‫المبادرة الوطنية للتنمية البشرية و التنمية المحلية‬

‫يكتسي موضوع المبادرة الوطنية للتنمية البشرية و التنمية المحلية أهمية قصوى لما يعيشه المغرب من تحولت اقتصادية و اجتماعية و سياسية‪ ،‬و‬
‫ما يعانيه من إكراهات داخلية و خارجية‪ ،‬تجعل من إشكالية التنمية المحلية و التنمية البشرية من الولويات الضرورية التي يجب البحث فيها و عنها‪،‬‬
‫و إيجاد حلول لها‪.‬‬
‫إن الوقوف على التفاعل القائم بين المبادرة الوطنية للتنمية البشرية‬
‫و التنمية المحلية‪ ،‬من شأنه أن يحدد معالم العلقة القائمة بين المفهومين‪ ،‬و يفتح بوابة فهم و استيعاب لواقع التنمية البشرية بالمغرب‪ ،‬و تأثير‬
‫المبادرة على التنمية المحلية‪ ،‬رغم مخاطر الخوض في هذا الموضوع العديدة نظرا لجدته و التطورات الطارئة التي من شأنها أن تغير معالم هذا البحث‬
‫في أي حين‪ .‬و يتجلى هذا التفاعل من خلل مجموعة من الميكانيزمات‪ ،‬سواء تعلق المر بالمقاربات المعتمدة‪ ،‬أو ما تعلق بالعنصر البشري و‬
‫المكانات المادية و سبل عقلنتها عبر العتماد على آليات حديثة أهمها الحكامة الجيدة‪.‬‬
‫و تتجلى أهمية الموضوع في السعي إلى تحقيق الهداف التالية‪:‬‬
‫ الوقوف على العلقة بين المبادرة الوطنية للتنمية البشرية و التنمية المحلية‪،‬‬‫ إبراز أهم خصائص المبادرة التي تساعدها على تحقيق أهدافها‪،‬‬‫ إظهار الدور الذي تلعبه آليات المبادرة في تحقيق التنمية المحلية‪،‬‬‫ التعرف على آليات المبادرة خصوصا الحكامة الجيدة‪،‬‬‫ الوقوف على مظاهر تأثير المبادرة الوطنية للتنمية البشرية على التنمية المحلية من خلل مؤشرات النجاز‪،‬‬‫ دراسة العلقة من خلل المقاربات الحديثة كالمقاربة التشاركية‬‫و المندمجة‪،‬‬
‫ الوقوف على أهم إكراهات المبادرة الوطنية للتنمية البشرية‪،‬‬‫ محاولة إعطاء تصور عام و حلول من أجل تنمية محلية قائمة على أساس التنمية البشرية على جميع المستويات‪.‬‬‫إن اختيار الموضوع لم يأت اعتباطيا أو عشوائيا‪ ،‬و إنما جاء بعد تفكير ملي في قيمته العلمية و طرق التطرق إليه نظرا لهميته البالغة‪ ،‬و التأكد من‬
‫توفر شروط البحث العلمي فيه‪ ،‬خصوصا أن ورش المبادرة الوطنية للتنمية البشرية لزال مفتوحا و في بدايته‪.‬‬
‫تتمثل الدوافع الذاتية في كون دراسة هذا الموضوع له علقة وطيدة‬
‫و صلة متينة مع تخصصنا الدراسي" تدبير الدارة المحلية"‪ ،‬كما أن سؤال المبادرة الوطنية للتنمية البشرية و علقتها بالتنمية المحلية كان و لزال‬
‫يطرح بالنسبة للباحث نوعا من القلق المعرفي‪ ،‬الشيء الذي يدفعنا إلى الخوض في هذا الموضوع‪.‬‬
‫إن تحليل العلقة القائمة بين المبادرة الوطنية للتنمية البشرية و التنمية المحلية يجعلنا مضطرين إلى تحديد المفاهيم الساسية لهذه الثنائية‪ ،‬و المتمثلة‬
‫أساسا في مفهومين أساسيين‪ :‬المبادرة الوطنية للتنمية البشرية و التنمية المحلية‪ ،‬على اعتبار أن كل المفهومين يضم مفاهيم فرعية‪ .‬و عموما يمكن‬
‫القول أن المبادرة الوطنية للتنمية البشرية هي مرجعية إستراتيجية تعنى بالتنمية الجتماعية‪ ،‬و تهتم بتنمية المجال‪ ،‬وتركز على الفاعل الجتماعي‬
‫)الموارد البشرية( عبر الزيادة في قدرات البشر على الختيار وتمكينهم من ممارسة هذه الخيارات‪ ،‬وتفجير طاقاتهم البداعية وتمكينهم من المشاركة‬
‫في أمور حياتهم‪.‬‬
‫أما بالنسبة للتنمية المحلية فهي عملية توزيع و إغناء النشطة القتصادية‬
‫و الجتماعية و الثقافية على مجال ترابي معين‪ ،‬من خلل تعبئة و تنسيق مواردها و طاقاتها قصد تحسين ظروف عيش السكان القاطنين في ذلك‬
‫الفضاء بكيفية مستدامة‪.‬‬
‫و يحاول هذا الموضوع من خلل الحاطة بالجوانب المحيطة بمبادئ المبادرة الوطنية للتنمية البشرية تجاوز مرحلة الوصف‪ ،‬و الخوض في مرحلة‬
‫تتسم بالتحليل العلئقي لستنباط أوجه التأثير الذي يمكن أن تمارسه المبادرة الوطنية للتنمية البشرية على التنمية المحلية من خلل الجابة عن‬
‫الشكالية المحورية المتمثلة في‪ :‬إلى أي حد ساهمت و تساهم المبادرة الوطنية للتنمية البشرية في تحقيق التنمية المحلية؟ تتفرع عنها إشكاليتان‬
‫فرعيتان‪:‬‬
‫ إلى أي مدى تعتبر المبادرة الوطنية للتنمية البشرية محددا من المحددات الجوهرية للتنمية المحلية؟‬‫ هل استطاعت المبادرة الوطنية للتنمية البشرية من خلل تطبيقاتها‬‫و إنجازاتها‪ ،‬الدفع و خلخلة مؤشرات التنمية المحلية على صعيد إقليم آسفي؟‬
‫و انطلقا من هاته الشكاليات نجدنا أمام مجموعة من السئلة التي تستوجب البحث عن إجابات شافية لها‪:‬‬
‫ هل تحقيق التنمية المحلية رهين بنجاح برامج المبادرة الوطنية للتنمية البشرية‪ ،‬أم أن هناك عوامل أخرى تساهم في تحقيق هذه التنمية؟‬‫ هل المبادرة كفيلة لوحدها بإنجاح طموح التنمية المحلية؟‬‫ ما هي الميكانيزمات المعتمدة من أجل تحقيق هذه التنمية؟‬‫ هل يمكن الحديث عن مبادرة وطنية أم أن المر ل يتعدى كونه مؤشرا للتنمية البشرية؟‬‫ ما هي العبر المستخلصة من خلل المنجزات الولية لبرامج المبادرة الوطنية للتنمية البشرية على المستوى المحلي ) آسفي نموذجا(؟‬‫ ما هي أهم الصعوبات التي واجهت تطبيق هذا الورش‪ ،‬و ما هي أهم الحلول التي يمكن اعتمادها من أجل تجاوز هذه الكراهات؟‬‫إن اختيارنا لعدة مناهج البحث العلمي جاء لضرورة ملحة من أجل الجابة على التساؤلت السابقة‪ ،‬و لقياس نسبة التأثير و التغيير الذي سيطرأ على‬
‫مؤشرات التنمية المحلية‪:‬‬
‫و يعتبر المنهج الوصفي المسحي أول هذه المناهج‪ ،‬على اعتبار أن الدراسة تستدعي منا تجميع المعلومات الخاصة بالموضوع‪ ،‬و وصفا لبرامج‬
‫المبادرة الوطنية من جهة‪ ،‬و وصف و تحليل و تفسير البيانات الخاصة بموضوع البحث أل و هي البيانات الخاصة بالمبادرة على المستوى المحلي‪،‬‬
‫الشيء الذي يجعلنا مضطرين إلى اعتماد منهج دراسة الحالة‪ ،‬على اعتبار أن الموضوع يستدعي البحث المتعمق في العوامل المتعددة التي تسهم في‬
‫تشكيل الوحدة الجتماعية‪.‬‬
‫إن الخروج بخلصات و قياس مدى التفاعل القائم داخل البنية‪ ،‬يستلزم منا العتماد على المنهج النسقي باعتباره منهجا مركبا‪ ،‬يتكون من المنهج‬
‫الوظيفي و المنهج البنيوي‪ .‬فالمنهج النسقي يقوم على المزج بين هاذين المنهجين‪ ،‬الوظيفي و البنيوي‪ ،‬إذ أنه يصعب في مجال العلوم الجتماعية‬
‫الفصل بين البنية و الوظيفة و النسق‪ .‬فالبنيوية تستدعي الوظيفة‪ ،‬و هذه الخيرة ل تدرك إل من خلل بنية تشتغل فيها و عليها‪ ،‬على أساس أن‬
‫البنيوية‪/‬الوظيفية تسعى إلى تحليل الواقع الجتماعي أو الفعل الجتماعي‪ .‬فالنسق إذن ما هو إل تلك الوظائف و التفاعلت التي تحدث داخل بنية ما من‬
‫خلل مدخلت "‪ "In put‬و مخرجات "‪ "out put‬لتعطينا المعادلة التالية‪" :‬البنية ‪ +‬الوظيفة = نسق أو منظومة‪ ،‬فالنسق ما هو إل تلك الوظائف و‬
‫التفاعلت التي تحدث داخل بنية ما"‪.‬‬

‫و الجابة عن الشكالية المحورية تستدعي منا أن نعتمد على التصميم التالي‪:‬‬
‫الفصل الول‪ :‬المبادرة الوطنية للتنمية البشرية كآلية للتنمية المحلية‬
‫الفصل الثاني‪ :‬مساهمة المبادرة الوطنية للتنمية في تحقيق التنمية المحلية من خلل مؤشرات النجاز‪.‬‬
‫لقد جاءت المبادرة الوطنية للتنمية البشرية كعملية تصحيحية و إستراتيجية وطنية فرضتها ظروف دولية و وطنية‪ ،‬و انبثقت عن إرادة ملكية من‬
‫خللها يمكن القضاء على العجز الجتماعي‪ .‬فقد أعطى صاحب الجللة الملك محمد السادس نصره ال انطلقة المبادرة الوطنية للتنمية البشرية في ‪18‬‬
‫ماي من سنة ‪ 2005‬محددا أهدافها و مراميها‪ ،‬و مجسدا روحها و فلسفتها و آليات تنفيذها‪،‬‬
‫و أجرأتها في خطابه السامي في ‪ 20‬غشت ‪ .2005‬فقد اعتبر ترتيب المغرب ضمن المراكز المتأخرة في ترتيب برنامج المم المتحدة للتنمية البشرية‬
‫لسنة ‪ 2005‬بتموقعه في المرتبة ‪ 124‬من بين ‪ 177‬دولة و تصنيفه من ضمن الدول ذات تنمية بشرية متوسطة‪ ،‬بالمؤشر الرئيسي للزمة الجتماعية‬
‫التي يعيشها المغرب اعتبارا لعدة مقاييس منها متوسط العمر‪ ،‬مستوى التعليم‪ ،‬مستوى الدخل الفردي و كذا كيفية توزيع الثروة‪.‬‬
‫و قد ارتبطت المبادرة بسياق دولي يرتبط أساسا بالتزام المغرب بتحقيق الهداف النمائية لللفية من أجل القضاء براثين الفقر و الجوع من جهة‪ ،‬و‬
‫من جهة ثانية التزامه بالمواثيق الدولية لحقوق النسان و التعهد باحترام بنود إعلن ‪ 1948‬لحقوق النسان‪ ،‬و هذا ما سعت إليه فعل المبادرة من‬
‫خلل اعتمادها على صيانة و ضمان حقوق النسان كأولى الوليات‪.‬‬
‫أما بالنسبة للسياق الداخلي‪ ،‬فقد اعتبر تقرير الخمسينية بمثابة تنبيه إلى ما ستؤول إليه الوضاع الجتماعية خصوصا في السنوات المقبلة إذا لم تتخذ‬
‫الجراءات اللزمة‪ .‬و تتجلى السباب الداخلية في‪ :‬أول‪ -‬تدهور الوضاع الجتماعية‬
‫إذ تتجلى مظاهر العجز الجتماعي بالمغرب في مجموعة من المؤشرات التي تتعلق بالصعدة التالية‪:‬‬
‫• هاجس المعرفة و المستوى المتدني للتعليم بالمغرب إذ تبلغ نسبة المية ‪ %42,7‬يستحوذ منها المجال القروي القدر الكبر بنسبة ‪،%60‬‬
‫• ارتفاع نسبة الفقر بالمغرب إذ بلغت نسبة السكان الذين يعيشون تحت عتبة الفقر في المغرب‪ ،‬أي الذين ل يتعدى دخلهم دولران في اليوم)تقريبا ‪16‬‬
‫درهما( ‪، %14.3‬‬
‫• تدني مستوى الصحة بالمغرب‪ ،‬خصوصا و أن نسبة ميزانية وزارة الصحة من الميزانية العامة ل تتعدى ‪، %5.4‬‬
‫• التصدي لفة التطرف و الرهاب‪ ،‬خصوصا و أن إشاعة ثقافة الرهاب تشكل عائقا للتنمية البشرية‪ ،‬إذ ارتبط هذا المفهوم بالعجز الجتماعي‬
‫و الفقر أساسا‪،‬‬
‫• النمو الديمغرافي السريع و النمو القتصادي المتوسط‪ ،‬حيث يسجل عدم قدرة النمو القتصادي على تحدي سعة الحاجيات الجتماعية التي تتطور في‬
‫ظل ارتفاع نسبة البطالة‪،‬‬
‫• القصاء و عدم الستقرار الجتماعي الذي يؤدي إلى تفشي مجموعة من الظواهر الجتماعية السلبية كالدعارة‪ ،‬النحراف‪ ،‬و مجموعة من المراض‬
‫الفتاكة‪.‬‬
‫ثانيا‪ :‬عجز السياسات الجتماعية التي كانت تتسم بسياسة النزال‬
‫و البتعاد عن نهج الشراك و النفتاح و الدماج‪ ،‬مما يجعلها بمثابة برامج تقليدية‬
‫و قديمة‪ ،‬محدودة و فاشلة‪ ،‬تعتمد على سياسة النعزالية و ضعف التنسيق خصوصا بين القطاعات الوزارية‪.‬‬
‫و قد اعتمدت المبادرة الوطنية للتنمية البشرية على مجموعة من الليات‬
‫و الميكانيزمات التي من شأنها أن تساهم في تحسين مؤشر التنمية‬
‫البشرية‪ ،‬و تقليص نسبة الفقر من ‪ %38‬إلى ‪ ، % 20‬و تمثلت هذه المرتكزات في العمل على تشخيص الشكالية الجتماعية بالمغرب‪ ،‬العمل على‬
‫استئصال ظاهرة الفقر‪ ،‬النفتاح على المحيط الدولي و التجاوب مع الظرفية العالمية‬
‫و مناخها الثقافي المتحول عبر العمل على التعبئة الجتماعية‪ ،‬و استخلص العبر و الدروس من التجارب التنموية السابقة و من النماذج الموفقة‬
‫لبعض البلدان في مجال محاربة الفقر و القصاء بالعتماد على آليات جديدة‪ ،‬كالحكامة الجيدة من خلل برامج أربعة يمكن إجمالها في برنامجين‪،‬‬
‫البرنامج العمودي و البرنامج الفقي‪ ،‬مستعينة في منهجيتها على مجموعة من الهياكل و المؤسسات‪ ،‬سواء كانت مركزية أو جهوية أو إقليمية محلية‬
‫مستفيدة من تمويل بلغ ‪ 10‬مليير درهم‪.‬‬
‫و تتجلى هذه البرامج في‪:‬‬
‫* برنامج محاربة الفقر بالعالم القروي الذي يستهدف ‪ 403‬جماعة قروية استنادا إلى نسبة الفقر المحددة في ‪ %22‬بعد أن كانت محددة في ‪%30‬‬
‫كمعيار مرجعي و يهدف إلى دعم النشطة المدرة للدخل‪ ،‬تعميم الستفادة من التجهيزات‬
‫و الخدمات الجتماعية‪ ،‬إيلء الهتمام بالتنشيط الجتماعي و الثقافي‬
‫و الرياضي‪ ،‬ثم دعم التنمية المحلية‪.‬‬
‫* برنامج محاربة القصاء بالمجال الحضري‪ ،‬و قد جاء من أجل توفير كافة الشروط و الضمانات اللزمة للنهوض بوضعية السكان‪ ،‬باستهدافه ‪264‬‬
‫حيا حضريا ضمن الحياء القل حظوة بالمدن الكبرى‪ ،‬حيث تم العتماد في تحديد هذه الحياء على معايير معدل البطالة‪ ،‬حجم الساكنة المستهدفة‪،‬‬
‫وجود و حجم السكن العشوائي‪ ،‬الخصاص في البنيات و الخدمات العمومية الساسية‪ ،‬التكامل مع البرامج التنموية المحلية المبرمجة أو في طور‬
‫البرمجة‪ ،‬المساهمة المالية للشركاء خصوصا الجماعات المحلية و يرمي هذا البرنامج إلى‪:‬‬
‫ النهوض بالنشطة المدرة للدخل و لفرص الشغل للجماعات غير المحظوظة‪ ،‬و بصفة خاصة النساء و الشباب؛‬‫ دعم الشغيلة المستقلة و المقاولت الصغيرة في الصناعة التقليدية‬‫و الفلحة الحضرية و الحرف الخدماتية البسيطة‪،‬‬
‫ الترقية الجتماعية للشباب غير المحضوضين بواسطة التكوين التأهيلي‬‫و تنمية الحرف الحضرية البسيطة؛‬
‫ تحسين الولوج إلى الخدمات العمومية و الحضرية الساسية لفائدة الساكنة الفقيرة؛‬‫ إنشاء خدمات القرب لفائدة الساكنة غير المحظوظة‪ ،‬كالترفيه‪ ،‬التجهيزات الثقافية و الرياضية و التربوية و الصحية و المنية‪...‬الخ؛‬‫ تعبئة الطراف المتدخلة‪ ،‬و بالخصوص الجمعيات المستقرة في عين المكان؛‬‫ تحسين ظروف إقامة الساكنة الفقيرة في الحياء المستهدفة‪.‬‬‫* برنامج محاربة الهشاشة و التهميش الذي يهدف عبر محاور ثلثة إلى‪:‬‬
‫ إعطاء الولوية لعادة الدماج العائلي و السوسيومهني للشخاص المعنيين‪،‬‬‫‪ -‬تحسين نوعية الخدمات المقدمة حاليا من طرف المؤسسات العمومية والجمعيات لجل بلوغ المواصفات التي تتطابق و الشروط العامة لتأمين‬

‫الظروف المناسبة للكرامة النسانية‪،‬‬
‫ تحسين تدبير المراكز و الجمعيات المتدخلة في موضوع الهشاشة من أجل تفعيل و احترام المواصفات الموحدة و عقود برامج التدبير‪ ،‬و إحداث‬‫مراكز إضافية جديدة للستقبال حسب الحاجة‪.‬‬
‫و قد حدد برنامج المبادرة الوطنية للتنمية البشرية سبع فئات عامة بالنسبة للشخاص الموجودين في وضعية هشة على الشكل التالي‪:‬‬
‫ الشباب بدون مأوى و أطفال الشوارع‪،‬‬‫ الطفال المتخلى عنهم‪،‬‬‫ النساء في وضعية اجتماعية جد صعبة‪،‬‬‫ المتسولون و المتسكعون‪،‬‬‫ قدماء السجناء بدون موارد‪،‬‬‫ الشخاص ذوي الحاجات الخاصة بدون موارد‪،‬‬‫ العجزة المعوزون‪.‬‬‫و بالتالي فالمجالت التي يشتغل عليها البرنامج‪ ،‬فهي تنقسم إلى أربع مجالت‪ :‬الطفولة‪ ،‬السكن‪ ،‬الصحة و النحراف‪.‬‬
‫و في جانب آخر‪ ،‬فالبرنامج الفقي يهدف إلى تمويل المشاريع ذات الوقع الكبير على التنمية البشرية على صعيد كافة الجماعات القروية و الحضرية‬
‫غير المستهدفة‪ ،‬و ذلك من خلل دعم المشاريع ذات الوقع القوي عن طريق المشاريع و العمليات الفقية كالنشطة المدرة للدخل‪ ،‬و دعم جمعيات‬
‫القروض‬
‫الصغرى‪ ،‬و تحسين الستفادة من الخدمات الجتماعية عن طريق تحسين الولوج إلى الخدمات و البنيات الساسية‪ .‬و يستهدف التنشيط الجتماعي و‬
‫الثقافي‬
‫و الرياضي عن طريق دعم عملية التنشيط الجتماعي و دعم مزاولة‬
‫الرياضة‪ ،‬و ترشيد الحكامة المحلية بدعم الكفاءات المحلية و التكوين‬
‫و الخبرة‪ ،...‬كما يهدف إلى الرفع من قدرات الكفاءات و الفاعلين المحليين في المجالت المرتبطة بالشأن التنموي عبر إحداث مرصد للتنمية البشرية و‬
‫العمل وفق نظام للمعلوميات و التصال و محاولة تعميم الخبرة و التجربة‪.‬‬
‫إن تنفيذ هذه البرامج يبقى كفيل بنوعية التدخل و تطبيق آليات الحكامة على المبادرة الوطنية للتنمية البشرية‪ ،‬فالمرور من التدبير المعقلن عبر‬
‫التخطيط‬
‫و الرؤية الستراتيجية‪ ،‬و العتماد على قواعد القانون و المساواة‪ ،‬و انتهاء بمرحلة التقييم و المراقبة التي تعتبر من أهم وسائل التتبع لمراحل تنفيذ‬
‫المبادرة‪ ،‬من شأنه أن يدفعنا إلى التساؤل حول طبيعة الجهات التي يوكل إليها هذا الدور‪ .‬فعملية المتابعة تبقى من اختصاص السلطات العمومية بما في‬
‫ذلك الحكومة و السلطات المحلية من جهة‪ ،‬و من جهة ثانية الجماعات المحلية‬
‫و المنتخبون‪ ،‬أما الطرف الثاني الذي يتدخل في هذه العملية فيتمثل في المجتمع المدني مكونا من قطاع خاص و نسيج جمعوي‪.‬‬
‫أما بالنسبة لليات تفعيل المبادرة الوطنية للتنمية البشرية‪ ،‬فقد التصق في بعده الستراتيجي بمقاربتين أساسيتين هما المقاربة التشاركية و المقاربة‬
‫المندمجة‪ ،‬و هذا من شأنه أن يعطي نفسا تجديديا في ثقافة تدبير السياسات العمومية للمبادرة الوطنية من جهة‪ ،‬و يقدم خطة عمل فعالة و آلية‬
‫توحيدية لمختلف المتدخلين المعنيين بتفعيلها من جهة ثانية‪.‬‬
‫و من أجل السهر على تطبيق برامج ومخططات المبادرة الوطنية‪ ،‬رصدت العديد من الليات والجهزة التي تعتمد على مبادئ اللمركزية و الندماج‬
‫و المشاركة‪ ،‬بالضافة إلى تعبئة الموارد المالية الضرورية الكفيلة لنجاز البرامج والمشاريع المسطرة‪ .‬إذ تعتمد المبادرة على نهج مبادئ الشفافية‪ ،‬و‬
‫الحكامة‬
‫الجيدة‪ ،‬و الديمقراطية التشاركية‪ ،‬من خلل توفير مجموعة من الجهزة و الليات المؤسساتية التي تتوزع بين ما هو مركزي‪ ،‬و تجدر الشارة هنا إلى‬
‫"اللجنة الستراتيجية للتنمية البشرية" و "لجنة قيادة المبادرة الوطنية للتنمية البشرية"‪ ،‬و ما هو محلي إذ تم إحداث لجنة محلية للتنمية البشرية‪ ،‬ثم‬
‫على الصعيد القليمي‪ ،‬فقد أحدثت لجنة إقليمية يرأسها العامل‪ ،‬أما على المستوى الجهوي‪ ،‬فيسهر الوالي على "اللجنة الجهوية للتنمية البشرية"‪ ،‬هذا‬
‫بالضافة إلى إحداث مرصد وطني للتنمية البشرية‪.‬‬
‫إن الحديث عن الحكامة الجيدة و التنمية المحلية يبقى مرتبطا أساسا بمدى العلقة التي تربط بعضهما البعض‪ ،‬على أساس أن التنمية المحلية ل يمكن‬
‫أن تتأسس إل إذا قامت على مجموعة من المبادئ على رأسها مرتكزات الحكامة الجيدة‪ .‬فالحكامة أو الحكم الرشيد‪ ،‬هي الضامن لتحويل النمو‬
‫القتصادي‬
‫و الجتماعي و الثقافي و حتى الداري إلى تنمية مستدامة و إلى أبعد من‬
‫ذلك‪ ،‬إلى ما أصبح يصطلح عليه اليوم بالتنمية النسانية‪.‬‬
‫إن الحكامة تبقى إستراتيجية جزئية حتمية من إستراتيجية أعم و أشمل‪ ،‬هي الستراتيجية التنموية المستدامة بكل أبعادها‪ ،‬حيث تشكل كل هذه البعاد‬
‫كل متكامل تتداخل عناصره و تترابط محاوره‪ ،‬و تتشابك مكوناته في عمليات متبادلة منسجمة تسعى إلى تحقيق المبادرة‪.‬‬
‫إذا كانت المبادرة الوطنية للتنمية البشرية إستراتيجية و خيارا وطنيا من أجل حل المعضلة الجتماعية و النهوض بمقومات التنمية المحلية ‪ ،‬فإلى أي‬
‫حد استطاعت هذه المبادرة من خلل تطبيقاتها و انجازاتها خلخلة مؤشرات التنمية المحلية على صعيد إقليم آسفي؟ و ما هي أهم الخلصات التي يمكن‬
‫استنتاجها من خلل هذه التجربة التي تعدت فترتها أربع سنوات بقليل؟ و ما هي أهم العراقيل التي واجهت تطبيق مخططات هذه المبادرة في ظل‬
‫مجموعة من الكراهات الدارية و المالية و البشرية؟‬
‫هذا ما حاولنا الجابة عنه من خلل الفصل الثاني ‪" :‬مساهمة المبادرة الوطنية للتنمية البشرية في تحقيق التنمية المحلية من خلل مؤشرات النجاز"‬
‫فقد بلغت حصيلة برامج المبادرة الوطنية للتنمية البشرية إلى حدود سنة ‪ 2008‬ما مجموعه ‪ 535‬مشروعا‪ ،‬استفاد منها ما يقارب ‪ 344‬ألف مستفيد‬
‫بكلفة إجمالية بلغت ‪ 289.189.982,00‬مساهمة المبادرة منها بلغت ‪ 182.050.000,00‬أي بنسبة ‪ %63‬من تمويل المبادرة على صعيد إقليم آسفي‪.‬‬
‫و تجلت قيمة المشاريع المنجزة في إطار المبادرة الوطنية للتنمية البشرية محليا في‪:‬‬
‫‪ -1‬من حيث قيمة العتمادات المرصودة‪ ،‬إذ بلغت الكلفة الجمالية للمبادرة الوطنية للتنمية البشرية على مستوى إقليم آسفي ما مجموعه‬
‫‪ 289.189.982.00‬توزعت على برامج المبادرة الربعة بنسب متفاوتة‪ .‬نسبة المبادرة الوطنية للتنمية البشرية بلغت ‪ %63‬من مجموع الكلفة المالية‬
‫للمبادرة مقابل مساهمة الشركاء المحددة في ‪.%37‬‬
‫فمن خلل الرقام يتبين أن العتمادات المرصودة لبرامج المبادرة اختلفت باختلف طبيعة المشاريع التي تعتمدها هذه البرامج‪ ،‬و يبقى برنامج محاربة‬
‫القصاء الجتماعي أول البرامج المستفيدة من حيث العتمادات المالية المرصودة‪ ،‬يليه البرنامج الفقي‪ .‬و هذا راجع بالضرورة إلى‪:‬‬
‫‪ -‬العوز الذي يعرفه المجتمع في هذا الطار‪ ،‬نظرا لرتفاع عدد الشخاص الذين يعانون من القصاء الجتماعي‪،‬‬

‫ الصعوبات التي عرفتها البرامج الخرى و خصوصا عدم استيعاب فلسفة المبادرة منذ الوهلة الولى‪،‬‬‫ فشل بعض المشاريع الراجع بالساس إلى السرعة في التصور و النجاز‪،‬‬‫ عدم إعطاء مسألة التدبير الهمية التي تستحق‪،‬‬‫ حمل مجموعة من المشاريع من طرف بعض الجمعيات الحديثة العهد و التي ينقص القائمين على شؤونها التكوين‪ ،‬بالضافة إلى تكرار المشاريع و‬‫قلة البتكار‪.‬‬
‫بخلف البرنامج الفقي و كذلك البرنامج محاربة القصاء الجتماعي الذي انكب أساسا حول حل المعضلة الجتماعية لمجموعة من الشخاص عبر‬
‫تمويل و تشييد و تأهيل البنيات التحتية الساسية و تشجيع النشطة المدرة للدخل و المواكبة الجتماعية‪.‬‬
‫‪ -2‬من حيث المشاريع و عدد المستفيدين‪ :‬فقد تفاوتت نسب المشاريع المنجزة على طول سنوات المبادرة انطلقا من ‪ 2005‬إلى حدود ‪ ،2008‬إذ‬
‫احتلت بذلك المشاريع المنبثقة عن البرنامج الفقي الصدارة ب ‪ 224‬مشروعا‪ ،‬في حين تجسدت مشاريع برنامج محاربة الفقر في ‪ 119‬مشروعا‪ ،‬و‬
‫برنامج محاربة القصاء الجتماعي في ‪ 101‬مشروعا و برنامج محاربة الهشاشة في ‪ 91‬مشروعا‪ ،‬و بالتالي فقد قدرت نسبة تمثيلية مشاريع البرنامج‬
‫الفقي ب ‪ ،%41.86‬مقارنة مع البرنامج العمودي الذي يبقى ممثل بنسبة ‪ %58.14‬بمجموع مشاريع بلغ ‪ 311‬مشروعا‪ ،‬إل أنه يمكن القول أن نسبة‬
‫‪ %41.86‬هي نسبة مرتفعة بالمقارنة مع نسبة انجاز مشاريع البرامج الخرى مما يبين مدى اهتمام المبادرة الوطنية للتنمية البشرية بالبرنامج‬
‫الفقي‪.‬‬
‫و مقارنة بين البرامج فيما يخص عدد المستفيدين‪ ،‬يأتي برنامج محاربة القصاء في المرتبة الولى من حيث عدد المستفيدين بنسبة ‪ %39.76‬يليه‬
‫البرنامج الفقي بنسبة ‪ %33.07‬ثم برنامج محاربة الفقر ب ‪ %20.74‬ثم برنامج محاربة الهشاشة ب ‪. %6.39‬‬
‫إن النتيجة التي آلت إليها المبادرة محليا ما هي إل صورة مصغرة لما تعرفه المبادرة الوطنية للتنمية البشرية وطنيا‪ ،‬إذ أن الشيء نفسه يسري على‬
‫نتائجها فيما يخص عدد المشاريع المنجزة و حتى بالنسبة لعدد المستفيدين‪ ،‬إذ يبقى البرنامج الفقي ذا مكانة كبيرة ضمن المشاريع الخرى و يبقى‬
‫البرنامج الول من حيث الهمية‪.‬‬
‫إن خلخلة مؤشر التنمية البشرية من شأنه أن يجعلنا أن نتساءل حول طبيعة‬
‫و قدرة تلك المدخلت التي من خللها يمكن أن نستنبط مدى تفاعل هذه المكونات و تأثرها إزاء التغيير الذي سيطرأ عليها من قبل تلك المؤثرات‬
‫الخارجية‪ ،‬و ما المشاريع المنضوية تحت لواء المبادرة الوطنية للتنمية البشرية إل مؤثرا و فاعل و مغيرا لواقع اجتماعي تعيشه مجموعة من السكان‬
‫على أرض معينة‪ .‬ساكنة تعاني من كل مشاكل الفقر‪ ،‬و التهميش‪ ،‬و البطالة‪ ،‬و ضعف التعليم‪ ،‬ومن نقص حاد في البنى التحتية‪ ،‬و من المية ‪...‬الخ‬
‫كل هذه المشاكل ‪ ،‬و من خلل الرقام و الحصاءات التي استخدمناها كأرضية و مادة مختبرية‪ ،‬من شأنها أن ستساعدنا على فهم واقع المبادرة‬
‫الوطنية للتنمية البشرية على مستوى إقليم آسفي‪ ،‬و رغم أنه لم يحن الوقت المحدد لعطاء التقييم الجمالي لحصيلة المبادرة‪ ،‬لكن يمكننا أن نستشف‬
‫الرهاصات الولية للتغيير من خلل المشاريع المنجزة و قدرتها على سد مكامن الخلل المحددة أساسا في أهداف المبادرة الوطنية للتنمية البشرية‪،‬‬
‫المتمثلة في دعم المشاريع المدرة للدخل‪ ،‬تحسين ظروف الولوج إلى الخدمات و البنى التحتية الساسية‪ ،‬دعم الشخاص ذوي العوز الشديد‪ ،‬التنشيط‬
‫السوسيوثقافي و الرياضي‪ ،‬تنمية القدرات المحلية و الحكامة الجيدة‪.‬‬
‫إن تسجيل ‪ 385‬مشروعا تستهدف تحقيق الهداف السابقة الذكر من ضمن ‪ 535‬مشروع كحصيلة ثلث سنوات‪ ،‬يبقى مشجعا إلى حد ما‪ ،‬إذ تعتبر نسبة‬
‫‪ %71.96‬من المشاريع ذات الوقع الكبير و المتمركز على أهداف المبادرة بالشيء اليجابي‪ ،‬لكن طبيعة المشاريع من شأنها أن تنقص من قيمة هذا‬
‫الوقع‪ ،‬على اعتبار تواجد مجموعة من المشاريع ذات الوقع الجتماعي‬
‫و القتصادي الضعيف و الراجع بالساس إلى عدم اختيار المواقع و المستهدفين بدقة‪ ،‬كما أن توزيعها يبقى عشوائيا الشيء الذي سيؤثر سلبا على‬
‫مردودية و فعالية تلك المشاريع‪.‬‬
‫إن حصيلة المبادرة‪ ،‬لم تعبر عما كان منتظرا‪ ،‬إذ لم تأت مطابقة لهم المشاريع‪ ،‬و بالتالي فبرامجها‪ ،‬محليا أو وطنيا‪ ،‬جاءت مجانبة للطموح الوطني‬
‫المتجسد في القضاء على العجز الجتماعي رغم بعض الرهاصات الولية للتغيير التي عرفتها مجالت التدخل‪ ،‬مما ينتج عنه ضعف كمي و نوعي في‬
‫البرامج الجتماعية المعتمدة‪ ،‬نقص في احترام الهداف المسطرة‪ ،‬ضعف في التجسيد الفعلي و العملي لمنطق الحكامة في أدوار الطراف المشكلة لها‪،‬‬
‫أ كانت أطرافا عمومية رسمية‪ ،‬أو أطرافا غير رسمية كالقطاع الخاص أو المجتمع المدني‪ ،‬و استمرارية ضعف تكريس ثقافة الشراكة‪ ،‬و هزالة في‬
‫عمليات التكوين و تقوية الكفاءات‪.‬‬
‫مع وجود هذه النقاط السلبية‪ ،‬ل يمكننا أن نتجاهل النقاط اليجابية التي أتت بها المبادرة الوطنية للتنمية البشرية‪ .‬إذ استطاعت هذه الخيرة خلق‬
‫دينامية جديدة بين الطراف المتدخلة‪ ،‬و أن تبرز قدرتها على اختيار المشاريع و تتبعها‬
‫و تقييمها من خلل المشاركة الفعلية للسكان‪ ،‬و ترسيخ مبدأ تحمل المسؤولية‬
‫و العتماد على النفس لدى الساكنة بفضل النشطة المدرة‬
‫للدخل‪ ،‬و تحسن مستوى الولوج إلى الخدمات الجتماعية الساسية‪.‬‬
‫جاءت المبادرة الوطنية للتنمية البشرية كهندسة اجتماعية حقيقية تتجسد من خلل تحديد طرق التدخل مع اعتماد طرق تفضي إلى نتائج قوية و‬
‫استخدام وسائل غير مكلفة‪ ،‬و تكوين الموارد البشرية المؤهلة و السهر على سير‬
‫المبادرة‪ ،‬و وضع آليات مراقبة و رصد لظواهر الفقر و القصاء بكل موضوعية و يقظة و شفافية‪ ،‬و اعتبار انطلقتها فرصة مواتية للتصالح مع الذات‬
‫و مع المجتمع مع العتماد على مفاهيم جديدة كالمقاربة التشاركية و المقاربة المندمجة‪ ،‬التشخيص التشاركي التقييم‪ ،‬الفتحاص و المراقبة‪...‬هذا‬
‫بالضافة إلى انفتاح الدارة على جمعيات و هيئات المجتمع المدني و اعتبارها شريكا أساسيا يجب استشارته و العمل بجانبه‪ .‬هذا في الوقت الذي تعتبر‬
‫فيه المبادرة برنامجا نابعا من الرادة‪ ،‬الشيء الذي يظهر جليا غياب الحكومة و فشلها في النهوض بالملف الجتماعي و تأخر الفاعلين السياسيين في‬
‫الخذ بزمام المور‪ ،‬و الرتكان إلى الوراء في انتظار المبادرات الملكية في حين اقتصر دورهم على التنفيذ‪.‬‬
‫على العموم‪ ،‬يمكن القول أن المبادرة الوطنية للتنمية البشرية هي مبادرة تشاركية و منفتحة على جميع المواطنين مصدرها الرادة الملكية من أجل‬
‫النهوض بالمستوى المعيشي للمغاربة و القضاء على براثين الفقر و الرفع من مؤشر التنمية البشرية بالمغرب‪ ،‬معتمدة في ذلك على كفاءات بشرية‬
‫مؤهلة خضعت و لزالت تخضع لتكوينات مستمرة‪ ،‬بالضافة إلى نهج سياسة النتقائية في المشاريع و اللتقائية بين القطاعات‪.‬‬
‫إن الحديث عن خصائص المبادرة الوطنية للتنمية البشرية ل ينف وجود معيقات تعيق سير و تنفيذ برامجها‪ ،‬و هذا ما حدا بصاحب الجللة في خطاب‬
‫العرش ليوم ‪ 30‬يوليوز ‪ 2009‬أن ينبه الى وجود تلك الكراهات‪.‬‬
‫عند تقديمنا لهم الكراهات التي واجهت تطبيق المبادرة الوطنية للتنمية‬
‫البشرية‪ ،‬ارتأينا أن نقسمها إلى إكراهات مالية‪ ،‬إدارية و أخرى فلسفية‪.‬‬
‫• اكراهات فلسفية تتمثل أساسا في عدم استيعاب الفلسفة الجديدة خصوصا المجتمع المدني‪ ،‬و يرجع المر إلى ضعف الدور العلمي الذي يراد منه‬

‫إطلع الجميع بفحوى المبادرة‪ ،‬و ببرامجها و فلسفتها‪ ،‬و عدم اقتصاره على الهيئات و اللجان المتصلة مباشرة بالمبادرة‪ ،‬أو الباحثين الجامعيين‪،‬‬
‫الشيء الذي سيجعل المبادرة برنامجا تفييئيا‪ ،‬في حين أنه برنامج منفتح على كل طاقات المجتمع‪.‬‬
‫• اكراهات إدارية تتمثل أساسا في الثقل البيروقراطي‪ ،‬مع الدور الذي أعطي للدارة الترابية في الشراف على برامجها و هذا راجع بالساس إلى جدة‬
‫البرنامج من جهة و كذلك إلى قدرة الدارة على تدبير مالية المبادرة‪ ،‬كما ارتبط هذا الثقل بالشكاليات التي طرحتها فلسفة و تطبيق المقاربة التشاركية‬
‫مع العلقة التي انتظمت بين المجتمع المدني و ممثلي السلطة المركزية‪ ،‬و بالطريقة التي دبرت بها المبادرة خاصة على المستوى المركزي‪ .‬كما يسجل‬
‫نقص في الموارد البشرية‪ ،‬خصوصا أطر بعض القطاعات كالصحة‪ ،‬و يمكن أن نسجل هزالة التكوينات المقدمة‪ ،‬ل من حيث وثيرتها المتثاقلة و‬
‫سيرورتها المنقطعة‪ ،‬على اعتبار أن التكوينات الموسمية تبقى عديمة الجدوى و ذات محتوى فارغ‪ ،‬بالمقارنة مع طبيعة‬
‫و حجم و قوة برامج المبادرة‪.‬‬
‫و إذا كانت المبادرة الوطنية للتنمية البشرية تعتمد في إستراتيجيتها على مجموعة من الليات و المقاربات أهمها المقاربة التشاركية و المقاربة‬
‫المندمجة‪ ،‬فإن النسيج الجمعوي‪ ،‬باعتباره شريكا أساسيا في هذه العملية التنموية‪ ،‬يعاني من عدة مشاكل تشكل عائقا أمام التنمية البشرية و التنمية‬
‫المحلية‪ ،‬هذه العراقيل تتمثل في كثرة الجمعيات و تناسلها بقوة غريبة‪ ،‬السرعة في التصور و النجاز‪ ،‬مما يؤدي إلى تشابه الفكار و البرامج‪ ،‬و غياب‬
‫التجديد و البتكار‪ ،‬و صعوبة تكييف ما تحقق من مشاريع المبادرة مع حاجيات المؤشر الوطني للتنمية البشرية‪ ،‬كما أن تعدد المشاريع و تنوعها‬
‫يصعب من مهمة قياسها كيفيا و بطريقة واضحة المعالم‪ ،‬سواء من حيث تأصيل المقاربة التشاركية‪ ،‬أو من حيث التأثير اليجابي على مسارات إنتاج‬
‫التنمية المحلية‪.‬‬
‫و في إطار مقاربات الحكامة الجيدة لتطوير آليات المبادرة‪ ،‬و خصوصا المقاربتين السالفتي الذكر‪ ،‬يمكن تسجيل عدم اعتماد ترتيبات دقيقة و واضحة‬
‫للتقائية المبادرة الوطنية للتنمية البشرية مع البرامج القطاعية سواء من ناحية التكاملية المالية أو من حيث التوظيف اليجابي للمبادرة بوصفها رافعة‬
‫للمردودية الجتماعية‪ .‬و كذلك غياب التنسيق بين الجهات المهتمة على اعتبار التنمية وحدة متكاملة ل تقبل التجزيء‪ ،‬مما يؤدي إلى عدم ضمان‬
‫استمرارية البرامج المسطرة مسبقا و التي هي من أهم مميزات المبادرة في حد ذاتها‪.‬‬
‫• اكراهات مالية‪ :‬فإذا كان البحث العلمي عامل أساسيا في التنمية البشرية و يلعب دورا مهما في النهوض بها‪ ،‬فإن انغلقه و عدم استفادته من ميزانية‬
‫مريحة‪ ،‬يؤدي إلى محدودية مردوديته‪ ،‬لتبقى ضئيلة بالمقارنة مع ما هو منتظر منه في هذا الطار‪ ،‬هذا بالضافة إلى ما تعرفه الجماعات المحلية‪،‬‬
‫قروية أو حضرية من نقص مهول في ميزانيتها‪ ،‬إذ تصبح عاجزة عن سد احتياجاتها فيما يخص الشق المتعلق بالتجهيز و الستثمار و حتى التسيير‪،‬‬
‫فبالحرى المساهمة في برامج التنمية البشرية و التي تصل إلى ‪ ،%20‬الشيء الذي يدفعنا إلى التساؤل عن الدور الذي قد تلعبه في غياب أدنى‬
‫الوسائل و المكانيات المادية التي تؤهلها إلى ذلك‪ ،‬في الوقت الذي تعرف فيه المالية المحلية مجموعة من الختللت‪ ،‬سواء الجبائية منها أو البشرية‬
‫أو القانونية‪.‬‬
‫و بالضافة إلى هذه الكراهات‪ ،‬فقد تظهر إكراهات كبيرة يصعب معها إيجاد حلول آنية‪ ،‬و هذا ما أقره التقرير الوطني للخمسينية حين أكد تواجد‬
‫مجموعة من الكراهات تتمثل في عدم التمكن من التحكم في أجندة‬
‫الصلحات‪ ،‬الستسلم للكراهات الظرفية‪ ،‬عدم بلوغ السقف المطلوب و الوثيرة الكافية في العمل الصلحي‪ ،‬عدم تطبيق القوانين و التفاقيات الملتزم‬
‫بها‪ ،‬و حدوث أزمة خارجية أو داخلية حادة‪ ،‬الشيء الذي يستدعي اعتماد مجموعة من التدابير الحترازية لتجنب الوقوع في هذه المشاكل‪.‬‬
‫و إذا كانت المبادرة الوطنية للتنمية البشرية تعاني من مجموعة من الكراهات‪ ،‬فلبد من البحث عن حلول واقعية‪ .‬و لعل الخطاب الملكي ليوم‬
‫‪30‬يوليوز ‪ ،2009‬يعد منبها إلى تلك الحلول المتمثلة في‪:‬‬
‫ أول‪ :‬توخي المزيد من النجاعة و المكتسبات‪ ،‬و لن يتأتى ذلك إل بمراعاة نوعية و استمرارية المشاريع‪ ،‬و الحرص على التقائيتها مع مختلف‬‫البرامج القطاعية‪ ،‬و مخططات التنمية الجماعية؛‬
‫ ثانيا‪ :‬ضرورة إخضاع مشاريعها للتقييم و المراقبة‪ ،‬و الخذ بتوصيات المرصد الوطني للتنمية البشرية؛‬‫ ثالثا‪ :‬التركيز على المشاريع الصغرى الموفرة لفرص الشغل و للدخل‬‫القار‪ ،‬لسيما في الظرفية القتصادية الصعبة‪.‬‬
‫هذا في الوقت الذي تعتبر فيه الحكامة الجيدة‪ ،‬سواء كانت إدارية أو مالية‪ ،‬بمبادئها التخطيط‪ ،‬الرؤية الستراتيجية‪ ،‬المحاسبة‪ ،‬المساءلة‪ ،‬حكم القانون‪،‬‬
‫المساواة‪ ،‬الشفافية‪ ،‬التنظيم و المراقبة سواء كانت قبلية أو آنية أو بعدية بمثابة ركيزة أساسية لنجاح المبادرة الوطنية للتنمية البشرية‪.‬إن إقرارنا‬
‫بالدور الكبير الذي تلعبه الحكامة الجيدة من أجل إنجاح المبادرة الوطنية للتنمية البشرية‪ ،‬من شأنه أن يتماشى في الصل مع إعلن البنك الدولي و‬
‫دعمه للمبادرة‪ ،‬و اعتباره أن المبادرة محكومة بالنجاح إذا تمت مراعاة مبدأين اثنين أساسيين هما الحكامة الجيدة و الشفافية التي هي جزء من‬
‫الحكامة‪.‬‬
‫و تشكل التنمية المحلية المندمجة و التشاركية‪ ،‬الطار المثل لبلورة السياسات الجتماعية و القتصادية الوطنية بصفة عامة‪ ،‬و لعل هذا راجع‬
‫بالساس إلى العديد من العتبارات‪ ،‬منها التدبير المركزي و عدم تمكنه من مقاربة مختلف العمليات التنموية طبقا للخصوصيات الجهوية المحلية‪،‬‬
‫بالضافة إلى ما يوفره هذا السلوب من إطار ديمقراطي يسمح لجميع أطراف المجتمع المساهمة في العملية التنموية‪ ،‬في الوقت الذي تبقى فيه‬
‫اللتقائية كآلية مهمة من أجل تفعيل المبادرة و من أبرز تجسيدات الحكامة المحلية الجيدة‪.‬‬
‫و أمام هذه الحلول‪ ،‬يبقى المواطن عنصرا مهما في العملية التنموية‪ ،‬و المواطنة تعتبر سبيل من سبل إنجاح المبادرة من أجل تنمية بشرية ملؤها‬
‫التكامل و التضامن و التعاون‪.‬‬
‫و تبقى العلقة بين المواطنة و التنمية البشرية علقة متينة‪ ،‬على أساس أن بناء الوطن هو قوام المواطنة‪ ،‬و التنمية البشرية هي بناء الوطن بالمعنى‬
‫الشامل‪ ،‬فكلما كانت المواطنة أصيلة و قوية‪ ،‬كان إسهام المواطن في التنمية البشرية فاعل و مؤثرا‪ ،‬و بالتالي حينما نؤكد على أخلقيات المواطنة‪،‬‬
‫نكون في الوقت نفسه نؤكد على ترسيخ أسس التنمية البشرية التي تهدف إلى تحقيق التقدم‬
‫و الرفاهية لجميع أفراد المجتمع‪.‬‬