‫حقوق النسان والخلقيات *‬

‫الدكتور محمد محجوب‬
‫أستاذ الفلسفة بجامعة تونس ‪ -‬المنار‬
‫* نص المحاضرة التي ألقاها الستاذ محمد محجوب يوم الجمعة ‪ 10‬ديسمبر ‪ 2004‬أمام سيادة رئيس الجمهورية‬
‫زين العابدين بن علي‪ ،‬بقصر الجمهورية بقرطاج‪ ،‬بمناسبة احتفال تونس بالذكرى ‪ 56‬لصدور العلن العالمي‬
‫لحقوق النسان ‪.‬‬
‫**************‬
‫سيادة الّرئيس الموّقر‪،‬‬
‫اسمحوا لي في البداية أن أعّبر لكم عن أصدق مشاعر المتنان لما حبوتموني به اليوم من شرف إلقاء هذه‬
‫سنوي المتجّدد بذكرى صدور العلن العالمي لحقوق النسان‪.‬‬
‫المحاضرة بين يديكم‪ ،‬بمناسبة احتفال تونس ال ّ‬
‫واسمحوا لي أن أجد في هذا الّتشريف ما يتجاوز شخصي ليمتّد إلى زملئي الجامعيين الذين يعرفون مدى‬
‫رعايتكم لهم وحرصكم على مكانتهم ومكانة الجامعة في منظومة الّتنمية التي رسمتم لوطننا العزيز‪.‬‬
‫سيادة الّرئيس الموّقر‪،‬‬
‫ل يكاد اليوم يخلو جدل سياسي ول نقاش عاّم من تعريج على مسألة حقوق النسان‪ ،‬عرضا وتقييما‪ ،‬نقدا‬
‫وتأسيسا‪ ،‬أو تحليل ومقارنة‪ .‬ول غرابة في ذلك فحقوق النسان تاج الفضائل وقّمة الّرقي الخلقي والحضاري‬
‫شعوب‬
‫ل محفوظة في ذاكرة ال ّ‬
‫الذي بلغته النسانية عبر مسار تاريخي طويل ومن خلل تضحيات بطولية ستظ ّ‬
‫على مدى الزمنة‪.‬‬
‫ن حقوق النسان‪ ،‬من جهة أخرى‪ ،‬باتت كذلك من أوكد القضايا وأشّدها راهنية‪ ،‬أمام المشهد العاّم الذي‬
‫ولك ّ‬
‫ل عناصره ما توّلده الحروب والنزاعات من العنف‪ ،‬وما يطرحه تفاو ُ‬
‫ت‬
‫يبدو عليه عالمنا اليوم‪ ،‬والذي ليس أق ّ‬
‫الّتنمية بين الشعوب والمم من فواجع الفقر وفْقد الكرامة النسانية‪ ،‬بل ما ينجم في صلب العولمة الشاملة من‬
‫ضْيم الذي ُتدخله ثقافٌة على أخرى‪ ،‬وخاصًة على أصحاب ثقافة أخرى‪ ،‬ل بفعل فضل هذه على تلك‪،‬‬
‫قضايا ال ّ‬
‫ن ل فضل لثقافة على أخرى‪،‬‬
‫ل يعلم اليوم‪ ،‬أ ْ‬
‫بل بفعل توّفر الداة واللة لهذه وُندرتها ونقصانها لدى تلك‪ .‬فالك ّ‬
‫ق من التعامل مع العالم‪ ،‬ل يزداد فضُلها إل على قدر اتساعها‬
‫ت وأنسا ٌ‬
‫ل الثقافات إنما هي منظوما ٌ‬
‫نكّ‬
‫وأ ّ‬
‫ن حقوق النسان قد دخلت‬
‫سه الحترام المتبادل‪ .‬بل إ ّ‬
‫لمعرفة غيرها‪ ،‬والستفادِة منه‪ ،‬وانفتاحها عليه تفاعل أسا ُ‬
‫غل في المعرفة‪،‬‬
‫صصا وتو ّ‬
‫كإشكالية‪ ،‬منذ أمد غير قصير‪ ،‬إلى قلب مخابر البحث العلمي ولسيما أشّدها تخ ّ‬
‫ل حقوق النسان ‪ :‬فما تطرحه اليوم المعالجات الجينية‪،‬‬
‫ن ل علقة لها بمسائ ِ‬
‫تلك التي قد ُيظن بها أ ْ‬
‫والممارسات الّتطبيبية‪ ،‬إنما هو في صميم الحقوق الصلية للنسان‪ ،‬تلك التي تّتصل بكونه إنسانا‪ ،‬مجّرد‬
‫إنسان‪.‬‬
‫ن النسان الذي‬
‫شد استقصاءها واستيفاء أبعادها‪ ،‬وجد أ ّ‬
‫ن المرء‪ ،‬إذا ما قّلب الّنظر في المسألة ون َ‬
‫لذلك فإ ّ‬
‫ُيقصد‪ ،‬في الصل‪ ،‬بالحقوق في عبارة "حقوق النسان"‪ ،‬إنما هو النسان في جميع أبعاد إنسانيته‪ ،‬تلك التي‬
‫تتأّتى من كونه إنسانا‪ ،‬أعني نفسا إنسانية‪ ،‬ومن كونه اجتماعيا‪ ،‬أعني ملتقى الوضاع والدوار‪ ،‬ومن كونه‬
‫ب من‬
‫سياسّيا‪ ،‬أعني مواطنا‪ ،‬ومن كونه ثقافيا حضاريا‪ ،‬أعني متمّثل للعالم فيما ُيعرف برؤى العالم‪ .‬فثّمة ضر ٌ‬
‫ن هذا‬
‫البنية الشمولية للنسان لعّلها هي المقصوَد الصلي‪ ،‬أعني المقصوَد القصى‪ ،‬بحقوق النسان‪ .‬وإ ّ‬
‫المقصوَد القصى الذي يجمع أبعادًا ل نفّرق بينها إل إجراء للّتحليل‪ ،‬واصطناعا للمنهج‪ ،‬إّنما هو المشار إليه‬
‫في العبارة اليونانية "إيثيقا"‪ ،‬التي باتت تعّرب اليوم إلى "الخلقيات"‪.‬‬
‫ن أّول معاني اليثيقا‪ ،‬وهو المعنى الذي سّنه لنا الغريق‪ ،‬وأنصت إليه العرب والمسلمون من‬
‫فيبدو لي أ ّ‬
‫بعدهم أيما إنصات‪ ،‬إنما هو هذا المعنى الجامع الذي سْؤُله ومطلوبه َمقاُم )‪( séjour‬النسان في العالم‪،‬‬
‫ومنزلُته منه‪ ،‬أو كما أصبحنا نقول اليوم‪ ،‬كرامُته ضمَنه‪ .‬لذلك مثل يفّرق أبو نصر الفارابي بين العلم المدني‬
‫والعلم النساني ‪ ،1‬جاعل هذا الخير علم الغاية من الوجود النساني‪ ،‬أي علم المنزلة والمعنى‪ ،‬وجاعل من‬

‫سّ‬
‫ن‬
‫الّول علم الدوات التي ُتنال بها تلك الغايُة‪ .‬فكأّنما علُم مقاِم النسان هو مصدُر الّتشريع أعني أّنه مصدرُ َ‬
‫ن وسّنها إنما يخضع‬
‫ن تشريع القواني ِ‬
‫ن الهّم في أثناء ذلك إنما هو أ ّ‬
‫القوانين التي بها ُيحّقق ذلك الَمقام‪ .‬ولك ّ‬
‫ق اشتقاقا من أساسها‬
‫ن والّتشريعات إنما ُتشت ّ‬
‫ن القواني َ‬
‫ل الحاصل من ذلك أ ّ‬
‫لغاية الَمقام اللئق بالنسان‪ .‬فلع ّ‬
‫سها المعياري ‪ ،‬أل وهو ما ترتئيه مجموعٌة ما من البشر لنفسها َمقاما لئقا بها محّققا‬
‫اليثيقي‪ ،‬أعني أسا َ‬
‫لكرامتها‪.‬‬
‫ل تشريع يريد‬
‫ل تشريع جّدي‪ ،‬أعني ك ّ‬
‫ن هذا المصدر القصى للقوانين هو الفق المعياري الذي يرنو إليه ك ّ‬
‫إّ‬
‫ى إذا ما أصبحنا اليوم نتحّدث عن إيثيقات كثيرة‪ ،‬أو عن أخلقيات كثيرة‪،‬‬
‫لنفسه أن يكون ذا مشروعية‪ .‬وحت ّ‬
‫ل نسق من الّتشريعات أو القوانين أو القواعد‪ ،‬في مجال من المجالت‪ُ ،‬ملزما بأن‬
‫فبهذا المدلول الذي يجعل ك ّ‬
‫ظ القوانين من أن تكون‬
‫يكون مشتّقا أو مترّتبا عن مستوى من الّنظر أرفع منه‪ ،‬وهو مستوى المعنى‪ ،‬الذي يحَف ُ‬
‫مجّرد أوامر‪ ،‬ويحِمُلها على أن تكون متوافقة مع المثل الكبرى التي تتبّناها المجموعة بوصفها تنتمي إلى‬
‫ت النسان المحّددةُ لمعنى وجوده‬
‫جعيات الّتشريع‪ ،‬لنها قبل ذلك مرجعيا ُ‬
‫النسانية‪ .‬فالخلقّيات هي إذن مر َ‬
‫ب طابعها اللزامي من كونها هي‬
‫ن ‪ ،‬إنما تكتس ُ‬
‫ن القوانين التي شأُنها أن يأتمر بها النسا ُ‬
‫ولمثله العليا‪ .‬ذلك أ ّ‬
‫سم بها َمقامه‪ .‬فأصل التشريع هو الحريُة‪ ،‬ولما كان المر‬
‫صورة التي يتر ّ‬
‫ن لنفسه وفقا لل ّ‬
‫ما يرتضيه النسا ُ‬
‫سعي إلى‬
‫ل ال ّ‬
‫كذلك‪ ،‬فإن الخلقية‪ ،‬كما يقول الفيلسوف المعاصر بول ريكور ) ‪ ،( Paul Ricoeur‬ليست إ ّ‬
‫ل الوسائط التي تربط بين الحّرية بما هي نقطة النطلق‪ ،‬والقانون‪ ،‬بما هو نقطة الوصول‪.‬‬
‫إعادة بناء ك ّ‬
‫سيادة الرئيس الموّقر‪،‬‬
‫صيات جمعت شمول الرؤية إلى أصالِة‬
‫جعّية التي تحّدد أخلقّية الّتشريع في تونس تّتسم بجملة من الخا ّ‬
‫ن المر َ‬
‫إّ‬
‫ن ديننا السلمي الحنيف بما يحتويه من القيم الكونية‬
‫كأّ‬
‫جه‪ ،‬وانسجاِم العناصر‪ .‬فل ش ّ‬
‫المنهل‪ ،‬وحداثِة التو ّ‬
‫ك العهد‬
‫الخالدة‪ ،‬المعليِة من شأن الّنفس النسانية والمشّرفة لقْدرها‪ ،‬يمّثل إحدى هذه المرجعيات التي ما انف ّ‬
‫سس عليها تشريعاته‪ ،‬مصداقا للية الكريمة ‪":‬ولقد كّرمنا بني آدم‬
‫الجديد يستلهمها في نسق الخلقيات التي يؤ ّ‬
‫ضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيل"‪ .2‬ول شكّ كذلك‬
‫وحملناهم في البّر والبحر ورزقناهم من الطّيبات وف ّ‬
‫سخ أسسها زعماء الفكر ولسيما في المغرب السلمي‪ ،‬ركيزٌة من‬
‫ن المرجعّية الفلسفّية المستنيرة التي ر ّ‬
‫أّ‬
‫ل أعلمها عبد الرحمان بن خلدون الذي مّثلت مقّدمته الشهيرُة عودًة‬
‫ق من آفاقه ليس أق ّ‬
‫ركائز التشريع وأف ٌ‬
‫تأّملية‪ ،‬أي إيثيقية‪ ،‬على الّنفس وعلى الّتاريخ تقوم شاهدا على المقام الذي ارتآه النسان لنفسه‪ ،‬أعني المقام‬
‫ل فعل ‪.3‬‬
‫الذي يحِدس الّتاريخ والُعمران إحداثيتين محّددتين‪ ،‬إن لم نقل معياريتين‪ ،‬لك ّ‬
‫سس رؤية النسان لوجوده قد ارتفع واّتسع عندما بادر الفكر الصلحي الّتونسي‬
‫ن أفق الخلقّية التي تؤ ّ‬
‫ولك ّ‬
‫إلى إرادة الّتحديث‪ ،‬مباَدَرًة غير مسبوقة‪ ،‬فإّنه هاهنا أيضا قد رسم َمقاما جديدا للمعنى يقرن َقدامة الصل‬
‫بحداثة المعرفة ‪ :‬ولقد كاد يؤّلف منهما منهجا جديدا ذاتيا تلقائيا لول عوارض الّتاريخ‪ .‬إلى ذلك نهضت الّدولة‬
‫الحديثة إّبان الستقلل‪ ،‬وقد أدركت غاية الحّرية استقلل عن "السيطرة الجنبية"‪ ،4‬ولكن بذلك اضطلع العهد‬
‫ن معنى الحرية ليس استقلل عن الطغيان الجنبي‪ ،‬إل ليكون‬
‫الجديد اضطلع النجاز والفعل‪ ،‬بعد أن أدرك أ ّ‬
‫ن تحقيق كرامة النسان في ك ّ‬
‫ل‬
‫صب والّدغمائية‪ ،‬وأ ّ‬
‫لتّوه تحّررا من قيود الضرورة والفقر‪ ،‬ومن غمامات التع ّ‬
‫ن رؤيٍة شموليٍة ناجعة‪ ،‬ل تريد رفع الحرج بإقرار حقوق صورية اسمية‪ .‬فإن الح ّ‬
‫ق‬
‫مجالت وجوده رهي ُ‬
‫ضرورة التي تحّول الحقوق إلى إمكانات جوفاء‪.‬‬
‫ق‪ ،‬ومغادرٌة لَدَرك ال ّ‬
‫الحقيقي قدرٌة جماعيٌة على ممارسة الح ّ‬
‫لقد وضع العهد الجديد في صياغته لمشروعه عناصَر رؤيٍة منسجمة ائتلفت من تلك الرؤى المتعاقبة‪،‬‬
‫وصهرتها ضمن تصّور حريص على الحاضر‪ ،‬متلّفت صوب المستقبل‪ ،‬غير زاهد في الماضي‪.‬‬
‫ط بالقدار على ممارسة الحقوق‪،‬‬
‫ل الّتغيير مرتب ٌ‬
‫ق حقوق النسان في عم ِ‬
‫ن مفهوَم حقوق النسان‪ ،‬ونس َ‬
‫لذلك فإ ّ‬
‫صل وسائل الرادة‪ .‬هكذا فهم العهد الجديد رسالته ‪ :‬عمل على‬
‫وهو لذلك حاصل رؤية تريد‪ ،‬بقدر ما تح ّ‬
‫الّتحقيق‪ .‬وهكذا ائتلفت عناصُر الخلقية التي تقوم عليها رؤية تونس الجديدة لحقوق النسان بأبعادها‬
‫ن مقام النسان ل يمكن أن يكون مقام كرامة إذا‬
‫سياسية‪َ :‬فِمن عناصرها أ ّ‬
‫القتصادية والجتماعية والّثقافية وال ّ‬
‫ن مقام النسان ليس مقاَم كرامٍة خارج الروابط النسانية‬
‫ما هو كان في خصاصة واحتياج‪ .‬ومن عناصرها أ ّ‬
‫الحضارية الحقيقة‪ .‬ومن عناصرها المعرفُة‪ ،‬والثقافُة‪ ،‬وعقلّية الّتسامح والّتضامن عبارةً عن الّتسامي الّروحي‬
‫والّرقي الخلقي‪ .‬ومن عناصرها أيضا أن النسان الذي ُيقصد بالحقوق ل يستثني المرأة والطفل‪ ،‬بل يشَملهما‬
‫ضمن تناظر حقيقي موّلد للّتوازن‪ ،‬محّرك للهمم ومكّون للمل‪.‬‬

‫شي التونسي إنما ينخرط في صميم المقاربة الممية‬
‫ن الّتم ّ‬
‫ن الّناظر في العلنات والمواثيق الّدولية َليجُد أ ّ‬
‫إّ‬
‫سياسية والمدنية‪ ،‬والتي اندرجت‬
‫ق الجتماعّية والقتصادّية والّثقافية في تلزم مع الحقوق ال ّ‬
‫التي أقّرت الحقو َ‬
‫ق الخلقية العاّمة لحقوق النسان‪ ،‬هذه الخلقّية التي حّددْتها ديباجُة العلن العالمي "إقرارا بما‬
‫ضمن أف ِ‬
‫ق متساوية وثابتة‪ ،‬إقرارا يشّكل أساس الحّرية‬
‫لجميع أعضاء السرة البشرية من كرامٍة أصلّية فيهم‪ ،‬ومن حقو ٍ‬
‫سلم في العالم" وتوقا من البشر إلى السمى‪ ،‬أي إلى "عالم يتمّتعون فيه بحّرية القول والعقيدة‬
‫والعدل وال ّ‬
‫وبالتحّرر من الخوف والفاقة" وإيمانا مشترك المضمون "بكرامة النسان وقْدره‪ ،‬وبتساوي الرجال والّنساء‬
‫في الحقوق" وعزما "على النهوض بالتقدم الجتماعي وبتحسين مستويات الحياة في جّو من الحرية"‪ .‬فما‬
‫ل بنيٍة‬
‫تحّدده هذه الّديباجة إنما يقوم مقام "الخلقية الساسّية" بل مقام الخلقية الّتأسيسية التي تحيل عليها ك ّ‬
‫تشريعيٍة متناسقٍة‪.‬‬
‫ل تشريع‪ ،‬قد دفعها إلى‬
‫ن اعتزاَز تونس بعناصر هوّيتها الخالدة‪ ،‬تلك التي ُتطاول بها الكونيَة التأسيسيَة لك ّ‬
‫ولك ّ‬
‫جعيِة العاّمة والمشتركة بأنَفس ما لديها من القيم الذاتية الّراسخة في صميم كيانها الروحي ‪:‬‬
‫إثراء هذه المر َ‬
‫شعب‪ ،‬يا سيادة الرئيس‪ ،‬في ماي ‪ ، 2002‬قد أضاف إلى مبادئ‬
‫لذلك فإن تعديل الّدستور الذي استفتيتم فيه ال ّ‬
‫ن الّدولة الّتونسّية "تعمل على ترسيخ قيم الّتضامن والّتآزر والّتسامح بين الفراد‬
‫الخلقّية الكونّية العاّمة أ ّ‬
‫ن حقوق النسان الذي جاء به تعديل الّدستور في فصله الخامس‪ ،‬والذي أّكد على‬
‫والفئات والجيال"‪ .‬فضما ُ‬
‫صلت‬
‫شمولّية مبادئ تلك الحقوق وكونيتها وتكاملها وترابطها‪ ،‬قد انخرط ضمن بنية تأويلّية لهذه الكونية ف ّ‬
‫ج الذاتي التونسي في قلب الكونية‬
‫ج بذلك النموذ َ‬
‫الكرامة الصلّية للنسان "تضامنا وتآزرا وتسامحا"‪ ،‬فأدر َ‬
‫صْلُتم سلسلة الخير التي‬
‫ظا لهذه الكرامة الصلية‪ ،‬و َ‬
‫الموضوعية التي نقيس بها اليوم إيقاع العالم‪ .‬وإنما حف ً‬
‫احتوت عهد المان )‪ ،(1857‬ودستور أفريل ‪ ،1861‬ومنع السترقاق ) ‪ ،( 1846‬ودستور دولة‬
‫الستقلل)‪ ،(1959‬فجّددتم قانون الجمعيات‪ ،‬وأصدرتم قانون الحزاب السياسية)‪ ،(1988‬وطورتم مجلة‬
‫شخصية‪ ،‬وأحدثتم‬
‫الصحافة‪ ،‬ومجلة الجراءات الجزائية )‪ ،(2002‬والمجلة الجنائّية‪ ،‬ومجّلة الحوال ال ّ‬
‫طلق)‪ ،(1993‬وأصدرتم مجّلة حماية الطفل)‪ ،(1995‬وقانون نظام‬
‫صندوق ضمان الّنفقة وجراية ال ّ‬
‫السجون)‪ ،(2001‬ومنح العانة العدلية)‪ ،(2002‬وقانون التعويض للموقوفين والمحكوم عليهم الذين تثُبت‬
‫براءُتهم )‪ ،(2002‬إلى غير ذلك‪.‬‬
‫سيادة الرئيس الموّقر‪،‬‬
‫منذ سنة ‪ ،1979‬تساءل المفّكر اللماني هانس جوناس ) ‪ ،( Hans JONAS‬في كتابه الشهير "مبدأ‬
‫المسؤولية ‪ :‬أخلقية للحضارة التكنولوجية"‪ ،‬عّما آل إليه الّتقدم العلمي والتكنولوجي ‪":‬لقد انقلب وعد التقنية‬
‫ط الذي‬
‫الحديثة إلى وعيد‪ .‬فإخضاع الطبيعة التي كانت مسخرة لتحقيق السعادة النسانية إنما أّدى‪ ،‬بنجاحه المش ّ‬
‫ن البشري بفعل عمله‪ .‬إن‬
‫عتـى الّتحديات التي يواجهها الكائ ُ‬
‫طبيعة البشرية ذاتها‪ ،‬إلى أ ْ‬
‫بات يمتّد اليوم إلى ال ّ‬
‫هذه الوضعية الجديدة غيُر مسبوقة ‪ ،. . .‬وما أضحى النسان اليوم قادرا على فعله‪ . . . ،‬ليس له نظير‬
‫ضع لها‬
‫سابقة‪ ،. . .‬فأخلقّيتنا الّتقليدية لم تعد ُترشدنا إلى معايير الخير والشّر التي يجب أن ُنخ ِ‬
‫ضمن تجربته ال ّ‬
‫ما استحدثناه من ضروب الّتحكم في الطبيعة وما يمكن أن نبتدعه منها بفضل ذلك التحكم‪ .‬إن الرض‬
‫ل نظرّية أخلقية"‪.5‬‬
‫الجديدة ‪ ...‬التي غزوناها بتكنولوجيا طلئعية ما تزال أرضا بكرا من ك ّ‬
‫إذا كانت الخلقّية الّتأسيسية لحقوق النسان أخلقّية عاّمة تّتصل بتصّورنا عن النسان‪ ،‬وهو الّتصور الذي‬
‫ت متشابكٌة منها الكوني النساني ومنها الذاتي الّديني ومنها الخلقي‬
‫تعاضدت لتشكيله‪ ،‬كما نرى‪ ،‬مرجعيا ٌ‬
‫حة‬
‫الجتماعي‪ ،‬فقد ظهرت منذ بداية السّتينات‪ ،‬ولسيما بالقاّرة المريكية أّول‪ ،‬ثم بأوروّبا‪ ،‬تساؤلت عديدة ومل ّ‬
‫ئ الكرامِة الصليِة والجدارِة القصوى للذات‬
‫تريد ربط الخلقية العاّمة التي تمثلها حقوق النسان‪ ،‬ومباد َ‬
‫ت مخصوصةً‪ .‬وقد‬
‫سلوكات الخاصة بالفراد والتي تستدعي بدورها أخلقيا ٍ‬
‫ب جديدة من ال ّ‬
‫النسانية بضرو ٍ‬
‫ساعد على بروز مثل هذه الشكاليات ما حّتمه التطور العلمي والتكنولوجي من الحيرة التي جعلت الفرد‬
‫مهموما بمعنى فعله في وضعية محّددة‪ ،‬ل يبدو أن التطّور العلمي قد قرأ حسابا لتعييرها والحكم عليها‪ ،‬فضل‬
‫ل القيمة الخلقية للستفادة الستشفائية من زرع عضو من‬
‫عن كونه لم يقرأ حسابا لظهورها إطلقا ) مْث َ‬
‫العضاء‪ ،‬أو العلقة الخُلقية بين اللم الكبير واليأس من الشفاء‪ ،‬أو مختلف وضعيات الصحة النجابية‪ ،‬أو‬
‫معرفة أثر المحددات الجينية على المستقبل الصحي والنفسي للنسان‪ ،‬إلخ‪ .(.‬فهذه الوضعّيات الجديدة تطرح‬
‫ب عودة النفس على نفسها‪ ،‬فيما بات يذّكر بالموقف‬
‫على الفرد واجب الترّوي‪ ،‬ترّوي كل لحظة‪ ،‬وواج َ‬
‫سقراطي القديم الذي ل ينقطع فيه النسان عن مراجعة الّنفس ومخاطبتها ومشَورتها في كل حين‪.‬‬
‫ال ّ‬

‫إن هذه الحيرة كما نرى‪ ،‬تعّبر عن أمنية يمكننا صياغتها في هذا السؤال ‪:‬كيف يمكننا أن ندفع العلم والبحث‬
‫ل عدم تضاربهما مع المبدإ العاّم لكل سيطرة‬
‫العلمي والممارسات المدّققة في إطارهما‪ ،‬بحيث نضمن على الق ّ‬
‫على الطبيعة ‪ :‬أي تحقيق السعادة النسانية ؟‬
‫ن الخلقّية العاّمة التي كنّا أشرنا إليها تفرز بدورها أخلقيات محدودة مخصوصة‪ ،‬ك ّ‬
‫ل‬
‫فيبدو المر كما لو أ ّ‬
‫منها‪ ،‬بجهة من جهات الممارسة الجديدة‪ .‬فإذا كانت الخلقية العاّمة للكرامة الصلية للنسان وللجدارة‬
‫القصوى للّذات البشرية أفقا مبدئيا لحقوق النسان في تفاصيلها‪ ،‬فإن الخلقيات المخصوصة التي تتعّلق ك ّ‬
‫ل‬
‫واحدة منها بجهة من جهات الممارسة النسانية‪ ،‬تّتخذ من حقوق النسان ومن الّتصورات المرافقِة لها مبدأ‬
‫عاّما لها‪.‬‬
‫لذلك أصبحنا نتحّدث اليوم عن أخلقّيات "تطبيقية"‪ ،‬أو "مطّبقة" ‪ :‬هي تطبيقية أو مطّبقة‪ ،‬في معنى أّول‪ ،‬لنّ‬
‫ق لمبدئيَتها العاّمة القائمِة في كرامة النسان‬
‫ن ضمنها لتنظيم ممارساتها‪ ،‬تطبي ٌ‬
‫أحكامها‪ ،‬أعني القوانين التي ُتس ّ‬
‫وحرمته‪ .‬وهي تطبيقية أو مطبقة في معنى ثان‪ ،‬لن أنموذج الّتشريع فيها ل ينطلق من العام إلى الخاص‪،‬‬
‫وإنما هو دراسة الحالة في فرادتها المخصوصة‪ ،‬وإفراز الحكم من الحالة الفردية تلك‪ .‬إن الّنظر الخلقي‬
‫صة قد بات يحتكم إلى معيارية المسؤولية‪ ،‬وهي المعيارية المتأّتية من تساؤل‬
‫ضمن هذه الخلقيات الخا ّ‬
‫النسان عن عاقبة الفعل واستتباعاته‪" .‬فالمور"‪ ،‬ضمن هذه الخلقية "بعواقبها"‪ ،‬وذلك هو معنى المسؤولية‬
‫التي اغتنى مفهوُمها فمّر من المسؤولية عن البشر الخرين )وهو معنى الكونية الكانطية( إلى المسؤولية عن‬
‫ن ما حدث ضمن الّتفكير الخلقي هو‪ ،‬بصفة لفتة‪ ،‬إدراج بعد‬
‫صا‪ .‬إ ّ‬
‫لحقة خصو ً‬
‫الطبيعة كّلها وعن الجيال ال ّ‬
‫الّزمن ضمن الّتفكير‪ :‬فالعبرة لم تعد بحقيقٍة ثابتٍة أزليٍة فقط‪ ،‬بقدر ما أصبحت أيضا بحقيقة ُيَعّدُلها الّزمان‪ .‬إ ّ‬
‫ن‬
‫ن فعل النسان في تلك‬
‫ك لجيال لحقة‪ ،‬وأ ّ‬
‫السيطرة على الطبيعة اليوم لبّد أن تعتبر أن عين تلك الطبيعة مل ٌ‬
‫الطبيعة اليوَم ُيسأل عن عاقبته أي عن نتيجته واستتباعاته‪.‬‬
‫ن مجال الحّرية الذي يطلق العنان للبحث الّنظري والمخبري يبدو محاطا بمطلب الّتعّقل الذي يحّكم مبدأَ‬
‫فكأ ّ‬
‫المسؤوليِة والمعنى‪ .‬وفي هذا السياق بالّذات برزت الخلقيات المخصوصُة والتي يمكن أن نذكر منها على‬
‫وجه الخصوص أخلقيات البيوإيثيقا ) ‪ ،( Bioéthique‬حيث تقوم هذه الخيرةُ على نقطة التقاطع بين‬
‫الممارسات العلميِة والتقنيِة المحضة من جهة‪ ،‬والشكاليات المعياريِة والخلقّية التي تطرحها هذه الممارسا ُ‬
‫ت‬
‫ل ما يمكن إنجاُزه‬
‫من جهة ثانية‪ .‬ويمكن تلخيص الشكالية التي يطرحها هذا التقاطع في السؤال التالي‪ :‬هل ك ّ‬
‫ع نحو اللنهاية‪ ،‬لّنه‬
‫ن "العلمي‪/‬التقني" الذي ينَز ُ‬
‫ض الممك ِ‬
‫ع خلقيا ؟ فالمر يتعّلق إذن بمدى تعار ِ‬
‫تقنيا مشرو ٌ‬
‫طبيعة‪ ،‬مع الممك ِ‬
‫ن‬
‫محكوٌم فقط بمنطق الكتشاف والستزادِة من المعرفة وإرادِة السيطرِة على ال ّ‬
‫ئ كرامة الّنفس النسانية‪.‬‬
‫ح خلقّيا‪ ،‬وحّده هو مباد ُ‬
‫"الخلقي‪/‬اليثيقي" الذي منطُقه هو منطق المتا ِ‬
‫ل مظاهر هذا الّتقدم ما بات اليوم متاحا من‬
‫س أق ّ‬
‫ل‪.‬ولي َ‬
‫إن الّتقدم الذي حّققته المعرفُة الطّبية‪ ،‬تقّدم مذِه ٌ‬
‫المعالجات التطبيبية والجراحية التي شّكلت تحول نوعيا في معالجة حالت كانت تعّد يائسًة ‪ ،‬ومن الهندسة‬
‫ح إمكاُنه بين المعالجِة والستشفاء‬
‫جَعلت بأيدينا مفتاح الّتحّكم في الجينات البشرية تحّكما يتراو ُ‬
‫الوراثية‪ ،‬التي َ‬
‫من جهة ورسِم خارطة المجين البشري ) ‪ ( génome humain‬من جهة ثانية‪ ،‬مع ما قد ُيطمع فيه هذا الرسم‬
‫من إغراءات التنقية والستصفاء والتمييز‪ .‬ومن المعلوم أن هذه الدوات الجديدة تطرح جملة من السئلة‬
‫صة‪ ،‬فضل عن كونها تمّثل موضوع جدل‬
‫والقضايا مّثلت مدار تفكير معّمق في صلب الّلجان الّدولية المخت ّ‬
‫ل عمقا بين المهتّمين على اختلف مشاغلهم من أطّباء ممارسين وباحثين مخبريين ومفّكرين‬
‫فكري علمي ل يق ّ‬
‫فلسفة‪ ،‬إلخ ‪.6‬‬
‫سيادة الرئيس الموّقر‬
‫لقد كان سياق حقوق النسان هو الطار الذي طرحت ضمنه هذه المناقشات‪ ،‬مما ينّزل معيارّية القضايا التي‬
‫صة أن منطق حقوق النسان يمتّد امتدادا كامل‬
‫طرحتها ضمن الخلقّية العاّمة لهذه الحقوق‪ .‬وهو ما يعني خا ّ‬
‫إلى مجال البيوإيثيقا‪ .‬ففي تناولها لقضايا المجين البشري ذّكرت اللجنة الفرعية لتطوير حقوق النسان و‬
‫حمايتها‪ ،‬وهي اللجنة المنبثقة عن لجنة حقوق النسان بمنظمة المم المتحدة ‪ ،7‬بما كان عّبر عنه الفيلسوف‬
‫اللماني يورغن هابرماس ) ‪ ( Jürgen Habermas‬من خشيته أن يؤدي الخلط بين الطبيعي فينا و"المعالج"‬
‫إلى تشويش فكرتنا اليثيقية عن أنفسنا‪ ،‬إذ ل ِقَبل للنسان بأن يتحّمل أن تكون حياته ومستقبله محددين جينّيا‪،‬‬

‫ل مؤمنا بحّريته إذا كان مستقبله‬
‫مع ما نعلم من مدلول ذلك بالنسبة إلى حّريته‪ ،‬حيث ل يمكن للفرد أن يظ ّ‬
‫ق الساسي لكل فرد في أن يكون مستقبله غير محدد‪.‬‬
‫ل‪ .‬فثّمة ضرب من الح ّ‬
‫ومآل أفعاله معلوَمْين له من قب ُ‬
‫ن مطلب الحّرية ومفهوم الحّرية‪ ،‬باعتبارهما حّقا أصليا للنسان‪ ،‬هما الّلذان يمليان هنا هذا الحذر الخلقي‬
‫إّ‬
‫من هندسة وراثية‪ ،‬هي مع ذلك علمة تقّدم علمي مدهش‪.‬‬
‫ن علم الوراثة‪ ،‬على عظمة الفتح الذي أتاحه للنسانّية ابستيمولوجًيا‪ ،‬يمكن أن ُيستخدم لغايات لأخلقية‬
‫بل إ ّ‬
‫ن رسم خارطة المجين البشري‬
‫أصل‪ ،‬من جنس الّتعقيم القسري‪ ،‬أو الّتصفية الجماعية أو الّتنقية النسلية‪ ،‬ذلك أ ّ‬
‫ن المجين النساني ليس ملكا‬
‫ل أبرَز عناصِر هذا الطار الخلقي أ ّ‬
‫لبّد أن يصاحبه إطار إيثيقي محيط‪ .‬ولع ّ‬
‫ن بعض المعالم الثرّية قد بلغت‬
‫للنسان بما هو فرد‪ ،‬وإن كانت بنيته وخارطته حاضرين في كل فرد‪ .‬فكما أ ّ‬
‫ن أعماق‬
‫من الّدللة للنسانّية قاطبة‪ ،‬ما يجعلها ملكا للبشرّية بأكملها رغم كونها في هذا البلد أو ذاك‪ ،‬وكما أ ّ‬
‫البحار ملك للنسانية جمعاء‪ ،‬فكذلك المجين البشري ملك للنسانية جمعاء‪ ،‬مّما يجعله خارج طائلة التمّلك‬
‫ن هذه الفكرة من أرقى ما بلغه التفكير النساني في مجال‬
‫ص‪ ،‬وخارج دائرة الستعمال غير المشترك‪ .‬إ ّ‬
‫الخا ّ‬
‫الخلقيات‪ .‬فإن اشتراك كل فرد‪ ،‬من جهة كونه بشرا‪ ،‬في معطيات المجين البشري ل تسمح له مع ذلك‬
‫باستخدام خاص لخارطة ذلك المجين‪ .‬إّننا هاهنا لعلى مشارف فكرة رفيعة ودقيقة‪ .‬فالمجين البشري هو بمثابة‬
‫ل واحد مّنا‪ .‬ولكّننا في صوننا لها‪ ،‬كأنما نصون الطبيعة برّمتها في طبيعتنا‬
‫الوديعة التي اسُتودعت في ك ّ‬
‫ن حرية النسان الفرد وكرامة‬
‫ن هذا القرار ليدعم أيما تدعيم فكرة حقوق النسان الساسية ‪ :‬أ ّ‬
‫صة‪ .‬إ ّ‬
‫الخا ّ‬
‫النسان الفرد هي كرامة النسانية ككل‪ .‬وهذه قيمة تتفق حولها الديان في جوهرها‪ ،‬مثلما دّلت على ذلك الية‬
‫الكريمة ‪" :‬من قتل نفسا بغير نفس أو فساد في الرض فكأنما قتل الناس جميعا‪ ،‬ومن أحياها فكأنما أحيا‬
‫ن النفس النسانية وديعة تراث النسانية فينا‪ ،‬وليس لنا أن نتصرف فيها كما لو كانت ملكا‬
‫الناس جميعا"‪ .8‬إ ّ‬
‫ن إحياء النفس‪ ،‬وصونها‪ ،‬إنما هو بّر بالنسانية وإيفاٌء بأمانتها‪.‬‬
‫خاصا‪ .‬ومن هنا فإ ّ‬
‫ن الخطار التي تشير إليها الهندسة الوراثية متعّددة ومتنّوعة ‪ :‬فهي تذهب من الّتأثير على البنية الجينية‬
‫ولك ّ‬
‫جه نحو غايات توالدية‪ .‬وتطرح هذه المخاطر عّدة مشاكل‬
‫للنسان إلى الستنساخ ولسيما الستنساخ المو ّ‬
‫مبدئّية ‪ :‬فعلى مستوى المنهج لبّد من الّتساؤل عن مدى أخلقّية التجريبات المخبرية‪ .‬وعلى مستوى الّنتائج‬
‫والستتباعات لبّد من الّتساؤل عّما يمكن أن ينجّر عن تحّكمنا في الجينات وتأثيرنا عليها من الّنتائج بالّنسبة‬
‫لحقة‪ .‬أّما على مستوى الموضوع‪ ،‬فلبّد من الّتساؤل عن مدى احترامنا لوحدة الّنفس البشرية‬
‫إلى الجيال ال ّ‬
‫صة‬
‫وكرامتها وحرمتها وحقوقها عندما نخضعها إلى تجارب الهندسة الوراثية أو عندما ننشر معطياتها‪ ،‬وبخا ّ‬
‫صة يمكن أن يكون معبرا لضروب من التمييز الجيني قد تتجّلى‬
‫إذا علمنا أن عدم حفظ سر المعطيات الخا ّ‬
‫ض آثارها في تضاربها مع أخلقية أخرى‪ ،‬أعني أخلقية المعاملت الجتماعية‪ ،‬ولسيما عندما يتعّلق‬
‫بع ُ‬
‫شح له الفراد من‬
‫المر برفض تأمين الشخاص أو بتعطيل تشغيلهم أو بما شابه ذلك مما يمكن أن يتر ّ‬
‫الوضاع الجتماعية ) ‪ ( statuts sociaux‬التنافسية بسبب ما قد ُيعرف عنهم من "العيوب" الجينية )وفي‬
‫تونس‪،‬ومثلما نعلم‪ ،‬فقد تضّمن الّتعديل الخير للّدستور في جوان ‪ ،2002‬وفي فصله التاسع على وجه‬
‫عمت به حقوق النسان أيما تدعيم لسيما وقد جعلت هذه‬
‫شخصية‪ ،‬تد ّ‬
‫التحديد‪ ،‬تأكيدا لمبدإ حماية المعطيات ال ّ‬
‫الحماية مبدأ دستوريا علويا(‪.‬‬
‫ن نفس المبادئ الخلقية التي تملي علينا إحاطة البحث العلمي والمعالجات الجينية بأقصى ما يمكن‬
‫ومع ذلك فإ ّ‬
‫من الحتياطات‪ ،‬تملي علينا في نفس الوقت ضرورة صيانة حّرية البحث العلمي وعدم إحباط طموحه ولسيما‬
‫عندما يكون في صالح المجموعة النسانية‪ .‬لذلك فإن حّرية البحث العلمي تبدو هنا على أقصى درجات‬
‫الّتناسب مع مدى أخلقّية استعمال نتائجه‪ .‬إنها في كلمة واحدة حّرية خلقية‪.‬‬
‫سيادة الرئيس الموّقر‪،‬‬
‫شمولّية‪ ،‬ومن حداثة الّتوجه العلمي الكاشف‪ ،‬ومن جّدية‬
‫ضمن هذه المرجعّية‪ ،‬ومن ثقافة حقوق النسان ال ّ‬
‫العتبار الخلقي المتيّقظ‪ ،‬ومن رصانة المسؤولّية عن الجيال اللحقة‪ ،‬نّزلتم موقف تونس من الخلقّيات‪،‬‬
‫فجعلتموه متناغما مع نداءات المجموعة الّدولية‪ ،‬مستجيبا لراهن السئلة المطروحة عليها ‪:‬‬
‫ظمتم قانونيا في سنة ‪ 1991‬طبقا للمقتضيات الخلقية العليا عملية أخذ العضاء البشرية وزرعها وذلك‬
‫فن ّ‬
‫خاصة بإعادة تأكيد مبدإ الحرمة الجسدية للنسان وبتنزيه عملية التبرع بالعضاء عن كل شائبة تجارية‪.‬‬

‫وجاء إحداثكم الّتشريعي لّلجنة الوطنية للخلقيات الطبية منذ سنة ‪ 1994‬حيث كلفتموها على وجه‬
‫الخصوص "بوضع المبادئ الكبرى التي تمكن من التوفيق بين التقدم التكنولوجي" في ميادين البيولوجيا‬
‫والطب والصحة من جهة "والقواعد الخلقية والقانونية والقيم النسانية وحقوق النسان والواقع الجتماعي‬
‫والقتصادي والثقافي" من جهة ثانية‬
‫ق في بيئة سليمة ضمن سلسلة من‬
‫س تونس بمسؤوليتها على الجيال القادمة من خلل تكريس الح ّ‬
‫وأكدتم ح ّ‬
‫الجراءات المتراوحة بين إرساء نظم تنمية غابية ملئمة وبين مقاومة التلوث الصناعي‪ ،‬مرورا بالمحافظة‬
‫على المآلف الطبيعية للموارد البيولوجية‬
‫شخصية‪ ،‬وهو القانون الذي تمّثل نداءات المجموعة الّدولية‬
‫ي قانون حماية المعطيات ال ّ‬
‫سستم على نحو رياد ّ‬
‫وأ ّ‬
‫بخصوص مجمل الشكالت التي تطرحها المعالجات الوراثية تمثل كامل‪ ،‬واستحضر مبادئ الخلقية‬
‫التأسيسية التي جاء بها الّتعديل الدستوري لجوان ‪. 2002‬‬
‫سيادة الرئيس الموّقر‪،‬‬
‫ن الّدرس المؤّكد الذي يمكن استخلصه من استعراض قضايا الخلقيات في أفق حقوق النسان هو أ ّ‬
‫ن‬
‫إّ‬
‫ن المرء‪ ،‬أمام ما يشاهده يومّيا من الّتمييز بين مبادئ‬
‫حقوق النسان منظومة متكاملة شاملة ومترابطة‪ .‬ولك ّ‬
‫حقوق النسان أو ُمراتبتها في بعض البلدان ل يملك إل أن يتساءل هل يمكن الطمئنان إلى منظومة في حقوق‬
‫النسان ل تتحّرج أن تقبع شريحٌة هاّمة من المجتمع في بعض البلدان في أدنى مستويات الفقر ؟ وهل يمكن‬
‫س المسؤولية على الجيال القادمة وعلى مصير الكوكب‬
‫الطمئنان إلى منظومة حقوق النسان حين يغيب ح ّ‬
‫طبيعية‪ ،‬بل حين يبلغ المر حّد رفض‬
‫بفعل الستغلل غير البيئي‪ ،‬غير الحذر وغير المتيّقظ للموارد ال ّ‬
‫معاهدات دولية لحماية الرض من عواقب تلّوث فيه هلك النسانّية‪ .‬وهل يمكن لمجموعة بشرية ما أن‬
‫ن إلى التزامها بحقوق النسان حين تزدوج معاييُرها في معاملة البشر‪ ،‬وحين ل تبالي بأّول حقوق‬
‫تطمئ ّ‬
‫النسان‪ ،‬أعني الحق في الحياة والحرية على أرضه‪.‬‬
‫ن المقاربة الّتونسّية لمبادئ حقوق النسان التي قامت على أساس كونية هذه المبادئ وشموليتها وترابطها‪،‬‬
‫إّ‬
‫والتي ترفض الّتمييز بين تلك الحقوق‪ ،‬إنما تتفاعل بنفس الّروح مع مبادئ الخلقّيات‪ ،‬وتتمّثل في حكمة مبدأ‬
‫ل في ذلك‬
‫ق الجيال القادمة‪ .‬فلع ّ‬
‫المسؤولّية استيعابا لعنصر الزمان وحفظا‪ ،‬من ُمنطلق تلك المسؤولية‪ ،‬لح ّ‬
‫ض ما يشير إليه العنوان الذي اخترتموه لبرنامجكم النتخابي ‪" :‬تونس الغد "‪ .‬فشكرا لكم يا سيادة‬
‫بع َ‬
‫الرئيس‪.‬‬
‫*******‬
‫‪ 1‬الفارابي‪ ،‬أبو نصر‪ ،‬تحصيل السعادة‪ ،‬دار الندلس‪ ،‬بيروت‪ ، 1981 ،‬الفقرة ‪ ، 16‬صص‪.62 - 61 .‬‬
‫‪ 2‬السراء ‪ ،17‬الية ‪.70‬‬
‫‪ 3‬قد يكون من المفيد جّدا إعادة قراءة مقّدمة ابن خلدون وفق هذا المنظور التأويلي الذي يفتح نظرنا على أنّ‬
‫معنى "الفعل" )وهو المقصود من وراء كامل إشكالية "حقيقة الخبر"( إنما يتحدد وفق الحداثيتين الجديدتين‬
‫المجّددتين اللتين جاء بهما عبد الرحمان بن خلدون‪ :‬الزمان‪ ،‬والجتماع‪ .‬فوراء إشكاليات الصدق الكذب‪،‬‬
‫ووراء أبعاد المسألة التأريخية وأبعاد الكتشاف الخلدوني لعلم العمران‪ ،‬سؤال لشك أنه أساسي لنه جذري ‪:‬‬
‫ما هو جوهر الفعل ؟ إن انخراط السؤال الخلدوني ضمن أفق ماهية الفعل وماهية العمل هو الكفيل بإخراجه‬
‫من تقاليد المسالة البستمولوجية التي طالما حصر ضمنها‪ ،‬والتي ُتفتح في أحسن الحوال على مسائل العلوم‬
‫ن معاصرة ابن خلدون لنا إنما تحصل من تطارحنا‬
‫النسانية المعاصرة وكأنها "ما قبل تاريخ" لهذه العلوم‪ .‬إ ّ‬
‫ساعة ضمن الخلقيات عموما‪.‬‬
‫معه لمسألة الفعل‪ ،‬ولسيما لتأويلية الفعل‪ ،‬التي باتت اليوم قضية ال ّ‬
‫‪ 4‬دستور الجمهورية الّتونسية لسنة ‪ ، 1959‬التوطئة‪.‬‬

‫‪ 5‬جوناس‪ ،‬هانس ‪:‬‬
‫‪JONAS, Hans, Le principe responsabilité, une éthique pour la société technologique,‬‬
‫‪trad.fr. par J. Greisch, Paris,Flammarion, 1990, pp. 15-16‬‬
‫‪ 6‬انظر مثل في هذا الخصوص كتاب السيد جويل دو روزناي‪ ،‬مغامرة الكائن الحي‪ ،‬ترجمة د‪ .‬أحمد ذياب‪،‬‬
‫المنظمة العربية للترجمة‪ ،‬توزيع دار الطليعة‪ ،‬بيروت‪ ، 2003 ،‬وخاصة القسم الثالث منه ‪ :‬إلى أين تمضي‬
‫الحياة ؟ صص‪. 266 - 199 .‬‬
‫‪ 7‬انظر التقارير العديدة لهذه اللجنة‪ ،‬مثل تقريرها عن حقوق النسان والمجين البشري‪ ،‬الدورة ‪ ، 56‬أو‬
‫ورقة عملها عن حقوق النسان والبيوإيثيقا‪ ،‬الدورة ‪ ، 55‬أو تقرير المين العام عن نفس هذه المسألة ‪،‬‬
‫الدورة ‪ ، 59‬إلخ‪.‬‬
‫‪ 8‬المائدة ‪ ، 5 ،‬الية ‪32‬‬