You are on page 1of 3

‫كيف تستطيع مصر استعادة ثقلها‬

‫العربي؟‬
‫بقلم دكتور رغيد الصلح‬
‫اسففتأثر النشاط القليمففي المكثففف الذي قامففت بففه الحكومففة المصففرية فففي‬
‫الونففة الخيرة باهتمام خاص‪ .‬مففن هذا النشاط مففا اتجففه الى تعزيففز الدور‬
‫المصري على المستوى القليمي العام‪ .‬على هذا الصعيد حققت القاهرة ما‬
‫اعتفبره مراقبون تقدمفا ملحوظفا ففي مكانتهفا القليميفة عندمفا اختيرت مصفر‪،‬‬
‫جنبفا الى جنفب مفع فرنسفا‪ ،‬لرئاسفة التحاد المتوسفطي‪ .‬بعدهفا بأيام‪ ،‬دعفت‬
‫مصففر الدول المطلة على البحففر الحمففر الى اجتماع لبحففث قضيففة القرصففنة‬
‫المتفاقمفة ففي تلك المنطقفة‪ .‬وكمفا تزداد وتيرة التحرك المصفري القليمفي‬
‫سفياسيا وأمنيفا‪ ،‬فإن القاهرة تنشفط لتطويفر علقاتهفا القليميفة الوظيفيفة‪.‬‬
‫وهكذا فإن انضمام فلسففطين الى شبكففة الربففط الكهربائي السففباعي التففي‬
‫تتعهدهففا القاهرة بعنايففة خاصففة يعتففبر كسففبا مصففريا‪ .‬وعلى صففعيد العلقات‬
‫الوظيفيففة ايضففا‪ ،‬يأمففل مصففريون كثيرون ان يتعزز دور مصففر القليمففي اذا‬
‫خرجت القمة القتصادية العربية المتوقع انعقادها خلل شهر كانون الثاني‬
‫(ينايففر) المقبففل بنتائج ايجابيففة‪ .‬فالقمففة جاءت اسففتجابة لمقترح مصففري ‪-‬‬
‫‪.‬كويتي‪ .‬ونجاحها سوف يعود على البلدين بالفوائد المعنوية والسياسية‬

‫بموازاة هذه التحركات على المسففتوى القليمففي العام‪ ،‬نشطففت الحكومففة‬


‫المصففرية على صففعيد العلقات الثنائيففة وباتجاه المسففاهمة فففي ايجاد حلول‬
‫لقضايفففا ذات طابفففع محلي ولكفففن بأبعاد عربيفففة ودوليفففة‪ .‬فعلى الصفففعيد‬
‫الفلسفطيني‪ ،‬القفت القاهرة بثقلهفا مفن اجفل انجاح المصفالحة بيفن القيادات‬
‫الفلسفطينية وخاصفة بيفن قطفبي الصفراع الفلسفطيني «فتفح» و «حماس»‪.‬‬
‫وحتى بعد تعثر مؤتمر المصالحة الفلسطينية الذي كان مقررا في القاهرة‪،‬‬
‫اعلنفت القيادة المصفرية انهفا سفوف تواصفل مسفاعيها مفن اجفل جمفع فريقفي‬
‫الصففراع الفلسففطيني ‪ -‬الفلسففطيني وتحقيففق المصففالحة بينهمففا‪ .‬وحققففت‬
‫القاهرة نجاحا سياسيا مرموقا في لبنان الذي يعتبر معبرا مهما الى مواقع‬
‫التفوق القليمي‪ .‬فمصر كانت اول من رشح العماد ميشال سليمان لرئاسة‬
‫الجمهوريففة اللبنانيففة‪ ،‬واتبعففت ذلك باتصففالت مكثفففة مففع اكثففر القيادات‬
‫السفياسية ففي لبنان‪ ،‬وبتحريفك اللجنفة العليفا اللبنانيفة ‪ -‬المصفرية بعفد سفبات‬
‫دام سبع سنوات‪.‬‬

‫السفؤال هنفا‪ :‬هفو هفل تندرج التحركات المصفرية الخيرة ففي هذه السفياقات‬
‫نفسفففها؟ ام اننفففا امام مرحلة جديدة تتسفففم برففففع سفففقف تحرك القاهرة‬
‫القليمي وراء استعادة دورها المحوري في السياسة العربية؟‬

‫اذا كان الهدف الخيفر هفو الحاففز وراء التحركات المصفرية الخيرة‪ ،‬فيمكفن‬
‫القول ان القاهرة قد اختارت ظرفا دوليا واميركيا مناسبا لتحركها‪ .‬ذلك ان‬
‫ادارة بوش لم تكن تحبذ تعزيز دور مصر اقليميا‪ .‬ولقد برز هذا الموقف في‬
‫اكثفر مفن مناسفبة وخاصفة بعفد احداث ‪ 11‬سفبتمبر‪ .‬فعندهفا قال تقريفر لوكالة‬
‫«اسففوشييتدبرس» ان الشعور السففائد فففي اوسففاط ادارة بوش ان الوليات‬
‫المتحدة لم تتلق ابان محنتهففا «الدعففم الكافففي مففن اصففدقائها العرب»‪ .‬واذ‬
‫خففص التقريففر مصففر بيففن هؤلء الصففدقاء‪ ،‬اضاف ان مسففؤولي ادارة بوش‬
‫قرروا انفه «فيمفا كانفت واشنطفن تعطفي القاهرة ففي السفابق حريفة واسفعة‬
‫في التحرك على النطاق القليمفي‪ ،‬فإ نه آن الوان لو ضع حفد لهذه ال سياسة‬
‫المتساهلة وان تشدد واشنطن في المستقبل على علقاتها الثنائية مع كل‬
‫بلد شرق اوسطي وعربي على حدة»‪.‬‬

‫وفي خضم الستعدادات الميركية لغزو العراق‪ ،‬ردد مسؤولون اميركيون ان‬
‫من اهداف الغزو تحويل العراق الى نموذج لف «الحكم الصالح» وقاعدة لنشر‬
‫«مبادئ الديموقراطية» في المنطقة‪ .‬في القاهرة فهم هذا الكلم على انه‬
‫اعراب عفن رغبفة ادارة بوش ففي تحويفل بغداد الى مركفز للسفياسة القليميفة‬
‫بعفد ان احتلت القاهرة هذه المكانفة منفذ الربعينات وبعفد هزيمفة العراق ففي‬
‫الحرب العراقيفففة ‪ -‬البريطانيفففة‪ .‬وبرز التحففففظ الميركفففي على دور مصفففر‬
‫القليمففي فففي كففل مرة سففعت فيهففا القاهرة الى التدخففل فففي القضيففة‬
‫الفلسطينية‪.‬‬

‫هذا الموقففف البوشففي المتحفففظ تجاه الدور المصففري القليمففي لم تقابله‬


‫القاهرة بموقف سلبي مضاد‪ ،‬ول بردود فعل غاضبة ومناهضة كما كان المر‬
‫فففي مصففر الناصففرية‪ .‬بالعكففس‪ ،‬قابله سففعي مصففري ملحوظ لزالة مففبررات‬
‫التحفظ البوشي‪ ،‬ولمراعاة المصالح والرغبات الميركية‪.‬‬

‫في سعيها الى توط يد او اسفترجاع مكانت ها القليم ية‪ ،‬ل تواجفه م صر عقبات‬
‫اميركية او دولية فحسب‪ ،‬وانما تواجه ايضا تحديات اقليمية‪ .‬فعندما تراجعت‬
‫«حماس» عفن حضور مؤتمفر الفصفائل الفلسفطينية ففي الثامفن مفن الشهفر‬
‫الحالي‪ ،‬قيل ان هذا الموقف جاء تعبيرا عن تحفظ على الدور المصري في‬
‫المصفالحة الفلسفطينية وان هذا التحففظ ل يعكفس موقفف «حماس» فحسفب‬
‫وانما ايضا مواقف قوى اقليمية اخرى‪ .‬وعندما ابدت الجزائر وليبيا تحفظات‬
‫على التحاد المتوسطي‪ ،‬تردد ان هذه التحفظات لم تكن موجهة ضد التحاد‬
‫فحسفب بفل ايضفا ضفد اختيار مصفر كأول شريفك ففي رئاسفة التحاد‪ .‬وعندمفا‬
‫تحفظفت اطراف شاركفت ففي اجتماع الدول المطلة على البحفر الحمفر على‬
‫تشكيفففل قوة دوليفففة لملحقفففة القراصفففنة‪ ،‬ذكرت بعفففض التقاريفففر ان هذه‬
‫التحفظات عفبرت عفن امريفن‪ :‬الول هفو رففض مفا اعتفبر محاولت ترمفي الى‬
‫تعزيفز وجود القوات الميركيفة البحريفة والبريفة ففي منطقفة البحفر الحمفر‪،‬‬
‫والثاني هو فتور في التجاوب مع المبادرة المصرية تحديدا‪.‬‬

‫اذا كان مففن الصففعب على مصففر ان تسففترد مكانففة حازت عليهففا خلل القرن‬
‫الفائت عندمفا كانفت اولى دول المنطقفة ففي الثروة والنظام الديموقراطفي‬
‫البرلمانفي والتحرر الوطنفي والريادة الثقافيفة والفكريفة‪ ،‬اي على كفل صفعيد‬
‫مففن اصففعدة التقدم‪ ،‬فإنففه ليففس هناك مففن سففبب يحول دون تنميففة مكانتهففا‬
‫العربية بحيث تكون‪ ،‬على القل‪ ،‬أولى بين متساوين‪ .‬هذا المنحى يتطلب ال‬
‫يغيفب عفن اصفحاب القرار والشأن ففي القاهرة التمييفز بيفن نوعيفن مفن انواع‬
‫القوى القليميفة‪ :‬النوع الول هفو تلك القوة التفي تسفتمد مكانتهفا وتفوقهفا‬
‫مففن دعففم قوى كففبرى خارج القليففم‪ .‬بحكففم هذه العلقففة‪ ،‬تصففبح هذه القوى‬
‫القليميفففة ‪ -‬شاءت ام ابفففت ‪ -‬ممثلة لمصفففالح تلك القوى الكفففبرى ومنفذة‬
‫لمشيئتهفا ومسفوقة لمشاريعهفا‪ .‬النوع الثانفي مفن القوى القليميفة‪ ،‬هفو تلك‬
‫التي تستمد قوتها من دعم دول المنط قة وشعوب ها وتضامن ها معها كممثل‬
‫لهفا ومعفبر عفن مواقفهفا ومصفالحها ففي المجتمفع الدولي وففي التعامفل مفع‬
‫القوى الكبرى‪.‬‬
‫هذا الدور الخيفر لعبتفه مصفر مرارا ففي تاريخهفا كمفا حدث مثل ابان مداولت‬
‫تأسفيس هيئة المفم المتحدة‪ ،‬عندمفا كانفت مصفر تنطفق بلسفان الدول العربيفة‬
‫وعندما كانت الدول العربية تنطق‪ ،‬جنبا الى جنب مع البرازيل‪ ،‬بلسان العالم‬
‫الثالث‪ .‬بمقدار مففا اضطلعففت مصففر بمثففل هذه الدوار كانففت توطففد مكانتهففا‬
‫القليمية وتكسب موا قع دولية مهمة‪ .‬الرئاسة المصرية للتحاد المتوسطي‬
‫تبدو للكثيريفففن ففففي المنطقفففة‪ ،‬وكأنهفففا خروج عفففن ذلك الدور التاريخفففي‪.‬‬
‫فالرئاسفة هفي مفن صفنع الرئيفس الفرنسفي سفاركوزي‪ .‬والتحاد المتوسفطي‬
‫هو ايضا من صنعه‪ .‬والمشروع يهدف‪ ،‬كما يراه الكثيرون في المنطقة وكما‬
‫قالت صففحيفة بلجيكيففة‪ ،‬الى الجهاز على فكرة التعاون بيففن الدول العربيففة‬
‫وعلى هويفة العرب الوطنيفة بمقدار مفا يرمفي الى تطويفر التعاون بينهفا وبيفن‬
‫اسرائيل‪.‬‬

‫سفففواء صفففحت هذه التقديرات ام ل‪ ،‬فإنهفففا منتشرة انتشارا واسفففعا ففففي‬


‫المنطقة الى درجة ان المشاريع المتوسطية باتت سببا اضافيا لعداء اوروبا‬
‫والغرب بدل مفففن ان تؤدي الى خلق وتنميفففة مناخات التعاون بينهفففا وبيفففن‬
‫العرب‪ .‬استطرادا فإن انخراط الحكومات العربية في هذه المشاريع والعمل‬
‫على تسويقها يضعف مكانتها القليمية ول يعززها‪ .‬هذا الوضع ينسحب على‬
‫مصر اي ضا‪ .‬بيد ان الشراكة الم صرية في رئاسة التحاد المتوسطي اصبحت‬
‫امرا واقعفا‪ ،‬فكيفف تتصفرف القاهرة تجاه العلقات الوروبيفة ‪ -‬العربيفة على‬
‫نحو يفيد الطرفين؟‬

‫باسففتطاعة القاهرة ال تضففع بيضففا كثيرا فففي سففلة التحاد المتوسففطي‪ .‬ان‬
‫الج هد ه نا لن يح قق لم صر الفوائد المرجوة‪ ،‬ولن يعزز مكانتها القليم ية ول‬
‫حتفى الدوليفة‪ .‬فالتحاد قوبفل بتحففظ ففي المانيفا وتركيفا والعديفد مفن الدول‬
‫الوروبيففة‪ .‬بالمقابففل تسففتطيع القاهرة الدعوة الى مشروع يحقففق المنافففع‬
‫للعرب وللوروبيين معا‪ .‬يتلخص المشروع بالدعوة الى قمة عربية ‪ -‬اوروبية‬
‫تجتمففع بصففورة دوريففة لبحففث العلقات بيففن الطرفيففن وتنميتهففا فففي شتففى‬
‫المجالت‪ .‬هذه القمفة يمكفن ان تكون على غرار القمفة الوروبيفة ‪ -‬السفيوية‪،‬‬
‫وعلى غرار قمم اخرى مشابهة بين التكتلت القليمية‪.‬‬

‫الطار الوروبفي ‪ -‬العربفي للعلقفة بيفن الجانفبين يضمفن شيئا مفن المسفاواة‬
‫بينهمففا مففا دام يؤكففد الهويففة الجمعيففة للدول العربيففة ويسففمح لهففا بالتعامففل‬
‫كمجموعة مع الجانب الوروبي‪ .‬ان ادخال الجامعة العربية كعضو في التحاد‬
‫المتوسففطي ل يحقففق هذا الغرض خاصففة وانففه تففم مقابففل اعطاء اسففرائيل‬
‫منصفب نائب الميفن العام للتحاد‪ .‬ان الدعوة الى مثفل هذا المشروع سفوف‬
‫تؤكد حرص مصر المستمر على التعاون العربي ‪ -‬الوروبي‪ ،‬ولكنها تؤكد ان‬
‫هذا التعاون يأتي لفائدة الطرفين‪.‬‬