‫ﺍﳌﺘﻔﺮﺟﻮﻥ ﻳﺼﻌﺪﻭﻥ ﺍﱃ ﺧﺸﺒﺔ ﺍﳌﺴﺮﺡ‬

‫ﳓﻦ ﻭﺍﻟﻌﺎﱂ ﺍﳌﺴﺮﺣﻲ‬
‫ﺳﺒﺎﻋﻲ ﺍﻟﺴﻴﺪ‬
‫البد أن يثير فينا االحتفال باليوم "العالمي" للمسرح الذي تقيمه منظمة عالمية ھي الھيئة‬
‫الدولية للمسرح‪ ،‬أو لعله ‪ -‬إن شئنا الدقة‪ -‬يجدد التساؤالت الملحة حول إسھام الثقافة‬
‫العربية في تاريخ المسرح في العالم‪ .‬أي إسھام للمسرح العربي في تراث المسرح‬
‫العالمي؟ وما نسبة ھذا اإلسھام مقارنة بمسارح "شرقية" أخرى مثل المسرح الھندي‬
‫والتركي واإلفريقي؟ وأين مكاننا ومكانتنا بين ثقافات العالم التي أسھمت في تاريخ‬
‫المسرح؟‬
‫في إحدى مقاالته ذكر الكاتب المسرحي المصري الراحل الفريد فرج قبل عشر سنوات‬
‫انه تلقى دعوة من جامعة أمريكية للحديث عن المسرح العربي إلي طلبة قسم المسرح‬
‫بالجامعة وطلبه آخرين اھتموا بموضوع لقائي فتزاحم الطلبة علي المدرج أمامي‪.‬‬
‫وقدمني لھم أستاذھم بقوله بتواضع فاضل أنه ال يعرف شيئا عن المسرح العربي إال ما‬
‫رجع إليه في الموسوعات المسرحية باألمس‪ ,‬وھو قليل‪ ..‬لذلك فاني معكم سأنصت‬
‫لحديث عن المسرح العربي يقدمه فالن) يقصدني("‬
‫وأبدى كاتبنا الكبير استغرابه ودھشته من تجاھل الريبرتوار العالمي للمسرح العربي‪،‬‬
‫على الرغم من ترحيبھا بمسارح أخرى "غير غربية" وأضاف ‪ " :‬كنت في برودواي‬
‫واستعرضت مسرحيات الموسم‪ ,‬وقد مررت في طريقي بمدينة لندن واستعرضت فيھا‬
‫مسرحيات الموسم‪ ..‬فوجدت أن الريبرتوار العالمي للمسرح‪ ,‬أي قائمة المسرحيات‬
‫المختارة والمطلوبة والمعروضة دائما تضم األسماء الرفيعة لشكسبير وموليير وابسن‬
‫وتشيكوف وسارتر وبيراندللو وھيجو وبيكت ويونسكو وارثر ميللر‪ ..‬وبالقائمة اسم‬
‫إيراني واسم تركي واسم روماني واسم ھندي واسم نيجيري‪ ..‬ولكن أثار دھشتي أني ال‬
‫أجد بھا اسما عربيا واحدا‪ ,‬مع أن المسرح العربي نشأ مع المسرح األمريكي نفسه في‬
‫القرن التاسع عشر‪ ,‬ومع أن العالم العربي به أكثر من عشرين مسرحا قوميا تدعمه‬
‫الدولة وعشرات المسارح الخاصة التي تجتذب كلھا سنويا ماليين المشاھدين إلي جانب‬
‫المسارح اإلقليمية والمسارح الجامعة التي تتمتع بوزن له اعتباره‪".‬‬

‫لقد استرعى انتباھي أيضا ً أن الموسوعات التي تتناول تاريخ المسرح والدراما ال‬
‫تتوقف طويالً عند المسرح العربي‪ ،‬بل إنني وجدت أوسكار بروكيت في كتابه تاريخ‬
‫المسرح الذي صدرت طبعته التاسعة ‪ -‬يخصص بالكاد صفحة واحدة يتيمة من أصل‬
‫‪ 700‬صفحة للحديث عن المسرح في مصر والمغرب العربي وذلك في معرض حديثه‬
‫عن المسرح في إفريقيا‪ .‬وتطرق المؤلف إلى دور مصر الريادي ذاكرا أعمال بعض‬
‫المؤلفين المسرحيين مثل شوقي والحكيم ورشاد رشدي‪ .‬ثم ينتقل إلى الحديث عن‬
‫الجزائر مشيرا إلى أعمال كاتب ياسين‪ .‬كما يعرج على تونس والمغرب قائالً انه لم‬
‫يظھر مخرجون ذوو شأن خارج بالدھم‪ ،‬باستثناء كل من عز الدين المدني والطيب‬
‫الصديقي‪.‬‬
‫لقد تجاھل الكتاب بقية تاريخ المسرح العربي الحديث‪ ،‬وتناسى أعمال سعد ‪ L‬ونوس‬
‫ويوسف إدريس ومحمود دياب وعبد الرحمن الشرقاوي وصالح عبد الصبور وألفريد‬
‫فرج‪ ،‬استبعد جھود كرم مطاوع وسعد أردش وعبد الكريم برشيد‪ ،‬وجواد األسدي‬
‫وغيرھم وجميع الرواد والمحدثين من أعالم المسرح العربي‪.‬‬
‫فھل ھو تاريخ يستأھل التجاھل واإلھمال في نظر الباحثين العالميين‪ ،‬أم أن وزارات‬
‫الثقافة والمؤسسات العربية المعنية لم تقم بدورھا في التعريف كما يجب بمسيرة‬
‫المسرح العربي‪ ،‬وتاريخه ورواده؟‬
‫إن الواقع يقول أن ھناك الكثير من المنظمات والجمعيات الدولية المسرحية التي تعنى‬
‫بشؤون المسرح والمسرحيين في العالم‪ ،‬مثل الجمعيات الدولية الخاصة بمسرح الطفل‬
‫والشباب‪ ،‬وبالتعليم األكاديمي بالمسرح‪ ،‬ومصممي السينوغراف وتقنيي ومعماريي‬
‫المسرح‪ ،‬الجمعية الدولية لتعليم الدراما والمسرح‪ ،‬واالتحاد الدولي للبحث المسرحي‪،‬‬
‫والجمعية الدولية لنقاد المسرح‪ .‬فالي أي مدى يشارك المسرحيون في نشاطاتھا‪ ،‬والى‬
‫أي مدى تمتد شراكات بين المؤسسات المسرحية واألكاديمية العربية وبين ھذه‬
‫المنظمات؟‬
‫لقد عرف العالم اھتماما ً كبيراً بالثقافة العربية بعد أحداث ‪ 11‬سبتمبر‪ ،‬وتزايدت أعداد‬
‫الطلبة في أقسام اللغة العربية‪ .‬لكن الدراما والمسرح العربيين لم يكن لھما حظ كبير من‬
‫االھتمام ‪،‬سواء من حيث االحتكاك بالخبرات الدولية في المحافل العلمية‪ ،‬أو الشركات‬
‫والتعاون مع المنظمات الدولية بما يحقق االستفادة ألعضائھا‪ ،‬واالحتكاك بتجارب دول‬
‫العالم في مجال التدريب والتكوين‪ ،‬وشحذ والقدرات اإلبداعية لدى كل العاملين بمجال‬

‫المسرح‪ ،‬أو في تقديم المسرح العربي في المھرجانات العالمية ‪ ،‬أو بترجمة‬
‫المسرحيات العربية إلى اللغات األجنبية‪.‬‬
‫وفي كثير من االحيان تكون عالقتنا بالمسرح الغربي عالقة "استيراد" في اتجاه واحد‪،‬‬
‫فمثالً أصدرت ھيئة الفجيرة للثقافة واإلعالم في اإلمارات ھذا العام موسوعة "المسرح‬
‫في العالم" بالتعاون مع الھيئة الدولية للمسرح ضمن فعاليات الدورة الخامسة لمھرجان‬
‫الفجيرة الدولي للمونودراما‪ ،‬وھذا جھد مشكور بكل تأكيد‪ ،‬لكن في المقابل تمنيت لو‬
‫كان المجلد يضم عشرة مسرحيات مترجمة الى اللغة االنجليزية أو كتابا ً موسوعيا ً عن‬
‫المسرح في العالم العربي مترجم الى لغات العالم‪.‬‬
‫ھذا ال ينفي المحاوالت الجادة التي ظھرت في األعوام القليلة الماضية من أجل ترجمة‬
‫المسرح العربي‪) ،‬أوديب العربي على سبيل المثال وھو مجموعة من النصوص‬
‫المسرحية العربية التي استلھمت أسطورة أوديب اإلغريقية ‪ ،‬وكتبھا كل من توفيق‬
‫الحكيم وباكثير وعلي سالم إلى وليد إخالصي‪ .‬أو كتاب رحلة ھاملت العربية بين أمير‬
‫شكسبير وشبح ناصر الذي قامت فيه الباحثة األمريكية مارجريت ليتفين بتحليل‬
‫شخصية ھاملت في المسرح العربي‪ .‬ونشير كذلك إلى اھتمام أرشيف شكسبير العالمي‬
‫بضم مساھمات المسرح العربي في تقديم مسرحيات شكسبير‪ .‬بالتأكيد كل ھذه جھود‬
‫ھامة تستحق التقدير‪.‬‬
‫ولعلنا نشير في ھذا الصدد إلى الجھود المؤثرة التي تقوم بھا مجموعة عمل المسرح‬
‫العربي‪ ،‬في االتحاد الدولي للبحث المسرحي‪ .‬فقد تشكلت ھذه المجموعة عام ‪2006‬‬
‫كأول حضور للمسرح العربي في ھذه المنظمة التي تأسست قبل نحو خمسين عاما ً‬
‫وكان عملھا يركز بشكل أساسي أو ينحاز للمسرح األوربي واألمريكي‪ .‬ولم يتأت ذلك‬
‫اال نتيجة لجھود باحثين عرب مثل الدكتورة نھاد صليحة‪ ،‬وأجانب مثل البرفيسور‬
‫األمريكي مارفن كارلسون‪ ،‬والباحثة ميكي كولك‪ ،‬والذين كانت لمشاركتھما في‬
‫مھرجان القاھرة الدولي للمسرح التجريبي دافعا ً ھاما ً لالھتمام بالمسرح العربي‪.‬‬
‫وضمت قائمة األعضاء المؤسسين لمجموعة عمل المسرح العربي باحثين ينتمون للعالم‬
‫العربي واإلسالمي منھم خالد أمين وحسن يوسفي وسعيد الناجي من المغرب‪ ،‬وبتول‬
‫خطاب وحازم عزمي من مصر‪ ،‬نسرين الرفاعي من سوريا إضافة إلى أعضاء من‬
‫إيران ومن الواليات المتحدة مثل إياد حسامي وادوارد زعيتر‪ .‬ھذه المجموعة تھدف‬
‫إلى عقد حوار حول عدد من القضايا العلمية المتعلقة بالتفاعل بين المسرح العربي‬
‫والمسرح العالمي‪.‬‬

‫ويبقى التأكيد على أھمية اضطالع المؤسسات العربية المعنية‪ ،‬وھي المنظمة العربية‬
‫للتربية والثقافة والعلوم األلكسو بدورھا في إثراء الحوار بين العالم العربي والغرب‪،‬‬
‫وتحديداً بوضع مشروع متكامل لترجمة المسرح العربي إلى لغات العالم األساسية‪،‬‬
‫وتشجيع العروض المسرحية المتميزة للمشاركة في المھرجانات المسرحية الدولية‪،‬‬
‫وإقامة شراكات ايجابية وفاعلة مع المنظمات الدولية في مجال التدريب والدرس‬
‫العلمي‪ ،‬من خالل المنح الدراسية والبعثات‪ ،‬والمشاركة الفاعلة في المؤتمرات الدولية‪.‬‬
‫كما نأمل أن تأخذ ھذه القضية ما تستحقه ‪ ،‬ضمن بنود اإلستراتيجية التي تقوم على‬
‫صياغتھا حاليا ً الھيئة العربية للمسرح التي تبذل جھوداً ملموسة في تعزيز فن المسرح‬
‫العربي‪ ،‬واالرتقاء به‪ .‬فإن المسرح العربي ھو نتاج لثقافتنا العربية التي يجب أن نؤدي‬
‫دورنا في التعريف به‪ ،‬ووضعه في المكانة التي يستحقھا في خريطة المسرح في العالم‪.‬‬
‫يجب أن نكف عن الجلوس في مقاعد المتفرجين وأن نصعد إلى الخشبة بعض الوقت‬
‫فإن لدينا ما يستحق العرض‪.‬‬
‫الدوحة – مارس ‪2012‬‬
‫•‬

‫نشرت بمجلة راديو المسرح التونسية‬

Sign up to vote on this title
UsefulNot useful