You are on page 1of 6

‫كتابات أبو الحق‬

‫الول من ك ‪2‬‬
‫‪2008‬‬

‫عام سعيد يا عمّ سعيد‬

‫أن تقضي آخر أسبوع من السنة بعيدا عن أهلك ل يعني سوى التعاسة مهما كانت‬
‫المناسبة سعيدة‪ ,‬فالعيد أي عيد ل يكتمل إل بوجود جمع من الهل والحباب‬
‫حولك‪ ....,‬أن تقضيه في أسطنبول الجميلة نفسها ‪,‬عروس البوسفور الساحرة‪ ,‬لن‬
‫يغيّر من المر شيئا‪ ,‬فنهاية العام الميلدي ل تحلّ من دون البرد والثلج‪ ,‬وليس‬
‫هناك أدفأ من البيت وجوّ البيت‪ ,‬لينسيكَ قسوة النواء‪....‬‬

‫عند مرفأ الزوارق واليخوت‪ ,‬في جهة أمينو ُنوَه‪ ,‬و تحديدا ‪,‬أمام مسجد أمينو ُنوَه‬
‫نفسه ‪,‬من يستطيع أن يقاوم الغراء ويتجاهل أكلة السمك المحمّص على متن‬
‫الزوارق المتطوطحة بالعرض ‪ ,‬كحركة المهد‪ ,‬من دون أي تأثير على الطباخين‬
‫الذين يقلّبون السمك الشهي بكل همّة ‪...‬من يستطيع أن يصمّ أذنيه عن سماع‬
‫دعوات الباعة تخترق طبلت الذنين منك‪...‬ويدو‪...‬ويدو‪...‬وأين يمكنك أن‬
‫تتذوق أكلة على الشوّاية بتلك اللذاذة كالسمك المشوي هذا؟؟‪ ...‬مع قدح من‬
‫الطرشي الملفوف والشلغم المخلّل ‪,...‬وجرعة إضافية من الحمض‪ ,‬ولتذهب أكلت‬
‫المطاعم الفاخرة تلك إلى الجحيم‪...‬‬

‫جلست أتناول عشائي المتواضع ذاك وسط البرد الليلي ‪....,‬اقترب مني وهو‬
‫يطالعني بالعين مباشرة‪ ,‬صبي من صبيان الشارع السطنبولي ‪ ,‬وتحدث بالعربية‬
‫الشاميّة‪ ,‬طالبا ما تيسّر مني‪ ,‬وبعد دقيقة أو أقل‪ ,‬علمت أنه لبناني‪ ,‬يعيل عائلته التي‬
‫حلّت هنا لتكمل مشوار الحياة القاسي ‪ ,‬بعد اختفاء الب الذي ذهب مجاهدا في‬
‫العراق‪,‬في الفلوجه‪ ,‬تعمّدت أل أخبره أنني من العراق أول المر ‪...,‬قال لي أنه يحب‬
‫العراق أكثر من كل بلد العرب‪ ,‬وقال لي أنه يحلم بأن يعود أبوه يوما ما‪,‬ولم أشأ أن‬
‫أنكّد عليه ليلته هذه والعالم كله فرح جذل محتفل‪ ,‬فأبوه يرقد تحت تراب العراق كما‬
‫أنا موقن‪ ,‬شأنه شأن أخوته الذين ضمّت رفاتهم جوانب الطريق مقابل البيّاع‪..,‬هناك‬
‫يسير البشر على قبورهم‪ ,‬غير مدركين لتفاصيل الوقفة الخيرة لولئك الشباب‬
‫بوجه البرامزات اللعينة تلك‪ ,‬شأنهم شأن آخر مجاميع الشهداء الذين صالوا على‬
‫المريكان المعتدين داخل القصر الجمهوري ‪ ,‬بضعة وخمسين جنديا من الشباب ‪,‬‬
‫في كرادة مريم‪ ,‬منطلقين من آخر معاقلهم على النهر‪ ,‬في حركتهم الخيرة على‬
‫خشبة مسرح الدنيا‪ ,‬فأبيدوا عن بكرة أبيهم كما يقال‪ ,‬ضمن المعادلة الغير متكافئة‬
‫تلك ‪ ,‬وتم دفنهم بقبر جماعي هناك‪ ,‬ليصار إلى نبش قبورهم وتسليم رفاتهم للهلل‬
‫الحمر‪ ,‬بعد انتهاء الحداث تلك بحدود ‪ 6‬شهور‪...‬لم تحظ أمهاتهم وعوائلهم‬
‫عموما‪ ,‬بأية فرصة للتيقّن من مصائرهم‪..‬وربّما بقوا يترقبون أن يدخل الغائب‬
‫العزيز عليهم في لحظة مفاجئة ‪...,‬تلك كانت وحدة المصير للشهيد اللبناني وأخوته‬
‫أولئك‪...‬يا أخي غسان‪ ,‬ويا أخي زيد‪ ,‬يا أخي د‪ .‬محمد‪ ,‬ويا أخي شاكر‪ ,‬القضية هذه‬
‫ل تتعلق بالولء لصدام حسين أو عدم الولء له‪ ,‬فموت الرجل لم يبق لي أو لغيري‬
‫ما نقوله‪ ,‬يقول النكليز عنه أنه المسوّي العظم‪Death Is The Grand....‬‬
‫‪ , Leveller‬ولو كان الحديث عنه يثير أي شيء غير النزاعات والتباغض ‪,‬‬
‫لتكلمت وأسهبت إلى أن يرضى كل من يهمّه الحديث هذا‪,‬من العراقيين الذين كانوا‬
‫الطرف الخاسر في معادلة تلك اليام ‪ ,‬لكن أنا أرى وطنا ذبيحا‪ ,‬يستحلف أبناءه أن‬
‫يرفقوا به‪ ,‬إكراما للعراق وما فقده العراق من أبناءه من كل الفئات‪ ,‬فل أرى بدا من‬
‫النكفاء والسكوت‪ ,‬عسى أن ل أصبّ على النار مزيدا من الزيت‪.....‬‬
‫تلك كانت لحظات عزيزة وأليمة في نفس الوقت‪ ,‬عندما يفردك القدر أمام أصعب‬
‫اللحظات‪ ,‬فأنت تعيش حياة صغرى ‪ ,‬ضمن الحياة التي ترتبت عليك من دون اختيار‬
‫سابق ‪ ,‬وهي ما يعنيني‪ ,‬لنها قصة النسان‪ ,‬أي إنسان‪ ,‬وهو يتصرف كبطل‪,‬‬
‫وتذكرون حتما ما سبق لي قوله عن أولئك البطال الذين شاغلوا عدوا أكبر من‬
‫بلدهم كلّه في أم قصر‪ ,‬ول شأن لي بكيف هي بقية العتبارات‪ ,‬فاليغال فيها يدخلني‬
‫في متاهة ل أستطيع أن أتلمّس طريقي فيها‪ ,‬رغم أنني ل أختلف معكم في أننا كلنا‬
‫دفعنا ثمنا باهظا لمعيشتنا في العراق‪ ,‬وكان عمر الخيام هو من قالها قبل قرون‪...‬‬
‫" لبست ثوب العيش‪,‬‬
‫لم أُستشَر‪..‬‬
‫وحرت فيه بين شتّى الفِكَر‪,‬‬
‫ولسوف أنضو الثوب عنّي‪,‬‬
‫ولم أدرك لماذا أو أين المفر"‪...‬‬

‫‪..‬لذا أترك مواقف الحكام الكبار‪,‬ليس تهرّبا من القرار بما ل يرضي الكثيرين‪ ,‬وإنما‬
‫لنني برمت من محاولة التوفيق بين متناقضين‪ ,‬أريد أن أخوض في شيء أستطيع‬
‫أن أقسم على مصداقيته‪ ,‬وأن أؤكّد للكل أنني كنت شاهدا عليه فعل‪ ,‬لذا أقلعت عن‬
‫الخوض في مواقف الحكام الكبار‪ ,‬وصرت أنظر إلى المحكومين‪ ,‬لنني منهم‪,‬‬
‫ولنني أحبّ قصصهم أكثر من قصص الكبار‪...‬أنا عشت لحظات الفراد هذه‪ ,‬أكثر‬
‫من مرة‪ ,‬واكتشفت ما تعنيه للواحد منّا‪...‬‬
‫أنت ل تعلم كيف تشدّني هذه المواقف‪ ,‬أجد نفسي فيها ممثل لكل عراقي ‪ ,‬فأشكر‬
‫ابن الشهيد على بنوّته للشهيد‪ ,‬وعلى أبوّة الشهيد له‪ ,‬أشكره فل تعرف يدي حدودا‬
‫للعطاء‪ ,‬أفرغت جيبي من محتوياته ووضعتها في كفّه الصغيرة ‪ ,‬وقلت له‪:‬‬
‫"احرص على أن تجعل عائلتك تتناول عشاءا دسما هذه الليلة بالذات‪ ,‬قل لهم‬
‫هناك من يشكرهم على صبرهم‪ ,‬أما أبوك‪,‬فأنا كلّي ثقة أن ال قد أحسن مثواه‪ ,‬ومن‬
‫يستطيع أن يشكر الناس كما يشكرهم ال؟"‬
‫‪...‬بالنسبة لي‪ ,‬نظرة الفرح المفرط في عينيه تعدل مليون دولر‪ ,‬هذا هو العيد‬
‫بالنسبة لي‪..‬‬

‫الفرح غامر حولي‪,‬والبشر تتفجر منهم البتسامات والضحكات المدويّة‪ ,‬والكل‬


‫يسرع الخطى يبغي سرعة الوصول لبيته على الغلب ‪ ,‬وشأنه شأن كل ليلة فرح و‬
‫عيد‪ ,‬فجسر البوسفور المعلّق الذي أراه من هنا‪ ,‬يتلوّن بالقرمزي‪ ,‬ثم بالزرق‪ ,‬ومن‬
‫بعدها بالحمر القاني‪ ,‬والصفر‪ ,‬يتلوّن خلل ثوان متعاقبة‪ ,‬كقوس القزح‪ ,‬ويسحر‬
‫عينيّ ‪ ,‬فأرى نفسي كالطفل الصغير‪ ,‬لكن الفرحة ل تكتمل إل بوجود من تحبهم‬
‫حولك‪ ,‬في حين أن المسافة أبعد بكثير من أن تيسّر اللقاء‪...‬وحده الضوء الحمر‬
‫حرّك دواخلي ‪ ,‬وحده الحمر أعادني إلى حزني القديم‪ ,‬وتلشت اثر رؤيته كل‬
‫أشكال الفرح من قلبي وعقلي ‪ ,‬فأحسست بالنكفاء للداخل‪ ,‬وتلفتّ أبحث عن‬
‫الصبي الصغير فلم أجده‪,‬ل أدري ماذا كنت أنوي أن أقوله له‪ ,‬فالكلمات تلشت ولم‬
‫يتسنّ لي أن أدوّنها‪,‬‬
‫عدت أجرجر الخطى للفندق‪ ,‬ولسبب ما‪ ,‬تذكرت هذه الكلمات من أغنية جيفرسن‬
‫ستارشِب‪...‬فتصوّرتها أنسب هدية أقدّمها للكل‪ ,‬وبالذات للذوات التالية عناوينهم‪,‬‬
‫فأنا مدين لهم بتهاني خاصة‪ ,‬فالمناسبة مسيحية – عالمية ‪ ,‬وهمومي عراقية –‬
‫عالمية ‪ ,‬وأصل الصراع الذي أكتوت بناره بلدي بدأ بوباء من صنف " صراع‬
‫الحقارات" ‪,‬أرى في كلمات هذه الغنية وصفة البلسم الشافي له‪ ,‬لو كان هناك من‬
‫يتّعظ من الدرس‪ ,‬أرجو أن تتمعّنوا بمعانيها‪...‬‬
‫‪To: Gracelimo , Salim,َQais, Isam-Q , Rita, Ban, and all‬‬
‫‪whom I forgot to add…..‬‬

‫‪I'd like to see Jesus and Mohammad‬‬


‫‪On the road to Damascus‬‬
‫?‪What did you think they would say‬‬
‫‪Would they fight with knives clenched in their‬‬
‫?‪teeth‬‬
‫‪Like Jews and Arabs today‬‬
‫‪Or would they walk and speak‬‬
‫‪Like philosophers and thinkers‬‬
‫‪Amused at each others insights‬‬
‫‪Relishing the brain waves there‬‬
‫‪Round the warmth of the hunting fire‬‬
‫‪Eager for, hungry for‬‬
‫‪They got to have‬‬
‫‪You know they love‬‬

‫‪Connection‬‬
‫‪Contact‬‬
‫‪Communion‬‬
‫‪And let our two great religions‬‬
‫‪Cease their senseless struggle‬‬
‫‪It only hurts the children‬‬
‫‪Connection‬‬
‫‪Connection‬‬

‫قلبي مدمي يا أخي الفاضل يا د‪ .‬محمد‪ ,‬أنا ل أتصنع التشاؤم‪ ,‬هل تعلم أن المعرفة‬
‫تقود للتشاؤم؟‬

‫قلبي مدمى وكل قتيل يصرخ داخلي‪ ,‬كل معتقل هو أخي ‪ ,‬وكل سبيّة هي أختي‪,‬‬
‫قلبي مدمى وأتمنى لو أستطيع الفكاك ‪ ,‬لكن هيهات هيهات‪....,‬قلبي مدمى ولون‬
‫الطيف في عينيّ احمر‪ ,‬والضباب كثيف أمامي‪ ,‬يكاد يخنق كل منظر‪ ,‬ذكرى الوطن‬
‫تسكن روحي‪ ,‬تئن كضبي جريح ‪ ,‬وكل فرحة تستحيل خيمة عزاء ‪ ,‬على أخ أو‬
‫صديق ذبيح‪....‬القلب مثقل بالهات والعباء‪ ,‬وصوت النشيج في الجوف مخنوق‬
‫‪ ,‬أعنّي كيما أبكي وأجعل الورم في قلبي يتضاءل ‪ ,‬يصغر‪ ,‬أرجوك أعنّي ‪ ,‬فقد‬
‫علّمني أبي أن البكاء فعل أبتر ‪ ,‬أعنّي كي أنسف كدس الحزن ‪ ,‬جبل الهمّ من داخل‬
‫قلبي‪..‬أو بالق ّل صف لي دواءا ينسيني ما تركته خلفي‪..‬‬

‫مضى الناس لبيوتهم‪.. ,‬البعض استقرّ في مطاعم النخبة‪ ,‬لمزيد من الضحك‬


‫والطعام والدفء والفرح‪...‬وكعادتهم‪..‬كان هناك أطفال كمحمود اللبناني ذاك‪,‬‬
‫يلصقون أنوفهم على زجاج الشبابيك المضبّب ‪ ,‬ليمعنوا النظر إلى عالم المحظور‬
‫هناك ‪,‬عوالم متناقضة‪ ,‬حيث ل يتماس الجائعون مع المتخمين ‪ ,‬العوائل المكتملة‬
‫المتهندمة مع الطفال اليتام والمشرّدين ‪ ,‬ل يتماسّون كما أن الشرق والغرب ل‬
‫يلتقيان في هذه المدينة مهما قيل عنهما‪,‬‬
‫ذاك كان حال أطفال جياع‪..‬فكيف بوطن يلصق أنفه على الزجاج و يرمق دول‬
‫العالم بكلّ مرارة؟؟‬

‫‪I'm on the outside,‬‬


‫‪looking inside‬‬
‫??‪What do I see‬‬
‫‪Much confusion,‬‬
‫‪Disillusion,‬‬
‫‪all around me‬‬
‫‪I talk to the wind‬‬
‫‪The wind can not hear‬‬
‫‪I Talk To The wind‬‬
‫‪The wind does not speak‬‬
‫وهج اللعاب النارية وألوانها هنا‪...‬ووميض النفجارات المدوّية هناك‪...‬‬
‫أنوار المدينة و لهوها هنا‪....‬والظلم الدامس والبرد الكريه هناك‪...‬‬
‫الجساد الدافئة الحيّة تتحرك هنا‪...‬والجثث اليومية بالعشرات هناك‪...‬‬
‫الحياة الحلوة هنا‪...‬والحياة بطعم الخوف والموت هناك‪....‬‬

‫وصلت الفندق وأنا أسبح في دوامة الفكار‪ ,‬كان بواب الفندق على الباب مبتسما‪..‬‬
‫"عام سعيد يا عمّي سعيد‪ ,‬أدعُ ال أن يجعل ‪ 2008‬أفضل من ‪"2007‬‬

‫"اللهم إن كان غضبا منك علينا لما أذنبناه‪ ,‬فانا نسألك الصلح والرحمة‬
‫والتخفيف‬
‫وان كان بلءا أنزلته بنا لحكمة تعلمها أنت وحدك‪ ,‬فأعنّا على تجاوزه‪...‬‬
‫وان كان ظلما لحق بنا من بني البشر‪ ,‬فنسألك النصرة والعانة ونرجوك أن‬
‫تهدينا لمحبة بعضنا مهما اختلفت مذاهبنا وأدياننا وأعراقنا‪ ,‬وأن تجعل الكلمة‬
‫الخيرة للحب بدل الكراهية والمقت‪"...‬‬

‫‪.......‬آمين‬