You are on page 1of 24

‫المداخل العلجية المعاصرة للعمل‬

‫مع الفراد والسر‬

‫‪30‬‬

‫الفصل الثاني‬
‫العلج الوجودي‬
‫مقدمة‪-:‬‬
‫يمكسن أن يطلق على هذا النوع مسن العلج النفسسي بالعلج الفلسسفي‬
‫وذلك ل نه يقوم على أ طر فل سفية م ستمدة من الف كر الوجودي الم ستغرق في‬
‫البحث عن المعاني للوجود النساني‪.‬‬
‫ويمثل العلج الوجودي خروجا عن العلج الغرضي (‬
‫‪ )purposefulness‬الذي ساد خلل الثلث الول من القرن العشرين المتمثل‬
‫في المدرستين الشهريتين التحليل النفسي والمدرسة السلوكية‪.‬‬
‫فنظرية التحليل النفسي تقوم على الستغراق في القوى اللشعورية‬
‫المتمثلة في الغرائز الفطرية وخاصة الغريزة الجنسية بالضافة إلى ما تمثله‬
‫خبرات الطفولة المبكرة من محركات تقود السلوك النساني لحقا‪.‬‬
‫والمدرسة السلوكية هي أيضا غرضية من حيث أنها تقوم على‬
‫الحداث الشرطية التي تقيد السلوك النساني وتحد من الحرية النسانية‪.‬‬
‫وعلى النقيض من ذلك فإن العلج الوجودي بالرغم من احترامه‬
‫لمعطيات المدرستين التحليل النفسي والسلوكية‪ ،‬يعطي أهمية قصوى لحرية‬
‫النسان في الختيار والرادة‪ .‬ويقوم على فرضية أن هذه الحرية هي حرية‬
‫مسؤولة فالنسان مسؤول عن اختياراته وأفعاله وبالتالي فنحن الذين نكتب‬
‫تاريخ حياتنا ولسنا ضحايا للحداث والظروف التي تحدث حولنا وتسير‬

‫المداخل العلجية المعاصرة للعمل‬
‫مع الفراد والسر‬

‫‪31‬‬

‫حياتنا‪ .‬بل إن لنا الرادة والختيار في أن نفعل ما نريد لننا نملك الحرية‬
‫ولدينا القدرة على تحمل المسؤولية حول ما يحدث لنا‪.‬‬
‫ومن هنا فإن العلج الوجودي يرتكز على تشجيع العملء على‬
‫الوصول إلى معنى الحياة وإدراك البدائل المتوفرة ثم الحرية في اختيار ما‬

‫يناسب المواقف الذي يواجهونها وتعوق تكيفهم النفسي والجتماعي‪.‬‬

‫النشأة التاريخية‪-:‬‬
‫من الصعوبة أن يعزى هذا السلوب العلجي إلى عالم بعينه أو‬
‫مدرسة من المدارس النظرية في علم النفس‪ .‬ولكن يمكن القول أن هناك‬
‫مجموعة من العلماء كان لهم إسهامات كبيرة في بلورة العلج الوجودي من‬
‫خلل ما قدموه من أطر فلسفية وتطبيقات عملية وخطوات مهنية للممارسة (‬
‫‪. )Corey, 1996‬‬
‫لقد نشأ العلج الوجودي في عدة مناطق من أوروبا خلل العقدين‬
‫الرابع والخامس من القرن العشرين‪ .‬وتحددت تطبيقاته في ذلك الوقت في‬
‫علج بعضا من المشكلت النسانية المتمثلة في النعزالية والغتراب‪ .‬وقد‬
‫يكون لفرازات الحروب العالمية دور في توقيت هذه النشأة‪ ،‬إذ أن تلك‬
‫الحروب أفرزت العديد من المشكلت النفسية والجتماعية فضل عن انتشار‬
‫المراض والوبئة وتدني مستوى الصحة العامة في المجتمعات النسانية‪.‬‬
‫لقد اتجه العلماء الوائل الذين صاغوا هذا السلوب العلجي إلى‬
‫التركيز على الستغراق في فهم الخبرات النسانية من خلل تسليط الضوء‬

‫‪32‬‬

‫المداخل العلجية المعاصرة للعمل‬
‫مع الفراد والسر‬

‫على أهمية الوصول إلى المعاني للخبرات التي يمر بها النسان وتوظيفها‬
‫فيما يحقق التوافق النفسي والجتماعي‪.‬‬
‫إل أن هناك بعضا من العلماء الذين اشتهروا وبرعوا في هذا النوع‬
‫من العلج النفسي وعلى رأسهم العالم النمساوي فيكتور فرانكل ‪Victor Frakl‬‬

‫المولود في عام ‪1905‬م‪.‬‬
‫يعتبر فرانكل من أهم العلماء الذين طوّروا هذا السلوب العلجي من‬
‫خلل العمال الكثيرة التي قدمها‪ .‬وبالرغم من أن فرانكل يعتبر أحد تلميذ‬
‫فرويد في مدرسة التحليل النفسي إل أنه تأثر كثيرا بالفكار الفلسفية الوجودية‬
‫التي سادت أوروبا في بداية القرن العشرين‪ .‬ومن أقواله المشهوة في العلج‬
‫الوجودي قوله "إن الشيء الذي ل يقتلني يزيدني قوة" (‪.)Frankl, 1963‬‬
‫لقد حاول فرانكل عبر أعماله المتعددة أن يبلور له فكرا وجوديا‬
‫وأسلوبا علجيا يتمحور حول ضرورة أن يجد النسان معنى لوجوده في‬
‫الحياة‪ .‬وهو يصرح دائما بأن النسان الذي يستطيع أن يجيب على التساؤل‬
‫"لماذا يعيش ومن أجل ماذا يحيا" يستطيع أن يتوافق مع ذاته ومع البيئة التي‬
‫يعيش فيها‪.‬‬
‫ومما يحاول فرانكل أن يثبته في تقديمه لهذا السلوب العلجي أن‬
‫العلج يجب أن يقدم للفراد من خلل تحديهم ومواجهتهم لكي يصلوا إلى‬
‫معنى تصرفاتهم والغرض من وجودهم وهذا ل يتم إل من خلل المعاناة‬
‫واللم الذي يمرون به كي يصلوا إلى النجاح‪.‬‬

‫المداخل العلجية المعاصرة للعمل‬
‫مع الفراد والسر‬

‫‪33‬‬

‫ومن رواد هذا السلوب العلجي العالم رولو مي ‪ Rolo May‬المولود‬

‫في عام ‪1909‬م في ولية متشجان بالوليات المتحدة المريكية والذي ساهم‬
‫في تطوير هذا السلوب العلجي في الوليات المتحدة المريكية‪.‬‬
‫ومن إسهاماته التي تركت أثرا كبيرا لدى الممارسين الوجوديين كتابه‬
‫الشهير ‪.Existence: Anew Dimension in Psychiatry and psychology‬‬
‫الذي نشر في عام ‪1958‬م والذي حاول فيه أن يبرهن على أن النسان يملك‬
‫الشجاعة الكافية ليكون ما يريد وله الختيار لن يصبح الشخص الذي يريد‪.‬‬
‫ويضيف أن بداخل النسان معاناة مستمرة بالرغم من الحاجة إلى أن يكون‬
‫مستقل‪ .‬والمعاناة هنا بين قوة العتمادية المرتبطة بالنسان التي تحيط به‬
‫كالسرة مثل وبين اللم الذي يتولّد عن النمو والستقللية وتحقيق الذات (‬
‫‪.)May & Ellenberger, 1958‬‬
‫ومن العلماء أيضا الذي ساهموا في صياغة هذا السلوب العلج‬
‫‪ James Bugental‬والعالم ‪ .Irvin Yalom‬فالول له كتاب ‪The Art of‬‬

‫‪ (Psychotherapist (1987‬الذي وصف فيه العلج الوجودي بالرحلة التي‬
‫يمر بها الخصائي الجتماعي والعميل للوصول إلى العالم الذاتي للعميل‪ .‬لقد‬
‫أكد بوجنتال على أن العلج يجب أن يرتكز على رغبة المعالج القوية‬
‫للتصال بالعميل لمساعدته في الجابة على كل التساؤلت المرتبطة بحياته‬
‫ووجوده في هذا العالم‪ .‬والثاني ركز على أهمية الخذ في العتبار أربعة‬
‫اهتمامات رئيسة للعملء هي‪ :‬الموت‪ ،‬الحرية‪ ،‬النطواء‪ ،‬واللمعنى‪ .‬وفي‬
‫كتابه ‪ )Existential Psychotherapy (1980‬يحدد أهمية تلك الهتمامات‬

‫‪34‬‬

‫المداخل العلجية المعاصرة للعمل‬
‫مع الفراد والسر‬

‫ويعتبرها غايات يجب على المعالج أن يساعد العميل في الجابة على كل‬
‫التساؤلت المرتبطة بها مهما كان مقدار اللم الذي يشعر به العميل من‬
‫دخوله في هذه العملية‪.‬‬

‫المفاهيم الساسية‪-:‬‬
‫بالرغم من أن كل أسلوب علجي يتضمن مجموعة من المفاهيم‬
‫الساسية التي تستخدم لتفسير السلوك النساني وتكون بمثابة الموجه‬
‫للممارسة المهنية‪ ،‬إل أن التجاه السائد في العلج الوجودي يتجه نحو العكس‬
‫من ذلك‪ ،‬فهو ينظر إلى السلوك النساني على أنه إفراز للبحث الدائم‬
‫والمضني عن المعاني من الوجود في هذه الحياة‪ .‬وعلى هذا فكلما استغرق‬
‫النسان في عملية البحث عن تلك المعاني والوصول إليها كلما أمكن تفسير‬
‫ذلك السلوك والوقوف على طبيعته‪.‬‬
‫إن العلج الوجودي يتجه نحو احترام النسان ومساعدته على‬
‫استكشاف جوانب جديدة في سلوكه من خلل البحث الدائم عن معنى ذلك‬
‫السلوك والوقوف على ماهية حدوثه‪.‬‬
‫لقد رأى الفكر الوجودي في المداخل العلجية الخرى وسيلة لغتراب‬
‫النسان عن واقعة وتجزئة لوجوده من خلل الستغراق في العوامل الذاتية‬
‫والبيئة التي تسير حياته وتحرمه الحرية التي تمكنه من تحقيق ذاته‪ .‬ومن هنا‬
‫كان التأكيد في هذا المدخل العلجي على مساعدة الفراد الذين يواجهون‬

‫المداخل العلجية المعاصرة للعمل‬
‫مع الفراد والسر‬

‫‪35‬‬

‫المواقف الشكالية في إيجاد معنى الحياة المتمثل في الحرية المسؤولة‬
‫ل للتوافق النفسي والجتماعي‪.‬‬
‫والختيار من بين البدائل ما يحقق الذات وصو ً‬
‫إن نظرة العلج الوجودي للطبيعة النسانية تتمثل في إعطاء أهمية‬
‫كبرى لوجود النسان في هذا العالم وتعتبر أن هذا الوجود متجدد من خلل‬
‫المواقف والخبرات التي يمر بها النسان‪ .‬وينادى المنظرون لهذا السلوب‬
‫العلجي بأهمية أن يتأمل النسان حقيقة وجوده وأن يسعى إلى تكوين‬
‫الدراك الكامل بماهية هذا الوجود‪ .‬وفي هذا الصدد يحاول الممارسون من‬
‫خلل هذا السلوب العلجي إلى إثارة العديد من السئلة‪ :‬من أنا؟ ماذا أريد‬
‫أن أكون؟ لماذا أنا في هذا الموقف؟‪ .‬ومن خلل مثل هذه السئلة يسعى كل‬
‫من العميل والمعالج إلى إدراك المعاني المفسرة لطبيعة الموقف الشكالي (‬
‫‪.)Fischer & Fischer, 1983‬‬
‫وبالر غم من ذلك فإ نه يم كن القول أن هذا ال سلوب العل جي يقوم‬
‫على مجمو عة من المفاه يم على الممار سين اللمام ب ها في تف سير الطبي عة‬
‫الن سانية وتوج يه طبي عة الممار سة المهن ية‪ .‬وهذه المفاه يم يم كن توضيح ها‬
‫فيما يلي‪-:‬‬
‫‪ -1‬القدرة على الدراك الذاتي ‪The Capacity of Self- awareness‬‬

‫يشير هذا المفهوم من منظور العلج الوجودي إلى قدرة النسان على‬
‫تنمية الدراك في كل ما يحيط به من أحداث‪ .‬وكلما زاد إدراكه لتلك‬
‫الحداث كلما زادت احتمالت الحرية التي يتمتع بها في الختيار من بين‬

‫‪36‬‬

‫المداخل العلجية المعاصرة للعمل‬
‫مع الفراد والسر‬

‫البدائل‪ .‬وعلى هذا فكلما زاد الدراك الواعي للنسان كلما استطاع أن يعيش‬
‫في هذا العالم وهو قادر على التكيف مع الحداث التي يواجهها‪.‬‬
‫ويرى الممارسون لهذا السلوب العلجي أن النسان عليه أن يدرك‬
‫أن حياته محدودة بوقت معين ولذلك هو ل يملك وقت ل محدود يمكنه من‬
‫فعل كل ما يريد‪ .‬أيضا عليه أن يدرك أنه يملك القدرات والمكانيات في أن‬
‫يفعل أول يفعل‪ .‬أي له القدرة على الختيار واتخاذ القرار في تلك المور‬
‫المرتبطة بحياته وبالتالي فإن له الحرية في تقرير مصيره‪.‬‬
‫وهنا يتضح أن هذا السلوب العلجي يعرض مبدأ حق تقرير‬
‫المصير (المسؤولية الذاتية) للفراد بصورة مطلقة دون تقييد‪ .‬وعلى الرغم‬
‫من أهمية هذا المبدأ كأحد مبادىء خدمة الفرد الرئيسية في إضفاء احترام‬
‫حقوق العملء وتمتعهم بالحرية في تقرير مصيرهم إل أن هناك فئات من‬
‫العملء ل يستطيعون ممارسة هذا الحق نتيجة لفتقارهم للهلية العقلية‬
‫والنفسية والجتماعية التي تمكنهم من تطبيقه‪.‬‬
‫وبالضافة إلى ما تقدم يرى الممارسون للسلوب الوجودي أن‬
‫الوصول إلى المعاني اليجابية ل يتم بطريقة تلقائية فيحصل عليها الفراد‬
‫ولكن المر يتطلب قدرا من المعاناة واللم والشعور بالقلق ويرون أن هذا أمر‬
‫طبيعي على النسان أن يخضع له حتى يصل إلى الدراك الذاتي‪ .‬وهذا‬
‫الدراك بالتالي يزيد من حجم المسؤولية الملقاة عليه تجاه ذاته وتجاه الخرين‬
‫(‪.)Corey, 1996‬‬
‫ويمكن أن نتصور الدراك الذاتي بهذا المثال‪ :‬تصور أنك تسير في‬
‫ممر يحوى مجموعة من البواب الموصدة وأنت تملك الحرية في أن تفتح آيا‬

‫المداخل العلجية المعاصرة للعمل‬
‫مع الفراد والسر‬

‫‪37‬‬

‫منها وتدرك أن لك مطلق الحرية في أن تفتح أحدها أو كلها أو أن تبقيها‬
‫موصدة‪ .‬وهذه البواب إما أن ما خلفها سوف يكون مؤلما لما تحويه من‬
‫أشياء أو يكون مفرحا وجميلً‪ .‬وعلى هذا فأنت تملك حرية القرار بين فتحها‬
‫أو تركها موصدة‪.‬‬
‫ولعل الشاهد في هذا المثال يكمن في أن الخبرات النسانية والمواقف‬
‫التي يمر بها النسان عبارة عن خبرات تظل مبهمة وغامضة ما لم يتم‬
‫إدراكها ذاتيا والوصول إلى ماهيتها وما تخفيه من معاني‪.‬‬
‫ويمكن لنا ملحظة أن العلج الوجودي يرتكز في تنمية الدراك‬
‫الذاتي على‪-:‬‬
‫‪-1‬جعل العميل يدرك أنه يواجه القلق الناتج بين خيار الستقللية‬
‫في الختيار وبين خيار التبعية التي تفرضها الحياة الجتماعية‪.‬‬
‫‪-2‬مساعدة العميل على إدراك أنه يسعى للحصول على التأكيد في‬
‫اتخاذ القرار من الفراد المهيمنين في حياته بدلً من أخذ التأكيد‬
‫من ذاته معتمدا على قدراته العقلية والنفسية والجتماعية‪.‬‬
‫‪-3‬مساعدة العميل على إدراك أنه في كثير من الحيان يقع حبيسا‬
‫للقرارات التي اتخذها في الماضي وشكلت له خبرات مؤلمة‪.‬‬
‫بينما هو يستطيع أن يتخذ قرارات في الوقت الحاضر‪.‬‬
‫‪-4‬مساعدة العملء على إدراك أنهم قد ل يستطيعون تغيير الحداث‬
‫التي تواجههم وقد ل يستطيعون منح حدوثها ولكنهم بالتأكيد‬
‫يستطيعون تغيير الطريقة التي يرونها بها والسلوب الذي‬
‫يستجيبون لها‪.‬‬

‫‪38‬‬

‫المداخل العلجية المعاصرة للعمل‬
‫مع الفراد والسر‬

‫‪-5‬مساعدة العملء على إدراك أن المستقبل والتطلع له يختلف عن‬
‫الماضي والركون إليه‪ .‬فهم يستطيعون التعلم من الماضي لصنع‬
‫المستقبل‪.‬‬
‫‪-6‬مساعدة العملء على تقبل الحدود الزمنية والمكانية التي يعيشون‬

‫من خللها وفي نفس الوقت عليهم أن يشعروا بأنهم قادرون على‬

‫توظيف كل قدراتهم والستفادة منها‪ .‬كما أن عليهم أن يدركوا أن‬
‫عدم الوصول إلى درجة الكمال في النجاز ل تعني عدم قيمة ذلك‬
‫النجاز‪.‬‬
‫‪-7‬وأخيرا عليهم أن يدركوا أن الفشل في الحياة يرتبط بالستغراق‬
‫في الماضي والتخطيط للمستقبل في آن واحد أو بمعنى آخر‬
‫عمل أشياء كثيرة في وقت واحد‪.‬‬
‫وخلصة القول أن الدراك الذاتي يشمل إدراك البدائل المتاحة‬
‫وحرية الختيار فيما بينها‪ ،‬وإدراك الدوافع المرتبطة بالمواقف الجتماعية‪،‬‬
‫وإدراك الهداف الشخصية التي يرغب النسان في إنجازها‪ .‬وعلى‬
‫الخصائي تأكيد ذلك للعميل ومساعدته على إدراك أن الوصول إلى ذلك ل‬
‫يتم بل ثمن‪ .‬بل يستوجب المعاناة واللم (‪.)Corey, 1996‬‬

‫‪ -2‬الحرية والمسؤولية ‪Freedom and Responsibility‬‬

‫لعل ما يميز العلج الوجودي عن غيره من الساليب العلجية هو‬
‫الحرية المسؤولة‪ .‬وبالرغم من أن الفراد ل يملكون الحرية في الوجود إلى‬

‫المداخل العلجية المعاصرة للعمل‬
‫مع الفراد والسر‬

‫‪39‬‬

‫الحياة إل أنهم يملكون الحرية في الحياة كيفما يشاءون وما يريدون أن يحققوا‬
‫وفقا للبدائل المتاحة (‪.)May, 1975‬‬
‫ولن الحرية هي حرية مسؤولة بمعنى أن النسان له الحق الكامل‬
‫في الختيار لما يناسبه فهو أيضا مسؤول عن تلك القرارات التي يتخذها‬
‫في حياته‪.‬‬
‫وعلى هذا فالنسان مسؤول عن حياته وعن أفعاله وعن الفشل‬

‫والخبرات المؤلمة من عدم اتخاذ قرارات حاسمة فيما يتعلق بالمواقف‬
‫الشكالية التي يواجهها‪.‬‬
‫ولذلك يرى سارتر (‪ )1971‬وهو من أنصار الفكر الوجودي أن على‬
‫النسان أن يكون ملتزما تجاه اختياراته منعا للعشوائية والرتجالية في اتخاذ‬
‫القرار‪ .‬وهذا ما أطلق عليه سارتر المصداقية في الحياة‪ .‬ومن أقواله "نحن‬
‫نمثل اختياراتنا"‪.‬‬
‫ومما ينادى به الممارسون للعلج الوجودي أن النسان يجب أن‬
‫يبتعد عن المواقف السلبية المتمثلة في العتقاد بأن الحياة مرتبطة بالقوى‬
‫الخارجية سواء الذاتية أو البيئية‪ .‬كما يرون أننا كتاب وصناع حياتنا‬
‫ومواقفنا ومشكلتنا‪.‬‬
‫والمسؤولية في نظرهم العامل الرئيسي للتغيير‪ .‬والعملء الذين‬
‫يرفضون قبول المسؤولية بلومهم للخرين على أنهم مسؤولون عن مشكلتهم‬
‫سوف لن يستفيدوا من العلج‬

‫‪40‬‬

‫المداخل العلجية المعاصرة للعمل‬
‫مع الفراد والسر‬

‫ويربط فرانكل (‪ )1978‬بين الحرية والمسؤولية ويفترض أن الحرية‬
‫ترتبط بمجموعة من المحددات لن الفراد ل يعيشون بمعزل عن المواقف‬
‫الحياتية‪ .‬والموقف الذي يقفه النسان كما يراه فرانكل هو الوقوف في وجه‬
‫تلك المحددات وهذا الموقف هو الحرية المنشودة‪.‬‬
‫وعموما فموقف المعالجين في هذا السلوب العلجي هو التركيز‬
‫على الحرية المسؤولة ومساعدة العملء على التخلص من إلقاء اللوم على‬
‫الخرين أو على القوى الخارجية أو حتى القوى الداخلية كالدوافع النفسية‬
‫والوراثية‪ .‬وعلى هذا فعندما ل يقبل العملء المسؤولية حول المواقف التي‬
‫يواجهونها فإنهم ل يملكون الدافعية للتغيير (‪.)Yalom, 1980‬‬

‫ويرى (‪ )Corey, 1996‬أن هناك مهمتين للمعالج عليه القيام بهما‪:‬‬
‫أولً‪ :‬دعوة العميل إلى إدراك أنه سمح للخرين تقرير مصيره‪ ،‬وثانيا‪:‬‬
‫تشجيع العميل على اتخاذ خطوات نحو الستقللية في تقرير المصير‪.‬‬
‫‪ -3‬الكفاح في تكوين الذات والعلقة مع الخرين‪-:‬‬
‫يشير هذا المفهوم في العلج الوجودي إلى أن الفراد يهتمون‬
‫بالمحافظة على تفردهم وتميزهم عن غيرهم في نفس الوقت الذي يحافظون‬
‫فيه على إقامة علقات اجتماعية مع الخرين‪ .‬ومحور الهتمام هنا أن‬
‫النسان يسعى إلى تكوين الهوية الشخصية‪.‬‬
‫ويشير أنصار هذا السلوب العلجي إلى أن هذه العملية ليست عملية‬
‫سهلة وتلقائية ولكنها تتطلب الشجاعة والقدرة على تحمل التبعات التي تترتب‬

‫المداخل العلجية المعاصرة للعمل‬
‫مع الفراد والسر‬

‫‪41‬‬

‫عليها‪ .‬والنسان في هذه العملية يجاهد نفسه من أجل المحافظة على خلق‬

‫التوازن بين قوتين متضادتين‪ :‬الرغبة في إنشاء هوية شخصية تتحدد معالمها‬
‫وفقا لخصائصه النفسية والجتماعية والرغبة في الرتباط بالخرين وإقامة‬
‫علقات إيجابية مع البيئة التي تحيط به‪ .‬ويذهب الممارسون في هذا السلوب‬
‫أن المعاناة التي تترتب على ذلك يمكن ملحظتها في الغتراب والنعزالية‬
‫التي يعاني منها الفرد نتيجة لتلك العملية‪.‬‬
‫ويمكن تفسير هذه العملية من أن النسان يسعى دائما للحصول على‬
‫تفسيرات وإجابات وتوجيهات وتأكيد للمعتقدات والقيم من الشخاص‬
‫المهمين في حياته أكثر من سعيه إلى الحصول على كل ذلك من داخله‬
‫معتمدا على قدرته‪.‬‬
‫ويشير (‪ )Tillich,1952‬إلى أن العملء يجب أن يتعلموا كيف‬
‫يعيشون حياتهم وفقا للقدرات التي يملكونها ودون تأثير من الخرين‪ .‬كما‬
‫يشير إلى أن على الممارس أن يسأل العميل هل ما يشعر به الن هو نتيجة‬
‫وانعكاس لم يتوقعه منه الخرون؟ وهل حياته مرتبطة بما يمليه عليه‬
‫الخرون من إجابات؟ وهل لديه خوف من أن الخروج عن آراء وتوقعات‬
‫الخرين فيه تهديد لهويته الشخصية؟‪ .‬عندما يتخلص العميل من هذا الخوف‬
‫ويدرك أن لديه الشجاعة والطرق الكفيلة بتأكيد ذاته وتحديد هويته يستطيع‬
‫أن يتوافق مع ذاته‪.‬‬

‫‪42‬‬

‫المداخل العلجية المعاصرة للعمل‬
‫مع الفراد والسر‬

‫‪ -4‬البحث عن المعنى‪-:‬‬
‫يشير الكثير من المنظرين للعلج الوجودي إلى أن هناك مجموعة‬
‫من السئلة الحائرة لدى الفراد عندما يلجأون إلى العلج مثل‪ :‬لماذا أنا‬
‫أذهب للعلج؟ ماذا أريد من الحياة؟ ما الذي يعطى حياتي معنى؟ وكيف‬
‫أصل إلى هذا المعنى؟‬
‫وفي مقابل هذه السئلة يواجه المعالج العميل بأسئلة مثل‪ :‬هل تحب‬
‫الطريقة التي تحيا بها؟ هل أنت مسرور بما حققته في حياتك؟ إذا كنت تشعر‬
‫بالغموض حول الطريقة التي تحيا بها أو ما تحقق لك ماذا تريد أن تفعل‬
‫لتحصل على الوضوح في ذلك؟‪.‬‬
‫يرى أنصار هذا السلوب العلجي أن المشكلة تكمن في أن الناس‬
‫يحاولون التخلص من القيم القديمة دون الوصول إلى قيم أخرى بديلة تحل‬
‫محلها‪ .‬وعلى هذا تكون العملية العلجية مرتكزة على مساعدة العميل في‬
‫الوصول إلى نظام قيمي يعتمد على طريقة الحياة التي يعيشها الفرد‪.‬‬
‫ويرى (‪ )Corey, 1996‬أن العملية الهم في وصول النسان إلى ذلك‬
‫النظام القيمي تعتمد على الوصول إلى المعاني اليجابية والبعد عن اللمعنى من‬
‫الحياة‪ .‬ويضيف أن انعدام المعنى يقود إلى الشعور بالفراغ الفكري والروحي‪.‬‬
‫ونتيجة لذلك ورغبة في التخلص من اللمعنى على الممارس أن‬
‫يساعد العميل على إيجاد المعاني من الحياة‪ .‬ولكن ليس معنى ذلك أن يملي‬
‫على العميل المعنى المرغوب ولكن يرشده إلى أن بإمكانه اكتشاف ذلك (‬

‫‪.)Frankl, 1978‬‬

‫المداخل العلجية المعاصرة للعمل‬
‫مع الفراد والسر‬

‫‪43‬‬

‫‪ -5‬القلق في الحياة‪-:‬‬
‫يميز المعالجون بالسلوب الوجودي بين القلق العادي والقلق النفسي‬
‫ويتفقون على أن القلق عنصر أساسي لنمو الشخصية‪ .‬فالقلق العادي هو‬
‫استجابة ملئمة لموقف يواجهه النسان ويجب أن يظهر ويستخدم كدافع‬
‫للتغيير‪ .‬بينما القلق النفسي هو قلق خارج عن الرادة النسانية ويصاحبه‬
‫الكثير من العراض الجسمية ذات التأثير السلبي على النسان‪ .‬وعلى هذا‬
‫يرى ‪ )May & Yalom (1995‬أن الحياة ل يمكن لها أن تستمر من غير‬
‫الشعور بالقلق‪.‬‬
‫ويؤكد ‪ )May (1981‬أن العملء عندما يأتون إلى العلج يبحثون عن‬
‫حلول تساعدهم في التخلص من القلق‪ .‬وبالرغم من أن العملء يحاولون‬
‫الوصول إلى حلول لوقف القلق إل أنهم يحاولون ذلك من خلل تقييد‬
‫الخيارات وتقليص الحرية في حياتهم‪ .‬وعلى هذا فهم يلجأون إلى التخلص‬
‫من القلق بحلول وقتية ما تلبث أن تنتهي فيواجهون مواقف أشد صعوبة‪.‬‬
‫ويرى (‪ )May, 1981‬أن الحرية والقلق وجهان لعملة واحدة‪ ،‬فالقلق‬
‫يرتبط بالمتعة المصاحبة بميلد فكرة جديدة‪ .‬وبالتالي يمر النسان بالقلق‬
‫عندما يستخدم حريته للنتقال من المعلوم إلى اللمعلوم‪ .‬وكلما ابتعد النسان‬
‫عن ممارسة حديثه كلما اختفى القلق مؤقتا من حياته‪.‬‬
‫ومما تقدم يتضح أن العلج الوجودي يحاول حل الصراع بين‬
‫الثنائيات المتناقضة‪ :‬الحياة والموت‪ ،‬والنجاح والفشل‪ ،‬الحرية والحتياج‪،‬‬

‫‪44‬‬

‫المداخل العلجية المعاصرة للعمل‬
‫مع الفراد والسر‬

‫اليقين والشك من خلل الوصول إلى حرية التفكير الواعي والقلق المصاحب‬
‫لذلك (‪ .)Deurzen-Smith, 1991‬ولذلك فإن العلج الوجودي ليس أسلوبا‬
‫لجعل الحياة سهلة كما يشير لذلك ‪ Deurzen-Smith‬ولكن لتشجيع العملء‬
‫على الدراك والتعامل مع مصادر عدم المان والقلق‪ .‬وبالتالي فكلما كان‬
‫القلق منخفضا لدي العميل كلما كان التغيير محدودا في حياته‪.‬‬
‫‪ -6‬إدراك مفهوم الموت‪-:‬‬
‫يرى الممارسون والمنظرون لهذا السلوب العلجي أن الموت ليس‬
‫مفهوما سلبيا في حياتنا بل هو مفهوم إيجابي يعطى للحياة معنى وأهمية‪.‬‬
‫وعلى ذلك فقيمة الحياة تكمن في المقدرة على إدراك أن الموت أمر حتمي‬
‫وأن المستقبل حقيقة يجب التعامل معها‪.‬‬
‫ويرى (‪ )Yalom, 1980‬أن محاولة النسان لتجاهل فكرة الموت وما‬
‫تتضمنه من معاني تجعل من الحياة عديمة المعنى والفائدة‪ .‬وعلى النسان أن‬
‫ينظر لمفهوم الموت على أنه قيمة تعزز الحياة وتتطلع للمستقبل وتساعد على‬
‫عملية التغيير‪ .‬والدراك للمفهوم ل يعني التواكل والركون بقدر ما يعني‬
‫الحافز لستثمار الوقت واستغلل القدرات والمصادر المتاحة للتغيير‪.‬‬

‫الهداف العلجية‪-:‬‬
‫يسعى هذا السلوب العلجي إلى تحقيق الهداف التالية‪-:‬‬

‫المداخل العلجية المعاصرة للعمل‬
‫مع الفراد والسر‬

‫‪45‬‬

‫‪-1‬مساعدة العملء على إدراك أهمية الحرية في حياتهم وما تمثله‬
‫من مصادر للقوة في اتخاذ القرارات الحاسمة وحرية التعبير عن‬
‫الذات‪.‬‬
‫‪-2‬مساعدة العملء على التخلص مما يعوق تمتعهم بالحرية ويقف‬
‫في طريق الوصول إلى الختيار من بين البدائل المتاحة أمامهم‪.‬‬

‫‪- 3‬العمل مع العملء على مواجهة القلق الناتج عن الحرية من‬
‫خلل إدراك أن القلق وسيلة يمكن استخدامها في الوصول إلى‬
‫التغيير المرغوب‪.‬‬
‫‪-4‬مساعدة العملء على إدراك أن التغيير المرغوب ليس خارجيا‬
‫ل مساعدا لهم‬
‫بل يجب أن ينشأ من داخلهم‪ .‬والعلج ليس إل عام ً‬
‫في الوصول إليه‪.‬‬
‫‪-5‬مساعدة العملء على إعادة صياغة المعاني من الحياة ومما‬
‫يشعرون به ويفكرون فيه‪.‬‬

‫دور الخصائي الجتماعي‪-:‬‬
‫إن الدور الرئيسي للخصائي الجتماعي الممارس بالعلج الوجودي‬
‫هو في فهم العالم الذاتي للعميل من أجل مساعدته على الوصول إلى فهم‬
‫جديد وخيارات جديدة‪.‬‬
‫ومن هنا كان التركيز على الموقف الحالي للعميل أي على الحاضر‬
‫وليس على الماضي (‪ .)May & Yalom, 1995‬لن التركيز على الماضي‬

‫‪46‬‬

‫المداخل العلجية المعاصرة للعمل‬
‫مع الفراد والسر‬

‫والستغراق في ذلك ل يقدم للعميل الفهم الواعي حول الموقف الشكالي بينما‬
‫الحاضر بكل أحداثه هو نقطة النطلق نحو تصور أوضح يساعد على‬
‫استخلص المعاني‪.‬‬
‫وبالضافة إلى ذلك فإن دور الخصائي الجتماعي يتمثل في‬
‫مساعدة العميل على إدراك الحرية المسؤولة وكيفية استخدامها للوصول إلى‬
‫إجابات مقنعة حول الحياة‪ ،‬وتحديد الهوية الشخصية وطبيعة العلقات‬
‫الجتماعية مع الخرين‪.‬‬
‫أيضا‪ ،‬يسعى الخصائي إلى تعليم العميل كيف يحقق التوازن بين‬
‫تحقيق الذات وإيجاد الهوية وبين الرتباط بالخرين وما يمليه هذا الرتباط‬
‫من تأثيرات على معالم شخصيته‪.‬‬
‫والخصائي الجتماعي في سعيه إلى لعب الدوار المشار إليها‬
‫يقوم بمواجهة العميل حول المعوقات التي تعوق تكيفهم والتي في الغالب‬
‫تنشأ من العميل نفسه من خلل الطريقة التي يتبعها في محاولته للتغلب‬
‫على المواقف الشكالية‪.‬‬
‫ودور المواجه يتطلب من الخصائي الجتماعي مهارات مهنية لن‬
‫المواجهة عملية قاسية على العملء يحاولون التهرب منها‪ .‬وما لم يكن‬
‫الخصائي الجتماعي قادرا على التدرج في عملية المواجهة سيكون العلج‬
‫عامل طرد للعميل وقد يصل إلى نهايته قبل أن يتحقق الهداف العلجية‪.‬‬
‫وعلى هذا فإقامة العلقة المهنية مع العملء تعتبر حجر الزاوية في‬
‫العلج الوجودي‪ .‬حيث أن العملء يحتاجون في بداية العلج إلى بناء الثقة‬
‫في الخصائي الجتماعي وفي المؤسسة التي تقدم المساعدة من خللها‪.‬‬

‫المداخل العلجية المعاصرة للعمل‬
‫مع الفراد والسر‬

‫‪47‬‬

‫ولن العلج الوجودي يرتكسز على البحسث فسي أعماق عالم العميسل‬

‫فكريا وعاطفيا فإن العل قة المهن ية ي جب أن تكون قو ية بدر جة ت سمح للعم يل‬
‫بتقبل المواجهة وما تتضمنه من نقد صريح لفكاره ومشاعره‪.‬‬
‫الساليب العلجية‪-:‬‬
‫العلج الوجودي ليس كغيره من الساليب العلجية من حيث صياغة‬
‫أساليب علجية تكون مرتبطة به وتوجه عملية تقديم المساعدة للعملء‪ .‬فهو‬
‫أسلوب علجي يعتمد على أطر فلسفية ومفاهيم نظرية ترتبط بوجود الطبيعة‬
‫النسانية والستغراق في الوصول إلى جملة المعاني التي تفرزها عملية‬
‫التفكير الواعي في الحداث التي يتعرض لها النسان‪.‬‬
‫ومن هذا المنطلق فالممارسين لهذا السلوب العلجي يعتمدون في‬
‫طريقة العلج عل جملة من الساليب العلجية المرتبطة بالنماذج العلجية‬
‫الخرى كالعلج المعرفي والعلج المتمركز حول العميل‪.‬‬
‫ومع ذلك نجد أن هناك من أنصار هذا السلوب العلج مثل (‪Van‬‬

‫‪ )Deurzen-Smith, 1990‬من يرى أهمية الساليب العلجية وضرورة أن‬
‫يكون للممارس استراتيجية مهنية في التعامل مع الحالت‪ .‬ومن الساليب‬
‫العلجية التي يرى أنها مهمة في الممارسة المهنية ما يلي‪-:‬‬
‫‪ -1‬التفكير الذاتي‪ :‬ويقصد به مقدرة كل من الخصائي الجتماعي والعميل‬
‫على التفكير العميق والستغراق في طبيعة المشكلة التي يواجهها العميل‬
‫من خلل الوصول إلى المعاني واستخدام الحرية الفكرية في تقرير‬
‫المصير والختيار من بين البدائل‪ .‬وقد أشار (‪ )Baldwin, 1987‬إلى هذه‬

‫‪48‬‬

‫المداخل العلجية المعاصرة للعمل‬
‫مع الفراد والسر‬

‫العملية بمسمى "استخدام الذات"‪ .‬وأضاف أن على الخصائي الجتماعي‬
‫أن يستخدم ذاته المهنية وخبراته في مساعدة العميل وتعليمه أسس‬
‫التفكير الواعي في أبعاد الموقف الشكالي الذي يواجهه‪.‬‬
‫ومما يشار إليه أن الممارسين للسلوب الوجودي في العلج يرون‬
‫أن أفضل ما يقدمه العلج هو تلك المرحلة أو الحالة التي يتم فيها التقاء‬
‫التفكير الذاتي العميق لكل من العميل والخصائي الجتماعي‪.‬‬
‫‪ -2‬المواجهة‪ :‬ويقصد بها قدرة الخصائي الجتماعي على مواجهة العميل‬
‫من خلل استثارة تفكيره في الطرق التي يستخدمها للوصول إلى تفسير‬
‫وتحليل للموقف الشكالي الذي يواجهه‪ .‬ويحاول الخصائي الجتماعي‬
‫أن يجعل العميل يسأل ذاته حول ماهية وجود مشكلته‪ .‬كما يحفزه على‬
‫اختيار مشاعره وقيمه وأفكاره وتأثير الخرين فيها ودرجة تأثير ذلك‬
‫كله في الموقف الشكالي الذي يعانيه‪ .‬وهو بذلك يحاول أن يجعل العميل‬
‫يفكر في دور الخرين في الفعال التي تصدر عن العميل‪.‬‬
‫ثم يحاول الخصائي الجتماعي مع تقدم عملية المساعدة أن يجعل‬
‫العميل يختبر مصداقية الطار القيمي في حياته والذي يطلق عليه "الكتشاف‬
‫الذاتي" (‪ )Corey, 1996‬في محاولة لمساعدة العميل على زيادة الستبصار‬
‫وإعادة بناء الطار القيمي‪.‬‬
‫وعموما فإن الساليب العلجية للعلج الوجودي يتمحور حول‬
‫مساعدة العميل على وضع نتائج التفكير الذاتي موضع التنفيذ من خلل تحديد‬
‫الهوية الشخصية وتنمية الحرية الشخصية‪.‬‬

‫المداخل العلجية المعاصرة للعمل‬
‫مع الفراد والسر‬

‫‪49‬‬

‫تقييم العلج الوجودي‪-:‬‬
‫لعل النقد الكبر الذي يوجه إلى العلج الوجودي هو افتقاره إلى‬
‫القواعد المنهجية في صياغة المفاهيم التي يرتكز عليها‪ .‬فهو يعتمد على أطر‬
‫فلسفية من الصعوبة إخضاعها للتجريب العلمي‪.‬‬
‫فمفاهيم مثل الحرية وتحديد الهوية الشخصية والمصداقية ل يتم‬
‫تناولها بطرق إجرائية يمكن قياسها بل تظل أطرا فلسفية تعتمد على اللغة‬
‫الغامضة والصياغة التي تحتمل أكثر من تفسير‪.‬‬
‫أيضا يقوم العلج الوجودي على فرضية حق تقرير المصير وحرية‬
‫العملء في الختيار من بين البدائل وقدرة العملء على التفكير الذاتي الواعي‬
‫وهذه المعطيات من الصعب تعميمها على كل العملء إيمانا بالفروق الفردية‬
‫التي يتمايز الفراد من خللها‪ .‬إن الستبصار الفلسفي يعتمد على قدرات‬
‫عقلية واستعدادات ذهنية في الوصول إلى المعاني ومن الصعب أن يوجد ذلك‬
‫في كل العملء الذين يتم التعامل معهم‪.‬‬
‫ومما يوجه للعلج الوجودي من نقد ما يتطلبه العلج من قدرات‬
‫مهنية يجب أن يكتسبها الممارس‪ .‬فالعلج يرتكز على مقدرة الخصائي‬
‫الجتماعي على فهم العالم الذاتي للعميل ثم مساعدته على التفكير الذاتي وهذا‬
‫المر قد ل يتحقق في الكثير من الممارسين‪ .‬فضل عن أن هذه العملية‬
‫تستنزف الجهد والوقت والكثير من القدرات المادية والبشرية‪ .‬وفي ظل‬

‫‪50‬‬

‫المداخل العلجية المعاصرة للعمل‬
‫مع الفراد والسر‬

‫التزايد المضطرد للمشكلت النسانية ومحدودية الموارد المادية والبشرية في‬
‫مواجهة ذلك يصبح هذا النوع من العلج غير ملئم بالقدر الذي يتوافق مع‬
‫معطيات الحياة النسانية المتسمة بالسرعة‪.‬‬
‫ومع ذلك ل يمكن أن يغفل الجانب اليجابي لهذا العلج في مقدرته‬
‫على التعامل مع المواقف النسانية والعملء الذين لديهم قدرات عقلية‬
‫واستعدادات شخصية وهذا ما أكده كل من (‪)R.D. Laing, 1967‬‬

‫و (‪ )Van Deurzen, 1992‬في تجريب هذا السلوب العلجي على الكثير من‬
‫العملء في المؤسسات الجتماعية‪.‬‬

51

‫المداخل العلجية المعاصرة للعمل‬
‫مع الفراد والسر‬

‫مراجع الفصل الثاني‬

Baldwin, D. C. (1987). Some Philosophical and
Psychological Contributions to the Use of Self in Therapy.
In M. Baldwin & V. Satir (Eds.), The Use of Self in
Therapy. New York, Haworth Press.
Bugental, J. F. (1987). The Art of the Psychotherapist.
Norton, New York.
Corey, G. (1996). Theory and Practice of Counseling and
Psychotherapy. Brooks / Cole Publishing Company, New
York.

Deurzen-Smith, E. V. (1990). Existential Therapy. Sage,
London.

‫المداخل العلجية المعاصرة للعمل‬
‫مع الفراد والسر‬

52

Deurzen-Smith, E. V. (1991). Ontological Insecurity
Revisited. Journal of the Society for Existential Analysis, 2,
38-48.
Deurzen-Smith, E. V. (1992). Dialogue as Therapy. Journal
of the Society for Existential Analysis, 3, 15-23.
Fischer, C. & Fischer, W. (1983). PhenomenologicalExistential Psychotherapy. In M Hensey et al (Eds.). The
Clinical Psychology Handbook: Vol. 2. Pergamon Press,
New York.
Frankl, V. (1963). Man's Search for Meaning. Beacon,
Boston.
Frankl, V. (1978). The Unheard Cry for Meaning. Simon &
Schuster, New York.
Laing, R. D. (1967). The Politics of Experience. Ballantine,
New York.
May, R. (1958). The Origins and Significance of the
Existential Movement in Psychology. In R. May et al (Eds.).
Existence: A new Dimension in Psychiatry and Psychology.
Basic Books, New York.
May, R. (1975). The Courage to create. Norton, New York.

53

‫المداخل العلجية المعاصرة للعمل‬
‫مع الفراد والسر‬

May, R. (1981). Freedom and Destiny. Norton, New York.
May, R. & Yalom, I. (1995). Existential Psychotherapy. In
R. Corsini & D. wedding (Eds.), Current Psychotherapies.
Peacock, Itasca.
Sartre, J. (1971). Being and Nothingness. Bantam Books,
New York.
Tillich, P. (1952). The Courage to be. Yale University Press,
New Haven.
Yalom, I. (1980). Existential Psychotherapy. Basic Books,
New York.