You are on page 1of 120

1

‫الرحالة ك‬
‫طبائع الستبداد‬
‫و‬
‫مصارع الستعباد‬

‫وهي كلمة حق و صرخة في واد‬


‫إن ذهبت اليوم مع الريح‬
‫لقد تذهب غدا ً بالوتاد‬

‫عبد الرحمن الكواكبي‬

‫‪2‬‬
‫بسم الله الرحمن الرحيم‬

‫فاتحة الكتاب‬

‫صلة‬ ‫الحمد للّه‪ ،‬خالق الكون على نظام ٍ محكم متين‪ ،‬وال ّ‬
‫سلم على أنبيائه العظام‪ ،‬هداة المم إلى الحقّ المبين‪،‬‬ ‫وال ّ‬
‫ي الذي أرسله رحمة للعالمين‬ ‫ي العرب ّ‬ ‫لسيما منهم على النب ّ‬
‫ليرقى بهم معاشا ً ومعادا ً على سلّم الحكمة إلى علّيين‪.‬‬
‫ضعيف‬ ‫ل وأنا مسلم عربي مضطر للكتتام شأن ال ّ‬ ‫أقو ُ‬
‫صادع بالمر‪ ،‬المعلن رأيه تحت سماء الشرق‪ ،‬الّراجي اكتفاء‬ ‫ال ّ‬
‫من قال‪ :‬وتعرف الحقّ في ذاته ل بالرجال‪،‬‬ ‫المطالعين بالقول ع ًّ‬
‫ت دياري‬ ‫إنني في سنة ثماني عشر وثلثمائة وألف هجرية هجر ُ‬
‫ت مصر‪ ،‬واتخذتها لي مركزا ً أرجع إليه‬ ‫شرق‪ ،‬فزر ُ‬ ‫سرحا ً في ال ّ‬
‫ي عم النّبي‬ ‫مغتنما ً عهد الحّريّة فيها على عهد عزيزها حضرة سم ًّ‬
‫ت‬
‫( العباس الثاني ) النّاشر لواء المن على أكناف ملكه‪ ،‬فوجد ُ‬
‫ة‬
‫شرق خائض ٌ‬ ‫أفكار سراة القوم في مصر كما هي في سائر ال ّ‬
‫عباب البحث في المسألة الكبرى‪ ،‬أعني المسألة الجتماعية في‬
‫شرق عموما ً وفي المسلمين خصوصاً‪ ،‬إنما هم كسائر الباحثين‪،‬‬ ‫ال ّ‬
‫ث‬ ‫ل يذهب مذهبا ً في سبب النحطاط وفي ما هو الدواء‪ .‬وحي ُ‬ ‫ك ّ‬
‫ن أصل الدّاء هو الستبداد‬ ‫حص عندي أ ّ‬ ‫إني قد تم ّ‬
‫ََ‬
‫شورى الدّستورية‪ .‬وقد استق َّر‬ ‫سياسي ودواؤه دفعه بال ّ‬ ‫ال ّ‬
‫ل نبأ مستقراًـ بعد بحث ثلثين عاماً‪...‬‬ ‫ن لك ُ ّ‬ ‫فكري على ذلك ـكما أ ّ‬
‫م‬‫ل ما يخطُر على البال من سبب يتوهّ ُ‬ ‫ه يكاد يشمل ك ّ‬ ‫بحثا ً أظن ّ ُ‬
‫م‬
‫ه ظفر بأصل الدّاء أو بأه ّ‬ ‫فيه الباحث عند النظرةِ الولى‪ ،‬أن ُ‬
‫ن يكشف له التّدقيق أنّه لم يظفر بشيء‪،‬‬ ‫ن؛ ل يلبث أ ْ‬ ‫أصوله‪ ،‬ولك ْ‬
‫ن ذلك فرع ٌ ل أصل‪ ،‬أو هو نتيجة ل وسيلة ‪.‬‬ ‫أو أ ّ‬
‫ن‬ ‫ن أصل الدّاء التّهاون في الدّين‪ ،‬ل يلبث أ ْ‬ ‫ل مثلً‪ :‬إ ّ‬
‫فالقائ ُ‬
‫يقف حائرا ً عندما يسأل نفسه لماذا تهاون النّاس في الدّين؟‬
‫ن الدّاء اختلف الراء‪ ،‬يقف مبهوتا ً عند تعليل سبب‬ ‫والقائل‪ :‬إ ّ‬
‫ل عليه وجود الختلف‬ ‫شك ُ ُ‬
‫الختلف‪ .‬فإن قال‪ :‬سببه الجهل‪ ،‬ي َ ْ‬
‫بين العلماء بصورة أقوى وأشدّ‪ ...‬وهكذا؛ يجد نفسه في حلقة‬
‫مفرغة ل مبدأ لها‪ ،‬فيرجع إلى القول‪ :‬هذا ما يريده الله بخلقه‪،‬‬ ‫ُ‬
‫م‪...‬‬ ‫ل رحي ٌ‬ ‫م عاد ٌ‬ ‫ن الله حكي ٌ‬‫غير مكترث بمنازعة عقله ودينه له بأ ّ‬

‫‪3‬‬
‫ة لفكر المطالعين‪ ،‬أعدّد لهم المباحث التي‬ ‫وإنّي‪ ،‬إراح ً‬
‫ت حتّى بحياتي في‬ ‫ت نفسي في تحليلها‪ ،‬وخاطر ُ‬ ‫طالما أتعب ُ‬
‫ت على الّرأي القائل‬ ‫درسها وتدقيقها‪ ،‬وبذلك يعلمون أنّي ما وافق ُ‬
‫ح‬
‫سياسي إل بعد عناءٍ طويل يرج ُ‬ ‫ن أصل الدّاء هو الستبداد ال ّ‬ ‫بأ ّ‬
‫ن نيَّتي شفيع‬
‫حس َ‬ ‫ن يجعل ُ‬ ‫ت الغرض‪ .‬وأرجو الله أ ْ‬ ‫قد أصب ُ‬
‫سيئاتي‪ ،‬وهاهي المباحث‪:‬‬
‫ت في أشهر جرائدها بعض‬ ‫في زيارتي هذه لمصر‪ ،‬نشر ُ‬
‫مقالت سياسية تحت عنوانات الستبداد‪ :‬ما هو الستبداد وما‬
‫تأثيره على الدّين‪ ،‬على العلم‪ ،‬على التّربية على الخلق‪ ،‬على‬
‫المجد‪ ،‬على المال‪ ...‬إلى غير ذلك‪.‬‬
‫ت تكليف بعض الشبيبة‪،‬‬ ‫ة أجب ُ‬ ‫ثم في زيارتي إلى مصر ثاني ً‬
‫ت تلك المباحث خصوصا ً في الجتماعيات كالتربية‬ ‫سع ُ‬‫فو ّ‬
‫ُّ‬
‫ت‬‫والخلق‪ ،‬وأضفت إليها طرائق التخلص من الستبداد‪ ،‬ونشر ُ‬
‫ميته (طبائع الستبداد ومصارع الستعباد)‬ ‫ذلك في كتاب س َّ‬
‫ة مني للنّاشئة العربية المباركة البية المعقودة آمال‬ ‫وجعلته هدي ً‬
‫ن نواصيهم‪ .‬ول غروَ‪ ،‬فل شباب إل بالشباب‪.‬‬ ‫م ِ‬ ‫المة بي ُ ْ‬
‫ت الكتاب قد نفد في‬ ‫م في زيارتي هذه‪ ،‬وهي الثالثة‪ ،‬وجد ُ‬ ‫ث ّ‬
‫ت أن أعيد النّظر فيه‪ ،‬وأزيده زيدا ً مما درست ُ ُ‬
‫ه‬ ‫برهةٍ قليلة‪ ،‬فأحبب ُ‬
‫ت في هذا السبيل‬ ‫فضبطتُه‪ ،‬أو ما اقتبستُه وطبَّقتُه‪ ،‬وقد صرف ُ‬
‫عمرا ً عزيزا ً وعناءً غير قليل‪ ...‬وأنا ل أقصد في مباحثي ظالماً‬
‫ت بيان طبائع الستبداد‬ ‫مة مخصصة‪ ،‬وإنما أرد ُ‬ ‫ة وأ َّ‬ ‫بعينه ول حكوم ً‬
‫وما يفعل‪ ،‬وتشخيص مصارع الستعباد وما يقضيه ويمضيه على‬
‫ذويه‪ ...‬ولي هناك قصد ٌ آخر؛ وهو التنبيه لمورد الداء الدّفين‪،‬‬
‫لَ‬
‫عسى أن يعرف الذين قضوا نحبهم‪ ،‬أنهم هم المتسببون لما ح ّ‬
‫بهم‪ ،‬فل يعتبون على الغيار ول على القدار‪ ،‬إنما يعتبون على‬
‫ق من‬ ‫الجهل وفَقْد ِ الهمم والتّواكل‪ ..‬وعسى الذين فيهم بقية رم ٍ‬
‫الحياة يستدركون شأنهم قبل الممات‪...‬‬
‫ت في النشاء أسلوب القتضاب‪ ،‬وهو السلوب‬ ‫وقد تخيّر ُ‬
‫سهل المفيد الذي يختاره كُتَّاب سائر اللغات‪ ،‬ابتعادا ً عن قيود‬ ‫ال ّ‬
‫التعقيد وسلسل التّأصيل والتّفريغ‪ .‬هذا وإنّي أخالف أولئك‬
‫المؤل ِّفين‪ ،‬فل أتمنى العفو عن الزلل؛ إنما أقول‪:‬‬
‫هذا جهدي‪ ،‬وللناقد الفاضل أن يأتي قومه بخير منه‪ .‬فما أنا‬
‫سعه‪،‬‬ ‫إل فاتح باب صغير من أسوار الستبداد‪ .‬عسى الزمان يو ِّ‬
‫ي المهتدين‪.‬‬ ‫والله ول ُّ‬

‫‪1320‬هـ‪1902 -‬م‬

‫‪4‬‬
‫مقدمة‬

‫م واسعٌ جدّاً‪ ،‬يتفّرع ُ إلى فنون كثيرة‬ ‫سياسة عل ٌ‬ ‫ن ال ّ‬


‫ل خفاء أ ّ‬
‫ث دقيقة شتّى‪ .‬وقلّما يوجد إنسان يحيط بهذا العلم‪ ،‬كما‬ ‫ومباح َ‬
‫ك فيه‪.‬‬‫ُ‬ ‫أنّه قلّما يوجد إنسان ل يحت ّ‬
‫ل المم المترقية علماءُ سياسيون‪ ،‬تكلّموا‬ ‫وقد وُجد في ك ِّ‬
‫سياسة و مباحثها استطرادا ً في مدوّنات الديان أو‬ ‫في فنون ال ّ‬
‫ب‬‫الحقوق أو التاريخ أو الخلق أو الدب‪ .‬ول تُعرف للقدمين كت ٌ‬
‫سسي الجمهوريات في الّرومان‬ ‫سياسة لغير مؤ ِّ‬ ‫مخصوصة في ال ّ‬
‫مؤلّفات سياسية أخلقية ككليلة ودمنة‬ ‫واليونان‪ ،‬وإنّما لبعضهم ُ‬
‫ورسائل غوريغوريوس‪ ،‬ومحّررات سياسية دينية كنهج البلغة‬
‫وكتاب الخراج‪.‬‬
‫صلة في هذا‬ ‫مف ّ‬‫وأما في القرون المتوسطة فل تؤثر أبحاث ُ‬
‫الفن لغير علماء السلم؛ فهم ألّفوا فيه ممزوجا ً بالخلق‬
‫س‪،‬‬ ‫ّ‬
‫كالّرازي‪ ،‬والطوسي‪ ،‬والغزالي‪ ،‬والعلئي‪ ،‬وهي طريقة الفُْر ِ‬
‫وممزوجا ً بالدب كالمعّري‪ ،‬والمتنبّي‪ ،‬وهي طريقة العرب‪،‬‬
‫وممزوجا ً بالتاريخ كابن خلدون‪ ،‬وابن بطوطة‪ ،‬وهي طريقة‬
‫المغاربة‪.‬‬
‫سعوا في‬ ‫م أمريكا‪ ،‬فقد تو َّ‬ ‫خرون من أهل أوروبا‪ ،‬ث َّ‬ ‫ما المتأ ِّ‬
‫أ ّ‬
‫َ‬ ‫ً‬
‫هذا العلم وألفوا فيه كثيرا وأشبعوه تفصيلً‪ ،‬حت ّى إنّهم أفردوا‬ ‫ّ‬
‫بعض مباحثه في التّأليف بمجلّدات ضخمة‪ ،‬وقد ميّزوا مباحثه إلى‬
‫سياسة عمومية‪ ،‬وسياسة خارجية‪ ،‬وسياسة إدارية‪ ،‬وسياسة‬

‫‪5‬‬
‫سموا كل ً منها إلى أبواب‬ ‫اقتصادية‪ ،‬وسياسة حقوقية‪ ،‬إلخ‪ .‬وق ّ‬
‫شتَّى وأصول وفروع‪.‬‬
‫خرون من الشرقيين‪ ،‬فقد وُجد من التّرك كثيرون‬ ‫ما المتأ ِّ‬‫وأ ّ‬
‫ألّفوا في أكثر مباحثه تآليف مستقلة وممزوجة مثل‪ :‬أحمد جودة‬
‫ّ‬
‫باشا‪ ،‬وكمال بك‪ ،‬وسليمان باشا‪ ،‬وحسن فهمي باشا‪ ،‬والمؤلّفون‬
‫من العرب قليلون ومقلّون‪ ،‬والذين يستحقّون الذكر منهم فيما‬
‫نعلم‪ :‬رفاعة بك‪ ،‬وخير الدّين باشا التّونسي‪ ،‬وأحمد فارس‪،‬‬
‫وسليم البستاني‪،‬والمبعوث المدني‪.‬‬
‫سياسيين من العرب قد‬ ‫ن المحّرِرين ال ّ‬ ‫ن؛ يظهر لنا أ ّ‬ ‫ولك ْ‬
‫كثروا‪ ،‬بدليل ما يظهر من منشوراتهم في الجرائد والمجلت في‬
‫ن أُذكّر حضراتهم على‬ ‫مواضع كثيرة‪ .‬ولهذا‪ ،‬لح لهذا العاجز أ ْ‬
‫سياسية‪،‬‬ ‫م المباحث ال ّ‬ ‫لسان بعض الجرائد العربية بموضوع هو أه ّ‬
‫ل من طرق بابه منهم إلى الن‪ ،‬فأدعوهم إلى ميدان‬ ‫وق َّ‬
‫المسابقة في خير خدمة ينيرون بها أفكار إخوانهم الشرقيين‬
‫وينبِّهونهم ـ لسيما العرب منهم ـ لما هم عنه غافلون‪ ،‬فيفيدونهم‬
‫شرق وما‬ ‫بالبحث والتّعليل وضرب المثال والتّحليل (ما هو داء ال ّ‬
‫هو دواؤه؟)‪.‬‬
‫شؤون‬ ‫سياسة بأنّه هو «إدارة ال ّ‬ ‫ما كان تعريف علم ال ّ‬ ‫ول ّ‬
‫سياسة‬ ‫المشتركة بمقتضى الحكمة» يكون بالطّبع أوّل مباحث ال ّ‬
‫شؤون المشتركة‬ ‫مها بحث (الستبداد)؛ أي التّصُّرف في ال ّ‬ ‫وأه ّ‬
‫بمقتضى الهوى‪.‬‬
‫ن المتكل ِّم في الستبداد عليه أن يلحظ تعريف‬ ‫وإنّي أرى أ ّ‬
‫وتشخيص ((ما هو الستبداد؟ ما سببه؟ ما أعراضه؟ ما سيره؟ ما‬
‫مل تفصيلت‬ ‫إنذاره؟ ما دواؤه؟)) وك ُّ‬
‫ل موضوع من ذلك يتح ّ‬
‫كثيرة‪ ،‬وينطوي على مباحث شتّى من أمهاتها‪ :‬ما هي طبائع‬
‫الستبداد؟ لماذا يكون المستبد ُّ شديد الخوف؟ لماذا يستولي‬
‫الجبن على رعية المستبدّ؟ ما تأثير الستبداد على الدّين؟ على‬
‫العلم؟ على المجد؟ على المال؟ على الخلق؟ على التَّرقِّي؟‬
‫على التّربية؟ على العمران؟‬
‫مل الستبداد؟ كيف يكون‬ ‫ن هم أعوان المستبدّ؟ هل يُتح ّ‬ ‫م ْ‬
‫َ‬
‫التّخلص من الستبداد؟ بماذا ينبغي استبدال الستبداد؟‬
‫قبل الخوض في هذه المسائل يمكننا أن نشير إلى النّتائج‬
‫التي تستقُّر عندها أفكار الباحثين في هذا الموضوع‪ ،‬وهي نتائج‬
‫متَّحدة المدلول مختلفة التعبير على حسب اختلف المشارب‬
‫والنظار في الباحثين‪ ،‬وهي‪:‬‬
‫يقول المادي‪ :‬الدّاء‪ :‬القوة‪ ،‬والدّواء‪ :‬المقاومة‪.‬‬

‫‪6‬‬
‫سياسي‪ :‬الدّاء‪ :‬استعباد البرية‪ ،‬والدّواء‪:‬‬ ‫ويقول ال ّ‬
‫استرداد الحّريّة‪.‬‬
‫ويقول الحكيم‪ :‬الدّاء‪ :‬القدرة على العتساف‪ ،‬والدّواء‪:‬‬
‫القتدار على الستنصاف‪.‬‬
‫شريعة‪،‬‬ ‫سلطة على ال ّ‬ ‫ويقول الحقوقي‪ :‬الدّاء‪ :‬تغلّب ال ّ‬
‫سلطة‪.‬‬ ‫شريعة على ال ّ‬ ‫والدّواء‪ :‬تغليب ال ّ‬
‫ويقول الّربّاني‪ :‬الدّاء‪ :‬مشاركة الله في الجبروت‪،‬‬
‫والدّواء‪ :‬توحيد الله حقّاً‪.‬‬
‫ما أهل العزائم‪:‬‬‫وهذه أقوال أهل النظر‪ ،‬و أ ّ‬
‫ي‪ :‬الدّاء‪ :‬مد ُّ الّرقاب للسلسل‪ ،‬والدّواء‪:‬‬ ‫فيقول الب ُّ‬
‫شموخ عن الذ ّل‪.‬‬ ‫ال ّ‬
‫ويقول المتين‪ :‬الدّاء‪ :‬وجود الّرؤساء بل زمام‪ ،‬والدّواء‪:‬‬
‫ربطهم بالقيود الثّقال‪.‬‬
‫ويقول الحّر‪ :‬الدّاء‪ :‬التّعالي على النّاس باطلً‪ ،‬والدّواء‪:‬‬
‫تذليل المتكبّرين‪.‬‬
‫بُ‬
‫ب الحياة‪ ،‬والدّواء‪ :‬ح ّ‬ ‫ُ‬ ‫ويقول المفادي‪ :‬الدّاء‪ :‬ح ّ‬
‫الموت‪.‬‬

‫‪7‬‬
‫ما هو الستبداد‬

‫ة هو‪ :‬غرور المرء برأيه‪ ،‬والنفة عن قبول‬ ‫الستبداد ُ لغ ً‬


‫النّصيحة‪ ،‬أو الستقلل في الّرأي وفي الحقوق المشتركة‪.‬‬
‫ة؛ لنّها‬‫ص ً‬
‫ويُراد بالستبداد عند إطلقه استبداد الحكومات خا ّ‬
‫ت النسان أشقى ذوي الحياة‪.‬‬ ‫أعظم مظاهر أضراره التي جعل ْ‬
‫ُ‬
‫وأما تحكّم النّفس على العقل‪ ،‬وتحك ّم الب والستاذ والّزوج‪،‬‬
‫ورؤساء بعض الديان‪ ،‬وبعض الشركات‪ ،‬وبعض الطّبقات؛‬
‫فيوصف بالستبداد مجازا ً أو مع الضافة‪.‬‬
‫صُّرف فرد أو جمع‬ ‫سياسيين هو‪ :‬ت َ َ‬ ‫الستبداد في اصطلح ال ّ‬
‫في حقوق قوم بالمشيئة وبل خوف تبعة‪ ،‬وقد تَطُرق مزيدات‬
‫على هذا المعنى الصطلحي فيستعملون في مقام كلمة‬
‫ُ‬
‫(استبداد) كلمات‪ :‬استعباد‪ ،‬واعتساف‪ ،‬وتسل ّط‪ ،‬وتحكُّم‪ .‬وفي‬
‫س مشترك‪ ،‬وتكافؤ‪ ،‬وسلطة عامة‪.‬‬ ‫مقابلتها كلمات‪ :‬مساواة‪ ،‬وح ّ‬
‫ويستعملون في مقام صفة (مستبدّ) كلمات‪ :‬جبّار‪ ،‬وطاغية‪،‬‬
‫وحاكم بأمره‪ ،‬وحاكم مطلق‪ .‬وفي مقابلة( حكومة مستبدّة)‬
‫كلمات‪ :‬عادلة‪ ،‬ومسؤولة‪ ،‬ومقيّدة‪ ،‬ودستورية‪ .‬ويستعملون في‬
‫مقام وصف الّرعية (المستَبَد ّ عليهم) كلمات‪ :‬أسرى‪،‬‬
‫ومستصغرين‪ ،‬وبؤساء‪ ،‬ومستنبتين‪ ،‬وفي مقابلتها‪ :‬أحرار‪ ،‬وأباة‪،‬‬
‫وأحياء‪ ،‬وأعّزاء‪.‬‬
‫هذا تعريف الستبداد بأسلوب ذكر المرادفات والمقابلت‪،‬‬
‫ن الستبداد صفة للحكومة المطلقة‬ ‫ما تعريفه بالوصف فهو‪ :‬أ ّ‬ ‫وأ ّ‬
‫العنان فعل ً أو حكماً‪ ،‬التي تتصّرف في شؤون الّرعية كما تشاء‬
‫بل خشية حساب ول عقاب محقَّقَين‪ .‬وتفسير ذلك هو كون‬
‫شريعة‪ ،‬أو على‬ ‫مكلّفة بتطبيق تصُّرفها على ّ‬ ‫ما هي غير ُ‬ ‫الحكومة إ ّ‬
‫مة‪ ،‬وهذه حالة الحكومات‬ ‫أمثلة تقليدية‪ ،‬أو على إرادة ال ّ‬
‫مطلقة‪ .‬أو هي مقيّدة بنوع من ذلك‪ ،‬ولكنّها تملك بنفوذها‬ ‫ال ُ‬
‫إبطال قوّة القيد بما تهوى‪ ،‬وهذه حالة أكثر الحكومات التي‬
‫مي نفسها بالمقيّدة أو بالجمهورية‪.‬‬ ‫تُس ّ‬
‫لُ‬
‫وأشكال الحكومة المستبدّة كثيرة ليس هذا البحث مح ّ‬
‫ن صفة الستبداد‪ ،‬كما تشمل‬ ‫تفصيلها‪ .‬ويكفي هنا الشارة إلى أ ّ‬
‫حكومة الحاكم الفرد المطلق الذي تولّى الحكم بالغلبة أو‬
‫الوراثة‪ ،‬تشمل أيضا ً الحاكم الفرد المقيَّد المنتخب متى كان غير‬
‫ن الشتراك في‬ ‫مسؤول‪ ،‬وتشمل حكومة الجمع ولو منتخباً؛ ل َّ‬
‫الّرأي ل يدفع الستبداد‪ ،‬وإنَّما قد يعدّله الختلف نوعاً‪ ،‬وقد يكون‬
‫عند التّفاق أضّر من استبداد الفرد‪ .‬ويشمل أيضا ً الحكومة‬
‫مفَّرقة فيها بالكُل ِّيَّة قوَّة التشريع عن قوَّة التَّنفيذ‬ ‫الدّستورية ال ُ‬

‫‪8‬‬
‫ن الستبداد ل يرتفع ما لم يكن هناك ارتباط‬ ‫وعن قوَّة المراقِبة؛ ل َّ‬
‫شّرِعين‪،‬‬ ‫م َ‬‫منَفِّذ ُون مسؤولين لدى ال ُ‬ ‫في المسؤولية‪ ،‬فيكون ال ُ‬
‫مة التي تعرف أنَّها صاحبة‬ ‫مة‪ ،‬تلك ال َّ‬ ‫وهؤلء مسؤولين لدى ال َّ‬
‫ن تتقاضى الحساب‪.‬‬ ‫ن تراقب وأ ْ‬ ‫شأن كلّه‪ ،‬وتعرف أ ْ‬ ‫ال ّ‬
‫شيطان هي‬ ‫وأشد ّ مراتب الستبداد التي يُتعوَّذ بها من ال ّ‬
‫حكومة الفرد المطلق‪ ،‬الوارث للعرش‪ ،‬القائد للجيش‪ ،‬الحائز‬
‫ن هذه‬ ‫ن نقول كلّما ق َّ‬
‫فم ْ‬ ‫ص ٌ‬ ‫ل َو ْ‬ ‫على سلطة دينية‪ .‬ولنا أ ْ‬
‫ن ينتهي بالحاكم المنتخب الموقت‬ ‫ف الستبداد إلى أ ْ‬ ‫الوصاف؛ خ َّ‬
‫ل عدد‬ ‫ف الستبداد ـ طبعاًـ كلّما ق َّ‬ ‫المسؤول فعلً‪ .‬وكذلك يخ ُّ‬
‫ل التّفاوت في‬ ‫ل الرتباط بالملك الثّابتة‪ ،‬وق َّ‬ ‫نفوس الَرعية‪ ،‬وق َّ‬
‫ّ‬
‫شعب في المعارف‪.‬‬ ‫َ‬ ‫ّ‬
‫الثّروة وكلما ترقّى ال ّ‬
‫ن الحكومة من أيّ نوع كانت ل تخرج عن وصف الستبداد؛‬ ‫إ َّ‬
‫شديدة والحتساب الّذي ل تسامح‬ ‫ما لم تكن تحت المراقبة ال َّ‬
‫م على‬ ‫فيه‪ ،‬كما جرى في صدر السلم في ما نُقِم على عثمان‪ ،‬ث َّ‬
‫ي رضي الله عنهما‪ ،‬وكما جرى في عهد هذه الجمهورية‬ ‫عل ّ‬
‫الحاضرة في فرنسا في مسائل النّياشين وبناما ودريفوس‪.‬‬
‫ة وتاريخا‌ـً أنَّه؛ ما من حكومة‬ ‫ومن المور المقَّررة طبيع ً‬
‫ُ‬
‫مة أو التَّمك ّن‬ ‫عادلة تأمن المسؤولية والمؤاخذة بسبب غفلة ال ّ‬
‫من إغفالها إل ّ وتسارع إلى التَّلبُّس بصفة الستبداد‪ ،‬وبعد أ ْ‬
‫ن‬
‫تتمكَّن فيه ل تتركه وفي خدمتها إحدى الوسيلتين العظيمتين‪:‬‬
‫َ‬
‫المنظ ّمة‪ .‬وهما أكبر مصائب المم وأه ّ‬
‫م‬
‫َ‬
‫مة‪ ،‬والجنود‬ ‫جهالة ال َّ‬
‫معائب النسانية‪ ،‬وقد تخل ّصت المم المتمدُّنة ـ نوعا ً ماـ من‬
‫شدة‬ ‫ن؛ بُليت بشدة الجندية الجبرية العمومية؛ تلك ال ّ‬ ‫الجهالة‪ ،‬ولك ْ‬
‫التي جعلتها أشقى حياة ً من المم الجاهلة‪ ،‬وألصق عاراً‬
‫ح أن يقال‪ :‬إ َّ‬
‫ن‬ ‫بالنسانية من أقبح أشكال الستبداد‪ ،‬حتَّى ربَّما يص ّ‬
‫شيطان؛ فقد انتقم من آدم في‬ ‫مخترع هذه الجندية إذا كان هو ال ّ‬
‫ن ينتقم! نعم؛ إذا ما دامت هذه الجندية‬ ‫أولده أعظم ما يمكنه أ ْ‬
‫ُّ‬
‫التي مضى عليها نحو قرنَيْن إلى قرن آخر أيضا ً تنهك تجلد المم‪،‬‬
‫وتجعلها تسقط دفعة واحدة‪ .‬ومن يدري كم يتعجب رجال‬
‫الستقبال من تََرقِّي العلوم في هذا العصر ترقِّيا ً مقرونا ً باشتداد‬
‫هذه المصيبة التي ل تترك محل ً لستغراب إطاعة المصريين‬
‫ن تلك ل تتجاوز التّعب‬ ‫للفراعنة في بناء الهرامات سخرة؛ ل َّ‬
‫ث‬‫مة؛ حي ُ‬ ‫ما الجندية فتُفسد أخلق ال ّ‬ ‫وضياع الوقات وأ ّ‬
‫شراسة والطّاعة العمياء والتِّكال‪ ،‬وتُميت‬ ‫تُعل ِّمها ال ّ‬
‫مة النفاق الذي‬ ‫النّشاط وفكرة الستقلل‪ ،‬وتُكل ِّف ال ّ‬
‫ل ذلك منصرف لتأييد الستبداد المشؤوم‪:‬‬ ‫ل يطاق؛ وك ُ ُّ‬

‫‪9‬‬
‫وة من جهة‪،‬‬ ‫استبداد الحكومات القائدة لتلك الق َّ‬
‫واستبداد المم بعضها على بعض من جهة أخرى‪.‬‬
‫ولنرجع لصل البحث فأقول‪ :‬ل يُعهد في تاريخ الحكومات‬
‫المدنية استمرار حكومة مسؤولة مدَّة أكثر من نصف قرن إلى‬
‫غاية قرن ونصف‪ ،‬وما شذ َّ من ذلك سوى الحكومة الحاضرة في‬
‫سبب يقظة النكليز الذين ل يُسكرهم انتصار‪ ،‬ول‬ ‫إنكلترا‪ ،‬وال ّ‬
‫نَ‬ ‫َ‬
‫يُخملهم انكسار‪ ،‬فل يغفلون لحظة عن مراقبة ملوكهم‪ ،‬حت ّى أ ّ‬
‫ه فضل ً عن الّزوجة‬ ‫م ُ‬ ‫ش َ‬ ‫ح َ‬ ‫هو َ‬‫م ُ‬ ‫خد َ َ‬
‫الوزارة هي تنتخب للملك َ‬
‫ل شيء ما عدا‬ ‫َ‬ ‫صهر‪ ،‬وملوك النكليز الذين فقدوا منذ قرون ك ّ‬ ‫وال ّ‬
‫ن؛ هيهات‬ ‫ه حالً‪ ،‬ولك ْ‬ ‫م ُ‬ ‫َ‬
‫التّاج‪ ،‬لو تسنّى الن لحدهم الستبداد لغَن ِ َ‬
‫ن يظفر بغرة من قومه يستلم فيها زمام الجيش‪.‬‬ ‫أ ْ‬
‫َ‬
‫ما الحكومات البدويّة التي تتأل ّف رعيتها كلّها أو أكثرها من‬ ‫أ ّ‬
‫ت‬
‫س ْ‬ ‫َ‬
‫عشائر يقطنون البادية‪ ،‬يسهل عليهم الّرحيل والت ّفّرق متى م َّ‬
‫شخصية‪ ،‬وسامتْهم ضيماً‪ ،‬ولم يقووا على‬ ‫حكومتُهم حّريّتهم ال ّ‬
‫الستنصاف؛ فهذه الحكومات قلّما اندفعت إلى الستبداد‪ .‬وأقرب‬
‫مثال لذلك أهل جزيرة العرب‪ ،‬فإنَّهم ل يكادون يعرفون الستبداد‬
‫حميْر وغسان إلى الن إل ّ فترات قليلة‪.‬‬ ‫من قبل عهد ملوك تبّع و ُ‬
‫ن الحالة البدوية بعيدة بالجملة عن الوقوع‬ ‫وأصل الحكمة في أ َّ‬
‫ن نشأة البدويّ نشأة استقللية؛ بحيث‬ ‫تحت نير الستبداد‪ ،‬وهو أ َّ‬
‫ن يعتمد في معيشته على نفسه فقط‪ ،‬خلفاً‬ ‫ل فرد يمكنه أ ْ‬ ‫ك ُّ‬
‫ي الطبع‪ ،‬تلك القاعدة التي أصبحت سخرية‬ ‫لقاعدة النسان المدن ّ‬
‫ن النسان من‬ ‫خرين‪ ،‬القائلين بأ َّ‬ ‫عند علماء الجتماع المتأ ِّ‬
‫الحيوانات التي تعيش أسرابا ً في كهوف ومسارح مخصوصة‪،‬‬
‫ما الن فقد صار من الحيوان الذي متى انتهت حضانته؛ عليه‬ ‫وأ ّ‬
‫ل الرتباط‪،‬‬ ‫ن يعيش مستقل ً بذاته‪ ،‬غير متعلّق بأقاربه وقومه ك ّ‬ ‫أ ْ‬
‫ُّ‬ ‫ول مرتبط ببيته وبلده ك ّ‬
‫ل التّعلق‪ ،‬كما هي معيشة أكثر النكليز‬
‫ُّ‬ ‫والمريكان الذين يفتكر الفرد منهم أ َّ‬
‫ن تعلقه بقومه وحكومته‬
‫ليس بأكثر من رابطة شريك في شركة اختيارية‪ ،‬خلفا ً للمم‬
‫التي تتبع حكوماتها حتى فيما تدين‪.‬‬
‫ن السراء يعيشون متلصقين‬ ‫ُ‬ ‫النّاظر في أحوال المم يرى أ َّ‬
‫ظ بعضهم ببعض من سطوة الستبداد‪ ،‬كالغنم‬ ‫متراكمين‪ ،‬يتحفَّ ُ‬
‫ما العشائر والمم الحّرة‬ ‫ف حول بعضها إذا ذعرها الذ ّئب‪ ،‬أ ّ‬ ‫تلت ُّ‬
‫متَفّرِقين‪.‬‬‫ل النّاجز فيعيشون ُ‬ ‫المالك أفرادها الستقل َ‬
‫َ‬
‫خرون منهم ـ في‬ ‫وقد تكل ّم بعض الحكماء ـ ل سيَّما المتأ ِّ‬
‫وصف الستبداد ودوائه بجمل بليغة بديعة تُصوِّر في الذهان‬
‫شقاء النسان‪ ،‬كأنَّها تقول له هذا عدوَّك فانظر ماذا تصنع‪ ،‬ومن‬
‫هذه الجمل قولهم‪:‬‬

‫‪10‬‬
‫«المستبدّ‪ :‬يتحكَّم في شؤون النّاس بإرادته ل بإرادتهم‪،‬‬
‫ويحكمهم بهواه ل بشريعتهم‪ ،‬ويعلم من نفسه أنَّه الغاصب‬
‫المتعدِّي فيضع كعب رجله على أفواه المليين من النَّاس يسدُّها‬
‫عن النّطق بالحقّ والتّداعي لمطالبته»‪.‬‬
‫حيّة وقاتلهما‪ ،‬والحق أبو‬ ‫«المستبدّ‪ :‬عدوّ الحقّ‪ ،‬عدوّ ال ّ‬
‫مهم‪ ،‬والعوام صبية أيتام ل يعلمون شيئاً‪،‬‬ ‫البشر‪ ،‬والحّريّة أ ّ‬
‫ن دعوهم‬ ‫ن أيقظوهم هبّوا‪ ،‬وإ ْ‬ ‫والعلماء هم إخوتهم الّراشدون‪ ،‬إ ْ‬
‫لبّوا‪ ،‬وإل فيتَّصل نومهم بالموت»‪.‬‬
‫«المستبدّ‪ :‬يتجاوز الحد ّ ما لم يَر حاجزا ً من حديد‪ ،‬فلو رأى‬
‫الظّالم على جنب المظلوم سيفا ً لما أقدم على الظّلم‪ ،‬كما‬
‫يقال‪ :‬الستعداد للحرب يمنع الحرب»‪.‬‬
‫شر وباللجاء للخير‪،‬‬ ‫ن مستعد ٌّ بالطّبع لل ّ‬ ‫«المستبدّ‪ :‬إنسا ٌ‬
‫شر فتلجئ حاكمها‬ ‫ن تعرف ما هو الخير وما هو ال ّ‬ ‫فعلى الّرعية أ ْ‬
‫َّ‬
‫للخير رغم طبعه‪ ،‬وقد يكفي لللجاء مجَّرد الطلب إذا علم الحاكم‬
‫ن مجرد الستعداد للفعل‬ ‫ن وراء القول فعلً‪ .‬ومن المعلوم أ َّ‬ ‫أ َّ‬
‫فعل يكفي شَّر الستبداد»‪.‬‬
‫ة‪ ،‬وكالكلب‬ ‫ن تكون رعيته كالغنم دّرا ً وطاع ً‬ ‫«المستبدّ‪ :‬يود ُّ أ ْ‬
‫ُ‬ ‫ُ‬
‫ت‪،‬‬ ‫خدم ْ‬ ‫مت َ‬ ‫خد ِ َ‬
‫ن ُ‬ ‫ن تكون كالخيل إ ْ‬ ‫تذل ّل ً وتمل ّقاً‪ ،‬وعلى الَّرعية أ ْ‬
‫شرست‪ ،‬وعليها أن تكون كالصقور ل تُلعب ول‬ ‫ضربت َ‬ ‫ن ُ ِ‬
‫وإ ْ‬
‫صيد كل ِّه‪ ،‬خلفا ً للكلب التي ل فرق عندها‬ ‫يُستأثر عليها بال ّ‬
‫حرمت حتَّى من العظام‪ .‬نعم؛ على الّرعية أن تعرف‬ ‫َ‬
‫أطُعِمت أو ُ ِ‬
‫خلق‬ ‫ن عدل أو جار‪ ،‬و ُ‬ ‫خلِقت خادمة لحاكمها‪ ،‬تطيعه إ ْ‬ ‫مقامها‪ :‬هل ُ‬
‫هو ليحكمها كيف شاء بعدل أو اعتساف؟ أم هي جاءت به‬
‫ليخدمها ل يستخدمها؟‪ ..‬والَّرعية العاقلة تقيَّد وحش الستبداد‬
‫بزمام تستميت دون بقائه في يدها؛ لتأمن من بطشه‪ ،‬فإن شمخ‬
‫ن صال ربطتْه»‪.‬‬ ‫هَّزت به الّزمام وإ ْ‬
‫من أقبح أنواع الستبداد استبداد الجهل على العلم‪،‬‬
‫مى استبداد المرء على نفسه‪،‬‬ ‫واستبداد النّفس على العقل‪ ،‬ويُس ّ‬
‫خلَقَ النسان حّراً‪ ،‬قائده العقل‪ ،‬فكفََر‬ ‫ت نعمه َ‬ ‫ن الله جل ّ ْ‬ ‫وذلك أ َّ‬
‫ما ً وأباً‬‫خر له أ َّ‬ ‫خلَقَه وس َّ‬ ‫ن يكون عبدا ً قائده الجهل‪َ .‬‬ ‫وأبى إل أ ْ‬
‫ما ً والعمل‬ ‫م جعل له الرض أ ّ‬ ‫يقومان بأوده إلى أن يبلغ أشدّه‪ ،‬ث َّ‬
‫خلَقَ له‬ ‫مه وحاكمه أباه‪َ .‬‬ ‫متُه أ ّ‬ ‫أباً‪ ،‬فَكَفَر وما رضي إل أن تكون أ َّ‬
‫إدراكا ً ليهتدي إلى معاشه ويتّقي مهلكه‪ ،‬وعيْنَيْن ليبصر‪ ،‬ورجليْن‬
‫ليسعى‪ ،‬ويديْن ليعمل‪ ،‬ولسانا ً ليكون ترجمانا ً عن ضميره‪ ،‬فكَفََر‬
‫ل‪ ،‬الكذوب‪،‬‬ ‫ن يكون كالبله العمى‪ ،‬المقعد‪ ،‬الش ّ‬ ‫ب إل أ ْ‬ ‫وما أح َّ‬
‫ه منفرداً‬ ‫َ‬ ‫ينتظر ك ُ َّ‬
‫خلَقَ ُ‬ ‫ي من غيره‪ ،‬وقل ّما يطبق لسانه جنانه‪َ .‬‬ ‫لش ْ‬
‫غير متَّصل بغيره ليملك اختياره في حركته وسكونه‪ ،‬فكَفََر وما‬

‫‪11‬‬
‫ماها الوطن‪ ،‬وتشابك‬ ‫استطاب إل الرتباط في أرض محدودة س َّ‬
‫خلَقَه‬‫بالنّاس ما استطاع اشتباك تظالُم ل اشتباك تعاون‪َ ...‬‬
‫ليشكره على جعله عنصرا ً حيّا ً بعد أن كان تراباً‪ ،‬وليلجأ إليه عند‬
‫الفزع تثبيتا ُ للجنان‪ ،‬وليستند عليه عند العزم دفعا ً للتردُّد‪ ،‬وليثق‬
‫ط في‬ ‫خل َ َ‬
‫شكَْره و َ‬ ‫بمكافأته أو مجازاته على العمال‪ ،‬فكَفََر وأبى ُ‬
‫خلَقَه يطلب‬ ‫صحيح بالباطل ليغالط نفسه وغيره‪َ .‬‬ ‫دين الفطرة ال ّ‬
‫ل المنفعة بأي وجه‬ ‫َ‬ ‫منفعته جاعل ً رائده الوجدان‪ ،‬فكَفََر‪ ،‬واستح ّ‬
‫محَّرم كبير‪ .‬خلقه‬ ‫صل ً ل ُ‬ ‫كان‪ ،‬فل يتعفّف عن محظور صغير إل تو ُّ‬
‫وبذل له مواد الحياة‪ ،‬من نور ونسيم ونبات وحيوان ومعادن‬
‫وعناصر مكنوزة في خزائن الطّبيعة‪ ،‬بمقادير ناطقة بلسان‬
‫ن واهب الحياة حكيم خبير جعل مواد الحياة أكثر لزوماً‬ ‫الحال‪ ،‬بأ َّ‬
‫ة الله وأبى أن‬ ‫ن نعم َ‬ ‫في ذاته‪ ،‬أكثر وجودا ً وابتذالً‪ ،‬فكَفََر النسا ُ‬
‫ه ربُّه إلى نفسه‪ ،‬وابتله بظلم نفسه‬ ‫َ‬
‫يعتمد كفالة رزقه‪ ،‬فوك ّل ُ‬
‫وظُلْم جنسه‪ ،‬وهكذا كان النسان ظلوما ً كفوراً‪.‬‬
‫الستبداد‪ :‬يَد ُ الله القويّة الخفيّة يصفعُ بها رقاب البقين من‬
‫جنّة عبوديَّته إلى جهنَّم عبودية المستبدِّين الذين يشاركون الله‬
‫في عظمته ويعاندونه جهاراً‪ ،‬وقد ورد في الخبر‪« :‬الظّالم سيف‬
‫ن أعان‬ ‫م ْ‬‫ينتقم منه»‪ ،‬كما جاء في أثرٍ آخر‪َ « :‬‬ ‫م‬‫الله ينتقم به‪ ،‬ث َّ‬
‫َ‬ ‫سل ّطَه الله عليه»‪ ،‬ول ش ّ‬ ‫َ‬
‫ن إعانة‬ ‫ك في أ َّ‬ ‫ظالما ً على ظلمه َ‬
‫الظّالم تبتدئ من مجَّرد القامة على أرضه‪.‬‬
‫الستبداد‪ :‬هو نار غضب الله في الدّنيا‪ ،‬والجحيم هو نار‬
‫غضبه في الخرة‪ ،‬وقد خلق الله النّار أقوى المطهِّرات‪ ،‬فَيُطَهِّر‬
‫ط لهم الرض واسعة‪،‬‬ ‫س َ‬ ‫ن خلقهم أحراراً‪ ،‬وب َ َ‬ ‫سم ْ‬ ‫بها في الدّنيا دَن َ َ‬
‫ل فيها رزقهم‪ ،‬فكَفَروا بنعمته‪ ،‬ورضخوا للستعباد والتَّظالم‪.‬‬ ‫وبذ َ‬
‫جل الله به النتقام من عباده‬ ‫الستبداد‪ :‬أعظم بلء‪ ،‬يتع َّ‬
‫الخاملين‪ ،‬ول يرفعه عنهم حتَّى يتوبوا توبة النفة‪ .‬نعم؛ الستبداد‬
‫ب مستمٌّر بتعطيل العمال‪،‬‬ ‫جد ْ ٌ‬ ‫أعظم بلء؛ لنَّه وباء دائم بالفتن و َ‬
‫ف للعمران‪،‬‬ ‫ل جار ٌ‬ ‫صب‪ ،‬وسي ْ ٌ‬ ‫سلب والغ ْ‬ ‫ل بال َّ‬ ‫وحريقٌ متواص ٌ‬
‫م ل يفتر‪ ،‬وصائ ٌ‬
‫ل‬ ‫م يعمي البصار‪ ،‬وأل ٌ‬ ‫ف يقطع القلوب‪ ،‬وظل ٌ‬ ‫وخو ٌ‬
‫ل‪ :‬لماذا يبتلي الله‬ ‫ل يرحم‪ ،‬وقصة سوء ل تنتهي‪ .‬وإذا سأل سائ ٌ‬
‫ق‬
‫ل مطل ٌ‬ ‫ن الله عاد ٌ‬ ‫سكِت هو‪ :‬إ َّ‬ ‫م ْ‬ ‫عبادَه بالمستبدِّين؟ َفأبلغُ جواب ُ‬
‫ل يظلم أحداً‪ ،‬فل يُول ّى المستبد ّ إل على المستبدِّين‪ .‬ولو نظر‬
‫ل فرد من أُسراء الستبداد‬ ‫سائل نظرة الحكيم المدقِّق لوجد ك ُ َّ‬ ‫ال ّ‬
‫مستبدّا ً في نفسه‪ ،‬لو قدر لجعل زوجته وعائلته وعشيرته وقومه‬ ‫ُ‬
‫َ‬ ‫َ‬ ‫ُ َّ‬
‫ه تابعين لرأيه وأمره‪.‬‬ ‫والبشر كلهم‪ ،‬حت ّى ورب ّه الذي خلقَ ُ‬
‫فالمستبدُّون يتولهم مستبدّ‪ ،‬والحرار يتولهم الحرار‪ ،‬وهذا‬
‫َ‬
‫صريح معنى‪« :‬كما تكونوا يُول ّى عليكم»‪.‬‬

‫‪12‬‬
‫ض أن يتحوَّل عنها إلى حي ُ‬
‫ث يملك‬ ‫ما أليقَ بالسير في أر ٍ‬
‫ن الكلب الطّليق خيُر حياة ً من السد المربوط‪.‬‬
‫حّريّته‪ ،‬فإ َّ‬

‫الستبداد والدّين‬

‫تضافرت آراء أكثر العلماء النّاظرين في التّاريخ الطّبيعي‬


‫متَوَل ِّد من الستبداد الدِّيني‪،‬‬ ‫سياسي ُ‬ ‫ن الستبداد ال ّ‬ ‫للديان‪ ،‬على أ َّ‬
‫ن هناك توليد فهما أخوان؛ أبوهما التَّغلب‬ ‫ن لم يك ْ‬‫والبعض يقول‪ :‬إ ْ‬
‫مهما الّرياسة‪ ،‬أو هما صنوان قويّان؛ بينهما رابطة الحاجة على‬ ‫وأ ّ‬
‫التّعاون لتذليل النسان‪ ،‬والمشاكلة بينهما أنَّهما حاكمان؛ أحدهما‬
‫في مملكة الجسام والخر في عالم القلوب‪ .‬والفريقان مصيبان‬
‫بحكمهما بالنّظر إلى مغزى أساطير الوّلين‪ ،‬والقسم التّاريخي‬
‫من التّوراة‪ ،‬والّرسائل المضافة إلى النجيل‪ .‬ومخطئون في حقّ‬
‫القسام التّعليمية الخلقية فيهما‪ ،‬كما هم مخطئون إذا نظروا‬
‫سياسي‪ .‬وليس من العذر‬ ‫ن القرآن جاء مؤيّدا ً للستبداد ال ّ‬ ‫إلى أ َّ‬
‫ن يقولوا‪ :‬نحن ل ندرك دقائق القرآن نظرا ً لخفائها علينا‬ ‫شيء أ ْ‬
‫َ‬
‫ي بلغته‪ ،‬ووراء العلم بأسباب نزول آياته؛ وإن ّما نبني‬ ‫في ط ِ ّ‬
‫نتيجتنا على مقدِّمات ما نشاهد عليه المسلمين منذ قرون إلى‬
‫مستبدِّيهم بالدِّين‪.‬‬
‫الن من استعانة ُ‬
‫ن الت ّعاليم الدّينية‪ ،‬ومنها الكتب‬ ‫َ‬ ‫يقول هؤلء المحّرِرون‪ :‬إ َّ‬
‫سماويّة تدعو البشر إلى خشية قوّة عظيمة ل تُدرك العقول‬ ‫ال َّ‬
‫ل مصيبة في الحياة فقط‪ ،‬كما عند‬ ‫كُنْهَها‪ ،‬قوّة تتهدَّد النسان بك ّ‬
‫البوذية واليهودية‪ ،‬أو في الحياة وبعد الممات‪ ،‬كما عند النّصارى‬
‫والسلم‪ ،‬تهديدا ً ترتعد منه الفرائص فتخور القوى‪ ،‬وتنذهل منه‬
‫م تفتح هذه التَّعاليم أبواباً‬ ‫العقول فتستسلم للخبل والخمول‪ ،‬ث َّ‬
‫ن؛ على تلك‬ ‫للنّجاة من تلك المخاوف نجاة وراءها نعيم مقيم‪ ،‬ولك ْ‬
‫جاب من البراهمة والكهنة والقسوس وأمثالهم الذين ل‬ ‫البواب ح ّ‬
‫صغار‪،‬‬ ‫ل وال ّ‬ ‫يأذنون للنّاس بالدّخول ما لم يعظ ِّموهم مع التّذل ّ ِ‬
‫جاب في‬ ‫ن أولئك الح َّ‬ ‫ويرزقوهم باسم نذر أو ثمن غفران‪ ،‬حتَّى إ َّ‬
‫بعض الديان يحجزون فيما يزعمون لقاء الرواح برب ِّها ما لم‬
‫يأخذوا عنها مكوس المرور إلى القبور وفدية الخلص من مطهر‬
‫العراف‪ .‬وهؤلء المهيمنون على الديان كم يرهِّبون النّاس من‬
‫غضب الله وينذرونهم بحلول مصائبه وعذابه عليهم‪ ،‬ث َّ‬
‫م‬

‫‪13‬‬
‫ن ل خلص ول مناص لهم إل باللتجاء إلى سكان‬ ‫يرشدونهم إلى أ ْ‬
‫القبور الذين لهم دالة‪ ،‬بل سطوة على الله فيحمونهم من غضبه‪.‬‬
‫سياسيين يبنون كذلك استبدادهم على‬ ‫ن ال ّ‬ ‫ويقولون‪ :‬إ َّ‬
‫شخصي‬ ‫س من هذا القبيل‪ ،‬فهم يسترهبون النّاس بالتّعالي ال ّ‬ ‫أسا ٍ‬
‫ب الموال حتَّى‬ ‫سي‪ ،‬ويُذل ِّلونهم بالقهر والقوّة وسل ِ‬ ‫والتّشامخ الح ّ‬
‫يجعلونهم خاضعين لهم‪ ،‬عاملين لجلهم‪ ،‬يتمتَّعون بهم كأنَّهم نوع‬
‫من النعام التي يشربون ألبانها‪ ،‬ويأكلون لحومها‪ ،‬ويركبون‬
‫ظهورها‪ ،‬وبها يتفاخرون‪.‬‬
‫ن هذا التَّشاكل في بناء ونتائج الستبدادَيْن؛ الدِّيني‬ ‫ويرون أ َّ‬
‫سياسي‪ ،‬جعلهما في مثل فرنسا خارج باريس مشتركَيْن في‬ ‫وال ّ‬
‫َ‬
‫ن‬‫العمل‪ ،‬كأن ّهما يدان متعاونتان‪ ،‬وجعلهما في مثل روسيا مشتبكَي ْ ِ‬
‫جلن الشقاء على المم‪.‬‬ ‫في الوظيفة‪ ،‬كأنَّهما اللوح والقلم يُس ِّ‬
‫ن هذا التَّشاكل بين القوّتَيْن ينجُّر بعوام البشرـ‬ ‫ويُقّرِرون أ َّ‬
‫ن يلتبس عليهم الفرق بين الله‬ ‫وهم السواد العظم ـ إلى نقطة أ ْ‬
‫مطاع بالقهر‪ ،‬فيختلطان في مضايق‬ ‫المعبود بحقّ وبين المستبد ّ ال ُ‬
‫َ‬
‫أذهانهم من حيث التَّشابه في استحقاق مزيد الت ّعظيم‪ ،‬والّرِفعة‬
‫سؤال وعدم المؤاخذة على الفعال؛ بناءً عليه؛ ل يرون‬ ‫عن ال ّ‬
‫لنفسهم حقّا ً في مراقبة المستبد ّ لنتفاء النّسبة بين عظمته‬
‫ودناءتهم؛ وبعبارة أخرى‪ :‬يجد العوام معبودهم وجبَّارهم مشتركَي ْ ِ‬
‫ن‬
‫صفات‪ ،‬وهم ليس من شأنهم‬ ‫في كثيرٍ من الحالت والسماء وال ِّ‬
‫ن يُفّرِقوا مثل ً بين ( الفعَّال المطلق)‪ ،‬والحاكم بأمره‪ ،‬وبين (ل‬ ‫أ ْ‬
‫ي النعم‪،‬‬ ‫(المنعم) وول ّ‬ ‫ما يفعل) وغير مسؤول‪ ،‬وبين‬ ‫يُسأل ع ّ‬
‫شأن‪ .‬بناءً عليه؛ يُعظ ِّمون الجبابرة‬ ‫ل شأنه) وجليل ال َّ‬ ‫َ‬ ‫وبين (ج ّ‬
‫م‬ ‫تعظيمهم لله‪ ،‬ويزيدون تعظيمهم على التَّعظيم لله؛ لنَّه حلي ٌ‬
‫ل حاضر‪.‬‬ ‫ما انتقام الجبَّار فعاج ٌ‬ ‫ب‪ ،‬وأ َّ‬ ‫ل غائ ٌ‬ ‫ن عذابه آج ٌ‬ ‫كريم‪ ،‬ول َّ‬
‫والعوام ـ كما يقال ـ عقولهم في عيونهم‪ ،‬يكاد ل يتجاوز فعلهم‬
‫ن يُقال فيهم‪ :‬لول رجاؤهم‬ ‫حأ ْ‬ ‫مشاهَد‪ ،‬حتَّى يص ّ‬ ‫المحسوس ال ُ‬
‫َ‬
‫بالله‪ ،‬وخوفهم منه فيما يتعل ّق بحياتهم الدّنيا‪ ،‬لما صلّوا ول‬
‫جحوا قراءة الدّلئل والوراد‬ ‫صاموا‪ ،‬ولول أملهم العاجل‪ ،‬لما ر َّ‬
‫جحوا اليمين بالولياء ـ المقَّربين كما‬ ‫على قراءة القرآن‪ ،‬ول ر َّ‬
‫يعتقدون ـ على اليمين بالله‪.‬‬
‫َّ‬
‫وهذه الحال؛ هي التي سهَّلت في المم الغابرة المنحطة‬
‫دّين اللوهية على مراتب مختلفة‪ ،‬حسب‬ ‫دعوى بعض المستب ِ‬
‫ي إلى‬ ‫استعداد أذهان الَّرعية‪ ،‬حتَّى يُقال‪ :‬إنَّه ما من مستبدٍّ سياس ّ‬
‫م ذي‬ ‫الن إل ويتَّخذ له صفة قدسيّة يشارك بها الله‪ ،‬أو تعطيه مقا َ‬
‫دّين‬
‫ة ال ِ‬
‫م ِ‬ ‫ن يتَّخذ بطانة من َ‬ ‫علقة مع الله‪ .‬ول أق َّ‬
‫خد َ َ‬ ‫ل من أ ْ‬
‫ل ما يعينون به الستبداد‪،‬‬ ‫يعينونه على ظلم النَّاس باسم الله‪ ،‬وأق ُّ‬

‫‪14‬‬
‫تفريق المم إلى مذاهب وشيع متعادية تقاوم بعضها بعضاً‪،‬‬
‫مة ويذهب ريحها‪ ،‬فيخلو الجوّ للستبداد ليبيض‬ ‫فتتهاتر قوَّة ال ّ‬
‫ويُفّرِخ‪ ،‬وهذه سياسة النكليز في المستعمرات‪ ،‬ل يُؤيِّدها شيء‬
‫مثل انقسام الهالي على أنفسهم‪ ،‬وإفنائهم بأسهم بينهم بسبب‬
‫اختلفهم في الديان والمذاهب‪.‬‬
‫ن قيام المستبدِّين من أمثال (أبناء داود) و‬ ‫ويُعَل ِّلُون أ َّ‬
‫دّين بين رعاياهم‪ ،‬وانتصار مثل (فيليب‬ ‫(قسطنطين) في نشر ال ِ‬
‫دّين‪ ،‬حتَّى بتشكيل‬ ‫الثّاني) السباني و (هنري الثّامن) النكليزي لل ِ‬
‫سلطين‬ ‫ي وال َّ‬ ‫مجالس (انكيزيسيون) وقيام الحاكم الفاطم ّ‬
‫صوفيّة‪ ،‬وبنائهم لهم التّكايا‪،‬‬ ‫العاجم في السلم بالنتصار لغلة ال ُّ‬
‫ن إل بقصد الستعانة بممسوخ الدِّين وببعض أهله المغفَّلين‬ ‫لم يك ْ‬
‫على ظلم المساكين‪ ،‬وأعظم ما يلئم مصلحة المستبد ّ ويُؤيّدها‬
‫ن النّاس يتلقّون قواعده وأحكامه بإذعان بدون بحث وجدال‪،‬‬ ‫أ َّ‬
‫مة على تلقّي أوامرهم بمثل ذلك‪ ،‬ولهذا القصد‬ ‫فيودّون تأليف ال ّ‬
‫عيْنه‪ ،‬كثيرا ً ما يحاولون بناء أوامرهم أو تفريعها على شيءٍ من‬
‫قواعد الدِّين‪.‬‬
‫ي مقارنة ل‬ ‫ي والدّين ّ‬ ‫سياس ّ‬ ‫ن بين الستبدادَيْن‪ :‬ال ّ‬ ‫ويحكمون بأ َّ‬
‫مة جَّر الخر إليه‪ ،‬أو متى زال‪ ،‬زال‬ ‫تنف ُّ‬
‫جد أحدهما في أ ّ‬ ‫ك متى وُ ِ‬
‫ن صلح‪ ،‬أي ضعف الوّل‪ ،‬صلح‪ ،‬أي ضعف الثّاني‪.‬‬ ‫رفيقه‪ ،‬وإ ْ‬
‫ن ول مكان‪.‬‬ ‫ن شواهد ذلك كثيرة ٌ جدّا ً ل يخلو منها زما ٌ‬ ‫ويقولون‪ :‬إ َّ‬
‫سياسة إصلحاً‬ ‫ن الدّين أقوى تأثيرا ً من ال ّ‬ ‫ويُبرهنون على أ َّ‬
‫سكسون؛ أي النكليز والهولنديين‬ ‫وإفساداً‪ ،‬ويُمثّلون بال ّ‬
‫والميركان واللمان الذين قبلوا البروتستنتيّة‪ ،‬فأثر التّحّرر الدّيني‬
‫سياسي والخلق أكثر من تأثير الحّريّة المطلقة‬ ‫في الصلح ال ّ‬
‫سياسيّة في جمهور اللتين؛ أي الفرنسيين والطّليان‬ ‫ال ّ‬
‫مدقِّقون‪،‬‬ ‫سياسيون ال ُ‬ ‫والسبانيول والبرتغال‪ .‬وقد أجمع الكتّاب ال ّ‬
‫مة أو عائلة أو‬ ‫ن ما من أ ّ‬ ‫بالستناد على التّاريخ والستقراء‪ ،‬من أ َّ‬
‫ل نظام دنياه وخسر‬ ‫شخص تَنَطَّعَ في الدّين أي تشدَّد فيه إل واخت َّ‬
‫أولده وعقباه‪.‬‬
‫سياسة‬ ‫ن ال ّ‬ ‫سياسيين يرون أ َّ‬ ‫ن كل المدقِّقين ال ّ‬ ‫والحاصل أ َّ‬
‫ن إصلح الدّين هو أسهل‬ ‫والدّين يمشيان متكاتفَيْن‪ ،‬ويعتبرون أ َّ‬
‫سياسي‪.‬‬ ‫وأقوى وأقرب طريق للصلح ال ّ‬
‫دّين‬ ‫وربما كان أوّل من سلك هذا المسلك؛ أي استخدم ال ِ‬
‫سياسي؛ هم حكماء اليونان‪ ،‬حيث تحيَّلوا على‬ ‫في الصلح ال ّ‬
‫سياسة‬ ‫ملوكهم المستبدِّين في حملهم على قبول الشتراك في ال ّ‬
‫بإحيائهم عقيدة الشتراك في اللوهية‪ ،‬أخذوها عن الشوريين‪،‬‬
‫ومزجوها بأساطير المصريين بصورة تخصيص العدالة بإله‪،‬‬

‫‪15‬‬
‫والحرب بإله‪ ،‬والمطار بإله‪ ،‬إلى غير ذلك من التّوزيع‪ ،‬وجعلوا‬
‫لله اللهة حقّ النّظارة عليهم‪ ،‬وحقّ التّرجيح عند وقوع الختلف‬
‫م بعد تمكُّن هذه العقيدة في الذهان بما أُلبست من‬ ‫بينهم‪ .‬ث َّ‬
‫ل على أولئك الحكماء دفعهم‬ ‫سهُ َ‬ ‫جللة المظاهر وسحر البيان َ‬
‫ن‬
‫النّاس إلى مطالبة جبابرتهم بالنّزول من مقام النفراد‪ ،‬وبأ ْ‬
‫سماء‪ ،‬فانصاع ملوكهم إلى ذلك‬ ‫تكون إدارة الرض كإدارة ال ّ‬
‫مكْرهين‪ .‬وهذه هي الوسيلة العظمى التي مكَّنت اليونان أخيراً‬ ‫ُ‬
‫من إقامة جمهوريات أثينا وإسبارطة‪ ،‬وكذلك فعل الّرومان‪ .‬وهذا‬
‫الصل لم يزل المثال القديم لصول توزيع الدارة في الحكومات‬
‫الملكية والجمهوريات على أنواعها إلى هذا العهد‪.‬‬
‫إنَّما هذه الوسيلة؛ أي التَّشريك‪ ،‬فضل ً عن كونها باطلة في‬
‫ت للمشعوذين‬ ‫ل أضَّر كثيراً‪ ،‬وذلك أنَّها فتح ْ‬ ‫ج عنها رد ُّ فع ٍ‬ ‫ذاتها‪ ،‬نَت َ َ‬
‫ً‬
‫من سائر طبقات النّاس بابا واسعا لدعوى شيء من خصائص‬ ‫ً‬
‫صفات القُدْسيّة والتّصُّرفات الُّروحيّة‪ ،‬وكان قبل ذلك‬ ‫اللوهية‪ ،‬كال ّ‬
‫جم على مثلها غير أفراد من الجبابرة‪ ،‬كنمرود وإبراهيم‬ ‫ل يته ّ‬
‫ي‪.‬‬‫صوف ّ‬ ‫ي والبادريّ وال ُّ‬ ‫َ‬
‫م صار يد ّعيها البرهم ّ‬ ‫وفرعون وموسى‪ ،‬ث َّ‬
‫ولملئمة هذه المفسدة لطباع البشر من وجوه كثيرة ـليس بحثنا‬
‫مت وجنَّدت جيشا ً عرمرما ً يخدم‬ ‫هذا محلّهاـ انتشرت وع ّ‬
‫المستبدِّين‪.‬‬
‫َّ‬
‫وقد جاءت التّوراة بالنَّشاط‪ ،‬فخلصتهم من خمول التِّكال‬
‫ن يُكل ِّفوا الله ونبيّه يقاتلن عنهم‪ ،‬وجاءتهم‬ ‫بعد أن بلغ فيهم أ ْ‬
‫ة‬‫مستبدل ً‬ ‫بالنّظام بعد فوضى الحلم‪ ،‬ورفعت عقيدة التّشريك‪ُ ،‬‬
‫ض ملوك آل‬ ‫ن؛ لم ير َ‬ ‫ـمثلًـ أسماء اللهة المتعدِّدة بالملئكة‪ ،‬ولك ْ‬
‫م جاء النجيل بسلسبيل الدّعة‬ ‫كوهين بالتَّوحيد فأفسدوه‪ .‬ث َّ‬
‫ة بنار القساوة والستبداد‪ ،‬وكان‬ ‫حلْم‪ ،‬فصادف أفئدة ً محروق ً‬ ‫وال ِ‬
‫ن؛ لم يقْوَ دُعاته الوَّلون على‬ ‫وحيد‪ ،‬ولك ْ‬ ‫أيضا ً مؤيّدا ً لناموس الت ّ‬
‫َ‬
‫تفهيم تلك القوام المنحط ّة‪ ،‬الذين بادروا لقبول النَّصرانيّة قبل‬
‫ن البوّة والبنوّة صفتان مجازيَّتان يُعبَّر بهما عن‬ ‫المم المترقِّية‪ ،‬أ َّ‬
‫معنى ل يقبله العقل إل تسليماً؛ كمسألة القدر التي ورثت‬
‫السلمية التّفلسف فيها عن أديان اليهود وأوهام اليونان‪ .‬ولهذا؛‬
‫ي؛ لنّه أقرب‬ ‫َ‬
‫تلقّت تلك المم البوّة والبنوّة بمعنى توالد حقيق ّ‬
‫إلى مداركهم البسيطة التي يصعب عليها تناول ما فوق‬
‫المحسوسات‪ ،‬ولنّهم كانوا قد ألفوا العتقاد في بعض جبابرتهم‬
‫ن يعتقدوا في موسى عليه‬ ‫الوّلين أنَّهم أبناء الله‪ ،‬فكَبَُر عليهم أ ْ‬
‫ما انتشرت‬ ‫سلم صفة هي دون مقام أولئك الملوك‪ .‬ث َّ‬
‫مل ّ‬ ‫ال ّ‬
‫النّصرانية ودخلها أقوام مختلفون‪ ،‬تلبَّست ثوبا ً غير ثوبها‪ ،‬كما‬
‫سعت برسائل بولس ونحوها‪،‬‬ ‫سائر الديان التي سلفتها‪ ،‬فتو َّ‬

‫‪16‬‬
‫مضافة على‬ ‫فامتزجت بأزياء وشعائر وثنية للُّرومان والمصريين ُ‬
‫شعائر السرائيليين وأشياء من الساطير وغيرها‪ ،‬وأشياء من‬
‫مظاهر الملوك ونحوها‪ .‬وهكذا صارت النّصرانية تُعظ ِّم رجال‬
‫الكهنوت إلى درجة اعتقاد النّيابة عن الله والعصمة عن الخطأ‬
‫ما رفضه أخيرا ً البروتستان؛ أي‬ ‫وقوَّة التَّشريع‪ ،‬ونحو ذلك م ّ‬
‫الّراجعون في الحكام لصل النجيل‪.‬‬
‫سسا على‬ ‫ً‬ ‫مؤ َّ‬ ‫ذّبا ً لليهوديّة والنّصرانيّة‪ُ ،‬‬ ‫م جاء السلم مه ِ‬ ‫ث َّ‬
‫محكِما ً لقواعد الحّريّة‬ ‫الحكمة والعزم‪ ،‬هادما ً للتّشريك بالكُل ِّية‪ ،‬و ُ‬
‫سس‬ ‫دّيموقراطية والرستقراطية‪ ،‬فأ َّ‬ ‫سطة بين ال ِ‬ ‫سياسية المتو ّ‬ ‫ال ّ‬
‫َ‬
‫ل سلطة دينية أو تغلبيّة تتحك ّم في النّفوس أو‬ ‫ّ‬ ‫َ‬ ‫التّوحيد‪ ،‬ونزع َ ك ّ‬
‫ل زمان‬ ‫في الجسام‪ ،‬ووضع شريعة حكمة إجمالية صالحة لك ِّ‬
‫وقوم ومكان‪ ،‬وأوجد مدنيّة فطريّة سامية‪ ،‬وأظهر للوجود حكومة‬
‫كحكومة الخلفاء الّراشدين التي لم يسمح الّزمان بمثال لها بين‬
‫البشر حتَّى ولم يخلفهم فيها بين المسلمين أنفسهم خلف؛ إل‬
‫ي ونور الدّين‬ ‫بعض شواذ؛ كعمر بن عبد العزيز والمهتدي العبّاس ّ‬
‫ن هؤلء الخلفاء الّراشدين فهموا معنى ومغزى القرآن‬ ‫شهيد‪ .‬فإ َّ‬ ‫ال ّ‬
‫ت‬
‫ض ْ‬ ‫النّازل بلغتهم‪ ،‬وعملوا به واتَّخذوه إماماً‪ ،‬فأنشؤوا حكومة ق َ‬
‫مة في نعيم الحياة‬ ‫بالتّساوي حتَّى بينهم أنفسهم وبين فقراء ال ّ‬
‫وشظفها‪ ،‬وأحدثوا في المسلمين عواطف أخوة وروابط هيئة‬
‫ب‬‫اجتماعية اشتراكية ل تكاد توجد بين أشقاء يعيشون بإعالة أ ٍ‬
‫ل منهم وظيفة شخصية‪ ،‬ووظيفة‬ ‫م ٍ واحدة‪ ،‬لك ُ ٍّ‬ ‫واحد وفي حضانة أ ّ‬
‫سامي من الّرياسة‬ ‫ن هذا الطّراز ال ّ‬ ‫عائلية‪ ،‬ووظيفة قومية‪ .‬على أ َّ‬
‫مدي الذي لم يخلفه فيه حقّا ً غير أبي بكر‬ ‫هو الط ِّراز النّبوي ال ُ‬
‫مح َّ‬
‫مة تطلبه وتبكيه من عهد‬ ‫م أخذ بالتّناقص‪ ،‬وصارت ال ّ‬ ‫وعمر‪ ،‬ث َّ‬
‫عثمان إلى الن‪ ،‬وسيدوم بكاؤها إلى يوم الدِّين إذا لم تنتبه‬
‫ي شوريّ؛ ذلك الطّراز الذي اهتدت إليه‬ ‫لستعواضه بطراز سياس ّ‬
‫ن نقول‪ ،‬قد‬ ‫حأ ْ‬ ‫بعض أمم الغرب؛ تلك المم التي‪ ،‬لربّما يص ُّ‬
‫ما استفاده المسلمون‪.‬‬ ‫استفادت من السلم أكثر م ّ‬
‫ن بتعاليم إماتة الستبداد‬ ‫وهذا القرآن الكريم مشحو ٌ‬
‫وإحياء العدل والتّساوي حتّى في القصص منه؛ ومن جملتها قول‬
‫ب أشراف قومها‪ :‬يا أيُّها‬ ‫بلقيس ملكة سبأ من عرب تُبَّع تخاط ُ‬
‫ة أمرا ً حتى‬ ‫المل ُ أفتوني في أمري ما كنت قاطع ً‬
‫د‬ ‫ُ‬
‫س شدي ٍ‬ ‫ة وأولوا بأ ٍ‬ ‫هدون * قالوا نحن أولوا قو ٍ‬ ‫تَش َ‬
‫ن الملوك إذا‬ ‫ك فانظري ماذا تأمرين * قالت إ َّ‬ ‫والمر إلي ِ‬
‫ة وكذلك‬ ‫ة أفسدوها وجعلوا أعّزة أهلها أِذل ً‬ ‫دخلوا قري ً‬
‫يفعلون‪.‬‬
‫‪‬‬

‫‪17‬‬
‫فهذه القصة تُعل ِّم كيف ينبغي أن يستشير الملوك المل؛ أي‬
‫أشراف الَّرعية‪ ،‬وأن ل يقطعوا أمرا ً إل برأيهم‪ ،‬وتشير إلى لزوم‬
‫أن تُحفظ القوّة والبأس في يد الّرعية‪ ،‬وأن يخصص الملوك‬
‫بالتّنفيذ فقط‪ ،‬وأن يكرموا بنسبة المر إليهم توقيراً‪ ،‬وتقبّح شأن‬
‫الملوك المستبدين‪.‬‬
‫ومن هذا الباب أيضا ً ما ورد في قصة موسى عليه السلم‬
‫مع فرعون في قوله تعالى‪ :‬قال المل من قوم فرعون إ َّ‬
‫ن‬
‫هذا لساحٌر عليم * يريد أن يخرجكم من أرضكم فماذا‬
‫تأمرون؛ أي قال الشراف بعضهم لبعض‪ :‬ماذا رأيكم؟ (قالوا)‬ ‫‪‬‬
‫َ‬
‫سل في‬ ‫جه وأخاه وأر ِ‬ ‫خطابا ً لفرعون وهو قرارهم‪ :‬أر ِ‬
‫م وصف‬ ‫ر عليم‪‬؛ ث ّ‬‫ل ساح ٍ‬ ‫المدائن حاشرين * يأتوك بك ِّ‬
‫مذاكراتهم بقوله تعالى‪ :‬فتنازعوا أمرهم‪‬؛ أي رأيهم ‪‬بينهم‬
‫وأسُّروا النجوى‪‬؛ أي أفضت مذاكراتهم العلنية إلى النّزاع‬
‫فأجروا مذاكرة سرية طبق ما يجري إلى الن في مجالس‬
‫الشورى العمومية‪.‬‬
‫بناءً على ما تقدّم؛ ل مجال لرمي السلمية بتأييد الستبداد‬
‫مع تأسيسها على مئات اليات البيِّنات التي منها قوله تعالى‪ :‬‬
‫وشاورهم في المر‪‬؛ أي في الشأن‪ ،‬ومن قوله تعالى‪ :‬يا‬
‫أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي‬
‫المر منكم‪‬؛ أي أصحاب الرأي والشأن منكم‪ ،‬وهم العلماء‬
‫سرين‪ ،‬وهم الشراف في‬ ‫والرؤساء على ما اتَّفق عليه أكثر المف ِّ‬
‫اصطلح السياسيين‪ .‬ومما يؤيِّد هذا المعنى أيضا ً قوله تعالى‪ :‬‬
‫وما أمُر فرعون‪‬؛ أي ما شأنه‪ ،‬وحديث «أميري من الملئكة‬
‫جبريل»؛ أي مشاوري‪.‬‬
‫ُ‬
‫وليس بالمر الغريب ضياع معنى ‪‬وأولي المر‪ ‬على كثير‬
‫م عن‬ ‫من الفهام بتضليل علماء الستبداد الذي يحّرِفون الكَل ِ َ‬
‫منكم؛ أي المؤمنين منعا ً لتطُّرق‬ ‫‪‬‬ ‫مواضعه‪ ،‬وقد أغفلوا معنى قيد ‪‬‬
‫ن الظالمين ل يحكمونهم بما أنزل‬ ‫أفكار المسلمين إلى التفكير بأ ّ‬
‫م التدُّرج إلى معنى آية ‪‬إن الله يأمر بالعدل‪ ،‬أي‬ ‫الله‪ ،‬ث َّ‬
‫بالتساوي؛ ‪‬وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل‪ ،‬أي‬
‫م ينتقل إلى معنى آية‪:‬ومن لم يحكم بما أنزل‬ ‫التساوي؛ ث ّ‬
‫م يستنتج عدم وجوب طاعة‬ ‫الله فأولئك هم الكافرون‪ .‬ث َّ‬
‫الظالمين وإن قال بوجوبها بعض الفقهاء الممالئين دفعا ً للفتنة‬
‫التي تحصد أمثالهم حصداً‪ .‬والغرب من هذا جسارتهم على‬
‫تضليل الفهام في معنى (أمر) في آية‪ :‬وإذا أردنا أن نهلك‬
‫ق عليها القول‬ ‫ة أمرنا مترفيها ففسقوا فيها فح َّ‬ ‫قري ً‬

‫‪18‬‬
‫مرناها تدميراً ‪‬؛ فإنهم لم يبالوا أن ينسبوا إلى الله المر‬ ‫فد َّ‬
‫بالفسق‪ ...‬تعالى الله عن ذلك علوّا ً كبيراً‪ ،‬والحقيقة في معنى‬
‫(أمرنا) هنا أنَّه بمعنى أمرِنا ‪ -‬بكسر الميم أو تشديدها‪-‬؛ أي جعلنا‬
‫أمراءها مترفيها ففسقوا فيها (أي ظلموا أهلها) فحقّ عليهم‬
‫العذاب؛ أي (نزل بهم العذاب)‪.‬‬
‫ى‬ ‫َ‬
‫والغرب من هذا وذاك؛ أن ّهم جعلوا للفظة العدل معن ً‬
‫ع ُرفياً؛ وهو الحكم بمقتضى ما قاله الفقهاء؛ حتى أصبحت لفظة‬
‫ة للتسوية؛‬ ‫ن العدل لغ ً‬ ‫ل على غير هذا المعنى‪ ،‬مع أ ّ‬ ‫العدل ل تد ُّ‬
‫فالعدل بين النّاس هو التسوية بينهم‪ ،‬وهذا هو المراد في آية‪ :‬إن‬
‫الله يأمر بالعدل‪ ،‬وكذلك القصاص في آية‪ :‬ولكم في‬
‫القصاص حياةٌ‪ ‬المتواردة مطلقاً‪ ،‬ل المعاقبة بالمثل فقط على‬
‫ما يتبادر إلى أذهان الُسراء‪ ،‬الذين ل يعرفون للتّساوي موقعا ً في‬
‫الدِّين غير الوقوف بين يدي القضاة‪.‬‬
‫وقد عدّد الفقهاء من ل تُقبَل شهادتهم لسقوط‬
‫عدالتهم‪ ،‬فذكروا حتّى من يأكل ماشيا ً في السواق؛‬
‫سقوا المراء‬ ‫ن شيطان الستبداد أنساهم أن يُف ِّ‬ ‫ولك ّ‬
‫ل الفقهاء يُعذ َرون بسكوتهم‬ ‫الظالمين فيردّوا شهادتهم‪ .‬ولع ّ‬
‫هنا مع تشنيعهم على الظالمين في مواقع أخرى؛ ولكن‪ ،‬ما‬
‫ة يدعون إلى‬ ‫م ٌ‬
‫عذرهم في تحويل معنى الية‪ :‬ولتكن منكم أ ّ‬
‫ن هذا‬ ‫الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر‪ ‬إلى أ ّ‬
‫الفرض هو فرض كفاية ل فرض عين؟ والمراد منه سيطرة أفراد‬
‫المسلمين بعضهم على بعض؛ ل إقامة فئة تسيطر على حكامهم‬
‫صصت منها‬ ‫كما اهتدت إلى ذلك المم الموفقة للخير؛ فخ ّ‬
‫جماعات باسم مجالس نّواب‪ ،‬وظيفتها السيطرة والحتساب‬
‫على الدارة العمومية‪ :‬السياسية والمالية والتشريعية‪ ،‬فتخلّصوا‬
‫بذلك من شآمة الستبداد‪ .‬أليست هذه السيطرة وهذا الحتساب‬
‫بأهم من السيطرة على الفراد؟ ومن يدري من أين جاء فقهاء‬
‫الستبداد بتقديس الحكّام عن المسؤولية حتى أوجبوا لهم الحمد‬
‫ل معارضة‬ ‫صبر عليهم إذا ظلموا‪ ،‬وعدّوا ك ّ‬ ‫إذا عدلوا‪ ،‬وأوجبوا ال ّ‬
‫لهم بغيا ً يبيح دماء المعارضين؟!‬
‫دّين‬ ‫دّين وشركاءهم قد جعلوا دينك غير ال ِ‬ ‫ن المستب ِ‬ ‫اللهم؛ إ ّ‬
‫الذي أنزلت‪ ،‬فل حول ول قوّة إل بك!‬
‫كذلك ما ع ُذر الصوفية الذين جعلتهم النعامات على‬
‫زاوياتهم أن يقولوا‪ :‬ل يكون المير العظم إل وليّا ً من أولياء الله‪،‬‬
‫ول يأتي أمرا ً إل بإلهام من الله‪ ،‬وإنه يتصَّرف في المور ظاهراً‪،‬‬
‫ويتصَّرف قطب الغوث باطناً! أل سبحان الله ما أحلمه!‬

‫‪19‬‬
‫ث أرسل لهم‬ ‫حلم الله لخسف الرض بالعرب؛ حي ُ‬ ‫نعم؛ لول ُ‬
‫ُ‬
‫ست في النّاس‪،‬‬ ‫س َ‬
‫سس لهم أفضل حكومة أ ِّ‬ ‫رسول ً من أنفسهم أ ّ‬
‫ل عن‬ ‫ع وكلُّكم مسؤو ٌ‬ ‫ُّ‬
‫جعل قاعدتها قوله‪« :‬كلكم را ٍ‬
‫ن عام ومسؤول عن المة‪ .‬وهذه‬ ‫ل منكم سلطا ٌ‬ ‫رعيّته»؛ أي ك ٌّ‬
‫الجملة التي هي أسمى وأبلغ ما قاله مشّرِع سياسي من الولين‬
‫والخرين‪ ،‬فجاء من المنافقين من حَّرف المعنى عن ظاهره‬
‫ن المسلم راٍع على عائلته ومسؤول عنها فقط‪.‬‬ ‫وعموميته؛ إلى أ َّ‬
‫ضهم‬ ‫كما حَّرفوا معنى الية‪ :‬والمؤمنون والمؤمنات بع ُ‬
‫أولياءُ بعض‪ ‬على ولية الشهادة دون الولية العامة‪ .‬وهكذا‬
‫غيّروا مفهوم اللغة‪ ،‬وبدَّلوا الدِّين‪ ،‬وطمسوا على العقول حتى‬
‫جعلوا النّاس ينسون لغة الستقلل‪ ،‬وعّزة الحريّة؛ بل جعلوهم ل‬
‫ن قاهر‪.‬‬‫ة نفسها بنفسها دون سلطا ٍ‬ ‫م ٌ‬‫يعقلون كيف تحكم أ ّ‬
‫ن المسلمين لم يسمعوا بقول النّبي عليه السلم‪:‬‬ ‫وكأ ّ‬
‫ي على‬ ‫«النّاس سواسية كأسنان المشط‪ ،‬ل فضل لعرب ٍ ّ‬
‫ح الحاديث لمطابقته‬ ‫أعجمي إل بالتّقوى»‪ .‬وهذا الحديث أص ُّ‬
‫أتقاكم‬
‫‪‬‬ ‫ن أكرمكم عند الله‬ ‫سرا ً الية ‪‬إ َّ‬ ‫للحكمة ومجيئه مف ِّ‬
‫ل شأنه ساوى بين عباده مؤمنين وكافرين في‬ ‫ن الله ج َّ‬ ‫فإ َّ‬
‫م جعل الفضلية في‬ ‫ي آدم‪ ‬ث َّ‬‫المكرمة بقوله‪ :‬ولقد كَّرمنا بن َ‬
‫ة ليس كثرة العبادة‪ ،‬كما‬ ‫الكرامة للمتَّقين فقط‪ .‬ومعنى التَّقوى لغ ً‬
‫صار إلى ذلك حقيقة ع ُرفية غرسها علماء الستبداد القائلين في‬
‫ة هي‬ ‫تفسير (عند الله)؛ أي في الخرة دون الدنيا؛ بل التَّقوى لغ ً‬
‫التِّقاء؛ أي البتعاد عن رذائل العمال احترازا ً من عقوبة الله‪.‬‬
‫ن أفضل النّاس‬ ‫أتقاكم كقوله‪ :‬إ َّ‬‫‪‬‬ ‫ن أكرمكم عند الله‬ ‫فقوله‪ :‬إ َّ‬
‫أكثرهم ابتعادا ً عن الثام وسوء عواقبها‪.‬‬
‫ن السلمية مؤسسة على أصول‬ ‫وقد ظهر مما تقدَّم أ َّ‬
‫ل سيطرة وتحك ّم‪ ،‬بأمرها بالعدل والمساواة‬ ‫ُ‬ ‫الحّرية برفعها ك ّ‬
‫ضها على الحسان والتحابب‪ .‬وقد جعلت‬ ‫والقسط والخاء‪ ،‬وبح ِّ‬
‫شورى الريستوقراطية؛ أي شورى أهل الح ِّ‬
‫ل‬ ‫أصول حكومتها‪ :‬ال ّ‬
‫والعقد في المة بعقولهم ل بسيوفهم‪ .‬وجعل أصول إدارة المة‪:‬‬
‫التشريع الديمقراطي؛ أي الشتراكي حسبما يأتي فيما بعد‪ .‬وقد‬
‫مضى عهد النبي (عليه السلم) وعهد الخلفاء الراشدين على‬
‫م وأكمل صورها‪ .‬ومن المعلوم أنّه ل يوجد في‬ ‫هذه الصول بأت ّ‬
‫السلمية نفوذ ديني مطلقا ً في غير مسائل إقامة شعائر الدين‪،‬‬
‫حكم‪،‬‬ ‫ومنها القواعد العامة التشريعية التي ل تبلغ مائة قاعدة و ُ‬
‫ُ‬
‫ل وأحسن ما اهتدى إليه المشّرِعون من قبل ومن‬ ‫ج ّ‬ ‫كل ّها من أ َ‬
‫بعد‪ .‬ولكن؛ واأسفاه على هذا الدين الحّر‪ ،‬الحكيم‪ ،‬السهل‪،‬‬
‫السمح‪ ،‬الظاهر فيه آثار الرقي على غيره من سوابقه‪ ،‬الدين‬

‫‪20‬‬
‫الذي رفع الصر والغلل‪ ،‬وأباد الميزة والستبداد‪ .‬الدين الذي‬
‫ظلمه الجاهلون‪ ،‬فهجروا حكمة القرآن ودفنوها في قبور الهوان‪.‬‬
‫الدّين الذي فقد النصار البرار والحكماء الخيار‪ ،‬فسطا عليه‬
‫المستبدون والمترشحون للستبداد‪ ،‬واتَّخذوا وسيلة لتفريق‬
‫الكلمة وتقسيم المة شيَعاً‪ ،‬وجعلوه آلهة لهوائهم السياسية‪،‬‬
‫فضيّعوا مزاياه‪ ،‬وحيّروا أهله بالتقريع والتوسيع‪ ،‬والتشديد‬
‫والتشويش‪ ،‬وإدخال ما ليس منه فيه كما فعل قبلهم أصحاب‬
‫ن ك َّ‬
‫ل‬ ‫الديان السائرة‪ ،‬حتى جعلوه دينا ً حرجا ً يتوهّم الناس فيه أ َّ‬
‫َ‬
‫سب لسم إسلمي هو من‬ ‫ما دوَنَّه المتفنون بين دفّتي كتاب يُن َ‬
‫الدين‪ ،‬وبمقتضاها أن ل يقوى على القيام بواجباته وآدابه‬
‫ومزيداته‪ ،‬إل من ل علقة له بالحياة الدنيا؛ بل أصبحت بمقتضاها‬
‫ُ‬
‫ل عمل‪ ،‬ل تفي بتعل ّم‬ ‫حياة النسان الطويل العمر‪ ،‬العاطل عن ك ِّ‬
‫ما هي السلمية عجزا ً عن تمييز الصحيح من الباطل من تلك‬
‫الراء المتشعبة التي أطال أهلها فيها الجدال والمناظرة؛ وما‬
‫ل منهم في موقفه الول يظهر أنه ألزم خصمه‬ ‫افترقوا إل وك ٌّ‬
‫ن كل ً منهم قد سكت تعباً‬ ‫جة وأسكته بالبرهان؛ والحقيقة إ َّ‬ ‫الح ّ‬
‫وكلل ً من المشاغبة‪.‬‬
‫وبهذا التّشديد الذي أدخله على الدّين منافسو المجوس؛‬
‫مة باب التلوّم على النفس فضل ً عن محاسبة‬ ‫انفتح على ال ّ‬
‫الحكام المنوط بهم قيام العدل والنِّظام‪ .‬وهذا الهمال للمراقبة‪،‬‬
‫هو إهمال المر بالمعروف والنّهي عن المنكر‪ ،‬وقد أوسع لمراء‬
‫حكم‬ ‫السلم مجال الستبداد وتجاوَز الحدود‪ .‬وبهذا وذاك ظهر ُ‬
‫ن الله‬ ‫ن عن المنكر أو ليستعمل ّ‬ ‫ن بالمعروف ولتنهو ّ‬‫حديث‪« :‬لتأمر ّ‬
‫عليكم شراركم فليسومونكم سوء العذاب»‪ ،‬وإذا تتبعنا سيرة‬
‫مة‪ ،‬نجد أنّهما مع كونهما‬ ‫أبي بكر وعمر رضي الله عنهما مع ال ّ‬
‫مفطوَرين خير فطرة‪ ،‬ونائلين التربية النبوية‪ ،‬لم تترك المة‬
‫ة عمياء‪.‬‬‫معهما المراقبة والمحاسبة‪ ،‬ولم تطعهما طاع ً‬
‫وقد جمع بعضهم جملة مما اقتبسه وأخذه المسلمون عن‬
‫غيرهم‪ ،‬وليس هو من دينهم بالنّظر إلى القرآن والمتواترات من‬
‫الحديث وإجماع السلف الول فقال‪:‬‬
‫(اقتبسوا) من النصرانية مقام البابوية باسم الغوثية‪،‬‬
‫و(ضاهوا) في الوصاف والعداد أوصاف وأعداد البطارقة‪،‬‬
‫والكردينالية والشهداء والساقفة‪ ،‬و(حاكوا) مظاهر القديسين‬
‫شرين وصبرهم‪ ،‬والّرهبنات ورؤسائها‪،‬‬ ‫وعجائبهم‪ ،‬والدعاة المب ّ‬
‫وحالة الديرة وبادريتها‪ .‬والرهبنات ورسومها والحميَّة وتوقيتها‪،‬‬
‫و(قلّدوا) الوثنيين الرومانيين في الّرقص على أنغام الناي‬
‫والتغالي في تطييب الموتى والحتفال الزائد في الجنائز وتسريح‬

‫‪21‬‬
‫الذبائح معها‪ ،‬وتكليلها وتكليل القبور بالزهور‪ .‬و(شاكلوا) مراسم‬
‫الكنائس وزينتها‪ ،‬والبِيَع واحتفالتها‪ ،‬والترنّحات ووزنها‪ ،‬والترنُّمات‬
‫وأصولها‪ ،‬وإقامة الكنائس على القبور‪ ،‬وشد ّ الّرِحال لزيارتها‪،‬‬
‫والسراج عليها‪ ،‬والخضوع لديها‪ ،‬وتعليق المال بسكانها‪.‬‬
‫و(أخذوا) التبّرك بالثار‪ :‬كالقدح والحربة والدستار‪ ،‬من احترام‬
‫صدر عند ذكر‬ ‫الذخيرة وقدسية العكاز‪ ،‬وكذلك إمرار اليد على ال ّ‬
‫الصالحين‪ ،‬من إمرارها على الصدر لشارة الصليب‪ .‬و(انتزعوا)‬
‫الحقيقة من السّر‪ ،‬ووحدة الوجود من الحلول‪ ،‬والخلفة من‬
‫سقيا من تناول القربان‪ ،‬والمولد من الميلد‪ ،‬وحفلته‬ ‫الّرسم‪ ،‬وال ّ‬
‫من العياد‪ ،‬ورفع العلم من حمل الصلبان‪ ،‬وتعليق ألواح‬
‫صور‬ ‫السماء المصدَّرة بالنّداء على الجدران من تعليق ال ّ‬
‫جه بالقلوب انحناءً أمام‬ ‫والتماثيل‪ ،‬والستفاضة والمراقبة من التو ّ‬
‫سن ّة كحظر‬ ‫َ‬ ‫الصنام‪ .‬و(منعوا) الستهداء من نصوص الكتاب وال ُ‬
‫الكاثوليك التفهّم من النجيل‪ ،‬وامتناع أحبار اليهود عن إقامة‬
‫الدّليل من التوراة في الحكام‪ .‬و(جاءوا) من المجوسية‬
‫باستطلع الغيب من الفلك‪ ،‬وبخشية أوضاع الكواكب وباتِّخاذ‬
‫أشكالها شعارا ً للملك‪ ،‬وباحترام النار ومواقدها‪ .‬و(قلّدوا)‬
‫البوذيين حرفا ً بحرف في الطريق والرياضة وتعذيب الجسم بالنار‬
‫والسلح‪ ،‬واللعب بالحيّات والعقارب وشرب السموم‪ ،‬ودقّ‬
‫الطبول والصنوج وجعل رواتب من الدعية والناشيد والحزاب‪،‬‬
‫واعتقاد تأثير العزائم ونداء السماء وحمل التمائم‪ ،‬إلى غير ذلك‬
‫سند إلى‬ ‫مشاهد في بوذيي الهند ومجوس فارس وال ّ‬ ‫مما هو ُ‬
‫يومنا هذا‪ .‬وقد قيل إنّه نقله إلى السلمية‪ :‬جون وست‪ ،‬وسلطان‬
‫علي منل‪ ،‬والبغدادي‪ ،‬وحاشية فلن الشيخ وفلن الفارسي‪ ،‬على‬
‫ن إسناد ذلك إلى أشخاص معينين يحتاج إلى تثبيت‪ .‬و(لفَّقوا)‬ ‫أ ّ‬
‫موها‬ ‫من الساطير والسرائيليات أنواعا ً من القربات‪ ،‬وعلوما ً س ّ‬
‫لدنيات‪.‬‬
‫ن أكثر ما اعتبره‬ ‫كذلك يُقال عن مبتدعي النصارى‪ ،‬من أ ّ‬
‫المتأخرون منهم من الشعائر الدينية‪ -‬حتى مشكلة التثليث‪ -‬ل‬
‫أصل له فيما ورد عن نفس المسيح عليه السلم؛ إنما هو‬
‫مبتدَع وكثيرها متَّبع‪ .‬وقد اكتشف العلماء‬ ‫مزيدات وترتيبات قليلها ُ‬
‫صحف‬ ‫الثاريون من الصفائح الحفرية الهندية والشورية ومن ال ّ‬
‫التي وُجدت في نواويس المصريين القدمين‪ ،‬على مآخذ أكثرها‪.‬‬
‫وكذلك وجدوا لمزيدات التلمود وبدع الحبار أصول ً في الساطير‬
‫والثار واللواح الشورية‪ ،‬وترقّوا في التطبيق والتدقيق إلى أن‬
‫وجدوا معظم الخرافات المضافة إلى أصول عامة الديان في‬
‫الشرق الدنى مقتبسة من الوضعيات المنسوبة لنحل الشرق‬

‫‪22‬‬
‫ن الستبداد أخفى تاريخ الديان‬ ‫القصى‪ ،‬وقد كشفت الثار أ ّ‬
‫ن أعداء الديان‬ ‫وجعل أخبار منشئها في ظلم مطبق‪ ،‬حتّى إ َّ‬
‫المتأخرين أمكنهم أن ينكروا أساسا ً وجود موسى وعيسى عليهما‬
‫السلم‪ ،‬كما شوّش الستبداد في المسلمين تاريخ آل البيت‬
‫عليهم الرضوان؛ المر الذي تولّد عنه ظهور الفَِرق التي تشيَّعت‬
‫لهم كالمامية والسماعيلية والزيدية والحاكمية وغيرهم‪.‬‬
‫ن البِدَع التي شوَّشت اليمان وشوَّهت الديان‬ ‫والخلصة أ ّ‬
‫ُ‬
‫تكاد كُل ّها تتسلسل بعضها من بعض‪ ،‬وتتولّد جميعها من غرض‬
‫واحد هو المراد‪ ،‬أل وهو الستعباد‪.‬‬
‫والنّاظر المدقّق في تاريخ السلم يجد للمستبدّين من‬
‫الخلفاء والملوك الولين‪ ،‬وبعض العلماء العاجم‪ ،‬وبعض مقلّديهم‬
‫من العرب المتأخرين أقوال ً افتروها على الله ورسوله تضليلً‬
‫للمة عن سبيل الحكمة‪ ،‬يريدون بها إطفاء نور العلم وإطفاء نور‬
‫م نوره‪ ،‬فحفظ للمسلمين كتابه‬ ‫الله‪ ،‬ولكن؛ أبى الله إل أن يت ّ‬
‫سه يد‬ ‫الكريم الذي هو شمس العلوم وكنز الحكم من أن تم ّ‬
‫التحريف؛ وهي إحدى معجزاته لنَّه قال فيها‪ :‬إنّا نحن نَّزلنا‬
‫سه المنافقون إل بالتأويل‪،‬‬ ‫ذّكر وإنَّا له لحافظون‪ ‬فما م ّ‬ ‫ال ِ‬
‫وهذا أيضا ً من معجزاته‪ ،‬لنه أخبر عن ذلك في قوله‪ :‬فأما‬
‫غ فيتَّبعون ما تشابه منه ابتغاء‬ ‫قلُوبهم َزي ٌ‬ ‫الَّذين في ُ‬
‫الفتنة وابتغاء تأويله‪.‬‬
‫وإني أُمث ِّل للمطالعين ما فعله الستبداد في السلم‪ ،‬بما‬
‫مي اللء والخلق‬ ‫سروا قس َ‬ ‫حجر على العلماء الحكماء من أن يف ِّ‬
‫َ‬
‫تفسيرا ً مدقِّقَاً‪ ،‬لنهم كانوا يخافون مخالفة رأي بعض الغُفّل‬
‫السالفين أو بعض المنافقين المقَّربين المعاصرين‪ ،‬فيُكفَّرون‬
‫فيُقتَلون‪ .‬وهذه مسألة إعجاز القرآن‪ ،‬وهي أهم مسألة في الدِّين‬
‫لم يقدروا أن يوفوها حقّها من البحث‪ ،‬واقتصروا على ما قاله‬
‫سلف قول ً مجمل ً من أنَّها قصور الطاقة عن التيان‬ ‫فيها بعض ال ّ‬
‫ن الّروم بعد غلبهم‬ ‫بمثله في فصاحته وبلغته‪ ،‬وأنّه أخبر عن أ ّ‬
‫سيغلبون‪ .‬مع أنه لو فُتح للعلماء ميدان التدقيق وحرية الرأي‬
‫حكم‪،‬‬ ‫ُ‬
‫والتأليف‪ ،‬كما أطلق عنان التخريف لهل التأويل وال ُ‬
‫لظهروا في ألوف من آيات القرآن ألوف آيات العجاز‪ ،‬ولرأوا‬
‫ل يوم آية تتجدد مع الزمان والحدثان تبرهن إعجازه بصدق‬ ‫فيه ك ّ‬
‫ب مبين‪ ‬ولجعلوا المة‬ ‫س إل في كتا ٍ‬ ‫ب ول ياب ٍ‬ ‫قوله‪ :‬ول َرط ٍ‬
‫تؤمن بإعجازه عن برهان وعيان ل مجرد تسليم وإذعان‪.‬‬
‫ن العلم كشف في هذه القرون الخيرة‬ ‫ومثال ذلك‪ :‬أ َّ‬
‫حقائق وطبائع كثيرة تُعزى لكاشفيها ومخترعيها من علماء أوربا‬
‫وأمريكا؛ والمدقق في القرآن يجد أكثرها ورد به التّصريح أو‬

‫‪23‬‬
‫التلميح في القرآن منذ ثلثة عشر قرناً؛ وما بقيت مستورة تحت‬
‫غشاء من الخفاء إل لتكون عند ظهورها معجزة للقرآن شاهدة‬
‫ن‬ ‫ب ل يعلم الغيب سواه؛ ومن ذلك أنّهم قد كشفوا أ ّ‬ ‫بأنّه كلم ر ٍّ‬
‫مادة الكون هي الثير‪ ،‬وقد وصف القرآن بدء التكوين فقال‪ :‬ث َّ‬
‫م‬
‫ن الكائنات في‬ ‫استوى إلى السماء وهي دخان‪ ‬وكشفوا أ ّ‬
‫ة‬
‫ة لهم الرض الميت ُ‬ ‫حركة دائمة دائبة والقرآن يقول‪:‬وآي ٌ‬
‫يسبحون‪.‬‬
‫‪‬‬ ‫ك‬
‫ل في فل ٍ‬ ‫أحييناها‪ ‬إلى أن يقول‪:‬وك ٌّ‬
‫ة في النظام الشمسي‪ ،‬والقرآن‬ ‫ن الرض منفتق ً‬ ‫وحققوا أ َّ‬
‫سموات والرض كانتا رتقا ً ففتقناهما‪.‬‬ ‫ن ال ّ‬ ‫يقول‪ :‬أ َّ‬
‫ن القمر منشقٌّ من الرض‪ ،‬والقرآن يقول‪ :‬أفل‬ ‫وحققوا أ َّ‬
‫يرون أنّا نأتي الرض ننقصها من أطرافها‪ .‬ويقول‪ :‬‬
‫ق القمر‪.‬‬ ‫ساعة وانش َّ‬ ‫ت ال ّ‬ ‫اقترب ِ‬
‫ن طبقات الرض سبع‪ ،‬والقرآن يقول‪ :‬الله الذي‬ ‫وحققوا أ َّ‬
‫ت ومن الرض مثلهن‪‬‬ ‫خلق سبع سموا ٍ‬
‫وحققوا أنّه لول الجبال لقتضى الثّقل النوعي أن تميد‬
‫ج في دورتها‪ ،‬والقرآن يقول‪ :‬وألقى في الرض‬ ‫الرض؛ أي ترت ّ‬
‫ي أن تميد بكم‪.‬‬ ‫رواس َ‬
‫ن سر التركيب الكيماوي‪ -‬بل والمعنوي‪ -‬هو‬ ‫وكشفوا أ َّ‬
‫ء‬
‫ل شي ٍ‬ ‫تخالف نسبة المقادير وضبطها‪ ،‬والقرآن يقول‪ :‬وك ُّ‬
‫عنده بمقدار‪.‬‬
‫ن للجمادات حياة قائمة بماء التبلور والقرآن‬ ‫َ‬ ‫وكشفوا أ ّ‬
‫حي‪.‬‬
‫‪‬‬ ‫ء‬
‫ل شي ٍ‬ ‫يقول‪:‬وجعلنا من الماء ك َّ‬
‫ن العالم العضوي‪ ،‬ومنه النسان‪ ،‬ترقّى من‬ ‫وحققوا أ ّ‬
‫ة من‬ ‫الجماد‪ ،‬والقرآن يقول‪ :‬ولقد خلقنا النسان من سلل ٍ‬
‫طين‪.‬‬
‫‪‬‬
‫وكشفوا ناموس اللقاح العام في النبات‪ ،‬والقرآن يقول‪ :‬‬
‫خلق الزواج كلّها مما تنبت الرض‪ ‬ويقول‪ :‬فأخرجنا به أزواجاً‬
‫ج بهيج‪.‬‬ ‫ل زو ٍ‬ ‫ت شتّى‪ ،‬ويقول‪ :‬اهتّزت وربَت من ك ِّ‬ ‫من نبا ٍ‬
‫ل الثمرات جعل فيها زوجين اثنين‪.‬‬ ‫ويقول‪ :‬ومن ك ِّ‬
‫وكشفوا طريقة إمساك الظ ِّل؛ أي التصوير الشمسي‪،‬‬
‫ل ولو شاء‬ ‫والقرآن يقول‪ :‬ألم ت َر إلى رب ّك كيف مدَّ الظِّ َّ‬
‫ِ‬ ‫َ‬
‫س عليه دليلً ‪.‬‬ ‫َ‬ ‫شم‬ ‫ّ‬ ‫ال‬ ‫جعلنا‬ ‫م‬‫لجعله ساكنا ً ث َّ‬
‫سفن والمركبات بالبخار والكهرباء‬ ‫وكشفوا تسيير ال ّ‬
‫والقرآن يقول‪ ،‬بعد ذكره الدواب والجواري بالريح‪ :‬وخلقنا لهم‬
‫من مثله ما يركبون‪.‬‬

‫‪24‬‬
‫وكشفوا وجود الميكروب‪ ،‬وتأثيره وغيره من المراض‪،‬‬
‫أبابيل؛ أي متتابعة‬
‫‪‬‬ ‫والقرآن يقول‪:‬وأرسل عليهم طيرا ً‬
‫جيل؛ أي من طين‬
‫ة من س ّ ‪‬‬ ‫متجمعة ‪‬ترميهم بحجار ٍ‬
‫المستنقعات اليابس‪ .‬إلى غير ذلك من اليات الكثيرة المحققة‬
‫لبعض مكتشفات علم الهيئة والنواميس الطبيعية‪ .‬وبالقياس على‬
‫ن كثيرا ً من آياته سينكشف سُّرها في‬ ‫ما تقدَّم ذكره؛ يقتضي أ َّ‬
‫ما في الغيب‬‫المستقبل في وقتها المرهون‪ ،‬تجديدا ً لعجازه ع ّ‬
‫مادام الزمان وما كَّر الجديدان؛ فل بُد َّ أن يأتي يوم يكشف العلم‬
‫ن الجمادات أيضا ً تنمو باللقاح كما تشير إلى ذلك آية ‪‬ومن‬ ‫فيه أ َّ‬
‫ء خلقنا زوجين‪.‬‬ ‫ل شي ٍ‬ ‫ك ِّ‬

‫‪25‬‬
‫الستبداد والعلم‬

‫ي الخائن‬ ‫ما أشبه المستبد َّ في نسبته إلى رعيته بالوص ّ‬


‫القوي‪ ،‬يتصّرف في أموال اليتام وأنفسهم كما يهوى ما داموا‬
‫ي أن يبلغ اليتام‬ ‫ضعافا ً قاصرين؛ فكما أنّه ليس من صالح الوص ّ‬
‫رشدهم‪ ،‬كذلك ليس من غرض المستبد ّ أن تتنوّر الرعية بالعلم‪.‬‬
‫ن ل استعباد ول‬ ‫ل يخفى على المستبدّ‪ ،‬مهما كان غبياً‪ ،‬أ ْ‬
‫اعتساف إل مادامت الّرعية حمقاء تخبط في ظلمة جهل وتيه‬
‫عماء‪ ،‬فلو كان المستبد ُّ طيرا ً لكان خفّاشا ً يصطاد هوام العوام‬
‫في ظلم الجهل‪ ،‬ولو كان وحشا ً لكان ابن آوى يتلقّف دواجن‬
‫مه جاهل ُ ُ‬
‫ه‪.‬‬ ‫الحواضر في غشاء الليل‪ ،‬ولكنّه هو النسان يصيد عال ِ َ‬
‫شافا ً مبصراً‪،‬‬ ‫ة من نور الله‪ ،‬وقد خلق الله النّور ك ّ‬ ‫العلم قبس ٌ‬
‫ة‪ ،‬العلم نور والظلم‬ ‫يولّد في النفوس حرارة ً وفي الرؤوس شهام ً‬
‫ل‬‫ظلم‪ ،‬ومن طبيعة النّور تبديد الظّلم‪ ،‬والمتأمل في حالة ك ِّ‬
‫ل سلطة الرئاسة تقوى وتضعف بنسبة‬ ‫رئيس ومرؤوس يرى ك َّ‬
‫نقصان علم المرؤوس وزيادته‪.‬‬
‫المستبد ُّ ل يخشى علوم اللغة‪ ،‬تلك العلوم التي بعضها يقوّم‬
‫ل وهذيان يضيع به الزمان‪ ،‬نعم؛ ل يخاف علم‬ ‫اللسان وأكثرها هز ٌ‬
‫اللغة إذا لم يكن وراء اللسان حكمة حماس تعقد اللوية‪ ،‬أو سحر‬
‫ن بأن تلد‬ ‫بيان يح ُّ‬
‫ن الزمان ضني ٌ‬ ‫ل عقد الجيوش؛ لنه يعرف أ ّ‬
‫المهات كثيرا ً من أمثال‪ :‬الكميت وحسان أو مونتيسكيو وشيللر‪.‬‬
‫وكذلك ل يخاف المستبد ُّ من العلوم الدينية المتعل ِّقة‬
‫بالمعاد‪ ،‬المختصة ما بين النسان وربه‪ ،‬لعتقاده أنّها ل ترفع‬
‫المتهوسون للعلم‪ ،‬حتى إذا‬ ‫ِّ‬ ‫غباوة ً ول تزيل غشاوة‪ ،‬إنما يتلهّى بها‬
‫ضاع فيها عمرهم‪ ،‬وامتلتها أدمغتهم‪ ،‬وأخذ منهم الغرور‪ ،‬فصاروا‬
‫ل يرون علما ً غير علمهم‪ ،‬فحينئذ ٍ يأمن المستبد ُّ منهم كما يُؤمن‬
‫سكران إذا خمر‪ .‬على أنّه إذا نبغ منهم البعض ونالوا حرمة‬ ‫شُّر ال ّ‬
‫بين العوام ل يعدم المستبد ّ وسيلة لستخدامها في تأييد أمره‬
‫ومجاراة هواه في مقابلة أنّه يضحك عليهم بشيء من التعظيم‪،‬‬
‫ت من مائدة الستبداد؛ وكذلك ل يخاف من‬ ‫ويسد ُّ أفواههم بلقيما ٍ‬
‫ن أهلها يكونون مسالمين صغار‬ ‫العلوم الصناعية محضاً؛ ل ّ‬
‫النّفوس‪ ،‬صغار الهمم‪ ،‬يشتريها المستبد ُّ بقليل من المال‬
‫ن أكثرهم مبتلون بإيثار‬ ‫والعزاز‪ ،‬ول يخاف من الماديين‪ ،‬ل ّ‬
‫ن غالبهم قصار النظر‪.‬‬ ‫النّفس‪ ،‬ول من الرياضيين؛ ل ّ‬

‫‪26‬‬
‫ترتعد فرائص المستبد ُّ من علوم الحياة مثل الحكمة‬
‫النظرية‪ ،‬والفلسفة العقلية‪ ،‬وحقوق المم وطبائع الجتماع‪،‬‬
‫صل‪ ،‬والخطابة الدبية‪ ،‬ونحو ذلك‬ ‫والسياسة المدنية‪ ،‬والتاريخ المف ّ‬
‫سع العقول‪ ،‬وتعّرف النسان‬ ‫من العلوم التي تُكبر النفوس‪ ،‬وتو ّ‬
‫ما هي حقوقه وكم هو مغبون فيها‪ ،‬وكيف الطلب‪ ،‬وكيف النّوال‪،‬‬
‫وكيف الحفظ‪ .‬وأخوف ما يخاف المستبد ّ من أصحاب هذه‬
‫العلوم‪ ،‬المندفعين منهم لتعليم النّاس الخطابة أو الكتابة وهم‬
‫المعبَّر عنهم في القرآن بالصالحين والمصلحين في نحو قوله‬
‫ن الرض يرثها عباديَ الصالحون‪ ‬وفي قوله‪ :‬وما كان ربُّك‬ ‫تعالى‪ :‬أ ّ‬
‫ن كان علماء الستبداد‬ ‫ليهلك القرى بظلم ٍ وأهلها مصلحون‪ ،‬وإ ْ‬
‫سرون مادة الصلح والصلح بكثرة التعبُّد كما حوّلوا معنى‬ ‫يف ِّ‬
‫مادة الفساد والفساد‪ :‬من تخريب نظام الله إلى التشويش على‬
‫المستبدين‪.‬‬
‫ن المستبد ّ يخاف من هؤلء العاملين الراشدين‬ ‫والخلصة‪ :‬أ َّ‬
‫المرشدين‪ ،‬ل من العلماء المنافقين أو الذين حفر رؤوسهم‬
‫ت كثيرة كأنّها مكتبات مقفلة!‬ ‫محفوظا ٌ‬
‫م ونتائجه؛ يبغضه أيضا ً لذاته‪ ،‬لن‬ ‫كما يبغض المستبد ُّ العل َ‬
‫دّ من أن‬‫ل سلطان‪ ،‬فل بد َّ للمستب ِ‬ ‫للعلم سلطانا ً أقوى من ك ِّ‬
‫يستحقر نفسه كلما وقعت عينه على من هو أرقى منه علماً‪.‬‬
‫ب المستبد ُّ أن يرى وجه عالم ٍ عاقل يفوق عليه فكراً‪،‬‬ ‫ولذلك ل يح ُّ‬
‫فإذا اضطر لمثل الطبيب والمهندس يختار الغبي المتصاغر‬
‫المتمل ِّق‪ .‬وعلى هذه القاعدة بنى ابن خلدون قوله‪( :‬فاز‬
‫ل المتكبرين‪ ،‬بل في غالب الناس‪،‬‬ ‫المتملقون)‪ ،‬وهذه طبيعة ك ِّ‬
‫ل من يكون مسكينا ً خامل ً ل يُرجى‬ ‫وعليها مبنى ثنائهم على ك ِّ‬
‫لخيرٍ ول لشّرٍ‪.‬‬
‫ة وطراداً‬ ‫ن بين الستبداد والعلم حربا ً دائم ً‬ ‫وينتج مما تقدَّم أ َّ‬
‫مستمراً‪ :‬يسعى العلماء في تنوير العقول‪ ،‬ويجتهد المستبد ُّ في‬
‫إطفاء نورها‪ ،‬والطرفان يتجاذبان العوام‪ .‬ومن هم العوام؟ هم‬
‫أولئك الذين إذا جهلوا خافوا‪ ،‬وإذا خافوا استسلموا‪ ،‬كما أنَّهم هم‬
‫الذين متى علموا قالوا‪ ،‬ومتى قالوا فعلوا‪.‬‬
‫ه‪ .‬بهم عليهم يصول ويطول؛‬ ‫العوام هم قوة المستبد ُّ وقُ ْ‬
‫وت ُ ُ‬
‫يأسرهم فيتهللون لشوكته؛ ويغصب أموالهم فيحمدونه على‬
‫إبقائه حياتهم؛ ويهينهم فيثنون على رفعته؛ ويغري بعضهم على‬
‫بعض فيفتخرون بسياسته؛ وإذا أسرف في أموالهم يقولون‬
‫كريماً؛ وإذا قتل منهم لم يمثِّل يعتبرونه رحيماً؛ ويسوقهم إلى‬
‫خطر الموت‪ ،‬فيطيعونه حذر التوبيخ؛ وإن نقم عليه منهم بعض‬
‫الباة قاتلهم كأنهم بُغاة‪.‬‬

‫‪27‬‬
‫ن العوام يذبحون أنفسهم بأيديهم بسبب الخوف‬ ‫والحاصل أ َّ‬
‫الناشئ عن الجهل والغباوة‪ ،‬فإذا ارتفع الجهل وتنوَّر العقل زال‬
‫الخوف‪ ،‬وأصبح الناس ل ينقادون طبعا ً لغير منافعهم‪ ،‬كما قيل‪:‬‬
‫العاقل ل يخدم غير نفسه‪ ،‬وعند ذلك ل بد َّ للمستبدِّ من العتزال‬
‫أو العتدال‪ .‬وكم أجبرت المم بترقّيها المستبد َّ اللئيم على‬
‫ل أمين يهاب‬ ‫الترقّي معها والنقلب –رغم طبعه‪ -‬إلى وكي ٍ‬
‫ب حليم ٍ يتلذذ‬ ‫س عادل يخشى النتقام‪ ،‬وأ ٍ‬ ‫الحساب‪ ،‬ورئي ٍ‬
‫بالتحابب‪ .‬وحينئذ ٍ تنال المة حياة ً رضيّة هنية‪ ،‬حياة رخاء ونماء‪،‬‬
‫ظ الرئيس من ذلك رأس الحظوظ‪،‬‬ ‫حياة عّز وسعادة‪ ،‬ويكون ح ّ‬
‫بعد أن كان في دور الستبداد أشقى العباد؛ لنه على الدوام‬
‫ملحوظا ً بالبغضاء‪ ،‬محاطا ً بالخطار‪ ،‬غير أمين على رياسته‪ ،‬بل‬
‫ط أمامه من يسترشده‬ ‫وعلى حياته طرفة عين؛ ولنه ل يرى ق ّ‬
‫ن الواقف بين يديه مهما كان عاقل ً متيناً‪ ،‬ل بد َّ أن‬ ‫فيما يجهل؛ ل َّ‬
‫ل رأيه‪ ،‬فل يهتدي‬ ‫يهابه‪ ،‬فيضطرب باله‪ ،‬فيتشوش فكره‪ ،‬ويخت ّ‬
‫على الصواب‪ ،‬وإن اهتدى فل يجسر على التصريح به قبل‬
‫استطلع رأي المستبدّ‪ ،‬فإن رآه متصل ِّبا ً فيما يراه فل يسعه إل‬
‫ل مستشار غيره يدَّعي أنَّه غير هيّاب‬ ‫تأييده راشدا ً كان أو غيّاً‪ ،‬وك ُّ‬
‫ن الصدق ل يدخل قصور الملوك؛ بناءً‬ ‫فهو كذَّاب؛ والقول الحقُّ‪ :‬إ َّ‬
‫ُّ‬
‫ط من رأي غيره‪ ،‬بل يعيش في ضلل‬ ‫عليه؛ ل يستفيد المستبد ُّ ق‬
‫ب وخوف‪ ،‬وكفى بذلك انتقاما ً منه على استعباده‬ ‫وتردد ٍ وعذا ٍ‬
‫النّاس وقد خلقهم ربهم أحراراً‪.‬‬
‫ن خوف المستبد ّ من نقمة رعيته أكثر من خوفهم من‬ ‫إ َّ‬
‫ن خوفه ينشأ عن علمه بما يستحقُّه منهم‪ ،‬وخوفهم‬ ‫بأسه؛ ل َّ‬
‫ناشئ عن جهل؛ وخوفه عن عجزٍ حقيقي فيه‪ ،‬وخوفهم عن توهّم‬
‫التخاذل فقط؛ وخوفه على فقد حياته وسلطانه‪ ،‬وخوفهم على‬
‫ن يألفون غيره في أيام؛ وخوفه‬ ‫لقيمات من النّبات وعلى وط ٍ‬
‫ل شيء تحت سماء ملكه‪ ،‬وخوفهم على حياةٍ تعيسة‬ ‫على ك ِّ‬
‫فقط‪.‬‬
‫كلما زاد المستبد ُّ ظلما ً واعتسافا ً زاد خوفه من رعيّته وحتّى‬
‫من حاشيته‪ ،‬وحتى ومن هواجسه وخيالته‪ .‬وأكثر ما تُختم حياة‬
‫ن المستبد َّ ل يخلو من‬ ‫المستبدِّ بالجنون التّام‪ .‬قلت‪( :‬التام) ل ّ‬
‫ط‪ ،‬لنفوره من البحث عن الحقائق‪ ،‬وإذا صادف وجود‬ ‫الحمق ق ّ‬
‫مستبدٍّ غير أحمق فيسارعه الموت قهرا ً إذا لم يسارعه الجنون أو‬
‫ن أكثر ما يبطش‬ ‫ت‪ :‬إنه يخاف من حاشيته؛ ل َّ‬ ‫العته؛ وقل ُ‬
‫ن هؤلء أشقى خلق الله حياةً‪ ،‬يرتكبون‬ ‫بالمستبدين حواشيهم؛ ل َّ‬
‫ل جريمةٍ وفظيعة لحساب المستبدِّ الذي يجعلهم يمسون‬ ‫ك َّ‬
‫ويصبحون مخبولين مصروعين‪ ،‬يُجهدون الفكر في استطلع ما‬

‫‪28‬‬
‫يريد منهم فعله بدون أن يطلب أو يصّرِح‪ .‬فكم ينقم عليهم‬
‫ويهينهم لمجَّرد أنهم ل يعلمون الغيب‪ ،‬ومن ذا الذي يعلم الغيب‪،‬‬
‫النبياء والولياء؟ وما هؤلء إل أشقياء؛ أستغفرك اللهم! ل يعلم‬
‫ن صدقه إلّ‬ ‫جال‪ ،‬ول يظ ُّ‬ ‫ي‪ ،‬ول يدّعي ذلك إل ّ د ّ‬ ‫ي ول ول ٌّ‬ ‫غيبك نب ٌّ‬
‫مغ َّفل‪ ،‬فإنَّك اللهم قلت وقولك الحقّ‪ :‬فل يظهر على غيبه أحداً ‪‬‬
‫ت الخير لستكثرت منه»‪.‬‬ ‫وأفضل أنبيائك يقول‪« :‬لو علم ُ‬
‫ن أحدهم إذا أراد الموازنة‬ ‫َ‬ ‫من قواعد المؤّرِخين المدققين‪ :‬إ ّ‬
‫بين مستبدَّين كنيرون وتيمور مثلً‪ ،‬يكتفي أن يوازن درجة ما كانا‬
‫عليه من التحذُّر والتحفُّظ‪ .‬وإذا أراد المفاضلة بين عادلين كأنو‬
‫شروان وعمر الفاروق‪ ،‬يوازن بين مرتبتي أمنهما في قوميهما‪.‬‬
‫لما كانت أكثر الديانات مؤسسة على مبدأي الخير والشر‬
‫كالنور والظلم‪ ،‬والشمس وزحل‪ ،‬والعقل والشيطان‪ ،‬رأت بعض‬
‫ن أضَّر شيء على النسان هو الجهل‪ ،‬وأضّر آثار‬ ‫المم الغابرة أ َّ‬
‫الجهل هو الخوف‪ ،‬فعملت هيكل ً مخصصا ً للخوف يُعبد اتقاءً‬
‫لشّرِه‪.‬‬
‫قال أحد المحررين السياسيين‪ :‬إني أرى قصر المستبدِّ في‬
‫ل زمان هو هيكل الخوف عينه‪ :‬فالملك الجبار هو المعبود‪،‬‬ ‫ك ِّ‬
‫وأعوانه هم الكهنة‪ ،‬ومكتبته هي المذبح المقدَّس‪ ،‬والقلم هي‬
‫السكاكين‪ ،‬وعبارات التعظيم هي الصلوات‪ ،‬والناس هم السرى‬
‫الذين يُقدَّمون قرابين الخوف‪ ،‬وهو أهم النواميس الطبيعية في‬
‫النسان‪ ،‬والنسان يقرب من الكمال في نسبة ابتعاده عن‬
‫الخوف‪ ،‬ول وسيلة لتخفيف الخوف أو نفيه غير العلم بحقيقة‬
‫ن المستبد َّ امرؤٌ‬ ‫المخيف منه‪ ،‬وهكذا إذا زاد علم أفراد الرعية بأ ّ‬
‫عاجز مثلهم‪ ،‬زال خوفهم منه وتقاضوه حقوقهم‪.‬‬
‫ن خير ما يستبدل به على درجة‬ ‫ويقول أهل النظر‪ :‬إ َّ‬
‫استبداد الحكومات؛ هو تغاليها في شنآن الملوك‪ ،‬وفخامة‬
‫القصور‪ ،‬وعظمة الحفلت‪ ،‬ومراسيم التشريفات‪ ،‬وعلئم البَّهة‪،‬‬
‫ونحو ذلك من التمويهات التي يسترهب بها الملوك رعاياهم‬
‫عوضا ً عن العقل والمفاداة‪ ،‬وهذه التمويهات يلجأ إليها المستبدُّ‬
‫صدق‬ ‫للتصوف‪ ،‬وقليل ال ِّ‬ ‫ُّ‬ ‫كما يلجأ قليل العّزِ للتكبُّر‪ ،‬وقليل العلم‬
‫لليمين‪ ،‬وقليل المال لزينة اللباس‪.‬‬
‫ل على عراقة المة في الستعباد‬ ‫ويقولون‪ :‬إنَّه كذلك يُستد ُّ‬
‫أو الحرية باستنطاق لغتها؛ هل هي قليلة ألفاظ التعظيم كالعربية‬
‫مثلً؟ أم هي غنية في عبارات الخضوع كالفارسية‪ ،‬وكتلك اللغة‬
‫التي ليس فيها بين المتخاطبين أنا وأنت‪ ،‬بل سيدي وعبدكم؟!‬
‫ل إدارة‬ ‫ن الستبداد والعلم ضدان متغالبان؛ فك ُّ‬ ‫والخلصة أ َّ‬
‫مستبدة تسعى جهدها في إطفاء نور العلم‪ ،‬وحصر الرعية في‬

‫‪29‬‬
‫حالك الجهل‪ .‬والعلماء الحكماء الذين ينبتون أحيانا ً في مضايق‬
‫صخور الستبداد يسعون جهدهم في تنوير أفكار النّاس‪ ،‬والغالب‬
‫ن رجال الستبداد يُطاردون رجال العلم وينكلون بهم‪ ،‬فالسعيد‬ ‫أ َّ‬
‫ل النبياء‬ ‫ن ك َّ‬ ‫منهم من يتمكّن من مهاجرة دياره‪ ،‬وهذا سبب أ َّ‬
‫العظام ‪ -‬عليهم الصلة والسلم وأكثر العلماء العلم والدباء‬
‫َ‬
‫والنبلء‪ -‬تقل ّبوا في البلد وماتوا غرباء‪.‬‬
‫ن‬‫ض على العلم‪ ،‬وكفى شاهدا ً أ َّ‬ ‫ل دين ح َّ‬ ‫ن السلمية أو َّ‬ ‫إ َّ‬
‫أول كلمة أُنزلت من القرآن هي المر بالقراءة أمرا ً مكرراً‪ ،‬وأوَّل‬
‫َ‬ ‫َ‬ ‫منَّةٍ أجلَّها الله وامت َّ‬
‫ن بها على النسان هي أنَّه عل ّمه بالقلم‪ .‬عل ّمه‬ ‫ِ‬
‫سلف الول من مغزى هذا المر وهذا‬ ‫به ما لم يعلم‪ .‬وقد فهم ال َّ‬
‫ل مسلم‪ ،‬وبذلك‬ ‫المتنان وجوب تعلُّم القراءة والكتابة على ك ِّ‬
‫م‪ ،‬وبذلك صار‬ ‫مت القراءة والكتابة في المسلمين أو كادت تع ُّ‬ ‫ع َّ‬
‫ص به رجال الدّين أو‬ ‫ل ل يخت ُّ‬ ‫العلم في المة حرا ً مباحا ً للك ِّ‬
‫الشراف كما كان في المم السابقة‪ ،‬وبذلك انتشر العلم في‬
‫ن؛ قاتل الله الستبداد الذي‬ ‫سائر المم أخذا ً على المسلمين! ولك ْ‬
‫استهان بالعلم حتى جعله كالسلعة يُعطى ويُمنح للميين‪ ،‬ول‬
‫يجرؤ أحد على العتراض‪ ،‬أجل؛ قاتل الله الستبداد الذي رجع‬
‫بالمة إلى المية‪ ،‬فالتقى آخرها بأول ِّها‪ ،‬ول حول ول قوة إل بالله‪.‬‬
‫ن أخوف ما يخافه المستبدون الغربيون‬ ‫قال المدققون‪ :‬إ َّ‬
‫ن الحرية أفضل من الحياة‪،‬‬ ‫من العلم أن يعرف الناس حقيقة أ َّ‬
‫شرف وعظمته‪ ،‬والحقوق وكيف‬ ‫وأن يعرفوا النفس وعَّزها‪ ،‬وال ّ‬
‫تُحفظ‪ ،‬والظلم وكيف يُرفع‪ ،‬والنسانية وما هي وظائفها‪،‬‬
‫والّرحمة وما هي لذ ّاتها‪.‬‬
‫أما المستبدون الشرقيون فأفئدتهم هواء ترتجف من صولة‬
‫ن العلم نار وأجسامهم من بارود‪ .‬المستبدون يخافون‬ ‫العلم‪ ،‬كأ ّ‬
‫من العلم حتى من علم الناس معنى كلمة (ل إله إل الله)‪ ،‬ولماذا‬
‫كانت أفضل الذكر‪ ،‬ولماذا بُني عليها السلم‪ .‬بُني السلم‪ ،‬بل‬
‫وكافة الديان على (ل إله إل الله)‪ ،‬ومعنى ذلك أنّه ل يُعبد حقاً‬
‫سوى الصانع العظم‪ ،‬ومعنى العبادة الخضوع ومنها لفظة العبد‪،‬‬
‫فيكون معنى ل إله إل الله‪" :‬ل يستحق الخضوع شيءٌ غير الله"‪.‬‬
‫وما أفضل تكرار هذا المعنى على الذاكرة آناء الليل وأطراف‬
‫النهار تحذُّرا ً من الوقوع في ورطة شيء من الخضوع لغير الله‬
‫وحده‪ .‬فهل –والحالة هذه‪ -‬يناسب غرض المستبدين أن يعلم‬
‫ن ل سيادة ول عبودية في السلم ول ولية فيه ول‬ ‫عبيدهم أ ْ‬
‫خضوع‪ ،‬إنما المؤمنون بعضهم أولياء بعض؟ كل؛ ل يلئم ذلك‬
‫غرضهم‪ ،‬وربما عدّوا كلمة (ل إله إل الله) شتما ً لهم! ولهذا؛ كان‬
‫شرك وأعداء العلم‪.‬‬ ‫المستبدون –ول زالوا‪ -‬من أنصار ال ّ ِ‬

‫‪30‬‬
‫مة الديان‬ ‫ن العلم ل يناسب صغار المستبدين أيضا ً ك َ‬
‫خد َ َ‬ ‫إ َّ‬
‫ل‬‫جهَلء‪ ،‬والزواج الحمقى‪ ،‬وكرؤساء ك ِّ‬ ‫المتكب ِّرين وكالباء ال ُ‬
‫الجمعيات الضعيفة‪ .‬والحاصل‪ :‬أنَّه ما انتشر نور العلم في أمةٍ‬
‫سرت فيها قيود السر‪ ،‬وساء مصير المستبدّين من‬ ‫ط إل وتك َّ‬‫ق ّ‬
‫رؤساء سياسة أو رؤساء دين‪.‬‬

‫‪31‬‬
‫الستبداد والمجد‬
‫ل لك ِّ‬
‫ل‬ ‫حكَم البالغة للمتأخرين قولهم‪" :‬الستبداد أص ٌ‬ ‫من ال ِ‬
‫ن الباحث المدقق في أحوال البشر وطبائع‬ ‫داء"‪ ،‬ومبنى ذلك أ َّ‬
‫ل واد‪ ،‬وقد سبق أ َّ‬
‫ن‬ ‫ن للستبداد أثرا ً سيئا ً في ك ِّ‬ ‫الجتماع كشف أ َّ‬
‫الستبداد يضغط على العقل فيفسده‪ ،‬وإني الن أبحث في أنَّه‬
‫جد‪.‬‬ ‫كيف يُغالب الستبداد المجد فيفسده‪ ،‬ويقيم مقامه التم ُّ‬
‫ب واحترام في القلوب‪ ،‬وهو‬ ‫المجد‪ :‬هو إحراز المرء مقام ح ٍّ‬
‫ي أو زاهد‪ ،‬ول‬ ‫َ‬
‫ل إنسان‪ ،‬ل يترفّع عنه نب ٌّ‬ ‫مطلب طبيعي شريف لك ِّ‬
‫ُّ‬
‫ي أو خامل‪ .‬للمجد لذَّة ٌ روحية تقارب لذَّة العبادة‬ ‫ط عنه دن ٌّ‬ ‫ينح‬
‫َ‬
‫عند الفانين في الله تعالى‪ ،‬وتعادل لذ ّة العلم عند الحكماء‪ ،‬وتربو‬
‫على لذَّة امتلك الرض مع قمرها عند المراء‪ ،‬وتزيد على لذَّة‬
‫مفاجأة الثراء عند الفقراء‪ .‬ولذا؛ يزاحم المجد في النفوس‬
‫منزلة الحياة‪.‬‬
‫ل على بعض الباحثين أيّ الحرصين أقوى؟ حرص‬ ‫وقد أشك َ َ‬
‫خرون‬ ‫الحياة أم حرص المجد؟ والحقيقة التي عوَّل عليها المتأ ِّ‬
‫ن المجد‬ ‫وميَّزوا بها تخليط ابن خلدون هي التفضيل؛ وذلك أ َّ‬
‫ة‪ ،‬وعند النُّجباء‬ ‫ضل على الحياة عند الملوك والقُوَّاد وظيف ً‬ ‫مف َّ‬
‫ُ‬
‫ب الحياة ممتاز على المجد عند السراء‬ ‫ة‪ ،‬وح ُّ‬ ‫والحرار حمي ّ ً‬
‫ة‪ ،‬وعند الجبناء والنساء ضرورةً‪ .‬وعلى هذه القاعدة‬ ‫والذِّلء طبيع ً‬
‫يكون أئمة آل البيت –عليهم السلم‪ -‬معذورين في إلقاء أنفسهم‬
‫ما كانوا نجباء أحراراً‪ ،‬فحميّتهم جعلتهم‬ ‫في تلك المهالك؛ لنَّهم ل ّ‬
‫ل مثل حياة ابن خلدون الذي‬ ‫ضلون الموت كراما ً على حياة ذ ٍّ‬ ‫يف ِّ‬
‫خطّأ أمجاد البشر في إقدامهم على الخطر إذا هدَّد مجدهم‪ ،‬ذاهلً‬
‫جدت فيها طبيعة‬ ‫الحيوان‪ ،‬ومنها البلبل‪ ،‬وُ ِ‬ ‫ن بعض أنواع‬ ‫على أ َّ‬
‫ن أكثر سباع الطير‬ ‫ل‪ ،‬وأ َّ‬ ‫اختيار النتحار أحيانا ً تخلُّصا ً من قيود الذ ُّ ِّ‬
‫حَّرة‬ ‫سَرت كبيرة تأبى الغذاء حتى تموت‪ ،‬وأ َّ‬ ‫ُ‬
‫ن ال ُ‬ ‫والوحوش إذا أ ِ‬
‫ضها‪ ،‬والماجدة تموت ول تأكل بثدييها!‬ ‫تموت ول تأكل بعِر ِ‬
‫المجد ل يُنال إل بنوٍع من البذل في سبيل الجماعة‪ ،‬وبتعبير‬
‫الشرقيين في سبيل الله أو سبيل الدّين‪ ،‬وبتعبير الغربيين في‬
‫قُ‬
‫سبيل المدنية أو سبيل النسانية‪ .‬والمولى تعالى –المستح ّ‬
‫التّعظيم لذاته‪ -‬ما طالب عبيده بتمجيده إل وقرن الطلب بذكر‬
‫نعمائه عليهم‪.‬‬
‫وهذا البذل إما بذل مال للنفع العام ويسمى مجد الكرم؛‬
‫مى‬ ‫وهو أضعف المجد‪ ،‬أو بذل العلم النّافع المفيد للجماعة؛ ويس ّ‬
‫مجد الفضيلة‪ ،‬أو بذل النّفس بالتعُّرض للمشاقّ والخطار في‬
‫ق وحفظ النِّظام؛ ويُسمى مجد النّبالة‪ ،‬وهذا‬ ‫سبيل نصرة الح ِ ّ‬

‫‪32‬‬
‫أعلى المجد؛ وهو المراد عند الطلق‪ ،‬وهو المجد الذي تتوق إليه‬
‫ن إليه أعناق النبلء‪ .‬وكم له من عشاق تلذُّ‬ ‫النفوس الكبيرة‪ ،‬وتح ُّ‬
‫لهم في حبه المصاعب والمخاطرات‪ ،‬وأكثرهم يكون من مواليد‬
‫صدف من عيون الظالمين المذلّين‪ ،‬أو يكون‬ ‫بيوت نادرة حمتها ال ُّ‬
‫من نجباء بيوت ما انقطعت فيها سلسلة المجاهدين وما انقطعت‬
‫عجائزها عن بكائهم‪ .‬ومن أمثلة المجد قولهم‪ :‬خلق الله للمجد‬
‫رجال ً يستعذبون الموت في سبيله‪ ،‬ول سبيل إليه إل بعظيم اله ّ‬
‫مة‬
‫والقدام والثّبات‪ ،‬تلك الخصال الثّلث التي بها تقدَّر قيم الرجال‪.‬‬
‫وهذا نيرون الظالم سأل أغربين الشاعر وهو تحت النَّطع‪:‬‬
‫من أشقى الناس؟ فأجابه معّرِضا ً به‪ :‬من إذا ذكر الناس‬
‫َ‬
‫الستبداد كان مثال ً له في الخيال‪ .‬وكان ترايان العادل إذا قل ّد‬
‫سيفا ً لقائد يقول له‪" :‬هذا سيف المة أرجو أن ل أتعدّى القانون‬
‫ب في عنقي"‪ .‬وخرج قيس من مجلس الوليد‬ ‫فيكون له نصي ٌ‬
‫ن نعال الصعاليك‬ ‫مغضبا ً يقول‪" :‬أتريد أن تكون جباراً؟ والله؛ إ َّ‬
‫لطول من سيفك!‪ .‬وقيل لحد الباة‪" :‬ما فائدة سعيك غير جلب‬
‫الشقاء على نفسك؟"‪ .‬فقال‪" :‬ما أحلى الشقاء في سبيل تنغيص‬
‫ي ضمان‬ ‫ي أن أفي بوظيفتي وما عل َّ‬ ‫الظالمين!"‪ .‬وقال آخر‪" :‬عل َّ‬
‫القضاء"‪ .‬وقيل لحد النبلء‪" :‬لماذا ل تبني لك داراً؟" فقال‪" :‬ما‬
‫أصنع فيها وأنا المقيم على ظهر الجواد أو في السجن أو في‬
‫القبر"‪ ،‬وهذه ذات النطاقين (أسماء بنت أبي بكر رضي الله‬
‫عنها) وهي امرأة عجوز تودِّع ابنها بقولها‪" :‬إن كنت على الحقّ‬
‫فاذهب وقاتل الحجاج حتى تموت"‪ .‬وهذا مكماهون رئيس‬
‫جمهورية فرنسا استبد َّ في أمر فدخل عليه صديقه غامبتا وهو‬
‫يقول‪" :‬المر للمة ل إليك‪ ،‬فاعتدل‪ ،‬أو اعتزل‪ ،‬وإل فأنت‬
‫المخذول المهان الميت!!‬
‫ب للنفوس‪ ،‬ل تفتأ تسعى‬ ‫ن المجد هو المجد ُ محب َّ ٌ‬ ‫والحاصل أ َّ‬
‫ل إنسان على‬ ‫سٌر في عهد العدل لك ِّ‬ ‫وراءه وترقى مراقيه‪ ،‬وهو مي َّ‬
‫مته‪ ،‬وينحصر تحصيله في زمن الستبداد‬ ‫حسب استعداده وه َّ‬
‫بمقاومة الظّلم على حسب المكان‪.‬‬
‫جد؟‬ ‫جد‪ .‬وما هو التم ّ‬ ‫يقابل المجد‪ ،‬من حيث مبتناه‪ ،‬التم ُّ‬
‫ظ هائل المعنى‪ ،‬ولهذا أراني أتعثَّر‬ ‫جد لف ٌ‬ ‫جد؟ التم ُّ‬ ‫وماذا يكون التم ّ‬
‫بالكلم وأتلعثم في الخطاب‪ ،‬ول سيما من حيث أخشى مساس‬
‫إحساس بعض المطالعين‪ .‬إن لم يكن من جهة أنفسهم فمن جهة‬
‫أجدادهم الولين‪ ،‬فأناشدهم الوجدان والحقّ المهان‪ ،‬أن يتجَّردوا‬
‫م هم مثلي ومثل سائر الجانين‬ ‫دقيقتين من النّفس وهواها‪ ،‬ث َّ‬
‫على النسانية ل يعدمون تأويلً‪ .‬وإنني أعل ِّل النّفس بقبولهم‬
‫تهويني هذا‪ ،‬فأنطلق وأقول‪:‬‬

‫‪33‬‬
‫جد خاص بالدارات المستبدَّة‪ ،‬وهو القربى من المستبدِّ‬ ‫التم ّ‬
‫بالفعل كالعوان والعمال‪ ،‬أو بالقوة كالملقَّبين بنحو دوق وبارون‪،‬‬
‫ب الصولة‪ ،‬أو الموسومين‬ ‫ب العزة ور ّ‬ ‫والمخاطبين بنحو ر ِّ‬
‫جد هو أن‬ ‫ُ‬ ‫ف آخر‪ ،‬التم ّ‬‫بالنياشين‪ ،‬أو المطوَّقين بالحمائل‪ ،‬وبتعري ٍ‬
‫ينال المرء جذوة نار من جهنم كبرياء المستبدِّ ليحرق بها شرف‬
‫المساواة في النسانية‪.‬‬
‫ً‬ ‫ّ‬
‫ف أجلى‪ :‬هو أن يتقلد الّرجل سيفا من قِبَل الجبارين‬ ‫وبوص ٍ‬
‫يبرهن به على أنَّه جلد في دولة الستبداد‪ ،‬أو يعل ِّق على صدره‬
‫وساما ً مشعرا ً بما وراءه من الوجدان المستبيح للعدوان‪ ،‬أو‬
‫يتزين بسيور مزركشة تنبئ بأنّه صار مخنَّثا ً أقرب إلى النساء منه‬
‫إلى الرجال‪ ،‬وبعبارة أوضح وأخصر‪ ،‬هو أن يصير النسان مستبداً‬
‫صغيرا ً في كنف المستبدِّ العظم‪.‬‬
‫ص بالدارات الستبدادية‪ ،‬وذلك ل َّ‬
‫ن‬ ‫جد خا ٌّ‬ ‫ن التم ُّ‬
‫ت‪ :‬إ َّ‬ ‫قل ُ‬
‫ل الباء إخلل‬ ‫َ‬ ‫الحكومة الحرة التي تمثِّل عواطف المة تأبى ك ّ‬
‫ل حقيقي‪ ،‬فل ترفع قدر أحد منها إل‬ ‫التساوي بين الفراد إل لفض ٍ‬
‫رفعا ً صوريا ً أثناء قيامه في خدمتها؛ أي الخدمة العمومية‪ ،‬وذلك‬
‫تشويقا ً له على التفاني في الخدمة‪ ،‬كما أنَّها ل تميّز أحدا ً منها‬
‫ب إل ما كان علميا ً أو ذكرى لخدمة مهمة‬ ‫بوسام أو تشّرِفه بلق ٍ‬
‫َ‬
‫ض‬
‫ه الناس بعضهم فوق بع ٍ‬ ‫وفّقه الله إليها‪ .‬وبمثل هذا يرفع الل ُ‬
‫درجات في القلوب ل في الحقوق‪.‬‬
‫وهذا لقب اللوردية مثل ً عند النكليز هو من بقايا عهد‬
‫مته خدمة‬ ‫الستبداد‪ ،‬ومع ذلك ل يناله عندهم غالبا ً إل من يخدم أ َّ‬
‫عظيمة‪ ،‬ويكون من حيث أخلقه وثروته أهل ً لن يخدمها خدمات‬
‫مهمة غيرها‪ ،‬ومن المقرر أن ل اعتبار للورد في نظر المة إل إذا‬
‫كان مؤسسا ً أو وارثاً‪ ،‬أو كانت المة تقرأ في جبهته سطرا ً محرراً‬
‫ي بدمه يقسم فيه بشرفه أنه‬ ‫بقلم الوطنية وبمداد الشهامة ممض ٍ ّ‬
‫ضمين بثروته وحياته ناموس المة؛ أي قانونها الساسي‪ ،‬حفيظ‬
‫على روحها؛ أي حريتها‪.‬‬
‫جد ل يكاد يوجد له أثر في المم القديمة إل في دعوى‬ ‫التم ُّ‬
‫اللوهية وما معناها من نفع الناس بالنفاس‪ ،‬أو في دعوى النّجابة‬
‫بالنسب التي يهول بها الصلء نسل الملوك والمراء‪ ،‬وإنما نشأ‬
‫شارات في القرون الوسطى‪ ،‬وراج سوقه‬ ‫جد باللقاب وال ّ‬ ‫التم ّ‬
‫م قامت فتاة الحرية تتغنّى بالمساواة‬ ‫في القرون الخيرة‪ ،‬ث َّ‬
‫وتغسل أدرانه على حسب قوتها وطاقتها‪ ،‬ولم تبلغ غايتها إلى‬
‫الن في غير أمريكا‪.‬‬
‫جدون يريدون أن يخدعوا العامة‪ ،‬وما يخدعون غير‬ ‫المتم ِّ‬
‫نسائهم اللتي يتفحفحن بين عجائز الحي بأنهم كبار العقول؛ كبار‬

‫‪34‬‬
‫النفوس؛ أحرار في شؤونهم ل يُزاح لهم نقاب‪ ،‬ول تُصفع منهم‬
‫مل الساءات والهانات‬ ‫رقاب‪ ،‬فيحوجهم هذا المظهر الكاذب لتح ُّ‬
‫التي تقع عليهم من قِبَل المستبدّ‪ ،‬بل تحوجهم للحرص على‬
‫كتمها‪ ،‬بل على إظهار عكسها‪ ،‬بل على مقاومة من يدّعي خلفها‪،‬‬
‫ق المستبدِّ وإبعادهم عن‬ ‫بل على تغليط أفكار النّاس في ح ِ ّ‬
‫ن من شأنه الظلم‪.‬‬ ‫اعتقاد أ َّ‬
‫جدين أعداء للعدل أنصارا ً للجور‪ ،‬ل دين‬ ‫وهكذا يكون المتم ّ‬
‫ول وجدان ول شرف ول رحمة‪ ،‬وهذا ما يقصده المستبد ُّ من‬
‫إيجادهم والكثار منهم ليتمكَّن بواسطتهم من أن يغّرِر المة على‬
‫إضرار نفسها تحت اسم منفعتها‪ ،‬فيسوقها مثل ً لحرب اقتضاها‬
‫محض التجبُّر والعدوان على الجيران‪ ،‬فيوهمها أنَّه يريد نصرة‬
‫الدين‪ ،‬أو يُسرف بالمليين من أموال المة في ملذاته وتأييد‬
‫استبداده باسم حفظ شرف المة وأبهة المملكة‪ ،‬أو يستخدم‬
‫المة في التنكيل بأعداء ظلمه باسم أنهم أعداء لها‪ ،‬أو يتصَّرف‬
‫ن ذلك من‬ ‫في حقوق المملكة والمة كما يشاؤه هواه باسم أ َّ‬
‫مقتضى الحكمة والسياسة‪.‬‬
‫جدين سماسرة لتغرير‬ ‫ن المستبد يتّخذ المتم ّ‬ ‫والخلصة‪ :‬أ َّ‬
‫ب الوطن‪ ،‬أو توسيع المملكة‪ ،‬أو‬ ‫المة باسم خدمة الدين‪ ،‬أو ح ّ‬
‫تحصيل منافع عامة‪ ،‬أو مسؤولية الدولة‪ ،‬أو الدفاع عن‬
‫ل هذه الدواعي الفخيمة العنوان في‬ ‫نك ّ‬ ‫الستقلل‪ ،‬والحقيقة أ َّ‬
‫السماع والذهان ما هي إل تخييل وإيهام يقصد بها رجال‬
‫الحكومة تهييج المة وتضليلها‪ ،‬حتى إنَّه ل يُستثنى منها الدّفاع عن‬
‫الستقلل؛ لنّه ما الفرق على أمةٍ مأسورة لزيد أن يأسرها‬
‫عمرو؟ وما مثلها إل الدّابة التي ل يرحمها راكب مطمئن‪ ،‬مالكاً‬
‫كان أو غاصباً‪.‬‬
‫المستبد ُّ ل يستغني عن أن يستمجد بعض أفراد من ضعاف‬
‫القلوب الذين هم كبقر الجنة ل ينطحون ول يرمحون‪ ،‬يتّخذهم‬
‫كأنموذج البائع الغشاش‪ ،‬على أنّه ل يستعملهم في شيء من‬
‫مارة أو سبحة في يد‬ ‫مهامه‪ ،‬فيكونون لديه كمصحف في خ ّ‬
‫زنديق‪ ،‬وربما ل يستخدم أحيانا ً بعضهم في بعض الشؤون تغليطاً‬
‫لذهان العامة في أنَّه ل يعتمد استخدام الراذل والسافل فقط‪،‬‬
‫ولهذا يُقال‪ :‬دولة الستبداد دولة بُلهٍ وأوغاد‪.‬‬
‫المستبد ُّ يجّرِب أحيانا ً في المناصب والمراتب بعض العقلء‬
‫الذكياء أيضا ً اغترارا ً منه بأنّه يقوى على تليين طينتهم وتشكيلهم‬
‫شكل الذي يريد‪ ،‬فيكونوا له أعوانا ً خبثاء ينفعونه بدهائهم‪ ،‬ث َّ‬
‫م‬ ‫بال ّ‬
‫هو بعد التجربة إذا خاب ويئس من إفسادهم يتبادر إبعادهم أو‬

‫‪35‬‬
‫ينكّل بهم‪ .‬ولهذا ل يستقّر عنه المستبد ّ إل الجاهل العاجز الذي‬
‫يعبده من دون الله‪ ،‬أو الخبيث الخائن الذي يرضيه ويغضب الله‪.‬‬
‫ن هذه الفئة من العقلء‬ ‫وهنا أنبِّه فكر المطالعين إلى أ َّ‬
‫المناء بالجملة‪ ،‬الذين يذوقون عسيلة مجد الحكومة وينشطون‬
‫ن بين‬‫م يضرب على يدهم لمجَّرد أ َّ‬ ‫لخدمة ونيل مجد النّبالة‪ ،‬ث َّ‬
‫أضلعهم قبسة من اليمان وفي أعينهم بارقة من النسانية‪ ،‬هي‬
‫الفئة التي تتكهرب بعداوة الستبداد وينادي أفرادها بالصلح‪.‬‬
‫وهذا النقلب قد أعيا المستبدين؛ لنهم ل يستغنون عن التجربة‬
‫ول يأمنون هذه المغبّة‪ .‬ومن هنا نشأ اعتمادهم غالبا ً على‬
‫العريقين في خدمة الستبداد‪ ،‬الوارثين من آبائهم وأجدادهم‬
‫الخلق المرضية للمستبدّين‪ ،‬ومن هنا ابتدأت في المم نغمة‬
‫جد بالصالة والنساب‪ ،‬والمستبدّون المحنّكون يطيلون أمد‬ ‫التم ّ‬
‫التجربة بالمناصب الصغيرة فيستعملون قاعدة الترقّي مع‬
‫م يختمون‬ ‫مون ذلك برعاية قاعدة القدم‪ ،‬ث ّ‬ ‫التراخي‪ ،‬ويس ّ‬
‫التجريب بإعطاء المتمّرن خدمة يكون فيها رئيسا ً مطلقا ً ولو في‬
‫قرية‪ ،‬فإن أظهر مهارة في الستبداد‪ ،‬وذلك ما يسمونه حكمة‬
‫الحكومة فبها نعمت‪ ،‬وإل قالوا عنه‪ :‬هذا حيوان‪ ،‬يا ضيعة المل‬
‫فيه‪.‬‬
‫جد فل بد َّ أن نبحث‬ ‫ن للصالة مشاكلة قوية للمجد والتم ّ‬ ‫إ َّ‬
‫جدين فأقول‪:‬‬ ‫م نعود لموضوع المستبد ّ وأعوانه المتم ّ‬ ‫فيها قليلً‪ ،‬ث َّ‬
‫الصالة صفة قد يكون لها بعض المزايا من حيث الميال‬
‫التي يرثها البناء من الباء‪ ،‬ومن حيث التربية التي تكون‬
‫ن الصالة تكون‬ ‫مستحكمة في البيت ولو رياءً‪ ،‬ومن حيث إ َّ‬
‫شهامة‬ ‫مقرونة غالبا ً بشيء من الثروة المعينة على مظاهر ال ّ‬
‫والرحمة‪ ،‬ومن حيث تقويتها العلقة بالمة والوطن خوف مذلّة‬
‫ن أهلها يكونون منظورين دائما ً فيتحاشون‬ ‫الغتراب‪ ،‬ومن حيث إ َّ‬
‫المعائب والنقائص بعض التحاشي‪.‬‬
‫وبيوت الصالة تنقسم إلى ثلثة أنواع‪ :‬بيوت علم وفضيلة‪،‬‬
‫وبيوت مال وكرم‪ ،‬وبيوت ظلم وإمارة‪ .‬وهذا الخير هو القسم‬
‫م موقعاً‪ ،‬وهم –كما سبقت الشارة إليه‪ -‬مطمح‬ ‫الكثر عددا ً واله ّ‬
‫نظر المستبد ّ في الستعانة وموضع ثقته‪ ،‬وهم الجند الذي تجتمع‬
‫ن يضحك في وجههم ضحكة‪.‬‬ ‫تحت لوائه بسهولة‪ ،‬وربما يكفيه أ ْ‬
‫فلننظر ما هو نصيب أهل هذا القسم من تلك المزايا الموروثة‪:‬‬
‫هل يرث البن عن جده المؤسس لمجده أميالَه في العدالة‬
‫ب على غير التّرف المصغِّر للعقول‪،‬‬ ‫ب ويش ُّ‬ ‫ولم توجد؟ أم يد ُّ‬
‫المميت للهمم؟ أم يتربّى على غير الوقار المضحك للباطل‪،‬‬
‫سائد فيما بين العائلة في بيتهم؟ أم يستخدم الثروة في غير‬ ‫ال ّ‬

‫‪36‬‬
‫الملذ الجسمية الدنيئة البهيمية وتلك البّهة الطاووسية الباطلة؟‬
‫أم يتمثَّل بغير أقران السوء المتملقين المنافقين؟ أم ل يستحقر‬
‫خلق منها جنابه؟ أم ل‬ ‫قومه لجهلهم قدر النُّطفة الملعونة التي ُ‬
‫دّرونه قدره حسبما هو قائم في مخيلة‬ ‫يبغض العلماء الذين ل يق ِ‬
‫ُ‬
‫خيلئه؟ أم يرى لجنابه مقّرا ً يليق به غير مقعد التحك ّم ومستراح‬
‫التآمر؟ أم يستحي من النّاس؟ ومن هم النّاس؟ وما النّاس عند‬
‫خلقت لخدمته!‬ ‫حضرته غير أشباح عندها أرواح ُ‬
‫وهذه حالة الكثرين من الصلء‪ ،‬على أننا ل نبخس حقَّ من‬
‫نال منهم حظا ً من العلم وأوتي الحكمة وأراد الله به خيرا ً فأصابه‬
‫ن هؤلء – وقليل ما‬ ‫بنصيب من القهر انخفض به شاموخ أنفه‪ ،‬فإ َّ‬
‫هم‪ -‬ينجبون نجابة عظيمة‪ ،‬فيصدق عليهم أنَّهم قد ورثوه قوّة‬
‫شر‪ ،‬واستفادوا من أنفة‬ ‫القلب يستعملونها في الخير ل في ال ّ‬
‫الكبرياء كالجسارة على العظماء‪ ،‬وهكذا تتحول فيهم ميزة الشّرِ‬
‫ب شامخ من نحو الحنين إلى الوطن وأهله‪،‬‬ ‫س ٍ‬‫ح َ‬
‫على فائض خير و َ‬
‫والنين لمصابه‪ ،‬والقدام على العظائم في سبيل القوم‪ ،‬وأمثال‬
‫جباء إذا كثروا في أمة يوشك أن يترقّى منهم آحاد‬ ‫هؤلء النوابغ الن ُ َ‬
‫إلى درجة الخوارق فيقودوا أممهم إلى درجة النجاح والفلح‪ ،‬ول‬
‫ن اجتماع نفوذ النسب وقوة الحسب يفعلن ول عجب‬ ‫غرو فإ َّ‬
‫ه فعل المستبدِّ العادل الذي ينشده الشرقيون‪ ،‬وخصوصاً‬ ‫َ‬
‫شب َ َ‬
‫المسلمون؛ وإن كان العقل ل يجوز أن يتَّصف بالستبداد مع‬
‫ساقطة التي قد‬ ‫مة ال ّ‬
‫العدل غير الله وحده‪ ،‬أل قاتل الله اله ّ‬
‫تتسفّل بالنسان إلى عدم إتعاب الفكر فيما يطلب هل هو ممكن‬
‫أم هو محال؟!‬
‫ل قبيلة‬ ‫الصلء‪ ،‬باعتبار أكثريتهم‪ ،‬هم جرثومة البلء في ك ِّ‬
‫ن ميَّزت‬ ‫ن بني آدم داموا إخوانا ً متساوين إلى أ ْ‬ ‫ل قبيل‪ .‬ل َّ‬ ‫ومن ك ِّ‬
‫صدفة بعض أفرادهم بكثرة النّسل‪ ،‬فنشأت منها القوات‬ ‫ال ُّ‬
‫ظ هذه‬ ‫حفْ ُ‬
‫العصبية‪ ،‬ونشأ من تنازعها تميُّز أفراد على أفراد‪ ،‬و ِ‬
‫الميزة أوجد الصلء‪ .‬فالصلء في عشيرة أو أمة إذا كانوا‬
‫متقاربي القوات استبدوا على باقي الناس وأسسوا حكومة‬
‫أشراف‪ ،‬ومتى وُجد بيت من الصلء يتميز كثيرا ً في القوة على‬
‫باقي البيوت يستبد ُّ وحده ويؤسس الحكومة الفردية المقيدة إذا‬
‫لباقي البيوت بقية بأس‪ ،‬أو المطلقة إذا لم يبقَ أمامه من يتَّقيه‪.‬‬
‫مة أصلء بالكلية‪ ،‬أو وجد‪،‬‬ ‫بناءً عليه‪ ،‬إذا لم يوجد في أ ّ‬
‫ت غالب‪ ،‬أقامت تلك لنفسها حكومة‬ ‫ولكن؛ كان لسواد الناس صو ٌ‬
‫انتخابية ل وراثة فيها ابتداءً؛ ولكن‪ ،‬ل يتوالى بعض متولين إل‬
‫ل فريق منهم يسعى لجتذاب‬ ‫ويصير أنسالهم أصلء يتناظرون‪ ،‬ك ُّ‬
‫طرف من المة استعدادا ً للمغالبة وإعادة التاريخ الول‪.‬‬

‫‪37‬‬
‫ومن أكبر مضاّر الصلء أنهم ينهمكون أثناء المغالبة على‬
‫إظهار البَّهة والعظمة‪ ،‬سترهبون أعين الناس ويسحرون عقولهم‬
‫م إذا غلب غالبهم واستبد َّ بالمر ل يتركها‬ ‫ويتكبّرون عليهم‪ .‬ث َّ‬
‫دّ في نظر الناس‪.‬‬ ‫الباقون للفتهم لذتها ولمضاهاة المستب ِ‬
‫والمستبد ُّ نفسه ل يحملهم على تركها‪ ،‬بل يدُّر عليهم المال‬
‫ويعينهم عليها‪ ،‬ويعطيهم اللقاب والُّرتب وشيئا ً من النّفوذ‬
‫ُ‬
‫والتسل ّط على الناس ليتلهّوا بذلك عن مقاومة استبداده‪ ،‬ولجل‬
‫أن يألفوها مديداً‪ ،‬فتفسد أخلقهم‪ ،‬فينفر منهم الناس‪ ،‬ول يبقى‬
‫لهم ملجأ غير بابه‪ ،‬فيصيرون أعوانا ً له بعد أن كانوا أضداداً‪.‬‬
‫ويستعمل المستبد ُّ أيضا ً مع الصلء سياسة الشد ّ والّرخاء‪،‬‬
‫والمنع والعطاء‪ ،‬واللتفات والغضاء كي ل يبطروا‪ ،‬وسياسة‬
‫إلقاء الفساد وإثارة الشحناء فيما بينهم كي ل يتفقوا عليه‪ ،‬وتارة‬
‫يعاقب عقابا ً شديدا ً باسم العدالة إرضاءً للعوام‪ ،‬وأخرى يقرنهم‬
‫بأفراد كانوا يقبِّلون أذيالهم استكبارا ً فيجعلهم سادة عليهم‬
‫يفركون آذانهم استحقاراً‪ ،‬يقصد بذلك كسر شوكتهم أمام إمام‬
‫ن المستبد ّ يذلل‬ ‫الناس وعصر أنوفهم أمام عظمتهم‪ .‬والحاصل أ َّ‬
‫ل وسيلة حتى يجعلهم مترامين بين رجليه كي يتَّخذهم‬ ‫الصلء بك ِّ‬
‫لجاما ً لتذليل الرعية‪ ،‬ويستعمل عين هذه السياسة مع العلماء‬
‫م من أحدهم رائحة الغرور بعقله أو‬ ‫ورؤساء الديان الذين متى ش َّ‬
‫علمه ينكل به أو يستبدله بالحمق الجاهل إيقاظا ً له ولمثاله من‬
‫ن من أن إدارة الظلم محتاجة إلى شيء من العقل أو‬ ‫ك ِّ‬
‫ل ظا ٍ ّ‬
‫الجو‬
‫ّ‬ ‫القتدار فوق مشيئة المستبدِّ‪ .‬وبهذه السياسة ونحوها يخلو‬
‫ش يقلبه الصرصر في‬ ‫فيعصف وينسف ويتصَّرف في الرعية كري ٍ‬
‫جوٍّ محرق‪.‬‬
‫المستبد ُّ في لحظة جلوسه على عرشه ووضع تاجه‬
‫الموروث على رأسه يرى نفسه كان إنسانا ً فصار إلهاً‪ .‬ثم يُرجع‬
‫ل عاجز وأنَّه ما‬ ‫النظر فيرى نفسه في نفس المر أعجز من ك ِّ‬
‫نال ما نال إل بواسطة من حوله من العوان‪ ،‬فيرفع نظره إليهم‬
‫فيسمع لسان حالهم يقول له‪ :‬ما العرش؟ وما التاج؟ وما‬
‫الصولجان؟ ما هذه إل أوهام في أوهام‪ .‬هل يجعلك هذا الريش‬
‫في رأسك طاووسا ً وأنت غراب؟ أم تظن الحجار البراقة في‬
‫ن زينة صدرك ومنكبيك‬ ‫تاجك نجوما ً ورأسك سماء؟ أم تتوهم أ َّ‬
‫ن من هذه الرض؟ والله ما مكَّنك‬ ‫أخرجتك عن كونك َقطعة طي ٍ‬
‫في هذا المقام وسل ّطك على رقاب النام إل شعوذتنا وسحرنا‬
‫وامتهاننا لديننا ووجداننا وخيانتنا لوطننا وإخواننا‪ ،‬فانظر أيها‬
‫الصغير المكبَّر الحقير الموقّر كيف تعيش معنا!‬

‫‪38‬‬
‫م يلتفت إلى جماهير الّرعية المتفرجين‪ ،‬منهم الطائشين‬ ‫ث َّ‬
‫المهللين المسب ِّحين بحمده‪ ،‬ومنهم المسحورين المبهوتين كأنهم‬
‫ن خلل الساكتين بعض‬ ‫أموات من حين‪ ،‬ولكن؛ يتجلّى في فكره أ َّ‬
‫مة شؤوناً‬ ‫ن لنا معاشر ال َّ‬ ‫أفراد عقلء أمجاد يخاطبونه بالعيون؛ بأ َّ‬
‫عمومية وكَّلناك في قضائها على ما نريد ونبغي‪ ،‬ل على ما تريد‬
‫حقَّ لك الحترام‪ ،‬وإن مرت مكَْرنا‬ ‫ن وفَّيت حقَّ الوكالة ُ‬ ‫فتبغي‪ .‬فإ ْ‬
‫ن مكر الله عظيم‪.‬‬ ‫َ‬ ‫وحاقت بك العاقبة‪ ،‬أل إ ّ‬
‫وعندئذ ٍ يرجع المستبد ُّ إلى نفسه قائلً‪ :‬العوان العوان‪،‬‬
‫ش من الوغاد أحارب‬ ‫سدنة أسلمهم القياد وأردفهم بجي ٍ‬ ‫ملَة ال َّ‬ ‫ح َ‬
‫ال َ‬
‫ك كيفما‬ ‫ْ‬
‫مل ٌ‬ ‫بهم هؤلء العبيد العقلء‪ ،‬وبغير هذا الحزم ل يدوم لي ُ‬
‫رضا ً للمناقشة منغِّصا ً في نعيم‬ ‫أكون‪ ،‬بل أبقى أسيرا ً للعدل مع ّ ِ‬
‫الملك‪ ،‬ومن العار أن يرضى بذلك من يمكنه أن يكون سلطاناً‬
‫جبارا ً متفّرِدا ً قهّاراً‪.‬‬
‫الحكومة المستبدّة تكون طبعا ً مستبدّة في كل فروعها من‬
‫المستبد ّ العظم إلى الشرطي‪ ،‬إلى الفّراش‪ ،‬إلى كنائس‬
‫ف إل من أسفل أهل طبقته أخلقا‪ً،‬‬ ‫ل صن ٍ‬ ‫الشوارع‪ ،‬ول يكون ك ُّ‬
‫لن السافل ل يهمهم طبعا ً الكرامة وحسن السمعة‪ ،‬إنما غاية‬
‫مسعاهم أن يبرهنوا لمخدوهم بأنهم على شاكلته‪ ،‬وأنصار لدولته‪،‬‬
‫ي كان ولو بشرا ً أم خنازير‪ ،‬آبائهم‬ ‫وشرهون لكل السقطات من أ ٍ ّ‬
‫أم أعدائهم‪ ،‬وبهذا يأمنهم المستبد ُّ ويأمنونه فيشاركهم‬
‫ل حسب‬ ‫ويشاركونه‪ .‬وهذه الفئة المستخدمة يكثر عددها ويق ُّ‬
‫شدة الستبداد وخفّته‪ ،‬فكلما كان المستبد ُّ حريصا ً على العسف‬
‫جدين العاملين له المحافظين عليه‪،‬‬ ‫احتاج إلى زيادة جيش المتم ّ‬
‫واحتاج إلى مزيد الدقّة في اتِّخاذهم من أسفل المجرمين الذين‬
‫مة‪ ،‬واحتاج لحفظ النسبة بينهم في‬ ‫ن أو ذ ّ‬ ‫ل أثر عندهم لدي ٍ‬
‫المراتب بالطريقة المعكوسة؛ وهي أن يكون أسفلهم طباعاً‬
‫ة وقرباً‪ ،‬ولهذا‪ ،‬ل بد َّ أن يكون الوزير العظم‬ ‫وخصال ً أعلهم وظيف ً‬
‫للمستبد ّ هو اللئيم العظم في المة‪ ،‬ثم من دونه لؤماً‪ ،‬وهكذا‬
‫تكون مراتب الوزراء والعوان في لؤمهم حسب مراتبهم في‬
‫التشريفات والقربى منه‪ .‬وربما يغتُّر المطالع كما اغتَّر كثير من‬
‫المؤّرِخين البسطاء بأن بعض وزراء المستبد ّ يتأوهون من‬
‫المستبد ّ ويتشكّون من أعماله ويجهرون بملمه‪ ،‬ويظهرون لو أنّه‬
‫ساعدهم المكان لعملوا وفعلوا وافتدوا المة بأموالهم‪ ،‬بل‬
‫وحياتهم‪ ،‬فكيف – والحالة هذه‪ -‬يكون هؤلء لؤماء؟ بل كيف ذلك‬
‫جد منهم الذين خاطروا بأنفسهم والذين أقدموا فعل ً على‬ ‫وقد وُ ِ‬
‫مقاومة الستبداد فنالوا المراد أو بعضه أو هلكوا دونه؟‬

‫‪39‬‬
‫ف‬
‫ن خائ ٌ‬ ‫ط عن أنّه خائ ٌ‬ ‫ن المستبد َّ ل يخرج ق ّ‬ ‫فجواب ذلك أ ّ‬
‫ج لعصابة تعينه وتحميه‪ ،‬فهو ووزراؤه كزمرة لصوص‪ :‬رئيس‬ ‫محتا ٌ‬
‫وأعوان‪ .‬فهل يجوِّز العقل أن يُنتخب رفاق من غير أهل الوفاق‪،‬‬
‫وهو هو الذي ل يستوزر إل بعد تجربة واختبار عمرا ً طويلً؟!‬
‫ر‬ ‫هل يمكن أن يكون الوزير متخل ِّقا ً بالخير حقيقة‪ ،‬وبال َّ‬
‫ش ِّ‬
‫ظاهرا ً فيخدع المستبد ّ بأعماله‪ ،‬ول يخاف من أنَّه كما نصبه‬
‫وأعَّزه بكلمة يعزله ويذلّه؟!‬
‫ن الناس أعداؤه‬ ‫بناءً عليه‪ ،‬فالمستبد ّ وهو من ل يجهل أ َّ‬
‫لظلمه‪ ،‬ل يأمن على بابه إل من يثق به أنَّه أظلم منه للناس‪،‬‬
‫وأبعد منه على أعدائه‪ ،‬وأما تلوُّم بعض الوزراء على لوم المستب ّ‬
‫د‬
‫فهو إن لم يكن خداعا ً للمة فهو حنقٌ على المستبدّ؛ لنه بخس‬
‫ذلك المتلوّم حقه‪ ،‬فقدَّم عليه من هو دونه في خدمته بتضحية‬
‫دينه ووجدانه‪ .‬وكذلك ل يكون الوزير أمينا ً من صولة المستبد ّ في‬
‫صحبته ما لم يسبق بينهما وفاق واتِّفاق على خيرة الشيطان؛ لن‬
‫ل شّر‪ ،‬ويبغضه‬ ‫الوزير محسود ٌ بالطبع‪ ،‬يتوقّع له المزاحمون ك َّ‬
‫ل ساعةٍ للشكايات‬ ‫ف في ك ِّ‬ ‫الناس ولو تبعا ً لظالمهم‪ ،‬وهو هد ٌ‬
‫والوشايات‪ .‬كيف يكون عند الوزير شيءٌ من التقّوى أو الحياء أو‬
‫شفقة على المة‪ ،‬وهو العالم‬ ‫العدل أو الحكمة أو المروءة أو ال ّ‬
‫ل سوء‪ ،‬وتشمت بمصائبه‪،‬‬ ‫ن المة تبغضه وتمقته وتتوقّع له ك َّ‬ ‫بأ َّ‬
‫ل‬‫فل ترضى عنه ما لم يتّفق معها على المستبدّ‪ ،‬وما هو بفاع ٍ‬
‫ذلك أبدا ً إل إذا يئس من إقباله عنده‪ ،‬وإن يئس وفعل فل يقصد‬
‫ب لمستجدٍّ جديد عساه يستوزره‬ ‫ط‪ ،‬إنما يريد فتح با ٍ‬ ‫نفع المة ق ّ‬
‫فيؤازره على وزره‪.‬‬
‫مة‬ ‫ن وزير المستبد ّ هو وزير المستبدّ‪ ،‬ل وزير ال ّ‬ ‫والنتيجة أ َّ‬
‫د‬
‫كما في الحكومات الدستورية‪ .‬كذلك القائد يحمل سيف المستب ّ‬
‫ليغمده في الرقاب بأمر المستبد ّ ل بأمر المة‪ ،‬بل هو يستعيذ أن‬
‫مة ل تقل ِّد‬‫ن ال ّ‬ ‫تكون المة صاحبة أمر‪ ،‬لما يعلم من نفسه أ َّ‬
‫القيادة لمثله‪.‬‬
‫بناءً عليه؛ ل يغتُّر العقلء بما يتشدَّق به الوزراء والقوّاد من‬
‫النكار على الستبداد والتفلسف بالصلح وإن تل َّهفوا وإن تأففوا‪،‬‬
‫ول ينخدعون لمظاهر غيرتهم وإن ناحوا وإن بكوا‪ ،‬ول يثقون بهم‬
‫ن ذلك كلّه ينافي سيرهم‬ ‫ول بوجدانهم مهما صلّوا وسبّحوا‪ ،‬ل َّ‬
‫وسيرتهم‪ ،‬ول دليل على أنّهم أصبحوا يخالفون ما شبّوا وشابوا‬
‫عليه‪ ،‬هم أقرب أن ل يقصدوا بتلك المظاهر غير إقلق المستبدِّ‬
‫وتهديد سلطته ليشاركهم في استدرار دماء الّرعية؛ أي أموالها‪.‬‬
‫نعم‪ ،‬كيف يجوز تصديق الوزير والعامل الكبير الذي قد ألف عمراً‬
‫كبيرا ً لذ ّة البذخ وعّزة الجبروت في أنَّه يرضى بالدخول تحت‬

‫‪40‬‬
‫مة‪ ،‬ويخاطر بعرض سيفه عليها فتحلّه أو تكسره تحت‬ ‫حكم ال ّ‬
‫أرجلها‪ .‬أليس هو عضوا ً ظاهر الفساد في جسم تلك المة التي‬
‫ل الميال الشريفة العالية فأبعدها عن النس‬ ‫قتل الستبداد فيها ك َّ‬
‫والنسانية‪ ،‬حتّى صار الفلح التعيس منها يؤخذ للجندية وهو‬
‫م السترة العسكرية إل ويتلبَّس بش ّ ِ‬
‫ر‬ ‫يبكي‪ ،‬فل يكاد يلبس ك َّ‬
‫مر على أمه وأبيه‪ ،‬ويتمّرد على أهل قريته وذويه‪،‬‬ ‫الخلق‪ ،‬فيتن ّ‬
‫َ‬ ‫ً‬ ‫ُّ‬
‫ن أكابر‬ ‫خ وعدو؟! إ ّ‬ ‫ويكظ أسنانه عطشا للدماء ل يميّز بين أ ٍ‬
‫ل ما يتظاهرون به‬ ‫رجال عهد الستبداد ل أخلق لهم ول ذمة‪ ،‬فك ُّ‬
‫ّ‬
‫ش المة المسكينة التي‬ ‫َ‬ ‫مر والتألّم يقصدون به غ ّ‬ ‫أحيانا ً من التذ ّ‬
‫ن الستبداد القائم‬ ‫يطمعهم في انخداعها وانقيادها لهم علمهم بأ َّ‬
‫متهم قد أعمى أبصارها وبصائرها‪ ،‬وخدَّر‬ ‫بهم والمستعمر به َّ‬
‫أعصابها‪ ،‬فجعلها كالمصاب ببحران العمى‪ ،‬فهي ل ترى غير هول‬
‫ن من البلء ول تدري ما هو تداويه‪ ،‬ول‬ ‫وظلم وشدة وآلم‪ ،‬فتئ ُّ‬
‫من أين جاءها لتصدَّه‪ ،‬فتواسيها فئة من أولئك المتعاظمين باسم‬
‫الدين يقولون‪ :‬يا بؤساء؛ هذا قضاءٌ من السماء ل مرد َّ له‪،‬‬
‫فالواجب تلقّيه بالصبر والرضاء واللتجاء إلى الدعاء‪ ،‬فاربطوا‬
‫ألسنتكم عن اللغو والفضول‪ ،‬واربطوا قلوبكم بأهل السكينة‬
‫والخمول‪ ،‬وإياكم والتدبير فإن الله غيور‪ ،‬وليكن وِْردُكم‪ :‬اللهم‬
‫انصر سلطاننا‪ ،‬وآمنّا في أوطاننا‪ ،‬واكشف عنا البلء‪ ،‬أنت حسبنا‬
‫ونعم الوكيل‪ .‬ويغرر المة آخرون من المتكبرين بأنهم الطباء‬
‫الرحماء المهتمون بمداواة المرض‪ ،‬إنَّما هم يترقَّبون سنوح‬
‫الفرص‪ ،‬وكل الفريقين –والله‪ -‬إما أدنياء جبناء‪ ،‬أو هم خائنون‬
‫مخادعون‪ ،‬يريدون التثبيط والتلبيد والمتنان على الظالمين‪.‬‬
‫من دلئل أن أولئك الكابر مغّرِرون مخادعون يظهرون ما ل‬
‫يُبطنون‪ ،‬أنَّهم ل يستصنعون إل السافل الراذل من الناس‪ ،‬ول‬
‫يميلون لغير المتملقين المنافقين من أهل الدين‪ ،‬كما هو شأن‬
‫صاحبهم المستبد ّ الكبر‪ ،‬ومنها أنَّه قد يوجد فيهم من ل يتنَّزل‬
‫ن؛ ليس فيهم العفيف عن الكثير‪،‬‬ ‫لقليل الرشوة أو السرقة‪ ،‬ولك ْ‬
‫وكفى بما يتمتعون من الثروات الطائلة التي ل منبت لها غير‬
‫المستبيح الفاخر بمشاركة المستبد َّ في امتصاصه دم المة‪ ،‬وذلك‬
‫بأخذهم العطايا الكبيرة‪ ،‬والرواتب الباهظة‪ ،‬التي تعادل أضعاف‬
‫ما تسمح به الدارة العادلة لمثالهم؛ لنها إدارة راشدة ل تدفع‬
‫أجورا ً زائدة‪ .‬ومنها أنهم ل يصرفون شيئا ً ولو سرا ً من هذا‬
‫السحت الكثير في سبيل مقاومة الستبداد الذي يزعمون أنهم‬
‫أعداؤه‪ ،‬إنما يصرف بعضهم منه شيئا ً في الصدقات الطفيفة‬
‫ة ورياءً‪ ،‬وكأنهم يريدون أن يسرقوا أيضا ً قلوب‬ ‫وبناء المعابد سمع ً‬
‫الناس بعد سلب أموالهم أو أنهم يرشون الله‪ ،‬أل ساء ما‬

‫‪41‬‬
‫ذّرون‪ ،‬فل تكفي أحدهم‬ ‫ن أكثرهم مسرفون مب ِ‬ ‫يتوهمون‪ .‬ومنها أ َّ‬
‫الرواتب المعتدلة التي يمكن أن ينالها أجرة خدمة ل ثمن ذمة‪.‬‬
‫لُ‬
‫ومنها أنه قد يكون أحدهم شحيحا ً مقتِّرا ً في نفقاته؛ بحيث يخ ّ‬
‫في شرف مقامه‪ ،‬فل يصرف نصف أو ربع راتبه مع أنَّه يقبضه‬
‫زائدا ً على أجر مثله لجل حفظ شرف المقام‪ ،‬العائد لشرف‬
‫ن الكابر‬ ‫ح يكون خائنا ً ومهيناً‪ .‬والحاصل أ َّ‬ ‫ش ّ‬ ‫المة‪ ،‬وبهذا ال ُّ‬
‫حريصون على أن يبقى الستبداد مطلقا ً لتبقى أيديهم مطلقة في‬
‫الموال‪.‬‬
‫هذا ول ينكر التاريخ أن الزمان أوجد نادرا ً بعض وزراء‬
‫م ندموا على ما فَّرطوا فتابوا‬ ‫وازروا الستبداد عمرا ً طويلً‪ ،‬ث َّ‬
‫وأنابوا‪ ،‬ورجعوا نصف المة واستعدوا بأموالهم وأنفسهم لنقاذها‬
‫من داء الستبداد‪ .‬ولهذا؛ ل يجوز اليأس من وجود بعض أفراد من‬
‫الوزراء والقواد عريقين في الشهامة‪ ،‬فيظهر فيهم سّر الوراثة‬
‫ولو بعد بطون أو بعد الربعين وربما السبعين من أعمارهم‬
‫ظهورا ً بيّنا ً تلل في محيا صاحبه ثريا صدق النجابة‪ .‬ول ينبغي لمةٍ‬
‫ن وجودهم من‬ ‫أن تتكل على أن يظهر فيها أمثال هؤلء‪ ،‬ل َّ‬
‫صدف التي ل تُبنى عليها آمال ول أحلم‪.‬‬ ‫ال ُّ‬
‫ن المستبد فرد ٌ عاجز ل حول له ول وقوة إل‬ ‫والنتيجة أ َّ‬
‫ك جلدها غير‬ ‫ُ‬ ‫بالمتمجدين‪ ،‬والمة؛ أي أمة كانت‪ ،‬ليس لها من يح ّ‬
‫ظفرها‪ ،‬ول يقودها إل العقلء بالتنوير والهداء والثبات‪ ،‬حتى إذا‬
‫ما اكفهَّرت سماء عقول بينها قيَّض الله لها من جمعهم الكبير‬
‫أفرادا ً كبار النفوس قادة أبرار يشترون لها السعادة بشقائهم‬
‫والحياة بموتهم؛ حيث يكون الله جعل في ذلك لذتهم‪ ،‬ولمثل تلك‬
‫ساقاً‬‫الشهادة الشريفة خلقهم‪ ،‬كما خلق رجال عهد الستبداد ف ّ‬
‫جارا ً مهالكهم الشهوات والمثالب‪ .‬فسبحان الذي يختار من‬ ‫فُ ّ‬
‫يشاء لما يشاء‪ ،‬وهو الخلّق العظيم‪.‬‬

‫‪42‬‬
‫الستبداد والمجد‬
‫ل لك ِّ‬
‫ل‬ ‫حكَم البالغة للمتأخرين قولهم‪" :‬الستبداد أص ٌ‬ ‫من ال ِ‬
‫ن الباحث المدقق في أحوال البشر وطبائع‬ ‫داء"‪ ،‬ومبنى ذلك أ َّ‬
‫ل واد‪ ،‬وقد سبق أ َّ‬
‫ن‬ ‫ن للستبداد أثرا ً سيئا ً في ك ِّ‬ ‫الجتماع كشف أ َّ‬
‫الستبداد يضغط على العقل فيفسده‪ ،‬وإني الن أبحث في أنَّه‬
‫جد‪.‬‬ ‫كيف يُغالب الستبداد المجد فيفسده‪ ،‬ويقيم مقامه التم ُّ‬
‫ب واحترام في القلوب‪ ،‬وهو‬ ‫المجد‪ :‬هو إحراز المرء مقام ح ٍّ‬
‫ي أو زاهد‪ ،‬ول‬ ‫َ‬
‫ل إنسان‪ ،‬ل يترفّع عنه نب ٌّ‬ ‫مطلب طبيعي شريف لك ِّ‬
‫َ‬ ‫َ‬ ‫ط عنه دن ٌّ‬ ‫ُّ‬
‫ي أو خامل‪ .‬للمجد لذ ّة ٌ روحية تقارب لذ ّة العبادة‬ ‫ينح‬
‫عند الفانين في الله تعالى‪ ،‬وتعادل لذَّة العلم عند الحكماء‪ ،‬وتربو‬
‫على لذَّة امتلك الرض مع قمرها عند المراء‪ ،‬وتزيد على لذَّة‬
‫مفاجأة الثراء عند الفقراء‪ .‬ولذا؛ يزاحم المجد في النفوس‬
‫منزلة الحياة‪.‬‬
‫ل على بعض الباحثين أيّ الحرصين أقوى؟ حرص‬ ‫وقد أشك َ َ‬
‫خرون‬ ‫الحياة أم حرص المجد؟ والحقيقة التي عوَّل عليها المتأ ِّ‬
‫ن المجد‬ ‫وميَّزوا بها تخليط ابن خلدون هي التفضيل؛ وذلك أ َّ‬
‫ة‪ ،‬وعند النُّجباء‬ ‫ضل على الحياة عند الملوك والقُوَّاد وظيف ً‬ ‫مف َّ‬
‫ب الحياة ممتاز على المجد عند الُسراء‬ ‫ة‪ ،‬وح ُّ‬ ‫والحرار حمي ّ ً‬
‫ة‪ ،‬وعند الجبناء والنساء ضرورةً‪ .‬وعلى هذه القاعدة‬ ‫والذِّلء طبيع ً‬
‫يكون أئمة آل البيت –عليهم السلم‪ -‬معذورين في إلقاء أنفسهم‬
‫ما كانوا نجباء أحراراً‪ ،‬فحميّتهم جعلتهم‬ ‫في تلك المهالك؛ لنَّهم ل ّ‬
‫ل مثل حياة ابن خلدون الذي‬ ‫ضلون الموت كراما ً على حياة ذ ٍّ‬ ‫يف ِّ‬
‫خطّأ أمجاد البشر في إقدامهم على الخطر إذا هدَّد مجدهم‪ ،‬ذاهلً‬
‫جدت فيها طبيعة‬ ‫الحيوان‪ ،‬ومنها البلبل‪ ،‬وُ ِ‬ ‫ن بعض أنواع‬ ‫على أ َّ‬
‫ل‪ ،‬وأ َّ‬ ‫ُ‬
‫اختيار النتحار أحيانا ً تخل ّصا ً من قيود الذ ُّ ِّ‬
‫ن أكثر سباع الطير‬
‫حَّرة‬ ‫سَرت كبيرة تأبى الغذاء حتى تموت‪ ،‬وأ َّ‬ ‫ُ‬
‫ن ال ُ‬ ‫والوحوش إذا أ ِ‬
‫ضها‪ ،‬والماجدة تموت ول تأكل بثدييها!‬ ‫تموت ول تأكل بعِر ِ‬

‫‪43‬‬
‫المجد ل يُنال إل بنوٍع من البذل في سبيل الجماعة‪ ،‬وبتعبير‬
‫الشرقيين في سبيل الله أو سبيل الدّين‪ ،‬وبتعبير الغربيين في‬
‫سبيل المدنية أو سبيل النسانية‪ .‬والمولى تعالى –المستحقُّ‬
‫التّعظيم لذاته‪ -‬ما طالب عبيده بتمجيده إل وقرن الطلب بذكر‬
‫نعمائه عليهم‪.‬‬
‫وهذا البذل إما بذل مال للنفع العام ويسمى مجد الكرم؛‬
‫مى‬ ‫وهو أضعف المجد‪ ،‬أو بذل العلم النّافع المفيد للجماعة؛ ويس ّ‬
‫مجد الفضيلة‪ ،‬أو بذل النّفس بالتعُّرض للمشاقّ والخطار في‬
‫قّ وحفظ النِّظام؛ ويُسمى مجد النّبالة‪ ،‬وهذا‬ ‫سبيل نصرة الح ِ‬
‫أعلى المجد؛ وهو المراد عند الطلق‪ ،‬وهو المجد الذي تتوق إليه‬
‫ن إليه أعناق النبلء‪ .‬وكم له من عشاق تلذُّ‬ ‫النفوس الكبيرة‪ ،‬وتح ُّ‬
‫لهم في حبه المصاعب والمخاطرات‪ ،‬وأكثرهم يكون من مواليد‬
‫صدف من عيون الظالمين المذلّين‪ ،‬أو يكون‬ ‫بيوت نادرة حمتها ال ُّ‬
‫من نجباء بيوت ما انقطعت فيها سلسلة المجاهدين وما انقطعت‬
‫عجائزها عن بكائهم‪ .‬ومن أمثلة المجد قولهم‪ :‬خلق الله للمجد‬
‫رجال ً يستعذبون الموت في سبيله‪ ،‬ول سبيل إليه إل بعظيم اله ّ‬
‫مة‬
‫والقدام والثّبات‪ ،‬تلك الخصال الثّلث التي بها تقدَّر قيم الرجال‪.‬‬
‫وهذا نيرون الظالم سأل أغربين الشاعر وهو تحت النَّطع‪:‬‬
‫من أشقى الناس؟ فأجابه معّرِضا ً به‪ :‬من إذا ذكر الناس‬
‫َ‬
‫الستبداد كان مثال ً له في الخيال‪ .‬وكان ترايان العادل إذا قل ّد‬
‫سيفا ً لقائد يقول له‪" :‬هذا سيف المة أرجو أن ل أتعدّى القانون‬
‫ب في عنقي"‪ .‬وخرج قيس من مجلس الوليد‬ ‫فيكون له نصي ٌ‬
‫ن نعال الصعاليك‬ ‫مغضبا ً يقول‪" :‬أتريد أن تكون جباراً؟ والله؛ إ َّ‬
‫لطول من سيفك!‪ .‬وقيل لحد الباة‪" :‬ما فائدة سعيك غير جلب‬
‫الشقاء على نفسك؟"‪ .‬فقال‪" :‬ما أحلى الشقاء في سبيل تنغيص‬
‫ي ضمان‬ ‫ي أن أفي بوظيفتي وما عل َّ‬ ‫الظالمين!"‪ .‬وقال آخر‪" :‬عل َّ‬
‫القضاء"‪ .‬وقيل لحد النبلء‪" :‬لماذا ل تبني لك داراً؟" فقال‪" :‬ما‬
‫أصنع فيها وأنا المقيم على ظهر الجواد أو في السجن أو في‬
‫القبر"‪ ،‬وهذه ذات النطاقين (أسماء بنت أبي بكر رضي الله‬
‫عنها) وهي امرأة عجوز تودِّع ابنها بقولها‪" :‬إن كنت على الحقّ‬
‫فاذهب وقاتل الحجاج حتى تموت"‪ .‬وهذا مكماهون رئيس‬
‫جمهورية فرنسا استبد َّ في أمر فدخل عليه صديقه غامبتا وهو‬
‫يقول‪" :‬المر للمة ل إليك‪ ،‬فاعتدل‪ ،‬أو اعتزل‪ ،‬وإل فأنت‬
‫المخذول المهان الميت!!‬
‫ب للنفوس‪ ،‬ل تفتأ تسعى‬ ‫ن المجد هو المجد ُ محب َّ ٌ‬ ‫والحاصل أ َّ‬
‫ل إنسان على‬ ‫سٌر في عهد العدل لك ِّ‬ ‫وراءه وترقى مراقيه‪ ،‬وهو مي َّ‬

‫‪44‬‬
‫مته‪ ،‬وينحصر تحصيله في زمن الستبداد‬ ‫حسب استعداده وه َّ‬
‫بمقاومة الظّلم على حسب المكان‪.‬‬
‫جد؟‬‫جد‪ .‬وما هو التم ّ‬ ‫يقابل المجد‪ ،‬من حيث مبتناه‪ ،‬التم ُّ‬
‫ظ هائل المعنى‪ ،‬ولهذا أراني أتعثَّر‬ ‫جد لف ٌ‬ ‫جد؟ التم ُّ‬ ‫وماذا يكون التم ّ‬
‫بالكلم وأتلعثم في الخطاب‪ ،‬ول سيما من حيث أخشى مساس‬
‫إحساس بعض المطالعين‪ .‬إن لم يكن من جهة أنفسهم فمن جهة‬
‫أجدادهم الولين‪ ،‬فأناشدهم الوجدان والحقّ المهان‪ ،‬أن يتجَّردوا‬
‫م هم مثلي ومثل سائر الجانين‬ ‫دقيقتين من النّفس وهواها‪ ،‬ث َّ‬
‫على النسانية ل يعدمون تأويلً‪ .‬وإنني أعل ِّل النّفس بقبولهم‬
‫تهويني هذا‪ ،‬فأنطلق وأقول‪:‬‬
‫جد خاص بالدارات المستبدَّة‪ ،‬وهو القربى من المستبدِّ‬ ‫التم ّ‬
‫َ‬
‫بالفعل كالعوان والعمال‪ ،‬أو بالقوة كالملقّبين بنحو دوق وبارون‪،‬‬
‫ب الصولة‪ ،‬أو الموسومين‬ ‫ب العزة ور ّ‬ ‫والمخاطبين بنحو ر ِّ‬
‫جد هو أن‬ ‫ف آخر‪ ،‬التم ُّ‬‫بالنياشين‪ ،‬أو المطوَّقين بالحمائل‪ ،‬وبتعري ٍ‬
‫ينال المرء جذوة نار من جهنم كبرياء المستبدِّ ليحرق بها شرف‬
‫المساواة في النسانية‪.‬‬
‫ف أجلى‪ :‬هو أن يتقلّد الّرجل سيفا ً من قِبَل الجبارين‬ ‫وبوص ٍ‬
‫يبرهن به على أنَّه جلد في دولة الستبداد‪ ،‬أو يعل ِّق على صدره‬
‫وساما ً مشعرا ً بما وراءه من الوجدان المستبيح للعدوان‪ ،‬أو‬
‫يتزين بسيور مزركشة تنبئ بأنّه صار مخنَّثا ً أقرب إلى النساء منه‬
‫إلى الرجال‪ ،‬وبعبارة أوضح وأخصر‪ ،‬هو أن يصير النسان مستبداً‬
‫صغيرا ً في كنف المستبدِّ العظم‪.‬‬
‫ن‬‫ص بالدارات الستبدادية‪ ،‬وذلك ل َّ‬ ‫جد خا ٌّ‬ ‫ن التم ُّ‬
‫ت‪ :‬إ َّ‬‫قل ُ‬
‫ل الباء إخلل‬ ‫َ‬ ‫الحكومة الحرة التي تمث ِّل عواطف المة تأبى ك ّ‬
‫ل حقيقي‪ ،‬فل ترفع قدر أحد منها إل‬ ‫التساوي بين الفراد إل لفض ٍ‬
‫رفعا ً صوريا ً أثناء قيامه في خدمتها؛ أي الخدمة العمومية‪ ،‬وذلك‬
‫تشويقا ً له على التفاني في الخدمة‪ ،‬كما أنَّها ل تميّز أحدا ً منها‬
‫ب إل ما كان علميا ً أو ذكرى لخدمة مهمة‬ ‫بوسام أو تشّرِفه بلق ٍ‬
‫َ‬
‫ض‬
‫ه الناس بعضهم فوق بع ٍ‬ ‫وفّقه الله إليها‪ .‬وبمثل هذا يرفع الل ُ‬
‫درجات في القلوب ل في الحقوق‪.‬‬
‫وهذا لقب اللوردية مثل ً عند النكليز هو من بقايا عهد‬
‫مته خدمة‬ ‫الستبداد‪ ،‬ومع ذلك ل يناله عندهم غالبا ً إل من يخدم أ َّ‬
‫عظيمة‪ ،‬ويكون من حيث أخلقه وثروته أهل ً لن يخدمها خدمات‬
‫مهمة غيرها‪ ،‬ومن المقرر أن ل اعتبار للورد في نظر المة إل إذا‬
‫كان مؤسسا ً أو وارثاً‪ ،‬أو كانت المة تقرأ في جبهته سطرا ً محرراً‬
‫ي بدمه يقسم فيه بشرفه أنه‬ ‫بقلم الوطنية وبمداد الشهامة ممض ٍ ّ‬

‫‪45‬‬
‫ضمين بثروته وحياته ناموس المة؛ أي قانونها الساسي‪ ،‬حفيظ‬
‫على روحها؛ أي حريتها‪.‬‬
‫جد ل يكاد يوجد له أثر في المم القديمة إل في دعوى‬ ‫التم ُّ‬
‫اللوهية وما معناها من نفع الناس بالنفاس‪ ،‬أو في دعوى النّجابة‬
‫بالنسب التي يهول بها الصلء نسل الملوك والمراء‪ ،‬وإنما نشأ‬
‫شارات في القرون الوسطى‪ ،‬وراج سوقه‬ ‫جد باللقاب وال ّ‬ ‫التم ّ‬
‫م قامت فتاة الحرية تتغنّى بالمساواة‬ ‫في القرون الخيرة‪ ،‬ث َّ‬
‫وتغسل أدرانه على حسب قوتها وطاقتها‪ ،‬ولم تبلغ غايتها إلى‬
‫الن في غير أمريكا‪.‬‬
‫جدون يريدون أن يخدعوا العامة‪ ،‬وما يخدعون غير‬ ‫المتم ِّ‬
‫نسائهم اللتي يتفحفحن بين عجائز الحي بأنهم كبار العقول؛ كبار‬
‫النفوس؛ أحرار في شؤونهم ل يُزاح لهم نقاب‪ ،‬ول تُصفع منهم‬
‫مل الساءات والهانات‬ ‫رقاب‪ ،‬فيحوجهم هذا المظهر الكاذب لتح ُّ‬
‫التي تقع عليهم من قِبَل المستبدّ‪ ،‬بل تحوجهم للحرص على‬
‫كتمها‪ ،‬بل على إظهار عكسها‪ ،‬بل على مقاومة من يدّعي خلفها‪،‬‬
‫ق المستبدِّ وإبعادهم عن‬ ‫بل على تغليط أفكار النّاس في ح ِ ّ‬
‫ن من شأنه الظلم‪.‬‬ ‫اعتقاد أ َّ‬
‫جدين أعداء للعدل أنصارا ً للجور‪ ،‬ل دين‬ ‫وهكذا يكون المتم ّ‬
‫ول وجدان ول شرف ول رحمة‪ ،‬وهذا ما يقصده المستبد ُّ من‬
‫إيجادهم والكثار منهم ليتمكَّن بواسطتهم من أن يغّرِر المة على‬
‫إضرار نفسها تحت اسم منفعتها‪ ،‬فيسوقها مثل ً لحرب اقتضاها‬
‫محض التجبُّر والعدوان على الجيران‪ ،‬فيوهمها أنَّه يريد نصرة‬
‫الدين‪ ،‬أو يُسرف بالمليين من أموال المة في ملذاته وتأييد‬
‫استبداده باسم حفظ شرف المة وأبهة المملكة‪ ،‬أو يستخدم‬
‫المة في التنكيل بأعداء ظلمه باسم أنهم أعداء لها‪ ،‬أو يتصَّرف‬
‫ن ذلك من‬ ‫في حقوق المملكة والمة كما يشاؤه هواه باسم أ َّ‬
‫مقتضى الحكمة والسياسة‪.‬‬
‫جدين سماسرة لتغرير‬ ‫ن المستبد يتّخذ المتم ّ‬ ‫والخلصة‪ :‬أ َّ‬
‫ب الوطن‪ ،‬أو توسيع المملكة‪ ،‬أو‬ ‫المة باسم خدمة الدين‪ ،‬أو ح ّ‬
‫تحصيل منافع عامة‪ ،‬أو مسؤولية الدولة‪ ،‬أو الدفاع عن‬
‫ل هذه الدواعي الفخيمة العنوان في‬ ‫نك ّ‬ ‫الستقلل‪ ،‬والحقيقة أ َّ‬
‫السماع والذهان ما هي إل تخييل وإيهام يقصد بها رجال‬
‫الحكومة تهييج المة وتضليلها‪ ،‬حتى إنَّه ل يُستثنى منها الدّفاع عن‬
‫الستقلل؛ لنّه ما الفرق على أمةٍ مأسورة لزيد أن يأسرها‬
‫عمرو؟ وما مثلها إل الدّابة التي ل يرحمها راكب مطمئن‪ ،‬مالكاً‬
‫كان أو غاصباً‪.‬‬

‫‪46‬‬
‫المستبد ُّ ل يستغني عن أن يستمجد بعض أفراد من ضعاف‬
‫القلوب الذين هم كبقر الجنة ل ينطحون ول يرمحون‪ ،‬يتّخذهم‬
‫كأنموذج البائع الغشاش‪ ،‬على أنّه ل يستعملهم في شيء من‬
‫مارة أو سبحة في يد‬ ‫مهامه‪ ،‬فيكونون لديه كمصحف في خ ّ‬
‫زنديق‪ ،‬وربما ل يستخدم أحيانا ً بعضهم في بعض الشؤون تغليطاً‬
‫لذهان العامة في أنَّه ل يعتمد استخدام الراذل والسافل فقط‪،‬‬
‫ه وأوغاد‪.‬‬ ‫ولهذا يُقال‪ :‬دولة الستبداد دولة بُل ٍ‬
‫المستبد ُّ يجّرِب أحيانا ً في المناصب والمراتب بعض العقلء‬
‫الذكياء أيضا ً اغترارا ً منه بأنّه يقوى على تليين طينتهم وتشكيلهم‬
‫شكل الذي يريد‪ ،‬فيكونوا له أعوانا ً خبثاء ينفعونه بدهائهم‪ ،‬ث َّ‬
‫م‬ ‫بال ّ‬
‫هو بعد التجربة إذا خاب ويئس من إفسادهم يتبادر إبعادهم أو‬
‫ينكّل بهم‪ .‬ولهذا ل يستقّر عنه المستبد ّ إل الجاهل العاجز الذي‬
‫يعبده من دون الله‪ ،‬أو الخبيث الخائن الذي يرضيه ويغضب الله‪.‬‬
‫ن هذه الفئة من العقلء‬ ‫وهنا أنبِّه فكر المطالعين إلى أ َّ‬
‫المناء بالجملة‪ ،‬الذين يذوقون عسيلة مجد الحكومة وينشطون‬
‫م يضرب على يدهم لمجَّرد أ َّ‬
‫ن بين‬ ‫لخدمة ونيل مجد النّبالة‪ ،‬ث َّ‬
‫أضلعهم قبسة من اليمان وفي أعينهم بارقة من النسانية‪ ،‬هي‬
‫الفئة التي تتكهرب بعداوة الستبداد وينادي أفرادها بالصلح‪.‬‬
‫وهذا النقلب قد أعيا المستبدين؛ لنهم ل يستغنون عن التجربة‬
‫ول يأمنون هذه المغبّة‪ .‬ومن هنا نشأ اعتمادهم غالبا ً على‬
‫العريقين في خدمة الستبداد‪ ،‬الوارثين من آبائهم وأجدادهم‬
‫الخلق المرضية للمستبدّين‪ ،‬ومن هنا ابتدأت في المم نغمة‬
‫جد بالصالة والنساب‪ ،‬والمستبدّون المحنّكون يطيلون أمد‬ ‫التم ّ‬
‫التجربة بالمناصب الصغيرة فيستعملون قاعدة الترقّي مع‬
‫م يختمون‬ ‫مون ذلك برعاية قاعدة القدم‪ ،‬ث ّ‬ ‫التراخي‪ ،‬ويس ّ‬
‫التجريب بإعطاء المتمّرن خدمة يكون فيها رئيسا ً مطلقا ً ولو في‬
‫قرية‪ ،‬فإن أظهر مهارة في الستبداد‪ ،‬وذلك ما يسمونه حكمة‬
‫الحكومة فبها نعمت‪ ،‬وإل قالوا عنه‪ :‬هذا حيوان‪ ،‬يا ضيعة المل‬
‫فيه‪.‬‬
‫جد فل بد َّ أن نبحث‬ ‫ن للصالة مشاكلة قوية للمجد والتم ّ‬ ‫إ َّ‬
‫جدين فأقول‪:‬‬ ‫م نعود لموضوع المستبد ّ وأعوانه المتم ّ‬ ‫فيها قليلً‪ ،‬ث َّ‬
‫الصالة صفة قد يكون لها بعض المزايا من حيث الميال‬
‫التي يرثها البناء من الباء‪ ،‬ومن حيث التربية التي تكون‬
‫ن الصالة تكون‬ ‫مستحكمة في البيت ولو رياءً‪ ،‬ومن حيث إ َّ‬
‫شهامة‬ ‫مقرونة غالبا ً بشيء من الثروة المعينة على مظاهر ال ّ‬
‫والرحمة‪ ،‬ومن حيث تقويتها العلقة بالمة والوطن خوف مذلّة‬

‫‪47‬‬
‫ن أهلها يكونون منظورين دائما ً فيتحاشون‬ ‫الغتراب‪ ،‬ومن حيث إ َّ‬
‫المعائب والنقائص بعض التحاشي‪.‬‬
‫وبيوت الصالة تنقسم إلى ثلثة أنواع‪ :‬بيوت علم وفضيلة‪،‬‬
‫وبيوت مال وكرم‪ ،‬وبيوت ظلم وإمارة‪ .‬وهذا الخير هو القسم‬
‫م موقعاً‪ ،‬وهم –كما سبقت الشارة إليه‪ -‬مطمح‬ ‫الكثر عددا ً واله ّ‬
‫نظر المستبد ّ في الستعانة وموضع ثقته‪ ،‬وهم الجند الذي تجتمع‬
‫ن يضحك في وجههم ضحكة‪.‬‬ ‫تحت لوائه بسهولة‪ ،‬وربما يكفيه أ ْ‬
‫فلننظر ما هو نصيب أهل هذا القسم من تلك المزايا الموروثة‪:‬‬
‫هل يرث البن عن جده المؤسس لمجده أميالَه في العدالة‬
‫ب على غير التّرف المصغِّر للعقول‪،‬‬ ‫ب ويش ُّ‬ ‫ولم توجد؟ أم يد ُّ‬
‫المميت للهمم؟ أم يتربّى على غير الوقار المضحك للباطل‪،‬‬
‫سائد فيما بين العائلة في بيتهم؟ أم يستخدم الثروة في غير‬ ‫ال ّ‬
‫الملذ الجسمية الدنيئة البهيمية وتلك البّهة الطاووسية الباطلة؟‬
‫أم يتمثَّل بغير أقران السوء المتملقين المنافقين؟ أم ل يستحقر‬
‫خلق منها جنابه؟ أم ل‬ ‫قومه لجهلهم قدر النُّطفة الملعونة التي ُ‬
‫يبغض العلماء الذين ل يقدِّرونه قدره حسبما هو قائم في مخيلة‬
‫خيلئه؟ أم يرى لجنابه مقّرا ً يليق به غير مقعد التحكُّم ومستراح‬
‫التآمر؟ أم يستحي من النّاس؟ ومن هم النّاس؟ وما النّاس عند‬
‫خلقت لخدمته!‬ ‫حضرته غير أشباح عندها أرواح ُ‬
‫وهذه حالة الكثرين من الصلء‪ ،‬على أننا ل نبخس حقَّ من‬
‫نال منهم حظا ً من العلم وأوتي الحكمة وأراد الله به خيرا ً فأصابه‬
‫ن هؤلء – وقليل ما‬ ‫بنصيب من القهر انخفض به شاموخ أنفه‪ ،‬فإ َّ‬
‫هم‪ -‬ينجبون نجابة عظيمة‪ ،‬فيصدق عليهم أنَّهم قد ورثوه قوّة‬
‫شر‪ ،‬واستفادوا من أنفة‬ ‫القلب يستعملونها في الخير ل في ال ّ‬
‫الكبرياء كالجسارة على العظماء‪ ،‬وهكذا تتحول فيهم ميزة الشّرِ‬
‫ب شامخ من نحو الحنين إلى الوطن وأهله‪،‬‬ ‫س ٍ‬
‫ح َ‬
‫على فائض خير و َ‬
‫والنين لمصابه‪ ،‬والقدام على العظائم في سبيل القوم‪ ،‬وأمثال‬
‫جباء إذا كثروا في أمة يوشك أن يترقّى منهم آحاد‬ ‫هؤلء النوابغ الن ُ َ‬
‫إلى درجة الخوارق فيقودوا أممهم إلى درجة النجاح والفلح‪ ،‬ول‬
‫ن اجتماع نفوذ النسب وقوة الحسب يفعلن ول عجب‬ ‫غرو فإ َّ‬
‫ه فعل المستبدِّ العادل الذي ينشده الشرقيون‪ ،‬وخصوصاً‬ ‫َ‬
‫شب َ َ‬
‫المسلمون؛ وإن كان العقل ل يجوز أن يتَّصف بالستبداد مع‬
‫ساقطة التي قد‬ ‫مة ال ّ‬
‫العدل غير الله وحده‪ ،‬أل قاتل الله اله ّ‬
‫تتسفّل بالنسان إلى عدم إتعاب الفكر فيما يطلب هل هو ممكن‬
‫أم هو محال؟!‬
‫ل قبيلة‬‫الصلء‪ ،‬باعتبار أكثريتهم‪ ،‬هم جرثومة البلء في ك ِّ‬
‫ن ميَّزت‬ ‫ن بني آدم داموا إخوانا ً متساوين إلى أ ْ‬ ‫ل قبيل‪ .‬ل َّ‬ ‫ومن ك ِّ‬

‫‪48‬‬
‫صدفة بعض أفرادهم بكثرة النّسل‪ ،‬فنشأت منها القوات‬ ‫ال ُّ‬
‫ظ هذه‬ ‫حفْ ُ‬
‫العصبية‪ ،‬ونشأ من تنازعها تميُّز أفراد على أفراد‪ ،‬و ِ‬
‫الميزة أوجد الصلء‪ .‬فالصلء في عشيرة أو أمة إذا كانوا‬
‫متقاربي القوات استبدوا على باقي الناس وأسسوا حكومة‬
‫أشراف‪ ،‬ومتى وُجد بيت من الصلء يتميز كثيرا ً في القوة على‬
‫باقي البيوت يستبد ُّ وحده ويؤسس الحكومة الفردية المقيدة إذا‬
‫لباقي البيوت بقية بأس‪ ،‬أو المطلقة إذا لم يبقَ أمامه من يتَّقيه‪.‬‬
‫مة أصلء بالكلية‪ ،‬أو وجد‪،‬‬ ‫بناءً عليه‪ ،‬إذا لم يوجد في أ ّ‬
‫ت غالب‪ ،‬أقامت تلك لنفسها حكومة‬ ‫ولكن؛ كان لسواد الناس صو ٌ‬
‫انتخابية ل وراثة فيها ابتداءً؛ ولكن‪ ،‬ل يتوالى بعض متولين إل‬
‫ل فريق منهم يسعى لجتذاب‬ ‫ويصير أنسالهم أصلء يتناظرون‪ ،‬ك ُّ‬
‫طرف من المة استعدادا ً للمغالبة وإعادة التاريخ الول‪.‬‬
‫ومن أكبر مضاّر الصلء أنهم ينهمكون أثناء المغالبة على‬
‫إظهار البَّهة والعظمة‪ ،‬سترهبون أعين الناس ويسحرون عقولهم‬
‫م إذا غلب غالبهم واستبد َّ بالمر ل يتركها‬ ‫ويتكبّرون عليهم‪ .‬ث َّ‬
‫الباقون للفتهم لذتها ولمضاهاة المستبدِّ في نظر الناس‪.‬‬
‫والمستبد ُّ نفسه ل يحملهم على تركها‪ ،‬بل يدُّر عليهم المال‬
‫ويعينهم عليها‪ ،‬ويعطيهم اللقاب والُّرتب وشيئا ً من النّفوذ‬
‫ُ‬
‫والتسل ّط على الناس ليتلهّوا بذلك عن مقاومة استبداده‪ ،‬ولجل‬
‫أن يألفوها مديداً‪ ،‬فتفسد أخلقهم‪ ،‬فينفر منهم الناس‪ ،‬ول يبقى‬
‫لهم ملجأ غير بابه‪ ،‬فيصيرون أعوانا ً له بعد أن كانوا أضداداً‪.‬‬
‫ويستعمل المستبد ُّ أيضا ً مع الصلء سياسة الشد ّ والّرخاء‪،‬‬
‫والمنع والعطاء‪ ،‬واللتفات والغضاء كي ل يبطروا‪ ،‬وسياسة‬
‫إلقاء الفساد وإثارة الشحناء فيما بينهم كي ل يتفقوا عليه‪ ،‬وتارة‬
‫يعاقب عقابا ً شديدا ً باسم العدالة إرضاءً للعوام‪ ،‬وأخرى يقرنهم‬
‫بأفراد كانوا يقبِّلون أذيالهم استكبارا ً فيجعلهم سادة عليهم‬
‫يفركون آذانهم استحقاراً‪ ،‬يقصد بذلك كسر شوكتهم أمام إمام‬
‫ن المستبد ّ يذلل‬ ‫الناس وعصر أنوفهم أمام عظمتهم‪ .‬والحاصل أ َّ‬
‫ل وسيلة حتى يجعلهم مترامين بين رجليه كي يتَّخذهم‬ ‫الصلء بك ِّ‬
‫لجاما ً لتذليل الرعية‪ ،‬ويستعمل عين هذه السياسة مع العلماء‬
‫م من أحدهم رائحة الغرور بعقله أو‬ ‫ورؤساء الديان الذين متى ش َّ‬
‫علمه ينكل به أو يستبدله بالحمق الجاهل إيقاظا ً له ولمثاله من‬
‫ن من أن إدارة الظلم محتاجة إلى شيء من العقل أو‬ ‫ل ظا ٍ ّ‬‫ك ِّ‬
‫الجو‬
‫ّ‬ ‫القتدار فوق مشيئة المستبدِّ‪ .‬وبهذه السياسة ونحوها يخلو‬
‫ش يقلبه الصرصر في‬ ‫فيعصف وينسف ويتصَّرف في الرعية كري ٍ‬
‫جوٍّ محرق‪.‬‬

‫‪49‬‬
‫المستبد ُّ في لحظة جلوسه على عرشه ووضع تاجه‬
‫الموروث على رأسه يرى نفسه كان إنسانا ً فصار إلهاً‪ .‬ثم يُرجع‬
‫ل عاجز وأنَّه ما‬ ‫النظر فيرى نفسه في نفس المر أعجز من ك ِّ‬
‫نال ما نال إل بواسطة من حوله من العوان‪ ،‬فيرفع نظره إليهم‬
‫فيسمع لسان حالهم يقول له‪ :‬ما العرش؟ وما التاج؟ وما‬
‫الصولجان؟ ما هذه إل أوهام في أوهام‪ .‬هل يجعلك هذا الريش‬
‫في رأسك طاووسا ً وأنت غراب؟ أم تظن الحجار البراقة في‬
‫ن زينة صدرك ومنكبيك‬ ‫تاجك نجوما ً ورأسك سماء؟ أم تتوهم أ َّ‬
‫ن من هذه الرض؟ والله ما مكَّنك‬ ‫أخرجتك عن كونك َقطعة طي ٍ‬
‫في هذا المقام وسل ّطك على رقاب النام إل شعوذتنا وسحرنا‬
‫وامتهاننا لديننا ووجداننا وخيانتنا لوطننا وإخواننا‪ ،‬فانظر أيها‬
‫الصغير المكبَّر الحقير الموقّر كيف تعيش معنا!‬
‫م يلتفت إلى جماهير الّرعية المتفرجين‪ ،‬منهم الطائشين‬ ‫ث َّ‬
‫المهللين المسبِّحين بحمده‪ ،‬ومنهم المسحورين المبهوتين كأنهم‬
‫ن خلل الساكتين بعض‬ ‫أموات من حين‪ ،‬ولكن؛ يتجلّى في فكره أ َّ‬
‫مة شؤوناً‬ ‫ن لنا معاشر ال َّ‬ ‫أفراد عقلء أمجاد يخاطبونه بالعيون؛ بأ َّ‬
‫عمومية وكَّلناك في قضائها على ما نريد ونبغي‪ ،‬ل على ما تريد‬
‫حقَّ لك الحترام‪ ،‬وإن مرت مكَْرنا‬ ‫ن وفَّيت حقَّ الوكالة ُ‬ ‫فتبغي‪ .‬فإ ْ‬
‫ن مكر الله عظيم‪.‬‬ ‫وحاقت بك العاقبة‪ ،‬أل إ َّ‬
‫وعندئذ ٍ يرجع المستبد ُّ إلى نفسه قائلً‪ :‬العوان العوان‪،‬‬
‫ش من الوغاد أحارب‬ ‫سدنة أسلمهم القياد وأردفهم بجي ٍ‬ ‫ملَة ال َّ‬‫ح َ‬
‫ال َ‬
‫ك كيفما‬ ‫مل ْ ٌ‬ ‫بهم هؤلء العبيد العقلء‪ ،‬وبغير هذا الحزم ل يدوم لي ُ‬
‫رضا ً للمناقشة منغِّصا ً في نعيم‬ ‫أكون‪ ،‬بل أبقى أسيرا ً للعدل مع ّ ِ‬
‫الملك‪ ،‬ومن العار أن يرضى بذلك من يمكنه أن يكون سلطاناً‬
‫جبارا ً متفّرِدا ً قهّاراً‪.‬‬
‫الحكومة المستبدّة تكون طبعا ً مستبدّة في كل فروعها من‬
‫المستبد ّ العظم إلى الشرطي‪ ،‬إلى الفّراش‪ ،‬إلى كنائس‬
‫ف إل من أسفل أهل طبقته أخلقاً‪،‬‬ ‫ل صن ٍ‬ ‫الشوارع‪ ،‬ول يكون ك ُّ‬
‫لن السافل ل يهمهم طبعا ً الكرامة وحسن السمعة‪ ،‬إنما غاية‬
‫مسعاهم أن يبرهنوا لمخدوهم بأنهم على شاكلته‪ ،‬وأنصار لدولته‪،‬‬
‫ي كان ولو بشرا ً أم خنازير‪ ،‬آبائهم‬ ‫وشرهون لكل السقطات من أ ٍ ّ‬
‫أم أعدائهم‪ ،‬وبهذا يأمنهم المستبد ُّ ويأمنونه فيشاركهم‬
‫ل حسب‬ ‫ويشاركونه‪ .‬وهذه الفئة المستخدمة يكثر عددها ويق ُّ‬
‫شدة الستبداد وخفّته‪ ،‬فكلما كان المستبد ُّ حريصا ً على العسف‬
‫جدين العاملين له المحافظين عليه‪،‬‬ ‫احتاج إلى زيادة جيش المتم ّ‬
‫واحتاج إلى مزيد الدقّة في اتِّخاذهم من أسفل المجرمين الذين‬
‫مة‪ ،‬واحتاج لحفظ النسبة بينهم في‬ ‫ن أو ذ ّ‬ ‫ل أثر عندهم لدي ٍ‬

‫‪50‬‬
‫المراتب بالطريقة المعكوسة؛ وهي أن يكون أسفلهم طباعاً‬
‫ة وقرباً‪ ،‬ولهذا‪ ،‬ل بد َّ أن يكون الوزير العظم‬ ‫وخصال ً أعلهم وظيف ً‬
‫للمستبد ّ هو اللئيم العظم في المة‪ ،‬ثم من دونه لؤماً‪ ،‬وهكذا‬
‫تكون مراتب الوزراء والعوان في لؤمهم حسب مراتبهم في‬
‫التشريفات والقربى منه‪ .‬وربما يغتُّر المطالع كما اغتَّر كثير من‬
‫المؤّرِخين البسطاء بأن بعض وزراء المستبد ّ يتأوهون من‬
‫المستبد ّ ويتشكّون من أعماله ويجهرون بملمه‪ ،‬ويظهرون لو أنّه‬
‫ساعدهم المكان لعملوا وفعلوا وافتدوا المة بأموالهم‪ ،‬بل‬
‫وحياتهم‪ ،‬فكيف – والحالة هذه‪ -‬يكون هؤلء لؤماء؟ بل كيف ذلك‬
‫جد منهم الذين خاطروا بأنفسهم والذين أقدموا فعل ً على‬ ‫وقد وُ ِ‬
‫مقاومة الستبداد فنالوا المراد أو بعضه أو هلكوا دونه؟‬
‫ف‬
‫ن خائ ٌ‬ ‫ط عن أنّه خائ ٌ‬ ‫ن المستبد َّ ل يخرج ق ّ‬ ‫فجواب ذلك أ ّ‬
‫ج لعصابة تعينه وتحميه‪ ،‬فهو ووزراؤه كزمرة لصوص‪ :‬رئيس‬ ‫محتا ٌ‬
‫وأعوان‪ .‬فهل يجوِّز العقل أن يُنتخب رفاق من غير أهل الوفاق‪،‬‬
‫وهو هو الذي ل يستوزر إل بعد تجربة واختبار عمرا ً طويلً؟!‬
‫ر‬ ‫هل يمكن أن يكون الوزير متخل ِّقا ً بالخير حقيقة‪ ،‬وبال َّ‬
‫ش ِّ‬
‫ظاهرا ً فيخدع المستبد ّ بأعماله‪ ،‬ول يخاف من أنَّه كما نصبه‬
‫وأعَّزه بكلمة يعزله ويذلّه؟!‬
‫ن الناس أعداؤه‬ ‫بناءً عليه‪ ،‬فالمستبد ّ وهو من ل يجهل أ َّ‬
‫لظلمه‪ ،‬ل يأمن على بابه إل من يثق به أنَّه أظلم منه للناس‪،‬‬
‫وأبعد منه على أعدائه‪ ،‬وأما تلوُّم بعض الوزراء على لوم المستب ّ‬
‫د‬
‫فهو إن لم يكن خداعا ً للمة فهو حنقٌ على المستبدّ؛ لنه بخس‬
‫ذلك المتلوّم حقه‪ ،‬فقدَّم عليه من هو دونه في خدمته بتضحية‬
‫دينه ووجدانه‪ .‬وكذلك ل يكون الوزير أمينا ً من صولة المستبد ّ في‬
‫صحبته ما لم يسبق بينهما وفاق واتِّفاق على خيرة الشيطان؛ لن‬
‫ل شّر‪ ،‬ويبغضه‬ ‫الوزير محسود ٌ بالطبع‪ ،‬يتوقّع له المزاحمون ك َّ‬
‫ل ساعةٍ للشكايات‬ ‫ف في ك ِّ‬ ‫الناس ولو تبعا ً لظالمهم‪ ،‬وهو هد ٌ‬
‫والوشايات‪ .‬كيف يكون عند الوزير شيءٌ من التقّوى أو الحياء أو‬
‫شفقة على المة‪ ،‬وهو العالم‬ ‫العدل أو الحكمة أو المروءة أو ال ّ‬
‫ل سوء‪ ،‬وتشمت بمصائبه‪،‬‬ ‫َ‬ ‫ن المة تبغضه وتمقته وتتوقّع له ك ّ‬ ‫بأ َّ‬
‫ل‬‫فل ترضى عنه ما لم يتّفق معها على المستبدّ‪ ،‬وما هو بفاع ٍ‬
‫ذلك أبدا ً إل إذا يئس من إقباله عنده‪ ،‬وإن يئس وفعل فل يقصد‬
‫دّ جديد عساه يستوزره‬ ‫ب لمستج ٍ‬ ‫ط‪ ،‬إنما يريد فتح با ٍ‬ ‫نفع المة ق ّ‬
‫فيؤازره على وزره‪.‬‬
‫مة‬‫ن وزير المستبد ّ هو وزير المستبدّ‪ ،‬ل وزير ال ّ‬ ‫والنتيجة أ َّ‬
‫د‬
‫كما في الحكومات الدستورية‪ .‬كذلك القائد يحمل سيف المستب ّ‬
‫ليغمده في الرقاب بأمر المستبد ّ ل بأمر المة‪ ،‬بل هو يستعيذ أن‬

‫‪51‬‬
‫مة ل تقل ِّد‬ ‫ن ال ّ‬ ‫تكون المة صاحبة أمر‪ ،‬لما يعلم من نفسه أ َّ‬
‫القيادة لمثله‪.‬‬
‫بناءً عليه؛ ل يغتُّر العقلء بما يتشدَّق به الوزراء والقوّاد من‬
‫النكار على الستبداد والتفلسف بالصلح وإن تل َّهفوا وإن تأففوا‪،‬‬
‫ول ينخدعون لمظاهر غيرتهم وإن ناحوا وإن بكوا‪ ،‬ول يثقون بهم‬
‫ن ذلك كلّه ينافي سيرهم‬ ‫ول بوجدانهم مهما صلّوا وسبّحوا‪ ،‬ل َّ‬
‫وسيرتهم‪ ،‬ول دليل على أنّهم أصبحوا يخالفون ما شبّوا وشابوا‬
‫عليه‪ ،‬هم أقرب أن ل يقصدوا بتلك المظاهر غير إقلق المستبدِّ‬
‫وتهديد سلطته ليشاركهم في استدرار دماء الّرعية؛ أي أموالها‪.‬‬
‫نعم‪ ،‬كيف يجوز تصديق الوزير والعامل الكبير الذي قد ألف عمراً‬
‫كبيرا ً لذ ّة البذخ وعّزة الجبروت في أنَّه يرضى بالدخول تحت‬
‫مة‪ ،‬ويخاطر بعرض سيفه عليها فتحلّه أو تكسره تحت‬ ‫حكم ال ّ‬
‫أرجلها‪ .‬أليس هو عضوا ظاهر الفساد في جسم تلك المة التي‬ ‫ً‬
‫ل الميال الشريفة العالية فأبعدها عن النس‬ ‫قتل الستبداد فيها ك َّ‬
‫والنسانية‪ ،‬حتّى صار الفلح التعيس منها يؤخذ للجندية وهو‬
‫م السترة العسكرية إل ويتلبَّس بش ّ ِ‬
‫ر‬ ‫يبكي‪ ،‬فل يكاد يلبس ك َّ‬
‫مر على أمه وأبيه‪ ،‬ويتمّرد على أهل قريته وذويه‪،‬‬ ‫الخلق‪ ،‬فيتن ّ‬
‫ظ أسنانه عطشا ً للدماء ل يميّز بين أخ وعدو؟! إ َّ‬ ‫ُّ‬
‫ن أكابر‬ ‫ٍ‬ ‫ويك‬
‫ل ما يتظاهرون به‬ ‫رجال عهد الستبداد ل أخلق لهم ول ذمة‪ ،‬فك ُّ‬
‫ّ‬
‫ش المة المسكينة التي‬ ‫َ‬ ‫مر والتألّم يقصدون به غ ّ‬ ‫أحيانا ً من التذ ّ‬
‫ن الستبداد القائم‬ ‫يطمعهم في انخداعها وانقيادها لهم علمهم بأ َّ‬
‫متهم قد أعمى أبصارها وبصائرها‪ ،‬وخدَّر‬ ‫بهم والمستعمر به َّ‬
‫أعصابها‪ ،‬فجعلها كالمصاب ببحران العمى‪ ،‬فهي ل ترى غير هول‬
‫ن من البلء ول تدري ما هو تداويه‪ ،‬ول‬ ‫وظلم وشدة وآلم‪ ،‬فتئ ُّ‬
‫من أين جاءها لتصدَّه‪ ،‬فتواسيها فئة من أولئك المتعاظمين باسم‬
‫الدين يقولون‪ :‬يا بؤساء؛ هذا قضاءٌ من السماء ل مرد َّ له‪،‬‬
‫فالواجب تلقّيه بالصبر والرضاء واللتجاء إلى الدعاء‪ ،‬فاربطوا‬
‫ألسنتكم عن اللغو والفضول‪ ،‬واربطوا قلوبكم بأهل السكينة‬
‫والخمول‪ ،‬وإياكم والتدبير فإن الله غيور‪ ،‬وليكن وِْردُكم‪ :‬اللهم‬
‫انصر سلطاننا‪ ،‬وآمنّا في أوطاننا‪ ،‬واكشف عنا البلء‪ ،‬أنت حسبنا‬
‫ونعم الوكيل‪ .‬ويغرر المة آخرون من المتكبرين بأنهم الطباء‬
‫الرحماء المهتمون بمداواة المرض‪ ،‬إنَّما هم يترقَّبون سنوح‬
‫الفرص‪ ،‬وكل الفريقين –والله‪ -‬إما أدنياء جبناء‪ ،‬أو هم خائنون‬
‫مخادعون‪ ،‬يريدون التثبيط والتلبيد والمتنان على الظالمين‪.‬‬
‫من دلئل أن أولئك الكابر مغّرِرون مخادعون يظهرون ما ل‬
‫يُبطنون‪ ،‬أنَّهم ل يستصنعون إل السافل الراذل من الناس‪ ،‬ول‬
‫يميلون لغير المتملقين المنافقين من أهل الدين‪ ،‬كما هو شأن‬

‫‪52‬‬
‫صاحبهم المستبد ّ الكبر‪ ،‬ومنها أنَّه قد يوجد فيهم من ل يتنَّزل‬
‫ن؛ ليس فيهم العفيف عن الكثير‪،‬‬ ‫لقليل الرشوة أو السرقة‪ ،‬ولك ْ‬
‫وكفى بما يتمتعون من الثروات الطائلة التي ل منبت لها غير‬
‫المستبيح الفاخر بمشاركة المستبد َّ في امتصاصه دم المة‪ ،‬وذلك‬
‫بأخذهم العطايا الكبيرة‪ ،‬والرواتب الباهظة‪ ،‬التي تعادل أضعاف‬
‫ما تسمح به الدارة العادلة لمثالهم؛ لنها إدارة راشدة ل تدفع‬
‫أجورا ً زائدة‪ .‬ومنها أنهم ل يصرفون شيئا ً ولو سرا ً من هذا‬
‫السحت الكثير في سبيل مقاومة الستبداد الذي يزعمون أنهم‬
‫أعداؤه‪ ،‬إنما يصرف بعضهم منه شيئا ً في الصدقات الطفيفة‬
‫ة ورياءً‪ ،‬وكأنهم يريدون أن يسرقوا أيضا ً قلوب‬ ‫وبناء المعابد سمع ً‬
‫الناس بعد سلب أموالهم أو أنهم يرشون الله‪ ،‬أل ساء ما‬
‫ن أكثرهم مسرفون مبذِّرون‪ ،‬فل تكفي أحدهم‬ ‫يتوهمون‪ .‬ومنها أ َّ‬
‫الرواتب المعتدلة التي يمكن أن ينالها أجرة خدمة ل ثمن ذمة‪.‬‬
‫لُ‬
‫ومنها أنه قد يكون أحدهم شحيحا ً مقتِّرا ً في نفقاته؛ بحيث يخ ّ‬
‫في شرف مقامه‪ ،‬فل يصرف نصف أو ربع راتبه مع أنَّه يقبضه‬
‫زائدا ً على أجر مثله لجل حفظ شرف المقام‪ ،‬العائد لشرف‬
‫ن الكابر‬‫ح يكون خائنا ً ومهيناً‪ .‬والحاصل أ َّ‬ ‫ش ّ‬ ‫المة‪ ،‬وبهذا ال ُّ‬
‫حريصون على أن يبقى الستبداد مطلقا ً لتبقى أيديهم مطلقة في‬
‫الموال‪.‬‬
‫هذا ول ينكر التاريخ أن الزمان أوجد نادرا ً بعض وزراء‬
‫م ندموا على ما فَّرطوا فتابوا‬ ‫وازروا الستبداد عمرا ً طويلً‪ ،‬ث َّ‬
‫وأنابوا‪ ،‬ورجعوا نصف المة واستعدوا بأموالهم وأنفسهم لنقاذها‬
‫من داء الستبداد‪ .‬ولهذا؛ ل يجوز اليأس من وجود بعض أفراد من‬
‫الوزراء والقواد عريقين في الشهامة‪ ،‬فيظهر فيهم سّر الوراثة‬
‫ولو بعد بطون أو بعد الربعين وربما السبعين من أعمارهم‬
‫ظهورا ً بيّنا ً تلل في محيا صاحبه ثريا صدق النجابة‪ .‬ول ينبغي لمةٍ‬
‫ن وجودهم من‬ ‫أن تتكل على أن يظهر فيها أمثال هؤلء‪ ،‬ل َّ‬
‫صدف التي ل تُبنى عليها آمال ول أحلم‪.‬‬ ‫ال ُّ‬
‫ن المستبد فرد ٌ عاجز ل حول له ول وقوة إل‬ ‫والنتيجة أ َّ‬
‫ك جلدها غير‬ ‫بالمتمجدين‪ ،‬والمة؛ أي أمة كانت‪ ،‬ليس لها من يح ُّ‬
‫ظفرها‪ ،‬ول يقودها إل العقلء بالتنوير والهداء والثبات‪ ،‬حتى إذا‬
‫ما اكفهَّرت سماء عقول بينها قيَّض الله لها من جمعهم الكبير‬
‫أفرادا ً كبار النفوس قادة أبرار يشترون لها السعادة بشقائهم‬
‫والحياة بموتهم؛ حيث يكون الله جعل في ذلك لذتهم‪ ،‬ولمثل تلك‬
‫ساقاً‬‫الشهادة الشريفة خلقهم‪ ،‬كما خلق رجال عهد الستبداد ف ّ‬
‫جارا ً مهالكهم الشهوات والمثالب‪ .‬فسبحان الذي يختار من‬ ‫فُ ّ‬
‫يشاء لما يشاء‪ ،‬وهو الخلّق العظيم‪.‬‬

‫‪53‬‬
‫الستبداد والمال‬

‫الستبداد لو كان رجل ً وأراد أن يحتسب وينتسب لقال‪" :‬أنا‬


‫سكَنة‪،‬‬
‫مي الساءة‪ ،‬وأخي الغدر‪ ،‬وأختي الم ْ‬ ‫الشُّر‪ ،‬وأبي الظلم‪ ،‬وأ ّ‬
‫ل‪ ،‬وابني الفقر‪ ،‬وبنتي البطالة‪،‬‬‫ضّر‪ ،‬وخالي الذ ُّ ّ‬ ‫وعمي ال ُّ‬
‫وعشيرتي الجهالة‪ ،‬ووطني الخراب‪ ،‬أما ديني وشرفي فالمال‬
‫المال المال"‪.‬‬
‫ح في وصفه أن يُقال‪ :‬القوة مال‪ ،‬والوقت مال‪،‬‬ ‫المال يص ُّ‬
‫والعقل مال‪ ،‬والعلم مال‪ ،‬والدِّين مال‪ ،‬والثّبات مال‪ ،‬والجاه مال‪،‬‬
‫شهرة مال‪،‬‬ ‫والجمال مال‪ ،‬والترتيب مال‪ ،‬والقتصاد مال‪ ،‬وال ُّ‬
‫ل ما يُنتَفَع به في الحياة هو مال‪.‬‬‫والحاصل ك ُّ‬
‫ل ذلك يُباع ويُشترى؛ أي يستبدل بعضه ببعض‪ ،‬وموازين‬ ‫وك ُّ‬
‫المعادلة هي‪ :‬الحاجة والعّزة والوقت والتعب‪ ،‬ومحافظة اليد‬
‫والفضة والذهب والذمة‪ ،‬وسوقه المجتمعات‪ ،‬وشيخ السوق‬
‫السلطان‪ ...‬فانظر في سوق يتحكّم فيه مستبدٌّ؛ يأمر زيدا ً بالبيع‪،‬‬

‫‪54‬‬
‫وينهى عمروا ً عن الشراء‪ ،‬ويغصب بكرا ً ماله‪ ،‬ويحابي خالدا ً من‬
‫مال الناس‪.‬‬
‫المال تعتوره الحكام‪ ،‬فمنه الحلل ومنه الحرام وهما بيِّنان‪،‬‬
‫م الحاكم فيها الوجدان‪ ،‬فالحلل الطيب ما كان عوض أعيان‪،‬‬ ‫ولَنِعْ َ‬
‫أو أجرة أعمال‪ ،‬أو بدل وقت‪ ،‬أو مقابل ضمان‪ .‬والمال الخبيث‬
‫م المأخوذ‬ ‫م المسروق‪ ،‬ث َّ‬
‫م المغصوب‪ ،‬ث َّ‬ ‫شرف‪ ،‬ث َّ‬ ‫الحرام هو ثمن ال ّ‬
‫م المحتال فيه‪.‬‬‫إلجاءً ث َّ‬
‫سمك‬ ‫ل الحيوانات حتى في ال ّ‬ ‫ن النظام الطبيعي في ك ِّ‬ ‫إ َّ‬
‫ن النوع الواحد منها ل يأكل بعضه‬ ‫والهوام‪ ،‬إل أنثى العنكبوت‪ ،‬إ َّ‬
‫بعضاً‪ ،‬والنسان يأكل النسان‪ .‬ومن غريزة سائر الحيوان أن‬
‫يلتمس الّرزق من الله؛ أي من مورده الطبيعي‪ ،‬وهذا النسان‬
‫ص على اختطافه من يد أخيه‪ ،‬بل من فيه‪ ،‬بل‬ ‫الظّالم نفسه حري ٌ‬
‫كم أكل النسان النسان!‬

‫الستبداد والنسان‪:‬‬

‫مظ‬‫عاش النسان دهرا ً طويل ً يتلذذ بلحم النسان ويتل َّ‬


‫َ‬
‫م الهند من إبطال‬ ‫بدمائه‪ ،‬إلى أن تمك ّن الحكماء في ال ّ‬
‫صين‪ ،‬ث َّ‬
‫م جاءت‬ ‫أكل اللحم كليّاً‪ ،‬سدَّا ً للباب‪ ،‬كما هو دأبهم إلى الن‪ .‬ث َّ‬
‫الشرائع الدينية الولى في غربي آسيا بتخصيص ما يؤكل من‬
‫م بالقربان يُنذ َر للمعبود‪ ،‬ويُذبَح على يد‬ ‫النسان بأسير الحرب‪ ،‬ث َّ‬
‫جعِل طعمة للنيران‪ ،‬وهكذا‬ ‫ل لحم القربان‪ ،‬و ُ‬ ‫م أُبطِل أك ُ‬ ‫الكهان‪ .‬ث َّ‬
‫تدَّرج النسان إلى نسيان لذَّة لحم إخوانه‪ ،‬وما كان لينسى عبادة‬
‫إهراق الدِّماء لول إبراهيم شيخ النبياء استبدل قربان البشر‬
‫بالحيوان‪ ،‬واتَّبعه موسى عليهما السلم‪ ،‬وبه جاء السلم‪ .‬وهكذا‬
‫بطل هذا العدوان بهذا الشكل إل في أواسط أفريقيا عند‬
‫(النامنام)‪.‬‬
‫ض أن يقتل النسان النسان ذبحاً‬ ‫الستبداد المشؤوم لم ير َ‬
‫ليأكل لحمه أكل ً كما كان يفعل الهمج الولون‪ ،‬بل تفنَّن في‬
‫الظلم‪ ،‬فالمستبدّون يأسرون جماعتهم‪ ،‬ويذبحونهم فصدا ً بمبضع‬
‫الظلم‪ ،‬ويمتصون دماء حياتهم بغصب أموالهم‪ ،‬ويقصرون‬
‫أعمارهم باستخدامهم سخرة في أعمالهم‪ ،‬أو بغصب ثمرات‬
‫أتعابهم‪ .‬وهكذا ل فرق بين الولين والخرين في نهب العمار‬
‫وإزهاق الرواح إل في الشكل‪.‬‬
‫ُّ‬ ‫إ َّ‬
‫ث قويُّ العلقة بالظلم القائم‬ ‫ن بحث الستبداد والمال بح ٌ‬
‫في فطرة النسان‪ ،‬ولهذا؛ رأيت أن ل بأس في الستطراد‬
‫َ‬
‫لمقدِّمات تتعل ّق نتائجها بالستبداد السياسي‪ ،‬فمن ذلك‪:‬‬

‫‪55‬‬
‫ن البشر المقدَّر مجموعهم بألف وخمسمائة مليون نصفهم‬ ‫إ َّ‬
‫ل نساء‬ ‫ل على النّصف الخر‪ ،‬ويشكِّل أكثرية هذا النصف الك َ ّ‬ ‫ك َ ٌّ‬
‫ن النّوع الذي عرف مقامه في‬ ‫المدن‪ .‬ومن النّساء؟ النّساء ه َّ‬
‫الطبيعة بأنَّه هو الحافظ لبقاء الجنس‪ ،‬وأنَّه يكفي لللف منه‬
‫ن باقي الذكور حظهم أن يُساقوا للمخاطر‬ ‫ملقح واحد‪ ،‬وإ َّ‬
‫والمشاقّ‪ ،‬أو هم يستحقّون ما يستح ُّقه ذكر النحل‪ ،‬وبهذا النظر‬
‫َ‬
‫من‬‫ة ضيزى‪ ،‬وتحك ّ ْ‬ ‫اقتسمت النساء مع الذكور أعمال الحياة قسم ً‬
‫ضعف‪،‬‬ ‫ن هي ِّن الشغال بدعوى ال ّ‬ ‫ن عام؛ به جعلن نصيبه َّ‬ ‫ن قانو ٍ‬ ‫بس ِ ّ‬
‫ن مطلوبا ً عزيزا ً بإيهام العفّة‪ ،‬وجعلن الشجاعة‬ ‫وجعلن نوعه َّ‬
‫ن يُهين‬ ‫ن محمدتين في الرجال‪ ،‬وجعلن نوعه َّ‬ ‫والكرم سيئتين فيه َّ‬
‫ول يُهان‪ ،‬ويظلم أو يُظلَم فيُعان؛ وعلى هذا القانون يرب ِّين البنات‬
‫والبنين‪ ،‬ويتلعبن بعقول الّرِجال كما يشأن حتى أنهن جعلن‬
‫الذكور يتوهمون أنَّهن أجمل منهم صورةً‪ .‬والحاصل أنَّه قد أصاب‬
‫ن ضرر النساء‬ ‫ن بالنصف المضّرِ! ومن المشاهد أ َّ‬ ‫ماه َّ‬ ‫من س َّ‬
‫بالرجال يترقّى مع الحضارة والمدنية على نسبة التَّرقي‬
‫ة في العمال‬ ‫المضاعف‪ .‬فالبدوية تشارك الرجل مناصف ً‬
‫والثمرات‪ ،‬فتعيش كما يعيش‪ ،‬والحضرية تسلب الّرجل لجل‬
‫معيشتها وزينتها اثنين من ثلث‪ .‬وتُعينه في أعمال البيت‪.‬‬
‫والمدنية تسلب ثلثة من أربعة‪ ،‬وتود ُّ أن ل تخرج من الفراش‪،‬‬
‫وهكذا تترقَّى بنات العواصم في أسر الّرِجال‪ .‬وما أصدق بالمدنية‬
‫ن الّرِجال فيها‬ ‫مى المدنية النسائية‪ ،‬ل َّ‬ ‫الحاضرة في أوروبا؛ أن تس ّ‬
‫صاروا أنعاما ً للنِّساء‪.‬‬
‫ة أيضاً‪،‬‬ ‫ة ظالم ً‬ ‫ن الّرِجال تقاسموا مشاقَّ الحياة قسم ً‬ ‫م إ َّ‬ ‫ث َّ‬
‫ن أهل السياسة والديان ومن يلتحق بهم – وعددهم ل يبلغ‬ ‫فإ َّ‬
‫مد في دم البشر أو‬ ‫الخمسة في المائة – يتمتعون بنصف ما يتج َّ‬
‫زيادة‪ ،‬يُنفقون ذلك في الَّرفه والسراف‪ ،‬مثال ذلك‪ :‬أنَّهم يزيِّنون‬
‫الشوارع بمليين من المصابيح لمرورهم فيها أحيانا ً متراوحين بين‬
‫الملهي والمواخير ول يفكِّرون في مليين من الفقراء يعيشون‬
‫في بيوتهم في ظلم‪.‬‬
‫شرهون‬ ‫َ‬ ‫م أهل الصنائع النفيسة والكمالية‪ ،‬والتجار ال ّ‬ ‫ث َّ‬
‫المحتكرون وأمثال هذه الطبقة –ويقدَّرون كذلك بخمسة في‬
‫المائة‪ -‬يعيش أحدهم بمثل ما يعيش به العشرات أو المئات أو‬
‫صنّاع والُّزّراع‪ .‬وجرثومة هذه القسمة المتفاوتة‬ ‫اللوف من ال ُّ‬
‫المتباعدة الظّالمة هي الستبداد ل غيره‪ .‬وهناك أصناف من‬
‫النّاس ل يعملون إل قليلً‪ ،‬إنما يعيشون بالحيلة كالسماسرة‬
‫والمشعوذين باسم الدب أو الدين‪ ،‬وهؤلء يُقدَّرون بخمسة عشر‬
‫في المائة‪ ،‬أو يزيدون على أولئك‪.‬‬

‫‪56‬‬
‫نعم؛ ل يقتضي أن يتساوى العالم الذي صرف زهوة حياته‬
‫في تحصيل العلم النافع أو الصنعة المفيدة بذاك الجاهل النائم‬
‫ل الحائط‪ ،‬ول ذاك التاجر المجتهد المخاطر بالكسول‬ ‫في ظ ِّ‬
‫الخامل‪ ،‬ولكن العدالة تقتضي غير ذلك التفاوت‪ ،‬بل تقتضي‬
‫سافل‪ ،‬فيقّرِبه من منزلته‪ ،‬ويقاربه‬ ‫النسانية أن يأخذ الراقي بيد ال ّ‬
‫من منزلته‪ ،‬ويُقاربه في معيشته‪ ،‬ويعينه على الستقلل في‬
‫حياته‪.‬‬
‫ل! ل! ل يطلب الفقير معاونة الغني‪ ،‬إنما يرجوه أن ل‬
‫مل منه‬ ‫يظلمه‪ ،‬ول يلتمس منه الّرحمة‪ ،‬إنما يلتمس العدالة‪ ،‬ل يؤ ِّ‬
‫النصاف‪ ،‬إنما يسأله أن ل يُميته في ميدان مزاحمة الحياة‪.‬‬
‫ط المولى –جلّت حكمته‪ -‬سلطان النسان على الكوان‪،‬‬ ‫س َ‬‫بَ َ‬
‫فطغى‪ ،‬وبغى‪ ،‬ونسي ربَّه وعبد المال والجمال‪ ،‬وجعلهما منيته‬
‫خلق خادما ً لبطنه وعضوه فقط‪ ،‬ل شأن له غير‬ ‫ومبتغاه‪ ،‬كأنَّه ُ‬
‫ن المال هو الوسيلة الموصلة‬ ‫الغذاء والتّحاك‪ .‬وبالنظر إلى أ َّ‬
‫م ٍ للنسان في جمع المال‪ ،‬ولهذا يُكنَّى‬ ‫للجمال كاد ينحصر أكبر ه ّ‬
‫عنه بمعبود المم وبسّرِ الوجود‪ ،‬وروى كريسكوا المؤّرِخ‬
‫ن كاترينا شكت كسل رعيّتها‪ ،‬فأرشدها شيطانُها إلى‬ ‫الروسي‪ :‬إ َّ‬
‫حمل النِّساء على الخلعة‪ ،‬ففعلت وأحدثت كسوة المراقص‪،‬‬
‫ب الشبّان للعمل وكسب المال لصرفه على ربّات الجمال‪،‬‬ ‫فه َّ‬
‫وفي ظرف خمس سنين؛ تضاعف دخل خزينتها‪ ،‬فاتَّسع لها مجال‬
‫السراف‪ .‬وهكذا المستبدّون ل تهمهم الخلق‪ ،‬إنَّما يهمهم المال‪.‬‬
‫المال عند القتصاديين‪ :‬ما ينتفع به النسان‪ ،‬وعند‬
‫الحقوقيين‪ :‬ما يجري فيه المنع والبذل؛ وعند السياسيين‪ :‬ما‬
‫تُستعاض به القوة؛ وعند الخلقيين‪ :‬ما تُحفظ به الحياة الشريفة‪.‬‬
‫المال يستمد ُّ من الفيض الذي أودعه الله تعالى في الطبيعة‬
‫ونواميسها‪ ،‬ول يملك؛ أي ل يتخصص بإنسان‪ ،‬إل بعمل فيه أو في‬
‫مقابله‪.‬‬
‫والمقصود من المال هو أحد اثنين ل ثالث لهما وهما‪:‬‬
‫ل مقاصد النسان‪،‬‬ ‫تحصيل لذ ّة أو دفع ألم‪ ،‬وفيهما تنحصر ك ُّ‬
‫وعليهما مبنى أحكام الشرائع كلها‪ ،‬والحاكم المعتدل في طيّب‬
‫ة للنّفس‪ ،‬وعبَّر‬ ‫المال وخبيثه؛ هو الوجدان الذي خلقه الله صبغ ً‬
‫عنه القرآن بإلهامها فجورها وتقواها‪ ،‬فالوجدان خيَّر بين المال‬
‫الحلل والمال الحرام‪.‬‬
‫ن أعمال البشر في تحصيل المال ترجع إلى ثلثة‬ ‫م إ َّ‬‫ث َّ‬
‫أصول‪ -1 :‬استحضاره المواد الصلية‪ -2 .‬تهيئته المواد للنتفاع‪-3 .‬‬
‫مى بالزراعة والصناعة‬ ‫توزيعها على الناس‪ .‬وهي الصول التي تس ّ‬

‫‪57‬‬
‫ل وسيلة خارجة عن هذه الصول وفروعها الولية‪،‬‬ ‫والتجارة‪ ،‬وك ُّ‬
‫فهي وسائل ظالمة ل خير فيها‪.‬‬
‫التموُّل؛ أي ادِّخار المال‪ ،‬طبيعة في بعض أنواع الحيوانات‬
‫الدنيئة كالنمل والنحل‪ ،‬ول أثر له في الحيوانات المرتقية غير‬
‫النسان‪ .‬النسان تطبَّع على التموُّل لدواعي الحاجة المحقَّقة أو‬
‫الموهومة‪ ،‬ول تحقُّق للحاجة إل عند سكان الراضي الضيّقة‬
‫الثمرات على أهلها‪ ،‬أو الراضي المعَّرضة للقحط في بعض‬
‫السنين‪ ،‬ويلتحق بالحاجة المحقَّقة حاجة العاجزين جسما ً عن‬
‫الرتزاق في البلد المبتلة بجور الطبيعة أو جور الستبداد‪ ،‬وربما‬
‫يلتحق بها أيضا ً الصرف على المضطرين وعلى المصارف‬
‫العمومية في البلد التي ينقصها النتظام العام‪.‬‬
‫والمراد بالنتظام العام‪ ،‬معيشة الشتراك العمومي التي‬
‫أسسها النجيل بتخصيصه عشر الموال للمساكين‪ ،‬ولكن؛ لم يكد‬
‫سنَّة الشتراك‬ ‫م أحدث السلم ُ‬ ‫يخرج ذلك من القوة إلى الفعل‪ ،‬ث َّ‬
‫ن واحد كان فيه‬ ‫م ِ نظام‪ ،‬ولكن؛ لم تدم أيضا ً أكثر من قر ٍ‬ ‫على أت ّ‬
‫المسلمون ل يجدون من يدفعون لهم الصدقات والكفّارات‪ ،‬وذلك‬
‫ن السلمية – كما سبق بيانه‪ -‬أسست حكومة أرستقراطية‬ ‫أ َّ‬
‫المبنى‪ ،‬ديمقراطية الدارة‪ ،‬فوضعت للبشر قانونا ً مؤسسا ً على‬
‫ن المال هو قيمة العمال‪ ،‬ول يجتمع في يد الغنياء إل‬ ‫قاعدة‪ :‬إ َّ‬
‫بأنواع من الغَلَبة والخداع‪.‬‬
‫م من مال ويُرد ّ على‬ ‫فالعدالة المطلقة تقتضي أن يؤخذ قس ٌ‬
‫الفقراء؛ بحيث يحصل التعديل ول يموت النشاط للعمل‪ .‬وهذه‬
‫القاعدة يتمنّى ما هو من نوعها أغلب العالم المتمدن الفرنجي‪،‬‬
‫مكونة من مليين‬ ‫َّ‬ ‫وتسعى وراءها الن جمعيات منهم منتظمة‬
‫كثيرة‪ .‬وهذه الجمعيات تقصد حصول التساوي أو التقارب في‬
‫الحقوق المعاشية بين البشر‪ ،‬وتسعى ضد َّ الستبداد المالي‪،‬‬
‫ن تكون الراضي والملك الثابتة وآلت المعامل‬ ‫فتطلب أ ْ‬
‫ن العمال‬ ‫الصناعية الكبيرة مشتركة الشيوع بين عامة المة‪ ،‬وأ َّ‬
‫ن الحكومة‬ ‫والثمرات تكون موزعة بوجوهٍ متقاربة بين الجميع‪ ،‬وأ َّ‬
‫تضع قوانين لكافة الشؤون حتى الجزئيات‪ ،‬وتقوم بتنفيذها‪.‬‬
‫وهذه الصول مع بعض التعديل قررتها السلمية ديناً‪ ،‬وذلك‬
‫أنها قررت‪:‬‬
‫أولً‪ -‬أنواع العشور والزكاة وتقسيمها على أنواع المصارف‬
‫العامة وأنواع المحتاجين حتى المدينين‪ .‬ول يخفى على المدققين‬
‫ن جزءا ً من أربعين من رؤوس الموال يقارب نصف الرباح‬ ‫أ َّ‬
‫المعتدلة باعتبار أنها خمسة بالمائة سنوياً‪ ،‬وبهذا النظر يكون‬
‫ة‪ .‬وهكذا يلحق فقراء المة‬ ‫الغنياء مضاربين للجماعة مناصف ً‬

‫‪58‬‬
‫بأغنيائها‪ ،‬ويمنع تراكم الثروات المفرطة المول ِّدة للستبداد‪،‬‬
‫والمضَّرة بأخلق الفراد‪.‬‬
‫م محكمة تمنع محذور التواكل في‬ ‫ثانياً‪ -‬قررت أحكا ٌ‬
‫ل فرد من المة متى اشتد َّ ساعده‪ ،‬أو ملك‬ ‫الرتزاق‪ ،‬وتُلزم ك َّ‬
‫ِ‬
‫صاب على الكثر؛ أن يسعى لرزقه بنفسه‪ ،‬أو‬ ‫َ‬
‫قوت يومه‪ ،‬أو الن ّ ّ‬
‫يموت الفرد جوعاً؛ إذا لم تكن حكومته مستبدّة تضرب على يده‬
‫وسعيه ونشاطه بمدافع استبدادها‪ ،‬وقد قيل‪ :‬يبدأ النقياد للعمل‬
‫عند نهاية الخوف من الحكومة ونهاية التِّكال على الغير‪.‬‬
‫ثالثاً‪ -‬قررت السلمية ترك الراضي الزراعية ملكا ً لعامة‬
‫المة‪ ،‬يستنبتها ويستمتع بخيراتها العاملون فيها بأنفسهم فقط‪،‬‬
‫وليس عليهم غير العشر أو الخراج الذي ل يجوز أن يتجاوز‬
‫الخمس لبيت المال‪.‬‬
‫رابعاً‪ -‬جاءت السلمية بقواعد شرعية كليّة تصلح للحاطة‬
‫بأحكام كافة الشؤون حتى الجزئية الشخصية‪ ،‬وأناطت تنفيذها‬
‫ن هذا‬ ‫بالحكومة‪ ،‬كما تطلبه أغلب جمعيات الشتراكيين‪ .‬على أ َّ‬
‫النظام الذي جاء به السلم‪ ،‬صعب الجراء جداً‪ ،‬لنَّه منوط‬
‫ن القانون الكثير الفروع يتعذَّر‬ ‫ل ورضاء النفوس‪ ،‬ول َّ‬ ‫بسيطرة الك ّ‬
‫حفظه بسيطاً‪ ،‬ويكون معَّرضا ً للتأويل حسب الغراض‪ ،‬وللختلف‬
‫في تطبيقه حسب الهواء‪ ،‬كما وقع فعل ً في المسلمين‪ ،‬فلم‬
‫م تشعَّبت‬ ‫يمكنهم إجراء شريعتهم ببساطة وأمان إل عهدا ً قليلً‪ ،‬ث َّ‬
‫معهم المور بطبيعة اتِّساع الملك واختلف طبائع المم‪ ،‬وفَقَدَ‬
‫الرجال الذين يمكنهم أن يسوقوا مئات مليين من أجناس الناس‪:‬‬
‫البيض والصفر‪ ،‬والحضري والبدوي‪ ،‬بعصا واحدة قرونا ً عديدة‪.‬‬
‫ول غَْروَ إذا كانت المعيشة الشتراكية من أبدع ما يتصوَّره‬
‫العقل‪ ،‬ولكن؛ مع السف لم يبلغ البشر بعد الترقّي ما يكفي‬
‫لتوسيعهم نظام التعاون والتضامن في المعيشة العائلية إلى‬
‫إدارة المم الكبيرة‪ .‬وكم جَّربت المم ذلك فلم تنجح فيها إل‬
‫المم الصغيرة مدة قليلة‪ .‬والسبب كما تقدَّم هو مجّرد صعوبة‬
‫التحليل والتركيب بين الصوالح والمصالح الكثيرة المختلفة‪.‬‬
‫مل في عدم انتظام حالة العائلت الكبيرة‪ ،‬يقنع حال ً بأ َّ‬
‫ن‬ ‫والمتأ ِّ‬
‫التكافل والتضامن غير ميسورين في المم الكبيرة؛ ولهذا يكون‬
‫ل مقدور للمسألة الجتماعية هو ما يأتي‪:‬‬ ‫خير ح ٍّ‬
‫خلِق‬ ‫ً‬
‫‪-1‬يكون النسان حّرا ً مستقل ّ في شؤونه‪ ،‬كأنه ُ‬
‫وحده‪.‬‬
‫‪-2‬تكون العائلة مستقلة‪ ،‬كأنها أمة وحدها‪.‬‬
‫‪-3‬تكون القرية أو المدينة مستقلة كأنها قاّرة واحدة‬
‫ل علقة لها بغيرها‪.‬‬

‫‪59‬‬
‫‪-4‬تكون القبائل في الشعب أو القاليم في المملكة‬
‫ل في ذاته‪ ،‬ل يربطها‬ ‫ل منها مستق ٌّ‬‫كأنها أفلك؛ ك ٌّ‬
‫بمركز نظامها الجتماعي؛ وهو الجنس أو الدين أو‬
‫الملك غير محض التجاذب المانع من الوقوع في‬
‫نظام آخر ل يلئم طبائع حياتها‪.‬‬
‫ن التموُّل لجل الحاجات السالفة الذِّكر وبقدرها فقط‬ ‫م إ َّ‬
‫ث َّ‬
‫محمودة بثلثة شروط‪ ،‬وإل ّ كان التموّل من أقبح الخصال‪:‬‬
‫الشرط الول‪ :‬أن يكون المال بوجه مشروع حلل؛ أي‬
‫بإحرازه من بذل الطبيعة‪ ،‬أو بالمعاوضة‪ ،‬أي في مقابل عمل‪ ،‬أو‬
‫في مقابل ضمان على ما تقوم بتفصيله الشرائع المدنية‪.‬‬
‫والشرط الثاني‪ :‬أن ل يكون في التموّل تضييق على‬
‫حاجيات الغير كاحتكار الضروريات‪ ،‬أو مزاحمة الصنّاع والعمال‬
‫ُ‬
‫الضعفاء‪ ،‬أو التغل ّب على المباحات؛ مثل امتلك الراضي التي‬
‫جعلها خالقها ممرحا ً لكافة مخلوقاته‪ ،‬وهي أمهم ترضعهم لبن‬
‫جهازاتها‪ ،‬وتغذ ّيهم بثمراتها‪ ،‬وتأويهم في حضن أجزائها‪ ،‬فجاء‬
‫المستبدّون الظالمون الولون ووضعوا أصول ً لحمايتها من أبنائها‬
‫وحالوا بينهما‪ .‬فهذه إيرلندة –مثلً‪ -‬قد حماها ألف مستبد ّ مالي‬
‫من النكليز‪ ،‬ليتمتعوا بثلثي أو ثلثة أرباع ثمرات أتعاب عشرة‬
‫خلِقوا من تربة إيرلندة‪ .‬وهذه مصر‬ ‫مليين من البشر الذين ُ‬
‫وغيرها تقرب من ذلك حال ً وستفوقها مالً‪ ،‬وكم من البشر في‬
‫أوربا المتمدنة‪ ،‬وخصوصا ً في لندرة وباريس‪ ،‬ل يجد أحدهم أرضاً‬
‫ينام عليها متمدداً‪ ،‬بل ينامون في الطبقة السفلى من البيوت؛‬
‫حيث ل ينام البقر‪ ،‬وهم قاعدون صفوفا ً يعتمدون بصدورهم على‬
‫ة ويسرة‪.‬‬ ‫ل من مسد منصوبة أفقية يتلوون عليها يمن ً‬ ‫حبا ٍ‬
‫وحكومة الصين المختلّة النظام في نظر المتمدنين‪ ،‬ل تجيز‬
‫شخص الواحد أكثر من مقدار معين من‬ ‫قوانينها أن يمتلك ال ّ‬
‫الرض ل يتجاوز العشرين كيلومترا ً مربعاً؛ أي نحو خمسة أفدن‬
‫مصرية أو ثلثة عشر دونما ً عثمانياً‪ .‬وروسيا المستبدّة القاسية‬
‫في ع ُرف أكثر الوربيين وضعت –أخيراً‪ -‬لوليتها البولونية الغربية‬
‫قانونا ً أشبه بقانون الصين‪ ،‬وزادت عليه أنَّها منعت سماع دعوى‬
‫جل على فلح‪ ،‬ول تأذن لفلٍح أن يستدين أكثر من نحو‬ ‫ن مس ّ‬ ‫دي ٍ‬
‫شرق إذا لم تستدرك المر فتضع‬ ‫خمسمائة فرنك‪ .‬وحكومات ال ّ‬
‫قانونا ً من قبيل قانون روسيا‪ ،‬تصبح الراضي الزراعية بعد‬
‫خمسين عاما ً أو قرن على الكثر كإيرلندة النكليزية المسكينة‪،‬‬
‫التي وجدت لها في مدى ثلثة قرون شخصا ً واحدا ً حاول أن‬
‫ن الشرق ربما ل‬ ‫يرحمها فلم يُفلح؛ وأعني به غلدستون‪ ،‬على أ َّ‬
‫يجد في ثلثين قرنا ً من يلتمس له الَّرحمة‪.‬‬

‫‪60‬‬
‫مول‪ ،‬هو‪ :‬أل يتجاوز المال قدر‬ ‫والشرط الثالث لجواز الت ّ‬
‫الحاجة بكثير‪ ،‬لن إفراط الثروة مهلكة للخلق الحميدة في‬
‫ن النسان ليطغى*أن رآه‬ ‫النسان‪ ،‬وهذا معنى الية‪ :‬كل إ َّ‬
‫ُ‬
‫استغنى‪ ،‬والشرائع السماوية كل ّها‪ ،‬وكذلك الحكمة الخلقية‬
‫ن‬‫ة لخلق المرابين من الفساد‪ ،‬ل َّ‬ ‫والعمرانية حَّرمت الربا؛ صيان ً‬
‫الربا‪ :‬هو كسب بدون مقابل مادي؛ ففيه معنى الغصب‪ ،‬وبدون‬
‫ن المرابي يكسب وهو نائم؛ ففيه الُلفة على البطالة‪،‬‬ ‫عمل؛ ل َّ‬
‫ومن دون تعُّرض لخسائر طبيعية كالتجارة والزراعة والملك؛‬
‫ففيه النماء المطلق المؤدي لنحصار الثروات‪ .‬ومن القواعد‬
‫ن ليس من كسب ل عار ول احتكار فيه‬ ‫القتصادية المتَّفق عليها أ ْ‬
‫ن بالربا تربو الثروات فيخت ُّ‬
‫ل‬ ‫أربح من الربا مهما كان معتدلً‪ ،‬وأ َّ‬
‫التساوي أو التقارب بين النّاس‪.‬‬
‫وقد نظر المالّيون وبعض القتصاديين من أنصار الستبداد‬
‫ن المعتدل منه نافع‪ ،‬بل ل بد َّ منه‪ .‬أولً‪:‬‬ ‫ربا‪ ،‬فقالوا‪ :‬إ َّ‬‫في أمر ال ّ ِ‬
‫ن النقود الموجودة ل‬ ‫لجل قيام المعاملت الكبيرة‪ ،‬وثانياً‪ :‬لجل أ َّ‬
‫تكفي للتداول‪ ،‬فكيف إذا أمسك المكتنزون قسما ً منها أيضاً؟!‬
‫ن كثيرين من المتمولين ل يعرفون طرائق‬ ‫وثالثاً‪ :‬لجل أ َّ‬
‫ن كثيرا ً من العارفين بها ل‬ ‫السترباح أو ل يقدرون عليها‪ ،‬كما أ َّ‬
‫يجدون رؤوس أموال ول شركاء عنان‪ .‬فهذا النظر صحيح من‬
‫وجه إنماء ثروات بعض الفراد‪ .‬أما السياسيون الشتراكيو‬
‫ن ضرر الثروات الفرادية‬ ‫المبادئ والخلقيون‪ ،‬فينظرون إلى أ َّ‬
‫في جمهور المم أكبر من نفعها‪ .‬لنها تمكِّن الستبداد الداخلي‪،‬‬
‫فتجعل الناس صنفين‪ :‬عبيدا ً وأسياداً‪ ،‬وتقوّي الستبداد الخارجي‪،‬‬
‫فتسهِّل للمم التي تغنى بغناء أفرادها التعدّي على حرية استقلل‬
‫المم الضعيفة‪ .‬وهذه مقاصد فاسدة في نظر الحكمة والعدالة؛‬
‫َ‬
‫ربا تحريما ً مغل ّظاً‪.‬‬ ‫ولذلك يقتضي تحريم ال ّ ِ‬
‫ف كثيرا ً عند أهالي‬ ‫حْرص التموُّل‪ ،‬وهو الطمع القبيح‪ ،‬يخ ُّ‬ ‫ِ‬
‫ً‬
‫الحكومات العادلة المنتظمة ما لم يكن فساد الخلق منغلبا على‬
‫ن فساد الخلق يزيد‬ ‫دّنة في عهدنا؛ ل َّ‬ ‫الهالي‪ ،‬كأكثر المم المتم ِ‬
‫ن تحصيل‬ ‫في الميل إلى التموُّل في نسبة الحاجة السرافية‪ ،‬ولك َّ‬
‫الثروة الطائلة في عهد الحكومة العادلة عسيٌر جداً‪ ،‬وقد ل يتأتى‬
‫إل من طريق المراباة مع المم المنحطّة‪ ،‬أو التجارة الكبيرة التي‬
‫فيها نوع احتكار‪ ،‬أو الستعمار في البلد البعيدة مع المخاطرات‪،‬‬
‫ن هذه الصعوبة تكون مقرونة بلذ ّة عظيمة من نوع لذ ّة من‬ ‫على أ َّ‬
‫يأكل ما طبخ‪ ،‬أو يسكن ما بنى‪.‬‬
‫حْرص التموّل القبيح يشتد ُّ في رؤوس الناس في عهد‬ ‫و ِ‬
‫الحكومات المستبدِّة؛ حيث يسهل فيها تحصيل الثروة بالسرقة‬

‫‪61‬‬
‫من بيت المال‪ ،‬وبالتعدّي على الحقوق العامة‪ ،‬وبغصب ما في‬
‫ن يترك النسان الدِّين‬ ‫أيدي الضعفاء‪ ،‬ورأس مال ذلك هو أ ْ‬
‫َّ‬
‫ط في أخلقه إلى ملئمة المستبدّ‬ ‫والوجدان والحياء جانبا ً وينح‬
‫ة أن يتّصل بباب‬ ‫العظم‪ ،‬أو أحد أعوانه وعماله‪ ،‬ويكفيه وسيل ً‬
‫أحدهم ويتقَّرب من أعتابه‪ ،‬ويظهر له أنَّه في الخلق من أمثاله‬
‫ُ‬
‫وعلى شاكلته‪ ،‬ويبرهن له ذلك بأشياء من التمل ّق وشهادة الزور‪،‬‬
‫سلب ونحو ذلك‪.‬‬ ‫وخدمة الشهوات‪ ،‬والتجسس‪ ،‬والدللة على ال ّ‬
‫م قد يطلع هذا المنتسب على بعض الخفايا والسرار التي يخاف‬ ‫ث َّ‬
‫رجال الستبداد من ظهورها خوفا ً حقيقيا ً أو وهمياً‪ ،‬فيكسب‬
‫المنتسب رسوخ القدم ويصير هو بابا ً لغيره‪ ،‬وهكذا يحصل على‬
‫الثروة الطائلة إذا ساعدته الظروف على الثّبات طويلً‪ .‬وهذا‬
‫أعظم أبواب الثروة في الشرق والغرب‪ ،‬ويليه التِّجار بالدّين‪ ،‬ث َّ‬
‫م‬
‫م الربا الفاحش‪ ،‬وهي بئس المكاسب وبئس ما تؤثِّر‬ ‫الملهي‪ ،‬ث َّ‬
‫في إفساد أخلق المم‪.‬‬
‫ن ثروة بعض الفراد في الحكومات‬ ‫وقد ذكر المدققون أ َّ‬
‫ن الغنياء في‬ ‫العادلة أضّر كثيرا ً منها في الحكومات المستبدَّة؛ ل َّ‬
‫قوتهم المالية في إفساد أخلق الناس وإخلل‬ ‫الولى يصرفون ّ‬
‫ما الغنياء في الحكومات المستبدّة‬ ‫المساواة وإيجاد الستبداد‪ ،‬أ ّ‬
‫فيصرفون ثروتهم في البَّهة والتعاظم إرهابا ً للناس‪ ،‬وتعويضاً‬
‫سفالة المنصبّة عليهم بالتغالي الباطل‪ ،‬ويسرفون الموال في‬ ‫لل ّ‬
‫الفسق والفجور‪.‬‬
‫جلها الزوال؛ حيث يغصبها القوى‬ ‫بناءً عليه؛ ثروة هؤلء يتع ّ‬
‫منهم من الضعف‪ ،‬وقد يسلبها المستبد ُّ العظم في لحظةٍ‬
‫وبكلمة‪ .‬وتزول أيضا ً – والحمد لله– قبل أن يتعلّم أصحابها أو‬
‫ورثتهم كيف تُحفظ الثروات‪ ،‬وكيف تنمو‪ ،‬وكيف يستعبدون بها‬
‫الناس استعبادا ً أصوليا ً مستحكماً‪ ،‬كما هو الحال في أوربا‬
‫المتمدنة المهدَّدة بشروط الفوضويين بسبب اليأس من مقاومة‬
‫الستبداد المالي فيها‪.‬‬
‫ومن طبائع الستبداد أنَّه ل يظهر فيه أثُر فقر المة ظهوراً‬
‫ن الناس‬ ‫بيانا ً إل فجأة ً قَُريب قضاء الستبداد نحبه‪ .‬وأسباب ذلك أ َّ‬
‫يقتصدون في النسل‪ ،‬وتكثر وفياتهم‪ ،‬ويكثر تغّربهم‪ ،‬ويبيعون‬
‫أملكهم من الجانب‪ ،‬فتتقلّص الثروة‪ ،‬وتكثر النقود بين اليدي‪.‬‬
‫وبئست من ثروة ونقود تشبه نشوة المذبوح‪.‬‬
‫ولنرجع إلى بحث طبيعة الستبداد في مطلق المال فأقول‪:‬‬
‫ة لسلب المستبدّ‬ ‫ن الستبداد يجعل المال في أيدي الناس عرض ً‬ ‫إ َّ‬
‫ة أيضا ً لسلب‬ ‫ة باطلة‪ ،‬وعرض ً‬ ‫ماله غصباً‪ ،‬أو بحج ٍ‬ ‫وأعوانه وع ّ‬
‫ل أمان الدارة‬ ‫المعتدين من اللصوص والمحتالين الراتعين في ظ ِّ‬

‫‪62‬‬
‫صل إل بالمشقّة‪ ،‬فل تختار‬ ‫الستبدادية‪ .‬وحيث المال ل يُح َ‬
‫ن على النتفاع‬ ‫النفوس القدام على المتاعب مع عدم الم ِ ّ‬
‫بالثمرة‪.‬‬
‫حفْظ المال في عهد الدارة المستبدّة أصعب من كسبه؛‬ ‫ُ‬ ‫ِ‬
‫ن ظهور أثره على صاحبه مجلبة لنواع البلء عليه‪ ،‬ولذلك‬ ‫ل َّ‬
‫يُضطر الناس زمن الستبداد لخفاء نعمة الله والتّظاهر بالفقر‬
‫ن حفظ درهم من الذهب‬ ‫والفاقة‪ ،‬ولهذا ورد في أمثال الُسراء أ َّ‬
‫ن العاقل من يخفي ذهبه وذهابه‬ ‫يحتاج إلى قنطار من العقل‪ ،‬وأ َّ‬
‫ن أسعد الناس الصعلوك الذي ل يعرف الحكّام ول‬ ‫ومذهبه‪ ،‬وأ َّ‬
‫يعرفونه‪.‬‬
‫ن الغنياء أعداؤه فكرا ً وأوتاده عملً‪،‬‬ ‫ومن طبائع الستبداد‪ ،‬أ َّ‬
‫ُ‬
‫فهم ربائط المستبدِّ‪ ،‬يذل ّهم فيئنّون‪ ،‬ويستدّرهم فيحنّون‪ ،‬ولهذا‬
‫ل في المم التي يكثر أغنياؤها‪ .‬أما الفقراء فيخافهم‬ ‫يرسخ الذ ُّ‬
‫المستبد ُّ خوف النعجة من الذئاب‪ ،‬ويتحبب إليهم ببعض العمال‬
‫التي ظاهرها الرأفة‪ ،‬يقصد بذلك أن يغصب أيضا ً قلوبهم التي ل‬
‫يملكون غيرها‪ .‬والفقراء كذلك يخافونه خوف دناءةٍ ونذالة‪ ،‬خوف‬
‫البغاث من العقاب‪ ،‬فهم ل يجسرون على الفتكار فضل ً عن‬
‫ن داخل رؤوسهم جواسيس عليهم‪ .‬وقد‬ ‫همون أ َّ‬ ‫النكار‪ ،‬كأنهم يتو َّ‬
‫يبلغ فساد الخلق في الفقراء أن يسّرهم فعل ً رضاء المستبدِّ‬
‫ي وجهٍ كان رضاؤه‪.‬‬ ‫عنهم بأ ِ ّ‬
‫خرون أسلفهم في قولهم‪ ،‬ليس‬ ‫وقد خالف الخلقيون المتأ ِّ‬
‫الفقراء بعيب‪ ،‬فقالوا‪ :‬الفقر أبو المعائب؛ لنه مفتقٌر للغير‪،‬‬
‫م قالوا‪ :‬الفقر يذهب بعّزة النفس‪،‬‬ ‫والغناء استغناءٌ عن النّاس‪ ،‬ث َّ‬
‫ن لحسن اللباس والمتعة‬ ‫ويفضي إلى خلع الحياء‪ ،‬وقالوا‪ :‬إ َّ‬
‫والتنعّم في المعيشة تأثيرا ً مهما ً على نفوس البشر‪ ،‬خلفا ً لمن‬
‫يقول‪ :‬ليس المرء بطيلسانه‪ ،‬وحديث (اخشوشنوا‪ ،‬فإن النعم ل‬
‫تدوم) هو لنّه يحمل على التعوّد جسما ً على المشاقّ في‬
‫ن رغد العيش ونعيمه‬ ‫الحروب والسفار وعند الحاجة‪ .‬فقالوا‪ :‬إ َّ‬
‫لمن أعظم الحاجات‪ ،‬به تعلو الهمم‪ ،‬ولجله تُقتَحم العظائم‪.‬‬
‫ل المشكلت الزمان والمال‪.‬‬ ‫ن ما يح ُّ‬ ‫يُقال في مدح المال‪ :‬إ َّ‬
‫م صارت للمال‪ .‬العلم‬ ‫م صارت للعلم‪ ،‬ث َّ‬ ‫القوة كانت للعصبية‪ ،‬ث َّ‬
‫والمال يُطيلن عمر النسان؛ حيث يجعلن شيخوخته كشبابه‪ .‬ل‬
‫م‪ ،‬ول يتأتى العُّز إل بالمال‪ .‬وقد مضى مجد‬ ‫شرف إل بالد ّ‬ ‫يُصان ال ّ‬
‫ن اليد العليا خيٌر من‬ ‫الرجال وجاء مجد المال‪ .‬وورد في الثر‪ :‬إ َّ‬
‫ن الغني الشاكر أفضل من الفقير الصابر‪ .‬ولم‬ ‫اليد السفلى‪ .‬وأ َّ‬
‫يكن قديما ً أهمية للثروة العمومية‪ ،‬أما الن وقد صارت‬
‫المحاربات محض مغالبة وعلم ومال‪ ،‬فأصبح للثروة العمومية‬

‫‪63‬‬
‫ن المم المأسورة ل‬ ‫أهمية عظمى لجل حفظ الستقلل‪ ،‬على أ َّ‬
‫نصيب لها من الثروة العمومية‪ ،‬بل منزلتها في المجتمع النساني‬
‫كأنعام تتناقلها اليدي‪ ،‬ول تعارض هذه القاعدة ثروة اليهود؛ لنها‬
‫ثروة غير مزاحمين عليها‪ ،‬لنها فيما يقوله أعداؤه فيها‪ :‬ثروة‬
‫ش‬
‫رأسمالها الناموس‪ ،‬ومصرفها الملهي والمقامرة والربا والغ ّ‬
‫والمضاربات‪ ،‬ول يخلو هذا القول من التحامل عليهم حسدا ً ممن‬
‫يقدمون إقدامهم ول ينالون منالهم‪.‬‬
‫هذا وللمال الكثير آفات على الحياة الشريفة ترتعد منها‬
‫فرائص أهل الفضيلة والكمال‪ ،‬الذين يفضلون الكفاف من الّرِزق‬
‫سرف‪،‬‬ ‫مع حفظ الحرية والشرف على امتلك دواعي الترف وال ّ‬
‫وينظرون إلى المال الزائد عن الحاجة الكمالية أنّه بلء في بلء‬
‫في بلء؛ أي أنّه بلءٌ من حيث الفتكار بإنمائه‪ ،‬وأما المكتفي‬
‫فيعيش مطمئنا ً مستريحا ً أمينا ً بعض المن على دينه وشرفه‬
‫وأخلقه‪.‬‬
‫ن النسان ل يكون حرا ً تماما ً ما لم تكن له‬ ‫قرر الخلقيون أ َّ‬
‫ل فيها؛ أي غير مرؤوس لحد‪ ،‬لن حريته الشخصية‬ ‫صنعة مستق ٌّ‬
‫تكون تابعة لرتباطه بالرؤساء‪ .‬وعليه تكون أقبح الوظائف هي‬
‫ن للصنعة تأثيرا ً في الخلق والميال‪،‬‬ ‫وظائف الحكومة‪ .‬وقالوا‪ :‬إ َّ‬
‫ل به على أحوال الفراد والقوام‪.‬‬ ‫وهي من أصدق ما يُستَد ُّ‬
‫فالموظفون في الحكومة مثل ً يفقدون الشفقة والعواطف العالية‬
‫تبعا ً لصنعتهم التي من مقتضاها عدم الشعور بتبعة أعمالهم‪،‬‬
‫ن العاجز يجمع المال بالتقتير‪ ،‬والكريم يجمعه‬ ‫وقال الحكماء‪ :‬إ َّ‬
‫ن أقل كسب يرضى به العاقل ما يكفي‬ ‫بالكسب‪ ،‬وقالوا‪ :‬إ َّ‬
‫ل القلة‬‫معاشه باقتصاد‪ ،‬وقالوا‪ :‬خير المال ما يكفي صاحبه ذ ّ‬
‫وطغيان الكثرة‪ .‬وهذا معنى الحديث (فاز المخففون) وحديث‬
‫(اسألوا الله الكفاف من الرزق)‪ .‬ويُقال‪ :‬الغنى غنى القلب‪،‬‬
‫َ‬
‫والغني من قل ّت حاجته‪ ،‬والغني من استغنى عن الناس‪ .‬وقال‬
‫ن فقير بالطبع ينقصه مثل ما يملك‪ ،‬فمن‬ ‫بعض الحكماء‪ :‬ك ُّ‬
‫ل إنسا ٍ‬
‫يملك عشرة يرى نفسه محتاجا ً لعشرة أخرى‪ ،‬ومن يملك ألفاً‬
‫ف أخرى‪ .‬وهذا معنى الحديث‪( :‬لو كان لبن‬ ‫يرى نفسه محتاجا ً لل ٍ‬
‫ب أن يكون له واديان)‪.‬‬ ‫آدم واد ٍ من ذهب أح َّ‬
‫ول يقصد الخلقيون من التزهيد في المال التثبيط عن‬
‫كسبه‪ ،‬إنما يقصدون أن ل يتجاوز كسبه بالطرائق الطبيعية‬
‫الشريفة‪ .‬أما السياسيون فل يهمهم إل أن تستغني الرعية بأي‬
‫وسيلة كانت‪ ،‬والغربيون منهم يُعينون المة على الكسب‬
‫ليشاركوها‪ ،‬والشرقيون ل يفتكرون في غير سلب الموجود‪ ،‬وهذه‬
‫من جملة الفروق بين الستبدادين الغربي والشرقي‪ ،‬التي منها‬

‫‪64‬‬
‫ن؛ مع‬‫ن الستبداد الغربي يكون أحكم وأرسخ وأشد ّ وطأةً‪ ،‬ولك ْ‬ ‫أ َّ‬
‫اللّين‪ ،‬والشرقي يكون مقلقل ً سريع الزوال‪ ،‬ولكنّه يكون مزعجاً‪.‬‬
‫ن الستبداد الغربي إذا زال تبدّل بحكومة عادلة تُقيم ما‬ ‫ومنها أ َّ‬
‫ساعدت الظروف أن تقيم‪ ،‬أما الشرقي فيزول ويخلفه استبداد‬
‫ن من دأب الشرقيين أن ل يفتكروا في مستقبل‬ ‫شٌّر منه؛ ل َّ‬
‫ن أكبر همهم منصرف إلى ما بعد الموت فقط‪ ،‬أو أنهم‬ ‫قريب‪ ،‬كأ َّ‬
‫مبتلون بقصر النظر‪.‬‬
‫ن الستبداد داءٌ أشد ُّ وطأة ً من الوباء‪ ،‬أكثر‬ ‫وخلصة القول‪ :‬إ َّ‬
‫ل للنفوس من‬ ‫سيل‪ ،‬أذ ُّ‬‫هول ً من الحريق‪ ،‬أعظم تخريبا ً من ال ّ‬
‫السؤال‪ .‬داءٌ إذا نزل بقوم ٍ سمعت أرواحهم هاتف السماء ينادي‬
‫القضاء القضاء‪ ،‬والرض تناجي ربّها بكشف البلء‪ .‬الستبداد عهدٌ؛‬
‫أشقى الناس فيه العقلء والغنياء‪ ،‬وأسعدهم بمحياه الجهلء‬
‫جلون الموت فيحسدهم‬ ‫والفقراء‪ ،‬بل أسعدهم أولئك الذين يتع ّ‬
‫الحياء‪.‬‬

‫الستبداد والخلق‬

‫الستبداد يتصَّرف في أكثر الميال الطبيعية والخلق‬


‫الحسنة‪ ،‬فيُضعفها‪ ،‬أو يُفسدها‪ ،‬أو يمحوها‪ ،‬فيجعل النسان يكفر‬
‫بنِعَم موله؛ لنه لم يملكها حقّ الملك ليحمده عليها حقّ الحمد‪،‬‬

‫‪65‬‬
‫ن لبلء الستبداد عليه‪ ،‬وفاقداً‬ ‫ويجعله حاقدا ً على قومه؛ لنهم عو ٌ‬
‫ب وطنه؛ لنَّه غير آمن على الستقرار فيه‪ ،‬ويود ُّ لو انتقل منه‪،‬‬ ‫ح ّ‬
‫ب لعائلته؛ لنه يعلم منهم أنَّهم مثله ل يملكون‬ ‫وضعيف الح ِّ‬
‫التكافؤ‪ ،‬وقد يُضطّرون لضرار صديقهم‪ ،‬بل وقتله وهم باكون‪.‬‬
‫أسيُر الستبداد ل يملك شيئا ً ليحرص على حفظه؛ لنَّه ل يملك‬
‫سلب ول شرفا ً غير معَّرض للهانة‪ .‬ول يملك‬ ‫مال ً غير معَّرض لل ّ‬
‫الجاهل منه آمال ً مستقبلة ليتبعها ويشقى كما يشقى العاقل في‬
‫سبيلها‪.‬‬
‫وهذه الحال تجعل السير ل يذوق في الكون لذة ً نعيم‪ ،‬غير‬
‫بعض الملذ ّات البهيمية‪ .‬بناءً عليه؛ يكون شديد الحرص على حياته‬
‫ن كانت تعيسة‪ ،‬وكيف ل يحرص عليها وهو ل يعرف‬ ‫الحيوانية وإ ْ‬
‫غيرها؟! أين هو من الحياة الدبية؟! أين هو من الحياة‬
‫ما الحرار فتكون منزلة حياتهم الحيوانية عندهم‬ ‫الجتماعية؟! أ َّ‬
‫بعد مراتب عديدة‪ ،‬ول يعرف ذلك إل من كان منهم‪ ،‬أو كشف عن‬
‫بصيرته‪.‬‬
‫َ‬
‫ومثال السراء في حرصهم على حياتهم الشيوخ‪ ،‬فإن ّهم‬
‫ُ‬
‫عندما تمسي حياتهم كل ّها أسقاما ً وآلما ً ويقربون من أبواب‬
‫القبور‪ ،‬يحرصون على حياتهم أكثر من الشباب في مقتبل العمر‪،‬‬
‫في مقتبل الملذ‪ ،‬في مقتبل المال‪.‬‬
‫الستبداد يسلب الّراحة الفكرية‪ ،‬فيضني الجسام فوق‬
‫ل الشعور على درجات‬ ‫ضناها بالشقاء‪ ،‬فتمرض العقول‪ ،‬ويخت ُّ‬
‫متفاوتة في الناس‪ .‬والعوام الذين هم قليلو المادة في الصل قد‬
‫يصل مرضهم العقلي إلى درجة قريبة من عدم التمييز بين الخير‬
‫ل ما ليس من ضروريات حياتهم الحيوانية‪ .‬ويصل‬ ‫والشر‪ ،‬في ك ِّ‬
‫ن مجّرد آثار البَّهة والعظمة التي يرونها‬ ‫تسفُّل إدراكهم إلى أ َّ‬
‫على المستبد ّ وأعوانه تبهر أبصارهم‪ ،‬ومجّرد سماع ألفاظ‬
‫التفخيم في وصفه وحكايات قوته وصولته يزيغ أفكارهم‪ ،‬فيرون‬
‫ن الدواء في الداء‪ ،‬فينصاعون بين يدي الستبداد‬ ‫ويفكرون أ َّ‬
‫انصياع الغنم بين أيدي الذئاب؛ حيث هي تجري على قدميها‬
‫جاهدة ً إلى مقّرِ حتفها‪.‬‬
‫ولهذا كان الستبداد يستولي على تلك العقول الضعيفة‬
‫فضل ً عن الجسام فيفسدها كما يريد‪ ،‬ويتغلّب على تلك الذهان‬
‫الضئيلة‪ ،‬فيشوش فيها الحقائق‪ ،‬بل البديهيات كما يهوى‪ ،‬فيكون‬
‫مثَلُهم في انقيادهم العمى للستبداد ومقاومتهم للرشد‬ ‫َ‬
‫والرشاد‪ ،‬مثل تلك الهوام التي تترامى على النار‪ ،‬وكم هي‬
‫تغالب من يريد حجزها على الهلك‪ .‬ول غرابة في تأثير ضعف‬
‫ن في المرضى وخفّة‬ ‫الجسام على الضعف في العقول‪ ،‬فإ َّ‬

‫‪66‬‬
‫عقولهم‪ ،‬وذوي العاهات ونقص إدراكهم‪ ،‬شاهدا ً بيّنا ً كافيا ً يُقاس‬
‫عليه نقص عقول الُسراء البؤساء بالنسبة إلى الحرار السعداء‪،‬‬
‫ل فرق بين الفئتين‪ ،‬من الفرق البيّن في‬ ‫كما يظهر الحال أيضا ً بأق ّ‬
‫قوة الجسام وغزارة الدّم واستحكام الصحة وجمال الهيئات‪.‬‬
‫ربما يستريب المطالع اللبيب الذي لم يُتعب فكره في‬
‫ن الستبداد المشؤوم كيف يقوم‬ ‫درس طبيعة الستبداد‪ ،‬من أ َّ‬
‫ن الستبداد‬ ‫على قلب الحقائق‪ ،‬مع أنَّه إذا دقّق النظر يتجلى له أ َّ‬
‫يقلب الحقائق في الذهان‪ .‬يرى أنَّه كم مكّن بعض القياصرة‬
‫والملوك الولين من التلعب بالديان تأييدا ً لستبدادهم فاتَّبعهم‬
‫ن الناس وضعوا الحكومات لجل خدمتهم‪،‬‬ ‫الناس‪ .‬ويرى أ َّ‬
‫والستبداد قلب الموضوع‪ ،‬فجعل الرعية خادمة للرعاة‪ ،‬فقبلوا‬
‫ن طالب‬ ‫ن الستبداد ما ساقهم إليه من اعتقاد أ َّ‬ ‫وقنعوا‪ .‬ويرى أ َّ‬
‫ق فاجٌر‪ ،‬وتارك حقّه مطيع‪ ،‬والمشتكي المتظل ِّم مفسد‪،‬‬ ‫الح ِ ّ‬
‫والنّبيه المدقق ملحد‪ ،‬والخامل المسكين صالح أمين‪ .‬وقد اتَّبع‬
‫الناس الستبداد في تسميته النصح فضولً‪ ،‬والغيرة عداوة‪،‬‬
‫شهامة عتوّاً‪ ،‬والحمية حماقة‪ ،‬والرحمة مرضاً‪ ،‬كما جاروه على‬ ‫وال ّ‬
‫ن النِّفاق سياسة‪ ،‬والتحيُّل كياسة‪ ،‬والدناءة لطف‪ ،‬والنذالة‬ ‫اعتبار أ َّ‬
‫دماثة‪.‬‬
‫ُ‬
‫ول غرابة في تحك ّم الستبداد على الحقائق في أفكار‬
‫البسطاء‪ ،‬إنما الغريب إغفاله كثيرا ً من العقلء‪ ،‬ومنهم جمهور‬
‫مون الفاتحين الغالبين بالّرِجال العظام‪،‬‬ ‫المؤّرِخين الذين يُس ّ‬
‫وينظرون إليهم نظر الجلل والحترام لمجّرد أنَّهم كانوا أكثر في‬
‫قتل النسان‪ ،‬وأسرفوا في تخريب العمران‪ .‬ومن هذا القبيل في‬
‫الغرابة إعلء المؤّرِخين قدر من جاروا المستبدين‪ ،‬وحازوا القبول‬
‫والوجاهة عند الظالمين‪ .‬وكذلك افتخار الخلق بأسلفهم‬
‫المجرمين الذين كانوا من هؤلء العوان الشرار‪.‬‬
‫ت مفقودة في‬ ‫ن للستبداد حسنا ٍ‬ ‫ن بعض الناس أ َّ‬ ‫وقد يظ ُّ‬
‫الدارة الحّرة‪ ،‬فيقولون مثلً‪ :‬الستبداد يليّن الطباع ويلط ِّفها‪،‬‬
‫ن ذلك يحصل فيه عن فقد الشهامة ل عن فقد‬ ‫والحقُّ أ َّ‬
‫الشراسة‪ .‬ويقولون‪ :‬الستبداد يُعل ِّم الصغير الجاهل حسن الطاعة‬
‫ن هذا فيه عن خوف وجبانة ل عن‬ ‫والنقياد للكبير الخبر‪ ،‬والحقُّ أ َّ‬
‫اختيارٍ وإذعان‪ .‬ويقولون‪ :‬هو يربّي النفوس على العتدال‬
‫ش‬
‫ن ليس هناك غير انكما ٍ‬ ‫والوقوف عند الحدود‪ ،‬والحقُّ أ ْ‬
‫وتقهقر‪ .‬ويقولون‪ :‬الستبداد يقلل الفسق والفجور‪ ،‬والحقُّ أنَّه‬
‫عن فقر وعجر‪ ،‬ل عن عفّةٍ أو دين‪ .‬ويقولون‪ :‬هو يقلل التعديات‬
‫ل تعديدها ل‬ ‫والجرائم‪ ،‬والحقُ أنَّه يمنع ظهورها ويخفيها‪ ،‬فيق ُّ‬
‫ّ‬
‫عدادها‪.‬‬

‫‪67‬‬
‫سقياها العلم‪،‬‬ ‫الخلق أثمار بذرها الوراثة‪ ،‬وتربتها التربية‪ ،‬و ُ‬
‫والقائمون عليها هم رجال الحكومة‪ ،‬بناءً عليه؛ تفعل السياسة‬
‫في أخلق البشر ما تفعله العناية في إنماء الشجر‪.‬‬
‫نعم‪ :‬القوام كالجام‪ ،‬إن تُرِكت مهملة تزاحمت أشجارها‬
‫َ‬
‫وأفلذها‪ ،‬وسقُم أكثرها‪ ،‬وتغل ّب قويّها على ضعيفها فأهلكه‪ ،‬وهذا‬
‫حشة‪ .‬وإن صادفت بستانيا ً يهمه بقاؤها وزهوها‬ ‫مثل القبائل المتو ِّ‬
‫سنت ثمارها‪،‬‬ ‫فدبّرها حسبما تطلبه طباعها‪ ،‬قويت وأينعت وح ُ‬
‫مى‬ ‫ي جدير بأن يس ّ‬ ‫وهذا مثل الحكومة العادلة‪ .‬وإذا بُليت ببستان ٍ ّ‬
‫حطّابا ً ل يعنيه إل عاجل الكتساب‪ ،‬أفسدها وخّربها‪ ،‬وهذا مثل‬
‫الحكومة المستبدّة‪ .‬ومتى كان الحطّاب غريبا ً لم يُخلق من تراب‬
‫مه‬‫تلك الديار وليس له فيها فخار ول يلحقه منها عار‪ ،‬إنّما ه ّ‬
‫الحصول على الفائدة العاجلة ولو باقتلع الصول‪ ،‬فهناك الطّامة‬
‫ل الستبداد في‬ ‫وهناك البوار‪ .‬فبناءً على هذا المثال‪ ،‬يكون فِع ُ‬
‫أخلق المم فِعل ذلك الحطّاب الذي ل يُرجى منه غير الفساد‪.‬‬
‫مطردة على قانون‬ ‫ل تكون الخلق أخلقا ً ما لم تكن ملكة ُ‬
‫فطري تقتضيه أول ً وظيفة النسان نحو نفسه؛ وثانيا ً وظيفته نحو‬
‫عائلته؛ وثالثا ً وظيفته نحو قومه؛ ورابعا ً وظيفته نحو النسانية؛‬
‫مى عند الناس بالناموس‪.‬‬ ‫وهذا القانون هو ما يس ّ‬
‫ومن أين لسير الستبداد أن يكون صاحب ناموس‪ ،‬وهو‬
‫ب‪،‬‬‫كالحيوان المملوك العنان‪ ،‬يُقاد حيث يُراد‪ ،‬ويعيش كالريش‪ ،‬يه ُّ‬
‫ب الريح‪ ،‬ل نظام ول إرادة؟ وما هي الرادة؟ هي أ ُّ‬
‫م‬ ‫حيث يه ُّ‬
‫الخلق‪ ،‬هي ما قيل فيها تعظيما ً لشأنها‪ :‬لو جازت عبادة غير الله‬
‫لختار العقلء عبادة الرادة! هي تلك الصفة التي تفصل الحيوان‬
‫عن النّبات في تعريفه بأنّه متحرك بالرادة‪ .‬فالسير‪ ،‬إذن‪ ،‬دون‬
‫الحيوان لنّه يتحّرك بإرادة غيره ل بإرادة نفسه‪ .‬ولهذا قال‬
‫الفقهاء‪ :‬ل نيّة للرقيق في كثير من أحواله‪ ،‬إنما هو تابع لنيّة‬
‫ن فاقد الخيار غير‬ ‫موله‪ .‬وقد يُعذر السير على فساد أخلقه؛ ل َّ‬
‫مؤاخذ عقل ً وشرعاً‪.‬‬
‫أسير الستبداد ل نظام في حياته‪ ،‬فل نظام في أخلقه‪ ،‬قد‬
‫يصبح غنيا ً فيضحي شجاعا ً كريماً‪ ،‬وقد يمسي فقيرا ً فيبيت جباناً‬
‫ل شؤونه تشبه الفوضى ل ترتيب فيها‪ ،‬فهو‬ ‫خسيساً‪ ،‬وهكذا ك ُّ‬
‫يتبعها بل وجهة‪ .‬أليس السير قد يُرهق‪ ،‬ويسيء كثيرا ً فيُعفى‪،‬‬
‫وقليل ً فيُشنق‪ ،‬ويجوع يوما ً فيضوى‪ ،‬ويخصب يوما ً فيتخم‪ ،‬يريد‬
‫أشياء فيُمنَع‪ ،‬ويأبى شيئا ً فيُرغم؟! وهكذا يعيش كما تقتضيه‬
‫صدف أن يعيش‪ ،‬ومن كانت هذه حاله كيف يكون له أخلق‪،‬‬ ‫ال ُّ‬
‫ن وجد ابتداء يتعذر استمراره عليه؟! ولهذا ل تجوّز الحكمة‬ ‫وإ ْ‬
‫م على السراء بخيرٍ أو شّر‪.‬‬ ‫حك َ‬ ‫ال ُ‬

‫‪68‬‬
‫ل ما يؤثّره الستبداد في أخلق الناس‪ ،‬أنَّه يرغم حتى‬ ‫أق ُّ‬
‫الخيار منهم على إلفة الّرياء والنفاق ولبئس السيّئتان‪ ،‬وإنه يعين‬
‫ل تبعة ولو أدبية‪ ،‬فل‬ ‫ي نفوسهم آمنين من ك ِّ‬ ‫الشرار على إجراء غ ّ‬
‫ن أكثر أعمال الشرار تبقى‬ ‫َ‬ ‫اعتراض ول انتقاد ول افتضاح‪ ،‬ل ّ‬
‫مستورة‪ ،‬يلقي عليها الستبداد رداء خوف الناس من تبعة‬
‫الشهادة على ذي شّر وعقبى ذكر الفاجر بما فيه‪ .‬ولهذا‪ ،‬شاعت‬
‫بين السراء قواعد كثيرة باطلة كقولهم‪ :‬إذا كان الكلم من فضة‬
‫ل بالمنطق‪ .‬وقد تغالى‬ ‫فالسكوت من ذهب‪ ،‬وقولهم‪ :‬البلء موكو ٌ‬
‫وع ّاظهم في سدِّ أفواههم حتى جعلوا لهم أمثال هذه القوال من‬
‫حكَم النبوية‪ ،‬وكم هجوا لهم الهجو والغيبة بل قيد‪ ،‬فهم يقرؤون‪:‬‬ ‫ال ِ‬
‫سوء من القول‪ ‬ويغفلون بقية الية‪ ،‬وهي‪ :‬‬ ‫ه الجهر بال ّ‬ ‫ب الل ُ‬ ‫‪‬ل يح ُّ‬
‫إل ّ من ظُلِم‪.‬‬
‫أقوى ضابط للخلق النهي عن المنكر بالنصيحة والتوبيخ؛‬
‫أي بحرص الفراد على حراسة نظام الجتماع‪ ،‬وهذه الوظيفة‬
‫غير مقدور عليها في عهد الستبداد لغير ذوي المنعة وقليل ما‬
‫هم‪ ،‬وقليل ً ما يفعلون‪ ،‬وقليل ً ما يفيد نهيهم؛ لنه ل يمكنهم توجيهه‬
‫لغير المستضعفين الذين ل يملكون ضررا ً ول نفعاً‪ ،‬بل ول‬
‫يملكون من أنفسهم شيئاً‪ ،‬ولنَّه ينحصر موضوع نهيهم فيما ل‬
‫تخفى قباحته على أحد ٍ من الّرذائل النفسية الشخصية فقط‪ ،‬ومع‬
‫ل للقواعد العامة‬ ‫ذلك فالجسور ل يرى بُدّا ً من الستثناء المخ ِّ‬
‫سرقة قبيحة إل إذا كانت استردادا ً منها‪ ،‬والكذب حرام‬ ‫كقوله‪ :‬ال ّ‬
‫َّ‬
‫إل للمظلوم‪ .‬والموظفون في عهد الستبداد للوعظ والرشاد‬
‫يكونون –مطلقاً‪ -‬ول أقول غالباً‪ ،‬من المنافقين الذين نالوا‬
‫ن النصح الذي ل‬ ‫الوظيفة بالتملّق‪ ،‬وما أبعد هؤلء عن التأثير‪ ،‬ل َّ‬
‫م‬‫ن نبت كان رياءً كأصله‪ ،‬ث َّ‬ ‫إخلص فيه هو بذر عقيم ل ينبت‪ ،‬وإ ْ‬
‫ن النُّصح ل يفيد شيئا ً إذا لم يصادف أذنا ً تتطلّب سماعه؛ ل َّ‬
‫ن‬ ‫إ َّ‬
‫ي‪:‬‬ ‫م البذر الح ّ‬ ‫حك ْ َ‬ ‫النصيحة وإن كانت عن إخلص فهي ل تتجاوز ُ‬
‫ض قاحلة مات‪.‬‬ ‫ُ‬ ‫إ ُ‬
‫ض صالحة نبت‪ ،‬وإن ألقي في أر ٍ‬ ‫ن ألقي في أر ٍ‬ ‫ْ‬
‫ل‬‫ما النهي عن المنكرات في الدارة الحرة‪ ،‬فيمكن لك ِّ‬ ‫أ ّ‬
‫جه‬
‫ن وإخلص‪ ،‬وأن يو ِّ‬ ‫غيورٍ على نظام قومه أن يقوم به بأما ٍ‬
‫ص بها الفقير‬ ‫سهام قوارصه على الضعفاء والقوياء سواء‪ ،‬فل يخ ُّ‬
‫ن‬
‫شوكة والعناد‪ .‬وأ ْ‬ ‫المجروح الفؤاد‪ ،‬بل تستهدف أيضا ً ذوي ال ّ‬
‫ُّ‬ ‫يخوض في ك ِّ‬
‫ل واد ٍ حتى في مواضيع تخفيف الظلم ومؤاخذة‬
‫حكّام‪ ،‬وهذا هو النصح النكاري الذي يُعدي ويُجدي‪ ،‬والذي‬ ‫ال ُ‬
‫أطلق عليه النّبي عليه السلم اسم (الدّين) تعظيما ً لشأنه‪ ،‬فقال‪:‬‬
‫"الدين النصيحة"‪.‬‬

‫‪69‬‬
‫ط أخلق الطبقات العليا من النّاس أهم المور‪،‬‬ ‫ما كان ضب ُ‬ ‫ل ّ‬
‫أطلقت المم الحّرة حرية الخطابة والتأليف والمطبوعات‬
‫ة القذف فقط‪ ،‬ورأت أن تحمل مضَّرة الفوضى في ذلك‬ ‫مستثني ً‬
‫شعرة من التقييد‬ ‫ن يجعلوا ال ّ‬ ‫َ‬
‫خير التحديد؛ لن ّه ل مانع للحكّام أ ْ‬
‫عدوتهم الطبيعة‪ ،‬أي الحريّة‪ .‬وقد‬ ‫ّ‬ ‫سلسلة من حديد‪ ،‬ويخنقون بها‬
‫ب ول‬ ‫حمى القرآن قاعدة الطلق بقوله الكريم‪ :‬ول يُضاُّر كات ٌ‬
‫شهيد‪.‬‬
‫‪‬‬

‫الخصال تنقسم إلى ثلثة أنواع‪:‬‬


‫مة‬‫الول‪ :‬الخصـال الحسـنة الطبيعيـة‪ ،‬كالصـدق والمانـة واله ّـ‬
‫والمدافعة والرحمة‪ ،‬والقبيحة الطبيعية كالرياء والعتداء والجبانة‬
‫ل الطبائع والشرائع‪.‬‬ ‫والقسوة‪ ،‬وهذا القسم تضافرت عليه ك ُّ‬
‫والنوع الثاني‪ :‬الخصال الكمالية التي جاءت بها الشرائع‬
‫اللهامية‪ ،‬كتحسين اليثار والعفو وتقبيح الزنّى والطمع؛ وهذا‬
‫ل العقول حكمته أو حكمة تعميمه‪،‬‬ ‫القسم يوجد فيه ما ل تدرك ك ُّ‬
‫فيمثّله المنتسبون للدّين احتراما ً أو خوفاً‪.‬‬
‫والنوع الثالث‪ :‬الخصال العتيادية‪ ،‬وهي ما يكتسبه النسان‬
‫بالوراثة أو بالتربية أو باللفة‪ ،‬فيستحسن أو يستقبح على حسب‬
‫أمياله ما لم يُضطّر إلى التحوّل عنها‪.‬‬
‫ن القسام تشتبك وتشترك ويؤثر‬ ‫ن التدقيق يفيد أ َّ‬
‫م إ َّ‬ ‫ث َّ‬
‫بعضها في بعض‪ ،‬فيصير مجموعها تحت تأثير اللفة المديدة‪،‬‬
‫ل خصلة منها ترسخ أو تتزلزل‪ ،‬حسبما يصادفها من‬ ‫بحيث ك ُّ‬
‫استمرار اللفة أو انقطاعها‪ ،‬فالقاتل –مثلً‪ -‬ل يستنكر شنيعته في‬
‫المّرة الثانية كما استقبحها في نفسه في الولى‪ ،‬وهكذا يخ ُّ‬
‫ف‬
‫قٌ‬
‫الجرم في وهمه‪ ،‬حتى يصل إلى درجة التلذذ بالقتل‪ ،‬كأنّه ح ّ‬
‫طبيعي له‪ ،‬كما هي حالة الجبّارين وغالب السياسيين‪ ،‬الذين ل‬
‫ج في أفئدتهم عاطفة رحمة عند قتلهم أفرادا ً أو أمما ً لغاياتهم‬ ‫ترت ُّ‬
‫السياسية‪ ،‬إهراقا ً بالسيف أو إزهاقا ً بالقلم‪ ،‬ول فرق بين القتل‬
‫بقطع الوداج وبين الماتة بإيراث الشقاء غير التسريع والبطاء‪.‬‬
‫أسير الستبداد العريق فيه يرث شَّر الخصال‪ ،‬ويتربّى على‬
‫أشّرِها‪ ،‬ول بد َّ أن يصحبه بعضها مدى العمر‪ .‬بناءً عليه؛ ما أبعده‬
‫ل الخصال الطبيعية‬ ‫عن خصال الكمال! ويكفيه مفسدة ً لك ِّ‬
‫والشرعية والعتيادية تلبسه بالّرياء اضطرارا ً حتى ل يألفه ويصير‬
‫خلُقاً‬‫ة فيه‪ ،‬فيفقد بسبب ثقته نفسه بنفسه‪ ،‬لنَّه ل يجد ُ‬ ‫ملَك ً‬‫َ‬
‫ً‬
‫مستقّرا فيه‪ ،‬فل يمكنه‪ ،‬مثل‪ ،‬أن يجزم بأمانته‪ ،‬أو يضمن ثباته‬ ‫ً‬
‫ً‬
‫ق ذاته مترددا في‬ ‫ن في ح ِ ّ‬ ‫على أمرٍ من المور‪ ،‬فيعيش سيئ الظ ّ‬
‫مته‬‫أعماله‪ ،‬لوّاما ً نفسه على إهماله شؤونه‪ ،‬شاعرا ً بفتور ه َّ‬

‫‪70‬‬
‫ونقص مروءته‪ ،‬ويبقى طول عمره جاهل ً مورد هذا الخلل‪ ،‬فيتَّهم‬
‫ل شأنه‪ -‬لم يُنقصه شيئاً‪ .‬ويتَّهم تارة ً دينه‪،‬‬ ‫الخالق‪،‬والخالق –ج َّ‬
‫ُ‬
‫لّ‬
‫قومه‪ ،‬والحقيقة بعيدة عن ك ِ‬ ‫وتارة ً تربيته‪ ،‬وتارة ً زمانه‪ ،‬وتارةً‬
‫ُ‬
‫خلق حّرا فأسر‪.‬‬ ‫ً‬ ‫ذلك‪ ،‬وما الحقيقة غير أنّه ُ‬
‫ن المتلب ِّس بشائبةٍ من أصول القبائح‬ ‫أجمع الخلقيون على أ َّ‬
‫الخلقية ل يمكنه أن يقطع بسلمة غيره منها‪ ،‬وهذا معنى‪" :‬إذا‬
‫ساءت فِعال المرء ساءت ظنونه"‪ .‬فالمرائي –مثلً‪ -‬ليس من‬
‫ن البراءة في غيره من شائبة الرياء‪ ،‬إل ّ إذا بَعُدَ‬ ‫شأنه أن يظ َّ‬
‫تشابه النشأة بينهما بُعدا ً كبيراً‪ ،‬كأن يكون بينهما مغايرة في‬
‫م في المنزلة كصعلوك وأمير كبير‪.‬‬ ‫الجنس أو الدّين أو تفاوت مه ٌّ‬
‫ي الخائن‪ ،‬يأمن الفرنجي في معاملته‪ ،‬ويثق‬ ‫ومثال ذلك الشرق ّ‬
‫بوزنه وحسبانه‪ ،‬ول يأمن ويثق بابن جلدته‪ .‬وكذلك الفرنجي‬
‫الخائن قد يأمن الشرقي‪ ،‬ول يأمن مطلقا ً ابن جنسه‪ .‬وهذا الحكم‬
‫ن الناس أمناء‬ ‫ن المين يظ ُّ‬ ‫صادق على عكس القضية أيضاً؛ أي أ َّ‬
‫خصوصا ً أشباهه في النشأة‪ ،‬وهذا معنى "الكريم يُخدَع"‪ ،‬وكم‬
‫ن‬
‫يذهل المين في نفسه عن اتِّباع حكمة الحزم في إساءة الظ ِ ّ‬
‫في مواقعه اللزمة‪.‬‬
‫ن من طبيعة الستبداد ألفة الناس بعض الخلق‬ ‫إذا علمنا أ َّ‬
‫ن منها ما يُضعف الثّقة بالنفس‪ ،‬علمنا سبب قلة أهل‬ ‫الرديئة‪ ،‬وأ َّ‬
‫سراء‪ ،‬وعلمنا أيضا ً حكمة فقد الُسراء‬ ‫العمل وأهل العزائم في ال ّ‬
‫ن السراء محرومون –‬ ‫ُ‬ ‫ثقتهم بعضهم ببعض‪ .‬فينتج من ذلك أ َّ‬
‫طبعاً‪ -‬من ثمرة الشتراك في أعمال الحياة‪،‬يعيشون مساكين‬
‫بائسين متواكلين متخاذلين متقاعسين متفاشلين‪ ،‬والعاقل‬
‫الحكيم ل يلومهم‪ ،‬بل يشفق عليهم‪ ،‬ويلتمس لهم مخرجاً‪ .‬ويتبع‬
‫ب ارحم قومي‪ ،‬فإنهم ل يعلمون"‪،‬‬ ‫أثر أحكم الحكماء القائل‪ :‬ر ِّ‬
‫"اللهم اهد ِ قومي‪ ،‬فإنهم ل يعلمون"‪.‬‬
‫مل في ما هي‬ ‫وهنا أستوقف المطالع وأستلفته إلى التأ ّ‬
‫ن الشتراك هو‬ ‫ثمرة الشتراك التي يحرمها السراء‪ ،‬فأذكره بأ َّ‬
‫ل شيء ما عدا الله وحده‪ .‬به‬ ‫أعظم سّرٍ في الكائنات‪ ،‬به قيام ك ِّ‬
‫ل حياة؛ به قيام المواليد؛ به‬ ‫قيام الجرام السماوية؛ به قيام ك ِّ‬
‫قيام الجناس والنواع؛ به قيام المم والقبائل؛ به قيام العائلت؛‬
‫به تعاون العضاء‪ .‬نعم‪ ،‬الشتراك فيه سُّر تضاعف القوة بنسبة‬
‫ناموس التربيع؛ فيه سُّر الستمرار على العمال التي ل تفي بها‬
‫ل السّر في نجاح المم‬ ‫أعمار الفراد‪ .‬نعم؛ الشتراك هو السُر ك ُّ‬
‫ّ‬
‫المتمدنة‪ .‬به أكملوا ناموس حياتهم القومية‪ ،‬به ضبطوا نظام‬
‫حكوماتهم‪ ،‬به قاموا بعظائم المور‪ ،‬به نالوا كل ما يغبطهم عليه‬
‫أُسراء الستبداد الذين منهم العارفون بقدر الشتراك ويتشوَّقون‬

‫‪71‬‬
‫ل منهم يُبطن لغبن شركائه باتِّكاله عليهم عملً‪،‬‬ ‫إليه‪ ،‬ولكن؛ ك ٌّ‬
‫واستبداده عليهم رأياً‪ ،‬حتى صار من أمثالهم قولهم‪" :‬ما من‬
‫ب للخر"‪.‬‬ ‫متَّفقين إل واحدهما مغلو ٌ‬
‫ي‪ ،‬وقد‬ ‫ن سَّر الشتراك ليس بالمر الخف ّ‬ ‫ل يقول إ َّ‬ ‫ب قائ ٍ‬ ‫وُر َّ‬
‫ن الكُتَّاب‬ ‫طالما كتب اليابانيين والبوير‪ ،‬فما السبب؟ فأجيبه بأ َّ‬
‫ن؛ قاتل الله‬ ‫صلوا وصوّروا‪ ،‬ولك ْ‬ ‫كتبوا وأكثروا وأحسنوا فيما ف ّ‬
‫الستبداد وشؤمه‪ ،‬جعل الكتّاب يحصرون أقوالهم في الدعوة إلى‬
‫الشتراك‪ ،‬وما بمعناه من التعاون والتحاد والتحابب والتِّفاق‪،‬‬
‫ومنعهم من التعُّرض لذكر أسباب التفّرق والنحلل كليّاً‪ ،‬أو‬
‫اضطرهم إلى القتصار على بيان السباب الخيرة فقط‪ .‬فمن‬
‫ل‪ :‬الجهل بلء‬ ‫ض وسببه الجهل‪ ،‬ومن قائ ٍ‬ ‫ل مثلً‪ :‬الشرق مري ٌ‬ ‫قائ ٍ‬
‫ل‪ :‬قلّة المدارس عاٌر وسببه عدم‬ ‫وسببه قلّة المدارس‪ ،‬ومن قائ ٍ‬
‫التعاون على إنشائها من قبل الفراد أو من قبل ذوي الشأن‪.‬‬
‫ُ‬
‫وهذا أعمق ما يخط ّه قلم الكاتب الشرقي كأنّه وصل إلى‬
‫ن هناك سلسلة‬ ‫السبب المانع الطبيعي أو الختياري‪ .‬والحقيقة‪ ،‬أ َّ‬
‫أسباب أخرى حلقتها الولى الستبداد‪.‬‬
‫سك‬ ‫وكاتب آخر يقول‪ :‬الشرق مريض وسببه فقد التم ّ‬
‫ن‬‫م يقف‪ ،‬مع أنَّه لو تتبَّع السباب لبلغ إلى الحكم بأ َّ‬ ‫بالدين‪ ،‬ث َّ‬
‫ن‬‫التهاون في الدين أول ً وآخرا ً ناشئ من الستبداد‪ .‬وآخر يقول‪ :‬إ َّ‬
‫ن أنَّه‬
‫السبب فساد الخلق‪ ،‬وغيره يرى أنّه فقد التربية‪ ،‬وسواء ظ َّ‬
‫ل هو الستبداد‪ ،‬الذي‬ ‫ن المرجع الول في الك ّ‬ ‫الكسل‪ ،‬والحقيقة أ َّ‬
‫يمنع حتى أولئك الباحثين عن التصريح باسمه المهيب‪.‬‬
‫وقد اتَّفق الحكماء الذين أكرمهم الله تعالى بوظيفة الخذ‬
‫ن فساد‬ ‫بيد المم في بحثهم عن المهلكات والمنجيات‪ ،‬على أ َّ‬
‫ن معاناة‬ ‫الخلق يُخرج المم عن أن تكون قابلة للخطاب‪ ،‬وأ َّ‬
‫إصلح الخلق من أصعب المور وأحوجها إلى الحكمة البالغة‬
‫م المستبد َّ وأعوانه‬ ‫ن فساد الخلق يع ُّ‬ ‫والعزم القوي‪ ،‬وذكروا أ َّ‬
‫ل البيوت‪ ،‬ول سيما بيوت‬ ‫م يدخل بالعدوى إلى ك ّ‬ ‫وعماله‪ ،‬ث َّ‬
‫الطبقات العليا التي تتمث ّل بها السفلى‪ .‬وهكذا يغشو الفساد‪،‬‬ ‫َ‬
‫ب ويشمت بها العدو‪ ،‬وتبيت وداؤها‬ ‫وتمسي المة يبكيها المح ُّ‬
‫عياء يتعاصى على الدواء‪.‬‬
‫وقد سلك النبياء عليهم السلم‪ ،‬في إنقاذ المم من فساد‬
‫ك العقول من تعظيم غير الله‬ ‫الخلق‪ ،‬مسلك البتداء أول ً بف ِ ّ‬
‫والذعان لسواه‪ .‬وذلك بتقوية حسن اليمان المفطور عليه‬
‫م جهدوا في تنوير العقول بمبادئ الحكمة‪،‬‬ ‫ل إنسان‪ ،‬ث َّ‬ ‫وجدان ك ُّ‬
‫وتعريف النسان كيف يملك إرادته؛ أي حريته في أفكاره‪،‬‬

‫‪72‬‬
‫واختياره في أعماله‪ ،‬وبذلك هدموا حصون الستبداد وسدّوا منابع‬
‫الفساد‪.‬‬
‫م بعد إطلق زمام العقول‪ ،‬صاروا ينظرون إلى النسان‬ ‫ث َ‬
‫ّ َّ‬
‫بأنَّه مكلف بقانون النسانية‪ ،‬ومطالب بحسن الخلق‪ ،‬فيعلمونه‬
‫ث التربية التهذيبية‪.‬‬ ‫ذلك بأساليب التعليم المقنع وب ّ‬
‫والحكماء السياسيون القدمون اتَّبعوا النبياء –عليهم‬
‫السلم‪ -‬في سلوك هذا الطريق وهذا الترتيب؛ أي بالبتداء من‬
‫م باتِّباع طريق‬ ‫نقطة دينية فطرية تؤدي إلى تحرير الضمائر‪ ،‬ث َّ‬
‫التربية والتهذيب بدون فتورٍ ول انقطاع‪.‬‬
‫أما المتأخرون من قادة العقول في الغرب‪ ،‬فمنهم فئة‬
‫سلكوا طريقة الخروج بأممهم من حظيرة الدين وآدابه النفسية‪،‬‬
‫ن الفطرة في‬ ‫إلى فضاء الطلق وتربية الطبيعة‪ ،‬زاعمين أ َّ‬
‫النسان أهدى سبيلً‪ ،‬وحاجته إلى النظام تغنيه عن إعانة الدين‪،‬‬
‫م تذهب‬ ‫س بالهموم‪ ،‬ث ّ‬ ‫التي هي كالمخدرات سموم تعط ِّل الح َّ‬
‫بالحياة‪ ،‬فيكون ضررها أكبر من نفعها‪.‬‬
‫َ‬
‫وقد ساعدهم على سلوك هذا المسلك‪ ،‬أن ّهم وجدوا أممهم‬
‫قد فشا فيها نور العلم‪ ،‬ذلك العلم الذي كان منحصرا ً في خدمة‬
‫الدين عند المصريين والشوريين‪ ،‬ومحتَكَرا ً في أبناء الشراف‬
‫شبان‬ ‫عند الغرناطيين والرومان‪ ،‬ومخصصا ً في أعداد من ال ّ‬
‫المنتخبين عند الهنديين واليونان‪ ،‬حتى جاء العرب بعد السلم‪،‬‬
‫ل متعلم‪ ،‬فانتقل إلى أوربا‬ ‫وأطلقوا حرية العلم‪ ،‬وأباحوا تناوله لك ِّ‬
‫حرا ً على رغم رجال الدين‪ ،‬فتنوَّرت به عقول المم على درجات‪،‬‬
‫وفي نسبتها ترقَّت المم في النعيم‪ ،‬وانتشرت وتخالطت‪ ،‬وصار‬
‫َ‬
‫دّم ويتنغَّص من حالته‪ ،‬ويتطل ّب اللحاق‪،‬‬ ‫خر منها يغبط المتق ِ‬ ‫المتأ ِّ‬
‫ويبحث عن وسائله‪ .‬فنشأ من ذلك حركة قوية في الفكار‪،‬‬
‫وحركة معرفة الخير والغيرة على نواله‪ ،‬حركة معرفة الشّر‬
‫والنَفَة من الصبر عليه‪ ،‬حركة السير إلى المام رغم ك ِّ‬
‫ل‬
‫معارض‪ .‬اغتنم زعماء الحرية في الغرب قوة هذه الحركة‬
‫وأضافوا إليها قوات أدبية شتّى‪ ،‬كاستبدالهم ثقالة وقار الدين‬
‫بزهوة عروس الحرية‪ ،‬حتى إنَّهم لم يبالوا بتمثيل الحرية بحسناء‬
‫خليعة تختلب النفوس‪ .‬وكاستبدالهم رابطة الشتراك في الطاعة‬
‫للمستبدين برابطة الشتراك في الشؤون العمومية‪ ،‬ذلك‬
‫ب الوطن‪ .‬وهكذا جعلوا قوة حركة‬ ‫الشتراك الذي يتولّد منه ح ُّ‬
‫الفكار تيارا ً سلّطوه على رؤوس الرؤوس من أهل السياسة‬
‫ن هؤلء الزعماء استباحوا القساوة أيضاً‪ ،‬فأخذوا من‬ ‫م إ َّ‬
‫والدين‪ .‬ث َّ‬
‫مهجورات دينهم قاعدة (الغاية تبرر الواسطة)‪ ،‬كجواز السرقة إذا‬
‫كانت الغاية من صرف المال في سبيل الخير‪ ،‬وقاعدة (تثقيل‬

‫‪73‬‬
‫مة الكاهن التي‬ ‫الذمة يبيح الفعل القبيح) كشهادة الزور على ذ ّ‬
‫مل عنها خطيئتها‪ ،‬ودفعوا الناس بهما إلى ارتكاب الجرائم‬ ‫يتح َّ‬
‫الفظيعة التي تقشعُّر منها النسانية‪ ،‬التي ل يستبيحها الحكيم‬
‫الشرقي لما بين أبناء الغرب وأبناء الشرق من التباين في‬
‫الغرائز والخلق‪.‬‬
‫الغربي‪ :‬ماديُّ الحياة‪ ،‬قويُّ النفس‪ ،‬شديد المعاملة‪ ،‬حري ٌ‬
‫ص‬
‫على النتقام‪ ،‬كأنَّه لم يبقَ عنده شيء من المبادئ العالية‬
‫والعواطف الشريفة التي نقلتها له مسيحية الشرق‪ .‬فالجرماني‬
‫ن العضو الضعيف من البشر يستحق‬ ‫مثلً‪ :‬جاف الطبع‪ ،‬يرى أ َّ‬
‫ل القوة في المال‪ ،‬فهو‬ ‫ل فضيلة في القوة‪ ،‬وك َّ‬ ‫الموت‪ ،‬ويرى ك َّ‬
‫ب المجد‪ ،‬ولكن لجل المال‪.‬‬ ‫ب العلم‪ ،‬ولكن‪ ،‬لجل المال؛ ويح ُّ‬ ‫يح ُّ‬
‫وهذا اللتيني مطبوع على العجب والطيش‪ ،‬يرى العقل في‬
‫شرف في التّرف‪ ،‬والكياسة‬ ‫الطلق‪ ،‬والحياة في خلع الحياء‪ ،‬وال ّ‬
‫في الكسب‪ ،‬والعّز في الغلبة‪ ،‬واللذَّة في المائدة والفراش‪.‬‬
‫أما أهل الشرق فهم أدبيون‪ ،‬ويغلب عليهم ضعف القلب‬
‫ب‪ ،‬والصغاء للوجدان‪ ،‬والميل للّرحمة ولو في غير‬ ‫الح ِّ‬ ‫وسلطان‬
‫ُ‬
‫موقعها‪ ،‬والل ّطف ولو مع الخصم‪ .‬ويرون العَّز في الفتوة‬
‫والمروءة‪ ،‬والغنى في القناعة والفضيلة‪ ،‬والراحة في النس‬
‫سكينة‪ ،‬واللذة في الكرم والتحبب‪ ،‬وهم يغضبون‪ ،‬ولكن؛‬ ‫وال ّ‬
‫للدين فقط‪ ،‬ويغارون‪ ،‬ولكن؛ على العِْرض فقط‪.‬‬
‫ق‬
‫ليس من شأن الشرقي أن يسير مع الغربي في طري ٍ‬
‫واحدة‪ ،‬فل تطاوعه طباعه على استباحة ما يستحسنه الغربي‪،‬‬
‫َ‬
‫وإن تكل ّف تقليده في أمر فل يُحسن التقليد‪ ،‬وإن أحسنه فل‬
‫يثبت‪ ،‬وإن ثبت فل يعرف استثماره‪ ،‬حتى لو سقطت الثمرة في‬
‫م في شأن‬ ‫كفِّه تمنّى لو قفزت على فمه!‪ ..‬فالشرقي مثل ً يهت ُّ‬
‫م ل يفكر فيمن يخلفه ول‬ ‫ظالمه إلى أن يزول عنه ظلمه‪ ،‬ث َّ‬
‫ة‪ ،‬فيعيد الكّرة ويعود الظلم إلى ما ل‬ ‫يراقبه‪ ،‬فيقع في الظلم ثاني ً‬
‫نهاية‪ .‬وكأولئك الباطنة في السلم‪ :‬فتكوا بمئات أمراء على غير‬
‫جحرٍ‬‫طائل‪ ،‬كأنَّهم لم يسمعوا بالحكمة النبوية‪" :‬ل يُلدَغ المرء من ُ‬
‫ب المتَّقين‪ .‬أما الغربي‬ ‫ن الله يح ُّ‬ ‫مرتين"‪ ،‬ول بالحكمة القرآنية" ‪‬إ َّ‬
‫َّ‬
‫إذا أخذ على يد ظالمه فل يفلته حتى يشلها‪ ،‬بل حتى يقطعها‬
‫ويكوي مقطعها‪.‬‬
‫ق كثيرة‪ ،‬قد يفضل في‬ ‫وهكذا بين الشرقيين والغربيين فرو ٍ‬
‫الفراديات الشرقي على الغربي‪ ،‬وفي الجتماعيات يفضل‬
‫الغربي على الشرقي مطلقاً‪ .‬مثال ذلك‪ :‬الغربيون يستحلفون‬
‫أميرهم على الصداقة في خدمته لهم والتزام القانون‪ .‬والسلطان‬
‫الشرقي يستحلف الرعية على النقياد والطاعة! الغربيون يَمنّون‬

‫‪74‬‬
‫على ملوكهم بما يرتزقون من فضلتهم‪ ،‬والمراء الشرقيون‬
‫يتكَّرمون على من شاؤوا بإجراء أموالهم عليهم صدقات! الغربي‬
‫ي يعتبر نفسه‬ ‫يعتبر نفسه مالكا ً لجزءٍ مشاع من وطنه‪ ،‬والشرق ّ‬
‫وأولده وما في يديه ملكا ً لميره! الغربي له على أميره حقوق‪،‬‬
‫وليس عليه حقوق؛ والشرقي عليه لميره حقوق وليس له‬
‫حقوق! الغربيون يضعون قانونا ً لميرهم يسري عليه‪ ،‬والشرقيون‬
‫يسيرون على قانون مشيئة أمرائهم! الغربيون قضاؤهم وقدرهم‬
‫من الله؛ والشرقيون قضاؤهم وقدرهم ما يصدر من بين شفتي‬
‫المستعبدين! الشرقي سريع التصديق‪ ،‬والغربي ينفي ول يثبت‬
‫ن شرفه‬ ‫حتى يرى ويلمس‪ .‬الشرقي أكثر ما يغار على الفروج كأ َّ‬
‫كلّه مستودَع ٌ فيها‪ ،‬والغربي أكثر ما يغار على حريته واستقلله!‬
‫ص على‬ ‫ص على الدين والرياء فيه‪ ،‬والغربي حري ٌ‬ ‫الشرقي حري ٌ‬
‫ن الشرقي ابن الماضي‬ ‫َ‬ ‫القوة والعّز والمزيد فيهما! والخلصة‪ :‬أ ّ‬
‫والخيال‪ ،‬والغربي ابن المستقبل والجد!‪...‬‬
‫الحكماء المتأخرون الغربيون ساعدتهم ظروف الزمان‬
‫والمكان‪ ،‬وخصوصية الحوال‪ ،‬لختصار الطريق فسلكوه‪،‬‬
‫واستباحوا ما استباحوا‪ ،‬حتى إنَّهم استباحوا في التمهيد السياسي‬
‫تشجيع أعوان المستبد َّ على تشديد وطأة الظلم والعتساف‬
‫بقصد تعميم الحقد عليه‪ ،‬وبمثل هذه التدابير القاسية نالوا المراد‬
‫أو بعضه‪ ،‬من تحرير الفكار وتهذيب الخلق وجعل النسان‬
‫إنساناً‪.‬‬
‫وقد سبق هؤلء الغُلة فئة اتَّبعت أثر النبيين‪ ،‬ولم تحفل‬
‫بطول الطريق وتعبه‪ ،‬فنجحت ورسخت‪ ،‬وأعني بتلك الفئة أولئك‬
‫ل دين‪،‬‬ ‫سكوا بمعاداة ك ِّ‬ ‫ن جديد‪ ،‬ول تم ّ‬ ‫الحكماء الذين لم يأتوا بدي ٍ‬
‫كمؤسسي جمهورية الفرنسيس‪ ،‬بل رتقوا فُتوق الدّهر في دينهم‬
‫بما نقَّحوا‪ ،‬وهذَّبوا‪ ،‬وسهَّلوا‪ ،‬وقَّربوا‪ ،‬حتى جدَّدوه‪ ،‬وجعلوه صالحاً‬
‫لتجديد خليق أخلق المة‪.‬‬
‫وما أحوج الشرقيين أجمعين من بوذيين ومسلمين‬
‫ومسيحيين وإسرائيليين وغيرهم‪ ،‬إلى حكماء ل يبالون بغوغاء‬
‫العلماء المرائين الغبياء‪ ،‬والرؤساء القساة الجهلء‪ .‬فيجددون‬
‫ق الصريح‪ ،‬نظر من‬ ‫النّظر في الدّين‪ ،‬نظر من ل يحفل بغير الح ِ ّ‬
‫ل يضيع النتائج بتشويش المقدمات‪ ،‬نظر من يقصد إظهار‬
‫الحقيقة ل إظهار الفصاحة‪ ،‬نظر من يريد وجه ربِّه ل استمالة‬
‫َ‬
‫الناس إليه‪ ،‬وبذلك يعيدون النواقص المعط ّلة في الدين‪ ،‬ويهذِّبونه‬
‫ن يتقادم عهده‪،‬‬ ‫ل دي ٍ‬ ‫من الزوائد الباطلة مما يطرأ عادة ً على ك ِّ‬
‫فيحتاج إلى مجددين يرجعون به إلى أصله المبين البريء من‬
‫حيث تمليك الرادة ورفع البلدة من كل ما يشين‪ ،‬المخفِّف شقاء‬

‫‪75‬‬
‫صر بطرائق التعليم والتعلّم الصحيحين‪،‬‬ ‫الستبداد والستعباد‪ ،‬المب ِّ‬
‫المهيّئ قيام التربية الحسنة واستقرار الخلق المنتظمة مما به‬
‫يصير النسان إنساناً‪ ،‬وبه ل بالكفر يعيش الناس إخواناً‪.‬‬
‫والشرقيون ما داموا على حاضر حالهم بعيدين عن المجد‬
‫والعزم‪ ،‬مرتاحين للهو والهزل تسكينا ً للم إسارة النفس‪ ،‬وإخلداً‬
‫إلى الخمول والتسفُّل‪ ،‬طلبا ً لراحة الفكر المضغوط عليه من ك ِّ‬
‫ل‬
‫جانب‪ ،‬يتألمون من تذكيرهم بالحقائق‪ ،‬ومطالبتهم بالوظائف‪،‬‬
‫ينتظرون زوال العناد بالتواكل‪ ،‬أو مجرد التمنّي والدعاء‪ .‬أو‬
‫يتربصون صدفة مثل التي نالتها بعض المم‪ ،‬فليتوقّعوا إذن أن‬
‫يفقدوا الدين كلياً‪ ،‬فيمسوا –وما مساؤهم ببعيد‪ -‬دهريين‪ ،‬ل‬
‫يدرون أي الحياتين أشقى‪ ،‬فلينظروا ما حاق بالشوريين‬
‫والفينيقيين وغيرهم من المم المنقرضة المندمجة في غيرها‬
‫خدما ً و َ‬
‫خوَلً‪.‬‬
‫ل المم المنحطّة من جميع الديان‬ ‫ن ك َّ‬‫والمر الغريب‪ ،‬أ َّ‬
‫تحصر بلية انحطاطها السياسي في تهاونها بأمور دينها‪ ،‬ول ترجو‬
‫سك بعروة الدين تمسكا ً مكيناً‪،‬‬ ‫تحسين حالتها الجتماعية إل بالتم ُّ‬
‫ويريدون بالدين العبادة‪ ،‬ولنِعم العتقاد لو كان يفيد شيئاً‪ ،‬لكنه ل‬
‫ن الدين‬ ‫ل ل يمكن أن يكون وراءه فعل‪ ،‬وذلك أ َّ‬ ‫يفيد أبداً؛ لنه قو ٌ‬
‫بذٌر جيد ل شبهة فيه‪ ،‬فإذا صدقت مغرسا ً طيبا ً نبت ونما‪ ،‬وإن‬
‫صادف أرضا ً قاحلة مات وفات‪ ،‬أو أرضا ً مغراقا ً هاف الستبداد‬
‫بصرها وبصيرتها‪ ،‬وأفسد أخلقها ودينها‪ ،‬حتى صارت ل تعرف‬
‫للدين معنى غير العبادة والنسك اللذين زيادتهما عن حدِّهما‬
‫المشروع أضُّر على المة من نقصهما كما هو مشاهد في‬
‫المتنسكين‪.‬‬
‫نعم! الدين يفيد الترقّي الجتماعي إذا صادف أخلقا ً فطرية‬
‫لم تفسد‪ ،‬فينهض بها كما نهضت السلمية بالعرب‪ ،‬تلك النهضة‬
‫التي نتطلبها منذ ألف عام عبثاً‪.‬‬
‫ن أكثر الناس ل‬ ‫وقد علَّمنا هذا الدهر الطويل –مع السف‪ -‬أ َّ‬
‫يحفلون بالدين إل إذا وافق أغراضهم‪ ،‬أو لهوا ً ورياءً‪ ،‬وعلمنا أ َّ‬
‫ن‬
‫ن العقل ل يفيد العزم‬ ‫الناس عبيد منافعهم وعبيد الزمان‪ ،‬وأ َّ‬
‫عندهم‪ ،‬إنما العزم عندهم يتولّد من الضرورة أو يحصل بالسائق‬
‫المجبر‪ .‬ول يستحي الناس من أن يُلزموا أنفسهم باليمين أو‬
‫النذر‪ .‬بناءً عليه؛ ما أجدر بالمم المنحطّة أن تلتمس دواءها من‬
‫طريق إحياء العلم وإحياء الهمة مع الستعانة بالدين والستفادة‬
‫والمنكر‪ ،‬ل أن يتَّكِلوا‬
‫‪‬‬ ‫صلة تنهى عن الفحشاء‬ ‫منه بمثل‪ :‬إ َّ‬
‫ن ال ّ‬
‫ن الصلة تمنع الناس عنهما بطبعها‪.‬‬ ‫على أ َّ‬

‫‪76‬‬
‫الستبداد والتربية‬

‫ه في النسان استعدادا ً للصلح واستعدادا ً للفساد‪،‬‬ ‫خلق الل ُ‬


‫ن التربية تربو باستعداده‬ ‫فأبواه يصلحانه‪ ،‬وأبواه يفسدانه؛ أي إ َّ‬
‫ن شرا ً فشّر‪ .‬وقد سبق أ َّ‬
‫ن‬ ‫ن خيرا ً فخير‪ ،‬وإ ْ‬ ‫جسما ً ونفسا ً وعقلً‪ ،‬إ ْ‬
‫الستبداد المشؤوم يؤثِّر على الجسام فيورثها السقام‪ ،‬ويسطو‬
‫على النفوس‪ ،‬فيفسد الخلق‪ ،‬ويضغط على العقول فيمنع نماءها‬
‫بالعلم‪ .‬بناءً عليه؛ تكون التربية والستبداد عاملين متعاكسين في‬
‫ل ما تبنيه التربية مع ضعفها يهدمه الستبداد بقوته‪،‬‬ ‫النتائج‪ ،‬فك ُّ‬
‫م بناءٌ وراءه هاد؟‬ ‫وهل يت ُّ‬
‫النسان ل حد َّ لغايتيه رقيّا ً وانحطاطاً‪ .‬وهذا النسان الذي‬
‫مل أمانة تربية النَّفس‪ ،‬وقد أبتها‬ ‫حارت العقول فيه‪ ،‬الذي تح َّ‬
‫م أوكله لخيرته‪ ،‬فهو إن يشأ‬ ‫م خالقه استعداده‪ ،‬ث َّ‬ ‫العوالم‪ ،‬فأت َّ‬
‫الكمال يبلغ فيه إلى ما فوق مرتبة الملئكة‪ ،‬وإن شاء تلبَّس‬
‫ن النسان أقرب للشّرِ‬ ‫ط من الشياطين‪ ،‬على أ َّ‬ ‫بالَّرذائل حتى أح ّ‬
‫ن الله ما ذكر النسان في القرآن‪ ،‬إل وقرن‬ ‫منه للخير‪ .‬وكفى أ َّ‬
‫ف قبيح كظلوم وغرور وكفّار وجبّار وجهول وأثيم‪ .‬ما‬ ‫اسمه بوص ٍ‬
‫ذكر الله تعالى النسان في القرآن إل وهجاه‪ ،‬فقال‪ :‬قُتِل النسا ُ‬
‫ن‬
‫ن النسان‬ ‫س؛ ‪‬إ َّ‬‫خ ٍ‪‬‬ ‫ن النسان لفي ُ‬ ‫ن النسان لكفو ٌ ‪‬ر؛ ‪‬إ َّ‬ ‫ما أكفره‪‬؛ ‪‬إ َّ‬
‫جد‬ ‫ل‪ .‬ما وُ ِ‬ ‫ج ٍ‪‬‬‫خلِق النسان من ع َ َ‬ ‫ليطغى؛ ‪‬وكان النسان ع َجولً ‪‬؛ ‪ُ ‬‬ ‫‪‬‬
‫من مخلوقات الله من نازع الله في عظمته‪ ،‬والمستبدّون من‬
‫النسان ينازعونه فيها‪ ،‬والمتناهون في الّرذالة قد يقبحون عبثاً‬
‫لغير حاجة في النَّفس حتى وقد يتعمدون الساءة لنفسهم‪.‬‬

‫‪77‬‬
‫ن‬
‫م لدِ ٌ‬ ‫النسان في نشأته كالغصن الَّرطب‪ ،‬فهو مستقي ٌ‬
‫بطبعه‪ ،‬ولكنّها أهواء التربية تميل به إلى يمين الخير أو شمال‬
‫ب يبس وبقي على أمياله ما دام حياً‪ ،‬بل تبقى‬ ‫الشّر‪ ،‬فإذا ش َّ‬
‫روحه إلى أبد البدين في نعيم السرور بإيفائه حقَّ وظيفة الحياة‬
‫أو في جحيم الندم على تفريطه‪ .‬وربما كان ل غرابة في تشبيه‬
‫النسان بعد الموت بالمرء الفرح الفخور إذا نام ولذَّت له الحلم‪،‬‬
‫ُ‬
‫أو بالمجرم الجاني إذا نام فغشيته قوارص الوجدان بهواجس كل ّها‬
‫ملم وآلم‪.‬‬
‫ة تحصل بالتعليم والتمرين والقدوة والقتباس‪،‬‬ ‫التربية ملك ٌ‬
‫م فروعها وجود الدين‪ .‬وجعلت‬ ‫م أصولها وجود المرابين‪ ،‬وأه ُّ‬ ‫فأه ُّ‬
‫م ل يفيد العمل إذا لم يكن‬ ‫ن الدين عل ٌ‬ ‫الدين فرعا ً ل أصلً؛ ل َّ‬
‫مقرونا ً بالتمرين‪ .‬وهذا هو سبب اختلف الخلف من علماء الدين‬
‫عند السلم عن أمثالهم من البراهمة والنصارى‪ ،‬وهو سبب إقبال‬
‫المسلمين في القرن الخامس‪ ،‬وفيما بعده‪ ،‬على قبول أصول‬
‫الطرائق التي كانت لبّا ً محضا ً لما كانت تعليما ً وتمريناً؛ أي تربية‬
‫م صار‬ ‫م صارت قشرا ً محضاً‪ ،‬ث َّ‬ ‫م خالطها القشر‪ ،‬ث َّ‬ ‫للمريدين‪ ،‬ث َّ‬
‫أكثرها لهوا ً أو كفراً‪.‬‬
‫ن كانت شرا ً تضافرت مع النّفس‬ ‫ملكة التربية بعد حصولها إ ْ‬
‫ووليها الشيطان الخنّاس فرسخت‪ ،‬وإن كانت خيرا ً تبقى مقلقلة‬
‫ر‬
‫كالسفينة في بحر الهواء‪ ،‬ل يرسو بها إل فرعها الديني في الس ّ ِ‬
‫والعلنية‪ ،‬أو الوازع السياسي عند يقين العقاب‪.‬‬
‫ل ساعة‬ ‫ح صرصر فيه إعصار يجهل النسان ك ّ‬ ‫والستبداد ري ٌ‬
‫م ِ قسميه؛ أي الخلق‪ ،‬أما‬ ‫سد ٌ للدين في أه ّ‬ ‫مف ِ‬ ‫شأنه‪ ،‬وهو ُ‬
‫سها لنها تلئمه أكثر‪ .‬ولهذا تبقى الديان في‬ ‫العبادات منه فل يم ّ‬
‫المم المأسورة عبارة عن عبادات مجّردة صارت عادات‪ ،‬فل‬
‫تفيد في تطهير النفوس شيئاً‪ ،‬ول تنهى عن فحشاء ول منكر لفقد‬
‫الخلص فيها تبعا ً لفقده في النفوس‪ ،‬التي ألفت أن تتلجأ وتتلوّى‬
‫بين يدي سطوة الستبداد في زوايا الكذب والّرياء والخداع‬
‫والنفاق‪ ،‬ولهذا ل يُستغرب في السير الليف تلك الحال؛ أي‬
‫مه ومع قومه‬ ‫الّرياء‪ ،‬أن يستعمله أيضا ً مع ربِّه‪ ،‬ومع أبيه وأ ِّ‬
‫وجنسه‪ ،‬حتى ومع نفسه‪.‬‬
‫التربية تربية الجسم وحده إلى سنتين‪ ،‬هي وظيفة الم أو‬
‫م تُضاف إليها تربية النفس إلى السابعة‪ ،‬وهي وظيفة‬ ‫الحاضنة‪ ،‬ث َّ‬
‫م تُضاف إليها تربية العقل إلى البلوغ‪ ،‬وهي‬ ‫البوين والعائلة معاً‪ ،‬ث ّ‬
‫م تأتي تربية القدوة بالقربين‬ ‫وظيفة المعل ِّمين والمدارس‪ ،‬ث َّ‬
‫م تأتي تربية‬ ‫صدفة‪ ،‬ث َّ‬ ‫والخلطاء إلى الزواج‪ ،‬وهي وظيفة ال ُّ‬
‫المقارنة‪ ،‬وهي وظيفة الزوجين إلى الموت أو الفراق‪.‬‬

‫‪78‬‬
‫ول بد َّ أن تصحب التربية من بعد البلوغ‪ ،‬تربية الظروف‬
‫المحيطة‪ ،‬وتربية الهيئة الجتماعية‪ ،‬وتربية القانون أو سير‬
‫السياسي‪ ،‬وتربية النسان نفسه‪.‬‬
‫ّ‬
‫الحكومات المنتظمة هي التي تتولى ملحظة تسهيل تربية‬
‫ن قوانين‬ ‫المة من حين تكون في ظهور الباء‪ ،‬وذلك بأن تس ّ‬
‫م تفتح‬ ‫النكاح‪ ،‬ثم تعتني بوجود القابلت والملقّحين والطباء‪ ،‬ث َّ‬
‫بيوت اليتام اللقطاء‪ ،‬ثم تعد ُّ المكاتب والمدارس للتعليم من‬
‫م تسهِّل الجتماعات‪،‬‬ ‫البتدائي الجبري إلى أعلى المراتب‪ ،‬ث َّ‬
‫وتمهِّد المسارح‪ ،‬وتحمي المنتديات‪ ،‬وتجمع المكتبات والثار‪،‬‬
‫وتقيم النُّصب المذكرات‪ ،‬وتضع القوانين المحافظة على الداب‬
‫والحقوق‪ ،‬وتسهر على حفظ العادات القومية‪ ،‬وإنماء‬
‫من‬‫سر العمال‪ ،‬وتؤ ِّ‬ ‫الحساسات المللية‪ ،‬وتقوّي المال‪ ،‬وتي ِّ‬
‫ً‬
‫العاجزين فعل ً عن الكسب من الموت جوعا‪ ،‬وتدفع سليمي‬
‫الجسام إلى الكسب ولو في أقصى الرض‪ ،‬وتحمي الفضل‬
‫ل شؤون المرء؛ ولكن‪ ،‬من بعيد‪،‬‬ ‫وتقدِّر الفضيلة‪ .‬وهكذا تلحظ ك َّ‬
‫ل بحريته واستقلله الشخصي‪ ،‬فل تقرب منه إل إذا جنى‬ ‫كي ل تخ ّ‬
‫جرما ً لتعاقبه‪ ،‬أو مات لتواريه‪.‬‬
‫وهكذا‪ ،‬المة تحرص على أن يعيش ابنها راضيا ً بنصيبه من‬
‫ط كيف تكون بعده حالة صبية ضعاف يتركهم‬ ‫حياته ل يفتكر ق ّ‬
‫وراءه‪ ،‬بل يموت مطمئنا ً راضيا ً مرضيا ً آخر دعائه‪ :‬فلتحي المة‪،‬‬
‫فلتحي الهمة‪.‬‬
‫أما المعيشة الفوضى في الدارات المستبدّة فهي غنية عن‬
‫ض نماء يشبه الشجار الطبيعية في الغابات‬ ‫التربية؛ لنها مح ُّ‬
‫والحراش‪ ،‬يسطو عليها الحرق والغرق‪ .‬وتحط ِّمها العواصف‬
‫واليدي القواصف‪ ،‬ويتصَّرف في فسائلها وفروعها الفأس‬
‫العمى‪ ،‬فتعيش ما شاءت رحمة الحطّابين أن تعيش‪ ،‬والخيار‬
‫صدفة تعوج أو تستقيم‪ ،‬تثمر أو تعقم‪.‬‬ ‫لل ُّ‬
‫ل العدالة والحرية نشيطا ً على العمل‬ ‫يعيش النسان في ظ ِّ‬
‫بياض نهاره‪ ،‬وعلى الفكر سواد ليله‪ ،‬إن طعم تلذَّذ‪ ،‬وإن تلهّى‬
‫تروَّح وتريّض؛ لنّه هكذا رأى أبويه وأقرباءه‪ ،‬وهكذا يرى قومه‬
‫الذين يعيش بينهم‪ .‬يراهم رجال ً ونساءً‪ ،‬أغنياء وفقراء‪ ،‬ملوكاً‬
‫ُ‬
‫وصعاليك‪ ،‬كل ّهم دائبين على العمال‪ ،‬يفتخر منهم كاسب الدينار‬
‫دّه‪ .‬نعم؛ يعيش‬ ‫دّه وجدّه‪ ،‬على مالك المليار إرثا ً عن أبيه وج ِ‬ ‫بك ِ‬
‫العامل ناعم البال يسُّره النجاح ول تقبضه الخيبة‪ ،‬إنّما ينتقل من‬
‫ن لم‬ ‫ل إلى غيره‪ ،‬ومن فكرٍ إلى آخر‪ ،‬فيكون متلذذا ً بآماله إ ْ‬ ‫عم ٍ‬
‫سعد في أعماله‪ ،‬وكيفما كان يبلغ العذر عن نفسه‬ ‫يسارعه ال ّ‬

‫‪79‬‬
‫والناس بمجرد إيفائه وظيفة الحياة؛ أي العمل‪ .‬ويكون فرحاً‬
‫فخورا ً نجح أو لم ينجح‪ ،‬لنَّه بريء من عار العجز والبطالة‪.‬‬
‫أما أسير الستبداد‪ ،‬فيعيش خامل ً خامدا ً ضائع القصد‪ ،‬حائراً‬
‫ل يدري كيف يميت ساعاته وأوقاته ويدرج أيامه وأعوامه‪ ،‬كأنَّه‬
‫ص على بلوغ أجله ليستتر تحت التراب‪ .‬ويخطئ‪ ،‬والله من‬ ‫حري ٌ‬
‫ن أكثر السراء ل سيما منهم الفقراء ل يشعرون بآلم‬ ‫ن أ َّ‬
‫يظ ُّ‬
‫السر‪ .‬مستدل ً بأنهم لو كانوا يشعرون لبادروا إلى إزالته‪،‬‬
‫والحقيقة في ذلك أنهم يشعرون بأكثر اللم ولكنهم ل يدركون ما‬
‫هو سببها‪ ،‬ومن أين جاءتهم؟ فيرى أحدهم نفسه منقبضا ً عن‬
‫سلب‬ ‫ن ال ّ‬ ‫العمل‪ ،‬لنه غير أمين على اختصاصه بالثمرة‪ .‬وربما ظ َّ‬
‫م يعمل تارةً‪،‬‬ ‫ن لو كان منهم‪ .‬ث َّ‬ ‫حقا ً طبيعيا ً للقوياء فيتمنّى أ ْ‬
‫ولكن؛ بدون نشاط ول إتقان‪ ،‬فيفشل ضرورةً‪ ،‬ول يدري أيضا ً ما‬
‫ميه سعدا ً أو حظا ً أو طالعا ً أو قدراً‪.‬‬ ‫السبب‪ ،‬فيغضب على ما يس ّ‬
‫ن النشاط والتقان ل يتأتيان إل‬ ‫والمسكين من أين له أن يعرف أ َّ‬
‫مع لذة انتظار نجاح العمل‪ ،‬تلك اللذة التي قدَّر الحكماء أنَّها‬
‫اللذة الكبرى‪ ،‬لستمرار زمانها من حين العزم إلى تمام العمل‪،‬‬
‫والسير ل اطمئنان فيه على الستمرار‪ ،‬ول تشجيع له على الصبر‬
‫والجلد‪.‬‬
‫السير المعذَّب المنتسب إلى دين يسلّي نفسه بالسعادة‬
‫الخروية‪ ،‬فيعدها بجنان ذات أفنان ونعيم مقيم أعدَّه له الرحمن‪،‬‬
‫ن ربما كان خاسراً‬ ‫ن الدنيا عنوان الخرة‪ ،‬وأ َّ‬ ‫ويبعد عن فكره أ َّ‬
‫الصفقتين‪ ،‬بل ذلك هو الكائن غالباً‪ .‬ولبسطاء السلم مسليات‬
‫صة بهم يعطفون مصائبهم عليها‪ ،‬وهي نحو قولهم‪ :‬الدنيا‬ ‫أظنُّها خا ّ‬
‫ب الله عبدا ً ابتله‪ ،‬هذا‬ ‫سجن المؤمن‪ ،‬المؤمن مصاب‪ ،‬إذا أح َّ‬
‫ت يقمن صلبه‪ .‬ويتناسون‬ ‫شأن آخر الزمان‪ ،‬حسب المرء لقيما ٍ‬
‫ن الله يكره العبد البطّال"‪ ،‬والحديث المفيد معنى "إذا‬ ‫حديث‪" :‬إ َّ‬
‫ة فليغرسها"‪ ،‬ويتغافلون عن‬ ‫قامت الساعة وفي يد أحدكم غرس ً‬
‫جل قيام الساعة إلى ما بعد استكمال الرض‬ ‫النص القاطع المؤ ّ‬
‫زخرفتها وزينتها‪ .‬وأين ذلك بعد؟‬
‫م‬ ‫وك ُّ‬
‫ل هذه المسميات المثبطات تهون عند ذلك الس ّ‬
‫القاتل‪ ،‬الذي يحوّل الذهان عن التماس معرفة سبب الشقاء‪،‬‬
‫فيرفع المسؤولية عن المستبدّين‪ ،‬ويلقيها على عاتق القضاء‬
‫والقدر‪ ،‬بل على عاتق الُسراء المساكين أنفسهم‪ .‬وأعني بهذا‬
‫م‪ ،‬فهم العوام‪ ،‬وبله الخواص‪ ،‬لما ورد في التوراة من نحو‪:‬‬ ‫الس ّ‬
‫"اخضعوا للسلطان ول سلطة إل من الله"‪ ،‬و"الحاكم ل يتقلّد‬
‫السيف جزافاً‪ ،‬إنه مقام للنتقام من أهل الشر"‪ ،‬وقد صاغ وع ّاظ‬
‫ل الله في‬ ‫دّثوهم من ذلك قولهم‪" :‬السلطان ظ ُّ‬ ‫المسلمين ومح ِ‬

‫‪80‬‬
‫م ينتقم منه"‪ ،‬و"الملوك‬ ‫الرض"‪ ،‬و"الظالم سيف الله ينتقم به‪ ،‬ث َّ‬
‫ح فهو مقيّد‬ ‫ن ص َّ‬ ‫ل ما ورد في هذا المعنى إ ْ‬ ‫ملهمون"‪ .‬هذا وك ُّ‬
‫بالعدالة أو محتمل للتأويل بما يعقل‪ ،‬وبما ينطبق على حكم الية‬
‫الكريمة التي فيها فصل الخطاب‪ ،‬وهي‪ :‬أل لعنة الله على‬
‫الظالمين‪ ،‬وآية ‪‬فل عدوان إل على الظالمين‪.‬‬
‫م وعمل‪ .‬وليس من شأن المم المملوكة‬ ‫التربية عل ٌ‬
‫نَ‬‫ن يوجد فيها من يعلم التربية ول من يعلمها‪ .‬حتى إ ّ‬ ‫شؤونها‪ ،‬أ ْ‬
‫الباحث ل يرى عند السراء علما ً في التربية مدفونا ً في الكتب‬
‫ما العمل‪ ،‬فكيف يُتصوَّر وجوده بل سبق عزم‪،‬‬ ‫فضل ً عن الذهان‪ .‬أ ّ‬
‫وهو بل سبق يقين‪ ،‬وهو بل سبق علم‪ .‬وقد ورد في الثر "النيّة‬
‫سابقة العمل"‪ .‬وورد في الحديث‪" :‬إنّما العمال بالنيّات"‪ .‬بناءً‬
‫عليه؛ ما أبعد الناس المغصوبة إرادتهم‪ ،‬المغلولة أيديهم‪ ،‬عن‬
‫ل‬‫توجيه الفكر إلى مقصد مفيد كالتربية‪ ،‬أو توجيه الجسم إلى عم ٍ‬
‫نافع كتمرين الوجه على الحياء والقلب على الشفقة‪.‬‬
‫نعم؛ ما أبعد السراء عن الستعداد لقبول التربية‪ ،‬وهي‬
‫قصر النظر على المحاسن والعِبَر‪ ،‬وقصر السمع على الفوائد‬
‫حكَم‪ ،‬وتعويد اللسان على قول الخير‪ ،‬وتعويد اليد على‬ ‫وال ِ‬
‫التقان‪ ،‬وتكبير النفس عن السفاسف‪ ،‬وتكبير الوجدان عن نصرة‬
‫الباطل‪ ،‬ورعاية الترتيب في الشؤون‪ ،‬ورعاية التوفير في الوقت‬
‫والمال‪ .‬والندفاع بالكلّية لحفظ الشرف‪ ،‬لحفظ الحقوق‪،‬‬
‫ب العائلة‪،‬‬ ‫ب الوطن‪ ،‬لح ِّ‬ ‫ولحماية الدين‪ ،‬لحماية الناموس‪ ،‬ولح ِّ‬
‫ولعانة العلم‪ ،‬لعانة الضعيف‪ ،‬ولحتقار الظالمين‪ ،‬لحتقار الحياة‪.‬‬
‫على غير ذلك مما ل ينبت إل في أرض العدل‪ ،‬تحت سماء‬
‫الحرية‪ ،‬في رياض التربيتين العائلية والقومية‪.‬‬
‫الستبداد يُضطُّر النّاس إلى استباحة الكذب والتحيُّل‬
‫س وإماتة النفس ونبذ‬ ‫والخداع والنِّفاق والتذلل‪ .‬وإلى مراغمة الح ِّ‬
‫ن الستبداد‬ ‫الجد ّ وترك العمل‪ ،‬إلى آخره‪ .‬وينتج من ذلك أ َّ‬
‫المشؤوم هو يتولى بطبعه تربية الناس على هذه الخصال‬
‫ن تعبهم في تربية البناء التربية‬ ‫الملعونة‪ .‬بناءً عليه‪ ،‬يرى الباء أ َّ‬
‫ن يذهب عبثا ً تحت أرجل تربية‬ ‫الولى على غير ذلك ل بد َّ أ ْ‬
‫الستبداد‪ ،‬كما ذهبت قبلها تربية آبائهم لهم‪ ،‬أو تربية غيرهم‬
‫لبنائهم سدىً‪.‬‬
‫ن عبيد السلطان التي ل حدود لها هم غير مالكين‬ ‫م إ َّ‬
‫ث َّ‬
‫أنفسهم‪ ،‬ول هم آمنون على أنَّهم يربّون أولدهم لهم‪ .‬بل هم‬
‫يربّون أنعاما ً للمستبدّين‪ ،‬وأعوانا ً لهم عليهم‪ .‬وفي الحقيقة‪ ،‬إ َّ‬
‫ن‬
‫الولد في عهد الستبداد‪ ،‬هم سلسل من حديد يرتبط بها الباء‬
‫على أوتاد الظلم والهوان والخوف التضييق‪ .‬فالتوالد من حيث هو‬

‫‪81‬‬
‫زمن الستبداد حمق‪ ،‬والعتناء بالتربية حمقٌ مضاعف! وقد قال‬
‫الشاعر‪:‬‬
‫ت‬
‫ك مي ٌ‬ ‫لم يُب ِ‬ ‫ن دام هذا ولم تحدث له ِغيٌَر‬ ‫إ ْ‬
‫ولم يُفرح بمولو ِد‬
‫وغالب الُسراء ل يدفعهم للزواج قصد التوالد‪ ،‬إنما يدفعهم‬
‫ل‬‫إليه الجهل المظلم‪ ،‬وأنَّهم حتى الغنياء منهم محرومون من ك ِّ‬
‫الملذ ّات الحقيقية‪ :‬كلذ ّة العلم وتعليمه‪ ،‬ولذ ّة المجد والحماية‪،‬‬
‫ولذ ّة اليثار والبذل‪ ،‬ولذ ّة إحراز مقام في القلوب‪ ،‬ولذ ّة نفوذ‬
‫الرأي الصائب‪ ،‬ولذ ّة كِبَر النفس عند السفاسف‪ ،‬إلى غير ذلك‬
‫من الملذ ّات الروحية‪.‬‬
‫أما ملذ ّات هؤلء التعساء فهي مقصورة على لذتين اثنتين؛‬
‫الولى منها لذة الكل‪ ،‬وهي جعلهم بطونهم مقابر للحيوانات إن‬
‫سرت‪ ،‬وإل فمزابل للنباتات‪ ،‬أو بجعلهم أجسامهم في الوجود‬ ‫تي َّ‬
‫كما قيل‪ :‬أنابيب بين المطبخ و(الكنيف)‪ ،‬أو جعلها معامل لتجهيز‬
‫الخبثين‪ .‬واللذ ّة الثانية هي الّرعشة باستفراغ الشهوة‪ ،‬كأن‬
‫أجسامهم خلقت دمامل جرب على أديم الرض‪ ،‬يطيب لها الح ّ‬
‫ك‬
‫ووظيفتها توليد الصديد ودفعه‪ .‬وهذا الشره البهيمي في البِعال‬
‫هو ما يعمي السراء ويرميهم بالزواج والتوالد‪.‬‬
‫العِرض –زمن الستبداد‪ -‬كسائر الحقوق غير مصون‪ ،‬بل هو‬
‫ساق من المستبدين والشرار من أعوانهم‪،‬‬ ‫معَّرض لهتك ال ُف ّ‬
‫فإنهم‪ ،‬كما أخبر القرآن عن الفراعنة‪ ،‬يأسرون الولد ويستحيون‬
‫النساء‪ ،‬خصوصا ً في الحواضر الصغيرة والقرى المستضعف‬
‫ن المم التي تقع تحت أسر أمةٍ‬ ‫أهلها‪ .‬ومن المور المشاهدة أ َّ‬
‫تغايرها في السيماء‪ ،‬ل يمضي عليها أجيال إل وتغشو فيها سيماء‬
‫السرين‪ :‬كسواد العيون في السبانيول‪ ،‬وبياض البشرة في‬
‫ب الذي ل‬ ‫الفريقيين‪ .‬وعدم الطمئنان على العِرض يُضعف الح ّ‬
‫م إل بالختصاص‪ ،‬ويُضعف لصقة الولد بأزواج أمهاتهم‪،‬‬ ‫يت ُّ‬
‫مل مشاق التربية‪ ،‬تلك الغيرة التي لجلها‬ ‫فتضعف الغَيرة على تح ّ‬
‫سفاح‪.‬‬ ‫شَّرع الله النكاح‪ ،‬وحَّرم ال ِّ‬
‫ل كبير في تسهيل التربية‪ ،‬وأين‬ ‫سعة والفقر أيضا ً دخ ٌ‬ ‫لل ّ‬
‫ن لنتظام المعيشة ولو مع الفقر‬ ‫سعة؟! كما أ َّ‬ ‫السراء من ال ّ‬
‫ُ‬
‫علقة قوية في التربية‪ ،‬ومعيشة السراء أغنياء كانوا أو معدمين‪،‬‬
‫ل في خلل‪ ،‬وضيقٌ في ضيق‪ ،‬وذلك يجعل السير هيّن‬ ‫كلُّها خل ٌ‬
‫النفس‪ ،‬وهذا أول دركات النحطاط‪ ،‬يرى ذاته ل يستحقُّ المزيد‬
‫في النعيم مطعما ً ومشربا ً وملبسا ً ومسكناً‪ ،‬وهذا ثاني الدركات‬
‫ويرى استعداده قاصرا ً عن الترقّي في العلم‪ ،‬وهذا ثالثها‪ ،‬ويرى‬

‫‪82‬‬
‫حياته على بساطتها ل تقوى إل بمعاونة غيره له‪ ،‬وهذا رابعها‪،‬‬
‫م جّرا!‪.‬‬‫وهل َّ‬
‫م لماذا‬ ‫بناءً عليه؛ ما أبعد الُسراء عن النشاط للتربية‪ ،‬ث َّ‬
‫ن نوَّروا أولدهم بالعلم جنوا عليهم‬ ‫ملون مشاقَّ التربية‪ ،‬وهم إ ْ‬ ‫يتح َّ‬
‫بتقوية إحساسهم‪ ،‬فيزيدونهم شقاءً‪ ،‬ويزيدونهم بلءً‪ ،‬ولهذا ل غرو‬
‫أن يختار السراء الذين فيهم بقية من الدراك‪ ،‬ترك أولدهم هملً‬
‫تجرفهم البلهة إلى حيث تشاء‪.‬‬
‫وإذا افتكرنا كيف ينشأ السير في البيت الفقير‪ ،‬وكيف‬
‫يتربَّى‪،‬نجد أنَّه يُلقَّح به‪ ،‬وفي الغالب أبواه متناكدان متشاكسان‪،‬‬
‫مه فتشتمه‪ ،‬أو زاد آلم حياتها‬ ‫م إذا تحَّرك جنينا ً حَّرك شراسة أ ِّ‬ ‫ث َّ‬
‫فتضربه‪ ،‬فإذا ما ضيَّقت عليه بطنها للفتها النحناء خمول ً والتصرر‬
‫ُ‬
‫صغاراً‪ ،‬والتقل ّص لضيق فراش الفقر‪ ،‬ومتى ولدته ضغطت عليه‬
‫َ‬
‫بالقماط اقتصادا ً وجهلً‪ ،‬فإذا تأل ّم وبكى سدَّت فمه بثديها‪ ،‬أو‬
‫ضا ً أو بدوار السرير‪ ،‬أو سقته مخدرا ً عجزا ً عن‬ ‫قطعت نفسه خ ّ‬
‫نفقة الطبيب‪ ،‬فإذا ما فُطِم‪ ،‬يأتيه الغذاء الفاسد يضيق معدته‪،‬‬
‫ويفسد مزاجه‪ ،‬فإذا كان قوي البنية طويل العمر وترعرع‪ ،‬يُمنع‬
‫من رياضة اللعب لضيق البيت‪ ،‬فإذا سأل واستفهم ماذا وما هذا‬
‫خلُق أبويه‪ ،‬وإن جالسهما ليألف‬ ‫جر ويلكم لضيق ُ‬ ‫ليتعلّم‪ ،‬يُز َ‬
‫جس يبعدانه كي ل يقف على‬ ‫المعاشرة‪ ،‬وينتفي عنه التو ّ‬
‫أسرارهما‪ ،‬فيسترقها منه الجيران الخلطاء‪ ،‬فتنمى أعوان‬
‫الظالمين وما أكثرهم‪ ،‬فإذا قويت رجله يُدفع به إلى خارج الباب‪،‬‬
‫إلى مدرسة اللفة على القذارة‪ ،‬وتعلّم صيغ الشتائم والسباب‪،‬‬
‫ن عاش ونشأ وُضع في مكتب أو عند ذي صنعة‪ ،‬فيكون أكبر‬ ‫فإ ْ‬
‫سراح والمراح‪ .‬فإذا بلغ الشباب‪ ،‬ربطه‬ ‫القصد ربطه عن ال ّ‬
‫أولياؤه على وتد الزواج كي ل يفّر من مشاكلتهم في شقاء‬
‫م هو يتولى‬ ‫الحياة‪ ،‬ليجني هو على نسله كما جنى عليه أبواه‪ ،‬ث َّ‬
‫التضييق على نفسه بأطواق الجهل وقيود الخوف‪ ،‬ويتولى‬
‫المستبدّون التضييق على عقله ولسانه وعمله وأمله‪.‬‬
‫وهكذا يعيش السير في حين يكون نسمة في ضيق‬
‫مٍ‪ ،‬يو ِدّع سقما ً ويستقبل‬ ‫م ٍ ووادي غ ّ‬ ‫وضغط‪ ،‬يهرول ما بين عتبة ه ّ‬
‫سقما ً إلى أن يفوز بنعمة الموت مضيعا ً دنياه مع آخرته‪ ،‬فيموت‬
‫غير آسف ول مأسوف عليه‪.‬‬
‫وما أظلم من يؤاخذ السراء على عدم اعتنائهم بلوازم‬
‫حته وهو‬ ‫الحياة‪ .‬فالنظافة مثلً‪ :‬لماذا يهتم بها السير؟ هل لجل ص َّ‬
‫َ‬
‫ض مستمّر؟ أم لجل لذَّته وهو المتألم كيفما تقل ّب جسمه‬ ‫في مر ٍ‬
‫َ‬
‫أو نظره؟ أم لجل ذوق من يجالس أو يؤاكل‪ ،‬وهو من عفّت‬
‫نفسه صحبة الحياة؟‬

‫‪83‬‬
‫ل شرا ً من‬ ‫ن حالة أغنياء السراء هي أق ُّ‬ ‫ن المطالع أ َّ‬‫ول يظن َّ‬
‫ة‪ ،‬وأقصر عمرا ً من هذا‪ ،‬إذا‬ ‫هذا؛ كل‪ ،‬بل هم أشقى وأق ّ‬
‫ل عافي ً‬
‫نقصتهم بعض المنغِّصات‪ ،‬تزيد فيهم مشاق التظاهر بالراحة‬
‫ح قليله فكثيره الكاذب‬ ‫والرفاه والعّزة والمنعة‪ ،‬تظاهرا ً إن ص َّ‬
‫ل ثقيل على عواتقهم كالسكران يتصاحى فيُبتلى بالصداع‪ ،‬أو‬ ‫حم ٌ‬
‫كالعاهرة البائسة تتضاحك لترضي الزاني‪.‬‬
‫حياة السير تشبه حياة النائم المزعوج بالحلم‪ ،‬فهي حياة‬
‫ل روح فيها‪ ،‬حياة وظيفتها تمثيل مندرسات الجسم فقط‪ ،‬ول‬
‫علقة لها بحفظ المزايا البشرية‪ ،‬وبناءً على هذا؛ كان فاقد‬
‫ي بالنسبة لغيره؛‬ ‫ت بالنسبة لنفسه‪ ،‬ح ٌّ‬ ‫الحرية ل أنانية له لنه مي ٌ‬
‫كأنَّه ل شيء في ذاته‪ ،‬إنَّما هو شيء بالضافة‪ .‬ومن كان وجوده‬
‫في الوجود بهذه الصورة وهي الفناء في المستبدين‪ ،‬حقَّ له أن‬
‫ن‬‫ل يشعر بوظيفة شخصية فضل ً عن وظيفة اجتماعية‪ .‬ولول أ ْ‬
‫ليس في الكون شيء غير تابع لنظام حتى الجماد‪ ،‬حتى فلتات‬
‫ن‬‫صدف التي هي مسببات لسباب نادرة‪ ،‬لحكمنا بأ َّ‬ ‫الطبيعة وال ُّ‬
‫معيشة السراء هي محض فوضى‪ ،‬ل شبه فوضى‪.‬‬
‫ن للسراء‪ ،‬قوانين غريبة‬ ‫ن التدقيق العميق‪ ،‬يفيدنا بأ َّ‬ ‫على أ َّ‬
‫في مقاومة الفناء يصعب ضبطها وتعريفها‪ ،‬إنما السير يرضعها‬
‫مع لبن أمه‪ ،‬ويتربَى عليها‪ ،‬وقد يبدع فيها بسائق الحاجة‪ ،‬ويكون‬
‫منهم الحاذق فيها علماً‪ ،‬الماهر في تطبيقها عملً‪ ،‬هو الموفَّق في‬
‫ما‬ ‫ميدان حرب الحياة مع الذل‪ ،‬كالهنود واليهود‪ .‬والعاجز عنها‪ ،‬إ ّ‬
‫جاهل هذا القانون أو العاجز فطرة ً عن اتِّباعه كالعرب مثلً‪ ،‬فل‬
‫يخرج عن كونه كرة يلعب بها صبيان الستبداد‪ ،‬تارةً يضربون بها‬
‫الرض أو الحيطان‪ ،‬وأما إذا كان عجزه كما يقال عن عرق‬
‫هاشمي‪ ،‬أي عن شيءٍ من كرامة نفس أو قوة إحساس أو‬
‫سر ول تلين‪.‬‬ ‫جسارة جنان‪ ،‬فيكون كالحجارة تتك َّ‬
‫قوانين حياة السير هي مقتضيات الشؤون المحيطة به‪،‬‬
‫التي تضطره لن يطبق إحساساته عليها‪ ،‬ويدبِّر نفسه على‬
‫موجبها‪ ،‬وذلك نحو مقابلة التجبُّر عليه بالتذلل والتّصاغر‪ ،‬وتعديل‬
‫ل‬‫الشدة عليه بالتلين والمطاوعة‪ ،‬وإعطاء المطلوب منه بعد قلي ٍ‬
‫ن المطلوب هو ابنه لمجزرة الجندية أو ابنته‬ ‫من التمنُّع‪ ،‬ولو أ َّ‬
‫لفراش شيٍخ شرير‪ ،‬والمطالبة في الحقوق بصفة استعطاف كأنَّه‬
‫حفظ المال‬ ‫طالب صدقة‪ ،‬وكسب المعاش مع شكاية الحاجة‪ ،‬و ِ‬
‫بإخفائه عن العين‪ ،‬والتعامي عن زلّت المستبدين‪ ،‬والتصامم‬
‫س أو تعطيله‬ ‫عن سماع ما يُهان به‪ ،‬والتظاهر بفقد الح ّ‬
‫بالمخدرات القوية كالفيون والحشيش‪ ،‬وتعطيل العقل بالتّباله‬
‫وستر العلم بالتجاهل‪ ،‬والرتداء بالتدين والرياء‪ ،‬وتعويد اللسان‬

‫‪84‬‬
‫ل خير إلى فضل‬ ‫على الّزلقة في عبائر التصاغر والتملّق‪ ،‬وعزو ك ّ‬
‫المستبدين حتى إذا كان الخير طبيعيا ً نحو مطر السماء‪ ،‬فعزوه‬
‫ل شّرٍ ولو من نوع‬ ‫إلى يُمن الحكام أو دعاء الكهنة‪ .‬ويسند ك َّ‬
‫ُ‬
‫التسل ّط على العراض‪ ،‬على الستحقاق من جانب الله‪ .‬إلى غير‬
‫ل‬‫ذلك من أحكام ذلك القانون‪ ،‬الذي رؤوس مسائله فقط تم ّ‬
‫القارئ فضل ً عن تفصيلتها‪.‬‬
‫ن أخوف ما يخافه السير هو أن يظهر عليه أثر نعمة الله‬ ‫إ َّ‬
‫في الجسم أو المال‪ ،‬فتصيبه عين الجواسيس (وهذا أصل عقيدة‬
‫إصابة العين)! أو أن يظهر له شأن في علم ٍ أو جاهٍ أو نعمةٍ‬
‫مهمة‪ ،‬فيسعى به حاسدوه إلى المستبدِّ (وهذا أصل شر الحسد‬
‫الذي يُتعوَّذ منه)! وقد يتحيّل السير على حفظ ماله الذي ل‬
‫يمكنه إخفاؤه كالزوجة الجميلة‪ ،‬أو الدابة الثمينة‪ ،‬أو الدار‬
‫الكبيرة‪ ،‬فيحميها بإسناد الشؤم‪( ،‬وهذا أصل التشاؤم بالقدام‬
‫والنواصي والعتاب)‪.‬‬
‫ن السراء يبغضون المستبدَّ‪ ،‬ول‬ ‫ُ‬ ‫ومن غريب الحوال أ َّ‬
‫يقوون على استعمالهم معه البأس الطبيعي الموجود في النسان‬
‫إذا غضب‪ ،‬فيصرفون بأسهم في وجهة أخرى ظلماً‪ :‬فيُعادون من‬
‫ة‪ ،‬أو الغرباء‪ ،‬أو يظلمون نساءهم ونحو ذلك‪.‬‬ ‫ة مستضعف ً‬ ‫بينهم فئ ً‬
‫مثَلُهم في ذلك مثل الكلب الهلية‪ ،‬إذا أريد منها الحراسة‬ ‫و َ‬
‫والشراسة‪ ،‬فأصحابها يربطونها نهارا ً ويطلقونها ليل ً فتصير‬
‫َ‬
‫شرسة عقورة‪ ،‬وبهذا التعليل تعل ّل جسارة السراء أحيانا ً في‬
‫محارباتهم‪ ،‬ل أنها جسارة عن شجاعة‪ .‬وأحيانا ً تكون جسارة‬
‫السراء عن التناهي في الجبانة أمام المستبدِّ الذي يسوقهم إلى‬
‫الموت‪ ،‬فيطيعونه انذعارا ً كما تطيع الغنمة الذئب فتهرول بين‬
‫يديه إلى حيث يأكلها‪.‬‬
‫ن التربية غير مقصودة‪ ،‬ول مقدورة‬ ‫وقد اتَّضح مما تقدَّم أ َّ‬
‫في ظلل الستبداد إل ما قد يكون بالتخويف من القوة القاهرة‪،‬‬
‫وهذا النوع يستلزم انخلع القلوب ل تزكية النفوس‪ .‬وقد أجمع‬
‫ن القناع خير من‬ ‫علماء الجتماع والخلق والتربية على أ َّ‬
‫ن التعليم مع الحرية بين المعل ِّم‬ ‫الترغيب فضل ً عن الترهيب‪ ،‬وإ َّ‬
‫ن التعليم عن رغبة في‬ ‫والمتعل ِّم أفضل من التعليم مع الوقار‪ ،‬وأ َّ‬
‫مل أرسخ من العلم الحاصل طمعا ً في المكافأة‪ ،‬أو غيرة من‬ ‫التك ُّ‬
‫ن المدارس تقلل‬ ‫القران‪ .‬وعلى هذه القاعدة بنوا قولهم‪ :‬إ َّ‬
‫َّ‬ ‫الجنايات ل السجون‪ ،‬وقولهم‪ :‬إ َّ‬
‫ن القصاص والمعاقبة قلما يفيدان‬
‫في زجر النفس كما قال الحكيم العربي‪:‬‬
‫ما لم يكن‬ ‫ل ترجع النفس عن غيّها‬
‫منها لها زاجُر‬

‫‪85‬‬
‫ومن يتأمل جيدا ً في قوله تعالى‪ :‬ولكم في القصاص حياة ٌ يا‬
‫ة‪ :‬هو التساوي مطلقاً‪،‬‬ ‫ن معنى القصاص لغ ً‬ ‫أولي اللباب‪ ‬ملحظا ً أ َّ‬
‫ل مقصورا ً على المعاقبة بالمثل في الجنايات فقط‪ ،‬ويدقق النظر‬
‫في القرآن الكريم وسائر الكتب السماوية‪ ،‬ويتَّبع مسالك الُّرسل‬
‫ن العتناء في طريق‬ ‫العظام –عليهم الصلة والسلم‪ -‬يرى أ َّ‬
‫م إلى الطماع عاجل ً أو آجلً‪،‬‬ ‫ف إلى القناع‪ ،‬ث َّ‬ ‫الهداية فيها منصر ٌ‬
‫ً‬
‫م إلى الترهيب الجل غالبا ومع ترك أبواب تُدلي إلى النجاة‪.‬‬ ‫ث َّ‬
‫ن التربية التي هي ضالّة المم‪ ،‬وفقدها هي المصيبة‬ ‫م إ َّ‬ ‫ث َّ‬
‫العظيمة‪ ،‬التي هي المسألة الجتماعية؛ حيث النسان يكون‬
‫إنسانا ً بتربيته‪ ،‬وكما يكون الباء يكون البناء‪ ،‬وكما تكون الفراد‬
‫مة‪ ،‬والتربية المطلوبة هي التربية المرتَّبة على إعداد‬ ‫تكون ال ّ‬
‫م على تقوية‬ ‫م على حسن التفهيم والقناع‪ ،‬ث َّ‬ ‫العقل للتمييز‪ ،‬ث َّ‬
‫م على حسن القدوة‬ ‫م على التمرين والتعويد‪ ،‬ث َّ‬ ‫مة والعزيمة‪ ،‬ث َّ‬ ‫اله ّ‬
‫سط والعتدال‪،‬‬ ‫م على التو ّ‬ ‫م على المواظبة والتقان‪ ،‬ث َّ‬ ‫والمثال‪ ،‬ث َّ‬
‫ة بتربية الجسم‪ ،‬لنهما متصاحبان‬ ‫ن تكون تربية العقل مصحوب ً‬ ‫وأ ْ‬
‫صحة واعتللً‪ ،‬فإنه يقتضي تعويد الجسم على النظافة وعلى‬
‫مل المشاقّ‪ ،‬والمهارة في الحركات‪ ،‬والتوقيت في النوم‬ ‫تح ّ‬
‫والغذاء والعبادة‪ ،‬والترتيب في العمل وفي الرياضة والراحة‪ .‬وأن‬
‫تكون تلكما التربيتين مصحوبتين أيضا ً بتربية النفس على معرفة‬
‫خالقها ومراقبته والخوف منه‪ .‬فإذا كان ل مطمع في التربية‬
‫مة على هذه الصول بمانع طبيعة الستبداد‪ ،‬فل يكون لعقلء‬ ‫العا ّ‬
‫المبتلين به إل أن يسعوا أول ً وراء إزالة المانع الضاغط على هذه‬
‫م بعد ذلك يعتنوا بالتربية؛ حيث يمكنهم حينئذ ٍ أن ينالوها‬ ‫العقول‪ ،‬ث َّ‬
‫على توالي البطون‪ ،‬والله الموفق‪.‬‬

‫‪86‬‬
‫الستبداد والتر ِّ‬
‫قي‬

‫ص وهبوط‪.‬‬ ‫ة في الخليقة بين شخو ٍ‬ ‫سن َّ ٌ‬


‫ة دائب ٌ‬ ‫الحركة ُ‬
‫فالترقّي هو الحركة الحيوية؛ أي حركة الشخوص‪ ،‬ويقابله الهبوط‬
‫وهو الحركة إلى الموت أو النحلل أو الستحالة أو النقلب‪.‬‬
‫سنّة كما هي عاملة في المادة وأعراضها‪ ،‬عاملة‬ ‫وهذه ال ُّ‬
‫شارح لذلك آية‪ :‬يُخرِج‬ ‫َ‬
‫أيضا ً في الكيفيات ومرك ّباتها‪ ،‬والقول ال ّ‬
‫م أمٌر إل‬ ‫ي‪ ،‬وحديث‪" :‬ما ت َّ‬‫ي من الميّت ويُخرج الميّت من الح ّ‬ ‫الح َّ‬
‫ن الحياة‬ ‫وبدا نقصه"‪ ،‬وقولهم‪" :‬التاريخ يعيد نفسه"‪ .‬وحكمهم بأ َّ‬
‫والموت حقّان طبيعيان‪.‬‬
‫وهذه الحركة الجسمية والنفسية والعقلية ل تقتضي السير‬
‫إلى النهاية شخوصا ً أو هبوطاً؛ بل هي أشبه بميزان الحرارة‪ ،‬ك ُّ‬
‫ل‬
‫ساعة في شأن‪ ،‬والعبرة في الحكم للوجهة الغالبة‪ ،‬فإذا رأينا آثار‬
‫حركة الترقّي هي الغالبة على أفرادها‪ ،‬حكمنا لها بالحياة‪ ،‬ومتى‬
‫رأينا عكس ذلك قضينا عليها بالموت‪.‬‬
‫مة هي مجموعة أفراد يجمعها نسب أو وطن أو لغة أو‬ ‫ال ّ‬
‫ن البناء مجموع أنقاض‪ ،‬فحسبما تكون النقاض جنساً‬ ‫دين‪ ،‬كما أ َّ‬
‫َ‬
‫وجمال ً وقوّةً يكون البناء‪ ،‬فإذا ترقَّت أو انحط ّت المة ترقَّت‬

‫‪87‬‬
‫مة تؤث ِّر في‬ ‫الفرد الواحد من ال ّ‬ ‫ن حالة‬ ‫هيئتها الجتماعية‪ ،‬حتى إ َّ‬
‫مجموع تلك المة‪ .‬كما إذا لو اختلَّت حجرة من حصن يخت ُّ‬
‫ل‬
‫ن كان ل يشعر بذلك‪ ،‬كما لو وقفت بعوضة على‬ ‫مجموعه وإ ْ‬
‫ن لم يُدَرك ذلك‬ ‫طرف سفينة عظيمة أثقلتها وأمالتها وإ ْ‬
‫بالمشاعر‪ .‬وبعض السياسيين بنى على هذه القاعدة‪ :‬أنَّه يكفي‬
‫ل فرد منها في ترقية نفسه بدون أن يفتكر‬ ‫المة رقيّا ً أن يجتهد ك ُّ‬
‫في ترقّي مجموع المة‪.‬‬
‫مته هو‬ ‫الترقّي الحيوي الذي يجتهد فيه النسان بفطرته وه ّ‬
‫ة وتلذُّذاً‪ ،‬ثانياً‪ :‬الترقّي في القوّة‬ ‫أولً‪ :‬الترقّي في الجسم ص ّ‬
‫ح ً‬
‫بالعلم والمال‪ ،‬ثالثاً‪ :‬الترقّي في النفس بالخصال والمفاخر‪،‬‬
‫رابعاً‪ :‬الترقّي بالعائلة استئناسا ً وتعاوناً‪ ،‬خامساً‪ :‬الترقّي بالعشيرة‬
‫تناصرا ً عند الطوارئ‪ ،‬سادساً‪ :‬الترقّي بالنسانية‪ ،‬وهذا منتهى‬
‫الترقّي‪.‬‬
‫وهناك نوع ٌ آخر من الترقّي ويتعلق بالروح وبالكمال‪ ،‬وهو‬
‫ن لها وراء حياتها هذه حياةً‬ ‫ن النسان يحمل نفسا ً ملهمة بأ َّ‬ ‫أ َّ‬
‫أخرى يترقّى بها على سلّم العدل والرحمة والحسنات‪ .‬فأهل‬
‫الديان –ما عدا أهل التوراة‪ -‬يؤمنون بالبعث أو التناسخ‪ ،‬فيأتون‬
‫بالعدل والرحمة رجاء المكافأة أو خوف المجازاة‪ ،‬وهم من قبيل‬
‫الطبيعيين يعتبرون أنفسهم مدينين للنسانية بحفظها تاريخ الحياة‬
‫حسن‬ ‫الطبيعية‪ ،‬فيلتزمون بخدمتها اهتماما ً بحياتهم التاريخية ب ُ‬
‫الذ ّكر أو قبحه‪.‬‬
‫وهذه الترقّيات‪ ،‬على أنواعها الستّة‪ ،‬ل يزال النسان يسعى‬
‫ما هو‬ ‫وراءها ما لم يعترضه مانع غالب يسلب إرادته‪ ،‬وهذا المانع إ َّ‬
‫مى عند البعض بالعجز الطبيعي‪ ،‬أو هو‬ ‫القدر المحتوم‪ ،‬المس ّ‬
‫م‬‫ة‪ ،‬ث َّ‬ ‫ن القدر يصدم سير الترقّي لمح ً‬ ‫الستبداد المشؤوم‪ .‬على أ َّ‬
‫يطلقه فيكُّر راقياً‪ .‬وأما الستبداد فإنَّه يقلب السير من الترقّي‬
‫إلى النحطاط‪ ،‬ومن التقدم إلى التأخر‪ ،‬من النماء إلى الفناء‪،‬‬
‫ويلزم المة ملزمة الغريم الشحيح‪ ،‬ويفعل فيها دهرا ً طويلً‬
‫أفعاله التي تقدَّم وصف بعضها في البحاث السابقة‪ ،‬أفعاله التي‬
‫تبلغ بالمة حطّة العجماوات فل يهمها غير حفظ حياتها الحيوانية‬
‫ة ظاهرة‬ ‫فقط‪ ،‬بل قد تبيح حياتها هذه الدنيئة أيضا ً الستبداد إباح ً‬
‫ن يختار الموت على الذل‪ ،‬وهذه‬ ‫أو خفيّة‪ .‬ول عار على النسان أ ْ‬
‫سَرت كبيرة قد تأبى الغذاء حتى‬ ‫ُ‬
‫سباع الطير والوحوش إذا أ ِ‬
‫الموت‪.‬‬
‫وقد يبلغ فعل الستبداد بالمة أن يحوِّل ميلها الطبيعي من‬
‫طلب الترقّي إلى التسفُّل‪ ،‬بحيث لو دُفِعَت إلى الّرِفعة لبت‬
‫ُ‬ ‫َ‬ ‫َ‬
‫مت بالحرية تشقى‪،‬‬ ‫وتأل ّمت كما يتأل ّم الجهر من النور‪ ،‬وإذا ألزِ َ‬

‫‪88‬‬
‫وربما تفنى كالبهائم الهلية إذا أُطلِق سراحها‪ .‬عندئذ ٍ يصير‬
‫الستبداد كالعلق يطيب له المقام على امتصاص دم المة‪ ،‬فل‬
‫ك عنها حتى تموت ويموت هو بموتها‪.‬‬ ‫ينف ُّ‬
‫وتوصف حركة الترقّي والنحطاط في الشؤون الحيوية‬
‫للنسان؛ أنها من نوع الحركة الدودية‪ ،‬التي تحصل بالندفاع‬
‫ن النسان يولد وهو أعجز حراكا ً وإدراكا ً من‬ ‫والنقباض‪ ،‬وذلك أ َّ‬
‫م يأخذ في السير‪ ،‬تدفعه الرغائب النفسية والعقلية‬ ‫ل حيوان‪ ،‬ث َّ‬ ‫ك ِّ‬
‫وتقبضه الموانع الطبيعية والمزاحمة‪ .‬وهذا سُّر أن النسان ينتابه‬
‫الخير والشر‪ .‬وهو سُّر ما ورد في القرآن الكريم من ابتلء الله‬
‫ن الخير‬‫الناس بالخير والشر‪ ،‬وهو معنى ما ورد في الثر بأ َّ‬
‫ط بذيل الخير‪ ،‬وهو المراد من‬ ‫مربوط بذيل الشر‪ ،‬والشر مربو ٌ‬
‫أقوال الحكماء نحو‪ :‬على قدر النّعمة تكون النقمة‪ ،‬على قدر‬
‫سجال‪ ،‬العاقل‬ ‫ب ِ‬ ‫الهمم تأتي العزائم‪ ،‬بين السعادة والشقاء حر ٌ‬
‫من يستفيد من مصيبته‪ ،‬والكيِّس من يستفيد من مصيبته ومصيبة‬
‫غيره‪ ،‬والحكيم من يبتهج بالمصائب ليقطف منها الفوائد‪ ،‬ما كان‬
‫في الحياة لذ ّة لو لم يتخللها آلم‪.‬‬
‫ن سبيل النسان هو الرقي‪ ،‬ما‬ ‫فإذا تقرر هذا فليعلم أيضا ً أ َّ‬
‫دام جناحا الندفاع والنقباض فيه متوازيين كتوازن اليجابية‬
‫والسلبية في الكهربائية‪ ،‬وسبيله القهقرى إن غلبته الطبيعة أو‬
‫ن الندفاع إذا غلب فيه العقل النفس‪ ،‬كانت‬ ‫م إ َّ‬‫المزاحمة‪ .‬ث َّ‬
‫ن غلبت النفس العقل‪ ،‬كانت الوجهة إلى‬ ‫الوجهة إلى الحكمة‪ ،‬وإ ْ‬
‫الزيغ‪ .‬أما النقباض؛ فالمعتدل منه هو السائق للعمل‪ ،‬والقوي‬
‫ك للحركة‪ ،‬والستبداد المشؤوم الذي نبحث فيه هو‬ ‫مهل ِ ٌ‬ ‫منه ُ‬
‫قابض ضاغط مسكن‪ ،‬والمبتلون به هم المساكين‪ .‬نعم‪ :‬أسراء‬
‫الستبداد أحقُّ بوصف المساكين من عجزة الفقراء‪.‬‬
‫ولو ملك الفقهاء حرية النظر لخرجوا من الختلف في‬
‫تعريف المساكين الذين جعل لهم الله نصيبا ً من الزكاة فقالوا‪:‬‬
‫ك الرقاب تشمل هذا الرقّ‬ ‫هم عبيد الستبداد‪ ،‬ولجعلوا كفَّارات ف ِ ّ‬
‫الكبر‪.‬‬
‫ُّ‬ ‫ُ‬
‫أسراء الستبداد حتى الغنياء منهم كلهم مساكين ل حراك‬
‫فيهم‪ ،‬يعيشون منحطّين في الدراك‪ ،‬منحط ِّين في الحساس‪،‬‬
‫منحطّين في الخلق‪ .‬وما أظلم توجيه اللوم عليهم بغير لسان‬
‫الرأفة والرشاد‪ ،‬وقد أبدع من شبَّه حالتهم بدود تحت صخرة‪،‬‬
‫فما أليق باللئمين أن يكونوا مشفقين يسعون في رفع الصخرة‬
‫ولو حتّا ً بالظافر ذَّرة ً بعد ذّرة‪.‬‬
‫ن أهم ما يجب عمله على الخذين‬ ‫وقد أجمع الحكماء على أ َّ‬
‫مة‪ ،‬الذين فيهم نسمة مروءة وشرار حمية‪ ،‬الذين يعرفون‬ ‫بيد ال َّ‬

‫‪89‬‬
‫ما هي وظيفتهم بإزاء النسانية‪ ،‬الملتمسين لخوانهم العافية‪ ،‬أن‬
‫النمو‬
‫ِّ‬ ‫يسعوا في رفع الضغط عن العقول لينطلق سبيلها في‬
‫فتمّزِق غيوم الوهام التي تمطر المخاوف‪ ،‬شأن الطبيب في‬
‫اعتنائه أول ً بقوة جسم المريض‪ ،‬وأن يكون الرشاد متناسبا ً مع‬
‫ة وقوة‪ :‬كالساهي ينب ِّهه الصوت الخفيف‪ ،‬والنّائم يحتاج‬ ‫الغفلة خفَّ ً‬
‫ح وزجر‪ .‬فالشخاص من‬ ‫ت لقوى‪ ،‬والغافل يلزمه صيا ٌ‬ ‫إلى صو ٍ‬
‫هذا النوع الخير‪ ،‬يقتضي ليقاظهم الن بعد أن ناموا أجيال ً طويلة‬
‫َ‬
‫أن يسقيهم النطاسي البارع مّرا ً من الزواجر والقوارس عل ّهم‬
‫يفيقون‪ ،‬وإل فهم ل يفيقون‪ ،‬حتى يأتي القضاء من السماء‪:‬‬
‫فتبرق السيوف‪ ،‬وترعد المدافع وتمطر البنادق‪ ،‬فحينئذ ٍ يصحون‪،‬‬
‫ولكن؛ صحوة الموت!‪.‬‬
‫ن الدِّين يؤث ِّر على‬ ‫بعض الجتماعيين في الغرب يرون أ َّ‬
‫م الجتماعي تأثيرا ً معط ِّل ً كفعل الفيون في‬ ‫الترقّي الفرادي‪ ،‬ث َّ‬
‫س‪ ،‬أو حاجبا ً كالغيم يغشى نور الشمس‪ .‬وهناك بعض الغلة‬ ‫الح ِّ‬
‫ن أول‬ ‫يقولون‪ :‬الدين والعقل ضدّان متزاحمان في الرؤوس‪ ،‬وإ َّ‬
‫ن أصدق ما‬ ‫نقطة من الترقّي تبتدئ عند آخر نقطة من الدين‪ .‬وإ َّ‬
‫ل به على مرتبة الُّرقي والنحطاط في الفراد أو في المم‬ ‫يُستد َّ ُّ‬
‫الغابرة والحاضرة‪ ،‬هو مقياس الرتباط بالدين قوة ً وضعفاً‪.‬‬
‫ُ‬
‫هذه الراء كل ّها صحيحة ل مجال للردِّ عليها‪ ،‬ولكن؛ بالنظر‬
‫إلى الديان الخرافية أساسا ً أو التي لم تقف عند حدِّ الحكمة‪،‬‬
‫ن الواحد ثلثة والثلثة‬ ‫كالدين المبني على تكليف العقل بتصوُّر أ َّ‬
‫ن مجَّرد الذعان لما يعقل برهان على فساد بعض مراكز‬ ‫واحد‪ .‬ل َّ‬
‫العقل‪ ،‬ولهذا أصبح العالم المتمدن يعد ُّ النتساب إلى هذه‬
‫حمق‪.‬‬‫العقيدة من العار؛ لنه شعار ال ُ‬
‫ض كالسلم الموصوف‬ ‫أما الديان المبنية على العقل المح ّ‬
‫بدين الفطرة‪ ،‬ول أعني بالسلم ما يدين به أكثر المسلمين الن‪،‬‬
‫إنَّما أريد بالسلم‪ :‬دين القرآن؛ أي الدين الذي يقوى على فهمه‬
‫صح زيد أو تحكُّم عمرو‪.‬‬ ‫ن غير مقيَّد الفكر بتف ُّ‬ ‫ل إنسا ٍ‬
‫من القرآن ك ُّ‬
‫ن الدِّين إذا كان مبنيا ً على العقل‪ ،‬يكون أفضل‬ ‫فل شك أ َّ‬
‫صارف للفكر عن الوقوع في مصائد المخّرِفين‪ ،‬وأنفع وازع‬
‫بضبط النَّفس من الشطط‪ ،‬وأقوى مؤثِّر لتهذيب الخلق‪ ،‬وأكبر‬
‫شط على العمال‬ ‫مل مشاقّ الحياة‪ ،‬وأعظم من ّ ِ‬ ‫معين على تح ُّ‬
‫ل مثبِّت على المبادئ الشريفة‪ ،‬وفي النتيجة‬ ‫مة الخطرة‪ .‬وأج َّ‬ ‫المه َّ‬
‫ل به على الحوال النفسية في المم‬ ‫ح مقياس يُستد ُّ‬ ‫يكون أص َّ‬
‫والفراد رقيّا ً وانحطاطاً‪.‬‬
‫هذا القرآن الكريم إذا أخذناه وقرأناه بالتّروي في معاني‬
‫ألفاظه العربية وأسلوب تركيبه القرشي‪ ،‬مع تفهُّم أسباب نزول‬

‫‪90‬‬
‫صر في مقاصده الدقيقة وتشريعه‬ ‫آياته وما أشارت إليه‪ ،‬ومع التب ُّ‬
‫سنَّة العملية النبوية أو‬ ‫السامي‪ ،‬ومع أخذ بعض التوضيحات من ال ُّ‬
‫َ‬
‫الجماع إن وجدا‪ ،‬وقل ّما يوجدان‪ ،‬فحينئذ ٍ ل نرى فيه من أول ِّه إلى‬
‫حكَم ٍ يتلقّاها العقل بالجلل والعظام‪ ،‬إلى درجة انقياد‬ ‫آخره غير ِ‬
‫م عزيزة‬ ‫حك َ ٌ‬
‫حكَم ِ‬ ‫ن تلك ال ِ‬ ‫العقل طوعا ً أو كرها ً لليمان إجمال ً بأ َّ‬
‫ن الذي أنزلها الله على قلبه هو افضل من أرسله الله‬ ‫إلهية‪ ،‬وأ َّ‬
‫مرشدا ً لعباده‪.‬‬
‫ن الناظر في القرآن حقّ النظر يرى أنَّه ل‬ ‫وتوضيح ذلك‪ :‬أ َّ‬
‫ط بالذعان لشيء فوق العقل‪ ،‬بل يحذِّره وينهاه‬ ‫يكل ِّف النسان ق ّ‬
‫من اليمان اتِّباعا ً لرأي الغير أو تقليدا ً للباء‪ .‬ويراه طافحا ً بالتنبيه‬
‫إلى أعمال النسان فكره ونظره في هذه الكائنات وعظيم‬
‫ن لهذه الكائنات صانعا ً أبدعها‬ ‫م الستدلل بذلك إلى أ َّ‬ ‫انتظامها‪ ،‬ث َّ‬
‫صفات التي يستلزم العقل‬ ‫م النتقال إلى معرفة ال ِّ‬ ‫من العدم‪ ،‬ث َّ‬
‫م يرى القرآن‬ ‫صفا ً بها‪ ،‬أو منَّزها ً عنها‪ ،‬ث َّ‬ ‫أن يكون هذا الصانع مت َّ ِ‬
‫يعل ِّم النسان بعض أعمال وأحكام وأوامر ونواهي كلّها ل تبلع‬
‫ُ‬
‫المائة عدداً‪ ،‬وكل ّها بسيطة معقولة‪ ،‬إل قليل ً من المور التعبُّدية‬
‫شّرِعت لتكون شعارا ً يعرف به المسلم أخاه‪ ،‬أو يستطلع‬ ‫التي ُ‬
‫ل مثل ً بالتّكاسل‬ ‫ُ‬ ‫من خلل قيامه بها أو تهاونه فيها أخلقه‪ ،‬فيستد ّ‬
‫عن الصلة على فَقد ِ النشاط‪ ،‬وبترك الصوم على عدم الصبر‪،‬‬
‫سكر على غلبة النفس والعقل ونحو ذلك‪.‬‬ ‫وبال ُّ‬
‫وكفى بالسلمية رقيّا ً في التشريع‪ ،‬رقيّها بالبشر إلى منزلة‬
‫حصرها أسارة النسان في جهة شريفة واحدة وهي (الله)‪،‬‬
‫وعتقها عقل البشر عن توهُّم وجود قوة ما‪ ،‬في غير الله‪ ،‬من‬
‫شأنها أن تأتي للنسان بخيرٍ ما‪ ،‬أو تدفع عنه شّرا ً ما‪ .‬فالسلمية‬
‫ك أو‬ ‫ي‪ ،‬أو مل ٍ‬ ‫ل أو نب ّ‬ ‫تجعل النسان ل يرجو ول يهاب من رسو ٍ‬
‫ن أو سلطان‪.‬‬ ‫ي أو جنّي‪ ،‬أو ساحرٍ أو كاهن‪ ،‬أو شيطا ٍ‬ ‫فلك‪ ،‬أو ول ٍ ّ‬
‫وأعظم بهذا التعليم الذي يرمي النسان عن عاتقه جبالً‬
‫من الخوف والوهام والخيالت‪ ،‬جبال ً اعتقلها منذ كان يسرح مع‬
‫الغيلن‪ ،‬أو ورثها من أبيه آدم الذي طغاه شيطان النفس‪ .‬أو ليس‬
‫العتيق من الوهام يصبح صحيح العقل‪ ،‬قوي الرادة‪ ،‬ثابت‬
‫العزيمة‪ ،‬قائده الحكمة‪ ،‬سائقه الوجدان‪ ،‬فيعيش حراً‪ ،‬فرحاً‬
‫صبورا ً فخوراً‪ .‬ل يبالي حتى بالموت لعلمه بالسعادة التي‬
‫يستقبلها‪ ،‬التي يمث ِّلها له القرآن بالجنان‪ ،‬فيها الّروح والريحان‪،‬‬
‫والحور والغلمان‪ ،‬فيها كل مل تشتهي النفس وتقُّر به العينان؟!‬
‫ن أن هؤلء المنكرين فائدة الدين‪ ،‬ما أنكروا ذلك إل‬ ‫وأظ ُّ‬
‫ن صحيح مع يأسهم من إصلح ما‬ ‫ّ‬
‫من عدم اطِلعهم على دي ٍ‬
‫ن هؤلء‬ ‫لديهم‪ ،‬عجزا ً عن مقاومة أنصار الفساد‪ .‬وإذا نظرنا في أ َّ‬

‫‪91‬‬
‫دّين من جهة‪،‬‬ ‫ن واحد يشددون النَّكير على ال ِ‬ ‫أنفسهم هم في آ ٍ‬
‫ن ضرره أكبر من نفعه‪ ،‬ويهيجون من جهةٍ أخرى‬ ‫قائلين‪ :‬إ َّ‬
‫مؤث ِّرات أدبية وهمية محضا ً يرون أنه ل بد َّ منه في بناء المم‪،‬‬
‫ب النسانية والساءة إليها‬ ‫ب الوطن وخيانته‪ ،‬وح ِّ‬ ‫وذلك مثل ح ِّ‬
‫شر ونحو‬ ‫سمعة الحسنة وعكسها‪ ،‬والذِّكر التاريخي بالخير أو ال َّ‬ ‫وال ُّ‬
‫ذلك مما هو ل شيء في ذاته‪ ،‬ول شيء أيضا ً بالنسبة إلى تأثير‬
‫ن (الله) حقيقة ل ريب فيها‪ ،‬بل ول‬ ‫طاعة الله والخوف منه‪ ،‬ل َّ‬
‫خلف إل في السماء بين (الله) وبين (مادة) أو (طبيعة)‪ .‬ولول‬
‫ن الماديين والطبيعيين يأبون السترسال في البحث في صفات‬ ‫أ َّ‬
‫ما يسمونه مادة أو طبيعة‪ ،‬للتقوا –ول شك‪ -‬مع السلم في‬
‫ل لله‪.‬‬ ‫نقطة واحدة‪ ،‬فارتفع الخلف العلمي وأسلم الك ُّ‬
‫ن أصوِّر الرقي‬ ‫وعلى ذكر اللوم الرشادي لح لي أ ْ‬
‫والنحطاط في النَّفس‪ ،‬وكيف ينبغي للنسان العاقل أن يعاني‬
‫خلِقوا لغير ما هم عليه من‬ ‫إيقاظ قومه‪ ،‬وكيف يرشدهم إلى أنهم ُ‬
‫سفالة‪ ،‬فيذكِّرهم‪ ،‬ويحّرِك قلوبهم‪ ،‬ويناجيهم‪،‬‬ ‫ل وال َّ‬ ‫صبر على الذ ُّ ِّ‬ ‫ال َّ‬
‫وينذرهم بنحو الخطابات التية‪:‬‬
‫م‪ :‬ينازعني والله الشعور‪ ،‬هل موقفي هذا في جمع‬ ‫"يا قو ُ‬
‫ي فأحيّيه بالسلم؟ أم أنا أخاطب أهل القبور فأحييهم بالرحمة؟‬ ‫ح ٍّ‬
‫يا هؤلء‪ ،‬لستم بأحياء عاملين‪ ،‬ول أموات مستريحين‪ ،‬بل أنتم بين‬
‫مى التنبُّت‪ ،‬ويصرح تشبيهه بالنّوم! يا ربّاه‪ :‬إني‬ ‫بين‪ :‬في برزٍخ يس ّ‬
‫أرى أشباح أناس يشبهون ذوي الحياة‪ ،‬وهم في الحقيقة موتى ل‬
‫يشعرون‪ ،‬بل هم موتى؛ لنهم ل يشعرون"‪.‬‬
‫"يا قوم‪ :‬هداكم الله‪ ،‬إلى متى هذا الشقاء المديد والنّاس‬
‫خر‪ ،‬وقد‬ ‫في نعيم مقيم‪ ،‬وعّز كريم‪ ،‬أفل تنظرون؟ وما هذا التأ ُّ‬
‫ٍ‬ ‫ٍ‬
‫سبقتكم القوام ألوف مراحل‪ ،‬حتى صار ما بعد ورائكم أماما!ً‬
‫أفل تتبعون؟ وما هذا النخفاض والناس في أوج الّرفعة‪ ،‬أفل‬
‫تغارون؟ أناشدكم الله؛ هل طابت لكم طول غيبة الصواب‬
‫م قاموا‪ ،‬وإذا‬ ‫عنكم؟ أم أنتم كأهل ذلك الكهف ناموا ألف عام ث َّ‬
‫بالدنيا غير الدنيا‪ ،‬والناس غير الناس‪ ،‬فأخذتهم الدهشة والتزموا‬
‫السكون؟"‪.‬‬
‫"يا قوم‪ :‬وقاكم الله من الشر‪ ،‬أنتم بعيدون عن مفاخر‬
‫فكر‬
‫ٍ‬ ‫مبتلون بداء التقليد والتبعية في ك ِّ‬
‫ل‬ ‫البداع وشرف القدوة‪ُ ،‬‬
‫خلِقتم للماضي ل‬ ‫ل عتيق كأنَّكم ُ‬ ‫وعمل‪ ،‬وبداء الحرص على ك ِّ‬
‫للحاضر‪ :‬تشكون حاضركم وتسخطون عليه‪ ،‬ومن لي أن تدركوا‬
‫ن حاضركم نتيجة ماضيكم‪ ،‬ومع ذلك أراكم تقل ِّدون أجدادكم في‬ ‫أ َّ‬
‫الوساوس والخرافات والمور السافلت فقط‪ ،‬ول تقل ِّدونهم في‬
‫محامدهم! أين الدين؟ أين التربية؟ أين الحساس؟ أين الغيرة؟‬

‫‪92‬‬
‫أين الجسارة؟ أين الثبات؟ أين الرابطة؟ أين المنعة؟ أين‬
‫الشهامة؟ أين النخوة؟ أين الفضيلة؟ أين المواساة؟ هل‬
‫م لهون؟"‬ ‫ص ٌّ‬ ‫تسمعون؟ أم أنتم ُ‬
‫م‪ :‬عافاكم الله‪ ،‬إلى متى هذا النوم؟ وإلى متى هذا‬ ‫يا قو ُ‬
‫ُ‬
‫ة عيونكم‬ ‫التقل ّب على فراش البأس ووسادة اليأس؟ أنتم مفتَّح ٌ‬
‫ولكنكم نيام‪ ،‬لكم أبصار ولكنكم ل تنظرون‪ ،‬وهكذا ل تعمى‬
‫ع‬
‫صدور! لكم سم ٌ‬ ‫ن؛ تعمى القلوب التي في ال ّ‬ ‫البصار‪ ،‬ولك ْ‬
‫س ولكنكم ل تشعرون‬ ‫م‪ ،‬ولكم شبيه الح ِّ‬ ‫م بُك ٌ‬ ‫ص ٌّ‬
‫ن ولكنكم ُ‬ ‫ولسا ٌ‬
‫س كبيرة ولكنها‬ ‫به ما هي اللذائذ حقا ً وما هي اللم‪ ،‬ولكم رؤو ٌ‬
‫س حقُّها أن تكون‬ ‫مشغولة بمزعجات الوهام والحلم‪ ،‬ولكم نفو ٌ‬
‫ن؛ أنتم ل تعرفون لها قدرا ً ومقاماً"‪.‬‬ ‫عزيزة‪ ،‬ولك ْ‬
‫م‪ :‬قاتل الله الغباوة‪ ،‬فإنها تمل القلوب رعبا ً من ل‬ ‫"يا قو ُ‬
‫ً‬
‫ل شيء‪ ،‬وتفعم الرؤوس تشويشا وسخافة‪.‬‬ ‫ً‬
‫شيء‪ ،‬وخوفا من ك ِّ‬
‫سكم الشيطان‪ ،‬فتخافون‬ ‫أليست هي الغباوة جعلتكم كأنكم قد م َّ‬
‫من ظل ِّكم وترهبون من قوتكم‪ ،‬وتجيّشون منكم عليكم جيوشاً‬
‫ليقتل بعضكم بعضاً؟ تترامون على الموت خوف الموت‪،‬‬
‫وتحسبون –طول العمر‪ -‬فكركم في الدِّماغ ونطقكم في اللسان‬
‫وإحساسكم في الوجدان خوفا ً من أن يسجنكم الظالمون‪ ،‬وما‬
‫يسجنون غير أرجلكم أياماً‪ ،‬فما بالكم يا أحلس النساء مع الذ ّ‬
‫ل‬
‫جلَّس الرجال في السجون؟"‬ ‫تخافون أن تصيروا ُ‬
‫"يا قوم‪ :‬أُعيذكم بالله من فساد الرأي‪ ،‬وضياع الحزم‪ ،‬وفقد‬
‫الثقة بالنفس‪ ،‬وترك الرادة للغير‪ ،‬فهل ترون أثرا ً للُّرشد في أن‬
‫يوكِّل النسان عنه وكيل ً ويُطلق له التصُّرف في ماله وأهله‪،‬‬
‫والتحكُّم في حياته وشرفه والتأثير على دينه وفكره‪ ،‬مع تسليف‬
‫ف وإتلف؟ أم ترون‬ ‫ث وخيانة وإسرا ٍ‬ ‫ل عب ٍ‬ ‫هذا الوكيل العفو عن ك ِّ‬
‫ن هذا النوع من الجنة به أن يظلم النسان نفسه؟ هل خلق الله‬ ‫أ َّ‬
‫ن‬‫ل شيء؟ أم لتهملوه كأنَّه ل شيء؟ ‪‬إ َّ‬ ‫لكم عقول ً لتفهموا به ك َّ‬
‫ن الناس أنفسهم يظلمون‪.‬‬ ‫ه ل يَظلم النّاس شيئا ً ولك َّ‬ ‫الل َ‬
‫"يا قوم‪ :‬شفاكم الله‪ ،‬قد ينفع اليوم النذار واللوم‪ ،‬وأما غداً‬
‫ل القضاء‪ ،‬فل يبقى لكم غير النّدب والبكاء‪ .‬فإلى متى هذا‬ ‫إذا ح َّ‬
‫التخادع والتخاذل؟ وإلى متى هذا الهمال؟ هل طاب لكم النوم‬
‫على الوسادة اللينة‪ ،‬وسادة الخمول؟ أم طاب لكم السكون‬
‫وتودُّون لو تسكنون القبور؟ أم عاهدتم أنفسكم أن تصلوا غفلة‬
‫سبات قبل صباح يوم النشور‪،‬‬ ‫الحياة بالممات‪ ،‬فل تفيقوا من ال ُّ‬
‫يوم تعلو السيوف رقابكم وتصمي المدافع آذانكم فتمسون‬
‫الذلّء حقاً‪ ،‬وحقَّ لكم أن تذلوا؟"‪.‬‬

‫‪93‬‬
‫ة‬
‫م‪ :‬رحمكم الله‪ ،‬ما هذا الحرص على حياةٍ تعيس ٍ‬ ‫"يا قو ُ‬
‫دنيئة ل تملكونها ساعة! ما هذا الحرص على الراحة الموهومة‬
‫ُ‬
‫صبر فخٌر أو لكم‬ ‫صب! هل لكم في هذا ال َّ‬ ‫وحياتكم كل ّها تع ٌ‬
‫ب ون َ‬
‫عليه أجر؟ كلّ؛ واللهِ ساء ما تتوهمون‪ ،‬ليس لكم إل القهر في‬
‫الحياة‪ ،‬وقبيح الذِّكر بعد الممات؛ لنَّكم ما أفدتم الوجود شيئاً‪ .‬بل‬
‫خلَف‪.‬‬ ‫سلف وصرتم بئس الواسطة لل َ‬ ‫أتلفتم ما ورثتم عن ال ّ‬
‫ل ما أنتم فيه من الترقّي عن‬ ‫ألستم يا ناس مديونين للسلف بك ِّ‬
‫حفْظ‪،‬‬ ‫إنسان الغابات؟ فإذا لم تكونوا أهل ً للمزيد فكونوا أخل ً لل ِ‬
‫وهذه العجماوات تنقل رقيها لنسلها بأمانة"‪.‬‬
‫ب‬‫ل حد ٍ‬ ‫م‪ :‬حماكم الله‪ ،‬قد جاءكم المستمتعون من ك ِّ‬ ‫"يا قو ُ‬
‫ينسلون‪ ،‬فإن وجدوكم أيقاظا ً عاملوكم كما يتعامل الجيران‬
‫ويتجامل القران‪ ،‬وإن وجدوكم رقودا ً ل تشعرون سلبوا أموالكم‪،‬‬
‫وزاحموكم على أرضكم‪ ،‬وتحيَّلوا تذليلكم‪ ،‬وأوثقوا ربطكم‪،‬‬
‫واتَّخذوكم أنعاماً‪ ،‬وعندئذ ٍ لو أردتم حراكا ً ل تقوون‪ ،‬بل تجدون‬
‫القيود مشدودة ً والبواب مسدودة ل نجاة ول مخرج"‪.‬‬
‫م‪ :‬هوَّن الله مصابكم‪ ،‬تشكون من الجهل ول تنفقون‬ ‫"يا قو ُ‬
‫على التعليم نصف ما تصرفون على التدخين‪ ،‬تشكون من‬
‫الحكَّام‪ ،‬وهم اليوم منكم‪ ،‬فل تسعون في إصلحهم‪ ،‬تشكون فقد‬
‫الرابطة‪ ،‬ولكم روابط من وجوهٍ ل تفكِّرون في إحكامها‪ .‬تشكون‬
‫صلح وأنتم يُخادع‬ ‫الفقر ول سبب له غير الكسل‪ .‬هل ترجون ال َّ‬
‫بعضكم بعضا ً ول تخدعون إل أنفسكم؟‪ .‬ترضون بأدنى المعيشة‬
‫مونه توكُّلً!‬ ‫مونه قناعة‪ ،‬وتهملون شؤونكم تهاونا ً تُس ّ‬ ‫عجزا ً تُس ّ‬
‫تموِّهون على جهلكم السباب بقضاء الله وتدفعون عار‬
‫المسببات بعطفها على القدر‪ ،‬أل والله ما هذا شأن البشر!"‪.‬‬
‫م‪ :‬سامحكم الله‪ ،‬ل تظلموا القدار‪ ،‬وخافوا غيرة‬ ‫"يا قو ُ‬
‫المنعم الجبّار‪ .‬ألم يخلقكم أكفاءً أحرارا ً طلقاء ل يثقلكم غير‬
‫النّور والنسيم‪ ،‬فأبيتم إل أن تحملوا على عواتقكم ظلم الضعفاء‬
‫مل صغيركم كرة الرض‬ ‫وقهر القوياء؟! لو شاء كبيركم أن يُح ِّ‬
‫لحنى له ظهره‪ ،‬ولو شاء أن يركبه لطأطأ له رأسه‪ .‬ماذا استفدتم‬
‫من هذا الخضوع والخشوع لغير الله؟ وماذا ترجون من تقبيل‬
‫الذيال والعتاب وخفض الصوت ونكس الرأس؟ أليس منشأ هذا‬
‫صغار كل ِّه هو ضعف ثقتكم بأنفسكم‪ ،‬كأنِّكم عاجزون عن‬ ‫ال ّ‬
‫ت يقمن‬ ‫ت من نبا ٍ‬ ‫تحصيل ما تقوم به الحياة‪ ،‬وحسب الحياة لُقيما ٍ‬
‫ضلع ابن آدم‪ ،‬وقد بذلها الخلّق لضعف الحيوان‪ ،‬وهذه الوحوش‬
‫َ‬
‫تجد فرائسها أينما حل ّت‪ ،‬وهذه الهوام ل تفقد قوتها؟ فما بال‬
‫الَّرجل منكم يضع نفسه مقام الطفل الذي ل ينال حاجته إل‬

‫‪94‬‬
‫ُ‬
‫بالتذل ّل والبكاء‪ ،‬أو موضع الشيخ الفاني الذي ل ينال حاجته إل‬
‫ُ‬
‫بالتمل ّق والدُّعاء؟"‪.‬‬
‫"يا قوم‪ :‬رفع الله عنكم المكروه‪ ،‬ما هذا التفاوت بين‬
‫أفرادكم وقد خلقكم ربكم أكفاء في البنية‪ ،‬أكفاء في القوة‪ ،‬أكِّفاء‬
‫في الطبيعة‪ ،‬أكفَّاء في الحاجات‪ ،‬ل يفضل بعضكم بعضا ً إل‬
‫بالفضيلة‪ ،‬ل ربوبية بينكم ول عبودية؟ والله؛ ليس بين صغيركم‬
‫وكبيركم غير برزٍخ من الوهم‪ .‬ولو درى الصغير بوهمه‪ ،‬العاجز‬
‫بوهمه‪ ،‬ما في النفس الكبير المتآله من الخوف منه لزال‬
‫الشكال وقضي المر الذي فيه تشقون! يا أعزاء الخلقة‪ ،‬جهلء‬
‫المقام‪ ،‬كان الناس في دور الهمجية‪ ،‬فكان دُهاتهم بينهم آلهة‬
‫م ترقّى النّاس‪ ،‬فهبط هؤلء لمقام الجبابرة والولياء‪ ،‬ث َّ‬
‫م‬ ‫وأنبياء‪ ،‬ث َّ‬
‫َ‬
‫حكَّام والحكماء‪ ،‬حتى صار‬ ‫ط أولئك إلى مرتبة ال ُ‬ ‫زاد الّرقي فانح ّ‬
‫ل أكفاء‪.‬‬ ‫ن الك َّ‬
‫النّاس ناسا ً فزال العماء‪ ،‬وانكشف الغطاء‪ ،‬وبان أ َّ‬
‫فأناشدكم الله في أي الدوار أنتم؟ أل تفكِّرون؟"‪.‬‬
‫م‪ :‬جعلكم الله من المهتدين‪ ،‬كان أجدادكم ل ينحنون‬ ‫"يا قو ُ‬
‫إل ركوعا ً لله‪ ،‬وأنتم تسجدون لتقبيل أرجل المنعِمين ولو بلقمةٍ‬
‫مغموسةٍ بدم الخوان‪ ،‬وأجدادكم ينامون في قبورهم مستوين‬
‫معوجة رقابكم أذلّء! البهائم تود ُّ لو تنتصب‬ ‫َّ‬ ‫أعزاء‪ ،‬وأنتم أحياء‬
‫قاماتها وأنتم من كثرة الخضوع كادت تصير أيديكم قوائم‪ .‬النبات‬
‫يطلب العلو وأنتم تطلبون النخفاض‪ .‬لفَظَتكم الرض لتكونوا‬
‫ن‬
‫على ظهرها وأنتم حريصون على أن تنغرسوا في جوفها‪ ،‬فإ ْ‬
‫كانت بطن الرض بغيتكم‪ ،‬فاصبروا قليل ً لتناموا فيها طويلً"‪.‬‬
‫م‪ :‬ألهمكم الله الّرشد‪ ،‬متى تستقيم قاماتكم وترتفع‬ ‫"يا قو ُ‬
‫من الرض إلى السماء أنظاركم‪ ،‬وتميل إلى التعالي نفوسكم‪،‬‬
‫ل‬ ‫فيشعر أحدكم بوجوده في الوجود‪ ،‬فيعرف معنى النانية ليستق ّ‬
‫بذاته لذاته‪ ،‬ويملك إرادته واختياره ويثق بنفسه وربّه‪ ،‬ل يتكِّل‬
‫على أحد من خلق الله اتِّكال الناقص في الخلق على الكامل‬
‫ل على سعي‬ ‫فيه‪ ،‬أو اتِّكال الغاصب على مال الغافل أو الك ِّ‬
‫العامل‪ ،‬بل يرى أحدكم نفسه إنسانا ً كريما ً يعتمد على المبادلة‬
‫م يستوفي‪ ،‬ويستوفي على أن يفي‪ ،‬بل‬ ‫والتعاوض فيسلف‪ ،‬ث َّ‬
‫مة وحده‪ ،‬وما أجدر بأحدكم أن يعمل‬ ‫ينظر في نفسه أنَّه هو ال ّ‬
‫لدنياه بنفسه لنفسه‪ ،‬فل يتَّكل على غيره‪ ،‬كما يعمل النسان‬
‫ليعبد الله بشخصه ل ينيب عنه غيره؟ فإذا فعلتم ذلك أظهر الله‬
‫بينكم ثمرة التضامن بل اشتراط‪ ،‬والتقاضي بل محاشرة‪،‬‬
‫فتصيرون بنعمة الله إخواناً"‪.‬‬
‫صركم بالعواقب‪ .‬إن‬ ‫"يا قوم‪ :‬أبعد الله عنكم المصائب وب َّ‬
‫َ‬
‫كانت المظالم غل ّت أيديكم‪ ،‬وضيَّقت أنفسكم‪ ،‬حتى صغرت‬

‫‪95‬‬
‫نفوسكم‪ ،‬وهانت عليكم هذه الحياة وأصبحت ل تساوي عندكم‬
‫الجهد والجد ّ وأمسيتم ل تبالون أتعيشون أم تموتون‪ ،‬فهلّ‬
‫كّمون فيكم الظالمين حتى في الموت؟ أليس‬ ‫أخبرتموني لماذا تح ِ‬
‫لكم من الخيار أن تموتوا كما تشاؤون‪ ،‬ل كما يشاء الظالمون؟‬
‫هل سلب الستبداد إرادتكم حتى في الموت؟ كل والله‪ :‬إن أنا‬
‫أحببت الموت أموت كما أحب‪ ،‬لئيما ً أو كريماً‪ ،‬حتفا ً أو شهيداً‪،‬‬
‫فإن كان الموت ول بدَّ‪ ،‬فلماذا الجبانة؟ وإن أردت الموت‪ ،‬فليكن‬
‫اليوم قبل الغد‪ ،‬ولكن بيدي ل بيد عمرو‪ .‬أليس‪:‬‬
‫كطعم الموت في‬ ‫وطعم الموت في أمرٍ صغير‬
‫عظيم‬
‫ِ‬ ‫أمرٍ‬
‫ت إنَّكم ل تحبُّون‬ ‫م‪ :‬أناشدكم الله‪ ،‬أل أقول حقا ً إذا قل ُ‬ ‫"يا قو ُ‬
‫الموت‪ ،‬بل تنفرون منه‪ ،‬ولكنكم تجهلون الطريق فتهربون من‬
‫ن الهرب‬ ‫الموت إلى الموت‪ ،‬ولو اهتديتم إلى السبيل لعلمتم أ َّ‬
‫ن الخوف من‬ ‫ت‪ ،‬وطلب الموت حياة‪ ،‬ولعرفتم أ َّ‬ ‫من الموت مو ٌ‬
‫ن الحرية‬ ‫ة‪ ،‬ولفطنتم إلى أ َّ‬ ‫ب‪ ،‬والقدام على التعب راح ٌ‬ ‫التعب تع ٌ‬
‫سقياها قطرات من الدم الحمر المسفوح‪،‬‬ ‫هي شجرة الخلد‪ ،‬و ُ‬
‫والسارة هي شجرة الزقّوم‪ ،‬وسقياها أنهر من الدم البيض؛ أي‬
‫الدموع‪ ،‬ولو كبرت نفوسكم لتفاخرتم بتزيين صدوركم بورد‬
‫الجروح ل بوسامات الظالمين؟!"‪.‬‬
‫م‪ :‬وأعني منكم المساكين‪ ..،‬أيها المسلمون‪ :‬إني‬ ‫"يا قو ُ‬
‫كّر في شأننا الجتماعي‪ ،‬عسى أهتدي‬ ‫نشأت وشبت وأنا أف ِ‬
‫ت‬‫صى السبب بعد السبب‪ ،‬حتى إذا وقع ُ‬ ‫ت أتق ّ‬ ‫لتشخيص دائنا‪ ،‬فكن ُ‬
‫مق فيه‬ ‫ل هذا هو جرثومة الدّاء‪ ،‬فأتع َّ‬ ‫َ‬ ‫على ما أظنُّه عاماً‪ ،‬أقول‪ :‬لع ّ‬
‫ن ما قام في‬ ‫تمحيصا ً وأحل ِّله تحليلً‪ ،‬فينكشف التحقيق عن أ َّ‬
‫الفكر هو سبب من جملة السباب‪ ،‬أو هو سبب فرعي ل أصلي‪،‬‬
‫ت‬‫ت وأصبح ُ‬ ‫فأخيب وأعود إلى البحث والتنقيب‪ .‬وطالما أمسي ُ‬
‫ت لستطلع‬ ‫ت وسافر ُ‬ ‫أجهد الفكر في الستقصاء‪ ،‬وكثيرا ً ما سعي ُ‬
‫آراء ذوي الراء‪ ،‬عسى أهتدي إلى ما يشفي صدري من آلم بحث‬
‫أتعبني به ربِّي‪ .‬وآخر ما استقَّرت عليه سفينة فكري هو‪:‬‬
‫ن جرثومة دائنا هي خروج ديننا عن كونه دين الفطرة‬ ‫إ َّ‬
‫والحكمة‪ ،‬دين النظام والنشاط‪ ،‬دين القرآن الصريح البيان‪ ،‬إلى‬
‫صيغة أنَّا جعلناه دين الخيال والخبال‪ ،‬دين الخلل والتشويش‪ ،‬دين‬
‫ب فينا هذا المرض منذ ألف‬ ‫البِدَع والتشديد‪ ،‬دين الجهاد‪ .‬وقد د َّ‬
‫ل شؤوننا‪ ،‬حتى بلغ فينا استحكام‬ ‫عام‪ ،‬فتمكَّن فينا وأثَّر في ك ِّ‬
‫ل شأنه‪ -‬نظاماً‬ ‫الخلل في الفكر والعمل أننا ل نرى في الخالق –ج َّ‬
‫فيما اتَّصف‪ ،‬نظاما ً فيما قضى‪ ،‬نظاما ً فيما أمر‪ ،‬ول نطالب أنفسنا‬
‫ب واط ِّراد ومثابرة‪.‬‬ ‫فضل ً عن آمرنا أو مأمورنا بنظام ٍ وترتي ٍ‬

‫‪96‬‬
‫وهكذا أصبحنا واعتقادنا مشوَّش‪ ،‬وفكرنا مشوَّش‪،‬‬
‫وسياستنا مشوَّشة‪ ،‬ومعيشتنا مشوَّشة‪ .‬فأين منا والحالة هذه؛‬
‫الحياة الفكرية‪ ،‬الحياة العملية‪ ،‬الحياة العائلية‪ ،‬الحياة الجتماعية‪،‬‬
‫الحياة السياسية؟!"‪.‬‬
‫م‪ :‬قد ضيَّع دينكم ودنياكم ساستكم الولون‬ ‫"يا قو ُ‬
‫ل إفرادي ل حرج‬ ‫وعلماؤكم المنافقون‪ ،‬وإنّي أرشدكم إلى عم ٍ‬
‫ل فرد ٍ منكم وجدان يميز‬ ‫فيه علما ً ول عملً‪ :‬أليس بين جنبي ك ِّ‬
‫الخير من الشّر‪ ،‬والمعروف من المنكر ولو تمييزا ً إجمالياً؟ أما‬
‫بلغكم قول معل ِّم الخير نبيكم الكريم عليه أفضل الصلة‬
‫ن عن المنكر أو ليسل ِّط َّ‬
‫ن‬ ‫ن بالمعروف ولتنهو َّ‬ ‫والتسليم‪" :‬لتأمر َّ‬
‫الله عليكم شراركم فيدعو خياركم فل يستجاب لهم"‪ ،‬وقوله‪:‬‬
‫"من رأى منكم منكرا ً فليغيّره بيده‪ ،‬وإن لم يستطع فبلسانه‪ ،‬وإن‬
‫لم يستطع فبقلبه‪ ،‬وذلك أضعف اليمان"؟!‬
‫ن أنكر‬‫"وأنتم تعلمون إجماع أئمة مذاهبكم كل ِّها على أ َّ‬
‫م قتل النَّفس‪،‬‬ ‫المنكرات بعد الكفر هو الظُّلم الذي فشا فيكم‪ ،‬ث َّ‬
‫ن تغيير المنكر بالقلب هو بغض‬ ‫م‪ ...،‬وقد أوضح العلماء أ َّ‬ ‫م‪ ،‬وث َّ‬
‫ث َّ‬
‫المتلب ِّس فيه بغضا ً في الله‪ .‬بناءً عليه؛ فمن يعامل الظالم أو‬
‫الفاسق غير مضطر‪ ،‬أو يجامله ولو بالسلم‪ ،‬يكون قد خسر‬
‫أضعف اليمان والعياذ بالله"‪.‬‬
‫ن كلمة الشهادة‪ ،‬والصوم والصلة‪،‬‬ ‫"ول أظنكم تجهلون أ َّ‬
‫والحج والزكاة‪ ،‬كلّها ل تغني شيئا ً مع فقد اليمان‪ ،‬إنما يكون‬
‫ت وتقليدات وهوسات‬ ‫شعائر‪ ،‬قياما ً بعادا ٍ‬ ‫القيام حينئذ ٍ بهذه ال ّ‬
‫تضيع بها الموال والوقات"‪.‬‬
‫"بناءً عليه؛ فالدين يكل ِّفكم إن كنتم مسلمين‪ ،‬والحكمة‬
‫تُلزِمكم إن كنتم عاقلين‪ :‬أن تأمروا بالمعروف وتنهوا عن المنكر‬
‫ل في هذا الباب من إبطانكم البغضاء للظالمين‬ ‫جهدكم‪ ،‬ول أق ّ‬
‫ملتم قليل ً ترون هذا الدواء السهل‬ ‫والفاسقين‪ ،‬وأظنّكم إذا تأ َّ‬
‫ن منكم‪ ،‬يكفي لنقاذكم مما تشكون‪ .‬والقيام‬ ‫ل إنسا ٍ‬ ‫المقدور لك ِّ‬
‫ل فرد منكم بنفسه‪ ،‬ولو أهمله كافّة‬ ‫بهذا الواجب متعيّن على ك ِّ‬
‫ن أجدادكم الولين قاموا به لما وصلتم إلى ما‬ ‫المسلمين‪ .‬ولو أ َّ‬
‫أنتم عليه من الهوان‪ .‬فهذا دينكم‪ ،‬والدّين ما يدين به الفرد ل ما‬
‫ظ في الذهان‪.‬‬ ‫حف ٌ‬ ‫مو ِ‬‫ن وعمل‪ ،‬ل عل ٌ‬ ‫يدين به الجمع‪ ،‬والدين يقي ٌ‬
‫أليس من قواعد دينكم فرض الكفاية وهو أن يعمل المسلم ما‬
‫عليه غير منتظرٍ غيره؟!"‪.‬‬
‫"فأناشدكم الله يا مسلمين‪ :‬أن ل يغَّركم دين ل تعملون به‬
‫مة‪،‬‬‫مة خير أو خير أ ّ‬ ‫وإن كان خير دين‪ ،‬ول تغرنَّكم أنفسكم بأنَّكم أ ّ‬
‫وأنتم المتواكلون المقتصرون على شعار‪ :‬ل حول ول قوّة إل بالله‬

‫‪97‬‬
‫شعار شعار المؤمنين‪ ،‬ولكن؛ أين هم؟ إني‬ ‫م ال ّ ِ‬‫العلي العظيم‪ .‬ونِعْ َ‬
‫ة‬ ‫ة تعرف حقا ً معنى ل إله إل الله‪ ،‬بل أرى أ َّ‬
‫م ً‬ ‫م ً‬ ‫ل أرى أمامي أ َّ‬
‫خبلتها عبادة الظالمين!"‪.‬‬
‫م‪ :‬وأعني بكم الناطقين بالضاد من غير المسلمين‪،‬‬ ‫"يا قو ُ‬
‫أدعوكم إلى تناسي الساءات والحقاد‪ ،‬وما جناه الباء والجداد‪،‬‬
‫ُ‬
‫فقد كفى ما فُعل ذلك على أيدي المثيرين‪ ،‬وأجل ّكم من أن ل‬
‫تهتدوا لوسائل التِّحاد وأنتم المهتدون السابقون‪ .‬فهذه أمم‬
‫أوستريا وأمريكا قد هداها العلم لطرائق شتّى وأصول راسخة‬
‫للتِّحاد الوطني دون الديني‪ ،‬والوفاق الجنسي دون المذهبي‪،‬‬
‫والرتباط السياسي دون الداري‪ .‬فما بالنا نحن ل نفتكر في أن‬
‫نتبع إحدى تلك الطرائق أو شبهها‪ .‬فيقول عقلؤنا لمثيري‬
‫شحناء من العاجم والجانب‪ :‬دعونا يا هؤلء نحن ندبِّر شأننا‪،‬‬ ‫ال َّ‬
‫نتفاهم بالفصحاء‪ ،‬ونتراحم بالخاء‪ ،‬ونتواسى في الضّراء‪،‬‬
‫سراء‪.‬‬ ‫ونتساوى في ال َّ‬
‫دعونا ندبِّر حياتنا الدنيا‪ ،‬ونجعل الديان تحكم في الخرى‬
‫ت سواء‪ ،‬أل وهي‪ :‬فلتحي المة‪،‬‬ ‫فقط‪ .‬دعونا نجتمع على كلما ٍ‬
‫فليحي الوطن‪ ،‬فلنحي طلقاء أعّزاء"‪.‬‬
‫صر والتبصير فيما آل إليه‬ ‫ص منكم النُّجباء للتب ُّ‬ ‫"أدعوكم وأخ ُّ‬
‫ف استحقارا ً لخيه الغربي؟ هذا‬ ‫المصير‪ ،‬أليس مطلق العربي أخ ّ‬
‫الغربي قد أصبح مادّيا ً ل دين له غير الكسب‪ ،‬فما تظاهُره مع‬
‫ة وكَذِباً‪ .‬هؤلء الفرنسيس‬ ‫بعضنا بالخاء الديني إل مخادع ً‬
‫يطاردون أهل الدين‪ ،‬ويعملون على أنَّهم يتناسونه‪ ،‬بناءً عليه؛ ل‬
‫صياد وراء‬ ‫تكون دعواهم الدِّين في ال َّ‬
‫شرق‪ ،‬إل كما يغّرِد ال ّ‬
‫الشباك!‬
‫لو كان للدين تأثير عند الغربي لما كانت البغضاء بين اللتين‬
‫والسكسون‪ ،‬بل بين الطليان والفرنسيس‪ ،‬ولما كانت بين‬
‫اللمان والفرنسيين الغربيين‪.‬‬
‫الغربي أرقى من الشرقي علما ً وثروة ومنعة‪ ،‬فله على‬
‫الشرقيين إذا واطنهم السيادة الطبيعية‪ .‬أما الشرقيون فيما‬
‫بينهم‪ ،‬فمتقاربون ل يتغابنون‪.‬‬
‫الغربي يعرف كيف يسوس‪ ،‬وكيف يتمتَّع‪ ،‬وكيف يأسر‪،‬‬
‫وكيف يستأثر‪ .‬فمتى رأى فيكم استعدادا ً واندفاعا ً لمجاراته أو‬
‫سبقه‪ ،‬ضغط على عقولكم لتبقوا وراءه شوطا ً كبيرا ً كما يفعل‬
‫الروس مع البولونيين‪ ،‬واليهود والتتار‪ ،‬وكذلك شأن ك ِّ‬
‫ل‬
‫المستعمرين‪ .‬الغربي مهما مكث في الشرق ل يخرج عن أنَّه‬
‫تاجر مستمتع‪ ،‬فيأخذ فسائل الشرق ليغرسها في بلده التي ل‬
‫ن إلى أرباضها‪.‬‬ ‫يفتأ يفتخر برياضها ويح ُّ‬

‫‪98‬‬
‫قد مضى على الهولنديين في الهند وجزائرها‪ ،‬وعلى‬
‫ن؛ ما خدموا‬ ‫الروس في قاوزان‪ ،‬مثل ما أقمنا في الندلس‪ ،‬ولك ْ‬
‫العلم والعمران بعشر ما خدمناها‪ ،‬ودخل الفرنساويون الجزائر‬
‫منذ سبعين عاماً‪ ،‬ولم يسمحوا بعد لهلها بجريدةٍ واحدة تُقَرأ‪.‬‬
‫ضل قديد بلده‪ ،‬وسمك بحاره‪ ،‬على‬ ‫نرى النكليزي في بلدنا يُف ِّ‬
‫يّ لحمنا وسمكنا‪ .‬فهل والحالة هذه تبصرون يا أولي‬ ‫طر ِ‬
‫اللباب؟"‪.‬‬
‫"وأنت أيها الشرق الفخيم رعاك الله‪ .‬ماذا دهاك؟ ماذا‬
‫أقعدك عن مسراك؟ أليست أرضك تلك الرض ذات الجنان‬
‫والقنان‪ ،‬ومنبت العلم والعرفان‪ ،‬وسماؤك تلك السماء مصدر‬
‫النوار‪ ،‬ومهبط الحكمة والديان‪ ،‬وهواؤك ذاك النسيم العدل‪ ،‬ل‬
‫العواصف والضباب‪ .‬وماؤك ذاك العذب الغدق‪ ،‬ل الكدر ول‬
‫الجاج؟"‪.‬‬
‫ل نظامك‪ ،‬والدهر ذاك‬ ‫َ‬ ‫"رعاك الله يا شرق‪ ،‬ماذا أصابك فأخ ّ‬
‫الدهر ما غيَّر وضعك‪ ،‬وبدَّل شرعه فيك؟ ألم تزل مناطقك هي‬
‫المعتدلة‪ ،‬وبَنوك هم الفائقون فطرة ً وعدداً؟ أليس نظام الله‬
‫محكمة قويمة‪،‬‬ ‫فيك على عهده الول‪ ،‬ورابطة الديان في بنيك ُ‬
‫مؤسسة على عبادة الصانع الوازع؟ أليست معرفة المنعم حقيقة‬
‫راهنة أشرقت فيك شمسها‪ ،‬أيَّدت بها عّز النفس‪ ،‬وأحكمت بها‬
‫ب الجنس؟"‪.‬‬ ‫ب الوطن وح َّ‬ ‫ح َّ‬
‫"رعاك الله يا شرق‪ ،‬ماذا عراك وسكَّن منك الحراك؟ ألم‬
‫تزل أرضك واسعة خصبة‪ ،‬ومعادنك وافية غنية‪ ،‬وحيوانك رابياً‬
‫متناسلً‪ ،‬وعمرانك قائما ً متواصلً‪ ،‬وبَنوك على ما ربَّيتهم أقرب‬
‫مى عند غيرهم ضعفاً‬ ‫شر؟ أليس عندهم الحلم المس ّ‬ ‫للخير من ال َّ‬
‫مى بالجبانة‪ ،‬وعندهم الكرم‬ ‫في القلب‪ ،‬وعندهم الحياء المس ّ‬
‫ماة بالعجز‪ ،‬وعندهم‬ ‫مى بالتلف‪ ،‬وعندهم القناعة المس ّ‬ ‫المس ّ‬
‫ل؟ نعم؛‬ ‫ماة بالذ ّ‬
‫ماة بالبلهة‪ ،‬وعندهم المجاملة المس ّ‬ ‫العفّة المس ّ‬
‫ما هم بالسالمين من الظلم‪ ،‬ولكن؛ فيما بينهم‪ ،‬ول من الخدع‪،‬‬
‫ولكن؛ ل يفتخرون به‪ ،‬ول من الضرار‪ ،‬ولكن؛ مع الخوف من‬
‫الله"‪.‬‬
‫"رعاك الله يا شرق‪ ،‬ل نرى من غير الدّهر فيك ما‬
‫َ‬
‫شقاء لبنيك‪ ،‬ويستلزم ذل ّهم لبني أخيك‪ .‬فلماذا قد‬ ‫يستوجب هذا ال ّ‬
‫أصبحت إذا انقطع عنك مدد أخيك بمصنوعاته‪ ،‬يبقى أبناؤك ع ُراة‬
‫حفاة في ظلم‪ ،‬بل يمنّيهم فقد ُ الحديد بالرجوع إلى العصر‬
‫النّحاسي‪ ،‬بل الحجري الموصوف بعصر التعفين؟"‪.‬‬
‫"رعاك الله يا شرق‪ ،‬بل راعى الله أخاك الغرب‪ ،‬العائل‬
‫بنفسه والعائل فيك‪ ،‬وقاتل الله الستبداد‪ ،‬بل لعن الله الستبداد‪،‬‬

‫‪99‬‬
‫ط بالمم إلى أسفل‬ ‫المانع من التّرقّي في الحياة‪ ،‬المنح ّ‬
‫الدركات‪ .‬أل بُعدا ً للظالمين"‪.‬‬
‫"رعاك الله يا غرب‪ ،‬وحيّاك وبيّاك‪ ،‬قد عرفت لخيك سابق‬
‫فضله عليك‪ ،‬فوفيت‪ ،‬وكفيت‪ ،‬وأحسنت الوصاية وهديت‪ ،‬وقد‬
‫اشتد َّ ساعد بعض أولد أخيك‪ ،‬فهل ينتدب بعض شيوخ أحرارك‬
‫سور‪ ،‬سور الشؤم والشرور‪،‬‬ ‫لعانة أنجاب أخيك على هدم ذاك ال ّ‬
‫ليخرجوا إلى أرض الحياة‪ ،‬أرض النبياء الهداة‪ ،‬فيشكرون فضلك‬
‫والدهر مكافأة؟"‪.‬‬
‫ن دامت حياته‬ ‫ب‪ ،‬ل يحفظ لك الدِّين غير الشرق إ ْ‬ ‫"يا غر ُ‬
‫بحريته‪ ،‬وفقد ُ الدّين يهدِّدك بالخراب القريب‪ .‬فماذا أعددت‬
‫للفوضيين إذا صاروا جيشا ً جراراً؟ وماذا أعددت لديارك الحبلى‬
‫بالثورة الجتماعية؟ هل تُعِد ُّ المواد المتفرقعة‪ ،‬وقد جاوز ْ‬
‫ت‬
‫أنواعها اللف؟ أن تُعِد ُّ الغازات الخانقة وقد سهل استحضارها‬
‫على الصبيان؟"‪.‬‬
‫"يا قوم‪ :‬وأريد بكم شباب اليوم؛ رجال الغد‪ ،‬شباب الفكر؛‬
‫رجال الجد‪ ،‬أُعيذكم من الخزي والخذلن بتفرقة الديان‪ ،‬وأُعيذكم‬
‫ي السرائر‬ ‫ن الدينونة لله‪ ،‬وهو سبحانه ول ُّ‬ ‫من الجهل‪ ،‬جهل أ َّ‬
‫ة واحدة‪.‬‬ ‫والضمائر ‪‬ولو شاء ربُّك لجعل الناس أ ّ‬
‫م ً‬
‫"أناشدكم يا ناشئة الوطان‪ ،‬أن تعذروا هؤلء الواهنة‬
‫َ‬
‫الخائرة قواهم إل في ألسنتهم‪ ،‬المعط ّل عملهم إل في التثبيط‪،‬‬
‫الذين اجتمع فيهم داء الستبداد والتواكل فجعلهما آلة تُدار ول‬
‫تدير‪ .‬وأسألكم عفوهم من العتاب والملم‪ ،‬لنَّهم مرضى مبتلون‪،‬‬
‫مثقلون بالقيود‪ ،‬ملجمون بالحديد‪ ،‬يقضون حياة خير ما فيها أنَّهم‬
‫آباؤكم!"‪.‬‬
‫جباء من طبائع الستبداد ومصارع الستعباد‬ ‫"قد علمتم يا ن ُ َ‬
‫مل ً كافية للتدبُّر‪ ،‬فاعتبروا بنا واسألوا الله العافية‪:‬‬ ‫ج َ‬
‫ُ‬
‫نحن ألِفنا الدب مع الكبير ولو داس رقابنا‪ .‬ألِفنا الثبات‬
‫ثبات الوتاد تحت المطارق‪ ،‬ألِفنا النقياد ولو إلى المهالك‪ .‬ألِفنا‬
‫ُ‬ ‫ُ‬
‫ة‪ ،‬واللكنة‬‫أن نعتبر التَّصاغر أدبا ً والتذل ّل لطفاً‪ ،‬والتمل ّق فصاح ً‬
‫ة‪ ،‬وقبول الهانة تواضعاً‪ ،‬والّرِضا‬ ‫رزانة‪ ،‬وترك الحقوق سماح ً‬
‫ُ‬
‫بالظ ّلم طاعة‪ ،‬ودعوى الستحقاق غروراً‪ ،‬والبحث عن العموميات‬
‫فضولً‪ ،‬ومد َّ النَّظر إلى الغد أمل ً طويلً‪ ،‬والقدام تهوُّراً‪ ،‬والحمية‬
‫شهامة شراسة‪ ،‬وحريَّة القول وقاحة‪ ،‬وحريّة الفكر‬ ‫حماقة‪ ،‬وال ّ‬
‫ب الوطن جنوناً‪.‬‬ ‫كُفراً‪ ،‬وح َّ‬
‫أما أنتم‪ ،‬حماكم الله من السوء‪ ،‬فنرجو لكم أن تنشؤوا‬
‫سك بأصول الدين‪ ،‬دون أوهام‬ ‫على غير ذلك‪ ،‬أن تنشؤوا على التم ُّ‬
‫المتفننين‪ ،‬فتعرفوا قدر نفوسكم في هذه الحياة فتكرموها‪،‬‬

‫‪100‬‬
‫سنن‬ ‫وتعرفوا قدر أرواحكم وأنَّها خالدة تُثاب وتُجزى‪ ،‬وتتَّبعوا ُ‬
‫النبيين فل تخافون غير الصانع الوازع العظيم‪ .‬ونرجو لكم أن‬
‫تبنوا قصور فخاركم على معالي الهمم ومكارم الشيَّم‪ ،‬ول على‬
‫خلِقتم أحرارا ً لتموتوا كراماً‪،‬‬ ‫عظام نخرة‪ .‬وأن تعلموا أنَّكم ُ‬
‫فاجهدوا على أن تحيوا ذلكما اليومين حياة ً رضيّة‪ ،‬يتسنّى فيها‬
‫ل منكم أن يكون سلطانا ً مستقل ً في شؤونه ل يحكمه غير‬ ‫لك ٍّ‬
‫ن عليهم بعين أو عون‪ ،‬وولدا ً باّراً‬ ‫الحقّ‪ ،‬ومدينا ً وفيّا ً لقومه ل يض ُّ‬
‫ٍ‬
‫لوطنه‪ ،‬ل يبخل عليه بجزءٍ من فكره ووقته وماله‪ ،‬ومحبَّاً‬
‫ن خير الناس أنفعهم للناس‪ ،‬يعلم أ َّ‬
‫ن‬ ‫للنسانية ويعمل على أ َّ‬
‫الحياة هي العمل ووباء العمل القنوط‪ ،‬والسعادة هي المل‪،‬‬
‫ن القضاء والقدر هما عند الله ما‬ ‫ووباء المل التردد‪ ،‬ويفقه أ َّ‬
‫ن ك َّ‬
‫ل‬ ‫يعلمه ويمضيه‪ ،‬وهما عند الناس السعي والعمل‪ ،‬ويوقن أ َّ‬
‫ل‬ ‫أثر على ظهر الرض هو من عمل إخوانه البشر‪ ،‬وك َّ‬
‫ل عم ٍ‬ ‫ٍ‬
‫ن كمل‪ ،‬فل يتخيل‬ ‫م تعاوََره ُ غيره إلى أ ْ‬ ‫َ‬ ‫عظيم قد ابتدأ به فردٌ‪ ،‬ث ّ‬
‫َ‬
‫النسان في نفسه عجزاً‪ ،‬ول يتوقّع إل خيراً‪ ،‬وخير الخير للنسان‬
‫حّرا ً مقداماً‪ ،‬أو يموت"‪.‬‬ ‫أن يعيش ُ‬
‫"وكأنّي بسائلكم يسألني تاريخ التغالب بين الشرق‬
‫والغرب‪ ،‬فأجيب‪ :‬بأنَّا كنّا أرقى من الغرب علماً‪ ،‬فنظاماً‪ ،‬فقوَّة‪،‬‬
‫ن من الدَّهر لحق بنا الغرب‪ ،‬فصارت‬ ‫م جاء حي ٌ‬ ‫فكنَّا له أسياداً! ث َّ‬
‫ة فاقنا عدداً‪ ،‬وإ ْ‬
‫ن‬ ‫ن فُقْناه شجاع ً‬ ‫سجالً‪ :‬إ ْ‬ ‫مزاحمة الحياة بيننا ِ‬
‫م جاء الّزمن الخير ترقّى فيه‬ ‫فُقناه ثروة ً فاقنا باجتماع كلمته‪ .‬ث َّ‬
‫م إلى ذلك أولً‪ :‬قوة اجتماعه‬ ‫الغرب علماً‪ ،‬فنظاماً‪ ،‬فقوّةً‪ .‬وانض َّ‬
‫شعوبا ً كبيرةً‪ .‬ثانياً‪ :‬قوَّة البارود؛ حيث أبطل الشجاعة وجعل‬
‫العبرة للعدد‪ .‬ثالثاً‪ :‬قوَّة كشفه أسرار الكيمياء والميكانيك‪ .‬رابعاً‪:‬‬
‫قوَّة الفحم الذي أهدته له الطبيعة‪ .‬خامساً‪ :‬قوَّة النشاط بكسره‬
‫قيود الستبداد‪ .‬سادساً‪ :‬قوَّة المن على عقد الشركات المالية‬
‫شرق ما يقابلها‬ ‫الكبيرة‪ .‬فاجتمعت هذه القوات فيه وليس عند ال َّ‬
‫ّ‬
‫جة عليه‪ ،‬والغرور بالدّين خلفاً‬ ‫غير الفتخار بالسلف‪ ،‬وذلك ح َّ‬
‫للدّين‪ ،‬فالمسلمون يقابلون تلك القوات بما يُقال عند اليأس‬
‫م الوكيل‪ ،‬ويخالفون أمر القرآن لهم بأن‬ ‫سبُنا الله ونِعْ َ‬‫وهو‪ :‬ح ْ‬
‫قوة‪ ،‬ل ما استطاعوا من صلةٍ وصوم‪.‬‬ ‫يُعِدّوا ما استطاعوا من َّ‬
‫وكأني بسائلكم يقول‪ :‬هل بعد اجتماع هذه القوات في‬
‫شرق من سبيل لنجاة البقية؟‬ ‫الغرب واستيلئه على أكثر ال َّ‬
‫َ‬
‫ن المر مقدور ولعل ّه ميسور‪ .‬ورأس‬ ‫فأجيب قاطعا ً غير متردِّد‪ :‬إ َّ‬
‫ن يكتب الناشئون على‬ ‫الحكمة فيه كسر قيود الستبداد‪ .‬وأ ْ‬
‫جباههم عشر كلمات‪ ،‬وهي‪:‬‬
‫‪-1‬ديني ما أُظهر وما أخفي‪.‬‬
‫ُ‬

‫‪101‬‬
‫ث يكون الحقُّ ول أبالي‪.‬‬ ‫‪-2‬أكون؛ حي ُ‬
‫‪-3‬أنا حٌّر وسأموت حّراً‪.‬‬
‫ل ل أتِّكل على غير نفسي وعقلي‪.‬‬ ‫‪-4‬أنا مستق ٌّ‬
‫‪-5‬أنا إنسان الجد ّ والستقبال‪ ،‬ل إنسان الماضي‬
‫والحكايات‪.‬‬
‫ل شيء‪.‬‬ ‫‪-6‬نفسي ومنفعتي قبل ك ِّ‬
‫ُ‬
‫ب لذيذ‪.‬‬ ‫‪-7‬الحياة كل ّها تع ٌ‬
‫ل عزيز‪.‬‬ ‫‪-8‬الوقت غا ٍ‬
‫شرف في العلم فقط‪.‬‬ ‫‪-9‬ال َّ‬
‫‪-10‬أخاف الله ل سواه‪.‬‬
‫"وأنـت أيهـا الوطـن المحبوب‪ :‬أنـت العزيـز على النفوس‪،‬‬
‫ن الرواح‪...‬‬ ‫ن الشباح وعليــك تئ ّـُ‬ ‫المقدَّس فــي القلوب‪ ،‬إليــك تح ّـُ‬
‫أيهــا الوطــن الباكــي ضعافــه‪ :‬عليــك تبكــي العيون‪ ،‬وفيــك يحلو‬
‫المنون‪ .‬إلى متـــى يعبـــث خللك اللئام الطّغام؟ يظلمون بنيـــك‬
‫ُ‬
‫ويذل ّون ذويـــــــك‪ .‬يطاردون أنجالك الحباب ويمســـــــكون على‬
‫ُ‬
‫المساكين الط ّرق والبواب‪ ،‬يُخرجون العمران ويُقفرون الدّيار؟‪.‬‬
‫أيها الوطن العزيز‪ :‬هل ضاعت رحابك عن أولدك؟ أم‬
‫ضاقت أحضانك عن أفلذك؟‪ ...‬كل؛ إنَّما فقدت الُباة‪ ،‬فقدت‬
‫حماة‪ ،‬فقدت الحرار‪ .‬أيها الوطن الملتهب فؤاده‪ :‬أما رويت من‬ ‫ال ُ‬
‫ن؛ دموع بناتك الثاكلت ودماء أبنائك‬ ‫سقيا الدموع والدِّماء؟ ولك ْ‬ ‫ُ‬
‫البرياء‪ ،‬ل دموع النادمين ول دماء الظالمين‪ .‬أل فاشرب هنيئا ً ول‬
‫تأسف على البُلْهِ الخاملين‪ ،‬ول تحزن‪ ،‬فما هم كرائما ً وكراماً‪،‬‬
‫ن كرائما ً باكيات محمسات‪ ،‬وليسوا هم كراما ً أعَّزة‬ ‫ن ه َّ‬
‫س َ‬ ‫ل ْ‬
‫ل فيهم الحُّر‬ ‫َ‬ ‫شهداء‪ ،‬إنَّما هم –غفر الله لهم‪ -‬من علمت‪ ،‬ق ّ‬
‫ل فيهم من يقول أنا ل أخاف الظالمين‪.‬‬ ‫الغيور‪ ،‬ق َّ‬
‫ن الله عناصر أجسامنا منك‪ ،‬وجعل‬ ‫أيها الوطن الحنون‪ :‬كَوَّ َ‬
‫المهات حواضن‪ ،‬ورزقنا الغذاء منك‪ ،‬وجعل المرضعات‬
‫ب أجزاءك وأن‬ ‫مجهزات‪ ،‬نعم؛ خلقنا الله منك فحقَّ لك أن تح َّ‬
‫ب‬‫ن ل تح َّ‬ ‫ن على أفلذك‪ .‬كما يحقّ لكفي شرع الطبيعة أ ْ‬ ‫تح َّ‬
‫الجنبي الذي يأبى طبعه حبَّك‪ ،‬الذي يؤذيك ول يواليك‪ ،‬ويزاحم‬
‫بنيك عليك ويشاركهم فيك‪ ،‬وينقل إلى أرضه ما في جوفك من‬
‫نفيس العناصر وكنوز المعادن‪ ،‬فيفقرك ليغني وطنه‪ ،‬ول لوم‬
‫عليه‪ ،‬بل بارك الله فيه!"‪.‬‬
‫م‪ :‬جعلكم الله خيرة اليوم وعدَّة الغد‪ ،‬هذا خطابي‬ ‫"يا قو ُ‬
‫إليكم فيما هو الترقّي وما هو النحطاط‪ ،‬فإن وعيتم ولو شذرات‪،‬‬
‫فيا بشراي والسلم عليكم‪ ،‬وإل فيما ضياع النفس‪ ،‬وعلى الَّرفاه‬
‫السلم"‪.‬‬

‫‪102‬‬
‫مة إلى غاية أن‬ ‫الستبداد الذي يبلغ في النحطاط بال َّ‬
‫تموت‪ ،‬ويموت هو معها‪ ،‬كثير الشواهد في قديم الزمان وحديثه‪،‬‬
‫سامية التي تليق‬ ‫أما بلوغ الترقّي بالمم إلى المرتبة القصوى ال ّ‬
‫مةٍ تصلح مثال ً له‪،‬‬ ‫بالنسانية‪ ،‬فهذا لم يسمح الزمان حتَّى الن بأ َّ‬
‫حكما ً ل‬ ‫مة حكمت نفسها برأيها العام ُ‬ ‫لنَّه إلى الن لم توجد أ َّ‬
‫يشوبه نوع ً من الستبداد ولو باسم الوقار والحترام‪ ،‬أو بنوٍع من‬
‫شقاق الديني أو الجنسي بين الناس‪.‬‬ ‫الغفال ولو ببذر ال ّ ِ‬
‫ن الحكمة اللهية لم تزل ترى البشر غير متأهِّلين لنوال‬ ‫فكأ َّ‬
‫سعادة الخوة العمومية بالتحابب بين الفراد‪ ،‬والقناعة بالمساواة‬
‫الحقوقية بين الطبقات‪ .‬نعم؛ وُجد للترقّي القريب من الكمال‬
‫بعض أمثال قليلة في القرون الغابرة‪ ،‬كالجمهورية الثانية‬
‫للرومان‪ ،‬وكعهد الخلفاء الراشدين‪ ،‬وكالزمنة المتقط ِّعة في عهد‬
‫الملوك المنظّمين ل الفاتحين مثل أنوشروان وعبد الملك الموي‬
‫شهيد وبطرس الكبير‪ .‬وكبعض الجمهوريات‬ ‫ونور الدين ال َّ‬
‫الصغيرة والممالك الموفَّقة لحكام التقييد الموجودة في هذا‬
‫الَّزمان‪ .‬وإنّي أقتصر على وصف منتهى الترقّي الذي وصلت إليه‬
‫تلك المم وصفا ً إجمالياً‪ ،‬واترك للمطالع أن يوازنها ويقيس عليها‬
‫درجات سائر المم‪.‬‬
‫وربما يستريب في ذلك المطالع المولود في أرض‬
‫الستبداد‪ ،‬الذي لم يدرس أحوال المم في الوجود‪ ،‬ول عتب عليه‬
‫فإنَّه كالمولود أعمى ل يُدرك للمناظر البهية معنى‪.‬‬
‫قد بلغ الترقّي في الستقلل الشخصي في ظلل‬
‫ن يعيش النسان المعيشة التي تشبه في‬ ‫الحكومات العادلة‪ ،‬ل ْ‬
‫بعض الوجوه ما وعدته الديان لهل السعادة في الجنان‪ .‬حتى إ َّ‬
‫ن‬
‫ن على ك ِّ‬
‫ل‬ ‫ك ًّ‬
‫ل فرد ٍ يعيش كأنه خالد ٌ بقومه ووطنه‪ ،‬وكأنه أمي ٌ‬
‫مطلب‪ ،‬فل هو يكل ِّف الحكومة شططا ً ول هي تهمله استحقاراً‪:‬‬
‫ن على السلمة في جسمه وحياته بحراسة الحكومة‬ ‫‪ -1‬أمي ٌ‬
‫ل قوتها في حضره وسفره بدون‬ ‫التي ل تغفل عن محافظته بك ِّ‬
‫أن يشعر بثقل قيامها عليه‪ ،‬فهي تحيط به إحاطة الهواء‪ ،‬ل‬
‫إحاطة السور يلطمه كيفما التفت أو سار‪.‬‬
‫ن على الملذَّات الجسمية والفكرية باعتناء الحكومة‬ ‫‪ -2‬أمي ٌ‬
‫في الشؤون العامة‪ ،‬المتعل ِّقة بالترويضات الجسمية والنظرية‬
‫ن الطرقات المسهلة‪ ،‬والتزيينات البلدية‪،‬‬ ‫والعقلية حتى يرى أ َّ‬
‫والمتنزهات‪ ،‬والمنتديات‪ ،‬والمدارس‪ ،‬والمجامع‪ ،‬ونحو ذلك‪ ،‬قد‬
‫ُ‬
‫جدت كل ّها لجل ملذ ّاته‪ ،‬ويعتبر مشاركة الناس له فيها لجل‬ ‫وُ ِ‬
‫إحسانه‪ ،‬فهو بهذا النظر والعتبار ل ينقص عن أغنى الناس‬
‫سعادةً‪.‬‬

‫‪103‬‬
‫خلِق وحده على سطح هذه‬ ‫ن على الحرية‪ ،‬كأنَّه ُ‬ ‫‪ -3‬أمي ٌ‬
‫ن وفكرٍ‬ ‫ص شخصه من دي ٍ‬ ‫الرض‪ ،‬فل يعارضه معارض فيما يخ ُّ‬
‫ل وأمل‪.‬‬ ‫وعم ٍ‬
‫ن عزيز‪ ،‬فل ممانع له ول‬ ‫َ‬
‫ن على النفوذ‪ ،‬كأن ّه سلطا ٌ‬ ‫‪ -4‬أمي ٌ‬
‫معاكس في تنفيذ مقاصده النافعة في المة التي هو منها‪.‬‬
‫مةٍ يساوي جميع أفرادها‬ ‫ن على المزيّة‪ ،‬كأنَّه في أ َّ‬ ‫‪ -5‬أمي ٌ‬
‫ة وشرفا وقوةً‪ ،‬فل يفضل هو على أحد ول يفضل أحد ٌ عليه‪،‬‬ ‫ً‬ ‫منزل ً‬
‫إل بمزيّة سلطان الفضيلة فقط‪.‬‬
‫ن على العدل‪ ،‬كأنَّه القابض على ميزان الحقوق‪ ،‬فل‬ ‫‪ -6‬أمي ٌ‬
‫ً‬
‫من فل يحذر بخسا‪ ،‬وهو المطمئن على‬ ‫ً‬
‫يخاف تطفيفا‪ ،‬وهو المث ّ‬
‫ة نال‬‫أنَّه إذا استحقَّ أن يكون ملكا ً صار ملكاً‪ ،‬وإذا جنة جناي ً‬
‫جزاءه ل محالة‪.‬‬
‫ن ما أحرزه بوجهه المشروع‬ ‫َ‬ ‫ن على المال والملك‪ ،‬كأ ّ‬ ‫‪ -7‬أمي ٌ‬
‫قليل ً كان أو كثيراً‪ ،‬قد خلقه الله لجله فل يخاف عليه‪ ،‬كما أنَّه‬
‫ن نظر إلى مال غيره‪.‬‬ ‫تقلع عينه إ ْ‬
‫ن على الشف بضمان القانون‪ ،‬بنصرة المة‪ ،‬ببذل‬ ‫‪ -8‬أمي ٌ‬
‫الدم‪ ،‬فل يرى تحقيرا ً إل لدى وجدانه‪ ،‬ول يعرف طمعا ً لمرارة‬
‫ل والهوان‪.‬‬ ‫الذ ُ ِّ‬
‫أما السير –ول أحزن المطالع بوصف حالته‪ -‬فأكتفي‬ ‫ُ‬
‫ن حتى على عظامه في‬ ‫َ‬
‫بالقول‪ :‬إن ّه ل يملك ول نفسه‪ ،‬وغير أمي ٍ‬
‫رمسه‪ ،‬إذا وقع نظره على المستبدِّ أو أحد من جماعته على‬
‫كثرتهم يتعوَّذ بالله‪ ،‬وإذا مَّر من قرب إحدى دوائر حكومته أسرع‬
‫ن هذا الدار‪ ،‬بئس الدار‪ ،‬هي‬ ‫ب‪ ،‬إ َّ‬‫وهو يكرر قوله‪« :‬حمايتك يا ر ّ‬
‫ن هذه الدار كالكنيف‬ ‫ل من فيها إما ذابح أو مذبوح‪ .‬إ َّ‬ ‫كالمجزرة ك ُّ‬
‫ل يدخله إل المضطر»‪.‬‬
‫وقد يبلغ الترقّي في الستقلل الشخصي مع التركيب‬
‫بالعائلة والعشيرة‪ ،‬أن يعيش النسان معتبرا ً نفسه من وجه غنياً‬
‫ي هو العائلة‪،‬‬ ‫عن العالمين‪ ،‬ومن وجه عضوا ً حقيقيا ً من جسم ٍ ح ٍ ّ‬
‫م البشر‪.‬‬ ‫مة‪ ،‬ث َّ‬
‫م ال َّ‬ ‫ث َّ‬
‫ويُنظر إلى انقسام البشر إلى أمم‪ ،‬ثم إلى عائلت‪ ،‬ثم إلى‬
‫ن‪ ،‬وهي إلى بيوت‪،‬‬ ‫أفراد‪ ،‬وهو من قبيل انقسام الممالك إلى مد ٍ‬
‫ق من وظيفةٍ معينة‬ ‫ل مرف ٍ‬ ‫وهي إلى مرافق‪ ،‬وكما أنَّه ل بد َّ لك ِّ‬
‫يصلح لها وإل كان بناؤه عبثا ً يستحقُّ الهدم‪ ،‬كذلك أفراد النسان‬
‫ل منهم نفسه لوظيفة في قيام حياة عائلته أولً‪ ،‬ث َّ‬
‫م‬ ‫ل بد َّ أن يعد َّ ك ٌّ‬
‫حياة قومه ثانياً‪.‬‬
‫ولهذا يكون العضو الذي ل يصلح لوظيفة‪ ،‬أو ل يقوم بما‬
‫ل من يريد أن يعيش كَل ًّ على غيره‪ ،‬ل‬ ‫يصلح له‪ ،‬حقيرا ً مهاناً‪ .‬وك ُّ‬

‫‪104‬‬
‫ه كالدَّرن في‬ ‫ي‪ ،‬يستحقُّ الموت ل الشفقة‪ ،‬لن َّ‬ ‫عن عجزٍ طبيع ٍ ّ‬
‫ُّ‬
‫الجسم أو كالزائد من الظفر يستحقان الخراج والقطع‪ ،‬ولهذا‬
‫المعنى حَّرمت الشرائع السماوية الملهي التي ليس فيها‬
‫سكر المعط ِّل عن العمل عقل ً وجسماً‪ ،‬والمقامرة‬ ‫ترويض‪ ،‬وال ُّ‬
‫ضل الله‬ ‫والّرِبا لنهما ليسا من نوع العمل والتبادل فيه‪ .‬وقد ف َّ‬
‫شعر؛ ل َّ‬
‫ن‬ ‫جام وصانع الخبز على ناظم ال ّ ِ‬ ‫الكنَّاس على الح َّ‬
‫صنعتهما أنفع للجمهور‪.‬‬
‫ل فردٍ‬ ‫ن يصير ك ُّ‬ ‫وقد يبلغ ترقّي التركيب في المم درجة أ ْ‬
‫مة التي‬ ‫مة مالكا ً لنفسه تماماً‪ ،‬ومملوكا ً لقومه تماماً‪ .‬فال َّ‬ ‫من ال َّ‬
‫ل فرد ٍ منها مستعدا ً لفتدائها بروحه وبماله‪ ،‬تصير تلك‬ ‫يكون ك ُّ‬
‫جة هذا الستعداد في الفراد‪ ،‬غنية عن أرواحهم‬ ‫مة بح َّ‬ ‫ال َّ‬
‫وأموالهم‪.‬‬
‫َ‬
‫الترقّي في القوة بالعلم والمال يتمي ّز على باقي أنواع‬
‫الترقّيات السالفة البيان تميُّز الرأس على باقي أعضاء الجسم‪،‬‬
‫ن الرأس بإحرازه مركزية العقل‪ ،‬ومركزية أكثر الحواس‪،‬‬ ‫فكما أ َّ‬
‫تميّز على باقي العضاء واستخدمها في حاجاته‪ ،‬فكذلك‬
‫الحكومات المنتظم يترقّى أفرادها ومجموعها في العلم والثروة‪،‬‬
‫َّ‬
‫ط بها‬ ‫ن طبيعي على الفراد أو المم التي انح‬ ‫فيكون لهم سلطا ٌ‬
‫الستبداد المشؤوم إلى حضيض الجهل والفقر‪.‬‬
‫بقي علينا بحث الترقّي في الكمالت بالخصال والثرة‪،‬‬
‫وبحث الترقّي الذي يتعلق بالروح؛ أي بما وراء هذه الحياة‪،‬‬
‫َ‬
‫سل ّم الَّرحمة والحسنات‪ ،‬فهذه أبحاث‬ ‫ويرقى إليه النسان على ُ‬
‫طويلة الذيل‪ ،‬ومنابعها حكميات الكتب السماوية ومدوِّنات‬
‫الخلق‪ ،‬وتراجم مشاهير المم‪.‬‬
‫وأكتفي بالقول في هذا النوع‪ :‬إنَّه يبلغ بالنسان مرتبة أن ل‬
‫مه‪ ،‬ث َّ‬
‫م‬ ‫يرى لحياته أهمية إل بعد درجات‪ ،‬فيهُّمه أملً‪ :‬حياة أ ِّ‬
‫م محافظته على عائلته‪ ،‬ث َّ‬
‫م‬ ‫م أمنه على شرفه‪ ،‬ث َّ‬ ‫امتلك حريته‪ ،‬ث َّ‬
‫م‪ ...‬وقد تشمل إحساساته عالم‬ ‫م‪ ،‬وث َّ‬ ‫م ماله‪ ،‬ث َّ‬ ‫وقايته حياته‪ ،‬ث َّ‬
‫ن قومه البشر ل قبيلته‪ ،‬ووطنه الرض ل بلده‪،‬‬ ‫النسانية كل ِّه‪ ،‬كأ َّ‬
‫ومسكنه؛ حيث يجد راحته‪ ،‬ل يتقيَّد بجدران بيت مخصوص يستتر‬
‫فيه ويفتخر به كما هو شأن الُسراء‪.‬‬
‫وقد يترفَّع النسان عن المارة لما فيها من معنى الكبر‪،‬‬
‫وعن التِّجارة لما فيها من التمويه والتبذُّل‪ ،‬فيرى الشرف في‬
‫م القلم‪ ،‬ويرى اللذَّة في التجديد‬ ‫م المطرقة‪ ،‬ث َّ‬ ‫المحراث‪ ،‬ث َّ‬
‫ن له وظيفة في‬ ‫والختراع‪ ،‬ل في المحافظة على العتيق‪ ،‬كأ َّ‬
‫ترقّي مجموع البشر‪.‬‬

‫‪105‬‬
‫ن المم التي يُسعدها جدُّها لتبديد‬ ‫وخلصة القول‪ :‬إ َّ‬
‫سي والمعنوي ما ل يخطر على‬ ‫شرف الح ّ‬ ‫استبدادها‪ ،‬تنال من ال َّ‬
‫فكر أُسراء الستبداد‪ .‬فهذه بلجيكا أبطلت التكاليف الميرية‬
‫ة في نفقاتها بنماء فوائد بنك الحكومة‪ .‬وهذه‬ ‫متها‪ ،‬مكتفي ً‬ ‫بر َّ‬
‫س واحد‪.‬‬ ‫سويسرا يصادفها كثيرا ً أن ل يوجد في سجونها محبو ٌ‬
‫وهذه أمريكا أثرت حتى كادت تخرج الفضة من مقام النقد إلى‬
‫مقام المتاع‪ .‬وهذه اليابان أصبحت تستنزف قناطير الذهب من‬
‫َ‬
‫أوربا وأمريكا ثمن امتيازات اختراعاتها وطبع تراجم مؤل ّفاتها‪.‬‬
‫وقد تنال تلك المم حظّا ً من الملذَّات الحقيقية‪ ،‬التي ل‬
‫تخطر على فكر الُسراء‪ ،‬كلذَّة العلم وتعليمه‪ ،‬ولذَّة المجد‬
‫والحماية‪ ،‬ولذَّة الثراء والبذل‪ ،‬ولذَّة إحراز الحترام في القلوب‪،‬‬
‫َ‬ ‫َ‬
‫ب الطاهر‪ ،‬إلى غير هذه‬ ‫ولذ ّة نفوذ الرأي الصائب‪ ،‬ولذ ّة الح ِّ‬
‫ما السراء والجهلء فملذَّاتهم مقصورة على‬ ‫الملذَّات الروحية‪ .‬وأ َّ‬
‫مشاركة الوحوش الضارية في المطاعم والمشارب واستفراغ‬
‫ن أجسامهم ظروف تُمل وتُفرغ‪ ،‬أو هي دمامل تولد‬ ‫الشهور‪ ،‬كأ َّ‬
‫الصديد وتدفعه‪.‬‬
‫وأنفع ما بلغه الترقّي في البشر؛ هو إحكامهم أصول‬
‫الحكومات المنتظمة ببنائهم سدّا ً متينا ً في وجه الستبداد‪،‬‬
‫ل فساد‪ ،‬وبجعلهم أل ّ قوة ول نفوذ فوق قوة‬ ‫والستبداد جرثومة ك ِّ‬
‫شرع هو حبل الله المتين‪ .‬وبجعلهم قوَّة التشريع في‬ ‫شرع‪ ،‬وال َّ‬ ‫ال َّ‬
‫مة ل تجتمع على ضلل‪ .‬وبجعلهم المحاكم تحاكم‬ ‫مة‪ ،‬وال َّ‬ ‫يد ال َّ‬
‫سواء‪ ،‬فتحاكي في عدالتها الكبرى‬ ‫صعلوك على ال َّ‬ ‫سلطان وال ُّ‬ ‫ال ُّ‬
‫اللهية‪ .‬وبجعلهم العمال ل سبيل لهم على تعدّي حدود وظائفهم‪،‬‬
‫مة يقظة ساهرة على‬ ‫كأنهم ملئكة ل يعصون أمراً‪ ،‬وبجعلهم ال َّ‬
‫ن الله –عَّز‬ ‫مراقبة سير حكومتها‪ ،‬ل تغفل طرفة عين‪ ،‬كما أ َّ‬
‫ما يفعل الظالمون‪.‬‬ ‫ل‪ -‬ل يغفل ع َّ‬ ‫وج ّ‬
‫هذا مبلغ الترقّي الذي وصلت إليه المم منذ ع ُرِف التاريخ‪،‬‬
‫على أنَّه لم يقم دليل إلى الن على ترقّي البشر في السعادة‬
‫ما كانوا عليه في العصور الخالية حتى الحجرية‪ ،‬حتّى‬ ‫الحيوية ع ّ‬
‫ل على‬ ‫ُ‬ ‫منذ كانوا عراة ً يسرحون أسراباً‪ ،‬والثار المشهودة ل تد ّ‬
‫أكثر من ترقّي العلم والعمران؛ وهما آلتان كما يصلحان للسعاد‪،‬‬
‫سنَّة الكون التي أرادها الله‬ ‫يصلحان للشقاء‪ ،‬وترقِّيها هو من ُ‬
‫تعالى لهذه الرض وبنيها‪ ،‬ووصف لنا ما سيبلغ إليه ترقّي زينتها‬
‫واقتدار أهلها بقوله عَّز شأنه‪ :‬حتى إذا أخذت الرض ُزخرفها‬
‫ن أهلها أنهم قادرون عليها أتاها أمرنا ليل ً أو نهاراً‬ ‫واَّزينت وظ َّ‬
‫ن الدنيا‬ ‫ل على أ َّ‬ ‫فجعلناها حصيدا ً كأن لم تَغْن بالمس‪ .‬وهذا يد ُّ‬
‫َ‬
‫ن ما مضى‬ ‫َ‬ ‫وبنيها لم يزال في مقتبل الترقّي‪ ،‬ول يعارض هذا أ ّ‬

‫‪106‬‬
‫من عمرها هو أكثر مما بقي حسبما أخبرت به الكتب السماوية‪،‬‬
‫ل َّ‬
‫ن العمر شيء‪ ،‬والترقّي شيءٌ آخر‪.‬‬

‫ُ‬
‫الستبداد والتخل ّص منه‬

‫ليس لنا مدرسة أعظم من التاريخ الطبيعي‪ ،‬ول برهان‬


‫ن النسان عاش دهراً‬ ‫أقوى من الستقراء‪ ،‬من تتبَّعهما يرى أ َّ‬
‫مى "دور الفتراس"‪ ،‬فكان يتجوَّل‬ ‫طويل ً في حالة طبيعية تس َّ‬
‫حول المياه أسرابا ً تجمعه حاجة الحضانة صغيراً‪ ،‬وقصد‬
‫الستئناس كبيراً‪ ،‬ويعتمد في رزقه على النبات الطبيعي وافتراس‬

‫‪107‬‬
‫ضعاف الحيوان في البّرِ والبحر‪ ،‬وتسوسه الرادة فقط‪ ،‬ويقوده‬
‫ث يكثر الرزق‪.‬‬ ‫من بنيته أقوى إلى حي ُ‬
‫َ‬
‫مى‬ ‫ثم ترقّى الكثير من النسان إلى الحالة البدوية التي تس ّ‬
‫"دور القتناء"‪ :‬فكان عشائر وقبائل‪ ،‬يعتمد في رزقه على ا ِدّخار‬
‫الفرائس إلى حين الحاجة‪ ،‬فصارت تجمعه حاجة التحفُّظ على‬
‫المال العام والنعام‪ ،‬وحماية المستودعات والمراعي والمياه من‬
‫م انتقل –ول يُقال ترقّى‪ -‬قسم كبير من النسان‬ ‫المزاحمين‪ ،‬ث َّ‬
‫إلى المعيشة الحضرية‪ :‬فسكن القرى يستنبت الرض الخصبة‬
‫َ‬
‫في معاشه‪ ،‬فأخصب‪ ،‬ولكن؛ في الشقاء‪ ،‬ولعل ّه استحقَّ ذلك‬
‫بفعله؛ لنَّه تعدَّى قانون الخالق‪ ،‬فإنَّه خلقه حّرا ً جوَّالً‪ ،‬يسير في‬
‫ل‪ ،‬وخلق‬ ‫ن‪ ،‬وسكن إلى الجهل والذ ُّ ّ‬ ‫الرض‪ ،‬ينظر آلء الله‪ ،‬فسك َ‬
‫َّ‬
‫ة‪ ،‬فاستأثر بها‪ ،‬فسلط الله عليه من يغصبها منه‬ ‫الله الرض مباح ً‬
‫ويأسره‪ .‬وهذا القسم يعيش بل جامعة‪ ،‬تحكمه أهواء أهل المدن‬
‫وقانونه‪ :‬أن يكون ظالما ً أو مظلوماً‪.‬‬
‫ما في المادة‬ ‫م ترقّى قسم من النسان إلى التصُّرف إ ّ‬ ‫ث َّ‬
‫ما في النظريات وهم أهل المعارف والعلوم‪.‬‬ ‫صناع‪ ،‬وإ َّ‬ ‫وهم ال ُّ‬
‫ن سجنوا‬ ‫وهؤلء المتصّرِفون هم سكان المدن الذين هم إ ْ‬
‫أجسامهم بين الجدران‪ ،‬لكنهم أطلقوا عقولهم في الكوان‪ ،‬وهم‬
‫ن أكثرهم لم‬ ‫سعوا في الحاجات‪ ،‬ولك َّ‬ ‫سعوا في الّرِزق كما تو َّ‬ ‫قد تو َّ‬
‫يهتدوا حتى الن للطريق المثلى في سياسة الجمعيات الكبرى‪.‬‬
‫ة على‬ ‫م ٍ‬ ‫وهذا هو سبب تنوُّع أشكال الحكومات وعدم استقرار أ َّ‬
‫ُ‬ ‫شكل مرض عام‪ .‬إنَّما ك ُّ‬
‫ت سياسية على سبيل‬ ‫ل المم في تقل ّبا ٍ‬ ‫ٍ‬ ‫ُ‬
‫ُّ‬
‫التجريب‪ ،‬وبحسب تغلب أحزاب الجتهاد أو رجال الستبداد‪.‬‬
‫وتقرير شكل الحكومة هو أعظم وأقدم مشكلة في البشر‪،‬‬
‫ل في‬ ‫وهو المعترك الكبر لفكار الباحثين‪ ،‬والميدان الذي ق َّ‬
‫ل من‬ ‫البشر من ل يجول فيه على فيل من الفكر‪ ،‬أو على جم ٍ‬
‫مق‪،‬‬ ‫ح ْ‬ ‫س من الفراسة‪ ،‬أو على حمارٍ من ال ُ‬ ‫الجهل‪ ،‬أو على فر ٍ‬
‫حتى جاء الزمن الخير فجال فيه إنسان الغرب جولة المغوار‬
‫الممتطي في التدقيق مراكب البخار‪ .‬فقرر بعض قواعد أساسية‬
‫في هذا الباب تضافر عليها العقل والتجريب‪ ،‬وحصحص فيها‬
‫الحقّ اليقين‪ ،‬فصارت تُعَد ُّ من المقررات الجتماعية عند المم‬
‫المترقية‪ ،‬ول يعارض ذلك كون المم لم تزل أيضا ً منقسمة إلى‬
‫ن اختلفهم هو في وجوه تطبيق‬ ‫أحزاب سياسية يختلفون شيعاً؛ ل َّ‬
‫تلك القواعد وفروعها على أحوالهم الخصوصية‪.‬‬
‫وهذه القواعد التي قد صارت قضايا بديهية في الغرب‪ ،‬لم‬
‫تزل مجهولة أو غريبة‪ ،‬أو منفورا ً منها في الشرق؛ لنَّها عند‬
‫الكثرين منهم لم تطرق سمعهم‪ ،‬وعند البعض لم تنل التفاتهم‬

‫‪108‬‬
‫وتدقيقهم‪ ،‬وعند آخرين لم تحز قبولً؛ لنَّهم ذوو غرض‪ ،‬أو‬
‫مسروقة قلوبهم‪ ،‬أو في قلوبهم مرض‪.‬‬
‫وإنّي أطرح لتدقيق المطالعين رؤوس مسائل بعض‬
‫المباحث التي تتعلَّق بها الحياة السياسية‪ .‬وقبل ذلك أذكِّرهم بأن ّهَ‬
‫قد سبق في تعريف الستبداد بأنَّه‪" :‬هو الحكومة التي ل يوجد‬
‫مة رابطة معينة معلومة مصونة بقانون نافذ الحكم"‪.‬‬ ‫بينها وبين ال َّ‬
‫سلطة أياً‬ ‫كما أستلفت نظرهم إلى أنَّه ل يوثق بوعد من يتولى ال ُّ‬
‫كان‪ ،‬ول بعهده ويمينه على مراعاة الدين‪ ،‬والتقوى‪ ،‬والحق‪،‬‬
‫والشرف‪ ،‬والعدالة‪ ،‬ومقتضيات المصلحة العامة‪ ،‬وأمثال ذلك من‬
‫ل بّرٍ وفاجر‪ .‬وما‬‫القضايا الكلية المبهمة التي تدور على لسان ك ِّ‬
‫ن المجرم ل يعدم تأويلً؛‬ ‫م مبهم فارغ؛ ل َّ‬
‫هي في الحقيقة إل كل ٌ‬
‫ن القوة ل تُقابل إل بالقوة‪.‬‬ ‫ن من طبيعة القوة العتساف؛ ول َّ‬ ‫ول َّ‬

‫ث َّ‬
‫م فلنرجع للمباحث التي أريد طرحها لتدقيق‬
‫المطالعين‪ ،‬وهي‪:‬‬

‫شعب‪:‬‬ ‫مة؛ أي ال َّ‬‫‪ -1‬مبحث ما هي ال َّ‬


‫ك‬
‫ت نامية‪ ،‬أو جمعية‪ ،‬عبيد ٌ لمال ٍ‬ ‫م مخلوقا ٍ‬ ‫هل هي ركا ُ‬
‫متغل ِّب‪ ،‬وظيفتهم الطاعة والنقياد ولو كُرهاً؟ أم هي جمعٌ بينهم‬
‫روابط دين أو جنس أو لغة‪ ،‬ووطن‪ ،‬وحقوق مشتركة‪ ،‬وجامعة‬
‫ل فرد ٍ حقُّ إشهار رأيه فيها توفيقا ً للقاعدة‬ ‫سياسية اختيارية‪ ،‬لك ِّ‬
‫ُّ‬
‫السلمية التي هي أسمى وأبلغ قاعدة سياسية‪ ،‬وهي‪" :‬كلكم‬
‫ل عن رعيِّته"‪.‬‬ ‫راٍع‪ ،‬وكلُّكم مسؤو ٌ‬

‫‪ -2‬مبحث ما هي الحكومة‪:‬‬
‫هل هي سلطة امتلك فرد لجمع‪ ،‬يتصَّرف في رقابهم‪،‬‬
‫ويتمتَّع بأعمالهم ويفعل بإرادته ما يشاء؟ أم هي وكالة تُقام بإرادة‬
‫مة لجل إدارة شؤونها المشتركة العمومية؟‪.‬‬ ‫ال َّ‬

‫‪ -3‬مبحث ما هي الحقوق العمومية‪:‬‬


‫ً‬
‫هل هي آحاد الملوك‪ ،‬ولكنها تُضاف للمم مجازا؟ أم‬
‫بالعكس‪ ،‬هي حقوق جموع المم‪ ،‬وتُضاف للملوك مجازاً‪ ،‬ولهم‬
‫عليها ولية المانة والنّظارة على مثل الراضي والمعادن‪ ،‬والنهر‬
‫والسواحل‪ ،‬والقلع والمعابد‪ ،‬والساطيل والمعدات‪ ،‬وولية‬
‫الحدود‪ ،‬والحراسة على مثل المن العام‪ ،‬والعدل والنظام‪،‬‬
‫وحفظ وصيانة الدين والداب‪ ،‬والقوانين والمعاهدات والتِّجار‪،‬‬
‫ن‬ ‫ل فرد ٍ من ال َّ‬
‫مة أن يتمتع به وأ ْ‬ ‫إلى غير ذلك مما يحقُّ لك ِّ‬
‫يطمئن عليه؟‬

‫‪109‬‬
‫‪ -4‬مبحث التساوي في الحقوق‪:‬‬
‫صرف في الحقوق العامة المادية والدبية‬ ‫هل للحكومة الت ّ‬
‫كما تشاء بذل ً وحرماناً؟ أم تكون الحقوق محفوظة للجميع على‬
‫التساوي والشيوع‪ ،‬وتكون المغانم والمغارم العمومية موَّزعة‬
‫على الفصائل والبلدان والصنوف والديان بنسبةٍ عادلة‪ ،‬ويكون‬
‫ق الستنصاف؟‬ ‫الفراد متساوين في ح ِ ّ‬
‫‪ -5‬مبحث الحقوق الشخصية‪:‬‬
‫هل الحكومة تملك السيطرة على العمال والفكار؟ أم‬
‫أفراد المة أحرار في الفكر مطلقاً‪ ،‬وفي الفعل ما لم يخالف‬
‫القانون الجتماعي؛ لنَّهم أدرى بمنافعهم الشخصية‪ ،‬والحكومة ل‬
‫تتداخل إل في الشؤون العمومية؟‬

‫‪ -6‬مبحث نوعية الحكومة‪:‬‬


‫ل زمام؟ أم الملكية‬ ‫هل الصلح هي الملكية المطلقة من ك ِّ‬
‫المقيَّدة؟ وما هي القيود؟ أم الرئاسة النتخابية الدائمة مع‬
‫الحياة‪ ،‬أو المؤقَّتة إلى أجل؟ وهل تُنال الحاكمية بالوراثة‪ ،‬أو‬
‫صدفة‪ ،‬أم مع وجود‬ ‫العهد‪ ،‬أو الغلبة؟ وهل يكون ذلك كما تشاء ال ُّ‬
‫شرائط الكفاءة‪ ،‬وما هي تلك الشرائط؟ وكيف يصير تحقيق‬
‫وجودها؟ وكيف يراقب استمرارها؟ وكيف تستمُّر المراقبة‬
‫عليها؟‪.‬‬

‫‪ -7‬مبحث ما هي وظائف الحكومة‪:‬‬


‫هل هي إدارة شؤون المة حسب الرأي والجتهاد؟ أم تكون‬
‫ن خالف الصلح؟ وإذا‬ ‫مقيَّدة بقانون موافق لرغائب المة وإ ْ‬
‫مة في اعتبار الصالح والمضّر‪ ،‬فهل على‬‫اختلفت الحكومة مع ال َّ‬
‫الحكومة أن تعتزل الوظيفة؟‬

‫‪ -8‬مبحث حقوق الحاكمية‪:‬‬


‫صص بنفسها لنفسها ما تشاء من‬ ‫هل للحكومة أن تخ ِّ‬
‫مراتب العظمة‪ ،‬ورواتب المال‪ ،‬وتحابي من تريد بما تشاء من‬
‫حقوق المة وأموالها؟ أم يكون التَّصرف في ذلك كل ِّه إعطاءً‬
‫وتحديدا ً ومنعا ً منوطا ً بالمة؟‬

‫‪ -9‬مبحث طاعة المة للحكومة‪:‬‬


‫مة‪ ،‬وعلى الحكومة العمل؟ أم للرادة‬‫هل الرادة لل َّ‬
‫ة‬ ‫مة الطاعة؟ وهل للحكومة تكليف ال َّ‬
‫مة طاع ً‬ ‫للحكومة وعلى ال َّ‬

‫‪110‬‬
‫عمياء بل فهم ول اقتناع؟ أم عليها العتناء بوسائل التفهيم‬
‫والذعان لتتأتَّى الطاعة بإخلص وأمانة؟‬

‫‪ -10‬مبحث توزيع التكليفات‪:‬‬


‫هل يكون وضع الضرائب مفوَّضا ً لرأي الحكومة؟ أم ال َّ‬
‫مة‬
‫تقّرِر النفقات اللزمة وتعيِّن موارد المال‪ ،‬وتُرتِّب طرائق جبايته‬
‫وحفظه؟‪.‬‬

‫منَعة‪:‬‬‫‪ -11‬مبحث إعداد ال َ‬


‫هل يكون إعداد القوة بالتجنيد والتسليح استعدادا ً للدفاع‬
‫مفوضا ً لرادة الحكومة إهمالً‪ ،‬أو إقللً‪ ،‬أو إكثاراً‪ ،‬أو استعمالً‬
‫مة وتحت أمرها؛‬ ‫مة؟ أم يلزم أن يكون ذلك برأي ال َّ‬ ‫على قهر ال َّ‬
‫بحيث تكون القوة منفِّذة رغبة المة ل رغبة الحكومة؟‬

‫‪ -12‬مبحث المراقبة على الحكومة‪:‬‬


‫هل تكون الحكومة ل تُسأل عما تفعل؟ أم يكون للمة حقُّ‬
‫ن الشأن شأنها‪ ،‬فلها أن تُنبت عنها وكلء لهم‬‫السيطرة عليها؛ ل َّ‬
‫ي كان‪،‬‬
‫ل شيء‪ ،‬وتوجيه المسؤولية على أ ٍ ّ‬‫حقُّ الط ِّلع على ك ِّ‬
‫ويكون أهم وظائف النواب حفظ الحقوق الساسية المقررة‬
‫للمة على الحكومة؟‬

‫‪ -13‬مبحث حفظ المن العام‪:‬‬


‫َّ‬ ‫َ‬
‫هل يكون الشخص مكل ّفا ً بحراسة نفسه ومتعلقاته؟ أم‬
‫َ‬
‫تكون الحكومة مكل ّفة بحراسته مقيما ً ومسافرا ً حتى من بعض‬
‫طوارئ الطبيعة بالحيلولة ل بالمجازاة والتعويض؟‬

‫سلطة في القانون‪:‬‬ ‫‪ -14‬مبحث حفظ ال ُّ‬


‫هل يكون للحكومة إيقاع عمل إكراهي على الفراد برأيها؛‬
‫سلطة منحصرة في‬ ‫أي بدون الوسائط القانونية؟ أم تكون ال ُّ‬
‫القانون‪ ،‬إل في ظروف مخصوصة ومؤقَّتة؟‬

‫‪ -15‬مبحث تأمين العدالة القضائية‪:‬‬


‫هل يكون العدل ما تراه الحكومة؟ أم ما يراه القضاة‬
‫ل مؤثِّر غير الشرع والحق‪ ،‬ومن ك ِّ‬
‫ل‬ ‫المصون وجدانهم من ك ِّ‬
‫ط حتى ضغط الرأي العام؟‬ ‫ضغ ٍ‬
‫‪ -16‬مبحث حفظ الدين والداب‪:‬‬
‫هل يكون للحكومة –ولو القضائية‪ -‬سلطة وسيطرة على‬
‫العقائد والضمائر؟ أم تقتصر وظيفتها في حفظ الجامعات الكبرى‬

‫‪111‬‬
‫كالدين‪ ،‬والجنسية‪ ،‬واللغة‪ ،‬والعادات‪ ،‬والداب العمومية على‬
‫استعمال الحكمة ما أغنت الزواجر‪ ،‬ول تتداخل الحكومة في أمر‬
‫الدين ما لم تُنتَهَك حرمته؟ وهل السياسة السلمية سياسة‬
‫دينية؟ أم كان ذلك في مبدأ ظهور السلم‪ ،‬كالدارة العرفية‬
‫عقب الفتح؟‬

‫‪ -17‬مبحث تعيين العمال بالقوانين‪:‬‬


‫هل يكون في الحكومة –من الحاكم إلى البوليس‪ -‬من‬
‫يُطلَق له عنان التَّصرف برأيه وخبرته؟ أم يلزم تعيين الوظائف‪،‬‬
‫كليّاتها وجزئياتها‪ ،‬بقوانين صريحة واضحة‪ ،‬ل تسوغ مخالفتها ولو‬
‫لمصلحة مهمة‪ ،‬إل في حالت الخطر الكبير؟‬

‫‪ -18‬مبحث كيف توضع القوانين‪:‬‬


‫هل يكون وضعها منوطا ً برأي الحاكم الكبر‪ ،‬أو رأي جماعة‬
‫ب من قبل الكافّة‬
‫ينتخبهم لذلك؟ أم يضع القوانين جمعٌ منتخ ٌ‬
‫ليكونوا عارفين حتما ً بحاجات قومهم وما يُلئم طبائعهم‬
‫ومواقعهم وصوالحهم‪ ،‬ويكون حكمه عاما ً أو مختلفا ً على حسب‬
‫تخالف العناصر والطبائع وتغير الموجبات والزمان؟‬
‫‪ -19‬مبحث ما هو القانون وق َّ‬
‫وته‪:‬‬
‫ج بها القوي على الضعيف؟ أم هو‬ ‫هل القانون هو أحكام يحت ُّ‬
‫أحكام منتزعة من روابط الناس بعضهم ببعض‪ ،‬وملح ٌ‬
‫ظ فيها‬
‫طبائع أكثرية الفراد‪ ،‬ومن نصوص خالية من البهام والتعقيد‬
‫ل الطبقات‪ ،‬ولها سلطان نافذ قاهر مصون من‬ ‫وحكمها شامل ك ّ‬
‫مؤث ِّرات الغراض‪ ،‬والشفاعة‪ ،‬والشفقة‪ ،‬وبذلك يكون القانون هو‬
‫مة فيكون محترما ً عند الكافّة‪ ،‬مضمون‬ ‫القانون الطبيعي لل َّ‬
‫الحماية من قِبَل أفراد المة؟‬

‫‪ -20‬مبحث توزيع العمال والوظائف‪:‬‬


‫ُّ‬
‫ظ في ذلك مخصوصا ً بأقارب الحاكم‬ ‫هل يكون الح‬
‫َ‬
‫مة على كافّة‬ ‫وعشيرته ومقَّربيه؟ أم توَّزع كتوزيع الحقوق العا َّ‬
‫القبائل والفصائل‪ ،‬ولو مناوبة مع ملحظات الهمية والعدد؛ بحيث‬
‫مة مصغَّرة‪،‬‬
‫مة‪ ،‬أو هم ال َّ‬‫يكون رجال الحكومة أنموذجا ً من ال َّ‬
‫وعلى الحكومة إيجاد الكفاءة والعداد ولو بالتعليم الجباري؟‬
‫‪ -21‬مبحث التفريق بين ال ُّ‬
‫سلطات السياسية‬
‫والدينية والتعليم‪:‬‬

‫‪112‬‬
‫ص واحد؟ أم‬
‫هل يُجمع بين سلطتين أو ثلث في شخ ٍ‬
‫ل وظيفة من السياسة والدين والتعليم بمن يقوم‬ ‫صص ك ُّ‬
‫تُخ َّ‬
‫بإتقان‪ ،‬ول إتقان إل بالختصاص‪ ،‬وفي الختصاص‪ ،‬كما جاء في‬
‫ل قلبين في جوفه‪ ،‬ولذلك ل‬‫ه لرج ٍ‬
‫الحكمة القرآنية‪ :‬ما جعل الل ُ‬
‫يجوز الجمع منعا ً لستفحال السلطة‪.‬‬

‫قي في العلوم والمعارف‪:‬‬ ‫‪ -22‬مبحث التر ّ‬


‫ضغط على العقول كي يقوى‬ ‫هل يُتَرك للحكومة صلحية ال َّ‬
‫مة عليها؟ أم تُحمل على توسيع المعارف بجعل التعليم‬ ‫نفوذ ال َّ‬
‫البتدائي عموميا ً بالتشويق والجبار‪ ،‬وبجعل الكمالي سهلً‬
‫ُ‬
‫للمتناول‪ ،‬وجعل التعليم والتعل ّم حّرا ً مطلقاً؟‬

‫سع في الزراعة والصنائع والتجارة‪:‬‬ ‫‪ -23‬مبحث التو ُّ‬


‫هل يُترك ذلك للنشاط المفقود في ال َّ‬
‫مة؟ أم تلزم الحكومة‬
‫سائرة‪ ،‬ول سيما المزاحمة‬‫بالجتهاد في تسهيل مضاهاة المم ال َّ‬
‫مة بالحاجة لغيرها أو تضعف بالفقر؟‬ ‫والمجاورة‪ ،‬كيل تهلك ال َّ‬

‫سعي في العمران‪:‬‬ ‫‪ -24‬مبحث ال َّ‬


‫هل يُترك ذلك لهمال الحكومة المميت لعَّزة نفس‬
‫سكان‪ ،‬أو لنهماكها فيه إسرافا ً وتبذيراً؟ أم تحمل على اتِّباع‬
‫ال ُّ‬
‫العتدال المتناسب مع الثورة العمومية؟‬

‫سعي في رفع الستبداد‪:‬‬ ‫‪ -25‬مبحث ال َّ‬


‫هل يُنتظر ذلك من الحكومة ذاتها؟ أم نوال الحرية ورفع‬
‫الستبداد رفعا ً ل يترك مجال ً لعودته‪ ،‬من وظيفة عقَلء المة‬
‫وسراتها؟‬

‫ق‬ ‫هذه خمسة وعشرون مبحثاً‪ ،‬ك ٌّ‬


‫ل منها يحتاج إلى تدقي ٍ‬
‫ل الحوال والمقتضيات‬ ‫ل طويل‪ ،‬وتطبيق على ك ِّ‬ ‫عميق‪ ،‬وتفصي ٍ‬
‫ت هذه المباحث تذكرة ً للكُتَّاب ذوي اللباب‬ ‫الخصوصية‪ .‬وقد ذكر ُ‬
‫وتنشيطا ً للنُّجباء على الخوض فيها بترتيب‪ ،‬اتِّباعا ً لحكمة إتيان‬
‫البيوت من أبوابها‪ .‬وإني أقتصر على بعض الكلم فيما يتعلق‬
‫سعي في رفع‬ ‫بالمبحث الخير منها فقط؛ أعني مبحث ال َّ‬
‫الستبداد‪ ،‬فأقول‪:‬‬
‫ُّ‬ ‫‪-1‬ال َّ‬
‫مة التي ل يشعر كلها أو أكثرها بآلم الستبداد ل‬
‫تستحقُّ الحريّة‪.‬‬
‫شدة إنما يُقاوم باللين‬ ‫‪-2‬الستبداد ل يقاوَم بال ّ ِ‬
‫والتدُّرج‪.‬‬

‫‪113‬‬
‫‪-3‬يجب قبل مقاومة الستبداد‪ ،‬تهيئة ما يُستَبدَل به‬
‫الستبداد‪.‬‬
‫هذه قواعـد رفـع السـتبداد‪ ،‬وهـي قواعـد تُبعـد آمال السـراء‪،‬‬
‫ن ظاهرهـا يؤمن ّ ِـهم على اسـتبدادهم‪ .‬ولهذا‬ ‫وتسـُّر المسـتبدّين؛ ل َّـ‬
‫ث قال‪" :‬ل‬ ‫أذكِــّر المســتبدّين بمــا أنذرهــم الفياري المشهور؛ حي ُ ـ‬
‫جن ِّد‬‫ن المستبد ُّ بعظيم قو َّته ومزيد احتياطه‪ ،‬فكم جبّارٍ عنيد ٍ ُ‬ ‫يفرح َّ‬
‫م صـغير"‪ ،‬وإنـي أقول‪ :‬كـم مـن جبّار قهّار أخذه الله أخـذ‬ ‫له مظلو ٌـ‬
‫عزيزٍ منتقم‪.‬‬
‫مة التي ل يشعر أكثرها بآلم الستبداد‬ ‫مبنى قاعدة كون ال َّ‬
‫ل تستحقُّ الحريّة هو‪:‬‬
‫َّ‬ ‫ن ال َّ‬ ‫إ َّ‬
‫ضرِبَت عليها الذِّلة والمسكنة‪ ،‬وتوالت على‬ ‫مة إذا ُ‬
‫مة سافلة الط ِّباع حسبما‬ ‫ذلك القرون والبطون‪ ،‬تصير تلك ال َّ‬
‫سالفة‪ ،‬حتى إنَّها تصير كالبهائم‪ ،‬أو‬ ‫سبق تفصيله في البحاث ال َّ‬
‫دون البهائم‪ ،‬ل تسأل عن الحرية‪ ،‬ول تلتمس العدالة‪ ،‬ول تعرف‬
‫للستقلل قيمة‪ ،‬أو للنظام مزية‪ ،‬ول ترى لها في الحياة وظيفة‬
‫ن أو أساء على حدٍّ سواء‪ ،‬وقد‬ ‫غير التابعية للغالب عليها‪ ،‬أحس َ‬
‫ن‪ ،‬طلبا ً للنتقام من شخصه ل طلباً‬ ‫تنقم على المستبدِّ نادراً‪ ،‬ولك ْ‬
‫للخلص من الستبداد‪ ،‬فل تستفيد شيئاً‪ ،‬إنما تستبدل مرضاً‬
‫ص بصداع‪.‬‬ ‫بمرض؛ كمغ ٍ‬
‫سم فيه أنَّه أقوى‬ ‫سوق مستبدٍّ آخر تتو َّ‬ ‫وقد تقاوم المستبد َّ ب َ‬
‫دّ الول‪ ،‬فإذا نجحت ل يغسل هذا السائق يديه‬ ‫ة من المستب ِ‬ ‫شوك ً‬
‫إل بماء الستبداد‪ ،‬فل تستفيد أيضا ً شيئاً‪ ،‬إنما تستبدل مرضاً‬
‫مزمنا ً بمرض حديث‪ ،‬وربما تُنال الحرية عفواً‪ ،‬فكذلك ل تستفيد‬
‫م بحفظها‪ ،‬فل تلبث‬ ‫منها شيئاً؛ لنَّها ل تعرف طعمها‪ ،‬فل تهت ُّ‬
‫دُ‬
‫الحرية أن تنقلب إلى فوضى‪ ،‬وهي إلى استبداد ٍ مشوَّش أش ّ‬
‫ن الحرية التي‬ ‫وطأة ً كالمريض إذا انتكس‪ .‬ولهذا؛ قَّرر الحكماء أ َّ‬
‫ما التي‬ ‫مة هي التي تحصل عليها بعد الستعداد لقبولها‪ ،‬وأ َّ‬ ‫تنفع ال َّ‬
‫ن الثورة –غالباً‪-‬‬ ‫تحصل على أثر ثورةٍ حمقاء فقلّما تفيد شيئاً؛ ل َّ‬
‫تكتفي بقطع شجرة الستبداد ول تقتلع جذورها‪ ،‬فل تلبث أن‬
‫تنبت وتنمو وتعود أقوى مما كانت أولً‪.‬‬
‫مة الميتة من تدفعه شهامته للخذ بيدها‬ ‫جد في ال َّ‬ ‫فإذا وُ ِ‬
‫ث فيها الحياة وهي العلم؛ أي علمها‬ ‫والنهوض بها فعليه أولً‪ :‬أن يب َّ‬
‫ن حالتها سيئة‪ ،‬وإنَّما بالمكان تبديلها بخيرٍ منها‪ ،‬فإذا هي علمت‬ ‫بأ َّ‬
‫بطبعه من الحاد إلى العشرات‪ ،‬إلى إلى‪ ،...‬حتى يشمل أكثر‬
‫مس ويبلغ بلسان حالها إلى منزلة قول‬ ‫مة‪ ،‬وينتهي بالتح ُّ‬ ‫ال َّ‬
‫الحكيم المعّري‪:‬‬

‫‪114‬‬
‫فنحن‬ ‫ة‬
‫إذا لم تقُم بالعدل فينا حكوم ٌ‬
‫على تغييرها قُدَراء‬
‫مة في واد ٍ ظاهر الحكمة يسير‬ ‫وهكذا ينقذف فِكُر ال َّ‬
‫كالسيل‪ ،‬ل يرجع حتى يبلغ منتهاه‪.‬‬
‫ن‬
‫شهامة‪ ،‬إنما السف أ ْ‬ ‫ن المم الميتة ل يندر فيها ذو ال َّ‬ ‫م إ َّ‬‫ث َّ‬
‫يندر فيها من يهتدي في أوَّل نشأته إلى الطريق الذي به يحصل‬
‫على المكانة التي تمكِّنه في مستقبله من نفوذ رأيه في قومه‪.‬‬
‫ن من يرى منهم في نفسه‬ ‫وإنِّي أنب ِّه فكر الناشئة العزيزة أ َّ‬
‫استعدادا ً للمجد الحقيقي فليحرص على الوصايا التية البيان‪:‬‬
‫‪ -1‬أن يجهد في ترقية معارفه مطلقا ً ل سيما في العلوم‬
‫النّافعة الجتماعية كالحقوق والسياسة والقتصاد والفلسفة‬
‫العقلية‪ ،‬وتاريخ قومه الجغرافي والطبيعي والسياسي‪ ،‬والدارة‬
‫الحربية‪ ،‬فيكتسب من أصول وفروع هذه الفنون ما يمكنه إحرازه‬
‫بالتلقِّي‪ ،‬وإن تعذَّر فبالمطالعة مع التدقيق‪.‬‬
‫‪ -2‬أن يتقن أحد العلوم التي تكسبه في قومه موقعا ً محترماً‬
‫ب‪.‬‬‫وعلميا ً مخصوصاً؛ كعلم الدين والحقوق أو النشاء أو الط ّ‬
‫‪-3‬أن يحافظ على آداب وعادات قومه غاية المحافظة‬
‫ن فيها بعض أشياء سخيفة‪.‬‬ ‫ولو أ َّ‬
‫‪ -4‬أن يقلل اختلطه مع الناس حتى رفقائه في المدرسة‪،‬‬
‫وذلك حفظا ً للوقار وتحفُّظا ً من الرتباط القوي مع أحد كيل‬
‫ب له‪.‬‬ ‫يسقط تبعا ً لسقوط صاح ٍ‬
‫‪ -5‬أن يتجن َّـب كليّا ً مصـاحبة الممقوت عنـد الناس ل سـيما‬
‫الحكّام ولو كان ذلك المقت بغير حقّ‪.‬‬
‫‪ -6‬أن يجتهد ما أمكنه في كتم مزيّته العلمية على الذين هم‬
‫دونه في ذلك العلم لجل أن يأمن غوائل حسدهم‪ ،‬إنما عليه أن‬
‫ت كثيرة‪.‬‬ ‫يظهر مزيّته لبعض من هم فوقه بدرجا ٍ‬
‫‪ -7‬أن يتخيَّر له بعض من ينتمي إليه من الطبقة العليا‪،‬‬
‫ن ل يُكثر التردد عليه‪ ،‬ول يشاركه شؤونه‪ ،‬ول يظهر له‬ ‫بشرط‪ :‬أ ْ‬
‫الحاجة‪ ،‬ويتكتَّم في نسبته إليه‪.‬‬
‫‪ -8‬أن يحرص على القلل من بيان آرائه وإل يؤخذ عليه‬
‫تبعة رأي يراه أو خبرٍ يرويه‪.‬‬
‫‪ -9‬أن يحرص على أن يُعرف بحسن الخلق‪ ،‬ل سيما‬
‫صدق والمانة والثبات على المبادئ‪.‬‬ ‫ال ّ‬
‫‪ -10‬أن يُظهر الشفقة على الضعفاء والغيرة على الدين‬
‫والعلقة بالوطن‪.‬‬
‫‪ -11‬أن يتباعد ما أمكنه من مقاربة المستبد ّ وأعوانه إل‬
‫بمقدار ما يأمن به فظائع شّرِهم إذا كان معَّرضا ً لذلك‪.‬‬

‫‪115‬‬
‫ن الثلثين فما فوق حائزا ً على الصفات‬ ‫فمن يبلغ س َّ‬
‫المذكورة‪ ،‬يكون قد أعد َّ نفسه على أكمل وجه لحراز ثقة قومه‬
‫عندما يريد في برهة قليلة‪ ،‬وبهذه الث ِّقة يفعل ما ل تقوى عليه‬
‫صفات يُنقص من مكانته‪،‬‬ ‫الجيوش والكنوز‪ .‬وما ينقصه من هذه ال ِّ‬
‫ن؛ قد يستغني بمزيد كمال بعضها عن فقدان بعضها الخر أو‬ ‫ولك ْ‬
‫صفات الخلقية قد تكفي في بعض الظروف عن‬ ‫نقصه‪ .‬كما أ َّ‬
‫ن ال ِّ‬
‫الصفات العلمية كلّها ول عكس‪ ،‬وإذا كان المتصدّي للرشاد‬
‫السياسي فاقد الثِّقة فقدانا ً أصليا ً أو طارئاً‪ ،‬يمكنه أن يستعمل‬
‫مة والصفات العلمية‪.‬‬ ‫غيره ممن تنقصه الجسارة واله ّ‬
‫ن الراغب في نهضة قومه‪ ،‬عليه أن يهيئ نفسه‬ ‫والخلصة‪ :‬أ َّ‬
‫م يعزم متوكِّل ً على الله في خلق النَّجاح‪.‬‬ ‫ويزن استعداده‪ ،‬ث َّ‬
‫ن الستبداد ل يُقاوم بالشدة‪ ،‬إنما يُقاوم‬ ‫ومبنى قاعدة أ َّ‬
‫ن الوسيلة الوحيدة الفعّالة لقطع دابر‬ ‫بالحكمة والتدريج هو‪ :‬أ َّ‬
‫مة في الدراك والحساس‪ ،‬وهذا ل يتأتى‬ ‫الستبداد هي ترقّي ال َّ‬
‫ن اقتناع الفكر العام وإذعانه إلى غير‬ ‫م إ َّ‬ ‫إل بالتعليم والتحميس‪ .‬ث َّ‬
‫ن العوام مهما ترقّوا في‬ ‫ن طويل‪ ،‬ل َّ‬ ‫مألوفه‪ ،‬ل يتأتّى إل في زم ٍ‬
‫الدراك ل يسمحون باستبدال القشعريرة بالعافية إل بعد التّروي‬
‫المديد‪ ،‬وربما كانوا معذورين في عدم الوثوق والمسارعة؛ لنَّهم‬
‫ش والخداع غالباً‪.‬‬ ‫ألِفوا أن ل يتوقعوا من الرؤوساء والدُّعاة إل الغ ّ‬
‫ب الُسراء المستبد َّ العظم إذا كان يقهر معهم‬ ‫ولهذا كثيرا ً ما يح ُّ‬
‫بالسوية الرؤساء والشراف‪ ،‬وكثيرا ً ما ينتقم الُسراء من العوان‬
‫سون المستبد َّ بسوء؛ لنَّهم يرون ظالمهم مباشرة ً هم‬ ‫فقط ول يم ّ‬
‫ض‬
‫العوان دون المستبدِّ‪ ،‬وكم أحرقوا من عاصمة لجل مح ّ‬
‫التشفّي بإضرار أولئك العوان‪.‬‬
‫ف بأنواٍع القوات التي فيها قوّة‬ ‫ن الستبداد محفو ٌ‬ ‫م إ َّ‬
‫ث َّ‬
‫جند‪ ،‬ل سيما إذا كان الجند غريب‬ ‫الرهاب بالعظمة وقوّة ال ُ‬
‫الجنس‪ ،‬وقوة المال‪ ،‬وقوة اللفة على القسوة‪ ،‬وقوّة رجال‬
‫الدين‪ ،‬وقوّة أهل الثروات‪ ،‬وقوّة النصار من الجانب‪ ،‬فهذه‬
‫القوات تجعل الستبداد كالسيف ل يُقابَل بعصا الفكر العام الذي‬
‫هو في أوَّل نشأته يكون أشبه بغوغاء‪ ،‬ومن طبع الفكر العام أنَّه‬
‫إذا فار في سنة يغور في سنة‪ ،‬وإذا فار في يوم يغور في يوم‪.‬‬
‫بناءً عليه؛ يلزم لمقاومة تلك القوات الهائلة مقابلتها بما يفعله‬
‫الثبات والعناد المصحوبان بالحزم والقدام‪.‬‬
‫الستبداد ل ينبغي أن يُقاوَم بالعنف‪ ،‬كي ل تكون فتنة تحصد‬
‫الناس حصداً‪ .‬نعم؛ الستبداد قد يبلغ من الشدَّة درجة تنفجر‬
‫مة عقلء يتباعدون‬ ‫عندها الفتنة انفجارا ً طبيعياً‪ ،‬فإذا كان في ال َّ‬
‫عنها ابتداءً‪ ،‬حتى إذا سكنت ثورتها نوعا ً وقضت وظيفتها في‬

‫‪116‬‬
‫حصد المنافقين‪ ،‬حينئذ ٍ يستعملون الحكمة في توجيه الفكار نحو‬
‫سس يكون بإقامة حكومة ل عهد‬ ‫تأسيس العدالة‪ ،‬وخير ما تؤ َّ‬
‫لرجالها بالستبداد‪ ،‬ول علقة لهم بالفتنة‪.‬‬
‫دّ غالبا إل عقب أحوال‬ ‫ً‬ ‫العوام ل يثور غضبهم على المستب ِ‬
‫مخصوصة مهي ِّجة فورية‪ ،‬منها‪:‬‬
‫‪-1‬عقب مشهد دموي مؤلم يوقعه المستبد ُّ على‬
‫المظلوم يريد النتقام لناموسه‪.‬‬
‫َ‬
‫‪-2‬عقب حرب يخرج منها المستبد ُّ مغلوباً‪ ،‬ول يتمك ّن‬
‫ُ‬
‫من إلصاق عار التغل ّب بخيانة القوّاد‪.‬‬
‫ة‬
‫ة مصحوب ً‬ ‫‪-3‬عقب تظاهر المستبدِّ بإهانة الدّين إهان ً‬
‫باستهزاء يستلزم حدَّة العوام‪.‬‬
‫ل كثير ل‬ ‫‪-4‬عقب تضييق شديد عام مقاضاة ً لما ٍ‬
‫سر إعطاؤه حتّى على أواسط الناس‪.‬‬ ‫يتي َّ‬
‫مة ل يرى الناس فيها‬ ‫‪-5‬في حالة مجاعة أو مصيبة عا ّ‬
‫مواساة ً ظاهرة من المستبدّ‪.‬‬
‫‪-6‬عقب عمل للمستبدِّ يستفُّز الغضب الفوري‪،‬‬
‫كتعُّرضه لناموس العرض‪ ،‬أو حرمة الجنائز في‬
‫الشرق‪ ،‬وتحقيره القانون أو الشرف الموروث في‬
‫الغرب‪.‬‬
‫‪-7‬عقب حادث تضييق يوجب تظاهر قسم كبير من‬
‫النساء في الستجارة والستنصار‪.‬‬
‫‪-8‬عقب ظهور موالة شديدة من المستبدِّ لمن تعتبره‬
‫مة عدوّا ً لشرفها‪.‬‬ ‫ال َّ‬
‫إلى غير ذلك من المور المماثلة لهذه الحوال التي عندها‬
‫يموج الناس في الشوارع والساحات‪ ،‬وتمل أصواتهم الفضاء‪،‬‬
‫وترتفع فتبلغ عنان السماء‪ ،‬ينادون‪ :‬الحقّ الحقّ‪ ،‬النتصار للحقّ‪،‬‬
‫الموت أو بلوغ الحقّ‪.‬‬
‫المستبد ُّ مهما كان غبيا ً ل تخفى عليه تلك المزالق‪ ،‬ومهما‬
‫ن هذه المور يعرفها أعوانه‬ ‫كان عتيا ً ل يغفل عن اتِّقائها‪ ،‬كما أ َّ‬
‫ووزراؤه‪.‬‬
‫جد منهم بعض يريدون له التهلكة يهوِّرونه على‬ ‫فإذا وُ ِ‬
‫الوقوع في إحداها‪ ،‬ويُلصقونها به خلفا ً لعادتهم في إبعادها عنه‬
‫ن رئيس وزراء المستبدِّ أو رئيس قُوَّاده‪ ،‬أو‬ ‫بالتمويه على الناس‪ .‬إ َّ‬
‫دّين عنده‪ ،‬هم أقدر الناس على اليقاع به‪ ،‬وهو يداريهم‬ ‫رئيس ال ِ‬
‫تحذُّرا ً من ذلك‪ ،‬وإذا أراد إسقاط أحدهم فل يوقعه إل بغتة‪.‬‬
‫لمثيري الخواطر على الستبداد طرائق شتّى يسلكونها‬
‫سّر‪ ،‬والبطء‪ ،‬يستقّرون تحت ستار الدين‪ ،‬فيستنبتون غابة‬ ‫بال ّ‬

‫‪117‬‬
‫الثورة من بذرة أو بذورات يسقونها بدموعهم في الخلوات‪ .‬وكم‬
‫شهوات‪ ،‬وكم‬ ‫يلهون المستبد َّ بسوقه إلى الشتغال بالفسوق وال َّ‬
‫سرونه على مزيد التشديد‪ ،‬وكم‬ ‫مة عنه‪ ،‬ويج ِّ‬ ‫يغرونه برضاء ال َّ‬
‫يحملونه على إساءة التدبير‪ ،‬ويكتمونه الُّرشد‪ ،‬وكم يشوِّشون‬
‫فكره بإرباكه مع جيرانه وأقرانه‪ .‬يفعلون ذلك وأمثاله لجل غاية‬
‫واحدة‪ ،‬هي إبعاده عن النتباه إلى سدِّ الطريق التي فيها‬
‫ما أعوانه‪ ،‬فل وسيلة لغفالهم عن إيقاظه غير تحريك‬ ‫يسلكون‪ ،‬أ َّ‬
‫أطماعهم المالية مع تركهم ينهبون ما شاؤوا أن ينهبوا‪.‬‬
‫ومبنى قاعدة أنَّه يجب قبل مقاومة الستبداد‪ ،‬تهيئة ماذا‬
‫ط طبيعي للقدام‬ ‫ن معرفة الغاية شر ٌ‬ ‫يُستبدل به الستبداد هو‪ :‬إ َّ‬
‫ن معرفة الغاية ل تفيد شيئا ً إذا جهل‬ ‫ل عمل‪ ،‬كما أ َّ‬ ‫على ك ِّ‬
‫الطريق الموصل إليها‪ ،‬والمعرفة الجمالية في هذا الباب ل تكفي‬
‫مطلقاً‪ ،‬بل ل بد َّ من تعيين المطلب والخطة تعيينا ً واضحا ً موافقاً‬
‫ل‪ ،‬أو الكثرية التي هي فوق الثلثة أرباع عددا ً أو قوة‬ ‫ي الك ِّ‬ ‫لرأ ِ ّ‬
‫م المر‪ ،‬حيث إذا كانت الغاية مبهمة نوعاً‪ ،‬يكون‬ ‫بأس وإل فل يت ّ‬
‫القدام ناقصا ً نوعا‪ ،‬وإذا كانت مجهولة بالكليّة عند قسم من‬
‫ً‬
‫مون إلى المستبدِّ‪ ،‬فتكون‬ ‫الناس أو مخالفة لرأيهم‪ ،‬فهؤلء ينض ّ‬
‫ة شعواء‪ ،‬وإذا كانوا يبلغون مقدار الثلث فقط‪ ،‬تكون حينئذٍ‬ ‫فتن ً‬
‫الغلبة في جانب المستبدِّ‪.‬‬
‫ل‬‫م إذا كانت الغاية مبهمة ولم يكن السير في سبي ٍ‬ ‫ث َّ‬
‫معروف‪ ،‬ويوشك أن يقع الخلف في أثناء الطريق‪ ،‬فيفسد العمل‬
‫أيضا ً وينقلب إلى انتقام وفتن‪ .‬ولذلك يجب تعيين الغاية بصراحة‬
‫وإخلص وإشهارها بين الكافّة‪ ،‬والسعي في إقناعهم واستحصال‬
‫رضائهم بها ما أمكن ذلك‪ ،‬بل الَولى حمل العوام على النداء بها‬
‫وطلبها من عند أنفسهم‪ .‬وهذا سبب عدم نجاح المام علي ومن‬
‫ل ذلك كان منهم ل‬ ‫وليه من أئمة آل البيت رضي الله عنهم‪ ،‬ولع َّ‬
‫عن غفلة‪ ،‬بل مقتضى ذلك الزمان من صعوبة المواصلت‬
‫وفقدان البوستات المنتظمة والنشريات المطبوعة إذ ذاك‪.‬‬
‫ن من الضروري تقرير شكل الحكومة التي يراد‬ ‫والمراد أ َّ‬
‫ن يُستبدل بها الستبداد‪ ،‬وليس هذا بالمر الهيّن الذي‬ ‫ويمكن أ ْ‬
‫تكفيه فكرة ساعات‪ ،‬أو فطنة آحاد‪ ،‬وليس هو بأسهل من ترتيب‬
‫ن‬
‫المقاومة والمغالبة‪ .‬وهذا الستعداد الفكري النظري ل يجوز أ ْ‬
‫يكون مقصورا ً على الخواص‪ ،‬بل ل بد َّ من تعميمه وعلى حساب‬
‫المكان ليكون بعيدا ً عن الغايات ومعضودا ً بقبول الرأي العام‪.‬‬
‫مة بآلم‬ ‫س ال َّ‬‫وخلصة البحث أنَّه يلزم أول ً تنبيه ح ّ‬
‫م يلزم حملها على البحث في القواعد الساسية‬ ‫الستبداد‪ ،‬ث َّ‬
‫ل طبقاتها‪،‬‬ ‫للسياسة المناسبة لها؛ بحيث يشغل ذلك أفكار ك ِّ‬

‫‪118‬‬
‫والولى أن يبقى ذلك تحت مخض العقول سنين‪ ،‬بل عشرات‬
‫السنين حتى ينضج تماماً‪ ،‬وحتى يحصل ظهور التلهّف الحقيقي‬
‫على نوال الحرية في الطبقات العليا‪ ،‬والتمنّي في الطبقات‬
‫السفلى‪ ،‬والحذر كل الحذر من أن يشعر المستبد بالخطر‪ ،‬فيأخذ‬
‫بالتحذُّر الشديد‪ ،‬والتنكيل بالمجاهدين‪ ،‬فيكثر الضجيج‪ ،‬فيزيغ‬
‫المستبد ُّ ويتكالب‪ ،‬فحينئذ ٍ إما أن تغتنم الفرصة دولة أخرى‬
‫ل من التعب‪،‬‬ ‫دّد السر على العباد بقلي ٍ‬ ‫فتستولي على البلد‪ ،‬وتج ِ‬
‫قّ المنحوس‪ ،‬وهذا نصيب أكثر‬ ‫مة في دورٍ آخر من الر ِ‬ ‫فتدخل ال َّ‬
‫ظ على‬ ‫ما أن يساعد الح ّ‬ ‫المم الشرقية في القرون الخيرة‪ ،‬وإ َّ‬
‫مة قد تأهَّلت للقيام بأن تحكم‬ ‫عدم وجود طامع أجنبي‪ ،‬وتكون ال َّ‬
‫مة أن يكل ِّفوا‬ ‫نفسها بنفسها‪ ،‬وفي هذه الحال يمكن لعقلء ال َّ‬
‫المستبد َّ ذاته لترك أصول الستبداد‪ ،‬واتِّباع القانون الساسي‬
‫الذي تطلبه المة‪ .‬والمستبد ُّ الخائر القوى ل يسعه عند ذلك إل‬
‫الجابة طوعاً‪ ،‬وهذا أفضل ما يصادَف‪ .‬وإن أصَّر المستبد ُّ على‬
‫ل منهم راعياً‪ ،‬وك ٌّ‬
‫ل‬ ‫القوة‪ ،‬قضوا بالزوال على دولته‪ ،‬وأصبح ك ٌّ‬
‫ّ‬
‫منهم مسؤول ً عن رعيته‪ ،‬وأضحوا آمنين‪ ،‬ل يطمع فيهم طامع‪ ،‬ول‬
‫ل المم التي تحيا حياة ً كاملة‬ ‫يُغلبون عن قلّة‪ ،‬كما هو شأن ك ِّ‬
‫ق الله المغرون‪ ،‬وليعلم‬ ‫َ‬ ‫حقيقية‪ ،‬بناءً عليه؛ فليب َّ‬
‫صر العقلء‪ ،‬وليت ّ ِ‬
‫ن المر صعب‪ ،‬ولكن تصوُّر الصعوبة ل يستلزم القنوط‪ ،‬بل يثير‬ ‫أ َّ‬
‫م‪.‬‬
‫همم الرجل الش ّ‬
‫َّ‬ ‫ونتيجة البحث‪ ،‬أ َّ‬
‫ن الله –جلت حكمته‪ -‬قد جعل المم‬
‫مسؤولة عن أعمال من تُحكِّمه عليها‪ .‬وهذا حقٌّ‪ .‬فإذا لم تحسن‬
‫مة أخرى تحكمها‪ ،‬كما تفعل‬ ‫مة سياسة نفسها أذلَّها الله ل َّ‬ ‫أ ّ‬
‫الشرائع بإقامة القيّم على القاصر أو السفيه‪ ،‬وهذه حكمة‪ .‬ومتى‬
‫ة رشدها‪ ،‬وعرفت للحرية قدرها‪ ،‬استرجعت عَّزها‪ ،‬وهذا‬ ‫بلغت أ َّ‬
‫م ٌ‬
‫عد ٌ‬
‫ل‪.‬‬
‫وهكذا ل يظلم ربُّك أحداً‪ ،‬إنما هو النسان يظلم نفسه‪ ،‬كما‬
‫َّ َ‬ ‫ل يذ ُّ‬
‫ل عل ّة‪.‬‬ ‫ل الله قط أمة عن قلّة‪ ،‬إنما هو الجهل يسبِّب ك‬
‫ن بواسق العلم‬ ‫وإني أختم كتابي هذا بخاتمة بشرى‪ ،‬وذلك أ َّ‬
‫ل فيه‬ ‫ن يوم الله قريب‪ .‬ذلك اليوم الذي يق ُّ‬ ‫ل علىأ َّ‬‫وما بلغ إليه‪ ،‬تد ُّ‬
‫القوة‪ ،‬وعندئذ ٍ تتكافأ القوات بين‬ ‫ّ‬ ‫التفاوت في العلم وما يفيده من‬
‫ل السلطة‪ ،‬ويرتفع التغالب‪ ،‬فيسود بين الناس العدل‬ ‫البشر‪ ،‬فتنح ُّ‬
‫والتوادد‪ ،‬فيعيشون بشرا ً ل شعوباً‪ ،‬وشركات ل دولً‪ ،‬وحينئ ٍ‬
‫ذ‬
‫يعلمون ما معنى الحياة الطيبة‪ :‬هل هي حياة الجسم وحصر‬
‫مة في خدمته؟ أم حياة الروح وغذاؤها الفضيلة؟ ويومئذٍ‬ ‫اله ّ‬
‫ٌ‬
‫ل خالد‪ ،‬كأنَّه نج ٌ‬
‫م‬ ‫يتسنّى للنسان أن يعيش كأنَّه عالم مستق ّ‬

‫‪119‬‬
‫ك في النظام‪ ،‬كأنَّه مل ٌ‬
‫ك‪ ،‬وظيفته تنفيذ‬ ‫ص في شأنه‪ ،‬مشتر ٌ‬
‫مخت ٌّ‬
‫أوامر الرحمن الملهمة للوجدان‪.‬‬

‫ت َّ‬
‫م الكتاب بعونه تعالى‬

‫‪120‬‬