You are on page 1of 14

‫بسم ال الرحمن الرحيم‬

‫لعل المام الشيرازي (قدس سرة) يعد من القلئل الذين تناولوا مسائل القتصاد السلمي‬

‫وأشبعوا فروعه بالبحث والتدقيق وتبيان الرأي السديد‪.‬‬

‫فقد كتب سماحته ‪:‬‬

‫* الفقه‪ :‬كتاب القتصاد ‪ /‬مجلدان‪.‬‬

‫* الفقه‪ :‬كتاب البيع ‪ 5 /‬مجلدات‪.‬‬

‫* الفقه‪ :‬كتاب التجارة‪.‬‬

‫* الفقه‪ :‬كتاب المكاسب المحرمة ‪ /‬مجلدان‪.‬‬

‫* القتصاد السلمي المقارن‪.‬‬

‫* لمحات عن البنك السلمي‪.‬‬

‫* الكسب النزيه‪.‬‬

‫* من القانون السلمي في المال والعمل‪.‬‬

‫* القتصاد للجميع‪.‬‬

‫* القتصاد السلمي في خمسين سؤال وجوابا‪.‬‬

‫* حل المشكلة القتصادية على ضوء القوانين السلمية‪.‬‬

‫* ماذا بعد النفط‪.‬‬

‫وغيرها…‬

‫واليوم قد رأينا طباعة باقة أخرى تضاف الى هذه المجموعة الفريدة‪ ،‬ويختلف هذا الكراس‬

‫كليا عن كتاباته السابقة التي كتبها للفقهاء والمجتهدين وأصحاب الرأي والمثقفين‪ ،‬فان‬

‫(القتصاد السلمي في سطور) قد كتبه المام المؤلف قبل حوالي ثلثين عاما باختصار‬

‫شديد‪ ،‬ولقسم خاص من المجتمع‪ ..‬للشباب والفتوة‪ ،‬وبأسلوب مبسط وشيق‪ ،‬يوضح أسس‬

‫ومرتكزات القتصاد السلمي في سطور قلئل‪.‬‬

‫مركز الرسول العظم (ص) للتحقيق والنشر‬

‫بيروت ـ لبنان‬
‫‪ 1418‬هـ ‪ 1998‬م‬

‫المقدمة‬

‫بسم ال الرحمن الرحيم‬

‫الحمد ل رب العالمين‪ ،‬والصلة والسلم على محمد وآله الطيبين الطاهرين‪.‬‬

‫لقد طلب مني بعض الصدقاء أن أوجز لهم القول في القتصاد السلمي‪ ،‬ليكون لهم‬

‫صورة واضحة عن هذا الجانب من السلم‪ ،‬ولجل ذلك كتبت هذا الكراس‪ ،‬أما التفاصيل‬

‫فمحلها الكتب المفصلة(‪.)1‬‬

‫كربلء المقدسة‬

‫محمد بن المهدي الحسيني الشيرازي‬

‫‪ 1390‬هـ‪.‬ق‬

‫القتصاد السلمي‬

‫من أهم المور التي ينبغي الشارة إليها في القتصاد السلمي‪ ،‬هو السعي من اجل‬

‫تحقيق ما يلي‪:‬‬

‫‪ :1‬أن ل يكون هناك فقراء يعانون الجوع والمرض والفقر‪.‬‬

‫‪ :2‬أن ل تكون هناك مشاريع معطلة‪.‬‬

‫‪ :3‬أن ل تبقى طاقات إنسانية‪ ،‬أو غير إنسانية عاطلة‪.‬‬

‫‪ :4‬أن ل يبطر الغني‪.‬‬

‫‪ :5‬الدولة هي المسؤولة عن هذه البنود الربعة‪.‬‬

‫‪ :6‬أما أن ل يكون في المجتمع اختلف في المستوى المعيشي والمادي‪ ،‬فليس مهما‪ ،‬ول‬

‫يتمكن أي إنسان أو دولة أن يقول‪ :‬إني أتمكن أن أوفر التساوي المطلق‪ .‬وهل عليّة الحزب‬

‫الشيوعي في كل البلد الشيوعية‪ ،‬يتساوون في الرواتب والمخصصات مع العامل والفلح‬


‫والمثقف البدائي؟!‪.‬‬

‫والقتصاد السلمي‪ ،‬يقوم بدور البنود الربعة‪:‬‬

‫فل فقراء في الدولة السلمية‪ .‬ول مشاريع معطلة‪ .‬ول طاقات معطلة‪ .‬ول يتمكن الغني‬

‫من البطر‪.‬‬

‫ل فقر ول فقراء‬

‫‪ :1‬أما أنه ل فقراء‪ ،‬فإن الدولة السلمية مسؤولة بسد حاجات كل فقير‪.‬‬

‫وذلك حسب اللئق بالكرامة النسانية‪ ،‬ل (صدقة) بمفهومها المزري‪ ،‬بل حقا واجبا‪.‬‬

‫والمراد بالحاجات‪ :‬المأكل‪ ،‬والملبس‪ ،‬والمسكن‪ ،‬والمركب‪ ،‬والزواج‪ ،‬والسفر المحتاج إليه‪،‬‬

‫والثقافة‪ ،‬والدراسة والضرورات الطارئة كالمرض وما أشبه‪.‬‬

‫ل مشاريع معطلة‬

‫‪ :2‬وأما انه ل مشاريع معطلة‪ ،‬فإن الدولة السلمية مسؤولة‪ ،‬ل بإقامة المشاريع بمفهومها‬

‫العام فحسب‪ ،‬بل بالسير إلى المام في جميع نواحي الحياة‪ ،‬كالعمران‪ ،‬والزراعة‪،‬‬

‫والصناعة‪ ،‬والتجارة‪ ،‬والمال‪ ،‬وغيرها…‬

‫وحديث‪( :‬من استوى يوماه فهو مغبون)(‪.)2‬‬

‫و‪(:‬السلم يعلو ول يعلى عليه)(‪ )3‬كاف في الدللة على ذلك‪.‬‬

‫ل طاقات معطلة‬

‫‪ :3‬وأما انه ل طاقات معطلة‪ ،‬فإن الدولة السلمية‪ ،‬ل تعطي المال لمن يتمكن من العمل‬

‫ويكسل ويترهل‪ ،‬حتى تبقى طاقات بشرية عاطلة‪ ،‬بل يعطي المال للضعفاء والعجزة‪،‬‬

‫ولمن ينقص مكسبه عن حاجياته‪ ،‬أما البطالون فتهيئ لهم الدولة السلمية فرص العمل‬

‫والتشجيع عليه…‬
‫هذا بالنسبة إلى الطاقات البشرية‪ ،‬أما الطاقات الكونية‪ ،‬فالدولة السلمية تسعى بكل‬

‫إمكانياتها‪ ،‬للستفادة من الثروات الطبيعية التي خلقها ال سبحانه وتعالى للنسان(‪ )4‬قال‬

‫تعالى‪( :‬خلق لكم ما في الرض جميعا)(‪.)5‬‬

‫ل بطر للغني‬

‫‪ :4‬وأما عدم بطر الغني‪ :‬فالربا‪ ،‬والحتكار‪ ،‬والستغلل‪ ،‬والفسق‪ ،‬كلها محرمة في شريعة‬

‫السلم‪ ،‬فإذا أراد النسان أن يعمل أيا من هذه المور‪ ،‬فالسلم يوقفه عند حده‪.‬‬

‫وبعد ذلك فليكن هناك إنسان غني يملك‪ ،‬الكثير من الدنانير‪ ،‬أو الدور أو ما أشبه(‪.)6‬‬

‫ضمان التطبيق‬

‫أما كيف يوفر السلم البنود الربعة؟‬

‫فبما يلي ‪:‬‬

‫الحريات‬

‫‪ :1‬بإطلق جميع الحريات‪ :‬حرية التجارة‪ ،‬وحرية الصناعة‪ ،‬وحرية الزراعة‪ ،‬وحرية‬

‫الثقافة‪ ،‬وحرية العمران‪ ،‬وحرية السفر‪ ،‬وحرية القامة‪ ،‬وحرية الستفادة من الطاقات‬

‫الكونية… إلى غيرها من الحريات السلمية الكثيرة‪.‬‬

‫الثروات الطبيعية‬

‫‪ :2‬باستفادة الدولة من الموارد الطبيعية‪ ،‬واهتمامها في اكتساب المال بما لها من قابلية‬

‫وإمكانية‪.‬‬

‫لكن يشترط في هذين المرين(‪:)7‬‬

‫أن ل يكون العمل محرما‪ ،‬كالتجار بالخمر والخنزير وما أشبه من المحرمات المذكورة‬
‫في الشريعة السلمية(‪.)8‬‬

‫الحقوق الشرعية‬

‫‪ :3‬أخذ الدولة السلمية (الخمس) و (الزكاة) من الغنياء‪ ،‬وهما يقاربان الثلثين بالمائة‪،‬‬

‫فإن الخمس عشرون بالمائة من أرباح التجارات والمعادن وغيرهما(‪ ،)9‬والزكاة بين‬

‫العشرة بالمائة وبين الخمسة بالمائة‪ ،‬من البل والحنطة والذهب وغيرها(‪…)10‬‬

‫وحيث ان (الجزية) ـ وهي مال يؤخذ من أهل الكتاب القاطنين في البلد السلمية (‪)11‬‬

‫ـ شبه بدل عن الخمس والزكاة‪ ،‬إذ هما ل يؤخذان من أهل الكتاب‪ .‬و(الخراج) من موارد‬

‫الدولة‪ ،‬فهو داخل في البند الثاني‪ ،‬لم نذكرهما مستقلين‪.‬‬

‫الوقاف‬

‫‪ :4‬كما أن الدولة السلمية توفر كمية كبيرة من المال بواسطة (الوقاف) فإنها من أضخم‬

‫الموارد القتصادية‪ ،‬إذا عرفت الدولة كيف تكونها؟ وكيف تنميها؟…‬

‫وكذلك بواسطة التبرعات التعاونية‪ ،‬كالصناديق الخيرية وما أشبه‪.‬‬

‫ولو قلنا‪ :‬إن دولة كالعراق (الحالية) تتمكن أن توفر بهاتين الواسطتين‪ ،‬في كل سنة مئات‬

‫المليين من الدنانير‪ ،‬لم نكن بعيدين عن الصواب‪.‬‬

‫الظروف الطارئة‬

‫‪ :5‬ول شك أن هناك ظروفا طارئة‪ ،‬كظروف الحرب‪ ،‬ل تفي الموارد السابقة لسد جميع‬

‫حاجات البلد‪ ،‬وفي مثل هذا الظرف‪ ،‬يكون الكل مسؤولً عن النهضة بتكاليف ما طرأ من‬

‫الظروف الخاصة‪ ،‬ويكون ذلك جهادا يشمله قوله سبحانه ‪ (:‬جاهدوا بأموالكم وأنفسكم )(‬

‫‪.)12‬‬
‫قلة نفقات الدولة‬

‫‪ :6‬ويبقى أن نقول‪ :‬إن الدولة السلمية لكثرة ما فيها من الحريات وقلة ما فيها من‬

‫القيود‪ ،‬وبفضل مناهجها الموجبة لتعميم المن والرخاء… الموجبة بدورها لقلة الجرائم‪،‬‬

‫وبسبب عدم ثقل كاهلها بأنظمة السجون‪ ،‬وضخامة تكاليف الخدمة العسكرية الجبارية‪،‬‬

‫والتركيز على الجانب العسكري أكثر من اللزم‪ ،‬وبغير هذه السباب…‬

‫فإن الدولة السلمية بفضل تلك المذكورات‪ ،‬قليلة النفقة جدا بالنسبة إلى الدوائر‬

‫والموظفين و…‬

‫ولعلنا نتمكن أن نقول‪ :‬إن تكاليف الدولة السلمية في أمر الدوائر والموظفين أقل من‬

‫واحد بالمائة‪ ،‬من تكاليف الدول الحاضرة و…‬

‫وهذا بدوره يوجب توفر اقتصاد الدولة‪ ،‬مما تتمكن بسببه من سد الحاجيات‪ ،‬وإقامة‬

‫المشاريع‪ ،‬وتقديم البلد إلى المام بخطوات كبيرة‪.‬‬

‫الشراف فقط‬

‫‪ :7‬كما أن من اللزم أن تكتفي الدولة السلمية بالشراف على المشاريع الحيوية عوض‬

‫قيامها بنفسها بتلك المشاريع‪.‬‬

‫مثل إجازة التجار بتأسيس مختلف المؤسسات‪ :‬كالمدارس‪ ،‬والمعامل‪ ،‬والوسائل المختلفة‬

‫للنقل‪ ،‬كالقطارات والمطارات وما أشبه‪ ،‬ومحطات الكهرباء‪ ،‬وغيرها‪ ،‬فإنها توجب دخلً‬

‫كبيرا في توفر القتصاد للدولة‪.‬‬

‫سائر المناهج القتصادية‬

‫أما المآخذ التي تؤخذ على سائر المناهج القتصادية‪ ،‬فيمكن إيجازها فيما يلي‪:‬‬

‫‪ :1‬القتصاد الرأسمالي‬

‫أ‪ :‬فانه ل يتكفل برفع مستوى الفقير‪ ،‬حتى يسد جميع حاجياته‪ ،‬ولذا نرى كثرة الفقر‬
‫والبطالة في البلد الرأسمالية‪.‬‬

‫ب‪ :‬انه يكبت الحريات نوعا ما‪ ،‬بسبب وضع القيود الكثيرة والضرائب على الستثمار‬

‫والتجارة وغيرهما من موارد نمو المال‪.‬‬

‫ج‪ :‬انه ل يوقف الغني عند حدة‪ ،‬ولذا يكثر البطر في أغنياء الرأسماليين‪.‬‬

‫‪ :2‬القتصاد الشتراكي‬

‫أ‪ :‬فانه بالضافة إلى وجود مساوئ القتصاد الرأسمالي‪ ،‬يحتوي على مساوئ القتصاد‬

‫الشيوعي‪ ،‬كما ترى‪ .‬فهذا القتصاد‪ ،‬بزعم تجنبه مساوئ القتصادين‪ ،‬جمع قسطا من‬

‫مساوئ كل منهما‪.‬‬

‫ب‪ :‬انه ليس لهذا القتصاد مفهوم محدد المعالم‪ ،‬ولذا كثرت أنواع القتصاد الشتراكي في‬

‫عالم اليوم‪ ،‬ومن المعلوم أن تضارب المفاهيم‪ ،‬دليل على شلل الفكرة وعدم انسجامها لواقع‬

‫الحياة‪.‬‬

‫‪ :3‬القتصاد الشيوعي‬

‫أ‪ :‬فإنه كبت لكافة الحريات‪ ،‬حتى حريات الحزب‪ ،‬فإن النظام نظام من شأنه الكبت‬

‫والرهاب‪ ،‬ولذا يكون الحزب وسائر الشعب تحت ظل هذا النظام مكبوتين خائفين‪ ،‬ومن‬

‫المعلوم أن كبت الحرية يشل القوة القتصادية‪.‬‬

‫ب‪ :‬انه ل يرفع مستوى الغنى إطلقا‪ ،‬بل الفقراء في ظل هذا النظام أشد بؤسا وفقرا من‬

‫الفقراء في ظل أي نظام آخر‪.‬‬

‫ج‪ :‬انه ل يفسح المجال أمام الطاقات المبدعة والبناءة‪ ،‬لتتمكن من البناء بالقدر الممكن‪،‬‬

‫فإن النسان ذا ملكات خيرة‪ ،‬إن وجدت المجال تقدمت وازدهرت‪ ،‬وان لم تجد اضمحلت‬

‫واندثرت‪.‬‬

‫د‪ :‬انه يبتني على كثرة موظفي الدولة‪ ،‬حتى انها لتفوق موظفي الدول الرأسمالية‬

‫والشتراكية‪ ،‬فإن أعضاء الحزب كلهم موظفون في الدولة الشيوعية‪ ،‬مما يسبب انخفاض‬
‫القتصاد تلقائيا‪.‬‬

‫هـ‪ :‬انه يوجب تحويل القوة المسيطرة على العامل والفلح والكاسب من أيادي ضعيفة‬

‫(كالمالك للمعمل وللرض‪ ،‬وتاجر الجملة) إلى يد الدولة القوية‪ ،‬حيث ل يجد العامل‬

‫والفلح والكاسب‪ ،‬ملجأ يقيه من الحيف الواقع عليه‪.‬‬

‫بينما في غير الدولة الشيوعية يجد المضطهد ـ ولو بنسبة ـ ملجأ يحتمي عن الظلم‬

‫والستغلل‪ ،‬وهذا المر من أكبر العوامل لنخفاض القتصاد‪ ،‬إذا الضغط الذي ل يمكن‬

‫رفعه ول يجد من عليه الضغط متنفسا لرفع الضغط الواقع عليه‪ ،‬من أكبر أسباب تدهور‬

‫وضع البناء والنتاج والعمران والتقدم‪.‬‬

‫هذا مجمل عن القتصاد السلمي بمقارنة بدائية مع القتصاد الرأسمالي والشيوعي‬

‫والشتراكي‪ ،‬أما تفصيل هذه المور فبحاجة إلى كتب مفصلة‪ ،‬مع بيان الرقام والشواهد‬

‫والبراهين‪.‬‬

‫خاتمة(‪)13‬‬

‫س‪ :‬هل كان للسلم اقتصاد؟‬

‫ج‪ :‬القتصاد الصحيح الحر‪ ،‬إنما هو في السلم وحده‪ ،‬أما القتصاد السائد في عالم اليوم‪،‬‬

‫فليس باقتصاد صحيح‪ ،‬لما فيه من‪:‬‬

‫‪ :1‬انحراف في القتصاد‪ ،‬برفع كفة إلى السماء من أصحاب المليين‪ ،‬ووضع كفة إلى ما‬

‫تحت الرض من الفقراء الذين يموتون جوعا وعريا‪ ،‬كل يوم باللف(‪.)14‬‬

‫‪ :2‬وكبت للقتصاد‪ ،‬بإلغاء الملكية الفردية‪ ،‬فالفراد يعيشون في أفقر حالة‪.‬‬

‫س‪ :‬كيف كان القتصاد السلمي؟‬

‫ج‪ :‬بيان القتصاد في السلم يحتاج إلى مجلدات ضخمة لكنا نوجزه في الخطوط الساسية‬

‫العامة التي وضعها السلم لنفي الفقر والحاجة عن المجتمع وترفيع مستوى المعيشة‪،‬‬

‫والخطوط الساسية هي‪:‬‬

‫الولى‪ :‬توسيع الحريات في جميع المجالت‪ ،‬فإن الناس حيث كانوا يتمتعون بحرية واسعة‬
‫في ظل الحكم السلمي كانوا يعملون بكل جد وإخلص‪ ،‬والطريق أمامهم مفتوح‪ ،‬ولهذا‬

‫كانوا يثرون‪ ،‬وقلما يوجد إنسان محتاجا…إذ من المعلوم أن المناهج الصلية للثروة كانت‬

‫مباحة بجميع أقسامها‪ ،‬ولم يكن عليها ضرائب واتاوات‪ ،‬كما لم تحتاج إلى قيود وشروط‪،‬‬

‫فكان كل إنسان يشتغل ويعمل‪ ،‬وعمله كان يدر عليه الرزق ويفيض عنه‪ ،‬أما في ظل‬

‫القوانين الوضعية‪:‬‬

‫‪ :1‬فمنابع الثروة محصورة‪ ،‬ل يحق لحد النتفاع بها‪.‬‬

‫‪ :2‬وما يجوز النتفاع بها‪ ،‬عليها ضرائب ورسوم‪.‬‬

‫‪ :3‬ثم النتفاع ل يكون إل بقيود وشروط‪.‬‬

‫ولذا قلما يتمكن النسان من النتفاع بالمنابع الصلية‪ ،‬وفي صورة التمكن‪ ،‬تأخذ منه‬

‫الشروط والضرائب كل مأخذ‪ ،‬ولو قلنا إن هذه القيود خفضت مستوى الثروة من المائة‬

‫إلى العشرين‪ ،‬لم نكن مبالغين‪.‬‬

‫ونمثل لذلك بالعراق‪ ،‬فقد كانت في زمن السلم عامرة بالزراعة والعمارة‪ ،‬وفي ظل غير‬

‫السلم‪ ،‬ل نجد إل الجزء القليل منها عامرة‪ ،‬أما الباقي فخراب ويباب‪ ،‬وبينما كان يعيش‬

‫من خيراتها أربعون مليون‪ ،‬تحت ظل السلم‪ ،‬ل يصل نفوسها اليوم إلى ثمانية مليين(‬

‫‪.)15‬‬

‫الثانية‪ :‬بساطة جهاز الحكومة في الدولة السلمية‪ ،‬وكم ترى من البساطة‪ ،‬في هذا المثال‪:‬‬

‫حينما فتحت العراق‪ ،‬جاء إليها من المدينة للحكومة ثلثة أشخاص فقط‪ ،‬والسر أن الجهاز‬

‫الحكومي موضوع للعدل بين الناس أولً‪ ،‬وحفظ البلد من العداء ثانيا‪ ،‬ورفع المستويات‬

‫في جميع الجهات ثالثا … وحيث أن الحكومة السلمية ‪:‬‬

‫‪ :1‬شعبية إلى أبعد حد‪.‬‬

‫‪ :2‬ل تعترف بالقيود التي تسبب كثرة الجهزة‪.‬‬

‫‪ :3‬ليست (روتينية) وإنما سريعة في حل القضايا‪.‬‬

‫‪ :4‬تعمم الثقة بين الناس‪ ،‬بوضع مناهج اليمان والضمير‪.‬‬

‫لذا ل تحتاج إلى أجهزة كثيرة‪ ،‬فموظفوا الدولة في غاية القلة‪ ،‬ولذا فالمال متوفر إلى أبعد‬
‫حد‪ ،‬وهذا مما يسبب بدوره رفع المستوى القتصادي من ناحيتين‪:‬‬

‫الولى‪ :‬إن الموظف غالبا ل يعمل لنفسه‪ ،‬وإنما يكون كلً على الخرين‪ ،‬فإذا قل‬

‫الموظفون توفر المال الذي يلزم صرفه فيهم‪ ،‬فيتوفر المال عند الدولة‪ ،‬فتقوم بسائر المور‬

‫الحيوية‪.‬‬

‫الثانية‪ :‬إن الذين ل يوظفون‪ ،‬يعملون لنفسهم ويكونون أجهزة النتاج‪ ،‬بينما إذا كانوا‬

‫موظفين‪ ،‬أصبحوا أجهزة الستهلك‪ ،‬ولنأخذ مثلً‪ :‬إذا كان في بيت عشرة أشخاص‪ ،‬كل‬

‫شخص يكسب كل يوم دينارا‪ ،‬فإذا وظفنا من هؤلء خمسة ـ فرضا ـ كان الدخل خمسة‬

‫دنانير لعشرة أشخاص‪ ،‬بينما إذا كان الموظف منهم واحدا‪ ،‬كان الدخل تسعة دنانير لعشرة‬

‫أشخاص‪.‬‬

‫الثالثة‪ :‬بيت المال‪ ،‬وكان يجمع المال فيه‪ ،‬من الخماس‪ ،‬والزكوات‪ ،‬والجزية‪ ،‬والخراج‪،‬‬

‫وقد تقدم معنى (الخمس والزكاة والجزية)‪.‬‬

‫وأما (الخراج) فهو حاصل أراضي الدولة التي لها بالحيازة‪ ،‬أو للمسلمين بالمحاربة أو ما‬

‫أشبه‪.‬‬

‫وظيفة بيت المال‬

‫ووظيفة بيت المال أمران‪:‬‬

‫الول‪ :‬سد حاجات الناس‪ ،‬إطلقا‪.‬‬

‫الثاني‪ :‬القيام بمصالح الناس بمختلف أقسام المصالح ‪ ،‬فبيت المال ـ مثلً ـ يعطي المال‬

‫للفقير ليغنى‪ ،‬ولبن السبيل ليرجع إلى بلده‪ ،‬وللعزب ليتزوج‪ ،‬وللمريض الذي ل يتمكن‬

‫من نفقة مرضه حتى يشفى‪ ،‬وللشخص الذي ليس له رأس مال وهو يريد الكسب ليكتسب‪،‬‬

‫والذي ليس له دار وهو بحاجة إليها‪ ،‬ليبني دارا‪ ،‬ولمن يريد طلب العلم ول يتمكن من‬

‫النفقة لينفق في سبيل العلم…إلى غيرها وغيرها من سائر الحوائج‪.‬‬

‫وبالجملة‪ :‬فكل محتاج يراجع بيت المال وعلى بيت المال تموينه‪ ،‬على سبيل الوجوب‬

‫والحق عليه‪ ،‬ل على سبيل التبرع والحسان‪.‬‬


‫هذا من ناحية…‬

‫ومن ناحية أخرى‪ :‬على بيت المال القيام بجميع مصالح المسلمين من تعبيد الشوارع‬

‫وإنارتها‪ ،‬وبناء المصحات‪ ،‬وفتح المدارس‪ ،‬وبناء المساجد… وغيرها وغيرها‪ ،‬فل يبقى‬

‫معوز محتاج‪ ،‬ول مصلحة غير مكفية‪.‬‬

‫وبهذه الخطوط الثلثة التي ألمعنا إليها‪( :‬توسيع الحريات‪ ،‬وبساطة جهاز الحكومة‪ ،‬وبيت‬

‫المال) تمكن السلم من ترفيع مستوى الناس (اقتصاديا) ولذا كان القتصاد السلمي من‬

‫أفضل أنواع القتصاد‪ ،‬ل كالقتصاد الرأسمالي الذي فيه اختلل الثروة‪ ،‬ول كالقتصاد‬

‫الشيوعي الذي ل يقوم بأوليات حاجات الشعب‪.‬‬

‫والحمد ل أولً وآخرا‪ ،‬وظاهرا وباطنا‪ ،‬وصلى ال على محمد وآله الطيبين الطاهرين‪.‬‬

‫كربلء المقدسة‬

‫محمد بن المهدي الحسيني الشيرازي‬

‫‪ /25‬صفر‪1390/‬هـ‪.‬ق‬

‫لمحة موجزة‬

‫عن المام الشيرازي (قدس سرة)‬

‫ان الحديث عن المام الشيرازي ليس حديثا عاديا عن شخصية عادية‪ ،‬بل هو حديث عن‬

‫المرجع الديني العلى والقائد الذي تقلّده وتتبّعه في أحكام ومفاهيم الدين عشرات المليين‬

‫من الجماهير التي تنشر في كثير من بقاع الرض‪ ،‬وتستلهم منه الرؤى والبصائر لتسير‬

‫على منهج السلم وتطبقه في مختلف مجالت الحياة‪.‬‬

‫قد قام المام الشيرازي(قدس سرة) بتأسيس ورعاية الكثير من المراكز السلمية‬

‫والمؤسسات الدينية والحوزات العلمية في مختلف البلد‪.‬‬

‫ويمتاز بنظراته الثاقبة وإحاطته الشاملة بأمور المسلمين والتطلّع على أوضاعهم وما‬

‫يجري في بلدهم‪.‬‬
‫كما يتميز بفكره المعطاء‪ ،‬المختمر بالتجارب والمفعم بالنضج والنظرة الواقعية إلى‬

‫المور‪.‬‬

‫ويؤمن بضرورة تحكيم الخوة السلمية وإعادة المة السلمية وتوفير الحريات‬

‫السلمية‪.‬‬

‫كما وانه يدعو الى النفتاح والحوار والتعددية السياسية وشورى المراجع‪ ،‬وقد أسهب في‬

‫الحديث عن هذه الفكار في العديد من مؤلفاته‪.‬‬

‫ومن أبرز خصوصيات المام الشيرازي (قدس سرة) هو تنوع مؤلفاته وشموليتها وتلبيتها‬

‫لحاجة مختلف المستويات العلمية والجتماعية‪ ،‬ومواكبتها لمتطلبات العصر‪.‬‬

‫فقد كتب في التفسير والحديث والعقائد والكلم والفلسفة والسياسة والقتصاد والجتماع‬

‫والدارة والحقوق والتاريخ وغيرها‪.‬‬

‫وكتب بحوثاُ ودراسات معمقة ومفصّلة في الفقه والصول‪.‬‬

‫كما كتب كراسات وكتيبات مبسطة للجيل الناشئ‪ ،‬وكتب للطالب الحوزوي كما كتب‬

‫للشاب الجامعي‪.‬‬

‫وقد تجاوزت مؤلفاته في شتى الحقول ‪ 990‬كتابا ودراسة وكرّاسا‪.‬‬

‫ان النتاج العلمي للمام الشيرازي (قدس سرة) يفصح عن المكانة العلمية والسامية التي‬

‫يتمتع بها‪ ،‬فتلك الحاطة وهذا البداع السيال المتجدد ل يعبر ال عن تلك العلمية‬

‫المتكاملة‪ ،‬فهذه موسوعة الفقه شاهد على ما نقول‪.‬‬

‫فموسوعة الفقه المبتكرة في كثير من أبوابها وعناوينها تقع في اكثر من مائة وخمسة‬

‫واربعين مجلدا وتتجاوز السبعين ألف صفحة من القطع الكبيرة‪ ،‬وهي تتميز بكثرة‬

‫التفريعات والمسائل المستحدثة‪ ،‬مقرونة باطلع كبير على الشباه والنظائر واستنباطات‬

‫جديدة مبتكرة عبر استيعاب دقيق للدلة الشرعية و(العرفية بالمدارك والقواعد) و(الذوق‬

‫العرفي الرفيع) الى جوار الدقة وعمق التحقيق والتي تجلت في الكثير من الجوانب‪.‬‬

‫وقد برزت قدرته العلمية وكفاءته القيادية والدارية وهو في السنين الولى من شبابه‪،‬‬

‫ونتيجة لهذه المقدرة والكفاءة فإن آية ال العظمى السيد محسن الحكيم وآية ال العظمى‬
‫السيد عبد الهادي الشيرازي وآية ال العظمى السيد احمد الخونساري (قدس ال أسرارهم)‬

‫قد وكلوه إدارة الحوزة العلمية في كربلء المقدسة عام ‪ 1382-1380‬هجرية بعد وفاة‬

‫والده آية ال العظمى السيد ميرزا مهدي الشيرازي (قدس سره)‪.‬‬

‫كما ان آية ال العظمى السيد محمد هادي الميلني(قدس سره) صرح باجتهاده‪ ،‬وآية ال‬

‫العظمى السيد ميرزا مهدي الشيرازي وآية ال العظمى السيد على البهبهاني الرامهرمزي‪،‬‬

‫شهدوا للسيد الشيرازي ببلوغه مرتبة سامية من الجتهاد بين العوام ‪ 1379‬الى‬

‫‪1392‬هـ ‪.‬‬

‫كما أشاد به العديد من العاظم منهم الشيخ آغا بزرك الطهراني صاحب الذريعة‪ ،‬والعلمة‬

‫الميني في الغدير‪ ،‬وقد صرح العديد من كبار العلماء ومدرسي الخارج وأصحاب الرسائل‬

‫العملية في الحوزات العلمية بـ (أعلميته) ‪ .‬وذلك نظرا لعبقريته وسعة اطلعه وسمو‬

‫مكانته العلمية والفقهية‪.‬‬

‫وللتفصيل الكثر راجع كتاب (أضواء على حياة المام الشيرازي) وكتاب (لمحات عن‬

‫حياة المرجع الديني العلى آية ال العظمى السيد محمد الحسيني الشيرازي)‪.‬‬

‫مركز الرسول العظم (ص) للتحقيق والنشر‬

‫بيروت _ لبنان‬

‫‪ - 1‬راجع للمام المؤلف هذه الكتب‪( :‬القتصاد السلمي المقارن) و(لمحات عن البنك‬

‫السلمي) و(الكسب النزيه) و(موسوعة الفقه ج ‪107‬ـ ‪ 108‬كتاب القتصاد) و(من‬

‫القانون السلمي في المال والعمل) و(القتصاد للجميع) و(القتصاد السلمي في خمسين‬

‫سؤال وجوابا) و(حل المشكلة القتصادية على ضوء القوانين السلمية)و‪...‬‬

‫‪ - 2‬المالي للشيخ الصدوق ص ‪ 668‬المجلس الخامس والتسعون‪.‬‬

‫‪ - 3‬غوالي اللئالي ج ا ص ‪ 226‬الفصل التاسع‪ .‬ونهج الحق ص ‪ 515‬الفصل ‪.11‬‬

‫‪ - 4‬مع رعاية سائر الشروط‪ ،‬فإن الثروات الطبيعية ل تكون لجيل واحد فحسب‪.‬‬

‫‪ - 5‬سورة البقرة ‪ /‬الية ‪.29‬‬


‫‪ - 6‬فإن السلم ل يمنع من الغنى والثروة بل يحث عليه‪ ،‬قال (صلى ال عليه وآله)‪:‬‬

‫"نعم العون على تقوى ال الغنى" بحار النوار ج ‪ 74‬ص ‪ 155‬ب ‪ 7‬ح ‪.1‬‬

‫‪ - 7‬المر الول (الحريات)‪ ،‬والمر الثاني (الثروات الطبيعية)‪.‬‬

‫‪ - 8‬لم تكن المحرمات كثيرة‪ ،‬بل هي قليلة جدا بالنسبة إلى المباحات السلمية‪ .‬راجع‬

‫موسوعة الفقه‪ ،‬كتاب المكاسب المحرمة ج ‪.2_1‬‬

‫‪ - 9‬راجع موسوعة الفقه ج ‪ 33‬كتاب الخمس‪.‬‬

‫‪ - 10‬وقد تكون الزكاة من الواحد في الربعين الى الواحد في المائة حسب اختلف‬

‫الموارد‪ .‬راجع موسوعة الفقه ج ‪ 32_29‬كتاب الزكاة‪.‬‬

‫‪ - 11‬بشروط خاصة مذكورة في كتاب الجهاد‪ ،‬راجع موسوعة الفقه ج ‪.48 _47‬‬

‫‪ - 12‬سورة التوبة ‪ /‬الية ‪.41‬‬

‫‪ - 13‬وتتميما للفائدة ننقل هنا الفصل التاسع من كتاب (ما هو السلم؟) للمام المؤلف‬

‫(قدس سرة) ويقع الكتاب في ‪ 168‬صفحة من الحجم المتوسط وقد طبع مكررا‪ ،‬منها سنة‬

‫‪1414‬هـ ‪1993‬م مؤسسة الفكر السلمي بيروت ـ لبنان‪.‬‬

‫‪ - 14‬فقد ذكرت مجلة (العربي) الكويتية في عددها ‪ 470‬ص ‪ 20‬بتاريخ يناير ‪1998‬م‬

‫أن‪ :‬سكان الرض يتوزعون بين ‪ 800‬مليون ثري‪ ،‬و ‪ 4‬مليارات فقير‪ ،‬و ‪ 400‬مليون‬

‫متوسط الحال‪ .‬كما ورد في مجلة (المجلة) العدد ‪ 917‬الصفحة ‪ 42‬انه‪ :‬عبرت مصادر‬

‫من التحاد الوروبي عن قلقها من انتشار ظاهرة الفقر في أوروبا‪ ،‬فقد بلغت نسبة الفقراء‬

‫في القارة الثرية حوالي ‪ %12‬بين الكبار و ‪ %14‬بين الطفال‪.‬‬

‫‪ - 15‬يقدر نفوس العراق اليوم حسب بعض الحصاءات الخيرة ‪،25000000‬‬

‫‪1998‬م‪.‬‬