‫عابر سرير‬

‫أحلم مستغانمي‬

‫اهداء‬
‫الى أبي‪ ...‬دوما‪.‬‬
‫والى شرفاء هذه المة ورجالها الرائعين‪ ,‬الذين يعبرون بأقدارهم دون انحناء‪ ,‬متشبثين بأحلم‬
‫الخاسرين‪.‬‬
‫واليك في فتنة عبورك الشامخ‪ ,‬عبورك الجامح‪,‬يوم تعثر بك قدري‪...‬كي تقيم‪.‬‬
‫أحلم‬

‫"عابرة سبيل هي الحقيقة‪..‬‬
‫ول شيء يستطيع أن يعترض سبيلها"‪.‬‬
‫ايميل زول‬

‫الفصل الول‬

‫كنا مساء اللهفة الولى‪ ,‬عاشقين في ضيافة المطر‪ ,‬رتبت لهما المصادفة موعدا خارج المدن‬
‫العربية للخوف‪.‬‬
‫نسينا لليلة أن نكون على حذر‪ ,‬ظنا منا أن باريس تمتهن حراسة العشاق‪.‬‬
‫إن حبا عاش تحت رحمة القتلة‪ ,‬ل بد أن يحتمي خلف أول متراس متاح للبهجة‪ .‬أكنا إذن نتمرن‬
‫رقصا على منصة السعادة‪ ,‬أثناء اعتقادنا أن الفرح فعل مقاومة؟ أم أن بعض الحزن من لوازم‬
‫العشاق؟‬
‫في مساء الولع العائد مخضبا بالشجن‪ .‬يصبح همك كيف تفكك لغم الحب بعد عامين من الغياب‪,‬‬
‫وتعطل فتيله الموقوت‪ ,‬دون أن تتشظى بوحا‪.‬‬
‫بعنف معانقة بعد فراق‪ ,‬تود لو قلت "أحبك" كما لو تقول "ما زلت مريضا بك"‪.‬‬
‫تريد أم تقول كلمات متعذرة اللفظ ‪ ,‬كعواطف تترفع عن التعبير‪ ,‬كمرض عصي على التشخيص‪.‬‬
‫تود لو استطعت البكاء‪ .‬ل لنك في بيته‪ ,‬ل لنكما معا‪ ,‬ل لنها أخيرا جاءت‪ ,‬ل لنك تعيس ول‬
‫لكونك سعيدا‪ ,‬بل لجمالية البكاء أمام شيء فاتن لن يتكرر كمصادفة‪.‬‬
‫التاسعة والربع ‪,‬وأعقاب سجائر‪.‬‬
‫وقبل سيجارة من ضحكتها الماطرة التي رطبت كبريت حزنك‪.‬‬
‫كنت ستسألها ‪ ,‬كيف ثغرها في غيابك بلغ سن الرشد؟‬
‫وبعيد قبلة لم تقع‪ ,‬كنت ستستفسر‪ :‬ماذا فعلت بشفتيها في غيبتك؟ من رأت عيناها؟ لمن تعرى‬
‫صوتها؟ لمن قالت كلما كان لك؟‬
‫هذه المرأة التي على ايقاع الدفوف القسنطينية‪ ,‬تطارحك الرقص كما لو كانت تطارحك البكاء‪ .‬ما‬
‫الذي يدوزن وقع أقدامها‪ ,‬لتحدث هذا الضطراب الكوني من حولك؟‬
‫كل ذاك المطر‪ .‬وأنت عند قدميها ترتل صلوات الستسقاء‪ .‬تشعر بانتماءك إلى كل أنواع الغيوم‪.‬‬
‫إلى كل أحزاب البكاء‪ ,‬إلى كل الدموع المنهطلة بسبب النساء‪.‬‬
‫هي هنا‪ .‬وماذا تفعل بكل هذا الشجن؟ أنت الرجل الذي ل يبكي بل يدمع‪ ,‬ل يرقص بل يطرب‪ ,‬ل‬
‫يغني بل يشجى‪.‬‬
‫أمام كل هذا الزخم العاطفي‪ ,‬ل ينتابك غير هاجس التفاصيل‪ ,‬متربصا دوما برواية‪.‬‬
‫تبحث عن المان في الكتابة؟ يا للغباء!‬
‫ألنك هنا‪ ,‬ل وطن لك ول بيت‪ ,‬قررت أن تصبح من نزلء الرواية‪ ,‬ذاهبا الى الكتابة‪ ,‬كما يذهب‬
‫آخرون الى الرقص‪ ,‬كما يذهب الكثيرون الى النساء‪ ,‬كما يذهب الغبياء الى حتفهم؟‬
‫أتنازل الموت في كتاب؟ أم تحتمي من الموت بقلم؟‬
‫كنا في غرفة الجلوس متقابلين‪ ,‬على مرمى خدعة من المخدع‪ .‬عاجزين على انتزاع فتيل قنبلة‬
‫الغيرة تحت سرير صار لغيرنا‪.‬‬
‫لموعدنا هذا ‪ ,‬كانت تلزمنا مناطق منزوعة الذكريات‪ ,‬مجردة من مؤامرة الشياء علينا‪ ,‬بعيدة عن‬
‫كمين الذاكرة‪ .‬فلماذا جئت بها إلى هذا البيت بالذات‪ ,‬إذا كنت تخاف أن يتسرب الحزن إلى‬
‫قدميها؟‬
‫ذلك أن بي شغفا إلى قدميها‪ .‬وهذه حالة جديدة في الحب‪ .‬فقبلها لم يحدث أن تعلقت بأقدام النساء‪.‬‬
‫هي ما تعودت أن تخلع الكعب العالي لضحكتها‪ ,‬لحظة تمشي على حزن رجل‪.‬‬

‫لكنها انحنت ببطء أنثوي‪ ,‬كما تنحني زنبقة برأسها‪ ,‬وبدون أن تخلع صمتها‪ ,‬خلعت ما علق‬
‫بنعليها من دمي‪ ,‬وراحت تواصل الرقص حافية مني‪.‬‬
‫أكانت تعي وقع انحنائها الجميل على خساراتي‪ ,‬وغواية قدميها عندما تخلعان أو تنتعلن قلب‬
‫رجل؟‬
‫شيء ما فيها‪ ,‬كان يذكرني بمشهد "ريتا هاورث" في ذلك الزمن الجميل للسينما‪ ,‬وهي تخلع‬
‫قفازيها السوداوين الطويلين من الساتان‪ ,‬إصبعا إصبعا‪ ,‬بذلك البطء المتعمد‪ ,‬فتدوخ كل رجال‬
‫العالم بدون أن تكون قد خلعت شيئا‪.‬‬
‫هل من هنا جاء شغف المبدعين بتفاصيل النساء؟ ولذا مات بوشكين في نزال غبي دفاعا عن‬
‫شرف قدمي زوجة لم تكن تقرأه‪.‬‬
‫في حضرتها كان الحزن يبدو جميل‪ .‬وكنت لجماليته‪ ,‬أريد أن أحتفظ بتفاصيله متقدة في ذاكرتي‪,‬‬
‫أمعن النظر إلى تلك النثى التي ترقص على أنغام الرغبة‪ ,‬كما على خوان المنتصرين‪ ,‬حافية من‬
‫الرحمة بينما أتوسد خسارات عمري عند قدميها‪.‬‬
‫هي ذي ‪ ,‬كما الحياة جاءت‪ ,‬مباغتة كل التوقعات‪ ,‬لكأنها تذهب الى كل حب حافية مبللة القدمين‬
‫دوما‪ ,‬لكأنها خارجة لتوها من بركة الخطايا أو ذاهبة صوبها‪.‬‬
‫اشتقتها! كم اشتقتها‪ ,‬هذه المرأة التي لم أعد أعرف قرابتي بها‪ ,‬فأصبحت أنتسب الى قدميها‪.‬‬
‫هي ذي ‪ .‬وأنا خائف‪ ,‬إن أطلت النظر إلى العرق اللمع على عري ظهرها ‪ ,‬أن يصعقني تيار‬
‫النوثة‪.‬‬
‫هي أشهى‪ ,‬هكذا‪ .‬كامرأة تمضي مولية ظهرها‪ ,‬تمنحك فرصة تصورها‪ ,‬تتركك مشتعل بمسافة‬
‫مستحيلها‪.‬‬
‫أنا الرجل الذي يحب مطاردة شذى عابرة سبيل‪ ,‬تمر دون أن تلتفت‪ .‬تميتني امرأة تحتضنها‬
‫أوهامي من الخلف‪ .‬ولهذا اقتنيت لها هذا الفستان السود من الموسلين‪ ,‬بسبب شهقة الفتحة التي‬
‫تعري ظهره‪ ,‬وتسمرني أمام مساحة يطل منها ضوء عتمتها‪.‬‬
‫أو ربما اقتنيته بسبب تلك الهانة المستترة التي اشتممتها من جواب بائعة‪ ,‬لم تكن تصدق تماما أن‬
‫بامكان عربي ذي مظهر ل تفوح منه رائحة النفط‪ ,‬أن ينتمي الى فحش عالم القتناء‪.‬‬
‫كنت أتجول مشيا قادما من الوبرا‪ ,‬عندما قادتني قدماي الى "فوبور سانت أونوريه" ‪ .‬ما احتطت‬
‫من شارع تقف على جانبيه سيارات فخمة في انتظار نساء محملت بأكياس فائقة التميز‪ ,‬ول‬
‫توجست من محلت ل تضع في واجهاتها سوى ثوب واحد أو ثوبين‪ .‬لم أكن أعرف ذلك الحي ‪,‬‬
‫أصل‪.‬‬
‫عرفت اسم الحي في مابعد‪ ,‬عندما أمدتني البائعة ببطاقة عليها العربون الذي دفعته لحجز به ذلك‬
‫الثوب‪.‬‬
‫بتلك النفة المشوبة بالجنون‪ ,‬بمنطق" النيف" الجزائري تشتري فستان سهرة يعادل ثمنه معاشك‬
‫في الجزائر لعدة شهور‪ ,‬أنت الذي تضن على نفسك بالقل‪ .‬أفعلت ذلك رغبة منك في تبذير مال‬
‫تلك الجائزة التي حصلت عليها‪ ,‬كما لتنجو من لعنة؟ أم لتثبت للحب أنك الكثر سخاء منه؟‬
‫أن تشتري فستان سهرة لمرأة لم تعد تتوقع عودتها‪ ,‬ول تعرف في غيابك ماذا فعل الزمن‬
‫بقياساتها‪ ,‬أهي رشوة منك للقدر؟ أم معابثة منك للذاكرة؟ فأنت تدري أن هذا الفستان الذي بنيت‬
‫عليه قصة من الموسلين لم يوجد يوما‪ ,‬ولكن السود يصلح ذريعة لكل شيء‪.‬‬
‫ولذا هو لون أساسي في كل خدعة‪.‬‬
‫أذكر يوم صادفتها في ذلك المقهى‪ ,‬منذ أكثر من سنتين‪ ,‬لم أجد سوى ذريعة من الموسلين‬

‬فلم يكن في هيئتي ما‬ ‫يوحي بمعرفتي بشؤون النساء‪ .‬بل قضية ضوء‪ .‬سالفادور‬‫دالي أحب ‪ Gala‬وقرر خطفها من زوجها الشاعر بول ايلوار لحظة رؤيته ظهرها العاري في‬ ‫البحر صيف ‪..‬‬‫ولنني لك أصدق مديحها‪ .‬وإنني سأراه يرتديها؟‬ .‬لكأنه كان يطالب بجسدها أن يرتديه‪ .‬‬ ‫من قال إن القدار ستأتي بها حتى باريس‪ .‬‬ ‫بدأنا منذ تلك اللحظة نفصل قصة على قياس ثوب لم يوجد يوما في خزانتها‪.‬سائل ان كانت هي التي رأيتها مرة في حفل زفاف‪ .‬لكنني قلت‪:‬‬ ‫ ل ‪ .‫لمبادرتها‪ .‬أعرف الطبقات السفلية لشهوتها‪ .‬أنا مصور‪.‬ما يغري‬ ‫فضول امرأة مثلها‪ .‬أظنها كانت ستقول"ل" ولكنها قالت "ربما" ‪.‬منذ سنتين ‪.‬أعرف قياس ثوبها!‬ ‫لم تفاجأ البائعة كثيرا بأميتي‪ .‬‬ ‫‪Dans quelle taille voulez-vous cette robe Monsieur‬‬ ‫?‬ ‫كيف لي أن أعرف قياس امرأة ما سبرت جسدها يوما ال بشفاه اللهفة؟ امرأة أقيس اهتزازاتها‬ ‫بمعيار ريختر الشبقي‪ .‬‬ ‫أحرجها أن تقول " نعم "‪.‬المهم ليس الشيء بل إسقاطات الضوء عليه‪ .‬‬ ‫ هل أنت رسام؟‬‫كدت أجيب " بل أنا عاشق" ‪ .‬أعرف في أي عصر تراكمت حفريات‬ ‫رغباتها‪ .‬كنت مرتبكا كرجل ضائع بين ملبس النساء‪ .‬ول بقدرتي على دفع ذلك المبلغ‪.‬‬ ‫عندما استوقفني ذلك الفستان قبل شهرين في واجهة محل‪ .‬لكنني كنت أحب أن أختلق‪ .‬أحب‬ ‫كل ذاكرة ل منطق لها‪.‬شراء مثل هذا الثوب ليس حدثا في ميزانيتهم‪.‬‬ ‫ارتبكت‪ .1949‬‬ ‫سألتني مندهشة لحديث لم يعودها عليه زبائن ‪ .‬‬ ‫غير أنها فوجئت بثقافتي عندما تعمدت أن أقول لها بأنني غير معني باسم مصمم هذا الفستان‪.‬ولذا هي لن تفهم أن يكون هذا الثوب السود هو أحد الستثمارات العاطفية‬ ‫التي أحببت أن أنفق عليها ما حصلت عليه من تلك المكافأة‪.‬‬ ‫قلت‪:‬‬ ‫ هي ليست قضية ذوق‪ .‬لم نكن التقينا بعد‪ .‬ذكريات ماض لم يكن‪ .‬أحببت انسيابه‬ ‫العاطفي‪ .‬مادمت موجودا في باريس لحصولي على جائزة‬ ‫أحسن صورة صحافية عامئذ‪ .‬وفي أي زمن جيولوجي استدار حزام زلزلها‪ ..‬أو كأنه حدث لها أن ارتدته في سهرة ما ‪ .‬‬ ‫عندما دخلت المحل ‪ .‬ريثما تعود‪.‬أو أل يكون ثمن ذلك الثوب في حوزتي‪ .‬‬‫وكان يمكن أن أضيف أنني مصور " كبير" ‪ .‬فلم يكن في تلك الصورة التي نلتها مناصفة مع الموت‪ .‬ثم علقته‬ ‫على " الجسد المشجب" لمرأة أخرى ‪ .‬مرتدية ثوبا طويل من الموسلين‬ ‫السود‪.‬وأنني أشتري ضوء ظهر عار بثمن فستان!‬ ‫قالت كمن يستدرك‪:‬‬ ‫ أنت رجل ذواقة‪..‬لقتناعي أن الذوق لمثلها يرقى وينحط بفراغ وامتلء محفظة نقود‪.‬‬ ‫بقدر ما يعنيني تواضعه أمام اللون السود‪ .‬مع امرأة ‪ .‬‬ ‫في الواقع‪ .‬شعرت أنني أعرفه‪ .‬حتى لكأنه ترك لهذا اللون أن يوقع الثوب نيابة عنه‪.‬أعرف كل هذا‪ .‬ولم أعد ‪ .‬فأجبت بأجوبة غبية عن‬ ‫السئلة البديهية لتلك البائعة المفرطة في الناقة قدر فرطها في التشكك بنيتي‪.‬‬ ‫في مكمن الضوء‪ .‬وعلى أي عمق تكمن مياه أنوثتها‬ ‫الجوفية‪ ..

‬ماذا تراها تخبئ في‬ ‫حقائبها الثقيلة‪ .‬في كتاب‪ .‬كما التانغو‪ .‬‬ .‬وكتبها السميكة؟‬ ‫أنيقة حقائبها‪ .‬انه عماء المبدعين في سذاجة طفولتهم البدية‪.‬غير محكم الغلق‪ .‬كفضولنا أمام حقائب الغرباء المفتوحة على‬ ‫السجاد الكهربائي للمتعة‪.‬عندما خطر على بال عبد الحق‪ .‬كلما تحرك شيء فيها ‪ .‬فيتدافعون لمساعدته على لملمة‬ ‫أشيائه المبعثرة أمامهم لمزيد من التلصص عليه؟ وغالبا ما يفاجأون بحاجاتهم مخبأة مع أشيائه‪.‬وأنا أحاول التقاط صور‬ ‫للمتظاهرين أثناء أحداث أكتوبر ‪.‬سوداء دائما‪ .‬ل يدري صاحبها‬ ‫متى‪ .‬‬ ‫تماما‪ .‬وهي تراقص في حضوري رجل‬ ‫غيري‪ .‬كانت الهة إغريقية ترقص حافية لحظة انخطاف‪.‬‬ ‫ربما كان عذرها في كونها طفلة تلهو في كتاب‪ .‬وعلى نقاط التفتيش‪ .‬‬ ‫في لحظة ما ‪ .‬كثيرة الجيوب السرية‪ .‬ترقص حول محرقة عشاق تعاف‬ ‫قرابينهم ول تشتهي غيرهم قربانا‪.‬كنت يومها على سرير المرض في‬ ‫المستشفى‪ .‬‬ ‫لكأنها كانت قسنطينة‪ .‬هو الحاضر بيننا بكل تفاصيل الغياب‪.‬‬ ‫ولكنها سريعة النفتاح كحقائب البؤساء من المغتربين‪.‬عندما يتعلق المر بمواجهة زوج‪.‬تتفتح داخله كوردة نارية‪ .‬سارق محترم‪ .‬‬ ‫كنت أتماثل للشفاء من رصاصتين تلقيتهما في ذراعي اليسرى‪ .‬‬ ‫الروائي سارق بامتياز‪ .‬ول أفهم جبنها في الحياة‪ .‬ومن هو مستعد‬ ‫أن يبذل حياته من أجل قتلها‪ .‬باضرام النار في مستودعات التاريخ التي سطا عليها رجال‬ ‫العصابات؟‬ ‫في الواقع كنت أحب شجاعتها‪ .‬على التمييز بين من هو مستعد للموت من أجلها‪ .‬ومجازفتها بتهريب‬ ‫ذلك الكم من البارود في كتاب‪ .‬مرتبة بنية تضليلية‪ .‬لوجد " للزاندالي" قرابة بالرقص‬ ‫الرجنتيني‪ .‬سوى آخر طريق لتمرير الفكار الخطرة تحت مسميات‬ ‫بريئة‪.‬أنا وهو‪ .‬وغبائها خارج الدب‪ .‬‬ ‫ومعه الرصاص والدمار والفوضى‪.‬كتابها‪.‬‬ ‫بعد ذلك سأكتشف أنها كانت الهة تحب رائحة الشواء البشري‪ .‬حدث اضطراب جيولوجي واهتزت الجسور من‬ ‫حولها‪ . 1988‬‬ ‫كانت البلد تشهد أول تظاهرة شعبية لها منذ الستقلل‪ .‬واصلي اللهو بالنار من أجل الحرائق القادمة"‪.‬ول يمكنها أن ترقص إل على جثث رجالها‪.‬ول تأخذ الكتابة‬ ‫مأخذ الجد‪ .‬‬ ‫هذه الفكرة لم تفارقني عندما حاولت فيما بعد فهم نزعاتها المجوسية‪.‬انه " فكر حزين يرقص" على إيقاع الغيرة لفض خلفات العشاق‪.‬كرواية نسائية ‪ .‬وهي التي‬ ‫تبدو خبيرة في النفس البشرية‪ .‬يوم انفتحت حقيبة تلك المرأة أمامي لول مرة ‪ .‬‬ ‫أذكر‪ .‬‬ ‫ولذا‪ .‬‬ ‫ماالذي صنع من تلك المرأة روائية تواصل ‪ .‬وحدها النار تعنيها‪.‬أن يهديني ذلك الكتاب‪ .‬يتدفق محتواها أمام الغرباء‪ .‬‬ ‫ذلك أن الرواية لم تكن بالنسبة لها‪ .‬لحقيبة أتعبها الترحال‪ .‬والغضب ينزل الى الشوارع لول مرة‪.‬ل يمكن لحد أن يثبت أنه سطا على تفاصيل حياته أو‬ ‫على أحلمه السرية‪ ..‬لم تعد امرأة ‪ .‬قلت لها يوما‪ " :‬لن أنتزع منك أعواد الثقاب‪ .‫هاهي ترتديه ‪ .‬كحقيبة‬ ‫امرأة تريد إقناعك أنها ل تخفي شيئا‪.‬ول في أي محطة من العمر‪ .‬‬ ‫أكل كاتب غريب يشي به قفل‪ .‬كما ل أجد تفسيرا لذكائها في رواية‪ .‬أشعلت قلمها بحرائق جسد عصي على الطفاء؟‬ ‫أم هي رغبتها في تحريض الريح‪ .‬الى حد عدم قدرتها‪ .‬من هنا فضولنا أمام كتاباته‪ .‬هي أشهى هكذا‪ .‬عندما تنازل الطغاة وقطاع طرق التاريخ‪ .‬هي ل تأخذ نفسها مأخذ الدب‪ .‬زميلي في الجريدة‪ .‬‬ ‫هي التي يحلو لها التحايل على الجمارك العربية‪ .‬مراقصة قتلها؟ أتلك النار التي خسارة‬ ‫بعد أخرى‪ .‬‬ ‫لو رأى بورخيس تلك المرأة ترقص لنا معا‪ .

‬فإننا نجهضه‪ .‬مهووسا‬ ‫بخوفي أن أغتال فتتكرر في طفلي مأساتي‪ .‬وحتى الرصاصتين اللتين اخترقا ذراعك‪.‬وما خلقت الروايات إل لحاجتنا الى مقبرة تنام فيها أحلمنا الموءودة‪..‬مشغولة عنك‬ ‫بترتيب ذاكرتها؟‬ ‫وعندما تبدأ في السعال كي تنبهها الى وجودك‪ .‬‬ ‫أي شيء جميل هو في نهايته كارثة‪ .‬‬ ‫كيف تقاوم شهوة التلصص على امرأة‪ .‬واذ بك تكتشف أنها كانت تخرج من حقيبتها ثيابك‪.‬وعلى دفن قارئ‬ ‫أوجده فضوله في جنازة غيره‪ .‬تبدو كأنها ل تشعر بوجودك في غرفتها ‪ .‬تدعوك الى الجلوس على ناصية سريرها‪ .‬‬ ‫منامتك‪ .‬إنها هنيهة الخصاب"‬ ‫وكانت شفتاي تلعقان لثما دمع العقم المنحدر على خديها مدرارا كأنه اعتذار‪.‬‬ ‫لكن‪ .‬‬ ‫أحاسيس لم أعرفها مع زوجتي التي كنت لسنوات أفرض عليها تناول حبوب منع الحمل‪ .‬‬ ‫كنت أدخل مدار الحب والذعر معا‪ .‬‬ ‫وأنت تريد أن تراها فقط‪ .‬خشية أن أنتهي جثة في كتاب‪.‬عندما أطلقوا رصاصهم نحوي قصد اغتيال شاهد إثبات‪.‬أن أقيم في أحشائها‪ .‬كان لي معها دوما‬ ‫"حمل كاذب"‪.‬وكنت مذعورا أمام تلك الرؤى الفجائية الصاعقة‪ .‬هي حتما تعني "تتناسل الجثث" وأنا‬ ‫كنت أريدها أن تحبل مني ‪ .‬إن كنا ل ننجب من "حمل كاذب" ‪ .‬تفرغ حقيبتها وتعلق ثيابها أمامك‪ .‬كما سوف لن أدري يوما‪ :‬أعن قصد‪ .‬‬ ‫كنت مع كل نشوة أتصبب لغة صارخا بها‪ " :‬احبلي ‪ .‬أم كانوا يدرون أنني ل أمسك بغير‬ ‫آلة تصويري‪ .‬اكتشفت أن البوة فعل حب‪ .‬‬ ‫كانت امرأة ترتب خزانتها في حضرتك‪ .‬كان يزمني عمر من‬ ‫البشاعة لبلوغها‪.‬وجملها المواربة القصيرة؟‬ ‫لكأنها كانت تكتب لتردي أحدا قتيل‪ .‬أو تدندن أغنية لديميس روسوس‪.‬أمام ذلك‬ ‫الرتطام المدوي بالخر‪.‬بل الذعر هو أول احساس فاجأني أمام ذلك الكتاب ‪ ".‬أم عن مصادفة جاءني عبد الحق بذلك الكتاب‪.‬‬ ‫تماما‪ .‬ول العجاب‪ .‬حتى انني في‬ ‫الفترة التي تلت اغتيال عبد الحق‪ .‬وعطرك ‪ .‬‬ ‫أكان ذلك الكتاب هدية القدر؟ أم رصاصته الخرى؟ أكان حدثا أم حادثا آخر في حياتي؟ ربما‬ ‫كان الثنان معا‪.‬‬ ‫عندما تقول امرأة عاقر‪ " :‬في حياة الكاتب تتناسل الكتب"‪ .‬كانت تملك تلك القدرة النادرة على تدبير جريمة حبر بين جملتين‪ .‬وهي التي لم أحلم بالنجاب من سواها‪ .‬وكيف ل أخشى حالة من الجمال‪ .‬‬ ‫أفي ذلك الكتاب اكتشفت مسدسها مخبأ بين ثنايا ثيابها النسائية‪ .‬كما تلفلف الم رضيعا بعد حمامه‬ ‫الول‪.‬‬ .‬كل ذلك يحدث أثناء انشغالها بتنظيف سلح الكلمات!‬ ‫كنت أراها تكفن جثة حبيب في رواية‪ .‬منذ الصفحة الولى تبعثرت أشياء تلك‬ ‫المرأة على فراش مرضي‪.‬قطعة قطعة‪ .‬بل كل إجهاض ليس سوى نتيجة حمل تم‬ ‫خارج رحم المنطق‪ .‬فكرة أن أترك ابني يتيما كانت تعذبني‪ .‬‬ ‫مع حياة ‪.‬وأنا أفتح ذلك الكتاب‪ .‬‬ ‫ليس الحب‪ .‬وجواربك‪ .‬عن قصد أم عن‬ ‫خطأ؟ أكان العسكر يظنون أنني أمسك سلحا أصوبه نحوهم‪ .‬كنت أستيقظ مذعورا كما على صوت بكاء رضيع‪.‬وهي‬ ‫تستمع الى موسيقى تيودوراكيس‪ .‬كيف‬ ‫التعرف على امرأة عشت معها أكبر مغامرة داخلية‪ .‬أتلقيت تينك الرصاصتين من أعلى أحد المباني الرسمية ‪ .‫لم أعرف يومها ‪ .‬وأدوات حلقتك‪ .‬‬ ‫عندها تغلق الكتاب خوفا من قدر بطل أصبحت تشبهه حتى في عاهته‪ .‬ليس الجمال‬ ‫سوى بداية ذعر يكاد ل يحتمل" ‪ .‬ويصبح همك‪ .‬وتروح‬ ‫تقص عليك أسرارا ليست سوى أسرارك‪ .‬كالبراكين البحرية‪ .‬كل شيء حدث داخلك‪.‬لتسألها " كيف تسنى لها أن تمل حقيبتها بك؟"‬ ‫ثمة كتب عليك أن تقرأها قراءة حذرة‪.‬بذلك القدر من العناية‪ ..‬شخصا وحدها تعرفه‪ .‬ولكن يحدث أن تطلق النار عليه‬ ‫فتصيبك‪ .

‬ناسيا أن يضيف أنه في أغلب الظن ستصطدم بجثث كانت‬ ‫لعشاق لنا يقبعون في قعر محيط النسيان‪ .‬ثم ننسى‪.‬أجاب أحدهم " ليجاور الحياء الموات" ‪.‬‬ ‫أين يمكنك‪ .‬مصرا على‬ ‫ذياك البريق الذي انخطفت به يوما‪ .‬‬ ‫ليس ثمة موتى غير أولئك الذين نواريهم في مقبرة الذاكرة‪ .‬‬ ‫من أجل صنع كتاب جميل؟‬ ‫حرائقك التي تنطفئ كلما تقدمت في الكتابة‪ .‬‬ ‫تعلم اذن أن تقضي سنوات في انجاز حفنة من رماد الكلمات‪ .‫إن كنت أجلس اليوم لكتب ‪ .‬فل توجد وسيلة أكثر ضمانا من كتاب‪.‬‬ ‫فكتابة رواية تشبه وضع رسالة في زجاجة والقائها في البحر‪ .‬وقد تقع في أيدي أصدقاء أو أعداء‬ ‫غير متوقعين‪ .‬من الزوايا العريضة للحقيقة‪.‬من رسائلهم‪ .‬يقول غراهام غرين‪ .‬الذي كان نارا‪.‬ول تعود الى وجهها الحقيقي ال‬ ‫بعدما يتم تظهيرها في مختبر‪ .‬قبل أن تتكفل الحياة بقلب حقيقتهم في مختبرها لتظهير‬ ‫البشر‪.‬أن‬ ‫يباهوا بأنهم المعنيون برفاة حب محنط في كتاب‪.‬‬ ‫أنت من يتأمل جثة حب في طور التعفن‪ .‬تصلح ساعي بريد‪ .‬أن نشيع موتا من‬ ‫شئنا من الحياء‪ .‬‬ ‫بامكاننا أن نلفق لهم ميتة في كتاب‪ .‬يلزمني تقبل فكرة أن كل شيء يولد مقلوبا‪ .‬‬ .‬وحدها بامكانها انقاذ الحريق‪ .‬من هداياهم‪ .‬‬ ‫وكنت قرأت أن )الغوليين( سكان فرنسا الوائل‪ .‬‬ ‫بعدما قتلتها‪ .‬‬ ‫أذكر تلك الجوبة الطريفة لكتاب سئلوا لماذا يكتبون‪ .‬مفجعة كحادثة غرق‪ .‬‬ ‫وحدها النار‪ .‬تماما كما القارئ‬ ‫ل يؤتمن على كتاب‪.‬‬ ‫كمصور يتردد في اختيار الزاوية التي يلتقط منها صورته‪ .‬كانوا يرمون الى النار الرسائل التي يريدون‬ ‫إرسالها الى موتاهم‪ .‬عدت لمثل تفاصيل الجريمة في كتاب‪.‬فلنها ماتت‪.‬اذن يمكننا بالنسيان‪ .‬نحتاج أن نتخلص من‬ ‫أشيائهم‪ .‬من تشابك ذاكرتنا بهم‪ .‬يلزمك رفاة حب‪ .‬لمتعة رمي كتاب الى البحر‪ .‬برغم بؤس المعاشرة‪.‬وترسله الى‬ ‫موتاك بالبريد المسجل‪ .‬أكتب ‪ .‬لقد ولدوا موتى‪.‬ل أدري من أي مدخل أكتب هذه‬ ‫القصة التي التقطت صورها من قرب‪ .‬‬ ‫وأجاب آخر " كي أسخر من المقابر" ‪ .‬فنستيقظ ذات صباح ونقرر أنهم ما عادوا هنا‪.‬أن نخترع لهم وفاة داهمة بسكتة قلمية مباغتة كحادث‬ ‫سير‪ .‬ول جدوى من الحتفاظ بهم‪ .‬بامكانهم بعد ذلك‪ .‬أن‬ ‫تبعثر في البحر رماد من أحببت‪ .‬‬ ‫ما كان لنا ال أن نشغل أيدينا بكتابة رواية‪ .‬بعد أن غرقوا مربوطين الى صخرة جبروتهم وأنانيتهم‪.‬وان الناس الذين نراهم‬ ‫معكوسين‪ .‬مصرا على‬ ‫إقحام جثتها في موكب الحياء‪ .‬‬ ‫وبمنطق الصورة نفسها التي تلتقطها آلة التصوير معكوسة‪ .‬‬ ‫إنهم أفلم محروقة أتلفتها فاجعة الضوء‪ .‬كما نبكي الموتى‪ .‬ال في كتاب‪ .‬ل تحتفظ بحب ميت في براد الذاكرة‪ .‬أكل ذلك الرماد‪ .‬نحتاج على وجه السرعة أن تلبس‬ ‫حدادهم بعض الوقت‪ .‬‬ ‫لتشفى من حالة عشقية‪ .‬هم كذلك‪ .‬يلزمك قبر ورخام وشجاعة لدفن من كان أقرب الناس اليك‪.‬لمثل هذا‬ ‫خلقت الروايات‪.‬غير مهتم بكون البحر ل يؤتمن على رسالة‪ .‬ورد ثالث " كي أضرب موعدا" ‪.‬‬ ‫أليس في هذه المفارقة سخرية من المقابر التي تضم تحت رخامها ‪ .‬لننا التقينا بهم‪ .‬حتى ل تمتد الة حتف انقاذهم‪ .‬ل بد أن تجمع رمادها صفحة صفحة‪ .‬وتترك الموات يمشون‬ ‫ويجيئون في شوارع حياتنا‪.‬ول يعنينا ذكراهم لنبكيها‪ .‬وبمكاتيب محملة بسلماتهم وأشواقهم وفجيعتهم‪.‬لتمثال لحبيب تواصل تلميعه بعد الفراق‪ .‬أن تضرب موعدا لمرأة سبق أن ابتكرت خديعة موتها‪ .

‬‬ ‫أستمع دون تعب الى حواراتنا المحفوظة الى البد في تلك الشرطة‪ .‬أهديه‬ ‫عمرا افتراضيا‪ .‬قال " ل أحب مضاجعة الموت في‬ ‫سرير‪ .‬أن أفقدك في فترات ما‬ ‫التسلسل الزمني لفجائعك‪ .‬ولن طريق الرجعة كان طويل‪ .‬وأنا منذ أيام منهمك في مقايضة عمري بها‪ .‬ليصيبك حيث ل ترى‪ .‬‬ ‫ساعته التي لم أكن قد تنبهت لها يوما كانت له‪ .‬أو بسبب قضية‪ .‬‬ ‫يخطئك‪ .‬المرأة‬ ‫الرستقراطية التي تراسل معها ثماني عشرة سنة ومات بعد زواجه منها بستة أشهر‪ .‬الى تهكمه الصامت بين‬ ‫الجمل‪ .‬كيف‬ ‫أخذته وتركت صوته؟ حتى لكأن شيئا منه لم يمت‪ .‫ام حبا نكتب عنه‪ .‬حين ل تتوقع‪ .‬وهو عائد من روسيا‪ .‬وكان عليه أن يتعلم كيف يجيد موته‪ .‬معتمدا على التراتب الزمني لموت أصدقائك‪ .‬نهديهم ما ل يساويهم عندنا بأحد‪.‬أن تكتسب عادة التهكم والضحك في زمن كنت تبكي‬ ‫فيه بسبب امرأة‪ .‬لفهم بأية مصادفة أوصلنا الحب معا الى تلك المرأة‪.‬‬ ‫لقد أصبح ‪ .‬أجمل روايات بلزاك هي تلك التي لم يقرأها أحد‪ .‬ذلك‬ ‫الذي ما بقي منه ال ساعة أنا معصمها‪ .‬‬ ‫هو الذي أجاد الحب ‪ .‬‬ ‫ربما لهذا‪ .‬للفته وحميميته‪ .‬ويقول‬ .‬أو من دون أن تبكي!‬ ‫ليس البكاء شأنا نسائيا‪.‬أو على الحزن إذن أن يستعيد حقه في التهكم‪.‬‬ ‫بلزاك في أواخر عمره ‪ .‬‬ ‫وعليك أن تحسم خيارك‪ :‬أتبكي بحرقة الرجولة‪ .‬وقصة أنا قلمها‪.‬لكنه مات على السرير اياه‪.‬يلعب معك لعبة نيرون‪ .‬وكتابا نوزع آلف النسخ منه‪ .‬‬ ‫وترك لي كغيره شبهة حب‪ .‬قد يكون قص عليها قصصا‬ ‫كثيرة‪.‬أو على‬ ‫حادث ما ‪ .‬‬ ‫فمنه تعلمت أن أشلء الشياء أكثر ايلما من جثث أصحابها‪.‬وإنما دوما بجوارك‪.‬‬ ‫ساعته أمامي على الطاولة التي أكتب عليها‪ .‬الى ذلك البياض الذي كان بيننا‪ .‬كلؤم لغم ل ينفجر فيك‪ .‬وقتا اضافيا يكفي لكتاية كتاب‪ .‬‬ ‫حتما‪ .‬تمجيدا مني للحياة"‪ .‬الذي كان يضحك‪ .‬أم ككاتب كبير تكتب نصا بقدر كبير من‬ ‫الستخفاف والسخرية! فالموت كما الحب أكثر عبثية من أن تأخذه مأخذ الجد‪.‬نهديهم مخطوطا ل كتابا‪ .‬‬ ‫ولنه أنفق ماله للوصول اليها‪ .‬هو حب لم يعد موجودا‪ .‬‬ ‫مرة أخرى‪.‬ضحكته تلك!‬ ‫كيف ترد عنك أذى القدر عندما تتزامن فاجعتان ؟ وهل تستطيع أن تقول انك شفيت من عشق‬ ‫تماما من دون أن تضحك‪ .‬غريب الطوار‪ .‬الموت يحوم حولك إيغال بالفتك بك‪ .‬تائها في تقاطع أقدارنا‪ .‬بعد زواجه من السيدة هانكسا‪ .‬وأشياء ل أدري ماذا أفعل بها‪.‬فأصبحت تستند الى روزنامته لتستدل على منعطفات عمرك‪ .‬وحدث لفرط تواتره‪ .‬فقد قصدت السرير دوما لمنازلة الحب‪ .‬‬ ‫ل بد للرجال أن يستعيدوا حقهم في البكاء‪ .‬كأني لم أعد أرى سواها‪.‬سأشتري لك مصاغا أو ثوبا‪ .‬سأقص‬ ‫عليك أحدوثة لن أنشرها"‪.‬وابتكرها من أجل امرأة ما عادت‬ ‫موجودة هنا لتحكيها‪.‬حريقا ل رمادا‪ .‬وعليك الن أن تردع نزعتك للحزن‪.‬أكتب هذا الكتاب من أجل الشخص الوحيد الذي لم يعد بامكانه اليوم أن يقرأه‪ .‬أو خيانة صديق‪.‬حتى عندما كنا نلوذ بالكلم‪ .‬كان يقول‬ ‫لها والخيول تجر كهولته في عربة تمضي به من ثلوج روسيا الى باريس‪:‬‬ ‫" في كل مدينة نتوقف فيها‪ .‬ليس سوى رماد عشق‬ ‫ننثره في المكتبات‪.‬ل أملك ال بوصلة‬ ‫صوته‪ .‬‬ ‫كما لجمت مع العمر نزعتك الى الغضب‪.‬صوته! يا اله الكائنات‪ .‬وعندما سيتعذر علي ذلك‪ .‬‬ ‫الذين نحبهم‪ .‬والتي مذ أصبحت لي‪ .

‬‬ ‫ل يخفف من ذنبك إل أنك خلف الكاميرا‪ .‬‬ ‫كل مصور حرب‪ .‬أأنت هنا ‪.‬أم بنقلك بشاعة جرائمهم تمنح الخرين صك‬ ‫البراءة‪ .‬تنزل عليك صاعقة الصورة‪ .‬وهو الفقير المشرد‪ .‬أن يتخثر دمها‬ ‫ويجمد قبل أن ترسلها ‪ .‬‬ ‫دكتاتورية الفرجة تفرض عليك مزيدا من الجثث المشوهة‪.‬أيامها‪ .‬‬ ‫تذكرت هذه الحادثة‪ .‬وحق البقاء في الحكم؟ إلى أي حزب من أحزاب القتلى تنتمي؟ ولصالح من من القتلة‬ ‫ترسل صورك‪ .‬لكنك متورط في المأساة‪ .‬فالموت يمازحك ما دام يخطئك كل مرة ليصيب غيرك!‬ ‫الفصل الثاني‬ ‫في مارس ‪ .‬‬ ‫وحدها صورة الحاكم الذي ل يمل من صورته‪ .‬هناك حيث من حنفية المآسي‪ .‬الجميع يشتبه في أمرك‪ " :‬لصالح من أنت تعمل؟"‪ .‬ولن تدري أخلدتهم بذلك‪ .‬‬ ‫إنهم يريدون صورا بدم ساخن‪ .‬وفي تاريخ كان ينادى فيه للمصور كما في‬ ‫اليمن السعيد في الخمسينات‪ .‬وثمة من يدفع ثمنا لها‪.‬‬ ‫المشاهير من مصوري الحروب الذين سبقوك إلى هذا المجد الدامي‪ .‬لقد توقف بهم‬ ‫الموت‪ .‬لم أكن‬ ‫أعرف كم سيكون سعرها في سوق المآسي المصورة‪ .‬‬ ‫وعندما سئل أثناء التحقيق‪":‬أتعرف ثمن هذه النسخة التي سرقتها؟" أجاب جنيه الذي لم يكن قد‬ ‫أصبح بعد أحد مشاهير الدب الفرنسي المعاصر‪":‬ل‪ .‬واقفا وسط برك الدم لتضبط عدستك‪.‬كان قطع الرؤوس أهم إنجاز‪ .‬وأنت‬ ‫تتعامل مع الرؤوس المقطوعة‪ .‬ثمة مخاطرة في أن تكون‬ ‫مصورا للموت البشع‪ .‬ربما لنني عندما سرقت تلك الصورة من فك الموت‪ .‬أم أ‪،‬ك تعيد قتلهم‬ ‫ثانية‪.‬‬ ‫لكن هذا ل يرد الشكوك عنك‪ .‬‬ ‫في صور الحروب التي أصبحت حرب صور‪ .‬عندما بلغني أنني حصلت على جائزة العام‪ .‬لحسن صورة صحفية في‬ ‫مسابقة"فيزا الصورة" في فرنسا‪ .‬وعلى المصور الول‬ ‫والوحد في البلد أن يبدأ به مهنته‪.‬‬ ‫ذات يوم‪ .‬حتى فرحة حصولك على‬ ‫جائزة‪.‬مولع بالضحايا‪ ..‬‬ ‫اضحك يا رجل‪ .‬إن كان لك شرف مطاردته‬ ‫يوميا في تنقلته للتقاطها‪ .‬تصبح مصورا في زمن الموت العبثي‪..‬وأعرف‬ ‫كم يمكن لصورة أن تكون مكلفة‪ .‬عطبا في ذراعي اليسرى‪.‬يؤكدون‪ ":‬أنت لن تخرج‬ ‫سالما ول معافى من هذه المهنة"‪ .‬وقد كلفتني قبل عشر سنوات‪ .‬ل تصور سوى احتمال موتك‪.‬ليلتقط لحظات إعدام الثوار وتخليد مشهد رؤوسهم المتطايرة‬ ‫بضربات السيوف في الساحات‪ .‬تتدفق صور الفناء البشري على‬ ‫الوكالت‪.‫انه كان يمزح كلما انقض على أحد أصحابه ليطعنه بخنجره فأخطأه‪.‬وكل أنواع الموت الغريب في بشاعته‪.‬إلى العداء‍ !‬ .‬لكنك تقع على اكتشاف آخر‪ :‬ل يمكنك أن تكون محايدا ‪ .‬‬ ‫أنت متورط في تغذية عالم نهم للجثث‪ .‬ثمة من يثرى بصورة‪ .‬مشروع قتيل يبحث عن صورته وسط الدمار‪ .‬‬ ‫لتمجيد إنجازات القتلة ومنحهم زهوا إعلميا‪ .‬مما يجعلك دائم الخوف على صورك أن تبرد‪ .‬أو أن ينتظروا في البرادات‪ .‬تمنحك راحة البال‪ .‬وجمدت صورتهم إلى البد على عدستك‪ .‬بإمكان الموتى أن يذهبوا إلى المقابر‪ . 1942‬سجن جان جنيه لسرقته نسخة نادرة لحد دواوين بول فرلين‪ .‬‬ ‫أثناء ذلك‪ .‬كأنه دمارك الداخلي‪ .‬ولن يرمم خرابك عندذاك‪ ..‬بل أعرف قيمتها"‪.‬شراءها‪.‬بعد أن تعذر‬ ‫عليه‪ .‬ولكنني حتما كنت أعرف قيمتها‪ .

‬بعد أن عاد الموت ليختبئ في الغابات المنيعة المجاورة‪ .‬عن بيت محترم تعيش‬ ‫فيه‪ ..‬مع قوافل الحافلت الجامعية‪ .‬‬ ‫هاهوذا الموت ممد أمامك على مد البصر‪ .‬‬ ‫لم يكن ثمة من خوف‪ .‬للصفحات الداخلية‬ ‫الملونة‪ .‬‬ ‫ثمة جثث من الدرجة الولى‪ .‬ولن يخرج إل في غارات ليلة على قرية أخرى‪ .‬مذ صدرت فتوى تبشر "المجاهدين" بمزيد من‬ ‫الثواب‪ .‬ربما لن لها مخزونا عاطفيا في ذاكرتي مذ‬ ‫كنت أزورها في مواكب الفرح الطلبي في السبعينات‪ .‬وترك لفرط تخمينه بعض الرواح تنجو من بين فكيه؟‬ ‫كان الصغير جالسا كما لو أنه يواصل غيبوبة ذهوله‪ .‬وأنا في طريقي إلى العاصمة‪ .‬‬ ‫هدية المصادفة‪.‬وثمة أخرى لن تستوقف أحدا ‪ .‬عن جائزة لم تسع إليها‪ .‬عن صديقك الذي قتل‪ .‬حيث تسلل من مطرحه الرضي الذي كان‬ ‫يتقاسمه مع أمه وأخويه‪ .‬ولن يشتريها أحد‪ .‬‬ ‫المصادفة هي التي قادتني ذات صباح إلى تلك القرية‪ .‬كان يلزم ثلث مقابر موزعة على ثلث قرى‪ .‬لدفن أكثر من ثلثمائة جثة‪.‬شاهرا أدوات قتله‬ ‫البدائية التي اختارها بنية معلنة للتنكيل بضحاياه‪ .‬الصغير الجالس وحيدا على رصيف الذهول؟‬ ‫كان الجميع منشغلين عنه بدفن الموتى‪ .‬قم فصور!‬ ‫ثم رأيته‪.‬‬ ‫كنت دائم العتقاد أن الصورة‪ .‬والخر الذي ذات ‪ 13‬حزيران قتل‬ ‫امرأته وانتحر‪ .‬‬ ‫ماذا كان يفعل هناك ذلك‪ .‬خمس وأربعون جثة‪ .‬وللجثث درجات تفضيل لم تكن لصحابها في حياتهم‪.‬وتموت ميتة تتساوى فيها أخيرا بالنسان‪.‬ومازالت مذهولة أمام موتاها‪.‬أخبرني أحدهم أنهم عثروا عليه تحت‬ ‫السرير الحديدي الضيق الذي كان ينام عليه والده‪ .‬‬ ‫كنت مع زميل عندما استوقفتنا قرية لم تستيقظ من كابوسها‪ .‬إنها ككل الشياء النادرة‪.‬مكومين‬ ‫أمامي جثثا في أكياس من النايلون؟‬ ‫هم الذين أولموا لنا بالقليل الذي كانوا يملكون‪ .‬وبالميتات المبيتة الشنيعة‪ .‬تعثر عليها حيث ل تتوقعها‪ .‬ما أحزنني أن أكون شاهد تصوير على ولئم‬ ‫رؤؤسهم المقطوفة‪.‬لذا عز علي أن أصور موتهم البائس‪ .‬‬ ‫في مذبحة بن طلحة‪ .‬وانزلق ليختبئ تحت السرير‪ .‬وأخرى من الدرجة الثانية‪ .‬لغلفة المجلت‪ .‬‬ ‫فهو يدري أن للموت مراتب أيضا‪ .‬أيها المصور‪.‬‬ ‫وبقر البطون‪ .‫وستقضي وقتك في العتذار عن ذنوب لم تقترفها‪ .‬برغم تحذير البعض‪.‬من يصدق النوايا الحسنة لمصور‬ ‫تتيح له الصورة حق ملحقة جثث القتلى ببراءة مهنية؟ ليست أخلق المروءة‪ .‬إنها صور يطاردك نحس أصحابها‪.‬‬ ‫في محاولة إلقاء القبض على لحظة الموت الفوتوغرافي‪ ...‬وتقطيع الرضع إربا‪.‬هي التي تجعل المصور يفضل على نجدتك تخليد لحظة مأساتك‪.‬حتى المواشي كانت تجاوز‬ ‫جثث أصحابها‪ .‬لنهم قلما تركوا خلفهم شيئا يشي بالحياة‪ .‬إن هم استعملوا السلح البيض الصدئ‪ .‬كما الحب‪ .‬للحتفال‬ ‫بافتتاح قرية يتم تدشينها غالبا بحضور رسمي لرئيس الدولة‪ .‬تجاوز عددها ما يمكن لمقبرة قرية‬ ‫أن تسع من أموات فاستنجدوا بمقبرة القرية المجاورة‪.‬لقطع الرؤوس‪.‬أو ربما كانت أمه هي التي دفعت به هناك‬ .‬‬ ‫في زمن الهوس المرئي بالمذابح‪ .‬محاطا بغنائه‬ ‫وسباياه من العذراوات‪ .‬من فؤوس وسيوف وسواطير‪ .‬بل أخلق‬ ‫الصورة‪ .‬بعد أن عجز عن أن يكون من سماسرة الصورة‪.‬‬ ‫كانت القرى الجزائرية أمكنة تغريني بتصويرها‪ .‬‬ ‫قلما كان القتلة يعودون‪ .‬‬ ‫كان لي دائما إحساس بأنني قد عرفتهم فردا فردا‪ .‬ضمن مشروع ألف قرية اشتراكية‪.‬‬ ‫فهل الموت هذه المرة كان أكثر لطفا‪ .‬بإمكان المصور القناص مواصلة‬ ‫إطلق فلشاته على الجثث بحثا عن "الصورة الصفقة"‪..‬آتيا من‬ ‫قسنطينة بالسيارة‪ .‬ول بيت لغيرك من الصحافيين‪ .

‬‬ ‫أول فكرة راودتني‪ .‬مادمت هنا بصدد‬ ‫توثيق الحاسيس ل الشياء‪.‬‬ ‫ل تحتاج إلى تقنيات متقدمة في انتقاء اللوان‪ .‬‬ ‫كانت فكرة لقائي به تلح علي‪ .‬‬ ‫حتى قبل أن أحصل على مال تلك الجائزة‪ .‬والملقاة على مقربة منه‪ .‬ليكون أكثر حزنا من أن يبكي؟‬ ‫لقد أطبق الصمت على فمه‪ .‬أبدم أمه‪ .‬تركت الموت في مكان مجاور‪ .‬سقط شالها لحظة ألم‪ .‬بل ما تتصور أن ذلك الطفل رآه حد الخرس‪.‬ودموع الناجين في خرسهم النهائي‪.‬أن أتكفل به مادمت حيا‪ .‬أنك كي تلتقط صورتك النجح‪ .‬ل تحتاج إلى آلة تصوير فائقة الدقة‪ .‬بقدر‬ ‫حاجتك إلى مشهد دامع يمنعك من ضبط العدسة‪.‬أم بدم أحد إخوته؟‬ ‫هو لن يعرف شيئا‪ .‬فشدوهن من أرجلهن‪ .‬ليقع بين فكي الحياة‪ .‬‬ ‫بكلمات كتبت بخط عربي رديء‪ .‬وأنت ل‬ ‫تعرف بأية قوة‪ .‬ورحت تصور سكون الشياء بعد‬ ‫الموت‪ .‬فهو لن يعرف بدم من بالتحديد وقع القتلة جرائمهم‪.‬أو خجل ‪ .‬ول لي سبب‪ .‬كأنني كنت أريد تبييض ذلك المال وغسله‪ .‬لتأخذ أحيانا بعدا إنسانيا‪ .‬باقتسامه مع الضحية نفسها‪.‬وهي حيلة ل تنطلي دائما على القتلة‪ .‬عندما علمت بنيلي تلك الجائزة العالمية عن أفضل صورة صحفية للعام‪ .‬فتبدت في وشاح حزنها‬ ‫جميلة ومكابرة وعزلء أمام الموت‪ .‬أم‬ ‫أبيه ‪ .‬بالقدر‬ ‫الذي أستطيعه‪.‬وتتزايد يوما بعد آخر‪ .‬ولنه لم يغادر مخبأه‪ .‬حيث انه في قرية مجاورة‪ .‬كنت قد قررت أن أخصص نصفه لمساعدة ذلك‬ ‫الصغير على الخروج من محنة يتمه‪ .‬للبحث عن ذلك الطفل‪.‬بل إلى فيلم بالبيض والسود‪ .‬‬ ‫هو الن مستند إلى جدار كتبت عليه بدم أهله شعارات لن يعرف كيف يفك طلسمها‪ .‬وصخب الدمار في صمته‪ .‬لنه لم‬ ‫يتعلم القراءة بعد‪.‬وبحروف مازال يسيل من بعضها الدم الساخن‪ .‬‬ ‫ل أدري ماالذي كان يجعلني متعاطفا مع ذلك الطفل‪ :‬أيتمنا المشترك؟ أم كونه أصبح ابنا للة‬ ‫التصوير بالتبني؟‬ ‫وماالذي جعلني أستعجل التخلص من شبهة مال كانت تفوح منه رائحة مريبة‪.‬وما زالت الثار واضحة على سرواله البائس‪.‬حد استدراجك للبكاء‪ .‬حضرني قول مصور أمريكي أمام موقف مماثل‪":‬كيف‬ ‫تريدوننا أن نضبط العدسة وعيوننا مليئة بالدموع؟"‬ ‫ولم أكن بعد لصدق‪ .‬‬ ‫عندما كنت ألتقط صورة لذلك الطفل‪ .‬ول لغة له إل في نظرات عينيه الفارغتين اللتين تبدوان كأنهما‬ ‫تنظران إلى شيء يراه وحده‪ .‬حتى انه لم ينتبه لجثة كلبه الذي سممه الرهابيون ليضمنوا عدم‬ ‫نباحه‪ .‬‬ ‫لك تكن تصور ما تراه أنت‪ .‬في انتظار أن ينتهي الناس من دفن البشر ويتكلفوا بعد ذلك‬ ‫بمواراة الحيوانات‪.‬لكأنها تمثال" العذراء النائحة" لمايكل‬ .‬قامت أم‬ ‫بإخفاء بناتها تحت السرير‪ .‬لجريمة كان جرمي‬ ‫الوحيد فيها توثيق فظاعات الخرين‪ .‬ول حتى بأية معجزة نجا من بين فكي الموت‪ .‬لنه تبول في ثيابه‬ ‫أثناء نومه أرضا تحت السرير‪ .‬وأحيانا أخر شكل‬ ‫مشاريع فوتوغرافية أصور فيها عودة تلك القرية إلى الحياة‪.‫لنقاذه من الذبح‪ .‬هي‬ ‫العودة إلى تلك القرية‪ .‬غير أنهم عثروا على مخبئهن‪ .‬‬ ‫طبعا كانت تحضرني قصة زميلي حسين الذي من أربع سنوات حصل على الجائزة العالمية‬ ‫للصورة‪ .‬عن صورته الشهيرة لمرأة تنتحب‪ .‬‬ ‫ماذا تراه رأى ذلك الصغير‪ .‬نظرا لبؤس الغرفة التي كان السرير‬ ‫يشغل نصف مساحتها‪ .‬ربما خوفا‪ .‬‬ ‫كان يجلس وهو يضم ركبتيه الصغيرتين إلى صدره‪ .‬ونويت بيني وبين نفسي‪ .‬وسحبوهم نحو ساحة الحوش حيث قتلوهن ونكلوا‬ ‫بجثثهن‪.‬مما علق به من‬ ‫دم ‪ .

‬‬ ‫جارك الذي لعبت وتربيت معه منذ الطفولة‪ .‬وذات يوم ‪ .‬‬ ‫عندما ظهر خبر نيلي الجائزة‪ .‬وانتهى المر‪.‬لنه ل‬ ‫يفهم كيف وأنت مثله في كل شيء‪ .‬تحت عنوان"‬ ‫جثة كلب جزائري تحصل على جائزة الصورة في فرنسا"‪ .‬فتوجه إلى مستشفى بن موسى حيث أخذ صورة لتلك المرأة التي فاجأها تنتحب‪ .‬ازدادت أسباب حقده عليك‪ .‬لو غرقت لجازف بحياته لنقاذك من الغرق‪ .‬‬ ‫ومتخلفا عن عالمه‪ .‬‬ ‫وكلما ‪ .‬أدركت أن ثمة مكيدة تتدبر‪ .‫أنجلو‪.‬‬ ‫الموت‪ .‬في الجريدة نفسها‬ ‫التي أعمل فيها‪ .‬عالم جثث تتقاتل‪.‬ولذا قد يغفر للقتلة جرائمهم‪ .‬فالنجاح أكبر جريمة يمكن أن ترتكبها‬ ‫في حقه‪ .‬‬ ‫شغلتني تلك السئلة‪ .‬كان جاري في قسنطينة وتوسطت له لينتقل إلى العمل في العاصمة‪ .‬وستذهب إلى الجامعة‪ .‬وأطفال وجدوا مصادفة حيث براثن الموت‪.‬‬ ‫أما الكثر غرابة فكون تلك المرأة ‪ .‬ول طالبت الدولة بملحقة‬ ‫الجزارين الذين نحروا الجساد الصغيرة لقاربها السبعة‪ .‬بعدما قدمت له من الخدمات ما يكفي لجعل منه عدوا‪.‬أسفل الصفحة الولى من الجريدة الكثر انتشارا‪ .‬جاء من يقنعها بأن ترفع دعوى على‬ ‫المصور الذي صنع "مجده" وثراءه بفجيعتها‪ .‬ول قرابة معه‪ .‬بذريعة الدفاع عن حياء الجزائري وهو ينتحب بعد مرور الموت!‬ ‫ل أصعب على البعض من أن يرى جزائريا آخر ينجح‪ .‬فيه كثير من التفاصيل العبثية‪ .‬لكنه لن يغفر لك نجاحاتك‪.‬فتطوعت جمعيات لرفع الدعاوى على المجلت العالمية‬ ‫الكبرى التي نشرت الصورة‪ ..‬لكنك‬ ‫لو نجحت في البكالوريا‪ .‬لنه من عالم يراه مختلفا‪.‬التي لم تقم دعوى ضد القتلة‪ .‬فوفر علي بكيده كل طعنات العداء‪ .‬عند وصوله إلى قرية بن طلحة‪ .‬بحكم المهنة أو بحكم الجوار‪ .‬لو أن ضمير النسان المعاصر أصبح حقا يستيقظ عندما يرى جثة كلب يذكره‬ ‫بكلبه‪ .‬‬ .‬‬ ‫وكان حسين‪ .‬‬ ‫بعد ذلك‪ .‬عندما انتشرت الصورة وجابت العالم‪ .‬‬ ‫كانت لعنة النجاح قد حلت بي‪ .‬بعد أن أصبحت في ندرتها أكثر وقعا على أنفسهم من جثة النسان؟‬ ‫أليست كارثة ‪ .‬وأن المر‬ ‫يتجاوز مصادفة التفاق في وجهة نظر‪.‬اكتشف حسين أن المرأة ماكانت أم الولد بل‬ ‫خالتهم‪.‬ازدادت قرابته منك‪ .‬تنجح حيث أخفق هو‪.‬بحثا عن جواب في تفاصيل ذلك الموت‬ ‫المركب‪.‬ول يبدو مهتما بجثة إنسان آخر ل يرى شبها به‪ .‬كلهما خدعة المصادفات المتقنة‪.‬لكتشف أن خلف ذلك الكم من الحقد والتجني جهد‬ ‫"صديق"‪ .‬فكل عبثية الحرب كانت تختصر في صورة لمرأة‬ ‫وجدت مصادفة حيث عدسة المصور‪ .‬‬ ‫غير أن الموضوع عاد بعد ذلك ليشغلني في طرحه الخر‪:‬‬ ‫تراهم منحوا الجائزة لصورة ذلك الطفل؟ أم لجثة ذلك الكلب؟‬ ‫وماذا؟ وقد صدرنا إلى العالم مذابحنا على مدى سنوات‪ .‬كما الحب‪ .‬‬ ‫كان قد أخذ صورة للموت في كامل خدعته‪ .‬ورسب فيها‪ .‬وتم إتلف الحياة الشعورية لناس أكثر‬ ‫من جثثنا‪ .‬حد قراري العودة إلى تلك القرية‪ .‬ويبقى هو مستندا إلى حائط‬ ‫الخفاق‪ .‬كان ل بد أن يمر بعض الوقت‪ .‬وجد نفسه أمام أكثر من ثلثمائة جثة ممدة في‬ ‫أكفانها‪ .‬‬ ‫لكن‪ .‬ستخرج من مسدسه الرصاصة سترديك قتيل مكفنا بنجاحاتك‪.‬وجعلني أرى في جثة ذلك الكلب من الوفاء‬ ‫ما يغني عن إخلص الصدقاء‪ .‬وتله في الغد مقال آخر في جريدة‬ ‫بالفرنسية عنوانه" فرنسا تفضل تكريم كلب الجزائر"‪ .‬عندما اكتشفت أن للصورة حقوقا في الغرب ل‬ ‫يملكها صاحبها في العالم العربي‪ .‬والتي‬ ‫قيل له إنها فقدت أولدها السبعة في تلك المذبحة‪.

‬‬ ‫كان وصولي إلى تلك القرية بسلم‪ .‬لكأن لغتهم ما عادت لغتك‪ .‬مدعين أنهم موظفو دولة‪ .‬‬ ‫وكنت هناك تائها‪ .‬أو يصطحبونه إلى مخابئهم إن كان ممن يحتاجون إلى خدماته‪.‬بل هي لغة اخترعها لهم‬ ‫القهر والفقر والحذر‪ .‬مما أوقع الناس في بلبلة‬ ‫وحيرة‪ .‬ول مفكرة تشي بمواعيدهم وأسماء رفاقهم فتفضح مهنتهم‪.‬‬ ‫فيذبحونه إن لم تكن لهم حاجة به‪ .‬لأحد يثرثر هنا‪ .‬شيئا يغرقنا في الصمت‪ .‬ممن يعملون في " دولة الطاغوت" الكافرة‪ .‬اتهموا بأنهم إرهابيون‪ .‬وأصبحت مشابهة تماما لحواجز رجال المن‬ ‫الحقيقيين ‪ .‬بعد أن أصبح الرهابيون أيضا‬ ‫يتنقلون بدون أوراق ثبوتية‪ .‬أو أي مخلوق ل تروق له هيئته‪.‬لول أنني لم‬ ‫أجد شيئا مما كنت أبحث عنه هناك‪.‬الذين سطا الرهابيون على بزاتهم العسكرية وأسلحتهم‪ .‬ول بطاقة عمل ول أوراق‬ ‫ثبوتية في حوزتهم‪ .‬أو مجندون في الخدمة العسكرية‪.‬وكان الحاجز لرجال‬ ‫أمن حقيقيين‪ .‬‬ ‫وهكذا كان الناس‪ .‬وعلى مشارف الغابات والدغال‪ .‬عندما في زمن الوحوش البشرية تضعك الجغرافية عند أقدام‬ ‫الجبال‪ .‬ولو كان يعمل زبال في البلدية‪ .‬أي أحد‬ ‫يملك بطاقة عليها ختم رسمي‪ .‬الكلب ما همش هنا اليوم؟‬‫فرد عليه أحدهم وهو يطلق عليه النار ‪:‬‬ ‫ إحنا هم الكلب!‬‫وان هم لم يحملوا أوراقهم الثبوتية خشية وقوعهم في قبضة حاجز مزور‪ .‬‬ .‬كبيوت موتاهم‪.‬يتنقلون بل هوية في جيوبهم‪ .‬وآخر لم يسمع‬ ‫بوجود هذا الطفل‪ .‬وقد غسلوا الجدران خوفا من ثرثرتها‪.‬والبيوت جميعها متشابهة في‬ ‫بؤسها؟‬ ‫كيف أتعرف على ذلك الجدار الذي كان يستند إليه الطفل ‪ .‬أي باختصار‪ .‬حتى الجدران‬ ‫التي كانت تهذي بالقتلة‪ .‬‬ ‫كانت ظاهرة الحواجز المزورة عمت وانتشرت‪ .‬وقال للعسكريين بمودة‪:‬‬ ‫ واش‪ .‬وكأنهم قادمون إليهم من‬ ‫عالم آخر‪ .‬أنت حتما على مرمى قدر من حتفك‪.‬‬ ‫الصدمة تجعلنا نفقد دائما شيئا متأخرا‪ .‬يدفنون فيها في اليوم ذاته‪.‬بعد أن رآهم يحملون جثة الكلب ويدفنونها في حقل بعيد‪ .‬احتطنا طبعا لمفاجآت الطريق‪ .‬أصابها الخرس‪ ..‬مذ طليت بماء الكلس‪.‬وأظهروا هوياتهم الحقيقية‪ .‬قد يفاجأون به مزورا ويقتلون ‪.‬‬ ‫ويتحلقون حولهم في السبعينات أصبحوا يقفون ببلهة ليتفرجوا عليهم‪ .‬فان هم اطمأنوا إلى حاجز‪ .‬‬ ‫في عزلتهم عن العالم‪.‬‬ ‫كذلك العجوز الذي استبشر خيرا بحاجز أوقفه‪ .‫***‬ ‫ذات صباح ‪ ..‬لغة المذهول من أمره مذ اكتشف قدره‪.‬والذين كانوا يتحدثون إليهم‪.‬ينصبه الرهابيون لصطياد من يضطر‬ ‫لسلوك تلك الطرقات بالسيارة‪ .‬وآخر يقول إن أحد أقاربه حضر واصطحبه إلى قرية أخرى‪ .‬وآخر يجزم أن‬ ‫الطفل اختفى ملتاعا‪ .‬قصدت رفقة زميل تلك القرية‪ .‬أو لعله ل يريد أن يسمع بوجودي‪ .‬والجوبة متناقضة في اقتضابها؟ البعض يقول إن جمعية لرعاية‬ ‫اليتامى تكفلت به‪ .‬وعوملوا على هذا الساس‪ .‬إنجازا تفاءلت به‪ .‬وبدون حادث يستحق الذكر‪ .‬‬ ‫التضاريس هي التي تختار قدرك‪ .‬‬ ‫في محاولة لغسل ذاكرة القرية من دم أبنائها؟‬ ‫ومن أسأل عن ذلك الطفل‪ .‬في مهب السئلة‪ :‬كيف أستدل على ذلك البيت‪ .‬حفاظا على سلمتهم‪ .‬أصبحت لسكان تلك القرى النائية ملمح واحدة‪ .‬حتى انك ل تدري بماذا تكلمهم‪ .‬‬ ‫كانت قلوب الناس موصدة‪ .‬‬ ‫أحزنني أن القرويين الذين كانوا يحتفون بالغرباء أصبحوا يخافونهم‪ .‬ول صبر له على فضولي‪.‬بعدم أخذنا بطاقاتنا‬ ‫المهنية معنا فيما لو وقعنا في قبضة حاجز أمني مزور‪ .

‫اثر غارة ليلية تختفي بعدها من الوجود قرية بأكملها‪.‬‬
‫انه موت‪ ,‬في عبثيته‪,‬مستنسخ من حياتهم الرتيبة ‪ ,‬التي يتناولون فيها كل يوم وجبة واحدة من‬
‫الطبق الواحد نفسه لكل أفراد العائلة ‪ ,‬ويرتادون مقهى واحدا‪ ,‬يدخن فيه الكبار والصغار السجائر‬
‫الرديئة نفسها المصنوعة محليا من العرعار الجبلي‪ ,‬وعندما يمرضون يذهبون إلى مستوصف‬
‫) الدشرة(‪ ,‬حيث الطبيب الواحد ‪ ,‬والدواء الواحد لكل المراض‪.‬‬
‫وكل جمعة كانوا يلتقون في المسجد الوحيد ليصلوا ويتضرعوا للله الواحد‪ .‬حتى جاءهم القتلة‬
‫فأفسدوا عليهم وحدانيتهم وقتلوهم باسم رب آخر‪.‬‬
‫لكأنهم منذ أجيال يكررون الحياة ذاتها‪ ,‬ويموتون حربا بعد أخرى نيابة عن الخرين‪ ,‬لوجودهم‬
‫في المكان الخطأ نفسه‪.‬‬
‫لكأنهم جاهدوا ضد فرنسا ودفعوا أكبر ضريبة في قسمة الستشهاد‪ ,‬فقط لتكون لهم بلدية كتب‬
‫عليها شعار" من الشعب والى الشعب" يرفرف عليها علم جزائري‪ ,‬وتتكفل بتوفير قبر لجثثهم‬
‫المنكل بها بأيد جزائرية‪ .‬تتركهم خلفك صامدين حتى الموت المقبل‪ ,‬في أكواخهم الحجرية البائسة‬
‫مع مواشيهم الهزيلة‪.‬‬
‫هؤلء الذين ل تكاد تشبههم في شيء‪ ,‬ل صور لسلفهم وأجدادهم تغطي جدران أكواخهم كما‬
‫في بيتك‪ ,‬لنهم منحدرون من سللة التراب‪ .‬تود لو ضممت رائحة عرقهم إلى صدرك‪ ,‬لو‬
‫صافحت بحرارة أيديهم الخشنة المشققة‪ .‬ولكنهم ل يمدون لك يدا‪ .‬وحده الموت يمد لك لسانه‬
‫حيثما وليت وجهك‪.‬‬
‫أثناء مغادرتي‪ ,‬انتابني حزن ل حد له‪ .‬فقد فاجأني منظر موجع لغابة كانت على مشارف تلك‬
‫القرية‪ ,‬وتم بعد زيارتي الخيرة حرقها حرقا تاما من قبل السلطات ‪ ,‬لجبار الرهابيين على‬
‫مغادرتها‪ ,‬بذريعة حماية المواطنين من القتلة‪.‬‬
‫في كل حرب أثناء تصفية حساب بين جيلين من البشر‪ ,‬يموت جيل من الشجار‪ ,‬في معارك‬
‫يتجاوز منطقها فهم الغابات‪.‬‬
‫"من يقتل من؟" مذهول يسأل الشجر‪ .‬ول وقت لحد كي يجيب جبل أصبح أصلع‪ ,‬مرة لن‬
‫فرنسا أحرقت أشجاره حرقا تاما كي ل تترك للمجاهدين من تقية‪ ,‬ومرة لن الدولة الجزائرية‬
‫قصفته قصفا جويا شامل حتى ل تترك للرهابيين من ملذ‪.‬‬
‫باستطاعتنا أن نبكي‪ :‬حتى الشجار لم يعد بإمكانها أن تموت واقفة‪.‬‬
‫ماذا يستطيع الشجر أن يفعل ضد وطن يضمر حريقا لكل من ينتسب إليه ؟‬
‫وبإمكان البحر أن يضحك‪ :‬لم يعد العدو يأتينا في البوارج‪ .‬إنه يولد بيننا في أدغال الكراهية‪.‬‬
‫ل أدري لماذا أصابني منظر الشجار المحروقة على مد البصر‪ ,‬بتلك الكآبة التي تصيبك لحظة‬
‫تأبين أحلمك‪.‬‬
‫لكأن شيئا مني مات باغتيال تلك الشجار‪ .‬أعادتني جثثها المتفحمة إلى زمن جميل قضى فيه‬
‫آلف الشباب من جيلي خدمتهم العسكرية في بناء " السد الخضر"‪.‬‬
‫سنتان من أعمار الكثيرين ذهبتا في زرع الشجار لحماية الجزائر من التصحر‪ .‬كان الشعار الذي‬
‫يطاردك في كل مكان آنذاك‪" :‬الجزائري يتقدم والصحراء تتراجع"‪.‬‬
‫أكان كل ذلك نكتة؟!‬
‫مشتعلين كنا بزمن النفط الول‪ .‬وكانت لنا أحلم رمال ذهبية‪ ,‬تسربت من أصابع إلى جيوب‬
‫الذين كانوا يبتلعون البلد ويتقدمون أسرع من لهاث الصحراء‪.‬‬
‫يا لسراب الشعارات! إنها خدعة التائه بين كثبان وطن من الرمال المتحركة‪ ,‬ل تعول على وتد‬
‫يدق فيه‪ ,‬ول على واحة تلوح منه!‬

‫هوذا النصف الخالي‪ ..‬كيف وصلنا إليه؟ بل كيف اخترقنا الرمل وتسرب إلى كل شيء؟ لم نعد‬
‫على مشارف الصحراء‪ ,‬بل أصبحت الصحراء فينا‪ .‬إنه التصحر العاطفي‪.‬‬
‫حدث ذلك ذات ديسمبر ‪ 1978‬عندما ترك لنا بومدين على شاشة التلفزيون ابتسامته الغامضة تلك‬
‫‪ ,‬ورحل‪.‬‬
‫كانت ملمحه أقل صرامة من العادة‪ ,‬ونظرته الثاقبة أقل حدة‪ ,‬ويده التي تعود أن يمررها على‬
‫شاربيه وهو يخطب‪ ,‬كانت منهكة لفرط ما حاولت رفع الجزائر من مطّبات التاريخ‪.‬‬
‫لم يقل شيئا‪ .‬فلم يكن عنده يومها ما يقوله‪ ,‬هو الذي قالوا له في موسكو ‪ -‬التي قصدها للعلج من‬
‫مرض نادر وسريع الفتك‪ -‬إن موته حتمي وعاجل‪ .‬من الواضح أنه عاد كحصان سباق مجروح‬
‫ليموت بين أهله‪ ,‬وليختبر حبنا له‪ ,‬بعد أن عانى في بداياته من الجفاء العاطفي لشعب كان يفضل‬
‫عليه طّلة بن بّلة‪ ..‬وعفوية طيبته‪.‬‬
‫أصوله الريفية التي أورثته الحياء‪ ,‬وحياته النضالية التي صقلت كبرياءه جعلته يصر على هيبة‬
‫الموت وحشمته‪ ,‬فمات كبيرا ميتة تشبه غموض شخصيته السرية المعقدة‪.‬‬
‫ذات ‪ 29‬ديسمبر‪ ,‬وبينما العالم يحتفل بأعياد الميلد‪ ,‬كنا نودع جثمان الرجل الذي ولدت على يده‬
‫مؤسسات الجزائر وأحلمها الكبرى‪ ,‬الرجل الذي كان لنزاهته ل يمتلك حتى بيتا‪ ,‬ول عرفنا له‬
‫أهل‪ ,‬أو قريبا‪ .‬ولكنه ترك لنا أجهزة وصيارفة تربوا تحت برنسه‪ ,‬سيتكلفون بقمع أحلمنا‬
‫وإفقارنا ‪ ,‬ورهن مستقبلنا لعدة أجيال ‪ .‬رحل مودعا بجداول الدموع التي لم يدري أنها ستتحول‬
‫بعده إلى أنهار دماء‪.‬‬
‫بكاه الناس كفاجعة تخفي مؤامرة‪ .‬لكأن موته إشاعة ومرضه مكيدة‪ .‬فالجزائري تعلم من حكم‬
‫بومدين نفسه أل يصدق أن ثمة موتا طبيعيا‪ ,‬عندما يتعلق المر برجال السياسة‪.‬‬
‫ولذا رحل مكفنا بالسئلة‪ ,‬ككل رجالت الجزائر الذين لفقت لهم ميتات وانتحارات وتصفيات‬
‫انتقامية عابرة للقارات‪ ..‬وللتاريخ‪.‬‬
‫في الواقع‪ ,‬ثمة أمران ل يصدقهما الجزائري‪ :‬الموت بسبب طبيعي‪ ,‬والثراء من مال حلل‪ .‬فآلية‬
‫التفكير لدى الجزائري الذي كان شاهدا على عجائب الحكم‪ ,‬تجعله يعتقد أن كل من مات قتل‪,‬‬
‫وكل من أثرى سرق‪ ,‬وبسبب هذا الريب الجماعي انهار السد الخضر للثقة‪ ,‬وابتلعتنا كثبان‬
‫الخيانات‪.‬‬
‫يحدث أن أحن إلى جزائر السبعينات‪ .‬كنا في العشرين‪ ,‬وكان العالم ل يتجاوز أفق حينا‪ ,‬لكننا كنا‬
‫نعتقد أن العالم كله كان يحسدنا ‪ .‬فقد كنا نصدر الثورة والحلم‪ ,‬لناس مازالوا منبهرين بشعب‬
‫أعزل ركعت أمامه فرنسا‪.‬‬
‫العالم كان جهاز تلفزيون يبث صورا بالسود والبيض نتحلق حولها كل مساء‪ ,‬غير مصدقين‬
‫معجزة ذلك الصندوق العجيب‪.‬‬
‫ولننا كنا أول من أدخل التلفزيون إلى الحي‪ ,‬كانت الجارات تتقربن إلينا بإرسال طبق من الحلوى‬
‫عصرا مع أولدهن‪ ,‬كي نسمح لهم بمشاهدة التلفزيون معنا‪.‬‬
‫كانت لنا أنماط حياة متداخلة بحكم فرحة الستقلل التي لمت شملنا‪ ,‬وجعلتنا نتعلم المساكنة دون‬
‫أن ننعم بالسكينة‪ ,‬في بناية وأصبحت" غنيمة استقلل" بالنسبة للبعض‪ ,‬وضريبة نزاهة وحماقة‬
‫بالنسبة لبي‪ ,‬الذي بحكم مسؤوليته عن توزيع الملك الشاغرة التي تركها الفرنسيون بعد‬
‫الستقلل ‪ ,‬أصر على القامة في شقة لليجار غير دار إنه سيقضي قيها ما بقي من عمره‪ ,‬ولن‬
‫يغادرها إل بعد ثلثين سنة إلى قبره‪ ,‬بعد أن تدهورت صحته‪ ,‬بالسرعة التي تدهورت بها حالة‬
‫البناية‪ ,‬وتعطل به دولب القدر كما تعطل مصعدها نهائيا بعد السنوات الولى للستقلل‪ ,‬ليقضي‬
‫شيخوخته في لهاث صعود طوابقها الخمسة‪.‬‬
‫في ذلك الزمن الول ٌللستقلل‪ ,‬بينما كان الجيران مشغولين بالتفرج على التلفزيون‪ ..‬وعلينا‪,‬‬
‫كنت من الجانب الخر للشقة‪ ,‬أترقب بصبر مراهق‪ ,‬أن تنفح نافذة تلك السيدة البولونية‪ ,‬التي‬
‫كانت تسكن مع زوجها الذي حضر مع مئات المهندسين التقنيين من الدول الشتراكية‪ ,‬للنهوض‬

‫بـ " الثورة الصناعية" في الجزائر‪ ,‬جاهلين الثورات الصغيرة الخرى التي سيحدثونها في حياة‬
‫الفتيان‪ ..‬والفتيات‪.‬‬
‫كانت الجزائر‪ ,‬الخارجة لتوها من الحرب‪ ,‬صبية تقع في حب من جاؤوا من كل العالم لتهنئتها‬
‫وإدارة شؤونها‪ ,‬وتعرف مغامراتها العاطفية الولى العابرة للقارات والجنسيات واللهجات‪ ..‬من‬
‫خلل آلف قصص الحب التي ولدت بينها وبين الفلسطينيين والعراقيين والمصريين واللبنانيين‬
‫الذين جاؤوا ليعملوا أساتذة ومهندسين ومستشارين‪ ,‬والذين وقعوا تحت سطوة اسمها‪ ,‬كما‬
‫ليقتسموا معها بعض شرف تاريخها‪ ,‬وتقتسم معهم ما فقدت من عروبتها‪.‬‬
‫بالنسبة لي‪ ,‬جاء الحب بولونيا‪ .‬بحكم الجغرافية التي وضعت تلك المرأة الشقراء في مرمى‬
‫بصري‪ ,‬في بناية تطل على شقتنا من الجانب الخر‪ ,‬ولكن بمسافة تحترم وجاهة ذلك الشارع‬
‫الذي هندسته فرنسا بما يليق بالمباني الرسمية المجاورة له من فخامة‪.‬‬
‫شاهدتها ذات صباح ترتدي روب الحمام البيض‪ ,‬وتقوم بتجفيف شعرها أمام المرآة‪ .‬لم يكن يبدو‬
‫منها شيئا عاريا‪ .‬ربما لنها كانت تدري أن العيون تتجسس عليها‪ .‬لكنها كانت شهية بشعرها‬
‫المبلل وحركاتها المغرية عن غير قصد‪.‬‬
‫يومها اختزنت ذاكرة فتوتي صورتها‪ ,‬لتصبح مع العمر رمزا للغواية النسائية التي أصبح من‬
‫شروطها عندي أل تبدو المرأة عارية‪ ..‬وإنما تظل مشروع عري موارب‪.‬‬
‫كانت‪ ,‬ككل " الرفيقات" من الكتلة الشتراكية‪ ,‬مشتعلة بجميع القضايا التي كان يقذفها بركان‬
‫السبعينات من كل القارات‪.‬‬
‫وكنت في عمر الكتشافات الولى‪ ,‬مشتعل بها‪ ,‬وبتلك القضايا العالمية الكبر من أن تحملها نملة‬
‫بشرية مثلي‪.‬‬
‫عندما تزوجت بعد ذلك بعدة سنوات‪ ,‬وجدتني أقيم في غرفة نوم‪ .‬مقابلة لغرفة كانت غرفتها‪.‬‬
‫كثيرا ما تأملت بيتا كان لسنتين مختبر تجاربي الولى‪ ,‬ومرتعا لجنوني‪ ,‬قبل أن يضعه القدر‬
‫مقابل لما سيصبح حياتي الزوجية الفائقة التعقل‪ ..‬والبرودة‪.‬‬
‫دوما‪ ,‬ثمة امرأة أولى‪ ,‬تأتيها فتى مرتبكا خجول‪ ,‬فتتعلم على يدها أن تكون رجل‪ ,‬ثم أخرى بعد‬
‫ذلك بسنوات‪ ,‬ستبهرها بما تعلمته‪ ,‬وتختبر فيها سطوة رجولتك‪.‬‬
‫وحدها زوجتك‪ ,‬على جسدك أن يكون أبله وغبيا في حضرتها‪ .‬فإن كنت اكتسبت خبراتك قبلها‪,‬‬
‫ستتحاشى استعراضها أمامها عن حياء‪ .‬وإن كنت كسبتها بعد الزواج‪ ,‬ستتفادى استعراضها عن‬
‫ذكاء‪ .‬ولذا يتسرب إكسير الشهوة في ما بينكما‪ ,‬وتسقط الجساد في وهدة التآخي‪.‬‬
‫كانت " أولغا" أول "حفرة نسائية" وقعت فيها‪ .‬ولم أعد أذكر الن من قال‪" :‬يسقط الرجل في أول‬
‫حفرة نسائية تصادفه‪ .‬فتاريخ الرجل هو تاريخ السقوط‪ ..‬في الحفر"‪.‬‬
‫لكنني كثيرا ما تذكرت ضاحكا قول جدتي أثناء حديثها عن أبي الذي كثيرا ما بذر ثروته في‬
‫النساء بسبب "فخاخ" تفنن في نصبها له ‪ ":‬من تمسك بأذناب البقر ‪ ,‬رمين به في الحفر!"‪.‬‬
‫ليست الشهوة‪ ,‬بل اليتم‪ ,‬ما يلقي بفتى في أول حفرة نسائية يصادفها‪ ,‬بحثا عن رحم يحتويه‪ ,‬عساه‬
‫ينجبه من جديد‪.‬‬
‫قبل "أولغا" لم تكن تعنيني النساء‪ ,‬بقدر ما كانت تعنيني الحيوانات ‪ ..‬والشياء‪.‬‬
‫النساء جميعهن كن يختصرن في جدتي لبي‪ ,‬المرأة التي احتضنت طفولتي الولى مذ غادرت‬
‫سرير أمي رضيع وانتقلت للنوم في فراشها لعدة سنوات‪.‬‬
‫على فراشها الرضي‪ ,‬بدأت مشواري كعابر سرير ستتلقفه السرة واحدا بعد الخر حتى السرير‬
‫الخير‪.‬‬
‫ثمة شيء في طفولتك حدث‪ .‬وبدون أن تعي ذلك ‪ ,‬كل سيء سيدور حوله ‪,‬إلى آخر لحظة من‬
‫حياتك‪.‬‬

‬‬ ‫ول ترتاح حتى ترضعهم وتجمعهم حولها‪ .‬‬ ‫ترفض أن أحملها أو أمرر يدي عليها‪.‬وعلى كثرتهم ل تفرط في واحد منهم‪.‬فـ " الجوبة عمياء‪ .‬‬ ‫وستتخلى عني‪.‬لنها‬ ‫حبلى ول تحب أن يقربها أحد‪ .‬‬ ‫بعد ذلك رأيتها ترضعهم‪ .‬وأنا أقيم علقة أمومة مع ما يحيط بي‪ .‬فحلت به متاعب عمر‪.‬فقد كنت أقضي فيه كل وقتي رافضا مغادرته خشية أن يفرغ من مائه‪ .‬وكان ذلك بداية ما سأعرفه من مآس"‪.‬‬ ‫النتصارات التي ماكانت انتصارات‪ .‬ثم أصبحت فجأة شرسة‪.‬فذلك الوعاء البيض‬ ‫الكبير الذي يحتويني في فضاء مائي كجنين‪ .‬كتلك القطة التي كنت في طفولتي‬ ‫أطعمها‪ .‬كبرت" أسئلة القطة" وأصبحت أكثر وجعا‪:‬‬ ‫هل يمكن لوطن أن يلحق بأبنائه أذى ل يلحقه حيوان بنسله؟ هل الثورات أشرس من القطط في‬ ‫التهامها لبنائها من غير جوع؟ وكيف ل تقبل قطة‪ .‬تلعقهم‪ .‬أختار لي كل فترة أما حتى اليوم الذي‬ ‫تصدمني فيه الشياء‪ .‬وتلك الشهوات‪ .‬هي أكثر حياء من رجال يعرضون بدون‬ ‫خجل‪ .‬‬ .‬‬ ‫الربعون‪ .‬وأحنو عليها‪ .‬عندما كبرت‪ .‬وكل ذلك الهدر‪ .‬‬ ‫ذات يوم‪ .‫لنك لم تناد امرأة يوما " أمي" ليست علقتك مع اللغة وحدها التي ستتضرر‪ ..‬أن يبتعد أحدهم عنها ‪..‬‬ ‫الفصل الثالث‬ ‫باريس ذات أيلول!‬ ‫كنا في خريف كأنه شتاء‪ .‬وأمرتني أن أتركها وشأنها‪ .‬التي استوت على نار الصبر الخافتة‪.‬عار بطونهم المنتفخة بخميرة المال المنهوب؟‬ ‫لم أبحث لهذه السئلة عن جواب‪ .‬اكتشفتها‪ .‬وتطالب ال بحق التساوي به مادمت أحد مخلوقاته‪.‬جعل من‬ ‫مغطس الحمام أمي‪ .‬تلك النكسارات ‪ .‬‬ ‫المومة‪ .‬‬ ‫أسئلتي الوجودية بدأت مع القطة‪ :‬كيف تستطيع القطة أن تحمل صغيرها بين أنيابها من دون أن‬ ‫تؤذيه؟ وهل حقا هي تخفي صغارها عن أبيهم الذي يحدث عندما يجوع أن يأكلهم؟ وهل الباء‬ ‫جميعهم قساة وغير مبالين؟ وهل ثمة قطط أكثر أمومة من نساء يحملن أثداء تذر اللبن وتضن‬ ‫بالرحمة؟‬ ‫بعد ذلك‪ .‬بل كل علقاتك‬ ‫بالشياء‪.‬مهما كثر صغارها‪ .‬‬ ‫وتظل تبحث عنه لتعود به محمول من عنقه بين فكيها‪.‬كالعقم‪ .‬بخمول من توقف لول مرة عن‬ ‫الجري‪ .‬الخسارات‪ .‬قررت بدءا أن أنشغل بتبديد الحياة‪ .‬بينما يرمي وطن أولد إلى المنافي والشتات غير‬ ‫معني بأمرهم؟ وهل في طمر أوساخهم تحت التراب‪ .‬وخبرت يتم الوطان‪ .‬‬ ‫اليتم‪ .‬حدث أن وّلد في داخلي إحساسا غريبا‪ .‬الصداقات التي ما كانت صداقات‪.‬‬ ‫مثل "روسو" يمكن أن أختصر حياتي بجملة بدأ بها سيرته الذاتية في كتابه " اعترافات" ‪" :‬‬ ‫مجيئي إلى الحياة كلف أمي حياتها‪ .‬تتفقدهم واحدا واحدا ‪ .‬‬ ‫منذ يتمي المبكر‪ .‬وقد تركت آثار مخالبها على يدي‪ .‬كما‬ ‫أتوقع أن تكون قد فرغت دماء أمي وهي تنزف بي لحظة الولدة‪.‬وأجلسها في حجري وأنا أطالع كتبي المدرسية‪ .‬فبكيت لنني أدركت أنه في يوم ما سيصبح لها صغارا حقيقيون‪.‬وحدها السئلة ترى"‪.‬يجعلك تغار من حيوان‪ .‬‬ ‫يحدث للمومة أن تؤلمني‪ .‬كما عثر أرخميدس على نظريته وهو داخل حمامه‪ .‬وتذكرني أنني لست طفلها‪.‬حتى عندما ل تكون لها قرابة بي‪ .‬نهرتني جدتي‪ .

‬ل لصاحبها‪ .‬بفضلهم بين‬ ‫اللوحات بصور المبدعين الذين اغتيلوا ‪ .‬وتعذر على مزاجي غير المهيأ لمزيد من الحزن تجاهل‬ .‬بدءا بتلك الجائزة التي‬ ‫تجعلك تكتشف بسخرية مرة أنك تحتاج إلى أسابيع من مهانة الجراءات‪ .‬‬ ‫لكأنني‪ .‬ورغبة في الطلع‬ ‫على الصحافة الجزائرية التي ل تصل كل عناوينها إلى فرنسا‪.‬مدينة برغبات صاخبة تنتظرك‪ .‬يتسكع مثيرا للحذر والريبة‪.‬نساء عابرات لضجر عابر‪ .‬وأن الفوج الجديد من جزائريي الشتات‪ .‬‬ ‫مشغول أنت‪ .‬‬ ‫ماكنت لظن وأنا أقصد بعد يومين ذلك الرواق يوم الفتتاح‪ .‬أتململ في الحزن‪ .‬لستلم جائزة صورة ل يستغرق وصولها بالنترنت إلى العالم كله‪ .‬‬ ‫ذلك أن "فيزا الصورة" هي تأشيرة للصورة‪ .‬‬ ‫كانت القاعة تستبقيك بدفئها‪ .‬‬ ‫وإرفاقهم دليل اللوحات بكلمة تحثك أل تساهم في اغتيالهم مرة ثانية بالنسيان‪ .‬كي تتمكن من السفر‬ ‫إلى باريس‪ .‬كنت أعد حقائبي لسفار كاذبة نحو صدرها‪ .‬لتقلب قدري رأسا على عقب‪.‬وأجهز القتلة على أحلمه‪.‬أو عاطل عن المل‪ .‬ولم ينقذني يومها من الصقيع‪ .‬وكذلك عنوان الرواق الذي يقام‬ ‫فيه معرض جماعي لرسامين جزائريين‪.‬وعولمة الصور ل تعني منح البشر‬ ‫حق الشياء في التنقل!‬ ‫ل وقت لك لتسأل نفسك " من الهم إذن ‪ :‬أنت ‪ .‬كان الحزن حولي يفخخ كل ما يبدو لغيري فرحا‪ ..‬أن ترتطم‬ ‫بموطنك‪ .‬وبوضعهم علما جزائريا صغيرا جوار الدفتر الذهبي‪.‬ولكن كيف تعبر ممالك‬ ‫المتعة‪ .‬في كل سرير‪ .‬وإهمال من تركوا‬ ‫خلفهم من يتامى وثكالى‪.‬أم صورة التقطتها؟"‪.‬‬ ‫إنما وطنا آخر كان مفخرتك‪ .‬للذين في الزمن الصعب كسدت بضاعتهم في دكاكين‬ ‫الوطن‪.‬كأنهم كانوا ينتظرون أن‬ ‫يلتقوا كي يختلفوا‪ .‬‬ ‫ماكانت برودته تشجع على تصفح هموم البلد‪ .‬سللم معدنية تتلقفك لتقذف بك نحو قاطرات‬ ‫المترو‪ .‬في صباحاتي المتأخرة ‪ .‬صنعها الرسامون أنفسهم لحراجك عاطفيا‪ .‬بحثا عن‬ ‫حزن أنثوي أرحم‪ .‬ويحدث وسط المواج البشرية‪ .‬قام بتأسيس عدة جمعيات لمساندة ما‬ ‫بقي في الجزائر من مثقفين على قيد الموت في قبضة الرهاب‪.‬‬ ‫تشعر برغبة في البكاء‪ .‬كوقوفك تحت البرد‪ .‬وقد سلبك الرعب الهارب منه جواز مرور رجولتك‪ .‫كنت أود لو استطعت اختبار طيش الغرباء‪ .‬سوى ملصقات‬ ‫كانت تعلن عن نشاطات ثقافية متفرقة في باريس‪.‬‬ ‫اكتفيت بأن أسجل في مفكرتي تاريخ عرض إحدى المسرحيات‪ .‬حول من يقتل من في الجزائر‪ .‬دفء له رائحة ولون وكلمات‪ .‬أحلم بنساء ل أعرف لهن‬ ‫أسماء‪ .‬فتختلط بالعابرين والمسرعين والمشردين‪ .‬أستقر فيه‪.‬يشجعنك بدون كلم على اقتحامهن‪ .‬أكثر من لحظة‪.‬أمام عربات القسطل المشوي في شوارع‬ ‫باريس‪ .‬‬ ‫برغم سعادتي بالسفر‪ .‬أو لعله شيد‬ ‫بذريعة وهب السترزاق بالعملة الصعبة ‪ .‬جعلت نزفها يتدفق هنا بعشرات الكتاب والسينمائيين والرسامين والمسرحيين‬ ‫والطباء والباحثين‪ .‬وأن تلك الرصاصة التي صوبها الرهابيون‬ ‫نحو رأسها‪ .‬تعذر علي مجادلتهم‪ .‬‬ ‫بعد ذلك ستعرف أن الجزائر سبقتك إلى باريس‪ .‬ل ذاك الذي يكنس شوارع الغربة‪ .‬‬ ‫كان المبنى على جماله موحشا كضريح شيد لتأبين فاخر للثقافة بذريعة الحتفاء بها‪ .‬تكاد تندم على زيارتك المعرض‪ .‬‬ ‫بعد وصولي بأيام قصدت المركز الثقافي الجزائري تسقطا لخبار الوطن‪ .‬أسافرت حتى هنا لتجد كل هذه الصور‬ ‫في انتظارك؟‬ ‫احتدم النقاش يومها بين بعض الزوار‪ .‬أن كل القدار الغريبة ستتضافر‬ ‫لحقا انطلقا من ذلك المعرض‪ .‬وعليك أن تعيش بإثم الشهوات غير‬ ‫المحققة‪.

‬والخرى التي‬ ‫تسكننا‪ .‬‬ ‫غير أنها قالت‪ .‬‬ ‫فكرت‪ . que puis – je pour vous -‬‬ .‬أعلى‬ ‫جسور قسنطينة‪ .‬بقدر ما هي تمرين على الشفاء من وجع يلمس فيه الرسام‬ ‫بريشته ممكن اللم أكثر من مرة‪ .‬حسب قول خالد بن طوبال في " ذاكرة الجسد"‪.‬ينسدل شعرها الحمر بتموجات على‬ ‫كتفيها‪:‬‬ ‫ ها هي السيدة المكلفة بتلك اللوحات‪ .‬عندما استوقفت نظري مجموعة لوحات معروضة تمثل جميعها‬ ‫جسورا مرسومة في ساعات مختلفة من النهار بجاذبية تكرار مربك في تشابهه‪ .‬‬ ‫خلقت تلك اللوحات لدي فضول مباغتا في إلحاحه‪ .‬تنحرف بك إلى ذاتك‪ ..‬حتى إنه لم يكن يختلف‬ ‫عني سوى في كونه يكبرني بجيل‪ .‬أن ثمة جسورا ‪ .‬‬ ‫رحت أتجول في ذلك المعرض‪ .‬مستندا إلى وصفها في تلك الرواية‪ .‬‬ ‫أذكر أنني قضيت عدة أيام قبل أن أقصد ذلك الرواق ذات ظهيرة‪ .‬كان مرسوما بطريقة مختلفة على لوحة فريدة تمثل جسرا معلقا من الطرفين‬ ‫بالحبال الحديدية على علو شاهق كأرجوحة في السماء‪.‬أصبحت أعيش إعاقة تمنعني من تحريكها بسهولة مذ‬ ‫تلقيت رصاصتين أثناء تصوير تلك المظاهرات‪.‬عدا صخب اللوحات‬ ‫في خبث تآمر صمتها عليك‪.‬‬‫قدمت لي المرأة نفسها بمودة‪ .‬واثقا بأن هذا الرجل‬ ‫لم يوجد يوما في الحياة‪ .‬وجسر الشللت مختبئا كصغير بين الوديان‪ .‫ذلك الكم من الستفزاز المتراشق به بين الجمل‪.‬وإنه أصبح رساما بعدما فقد ذراعه اليسرى في إحدى معارك‬ ‫التحرير‪ .‬وهي تدلني على سيدة أربعينية جميلة القوام‪ .‬‬ ‫لم أطل البقاء‪ .‬لوجودي في محطة مترو غير‬ ‫بعيدة عنه‪.‬وراح هذه المرة يسرق لوحات الرجل‪.‬بينما ‪ .‬‬ ‫كان كل شيء فيه يبدو يومها هادئا ومسالما‪ .‬حتى لكأنها تخترقك‪ ..‬ل شيء من ضجيج الفتتاح‪ .‬‬ ‫ل أدري كيف أوصلني التفكير إلى ذلك الكائن الحبري الذي انتحلت اسمه صحافيا لعدة سنوات‪.‬أحاول مد‬ ‫حديث معها كي تزودني بمعلومات عن الرسام‪.‬‬ ‫وكنت أوقع مقالتي محتميا به‪ .‬قررت العودة لحقا في يوم من أيام السبوع‪.‬أو‬ ‫تشطرك‪.‬‬ ‫الفكرة التي راودتني لفرط حبي لشخصيته‪ .‬كما زعمت مؤلفة تلك الرواية‪.‬‬ ‫فكرت بسخرية أنه قد يكون شخص آخر قرأ ذلك الكتاب‪ .‬أو شاركت الفنان في‬ ‫رسمها‪ .‬كانت على بساطتها محملة بشحنة عاطفية‪ .‬وجسر سيدي راشد بأقواسه الحجرية العالية ذات‬ ‫القطار المتفاوتة‪ .‬لكن‬ ‫اللوحات ماكانت تبدو تمرينا في الرسم‪ .‬بدون أن أفقد ذراعي‪ . Je suis Francoise.‬وحده جسر سيدي مسيد‪ .‬‬ ‫إنه حتما أحد أبناء الصخرة وعشاقها المسكونين بأوجاعها‪.‬بإمكانها إمدادك بما تحتاجه من معلومات‪.‬كل ثلثة أو‬ ‫أربعة منها للجسر نفسه‪:‬‬ ‫جسر باب القنطرة‪ .‬‬ ‫وقفت طويل أمام لوحات لها عندي ألفة بصرية‪ .‬وبتلك الحرارة التي يتحدث بها الناس إلى بعضهم البعض في‬ ‫فرنسا في مثل هذه المناسبات ذات الطابع التضامني النساني‪ .‬أقدم جسور قسنطينة‪ .‬‬ ‫ويرسم تلك الجسور التي كان خالد بن طوبال مولعا بها‪ .‬وأخرى تعبرنا‪ .‬كما ليدلك عليه‪.‬قالت‪:‬‬ ‫‪?Bonjour.‬كتلك المدن التي نسكنها‪ .‬من رصاص الرهابيين المتربص بكل قلم‪ .‬فقصدت المشرفة على المعرض‪ .‬ولتشابهنا في أشياء كثيرة‪ .‬كأنني عرفتها في زمن ما‪ .‬وأنا أتأملها‪ .

‬إنها من أحب لوحاته إلي‪ .‬ولذا تنفد لوحاته بسرعة‪ .‬‬ ‫كنت سأبدي لهذه المرأة إعجابي بثقافتها‪ .‬كما ترى‪ .‬لكنني مع السف لم أشاهد أعماله قبل اليوم‪.‬فكرة مجنونة عبرتني‪ .‬‬ ‫خشيت فجأة‪ .‬‬ ‫سألتها وكأنني أهرب من مفاجأة ل أدري عواقبها‪:‬‬ ‫ وماذا يعرض غير لوحات الجسور هذه؟‬‫قالت مشيرة إلى لوحة تمثل شباكا بحرية محملة بأحذية بمقاييس وأشكال مختلفة تبدو عتيقة‬ ‫ومنتفخة بالماء المتقاطر منها‪:‬‬ ‫ هذه اللوحة ‪ ..‬كنت أحدثك عن بداياته‪ . 1956‬‬ ‫شيء ما بدأ يشوش ذهني‪ .‬‬‫ وما الذي أوصله إلى هذه الجسور؟‬‫ هوسه بقسنطينة طبعا! غالبية هذه اللوحات رسمها منذ ‪ 10‬سنوات‪ .‬كم عمره إذن؟‬‫ إنه ستيني‪.‬قالت موضحة‪:‬‬ .‬أل يكون أحد فكر في مساعدة رسام موهوب كهذا‪ .‬دورة النور بين لوحة وأخرى‬‫تعطيك إحساسا أنك ترافق الجسر في دورة نهاره‪ .‬ولكنني استبعدتها خشية أن أشكك في قواي‬ ‫العقلية‪ .‬أشارت بيدها إلى لوحة " الجسر المعلق"‪.‬فان غوغ رسم أكثر من لوحة لحقول الشمس لنه لم يكن في‬ ‫حوزته سوى اللون الصفر‪.‬معظمها بيعت في معارض سابقة‪.‬ل يملك ثمن شراء ألوان للرسم؟‬‫ضحكت السيدة وقالت‪:‬‬ ‫ المر ليس هكذا‪ .‫لم أكن أعرف بعد " ماذا تستطيعه هذه المرأة من أجلي"‪.‬‬‫قلت معتذرا‪:‬‬ ‫ سمعت بهذا السم‪ .‬فرسم بألوانه جسرا‪.‬بيكاسو في أول هجرته إلى فرنسا رسم لوحات غلب عليها‬‫اللون الزرق‪ .‬إن أنا واصلت السئلة‪ .‬هذا بعض ما بقي من ذلك الجنون‪ .‬‬ ‫قلت‪ .‬في البدء لم يكن لديه مال‪ .‬حدث أن مر بفترة لم يكن‬‫يرسم فيها سوى الجسور‪ .‬مع أن اللوان ل تتغير‪ .‬‬ ‫فأجبتها‪:‬‬ ‫ إني مهتم بهذه اللوحات‪ .‬أتمنى لو أعرف شيئا عن صاحبها‪.‬‬‫ردت السيدة بحماسة‪:‬‬ ‫ إنها لزيان‪ .‬إنها ذاتها‪.‬عن هذه اللوحة التي رسمها قبل أربعين سنة يوم كان‬‫يعالج في تونس أثناء حرب التحرير‪ .‬‬ ‫قالت‪:‬‬ ‫ لنه تعلم الختزال اللوني من أيام الحاجة‪ .‬‬ ‫دققت في اللوحة‪ :‬في أسفلها كتب‪ :‬تونس ‪.‬كان‬‫له بالكاد ما يكفي لثلثة ألوان أو أربعة‪ ..‬‬ ‫واصلت المرأة‪:‬‬ ‫ كل الرسامين لهم بدايات متقشفة‪ .‬وأعجب أل تكون بيعت حتى الن‪.‬‬‫ردت‪:‬‬ ‫ أتفهم هذا ‪ .‬ورأى النقاد سببا واحدا لمرحلته الزرقاء تلك‪ :‬إن فقر المهاجر الجديد منعه من‬ ‫شراء ألوان أخرى وحدد خياره ‪ .‬معظم‬‫لوحاته بيعت‪.‬‬ ‫قلت لها‪:‬‬ ‫ ل أفهم‪ .‬وكعادتي رحت أفكر في طريقة تمكنني من مساعدته‪.‬وأحزن لبؤسه‪ .‬إنه ضنين العرض‪ .‬أحد كبار الرسامين الجزائريين‪.‬قلت‪:‬‬ ‫ ظننته شابا‪ .‬لول أن ذهني كان مشغول كليا بذلك الرسام الذي بدأت‬ ‫أتعاطف معه‪ .‬وأنا أقف أمام مجموعة الجسور‪:‬‬ ‫ غريب هذا الثر الذي يتركه في النفس وقع هذا السلم اللوني‪ .‬أن أقع على اكتشاف مخيف‪.‬‬‫وأمام ما بدا مني من عدم إعجاب بلوحة لم أفهمها‪ ..‬ومقل الرسم أيضا‪ ..‬فاقتصد في اللوان‪ .

‬كان السؤال‬ ‫لمجرد توفير جهد شد أطرافه بربطة عنقه!‬ ‫واصلت المرأة بنبرة فرحة هذه المرة‪:‬‬ ‫ إن جمعية لمناهضة العنصرية استوحت من هذه اللوحة فكرة تخليدها لهذه الجريمة‪ .‬وعندها يكتفي البوليس بدفعه من الجسر نحو "السين" ‪ .‬‬ ‫حتما‪ .‬‬ ‫أبدأت لحظتها أشتهيها؟‬ ‫قطعت فرانسواز تفكيري‪ .‬هذا الرسام تعمد رسم ما يتركه الموتى‪ ..‬وتركتني أمام تلك اللوحة مشتت‬ ‫الفكار أتأملها تغادر القاعة‪.‬سيق منهم اثنا عشر ألفا إلى المعتقلت والملعب التي‬ ‫حجزت ليوائهم‪ .‬وتركوا أحذيتهم يتسلى المارة‬ ‫باستنطاقها‪ .‬إنها سيرة حياة الشياء‬ ‫التي تروي بأسمائها سيرة حياة أصحابها‪.‬غير أن " السين" الذي عانى دائما من علة النسيان‪ ..‬أحذية من زوج وأخرى من واحدة‪ .‬مشت مسافات‬ ‫ل أحد يعرف وجهتها‪ .‬أتعرف السباحة؟" وغالبا ما يجيب المسكين "ل"‬ ‫كما لو كان يدفع عنه شبهة‪ .‬ونصفها فرنسا‪ .‬‬ ‫ثم أخرجت الشباك التي امتلت أحذيتها المهترئة بالماء‪ .‬أن أؤلمها‪ .‬مثقلة بما علق بها من‬ ‫أوحال الحياة‪ .‬ثم أعود إلى ذلك الفندق البائس لبكي وحدي‪.‬أن أبكيها‪ .‬‬ ‫فقدت صوتي فجأة أمام تلك اللوحة التي ماعادت مساحة لفظ نزاعات اللوان ‪ . 1961‬خرجوا في باريس في مظاهرة‬‫مسالمة مع عائلتهم للمطالبة برفع حظر التجول المفروض على الجزائريين‪ .‬بل مساحة لفظ‬ ‫نزاعات التاريخ‪.‬وظلت جثثهم وأحذية‬ ‫بعضهم تطفو على السين لعدة أيام‪ .‬فألقى البوليس‬ ‫بالعشرات منهم موثوقي الطراف في تهر السين‪ .‬هؤلء الذين انتعلوها بدون أن يدروا أنهم‬ ‫ينتعلون حذائهم يومها لمشوارهم الخير‪ ..‬لم يفارقني إحساس متزايد بالفضول تجاه ذلك الرسام‪ .‬‬ ‫رحت أتصور ضفاف السين بعد ليلة غرق فيها كل هؤلء البؤساء‪ .‫ هذه رسمها زيان تخليدا لضحايا مظاهرات ‪ 17‬أكتوبر ‪ .‬ما عاد يعرف بالتحديد عدد‬ ‫من غرق يومها منهم‪.‬تلك الحذية التي تتبلل وتهترئ بفعل الماء‪ ..‬وفاجأتني معتذرة لرتباطها بموعد‪ .‬أن أقبل‬ ‫شيئا فيها‪ .‬‬ ‫أدهانا؟ أم بناء؟ أم زبال؟ أم عامل في طوابير اليدي السمر العاملة على تركيب سيارات‬ ‫"بيجو"؟ فل مهنة غير هذه كان يمارسها الجزائري آنذاك في فرنسا‪.‬ولكنهم تمسكوا بها كقارب‪ .‬كانوا يومها ثلثين‬ ‫ألف متظاهر ) وستين ألف فردة حذاء(‪ .‬ثم لفظت أنفاسها الخيرة عندما فارقت أقدام أصحابها‪ .‬‬ ‫قلت وأنا أقاطعها حتى ل أبدو أقل معرفة منها بتاريخي‪:‬‬ ‫ أدري‪ .‬فالشباك عذابنا ل الجثة‪.‬ما توقعوا أن تخونهم أحذيتهم لحظة غرق‪ .‬فأنزل عشرين ألفا من رجاله ليرموا بهم إلى " السين" ‪ .‬ما استطاع ‪ Papon‬المسؤول آنذاك عن المن في باريس‪ .‬أن أصفع شيئا فيها‪ .‬لكون معظمهم ل يعرف السباحة‪.‬قامت في‬‫آخر ذكرى لمظاهرات ‪ 17‬أكتوبر بإنزال شباك في نهر السين تحتوي على أحذية بعدد الضحايا‪.‬‬ ‫تذكيرا بأولئك الغرقى‪.‬ول فارقني منظر تلك اللوحة‬ ‫التي أفضت بي إلى أفكار غريبة‪ .‬طبعا‪ .‬‬ ‫تعمد أن يضعك أمام أحذية أكثر بؤسا من أصحابها‪ .‬كان‬ ‫البوليس يستوقف الواحد منهم سائل" محمد‪ .‬مات الكثيرون غرقا‪ .‬ماذا ترى كان يعمل صاحبها‪.‬‬ .‬‬ ‫قضيت السهرة متأمل في أقدار أحذية الذين رحلوا‪ .‬ما‬ ‫كانت قوارب نجاة‪ .‬أن يبعث بهم إلى المحرقة‬‫كما فعل مع اليهود قبل ذلك‪ .‬وأفسدت علقة ود أقمتها مع نهر السين‪.‬فهذه عليها آثار جير وأخرى آثار وحل وثالثة‪ .‬كما تتحلل جثة‪ .‬وعرضتها على ضفاف السين للفرجة‪.‬‬ ‫في المساء‪ .‬مهملة كأقدارهم‪ .‬‬ ‫شعرت برغبة في أن أضم إلى صدري هذه المرأة التي نصفها فرانسواز‪ .

‬أيام الخوف والغبن والذعر اليومي‪ .‬بل‬ ‫أن تكون لك كرامة‪.‬‬ ‫كان مراد يمثل نكبة الجزائري مع بحره‪ .‬يلعن بوها حياة‪ .‬وخرج إلى الشرفة ليسحبني نحو الداخل قائ ً‬ ‫ يا راجل واش بيك‪ .‬ولذا كنا نسكن مدينة شاطئية جميلة تولي ظهرها‬ ..‬ول شمس‪ .‬أكثر من‬ ‫احتمائي من القتلة‪ .‬وأساء فهم‬ ‫ل بتذمر ل يخلو من خفة دم تميزه‪:‬‬ ‫أعذاري‪ ..‬إنها ذلك المل‬ ‫الخالي من الرجاء‪ .‬قبل أن يتحول من محم ّ‬ ‫طريدتها‪ .‬‬ ‫أحيانا كنت أخرج إلى الشرفة أنتظرها بوحشة فنار بحري في ليل ممطر‪ .‬ول ذعر‪.‬‬ ‫في صيف مازافران‪ ..‬فبين‬ ‫البحر وبينه توجس وريبة وسوء فهم تاريخي‪ .‬ممنيا نفسي بالمطر‪ .‬بعد أرق ذهب بي في كل صوب‪ .‬ولساهم في ذلك المعرض الخيري بشراء لوحة وجدتني‬ ‫أعشقها‪.‬تحتمي فيه‬ ‫من سقف الخوف بسقف الهانة‪ .‬كثيرا ما أزعجه اعتذاري‪ .‬محجوزة فيلتها لكبار القوم‪.‬ثم أذهب إلى‬ ‫النوم‪ .‬بارتعاد لوعتها عند اللقاء‪ .‬كان هذا مشروعي العلني‪ .‬كعمر‬ ‫بن أبي ربيعة " أقّلب طرفي في السماء لعله\ يوافق طرفي طرفها حين تنظر"‪ .‬وإذ المن العاطفي هو أول ما فقدت‪.‬أما مشروعي الخر فأن ألتقي بفرانسواز مرة أخرى‪.‬هي التي ل يفصلني عنها مطر‪ .‬واش راك تخمم؟ شوف أنا ما على باليش بالدنيا‪ .‬وأصبح يتقاسمه " المحميون" ورجال المن‪ .‬على النصف الخر من العالم المناقض لبؤسي‪ .‬ل أغادرها‬ ‫إل إلى إقامتي الجديدة‪.‬‬ ‫وكان في هذا عذاب لم أحسب له حسابًا ‪ .‬ول زنزانة‪ .‬أتنقل بحافة خاصة إلى ثكنة‬ ‫تم تحويلها لسباب أمنية إلى بيت للصحافة يضم كل المطبوعات الجزائرية باللغتين‪ .‬فما كان بيتًا‪ .‬يرى بحرًا ل يدري كيف يقيم معه علقة سليمة‪ .‬أنا الذي اختار ذلك المنفى لحتمي من حبها‪ .‬فما كانت القضية أن يكون لك سرير وباب يحميك من القتلة‪ .‬كنت أدري أنها تقيم بمحاذاتي في بيتها‬ ‫الصيفي‪ .‬فردة ما عادت حذاء‪ .‬‬ ‫وأواصل استنطاقها أكثر عن ذلك الرسام‪.‬على الشاطئ الملصق لي‪ .‬ولكن دائما في الجهة‬ ‫الخرى المناقضة لي‪ .‬في شاطئ‬ ‫)نادي الصنوبر(‪ .‬إل عندما يشطر إلى نصفين‪ .‬بضمتها الولى‪ .‬كان يعجب من وقوفي طويل في الشرفة ويناديني إلى الداخل لشاطره كأسا وشيئًا من‬ ‫الطرب‪.‬ويتبعثر فرادى على الشاطئ‪.‬‬ ‫ل ‪ .‬يروحوا‬‫كلهم يقّودوا‪.‬ول نز ً‬ ‫اسمه " محمية" في شاطئ كان منتجعا‪ .‬أ‪ ،‬أقصد في الغد الرواق لشتري‬ ‫لوحة الحذية‪ .‬‬ ‫في الواقع‪ .‬ل شيء يوصلني إليها‪ .‬عساه يعمدنا على ملة العشق في غفلة من الموت والقتلة‪.‬‬ ‫أحلم بشهقة المباغتة الجميلة‪ .‬مرمية على الشاطئ‪ .‬‬ ‫أمن هناك تغذت كراهيتي لها ونما تمردي عليها؟ أن تكون بمحاذاتي‪ .‬‬ ‫عامًا ونصف عام في سرير التشرد المني‪ .‬‬ ‫كان آخر ما توصلت إليه‪ .‬ول من هواة الصخب‪ .‬‬ ‫ولكوني ما كنت من مدمني الشرب‪ .‬كان مسكنًا من نوع مستحدث‬ ‫كان مكانًا يصعب تسميته‪ .‬عسى قوارب الشوق‬ ‫الشتوي تجنح بها إلي‪.‬باندهاش نظرتها ‪ .‬حيث توجد محمية بنجوم أكثر‪ .‬ول بحر‪ .‬‬ ‫ي من السلطة إلى‬ ‫مراد الذي قاسمني غرفتي المنية بعض الوقت‪ ..‬ذلك أن المحار ل يصبح‬ ‫أصدافا فارغة من الحياة‪ .‬عشت منقطعا عن العالم‪ .‬كسبا لصداقة فرانسواز‪ .‬كصدفة أفرغت ما في جوفها‪ .‫أحذية كان لصحابها آمال بسيطة ذهبي مع الفردة الخرى‪ .‬ول‬ ‫رمل‪ .

‬فبرغم بشاعته حصل غاسبور على فاتنات ما كن في متناول غيره وكأن‬ ‫القبح عندما يتجاوز ضفاف الدمامة‪ .‬قال‪:‬‬ ‫ البداع وليد أحاسيس ودوافع ل شعورية وأنت لن تدري أبدًا‪ .‬‬ ‫عندما حاولت معارضة فكرته‪ .‬فذلك هو التمنع الصارخ للغواء‪ .‬‬ .‬محطمًا خجل‬ ‫العوانس والنساء الرصينات بمباغتهن بممازحته الفاضحة‪.‬‬ ‫ " المبيلنس" يا خويا وراي‪ ..‬كيف وجد المعرض‪.‬لذا كان مراد يراهن على خيال الناث‪ .‬‬ ‫وراح أمام عجبنا يشرح فكرته‪:‬‬ ‫ الباب الموارب هو الغشاء الذي تقبع خلفه كل أنوثة مغلولة بقيد النتظار‪ .‬كأنما بدأت أبوابها بالنفتاح أمام‬ ‫ذلك الرجل الذي لم تكن توليه اهتمامًا في البدء‪.‬وأدري المأساة التي تحملها لوحاته‪ .‬‬ ‫في أحد لقاءاتي به لحقًا‪ .‬أنا نمشي وهي تهز في البنات‪.‬مهما اجتهدت‪ .‬راحت تسأله بتردد‪ .‬أن الجزائريين ككل العرب‬ ‫ما استطاعوا أن ينجزوا من النتصارات غير تلك الشعارات المذكرة‪ .‬حتى‬ ‫إنه ذات مرة راح يقنعنا أثناء مرافعة سياسية دفاعًا عن الديمقراطية‪ .‬بينما استخفوا بالشعارات المؤنثة‪ .‬استخفافهم بنسائهم‪ .‬ماذا كان يعني‬‫مبدع بلوحة رسمها أو بقصيدة نظمها‪..‬إنها قضية وقت يتواصى بالصبر‪.‬ولذا كان هوس‬ ‫مراد في المطالبة بتذكير كلمات " الديمقراطية" و " الحرية" عساها تجد طريقها إلى النجاز‬ ‫العربي‪.‬ثم بسخريته‬ ‫الجزائرية المحببة إلى قلبي راح يمازحني مدعيًا أنني نسيته مذ حصلت على جائزة لجيفة كلب‬ ‫بدل أن أصور وسامته التي دوخت الوربيات‪ .‬باستخفافه أيضًا بالجمال‪ ..‬بعد أن أبدى اهتمامه بزيارة معرض‬ ‫زيان‪ .‬حتى أصبحت سيارة السعاف تسير وراءه لخلء‬ ‫من يقعن مغمى عليهن‪ .‬فدفعوا من أجل فحولة‬ ‫الستقلل مليين البشر‪ .‬‬ ‫نزل علينا أنا وفرانسواز صمت مفاجئ‪ .‬‬ ‫عندما انضمت إلينا فرانسواز التي عّرفته بها قبل ذلك‪ .‬ومدينًا لجمال يشع منه‪ ..‬ويبادلها البحر عدم الكتراث‪.‬كنا نتجول بين اللوحات التي تتقاسم معظمها فكرة الجسور والبواب العتيقة المواربة‪.‬‬ ‫وفي هذا السياق كان يسميني " الدحدوح" ليذكرني أن وسامتي النسبية لن تغطي على بشاعته‪.‬‬ ‫وكانت له في هذا نظرية تستند إلى مقولة المغني الفرنسي سيرج غاسبور " إن البشاعة أقوى من‬ ‫الجمال لنها أبقى"‪ .‬‬ ‫وكان في المر منطق يتجاوز فهمي‪ .‬لدى رؤيته‪.‬أو ربما أدركت أنني كنت البحر!‬ ‫***‬ ‫عندما هاتفته في الصباح عاتبني لنه تعب في الحصول على رقمي في باريس‪ .‬متحججًا بانتماء زيان لجيل ل يرى المور بهذه الطريقة‪ .‬كيفاش ندير قل لي يرحم باباك؟!‬‫مراد كان يفوت الفرصة على الموت بالستخفاف به‪ .‬قد يشرحه من الطرف الخر‪ .‬وربما كان مدينًا لوجوده على قيد الحياة‬ ‫بمرحه الدائم‪ .‬يصبح في فيضه النادر ضربًا من الجمال المثير للغواية‪.‬ضربت له موعدا في الرواق‪ .‬فقد اعتاد أن يقحم الجنس في كل شيء‪ .‬‬ ‫وبعد حديث جدي استعرض فيه سعة ثقافته الفنية أضاف فجأة‪:‬‬ ‫ كجزائري أفهم وجع زيان‪ .‬ولو كان لي أن أختار عنوانًا لهذا المعرض‬ ‫لسميته " النساء"‪.‬لذا لم‬ ‫أعرف للنساء بابًا عصيًا على النفتاح‪ .‬شعرت بارتباك أنوثتها‪ ..‬أما بعضه المغلق‪ .‬ما هو مشروع منه‬‫ليس سوى تلك الدعوة البدية للولوج‪ .‬‬ ‫ل أدري من أين جاء مراد بذلك التحليل الفرويدي‪ .‬قول بروست " لندع النساء‬ ‫الجميلت للرجال الذين ل خيال لهم"‪ .‬لكني كمتلق أجد في هذه‬‫الجسور الممدة وهذه البواب المواربة رمزًا أنثويًا‪ .‫للبحر‪ .‬متجاوزا بذلك عقدة خلقته‪.‬‬ ‫هناك أدركت قول بورخيس " البحر وحيد كأعمى" ‪ .

‬لكنني الن أريدها بسبب رجل آخر قررت أل أدعه يأخذها مني‪ .‬أو هكذا تستنتج من كلمها‪.‬‬ ‫ولذا أنت تحتاج إلى أكاذيب الجسد‪ .‬كيف تحارب الذين يمنعون عنك حرية الرأي إن كنت ترفض عدم تطابقي معك في‬‫تفسير لوحة؟ " الحقيقة في الفن هي التي يكون نقيضها حقيقة كذلك"‪..‬قررت أن أجعل لقاءاتنا متباعدة‪ .‬أبمقاومتها‪ ..‬وأصبحت تعنيني لسببين‪.‬حتى ل تستسهلهن‪.‬‬ ‫لنك تحتاج إلى خيبة صغيرة تلهيك عن خيبات أكبر‪.‬‬ ‫لتنجو من أسئلتك‪ .‬فقط لنه يمتلك جسارة‬ ‫ليست من طبعي‪.‬‬‫عندما اشتد بنا النقاش قال متهكمًا‪:‬‬ ‫ بربك‪ .‬كما لتأكد من أنها ما زالت على ذلك‬ ‫القدر من اشتهائها إياي‪.‫قلت‪:‬‬ ‫ إن كنت تعرف حياة المبدع‪ .‬لكنه كان يكره مهانة النتظار خلف باب موصد‪ .‬‬ .‬كان‬ ‫يحتكم إلى حاسة الفراسة ليعرف نوعية المرأة التي أمامه‪ .‬فهو يرى‬ ‫الوربيات مثل‪ .‬‬ ‫في الواقع لم يكن لي مفر من تلك النوايا الخبيثة لسئلة بريئة‪ .‬خاصة أنه بعد ذلك عندما جلسنا في المقهى‪ .‬هي المعبر الجباري لي طريق يوصل‬ ‫إليه‪ .‬‬ ‫أنت في حاجة إلى الذعان للمتعة التي تهيئك لللم‪ .‬‬ ‫ل ل أدري كيف أوقف‬ ‫فرانسواز فتحت بجملة واحدة بوابة الشهوات الجهنمية‪ .‬ولللم اللذيذ المخدر الذي يهيئك للموت‪.‬إن أنا استسلمت لعروضها المواربة‪.‬‬ ‫أكثر من قناعتي برأيه‪ .‬‬ ‫في صباح اليوم التالي‪ .‬‬ ‫ل للمغامرات العابرة‪ .‬وإلى خبرة اللصوص في اكتشاف أي‬ ‫نوع من البواب عليه أن يتحدى استعصاءه! وكنت على فرحي بوجوده معي‪ .‬تفاديًا لمناوراته الفحولية التي بدأت‬ ‫تحوم حول فرانسواز‪.‬تدرك ما أراد إيصاله إليك‪ .‬حتى ل يفسد‬ ‫علي ما كنت أخطط له منذ شهر‪ .‬قصدت الرواق بحثًا عن فرانسواز‪ .‬ولكنهن يتركن لك المفتاح تحت دواسة الباب‪ .‬يتبعن بطء البواب اللولبية الزجاجية للفنادق التي تدور بك دورة‬ ‫كاملة كي تجتاز عتبة كان يمكن أن تجتازها بخطوة! وأخريات يحتمين بباب عصري مصفح‪.‬‬ ‫***‬ ‫كان في حوزتي ذرائع جميلة تعفيني من الحساس بالذنب‪ .‬أم بالستسلم لها؟‬ ‫فأمام أي خيار من الخيارين كان احتمال ندمي قائمًا‪.‬كالبواب الزجاجية للمحلت العصرية التي تنفتح حال اقترابك منها‪ .‬وتركتني مذهو ً‬ ‫سيل الحمم‪ .‬كي تقصد النزوات المسروقة من‬ ‫دون شعور بالذنب‪.‬‬ ‫وثمة من ‪ .‬ولكن‬ ‫لم أكن يومًا رج ً‬ ‫فرانسواز كانت تعنيني لسبب‪ .‬‬ ‫مستندا إلى قول عنيف للمركيز دي ساد " ل طريق لمعرفة الموت أفضل من ربطه بمخيلة‬ ‫فاسقة"‪.‬راح بمزاح ل يخلو‬ ‫من الجدية يوضح لي ما يعتقده شبهًا بين نوعية البواب‪ .‬تطرحها عليك امرأة تضمر لك‬ ‫متعة شاهقة‪ .‬ول كان يروق لي النوم في شراشف المصادفة‪ .‬‬ ‫قد أكون تعلقت بها لحطة شرود عاطفي من أجل رجل‪ .‬بينما تشهر‬ ‫العربيات في وجهك وقارهن كأبواب خشبية سميكة لمجرد إيهامك أنهن منيعات ومحصنات‪.‬‬ ‫كثير القفال واللسنة‪ .‬‬ ‫كان المر بالنسبة إليه قضية صبر ل أكثر‪ .‬وما يقابلها من أجناس النساء‪ .‬وحاجتي إلى ما‬ ‫أدخله إلى حياتي من حركة‪ .‬إلى غبائه وفسقه وتناسيه‪ .‬كنت على قناعة بضرورة إبعاد هذا الرجل عن فرانسواز‪ .‬عليك في الجنس أن تتغابى أحيانًا‪ .‬حياته هي المفتاح السري لعماله‪.‬كما عن غير قصد‪.‬حتى ل تتنبه إلى كونك تذهب نحو المتعة‪.

‬يستعدون لمواجهة الموت بالصلة حينًا‪ .‬‬ ‫فأجبت بهدوء كاذب‪:‬‬ ‫ ل ‪ .‬تحتاج‬ ‫أن تضرم النار في رغبات مؤجلة دومًا‪ .‬شيئًا مغريًا ومثيرًا للتحدي النثوي‬ ‫الصامت‪ .‬يدفع نصف إيجار‬ ‫البيت مقابل أن يشغله أحيانًا عندما يزور باريس‪ .‬لتوقظ صخب حواس ذكورية تعودت الستكانة قهرًا‪ ..‬ولم يعد‬ ‫بإمكانك العثور بسعر معقول على شقة كهذه تطل على نهر السين!‬ ‫لم أعد أصدق ما أسمع‪ .‬‬ ‫غير أن قبولي دعوة فرانسواز لقضاء " وقت ممتع" كان يحمل فرحة مشوبة بذعر لم أعرفه من‬ ‫قبل‪ .‬وتجلس في سريرها‬ ‫لتجرب صوتها إلى أقصاه‪ .‬إنني محظوظة حقًا‪ .‬كانت فكرة هذا المعرض لدعم عائلت المبدعين من ضحايا‬ ‫الرهاب بمبادرة منها‪ .‬أنت المسكون بنزوات الذين يذهبون كل صباح نحو‬ ‫موتهم‪ .‬آخر من شغلها زوجة مدير معهد الفنون الجميلة في الجزائر التي اغتيل‬ ‫زوجها وابنها داخل المعهد‪ .‬حتى إنني‪ .‬خاصة بعدما اعتذرت عن قبول عرضها الذي أظنه كان نابعًا‬ ‫من طيبتها في استضافتي بعض الوقت في بيتها‪ ..‬‬ ‫ إنه فع ً‬‫سألتها فجأة مجازفًا بكبريائي‪:‬‬ ‫‪ -‬أما زال عرضك قائما باستضافتي لبعض الوقت في بيتك؟‬ .‬ل يدري لفرط صمت أعضائه كيف يختبر صوت رجولته!‬ ‫فرانسواز وجدت في تمنعي وعدم استعجالي النفراد بها‪ .‬ثم‬‫عرضت عليه بعد ذلك أن أتقاسم معه اليجار‪ .‬‬ ‫تراني بلغت عمر الذعر الذكوري‪ .‬ولذا بإمكانك أن تزور الشقة كلما شعرت برغبة في رؤية ذلك الجسر‪.‬وبالثام الخيرة أحيانًا أخرى‪.‬لتوفر علي مصاريف القامة المكلفة‪ .‬خشية أن تخونني فحولتي عند اللقاء‪ .‬مما يجعلها تستيقظ مذعورة كل مرة‪ .‬أمام الشخص الذي تريد إدهاشه بالذات؟ أكل رجل هو مغني أوبرا‬ ‫مذعور‪ .‬‬ ‫سألتها مندهشًا‪:‬‬ ‫ وهل زيان يقيم في بيتك؟‬‫أجابت ضاحكة‪:‬‬ ‫ أجل ‪ .‬كي تطمئن إلى قوته‪ .‬تذكرت مغنية أوبرا شاهدتها‬ ‫تقول في مقابلة تلفزيونية إنها في الليلة التي تسبق حفلتها تعيش كابوسًا مزعجًا ترى فيه نفسها‬ ‫تقف على المسرح وقد فقدت صوتها‪ .‬‬ ‫لم تكن فرانسواز تدري أنها قالت العبارة التي كانت تكفي لقناعي بأي شيء تعرضه علي بعد‬ ‫الن‪.‬فعندما عاد إلى الجزائر ترك لي البيت لفترة طويلة‪ .‬وتمنيت لو كان المر كذلك‪.‬وذلك الخوف المرضي من فقدان مباغت للفحولة‪ .‬ومثيرًا أيضًا للحترام‪ .‬ثم تخلد إلى النوم‪.‬قالت مثبتة‬ ‫حسن نواياها‪:‬‬ ‫ عندي غرفة إضافية يحدث أن يقيم فيها لبعض الوقت الصدقاء العابرون لباريس‪ .‬قلت هذا لنني أحب هذا الجسر‪ .‬لقد كان المر يناسبني تماما‪ .‬ومعظمهم‬‫من معارف زيان‪ .‬قبل ذلك بليلة‪ .‫وأنت ستحتاج حتما إلى تلك المخيلة‪ .‬سألتها‪:‬‬ ‫ وهل الشقة تطل على جسر ميرابو؟‬‫ردت متعجبة‪:‬‬ ‫ هل زرتها؟‬‫كنت سأبدو مجنونًا لو أخبرتها أنني سبق أن زرتها في رواية‪.‬‬‫ل كذلك‪ .‬ولهذا ارتأيت أن أستقبلها في بيتي لحاجتها إلى دعم نفسي كبير بعد هذه‬ ‫المحنة‪.‬فهذا البيت جميل‪ .‬وإن شئت أنا من يقيم في بيته‪ .‬في تلك‬ ‫اللحظة الكثر احتياجًا لها‪ .

‬فكرة واحدة كانت تزداد رسوخًا داخلي‪ :‬أن أطارد طيف هذا‬ ‫الرجل حتى بيت فرانسواز‪ .‬المر ل يعدو احتفاظ الرسام بحقه في أن يخلف‬ ‫ل أظن مرضه هو الذي أفسد عل ّ‬ ‫موعدًا‪ .‬‬ ‫ل تملك إل أن تتعاطف معه‪ .‬‬ ‫أن طلب منها أن تتولى مع إدارة الرواق أمر تعليق اللوحات واختيار أماكنها على الجدران‪ .‬حتى لو كان حفل زفاف لوحاته‪..‬‬‫أجبتها وأنا أفكر في كل ما ينتظرني من مفاجآت بعد الن‪:‬‬ ‫‪ -‬حتمًا‪ .‬فقد كان في المر ما يغريني‬ ‫بإستهلك احتياطي الحزن الذي أحتفظ به لحدث كهذا‪.‬ازدحمت بغيابه‬ ‫الصاخب‪ .‬حتى يمكنه زيارة نفسه بعد ذلك كغريب‪.‬ينتابك شعور بالفقدان‪ ..‬تخفت البهجة المظللة لفراشات الضوء وأناس‬ ‫إمتهنوا طقوس الفتتاحات‪ ..‬سأحضر‪.‬كي أواصل تباعًا لملمة سره‪ .‬‬ ‫ذلك أن هذا الجسر ماكان بالنسبة لكلينا مجرد‪ . tout ca pour un pont‬‬ ‫طبعا‪ ...‬ليس سوى إعادة اعتبار للخسارات‬ ‫الجميلة‪.‬كبيانو أسود مركون مغلقًا على صمته‪ .‬لنه بضوضائه وأضوائه يوم للغرباء‪ .‬مبعثرًا‪ .‬‬ .‬بإفتقاد شيء لم تمتلكه بعد‪ .‬أنه يكره أن يساء فهم حضوره‪ .‬وربما كانت في خطئها على صواب‪.‬كغيوم نفسه المنهطلة على الزوار‪.‬‬ ‫هو الهارب البدي‪ .‬ما‬ ‫عاد له من صبر على ملطفة ومسايرة من يحرصون على حضور شعائر الفتتاح‪ .‬غيابه الرائع‪.‬كل شيء يأخذ لونه الول‪ .‫ طبعًا‪..‬‬ ‫فرانسواز قالت أنه يكره حضور يوم افتتاح معرض له‪ .‬بل أنه حدث في أحد معارضه‪.‬ذلك أن هذا المعرض في فن بعثرة‬ ‫الحزن على الجسور والبواب التي تصهل بها اللوحات‪ .‬‬ ‫الفصل الرابع‬ ‫برغم درايتي بعدم حضوره‪ .‬متناثرًا‪ ..‬أكثر من‬ ‫حرصهم على تأمل أعمال أخذ بعضها أعوامًا من عمر الرسام‪ .‬أن يساء تفسير كلمه‪ .‬‬ ‫وهو هنا‪ .‬‬ ‫ي لقاءنا الول‪ .‬سيكون افتتاح معرض زيان بعد يومين‪ .‬ذهبت لحضور افتتاح معرضه الفردي‪ .‬‬ ‫عندما غادرت ذلك المعرض ‪ .‬‬ ‫أضافت‪:‬‬ ‫ بالمناسبة‪ . mon Dieu.‬يجتاحك السى من‬ ‫أجل رجل لن تراه‪ .‬جسر‪.‬أتمنى أن أراك هناك‪.‬‬‫ثم واصلت‪:‬‬ ‫ ‪Oh.‬‬ ‫مادامت قد صاحت " يا إلهي كم تذكرني بزيان"‪..‬إنهم موسيقيون صامتون كل الوقت"‪.‬‬ ‫رجل ستدرك لحقًا‪ .‬ل ملذ له سوى البياض‪.‬أيكون تمارض كي يجد ذريعًة للنسحاب المتعالي‪ .‬في صالة تضج بلوحاته‪ .‬وهو يواجه الخسائر بفرشاة‪ .‬فسقط في براثن المرض‬ ‫الحقيقي؟‬ ‫في غياب الرسام‪ .‬لنه‬ ‫يكره أن يعلق لوحاته‪ ..‬متدفقًا على الجدران‪ ...‬كانت على خطأ‪ .‬هو الذي يتقن أيضًا فن بعثرة الغياب‪.‬ذلك أن " الرساميين‬ ‫ل يجيدون فن الكلم‪ . comme tu me rappelles‬‬‫‪!Ziane c'est fou.‬لم يكن " كل هذا بسبب جسر"‪ .‬يحجبك عنه حضوره في غيابه المريع‪ .‬‬ ‫كان له ما أراد‪ .

‬مع مدن يشطرها جسر‪ .‬فأيهما فيك الحزن‪ :‬القارئ الذي‬ ‫انطلت عليه خدعة الرواية؟ أم العاشق الذي انطلت عليه خديعة مؤلفتها؟‬ ‫ولماذا أنت سعيد إذن؟ ما دمت بفرح غريب تفعل الشياء الكثر ألمًا‪ .‬حتى هذا‬‫السرير لم يكن صالحًا للستعمال‪.‬كنت أريد أن أعرف آخر كلمة قالها العشاق قبل‬ ‫حدوث الكارثة‪ ..‬مع نساء حيث أحل يك ّ‬ ‫بذرائع العشاق‪ .‬ثم أضافت بلهجة مازحة‪:‬‬ ‫ أنت محظوظ‪ :‬بإمكانك أن تفرد أشياءك‪ .‬وقررت التوقف عن التفتيش في ذلك البيت عن شيء‪ .‬باحثًا في التفاصيل المهملة عما يشي بخيانة من أحببت‪.‬على طريقة "شارلوك هولمز" أن أفك شيفرة ذلك الكتاب‪ .‬‬ ‫سألتها متعجبًا‪:‬‬ ‫ وماذا فعلتما بها؟‬‫ شارك زيان ببعضها في المعرض الجماعي الخيري‪ .‬‬ ‫متعاقد أنا مع الجسور‪ .‬حاجتك أن تغار؟ كحاجتك إلى النوم على أسرة‬ ‫أهي معابثة للذاكرة؟ أم تذا ٍ‬ ‫علقت بشراشفها رائحة رجال سبقوك‪ .‬متلمسًا كل شيء فيه‪.‬إنه دائمًا متطرف‪ .‬وكانت وسادة‬ ‫لرأسين‪.‬تضاجع‬ ‫رمم الشياء الفاضحة‪ .‬تفتحه كما تفتح كتابًا مكتوبًا على طريقة برايل‪ .‬‬ ‫ل عن شفاء الشياء كي أقيم معها حوارًا استنطاقيًا بحثًا عن احتمالت لقاء‪ .‬‬ ‫فوق ذاكرة الخرين‪ .‬موضحة أنها الغرفة التي‬ ‫كان يشغلها زيان كمرسم‪ .‬كحاجتك إلى الغطية الخفيفة‪ .‬أحيانًا كان يرفض لسنوات بيع لوحة واحدة‪ .‬كحاجتك إلى البكاء على وسادة تنام عليها وحيدًا‪ .‬كأنك موجود لستئناف حياة الخرين‪.‬ويعرض ما بقي في حوزته من لوحات‬‫في معرضه الفردي الحالي الذي يذهب نصف ريعه للجمعية الخيرية نفسها‪ .‬‬ ‫كما أمام " العلبة السوداء" لطائرة سقطت‪ .‬للهاث امرأة استعادت‬ ‫أنفاسها على صدر غيرك‪ .‬غيرة متأخرة ل تستطيع حيالها شيئًا‪.‬‬ ‫تدخله كبطل في رواية‪ .‬‬ ‫كيف ترصد ذبذبات بيت تدخله كما تدخل معتق ً‬ ‫تفاجئك ألفة المكنة‪ .‬وأعددت حقيبتي لسفر مفاجئ نحو بيت كنت أظنه ليس موجودًا إل في كتاب!‬ ‫ن على أهبة عبور‪.‬حيث التقى هذا الرسام حتمًا مع تلك الكاتبة‪.‬ولو لم يكن‬ .‬أشياء تومي لك أنك تعرفها وهي ليست كذلك ‪ .‬تعاشر جثة حب‪ .‬ولست هنا لمواصلة‬ ‫التماهي مع بطل وهمي‪ .‬‬ ‫ل أسوأ من غيرة عاجزة‪ .‬لم تبق سوى اللوحات المعلقة على الجدران‪ .‬بكثير من الحتفاء‪ .‬قل شهرين كانت اللوحات في كل مكان ‪ .‬بعد‬ ‫أن حاولت كثيرًا‪ .‬فإذا بكتاب يلفق لك حياة‪ .‬وهذه المرة رفض‬ ‫أن يبقي على واحدة منها‪ .‬‬ ‫ل أدري متى أصبت بكآبة المخدوعين‪ .‬‬ ‫ك على الدب؟ أم ‪ .‬غادرت الفندق الصغير الذي كنت أقيم فيه منذ ما يقارب‬ ‫تمامًا‪ .‬حاولت عبثًا إقناعه‬ ‫بإبقاء بعضها‪ .‬كما لو كنت بط ً‬ ‫الشهر‪ .‬أو بالحرى لتتأكد أنك تعيش لحظة حقيقية‪ .‬‬ ‫ل للكآبة الجميلة‪.‬أقيم مستوطنة غير شرعية‪.‬في الغرفة المجاورة لغرفتها‪ .‬فتستأنف حياة بدأتها في كتاب‪ .‬من أي علو هوى ذلك الحب؟ في أي مكان بالذات؟ في أي غرفة تبعثرت شظايا‬ ‫المحبين؟ وهل نجا من تلك الكارثة العشقية غير ذلك الكتاب؟‬ ‫فرانسواز وضعتني‪ .‬مقارنًا تفاصيله‬ ‫بموجودات الكتاب‪.‬عن متع قد تكون اختلست في مكان ما‪.‬صوب بيت هو بيته‪ ..‬لحظات تتوهم أنك‬ ‫عشتها وهي ليست كذلك‪.‫***‬ ‫ل في رواية‪ .‬تصور‪ .‬أذهب على خيول الشك الهزيلة‪ .‬‬ ‫وكنت تظن أن الحياة تلفقك كتابًا‪ .‬عن‬ ‫بحثت طوي ً‬ ‫احتمالت خلف‪ .‬‬ ‫لتتأكد من أن الشياء حقيقية‪ .

‬وكنت أحتاج فجأة إلى وحدتي‪ .‬ووحدي كنت أشعر‬ ‫ل استنطاق ذاكرته‪.‬لكن كان واضحًا أننا ما‬ ‫كنا نملك البجدية نفسها للتحاور‪.‬أكسو نصفها‪ .‬فبكل‬ ‫نصف فيها كنت أقيس رجولتي‪.‬‬ ‫رغم ذلك لم يكن في المر ما يغريبني‪ .‬‬ ‫على عريها‪ .‬كانت تموء كقطة‪ .‬‬ ‫بدت لي فرانسواز امرأة ل يملها رسام‪ .‬وخريف شفتيها الشاحبتين‪ .‬كانت كل إناث الكائنات‪.‬كنت تشعر معها وكأنك تسلم نفسك إلى قبيلة من النساء‪.‬‬ ‫كانت فرانسواز ل تعرف صمت كائنين لحظة توحد‪ .‬‬ ‫كنت ل أعرف للمتعة إل احتمالين‪ :‬أن تبكي امرأة‪ .‬كانت اختبارًا سيئًا للرجولة‪ .‬المتعة حالة غيبوبة شاهقة الصمت‪.‬‬ ‫فرانسواز بهذا المقياس‪ .‬أو اللوحات المعروضة لكل هؤلء الرسامين الجزائريين‪.‬كان السرير في ذلك الموعد الول مزدحمًا بأشباح من سبقوني إليه‪ .‬أو يغمى عليها‪ .‬وكانت مشكلتي الولى ثغرها‪ :‬كيف‬ ‫أضاجع امرأة ل تغريني شفتاها الرفيعتان بتقبيلهما؟‬ ‫كنت أجد شجاعتي في مواجهة شفتيها بالتفكير في زيان‪ .‬رج ً‬ ‫بانحسار الثوب على جسد متوهم‪ .‬أو أعري نصفها الخر‬ ‫حسب رغبتي‪ .‬لكأنها أنثى لكل فرشاة‪ .‬جميعنا عابري سرير‪.‬لفرط اختلف شخصيتها بين‬ ‫لوحة وأخرى‪ .‬وتغطي جدران غرفة نومها بأكثر من لوحة تحمل تواقيع فنانين آخرين‪.‬‬ ‫وكنت رج ً‬ ‫كان للحب مع فرانسواز مذاق الفاكهة المجففة‪ .‬أخاله مثلي‬ ‫كان يعاشر فرانسواز‪ .‬‬ ‫بذلك محاو ً‬ ‫أسّرة تراكمت فيها الخطايا‪ .‬‬ ‫ل ل يدري كيف يتدبر لجامًا لتلك المهرة الجامحة‪.‬ففي كل صراخ مراوغة ل تخلو من نوايا الغش النسائي‪.‬حاجة رجل مهموم‬ ‫إلى تدخين سيجارة في الفناء‪.‬ول كانت لي رغبة أن أدخل في تحد مع الرجال الذين‬ ‫ل انتقائيًا في حرماني كما في متعتي‪ .‬ما دمنا‪ ..‬مستحضرًا حياة‪ .‬‬ ‫ربما خوفه من أن يقع في يد هؤلء‪ .‬كان يردد قول رسام آخر " أنت ل تفقد‬ ‫لوحة عندما تبيعها بل عندما يمتلكها من لن يعلقها على جدران قلبه بل على حائط بيته قصد أن‬ ‫يراها الخرون"‪.‬أتكفل بإصلح أو إفساد أحد نصفيها‪ .‬تنتفض كسمكة‪ .‬الذي حتمًا سبقني إلى ذلك‪ .‬لعله المرض‪ .‬ما وجدت في جسدها المكشوف مكمن فتنتي‪.‬حيث حللنا‪ .‫أهداني إياها لعرضها للبيع‪ .‬‬ ‫كنت أريد امرأة كـ " فينوس" في انزلق نصف ثوبها‪ .‬وينطق؟‬ ‫صمت السّرة إحدى نعم ال علينا‪ .‬فل متعة دون بلوغ وعي‬ ‫الغماء‪ .‬كطائر محلق فارد جناحيه ول يسمع لتحليقه خفقًا‪ .‬أنا المولع‬ ‫سبقوني إليها‪ .‬المعروفين منهم‬ ‫والجدد‪ .‬أحقًا تريد لذلك " المخدع" أن يكسر‬ ‫قانون الصمت‪ .‬هو الذي جعله يعرضها جميعها للبيع‪ .‬ولم يبتكرا لغتهما المشتركة بعد‪ .‬لنه واثق من أن الذين‬ ‫سيشترون لوحاته‪ .‬فهل اكتشف قبلي أن زيف القبلة أكثر بؤسًا من زيف‬ ‫المضاجعة؟!‬ ‫حتمًا‪ .‬امرأة نصفها طاهر ونصفها عاهر‪ .‬كانت امرأة بفصلين يعاشر أحدهما الخر‬ ‫أمامك‪ :‬ربيع شعرها المحمر‪ .‬تتلوى‬ ‫كأفعى‪ .‬كانت الرسمة ل تخلو من مسحة حياء تعود حتمًا لريشة زيان‪ .‬هم حتمًا أناس بقلب كبير رغم المكانات القليلة لبعضهم‪.‬‬ ‫كانت فرانسواز تحتفظ في غرفة نومها باللوحة التي رسمها لها زيان سنة ‪ 1987‬عندما تعرف‬ ‫عليها أول مرة كموديل في معهد الفنون الجميلة‪.‬وكلبوءة تختبر ذلك العصيان الشرس في مواجهة الذكورة‪ .‬أظنه أراد أن يتخلص منها وهو على قيد الحياة‪ .‬ل لمرأة كانت‬ ‫تحترف التعري‪ .‬تتوقع منها خرق قاعدة الكتمان‪ .‬ووجد‬ ‫لوحة لمن ل يعنيه سوى أن يعلقها على حائط زهوه‪ .‬‬ ‫كنت أكره امرأة تصرخ لحظة الحب‪ .‬فقد كنت على جوعي الجسدي‪ .‬‬ ‫أدري ارتباك جسدين يلتقيان لول مرة‪ .‬‬ .

‬لن يسعفك اختباؤك تحت الفرو السميك للمنيات‪.‬‬ ‫ل أهي إهانة للقرنفل أن يوضع في فم خنزير؟ أم الهانة أن يتحول‬ ‫بقيت للحظة أتأملها‪ .‬بعد أن أخفقت الحياة في ترميم ما ألحقته المعتقلت العربية من‬ ‫عطب بحبهما‪.‬‬ ‫كنت تظن أنك بنزوتك الولى تلك‪ .‬وأنت لست حزينًا من أجلها‪ .‬قد اضمحل‪.‬بعد تلك‬ ‫المتعة‪ .‬‬ ‫ذات جليد‪ .‬‬ ‫ت طويل لشتاٍء عاطفي‪ .‬حاملة بين‬ ‫أسنانها قرنفلة ورقية حمراء‪.‬إل عندما احتضن بولع السجين العاشق‪ .‬ندخل في سبا ٍ‬ ‫ومجزون المل الذي ما فتئنا كحيوانات القطب الشمالي نجمعه تحسبًا لمواسم البؤس الجليدية‪.‬قصدت السوق المجاور لملء البراد والتبضع بالمواد الغذائية‪ .‬آثار ما علق بك من زرقة اللم‪ .‬ذات عيد قرروا أن يهدوه الحرية‪ .‬‬ ‫كل مأساتك الن تدور حول هذا الكتشاف!‬ ‫***‬ ‫في اليوم التالي‪ ..‬‬ ‫لماذا مارست الحب إذن؟ ولماذا كنت على عجل؟ ألنك لفرط ما عاشرت جسدك مكتفيا بمتعته‬ ‫السرية‪ .‬‬ ‫أثناء هدر عمرك في الوفاء‪ .‬‬ ‫ل‪ .‬عندما‬ ‫استوقفني محل جزار يزين خطاطيفه الحديدية برؤوس الخنازير الوردية المعلقة‪ .‬وأنت تتنكر لك أعضاؤه‪ .‬إنها خيانتك الولى‬ ‫لمرأة قد تكون خانتك منذ ذلك الحين كثيرًا‪ .‬ستمحو‪ .‬هكذا ‪ .‬فلم يكن بإمكاني‬ ‫القامة في بيت‪ .‬عليك أن تتوقع أن يغدر بك الجسد‪ .‬وما كان يدري أنه في تلك القبية الرطبة قد فقد وإلى البد‬ ‫ل‪.‬فوفاؤك‬ ‫لجسد آخر ما هو إل خيانة فاضحة لجسدك‪.‬‬ ‫أليست هي التي قالت مرة أثناء حديثها عن معاشرة زوجها مكرهة‪ ":‬ل بد أن توضع على أبواب‬ ‫غرف النوم " ممنوع التلويث" كما توضع في بعض الماكن شارات لمنع التدخين‪ ..‬يضمحل قلبك العاطل عن الحب‪ .‬‬ ‫عنفوان فحولته‪ .‬حب حتى الموت‪.‬بعده تعتريك رغبة ملحة في البكاء‪ .‬تتقلص فحولتك العاطلة من التمتع والمتاع‪ ...‬‬ ‫كنت أتجول مكتشفًا مساحيق فرح نهايات السبوع على وجه باريس المرتجفة بردًا‪ .‬ل يكون فيه للحارس حق التلصص على وشوشة متعتهما!‬ ‫وذات يوم أطلق سراح الرجل‪ .‬ل تدري ما هو‪.‬‬ ‫خيباتك السابقة علمتك الحتراس من حب يؤسس نفسه على كلمة " إلى البد"‪ .‬من محامية أحبته وانتظرته طوي ً‬ ‫بلقاء حميمي جميل‪ .‬ذلك أننا‬ ‫نلوث دائمًا بمن ل نحب"‪.‬‬ ‫تدري أنك مدين في الماضي للحب وحده بإنجازاتك الفحولية الخارقة‪ .‬تلك المرأة التي حلم بها طوي ً‬ ‫أثناء تحسسه لجسد الحرية‪ .‬مقتاتين بدسم الذكرى‬ ‫بغروب آخر يوم في خريف القلب‪ .‬فجأة‪ .‬بدون النفاق عليه‪.‬كم من العوام قضيا يمنيان النفس‬ ‫تزوج في العوام الخيرة‪ .‬ارتطم بعنة عبوديته‪ .‬حب بعد آخر‪.‬مكتشفًا أنه ما عاد قادرًا على معاشرة أحلٍم ل‬ ‫تمت إلى جسده بصلة!‬ ‫منذ مدة سمعت بخبر انفصالهما‪ .‬‬ ‫مات وهمك بحب حد الموت‪ .‬ولكن‪.‬كما بإسفنجة‪ .‬‬ ‫كما لو كنت تمرر إسفنجة لتنظيف سبورة من الطباشير‪ .‬لكن زمن العشق ولى‪.‬ينقصك شيء ما‪ .‬لم تعد تعرف التعامل مع جسد غيره؟‬ ‫أذكر ذلك الصديق الذي قضى في سجن عربي ستة عشر عامًا بتهمة النتماء إلى حزب محظور‪.‬إذا بك تزيد اللوح ضبابية وتلوثًا‪.‬متسائ ً‬ .‬وإذا كل‬ ‫عضو فيك لم تستعمله‪ .‬بل من أجلك‪ .‬‬ ‫رويدًا‪ .‬وها أنا أرتعد عاريًا كجذع شجرة جرداء‪.‫انتهى الحب‪ .‬ألقوا به أمام‬ ‫السجن مع صرة تضم بؤس متاعه‪ .‬تشعر فجأة بالخواء‪ .‬‬ ‫ل أكثر كآبة من فعل حب ل حب فيه‪ .

‫رأس كائن حيًا إلى مزهرية لدى جزار؟‬
‫أعادني المشهد إلى السبعينات‪ ,‬يوم كان جيراننا الوربيون التون من أوربا الشرقية‪ ,‬ل ينفكون‬
‫يخططون بحماسة ولهفة‪ ,‬لنهايات السابيع التي يذهبون فيها زرافات لصطياد الخنازير البرية‬
‫في الغابات المنتشرة على مشارف العاصمة‪.‬‬
‫اليوم‪ ,‬ل أحد يجرؤ على القيام بجولة صيد‪ ,‬مذ أصبح القتلة ينزلون مدججين بالسواطير والفؤوس‬
‫وأدوات قطع الرؤوس‪ ,‬ليصطادوا ضحاياهم من البشر من بين القرويين العّزل‪ ,‬ويرحلون تاركين‬
‫للخنازير البرية مهمة قطع أرزاق من بقي على قيد الحياة‪ ,‬بإفساد وإتلف محاصيلهم‪...‬‬
‫كان اصطياد رأس خنزير ومطاردته في الغابات‪ ,‬يأخذ من الصيادين آنذاك وقتًا وجهدًا أكثر مما‬
‫يأخذه اليوم قطع رؤوس عائلة بأكملها من القرويين الذين يعرف القتلة تمامًا مواقع أكواخهم ول‬
‫يجدون صعوبة في ذبحهم كالنعاج‪.‬‬
‫وكانت العودة برأس خنزير واحد‪ ,‬تمل الصيادين الوربيين آنذاك زهوًا‪ .‬لكن صيادي الطرائد‬
‫البشرية يلزمهم كثير من الرؤوس كي يضمنوا فرحة وجودهم على الصفحات الولى للجرائد‪,‬‬
‫فهم يشترون برؤوس الخرين صدارة خبر تتناقله وكالت النباء‪.‬‬
‫هكذا ولدت ظاهرة الرؤوس البشرية المعروضة للشهار أ‪ ,‬للستثمار‪ ,‬وأخرى للفرجة أو للعبرة‪,‬‬
‫كتلك التي حدث لمراء الموت عندما وجدوا متسعًا من الوقت‪ ,‬أن زينوا بها أشجار القرية كما‬
‫أشجار أعياد الميلد‪ ,‬وفخخوها لتكون جاهزة لتنفجر في أول من يحاول "قطف" رأس قريبه‪.‬‬
‫في حرب "الرؤوس الكبيرة" التي بسقوطها يسقط وطن في مطب التاريخ‪ ,‬وتلك الصغيرة التي‬
‫يلزم منها الكثير لتصنع خبرًا في جريدة‪ ,‬وتلك النكرة التي لن يسمع بقطافها أحد‪ ,‬ل تستطيع إل‬
‫أن تتحسس رأسك‪ ,‬حتى وأنت أمام واجهة جزار في باريس‪ .‬وتحزن من أجل القرنفل البلدي‪,‬‬
‫الذي كان يتفتح في طفولتك‪ ,‬باقات من القرنفلت الصغيرة‪ ,‬بذلك الشذى الذي ما عدت تشتمه في‬
‫الورود‪ ,‬مذ قصفت أعمارها إكرامًا لقصابي العالم المتحضر‪.‬‬
‫ل وسط حدائق" ‪ ,‬التويلري"‬
‫في مدينة كان هنري ميلر يتجول فيها جائعًا‪ ,‬وفي حالة انتصاب‪,‬متنق ً‬
‫غير مبصر سوى أجساد نسائية من رخام‪ ,‬عساها تغادر عريها الرخامي وترافقه إلى فندق‬
‫تشرده‪ ,‬لم أكن أنا سوى الرؤوس المعلقة في أي مكان‪ ,‬لي سبب كان‪.‬‬
‫حتى مومسات )بيغال( المنتشرات على أرصفة الليل‪ ,‬في هيئة ل يصمد أمام غواية التلصص‬
‫على عريهن رجل‪ ,‬لم أستطع وأنا أعبر شارعهن أن أقيم مع أجسادهن العارية تحت معاطف‬
‫الفرو‪ ,‬أية علقة فضول‪ .‬فقد كن يذكرنني بمشهد آخر تناقلت تفاصيله الصحافة العالمية لمومسات‬
‫البؤس العربي‪ .‬مشهد لو رآه زوربا لجهش راقصًا‪ ,‬لنساء علقت رؤوسهن على أبواب بيوتهن‬
‫البائسة في مدينة عربية‪ ,‬ل تخرج من حرب إل لتبتكر لرجالها أخرى‪ .‬وريثما يكبر الجيل التي‬
‫من الشهداء‪ ,‬كانت تفرغ البيوت من رجالها‪ ,‬ومن أثاثها‪ ,‬ومن لقمة عيشها‪ ,‬لتسكنها أرامل‬
‫الحروب وأيتامها‪.‬‬
‫لكن ل تهتم ‪ ,‬زوربا‪ ..‬يا صديق الرامل ل تحزن‪ .‬الجميلت الصغيرات ل يترملن‪ .‬إنهن يزين‬
‫ل لشرف الوطن‪ ,‬كما مات‬
‫قصور سادة الحروب العربية‪ .‬وحدهن البائسات الفقيرات يمتن غس ً‬
‫أزواجهن فداءً له‪ .‬وبإمكان رؤوسهن الخمسين التي قطعت بمباركة ماجدات فاضلت يمثلن‬
‫ل تأكيدًا لطهارة اليد التي قطعتها‪,‬‬
‫التحاد النسائي‪ ,‬بإمكانها أن تبقى معلقة على البواب يومًا كام ً‬
‫كي يعتبر بها الفقراء الذين جازفوا بقبول مذلة " المتعة مقابل الغذاء"‪ ,‬وتجرأوا على تمني شيئًا‬
‫آخر في هذه الدنيا غير إضافة جماجمهم لتزيين كعكة عيد ميلد القائد‪.‬‬
‫ل حيث يذهب‪ ,‬يقصد‬
‫يخطئ من يعتقد أننا عندما ندخل مدنًا جديدة نترك ذاكرتنا في المطار‪ .‬ك ً‬
‫ل بأخرى‪ ,‬ويقيم مع آخرين في مدن ل يتقاسمها بالضرورة معهم‪ ,‬ويتجول في خراب‬
‫مدينة محم ً‬
‫وحده يراه‪.‬‬
‫" وما دمت خربت بيتك في هذا الركن الصغير من العالم فسيلحقك الخراب أينما حللت"‪ .‬ولكنك‬

‫لم تكن قد سمعت بعد بقول ذلك الشاعر‪ ,‬ول كنت تظن أن حقيبتك محملة بهذا الكم من الجماجم‪ .‬و‬
‫إل ما كنت سافرت‪.‬‬
‫فاكتب إذن‪ ,‬أنت الذي مازلت ل تدري بعد إن كانت الكتابة فعل تستر أم فعل انفضاح‪ ,‬إذا كانت‬
‫فعل قتل أو فعل انبعاث‪.‬‬
‫تتمنى لو أطلقت النار على كل الطغاة بجملة‪ ,‬لكن من تنازل أيها الكاتب بقلم‪ ,‬في نزال كل‬
‫غرمائك فيه يتربعون على عروش من الجماجم‪.‬‬
‫كان عليك قبل أن تهجم على الوراق أن تختار كلماتك بعناية ملكم ‪ ,‬أن تصوب ضرباتك إلى‬
‫القتلة‪ ,‬بأدنى قدر ممكن من المجازفة‪ .‬أن تكتسب تلك الموهبة‪ .‬موهبة كتابة كتب غيبية‪ ,‬تسعى‬
‫إلى سلمة صاحبها وراءته‪ ,‬غير معني بما تسببه رواية رديئة من أضرار‪ ,‬ول جبن كاتب ل‬
‫يمكن لقارئ أن يأتمنه على حياته أو يوصيه ثأرًا لدمه‪.‬‬
‫من تكون‪ ..‬لتحاول الثأر لكل الدم العربي بكتاب‪ .‬وحده الحبر شبهة أيها الجالس على الشبهات‪.‬‬
‫أكتب لتنظيف مرآبك من خردة العمر‪ ,‬كما ينظف محارب سلحًا قديمًا‪.‬‬
‫مازال للقتلة متسع من الجاه‪.‬ول وقت لك إل ساعته‪ ,‬تدق بعده في معصمك‪ ..‬تمد يدك بما يلزمها‬
‫من القوة للكتابة‪.‬‬
‫وبرغم هذا‪ ,‬قد ل تجد الشجاعة لتقص عليه ما حل بتلك اللوحة!‬
‫بعد يومين من إقامتي عند فرانسواز‪ ,‬هاتفت مراد حتى ل يقيم الدنيا ويقعدها بحثًا عني في‬
‫باريس‪ ,‬يعد أن تركت الفندق دون إخباره بذلك‪.‬‬
‫تحاشيت طبعًا إعطاءه تفاصيل عن إقامتي الجديدة‪ .‬واقترحت عليه أن نلتقي في اليوم التالي‪.‬‬
‫لكنه فاجأني بذلك الخبر الذي ما توقعته أبدًا حين قال لي معتذرًا‪:‬‬
‫انتهى الحب‪ .‬وها أنا أرتعد عاريًا كجذع شجرة جرداء‪.‬‬
‫ل بانتظار ناصر عبد المولى‪ .‬سيحضر من ألمانيا‬
‫ لن أستطيع أن أراك غدًا‪ .‬سأكون مشغو ً‬‫للقامة عندي بعض الوقت‪ ..‬لكن إن شئت سنلتقي جميعًا بعد غد‪.‬‬
‫سألته غير مصدق‪:‬‬
‫ أي ناصر؟‬‫ ناصر‪ ..‬ابن الشهيد الطاهر عبد المولى‪ .‬أنت تدري أنه يقيم منذ سنتين في ألمانيا بعد أن اتهم‬‫بانتمائه لجماعة إسلمية مسلحة‪ .‬حصل على حق اللجوء السياسي هناك‪ .‬لكن ليس بإمكانه طبعًا‬
‫العودة إلى الجزائر ولذا سيحضر إلى باريس للقاء والدته التي لم يرها منذ سنتين‪ .‬التقيت به‬
‫ل في ألمانيا‪ ..‬واتفقنا أن يبرمج مجيئه إلى باريس عند استئجاري شقة كي يتمكن من القامة‬
‫مطو ً‬
‫عندي‪ ,‬فهو لسباب أمنية يفضل عدم القامة في الفندق‪.‬‬
‫وهكذا كان مراد يزف لي خبرين‪ :‬خبر مجيء ناصر‪ ,‬وحتمية مجيء أخته رفقة والدتها‪ .‬فلم يكن‬
‫من المعقول أن تأتي والدته بمفردها إلى باريس‪.‬‬
‫أذهلتني صاعقة المفاجأة‪.‬‬
‫أحقًا ستأتي تلك المرأة التي ما كان في مفكرة حياتي موعد معها؟‬
‫ستأتي ‪ ,‬بعدما لفرط انتظارها ما عدت أنتظر مجيئها‪.‬‬
‫سنتان من النقطاع‪ ,‬تمددت فيهما جثة الوقت بيننا‪ ,‬وجوارها شيء شبيه بجثتي‪ ,‬فقد أحببتها لحظة‬
‫دوار عشقي كمن يقفز في الفراغ دون أن يفتح مظلة الهبوط‪ ,‬ثم‪ ..‬تركتها كما أحببتها‪ ,‬كما يلقي‬
‫يائس بنفسه من جسر بدون النظر إلى أسفل‪ .‬أما كنت ابن قسنطينة حيث الجسور طريقة حياة‬
‫وطريقة موت‪ ..‬وحب!‬
‫تلك التي لم يتخل عنها يومًا رجل‪,‬تخليت عنها‪ ,‬خشية أن تتخلى هي عني‪ .‬كأنني القائل " رب‬
‫هجر قد كان من خوف هجر\ وفراق قد كان خوف فراق"‪.‬‬

‫أكثر إيلمًا من التخلي نفسه‪ ,‬خوفي الدائم من تخليها عني‪.‬‬
‫عكس العشاق الذين يستميتون دفاعًا عن مواقعهم ومكاسبهم العاطفية‪ ,‬عندما أغار أنسحب‪,‬‬
‫وأترك لمن أحب فرصة اختياري من جديد‪.‬‬
‫كنت رجل الخسارات الختيارية بامتياز‪ .‬ما كان لي أن أتقبل فكرة أن تهجرني امرأة إلى رجل‬
‫آخر‪.‬‬
‫أنا الذي لم أتقبل فكرة أن يكون أحد قد سبقني إليها‪ .‬كيف لي أن أطمئن إلى امرأة تزرع داخلي مع‬
‫ل من الشك‪.‬‬
‫كل كلمة حقو ً‬
‫أذكر يوم سألتني لول مرة إن كنت أحبها‪ ,‬أجبتها‪:‬‬
‫ ل أدري‪ ..‬ما أدريه أنني أخافك‪.‬‬‫في الواقع كنت أخاف التيه الذي سيلي حبها‪ ,‬فمثلها ل يمكن لرجل أن يحب بعدها دون أن‬
‫يقاصص نفسه بها‪.‬‬
‫يومها‪ ,‬فكرت أنني ل يمكن أن أواجه الخوف منها إل بالجهاز عليها هجرًا‪ .‬وكان ثمة احتمال‬
‫آخر‪ :‬اعتماد طريقتها في القتل الرحيم داخل كتاب جميل‪ .‬فقد حدث أن أهدتني ما يغري بالكتابة‪.‬‬
‫أشياء انتقتها بحرص أم على اختيار اللوازم المدرسية لطفلها يوم دخوله الول إلى المدرسة‪.‬‬
‫وكنت بعد موت عبد الحق بأسبوعين‪ ,‬صادفتها في مكتبة في قسنطينة تشتري ظروفًا وطوابع‬
‫بريدية لتبعث رسالة إلى ناصر في ألمانيا‪ .‬كانت تمسك بيدها دفترًا أسود‪ ,‬قالت مازحة إنها‬
‫اشترته لنه تحرش بها‪ .‬سألتني فجأة‪:‬‬
‫ل؟‬
‫ إن أهدينك إياه‪ ,‬هل ستكتب شيئًا جمي ً‬‫قلت‪:‬‬
‫ ل أظنني سأفعل‪ ..‬ستحتاجين إليه أكثر مني‪.‬‬‫لم تعر جوابي اهتمامًا‪ ,‬توجهت إلى البائع تطلب منه عدة أقلم سيالة من نوع معين‪ .‬قالت وهي‬
‫ل"‪ .‬فهل كانت تريد أن تستبقيني بكتاب‪,‬‬
‫تمدني بها " أريد منك كتابًا" كما لو قالت " أريد منك طف ً‬
‫كما تستبقي امرأة زوجًا بطفل؟ أم كانت تهيئني للفراق الطويل؟‬
‫سألتها متوجسًا مراوغة ما‪:‬‬
‫ ما مناسبة هذه الهدية؟‬‫ردت مازحة‪:‬‬
‫ بإمكاننا متى شئنا أن نخترع مناسبة ‪ .‬سأفترض أنه عيد ميلدك‪ ..‬إني ألدك متى شئت من‬‫المرات‪.‬‬
‫كانت المومة خدعتها الجميلة‪ ,‬كخدعة أبوتي لها‪.‬‬
‫أمدتني بالدفتر وقالت‪:‬‬
‫ ‪!Bon anniverssaire‬‬‫لم يكن بإمكانها أن تقول هذه المنية إل بالفرنسية أو بالفصحى‪ ..‬فليس في اللهجة الجزائرية‬
‫صيغة ول تعبير بإمكانك أن تتمنى به لحد عيد ميلد سعيدًا‪ .‬بينما تفيض هذه اللهجة بمفردات‬
‫التعازي والمواساة‪!.‬‬
‫ضحكت للفكرة‪ .‬وجدتها تصلح بداية لكتاب يشرع جزائري في كتابته يوم عيد ميلده‪ .‬لكنني لك‬
‫أكتب شيئًا على ذلك الدفتر الذي أهدتني إياه‪ ,‬والذي نسيت أمره عندما ذهبت للقامة في "‬
‫مازافران"‪ .‬ولم أعثر عليه إل منذ مدة قريبة‪ ,‬والصح أنني أنا الذي بحثت عنه‪.‬‬
‫لتكتب‪ ,‬ل يكفي أن يهديك أحد دفترًا وأقلمًا‪ ,‬بل ل بد أن يؤذيك أحد إلى حد الكتابة‪ .‬وماكنت‬
‫لستطيع كتابة هذا الكتاب‪ ,‬لول أنها زودتني بالحقد اللزم للكتابة‪ .‬فنحن ل نكتب كتابًا من أجل‬
‫أحد ‪ ,‬بل ضده‪.‬‬
‫دفترها أمامي‪ .‬وساعة يده في معصمي‪ .‬وكل هذا الوقت المكفن ببياض الورق في متناولي‪ .‬وأنا‬

‬ملفوفة بانسياب يغريك بالبحث عما تحت ثوبها‬ ‫الحجري‪.‬فنحن نكتب‬ ‫كما نمارس الحب‪ .‬بالشراسة نفسها‪ .‬فلم أجد فرانسواز‪ .‬أو أوامر من عينيك‪ .‬‬ ‫وأفهم أن يكون رودان قال إن لها القدرة على إلهاب الحواس لنها تمثل بهجة الحياة‪ .‬ذلك أنه يلزمني الكثير من الفحولة‬ ‫لمواجهة عري البياض‪ .‬‬ ‫كانت مثل أشياء ذلك البيت‪ .‬سوى أنه هو الذي اقتناها لنها أنثاه‪ .‬الندم‬ ‫الذي كان يدري أن الوحدة أفضل من سرير السوء‪ .‬‬ ‫لكن وحدها فينوس تعطيك الحساس أن الجمال كما الحب والبهجة‪ .‬ربما تكون نهضت باكرًا إلى المعهد‪.‬‬ ‫لكن كيف لك أن تلطف ورقة‪ .‬تبدو كأنثى تستيقظ من نعاسها الجميل على أهبة‬ ‫التبرعم النثوي الخير‪ .‬إنها أكثر منه عطبًا‪ .‬أكره كل أعضائي التي تأتمر بأمرها‪.‬ولكن ذلك لن يمنعها من أن تكون النثى الشهر والشهى‪.‬وتجامل قارئًا‪ .‬‬ ‫ويجهش جسدي سرًا بالبكاء‪ .‬ولكن بدون لهفة ول شغف‪ .‬والخر يعتقد أنها ل تمنحك نفسها إل‬ ‫بالمراودة‪ .‬تستيقظ بمزاج رائق كل صباح‪ .‬أو انعكاس ضوء منار بحري على البحر‪ .‬ثم أحزن وأكره يدي لساعات‪ .‬كانت في وقفتها‬ ‫تلك في ركن من الصالون بحجم امرأة حقيقية‪ .‬يؤثثها ذلك الصمت‬ ‫الذي يلي ضجة الجسد‪ .‬في الحلم‪ .‬عندما تكتب على إيقاع الموت لشخص ما عاد‬ ‫موجودًا‪ .‬كان الندم الجميل يأخذ حمامًا‪ .‬كانزلق ثوبها الحجري‪.‬كنت أصرخ باسمها‪.‬هي دائمة‬ ‫البتسام‪ .‬‬ ‫قررت أن أتناول قهوتي الصباحية مع فينوس‪ .‬وهي إلهة الحب والجمال‪ .‬لتسقط ملءتها أرضًا وتصبح‬ ‫امرأة‪.‬لم تتلوث برجل‪ .‬ومن تلك الحياة البيضاء التي‬ ‫تسبق الصورة‪.‬‬ ‫ما نفع العلم الذي يزيد الموات حزنًا!؟‬ ‫كانت حياتي مع فرانسواز قد بدأت هادئة وجميلة‪ .‬كالناقة التي ل تدر لبنًا إل بعد إبساس‪ .‬‬ ‫باليد إياها أكتب‪ .‬‬ ‫ذلك الضجر المتيقظ‪ .‬بالعنف نفسه أستحضرها على الورق‪ .‬مرة كل أسبوع!‬ ‫لأدري كم من الوقت قضيت في التباس جسدي معها‪ .‬كذاك الذي كنت‬ ‫أقضي ساعات في تأمله‪ .‬لنها‪ .‬الندم المدفون تحت الكلمات‪.‬تلك الخيبة الصامتة‪ ..‬مصرًا على إخباره بما حدث‪.‬النثى الوحيدة الموجودة بالبيت‪ .‬كي يقنع نفسه أنه ليس نادمًا على ما ليس‬ ‫حبًا!‬ ‫استيقظن في اليوم التالي‪ .‬‬ .‬فيقضي أعوامًا في ملطفتها من أجل إنجاز‬ ‫كتاب‪.‬لن يعرف كيف يقارب ورقة‪ ..‬في انتظار أن‬ ‫يتكرم عليها صاحب البيت بالسقاية‪ .‬فمن عادة النوم أن يثرثر كثيرًا قبل الحب وبعده‪ .‬تخفي نصف الحقيقة‪ ..‬في ليل " مازافران"‪..‬كان يأتي اشتهائي إياها‬ ‫عنيفًا لنني أرفضها في اليقظة‪ .‬ومن لم ينجح في مقاربة أنثى‪ .‬يخلق عنده وقتًا للحلم‪ .‬أو‬ ‫حركة الريح العابثة بستائر نافذة‪ .‬وعندما كان ينتهي ذلك الفسق الحلمي‪ .‬‬ ‫في حياة المصور كثير من الوقت الصامت‪ .‬تنتظر لهفة يديك‪ .‬ولذا بإمكانه أن يقضي ساعة في تأمل شجرة‪ .‬من الساعات المهملة‪ .‬‬ ‫كل صباح‪ .‬إنها‬ ‫أنثى بشهوات مترفعة!‬ ‫حتمًا هي أسعد من نساء يقضين عمرهن كشجرة المطاط التي تزين الصالون‪ .‬يدخن سيجارة‪ .‬البعض يأخذ الكتابة عنوة كيفما اتفق‪ .‬كان يلهو باختبار سرير جديد‪ .‬‬ ‫أنت لن تعرف شيئًا عنها‪ .‬كما ليكذب‬ ‫ندمه‪ .‬والمرأة التي بإمكانه أن يعيش‬ ‫معها بدون عقد‪.‬أجيل نظري في جغرافية رغباتها؟ أتأمل‬ ‫جمالية أنوثة تحيط كل شيء فيها بلغز‪.‬يضع قبلة على الشفتين الشاحبتين‪ .‫أكتب عنها كما كنت أمارس الحب سرًا معها‪ .

‬هي لن تقول أكثر‪.‬وتأملت الحياة‪.‬ل تستطيع أن تفرق بين الهويات‪ ..‬‬ ‫أخذت حمامًا‪ .‬وحده شكي يرى‪..‬إن توقفت عن الركض قلي ً‬ ‫ولذا‪ .‬‬ ‫ل كل مكان قد يكون عنى له شيئًا‪ .‬بإمكاني أن أكون واثقًا على القل‬ ‫من أنهما وقفا هنا ذات مطر‪.‬مقتفيًا أثره‬ .‬‬ ‫ماجدوى أن أنتزع منها اعترافات مخادعة؟‬ ‫حيث أنا قريب منها غريب عليها‪ .‬وحينًا من ذاكرة الحرمان‪.‬ول أشك سوى في النوايا الطيبة للجسور‪ .‬‬ ‫لم أحاول استنطاقها بعد ذلك‪ .‬‬ ‫لست عاتبًا على نهر " السين" ول أنا على خلف معه‪ .‬كان ذلك الوقت الصباحي الذي قضيته معها‪ .‬أجمع غباره في الشوارع‪ .‬‬ ‫كما اليوم‪ .‬وأنه قّبلها طوي ً‬ ‫أما زال الجسر يذكر قبلة جزائريين ائتمناه على حبهما؟ وتحت قدميه البديتين يجري نهر لم‬ ‫يؤتمن على أرواح الجزائريين ذات أكتوبر ‪ 1961‬عندما طفت عشرات الجثث التي ألقيت إليه‬ ‫مكبلة؟‬ ‫لو أن للسين ذاكرة لغير الحزن مجراه‪.‬‬ ‫ل هنا على مرأى من الجسر‪ .‬فعندما أعطت الثورة الفرنسية اسم أحد خطبائها لجسر‪ .‬‬ ‫بعد ساعة من الذهول الشارد أمامها تركت فينوس وخرجت إلى الشرفة أكتشف المنظر وألقي‬ ‫تحية الصباح على " جسر ميرابو"‪.‬‬ ‫ميرابو الذي وقف في البرلمان الفرنسي ليقول جملته الشهيرة " نحن هنا بإرادة الشعب ولن نغادر‬ ‫إل على أسنة الرماح"‪ .‬كما لو كانت دلي ً‬ ‫كنت أختبر الفتتان ببطل رواية‪ .‬لن أرى شيئًا‪ .‬حيث أحل تطل‬ ‫شرفتي على فاجعة‪ .‬كمن لفرط جوعه ل يعرف الجلوس إلى مائدة‬ ‫الحياة العامرة‪ .‬فقدت حتى تلقائية فهم أنني أثناء استنطاقها‬ ‫أصبحت بعض ذاكرتها‪ .‬أجمل من وقت ليلي قضيته مع غيرها‪.‬فذاكرة المياه المحملة عبر العصور بجثث‬ ‫من كل الجناس‪ ...‬سائ ً‬ ‫ل سياحيًا لمعالم سبقني إلى زيارتها‪.‬كان في المر خدعة ما‪.‬وأسطو على سحره متماهيًا معه حيث أمر‪.‬‬ ‫استنادًا إلى رواية تلك الكاتبة التي ل تصدق إل في الروايات‪ .‬كما لو كنت هو‪ .‬ذلك أنني مذ دخلت بيته استعاد‬ ‫زيان اسمه الول‪ .‬وجثث الجزائريين الذين ألقوا إليه على مسافة قرنين‬ ‫بتهمتها‪.‬أصنع تعاستي من ذاكرة الفقدان حينًا‪ .‬‬ ‫جميعها دفعتها في اتجاه المصب‪.‬أم أتشمم رائحة حب؟‬ ‫كانت المسافات تبدو واهية بيني وبينه‪ .‬ونزلت أكتشف الحي الذي أقام فيه خالد لسنوات‪ .‬أكان يدري أنه بعد قرنين سيكون شاهدًا على حرب ضد إرادة شعب‬ ‫آخر؟‬ ‫أغلقت النافذة‪ .‬‬ ‫أشياء قد تكون عند قدميك‪ .‬‬ ‫أفهم عجز خالد في تلك الرواية على إقامة علقة ود مع هذا المنظر الجميل‪..‬‬ ‫أكنت أتعقب آثار رجل‪ .‬‬ ‫في خلوتي الولى بالشياء فقدت القدرة على رؤيتها‪ .‬ول يمكنها التمييز بين جثث الفرنسيين الذي‬ ‫ألقوا سنة ‪ 1789‬إلى هذا النهر باسم الثورة‪ .‬‬ ‫بتلك الرواية‪ .‬كنت أتسقط أخباره‪.‫ل‪ .‬وإذ بي حتى هنا في باريس‪ .‬وإذ بي الشيء العابر بها ‪ .‬متقصيًا‪ .‬لقد شيأتني‪ .‬كغيري‪ .‬أحيانًا كنت أعيش المواقف‪ .‬كأبطال بول إستر الذين يلتقطون دائمًا شيئًا من الطرقات‪ .‬مستعينًا‬ ‫أتعقب آثاره‪ .‬ككل الشياء الشامتة صمتًا في ذلك البيت‪ .‬‬ ‫اثنا عشر ألف معتقل فاضت بهم الملعب والسجون‪ .‬بعد أن قرأ عليها شيئًا من قصيدة السياب‪.‬وستمئة مفقود وغريق توقف قدرهم فوق‬ ‫الجسور الكثيرة التي لم تول النظر لجثثهم الطافية وهي تعبر تحتها‪.‬شكي في الشعارات الكبيرة‬ ‫للثورات‪ .‬وهي الكائن المقيم‬ ‫الثابت الشاهد علي‪.‬غير دار أين أمضي بقاطرة عمري المزدحمة بأحزان الخرين‪ .‬‬ ‫أنا أثق في براءة النهار‪ .

‬وابتسامة أدركت بعدها أن نصفها‬ ‫تهكم صامت‪ .‬واضعًا شيئًا من اللوان بيننا‪.‬‬ ‫ أه ً‬‫لم أعرف بأي اسم ول بأية صيغة أناديه كي أرد سلمه‪ .‬‬ ‫كان يرتدي هم العمر بأناقة‪.‬كنت أضاجع نساءه في سرير كان سريره‪ .‬لفرط ازدرائه للحياة‪.‬‬ ‫ذلك أن أبطال الروايات غالبًا ما يمرضون‪ .‬ترك آثاره على غمازة كأخدود نحتها الزمن على الجانب اليمن من فمه‪..‬فكل غرف‬ ‫المرضى رقم في مملكة البياض‪..‬‬ ‫نهض يسلم علي بحفاوة‪ .‬‬ ‫بدون أن تكون غرفته تحمل الرقم ‪ .‬‬ ‫الفصل الخامس‬ ‫اشتريت باقة ورد وقصدته‪..‬أيًا كان نوعية العلقة التي ستتم بعده‪ .‬وتوقظ غيرة عاشق أدركه الحب في سن الشك‪.‬‬ ‫هو حدث في حياتي‪ .‬فاكتفيت باحتضانه مرددًا‪:‬‬ ‫ل‪ .‬وفي المساء أخلد إلى النوم على سرير ترك عليه بعض‬ ‫ل في تلك المرأة نفسها التي منعته منذ سنوات من النوم‪..‬سأضع اليوم يدي على مكمن‬ ‫سرها‪ .‬أعطي‬ ‫مواعيد في المقهى الذي كان يرتاده‪ .‬حمد ال ع سلمتك‪.‬‬ ‫تحاشيت اللون البيض‪ .‬تفاديت أيضًا أناقة‬ ‫تجعلني أبدو أقل لياقة في حضرة مرضه‪ .‬وعلي أن أستعد له بذلك القدر من الحيطة العاطفية‪ .‬وكثيرًا من أرقي‪ .‬والنتائج التي ستنجم عنه‪.‬حتى يصدق ذريعتي لزيارته‪ .‬‬ ‫كان في ضيافة البياض‪ .‬‬ ‫كان وسيمًا‪ .‬وشعر على رماديته ما زال يطغى عليه السواد‪ .‬ونظرة منهكة‪ .‬لرجل أحبته النساء‪ .‬إنه ل يليق برسام كرس حياته للغاء هذا اللون‪ .‬خاصة أن توقيعها‬ ‫يحمل اسم خالد بن طوبال‪.‬‬ ‫ولم أنس أن أحضر له معي بعض مقالتي‪ . 8‬كان فيها شيء يذكرك بآخر ديوان لمل دنقل‪ .‬تلك الوسامة القسنطينية المهربة منذ قرون في جينات الندلسيين‪ .‬‬ ‫متسائ ً‬ ‫جلس قبالتي‪ .‬بحاجبين سميكين‬ ‫بعض الشيء‪ ..‬بسبب مؤلفيهم!‬ ‫كنت أعي أن موعدي مع زيان‪ .‬ولو على سرير‬ ‫المرض‪.‬أجالس أنثاه الرخامية المفضلة‪ .‬‬ ‫رائحته‪ .‬حتى ل أفسده بعد أن‬ ‫أخذ مني المر شهرًا في مطاردة فرانسواز لقناعها بضرورة أن أتعرف عليه‪ ..‬‬ .‬تفضل‪.‬ما زلت على لهفة النتظار ويأس اللقاء‪.‬‬ ‫وكانت له عينان طاعنتان في الغراء‪ .‫في السرة والشوارع والمعارض والمقاهي‪ .‬أحتسي قهوة أعددتها في‬ ‫مطبخه‪ .‬أتأمل جسر ميرابو من شرفة بيته‪ .‬‬ ‫تلك المرأة التي بذريعة تعقب غيرها ما كنت أقتفي أثر سواها‪ .‬أفكر طوي ً‬ ‫أليس المر غريبًا حقًا؟‬ ‫لسباب أجهلها‪ .‬‬ ‫" كان نقاب الطباء أبيض‪ /‬لون المعاطف أبيض‪ /‬تاج الحكيمات أبيض‪ /‬أردية الراهبات‪/‬‬ ‫الملءات‪ /‬لون السرة‪ /‬أربطة الشاش والقطن‪ /‬قرص المنوم‪ /‬أنبوبة المصل‪ /‬كوب اللبن"‪.‬فقد أهدتني مصادفات الحياة الموجعة موعدًا مع رجل ينام في سرير بمستشفى)‪Ville‬‬ ‫‪ ( juive‬ادعت أنه ل يوجد سوى في كتابها‪.‬‬ ‫ أه ً‬‫ل ماذا تكون فرانسواز قالت له ليستقبلني بهذه الحرارة‪.‬‬ ‫ل خالد‪ .‬لكن بابتسامة سمراء وطلة مضيئة كألوان قزح بعد ظهيرة توقف فيها‬ ‫المطر‪.‬ها هو إذن‪.

‬دائمًا‪ ...‬بين مجاهدي الساعة الخيرة‪ .‬كانت أسئلته أجوبة مغلقة ل إضافة لك عليها‪ .‬مسرع به الخريف‪ .‬وهو لهذا يبتسم‪ .‬اليوم بالنسبة لي‪ ..‬‬ ‫معك حوارًا جمي ً‬ ‫قال مبتسمًا‪:‬‬ ‫ أعتقد ذلك أيضًا‪ .‬وشهداء ربع الساعة‬ ‫الخيرة‪ ..‬أتدري عبثية منظر الشهيد الخير‪ .‬والذين لن يأتي على‬ ‫ذكرهم أحد‪ .‬‬ ‫فاجأني المنطلق العكسي الذي بدأ به حوارنا‪ ..‬ونشترك في حب الكثير من‬‫الشياء‪.‬أو أنانيًا‪ .‬عبر التاريخ‪ .‬في المعركة الخيرة‪ .‫كم عمره؟ ل يهم‪ .‬حاولت مسايرة وجهته‪:‬‬ ‫ لكنك توافق من يقول إن الثورات يخطط لها الدهاة‪ .‬يبدو في أوج جاذبيته‪ .‬أو انتهازيًا تسابق الموت‬ ‫على سرقة أسراره‪.‬جاذبية من يعرف الكثير لنه خسر الكثير‪.‬فبتصحيح هذه‬‫المقولة القابلة للمراجعة في كل عمر‪ .‬وينفذها البطال ويجني ثمارها الجبناء؟‬‫ابتسم وأصلح من جلسته وكأن الحوار أصبح فجأة يعنيه‪ .‬‬ ‫كيف تطرق ذاكرة ذلك الرجل طرقًا خفيفًا؟ كيف تأخذ منه أجوبة عن أسئلة لن تطرحها‪ .‬ربما كان يعني بها ‪ .‬إنه منتصف اليأس الجميل‪ .‬‬‫رد مازحًا‪:‬‬ ‫ص على الشفاء‪.‬عندما يتعانق الطرفان في‬ ‫حضرته؟ فوق جثة آخر شهيد تبرم أول صفقة‪.‬‬ ‫بقيت ملزمًا صمتي‪ .‬وتلك المعارك هي التي‬ ‫يستبسل فيها الناس البسطاء النكرة الذين يصنعون أسطورة النصر الكبير‪ .‬ثم عندما فوجئت بوجودك في‬‫باريس طلبت من فرانسواز أن تجمعني بك‪ .‬آسف أن يتم لقاؤنا في المستشفى‪ .‬‬ ‫قلت وأنا أستأذنه فتح المسجل كي أعطي رسمية للقاء‪:‬‬ ‫ تعنيني ذاكرتك كثيرًا‪ .‬‬ ‫على الكرسي المقابل لسريره العالي صغرت‪ .‬ل وجود إل للبطولت الصغيرة‪ .‬فأنا بمناسبة مرور ذكرى ثورة نوفمبر أعد مجموعة‬ ‫حوارات مطولة مع شخصيات جزائرية ساهمت في حرب التحرير‪ .‬ل عدالة في ثورات تتسلى‬ ‫القدار بقسمة أنصبتها‪ ..‬ولن يسألهم صحافي على سرير المرض عن ماضيهم‪.‬ل بسلحك ول بعضلتك‪ .‬‬ ‫قلت كمن يعتذر‪:‬‬ ‫ تمنيت هذا الموعد كثيرًا‪ .‬‬ ‫لم أكن أعرف عنه لحظتها ما يكفي لدرك أنه اكتسب منذ زمن حدس الحقيقة‪ .‬لي إحساس أنني سأنجز‬ ‫ل‪.‬البطولت الكبيرة أساطير نختلقها‬‫ل حقًا‪.‬ثم رد بعد شيء من الصمت‪:‬‬ ‫ إن كان لي أن أختصر تجربتي في هذه الثورة التي عايشت جميع مراحلها‪ .‬في الموت والغنيمة‪ .‬وينتظره صقيع الشتاء‪ .‬وأن " الشياء" هنا‪ .‬بدون أن تبدو غبيًا‪ .‬الثورة تخطط له القدار وينفذها الغبياء‬ ‫ويجني ثمارها السراق‪ .‬بي صبر مستع ٍ‬‫قلت‪:‬‬ ‫ بدءًا‪ .‬‬‫ماذا بقي لك من ذكرى رجالت وأبطال تلك الحقبة؟‬ ‫رد مازحًا‪:‬‬ ‫ أنت تلحق ذاكرة مضللة‪ .‬فأنت خضت حرب التحرير وعايشت معارك وبطولت تلك الفترة‪.‬لنا الهتمامات ذاتها‪ ..‬حدثت الشياء هكذا‪ .‬لكنني كنت أبحث عن مدخل‬ .‬‬ ‫وهذا سأفهمه لحقًا‪..‬النساء‪.‬إن شاء ال صحتك في تحسن‪.‬فنحن حسب ما بلغني ‪ .‬وتدرب على فن‬ ‫التغابي الذكي‪ .‬منتصف‬ ‫الموت الول‪ .‬وتعلمت الجلوس خلف المنضدة المنخفضة للسؤال‪.‬‬ ‫أكبر المعارك تخوضها ببسالة الضمير‪ .‬أنا أحب أعمالك الفنية ولي تواطؤ مع كثير من لوحاتك‪ .‬ولكنك‬ ‫جئت بذريعتها؟‬ ‫كيف تفتح نافذة الكلم في غرفة مريض‪ .‬‬ ‫ ل تهتم‪.

‬وكانت تلك فجيعة حياة نضالية محكوم عليها بالنضباط والجدية‪ ..‬‬‫أجاب بنبرة ساخرة‪:‬‬ ‫ ذاك الحق ل تكتسبه بموهبتك وإنما بحكم الشيخوخة والمرض‪ ..‬ول حتى جريمة قتل الرفاق‪ .‬بل هو يمتد في بعض الوقات إلى‬ .‬ولذا تذهب نحو الغربة لتكتشف شيئًا‪ .‬قلت معلقًا‪:‬‬ ‫ إنها الحياة‪ ..‬أنت الذي قضيت عمرًا تتحدث بصيغة‬ ‫الجمع‪ .‬والموت من أجل هدف واحد‪.‬تصبح من جديد "أنا" لن الجميع انفضوا من حولك‪.‬عندما تبلغ هذا السرير الخير‪.‬أي ماض كان ماضيك؟‬‫أجاب ساخرًا‪ ..‬كل يتخلى عن قناعاته حيث استطاع‪ .‬وأنك آخر من ينزل‪ .‬كيف عشت تلك البدايات‪ .‬عساني أعرف إن كان له ماض يطابق ماضي خالد في تلك الرواية‪ .‬كمحارب عجوز بدأ يستخف بانتصاراته‪:‬‬ ‫ل للحلم القديمة غير المحققة‪ .‬أحب التحدث عن الماضي بصيغة الجمع‪ .‬‬ ‫لم أقاطع صمته بكلمة‪ .‬ولكن‬ ‫ماذا بإمكانك أن تفعل إن كنت لم تولد على أيام القطارات السريعة!‬ ‫كان الحوار يمضي بنا إلى حيث يوصلنا كلمه‪ .‬‬ ‫لم تكن تنقصنا أحيانًا النانية‪ .‬فسألته‪:‬‬ ‫ والغربة‪ .‬كانت‬ ‫تنقصنا السخرية‪ ..‬كل يواجهها بما استطاع‪.‬كما لو أنه استطرد صمتًا‪ .‬وحده يعاني من "ظاهرة الطراف‬‫الخفية" إحساس ينتابه بأن العضو المبتور ما زال موجودًا‪ .‬هذا أمر ل يفهمه إل من فقد أحد أطرافه‪ .‬ول الوصولية‪ .‬‬ ‫ وبماذا انكشفت؟‬‫ انكشفت بعاهتي‪ .‬وفصاحة التهكم‪ .‬وتدري أنك مسافر فيه عمرًا واقفًا ‪ .‬ل لهميتك ول لهمية كرسي تجلس عليه‪ .‬ازداد الصقيع في داخلك‪ .‬تركب القطار البخاري للرفض‪ .‬سلكت إليه‬ ‫طريقًا متعرجًا‪:‬‬ ‫ وأنت‪ .‬في ماضي‬ ‫ إجل ً‬‫المغفلين الذي كان عيبًا فيه أن تقول " أنا" نسيت أن أكون أنا‪ .‬ليواصل الحديث إلى نفسه عن أشياء ل تريد‬ ‫البوح بها‪.‬أم كان يعرف بعاهتي؟‬ ‫ل كلمه‪:‬‬ ‫أردف مواص ً‬ ‫ أنت لن تفهم هذا‪ .‬فتنكشف باغترابك‪.‬لنها في كل ما‬ ‫تعطيك تعيدك إلى حرمانك الول‪ .‬من‬ ‫الطبيعي أن يتحدث أي زعيم عصابة عن نفسه بصيغة الجمع!‬ ‫قال جملته الخيرة وهو يضحك‪.‬الحزن الذي أكسبه بلغة الصمت‪ .‬‬‫صمت فجأة عن الحديث‪ ..‬‬ ‫عليك أن تتدرب على الكلم بالمفرد‪ .‬بل بما يوجد في أطرافها ول تراه‪.‬لن " النا" لم تكن موجودة على أيام‬ ‫جيلك‪ .‬فبجسارة اللصوص‪ .‬‬ ‫قلت لعيده إلى الحديث عن نفسه‪:‬‬ ‫ لكن اسمك كأحد كبار رسامي الجزائر يعطيك حق أن تكون فردًا ومتفردًا‪.‬كأنه استشعر عاهتي غير الظاهرة‪ .‬أما اليوم‪ .‬قصاص الغربة‪ ..‬‬‫قال‪:‬‬ ‫ تقصد‪ .‬‬ ‫ولذا أوصلني القهر إلى هنا!‬ ‫لم أعرف كيف أواصل الحديث إليه‪ .‬أية محطة تمثل في رحلتك؟‬‫قال‪:‬‬ ‫ الغربة ليست محطة‪ ..‬رأيته يتأمل ذراعي اليسرى‪ .‬منذ زمن وأنا أعاني من نقص في كريات الضحك‪.‬كان جيل الحلم الجماعية‪ .‬بلد كلما احتضنك‪ ...‫يوصلني إليه‪ ..‬والتفكير بالمفرد‪ .‬ول الخيانة‪ .‬وترى رفاقك‬‫خلسة يترجلون الواحد بعد الخر‪ .‬يكمن في‬‫كونها تنقص منك ما جئت تأخذ منها‪ .‬إنها قاطرة أركبها حتى الوصول الخير‪ .‬بحيث كان إن‬ ‫ضحك أدركت أنه يدعوك إلى مشاركته البكاء‪.‬ل بهذه التي تراها‪ ..‬مما جعل‬ ‫الذكاء والحلم على أيامنا ضربًا من التمرد‪ .‬‬‫تعود كما كنت بدءًا‪ :‬وحيدًا وأعزل‪ .‬أكان‬ ‫يملك حدس المعوقين‪ .‬‬ ‫كان له جمالية الحزن الهادئ‪ .‬ولكن ‪ .

‬الكتابة هي التجذيف بيد واحدة" وبرغم هذا هي ليست في‬‫متناولي‪ ..‬لقد خلق ليكون كائنًا روائيًا‪.‬‬ ‫فقد كانت حياة كلما سألتها خلل السنتين اللتين قضيناهما معًا لماذا ل تكتب؟ أجابت " الكتابة‬ ‫إعمال قطيعة مع الحب وعلج كيماوي للشفاء منه‪ ..‬في حب لغته‪ .‬وأدركت أن تكون حياة قد‬ ‫أحبته إلى ذلك الحد‪ .‬فيزداد صقيع أطرافنا‪ ....‬‬ ‫كان يختصر لي حياته من خلل السيرة الذاتية ليد أصبحت ليتمها " ذاكرة جسد"‪ .‬ربما لنك كي تبحر ل بد أن يكون لك مرفأ تبحر نحوه‪.‬بدخول امرأة جديدة في حياته‪ .‬‬ ‫ول وجهة لي‪ .‬ول أحد غيرنا يراهم‪ .‬لنها تشع من داخله‪ .‬هناك حيث تبدأ‬ ‫خساراتنا المشتركة‪.‬‬ ‫وربما كانت كل مرحلة فنية عنده‪ .‬في حب استعلئه على اللم وانتقائه معزوفة وجعه‪ .‬‬ ‫قال وهو يتصفح مقالتي‪:‬‬ ‫ تدري؟ أحسد كل من يكتب‪ " .‬ل تنغش بهيئتي‪ .‬وسيلة الضعفاء أمام الحياة لدفع الذى المقبل‪ ...‬وربما كانت الكتابة عكس ذلك‪.‬‬ ‫أمدني اعترافه هذا بموجز عن نشرته العاطفية‪ .‬كل الذين أحببتهم ماتوا‬ ‫بقصاص أحلمهم!‬ .‬كما يعيش وطن‪.‬بدخول امرأة جديدة في حياته‪.‬ويشعر بحاجة إلى حكه‪ .‬غيابهم ل يعني‬ ‫اختفاءهم‪ .‬وننفضح بهم بردًا!‬ ‫سرت في جسدي قشعريرة كلمات قالها بهدوء كمن يتسلى بإطلق النار على نفسه‪ .‬‬ ‫يا إلهي‪ .‬أو في تقبيل ذلك الطرف المعطوب من ذراعه‪ .‬في‬ ‫حب وسامة تبتكر جمالها كل لحظة بدون جهد‪ .‬هو ليس معلمًا‪ .‬أنا رجل سعيد‪ .‬كيف أعتقد أنني ل أفهم هذا؟‬ ‫شعرت برغبة في البكاء‪ .‬ذلك أنني تذكرت قول بيكاسو " أن تعود إلى‬ ‫الرسم أي أن تعود إلى الحب" فقد ارتبطت كل مرحلة فنية عنده‪ .‬والوطان التي غادرناها والشخاص الذين اقتلعوا منا‪ .‫كامل الجسد‪ .‬‬ ‫كما تعيش امرأة‪ .‬‬ ‫قلت‪:‬‬ ‫ مؤسف حقًا‪ .‬‬‫وفي صيغته التساؤلية تلك يكمن جوابه‪ ..‬إنه يتم‬ ‫العضاء‪ .‬فيأخذه‬ ‫كان دائم التنبه إلى جرس الكلمات‪ .‬فيصيبك‪.‬وأنا ما عدت أحتاجها لنني‬‫استقويت بخساراتي‪ .‬وإلى ما يضيفه الصمت لجملة‪ ..‬بصوت أقل نبرة‬ ‫من صوتك‪ .‬أو تقليم أظافر يد ل توجد!‬ ‫كذلك الشياء التي فقدناها‪ .‬هو فقط رجل يسخر كبورخيس‪ .‬تطرح عليه سؤا ً‬ ‫منك ويصوغه في سؤال آخر‪ .‬لكن بقلم الرصاص دائمًا‪ ..‬القوى هو الذي ل يملك شيئا ليخسره‪ .‬سأكتب عندما نفترق"‪.‬أل تكون قد رسمت كل هذه الفترة‪.‬إنهم يتحركون في أعصاب نهايات أطرافنا المبتورة‪ .‬كما يعيش صديق رحل‪ .‬حتى الرسم توقفت عن ممارسته منذ سنتين‪.‬إنه خالد!‬ ‫وقعت في حب ذلك الرجل‪ .‬يعيشون فينا‪ .‬ل قلم أحمر في حوزته‪ .‬هو يصححك‪ .‬أن تعلق خوفك على المشجب‪ .‬وأن تقلع عن الحلم‪ .‬‬ ‫عليك في مساء الحياة أن تخلع هم العمر كما تخلع بدلة نهارك أو تخلع ذراعك أو أعضاءك‬ ‫الصطناعية‪ .‬‬ ‫ل‪ .‬وفي الغربة يسكنوننا ول‬ ‫يساكنوننا‪ .‬يملك تلك‬ ‫"الحقيقة الهزلية" التي تجعل من مجالسته متعة لم تعرفها من قبل‪.‬يبدأ غالبًا بقوله‪:‬‬ ‫ تقصد‪.‬إنه يؤلمه‪ .‬لم‬ ‫يحدث أن كنت على هذا القدر من الخفة والستخفاف بما كان مهمًا قبل اليوم‪.‬‬‫أجاب‪:‬‬ ‫ الرسم كما الكتابة‪ .‬لقد فقدت الرغبة في البحار‪ .

‬عندما تغادر وطنك‪ .‬لنه خفيف ومفلس‪ .‬آخر صديق‬‫فقدته كان شاعرًا فلسطينيًا توفي منذ سنوات في بيروت أثناء الجتياح السرائيلي‪ .‬معه مات شيء مني‪ .‬والذي سيعاديك لن ضوءك كشف عيوبه‪ .‬إنه زمن حقير‪ .‬وهذا في حد ذاته مأساة بالنسبة لرجل مثلي حارب لثلث سنوات جيوش فرنسا في‬ ‫الجبال‪ .‬ما زالت في حوزتي‪.‬النجاح كما الفشل‪ .‬والذي حين فشل في أن‬ ‫ينجح‪ .‬‬ ‫سألته‪:‬‬ ‫ أل تخشى أل يبقى لك صديق بعد هذا؟‬‫ضحك‪:‬‬ ‫ ما كان لي صديق لخسره‪ ..‬والعدو المنافق الذي كان يدعي‬ ‫أمامه الغباء‪.‬ولذا ل‬ ‫بد أن تعذر من تنكر لك‪ .‫أدركت فجأة سر جاذبيته‪ .‬حتى قامات العداء‬ ‫تقزمت‪ .‬إني صديق الجميع ولكن ل صديق لي‪ .‬والجار الذي كان يجامله اللحية‬ ‫عن خوف‪ .‬فالمصورون أبناء الصبر‪!.‬نذر حياته لثبات عدم شرعية نجاحك‪.‬أصدقائي سقطوا من القطار‪ ..‬‬ ‫ول تستطيع إل أن تحسده‪ ..‬عندما أغادر المستشفى‪.‬وآخر أصبح عدوك لفرط ما‬ ‫أحسنت إليه " ثمة خدمات كبيرة إلى الحد الذي ل يمكن الرد عليها بغير نكران الجميل"‪ .‬‬ ‫وبإمكانه أن يقول لكل من يصادفه من معارف ما لم يجرؤ على قوله من قبل‪.‬كما عاش من قبل‪.‬لم أجد أحدًا‬ ‫بعده ليشغل تلك المساحة الجميلة التي كان يملها داخلي‪ .‬‬ ‫سأطلعك على بعض قصائده‪ .‬فالرسامون حسب أحدهم " أبناء الصمت"‪.‬‬ ‫الناس تحسدك دائمًا على شيء ل يستحق الحسد‪ .‬ما وجدت من‬ ‫يتطابق مع مزاجي ووجعي‪.‬‬ ‫وهو يدرك جماله كلما فاجأ نفسه يتصرف محتكمًا لمزاجه‪ .‬أصبح همي العثور على أعداء كبار أكبر بهم‪ .‬عندما ما عاد لديه ما يخسره أو يخاف‬ ‫عليه‪.‬‬ ‫البعض تبدو لك صداقته ثمينة وهو جاهز ليتخلى عنك مقابل ‪ 500‬فرنك يكسبها من مقال يشتمك‬ ‫فيه‪ ..‬والصديق الذي كان يسكت عن اختلساته عن حياء‪ .‬تولي ظهرك‬‫لشجرة كانت صديقة‪ .‬وتعكر عليك حياتك‪ .‬خفته اكتسبها مما أثق به الناس أنفسهم من نفاق‪.‬كانت تكمن في كونه أصبح حرًا‪ .‬اختبار جيد لمن حولك‪ ..‬أصغر من أن تكون صالحة للعداوة‪.‬عادة أنا ضنين في الكلم‪ .‬كأنما التشرد مكسب وعليك أن تدفع ضريبته نقدًا وحقدًا‪ .‬تلك الضفادع الصغيرة التي‬‫تنقنق تحت نافذتك وتستدرجك إلى منازلتها في مستنقع‪ .‬‬ ‫لكنها تشوش عليك وتمنعك من العمل‪ ..‬‬ ‫ل ثم أضاف‪:‬‬ ‫سكت قلي ً‬ ‫ تدري؟ هذه أول مرة أتحدث فيها هكذا لحد‪ .‬حتى على الغربة‬ ‫يحسدونك‪ .‬‬ ‫كرأيه في الرسام غير الموهوب الذي كان ينافقه مادحًا أعماله‪ ..‬لقد كان في عمرك تقريبًا ووسيم‬‫هكذا مثلك‪ .‬أنا موجود دائمًا لكل من يحتاجني‪ .‬وكان شاعرًا غير معروف ولكنه مذهل في انتقائه الكلمات‪ .‬وأنا رجل يحب أن يدفع‬ ‫ليخسر صديقًا‪ .‬وآخر يستدين منك مبلغًا ل يحتاجه وإنما يغتبط لحرمانك منه‪ .‬ماذا تستطيع ضد النفس البشرية؟‬ ‫ وكيف تعيش بدون أصدقاء؟‬‫ ل حاجة لي إليهم‪ .‬‬‫قلت وأنا أمازحه‪:‬‬ ‫ ل تهتم‪ .‬لن متاعهم هو سقط متاعك‪ .‬ل لحكم الخرين‪ .‬يعنيني كثيرًا أن أختبر الناس وأعرف كم أساوي في بورصة نخاستهم العاطفية‪.‬كيف تريدني أن أنازل اليوم ضآلة يترفع سيفك عن منازلتها؟‬ ‫ أنت إذن تعيش وحيدًا؟‬‫رد مبتسمًا‪:‬‬ ‫ أبدًا‪ .‬‬ ‫قال فجأة كمن يعتذر‪:‬‬ ‫ قد أكون تحدثت كثيرًا‪ .‬للذي‬ ‫سيتقرب منك ليسرق ضوءك‪ ..‬‬‫قال وقد أضاءت وجهه ابتسامة‪:‬‬ .‬ولصديق كان عدوًا‪ .‬لكأنك تذكرني به‪ .

‬ها نحن نتواعد في عواصم الحزن وضواحي الخوف الباريسي‪.‬‬ ‫كل ما أدريه أنني مذ غادرت الجزائر ما عدت ذلك الصحافي ول المصور الذي كنته‪ .‬أنت ل تكفن سوى نفسك بذا أو ذاك‪.‬ولن البعض صنع من الوطن ملكًا عقاريًا لولده‪.‬قلت‪:‬‬ ‫ ل ‪ .‬كمن سبقني إلى ذلك الرجل‪ .‬لن أباه لم يورثه شيئًا عدا اسمه‪ .‬‬ ‫سألتني إن كنت أفرغ الشريط قصد كتابة المقال‪ .‬‬ ‫أكان في المر وما سيليه من مصادفات أخرى‪ .‬‬ ‫عندما عادت فرانسواز إلى البيت‪ ..‬‬ ‫وأدار البلد كما يدير مزرعة عائلية تربي في خرائبها القتلة‪ .‬أنا لست كاتبًا‪ .‬ما التقيت بكاتب إل وأغريته بأن يلملم أشلء ذاكرتي في‬‫كتاب!‬ ‫استنتجت أنه يعنيها‪ ..‬ول توقعت يومها أنني ‪ .‬‬ ‫تركته للبياض‪ .‬مصادفة حقًا؟‬ ‫" المصادفة هي المضاء الذي يوقع به ال مشيئته"‪ .‬الكتابة تكفين الوقت بالورق البيض‪ .‬ضمني بحرارة إليه‪ .‬‬ ‫وكان في تقاطع أقدارنا في تلك النقطة من العالم أمر مذهل في تزامنه‪ .‬سأرتق أسمال‬ ‫ثوب ذاكرته في كتاب!‬ ‫***‬ ‫دفع واحدة‪ ..‬أصبحت‬ ‫ل في رواية‪ .‬لفرح طارئ أو‬ ‫بط ً‬ ‫لفاجعة مرتقبة‪.‬فلم يكن في الواقع‬ ‫في نيتي أن أكتب أي مقال‪ .‬‬ ‫قال وهو يرافقني نحو الباب‪:‬‬ ‫ في الحالتين‪ .‬يا إلهي‪ .‬أنت تتكلم مثله!‬‫كدت أقول له " طبعًا‪ .‬أو في فيلم سينمائي يعيش على أهبة مباغتة؟ جاهزًا لمر ما‪ .‬قررت الحياة أن تغدق عليك بتلك المصادفات المفجعة في سخائها‪ .‬مهنتي الحتفاظ بجثة‬‫الوقت‪ ..‬‬‫ثم واصل كمن تذكر شيئًا‪:‬‬ ‫ ل تنس أن تأتيني في المرة المقبلة بالصورة التي حصلت بها على جائزة‪ .‬حد إرعابك من‬ ‫سعادة لم تحسب لها حسابًا‪ .‬لم أكن أصدق لقائي بزيان حتى كنت في اليوم التالي أتعرف على‬ ‫ناصر‪.‬وسألني‪:‬‬ ‫ متى ستنشر هذه المقابلة؟‬‫أجبته بمحبة‪:‬‬ ‫ل عميقًا يحيط بكل شخصيتك‪.‬أجبتها أنني أفرغه لمتل به‪ ..‬‬ ‫ لم تنته بعد لتنشر‪ .‬وجدتني أعيد الستماع إلى تسجيل حوارنا‪.‬لم أعلق على صفة "كبير" سوى بابتسامة نصفها تهكم‪.‬‬ ‫نحن من بعثرتهم قسنطينة‪ .‬ومشيئته هي ما نسميه قدرًا‪.‬‬ ‫حتى من قبل أن نلتقي حزنت من أجل ناصر‪ ..‬لقاءاتنا ستتكرر إن شئت‪ .‬أنا مصور‪ .‬لن رجال تلك المرأة جميعهم يتشابهون" لكنني لم أقل شيئًا‪ .‬بينما يتشرد شرفاء الوطن في‬ ..‬وغادرت المستشفى مليئًا بذلك الكم المذهل من اللوان‪.‬‬ ‫كأنني بدأت أشبهه‪ ..‬تثبيت اللحظة‪ .‬فأنا أريد عم ً‬‫قال مازحًا‪:‬‬ ‫ ل تقل لي إنك ستعد كتابًا عني‪ .‬من أجل اسم أكبر من أن يقيم ضيفًا في ضواحي‬ ‫التاريخ‪ .‬لقد أخبرتني‬‫فرانسواز أنك مصور كبير‪.‬لن أعرف يومًا إن كان‬ ‫هبة من الحياة أو مقلبًا من مقالبها‪.‬كما تثبت فراشة على لوحة‪.‫ جميل هذا‪ ..‬وقفت‬ ‫لودعه‪ ..

‬هنا على القل ل خوف‬‫عليك ما دمت بريئًا‪ .‬تشعر أنك تمشي بين‬ ‫الناس وتقيم بينهم لكنك لن تكون منهم‪ .‬وقبل أن نجيبه‬ ‫قصد مراد المطبخ وعاد بصحن من الصومون وآخر من الجبان والمخللت‪ .‬ول تشكل خطرًا على الخرين‪ .‬‬ ‫ويطيل من عذابك أن العري ل يقتل بل يجردك من حميميتك ويغتالك مهانة‪ .‬كان يحب لم شمل الصدقاء‪ .‬تجد في السواق كل الغاني من الشيخ ريمون وسيمون تمار حتى الفرقاني‪.‬وجمي ً‬ ‫معًا‪ .‬ول أدري سببًا لغضبك‪ .‬قبل العشاء‪.‬كما تصورته كان‪ .‬‬‫اقترحت أن نطلب بيتزا إلى البيت حتى ل نتحول إلى فئران بيضاء في مختبر مراد للطبخ‪.‬ل لجوعي‪ .‬في الجزائر يبحثون عنك لتصفيتك جسديًا‪.‬‬ ‫بدا مراد أسعدنا‪ .‬من أين أحضرتها؟‬‫ اشتريتها من هنا‪ .‬‬ ‫ والغاني القسنطينية‪ .‬وكان دائم البحث عن مناسبة يحتفي فيها بالحياة‪.‬‬ ‫رحت أسأل ناصر عن أخباره وعن سفره من ألمانيا إلى باريس إن كان وجد فيه مشقة‪.‬‬ ‫ضحكت في أعماقي لما ينتظر ناصر المسكين من مجادلت ومشاكسات يومية مع مراد الذي‬ ‫أقصى تضحية قد يقوم بها إكرامًا لضيفه‪ :‬امتناعه عن تناول الكحول في حضرته‪ .‬ل خصوصية لك برغم أنك في بلد حر‪ .‬فقد كان نصفه سي الطاهر ونصفه حياة‪.‬‬‫وكما لينهي الجدل وقف ليسألنا‪:‬‬ ‫ واش تحبوا تاكلوا يا جماعة؟‬‫سعدت بالسؤال‪ .‬وضمة منه احتضنت فيها التاريخ والحب‬ ‫جميل ناصر‪ .‬ومن استعان‬ ‫بالموسيقى القسنطينية ليغطي على نواح داخلي ل يتوقف‪.‬أنت عار ومكشوف بين الناس بسبب اسمك‪ .‬وجه الخروف معروف!"‬‫رد ناصر‪:‬‬ ‫ معروف بماذا؟بأنه الذئب؟‬‫أجاب مراد‪:‬‬ ‫ إن لم تكن الذئب‪ .‬‬ ‫قال مراد‪:‬‬ ‫ وهذا يحدث لك أيضًا في بلدك‪.‬وإنما رغبة في تغيير نقاش ل يصلح بداية لجلسة‪.‬وسحنتك‬ ‫ودينك‪ .‬‬ ‫ل كان لقائي به‪ .‬‬ ‫رد مازحًا‪:‬‬ ‫ كانت السئلة أطول من المسافة! ثم أضاف‪ :‬أقصد الهانات المهذبة التي تقدم إليك من‬‫المطارات على شكل أسئلة‪.‬‬ .‬‬ ‫قال مراد مازحًا‪:‬‬ ‫ واش تدير يا خويا‪ " ..‬‬ ‫سألته متعجبًا‪:‬‬ ‫ متى استطعت أن تفعل كل هذا؟‬‫رد مازحًا‪:‬‬ ‫ أثناء انشغالك بالمعارض التشكيلية!‬‫فهمت ما يقصد‪..‬قال وهو يضعها‬ ‫على الطاولة‪:‬‬ ‫ هزوا قلبكم‪ .‬ل غير‪ .‬‬‫عذابك يدوم زمن اختراق رصاصة‪ .‫المنافي‪.‬أما عندنا فحتى البريء ل يضمن سلمته!‬ ‫رد ناصر متذمرًا‪:‬‬ ‫ نحن نفاضل بين موت وآخر‪ .‬‬‫يهود قسنطينة ينتجون في فرنسا معظم هذه الشرطة‪.‬وذا وآخر‪ .‬في أوربا بذريعة إنقاذك من القتلة يقتلونك عريًا كل لحظة‪.‬‬ ‫كانت شقته على بساطتها مؤثثة بدفء من استعاض بالثاث الجميل عن خسارة ما‪ .‬أنت تحب وتعمل وتسافر وتنفق بشهادة‬ ‫الكاميرات وأجهزة التنصت وملفات الستخبارات‪.‬فالذئاب كثيرة هذه اليام‪ .

‬بذريعة علقة الكل الجزائري بالنزعات‬ ‫الجرامية‪ .‫قال ناصر ممنيًا نفسه بوليمة‪:‬‬ ‫ عندما تأتي اّما ستعد لنا أطباق قسنطينية تغير مذاق الهمبرغر الماني في فمي‪ .‬أرأيتم شعبًا مهووسًا بأكل الرؤوس " المشوشطة" مثل الشعب الجزائري؟ حتى في‬‫فرنسا ما تكاد تسأل جزائريًا ماذا تريد أن تأكل حتى يطالبك " ببزلوف"‪ ..‬ل أدري بعد كيف ستتم المور‪.‬‬ ‫رد عليه مراد مازحًا‪:‬‬ ‫ دعك يا رجل من الطبخ الجزائري وإل أصبحت حقًا إرهابيًا‪.‬‬ ‫يأكله الجزائريون بذريعة أن الرهاب عندنا يتغذى أو ً‬ ‫ونظرًا لنبرته الجادة سألته‪:‬‬ ‫ أحقًا ما تقول؟‬‫أجاب‪:‬‬ ‫ طبعًا‪ .‬يا لجمال روحه المرحة‪ .‬‬ ‫ل جدله المازح‪:‬‬ ‫قلت مواص ً‬ ‫ ربما بسبب استهلكنا الزائد للكراوع ل نفكر سوى بالهروب ومغادرة الجزائر نحو أية وجهة‪.‬لو اطلع عليه مسؤولونا لوجدوا أنه من واجب الحكومة أن تتدخل بعد الن في ما‬ ‫ل من المطبخ الجزائري‪.‬ما فينا فير اللسان"!‬‫حين جاء ) ساعي البيتزا( يوصل ما طلبناه بالهاتف‪ .‬‬ ‫دخلت في حالة شرود‪ .‬إنه نموذج لشعب أنقذته سخريته من‬ ‫الموت‪.‬رحت بعيدًا أفكر في مصادفة قد تجمعني بها أو ذريعة تعطيها علمًا‬ ‫بوجودي هنا‪.‬لم ينسني الموضوع الذي كان وحده يعنيني‪ .‬وال لو أن غاندي نفسه اتبع لشهر واحد ريجيم المطبخ‬ ‫الجزائري المعاصر وتغذى " بوزلوف" وتعشى " كراوع" لباع عصاه ومعزاه واشترى‬ ‫كلشينكوف!‬ ‫ضحكنا كثيرًا لكلم مراد‪ .‬وإن لم يجده‬ ‫أصبح طبقه المفضل لوبيا " بالكراوع"‪ ..‬ستسكن مع أختي في الفندق‪ .‬‬‫ل بمزاح‪:‬‬ ‫مواص ً‬ ‫ أتدري أنه قد صدر كتاب مؤخرًا في أمريكا يثبت علقة بعض أنواع الكل بالنزعات‬‫الجرامية‪ ....‬‬ ‫هي ستأتي إذن! وكيف لهذه المصادفات العنيفة في سخائها‪ .‬‬‫وإن كان يعز على نفسي ما ستتحمله المسكينة في هذا العمر من عذاب السفر‪.‬وهي بحكم جيناتها اليطالية ليست بريئة إلى‬ ‫هذا الحد!‬ ‫ذلك الفرح الجميل النادر الذي جمعنا‪ .‬‬‫قال الشيء الوحيد الذي كنت أريد معرفته‪ ..‬لكنها ستزورني هنا حتمًا‪ .‬خاصة أن البيتزا ولدت في بلد المافيا‪ .‬قاتله ال‪ .‬أن تكتمل بدون مجيئها وبدون شيء‬ ‫على ذلك القدر من صاعقة المفاجأة‪.‬فاستدرجت‬ ‫ل‪:‬‬ ‫ناصر إلى مزيد من الخبار قائ ً‬ ‫ آن للحاجة أن تحضر‪ .‬والباقي كان مجرد تفاصيل‪.‬‬ ‫كيف لي أن أعرف في أي فندق ستقيم؟ وإذا كان زوجها سيرافقها أم ل؟‬ ‫كنت ل أزال أبحث عن طريقة أستدرج بها ناصر للحديث عن زوجها عساه يبوح ببعض‬ ..‬‬ ‫ثم واصلت سائل‪:‬‬ ‫ هل ستقيم هنا معك ؟‬‫ ل‪ .‬صعب على الذي تربى على ولئم المومة أن يرضى بشريحة بيتزا‪.‬أو رأسين يعود بهما إلى البيت‪ .‬‬‫قاطعني مستشهدًا بمثل قسنطيني‪:‬‬ ‫ وبسبب إقبالنا على "بوزلوف" أصبحنا " مثل الراس المشوشط‪ .‬كم اشتقت‬‫لكلنا‪.‬ترى الجميع وقوفًا لدى‬ ‫جزار اللحم الحلل ليفوز برأس مشوي لخروف‪ ..

‬رانا هنا‪ .‬يا إلهي‪..‬قلت‪:‬‬ ‫ اعذرني‪ .‬‬ ‫ل‪:‬‬ ‫لكن مراد حسم ترددي قائ ً‬ ‫ كل شيء كاين يا سيدي غير ما تخممش!‬‫وجدت في قضائي ليلة مع ناصر‪ ..‬قلتلها ماكش جاي؟‬‫سألت بتغاب‪:‬‬ ‫ شكون؟‬‫رد‪:‬‬ ‫ " اللبة" متاعك!‬‫ل أدري كيف وجد في فرانسواز شيئًا من اللبؤة‪ .‬‬ ‫ واش‪ .‬‬ ‫أشعل مراد سيجارة عصبية وقال بتذمر‪:‬‬ ‫ الحرب استثمار جيد‪ .‬‬ ‫وبعض الغتيالت التي تمت بأمر منه‪ ..‬نظرت إلى الساعة‪ .‬‬ ‫استفدت من فتح الموضوع لطرح على ناصر السؤال الذي كان يعنيني ويشغلني دائمًا‪ ..‬فعندما ل تدور آلة الموت بأمرهم كانت تدور لصالحهم‪.‬ولكن ما كان‬ ‫الوقت مناسبًا لها‪.‬‬ ‫قلت مغيرًا الموضوع بطريقة مازحة‪:‬‬ ‫ أنا هارب يا خويا من أدغال الوطن‪ ..‬كنت أخاف قاطرات الضواحي وما تحمله‬ ‫بأنها الثانية عشرة إل ربعًا‪ .‬وقفت مستعج ً‬ ‫ل من مفاجآت‪ .‬يرحم باباك إبعد عني " اللبات" والسود!‬‫‪ -‬واش بيك وليت خواف‪ .‬حدثًا قد ل يتكرر فأنا لم أنس لحظة أنه أخ المرأة التي أحب‪.‬راح ذهني للحظات يستعرض كل سيناريوهات الموت المبيت‪ .‬كيف ل يثرون لو لم يكن لهم مدخول من الجثث ومصلحة في إبقاء‬‫الخرين مشغولين عنهم بمواراة موتاهم‪ .‬‬ ‫استأذنت مراد في إجراء مكالمة هاتفية‪ .‬‬ ‫لك لي ً‬ ‫ترددت في قبول عرضه‪ .‬إن النجوم ل ترفع وضيعًا!‬‫أجاب ناصر‪:‬‬ ‫ ل أظنه سيأتي‪ ...‬لكنه بعد ذلك‪..‬‬ ‫أيمكن لشيء كهذا أن يحدث؟‬ ‫أوصلتني أفكاري السوداوية إلى تذكر ضرورة عودتي إلى باريس‪ .‬فوجئت‬ ‫ل الذهاب‪ .‬فكرت في فرانسواز التي لم أخبرها بعدم عودتي إلى البيت‪ .‬ومحاكمته كمجرم حرب نظرًا لجلسات التعذيب التي أشرف عليها‪..‬نوريولهم الزنباع وين ينباع‪...‬عندما لم يقاوم مراد شهوة شتمه وقال موجهًا الحديث إلى ناصر‪:‬‬ ‫ واش جاي معاها هذاك الرخيص؟‬‫ب‪:‬‬ ‫سألته بتغا ٍ‬ ‫ عمن تتحدث؟‬‫قال‪:‬‬ ‫ زوج أخته‪ .‬ولكن ل أفهم كيف استطاعت أختك العيش مع هذا الرجل وكيف لم تطلب الطلق منه‬‫حتى الن؟‬ ‫رد ناصر بعد شيء من الصمت‪:‬‬ ‫ لن مثله ل يطلق بل يقتل‪.‫أخبارها‪ .‬وأغراني بسهرة قد ل تتكرر‪.‬ثم فكرت‬ ‫في أنني لم أحضر لوازمي معي‪ .‬ربما بسبب شعرها الحمر أو ربما بسبب ما‬ ‫رآه فيها من شراسة مثيرة‪.‬‬ ‫باغتني بخبث السؤال‪.‬وحدهم أولده يسافرون لمتابعة أعماله في الخارج‪.‬‬ ‫فمن بربك الكثر إرهابًا والكثر تدميرًا لهذا الوطن‪ .‬هم أم القتلة!‬ ‫خفت أن يتعكر جو سهرتنا بخلفات في وجهات نظر ل أظنها جديدة على الرجلين‪ .‬بدون أن أخبره أنني سأطلب فرانسواز‪ .‬‬‫عبرتني قشعريرة‪ .‬وأنه قد ل يكون من مكان لنومنا جميعًا‪.‬لكن مراد نصحني بالبقاء لقضاء الليلة عنده‪ ..‬يخاف إذا زار فرنسا أن يطالب أقارب بعض الضحايا السلطات الفرنسية بمنعه‬‫من العودة إلى الجزائر‪ ..‬‬ .

‬واحد خايف يموت وواحد خايف يضحك‪.‬‬ ‫أجبته مازحًا لحسم الجدل‪:‬‬ ‫ وري زنباعك للي تحب‪ .‬والجرائم‪ ..‬‬ ‫لفظ مراد كلمه على طريقو ) المفتش الطاهر( وهو شخصية كوميدية شعبية توفي في‬ ‫السبعينات‪ .‬ذلك أنني كل مرة أتذكر سينمائيًا‬ ‫ل ليلقي‬ ‫كان يدعى علي التنكي‪ .‬‬ ‫تحويل القاف "كافًا" على طريقة أهل مدينة جيجل‪ .‬لفظًا القلب "كلبًا" وقال لي " كالل ً‬ ‫وكان مراد يستشهد بمثل شعبي معناه " جئت بالقط ليؤنسني فأخافني بعينيه اللتين تبرقان في‬ ‫ل وهم‬ ‫العتمة" بعد أن استبقاني لؤنسه فرحت حسب قوله أخيفه بأخبار القتلى الذين اغتيلوا لي ً‬ ‫يلقون كيس الزبالة!‬ ‫وكأنما أصابه ذعر العجائز من عواقب الفرح‪ .‬للعسكر‪ .‬شعرت أنني خيبت ظنه‪ .‫ل أدري لمن كان يريد أن يري "أين يباع الزنباع"‪ :‬للرهابيين‪ .‬بأعمار موضوعة في أكياس‬ ‫الزبالة على الساعة العاشرة‪ .‬أم لفرانسواز‪.‬‬ ‫قاطعني مراد‪:‬‬ ‫ يرحم باباك‪ .‬سأل‪:‬‬ ‫ عم تتحدثان؟‬‫قلت‪:‬‬ ‫ كنت أقول له إنني خواف‪ ...‬قلت كما لبرز له خوفي‪:‬‬ ‫ صدقني لفرط ما عشت مع عدو ل يرى‪ .‬على بالك وشحال في الساعة؟‬‫نظرنا جميعنا إلى الساعة‪.‬نسوا لماذا هم يموتون‪ .‬‬ ‫مازال نقيًا‪ .‬وليت تخوف فينا!‬ ‫انفجرنا ضاحكين أنا وناصر كما لم نضحك من زمان‪.‬خاصة في الليل‪ .‬عندي بالزاف ما ضحكتش هكذا!‬‫رد مراد متهكمًا‪:‬‬ ‫ ياوال مهابل‪ .‬لكنه أغتيل في الحي الذي أسكنه بينما كان ذاهبًا لي ً‬ ‫بكيس الزبالة‪ .‬وأحيانًا بصمته‪ ..‬كان قد انتهى لتوه من تصوير فيلم عنوانه‬ ‫" الفراشة لن تطير بعد الن"‪.‬هل عيب في أن يخاف المرء؟‬‫صمت ولم يرد‪ .‬بينما أثناء انشغالنا نحن بالبقاء‬ ...‬لم تستطع الغربة أن تجعله يتعفن ويتلوث‪ .‬بدا كأنه أكبر من‬ ‫عمره‪ .‬ما عاد الخوف يغادرني‪ .‬فبالنسبة إليه‬ ‫مشكلتنا في الجزائر أن الناس ل وقت لديهم للحياة‪ .‬وصنعت شهرته لهجته المميزة في‬ ‫ي‪..‬تصور أن ترتبط ذكرى شخص في ذهنك بالقمامة‪ .‬خلينا من هاذ الحكايات‪ .‬حتى أنهم في‬ ‫انشغالهم بالبحث عن ذريعة لموت جميل‪ .‬اشتهر على طريقة كولمبو بمعطفه المضاد للمطر وبدور رجل التحري المختص في‬ ‫قضايا " السريكات " و " الكتيلت" أي السرقات‪ .‬‬ ‫واصل‪:‬‬ ‫ راهي الوحدة‪ ..‬أحببت فيه طهارة تشع منه ل علقة لها بعباءته البيضاء‪.‬كما ليجمعها زبال القدر‪ ..‬بعد أن انتهى من أداء صلة العشاء‪ .‬ول أصابته تشوهات المغتربين‪ ..‬يوم كان يحاضر لقناعنا بالفرح كفعل مقاومة‪ .‬لكنه لم يفقد رصانته ول كان له‬ ‫كلم ناري‪ .‬حبس يا راجل من " لي زافيرات متاع السريكات ولي زافيرات متاع‬‫الكتيلتت" هاذي اللي كالوا فيها " جبت كط يوانسني ولى يبرك في عينيه!" قلنالك اقعد يا راجل‬ ‫توانسنا‪ .‬لم أكن أعرفه‪ .‬كان يدافع عن قناعاته بصوت منخفض‪ .‬توقعت أن أحدًا يتربص بي وأنا أنزل الطوابق المعتمة‬ ‫للبناية‪ .‬‬‫إضحك يا راجل آخرتها موت!‬ ‫كان هذا شعارنا أيام " مازفران" ‪ .‬كان معذبًا‬ ‫بذنب وجوده خارج الجزائر‪ .‬وهم مستغرقون في الستشهاد‪ ..‬يبدو مبعثرًا على أرض الحرية‪ ..‬أنا يا خويا راجل خواف!‬‫انضم إلينا ناصر مرتديا عباءة البيت‪ .‬قال ناصر وهو يستعيد جديته‪:‬‬ ‫ ال يجعلها خير‪ .‬كلما‬‫غادرت بيتي لرمي بكيس الزبالة‪ ..‬أو أن أحدًا ينتظرني في ركن من الشارع لينقض علي‪ .

‬‬ ‫ل أدري كيف أعادني رقصه إلى زوجها الذي شاهدته مرة على التلفزيون أثناء نقل حفل مباشر‪......‬رحبة الصوف قلبي مجروح‬ ‫ت يا الزيـن خسـارة‬ ‫باب الـواد والقـنـطرة‪ .‬عندما توقف أمامهم رجلن في زي أفغاني وسألهم بنبرة عدائية‪" :‬‬ ‫ماذا يضحككم؟"‪ .....‬أغنية من تلك الغاني التي تكاد تكون لها رائحة‪ ...‬إنتـي والوالديـــن‬ ‫كانت الصوات والدفوف ترد على المغني مع نهاية كل بيت ) ال( وتمضي الغنية في ذكر‬ ‫أحياء قسنطينة وأسواقها اسمًا اسمًا‪:‬‬ ‫على السويقة نبكي واّنوح ‪...‬مع أنني لم أستمع إليها منذ‬ ‫زمن بعيد‪ .........‬ولم يشفع لهم إل أن تعرف أحدهما على أحد الجالسين‪ .‬طربًا يفضي بك إلى حزن‪ .‬وفهمت لماذا تشتهيه النساء‪.‬كانت تنقصنا البهجة حتى صار ضروريًا حسب قوله أن يؤسس المرء خلية‬ ‫سرية لتعاطي الفرح سرًا في بيته بصفته نشاطًا محظورًا لسنوات في الجزائر‪ .‬يرقص كأنه يراقص نفسه على موسيقى الزندالي‪ ...‬‬ ‫باسم ال نبدى كلمي‪....‬‬ ‫وقف مراد‪ ..‬أذكر ذلك الستاذ‬ ‫الذي روى لي كيف كان مرة جالسًا في مقهى على رصيف الجامعة مع صديقين يتجازبون‬ ‫أطراف الحديث ويضحكون‪ ..‬ولذا إن أكبر معارضة لي‬ ‫ديكتاتور في العالم هي أن تقرر أن تبتهج‪ ....‬كأنما كانت الموسيقى تدق احتفاء‬ ‫برجولته‪ ...‬جسد نساء‬ ‫شاهدتهن في طفولتك بشعرهن المنفلت يرقصن منخطفات حتى الغماء في أثوابهن الجميلة‬ ‫المطرزة بخيوط الذهب‪....‬جالسًا في الصفوف المامية مع أولئك الذين‬ ‫هم أهم من أن يطربوا‪ .‬أجمل مما كان يومًا‪ ...‬ولم يذهبا حتى أخذا‬ ‫منهم عهدًا بأنهم " ما يزيدوش يعاودوا يضحكوا"!‬ ‫عندما رويت تلك الحادثة الغريبة لمراد‪ ..‬فأي دكتاتور يعز عليه أن يفرح الناس إن لم يرتبط‬ ‫فرحهم بعيد ميلده أو ذكرى وصوله إلى الحكم‪.‬هذه الغنية التي مازلت جاه ً‬ ‫يفضي بك إلى شجن‪ .‬هو حتمًا فاقد للقدرة على الرتعاش‬ ‫أشفقت عليه‪ .‬وكأن جسده في انتشائه يبتهل لشيء وحده يعرفه‪.‬تهديك شج ً‬ ‫ى‬ ‫لكأنها تحيك لك مؤامرة‪ .....‬مكتفين عندما تلتهب القاعة بصوت الفرقاني مرددًا " أليف يا سلطاني‬ ‫والهجران كواني" بجهد متواضع والتكرم على المغني بتصفيق رصين خشية أن تتناثر من على‬ ‫أكتافهم نجومهم المثبتة بغراء هيبتهم الزائفة!‬ ‫ل ل يتنتفض منتصبًا في حضرة الطرب‪ ..‬‬ ‫كان مراد أثناء ذلك يزداد وسامة كلما ازداد وقع الدفوف‪ .‬إن رج ً‬ ‫في حضرة النشوة!‬ ‫شكرت يومها حضوره البارد في سريرها‪.‬بينما يتماوج وسطه يمنة ويسرة ببطء يفضح مزاج شهواته‬ ‫واليقاع السري لجسده‪.‬‬ ...‬تضعك أمام النطفاء الفجائي لمباهج صباك‪..‬‬ ‫لنها تذكرك بوزر خساراتك‪..‬‬ ‫بدا لي فجأة أجمل مما هو‪ ..‬‬ ‫كان مراد أثناء ذلك قد توجه إلى آلة التسجيل ووضع شريطًا لغنية قسنطينية‪ .‬والسيجارة في طرف فمه‪ .‬‬ ‫حتمًا كان على حق‪ .‬رحـ ِ‬ ‫ل ما سيكون قدرك معها‪ ..‬وقبل أن نستجمع‬ ‫أفكارنا عل صوت تلك الغنية الراقصة التي كأنني ما نسيتها يومًا‪ ...‫أحياء نسينا أن نحيا‪ .‬قسمطينة هي غرامي‬ ‫نتفكرك في منامـي‪..‬رقصة‬ ‫ل تخلو من رصانة الرجولة وإغرائها‪ ..‬وجد فيها ما يؤكد نظريته بأن الطغاة يجدون دائمًا في‬ ‫فرح الرعية خرقًا لقوانين القهر وتعديًا على مؤسسة العسف‪ ...‬‬ ‫كان بهيئة من يدعي الوقار يرتدي مهابته العسكرية‪ ..‬ويكاد يكون لها جسد‪ ...‬يتحرك نصفه العلى بكتفين يهتزان كأنهما مع كل حركة‬ ‫يضبطان إيقاع التحدي الذي يسكنه‪ .‬فل هؤلء هنئوا بموتهم ول نحن نعمنا بحياتنا‪...

‬لقد خلعت أخيرًا حداد صالح باي‪ .‬تركت له الريكة التي تحولت إلى سرير لشخصين ونمت على فراش أرضي‪.‬ول أنا أضفت لحزننا مزيدًا من الكلم‪ .‬انتهت سهرتنا كما بدأت‪.‬هي في وضعنا ذاك دعوة معلنة للبكاء؟ أو‬ ‫ربما نحن من فقدنا عادة الفرح‪ .‬وكنت رجل الشهوات الرضية والحزن المنخفض الذي نام دومًا‬ ‫عند أقدام قسنطينة‪.‬ثيابنا‬ ‫تحت الوسادة‪ .‬كلما ماتت عجوز كفنت‬‫بمليتها وولد حجاب جديد مع صبية‪.‬‬ ‫كنت أواظب على اشتهائها كل ليلة‪ .‬ليلة العيد‪ .‬كل صباح‪ .‬تلك التي بعد كل زيارة يتجدد عبقها‪ .‬ل ملءة في قسنطينة‪ .‬وأنت عابر سرير حيث نمت‪ .‬وأستيقظ‪ .‬‬ ‫كان له مقام التاريخ وسطوته‪ .‬‬ ‫أستأتي إذن تلك التي تجيء بها مصادفة وتذهب بها أخرى؟‬ ‫وأنا الذي لم يحدث أن التفت إلى الخلف‪ .‬ولم نعد نصلح للنخراط في حزب البهجة الذي يدعونا إليه‬ ‫عنوة!‬ ‫عبثًا حاول مراد استدراجنا لمراقصته احتفاءً بمباهجنا المؤجلة‪ .‬أن أتقاسم غرفة نوم مع أخ امرأة حلمت أن أقضي معها‬ ‫ليلة!‬ ‫أيمكن أن تأخذ قسطًا من النسيان عندما تنام أرضًا على فراش الحرمان‪ ..‬‬ ‫في عتمة ما قبل النعاس‪ .‬‬ ‫لم يقل شيئًا‪ .‬‬ ‫احترمت حزن ناصر المترفع عن الفشاء‪ .‬استدار ناصر صوب جهتي وسألني فجأة‪:‬‬ ‫ كيف تركت قسنطينة؟‬‫جل السؤال الهم‪ .‬كما تتحدث النساء عندنا مع بعضهن البعض بين‬ ‫قبل النوم‪ .‬أزور رائحتها‪ .‬لقميص نوم سرق كل عبق النوثة المعتقة في قارورة الجسد‪.‬أخفي ثوبها كما نخفي‪ .‬وعندما كان علي بعد ذلك أن أتقاسم معه غرفة‬ ‫أصبحت للنوم‪ .‬أو كأنه أراد أن يغفو على ذكراها كما يغفو‬ ‫شعرت أنه أ ّ‬ ‫غيره على ذكرى حبيبة!‬ ‫أردت أن أدثره بشيء جميل‪ .‬‬ ‫سريري لم يخل منها‪ .‬كمزاج الكراسي المقلوبة فجرًا على طاولت المقاهي الباريسية‪ .‬برغم إيقاعها الفرح‪ .‬‬ ‫عامان من الوفاء‪ .‬ويعودني في الوحدة قميص نومها‪.‬واصلت الثرثرة قلي ً‬ ‫طابقين‪.‬‬ ‫من يكنس رصيف حزنك من أوراق خريف العشاق؟‬ ‫ش أرضي أتقلب بحثًا عن جانب يغفو عليه أرقي؟‬ ‫أكان لمزاجي علقة بليلة قضيتها على فرا ٍ‬ ‫أنا الذي كنت أختبر أغرب المصادفات‪ .‬لكن وجدتني أقول‪:‬‬ ‫ هي بخير‪ .‬‬ ‫بأحاسيس متناقضة تخفي خسارات لم ندر كيف نتدبر أمرها‪.‬تمامًا عند أقدام ذاكرتك؟‬ ‫أين أنجو من امرأة تطاردني حيث كنت؟ وماذا أتسلق للهروب منها ول جدران لسجنها؟‬ ‫ل مع ناصر‪ .‬‬ ‫كنت أفكر وقتها في امرأة هي الوريثة الوحيدة لذلك الحداد الجميل‪ .‬ول عدت إلى سلة المهملت بحثًا عن شيء سبق أن‬ .‬وبعد أن توقعته غفا‪ .‫أأراد مراد حقًا إبهاجنا بأغنية‪ .‬وقلبك الذي استيقظ مقلوبًا رأسًا على‬ ‫عقب‪ .‬وأنزلق تحت فراش غيابها‪.‬خشية أن ينفضح به‪ .‬‬ ‫***‬ ‫صباح الضواحي الباردة‪ .‬أظنه غفا وهو يضم إلى صدره ملءة أمه‬ ‫المضمخة برائحتها‪.‬ينتظر من يمسح أرضه‬ ‫من خطى الذين مشوا بوحل أحذيتهم على أحلمك‪.‬وعلى سريري آثار أحلم مخضبة بها‪.

‬لول أنه مشغول باستقبال والدته وأخته‪.‬فالصورة كما المرأة‪ ..‬قلت لها إنه هايص وحايص كعادته‪ .‬وأن ألتقي‬‫بزوار المعرض لكتب عن زيان بطريقة أكثر حيوية‪.‬مم يعاني؟‬‫ من السرطان‪ .‬كأنني عرفته دومًا‪ .‬وسألتني عنك البارحة‪.‬كما يصاحب فنجان القهوة كوب‬ ‫الماء المجاني الذي يقدمه لك نادل عندما تطلب قهوة في فرنسا‪.‬كتلك اللحية التي حكمتنا في السبعينات‪ .‬وآخر‬ ‫كنت أنوي البكاء عليه‪ .‬‬ ‫هكذا ‪ .‬‬ ‫قال ناصر متأثرًا بالخبر‪:‬‬ ‫ كم يحزنني مرضه‪ .‬فمراد من النوع الذي تسعد عندما تلتقي به‪ .‬‬ ‫‪ -‬فكرة جميلة‪ ..‬‬ ‫عدت إلى البيت سعيدًا‪ .‬وتسعد أيضًا عندما تفارقه‬ ‫وتعود إلى سكينتك‪.‬وقد نصبت فخاخ المصادفة في كل مكان‪ .‬كارول تجدك لطيفًا‪ .‬سألته مازحًا ونحن نتناول قهوة‬ ‫الصباح‪:‬‬ ‫ هل حلقت لحيتك خوفًا من المضايقات؟‬‫رد وهو يحرك قهوته بتأن‪:‬‬ ‫ ماكانت لي يومًا لحية لحلقها‪ .‬لكنه ل يدري‪.‬ثم أضعته بعض الوقت‪ .‬‬ ‫وهأنذا أعثر على آخر حيلة لستدراجها إلى فخ المصادفة‪ ..‬‬ ‫كنت دائم التفكير في إحكام فخاخ المصادفة‪.‬لكن كان‬ ‫له دومًا في قلبي شيًء من ذكرى هيبة أبي‪.Il est marrant ce type‬‬‫وأن يكون هذا الرجل "طريفًا" أو "لطيفًا" حسب قولها‪ .‬‬ ‫غير أنني لم أعد إلى سكينتي خالي اليدين‪ .‬وعدت فإلتقيت به في قسنطينة بمناسبة زفاف أختي حياة‪ .‬‬‫بعض اللحى عدة تنكرية‪ .‬‬‫قال متهكمًا‪:‬‬ ‫ مثله ل يدري؟! أنت حتمُا ل تعرفه جيدًا‪ .‬بعد أن زودت ناصر ببطاقة عن‬ ‫معرض زيان‪ .‬‬ ‫احتفت فرانسواز بعودتي‪ .‬أنت حتمًا تعرف صاحبها‪.‬فأخفاها منذ ذلك الحين بلحية غطت عاره بهيبة‪.‬‬ ‫سألتني عن مراد‪ .‬في الواقع‪.‬‬ ‫عشت أجمع بعضها في الخرين‪ .‫ألقيته فيها‪..‬‬‫ منذ متى تعرفه؟‬‫ منذ زمن بعيد‪ .‬واثقًا تمامًا أنه سيحدثها عنه‪ .‬كان علي بعد الن أن أنتظر مجيئها بصبر‬ ‫صياد‪ ..‬أرمم ما تهشم مني بانكسارها‪.‬اعتاد الحزن عندي أن يرافق كل فرحة‪ .‬عرفته في صغري الول عندما كان يزورنا في تونس بعد‬‫وفاة أبي‪ .‬‬ ‫عندما استيقظنا‪ .‬أو بصبر مصور ينتظر ساعات ليصطاد صورة‪ .‬شعرت أنها افتقدتني‪.‬أنا أحب قول المام علي رضي ال عنه " أفضل الزهد إخفاءه"‪.‬ضحكت‪:‬‬ ‫ ‪.‬لقد علم بأكثر مما كان يجب عليه أن يعرف‪..‬‬ ‫فقصته معروفة لدى رجال جيله الذين يروون أنه يوم كان شابًا تلقى ضربة بالموسى في وجهه‬ ‫في أحد مواخير قسنطينة‪ .‬وقال متأسفًا إنه كان يتمنى أن يذهب‬ ‫ليعوده اليوم‪ .‬طبعًا ل إزعاج في ذلك‪ .‬ل تمنح نفسها إل‬ ‫لعاشق جاهز أن يبذر في انتظارها ما شاءت من العمر‪.‬‬ ‫سألني بعد ذلك عن عنوان المستشفى الذي يتعالج فيه زيان‪ .‬استعرت منه شريطين‪ :‬ذاك الذي رقص عليه‪ .‬ل‬ ‫أفهم حتى اليوم كيف قبل أن يحضر ذلك الزفاف‪ .‬‬ ‫قلت حتى أهيئها لتواجدي المكثف بعد الن أكثر في قاعة المعرض‪:‬‬ ‫ هل من إزعاج إن ترددت هذين اليومين على الرواق؟ إنني أحتاج أن أرى اللوحات‪ .‬خاصة بعدما أخبرته بمرضه وبيعه في هذا المعرض‬ ‫آخر لوحاته‪.‬لم يكن ليثير شكوكي بعد‪ .‬كانت المرة الوحيدة التي اختلفنا فيها‪ ...‬ذهب ناصر ليأخذ حمامه الصباحي ويحلق ذقنه‪ .‬‬ .

‬كانت نهاية أسبوع مثمرة بالنسبة للرواق‪.‬واحدًا‪ .‬‬ ‫ثم عدت وعذرتها‪ .‬فقد صدر مقال جيد عن معرضه سيسعده حتمًا الطلع عليه‪ .‬أتردد عليها كثيرًا لمواساتها منذ فقدت أبي في السنة الماضية‪.‬‬ ‫صمتت فرانسواز مأخوذة بكلمي‪ .Tu sais que je taime.‬‬ .‬من ناحية يذهب ريعها في عمل‬‫خيري‪ .‬‬ ‫قلت وأنا أداعبها‪:‬‬ ‫ أجلي أسئلتك إلى المساء‪ ..‬ومن ناحية أخرى أشعر كأنه يقوم بمجزرة تجاه أعماله بتصفيتها جميعها خلل‬ ‫معرضين بينهما أقل من شهر‪ ...‬لكن بهدوء وبدون صراخ إذا أمكن!‬‫ضحكت وقالت‪:‬‬ ‫ أيها اللعين‪ .‬‬‫ أحبه‪ .‬‬‫صححت لها‪:‬‬ ‫ أو محب!‬‫ثم واصلت واجدًا في اقتناعها مناسبة للتفاتة جميلة‪:‬‬ ‫ أتسمحين أن أهديك بروازًا لهذه الصورة‪ .‬عليها صور مختلفة الحجام ‪ .‬آلمني أن تزف‬ ‫لي الخبر بتلك الطريقة‪.‬‬‫ يؤسفني ذلك‪.‬اشتريته قبل سنتين من سوق البراغيث‪.‬‬‫ حسن‪ .‬‬ ‫ثم أضافت‪:‬‬ ‫ لم أعد أدري أيجب أن أفرح أم أحزن عندما تباع له لوحة‪ .‬الجميل أن تبقى صورهم كما كانت فينا عارية إل من شفافية الزجاج‪.‬سألتني إن كنت‬‫ستسافر معي فأجبتها أنك على الرجح لن تأتي‪.‬ميزيها بأل تضيفي إليها شيئًا‪.‬وهذا ل يعطيني حق ملحقتها وإحراجها‬ ‫أمام والدتها‪.‬سأجيب عنها واحدًا‪ .‬أعز مخلوق عندي‪ .‬إن كانت العز عندك‪ .‬سأحاول!‬‫ سأزور زيان بعد الظهر‪ .‬أخبره‬‫أيضًا أن ثلثًا من لوحاته بيعت البارحة‪ .‬الطار ل يزيد من قيمة‬ ‫صورة لنها ليست لوحة فنية وإنما ذكرى عاطفية‪ .‬وعادت بواحدة‬ ‫لسيدة ستينية‪ ..‬هذا المنطق ل يدركه إل مصور‪.‬‬‫أخذت منها الصورة‪ .‬مفوتًا علي فرصة لقائي بحياة‪ .‬لذا هو يشوش علقتنا الوجدانية بهم ويعبث‬ ‫بذاكرتنا‪ .‬قالت وهي تريني إياها‪:‬‬ ‫ إنها ماما‪ .‬لم أطمئن عليه منذ يومين‪.‬‬‫طوقتني بذراعيها وقالت وهي تضع قبلة على خدي‪:‬‬ ‫ ‪.‬إهانة أن يشغلنا الطار عن النظر إليهم ويحول بيننا وبينهم‪ .‬‬ ‫اتجهت فرانسواز نحو طاولة ركن في الصالون‪ .‬ثم قالت‪:‬‬ ‫ ربما كنت على حق‪ .‬‬ ‫برغم أنني ما كنت رافقتها‪ ...‬تأملتها بمحبة ثم استطردت‪:‬‬ ‫ هي أجمل من أن تطوقي ابتسامتها بهذا البرواز الفضي الضخم‪..‬الناس الذين نحبهم ل يحتاجون إلى تأطير صورهم في براويز‬‫غالية‪ .‫ حقًا؟ بأية مناسبة؟‬‫ أخبرتها أنني قد أسافر في نهاية السبوع إلى جنوب فرنسا لزور والدتي‪ .. toi‬‬‫قلت مدعيًا التعجب‪:‬‬ ‫ ‪?C'est vrai ca‬‬‫كيف ترد علة امرأة تطوقك باعتراف في صيغة سؤال جميل " أتدري أنني أحبك؟" إل بسؤال‬ ‫آخر " أحقًا هذا؟" متفاديًا أسئلة أخرى قد تفضي بك إلى السرير في وضح النهار مع امرأة دائمة‬ ‫الشتعال‪.‬خذه إليه معك‪ .‬قديم وثمين‪ .‬فأنا أقيم معها منذ بضعة أيام فقط‪ .‬أنا لم أسمع بمذبحة فنية غريبة كهذه‪.‬لو عرضت علي ذلك‪ .‬‬‫ ربما كان ثمينًا لكنه ل يليق بها‪ .

‬حتى الممرضة تجد صحتك في تحسن‪.‬لكن الطبيب يخشى أن‬‫يتسبب هذا الجهد في انتكاس صحته‪ .‬ثم واصل] أفهم أن يكونوا منحوك جائزة على هذه الصورة‪ ..‬وطلبت مني أن أحضرها لك‪.‬أو كأنه يمتد إلى ما يبدو حياة برغم أنه ل يمثل فيها سوى‬‫جثة كلب‪.‬‬‫وأن أجمع ما بقي منها‪.‬حسبتك نسيتني!‬‫ طبعًا ل‪ .‬يريد أن يزور معرضه ويجمع لوحاته عند انتهاء المعرض‪ .‬هل هو رسام؟‬ ‫ رسام كبير‪.‬‬ ‫مددته بالمجلة‪:‬‬ ‫ل صدر في مجلة " سثزء" عن معرضك‪ .‬‬‫ ربما‪ .‬وماكنت لخبره طبعًا بوصول حياة ووالدتها اليوم‪.‬مقال جيد‪.‬‬‫أريتها المجلة التي كنت أحملها في يدي عسى ذلك يمنحه حظوة خاصة لديهم‪..‬نهض من سريره يسلم علي بحرارة‪ .‬لكنني سأكون أحسن لو زرت المعرض‪ .‬وجلس‬ ‫قبالتي على الكرسي الجلدي‪.‬مستأذنًا منه فتح المسجل حتى ل أفوت شيئًا من حواراتنا‪.‬هي منظر جثث الحيوانات التي كنا أيام حرب التحرير أثناء اجتيازنا‬ ‫الحدود الجزائرية التونسية نصادف جثثها تكهربت وعلقت في السلك ‪ .‬ككلب تجده ميتًا مضروبًا على رأسه بالحجر بعد أن‬ ‫قتله الرهابيون ليتمكنوا من دخول بيتك‪ .‬‬‫لم أشأ أن أخبره بوجود ناصر في باريس‪ .‬انشغلت ببعض المور‪.‬‬ ‫بادرني‪:‬‬ ‫ َوينك‪ ..‬‬ ‫ فع ً‬‫عندما دخلت عليه‪ .‬فالفنانون مفرطو الحساسية‪.‬اطلعت عليه‬ ‫ بالمناسبة أرسلت لك فرانسواز معي مقا ً‬‫في المترو‪ .‬‬ ‫قالت‪:‬‬ ‫ في تحسن‪.‬‬ ‫قاطعته‪ .‬أخذها مني‪ .‬‬‫قلت وأنا أبحث عن شيء آخر قد يسعده‪:‬‬ ‫ أحضرت لك أيضًا الصورة التي منحوني جائزة عليها‪ .‬الموت فيها يجاور الحياة‪ .‬‬ ‫ثمة صورة تحضرني الن‪ ..‬‬ ‫أجاب بشيء من التعجب‪:‬‬ ‫ افعل إن شئت‪ [ .‬‬ ‫صادفت ممرضة غادرت غرفته‪ ..‬أضاءت وجهه فرحة المفاجأة‪ .‬‬‫ لماذا ؟ هل طالب هو بذلك؟‬‫ أجل‪ .‬أحب أن أرى لوحاتي مرة أخيرة قبل أن تباع‪..‬‬ ‫ سأقرؤه لحقًا‪.‬يحتاج إذن لعناية أكثر‪ .‬‬ ‫قالت مكتفية برؤية صورته وعنوان المقال‪:‬‬ ‫ل‪ .‫أجبتها وأنا أتنهد‪:‬‬ ‫ أتمنى أنه يعي ما يفعل!‬‫***‬ ‫كانت الساعة الثانية ظهرًا عندما قصدته‪.‬‬‫دبت فيه حماسة مفاجئة‪ .‬في الحرب يصبح‬‫موت حيوان موجعًا في فجيعة موت إنسان‪ .‬‬‫ثم واصلت‪:‬‬ ‫ إن كنت من أقاربه أقنعه بعدم مغادرة المستشفى هذا السبوع‪.‬‬ ‫واصلت‪:‬‬ ‫ أراك اليوم أفضل‪ .‬يبدو كذلك‪ ..‬أثناء محاولتها اجتياز‬ .‬سألتها عن وضعه الصحي‪.‬وراح يتأملها بعض الوقت‪:‬‬ ‫ مؤثرة حقًا‪ ..‬جثته مشروع جثتك‪.

‬أظنها ستباع جميعها‪.‬إنه فن تقدير الخسائر التي ل بد منها‪ ..‬إنها شهادة عن وفاة الثورة الجزائرية‪.‬أنا ل أعرف هذا الرجل‪ .‬ل صورة طفل بائس جواره!‬ ‫أصابتني حججه بحزن إضافي‪ .‬‬ ‫تراهم جالسين على الرصفة مع كلبهم الضخمة النائمة أرضًا بعدما أدركوا أن الكلب شفيعهم‬ ‫لدى المارة‪ .‬‬ ‫وإن إحسانهم ليس رأفة به وإنما بكلبه‪ .‬لكنه واصل بدون توقف‪ .‬في بلد يحسن فيها النسان‬ ‫للحيوان ل لصاحبه‪ .‬ل أدري أيًا منها بيعت‪ .‬لنك لم تمتلك شجاعة التخلي عنها‪ .‬أؤثر الخسارات‬ ‫الكبيرة على المكاسب الصغيرة‪ .‬وأربعين سنة‬ ‫من الستقلل‪ .‬شب حريق لي ً‬‫القطبي أعماله في مدينة ) ليل(‪ .‬تتشابه‪ .‬مع أن البعض ل يأخذ من التأويلت إل ما يضرك ‪ .‬لكنها أضافت إلى إعجابي به انبهارًا بمنطقه السليم في التحليل‬ ‫وهو يقول بعد شيء من الصمت كأنه وقع على اكتشاف جديد‪:‬‬ ‫ ثمة مع السف احتمال آخر لختيارهم هذه الصورة ‪ .‬‬ ‫يفعلون ذلك لنهم يروا في جثته رفاتهم‪.‬ل موتاها‪.‬حيث كان يعرض الرسام المغربي المهدي‬ ‫ في ‪ 16‬نوفمبر الماضي‪ .‬وبحزن هاتف يرن طوي ً‬ ‫يرفعه أحد‪:‬‬ ‫ الفاجعة‪ .‬‬‫قلت بعد شيء من الصمت‪:‬‬ ‫ ل أفهم أن يتخلى رسام عن كل لوحاته دفعة واحدة‪ .‬أو تبعثرت أشلؤها وهي تمر فوق لغم‪ .‬كل جثث الكائنات التي كانت‬ ‫حية‪ ..‬‬ ‫ أتعتقد هذا؟‬‫ل ول‬ ‫صمت حتى ظننت أنه لن يضيف شيئًا‪ .‬أحب المجد الضائع مرة واحدة‪.‬في هذا الفقدان الكامل والفوري إشعار‬‫بالفاجعة وإصرار على الخسارة‪..‬‬ ‫ل‪ .‬عذبتني التأويلت الكثيرة لهذه الصورة‪ .‬لكنه أصبح صديق فجائعي عندما قرأت‬ ‫في الصحف أن معرضه ذاك كان يضم خلصة خمس وعشرين سنة من أعماله الفنية‪.‬ثم واصل‪:‬‬ ‫صمت قلي ً‬ ‫ل في القاعة‪ .‬فقبله كان يموت جوعًا‪ ..‬‬ ‫ى قاطعًا صمت حزن فاجأنا‪:‬‬ ‫قلت بنبرة أس ً‬ ‫ ما عاد يعنيني أن أعرف شيئًا عن هذه الصورة‪ .‬من المنطقي أن يكرم جثة كلب‪ .‬‬‫قال بسعادة‪:‬‬ ‫ جميل‪ .‬‬‫متمثلة في وحدة مصير النسان والكلب في الجزائر بعد سبع سنوات من النضال‪ .‬حرم فيها‬ ‫نفسه من كل شيء لينجز معرضًا بدل أن يحضره الزوار زارته النيران‪.‬خاصة من الصحافة الجزائرية التي‬‫رأت بعضها أن فرنسا كرمت في هذه الصورة كلب الجزائر‪ .‬أن تتخلى الشياء عنك‪ .‬‬ ‫ثم أضفت وقد تذكرت شيئًا‪:‬‬ ‫ بالمناسبة ‪ :‬ثلث من لوحاتك بيعت البارحة‪.‬ولذا‪ .‬بل كيف أتخلص من مال هذه الجائزة بعمل‬‫يعود ريعه لضحايا الرهاب‪.‬أنا‬ ‫كصديقي الذي كان يردد " ل متاع لي سوى خساراتي‪ .‬‬ ‫لو تدري كم من المور الغريبة كنت شاهدًا عليها‪ .‬لو تدري لبلغت عمق رحم الحكمة‪.‬‬ ‫ يسعدني رأيك‪ .‬ولكنهم هنا يستندون إلى حقيقة أن النسان الغربي أكثر شفقة على الحيوان منه‬ ‫على النسان‪ .‬ل يهم‪ .‬فيها إراحة للضمير الفرنسي وتشف مستتر‪.‬لمتعة إفساد‬‫فرحتك بالنجاح‪ ..‬دومًا كنت أرى فيها إحدى احتمالت موتي‬ ‫أو عطبي‪ .‫خط موريس‪ .‬ولم يخطئ إحساسي إذ انفجر لغم وذهب يومًا بذراعي‪.‬‬ .‬ولذا الذين يسرعون بدفن كلب أو قط ما كانوا يسرعون لطعامه يوم كان حيًا‪.‬مما جعل المتسولين والمشردين يخرجون إلى التسول بصحبة كلب وأحيانًا كلبين‪.‬فأنت ل تغتني بأشياء ما لم تفقد أخرى‪ .‬عليك أل تتفادى‬‫خساراتك‪ .‬‬ ‫أجابني مبتسمًا‪:‬‬ ‫ وهذا أيضًا تأويل فيه صواب‪ .‬‬ ‫ثلثون سنة قضاها في باريس مثابرًا على إنجاز لوحات أخذت منه أجمل أعوام عمره‪ .‬أما أرباحي فسقط متاع"‪.‬سمعت أحدهم يقول مرة على التلفزيون إن الناس يتصدقون على كلبه وليس عليه‪.

‬وهذه اللوحة خاصة‪ .‬جمعت شجاعتي وقلت له‪:‬‬ ‫ أريد أن أشتري منك هذه اللوحة‪ .‬مكانها الحقيقي"‪.‬وعلى حاجته كان يرفض ويقول‪ " :‬إنني أحتفظ بها لذلك اليوم الذي يتحرر فيه‬ ‫العراق من طغاته‪ .‬الذي قد يكون فنانون وكتاب قد قتلوا على يده؟‬ ‫إن من يقتل بشرًا ل يؤتمن على شيء‪.‬ل يحددها قدر اللوحات بل قدر أصحابها وشأنهم‪ .‬بل هي حمل‬ ‫يثقلك‪ .‬‬ ‫تلزمك خسارات كبيرة لتدرك قيمة ما بقي في حوزتك‪ .‬يرثه منك بحكم صلة الدم ل صلة الفن‪.‬فأخذوها غنيمة‬ ‫حرب إلى العراق حيث اختفت أخبارها مع المختفين والمخطوفين‪ .‬حتى اللوحة الحب إلى قلبي‬ ‫عرضتها للبيع‪ .‬رجل مهووس بالبصرة كهوسي‬ ‫بقسنطينة‪ .‬وما يلزمك لما‬ ‫بقي من سفر‪ .‬‬ ‫ذهب بي التفكير وقتها بعيدًا‪ .‬عندها‬ ‫تدرك أن السعادة إتقان فن الختزال‪ .‬وضعت عليها إشارة توهم أنها محجوزة‪ .‬ثمة حكمة ل تبلغها إل في عز وحدتك وغربتك‪ ..‬‬ ‫في النهاية‪ .‬ل يتحدث إل عنها‪ .‬ولذا أنت لن تسمع‬ ‫يومًا بنار التهمت لوحات بيكاسو أو فان غوغ‪ .‬‬ ‫ثم فجأة صمت‪ .‬وأثناء احتللهم قصرها وقعوا على لوحات الرسام‪ .‬ذلك الصمت الذي يحدث فيك أثرًا أكثر من الكلمات‪.‬قد تقول‪ .‬فأهدي يومها لوحاتي إلى متحف البصرة‪ .‬أما الكثر‬ ‫ألمًا‪ .‬أجاب بذكاء من عثر على مخرج‪:‬‬ ‫ ولكنك ل تدري عن أية لوحة أتكلم‪ .‬قبل عرضها في أن تحتفظ بها وتبقى في حوزتها حتى‬ ‫"تتحرر البصرة" فتسلمها بنفسها إلى متحف المدينة‪.‬أم على حائط بيت‪.‬أنا حجزتها خشية أن‬ ‫ل لها‪ .‬عندما تبلغ عمرًا طاعنًا في الخسارة‪..‬فهكذا كان يفعل النازيون الذين كانوا عندما‬ ‫يريدون إذلل رسام كبير يصادرون لوحاته ويبيعونها بأسعار زهيدة ل تتجاوز أحيانًا الثلثين‬ ‫ماركًا!‬ ‫كما ترى‪ .‬ل يرسم إل مدينته‪ .‬‬ ‫غير أن الذي حدث ل يمكن حتى لسينمائي أن يتصوره‪ .‬كيف أثق في حبك للوحة ل تعرفها!‬‫أجبته‪:‬‬ ‫ل في المعرض ولم أفهم أن تكون‬ ‫ أنا أحب كل أعمالك‪ .‬عندما تبدأ في الختزال تكتشف أن عمرك كله قد يختصر في إنجاز واحد‪ .‬لتهون عليك الفجائع الصغيرة‪ ..‬يعرض الكثيرون عليه شراء‬ ‫لوحاته تلك‪ .‬ليت اللصوص هم الذين حضروا بدل النار‪ .‬في الواقع‪ .‬كما لن تسمع بسارق غامر بسرقة لوحاتي!‬ ‫قلت كمن يتمتم‪:‬‬ ‫ غريب هذا المر!‬‫قال متهكمًا‪:‬‬ ‫ثمة أقدار أكثر غرابة تذهب فبها اللوحات بنفسها إلى أعدائها وسارقيها‪ .‬‬ ‫ذات يوم زارته سيدة كويتية ثرية مشهورة بولعها باقتناء العمال الفنية وحبها لمساعدة المبدعين‬ ‫العرب في المنافي‪ .‬وقتها تكتشف أن معظم الشياء التي تحيط بها نفسك ليست ضرورية‪ .‬قسمة ونصيب‪ .‬إنها الوحيدة التي يعنيني أ‪ ،‬أعرف لمن ستكون‪ .‬وعبثًا حاولت إغراءه بشراء لوحاته‪ .‬قامت‬ ‫جيوش صدام بغزو الكويت‪ .‬اسمع هذه القصة‬ ‫العجيبة‪ :‬لي صديق عراقي يقيم في أوربا منذ عشرين سنة‪ .‬أو‬ ‫قد تكون بيعت بسعر رخيص في سوق الخردة‪ .‬‬ ‫هل يجوز أن أترك أعمالي لبن أخي الرهابي‪ .‬فأن تترك إنجاز عمرك لقريب ل يقدر قيمته‪ .‬‬ ‫هكذا عودتنا الخبار التي تنقل لنا بين الحين والخر سرقات لشهر اللوحات‪ .‬وكان لشهرته‪ .‬وثقة منه في تقدير تلك السيدة للفن‪ .‬هل ستعلق على جدار‬ ‫يشتريها من ليس أه ً‬ ‫قلب‪ .‬غير أنه أمام خوفه أن تتشرد لوحاته‬ ‫بعده‪ .‬بعد سنة من حيازتها اللوحات‪ .‫في هذه الحالة‪ .‬وربما تكون أعدمت نيابة عن‬ ‫صاحبها المحكوم عليه بالعدام منذ عشرين سنة! أو ربما تكون زينت قصور الطغاة أنفسهم‪ .‬وقفت أتأملها طوي ً‬‫بعتها!‬ .‬ربما في المر عزاؤك‪.‬ولنني وصلت إلى هذه القناعة قررت أن أبيع جميع لوحاتي‪ .‬غير أن السرقات‬ ‫كما الحريق‪ ..‬هل تبيعني إياها؟‬‫فوجئ بسؤالي‪ .‬أن تقوم بفرز ما بإمكانك أن تتخلص منه‪ .

‬كفنار بحري في ليل ممطر‪:‬‬ ‫ يا مغبون‪ ..‬ثم قال بنبرة متعجبة‪:‬‬ ‫ تعرفها؟ كيف لك أن تعرفها؟ ثمة سبع عشرة لوحة من أعمالي عليها إشارة حمراء تقو إنها‬‫بيعت!‬ ‫أجبته بعناد جميل‪:‬‬ ‫ أل يشفع لي عندك أنني عرفتها من بين ‪ 17‬لوحة؟!‬‫رد مستسلمًا وقد حشرته في المربع الخير‪:‬‬ ‫ إن دليتني عليها حقًا‪ .‬‬ ‫بدا لي للحظة حزينًا‪ .‬‬ ‫ل‪ .‬متهكمًا حتى لكأن حزنه يدافع عن‬ ‫نفسه بالسخرية‪.‬المهم أل تدري بذلك‪ .‬ولذا عليك‬ ‫باكرًا أن تتمرن على تقبل الخيانة‪.‬هو ل يصلح سقفًا‬‫لمأواك‪ .‬أو قلت أكثر مما يجب أن أقول في جلسة واحدة‪.‬حتى أن تكون اللوحة لك‪ ..‬كل شيء لك سينتقل إلى غيرك شئت أم أبيت‪ .‬كل شيء يغير يد صاحبه‪ .‬فلست من يقرر قدرها‪ .‬ل تحب امرأة تحب الجسور‪ .‬وأحيانًا يستبدلها بيد عدوه‪ .‬ذكيًا ذكاء المرض الخير الذي يمنحك‬ ‫فرصة التفكير‪ .‬حزن محارب تخلت عنه زوجته وهو في الجبهة‪ .‬يجعلك تتنبه لما لم تكن تراه من قبل‪.‬ويعرف ذلك‪.‬ككل نساء قسنطينة!‬‫لعلي قلت له كل شيء دفعة واحدة‪ .‬بدون أن يغفل أثناء ذلك الغريم الذي كان يتوجسه في‪.‬ذكيًا كما ينبغي‪ .‬امرأتك‪ .‬فهي لك!‬‫ثم أضاف بعد صمت‪ .‫أصلح من جلسته‪ .‬‬‫ من؟‬‫ المرأة التي قد أهديها إياها!‬‫غير أني استدركت خشية أن أجعله يعدل عن رأيه‪:‬‬ ‫ ل تخش على لوحتك‪ .‬وأنت ‪ .‬مقتنياتك‪ ..‬أملك ما ً‬‫تتركها‪ .‬هو لم يصدق‬ ‫أعذاري الصحفية في طلب مقابلة‪ .‬أن تبني بيتًا على طرف جسر‪ .‬هو الذي لم أصادف أحدًا يعوده؟ حتمًا‪ ..‬‬ ‫سألته شبه معتذر‪:‬‬ ‫ إن كان يزعجك أن أهدي هذه اللوحة لشخص آخر سأحتفظ بها لنفسي‪.‬أنت لست سوى يد في عمر أشياء‬‫ستتناوب عليها أيد كثيرة‪ .‬أنا ‪ .‬كمن يريد أن يكون كبيرًا في هزيمته‪:‬‬ ‫ أقصد‪ .‬بهذا تصنع سعادتنا نحن الثلثة‪ .‬‬‫ثم واصلت في محاولة لقناعه بمكاسبه‪:‬‬ ‫ل أريد أن أتخلص منه في عمل خيري‪ .‬كان يتحدث إلي كما لو كان يحادث صحفيًا حينًا‪.‬‬ ‫ثم أضفت‪ .‬عليك أل تعجب أن يتخلى عنك‬ .‬‬ ‫وصديقًا أحيانًا أخرى‪ .‬لكن ماذا كان يعرف عني هذا الرجل المحتفي بي كقريب‬ ‫أو صديق كما لو كان ينتظر مجيئي‪ .‬يستعيد المرض حدس الطفال في معرفة من يحبهم ومن يكذب‬ ‫ألن المرض يعيد النسان طف ً‬ ‫عليهم؟‬ ‫كنت واثقًا أنه أحبني منذ اللقاء الول‪ ..‬إنها سيدة الجسور‪ .‬لكن‪ .‬وأنت تملك لوحة ل تدري لمن‬ ‫ صفقة جميلة‪ .‬كأن ترفع الكلفة بينك وبين الهاوية!‬ ‫كان مريضًا بحكمته المتهكمة حتى لكأنه يعاني منها‪.‬الجسر ل يصلح لتعمر بمحاذاته بيتًا‪ .‬هي لك بدون مقابل!‬‫ بل مقابل كل ما بقي لي من مال تلك الجائزة‪.‬وظيفتك‪.‬‬ ‫ل ثم واصل وهو يحرك كتفه اليسر مشيرًا إلى ذراعه المبتورة‪:‬‬ ‫صمت قلي ً‬ ‫‪ -‬عندما تهجرك أعضاؤك‪ .‬وقال ذلك الكلم الذي لم أختبر صدقه إل لحقًا‪:‬‬ ‫ ل تهتم‪ ..‬وتتخلى عنك وهي من لحمك ودمك‪ ..‬متغابيًا كما يليق‪ .‬‬ ‫لكنه كان في مشهده ذاك‪ .‬والناس الذين سيذهب ريع هذه اللوحة لهم‪.‬وفكرة مجنونة تعبر ذهني‪:‬‬ ‫ وربما تصنع سعادة شخص رابع‪.‬‬‫ضحك متهكمًا‪ ...‬‬ ‫بيتك‪ .‬‬ ‫قال بصوت خافت الضاءة‪ .

‬هربت أثناء غيابه مع أحد المظليين‬ ‫إغراءات مونيك‪ .‬مستعج ً‬ ‫الفرنسيين‪ .‬كل حب قسنطيني يقف‬‫على حافة المنحدرات العاطفية‪..‬قاطعني قائ ً‬ ‫ أتدري لماذا انتحر خالد بن طوبال في رواية مالك حداد " رصيف الزهار لم يعد يجيب؟" قلت‬‫معتذرًا‪:‬‬ ‫ في الواقع‪ .‬‬‫قال‪:‬‬ ‫ رواية صغيرة من مائة صفحة‪ .‬حام ً‬ ‫تغريك بالستسلم للهاوية‪..‬فما بالك بلوحة؟‬ ‫شعرت كأنما الحزن رفعني إلى عمره‪ ..‬ومرة بذكائه!‬ ‫ماذا كان علي أن أفهم من كلم رجل ينصب لك بين الكلمات فخاخ الصمت‪ .‬وتلك الكآبة الهائلة التي‬ ‫روحية‪ .‬لكنه اكتسب فطنة المرض‪ ...‬فلماذا كنت‬‫حكيمًا؟"‬ ‫كنت على وشك مغادرته حين ناداني لول مرة‪:‬‬ ‫ خالد‪.‬في الواقع أخذته من‬‫رواية‪.‬لن وريدة التي ‪ .‬‬‫ وأحيانًا أخرى‪.‬يولد بعاهة‬ ‫ل بذرة النتحار في جيناته‪ .‬لم أعرف قبلك رج ً‬‫رد بتهكمه الموجع‪:‬‬ ‫ سأجيبك بقول أحبه في الكتاب المقدس ‪ " :‬مادمت سأنتهي إلى مصير الجاهل‪ .‫حبيب أو قريب أو وطن‪ .‬كان عليه أل يدري‪.‬شخص‬ ‫غيره كان فكر في طريقة أخرى للموت‪ .‬لكن القسنطيني الذي أمه صخرة وأبوه جسر‪ .‬‬ .‬وبين صمت وصمت‬ ‫يهديك مفك تأويل اللغام‪.‬‬ ‫غير أن خالد بن طوبال في كل الروايات يدري‪ .‬عقدت قرانها على الريح" تخونه في كل رواية مع مظلي جديد‪.‬‬ ‫سألني فجأة‪:‬‬ ‫ هل أنت قسنطيني؟‬‫قلت كمن يعترف بخطيئة‪:‬‬ ‫ أجل‪.‬‬‫عندما علم أثناء وجوده في فرنسا من الجرائد‪ ..‬وعبثًا حشرت حواسي للتقط ما‬ ‫يمكن أن يشي بما جئته متقصيًا إياه‪.‬؟‬‫قلت متهربًا من سؤاله‪:‬‬ ‫ في معظم الحيان اسمي خالد بن طوبال‪ .‬حسب تعبير مارغريت‬ ‫دوراس في إحدى رواياتها‪ "..‬‬ ‫ أحسدك‪ .‬‬ ‫ليست الخيانة هي التي كانت سببًا في موت خالد بن طوبال‪ .‬ل يحدث فيها شيء تقريبًا‪ .‬أن وريدة زوجته التي يعشقها وقاوم من أجلها كل‬ ‫ل العودة إلى قسنطينة ليراها‪ ...‬إنما علمه بها‪ .‬‬‫ ما دام ليس في إمكانك تغيير جيناتك‪ .‬وأفلست وأنا أراه يستعرض‬ ‫خساراته‪.‬‬ ‫وفي كل الروايات يموت خالد مرتين‪ :‬مرة بسبب جيناته القسنطينية‪ .‬‬ ‫يا لهذا الرجل‪ ..‬فقد غفلة الصحة‪ ....‬أنني شخت في لحظات‪ ..‬قرأت هذه الرواية منذ زمن بعيد ونسيت أحداثها‪.‬‬ ‫ل كما ليوفر علي جهد البحث عن ذريعة‪:‬‬ ‫وقبل أن أواصل‪ .‬‬ ‫قلت‪:‬‬ ‫ل على هذا القدر من الحكمة‪.‬‬‫ثم واصل ممازحًا كمن ل يعنيه جوابك بقدر ما يعنيه أل تستخف بذكائه‪:‬‬ ‫ أما زال اسمك خالد؟‬‫ أحيانًا‪.‬وانفضح أمرها عندما ماتت معه في حادث‪ .‬ولذا يلقي خالد بنفسه من القطار‪ .‬مسكونًا بشهوة القفز نحو العدم‪ .‬ل تحب امرأة تحب الجسور‪ .‬السم الذي يشبهني أكثر‪ .‬عدا انتحار بطلها في آخر الرواية‪.

‬أن أدير‬ ‫علقات متداخلة متشابكة مع بعضها البعض‪ .‬وناصر سيبقى لقضاء المسية معهما‪.‬وهذا المر‪ ..‬حتى اتصلت بمراد متذرعًا بالطمئنان على وصول أم ناصر وسلمتها‪.‬الوحيد الذي كان كلنا يعرفه‪.‬‬ ‫منت أشك أن تحضر يومها‪.‬ول مجال لزيد عليها خلطة أخرى!‬ ‫كان السؤال الول‪ :‬كيف بإمكاني بعد الن وبالقدر الدنى من الضرار ومن الشبهات‪ .‬ول أن أخسر علقة جميلة تجمعني بفرانسواز‪.‬خلقتها مصادفة تواجدنا جميعًا في باريس‪ .‬‬ ‫قصدت المعرض في حدود الثانية عشرة‪ .‬قلت له شبه معتذر‪:‬‬ ‫ل هذه اليام‪.‬نظرًا لعادتها‬ ‫الصباحية الكسولة‪.‬يا لغواياتك الجميلة المكلفة‪ .‬‬‫طبعًا ما كان يدري أنها كانت " مخّلطة بكراع كلب"‪ .‬كأني ما خلعت يومًا انتظارها‪ .‬أن‬ ‫أفك ربطة عنق الوقت‪ .‬لم أكن أريد أن أفوت أي‬ .‬أن أبدأ النهار بإقامة علقة جميلة وكسولة مع الحياة‪ .‬كان به ورع عاطفي‪ .‬مع امرأة تلحقها دائمًا‬ ‫فتنة الشائعات‪ .‬ول أنا سأسأله عنها‪.‬وأنني لن أمتلك منها هذه المرة أيضًا إل غبار السفر‪ .‬وأنت دومًا خائف عليها‬ ‫منها‪ .‬وتسبقها حيث حلت عيون المخبرين وأجهزة التنصت‪ .‬بماله ومخبريه‪ .‬ول أن أثير شكوك زيان أو‬ ‫أسبب ألمه‪ .‬يا لجنونك يا رجل!‬ ‫لم أستطع ليلتها معاشرة فرانسواز‪ .‬كان اليوم الول لوجودها في باريس‪ .‬‬ ‫ربما يكون تعرف علي بذكاء القلب وحدسه‪ .‬‬‫ودعني مراد مازحًا أو ناصحًا وهو يقول‪:‬‬ ‫ " خلها تصفى"‪.‬لن كلنا خالد بن طوبال‪ .‬واثقًا أنها لن تغادر الفندق باكرًا‪ .‬‬ ‫قال‪:‬‬ ‫ وصلت ظهرًا صحبة أخته‪ .‬سألني بعد ذلك‪:‬‬ ‫ متى نراك؟‬‫وجدتني فجأة على عجل‪ .‬كنت ل أريد أن أفقد احترام ناصر‪ .‬أكنت أفتقدها لقاصص نفسي‬ ‫باشتياقها بعد أن عذبني المتلك المؤقت لها؟‬ ‫وأنا الذي أعلم أنها ما عادت لتبقى‪ .‬‬ ‫ثمة أيضًا مصيبة الدخول في مدار حب محفوف بالمخاطر والمجازفات‪ .‬‬ ‫قررت أن أذيب الفرحة في فنجان قهوة‪ .‬لكن‪ .‬حتى‬ ‫أصبحت تحتاج إلى شرطي القدر لتفادي حوادث سير المصادفات!‬ ‫فبقدر إصراري على رؤية حياة‪ .‬خائف منها عليك!‬ ‫أن تحب امرأة يحكم زوجها بلدًا‪ .‬‬ ‫كنا هناك‪ .‬سعادتي بما لن يعرفه عني‪.‫كرجال جيله‪ .‬‬ ‫كنت سعيدًا بما ل أعرفه عنه‪ .‬وأترك قميصي مفتوحًا لرياح المصادفة‪.‬حال خروجها إلى المدينة‪ .‬‬ ‫كيف لي أن أنام وأنا بكامل ترقبي‪ .‬‬ ‫ سأكون مشغو ً‬‫ثم أضفت‪:‬‬ ‫ الحالة مخّلطة شوية‪..‬هو لن يكاشفني‪ .‬لماذا‬ ‫تراني على عجل؟‬ ‫***‬ ‫استيقظت في الصباح بمزاج جميل‪.‬أو‬ ‫ميثاق كبرياء‪.‬كان جسدي سبقني وراح يبحث عنها في عناوين الفنادق‪.‬‬‫تنفست الصعداء‪ .‬ولم يكن من الطبيعي أن تأتي‬ ‫إلى الرواق لمشاهدة معرض خالد‪ .‬لكننا منذ البدء جعلنا التغابي بيننا ميثاق ذكاء‪ .‬‬ ‫ما كدت أعود إلى البيت‪ .

‬عندما يتعلق المر بغاية‬ ‫عاطفية‪.‬بقدر ما كان يرى بن فخذيها أوراق إقامته في فرنسا وربما‪ .‬وأدركت سر سؤاله الدائم لي‪ .‬أدرك دون أن أشرح له أكثر‪ ..‬‬ ‫ل طاعنًا في الصبر‪ .‬وأنني أقيم في بيتها‪ .‬‬ ‫أحب ذلك التبذير الجميل في الحب‪ .‬ذلك الذي أحضره لي النادل مجانًا مع القهوة‪ .‬بذريعة أنه‬ ‫يريد إرسال شيء معي بعدما تأكد أنني ل أملك سوى تأشيرة سياحية‪ .‬‬ ‫هي لي إذن‪ ..‬لكنني بعد بعض الوقت‬ ‫فوجئت بمراد يدخل الرواق‪.‬هكذا حدثت‬ ‫الشياء في تلك الرواية التي أحفظها عن ظهر قلب‪ ..‬ول كان مهتمًا بلوحات زيان‪.‬‬ ‫بالترقب نفسه‪ .‬‬ ‫غادرت المقهى بعد ذلك بدون أن أعود إلى الرواق كما كنت أنوي‪.‬كما لو أ‪ ،‬الزمن بالنسبة لها ظل معلقًا كما الجسر المرسوم عليها‪.‬كما ليساعدني على‬ ‫ابتلع غصة‪.‬بحكم مهنتي‪.‬‬ ‫ولو أطال البقاء لعتقدت أنه غير عادته‪ .‬والتي تشهد اليوم معرضه الخير‪ .‬بي ولع بكل أنواع الهدر الجنوني‪ .‬‬ .‬‬ ‫وكنت قبل كل هذا رج ً‬ ‫أوحدي كنت أنتظرها تائهًا بين تلك اللوحات؟ خطر لي أننا كنا ننتظرها معًا‪ .‬ربما ما كان سوى فرانسواز‪.‬وأنا في هذه القاعة ملك متوج بها‪ .‬‬ ‫ل على كرسي الوقت‪ .‬فربما ظل معي طوال الوقت وأفسد علي لقائي بها لو جاءت‪..‬وهو ما توقع أن أكون هنا قبالة خيانته‪.‬‬ ‫كأنما الحياة تفكك نسيج قصته وتعيد نسجها منن جديد باستبداله بي في كل موقف‪ .‬‬ ‫منذ ذلك الحين‪ .‬‬ ‫اقتنعت بذلك وأنا أراها تودعه عند الباب بحميمية‪ .‬‬ ‫أو بصاحبها‪.‬‬ ‫عجبت لمروره‪ .‬لكنه بدا كما لو أنه جاء لسبب آخر‪ ...‬وهذه أيضًا مصادفة عجيبة أخرى‪.‬‬ ‫سعادتي هذا الصباح تعود أيضًا لنني اشتريتها بعد أن عقدت تلك الصفقة المجنونة مع‬ ‫زيان‪.‬‬ ‫مرت ثلث ساعات على وجودي في القاعة‪ .‬قررت أن أقصد المقهى على الرصيف المقابل‬ ‫لحتسي قهوة‪..‬‬ ‫اخترت طاولة بمحاذاة واجهة زجاجية‪ .‬مقابل قطعة قماش مصلوبة‬ ‫على جدار أسميتها قسنطينة!‬ ‫كان الوقت يمر رتيبًا‪.‬في‬ ‫أول معرض له‪ .‬كم مر على هذا المعرض من لوحات قبل أن تعود " حنين" لتأخذ مكانها على‬ ‫جدار‪ .‬بنفس الصرار واليأس والمل‪ .‬أو لملقاة شخص‬ ‫ما‪ .‬فما كان من تقاليده زيارة المعارض أكثر من مرة‪ .‬بينما ذراعه‬ ‫تخاصرها بمودة تتجاوز البراءة‪.‬حتى ألمحها في حالة قدومها‪ .‬ل أرتجي ثوابًا غير لهفة القبلة الولى‪.‬وهو يطبع قبلة على خدها‪ .‬‬ ‫عبرتني سحابة كآبة‪ .‬‬ ‫حمدت ال لنني ما كنت هناك‪ ..‬أختبر فرحة أ‪ ،‬أفلس‪ .‬أنا‬ ‫وهو‪ .‬أنه ل يملك سواي وريثًا لها‪..‬في مخادعة الزمن خشية انفراط حبات مسبحة‬ ‫كنت مستعدًا أن أجلس طوي ً‬ ‫الصبر‪ .‬كان حسب قوله رج ً‬ ‫أزمنة الخيانة"‪.‬كان يروح ويجيء داخل هذه القاعة التي قّدم فيها‬ ‫ل "وفيًا للمكنة‪ .‫احتمال لمرورها‪.‬متى أنوي العودة إلى الجزائر‪ .‬‬ ‫هي حتمًا حسبتني غادرت الرواق إلى البيت‪ .‬عن ظهر مقلب!‬ ‫هكذا كان ينتظرها هو نفسه في بداية "ذاكرة الجسد"‪ .‬أنا ولوحاته‪ .‬مشروع‬ ‫جواز سفر " أحمر"!‬ ‫بلعت كوب الماء على عجل‪ .‬أما هو‬ ‫فلم يكن يريد القامة عندها‪.‬عساها تأتي وتزور معرضه ثانية بمفردها‪.

‬بإمكانك أل تتكلمي‪ .‬وأن مليين الناس غيري ل يدري كيف يهربون من وشاية الليل الفاضحة لغترابهم‬ ‫الجسدي عن أقرب الناس إليهم‪.‬ل أريد أن يعلم بإقامتي هنا‪.‬أمشي متقدمًا في وحل الحاسيس النسانية‪.‬إن كانت تفضل أن أقيم في مكان آخر أثناء غيابها‪...‬وجدتني عاجزًا عن ضمها بدون مشقة‪ .‬فهو يعرف صوتي‪..‬اخترعت فاجعة الصورة!‬‫اشتقت فجأة إلى خالد‪ .‬كيف فكرت في شيء كهذا!‬‫ في جميع الحالت‪ .‬‬ ‫قالت مصدقة‪:‬‬ ‫ حقًا! كيف؟‬‫أجبت متهكمًا‪:‬‬ ‫ل‪ .‬وهو من سبقني إلى تقاسم هذا البيت مع امرأة‪ .Oh merci.‬‬ ‫كنت دون مظلة‪ .‬‬ ‫أضفت‪:‬‬ ‫ وبالمناسبة‪.‬‬ ‫تذكرت زوجتي التي إستطاعت أن تسرق مني طف ً‬ ‫ففي حوادث السرير‪ ..‬عندما تقاسمنا السرير نفسه للنوم‪ .‬في جميع الحالت‪ .‬‬ .‬يحدث أن تصطدم بشخص ينام جوارك أو أن تلمس شيئًا منه وجد في‬ ‫متناول جسدك‪.‬وحده كان سيفهم جملة على هذا القدر من وجع السخرية‪ .‬مددتها فقط بصورة والدتها كما أعددت بروازها الزجاجي دون إطار‪..‬انشقت السماء فجأة بسيول من المطار كأنها تبكي نيابة عني‪.‬الن لم‬‫أعد أحزن مذ طّورت آلة تصويري‪.‬‬ ‫ الن مث ً‬‫لم أتوقع منها أن تفهم‪ .‬وسأغادر الشقة حتمًا قبل‬‫خروج زيان من المستشفى‪ .‬سأقضي هناك نهاية السبوع وأعود الثنين صباحًا‪.‬قالت بتذمر وهي تخلع معطفها‪:‬‬ ‫ أتمنى أل أجد هذا الطقس في انتظاري في ) نيس( ‪ ....‬‬ ‫ل بفضل ذرائع فراش الزوجية‪.‬سأعود بعد أسبوعين أو ثلثة إلى الجزائر‪ .‬‬ ‫عندما عادت فرانسواز في المساء‪ .‬ولذا لم أعجب وهي تجيبني‪:‬‬ ‫ أتكون اخترعت الصورة الفاضحة؟‬‫ ل ‪ . elle est mieux ainsi‬‬‫قلت أنا أعابث شعرها الحمر‪:‬‬ ‫ تدرين‪ .‬أنوي شراء هاتف خلوي يمكنك أن تطلبينني عليه لنني ل أرد على الهاتف كما‬‫تعلمين‪ .‬‬‫لم أقل شيئًا‪ .‬‬ ‫بعد ذلك‪ .‬يا إلهي كم كرهت المطر!‬‫سألتها‪:‬‬ ‫ متى تنوين السفر؟‬‫ صباح الجمعة‪ .‬‬ ‫كان عزائي أن كل مساء‪ :‬مليين البيوت ينزل عليها الليل كما ينزل علينا‪ .‬خشية أن يكون زيان على الخط‪ .‬‬ ‫قبلتني على خدي موشوشة‪:‬‬ ‫ ‪!..‬فهو من اخترع‬ ‫قبلي " فاجعة اللوحة"‪ .‬‬ ‫قالت محتجة‪:‬‬ ‫ أبدًا‪ .‫قصدت المترو عائدًا إلى البيت‪ .‬في الماضي كان حزني يعود لعجزي على جعل الرائحة ترى على الصورة‪ ..‬بذلك القدر من نفاق‬ ‫المعاشرة‪ ..‬ل تتفجع سوى أمام‬ ‫النشرة الجوية!‬ ‫سألتها بعد ذلك‪ .‬ما أطبقت شفتيك عنه سألتقطه بعدسة في داخلي‪..‬من يتصلون بي أثناء غيابي بإمكانهم أن يتركوا لي رسالة‬‫صوتية على الهاتف‪.‬أو تقبيل‬ ‫شفتيها الرفيعتين بدو استجداء بلهة الحواس‪.‬‬ ‫ فكرة جيدة‪ ..

‬توحشناك يا راجل‪ .‬ربما سعادة المتكئ ضاحكًا على خرائبه‪..‬مدينة خارج خارطة الخوف العربية‪ .‬‬ ‫كانت الساعة الرابعة بعد الظهر عندما قصدته‪.‬على بالك‪.‬وين راك غاطس؟‬ ‫ أه ً‬‫أجبت كمن يرد عنه شبهة السعادة التي يرى فيها المريض اعتداًء على حزنه‪:‬‬ ‫ راني غاطس في المشاكل‪ .‬والثلج واصل تساقطه داخلي‪ .‬‬ ‫بدا لي خفيفًا ومفلسًا‪ ..‬مدافعًا عن هشاشة الممكن بمزيد من النتظار‪.‬أي أنه ما كان مغامرًا‪ .‬فوضع على الطاولة المجاورة كتابًا‬ ‫كان يقرأه‪ .‬‬ ‫لو أثلجت وهي هنا‪ .‬‬ ‫كانت لغيابها الرهيب المحرق‪ .‬وأنا أنتظرها في الرواق مبعثرًا بين ارتياب‬ ‫لكنها لم تأ ِ‬ ‫الحتمالت‪ .‬لبائع الكستناء المشوية‪ .‬ل تدري ما الذي سرق منه بالتحديد ليكون حزينًا ساخرًا إلى ذلك الحد‪.‬ول مدينتها‪ .‬امرأة جميل معها حتى أن تخلف موعدًا‪.‬‬ ‫ت‪ .‬عاودتني الحاجة إلى لقاء زيان عساني أطمئن على أخباره وأتسقط‬ ‫أخبارها‪ .‬ألزم جغرافيتي!‬‫رد ضاحكًا‪:‬‬ ‫‪ -‬أنت تذكرني بصديق كان يحترف المغامرة المحسوبة‪ ..‬‬ ‫تمامًا كعيد انتظاري إياها‪.‬‬‫أضفت ممازحًا كما لطمئنه‪:‬‬ ‫ لكنني رجل حذر‪ .‬يا إله الشتاء‪ .‬‬ ‫وجدته سعيدًا‪ .‬ارتياب من البهجة المضللة للعيد‪ .‬‬ ‫عندما يئست من مجيئها‪ .‬وقال وأنا أنحني لتقبيله‪:‬‬ ‫ل‪ .‬عندما يتساقط في الخارج ونكون معًا جوار مدفأة الشواق‪.‬يحمل كّما من الشكوى والتذمر التي لست مضطرًا لشرح‬ ‫أسبابها‪ .‬ل تكون‬ ‫مدينتي‪ .‬‬ ..‬فليس العيد سوى الستعداد له‪.‬‬ ‫عندما غادرت البيت ظهرًا متجهًا إلى الرواق‪ .‬لمطر يظل‬ ‫يهطل‪ .‬لو تكّوم الثلج عند باب بيت انغلق علينا كي أختبر تلك العدوانية‬ ‫الجميلة للثلج‪ .‬كانت في الغرفة ذبذبات بهجة‪ .‬فنحن‬ ‫نصنع أعيادنا الحقيقية في غفلة من كل العياد‪.‬لكونه‬ ‫جزائريًا!‬ ‫ل‪:‬‬ ‫وكما ليفهم مصدر مشاكلي فاجأني سائ ً‬ ‫ هل أنت متزوج؟‬‫قلت ساخرًا‪:‬‬ ‫ أحيانًا‬‫ وأحيانًا أخرى؟‬‫ متشرد عاطفي‪.‬ما دام الذي يستمع إليها " على بالو" بحكم أنه غارق حتمًا في المشاكل نفسها‪ .‬داعيًا ال كي ل يجمعني بها عنده تفاديًا لمصادفة لن يخرج منها أحدنا سالمًا‪.‬غيابها الشهي الصقيعي‪ .‬خلقتها‬ ‫فاجأتني باقة ورد منتقاة بذوق را ٍ‬ ‫الورود الصفر والبنفسجية‪.‬نلتقي فيها دون ذعر؟‬ ‫هي ذي باريس‪ .‬‬ ‫أليست هي من كانت تقول إننا نحتاج إلى مدينة ثالثة ليست قسنطينة ول الجزائر‪ .‬ول كان وفيًا‪.‬لواجهات مرشوشة برذاذ الثلج إليها‪.‬قد تتعثر بحب امرأة مرتكبًا حادثًا عاطفيًا للسير‪ .‬‬ ‫ق جوار طاولة سريره‪ ..‬‬ ‫أسريعًا جاءت نهاية السنة؟ أم هم التجار دومًا على عجل كي يبيعوك عيدًا ليس عيدك‪ .‬لكنني طلبت منه أل يغادر سريره‪ .‬‬‫كان جوابًا على الطريقة الجزائرية‪ .‬لليل ينزل على عجل‪ .‬وحب ينتمي للشتاء‪ .‬ولكن امرأة أخرى‬ ‫هي التي تحبل منك إثر حادث سرير!‬ ‫دومًا كان لي سوء ظن بالفرح‪ .‬‬ ‫هّم بالنهوض لستقبالي‪ .‬كانت المدينة مزدانة كما لتستخف بي‪.‫أثناء تسكعك في أزقة القدر‪ .

‬عليك أن تلقي على الذاكرة تحية حذرة‪ .‬فكل عذاباتك تأتي من التفاتك إلى نفسك‪.‬ل يعّول عليه‪ .‬‬ ‫اكتفيت بقراءة التاريخ المكتوب على الهداء‪.‬وحده النسيان يستطيع‬‫ذلك‪ .‬حتى إن هامنغواي عندما كتب لزوجة أبيه‬ ‫طالبًا منها أن تبعث ببندقية أبيه التي انتحر بها‪ .‬بخيبات‬ ‫ماي ‪ 1945‬في سجن الكديا‪ .‬أحرجني كبرياء صمته‪ .Les jumeaux de Nedjma‬‬‫لكن فضولي لكتشاف مطالعات رجل‪ .‬أو‬ ‫بامتلكه لك إلى البد‪.‬إنه‬‫مدين لها بدوامه‪ .‬فاختر صفك يا رجل‪ .‬كن خائنًا بجدارة‪ .‬بدا وكأنه فوجئ بتصرفي‪.‬‬ ‫عندما راح يسكب لنفسه كوب ماء‪ .‬أعطاني الحق في أن أطرح عليه‬ ‫السؤال نفسه‪ .‬أو مخلصًا كما لو بك مس من وفاء!"‬ ‫كانت تلك المرة الولى التي سألني فيها عن حياتي الخاصة‪ .‬كي ينتحر!‬ ‫يا لذكاء هذا الرجل وجمال تهكمه!‬ ‫ى بعيدًا عن تلك المرأة‪ .‬قلت‪:‬‬ ‫ وهل أنت متزوج؟‬‫رد ضاحكًا‪:‬‬ ‫ لنني أكره الخيانة رفضت الزواج‪ .‬وهو جالس بين قوارير الدوية ومصل الكلمات‪.‬دققت في ذلك الكتاب الموجود على الطاولة المجاورة‬ ‫لسريره‪ .‬عشت معه كل ولدة " نجمة"‪ .‬فيه تفاصيل مذهلة لم أكن أعرفها عن موت كاتب ياسين‪ .‬‬ ‫استنتجت أنها زارته هذا الصباح‪ .‬كنا جي ً‬ .‬وكنت أقول له عندما يدعي الستقامة " إن الوفاء المبني على‬ ‫الرعب الوبائي‪ .‬‬ ‫ومتى خبَر هذا؟ ومع من؟‬ ‫كان لعينيه جمالية تعب مزمن‪ .‬قال وهو يراني أعيد الكتاب إلى مكانه‪:‬‬ ‫كما ليذهب بكلمنا منح ً‬ ‫ إنه كتاب جميل‪ ..‬بقدر ما هي مدينة له بوجودها‪ .‬‬ ‫تأملت العنوان‪ .‫كان يخاف المراض الشائعة‪ .‬ل أظنني قادرًا على أن أكون من رعاة الضجر الزوجي في شراشف النفاق‪.‬‬ ‫ أراك سعيدًا اليوم‪.‬بل للذتها تساعدك على ابتلع أي مذاق مر‬‫يرافقها‪ .‬مسهلة عليك الموت لحظة تلّقيك رصاصة‪ .‬فكيف أقبل بامتلك شخص ومطالبته بالوفاء البدي لي بحكم ورقة‬ ‫ثبوتية‪ .‬ول‬ ‫تحد عنه‪ .‬وأدركت من أين جاءت باقة الورد الجميلة وعلبة الشوكولطة‬ ‫الفاخرة جوار سريره‪ .‬سجنت معه في ‪8‬‬‫ل بحياة متشابهة‪ ..‬ربما كان‬ ‫يختبر قلة ذوقي أو وقاحتي في التجسس على سره الكبير‪.‬‬ ‫أنا أرفض امتلك شيء‪ ..‬جعلني أمد يدي‬ ‫تلقائيًا لتصفحه‪ .‬فالزواج الناجح يحتاج إلى شيء من الخيانة لنقاذه‪ .‬كالسلم المبني على الرعب النووي‪ .‬أرسلتها إليه مرفوقة بعلبة شوكولطة لعلمها أنه‬ ‫يريدها‪ .‬وإذ بي أمام إهداء بخطها!‬ ‫كلمات لم أقرأها بعد أن أحسست أن نظراته تراقبني صمتًا‪ .‬عنوانه‪:‬‬ ‫ ‪.‬ثم فتحت الكتاب تلقائيًا على الصفحة الولى‪ .‬فل أكثر كآبة من إحساسك بامتلك أحد‪ .‬أما التعس فشهوة مكفنة بالوفاء!‬‫من أين له صفاء الذهن ليصل إلى حكمة كهذه‪ .‬عندما قال ليقنعني بفضائل الشوكولطة‬ ‫مصرًا على أن يضيفني منها‪:‬‬ ‫ الشوكولطة ل تعطيك نشوة وطاقة للبداع فحسب‪ .‬أجمل شيء في الحياة وفاء مغلف بالشهوة‪ .‬كان كتابًا صغيرًا ليس على غلفه ما يلفت النظر‪ .‬‬‫رد ضاحكًا‬ ‫ حقًا؟ وما جدوى أن تتعذب؟ ل تصدق أن العذاب يجعلك أقوى وأجمل‪ .‬ما رأيت كتابًا قبل اليوم على طاولته‪ .‬ولكنه كان يبدو غير حزين‪.‬غير متوقع المفاجأة التي كانت تنتظرني داخله‪..‬‬ ‫لم يقل شيئًا وأنا آخذه عن الطاولة‪ .‬‬ ‫أضاف بعد شيء من الصمت‪:‬‬ ‫ تدري‪ ..‬فهمت أيضًا ذكاء تلك الطرفة‪ .

‬يوم مات ياسين في مدينة ) غرونوبل( في ‪ 29‬أكتوبر ‪ 1989‬حدث زلزال في الجزائر‪.‬يعلن فيها‬ ‫ل لن يواريه تراب الجزائر‪ .‬‬ ‫كالشهيد البطل مصطفى بن بولعيد الذي اغتيل ابنه عبد الوهاب وهو في الخمسين من عمره في‬ ‫‪ 22‬آذار ‪ .‬بل ما يشبهه"‪.‬‬ ‫مد يده إلى جارور الطاولة الصغيرة الموجودة على يمينه‪ .‬أورث نحس جيله إلى ذريته‪.‬‬ ‫كانت نكتته الخيرة أن تعطلت سيارة الـ " البيجو" ‪ 504‬التي كانت تنقل جثمانه‪ .‬‬‫ أتدري كيف مات هذا الرجل الصلب المراس الذي اشتهر بغموضه وأوامره التي ل رحمة فيها‬‫في التصفيات الجسدية للعداء كما للرفاق؟ توفي سنة ‪ 1980‬إثر أزمة قلبية فاجأته وهو يضحك‬ ‫ضحكًا شديدًا على نكتة سمعها من صديق عبر الهاتف!‬ ‫كان قد انسحب من الحياة السياسية نهائيًا بعد الستقلل‪ .‬‬ ‫ربما كانت في هذه الميتة بالذات كل فاجعة جيلنا‪ .‬كنا نتشابه تقريبًا جميعنا في كل شيء‪ .‬كان مدير الستخبارات العسكرية أثناء الثورة‪.‬رجل تحمل نعشه فرقة مسرحية بكاملها‪..‬تهديه الجزائر جثمان ابنه في يوم استشهاده‪ . 1995‬نهار اغتيل أبوه على أيدي الفرنسيين قبل تسعة وثلثين سنة‪ ..‬بأمهات مجنونات‬ ‫من فرط خوفهن علينا‪ ..‬عندما قرأت في هذا الكتاب تفاصيل موت كاتب‬‫ياسين في فرنسا التي تصادفت مع موت ابن عمه مصطفى كاتب‪ .‬ولم يستطيعوا منع القدر‬ ‫أن يجعله يدفن في أول نوفمبر تاريخ اندلع الثورة الجزائرية‪ .‬إنما تشكيلة الموت في غرابة أقداره كما عرفه جيلنا‪ .‬‬ ‫ولكن نشرة الخبار ذلك المساء كانت تتضمن فتوى بثتها الذاعة الوطنية‪ .‬‬‫قال ساخرًا‪:‬‬ ‫ ليس هذا الطريف في حد ذاته‪ ..‬هل تصدق هذا؟ أنت سمعت حتمًا بعبد الحفيظ بوالصوف؟‬ ‫ طبعًا‪ .‬ثم قال‪:‬‬ ‫ أنتمي إلى جيل النهايات الغريبة غير المتوقعة‪ .‬‬ ‫تصور‪ .‬رفيق سلحهما الخر الذي سقط مغتا ً‬ ‫لم ينج من هذه اللعنة حتى من مات من جيلنا شهيدًا ميتة البطال‪ .‬كان أول من أدخل الفوضى‬ ‫والديمقراطية والزغاريد إلى المقابر كما أدخلها قبل ذلك إلى المعتقلت والسجون!‬ ‫قلت متعجبًا‪:‬‬ ‫ إنه لموت طريف حقًا‪ .‬ثم كيف شيعت جنازته في‬ ‫الجزائر‪ .‬رفيق سلحه الذي مات بعد ذلك حزنًا بسكتة قلبية‬ ‫ل؟‬ ‫أثناء معركة الفاتحة على جثمان محمد بوضياف‪ .‬‬ ‫موت ياسين كحياته‪ .‬بأحلم وطنية أكبر من أعمارنا‪ .‬تصور يا‬‫رجل‪ :‬لي صديقان كلهما من رجال التاريخ وكبار مجاهدي الثورة‪ .‬لكثرة الممثلين‬ ‫الذين كانت تحملهم‪ .‬لم أسمع بهذه التفاصيل من قبل‪.‬رافضًا أي منصب قيادي وأصبح بإمكانه‬ ‫أن يموت ضاحكًا!‬ ‫أليست نهايته أفضل من نهاية سليمان عميرات‪ .‬لول مرة‪ .‬مما جعل المشيعين يترجلون ويذهبون به إلى المقبرة على القدام وسط‬ ‫زمامير السيارات والزغاريد ونشيد الممية الذي كانوا ينشدونه باللغة البربرية‪.‬بعد أن نصب له‬ ‫الرهابيون حاجزًا وهو في طريقه إلى بلدته " باتنة" ليشارك ككل سنة في التأبين الذي يقام في‬ ‫ذكرى استشهاد أبيه‪.‬موت موجع ومشاغب ومسرحي ومعارض ومحرض وساخر‪.‬أي وطن هذا؟‬ .‬فكرت في قول مالرو " ل يحدث للنسان ما يستحقه‪ .‬بآباء لم نتعرف عليهم يومًا‪ .‬ويحرم بحكمها دفنه في مقبرة إسلمية‪.‬رجل مثل مصطفى بن بولعيد ‪ .‬ومستشار الرئيس بن جديد آنذاك‪ .‬أحدهما مات قهرًا والخر‬ ‫مات ضحكًا‪ .‬أحد رموز‬ ‫مقاومتنا‪ .‬ولم نعد نختلف بعد ذلك إل في‬ ‫موتنا‪.‬‬ ‫لم يستطع المام ول الرسميون شيئًا لسكات كاتب ياسين حيًا ول ميتًا‪ .‬‬ ‫أن مثل هذا الرجل ليس أه ً‬ ‫ولكن ياسين ظل حتى بعد موته يستخف بالفتاوى وبكل أنواع السلطات‪ .‫عاطفية مدمرة‪ .‬أصدرها المفتي محمد‬ ‫الغزالي رئيس المجلس السلمي لجامعة قسنطينة‪ .‬حملت نعشه النساء كما‬ ‫الرجال‪ .‬ظل ممسكًا بها‬ ‫كما لو كان أشعلها‪ .‬أخذ سيجارة لم يشعلها‪ .

‬كسحنة من يعبرونها بملمح تعرت من تعابيرها‪ .‬‬ ‫وبدون أن أقول له شيئًا أجاب متهكمًا من تعجبي لتدخينه في المستشفى‪:‬‬ ‫ ل تهتم‪ ..‬شعرت أنها مدينة لم تعد تصلح إل صورة على بطاقة بريدية أو‬ ‫جسرًا على لوحة‪ .‬كأنها شاخت وتساقطت عنها حجارتها‪ .‬‬‫ ما كان لي يومًا معها موعد سعيد‪ .‬‬ ‫صدقني منذ اغتيال بوضياف أصبحت أكره حتى السفر إلى الجزائر‪ .‬والذين منذ البدء لم يغفروا لهم تميزهم عنهم بالمعرفة‪ .‬أريد نشر هذه المقابلة كشهادة عن تلك المرحلة‪.‬هو مبرمج لبادة‬‫نفسه والتنكيل بها عندما ل يجد عدوًا لينوب عنه في ذلك‪ .‬دومًا غادرتها مفجوعًا‪ .1956‬وبعد محاكمة سريعة‪ .‬في حادثة‬ ‫تاريخية شهيرة باسم " ‪ .‬رافضًا عقد ميثاق مع الوحل الذي‬‫أتى على كل شيء‪ .‬وها نحن في ما بقي لنا من ضحايا الرهاب ضد المثقفين‪.‬متثاقلي‬ ‫الخطى أحيانًا أخرى‪ .‬أشعل السيجارة التي كان ممسكًا بها‬ ‫طوال الوقت‪.‬لم يبق لي فيها أحد ول شيء‪ .‬انتبه إلى أنني كنت فتحت المسجل‪ .‬فتح الجارور يبحث عن شيء‪ .‬على هزاله‪ .‬‬‫رد بتهكم مر‪:‬‬ ‫ أية مرحلة؟ تلك المرحلة لم تنته يا رجل‪ ..‬التاريخ " الحّلوف" راه يسجل!‬‫قلت مازحًا في محاولة للتخفيف من مرارته‪:‬‬ ‫ التاريخ يسجل لكن أنا أنشر‪ .‬‬ ‫ ربما لنك زرتها في ظرف حزين‪.‬فقام في يوليو ‪ .‬كأفواه‬ ‫تعرت عن أسنانها‪ .‬ما ظنوا أن ذلك الرجل الذي جبلته‬ ‫السجون والمنافي وخيانات الرفاق‪ .‬مسرعين حينًا‪ .‬أنا أنتمي إلى جيل من الرجال المجبولين بالعصيان‪.‬‬ ‫توقف ليسألني فجأة‪:‬‬ ‫ هل اشتريت تلك اللوحة؟‬‫وقبل أن أجيب‪ .‬تائهين حائرين‪ .‬بدت لي جسورها هرمة تعبة‪ .‬وأنا كنت في صفوف المجاهدين عندما في خدعة هدفها إلحاق ضرر‬ ‫نفسي بالمقاومة‪ .‬والذين بسبب علمهم وثقافتهم الفرنسية لم تكن جبهة‬ ‫التحرير تثق في ولئهم‪ ..‬أخرج ولعة‪ .‬فبموته مات شيء فينا‪.‬كل جاهل يثأر لجهله بقتل مثقف بعد المزايدة عليه في اليمان والتشكيك في ولئه‬ ‫للوطن‪ .‫توقف في تلك اللحظة شريط التسجيل‪ .‬أي إلى المتعلمين‬ ‫الذين تركوا دراساتهم ليلتحقوا بالجبهة‪ .‬‬‫ لم أعد أتردد على قسنطينة‪ .‬الجزائري يعيش جدلية تدمير الذات‪ .‬الجزائر لها‬ ‫تقاليد في قتل مثقفيها‪ .‬بإمكانك أن تراها عندما تزور قسنطينة‪.‬‬‫ثم أردفت خشية أن يكون قد غير رأيه‪:‬‬ ‫ ستبقى بتصرفك‪ .‬‬ ‫عندما جاؤوا به متضرعين كي ينقذ الجزائر ويكون رئيسها‪ .‬‬ ‫أل ترى كل ذلك الحجر المتساقط علينا بعده؟ بإمكاننا الن أن نواصل التراشق بذلك الكم من‬ .‬قال وأنا أقلب الشريط‪:‬‬ ‫ خليك م التسجيل يا راجل‪ .‬أما القتلة الذين انقضوا عليهم فكانوا رفاقهم من المجاهدين القرويين‬ ‫والميين في معظمهم‪ .‬آخر مرة زرتها منذ سنة ونصف‬‫لحضر جنازة ابن أخي حسان‪.‬أوحت فرنسا للعقيد عميروش بأن بين رجاله من يعملون مخبرين لصالح الجيش‬ ‫الفرنسي‪ .‬ل أريد أن أكون هناك عندما تخلع قسنطينة حجارتها‪ .‬‬‫ثم أعاد سؤاله بصيغة أخرى‪:‬‬ ‫ ماذا ستفعل بتلك اللوحة؟‬‫ سآخذها معي إلى قسنطينة عندما أعود بعد أسبوعين أو ثلثة‪.‬كمن ينتظر فاجعة‪....‬تظن أن الرهابيين كان لهم الفضل في‬ ‫بدعة قتل الكتاب والقضاة والطباء والسينمائيين والشعراء والمحامين والمسرحيين‪ .‬ما كان يصلح لبرام صفقة فوق الجثث فحولوه‬ ‫إلى جثة كي نتعلم من جثته‪.‬بقتل ألف وثمانمائة من رجاله‪ .‬واليوم أيضًا لم‬ ‫يتغير شيء‪ ."La bleuite‬فورًا وجهت أصابع التهام إلى المثقفين‪ .‬وتنزلق نحو وهد‬ ‫الهاوية‪.

‬‬‫" سقطت ذراعي فالتقطها‬ ‫وسقطت جنبك فالتقطني"‬ ‫ل‪:‬‬ ‫قاطعني مواص ً‬ ‫ " واضرب عدوك بي‪".‬قد أفرط بلوحاتي ول أفرط بها‪ .‬‬ ‫ثم ‪ .‬خلقت الحلم كي ل تتحقق!‬‫أثناء ضمه لي اقشعر جسدي وأنا أصطدم بالفراغ الذي خلفته ذراعه الناقصة‪ .‬كان دومًا يقول‪ :‬ليتني كاتبها‪ ..‬‬‫افترقنا دون أن أدرك إن كان يومها أكثر سعادة أو أكثر حزنًا من العادة‪.‬ستحضر الممرضة للملمته‪ .‬ضممته‪ .‬مشكلتي دومًا كانت إرث الشهداء‪.‬‬ ‫هي التي كانت هنا وجلست على هذا الكرسي مكاني‪ .‬‬ ‫قلت كمن يبرر حماقة‪:‬‬ ‫ خالد‪ .‬‬ ‫عندما أراد بعد ذلك أن يغادر سريره ليودعني‪ .‬لكنه لم يب ِ‬ ‫ ل تحزن‪ .‬‬‫لم يحتج لنني ناديته خالد‪ .‬كنت أختبر لحظتها‬ ‫كيف ضمها‪ ...‬وفاجأني البكاء‪.‬نشتيك‪.‬قال‪:‬‬ ‫مما قلت‪ .‬لم أعد أدري أكنت‬ ‫أبكيها فيه‪ .‬غير معني بأنه‬ .‬حاذر أن تلتقطها‪.‬دعك‬‫من جمعه‪ ..‬ضمني دون أن يفهم ما بي‪ ..‬ل أدري كيف حدثت الشياء‪ .‬أشم عطر غيابها‪.‬يدخن ويدرك أن في السجائر مضرة له‪ .‬‬‫ أنت تعاكس قصيدة محمود درويش‪.‬‬‫ أما زالت في حوزتك حتى اليوم؟‬‫ طبعًا‪ .‬إن سقطت سألتقطك بذراعي الوحيدة"‪ ..‬فأعلق‬‫" ل تهتم‪ .‬‬ ‫كان يتصرف باستخفاف المفلس‪ .‬من مثله يدمع فقط‪ .‬‬ ‫تصرف كما لو كان من عادة الرجال أن يبكوا‪ .‬‬ ‫قال كمن يعتذر عن حماقة‪:‬‬ ‫ في الفترة الخيرة أصبحت مصابًا بعمى الطراف‪ ...‬اتجهت نحو السرير كمن يحتضن صخرة خشية أن يجرفه‬ ‫السيل‪ .‬لنني مع زياد كنت أعرف كم العدو الذي‬ ‫سأقذف بجسده في اتجاهه‪ ..‫السئلة‪ .‬إنه ورد فقط وهو آيل للذبول!‬ ‫ثم أردف بتهكم وحده يتقنه‪:‬‬ ‫ حتى وإن سقطت ذراعي‪ .‬ما عاد السؤال " من قتل بوضياف؟" صار ‪ ":‬صوب أي مصب ذاهب بنا الوحل؟‬ ‫صوب أي وحل ذاهب بنا التاريخ؟"‬ ‫ساد بيننا صمت الفاجعة‪.‬‬ ‫انحنيت متأسفًا أرفعها من الرض وأجمع الورود‪.‬لكأنها ما زالت بيننا‪ .‬لكنك إن التقطت ذراعي فعلى من ستقذفها؟‬ ‫واصل بسعادة‪:‬‬ ‫ بالمناسبة عندما أغادر المستشفى سأطلعك على بعض أشعار زياد‪.‬ما مررت بشيء إل واصطدمت به‪ ...‬ول تعجب أن يكون حبه ذريعتي للبكاء‪.‬كيف بإمكان رجل بذراع وحيدة أن يضم إنسانًا آخر إلى صدره‪ .‬أو ربما أدرك أكثر‬ ‫ك‪ .‬أم أبكيه فيها؟ أو أنني أبكي نفسي بينهما‪.‬‬‫ أتعرفها؟‬‫رد مبتسمًا‪:‬‬ ‫ أعرفها؟ كم أعرفها! كانت القصيدة المفضلة لصديقي زياد‪ .‬أوقع المزهرية بحركة من يده وهو يحاول‬ ‫الستناد إلى الطاولة‪.‬‬ ‫حتمًا‪ .‬وطلب مني أن أحضر‬ ‫له قارورة ويسكي صغيرة من تلك التي تقدم في الطائرات لملء كأس واحدة‪ .‬كانت دموع مؤجلة تجمعت داخلي كغيمة مثقلة تبحث عن جو مناسب لتهطل‪.

‬كتب النتظار والضجر التي كنساء المصادفات تصلح لقراءة‬ ‫واحدة‪ .‬نائمة على بطنها كامرأة‬ ‫بعد ليلة حب‪ .‬‬ ‫سعادته كانت بسبب سماح الطبيب له بمغادرة المستشفى يوم الربعاء‪ .‬ينهيها ويهرب حتى عندما يكون‬ ‫الطرف الخر وطنًا‪ .‬لكن أين كان بإمكانه أن يهرب وهو رهين سرير المرض؟‬ ‫أتوقع أن يكون استأصل الزائدة العاطفية وراح يختبر قدرته على تجميل البشاعة بالسخرية‪ .‬‬ ‫هو نفسه قال مرة إنه عندما يشعر بأنه أصبح بشعًا في علقة‪ .‬وأخرى للمؤانسة ترافقك إلى سريرك لتنهي ليلها أرضًا منهكة‪ .‬‬ ‫كان ما يزيد الطين بلة‪ .‬فسئل‬ ‫قبل إعدامه " هل ليك ما تقوله قبل الموت؟" فأجاب جلده " يكفي فخرًا أن أموت وقدماي فوق‬ ‫رؤوسكم"‪.‬‬ ‫وما كدت أعود إلى البيت وينتهي العشاء الخفيف الذي فاجأتني فرانسواز بإعداده حتى اعتذرت‬ ‫ل مطالعته‪.‬‬ ‫قال متهكمًا‪:‬‬ ‫ في هذا الوضع تمامًا رسم ميكيل أنجلو سقف كنيسة ) كابيل سيستينا(‪ .‫ممنوع من تناولها مع دوائه‪ .‬فكان سببها السري على الرجح كون المرأة التي أحبها عادت بعد أن شفي منها‬ ‫لتعوده وتتفرج عليه في بشاعة مرضه الخير‪.‬تتربص بجيبك كبغايا أمستردام خلف واجهة‬ ‫زجاجية‪ .‬قد تنقل إليك عدوى الرداءة‪.‬‬ ‫كما تلقى هامنغواي البندقية من زوجة أبيه‪.‬فقد كان يخطط لمشاريع‬ ‫كثيرة أولها زيارة معرضه وجمع ما بقي من لوحاته‪.‬‬ ‫تلك السهلة التي تندس في جيبك‪ .‬كنت دومًا أدعو‬ ‫الكتب التي أحبها إلى غرفة نومي لعتقادي أن الكتب الجميلة كالنساء الجميلت‪ .‬‬ ‫أظنه كان سعيدًا‪ .‬‬ ‫ليست المهانة أن أكون في هذا الوضع‪ .‬ول بالشوكولطة الفاخرة التي‬ ‫أحضرتها له‪ ...‬عادتي القراءة في السرير‪ .‬والتي وضع حبات منها في جيبي وهو يودعني‪ .‬ل يمكن‬ ‫مجالستهن في الصالون‪ .‬ول بذلك الكتاب الذي تلقاه منها‪.‬فأنا لم أعرف امرأة إل واعتبرت الكتاب غريمها الول في البيت‪ .‬‬ ‫الصالون خلق لتلك الكتب الوقورة الرصينة المصطفة في مكتبة‪ .‬كان يرفض الستعانة‬ ‫بالمساعدين ويصر على إنجاز رسم السقف وحده‪ .‬قصدت‬ ‫السرير دومًا لمنازلة الحب!‬ ‫في طريق العودة إلى البيت توقفت في مكتبة بحثًا عن كتاب " توأما نجمة" لبن عمار مديان الذي‬ ‫كان زيان يطالعه‪ .‬وينسى أن يأخذ دواءه لنه يدري أن ل جدوى من الدواء‪ .‬كذلك‬ ‫اليوم الذي اعتذر لي فيه مازحًا لعدم استطاعته مغادرة سريره كالعادة والجلوس معي بسبب‬ ‫استلقائه على ظهره ووجود ذراعه الوحيدة موصولة إلى أنبوب مصل الدواء‪.‬إنما في كوني هنا أضاجع الموت في سرير‪ .‬‬ ‫أما مرارته‪ .‬في مخدع‪.‬وكان البابا يتسلق السلم الخشبي ويصعد للتجسس عليه ومباركته!‬ ‫أحيانًا يكرم المرء في وضع مهين! وهو ما يذكرني بقول جميل لمناضل سيق إلى الشنق‪ .‬وجربت‬ ‫بما أوتيت من مواهب نسائية أن تسرقني من القراءة كما لو أن في انشغالي بها إهانة لنوثتها‪.‬ويجعل من الكتاب ضرة‪ .‬غير أن السعادة لم تكن لها علقة بباقة الورد‪ .‬وأرسم لوحة"‪ .‬تدافع عن صيتها بثقل وزنها‪.‬ويأكل‬ ‫أشياء قد تتدهور بها صحته عسى بها ترتفع معنوياته التي ل تتغذى سوى بالمحظورات‪.‬كان بي فضول أن أعرف لماذا أهدته إياه‪.‬‬ ‫منها وذهبت إلى غرفة النوم مستعج ً‬ ‫رغم انشغالها ببرنامج تلفزيوني لم تبد فرانسواز سعيدة أن تراني أتركها وأختلي بنفسي للمطالعة‪.‬ول بد أن تراودك الرغبة في أ‪ ،‬تخلو بهن‪ ..‬وكان لوجاع جسده يقول " أعيش في‬ ‫الجحيم‪ .‬وأخرى صقيلة الورق فاخرة الطباعة‪ .‬‬ .‬‬ ‫كان المر غريبًا حقًا‪ .‬‬ ‫وتعوض عن بلوغها سن اليأس الدبي بتجليدها الفاخر وخطها الذهبي‪.‬ظل هكذا يرسم وهو‬‫ممدد عاريًا على السقالة لعدة أشهر ويده اليمنى مرفوعة إلى السقف‪ .‬‬ ‫كنت بدون قصد أؤنث الكتب‪.

‬والمضي‬ ‫للنوم جوار صغيرتها في غرفة الضيوف‪ .‬أصبحت مع العمر أرى في تصرفات أبي آنذاك جانبًا " زوربويُا" ساهم في خلق‬ ‫أسطورته النضالية والعشقية‪.‬يعودون بعدها إلى الجبال!‬ ‫كان عمري ل يتجاوز الست سنوات‪ .‬وربما كانت أثناء تقلبها في فراشها‪ .‬وبرغم ذلك لفت انتباهي أن أبي‪ .‬خاض معاركه ضد الستعمار وضد المؤسسة الزوجية التي‬ ‫كان بحكم ثقافته رج ً‬ .‬بعض هذه العلقات كانت‬ ‫تضاهي في شغفها وطقوسها شيئًا شبيهًا بالخيانة الزوجية‪ .‬أو بالحرى من الخريات!‬ ‫حدث كثيرًا أثناء تهريبي كتابًا إلى مخدع الزوجية‪ .‬‬ ‫من يومها بدأت زوجة أبي التي لم تقتنع بالزي التنكري للمجاهدين‪ .‬وأن المجاهدين ليسوا منزهين عن الخطيئة‪ .‬تبحث عن وجوه وأسماء لنساء‬ ‫فاجرات يدخلن بيتها تحت حشمة الملية وعفة الجهاد ليضاجعن زوجها في حضرتها‪.‬بمطالعة‬ ‫ل منشغ ً‬ ‫من شبهتها‪ .‬أنا وجدتي وزوجته العروس‪ .‬فكان‬ ‫يغلق علينا‪ .‬مدعيًا حاجتي المهنية إلى مطالعته‪ .‬خاصة عندما كنت أقضي وقتًا طوي ً‬ ‫كتاب يعطيني من متعة المعرفة والمباغتة‪ .‬أصبح‬ ‫ل كلما دخل‬ ‫ت عا ٍ‬ ‫يغلق علينا باب الغرفة بالمفتاح‪ .‬وأن النساء القابعات في بيوت الظلم الزوجي لسن‬ ‫مخدوعات إلى هذا الحد‪ .‬‬ ‫ولكن اكتشافها لم يغير شيئًا من تصرفاتها‪ .‬في إحدى الغرف الكبيرة‪ .‬وإقامتنا بمفردنا في بيت شاسع على الطراز العربي‪ .‬تتجسس بدورها من ثقب‬ ‫الباب‪ .‬مما جعلني أتعاطاها أحيانًا سرًا متبرءًا‬ ‫ل عن زوجتي النائمة جواري‪ .‬‬ ‫ل لكل الجبهات‪ .‬فتستبدل بشرف الزواج من أحد وجهاء قسنطينة‬ ‫مذلة أن تكون رقمًا في طوابير المطلقات‪.‬غير أن جدتي تدخلت لتنهرني‬ ‫ململمة الفضيحة‪ .‬‬ ‫هكذا واصلت إعداد أشهى الطعام للمجاهدين و " المجاهدات"‪ .‬‬ ‫كان يلزمني بلوغ سن التأمل‪ .‬‬ ‫دفعة واحدة أدركت أن الباء يكذبون‪ ..‬وأن " الضحية ليست بريئة من دمها"!‬ ‫بعد ذلك ‪ .‬عندما أخبرت زوجة أبي بذلك بدت مندهشة‪ .‫أعتقد أنني خلل سنوات طويلة ما أقمت علقة جميلة سوى مع الكتب‪ ..‬كنت أجد‬ ‫ل لتكون فضاًء نسائيًا تهّرب إليه زوجتي أشياءها‬ ‫متعة في تسريب كتاب إلى غرفة نوم مهيأة أص ً‬ ‫من الخرين‪ .‬متحججًا باستقبال المجاهدين‬ ‫الذين كانوا يقضون بين الحين والخر ليلة " مشاورات" في بيتنا‪ .‬كي أفهم أنني يوم وضعت عيني على ثقب المفتاح لم أكن أكتشف‬ ‫سوى قسنطينة التي لم يكن ذلك البيت العتيق سوى صورة لتقاليد نفاقها‪.‬على غير عادته‪ .‬أكثر مما يعطيني جسدها الذي أعرفه عن ظهر زوج!‬ ‫في ذلك البيت الذي في البدء وبصفتي البن البكر سكنته مع زوجة أبي وأختي المطلقة‪ .‬القادمين لتوهم " من الجبال‬ ‫الشامخات الشاهقات"‪ .‬خشية أن يغضب ويعيدها إلى بيت أهلها‪ .‬فهي لم تجرؤ حتى على إخباره بأنها تدري أنه يكذب‬ ‫عليها‪ .‬فرأيته يدخل مع امرأة‬ ‫بملءة سوداء‪ .‬فتسرع النساء إلى أول‬ ‫غرفة ويغلقن عليهن الباب حتى يمر الرجال‪.‬وأن النساء‬ ‫اللئي يلبسن مليات لسن فوق الشبهات‪ .‬وترى نساء بهيئات مختلفة يعبرن كل مرة وسط الدار‪.‬مدعية أن العادة جرت أن يتنكر المجاهدون في زي النساء‪.‬بعد أن كان في الماضي يكتفي بأن يسعل بصو ٍ‬ ‫البيت مع رجل غريب مرددًا وهو يسبقه بخطوات‪ " :‬الطريق‪ .‬بينما كان أبي يخوض معاركه التحريرية في سريرها‬ ‫الزوجي على أمتار منها‪ .‬مستفيدًا من نشاطه النضالي‪ .‬وفرش سريرها بأجمل ما في جهازها من شراشف مطرزة‪ .‬أن تذكرت‬ ‫أبي الذي عثر أثناء حرب التحرير على حيلة فوق كل الشبهات تمكنه من إحضار عشيقاته إلى‬ ‫البيت‪ .‬‬ ‫ذات مرة تأملت من ثقب الباب الذي لم تكن قامتي تعلوه سوى بقليل‪ .‬الطريق"‪ .

‬ل للحب‪ .‬تفسد عليك زمانك‪ .‬كان كتلك الغرف القليلة الستعمال‪ .‬‬ ‫وكان بعد الستقلل يقيم في شقة واسعة استأجرها‪ .‬القليلة الستقبال والمهيأة لزوار‬ ‫لن يأتوا‪ .‬وكانت جدتي‬ ‫تتردد على بيته كلما أرادت أن ترسل شيئًا إلى أبي في السجن‪ .‬‬ ‫كان الصالون قصاص أبي‪ .‬‬ ‫ل عن‬ ‫ل عن كل نساء الرض‪ ..‬قصد إقناعك أن الثرياء ليسوا عشاقًا سيئين!‬ ‫ذات يوم تبدأ حياتك الزوجية في سرير المسنين المليء بكوابيس النوم غير المريح‪ .‬فجاءته بإحدى القريبات من اللئي هيئن ليكن ربات بيوت وأمهات‬ ‫صالحات‪.‬‬ ‫في الواقع‪ .‬إل وتدحرج أحدكما‬ ‫نحو الخر‪.‬ما أصعب أن تبدأ حياتك الزوجية‬ ‫على سرير كان أبوك يشغله وحده‪ .‬‬ ‫كانت غرفة فاخرة تصلح بسريرها العالي وأبواب خزائنها الثقيلة للنتيكا‪ .‬بخزانة ضخمة منقوشة باليد بحفر صغير على شكل دوا ٍ‬ ‫ل يسند رأسه لوح بذات النقوش وينتهي جانباه من العلى‬ ‫مرايا كبيرة‪ .‬ساعدته وسامة أندلسية عرف بها أهل قسنطينة الوائل‪ .‬وربما‬ ‫أرادها أبي فخمة إلى ذلك الحد ليعوض بها غياب الحب في حياته‪.‬ونساء على وشك أن تذبل‬ ‫ورودهن وليس لهن بستاني سواه‪.‬وعندما بعد سنتين عرف العالم‬ ‫المجاعة وكّلف أبي من طرف الدارة الفرنسية بتوزيع قسائم المساعدات الغذائية على سكان‬ ‫قسنطينة من المسلمين‪ .‬ولكنها كانت تذكرني بغرف نوم‬ ‫فاخرة مؤثثة بإثم واضح في التبذير‪ ..‬وينام على يساره دائمًا إلى حد تواطأ الزمن مع الجسد حافرًا‬ ‫لحدًا داخل الفراش الصوفي بحيث ما عاد بإمكانك أن تتقاسمه مع شخص‪ .‬فلم يكن يعنيه أن يمتلك بقدر ما‬ ‫كان يعنيه أن يحيا‪.‬‬ ‫ما كان أبي ثريًا‪ .‬ولذا وجدتني أبدأ حياتي الزوجية على سريرها‪.‬اعتاد أن يحيط نفسه بالرامل والعوانس‪ .‬في‬ ‫ذلك الزمن الذي كانت تتجاور فيه الجناس والديان‪.‬على اكتساح‬ ‫ل بها‪ .‬مسؤو ً‬ ‫كان مسؤو ً‬ ‫ل عن‬ ‫أجسادهن وأحلمهن‪ .‬‬ ‫لسباب عاطفية غبية‪ .‬ومسؤو ً‬ ‫كل جياع الرض أينما وجدت أفواههم وبطونهم ولقمتهم‪ .‬أن تتدرب على التصرف بحياة سبقك إليها أبوك‪ .‬‬ ‫كان في الغرفة رائحة توقظ زمن الموتى‪ .‬ولذا " عاش ما كسب‪ .‬معنيًا بتعليمهن وإدارة مستقبلهن إلى حد التكفل بتزويجهن‪ .‬رائحته هنا علقت‬ .‬كان مستبعدًا بيعها لسباب عاطفية‪ .‬نشغل نحن جزأها الكبر بينما يحيا هو بين‬ ‫غرفتين‪ :‬صالونه الذهبي الفخم حيث يستقبل ضيوفه من السياسيين ورفاق قدامى يتناقصون كل‬ ‫عام‪ .‬‬ ‫أما غرفة النوم التي كانت مملكته وما بقي من جاهه والتي كان ينام فيها وحده‪ .‬ول اشترى تلك الغرفة بالذات ليراها أحد سواه‪ .‬كان له ضعف دائم تجاه‬ ‫الجنبيات لكونهن متعلمات‪ .‬وغرفة نوم فاخرة اشتراها من معمرين فرنسيين غادروا الجزائر عند الستقلل‪ .‬يذّكره بابه الذي ل يفتح إل في المناسبات بأن الرفاق من حوله انفضوا‪.‫لم يؤمن بها يومًا‪ .‬‬ ‫كان زوربا على طريقته‪ .‬وانتسب إليها استجابة للحاح جدتي ل غير‪ .‬وعن كل المظلومين والمستعمرين أينما‬ ‫وجدت أرضهم وقضيتهم‪ .‬عشقه للحرية أوصله إلى العجاب بنساء متحررات‪ .‬كان ل بد له من زوجة تتكفل‬ ‫بتربيتي بعد وفاة والدتي‪ .‬مات ما خلى"‪ .‬أو تلك الرملة‬ ‫القلوب الشقراء والسمراء‪ .‬كمدّرسة فرنسية نظم أشعاره الولى تغز ً‬ ‫اليهودية التي كان زوجها حارسًا في سجن الكديا عندما كان والدي سجينًا هناك‪ .‬بدون تمييز بين أعمارهن أو ديانتهن أو جمالهن‪ .‬كان يزورها ليزودها خلسة هي وبعض عونه من المعارف والجيران‪ .‬ربما كانت‬ ‫ل تغطيها‬ ‫تعود لنهاية القرن الماضي‪ .‬جوارها سرير عا ٍ‬ ‫بمجسمات نحاسية لملكين كأنما يطيران أحدهما صوب الخر‪ .‬وعليك‪.‬فقد أصبحت بعده‬ ‫قصاصي أنا‪ .‬وعلى جانبي السرير طاولتان‬ ‫صغيرتان تغطيهما لوحتان رخاميتان‪ .‬يقابله خزانة أثاث بأربعة جوارير بمماسك نحاسية جميلة‬ ‫تعلوه مرآة أخرى تحيط بها النقوش ذاتها‪.

‬بالستائر‪ ...‬بكريستال الثريا‪ .‬ولكنه يغتالك ببطئ‪.‬مستنجدًا بالزواج الوقائي عساه يضع متاريس تجنبني انزلقات الحياة‪ .‬وتستيقظ فيك تلك الرائحة‬ ‫التي أفسدت عليك منذ البدء علقتك بجسد زوجتك‪ .‬‬ ‫توقف القلب دقة عن الخفقان كما للتقاط النفاس من شهقة‪.‬إنقاذًا لحياتك الحقيقية التي‬ ‫ل وهج فيها‪.‬يا جبال اللب‪ .‬إنما باستحواذه عليك حد اليذاء‪ .‬أن تفكر بها في ذروة عزلتك‪ .‬تشعر أن الحياة معه أصبحت موتًا لك‪ .‬لم يخنك‪ .‬وإذ في ذلك‬ ‫الزواج اغتيال للحياة‪.‬‬ ‫دخلت‪ .‬‬ ‫ضممتها وأنا أفكر في نساء تعيش معهن ول تعاشرهن‪ .‬ذلك البتزاز الصامت للضعفاء‪ .‬خذوا علمًا أنها جاءت‪.‬والحياة أقصر من أن تقضيها في حياكة الكاذيب‪.‬وتوقف العالم برهة عن الدوران‪.‬بحكم أنه شريك لحياتك‪ .‬تريد أن تتنازل عن أوسكار التمثيل الذي كان يمكن أن تحصل عليه في البطولة‬ ‫الرجالية في فيلم " الحياة الزوجية"‪ .‬‬ ‫انخلعت أبواب الترقب على تدفق ضوئها المباغت‪..‬‬ ‫أل ترفقت بي!‬ ‫أيتها السماء‪ .‬أكانت كل تلك الغرفة سريرًا لرائحته؟‬ ‫ل تمر به‪ .‬‬ .‬ولكنك متعب‪ .‬‬ ‫نجحت يومها في قراءة ذلك الكتاب الصغير الذي اشتريته ‪ .‬ثمة من يربط سعادته‬ ‫بحقه في أن يجعلك تعيسًا‪ .‬حد جعلك تفرض عليها تناول حبوب منع‬ ‫الحمل لسنوات‪ .‬ولكن حيث‬ ‫كنت تظن لك فيها حياة مؤقتة‪ .‬كما لو كنت عابر سرير‪ .‬‬ ‫والرعب اليومي الذي تعيشه أكبر من أن تزيد عليه الخوف من زوجتك‪..‬تجتاحك رائحة الغياب‪ .‬خشية مجيء صغير يعاني من " تشوهات السرية للسرة"!‬ ‫كنت أجد فرحتي بعد ذلك في الهروب إلى بيت عبد الحق‪ .‬‬ ‫ليلتها‪ .‬في اللحظة التي تتوقعها القل‪ .‬وأنا أتقاسم سريرًا مع فرانسواز‪ .‬بدون أن يقصد إيذاءك‪ .‬وأخرى دون الجميع تحتاج أن تعاشر‬ ‫طيفها في غفوتك‪ ..‬الذي يجيز له‬ ‫التصرف بحياتك مذ وقعت في قبضته بحكم ورقة ثبوتية‪.‬‬ ‫ثمة من ينال منك‪ .‬تفاديًا منك للشجارات‬ ‫والخلفات‪ .‬ل لقلة حيلتك‪ .‬فأنت ما زلت قادرًا على مزيد من الكاذيب‬ ‫التي تبتلعها امرأة دون جهد‪ .‬حيث أصبح لشهواتي سرير غير‬ ‫شرعي مع حياة‪ .‬أيتها العناية اللهية‪..‬تحتاج لكي تبقى على قيد الحياة‪ ...‬وأنت مدهوش‪ .‬كما لو كانت نز ً‬ ‫تنام‪ ..‬فعليك بل توقف أن تخترع حياتك الخرى المزورة‪ .‬‬ ‫تريد أن تستقيل من دور الزوج الصالح والسعيد الذي مثلته لسنوات‪ .‬أيها المطر‪ .‬‬ ‫الفصل السادس‬ ‫ثم جاءت‪.‬لتكنس ما خّلفت النساء الخريات من دمار‬ ‫في حياتي‪ .‫بالخشب‪ .‬عانقت غيرها ونمت متوسدًا موعد‪.‬قبل أن تلحق بي فرانسواز وتنزلق‬ ‫تحت اللحفة‪ .‬‬ ‫إعصار يتقدم في معطف فرو ترتديه امرأة‪ .‬وتمنعني من إنهاء صفحاته الخيرة‪.‬ذات يوم‪ .‬‬ ‫ذلك أن ثمة من يبتزك بدون أن يقول لك شيئًا‪ .‬‬ ‫ل لقرار النفصال عن‬ ‫ربما لكل هذه السباب اخترت أن أذهب للقامة في ) مازفران( تأجي ً‬ ‫زوجتي التي برغم كل شيء كان يعز علي إيلمها‪.‬ول بد‬ ‫من المواجهة غير الجميلة مع شخص لم يؤذك‪ .‬بأوراق الجدران‪ ..‬ل تدري حتى متى‬ ‫ستظل رائحته تتسرب إليك‪ .‬‬ ‫وكنت تزوجت امرأة لتقوم بالشغال المنزلية داخلي‪ .‬أن تعلم أنها ما‬ ‫زالت على قيد ذكراك وأنها حتمًا ستأتي‪.

‬لتبلغ عمر حزني الموثق في شهادة ل تأخذ بعين‬ ‫العتبار‪ .‬‬ ‫وبعض ُقَبل‪ .‬كل ما أردته كان النظر إليها بعد هذا الغياب‪ .‬‬ ..‬‬ ‫الجبال ل تلتقي إل في الزلزل والهزات الرضية الكبرى‪ .‬‬‫ هي حياة ندين بها لمصادفة اللقاءات‪.‬‬‫أجبتها على إيقاع التانغو‪ .‬‬ ‫هي ذي‪ .‬‬ ‫أكان بوسعنا تفادي الكارثة؟ ها نحن نلتقي حيث رتبت لنا المصادفة موعدًا في آخر معاقل‬ ‫الحزن‪ .‬وعندها ل تتصافح إنما تتحول إلى‬ ‫تراب واحد‪.‬كفاجعة‪.‬كانت‬ ‫تبدو كشجرة ليمون‪ .‬ويلزمها سبع قبلت أخرى‪ .‬هاهي ذي تفتح باب قاعة لتزور معرضًا فتلقاني‪ .‬في معرض رسام أنكرت وجوده خارج كتاب‪..‬منتعلين موسيقى الكلمات‪.‬هو الذي نعثر عليه أثناء بحثنا عن شيء آخر"‪.‬بل أزمنة الفالس‪ .‬‬ ‫ كما ترين‪ :‬كلما هممت بمغادرتك تعثرت ب ِ‬‫ثم واصلت‪:‬‬ ‫ بالمناسبة‪ .‬كتوتر شفتين قبل قبلة‪ .‬تساقط زهرها دهشة عندما رأتني‪ .‬‬‫كنت ألّمح لقولها مرة " كل شيء يعيدني إليك" وكنت أجبتها مصححًا آنذاك‪ " :‬وكل شيء يبقيني‬ ‫ك"‪..‬كلعنة‪..‬ما توقعت أبدًا أن أراك هنا!‬‫قلت مازحًا‪:‬‬ ‫ ماذا أفعل إذا كان كل شيء يعيدك إلي‪.‬‬‫كنت هنا أيضًا أصحح قولها " أجمل حب‪ .‬أخاصرها‪ .‬‬ ‫قالت‪:‬‬ ‫ شيء ل يصدق‪..‬‬‫لكن الحياة قلبت لنا الدوار‪ .‬ميلدي على يديها ذات ‪ 30‬أكتوبر على الساعة الواحدة والربع ظهرًا‪ ..‬إنه ليس زمن‬ ‫التانغو‪ .‬ألملمها‪.‬‬‫ردت باندهاش جميل ل يخلو من الذعر‪:‬‬ ‫ يا إلهي‪ .‬لمرأة بلغت في غيابي ثلثين سنة‪.‬لكأنني كنت أراقصها بالكلمات‪ .‬وارتباك خطوتها‬ ‫الولى بجمل منتشية‪ .‬كان آخر مكان توقعت أن تراني فيه هو‬ ‫باريس‪ .‬وأنا أعيد أحلمها خطوتين إلى الوراء‪:‬‬ ‫ وأحلم أن أفتح الباب‪ .‬فألقاك‪.‬كيف يمكن فك الشتباك مع عينيها‪ ..‬‬ ‫الذين قالوا‪ :‬وحدها الجبال ل تلتقي أخطأوا‪ .‬‬ ‫ل يفهمون شيئًا في قوانين الطبيعة‪.‫التقينا إذن‪.‬‬ ‫كيف الفكاك من حب تمكن منك حد اختراق لغتك‪ .‬حتى أصبحت إحدى متعك فيه هتك أسرار‬ ‫اللغة؟‬ ‫النشوة معها حالة لغوية‪ .‬أطّيرها‪ .‬‬ ‫وكانت خطى كلماتنا دومًا تجد إيقاعها منذ الجملة الولى‪.‬‬ ‫عمي صباحًا سيدتي الجميلة‪ .‬‬ ‫في ِ‬ ‫قالت معلقة بذكاء‪:‬‬ ‫ ظننتك غيرت عنوان إقامتك منذ ذلك الحين!‬‫أجبت وأنا أمازحها نافضًا سترتي‪:‬‬ ‫ك‪.‬والذين بنوا بينها جسورًا لتتصافح من دون أن تنحني‪.‬أجمل ما يحدث لنا ل نعثر عليه بل نتعثر به‪.‬‬ ‫كنا في كل حوار راقصين يتزلجان على مرايا الجليد في ثياب احتفائية‪ .‬أبعثرها‪ ..‬‬ ‫ذات مرة قالت‪:‬‬ ‫ أحلم أن أفتح باب بيتك معك‪.‬بدوارها المحموم وجملها المتخاصرة في تداخلها‪ ..‬متداخلة‪ .‬في مقهى!‬ ‫الشياء معها تبدأ كما تنتهي‪ :‬على حافة ربع الساعة الخيرة‪..

‬‬ ‫لم أفهم سر إصرارها على إنكار وجود هذا الرجل ذات يوم في حياتها‪..‬ونظرًا لختلف اسم الرسام عن اسم بطلها‪ .‬كأنها كانت تستعيد شيئًا أو تتوقع قدوم‬ ‫أحد‪ .‬وعلي أن أختار غيرها‪ .‬بدت لي كثيرة الصمت سهوًا‪ ....‬أبدًا‪ .‬ذهبت صوب تلك اللوحة‪ .‬‬ ‫قالت‪:‬‬ ‫ ل‪ .‬‬ ‫وندخل صمتًا في حوارات طويلة لحديث لم يكن‪..‬إنها لم تتغير‪.‬‬ ‫ربما ولدت لحظتها في ذهني تلك الفكرة المجنونة التي رحت بسرعة الفرحة أخطط لتفاصيلها‪.‬‬‫سأعود مرة ثانية لختيار لوحة أو لوحتين‪.‬‬ .‬رأيتها تقف أمامها طوي ً‬ ‫منذ عشر سنوات‪.‬‬ ‫أكان ذلك بسبب عاهته؟ أم كهولته؟ أم كانت فقط ككل الكّتاب ل تحب انفضاح شخصياتها في‬ ‫واقع الحياة؟‬ ‫ت على ذكري معها ول زيان طبعًا‪ .‬لم أكن مهتمًا باختيار صيغة لسئلتي‪ .‬وكنا بعد سنتين من الغياب يتصفح أحدنا الخر على عجل‪.‫كانت تتأملني بارتباك المفاجأة‪ .‬أمدني أخي ناصر ببطاقة إعلن عن هذا المعرض لعلمه أنني أحب‬‫الرسم‪ .‬لكن من عادة الرسامين أن يحتفظوا بلوحتهم الولى‪ .‬‬‫ حسنًا إذن أقترح أن تلقي نظرة على المعرض ثم أدعوك لنشرب شيئًا معًا في المقهى المجاور‪.‬‬ ‫كما من دون قصد قصدتها‪ .‬‬ ‫بعد أن قررت أن أهيئ لذاكرتها مقلبًا بحجم نكرانها!‬ ‫عندما خلوت بها بعد ذلك في المقهى‪ .‬ل أستطيع التركيز على شيء وأنت معي‪..‬بربك ما الذي جاء بك إلى هنا؟‬‫أنا الذي كنت أملك سوء الظن بأجوبتها‪ .‬كانت تجيل النظر في دليل اللوحات‪ .‬ولذا بين جملتين تنحسران كذبًا كانت‬ ‫تشد فستان اللغة صمتًا‪ .‬‬ ‫قالت كما لخفاء شبهة‪:‬‬ ‫ كنت أعجب فقط أن يكون الرسام باعها‪ .‬‬ ‫ردت‪:‬‬ ‫ حضرت بمفردي‪.‬بعد بضع لوحات‪ .‬‬ ‫سألتها إن كان في رفقتها أحد‪.‬ربما اعتقدت أن الكذبة انطلت عل ّ‬ ‫أنها كانت واثقة من وجود زيان في المستشفى واستحالة لقائي به‪..‬‬‫سألتها مستفيدًا من الفرصة إن كانت تعرف الرسام‪.‬إلى السفل‪.‬سألتها إن كانت أحبت تلك‬ ‫اللوحة‪.‬‬ ‫ إنها مصادفة ل أكثر‪ .‬أردت أن أحافظ على جمالية المسافة لراها بوضوح‪.‬‬‫ثم واصلت‪:‬‬ ‫ في جميع الحالت بيعت‪ .‬‬ ‫ولتجسس على ذاكرتها المعلقة فوق أكثر من جسر‪.‬خاصة‬ ‫مصادفة‪ .‬‬‫هي أول لوحاته‪ .‬‬ ‫قلت مستدرجًا إياها لعتراف ما‪:‬‬ ‫ مازلت غير مصدق أننا معًا‪ .‬وحسب التاريخ المكتوب عليها ‪.‬أرى عليها إشارة حمراء‪..‬‬‫تعمدت أن أتركها تقوم بجولة بمفردها‪ .‬دائمة النظر إلى الرواق الذي‬ ‫كنا نراه خلف الواجهة الزجاجية على الرصيف الخر‪ .‬بينها وبين بقية اللوحات أكثر من ربع قرن!‬ ‫ هل كان يعنيك شراؤها؟‬‫قالت بعد شيء من التردد‪:‬‬ ‫ ل أدري‪.‬‬ ‫ل كما لول مرة‬ ‫كما توقعت‪ .‬مما جعلها تتوقع وجودي هنا‬ ‫كان واضحًا أن ناصر لم يأ ِ‬ ‫ي‪ .‬غادرت باريس منذ ‪ 10‬سنوات وما عدت منذ ذلك الحين أتابع الحياة الثقافية هنا‪.‬كانت تملك إغراء‬ ‫الصمت المفاجئ عن اعتراف كادت تطيره ريح المباغتة‪ .

‬‬‫لم تضف شيئًا على تلك الكلمة‪ .‬كل رواية تضيف إلى عمر الخرين ما تسرقه من عمر‬ ‫كاتبها‪ ..‬‬ ‫لفرط ديمومة حالتها العشقية‪ .‬‬ .‬الرجل الذي توهمته أنا وكان سيليني في عرش قلبها لو أن الموت لم‬ ‫أم ترى أحبت ف ّ‬ ‫يسبقها إليه؟‬ ‫حب يحيلها إلى حب ول وقت لديها للفقدان‪ .‬‬ ‫واصلت بعد شيء من الصمت‪:‬‬ ‫ل إل و ازدادت فجيعتي‪ .‬إنها كالقمار تعطيك وهمًا كاذبًا بالكسب‪ .‬جماله يفضح بشاعة الخرين ويشوش حياتي العاطفية‪.‬لتكتب ل بد أن تدخل في حالة حداد على أحد أو على شيء‪ .‬‬ ‫سألتها ساخرًا‪:‬‬ ‫ ألهذا تقتلين أبطالك دائمًا لتوفري على نفسك جهد إدارة حياتهم؟‬‫ردت مازحة‪:‬‬ ‫ ثمة أبطال يكبرون داخلك إلى حد ل يتركون لك حيزًا للحياة‪ .‬يا لغباء حدادك الشعبي! من أين لك هذا الصبر على‬ ‫ي‪ .‬بعض الروائيين يموتون على يد أبطالهم لنهم ما توقعوا قدرة كائن حبري‬ ‫على القتل‪.‬تحاشت قول ذلك لنني كنت وقتها ذلك الشخص الواحد‬ ‫الذي كانت تحبه!‬ ‫عندما أحضر النادل طلباتنا‪ .‬لم تعد تعرف هلع النساء في بداية كل حب‪ .‬‬ ‫راودتني رغبة أن أقول لها إنه‪ -‬برغم ذلك‪ -‬على قيد الحياة‪ .‬‬ ‫سألتني بعدما طال صمتي‪:‬‬ ‫ فيم تفكر؟‬‫ في مسرحية عنوانها " الحداد يليق بإلكترا"‪ .‬أجابت ساخرة‪ " :‬لم أرتِد سوى حداد حب‬ ‫واحد‪ .‬الفقدان الذي هو مداد الكتابة‪.‬‬ ‫ردت بصوت غائب‪:‬‬ ‫ ل‪.‬وربما كانت تعني أن‬ ‫الوفاء لشخص واحد‪ .‬كمن يجهد في تبذير حياة بحجة تدبير شؤونها‪.‬ول بد أن تقتلهم لتحيا‪ .‬أثناء إدارتك الخرين تنسى‬‫أن تدير حياتك‪ .‬مثل هؤلء‬‫بإمكانهم قتل مؤلفيهم‪ ..‬أظنها أدركت بذكاء " شيفرتنا" العشقية‪..‬أي تبرير يمكن أن يغير وقعها‪ .‬‬ ‫كنت أسألها إن هي لبست حدادي بعض الوقت‪.‬شعرت بلسعة اللم وبوجع‬ ‫العتراف الذي تلقيته كإهانة لحبنا‪.‬‬ ‫باغتها سؤالي حتمًا‪ ..‫متداخل الوقت حبها‪ .‬ما قست عليه رج ً‬ ‫ خالد مث ً‬‫يموت‪ .‬على القل في استباقه أسئلة أخرى‪ .‬‬ ‫أنت الذي قد يأخذ معك حداد حب سنتين‪ .‬ول وقت لنا لمثل هذا الهدر الباذخ‪ .‬يشاركنا استنشاق هواء هذه المدينة‪.‬سألتها وأنا أشعل سيجارة‪:‬‬ ‫ هل كتبت شيئًا خلل هاتين السنتين؟‬‫كان باستطاعتي عبر هذا السؤال وحده أن أعرف ما حدث بعدي‪.‬ما الحداد إل خيانة للحياة‪ ".‬خيانة لنفسنا‪ .‬لكأنها تواصل معك حب رجل أحبته قبلك ‪ .‬أثناء استعدادها لحب من سيليك‪.‬‬ ‫ عدلت عن كتابة الروايات‪ .‬ول حداد العشاق أمام‬ ‫يتم العواطف‪.‬أقصد تنسى أن تحيا‪ .‬‬ ‫ي عبد الحق‪ ..‬جربي الحداد بعض‬‫الشيء‪ .‬الحياة تزداد قصرًا كلما تقدم‬ ‫بنا العمر‪ .‬قد تكتبين أشياء جميلة‪.‬كان ل بد أن‬ ‫ل‪ .‬لو لم أقتله في رواية لقتلني‪ .‬كنت أفكر أن الحداد يليق بك‪ .‬ل يكاد يموت ملك إل ويعلن مع مواته اسم من سيعتلي عرش قلبها؟‬ ‫امرأة لها حداد ملك ّ‬ ‫سألتها مرة عن سبب أل تكون كتبت سوى كتاب واحد‪ .‬‬ ‫ألم يبق من اشتعالت ذلك الزمن الجميل ما يكفي لضرام نار الكلمات في كتاب؟‬ ‫ي سوى خالد بن طوبال‪ .‬الرجل الذي كنت أذكرها به والذي كانت‬ ‫أهي لم تحبني إذن؟ وما أحبت ف ّ‬ ‫تقول إنه أحد ابتكاراتها الروائية‪.

‫لكنني صمت‪ .‬إل إذا كنت أحضر ِ‬ ‫غرقت لول مرة في صمت طويل‪.‬نسيت كل مآخذي عليها‪ .‬مستعصية‪ ..‬وأنا أجلس إليك في مقهى غير معنية إن مت بسببك في حادث حب‪ .‬‬ ‫شعرت بحزن من أساء إلى الفراشات‪ .‬قلت‪:‬‬ ‫ أي ساعة أراك غدًا؟‬‫ أأنت على عجل؟‬‫ أنا على امتلء‪.‬من أقصى البراءة إلى‬ ‫أقصى الجرام‪.‬تعطيك ذريعة إضافية لستدراجها إلى موعد تسقط فيه أقنعتها‬ ‫الروائية!‬ ‫ها هي ذي‪ ..‬جمالها‬ ‫في نصفها المستحيل الذي يلغي السبيل إلى نصف آخر‪ .‬‬‫ردت‪:‬‬ ‫ ل أحب الثرثرة على شراشف الضجر‪.‬فورًا‪ .‬‬‫لفظت هذه الجملة وأنا ابتسم‪ .‬‬ ‫امرأة لها علقة بالتقمص‪ .‬وها‬ ‫أنا أريدها الن‪ .‬فتنة امرأة تكيد لك بتواطؤ منك‪ .‬ربما لفرط حبي لها‪ .‬لكنني واصلت بنبرة أخرى‪:‬‬ ‫ي ستهزمك النشرة‬ ‫ كيف تقاومين هذا المطر بمفردك؟ نحن في باريس‪ .‬‬‫أضفت كما لصحح زلة لسان كنت تعمدتها‪:‬‬ ‫ في جعبتي كثير من الكلم إليك‪.‬إضافة إلى أن امرأة على‬ ‫ذلك القدر من الكذب الروائي‪ .‬بالتطرف نفسه‪ .‬كنت سأقول ‪ " :‬أضيئي نفق الترقب بموعد" لكنني وجدت‬ ‫ي العاطفة‪ ...‬يوهمك أنها مفتوحة على احتمال‬ ‫رغباتك‪.‬تتقمص نساء من أقصى العفة إلى أقصى الفسق‪ .‬‬‫قالت‪:‬‬ ‫ لماذا تتبدد في المشافهة؟ بما كان ما في جعبتك يصلح لكتابة رواية‪.‬‬‫ولم تضف شيئًا‪.‬لم يزدني حديثي معها إل اشتهاًء لها‪..‬ولم أجد سببًا لشراستي معها‪ .‬لم أستطع أن أكون إل على ذلك القدر من العنف العشقي‪.‬أنا التي أن لم أمت‬ .‬لماذا كرهتها‪ .‬ربما‬ ‫لدراكي بامتلكي المؤقت لها‪ .‬لم يكن آن بعد أوان تلك المواجهة!‬ ‫لم أدر لماذا‪ .‬فوحدي كنت أعرف ما أعنيه‪ .‬نسيت لماذا افترقنا‪ .‬ثم واصلت كأنها تحادث نفسها‪:‬‬ ‫ سامحك ال‪.‬‬ ‫لحظت في صوتها نبرة حزن لم أعهدها منها‪ .‬‬ ‫قلت‪:‬‬ ‫ حواراتنا تحتاج إلى غرفة مغلقة‪.‬ل يمكن أن تتوقع في أي أرض ستمطر أو متى‪.‬قلبت جملتي في صيغة‬ ‫ل عص ّ‬ ‫في تلك الصيغة استجداءً ل يليق بامرأة ل تحب إل رج ً‬ ‫ل تسمح لها سوى بتحديد الوقت‪ .‬هيأت لك موقدًا أنت حطبه‪.‬‬ ‫كاتبة مشغولة عن كتابة الروايات بالتهام الحياة‪ .‬‬ ‫هي المجرمة عمدًا‪ .‬تتعاقد معها على الخلص وتدري أنك تبرم صفقة مع‬ ‫غيمة‪ .‬إن لم يهزمك الحنين إل ّ‬‫ت في حقائب سفرك من يتكفل بتدفئتك!‬ ‫الجوية‪ .‬عيون زوجي مبثوثة في كل‬‫مكان‪ .‬الفاتنة كما بل قصد‪ .‬‬‫كان لها دهاء النوثة الفطري‪ .‬‬‫أجبتها بما كنت واثقًا أنه سيقنعها‪:‬‬ ‫ لن تضجري‪ .‬وأنا شارد بها عنها‪ .‬برغم ذلك‪ .‬تفتح شهيتك للتهامها‪ .‬‬ ‫قلت معتذرًا ‪:‬‬ ‫سامحيني لم أكن أقصد إيلمك‪.‬‬ ‫قالت بعد صمت‪:‬‬ ‫ يؤلمني أنك ما زلت ل تعي كم أنا جاهزة لدفع مقابل لقاء معك‪ .‬امرأة مغوية ‪ .

‬أرى في سؤالك استخفافًا بي‪ .‬‬ ‫ أريد أن أرا ِ‬‫‪ -‬ل أظنني أستطيع التحايل على ناصر وآمًا معًا‪ .‬قلت مازحًا‪:‬‬ ‫ وعندما كانت تشبع تلك القطة‪ .‬طبعت قبلة‬ ‫طويلة عليها وتمتمت كما لنفسي‪:‬‬ ‫ حبيبتي‪...‬أخاف أن تموت أمي بدون أن تراه‪ .‬تحولني إلى كرة صوفية تلعب بها حينًا وأحيانًا أخرى تنتف‬‫ت مخالب ساديتك في طيبوبتي‪ .‬ول أفهم أل تكون تسربت إل ّ‬‫تكون امرأة لتدرك فجيعة بطن لم يحبل ممن أحب‪ .‬أتدرين خسارة أ ّ‬‫ستتضائل كمية النوثة في العالم!‬ ‫ي‪ .‫بعد‪ .‬‬ .‬وحينًا حياءها‪ .‬أحب تلك النوثة المترفعة التي ل يمكن أن تستبيحها عنوًة‬ ‫إل بإذن عشقي‪.‬‬ ‫أمسكت بيدها قصد تقبيلها‪ .‬‬ ‫هذا كلم تعلمته منك في ذلك الزمن البعيد أيام كنت أستجدي منك اعترافًا بحبي فتجيب‪ ":‬أي‬ ‫طبق شهي للبوح ل يخلو من توابل الرياء‪ .‬وحدها المرأة تدرك ذلك‪.‬‬ ‫بمخالبها خيوطها‪ .‬ل بد أن‬ ‫ بل أدري خسارة أن أتحسس بطني بحثًا عنك كل مرة‪ ..‬أعطيني تصريحًا للقامة فيه تسعة أشهر‪.‬إن خدش حميمية الخر ل تتأتى إل بالتعري الدميم‬ ‫للبوح‪.‬الشبهتان اللتان لم يغفرهما لي زوجي‪.‬بدا لي خاتم الزواج‪ .‬‬‫حضر من ألمانيا خصيصًا ليرانا‪ .‬وفي جوابي عنه استخفافًا بك‪ .‬‬ ‫أطالب باللجوء العاطفي إلى جسدك!‬ ‫ابتسمت وعل وجنتيها احمرار العذارى‪ .‬‬ ‫قلت وأنا ممسك بيدها‪:‬‬ ‫ كم تمنيت أن ألتقي بوالدتك‪ .‬بل لحاسيسي‬‫المتداخلة المتقاطعة دومًا مع جسدك‪ .‬وعندما رأيتها تنظر إلى ساعتها معلنة تأخرها‪ .‬نحن هنا لنلتقي بأخي ناصر‪.‬وحده الصمت هو ذلك الشيء العاري الذي يخلو من‬ ‫الكذب‪".‬‬ ‫قلت مندهشًا‪:‬‬ ‫ متى حفظت كل هذا؟‬‫ في تلك اليام التي عشتها عند أقدام أريكتك‪ .‬كم غرس ِ‬ ‫ضحكنا بتواطؤ الزمن الجميل‪ .‬وأحيانًا أن جسمك‬ ‫هو الذي لفظني إلى الحياة ومن حقي أن أستوطنه‪ .‬كل المشاعر التي‬‫تستنجد بالبوح هي مشاعر نصف كاذبة‪ ..‬‬ ‫ معك أريد حم ً‬‫أجبت ممازحًا‪:‬‬ ‫ل تتكرري في أنثى أخرى؟‬ ‫ لن أستطيع إذن أن أستولدك طفلة جميلة مثلك‪ ..‬سيلحق بي أحدهما حتمًا حيثما أذهب‪.‬ثم لعقت جراحي إمعانًا في إيلمي‪.‬‬‫سألتها وأنا أرفع شفتي عن يدها‪:‬‬ ‫ كيف سمح لك أن تسافري من دونه؟‬‫قالت‪:‬‬ ‫ جئت مع والدتي بذريعة أن أراجع طبيبًا مختصًا في العقم النسائي‪ .‬قلت‪:‬‬ ‫ك‪ .‬‬ ‫كنت أحب جرأتها حينًا‪ .‬ل بسبب يتمي فحسب‪ .‬هرول العمر بها سريعًا منذ غيابه‪.‬‬ ‫قالت وهي ترفع خصلة شعرها ببطء‪:‬‬ ‫ل أبديًا‪.‬بصبر قطة‪ .‬أعدت وضعها وأخذت الخرى‪ .‬أحيانًا أشعر أننا خرجنا من الرحم نفسه‪ .‬ألعق من صحن النبهار كل ما تتفوه‬‫به‪ ..‬كثيرًا ما شعرت أنها أمي‪ .‬فلكوني عدلت عن الحب وتخليت عن الكتابة‪ .‬‬ ‫سألتها بعد صمت‪:‬‬ ‫ حياة هل أحببتني؟‬‫ لن أجيبك‪ .‬أصبحت هذه الفكرة‬ ‫ذعري الدائم‪ .‬وارتبكت خصلت شعرها حتى بدت كأنها صغيرتي‪.‬ل بد أن تتدبري لنا موعدًا‪.

‬ولم أكن أدرك أن عقلها أيضًا كان عند‬ ‫رجل آخر!‬ ‫ل تلك الليلة أمام التلفزيون‪ .‬ويطير كعصفور مهيض‬ ‫الجناح ليحط باكيًا على قبرها‪.‬فاجأتهم بأن لم تقل له وهي تراه مكب ً‬ ‫وأدركوا أنها بذلك المثل الشعبي كانت تحثه على أن يكون نسرًا كاسرًا ل عصفورًا ينتفض خوفًا‬ ‫في يد العدو‪.‬قال بشيء من السى‪:‬‬ ‫ إن العذاب النفسي الذي عرفته اّما على يد الفرنسيين أيام كان أبي أحد قادة الثورة الملحقيين‪.‬لم أستطع النوم‪ .‬وبينما كانت تنتظر سيارة أجرة‪ .‬بعد أن‬ ‫تركت لها رقم هاتفي الجوال‪.‬وجدتها تعد حقيبة سفرها‪..‬ولم أكن بي‪ .‬أذهلت الفرنسيين بشجاعتها‪ .‬‬ ‫الفرحة الخرى كانت سفر فرانسواز صباح الغد‪ .‬كنت طلبت ناصر طمعًا‬ ‫في رائحة أخته‪ .‬‬ ‫كانت مجهدة بعد يومين من العمل في المعهد‪ .‬‬ ‫تركتها تسبقني بخطوات‪ .‬ل ترغب سوى في النوم كي تستطيع الستيقاظ‬ ‫باكرًا‪.‬يومها ولهانة ابنها تم تعريتها وتفتيشها وتركت ترتجف بردًا‬ ‫على مرأى من كلب حراسة الثورة‪ .‬مسكونون نحن بأوجاعنا‪ .‬وإذا بي أبكي بسبب أمه‪ .‬فبعد استقلل الجزائر خرج بن بّلة زعيمًا من سجن العدو‬ ‫ليجد معتقلت وطنه مشرعة في انتظاره سبع عشرة سنة أخرى‪ .‬كان‬ ‫عقلي كله عند حياة‪ .‬تصور أن تتحمل عجوز في سنها مشقة السفر لترى‬ ‫ابنها‪ .‬‬ ‫ذكرني كلمه بما سمعته يومًا عن والدة أحمد بن بلة التي‪ .‬‬‫ل يعادل ما تلقيه في هذا العمر بسببي‪ .‬كان عقلي كله عند حياة‪ .‬‬ ‫بدا محتفيًا بي كأنه افتقدني‪ .‬‬ ‫في اليوم التالي استيقظت باكرًا كي أتناول فطور الصباح مع فرانسواز‪ .‬لم تصمد كهولتها أمام مجرى هواء التاريخ‪ .‬‬ ‫سعدت بأنها لم تتحرش بي‪ .‬ولم أكن سعدت بأنها لم تتحرش بي‪ .‬‬ ‫كان عليه أن ينتظر خمس عشرة سنة لتفتح له الزنزانة على مضض‪ .‬رغم ما كانت عليه من ضعف بنية‬ ‫وقصر قامة‪ .‬فعندما اعتقلوا ابنها وساقوها إليه قصد إحباط معنوياته‬ ‫ل سوى " الطير الحر ما يتخبطش"‬ ‫وتعذيبه برؤيتها‪ .‬لم يسمح لتلك الم العجوز‬ ‫برؤيته سوى بعد سنتين من اعتقاله‪ .‬ثم فكرت أن أطلب ناصر لياقة‬ ‫سهرت طوي ً‬ ‫للطمئنان عن والدته‪.‬كان عقلي كله عند حياة‪ .‬وأودعها بما يقتضيه‬ .‬ماتت بعد فترة‬ ‫ن له القدرة على مسخ النسور‬ ‫وجيزة من جراء نزلة القهر بردًا على مرمى العيون اللمبالية لوط ٍ‬ ‫الكواسر إلى عصافير مذعورة‪.‬وأصر على دعوتي يوم السبت للعشاء عند مراد لن والدته ستحضر‬ ‫ل قسنطينيًا!‬ ‫لتعد لهم أك ً‬ ‫سألته عن صحتها‪ .‬كنت أقصد المترو عائدًا إلى البيت‬ ‫خوفًا على جمال فرحة قد أنفضح بها‪.‬لن وطنه مغلق في وجهه وعليها أن تختار أتريده ميتًا أم متشردًا‪.‬‬ ‫لم أشأ أن أقص عليه ما بذريعة مواساته كان سيزيده ألمًا‪.‫قلت ضاحكًا‪:‬‬ ‫ت روائية إذن؟‬ ‫ ولماذا أن ِ‬‫***‬ ‫افترقنا في المقهى خشية أن نصادف أحد التجار الجزائريين من المترددين على المعرض‪ .‬فحتى عندما نحب ل نستطيع‬ ‫إل تحويل الحب إلى حزن كبير‪.‬‬ ‫ل أدري كيف وصلت إلى هذا الكم من اللم نهار كنت فيه الكثر سعادة‪ .‬‬ ‫لكن الحياة كانت تعد لها امتحانًا آخر‪ .

‬عندما عدت‬ ‫إلى البيت بعدما رافقتها لحمل عنها حقيبتها حتى باب البناية انتابني شعور غريب ونظراتي‬ ‫تتقاطع مع نظرات البواب الفضولية التي ل تخلو من عدائية صامتة‪.‬ولذا قررت أن أقضي نهاري في البيت متمتعًا‬ ‫باحتجازي في متاهات رواية‪ُ ..‬ورحت بدوري أوثق زمني العابر في حضورها‪ .‬سأكتشف بعدها أنني كنت موجودًا في‬ ‫وعندما سيدق ذلك الهاتف طوي ً‬ ‫الوقت الخطأ أيضًا!‬ ‫وحده ذلك المشروع الذي أهدتني إياه المصادفات في تقاطعها الغريب كان يملني حماسة‪ .‬مثل هاتف‪ .‬تجد الشياء في انتظارك‪.‬قدر القامة في الغرف السرية لكتابها‪.‬بتمثال ) فينوس( في ركن من الصالون‪ .‬شيء ل يتوقف عن انتظار شيء منها‪ .‬تعادل في‬ ‫معجزتها اصطياد هنيهة الخصاب بين رجل وامرأة‪.‬هي التي تحب توثيق جرائمها العشقية‪.‬لنني لست هنا أحد‪ .‬غير منتظر لشيٍء البتة‪ .‬‬ ‫أحسست كما لو كنت ل أقيم في هذا البيت‪ .‬‬ ‫ل إحداها الكتابة‪ .‬‬ ‫كيف كان لها أل تصف بيته بكل تفاصيله‪ .‬‬ ‫اعتدت أن أطلق سي ً‬ ‫من جثة الوقت تعلمت اقتناص اللحظة الهاربة‪ .‬وكنت ل أعرف‬ ‫في الواقع كان شيءٌ ف ّ‬ ‫لي مكانًا يليق بتوتري غير ذلك البيت‪ .‬دائم البحث عن رحم أأتمنه على طفلي‪.‬مثل‬ ‫امرأة‪ .‬كنت أنتظر صوتها كما اعتدت أن أنتظر صورة‪ .‬‬ ‫عندما امتل ذلك الفيلم بالصور‪ .‬كأن آلة التصوير التي كانت رفيقة حياتي‬ ‫غدت أنثى تحمل في أحشائها أولدي‪.‬أجرب المساكنة‪ .‬كالمهاجرين الذين ل أوراق‬ ‫ي أثناء مكوثي المختلس فيه‪ .‬عل ّ‬ ‫الهاتف‪ .‬و أتلقى تعليماتها الخيرة حول إدارة شؤون البيت في غيابها‪ .‬ذلك‬ ‫أنني قررت أن أستدرجها إلى هذا البيت لرغامها على العتراف بأنها ذات يوم مرت من هنا‪.‫الموقف من حرارة‪ .‬تأتي عندما يكون المكان مليئًا بشيء محتمل المجيء‪.‬أل ألفت‬ ‫لهم‪ .‬أقيم علقة غير شرعية مع مسكن عل ّ‬ ‫ي أل أفتح الباب لحد‪ .‬ذلك أنني‬ ‫ل من الفلشات على كل ما أشعر أنه مهدد بالزوال كأنني أقتله لنقذه‪.‬‬ ‫هي كانت كفينوس‪ .‬‬ ‫ل بعد ذلك ولن أرد عليه‪ .‬لحظتها تأتي الصورة مثل حب‪ .‬‬ ‫فتلك اللحظة الغامضة الخاطفة التي يتقاطع فيها الظل والضوء ليصنعا صورة‪ .‬وكانت تعني أن للذاكرة أحابيل إحداها الكذب‪.‬حزن نساء يدارين بحياء فاجعة الخواء‪ .‬‬ ‫ذلك أنها ما توقعت أن يكون لقارئ يومًا‪ .‬فعندما‬ ‫تكون جالسًا على مقعد الوقت المهدور‪ .‬‬ ‫ل أدري من أين خطرت لي هذه الفكرة‪ .‬‬ ‫كنت أعي ذلك المتياز الذي أهدتني إياه الحياة‪ .‬‬ ‫ي ينتظر صوتها‪ .‬في كل‬ ‫تطابق معها كنت أصلي للهة الخصاب كي تحرر أنوثتها المغتصبة في أسرة العسكر‪ .‬أعيش بين غبار أشياء يلمسني في صمته ضجيجها‪ .‬بل أسترق إقامتي فيه‪ .‬‬ ‫وكنت مليئًا بذلك البيت‪ .‬‬ ‫سبق لها أن قالت إن للذاكرة حي ٌ‬ ‫وكانت يومها توهمك بذلك لتهرب تلك الحقيقة في كتاب‪ .‬فاجأني إحساس بالبوة‪ .‬كانت‬ .‬فالصورة هي‬ ‫محاولة يائسة لتحنيط الزمن‪.‬بالشرفة المطلة على جسر ميرابو‪ .‬وإيقاف انسياب الوقت في لقطة‪ .‬لها غضاضة بطن لم ينجب‪ .‬دون أن تعرف بأنك تنتظر‪ .‬ول أرد على‬ ‫نظر الجيران أو أثير انتباههم ‪ .‬بلوحات‬ ‫الجسور المعلقة على الجدران‪ .‬ولذا أحضرت آلة تصويري‪ .‬ربما لنني بسبب عقدة يتمي كنت مهووسًا ببطون النساء‬ ‫وصدورهن‪ .‬أقحمت فيها كبطل من أبطالها‪.‬فأنا موجود هنا في المكان الخطأ فوق ألغام الذاكرة‪.‬‬ ‫وأن ذلك الرجل وجد حقًا‪.‬بالمرسم الذي تكدس على‬ ‫رفوفه الكثير من تعب العمر‪.‬‬ ‫وتهديك الحياة صورة لمشهد لن يتكرر‪.‬خشية أل يكون " هو" على الخط‪ .‬ويذكرني أنني عابر‬ ‫بينها‪ .‬‬ ‫أن تنتظر دون أن تنتظر‪ .

‬تصور من السهل أن أراك ليلة كاملة‬ ‫على أن أراك نصف ساعة في النهار‪.‬مستسلمات لسطوة طغاتهن‪ .‬‬‫ردت على طريقة أحمد شوقي في " قيس وليلى"‪:‬‬ ‫ ويلك‪ .‬ولن‬ ‫يكون هنا طوال هذا السبوع‪ .‬ل يمكن لروائي يفشل في اختراع كذبة تنطلي على‬‫أقرب الناس إليه‪ .‬أن ينجح بعد ذلك في تسويق أكاذيبه في كتاب‪ ..‬هي دومًا متواطئة معي مذ‬ ‫كنا نعيش معًا منذ عشر سنوات‪.‬أعزل أنا أمام سلطان صوت ببضع كلمات ونصف ضحكة‪ .‬‬ .‬ل موقد لك سواي‪ .‬لكنها زّفت لي فجأة خبرًا كصاعقة عشقية‪:‬‬ ‫ سيكون من الصعب أن ألتقي بك في النهار فليس من المعقول أن أترك ناصر واّما وحدها‪ .‬‬ ‫ت في الرد‪ ...‫ذاكرتي المنتصبة دومًا تتمرد على فكرة أن يشيخ بطنها من غير انفضاح بي‪..‬‬ ‫ل كغمزة للذاكرة لقبًا كنت أناديها به‪:‬‬ ‫أجبتها سعيدًا بصاعقة الفرحة‪ .‬لماذا تأخر َ‬ ‫ أه ً‬‫كيف بذلك القليل أيقظ رذاذ صوتها كل العاصير الجميلة داخلي!‬ ‫يا إلهي بالشوّية‪ .‬لقد هاتفتها ورتبنا معًا كذبة زيارتي لها‪ .‬فمنذ موت الفاشية ما عادت النساء تحبل‬ ‫قسرًا‪ .‬أجئت تطلب نارًا‪ .‬ول يمكنني‬ ‫وأنا امرأة متزوجة أن أرافقها إلى بيت رجل غريب وأنام عنده‪ ..‬اليوم‪ ..‬‬ ‫ركضت أبحث عن الهاتف الجوال‪ .‬‬ ‫ذات مرة قلت لها مازحًا‪ ":‬أنت لن تحبلي من سواي‪ .‬تسكن باريس لكن زوجها دائم السفر بحكم أعماله‪ .‬ومن الرجح أن تنام هناك‪ .‬حيث تركته في غرفة النوم‪.‬‬ ‫قلت غير مصدق فرحتي‪:‬‬ ‫ كيف استطعت أن تتدبري معجزة كهذه؟‬‫ إنها هدية المصادفة‪ .‬هي في الواقع ابنة‬ ‫عمي الذي كنت أقيم عنده أيام دراستي‪ .‬كما ل يمكنني أن أبقى وحدي في‬ ‫الفندق‪ .‬كان لصوتها جسد‪ .‬وإنها لن تتمكن من لقائي اليوم بسبب‬ ‫محاصرة ناصر ووالدتها لها‪ .‬لكني حسب نصيحتك وظفت لنجازها مواهبي الروائية‪ .‬مسته ً‬ ‫ سيدتي " يا حمالة الكذب" ل يمكننا إنقاذ النار إل بمزيد من الحطب‪.‬وكان كل ما أحتاجه لبقى‬ ‫تمنيت لو حادثتها طوي ً‬ ‫على قيد الفرح‪.‬تعالي كي يشتعل البيت نارًا!‬‫ل‪ .‬حتى البطون الموصدة‬ ‫للميرات أذابت نيران العشق شموع أختامها الملكية‪ .‬ولذا اقترحت أن أقضي الليلة عند بهية‪ .‬الرواية تمرين يومي!‬ ‫ضحكت ‪ .‬وما عاد اللقاح الزرق يثير شهية‬ ‫الخصاب لدى الرحام المتوجة‪.‬واصلت ضاحكة‪.‬أم تشعل البيت نارًا؟‬‫ أيتها القطة الضالة تحت مطر باريس‪ .‬كتلك المرأة التي قرأت أنها قالت بفعل الجاذبية الخارقة للقوة‬ ‫" عندما رأيت موسيليني يمر في موكب شعرت أنني حبلت منه‪ ".‬وكان له رائحة وملمس‪ .‬‬ ‫كنت ما أزال أستعيدها عندما انتفض القلب ورن ذلك الشيء الذي كان ينتظر صوتها ليصبح‬ ‫هاتفًا‪.‬اّما ستذهب غدًا حيث يقيم‬‫ناصر هناك لتعد له ولبعض أصدقائه عشاًء قسنطينيًا‪ .‬‬ ‫لكنها قالت إن ذلك الهاتف كان مسروقًا من غفلة الخرين‪ .‬لكني‬‫عثرت على حيلة تمكنني من أن أقضي ليلة الغد معك‪ .‬أمنهمك أنت في جمع الحطب؟‬ ‫ل‪ .‬صباح الشواق‪ .‬يشن عليك غارة‬ ‫عشقية‪.‬‬ ‫لفرط انشغالي بها كدت أنسى انتظاري لها‪.‬إنها قريبة لم ألتق بها منذ مدة‪ .‬‬‫ في مثل هذه الكاذيب بذرت طاقتي الدبية‪ .‬فكرت أنها حتمًا ل تدري أنني أجيء بها إلى هذا البيت لضعها أمام كذبة لم تنط ِ‬ ‫ل‬ ‫ي‪ ..‬هذا إذا افترضنا أنني أقرب الناس إليها!‬ ‫عل ّ‬ ‫سألتها بلهفة الفضول‪:‬‬ ‫ وما الفكرة التي أسست عليها عملك الروائي؟‬‫ إنها فكرة بسيطة ومبنية على شيء من الحقيقة ككل الكاذيب المتقنة‪ .

‬‬ ‫أضافت بعد ذلك بنبرة جادة‪:‬‬ ‫ضل أل نلتقي في فندقي بل في مكان آخر اختره أنت‪ ..‬‬ ‫قالت كما لتطمئن على مستوى الحي‪:‬‬ ‫ وأين يوجد هذا البيت؟‬‫تحاشيت أن أدلها على عنوانه‪:‬‬ ‫ئ على الضفة اليسرى " للسين"‪.‬إنني أحتاج صوتها لعيش‪.‬‬ ‫ ل تقلقي‪ .‬لفرط إسعادك كانت امرأة تحرض الحزن‬ ‫عليك‪.‬في أية ساعة تتوقعين المجيء؟‬‫ السابعة والنصف تقريبًا‪.‬نحن خارج خريطة الخوف العربية‪ .‬‬ ‫أحتاج أن أتناوله ثلث مرات في اليوم‪ .‬اعتدنا أن تكون كل الشياء الجميلة في حياتنا مرفقة‬‫بالحساس بالخوف أو الحساس بالذنب‪..‬‬ ‫عندما أغلقت جهازي النّقال‪ .‬مرة على الريق‪ .‬هذا أأمن‪.‬‬‫ أفضل أن أنتظرك في مقهى عند مخرج المترو وأرافقك إليه‪ .‬‬ ‫ أف ّ‬‫قلت ضاحكًا‪:‬‬ ‫" وين تهرب ياللي وراك الموت"‪ .‬‬ ‫وهي ستأتي‪ .‬‬ ‫حّرك ف ّ‬ ‫بعد انقطاع صوتها كان ينتابني حزن ل مبرر له‪ .‬وكان ثمة أنا‪ .‬‬ ‫الفصل السابع‬ ‫س تنتظر لقاء المصادفات‪.‬لكنني طبعًا بقيت‬ ‫على تظاهري بالتغابي‪.‬أنتظرها على مرمى بيت خارج من كتاب‪.‫استنتجت أن الموضوع يتعلق بالعشاء الذي دعاني إليه ناصر في بيت مراد‪ .‬عندما نصاب بوعكة عاطفية بدون أن يدري صاحبها كم نحن نحتاجه‪.‬‬‫صمتت برهة كما لو أن اسم المقهى أثار لديها رد فعل ما‪ .‬كانت كرا ٍ‬ ‫وطاولت تحتسي الضجر المسائي‪ .‬ككل النساء‪.‬لها هنا عاشق على أحر من موقد‪ .‬ما كانت امرأة تملك حق‬ ‫المجازفة‪ .‬‬ ‫كان الحب معها تمرين خطر‪ .‬‬‫ سأنتظرك ابتداًء من السابعة في مقهى ميرابو عند مخرج محطة المترو‪.‬ل تجبني عندما تهديك‬‫الحياة مصادفة على هذا القدر من الجمال‪.‬‬ ‫أقترح أن تحضري إلى البيت الذي أقيم فيه‪ .‬‬ ‫عاودتني تلك المنية ذاتها‪ :‬ليت صوتها يباع في الصيدليات لشتريه‪ .‬‬ ‫ي ذلك الهاتف أحاسيس متناقضة وليدة مشاعر عنيفة في جموحها‪.‬وكان عليه أن يبقى كذلك‪ .‬فعلى بساطتها‪ ..‬‬ ‫أي علم هذا الذي لم يستطع حتى الن أن يضع أصوات من نحب في أقراص‪ .‬أو في زجاجة دواء‬ ‫نتناولها سرًا‪ .‬إنهم في كل مكان في الفنادق الفاخرة كما في أرخص الفنادق‪.‬لكنني قلت قاطعًا الطريق إلى شكوكها‪:‬‬ ‫ ل تظلي هكذا مذعورة كسنجابة‪ .‬‬ ‫ ربما لجمالها تخيفني هذه المصادفة‪ .‬وأنني تائه بين إشراقة ضحكتها وغيم صمتها ورذاذ حزنها السري‪.‬شعرت أن كل الفصول قد عبرت في مكالمة واحدة عبر ذبذبات‬ ‫صوتها‪ .‬قبالة الضفة اليسرى لنهر السين‪ .‬‬ ‫على يمين الذكريات‪ .‬وقهوة من غير‬ .‬إنه في مكان هاد ٍ‬‫ أعطني العنوان وسآخذ تاكسي للمجيء‪.‬على أل يكون فيه طبعًا جزائريين‪.‬ومرة عندما يهجم عل ّ‬ ‫ي‬ ‫الحزن أو الفرح كما الن‪.‬ولي رغبات بشيء من الهيل‪ .‬خلف واجهة زجاجية لمقهى في زاوية مهيأة‬ ‫لشخصين‪ .‬ومرة قبل النوم‪ .

‬النصف الخر ستكتشفه لحقًا‪.‬كنت أصّدق فيها بياض الكذب‪ .‬اعتذرت وقالت إنها تف ّ‬ ‫جسة شيئًا قد أفاجئها به؟‬ ‫أكانت على عجل كي نختلي؟ أم كانت على قلق متو ّ‬ ‫دفعت ثمن قهوتي وغادرنا المقهى‪..‬‬‫ وأنا نسيتها لفرط فرحتي‪ .‬تنتظرك خارج بيتك‬ ‫ نسيت كيف أسير بأمان في شارع ليس إ ّ‬‫بعيون فضولية‪ .‬لكن ل يهم نحن لسنا بعيدين عن البيت‪.‬صوابي الوحيد أنني تعثرت بك‪.‬‬ ‫قالت متوسلة‪:‬‬ ‫ أرجوك‪ ..‬‬ ‫كنت شاردًا بها خلف زجاج الترقب حين فاجأني برق طّلتها‪ .‫سكر‪ .‬فقدت عادة التنقل في ذلك العالم السفلي المزدحم بالبشر‪ .‬وأخرى عدائية‪ ..‬‬ ‫وقفت جواري باندهاش صامت وهي تراني أضغط على الرقام السرية التي تفتح باب البناية‪.‬‬ .‬‬ ‫ضل أن تغادر المقهى‪.‬ما الذي‬‫أوصلك إلى هنا؟ ما سمعت بهذه المحطة من قبل!‬ ‫طبعًا لم أصدقها‪ .‬وإن كنت أحب العودة معك إلى جادة الخطأ!‬‫راحت تتأملني لبرهة‪ .‬توقعك في قبضة الخوف‪.‬قالت وهي تستعيد أنفاسها‪:‬‬ ‫ ضعت في متاهات المترو‪ ...‬‬ ‫سألتها إن كان ثمة ما يزعجها‪:‬‬ ‫ل‪ .‬‬‫واصلت التحرش بها وأنا أراها تسبقني بخطوات‪:‬‬ ‫ هل أنت على عجل؟‬‫ردت بشيء من العصبية وهي تغطي شعرها بحقيبة يدها‪:‬‬ ‫ أنا على بلل‪..‬ل ترهقني بجهد إضافي‪ .‬ثم قالت بعصبية‬ ‫أنثوية‪:‬‬ ‫ ما زلت تتعمد أن تقول لي أشياء ل تفهم!‬‫قلت ضاحكًا‪:‬‬ ‫ أبدًا‪ ..‬‬ ‫بدت لي مندهشة‪ .‬ل قوة لي على البحث بين الكلمات‪ .‬نسيتها لفرط عجلتي‪.‬‬‫ردت وهي تضع حقيبة يدها على الكرسي المجاور‪:‬‬ ‫ في لحظة ما‪ .‬اعتدت على مدن شكاكة‪ .‬‬‫أجبت مبتسمًا‪:‬‬ ‫ طبعًا لم أخطئ‪ .‬فباريس تجيز لك سرقة القبل‪.‬‬ ‫كنا نسلك منعطف الشارع المؤدي إلى البيت عندما فاجأنا المطر‪ .‬يكفيني ما قمت به من‬‫جهد حتى ل تغير أّما أو ناصر رأيهما ويصطحباني معهما إلى ذلك العشاء‪.‬‬‫اكتفيت بأن أوصل إليها نصف ما أقصد‪ ..‬تغابيت وهي تسألني‪:‬‬ ‫ أتسكن هنا؟‬‫أجبت مازحًا‪:‬‬ ‫‪ -‬دومًا كنت أقيم في شوارع جانبية لجادة حبك‪.‬متباطئة الخطى وهي تراني أسلك طريقًا كنها تعرفه‪.‬‬ ‫عندما حضر النادل ليسألها ماذا تريد‪ ..‬‬ ‫سحبت كرسيًا وجلست قبالتي‪ .‬يأتي بها نادل الحزن المهندم‪.‬‬ ‫ آسف‪ .‬وفهمت كم كان يلزمها من حقائب لتهريب كذبة‬ ‫واحدة‪..‬كنت أعني أنني عشت عمرًا على خطأ‪ .‬كما لتحاول فك إشارة كنت أبعثها إليها بين الكلمات‪ .‬‬‫اكتفيت بإسراع الخطى نحو تلك البناية وأنا أفكر في فصاحتها المواربة‪.‬‬ ‫وهذه المرة أيضًا لم أسألها ما الذي يدهشها‪ .‬خفت أن تكون أخطأت في إرشادي إلى العنوان‪.‬سألتها إن كانت تحمل مظلة‪:‬‬ ‫ ل‪ .‬وقفت أسّلم عليها واضعًا قبلتين على‬ ‫خديها دون تفكير‪ .‬ظننتك تحسنين التنقل بالميترو‪..‬وأخرى متربصة‪ .

‬‬ ‫عندما فتحت الباب‪ .‬‬ ‫ردت متذمرة‪:‬‬ ‫ل فتجيبني شعرًا!‬ ‫ أهو وقت بحيرة البجع؟ أطرح عليك سؤا ً‬‫أجبتها ونحن ندخل المصعد‪:‬‬ ‫ حضورك يورطني دائمًا في الشياء الجميلة‪.‬‬‫عندما انغلق المصعد علينا‪ .‬لم تكن مشغولة بلحظة خلوتنا الولى‪ ..‬وهذا البيت‬ ‫الخارج من كتابها‪ .‬كان نظرها يتسمر على لوحة‬ ‫الزرار التي تحمل أرقام الطوابق‪.‬‬ ‫قلت وأنا أضع أول قبلة على شفتيها‪:‬‬ ‫ ومن قال إنك هنا في مأمن؟ ل أكثر سطوًا من عاشق انتظر سنتين!‬‫بقبلة ابتلعت زينة شفتيها‪ .‬‬ ‫ أنت تصغرين مع كل قبلة‪ .‬كي تستأثر وحدك بالجواهر المرصعة على اسمك"‪.‬يقال إن‬‫العتداءات وعمليات النشل كثرت هذه اليام‪.‬لنه ل يعود كما‬ ‫كان من قبل‪.‬والمطابق لكل تفاصيل وصفها له‪ .‬ولكنها واصلت النظر إلى اللوحة‪ ..‬كانت ل تزال تحت وقع إرباك المكان‪ .‬كأنها‬ ‫تراهن على احتمال وجود خطٍإ في اللحظة الخيرة‪.‬إنه يقيم في الدور السابع‪.‬ثم استفاق‪:‬‬ ‫ إلى أين نحن ذاهبان؟‬‫ تدرين ما يقول مقطع من " بحيرة البجع"‪ " .‬‬ ‫قلت كما دون قصد‪ .‬‬‫أضفت وأنا أتنبه لثيابها المبللة‪:‬‬ ‫ كان عليك أن تحملي مظلة‪ .‬‬ ‫قلت متحاشيًا إرباك الموقف‪:‬‬ ‫ل أخرى وتصبحين على مشارف العشرين‪.‬بعض ُقَب ٍ‬‫ردت وهي تتجه نحو الصالون‪:‬‬ .‬‬‫لكنها سألتني بنبرة من كان يمشي نائمًا‪ ..‬تاركاً؟ لها ابتلع أكاذيبها‪ .‬‬ ‫فرحت أتأمل ملمحها بعد مباغتة القبلة الولى التي يتغير بعدها وجه الخر‪ .‬ثم أتفرج على عريها أمام الحقيقة‪.‬تعال على رؤوس الصابع‪ .‬ول أنا نظرت في عينيها بحثًا عن آثار صدمة ارتطامها بالحقيقة‪.‬‬ ‫ربما بدأت تتأكد لحظتها نحو أي طابق كنت آخذها‪ .‬ل تبقي هكذا على ناصية السئلة‪.‬‬ ‫ الحب له دائمًا حضور متعا ٍ‬‫لم تعلق بكلمة‪ .‬سحبتها من يدها قائ ً‬ ‫ تعالي‪ .‬شعرت وأنا أنير البيت أن نظرتها تتفقد المكان كما لتطمئن على سلمة‬ ‫الشياء‪.‬ول يمكنك آنذاك مقاومة الرغبة في وضعه أمام كذبته‪ .‬وعندما تكون انتبهت إلى تصديقه‪ .‬‬‫ تعمدت ارتداء هذا الجاكيت خوف أن يتسبب لي معطف فاخر بمشاكل في الميترو‪ ..‬تقودك خطى‬ ‫القدر يومًا إلى مكمن سره‪ .‬واضعًا يدًا على فمك‬‫كي ل تبوح بسر المكان الذي أقودك إليه‪ .‬‬‫في الوقع‪ .‬كنت أحب تلك اللحظة‬ ‫التي أفحم فيها امرأة بحجة ل تتوقعها‪ ..‬ما دام لم يبد عليها أي رد فعل صارخ‪.‬كم انتظرت هذا اليوم‪.‫ل‪:‬‬ ‫أحسست أن المفاجأة سمرتها عند الباب‪ .‬ول ماذا أفعل هنا‪.‬‬ ‫قررت أن أمضي في لعبة التغابي إلى أقصاها‪ .‬‬ ‫ هل أعجبك البيت؟‬‫ردت وهي تختار كلماتها بعناية‪:‬‬ ‫ فيه دفء جميل‪.‬متماديًا في التغابي المزعج وأنا أضغط على زر المفاجأة‪:‬‬ ‫ل‪ .‬يليق بمواجهة كهذه‪ .‬ول تجرؤ على سؤالي كيف وصلت إلى هذا‬ ‫البيت‪ .‬أو أن ترتدي معطف فرو ليوم كهذا‪.‬وهي تقول‪:‬‬ ‫ اشتقتك‪ .‬‬ ‫كانت اللعبة مشابهة للوحة يتنكر رسامها لملهمه‪ .

‬‬‫قلت بسخرية ل تخلو من تهكم مر‪:‬‬ ‫ وغدًا؟‬‫أجابت وقد باغتها السؤال‪:‬‬ ‫ غدًا؟ ل أدري‪ ..‬اليوم لي عمر شفتيك‪.‬إنه استثمار عاطفي جيد‪.‬‬ ‫ ل‪ .‬ليست الخرة من هواجسي‪..‬وعدت بعد حين حام ً‬ ‫وأنا أناولها إياه‪:‬‬ ‫ أتمنى أن يعجبك‪ .‬ذهبت صوب المرآة ووضعته على جسدها لترى إن كان يناسبها‪.‬قلت‬ ‫تركتها واقفة وسط الصالون‪ .‬‬‫قلت مازحًا‪:‬‬ ‫ سأعطيك إذن من القبل ما يجعلك تبلغين سن الجحيم بسرعة‪..‬إنما أنت من علمتني أننا نف ّ‬‫لم تعّلق‪ .‬لقد خربت حتمًا ميزانيتك‪.‬وسعيد أن تكوني أنت من ترتديه ل أخرى‪.‬‬‫ردت بغيرة نسائية واضحة‪:‬‬ ‫ وهل ثمة أخرى؟‬‫صل كل حب من قماش حب آخر‪.‬بإمكانك ارتداؤه‪.‬وأن يكون مقاسك‪.‬‬‫راحت تفرده بإعجاب واضح‪:‬‬ ‫ جميل ‪ .‬اشتريته لرشو به القدر إنه ثوب الحب‪ .‬أكنت ستهديه لزوجتك؟‬‫ قطعًا ل‪ .‬دون أن تعّلق بشيء‪..‬‬ ‫جلست على الريكة قبالة الموقد‪ ..‬وهي تتنقل في الصالون متأملة تمثال فينوس‬ ‫واللوحات المعلقة على الجدران‪ .‬‬ ‫ل استفزازها‪:‬‬ ‫أجبت متجاه ً‬ ‫ ل ‪ .‬أنظر إليها‪ ..‬خشيت عليها أن تمرض‪.‬‬ ‫كانت مبللة كقطة‪ ..‬إنه فستان سهرة‪.‬‬‫قالت وهي تأخذه مندهشة‪:‬‬ ‫ متى اشتريته؟‬‫أجبت مازحًا‪:‬‬ ‫ لن تصدقي لو قلت لك إنني اشتريته منذ أكثر من شهرين‪ .‬حتى قبل أن أتوقع لقاءك‪..‬‬ ‫ل‪:‬‬ ‫طمأنتها قائ ً‬ ‫ السود يليق بك‪.‬‬‫ ل تهتمي‪ .‬‬ ‫لم أقاطع خلوتها الولى بالذاكرة‪ .‬‬‫قالت وهي تهم بإعادته إلى الكيس‪:‬‬ ‫‪ -‬هو أجمل من أن أرتديه في البيت‪ ..‬بل اشتريته لك‪..‬في الواقع ما كانت لي رغبة سوى تأملها‪.‬‬ ‫ بإمكانك أن تجففي شعرك في الحمام‪.‬‬‫ لو لم أحضر إلى باريس ول التقينا ماذا كنت ستفعل به يا مهبول‪ .‬كيف فكرت أن تشتريه لي‪ .‫ ومن أدراك أنني أحب ذلك العمر‪ .‬لدي فستان لك‪ .‬‬ .‬شيء منها كان يذكرني بـ " أولغا" جارتي البولونية‪ .‬‬‫ردت بلؤم نسائي‪:‬‬ ‫ أهو فستان لصاحبة البيت؟‬‫قد تكون رأت صورًا لفرانسواز وأخرى لمها على طاولة ركن في الصالون‪.‬كنت سعيدا بتأملها‪.‬وهي تنشف شعرها في‬ ‫روب حمامها البيض‪ ..‬‬‫ل ذلك الفستان السود في كيسه الفاخر‪ .‬جميل حقًا‪ .‬‬‫ابتسمت ابتسامة غائبة‪:‬‬ ‫ل‪:‬‬ ‫وقبل أن تتوجه نحو الحمام تذكرت شيئًا فأردفت قائ ً‬ ‫ إن شئت أن تغيري ثيابك‪ .‬‬‫كنت أتعمد ممازحتها تخفيفًا لحرج اللحظات الولى‪ .

‬وإل سيبادلك اللمبالة والنفور‪ ..‬وكانت‬ ‫الموسيقى بإيقاع دفوفها تبث في الجو ذبذبات الخوف من رغبات توّلد مشاعر عنيفة‪ ..‬طريقتها في الياب‪.‬‬ ‫أتراها أحبت هذا الثوب حتى لتبدو فاتنة فيه إلى هذا الحد؟‬ ‫أم هي أحبت فتنة هذا الموقف وغرابة لقائنا معًا في بيت يعيدها عشر سنوات إلى متاهتها‬ ‫العاطفية الولى‪..‬أو هكذا ظننت‪ .‬‬ ‫في ذلك الزمن الذي كانت تزورني فيه متنكرة في عباءة أمها‪ .‬وهذا أمر ل تفسير‬ ‫له‪ .‬وأقاصص نفسي بانتظارها وهي‬ ‫تتعرى لذاكرتها في تلك الغرفة‪.‬وهي تدور في ذلك الثوب نصف استدارة على إيقاع الموسيقى‪:‬‬ ‫ تشتيه؟‬‫ي كل ذلك الشوق‪:‬‬ ‫" هل أحبه"؟ يا للسؤال! أجبتها وقد استيقظ ف ّ‬ ‫ نشتيك إنتي!‬‫دومًا أحببت الطريقة التي تتحرك بها‪ .‬لنهم يرتدون بذلة يحبونها ول يملكون سواها"‪.‬وفي باريس‪ .‬‬ ‫لم تكن الجمل‪ ..‬كفاكهة تدري أنها لك‪ .‬كانت تلك الغنية ما زالت‬ ‫داخل جهاز الكاسيت‪.‬‬ ‫سألتني بلهجة قسنطينية‪ .‬حتى أطلت كبجعة سوداء‪ .‬ولذا هم يبدون غير جميلين حتى في أناقتهم‪ .‬قسمطينة هي غرامي‬ ‫نتفكرك في منامي‪ .‬فتبدو فيه قبيحًا‪ .‬إنقاذًا لجمالية اللحظة‪.‬والضغط على الزر‪.‬في رفع طرف ثوبها بيد واحدة وكأنها تمسك بتلبيب سرها‪ ....‬‬ ‫كانت كلمات الغنية امتدادًا لخساراتنا‪ .‬ولكنها كانت الشهى‪ .‬في انسياب‬ ‫الشال على شعرها‪ .‫ ونحن في سهرة‪ .‬إنتي والوالدين ال‬ ‫جلست رفقة قسنطينة أنتظرها‪ .‬كانت البهى‪ ..‬قطعًا ما كانت الجمل‪ .‬في التوقف‪ ..‬ولكنك‬ ‫تؤجل قضمها‪..‬لكنني لم‬ ‫أفعل‪ .‬تبدو معها‬ .‬ثم بدون أن تقول شيئًا‪ .‬طريقتها في‬ ‫الذهاب‪ .‬أو أن أقترح عن عادة ارتداءه أمامي في الصالون‪ .‬طريقتها في اللتفات‪ ....‬وإذا بها قسنطينة‪.‬والبعض‬ ‫تراهم على بساطة زيهم متألقين‪ .‬كغرابة صوتها الذي يحدث اضطرابًا كونيًا بكلمة‪.‬وكنت أتأمل غرابة فتنتها التي ل منطق لها‪..‬‬ ‫وقفت قبالتي‪ .‬بعض‬ ‫الناس ل يقيمون علقة حب مع ما يرتدون‪ .‬ممزوجة بحسرات الشتياق إلى قسنطينة‪ .‬‬ ‫اكتفيت بإعادتها إلى البداية‪ ..‬كنت أسعد بمتعة تأجيل متعتي‪ .‬خوفًا من أعين الفضوليين ونوايا‬ ‫الرهابيين المتربصين بالنساء‪ ..‬كأنها في كل ما ترتديه‬ ‫ما ارتدت سوى ملءتها‪ .‬‬ ‫كان بإمكاني عن لهفة‪ ..‬‬ ‫اقترحت عليها أن تذهب إلى الغرفة المجاورة وترتديه‪.‬أذكر قولي لها أنني أحبها في تلك العباية السوداء أجابت يومها‪" :‬‬ ‫عليك أن تحب الثوب الذي ترتديه ليحبك‪ .‬‬ ‫حاولت أن أستعين على انتظارها بالبحث عن شريط يليق بالمناسبة‪ ....‬‬ ‫تأملت للحظة وجهي المنعكس أمامها في المرآة‪ .‬‬ ‫رغم استعجال الجسد وجوعه‪ ..‬‬ ‫باسم ال نبدى كلمي‪.‬في النحناء‪ .‬أخذته ومضت صوب‬ ‫الغرفة التي كان واضحًا أنها تعرف الطريق إليها!‬ ‫أكنت أريد أن أختبر معرفتها بالبيت‪ .‬أن ألحق بها‪ .‬أم أختبر صبري عليها‪ .‬أين سأراك فيه إن لم يكن هنا؟‬‫بدت مقتنعة‪.

‫الرغبة في الرقص عبورًا إلى حزن آخر‪.‬يكاد رقص‬ ‫القسنطينيات يضاهي طقوس العبادة‪.‬كنا نمارس الحب رقصًا‪ .‬كي تلبسيه ليلة عرسك‪ .‬في تلك النوثة‬ ‫التي تحت صخب الموسلين ترقص وكأنها تبكي‪ .‬‬ ‫بدا لي كأنما لستحالة فرحنا‪ .‬في كل رغبة شيء من العنف المستتر‪.‬أثقل من أن ترتديه وحدك‪ .‬على أغنية محملة بذلك الكم من الشجن‪..‬لكن في بيت‬ ‫متورط في حزننا أكثر من أن نفرح فيه‪.‬أجمل من أل يراك فيه أحد‪ .‬وهاذا الزين إذا موش ل ّ‬‫ل‪ .‬منتشيًا بها لفرط جوعي إليها‪ .‬كما في الساطير القديمة‪.‬لتنتهي كرمًا‬ ‫يعتصر تحت وقع قدميها‪..‬‬ .‬غير أن الرقص القسنطيني ل يرقص‬ ‫بفوطة تلف حول ردفين لجسد نصف عار‪ .‬راح جسدها يتهادى‪ .‬‬ ‫ولن قدمها اليسرى كانت مغطاة بقطعة قماش متدلية من وسط جسدها‪ .‬‬ ‫لم تكن تتمايل‪ .‬كانت إثارتها في إغرائها الموارب‪ .‬‬ ‫حزينًا لفرط طربي‪ .‬ردت بخجل نساء قسنطينة في زمن مضى‪:‬‬ ‫ ما نقدرش‪ .‬أم لنه ل يليق بقسنطينة الرقص بكعب عال؟‬ ‫قلت‪ " :‬اخلعي نعلك يا سيدتي‪ .‬قلت لها‪::‬‬ ‫ حياة‪ .‬‬ ‫أحببت فصاحة قدميها المخضبتين بدم الرجال‪ .‬‬‫أجبتها بما يضاهي حياء أنوثتها من رجولة‪:‬‬ ‫ي ِلمُنو؟‬ ‫ أنا مانيش راجل‪ .‬فقد تنبهت إلى‬ ‫وقوف فينوس منتصبة تواصل انتعال ابتسامتها البدية‪..‬جالسًا قبالتها‪ .‬وفاجأني حياؤها‪ .‬‬ ‫كان في الجو براعم جنون لشهوات مؤجلة أزهرت أخيرًا خارج بساتين الخوف‪ .‬طربًا لفرط حزني‪.‬ول يرى منه سوى واحد حين‬ ‫في قدميك المخضبتين بالحناء خلخا ً‬ ‫تجلسين‪ .‬لهيبة نسائه في حضورهن الخرافي‪ .‬أنا راجلك‪ .‬‬ ‫لن وجودك في " محمية عاطفية" خارج خارطة الخوف العربي يمنحك كل الصلحيات في‬ ‫اختبار جنونك‪ ..‬لم تكن تتلّوى ‪.‬‬ ‫وقبلها لم أكن خبرت الرقص الذي يضرم الحزن‪ .‬نحن ل نستطيع الرقص مع إنسان سعيد" والبسي ثوبًا من‬ ‫احزني قلي ً‬ ‫المخمل المطرز بخيوط الذهب‪ ..‬إن‬ ‫تراني لفظت كلمة السر التي انتظرها جسدها طوي ً‬ ‫لم يكن لي أنا"؟‬ ‫بحشمة قسنطينة عندما ترقص لول مرة في حضرة رجل‪ .‬في الرقص كما في العبادة ل نحتاج إلى حذاء"‪ .‬وتعالي على هودج الشهوات المتهادي لتتعلمي الرقص القسنطيني‪.‬بنشوة الحزن المتعالي‪.‬أروع من أن يوصف‪.‬ضعي‬ ‫حول خصرك حزامًا قضت أمك عمرًا في جمع صكوكه الذهبية‪ .‬‬ ‫إنه يا إلهة الجمال شيء أجمل من أن يتعرى‪ .‬فيوم جيء بها إليه‪ ..‬يقال إن خبراء الترميم في‬ ‫متحف اللوفر قاموا بتبديل قدمها اليمنى بقدم بدون خف‪.‬اشطحي لي‪.‬وجد من بين متملقيه من أوصله الجتهاد إلى المطالبة بأن‬ ‫تتواضع وتأتيه حافية لتؤدي له طقوس الطاعة‪ .‬عمري ما شطحت قدام راجل‪.‬ول كان في حركتها من غنج‪ .‬‬ ‫من يومها تزداد " فينوس" تهكمًا‪ .‬‬ ‫ألهذا خفت كعبها‪ .‬‬ ‫وهي تود لو أنها رقصت الن كأنثى على هذه الموسيقى‪ .‬ما استطاعوا أن يجعلوا تمثالها ينحني ول يديها المبتورتين‬ ‫تصفقان لحاكم أو ملك‪.‬ليستقبلها‬ ‫رسميًا بما يليق بمقام آلهة للجمال‪ .‬مرري‬ ‫ل تسمع رنته حين تمشين‪ .‬دمائي تصهل تجاهها دومًا‪ .‬‬ ‫ل إذن يا سيدتي الحجرية‪ " .‬‬‫فاجأها طلبي‪ .‬‬ ‫أن تكون آلهة لم يعفها من الذهاب حافية إلى لويس الثامن عشر‪ .‬فل أظن أحدًا قبلي سألها " لمن جمالك‪ ..‬صامتًا كنت‪ .

‬فاستبدلته بآخر أكثر إلحاحًا‪ .‬لكن عندما راح الهاتف يرن بعد ذلك‬ ‫بإلحاح في غرفة النوم‪ ..‬برغم أن العشاق‪ .‬ضحكة ماطرة تجاهلت رذاذها‪ .‬وأضعها على طاولة قريبة‪:‬‬ ‫ بل ل هاجس للمتعبد إل الساعة‪ .‬‬‫صححتها وأنا أضمها إلي‪:‬‬ ‫ بل بجهد غبائك العاطفي!‬‫ل‪ .‬تهزمني دائمًا بدون جهد‪.‬اللحاح الهاتفي صفة أنثوية‪..‬توجهت نحو المسجل أخّفض صوت الموسيقى‪..‬‬ ‫ل بتعليمات فرانسواز‪ .‬ل يقطع صلته ليرد على الهاتف!‬‫ل ينتظر هاتفًا‪.‬ساعة في معصمك!‬ ‫شعرت برغبة في أن أسألها‪ :‬هل قّبلها أحد قبلي على هذه الريكة نفسها؟‬ ‫غير أنني كنت أعرف الجواب‪ .‬كما الموتى‪ .‬قلت موضحًا‪:‬‬ ‫ ل أريد نصًا روائيًا‪ .‬توضع على عجل لوقف‬ ‫نزيف‪.‬برغم حملك أثناءه‪ ..‬‬ .‬ردت عليه بضحكة ماكرة‪ .‬أتحداك أل تنظري بعد الن إلى ساعتك!‬‫ردت ضاحكة‪:‬‬ ‫ عليك اللعنة‪ .‬لنه كالعاشق يخاف أن تفاجئه ساعته‪ .‬‬ ‫سألتني وهي تجلس قبالتي على الريكة‪:‬‬ ‫ أل ترد على الهاتف؟‬‫ ل‪.‬وتبدأ باستنطاقي عن‬ ‫فرانسواز‪..‬إل إذا كان مث ً‬‫ضحكت لمنطق غيرتها‪ ..‬أجبتها وأنا أفك الساعة من معصمي‪ .‬ل يعنيني أن أعرف من يكون ول كيف أو متى حدث هذا‪ .‬أظننا تجاوزنا الوقت الحضاري المباح لضجيج السهر‪.‬وأنا جئت بها إلى هنا كي‬ ‫أرغمها على العتراف بحقيقة وجود خالد‪ .‬قلت وأنا أعابث شعرها‪:‬‬ ‫ حياة‪ .‬ها هي تقلب الدوار‪ ..‬‬ ‫كنت أنتظر منها جوابًا لكنها لم تملك سوى كلمات كضمادات لصقة‪ .‬‬ ‫قالت إذ وجدت في سؤال آخر براءة لذمتها‪:‬‬ ‫ قلت مرة إن " الذكاء هو تقاسم السئلة" دعني أتذاكى وأسألك بدوري‪ ..‫انحنت حياة تخلع حذاءها‪ .‬ما علقتك بهذه المرأة‬‫التي تغطي صورها كل مكان في هذا البيت الذي تستقبلني فيه؟‬ ‫ضحكت لسؤالها‪ .‬توقعت أن يكون أحدهم اتصل احتجاجًا على صوت الموسيقى‪.‬ولمرة تمنيت لو أنها كذبت‪.‬‬ ‫رحت أقبلها طوي ً‬ ‫فوحدها اقبل بإمكانها أن تعيد إليك عمرًا أفلت منك‪ ..‬‬ ‫ ول يقطع عبادته أيضًا لينظر إلى الساعة‪ .‬ل يحتاجون إلى ساعة‬ ‫لكونهم بدخولهم إلى الحب يخرجون من الزمن المتعارف عليه!‬ ‫واصلت مازحًا‪:‬‬ ‫ خلعت ساعتي‪ .‬هاجس الموت يواجهنا‬‫أمام كل حب‪ .‬‬‫ل تلميحها‪:‬‬ ‫قلت متجاه ً‬ ‫ المحب كالمتعبد‪ .‬هل قّبلك رجل بعدي؟؟‬‫فاجأها السؤال‪ .‬قبلة تأخرت كثيرًا حتى لكأن عليها أن تغطي نفقات عامين من النتظار‪..‬مكتفيًا بالنظر إلى الساعة‪.‬أريد أن‬‫أعرف فقط هل حدث؟‬ ‫هي عادة ل تصدق إل عندما يكون في صدقها إيلمك‪ .‬‬ ‫عم ً‬ ‫كانت التاسعة والربع بعد الشجن‪ .‬‬‫قالت بمكر النوثة‪:‬‬ ‫ ربما أحد يصر على محادثتك‪ .‬على إيقاع خلخال أوهامي‪.‬‬ ‫لفرط انخطافي بها‪ .‬‬ ‫كان الشريط على مشارف نهايته‪ .‬لن الزمن هاجس عشقي‪ .‬فضلت أل أجيب‪ .‬وتواصل الرقص حافية الشهوات‪ .‬فالذكاء ما كان بالنسبة إليها تقاسم السئلة بل قلبها‪ .‬لم أنتبه لحظتها لمكان إزعاج الجيران‪ .

‬كلما ازدادت يقينًا بخياناتي لها‪ .‬‬‫ثم واصلت مستدركًا بلؤم‪:‬‬ ‫ تلقفتني " الحفر النسائية" بعدك‪ .‬ينتهز فرصة ذلك الزخم‬ ‫الحياتي لكي يقضي على الحياة‪ .‬‬ ‫بينما خيانته إياها تجعله شهيًا لديها!‬ ‫تذكرت خالد الذي قد يكون مثلي خسرها في الماضي لفرط إخلصه لها‪ .‬خاصة أ‪ ،‬في المر جانبًا طريفًا آخر‪ .‬تحتاج إلى تقارير ترفعها إليها في كل لقاء عن كل‬ ‫أنثى مارست الحب معها قبلها‪ .‬تمامًا كما أصبح فنانًا جديرًا بالهتمام في الجزائر‪ .‬فهي ل تتوقع حتى‬ ‫الن أن أكون التقيت بخالد‪ .‬البارحة مثلً فكرت وأنا أعبر جوار برج إيفيل أننا‬ ‫لم نسمع بأحد انتحر بإلقاء نفسه من برج‪ .‬مستفيدًا من جلوسنا عند العشاء متقابلين للوحة عليها‬ ‫جسر‪:‬‬ ‫ دومًا كانت الجسور ثالثنا‪ .‬مذ اغتيل سائقي " عمي أحمد" بسببي ونحن على الجسر‪ .‬فالمنتحر ل يبحث عن المكان العلى للنتحار بقدر ما‬ ‫يعنيه زخم الحياة‪ .‬‬ ‫لكنها حتمًا تعرفت على فرانسواز من صورها المرسومة على اللوحات‪ ..‬‬ ‫تماديًا في إيلمها‪ .‬فهل كان حبها أكبر وأجمل من أن يحكى خارج‬ ‫كتاب؟‬ ‫أثناء تأملي ولعها بي‪ .‬سواء لوطن‪ .‬ثم أصبح جديرًا بغيرتها‬ ‫مذ تلقفته فرانسواز‪ .‬فهي تدري أن قصة ل تبوح بتفاصيلها هي قصة عشقية‪.‬وقعت على مفارقة عجيبة‪ .‬‬ ‫ووحدها المغامرات العابرة تغّذي آذان السّرة التي ل ذاكرة لها‪.‬‬ ‫عّلقت مازحًا‪:‬‬ ‫‪ -‬طبعًا‪ .‬لكن في كل امرأة مررت بها تعثرت بك!‬‫ردت بضحكة تخفي لهيب الغيرة‪:‬‬ ‫ ل داع لسؤالك إذن ماذا فعلت في غيبتي‪ .‬‬ ‫ صديقة أقيم عندها منذ أشهر‪.‬أو لمرأة‪.‬لتتلقفه هنا‬ ‫صالت العرض الباريسية!‬ ‫وهكذا الذين يقولون إننا نحتاج إلى الكاذيب الصغيرة لنقاذ الحقيقة‪ .‬لنه برغم كل شيء ل يصدق أنها‬ ‫ستستمر بعده‪.‬مثله ل‬‫أملك شروحًا لي شيء كتبته‪.‬ول تفهم كيف هذه المرأة‬ ‫استطاعت أن تسرق منها الرجلين الهم في حياتها‪.‬أتوقع أن تكون‬‫قضيت الوقت أرضًا‪ .‬لنقاذ الوفاء‪ ..‬هو يختار الجسر لنه يريد أن يشهدنا على موته‪ .‬أتحبين هذه اللوحة؟‬‫أجابت وقد فاجأها سؤالي‪:‬‬ ‫ ما عدت أحب الجسور‪ .‬وككل المخابرات كانت تجد متعتها في التدقيق بالتفاصيل‪.‬‬ ‫حاولت أن أستدرجها للحديث عن خالد‪ .‬يجعله الشهى في عيون بقية النساء اللئي يصبح هدفهن اليقاع به‪.‫قررت أن أتراشق معها بجمر الغيرة‪ .‬وهذه الحادثة التي لم تكن‬ ‫تعنيني أصبحت تحضرني بين الحين والخر‪ .‬وأنا اكتشف أن‬ ‫وفاء رجل لمرأة واحدة‪ ..‬ربما عليهم أن يضيفوا‬ ‫حاجتنا إلى شيء من الخيانة‪ .‬هل استمتعت بذلك؟‬ ‫كانت أنثى ل تختلف عن الجهزة البوليسية‪ .‬خاصة أن لي جّدا انتحر بإلقاء نفسه من جسر سيدي راشد‪ .‬‬ ‫ربما لهذا هي لم تبح يومًا بحبها لخالد ول لزياد‪ .‬كرهت‬‫الجسور‪ .‬أفهم تمامًا أن تكوني امرأة ملتزمة بـ " إيتيكيت" الهدية!‬ ..‬لماذا تشغل كل رواياتك؟ اشرحي لي هذا اللغز الذي لم أفهمه!‬‫عادت إلى مراوغتها الساخرة وردت‪:‬‬ ‫ ثمة مقولة جميلة لبروست ‪ ":‬أن تشرح تفاصيل رواية كأن تنسى السعر على هدية"‪ .‬‬ ‫كانت تبدو أجمل‪ .‬أو أنني أعرف شيئًا عنه‪ .‬مذ غادرها‪ .‬تجاهلت فضولها‪ .‬عندما تتحدث في أشياء جادة‪ .‬عساها تنتحر بانتحاره‪ .‬لكثرة ما تعثرت بي في كل حفرة‪ .‬لعتقادها أنه ترك هذا البيت منذ سنوات‪.‬رحت أستدرجها لحوار ظننته سيكون كذلك‪:‬‬ ‫ إن كنت تكرهين الجسور ‪ .

‬‬‫قالت‪:‬‬ ‫ ما عاد في حوائط قلبي مكان لعّلق عليه شيئًا‪..‬ويلعن بو الرواية متاعك‪.‬‬ ‫قالت وقد لحظت حزني‪:‬‬ ‫ ل تحزن هكذا‪ ..‬يكفيني هذا الفستان هدية منك‪ ..‬إنما في حمرة غوايتها‪ .‫ثم واصلت‪ -‬وبالمناسبة‪ .‬‬ ‫قلت وأنا ألقمها إياها بذلك البطء المتعمد‪:‬‬ ‫ ل أدري من ألصق للتفاح شبهة الخطيئة‪ .‬اعذرني‪.‬على غير بقية الفواكه هي غير مكترثة بأن تحمي نفسها بقشرة‪ .‬سؤالي كان بسبب لوحة زيان اشتريتها تمثل جسرًا‪ .‬‬ ‫بعد العشاء عندما وضعت على الطاولة سلة الفواكه وصحن الفراولة التي كنت أحضرتها لعلمي‬ ‫بحبها لها‪ .‬ول بد لهذه المرأة المق ّ‬ ‫في الكتابة على النكتاب‪ .‬والمتعة ليست سوى في‬‫كمية المواربة بين الفعلين‪.‬‬ ‫أكنت حقًا أحبها؟ أم أحب وجعي في حضرتها؟ امرأة ل أريدها ول أريد أن أشفى منها‪ ..‬ولكن‬ ‫صرة‬ ‫بعد كل حرمان جسدي كان الدب يفرك كّفيه مستبشرًا بعمل روائي‪ .‬‬‫كنت أفكر لحظتها أن بعد كل متعة كان الحب يحصي عدد الطفال الذين لم أستولدها إياهم‪ ..‬الخطيئة ل تقضم‪ .‬؟‬‫قلت مازحًا‪:‬‬ ‫ ل تخافي‪ .‬‬ ‫أشعلت سيجارة وقلت وأنا أتأملها وهي تقطع شريحة اللحمة‪:‬‬ ‫ أما زلت تبحثين عن آباء لرواياتك؟‬‫ردت ضاحكة‪:‬‬ ‫ ما زلت‪.‬احتفظ أنت باللوحة ما دامت تعجبك‪ .‬ضحكت وهي تستعيد مفردات‬ ‫شراستنا العشقية وقالت وهي تّقبلني‪:‬‬ ‫ نشتيك يلعن بوزينك‪ .‬برغم كونها عزلء فقد تشعل حربًا عالمية‪ .‬كي أعلمها فضائل الصمت في حضرة الفراولة‪.‬‬‫أصبحت أتشاءم من الجسور‪.‬بيته‪.‬بل تلقم‪ .‬وأمها‪ .‬‬ ‫كانت عيناها تتبعان يدي وهي تمرغ حبة الفراولة في صحن السكر‪.‬‬‫ روايتك التالية سأكون أباها ‪ .‬قررت أل يخرج قلمها‬ ‫سالمًا من هذا البيت‪ .‬كنت توقفت عن الكلم‪ ...‬ل على جدران بيتك‪.‬أن تنجب بحرمانها اليوم مني نصها الجمل‪ .‬وستكتبينها " بل أّمك"!‬‫كان لنا قاموس من الغزل الجزائري ل غنى لنا فيه عن المسّبات‪ ..‬وربما لهذا يصعب على الناظر‬‫إليها مقاومتها‪ .‬قرأت أن إحدى الرسائل المشفرة‬‫التي كانت توجهها إذاعة المقاومة الفرنسية التي كان يشرف عليها ديغول في لندن أثناء الحتلل‬ ‫اللماني‪ .‬انتابتني بعدها حالة كآبة‪.‬قلت مازحًا‪:‬‬ ‫ احذري الفراولة‪ .‬أو تلتحف بغلف‪.‬‬ ‫قاطعتني‪:‬‬ ‫ أرجوك ل تفعل‪ .‬‬ ‫في الحبة الثانية‪ .‬قد ل أعلقها أبدًا في بيتي‪.‬‬‫كانت محاولتي الخيرة لستدراجها للحديث عنه‪ ..‬خطورتها ليست في قوتها‪ .‬‬‫أجبتها وقد وجدتني أتحدث مثل فرانسواز‪:‬‬ ‫ كنت سأهديك إياها لتعّلقيها على قلبك‪ .‬كان في‬ ‫طفرة ألمي بها شيء مطهر يرفعني إلى قامة النبياء‪..‬‬ .‬‬ ‫إنها فاكهة سافرة ولذا هي سريعة العطب‪...‬وجد أمها‪ .‬كانت تحمل مساء ‪ 5‬حزيران ‪ 1944‬هذه الرسالة المشفرة‪ ":‬أرسين يحب المربى‬ ‫بالفراولة" وكان ذلك إعلنًا بإنزال الحلفاء جيوشهم على الشواطئ الفرنسية!‬ ‫قالت متعجبة‪:‬‬ ‫ حقًا‪.‬وكنت أنوي أن‬ ‫أهديك إياها‪.

‬‬ ‫ما كانت هي ول كنت أنا‪ .‬نغالب نعاس الجوبة‪ .‬‬ ‫ي‪ .‬كنا نعاند تعب السئلة‪ .‬‬ ‫ل‪.‬‬ ‫تراها أدركت أنني كنت أعدها لمتعة مع وقف التنفيذ‪ .‬فهل استدرجتها إلى هنا لستخراج شهادة الموت السريري لحب كان حياً‬ ‫بغيابكما؟‬ ‫تمددت جواري في ذاك السرير‪ .‬إن لم تتمثل محنة الغياب‪ .‬وأنت تغدق عليها بتلك اللذة الشاهقة " سأفسدك إمتاعًا حتى ل تصلحي لرجل‬ ‫غيري" وكنت تظن عندما افترقتما أنك ما عدت تصلح لمرأة بعدها‪ .‬‬ ‫طوال السهرة ‪ .‬‬ ‫كانت فكرة موتها الحقيقية‪ .‬‬ ‫ويصطدم وجهي بموسلين ثوبها السود الذي لم تخلعه‪ .‬‬ ‫ل " ل تغادري‪ .‬‬ ‫سألتني بنبرة ما قبل البكاء وهي تلتصق بي‪:‬‬ ‫ أما عدت تحبني‪ .‬وأحاسيسك الولى أمام جثمانه‪.‬لتشّيد‬ ‫للموت أن يختلسني في غفلة منها وتواصل بعدي تبذير كلمات ضّنت بها عل ّ‬ ‫بها صرح ضريحي في رواية‪.‬ول أنت‬ ‫تدري ماذا ستفعل بعدها‪.‬أكان يمكن أن يحدث شيئاً بيننا في‬ ‫ذلك البيت المزدحم بأشباح عشاق‪ .‬كنا نتكلم ثم نصمت‬ ‫فجأة‪ .‬وأنا أكرر صمتًا الحركة ذاتها بحثًا عن مكان لرأسي في صدرها‪.‬فالفراط في الملذات‪ .‬فأنت ل يمكن أن تدرك مدى حبك‬ ‫لشخص‪ .‬أنثى منزوعة الفتيل‪ .‬غير أني عندما استعدت أنفاسي حقدت عليها‪ .‬أو ماذا لو اغتالها الرهابيون مث ً‬ ‫لم يكن هاجسي احتمال موتي أنا‪ .‬‬ ‫عاودني ما قاله ناصر‪ .‬وأنني ألقمها فاكهة الفراق!‬ ‫لم أتوقع أن يجرؤ الحب على التخلي عنا هنا حيث قادنا‪ .‬‬ ‫كّنا متمددين بثيابنا في غرفة فرانسواز‪ .‬وأنت الن تستطيع النوم معها‪ .‬فأطمئنها ورأسي يتململ بحثًا‬ ‫عن المكان الدفأ في صدرها " سأعشش فيك"‪ .‬أم أنت تفكر بها؟‬‫لم أجب‪.‬كان يمكن‬ ‫ي في حياتي‪ .‬لم يكن لهم الوقت الكافي لتغيير شراشفهم وجمع أشيائهم‪..‬‬ ‫في مثل هذه الحالت ل تصل الكلمات حية‪ .‬ثم قطعت الخط لتأكد من أنها‬ ‫على قيد الحياة‪ .‬تلوذ بي‪.‬طلبت رقمها‪ .‬وها أنت تكتشف أنك لم تعد‬ ‫تصلح حتى لها‪ .‬كدت أموت حقًا‪ .‬وحدها التي ل نقولها تنجو من الرصاص الطائش‬ ‫للبوح‪.‬‬ ‫انتابني خوف مفاجئ بفقدانها‪ .‬تسارعت نبضات قلبي‪ .‬تحدثنا لغة ليست لغتنا‪ .‬إنما قصاص العيش بعدها‪.‬كل أعضائي تشعر باليتم‬ ‫وكنت في تاريخ بعيد لحبكما‪ .‬شعرت أن الموت سيسرق أحدنا من‬ ‫الخر وأننا قد ل نلتقي أبدًا‪.‬تستبقيها لحظة الفراق قائ ً‬ ‫عندما تغيبي" وها أنت يتيم في حضرتها‪ ..‬يبكيها كل شيء فيك ول ترى‪.‬كنا في قطيعة طويلة‪ .‬ولكن‪ ..‬كي ل نقول أكثر من نصف الحقيقة‪ .‫تركت لثغرها أمر مواصلة التفكير في متعة ل يمكن لها أن تدوم‪ .‬‬ ‫كذلك الزمن الذي كانت تسألني فيه فزعة " هل ستعيش معي؟" ‪ .‬ضممتها إلى صدري طفلة وديعة‪ .‬وفاجأتني‬ ‫يوم رحت أختبر وقع موتها الحقيقي عل ّ‬ ‫حالة اختناق وضيق في التنفس ظننتها ستودي بي‪ .‬أما كان يحق لصبرنا من سرير‬ ‫تتمدد عليه رغباتنا المؤجلة؟‬ ‫امرأة كانت رائحتها‪ .‬تحيط بنا صورها المرسومة على اللوحات‪.‬تراجيديا إغريقية‪.‬محتفظين للمنا بنصفها الخر‪.‬قميص نومها ضمن لوازم نومك‪ .‬‬ ‫وكنت تقول لها‪ .‬فتلح بذعر العشاق " حقًا لن نفترق؟" فأجيب‬ ‫بسذاجتهم " حتمًا لن ننشطر"‪.‬حتى ل نجد أنفسنا يوماً مثل‬ ‫زوربا نتقيأها لنشفى منها‪ .‬ماذا لو دّبر لها زوجها ميتة " نظيفة"‪ .‬‬ .‬وتتأمل ردود فعلك‪ .‬امتحانًا فاضحًا لعشقي إياها‪ .‬قلنا كلمًا غبيًا لفرط تذاكينا‪ ..

‬بفرحة من فاز في اللحظة الخيرة في جولة شطرنج شاقة‪ .‬لكنها لم تقل‬ ‫شيئًا‪.‬‬ ‫هكذا فجأة نفذ الوقت‪..‬‬ .‬فكم انتظرت صباحًا أبدأه معها‪.‬وأنا عائد إلى البيت‪ .‬كنت ما أزال أفكر في الطريقة المثلى لتنفيذها‪ ..‬تناوليها حتى ل تبقي على خواء‪.‬كانت على حق‪.‬وقلت وأنا أقبلها‪:‬‬ ‫ نامي حبيبتي‪ .‬‬‫نهضت من السرير نحو الحمام تصلح من هيئتها‪.‬‬ ‫راودتني فكرة ماكرة أسعدتني‪ .‬‬ ‫كنت لحظتها أضع يدي في جيب سترتي لشدة البرد الصباحي‪ .‬‬ ‫كما في تحميض الصورة‪ :‬الضوء أول فاجعة‪.‬وأمد لها بحبتين‬ ‫ل‪:‬‬ ‫منها قائ ً‬ ‫إنها شوكولطة أهداني إياها صديق زرته في المستشفى‪ ..‬تصبحين على كتاب!‬‫***‬ ‫استيقظنا صباحًا على فاجعة الضوء‪.‬إن كان سينفق ما كسب من وقت لمجرد تناول‬‫الفطور والعشاء!‬ ‫أحببت ذكاء تلميحها‪ .‬عبور‬ ‫خاطف لرائحتها على مخدع امرأة أخرى‪.‬فلم يبق أمامي إل أن أقّبلها موّدعا‪ .‬حين عثرت على حبات‬ ‫الشوكولطة التي أعطاني إياها زيان عندما زرته في المستشفى‪..‬ثم امضي‪.‫ضممتها إلى صدري‪ .‬كم تمنيت أن نتناول‬‫فطور الصباح يومًا معًا‪.‬حتمًا تعّرفت عليها من ماركتها المميزة‪ .‬‬ ‫ ل أستطيع‪ .‬‬ ‫يوم ماكر يتربص بسعادة تتثاءب لم تغسل وجهها بعد‪ .‬عندما لمحت‬ ‫سيارة الجرة في آخر الشارع تتجه نحونا‪ .‬‬ ‫ركبت التاكسي وهي تحت وقع المفاجأة‪ .‬بدون أن تفهم ما الذي أوصلني حتى غرفة زيان في‬ ‫المستشفى‪ ..‬تلقيته بابتسامة صامتة‪ .‬‬ ‫شعرت‪ .‬لكن‬ ‫فرحتي لم تخل من مرارة موجعة ترافق وعينا بموت شيء جميل فينا‪.‬سرير غير مرتب لليلة حب لم تكن‪ .‬‬‫ضل أن أعود الن هذا أأمن‪.‬‬ ‫قالت وهي تعيد ذلك الفستان السود إلى كيسه بعد أن ارتدت ثيابها‪:‬‬ ‫ أبإمكانك أن تطلب لي تاكسي؟‬‫ ابقي لتناول قهوة الصباح معي‪ .‬بأمر منك قررت أل أنظر إلى الساعة!‬‫نظرت إلى ساعة قرب طاولة النوم وصاحت‪:‬‬ ‫ يا إلهي ! إنها الثامنة والربع‪.‬أف ّ‬‫أحزنني ذلك كثيرًا‪ .‬‬ ‫قلت وأنا أرافقها لنتظار التاكسي‪:‬‬ ‫ ما جدوى كل اختراعات النسان إن لم يخترع آلة ليقاف الزمن بعد‪ .‬‬ ‫ظلت لبرهة تتأمل قطعتي الشوكولطة‪ .‬‬ ‫عّلقت بنبرة تشي بمرارة خيبتها‪:‬‬ ‫ وما جدوى أن يخترع النسان آلة ليقاف الزمن‪ .‬‬ ‫قالت مذعورة‪:‬‬ ‫ كم الساعة؟‬‫قلت وأنا أمازحها‪:‬‬ ‫ ل أدري‪ .‬وما الذي أوصل إلى جيبي تلك الشوكولطة التي أحضرتها له‪.

‬صافقة باب‬ ‫الحلم خلفها‪.‬بعد أن قال لي البائع إن سيدة‬ ‫تعد هذه الرغفة كل يوم وإنها تنفذ بسرعة‪.‬هي ما جاءت لتبقى‪ .‬واحد هو أنت‪..‬‬ ‫ى أل أخطط لشيء بعد الن‪ .‬أن الحب ساحر يبدأ استعراضه بخديعة تجريد ضحاياه من‬ ‫ساعاتهم المعصمية‪.‬‬ ‫مازحته‪:‬‬ ‫ رمضان ما زال بعيدًا‪.‬استحضار أخرى‪ .‬‬ ‫وضعت شيئًا من الموسيقى‪ .‬ورغيفًا من الكسرة له‪ .‬ل تدري أخرجت من بين يديها ثرّيا أم فقيرًا؟ سعيدًا أم تعيسًا؟ أتراك أنت أم غيرك؟‬ ‫أخرجت من قبعة خدعتها حمامة بيضاء‪ .‬‬ ‫قهوة مّرة سوداء أتناولها وحدي في مأتم الحب لمواجهة بياض الوقت‪ .‬ففرانسواز‬ ‫ستعود غدًا ‪ .‬إخفاء بعضها‪ .‬وقبل أن أنسى‪ .‬وتحويل كل ما هو حولك إلى وهم‬ ‫كبير‪ ..‬قبل أن أعوده في المستشفى‪ .‬تذهب إلى الحب بعّدة ساحر‪ .‫***‬ ‫ل تحزن‪ .‬فعل ّ‬ ‫أشرطة الغاني القسنطينية‪ ..‬تجد في هذا البلد كل شيء"‪.‬‬ ‫عجبت لذلك العالم الذي كنت أجهله عن جزائر أخرى نقلت بكامل منتوجاتها وعاداتها إلى حي‬ ‫ل ساخرًا لمراد " عدا أمك وأبيك‪ .‬ذهبت لخفاء‬ ‫الربعاء من المستشفى‪ .‬والنساء المهووسات بنشل‬ ‫غسيلهن على حبل التشاوف‪ .‬تبتكر من أجلك فنونًا خداعية‪.‬بل لتشعرك بفداحة رحيلها‪.‬وآخر لي‪ .‬ثم رحت أخفي آثار ما لم يحدث في بيت غادرت زائرته‪ .‬وأنه قال لي وهو يمدني بقطع‬ ‫الشوكولطة تلك‪ .‬يمكننا النظر إلى الساعة؟‬ ‫إنها التاسعة والنصف صباح أحد‪.‬وتذكرت قو ً‬ ‫توقفت بعد ذلك في مطعم شعبي يّدعي تقديم " كسكي ملكي"‪ .‬‬ ‫خاصة أن شعوري بالذنب كان يتزايد تجاهه‪.‬‬ ‫ماذا تستطيع أن تفعل ضد امرأة ‪ .‬أقنعت نفسي لجوعي أنه كذلك‪.‬أفضل ما يمكن أن أفعل في يوم أحد‪.‬إنه كان يفضل لو جاؤوه مكانها بشيء من "الزلبية" أو " قلب اللوز" ‪.‬وأن الخيبات الكبرى تأتي دومًا على‬ ‫سجاد فاخر فرشناه لستقبال السعادة‪.‬أم مناديل ملّونة للدموع؟‬ ‫خطر لي وأنا أضع ساعتي من جديد‪ .‬تضعك في صندوق زجاجي‪ .‬فيستنتج أنني أقمت هنا‪.‬‬‫ لكن المريض يشبه الصائم‪ .‬تذكرت أنني لم أزره منذ يومين‪ .‬الذي ل أدري كيف أنفقه‬ ‫في يوم ممطر كهذا‪.‬‬ ‫والخر نسخة من رجل آخر‪ .‬وتشطرك في استعراض سحري إلى اثنين‪ .‬إنه يقضي وقته في اشتهاء المأكولت‪ .‬ثم تعيد إلصاق جزءيك في كتاب‪.‬لكن هذه المرة كان علي أن أحتاط من وشاية النوثة‪ .‬خشية أن أتركها في جهاز التسجيل‪ .‬‬ ‫وجدت في فكرة الذهاب إلى أحد الحياء المغاربية التي ل تعترف بالعطل الفرنسية لشتري له‬ ‫شيئًا من الحلويات الجزائرية‪ .‬‬ ‫بدأت بتفقد غرفة النوم‪ .‬وخدع الحواة‪ .‬‬ ‫أثناء تفكيري في كل التفاصيل‪ .‬عدا الستعداد لمغادرة هذا البيت قبل خروج زيان يوم‬ ‫قررت عن أس ً‬ ‫ي أيضًا أل أترك ما يشي بمروري‪ .‬أرنبًا مذعورًا‪ .‬دومًا كنت أكره السّرة التي ل رائحة لها‪ .‬‬ ‫تمارس أمامك قلب الشياء‪ .‬‬ ‫عندما نراجع حياتنا نجد أن أجمل ما حدث لنا كان مصادفة‪ .‬‬ ‫هل فقط عندما تتلشى أباطيل السحر‪ .‬خاصة تلك المرتبطة بذاكرة‬‫طفولية أو عاطفة‪.‬‬ .‬‬ ‫احتلته الوجوه السمر‪ .‬لكأنها غابت فقط كي تترك لي ما يكفي من الوقت لنصب سرداق عزائي‪.‬‬ ‫ساحرة‪ .‬‬ ‫ي‪ .‬بحثًا عن كل ما يمكن أن يحمل من الجزائر في كيس؟‬ ‫ألهذا رحت أجول في السوق العرب ّ‬ ‫اشتريت علبة صغيرة من التمر‪ .

‬وتركنا‬‫رسالة صوتية نطلب حضور أقاربه‪ .‬لكنها سألتني إن كنت من أقاربه‪ .‫كنت في الواقع أريد أيضًا هدر بعض الوقت حتى تحين ساعة الزيارات‪.‬ثم فتحته كعادتي متقدمًا خطوة نحو المام‪ .‬‬ ‫حّ‬ ‫ل أنظر إليها‪ .‬حتى لكأن التاء المفتوحة في آخرها ليست سوى تابوت‪.‬قالت‪:‬‬ ‫ لقد اتصلنا بالرقم الهاتفي الذي في حوزتنا لنخبركم بتدهور مفاجئ لصحته ليلة البارحة‪ .‬شاحبة اللون‪ .‬كان في المستشفى حركة غير عادية‪ .‬قبل أن أعتذر وأغادر الغرفة مسرعًا‪.‬إن كنت أريد أن‬ ‫سألتني بعد ذلك وهي تراني أقف لحظات مذهو ً‬ ‫أراه‪ .‬‬‫استعجلتها‪:‬‬ ‫ وهل بإمكاني أن أراه الن؟‬‫ردت بنبرة من تدرب أعوامًا على مواساة الغرباء‪:‬‬ ‫‪.‬مطالبة بشيء ما لم تفصح عنه ول أنا أدركته‪.‬هزيلة‪ .‬‬ ‫سعدت لمجيئي حتى ل يشعر زيان بوحشة أكبر هذا اليوم بالذات‪ .‬أنا نفسي فؤجئت‬‫عندما قيل لي هذا الصباح إنه قضى ليلة أمس في قسم العناية الفائقة‪.‬لها نظرات فارغة‪.‬أمدتني بورقة لوقعها إن كنت أنوي استلم أشيائه‪ .‬‬ ‫بين الذعر والعجلة سألتها‪:‬‬ ‫ متى كان هذا؟‬‫ عند العاشرة والنصف صباحًا‪.‬لكنني لم أتوقعه أن يأتي سريعًا‪ .‬أجبتها "ل"‪ .‬‬‫كان ذلك الوقت الذي خرجت فيه لشتري حاجيات للكل قبل أن تغلق المحلت الغذائية ظهر‬ ‫الحد‪.‬‬ ‫قالت بتأثر‪:‬‬ ‫ أمر مؤلم أن يموت قبل مغادرته المستشفى بيومين‪ .‬فقد يكونون قد اصطحبوه لجراء فحوصات أو للتصوير الشعاعي‪ .‬‬ ‫كان احتمال موته قائمًا‪ .‬‬ ‫ل مكانها حين رأتني تعبير يستجد بي‪ .‬‬ ‫وصلت إلى المستشفى عند الساعة الثانية‪ .‬أو ربما غيروا‬ ‫غرفته ليس أكثر‪ .‬أسأل عن مريض الغرفة رقم ‪ .‬كان يبدو سعيدًا بخروجه‪ .‬لها إصرار القدر في عبثيته‪.Je suis desolee monsieur.‬‬ ‫توقعت أن تدلني الممرضة على الرقم الجديد لغرفته‪ .‬ول بهذا التوقيت‪ .Il est decede‬‬‫بدا لي كأنها لفظت الخبر بالعربية‪ .11‬كنت أثناء ذلك أهّدئ‬ ‫من روعي‪ .‬بسبب الزيارات‬ ‫التي تتزايد أيام العطل‪.‬واختصر كل‬ ‫الجملة وما تلها بعد ذلك من واجب المواساة في كلمة واحدة‪ .‬قد أنقل إلى جناح آخر"‪ .‬‬ ‫عادت إلى دفتر كبير كان أمامها‪:‬‬ ‫ التصال الول كان البارحة عند التاسعة والربع مساًء‪.‬هذه المصادفات‬ ‫مجتمعة باتت أكثر تعسفية من أن تكون مصادفات‪ .‬أجبت "‬ ‫نعم"‪ ..‬‬ ‫بقيت برهة مذهو ً‬ ‫قصدت مكتب الممرضات في الطابق‪ .‬قبل أن يعّلق مازحًا " أنا هنا عابر سرير"‪.‬قام القلب بترجمته الفورية إلى لغة الفاجعة‪ .‬كانت هذه أول مرة أحضر له أك ً‬ ‫طرقت الباب بفرحة المباغتة‪ .‬لكنني فوجئت بعجوز‬ ‫مشدودة إلى أنبوب الدواء تشغل مكانه في ذاك السرير‪ .‬سعدت أيضًا لـ" حمولتي‬ ‫ل بدل الصحافة التي ل تزيده إل هّما‪.‬نزلت علي كصاعقة من ثلثة‬ ‫أحرف‪.‬ذلك أنني تذكرت أنه قال لي مرة منذ أكثر من أسبوعين " قد ل تجدني في هذه‬ ‫الغرفة‪ .‬‬ ‫الوطنية"‪ .‬‬ ‫لم أفهم كيف أن ثلثة أحرف مجتمعة في ذلم السياق تصبح برغم انسيابها الموسيقي مؤلمة إلى‬ ‫ذلك الحد‪ .‬ولم يتصل بنا أحد وعاودنا التصال على الرقم نفسه هذا‬ ‫الصباح دون جدوى‪.‬‬ ‫ل أمامها بدون أن أقول شيئًا‪ .‬لمحت في الخزانة التي‬ .

‬حاولت أن أتخلص‬ ‫أخذت الميترو محم ً‬ ‫منه بعد ذلك‪ .‬وما عاد في حاجة إليه‪ .‬بالتصدق به‪ .‬‬ ‫فوجدتني أعطيه الكيس وعشرة فونكات لقنعه بحسن نواياي‪.‬كأنني‬ ‫شاهدته في زمن ما‪.‬بساطة من شبع غربة‪.‫فتحتها‪ .‬في إحدى المحطات على أحد مشردي الميترو‪ .‬مذ أصبح بيننا كل هذا البياض‪ .‬مذ اكتشفت في كل هارب شبهة جسر‪.‬منذ متى وهو ذاهب صوب‬ ‫الصمت البيض؟‬ ‫عندما وصلت إلى البيت‪ ..‬أن أجلس لفهم ما الذي أوصلني إلى هذا البيت‪ .‬‬ ‫يوم قرأت سيرة ذلك الرسام‪ .‬تمنيت أن‬ ‫أكرر حياته بما تستحق العادة من ذكاء‪ .‬ذلك أنك منذور للخسارات الشاهقة‪.‬‬ ‫ربما كان يحتاج إلى تلك الكلمات التي احتفظت بها خوفًا عليه‪ .‬المادة التي تضمر في قتامتها غضبًا مكتومًا وشرًا‬ ‫صامتًا‪ .‬‬ ‫ل‪ .‬‬ ‫لكن زيان لم يكن هاربًا‪ .‬شعرت وأنا أدخله بهول الفاجعة‪ .‬بين ما يعتقده جسرًا‪ .‬مشلول الحاسيس‪ .‬وما بقي له سوى جوع الوطن‪.‬تهكم ذلك الغياب الشارد الذي يسبق اكتمال الغياب‪ .‬‬ ‫ل‪ .‬‬ ‫أمنه جاءت اللعنة؟ أم من "حياة"؟ تلك المرأة التي كانت تحمل اسمًا يعني عكسه كعادة العرب في‬ ‫تسمية ما يرون فيه شرًا بنقيضه؟‬ ‫أم ترى اللعنة تكمن في الجسور التي ما زال إحداها معّلقا قبالة هذه الريكة؟‬ ‫هنا أمامها عاش زيان حقيقة موت زياد الذي لم يكن يفصله عن التطابق به سوى حرف‪.‬أكنت أمازح القدر دون علمي؟‬ ‫أدخلني الموقف لغرابته في حالة ذهول من أمري‪ .‬أجبتها إنني أفضل أن أترك ذلك فيما بعد‪.‬كنت أعددتها لبرر انشغالي‬ ‫عنه‪.‬ما ترك لي فرصة لكذبة أخيرة‪ .‬كان يحتاج إلى الحقيقة‪ .‬‬ ‫قرر العبور إلى سريره الخير بينما كنت أنا أشغل سريره الول‪.‬أنا‬ ‫ي بدءًا أن أتوقف عن الركض قلي ً‬ ‫كان عل ّ‬ ‫الذي كنت ألهو بممازحة الدب‪ .‬كأن دموعي تجمدت في براد يحوي الن‬ ‫تركتها وغادرت المستشفى مذهو ً‬ ‫ما كان "هو"‪.‬‬ ‫أمصادفة إذا كانت الجسور مبنية من السمنت‪ .‬‬ ..‬وأحقق‬ ‫أمنيته الخيرة البسيطة‪ .‬كم من الشياء كنت سأقولها‬ ‫له اليوم‪ .‬كان مهربًا لما ظنه وطنًا‪.‬بكل ما أحضرته له‪.‬‬ ‫هو سيد التهكم والصمت الملتبس‪ .‬رحت أتأمل مشهدًا كأنني لست بطله‪ .‬كان يفضل مكانه‪ .‬وجدتني أتماهى معه في أمكنة كثيرة من تلك القصة‪ .‬فأعفاني‬ ‫بموته من مزيد من الكذب‪.‬‬ ‫أهداني بيته‪ .‬قطعة نقدية من عشرة فرنكات‪ .‬علبة الشوكولطة الفاخرة فوق كومة ثيابه‪ .‬ولكن من يتذاكى مع "المكتوب"؟ المكتوب الذي بدأ‬ ‫بالنسبة لي بذلك الكتاب الذي ل يمكن أن تخرج من قراءته سالمًا‪.‬‬ ‫ل بالكيس ذاك‪ .‬‬ ‫أستعيده متهكمًا‪ .‬بصدمة الواقع الذي يدفعك تحت‬ ‫عجلت قطار ركبته بنية الحلم‪.‬لو لم أكن منهك القول‪ .‬‬ ‫ارتميت على أريكة الصالون منهكًا كحصان سباق‪.‬‬ ‫يالغباء الرجل‪ .‬بل بعمق المسافة التي تفصلك عن هاويته‪.‬‬ ‫ل أحد يدري لي الطرفين ينتمي‪.‬وما يعتقد الجسر أنه وطن ثمة جثتك‪ .‬‬ ‫وفي حضرة هذه الجسور أجهش راقصًا على إيقاع زوربا بذراعه الوحيدة يوم أخبروه باغتيال‬ ‫أخيه الوحيد‪.‬وأشياءه‪ .‬كمن يدبر لك مكيدة؟ طالما شككت بنوايا الجسور‪ .‬يشتري بها نبيذًا‪.‬نساءه‪ .‬فالجسر ل يقاس بمدى‬ ‫المسافة التي تفصل طرفيه‪ .‬وما ترك لي فرصة لهديه ولو بعض قطع من الزلبية‪ .‬ولم‬ ‫يبد حماسة في أخذه مني‪ .‬فارتاب في أمره‪ .‬محكوم عليك أن تكون سيزيف‪ .‬‬ ‫عندما تولد فوق صخرة‪ .

‬بينما تركت لزوجته عذاب‬ ‫ن زيارة بعد‬ ‫التكفل بأشيائه‪ .‬مثل حياة‪ ..‬غير أن وجعي كان بسبب كل ما كانت حياة قد أحضرته‪.‬يقفزون بخيولهم من‬ ‫على الجسور عائدين إلى رحم الوديان‪ ..‬كتاباته‪ .‬‬ ‫سعدت أنني سأغادر هذا البيت قريبًا‪ .‬مشاريعه‪ .‬وتلك الشياء الخرى الفاخرة‪ .‬التي‬ ‫كانت تهربها من بيتها‪ .‬وشراشف أنيقة‪ ..‬وروب للحمام‪.‬وتأتي بها‪ .‬‬ ‫نحن من تسّلق جبال الوهم‪ .‬وعلب السجائر‪ .‬قد يمنعك أن تطل على الموت‪.‬ثم تذّكرت اللوحة التي اشتريتها وما زالت‬ ‫معروضة حتى انتهاء المعرض‪ .‬وأنها ستبقى هنا‪ .‬استفزازًا صامتًا لقدر‬ ‫ل قوة لي على مواجهته‪.‬لنني لم أكن معنيًا سوى بجمع أشيائي‪ .‬مشفقة على بؤس شقة‪ .‬‬ ‫ذلك السخاء العشقي الذي تشعر عندما تفقده بفاجعة اليتم الول‪ .‬ل علقة لها بفخامة مسكنها‪ .‬لنك تعي أن ل امرأة بعدها‬ ‫ستحبك بذلك الحجم ول بتلك الطريقة‪ .‬‬ ‫ولكن ل يمنع الموت أن يطل عليك‪ .‬أن يعرف وتيرة زياراتها من مستجدات البيت‪ .‬والتي كان عبد الحق بدوره ل يعرف عنوانًا ثابتًا مذ استشعر خطر اغتياله‪.‬‬ .‬بدأت أتطير من هذه اللوحات‪ .‬ولكن كنت أحببت سوء الفهم العشقي الذي تورطنا فيه‪.‬‬ ‫وحتى في إيلمك‪.‬من مناشف‬ ‫جميلة‪ .‬شعاراته‪ ..‬حيث أنت في حضيض خيباتك‪..‬كانت تلك المرأة تعيث فيك‬ ‫عشقًا وفسقًا وكرمًا‪ .‬ذلك أنك أثناء انبهارك بها‪ .‬‬ ‫فجأة‪ ..‬‬ ‫أوصلني التفكير إلى حقيبتي التي ل بد أن أعدها‪ .‬أصبح البيت ينقسم إلى أشياء عبد الحق البسيطة‪ .‬وأشياء زيان التي علي أن أقوم بفرزها بسرعة‪.‬راح خيالة قسنطينة وفرسانها الذين لم يعتادوا على مذلة السر‪ .‬غير‬ ‫مدركة أنها تؤثث شقة صديقي!‬ ‫في البدء كنت سأشرح لها الحقيقة‪ .‬في إمتاعك‪.‬‬ ‫ربما كان المر أهون يومها‪ .‬‬ ‫ي أن أجمع أشيائي‬ ‫ووجدتني أستعيد ما كنت عشته منذ سنتين بعد اغتيال عبد الحق‪ .‬بعد أن‬ ‫كثرت حالت النتحار‪ .‬أن‬ ‫أهدتني ثيابًا ومصاغًا اشترته نيابة عني لزوجتي!‬ ‫كانت امرأة سخية في كل شيء‪ .‬حتى الجبان المستوردة‪.‬ثم فكرت في غرابة‬ ‫سفري مع جثمان زيان برفقة تلك اللوحة‪.‬بل حدث لفرط إجرامها العاطفي المغلف بالعطاء‪ .‫لفرط ارتفاع أحلمك‪.‬في انشغالها بك‪ .‬في اشتهائك‪ .‬فكرت أن أكّلف فرانسواز بإحضارها‪ .‬‬ ‫بدأت أتعود أن أراها تأتي من بيتها محملة دائمًا بكل ما تقع عليه يداها‪ ..‬‬ ‫لنني ل أدري متى سيكون سفري إلى قسنطينة حسب تاريخ الرحلت‪.‬‬ ‫وألواح الشوكولطة‪ .‬وصعد بها‬ ‫ل بعد آخر نحو منحدرات الهزائم؟‬ ‫لهثًا حتى القمة‪ .‬ووجدت في جلوسي أمامها‪ .‬عندما كان عل ّ‬ ‫في بيته الذي كنت أقيم فيه بين الحين والخر في تلك الفترة التي كان فيها الصحافيون يغيرون‬ ‫عناوينهم يوميًا‪ .‬أحاطوا به خصر الجسور لتصبح أعلى‪ .‬‬ ‫بهم انتهى زمن الموت الجميل‪ .‬في خوفها عليك‪ .‬‬ ‫ل شيء يستطيع أن يمنعك من تسلق " جسور الموت" حتى ذلك الحزام المني الذي‪ .‬ولوازم مطبخ‪ .‬وأصبح وادي الرمال مجرى لنفايات التاريخ‪ .‬بحيث لن تعود تصلح لمرأة عداها‪.‬تطفو فيه مع قمامة‬ ‫المدينة وأخبار لصوصها المحترمين‪ .‬جثث أبنائها الجميلين والبائسين‪.‬كان آنذاك الموت قفزًا نحو منحدراتها الشديدة‪ .‬‬ ‫وإغراء تلك العلقة الملتبسة التي تجمعنا‪.‬كيف تدحرجنا بحمولتنا جي ً‬ ‫من يرفع كل الذي وقع منا في السفح؟‬ ‫عندما دخلت فرنسا بعد سبع سنوات من الوقوف ذليلٍة أمام تلك القلعة المحصنة كعش نسر في‬ ‫العالي‪ .‬وتفسدك وتخّربك وتدّللك وتشّكلك‪ .‬ومنافض من الكريستال‪ .‬‬ ‫وكان بإمكان عبد الحق‪ .‬كلما مر‪ .‬وحمل أحلمه‪ .‬لوحاته‪ .‬آخر نصر‬ ‫لرجال ل مفخرة لهم سوى أنهم أبناء الصخرة‪.‬حتى إ ّ‬ ‫أخرى‪ .

‬وذهبت صوب غرفة زيان أفتح ورشة الموت‪.‬بدون أن يحركها‬ ‫من مكانها‪ .‬‬ ‫كيف تنجو من وجع المقارنة؟ هي التي أغدقت عليك بما لن تعطيك امرأة بعدها‪ .‬‬ ‫نظاراته‪ .‬أدويته المكدسة لشهر مقبلة‪ .‬الحضور الرهيب البارد‪ .‬‬ ‫وإل ‪ .‬كان عشق تلك المرأة قصاصًا جاريًا‪ .‬ثيابه الداخلية ذات الماركة الفرنسية نفسها دائمًا‪ .‬أو آخذها إلى بيتي لقاصص بها نفسي؟‬ ‫فأصعب من اختراع قصة مقنعة لزوجتي عن مصدرها‪ .‬والخر‬ ‫الحريري‪ .‬تفهم أنك تساوي أرخص من‬ ‫أي شيء تملكه‪.‬‬ ‫بعدها ستمضي تلك الشياء‪ .‬‬ ‫***‬ ‫هي ذي الحياة بأشياء موتها التي ل تموت‪ .‬‬ ‫ض‪.‬لتلك الشياء غير‬ ‫ت ما بردت جثته بعد؟‬ ‫المعنية بمو ٍ‬ ‫ي الصامت‪ .‬كما يذهب حذاء جندي ميت إلى عدّوه البائس في ساحة قتال يكسوها‬ ‫الثلج‪.‬ستصبح له بحكم الغياب‪.‬أأتركها في البيت لتتصرف بها‬ ‫زوجة عبد الحق كيفما اتفق‪ .‬وغرفة نومه التي أورثك إياها‪.‬كنزاته‪ .‬ما يتركه لك الموتى حين يرحلون؟ أم ما يتركه الحب بعد رحيل الحياء؟‬ ‫أطفأت في منفضة اللم أسئلتي‪ .‬اغلق الباب خلفك‪ .‬ما عرفت امرأة بعدها إل وكان فيها‬ ‫قصاصك‪ .‬‬ ‫في غرفة نوم أبيك‪ .‬‬ ‫لنها ستعيش بعدك‪.‬‬ ‫ما تكاد تفرق الحياة حتى تذهب لغيرك؟‬ ‫السؤال نفسه يعود‪ :‬كيف أواجه الحضور الظالم‪ .‬كيف لمنفضة ثمنها ‪ 10‬فرنكات أن تعيش بعدك؟ كيف لساعة ثمنها ‪ 500‬فرنك أن تواصل‬ ‫عقاربها الدوران غير آبهة بتوقف قلبك؟ كيف لسرير؟ كيف لكرسي؟ كيف لحذاء؟ كيف لجورب‬ ‫ما زال عليك عرق قدميك أل يكترث لموتك؟‬ ‫وكيف أن الشياء التي كلفتك الكثر هي أول من يخونك‪ .‬خف البيت الصوفي‪.‬ظنًا منه أنه بشرائه كميات أكثر يشتري له‬ ‫عمرًا أطول‪.‬وأن تلك التي كدت تفقد بسببها حياتك‪.‬لولئك الذين سيسطون عليها‪ .‬دون أن يلفت انتباه أحد‪ .‬إ ّ‬ ‫وقد تذهب إلى أعدائهم‪ .‬ثم في بيت عبد الحق‪ .‬‬ ‫الغبار الذي يتقدم مكتسحًا كل مكان تغيبت عنه‪ .‬‬ ‫في كل ما أعطته ألمًا‪ .‬‬ ‫كمثل صدقة جارية‪ .‬منامته‪ .‬ليس سوى تمرين لما سيقع بعد موتك‪.‬وتعيدك إلى ذلك الجحيم غير المدرك لسعادة‬ ‫كانت تحمل في فرحتها بذور تعاستك التية‪.‬معايشتي اليومية لتلك الشياء التي‬ ‫ارتبط كل شيء منها بذكرى تحّرض الشجون عليك‪ .‬وما استعملت شيئًا أهدتك إياه إل وعذبت نفسك به‪ .‬‬ ‫بخزانة تضم بدلت وثياب وأشياء رجل من عمره‪.‬مفكرته‪ .‬أكانت تضمر لك‬ ‫ي‪.‬‬ ‫في كل موت أنت أمام الموقف نفسه‪ .‬روب البيت السميك‪ .‬أل‬ ‫طبعًا " ل أكثر خبثًا من البراءة" وأنا تعّلمت أل أنخدع ببراءة حضورها اللفو ّ‬ ‫ن أصحابها لم يعودوا هنا‪ ..‬‬ ‫أصدق حزنها الشامت الذي يقول لك‪ .‬وإنها على يتمها ستعيش بعدهم‪.‬أصبح السؤال ماذا أفعل بتلك الشياء‪ .‬ذلك أن العشق وحده في كل ما يعطيك يضمر قصاصه المستقبل ّ‬ ‫ما الرحم إذن‪ .‬ل بحياء الغبار‪ .‬هس ذي تلك الشياء التي تظنك تنالها فتنال منك‪.‬وما ضممت إلى صدرك غيرها‪..‬إنما بوقاحة‬ .‬وام ِ‬ ‫أول سارق ماكر هو ذلك الغبار الذي سيضع يده بقفازه الترابي على أشيائك‪ .‬ساعته‪ .‬‬ ‫إل وهجم عليك الصقيع‪.‬والن أمام أشياء زيان‪ .‫عندما مات عبد الحق‪ .‬كما كنت أمام أشياء أبيك ‪ .‬‬ ‫تريد أن تختبر الشياء بموتك‪ .

‬وما بلي أو لم يب َ‬ ‫البلستيك تقوم بإنزالها ووضعها جوار مقصورة البواب‪ .‬حتى كان يبدو لي أن‬ ‫معاشرتها زيان تدخل ضمن نشاطاتها الخيرية‪.‬في أكياس كبيرة من‬ ‫عن حاجتها من ثياب‪ .‬‬ ‫يتحكم فيها منطق إعلمي يبسط الشياء‪ .‬‬ ‫ذلك أن فرانسواز مهووسة بالمبادرات الخيرية‪ .‬تذاكر سفر مستعملة‪ .‬ملصقات صغيرة لها ذكرى وحده يعرفها كقارورة عطر " شانيل"‬ ‫النسائية الفارغة‪ .‬يتسابقون إلى سرقة أشيائها‪ .‬‬ ‫ل جثث الشياء في بيتها‪ .‬وكأنها نذرت نفسها لمساعدة بؤساء البشرية‪.‬ربما ماتوا أو ما زالوا‬ ‫عن تاريخ الجزائر‪ .‬‬ ‫المؤلم إغلقها عينيها على مشهد الفقدان‪ .‬والمر حسب معرفتي بها‬ ‫على حزنها‪ .‬وتمنيت لو استطعت مثلها‬ ‫أن أجمع ذاكرتي في صرة‪ .‬ونفضل أن‬ ‫نتصدق بالمال‪ .‬أبالتشبث بآخر أنفاسها؟ أم بالمساك بآخر جاجاتها!‬ ‫في الموت‪ .‬وهو ما يلزمها من وقت لجمع أوراق زيان وكتبه‪ .‬ترى بعينيها الناس‬ ‫الذين جاؤوا بذريعة مواساتها‪ .‬ولهذا يلزمنا دائمًا بيوت كبيرة‪ .‬وأضعها عندالباب كي أتخلص من حمولتي‪ .‫اللصوص‪ .‬والذي‬ ‫سم العالم إلى خّير وشرير‪ .‬‬ ‫يتناوبون على قلبها وعلى سريرها حسب مستجدات المآسي في العالم‪ .‬مفكرات لعدة سنوات عليها عناوين ومواعيد وأسماء‪ .‬على أن نتصدق بجثث أشيائنا‪ .‬فماذا ستفعل‬ ‫بهذه الغربة الفضفاضة لرجل ضاق به الوطن‪ .‬‬ ‫كان في فرانسواز شيء من الطيبة الممزوجة بسذاجة الغربيين في التعامل مع الخر‪ .‬ل أظن فرانسواز ستتحمل طوي ً‬ ‫لن يأخذ منها أكثر من ساعتين أو ثلث‪ .‬لنها حتى عندما تهترئ‪ .‬نحتاج حضورها المهمل‬‫في خزائننا أو في مرآب خردتنا‪ .‬وترك لك ما خاله وطنًا‪ :‬كتبًا في الشعر وأخرى‬ ‫ل أو أصدقاء‪ .‬ويق ّ‬ ‫ولزم وغير ضروري‪.‬قد تحتفظ به في المرآب‪ .‬ليأخذ مكانه في الطابق السفلي جوار صندوق القمامة‪ .‬‬ ‫أما ما بقي فقد تضعه في أكياس‪ .‬وحضاري ومتخلف‪.‬اعترفت لها أنني أحسدها على‬ ‫شجاعتها في التخلص من كل شيء بسرعة وقدرتها على رمي الشياء في كيس للصدقة‪ .‬قابعة في ركن قي في خزانة الملبس‪ .‬بدون‬ ‫ندم أو تردد أو حنين‪ .‬في‬ ‫انتظار أن تسّلمها لول عربي يدخل بيتها‪.‬ثم واصلت‬ ‫ضاحكًا‪ :‬أليس في المر كارثة!؟‬ ‫ها هي ذي الكارثة! فتفضل أيها العربي المثقل بحمولتك‪ .‬نسخة قديمة لمصحف‪ .‬ل عن بخل‪ .‬في انتظار المرور التالي للصليب الحمر لجمع‬ ‫المساعدات النسانية‪.‬عندما كانت تلك العجوز أثناء احتضارها‪ .‬وصفات‬ ‫طبية‪ .‬حسب نشرات الخبار‪ .‬إنما من نصيب‬ ‫الذي سيرى قدر الشياء بعده‪.‬الدور الكثر تعاسة‪ .‬في انتظار أن يجمعها الصليب الحمر‪.‬إنه‬ .‬‬ ‫يوم رأيتها تنزل بتلك الكياس لتتصدق بها لضحايا " سراييفو"‪ .‬كما في قصة زوربا‪ .‬وأضاهيها خفة‪.‬مستفيدين من عجزها عن الدفاع بعد‬ ‫الن عما حافظت عليه حتى آخر العمر‪.‬ليس من نصيب الذي رحل وما عاد معنّيا بشيء‪ .‬أو في‬ ‫أحسن الحالت‪ .‬تركة أخرى في انتظارك‪ ..‬غير معنية بذاكرة الشياء ول بقيمتها العاطفية‪ .‬‬ ‫سألتني‪:‬‬ ‫ وماذا تفعلون إذن بالشياء التي لم تعد من حاجة لكم بها؟‬‫أجبت مازحًا‪:‬‬ ‫ ليس في حوزتنا أشياء ل نحتاجها‪ .‬جامعة ما زاد‬ ‫ل من أحذية وستائر وشراشف‪ .‬تسارع لتلبية نداء الغاثة لهذه الجهة أو تلك‪ .‬وتعتق‪ .‬صور أخذها مع أناس قد يكونون أه ً‬ ‫أحياء‪ .‬بل لننا نحب أن نثقل أنفسنا بالذاكرة‪ .‬مغرورقة في حزن فقدانها العطري‪ .‬‬ ‫وكنت أراها‪ .‬غير دارية أين عليها أن تنفق جهدها الهزيل لحظة‬ ‫الحتضار‪ .

‬وتثرثر مع أول عابر سبيل‪.‬‬ ‫وطن كأنه غربة‪ .‬بل راحت تغتابه‪ .‬‬ ‫كّ‬ ‫لكن أعلى درجات اليتم‪ .‬عازبًا أو رب عائلة‪.‬تعّلمك الدونّية‪ .‬‬ ‫أثناء تفصيلك لوطن بديل‪ .‬حتى لتكاد تخالها برنسًا‪ .‬‬ ‫صمت بعض الوقت‪ .‬يتم العضاء‪ .‬‬ ‫ل‪ .‬تصبح الغربة فضفاضة عليك‪ .‬وجدتني‬ ‫أنهار باكيًا‪.‬ولن تكون هنا يومها لتعرف‬ ‫كم كنت غريبًا قبل ذلك‪ .‬ما بقي له هنا‪ .‬تنام في سرير عابرة‬ ‫تجمع حولك أشياء بديلة تسميها وطنًا‪ .‬فهو حتمًا يملك حذاًء آخر ذهب به إلى المستشفى‪.‬عندما يستقوي عليك أطفال آخرون‪ .‬‬ ‫ل يتيم هو مريض بدونية سابقة‪ .‬غربة كوطن‪.‬فالغربة يا رجل فاجعة يتم إدراكها على مراحل‪ .‬‬ ‫ثم واصل‪:‬‬ ‫ التغابي هو بعض ما اكتسبته من اليتم‪ .‬أنت في مهب القدر وحدك‬ ‫كصفصافة‪ .‬‬ ‫وأذكر عندما زرته في إحدى المرات‪ .‬تلك الشياء التي لم تحفظ‬ ‫حرمة غيبته‪ .‬‬ ‫أنا الذي قررت أمام ورشة الموت أل أبكي‪ .‬عندما لمحت حذاًء أسفل الخزانة‪.‬وبرغم ذلك‪ .‬إل‬ ‫بانغلق ذلك التابوت على أسئلتك التي بقيت مفتوحة عمرًا بأكمله‪ .‬ل أحب مهانة‬‫المرض‪ .‬راح يعتذر لي عن انتظاري‪ .‬بدا لي أكثر حزنًا من الخر‪ .‬‬ ‫يخاف أن يلفت النظار إليه فيطرد‪ .‬أو بالحرى‪ .‬تحيط نفسك بغرباء تسميهم أه ً‬ ‫تسميها حبيبة‪ .‬‬ ‫أثمة يتم للحذية أيضًا؟‬ ‫بدا لي زوجا الحذاء متلصقين كرجلي ذلك الصغير المرعوب‪ .‬ل شفاء‬ .‬لن أول شيء تدركه هو أنك أقل شأنًا من سواك‪ .‬فهو‬ ‫حذاء جديد كأنه لم ينتعله‪ .‬سواء أكان كريمًا أو بخي ً‬ ‫ك ّ‬‫مرتابًا‪ .‬‬ ‫كان حذاءه الوحيد‪ .‬ومن بعدهم ضربات الحياة‪.‬والذي قضى ليلة مختبئًا تحت السرير‪.‬وأنه أصبح يتيمًا إلى البد‪.‬عندما مددت يدي لخرجهما من‬ ‫مخبئهما‪ .‬وأنك تدري أن لهم آباء يدافعون عنهم ول أب لك‪.‬‬ ‫وعندما استيقظ في الصباح‪ .‬تحمل في جيبك دفتر هاتف بأرقام كثيرة لناس تسميهم أصدقاء‪ .‬وعليك أن تدافع عن نفسك بالتغابي‪ .‬عندما تعيش يتيمًا‪ .‬تبتكر أعيادًا‬ ‫ومناسبات وعناوين وعادات‪ ..‬والتسكع في عالم ما توقع أن يدخله‬ ‫غريب بعده‪ ..‬وحشمة التغافل‪ .‬ثم واصل‪:‬‬ ‫ل‪ .‬أو ُيغتال‪.‬استعدت منظر ذلك الطفل الذي أخذت له صورة‪ .‬أمام ذلك الحذاء الذي كسا الغبار لمعته‪ .‬‬ ‫المرض الذي يعطي ل ّ‬ ‫قال‪:‬‬ ‫ هذه أول مرة أدخل فيها المستشفى مذ بترت ذراعي منذ أكثر من أربعين سنة‪ ..‬قد يكون تركه لمناسبة أجمل‪ ..‬ويحدثني عن مذلة‬ ‫ي شخص الحق في أن يستبيح جسدك وينتهك حميميتك‪.‬‬ ‫هو رجل المسافة‪ .‬يتداوى منها حسب استعداداته النفسية‪.‬‬ ‫ل أدري لماذا اختار ذلك الحذاء دون هذا لسفرته الخيرة‪ .‬واثقًا في الناس أو‬ ‫ل اكتسب شيئًا من دونيته‪ ..‬أحزنني هتك أسراره‪ .‬عنيفًا أو مسالمًا‪ ..‫الوفاء النثوي يجهش اعتذارًا عن كل الخيانات النسائية‪..‬بذريعة أنه لم يعد هنا ليحمي أشياءه الصغيرة السرية‪ .‬فتتظاهر‬ ‫بأنك لم تسمع‪ .‬فلم‬ ‫أفعل غير مواصلة ذلك هنا‪.‬وكان علي أن أغادر الغرفة وأنتظره بعض الوقت في‬ ‫الخارج ريثما تنتهي الممرضة من خدمته‪ .‬وجد أنه فقد كل أهله‪.‬وأنه ل‬ ‫أحد يرّد عنك ضربات الخرين‪ .‬تتكفل الحياة بتعليمك أشياء مختلفة‬‫عن غيرك من الصغار‪ .‬مختبئًا أسفل الخزانة كيتيم‪.‬ومقهى ترتاده كما تزور قريبًا‪.‬إنها دونية عارية معروضة للفرجة والفضول‪ .‬ما أنقذني أنني تعودت في الحياة أن أواجه النظرات التي تعّري عاهتي بأن أتغابى‪ .‬ول يستكمل الوعي بها‪ .‬ول كم ستصبح منفيًا بعد الن!‬ ‫كنت ما أزال أفكر كيف أتصرف بكل تلك الشياء‪ ..

‬وإذ بواحدنا يعرف عن الخر‬ ‫ل فقط علم الخر بذلك‪.‬إحساسًا بالتعافي‪ .‬وهذا ليس مهمًا في‬ ‫ثم‪ .‬أكان على علم أنني أقيم في بيته؟ وأساكن صديقته؟ وأنني التقيت بحياة واصطحبتها إلى هذا‬ ‫البيت؟ وأنها كانت ترقص لي لحظة كان يحتضر؟‬ ‫أيكون اختار تلك اللحظة بالذات لن يموت فيها إمعانًا منه في التغابي؟‬ ‫ما زلت غير مصّدق أن يكون في توقيت موته مصادفة‪ .‬يشي بأن حياته في خطر أو أنه يعاني من انتكاسة ما‪.‬بترتيب فسيفساء السرار الصغيرة‪ .‬كي يعرف ما أخبارها‬ ‫مطاردًا خيانتها بين السطور‪.‬ذلك أن السعر مكتوب بقلم الرصاص على صفحتها الولى‪ .‬وأقع فجأة بين حاجاته على‬ ‫نسخة من كتاب "فوضى الحواس" تبدو منهكة لفرط تداولها‪ .‬من الرجح أن‬ ‫يكون اشتراها‪ .‬متذكرًا قو ً‬ ‫تغافل"‪.‬ول أرى سببًا لتدهور مباغت لصحته‪.‬والكل من حولك سيقولون لك ذلك‪ .‬‬ ‫وفي الرقام الثلثة تلك‪ .‬وأ ّ‬ ‫فرانسواز‪ .‬تثبت أن النسان ل يموت إل إذا أراد حقًا ذلك‪ ..‬ومن قسنطينة؟‬ ‫ولفترض أنني عندما زرته في المستشفى لم أقل له شيئًا على الطلق‪ .‬‬ ‫ذلك أنه ما كان لي أن أدرك ثلثي حكمته إل وأنا أجمع أشياء موته‪ .‬وسّمرتني مكاني‪ .‬أكان سيتعرف عل ّ‬ ‫ي‬ ‫بحدس المحب‪ .‬نسخة بدون إهداء‪ .‬‬ ‫كيف له في محاولة لتق ّ‬ ‫وهي التي كالنظمة العربية‪ .‬وكان يواجهني بالتغابي ذاته!‬ ‫ي صاعقة الكتشاف‪ .‬‬ ‫إلى غريب ل مكان له حتى في إهداء الصفحة الولى‪ .‬‬ ‫فل شيء عندما التقيت به قبل ذلك بيوم‪ .‬وأعرف خبث ذلك المرض بالذات‪ .‫منها‪ .‬لنك ما رأيت أحدًا إل وذهب نظرك مباشرة إلى ما يملكه‪ .‬وثلثيها‬ ‫أستعيد الن كلمه هذا‪ .‬وهو عالم وضع في بداية القرن العشرين‬ ‫نظرية في وظائف خليا الجسم‪ .‬الذي من بعض‬ ‫مكره‪ .‬‬ ‫أعرف هذا من أبي‪ .‬رحت أحاول أن أفهم‪ .‬واستنطاق ضحاياها في كتاب‪ .‬كانت تختصر كل فجيعة رجل أحالته حبيبته من قلب كتاب كان سيده‪.‬وينقصك أنت‪ .‬وهي تطلب لي موعدًا معه؟‬ ‫ل من عاهة ذراعي‬ ‫ي مث ً‬ ‫ترى لو لم أقّدم نفسي على أنني خالد بن طوبال أكان سيتعرف عل ّ‬ ‫اليسرى التي ل تتحرك بسهولة؟ أم كان سيعرفني لنني كما في الرواية مصّور‪.‬‬ ‫صي أخبارها‪ .‬إعطاؤك قبل أن يفتك بك‪ .‬وأن موته‬ ‫ح‪.‬بالفرنك الفرنسي‪.‬رحت من دهشتي أتصفح الكتاب وأعيد قراءة‬ ‫نزلت عل ّ‬ ‫صفحات منه كيفما اتفق وكأنني أكتشفه لتّوي‪ ..‬كيف لها أ ّ‬ ‫ل‬ ‫تجعلني مفضوحًا بالنسبة إليه‪ .‬تاريخ اندلع الثورة الجزائرية التي كان أحد رجالها؟‬ ‫وجدت تأكيدًا لهذا المقال أبحاثًا قام بها متشنيكوف‪ .‬‬ ‫لكن‪ ..‬‬ ‫العضوي ليس سوى استجابة لمطلب نفسي مل ّ‬ .‬جاه ً‬ ‫ك سّر كبير‪ .‬بقدر ما كان هو في " ذاكرة الجسد"‪ ..‬أمن السم الذي أعطته له‬ ‫ي تفصيل بالذات جعله يتعّرف عل ّ‬ ‫موعد بالذات أدرك من أكون‪ ..‬وريبة الرجولة؟‬ ‫ي‪ .‬لنك فع ً‬ ‫ل‬ ‫ستبدو في أحسن حالتك‪.‬في أيّ‬ ‫كمن يحاول ف ّ‬ ‫ي‪ .‬قد يكون تعّرف عل ّ‬ ‫النهاية‪.‬‬ ‫كان يعرف إذن من أكون‪ .‬وعرف من ذلك الكتاب كل شيء عن علقتي بحياة‪ .‬أل يشتري كتابًا لها صدر بعد أن افترقا‪.‬تحترف توثيق جرائمها‪ .‬يدفع ‪ 140‬فرنكًا‪ ..‬وهنا كم يلزمك‬ ‫من التغابي لتكذب على نفسك!‬ ‫ل لمعاوية بن أبي سفيان " إن ثلث الحكمة فطنة‪ .‬باحثًا عما يمكن أن يكون قد تسقطه عني‪.‬‬ ‫بل إنني لم أره ممازحًا ومرحًا كذلك اليوم‪ .‬غير أني من عمي أعرف أيضًا أن النسان يختار توقيت موته‪ .‬‬ ‫كل شيء‪ .‬وإل كيف‬ ‫استطاع أن يموت في أول نوفمبر بالذات‪ ..

‬وأنا أستنتج من عبارتها أنها على اتصال دائم معه‪ .‬ربما كنت يومها تتع ّ‬ ‫بقيت صامتًا للحظات‪ ....‬المقيم‪.‬هذا برغم تأثرها البالغ عندما وقع عليها الخبر‬ ‫حتى أنها انهارت على الريكة باكية مرددة‪:‬‬ ‫‪.‬‬ ‫***‬ ‫لنني لم أنم‪ .‬غادرت البيت باكرًا صباح اليوم التالي لقضي بعض ما تأخر من مشاغلي‪ .‬‬ ‫أجبتها وقد فاجأني سؤالها‪ .‬وهي تتعجب لمري قائلة‪:‬‬ ‫ن لي علقات‪ .‬‬‫ثم واصلت‪:‬‬ ‫ي بعدم إخباره‪.‬وآخرون أحياء نطمرهم‬ ‫كان جمي ً‬ ‫في وحل مخازيهم‪.‬‬ ‫سائ ً‬ ‫أجابت متعجبة‪:‬‬ ‫ طبعًا ل‪.‬نظرًا‬ ‫لمستجدات الظرف‪ .‬‬ ‫ل فيها مراد مكاني عابرًا لهذا‬ ‫ل بضّمها إلى صدري‪ .‬ولذا ما كادت فرانسواز تعود إلى البيت حتى بادرتها‬ ‫ل عّما إذا كانت أخبرت زيان بإقامتي عندها أم ل‪.‬‬ ‫سرت برودتي تجاهها بعد‬ ‫وضعت تلك الجملة بيننا مسافة من جليد الجفاء‪ .‬واستعدادًا لعودة وشيكة إلى الجزائر‪.‬‬ ‫ل بإمكانه أن يتفهم خيانة زوجة‪ .‬لكنه ل يغفر خيانة صديق‪ .‬وقد تكون فرانسواز ف ّ‬ ‫ذلك بفاجعة موت زّيان‪ .‬أنني كنت ذلك المساء خارج البيت‪ .‬وأكون أنا من أقنع زيان يومها بإطلق رصاصة الرحمة على نفسه واشتهاء‬ ‫الموت حد استحضاره‪.‬وأن ثمة رحلة إلى‬ ‫قسنطينة بعد ثلثة أيام‪ .‬لو أنا شرحت لها أسباب قلقي‪ .‬بدون أن تعرف حجم المقبرة التي أحملها في قلبي‪.‬وأنهما يتهاتفان كل‬ ‫يوم‪.‬هذا المر كان واضحًا بيننا منذ‬ ‫ زّيان يعرف بأ ّ‬‫البدء‪ .‬كيف أنني لم أعرف بنداءات المستشفى‪.‬وأنا أفّكر في اقتراب ليلة سيحت ّ‬ ‫اكتفيت لي ً‬ ‫السرير‪ .‬‬ ‫عندما عدت مساًء‪ .‬فخيانة الزوجة قد تكون‬ ‫كنت رج ً‬ ‫نزوة عابرة‪ .Oh mon Dieu‬‬‫قبل أن تسألني وهي تستمع إلى الرسائل الهاتفية‪ ..‬وهو ما كان يتدخل في حياتي‪ .‬ثم واصلت بعد شيء من الصمت‪:‬‬ ‫‪ -‬نقل الجثمان يكلف ‪ 32‬ألف فرنك‪.‬‬ ‫واصلت فرانسواز‪ .‫ي برصاصة تأخر مفعولها‬ ‫وإذا صدقت هذه النظرية تكون الثورة الجزائرية أودت بحياة عم ّ‬ ‫القاتل أربعين سنة‪ .‬فلماذا أنت قلق؟‬ ‫كم كان سيطول الكلم‪ .‬يا إلهي ما أصعب الساءة للموتى‪.ce n'est pas possible.‬‬ ‫ل أن أتأكد من أن للموت تنوعه‪ ..‬كنت أكتشف كم‬ ‫هي غريبة عني وكم الكلم معها يأخذ بعدًا عبثّيا‪ .‬‬ ‫صحيح‪ ..‬لكنها أجابت بما فاجأني أكثر‪ " ..‬سألتها إن كان بإمكاني العتماد عليها في الجراءات الدارية وتكّفلي أنا‬ ‫بالمور الخرى‪ .‬‬ ‫ ما كان لي أن أنسى ذلك بعد إلحاحك عل ّ‬‫تمتمت‪:‬‬ ‫شكرًا!‬‫وتنفست الصعداء‪ .‬أما خيانة الصديق فهي غدٌر مع سبق الصرار‪.‬آه‬ ‫شى عند مراد"‪.‬‬ ‫هذه الفكرة لم تكن إل لتزيد من حزني‪ .‬لكن في مثل هذه الحالت‪ .‬‬ .‬‬ ‫لم يكن الظرف مناسبًا لمعن التفكير في غدر صديق أثناء انشغالي بتفاصيل موت صديق آخر‪.‬أخبرت فرانسواز أنني زرت مكتب الخطوط الجزائرية‪ .‬فثمة موتى نواريهم التراب‪ .

‫سألتني فرانسواز‪:‬‬ ‫ هل تملك هذا المبلغ؟‬‫وجدتني أبتسم‪ .‬ذهب تفكيري في ك ّ‬ ‫تطّير حياة من الجسور‪.‬أردت أن أضع فيها ما بقي في حوزتي من‬‫مال تلك الجائزة‪ .‬أليس أكرم له أن يسافر على نفقة إحدى لوحاته‪ .‬فلن أتصرف إل‬ ‫بما يليق بما أعرفه عنه‪ ..‬ولذا ما عدت أدري أ ّ‬ ‫اشتريتها من مالي‪ ..‬كل‬‫رواق يملك قائمة بأهم الزبائن الذين يعنيهم اقتناء لوحات هذا الفنان أو ذاك‪ .‬إنها أغلى لوحة بيعت‪ .‬‬ ‫هو رجل الحزن المتعالي‪ .‬‬ ‫والتنازل عن ذلك العتداد بالذات‪ .‬‬ ‫واصلت وهي تشعل سيجارة‪:‬‬ ‫ ليتك ما اشتريت تلك اللوحة‪ .‬أو الستنجاد بدولة ليست مسؤولة سوى عن تأمين علم وطني‬ ‫طى به جثمان مبدعيها مّمن اغتيلوا بالعشرات على أيدي الرهابيين‪ .‬أو كأنني اشتريت بها قبري‪ ..‬ألن قامته أصبحت الن في انبطاح تابوت‪ .‬‬ ‫قالت بعد شيء من الصمت‪:‬‬ ‫ أل ترى من العجيب أن يكون زيان أراد ائمًا الحتفاظ بهذه اللوحة ‪ .‬وأن ثمنها يساوي تقريبًا‬‫تكاليف نقل جثمانه إلى قسنطينة؟‪.‬اشتريت تلك اللوحة بما كان معي!‬‫قالت بتذمر‪:‬‬ ‫ يا للحماقة‪ ..‬وأرتاح‪.‬أمن مراد ول رغبة لي بعد الن في التعامل معه‪ .‬وكنت سأسعد بذلك لول‬ ‫أن ل مال لها سوى مال زوجها‪ .‬‬ ‫اقشعّر جسدي‪ :‬يا إلهي من أين جاءت بهذه الفكرة‪ .‬هو لم يطلب مّني شيئًا‪ .‬بإمكانه أ يمّر من‬ ‫باب أبى المرور منه حّيا؟‬ ‫لم يكن المر يتطلب الكثير من التفكير‪ .‬فكيف أفّكر في طلب‬ ‫يغ ّ‬ ‫مساعدة من السفارة؟‬ ‫كان رجل التوّرع والترّفع‪ .‬ولن ل أحد غيري يقّدر قيمتها العاطفية‪.‬‬ ‫وبدون أن أشرح لها هواجسي‪ .‬على أن تنقل رفاته‬ .‬‬ ‫ بل أنا من وضع سعرًا لها‪ .‬نصف ريع لوحاته ذهب إلى الجمعيات الخيرية والنصف الخر الذي يعود إليه ل‬‫ل شيء بعد الن محجوز قانونيًا ومجّمد في انتظار حصر‬ ‫نستطيع التصرف فيه‪ .‬ك ّ‬ ‫الورثة‪.‬خاصة أنني‬ ‫كان بيعها كالحتفاظ بها يحزنني‪ .‬انتابني شعور بالذعر‪ .‬وأجبتها‪:‬‬ ‫ ل‪ .‬واستعدت‬ ‫اللوحة سرقت منه قبره‪ .‬‬ ‫ي القرارين كان صائبًا‪ .‬ول أخاله سيسعد إن أنا تسولت ثمن نقل جثمانه من الخرين‪ .‬أظنها قادرة على تأمين هذا المبلغ‪.‬وهو يّتصل بهم في‬ ‫مثل هذه الحالت‪.‬كأنني بشرائي تلك‬ ‫ل صوب‪ ..‬ربما وضع سعرًا غاليًا لها لنها الحب إليه‪.‬وجدتني مؤتمنّا على رفات هذا الرجل‪ .‬يكفي أن نرفع عنها الشارة التي تدل أنها بيعت‪ .‬‬ ‫كان الحل الوحيد هو التصال بحياة‪ .‬وجدتني أسأل فرانسواز‪:‬‬ ‫ أتعتقدين أننا ستعثر في يومين على مشتٍر لها؟‬‫رّدت بدون أن يبدو عليها أسف أو عجب لقراري‪:‬‬ ‫ قد يكون ذلك ممكنًا ما دامت معروضة‪ .‬ول‬ ‫أظنه سيساعدني سوى بالقليل‪.‬لنني أحببتها‪ .‬وأن في المر إهانة لعمر قضاه زيان رافضًا التلوث بمال‬ ‫اللصوص ذوي الياقات البيض‪ .‬كم هيأوا له من أبواب واطئة يستدعي مروره منها انحناء كبريائه‪.‬وقد تصّدق‬ ‫حّيا بما كان سيضمن له موتًا كريمًا‪.‬فبحكم موته‪ .‬أصّر زّيان على أن تباع لوحاته بأسعار‬‫معقولة حتى تكون في متناول الجميع‪ .‬‬ ‫وكان السؤال في حالة احتفظت بها‪ِ :‬مّمن أستدين المبلغ لنقل جثمان زّيان‪ .‬أم ناصر وهو أكثر‬ ‫نزاهة من أن يفيض حسابه بهذا المبلغ‪ .

‬وقال ممازحًا بلهجة أبن العاصمة " إتهلكت عليكم‬ ‫يا خو قسمطينة راحت‪ .‬مسبوقًا بعنوان‬ ‫ط كبير بالفرنسية أ ّ‬ ‫عنوان المقال كان يعلن بخ ّ‬ ‫أصغر يسأل " ماذا تنتظر الحكومة؟"‬ ‫المقال كان مرعبًا في معلوماته‪ .‬هو الذي مذ بناه الرومان يلهو بالمخاطر‪ .‬بنيت كيفما اتفق على المنحدرات‬ ‫الصخرية‪ .‬‬‫في الصباح التالي استيقظت متعبًا من ليل كله كوابيس‪ .‬‬ ‫صنة كع ّ‬ ‫منذ ‪ 2500‬سنة مح ّ‬ .‬‬ ‫ن الرض تنزلق في قسنطينة‪ .‬‬ ‫أجبتها وأنا أتجه صوب المطبخ لعد القهوة‪:‬‬ ‫ كان حلمًا مزعجًا‪..‬قد أكون تكلمت أثناء نومي أو تقلبت‬ ‫كثيرًا‪ .‬‬ ‫متقدمة بعّدة سنتيمترات سنويًا‪ .‬خا ّ‬ ‫مثل هذه المشتريات عندما تكون غالية نسبيًا‪.‬‬ ‫ما غزا قسنطينة غاٍز‪ .‬قبل أن يهدمه الفرنسيون ويعيدون في القرن التاسع عشر بناء‬ ‫الجسر القائم حاليًا‪.‬واعتذرت لها محرجًا‪.‬عل ّ‬‫ل لنفاقه في‬ ‫صة أننا في نهايات السنة‪.‬والناس في مواسم العياد ل يملكون ما ً‬ ‫المرو بسرعة‪ .‫على حساب أحد المحسنين‪ .‬إلى ما سيقرره الخبراء المريكيون‬ ‫والكنديون واليابانيون الذين تقول الجريدة إنهم سيتشاورون حول أحسن طريقة لنقاذ مدينة تعيش‬ ‫ش النسر في العالي‪ ..‬‬ ‫أجبتها وأنا أشعل سيجارة وأذهب صوب الشرفة‪:‬‬ ‫ اطلبيها‪.‬‬ ‫وكان زميل لي‪ .‬أو كرمًا وتصّدقا من قراصنة الوطان المنهوبة؟‬ ‫قطعت فرانسواز تفكيري قائلة‪:‬‬ ‫ي أن أخبر فورًا كارول كسبًا للوقت‪ .‬مّما اضطر فرانسواز للنوم على أريكة الصالون‪.‬والجميع مذعورون ل يدرون أ ّ‬ ‫أن الرض تنزلق وأ ّ‬ ‫للهروب من قسنطينة‪.‬كاش نهار تقوموا ِتلقاْو رواحكم قاع تحت"‪.‬وبرغم اعتباره من‬ ‫ل خمسة قرون حتى جاء صالح باي فجلب له مائة عامل من أوربا‬ ‫ل معط ً‬ ‫أعجب البناءات‪ .‬معجزة أبدعها الحجر وأفسدها البشر‪.Ce n' est pas grave‬‬ ‫ثم سألتني‪ .‬أو حكمها حاكم إل وبنى مجده بإعادة بناء جسورها غير معترف بمن‬ ‫بنوها قبله! مما جعل آمال القسنطينيين معّلقة كجسورهم‪ .‬وجدت لهذا الحلم سببًا آخر‪ .‬وأظنه عاد اليوم ليطفو على سطح الشعور‪.‬‬ ‫كان الناس يهّربون أشياءهم من بيوتهم البائسة المعّلقة على المرتفعات‪ .‬‬ ‫وضعت قبلة على خدها‪ .‬مؤكدًا أن ظاهرة انزلق الرض التي تتعرض لها المدينة تتزايد‪.‬‬‫من الرجح أن تكون قصة اللوحة وحواري مع فرانسواز وأشياء زّيان التي قضيت البارحة في‬ ‫فرزها‪ .‬فأحيانًا ل تتم‬ ‫إن كنت تريد أن تعرض اللوحة للبيع‪ .‬‬ ‫ردت بلطف‪:‬‬ ‫‪.‬لتولد ذلك الحلم الذي كنت أرى فيه نفسي ما هممت‬ ‫باجتياز جسر من جسور قسنطينة إل وصاح بي الناس على جانبيه أل أفعل‪.‬‬ ‫لنني رجل منطقي‪ .‬أمّدني بتلك الجريدة بالفرنسية‪ .‬مما زاد من الخطار التي تهدد جسر سيدي راشد الذي لم يشفع له وقوفه على ‪27‬‬ ‫قوسًا حجريًا‪.‬ظ ّ‬ ‫لبنائه تحت إشراف مهندس إسباني‪ .‬‬ ‫مصير جسر القنطرة ليس أفضل‪ .‬تراكمت جميعها في ل شعوري‪ .‬وأن أكثر من مائة ألف نسمة على القل يعيشون داخل الخطر في‬ ‫المساكن التي‪ .‬لفقر أصحابها الوافدين من كل صوب‪ .‬صارخين بمن ل يدري‬ ‫ي جسر يسلكون‬ ‫ن الجسور جميعها ستنهار‪ .‬لماذا كنت مضطربًا إلى ذلك الحد‪.‬يعود لذلك المقال الذي قرأته عندما كنت في‬ ‫الجزائر ونسيته منذ ذلك الحين‪..

‬غّيرت هذه اللوحة صاحبها‬ ‫ قد يكون هذا أفضل‪ .‬دعتني إلى‬ ‫مكتبها‪ .‬‬ ‫كانت الساعة الرابعة ذات بداية أسبوع‪ .‬بيعت اللوحة‪ .‬وحدهم الثرياء يرفضون أن تتم عملية امتلكهم‬ .‬ومراجعة الخطوط الجزائرية‪.‬رأيت حياة لول مرة بعد عامين من القطيعة‪.‬انتقلت من ملكية إلى أخرى‪ .‬وقد وضع على أعلى زاويته اليسرى وشاح حداد يعلن موت الرسام‪ .‬حين ل أتوقعه‪ .‬دفعة واحدة‪ .‬‬ ‫كيف لمكان أن يجمع في ظرف أيام‪ .‬من دون حّتى أن تنتبه لذلك!‬ ‫لم أحاول أن أعرف من اشتراها‪ .‬معّبرة عن ألمها لنه لن يكون هنا عند انتهاء المعرض كعادته‪ .‬ربما كنت تعّودت عليها‪ .‬كيف تستطيع قتل‬ ‫لفرط إمعاني في إغفال الح ّ‬ ‫الحب مرة واحدة‪ .‬‬ ‫كان ك ّ‬ ‫قلت مختصرًا الحديث‪:‬‬ ‫ت‪.‬من نهاية سنة‪ .‬لن تجدني‪ .‬كارول ستتولى المر‪..‬لم أشأ أن أدخل في جدل الحتمالت‪.‬ل ثمن‬ ‫اللوحة‪ .‬وأنا أفكر في أنني أستعيد بذلك المبلغ‪ .‬‬ ‫عند باب الرواق قابلني ملصق المعرض وعليه صورة إحدى لوحات زيان التي تمثل باباً عتيقًا‬ ‫نصف مفتوح‪ ..‬كانت متأثرة لموت زيان الذي عرفته منذ مجيئه إلى فرنسا‪ .‬بقيت صامتًا‪.‬لقد ازدهر الموت عندنا وأثرى حّتى صار بإمكانه أن يمّول نفسه!‬ ‫لم يفاجئني وأنا أقوم بجولة في المعرض أل أرى أحدًا من الزوار‪ .‬ذهبت فرانسواز لتتابع الجراءات الدارية‪ .‬والناس مشغولون بإعداد أفراحهم‪ .‬وقفت أتأمله‬ ‫لحظات كأني أريد أن أتأكد من صدق الحدث‪.‬‬ ‫ف لي مكسبًا أو خسارة‪ .‬أو تعّودت هي عل ّ‬‫دون أن تغّير مكانها‪ .‬بل ثمن تلك الجائزة التي كأنني حصلت عليها لمّول بأفضل صورة للموت فاجعة موت‬ ‫آخر‪ .‬تركتها شاكرًا‪ .‬‬ ‫ب‪ .‬أدركت أنني سأرى تلك اللوحة‬ ‫لخر مرة‪ .‬‬ ‫ ل تقل لي إنك نادم! نحن محظوظون‪ .‬لنه ماكان بإمكانك أن‬‫تمّر لستلم المبلغ‪ .‬‬ ‫استقبلتني كارول بمودة‪ .‬نجحت في أن أؤّمن لك المبلغ نقدًا‪ .‬ول وقتًا للموت‪.‬وهو ليس بينك وبين شخص واحد‪ .‬شعرت أنني أمتلك ك ّ‬ ‫لبعض الوقت‪ .‬بما في‬ ‫ذلك المرور على المستشفى واستلم أشياء زيان‪ .‬فهل‬ ‫ل من قبضتها؟‬ ‫تعّمد أن يستفيد من انشغال الحياة عنه حتى يتسل ّ‬ ‫ل تلك اللوحات‬ ‫لم أحزن لخلّو المعرض‪ .‬فليس أمامك وقت على الطلق‪ .‬إنه بينك وبين كل ما له علقة‬ ‫به‪.‬كان يأتيني متنكرًا في النسيان‪ .‬كان يكفي ما ينتظرها من كوابيس النهار‪.‬لم تستمتع حتى بامتلكها لفترة‪.‬كان يمكن أ ّ‬‫ل شيء حسم‪ .‬‬‫قلت‪:‬‬ ‫ي‪ .‬في ذلك المكان‪ .‬أنا آ ٍ‬‫انتابني بعد ذلك أحاسيس متناقضة وأنا في طريقي إلى الرواق‪ ..‬أمدتني بالمبلغ الذي دفعته‬ ‫يوم اشتريت اللوحة‪ .‬الذكرى الجمل ثم الخرى الكثر ألمًا؟‬ ‫مّرة لظنك أنك استعدت فيه حبيبًا‪ .‬بينما ذهبت أنا لنهي بعض ما تأخر من‬ ‫مشاغلي‪ .‬ل أظنه كان وقتًا لرتياد‬ ‫المعارض‪ .‬وقالت‪:‬‬ ‫ آسفة‪ .‬‬ ‫عصرًا فاجأني هاتف منها‪ .‬ومرة لدراكك في ما بعد أنك فقدت فيه وطنًا‪.‫ل هذا لفرانسواز‪ .‬‬ ‫ حسنًا‪ .‬‬ ‫ك شيئًا من ك ّ‬ ‫لم أح ِ‬ ‫تقاسمنا روزنامة التفاصيل المزعجة للموت‪ .‬في انتظار أن أخسرها جميعها‪ .‬قالت بسعادة‪:‬‬ ‫ حسنًا أن أكون وجدتك‪ .‬‬ ‫لم أدِر إن كانت تز ّ‬ ‫قالت‪:‬‬ ‫ل ننجح في بيعها قبل عدة أيام‪.‬بدون أن أنسى أنني‪.‬بل سعدت لنه كان لي وحدي‪ .

‬وهو يملك أخيرًا كل الوقت‪ .‬ولكنه ظ ّ‬ ‫من فرشاته‪ .‬أو يٍد تهّم بطرقها‪ .‬ككل هذه البواب التي تشغل‬ ‫عددًا من لوحاته‪..‬‬ ‫طى‪ .‬وضرورة أن أتركه بعد‬ ‫حين قبل أن تغلق الخطوط الجزائرية مكاتبها‪.‬وأخرى ضيقة نهرب إليها وإذ بها تفضي إلينا‪.‬‬ ‫ل أمام كل‬ ‫الجميع مشغول عنه‪ .‬‬ ‫أبواب عتيقة لّونها الزمن مذ لم نعد نفتحها‪ .‬نغادرها على عجل‬ ‫مرعوبين‪ .‬قالت" عندما يدخل رسام في مرحلة ل يرسم فيها فترة سوى‬ ‫الموضوع نفسه‪ .‬أن أتجّول في هذا‬ ‫المعرض مع زيان‪.‬‬ ‫رمزًا للموت؟‬ ‫عندما رأيت كل هذه اللوحات لول مرة‪ .‬سألت فرانسواز عن سّر هذه الحوارات المطّولة التي‬ ‫يبدو أن زيان أقامها مع البواب‪ .‬كأنه يرسم أشياء تخّلى عنها أو تخّلت عنه‪.‬‬ ‫ت تتشوق لنزالها من أزاميل الصلب‬ ‫ذلك أنه حتمًا سيحضر‪ .‬ثم عندما لن يستطيع استبقائي أكثر‪ .‬‬ ‫ل يعاملها بمودة العشرة‪ .‬‬ ‫أبواب تنتظر خلفها وقع خ ً‬ ‫ونحتمي بها‪ .‬‬ ‫الن فقط‪ .‬أنت الن في " الوقت المجمد"‪.‬‬ ‫كانت هذه طريقته في الترفع عن استجداء زيارة‪.‫للوحة بعيون القلب‪.‬معروف أنه يأتي دائمًا بعد فاجعة"‬ ‫بقيت أتحين الفرصة لسأل زيان عن تفاصيل موت ابن أخيه لعتقادي أن تفاصيل تلك الميتة‬ ‫دّمرته أكثر من الموت نفسه‪.‬فتحّرض العدوان علينا‪ .‬ويمكننا أن نتوّقف لنتحّدث طوي ً‬ ‫لوحة‪ .‬سيودعني كعادته قائ ً‬ ‫الحديث غدًا"‪ .‬‬ ‫بدت لنبهارها بنظريته كأنها تشاركه الرأي صمتًا‪.‬‬ ‫سيلعن هذه الخطوط ويسألني " ماذا أنت ذاهب لتفعل في ذلك البلد‪ .‬‬ ‫ل " سنواصل‬ ‫ولن أجد ما أجيبه به‪ .‬مات الوقت يا عزيزي‪ .‬بضربات لونّية خفيفة كأنه يخاف عليها‬ ‫جثث أشياء ما عادت له‪ .‬‬ ‫ي وجع وراءها ول أظنها كانت تعرف ذلك‪ .‬فيوم احتدم النقاش بيني وبين مراد حول‬ ‫لم أسألها أ ّ‬ ‫لوحات البواب التي لم يكن يرى فيها مراد سوى أفخاذ نساء مشّرعة حينًا‪ .‬أو نموت غدرًا على عتباتها مخّلفين فردة حذاء‪ .‬أو بالحرى خيانتها الصامته أمام الفاجعة‪ .‬‬ ‫كنت سعيدًا‪ .‬مواربة أحيانًا أخرى‪.‬وأخرى من قماش تفصل بين بيتين تشي بنا‬ ‫أثناء اّدعائها سترنا‪.‬وأخرى مواربة تتربص‬ ‫بنا‪ .‬ول أدري بماذا أبرر له انشغالي‪ .‬هي التي ما خافت عليه من خنجرها‪..‬‬ ‫كان يرسم فاجعة الشياء‪ .‬مضيفًا بعد شيء من الصمت " إن كان لديك وقت"‪.‬فل يمكن أن يخلف موعدًا مع لوحا ٍ‬ ‫والعودة إلى كنف رسامها‪.‬أبواب موصدة في وجوهنا‪ .‬يعني أن ثمة حدثًا أو وجعًا ارتبط بذلك الموضوع"‪.‬‬ ‫أكان يعرف ذلك؟‬ ‫كان في رسمه الخير زاهدًا في الحياة‪ .‬وأنا وحدي أتنقل بينها متمعنًا في تفاصيلها الصغيرة‪ .‬السرطان ليس سوى الدموع‬ ‫المحتبسة للجسد‪ .‬يوم أخبرتني بمرض زيان عندما قالت " إن اغتيال‬ ‫ابن أخيه دّمره حتى أظنه السبب في السرطان الذي أصابه‪ .‬لقد انتهى وقت الزيارة الكبرى‪ .‬لنني كنت هناك لفعل الشيء الوحيد الذي تمنيته ولم يحدث‪ ..‬لول أنني أنا الذي ل وقت لي‪ .‬أثمة مهبول يذهب لقضاء‬ ‫رأس السنة هناك؟"‪.‬‬ .‬أخالني وقعت على فاجعة‬ ‫الجواب من خلل حديث بعيد مع فرانسواز‪ .‬في وحدتها‪.‬‬ ‫ت حتى ما‬ ‫لكن أزفت ساعة الرحيل يا صديقي‪ .‬لم يبق من الوق ِ‬ ‫يغطي تلك الزيارات المبرمجة للمشافي‪ .‬وأخرى مخلوعة تسّلمنا إلى قتلتنا‪.‬أَوليست فردة الحذاء‪ .‬أبواب آمنة تنام قطة ذات قيلولة على عتبتها‪ .

‬بمحاذاة غابة! أصبح كل هم سليم توفير مبلغ‬ ‫من معاشه لتصفيح الباب‪ .‬‬ ‫طت كتيبة‬ ‫ل عندما ح ّ‬ ‫لكنهم جاؤوه عندما اعتقد أنه ظفر بالمان‪ .‬ومستفيدين من حالة البلبلة السائدة‪ .‬‬ ‫ظفي الدولة‪ .‬وانتهاًء بسمل العيون وبقر‬ ‫البطون حسب مزاج سفاحك‪.‬كان شابًا مولعًا بالعلم‪ .‬‬ ‫لكنه كان نزيهًا بالوراثة‪ .‬جمعت شجاعتي وقلت‪:‬‬ ‫ آسف‪ .‬كي يتمكن من إدخال نظام المعلوماتية إلى أجهزة الجمارك في قسنطينة‪.‬بدأ إلحاحه بالمطالبة بسكن أمن ّ‬ ‫لم يكن مرتاحًا إليه‪ .‬‬ ‫اغتيال زميلين له‪ .‬فأعطوه بيتًا منفيًا على مشارف جبل الوحش‪.‬وكان باستطاعته لو شاء‬ ‫الحصول على أضعافه لو أنه طالب بعمولة على عشرات المعدات التي كّلف بشرائها من فرنسا‪.‬‬‫كان واضحًا أنني وضعت يدي على وجع طازج‪ ..‬‬ ‫لم يكن الموت في صحبتهم‪ .‬يا عدو ال"‪.‬أن يكون لك شرف الموت بالمسدس الذهبي لله‬ ‫ضل بدل أن تسّلم حيًا لتنهشك الكلب الجائعة‪ .‬فقد كان المبلغ بالنسبة إليه ثروة صغيرة‪ .‬فتلقمك إياه‬ ‫ابتداءًا من قلع الظافر وحرق الصابع بالسيد‪ ..‬حتى موت أبيه‬‫ب وجد نفسه يتيمًا عندما قتل رجال المن‬ ‫وهو أخي الوحيد ما كان لها هذا الوقع على نفسي‪ .‬فأرسلته الدولة لفرنسا لمدة‬ ‫ستة أشهر للدراسة‪ .‬وبعدما استشعر بالخطر إثر‬ ‫عندما استلم وظيفة كان الرهابيون قد بدأوا في قتل مو ّ‬ ‫ي‪ .‬‬ ‫في ساحة سج ٍ‬ ‫ضل‪.‬وقد تف ّ‬ ‫ن كما حدث في سجون مغاربية‪ ..‬كانت الساعة الحادية عشرة لي ً‬ ‫الموت خلف بابه المصفح‪ .‬ثمة أنظمة عربية تقّدم تسهيلت في الموت‪ .‬‬ ‫وكإناء يطفح حزنًا تدفق‪:‬‬ ‫ من بين كل الميتات التي عايشتها في هذا العمر كانت ميتة سليم هي الكثر ألمًا‪ .‬‬ ‫ق في وضعك النهائي المف ّ‬ ‫فيذبحك الرهابيون وأنت مستل ٍ‬ ‫إمكانك أيضًا أن ل تموت دفعة واحدة‪ .‬مطمئنين إلى أن ل أحد سيأتي بعد‬ ‫الن لنجدته‪ .‬مستفيدًا من جهد أمة تفوقت في تطوير ثقافة الموت‪ .‬حتى إنه لتفوقه‬ ‫أباه في مظاهرات ‪ 88‬فراح يدرس لي ً‬ ‫استطاع دخول المدرسة العليا لتكوين الكوادر‪ .‬مترفعًا وقنوعًا وكان يحب الجزائر‪ .‬إذ ل أحد يدري في هذه الحالت إن كان رجال‬ ‫صن فيه الرهابيون‪ ..‬جاؤوا بعدة الموت وكل الليات المتطورة لفتح البواب صارخين به أن يفتح‪ .‬إن كنت صحافيًا‪ .‬‬ .‬أو الرهابيون هم الذين يهاجمون‬ ‫ت تح ّ‬ ‫المن هم الذين يحاولون دخول بي ٍ‬ ‫بيتًا لحد ضحاياهم‪.‬كيف حدث ذلك؟‬‫قال وقد باغته السؤال‪:‬‬ ‫ سليم؟‬‫ثم واصل بعد شيء من الصمت‪:‬‬ ‫ مات أكثر من مرة‪ .‬فقد تختار بدل أن تموت ميتة‬ ‫كردّية مرشوشًا كالحشرة بالمبيدات الكيماوية‪ .‬‬ ‫كان يتحدث بمرارة الستخفاف‪ .‬آخرها كانت بالرصاص‪.‬يا رخيص‪.‬‬ ‫كما في فيلم أمريكي للرعب يقف فيه الضحية أعزل خلف باب تحكمه من الطرف الخر وحوش‬ ‫بشرية‪.‬تمامًا بعد بدء منع التجول بقليل‪ .‬أن يظفر بباب‬ ‫يحميه من القتلة‪.‬فل يفعل‬ ‫مطمئنًا إلى بابه المصّفح‪.‬ولذا في زمن النهب المؤدلج‬ ‫وشرعة اللصوصية كان يقتطع مبلغًا من مرتبه كي يتمكن في لهاث الكدح اليومي‪ .‬يختار فيه الواحد في قائمة الميتات المعروضة‬ ‫ أصبح ضروريًا اصدار كاتولوغ للموت العرب ّ‬‫طريقة موته‪...‬أربع ساعات ونصف والموت خلف الباب يتحداه‬ ‫ل يا قّواد‪ .‬‬ ‫على إيقاع الفؤوس وزمجرة المعاول بالشتائم والمسبات أن يفتح " ح ّ‬ ‫جيناك يا كافر‪ .‬لم أضف شيئًا‪ .‬وتدور بأحشائك‬ ‫الموت نفسه أو أحد أبنائه‪ .‬سمعت باغتيال ابن أخيك‪ .‬كانوا هم الموت‪ .‬تركت له حرية أن يصمت أو أن‬ ‫يواصل‪.‫ي عندما قال زيان بتهكم أسود‪:‬‬ ‫كنا نتحدث مرة عن التشكيلة العجيبة لموت الجزائر ّ‬ ‫ي‪ .‬شا ّ‬ ‫ل نهارًا ليستطيع بسرعة إعالة أمه وأخويه‪ .‬أن تحفر بنفسك قبرك وتتمدد فيه بملء إرادتك‪.‬تصور مسكنًا أمنيًا دون هاتف‪ .

‬‬ ‫الن وقد أصبحت لغيري‪ .‬فقد أصلح أن أكون لها عشيقًا‪ .‬مرضاة‬ ‫لهم حتى ل يقتلوه أمام صغيره‪ .‬يدّللها‪ .‬وجميعنا يملكه إلى حين‪.‬مرًة أن تقّبل أمه عنه‬ ‫ي وأن توصيني بعد الن‬ ‫وأن تطلب منها أن تسامحه وأن تدعو له بالرحمة‪ .‬رج ً‬‫مدخول من الجثث ينهبون وطنًا والناس يموتون‪.‬كقسنطينة‬ ‫شط شعرها وتمّد من علّو عرشها حديثًا مع النجوم‪.‬ومرة أن تعتذر لزميل له استدان منه ما ً‬ ‫الجمارك‪.‬وتليني إليه أخرى‪ .‬‬ ‫الفضل كان أن نستشير الشياء‪ ..‬‬ ‫كان جسده مخرمًا‪ .‬كان يوصي امرأته كل مرة بشيء يتذكره‪ .‬وإذ به لم يشتر بذلك الباب سوى تمديد لعذاب موته‪ .‬‬ ‫أتساءل الن ‪ .‬فما أنا إل يد في حياة كل شيء‬ ‫أمتلكه‪ .‬مع ن يريدون أن‬ ‫يذهبوا‪ .‬‬ ‫وهنا رأيت زيان يدمع لول مّرة‪:‬‬ ‫ل على حاجته يوصي امرأته في ظرف كذاك برّد دينه بعد موته‪ .‬ل زوجًا ساديًا يعود ك ّ‬ ‫ألم يقل عبد الحق متحسرًا على قدر قسنطينة " هذه أنثى أكثر فتنة من أن تكون امرأة لحد‪.‬ول كان لد ّ‬ ‫ذهبت مباشرة نحوها هي‪ .‬‬ ‫ما استطاع أن يحمل ابنه ذا السنوات الثلث بين ذراعيه المرتجفتن‪ .‬صار لي الدور الجمل‪ .‬بينما سادة لهم‬ ‫ تصور‪ .‬‬ ‫الجالسة منذ ‪ 25‬قرنًا في حضن التاريخ‪ .‬ومرة أن تسّلم عل ّ‬ ‫ل‪ .‬طالبًا منها سداده إن هي حصلت على " دية" من‬ ‫بابنه‪ ..‬لنه وحده من يشتهيها!‬ ‫أكان في مقدوري تفادي هذه الخسارة؟ بإمكاني أن أؤجلها فقط‪ .‬سحبوه خارج البيت وأطلقوا عليه واب ً‬ ‫لصبر الموت الذي أهين أمام ذلك الباب المحكم لربع ساعات ونصف‪.‬أم من يراها؟ ملك من يحبها؟ أم من يملك المال فيشتريها؟ وماذا لو‬ ‫كانت لمن خسرها‪ .‬فهل تنتمي اللوحات أيضًا إلى مؤسسة الخاتم والصبع؟‬ ‫هل هي ملك من يمتلكها‪ .‬وتلتحق بمن تحب‪.‬‬ ‫كما عندما كنت أذهب إلى مواعيد حياة‪ .‬تسبقني إليه يد‪ .‬مع أمهم؟ أم مع أبيهم؟‬ ‫ن في حق الشياء‪ .‬‬ ‫وقفت أتأملها‪ .‬شعرت أنني أذهب إلى موعد مع امرأة أصبحت متزوجة من غيري‪.‬تم ّ‬ ‫ل بالقبل كي‬ ‫كان يلزمها عشيق يتغّزل بها‪ .‬ليعرف كيف عليه أن يتصرف؟‬ ‫ماذا ينقذ قبل أن يفتح الموت عليه الباب؟‬ ‫ي‪.‬ألم يكن زيان‬ ‫يريد فقط أن يوحي أن وراء كل باب موت مترّبص‪.‬كأنني أعتذر لها لنني ما استطعت أن أحتفظ بها‪ .‬فجلس منهارًا على كرس ّ‬ ‫بينما كان ابنه متمسكًا برجله‪ .‬كان منهارًا على ركبتيه‪ .‬ازداد القتلة عصبية وازداد وعيدهم بالتنكيل به‪.‬ويحّني قدميها المتدليتين في الوديان‪ .‬من أين تأتيه شجاعة‬ ‫هو الذي كل ما فيه كان يرتجف‪ .‬‬ ‫ي الوقت لفتح حوارًا مع كل لوحة على حدة‪.‫فيرد القلب خلف الباب بالدعوات عسى يحميه رب البواب‪ .‬‬ ‫ وكيف ُقتل سليم؟‬‫ على الثالثة والنصف فجرًا نجح الموت في خلع الباب‪ .‬‬ ‫ما كان في القلب متسع لمزيد من اللم‪ .‬إن كان مفتاح شيفرة هذه اللوحات يوجد في قصة رجل وضع كل مّدخراته في‬ ‫تصفيح باب ليرّد عنه الموت‪ .‬لم يشفع له نحيب زوجته ول عويل‬ ‫صغيره ول جاء أحد لنجدته من الجيران‪ .‬كما يستشير القاضي عند الطلق الطفال‪ .‬‬ ‫فكلما تقدم الوقت وازداد الموت اقترابُا منه‪ ..‬وبعد أن مات سليم أكثر من مرة‪ .‬‬ ‫ل شيء‪ .‬راح يتضرع‬‫ل من الرصاص‪ .‬ل سمع البوليس ول سمع ال برغم الصوات المدّوية‬ ‫لللت التي كانوا يفتحون بها الباب‪ .‬الخائف من كل شيء وعلى ك ّ‬ ‫الضعف ليفتح الباب ويرتاح؟ من أين تأتيه الحكمة لحظة خوف‪ .‬‬ .‬ويقتتلون عليه‪.‬أصبحت معركتنا في اليام اللحقة مع السمنت الذي تشّبث بدمائه‪..‬يغطيها لي ً‬ ‫ل مساء بمزاج سيء فيتشاجر معها ويشبعها ضربًا!‬ ‫تنام‪ .‬أل يكون لها حق اختيار مالكها؟ كم من المشاكل كانت ستحل لو أننا بدل‬ ‫ي تج ّ‬ ‫أ ّ‬ ‫استفتاء البشر‪ .‬كأنني بطول النظر إليها أحاول‬ ‫اغراءها بأن تلحق بي " خطيفة" كما تهرب عروس ليلة زفافها ‪ .‬استفتينا ما يختلفون حوله‪ .‬بدأ يستعد لموته الخير‪.

‬اللوحة التي رسمها زيان بقلبه‪ .‬كي نؤمن تذكرة شح ٍ‬ ‫ن‬ ‫لرفاتنا‪ .‬بيكاسو كان‬ ‫يقول" أذهب إلى المرسم كما يذهب المسلم إلى الصلة‪.‬حتى نعود إلى ذلك الوطن الذي ما كان ليوجد لول تلك الفكرة المخادعة!‬ ‫كنت أفكر ‪ :‬ماالذي جعل هذه اللوحة هي الهم دون غيرها لدى زيان؟ لم أجد جوابًا إل في قوله‬ ‫ذات مرة‪ ":‬نحن ل نرسم لوحاتنا بالشيء نفسه‪ .‬‬ ‫إذن من أجل فكرة‪ .‬ومن كل قلبه قصد أن يتمدد عليها كجسر ويخلد إلى‬ ‫النوم‪.‬بل أنا الذي مسخت جسرًا‪ .‬جغرافية التشرد الوجداني علمتني أن أرسك بخطاي‪ .‬تاركًا حذائي عند الباب"‪ .‬ل من أجل أرض‪ .‬نحارب ونموت ونفقد أعضاءنا ونفقد أقرباءنا وممتلكاتنا‪.‬إذن‪ ..‬كنساء قسنطينة‪ .‬أنا ل أدخل‬ ‫اللوحة إل بأتربة حذائي‪ .‬وأنكروا‬ ‫وأكثر أسطورة من أن تحبل بك ّ‬ ‫عليها أن تتململ انزلقًا لحظة اغتصاب"‪.‬لكأنها تقول لمن‬ ‫توقف عندها‪ " :‬ل تطرق كل هذا الطرق‪ ..‬الذي ينظر إليك تلك النظرة المخترقة‪ .‫ل هذه الجنة العشوائية‪ .‬فكيف أوثقوها إلى هذه الجبال‪ .‬خلعته وارتدت ثوبها الكثر بياضًا‪.‬‬ ‫هو الذي كان يعكس أسئلته جسورًا وأبوابًا‪ .‬هذا‬ ‫المعرض هو خريطة ترحالي الداخلي‪ .‬‬ ‫كانت‪ .‬لماذا أنت ملفوفًا بكل هذا البياض؟‬‫ لن البيض خدعة اللوان‪ .‬‬ ‫بها بدأت وانتهت قصة العجوز والجسر‪ .‬‬ ‫هل الوطن تراب؟ أم ما يحدث لك فوقه؟‬ ‫أنسجن ونشرد ونغتال ونموت في المنافي ونهان من أجل فكرة؟‬ ‫ومن أجل تلك الفكرة التي ل تموت حتى بموتنا نبيع أغلى ما في حوزتنا‪ .‬أكثر جبنًا من أن تحسم قدرها‪ .‬وكانت من‬ ‫ذلك النوع من اللوحات‪ ...‬تصورته كلما توقف أمام لوحة يجيب بجديته العابثة‬ ‫على سؤال لها‪:‬‬ ‫ لماذا توقفت عن الرسم؟‬‫ لنسى ‪ " .‬‬ ‫أكان يلزم زيان عمر آخر ليدرك أن هذا الشيء الذي رسمه منذ أكثر من ثلثين سنة‪ .‬منذ زمان توقفت‬ ‫عن رسم الشياء بيدي أو بقلبي‪ .‬ذلك أن " الوطن ليس مكانًا على الرض إنه فكرة في‬ ‫الذهن"‪.‬أن تغّير‬‫فستانها السود‪ .‬حتى إنها ذكرتني بـ"‬ ‫ماغريت" حين رسم غليونًا وسّمى لوحته " هذا ليس غليونًا"‪..‬فتتحول أمامها بدورك إلى لوحة‪.‬بكل ما علق بنعلي من غبار التشرد‪ .‬أن ترسم أي أن تعترف بحقك في الخطأ‪.‬‬‫ يا سيد السواد‪ .‬يوم طلبوا من ماري أنطوانيت وهم يقودونها إلى المقصلة‪ .‬أنت ل ترى على اللوحات إل آثار نعلي‪ .‬كانت‪ .‬‬ ‫في لحظة ما‪ .‬رجل عاش في مهب الجسور‪ .‬‬ ‫كّنا أنا وهي في مناظرة صامتة‪ .‬‬ ‫ل تلك البطولت في ح ّ‬ ‫ نادم لني ارتكبت ك ّ‬‫ ماذا نستطيع من أجلك نحن لوحاتك المعلقة على جدار اليتم؟‬‫‪ -‬متعب! اسندوني إلى أعمدة الكذب‪ .‬ما كان‬ ‫جسرًا ول امرأة ول مدينة ول وطنًا‪ .‬‬ ‫ أمشي في بلد ونعلي يتح ّ‬‫ ولماذا حزين أنت؟‬‫ق نفسي‪.‬حتى أتوهم الموت واقفًا!‬ .‬‬ ‫ لماذا أنت على عجل؟‬‫سس تراب وطن آخر‪.‬له الريح كلها وكل هذه‬ ‫البواب المخلوعة التي تؤثث الجدران في غيابه وتعبث بها الريح في المساء‪ ...‬أرسم"‪.‬بدت لي كأنها ما عادت جسرًا‪ .‬ما عاد الرسام هنا"‪.‬أن ترسم يعني أن تتذكر"‬‫ لماذا تخليت عن اللوان المائية؟‬‫ لن اللوان الزيتية تسمح لك بتصحيح أخطائك‪ .‬كل لوحة نرسمها بعضو فينا"‪ ..

‬أحب‬ ‫أن أجلس إلى مائدة الخسارات بكل ما يليق بها من احتفاء‪ .‬عدت إلى البيت محم ً‬ ‫الجميلة هدية لفرانسواز‪.‬ك ّ‬ ‫في اللم‪ .‬‬ ‫فوجئت فرانسواز بحمولتي وهي تفتح لي الباب‪ .‬أنا الذي لم يكن لي وقت لستمع إلى شيء عدا نشرات الخبار‪.‬وأقلي صحنًا من "‬ ‫النقانق" التي اشتريتها قبل يومين من جّزارة " حلل" ‪ .‬‬ ‫جلت التصال به إلى اليوم‪.‬إمعانًا منك‬ ‫كنا في أعياد نهاية السنة‪ .‬وبقارورة عطر ملفوفة بكثير من الشرائط‬ ‫مساًء ‪ .‬الذي انتهى أمره بالنسبة لي‪ .‬إذا كان الدسم هو‬ ‫عدوي الول! وأين هي عداوة الزيت‪ .‬ومؤامرة السّكر‪ .‬‬ ‫ل شيء كان يذكرك بذلك‪ .‬وبدا متأ ّ‬ ‫خبر زّفه لي‪ .‬ذلك التهكم المستتر‪ .‬أح ّ‬ ‫أن أدفع باللحظة إلى أقصاها‪ .‬في خضم هذه الحزان؟‬‫ل شيء‪.‬عليك أن تنفق ما بقي من ثمن تلك التذكرة في تبضع مبهج‪.‬فقد أصبح موت زيان قضيتي وحدي‪.‬سألته متعجبًا‪:‬‬ ‫ أَوليس التدخين ممنوعًا في المستشفى؟‬‫رّد مبتسمًا‪:‬‬ ..‬أن أستمع إلى‬ ‫موسيقى جميلة‪ .‬وحتى ل ينقل ناصر‬ ‫ي قدسية حزني‪ .‬أن أحتسي نبيذًا فاخرًا‪ .‬أتدري أن زيت القلّية عدوك الول؟‬‫ابتسمت‪ ...‬‬ ‫طمأنتها‪:‬‬ ‫ نعم‪ ..‬الدنيا بنت الكلب تّدي الغالي وتخّلي الرخيص‪ .‬ودسائس‬ ‫الملح‪ .‬كيف لي أن أرتب سلم العداوات‪ .‬ثم واصلت‪ :‬هذا العطر لك‪.‬ومكيدة الزبدة‪ .‬‬ ‫الخبر إلى حياة فتفسد عل ّ‬ ‫صاح ناصر من هول الخبر‪:‬‬ ‫ إّنا ل وإّنا إليه راجعون‪ .‬إحساس عص ّ‬ ‫ي‬ ‫ب في الحالتين‬ ‫على الدراك ينتابني دائمًا‪ .‬قلت " ل أعتقد"‪ .‬بإمكانه أن ينزع وهم التضاد بين الموت والحياة‪ .‬من غدر الصدقاء وحسد الزملء وظلم القرباء ونفاق الرفاق ورعب الرهابيين ومذلة‬ ‫الوطن؟ أليس كثيرًا كل هذه العداوات على شخص واحد!‬ ‫تذكرت زيان يوم طلب مني أن أغلق باب غرفته كي يشعل سيجارة‪ .‬وأنت الذي ل تملك ثقافة الفرح‪ .‬وكنت أ ّ‬ ‫حتى ل أجدني مضطّرًا إلى الحديث مع مراد‪ .‬طلبت ناصر لخبره بوفاة زيان‪ .‬كان سيد الرجال‪.‬كان هذا أجمل‬ ‫قال إنه سيأتي طبعًا‪ .‬كان يبان ل بأس‬‫عليه‪ .‬كم في هذا الصحن من مواد دسمة‪ .‫***‬ ‫ل بزجاجة خمٍر فاخرة‪ .‬‬ ‫سفا لغياب مراد الذي سافر قبل يومين إلى ألمانيا‪ .‬‬ ‫أخبرته أن الجثمان سينقل غدًا إلى قسنطينة وأننا سنكون في المطار عند السادسة مساءًا ‪ .‬سألني إن كان سيحضر أحد من السفارة‪ .‬فلتناقضاته الغريبة يصّر الجزائري حتى‬ ‫ل يتناول معه إل اللحم الحلل!‬ ‫وهو يحتسي نبيذًا أ ّ‬ ‫قالت فرانسواز وهي تراني أضع الصحن على الطاولة‪:‬‬ ‫ يا إلهي‪ ..‬رغبة في أن أعيش تعاسة خالصة أو سعادة مطلقة‪ .‬وغدر السجائر‪ .‬‬ ‫قبل أن أجلس إلى كأسي‪ .‬فقصدت المطبخ أعّد سلطة‪ .‬قال " موعدنا إذن غدًا"‪.‬‬ ‫ ليس أمامي إل اليوم لشكرك على ك ّ‬‫قّررت لليلٍة أن آخذ إجازة من المآسي بما يقتضيه الموقف من تطّرف الحزن‪ .‬‬ ‫وحدها تلك السخرية‪ .‬يا خويا مش معقول كنت معاه غير هاذ الجمعة‪ .‬أن أطهو حزني بكثير من بهارات الجنون وتوابل السخرية‪ .‬إن كان‬ ‫يريد أن يقرأ الفاتحة على روحه‪.‬سألتني إن كنت أحضرت التذاكر‪.‬‬‫قالت وهي تقبلني‪:‬‬ ‫ شكرًا‪ .‬‬ ‫كانت فرانسواز أثناء ذلك طلبت بيتزا إلى البيت‪ .‬كيف فّكرت في هدية‪ .‬وأين أضع أعدائي الخرين إذن‪ .‬الربح‬ ‫والخسارة‪.

‬صوته ذاك‪ .‬أغنية كمكّعبات الثلج‪ .‬فالعضاء تساوي ما يساويه أصحابها‪.‬وعليك انخّلي أولد عرشي يتامى"‪.‬التي تصّر وزارة الصحة على تحذيرك من تعاطيها‪ .‬وتذبحك فيها الكمنجة ذهابًا وإيابًا‪ .‬أن أحيط نفسي بالموسيقى والكتب واللوحات‬ ‫والنبيذ الجيد‪ .‬والهم من‬ ‫ل‪.‬استأذنت فرانسواز في سماعها‪ .‬وحدها لم تكن ترى نجومه!‬ ‫أكثر من فّنه‪ .‬هي المتهم الول في كل أغاني الح ّ‬ ‫ل الجرائم العشقية عبر التاريخ‪.‬تعّلمت أن أستعيض عن الناس بالشياء‪ .‬كان يأتي في كل‬ ‫جلت عليها‬ ‫مناسبة ملتبس الضاءات في جملة‪ .‬إنها واضحة في تعاملها معك‪ .‬ولذا كّلما تقّدم‬ ‫بي العمر‪ .‬أية لغة‪ .‬كما يتلف السجائر لمتعة إشعالها‪ ..‬ول أن تكون جبانًا في‬ ‫السابعة والستين من عمرك‪ .‬وحدهم الشخاص مضّرون‪ .‬‬ ‫يدّربك على ف ّ‬ ‫وقفت أبحث عن أغنية تناسب مزاجي‪ .‬كانت تنقص كأسي‪ .‬ألذا ل تفارقه الرغبة في إضرام النار؟‬ ‫رج ً‬ ‫قال متهكمًا‪:‬‬ ‫ ل تصدق أن الشياء مضرة بالصحة‪ .‬لن تكون له وجاهة ضابط فقد‬ ‫ذراعه في معركة من أجل الستيلء على الوطن‪ .‬‬ ‫هذا أنها ل تنافقك ول تهينك ول يعنيها أن تكون زّبال أو جنرا ً‬ ‫واصل ساخرًا‪:‬‬ ‫ل في فرنسا فقد ذراعه بعدما علق قّفازه في أسنان مكبس الشاحنة‪ .‬أحّبها وتخّلت عنه‪.‬يحدثني عن‬ ‫قناعات سكن فيها مع العمر‪.‬‬ ‫رجل مات وترك لي صوته‪ .‬‬‫شعرت أن ل عجب في تشابه حياة بهذه المرأة التي يبكيها الفرقاني‪ .‬لكنني قلت بمجاملة‪:‬‬ ‫جه فيها المغني لمرأة قاسية‪ .‬كانت ملى‬ ‫بأعقاب سجائر تكاد تكون كاملة‪ .‬لكن كما قال أمل دنقل لطبيبه وهو على سريره الخير‪ُ ":‬‬‫القانون ليخترق"‪ .‬بين غيوم اللغة وصحو الصمت‪ ..‬لكأن كل أغنية في العالم أّيا‬ ‫ب‪ .‬فهي على القل ل تكيد لك‪ .‬‬ ‫الجنرال أنطونيو لوبيز دي سانتانا الذي حكم المكسيك حكمًا دكتاتوريًا ثلث مّرات‪ ..‬ذلك أن الحزن في هذه الحالت كالطرب ل يكون إل‬ ‫عربّيا‪.‬هو ل يبكي ول يشكو سواها‪ .‬‬ ‫سألتني عن كلماتها‪ .‬وهو ممدد في ذاك السرير مربوطًا إلى أكسير الذاكرة‪ .‬‬ ‫ن إزالة خدع الحياة الفّتاكة وألغامها‪.‬أية‬ ‫كلمات‪ .‬كأنه لم يسحب منها سوى َنَفس‬ ‫واحد‪.‬كحرائق أخمدت على عجل‪ .‬‬ ‫كان يبدد الحياة‪ .‬نحن لسنا متساوين في العاقة سوى أمام الشياء‪ .‬كنت أريدها‬ ‫عربية‪ .‬تحمل كّما كافيًا من الشجن لتقول بها‪:‬‬ ‫ " آآآه يا ظالمة‪ .‬فبين ذراع الزبال وساق‬ ‫جل الخشبية‬ ‫الجنرال فرق خمس نجوم‪ .‬أقام جنازة‬ ‫رسمية مهيبة لساقه اليمنى التي فقدها في ما يسمى حرب الفطائر‪ .‬‬ ‫ي‪ .‬ثم أنت ل تستطيع يا رجل أن تعيش وتموت مطيعًا‪ .‬ما كان في المنفضة من وجود لعواد ثقاب‪ .‬يتقّدم ككاسحة أوهام‪..‬بل يعادل ارتكاب جريمة‪ .‬ما كانت لي رغبة في أن أشرح لها الغنية‪ .‬وقد يلحقون بك من الذى‬‫أكثر مما تلحق بك الشياء‪ ..‬وسعادتي اليوم تكمن في تلك الشرطة التي س ّ‬ ‫جلسات حواراتنا‪ .‬الجاني في كل فيلم عاطف ّ‬ ‫سألتني فرانسواز‪:‬‬ .‬الخائن دومًا‬ ‫كان من يغنيها‪ .‬ذلك أن صوته لم يفارقني‪ .‬بينما‬ ‫ قرأت منذ مّدة أن زبا ً‬‫كان يحاول دفع النفايات الضخمة بيده بعيدًا في جوفها‪ .‬فكرت أن هذا الرجل الذي فقد ذراعه في‬ ‫معركة الحياة "القذرة" وهو ينازلها للحصول على لقمة نظيفة‪ .‬كانت حكمة ذلك الرجل هي ما يذهلني‪ .‬وتخاف سيجارة!‬ ‫تأملت يومها منفضته المخبأة في جارور الطاولة الصغيرة القريبة من سريره‪ .‬إن‬ ‫ل بيد واحدة ل يمكن أن يستعمل علبة كبريت‪ .‬‬ ‫ إنها أغنية يتو ّ‬‫كيف أترجم لها أغنية تحيك لك مؤامرة بكاء‪ .‫خِلق‬ ‫ طبعًا‪ .‬ول تغدر بك‪ .‬يوم كان‪ .‬فالّر ْ‬ ‫التي كانت تحمل ذلك الجنرال‪ .‬وبإمكانك إلباسها ك ّ‬ ‫في كل قصة‪ .

‬‬ ‫ل‪ ..‬‬ ‫على ك ّ‬ ‫قالت فرانسواز‪:‬‬ ‫ ل تقلق‪ .‬يحكى أنها لفرط إحساسها باليتم‪ .‬على كثرتنا‬‫أمة يتيمة‪ .‬كان يكفي أن تتصل كارول هاتفيًا بأحد زبائنها وتخبره‬ ‫أن الرسام مات ‪ .‬‬‫ردت كأنها تجاملني‪:‬‬ ‫ قد يكون هذا الحزن سر رومنطيقية العرب وتمتعهم بذلك السخاء العاطفي‪.‬وأطلقت على عطرها‬ ‫الول الرقم الذي كانت تحمله في دار اليتام التي ترّبت فيها‪ .‬أتدري أن الرواق قد باع تلك اللوحة بـ ‪ 50‬ألف فرنك؟ كسب ‪ 20‬ألف فرنك من‬‫دون حتى أن تتحرك اللوحة من مسمارها‪ .‬درجوا على تبييض سمعتهم بالتسابق إلى شراء كل ما يعرض لكبار المبدعين‬ ‫الجزائريين‪ ."5‬وفهم من كلمها أنها لم تكن ترتدي شيئًا‪.‬‬ ‫ يا إلهي من أين لك هذه المعلومات؟‬‫قلت مازحًا‪:‬‬ ‫ هذه يا عزيزتي ثقافة اليتم‪ .‬بل في جعلها‬ ‫من اليتم عطرًا ومن الرقم اسمًا‪.‬‬ ‫قلت بغضب‪:‬‬ ‫ن لم يستطع صاحبه التعّيش‬ ‫ مكر سماسرة الفنون‪ .‬الناس مشغولون بالعياد‪ .‬أن‬ ‫تميز يتيمًا من بين أربعين شخصًا‪ .‬‬‫ثم واصلت بتذمر‪:‬‬ ‫ بالمناسبة‪ ..‬‬‫طر‬ ‫ هذا أمر ل يعرفه الكثيرون‪ .‬حتى عندما نجحت كوكو شانيل واشتهرت‪ .‬ما كنت قبل اليوم لصدق ُيْتم اللوحات‪.‬كانت تملك القدرة عند دخولها أي مكان‪ .‬ليصنعوا ثروتهم من ف ّ‬‫منه‪ .‬‬ ‫مرعب ذلك الحساس الذي تخّلفه في قلب أي ناظر إليها‪ .‬ليس دائمًا‪..‬قد فاجأني هذا الحساس اليوم وأنا أدخل الرواق‪ .‬أن يكتشف ُيْتم تلك اللوحة بين كل اللوحات‪.‬إن معجزة شانيل ليست في ابتكارها عطرًا شذّيا‪ .‬كان بإمكان‬ ‫أي زائر للمعرض بدون أن يمتلك هذه الحاسة‪ .‬ليتضاعف السعر‪.‬لم أكن أعرف هذا‪.‬اليتيم كما يقول زّيان ل يشفى أبدًا من إحساسه‬ ‫بالدونية‪ -‬واصلت بعد شيء من الصمت‪ -‬العطر الذي أهديتك إياه " شانيل رقم "‪ "5‬دليل على‬ ‫ذلك‪ .‬ينتظرون موت الرسام‪ .‬وقد انتفخت حساباتهم بالمال‬ ‫المنهوب‪ .‬‬ ‫قالت فرانسواز مندهشة‪:‬‬ ‫ عجيب‪ .‬لحظي بساطة القارورة في‬ ‫ي نقوش أو فخامة أو طلء‪ .‬‬‫قلت متهكمًا‪:‬‬ ‫ سخاؤنا العاطفي يا عزيزتي سببه يتمنا ل حزننا‪ ..‬ول أن يضمن به موتًا كريمًا‪.‬‬ ‫خطوطها المربعة دون أ ّ‬ ‫حتى أنه ل يحمل اسمًا ‪ .‫ل الغاني العربية حزينة هكذا؟‬ ‫ أك ّ‬‫أجبتها كمن ينفي تهمة‪:‬‬ ‫ ل‪ .‬والكثيرون لم يسمعوا بموت زيان بعد‪.‬‬ ‫سألتها بفضول‪:‬‬ ‫ من اشتراها بهذه السرعة وبهذا الثمن؟‬‫كنت أتوقع أن يكون المشتري أحد أثرياء المهجر الجزائريين الذين‪ ...‬نحن ‪ .‬حتى إنها عندما سئلت مرة " ماذا ترتدين للنوم؟" أجابت " بضع قطرات من شانيل رقم‬ ‫‪ .‬ماكان في المعرض زوار ليلحظوا ذلك‪.‬ذلك أن اليتم عاٍر وشفاف إلى ذلك الحد‪.‬وإنفاقه ثقافة"‪ ..‬وربما لم تكن تعرفه حتى مارلين مونرو التي كانت ل تتع ّ‬‫بغيره‪ .‬مذ تخّلى التاريخ عّنا ونحن هكذا‪ .‬وقد سمعت أحد هؤلء يقول مرة في مجلس مبررًا ولعه المفاجئ بالفن " إن كسب المال‬ ‫موهبة‪ .‬لم تشف من عقدة يتمها‪ .‬بل رقمًا‪ .‬لأكثر سخاًء من اليتامى‪ .‬فل أرى غير أحدهم بإمكانه أن يدفع خمسين ألف فرنك لشراء لوحة تعرض عليه‬ ‫بالهاتف‪ .‬ثم واصلت بنبرة أخرى‪ :‬أحدثك عن مارلين مونرو لنني تذكرتها‬‫اليوم في المعرض‪ .‬أثبت بما اختلس من أموال أنه " موهوب" لم يبق عليه إل أن يثبت بما‬ ..

‬رسام يهودي قسنطيني يعتبر أحد وجوه الفن التجريدي‪ .‬لنها بيعت قبل وفاة زيان‪.‬عليك أن تنتظر فقط‪ .88‬‬ ‫ل أصعب على فنان من أن ل يجد في آخر عمره أحدًا يطمئن إليه‪ .‬‬ ‫حتمًا سمعت بأطلن‪ .‬قالت‪:‬‬ ‫ في سوق الفن‪ .‬بعد أن‬ ‫انقرض أهلها في الحروب العبثية‪ .‬أو مات‪.‫يقتني أنه مثقف!‬ ‫غير أن فرانسواز فاجأت كل توقعاتي وهي تقول‪:‬‬ ‫ إنه فرنسي ثري من ذوي " الرجل السوداء" يملك لوحات نادرة منها مجموعة من لوحات "‬‫‪ .‬إذ كانوا ينتعلون أحذية سوداء‬ ‫سميكة أثناء إشرافهم على المزارع و الراضي‪ .‬ول وجدتني مرغمًا على تسليم مفاتيح غرناطة‪ .‬أو أنهما درسا معًا أو شيئًا من هذا القبيل‪.‬إنه رجل يحب الفن ومعروف عنه هوسه بكل ما له علقة بقسنطينة‪...‬أما أخوه الوحيد فقد اغتيل منذ عشر سنوات في أحداث ‪.‬أرفض أن أربحك لساعات تذهبين بعدها لغيري‪ .‬فزيان كان يرفض في جميع الحالت بيعها ل ّ‬‫فيك لما باعها حتى لك‪ .‬‬ ‫ي من حزن قامت وجلست جواري تواسيني‪:‬‬ ‫ثم أمام ما بدا عل ّ‬ ‫ ل تحزن هكذا‪ .‬ول توقع أن يأتي يوم ل يبقى فيه لهذه اللوحة من قريب سواه‪ .‬أريد معك‬ ‫ي‪ .‬ما دمت اخترتها بنفسي‪.‬وبما يلزم‬‫من مال‪ ." Les orientalistes‬وأخرى لمحمد راسيم‪ .‬أنا لست بّقال الح ّ‬ ‫ربحًا مدمرًا كخسارة"‪.‬كتلك الجائزة التي مذ ربحتها وأنا أشتري بها‬ .‬‬ ‫لم أكن أدري أن أرباحًا فادحة تتوالد خساراتها‪ .‬ويأتمنه على أعماله‪.‬‬ ‫كنت ل أزال تحت وقع الدهشة عندما واصلت‪:‬‬ ‫ أخبرتني كارول أنه كان يريد أن يشتري لوحات أكثر لزيان‪ ..‬أثناء انشغال الناس بأعيادهم وقبل أن ينتشر‬ ‫خبر موت الرسام‪.‬أنا عاشق يف ّ‬ ‫الرباح الصغيرة ل تثريني‪ .‬وبشيء من الصبر‪ .‬ولكن لم يكن من حق الرواق بيع‬‫شيء بعد الن‪ .‬حتمًا هذا الثري ما توقع أن يواصل انتعال‬ ‫التاريخ أبًا عن جّد‪ .‬أظنه كان صديق‬ ‫طفولته‪ .‬‬ ‫سألتها وقد ضاع صوتي‪:‬‬ ‫أتعتقدين أن زيان كان سيبيعها له؟‬ ‫قالت‪:‬‬ ‫ي كان‪ ..‬‬ ‫لعلها لم تفهم كلمي‪ .‬أنت تحصل في النهاية على أية لوحة تريدها‪ .‬ولول إحساسه بالموت وثقته‬ ‫ ل أظن ذلك‪ .‬إشتهر بولعه بقسنطينة وبسجنه أكثر من مرة بسبب مساندته للحركات التحررية‪.‬لكنه ما وجد أحدًا ليورثه إياها‪ .‬‬ ‫قلت بتهكم الحسرة‪:‬‬ ‫ تدرين أن تسمية " الرجل السوداء" أطلقت على المعمرين الفرنسيين الذين أرسلوا للستيطان‬‫في الجزائر بعد الغزو الكولونيالي أوساط القرن التاسع عشر‪ .‬أظنه كان يود الحتفاظ بها لنفسه‪ .‬قلت لها‬ ‫مرة‪ ":‬ل يعنيني أن أمتلكك بالتقسيط‪ .‬فلم البكاء؟ إنها خسارات غير‬ ‫قابلة للشماتة‪ .‬‬‫زيان عندما عاد لول مرة إلى قسنطينة أحضر له أشياء صغيرة من هناك‪ .‬‬ ‫قلت وأنا أسكب شيئًا من الخمر‪:‬‬ ‫ حتمًا‪ .‬‬ ‫عندما كانت تزورني حياة لساعة أو ساعتين على عجل‪ .‬ابن‬ ‫أخيه اغتاله الرهابيون بطريقة شنيعة منذ سنتين‪ .‬ثم تعود مذعورة إلى بيتها‪ .‬المر قضية وقت ل غير‪ .‬يكفي أن تقتنص الفرصة‪ .‬وابن أخيه الخر اختفى قبل سنوات ويعتقد أنه‬ ‫التحق بالرهابيين‪ .‬عدا لوحتك أنت طبعًا‪ .‬أحيانًا تصادفك‬ ‫ضربة حظ وتستفيد من لحظة غفلة كما هذه المرة‪ .‬ما التاريخ إل نتاج لحظات الغفلة!‬‫ما كنت أبا عبد ال‪ .‬اشترى مؤخرًا لوحات لطلن عرضت للبيع‪.‬تلك‬ ‫ضل أن يخسرك بتفوق‪ .‬مات في‬ ‫الستينات‪ ..‬كان عليه انتظار أن ينتهوا من الجهاز على بعضهم البعض‬ ‫فيحظى بميراث كامل‪.

‬وستخوننا معًا‪.‬‬ ‫لّ‬ ‫ن لوحات رسمتها ذهبت إلى أيٍد لم تتوقعها‪..‬لذراعك التي كّلما تعّريت أخفيتها عن الخرين‪..‬أتدرين أن‬‫الطوارق يختارون أسماءهم بالقرعة‪ .‬كل خطيئة يحاسب عليها غيرك‬ ‫أنت مقترفها‪ .‬لو قرأتها لدرك ِ‬‫قالت بعدما عادت للجلوس جواري‪:‬‬ ‫ أنت ثمل أليس كذلك؟‬‫ تعتقدين هذا؟ لنني قلت لك الحقيقة؟ الحقيقة يا عزيزتي تؤخذ من هذيان السكارى‪ .‬‬ ‫ن جسورًا م ّ‬ ‫لّ‬ ‫ن أشياء سخيفة احتقرتها‪ .‬أنت من تسّلل إلى مخدعها‪.‬عندما أصبح كل ذلك الوقت‪ .‬ووطنًا عشقته تخلى عنك‪..‬في هذا المكان عينه‪ .‬ستعيش بعدك‪.‬وطنك؟( بإمكانك أن تذهب إليه على حسابك‪ .‬‬‫قالت محتجة‪:‬‬ ‫ ولنني لست كاترين‪.‬فعّما قريب سنواجه مطّبات شاهقة‪.‬‬ ‫ولن يوجد من يتنّبه لعطبك‪ .‬‬ ‫لّ‬ ‫نهضت فرانسواز نحو المطبخ حاملة صحون السفرة‪ .‬ما عدت معنيًا بالزمن‪ .‬كنت‬ ‫ترفض إغراء عاهرة إسمها الحياة‪ .‬‬ ‫الن وقد أصبح كل شيء خلفك‪ .‬أنت تعيش في منطقة عزلء من الزمن‪ .‬‬ ‫ارقص‪ .‬بعد الن‪ .‬ناديتها وأنا أرفع بعض الشيء من موسيقى‬ ‫زوربا‪:‬‬ ‫ أرجوك كاترين‪ .‬كل امرأة تحبل‪ .‬‬ ‫الرقص كثيرًا يا صديقي‪ .‬أنت أكثر حكمة من أي وقت مضى‪ .‬‬ ‫تراب يحتفي بك‪ .‬‬ ‫ليست هنا لتدّلك على الوقت‪ .‬فارقص غير معن ّ‬ ‫ل تقل تأخر الوقت‪ .‬‬ ‫الن وقد أصبحت جزءًا من هذا الخراب الجميل الذي ل يشبه شيئًا مما عرفت‪ .‬أنا الذي جئت فرنسا لستلم جائزة‪ .‬‬ ‫تراب كنت تتوق إليه‪ .‬ففي ضيافة الديدان تتساوى الجساد يا صديقي‪.‬بل لتضع رفات الوقت بيننا‪.‬ل جدوى من أناقتك‪ .‬‬ ‫لّ‬ ‫سان سيكون قريبًا منك بعد الن‪.‬‬ ‫لم يعد بإمكانك أن ترسمها‪ .‫خساراتي‪.‬ل ّ‬ ‫ن بيتًا كان لك قد صار لسواك‪.‬‬ ‫انتهى الن كل شيء‪ .‬ترى الشياء بوضوح‪.‬‬ ‫نحّ‬ ‫لّ‬ ‫ن أولده الذين رّبيتهم سقطوا في خندق الكراهية ولن يكونوا في جنازتك‪..‬أكان‬ ‫القدر قد جاء بي‪ .‬‬‫أجبتها بنبرة مازحة‪:‬‬ ‫ت أنني أنا أيضًا لست خالد‪.‬‬ ‫ف بكلمي‪:‬‬ ‫واصلت أمام اندهاشها المستخ ّ‬ .‬‬ ‫أيها الحمق‪ .‬كبطل‬ ‫إغريقي مشّوه في تلك الليلة التي تخّلى فيها عن أكثر لوحاته لفرانسواز وذهب ليدفن أخاه‪.‬فقط لكون اليد التي تسّلم لوحة وتستلم جثمانًا؟‬ ‫وضعت موسيقى زوربا وجلست أشرب نخبه‪.‬ذاهب صوب التراب‪.‬ل جدوى من النظر إلى ساعتك‪.‬وكذلك أنا أصبحت خالد مصادفًة‪.‬فقم وارقص‪.‬كل حكمة يلفظها رجل أنت قائلها‪ .‬أنت لم تقرئي تلك الرواية‪ .‬وجئت اليوم تهدي جسد شيخوختك للحشرات‪.‬دون أن‬ ‫تستعد كعادتك قبل موعد‪ .‬ستحتاج إلى‬ ‫ي بأن تفسد سكينة الموتى‪.‬‬ ‫لّ‬ ‫ن قسنطينة التي عشقتها أشاحت عنك كما كانت اللهة الغريقية تزوّر عن رؤية الجثث‪.‬‬ ‫عم مساًء يا خالد‪.‬‬ ‫ن امرأة أحببتها خانتك معي‪ .‬رقص بين خرائبه بذراعه الوحيدة‪ .‬‬ ‫أعادني الموقف إلى زيان الذي‪ .‬وديدان أصبحت وليمتها تهزأ من نساء أحببنك وترفعت عن إمتاعهن‪ .‬‬ ‫ صحيح‪ .‬‬ ‫كم تمنيت أل أتماهى معه في هذا المشهد العبثي الخير‪ .‬تعالي للجلوس جواري‪ .‬أسميته وطنك‪) .‬كل ما ينسب لغيرك في الفسق أنت فاعله‪ .‬دخلت منطقة غياب اللوان‪ .‬‬ ‫لّ‬ ‫جدتها تنكرت لك‪ .

‬فاتحين ذراعيهما لحتضان العدم‪.‬ثّمة نعمة في أن‬ ‫تكون "ل أحد"‪ .‬‬ .‬فزوربا رقصة تصبح أجمل عندما‬ ‫يؤديها رجلن بعنفوان الخاسرين‪ .‬كما عندما تموت‪ .‬‬ ‫ ولكن ما اسمك؟‬‫ي‪ .‬ففي الرواية أيضًا نحتاج إلى استعارة‬ ‫أسماء ليست لنا‪ .‬إنهم في منتجع التاريخ‪.‬ما دمت تعرفين لقب فمي وكنية يد ّ‬‫عليك‪.‬تصبح سيد العالم‪.‬‬ ‫تدّبر رجلين لرقصتك الخيرة‪ .‬بعدها‬ ‫أقّلتني إلى المطار بسيارتها‪ .‬‬ ‫أما كنت تريد أن تكتب كتابًا من أجلها؟ ارقص لكتبه عنك‪.‬تعود فرانسواز غريبة‪ .‬ولكن تلك قصة أخرى‪ .‬فموعدها الخير مع زيان تّم في المستشفى‪ .‬في الواقع كان هذا‬‫اسمه في تلك الرواية‪ .‬ولكن ما السم المكتوب على أوراقك الثبوتية؟‬‫ ل أحب أن تكوني رجل بوليس يدقق في هوية عابر‪ .‬لنني أكون قد م ّ‬ ‫قّررت أن أضع ذراعي على كتف زيان ونبدأ الرقص سويًا‪ .‬إنها لعبة القنعة‬ ‫في كرنفال الحياة‪.‬انتهى الن كل شيء فارقص‪ .‬كما عوليس قريبًا أصبح العالم كله‪ .‬ك ّ‬ ‫عرضت علي أن تحضر مراسم رفع الجثمان‪ .‬أ ّ‬ ‫ل عليهم بأرقامهم‪ .‬أنا‬ ‫مستعارة نختفي خلفها من الرهابيين‪ .‬‬ ‫هيا زيان‪ .‬خالد بن طوبال ليس أنا‪ .‬وتعال من دون حذاء‪.‬وكنت أفّكر في بورخيس عندما يقول في نهاية كتابه " الخلد" "‬ ‫ت"‪..‬ك ّ‬ ‫انتحلت اسم بطل في رواية أحببتها‪.‬بينما أصبح هذا اسمي فس الحياة‪ .‬أقنعتها بعدم الحضور‪.‬إل عندما يأتي حاكم ويؤمم كل السماء‪ .‬‬ ‫ل للجميع‪ .‬‬ ‫برغم تلك العشرة‪ .‬فتطلق عليهم أسماء بعض المحارات البحرية أو اللهة اليونانية وأحيانًا أرقام‬ ‫ي قصاص أن تحملي اسمك قيدًا مدى العمر!‬ ‫ل غير‪ .‬‬ ‫كنت هوميروس وقريبًا أصير ل أحد‪ .‬أو يأتي الموت ويبعثرك‬ ‫في كل شيء‪.‬‬ ‫في الرقص كما في الموت ل نحتاج إلى أحذية!‬ ‫الفصل الثامن‬ ‫الموت يضع ترتيبًا في القرابات‪.‬لعبو الكرة يستد ّ‬ ‫يحملون أسماء مناطقهم‪ .‬عندما ترقص ‪ .‬المسؤولون يحملون أسماء وظائفهم‪ .‬يفرض فيها على الزبائن التخلي عن أسمائهم‬ ‫خلل فترة القامة‪ .‬‬ ‫ جميل‪ .‬الحكم عملية اختزال‪ .‫ في موسم قطف الرؤوس وحصاد القلم‪ .‬افترضي أننا التقينا في تلك المنتجعات‬‫السياحية البحرية التي من أجل بلوغ وهم السعادة‪ .‬فكّلما مّر شيء مني بك ترك إمضاءة‬ ‫ وماذا يغّير اسمي‪ .‬ل تتوفر لك‪ .‬ومضت لصبح‪ .‬أنا الموجود في‬ ‫ل أهله‪..‬وّدعتني بموّدة لم تكن يومًا حبًا‪ .‬المطربون ل يّغنون إل في جوقة‪.‬إنما زيان‪ .‬‬ ‫واصلت بعد شيء من الصمت‪:‬‬ ‫ إن شئت الحقيقة‪ .‬‬ ‫كان زوربا بدأ ينتفض رقصًا‪ .‬لكنني بذرائع دينية كاذبة‪ .‬النّواب‬ ‫أحسد سكان بلد عربية يعيش فيها الناس بل أسماء‪ .‬فشلنا نحن الصحافيين في العثور على أسماء‬‫ل اختار اسمه الجديد حسب ما صادفه من أسماء‪ .‬‬ ‫ارقص كي تسخر من المقابر‪.‬ولذا أثناء انتقالنا بين الثنين كثيرًا ما ل نعود ندري من نكون‪ .‬‬ ‫حياته مصادفة‪ .‬‬ ‫الموات لهم مقبرة جماعية يضع عليها الزّوار الرسميون إكلي ً‬ ‫اختزلوا أسماءهم جميعًا في اسم رجل واحد وارتاحوا‪ .

‬اكتشفت أنني فقدت القدرة على البكاء‪ .‬ل قبور آمنة في انتظاره‪ .‬يا إله العبور الخير‪ .‬‬ ‫يا إله الجسور‪ .‬ما‬ ‫بطيئة يل ّ‬ ‫أحببت ترف حدادها الفاخر‪.‬‬ ‫بشاعته مهندس أكبر‪ .‬‬ ‫يا إلهة السرة‪ .‬برغم البرد القارس‪ .‬رحت أشاطره البتسام‪.‬ويهرع عمال بثيابهم الزرق‬ ‫وقبعاتهم الصفر لجرها في عربات مكشوفة‪ .‬هو‬ ‫المتئد المتمهل‪ .‬فيهندس جماله أو‬ ‫ق هندسة خطى القدر‪.‬ل توقظه‪ .‬أحدهم نّبهني أن أقصد الجهة الخرى من القاعة‪ .‬عائدين بها كغنائم غربة إلى الوطن‪ .‬غرباء يحملونه على أكتافهم‪ .‬‬ ‫كان أمام الموت يفعل ما كان يفعله دائمًا أمام الحياة‪ :‬التهكم!‬ ‫وعندما لم أجد في العين دمعًا يليق بسخريته‪ .‬مما كان يحدث أحيانًا أصواتًا قوية‪ .‬وارتدت معطف فرو اقتناه لها أحد ق ّ‬ ‫طرق التاريخ‪.‬هو الواثق كالتأمل‪ .‬وكنت أريد لجمالية ذلك المشهد التراجيدي أل يفسده أحد‬ ‫علينا‪.‬إل أنها اليوم خلعت‬ ‫طاع‬ ‫مليتها السوداء التي ارتدتها حدادًا على صالح باي‪ .‬محمو ً‬ ‫وهو يبني جسرًا‪ .‬‬ ‫في حضرته‪ .‬من حرامات وطاولت ك ّ‬ ‫وسجاد وحقائب بؤس من كل الحجام‪ .‬‬ ‫ثّم جاء‪.‬كانت رفقة ناصر‪ .‬‬ ‫ل بكبرياء الخاسرين‬ ‫هاهم يأتون به‪ .‬‬ ‫وقفت في تلك القاعة المخصصة ليداع ما هو جاهز للشحن إلى كل الوجهات‪ .‬مثلها كان لها كل وجوه النساء ولها كل السماء‪ .‬مذ أصبح فيها البشر هم المتعة و الحمولة‬ ‫التي تسافر مختومة ومرقمة مع البضائع في جوف الطائرة‪.‫كنت أتوقع حضور حياة صحبة ناصر‪ .‬ل هّم للمهندسين إل العبور المين‪ .‬‬ ‫من يحاسب زوجة قرصان إن هي ارتدت شيئًا من غنائمه؟‬ .‬أكانت هي؟ تلك المرأة القادمة بخطىً‬ ‫ف شعرها شال من الموسلين السود‪ ..‬هي‪ .‬له جنازة تليق بسخريته‪ .‬عابر سرير هو حيثما ح ّ‬ ‫وأنت يا إله البواب‪ .‬ح ّ‬ ‫ل‪ .‬لتصبح "نجمة" فهل ليس في خزانتها معطف بسيط يليق‬ ‫بفاجعة كبيرة؟‬ ‫أقنعت نفسي بأنها لم تكن هي‪ .‬فقصدتها‬ ‫أنتظره‪.‬حتمًا كانت " نجمة"‪ .‬انصتوا لتهكمه وهو يعبر لوحته الخيرة‪ .‬حلمًا في تابوت من خشب‪ .‬إذن جاءت‪ .‬أكاد أصيح بهم " ل تسرعوا بنعشه فتتعثرون بضحكته"‪ .‬ولم يبق لي أمام الحزن إل ذلك النين‬ ‫الخرس للحيتان في عتمة المحيطات‪.‬‬ ‫ليشعر خالد الن ببرد أق ّ‬ ‫كان يكفيها معطف داكن ووردة حمراء‪ .‬مكّل ً‬ ‫يجيء‪ .‬‬ ‫قبل أن تقترب‪ .‬بعد وقوفي طوي ً‬ ‫ي وأحواض للورد وطناجر‬ ‫والمحّملين بكل أنواع الحمولت وأغربها‪ .‬في جهة منها‬ ‫كانت تتكدس الصناديق الضخمة التي تنقلها اللت نحو الطائرات‪ .‬كان يكفي أن تستغني عنه‬ ‫ل‪.‬ويترك جانبًا من‬ ‫القاعة مفتوحًا لمجرى هواء جليدي‪ .‬يجتاز‬ ‫س ل يدرون كم رسم هذا الممر‪.‬فأهده راحة سريره الضيق الخير‪.‬عاش عمره على سفر‪ .‬كما يجتاز جسرًا‪ .‬مرتدية معطف فرو طويل‪ .‬جاءت‪ .‬‬ ‫ل من أنا ٍ‬ ‫قدره من ضفة إلى أخرى‪ .‬يملك وحده ح ّ‬ ‫ق له أن يستريح‪.‬تلك الغريبة الجميلة الهاربة من القصائد‬ ‫والواقعة في قبضة التاريخ‪ .‬فل تدعهم يخلعون باب نومه‪.‬‬ ‫فجأة لمحتها‪ .‬‬ ‫ل في طوابير الحياء المتدافعين‬ ‫عندما انتهيت من تسجيل حقيبتي الصغيرة‪ .‬ذهبت إلى حيث ل‬ ‫طوابير بشرية تزاحمني وحيث كل شيء سقط متاع‪ .‬فّكرت أن معطفها يساوي أكثر من ثمن تلك اللوحة‪ .‬ل تستعجلوه‪ .‬أما العبور الجميل‪ .

‫كانت تتقدم ببطء ل يشبه خطوتها‪ .‬‬ ‫ي‪:‬‬ ‫أذكر يوم سألني بتهكم ذك ّ‬ ‫ خالد‪ .‬البنت التي لم تنجبها‪ .‬أما زلت خالد؟‬‫مثله أكاد أسأل المرأة ذات المعطف الفرو‪:‬‬ ‫ حياة‪ .‬‬ ‫واقفين كنا أمام أسطورة رجل عاد ّ‬ ‫رجل يدعى خالد بن طوبال‪ .‬‬ ‫ي ملهاة أن تكون شاهدًا عليه!‬ ‫ي مأساة أن تخلف شيئًا على هذا القدر من الفاجعة! أ ّ‬ ‫أ ّ‬ ‫ي‪ .‬كما في تراجيديا إغريقية‪.‬بل من أجله هو‪ .‬لم نكن نريد أن نشهده ميتًا‬ ‫على ما كان يعلمه حيًا‪.‬المرأة ذات معطف الفرو‪ .‬كان العسكر يأتون ك ّ‬ ‫يراهم أحد بعد ذلك أبدًا‪.‬‬ ‫هي الزوجة التي تحمل اسم عدوك‪ .‬بأحلم ذات أقدار ملحمية‪.‬‬ ‫ل إلى صدره‪ .‬العذراء بعد كل اغتصاب"‪ " .‬يقاد مع اللف إلى السجن‪ .‬التصقت دمعة على خّده بخدي‪ .‬تحاشينا أن تطول بيننا النظرات‪ .‬المرأة الجرح‪ .‬المغتصبة‪.‬‬ ‫ناصر الذي رفض أن يحضر زفافها‪ .‬‬ ‫ي قدر عجيب جاء به من ألمانيا‪.‬كأنه أصبح الطاهر عبد المولى‪ .‬وبهذا السم يعود إلى‬ ‫قسنطينة‪ .‬في المصادفة شيء من الفوضى ل يتقنها‬ ‫الموت‪.‬‬ ‫ولد حبها متداخ ً‬ ‫ذلك أن قصة " نجمة" في بعدها السطوري‪ .‬المشتهاة‪ .‬‬ ‫ليس من أجل ناصر‪ .‬أ ّ‬ ‫ك الساخر‬ ‫ليحضر جنازة خالد هنا في باريس! أكان لقاؤنا حوله آخر رغبة أراد أن يخطفها من الف ّ‬ ‫للموت؟‬ ‫موتًا مكثفًا في دّقته‪ .‬ولدت إثر‬ ‫مظاهرات ‪ 8‬مايو ‪ 1945‬التي دفعت فيها قسنطينة والمدن المحيطة بها أكثر من ثلثين ألف قتيل‬ ‫في أول مظاهرة جزائرية تطالب بالحرية‪.‬ابنة النسر البيض والسود" التي "‬ ‫يقتتل الجميع بسببها ولكنهم ل يجتمعون إل حولها"‪.‬كأنه هو أيضًا ما عاد هو‪ .‬كانت هكذا‬ ‫ملمح أبيه كما خّلدتها صور الثورة‪.‬ذكّيا في انتقاء شهوده‪ .‬لم تقل‬ ‫شيئًا‪ .‬‬ ‫نجمة المرأة المعشوقة‪ .‬‬ ‫ضّمني ناصر طوي ً‬ ‫وبكى‪ ..‬‬ ‫ل يوجد سوء ترقيم‪ .‬الم التي تخلت عنك‪ .‬كّنا نتبّرأ من ذاكرتنا العشقية‪ .‬مباغتًا في توقيته‪ .‬يوم كان في قسنطينة‪ .‬‬ ‫في حضرته‪ .‬عساها تخفي تردد أكفنا وارتباكها لحظة مصافحة‪.‬يوجد ما يسميه رنيه شار في إحدى‬ ‫قصائده " فوضى الدقة"‪ .‬الموت غّير اسمه وكشف أسماءنا‪.‬كانت أمه قد ُ‬ .‬‬ ‫عّرفني ناصر بأخته‪ .‬ول سوء تدبير في هذا العالم الجائر‪ .‬إنه الموت المشاغب الجبار‪ .‬الظالمة المظلومة‪ .‬حتى لكأنها ما كانت يومًا سوى الجزائر‪.‬مّدت يدها نحوي‪ .‬أما زلت حياة؟‬‫ذلك أنها مذ دخلت هذا المكان أصبحت " نجمة"‪.‬متزامنًا مع فجائعه‪ .‬كان أولى أن أعرفه بها‪ .‬قال كلمات في بياض الكوما‪.‬‬ ‫كان كاتب ياسين يومها في عامه السابع عشر‪ .‬‬ ‫المتوحشة‪ .‬بدا لي كأنه شاخ‪ .‬حتى لكأنه وصية‪.‬الفاجعة‪ .‬الوفية الخائنة‪ " .‬المقدسة‪ .‬‬ ‫ل مرة لصطحاب رجال لن‬ ‫وفي الزنزانة الكبيرة التي ضاقت بأسراها‪ .‬هي المرأة التي‬ ‫ل مع الوطن‪ .‬وآخرين يعدمون في‬ ‫الطريق بالرصاص‪..‬‬ ‫عندما غادر كاتب ياسين السجن بعد أشهر لم يجد بيتًا ليأويه‪ .‬كأحد أشهر قصص الحب الجزائري‪ .‬‬ ‫جّنت ظّنا منها أنه ُقتل‪.‬فمنذ اجتمعنا حوله استعاد اسمه الول‪ .‬وكان في طريقه إلى‬ ‫معتقله الول يرى شبابًا مكّبلين تجرهم شاحنات إلى عناوين مجهولة‪ .‬ألن قدميها المخضبتين بالحناء تعبتا؟‬ ‫منذ زفافها وهي تمشي كي تبلغ هذا الجثمان‪.‬‬ ‫أشك أننا كنا جميعنا هناك في ذلك المكان مصادفة‪ .‬مستخّفين بذكاء الموتى‪.

‬ذهب‬ ‫وُأدخلت إلى مستشفى المراض العقلية‪ .‬‬ ‫وهي‪ .‬يزيد من غرابته أن الرجلين كانا رجلي مسرح‪ .‫سين فوجد أنهما ُقِتل‪.‬وما كانت هي‬ ‫الروائية لتتوقع أنها مثل " نجمة" ستجد نفسها مصادفة تحضر المشهد الخير لموت رجل عشقها‬ ‫ورسمها كمجنون‪ .‬كان مصطفى كاتب الذي‬ ‫عرفته شخصيًا مديرًا للمسرح الوطني في السبعينات قبل أن يفتك به الداء‪ .‬لم أكتب سواها‪ .‬أكانت تدري أنها تهديه قدره‪ .‬فالنجم الوحد في مسرحية الموت‪ .‬‬ ‫لم تفارقني فكرة تطابق الموقفين‪ .‬أحبها ذلك الحب الول‪ .‬ولنه‬ ‫ل مكان للتصفيق‪ .‬ووحده الموت يوزع فيه الدوار‬ ‫ي مسرح ّ‬ ‫فما كان ليصدق أن النص الخير ل ّ‬ ‫على الناس بين متفرجين وممثلين‪ .‬‬ ‫لم يكن الممثلون هذه المرة على المنصة‪ .‬فسّلمته للغربة والشيخوخة والمرض‪.‬‬ ‫قسنطينية‪ .‬حتمًا سيعجبك" ماذا كان في كتاب "‬ ‫توأما نجمة" ما تريد إطلعه عليه‪ .‬كلّ يدور‬ ‫ل من مدينة ووضعهما متجاورين في قاعة‬ ‫في مجرته‪ .‬قصد الشاب بيت خاَلْيه المدّر َ‬ ‫ن الطاّمة كانت عندما علم أنهم في غيابه زّوجوا‬ ‫إلى بيت جّده القاضي فوجد أنهم اغتالوه‪.‬ومن بعدها عناوين‬ ‫وإذا كان ياسين نحي ً‬ ‫حات العقلية والخانات‪ .‬عمرًا من الهذيان أصبحت‬ ‫فيه " نجمة" كل النساء‪ .‬فالقدر ل ينبهك عندما يحين‬ ‫دورك ببدء المسرحية‪ .‬يرتجله القدر‪ .‬‬ .‬لن ينهض الممثلن لتحية الجمهور قبل انسحابهما الخير‪.‬عندما زارت زيان في المستشفى‬ ‫وأهدته ذلك الكتاب‪ .‬‬ ‫ي‪ .‬‬ ‫ن ناصر يقف هنا مع المشاهدين‪ .‬وما عاد يعرف ملمح‬ ‫شيخوختها‪ .‬سعيد بحزني بها‪ .‬الفرق أ ّ‬ ‫في قاعة ترانزيت الموات كهذه!‬ ‫في ذلك الموت العجيب " الممسرح" لكاتب ياسين وابن عّمه مصطفى كاتب‪ .‬والذي كان يدير الممثلين في هذا‬ ‫المشهد الخير كان خارج المسرح‪ .‬وتطلعه عليه كنبوءة؟‬ ‫وعندما كتبت على الصفحة الولى " أحببت هذا الكتاب‪ .‬‬ ‫وهذه المّرة لم يكن من تنافس بين الممثلين‪ .‬زاده شعره الف ّ‬ ‫وكانا بحكم اختلف معتقداتهما ومزاجهما منقطعين عن بعضهما إنقطاعًا كأنه قطيعة‪ .‬كان مصطفى كاتب تقّيا ورصينًا ووسيمًا وسامة أرستقراطية‬ ‫المص ّ‬ ‫ضي وابتسامته الهادئة تمّيزا‪.‬‬ ‫يتز ّ‬ ‫ل وعصبيًا ويعرف جغرافية السجون والمعتقلت‪ .‬بينما كان أخو نجمة مسج ً‬ ‫وجود أخيها‪ .‬اغتصبت تلك المعشوقة التي لن يشفى من حّبها أبدًا‪ .‬ثم ولدت من جديد مع " نجمة"‪ .‬غير أ ّ‬ ‫ابنة عّمه التي كان يحّبها‪.‬مثل " نجمة"‪ .‬‬ ‫في لحظة سهو‪ .‬‬ ‫ألم يقل في آخر عيد ميلد له وبعد وفاة أّمه عن عمر إلتهم فيه الجنون الصامت ‪ 36‬سنة من‬ ‫حياتها‪ " :‬ولدت في ‪ 8‬مايو ‪ 45‬وقتلت هناك مع الجثث الحقيقية بجوار أمي التي انتهى بها المر‬ ‫ح المجانين‪ .‬ول من سيكون الحضور يومها‪.‬فكلما سقط الحجاب عن امرأة في مسرحيات كاتب ياسين تظهر " نجمة"‬ ‫من تحت كل المليات ومن تحت كل السماء‪.‬لم يتوقع أن تلك المرأة التي أحبها منذ خمسين سنة‪ .‬كانوا في التوابيت‪ .‬ما كان يمكن لحياة أن تحضر جنازة خالد لول‬ ‫ى جوار حبيبها‪.‬فالفضاء المسرحي كان أكبر من أن يقدر على إدارته البشر‪.‬حتى ذلك اليوم الذي جاء بهما الموت ك ّ‬ ‫كهذه في مطار مرسيليا قبل سفرهما الخير إلى الجزائر‪.‬ل في أية جهة من المسرح ستكون‪ .‬كمجنون"‪.‬أكتبها‪ .‬هي الباكية الن باستحياء‪ .‬ل دّقات ثلثًا تسبق رفع الستار‪ .‬هو الموت‪ .‬بينما كان كاتب ياسين‬ ‫عم المسرح المعارض ويقّدم عروضه بالعاّمية والمازيغية في التجمعات العّمالية‪.‬شيء يتجاوز‬ ‫الخيال المسرحي نفسه‪ .‬الحب الموجع في‬ ‫في مص ّ‬ ‫استحالته‪ .‬في مسرحية حياة بدأ فصلها‬ ‫الول منذ نصف قرن يوم رآها‪.‬ستأتي لتحضر العرض الوحيد والخير لمشهد موته‪ .‬المحتمية من الذاكرة بفروها‪ .‬غير ذلك الموت الغرائبي لصديقه ياسين‪ .‬‬ ‫هو الكاتب المسرحي‪ .

‬‬ ‫كان وجهها يختفي خلف نظارات سود‪ .‬‬ ‫امرأة كأنها وطن‪ .‬والدب حينًا‪ .‬وإلى رمز لوطن‪ .‬انحنت وقّبلت طرف النعش‪ .‬ك ّ‬ ‫ل شيء شبيه بمسرح إغريقي‪.‬ومن اسمها اسمًا لك ّ‬ ‫جاءت لوداع أخيها‪ ..‬إنه معروض‬ .‬وابتعدت‪.‬فهي كانت تعيش باسمين‪ .‬وأكاد أخلع عن تلك المرأة معطفها‬ ‫ل‪ ":‬إني بحاجة ما ّ‬ ‫قائ ً‬ ‫لغطي به نعش خالد‪ .‬شاهدًا ومشاهدًا ذلك الحدث العجيب الذي ت ّ‬ ‫ل شيء فيها‬ ‫البضائع وتوابيت الموتى في مطار مرسيليا‪ .‬حتى إن‬ ‫إحدى الجرائد عنونت الخبر " كاتب ‪ +‬كاتب = مكتوب"‪.‬‬ ‫يحكي بن عمار مديان في ذلك الكتاب كيف أنه وجد نفسه وهو الصديق القرب إلى كاتب ياسين‬ ‫حولت خلله قاعة ترانزيت‬ ‫والمرافق لجثمانه‪ .‬الشاعر الذي‬ ‫صتها في روائع الدب العالمي‪.‬ل تكّلف نفسها سوى جهد تمرير يدها بالقفاز على تابوتك‪ .‬مّررت يدها‬ ‫على نعش ياسين في ملمسة سريعة للخشب‪ .‬جاءت "‬ ‫نجمة"‪ .‬لتقف أمام نعش رجل توقف عن الهذيان بها لفرط ما‬ ‫انتظرها‪.‬في رحلة عودته إلى صقيع الوطن‪ .‬حتى تجعلك لفرط غرائبيتها تبدو كاذبًا‪.‬فوحدها‬ ‫الساطير ل تشيخ!‬ ‫يا للحياة عندما تبدأ في تقليد المسرح حينًا‪ .‬‬ ‫ل منهما‪ .‬كما لو كنت تدّلكين‬ ‫كتفه‪ .‬يدك التي تكتب‪ .‬‬ ‫ل تخافي عليه من فضيحة جميلة‪ .‬هل أجمل من فضيحة‬ ‫استبقيه بقبلة‪ .‬هناك حيث مكمن يتمه‪.‬‬ ‫كانت‪ " .‬تدعى تارة حياة وتارة " نجمة"‪ .‬ثّم‪ .‬مّرريها عند أعلى التابوت‪ .‬وراحت تقرأ السم المكتوب على ك ّ‬ ‫كان ينام داخله مصطفى‪ .‬أنها برغم شيخوختها‪ .‬يدك التي تقتل‪ .‫أليس القدر هو الذي جعل كاتب ياسين يموت في مدينة غرونوبل ) جنوب فرنسا( يوم ‪ 28‬أكتوبر‬ ‫‪ .‬‬ ‫ق دفء صدرها!‬ ‫كم مّرة يجب أن تموت لتستح ّ‬ ‫ي نور الدين فرح مبّررًا هجرته المعاكسة من أوربا إلى أفريقيا‬ ‫كنت أفكر في الكاتب الصومال ّ‬ ‫سة إلى الدفء‪ .‬‬ ‫هكذا جيء بجثمان كاتب ياسين إلى مطار مرسيليا ليتم نقله على الطائرة نفسها مع مصطفى‬ ‫كاتب‪.‬وردة ذات ساق طويل‪.‬ولذا ما توقعت أن تقوم‬ ‫الحياة نفسها بتذكيرها أمام جثمان ياسين‪ .‬تأتي‬ ‫دائمًا في آخر لحظة‪ .‬ثم وضعتها‬ ‫على نعش أخيها مصطفى‪ .‬هي زليخة كاتب‪ .‬استبقيه بدمع أكثر‪ .‬‬ ‫ل النساء‪ .‬واحد للحياة والخر للسطورة‪ .‬‬ ‫ي‪ .‬مازالت " نجمة"‪ .‬نجمة"!‬ ‫كأبطال الروايات والمسرحيات الذين يغادرون نصوصهم‪ .‬إلى هذا تحتاج الجثة"‪ .‬قولي إنك أحببته‪ .‬أو وضع وردة على‬ ‫نعشك في أحسن الحالت‪.‬في آخر مشهد‪ .‬في عامها السبعين‪ .‬بقيت بعض الوقت ممسكة بتلك الوردة‪ .‬‬ ‫ل‪ .‬ويأتون لوداع المؤلف‪ .‬حاملة في يدها المختفية في قَفاز‬ ‫شاهد فجأة امرأة تتقّدم بخط ً‬ ‫أسود‪ .‬‬ ‫من يصدق شيئًا غريبًا عن امرأة كزهرة توليب سوداء‪ . 1989‬وابن عّمه مصطفى كاتب يموت بعده بيوم واحد في ‪ 29‬أكتوبر في مرسيليا‪ .‬وقّبة المعطف التي كانت ترفعها‪ .‬ل تكوني " نجمة"‪.‬ول عاد معّرضا إلى شيء‪ .‬لم يعد يخشى أحدًا‪ .‬أكاد أصرخ بها‪ .‬إلى خشبة ل حدود لها ول ستائر‪ .‬انفضحي به قلي ً‬ ‫شاق؟‬ ‫الموت للع ّ‬ ‫ضعي يدك عليه‪ .‬وك ّ‬ ‫حقيق ّ‬ ‫ى بطيئة داخل معطف غامق طويل‪ ..‬قد تكون نسيت منذ ذلك الزمن البعيد‬ ‫أنها" نجمة"‪ .‬لكنها لم تكن هناك لوداع الكاتب الذي حّولها أسطورة‪ .‬تخفي الكثير من‬ ‫ملمحها‪.‬وأدخل ق ّ‬ ‫صنع من وجهها ألف وجه‪ .‬توّقفت عند التابوت الذي‬ ‫تقّدمت المرأة نحو النعشين‪ .‬بدون أن تخلع قّفازيها‪ .

‬لكّنها‬ ‫ي لول مرة وسألتني‪:‬‬ ‫توجهت إل ّ‬ ‫ بالنسبة للوحاته‪ .‬فغطّيه‪.‬بدون إهداء‪ .‬‬ ‫هوذا ممدد أمامك‪ .‬حتمًا لم تتوّقع موقفًا عجيبًا كهذا‪ .‬نظرًا لصيغتها الشعرية المتقنة‪.‬‬ ‫سمت تركة خالد بين امرأتين‪ .‬ثم بعد‬ ‫ذلك فكرت أن ثمة أشياء ل تعّوض ويجب على المرء أن ل يفّكر في الثمن عندما تعرض عليه‪.‬‬ ‫خ تلك الساعة في ما بعد ‪ .‬عيناه المغمضتان تحفظان السّر‪ .‬وتلك الزئبقية‪ .‬‬ ‫سألت بفضول‪:‬‬ ‫ عن أية لوحة تتحدثان؟‬‫وقبل أن أرد أجاب ناصر‪:‬‬ ‫ عن لوحة رسمها سي زيان في بداياته وكانت تعّز عليه كثيرًا‪.‬يوم كان يلعبك‪ .‬‬ ‫ط زيان‪.‬إرمي بنفسك فوق هذا الصندوق الخشب ّ‬ ‫صغيرة على حجره‪.‬إلثميه‪ .‬وأنا أراها في حزنها الرصين ذاك‪.‬لكأ ّ‬ ‫ل دورة تستعجلك الفناء‪..‬أظنها كانت لزياد‪ .‬ولم أنس طبعًا كتاب " توأما نجمة" كما أهدته إياه قبل أّيام في آخر زيارة لها‪.‬اغتنمت‬ ‫عندما انتهينا من قراءة فاتحة على روحه‪ .‬فكيف يمكن‬ ‫ع أنني سأقع في ف ّ‬ ‫لم أحتفظ لنفسي سوى بساعته‪ .‬ابتعدنا ثلثتنا نحو ركن قص ّ‬ ‫جل عليها زيان أفكارًا مبعثرة على مدى سنوات‪.‬وتلك النارّية‪ .‬وفي ك ّ‬ ‫قلت كما لبرر لناصر مّدي أخته بذلك الكيس‪:‬‬ ‫ إنها بعض أوراق وكتابات تركها زيان‪ .‬‬‫قال ناصر‪:‬‬ ‫ عندما أخبرتني بموته‪ .‬‬ ‫امتلكني يقين النهاية‪ .‬‬ ‫تصّدقي أ ّ‬ ‫غافلي الحياء‪ .‬‬ ‫لفضول الشياء‪ ..‬غير وا ٍ‬ ‫ن عقارب الوقت التي وهبت سّمها لعقارب ساعتك‪ .‬‬ ‫ي الذي يضمه كما كنت ترتمين طفلة‬ ‫أيتها المترّددة ذعرًا‪ .‬وقفصه الصدر ّ‬ ‫موحش وبارد مذ غادرته ‪ .‬واختبري تلك الرغبات الخيرة التي نسرقها من فوق جثة الموت‪ .‬أعرف منطقتها البركانية‪ .‬كما احتفظ بهما زيان لسنوات‪ .‬‬ ‫ ل تهتم ستتكّفل الصحافة بعد الن بتكفينه بورق الجرائد‪.‬كنت‬ ‫أكتشف مساحتها الجليدية‪ .‬‬ ‫طها عن خ ّ‬ ‫ولختلف خ ّ‬ ‫وضعت أيضًا في الكيس كتابيها‪ .‬ستصنع من خسارتها‬ ‫كتابًا‪.‬قد تستفيد منها السيدة حياة إن شاءت أن تكتب شيئًا‬‫عنه‪.‬واضعًا سطورًا على‬ ‫بعض الجمل‪ .‬‬‫إنها تمّثل جسر سيدي مسيد‪.‬وتضاريس حزنها المدروس كي ل يتجاوز حّده‪.‬‬ .‬وأخرى وقد فقدت اللوحات‪ .‬ول حاولت أن تلقي نظرة على محتوياته‪ .‬يستبقيك ملتصقة إلى صدره‪.‬واثقًا بأن واحدة ستسارع بإلقاء معظمها في الزبالة‪..‬الموت ل يعترف بنظريات الكيمياء‪.‬يضمك إليه بذراع واحدة‪ .‬تلك الُقَبل التي‬ ‫توقظ الجثث‪.‬في البدء ظننتك مجنونًا لنك دفعت فيها كل ما تملك‪ .‫ي الذي كنت عصفورته‪.‬تدور‬ ‫مقاربة الحياة انطلقًا من الموت‪ .‬‬‫لم تفتح الكيس‪ .‬‬ ‫أنا الذي أعرف تمامًا جغرافيتها‪ .‬ماذا فعلتم بها؟‬‫قلت‪:‬‬ ‫أظنها بيعت في معظمها‪.‬من لك بعده؟ من كان لك سواه؟ إلثمي صندوقه‪ .‬أول فكرة خطرت ببالي بعد المكالمة‪ .‬‬ ‫الفرصة لمدها بكيس فيه دفاتر صغيرة س ّ‬ ‫وأوراق أخرى كان يحتفظ بها في ظرف‪ .‬‬ ‫ضّدك‪ .‬ل‬ ‫ن الخشب غير موصل للحرارة‪.‬سيعرف ذلك حتمًا‪ .‬تلك اللوحة التي حكيت لي أنا‬‫ومراد كيف أقنعته أن يبيعك إياها‪ .‬‬ ‫هكذا أكون ق ّ‬ ‫ولن تحتفظ سوى باللوحات لقيمتها المادّية‪ .‬‬ ‫ت!‬ ‫أدركت أمام جليدها أنها هكذا ستواجه جثماني إن أنا م ّ‬ ‫ي من الصالة‪ .

‬‬ ‫هل أيقظ دعاء ناصر شيئًا فيها؟ هل ذّكرها نداء الميكروفون أنني أنا وهذا المس ّ‬ ‫وأنها فقدتنا نحن الثنين؟‬ ‫مدت يدها نحوي مّودعة‪ .‬ليحجزوا للمصادفة مقعدًا جوار َمن يحّبون‪.‬أو يحجز له مكانًا جواري‪ .‬قابعات في البيوت‪ .‬فأفقدتها الفاجعة صوتها!‬ ‫أظنها كانت ستقول شيئًا‪ .‬‬ ‫حضرني قول مالك حداد‪ " :‬في محطات السفر والمطارات‪ .‬أما اليوم‪ .‬‬ ‫كنت أحتقر تعاسة الذين ل يجرؤون على القتراب من السعادة الشاهقة‪ .‬فقد يكون زيان يسترق السمع إلينا‪ .‬‬ ‫كنت أريد حبًا يأتي دقائق قبل إقلع الطائرة فيّغير مسار رحلتي‪ .‬فحتمًا ثمة مؤامرة حيكت ضد المة العربية‪ .43‬‬ ‫بدت كأنها وجدت في ذلك النداء ذريعًة للتأهب لمغادرة المكان‪ .‬وفاجعة‬ ‫واحدة تكفيه‪ .‬خاصة أن معظم الطباء هم من اليهود‪ .‬التي ل تملك‬ ‫ب الكبير يختبر في لحظة ضياعه القصوى‪.‬فليس لي عنوان ثابت بعد‪ -‬مضيفًا بعد شيء من الصمت‪ -‬ثم إنني‪ ..‬فهي تعرف عاداتي في‬ ‫الختفاء المفاجئ من حياتها‪.‬ويحميك‪ .‬رأيتها لول مرة أمام جثمانه مجهشًة بالبكاء‪.‬فعندها سأصبح خائنًا باع الجزائر والمة العربية جميعها للغرب‪.‬بعت تلك اللوحة!‬‫صرخ الثنان بتعجب‪:‬‬ ‫ بعتها؟ وعلش؟‬‫" وعلش؟"‬ ‫لم يكن المكان مناسبًا لشرح لهما " لماذا" بعتها‪ .‬‬ ‫للسطو عليها إل لحظة‪ .‬لمحته يمسح دموعًا دون أن يرفع يده‬ ‫اليمنى عن النعش‪.‬دبرها‬ ‫الرواق بالشتراك مع المستشفى‪ .‬‬ ‫فأحيانًا يلزمك كتابة كتاب من هذا الحجم لتجيب عن سؤال من كلمة واحدة ‪ ":‬لماذا؟"‬ ‫هل صدمها حقًا فقدان تلك اللوحة‪ .‫قالت بتهذيب يضع بيننا مسافة للبراءة الكاذبة‪:‬‬ ‫ أتمنى أن أراها‪ .‬‬ ‫ثم وقف أمام الجثمان لحظات متمتمًا بكلمات كأنها دعاء‪ .‬ومضت‪.‬‬ ‫أجبتها بطريقة تفهم منها أنني لم أتغّير‪:‬‬ ‫ آسف ‪ ..‬‬ ‫وبسببي سقطت غرناطة وضاعت القدس‪ .‬الباهظة‪ .‬ذلك أن السؤال سيتوالد ويصبح " كيفاش؟" و " بقداش؟" و " لشكون؟"‬ ‫وبكم ليست شيئًا قياسًا بلمن‪ ..‬فالح ّ‬ ‫شاق الذين يأتون عندما نيأس من مجيئهم‪ ....‬أيمكنك أن تترك لي هاتفًا أو عنوانًا أكاتبك عليه إن احتجت شيئًا في ما يخص‬‫أعمال زيان؟‬ ‫كانت هذه آخر حيلة عثرت عليها لتطلب عنواني في حضرة أخيها ‪ .‬مكبرات الصوت تقول" على السادة‬ ‫المسافرين التوجه إلى‪ ".‬لكنها‬ ‫تركتني معه‪ .‬ذلك أن السيدات ل يغادرن أبدًا"‪.‬لكن هاك على‬ ‫ ربي يع ّ‬‫بالك‪.‬الرحلة رقم ‪ ..‬‬ ‫جى مسافران معًا‪.‬فل وقت لهن لمرافقة‬ ‫ب يسافر في تابوت‪.‬‬ ‫الرائعون الذين يخطفون قدرك بالسرعة التي سطوا بها ذات يوم على قطار عمرك‪.‬‬ ‫فعلى أيامه كانت النساء ممنوعات من السفر‪ .‬ويخطفون سائق‬ ‫تلك اللحظة التي تصنع مفخرة كبار الع ّ‬ ‫سيارة ليلحقوا بطائرة ويشتروا آخر مكان في رحلة‪ .‬فما عاد ثمة ما يقال‪.701‬باللتحاق بالبوابة رقم ‪.‬ولم أجد شيئًا لجيب به عن سؤالهما " وعلش؟"‪.‬‬ .‬وهل ما يحدث لنا منذ‬ ‫قرون خارج المؤامرة؟‬ ‫كانا مازال مذهولين ينتظران مني جوابًا‪ .‬عندما عل صوت المضيفة على الميكروفون يطالب المسافرين إلى‬ ‫قسنطينة على متن الخطوط الجزائرية‪ .‬لو كنت نقدر ندخل للجزائر وال نروح معالك‪ .‬‬ ‫حبي ٍ‬ ‫ضّمني ناصر إلى صدره وقال‪:‬‬ ‫ظم أجرك‪ .

‬على مرمى‬ ‫قدر‪ .‬ول الرسام الذي كان‪ .‬ول مناديل للوداعات الكبيرة‪.‬إنها ساعتان ونصف فقط‪ .‬واقفًا فوق جسر‪ .‬ل أدري كيف أوصد الباب خلف رجل عاش كما مات في‬ ‫مهب التاريخ‪ .‬وعادوا منه‬ ‫مشّوهين في صناديق محكمة القفال‪ .‬‬ ‫***‬ ‫استعادت المطارات دورها المعتاد‪.‬ل تذكرة في جيبك‪ .‬وما‬ ‫لم تقل شيئًا‪ .‬أّما أنا فولجت‬ ‫الطائرة متاعًا بين الركاب‪.‬استطعت أن أؤمن له ثمن تذكرة‪ .‬‬ ‫ثم تقودني الفكار إلى تلك الخبار التي نقلتها الصحف في الثمانينات عن طائرات بلد عربي‬ ‫مخصصة لنقل البضائع‪ .‬لك ذلك الحضور المتعالي للحياة‪.‬‬ ‫فنم نومة لوحة‪ .‬برغم أننا كنا نأخذ الطائرة نفسها أنا وهو‪.‬ما عاد جسرك جسرًا يا صاحبي‪.‬لم‬ ‫تبتدع إل بسبب خديعة اسمها الوطن‪.‬‬ ‫وحدي كنت معه‪ .‬مرددة رقم رحلتك‪ .‬‬ ‫في كل مطار ينتصر الفراق‪ .‬وكل‬ ‫الممرات توصل حيث أنت ذاهب‪.‬وراحت لسابيع تنقل في‬ ‫رحلت مّكوكّية أحلم آلف المصريين الذين قصدوا ذلك البلد للعمل بنوايا وحدوية‪ .‬‬ ‫ليس الصندوق الذي يفّرق بينكما‪ .‬إنه كالمواطنة‪ .‬في مكتب السفريات الذي اختصاصه رحلتك الخيرة‪.‬‬ ‫أستعيد كتاب " توأما نجمة" وصاحبه الذي يروي كيف وجد نفسه لمصادفة غريبة‪ .‬‬ ‫لو يحدث أن عرفت موقفًا غريبًا كهذا‪ .‬عندما جاؤوا لنقله‪ .‬عندما‬ ‫أعلن رسميًا في ليلة ظلماء وفي خضم الحتفالت بعودة الجنود البطال من حربهم ضد الجيران‪.‬لكن‪ .‬وخالد ظ ّ‬ ‫استطعت أن أتدّبر له معطفًا‪.‬لك قبر في ضيق وطن‪.‬مسافة جسر وتصل‪ .‬كأسماك الصومون‪ .‬في كل غربة‪ .‬‬ .‬بينما ما زلت‬ ‫أنت تجلس وتمشي وتروح وتجيء فوقه‪ .‬وأجد عزائي في احتمال أن‬ ‫لجثمان ْ‬ ‫يكون قد عرف ألمًا مضاعفًا للمي ما دام سافر مع جثمانين‪.‬تلك التي تكّفل القدر بنفسه‬ ‫بحجزها لك‪ .‬‬ ‫ما عاد الرجل الذي كان‪ .‬‬ ‫افترقنا هناك‪ .‬إنه وعي الفراق‪ .‬وكل هذه الشارات المضيئة‬ ‫لتوجيهك نحو بوابتك‪ .‬وبقيت مرتعدًا‪ .‬إنه صندوق في حمولة طائرة‪.‬محتٍم بصمته من إهانة‬ ‫الحقائب والصناديق التي ألقي بينها‪.‬فقط بكت‪ .‬‬ ‫ذهب آخر رفاق الريح‪ .‬ليس بسبب النهر ُوجد الجسر‪ .‬وتستقر في حفرتك‪ .‬حملوه ليقبع هناك شخصًا بين المتعة‪ .‫ل يكفنه البرد بيننا‪ .‬أو‬ ‫بالحرى حجزت لنفسي تذكرة معه‪.‬السفر مع جثمان ميت‪ .‬‬ ‫كان الميكروفون يكرر النداء‪ .‬‬ ‫تجلس على مقعدك‪ .‬حّولتها الضرورة إلى طائرات للنعوش‪ .‬حجزت له بنفسي تذكرة معي‪ .‬المرافق‬ ‫ي كاتب ياسين ومصطفى كاتب من مرسيليا إلى الجزائر‪ .‬في صندوق محكم الغلق‪ .‬تبحث عن مجرى مائي يعيدك‬ ‫من حيث جئت‪ .‬وتدري أن تحتك ينام الرجل الذي كان توأمك‪ .‬‬ ‫ما جدوى كل هذه النداءات الملحاحة إذن لتذكيرك بوجهتك‪ .‬إنما كونه أصبح يقيم منذ الن في العالم السفلي‪ .‬‬ ‫مطارات تنادي عليك في استرسال محموم‪ .‬أيها المسافر وحيدًا‪ .‬سالكًا جسرًا للوصول‪ .‬أغلقت على أحلمهم المتواضعة التي تم التنكيل بها‪ .‬وتنفرط مسبحة العشاق‪.‬‬ ‫يا رجل الضّفتين‪ .

‬فحتى إن قضيت نصف الرحلة‬ ‫في إقناع المضيفة بأهميتها‪ .‬وأنت تريد كرسّيا من دون عناء!‬ ‫وتريد مكانًا تضع فيه حقيبة يدك‪ .‬كيف أنها‬ ‫لم أن َ‬ ‫عندما عادت لزيارة الجزائر‪ .‬‬ ‫المضيف قال إنه كان شخصيًا يقوم بإخراجها وإعادتها إلى مكانها في الحمام‪ .‬بعد مرور كل‬ ‫راكب‪ .‬فيها كتاباتها ومخطوط روايتها‬ ‫جار الرصفة‬ ‫الجديدة‪ .‬والنظرات الثاقبة لحاسيسك‪ .‬لست سوى رقم في طوابير الذ ّ‬ ‫تطالب باحترام أكثر على متن " طائرتك"؟‬ ‫جار الحقائب في‬ ‫ي‪ .‬أن تكون لك جسارة ت ّ‬ ‫ل رقم لمقعدك‪ .‬وطابور المتدافعين‪ .‬سأله أحدهم مرة‪ ":‬من أين أنت؟"‬ ‫أجاب ساخرًا ‪ ":‬من المهلكة"‪ .‬الموت مفردًا ومثنى وجمعًا‪ ..‬أن تحتهم‬ ‫ل ميتًا‪ .‬الذي ل تدري أمامه هل أكثر‬ ‫ألمًا أن تسافر في طائرة ل يدري ركابها‪ .‬لنهم أوصوه خيرًا بها‪ .‬والجزائريون يخضعون لحجر‬ ‫ي في المطار‪ .‬‬ ‫أتساءل‪ .‬دون أن يّتفقا على أ ّ‬ ‫الخر!‬ ‫هالك يا ولدي‪ .‬التي شاهدتها على التلفزيون الجزائري تحكي‪ .‬لن جميع ركابها‬ ‫رج ً‬ ‫أموات؟!‬ ‫يذكرني الموقف بصديق ينتمي إلى إحدى " الممالك" العربية‪ .‬فقد تعّرف كلهما على بلد الخر‪ ..‬أ ّ‬ ‫فالكرس ّ‬ ‫للجلوس عليه‪ .‬‬ ‫مذ قام الرهابيون باختطاف طائرة فرنسية وقتل بعض ركابها‪ .‬ماذا كانت تستطيع أن تفعل أكثر مما فعل غيرها في موقف كهذا؟ فأنا‬ ‫س تلك الكاتبة المقيمة في المهجر‪ .‬مهلوك‪ .‬وسمرتك‪ .‬فرّد عليه الثاني مزايدًا‪ ":‬وأنا من أّم المهالك"‪ .‬والكلب‬ ‫المتدربة على شمشمة أمثالك‪.‬والجميع حريص على ما في يده‪ .‬الكل محّمل بالحقائب البائسة‬ ‫المكتظة بالعمر الغالي‪ .‬أنها حقيبة كاتبة لم تعد لوطنها منذ سبع‬ ‫سنوات‪.‬والهانات المهذبة التي تطرح‬ ‫عليك في شكل أسئلة‪.‬أين كنت إذن سأضع تلك اللوحة لو كنت أحضرتها معي‪ .‬‬ ‫في منتصف الرحلة جاء من يخبرها أن حقيبتها كّرمت بوضعها في " مرحاض الطائرة"‪.‬أ ّ‬ ‫بها عندما أبلغه بعض من تعّرف عليها من الركاب‪ .‬ومعها حقيبة صغيرة ل تفارقها‪ .‬والكاميرات الفاضحة لنواياك‪ .‬ل يدري أ ْ‬ ‫ن‬ ‫ل شيء سوى النسان سريع العطب‪.‬ثمة من أرسلوا أناسًا بااللف إلى المقابر‬ ‫ي كرس ّ‬ ‫ي‪ .‬أثناء انشغال أبناء الوطن بالدفاع‬ ‫عن المة العربية‪.‫فتح موسم إصطياد الغرباء الذين اّتهموا بإنتهاك شرف النساء‪ .‬وعليك أن تقف أعزل أمام جبروت الجهزة الكاشفة لكل‬ ‫أمن ّ‬ ‫شيء‪ .‬‬ ‫إنه الموت العربي بالجملة وبالتجزئة‪ .‬‬ ‫ي‪ .‬وهم يطاردون المضيفة بصغائر الطلبات‪ .‬أكثر من حرصه على نفسه‪ .‬وضحك الثنان‬ ‫ي منهما كان أكثر هلكًا من‬ ‫على النكتة‪ .‬كما لو أن بهم وباء‪ .‬ما وجدوا في تلك الطائرة الواصلة من سوريا والمليئة برهط غريب من ت ّ‬ ‫طوع مضيف للتكّفل‬ ‫ي مكان يضعون فيه الحقيبة‪ .‬ل بّد من القتتال للفوز به‪ .‬ولكنهم سبقوك واحتلوا كل شيء‪ .‬وفي هذا المطار بإمكانك أن تختبر حجم الذى الذي ألحقه القتلة بجوازك‬ ‫الخضر‪.‬وعليك أن تدخل في سباق الفوز بكرس ّ‬ ‫التدافع‪.‬وارتاح!‬ ..‬مثير للريبة حيث حللت‪ .‬تفضحك هيئتك‪ .‬فكيف وقد اعتدت المذلة أن‬ ‫من ردهة إلى ممر إلى معبر‪ .‬أم أن تكون قائد طائرة عربية ل مضيفات فيها ول خدمات‪ .‬‬ ‫ذهب عنفوانك‪ .‬فت ّ‬ ‫الذين ل يحتاجون إلى تأشيرة لدخول الشام‪ .‬والنفراد به‪ .‬‬ ‫ولصر على إنزالها مع بقية الحقائب إلى جوف الطائرة‪ .‬‬ ‫تستااااااااهل ما الذي جاء بك؟‬ ‫ل‪ .‬ولول معّزتها واحترامه للدب لما وضعها في " بيت الدب"‪.

‫ماذا تقول لوطن يهينك بنية صادقة في الحتفاء بك؟‬
‫إحدى الصور التي تمنيت لو التقطتها‪ ,‬هي صورة حقيبة الكاتب‪ ,‬مرمية أرضًا في مرحاض‬
‫الطائرة بعد أربع ساعات من الطيران‪ ,‬بينما تسافر بضائع المهربين الصغار مصونة محفوظة في‬
‫الخزائن الموجودة فوق رؤوس أصحابها‪.‬‬
‫لو نشرت صورة كتلك‪ ,‬لجاء من يقول إنني أهين وطني أمام الغرباء‪ ,‬وأعطاني درسًا في‬
‫الوطنية‪ ,‬ذلك أن الوطن وحده يملك حق إهانتك‪ ,‬وحق إسكاتك‪ ,‬وحق قتلك‪ ,‬وحق حّبك على‬
‫طريقته بكل تشوهاته العاطفية‪.‬‬
‫كيف حدث هذا؟ وكيف وصلنا إلى شيء على هذا القدر من الغرابة؟‬
‫ل تنتظر أن يجيبك أحد هنا‪ .‬فالجواب ليس في طائرة‪ ,‬إنما في مكان آخر حيث كان إقلعها‬
‫الول‪.‬‬
‫عليك بعد الن وإلى آخر عمرك أن تجيب‪ :‬لماذا حصلت على تلك الجائزة دون غيرك؟ لماذا‬
‫أخذت تلك الصورة لذلك الطفل وذلك الكلب دون سواهما؟ لماذا بعت تلك اللوحة لذلك الشخص‬
‫دون سواه؟‬
‫أنت مطالب بالجابة على أسئلة يحتكر غيرك الرّد عليها‪ ,‬من أنت حتى تغّير مجرى التاريخ أو‬
‫مجرى نهر لست فيه سوى قشة يجرفها التيار إلى حتمية المصب؟‬
‫ي على هذا الجثمان وأنت مثقل‬
‫أنت ل تعرف حتى ماذا تفعل هنا‪ ,‬وكيف أصبحت الوص ّ‬
‫بالوصايا‪ ,‬متعب بنوايا يحرسها القتلة‪.‬‬
‫تتمنى لو كنت محمد بوضياف عائدًا إلى الوطن في طائرة فرحتك لنقاذ الجزائر‪ ,‬لو أن ل حقائب‬
‫لك‪ ,‬لو أن يديك ممدودتان لتحية المستقبلين ملّوحتان بتوعد القتلة واللصوص الكبار المهيبين‪ .‬لكن‬
‫هو نفسه عاد مرتديًا كفنه‪ ,‬وما فتح ملّفا إل وفتح معه قبره‪.‬‬
‫فاربط حزام المان يا رجل‪ ,‬وتابع شروح المضيفة حول أقنعة الوكسجين‪ ,‬وصدرّية النجاة‪.‬‬
‫***‬
‫اخترت بنفسي العجوز التي ستجلس جواري‪ ,‬أما الفتاة التي جلست على شمالي‪ ,‬فهي التي‬
‫اختارتني‪ .‬قد تكون استلطفتني مقارنة بالخيارات الرجالية الخرى‪.‬‬
‫فمهّم في رحلة طويلة كهذه أل تجد نفسك مربوطًا جوار من سيزيدونك همًا وغمًا‪ ,‬فينتابك‬
‫إحساس من توقف به المصعد‪ ,‬ووجد نفسه محجوزًا مع أناس ل يستلطفهم‪ ,‬وعليه أن يتقاسم معهم‬
‫حدوده القليمية وأجواءه الحميمية المستباحة بحكم المكان‪.‬‬
‫وكنت بعد عبورنا نقطة التفتيش‪ ,‬قمت بمساعدة تلك العجوز على حمل الكيس الكبير الذي ل‬
‫أدري كيف حّملوها إياه‪ ,‬أو كيف أصّرت هي على حمله وراحت تتوقف كل حين لتستريح قلي ً‬
‫ل‬
‫من عبئه‪.‬‬
‫ب عجائزنا‪ ,‬ول أقاوم رائحة عرق عباءاتهن‪ ,‬ل أقاوم دعواتهن وبركاتهن‪ .‬ل أقاوم لغتهن‬
‫أح ّ‬
‫المحملة بكّم من المومة‪ ,‬تعطيك في بضع كلمات زادك من الحنان لعمر‪ ..‬وبعض عمر‪.‬‬
‫ يعيشك يا وليدي‪ ..‬ربي يسترك ويهّز عنك هم الدنيا‪ ..‬ربي يزّين سعدك‪.‬‬‫كلمات وأقع في ورطة عاطفية مع عجوز‪ ,‬وإذ بي حّمال وعّتال ومرافق لها‪ ,‬ومسؤول عن‬
‫إيصالها حتى قسنطينة‪.‬‬
‫أهي عقدة يتمي؟ دومًا خطفتني العجائز وغّيرن وجهتي‪.‬‬
‫ن وجهتها تصادف‬
‫فما صادفت واحدة تنوء كهولتها بقّفة‪ ,‬إل ووجدتني أحمل وزرها عنها مّدعيا أ ّ‬
‫وجهتي‪ .‬مرة تسبب لي المر في صفعة تأديبية من أبي‪ ,‬الذي لم يصّدق عذر تأخري في العودة‬

‫من المدرسة‪.‬‬
‫كانت العجوز ذاهبة صوب رحبة الصوف لبيع أرغفة أعّدتها في البيت‪ ,‬وقضيت ساعة أمشي‬
‫ل محفظة المدرسة بيد‪ ,‬وقّفتها بيدي الخرى‪.‬‬
‫جوارها حام ً‬
‫كانت تلك الصفعة الوحيدة التي تلّقيتها في حياتي من أبي‪.‬‬
‫كانت العجوز الجالسة جواري تسافر لول مّرة بمفردها‪ ,‬وجاءت إلى باريس لزيارة ابنتها التي‬
‫وضعت مولودها الول‪ .‬وقبل أن تقلع الطائرة كنت عرفت تقريبًا كل شيء عن حياتها‪.‬‬
‫ي‪ ,‬له صبر الستماع إلى‬
‫ل الذي ينقصهن هو رجل مشدود الوثاق إلى كرس ّ‬
‫ل سّر للعجائز‪ ,‬ك ّ‬
‫خيبات كهولتهن‪.‬‬
‫ص صدرية النجاة‬
‫كانت مرعوبة من الطائرة‪ ,‬وتريد أن تفهم كل شروحات المضيفة فيما يخ ّ‬
‫وقناع الوكسجين وحزام المان ومخارج الطوارئ‪ .‬ثم تعود من رعبها وتستسلم للمكتوب وتقول‬
‫ل قصابة في فرنسا‪ ,‬وابنها‬
‫إن العمار بيد ال‪ ,‬وتواصل ثرثرتها عن صهرها الذي اشترى مح ّ‬
‫الذي يسعى إلى الحصول على أوراق للقامة في باريس‪ ,‬بعد أن كره العيش في قسنطينة التي‬
‫كانت ملذ الفقير فأصبحت مدينة الفقراء‪ .‬كان المحتاج يقصدها لعلمه بثراء أهلها وكرمهم‪,‬‬
‫وأصبح الن يقيم فيها مع آلف الفقراء الذين جاؤوها من كل صوب وأفقروا أهلها‪.‬‬
‫ منين جاْو يا ولدي " جوج وماجوج" هاُذو اللي كلْو الدنيا‪ ..‬وهججونا من البلد‪ ..‬يا حسرة‬‫راحوا دار شكون وشكون‪ .‬بقاْو غير الرعيان‪ .‬على بالك أنا بنت شكون؟‬
‫ولم أكن على استعداد لعرف هذه العجوز ابنة َمن‪ ,‬ومن أية شجرة تنحدر‪ .‬فأنا لم أكن هناك‬
‫ل‪.‬‬
‫لخطبها‪ ,‬ولكن ل يمكن أن تمنع عجوزًا من التباهي بأصلها‪ ,‬وهو كل ما بقي لها في زمن الذ ّ‬
‫كانت من العائلت العريقة في قسنطينة‪ .‬اشتهر عمها بإنشاء أول شركة لنتاج التبغ في الجزائر‪.‬‬
‫ى‪ ,‬وأفهم أل تتقبل فكرة أن تنتهي ابنتها زوجة لرجل‬
‫كان ممن ُيضرب بهم المثل وجاهة وغن ً‬
‫ن عن إرث أبًا عن جّد‪ ,‬ول فكرة أن تتقاسم الطائرة مع " الرعيان" و‬
‫اغتنى في الغربة‪ ,‬ولم يغت ِ‬
‫"بني عريان"‪ ..‬ولكن‪:‬‬
‫ هذي الدنيا يا اّما واش نديرو‪..‬‬‫في غمرة اندهاشهم بها‪ ,‬أطلق القدامى على قسنطينة اسم " المدينة السعيدة"‪ ,‬وهذه العجوز المّية‬
‫كم وّفرت عليها أّمّيتها من ألم‪ ,‬فهي لن تقرأ يومًا ما قيل في قسنطينة‪ .‬هي فقط ترى ماآلت إليه‪.‬‬
‫ض تمشي في شوارعه حافية‪.‬‬
‫قسنطينة المكابرة ل تدري ماذا تفعل بثراء ما ٍ‬
‫قسنطينة الفاضلة التي تحرسها الثام ويحكمها الضجر المتفاقم‪ ,‬وهذيان الزقة المحمومة المثقلة‬
‫بالغرائز المعّتقة تحت المليات‪.‬‬
‫لم تتغّير‪ .‬ما زال يرعب نساءها الجميلت التعيسات‪ ,‬الشهّيات الشهوانيات‪ ,‬الخوف المزمن من‬
‫نميمة أناسها الطّيبين الخبثاء‪ .‬ولذا‪ ,‬هي تجلس صامتة على يساري‪ ,‬وأنا قدري حيث أذهب أن أقع‬
‫ي حّبها‪.‬‬
‫بين فك ّ‬
‫عندما‪ ,‬بعد ذلك‪ ,‬مّرت المضيفة تعرض علينا الجرائد‪ ,‬سمعت الفتاة لول مرة تنطق لتطلب‬
‫جريدتي "الوطن" و "الحرية"‪ .‬لم يبق من نصيبي سوى " الشعب" و "المجاهد"‪ .‬تقاسمنا‬
‫بالتساوي أكاذيب العناوين‪.‬‬
‫يحضرني دائمًا في مثل هذه المواقف‪ ,‬قول ساخر لبرنارد شو معّلقا على تمثال الحرية في أمريكا‬
‫سر وجود أكبر قوس عربي‬
‫" إن المم تصنع تماثيل كبيرة للشياء التي تفقدها أكثر" وهو ما يف ّ‬
‫للنصر في البلد الذي ُمني بأكبر الخسائر والدمار‪.‬‬
‫إمعانًا مّنا في تضخيم خسارات نّدعي اكتسابها‪ ,‬نذهب حتى إضافة ما نفتقده إلى أسماء أوطاننا‪.‬‬
‫ولن الجزائر خرجت إلى الوجود "جمهورية ديمقراطية شعبية"‪ ,‬فقد حسمنا منذ الستقلل‬
‫ص الحريات على أية دولة أوربية‬
‫مشاكل الشعب وقضية الديمقراطية‪ ,‬وتفوقنا منذ البدء في ما يخ ّ‬

‫تحمل اسمًا من كلمة واحدة!‬
‫أمة تحتفي بخساراتها‪ ,‬وتتوارث منذ الندلس فن تجميل الهزائم والجرائم بالتعايش اللغوي الفاخر‬
‫معها‪.‬‬
‫عندما نغتال رئيسًا نسّمي مطارًا باسمه‪ ,‬وعندما نفقد مدينة نسّممي باسمها شارعًا‪ ,‬وعندما نخسر‬
‫وطنًا نطلق اسمه على فندق‪,‬وعندما نخنق في الشعب صوته‪ ,‬ونسرق من جيبه قوته‪ ,‬نسّمي باسمه‬
‫جريدة‪.‬‬
‫انشغلنا بتصّفح الجرائد‪ .‬لم نتبادل أية كلمة‪ .‬كانت امرأة غامضة كبيوت نوافذها إلى الداخل‪ ,‬وكان‬
‫ل الجلوس بمحاذاة أنوثتها المربكة التي توقظ الرواسب العاطفية المتراكمة فيك‪ ,‬وتجعلك‬
‫جمي ً‬
‫تكتشفها من مشربيات النوافذ‪.‬‬
‫عبرتني فكرة مجنونة‪ :‬ماذا لو كان الحب يجلس على يساري‪ ,‬أنا الذي لم أقاوم يومًا إغراء امرأة‬
‫صامتة‪ ,‬ول جمالية أنوثة تحيط كل شيء فيها بلغز‪.‬‬
‫عندما جاؤوا بوجبة العشاء‪ ,‬بدا على العجوز حماسة بددت فجأة خوفها من الموت‪ ,‬وأوقفت سيل‬
‫السئلة التي كانت تطاردني بها‪ ,‬عن اهتزاز الطائرة كما تبّدى لها من النافذة‪ .‬بل إّنها استفادت‬
‫من فقدان شهيتي للكل‪ ,‬لستئذاني في تناول بعض ما في صينيتي‪.‬‬
‫أثناء ذلك‪ ,‬كانت الغادة القسنطينية التي على يساري تأكل بدون لهفة‪ ,‬كما لو أنها تأكل بحياءٍ‬
‫مترّفع‪ ,‬كذلك الزمن الذي كانت النساء يختبئن عن النظار ليأكلن‪ ,‬وكأن كل متعة لها علقة‬
‫ي جوع جسدي ل يليق بامرأة إشهاره‪.‬‬
‫بالجسد ل بد أن تمارسها النساء سّرا‪ ,‬وأن أ ّ‬
‫بعد العشاء‪ُ ,‬أخفتت الضواء‪ ,‬وقامت المضيفة بتوزيع بعض اللحفة على المسنين والطفال‪,‬‬
‫ب هوائ ّ‬
‫ي‬
‫ل مط ّ‬
‫ف مع ك ّ‬
‫فطلبت لحافًا للعجوز عسى النوم أن يخدر عضلة الثرثرة بين فكّيها‪ ,‬وتك ّ‬
‫عن التبؤ لنا بكارثة جّوّية‪.‬‬
‫مسكينة هي‪ ,‬تعتقد أن ل أخطر من طائرة محلقة في السماء‪.‬‬
‫ل تدري أن الموت قد يدّبر لك مقلبًا آخر‪ ,‬وينتطرك أرضًا عند سّلم الطائرة‪ ,‬كما حدث مع عبد‬
‫العزيز‪ ,‬الصيدلني المعروف في العاصمة بحبه للحياة‪ ,‬وبخدماته الكثيرة للناس‪ .‬قائد الطائرة كان‬
‫من معارفه‪ ,‬فقام بنقله للدرجة الولى وأوصى المضيفات به خمرًا‪ ,‬فرحن يسقينه كؤوس الويسكي‬
‫الواحدة بعد الخرى‪ ,‬بحيث كان بعد ساعتين من الطيران بين باريس والجزائر غير قادر على‬
‫الوقوف على رجليه‪ .‬وما كاد يضع قدميه على أول درج للطائرة حتى تدحرج من سّلمها الحديدي‬
‫الضيق الذي كان يهتّز تحت قدميه‪ ,‬وانتهى جسده في السفل ليموت بعد يومين إثر نزيف في‬
‫الدماغ‪ .‬فلكونه كان من ركاب الدرجة الولى‪ ,‬وأول من نزل السلم لم يكن أحد ليسبقه ويحول‬
‫دون تدحرجه حتى الموت!‬
‫فهل كان قائد الطائرة يدري أنه بتغيير درجته من الثانية إلى الولى‪ ,‬كان يتمادى في تدليله حّد‬
‫إيصاله إلى مرتبة " شهيد" من الدرجة الولى؟‬
‫في الطائرة‪ ,‬كما في الحياة‪ ,‬عليك أن تحترم قانون المراتب‪ ,‬ول تتحايل لتقفز مرتبة‪ ,‬فّربما كان‬
‫في ذلك المكسب هلكك‪ .‬عليك أن تعرف منذ البدء أين يوجد مكانك‪ ,‬في الولى أم في الثانية‪ .‬فأ ّ‬
‫ي‬
‫تحايل قد يحيلك إلى أسفل‪ ..‬مع الحقائب!‬
‫عليك أيضًا أن تتأكد أين يوجد مقعدك‪ :‬على يمين أم على شمال الحب‪ ,‬فالمأساة تبدأ عندما يتسلى‬
‫القدر بفوضى ترقيم المقاعد‪.‬‬
‫كنت دائم التنبه إلى الفتاة الجالسة جواري‪ ,‬إلى عطرها الخفيف‪ ,‬وإلى تلك الرغبات الصامتة التي‬
‫تولد في العتمة‪ .‬يكفي شيء من الضوء الخافت‪ ,‬لتستيقظ الحواس وتصبح النساء أجمل مما ه ّ‬
‫ن‬

‬وأنها في أّية لحظة قد تنتقل‬ ‫للقامة تحت؟‬ ‫ن في كل موقع يمرون به‪ .‬وقالت‪:‬‬ ‫فجأة نطقت تلك الفتاة المح ّ‬ ‫هل بإمكاني أن أستعير قلمك؟‬‫أجبتها وأنا أمّدها بالقلم‪:‬‬ .‬‬ ‫فيَم قد ينفعها هذا اللحاف الصغير؟ ذلك النائم تحت في المكان الكثر بردًا في الطائرة‪ .‬‬ ‫فجأة أشعلت المضيفة الضواء‪ .‬ما عادت من خنساء لنستدل على قبرنا‬ ‫بدموعها‪ .‬بينما مّرت أخرى لجمع‬ ‫اللحفة من الركاب‪.‬‬ ‫حتمًا في المر مزحة ما‪ .‬أضعاف ما كان يساويه حّيا‪ .‬لو أنا أخبرتها بوجوده؟ هل كانت ستتفّرغ للدعاء والصلوات وتقلع‬ ‫عن سرقة اللحفة‪ .‬‬ ‫قليل من العتمة يوقظ الوهم الجميل فينا‪ .‬لفرط ما هو لك ما عاد هو‪ .‬وباشرت بتوزيع بطاقات النزول‪ .‬أنت الجالس بين التقاطع المربع للحياة والموت‪.‬ما يكادون يعودون للحياة حتى يباشرون البحث عن أمتعتهم‬ ‫والتحسر على ما لحق بها من تلف‪.‬‬ ‫قسمطينة‪.‬‬ ‫سألتني العجوز‪:‬‬ ‫= واش آوليدي وصلنا لقسمطينة؟‬ ‫أجبتها‪:‬‬ ‫ ما زال ثلث ساعة ونوصلو آّما‪.‬أو ينجون من حريق ش ّ‬ ‫يكونوا عرفوا كل أنواع الويلت‪ ..‬لفرط ما كان‬ ‫خالد ما عاد زيان‪ .‬وتحتك‪.‬فالذين ينهبون الوطن فوق بالمليين‪.‬لفرط ما أصبح زيان ما وجد له مستقرًا غير قبر أخيه‪.‬‬ ‫أكانت ستفقد شهيتها للكل‪ .‬لمحتها تطويه وتخفيه في كيسها‪ .‬مساهمة منهم بالتنكيل بوطن حماته‬ ‫لصوصه‪.‬‬ ‫لحظت أن العجوز لم تسّلم لحافها إلى المضيفة‪ .‬خوفها من‬ ‫الموت لم يمنعها من السطو على تفاهات الحياة‪.‬‬ ‫نحن أبناء الصخرة‪ .‬‬ ‫هي تأخذه ل لحاجتها‪ .‬لو أنها علمت أن ل شيء يفصلها عن الموت‪ .‬فلماذا إذن هو بارد‬ ‫وحزين إلى هذا الحد؟‬ ‫ل على أكتاف السحب إلى قسنطينة؟‬ ‫ألم ينتظر يومًا مطيرًا كهذا عمرًا بأكمله يعود فيه محمو ً‬ ‫هاهوذا بلغها أخيرًا‪.‬صغيرك العائد من براد المنافي‪ .‬ربما أن له ترف السفر بتذكرة تساوي‬ ‫أضعاف ثمن أية تذكرة لراكب يجلس "فوقه"‪.‬ابتسامة بكعب عا ٍ‬ ‫من البتسام‪ .‬مرتعدًا كعصفور ضّميه‪ .‬إنه يساوي ميتًا‪ ..‬أّما حلكة التعتيم‪ ..‫عليه‪.‬هو ل استمارة له‪ .‬آه تحتك ثمة ما يمنعك‬ ‫لم أستطع أن أغفو‪ .‬بل لمجرد " نتف" شركة الطيران‪ .‬‬ ‫صنة بالصمت كقلعة‪ .‬تجاملك من فوق أنوثتها‪ .‬وبعد أن‬ ‫إنها كأولئك الذين تنجو طائرتهم من كارثة جوية‪ .‬أحوج منها‬ ‫إليه‪.‬كلنا في هذه الطائرة "صخر"‪ .‬أن يرفضوا التفكير في أ ّ‬ ‫يتربص بهم‪.‬وليدك المغبون‪ .‬‬ ‫ب في بيتهم‪ .‬ثمة طابق سفلي‬ ‫من عادة الجالسين فوق‪ .‬‬‫باشرت بملء استمارتي واستمارتها‪ .‬‬ ‫أعطوا للبسطاء حق سرقة الشياء الصغيرة أو إتلفها‪ .‬فتساوينا بسكان العالم السفلي‪.‬سنواصل توسيع المدافن‪.‬‬ ‫ل‪ .‬ما عدنا ندري أّيا منا صخر‪ .‬كان عليه‬ ‫أن يقضي عمرًا من أجل بلوغ صدرك‪ .‬آ الميمة جيتك بيه‪ .‬لكن ما عليهش يا اّما‪ .

‬‬‫استنتجت أنها لم تكن متزوجة وأنها تعيش مع أهلها‪.‬‬ ‫ولذا ما عاد بإمكان عطٍر أن يغ ّ‬ ‫الرائحة‪ ..‬‬ ‫عندما عادت المضيفة لتقبض ثمن قارورة العطر من الفتاة‪ .‬ل يصبح كذلك إل بانصهاره بكيمياء الجسد‪.‬له رائحة ل يستطيع الزمن أن‬ ‫ينال منها‪ .‬ل يخاف على شذى فرحة أن تنضب‪ .‬ذاهباً‬ ‫بالصمت إلى أقصاه‪ .‬‬ ‫عندما يظفرون بأنثى مربوطة إلى جوارهم‪.‬وتواصل معابثتي‪..‬بل تحرر به من محنة‬ ‫يتمه واغترابه‪ .‬وإل نوصلوك معانا أنا وابني‪ .‬لكّني فتحت مظلة الصمت‪.‬ل أسعى سوى لملمسة صمتها؟‬ ‫كنت سعيدًا بذلك القليل الذي قالته‪ .‬‬ ‫أم تراه‪ .‬كنت على وشك أن أدفع‬ ‫ن الحياة‬ ‫ثمنها‪ .‬راودتني فكرة أن أهديها إياه‪ .‬الحالة‬‫ماهيش مليحة هاذ اليام‪.‬من أين لي بكمامة تصد شذى عطر الغواية النفاذ؟‬ ..‫ حتمًا‪.‬‬ ‫كنت مغلقًا في وجه رياح الرغبات المباغتة‪ .‬تأخذني سنة التفكير‬ ‫إلى نسج أكثر من بداية قصة قد تكون لي مع هذه المرأة‪.‬‬ ‫ما عاد السؤال‪ :‬من أين له تلك القارورة؟ وعلى أية أنثى انسكبت؟ ومنذ متى وهو يحتفظ بها كما‬ ‫ل آخر إقشّعر له جسدي‪ :‬ماذا لو كان هو الذي‬ ‫يحتفظ يتيم بشيٍء وحده يعرف قيمته؟ بل غدا سؤا ً‬ ‫طلب ذلك العطر لنه اليوم أحوجنا إليه؟‬ ‫غير أنه في العالم السفلي‪ .‬مهيئًا بيننا بعمق اللتباس حفرة لغرس شتلة الشهوات‪ .‬‬ ‫ن ينفضح برائحته‪ ..‬حيث هو‪ .‬لم يتحرر بالموت من الحياة فحسب‪ .‬‬ ‫فوق هول النهايات‪ .‬لم تقل سوى "شكرًا" وانكفئت في صمتها‪.‬عندما سمعت الفتاة تسألها إن كان يوجد عندها ذلك العطر‪ .‬‬ ‫كان المر شيء يتجاوز جمال مصادفة تطابق في اختيار نوع عطر بالذات‪ .‬ليس ثمة طريق مستقيم يوصلك‬ ‫على الكرس ّ‬ ‫ي!‬ ‫إلى مبتغاك‪ .‬وتظنني أتحرش بها كعادة البائسين من الرجال‪.‬المسار دائمًا لولب ّ‬ ‫أعادت لي القلم بعد أن انتهت من ملء استمارتها‪ .‬‬‫كان في صوتها غيم و رذاذ‪ .‬‬ ‫طي على تلك الرائحة‪.‬شعرت أ ّ‬ ‫تستفزني‪ .‬إكرامًا‬ ‫لتهكم رائحته‪ .‬‬ ‫أكنت بذريعة ملمسة جثمانه بعطر‪ .‬أصابني رعب البدايات‪ .‬مستمتعًا بالرتباك اللذيذ أمام شيء شبيه بالحب‪ .‬خشية أن ل تطمئن لعذري‪ .‬إن إستطعت‬ ‫تأمين مظلٍة تقيني رذاذ الرغبة‪ .‬دواره وإغراؤه‪ .‬ففي قسنطينة ذات المنعطفات الكثيرة‪ .‬في عزلة جثما ٍ‬ ‫ل كان حريصًا على جمالية الحضور‪.‬ل شيء غير اعتذار عطٍر تأخر فناب عنه الموت‪.‬هو الذي كان يحتفظ بين أشيائه بقارورةٍ فارغة لهذا العطر نفسه‪.‬جمال الخوف العاطفي‪ .‬‬ ‫ردت شاكرة‪:‬‬ ‫ يعطيك الصحة‪ .‬متحاشيًا دربًا متعرجًا قد يوصلني إلى امرأة جالسة‬ ‫ي الملصق‪ .‬بقيت مندهشًا‪ .‬‬ ‫تكّفلت جارتي بفضول العجائز سؤالها‪:‬‬ ‫ إن شاء ال كاين اللي يجي يلقيك في هاذا الليل يا بنتي‪ .‬فما حاجته إلى عطٍر يسكبه في قارورة اليتم الفارغة؟‬ ‫إنه اليوم القل يتمًا بيننا‪ .‬وحزن موسيقى تنهطل‪ .‬طلبت منها علبة سجائر‪ .‬على يتٍم ننفضح به عطرًا في غيابه‪.‬‬ ‫غير أنني لم أفعل‪ .‬‬ ‫وتشي ببشاعة رج ٍ‬ ‫غير أن العطر في قارورة هو مشروع شذى رائحة‪ .‬‬ ‫كانت المضيفة تمر لحظتها بعربة البضائع‪ .‬إلى هول تصادف‬ ‫وجود تابوته تحتنا‪ .‬إنها رائحة البدية‪.‬هو يحتاج ذلك العطر للجم رائحة توقظ شراهة الديدان‪.‬راح يجي خويا يلقيني‪.

‬‬ ‫حلمت برقمها يظهر على شاشة هاتفي‪ .‬من هول النبهار بفاجعة على ذلك القدر من جمال الدمار‪ .‬‬ .‬‬ ‫الصغيرة للنافذة‪ .‬‬ ‫سلطة عطرها عل ّ‬ ‫كان الحب يتقدم نحوي كوقع حوافر الجياد‪ .‬‬ ‫في مجرة الحب‪ .‬إنها الحياة‪.‬‬ ‫ما كانت " حياة"‪ .‬‬ ‫تلك التي يوم رأيتها لول مرة في ذلك المقهى ذات ثلثين أكتوبر عند الساعة الواحدة والربع‪.‬عن العسكر‪ .‬إلى نعشه الذي يرت ّ‬ ‫هنا نفترق أنا وهو‪ .‬‬ ‫بدأت العجوز على يميني تطالبني بالهتمام بها‪ .‬ول أملك إلأن أأتمنها عليه‪ .‬أشكر الدورة الدموية للكرة الرضية‪ .‬كلحظة هبوط طائرة‪.‬على الصخرة نفسها‪ .‬إنه الليل‪ .‬يضّمني حزام أمان في كل مقعد‪ .‬بغرف فنادق ينغلق فيها الباب علينا‪.‬وعن الوطان الخادعة‪.‬حتى ل تزداد رعبًا إ ْ‬ ‫ ما تشوفيش لتحت ياّما‪.‬صوت يأخذ بيدي‪.‬أن‬ ‫كنت منشغ ً‬ ‫تبقوا أحزمتكم مربوطة‪ .‬لكأننا نحتاج جثمانهم جسرًا‪ .‬يطمئن عل ّ‬ ‫لكن‪ .‬ولذا في ك ّ‬ ‫ش تنكُأ جراح ارتطامنا بالحب الول‪.‬بأما ٍ‬ ‫عن ال‪ .‬يسبقه غبار الماضي‪ .‬من يدير سير الكواكب؟ من يبعدها ويقّربها؟ من يبرمج تلقيها وتصادمها؟ من‬ ‫يطقئ إحداها ويضيء أخرى في سماء حياتنا؟ وهل ينبغي أن يتعّثر المرء بجثمان ليقع في الحب؟‬ ‫ب جديد‪ .‬‬ ‫المهات‪ .‬للح ّ‬ ‫أأكون ما شفيت منها؟ لكأنها امرأة داخلة في خياشيم ذاكرتي‪ .‬يطاردني بخوف‬ ‫ي‪ .‬‬ ‫ظيا انخطافًا أحدهما بالخر‪.‬أني قلت لها وأنا أستأذنها في‬ ‫الجلوس‪ " :‬سيدتي‪ .‬لنها لم تجعلنا نلتقي قبل اليوم"‪.‬لكنني أتشممه‪.‬وأنزلت الستارة‬ ‫ن هي نظرت إلى قسنطينة من فوق‪.‫كان العبور الخاطف لرائحته‪ .‬لكن ما استطاع أن يلغي‬ ‫ي‪.‬على يساري‪ .‬دومًا نتعثر بجثمان من أحببنا‪ .‬‬ ‫ل عن الحب والموت‪.‬‬‫ل‪ .‬بمن قتلناهم حتى نستطيع مواصلة‬ ‫في سعينا إلى ح ّ‬ ‫ل عثراتنا العاطفية‪ .‬ولم يعد بإمكان أحد تبادل أ ّ‬ ‫ج اللحظة مرتطمًا بتراب قسنطينة‪.‬وتضحك ملء موتها من ّ‬ ‫معي‪ .‬كي أنسى العالم السفلي‪.‬أتعّثر بعطرها‬ ‫أينما حللت‪.‬وأن تكّفوا عن التدخين"‪.‬بمدن جديدة نزورها معًا‪ .‬‬ ‫نفسه‪ .‬‬ ‫ذهب تفكيري عنده‪ .‬لقول شيئًا لعطٍر جاء حضوره‬ ‫متأخرًا ‪ .‬‬ ‫س نتحدث فيها طوي ً‬ ‫بصباحات آخذ فيها حمامي فتناولني شفتيها منشفة‪ .‬يطمئنني‪ ..‬يجتاز‬ ‫معي الشوارع‪ .‬أن أنظر أنا أيضًا جواري‪ .‬ومخيفًا‪ .‬يركب معي الطائرات‪ .‬‬ ‫ي بين كوكبين سيتش ّ‬ ‫شعرت بصاعقة الصطدام العشق ّ‬ ‫أذكر‪ .‬‬ ‫ي‪ .‬‬ ‫ل بذكراها ‪ .‬ساعدتها على ربط حزامها‪ .‬‬ ‫كنت أريد أن تطلق سبيلي قلي ً‬ ‫أن أسرق اللحظات الخيرة من هذا الموعد الشاهق في غرائبيته‪ .‬أنت تتعّثر بمقبرة‪.‬‬ ‫لكن الطائرة حطت على الرض بتلك السرعة الرتطامية القصوى التي تنزل بها الطائرات‪ .‬‬ ‫أزير محركاتها يعلو وهي تسرع بنا على مدرج المطار‪ .‬شيء منها لأعرفه بعد‪ .‬ذلك أن في هذه المرأة شيئًا من‬ ‫تلك‪ .‬‬ ‫كم حلمت بطائات تأخذني إليها‪ .‬تسترق السمع إل ّ‬ ‫في حب كذاك ل تتعثر بجثة‪ ...‬نقع في المكان‬ ‫الطريق نحو غيرهم‪ ..‬وتنهض أجسادنا مثخنٍة بخدو ٍ‬ ‫ب أخطاء أبدية واجبة التكرار!‬ ‫فل تهدر وقتك في نصح العشاق‪ .‬كان‬ ‫ي حديث‪.‬يشوش بعض الوقت على اشتهائي لها‪ .‬هنا ينتهي مهرجان السفر‪ .‬عندما فاجأني صوت المضيفة" الرجاء أن تقّوموا ظهور مقاعدكم‪.‬مخترقة مسام قدري‪ .‬والوقت غير‬ ‫مناسب لللرتماء في حضنها‪..‬إحداها تسافر‬ ‫ي‪.‬عن الحلم المغدور بها‪ .‬ليس ثمة غير هذه الجثث التي بيننا‪ .‬بصوتها يتناول معي قهوتي‪ .‬دومًا كانت لي مع هذه المرأة متع مهددة‪ .‬يرافقني إلى مكتبي‪ .

‬ل أدري من منا العظم خوفًا‪ .‬الرجاء إبقاء أحزمتكم مربوطة‪ .‬الساعة الن تشير إلى الحادية‬ ‫طت بنا الطائرة في مطار محمد‬ ‫ل‪ .‬منذور يا صديقي كجسدك لديدان الوطن‪ .‫باكرًا تذهب إلى النوم قسنطينة‪ .‬أحضنيه كذبًا‬ ‫ل كان اسمه‬ ‫وعودي إلى النوم‪ .‬‬ ‫نفاخر بمآثر الديدان وإكرامًا لنهمها لمزيد من الشهداء‪ .‬والن وقد ح ّ‬ ‫الشوارع والزقة محجوزة أسماؤها لقدامى الشهداء والخسارات القادمة‪.‬‬ ‫أن تتفهم جشع الديدان البشرية‪ .‬ل تسأليه عن إسمه‪ .‬تظاهري بالكتراث به‪ .‬ومنهك الحلم أنا‪ .‬‬ ‫وحدها العجوز المتشبثة بذراعي تشّبثها بالحياة كانت تصلني دعواتها وابتهالتها المذعورة‪.‬‬ ‫طي على صخب صمت تقاسمته طوال الرحلة معه‪.‬لقد ح ّ‬ ‫عشرة والنصف لي ً‬ ‫بوضياف‪ .‬‬ ‫كان أزير الطائرة يغ ّ‬ ‫ماذا أستطيع ضّد قدر حجز لي في سفريات الحياة مقعدًا فوق رائحة‪ .‬‬ ‫إنتهت في ‪ 10‬يوليو ‪ 2002‬م‬ ‫الساعة العاشرة والنصف ‪.‬قسنطينة"‪.‬‬ ‫كان صوت المضيفة يعلن‪ ":‬الحرارة في الخارج ست درجات‪ .‬التي جمعت ثروتاه من موائد تعففك وترفعك حيًا عما كان‬ ‫وليمتها‪ .‬التي يتوّلى‬ ‫مزارعو تخصيب الموت تربيتها وتهيأة التربة الفضل لها‪ .‬‬ ‫مستسلم هو للنعاس الخير‪ ..‬‬ ‫فعمرك المسفوح بين ثورتك وثروتهم‪ .‬حيثما ح ّ‬ ‫ل فيك امنحي إسمه لصخرة أو شجرة عند أقدام جسر‪ .‬وستحّرض عليك اليوم أخرى‪ ...‬وجوار عطر‪ .‬التي في غيبتك عششت وتناسلت فوق التراب‬ ‫وتحته‪.‬تعّففي عن إيذاء حلمه‪ .‬صباحًا‬ .‬ول أحد يجرؤ على إيقاظ حارس الموتى الذي ارتدى منامة الغفلة‬ ‫خوفًا من القتلة‪.‬يستقلن‬ ‫الطائرة نفسها‪.‬ما دامت كل‬ ‫القسنطيني‪ .‬‬ ‫عليك أن تعرف أنك منذ الن في حماية الديدان‪ .‬نقدم لها بهاء أجسادنا قرابين ولء‪.‬سيدتي قسنطينة‬ ‫التي ل تستيقظ إل لجدولة موتنا‪ .‬كما تربي بلد أخرى في أحواضها‬ ‫اللؤلؤ والمرجان‪.‬ل تدققي في أوراقه كثيرًا‪ .‬لتقتات بما بقي من جسد سبق أن أطعمت بعضه للثورة‪.

Sign up to vote on this title
UsefulNot useful