون فيقومون ف‬
‫منازلم ‪ ،‬ومع ذلك فقد قال ‪ :‬نعمت البدعة هذه ‪ .‬فأطلق عليها لفظ البدعة ـ كما ترى ـ نظرا‬
‫‪166‬‬

‫الشاطبي‬

‫كتاب العتصام‬

‫ـ وال أعلم ـ إلىاعتبار الدوام ‪ ،‬وإن كان شهرا ف السنة ‪ ،‬وأنه ل يقع فيمن قبله عملً دائما ‪،‬‬
‫أو أنه أظهره ف السجد الامع مالفا لسائر النوافل ‪ ،‬وإن كان ذلك واقعا ف أصله كذلك ‪ ،‬فلما‬
‫كان الدليل على ذلك القيام على الصوص واضحا قال ‪ :‬نعمت البدعة هذه ‪ .‬فحسنها بصيغة نعم‬
‫الت تقتضي من الدح ما تقتضيه صيغة التعجب ‪ ،‬لو قال ‪ :‬ما أحسنها من بدعة ! وذلك يرجها‬
‫قطعا عن كونا بدعة ‪.‬‬
‫وعلى هذا العن جرى كلم أب أمامة رضي ال عنه مستشهدا بالية حيث قال ‪ :‬أحدثتم قيام‬
‫رمضان ول يكتب عليكم ‪ .‬إنا معناه ما ذكرناه ‪ .‬ولجله قال ‪ :‬فدوموا عليه ‪ .‬ولو كان بدعة على‬
‫القيقة لنهى عنه ‪ ،‬ومن هذه الهة أجرينا الكلم على ما نى صلى ال عليه وسلم عنه من التعبد‬
‫الخوف الرج ف الآل ‪ ،‬واستسهلنا وضع ذلك ف قسم البدع الضافية ‪ ،‬تنبيها على وجهها‬
‫ووضعها ف الشرع مواضعها ‪ ،‬حت ل يغتر با مغتر فيأخذها على غي وجهها ‪ ،‬ويتج با على العمل‬
‫بالبدعة القيقية قياسا عليها ول يدري ما عليه ف ذلك ‪ ،‬وإنا تشمنا إطلق اللفظ هنا ‪ ،‬وكان‬
‫ينبغي أن ل يفعل لول الضرورة ‪ ،‬وبال التوفيق ‪.‬‬
‫فصل قال ال تعال ‪ :‬يا أيها الذين آمنوا ل ترموا طيبات ما أحل ال لكم إل آخر اليتي‬
‫قال ال تعال ‪" :‬يا أيها الذين آمنوا ل ترموا طيبات ما أحل ال لكم ول تعتدوا إن ال ل يب‬
‫العتدين" "وكلوا ما رزقكم ال حلل طيبا واتقوا ال الذي أنتم به مؤمنون" روي ف سبب نزول‬
‫هذه الية أخبار جلتها تدور على معن واحد ‪ ،‬وهو يتحري ما أحل ال من الطيبات تدينا أو شبه‬
‫التدين وال نى عن ذلك وجعله اعتداء ‪ ،‬وال ل يب العتدين ‪ .‬ث قرر الباحة تقريرا زائدة على ما‬
‫تقرر بقوله ‪" :‬وكلوا ما رزقكم ال حلل طيبا " ث أمرهم بالتقوى ‪ ،‬وذلك مشعر بأن تري ما أحل‬
‫ال خارج عن درجة التقوى ‪.‬‬
‫فخرج إساعيل القاضي من حديث أب قلبة رضي ال عنه قال ‪" :‬أراد ناس من أصحاب رسول ال‬
‫صلى ال عليه وسلم أن يرفضوا الدنيا وتركوا النساء وترهبوا ‪ .‬فقام رسول ال صلى ال عليه وسلم‬
‫فغلظ فيهم القالة ‪ ،‬فقال ‪ :‬إنا هلك من كان قبلكم بالتشديد ‪ ،‬شددوا على أنفسهم فشدد ال عليهم‬
‫‪ ،‬فأولئك بقاياهم ف الديار والصوامع اعبدوا ال ول تشركوا به شيئا ‪ ،‬وحجوا واعتمروا ‪،‬‬
‫واستقيموا يستقم بكم" قال ‪ :‬نزلت فيهم ‪" :‬يا أيها الذين آمنوا ل ترموا طيبات ما أحل ال لكم "‬
‫‪.‬‬
‫وف الترمذي عن ابن عباس رضي ال عنهما قال ‪:‬‬
‫"إن رجلً أتى النب صلى ال عليه وسلم فقال ‪ :‬يا رسول ال ! إن إذا أصبت اللحم انتشرت للنساء‬
‫وأخذتن شهوت فحرمت علي اللحم ‪ .‬فأنزل ال الية " ‪ .‬حديث حسن ‪.‬‬
‫‪167‬‬

‫الشاطبي‬

‫كتاب العتصام‬

‫وف رواية عن ابن عباس رضي ال عنهما قال ‪:‬‬
‫"نزلت هذه الية ف رهط من أصحاب رسول ال صلى ال عليه وسلم ‪ ،‬منهم أبو بكر وعمر وعلي‬
‫وابن مسعود وعثمان بن مظعون والقداد بن السودالكندي وسال مول أب حذيفة رضي ال عنهم‬
‫اجتمعوا ف دار عثمان بن مظعون المحي فتوافقوا أن يبوا أنفسهم ‪ ،‬بأن يعتزلوا النساء ول يأكلوا‬
‫لما ول دسا ‪ ،‬وأن يلبسوا السوح ول يأكلوا من الطعام إل قوتا ‪ ،‬وأن يسيحوا ف الرض كهيئة‬
‫الرهبان ‪ ،‬فبلغ ذلك رسول ال صلى ال عليه وسلم من أمرهم ‪ ،‬فأتى عثمان بن مظعون ف منله فلم‬
‫يده فيه ‪ ،‬ول إياهم ‪ ،‬فقال لمرأة عثمان أم حكيم ابنة أب أمية بن حارثة السلمي ‪ :‬أحق ما بلغن‬
‫عن زوجك وأصحابه ؟ قالت ‪ :‬ما هو يا رسول ال ؟ فأخبها ‪ ،‬فكرهت أن ل تدث رسول ال‬
‫صلى ال عليه وسلم وكرهت أن تبدي على زوجها ‪ ،‬فقالت إن كان أخبك عثمان فقد صدق ‪.‬‬
‫فقال لا رسول ال صلى ال عليه وسلم ‪ :‬قول لزوجك وأصحابه إذا رجعوا ‪ :‬إن رسول ال يقول‬
‫لكم ‪ :‬إن آكل وأشرب وآكل اللحم والدسم وأنام وآت النساء ‪ ،‬فمن رغب عن سنت فليس من ‪،‬‬
‫فلما رجع عثمان وأصحابه أخبتم امرأته با أمر به رسول ال صلى ال عليه وسلم ‪ ،‬فقالوا ‪ :‬لقد‬
‫بلغ رسول ال صلى ال عليه وسلم أمرنا فما أعجبه ‪ ،‬فذروا ما كره رسول ال صلى ال عليه‬
‫وسلم ‪ ،‬ونزل فيها ‪" :‬يا أيها الذين آمنوا ل ترموا طيبات ما أحل ال لكم" " قال ‪ :‬من الطعام‬
‫والشراب والماع "ول تعتدوا" قال ‪ :‬ف قطع الذاكي ‪" .‬إن ال ل يب العتدين" قال ‪ :‬اللل إل‬
‫الرام ‪.‬‬
‫وف الصحيح "عن عبد ال قال ‪:‬‬
‫كنا نغزو مع رسول ال صلى ال عليه وسلم ليس معنا نساء ‪ ،‬فقلنا ‪ :‬أل نتصي ؟ فنهانا عن ذلك ‪،‬‬
‫فرخص لنا بعد ذلك أن نتزوج الرأة بالثوب إل أجل "‪ ،‬يعن ـ وال أعلم ـ نكاح التعة النسوخ ‪،‬‬
‫" ث قرأ ابن مسعود ‪" :‬يا أيها الذين آمنوا ل ترموا طيبات ما أحل ال لكم" "‪.‬‬
‫ث ذكر إساعيل عن يي بن يعمر ‪" :‬أن عثمان بن مظعون هم بالسياحة وهو يصوم النهار ويقوم‬
‫الليل ‪ ،‬وكانت امرأته عطرة فتركت الكحل والضاب ‪ ،‬فقالت لا امرأة من أزواج النب صلى ال‬
‫عليه وسلم ‪ :‬أشهيد أنت أم مغيب ؟ فقالت ‪ :‬بل شهيد ‪ ،‬غي أن عثمان ل يريد النساء ‪ ،‬فذكرت‬
‫ذلك للنب صلى ال عليه وسلم فلقيه رسول ال صلى ال عليه وسلم فقال له ‪ :‬أتؤمن با نؤمن به ؟‬
‫قال ‪ :‬نعم ‪ .‬قال ‪ :‬فاصنع مثل ما نصنع‪" ،‬ل ترموا طيبات ما أحل ال لكم" " الية ‪.‬‬
‫وخرج سعيد بن منصور عن خضي عن أب مالك ‪ ،‬قال ‪ :‬نزلت ف عثمان بن مظعون وأصحابه ‪،‬‬
‫كانوا حرموا عليهم كثيا من الطعام والنساء ‪ ،‬وهم بعضهم أن يقطع ذكره ‪ ،‬فأنزل ال تعال ‪" :‬يا‬
‫أيها الذين آمنوا ل ترموا" الية ‪.‬‬

‫‪168‬‬

‫الشاطبي‬

‫كتاب العتصام‬

‫وعن قتادة ‪ ،‬قال ‪ :‬نزلت ف ناس م نأصحاب رسول ال صلى ال عليه وسلم أرادوا أن يتخلوا عن‬
‫الدنيا ‪ ،‬وتركوا النساء وترهبوا ‪ ،‬منهم علي بن أب طالب ‪ ،‬وعثمان بن مظعون ‪.‬‬
‫وخرج ابن البارك "أن عثمان بن مظعون أتى النب صلى ال عليه وسلم ‪،‬فقال ‪ :‬أئذن ل ف‬
‫الختصاء ‪،‬فقال النب صلى ال عليه وسلم ‪ :‬ليس منا من خصى أو اختصى إن اختصاء أمت الصيام ‪،‬‬
‫قال يا رسول ال ! ائذن ل ف السياحة ‪ .‬قال ‪ :‬إن سياحة أمت الهاد ف سبيل ال ‪ ،‬قال ‪ :‬يا رسول‬
‫ال ! ائذن ل ف الترهب ‪ .‬قال ‪ :‬إن ترهب أمت اللوس ف الساجد لنتظار الصلة " ‪.‬‬
‫وف الصحيح ‪:‬‬
‫رد رسول ال صلى ال عليه وسلم التبتل على عثمان بن مظعون ‪ ،‬ولو أذن له لختصى ‪.‬‬
‫وهذا كله واضح ف أن جيع هذه الشياء تري لا هو حلل ف الشرع ‪ ،‬وإهال لا قصد الشارع‬
‫إعماله ـ وإن كان يقصد سلوك طريق الخرة ـ لنه نوع من الرهبانية ف السلم ‪.‬‬
‫وإل منع تري اللل ذهب الصحابة والتابعون ومن بعدهم ‪ ،‬إل أنه إذا كان التحري غي ملوف‬
‫عليه فل كفارة ‪ ،‬وإن كان ملوفا عليه ‪ ،‬ففيه الكفارة ‪ ،‬ويعمل الالف با أحل ال له ‪.‬‬
‫ومن ذلك ما ذكر إساعيل القاضي عن معقل أنه سأل ابن مسعود رضي ال عنه فقال ‪ :‬إن حلفت‬
‫أن ل أنام على فراشي سنة ‪ .‬فتل عبد ال ‪" :‬يا أيها الذين آمنوا ل ترموا" الية ‪ ،‬ادن فكل وكفر‬
‫عن يينك ‪ ،‬ون على فراشك ‪.‬‬
‫وف رواية ‪ :‬كان معقل يكثر الصوم والصلة ‪ ،‬فحلف أن ل ينام على فراشه ‪ ،‬فأتى ابن مسعود‬
‫رضي ال عنه فسأله عن ذلك فقرأ عليه الية ‪.‬‬
‫وعن الغية قال ‪ :‬قلت لبراهيم ف هذه الية ‪" :‬ل ترموا طيبات ما أحل ال لكم" أهو الرجل يرم‬
‫الشيء ‪،‬ما أحل ال له ؟ قال ‪ :‬نعم ‪.‬‬
‫وعن مسروق قال ‪ :‬أتى عبد ال بضرع فقال للقوم ‪ :‬ادنوا ‪ ،‬فأخذوا يطعمون ‪ .‬فقال رجل ‪ :‬إن‬
‫حرمت الضرع ‪ .‬فقال عبد ال ‪ :‬هذا من خطوات الشيطان "يا أيها الذين آمنوا ل ترموا طيبات ما‬
‫أحل ال لكم" ادن فكل ‪ ،‬وكفر عن يينك ‪.‬‬
‫وعلى ذلك جرت الفتيا ف السلم ‪ :‬إن كل من حرم على نفسه شيئا ما أحل ال له فليس ذلك‬
‫التحري بشيء ‪ ،‬فليأكل إن كان مأكو ًل ‪ ،‬وليشرب إن كان مشروبا ‪ ،‬وليلبس إن كان ملبوسًأ ‪،‬‬
‫وليملك إن كان ملوكا ‪ .‬وكأنه إجاع منهم منقول عن مالك و أب حنيفة و الشافعي وغيهم ‪،‬‬
‫واختلفوا ف الزوجة ‪ .‬ومذهب مالك أن التحري طلق كالطلق الثلث ‪ ،‬وما سوى ذلك فهو باطل‬
‫‪ ،‬لن القرآن شهد بكونه اعتداء ‪ ،‬حت إنه إن حرم على نفسه وطء أمة غيه قاصدا به العتق فوطؤها‬
‫حلل ‪ .‬وكذلك سائر الشياء من اللباس والسكن والصمت والستظلل والستضحاء ‪ .‬وقد تقدم‬
‫الديث ف الناذر للصوم قائما ف الشمس ساكتا ‪ ،‬فإنه تري للجلوس والكلم والستظلل ‪ ،‬والنب‬
‫‪169‬‬

‫الشاطبي‬

‫كتاب العتصام‬

‫صلى ال عليه وسلم أمره باللوس والتكلم والستظلل ‪ .‬قال مالك ‪ :‬أمره ليتم ما كان له فيه طاعة‬
‫ويترك ما كان عليه فيه معصية ‪.‬‬
‫فتأملوا كيف جعل مالك ترك اللل معصية ! وهو مقتضى الية ف قوله تعال ‪" :‬ول تعتدوا" الية ‪.‬‬
‫ومقتضى قول ابن مسعود رضي ال عنه لصاحب الضرع ‪ :‬هذا من خطوات الشيطان ‪.‬‬
‫وقد ضعف ابن رشد الفيد الستدلل من الالكية بالديث ‪ ،‬وتفسي مالك له ‪ ،‬وذكر أن قوله ف‬
‫الديث ‪ :‬ويترك ما كان عليه فيه معصية ليس بالظاهر أن ترك الكلم معصية ‪ ،‬وقد أخب ال تعال‬
‫أنه نذر مري ـ قال ـ وكذلك يشبه أن يكون القيام للشمس ليس معصية إل ما يتعلق من جهة‬
‫تعب السم والنفس ‪ ،‬وقد يستحب للحاج أن ل يستظل ‪ .‬فإن قيل ‪ :‬فيه معصية ‪ .‬فالقياس على ما‬
‫ني عنه من التعب ل بالنص ‪ ،‬والصل فيه أنه من الباحات ‪.‬‬
‫وما قاله ابن رشد غي ظاهر ‪ ،‬ول يقل مالك ف الديث ما قال استنباطا منه ‪ ،‬بل الظاهر أنه استدل‬
‫بالية التكلم فيها ‪ ،‬وحل الديث عليها بترك الكلم ‪ ،‬وإن كان ف الشرائع الول مشروعا فهو‬
‫منسوخ بذه الشريعة ‪ ،‬فهو عمل ف مشروع بغي مشروع ‪ .‬وكذلك القيام ف الشمس زيادة من‬
‫باب تري اللل ‪ ،‬وإن استحب ف موضع ‪ ،‬فل يلزم استحبابه ف آخر ‪.‬‬
‫فصل ويتعلق بذا الوضع مسائل إحداها أن تري اللل‬
‫ويتعلق بذا الوضع مسائل ‪.‬‬
‫إحداها ‪ :‬أن تري اللل وما أشبه ذلك يتصور ف أوجه ‪.‬‬
‫الول ‪ :‬التحري القيقي ‪ ،‬وهو الواقع من الكفار ‪ ،‬كالبحية والسائبة والوصيلة والامي ‪ ،‬وجيمع ما‬
‫ذكر ال تعال تريه عن الكفار بالرأي الحض ‪ .‬ومنه قوله تعال ‪" :‬ول تقولوا لا تصف ألسنتكم‬
‫الكذب هذا حلل وهذا حرام لتفتروا على ال الكذب" وما أشبهه من التحري الواقع ف السلم رأيا‬
‫مردا ‪.‬‬
‫الثان ‪ :‬أن يكون مرد ترك ل لغرض ‪ ،‬بل لن النفس تكرهه بطبعها ‪ ،‬أو ل تكرهه حت تستعمله ‪،‬‬
‫أو ل تد ثنه أو تشتغل با هو آكد ‪ ،‬وما أشبه ذلك ‪ .‬ومنه ترك النب صلى ال عليه وسلم لكل‬
‫الضب لقوله فيه ‪:‬‬
‫"إنه ل يكن بأرض قومي فأجدن أعافه" ‪ ،‬ول يسمى مثل هذا تريا ‪ ،‬لن التحري يستلزم القصد‬
‫إليه ‪ ،‬وهذا ليس كذلك ‪.‬‬
‫الثالث ‪ :‬أن يتنع لنذره التحري ‪ ،‬أو ما يري مرى النذر من العزية القاطعة للعذر ‪ ،‬كتحري النوم‬
‫على الفراش سنة ‪ ،‬وتري الضرع وتري الدخار لغد ‪ ،‬وتري اللي من الطعام واللباس ‪ ،‬وتري‬
‫الوطء والستلذاذ بالنساء ف الملة ‪ ،‬وما أشبه ذلك ‪.‬‬
‫‪170‬‬

‫الشاطبي‬

‫كتاب العتصام‬

‫الرابع ‪ :‬أن يلف على بعض اللل أن ل يفعله ‪ ،‬ومثله قد يسمى تريا ‪.‬‬
‫قال إساعيل القاضي ‪ :‬إذا قال الرجل لمته ‪ :‬وال ل أقربا ‪ .‬فقد حرمها على نفسه باليمي ‪ ،‬فإذا‬
‫غشيها وجبت عليه كفارة اليمي ‪ .‬وأتى بسألة ابن مقرن ف سؤاله ابن مسعود رضي ال عنه إذ قال‬
‫‪ :‬إن حلفت أن ل أنام على فراشي سنة ـ قال ـ فتل عبد ال ‪" :‬يا أيها الذين آمنوا ل ترموا‬
‫طيبات ما أحل ال لكم" الية ‪ ،‬وقال له ‪ :‬كفر عن يينك ‪ ،‬ون على فراشك ‪.‬‬
‫فأمره أن ل يم ما أحل ال له ‪ ،‬وأن يكفر من أجل اليمي ‪.‬‬
‫فهذا الطلق يقتضي أنه نوع من التحري ‪ ،‬وله وجه ظاهر ‪ ،‬فقد أشار إساعيل إل أن الرجل كان‬
‫إذا حلف أن ل يفعل شيئا من اللل ل يز له أن يفعله حت نزلت كفارة اليمي ‪ ،‬لجل ما كان‬
‫قبل من التحري ‪ ،‬ولا وردت الكفارة سي تريا ‪ ،‬ومن ث ـ وال أعلم ـ سيت كفارة ‪.‬‬
‫فصل السألة الثانية ‪ :‬أن الية الت نن بصددها‬
‫السألة الثانية ‪ :‬أن الية الت نن بصددها ينظر فيها على أي معن يطلق التحري ‪ .‬أما الول فل‬
‫مدخل له ها هنا ‪ ،‬لن التحري تشريع كالتحليل ‪ ،‬والتشريع ليس إل لصاحب الشرع ‪ ،‬اللهم إل أن‬
‫يدخل مبتدع رأيا كان من أهل الاهلية أو من أهل السلم ‪ ،‬فهذا أمر آخر يل السلف الصال عن‬
‫مثله فضلً عن أصحاب رسول ال صلى ال عليه وسلم على الصوص ‪.‬‬
‫وقد وقع للمهلب ف شرح البخاري ما قد يشعر بأن الراد ف الية التحري بالعن الول ‪ .‬فقال ‪:‬‬
‫التحري إنا هو ل ولرسوله ‪ ،‬فل يل لحد أن يرم شيئا ‪ ،‬وقد وبخ ال من فعل ذلك ‪ ،‬فقال ‪" :‬ل‬
‫ترموا طيبات ما أحل ال لكم ول تعتدوا" فجعل ذلك من العتداء ‪ ،‬وقال ‪" :‬ول تقولوا لا تصف‬
‫ألسنتكم الكذب هذا حلل وهذا حرام لتفتروا على ال الكذب" قال ‪ :‬فهذا كله حجة ف أن تري‬
‫الناس ليس بشيء ‪.‬‬
‫وما قاله الهلب يرده السبب ف نزول الية ‪ ،‬وليس كما تقرر ‪ ،‬ولذلك ل يعد الحرم الكم لغيه‬
‫كما هو شأن التحري بالعن الول ‪ ،‬فصار مقصورا على الحرم دون غيه ‪.‬‬
‫وأما التحري بالعن الثان فل حرج فيه ف الملة ‪ ،‬لن بواعث النفوس على الشيء أو صوارفها عنه‬
‫ل تنضبط بقانون معلوم ‪ ،‬فقد يتنع النسان من اللل لمر يده ف استعماله ‪ ،‬ككثي من يتنع من‬
‫شرب العسل لوجع يعتريه به ‪ ،‬حت يرمه على نفسه ‪ ،‬ل بعن التحري الول ‪ ،‬ول الثالث ‪ ،‬بل‬
‫بعن التوقي منه كما تتوقى سائر الؤلات ‪.‬‬
‫ويدخل ها هنا بالعن ‪:‬‬
‫امتناع النب صلى ال عليه وسلم من أكل الثوم ‪ ،‬لنه كان يناجي اللئكة ‪ ،‬وهي تتأذى من رائحته ‪،‬‬
‫وكذلك كل ما تكره رائحته ‪.‬‬
‫‪171‬‬

‫الشاطبي‬

‫كتاب العتصام‬

‫ولعل هذا الحل أول من قول من قال ‪ :‬إن الثوم ونوه كانت مرمة عليه بالعن الختص بالشارع ‪.‬‬
‫والعنيان متقاربان ‪ ،‬وكلها غي داخل ف معن المر ‪.‬‬
‫وأما التحري بالعن الرابع فيحتمل أن يدخل ف عبارة التحري ‪ ،‬فيكون قوله تعال ‪" :‬ل ترموا طيبات‬
‫ما أحل ال لكم" قد شل التحري بالنذر ‪ ،‬والتحري باليمي ‪ ،‬والدليل على ذلك ذكر الكفارة بعدها‬
‫بقوله تعال ‪" :‬فكفارته إطعام عشرة مساكي" إل ‪.‬‬
‫وما تقدم من أنه كان تريا مردا قبل نزول الكفارة ‪ ،‬وأن جاعة من الفسرين قالوا ف قوله تعال ‪:‬‬
‫"يا أيها النب ل ترم ما أحل ال لك" ‪ :‬إن التحري كان باليمي حي حلف النب صلى ال عليه وسلم‬
‫أن ل يشرب العسل ‪ ،‬وسيأت ذكر ذلك بول ال ‪.‬‬
‫فإن قيل ‪ :‬هل يكون "قول الرجل لرسول ال صلى ال عليه وسلم ‪ :‬إن إذا أصبت اللحم انتشرت‬
‫للنساء" ـ الديث ـ من قبيل التحري الثان ل من الثالث ـ لن الرجل قد يرم الشيء للضرر‬
‫الاصل به ‪ ،‬وقد تقدم آنفا أنه ليس بتحري حقيقة ‪ ،‬فكذلك ها هنا ل يريد بالتحري النذر ‪ ،‬بل يريد‬
‫به التوقي ‪ ،‬أي إن أخاف على نفسي العنت ‪ ،‬وكان هذا العن ـ وال أعلم ـ هو مقصود‬
‫الصحاب رضي ال عنه ‪.‬‬
‫فالواب ‪ :‬أن من يلحقه الضرر وقت ما يتناول شيئا يكنه أن يسك عنه من غي تري ‪ ،‬والتارك‬
‫لمر ل يلزمه أن يكون مرما له ‪ ،‬فكم من رجل ترك الطعام الفلن أو النكاح لنه ف ذلك الوقت‬
‫ل يشتهيه ‪ ،‬أو لغي ذلك من العذار ! حت إذا زال عذره تناول منه ‪.‬‬
‫وقد ‪ :‬ترك صلى ال عليه وسلم أكل الضب ‪ ،‬ول يكن تركه موجبا لتحريه ‪.‬‬
‫والدليل على أن الراد بالتحري الظاهر ‪ ،‬وأنه ل يصح ‪ ،‬وإن كان تقدم أن النب صلى ال عليه وسلم‬
‫رد عليه بالية ‪ ،‬فلو كان وجود مثل تلك العذار مبيحا للتحري بالعن الثالث لوقع التفصيل ف الية‬
‫بالنسبة إل من حرم لعذر أو غي عذر ‪.‬‬
‫وأيضا فإن النتشار للنساء ليس بذموم ‪ ،‬فإن النب صلى ال عليه وسلم قال ‪:‬‬
‫"من استطاع منكم الباءة فليتزوج" الديث ‪ ،‬فإذا أحب النسان قضاء الشهوة تزوج فحصل له ما ف‬
‫الديث زيادة إل النسل الطلوب ف اللة ‪ ،‬فكأن مرم ما يصل به النتشار ساع ف التشبه بالرهبانية‬
‫‪ ،‬وكان ذلك منتفيا عن السلم كسائر ما ذكر ف الية ‪.‬‬
‫فصل والسألة الثالثة ‪ :‬أن هذه الية يشكل معناها‬
‫والسألة الثالثة ‪ :‬أن هذه الية يشكل معناها مع قوله تعال ‪" :‬كل الطعام كان حلً لبن إسرائيل إل‬
‫ما حرم إسرائيل على نفسه من قبل أن تنل التوراة" الية ‪،‬فإن ال أخب عن نب من أنبيائه عليهم‬
‫الصلة والسلم أنه حرم على نفسه حل ًل ‪ ،‬ففيه دليل لواز مثله ‪.‬‬
‫‪172‬‬

‫الشاطبي‬

‫كتاب العتصام‬

‫والواب ‪ :‬أنه ل دليل ف الية ‪ ،‬لن ما تقدم يقرر أن ل تري ف السلم ‪ ،‬فيبقى ما كان شرعا‬
‫لغينا منفيا عن شرعنا كما تقرر ف الصول ‪.‬‬
‫خرج القاضي إساعيل وغيه عن ابن عباس رضي ال عنهما ‪:‬‬
‫أن إسرائيل النب يعقوب عليه السلم أخذه عرق النسا ‪ ،‬فكان يبيت عليه زقاء ‪ ،‬فجعل عليه إن شفاه‬
‫ال ليحرمن عليه العروق ‪ .‬وذلك قبل نزول التوراة ‪ .‬قالوا ‪ :‬فلذلك نسل اليهود ل يأكلونا ‪ .‬وف‬
‫رواية ‪ :‬جعل على نفسه أن ل يأكل لوم البل ـ قال ـ فحرمته اليهود ‪.‬‬
‫وعن الكلب أن يعقوب عليه السلم قال ‪:‬‬
‫إن ال شفان لحرمن أطيب الطعام والشراب ـ أو قال ‪ :‬ـ أحب الطعام أو الشراب إل ‪ .‬فحرم‬
‫لوم البل وألبانا ‪.‬‬
‫قال القاضي ‪ :‬الذي نسب ـ وال أعلم ـ أن إسرائيل حي حرم على نفسه من اللل ما حرم ل‬
‫يكن ف ذلك الوقت منهيا عن ذلك ‪ ،‬وأنم كانوا إذا حرموا على أنفسهم شيئا من اللل ل يز لم‬
‫أن يفعلوه حت نزلت كفارة اليمي ‪ .‬قال ال تعال ‪" :‬قد فرض ال لكم تلة أيانكم"‬
‫والالف إذا حلف على شيء ول يقل ‪ :‬إن شاء ال كان باليار ‪ ،‬إن شاء فعل وكفر ‪ ،‬وإن شاء ل‬
‫يفعل ‪ .‬قال ‪ :‬وهذه الشياء وما أشبهها من الشرائع يكون فيها الناسخ والنسوخ ‪ ،‬فكان الناسخ ف‬
‫هذا قوله تعال ‪" :‬يا أيها الذين آمنوا ل ترموا طيبات ما أحل ال لكم" قال ‪ :‬فلما وقع النهي ل يز‬
‫للنسان أن يقول ‪ :‬الطعام علي حرام ‪ ،‬وما أشبه ذلك من اللل ‪ .‬فإن قال إنسان شيئا من ذلك‬
‫كان قوله باطلً ‪ ،‬وإن حلف على ذلك بال كان له أن يأت الذي هو خي ‪ ،‬ويكفر عن يينه ‪.‬‬
‫فصل والسألة الرابعة أن نقول ‪ :‬ما يسأل عنه‬
‫والسألة الرابعة ‪ :‬أن نقول ‪ :‬ما يسأل عنه قوله تعال ‪ " :‬يا أيها النب ل ترم ما أحل ال لك " الية ‪.‬‬
‫فإن فيها إخبارا بأنه عليه الصلة والسلم حرم على نفسه ما أحله ال ‪ ،‬وقد يدل عليه ‪" :‬ل ترموا‬
‫طيبات ما أحل ال لكم ول تعتدوا" ‪ .‬ومثل هذا يل مقام النب صلى ال عليه وسلم عم مقتضى‬
‫الظاهر فيه ‪ ،‬وأن يكون منهيا عنه ابتداء ث يأتيه ‪ ،‬حت يقال له فيه ‪ :‬ل تفعل ؟ فل بد من النظر ف‬
‫هذه الصارف ‪.‬‬
‫والواب ‪ :‬أن آية التحري إن كانت هي السابقة على آية العقود ‪ ،‬فظاهر أنا متصة بالنب صلى ال‬
‫عليه وسلم ‪ ،‬إذ أريد المة ـ على قول من قال من الصوليي ـ لقال ‪( :‬ل ترمون ما أحل ال‬
‫لكم ) ؟ كما قال ‪" :‬يا أيها النب إذا طلقتم النساء" ‪ .‬وهو بي لن سورة التحري قبل آية الحزاب ‪،‬‬
‫لذلك لا آل إل النب صلى ال عليه وسلم من نسائه شهرا بسبب هذه القصة نزل عليه ف سورة‬
‫الحزاب ‪" :‬يا أيها النب قل لزواجك إن كنت" ‪ .‬إل ‪ .‬وأيضا فيحتمل التحري يعن اللف على أن‬
‫‪173‬‬

‫الشاطبي‬

‫كتاب العتصام‬

‫ل يفعل ‪،‬واللف إذا وقع فصاحبه مي بي أن يترك الحلوف عليه وبي أن يفعله ويكفر ‪ .‬وقد جاء‬
‫ف آية التحري ‪" :‬قد فرض ال لكم تلة أيانكم" فدل على أنه كان يينا حلف صلى ال عليه وسلم‬
‫با ‪ .‬وذلك أن الناس اختلفوا ف هذا التحري فقال جاعة ‪ :‬إن كان تريا لم ولده مارية القبطية ‪.‬‬
‫بناءً على أن الية نزلت ف شأنا ‪ ،‬ومن قال به السن و وقتادة و الشعب و نافع مول ابن عمر ‪ ،‬أو‬
‫كان ترميا لعسل زينب ‪ ،‬وهو قول عطاء وعبد ال بن عتبة ‪ ،‬وقال جاعة ‪ :‬إنا كان تريا بيمي ‪.‬‬
‫قال إساعيل بن إسحاق ‪ :‬يكن أن يكون النب صلى ال عليه وسلم حرمها ـ يعن جاريته ـ بيمي‬
‫ال ‪ ،‬لن الرجل إذا قال لمته ‪ :‬وال ل أقربك ‪ .‬فقد حرمها على نفسه باليمي ‪ ،‬فإذا غشيها وجبت‬
‫عليه كفارة اليمي ‪ .‬ث أتى بسألة ابن مقرن ‪.‬‬
‫ويكن أن يكون السبب شرب العسل ‪ ،‬وهو الذي وقع ف البخاري من طريق هشام عن ابن جريج‬
‫قال فيه ‪:‬‬
‫شربت عسلً عند زينب بنت جحش ‪ ،‬فلن أعود له ‪ ،‬وقد حلفت فل تبي بذلك أحدا ‪ ،‬وإذا‬
‫كان كذلك فلم يبق ف السألة إشكال ‪ .‬ول فرق بي الارية والعسل ف الكم ‪ ،‬لن تري الارية‬
‫كيف ما كان بنلة تري ما يؤكل ويشرب ‪.‬‬
‫وأما إن فرضنا أن آية العقود هي السابقة على آية التحري فيحتمل وجهي كالول ‪.‬‬
‫أحدها ‪ :‬أن يكون التحري ف سورة التحري بعن اللف ‪.‬‬
‫والثان ‪ :‬أن تكون آية العقود غي متناولة للنب صلى ال عليه وسلم ‪ ،‬وأن قوله تعال ‪" :‬يا أيها الذين‬
‫آمنوا ل ترموا" ل تدخل فيه بناء على قول من قال بذلك من الصوليي ‪ ،‬وعند ذلك ل يبقى ف‬
‫القضية فيه ‪ ،‬ول يكون للمجتمع بالية متعلق ‪ ،‬وال أعلم ‪.‬‬
‫فصل إذا ثبت هذا ‪ ،‬فكل من عمل على هذا ‪......‬‬
‫إذا ثبت هذا ‪ ،‬فكل من عمل على هذا القصد فعمله غي صحيح ‪ ،‬لنه عامل أما بغي شريعة لنه ل‬
‫يتبع أدلتها ‪ ،‬وإما عامل بشرع منسوخ ‪ ،‬والعمل بالنسوخ مع العلم بالناسخ باطل بل خلف ‪ ،‬لن‬
‫الترهب والمتناع من النساء وغي ذلك إن كان مشروعا ففيما قبل هذه الشريعة من الشرائع ‪ ،‬وقد‬
‫تقدم قول النب صلى ال عليه وسلم ‪:‬‬
‫"لكن أصوم وأفطر ‪ ،‬وأصلي وأنام ‪ ،‬وأتزوج النساء ‪ ،‬فمن رغب عن سنت فليس من" وهو معن‬
‫البدعة ‪.‬‬
‫فإن قيل ‪ :‬فقد تقدم من نقل ابن العرب ف الرهبانية أنا السياحة واتاذ الصوامع للعزلة ـ قال ـ‬
‫وذلك مندوب إليه ف ديننا عند فساد الزمان ‪ .‬وقد بسط الغزال هذا الفصل ف الحياء عند ذكر‬
‫العزلة ‪ .‬وذكر ف كتاب آداب النكاح من ذلك ما فيه كفاية ‪ .‬وحاصله أن ذلك مشروع ‪ ،‬بل هو‬
‫‪174‬‬

‫الشاطبي‬

‫كتاب العتصام‬

‫الول عند عروض العوارض ‪ ،‬وعندما يصي النكاح ومالطة الناس وبالً على النسان ‪ ،‬ومؤدبا إل‬
‫اكتساب الرام والدخول فيما ل يوز ‪ ،‬كما جاء ف الصحيح من قوله صلى ال عليه وسلم ‪:‬‬
‫"يوشك أن يكون خي مال السلم غنم يتبع با شعف البال ومواقع القطر يفر بدينه من الفت" وسائر‬
‫ما جاء ف هذا العن ‪ .‬وأيضا فإن ال تعال قال لنبيه صلى ال عليه وسلم ‪" :‬واذكر اسم ربك وتبتل‬
‫إليه تبتيل" والتبتل ـ على ما قاله زيد بن أسلم ـ رفض الدنيا من قولم ‪ :‬بتلت البل بتلً إذا قطعته‬
‫‪ ،‬ومعناه القطع من كل شيء إل منه ‪.‬‬
‫وقال السن وغيه ‪ :‬بتل إليه نفسك واجتهد ‪ .‬وقال ابن زيد ‪ :‬تفرغ لعبادته هذا إل ما جاء عن‬
‫السلف الصال من النقطاع إل عبادة ال ورفض أسباب الدنيا ‪ .‬والتخلي عن الواضر إل البوادي ‪،‬‬
‫واتاذ اللوات ف البال والباري حت إن بعض البال الشامية قد خصها ال بالولياء والنقطعي إل‬
‫لبنان ونوه ‪ ،‬فما وجه ذلك ‪.‬‬
‫فالواب ‪ :‬أن الرهبانية إن كانت بالعن القرر ف شرائع الول فل نسلم أنا ف شرعنا ‪ ،‬لا تقدم من‬
‫الدلة على نسخها ‪ ،‬كانت لعارض أو لغي عارض ‪ ،‬إذ ل رهبانية ف السلم ‪ ،‬وقد رد صلى ال‬
‫عليه وسلم التبتل حسبما تقدم ‪.‬‬
‫وإن كانت بعن النقطاع إل ال حسبما شرع وعلى حد ما انقطع إليه رسول ال صلى ال عليه‬
‫وسلم وهو التخاطب بقوله ‪" :‬وتبتل إليه تبتيلً" فهذا هو الذي نن ف تقريره وأنه السنة التبعة‬
‫والدي الصال والصراط الستقيم ‪ ،‬وليس ف كلم زيد بن أسلم وغيه ف معن التبتل ما يناقض هذا‬
‫العن ‪ ،‬لن رفض الدنيا ليس بعن طرح اتاذها جلة وترك الستمتاع با ‪ ،‬بل بعن ترك الشغل با‬
‫عما كلف النسان به من الوظائف الشرعية ‪.‬‬
‫واجعل سي السلف الصال مرآة لك تنظر فيها معن التبتل على وجه القتداء برسول ال صلى ال‬
‫عليه وسلم ‪ ،‬فلقد كانوا رضي ال تعال عنهم مكتسبي للمال به فيما أبيح لم منفقي له حيث ندبوا‬
‫ل يتعلق بقلوبم منه شيء ‪ ،‬إذا عن لم أمر أو ني ‪ ،‬بل قدموا أمر ال ونيه على حظوظ أنفسهم‬
‫الباطلة على وجه ل يل بظوظهم فيه ‪ ،‬وهو التوسط الذي تقدم ذكره ‪.‬‬
‫ث ندبم الشارع إل اتاذ الهل والولد فبادروا إل المتثال ‪ ،‬ول يقولوا ‪ :‬هو شاغل لنا عما أمرنا به‬
‫‪ .‬لن هذا القول مشعر بالغفلة عن معن التكليف به ‪ ،‬فإن الصل الشرعي أن كل مطلوب هو من‬
‫جلة ما يتعبد به إل ال تعال ويتقرب به إليه ‪ ،‬فالعبادات الحضة ظاهر فيها ذلك ‪ ،‬والعادات كلها‬
‫إذا قصدت با امتثال أمر ال عبادات ‪ ،‬إل أنه إذا ل يقصد با ذلك القصد ‪ ،‬وييء با نو الظ‬
‫مردا ‪ ،‬فإذا ذاك ل تقع متعبدا با ‪ ،‬ول مثابا عليها ‪ ،‬وإن صح وقوعها شرعا ‪.‬‬
‫فالصحابة رضي ال تعال عنهم قد فهموا هذا العن ول يكن مع فهمهم أن تتعارض الوامر ف‬
‫حقهم ول ف حق من فهم منها ما فهموا منها ‪ ،‬فالتبتل على هذا الوجه صحيح أصيل ف الريان‬
‫‪175‬‬

‫الشاطبي‬

‫كتاب العتصام‬

‫على السنة ‪ ،‬وكذلك كلم السن وغيه ف تفسي الية‪ .‬صحيح إذا أخذ هذا الأخذ ‪ ،‬أي اتبع‬
‫الدى واتبع أمر ربك فإنه العليم با يصلح لك والقائم على تدبيك ‪ ،‬ولذلك قال على أثرها ‪" :‬رب‬
‫الشرق والغرب ل إله إل هو فاتذه وكيلً" أي بك ‪ ،‬وإنه وكيل لك بالنسبة إل ما ليس من كسبك‬
‫‪ ،‬فكذلك هو وكيل على ما هو داخل تت كسبك ‪ ،‬ما هو تكليف ف حقك ‪ ،‬ومن جلة ما توكل‬
‫لك فيه أن ل تدخل نفسك ف عمل ترج بسببه حالً ومالً ‪.‬‬
‫وقد فسر التبتل بأنه الخلص ‪ ،‬وهو قول ماهد والضحاك ‪ ،‬وقال قتادة ‪ :‬أخلص له العبادة والدعوة‬
‫‪ ،‬فعلى هذا التفسي ل تعلق فيها لورد السؤال ‪.‬‬
‫وإذا تقرر هذا فالسياحة واتاذ الصوامع وسكن البال والكهوف إن كان على شرط أن ل يرموا ما‬
‫أحل ال من المور الت حرمها الرهبان ‪ ،‬بل على حد ما كانوا عليه ف الواضر ومامع الناس ‪ :‬ل‬
‫يشددون على أنفسهم بقدار ما يشق عليهم ‪ ،‬فل إشكال ف صحة هذه الرهبانية ‪ ،‬غي أنا ل تسمى‬
‫رهبانية إل بنوع من الجاز ‪ ،‬أو النقل العرف الذي ل يز عليه معتاد اللغة ‪ ،‬فل تدخل ف مقتضى قو‬
‫له تعال ‪" :‬ورهباني ًة ابتدعوها" ل ف السم ول ف العن ‪.‬‬
‫وإن كان على التزام ما التزمه الرهبان ‪ ،‬فل نسلم أنه ف هذه الشريعة مندوب إليه ول مباح ‪ ،‬بل هو‬
‫ما ل يوز ‪ ،‬لنه كالشرع بغي شريعة ممد صلى ال عليه وسلم ‪ ،‬فل ينتظمه معن قوله صلى ال‬
‫عليه وسلم ‪:‬‬
‫"من رغب عن سنت فليس من" ‪.‬‬
‫وأما ما ذكره الغزال وغيه من تفصيله على الخالطة ‪ ،‬وترجيح الغربة على اتاذ أهل عند اعتوار‬
‫العوارض ‪ ،‬فذلك يستمد من أصل آخر ل من هنا ‪.‬‬
‫وبيانه أن الطلوبات الشرعية ل تلو أن يكون الكلف قادرا على المتثال فيها مع سلمته عند العمل‬
‫لا من وقوعه ف منهي عنه أو ل ‪ ،‬فإن كان قادرا ف ماري العادات بيث ل يعارضه مكروه أو‬
‫مرم ‪ ،‬فل إشكال ف كون الطلب متوجها عليه بقدر استطاعته على حد ما كان السلف الصال عليه‬
‫قبل وقوع الفت ‪ ،‬وإن ل يقدر على ذلك إل بوقوعه ف مكروه أو مرم ‪ ،‬ففي بقاء الطلب هنا‬
‫تفصيل ـ بسب ما يظهر من كلم أب حامد رحه ال تعال ـ إذ يكون الطلوب مندوبا ‪ ،‬لكنه ل‬
‫يعمل به إل بوقوعه ف منوع ‪ ،‬فالندوب ساقط عنه بل إشكال ‪ ،‬كالندوب للصدقة على الحتاج ل‬
‫مال بيده إل مال الغي ‪ ،‬فل يوز له العمل بالندب ‪ ،‬لنه يقع بسببه ف التصرف ف مال الغي بغي‬
‫إذنه ‪ ،‬وذلك ل يوز فهو كالفاقد لا يتصدق به ‪ ،‬وكالقادم على مريضه الشرف ‪ ،‬أو دفن ميت‬
‫ياف تغييه بتركه ‪ ،‬ث يقوم يصلي نافلة ‪ ،‬والتزوج ل يد إل مالً حراما ‪ ،‬وأشباه ذلك ‪.‬‬
‫وقد يكون الطلوب واجبا إل أن وقوعه فيه يدخله ف مكروه ‪ ،‬وهذا غي معتد به ‪ ،‬لن القيام‬
‫بالواجب آكد ‪ ،‬أو يوقعه ف منوع ‪ ،‬فهذا هو الذي يتعارض على القيقة ‪ ،‬إل أن الواجبات ليست‬
‫‪176‬‬

‫الشاطبي‬

‫كتاب العتصام‬

‫على وزان واحد كما أن الحرمات كذلك ‪ ،‬فل بد من الوازنة ‪ ،‬فإن ترجح جانب الواجب صار‬
‫الحرم ف حكم العفو ‪ ،‬أو حكم التلف إن كان ما تتلف مفسدته ‪ ،‬وإن ترجح جانب الحرم سقط‬
‫حكم الواجب ‪ ،‬أو طلب بالتلف ‪ ،‬وإن تعادل ف نظر الجتهد فهو مال نظر الجتهدين ‪ ،‬والول ـ‬
‫عند جاعة ـ رعاية جانب الحرم لن درء الفاسد آكد من جلب الصال ‪ ،‬فإذا كانت العزلة مؤدية‬
‫إل السلمة فهي الول ف أزمنة الفت ‪ ،‬والفت ل تتص بفت الروب فقط فهي جارية ف الاه‬
‫والال وغيها من مكتسبات الدنيا ‪ ،‬وضابطها ما صد عن طاعة ال ‪ ،‬ومثل هذا يري بي الندوب‬
‫والكروه ‪ ،‬وبي الكروهي ‪.‬‬
‫وإن كانت العزلة مؤدية إل ترك المعيات والماعات ‪ ،‬والتعاون على الطاعات وأشباه ذلك فإنا‬
‫أيضا سلمة من جهة أخرى ‪ ،‬ويقع التوازن بي الأمورات والنهبات ‪ ،‬وكذلك النكاح ‪ ،‬إذا أدى إل‬
‫العمل بالعاصي ول يكن ف تركه معصية كان تركه أول ‪.‬‬
‫ومن أمثلة ذلك ـ غي أنه مشكل ـ ما ذكره الوليد بن مسلم بسنده إل حبيب بن مسلمة أنه قال‬
‫لـمعن بن ثور ‪ :‬هل تدري ل اتذت النصارى الديارات ؟ قال معن ‪ :‬ول ؟ قال ‪ :‬إنه لا أحدث‬
‫اللوك البدع ‪ ،‬وضيعوا أمر النبيي ‪ ،‬وأكلوا النازير ‪ ،‬اعتزلوهم ف الديارات وتركوهم وما ابتدعوا ‪،‬‬
‫فتخلوا للعبادة ‪ ،‬قال حبيب لـ معن ‪ :‬فهل لك ؟ ‪ .....‬قال ‪:‬‬
‫ليس بيوم ذلك ‪.‬‬
‫فاقتضى أن مثل ما فعلته النصارى مشروع ف ديننا كذلك ‪ ،‬ومراده أن اعتزال الناس عند اشتهارهم‬
‫بالبدع وغلبه الهواء على حد ما شرع ف ديننا ‪ ،‬ل أن نفس ما فعلت النصارى ف رهبانيتها متيسر‬
‫لنا ‪ ،‬لا ثبت من نسخه ‪ ،‬فعلى هذه الحرف جرى كلم المام أب حامد وغيه من نقل هو عنهم‬
‫واحتج بم ‪ ،‬ويدل على ذلك أن جاعة من نقل عنهم الترغيب ف العزلة كانوا متزوجي ول يكن‬
‫ذلك مانعا من البقاء على ما هم عليه ‪ ،‬بناءً منهم على التحري ف الوازنة بي ما يلحقهم بسبب‬
‫التزوج ‪ ،‬فل إشكال إذا على هذا التقرير ف كلم الغزال ول غيه من سلك مسلكه ‪ ،‬لنم بنوا‬
‫على أصل قطعي ف الشرع ‪،‬مكم ل ينسخه شيء وليس من مسألتنا بسبيل ‪ ،‬ولكن ث تقيق زائد‬
‫ل يسع إيراده ها هنا ‪ ،‬وأصله مأخوذ من كتاب الوافقات من ترن فيه حقق هذا العن على التمام ‪،‬‬
‫وبال تعال التوفيق ‪.‬‬
‫والاصل ‪ ،‬أن مضمون هذا الفصل يقتضي أن العمل على الرهبانية النفية ف الية بدعة من البدع‬
‫القيقية ل الضافية ‪ ،‬لرد رسول ال صلى ال عليه وسلم لا أصلً وفرعا ‪.‬‬
‫فصل ثبت بضمون هذه الفصول التقدمة آنفا أن الرج منفي عن الدين جلة وتفصيلً‬

‫‪177‬‬

‫الشاطبي‬

‫كتاب العتصام‬

‫ثبت بضمون هذه الفصول التقدمة آنفا أن الرج منفي عن الدين جلة وتفصيلً ـ وإن كان قد‬
‫ثبت أيضا ف الصول الفقهية على وجه من البهان أبلغ ـ فلنب عليه فنقول ‪:‬‬
‫قد فهم قوم من السلف الصال وأهل النقطاع إل ال من ثبت وليتهم أنم كانوا يشددون على‬
‫أنفسهم ‪ ،‬ويلزمون غيهم الشدة أيضا والتزام الرج ديدنا ف سلوك طريق الخرة ‪ ،‬وعدوا من ل‬
‫يدخل تت هذا اللتزام مقصرا مطرودا ومروما ‪ ،‬وربا فهموا ذلك من بعض الطلقات الشرعية ‪،‬‬
‫فرشحوا بذلك ما التزموه ‪ ،‬فأفضى المر بم إل الروج عن السنة إل البدعة القيقية أو الضافية ‪.‬‬
‫فمن ذلك أن يكون للمكلف طريقان ف سلوكه للخرة ‪ ،‬أحدها سهل والخر صعب ‪ ،‬وكلها ف‬
‫التوصل إل الطلوب على حد واحد ‪ ،‬فيأخذ بعض التشددين بالطريق الصعب الذي يشق على‬
‫الكلف مثله ‪ ،‬ويترك الطريق السهل بناء على التشديد على النفس ‪ ،‬كالذي يد للطهارة ماءين ‪:‬‬
‫سخنا وباردا فيتحرى البارد الشاق استعماله ‪ ،‬ويترك الخر ‪ ،‬فهذا ل يعط النفس حقها الذي طلبه‬
‫الشارع منه ‪ ،‬وخالف دليل رفع الرج من غي معن زائد ‪ ،‬فالشارع ل يرض بشرعية مثله ‪ ،‬وقد قال‬
‫ال تعال ‪" :‬ول تقتلوا أنفسكم إن ال كان بكم رحيما " فصار متبعا لواه ‪ ،‬ول حجة له ف قوله‬
‫عليه الصلة والسلم ‪:‬‬
‫"أل أدلكم على ما يحو ال به الطايا ويرفع به الدرجات ؟ إسباغ الوضوء عند الكريهات "‬
‫الديث ‪.‬‬
‫من حيث كان السباغ مع كراهية النفس سببا لحو الطايا ورفع الدرجات ‪ ،‬ففيه دليل على أن‬
‫للنسان أن يسعى ف تصيل هذا الجر بإكراه النفس ‪ ،‬ول يكون إل بتحري إدخال الكراهية‬
‫عليها ‪ ،‬لنا نقول ‪ :‬ل دليل ف الديث على ما قلتم ‪ ،‬وإنا فيه أن السباغ مع وجود الكراهية ‪ ،‬ففيه‬
‫أمر زائد ‪ ،‬كالرجل يد ماء باردا ف زمان الشتاء ول يده سخنا فل ينعه شدة برده عن كمال‬
‫السباغ ‪.‬‬
‫وأما القصد إل الكراهية فليس ف الديث ما يقتضيه ‪ ،‬بل ف الدلة التقدمة ما يدل على أنه مرفوع‬
‫عن العباد ‪ ،‬ولو سلم أن الديث يقتضيه لكانت أدلة رفع الرج تعارضه وهي قطعية وخب الواحد‬
‫ظن ‪ ،‬فل تعارض بينهما للتفاق على تقدي القطعي ‪ ،‬ومثل الديث قول ال تعال ‪" :‬ذلك بأنم ل‬
‫يصيبهم ظمأ ول نصب ول ممصة " الية ‪.‬‬
‫ومن ذلك القتصار من الأكول على أخشنه وأفظعه لجرد التشديد ل لغرض سواه ‪ ،‬فهو من النمط‬
‫الذكور فوقه ‪ ،‬لن الشرع ل يقصد إل تعذيب النفس ف التكليف ‪ ،‬وهو أيضا مالف لقوله عليه‬
‫الصلة والسلم ‪:‬‬
‫"إن لنفسك عليك حقا" ‪.‬‬
‫وقد كان النب صلى ال عليه وسلم ‪ :‬يأكل الطيب إذا وجده ‪.‬‬
‫‪178‬‬

‫الشاطبي‬

‫كتاب العتصام‬

‫وكان يب اللواء والعسل ‪.‬‬
‫ويعجبه لم الذراع ‪ ،‬ويستعذب له الاء ‪ ،‬فأين التشديد من هذا؟ ‪.‬‬
‫ول يدخل الستعمال الباح ف قوله تعال ‪" :‬أذهبتم طيباتكم ف حياتكم الدنيا" لن الراد به‬
‫السراف الارج عن حد الباح ‪ ،‬بدليل ما تقدم ‪ ،‬فإذا القتصار على البشيع ف الأكل من غي عذر‬
‫تنطع ‪ ،‬وقد مر ما فيه قوله تعال ‪" :‬يا أيها الذين آمنوا ل ترموا طيبات ما أحل ال لكم" الية ‪.‬‬
‫ومن ذلك القتصار ف اللبس على الشن من غي ضرورة ‪ ،‬فإنه من قبيل التشديد والتنطع الذموم ‪،‬‬
‫وفيه أيضا من قصد الشهرة ما فيه ‪.‬‬
‫وقد روي عن الربيع بن زياد الارثي أنه قال لعلي بن أب طالب رضي ال عنه ‪ :‬أغد ب على أخي‬
‫عاصم ‪ .‬قال ‪ :‬ما باله ؟ قال ‪ :‬لبس العباء يريد النسك ‪ .‬فقال علي رضي ال عنه ‪ :‬علي به ‪ .‬فأت به‬
‫مؤتزرا بعباءة ‪ ،‬مرتديا بالخرى ‪ ،‬شعث الرأس واللحية ‪ ،‬فعبس ف وجهه وقال ‪ :‬ويك ! أما‬
‫استحييت من أهلك ؟ أما رحت ولدك ؟ أترى ال أباح لك الطيبات وهو يكره أن تنال منها شيئا ؟‬
‫بل أنت أهون على ال من ذلك ‪ ،‬أما سعت ال يقول ف كتابه ‪" :‬والرض وضعها للنام" إل قوله ‪:‬‬
‫"يرج منهما اللؤلؤ والرجان" ؟ أفترى ال أباح هذه لعبادة إل ليبتذلوه ويمدوا ال عليه فيثبتهم عليه‬
‫؟ وإن ابتذالك نعم ال بالفعل خي منه بالقول ‪ .‬قال عاصم ‪ :‬فما بالك ف خشونة مأكلك وخشونة‬
‫ملبسك ‪ ،‬قال ‪ :‬ويك ! إن ال فرض على أئمة الق أن يقدروا أنفسهم بضعفة الناس ‪.‬‬
‫فتأملوا كيف ل يطالب ال ا لعباد بترك اللذوذات ! وإنا طالبهم بالشكر عليها إذا تناولوها ‪،‬‬
‫فالتحري للمتناع من تناول ما أباحه ال من غي موجب شرعي مفتات على الشارع وكل ما جاء‬
‫عن التقدمي من المتناع عن بعض التناولت من هذه الهة ‪ .‬وإنا امتنعوا منه لعارض شرعي يشهد‬
‫الدليل باعتباره ‪ ،‬كالمتناع من التوسع لضيق الال ف يده ‪ ،‬أو لن التناول ذريعة إل ما يكره أو‬
‫ينع ‪ ،‬أو لن ف التناول وجه شبهة تفطن إليه التارك ول يتفطن إليه غيه من علم بامتناعه ‪ .‬وقضايا‬
‫الحوال ل تعارض الدلة بجردها ‪ ،‬لحتمالا ف أنفسها ‪ .‬وهذه السألة مذكورة على وجهها ف‬
‫كتاب الوافقات ‪.‬‬
‫ومن ذلك القتصار ف الفعال والحوال على ما يالف مبة النفوس وحلها على ذلك ف كل شيء‬
‫من غي استثناء ‪ ،‬فهو من قبيل التشديد ‪ .‬أل ترى أن الشارع أباح أشياء ما فيه قضاء نمة النفس‬
‫وتتعها واستلذاذها ؟ فلو كانت مالفتها برا لشرع ‪ ،‬ولندب الناس إل تركه ‪ ،‬فلم يكن مباحا ‪ ،‬بل‬
‫مندوب الترك أو مكروه الفعل ‪.‬‬
‫وأيضا ‪ ،‬فإن ال تعال وضع ف المور التناولة إيابا أو ندبا أشياء من الستلذات الاملة على تناول‬
‫تلك المور لتكون تلك اللذات كالادي إل القيام بتلك المور ‪ ،‬كما جعل ف الوامر إذا امتثلت‬
‫وف النواهي إذا اجتنبت أجورا منتظرة ولو شاء ل يفعل ‪ ،‬وجعل ف الوامر إذا تركت والنواهي إذا‬
‫‪179‬‬

‫الشاطبي‬

‫كتاب العتصام‬

‫ارتكبت جزاء على خلف الول ‪ ،‬ليكون جيع ذلك منهضا لعزائم الكلفي ف المتثال ‪ ،‬حت إنه‬
‫وضع لهل المتثال الثائرين على البايعة ف أنفس التكاليف أنواعا من اللذات العاجلة ‪ ،‬والنوار‬
‫الشارحة للصدور ‪ ،‬ما ل يعدله من لذات الدنيا شيء ‪ ،‬حت يكون سببا لستلذاذ الطاعة والفرار‬
‫إليها وتفضيلها على غيها ‪ ،‬فيخف على العامل العمل حت يتحمل منه ما ل يكن قادرا قبل على‬
‫تمله إل بالشقة النهي عنها ‪ ،‬فإذا سقطت سقط النهي ‪.‬‬
‫بل تأملوا كيف وضع للطعمة على اختلفها لذات متلفات اللوان ‪ ،‬وللشربة كذلك ‪ ،‬وللوقوع‬
‫الوضوع سببا لكتساب العيال ـ وهو أشد تعبا عن النفس ـ لذة أعلى من لذة الطعم والشرب ‪،‬‬
‫إل غي ذلك من المور الارجية عن نفس التناول ‪ ،‬كوضع القبول ف الرض وترفيع النازل ‪،‬‬
‫والتقدم على سائر الناس ف المور العظائم وهي أيضا تقتضي لذات تستصغر جنبها لذات الدنيا ‪.‬‬
‫وإذا كان كذلك ‪ ،‬فأين هذا الوضوع الكري من الرب اللطيف البي ؟ فمن يأت متعبدا بزعمه‬
‫بلف ما وضع الشارع له من الرفق والتيسي والسباب الوصلة إل مبته ‪ ،‬فيأخذ بالشق والصعب‬
‫‪ ،‬ويعله هو السلم الوصل والطريق الخص هل ذها كله إلغاية ف الهاله ‪ ،‬وتلف ف تيه الضللة ؟‬
‫عافانا ال من ذلك بفضله فإذا سعتم بكاية تقتضي تشديدا على هذا السبيل ‪ ،‬أو يظهر منها تنطع أو‬
‫تكلف فإما أن يكون صاحبها من يعتب كالسلف الصال ‪ ،‬أو من غيهم من ل يعرف ول ثبت‬
‫إعتباره عند أهل الل والعقد من العلماء ‪ ،‬فإن كان الول فل بد أن يكون على خلف ما ظهر‬
‫لبادي الرأي ـ كما تقدم ـ إن كان الثان فل حجة فيه ‪ ،‬وإنا الجة ف القتدين برسول ال صلى‬
‫ال عليه وسلم ‪ .‬فهذه خسة ف التشديد ف سلوك طريق الخرة يقاس عليها ما سواها ‪.‬‬
‫فصل قد يكون أصل العمل مشروعا ولكنه يصي جاريا مرى البدعة من باب الذرائع‬
‫قد يكون أصل العمل مشروعا ولكنه يصي جاريا مرى البدعة من باب الذرائع ‪ ،‬ولكن على غي‬
‫ل ـ فيعمل به العامل ف‬
‫الوجه الذي فرغنا من ذكره ‪ .‬وبيانه أن العمل يكون مندوبا إليه ـ مث ً‬
‫خاصة نفسه على وضعه الول من الندبية فلو اقتصر العامل على هذا القدار ل يكن بأس ‪ ،‬ويري‬
‫مراه إذا دام عليه ف خاصيته غي مظهر له دائما ‪ ،‬بل إذا أظهره ل يظهره على حكم اللتزمات من‬
‫السنن الرواتب والفرائض اللوازم ‪ ،‬فهذا صحيح ل إشكال فيه ‪ .‬وأصله ندب رسول ال صلى ال‬
‫عليه وسلم لخفاء النوافل والعمل با ف البيوت ‪ ،‬وقوله ‪:‬‬
‫"أفضل الصلة صلتكم ف بيوتكم إل الكتوبة" فاقتصر ف الظهار على الكتوبات ـ كما ترى ـ‬
‫وإن كان ذلك ف مسجده عليع السلم أو ف السجد الرام أو ف مسجد بيت القدس ‪ ،‬حيث قالوا‬
‫‪ :‬إن النافلة ف البيت أفضل منها ف أحد هذه الساجد الثلثة با اقتضاه ظاهر الديث ‪ .‬وجرى‬
‫الفرائض ف الظهار السنن كالعيدين والسوف والستسقاء وشبه ذلك ‪ ،‬فبقي ما سوى ذلك حكمة‬
‫‪180‬‬

‫الشاطبي‬

‫كتاب العتصام‬

‫الخفاء ‪ ،‬ومن هنا ثابر السلف الصال رضي ال عنهم على إخفاء العمال فيما استطاعوا أو خف‬
‫عليهم القتداء بالديث وبفعله عليه الصلة والسلم ‪ ،‬لنه القدوة والسوة ‪.‬‬
‫ومع ذلك فلم يثبت فيها إذا عمل با ف البيوت دائما أن يقام جاعة ف الساجد البتة ‪ ،‬ما عدا‬
‫رمضان ـ حسبما تقدم ـ ول ف البيوت دائما ‪ ،‬وإن وقع ذلك ف الزمان الول ف الفرط كقيام‬
‫ابن عباس رضي ال عنهما مع رسول ال صلى ال عليه وسلم عندما بات عند خالته ميمونة ‪ ،‬وما‬
‫ثبت من قوله عليه الصلة والسلم ‪:‬‬
‫"قوموا فلصل لكم" ‪.‬‬
‫وما ف الوطأ من صلة يرفأ ـ هو خادم عمر ـ مع عمر بن الطاب رضي ال عنه وقت الضحى ‪،‬‬
‫فمن فعله ف بيته وقتا ما فل حرج ‪ ،‬ونص العلماء على جواز ذلك بذا القيد الذكور ‪ ،‬وإن كان‬
‫الواز قد وقع ف الدونة مطلقا ‪ ،‬فما ذكره تقييد له ‪ ،‬وأظن ابن حبيب نقله عن مالك مقيدا ‪ ،‬فإذا‬
‫اجتمع ف النافلة أن يلتزم السنن الرواتب إما دائما وإما ف أوقات مدودة ‪ ،‬وأقيمت ف الماعة ف‬
‫الساجد الت تقام فيها الفرائض ‪ ،‬أو الواضع الت تقام فيها السنن الرواتب فذلك ابتداع ‪ .‬والدليل‬
‫عليه أنه ل يأت عن رسول ال صلى ال عليه وسلم ول عن أصحابه ول عن التابعي لم بإحسان‬
‫فعل هذا الجموع هكذا مموعا ‪ ،‬وإن أتى مطلقا من غي تلك التقييدات ‪ .‬فالتقييد ف الطلقات الت‬
‫ل يثبت بدليل الشرع تقييدها رأي ف التشريع ‪ ،‬فكيف إذا عارضه الدليل ‪ ،‬وهو المر بإخفاء النوافل‬
‫مثلً؟ ‪.‬‬
‫ووجه دخول البتداع هنا أن كل ما واظب عليه رسول ال صلى ال عليه وسلم من النوافل وأظهره‬
‫ف لماعات فهو سنة ‪ ،‬فالعمل بالنافلة الت ليست بسنة على طريق العمل بالسنة ‪ ،‬إخراج للنافلة عن‬
‫مكانا الخصوص با شرعا ‪ .‬ث يلزم من ذلك اعتقاد العوام فيها ومن ل علم عنده أنا سنة ‪ .‬وهذا‬
‫فساد عظيم ‪ ،‬لن اعتقاد ما ليس بسنة والعمل با على حد العمل بالسنة نو من تبدليل الشريعة ‪،‬‬
‫كما لو اعتقد ف الفرض أنه ليس بفرض ‪ ،‬أو فيما ليس بفرض أنه فرض ‪ ،‬ث عمل وفق اعتقاده فإنه‬
‫فاسد ‪ ،‬فهب العمل ف الصل صحيحا فإخراجه عن بابه اعتقادا وعملً من باب إفساد الحكام‬
‫الشرعية ‪ ،‬ومن هنا ظهر عذر السلف الصال ف تركهم سننا قصدا لئل يعتقد الاهل أنا من‬
‫الفرائض كالضحية وغيها ـ كما تقدم ذلك ـ ‪.‬‬
‫ولجله أيضا نى أكثرهم عن اتباع الثار ‪ ،‬كما خرج الطحاوي و ابن وضاح وغيها عن معرور‬
‫بن سويد السدي قال ‪ :‬وافيت الوسم مع أمي الؤمني عمر بن الطاب رضي ال عنه ‪ ،‬فلما‬
‫انصرفنا إل الدينة انصرفت معه فلما صلى لنا صلة الغداة فقرأ فيها ‪" :‬أل تر كيف فعل ربك" و‬
‫"ليلف قريش" ث رأى ناسا يذهبون مذهبا ‪ ،‬فقال ‪ :‬أين يذهب هؤلء ؟ قالوا ‪ :‬يأتون مسجدا ها‬
‫‪181‬‬

‫الشاطبي‬

‫كتاب العتصام‬

‫هنا صلى فيه رسول ال صلى ال عليه وسلم ‪.‬فقال ‪ :‬إنا هلك من كان قبلكم بذا ‪ ،‬يتبعون آثار‬
‫أنبيائهم فاتذوها كنائس وبيعا ‪ ،‬من أدركته الصلة ف شيء من هذه الساجد الت صلى فيها رسول‬
‫ال صلى ال عليه وسلم فليصل فيها وإل فل يتعمدها ‪.‬‬
‫وقال ابن وضاح ‪ :‬سعت عيسى بن يونس مفت أهل طرسوس يقول ‪ :‬أمر عمر بن الطاب رضي ال‬
‫عنه بقطع الشجرة الت بويع تتها النب صلى ال عليه وسلم ‪ ،‬فقطعها لن الناس كانوا يذهبون‬
‫فيصلون تتها فخاف عليهم الفتنة ‪.‬‬
‫قال ابن وضاح ‪ :‬وكان مالك بن أنس وغيه من علماء الدينة يكرهون إتيان تلك الساجد وتلك‬
‫الثار للنب صلى ال عليه وسلم ما عدا قباء وحده ‪ .‬وقال ‪ :‬وسعتهم يذكرون أن سفياندخل‬
‫مسجد بيت القدس فصلى فيه ول يتبع تلك الثار ول الصلة فيها ‪ ،‬وكذلك فعل غيه أيضا من‬
‫يقتدى به ‪ ،‬وقدم وكيع أيضا مسجد بيت القدس فلم يعد فعل سفيان ‪.‬‬
‫قال ابن وضاح ‪ :‬فعليكم بالتباع لئمة الدى العروفي ‪ ،‬فقد قال بعض من مضى ‪ :‬كم من أمر هو‬
‫اليوم معروف عند كثي من الناس كان منكرا عند من مضى ‪.‬‬
‫وقد كان مالك يكره كل بدعة وإن كانت ف خي ‪.‬‬
‫وجيع هذا ذريعة لئل يتخذ سنة ماليس بسنة ‪ ،‬أو يعد مشروعا ماليس معروفا ‪.‬‬
‫وقد كان مالك يكره الجيء إل بيت القدس خيفة أن يتخذ ذلك سنة ‪ ،‬وكان يكره ميء قبور‬
‫الشهداء ‪ ،‬ويكره ميء قباء خوفا من ذلك ‪ ،‬مع ما جاء ف الثار من الترغيب فيه ‪.‬‬
‫ولكن لا خاف العلماء عاقبه ذلك تركوه ‪.‬‬
‫وقال ابن كتانة وأشهب ‪ :‬سعنا مالكا لا أتاه سعد بن أب وقاص قال ‪ :‬وددت أن رجلي تكسرت‬
‫وأن ل أفعل ‪.‬‬
‫وسئل ابن كتانة عن الثار الت تركوا بالدينة فقال ‪ :‬أثبت ما ف ذلك عندنا قباء ‪ .‬إل أن مالكا كان‬
‫يكره ميئها خوفا من أن يتخذ سنة ‪.‬‬
‫وقال سعيد بن حسان ‪ :‬كنت أقرأ على ابن نافع ‪ ،‬فلما مررت بديث التوسعة ليلة عاشوراء قال ل‬
‫‪ :‬حوق عليه قلت ‪ :‬ول ذلك يا أبا ممد ؟ قال ‪ :‬خوفا من أن يتخذ سنة ‪.‬‬
‫فهذه امور جائزة أو مندوب إليها ‪ ،‬ولكنهم كرهوا فعلها خوفا من البدعة لن اتاذها سنة إنا هو‬
‫بأن يواظب الناس عليها مظهرين لا ‪ ،‬وهذا شأن السنة ‪ ،‬وإذا جرت مرى السنن صارت من البدع‬
‫بل شك ‪.‬‬
‫فإن قيل ‪ :‬كيف صارت هذه الشياء من البدع الضافية ؟ والظاهر منها أنا بدع حقيقية ! لن تلك‬
‫الشياء إذا عمل با على اعتقاد أنا سنة فهي حقيقية إذ ل يضعها صاحب السنة رسول ال صلى ال‬

‫‪182‬‬

‫الشاطبي‬

‫كتاب العتصام‬

‫عليه وسلم على هذا الوجه ‪ ،‬فصارت مثل ما إذا صلى الظهر على أنا غي واجبة واعتقدها عبادة‬
‫فإنا بدعة من غي إشكال‪،‬‬
‫ل‪.‬‬
‫هذا إذا نظرنا إليها بآلا ‪ ،‬وإذا نظرنا إليها أولً فهي مشروعة من غي نسبة إل بدعة أًص ً‬
‫فالواب ‪ :‬أن السؤال صحيح ‪ ،‬إل أن لوضعها أولً نظرين ‪:‬‬
‫أحدها ‪ :‬من حيث هي مشروعة فل كلم فيها ‪.‬‬
‫والثان ‪ :‬من حيث صارت كالسبب الوضوع العتقاد البدعة أو للعمل با على غي السنة ‪ ،‬فهي من‬
‫هذا القبيل غي مشروعة ‪ ،‬لن وضع السباب للشارع ل للمكلف والشارع ل يضع الصلة ف‬
‫مسجد قباء أو بيت القدس ـ مثلًـ سببا لن تتخذ سنة فوضع الكلف لا كذلك رأي غي مستند‬
‫إل الشرع ‪ ،‬فكان ابتداعا ‪.‬‬
‫وهذا معن كونا بدعة إضافية ‪ .‬أما إذا استقر السبب وظهر عنه مسببه الذي هو اعتقاد العمل سنة ‪،‬‬
‫والعمل على وفقه ‪ ،‬فذلك بدعة حقيقية ل إضافية ‪ ،‬ولذا الصل أمثلة كثية وقعت الشارة إليها ف‬
‫أثناء الكلم ‪ ،‬فل معن للتكرار ‪.‬‬
‫وإذا ثبت ف المور الشروعة أنا قد تعد بدعا بالضافة ‪ ،‬فما ظنك بالبدع القيقية ‪ ،‬فإنا قد تتمع‬
‫فيها أن تكون حقيقية وإضافية معا ‪ ،‬لكن من جهتي ‪ ،‬فإذا بدعة أصبح ول المد ف نداء الصبح‬
‫ظاهرة ‪ .‬ث لا عمل با ف الساجد والماعات مواظبا عليها ل تترك كما ل تترك الواجبات وما‬
‫أشبهها ‪ ،‬كان تشريعا أولً يلزمه أن يعتقد فيه الوجوب أو السنة ‪ ،‬وهذا ابتداع ثان إضاف ‪ .‬ث إذا‬
‫اعتقد فيها ثانيا السنية أو الفرضية صارت بدعة من ثلثة أوجه ‪ ،‬ومثله يلزم ف كل بدعة أظهرت‬
‫والتزمت ‪ .‬وأما إذا خفيت واختص با صاحبها فالمر عليه أخف ‪ ،‬فيا ل ويا للمسلمي ! ماذا ين‬
‫البتدع على نفسه ما ل يكون ف حسابه ؟ وقانا ال شرور أنفسنا بفضله ‪.‬‬
‫فصل من تام ما قبله ‪ ،‬وذلك أنه وقعت نازلة‬
‫من تام ما قبله ‪:‬‬
‫وذلك أنه وقعت نازلة ‪ :‬إمام مسجد ترك ما عليه الناس بالندلس من الدعاء للناس بآثار الصلوات‬
‫باليئة الجتماعية على الدوام ‪ ،‬وهو أيضا معهود ف أكثر البلد ‪ ،‬فإن المام إذا سلم من الصلة‬
‫يدعو للناس ويؤمن الاضرون ‪ .‬وزعم التارك أن تركه بناء منه على أنه ل يكن من فعل رسول ال‬
‫صلى ال عليه وسلم ‪ ،‬ول فعل الئمة حسبما نقله العلماء ف دواوينهم عن السلف والفقهاء ‪ .‬أما أنه‬
‫ل يكن من فعل رسول ال صلى ال عليه وسلم فظاهر ‪ ،‬لن حاله عليه السلم ف أدبار الصلوات‬
‫مكتوبات أو نوافل ‪،‬كانت بي أمرين ‪ :‬إما أن يذكر ال تعال ذكرا هو العرف غي دعاء فليس‬

‫‪183‬‬

‫الشاطبي‬

‫كتاب العتصام‬

‫للجماعة منه حظ ‪ ،‬إل أن يقولوا مثل قوله ‪ ،‬أو نوا من قوله كما ف غي أدبار الصلوات ‪ ،‬كما جاء‬
‫أنه كان يقول ف دبر كل صلة ‪:‬‬
‫" ل إله إل ال وحده ل شريك له ‪ ،‬له اللك وله المد ‪ ،‬وهو على كل شيء قدير ‪ ،‬اللهم ل مانع‬
‫لا أعطيت ‪ ،‬ول معطي لا منعت ‪ ،‬ول ينفع ذا الد منك الد" ‪ ،‬وقوله ‪:‬‬
‫"اللهم أنت السلم ومنك السلم ‪ ،‬تباركت وتعاليت يا ذا اللل والكرام" ‪ ،‬وقوله ‪" :‬سبحان ربك‬
‫رب العزة عما يصفون" ونو ذلك ‪ ،‬فإنا كان يقول ف خاصة نفسه كسائر الذكار ‪ ،‬فمن قال مثل‬
‫قوله ‪ ،‬فحسن ول يكن ف هذا كله هيئة اجتماع ‪.‬‬
‫وإن كان دعاء فعامة ما جاء عن دعائه عليه السلم بعد الصلة ما سع منه إنا كان يص به نفسه‬
‫دون الاضرين ‪ ،‬كما ف الترمذي عن علي بن أب طالب رضي ال عنه ‪ " ،‬عن رسول ال صلى ال‬
‫عليه وسلم أنه كان إذا قام إل الصلة الكتوبة رفع يديه "‪ ..‬الديث ‪ .‬إل قوله ‪ ":‬ويقول عند‬
‫انصرافه من الصلة ‪ :‬اللهم اغفر ل ما قدمت وما أخرت ‪ ،‬وما أسررت وما أعلنت ‪ ،‬أنت إلي ل‬
‫إله إل أنت" حسن صحيح ‪ .‬وف رواية أب داود ‪ ":‬كان رسول ال صلى ال عليه وسلم إذا سلم من‬
‫الصلة قال ‪:‬‬
‫اللهم اغفر ل ما قدمت وما أخرت وما أسررت وما أعلنت وما أسرفت وما أعلم به من ‪ ،‬أنت‬
‫القدم وأنت الؤخر ل إله إل أنت " ‪.‬‬
‫وخرج أبو داود ‪ ":‬كان رسول ال صلى ال عليه وسلم يقول دبر كل صلة ‪:‬‬
‫اللهم ربنا ورب كل شيء أنا شهيد أن ممدا عبدك ورسولك ‪ ،‬اللهم ربنا ورب كل شيء أنا شهيد‬
‫أن العباد كلهم إخوة ‪ ،‬اللهم ربنا ورب كل شيء اجعلن ملصا لك وأهلي ف كل ساعة ف الدنيا‬
‫والخرة ‪ ،‬يا ذا اللل والكرام اسع واستجب ‪ ،‬ال أكب ‪ ،‬ال أكب ‪ ،‬ال نور السموات والرض ‪،‬‬
‫ال أكب ‪ ،‬ال أكب ‪ ،‬حسب ال ونعم الوكيل" ‪.‬‬
‫ولـأب داود ف رواية ‪:‬‬
‫"رب أعن ول تعن علي ‪ ،‬وانصرن ولتنصر علي ‪ ،‬وأمكن ل ول تكن علي ‪ ،‬واهدن ويسر هداي‬
‫إل وانصرن على من بغى علي" إل آخر الديث ‪.‬‬
‫وف النسائي "أنه عليه الصلة والسلم كان يقول ف دبر الفجر إذا صلى ‪:‬اللهم اغفر إن أسألك علما‬
‫ل ‪ ،‬ورزقا طيبا" ‪ .‬وعن بعض النصار قال ‪ ":‬سعت رسول ال صلى ال عليه‬
‫نافعا ‪ ،‬وعملً متقب ً‬
‫وسلم يقول ف دبر الصلة ‪ :‬اللهم اغفر ل وتب علي إنك أنت التواب الغفور" ‪ ،‬حت يبلغ مائة‬
‫مرة ‪ ،‬وف رواية ‪ ،‬أن هذه الصلة كانت صلة الضحى ‪.‬‬

‫‪184‬‬

‫الشاطبي‬

‫كتاب العتصام‬

‫فتأملوا سياق هذه الدعية كلها مساق تصيص نفسه با دون الناس! فيكون مثل هذا حجة لفعل‬
‫الناس اليوم إل أن يقال ‪ :‬قد جاء الدعاء للناس ف مواطن ‪ ،‬كما ف الطبة الت استسقى فيها ‪ ،‬ونو‬
‫ذلك ‪ .‬فيقال ‪ :‬نعم ‪ :‬فأين التزام ذلك جهرا للحاضرين ف دبر كل صلة ‪.‬‬
‫ث نقول ‪ :‬إن العلماء يقولون ف مثل الدعاء والذكر الوارد على أثر الصلة ‪ ،‬إنه مستحب ل سنة ول‬
‫واجب ‪ .‬وهو دليل على أمرين ‪:‬‬
‫أحدها ‪ :‬أن هذه الدعية ل تكن منه عليه والسلم على الدوام ‪.‬‬
‫والثان ‪ :‬أنه ل يكن يهر با دائما ول يظهرها للناس ف غي مواطن التعليم ‪ ،‬إذ لو كانت على‬
‫الدوام وعلى الظهار لكانت سنة ول يسع العلماء أن يقولوا فيها بغي السنة ‪ ،‬إذ خاصيته ـ حسبما‬
‫ذكروه ـ الدوام والظهار ف مامع الناس ‪ .‬ول يقال ‪ :‬لو كان دعاؤه عليه السلم سرا ل يؤخذ‬
‫عنه ‪ .‬لنا نقول ‪ :‬من كانت عادته السرار فل بد أن يظهر منه إما بكم العادة وإما بقصد التنبيه‬
‫على التشريع ‪.‬‬
‫فإن قيل ‪ :‬ظواهر الحاديث تدل على الدوام بقول الرواة ‪ :‬كان يفعل فإنه يدل على الدوام كقولم‬
‫‪ :‬كان حات يكرم الضيفان ‪ .‬قلنا ‪ .‬ليس كذلك ‪ ،‬بل يطلق على الدوام وعلى الكثي والتكرار على‬
‫الملة ‪ ،‬كما جاء ف حديث عائشة رضي ال عنها "أنه عليه الصلة والسلم كان إذا أراد أن ينام‬
‫وهو جنب توضأ وضوءه للصلة" ‪ .‬وروت أيضا أنه ‪:‬‬
‫"كان عليه الصلة والسلم ينام وهو جنب من غي أن يس ماء" ‪ .‬بل قد يأت ف بعض الحاديث ‪:‬‬
‫"كان يفعل فيما ل يفعله إل مرة واحدة" نص عليه أهل الديث ‪.‬‬
‫ولو كان يدوام الداومة التامة للحق بالسنن كالوتر وغيه ‪ ،‬ولو سلم ‪ :‬فأين هيئة الجتماع ؟ ‪.‬‬
‫فقد حصل أن الدعاء بيئة الجتماع دائما ل يكن من فعل رسول ال صلى ال عليه وسلم ‪ .‬كما ل‬
‫يكن قوله ول إقراره ‪.‬‬
‫وروى البخاري من حديث أم سلمة أنه صلى ال عليه وسلم ‪:‬‬
‫" كان يكث إذا سلم يسيا "‪ .‬قال ابن شهاب ‪ :‬حت ينصرف الناس فيما نرى ‪ .‬وف مسلم عن‬
‫عائشة رضي ال عنها ‪:‬‬
‫"كان إذا سلم ل يقعد إل مقدار ما يقول ‪ :‬اللهم أنت السلم ومنك السلم تباركت يا ذا اللل‬
‫والكرام" ‪.‬‬
‫وأما فعل الئمة بعده نقل الفقهاء من حديث أنس ف غي كتب الصحيح ‪:‬‬
‫صليت خلف النب صلى ال عليه وسلم ‪ ،‬فكان إذا سلم يقوم ‪ ،‬وصليت خلف أب بكر رضي ال عنه‬
‫فكان إذا سلم وثب كأنه على رفضه ( يعن الجر الحمى ) ‪ ،‬ونقل ابن يونس الصقلي عن ابن‬
‫وهب عن خارجة أنه كان يعيب على الئمة قعودهم بعد السلم وقال ‪ :‬إنا كانت الئمة ساعة‬
‫‪185‬‬

‫الشاطبي‬

‫كتاب العتصام‬

‫تسلم تقوم ‪ ،‬وقال ابن عمر ‪ :‬جلوسه بدعة ‪ .‬وعن ابن مسعود رضي ال عنه قال ‪ :‬لن يلس على‬
‫الرضف خي له من ذلك ‪ .‬وقال مالك ف الدونة ‪ :‬إذا سلم فليقم ول يقعد إل أن يكون ف سفر أو‬
‫ف فنائه ‪.‬‬
‫وعد الفقهاء إسراع القيام ساعة يسلم من فضائل الصلة ‪ ،‬ووجهوا ذلك بأن جلوسه هنالك يدخل‬
‫عليه فيه كب وترفع على الماعة ‪ ،‬وانفراده بوضوع عنهم يرى به الداخل أنه إمامهم ‪ ،‬وأما انفراده‬
‫به حال الصلة فضروري ‪ .‬قال بعض شيوخنا الذين استفدنا منهم ‪ ،‬وإذا كان هذا ف انفراده ف‬
‫الوضع ‪ ،‬فكيف بنا انضاف إليه من تقدمه أمامهم ف التوسل به بالدعاء والرغبة وتأمينهم على دعائه‬
‫جهرا ؟ قال ‪ :‬ولو كان هذا حسنا لفعله النب صلى ال عليه وسلم وأصحابه رضي ال عنهم ول‬
‫ينقل ذلك أحد من العلماء مع تواطئهم على نقل جيع أموره حت ‪ :‬هل كان ينصرف من الصلة عن‬
‫اليمي أو عن الشمال ؟‬
‫وقد نقل ابن بطال عن علماء السلف إنكار ذلك والتشديد فيه على من فعله با فيه كفاية ‪.‬‬
‫هذا ما نقله الشيخ بعد أن جعل الدعاء بإثر الصلة بيئة الجتماع دائما بدعة قبيحة ‪ ،‬واستدل على‬
‫عدم ذلك ف الزمان الول بسرعة القيام والنصراف ‪ ،‬لنه مناف للدعاء لم وتأمينهم على دعائه ‪،‬‬
‫بلف الذكر ‪ ،‬ودعاء النسان لنفسه ‪ ،‬فإن النصراف وذهاب النسان لاجته غي مناف لما ‪.‬‬
‫فبلغت الكائنة بعض شيوخ العصر ‪ ،‬فرد على ذلك المام ردا أمرع فيه على خلف ما عليه‬
‫الراسخون ‪ ،‬وبلغ من الرد ـ على زعمه ـ إل أقصى غاية ما قدر عليه ‪ .‬واستدل بأمور إذا تأملها‬
‫الفطن عرف ما فيها ‪ ،‬كالمر بالدعاء إثر الصلة قرآنا وسنة ‪ ،‬وهو ـ كما تقدم ـ ل دليل فيه ‪،‬‬
‫ث ضم ذلك جواز الدعاء بيئة الجتماع ف الملة إل ف أدبار الصلوات ول دليل فيه أيضا ـ كما‬
‫تقدم ـ لختلف التأصلي ‪.‬‬
‫وأما ف التفصيل فزعم أنه ما زال معمولً به ف جيع أقطار الرض أوف جلها من الئمة ف مساجد‬
‫الماعات من غي نكي إل نكي أب عبد ال ‪ ،‬ث أخذ ف ذمه وهذا النقل تور بل شك ‪ ،‬لنه نقل‬
‫إجاع يب على الناظر فيه والحتج به قبل التزام عهدته أن يبحث عنه بث أصل عن الجاع ‪ ،‬لنه‬
‫ل بد من النقل عن جيع الجتهدين من هذه المة من أول زمان الصحابة رضي ال عنهم إل الن ‪،‬‬
‫هذا أمر مقطوع به ‪ .‬ول خلف أنه ل اعتبار بإجاع العوام وإن ادعوا المامة ‪.‬‬
‫وقوله ‪ :‬من غي نكي توز ‪ ،‬بل ما زال النكار عليهم من الئمة فقد نقل الطرطوشي عن مالك ف‬
‫ذلك أشياء تدم السألة فحصل إنكار مالك لا ف زمانه ‪ ،‬وإنكار المام الطرطوشي ف زمانه ‪ ،‬واتبع‬
‫هذا أصحابه وهذا أصحابه ‪ ،‬ث القراف قد عد ذلك من البدع الكروهة على مذهب مالك ‪ ،‬وسلمه‬
‫ول ينكره عليه أهل زمانه ـ فيما نعلمه ـ مع وعمه أن من البدع ما هو حسن ‪.‬‬

‫‪186‬‬

‫الشاطبي‬

‫كتاب العتصام‬

‫ث الشيوخ الذين كانوا بالندلس حي جخلتها هذه البدعة ـ حسبما يذكر بول ال ـ وقد‬
‫أنكروها ‪ ،‬وكان من معتقدهم ف ذلك أنه مذهب مالك ‪ .‬وكان الزاهد أبو عبد ال بن ماهد‬
‫وتلميذه أبوعمران اليتلي رحهما ال ملتزمي لتركها ‪ ،‬حت اتفق للشيخ أب عبد ال ف ذلك ما‬
‫سنذكره إن شاء ال ‪.‬‬
‫قال بعض شيوخنا رادا على بعض من نصر هذا العمل ‪ :‬فإنا قد شاهدنا العمل من الئمة الفقهاء‬
‫الصلحاء التبعي للسنة التحفظي بأمور دينهم يفعلون ذلك أئمة ومأمورين ‪ ،‬ول نر من ترك ذلك إل‬
‫من شذ ف احواله ـ فقال ـ وأما احتجاج منكر ذلك بأن هذا ل يزل الناس يفعلونه فلم يأت‬
‫بشيء ‪ ،‬لن الناس الذين يقتدى بم ثبت أنم ل يكونوا يفعلونه ‪ .‬قال ولا كانت البدع والخالفات‬
‫وتواطؤ الناس عليها صار الاهل يقول ‪ :‬لو كان هذا منكرا لا فعله الناس ‪ .‬ث حكى أثر الوطأ ‪ :‬ما‬
‫أعرف شيئا ما أدركت عليه الناس إل النداء بالصلة ـ قال ‪ :‬فإذا كان هذا ف عهد التابعي يقول‬
‫‪ :‬كثرت الحداثات فكيف بزماننا ؟ ث هذا الجاع لو ثبت لزم منه مظور ‪ ،‬لنه مالف لا نقل عن‬
‫الولي من تركه ‪ ،‬فصار نسخ إجاع بإجاع ‪ ،‬وهذا مال ف الصول ‪.‬‬
‫وأيضا فل تكون مالفة التأخرين لجاع التقدمي على سنة حجة على تلك السنة أبدا ‪ ،‬فما أشبه‬
‫هذه السألة با حكى عن أب علي بشاذان بسند يرفعه إل أب عبد ال بن إسحاق العفري ‪ ،‬قال ‪:‬‬
‫كان عبد ال بن السن ـ يعن ابن السن بن علي بن أب طالب رضي ال عنهم ـ يكثر اللوس‬
‫إل ربيعة ‪ ،‬فتذكروا يوما فقال رجل كان ف الجلس ‪ :‬ليس العمل على هذا فقالعبد ال أرأيت إن‬
‫كثر الهال حت يكونوا هم الكام أفهم الجة على السنة ؟ فقال ربيعة ‪ :‬أشهد أن هذا كلم أبناء‬
‫النبياء انتهى ‪ .‬إل أن أقول ‪ :‬أرأيت إن كثر القلدون ث أحدثوا بآرائهم فحكموا با ‪ ،‬أفهم الجة‬
‫على السنة ول كرامة ؟ ‪.‬‬
‫ث عضد ما ادعاه بأشياء من جلتها قوله ‪ .‬ومن أمثال الناس ‪ :‬أخطىء مع الناس ول تصب وحدك‬
‫أي أن خطأهم هم الصواب ‪ ،‬وصوابك هو الطأ ‪ .‬قال ‪ ،‬ومعن ما جاء ف حديث ‪:‬‬
‫"عليك بالماعة فإنا يأكل الذئب من الغنم القاصية" ‪ .‬فجعل تارك الدعاء على الكيفية الذكورة‬
‫مالفا للجاع ـ كما ـ ترى ـ وحض على اتباع الناس وترك الخالفة لقوله عليه الصلة والسلم‬
‫‪:‬‬
‫"ل تتلفوا فتختلف قلوبكم" ‪ ،‬وكل ذلك مبن على الجاع الذي ذكروا ‪ ،‬وأن الماعة هم جاعة‬
‫الناس كيف كانوا ‪ .‬وسيأت معن الماعة الذكورة ف حديث الفرق ‪ ،‬وأنا التبعة للسنة وإن كانت‬
‫ل واحدا ف العال ‪.‬‬
‫رج ً‬
‫قال بعض النابلة ‪ :‬ل تعبأ با يعرض من السائل ويدعي فيها الصحة بجرد التهويل أو بدعوي أن‬
‫ل خلف ف ذلك ‪ :‬وقال ذلك ل يعلم أحدا قال فيها بالصحة فضلً عن نفي اللف فيها ‪ ،‬ليس‬
‫‪187‬‬

‫الشاطبي‬

‫كتاب العتصام‬

‫الكم فيها من الليات الت ل يقدر الخالف ‪ ،‬قال ‪ :‬وف مثل هذه السائل قال المام أحد بن حنبل‬
‫‪ :‬من ادعى الجاع فهو كاذب وإنا هذه دعوى كثي ‪ ،‬وابن عليه يريدون أن يبطلوا السنن بذلك ‪.‬‬
‫يعن أحد أن التكلمي ف الفقه على أهل البدع إذا ناظرتم بالسنن والثار قالوا ‪ :‬هذا خلف‬
‫الجاع ‪ .‬وذلك القول الذي يالف ذلك الديث ل يفظونه إل عن بعض فقهاء الدينة أو فقهاء‬
‫الكوفة ـ مثلً ـ فيدعون الجاع من قلة معرفتهم بأقاويل العلماء واجترائهم على رد السنن بالراء‬
‫‪ ،‬حت كان بعضهم يسرد عليه الحاديث الصحيحة ف خيار الجلس ونوه من الحكام فل يد لا‬
‫معتصما إل أن يقول ‪ :‬هذا ل يقل به أحد من العلماء ‪ ،‬وهو ل يعرف إل أبا حنيفة أو مالكا ‪ ،‬ل‬
‫يقولوا بذلك ‪ ،‬ولو له علم لرأي من الصحابة والتابعي وتابعيهم من قال بذلك خلقا كثيا ‪.‬‬
‫ففي هذا الكلم إرشاد لعن ما نن فيه ‪ ،‬وأنه ل ينبغي أن ينقل حكم شرعي عن أحد من أهل العلم‬
‫إل بعد تققه والتثبت ‪ ،‬لنه مب عن حكم ال ‪ ،‬فإياكم والتساهل فإنه مظنة الروج عن الطريق‬
‫الواضح إل السيئات ‪.‬‬
‫ث عد من الفاسد ف مالفة المهور أنه يرميهم بالتجهيل والتضليل ‪ ،‬وهذا دعوى من خالفه فيما قال‬
‫‪ ،‬وعلى تسليمها ‪ ،‬فليست بفسدة على فرض اتباع السنة ‪ ،‬وقد جاء عن السلف الض على العمل‬
‫بالق ‪ ،‬وعدم الستيحاش من قلة أهله ‪.‬‬
‫وأيضا فمن شنع على البتدع بلفظ البتداع فاطلق العبارة بالنسبة إل الجتمعي يوم عرفة بعد العصر‬
‫للدعاء ف غي عرفة ـ إل نظائرها ـ فتشنيعه حق كما يقول بالنسبة إل بشر الريسي ومعبد الهن‬
‫وفلن ‪ ،‬ول يدخل بذلك ـ إن شاء ال ـ ف حديث ‪:‬‬
‫"من قال ‪ :‬هلك الناس ‪ .‬فهو أهلكهم" لن الراد أن يقول ذلك ترفعا على الناس واستحقارا ‪ ،‬وأما‬
‫إن قاله تزنا وتسرا فل بأس ‪ .‬قال بعضهم ‪ :‬ونن نرجو أن نعرج على ذلك ـ إن شاء ال ـ‬
‫فالستدلل به ليس على وجهه ‪.‬‬
‫وعد من الفاسد الوف من فساد نيته با يدخل عليه من العجب والشهرة النهي عنها ‪ ،‬فكأنه يقول‬
‫‪ :‬اترك اتباع السنة ف زمان الغربة خوف الشهرة ودخول العجب ‪ .‬وهذا شديد من القول وهو‬
‫معارض بثله ‪ ،‬فإن انتصابه لن يكون داعيا للناس بأثر صلواتم دائما مظنة لفساد نيته با يدخل عليه‬
‫من العجب والشهرة ‪ ،‬وهو تعليل القراف ‪ ،‬وهو أول ف طريق التباع ‪ ،‬فصار تركه للدعاء لم‬
‫مقرونا بالقتداء بلف الداعي فإنه ف غي طريق من تقدم فهو أقرب إل فساد النية ‪.‬‬
‫وعد منها ما يظن به من القول برأي أهل البدع القائلي بأن الدعاء غي نافع ‪ ،‬وهذا كالذي قبله ‪،‬‬
‫لنه يقول للناس ‪ :‬اتركوا اتباع النب صلى ال عليه وسلم ف ترك الدعاء بيئة الجتماع بعد‬
‫الصلوات لئل يظن بكم البتداع ‪.‬وهذا كما ترى ‪.‬‬

‫‪188‬‬

‫الشاطبي‬

‫كتاب العتصام‬

‫قال ابن العرب ‪ :‬ولقد كان شيخنا أبو بكر الفهري يرفع يديه عند الركوع وعند رفع الرأس منه ‪،‬‬
‫وهو مذهب مالك و الشافعي ‪ ،‬وتفعله الشيعة ـ قال ـ فحضر عندي يوما ف مرس أب الشعراء‬
‫بالثغر موضع تدريس عند صلة الظهر ‪ .‬ودخل السجد من الحرس الذكور ‪ ،‬فتقدم إل الصف‬
‫الول وأنا ف مؤخرة قاعدا على طاقات البحر ‪ ،‬أتنسم الريح من شدة الر ‪ ،‬ومعي ف صف واحد‬
‫أو ثنة رئيس البحر وقائده ف نفر من أصحابه ينتظر الصلة ‪ .‬ويتطلع على مراكب النار ‪ ،‬فلما رفع‬
‫الشيخ الفهري يديه ف الركوع وف رفع الرأس منه ‪ .‬قال ‪ .‬قال أبو ثنة وأصحابه ‪ :‬أل ترى إل هذا‬
‫الشرقي كيف دخل مسجدنا ؟ قوموا إليه فاقتلوه وارموا به ف البحر فل يراكم أحد ‪ ،‬فطار قلب من‬
‫بي جواني ؟ وقلت ‪ :‬سبحان ال ! هذا الطرطوشي فقيه الوقت ‪ ،‬فقالوا ل ‪ :‬ول يرفع يديه ؟ فقلت‬
‫‪ :‬كذلك كان النب صلى ال عليه وسلم يفعل ‪ ،‬وهو مذهب مالك ف رواية أهل الدينة عنه ‪،‬‬
‫وجعلت أسكنهم وأسكنهم حت فرغ من صلته ‪ ،‬وقمت معه إل السكن من الحرس ‪ ،‬ورأى تغي‬
‫وجهي فأنكر ‪ ،‬وسألن فأعلمته فضحك ‪ ،‬وقال ‪ :‬من أين ل أن أقتل على سنة ؟ فقلت له ‪ :‬ويل‬
‫لك هذا ‪ ،‬فإنك بي قوم إن قمت با قاموا عليك ‪ ،‬وربا ذهب دمك ‪ .‬فقال ‪ :‬دع هذا الكلم وخذ‬
‫ف غيه ‪.‬‬
‫فتأملوا ف هذه القصة ففيها الشفاء ‪ .‬إذ ل مفسدة ف الدنيا توازي مفسدة إماتة السنة ‪ ،‬وقد حصلت‬
‫النسبة إل البدعة ‪ ،‬ولكن الطرطوسي رحه ال ل ير ذلك شيئا فكلمه للتباع أول من كلم هذا‬
‫الراد ‪ ،‬إذ بينهما ف العلم ما بينهما ‪.‬‬
‫وأيضا فلو اعتب ما قال لزم اعتباره بثله ف كل من أنكر الدعاء بيئة الجتماع يوم عرفة ف غي عرفة‬
‫‪ ،‬ومنهم نافع مول ابن عمر و مالك و الليث وغيهم من السلف ‪ ،‬ولا كان ذلك غي لزم‬
‫فمسألتنا كذلك ‪.‬‬
‫ث ختم هذا الستدلل الجاعي بقوله ‪ :‬وقد اجتمع أئمة السلم ف مساجد الماعات ف هذه‬
‫العصار ف جيع القطار على الدعاء أدبار الصلة ‪ :‬فيشبه أن يدخل ذلك مدخل حجة إجاعية‬
‫عصرية ‪.‬‬
‫فإن أراد الدعاء على هيئة الجتماع دائما ل يترك كما يفعل بالسنن ـ وهي مسألتنا الفروضة ـ‬
‫فقد تقدم ما فيه ‪.‬‬
‫فصل ث أتى بأخذ آخر من الستدلل‬
‫ث أتى بأخذ آخر من الستدلل على صحة ما زعم ‪ ،‬وهو أن الدعاء على ذلك الوجه ل يرد ف‬
‫الشرع ني عنه مع وجود الترغيب فيه على الملة ‪ ،‬ووجود العمل به ‪ .‬فإن صح أن السلف ل‬

‫‪189‬‬

‫الشاطبي‬

‫كتاب العتصام‬

‫يعملوا به ‪ ،‬فالترك ليس بوجب لكم ف التروك إل جواز الترك وانتفاء الرج خاصة ‪ ،‬ل تري ول‬
‫كراهية ‪.‬‬
‫وجيع ما قاله مشكل على قواعد العلم وخصوصا ف العبادات ـ الت هي مسألتنا ـ إذ ليس لحد‬
‫من خلق ال أن يترع ف الشريعة من رأيه أمرا ليوجد عليه منها دليل ‪ ،‬لنه عي البدعة ‪ ،‬وهذا‬
‫كذلك ‪ ،‬إذ ل دليل فيها على اتاذ الدعاء جهرا للحاضرين ف آثار الصلوات دائما ‪ ،‬على حد ما‬
‫تقام ‪ ،‬بيث يعد الارج عنه خارجا عن جاعة أهل السلم متحيزا ومتميزا إل سائر ما ذكر ‪،‬‬
‫وكل ما ل يد ل عليه دليل فهو البدعة ‪.‬‬
‫وعلى هذا فإن ذلك الكلم يوهم أن اتباع التأخرين القلدين خي من اتباع الصالي من السلف ‪،‬‬
‫ولو كان ف أحد جائزين ‪ ،‬فكيف إذا كان أمرين أحدها متيقن أنه صحيح والخر مشكوك فيه ؟‬
‫فيتبع الشكوك ف صحته ‪ ،‬ويترك ما ل مرية ف صحته ‪ ،‬ولو لعا من يتبعه ‪.‬‬
‫ث إطلقه بأن الترك ل يوجب حكما ف التروك إل جواز الترك ‪ ،‬غي جار على أًول الشرع الثابتة ‪.‬‬
‫فنقول إن هنا أصلً لذه السألة لعل ال ينفع به من أنصف ف نفسه ‪ ،‬وذلك أن سكوت الشارع عن‬
‫الكم ف مسألة أو تركه لمر ما على ضربي ‪:‬‬
‫أحدها ‪ :‬أن يسكت عنه أو يتركه لنه ل داعية له تقتضيه ‪ ،‬ول موجب يقرر لجله ‪ ،‬ول وقع‬
‫سبب تقريره ‪ .‬كالنوازل الادثة بعد وفاة النب صلى ال عليه وسلم فإنا ل تكن موجودة ث سكت‬
‫عنها مع وجودها ‪ ،‬وإنا حدثت بعد ذلك ‪ ،‬فاحتاج أهل الشريعة إل النظر فيها وإجرائها على ما‬
‫تبي ف الكليات الت كمل با الدين ‪ ،‬وإل هذا الضرب يرجع جيع ما نظر فيه السلف الصال ما ل‬
‫يسنه رسول ال صلى ال عليه وسلم على الصوص ما هو معقول العن ‪ ،‬كتضمي الصناع ‪،‬‬
‫ومسألة الرام والد مع الخوة ‪ ،‬وعول الفرائض ‪ .‬ومنه الصحف ث تدوين الشرائع ‪ ،‬وما أشبه‬
‫ذلك ما ل يتج ف زمانه عليه السلم إل تقريره للتقدي كلياته الت تستنبط با منها ‪ ،‬وإذا ل تقع‬
‫أسباب الكم فيها ول الفتوى با منه عليه الصلة والسلم ‪ ،‬فلم يذكر لا حكم مصوص ‪.‬‬
‫فهذا الضرب إذا حدثت أسبابه فل بد من النظر فيه وإجرائه على أصوله إن كان من العاديات ‪ ،‬أو‬
‫من العبادات الت ل يكن القتصار فيها على ما سع ‪ ،‬كمسائل السهو والنسيان ف إجراء العبادات ‪.‬‬
‫ول إشكال ف هذا الضرب ‪ ،‬لن أصول الشرع عتيدة وأسباب تلك الحكام ل تكن ف زمان‬
‫الوحي ‪ ،‬فالسكوت عنها على الصوص ليس بكم يقتضي جواز الترك أو غي ذلك ‪ ،‬بل إذا‬
‫عرضت النوازل روجع با أصولا فوجدت فيها ول يدها من ليس بجتهد ‪ ،‬وإنا يدها الجتهدون‬
‫الوصوفون ف علم أصول الفقه ‪.‬‬
‫والضرب الثان ‪ :‬أن يسكت الشارع عن الكم الاص أو يترك أمرا ما من المور ‪ ،‬وموجبه‬
‫القتضى له قائم ‪ ،‬وسببه ف زمان الوحي وفيما بعده موجود ثابت إل أنه ل يدد فيه أمر زائد على‬
‫‪190‬‬

‫الشاطبي‬

‫كتاب العتصام‬

‫ما كان من الكم العام ف أمثاله ول ينقص منه ‪ ،‬لنه لا كان العن الوجب لشرعية الكم العقلي‬
‫الاص موجودا ‪ ،‬ث ل يشرع ول نبه على السبطا كان صرياف أن الزائد على ما ثبت هنالك بدعة‬
‫زائدة ومالفة لقصد الشارع ‪ ،‬إذ فهم من قصده الوقوف عند ما حد هنالك ل الزيادة عليه ول‬
‫النقصان منه ‪.‬‬
‫ولذلك مثال فيما نقل عن مالك بن أنس ف ساع أشهب و ابن نافع هو غاية فيما نن فيه ‪ ،‬وذلك‬
‫أن مذهبه ف سجود الشكر الكراهية وأنه ليس بشروع ‪ ،‬وعليه بن كلمه ‪ .‬قال ف العتبية ‪ :‬وسئل‬
‫مالك عن الرجل يأتيه المر يبه فيسجد ل عز وجل شكرا ؟ فقال ل يفعل هذا ما مضى من أمر‬
‫الناس ‪ .‬قيل له ‪ :‬إن أبا بكر الصديق رضي ال عنه ـ فيما يذكرونه ـ سجد يوم اليمامة شكرا ل ‪.‬‬
‫أفسمعت ذلك قال ‪ :‬ما سعت ذلك وأنا أرى أنم قد كذبوا على أب بكر ‪ .‬وهذا من الضلل أن‬
‫يسمع الرء الشيء فيقول ‪ :‬هذا ل تسمعه من ‪ .‬قد فتح ال على رسول ال صلى ال عليه وسلم‬
‫وعلى السلمي بعده ‪ .‬أفسمعت أن أحدا منهم فعل مثل هذا ؟ إذ ما قد كان ف الناس وجرى على‬
‫أيديهم سع عنهم فيه شيء ‪ ،‬فعليك بذلك فإنه لو كان لذكر ‪ ،‬لنه من أمر الناس الذي قد كان‬
‫فيهم ‪ ،‬فهل سعت أن أحدا منهم سجد ؟ فهذا إجاع ‪ .‬وإذا جاءك أمر ل تعرفه فدعه ـ تام الرواية‬
‫ـ وقد احتوت على فرض سؤال والواب با تقدم ‪.‬‬
‫ل ـ إنا فعل سكت الشارع عن حكمه ف الفعل والترك ‪،‬‬
‫وتقرير السؤال أن يقال ف البدعة ـ مث ً‬
‫فلم يكم عليه بكم على الصوص ‪ ،‬فالصل جواز فعله ‪ ،‬كما أن الصل جواز تركه ‪ ،‬إذ هو معن‬
‫الائز ‪ ،‬فإن كان له أصل جلي فأحرى أن يوز فعله حت يقوم الدليل على منعه أو كراهته ‪ ،‬وإذا‬
‫كان كذلك ‪ ،‬فليس هنا مالفة لقصد الشارع ‪ ،‬ول ث دليل خالفه هذا النظر ‪ ،‬بل حقيقة ما نن فيه‬
‫أنه أمر مسكوت عنه عند الشارع ‪ ،‬والسكوت عند الشارع ل يقتضي مالفة ول موافقة ‪ ،‬ول يعي‬
‫الشارع قصدا ما دون ضده وخلفه ‪ ،‬وإذا ثبت هذا فالعمل به ليس بخالف إذ ل يثبت ف الشريعة‬
‫ني عنه ‪.‬‬
‫وتقرير الواب ‪ :‬معن ما ذكره مالك رحه ال ‪ ،‬وهو أن السكوت عن حكم الفعل أو الترك هنا إذا‬
‫وجد العن القتضى له إجاع من كل ساكت على أن ل زائد على ما كان ‪ .‬إذ لو كان ذلك لئقا‬
‫شرعا أو سائغا لفعلوه ‪ ،‬فهم كانوا أحق بإداركه والسبق إل العمل به وذلك إذا نظرنا إل الصلحة‬
‫فإنه ل يلو إما أن يكون ف هذه الحداث مصلحة أو ل ‪ ،‬والثان ل يقول به أحد ‪ .‬والول إما أن‬
‫تكون تلك الصلحة الادثة آكد من الصلحة الوجودة ف زمان التكليف أو ل ‪ .‬ول يكن أن يكون‬
‫مع كون الحدثة زيادة تكليف ‪ ،‬ونقصه عن الكلف أحرى بالزمنة التأخرة لا يعلم من قصور المم‬
‫واستيلء الكسل ‪ ،‬ولنه خلف بعث النب صلى ال عليه وسلم بالنفية السمحة ‪ ،‬ورفع الرج عن‬
‫المة وذلك ف تكليف العبادات ‪ ،‬لن العادات أمر آخر ـ كما سيأت ـ وقد مر شيء منه فلم يبق‬
‫‪191‬‬

‫الشاطبي‬

‫كتاب العتصام‬

‫إل أن تكون الصلحة الظاهرة الن مساوية للمصلحة الوجودة ف زمان التشريع أو أضعف منها ‪.‬‬
‫وعند ذلك تصي الحداث عيثا أو استدراكا على الشارع ‪ ،‬لن تلك الصلحة الوجودة ف زمان‬
‫التشريع إن حصلت للولي من غي هذا الحداث فهي إذا عبث إذ ل يصح أن يصل للولي دون‬
‫الخرين ‪ ،‬فقد صارت هذه الزيادة تشريعأً بعد الشارع إل بسبب الخرين ما فات الولي فلم يكمل‬
‫الدين إذا دونا ‪ ،‬ومعاذ ال من هذا الأخذ ‪.‬‬
‫وقد ظهر من العادات الارية فيما نن فيه أن ترك الولي لمر ما من غي أن يعينوا فيه وجها مع‬
‫احتماله ف الدلة الملية ووجود الظنة دليل على أن ذلك المر ل يعمل به ‪ ،‬وأنه إجاع منهم على‬
‫تركه ‪.‬‬
‫قال ابن رشد ف شرح مسألة العتبية ‪ :‬الوجه ف ذلك أنه ل يرد ما شرع ف الدين ـ يعن سجود‬
‫ل ‪ ،‬إذ ل يأمر بذلك النب صلى ال عليه وسلم ول فعله ‪ ،‬ول أجع السلمون‬
‫الشكر ـ فرضا ول نف ً‬
‫على اختيار فعله ‪ ،‬والشرائع ل تثبت إل من أحج هذه المور ‪ .‬قال ‪ :‬واستدلله على أن رسول ال‬
‫صلى ال عليه وسلم ل يفعل ذلك ول السلمون بعده ‪ ،‬بأن ذلك لو كان لنقل صحيح ‪ ،‬إذ يصح أن‬
‫تتوفر الدواعي على ترك نقل شريعة من شرائع الدين ‪ ،‬وقد أمر بالتبليغ ‪ .‬قال ‪ :‬وهذا أصل من‬
‫الصول وعليه يأت إسقاط الزكاة من الضر والبقول مع وجود الزكاة فيها ‪ ،‬لعموم قول النب صلى‬
‫ال عليه وسلم ‪:‬‬
‫"فيما سقت السماء والعيون والبعل العشر ‪ ،‬وفيما سقي بالنضح نصف العشر" ‪ ،‬لنا نزلنا ترك نقل‬
‫أخذ النب صلى ال عليه وسلم الزكاة منها كالسنة القائمة ف أن ل زكاة فيها ‪ .‬فكذلك نزل ترك‬
‫نقل السجود عن النب صلى ال عليه وسلم ف الشكر كالسنة القائمة ف أن ل سجود فيها ‪ .‬ث حكي‬
‫خلف الشافعي والكلم عليه ‪ ،‬والقصود من السألة توجيه مالك لا من حيث إنا بدعة ‪ ،‬ول توجيه‬
‫أنا بدعة على الطلق ‪.‬‬
‫وعلى هذا النحو جرى بعضهم ف تري نكاح الحلل ‪ ،‬وأنه بدعة منكرة فمن حيث وجد ف زمانه‬
‫عليه السلم العن القتضي للتخفيف والترخيص للزوجي بإجازة التحليل ليتراجعا كما كان أول مرة‬
‫‪ ،‬وأنه لا ل يشرع ذلك مع حرص امرأة رفاعة على رجوعها إليه دل على أن التحليل ليس بشروع‬
‫لا ول لغيها ‪ .‬وهو أصل صحيح إذا اعتب وضح به ما نن بصدده لن التزام الدعاء بآثار الصلوات‬
‫جهرا للحاضرين ف مساجد الماعات لو كان صحيحا شرعا أو جائزا لكان النب صلى ال عليه‬
‫وسلم أول بذلك أن يفعله ‪.‬‬
‫وقد علل النكر هذا الوضع بعلل تقتضي الشروعية ‪ ،‬وبن على فرض أنه ل يأت ما يالفه وأن‬
‫الصل الواز ف كل مسكوت عنه ‪.‬‬

‫‪192‬‬

‫الشاطبي‬

‫كتاب العتصام‬

‫أما أن الصل الواز فيمتنع ‪ ،‬لن طائفة من العلماء يذهبون إل أن الشياء قبل وجود الشرع على‬
‫النع دون الباحة ‪ ،‬فما الدليل على ما قال من الواز ؟ وإن سلمنا له من قال ‪ :‬فهل هو على‬
‫الطلق أم ل ؟ أما ف العاديات فمسلم ‪ ،‬ول نسلم أن ما نن فيه من العاديات بل من العبادات ‪،‬‬
‫ول يصح أن يقال فيما فيه تعبد ‪ :‬إنه متلف فيه على قولي هل هو على النع ؟ أم هو على الباحة ؟‬
‫لـ‬
‫بل هو أمر زائد على النع ‪ .‬لن التعبدبات إنا وضعها للشارع فل يقال ف صلة سادسة ـ مث ً‬
‫إنا على الباحة ‪ ،‬فللمكلف وضعها ـ على أحد القولي ليتعبد با ل ‪ .‬لنه باطل بإطلق ‪ ،‬وهو‬
‫اصل كل مبتدع يريد أن يستدرك على الشارع ‪ .‬ولو سلم أنه من قبيل العاديات أو من قبيل ما يعقل‬
‫معناه ‪ ،‬فل يصح العمل به أيضا لن ترك العمل به من النب صلى ال عليه وسلم ف جيع عمره ‪،‬‬
‫وترك السلف الصال له على توال أزمنتهم قد تقدم أنه نص ف الترك وإجاع من كل من ترك ‪ ،‬لن‬
‫عمل الجاع كنصه ‪ ،‬كما أشار مالك ف كلمه ‪.‬‬
‫وأيضا فيما يعلل له ل يصح التعليل به ‪ ،‬وقد أتى الراد بأوجه منه ‪:‬‬
‫أحدها ‪ :‬أن الدعاء بتلك اليئة ليظهر وجه التشريع ف الدعاء ‪ .‬وأنه بآثار الصلوات مطلوب ‪ .‬وما‬
‫قاله يقتضي أن يكون سنة بسبب الدوام والظهار ف الماعات والساجد وليس بسنة اتفاقا منا ومنه‬
‫‪ ،‬فانقلب إذا وجه التشريع ‪.‬‬
‫وأيضا فإن إظهار التشريع كان ف زمان النب صلى ال عليه وسلم أول ‪ ،‬فكانت تلك الكيفية التكلم‬
‫فيها أول للظهار ‪ ،‬ولا ل يفعله عليه الصلة والسلم دل على ترك مع وجود العن القتضي ‪ ،‬فل‬
‫يكن بعد زمانه ف تلك الكيفية إل الترك ‪.‬‬
‫والثان ‪ :‬أن المام يمعهم على الدعاء ليكون باجتماعهم أقرب إل الجابة ‪ .‬وهذه العلة كانت ف‬
‫زمانه عليه الصلة والسلم ‪ ،‬لنه ل يكون أحد أسرع إجابة لدعائه منه ‪ ،‬إذ كان ماب الدعوة بل‬
‫إشكال ‪ ،‬بلف غيه ‪ ،‬وإن عظم قدره ف الدين فل يبلغ رتبته ‪ ،‬فهو كان أحق بأن يزيدهم الدعاء‬
‫لم خس مرات ف اليوم والليلة زيادة إل دعائهم لنفسهم ‪.‬‬
‫وأيضا فإن قصد الجتماع على الدعاء ل يكون بعد زمانه أبلغ ف البكطة من اجتماع يكون فيه سيد‬
‫الرسلي صلى ال عليه وسلم وأصحابه ‪ ،‬فكانوا بالتنبيه لذه النقبة أول ‪.‬‬
‫والثالث ‪ :‬قصد التعليم للدعاء ليأخذوا من دعائه ما يدعون به لنفسهم لئل يدعوا با ل يوز عقلً‬
‫أو شرعا ‪ ،‬وهذا التعليل ل ينهض فإن النب صلى ال عليه وسلم كان العلم الول ‪ ،‬ومنه تلقينا ألفاظ‬
‫الدعية ومعانيها ‪ ،‬وقد كان من العرب من يهل قدر الربوبية فيقول ‪:‬‬
‫رب العباد ما لنا وما لك أنزل علينا الغيث ل أبا لك‬
‫وقال الخر ‪:‬‬
‫ول تغيك المور بعدي‬
‫ل هم إن كنت الذي بعهدي‬
‫‪193‬‬

‫الشاطبي‬

‫كتاب العتصام‬

‫وقال الخر ‪:‬‬
‫وجد الله بكم كما أجد‬
‫أبن ليتن ل أحبكم‬
‫وهي ألفاظ يفتقر أصحابا إل التعليم ‪ ،‬وكانوا أقرب عهد باهلية تعامل الصنام معاملة الرب الواحد‬
‫سبحانه ‪ ،‬ول تنهه كما يليق بلله ‪ ،‬فلم يشرع لم دعاء بيئة الجتماع ف آثار الصلوات دائما‬
‫ليعلمهم أو يعنيهم على التعلم إذ صلوا معه ‪ ،‬بل علم ف مالس التعليم ‪ ،‬ودعا لنفسه إثر الصلة حي‬
‫بدا له ذلك ‪ .‬ول يلتفت إذ ذاك إل النظر للجماعة ‪ ،‬وهو كان أول اللق بذلك ‪.‬‬
‫والرابع ‪ :‬أن ف الجتماع على الدعاء تعاونا على الب والتقوى ‪ ،‬وهو مأمور به ‪ ،‬وهذا الجتماع‬
‫ضعيف ‪ ،‬فإن النب صلى ال عليه وسلم هو الذي أنزل عليه ‪" :‬وتعاونوا على الب والتقوى" وكذلك‬
‫فعل ‪ ،‬ولو كان الجتماع للدعاء إثر الصلة جهرا للحاضرين من باب الب والتقوى لكان أول سابق‬
‫إليه ‪ ،‬لكنه ل يفعله أصلً ول أحد بعده حت حدث ما حدث ‪ .‬فدل على أنه ليس على ذلك الوجه‬
‫بر ول تقوى ‪.‬‬
‫والامس ‪ :‬أن عامة الناس ل علم لم باللسان العرب ‪ ،‬فربا لن فيكون اللحن سبب عدم الجابة ‪.‬‬
‫وحكي عن الصمعي ف ذلك حكاية شعرية ل فقهية ‪ ،‬وهذا الجتماع إل اللعب أقرب منه إل الد‬
‫‪ ،‬وأقرب ما فيه أن أحدا من العلماء ل يشترط ف الدعاء أن ل يلحن كما يشترط الخلص وصدق‬
‫التوجيه وعزم السألة ‪ ،‬وغي ذلك من الشروط ‪ .‬وتعلم اللسان العرب لصلح اللفاظ ف الدعاء ‪،‬‬
‫وإن كان المام أعرف به هو كسائر ما يتاج إليه النسان من أمر دينه ‪ .‬فإن كان الدعاء مستحبا‬
‫فالقراءة واجبة ‪ ،‬والفقه ف الصلة كذلك ‪ ،‬فإن كان تعليم الدعاء إثر الصلة مطلوبا ‪ ،‬فتعليم فقه‬
‫الصلة آكد ‪ ،‬فكان من حقه أن يعل ذلك من وظائف آثار الصلة ‪.‬‬
‫فإن قيل بوجبه ف الحرف التعارف ‪ .‬فهذه القاعدة تتث أصله ‪ ،‬لن السلف الصال كانوا أحق‬
‫بالسبق إل فضله لميع ما ذكر فيه من الفوائد ‪ ،‬ولذلك قال مالك فيها ‪ :‬أترى الناس اليوم كانوا‬
‫أرغب ف الي من مضى ؟ وهو إشارة إل الصل الذكور ‪ ،‬وهو أن العن القتضى للحداث ـ‬
‫وهو الرغبة ف الي ـ كان أت ف السلف الصال وهم ل يفعلوه ‪ ،‬فدل على أنه ل يفعل ‪.‬‬
‫وأما ما ذكر من آداب الدعاء فكله ل يتعي له إثرالصلة ‪ .‬بدليل أن رسول ال عليه وسلم علم منها‬
‫جلة كافية ول يعلم منها شيئا إثر الصلة ‪ ،‬ول تركهم دون تعليم ليأخذوا ذلك منه ف آخر‬
‫الصلة ‪ ،‬أو ليستغنوا بدعائه عن تعليم ذلك ‪ ،‬ومع أن الاضرين للدعاء ل يصل لم ف المام ف‬
‫ذلك كبي شيء ‪ ،‬وإن حصل فلمن كان قريبا منه دون من بعد ‪.‬‬
‫فصل ث استدل الستنصر بالقياس‬

‫‪194‬‬

‫الشاطبي‬

‫كتاب العتصام‬

‫ث استدل الستنصر بالقياس فقال ‪ :‬وإن صح أن السلف ل يعملوا به فقد عمل السلف با ل يعمل به‬
‫من قبلهم ما هو خي ـ ث قال بعد ـ قد قال عمر بن عبد العزيز رضي ال عنه ‪ :‬تدث للناس‬
‫أقضية بقدر ما أحدثوا من الفجور فكذلك تدث لم مرغبات ف الي بقدر ما أحدثوا من الفتور ‪.‬‬
‫وهذا الستدلل غي جار على الصول ‪:‬‬
‫أما أولً ‪ :‬فإنه ف مقابلة النص ‪ ،‬وهو ما أشار إليه مالك ف مسألة العتبية ‪ ،‬فذلك من باب فساد‬
‫العتبار ‪.‬‬
‫وأما ثانيا ‪ :‬فإنه قياس على نص ل يثبت بعد من طريق مرضي ‪ ،‬وهذا ليس كذلك ‪.‬‬
‫وأما ثالثا ‪ :‬فإن كلم عمر بن عبد العزيز فرع اجتهادي جاء عن رجل متهد يكن أن يطىء فيه‬
‫كما يكن أن يصيب ‪ ،‬وإنا حقيقة الصل أن يأت عن النب صلى ال عليه وسلم أو عن أهل الجاع‬
‫‪ ،‬وهذا ليس عن واحد منهما ‪.‬‬
‫وأما رابعا ‪ :‬فإنه قياس بغي معن جامع أو بعن جامع غي طردي ‪ ،‬ولكن الكلم فيه سيأت ـ إن‬
‫شاء ال ـ ف الفرق بي الصال الرسلة والبدع ‪.‬‬
‫وقوله ‪ :‬إن السلف عملوا با ل يعمل به من قبلهم حاش ل أن يكونوا من يدخل تت هذه الترجة‬
‫‪.‬‬
‫وقوله ‪ :‬ما هو خي أما بالنسبة إل السلف فما عملوا خي ‪ ،‬وأما فرعه القيس فكونه خيا دعوى ‪،‬‬
‫لن كون الشيء خيا أو شرا ل يثبت إل بالشرع ‪ ،‬أو لن الدعاء على تلك اليئة خي شرعا ‪.‬‬
‫وأما قياسه على قوله ‪ :‬تدث للناس أقضية فمما تقدم يعلم بطلنه وفيه أمر آخر ‪ ،‬وهو التصريح‬
‫بأن إحداث العبادات جائز قياسا على قول عمر ‪ ،‬وإنا كلم عمر بعد تسليم القياس عليه ف معن‬
‫عادي يتلف فيه مناط الكم الثابت فيما تقدم ‪ ،‬كتضمي الصناع ‪ ،‬أو الظنة ف توجيه اليان ‪،‬‬
‫دون مرد الدعاوى ‪ ،‬فيقول‬
‫إن الولي توجهت عليهم بعض الحكام لصحة المانة والديانة والفضيلة ‪ ،‬فلما حدثت أضدادها‬
‫اختلف الناط فوجب اختلف الكم ‪ ،‬وهو حكم رادع أهل الباطل عن باطلهم ‪ ،‬فأثر هذا العن‬
‫ظاهر مناسب بلف ما نن فيه ‪ ،‬فإنه على الضد من ذلك ‪ ،‬أل ترى أن الناس إذا وقع فيهم الفتور‬
‫عن الفرائض فضلً عن النوافل ـ وهي ما هي من القلة والسهولة ـ فما ظنك بم إذا زيد عليهم‬
‫أشياء أخرى يرغبون فيها ‪ ،‬ويضون على استعمالا ‪ ،‬فل شك أن الوطائف تتكاثر حت يؤدي إل‬
‫أعظم من الكسل الول ‪ ،‬وإل ترك الميع ‪،‬فإن حدث للعامل بالبدعة هو ف بدعته ‪ ،‬أو لن شايعه‬
‫فيها ‪ .‬فل بد من كسله ما هو أول ‪.‬‬
‫فنحن نعلم أن ساهر ليلة النصف من شعبان لتلك الصلة الحدثة ل يأتيه الصبح إل وهو نائم أو ف‬
‫غاية الكسل فيخل بصلة الصبح ‪ ،‬وكذلك سائر الحدثات فصارت هذه الزيادة عائدة على ما هو‬
‫‪195‬‬

‫الشاطبي‬

‫كتاب العتصام‬

‫أول منها بالبطال أو الخلل ‪ ،‬وقد مر أن ما من بدعة تدث إل ويوت من السنة ما هو خي منها‬
‫‪.‬‬
‫وأيضا ‪ ،‬فإن هذا القياس مالف لصل شرعي ‪ ،‬وهو طلب النب صلى ال عليه وسلم السهولة والرفق‬
‫والتيسي وعدم التشديد ‪ ،‬وزيادة وظيفة ل تشرع فتظهر ويعمل با دائما ف مواطن السنن ‪ ،‬فهو‬
‫تشديد بل شك ‪ ،‬وإن سلمنا ما قال ‪ ،‬فقد وجد كل مبتدع من العامة السبيل إل إحداث البدع ‪،‬‬
‫وأخذ هذا الكلم بيده حجة وبرهانا على صحة ما يدثه كائنا ما كان ‪ ،‬وهو مرمى بعيد ‪.‬‬
‫فصل ث استدل على جواز الدعاء أثر الصلوات‬
‫ث استدل على جواز الدعاء إثر الصلة ف الملة ‪ ،‬ونقل ف ذلك عن مالك وغيه أنواعا من‬
‫الكلم ‪ ،‬وليس هذا مل الناع بل جعل الدلة شاملة لتلك الكيفية الذكورة ‪ .‬وعقب ذلك بقوله ‪:‬‬
‫وقد تظاهرت الحاديث والثار وعمل الناس وكلم العلماء على هذا العن ‪ ،‬كما قد ظهر ـ قال‬
‫ـ ومن العلوم أنه عليه السلم كان المام ف الصلوات ‪ ،‬وأنه ل يكن ليخص نفسه بتلك الدعوات ‪،‬‬
‫إذ قد جاء من سنته ‪:‬‬
‫" ل يل لرجل أن يؤم قوما إل بإذنم‪ ،‬ول يص نفسه بدعوة دونم ‪ ،‬فإن فعل فقد خانم" ‪ .‬فتأملوا‬
‫يا أول اللباب ! فإن عامة النصوص فيما سع من أدعيته ف أدبار الصلوات إنا كان دعاء لنفسه ‪،‬‬
‫وهذا الكلم يقول فيه ‪ :‬إنه ل يكن ليخص نفسه بالدعاء دون الماعة ‪ ،‬وهذا تناقض ‪ ،‬ومن ال‬
‫نسأل التوفيق ‪.‬‬
‫وإنا حل الناس الديث على دعاء المام ف نفس الصلة من السجود وغيه ‪ ،‬ل فيما حله عليه هذا‬
‫التأول ‪ ،‬ولا ل يصح العمل بذلك الديث عند مالك أجاز للمام أن يص نفسه بالدعاء دون‬
‫الأمومي ‪ .‬ذكره ف النوادر ‪ ،‬ولا اعترضه كلم العلماء وكلم السلف ما تقدم ذكره ‪ ،‬أخذ يتأول‬
‫ويوجه كلمهم على طريقتة الرتبكة ووقع له ف كلم على غي تأمل ل يسلم ظاهره من التناقض‬
‫والتدافع لوضوح أمره ‪ ،‬وكذلك ف تأويل الحاديث الت نقلها ‪ ،‬لكن تركت هنا استيفاء الكلم‬
‫عليها لطوله ‪ ،‬وقد ذكرته ف غي هذا الوضع ‪ ،‬والمد ل على ذلك ‪.‬‬
‫فصل ويكن أن يدخل ف البدع الضافية كل عمل اشتبه أمره فلم يتبي أهو بدعة‬
‫ويكن أن يدخل ف البدع الضافية كل عمل اشتبه أمره فلم يتبي أهو بدعة فينهى عنه ؟ أم غي بدعة‬
‫فيعمل به ؟ فإنا إذا اعتبناه بالحكام الشرعية وجدناه من الشتبهات الت قد ندبنا إل تركها حذرا‬
‫من الوقوع ف الحظور ‪ .‬والحظور هنا هو العمل بالبدعة ‪ ،‬فإذا العامل به ل يقطع أنه عمل ببدعة ‪،‬‬

‫‪196‬‬

‫الشاطبي‬

‫كتاب العتصام‬

‫كما أنه ل يقطع أنه عمل بسنة ‪ ،‬فصار من جهة هذا التردد غي عامل ببدعة حقيقية ‪ ،‬ول يقال أيضا‬
‫‪ :‬إنه خارج عن العمل با جلة ‪.‬‬
‫وبيان ذلك أن النهي الوارد ف الشتبهات إنا هو حاية أن يقع ف ذلك المنوع الواقع فيه الشتباه ‪،‬‬
‫ل للميتة ف الشتباه‬
‫فإذا اختلطت اليتة بالذكية نيناه عن القدام ‪ ،‬فإن أقدم أمكن عندنا أن يكون آك ً‬
‫‪ ،‬فالنهي الخف إذا منصرف نو اليتة ف الشتباه ‪ ،‬كما انصرف إليها النهي الشد ف التحقق ‪.‬‬
‫وكذلك اختلط الرضيعة بالجنبية ‪ :‬النهي ف الشتباه منصرف إل الرضيعة كما انصرف إليها ف‬
‫التحقق ‪ ،‬وكذلك سائر الشتبهات إنا ينصرف ني القدام على الشتبه إل خصوص المنوع‬
‫الشتبه ‪ ،‬فإذا الفعل الدائر بي كونه سنة أو بدعة إذا ني عنه ف باب الشتباه ني عن البدعة ف‬
‫الملة ‪ ،‬فمن أقدم على منهي عنه ف باب البدعة لنه متمل أن يكون بدعة ف نفس المر ‪ ،‬فصار‬
‫من هذا الوجه كالعامل بالبدعة النهي عنها ‪ ،‬وقد مر أن البدعة الضافية هي الواقعة ذات وجهي ‪،‬‬
‫فلذلك قيل ‪ :‬إن هذا القسم من قبيل البدع الضافية ‪ ،‬ولذا النوع أمثلة ‪:‬‬
‫أحدها ‪ :‬إذا تعارضت الدلة على الجتهد ف أن العمل الفلن مشروع يتعبد به ‪ ،‬أو غي مشروع‬
‫فل يتعبد به ‪ ،‬ول يتبي جع بي الدليلي ‪ ،‬أو إسقاط أحدها بنسخ أو ترجيح أو غيها ‪ ،‬فقد ثبت‬
‫ف الصول أن فرضه التوقف ‪ ،‬فلو عمل بقتضى دليل التشريع من غي مرجح لكان عاملً بتشابه ‪،‬‬
‫لمكان صحة الدليل بعدم الشروعية ‪ ،‬فالصواب الوقوف عن الكم رأسا ‪ ،‬وهو الفرض ف حقه ‪.‬‬
‫والثان ‪ :‬إذا تعارضت القوال على القلد ف السألة بعينها ‪ ،‬فقال بعض العلماء ‪ :‬يكون العمل بدعة ‪،‬‬
‫وقال بعضهم ‪ :‬ليس ببدعة ‪ ،‬ول يتبي له الرجح من العالي بأعلمية أو غيها ‪ ،‬فحقه الوقوف‬
‫والسؤال عنهما حت يتبي له الرجح فيميل إل تقليده دون الخر ‪،‬فإن أقدم على تقليد أحدها من‬
‫غي مرجح كان حكمه حكم الجتهد إذا أقدم على العمل بأحد الدليلي من غي ترجيح ‪ ،‬فالثالن ف‬
‫العن واحد ‪.‬‬
‫والثالث ‪ :‬أنه ثبت ف الصحاح عن الصحابة رضي ال عنهم كانوا يتبكون بأشياء من رسول ال‬
‫صلى ال عليه وسلم ‪ ،‬ففي البخاري عن "أب جحيفة رضي ال عنه قال ‪:‬‬
‫خرج علينا رسول ال صلى ال عليه وسلم بالاجرة فأت بوضوء فتوضأ ‪ ،‬فجعل الناس يأخذون من‬
‫فضل وضوئه فيتمسحون به " الديث ‪ ،‬وفيه ‪ :‬كان إذا توضأ يقتتلون على وضوئه ‪.‬‬
‫وعن السور رضي ال عنه ف حديث الديبية ‪" :‬وما انتخم النب صلى ال عليه وسلم نامة إل‬
‫وقعت ف كف رجل منهم فدلك با وجهه وجلده" ‪ ،‬وخرج غيه من ذلك كثيا ف التبك بشعره‬
‫وثوبه وغيها ‪ ،‬حت أنه مس بإصبعه أحدهم بيده فلم يلق ذلك الشعر الذي مسه عليه السلم حت‬
‫مات ‪.‬‬

‫‪197‬‬

‫الشاطبي‬

‫كتاب العتصام‬

‫وبالغ بعضهم ف ذلك حت شرب دم حجامته إل أشياء كهذا كثية ‪ ،‬فالظاهر ف مثل هذا النوع أن‬
‫يكون مشروعا ف حق وليته واتباعه لسنة رسول ال صلىال عليه وسلم ‪ ،‬وأن يتبك بفضل وضوئه‬
‫‪ ،‬ويتدلك بنخامته ‪ ،‬ويستشفى بآثاره كلها ‪ ،‬ويرجى نو ما كان ف آثار التبوع الصل صلى ال‬
‫عليه وسلم ‪.‬‬
‫إل أنه عارضنا ف ذلك أصل مقطوع به ف متنه ‪ ،‬مشكل ف تنيله ‪ ،‬وهو أن الصحابة رضي ال‬
‫عنهم بعد موته عليه السلم ل يقع من أحد منهم شيء من ذلك بالنسبة إل من خلفه ‪ ،‬إذ ل يترك‬
‫النب صلى ال عليه وسلم بعده ف المة أفضل من أب بكر الصديق رضي ال عنه ‪ ،‬فهو كان‬
‫خليفته ‪ ،‬ول يفعل به شيء من ذلك ول عمر رضي ال عنهما ‪ ،‬وهو كان ف المة ‪ ،‬ث كذلك‬
‫عثمان ث علي ث سائر الصحابة الذين ل أحد أفضل منهم ف المة ‪ ،‬ث ل يثبت لواحد منهم من‬
‫طريق صحيح معروف أن متبكا تبك به على أحد تلك الوجوه أو نوها ‪ ،‬بل اقتصروا فيهم على‬
‫القتداء بالفعال والقوال والسي الت اتبعوا فيها النب صلى ال عليه وسلم ‪ ،‬فهو إذا إجاع منهم‬
‫على ترك تلك الشياء ‪.‬‬
‫أحدها ‪ :‬أن يعتقدوا فيه الختصاص وأن مرتبة النبوة يسع فيها ذلك كله للقطع بوجود ما التمسوا‬
‫من البكة والي ‪ ،‬لنه عليه السلم كان نورا كله ف ظاهره وباطنه ‪ ،‬فمن التمس منه نورا وجده‬
‫على أي جهة التمسه ‪ ،‬بلف غيه من المة ـ وإن حصل له من نور القتداء به والهتداء بديه ما‬
‫شاء ال ـ ل يبلغ مبلغه على حال توازيه ف مرتبته ‪ ،‬ول تقاربه فصار هذا النوع متصا به‬
‫كاختصاصه بنكاح ما زاد على الربع ‪ ،‬وإحلل بضع الواهبة نفسها له ‪ ،‬وعدم وجوب القسم عليه‬
‫للزوجات وشبه ذلك ‪ ،‬فعلى هذا الأخذ ‪ :‬ل يصح لن بعده القتداء به ف التبك على أحد تلك‬
‫الوجوه ونوها ‪ ،‬ومن اقتدى به كان اقتداؤه بدعة ‪ ،‬كما كان القتداء به ف الزيادة على أربع نسوة‬
‫بدعة ‪.‬‬
‫الثان ‪ :‬أن ل يعتقدوا الختصاص ولكنهم تركوا ذلك من باب الذرائع خوفا من أن يعل ذلك سنة‬
‫ـ كما تقدم ذكره ف اتباع الثار ـ والنهي عن ذلك ‪ ،‬أو لن العامة ل تقتصر ف ذلك على حد ‪،‬‬
‫بل تتجاوز فيه الدود ‪ ،‬وتبالغ بهلها ف التماس البكة ‪ ،‬حت يداخلها للمتبك به تعظيم يرج به‬
‫عن الد فربا اعتقد فيالتبك به ما ليس فيه ‪ ،‬وهذا التبك هو أصل العبادة ‪ ،‬ولجله قطع عمر رضي‬
‫ال عنه الشجرة الت بويع تتها رسول ال صلى ال عليه وسلم ‪ ،‬بل هو كان أصل عبادة الوثان ف‬
‫المم الالية ـ حسبما ذكره أهل السي ـ فخاف عمر رضي ال عنه أن يتمادى الال ف الصلة‬
‫إل تلك الشجرة حت تعبد من دون ال ‪ ،‬فكذلك يتفق عند التوغل ف التعظيم ‪.‬‬
‫ولقد حكى الفرغان مذيل تاريخ الطبي عن اللج أن أصحابه بالغوا ف التبك به حت كانوا‬
‫يتمسحون ببوله ويتبخرون بعذرته ‪ ،‬حت ادعوا فيه اللية تعال ال عنا يقولون علوا كبيا ‪.‬‬
‫‪198‬‬

‫الشاطبي‬

‫كتاب العتصام‬

‫ولن الولية وإن ظهر لا ف الظاهر آثار فقد يفى أمرها ‪ ،‬لنا ف القيقة راجعة إل أمر باطن ل‬
‫يعلمه إل ال ‪ ،‬فربا ادعيت الولية لن ليس بول ‪ ،‬أو ادعاها هو لنفسه ‪ ،‬أو أظهر خارقة من خوارق‬
‫العادات هي من باب الشعوذة ل من باب الكرامة ‪ ،‬أو من باب السحر ‪ ،‬أو الواص أوغي ذلك ‪،‬‬
‫والمهور ل يعرف الفرق بي الكرامة والسحر فيعظمون من ليس بعظيم ويقتدون بن ل قدوة فيه‬
‫ـ وهو الضلل البعيد ـ إل غي ذلك من الفاسد ‪ ،‬وتركوا العمل با تقدم ـ وإن كان له أصل ـ‬
‫لا يلزم عليه من الفساد ف الدين ‪.‬‬
‫وقد يظهر بأول وهلة أن هذا الوجه الثان أرجح ‪ ،‬لا ثبت ف الًصول العلمية أن كل قربة أعطيها‬
‫الن صلى ال عليه وسلم فإن لمته أنوذجا منها ‪ ،‬ما ل يدل دليل على الختصاص ‪.‬‬
‫إل أن الوجه الول راجح من جهة أخرى ‪ ،‬وهو إطباقهم على الترك إذ لو كان اعتقادهم التشريع‬
‫لعمل بع بعضهم بعده ‪ ،‬أو عملوا به ولو ف بعض الحوال إما وقوفا مع أصل الشروعية ‪ ،‬وإما بناء‬
‫على اعتقاد انتقاء العلة الوجبة للمتناع ‪.‬‬
‫وقد خرج ابن وهب ف جامعه من حديث يونس ين يزيد ‪ ،‬عن ابن شهاب قال ‪:‬‬
‫حدثن رجل من النصار ‪:‬‬
‫"أن رسول ال صلى ال عليه وسلم كان إذا توضأ أو تنخم ابتدر من حوله من السلمي وضوءه‬
‫ونامته فشربوه ومسحوا به جلودهم ‪ ،‬فلما رآهم يصنعون ذلك سألم ‪ :‬ل تفعلون هذا ؟ قالوا ‪:‬‬
‫نلتمس الطهور والبكة بذلك ‪ .‬فقال رسول ال صلى ال عليه وسلم ‪ :‬من كان منكم يب ال‬
‫ورسوله فليصدق الديث ‪ ،‬وليؤد المانة ول يؤذ جاره" فإن صح هذا النقل فهو مشعر بأن الول‬
‫تركه وأن يتحرى ما هو آكد والحرى من وظائف التكليف ‪ ،‬ول يلزم النسان ف خاصة نفسه ‪،‬‬
‫ول يثبت من ذلك كله إل ما كان من قبيل الرقية وما يتبعها أو دعاء الرجل لغيه على وجه سيأت‬
‫بول ال ‪.‬‬
‫فقد صارت السألة من أصلها دائرة بي أمرين ‪ :‬أن تكون مشروعة ‪ ،‬فدخلت تت حكم التشابه أو‬
‫تكون غي مشروعة وال أعلم ‪.‬‬
‫فصل ومن البدع الضافية الت تقرب من القيقية أن يكون أصل العبادة مشروعا‬
‫ومن البدع الضافية الت تقرب من القيقية أن يكون أصل العبادة مشروعا إل أنا ترج عن أصل‬
‫شرعيتها بغي دليل توها أنا باقية على أصلها تت مقتضى الدليل ‪ ،‬وذلك بأن يقيد إطلقها بالرأي ‪،‬‬
‫أو يطلق تقييدها ‪ ،‬وبالملة فتخرج عن حدها الذي حد لا ‪.‬‬
‫ومثال ذلك أن يقال ‪ :‬إن الصوم ف الملة مندوب إليه ل يصه الشارع بوقت دون وقت ‪ ،‬ول حد‬
‫فيه زمانا دون زمان ‪ ،‬ما عدا ما ني عن صيامه على الصوص كالعيدين ‪ ،‬وندب إليه على‬
‫‪199‬‬

‫الشاطبي‬

‫كتاب العتصام‬

‫الصوص كعرفة وعاشوراء بقول ‪ ،‬فإذا خص منه يوما من المعة بعينه ‪ ،‬أو أياما من الشهر بأعيانا‬
‫ـ ل من جهة ما عينه الشارع ـ فإن ذلك ظاهر بأنه من جهة اختيار الكلف ‪ ،‬كيوم الربعاء مثلً‬
‫ف المعة ‪ ،‬والسابع والثامن ف الشهر ‪ ،‬وما أشبه ذلك ‪ ،‬بيث ل يقصد بذلك وجها بعينه ما ل‬
‫ينثن عنه ‪ .‬فإذا قيل له ‪ :‬ل خصصت تلك اليام دون غيها ؟ ل يكن له بذلك حجة غي التصميم ‪،‬‬
‫أو يقول ‪ :‬إن الشيخ الفلن مات فيه أو ما أشبه ذلك ‪ ،‬فل شك أنه رأي مض بغي دليل ‪ ،‬ضاهى‬
‫به تصيص الشارع أياما بأعيانا دون غيها ‪ ،‬فصار التخصيص من الكلف بدعة ‪ ،‬إذ هي تشريع‬
‫بغي مستند ‪.‬‬
‫ومن ذلك تصيص اليام الفاضلة بأنواع من العبادات الت ل تشرع لا تصيصا ‪ ،‬كتخصيص اليوم‬
‫بكذا وكذا من الركعات ‪ ،‬أو بصدقة كذا وكذا ‪ ،‬أو الليلة الفلنية بقيام كذا وكذا ركعة ‪ ،‬أو بتم‬
‫القرآن فيها أو ما أشبه ذلك فإن ذلك التخصيص والعمل به إذا ل يكن بكم الوفاق أو بقصد يقصد‬
‫مثله أهل العقل والفراغ والنشاط ‪ ،‬كان تشريعا زائدا ‪.‬‬
‫ول حجة له ف أن يقول ‪ :‬إن هذا الزمان ثبت فضله على غيه فيحسن فيه إيقاع العبادات لنا نقول‬
‫‪ :‬هذا السن هل ثبت له أصل أم ل ؟ فإن ثبت فهو مسألتنا كما ثبت الفضل ف قيام ليال رمضان ‪،‬‬
‫وصيام ثلثة أيام من كل شهر ‪ ،‬وصيام الثني والميس ‪ ،‬فإن ل يثبت فما مستندك فيه العقل ل‬
‫يسن ول يقبح ول شرع يستند إليه ؟ فلم يبق إل أنه ابتداع ف التخصيص ‪ ،‬كإحداث الطب‬
‫وتري ختم القرآن ف بعض ليال رمضان ‪.‬‬
‫ومن ذلك التحدث مع العوام با ل تفهمه ول تعقل معناه ‪ ،‬فإنه من باب وضع الكمة غي‬
‫موضعها ‪ ،‬فسامعها إنا أن يفهمها على غي وجهها ـ وهو الغالب ـ وهو فتنة تؤدي إل التكذيب‬
‫بالق ‪ ،‬وإل العمل بالباطل ‪ .‬وإما ل يفهم منها شيئا وهو أسلم ‪ ،‬ولكن الحدث ل يعط الكمة‬
‫حقها من الصون ‪ ،‬بل صار التحدث با كالعابث بنعمة ال ‪.‬‬
‫ث إن ألقاها لن ل يعقلها ف معرض النتفاع بعد تعقلها كان من باب التكليف با ل يطاق ‪ .‬وقد‬
‫جاء النهي عن ذلك ‪ .‬فخرج أبو داود حديثا عن النب صلى ال عليه وسلم ‪:‬‬
‫"أنه نى عن الغلوطات " ‪ .‬قالوا ‪ :‬وهي صعاب السائل أو شرار السائل ‪ ،‬وف الترمذي ـ أو غيه‬
‫ل أتى النب صلى ال عليه وسلم فقال ‪ :‬يا رسول ال ! أتيتك لتعلمن من غرائب العلم ‪،‬‬
‫ـ "أن رج ً‬
‫فقال عليه السلم ‪ :‬ما صنعت ف رأس العلم ؟ قال ‪ :‬وما رأس العلم ؟ قال ‪ :‬هل عرفت الرب ؟ قال‬
‫‪ :‬نعم ‪.‬قال ‪ :‬فما صنعت ف حقه ؟ قال ‪ :‬ما شاء ال ‪ ،‬فقال رسول ال صلى ال عليه وسلم ‪ :‬اذهب‬
‫فأحكم ما هنالك ث تعال أعلمك من غرائب العلم" ‪ ،‬وهذا العن هو مقتضى الكمة ‪ ،‬ل تعلم‬
‫الغرائب إل يعد إحكام الصول ‪ ،‬وإل دخلت الفتنة ‪ ،‬وقد قالوا ف العال الربان ‪ :‬إنه الذي يرب‬
‫بصغار العلم قبل كباره ‪.‬‬
‫‪200‬‬

‫الشاطبي‬

‫كتاب العتصام‬

‫وهذه الملة شاهدها ف الديث الصحيح مشهور ‪ .‬وقد ترجم على ذلك البخاري فقال ‪ ( :‬باب‬
‫من رخص بالعلم قوما دون قوم كراهية أن ل يفهموا ) ‪ ،‬ث أسند عن علي بن أب طالب رضي ال‬
‫عنه أنه قال ‪ :‬حدثوا الناس با يعرفون ‪ ،‬اتبون أن يكذب ال ورسوله ؟ ث ذكر حديث معاذ الذي‬
‫أخب به عند موته تأثيما ‪ ،‬وإنا ل يذكره إل عند موته لن النب صلى ال عليه وسلم ل يأذن له ف‬
‫ذلك لا خشي من تنيله غي منلته ‪ ،‬وعلمه معاذا لنه من أهله ‪.‬‬
‫وف مسلم عن ابن مسعود رضي ال عنه قال ‪:‬‬
‫ما أنت بحدث قوما حديثا ل تبلغه عقولم إل كان لبعضهم فتنة ‪ :‬قال ابن وهب ‪ :‬وذلك أن‬
‫يتأولوه غي تأويله ويملوه على غي وجهه ‪.‬‬
‫وخرج شعبة عن كثي بن مرة الضرمي أنه قال ‪ :‬إن عليك ف عملك حقا كما أن عليك ف مالك‬
‫حقا ‪ ،‬ل تدث بالعلم غي أهله فتجهل ‪ ،‬ول تنع العلم أهله فتأث ‪ ،‬ول تدث بالكمة عند‬
‫السفهاء فيكذبوك ‪ ،‬ول تدث بالباطل عند الكماء فيمقتوك ‪.‬‬
‫وقد ذكر العلماء هذا العن ف كتبهم وبسطوه بسطا شافيا والمد ل ‪ .‬وإنا نبهنا عليه لن كثيا‬
‫من ل يقدر قدر هذا الوضع يزل فيه فيحدث الناس با ل تبلغه عقولم ‪ ،‬وهو على خلف الشرع ‪،‬‬
‫وما كان عليه سلف هذه المة ‪.‬‬
‫ومن ذلك أيضا جيع ما تقدم ف فضل السنة ‪ ،‬الت يكون العمل با ذريعة إل البدعة ‪ ،‬من حيث إنا‬
‫عمل با ول يعمل با سلف هذه المة ‪.‬‬
‫ومنه تكرار السورة الواحدة ف التلوة أو ف الركعة الواحدة ‪ ،‬فإن التلوة ل تشرع على ذلك الوجه‬
‫ول أن يص من القرآن شيئا دون شيء ل ف صلة ول ف غيها ـ فصار الخصص لا عاملً برأيه‬
‫ف التعبد ل ‪.‬‬
‫وخرج ابن وضاح عن مصعب قال ‪ :‬سئل سفيان عن رجل يكثر قراءة ‪" :‬قل هو ال أحد" ل يقرا‬
‫غيها كما يقرؤها ‪ ،‬فكرهه وقال ‪ :‬إنا أنتم متبعون فاتبعوا الولي ‪ ،‬ول يبلغنا عنهم نو هذا ‪ .‬وإنا‬
‫أنزل القرآن ليقرأ ول يص شيء دون شيء ‪.‬‬
‫وخرج أيضا ـ وه ف العتبية من ساع ابن القاسم ـ عن مالك رحه ال أنه سئل على قراءة "قل هو‬
‫ال أحد" مرارا ف الركعة الواحدة فكره ذلك وقال ‪ :‬هذا من مدثات المور الت أحدثوا ‪.‬‬
‫وممل هذا عند ابن رشد من باب الذريعة ‪ ،‬ولجل ذلك ل يأت مثله عن السلف ‪.‬‬
‫وإن كانت تعدل ثلث القرآن ـ كما ف الصحيح ـ وهو صحيح فتأمله ف الشرح ‪.‬‬
‫وف الديث أيضا ما يشعر بأن التكرار كذلك عمل مدث ف مشروع الصل بناء على ما قاله ابن‬
‫رشد فيه ‪.‬‬

‫‪201‬‬

‫الشاطبي‬

‫كتاب العتصام‬

‫ومن ذلك قراءة القرآن بيئة الجتماع عشية عرفة ف السجد للدعاء تشبها بأهل عرفة ‪ ،‬ونقل الذان‬
‫يوم المعة من النار وجعله قدام المام ‪ .‬ففي ساع ابن القاسم وسئل عن القرى الت ل يكون فيها‬
‫إمام إذا صلى بم رجل منهم المعة ‪ :‬أيطب بم ؟ قال ‪ :‬نعم ! ل تكون المعة إل بطبة ‪ ،‬فقيل له‬
‫‪ :‬أفيؤذن قدامه ؟ قال ‪ :‬ل ‪ ،‬واحتج على ذلك بفعل أهل الدينة ‪.‬‬
‫قال ابن رشد ‪ :‬الذان بي يدي المام ف المعة مكروه لنه مدث ‪ .‬قال وأول من أحدثه هشام بن‬
‫عبد اللك ‪ ،‬وإنا كان رسول ال صلى ال عليه وسلم إذا زالت الشمس وخرج فرقى النب ‪ ،‬فإذا رآه‬
‫الؤذن ـ وكانوا ثلثة ـ قاموا فأذنوا ف الشرفة واحدا بعد واحد كما يؤذن ف غي المعة ‪ ،‬فإذا‬
‫فرغوا أخذ رسول ال صلى ال عليه وسلم ف خطبته ‪ .‬ث تله أبو بكر وعمر رضي ال عنهما ‪،‬‬
‫فزاده عثمان رضي ال عنه لا كثر الناس أذانا بالزوراء عند زوال الشمس ‪ ،‬ويؤذن الناس فيه بذلك‬
‫أن الصلة قد حضرت ‪ ،‬وترك الذان ف الشرفة بعد جلوسه على النب على ما كان عليه ‪ ،‬فاستمر‬
‫المر على ذلك إل زمان هشام ‪ ،‬فنقل الذان الذي كان بالزوراء إل الشرفة ونقل الذان الذي كان‬
‫بالشرفة بي يديه ‪ ،‬وأمرهم أن يؤذنوا صفا ‪ .‬وتله على ذلك من بعده من اللفاء إل زماننا هذا ‪.‬‬
‫قال ابن رشد ‪ :‬وهو بدعة ‪ .‬قال ‪ :‬والذي فعله رسول ال صلى ال عليه وسلم واللفاء الراشدون‬
‫بعده هو السنة ‪.‬‬
‫وذكر ابن حبيب ما كان فعله عليه السلم وفعل اللفاء بعده كما ذكر ابن رشد وكأنه نقله من‬
‫كتابه ‪ ،‬وذكر قصة هشام ‪ .‬ث قال ‪ :‬والذي كان فعل رسول ال صلى ال عليه وسلم هي السنة ‪.‬‬
‫وثد حدثن أسد بن موسى ‪ ،‬عن يي بن سليم ‪ ،‬عن حعفر بن ممد بن جابر بن عبيد ال "أن‬
‫رسول ال صلى ال عليه وسلم قال ف خطبته ‪:‬أفضل الدي هدي ممد ‪ ،‬وشر المور مدثاتا ‪،‬‬
‫وكل بدعة ضللة" ‪.‬‬
‫وما قاله ابن حبيب من أن الذان عند صعود المام على النب كان باقيا ف زمان عثمان رضي ال عنه‬
‫موافق لا نفله أرباب النقل الصحيح ‪ ،‬وأن عثمان ل يزد على ما كان قبله إل الذان على الزوراء ‪،‬‬
‫فصار إذا نقل هشام الذان الشروع ف النار إل ما بي يديه بدعة ف ذلك الشروع ‪.‬‬
‫فإن قيل ‪ :‬فكذلك أذان الزوراء مدث أيضا ‪ ،‬بل هو مدث من أصله غي منقول من موضعه ‪،‬‬
‫فالذي يقال هنا يقال مثله ف أذان هشام ‪ ،‬بل هو أخف منه‪.‬‬
‫فالواب ‪ :‬أن أذان الزوراء وضع هنالك على أصله من العلم بوقت الصلة وجعله بذلك الوضع‬
‫لنه ل يكن ليسمع إذا وضع بالسجد كما كان ف زمان من قبله ‪ ،‬فصارت كائنة أخرى ل تكن‬
‫فيما تقدم ‪ ،‬فاجتهد لا كسائر مسائل الجتهاد ‪ ،‬وحي كان مقصودا الذان العلم فهو باق كما‬
‫كان ‪ ،‬فليس وضعه هنالك بناف ‪ ،‬إذ ل تترع فيه أقاويل مدثة ‪ ،‬ول ثبت أن الذان بالنار أ وف‬
‫سطح السجد تعبد غي معقول العن ‪ ،‬فهو اللئم من أقسام الناسب ‪ ،‬بلف نقله من النار إل ما‬
‫‪202‬‬

‫الشاطبي‬

‫كتاب العتصام‬

‫بي يدي المام ‪،‬فإنه قد أخرج بذلك أولً عن أصله من العلم ‪ ،‬إذ ل يشرع لهل السجد إعلم‬
‫بالصلة إل بالقامة ‪ ،‬وأذان جع الصلتي موقوف على مله ‪ ،‬ث أذانم على صوت واحد زيادة ف‬
‫الكيفية ‪.‬‬
‫ومن ذلك الذان والقامة ف العيدين ‪ ،‬فقد نقل ابن عبد الب اتفاق الفقهاء على أن ل أذان ول إقامة‬
‫فيهما ‪ ،‬ول ف شيء من الصلوات السنونات والنوافل ‪ ،‬وإنا الذان للمكتوبات ‪ ،‬وعلى هذا مضى‬
‫عمل اللفاء ‪ :‬أب بكر وعمر وعثمان وعلي ‪ ،‬وجاعة الصحابة رضي ال عنهم ‪ ،‬وعلماء التابعي ‪،‬‬
‫وفقهاء المصار ‪ ،‬وأول من أحدث الذان والقامة ف العيدين ـ فيما ذكر ابن حبيب ـ هشام بن‬
‫عبد اللك أراد أن يؤذن الناس بالذان بجيء المام ‪ ،‬ث بدا بالطبة قبل الصلة كما بدأ با مروان ‪،‬‬
‫ث أمر بالقامة بعد فراغه من الطبة ليؤذن الناس بفراغه من الطبة ودخوله ف الصلة لبعدهم عنه ‪.‬‬
‫( قال ) ‪ :‬ول يرد مروان وهشام إل الجتهاد فيما رأيا ‪ ،‬إل أنه ل يوز اجتهاد ف خلف رسول ال‬
‫صلى ال عليه وسلم ( قال ) ‪ :‬وقد حدثن ابن الاجشون أنه سع مالكا يقول ‪ :‬من أحدث ف هذه‬
‫المة شيئا ل يكن عليه سلفها ‪ ،‬فقد زعم أن رسول ال صلى ال عليه وسلم خان الرسالة ‪ ،‬لن ال‬
‫يقول ‪" :‬اليوم أكملت لكم دينكم وأتمت عليكم نعمت ورضيت لكم السلم دينا" فما ل يكن‬
‫يومئذ دينا فل يكون اليوم دينا ‪.‬‬
‫وقد روي أن الذي أحدث الذان معاوية ‪ ،‬وقيل ‪ :‬زياد ‪ ،‬وأن ابن الزبي فعله آخر إمارته ‪ ،‬والناس‬
‫على خلف هذا النقل ‪.‬‬
‫ولقائل أن يقول ‪ :‬إن الذان هنا نظي أذان الزوراء لعثمان رضي ال عنه ‪ ،‬فما تقدم فيه من التوجيه‬
‫الجتهادي جار هنا ‪ ،‬ول يكون بسبب ذلك مالفا للسنة ‪ ،‬لن قصة هشام نازلة ل عهد با فيما‬
‫تقدم ‪ ،‬لن الذان إعلم بجيء المام لفاء ميئه عن الناس لبعدهم عنه ‪ ،‬ث القامة للعلم‬
‫بالصلة ‪ ،‬إذ لولها ل يعرفوا دخوله ف الصلة فصار ذلك أمرا ل بد منه كأذان الزوراء ‪.‬‬
‫والواب ‪ :‬أن ميء المام ل يشرع فيه الذان وإن خفي على بعض الناس لبعده بكثرة الناس ‪،‬‬
‫فكذلك ل يشرع فيما بعد ‪ ،‬لن العلة كانت موجودة ث ل تشرع ‪ ،‬إذ ل يصح أن تكون العلة غي‬
‫مؤثرة ف زمان النب صلى ال عليه وسلم واللفاء بعده ث تصي مؤثرة ‪ ،‬وأيضا فإحداث الذان‬
‫والقامة انبن على إحداث تقدي الطبة على الصلة ‪ ،‬وما انبن على الحدث مدث ‪ ،‬ولنه لا ل‬
‫يشرع ف النوافل أذان ول اقامة على حال فهمنا من الشرع التفرقة بي النفل والفرض لئل تكون‬
‫النوافل كالفرائض ف الدعاء إليها ‪ ،‬فكان إحداث الدعاء إل النوافل ل يصادف ملً ‪ ،‬وبذه الوجه‬
‫الثلثة يصل الفرق بي أذان الزوراء وبي ما نن فيه ‪ ،‬فل يصح أن يقاس أحدها على الخر ‪،‬‬
‫والمثلة ف هذا العن كثية ‪.‬‬

‫‪203‬‬

‫الشاطبي‬

‫كتاب العتصام‬

‫ومن نوادرها الت ل ينبغي أن تغفل ما جرى به عمل جلة من ينتمي إل طريقة الصوفية من تربصهم‬
‫ببعض العبادات أوقاتا مصوصة غي ما وقته الشرع فيها ‪ ،‬فيضعون نوعا من العبادات الشروعة ف‬
‫زمن الربيع ‪ ،‬ونوعا آخر ف زمن الصيف ‪ ،‬ونوعا آخر ف زمن الريف ‪ ،‬ونوعا آخر ف زمن الشتاء‬
‫‪.‬‬
‫وربا وضعوا لنواع من العبادات لباسا مصوصا ‪ ،‬وأشباه ذلك من الوضاع الفلسفية يضعونا‬
‫شرعية ‪ ،‬أي متقربا با إل الضرة اللية ف زعمهم ‪ ،‬وربا وضعوها على مقاصد غي شرعية ‪،‬‬
‫كأهل التصريف بالذكار والدعوات ليستجلبوا با الدنيا من الال والاه والظوة ورفعة النلة ‪ ،‬بل‬
‫ليقتلوا با إن شاؤوا أو يرضوا ‪ ،‬أو يتصرفوا وفق أغراضهم ‪ .‬فهذه كلها بدع مدثات بعضها أشد‬
‫من بعض ‪ ،‬لبعد هذه الغراض عن مقاصد الشريعة السلمية الوضوعة مبأة عن مقاصد‬
‫التخرصي ‪ ،‬مطهرة لن تسك با عن أوضار اتباع الوى ‪ ،‬إذ كل متدين با عارف بقاصدها‪.‬‬
‫ينهها عن أمثال هذه القاصد الواهية ‪ ،‬فالستدلل على بطلن دعاويهم فيها من باب شغل الزمان‬
‫بغي ما هو أول ‪ .‬وقد تقرر ـ بول ال ـ ف أصل القاصد من كتاب الوافقات ما يؤخذ منه حكم‬
‫هذا النمط والبهان على بطلنه ‪ ،‬لكن على وجه كلي مفيد وبال التوفيق ‪.‬‬
‫وهذا كله إن فرضنا أصل العبادة مشروعا ‪ ،‬فإن كان أصلها غي مشروع فهي بدعة حقيقية مركبة‬
‫كالذكار والدعية بزعم العلماء أنا مبنية على علم الروف ‪ .‬وهو الذي اعتن به البون وغيه من‬
‫حذا حذوه أو قاربه ‪ .‬فإ ن ذلك العلم فلسفة ألطف من فلسفة معلمهم الول وهو أرسطاطاليس ‪،‬‬
‫فردوها إل أوضاع الروف ‪ ،‬وجعلوها هي الاكمة ف العال ‪ .‬وربا أشاروا عند العمل بقتضى‬
‫تلك الذكار وما قصد با إل تري الوقات والحوال اللئمة لطبائع الكواكب ليحصل التأثي‬
‫عندهم وحيا ‪ ،‬فحكموا العقول والطبائع ـ كما ترى ـ وتوجهوا شطرها ‪ ،‬وأعرضوا عن رب‬
‫العقل والطبائع ‪ ،‬وإن ظنوا أنم يقصدونه اعتقادا ف استدللم لصحة ما انتحلوا على وقوع المر‬
‫وفق ما يقصدون ‪ ،‬فإذا توجهوا بالذكر والدعاء الفروض على الغرض الطلوب حصل ‪ ،‬سواء عليهم‬
‫أنفعا كان أو ضرا ‪ ،‬وخيا كان أم شرا ‪ ،‬ويبنون على ذلك اعتقاد بلوغ النهاية ف إجابة الدعاء ‪ .‬أو‬
‫حصل نوع من كرامات الولياء ‪ ،‬كل ! ليس طريق ذلك التأثي من مرادهم ‪ ،‬ول كرامات الولياء‬
‫أو إجابة الدعاء من نتائج أورادهم ‪ ،‬فل تلقي بي الرض والسماء ‪ ،‬ول مناسبة بي النار والاء ‪.‬‬
‫فإن قلت ‪ :‬فلم يصل التأثي حسبما قصدوا؟ فالواب ‪ :‬إن ذلك ف الصل قبيل الفتنة الت اقتضاها‬
‫ف اللق "ذلك تقدير العزيز العليم" فالنظر إل وضع السباب والسببات أحكام وضعها الباري تعال‬
‫ف النفوس يظهر عندها ما شاء ال من التأثيات ‪ ،‬على نو ما يظهر على العيون عند الصابة ‪،‬‬
‫وعلى السحور عند عمل السحر ‪ ،‬بل هو بالسحر أشبه لستمدادها من أصل واحد ‪ ،‬وشاهده ما‬
‫جاء ف الصحيح خرجه مسلم من حديث أب هريرة رضي ال عنه قال ‪" :‬قال رسول ال صلى ال‬
‫‪204‬‬

‫الشاطبي‬

‫كتاب العتصام‬

‫عليه وسلم ‪ :‬إن ال يقول ‪ :‬أنا عند ظن عبدي ب ‪ ،‬وأنا معه إذا دعان " ـ وف بعض الروايات ـ "‬
‫أنا عند ظن عبدي ب فليظن ب ما شاء" وشرح هذه العان ل يليق با نن فيه ‪.‬‬
‫والاصل ‪ :‬أن وضع الذكار والدعوات ‪ ،‬على نو ما تقدم من البدع الحدثات ‪ ،‬لكن تارة تكون‬
‫البدعة فيها إضافية ‪ ،‬بإعتبار أصل الشروعة ‪.‬‬
‫فصل فإن قيل فالبدع الضافية هل يعتد با‬
‫فإن قيل ‪ :‬فالبدع الضافية هل يعتد با عبادات حت تكون من تلك الهة متقربا با إل ال تعال أم‬
‫ل تكون كذلك ؟ فإن كان الول فل تأثي إذا لكونا بدعة ‪ ،‬ول فائدة ف ذكره ‪ ،‬إذ ل يلو من‬
‫أحد المرين ‪ :‬إما أن ل يعتب بهة البتداع ف العبادة الفروضة ‪ .‬فتقع مشروعة يثاب عليها ‪ ،‬فتصي‬
‫جهة البتداع مغتفرة ‪ ،‬فل على البتدع فيها أن يبتدع ‪ .‬وإما أن يعتب البتداع ‪ ،‬فقد صار للبتداع‬
‫أثر ف ترتب الثواب ‪ ،‬فل يصح أن يكون منفيا عنه بإطلق ‪ ،‬وهو خلف ما تقرر من عموم الذم فيه‬
‫‪ .‬وإن كان الثان فقد تدث البدعة الضافية مع القيقية بالتقسيم الذي انبن عليه الباب الذي نن ف‬
‫شرحه ول فائدة فيه ‪.‬‬
‫فالواب ‪ :‬أن حاصل البدعة الضافية أنا ل تنحاز إل جانب مصوص ف الملة ‪ ،‬بل ينحاز با‬
‫الصلن ـ أصل السنة وأصل البدعة ـ لكن من وجهي ‪ .‬وإذا كان كذلك اقتضى النظر السابق‬
‫للذهن أن يثاب العامل با من جهة ما هو مشروع ‪ ،‬ويعاتب من جهة ما هو غي مشروع ‪ .‬إل أن‬
‫هذا النظر ل يتحصل لنه ممل ‪.‬‬
‫والذي ينبغي أن يقال ف جهة البدعة ف العمل ‪ :‬ل يلو أن تنفرد أو تلتصق وإن التصقت فل تلو أن‬
‫تصي وصفا للمشروع غي منفك ‪ ،‬إما بالقصد أو بالوضع الشرعي العادي أو ل تصي وصفا ‪ ،‬وإن‬
‫ل تصر وصفا فإما فإن أن يكون وضعها إل أن تصي وصفا أو ًل ‪.‬‬
‫فصل فهذه أربعة أقسام ال ـ فأما القسم الول ‪ :‬وهو أن تنفرد البدعة عن العمل‬
‫فهذه أربعة أقسام ل بد من بيانا ف تصيل هذا الطلوب بول ال ‪.‬‬
‫فأما القسم الول ‪ :‬وهو أن تنفرد البدعة عن العمل الشروع فالكلم فيه ظاهر ما تقدم ‪ ،‬إل إن‬
‫كان وضعه على جهة التعبد فبدعة حقيقية ‪ ،‬وإل فهو فعل من جلة الفعال العادية ل مدخل له فيما‬
‫نن فيه ‪ ،‬فالعبادة سالة والعمل العادي خارج من كل وجه ‪ .‬مثاله الرجل يريد القيام إل الصلة‬
‫فيتنحنح مثلً أو يتمخط أو يشي خطوات أو يفعل شيئا ول يقصد بذا وجها راجعا إل الصلة ‪،‬‬
‫وإنا يفعل ذلك عادة أو تقززا ‪ .‬فمثل هذا ل حرج فيه ف نفسه ول بالنسبة إل الصلة ‪ ،‬وهو من‬

‫‪205‬‬

‫الشاطبي‬

‫كتاب العتصام‬

‫جلة العادات الائزة ‪ ،‬إل أنه يشترط فيه أيضا أن ل يكون بيث يفهم منه النضمام إل الصلة‬
‫ل أو قصدا ‪،‬فإنه إذ ذاك يصي بدعة ‪ .‬وسيأت بيانه إن شاء ال ‪.‬‬
‫عم ً‬
‫ل ‪ ،‬ث قام بعده إل الصلة الشروعة‬
‫وكذلك أيضا إذا فرضنا أنه فعل قصد التقرب ما ل يشرع أص ً‬
‫ول يقصد فعله لجل الصلة ‪ ،‬ول كان مظنة لن يفهم منه انضمامه إليها ‪ ،‬فل يقدح ف الصلة ‪،‬‬
‫وإنا يرجع الذم فيه إل العمل به على النفراد ‪ .‬ومثله لو أرادالقيام إل العبادة ففعل عبادة مشروعة‬
‫من غي قصد النضمام ‪ ،‬ول جعله عرضة لقصد انضمامه ‪ ،‬فتلك العبادتان على أصالتهما‪ ،‬وكقول‬
‫الرجل عند الذبح أو العتق ‪ :‬اللهم منك وإليك ‪ .‬على غي التزام ول قصد النضمام ‪ ،‬وكقراءة‬
‫القرآن ف الطواف ل بقصد الطواف ول على اللتزام ‪ ،‬فكل عبادة هنا منفردة عن صاحبتها فل‬
‫حرج فيها ‪.‬‬
‫وعلى ذلك نقول ‪ :‬لو فرضنا أن الدعاء بيئة الجتماع وقع من أئمة الساجد ف بعض الوقات للمر‬
‫يدث عن قحط أو خوف من ملم لكان جائزا ‪ ،‬لنه على الشرط الذكور ‪ ،‬إذ ل يقع ذلك على‬
‫وجه ياف منه مشروعية النضمام ‪ ،‬ول كونه سنة تقام ف الماعات ويعلن به ف الساجد ‪ ،‬كما‬
‫دعا رسول ال صلى ال عليه وسلم دعاء الستسقاء بيئة الجتماع وهو يطب ‪ ،‬وكما أنه دعا‬
‫أيضا ف غي أعقاب الصلوات على هيئة الجتماع ‪ ،‬لكن ف الفرط وف بعض الحايي كسائر‬
‫الستحبات الت ل يتربص با وقتا بعينه وكيفية بعينها‪.‬‬
‫وخرج عن أب سعيد مول أسيد ‪ ...‬قال كان عمر رضي ال عنه إذا صلى العشاء أخرج الناس من‬
‫السجد ‪ ،‬فتخلف ليلة مع قوم يذكرون ال فأتى عليهم فعرفهم ‪ ،‬فألقى درته وجلس معهم ‪ ،‬فجعل‬
‫يقول ‪ :‬يا فلن ! ادع ال لنا ‪ ،‬يا فلن ادع ال لنا ‪ ،‬حت صار الدعاء إل غي ( ؟ )فكانوا يقولون ‪:‬‬
‫عمر فظ غليظ ‪،‬فلم أر أحدا من الناس تلك الساعة أرق من عمر رضي ال عنه ل ثكلى ول أحدا ‪.‬‬
‫وعنسلم العلوي قال ‪ :‬قال رجل لنس رضي ال عنه يوما ‪ :‬يا أبا حزة ! لو دعوت لنا بدعوات‬
‫‪...‬فقال ‪ :‬اللهم آتنا ف الدنيا حسنة وف الخرة حسنة ـقال ـ فأعادها مرارا ثلثا ‪ .‬فقال يا أبا‬
‫حزة ! لو دعوت ‪...‬فقال مثل ذلك ل يزيد عليه ‪ .‬فإذا كان المر على هذا فل إنكار فيه ‪ ،‬حت إذا‬
‫دخل فيه أمر زائد صار بتلك الزيادة مالفا للسنة ‪ ،‬فقد جاء ف دعاء النسان لغيه الكراهية عن‬
‫السلف ‪ ،‬ل على حكم الصالة بل بسبب ما ينضم إليه من المور الخرجة عن الصل ‪ .‬ولنذكره‬
‫هنا لجتماع أطراف السألة ف التشبيه على الدعاء بيئة الجتماع بآثار الصلوات ف الماعات دائما‬
‫‪.‬‬
‫فخرج الطبي عن مدرك بن عمران ‪ ،‬قال ‪ :‬كتب رجل إل عمر رضي ال عنه ‪ :‬فادع ال ل ‪.‬‬
‫فكتب إليه عمر ‪ :‬إن لست بنب ‪ ،‬ولكن إذا أقيمت الصلة فاستغفر ال لذنبك ‪ .‬فإباية عمر رضي‬
‫ال عنه ف هذا الوضع ليس من جهة أصل الدعاء ‪ ،‬ولكن من جهة أخرى ‪ ،‬وإل تعارض كلمه مع‬
‫‪206‬‬

‫الشاطبي‬

‫كتاب العتصام‬

‫ما تقدم فكأنه فهم من السائل أمرا زائدا على الدعاء فلذلك قال ‪ :‬لست بنب ‪ .‬وبذلك على هذا ما‬
‫روي عن سعد بن أب وقاص رضي ال عنه أنه لا قدم الشام أتاه رجل فقال ‪ :‬استغفر ل ‪ .‬فقال ‪:‬‬
‫غفر لك ‪ .‬ث أتاه آخر فقال ‪ :‬استغفر ل ‪ .‬فقال ‪ :‬ل غفر ال لك ول لذاك ‪ ،‬أنب أنا ؟ فهذا أوضح‬
‫ف أنه فهم من السائل أمرا زائدا ‪،‬وهو أن يعتقد فيه أنه مثل النب ‪ ،‬أو أنه وسيلة إل أن يعتقد ذلك ‪،‬‬
‫أو يعتقد أنه سنة تلزم ‪ ،‬أو يري ف الناس مرى السنن اللتزمة ‪.‬‬
‫ل قال لذيفة رضي ال عنه ‪ :‬استغفر ل ‪ .‬فقال ‪ :‬ل غفر ال لك ‪.‬‬
‫ونوه عن زيد بن وهب أن رج ً‬
‫ث قال ‪ :‬هذا يذهب إل نسائه فيقول استغفر ل حذيفة أترضي أن أدعو ال أن تكن مثل حذيفة ؟‬
‫فدل هذا على أنه وقع ف قلبه أمر زائد يكون الدعاء له ذريعة حت يرج عن أصله ‪ ،‬لقوله بعد ما‬
‫دعا على الرجل ‪ :‬هذا يذهب إل نسائه فيقول كذا ‪ .‬أي فيأت نساؤه لثلها ‪ ،‬ويشتهر المر حت‬
‫يتخذ سنة ‪ ،‬ويعتقد ف حذيفة ما ل يبه هو لنفسه ‪ ،‬وذلك يرج الشروع عن كونه مشروعا ‪،‬‬
‫ويؤدي إل التشيع واعتقاد أكثر ما يتاج إليه ‪.‬‬
‫وقد تبي هذا العن بديث رواه ابن علية عن ابن عون ‪ ،‬قال ‪ :‬جاء رجل إل إبراهيم ‪ .‬فقال ‪ :‬يا أبا‬
‫عمران ! دع ال أن يشفين ‪ .‬فكره ذلك إبراهيم وقطب وقال ‪ :‬جاء رجل إل حذيفة فقال ‪ :‬ادع‬
‫ال أن يغفر ل ‪ .‬فقال ‪ :‬ل غفر ال لك ‪ .‬فتنحى الرجل فجلس ‪،‬فلما كان بعد ذلك ‪ ،‬قال ‪:‬‬
‫فأدخلك ال مدخل حذيفة أقد رضيت ؟ الن يأت أحدكم الرجل كأنه قد أحصر شأنه‪ .‬ث ذكر‬
‫إبراهيم السنة فرغب فيها وذكر ما أحدث الناس فكرهه ‪.‬‬
‫وروى منصور عن إبراهيم قال ‪ :‬كانوا يتمعون فيتذاكرون فل يقول بعضهم لبعض ‪ :‬استغفر لنا ‪.‬‬
‫فتأملوا يا أول اللباب ما ذكره من هذه الصنام النضمة إل الدعاء ‪ ،‬حت كرهوا الدعاء إذا انضم‬
‫إليه ما ل يكن عليه سلف المة ‪ ،‬فقس بعقلك ماذا كانوا يقولون ف دعائنا بآثار الصلة ‪ ،‬بل ف‬
‫كثي من الواطن ‪ ،‬وانظروا إل اسبتارة ( ؟ ) إبراهيم ترغيبه ف السنة وكراهيته ما أحدث الناس ‪،‬‬
‫بعد تقرير ما تقدم ‪.‬‬
‫وهذه الثار من تريج الطبي ف تذيب الثار له ‪ ،‬وعلى هذا ينبن ما خرجه ابن وهب عن الارث‬
‫بن نبهان عن أيوب عن أب قلبة عن أب الدرداء رضي ال عنه ‪ :‬أن ناسا من أهل الكوفة يقرأون‬
‫عليك السلم ويأمرونك أن تدعو لم وتوصيهم ‪ ،‬فقال ‪ :‬اقرأوا عليهم السلم ومرورهم أن يعطوا‬
‫القرآن حقه ‪ ،‬فإنه يملهم ‪ ،‬أو يأخذ بم على القصد والسهولة ‪ ،‬وينبهم الور والزونة ‪ ،‬ول يذكر‬
‫أنه دعا لم ‪.‬‬
‫فصل وأما القسم الثان ‪ :‬وهو أن يصي العمل أو غيه كالوصف للعمل الشروع‬

‫‪207‬‬

‫الشاطبي‬

‫كتاب العتصام‬

‫وأما القسم الثان ‪ :‬وهو أن يصي العمل العادي أو غيه كالوصف للعمل الشروع إل أن الدليل على‬
‫أن العمل الشروع ل يتصف ف الشرع بذلك الوصف فظاهر المر انقلب العمل الشروع غي‬
‫مشروع ‪ .‬ويبي ذلك من الدلة عموم قوله عليه الصلة والسلم ‪:‬‬
‫"كل عمل ليس عليه أمرنا فهو رد" وهذا العمل عند اتصافه بالوصف الذكور عمل ليس عليه أمره‬
‫عليه الصلة والسلم ‪ ،‬فهو إذا رد ‪ ،‬كصلة الفرض مثلً إذا صلها القادر الصحيح قاعدا أو سبح‬
‫ف موضع القراءة ‪ ،‬أو قرأ التسبيح ‪ ،‬وما أشبه ذلك ‪.‬‬
‫وقد نى عليه الصلة والسلم عن الصلة بعد الصبح ‪ ،‬وبعد العصر ‪ ،‬ونى عن الصلة عند طلوع‬
‫الشمس وغروبا ‪ ،‬فبالغ كثي من العلماء ف تعميم النهي ‪ ،‬حت عدوا صلة الفرض ف ذلك الوقت‬
‫داخلً تت النهي ‪ ،‬فباشر النهي الصلة لجل اتصافها بأنا واقعة ف زمان مصوص ‪،‬كما اعتب فيها‬
‫الزمان باتفاق ف الفرض ‪ ،‬فل تصلى الظهر قبل الزوال ‪ ،‬ول الغرب قبل الغروب ‪.‬‬
‫ونى عليه الصلة والسلم عن صيام الفطر والضحى ‪ ،‬والتفاق على بطلن الج ف غي أشهر الج‬
‫‪ .‬فكل من تعبد ل تعال بشيء من هذه العبادات الواقعة ف غي أزمانا تعبد ببدعة حقيقية ل‬
‫إضافية ‪ ،‬فل جهة لا إل الشروع بل غلبت عليها جهة البتداع ‪،‬فل ثواب فيها على ذلك التقدير ‪،‬‬
‫فلو فرضنا قائلً يقول بصحة الصلة الواقعة ف وقت الكراهية ‪ ،‬أو صحة الصوم الواقع يوم العيد ‪،‬‬
‫فعلى فرض أن النهي راجع إل أمر ل يصر للعبادة كالوصف بل المر منفك منفرد ـ حسبما تبي‬
‫بول ال ‪.‬‬
‫ويدخل ف هذا القسم ما جرى به العمل ف بعض الناس كالذي حكى القراف عن العجم ف اعتقاده‬
‫كون صلة الصبح يوم المعة ثلث ركعات ‪ ،‬فإن قراءة سورة السجدة لا التزمت فيها وحوفظ‬
‫عليها اعتقدوا فيها الركنية فعدوها ركعة ثالثة ‪ ،‬فصارت السجدة إذا وصفا لزما وجزءا من صلة‬
‫صبح المعة ‪ ،‬فوجب أن تبطل ‪.‬‬
‫وعلى هذا الترتيب ينبغي أن تري العبادات الشروعة إذا خصت بأزمان مصوصة بالرأي الجرد ‪،‬‬
‫من حيث فهمنا تلبسا بالعمال على الملة ‪ ،‬فصيوا ذلك الزائد وصفا فيه مرج له عن أصله ‪،‬‬
‫وذلك أن الصفة مع الوصوف من حيث هي صفة له ل تفارقه هي من جلته ‪.‬‬
‫وذلك لنا نقول ‪ :‬إن الصفة هي عي الوصوف إذا كانت لزمة له حقيقةً أو اعتبارا ‪ ،‬ولو فرضنا‬
‫ارتفاعها عنه لرتفع الوصوف من حيث هو موصوف با ‪ ،‬كارتفاع النسان بارتفاع الناطق أو‬
‫الضاحك ‪ ،‬فإذا كانت الصفة الزائدة على الشروع على هذه النسبة صار الجموع منهما غي‬
‫مشروع ‪ ،‬فارتفع اعتبار الشروع الصلي ‪.‬‬
‫ومن أمثلة ذلك أيضا قراءة القرآن بالدارة على صوت واحد ‪ ،‬فإن تلك اليئة زائدة على مشروعية‬
‫القراءة ‪ ،‬وكذلك الهر الذي اعتاده أرباب الزوايا وربا لطف اعتبار الصفة فيشك ف بطلن‬
‫‪208‬‬

‫الشاطبي‬

‫كتاب العتصام‬

‫الشروعية ‪ ،‬كما وقع ف العتبية عن مالك ف مسألة العتماد ف الصلة ل يرك رجليه ‪ ،‬وأن أول من‬
‫أحدثه رجل قد عرف ـ قال ـ وقد كان مساء ( أي يساء الثناء عليه ) فقيل له ‪ :‬أفعيب ؟ قال ‪:‬‬
‫قد عيب عليه ذلك ‪ ،‬وهذا مكروه من الفعل ‪ ،‬ول يذكر فيها أن الصلة باطلة وذلك لضعف وصف‬
‫العتماد أن يؤثر ف الصلة ‪ ،‬ولطفه بالنسبة إل كمال هيئتها ‪ ،‬وهكذا ينبغي أن يكون النظر ف‬
‫السألة بالنسبة إل اتصاف العمل با يؤثر فيه أو ل يؤثر فيه ‪ ،‬فإذا غلب الوصف على العمل كان‬
‫أقرب إل الفساد ‪ ،‬وإذا ل يغلب ل يكن أقرب وبقي ف حكم النظر ‪ ،‬فيدخل ها هنا نظر الحتياط‬
‫للعبادة إذا صار العمل ف العتبار من التشابات ‪.‬‬
‫واعلموا أنه حيث قلنا ‪ :‬إن العمل الزائد على الشروع يصي وصفا لا أو كالوصف ‪ ،‬فإنا يعتب بأحد‬
‫أمور ثلثة ‪ :‬إما القصد ‪ ،‬وإما بالعادة ‪ ،‬وإما بالشرع أو النقصان ‪.‬‬
‫أما بالعادة فكالهر والجتماع ف الذكر الشهور بي متصوفة الزمان ‪ ،‬فإن بينه وبي الذكر الشروع‬
‫بونا بعيدا ‪ ،‬إذ ها كالتضادين عادة ‪ ،‬وكالذي حكى ابن وضاح عن العمش عن بعض أصحابه ‪،‬‬
‫قال ‪ :‬مر عبد ال برجل يقص ف السجد على أصحابه وهو يقول ‪ :‬سبحوا عشرا وهللوا عشرا ‪:‬‬
‫فقال عبد ال ‪ :‬إنكم لهدى من أصحاب ممد صلى ال عليه وسلم أو أضل بل هذه ( يعن أضل) ‪،‬‬
‫وف رواية عنه أن رجلً كان يمع الناس فيقول ‪ :‬رحم ال من قال كذا وكذا مرة سبحان ال ـ‬
‫قال ـ فيقول القوم ‪ ،‬ويقول ‪ :‬رحم ال من قال كذا وكذا مرة المد ل ـ قال ـ فيقول القوم ـ‬
‫قال ـ فمر بم عبد ال بن مسعود رضي ال عنه فقال لم ‪ :‬هديتم لا ل يهد نبيكم ! وإنكم‬
‫لتمسكون بذنب ضللة ‪.‬‬
‫وذكر له أن ناسا بالكوفة يسبحون بالصى ف السجد ‪ ،‬فأتاهم وقد كوم كل رجل منهم بي يديه‬
‫كوما من حصى ـ قال ـ فلم يزل يصبهم بالصى حت أخرجهم من السجد ‪ ،‬ويقول ‪ :‬لقد‬
‫أحدثتم بدعة وظلما ‪ ،‬وقد فضلتم أصحاب ممد صلى ال عليه وسلم علما ؟ فهذه أمور أخرجت‬
‫الذكر الشروع كالذي تقدم من النهي عن الصلة ف الوقات الكروهة ‪ ،‬أوالصلوات الفروضة إذا‬
‫صليت قبل أوقاتا ‪ ،‬فإنا قد فهمنا من الشرع القصد إل النهي عنها ‪ ،‬والنهي عنه ل يكون متعبدا به‬
‫وكذلك صيام يوم العيد ‪.‬‬
‫وخرج ابن وضاح من حديث أبان بن أب عباس ‪ ،‬قال ‪ :‬لقيت طلحة بن عبيد ال الزاعي ‪ ،‬فقلت‬
‫له ‪ :‬قوم من إخوانك من أهل السنة والماعة ل يطعنون على أحد من السلمي ‪ ،‬يتمعون ف بيت‬
‫هذا يوما وف بيت هذا يوما ‪ ،‬ويتمعون يوم النيوز والهرجان ويصومونا ‪ ،‬فقال طلحة ‪ :‬بدعة‬
‫من أشد البدع ‪ ،‬وال لم أشد تعظيما للنيوز والهرجان من عبادتم ‪ .‬ث استيقظ أنس بن مالك‬
‫رضي ال عنه فرقيت إليه وسألته كما سألت طلحة ‪ ،‬فرد علي مثل قول طلحة ‪،‬كأنما كان على‬

‫‪209‬‬

‫الشاطبي‬

‫كتاب العتصام‬

‫ميعاد ‪ .‬فجعل صوم تلك اليام من تعظيم ما تعظمه الجوس وذاك القصد لو كان أفسد للعبادة‬
‫فكذلك ما كان نوه ‪.‬‬
‫ل قال للـ حسن ‪ :‬يا أبا سعيد ! ما ترى ف ملسنا هذا ؟ قوم من أهل‬
‫وعن يونس بن عبيد أن رج ً‬
‫السنة والماعة ل يطعنون على أحد نتمع ف بيت هذا يوما ‪ ،‬وف بيت هذا يوما ‪ ،‬فنقرأ كتاب ال‬
‫وندعو لنفسنا ولعامة السلمي ؟ قال ‪ :‬فنهى السن عن ذلك أشد النهي ‪.‬‬
‫والنقل ف هذا العن كثي ‪ ،‬فلو ل يبلغ العمل الزائد ذلك البلغ كان أخف ‪ .‬وانفرد العمل بكمه ‪،‬‬
‫والعمل الشروع بكمه ‪ ،‬كما حكى ابن وضاح عن عبد الرحن أب بكرة ‪ ،‬قال ‪ :‬كنت جالسا عند‬
‫السود بن سريع ‪ ،‬وكان ملسه ف مؤخر السجد الامع ‪ ،‬فافتتح سورة بن إسرائيل حت بلغ ‪:‬‬
‫(وكبه تكبيا) فرفع أصواتم الذين كانوا حوله جلوسا ‪ ،‬فجاء مالد بن مسعود متوكئا على‬
‫عصاه ‪ ،‬فلما رآه القوم قالوا ‪ :‬مرحبا اجلس ‪ ،‬قال ‪ :‬ما كنت لجلس إليكم ‪ ،‬وإن كان ملسكم‬
‫حسنا ‪ ،‬ولكنكم صنعتم قبلي شيئا أنكره السلمون ‪ ،‬فإياكم وما أنكر السلمون ‪ ،‬فتحسينه الجلس‬
‫كان لقراءة القرآن ‪ ،‬وأما رفع الصوت فكان خارجا عن ذلك ‪ ،‬فلم ينضم إل العمل السن ‪ ،‬حت‬
‫إذا انضم إليه صار الجموع غي مشروع ‪.‬‬
‫ويشبه هذا ما ف ساع ابن القاسم عن مالك ف القوم يتمعون جيعا فيقرؤون ف السورة الواحدة‬
‫مثل ما يفعل أهل السكندرية فكره ذلك ‪ ،‬وأنكر أن يكون من عمل الناس ‪.‬‬
‫وسئل ابن القاسم أيضا عن نو ذلك فحكى الكراهية عن مالك ‪ ،‬ونى عنها ورآها بدعة ‪.‬‬
‫وقال ف رواية أخرى عن مالك ‪ :‬وسئل عن القراءة بالسجد ‪ ،‬فقال ‪ :‬ل يكن بالمر القدي ‪ ،‬وإنا‬
‫هو شيء أحدث ‪ ،‬ول يأت آخر هذه المة بأهدى ما كان عليه أولا ‪ ،‬والقرآن حسن ‪.‬‬
‫قال ابن رشد ‪ :‬يريد التزام القراءة ف السجد بإثر صلة من الصلوات على وجه ما مصوص حت‬
‫يصي ذلك كله ما يامع قرطبة إثر صلة الصبح ‪ ( .‬قال ) ‪ :‬فرأى ذلك بدعة ‪.‬‬
‫فقوله ف الرواية ‪ :‬والقرآن حسن يتمل أن يقال ‪ :‬إنه يعن أن تلك الزيادة من الجتماع وجعله ف‬
‫السجد منفصل ل يقدح ف حسن قراءة القرآن ‪ ،‬ويتمل ـ وهو الظاهر ـ أنه يقول ‪ :‬قراءة حسن‬
‫على غي ذلك الوجه بدليل قوله ف موضع آخر ‪ :‬ما يعجبن أن يقرأ القرآن إل ف الصلة والساجد ‪،‬‬
‫ل ف السواق والطرق ‪ ،‬فييد أنه ل يقرأ إل على النحو الذي يقرؤه السلف ‪ ،‬وذلك يدل على أن‬
‫ل وترز بقوله ‪ :‬والقرآن حسن من توهم أنه يكره قراءة‬
‫قراءة الدارة مكروهة عنده فل تفعل أص ً‬
‫القرآن مطلقا ‪ ،‬فل يكون ف كلم مالك دليل على انفكاك الجتماع من القراءة وال أعلم ‪.‬‬
‫فصل وأما القسم الثالث ‪ :‬وهو أن يصي الوصف عرضة‬

‫‪210‬‬

‫الشاطبي‬

‫كتاب العتصام‬

‫وأما القسم الثالث ‪ :‬وهو أن يصي الوصف عرضة لن ينضم إل العبادة حت يعتقد فيه أنه من‬
‫أوصافها أوجزء منها ‪ ،‬فهذا القسم ينظر فيه من جهة النهي عن الذرائع ‪ ،‬وهو إن كان ف الملة‬
‫متفقا عليه ‪ ،‬ففيه ف التفصيل نزاع بي العلماء ‪ ،‬إذ ليس كل ما هو ذريعة إل منوع ينع ‪ ،‬بدليل‬
‫اللف الواقع ف بيوع الجال ‪ ،‬وما كان نوها ‪ ،‬غي أن أبا بكر الطرطوشي يكي التفاق ف هذا‬
‫النوع استقراء من مسائل وقعت للعلماء منعوها سدا للذريعة ‪ ،‬وإذا ثبت اللف ف بعض التفاصيل‬
‫ل ينكر أن يقول به قائل ف بعض ما نن فيه ‪ ،‬ولنمثله أولً ث نتكلم حكمه بول ال ‪.‬‬
‫فمن ذلك ‪.‬‬
‫ما جاء ف حديث من ‪ :‬ني رسول ال صلى ال عليه وسلم أن يتقدم شهر رمضان بصيام يوم أو‬
‫يومي ‪ .‬ووجه ذلك عند العلماء مافة أن يعد ذلك من جلة رمضان ‪.‬‬
‫ومنه ما ثبت عن عثمان رضي ال عنه أنه كان ل يقصر ف السفر ‪ ،‬فيقال له ‪ :‬ألست قصرت مع‬
‫النب صلى ال عليه وسلم ؟ فيقول ‪ :‬بلى ! ولكن إمام الناس فينظر إل العراب وأهل البادية أصلي‬
‫ركعتي ‪ ،‬فيقول ‪ :‬هكذا فرضت ‪ ،‬فالقصر ف السفر سنة أو واجب ‪ ،‬ومع ذلك تركه خوف أن‬
‫يتذرع به لمر حادث ف الدين غي مشروع ‪.‬‬
‫ومنه قصة عمر رضي ال عنه ف غسله من الحتلم حت أسفر ‪ ،‬وقوله لن راجعه ف ذلك ‪ ،‬وأن‬
‫يأخذ من أثوابم ما يصلي به ‪ ،‬ث يغسل ثوبه على السعة ‪ :‬لو فعلته لكانت سنة ‪ ،‬بل أغسل ما رأيت‬
‫‪ ،‬وأنصح ما ل أر ‪.‬‬
‫وقال حذيفة بن أسيد ‪ :‬شهدت أبا بكر وعمر رضي ال عنهما وكانا ل يضحيان مافة أن يرى أنا‬
‫واجبة ‪.‬‬
‫ونو ذلك عن ابن مسعود رضي ال عنه قال ‪ :‬إن لترك أضحيت ـ وإن لن أيسركم ـ مافة أن‬
‫يظن اليان أنا واجبة ‪.‬‬
‫وكثي من هذا عن السلف الصال ‪.‬‬
‫وقد كره مالك إتباع رمضان بست من شوال ‪ ،‬وواقفه أبو حنيفة فقال ‪ :‬ل أستحبها ‪ ،‬مع ما جاء‬
‫ف ذلك من الديث الصحيح ‪ ،‬وأخب مالك عن غيه من يقتدى به أنم كانوا ل يصومونا ويافون‬
‫بدعتها ‪.‬‬
‫ومنه ما تقدم ف اتباع الثار كمجيء قبا ونو ذلك ‪.‬‬
‫وبالملة ‪ ،‬فكل عمل أصله ثابت شرعا إل أن ف إظهار العمل به والداومة عليه ما ياف أن يعتقد‬
‫أنه سنة ‪ ،‬فتركه مطلوب ف الملة أيضا ‪ ،‬من باب سد الذرائع ولذلك كره مالك دعاء التوجه بعد‬
‫الحرام وقبل القراءة ‪ ،‬وكره غسل اليد قبل الطعام ‪ ،‬وأنكر على من جعل ثوبه ف السجد أمامه ف‬
‫الصف ‪.‬‬
‫‪211‬‬

‫الشاطبي‬

‫كتاب العتصام‬

‫ولنرجع إل ما كنا فيه ‪ ،‬فاعلموا أنه إن ذهب متهد إل عدم سد الذريعة ف غي مل النص ما‬
‫يتضمنه هذا الباب ‪ ،‬فل شك أن العمل الواقع عنده مشروع ويكون لصاحبه أجره ‪ ،‬ومن ذهب إل‬
‫سدها ـ ويظهر ذلك من كثي من السلف من الصحابة والتابعي وغيهم ـ فل شك أن ذلك‬
‫العمل منوع ‪ ،‬ومنعه يقتضي بظاهره أنه ملوم عليه ‪ ،‬وموجب للذم إل أن يذهب إل أن النهي فيه‬
‫راجع إل أمر ماور ‪ ،‬فهو مل نظر واشتباه ربا يتوهم فيه انفكاك المرين ‪ ،‬بيث يصح أن يكون‬
‫العمل مأمورا به من جهة نفسه ‪ ،‬ومنهيا عنه من جهة مآله ‪ .‬ولنا فيه مسلكان ‪:‬‬
‫أحدها ‪ :‬التمسك بجرد النهي ف أصل السألة كقوله تعال ‪" :‬يا أيها الذين آمنوا ل تقولوا راعنا"‬
‫وقوله تعال ‪" :‬ول تسبوا الذين يدعون من دون ال فيسبوا ال عدوا بغي علم" وف الديث أنه عليه‬
‫الصلة والسلم ‪:‬‬
‫"نى عن أن يمع بي التفرق ‪ ،‬ويفرق الجتمع ‪ ،‬خشية الصدقة "‪.‬‬
‫و" نى عن بيع السلف " وعلله العلماء بالربا التذرع إليه ف ضمن السلف ‪ .‬ونى عن اللوة‬
‫بالجنبيات ‪ ،‬وعن سفر الرأة مع غي ذي مرم ‪ ،‬وأمر النساء بالحتجاب عن أبصار الرجال ‪،‬‬
‫والرجال بغض البصار ‪ ،‬إل أشباه ذلك ما عللوا المر فيه والنهي بالتذرع ل بغيه‪.‬‬
‫ل ‪ ،‬وصرفه إل أمر ماور خلف أصل الدليل ‪،‬‬
‫والنهي أصله أن يقع على النهي عنه وإن كان معل ً‬
‫فل يعدل عن الصل إل بدليل ‪ ،‬فكل عبادة نى عنها فليست بعبادة ‪ ،‬إذ لو كانت عبادة ل ينه عنها‬
‫‪ ،‬فالعامل با عامل بغي مشروع ‪ ،‬فإذا اعتقد فيها التعبد مع هذا النهي كان مبتدعا با ‪.‬‬
‫ل يقال ‪ :‬إن نفس التعليل يشعر بالجاورة ‪ ،‬وإن الذي ني عنه غي الذي أمربه ‪ ،‬وانفكاكهما‬
‫متصور ‪ .‬لنا نقول ‪ :‬قد تقرر أن الجاور إذا صار كالوصف اللزم انتهض النهي عن الملة ل عن‬
‫نفس الوصف بانفراده ‪ ،‬وهو مبي ف القسم الثان ‪.‬‬
‫السلك الثان ‪ :‬ما دل ف بعض مسائل الذرائع على أن الذرائع ف الكم بنلة التذرع إليه ‪ ،‬ومنه ما‬
‫ثبت ف الصحيح من قول رسول ال صلى ال عليه وسلم ‪:‬‬
‫"من أكب الكبائر أن يسب الرجل والديه ‪ ،‬قالوا ‪ :‬يا رسول ال ! وهل يسب الرجل والديه ؟ قال ‪:‬‬
‫نعم يسب أبا الرجل فيسب أباه وأمه " ‪ ،‬فجعل سب الرجل لوالدي غيه بنلة سبه لوالديه نفسه ‪،‬‬
‫حت ترجه عنها بقوله ‪" :‬أن يسب الرجل والديه" ول يقل ‪ :‬أن يسب الرجل والديه ‪ ،‬أو نو ذلك ‪.‬‬
‫وهو غاية معن ما نن فيه ‪.‬‬
‫ومثله حديث عائشة رضي ال عنها مع أم ولد زيد بن أرقم رضي ال عنه ‪ ،‬وقولا ‪ :‬أبلغي زيد بن‬
‫أرقم أنه قد أبطل جهاده مع رسول ال صلى ال عليه وسلم أن ل يبت ‪ ،‬وإنا يكون هذا الوعيد‬
‫فيمن فعل ما ل يل له ‪ ،‬ل ما فعله كبية حت ترغب آخرا بالية ‪" :‬فمن جاءه موعظة من ربه‬
‫فانتهى فله ما سلف " ‪.‬‬
‫‪212‬‬

‫الشاطبي‬

‫كتاب العتصام‬

‫وهي نازلة ف غي العمل بالربا ‪ ،‬فعدت العمل با يتذرع به إل الربا بنلة العمل بالربا ‪ ،‬مع أنا نقطع‬
‫أن زيد بن أرقم وأم ولده ل يقصدوا قصد الربا ‪ ،‬كما ل يكن ذا عقل أن يقصد والديه بالسب ‪.‬‬
‫وإذا ثبت هذا العن ف بعض الذرائع ثبت ف الميع ‪ ،‬إذ ل فرق فيما ل يدع ما ل ينص عليه ‪ ،‬إل‬
‫ألزم الصم مثله ف النصوص عليه ‪ .‬فل عبادة أو مباحا يتصور فيه أن يكون ذريعة إل غي جائز إل‬
‫وهو غي عبادة ول مباح ‪.‬‬
‫لكن هذا القسم إنا يكون النهي بسب ما يصي وسيلة إليه ف مراتب النهي ‪ ،‬إن كانت البدعة من‬
‫قبيل الكبائر ‪ ،‬فالوسيلة كذلك ‪ ،‬أو من قبيل الصغائر فهي كذلك ‪ ،‬والكلم ف هذه السألة يتسع ‪،‬‬
‫ولكن هذه الشارة كافية فيها ‪ ،‬وبال التوفيق ‪.‬‬
‫الباب السادس ‪ .‬ف أحكام البدع وأنا ليست على رتبة واحدة‬
‫اعلم أنا إذا بنينا على أن البدع منقسمة إل الحكام المسة فل إشكال ف اختلف رتبتها ‪ ،‬لن‬
‫النهي من جهة انقسامه إل ني الكراهية وني التحري يستلزم أن أحدها أشد ف النهي من الخر ‪،‬‬
‫فإذا انضم إليهما قسم الباحة ظهر الختلف ف القسام ‪ ،‬فإذا اجتمع إليها قسم الندب وقسم‬
‫الوجوب كان الختلف فيها أوضح ـ وقد مر من أمثلتها أشياء كثية ـ لكنا ل نبسط القول ف‬
‫هذا التقسيم ول بيان بالشد والضعف ‪ ،‬لنه إما أن يكون حقيقيا فالكلم فيه عناء ‪ ،‬وإن كان غي‬
‫حقيقي فقد تقدم أنه غي صحيح ‪ ،‬فل فائدة ف التفريع على ما ل يصح ‪ ،‬وإن عرض ف ذلك نظر أو‬
‫تفريع فإنا يذكر بكم التبع بول ال ‪.‬‬
‫فإذا خرج عن هذا التقسيم ثلثة أقسام ‪ :‬قسم الوجوب ‪ ،‬وقسم الندب ‪ ،‬وقسم الباحة ‪ ،‬انصر‬
‫النظر فيما بقي وهو الذي ثبت من التقسيم ‪ ،‬غي أنه ورد النهي عنها على وجه واحد ‪ ،‬ونسبته إل‬
‫الضللة واحدة ‪ ،‬ف قوله ‪:‬‬
‫"إياكم ومدثات المور ‪ ،‬فإن كل بدعة ضللة ‪ ،‬وكل ضللة ف النار" وهذا عام ف كل بدعة ‪،‬‬
‫فيقع السؤال ‪ :‬هل لا حكم واحد أم ل ؟ فنقول ‪ :‬ثبت ف الصول أن الحكام الشرعية خسة ‪،‬‬
‫ترج عنها الثلثة ‪ ،‬فيبقى حكم الكراهية وحكم التحري ‪ ،‬فاقتضى النظر انقسام البدع إل‬
‫القسمي ‪ ،‬فمنها بدعة مرمة ‪ ،‬ومنها بدعة مكروهة ‪ ،‬وذلك أنا داخلة تت جنس النهيات وهي ل‬
‫تعدو الكراهة والتحري ‪ ،‬فالبدع كذلك ‪ .‬هذا وجه ‪.‬‬
‫ووجه ثان ‪ :‬أن البدع إذا تؤمل معقولا وجدت رتبتها متفاوتة ‪ ،‬فمنها ما هو كفر صراح ‪ ،‬كبدعة‬
‫الاهلية الت نبه عليها القرآن ‪ ،‬كقوله تعال ‪" :‬وجعلوا ل ما ذرأ من الرث والنعام نصيبا فقالوا‬
‫هذا ل بزعمهم وهذا لشركائنا " ‪ ،‬وقوله تعال ‪" :‬وقالوا ما ف بطون هذه النعام خالصة لذكورنا‬
‫ومرم على أزواجنا وإن يكن ميتة فهم فيه شركاء" وقوله تعال ‪" :‬ما جعل ال من بية ول سائبة‬
‫‪213‬‬

‫الشاطبي‬

‫كتاب العتصام‬

‫ول وصيلة ول حام " ‪ ،‬وكذلك بدعة النافقي حيث اتذوا الذين ذريعة لفظ النفس والال ‪ ،‬وما‬
‫أشبه ذلك ما يشك أنه كفر صراح ‪.‬‬
‫ومنها ‪ ،‬ما هو من العاصي الت ليست بكفر أو يتلف هل هي كفر أم ل ! كبدعة الوارج والقدرية‬
‫والرجئة ومن أشبههم من الفرق الضالة ‪.‬‬
‫ومنها ‪ ،‬ما هو مكروه كما يقول مالك ف اتباع رمضان بست من شوال ‪ ،‬وقراءة القرآن بالدارة ‪،‬‬
‫والجتماع للدعاء عشية عرفة ‪ ،‬وذكر السلطي ف خطبة المعة ـ على ما قاله ابن عبد السلم‬
‫الشافعي ـ وما أشبه ذلك ‪.‬‬
‫فمعلوم أن هذه البدع ليست ف رتبة واحدة فل يصح مع هذا أن يقال ‪ :‬إنا على حكم واحد ‪ ،‬هو‬
‫الكراهة فقط ‪ ،‬أو التحري فقط ‪.‬‬
‫ووجه ثالث ‪ :‬إن العاصي منها صغائر ومنها كبائر ‪ ،‬ويعرف ذلك بكونا واقعة ف الضروريات أو‬
‫الاجيات أو التكميليات ‪ ،‬فإن كانت ف الضروريات فهي أعظم الكبائر ‪ ،‬وإن وقعت ف التحسينات‬
‫فهي أدن رتبة بل إشكال ‪ ،‬وإن وقعت ف الاجيات فمتوسطة بي الرتبتي ‪.‬‬
‫ث إن كل رتبة من هذه الرتب لا مكمل ‪ ،‬ول يكن ف الكمل أن يكون ف رتبة الكمل ‪ ،‬فإن‬
‫الكمل مع الكمل ف نسبة الوسيلة مع القصد ‪ ،‬ول تبلغ الوسيلة رتبة القصد ‪ ،‬فقد ظهر تفاوت‬
‫رتب العاصي والخالفات ‪.‬‬
‫وأيضا ‪ ،‬فإن من الضروريات إذا تؤملت وجدت على مراتب ف التأكيد وعدمه ‪ ،‬فليست مرتبة‬
‫النفس كمرتبة الدين ‪ ،‬وليس تستصغر حرمة النفس ف جنب حرمة الدين ‪ ،‬فيبيح الكفر الدم ‪،‬‬
‫والحافظة على الدين مبيح لتعريض النفس للقتل والتلف ‪ ،‬ف المر بجاهدة الكفار والارقي عن‬
‫الدين ‪.‬‬
‫ومرتبة العقل والال ليست كمرتبة النفس ‪ ،‬أل ترى أن قتل النفس مبيح للقصاص ؟ فالقتل بلف‬
‫العقل والال ‪ ،‬وكذلك سائر ما بقي ‪ ،‬وإذا نظرت ف مرتبة النفس تباينت الراتب ‪ ،‬فليس قطع العضو‬
‫كالذبح ‪ ،‬ول الدش كقطع العضو وهذا كله مل بيانه الصول ‪.‬‬
‫فصل وإذا كان كذلك ‪ :‬فالبدع من جلة العاصي‬
‫وإذا كان كذلك ‪ :‬فالبدع من جلة العاصي ‪ ،‬وقد ثبت التفاوت ف العاصي فكذلك يتصور مثله ف‬
‫البدع ‪ .‬فمنها ما يقع ف الضروريات ( أي أنه إخلل با ) ‪ ،‬ومنها ما يقع ف رتبة الاجيات ‪ ،‬ومنها‬
‫ما يقع ف رتبة التحسينيات ‪ ،‬وما يقع ف رتبة الضروريات ‪ ،‬منه ما يقع ف الدين أو النفس أو النسل‬
‫أو العقل أو الال ‪.‬‬

‫‪214‬‬

‫الشاطبي‬

‫كتاب العتصام‬

‫فمثال وقوعه ف الدين ما تقدم من اختراع الكفار وتغييهم ملة إبراهيم عليه السلم ‪ ،‬من نو قوله‬
‫تعال ‪" :‬ما جعل ال من بية ول سائبة ول وصيلة ول حام" فروي عن الفسرين فيها أقوال كثية ‪،‬‬
‫وفيها عن ابن السيب أن البحية من البل هي الت ينح درها للطواغيت ‪ ،‬والسائبة هي الت يسيبونا‬
‫لطواغيتهم ‪ ،‬والوصيلة هي الناقة تبكر بالنثى ث تثن بالنثى ‪ ،‬يقولون ‪ :‬وصلت انثيي ليس بينهما‬
‫ذكر ‪ ،‬فيجدعونا لطواغيتهم ‪ ،‬والامي هو الفحل من البل كان يضرب الضراب العدودة ‪ ،‬فإذا بلغ‬
‫ذلك قالوا ‪ :‬حي ظهره ‪ ،‬فيترك فيسمونه الامي ‪.‬‬
‫وروى إساعيل القاضي عن زيد بن أسلم ‪ ،‬قال ‪ :‬قال رسول ال صلى ال عليه وسلم ‪:‬‬
‫"إن لعرف أول من سيب السوائب ‪ ،‬وأول من غي عهد إبراهيم عليه السلم قال قالوا ‪ :‬من هو يا‬
‫رسول ال ؟ قال ‪ :‬عمرو بن لي أبو بن كعب ‪ ،‬لقد رأيته ير قصبه ف النار ‪ ،‬يؤذي ريه أهل النار‬
‫‪ ،‬وإن لعرف أول من بر البحائر ‪ ،‬قالوا ‪ :‬من هو يا رسول ال ؟ قال رجل من بن مدل ‪ ،‬وكانت‬
‫له ناقتان فجدع أذنيهما وحرم ألبانما ‪ ،‬ث شرب ألبانما بعد ذلك ‪ ،‬فلقد رأيته ف النار هو وها‬
‫يعضانه بأفواههما ويبطانه بأخفافهما" ‪.‬‬
‫وحاصل ما ف هذه الية تري ما أحل ال على نية التقرب به إليه ‪ ،‬مع كونه حللً بكم الشريعة‬
‫التقدمة ‪ .‬ولقد هم بعض أصحاب رسول ال صلى ال عليه وسلم أن يرموا على أنفسهم ما أحل‬
‫ال ‪ ،‬وإنا كان قصدهم بذلك النقطاع إل ال عن الدنيا وأسبابا وشواغلها ‪ ،‬فرد ذلك عليهم‬
‫رسول ال صلى ال عليه وسلم ‪ ،‬فأنزل ال عز وجل ‪" :‬يا أيها الذين آمنوا ل ترموا طيبات ما أحل‬
‫ال لكم ول تعتدوا إن ال ل يب العتدين" ‪.‬‬
‫فصل ومثال ما يقع ف النفس ما ذكر ف نل الند ف تعذيبها أنفسها‬
‫ومثال ما يقع ف النفس ما ذكر من نل الند ف تعذيبها أنفسها بأنواع العذاب الشنيع ‪ ،‬والتمثيل ‪،‬‬
‫والقتل بالصناف الت تفزع منها القلوب وتقشعر منها اللود ‪ ،‬كل ذلك على جهة استعجال الوت‬
‫لنيل الدرجات العلى ـ ف زعمهم ـ والفوز بالنعيم الكمل ‪ ،‬بعد الروج عن هذه الدار العاجلة ‪،‬‬
‫ومبن على أصول لم فاسدة اعتقدوها وبنوا عليها أعمالم ‪.‬‬
‫حكى السعودي وغيه من ذلك أشياء فطالعها من هنالك ‪ ،‬وقد وقع القتل ف العرب الاهلية ولكن‬
‫على غي هذه الهة ‪ ،‬وهو قتل الولد لشيئي ‪ :‬أحدها خوف الملق ‪ ،‬والخر دفع العار الذي‬
‫كان لحقا لم بولدة الناث ‪ ،‬حت أنزل ال ف ذلك قوله تعال ‪" :‬ول تقتلوا أولدكم خشية إملق‬
‫نن نرزقهم وإياكم" ‪ ،‬وقوله تعال ‪" :‬وإذا الوؤدة سئلت * بأي ذنب قتلت" ‪ .‬وقوله ‪" :‬وإذا بشر‬
‫أحدهم بالنثى ظل وجهه مسودا" الية ‪.‬‬

‫‪215‬‬

‫الشاطبي‬

‫كتاب العتصام‬

‫وهذا القتل متمل أن يكون دينا وشرعة ابتدعوها ‪ ،‬ويتمل أن يكون عادة تعودوها ‪ ،‬بيث ل‬
‫يتخذوها شرعة ‪ ،‬إل أن ال تعال ذمهم عليها فل يكم عليها بالبدعة بل لجرد العصية ‪ ،‬فنظرنا هل‬
‫ند لحد الحتملي عاضدا يكون هو الول ف حل اليات عليه ؟ فوجدنا قوله سبحانه وتعال ‪:‬‬
‫"وكذلك زين لكثي من الشركي قتل أولدهم شركاؤهم ليدوهم وليلبسوا عليهم دينهم" فإن الية‬
‫صرحت أن لذا التزين سببي ‪ :‬أحدها الرداء وهو الهلك ‪ ،‬والخر ليس الدين ‪ ،‬وهو قوله ‪:‬‬
‫"وليلبسوا عليهم دينهم" ول يكون ذلك إل بتغيه وتبديله أو الزيادة فيه أو النقصان منه ‪ ،‬وهو‬
‫البتداع بل إشكال ‪ ،‬وإنا كان دينهم أولً دين أبيهم ( إبراهيم ) فصار ذلك من جلة ما بدلوا فيه ‪،‬‬
‫كالبحية والسائبة ونصب الصنام وغيها ‪ ،‬حت عد من جلة دينهم الذي يدينون به ‪.‬‬
‫ويعضده قوله تعال بعد ‪" :‬فذرهم وما يفترون" فنسبهم إل الفتراء ـ كما ترى ـ والعصيان من‬
‫حيث هو عصيان ل يكون افتراء ‪ ،‬وإنا يقع الفتراء ف نفس التشريع ف أن هذا القتل من جلة ما‬
‫جاء من الدين ‪ .‬ولذلك قال تعال على إثر ذلك ‪" :‬قد خسر الذين قتلوا أولدهم سفها بغي علم‬
‫وحرموا ما رزقهم ال افتراء على ال قد ضلوا" فجعل قتل الولد مع تري ما أحل ال من جلة‬
‫الفتراء ‪ ،‬ث ختم بقوله ‪ ( :‬قد ضلوا ) وهذه خاصية البدعة ـ كما تقدم ـ فإذا ما فعلت الند نو‬
‫ما فعلت الاهلية ‪ ،‬وسيأت مذهب الهدي الغرب ف شرعية القتل ‪.‬‬
‫على أن بعض الفسرين قال ف قوله تعال ‪" :‬وكذلك زين لكثي من الشركي قتل أولدهم‬
‫شركاؤهم" أنه قتل الولد على جهة النذر والتقرب به إل ال ‪ ،‬كما فعل عبد الطلب ف ابنه عبد‬
‫ال أب النب صلى ال عليه وسلم ‪.‬‬
‫وهذا القتل قد يشكل ‪ ،‬إذ يقال لعل ذلك من جلة ما اقتدوا فيه بأبيهم إبراهيم عليه السلم ‪ ،‬لن ال‬
‫أمره بذبح ابنه ‪ ،‬فل يكون ذلك اختراعا وافتراءً لرجوعها إل أصل صحيح وهو عمل أبيهم عليه‬
‫السلم ‪ ،‬وإن صح هذا القول وتؤول فعل إبراهيم عليه السلم على أنه ل يكن شريعة لن بعده من‬
‫طريته فوجه اختراعه دينا ظاهر ‪ ،‬ل سيما عند عروض شبهة الذبح ‪ ،‬وهو شأن أهل البدع ‪ ،‬إذ ل بد‬
‫لم من شبهة يتعلقون با ـ كما تقدم التنبيه عليه ‪.‬‬
‫وكون ما تفعل أهل الند من هذا القبيل ظاهر جدا ‪.‬‬
‫ويري مرى إتلف النفس إتلف بعضها ‪،‬كقطع عضو من العضاء ‪ ،‬أو تعطيل منفعة من منافعه‬
‫بقصد التقرب إل ال بذلك ‪ ،‬فهو من جلة البدع ‪ ،‬وعليه يدل الديث حيث قال ‪:‬‬
‫رد رسول ال صلى ال عليه وسلم التبتل على عثمان بن مظعون ولو أذن له لختصينا ‪ .‬فالصاء‬
‫بقصد التبتل وترك الشتغال بلبسة النساء واكتساب الهل والولد مردود مذموم ‪ ،‬وصاحبه معتد‬
‫غي مبوب عند ال ‪ ،‬حسبما نبه قوله تعال ‪" :‬ول تعتدوا إن ال ل يب العتدين" وكذلك فقىء‬
‫العي لئل ينظر إل ما ل يل له ‪.‬‬
‫‪216‬‬

‫الشاطبي‬

‫كتاب العتصام‬

‫فصل ومثال ما يقع ف النسل ما ذكر من أنكحة الاهلية‬
‫ومثال ما يقع ف النسل ما ذكر من أنكحة الاهلية الت كانت معهودة فيها ومعمولً با ‪ ،‬ومتخذة‬
‫فيها كالدين النتسب واللة الارية الت ل عهد با ف شريعة إبراهيم عليه السلم ول غيه ‪ ،‬بل‬
‫كانت من جلة ما اخترعوا وابتدعوا ‪ ،‬وهو على أنواع ‪:‬‬
‫فجاء عن عائشة أم الؤمني رضي ال عنها أن النكاح ف الاهلية كان على أربعة أناء ‪:‬‬
‫الول منها ‪ :‬نكاح الناس اليوم ‪ ،‬يطب الرجل إل الرجل وليته أو ابنته فيصدقها ث ينكحها ‪.‬‬
‫والثان ‪ :‬نكاح الستبضاع ‪ ،‬كالرجل يقول لمرأته إذا طهرت من طمثها ‪ :‬أرسلي إل فلن‬
‫فاستبضعي منه ‪ .‬ويعتزلا زوجها ول يسها أبدا حت حلها من ذلك الرجل الذي يستبضع منه ‪ ،‬فإذا‬
‫تبي حلها أصابا زوجها إذا أحب وإنا يفعل ذلك رغبةً ف نابة الولد ‪ ،‬فكان هذا النكاح نكاح‬
‫الستبضاع ‪.‬‬
‫والثالث ‪ :‬أن يتمع الرهط ما دون العشرة فيدلون على الرأة كلهم يصيبها ‪ ،‬فإذا حلت ووضعت‬
‫ومرت ليال بعد أن تضع حلها أرسلت إليهم فلم يستطع منهم رجل أن يتنع حت يتمعوا عندها ‪،‬‬
‫تقول ‪ :‬قد عرفتم الذي كان من أمركم ‪ ،‬وقد ولدت فهو ابنك يا فلن ‪ ،‬فتسمي من أحبت بإسه‬
‫فيلحق به ولدها فل يستطيع أن يتنع منه الرجل ‪.‬‬
‫والرابع ‪ :‬أن يتمع الناس الكثيون فيدخلون على الرأة ل تنمع من جاءها وهن البغايا ‪ ،‬كن ينصب‬
‫على أبوابن رايات تكون علما ‪ ،‬فمن أرادهن دخل عليهن فإذا حلت إحداهن ووضعت حلها‬
‫جعوا لا ودعوا لا القافة ‪ ،‬ث ألقوا ولدها بالذي يرون ‪ ،‬فالتاط به ودعي ابنه ل يتنع من ذلك ‪،‬‬
‫فلما بعث ال نبيه صلى ال عليه وسلم بالق هدم نكاح الاهلية إل نكاح الناس اليوم ‪ .‬وهذا‬
‫الديث ف البخاري مذكور ‪.‬‬
‫وكان لم أيضا سنن أخر ف النكاح خارجة عن الشروع كوارثة النساء كرها ‪ ،‬وكنكاح ما نكح‬
‫الب ‪ ،‬وأشباه ذلك ‪ ،‬جاهلية جارية مرى الشروعات عندهم ‪ ،‬فمحا السلم ذلك كله والمد ل‬
‫‪.‬‬
‫ث أتى بعض من نسب إل الفرق من حرف التأويل ف كتاب ال ‪ ،‬فأجاز نكاح أكثر من أربع نسوة‬
‫‪ ،‬إما اقتداءً ـ ف زعمه ـ بالنب صلى ال عليه وسلم حيث أحل له أكثر من ذلك أن يمع بينهن ‪،‬‬
‫ول يلتفت إل إجاع السلمي أن ذلك خاص به عليه السلم ‪ ،‬وإما تريفا لقوله تعال ‪" :‬فانكحوا‬
‫ما طاب لكم من النساء مثن وثلث ورباع" ‪.‬‬
‫فأجاز المع بي تسع نسوة ذلك ‪ ،‬ول يفهم الراد من الراوي ول من قوله ‪" :‬مثن وثلث ورباع"‬
‫فأتى ببدعة أجراها ف هذه المة ل دليل عليها ول مستند فيها ‪.‬‬
‫‪217‬‬

‫الشاطبي‬

‫كتاب العتصام‬

‫ويكى عن الشيعة أنا تزعم أن النب صلى ال عليه وسلم أسقط عن أهل بيته ومن دان ببهم جيع‬
‫العمال ‪ ،‬وأنم غي مكلفي إل با تطوعوا ‪ ،‬وأن الحظورات مباحة لم كالنير والزنا والمر‬
‫وسائر الفواحش ‪ ،‬وعندهم نساء يسمي النوابات يتصدقن بفوجهن على الحتاجي رغبةً ف الجر ‪،‬‬
‫وينكحون ما شاؤوا من الخوات والبنات والمهات ‪ ،‬ل حرج عليهم ف ذلك ول ف تكثي النساء ‪.‬‬
‫وهؤلء العبيدية الذين ملكوا مصر وإفريقية ‪.‬‬
‫وما يكى عنهم ف ذلك أنه يكون للمرأة ثلثة أزواج وأكثر ف بيت واحد يستدلونا وتنسب الولد‬
‫لكل واحد منهم ‪ ،‬ويهنأ به كل واحد منهم ‪ ،‬كما التزمت الباحية خرق هذا الجاب بإطلق ‪،‬‬
‫وزعمت أن الحكام الشرعية إنا هي خاصة بالعوام ‪ ،‬وأما الواص منهم فقد ترقوا عن تلك الرتبة ‪،‬‬
‫فالنساء بإطلق حلل لم ‪ ،‬كما أن جيع ما ف الكون من رطب ويابس حلل لم أيضا ‪ ،‬مستدلي‬
‫على ذلك برافات عجائز ل يرضاها ذو عقل ‪" :‬قاتلهم ال أن يؤفكون" فصاروا أضر على الدين من‬
‫متبوعهم إبليس لعنهم ال ‪ ،‬كقوله ‪:‬‬
‫ب الفسق حت صار إبليس من جندي !‬
‫وكنت امرأ من جند إبليس فانتهى‬
‫طرائق فسق ليس يسنها بعدي !‬
‫فلو مات قبلي كنت أحسن بعده‬
‫فصل ومثال ما يقع ف العقل ‪ ،‬أن حكم ال على العباد ل يكون إل با شرع‬
‫ومثال ما يقع ف العقل ‪ ،‬أن الشريعة بينت أن حكم ال على العباد ل يكون إل با شرع ف دينه على‬
‫ألسنة أنبيائه ورسله ‪ ،‬ولذلك قال تعال ‪" :‬وما كنا معذبي حت نبعث رسول " وقال تعال ‪" :‬فإن‬
‫تنازعتم ف شيء فردوه إل ال والرسول " وقال ‪" :‬إن الكم إل ل" وأشباه ذلك من اليات‬
‫والحاديث ‪.‬‬
‫فخرجت عن هذا الصل فرقة زعمت أن العقل له مال ف التشريع ‪ ،‬وأنه مسن ومقبح ‪ ،‬فابتدعوا ف‬
‫دين ال ما ليس فيه ‪.‬‬
‫ومن ذلك أن المر لا حرمت ‪ ،‬ونزل من القرآن ف شأن من مات قبل التحري وهو ويشربا ‪ .‬قوله‬
‫تعال ‪" :‬ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالات جناح فيما طعموا" ‪ .‬الية تأولا قوم ـ فيما ذكر‬
‫ـ على أن المر حلل ‪ ،‬وأنا داخلة تت قوله ‪ :‬فيما طعموا ‪.‬‬
‫فذكر إساعيل بن إسحاق عن علي رضي ال عنه ‪ ،‬قال ‪ :‬شرب نفر من أهل الشام المر وعليهم‬
‫يزيد بن أب سفيان ‪ ،‬فقالوا ‪ :‬هي لنا حلل ‪ .‬وتأولوا هذه الية ‪" :‬ليس على الذين آمنوا" الية ‪ .‬قال‬
‫فكتب فيهم إل عمر ‪.‬‬
‫قال ‪ :‬فكتب عمر إليه ‪ :‬أن ابعث بم إل قبل أن يفسدوا من قبلك ‪ ،‬فلما قدموا إل عمر استشار‬
‫فيهم الناس ‪ ،‬فقالوا ‪ :‬يا أمي الؤمني! نرى أنم قد كذبوا على ال وشرعوا ف دينه ما ل يأذن به‬
‫‪218‬‬

‫الشاطبي‬

‫كتاب العتصام‬

‫فاضرب أعناقهم ‪ ،‬وعلي رضي ال عنه ساكت ‪ ،‬قال ‪ :‬فما تقول يا أبا السن ؟ فقال ‪ :‬أرى أن‬
‫تستتيبهم فإن تابوا جلدتم ثاني لشربم المر ‪ ،‬وإن ل يتوبوا ضربت أعناقهم ‪ ،‬فإنم قد كذبوا على‬
‫ال وشرعوا ف دين ال ما ل يأذن به ‪.‬‬
‫فهؤلء استحلوا بالتأويل ما حرم ال بنص الكتاب ‪ ،‬وشهد فيهم علي رضي ال عنه ‪ ،‬وغيه من‬
‫الصحابة ‪ ،‬بأنم شرعوا ف دين ال ‪ ،‬وهذه هي البدعة بعينها ‪ ،‬فهذا وجه ‪.‬‬
‫وأيضا ‪ ،‬فإن بعض الفلسفة السلميي تأول فيها غي هذا ‪ ،‬وأنه إنا يشربا للنفع ل للهو ‪ ،‬وعاهد‬
‫ال على ذلك ‪ ،‬فكأنا عندهم من الدوية أو غذاء صال يصلح لفظ الصحة ‪ .‬ويكى هذا العهد عن‬
‫ابن سيناء ‪.‬‬
‫ورأيت ف بعض كلم الناس من عرف عنه أنه كان يستعي ف سهره للعلم والتصنيف والنظر‬
‫بالمر ‪ ،‬فإذا رأى من نفسه كسلً أو فترةً شرب منها قدر ما ينشطه وينفي عنه الكسل ‪ ،‬بل ذكروا‬
‫فيها أن لا حرارة خاصة تفعل أفعا ًل كثية تطيب النفس ‪ ،‬وتصي النسان مبا للحكمة ‪ ،‬وتعله‬
‫حسن الركة ‪ ،‬والذهن ‪ ،‬والعرفة ‪ ،‬فإذا استعملها على العتدال عرف الشياء ‪ ،‬وفهمها ‪ ،‬وتذكرها‬
‫بعد النسيان ‪.‬‬
‫فلهذا ـ وال أعلم ـ كان ابن سينا ل يترك استعمالا ـ على ما ذكر عنه ـ وهو كله ضلل مبي‬
‫‪ ،‬عياذا بال من ذلك ‪.‬‬
‫ول يقال ‪ :‬إن هذا داخل تت مسألة التداوي با ‪ .‬وفيها خلف شهي ‪ ،‬لنا نقول ‪ :‬إنا ثبت عن‬
‫ابن سينا أنه كان يستعملها استعمال المور النشطة من الكسل والفظ للصحة ‪ ،‬والقوة على القيام‬
‫بوظائف العمال ‪ ،‬أو ما يناسب ذلك ‪ ،‬ل ف المراض الؤثرة ف الجسام ‪ .‬وإنا اللف ف‬
‫استعمالا ف المراض ل ف غي ذلك ‪ ،‬فهو ومن وافقه على ذلك متقولون على شريعة ال مبتدعون‬
‫فيها ‪ ،‬وقد تقدم رأي أهل الباحة ف المر وغيها ‪ ،‬ول توفيق إل بال ‪.‬‬
‫فصل ومثال ما يقع ف الال ‪ ،‬أن الكفار قالوا ‪ :‬إنا البيع مثل الربا‬
‫ومثال ما يقع ف الال ‪ ،‬أن الكفار قالوا ‪" :‬إنا البيع مثل الربا" فإنم لا استحلوا العمل به واحتجوا‬
‫بقياس فاسد ‪ ،‬فقالوا ‪ :‬إذا فسخ العشرة الت اشترى با إل شهر ف خسة عشر إل شهرين ‪ ،‬فهو‬
‫كما لو باع بمسة عشر إل شهرين ‪ ،‬فأكذبم ال تعال ورد عليهم ‪ ،‬فقال ‪" :‬ذلك بأنم قالوا إنا‬
‫البيع مثل الربا وأحل ال البيع وحرم الربا" أي ‪ :‬ليس البيع مثل الربا ‪،‬فهذه مدثة أخذوا با مستندين‬
‫إل رأي فاسد ‪ ،‬فكان من جلة الحدثات ‪ ،‬كسائر ما أحدثوا ف البيوع الارية بينهم البنية على‬
‫الطر والغرر ‪.‬‬

‫‪219‬‬

‫الشاطبي‬

‫كتاب العتصام‬

‫وكانت الاهلية قد شرعت أيضا أشياء ف الموال كالظوظ الت كانوا يرجونا للمي من الغنيمة ‪،‬‬
‫حت قال شاعرهم ‪:‬‬
‫وحكمك والنشيطة والفضول‬
‫لك الرباع فيها والصفايا‬
‫فالرباع ‪ :‬ربع الغنم يأخذه الرئيس ‪.‬والصفايا ‪ :‬جع صفي ‪ .‬وهو ما يصطفيه الرئيس لنفسه من الغنم‬
‫‪ ،‬والنشيطة ‪ :‬ما يغنمه الغزاة ف الطريق ‪ ،‬قبل بلوغهم إل الوضع الذي قصدوه ‪ ،‬فكان يتص به‬
‫الرئيس دون غيه ‪ .‬والفضول ‪ :‬ما يفضل من الغنيمة عند القسمة ‪.‬‬
‫وكانت تتخذ الرضي تميها عن الناس أن ل يدخلوها ول يرعوها ‪ ،‬فلما نزل القرآن بقسمة‬
‫الغنيمة ف قوله تعال ‪" :‬واعلموا أنا غنمتم من شيء" الية ‪ ،‬راتفع حكم هذه البدعة إل بعض من‬
‫جرى ف السلم على حكم الاهلية ‪ ،‬فعمل بأحكام الشيطان ‪ ،‬ول يستقم على العمل بأحكام ال‬
‫تعال ‪.‬‬
‫وكذلك جاء ف الديث ‪:‬‬
‫"ل حى إل حى ال ورسوله" ث جرى بعض الناس من آثر الدنيا على طاعة ال ‪ ،‬على سبيل حكم‬
‫الاهلية "ومن أحسن من ال حكما لقوم يوقنون" ولكن الية والديث وما كان ف معناها أثبت‬
‫أصلً ف الشريعة مطردا ل ينخرم ‪ ،‬وعاما ل يتخصص ‪ ،‬ومطلقا ل يتقيد ‪ .‬وهو أن الصغي من‬
‫الكلفي والكبي ‪ ،‬والشريف والدنء ‪ ،‬والرفيع والوضيع ف احكام الشريعة سواء ‪ ،‬فكل من خرج‬
‫عن مقتضى هذا الصل خرج من السنة إل البدعة ‪ ،‬ومن الستقامة إل العوجاج ‪.‬‬
‫وتت هذا الرمز تفاصيل عظيمة الوقع ‪ ،‬لعلها تذكر فيما بعد إن شاء ال ‪ ،‬وقد أشي إل جلة منها ‪.‬‬
‫فصل إذا تقرر أن البدع ليست ف الذم ول ف النهي على رتبة واحدة‬
‫إذا تقرر أن البدع ليست ف الذم ول ف النهي على رتبة واحدة ‪ ،‬وأن منها ما هو مكروه ‪ ،‬كما أن‬
‫منها ما هو مرم ‪ ،‬فوصف الضللة لزم لا وشامل لنواعها لا ثبت من قوله صلى ال عليه وسلم ‪:‬‬
‫"كل بدعة ضللة" ‪.‬‬
‫لكن يبقى ها هنا إشكال ‪ ،‬وهو أن الضللة ضد الدى لقوله تعال ‪" :‬أولئك الذين اشتروا الضللة‬
‫بالدى" وقوله ‪" :‬ومن يضلل ال فما له من هاد" "ومن يهد ال فما له من مضل" وأشباه ذلك ما‬
‫قوبل فيه بي الدى والضلل ‪ .‬فإنه بقتضي أنما ضدان وليس بينهما واسطة تعتب ف الشرع ‪ ،‬فدل‬
‫على أن البدع الكروهة خروج عن الدى ‪.‬‬
‫ونظيه ف الخالفات الت ليست ببدع ‪ ،‬الكروهة من الفعال ‪ ،‬كاللتفات اليسي ف الصلة من غي‬
‫حاجة ‪،‬‬
‫والصلة وهو يدافعه الخبثان وما أشبه ذلك ‪.‬‬
‫‪220‬‬

‫الشاطبي‬

‫كتاب العتصام‬

‫ونظيه ف الديث ‪:‬‬
‫" نينا عن اتباع النائز ول يعزم علينا" فالرتكب للمكروه ل يصح أن يقال فيه مالف ول عاص ‪،‬‬
‫مع أن الطاعة ضدها العصية ‪ .‬وفاعل الندوب مطيع لنه فاعل أمر به ‪ .‬فإذا اعتبت الضد لزم أن‬
‫يكون فاعل الكروه عاصيا لنه فاعال ما ني عنه ‪ ،‬لكن ذلك غي صحيح ‪ ،‬إذ ل يطلق عليه عاص ‪،‬‬
‫فكذلك ل يكون فاعل البدعة الكروهة ضا ًل ‪ ،‬وإل فل فرق بي إعتبار الضد ف الطاعة واعتباره ف‬
‫الدى ‪ ،‬فكما يطلق على البدعة الكروهة لفظ الضللة فكذلك يطلق على الفعل الكروه لفظ العصية‬
‫‪ ،‬وإل فل يطلق على البدعة الكروهة لفظ الضللة ‪ ،‬كما ل يطلق على الفعل الكروه لفظ العصية‬
‫‪.‬‬
‫إل أنه قد تقدم عموم لفظ الضللة لكل بدعة ‪ ،‬فليعم لفظ العصية لكل فعل مكروه ‪ ،‬لكن هذا باطل‬
‫‪ ،‬فما لزم عنه كذلك ‪.‬‬
‫والواب ‪ :‬أن عموم لفظ الضللة لكل بدعة‬
‫والواب ‪ :‬أن عموم لفظ الضللة لكل بدعة ثابت ـ كما تقدم بسطه ـ وما التزمتم ف الفعل‬
‫الكروه غي لزم ‪ ،‬فإنه ل يلزم ف الفعال أن تري على الضدية الذكورة إل بعد استقراء الشرع ‪،‬‬
‫ولا استقرينا موارد الحكام الشرعية وجدنا للطاعة والعصية واسطة متفقا عليها أو كالتفق عليها‬
‫وهي الباح ‪ ،‬وحقيقته أنه ليس بطاعة من حيث هو مباح ‪.‬‬
‫فالأر والنهي ضدان بينهما واسطة ل يتعلق با أمر ول ني ‪ ،‬وإنا يتعلق با التخيي ‪.‬‬
‫وإذا تأملنا الكروه ـ حسبما قرره الصوليون ـ وجدناه ذا طرفي ‪:‬‬
‫طرف من حيث هو منهي عنه ‪ ،‬فيستوي مع الحرم ف مطلق النهي ‪ ،‬فربا يتوهم أن مالفة ني‬
‫الكراهية معصية من حيث اشترك مع الحرم ف مطلق الخالفة ‪.‬‬
‫غي أنه يصد عن هذا الطلق الطرف الخر ‪ ،‬وهو أن يعتب من حيث ل يترتب على فاعله ذم‬
‫شرعي ول إث ول عقاب ‪ ،‬فخالف الحرم من هذا الوجه وشارك الباح فيه ‪ ،‬لن الباح ل ذم على‬
‫فاعله ول إث ول عقاب ‪ ،‬فتحاموا أن يطلقوا على ما هذا شأنه عبارة العصية ‪.‬‬
‫وإذا ثبت هذا ووجدنا بي الطاعة والعصية واسطة يصح أن ينسب إليها الكروه من البدع ‪ ،‬وقد قال‬
‫ال تعال ‪" :‬فماذا بعد الق إل الضلل" فليس إل حق ‪ ،‬وهو الدى ‪ ،‬وضلل وهو الباطل ‪ ،‬فالبدع‬
‫الكروهة ضلل ‪.‬‬
‫وأما ثانيا ‪ :‬فإن إثبات قسم الكراهة ف البدع على القيقة ما ينظر فيه ‪ ،‬فل يغتر الغتر بإطلق‬
‫التقدمي من الفقهاء لفظ الكروه على بعض البدع ‪ ،‬وإنا حقيقة السألة أن البدع ليست على رتبة‬

‫‪221‬‬

‫الشاطبي‬

‫كتاب العتصام‬

‫واحدة ف الذم ـ كما تقدم بيانه ـ وأما تعيي الكراهة الت معناها نفي إث فاعلها وارتفاع الرج‬
‫البتة ‪ ،‬فهذا ما ل يكاد يوجد عليه دليل من الشرع ول من كلم الئمة على الصوص ‪.‬‬
‫أماالشرع ففيه ما يدل على خلف ذلك ‪ ،‬لن رسول ال صلى ال عليه وسلم رد على من قال ‪:‬‬
‫"أما أنا فأقوم الليل ول أنام " ‪ ،‬وقال الخر ‪" :‬أما أنا فل أنكح النساء " إل آخر ما قالوا ‪ ،‬فرد‬
‫عليهم ذلك صلى ال عليه وسلم وقال ‪ ":‬من رغب عن سنت فليس من "‪.‬‬
‫وهذه العبارة أشد شيء ف النكار ‪ ،‬ول يكن ما التزموا إل فعل مندوب أو ترك مندوب إل فعل‬
‫مندوب آخر ‪ ،‬وكذلك ما ف الديث "أنه عليه السلم رأى رجلً قائما ف الشمس فقال ‪ :‬ما بال‬
‫هذا ؟ قالوا ‪ :‬نذر أن ل يستظل ول يتكلم ول يلس ويصوم ‪ ،‬فقال رسول ال صلى ال عليه وسلم‬
‫‪ :‬مره فليجلس وليستظل وليتم صومه " قال مالك‪ :‬أمره أن يتم ما كان ل عليه فيه طاعة ‪ ،‬ويترك ما‬
‫كان عليه فيه معصية ‪.‬‬
‫ويعضد هذا الذي قاله مالك ما ف البخاري عن قيس بن أب حازم ‪ ،‬قال دخل أبو بكر على امرأة من‬
‫أحس يقال لا زينب فرآها ل تتكلم ‪ ،‬فقال ‪:‬‬
‫ما لا فقال حجت مصمتة قال لا ‪ :‬تكلمي ‪ ،‬فإن هذا ل يل ‪ ،‬هذا من عمل الاهلية فتكلمت‬
‫الديث إل ‪.‬‬
‫وقال مالك أيضا ف قوله عليه الصلة والسلم ‪:‬‬
‫"من نذر أن يعصي ال فل يعصيه"إن ذلك أن ينذر الرجل أن يشي إل الشام وإل مصر وأشباه ذلك‬
‫ما ليس فيه طاعة ‪ ،‬أو أن ل أكلم فلنا ‪ ،‬فليس عليه ف ذلك شيء إن هو كلمه لنه ليس ل ف هذه‬
‫الشياء طاعة ‪ ،‬وإنا يوف ل بكل نذر فيه طاعة من مشي إل بيت ال أو صيام أو صدقة أو صلة ‪،‬‬
‫فكل ما ل فيه طاعة فهو واجب على من نذره ‪.‬‬
‫فتأمل كيف جعل القيام ف الشمس وترك الكلم ونذر الشي إل الشام أو مصر معاصي ‪ ،‬حت فسر‬
‫فيها الديث الشهور ‪ ،‬مع أنا ف أنفسها أشياء مباحات ‪ ،‬لكنه لا أجراها مرى ما يتشرع به ويدان‬
‫ل به صارت عند مالك معاصي ل ‪ ،‬وكلية قوله ‪ " :‬كل بدعة ضللة " شاهدة لذا العن ‪،‬‬
‫والميع يقتضي التأثيم والتهديد والوعيد ‪ ،‬وهي خاصية الحرم ‪.‬‬
‫وقد مر ما روى الزبي بن بكار وأتاه رجل فقال ‪ :‬يا أبا عبد ال ! من أين أحرم ؟ قال من ذي‬
‫الليفة من حيث أحرم رسول ال صلى ال عليه وسلم ‪ .‬فقال ‪ :‬إن أريد أن أحرم من السجد ‪:‬‬
‫فقال ‪ :‬ل تفعل ‪ .‬قال ‪ :‬غن أريد أن أحرم من السجد من عند القب ‪ .‬قال ‪ :‬ل تفعل فإن أخشى‬
‫عليك الفتنة ‪ .‬قال ‪ :‬وأي فتنة ف هذا ؟ إنا هي أميال أزيدها ‪ ،‬قال ‪ :‬وأي فتنة أعظم من أن ترى‬
‫أنك سبقت إل فضيلة قصر عنها رسول ال صلى ال عليه وسلم ؟ إن سعت ال تعال يقول ‪:‬‬
‫"فليحذر الذين يالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم" ‪.‬‬
‫‪222‬‬

‫الشاطبي‬

‫كتاب العتصام‬

‫فأنت ترى أنه خشي عليه الفتنة ف الحرام من موضع فاضل ل بقعة أشرف منه ‪ ،‬وهو مسجد ال‬
‫ورسول ال صلى ال عليه وسلم وموضع قبه ‪ ،‬لكنه أبعد من اليقات فهو زيادة ف التعب قصدا‬
‫لرضا ال ورسوله ‪ ،‬فبي أن ما استسهله من ذلك المر اليسي ف بادىء الرأي ياف على صاحبه‬
‫الفتنة ف الدنيا والعذاب ف الخرة ‪ ،‬واستدل بالية ‪ .‬فكل ما كان مثل ذلك داخل ـ عند مالك ـ‬
‫ف معن الية ‪ ،‬فأين كراهية التنيه ف هذه المور الت يظهر بأول النظر أنا سهلة ويسية؟ ‪.‬‬
‫وقال ابن حبيب ‪ :‬أخبن ابن الاجشون أنه سع مالكا يقول ‪ :‬التثويب ضلل ؟ قال مالك ‪ :‬ومن‬
‫أحدث ف هذه المة شيئا ل يكن عليه سلفها فقد زعم أن رسول ال صلى ال عليه وسلم خان‬
‫الدين ‪ ،‬لن ال تعال يقول ‪" :‬اليوم أكملت لكم دينكم" فما ل يكن يومئذ دينا ‪ ،‬ل يكون اليوم‬
‫دينا ‪.‬‬
‫وإنا التثويت الذي كرهه أن الؤذن كان إذا أذن فأبطأ الناس قال بي الذان والقامة ‪ :‬قد قامت‬
‫الصلة ‪ ،‬حي على الصلة ‪ ،‬حي على الفلح وهو قول إسحاق بن راهوية أنه التثويب الحدث ‪.‬‬
‫قال الترمذي لا نقل هذا عن سحنون ‪ :‬وهذا الذي قال إسحاق هو التثويب الذي قد كرهه أهل‬
‫العلم ‪ ،‬والذي أحدثوه بعد النب صلى ال عليه وسلم ‪ .‬وإذا اعتب هذا اللفظ ف نفسه فكل أحد‬
‫يستسهله ف بادىء الرأي إذ ليس فيه زيادة على التذكي بالصلة ‪.‬‬
‫وقصة صبيغ العراقي ظاهرة ف هذا العن ‪ ،‬فحكة ابن وهب قال ‪ :‬حدثنا مالك بن أنس قال ‪ :‬جعل‬
‫صبيغ يطوف بكتاب ال معه ‪ ،‬ويقول ‪ :‬من يتفقه يفقهه ال ‪ ،‬من يتعلم يعلمه ال ‪ ،‬فأخذه عمر بن‬
‫الطاب رضي ال عنه فضربه بالريد الرطب ‪ ،‬ث سجنه حت إذا خف الذي به أخرجه فضربه ‪،‬‬
‫فقال ‪ :‬يا أمي الؤمني! إن كنت تريد قتلي فأجهز علي ‪ ،‬وإل فقد شفيتن شفاك ال فخله عمر ‪.‬‬
‫قال ابن وهب ‪ :‬قال مالك ‪ ،‬وقد ضرب عمر بن الطاب رضي ال عنه صبيغا حي بلغه ما يسأل‬
‫عنه من القرآن وغي ذلك اهـ ‪.‬‬
‫وهذا الضرب إنا كان لسؤاله عن أمور من القرآن ل ينبن عليها عمل وربا نقل عنه أنه كان يسأل‬
‫عن السابات سبحا ‪ ،‬والرسلت عرفا وأشباه ذلك ‪ ،‬والضرب إنا يكون لناية أربت على كراهية‬
‫التنيه ‪ ،‬إذ ل يستباح دم امرىء مسلم ‪ ،‬ول عرضه بكروه كراهية تنيه ‪ ،‬ضربه إياه خوف البتداع‬
‫ف الدين أن يشتغل منه با ل ينبن عليه عمل ‪ ،‬وأن يكون ذلك ذريعة ‪ ،‬لئل يبحث عن التشابات‬
‫القرآنية ولذلك لا قرأ عمر بن الطاب رضي ال عنه ‪" :‬وفاكهة وأبا" قال ‪ :‬هذه الفاكهة ‪ ،‬فما‬
‫الب ! ث قال ‪ :‬ما أمرنا بذا ‪.‬‬
‫وف رواية ‪ :‬نينا عن التكلف ‪.‬‬
‫وجاء ف قصة صبيغ من رواية ابن وهب عن الليث أنه ضربه مرتي ث أراد أن يضربه الثالثة فقال له‬
‫ل ‪ ،‬وإن كنت تريد أن تداوين فقد وال برئت ‪ .‬فأذن له‬
‫صبيغ ‪ :‬إن كنت تريد قتلي فاقتلن قتلً جي ً‬
‫‪223‬‬

‫الشاطبي‬

‫كتاب العتصام‬

‫إل أرضه ‪ ،‬وكتب إل أب موسى الشعري رضي ال عنه أن ل يالسه أحد من السلمي ‪ ،‬فاشتد‬
‫ذلك على الرجل ‪ ،‬فكتب أبو موسى إل عمر أن قد حسنت سيئتة ‪ ،‬فكتب إليه عمر أن يأذن للناس‬
‫بجالسته ‪ .‬والشواهد ف هذا العن كثية ‪ ،‬وهي تدل على أن الي عند الناس من البدع شديد وليس‬
‫بي "وتسبونه هينا وهو عند ال عظيم" ‪.‬‬
‫وأما كلم العلماء فإنم وإن أطلقوا الكراهية ف المور النهي عنها ل يعنون با كراهية التنيه فقط ‪،‬‬
‫وإنا هذا اصطلح للمتأخرين حي أرادوا أن يفرقوا بي القبلتي ‪ .‬فيطلقون لفظ الكراهية على‬
‫كراهية التنيه فقط ‪ ،‬ويصون كراهية التحري بلفظ التحري والنع ‪ ،‬وأشباه ذلك ‪.‬‬
‫وأما التقدمون من السلف فإنم ل يكن من شأنم فيما ل نص فيه صريا أن يقولوا ‪ :‬هذا حلل‬
‫وهذا حرام ‪ .‬ويتحامون هذه العبارة خوفا ما ف الية من قوله ‪" :‬ول تقولوا لا تصف ألسنتكم‬
‫الكذب هذا حلل وهذا حرام لتفتروا على ال الكذب" وحكى مالك عمن تقدمه هذا العن ‪ .‬فإذا‬
‫وجدت ف كلمهم ف البدعة أو غيها ‪ :‬أكره هذا ‪ ،‬ول أحب هذا ‪ ،‬وهذا مكروه ‪ .‬وما أشبه‬
‫ذلك ‪ ،‬فل تقطعن على أنم يريدون التنيه فقط ‪ ،‬فإنه إذا دل الدليل ف جيع البدع على أنا ضللة‬
‫فمن أين يعد فيها ما هو مكروه كراهية التنيه ؟ اللهم إل أن يطلقوا لفظ الكراهية على ما يكون له‬
‫أصل ف الشرع ‪ ،‬ولكن يعارضه أمر آخر معتب ف الشرع فيكره لجله ‪ ،‬ل لنه بدعة مكروهة ‪،‬‬
‫على تفصيل يذكر ف موضعه ‪.‬‬
‫وأما ثالثا ‪ :‬فإنا إذا تأملنا حقيقة البدعة ـ دقت أو جلت ـ وجدناها مالفة للمكروه من النهيات‬
‫الخالفة التامة ‪ .‬وبيان ذلك من أوجه ‪:‬‬
‫ل على العفو اللزم فيه ‪،‬‬
‫أحدها ‪ :‬أن مرتكب الكروه إنا قصده نيل غرضه وشهوته العاجلة متك ً‬
‫ورفع الرج الثابت ف الشريعة ‪ ،‬فهو إل الطمع ف رحة ال أقرب ‪ .‬وأيضا فليس عقده اليان‬
‫بتزحزح ‪ ،‬لنه يعتقد الكروه مكروها كما يعتقد الرام حراما وإن ارتكبه ‪ ،‬فهو ياف ال‬
‫ويرجوه ‪ ،‬والوف والرجاء شعبتان من شعب اليان ‪.‬‬
‫فكذلك مرتكب الكروه يرى أن الترك أول ف حقه من الفعل ‪ ،‬وأن نفسه المارة زينت له الدخول‬
‫فيه ‪ .‬ويود لو ل يفعل ‪ ،‬وايضا فل يزال ـ إذا تذكر ـ منكسر القلب طامعا ف القلع سواء عليه‬
‫أخذ ف أسباب القلع أم ل ‪.‬‬
‫ومرتكب أدن البدع يكاد يكون على ضد هذه الحوال ‪ ،‬فإنه يعد ما دخل فيه حسنا ‪ ،‬بل يراه أول‬
‫با حد له الشارع ‪ ،‬فأين مع هذه خوفه أو رجاؤه ؟ وهو يزعم أن طريقه أهدى سبيلً ‪ ،‬ونلته أول‬
‫بالتباع ‪ .‬هذا وإن كان زعمه شبهة عرضت فقد شهد الشرع باليات والحاديث أنه متبع للهوى ‪.‬‬
‫وسيأت لذلك تقرير إن شاء ال ‪.‬‬

‫‪224‬‬

‫الشاطبي‬

‫كتاب العتصام‬

‫وقد مر ف أول الباب الثان تقرير لملة من العان الت تعظم أمر البدع على الطلق ‪ ،‬وكذلك مر‬
‫ف آخر الباب أيضا أمور ظاهرة ف بعد ما بينهما وبي كراهية التنيه فراجعها هنالك يتبي لك‬
‫مصداق ما أشي إليه ها هنا ‪ ،‬وبال التوفيق ‪.‬‬
‫والاصل أن النسبة بي الكروه من العمال وبي أدن البدع بعيد اللتمس ‪.‬‬
‫فصل إذا ثبت هذا انتقلنا منه إل معن آخر ‪ :‬وهو أن الحرم ينقسم ف الشرع إل ما هو صغية‬
‫وإل ما هو كبية‬
‫إذا ثبت هذا انتقلنا منه إل معن آخر ‪ :‬وهو أن الحرم ينقسم ف الشرع إل ما هو صغية وإل ما هو‬
‫كبية ـ حسبما تبي ف علم الصول الدينية ـ فكذلك يقال ف البدع الحرمة ‪ :‬إنا تنقسم إل‬
‫الصغية والكبية اعتبارا بتفاوت درجاتا ـ كما تقدم ـ وهذا على القول بأن العاصي تنقسم إل‬
‫الصغية والكبية ‪ .‬ولقد اختلفوا ف الفرق بينهما على أوجه وجيع ما قالوه لعله ل يوف بذلك‬
‫القصود على الكمال فلنترك التفريع عليه ‪.‬‬
‫وأقرب وجه يلتمس لذا الطلب ما تقرر ف كتاب الوافقات أن الكبائر منحصرة ف الخلل‬
‫بالضروريات العتبة ف كل ملة ‪ .‬وهي الدين والنفس والنسل والعقل والال ‪ ،‬وكل ما نص عليه‬
‫راجع إليها ‪ ،‬وما ل ينص عليه جرت ف العتبار والنظر مراها ‪ ،‬وهو الذي يمع أشتات ما ذكره‬
‫العلماء وما ل يذكروه ما هو ف معناه ‪.‬‬
‫فكذلك نقول ف كبائر البدع ‪ :‬ما أخل منها بأصل من هذه الضروريات فهو كبية ‪ ،‬وما ل ‪ ،‬فهي‬
‫صغية ‪ .‬وقد تقدمت لذلك أمثلة أول الباب ‪ .‬فكما انصرت كبائر العاصي أحسن انصار ـ‬
‫حسبما أشي إليه ف ذلك الكتاب ـ كذلك تنحصر كبائر البدع أيضا ‪ ،‬وعند ذلك يعترض ف‬
‫السألة إشكال عظيم على أهل البدع يعسر التخلص عنه ف إثبات الصغائر فيها ‪ .‬وذلك أن جيع‬
‫البدع راجعة إل الخلل بالدين إما أصلً وإما فرعا ‪ ،‬لنا إنا أحدثت لتلحق بالشروع زيادة فيه أو‬
‫نقصانا منه أو تغييا لقوافيه ‪ ،‬أو ما يرجع إل ذلك وليس ذلك بختص بالعبادات دون العادات ‪،‬‬
‫وإن قلنا بدخولا ف العادات ‪ ،‬بل تنع ف الميع ‪ .‬وإذا كانت بكليتها إخللً بالدين فهي إذا إخلل‬
‫بأول الضروريات وهو الدين ‪ ،‬وقد أثبت الديث الصحيح أن كل بدعة ضللة ‪ ،‬وقال ف الفرق ‪:‬‬
‫" كلها ف النار إل واحدة" وهذا وعيد أيضا للجميع على التفصيل ‪.‬‬
‫وهذا وإن تفاوتت مراتبها ف الخلل بالدين فليس ذلك بخرج لا عن أن تكون كبائر ‪ ،‬كما أن‬
‫القواعد المس أركان الدين وهي متفاوتة ف الترتيب ‪ ،‬فليس الخلل بالشهادتي كالخلل‬
‫بالصلة ‪ ،‬ول الخلل بالصلة كالخلل بالزكاة ‪ ،‬ول الخلل بالزكاة كالخلل برمضان ‪،‬‬
‫وكذلك سائرها مع الخلل ‪ ،‬فكل منها كبية ‪ .‬فقد آل النظر إل أن كل بدعة كبية ‪.‬‬
‫‪225‬‬

‫الشاطبي‬

‫كتاب العتصام‬

‫وياب عنه بأن هذا النظر يدل على ما ذكره ‪ ،‬ففي النظر ما يدل من جهة أخرى على إثبات الصغية‬
‫من أوجه ‪:‬‬
‫أحدها ‪ :‬أنا نقول ‪ :‬الخلل بضرورة النفس كبية بل إشكال ‪ ،‬ولكنها على مراتب أدناها ل يسمى‬
‫كبية ‪ ،‬فالقتل كبية ‪ ،‬وقطع العضاء من غي إجهاز كبية دونا ‪ ،‬وقطع عضو واحد كبية دونا ‪،‬‬
‫وهلم جرا إل أن تنتهي إل اللطمة ‪ ،‬ث إل أقل خدش يتصور ‪ ،‬فل يصح أن يقال ف مثله كبية ‪،‬‬
‫كما قال العلماء ف السرقة ‪ :‬إنا كبية لنا إخلل بضرورة الال ‪ .‬فإن كانت السرقة ف لقمة أو‬
‫تطفيف ببة فقد عدوه من الصغائر ‪ .‬وهذا ف ضرورة الدين أيضا ‪.‬‬
‫فقد جاء ف بعض الحاديث عن حذيفة رضي ال عنه قال ‪:‬‬
‫أول ما تفقدون من دينكم المانة ‪ ،‬وآخر ما تفقدون الصلة ‪ ،‬ولتنقضن عرى اليان عرو ًة عروة ‪،‬‬
‫وليصلي نساء وهن حيض ـ ث قال ـ حت تبقى فرقتان من فرق كثية تقول إحداها ‪ :‬ما بال‬
‫الصلوات المس ؟ لقد ضل من كان قبلنا ‪ ،‬إنا قال ال ‪" :‬وأقم الصلة طرف النهار وزلفا من الليل"‬
‫ل تصلن إل ثلثا ‪ .‬وتقول أخرى ‪ :‬إنا لنؤمن بال إيان اللئكة ‪ ،‬ما فينا كافر ‪ ،‬حق على ال أن‬
‫يشرها مع الدجال فهذا الثر ـ وإن ل تلتزم عهده صحته ـ مثال من أمثلة السألة ‪.‬‬
‫فقد نبه على أن ف آخر الزمان من يرى أن الصلوات الفروضة ثلث ل خس ‪ ،‬وبي أن من النساء‬
‫من يصلي وهن حيض ‪ .‬كأنه يعن بسبب التعمق وطلب الحتياط بالوساوس الارج عن السنة ‪.‬‬
‫فهذه مرتبة دون الول ‪.‬‬
‫وحكى ابن حزم أن بعض الناس زعم أن الظهر خس ركعات ل أربع ركعات ‪ ،‬ث وقع ف العتبية ‪.‬‬
‫قال ابن القاسم ‪ :‬وسعت مالكا يقول ‪ :‬أول من أحدث العتماد ف الصلة ـ حت ل يرك رجليه‬
‫ـ رجل قد عرف وسي إل أن ل أحب أن أذكره ‪ ،‬وقد كان مساء ( أي يساء الثناء عليه ) قال ‪:‬‬
‫قد عيب ذلك عليه ‪ ،‬وهذا مكروه من الفعل ‪ .‬قالوا ‪ :‬ومساء أي يساء الثناء عليه ‪.‬‬
‫قال ابن رشد ‪ :‬جائز عند مالك أن يروح الرجل قدميه ف الصلة ‪ ،‬قاله ف الدونة ‪ ،‬وإنا كره أن‬
‫يقرنما حت ل يعتمد على إحداها دون الخرى ‪ ،‬لن ذلك ليس من حدود الصلة إذ ل يأت ذلك‬
‫عن النب صلى ال عليه وسلم ول عن أحد من السلف والصحابة الرضيي ‪ ،‬وهو من مدثات المور‬
‫‪ :‬انتهى ‪.‬‬
‫فمثل هذا ـ إن كان يعده فاعله من ماسن الصلة وإن ل يأت به أثر ـ فيقال ف مثله ‪ :‬إنه من‬
‫كبار البدع ‪ .‬كما يقال ذلك ف الركعة الامسة ف الظهر ونوها ‪ ،‬بل إنا يعد مثله من صغائر البدع‬
‫إن سلمنا أن لفظ الكراهية فيه ما يراد به التنيه ‪ ،‬وإذا ثبت ذلك ف بعض المثلة ف قاعدة الدين ‪،‬‬
‫فمثله يتصور ف سائر البدع الختلفة الراتب ‪ ،‬فالصغائر ف البدع ثابتة كما أنا ف العاصي ثابتة ‪.‬‬

‫‪226‬‬

‫الشاطبي‬

‫كتاب العتصام‬

‫والثان ‪ :‬أن البدع تنقسم إل ما هي كلية ف الشريعة وإل جزئية ‪ ،‬ومعن ذلك أن يكون اللل الواقع‬
‫بسبب البدعة كليا ف الشريعة ‪ ،‬كبدعة التحسي والتقبيح العقليي ‪ ،‬وبدعة إنكار الخبار السنية‬
‫اقتصارا على القرآن ‪ ،‬وبدعة الوارج ف قولم ‪ :‬ل حكم إل ل ‪ .‬وما أشبه ذلك من البدع الت ل‬
‫تتص فرعا من فروع الشريعة دون فرع ‪ ،‬بل ستجدها تنتظم ما ل ينحصر من الفروع الزئية ‪ ،‬أو‬
‫يكون اللل الواقع جزئيا إنا يأت ف بعض الفروع دون بعض كبدعة التثويب بالصلة الذي قال فيه‬
‫مالك ‪ :‬التثوب ضلل وبدعة الذان والقامة ف العيدين ‪ ،‬وبدعة العتماد ف الصلة على إحدى‬
‫الرجلي ‪ ،‬وما أشبه ذلك ‪ .‬فهذا القسم ل تتعدى فيه البدعة ملها ‪ ،‬ول تنتظم تتها غيها حت‬
‫ل لا ‪.‬‬
‫تكون أص ً‬
‫فالقسم الول إذا عد من الكبائر اتضح مغزاه وأمكن أن يكون منحصرا داخلً تت عموم الثنتي‬
‫والسبعي فرقة ‪ ،‬ويكون الوعيد الت ف الكتاب والسنة مصوصا به ل عاما فيه وف غيه ‪ ،‬ويكون‬
‫ما عدا ذلك من قبيل اللمم الرجو فيه العفو الذي ل ينحصر إل ذلك العدد ‪ ،‬فل قطع على أن‬
‫جيعها من واحد ‪ ،‬وقد ظهر وجه انقسامها ‪.‬‬
‫والثالث ‪ :‬أن العاصي قد ثبت انقسامها إل الصغائر والكبائر ‪ ،‬ول شك أن البدع من جلة العاصي‬
‫ـ على مقتضى الدلة التقدمة ـ ونوع من أنواعها ‪ ،‬فاقتضى إطلق التقسيم أن البدع تنقسم‬
‫أيضا ‪ ،‬ول يصص وجوها بتعميم الدخول ف الكبائر ‪ ،‬لن ذلك تصيص من غي مصص ‪ ،‬ولو‬
‫كان ذلك معتبا لستثن من تقدم من العلماء القائلي بالتقسيم ‪ ،‬قسم البدع ‪ ،‬فكانوا ينصون على‬
‫أن العاصي ما عدا البدع تنقسم إل الصغائر والكبائر ‪ ،‬إل أنم ل يلتفتوا إل الستثناء وأطلقوا القول‬
‫بالنقسام ‪ ،‬فظهر أنه شامل لميع أنواعها ‪.‬‬
‫فإن قيل ‪ :‬إن ذلك التفاوت ل دليل فيه على إثبات الصغية مطلقا ‪ ،‬وإنا يدل ذلك على أنا تتفاضل‬
‫‪ ،‬فمنها ثقيل وأثقل ومنها خفيف وأخف ‪ ،‬والفة هل تنتهي إل حد تعد البدعة فيه من قبيل اللمم ؟‬
‫هذا فيه نظر ‪ ،‬وقد ظهر معن الكبية والصغية ف العاصي غي البدع ‪.‬‬
‫وأما ف البدع فثبت لا أمران ‪:‬‬
‫أحدها ‪ :‬أنا مضادة للشارع ومراغمة له ‪ ،‬حيث نصب البتدع نفسه نصب الستدرك على‬
‫الشريعة ‪ ،‬ل نصب الكتفي با حد له ‪.‬‬
‫والثان ‪ :‬أن كل بدعة ـ وإن قلت ـ تشريع زائد أو ناقص ‪ ،‬أو تغي للصل الصحيح ‪ ،‬وكل ذلك‬
‫قد يكون على النفراد ‪ ،‬وقد يكون ملحقا با هو مشروع ‪ ،‬فيكون قادحا ف الشروع ‪ .‬ولو فعل‬
‫أحد مثل هذا ف نفس الشريعة عامدا لكفر ‪ ،‬إذ الزيادة والنقصان فيها أو التغيي ـ قل أو كثر ـ‬
‫كفر ‪ ،‬فل فرق بي ما قل منه وما كثر ‪ .‬فمن فعل مثل ذلك بتأويل فاسد أو برأي غالط رآه ‪ ،‬أو‬

‫‪227‬‬

‫الشاطبي‬

‫كتاب العتصام‬

‫ألقه بالشروع إذا ل تكفره ل يكن ف حكمه فرق بي ما قل منه وما كثر ‪ ،‬لن الميع جناية ل‬
‫تملها الشريعة بقليل ول بكثي ‪.‬‬
‫ويعضد هذا النظر عموم الدلة ف ذم البدع من غي استثناء ‪ ،‬فالفرق بي بدعة جزئية وبدعة كلية ‪،‬‬
‫وقد حصل الواب عن السؤال الول والثان ‪.‬‬
‫وأما الثالث ‪ :‬فل حجة فيه لن قوله عليه السلم ‪" :‬كل بدعة ضللة" وما تقدم من كلم السلف‬
‫يدل على عموم الذم فيها ‪ .‬وظهر أنا مع العاصي ل تنقسم ذلك النقسام ‪ ،‬بل إنا ينقسم ما سواها‬
‫من العاصي ‪ .‬واعتب با تقدم ذكره ف الباب الثان يتبي لك عدم الفرق فيها ‪ .‬وأقرب منها عبارة‬
‫تناسب هذا التقرير أن يقال ‪ :‬كل بدعة كبية عظيمة بالضافة إل ماوزة حدود ال بالتشريع ‪ ،‬إل‬
‫أنا وإن عظمت لا ذكرناه ‪ ،‬فإذا نسب بعضها إل بعض تفاوتت رتبتها فيكون منها صغار وكبار ‪،‬‬
‫إما بإعتبار أن بعضها أشد عقابا من بعض ‪ ،‬فالشد عقابا أكب ما دونه ‪ ،‬وإما بإعتبار فوت الطلوب‬
‫ف الفسدة ‪ ،‬فكما انقسمت الطاعة بإتباع السنة إل الفاضل والفضل ‪ ،‬لنقسام مصالها إل‬
‫الكامل والكمل ‪ ،‬انقسمت البدع لنقسام مفاسدها إل الرذل والرذل ‪ ،‬والصغر والكب ‪ ،‬من باب‬
‫النسب والضافات ‪ ،‬فقد يكون الشيء كبيا ف نفسه لكنه صغي بالنسبة إل ما هو أكب منه ‪.‬‬
‫وهذه العبارة قد سبق إليها إمام الرمي لكن ف انقاسم العاصي إل الكبائر والصغائر فقال ‪ :‬الرضي‬
‫عندنا أن كل ذنب كبي وعظيم بالضافة إل مالفة ال ‪ ،‬ولذلك يقال ‪ :‬معصية ال أكب من معصية‬
‫العباد ‪ ،‬قولً مطلقا ‪ ،‬إل أنا وإن عظمت لا ذكرناه ‪ ،‬فإذا نسب بعضها إل بعض تفاوتت رتبها ‪ .‬ث‬
‫ذكر معن ما تقدم ‪ ،‬ول يوافقه غيه على ما قال وإن كان له وجه ف النظر وقعت الشارة إليه ف‬
‫كتاب الوافقات ‪ .‬ولكن الظاهر يأب ذلك ـ حسبما ذكره غيه من العلماء ـ والظواهر ف البدع‬
‫ل تأب كلم المام إذا نزل عليها ـ حسبما تقدم ـ فصار اعتقاد الصغائر فيها يكاد يكون من‬
‫التشابات ‪ ،‬كما صار اعتقاد نفي الكراهية التنيه عنها من الواضحات ‪.‬‬
‫فليتأمل هذا الوضع أشد التأمل ويعط من النصاف حقه ‪ ،‬ول ينظر إل خفة المر ف البدعة بالنسبة‬
‫إل صورتا وإن دقت ‪ ،‬بل ينظر إل مصادمتها للشريعة ورميها لا بالنقص والستدراك ‪ ،‬وأنا ل‬
‫تكمل بعد حت يوضع فيها ‪ ،‬بلف سائر العاصي فإنا ل تعود على الشريعة بتنقيص ول غص من‬
‫جانبها ‪ ،‬بل صاحب العصية متنصل منها ‪ ،‬مقر ل بخالفتة لكمها ‪.‬‬
‫وحاصل العصية أنا مالفة ف فعل الكلف لا يعتقد صحته من الشريعة ‪ ،‬والبدعة حاصلها مالفة ف‬
‫اعتقاد كمال الشريعة ‪ ،‬ولذلك قال مالك بن أنس ‪ :‬من أحدث ف هذه المة شيئا ل يكن عليه‬
‫سلفها فقد زعم أن رسول ال صلى ال عليه وسلم خان الرسالة ‪ ،‬لن ال يقول ‪" :‬اليوم أكملت‬
‫لكم دينكم" إل آخر الكاية ‪ .‬وقد تقدمت ‪.‬‬

‫‪228‬‬

‫الشاطبي‬

‫كتاب العتصام‬

‫ومثلها جوابه لن أراد أن يرم من الدينة وقال ‪ :‬أي فتنة فيها ؟ إنا هي أميال أزيدها ‪ .‬فقال ‪ :‬وأي‬
‫فتنة أعظم من أن تظن أنك فعلت فعلً قصر عنه رسول ال صلى ال عليه وسلم ‪ ،‬إل آخر الكاية ‪،‬‬
‫وقد تقدمت أيضا ‪ ،‬فإذا يصح أن يكون ف البدع ما هو صغية ‪.‬‬
‫فالواب ‪ :‬ان ذلك يصح بطريقة يظهر إن شاء ال أنا تقيق ف تشقيق هذه السألة ‪.‬‬
‫وذلك أن صاحب البدعة يتصور أن يكون عالا بكونا بدعة وأن يكون غي عال بذلك ‪ .‬وغي العال‬
‫بكونا بدعة على ضربي ‪ ،‬وها الجتهد ف استنباطها وتشريعها والقلد له فيها ‪ .‬وعلى كل تقدير‬
‫فالتأويل يصاحبه فيها ول يفارقه إذا حكمنا له بكم أهل السلم ‪ ،‬لنه مصادم للشارع مراغم‬
‫للشرع بالزيادة فيه أو النقصان منه أو التحريف له ‪ ،‬فل بد له من تأويل كقوله ‪ :‬هي بدعة ولكنها‬
‫مستحسنة أو يقول ‪ :‬إنا بدعة ولكن رأيت فلنا الفاضل يعمل با أو يقر با ولكنه يفعلها لظ‬
‫عاجل ‪ ،‬كفاعل الذنب لقضاء حظه العاجل خوفا على حظه ‪ ،‬أو فرارا من خوف على حظه ‪ ،‬أو‬
‫فرارا من العتراض عليه ف اتباع السنة ‪ ،‬كما هو الشأن اليوم ف كثي من يشار إليه ‪ ،‬وما أشبه‬
‫ذلك ‪.‬‬
‫وأما غي العال وهو الواضع لا ‪ ،‬لنه ل يكن أن يعتقدها بدعة ‪ ،‬بل هي عنده ما يلحق‬
‫الشروعات ‪ ،‬كقول من جعل يوم الثني يصام لنه يوم مولد النب صلى ال عليه وسلم ‪ ،‬وجعل‬
‫الثان عشر من ربيع الول ملحقا بأيام العياد لنه عليه السلم ولد فيه ‪ ،‬وكمن عد السماع والغناء‬
‫ما يتقرب به إل ال بناء على أنه يلب الحوال السنية ‪ ،‬أو رغب ف الدعاء بئية الجتماع ف أدبار‬
‫الصلوات دائما بناء على ما جاء ف ذلك حالة الواحدة ‪ ،‬أو زاد ف الشريعة أحاديث مكذوبة لينصر‬
‫ف زعمه سنة ممد صلى ال عليه وسلم ‪ .‬فلما قيل له ‪ :‬إنك تكذب عليه وقد قال ‪:‬‬
‫" من كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار" قال ‪ :‬ل أكذب عليه وإنا كذبت له ‪ .‬أو نقص‬
‫ل عليها لقوله تعال ف ذم الكفار ‪" :‬إن يتبعون إل الظن وإن الظن ل يغن من الق شيئا"‬
‫منها تأوي ً‬
‫فأسقط اعتبار الحاديث النقوله بالحاد لذلك ولا أشبه ‪ ،‬لن خب الواحد ظن ‪ ،‬فهذه كلها من قبل‬
‫التأويل ‪.‬‬
‫وأما القلد فكذلك أيضا لنه يقول ‪ :‬فلن القتدى به يعمل بذا العمل ويثن عليه ‪ ،‬كاتاذ الغناء‬
‫جزءا من أجزاء طريقة التصوف بنا ًء على أن شيوخ التصوف قد سعوه وتواجدوا عليه ‪ ،‬ومنهم من‬
‫مات بسببه ‪ ،‬وكتمزيق الثياب عند التواجد بالرقص وسواه لنم قد فعلوه ‪ ،‬وأكثر ما يقع مثل هذا‬
‫ف هؤلء النتمي إل التصوف ‪.‬‬
‫وربا احتجوا على بدعتهم بالنيد و البسطامي والشبلي وغيهم فيما صح عندهم أو ل يصح ‪،‬‬
‫ويتركون أن يتجوا بسنة ال ورسوله وهي الت ل شائبة فيها إذا نقلها العدول وفسرها أهلها الكبون‬

‫‪229‬‬

‫الشاطبي‬

‫كتاب العتصام‬

‫على فهمها وتعلمها ‪ .‬ولكنهم مع ذلك ل يقرون باللف للسنة بثا ‪ ،‬بل يدخلون تت أذيال‬
‫ل‪.‬‬
‫التأويل ‪ ،‬إذ ل يرضى منتم إل السلم بإبداء صفحة اللف للسنة أص ً‬
‫وإذا كان كذلك فقول مالك ‪ :‬من أحدث ف هذه المة شيئا ل يكن عليه سلفها فقد زعم أن النب‬
‫صلى ال عليه وسلم خان الرسالة ‪ .‬وقوله لن أراد أن يرم من الدينة ‪ :‬أي فتنة أعظم من أن تظن‬
‫أنك سبقت إل فضيلة قصر عنها رسول ال صلى ال عليه وسلم ؟ إل آخر الكاية ‪ ،‬إنا إلزام‬
‫للخصم على عادة أهل النظر ‪ ،‬كأنه يقول ‪ :‬يلزمك ف هذا القول كذا ‪ .‬لنه يقول ‪ :‬قصدت إليه‬
‫قصدا ‪ ،‬لنه ل يقصد إل ذلك مسلم ‪ ،‬ولزم الذهب ‪ :‬هل هو نذهب أم ل ؟ هي مسألة متلف‬
‫فيها بي أهل الصول ‪ ،‬والذي كان يقول به شيوخنا البجائيون والغربيون ويرون أنه رأي الحققي‬
‫أيضا ‪ :‬أن لزم الذهب ليس بذهب ‪ ،‬فلذلك إذا قرر على الصم أنكره غاية النكار ‪،‬فإذا اعتبار‬
‫ذلك العن على التحقيق ل ينهض ‪ ،‬وعند ذلك تستوي البدعة مع العصية صغائر وكبائر ‪ ،‬فكذلك‬
‫البدع ‪.‬‬
‫ث إن البدع على ضربي ‪ :‬كلية وجزئية ‪ ،‬فأما الكلية فهي السارية فيما ل ينحصر من فروع الشريعة‬
‫‪ ،‬ومثالا بدع الفرق الثلث والسبعي ‪ ،‬فإنا متصة بالكليات منها دون الزئيات ‪ ،‬حسبما يتبي بعد‬
‫إن شاء ال ‪.‬‬
‫وأما الزئية فهي الواقعة ف الفروع الزئية ‪ ،‬ول يتحقق دخول هذا الضرب من البدع تت الوعيد‬
‫بالنار ‪ ،‬وإن دخلت تت الوصف بالضلل ‪ ،‬كما ل يتحقق ذلك ف سرقة لقمة أو التطفيف ببه ‪،‬‬
‫ل تت وصف السرقة ‪ ،‬بل التحقق دخول عظائمها وكلياتا كالنصاب ف‬
‫وإن كان داخ ً‬
‫فصل وإذا قلنا ‪ :‬إن من البدع ما يكون صغية‬
‫وإذا قلنا ‪ :‬إن من البدع ما يكون صغية ‪ ،‬فذلك بشروط ‪:‬‬
‫أحدها ‪ :‬أن ل يدوام عليها ‪ ،‬فإن الصغية من العاصي لن داوم عليها تكب بالنسبة إليه ‪ ،‬لن ذلك‬
‫ناشىء عن الصرار عليها ‪ ،‬والصرار على الصغية يصيها كبية ‪ ،‬ولذلك قالوا ‪ " :‬ل صغية مع‬
‫إصرار ‪ ،‬ول كبية مع استغفار " فكذلك البدعة من غي فرق ‪ ،‬إل أن العاصي من شأنا ف الواقع‬
‫أنا قد يصر عليها ‪ ،‬وقد ل يصر عليها ‪ ،‬وقد ل يصر عليها ‪ ،‬وعلى ذلك ينبن طرح الشهادة‬
‫وسخطه الشاهد با أو عدمه ‪ ،‬بلف البدعة فإن شأنا ف الداومة والرص على أن ل تزال من‬
‫موضعها وأن تقوم على تاركها القيامة ‪ ،‬وتنطلق عليه ألسنة اللمة ‪ ،‬ويرمى بالتسفيه والتجهيل ‪،‬‬
‫وينبز بالتبديع والتضليل ‪ ،‬ضد ما كان عليه سلف هذه المة ‪ ،‬والقتدى بم من الئمة ‪ ،‬والدليل على‬
‫ذلك العتبار والنقل ‪ ،‬فإن أهل البدع كان من شأنم القيام بالنكي على أهل السنة إن كان لم‬
‫عصبة ‪ ،‬أو لصقوا بسلطان تري أحكامه ف الناس وتنفذ أوامره ف القطار ‪ ،‬ومن طالع سي‬
‫التقدمي ‪ ،‬وجد من ذلك ما ل يفى ‪.‬‬
‫‪230‬‬

‫الشاطبي‬

‫كتاب العتصام‬

‫وأما النقل ‪ ،‬فما ذكره السلف من أن البدعة إذا أحدثت ل تزيد إل مضيا ‪ ،‬وليست كذلك‬
‫العاصي ‪ ،‬فقد يتوب صاحبها وينيب إل ال ‪ ،‬بل قد جاء ما يشد ذلك ف حديث الفرق ‪ ،‬حيث‬
‫جاء ف بعض الروايات ‪:‬‬
‫تتجارى بم تلك الهواء كما يتجارى الكلب بصاحبه ومن هنا جزم السلف بأن البتدع ل توبة له‬
‫منها حسبما تقدم ‪.‬‬
‫والشرط الثان ‪ :‬أن ل يدعو إليها ‪ ،‬فإن البدعة قد تكون صغية بالضافة ‪ ،‬ث يدعو مبتدعها إل‬
‫القول با والعمل على مقتضاها فيكون إث ذلك كله عليه ‪ ،‬فإنه الذي أثارها ‪ ،‬وسبب كثرة وقوعها‬
‫والعمل با ‪ ،‬فإن الديث الصحيح قد أثبت ‪:‬‬
‫" أن كل من سن سنة سيئة كان عليه وزرها ووزر من عمل با ل ينقص ذلك من أوزارهم شيئا "‬
‫والصغية مع الكبية إنا تفاوتا بسب كثرة الث وقلته ‪ ،‬فربا تساوي الصغية ـ من هذا الوجه ـ‬
‫الكبية أو ترب عليها ‪.‬‬
‫وف هذا الوجه قد يتعذر الروج ‪ ،‬فإن العصية فيما بي العبد وربه يرجو فيها من التوبة والغفران ما‬
‫يتعذر عليه مع الدعاء إليها ‪ ،‬وقد مر ف باب ذم البدع وباقي الكلم ف السألة سيأت إن شاء ال ‪.‬‬
‫والشرط الثالث ‪ :‬أن ل تفعل ف الواضع الت هي متمعات الناس ‪ ،‬أو الواضع الت تقام فيها السنن ‪،‬‬
‫وتظهر فيها أعلم الشريعة ‪ ،‬فأما إظهارها ف الجتمعات من يقتدى به أو بن يسن به الظن فذلك‬
‫من أضر الشياء على سنة السلم ‪ ،‬فإنا ل تعدو أمرين ‪ :‬إما أن يقتدى بصاحبها فيها ‪ ،‬فإن العوام‬
‫أبتاع كل ناعق‪ ،‬ل سيما البدع الت وكل الشيطان بتحسينها للناس ‪ ،‬والت للنفوس ف تسينها‬
‫هوى ‪ ،‬وإذا اقتدي بصاحب البدعة الصغية كبت بالنسبة إليه ‪ ،‬لن كل من دعا إل ضللة كان‬
‫عليه وزرها ووزر من عمل با ‪ ،‬فعلى حسب كثرة التباع يعظم عليه الوزر ‪.‬‬
‫وهذا بعينه موجود ف صغائر العاصي ‪ ،‬فإن العال مثلً إذا أظهر العصية ـ وإن صغرت ـ سهل‬
‫على الناس ارتكابا ‪ ،‬فإن الاهل يقول ‪ :‬لو كان هذا الفعل كما قال من أنه ذنب ‪ ،‬ل يرتكبه ‪ ،‬وإنا‬
‫ارتكبه لمر علمه دوننا ‪ .‬فكذلك البدعة إذا أظهرها العال القتدى فيها ‪ ،‬ل مالة ‪ ،‬فإنا ف مظنة‬
‫التقرب ف ظن الاهل ‪ ،‬لن العال يفعلها على ذلك الوجه ‪ ،‬بل البدعة أشد ف هذا العن ‪ ،‬إذ الذنب‬
‫قد ل يتبع عليه ‪ ،‬بلف البدعة فل يتحاشى أحد عن اتباعه إل من كان عالا بأنا بدعة مذمومة ‪،‬‬
‫فحينئذ يصي ف درجة الذنب ‪ ،‬فإذا كانت كذلك صارت كبية بل شك ‪ ،‬فإن كان داعيا إليها فهو‬
‫أشد ‪ ،‬وإن كان الظهار باعثا على التباع ‪ ،‬فبالدعاء يصي أدعى إليه ‪.‬‬
‫وقد روي عن السن أن رجلً من بن إسرائيل ابتدع بدعة فدعا الناس إليها فاتبع ‪ ،‬وأنه لا عرف‬
‫ذنبه عمد إل ترقوته فنقبها فأدخل فيها حلقة ث جعل فيها سلسلة ث أوثقها ف شجرة فيجعل يبكي‬

‫‪231‬‬

‫الشاطبي‬

‫كتاب العتصام‬

‫ويعج إل ربه ‪ ،‬فأوحى ال إل نب تلك المة أن ل توبة له قد غفر له الذي أصاب ‪ .‬فكيف بن ضل‬
‫فصار من أهل النار ؟‬
‫وأما اتاذها ف الواضع الت تقام فيها السنن فهو كالدعاء إليها بالتصريح ‪ ،‬لن عمل إظهار الشرائع‬
‫السلمية توهم أن كل ما أظهر فيها فهو من الشعائر ‪ ،‬فكأن الظهر لا يقول ‪ :‬هذه سنة فاتبعوها ‪.‬‬
‫قال أبو مصعب ‪ :‬قدم علينا ابن مهدي فصلى ووضع رداءه بي يدي الصف ‪ ،‬فلما سلم المام رمقه‬
‫الناس بأبصارهم ورمقوامالكا ـ وكان قد صلى خلف المام ـ فلما سلم قال ‪ :‬من ها هنا من‬
‫الرس ؟ فجاءه نفسان فقال ‪ :‬خذا صاحب هذا الثوب فاحبساه ‪ :‬فحبس ‪ ،‬فقيل له ‪ :‬إنه ابن مهدي‬
‫فوجه إليه وقال له ‪ :‬ما خفت ال واتقيته أن وضعت ثوبك بي يديك ف لصف ‪ ،‬وشغلت الصلي‬
‫بالنظر إليه ‪ ،‬وأحدثت ف مسجدنا شيئا ما كنا نعرفه ؟ وقد قال النب صلى ال عليه وسلم ‪:‬‬
‫" من أحدث ف مسجدنا حدثا فعليه لعنة ال واللئكة والناس أجعي" فبكى ابن مهدي وآل على‬
‫نفسه أن ل يفعل ذلك أبدا ف مسجد رسول ال صلى ال عليه وسلم ول ف غيه ‪.‬‬
‫وف رواية عن ابن مهدي قال ‪ :‬فقال ‪ :‬يا عبد الرحن ! تصلي مستلبا ؟ فقلت ‪ :‬يا أبا عبد ال ‪ ،‬إنه‬
‫كان يوما حارا ـ كما رأيت ‪ ،‬فثقل ردائي علي ‪ .‬فقال ‪ :‬آل ما أردت بذلك الطعن على من مضى‬
‫واللف عليه ؟ قلت ‪ :‬آل ‪ ،‬قال ‪ :‬خلياه ‪.‬‬
‫وحكى ابن وضاح قال ‪ :‬ثوب الؤذن بالدينة ف زمان مالك ‪ ،‬فأرسل إليه مالك فجاءه ‪ ،‬فق