‫‪1‬‬

‫تفسير سورة النفطار‬

‫فتح القدير في‬
‫روائع التفسير‬
‫تفسير سورة النفطار‬

‫فضيلة الشيخ ‪ /‬رياض بن محمد‬
‫المسيميري‬

‫جميع الحقوق محفوظة لموقع فضيلة الشيخ ‪ /‬رياض بن محمد المسيميري‬
‫‪http://www.islamlight.net/almosimiry‬‬

‫‪2‬‬

‫تفسير سورة النفطار‬
‫بسم الله الرحمن الرحيم‬

‫ب ان َت َثرَتْ* وَِإذَا ا ْل ِبحَارُ ُفجّرَتْ* وَِإذَا الْ ُقبُورُ‬
‫طرَتْ* وَِإذَا ا ْلكَوَاكِ ُ‬
‫سمَاء ان َف َ‬
‫((إذَا ال ّ‬
‫غ ّركَ ِب َر ّبكَ ا ْل َكرِيمِ*‬
‫خرَتْ* يَا َأ ّيهَا ا ْلإِنسَانُ مَا َ‬
‫س مّا َقدّمَتْ وََأ ّ‬
‫ت نَفْ ٌ‬
‫ُب ْعثِرَتْ* عَِلمَ ْ‬
‫ن بِالدّينِ*‬
‫اّلذِي خَلَ َقكَ َفسَوّاكَ َف َعدََلكَ* فِي َأيّ صُورَ ٍة مّا شَاء َر ّك َبكَ* كَلّا بَلْ ُت َك ّذبُو َ‬
‫ن مَا تَ ْفعَلُونَ))‪.‬‬
‫وَِإنّ عََل ْيكُ ْم َلحَا ِفظِينَ* كِرَاما كَا ِتبِينَ* َيعَْلمُو َ‬
‫ح الغَريب ‪:‬‬
‫شَرْ ُ‬
‫سمَاء ان َفطَرَتْ) ‪ :‬أي انشقت ‪.‬‬
‫(إذَا ال ّ‬
‫ب ان َتثَرَتْ)‪ :‬أي تساقطت ‪ ،‬وانفرط نظامها ‪.‬‬
‫(وَِإذَا ا ْلكَوَاكِ ُ‬
‫جرَتْ )‪ :‬أي ‪ :‬انفتح بعضُها على بعض فصارت بحرا واحدا ‪ ،‬أو‬
‫(وَِإذَا ا ْل ِبحَا ُر فُ ّ‬
‫استعرت نارا ‪.‬‬
‫(وَِإذَا الْ ُقبُو ُر ُب ْعثِرَتْ )‪ :‬أي ‪ ،‬أي أخرج من فيها من الموات ‪.‬‬
‫خرَتْ) ‪ :‬أي ‪ :‬علم كل إنسان صالح عمله وفاسده ‪ ،‬وطيبه‬
‫س مّا َق ّدمَتْ وََأ ّ‬
‫ت نَفْ ٌ‬
‫(عَِلمَ ْ‬
‫وخبيثه ‪.‬‬
‫غ ّركَ ِب َر ّبكَ ا ْل َكرِيمِ )‪ :‬هذا تهديد ‪ ،‬أي ما الذي جرأك أيها‬
‫ن مَا َ‬
‫(يَا َأ ّيهَا ا ْلإِنسَا ُ‬
‫النسان على ربك حين أقدمت على معصيته وقابلته بما ل يليق؟! ‪.‬‬
‫( َفسَوّاكَ َف َعدََلكَ )‪ :‬أي جعلك سويا معتدل القامة ‪ ،‬في أحسن الهيئات ‪ ،‬والشكال ‪.‬‬
‫(فِي َأيّ صُورَ ٍة مّا شَاء َر ّك َبكَ) ‪ :‬أي في أي شبه شاء جعلك؛ سواء شبه أب أو أم ‪،‬‬
‫أو عم ‪ ،‬أو خال ‪ ،‬أو خلف ذلك ‪.‬‬
‫ن بِالدّينِ) ‪ :‬أي ‪ :‬بل إنّما يحملُكم على مواجهة الكريم ‪ ،‬ومقابلته‬
‫ل ُت َك ّذبُو َ‬
‫(كَلّا بَ ْ‬
‫ب في قلوبكم بالمعاد والجزاء والحساب ‪.‬‬
‫بالمعاصي تكذي ٌ‬
‫(وَإِنّ عََل ْي ُكمْ َلحَافِظِينَ) ‪ :‬أي الملئكة الحفظة ‪.‬‬
‫( ِكرَاما كَا ِتبِينَ )‪ :‬أي موصوفون بالكرم وموكلون بالكتابة لكل صغيرة وكبيرة من‬
‫أعمال ابن آدم ‪.‬‬

‫جميع الحقوق محفوظة لموقع فضيلة الشيخ ‪ /‬رياض بن محمد المسيميري‬
‫‪http://www.islamlight.net/almosimiry‬‬

‫‪3‬‬

‫تفسير سورة النفطار‬

‫ن مَا تَ ْفعَلُونَ )‪ :‬من الحسنات والسيئات ‪ ،‬فيكتبونها لكم أو عليكم ‪ ،‬وقد منحهم‬
‫( َيعَْلمُو َ‬
‫ال تعالى القدرة على متابعة المكلفين متابعة دقيقة بحيث يحصون عليه مثاقيل الذر‪.‬‬
‫هداية اليات ‪:‬‬
‫في هذه السورة يذكر ال – تعالى‪ -‬جملة من الحداث العظام التي يجريها –‬
‫سبحانه– بقدرته يوم القيامة ‪ ،‬وهي أحداث سبق ذكر بعضها في سور أخرى‬
‫سمَاء انشَقّتْ)) ونحو ذلك ‪،‬‬
‫سمَاء ُكشِطَتْ)) ((ِإذَا ال ّ‬
‫بعبارات متقاربة مثل ‪( :‬وَِإذَا ال ّ‬
‫ومن خلل أسلوب التنويع والتكرير يحصل تشويق النفوس على الستجابة‬
‫والذعان ‪ ،‬واليمان والتسليم لوحدانية ال وقدرته على البعث والنشور ‪ ،‬والحساب‬
‫والجزاء ‪.‬‬
‫كما يُحذّر ال ‪ -‬تعالى ‪ -‬من خلل السورة هذا النسان المغرور ‪ ،‬المقتحم‬
‫للمعاصي والذنوب ‪ ،‬والخطايا والسيئات من مغبة الستمرار على قبيح صنعه‬
‫وسيء عمله مغترا بستر ال وإمهاله له ‪.‬‬
‫ومُذكرا له بعظيم منة ال عليه حيث أحسن خلقه ‪ ،‬وأتقن صنعه ‪ ,‬وجعله في أجمل‬
‫صورة ‪ ،‬ولو شاء لجعله في صورة أقبح الخلئق من خنازير وقردة كما قال ذلك‬
‫جمع من أهل التفسير !‬
‫ن بالقبيح فيتجرأ على موله وخالقه‬
‫فل يُحسن أن يقابلَ الحسان بالساءة ‪ ،‬والحس َ‬
‫ن!‬
‫سعيا وراء حظوظ نفسه ‪،‬وشهواتها‪ ,‬وطاعة لشياطين النس والج ّ‬
‫فإنّ أقواله وأفعاله معلومة مكتوبة‪ ,‬وسيُجازي على الصغير والكبير ‪ ،‬والنقير‬
‫والقطمير‪ ،‬فليتق ال ربه وليراقب الخبير البصير الذي ل تغيب عليه غائبة ول‬
‫تخفى عليه خافية في الرض ول في السماء ‪.‬‬
‫وعلى العاقل أن يتجنب كل قول أو فعل يُكسبه ذنبا ويُحمله وزرا ‪ ،‬ويُعرّضه لمقت‬
‫ال وغضبه؛ فإنّ ال عزيز ذو انتقام ‪ ،‬يُمهل ول يهمل ‪ ،‬ويَحلم ول يغفل ‪.‬‬
‫فليت شعري هل يستفيقُ أولئك السادرون في غيهم والتائهون في ضللهم ‪،‬‬
‫والراكضون خلف شهواتهم ؟!‬
‫جميع الحقوق محفوظة لموقع فضيلة الشيخ ‪ /‬رياض بن محمد المسيميري‬
‫‪http://www.islamlight.net/almosimiry‬‬

‫‪4‬‬

‫تفسير سورة النفطار‬

‫وليت شعري هل ينتبه الغافلون المغترون بشبابهم وصحتهم ويعلمون أنّ الشباب‬
‫زائل والصحة ذاهبة والعمر فانٍ ؟! ‪.‬‬
‫ع ْنهَا‬
‫جحِيمٍ * َيصْلَ ْو َنهَا يَ ْومَ الدّينِ* َومَا ُهمْ َ‬
‫ن الْ ُفجّارَ لَفِي َ‬
‫((ِإنّ ا ْلَأ ْبرَارَ لَفِي َنعِيمٍ * وَإِ ّ‬
‫ن * ُثمّ مَا َأ ْدرَاكَ مَا يَ ْو ُم الدّينِ * يَ ْو َم لَا َتمِْلكُ نَفْسٌ‬
‫ِبغَائِبِينَ * َومَا َأ ْدرَاكَ مَا َي ْومُ الدّي ِ‬
‫شيْئا وَا ْلَأمْرُ َي ْو َم ِئذٍ لِلّهِ)) ‪.‬‬
‫ّلنَفْسٍ َ‬
‫شرح الغريب ‪:‬‬
‫ن ا ْلَأ ْبرَارَ َلفِي َنعِيمٍ) ‪ :‬البرار جمع ‪َ :‬برّ وهو المتصف بالب ّر أي الطاعة ‪،‬‬
‫(إِ ّ‬
‫فالبرار هو الطائعون ل ‪.‬‬
‫جحِيمٍ) ‪ :‬الفجار جمع ‪ :‬فاجر ‪ ،‬وهو المتصف بالمعصية ‪،‬‬
‫ن الْ ُفجّارَ لَفِي َ‬
‫(وَإِ ّ‬
‫فالفجار هم العصاة ل ‪ ،‬المتمردون على أمره ‪ .‬والجحيم ‪ :‬هي جهنم ‪ ,‬وقانا ال‬
‫شرها ‪.‬‬
‫( َيصْلَ ْو َنهَا يَ ْو َم الدّينِ) ‪ :‬يقاسون عذابها ونيرانها يوم القيامة ويوم الحساب والجزاء‬
‫ع ْنهَا ِبغَا ِئبِينَ) ‪ :‬أي وما الفجار بمخرجين من الجحيم ول بمُخفف عنهم‬
‫( َومَا ُهمْ َ‬
‫من عذابها ‪.‬‬
‫ك مَا يَ ْومُ الدّينِ) ‪ :‬أي ما أعلمك ما حقيقة يوم الدين ‪ ،‬وما شأنه العظيم‬
‫( َومَا َأ ْدرَا َ‬
‫وخطبه الجسيم !‬
‫شيْئا) ‪ :‬وهذه الجملة تفسير ليوم الدين ‪ ،‬وبأنّه يوم ل تملك‬
‫س َ‬
‫(يَ ْومَ لَا َتمِْلكُ َنفْسٌ ّلنَفْ ٍ‬
‫أي نفس لي نفس شيئا من شفاعة ‪ ،‬أو جلب خير أو دفع ضر إل بإذن ال‬
‫ورضاه‪.‬‬
‫(وَا ْلَأمْرُ َي ْو َم ِئذٍ لِلّهِ) ‪ :‬أي تدبير ذلك اليوم وحكمه ل وحده ل ينازعه أحد مهما كان‬
‫!‬
‫هداية اليات ‪:‬‬

‫جميع الحقوق محفوظة لموقع فضيلة الشيخ ‪ /‬رياض بن محمد المسيميري‬
‫‪http://www.islamlight.net/almosimiry‬‬

‫‪5‬‬

‫تفسير سورة النفطار‬

‫ل َبرّ تقي ‪ ،‬قانت‬
‫في هذه اليات المباركات ‪ ،‬والجمل الجامعات ‪ ،‬يُبشر ال تعالى ك ّ‬
‫مُطيع بأعظم بشارة ‪ ،‬وأحسن خاتمة حيث هئ له النعيم الخالد ‪ ،‬والمجد الدائم ‪ ،‬في‬
‫جنات النعيم ‪.‬‬
‫إنها بشارة ال لمن وحّد ربه بصدق‪ ,‬وتابع محمدا صلى ال عليه وسلم بإخلص‪,‬‬
‫وأقام الصلة ‪،‬وأدّى الزكاة ‪ ،‬وصام الشهر‪ ,‬وحج البيت ‪ ،‬وبرّ البوين ‪ ،‬ووصل‬
‫الرحام‪ ,‬وعفّ عن الحرام ‪ ،‬وأمر بمعروف وزجر عن منكر وجاهد في سبيل‬
‫ال !‬
‫وفي اليات أيضا بشارة من نوع آخر لكل فاجر عنيد‪ ,‬سكير عربيد ‪ ،‬جواظ غليظ‪,‬‬
‫بأسوأ نهاية وأقبح مصير ‪ ،‬فقد هيئ ال له الجحيم الخالد ‪ ،‬والذّل الدائم ‪ ،‬والعذاب‬
‫البدي !‬
‫إنّها بشارة ال لمن أشرك مع ال غيره ‪ ،‬ونابذ محمدا صلى ال عليه وسلم هديه‬
‫وسنته ‪ ،‬وأضاع الصلة‪ ,‬وبخل بالزكاة‪ ,‬وامتهن حرمة الصيام‪ ,‬وتوانى عن حج‬
‫البيت الحرام‪ ،‬وعقّ البوين‪ ,‬وقطع وشيجة الرحام ‪ ،‬واقتحم كل ممنوع وحرام ‪،‬‬
‫وأمر بمنكر‪ ,‬ونهى عن معروف ‪ ،‬وجبُن عن جهاد كلّ عدو ومنافق !!‬
‫إنّها البشارة بالجحيم المُحرقة المكفهرة‪ ,‬التي سيصلونها ل محالة يوم الدين ‪. ..‬يوم‬
‫تعرض عليهم أعمالهم الذميمة ومخازيهم الفاضحة ‪ ،‬وسيئاتهم الجريئة ‪..‬‬
‫ومن سوء حظهم أنهم متى دخلوا تلك النيران الملتهبة والجحيم الحارقة القاسية؛ فلن‬
‫يغيبوا عنها ساعة أو بعض ساعة ‪ ,‬بل يا للحسرة! فكل ساعة تقدم تفوق كل ساعة‬
‫تمضي وما ربك بظلم للعبيد !‬
‫إنّه جزاء الطغاة المستخفين بملك الملوك ‪ ،‬علّام الغيوب ‪ ،‬إنّه جزاء المعاندين‬
‫المستكبرين ‪ ،‬المستخفين بوعد ال ووعيده ‪ ،‬وناره ‪ ،‬وجحيمه ‪ ،‬وعذابه ‪ ،‬ونكاله !‬
‫ويا له من جزاء ! ويا لها من خاتمة !‬
‫إنّه يوم الدين ‪ ,‬الذي تتمخض فيه حقائق الشياء ‪ ،‬وتتجلى حقائق المور ‪ ،‬ويظفر‬
‫الفائزون بما كانوا يوعدون‪ ,‬ويُفجع الخائبون بما كانوا يستخفون !!‬
‫جميع الحقوق محفوظة لموقع فضيلة الشيخ ‪ /‬رياض بن محمد المسيميري‬
‫‪http://www.islamlight.net/almosimiry‬‬

‫‪6‬‬

‫تفسير سورة النفطار‬

‫وفي ذلك اليوم القريب ل حكم ولقضاء‪ ,‬ول أمر ول نهي إل ل ‪ ،‬فقد خاب كلّ‬
‫جبار عنيد ‪ ،‬وظهر ضعف كل مارد صنديد ‪ ،‬وانكشف زيف كل مارق بليد ! !‬
‫الهبة‬
‫فوائد السورة‪:‬‬
‫‪ -1‬ذكر بعض علمات الساعة وأهوال القيامة ؛ تنبيها للعباد بأخذ الهبة‬
‫والستعداد‪.‬‬
‫ن كل إنسان سيعلم عمله ونتيجة سعيه‪.‬‬
‫‪ -2‬أ ّ‬
‫‪ -3‬تحذير النسان من مغبة الغرور بحلم ال عليه‪ ,‬وإمهاله له‪.‬‬
‫‪ -4‬إثبات اسم الكريم وصفة الكرم ل – تعالى‪.-‬‬
‫‪ -5‬عظم منة ال على النسان حيث خلقه بأحسن صورة‪.‬‬
‫‪ -6‬تكذيب الكفرة والملحدة بيوم الدين ظلما وعنادا‪.‬‬
‫‪ -7‬إحصاء الملئكة لعمال العباد كلها‪.‬‬
‫‪ -8‬حسن عاقبة البرار‪,‬وأنّهم في نعيم مقيم‪.‬‬
‫‪ -9‬سوء عاقبة الفجار‪ ,‬وأنّهم في جحيم دائم‪.‬‬
‫ن كل أحد مسؤول عن نفسه ول يملك لغيره شيئا‪.‬‬
‫‪ -10‬أ ّ‬
‫ن المر يوم القيامة ل وحده‪.‬‬
‫‪ -11‬أ ّ‬

‫جميع الحقوق محفوظة لموقع فضيلة الشيخ ‪ /‬رياض بن محمد المسيميري‬
‫‪http://www.islamlight.net/almosimiry‬‬

Sign up to vote on this title
UsefulNot useful