‫بسم الله الرحمن الرحيم‬

‫محمد صلى ال عليه وسلم‬
‫كأنك تراه‬

‫بقلم‪:‬‬
‫د‪ .‬عائض بن عبدال‬
‫القرني‬
‫إعداد‪ :‬م‪.‬عبدالله بن علي صغير‬
‫‪1‬‬

‫نشر موقع صيد الفوائد‬
‫‪www.saaid.net‬‬

‫‪١٤٢٩/١٢/٢٩‬‬

‫مقدمة‪:‬‬
‫الحمد ل‪ ،‬والصلة والسلم على عبدال ورسوله محمد‪ ،‬وآله وصحبه‪ ،‬أما بعد‬
‫‪:‬‬
‫فل أستطيع أن ألزم الحياد في كتابتي عن أحبّ إنسان الى قلبي‪ :‬محمد رسول ال صلى ال عليه‬
‫وسلم‪ ،‬إنني ل أكتب عن زعيم سياسي قدّم لشعبه أطروحته وعرض على أتباعه فكرته‪ ،‬ليقيم دولة في‬
‫زاوية من زوايا الرض‪ ،‬بل أكتب عن رسول ربّ العالمين‪ ،‬المبعوث رحمة للناس أجمعين‬
‫‪.‬‬
‫ولن ألزم الحياد وأنا أكتب عنه؛ لنني ل أكتب عن خليفة من الخلفاء له جنود وبنود ولديه حشود‬
‫وعنده قناطير مقنطرة من الذهب والفضة والخيل المسّومة والنعام والحرث‪ ،‬ولكنني أكتب عن‬
‫الرحمة المهداة والنعمة المسداة‪ :‬محمد رسول ال صلى ال عليه وسلم‬
‫‪.‬‬
‫ولن ألزم الحياد لنني ل أتكلم عن سلطان من السلطين قهر الناس بسيفه وسوطه‪ ،‬وأخاف الناس‬
‫بسلطانه وهيمانه وصولجانه‪ ،‬لكنني أتكلم عن معصوم شرح ال صدره ووضع عنه وزره‪ ،‬ورفع له‬
‫ذكره‬
‫‪.‬‬
‫ولن ألزم الحياد لنني ل أتكلم عن شاعر هدّار‪ ،‬أو خطيب ثرثار‪ ،‬أو متكلم موّار‪ ،‬أو فيلسوف هائم‪،‬‬
‫أو روائي متخيل‪ ،‬أو كاتب متصنّعن أو تاجر منعم‪ ،‬بل أتحدث عن نبي خاتم‪ ،‬نزل عليه الوحي‪ ،‬وهبط‬
‫عليه جبريل‪ ،‬ووصل سدرة المنتهى‪ ،‬له شفاعة كبرى‪ ،‬ومنزلة عظمى‪ ،‬وحوض مورود‪ ،‬ومقام‬
‫محمود‪ ،‬ولواء معقود‪ ،‬فكيف ألزم الحياد إذاً؟‬

‫‪2‬‬

‫‪١٤٢٩/١٢/٢٩‬‬

‫مقدمة‪:‬‬
‫أتريد أن أحبس عواطفي وأن أقيد ميولي وأن أربط على نبضات قلبي وأنا أكتب عن أحب إنسان إلى قلبي وأغلى‬
‫رجل وأعز مخلوق على نفسي؟ إن هذا لشيء عجاب‬
‫!‬
‫أتريد مني أن أكفكف دموعي وأنا أخطّ سيرته‪ ،‬وأن أخمد لهيب روحي وأنا أسطّر أخباره‪ ،‬وأن أجمد خلجات‬
‫فؤادي وأنا أدبج ذكرياته؟! لن أستطيع هذا‪ ،‬كل وألف كل‬
‫‪.‬‬
‫لنني أكتب عن أسوة وإمام معي بهداه في كل شاردة وواردة‪ ،‬أصلي فأذكره لنه يقول‪" :‬صلوا كما رأيتموني‬
‫أصلي" البخاري ‪ ،631‬أحجّ فأذكره لنه يقول‪ ":‬لتأخذوا عني مناسككم" مسلم ‪ ،1297‬في كل طرفة عين أذكره لنه‬
‫يقول‪ ":‬من رغب عن سنتي فليس مني" البخاري ‪ 5063‬ومسلم ‪ ،1401‬وفي كل لحظة أذكره لن ال يقول‪:‬‬
‫لّ أُسْوَ ٌة حَسَنَةٌ ) الحزاب ‪.21‬‬
‫(َلقَدْ كان لَكُمْ فِي رَسُولِ ا ِ‬
‫إنني أكتب عن أغلى الرجال وأجلّ الناس وأفضل البشر وأزكى العالمين‪ ،‬مرجعي في ذلك دفتر الحب المحفوظ في‬
‫قلبي‪ ،‬ومصدري في ذلك ديوان العجاب المخطوط في ذاكرتي‪ ،‬فكأنني أكتب بأعصاب جسمي وشرايين قلبي‪،‬‬

‫‪3‬‬

‫‪١٤٢٩/١٢/٢٩‬‬

‫قصة النبوة‬
‫محمد رسول ال صلى ال عليه وسلم كأنك تراه‬
‫‪:‬اسمه‬
‫محمد صلى ال عليه وسلم‪ ،‬اسم على مسمّى‪ ،‬علم على رمز‪ ،‬ووصف على إمام‪ ،‬جمع المحامد‪ ،‬وحاز المكارم‪،‬‬
‫واستولى على القيم‪ ،‬وتفرّد بالمثل‪ ،‬وتميّز بالريادة‪ ،‬محمود عند ال لنه رسوله المعصوم‪ ،‬ونبيّه الخاتم‪ ،‬وعبده‬
‫الصالح‪ ،‬وصفوته من خلقه‪ ،‬وخليله من أهل الرض‪ ،‬ومحمود عند الناس لنه قريب من القلوب‪ ،‬حبيب الى‬
‫النفوس‪ ،‬رحمة مهداة‪ ،‬ونعمة مسداة‪ ،‬مبارك أينما كان‪ ،‬محفوف بالعناية أينما وجد‪ ،‬محاط بالتقدير أينما حلّ‬
‫‪ :‬وارتحل‪ ،‬حمدت طبائعه لنها هذّبت بالوحي‪ ،‬وشرفت طباعه لنها صقلت بالنبوة‪ ،‬فال محمود ورسوله محمد‬
‫وشقّ له من اسمه ليجلّه‬
‫فذو العرش محمود وهذا محمّد‬
‫واسمه أحمد‪ ،‬بشّر بذلك عيسى قومه‪ ،‬واسمه العاقب والحاشر والماحي‪ ،‬وهو خاتم الرسل وخيرة النبياء‪،‬‬
‫وخطيبهم إذا وفدوا‪ ،‬وإمامهم إذا وردوا‬
‫‪.‬‬
‫صاحب الحوض المورود‪ ،‬واللواء المعقود‪ ،‬والمقام المحمود‪ ،‬صاحب الغرّة والتحجيل‪ ،‬المذكور في التوراة‬
‫والنجيل‪ ،‬المؤيّد بجبريل‪ ،‬حامل لواء العزّ في بني لؤي‪ ،‬وصاحب الطود المنيف في بني عبدمناف بن قصي‪،‬‬
‫ل مصلح وهاد‪ ،‬جليل القدر‪ ،‬مشروح الصدر‪ ،‬مرفوع‬
‫أشرف من ذُكر في الفؤاد‪ ،‬وصفوة الحواضر والبوادي‪ ،‬وأج ّ‬
‫الذكر‪ ،‬رشيد المر‪ ،‬القائم بالشكر‪ ،‬المحفوظ بالنصر‪ ،‬البريء من الوزر‪ ،‬المبارك في كل عصر‪ ،‬المعروف في‬
‫كل مصر‪ ،‬في همة الدهر‪ ،‬وجود البحر‪ ،‬وسخاء القطر‪ ،‬صلوات ال وسلمه عليه وآله وصحبه‪ ،‬ما نجمٌ بدا‪،‬‬
‫وطائر شدا‪ ،‬ونسيم غدا‪ ،‬ومسافر حدا‬
‫‪.‬‬

‫‪4‬‬

‫‪١٤٢٩/١٢/٢٩‬‬

‫محمد رسول ال صلى ال عليه وسلم كأنك تراه‬
‫‪:‬واما نسبه‬

‫فالرسول صلى ال عليه وسلم خيار من خيار‪ ،‬الى نسبه يعود كل مخار‪ ،‬وهو من‬
‫نكاح ل من سفاح‪ ،‬آباؤه سادات الناس‪ ،‬وأجداده رؤوس القبائل‪ ،‬جمعوا المكارم كابرا‬
‫عن كابر‪ ،‬واستولى على معالي المور‪ ،‬فلن تجد في صفة عبدالمطلب أجلّ منه‪ ،‬ول‬
‫في قرن هاشم أنبل منه‪ ،‬ول في أتراب عبد مناف اكرم منه‪ ،‬ول في رعيل قصيّ‬
‫أعلى كعبا منه‪ ،‬وهكذا دواليك‪ ..‬حتى عليه السلم‪ ،‬فهو صلى ال عليه وسلم سيد من‬
‫سيد يروي المكارم أبا عن جد‬
‫‪:‬‬
‫نسبٌ كأن عليه من شمس الضحى‬
‫نورا ومن فلق الصباح عمودا‬

‫‪5‬‬

‫‪١٤٢٩/١٢/٢٩‬‬

‫محمد رسول ال صلى ال عليه وسلم كأنك تراه‬
‫‪:‬وأما موطنه عليه الصلة والسلم‬
‫ب البلد إليه سبحانه‪ ،‬البلد الحرام‪ ،‬والتربة الطاهرة‪،‬‬
‫فقد اختار ال له من بقاع العالم ومن بين أصقاعها أح ّ‬
‫والرض المقدسة‪ ،‬والوطن المحاط بالعناية المحروس بالرعاية فولد صلى ال عليه وسلم في مكة حيث صلى‬
‫النبياء‪ ،‬وتهجّد المرسلون‪ ،‬وهبط الوحي‪ ،‬وطلع النور‪ ،‬وأشرقت الرسالة‪ ،‬وسطعت النبوة‪ ،‬وانبلج فجر البعثة‪،‬‬
‫وحيث البيت العتيق‪ ،‬والعهد الوثيق‪ ،‬والحب العميق‪ ،‬فمكة مسقط رأس المعصوم‪ ،‬وفيها مهد طفولته‪ ،‬وملعب‬
‫صباه‪ ،‬ومعاهد شبابه‪ ،‬ومراتع فتوّته‪ ،‬ورياض أنسه‬
‫‪.‬‬
‫وأوّل أرض مسّ جلدي ترابها‬
‫بلدٌ نيطت عليّ تمائمي‬
‫ففيها رضع لبن الطهر‪ ،‬ورشف ماء النبل‪ ،‬وحسا ينبوع الفضيلة‪ ،‬وفيها درج‪ ،‬ودخل وخرج‪ ،‬وطلع وولج‪ ،‬فهي‬
‫وطنه الول‪ ،‬بأبي هو وأمي‪ ،‬وهي بلدته العزيزة الى فؤاده‪ ،‬الحبيبة الى قلبه‪ ،‬الثيرة الى روحه بنفسي هو‬
‫‪.‬‬
‫معاهد قضاها الشباب هنالكا‬
‫وحبّب أوطان الرجال إليهم‬
‫فهناك في مكة صنع ملحمته الكبرى‪ ،‬وبثّ دعوته العظمى‪ ،‬وأرسل للعالمين خطابه الحا ّر الصادق‪ ،‬وبعث لهل‬
‫الرض رسالته المشرقة الساطعة‪ ،‬حتى إنه لما أخرج من مكة ودّعها وداع الوفياء وفارقها وما كاد يتحمّل هذا‬
‫الفراق قال ال تعالى (ل أقسم بهذا البلد* وأنت حل بهذا البلد) البلد ‪2-1‬‬

‫‪6‬‬

‫‪١٤٢٩/١٢/٢٩‬‬

‫محمد صلى ال عليه وسلم طفل‪:‬‬
‫فإن الطهر ولد معه والبِشر صاحبه‪ ،‬والتوفيق رافقه‪ ،‬فهو طفل لكن ل كالطفال‪ ،‬براءة في نجابة‪،‬‬
‫وذكاء مع زكاء‪ ،‬وفطنه مع عناية‪ ،،‬فعين الرعاية تلحظه‪ ،‬ويد الحفظ تعاونه‪ ،‬وأغضان الولية تظلله‪،‬‬
‫فهو هالة النور بين الطفال‪ ،‬حفظه ال من الرعونة ومن كل خلق رديء ووصف مقيت ومذهب‬
‫سيء‪ ،‬لنه من ثغره مرشح لصلح العالم‪ ،‬مهيأ لسعاد البشرية‪ ،‬معدّ بعناية لخراج الناس من‬
‫الظلمات الى التور‪ ،‬فهو الرجل لكن النبي‪ ،‬والنسان لكن الرسول‪ ،‬والعبد لكن المعصوم‪ ،‬والبشر لكن‬
‫الموحى إليه‬
‫‪.‬‬
‫محمد صلى ال عليه وسلم ليس زعيما فحسب‪ ،‬لن الزعماء عدد شعر الرأس‪ ،‬لهم طموحات من‬
‫العلوم ومقاصد من الرئاسة ومآرب من الدنيا‪ ،‬أما هو فصالح مصلح‪ ،‬هادٍ مهدي‪ ،‬معه كتاب سنة‪،‬‬
‫ونور وهدى‪ ،‬وعلم نافع وعمل صالح‪ ،‬فهو لصلح الدنيا والخرة‪ ،‬ولسعادة الروح والجسد‬
‫‪.‬‬
‫ومحمد صلى ال عليه وس لم ليس عالما فحسب‪ ،‬بل يعلّم بإذن ال العلماء‪ ،‬ويفقه الفقهاء‪ ،‬ويرشد‬
‫هدِي إِلَى صِرَاطٍ مّسْتَقِيمٍ) الشورى ‪52‬‬
‫الخطباء‪ ،‬ويهدي الحكماء‪ ،‬ويدل الناس الى الصواب ( وَإِ ّنكَ لَتَ ْ‬
‫فكلهم من رسول ال ملتمسٌ‬
‫غرفاً من البحر أو رشفاً من اليمّ‬

‫‪7‬‬

‫‪١٤٢٩/١٢/٢٩‬‬

‫محمد صلى ال عليه وسلم طفل‪:‬‬
‫ومحمد صلى ال عليه وسلم ليس ملكا يبسط سلطانه وينشر جنوده وأعوانه‪ ،‬بل إمام معصوم ونبي نرسل‪،‬‬
‫وبشير ونذير لكل ملك ومملوك‪ ،‬وحر وعبد‪ ،‬وغني وفقير‪ ،‬وأبيض وأسود‪ ،‬وعربي وعجمي ( وَمَا أرسلناك‬
‫مةً لّلْعَالَمِينَ ) النبياء ‪107‬‬
‫إِلّ رَحْ َ‬
‫ويقول عليه الصلة والسلم‪ ":‬والذي نفسي بيده ل يسمع بي أحد من هذه المة‬
‫يهودي ول نصراني ثم يموت ولم يؤمن بالذي أرسلت به إل كان من أصحاب النار"‪ .‬أخرجه مسلم ‪ 153‬عن أبي‬
‫هريرة رضي ال عنه‪.‬‬

‫وأما شبابه‪ ،‬فهو زينة الشباب وجمال الفتيان‪ ،‬عفة ومروءة وعقل وأمانة وفصاحة‪ ،‬لم يكن يكذب كذبة‬
‫واحدة‪ ،‬ولم تعلم له عثرة واحدة ول زلة واحدة ول منقصة واحدة‪ ،‬فهو طاهر الزار مأمون الدخيلة‪ ،‬زاكي‬
‫السر والعلن‪ ،‬وقور المقام‪ ،‬محترم الجانب‪ ،‬أريحيّ الخلق‪ ،‬عذب السجايا‪ ،‬صادق المنطق‪ ،‬عفّ الخصال‪،‬‬
‫حسن الخلل‪.‬‬
‫لم يستطع أعداؤه حفظ زلة عليه مع شدة عداوتهم وعظيم مكرهم وضراوة حقدهم‪ ،‬بل لم يعثروا في ملف‬
‫خلقه الكريم على ما يعيب‪ ،‬بل وجدوا والحمد ل كل ما غاظهم من نبل الهمة ونظافة السجل‪ ،‬وطهر في‬
‫السيرة‪ ،‬وجدوا الصدق الذي يباهي سناء الشمس‪ ،‬ووجدوا الطهر الذي يتطهر به ماء الغمام‪ ،‬فهو بنفس‬
‫الغاية في كل خلق شريف وفي كل مذهب عفيف‪ ،‬فكان في عنفوان شبابه مستودع المانات ومردّ الراء‬
‫خلُقٍ عَظِيمٍ ) القلم ‪4‬‬
‫ومرجع المحاكمات ومضرب المثل في البرّ والسموّ والرشد والفصاحة ( َوإِ ّنكَ لَعَلى ُ‬

‫‪8‬‬

‫‪١٤٢٩/١٢/٢٩‬‬

‫محمد صلى ال عليه وسلم رسول‪:‬‬
‫ن النّ َبإِ الْعَظِيمِ * الّذِي‬
‫فهو النبأ العظيم‪ ،‬والحدث الهائل‪ ،‬والخبر العجيب‪ ،‬والشأن الفخم‪ ،‬والمر الضخم (عَمّ يَتَسَاءلُونَ * عَ ِ‬
‫هُمْ فِيهِ مُخْ َتِلفُونَ) النبأ ‪ ،3-1‬فمبعثه حقيقة هو أروع النباء وأعظم الخبار الذي سارت به الخبار‪ ،‬وتحدّث به السمّار‪ ،‬ورعاه‬
‫الركبان‪ ،‬واندهش منه الدهر‪ ،‬وذهب منه الزمن‪ ،‬فقد استدار له التاريخ ووقفت له اليام‪ ،‬فقصة إرساله عليه الصلة والسلم ل‬
‫يلفها الظلم ول تغطيها الريح ول يحجبها الغمام‪ ،‬فإنما هي قصة عبرت البحار واجتازت القفار‪ ،‬ونزلت على العالم نزول‬
‫طفِؤُوا نُورَ الِّ بِأَفْوَاهِهِمْ وَالُّ مُتِمّ نُورِهِ‬
‫الغيث‪ ،‬وأشرقت إشراق الشمس‪ ،‬فهو بإختصار نور‪ ،‬وهل يخفى النور؟ (يُرِيدُونَ لِيُ ْ‬
‫َولَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ ) الصف‪.8‬‬
‫ح عنه صلى ال عليه وسلم أنه قال‪ ":‬مثل ما بعثني ال به من الهدى والعلم كمثل الغيث" أخرجه البخاري ‪ ،79‬ومسلم‬
‫وص ّ‬
‫‪ 2282‬عن أبي موسى الشعري رضي ال عنه‪.‬‬

‫عدوّك مذمومٌ بكل لسان وإن كان أعداءك القمران‬
‫ول س ّر في علك وإنما كلم‬

‫الورى ضرب من الهذيان‬

‫فهو عليه الصلة والسلم بعث ليعبد ال وحده ل شريك له‪ ،‬بعث ليوحد ال‪ ،‬بعث ليقال في الرض‪ :‬ل اله إل ال محمد رسول‬
‫ق الحق ويبطل الباطل‪ ،‬بعث بالمحجة البيضاء والملة الغرّاء والشريعة السمحاء‪ ،‬بعث بالعدل والحسان وإيتاء‬
‫ال‪ ،‬بعث ليح ّ‬
‫ذي القربى‪ ،‬بعث بالخير والسلم والب ّر والمحبة والسعادة والصلح‪ ،‬والمن واليمان‪ ،‬بعث بالطهارة والصلة والزكاة والصوم‬
‫والحج والجهاد والمر بالمعروف والنهي عن المنكر‪ ،‬بعث بمعالي المور ومكارم الخلق ومحاسن الطباع ومجامع الفضيلة‪،‬‬
‫بعث لدحض الشرك وسحق الصنام وكسر الوثان وطرد الجهل ومحاربة الظلم وإزهاق الباطل ونفي الرذيلة‪ ،‬فما من خير إل‬
‫دلّ عليه‪ ،‬وما من ش ّر إل حذّر منه‪.‬‬

‫‪9‬‬

‫‪١٤٢٩/١٢/٢٩‬‬

‫محمد صلى ال عليه وسلم رسول‪:‬‬
‫وأما خلقه عليه الصلة والسلم فإن ال هو الذي أدّبه فأحسن تأديبه‪ ،‬فهو أحسن الناس خلقا‪ ،‬وأسدّهم قول‪ ،‬وأمثلهم‬
‫طريقة‪ ،‬وأصدقهم خبرا‪ ،‬وأعدلهم حكما‪ ،‬وأطهرهم سريرة‪ ،‬وأنقاهم سيرة‪ ،‬وأفضلهم سجايا‪ ،‬وأجودهم يدا‪ ،‬وأسمحهم‬
‫خاطرا‪ ،‬وأصفاهم صدرا‪ ،‬وأتقاهم لربه‪ ،‬وأخشاهم لموله‪ ،‬وأعلمهم بالمة‪ ،‬وأوصلهم رحمة‪ ،‬وأزكاهم منبتا‪ ،‬وأكرمهم‬
‫محتدا‪ ،‬وأشجعهم قلبا‪ ،‬وأثبتهم جنانا‪ ،‬وأمضاهم حجة‪ ،‬وخيرهم نفسا ونسبا وخلقا ودينا‪.‬‬
‫فهو جميل الصفات مشرق المحيّا‪ ،‬قريب من القلوب‪ ،‬حبيب الى الرواح‪ ،‬سهل الخليقة‪ ،‬مي سّر الطريقة‪ ،‬مبارك‬
‫الحال‪ ،‬تعلوه مهابة وترافقه جللة‪ ،‬على وجهه نور الرسالة‪ ،‬وعلى ثغره بسمة المحبة‪ ،‬ح يّ القلب‪ ،‬ذكي الخاطر‪،‬‬
‫عظيم الفطنة‪ ،‬سديد الرأي‪ ،‬ريان المشاعر بالخير‪ ،‬يسعد به جليسه‪ ،‬وينعم به رفيقه‪ ،‬ويرتاح له صاحبه‪ ،‬يح بّ الفأل‬
‫ويكره الطيرة‪ ،‬يعفو ويصفح‪ ،‬ويسخو ويمنح‪ ،‬أجود من الريح المرسلة‪ ،‬وأكرم من الغيث الهاطل‪ ،‬وأبهى من البدر‪،‬‬
‫وسع الناس بأخلقه وطوّق الرجال بكرمه‪ ،‬وأسعد البشرية بدعوته‪ ،‬من رآه أحبّه‪ ،‬ومن عرفه هابه‪ ،‬ومن داخله أجلّه‪،‬‬
‫كلمه يأخذ بالقلوب‪ ،‬وسجاياه تأسر الرواح‪.‬‬
‫ثبّت ال قلبه فل يزيغ‪ ،‬وسدّد كلمه فل يجهل‪ ،‬وحفظ عينه فل تخون‪ ،‬وح صّن لسانه فل يزل‪ ،‬ورعى دينه فل‬
‫يضل‪ ،‬وتولى أمره فل يضيع‪ ،‬فهو محفوظ مبارك ميمون { َوإِنّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ } القلم ‪ { ،4‬فَبِمَا َرحْمَةٍ مّنَ الّ لِنتَ‬
‫لَهُمْ } آل عمران‪.159‬يقول عليه الصلة والسلم‪ ":‬إن أتقاكم وأعلمكم بال أنا" أخرجه البخاري ‪ 20‬عن عائشة رضي‬
‫ال عنها‪ .‬ويقول‪ ":‬خيركم خيركم لهله وأنا خيركم لهله" أخرجه الترمذي ‪ 3895‬والبيهقي في السنن ‪ 15477‬عن‬
‫عائشة‪ .‬ويروى عنه أنه قال‪ ":‬إنما بعثت لتمم مكارم الخلق" أخرجه البيهقي في السنن الكبرى ‪ .20571‬فسبحان‬
‫من اجتباه واصطفاه وتوله وحماه ورعاه وكفاه‪ ،‬ومن كل بلء حسن أبله‪.‬‬

‫‪10‬‬

‫‪١٤٢٩/١٢/٢٩‬‬

‫وأما دينه‪:‬‬
‫لمِ دِينًا‬
‫فهو السلم‪ ،‬دين الفطرة‪ ،‬دين الوسط‪ ،‬دين الفلح والنجاة‪ ،‬أحبّ الديان الى ال {وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الِسْ َ‬
‫َفلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ } آل عمران (‪ ، )85‬دين جاء لوضع الصار والغلل عن المة‪،‬‬
‫لمَ دِيناً }‬
‫سهل مي سّر‪ ،‬عام شامل‪ ،‬كامل تام { الْيَوْ مَ أَكْمَلْ تُ لَكُ مْ دِينَكُ مْ وَأَتْمَمْ تُ عَلَيْكُ مْ نِعْمَتِي وَرَضِي تُ لَكُ مُ الِسْ َ‬
‫المائدة ‪.3‬‬
‫دين جاء ليخرج الناس من عبادة العباد الى عبادة ربّ العباد‪ ،‬ومن ضيق الدنيا الى سعة الخرة‪ ،‬ومن ظلمات‬
‫الشرك الى نور التوحيد‪ ،‬ومن شقاء الكفر الى سعادة اليمان‪.‬‬
‫دي ن ص الح لك ل زمان ومكان‪ ،‬شرع ه م ن يغف ر الزل ة‪ ،‬وه و الذي يعل م الس رّ وأخف ى‪ ،‬العال م بعلني ة العبد‬
‫والنجوى‪.‬‬
‫وهو الدين الوسط الذي جاء بالعلم النافع والعمل الصالح‪ ،‬خلف ما كان عليه اليهود؛ لن عندهم علم غير‬
‫نافع لم يعملوا به‪ ،‬فغضب ال عليهم‪ ،‬وخلف النصارى؛ لن عندهم عمل بل علم‪ ،‬فضلوا سواء السبيل‪ .‬فدين‬
‫السلم صراط الذين أنعم ال عليهم غير المغضوب عليهم ول الضالين‪ .‬فالرسول صلى ال عليه وشلم بعث‬
‫أميا من الميين يتلو عليهم آيات ال ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة‪ ،‬وإن كانوا من قبله لمن الضالين‪ ،‬فجاء‬
‫هذا الدين بتحريم الكذب في القوال والزور في الشهادة‪ ،‬والظلم في الحكام‪ ،‬والجور في الولية‪ ،‬والتصفيف‬
‫في المكيال والميزان‪ ،‬والبغ ي عل ى الناس والعتداء عل ى الغي ر والضرار بالنف س والناس‪ ،‬فحف ظ القلب‬
‫باليمان‪ ،‬والجس م بأس باب الص حة‪ ،‬والمال م ن التل ف‪ ،‬والعرض م ن النتهاك‪ ،‬والدم م ن الس فك‪ ،‬والعق ل من‬
‫إذهابه وتغييره‪.‬‬

‫‪11‬‬

‫‪١٤٢٩/١٢/٢٩‬‬

‫وأما كتابه‪:‬‬
‫وأما كتابه‪:‬‬
‫فهو القرآن‪ ،‬أفضل الكتب وأجلّ المواثيق‪ ،‬وأحسن القصص وأحسن الحديث‪ ،‬فهو الحق المهيب الذي ل‬
‫يأتيه الباطل من بين يديه ول من خلفه‪ ،‬تنزيل من حكيم حميد‪ ،‬كتاب ف صّلت آياته ثم أحكمت‪ ،‬مبارك في‬
‫تلوته وتدبره والستشفاء به والتحاكم اليه والعمل به‪ ،‬كل حرف منه بعشر حسنات‪ ،‬شافع مشفّع‪ ،‬وشاهد‬
‫صادق‪ ،‬أنيس ممتع‪ ،‬وسمير مفيد‪ ،‬وصاحب أمين‪ ،‬معجز مؤثر‪ ،‬له حلوة وعليه طلوة‪ ،‬يعلو ول يعلى‬
‫عليه‪ ،‬ليس بسحر ول شعر ول بكهانة ول بقول بشر‪ ،‬بل هو كلم ال‪ ،‬منه بدا وإليه يعود‪ ،‬نزل به الروح‬
‫المي ن عل ى قل ب رس ول ربّ العالمي ن ليكون م ن المرس لين‪ ،‬بلس ان عرب ي م بين‪ ،‬فهو الكتاب الذي بزّ‬
‫فصاحة‪ ،‬وفاقها بلغة‪ ،‬وعل عليها حجة وبيانا‪ ،‬وهو هدى ورحمة وموعظة وشفاء لما في الصدور‪ ،‬ونور‬
‫وبرهان ورشد وسداد ونصيحة وتعليم‪ ،‬محفوظ من التبديل‪ ،‬محروس من الزيادة والنقص‪ ،‬معجزة خالدة‪،‬‬
‫عصمة لمن اتبعه ونجاة لمن عمل به‪ ،‬وسعادة لمن استرشده‪ ،‬وفوز لمن اهتدى بهديه‪ ،‬وفلح لمن حكمه‬
‫في حياته‪ .‬يقول عليه الصلة والسلم‪ ":‬اقرؤوا القرآن فإنه يأتي يوم القيامة شفيعا لصحابه " أخرجه مسلم‬
‫‪ 804‬عن أبي أمامة الباهلي رضي ال عنه‪ ،‬وقال‪ ":‬خيركم من تعلّم القرآن وعلّمه " أخرجه البخاري ‪ 5027‬عن عثمان‬
‫رضي ال عنه‪ ،‬وقال‪ ":‬إن ال يرفع بهذا الكتاب أقواما ويضع به آخرين" أخرجه مسلم ‪ 817‬عن عمر رضي ال عنه‪.‬‬
‫وهو الكتاب الذي أفحم الشعراء‪ ،‬وأسكت الخطباء‪ ،‬وغلب البلغاء‪ ،‬وقهر العرب العرباء‪ ،‬وأعجز الفصحاء‪،‬‬
‫وأعجب العلماء وأذهل الحكماء {إِنّ هَ ذَا الْقُرْآنَ يِ ْهدِي لِلّتِي هِيَ أَقْوَمُ{ السراء ‪.9‬‬

‫‪12‬‬

‫‪١٤٢٩/١٢/٢٩‬‬

‫محمد صلى ال عليه وسلم صادقا‪:‬‬
‫محمد صلى ال عليه وسلم صادقا‪:‬‬
‫فهو أصدق من تكلم‪ ،‬كلمه حق وصدق وعدل‪ ،‬لم يعرف الكذب في حياته جادّا أو مازحا‪ ،‬بل حرّم‬
‫الكذب وذمّ أهله ونهى عنه‪ ،‬وقال‪ ":‬إنّ الصدق يهدي الى البر‪ ،‬وإن البرّ يهدي الى الجنة‪ ،‬ول يزال الرجل‬
‫يصدق ويتحرى الصدق حتى يكتب عند ال صدّيقا ‪ "..‬الحديث أخرجه البخاري ‪ 6094‬ومسلم ‪ 2607‬عن عبدال بن‬
‫مسعود رضي ال عنه‪.‬‬

‫وأخبر ان المؤمن قد يبخل وقد يجبن‪ ،‬لكنه ل يكذب أبدا‪ ،‬وحذر من الكذب في المزاح لضحاك القوم‪،‬‬
‫فعاش عليه الصلة والسلم والصدق حبيبه وصاحبه‪ ،‬ويكفيه صدقا صلى ال عليه وسلم أنه أخبر عن ال‬
‫بعلم الغيب‪ ،‬وائتمنه ال على الرسالة‪ ،‬فأداها للمة كاملة تامة‪ ،‬لم ينقص حرفا ولم يزد حرفا‪ ،‬وبلّغ المانة‬
‫عن ربه بأت مّ البلغ‪ ،‬فكل قوله وعمله وحاله مبني على الصدق‪ ،‬فهو صادق في سلمه وحربه‪ ،‬ورضاه‬
‫وغضبه‪ ،‬وجدّ وهزل ه‪ ،‬وبيانه وحكمه‪ ،‬صادق مع القريب والبعيد‪ ،‬والصديق والعدو‪ ،‬والرجل والمرأة‪،‬‬
‫صادق في نفسه ومع الناس‪ ،‬في حضره وسفره‪ ،‬وحلّه وإقامته‪ ،‬ومحاربته ومصالحته‪ ،‬وبيعه وشرائه‪،‬‬
‫وعقوده وعهوده ومواثيق ه‪ ،‬وخطب ه ورس ائله‪ ،‬وفتاوي ه وقص صه‪ ،‬وقول ه ونقل ه‪ ،‬وروايت ه ودرايت ه‪ ،‬بل‬
‫معصوم من أن يكذب‪ ،‬فال مانعه‬

‫‪13‬‬

‫‪١٤٢٩/١٢/٢٩‬‬

‫محمد صلى ال عليه وسلم صادقا‪:‬‬
‫وحامي ه م ن هذا الخل ق المشي ن‪ ،‬ق د أقام لس انه وس دّد لفظ ه‪ ،‬وأص لح نطق ه وقوّم حديث ه‪ ،‬فه و الصادق‬
‫المص دوق‪ ،‬الذي ل م يحف ظ ل ه حرف واح د غي ر ص ادق في ه‪ ،‬ول كلم ة واحدة خلف الح ق‪ ،‬ول م يخالف‬
‫ظاهره باطنه‪ ،‬بل حتى كان صادقا في لحظاته ولفظاته وإشارات عينيه‪ ،‬وهو الذي يقول‪ ":‬ما كان لنبي أن‬
‫تكون له خائنة أعين " أخرجه أبو داود ‪ 4359‬والنسائي ‪ ،4067‬وذلك لما قال له أصحابه‪ :‬أل أشرت لنا بعينك‬
‫في قتل السير؟!‬
‫بل هو الذي جاء بالصدق من عند ربه‪ ،‬فكلمه صدق وسنّته صدق‪ ،‬ورضاه صدق وغضبه صدق‪،‬‬
‫ومدخل ه ص دق ومخرج ه ص دق‪ ،‬وضحك ه ص دق وبكاؤ ه ص دق‪ ،‬ويقظت ه ص دق ومنام ه ص دق {لِيَسْأَلَ‬
‫صدْقِهِمْ } الحزاب ‪ { ، 8‬يَا أَيّهَا اّلذِي نَ آمَنُواْ اتّقُواْ الّ وَكُونُواْ مَعَ الصّادِقِينَ } التوبة ‪{ ،119‬فََلوْ‬
‫الصّادِقِينَ عَن ِ‬
‫صدَقُوا الَّ لَكَانَ خَيْراً لّهُمْ } محمد‪.21‬‬
‫َ‬
‫فهو صلى ال عليه وسلم صادق مع ربه‪ ،‬صادق مع نفسه‪ ،‬صادق مع الناس‪ ،‬صادق مع أهله‪ ،‬صادق‬
‫مع أعدائه‪ ،‬فلو كان الصدق رجلً لكان محمداً صلى ال عليه وسلم‪ ،‬وهل يُتعلم الصدق إل منه بأبي هو‬
‫وأم؟ وهل ينقل الصدق إل عنه بنفسي هو؟ فهو الصادق المين في الجاهلية قبل السلم والرسالة‪ ،‬فكيف‬
‫حاله بال بعد الوحي والهداية ونزول جبريل عليه ونبوّته وإكرام ال له بالصطفاء والجتباء والختيار؟!‬

‫‪14‬‬

‫‪١٤٢٩/١٢/٢٩‬‬

‫محمد صلى ال عليه وسلم صابرا‪:‬‬
‫فل يعلم أحد مرّ به من المصائب والمصاعب والمشاق والزمات كما مرّ به صلى ال عليه وسلم‪ ،‬وهو صابر محتسب‬
‫ك ِإلّ بِالّ } النحل ‪ ،127‬صبرعلى اليتم والفقر والعوز والجوع والحاجة والتعب والحسد والشماتة وغلبة‬
‫{وَاصْبِ ْر وَمَا صَبْ ُر َ‬
‫العدو أحيانا‪ ،‬وصبر على الطرد من الوطن والخراج من الدار والبعاد عن الهل‪ ،‬وصبر على قتل القرابة والفتك بالصحاب‬
‫وتشريد التباع وتكالب العداء وتحزّب الخصوم واجتماع المحاربين وصلف المغرضين وكبر الجبارين وجهل العراب‬
‫وجفاء البادية ومكر اليهود وعتوّ النصارى وخبث المنافقين وضرواة المحاربين‪ ،‬وصبر على تجهّم القريب وتكالب البعيد‪،‬‬
‫وصولة الباطل وطغيان المكذبين‪ ..‬صبر على الدنيا بزينتها وزخرفها وذهبها وفضتها‪ ،‬فلم يتعلق منها بشيء‪ ،‬وصبر على‬
‫إغراء الولية وبريق المنصب وشهوة الرئاسة‪ ،‬فصدف عن ذلك كله طلبا لمرضاة ربه‪ ،‬فهو صلى ال عليه وسلم الصابر‬
‫علَى‬
‫المحتسب في كل شأن من شؤون حياته‪ ،‬فالصبر درعه وترسه وصاحبه وحليفه‪ ،‬كلما أزعجه كلم أعدائه تذكّر {فَاصْبِ ْر َ‬
‫مَا يَقُولُونَ } طه ‪ ،130‬وكلما بلغ به الحال أشدّه والمر أضيقه تذكّر {فَصَبْ ٌر جَمِيلٌ } يوسف ‪ ،18‬وكلما راعه هول العدو‬
‫ن ال ّرسُلِ } الحقاف ‪.35‬‬
‫وأقضّ مضجعه تخطيط الكفار تذكّر{فَاصْبِ ْر كَمَا صَبَ َر ُأ ْولُوا الْعَزْ ِم مِ َ‬
‫وصبره صلى ال عليه وسلم صبر الواثق بنصر ال‪ ،‬المطمئن الى وعد ال‪ ،‬الراكن الى موله‪ ،‬المحتسب الثواب من ربّه جلّ‬
‫في عله‪ ،‬وصبره صبر من علم أن ال سوف ينصره ل محالة‪ ،‬وأن العاقبة له‪ ،‬وأن ال معه‪ ،‬وأن ال حسبه وكافيه‪ ،‬يصبر‬
‫صلى ال عليه وسلم على الكلمة النابية فل تهزه‪ ،‬وعلى اللفظة الجارحة فل تزعجه‪ ،‬وعلى اليذاء المتعمّد فل ينال منه‪.‬‬
‫مات عمه فصبر‪ ،‬وماتت زوجته فصبر‪ ،‬وقتل حمزة فصبر‪ ،‬وأبعد من مكة فصبر‪ ،‬وتوفي ابنه فصبر‪ ،‬وتوفي ابنه فصبر‪،‬‬
‫ورميت زوجته الطاهرة فصبر‪ ،‬وكُذّب فصبر‪ ،‬قالوا له شاعر كاهن ساحر مجنون كاذب مفتر فصبر‪ ،‬أخرجوه‪ ،‬آذوه‪ ،‬شتموه‪،‬‬
‫سبّوه‪ ،‬حاربوه‪ ،‬سجنوه‪ ..‬فصبر‪ ،‬وهل يتعلّم الصبر إل منه؟ وهل يُقتدى بأحد في الصبر إل به؟ فهو مضرب المثل في سعة‬
‫الصدر وجليل الصبر وعظيم التجمّل وثبات القلب‪ ،‬وهو إمام الصابرين وقدوة الشاكرين صلى ال عليه وسلم‪.‬‬

‫‪15‬‬

‫‪١٤٢٩/١٢/٢٩‬‬

‫محمد صلى ال عليه وسلم جوادا‪:‬‬
‫فهو أكرم من خلق ال‪ ،‬وأجود البرية نفسا ويدا‪ ،‬فكفّه غمامة بالخير‪ ،‬ويده غيث الجود‪ ،‬بل هو أسرع‬
‫بالخير من الريح المرسلة‪ ،‬ل يعرف "ل"‬
‫يعطي عليه الصلة والسلم عطاء من ل يخشى الفقر؛ لنه بعث بمكارم الخلق‪ ،‬فهو سيد الجواد‬
‫على الطلق‪ ،‬أعطى غنما بين جبلين‪ ،‬وأعطى كل رئيس قبيلة من العرب مائة ناقة‪ ،‬وسأله سائل‬
‫ثوبه الذي يلبسه فخلعه وأعطاه‪ ،‬وكان ل يردّ طالب حاجة‪ ،‬قد وسع الناس برّه‪ ،‬طعامه مبذول وكفه‬
‫مدرار‪ ،‬وصدره واسع‪ ،‬وخلقه سهل‪ ،‬ووجه بسّام‪:‬‬
‫كأنك تعطيه الذي أنت سائله‬

‫‪16‬‬

‫‪١٤٢٩/١٢/٢٩‬‬

‫محمد صلى ال عليه وسلم جوادا‪:‬‬
‫ينفق مع العدم ويعطي مع الفقر‪ ،‬يجمع الغنائم ثو يوزعها في ساعة‪ ،‬ول يأخذ منها شيئا‪ ،‬مائدته صلى ال‬
‫عليه وسلم معروضة لكل قادم‪ ،‬وبيته قبلة لكل وافد‪ ،‬يضيف وينفق ويعطي الجائع بأكله‪ ،‬ويؤثر المحتاج‬
‫بذات يده‪ ،‬ويصل القريب بما يملك‪ ،‬ويواسي المحتاج بما عنده‪ ،‬ويقدّم الغريب على نفسه‪ ،‬فكان صلى ال‬
‫علي ه وس لم آي ة ف ي الجود والكرم‪ ،‬حت ى ل يقارن ب ه أجواد العرب كحات م وهرم اب ن جدعان؛ لن ه يعطي‬
‫عطاء من ل يطلب الخلف إل من ال‪ ،‬ويجود جود من هانت عليه نفسه وماله وكل ما يملك في سبيل ربه‬
‫وموله‪ ،‬فهو أندى العالمين كفا‪ ،‬وأسخاهم يدا‪ ،‬وأكرمهم محتدا‪ ،‬قد غمر أصحابه وأحبابه وأتباعه‪ ،‬بل حتى‬
‫أعداءه ببرّه وإحسانه وجوده وكرمه وتفضله‪ ،‬أكل اليهود على مائدته‪ ،‬وجلس العراب على طعامه‪ ،‬وحفّ‬
‫المنافقون بسفرته‪ ،‬ولم يُحفظ عنه صلى ال عليه وسلم أنه تبرّم بضيف أو تضجّر من سائل أو تضايق من‬
‫طالب‪ ،‬بل جرّ أعرابي برده حتى أثّر في عنقه وقال له‪ :‬أعطني من مال ال الذي عندك‪ ،‬ل من مال أبيك‬
‫وأمّك‪ ،‬فالتفت إلي ه صلى ال عليه وسلم وضحك وأعطاه‪ ،‬وجاءته الكنوز من الذهب والفضة وأنفقها في‬
‫مجلس واحد ولم يدّخر منها درهما ول دينارا ول قطعة‪ ،‬فكان أسعد بالعطية يعطيها من السائل‪ ،‬وكان يأمر‬
‫بالنفاق والكرم والبذل‪ ،‬ويدعو للجود والسخاء‪ ،‬ويذ مّ البخل والمساك‪ ،‬فيقول ‪ ":‬من كان بؤمن بال واليوم‬
‫الخر فليكرم ضيفه" أخرجه البخاري [ ‪ ]6138 ،6136 ،6018‬ومسلم ‪ 47‬عن أبي هريرة رضي ال عنه‪ ،‬وقال‪ ":‬كل‬
‫امرئ في ظل صدقته حتى يفصل بين الناس" أخرجه ابن خزيمة في صحيحه ‪ ،2431‬وابن حبان في صحيحه ‪.3310‬‬
‫وقال‪ ":‬ما نقصت صدقة من مال" أخرجه مسلم ‪ 2588‬عن أبي هريرة رضي ال عنه‪.‬‬

‫‪17‬‬

‫‪١٤٢٩/١٢/٢٩‬‬

‫محمد صلى ال عليه وسلم شجاعا‪:‬‬
‫هذا مم ا تناقلت ه الخبار وس ار مس ير الشم س ف ي رابع ة النهار‪ ،‬فكان أثب ت الناس قلبا‪ ،‬وكان كالطود ل‬
‫يتزعزع ول يتزلزل‪ ،‬ول يخاف التهدي د والوعي د‪ ،‬ول ترهب ه المواقف والزمات‪ ،‬ول تهزه الحوادث‬
‫والملمّات‪ ،‬فوّض أمره لربه وتوكل عليه وأناب إليه‪ ،‬ورضي بحكمه واكتفى بنصره ووثق بوعده‪ ،‬فكان‬
‫عليه الصلة والس لم يخوض المعارك بنفس ه ويباشر القتال بشخصه الكريم‪ ،‬يعرّض روحه للمنايا ويقدّم‬
‫نفسه للموت‪ ،‬غير هائب ول خائف‪ ،‬ولم يفرّ من معركة قط‪ ،‬وما تراجع خطوة واحدة ساعة يحمي الوطيس‬
‫وتقوم الحرب على ساق وتشرع السيوف وتمتشق الرماح وتهوي الرؤوس ويدور كأس المنايا على النفوس‪،‬‬
‫فهو في تلك اللحظة أقرب أصحابه من الخطر‪ ،‬يحتمون أحيانا وهو صامد مجاهد‪ ،‬ل يكترث بالعدوّ ولو كثر‬
‫عدده‪ ،‬ول يأبه بالخصم ولو قوي بأسه‪ ،‬بل كان يعدل الصفوف ويشجع المقاتلين ويتقدم الكتائب‪.‬‬
‫وقد فرّ الناس يوم حنينن وما ثبت إل هو وستة من أصحابه‪ ،‬ونزل عليه {فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ الّ لَ تُكَلّفُ إِلّ‬
‫سكَ وَحَرّضِ الْمُؤْمِنِي نَ } النساء ‪ ،84‬وكان صدره بارزا للسيوف والرماح‪ ،‬يصرع البطال بين يديه ويذبح‬
‫نَفْ َ‬
‫الكماة أمام ناظريه وهو باسم المحيا‪ ،‬طلق الوجه‪ ،‬ساكن النفس‪.‬‬
‫وقفت وما في الموت شك لواقف‬
‫كأنك في جفن الرّدى وهو نائم‬
‫تمرّ بك البطال كلمى هزيمة‬
‫ووجهك وضّاح وثغرك باسم‬

‫‪18‬‬

‫‪١٤٢٩/١٢/٢٩‬‬

‫محمد صلى ال عليه وسلم شجاعا‪:‬‬
‫وقد شُجّ عليه الصلة والسلم في وجهه وكسرت رباعيته‪ ،‬وقتل سبعون من أصحابه‪ ،‬فما وهن ول ضعف‬
‫ول خار‪ ،‬بل كان أمضى من السيف‪ .‬وبرز يوم بدر وقاد المعركة بنفسه‪ ،‬وخاض غمار الموت بروحه‬
‫الشريفة‪ .‬وكان أول من يهبّ عند سماع المنادي‪ ،‬بل هو الذي سنّ الجهاد وحثّ وأمر به‪.‬‬
‫وتكالبت عليه الحزاب يوم الخندق من كل مكان‪ ،‬وضاق المر وح لّ الكرب‪ ،‬وبلغت القلوب الحناجر‪،‬‬
‫وظ ن بال الظنون‪ ،‬وزلزل المؤمنون زلزال شديدا‪ ،‬فقام ص لى ال علي ه وس لم يص لي ويدع و ويستغيث‬
‫موله حت ى نص ره ربّه وردّ كي د عدوّه وأخزى خص ومه وأرس ل عليه م ريح ا وجنودا وباؤوا بالخسران‬
‫والهوان‪.‬‬
‫ونام الناس ليلة بدر وما نام هو صلى ال عليه وسلم‪ ،‬بل قام يدعو ويتضرّع ويتوسل الى ربه ويسأله‬
‫نصره وتأييده‪ ،‬فيا له من إمام وما أشجعه! ل يقوم لغضبه أحد‪ ،‬ول يبلغ مبلغه في ثبات الجأش وقوة القلب‬
‫مخلوق‪ ،‬فهو الشجاع الفريد والصنديد الوحيد الذي كملت فيه صفات الشجاعة وتمّت فيه سجايا القدام‬
‫وقوة البأس‪ ،‬وهو القائل‪ ":‬والذي نفسي بيده لوددت أنني أقتل في سبيل ال ثم أحيا ثم أقتل " أخرجه البخاري‬
‫[‪، ]279736‬ومسلم ‪ 1876‬عن أبي هريرة رضي ال عنه‪.‬‬

‫‪19‬‬

‫‪١٤٢٩/١٢/٢٩‬‬

‫محمد صلى ال عليه وسلم زاهدا‪:‬‬
‫كان زهده صلى ال عليه وسلم زهد من علم فناء الدنيا وسرعة زوالها وقلة زادها وقصر عمرها‪ ،‬وبقاء الخرة وما‬
‫أعدّه ال لوليائه فيها من نعيم مقيم وأجر عظيم وخلود دائم‪ ،‬فرفض صلى ال عليه وسلم الخذ من الدنيا إل بدقر ما‬
‫يسدّ الرمق ويقيم الود‪ ،‬مع العلم أن الدنيا عرضت عليه وتزيّنت له وأقبلت إليه‪ ،‬ولو أراد جبال الدنيا أن تكون ذهبا‬
‫وفضة لكانت‪ ،‬بل آثر الزهد والكفاف‪ ،‬فربما بات جائعا ويمرّ الشهر ل توقد في بيته نار‪ ،‬ويستمر اليام طاويا ل يجد‬
‫رديء التمر يسدّ به جوعه‪ ،‬وما شبع من خبز الشعير ثلث ليال متواليات‪ ،‬وكان ينام على الحصير حتى أثّر في‬
‫جنبه‪ ،‬وربط الحجر على بطنه من الجوع‪ ،‬وكان ربما عرف أصحابه أثر الجوع في وجهه عليه الصلة والسلم‪.‬‬
‫وكان بيته من طين‪ ،‬متقارب الطراف‪ ،‬داني السقف‪ ،‬وقد رهن درعه في ثلثين صاعا من شعير عند يهودي‪،‬‬
‫وربما لبس إزارا ورداء فحسب‪ ،‬وما أكل على خوان قط‪ ،‬وكان أصحابه ربما أرسلوا له الطعام لما يعلمون من‬
‫حاجته إليه‪ ،‬كل ذلك إكراما لنفسه عن أدران الدنيا‪ ،‬وتهذيبا لروحه وحفظا لدينه ليبقى أجره كامل عند ربه‪ ،‬وليتحقق‬
‫له وعد موله { َولَ سَوْفَ يُعْطِي كَ رَبّ كَ فَتَ ْرضَى } (‪ )5‬الضحى‪ ،‬فكان يقسم الموال على الناس ثم ل يحوز منها درهما‬
‫واحدا‪ ،‬ويوّزع البل والبقر والغنم على الصحاب والتباع والمؤلفة قلوبهم ثم ل يهب بناقة ول بقرة ول شاة‪ ،‬بل‬
‫يقول عليه الصلة والسلم ‪ ":‬لو كان لي كعضاة أي شجر تهامة مال لقسمته ثم ل تجدوني بخيل ول كذابا ول‬
‫جبانا"‪ .‬أخرجه مالك في الموطأ ‪ ،977‬والطبراني في الوسط ‪ 1864‬والكامل لبن عدي ‪.97\3‬‬
‫عن نفسه فأراها أيما شمم‬

‫‪20‬‬

‫‪١٤٢٩/١٢/٢٩‬‬

‫محمد صلى ال عليه وسلم زاهدا‪:‬‬
‫بل وكان عليه الصلة والسلم السوة العظمى في القبال على الخرة وترك الدنيا وعدم اللتفات إليها أو الفرح بها‬
‫أو جمعها أو التلذذ بطيباتها أو التنعم بخيراتها‪ ،‬فلم يبن قصرا‪ ،‬ولم يدّحر مال‪ ،‬ولم يكن له كنز ول جنة يأكل منها‪ ،‬ولم‬
‫يخلف بستانا ول مزروعة‪ ،‬وهو القائل‪ ":‬ل نورّث‪ ،‬ما تركناه صدقة " أخرج ه البخاري [‪ ]3712 ،3039‬ومس لم برقم ‪،1758‬‬
‫وكان يدعو بقوله وفعله وحاله الى الزهد في الدنيا والستعداد للخرة والعمل‪.‬‬
‫ما نظر إليه صلى ال عليه وسلم وهو إمام المسلمين وقائد المؤمنين وأفضل الناس أجمعين يسكن في بيت طين وينام‬
‫على حصير بال ويبحث عن تمرات تقيم صلبه‪ ،‬وربما اكتفى باللبن‪.‬‬
‫بل خُيّر بين أن يكون ملكا رسول أو عبدا رسول فاختار أن يكون عبدا رسول‪ ،‬يشبع يوما ويجوع يوما‪ ،‬حتى لقي‬
‫ال عز وجل‪.‬‬
‫ومن زهده في الدنيا سخاؤه وجوده كما تقدم‪ ،‬فكان ل يرد سائل ول يحجب طالبا ول يخيّب قاصدا‪ ،‬وأخبر أن الدنيا‬
‫ل تساوي عند ال جناح بعوضة‪ ،‬وقال‪ ":‬كن في الدنيا كأنك غريب او عابر سبيل" أخرجه البخاري ‪ 6416‬عن ابن عمر رضي‬
‫ال عنهما‪ .‬ويروى عنه أنه قال‪ ":‬ازهد في الدنيا يحبك ال‪ ،‬وازهد فيما عند الناس يحبك الناس" أخرجه ابن ماجه ‪4102‬‬
‫والطبراني في الكبير ‪ 10522‬والحاكم ‪ 7833‬عن سهل بن سعد الساعدي‪ .‬وقال‪ ":‬مالي وللدنيا‪ ،‬إنما مثلي ومثل الدنيا‬
‫كمثل رجل قال في ظل شجرة ثم قام وتركها" أخرجه أحمد [‪ ]4196 ،3701‬والترمذي ‪ ،2377‬وابن ماجه ‪ 4109‬عن عبدال‬
‫بن مسعود وقال الترمذي حسن صحيح‪ ،‬وقال‪ ":‬الدنيا ملعونة‪ ،‬ملعون ما فيها إل ذكر ال وما واله وعالما أو متعلما " أخرجه‬
‫الترمذي ‪ 2322‬وابن ماجه ‪ 4112‬عن أبي هريرة رضي ال عنه‪ ،‬وقال‪ ":‬ليس لك من مالك إل ما أكلت فأفنيت‪ ،‬أو لبست فأبليت‪،‬‬
‫أو تصدقت فأمضيت" أخرجه مسلم ‪.2958‬‬

‫‪21‬‬

‫‪١٤٢٩/١٢/٢٩‬‬

‫‪:‬محمد صلى ال عليه وسلم متواضعا‬
‫كان صلى ال عليه وسلم عجيبا في ذلك‪ ،‬فتواضعه تواضع من عرف ربّه مهابة‪ ،‬واستحيا منه وعظمه‬
‫وقدّره حقّ قدره‪ ،‬وتطامن له وعرف حقارة الجاه والمال والمنصب‪ ،‬فسافرت روحه الى ال وهاجرت نفسه‬
‫الى الدار الخرة‪ ،‬فما عاد يعجبه شيء مما يعجب أهل الدنيا‪ ،‬فصار عبدا لربه بحق‪ :‬يتواضع للمؤمنين‪،‬‬
‫يقف مع العجوز ويزور المريض ويعطف على المسكين‪ ،‬ويصل البائس ويواسي المستضعفين ويداعب‬
‫الطفال ويمازح الهل ويكلم المة‪ ،‬ويواكل الناس ويجلس على التراب وينام على الثرى‪ ،‬ويفترش الرمل‬
‫ويتوسّد الحصير‪ ،‬قد رضي عن ربّه‪ ،‬فما طمع في شهرة أو منزلة أو مطلب أرضي أو مقصد دنيوي‪ ،‬يكلم‬
‫النساء بلطف‪ ،‬ويخاطب الغريب بودّ‪ ،‬ويتألف الناس ويتبسّم في وجوه أصحابه يقول‪ ":‬إنما أنا عبد‪ :‬آكل كما‬
‫يأكل العبد واجلس كما يجلس العبد" أخرجه ابن أبي عاصم في الزهد ‪ ،6\1‬وابن سعد في الطبقات ‪ 371\1‬وانظر كشف الخفاء ‪، 17\1‬‬
‫ولما رآه رجل ارتجف من هيبته قال‪":‬هوّن عليك‪ ،‬فإني ابن امرأة كانت تاكل القديد بمكة " أخرج ه اب ن ماجه‬
‫‪ ،3312‬والحاكم ‪ 4366‬عن ابن مسعود‪ ،‬وانظر الكامل لبن عدي ‪.286\6‬‬

‫وكان يكره المدح‪ ،‬وينهى عن إطرائه ويقول‪ ":‬ل تطروني كما أطرت النصارى عيسى بن مريم‪ ،‬فإنما‬
‫أنا عبدال ورسوله‪ ،‬فقولوا عبدال ورسوله " أخرجه البخاري ‪ 3445‬عن ابن عباس رضي ال عنهما‪ ،‬وكان ينهى أن يقام‬
‫له‪ ،‬وأن يوقف على رأسه‪ ،‬وكان يجلس حيثما انتهى به المجلس‪ ،‬وكان يختلط بالناس كأنه أحدهم‪ ،‬ويجيب‬
‫الدعوة ويقول‪ ":‬لو دعيت الى كراع لجبت‪ ،‬ولو أهدي إليّ ذراع لقبلت" أخرجه البخاري [‪.]5178 ،2568‬‬

‫‪22‬‬

‫‪١٤٢٩/١٢/٢٩‬‬

‫محمد صلى ال عليه وسلم متواضعا‪:‬‬
‫وكان يحب المساكين‪ ،‬ويروى عنه قوله‪ ":‬اللهم أحيني مسكينا وأمتني مسكينا‪ ،‬واحشرني في زمرة المساكين"‬
‫أخرجه الترمذي ‪ 2352‬عن أنس رضي ال عنه‪ ،‬وابن ماجه ‪ 4126‬والحاكم ‪ 7911‬عن أبي سعيد الخدري وصححه ‪ .‬وكان‬
‫يحرّم الكبر وينهى عنه‪ ،‬ويبغض أهله ويقول‪ ":‬يحشر المتكبرون يوم القيامة في صورة الذر‪ ،‬يغشاهم الذل من‬
‫كل مكان" أخرجه أحمد ‪ ،6639‬والترمذي ‪ ،2492‬انظر كشف الخفاء ‪ .3236‬ويروي عن ربه أنه قال‪":‬الكبرياء ردائي‪،‬‬
‫والعظمة إزاري‪ ،‬فمن نازعني واحدا منها قذفته في النار" أخرجه مسلم ‪ 2620‬وأبو داود ‪ 4090‬واللفظ له‪.‬‬
‫فكان صلى ال عليه وسلم محببا الى القلوب‪ :‬تأخذه الجارية بيده فيذهب معها‪ ،‬ويزور أم أيمن وهي مولة‪.‬‬
‫ولما مدحه وفد عامر بن صعصعة وقالوا‪ :‬أنت خيرنا وأفضلنا وسيدنا وابن سيدنا قال لهم‪ ":‬يا أيها الناس! قولوا‬
‫بقولكم أو ببعض قولكم‪ ،‬ل يستجريّنكم الشيطان" أخرجه أحمد ‪ 15876‬وأبو داود ‪ ،4806‬وغضب لما قال له رجل‪:‬‬
‫ما شاء ال وشئت‪ ،‬وقال‪ ":‬ويحك! أجعلتني وال عدل؟ بل ما شاء ال وحده" أخرجه أحمد [‪ ]2557 ،1842‬والنسائي‬
‫في السنن الكبرى ‪ 10825‬عن ابن عباس رضي ال عنهما‪.‬‬

‫وكان يحمل حاجة أهله ويخصف نعله ويرقع ثوبه ويكنس بيته ويحلب شاته ويقطع اللحم مع أهله‪ ،‬ويقرّب‬
‫الطعام لضيفه‪ ،‬ويباسط زوّاره ويسأل عن اخبارهم‪ ،‬ويتناوب ركوب الراحلة مع رفيقه‪ ،‬ويلبس الصوف ويأكل‬
‫الشعير‪ ،‬وربما مشى حافيا‪ ،‬وينام في المسجد‪ ،‬ويركب الحمار‪ ،‬ويردف على الدابة‪ ،‬ويعاون الضعيف ويتفقد‬
‫السرية‪ ،‬ويكون في آخرهم فيساعد من احتاج‪ ،‬ويرافق الوحيد منهم‪..‬‬
‫فصلى ال عليه وسلم ما تحرّك بذكره اللسان‪ ،‬وسارت بأخباره الركبان‪ ،‬وردّد حديثه النس والجان‪.‬‬

‫‪23‬‬

‫‪١٤٢٩/١٢/٢٩‬‬

‫محمد صلى ال عليه وسلم حليما‪:‬‬
‫ما دام أنه رسول ال فل بد أن يكون أحلم الناس وأوسعهم صدرا‪ ،‬وألينهم عريكة وأدمثهم خلقا وألطفهم‬
‫عشرة‪ ،‬فقد كان يطظم غيظه ويعفو ويصفح ويغفر لمن زلّ‪ ،‬ويتنازل عن حقوقه الخاصة ما لم تكن حقوقا‬
‫ل‪ .‬وقد عفا عمن ظلمه وطره من وطنه وآذاه وس بّه وشتمه وحاربه‪ ،‬فقال لهم يوم الفتح‪ ":‬اذهبوا فأنتم‬
‫الطلقاء" أخرجه الشافعي في الم ‪ ،361\7‬والطبري في تاريخه ‪ 161\2‬والبيهقي في السنن الكبرى ‪ 18055‬انظر صحيح الجامع‬
‫‪ .4815‬وعفا عن ابن عمّه سفيان بن الحارث يوم الفتح لما وقف أمامه وقال له‪ :‬تال لقد آثرك ال علينا وإن‬
‫هوَ أَرْحَ مُ الرّاحِمِينَ } (‪)92‬‬
‫كنا لخاطئين‪ ،‬فقال عليه الصلة والسلم‪ {:‬لَ تَثْرَيبَ عَلَيْكُمُ الْ َيوْمَ يَغْفِرُ الّ لَكُمْ وَ ُ‬
‫يوسف‪.‬‬

‫وقد واجهه العراب بالجفاء وسوء الدب‪ ،‬فحلم وصفح‪ ،‬وقد امتثل أمر ربه في قوله‪ {:‬فَا صْفَحِ الصّفْ َ‬
‫ح‬
‫الْجَمِي لَ } الحجر ‪ ،85‬فكان ل يكافئ على السيئة بالسيئة‪ ،‬بل يعفو ويصفح‪ ،‬وكان ل ينفذ غضبه إذا كان‬
‫لنفسه‪ ،‬ول ينتقم لشخصه‪ ،‬بل إذا غضب ازداد حلما‪ ،‬وربّما تبسّم في وجه من أغضبه‪ ،‬ونصح أحد أصحابه‬
‫فقال‪":‬ل تغضب‪ ،‬ل تغضب‪ ،‬ل تغضب" أخرجه البخاري ‪.6116‬‬
‫وكان يبلغه الكلم السيء فيه‪ ،‬فل يبحث عمن قاله ول يعاتبه ول يعاقبه‪ .‬وورد عنه أنه قال‪ ":‬ل يبلغني‬
‫أحد منكم ما قيل فيّ‪ ،‬فإني أحب أن أخرج إليك وأنا سليم الصدر" أخرجه احمد ‪ 3750‬وأبو داود ‪ 4860‬والترمذي ‪3896‬‬
‫عن عبدال بن مسعود‪ .‬وبلّغه ابن مسعود كلما قيل فيه‪ ،‬فتغيّر وجهه وقال‪ ":‬رحم ال موسى‪ ،‬أوذي بأكثر من هذا‬
‫فصبر" أخرجه البخاري [ ‪ ]3405 ،3150‬ومسلم ‪.1062‬‬

‫‪24‬‬

‫‪١٤٢٩/١٢/٢٩‬‬

‫محمد صلى ال عليه وسلم حليما‪:‬‬
‫وقد أوذي من خصومه في رسالته وعرضه وسمعته وأهله‪ ،‬فلما قدر عليهم عفا عنهم وحلم عليهم‪ ،‬وقال‪ ":‬من كف غضبه‬
‫كف ال عنه عذابه" أخرجه أبو يعلى ‪ 4338‬والبيهقي في الشعب ‪ 8311‬وانظر العلل لبن أبي حاتم ‪ 1919‬ومجمع الزاوئد‬
‫‪ .298\10‬وقال له رجل‪ :‬اعدل‪ ،‬فقال‪ ":‬خبت وخسرت إذا لم أعدل " أخرجه البخاري ‪ 3138‬ومسلم ‪ 1063‬واللفظ له عن‬
‫جابر بن عبدال‪ ،‬ولم يعاقبه بل صفح عنه‪ .‬وواجه بعص اليهود بما يكره‪ ،‬فعفا وصفح‪ ،‬وقد وسع بخلقه وتسامحه الناس‪ ،‬وأطفأ‬
‫علَمُ بِمَا يَصِفُونَ } (‪ )96‬المؤمنون‪.‬‬
‫ن السّيّئَةَ نَحْنُ أَ ْ‬
‫حسَ ُ‬
‫ي أَ ْ‬
‫بحلمه نار العداوات ممتثل قول ربه‪ {:‬ا ْدفَعْ بِالّتِي هِ َ‬
‫وكان م ع أهل ه أحل م الناس‪ ،‬يمازحه م ويلطفه م ويعفو عنه م فيم ا يص در منهم‪ ،‬ويدخ ل عليه م باسما ضحاك ا‪ ،‬يمل قلوبهم‬
‫وبيوتهم أنسا وسعادة‪ ،‬يقول خادمه أنس بن مالك‪ :‬خدمت رسول ال صلى ال عليه وسلم عشر سنين ما قال لي في شيء‬
‫فعلته ‪ :‬لم فعلت هذا؟ ول شيء لم أفعله ‪ :‬لم لم تفعل هذا؟ وهذا غاية الحلم ونهاية حسن الخلق‪ ،‬وقمة جميل السجايا ولطيف‬
‫العشرة‪ ،‬بل كان كل من رافقه أو صاحبه أو بايعه يجد من لطفه وودّه وحلمه ما يفوق الوصف‪ ،‬حتى تمكن حبّه من القلوب‬
‫فتعلقت به الرواح ومالت له نفوس الناس بالكلية‪:‬وإذا رحمت فأنت أمّ أو أب‬
‫هذان في الدنيا هم الرحماء‬
‫وإذا سخوت بلغت بالجود المدى‬
‫وفعلت ما لم تفعل النواء‬
‫وإذا صحبت رأى الوفاء مجسّما‬
‫في بُردك الصحاب والخلطاء‬
‫وأبديت حلمك للسفيه مداريا‬
‫حتى يضيق بحلمك السفهاء‬

‫‪25‬‬

‫‪١٤٢٩/١٢/٢٩‬‬

‫محمد صلى ال عليه وسلم رحيما‪:‬‬
‫سلْنَاكَ إِلّ َرحْمَةً ّللْعَالَمِينَ } (‪ )107‬النبياء‪ ،‬فهو رحمة للبشرية‪ ..‬ورد عنه أنه قال‪ ":‬إنما‬
‫وصفه ربه بقوله‪ {:‬وَمَا أَرْ َ‬
‫أنا رحمة مهداة " أخرجه الدارمي ‪ 15‬مرسل‪ ،‬والحاكم موصول عن أبي هريرة برقم ‪ 100‬وصححه‪ .‬ورأى ولد إحدى بناته تفيض‬
‫روحه‪ ،‬فبكى‪ ،‬فلما سئل عن ذلك قال‪ ":‬هذه رحمة يضعها ال في قلب من يشاء من عباده‪ ،‬وإنما يرحم ال من عباده‬
‫الرحماء" أخرجه البخاري [ ‪ ]6655 ،1284‬ومسلم ‪ 923‬عن أسامة بن زيد رضي ال عنه‪.‬‬
‫وكان رحمة على القريب والبعيد‪ ،‬عزيز عليه أن يدخل على الناس مشقة‪ ،‬فكان يخفف بالناس مراعاة لحوالهم‪،‬‬
‫وربما أراد أن يطيل في الصلة فيسمع بكاء الطفل فيخفف لئل يشق على أمه‪ .‬ولما بكت أمامة بنت زينب ابنته حملها‬
‫وهو يصلي بالناس‪ ،‬فإذا سجد وضعها‪ ،‬وإذا قام رفعها‪ .‬أخرجه البخاري ‪ ،516‬ومسلم‪ 543‬عن أبي قتادة رضي ال عنه‪.‬‬
‫وسجد مرة فصعد الحسن على ظهره‪ ،‬فأطال السجود‪ ،‬فلما سلّم اعتذر للناس وقال‪ ":‬إن إبني هذا ارتحلني‪ ،‬فكرهت‬
‫أن أرفع رأسي حتى ينزل " أخرجه أحمد ‪ 27100‬والنسائي ‪ 1141‬عن شداد بن الهاد رضي ال عنه ‪ .‬وقال ‪ ":‬من أ مّ منكم الناس‬
‫فليخفف‪ ،‬فإن فيهم الكبير والصغير والمريض وذا الحاجة " أخرج ه البخاري ‪ 703‬ومسلم ‪ 467‬عن أبي هريرة رضي ال عنه‪.‬‬
‫وقال لمعاذ لمّا طوّل بالناس‪ ":‬أفتّان أنت يا معاذ؟" أخرجه البخاري [ ‪ ]6106 ،705‬ومسلم ‪ 465‬عن جابر بن عبدال رضي ال عنه‪.‬‬
‫وقال‪ ":‬لول أن أشق على أمتي لمرتهم بالسواك عند كل صلة " أخرجه البخاري ‪ 887‬ومسلم ‪ 252‬عن أبي هريرة رضي ال‬
‫عنه‪ .‬وربما ترك العمل خشية أن يفرض على الناس‪ ،‬وكان يتخوّل أصحابه بالموعظة‪...‬‬

‫‪26‬‬

‫‪١٤٢٩/١٢/٢٩‬‬

‫محمد صلى ال عليه وسلم رحيما‪:‬‬
‫كل ذلك رحمة منه صلى ال عليه وسلم‪ ،‬وكان يقول‪ ":‬والقصد القصد تبلغوا"‬
‫رضي ال عنه‪ .‬ويقول‪ ":‬بُعثت بالحنيفية السمحة" أخرجه أحمد ‪ 21788‬عن أبي أمامة رضي ال عنه‪ .‬ويقول‪ ":‬خير دينكم‬
‫أيسره" أخرجه أحمد ‪ 15506‬وانظر مجمع الزوائد ‪ .308\3‬ويقول‪ ":‬عليكم هدياً قاصداً" أخرجه أحمد [ ‪ ]22544 ،22454‬والبيهقي في السنن‬
‫الكبرى ‪ 4519‬عن بريدة السلمي‪ ،‬وانظر البيان والتعريف ‪ .109\2‬ويقول‪ :‬خذوا من العمل ما تطيقون‪ ،‬فإن ال ل يمل حتى‬
‫تملوا" أخرجه البخاري ‪ 5862‬ومسلم ‪ 782‬عن عائشة رضي ال عنها‪ .‬وما خيّر بين أمرين إل اختار أيسرهما ما لم يكن‬
‫إثما‪،‬‬
‫وأنكر على الثلثة الذين شدّدوا على أنفسهم في العبادة‪ ،‬وقال‪ ":‬وال إني لخشاكم ل وأتقاكم له‪ ،‬ولكنني‬
‫أقوم وأنام‪ ،‬وأصوم وأفطر‪ ،‬فمن رغب عن سنتي فيس مني" أخرجه البخاري ‪ 5063‬ومسلم ‪ 1401‬عن أنس بن مالك‬
‫رضي ال عنه‪ .‬وأفطر في سفر في رمضان‪ ،‬وقصر الرباعية‪ ،‬وجمع بين الظهر والعصر‪ ،‬وبين المغرب‬
‫والعشاء في السفر‪ ،‬ونادى مؤذنه في المطر أن صلوا في رحالكم‪ ،‬وقال‪ ":‬هلك المتنطعون" أخرجه مسلم ‪2670‬‬

‫أخرجه البخاري ‪ 6463‬عن أبي هريرة‬

‫عن عبدال بن مسعود رضي ال عنه‪.‬‬

‫وقال‪ ":‬ما كان الرفق في شيء إل زانه‪ ،‬وما نزع من شيء إل شانه"‬

‫‪27‬‬

‫أخرجه مسلم ‪ 2594‬عن عائشة رضي ال عنها‪.‬‬

‫‪١٤٢٩/١٢/٢٩‬‬

‫محمد صلى ال عليه وسلم رحيما‪:‬‬
‫وأنكر على عبدال بن عمرو بن العاص إرهاق نفسه بالعبادة‪ ،‬ويقول‪ ":‬إيّاكم والغلو"‬
‫‪ ]3238‬والنس ائي ‪ ،3057‬واب ن ماج ه ‪ 3029‬واب ن أ بي عاص م ف ي الس نة ‪ 46\1‬عن اب ن عباس رض ي ال‬

‫أخرجه أحمد [ ‪،1854‬‬

‫عنهم ا وص ححه ‪ .‬ويروى عنه‬

‫قوله‪ ":‬أمتي أمة مرحومة "‬
‫وصححه‪ ، .‬وقال‪ ":‬إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم " أخرجه البخاري ‪ 7288‬ومسلم ‪ 1337‬عن أبي هريرة رضي ال‬
‫عنه ‪ .‬وهذا اليسر في حياته عليه الصلة والسلم يوافق يسر الملة وسهولة الشريعة‪ ،‬وهو امتثال منه‬
‫وسْعَهَا } البقرة‬
‫ل َنفْساً ِإلّ ُ‬
‫صلى ال عليه وسلم لقول ربه‪ {:‬وَ ُنيَ سّ ُركَ لِ ْليُ سْرَى } (‪ )8‬العل ى‪ { ،‬لَ يُ َكلّ فُ ا ّ‬
‫ل بِكُ مُ الْيُ سْرَ وَلَ يُرِيدُ بِكُ مُ الْعُ سْرَ } البقرة ‪ {،185‬وَمَا‬
‫ستَطَ ْعتُمْ } التغاب ن ‪ {،16‬يُرِيدُ ا ّ‬
‫‪ { ،286‬فا ّتقُوا الَّ مَا ا ْ‬
‫ل عََليْكُمْ فِي الدّينِ مِنْ حَرَجٍ} الحج ‪ ..78‬وغيرها من اليات‪.‬‬
‫جَعَ َ‬
‫أخرج ه أحم د [ ‪ ]19253 ،19179‬وأب و داود ‪ 4276‬والحاك م ‪ 8372‬عن أ بي موس ى رض ي ال عنه‬

‫فهو صلى ال عليه وسلم سهل ميسّر رحيم في رسالته ودعوته وعبادته وصلته وصومه وطعامه‬
‫وشراب ه ولباس ه وحل ه وترحال ه وأخلق ه‪ ،‬ب ل حيات ه مبني ة عل ى اليس ر؛ لن ه جاء لوض ع الصار‬
‫والغلل عن المة‪ ،‬فليس اليسر أصل إل معه‪ ،‬ول يوجد اليسر إل في شريعته‪ ،‬فهو اليسر كله‪ ،‬وهو‬
‫الرحمة والرفق بنفسه‪ ،‬صلى ال عليه وسلم‪.‬‬

‫‪28‬‬

‫‪١٤٢٩/١٢/٢٩‬‬

‫محمد صلى ال عليه وسلم ذاكرا‪:‬‬
‫كان ص لى ال علي ه وسلم أكثر الناس ذكرا لربه‪ ،‬حيات ه كلها ذكر لموله‪ ،‬فدعوته ذكر وخطبه ذكر ومواعظه ذكر‬
‫وعبادته ذكر وفتاويه ذكر‪ ،‬وليله ونهاره وسفره وإقامته بل أنفاسه كلها ذكر لموله عز وجل‪ ،‬فقلبه معلق بربه‪ ،‬تنام‬
‫عينه ول ينام قلبه‪ ،‬بل النظر اليه يذكّر الناس بربّهم‪ ،‬وكل مراسيم حياته ومناسباته وذكر لخالقه جلّ في عله‪.‬‬
‫وكان صلى ال عليه وسلم يحث الناس على ذكر ربهم‪ ،‬فيقول‪":‬سبق المفردون‪ :‬الذاكرون ال كثيرا والذاكرات" أخرجه‬
‫مسلم ‪ 2676‬عن أبي هريرة رضي ال عنه‪ ،‬ويقول‪ ":‬مثل الذي يذكر ربه والذي ل يذكره كمثل الح يّ والميت " أخرجه البخاري‬
‫‪ 6407‬ومس لم ‪ 779‬عن أ بي موس ى رض ي ال عنه ‪ .‬ويقول‪ ":‬ل يزال لسانك رطبا من ذكر ال " أخرج ه أحمد [ ‪]17245 ،17227‬‬
‫والترمذي ‪ 3375‬وابن ماجه ‪ 3793‬انظر المشكاة ‪ .2279‬وأخبر أن أفضل الناس أكثرهم ذكرا لربه‪ ،‬وروى عن ربّه عز وجل‬
‫قوله‪ ":‬أنا مع عبدي ما ذكرني وتحركت شفتاه " أخرجه البخاري معلقا في كتاب التوحيد‪ ،‬باب قول ال { لتحرك به لسانك}‪،‬‬
‫وأحم د[‪ ]10592 ،10585‬واب ن ماجه ‪ 3792‬عن أ بي هريرة رض ي ال عنه ‪ .‬ويقول ‪ ":‬من ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي‪ ،‬ومن‬
‫ذكرني في مل ذكرته في مل خير منهم " أخرجه البخاري ‪ 7405‬ومسلم ‪ 2675‬عن أبي هريرة رضي ال عنه‪ .‬وله عليه الصلة‬
‫والسلم عشرات الحاديث الصحيحة التي تحث على الذكر وترغّب فيه‪ ،‬والتهليل والتسبيح والتحميد والتكبير والحوقلة‬
‫والستغفار والصلة والسلم عليه صلى ال عليه وسلم‪.‬‬
‫وكان يذكّر الناس بأجر الذكر وما يترتب على ذلك من ثواب‪ ،‬وذكر العداد في ذلك مع ذكر المناسبات‪ ،‬وعمل اليوم‬
‫والليلة‪ ،‬فهو صلى ال عليه وسلم الذاكر الشاكر الصابر‪ ،‬وهو الذي ذكّر المة بربها وعلمها تعظيمه وتسبيحه‪ ،‬وبيّن لها‬
‫فوائد الذكر ومنافعه‪ .‬فهو أسعد الناس بذكر ربه‪ ،‬وأهنؤهم عيشا بهذه النعمة‪ ،‬وأصلحهم حال بهذا الفضل‪ ،‬فكان له أوراد‬
‫من الذكار مع حضور قلب وخشوع وخضوع وهيبة وخوف ومحبة ورجاء وطمع في فضل ربه‬

‫‪29‬‬

‫‪١٤٢٩/١٢/٢٩‬‬

‫محمد صلى ال عليه وسلم داعيا‪:‬‬
‫جبْ لَكُمْ } غاف ر ‪ ،60‬ويقول‪َ {:‬وإِذَا سََأَلكَ عِبَادِي عَنّي فَإِنّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدّاعِ إِذَا‬
‫يقول تعال ى‪ {:‬ادْعُونِي أَسْ َت ِ‬
‫دَعَا نِ } البقرة ‪ ،186‬ويقول صلى ال عليه وسلم‪ ":‬الدعاء هو العبادة " أخرج ه أحم د [ ‪ ]17919 ،17888‬وأبو داود ‪1479‬‬
‫والترمذي [ ‪ ]3247 ،2969‬عن النعمان بن بشير وصححه‪ .‬ويقول ‪ ":‬من لم يسأل ال يغضب عليه " أخرجه البخاري في الدب المفرد‬
‫‪ 658‬والترمذي ‪ 3373‬عن أبي هريرة رضي ال عنه وصححه ‪ .‬وكان عليه الصلة والسلم لهجا بدعاء ربه في كل حالته‪ ،‬قد‬
‫فوّض أمره لموله‪ ،‬وأكثر اللحاح على خالقه يناشده رحمته وعفوه‪ ،‬ويطلب برّه وكرمه‪ ،‬وكان يختار جوامع الدعاء‬
‫الكامل الشامل كقوله‪ ":‬اللهم آتنا في الدنيا حسنة وفي الخرة حسنة وقنا عذاب النار" أخرجه البخاري [ ‪ ]6389 ،4522‬ومسلم‬
‫‪ 2688‬عن ان س رض ي ال عنه ‪ .‬وقوله‪ ":‬اللهم إني أسألك العفو والعافية " أخرج ه أحم د ‪ 4770‬وأب و داود ‪ 5074‬واب ن ماجه ‪3871‬‬
‫والحاكم ‪ 1902‬عن ابن عمر رضي ال عنهما وصححه‪.‬‬

‫وكان يكرر الدعاء ثلثا‪ ،‬ويبدأ بالثناء على ربه‪ ،‬وكان يستقبل القبلة عند دعائه‪ ،‬وربما توضأ قبل الدعاء‪ ،‬وكان يعلم‬
‫المة أدب الدعاء‪ ،‬كالبداية بحمد ال والصلة والسلم على رسوله‪ ،‬ودعاء ال بأسمائه الحسنى‪ ،‬واللحاح في الدعاء‪،‬‬
‫وتوخّي أوقات الجابة كأدبار الصلوات‪ ،‬وبين الذان والقامة‪ ،‬وآخر ساعة من يوم الجمعة‪ ،‬ويوم عرفة‪ ،‬وفي حالة‬
‫السجود والصوم والسفر‪ ،‬ودعوة الوالد لولده‪ ،‬وكان عليه الصلة والسلم وقت الزمات يلحّ على ربه ويناشده‪ ،‬ويكرر‬
‫السؤال مع تمام الذلّ والخوف والحب وحسن الظن‪ ،‬وتمام الرجاء‪ ،‬كما فعل يوم بدر ويوم الخندق ويوم عرفة‪.‬‬
‫وكان ال يجيب دعوته ويلبّي طلبه‪ ،‬كما حصل له على المنبر يوم استسقى فنزل الغيث مباشرة‪ ،‬ويوم شق له القمر‪،‬‬
‫وبارك له في الطعام والمال‪ ،‬ونصره في حروبه‪ ،‬ورفع دينه وأيّد حزبه وخذل أعداءه‪ ،‬وكبت خصومه‪ ،‬حتى حقق ال‬
‫له مقاصده وأكرم مثواه وجعل له العاقبة صلى ال عليه وسلم‪.‬‬

‫‪30‬‬

‫‪١٤٢٩/١٢/٢٩‬‬

‫‪:‬محمد صلى ال عليه وسلم طموحا‬
‫ولدت همت ه عليه الصلة والسلم معه يوم ول د‪ ،‬فمنذ طفولته زنفس ه مهاجرة ال ى معالي المور ومكارم‬
‫الخلق‪ ،‬ل يرضى بالدون ول يهوى السفاسف‪ ،‬بل هو الطموح والسبّاق المتفرّد والمبرز المحظوظ‪ ،‬ولقد‬
‫ذكر أهل السير أنه عليه الصلة والسلم وهو طفل كان لجده عبدالمطلب فراش في ظل الكعبة ل يجلس‬
‫عليه إل هو لمنزلته‪ ،‬فجاء محمد صلى ال عليه وسلم فنازع الخدم حتى جلس عليه‪ ،‬وأبى أن يجلس دونه‪.‬‬
‫وكان في ه قب ل النبوة م ن س مات الريادة والزعام ة والقيادة م ا جع ل قري ش يس مونه الص ادق المين‪،‬‬
‫ويرضون حكمه ويعودون اليه في أمورهم‪.‬‬
‫فلما منّ ال عليه بالبعثة تاقت نفسه إلى الوسيلة‪ ،‬وهي أعلى درجة في الجنة‪ ،‬فسأل ال إياها‪ ،‬وعلّمنا ان‬
‫نسألها له من ربه‪ ،‬بلغ سدرة المنتهى‪ ،‬وحاز الكمال البشري المطلق‪ ،‬والفضيلة النسانية‪ .‬ومن علوّ همّته‬
‫رفضه للدنيا وعدم الوقوف مع مطالبها الزهيدة لولياتها ومناصبها وقصورها ودورها‪.‬‬

‫‪31‬‬

‫‪١٤٢٩/١٢/٢٩‬‬

‫الرسول صلى ال عليه وسلم في القرآن‬
‫{ يا أيها النبي حسبك ال}‬
‫حسبك ال يكفيك من كل ما أهمّك‪ ،‬فيحفظك في الزمات‪ ،‬ويرعاك في الملمّات‪ ،‬ويحميك في المدلهمّات‪ ،‬فل تخش ول‬
‫تخف ول تحزن ول تقلق‪.‬‬
‫حسبك ال فهو ناصرك على كل عدو‪ ،‬ومظهرك على كل خصم‪ ،‬ومؤيدك في كل أمر‪ ،‬ويعطيك إذا سألت‪ ،‬ويغفر لك‬
‫إذا استغفرت‪ ،‬ويزيدك إذا شكرت‪ ،‬ويذكرك إذا ذكرت‪ ،‬وينصرك إذا حاربت‪ ،‬ويوفّقك إذا حكمت‪.‬‬
‫حس بك ال فيمنح ك الع ز بل عشيرة‪ ،‬والغن ى بل مال‪ ،‬والحف ظ بل حرس‪ ،‬فأن ت المظفّر لن ال حس بك! وأنت‬
‫المنصور لن ال حسبك‪ ،‬وأنت الموفق لن ال حسبك‪ ،‬فل تخف من عين حاسد ول من كيد كائد‪ ،‬ول من مكر ماكر‪،‬‬
‫ول من خبث كافر‪ ،‬ول من حيلة فاجر لن ال حسبك‪.‬‬
‫وإذا سمعت صولة الباطل‪ ،‬ودعاية الشرك‪ ،‬وجلبة الخصوم‪ ،‬ووعيد اليهود‪ ،‬وتربّص المنافقين‪ ،‬وشماتة الحاسدين‪،‬‬
‫فاثبت لن حسبك ال‪.‬‬
‫إذا ولّى الزمان‪ ،‬وجفا الخوان‪ ،‬وأعرض القريب‪ ،‬وشمت العدو‪ ،‬وضعفت النفس‪ ،‬وأبطأ الفرج‪ ،‬فاثبت لن حسبك ال‪.‬‬
‫إذا داهمتك المصائب‪ ،‬ونازلتك الخطوب‪ ،‬وحفّت بك النكبات‪ ،‬وأحاطت بك الكوارث‪ ،‬فاثبت لن حسبك ال‪ ،‬ل تلتفت‬
‫الى أحد من الناس‪ ،‬ول تدع أحدا من اليشر‪ ،‬ول تتجه لكائن من كان غير ال‪ ..‬لن حسبك ال‪.‬‬
‫إذا ألمّ بك مرض‪ ،‬وأرهقك دين‪ ،‬وحلّ بك فقر‪ ،‬أوعرضت لك حاجة‪ ،‬فل تحزن لن حسبك ال‪.‬‬
‫إذا أبطأ النصر‪ ،‬وتأخر الفتح‪ ،‬واشتد الكرب‪ ،‬وثقل الحمل‪ ،‬وادله مّ الخطب‪ ،‬فل تحزن لن حسبك ال‪ ،‬أنت محظوظ‬
‫لنك بأعيننا‪ ،‬وأنت محروس لنك خليلنا‪ ،‬وأنت في رعايتنا لنك رسولنا‪ ،‬وأنت في حمايتنا لنك عبدنا المجتبى ونبيّنا‬
‫المصطفى‪.‬‬

‫‪32‬‬

‫‪١٤٢٩/١٢/٢٩‬‬

‫الرسول صلى ال عليه وسلم في القرآن‬
‫}ل تحزن إن ال معنا}‬
‫هذه الكلمة الجميلة الشجاعة قالها صلى ال عليه وسلم وهو في الغار مع صاحبه أبي بكر الصدّيق‪ ،‬وقد‬
‫أحاط بهما الكفار‪ ،‬فقالها قوية في حزم‪ ،‬صادقة في عزم‪ ،‬صارمة في جزم‪ {:‬لَ تَحْزَ نْ إِنّ الّ مَعَنَا } التوبة‬
‫‪ .40‬فما دام ال معنا فلم الحزن ولم الخوف ولم القلق‪ ،‬اسكن‪ ..‬اثبت‪ ..‬اهدأ‪ ..‬اطمئن‪ ،‬لن ال معنا‪.‬‬
‫ل نُغلب‪ ،‬ل نُهزم‪ ،‬ل نضل‪ ،‬ل نضيع‪ ،‬ل نيأس‪ ،‬ل نقنط‪ ،‬لن ال معنا‪ ،‬النصر حليفنا‪ ،‬الفرج رفيقنا‪،‬‬
‫الفتح صاحبنا‪ ،‬الفوز غايتنا‪ ،‬الفلح نهايتنا لن ال معنا‪.‬‬
‫من أقوى منا قلبا‪ ،‬من أهدى منا نهجا‪ ،‬من أجلّ من مبدأ‪ ،‬من أحسن منا سيرة‪ ،‬من أرفع مان قدرا؟! لن‬
‫ال معنا‪.‬‬
‫ما أضعف عدوّنا‪ ،‬ما أذلّ خصمنا‪ ،‬ما أحقر من حاربنا‪ ،‬ما أجبن من قاتلنا‪ ،‬لن ال معنا‪.‬‬
‫لن نقصد بشرا‪ ،‬لن نلتجئ الى عبد‪ ،‬لن ندعو إنسانا‪ ،‬لن نخاف مخلوقا‪ ،‬لن ال معنا‪.‬‬
‫نحن أقوى عدة وأمضى سلحا‪ ،‬وأثبت جنانا وأقوم نهجا‪ ،‬لن ال معنا‪.‬‬
‫نحن الكثرون الكرمون العلون العزّون المنصورون‪ ،‬لن ال معنا‪.‬‬
‫يا أبا بكر اهجر همّك‪ ،‬وأزح غمّك‪ ،‬واطرد حزنك‪ ،‬وأزل يأسك‪ ،‬لن ال معنا‬

‫‪33‬‬

‫‪١٤٢٩/١٢/٢٩‬‬

‫الرسول صلى ال عليه وسلم في القرآن‬
‫}ل تحزن إن ال معنا}‬
‫يا أبا بكر ارفع رأسك‪ ،‬وهدئ من روعك‪ ،‬وأرح قلبك‪ ،‬لن ال معنا‪.‬‬
‫يا أبا بكر أبشر بالفوز‪ ،‬وانتظر النصر‪ ،‬وترقّب الفتح‪ ،‬لن ال معنا‪.‬‬
‫غدا سوف تعلو رسالتنا وتظهر دعوتنا وتسمع كلمتنا‪ ،‬لن ال معنا‪.‬‬
‫غدا سوف نُسمع أهل الرض روعة الذان وكلم الرحمن ونغمة القرآن‪ ،‬لن ال معنا‪.‬‬
‫غدا سوف نخرج النسانية ونحرر البشرية من عبودية الوثان‪ ،‬لن ال معنا‪.‬‬

‫‪34‬‬

‫‪١٤٢٩/١٢/٢٩‬‬

‫الرسول صلى ال عليه وسلم في القرآن‬
‫{وإنك لعلى خلق عظيم}‬
‫وال إنك لعظيم الخلق‪ ،‬كريم السجايا‪ ،‬مهذب الطباع‪ ،‬نقيّ الفطرة‪.‬‬
‫وال إنّك جمّ الحياء‪ ،‬حيّ العاطفة‪ ،‬جميل السيرة‪ ،‬طاهر السريرة‪.‬‬
‫وال إنك قمة الفضائل‪ ،‬ومنبع الجود‪ ،‬ومطلع الخير‪ ،‬وغاية الحسان‪.‬‬
‫وإن ك لعل ى خل ق عظيم‪ ..‬يظلمون ك فتص بر‪ ،‬يؤذون ك فتغف ر‪ ،‬يشتمون ك فتحل ك‪ ،‬يس بّونك فتعف و‪ ،‬يجفونك‬
‫فتصفح‪.‬‬
‫عظِي مٍ } (‪ )4‬القلم ‪ ..‬يحبّك الملك والمملوك‪ ،‬والصغير والكبير‪ ،‬والرجل والمرأة‪ ،‬والغني‬
‫{ وَإِنّ كَ لَعَلى خُلُ قٍ َ‬
‫والفقير‪ ،‬والقريب والبعيد‪ ،‬لنك ملكت القلوب بعطفك‪ ،‬وأسرت الرواح بفضلك‪ ،‬وطوّقت العناق بكرمك‪.‬‬
‫عظِيمٍ } (‪ )4‬القل م ‪..‬هذبّك الوح ي‪ ،‬وعلم ك جبري ل‪ ،‬وهداك رب ك‪ ،‬وص احبتك العناية‪،‬‬
‫{ وَإِنّكَ لَعَل ى خُلُقٍ َ‬
‫ورافقتك الرعاية‪ ،‬وحالفك التوفيق‪.‬‬
‫عظِيمٍ} (‪ )4‬القلم ‪ ..‬البسمة على محياك‪ ،‬البِِشر على طلعتك‪ ،‬النور على جبينك‪ ،‬الحب في‬
‫{وَإِنّكَ لَعَلى خُلُقٍ َ‬
‫قلبك‪ ،‬الجود في يدك‪ ،‬البركة فيك‪ ،‬الفوز معك‪.‬‬

‫‪35‬‬

‫‪١٤٢٩/١٢/٢٩‬‬

‫الرسول صلى ال عليه وسلم في القرآن‬
‫{وإنك لعلى خلق عظيم}‬
‫من زار بابك لم تبرح جوارحه‬
‫تروي احاديث ما أوليت من منن‬
‫فالعين عن قرّة والكف عن صلة‬
‫والقلب عن جابر والسمع عن حسن‬
‫{وَإِنّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ }‪ ..‬ل تكذب ولو أن السيف على رأسك‪ ،‬ول تخون ولو حزت‬
‫الدنيا‪ ،‬ول تغدر ولو أعطيت الملك‪ ،‬لنبي نبيّ معصوم‪ ،‬وإمام قدوة‪ ،‬وأسوة حسنة‪.‬‬
‫{ وَإِنّ كَ لَعَلى خُلُ قٍ عَظِي مٍ } صادق ولو قابلتك المنايا‪ ،‬وشجاع ولو قاتلت السود‪ ،‬وجواد‬
‫ولو سئلت كل ما تملك‪ ،‬فأنت المثال الراقي والرمز السامي‪.‬‬
‫{ وَإِنّ كَ لَعَلى خُلُ قٍ عَظِي مٍ }‪ ..‬سبقت العالم ديانة وأمانة وصيانة ورزانة‪ ،‬وتفوقت على‬
‫الكل علما وحلما وكرما ونبل وشجاعة وتضحية‪.‬‬

‫‪36‬‬

‫‪١٤٢٩/١٢/٢٩‬‬

‫الرسول صلى ال عليه وسلم في القرآن‬
‫{ما أنت بنعمة ربك بمجنون}‬
‫لست مجنونا كما قال أعداؤك لكن عندك دواء المجانين‪ ،‬فلمجنون الطائش والسفيه التافه من خالفك وعصاك‬
‫وحاربك وجفاك‪.‬‬
‫{ مَا أَن تَ ِبنِعْمَ ةِ رَبّ كَ بِمَجْنُو نٍ } (‪ )2‬القلم‪ ..‬وكيف يكون ذلك وأنت أكملهم عقل‪ ،‬وأتمّهم رشدا‪ ،‬وأسدهم رأيا‪،‬‬
‫وأعظمهم حكمة‪ ،‬واجلذهم بصيرة!‬
‫وكيف تكون مجنونا وأنت أتيت بوحي يكشف الزيغ‪ ،‬ويزيل الضلل‪ ،‬وينسف الباطل‪ ،‬ويمحو الجهل‪ ،‬ويهدي‬
‫العقل‪ ،‬وينير الطريق‪.‬‬
‫لست مجنونا أنك على هدى من ال‪ ،‬وعلى نور من ربك‪ ،‬وعلى ثقة من منهجك‪ ،‬وعلى بيّنة من دينك‪ ،‬وعلى‬
‫رشد من دعوتك‪ ،‬صانك ال من الجنون‪ ،‬بل عندك كل العقل وأكمل الرشد وأتم الرأي وأحسن البصيرة‪ ،‬فأنت‬
‫الذي يهتدي بك العقلء‪ ،‬ويستضيء بحكمتك الحكماء‪ ،‬ويقتدي بك الراشدون المهديّون‪.‬‬
‫كذب وافترى من وصفك بالجنون وقد ملت الرض حكمة والدنيا رشدا والعالم عدل‪ ،‬فأين يوجد الرشد إل‬
‫عندك؟ وأين تكون الحكمة إل لديم؟ وأين تحلّ البركة إل معك؟ أنت أعقل العقلء‪ ،‬وأفضل النبلء‪ ،‬وأجلّ الحكماء‪.‬‬
‫كيف يكون محمد مجنونا وقد قدّم للبشرية أحسن تراث على وجه الرض‪ ،‬وأهدى للعالم أجلّ تركة عرفها الناس‪،‬‬
‫وأعطى الكون أبرك رسالة عرفها العقلء‪:‬‬
‫أخوك عيسى دعا ميتا فقام له‬
‫وأنت أحييت أجيال من الرمم‬

‫‪37‬‬

‫‪١٤٢٩/١٢/٢٩‬‬

‫الرسول صلى ال عليه وسلم في القرآن‬
‫{ وإنك لتهدي الى صراط مستقيم}‬
‫أنت يا محمد مهمّتك الهداية‪ ،‬ووظيفتك الدللة‪ ،‬وعملك الصلح‪ ..‬أنت تهدي الى صراط مستقيم‪ ،‬لنك تزيل‬
‫الشبهات وتطرد الغواية وتذهب الضللة‪ ،‬وتمحو الباطل وتشيد الحق والعدل والخير‪.‬‬
‫ب الفلح فليقتد بك‪ ،‬ومن رغب في النجاة فليهتد‬
‫أنت تهدي الى صراد مستقيم‪ ،‬فمن أراد السعادة فليتبعك‪ ،‬ومن أح ّ‬
‫بهداك‪.‬‬
‫ج حجك‪ ،‬وأزكى صدقة صدقتك‪ ،‬وأعظم ذكرك لربك‪.‬‬
‫أحسن صلة صلتك‪ ،‬وأت ّم صيام صيامك‪ ،‬وأكمل ح ّ‬
‫وأنت تهدي الى صراط مستقيم‪ ..‬من ركب سفينة هدايتك نجا‪ ،‬من دخل دار دعوتك أمن‪ ،‬من تمسّك بحبل رسالتك‬
‫سلم‪ .‬فمن تبعك ما ذلّ‪ ،‬وما ضلّ وزلّ وما قل‪ ،‬وكيف يذلّ والنصر معك؟ وكيف يضل وكل الهداية لديك؟ وكيف‬
‫يزل والرشد كله عندك؟ وكيف يقلّ وال مؤيدك وناصرك وحافظك؟‬
‫وإنك لتهدي الى صراط مستقيم لنك وافقت الفطرة وجئت بحنيفية سمحة‪ ،‬وشريعة غرّاء‪ ،‬وملة كاملة‪ ،‬ودين تام‪.‬‬
‫هديت العقل من الزيغ‪ ،‬وطهّرت القلب من الريبة‪ ،‬وغسلت الضمير من الخيانة‪ ،‬وأخرجت المة من الظلم‪،‬‬
‫وحرّرت البشر من الطاغوت‪.‬‬
‫وإنك لتهدي الى صراط مستقيم‪ ،‬فكلمك هدى‪ ،‬وحالك هدى‪ ،‬وفعلك هدى‪ ،‬و مذهبك هدى‪ ،‬فأنت الهادي الى ال‪،‬‬
‫الدال على طريق الخير‪ ،‬المرشد لكل برّ‪ ،‬الداعي الى الجنة‪.‬‬

‫‪38‬‬

‫‪١٤٢٩/١٢/٢٩‬‬

‫الرسول صلى ال عليه وسلم في القرآن‬
‫{ يا أيها الرسول بلّغ ما أنزل إليك من ربك}‬
‫أدّ الرسالة كاملة كما سمعتها كاملة‪ ،‬بلّغها تامّة مثلما حملتها تامة‪ ،‬ل تنقص منها حرفا‪ ،‬ول تحذف كلمة‪ ،‬ول‬
‫تغفل جملة‪.‬‬
‫بلّغ ما أنزل إليك فهي أمانة في عنقك سوف تُسأل عنها‪ ،‬فبلغها بنصّها وروحها ومضمونها‪.‬‬
‫بلّغ ما أنزل إليك من الوحي العظيم والهدى المستقيم والشريعة المطهّرة‪ ،‬فأنت مبلّغ فحسب‪ ،‬ل تزد في الرسالة‬
‫حرفا‪ ،‬ول تضف من عندك على المت ن‪ ،‬ل تُدخل شيئ ا في المضمون‪ ،‬لنك مرسل فحسب‪ ،‬مبعوث ليس إل‪،‬‬
‫مكلف ببلغ‪ ،‬مسؤول عن مهمة‪ .‬فمثلما سمعت بلغ‪ ،‬ومثلما حُمّلت فأدّ‪.‬‬
‫بلّغ ما أنزل إليك‪ ،‬عرف من عرف‪ ،‬وأنكر من أنكر‪ ،‬استجاب من استجاب وأعرض من أعرض‪ ،‬أقبل من أقبل‬
‫وأدبرمن أدبر‪.‬‬
‫بل غ م ا أنزل إلي ك‪ ،‬بلّغ الك ل وادع الجمي ع‪ ،‬وانص ح الكاف ة‪ ،‬الك براء والمس تضعفين‪ ،‬الس ادة والعبي د‪ ،‬والنس‬
‫والجن‪ ،‬الرجال والنساء‪ ،‬الغنياء والفقراء‪ ،‬الكبار والصغار‪.‬‬
‫بلّغ ما أنزل إليك‪ ..‬فل ترهب العداء ول تخف الخصوم‪ ،‬ول تخش الكفار‪ ،‬ول يهولك سيف مصلت‪ ،‬أو رمح‬
‫مشرع‪ ،‬أو منية كالحة‪ ،‬أو موت عابس‪ ،‬أو جيش مدجج‪ ،‬أو حركة حامية‪.‬‬
‫بلّغ ما أنزل إليك فل يغريك مال‪ ،‬ول يعجبك منصب‪ ،‬ول يزدهيك جاه‪ ،‬ول تغرّك دنيا‪ ،‬ول يخدعك متاع‪ ،‬ول‬
‫يردّك تحرّج‪.‬‬

‫‪39‬‬

‫‪١٤٢٩/١٢/٢٩‬‬

‫الرسول صلى ال عليه وسلم في القرآن‬
‫{ وإن لم تفعل فما بلّغت رسالته}‬
‫إذا لم تؤد الرسالة كاملة فكأنك ما فعلت شيئا‪ ،‬وإن لم توصلها تامّة فكأنك ما قمت بها حق القيام‪ ،‬ولو كتمت منها مقالة‬
‫أو عطلت منها نصا أو أهملت منها عبارة فما بلّغت رسالة ال وما أدّيت أمانة ال‪ ،‬نريد منك أن تبلّغ رسالتنا للناس كما‬
‫أُلقيت عليك‪ ،‬وكما نزل بها جبريل وكما وعاها قلبك‪.‬‬

‫{وال يعصمك من الناس}‬
‫بلغ الرسالة كاملة ول تخف أحدا‪ ،‬وكيف تخاف من أحد ونحن معك نحفظك ونمنعك ونحميك ونذبّ عنك؟! لن يقتلك‬
‫أحد لن ال يعصمك من الناس‪ ،‬ولن يطفئ نورك أحد لن ال يعصمك من الناس‪ ،‬ولن يعطّل مسيرتك أحد لن ال‬
‫يعصمك من الناس‪ ،‬اصدع بما تؤمر‪ ،‬وقل كلمتك صريحة شجاعة قوية لن ال يعصمك من الناس‪ .‬اشرح دعوتك‪،‬‬
‫وابسط رسالتك‪ ،‬وارفع صوتك‪ ،‬وأعلن منهجك‪ ،‬وما عليك لن ال يعصمك من الناس‪.‬‬
‫كل قوة في الرض لن تستطيع لك‪ ،‬كلّ جبروت في الدنيا ل يهزمك‪ ،‬كل طاغية في المعمورة لن يقهرك‪ ،‬لن ال‬
‫يعصمك من الناس‪.‬‬
‫خير البريّة لم ينسج ولم يحم‬
‫ظنّوا الحمام وظنّوا العنكبوت على‬
‫عناية ال أغنت عن مضاعفه‬

‫‪40‬‬

‫من الروع وعن عالٍ من الطم‬

‫‪١٤٢٩/١٢/٢٩‬‬

‫الرسول صلى ال عليه وسلم في القرآن‬
‫{ألم نشرح لك صدرك}‬
‫أما شرحنا لك صدرك فصار وسيعا فسيحا ل ضيق فيه‪ ،‬ول حرج ول همّ ول غ ّم ول حزن‪ ،‬بل ملناه لك نورا وسرورا وحبورا‪.‬‬
‫أما شرحنا لك صدرك وملناه حكمة ورحمة وإيمانا وبرا وإحسانا‪.‬‬
‫وشرحنا لك صدرك فوسعت أخلق الناس‪ ،‬وعفوت عن تقصيرهم‪ ،‬وصفحت عن أخطائهم‪ ،‬وسترت عيوبهم‪ ،‬وحلمت على سفيههم‪،‬‬
‫وأعرضت عن جاهلهم‪ ،‬ورحمت ضعيفهم‪.‬‬
‫شرحنا لك صدرك فكنت كالغيث جوادا‪ ،‬وكالبحر كرما‪ ،‬وكالنسيم لطفا‪ ،‬تعطي السائل‪ ،‬وتمنح الراغب‪ ،‬وتكرم القاصد‪ ،‬وتجود على‬
‫المؤمّل‪.‬‬
‫شرحنا لك صدرك فصار بردا وسلما يطفئ الكلمة الجافية‪ ،‬ويبرد العبارة الجارحة‪ ،‬فإذا العفو والحلم والصفح والغفران‪.‬‬
‫شرحنا لك صدرك فصبرت على جفاء العراب‪ ،‬ونيل السفهاء‪ ،‬وعجرفة الجبابرة‪ ،‬وتطاول التافهين‪ ،‬وإعراض المتكبرين‪ ،‬ومقت‬
‫الحسدة‪ ،‬وسهام الشامتين‪ ،‬وتجهّم القرابة‪.‬‬
‫شرحنا لك صدرك فكنت بسّاما في الزمات‪ ،‬ضحّاكا في الملمّات‪ ،‬مسرورا وأنت في عين العاصفة‪ ،‬مطمئنا وأنت في جفن الردى‪،‬‬
‫تداهمك المصائب وأنت ساكن‪ ،‬وتلتفّ بك الحوادث وأنت ثابت‪ ،‬لنك مشروح الصدر‪ ،‬عامر الفؤاد‪ ،‬حيّ النفس‪.‬‬
‫شرحنا لك صدرك فلم تكن فظا قاسيا غليظا جافيا‪ ،‬بل كنت رحمة وسلما وبرا وحنانا ولطفا‪ ،‬فالحلم يُطلب منك‪ ،‬والجود يُتعلّم من‬
‫سيرتك‪ ،‬والعفو يؤخذ من ديوانك‪.‬‬

‫{ووضعنا عنك وزرك}‬
‫حططنا عنك خطاياك وغسلناك من آثار الذنوب‪.‬‬
‫ي طاهر من كل ذنب وخطيئة‪ ،‬ذنبك مغفور‪ ،‬وسعيك مشكور‪ ،‬وعملك‬
‫فأنت مغفور لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر‪ ،‬وأنت الن نق ّ‬
‫مبرور‪ ،‬وأنت في كل شأن من شؤونك مأجور‪ ،‬فهنيئا لك هذا الغفران‪ ،‬وطوبى لك هذا الفوز‪ ،‬وقرة عين لك هذا الفلح‪.‬‬

‫‪41‬‬

‫‪١٤٢٩/١٢/٢٩‬‬

‫الرسول صلى ال عليه وسلم في القرآن‬
‫{الذي أنقض ظهرك}‬
‫أثقل هذا الوزر كاهلك‪ ،‬وأضنى ظهرك حتى كاد ينقضه ويوهنه‪ ،‬فالن أذهبنا هذا الثقل وأزلنا هذه التبعة‪ ،‬وأعفيناك‬
‫من هذا الخطب‪ ،‬وأرحناك من هذا الحمل‪ ،‬فاسعد بهذه البشرى‪ ،‬وتقبّل هذا العطاء‪ ،‬وافرح بهذا التفضّل‪.‬‬

‫{ورفعنا لك ذكرك}‬
‫ل أُذك ر إل تذك ر مع ي‪ ،‬يقرن ذكرك بذكري ف ي الذان والص لة والخط ب والمواع ظ‪ ،‬فه ل تري د شرفا فوق هذا؟‬
‫يذكرك كل مصلّ وكل مسبّح وكل حاجّ وكل خطيب‪ ،‬فهل تطلب مجدا أعلى من هذا؟‬
‫أنت مذكور في التوراة والنجيل‪ ،‬منوّه باسمك في الصحف الولى والدواوين السابقة‪ ،‬اسمك يشاد به في النوادي‪،‬‬
‫ويُتلى في الحواضر والبوادي‪ ،‬ويُمدح في المحافل‪ ،‬ويُكرر في المجامع‪.‬‬
‫رفعنا لك ذكرك فسار في الرض مسير الشمس‪ ،‬وعبر القارات عبور الريح‪ ،‬وسافر في الدنيا سفر الضوء‪ ،‬فكل‬
‫مدينة تدري بك‪ ،‬وكل بلد يسمع بك‪ ،‬وكل قرية تسأل عنك‪.‬‬
‫رفعنا لك ذكرك فصرت حديث الرّّكب‪ ،‬وقصة السّمر‪ ،‬وخبر المجالس‪ ،‬وقضية القضايا‪ ،‬والنبأ العظيم في الحياة‪.‬‬
‫رفعنا لك ذكرك فما نُسي مع اليام‪ ،‬وما مُحي مع العوام‪ ،‬وما شُطب مع قائمة الخلود‪ ،‬وما نُسخ من ديوان التاريخ‪،‬‬
‫وما أغفل من دفتر الوجود‪ ،‬نُسي الناس إل أنت‪ ،‬وسقطت السماء إل اسمك‪ ،‬وأغفل العظماء إل ذاتك‪ ،‬فمن ارتفع ذكره‬
‫من العباد عندنا فبسبب اتّباعك‪ ،‬ومن حُفظ اسمه فبسبب القتداء بك‪ .‬ذهبت آثار الدول وبقيت آثارك‪ ،‬ومُحيت مآثر‬
‫السلطين وبقيت مآثرك‪ ،‬وزالت أمجاد الملوك وخلّد مجدك‪ ،‬فليس في البشر أشرح منك صدرا‪ ،‬ول أرفع منك ذكرا‪،‬‬
‫ول أعظم منك قدرا‪ ،‬ول أحسن منك أثرا‪ ،‬ول أجمل منك سيرا‪ .‬إذا تشهّد متشهّد ذكرك معنا‪ ،‬وإذا تهجّد متهجّد سمّاك‬
‫معنا‪ ،‬وإذا خطب خطيب نوّه بك معنا‪ ،‬فاحمد ربّك لننا رفعنا لك ذكرك‬
‫‪.‬‬

‫‪42‬‬

‫‪١٤٢٩/١٢/٢٩‬‬

‫الرسول صلى ال عليه وسلم في القرآن‬
‫{ فإن مع العسر يسرا* إن مع العسر يسرا}‬
‫إذا ضاقت عليك السبل وبارت الحيل‪ ،‬وتقطعت الحبال وضاق الحال‪ ،‬فاعلم أن الفرج قريب وأن اليسر‬
‫حاصل‪.‬‬
‫ل تحزن‪ ،‬فإن بعد الفقر غنى‪ ،‬وبعد المرض شفاء‪ ،‬وبعد البلوى عافية‪ ،‬وبعد الضيق سعة‪ ،‬وبعد الشدّة‬
‫فرحا‪.‬‬
‫سوف يصلك اليسر أنت وأتباعك‪ ،‬فترزقون وتنصرون وتكرمون ويفتح عليك‪ ،‬ولكن ليس يسر واحد بل‬
‫يسران‪.‬‬
‫إنها سنة ثابتة وقاعدة مطّردة أن مع كل عسر يسرا‪ ،‬بعد الليل فجر صادق‪ ،‬وخلف جبل المشقة سهل‬
‫الراح ة‪ ،‬ووراء ص حراء الضي ق روض ة خضراء م ن الس عة‪ ،‬إذا اشت د الحب ل انقط ع‪ ،‬وإذا اكتم ل الخطب‬
‫ارتف ع‪ ،‬س وف يص ل الغائ ب‪ ،‬ويشف ى المري ض‪ ،‬ويعاف ى المبتل ى‪ ،‬ويفكّ المحبوس‪ ،‬ويغن ى الفقي ر‪ ،‬ويشبع‬
‫الجائع‪ ،‬ويروى الظمآن‪ ،‬ويسرّ المهموم‪ ،‬وسيجعل ال بعد عسر يسرا‪.‬‬
‫وهذه السورة نزلت عليه الصلة والسلم وهو في حال من الضيق‪ ،‬وتكالب العداء‪ ،‬واجتماع الخصوم‪،‬‬
‫وإعراض الناس‪ ،‬وقل ة الناص ر‪ ،‬وتعاظ م المك ر‪ ،‬وكثرة الكي د‪ ،‬فكان ل ب د ل ه م ن عزاء وس لوة وتطمين‬
‫وترويح‪ ،‬فنزلت هذه الكلمات له ولتباعه الى يوم القيامة وعدا صادقا وبشر طيبة‪ ،‬وجائزة متقبّلة‪:‬‬
‫اشتدي أزمة تنفرجي‬

‫‪43‬‬

‫قد آذن ايلك بالبلج‬

‫‪١٤٢٩/١٢/٢٩‬‬

‫الرسول صلى ال عليه وسلم في القرآن‬
‫{فإذا فرغت فانصب}‬
‫إذا انتهيت من أعمالك الدنيوية وأشغالك الشخصية فانصب لنا بالعبادة‪ ،‬وتوجّه لنا بالطاعة‪ ،‬وأكثر من‬
‫ذكرنا ودعائنا‪.‬‬
‫إذا فرغت من الناس وقضايا الناس وأسئلة الناس فقم في محراب عظمتنا‪ ،‬وانطرح على بابنا‪ ،‬واقرب‬
‫منا‪ ،‬ومرّغ جبينك لنا‪ ،‬لتلقى الفوز والفلح والمن والنجاة‪.‬‬
‫إذا فرغ ت من الهل والول د والقريب والصاحب فاجع ل ل ك وقتا معنا‪ ،‬ارف ع في ه س ؤالك‪ ،‬اعرض فيه‬
‫حاجتك‪ ،‬أكثر فيه دعاءك‪ ،‬ادعنا وسبّحنا واطلبنا واستغفرنا واشكرنا واذكرنا‪.‬‬
‫إذا فرغت من الحكام والقضايا والموعظة والفتيا والتعليم والرشاد والجهاد والنصيحة‪ ،‬فتعال لتزداد من‬
‫قوتنا قوة‪ ،‬ومن مددنا عونا‪ ،‬ومن رزقنا زادا‪ ،‬ومن فتحنا بصيرة وذخيرة‪.‬‬
‫نحن أولى بك منك‪ ،‬وأحق بفراغك من غيرنا‪ ،‬ويا له من توجيه له ولتباعه عليه الصلة والسلم في‬
‫صرف الفراغ في العبودية‪ ،‬وملء هذا الزمن بذكره وشكره ج لّ في عله‪ ،‬ليحصل المقصود من الرضا‬
‫والسكينة والفرج والعاقبة الحسنة وصلح الحال والمال‪ ،‬وعمار الدنيا والخرة‪.‬‬
‫{‬

‫‪44‬‬

‫‪١٤٢٩/١٢/٢٩‬‬

‫الرسول صلى ال عليه وسلم في القرآن‬
‫{وإلى ربّك فارغب}‬
‫إل ى رب ك وحده فارغ ب‪ ،‬ول ترغ ب م ن غيره شيئ ا‪ ،‬وإلي ه وحده فاتج ه وعلي ه توكّل‪ ،‬وفي ه فأم ل‪ ،‬فإن‬
‫الرغبة والرهبة ل تكون إل إليه لنه صاحب الثواب لمن أطاعه والعقاب لمن عصاه‪ ،‬والرغائب الجليلة ل‬
‫يملكها إل ال‪ ،‬فعنده مفاتح الخزائن ومقاليد المور‪ ،‬فهو أهل أن يدعى وأن يسأل وأن يؤمل وأن يقصد جلّ‬
‫في عله‪:‬‬
‫إليك وإل ل تشدّ الركائب‬
‫ومنك وإل فالمؤمّل خائب‬
‫وفيك وإل فالغرام مضيّع‬
‫وعنك وإل فالمحدث كاذب‬
‫وقد تنزلت هذه الكلمات على رسولنا صلى ال عليه وسلم في فترات عصيبة‪ ،‬وفي لحظات حاسمة عاشها‬
‫صلى ال عليه وسلم وتجرّع غصصها وحسا مرارتها‪.‬‬

‫‪45‬‬

‫‪١٤٢٩/١٢/٢٩‬‬

‫الرسول صلى ال عليه وسلم في القرآن‬
‫{إنا فتحنا لك فتحا مبينا}‬
‫لقد فتحنا لك يا محمد فتحا بيّنا ظاهرا مباركا‪ ،‬فتحنا لك القلوب فغرست بها اليمان‪ ،‬وفتحنا لك الضمائر‬
‫فبنيت فيها الفضيلة‪ ،‬وفتحنا لك الصدور فرفعت فيها الحق‪ ،‬وفتحنا لك البلدان فنشرت بها الهدى‪ ،‬وفتحنا‬
‫لك كنز المعرفة وديوان العلم ومستودع التوفيق‪ ،‬وفتحنا بدعوتك القلوب الغلف والعيون العني والذان‬
‫الصمّ‪ ،‬وأسمعنا رسالتك الثقلين‪.‬‬
‫فتحنا لك فتدفّق العلم النافع من لسانك‪ ،‬وفاض الهدى المبارك من قلبك‪ ،‬وسحّ الجود من يمينك‪.‬‬
‫وفتحنا لك فحزت الغنائم وقسمتها‪ ،‬وجمعت الرزاق ووزعتها‪ ،‬وحصلت على الموال وأنفقتها‪.‬‬
‫وفتحنا لك باب العلم وأنت الميّ الذي ما قرأ وكتب‪ ،‬فصار العلماء ينهلون من بحار علمك‪.‬‬
‫وفتحنا عليك الخير فوصلت القريب وأعطيت البعيد‪ ،‬وأشبعت الجائع وكسوت العاري‪ ،‬وواسيت‬
‫المسكين‪ ،‬وأغنيت الفقير‪ ،‬بفضلنا ورزقنا وكرمنا‪.‬‬
‫وفتحنا لك القلع والمدن والقرى‪ ،‬فهيمن دينك‪ ،‬وارتفعت رايتك‪ ،‬وانتصرت دولتك‪ ،‬فأنت مفتوح عليك‬
‫في كل خير وبرّ وإحسان ونصر وتوفيق‬

‫‪46‬‬

‫‪١٤٢٩/١٢/٢٩‬‬

‫الرسول صلى ال عليه وسلم في القرآن‬
‫{فاعلم أنه ل إله إل ال}‬
‫علَمْ َأنّهُ لَ ِإلَهَ ِإلّ الُّ} محمد ‪ ،19‬فل تشرك معه في عبوديته أحدا‪ ،‬ول تعد من دونه إلها آخر‪ ،‬بل تصرف له‬
‫{فَا ْ‬
‫عبادتك‪ ،‬وتخلص له طاعتك‪ ،‬وتوحّد قصدك له ومسألتك ودعاءك‪ ،‬فإذا سألت فاسأل ال‪ ،‬وإذا استعنت فاستعن‬
‫بال‪ ،‬فل يستحق العبادة إل هو‪ ،‬ول يكشف الضرّ غيره‪ ،‬ول يجيب دعوة المضطر سواه‪.‬‬
‫علَ مْ أَنّهُ لَ إِلَهَ إِلّ الُّ } فهو أحق من شُكر وأعظم من ذكر‪ ،‬وأرأف من ملك‪ ،‬وأجود من أعطى‪ ،‬وأحلم من‬
‫{ فَا ْ‬
‫قدر‪ ،‬وأقوى من أخذ‪ ،‬وأج لّ من قصد‪ ،‬وأكرم من ابتغي‪ ،‬فل يدعى إله سواه‪ ،‬ول رب يطاع غيره‪ ،‬فالواجب أن‬
‫يُعبد وأن يُوحّد وأن يُخاف وأن يُطاع وأن يُرهب وأن يُخشى وأن يُحب‪.‬‬
‫علَمْ َأنّهُ لَ ِإلَهَ إِلّ الُّ} المتفرد بالجمال والكمال والجلل‪ ،‬خلق الخلق ليعبدوه‪ ،‬وأوجد النس والجن ليوحّدوه‪،‬‬
‫{فَا ْ‬
‫وأنشأ البريّة ليطيعوه‪ ،‬فمن أطاعه فاز برضوانه‪ ،‬ومن أحبّه نال قربه‪ ،‬ومن خافه أمن عذابه‪ ،‬ومن عظمه أكرمه‪،‬‬
‫ومن عصاه أدّبه‪ ،‬ومن حاربه خذله‪ ،‬يذكر من ذكره‪ ،‬ويزيد من شكره‪ ،‬ويذلّ من كفره‪ ،‬له الحكم وإليه ترجعون‪.‬‬
‫{فَاعْلَمْ أَنّهُ لَ إِلَهَ إِلّ الُّ} فأخلص له العبادة‪ ،‬لنه ل يقبل الشريك‪ ،‬وفوّض إليه المر لنه الكافي القويّ‪ ،‬واسأله‬
‫فهو الغني‪ ،‬وخف عذابه لنه شديد‪ ،‬واخش أخذه لنه أليم‪ ،‬ول تتعدّ حدوده لنه يغار‪ ،‬ول تحارب أولياءه‪ ،‬لنه‬
‫ينتقم‪ ،‬واستغفره فهو واسع المغفرة‪ ،‬واطمع في فضله لنه كريم‪ ،‬ولذ بجنابه فهناك المن‪ ،‬وأدم ذكره لتنل محبته‪،‬‬
‫وأدمن شكره لتحظى بالمزيد‪ ،‬وعظم شعائره لتفوز بوليته‪ ،‬وحارب أعداءه ليخصّك بنصره‪.‬‬

‫‪47‬‬

‫‪١٤٢٩/١٢/٢٩‬‬

‫الرسول صلى ال عليه وسلم في القرآن‬
‫{إقرأ}‬
‫تبدأ قصة النبوة بكلمة‪{:‬اقْرَ أْ } يوم نزلت على رسولنا صلى ال عليه وسلم في الغار‪ ،‬ومن بداية {اقْرَ أْ } بدأنا‪ ،‬بدأ تاريخنا‬
‫ومجدنا وحياتنا‪ ،‬ومن تاريخ نزول {اقْرَأْ} بدأت مسيرتنا المقدّسة‪ ،‬وتغيّر بها وجه الرض وصفحة اليام ومعالم الدنيا‪ ،‬فتلك‬
‫اللحظة هي أسعد لحظة في حياتنا نحن المسلمين‪ ،‬وهي اللحظة الفاصلة بين الظلم والنور‪ ،‬والكفر واليمان‪ ،‬والجهل والعلم‪،‬‬
‫واختيار اقرأ من بين قاموس اللفاظ وديوان اللغة له سر عجيب ونبأ غريب‪ ،‬فلم يكن مكان {اقْرَأْ} غيرها من الكلمات‪ ،‬ل "‬
‫اكتب"‪ ،‬ول "ادع" ول "تكلم" ول "قل"‪ ،‬ول "اخطب"‪ ....‬إنما {اقْ َرأْ}‪ ،‬ويا لها من كلمة جليلة جميلة أصيلة‪.‬‬
‫ل ِإلَ َه إِلّ الُّ وَاسْتَغْفِ ْر ِلذَن ِبكَ } محمد ‪.19‬‬
‫عَل ْم أَنّهُ َ‬
‫اقرأ يا محمد قبل أن تدعو‪ ،‬واطلب العلم قبل أن تعمل {فَا ْ‬
‫إن {اقْرَأْ} منهج حياة‪ ،‬ورسالة حية لكل حيّ تطالبه بتحصيل العلم النافع وطلب المعرفة‪ ،‬وأن يطرد الجهل عن نفسه وأمته‪.‬‬
‫وأين يقرأ بأبي وأمي وما تعلّم على شيخ ول درس كتابا ول حمل قلما؟‬
‫يقرأ أول باسم ربه كلم ربّه‪ ،‬فمصدره الول الوحي يتلوه غضّا طريا‪ ،‬ويقرأ في كتاب الكون المفتوح ليرى أسطر الحكمة‬
‫تخطها أقلم القدرة‪ ،‬فيقرأ في الشمس الساطعة‪ ،‬والنجوم اللمعة‪ ،‬والجدول والغدير‪ ،‬والتل والرابية‪ ،‬والحديقة والصحراء‪،‬‬
‫والرض والسماء‪:‬‬
‫صورا ما قرأتها في كتابي‬
‫وكتابي الفضاء اقرأ فيه‬
‫وكلمة {اقْرَأْ} تدلك على فضل العلم وعل ّو مكانته‪ ،‬وأنه أول منازل الشرف الرافعة‪.‬‬
‫وإن كل سعادة وفلح سببها العلم‪ ،‬فرسالته صلى ال عليه وسلم علميّة عمليّة‪ ،‬لنه بعث بالعلم النافع والعمل الصالح " مثل‬
‫ما بعثني ال به من الهدى والعلم كمثل الغيث" أخرجه البخاري ‪ 79‬ومسلم ‪ 2282‬عن أبي موسى رضي ال عنه‪.‬‬
‫فاليهود عندهم علم بل عمل‪ ،‬فغضب عليهم‪ ،‬والنصارى لديهم عمل بل علم فضلوا‪ ،‬فأمرنا بالستعاذة من سبيل الطائفتين‬
‫ل الضّالّينَ } الفاتحة ‪.7‬‬
‫علَي ِه ْم وَ َ‬
‫ب َ‬
‫{غَي ِر المَغضُو ِ‬

‫‪48‬‬

‫‪١٤٢٩/١٢/٢٩‬‬

‫الرسول صلى ال عليه وسلم باكيا‪:‬‬
‫البكاء فضيلة عند رؤية التقصير أو خوف سوء المصير‪ ،‬وهو محمدة إذا تذكّر العبد ربه وخاف ذنوبه‪ ،‬ودليل على‬
‫تقوى القلب وسمّو النفس وطهر الضمير ورقّة العاطفة‪ ،‬مدح ال رسله بالبكاء فقال‪ {:‬إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ مْ آيَا تُ ال ّرحْمَن‬
‫سجّداً وَبُكِيّا} )(‪ )58‬مريم‪.‬‬
‫خَرّوا ُ‬
‫ووصف أولياءه الصالحين بأنهم{ وَ َيخِرّونَ لِلَ ْذقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعاً} )‪ )109‬السراء‪.‬‬
‫ولم أعداءه على القسوة والغلظة فقال‪ {:‬أفمن هذا الحديث تعجبون* وتضحكون ول تبكون}‪.‬‬
‫وأثنى على قوم فقال‪َ {:‬وإِذَا سَمِعُواْ مَا أُنزِلَ ِإلَى الرّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ َتفِيضُ مِنَ الدّمْعِ مِمّا عَ َرفُواْ مِنَ الْحَقّ } المائدة‬
‫‪.83‬‬
‫وسيد الخاشعين لربّ العالمين‪ ،‬وإمام الخائفين من مالك يوم الدين هو خاتم المرسلين صلى ال عليه وسلم‪ .‬فقد كان‬
‫نديّ الجفن‪ ،‬سريع العبرة‪ ،‬سخيّ الدمع‪ ،‬رقيق القلب‪ ،‬جياش العاطفة‪ ،‬مشبوب الحشا‪ ،‬تنطلق دمعته في صدق وطهر‪،‬‬
‫ويس مع نشيج ه ف ي قنوت وإخبات‪ ،‬يترك بكاؤ ه ف ي قلوب أصحابه آثارا من التربي ة والقتداء والص لح م ا ل تتركه‬
‫الخطبة البليغة والمواعظ المؤثرة‪ ،‬فهو يبكي صلى ال عليه وسلم عند تلوة القرآن‪ ،‬فقد قام ليلة من الليالي يكرر قوله‬
‫تعالى‪ {:‬إِن تُعَذّبْهُمْ فَإِنّهُمْ عِبَا ُدكَ َوإِن تَ ْغفِ ْر لَهُمْ َفإِ ّنكَ أَنتَ الْعَزِي ُز ا ْلحَكِيمُ} ) ‪ )118‬المائدة‪ ،‬فيبكي غالب ليله‪.‬‬
‫وهو يبكي عند سماع القرآن‪ ،‬فقد صحّ عنه صلى ال عليه وسلم أنه قال لبن مسعود‪":‬اقرأ عليّ القرآن"‪ ،‬قال‪ :‬كيف‬
‫أقرؤه عليك وعليك أُنزل؟ قال‪ ":‬اقرأ فإني أح بّ أن أسمعه من غيري " فيقرأ ابن مسعود من أول سورة النساء‪ ،‬حتى‬
‫علَى هَ ؤُلء شَهِيداً } )‪ ( 41‬النساء‪ .‬قال‪ ":‬حسبك الن " فنظرت فإذا‬
‫بلغ‪ {:‬فَكَيْ فَ إِذَا جِئْنَا مِن ُكلّ أمّ ةٍ بِشَهِيدٍ َوجِئْنَا بِ كَ َ‬
‫عيناه تذرفان‪ .‬أخرجه البخاري [ ‪ ]5055 ،4582‬ومسلم ‪ 800‬عن عبدال بن مسعود‪.‬‬

‫‪49‬‬

‫‪١٤٢٩/١٢/٢٩‬‬

‫الرسول صلى ال عليه وسلم باكيا‪:‬‬
‫وهو يخشع صلى ال عليه وسلم عند سماع القرآن‪ ،‬فقد صح أنه قام ليلة يستمع لبي موسى الشعري‬
‫وهو يقرأ القرآن ثم قال له في الصباح‪ ":‬لو رأيتني وأنا أستمع لقراءتك‪ ،‬لقد أوتيت مزمارا من مزامير آل‬
‫داود" أخرجه البخاري ‪ 5048‬ومسلم ‪ 793‬عن أبي موسى‪.‬‬
‫فيقول أبو موسى ‪ :‬لو كنت أعلم أنك تستمع لي لحبّرته لك تحبيرا ‪ .‬أي‪ :‬جوّدته وحسنته وجمّلته‪ .‬هذه الزيادة‬
‫أخرجها البيهقي في الكبرى [ ‪ ]208421 ،4484‬وفي الشعب ‪.2604‬‬

‫وقال عبدال بن الشخير في حديث صحيح‪ :‬دخلت على رسول ال صلى ال عليه وسلم وهو يصلي‬
‫وبصدره أزيز كأزيز المرجل من البكاء‪ ،‬وهو القدر إذا استجمع غليانا‪.‬‬
‫ويحضر صلى ال عليه وسلم جنازة ابنته زينب‪ ،‬ويجلس على القبر وتذرف عيناه من هول المنظر‪،‬‬
‫وتذكر العاقبة والتفكير في ذلك المصير‪ ،‬وأصحابه يشاهدون هذا المشهد المؤثر المعبّر منه صلى ال‬
‫عليه وسلم‪.‬‬
‫ويخبر صلى ال عليه وسلم بفضل البكاء من خشية ال‪ ،‬فيذكر السبعة الذين يظلهم ال في ظله يوم ل‬
‫ظل إل ظله‪ ...":‬ورجل ذكر ال خاليا ففاضت عيناه " اخرج ه البخاري[ ‪ ]6806 ،1423 ،660‬ومس لم ‪ 1031‬عن أبي‬
‫هريرة رضي ال عنه‪.‬‬

‫وصحّ عنه صلى ال عليه وسلم أنه قال‪ ":‬عينان ل تم سّهما النار أبدا‪ :‬عين بكت وجل من خشية ال‪،‬‬
‫وعين باتت تحرس في سبيل ال" أخرجه الترمذي ‪ 1639‬والبيهقي في الشعب ‪ 796‬عن ابن عباس‪.‬‬

‫‪50‬‬

‫‪١٤٢٩/١٢/٢٩‬‬

‫الرسول صلى ال عليه وسلم باكيا‪:‬‬
‫فالبكاء السنّي الشرعي ما كان من خوف ال عز وجل‪ ،‬وتذكّر القدوم عليه والوقوف بين يديه والتفكير في آياته الشرعية‬
‫والكونية‪ .‬والبكاء م ن الوفاء‪ ،‬وم ن أفض ل أعمال الولياء‪ ،‬خاص ة إذا كان ندم ا م ن معص ية وعن د فوت طاع ة‪ ،‬ووجل من‬
‫عذاب‪ ،‬ورحمة لمصاب‪ ،‬ورقة عند موعظة‪ ،‬وخشية عند تفكّر‪ .‬ول يحمد البكاء على الدنيا‪ ،‬فهي أقل وأرخص من يُبكى‬
‫عليها‪ ،‬فليست أهل لذلك‪.‬‬
‫فكان بكاؤه صلى ال عليه وسلم أجلّ وأفضل البكاء‪ ،‬وهو ما دلّ على يقين وعظمة خوف وشدة رهبة من الجليل‪ ،‬وصدق‬
‫معرفة وحسن علم بعاقبة‪ ،‬فأعماله صلى ال عليه وسلم كلها في أرقى مقامات العمال وأسمى غايات الحوال‪.‬‬
‫ولم يكن صلى ال عليه وسلم بالهلوع الجزوع الذي يأسف على فوات الحظوظ الدنيوية ويجزعلى ذهاب المكاسب الدنيّة‪،‬‬
‫ولم يكن بالفرح البطر القاسي الذي ل تؤثر فيه المواقف ول تحرّكه الزمات‪ ،‬بل كان بكاؤه وندمه وأسفه في مرضاة ربه‪.‬‬
‫وكان تبسّمه وضحكه وسروره في طاعة خالقه‪ ،‬ففي كل خصلة من خصال النبل وفي كل صفة من صفات الفضل هو المثل‬
‫حسَنَةٌ} الحزاب ‪.21‬‬
‫سوَ ٌة َ‬
‫ل الِّ ُأ ْ‬
‫العلى والقدوة الحسنة‪ {:‬لَقَ ْد كَانَ لَكُ ْم فِي َرسُو ِ‬
‫لقد كان أصحابه صلى ال عليه وسلم ينظرون إليه على المنبر ودموعه تذرف‪ ،‬ونشيجه يتعالى‪ ،‬ولصدره أزيز ولصوته‬
‫أزيمن حينها يتحول المسجد إلى بكاء ودموع‪ ،‬كلّ ينكس رأسه ويترك التعبير لعينيه أمام هذا المشهد الذي ل تمحوه اليام ول‬
‫تنسيه الليالي‪.‬‬
‫يا ال! محمد رسول ال هكذا باكيا أمام الناس‪ ،‬هكذا تسحّ دموعه وتتساقط على وجنتيه وهو أعرف الناس بال وأدراهم‬
‫بالوحي وأعلمهم بالمصير!‬
‫يبكي من قلب ملؤه الخوف من ال‪ ،‬ومن نفس عمَرها حب ال‪ ،‬فتكاد دموعه تتحدث للناس‪ ،‬ويكاد يكون بكاؤه أبلغ من كل‬
‫موعظة وأفصح من كل كلمة‪.‬‬

‫‪51‬‬

‫‪١٤٢٩/١٢/٢٩‬‬

‫الرسول صلى ال عليه وسلم ضاحكا‪:‬‬
‫الضحك المعتدل بلسم للروح ودواء للنفس وراحة للخاطر المكدود وبعد الجد والعمل‪ ،‬والمقتصد منه دليل‬
‫على الريحية‪ ،‬وآية على اعتدال المزاج‪ ،‬وعلمة على صفاء الطويّة‪.‬‬
‫وكان رس ولنا ص لى ال علي ه وس لم م ع أهل ه إذا دخ ل عليه م ضحاك ا بس اما يمازح زوجات ه ويلطفهن‬
‫ويؤنس هن ويحادثهن حديث الود والحب والحنان والعط ف؛ لنه بُع ث رحم ة للعالمين‪ ،‬وأحق الناس بهذه‬
‫الرحمة أهله وقرابته وأحبابه وأصحابه‪ .‬وكانت تعلو محيّاه الطاهر البسمة المشرقة الموحية‪ ،‬فإذا قابل بها‬
‫الناس أسر قلوبهم أسرا فمالت نفوسهم بالكلية إليه وتهافتت أرواحهم عليه‪ ،‬يبتسم عن مثل البرد في وجه‬
‫أبهى من الشمس‪ ،‬وجبين أزهى من البدر‪ ،‬وفم أطهر من القحوان‪ ،‬وخلق أندى من الرياض‪ ،‬وودّ أرق من‬
‫النس يم‪ ،‬يمزح ول يقول إل حق ا‪ ،‬فيكون مزح ه عل ى أرواح أص حابه أهن ى م ن قطرات الماء عل ى كبد‬
‫الصادي وألطف من يد الوالد الحاني على رأس ابنه الوديع‪ ،‬يمازحهم فتنشط أرواحهم وتنشرح صدورهم‬
‫وتنطلق أسارير وجوههم‪ ،‬فل وال ما يريدون الدنيا كلها في جلسة واحدة من جلساته‪ ،‬ول وال ل يرغبون‬
‫في القناطير المقنطرة من الذهب والفضة في كلمة حانية وادعة مشرقة من كلماته‪.‬‬
‫يقول جرير بن عبدال البجلي ‪ :‬ما رآني رسول ال صلى ال عليه وسلم إل تب سّم في وجهي‪ ،‬وجرير‬
‫يفتخ ر بهذا العطاء ويعل ن هذا الس خاء‪ ،‬فهذه البس مة الوارف ة الدافئ ة الص ادقة أجلّ عن د جري ر م ن كل‬
‫الذكريات وأسمى من كل المنيات‪.‬‬

‫‪52‬‬

‫‪١٤٢٩/١٢/٢٩‬‬

‫الرسول صلى ال عليه وسلم ضاحكا‪:‬‬
‫يبتسم في وجهه فكفى‪ ،‬يمل روحه برا وحنانا ولطفا‪ ،‬ويشبع قلبه سماحة ورحمة وودا‪ ،‬ول تظن المسألة‬
‫عادية أو أن الموقف سهل بسيطن لنك ما عشت الحدث وما لبست القضية‪.‬‬
‫والرسول صلى ال عليه وسلم في ضحكه ومزاحه ودعابته وسط بين من جفّ خلقه ويبس طبعه وتجهّم‬
‫محيّاه وعبس وجهه‪ ،‬وبين من أكثر من الضحك واستهتر في المزاح وأدمن الدعابة والخفة‪ ،‬فكان صلى ال‬
‫عليه وسلم يضحك في مناس بات حتى تبدو نواجذه‪ ،‬ولكنه ل م يستغرق في الضحك حتى يهتز جسمه أو‬
‫يتمايل أو تبدو لهواته‪ ،‬وهي أقصى الحق‪.‬‬
‫وقد صحّ عنه أنه قال‪ ":‬وإيّاك والضحك‪ ،‬فإن كثرة الضحك تميت القلب" أخرجه أحمد ‪ 8034‬والترمذي ‪ 2305‬وابن‬
‫ماجه ‪ 4217‬عن أبي هريرة رضي ال عنه وانظر البيان والتعريف ‪ 22\1‬وكشف الخفاء ‪.85‬‬

‫وقد ورد أنه مازح بعض أصحابه فقال له‪ :‬أريد أن تحملني يا رسول ال على جمل‪ ،‬قال‪ ":‬ل أجد لك إل‬
‫ولد الناقة " فولّى الرجال فدعاه وقال‪ ":‬وهل تلد البل إل النوق؟ " أي أن الجمل أصل ولد ناقة‪ .‬أخرجه أحمد‬
‫‪ 13405‬وأبو داود ‪ 4998‬والترمذي ‪ 1991‬عن أنس بن مالك‪.‬‬

‫ويروى أن عجوزا أتته صلى ال عليه وسلم تطلب منه أن يدعو لها بدخول الجنة‪ ،‬فقال‪ ":‬ل يدخل الجنة‬
‫عجوز" فولّت تبكي‪ ،‬فدعاها وقال‪ ":‬أما سمعت قول ال سبحانه‪ {:‬إِنّا أَنشَأْنَاهُنّ إِنشَاء * فَجَعَلْنَاهُنّ أَبْكَاراً *‬
‫عُرُباً أَتْرَاباً *) الواقعة‪ .37-35‬أخرجه الطبراني انظر مجمع الزوائد ‪.419\10‬‬

‫‪53‬‬

‫‪١٤٢٩/١٢/٢٩‬‬

‫الرسول صلى ال عليه وسلم ضاحكا‪:‬‬
‫بل كان ضحكه طاعة لربه تعالى‪ ،‬وفيه من مقاصد القتدء والسوة ما يفوق الوصف‪ ،‬ولم يكن ضحكه عبثا أو لهوا‬
‫أو تزجية للوقت وقتل للزمن‪.‬‬
‫يركب صلى ال عليه وسلم راحلته مسافرا فيدعو بدعاء السفر ثم يقول‪ ":‬اللهم اغفر لي ذنبي فإنه ل يغفر الذنوب إل‬
‫أنت " ثم يضحك صلى ال عليه وسلم‪ ،‬فيسأله أصحابه ‪ :‬لم ضحكت يا رسول ال؟ فقال‪ ":‬يضحك ربك إذا قال العبد‪:‬‬
‫اللهم اغفر لي ذنوبي فإنه ل يغفر الذنوب إل أنت‪ ،‬ويقول‪ :‬علم عبدي أنه ل يغفر الذنوب إل أنا "‪ .‬أخرجه أحمد ‪ 932‬وأبو‬
‫داود ‪ 2602‬والترمذي ‪ 3446‬عن علي رضي ال عنه‪.‬‬

‫ويتلو صلى ال عليه وسلم قصة الرجل الذي هو آخر من يدخل الجنة ويخرج من النار‪ ،‬ويسأل ربه شيئا فشيئا حتى‬
‫يعطيه ال عشرة أمثال ما تمنّى‪ ،‬فيقول الرجل‪ :‬أتهزأ بي وأنت رب العالمين؟ فيضحك صلى ال عليه وسلم عند ذلك‪.‬‬
‫فمن هديه صلى ال عليه وسلم الذي هداه ال إليه ودلّه عليه أنه يعطي كل مقام حقه حتى ل يصلح في ذلك المقام إل‬
‫ما فعله صلى ال عليه وسلم‪ ،‬ففي وقت النس والفرح والسرور مزاح مقتصد ودعابة وقورة ومرح معتدل‪ ،‬وفي وقت‬
‫الموعظة والخوف والتذكر بكاء في خشية ورهبة في ذكرى وتأثر في سكون‪ ،‬فمزاحه تأليف للقلوب‪ ،‬ودعابته أنس‬
‫للرواح‪ ،‬وضحكه بلسم للنفوس‪ ،‬بل كل مزحة مكتوبة في دواوين الحديث على أنها سنة‪ ،‬وكل دعابة نقلها الرواة على‬
‫أنها أثر وخلق من أخلقه الشريفة‪ ،‬فسبحان من رفع قدره حتى صار ضحكه يحفظ في بطون السفار كأنه أعجب قصة‬
‫من قصص العبر والعظات‪ ،‬وتبارك من شرّف منزلته حتى جعل مزحه يرويه الثقات عن الثقات كأنه فريضة قائمة‪،‬‬
‫فصلى ال عليه وعلى أصحابه وآله ما تنفس صباح وعسعس ليل‪.‬‬

‫‪54‬‬

‫‪١٤٢٩/١٢/٢٩‬‬

‫الرسول صلى ال عليه وسلم شجاعا‪:‬‬
‫الرسول صلى ال عليه وسلم أشجع الناس قلبا‪ ،‬ويكفي شجاعته مثل أنه ما فرّ من معركة قط‪ ،‬وما تأخر‬
‫عن القتال‪ ،‬وما نكص عند النزال‪ ،‬بل كان إذا حمي الوطيس وقامت الحرب على ساق واحمرّت الحدق‬
‫وتطايرت الرؤوس على أطراف السيوف وتك سّرت الرماح على الجماجم‪ ،‬حينها تجد سيد الخلق صلى‬
‫ال عليه وسلم ثابت الجأش ساكن النفس‪ ،‬عنده من الطمأنينة والثقة بربّه ما يكفي أمة وما يفيض على‬
‫جيش‪.‬‬
‫أما كان في الغار مع أبي بكر الصديق وقد أحاط بالغار كفار قريش معهم السيوف المصلتة والقلوب‬
‫الحاقدة يريدون روحه صلى ال عليه وسلم بأي ثمن‪ ،‬وهو أعزل من السلح؟ فلما رأى تخوف أبي بكر‬
‫عليه قال ‪ ":‬يا أبا بكر‪ ،‬ما ظنّك باثنين ال ثالثهما " أخرجه البخاري [ ‪ ]4663 ،3653‬ومسلم ‪ 2381‬عن أبي بكر رضي ال‬
‫عنه‪.‬‬

‫وهذا غاية الثبات ونهاية الشجاعة‪.‬‬
‫ويفرّ المسلمون في حنين ول يبقى إل ستة من الصحابة‪ ،‬فيتقدم صلى ال عليه وسلم على بغلته الى‬
‫جي ش الكفار المدج ج بالس لح الكثي ر العدد القوي البأ س‪ ،‬فيرميه م بحفن ة تراب بيده ويقول‪ ":‬شاهت‬
‫الوجوه" أخرجه مسلم ‪ 1777‬عن سلمة بن عمرو بن الكوع رضي ال عنه‬
‫‪.‬‬

‫‪55‬‬

‫‪١٤٢٩/١٢/٢٩‬‬

‫الرسول صلى ال عليه وسلم ممدوحا‪:‬‬
‫فذو العرش محمود وهذا محمد‪:‬‬
‫حمُوداً} (‪ )79‬السراء‪.‬‬
‫ك مَقَامًا مّ ْ‬
‫{عَسَى أَن يَ ْبعَ َثكَ رَّب َ‬
‫من قرنائه والحمد من أسمائه‬
‫الشمس من حساده والنصر‬
‫أين الثلثة من ثلث خلله‬

‫من حسنه وإبائه ومضائه‬

‫ولقد أتى فعجزن عن نظرائه‬
‫مضت الدهور وما أتين بمثله‬
‫محمد بن عبدال‪ ..‬هذا السم العلم‪ ،‬إذا ذكر ذكرت معه الفضيلة في أجمل صورها‪ ،‬وذكر معه الطهر في أرقى مشاهده‪ ،‬وذكر معه‬
‫العدل في أسمى معانيه‪.‬‬
‫محمد بن عبدال‪ ..‬اسم كتب بحروف من نور في قلوب الموحّدين‪ ،‬فلو شققت كل قلب لرأيته محفورا في النياط مكتوبا في السويداء‪،‬‬
‫مرسوما في العروق‪.‬‬
‫وأبصر اللحظ رسما في سويداه‬
‫وال لو شقّ قلبي في الهوى قطعا‬
‫ذكراه أو رسمت بالحب سيماه‬
‫لكنت أنت الذي في لوحه كتبت‬
‫محمد صاحب الغرة والتبجيل‪ ،‬المذكور في التوراة والنجيل‪ ،‬المؤيد بجبريل‪ ..‬حامل لواء العز في بني لؤين وصاحب الطود المنيف‬
‫في بني عبد مناف بن قصي‪.‬‬
‫بشّرت به الرسل‪ ،‬وأخبرت به الكتب‪ ،‬وحفلت باسمه التواريخ‪ ،‬وتشرّفت به النوادي‪ ،‬وتضوعت بذكره المجامع‪ ،‬وصدحت بذكراه‬
‫المنائر‪ ،‬ولجلجت بحديثه المنابر‪.‬‬

‫‪56‬‬

‫‪١٤٢٩/١٢/٢٩‬‬

‫الرسول صلى ال عليه وسلم ممدوحا‪:‬‬
‫غوَى (‪ } )2‬النج م‪ ،‬وحف ظ م ن الهوى‪ { :‬وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْ َهوَى (‪})3‬‬
‫ضلّ صَاحِبُ ُك ْم وَمَا َ‬
‫عص م م ن الضلل ة والغواي ة‪ {:‬مَا َ‬
‫النجم‪...‬‬
‫فكلمه شريعة‪ ،‬ولفظه دين‪ ،‬وسنته وحي {ِإنْ ُه َو ِإلّ وَحْيٌ يُوحَى (‪})4‬النجم‪..‬‬
‫ن (‪} )79‬النمل‪.‬‬
‫ق الْمُبِي ِ‬
‫ك عَلَى الْحَ ّ‬
‫سجاياه طاهرة‪ ،‬وطبيعته فاضلة‪ ،‬وخصاله نبيلة‪ ،‬ومواقفه جليلة{ إِ ّن َ‬
‫تواضعه ج مّ‪ ،‬وجوده ع مّ‪ ،‬ونوره ت مّ‪ ،‬فهو مرضي الفعال‪ ،‬صادق القوال‪ ،‬شريف الخصال{ َوإِنّ كَ لَعَلى خُلُ قٍ عَظِيمٍ (‪} )4‬‬
‫القلم‪.‬‬
‫غلِي ظَ الْ َقلْ بِ لَنفَضّواْ مِ نْ حَوْلِ كَ } آل‬
‫ل لِن تَ لَهُ مْ َوَلوْ كُن تَ فَظّا َ‬
‫ليّن الجانب‪ ،‬سهل الخليقة‪ ،‬يسير الطبع { فَبِمَا رَحْمَ ةٍ مّ نَ ا ّ‬
‫عمران ‪ .159‬ظاهر العناية‪ ،‬ملحوظ بعين الرعاية‪ ،‬منصور الراية‪ ،‬موفق محظوظ‪ ،‬مظفّر مفتوح عليه { إِنّا فَتَحْنَا َلكَ فَتْحاً‬
‫مّبِينًا (‪ } )1‬الفتح‪.‬‬
‫ك وَمَا تَأَخّرَ} الفتح ‪.2‬‬
‫لّ مَا تَقَ ّد َم مِن ذَن ِب َ‬
‫أصلح ال قلبه‪ ،‬وأنار له دربه‪ ،‬وغفر له ذنبه {لِيَغْفِ َر َلكَ ا ُ‬
‫فهو المصلح الذي عمر ال به القلوب‪ ،‬وأسعد به الشعوب‪ ،‬وأعتق به الرقاب من عبودية الطاغوت‪ ،‬وحرّر به النسان من‬
‫ط ّمسْتَقِي ٍم (‪ })52‬الشورى‪.‬‬
‫ك لَتَ ْهدِي ِإلَى صِرَا ٍ‬
‫رقّ الوثنية { َوإِ ّن َ‬
‫وهو الذي أعفى البشرية من التكاليف الشاقة‪ ،‬وأراحها من المصاعب‪ ،‬وأبعدها من المعاطب‪ ،‬وسهل لها بإذن ال أمر الحياة‪،‬‬
‫علَيْ ِهمْ } العراف ‪.157‬‬
‫ت َ‬
‫ل الّتِي كَا َن ْ‬
‫لَ‬
‫وبصّرها بسنن الفطرة {وَيَضَ ُع عَنْهُمْ إِصْرَ ُهمْ وَالَغْ َ‬
‫فهو رحمة للنسان‪ ،‬إذا علّمه الرحمن‪ ،‬وسكب في قلبه نور اليمان‪ ،‬ودلّه على طريق الجنان‪..‬‬
‫وهو رحمة للشيخ الكبير‪ ،‬إذ سهّل له العبادة‪ ،‬وأرشده لحسن الخاتمة‪ ،‬وأيقظه لتدارك العمر واغتنام بقية اليام‪..‬‬
‫ل الخلق‪..‬‬
‫وهو رحمة للشاب إذ هداه إلى أجمل أعمال الفتوة وأكمل خصال الصبا‪ ،‬فوجّه طاقته لنبل السجايا وأج ّ‬

‫‪57‬‬

‫‪١٤٢٩/١٢/٢٩‬‬

‫الرسول صلى ال عليه وسلم ممدوحا‪:‬‬
‫وهو رحمة للطفل‪ ،‬إذ سقاه مع لبن أمه دين الفطرة‪ ،‬وأسمعه ساعة المولد أذان التوحيد‪ ،‬وألبسه في عهد الطفولة‬
‫حلة اليمان‪..‬‬
‫وهو رحمة للمرأة‪ ،‬إذ أنصفها في عالم الظلم‪ ،‬وحفظ حقها في دنيا الجور‪ ،‬وصان جانبها في مهرجان الحياة‪،‬‬
‫وحفظ لها عفافها وشرفها ومستقبلها‪ ،‬فعاش أبا للمرأة وزوجا وأخا ومربيا‪..‬‬
‫وه و ص لى ال علي ه وس لم رحم ة للولة والحكام‪ ،‬إ ذ وض ع له م ميزان العدال ة‪ ،‬وحذّره م م ن متالف الجور‬
‫والتعسف‪ ،‬وحدّ لهم حدود التبجيل والحترام والطاعة في طاعة ال ورسوله‪..‬‬
‫وهو رحمة للرعية‪ ،‬إذ وقف مدافعا عن حقوقها محرما الحيف ناهيا عن السلب والنهب والسفك والبتزاز‬
‫والضطهاد والستبداد‪.‬‬
‫إذا فهو رحمة للجميع ونعمة على الكل‪ {:‬وَمَا أَرْسَلْنَاكَ ِإلّ رَحْ َمةً لّلْعَالَمِينَ (‪ })107‬النبياء‪.‬‬
‫وكان إذا تكلم عبل كلمه حدود النفس وتجاوز أقطار الروح‪ ،‬فغاص حديثه في أعماق الفئدة‪ ،‬ونقش لفظه في‬
‫صفحة الذاكرة‪ ،‬وخطّ على سويداء القلوب‪.‬‬
‫وكان إذا ضحك مل المكان أنسا‪ ،‬وأتحف الحضور بشرا‪ ،‬وعبّأ جلسه سعادة وحفاوة‪.‬‬
‫وكان إذا بكى خشع لبكائه الناس‪ ،‬وذرفت كل عين مخزونها‪ ،‬وأخرجت كل نفس مكنوناتها‪ ،‬فكأن نذر القيامة‬
‫على البواب‪ ،‬وكأن رسل الموت وقوف على الرؤوس‪ ،‬فل ترى إل دموعا وخشوعا وخضوعا وإطراقا‪ {:‬أَفَمِنْ‬
‫جبُونَ (‪ )59‬وَتَضْحَكُونَ َولَ َتبْكُونَ (‪ })60‬النجم‪.‬‬
‫هَذَا الْحَدِيثِ تَعْ َ‬
‫وبكاك إذا لم يجر دمعك أو جرى‬
‫بادٍ هواك صبرت أن لم تصبر‬

‫‪58‬‬

‫‪١٤٢٩/١٢/٢٩‬‬

‫الرسول صلى ال عليه وسلم ممدوحا‪:‬‬
‫وكان إذا خطب هز المنابر‪ ،‬وأيقظ الضمائر‪ ،‬وحرّك السرائر‪ ،‬وألهب السامعين‪ ،‬وأذهل المخاطبين‪ ،‬فلو‬
‫أن للصخر عينا لبكت‪ ،‬ولو أن للجدار نفسا لخشعت‪ ،‬ولو أن لليام أذنا لنصتت‪.‬‬
‫يبكيه مثلما أبكاني‬
‫ليت للدهر مقلة فلعل الذكر‬
‫وعليه جللة من معان‬
‫بحديث يغوص في القلب غوصا‬
‫وكان إذا قاتل ثبت ثبوت الرجال‪ ،‬وتقدّم تقدّم السيل‪ ،‬وصمد صمود الحق {فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ الّ لَ تُكَلّفُ إِلّ‬
‫سكَ} النساء ‪.84‬‬
‫نَفْ َ‬
‫فكان ل يعرف الفرار‪ ،‬ول يسمع بالهزيمة ول يستسلم للحباط‪ ،‬محيّاه باسم والغبار يمل المكان‪ ،‬وقلبه‬
‫مطمئ ن والرؤوس تعاف البدا‪ ،‬ونفس ه س اكنة والنفوس شذر مذر عل ى رؤوس الرماح‪ ،‬وطلعت ه ضاحكة‬
‫والسيوف تخطّ بالدماء حروف الموت{وَمَا مُحَمّدٌ إِلّ رَسُولٌ َقدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرّسُلُ أَفَإِن مّاتَ أَوْ قُتِلَ ان َقلَبْتُمْ‬
‫عَلَى أَعْقَابِكُمْ } آل عمران ‪.144‬‬
‫كأنّك في جفن الردى وهو نائم‬
‫وقفت وما في الموت شكّ لواقف‬
‫تمرّ بك البطال كلمى هزيمة‬

‫‪59‬‬

‫ووجهك وضّاح وثغرك باسم‬

‫‪١٤٢٩/١٢/٢٩‬‬

‫الرسول صلى ال عليه وسلم ممدوحا‪:‬‬
‫وكان إذا جاد بلغ المدى في السخاء‪ ،‬وفعل ما لم تفعله النواء‪ ،‬يعطي عطاء من ل يخشى الفقر‪ ،‬ويهب‬
‫هبة من أرخص الدنيا وزهد في الحطام وعاف البقاء ورجا من ال الخلف‪ ..‬يداه غمامة أينما هلّت‪ ،‬وكفّه‬
‫مدرارا أينما وقع نفع‪ ،‬جاد بمهجته فعرّضها للمنايا في سبيل ال‪ ،‬وقدّمها لشفرات السيوف لرفع ل إله إل‬
‫ال‪ ،‬فما شجاعته إل آية لجوده‪ ،‬وما إقدامه إل برهان على سخائه‪:‬‬
‫أدّبت في هول الردى أبطالها‬
‫أنت الشجاع إذا لقيت كتيبة‬
‫ل من يكذّب قوله أفعالها‬
‫وإذا وعدت وفيت فيما قلته‬
‫يعطي ما يملك في ساعة‪ ،‬ويهدي ما عنده في لحظة‪ ،‬هانت عليه الدنيا فمنح أجلف العرب مئات البل‪،‬‬
‫ورخصت عنده الموال فجاد بالغنائم على مسلمي الفتح‪ ":‬والذي نفسي بيده‪ ،‬لو أن لي بعدد عضاة تهامة‬
‫مال لنفقته ثم ل تجدوني بخيل ول جبانا ول كذابا" مالك في الموطأ ‪.977‬‬
‫وما ترك "نعم" إل عند المناهي‬
‫ما قال "ل" إل في التشهد‬
‫س ئل قميص ه فخلع ه وأعطاه‪ ،‬وجاد بقوت ه فعص ب بطن ه عل ى حرّ الجوع وبلواه‪ ..‬جود حات م للصيت‬
‫والسمعة والرياء‪ ،‬وجود خاتم النبياء لمرضاة رب الرض والسماء‪.‬‬
‫أنفق من فاقة‪ ،‬وأعطى من فقر‪ ،‬وآثر من حاجة‪ ،‬ووصل مع العوز‪.‬‬
‫وكان إذا عفا على الجاني أسره بإحسانه‪ ،‬فل يعاتبه ول يطالبه‪ ..‬ينسى الساءة ويدفن الزلة ويمحو‬
‫بحلمه لذنب‪ ،‬ويغطي بصفحه الجرم {فَاصْفَحِ الصّفْحَ الْجَمِيلَ (‪ })85‬الحجر‪.‬‬

‫‪60‬‬

‫‪١٤٢٩/١٢/٢٩‬‬

‫الرسول صلى ال عليه وسلم ممدوحا‪:‬‬
‫قاتل ه قومه ونازلوه‪ ،‬فآذوه وسبّوه وشتموه‪ ،‬وطردوه وحاربوه وجرحوه‪ ،‬فلما انتصر عفا وصفح‪ ،‬وحلم‬
‫وسمح‪ ،‬وصاح في الدهر صيحته المشهورة وكلمته العامرة‪":‬اذهبوا فأنتم الطلقاء"‪.‬‬
‫أنشودة أخلقه ‪ ":‬إن ال أمرني أن أصل من قطعني‪ ،‬وأن أعفو عمن ظلمني‪ ،‬وأن أعطي من حرمني"‪.‬‬
‫أخرجه رزين أنظر المشكاة ‪ 5358‬وتفسير القرطبي ‪.346\7‬‬

‫كل خلق كريم في القرآن فهو مترجم في سيرة هذا النسان‪ ،‬ولذلك قالت عائشة عنه صلى ال عليه وسلم‪:‬‬
‫كان خلقه القرآن‪.‬‬
‫وكان إذا وعد وفى‪ ،‬فلم يحفظ عنه أعداؤه خلفا لوعد‪ ،‬ول خيانة لعهد‪ ،‬مع حرصهم الشديد على الظفر‬
‫بعثرة له أو زلّة‪ ،‬ولكن هيهات‪ ،‬عاش عمره كله سلماً وحربا ورض ىً وغضباً وحلً وترحالً‪ ،‬عاش حالة‬
‫واحدة من الصدق والمانة‪ ،‬فهل الصدق إل ما كان عليه؟ وهل المانة إل منه وإليه؟‬
‫لقد وعده رجل في مكان‪ ،‬فانتظر صلى ال عليه وسلم في ذلك المكان ثلثة أيام‪ ،‬ليفي بوعده ‪ .‬لقد عاهد‬
‫المشركين واليهود وهم أشد الناس عداوة له‪ ،‬فما خان ول خلف بالعهد‪ ،‬ول نقض لميثاق‪ .‬وحق له أن يكون‬
‫أوفى الناس بوعده وأصدقهم في عهده‪ ،‬وهو الذي جاء بشريعة الصدق والوفاء‪ ،‬وحذّر من الخيانة ونقض‬
‫الميثاق‪ ،‬ألي س ه و القائ ل‪ ":‬آي ة المناف ق ثلث‪ :‬إذا حدّث كذب‪ ،‬وإذا وع د أخل ف‪ ،‬وإذا اؤتم ن خان " أخرجه‬
‫البخاري [ ‪ ]2682 ،33‬ومس لم ‪ 59‬عن أ بي هريرة رض ي ال عنه ‪ .‬وه و الذي نزل ت علي ه‪ {:‬وََأوْفُواْ بِالْعَهْدِ إِنّ الْعَ ْهدَ كَانَ‬
‫سؤُولً (‪ ،} )34‬وقوله‪ {:‬اّلذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ الّ وَلَ يِن ُقضُونَ الْمِيثَاقَ (‪ })20‬الرعد‪.‬‬
‫مَ ْ‬
‫فجميع عهدك ذمّة ووفاء‬
‫وإذا أخذت العهد أو أعطيته‬

‫‪61‬‬

‫‪١٤٢٩/١٢/٢٩‬‬

‫محمد صلى ال عليه وسلم خطيبا‪:‬‬
‫{وَقُل لّ ُهمْ فِي أَنفُسِ ِهمْ َق ْولً َبلِيغاً (‪ } )63‬النساء‪.‬‬
‫كذباب السيف ما مسّ قطع‬
‫ولسانٌ صيرفيٌّ صارم‬
‫منطق كالفجر أو كالغيث ما شانه عيب كنورٍ قد سطع‬
‫طالع دفتر بيانه عليه الصلة والسلم‪ ،‬وتأمّل ديوان فصاحته‪ ،‬كلم لعمري يأخذ بالقلوب‪ ،‬وحديث وال يأسر‬
‫الرواح‪ ،‬صحة مخارج وإشراق عبارة وحسن ديباجة‪ ،‬وانتقاء ألفاظ‪ ،‬ورصانة جمل‪ ،‬حتى كأنّ حديثه روض‬
‫فوّاح‪ ،‬أو حديقة غنّاء باكرها الغيث وصحبتها الصبا‪ ،‬وداعبها النسيم‪ ،‬وقد آتاه العجاز في إيجاز‪ ،‬والبلغة في‬
‫اختصار‪ ،‬وقد أخبر بذلك فقال‪ ":‬أوتي ت جوامع الكلم " أخرج ه البخاري ‪ 2977‬ومس لم ‪ 523‬واللف ظ ل ه ع ن أ بي هريرة‪ ،‬وفي‬
‫رواية‪ ":‬واختصر لي الكلم اختصارا "‪ .‬أخرجه البيهقي في الشعب ‪ 1436‬عن عمر رضي ال عنه وانظر كشف الخفاء ‪.15-14\1‬‬
‫ولكن إن تنظر فيما صحّ عن ه من أحاديث قولية‪ ،‬وهي ما يقارب العشرة آلف حدي ث‪ ،‬فإذا هي شمل ت كل‬
‫فصول الحياة وأبواب الخرة وأخبار الماضي ومعجزات المستقبل‪ ،‬وإن شئت أن تعرف سموّ كلمه صلى ال‬
‫عليه وسلم وجزالة لفظه وقوة عبارته ونصاعة بيانه‪ ،‬فقارنه بكلم غيره من البشر مهما عظمت فصاحته‪ .‬ولو‬
‫دخلت ناديا به لوحات من الكلمات الخالدة والعبارات المؤثرة لخطباء العالم وشعراء الدنيا ونوابغ الدهر‪ ،‬ثم‬
‫نظرت الى كلمه صلى ال عليه وسلم لرأيت كلمه ناسخا لمحاسن كلم غيره‪ ،‬حتى كأنه ما أعجبك قبل كلمه‬
‫كلم‪ ،‬ول هزك قبل حديثه حديث‪ ،‬بل إنّك لتجد الرجل العامي الذي ما تمرّس على ضروب الكلم ول ميّز بين‬
‫مختلف الكلم‪ ،‬يجد للفظ الرسول صلى ال عليه وسلم وقعا خاصا ومذاقا آخر‪.‬‬

‫‪62‬‬

‫‪١٤٢٩/١٢/٢٩‬‬

‫محمد صلى ال عليه وسلم خطيبا‪:‬‬
‫يري د علي ه الص لة والس لم أ ن يوص ي معاذ ب ن جب ل وص ية جامع ة مانع ة شافي ة كافي ة‪ ،‬فيأتي بعبارة‬
‫موجزة مليئة بالفوائد‪ ،‬حافلة بالشوارد‪ ،‬بديعة المنزع‪ ،‬مشرقة الديباجة‪ ،‬فيقول‪ ":‬اتق ال حيثما كنت‪ ،‬وأتبع‬
‫السيئة الحسنة تمحها‪ ،‬وخال ق الناس بخل ق حسن " أخرج ه أحم د [ ‪ ]20894 ،20847‬والترمذي ‪ 1987‬والدارمي ‪2791‬‬
‫والمشكاة ‪ .5083‬ول و أ ن بليغ ا أراد أ ن يقول مثله ا لس هب ف ي الوص ية وأطال ف ي النص ح‪ ،‬فإم ا أ ن يجعل‬
‫المعنى على حساب اللفظ فيبسط القول ويختزل المعنى‪ ،‬أو أن يجعل اللفظ على حساب المعنى فيوجز‬
‫الحديث ويشير الى المعنى إشارة‪.‬‬
‫سأله صلى ال عليه وسلم عقبة بن عامر عن النجاة ما هي؟ فل يتلعثم ول يتعثر ول يفكر‪ ،‬إنما ينطلق‬
‫فمه الشريف بجملة راشدة واعية موحية فيقول‪ ":‬ك فّ عليك لسانك‪ ،‬وليسعك بيتك‪ ،‬وابك على خطيئتك"‬
‫أخرج ه أحم د ‪ 21732‬والترمذي ‪ 2406‬واب ن أ بي عاص م ف ي الزه د ‪ 15\1‬وص ححه ع ن عقب ة ب ن عام ر رض ي ال عنه ‪ .‬فانظر لحسن‬
‫التقس يم الثلث ي البدي ع‪ ،‬م ع اس تيفاء المعن ى واختص ار اللف ظ دون تحضي ر س ابق ول إعداد متقدم؛ لن‬
‫السائل واقف يريد الجواب‪ ،‬مستعجل يبتغي النصح‪.‬‬

‫‪63‬‬

‫‪١٤٢٩/١٢/٢٩‬‬

‫محمد صلى ال عليه وسلم خطيبا‪:‬‬
‫ويركب صلى ال عليه وسلم راحلته ومعه ابن عباس رضي ال عنهما‪ ،‬فيوصيه صلى ال عليه وسلم بوصية حضرته‬
‫في الحال‪ ،‬فيخرجها في حلة من البيان تأسر اللباب‪ ،‬ويضعها في طبق من الفصاحة يكاد يذهب ضوؤه بالبصار‪،‬‬
‫يقول ‪ ":‬يا غلم! إني أعلمك كلمات‪ :‬احفظ ال يحفظك‪ ،‬احفظ ال تجده تجاهك‪ ،‬تعرّف على ال في الرخاء يعرفك في‬
‫الشدة‪ ،‬وإذا سألت فاسأل ال وإذا استعنت فاستعن بال‪ ،‬واعلم أن المة لو اجتمعوا على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إل‬
‫بشي ء ق د كتب ه ال ل ك‪ ،‬ول و اجتمعوا ان يضروك ل م يضروك إل بشي ء ق د كتب ه ال علي ك‪ ،‬رفع ت القلم وجفّت‬
‫الصحف‪ .‬واعلم أن النصر مع الصبر‪ ،‬وأن الفرج مع الكرب‪ ،‬وأن مع العسر يسرا "‪ .‬أخرجه أحمد [‪]2800 ،2758 ،2664‬‬
‫والترمذي ‪ ،2516‬والحاك م ‪ 6304‬عن اب ن عباس رض ي ال عنهم ا وانظ ر المشكاة ‪ .5302‬والن أضعك أمام هذا النص الراقي من‬
‫البيان‪ ،‬وأحاكمك الى عقلك ‪ :‬هل رأيت في كلم البشر كهذا الكلم؟ حسن فواصل وعذوبة لفظ‪ ،‬وقوة معان‪ ،‬وأسر‬
‫خطاب! فقوله‪ ":‬احفظ ال يحفظك " من الجمل المحفورة في ذاكرة البيان‪ ،‬والتي يسجد لها العقل السويّ في محراب‬
‫الفصاحة‪ ،‬فإنها جمعت الوصايا في وصية‪ ،‬واختصرت العظات في عظة‪ ،‬فلو كان غيره صلى ال عليه وسلم المتحدث‬
‫لقال‪ :‬احفظ ال بأداء أوامره يحفظك بنعمه‪ ،‬واحفظ ال بترك نواهيه يحفظك من عقابه‪ ،‬واحفظ ال في شبابك يحفظك‬
‫في هرمك‪ ..‬إلى آخر تلك المقابلت‪ ،‬وإلى قائمة طويلة من المقدمات والنتائج والبدايات والخواتم‪ ،‬ولكنه قال‪":‬احفظ ال‬
‫يحفظك" فل أبدع ول أروع ول أوجز ول أعجز من هذا الكلم الباهي الزاهي‪:‬‬
‫وزاره الغيث فازدانت خمائله‬
‫كأنه الروض حيّته الصّبا سحرا‬
‫ثم اقرأ الحديث جملة جملة‪ ،‬وقف إن كنت ذا ذائقة للبيان وذا دربة على سحر الخطاب‪:‬‬
‫من حسنه غرقت فيه خمائله‬
‫إذا تغلغل فكر المرء في طرف‬

‫‪64‬‬

‫‪١٤٢٩/١٢/٢٩‬‬

‫محمد صلى ال عليه وسلم خطيبا‪:‬‬
‫وخذ أي حديث من أحاديثه العطرة الزكية‪ ،‬هل ترى فيها عوجا من الركاكة‪ ،‬أو أمتا من التكلف؟ بل رقة‬
‫في فخامة‪ ،‬وسهولة في إشراق‪ ،‬وأصالة في عمق‪ ،‬فسبحان من أجرى الحديث على لسانه سلسا متدفقا‬
‫أخاذا‪.‬‬
‫ويقول صلى ال عليه وسلم‪ ":‬إنما العمال بالنيات " أخرجه البخاري [‪ ]54، 1‬ومسلم ‪ 1907‬عن عمر بن الخطاب رضي‬
‫ال عنه‪ .‬فيكف ي ويشف ي ويف ي المقص ود‪ ،‬ويس تولي عل ى المعان ي ويطوي مس افات م ن الحكام والعقائد‬
‫والداب والخلق ف ي جملتي ن زاهيتي ن جامعتي ن‪ ،‬فتص بح قاعدة للعلماء ومثل للحكماء وكلمة شاردة‬
‫للدباء‪.‬‬
‫وخذ مثل كلمه على البديهة والفجاءة‪ :‬يدخل طفل من النصار له طائر يلعب به فمات فيقول‪ ":‬يا أبا‬
‫عمير ما فعل النغير؟ " أخرج ه البخاري [ ‪ ]6203 ،6129‬ومس لم ‪ 2150‬عن أن س ب ن مال ك رض ي ال عنه ‪ .‬انظر الى تقابل‬
‫العبارة وحسن السجعة وموازنة الجملتين‪ ،‬ل وكس ول شطط‪.‬‬
‫ويقول في حنين على وجه العجلة‪:‬‬
‫" أنا النبي ل كذب أنا ابن عبدالمطلب"‬
‫أخرجه البخاري [‪ ،]2874 ،2864‬ومسلم ‪ 1776‬عن البراء بن عازب رضي ال عنه‪.‬‬

‫فلو أن علماء الكلم وأساطين البيان أرادوا هذا الكلم على عجلة من أمرهم لما تأتّى لهم‪.‬‬
‫ول غرابة ان يكون صلى ال عليه وسلم أفصح الناس فإن معجزته الكبرى وآيته العظمى هو القرآن‬
‫الذي أده ش الفص حاء وأفح م الشعراء وأذه ل العرب العرباء‪ ،‬فل ب د أ ن يكون هذا الن بي الموح ى إليه‬
‫بدرجة سامية من البيان الخلب الجذاب الذي يستولي على اللباب‪.‬‬
‫‪65‬‬

‫‪١٤٢٩/١٢/٢٩‬‬

‫محمد صلى ال عليه وسلم مفتيا‪:‬‬
‫{وَيَسْتَفْتُو َنكَ فِي النّسَاء ُقلِ الّ ُيفْتِيكُمْ } النساء ‪.127‬‬
‫ويسعفه الرأي الصيل إذا جرى‬
‫يطاوعه اللفظ العصيّ إذا قضى‬
‫كأنه صريح البرق من ظنّه سرى‬
‫إذا ظنّ ظنّا قلت صبحٌ مؤلقٌ‬
‫كان عليه الصلة والسلم مؤيدا من ربه في علم الفتيا‪ ،‬فقد فتح ال عليه أبواب المعرفة وكنوز الفهم‪ ،‬فكان عنده‬
‫جواب لكل سائل على حسب حاله وما يصلح له وما ينفعه في دنياه وأخراه‪ .‬كان الجواب ثوبا مفصل على السائل‬
‫يفصّله تماما على الذي أحسن‪ ،‬مع جمال الداء وبهاء اللقاء ومتعة التلقي منه‪ ،‬فكأنه قرأ حياة السائل قبل أن ياتيه‪،‬‬
‫وألمّ بدخائله ومذاهبه قبل أن يستفتيه‪ ،‬وما ذاك إل لقوّة أنوار النبوّة وبركة الوحي وأثر التوفيق والفتح الرباني‪.‬‬
‫يسأله شيخ كبير أدركه الهرم وأضناه الكبر عن عمل يداوم عليه‪ ،‬فأفتاه بعمل يسير يناسب حاله على أفضل عمل‬
‫وأسهل عبادة وأيسر طاعة‪ ،‬في لفظ وجيز‪ ،‬ول كان غيره لربما أوصى الرجل بالجتهاد في الطاعة واغتنام آخر‬
‫العمر بالجدّ في العبادة مع إغفال ضعفه وإهمال شيخوخته‪.‬‬
‫وانظر ما أجمل كلمة‪ ":‬ل يزال لسانك رطبا من ذكر ال " أخرج ه أحم د [‪ ]17245 ،17227‬والترمذي ‪ 3375‬واب ن ماجه‬
‫‪ 3793‬وانظ ر المشكاة ‪ .2279‬وما فيها من حسن تصوير وبراعة عرض وطلوة عبارة تهيج السامع على هذا العمل‬
‫الجليل‪ .‬وجاءه غيلن الثقفي‪ ،‬وكان قوي البنية ضخم العضاء صلب الجسم‪ ،‬فسأله عن عمل يتقرب به الى ال‬
‫تعالى‪ ،‬فقال‪ ":‬عليك بالجهاد في سبيل ال" (لم يجد تخريجه)‪ ،‬فانظر لحسن اختياره للعمل وملحظته استعداد الرجل‬
‫وما يصلح له ويناسب حاله‪ ،‬فيا لها من فطنة باهرة وحكمة عامرة‪.‬‬

‫‪66‬‬

‫‪١٤٢٩/١٢/٢٩‬‬

‫محمد صلى ال عليه وسلم مفتيا‪:‬‬
‫وسأله أبو ذر وكان غضوبا حادّ الطباع أن يوصيه فقال‪ ":‬ل تغضب" ثلثا‪ ،‬أخرجه البخاري ‪ 6116‬عن أبي هريرة رضي ال عنه‪.‬‬
‫فكان هذا دواءه وعلج حالته وبلسم حاله الذي ل يصرف إل من صيدلية النبوة المباركة‪ .‬وصارت هذه الكلمة قاعدة من قواعد الدين‬
‫وأصل من أصول الشريعة‪.‬‬
‫ويرى أب ا موس ى الشعري يص عد جبل فيقول ل ه‪ ":‬علي ك بل حول ول قوة إل بال‪ ،‬فإنه ا كن ز م ن كنوز الجن ة " أخرجه البخاري‬
‫[ ‪ ]6610 ،4205‬ومسلم ‪ .2704‬فهذه الكلمة تناسب صعود الجبال وحمل الثقال‪ ،‬لن فيها البراءة من قوة العبد وحوله وطلب المعونة‬
‫من ال والمدد‪ ،‬فما أحسن الختيار في هذا الرشاد مع مراعاة مقتضى المقام‪.‬‬
‫ويرى صلى ال عليه وسلم ضعف أبي ذر وقلة تحمّله فيأمره باجتناب المارة‪ ،‬لنه ضعيف‪ ،‬وهي أمانة وخزي وندامة يوم القيامة‪،‬‬
‫لن مثل أبي ذر له أبواب في الخير يجيدها غير باب الولية‪ ،‬فانظر لفطنته صلى ال عليه وسلم ومعرفته بمواهب الناس {إِنْ هُوَ إِلّ‬
‫ي يُوحَى (‪ } )4‬النجم‪.‬‬
‫وَحْ ٌ‬
‫ويقول صلى ال عليه وسلم لمعاذ لما بعثه الى اليمن‪ ":‬إنك تأتي أقواما أهل كتاب" أخرجه البخاري [ ‪ ]1496 ،1458‬ومسلم ‪ 19‬عن ابن‬
‫عباس رضي ال عنهما ‪ .‬وذلك لينبّه معاذا الى معرفة أقدار المخاطبين‪ ،‬والطلع على أحوالهم ليقول لهم ما يناسبهم‪ .‬ويوصي معاذا‬
‫وهو رديفه على حمار بحق ال على العبيد وحق العبيد على ال؛ لن معاذا عالم داعية تناسبه هذه الوصية الكبرى‪ ،‬وسوف يبلغها‬
‫للمة‪ ،‬لنه في مكان التوجيه والرشاد والنصح‪ ،‬وهذا الذي فعله معذا في حياته‪ .‬ولو كان أعرابيا لما ناسبه هذا الكلم‪.‬‬
‫وجاءه حصين بن عبيد فسأله‪":‬كم تعبد؟" قال‪ :‬سبعة‪ ،‬واحدا في السماء وستة في الرض‪ ،‬قال‪ ":‬من لرغبك ورهبك؟" قال‪ :‬الذي في‬
‫السماء‪ ،‬قال‪ ":‬فاترك التي في الرض واعبد الذي في السماء " ثم قال له ‪ ":‬قل اللهم ألهمني رشدي وأعذني من شرّ نفسي " اخرجه‬
‫الترمذي ‪ 3483‬والللكائي في شرح اعتقاد أهل السنة ‪ 1184‬عن عمران بن حصين رضي ال عنه وانظر المشكاة ‪ .2476‬فهذا الدعاء يناسب‬
‫حال حصين بن عبيد وما كان فيه من أمر مريج ومن اشتباه حال وشكّ مريب وفوات رشد وبعد صواب‪ ،‬فناسب أن يطلب الرشد من‬
‫ربّه وأن يستعيذ من شرّ نفسه كل بلء منها‪.‬‬

‫‪67‬‬

‫‪١٤٢٩/١٢/٢٩‬‬

‫محمد صلى ال عليه وسلم مفتيا‪:‬‬
‫وأرشد صلى ال عليه وسلم علي ابن أبي طالب الى أن يقول‪":‬اللهم اهدني وسدّدني"‬
‫رض ي ال عنه ‪ .‬وهذا يناسب حال علي‪ ،‬فإنه عاش حتى أدرك اختلف المور وظهور الفتن والتباس الحال‬
‫التي تتطلب الهداية من ال في هذا الجو المظلم‪ ،‬وطلب السداد من الحيّ القيوّم عند هذه الواردات والراء‬
‫والهواء‪.‬‬
‫فسبحان من ألهم رسوله وفتح على نبيه وأفاض عليه من مكنون الفهم ومخزون الفقه ما فاق الوصف‬
‫وجلّ عن المدح‪:‬‬
‫وقطفت أنت القول لمّا نوّرا‬
‫قطف الرجال القول قبل نباته‬
‫وهو المضاعف حسنه إن كرّرا‬
‫فهو المشيع بالعيون‬
‫ولي س كلم ه ص لى ال علي ه وس لم بكلم شعر من الشعراء الذي ن يهرفون بم ا ل يعرفون ن وف ي كل واد‬
‫يهيمون‪ ،‬وإنما زخرفهم من خيالتهم الفاسدة ومن تصوراتهم الكاسدة‪ ،‬فأما هو فصانه ال من ذلك‪ ،‬بل‬
‫كلمه وحي يوحى وشرع يتلى‪ ،‬وليس قوله بقول سياسي يسترضي به المل وينافق به الجمهور ويروّج به‬
‫بضاعته المزجاة‪ ،‬بل كان صلى ال عليه وسلم نبيّا ربّانيا ورسول معصوما ينقل عن جبريل عن ربّه‬
‫حكمة راشدة وملة هادية ودينا قيّما‪ .‬ولم يكن صلى ال عليه وسلم اديبا يغرف من مخزون ثقافته ومن‬
‫فيض ذاكرته التي جمعها هذا الديب من نتاج الناس وزبد ثقافات البشر أبناء الطين وسللة التراب‪ ،‬بل‬
‫كان صلى ال عليه وسلم معلّما معصوما أن يزيغ‪ ،‬محفوظا أن يضلّ‪ ،‬مصانا أن يجازف‪.‬‬

‫اخرجه مسلم ‪ 2725‬عن علي‬

‫‪68‬‬

‫‪١٤٢٩/١٢/٢٩‬‬

‫محمد صلى ال عليه وسلم طاهرا مطهرا‬
‫{يَا أَيّهَا النّبِيّ إِنّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِداً وَمُبَشّراً وَنَذِيراً (‪َ )45‬ودَاعِياً إِلَى الِّ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجاً مّنِيراً (‪} )46‬‬
‫وفي جيده الشّعرى وفي وجهه القمر‬
‫كأن الثريّا علّقت بجبينه‬
‫عليه جلل المجد لو أن وجهه أضاء بليل هلّل البدو والحضر‬
‫لقد أكمل ال المحاسن لرسوله صلى ال عليه وسلم وأت مّ عليه نعمة الفضل‪ ،‬واخت صّه بالعناية حتى صار‬
‫السوة الحسنة في كل فضيلة‪ ،‬فمنه تتعلم فنون المكارم‪ ،‬ومن برديه تنبع صفوة المناقب؛ لن من لوازم‬
‫القدوة أن يكون مثاليا جامعا لما تفرق في الخيار من سجايا حميدة‪ ،‬فكان عليه الصلة والسلم ذاك النسان‬
‫المجتبى من ربه المصطفى من خالقه‪ ،‬ليقود الناس الى أحسن الخلق وأنبل العمال وأكرم المذاهب‪.‬‬
‫فأم ا مخ بره علي ه الص لة والس لم فه و الطاه ر المبارك الذي غس ل قلب ه بماء الحياة فص ار أ بيض نقيا‬
‫مطهرا‪ ،‬وقد أذهب ال من صدره ك لّ غيظ وحسد وحقد وغ لّ وغش‪ ،‬فصار أرحم الناس قاطبة‪ ،‬وأبرّهم‬
‫كاف ة‪ ،‬وأكرمه م جميع ا‪ ،‬فعمّ حلم ه وكرم ه وطيب ه وجوده الحاض ر والبادي والقري ب والبعي د‪ ،‬فنفس ه أذكى‬
‫نفس‪ ،‬وباله أشرح بال‪ ،‬وضميره أطهر ضمير‪ ،‬وحُقّ له أن يكون كذلك لنه المرشّح لقيادة العالم وإصلح‬
‫الكون وتقويم البشرية {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلّ رَحْمَةً ّللْعَالَمِينَ (‪ })107‬النبياء‪.‬‬
‫نظر الله لها فبدّل حالها‬
‫إن البريّة يوم مبعث أحمد‬
‫خير البرية نجمها وهللها‬
‫بل كرّم النسان يوم اختار من‬
‫ينه ى ع ن الغضب ويقول‪":‬ل تغضب" ‪ ،‬ويكون أبع د الناس عن أس باب الغضب المشين دوافعه‪ ،‬بل وسع‬
‫الناس حلما وأمطرهم كرما وأوسعهم عفوا وصفحا‪.‬‬
‫الحزاب‪.‬‬

‫‪69‬‬

‫‪١٤٢٩/١٢/٢٩‬‬

‫محمد صلى ال عليه وسلم طاهرا مطهرا‬
‫ويقول‪ ":‬ل تحاسدوا "‪ .‬أخرجه البخاري [‪ ]6076 ،6116‬ومسلم ‪ 2559‬عن أنس بن مالك رضي ال عنه‪ .‬ثم يكون المعافى من‬
‫هذا الداء القاتل‪ ،‬فليس في كيانه ذرة من حسد‪ ،‬أو قطرة من حقد‪ ،‬صانه ال من ذلك‪ ،‬بل هو الذي وزع‬
‫الخير على العالم وقسم الفضل من ال على الناس‪.‬‬
‫ويقول‪ ":‬ول تدابروا‪ ،‬ول تقاطعوا " الحدي ث الس ابق‪ ،‬ث م يترج م هذا الخل ق النبي ل م ن الص لة والبر‬
‫والحسان‪ ،‬فيصل من قطعه ويعفو عمن ظلمه ويعطي من حرمه‪ ،‬فأعظم عبد صحّت فيه آية‪ {:‬وَالْكَاظِمِينَ‬
‫الْغَ ْيظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النّاسِ } آل عمران ‪.134‬‬
‫ويقول ‪ ":‬إن ال أوحى إل يّ أن تواضعوا " أخرجه مسلم ‪ 2865‬عن عياض بن حمار رضي ال عنه‪ .‬فيكون هو التواضع‬
‫كله صورة ماثلة ومشهدا حيا وحقيقة قائمة‪ ،‬يركب الحمار‪ ،‬ويخصف النعل‪ ،‬ويجلس على التراب‪ ،‬ويحلب‬
‫الشاة‪ ،‬ويقف مع العجوز‪ ،‬ويذهب مع الجارية‪ ،‬ويخالط المساكين‪ ،‬ويضيف العراب‪ ،‬ويجالس الفقراء‪.‬‬
‫ويقول‪":‬خيركم خيركم لهله وأنا خيركم لهلي " أخرجه الترمذي ‪ 3895‬والبيهقي في السنن ‪ 15477‬عن عائشة رضي ال‬
‫عنها ‪ .‬فيتمثل فيه هذا الحديث أعظم تمثيل‪ ،‬فإذا الرحيم الودود بأهل ه يدخل عليهم ضحّاكا بسّاما‪ ،‬يداعبهم‬
‫بأرق العبارات ويلطفهم بأحسن التعامل‪ ،‬يشاركهم الخدمة ويجاذبهم أحلى الحديث ويبادلهم أجمل السمر‬
‫عظِيمٍ (‪ })4‬القلم‪.‬‬
‫بل فظاظة ول غلظة ول لوم ول تعنيف { وَإِ ّنكَ لَعَلى خُُلقٍ َ‬
‫خلق أرق من النسيم إذا سرى وشمائل كالمنديل الفوّاح‬

‫‪70‬‬

‫‪١٤٢٩/١٢/٢٩‬‬

‫محمد صلى ال عليه وسلم طاهرا مطهرا‬
‫قال له رجل وهو يقسم الغنائم‪ :‬اعدل يا محمد‪ .‬فردّ عليه‪ ":‬خبت وخسرت فمن يعدل إذا لم أعدل؟ "‬
‫البخاري ‪ 3610‬ومسلم ‪ .1064‬وصدق وبرّ فيما قال‪ ،‬فليس في العالم أعدل منه‪ ،‬وإذا لم يكن عادل صلى ال عليه‬
‫وسلم فقد انتهى العدل في الدنيا‪ ،‬وطوي من الناس‪ ،‬وارتفع من الرض‪ ،‬وهل العدل إل حكمه؟ ولو كان‬
‫العدل شخصا ناطقا ثم سألته من أعدل البريّة؟ لقال محمد صلى ال عليه وسلم‪.‬‬
‫وانظر الى عدله في أحكامه وإنصافه حتى من نفسه‪ ،‬بل طلب من بعض أصحابه أن يقتصّ منه‪ ،‬وأقسم لو‬
‫أن فاطمة ابنته سرقت لقطع يدها‪ ،‬فكان ل يحابي أحدا في الحق‪ ،‬ول يشفع عنده بشر في الحدود‪ ،‬وقد صاح‬
‫في وجه أسامة بن زيد وهو من أح بّ الناس إليه لما شفع في المخزومية التي سرقت‪ ":‬أتشفع في حدّ من‬
‫حدود ال" أخرجه البخاري[ ‪ ]6788 ،3475‬ومسلم ‪ 1688‬عن عائشة رضي ال عنها‪.‬‬
‫وحكم بين الزبير ورجل من النصار‪ ،‬فقال النصاري ‪ :‬أن كان ابن عمتك؟ يعني أن الزبير ابن عمتك‬
‫جدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ‬
‫صفية فحكمت له؟ فأنزل ال‪ {:‬فَلَ وَرَبّكَ لَ ُيؤْمِنُو نَ حَتّىَ يُحَكّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمّ لَ يَ ِ‬
‫حَرَجاً مّمّا َقضَيْتَ وَيُسَلّمُواْ تَسْلِيما(‪ })65‬النساء‪ .‬فكفى بال شهيدا على عدل رسوله وصدق أحكامه وصحة‬
‫قضائه‪:‬‬
‫جاء الخصوم من السماء قضاء‬
‫وإذا حكمت فل ارتياب كأنما‬
‫فهو مؤسس العدل في العالم‪ ،‬وهادم صرح الظلم‪ ،‬واعترف بذلك العدو والصديق والكاره والمحب‪.‬‬
‫وقس على ذلك أخلقه الشريفة التي دعا إليها وكان أول عامل بها‪ ،‬فصدّق فعله قوله وباطنه ظاهره‪،‬‬
‫وجوارحه قلبه‪.‬‬
‫أخرجه‬

‫‪71‬‬

‫‪١٤٢٩/١٢/٢٩‬‬

‫محمد صلى ال عليه وسلم طاهرا مطهرا‬
‫وأما جمال ظاهره صلى ال عليه وسلم فهو عنوان كتاب قيمه المثلى‪ ،‬وبوابة قصر محاسنه الجلّى‪ ،‬فكان أجمل الناس وجها وأبهاهم‬
‫محيّا‪ ،‬وأزهرهم جبينا وأنورهم طلعة‪ ،‬رقيق البشرة طيب الرائحة‪ ،‬زكي الشذا‪ .‬عرقه كالجمان‪ ،‬وأنفاسه كالمسك‪ ،‬يقول أنس‪ :‬ما‬
‫مسست حريرا ول ديباجا ألين من كف رسول ال صلى ال عليه وسلم‪ ،‬ول شممت مسكا ول عنبرا أزكى من رائحته ‪ .‬أخرجه‬
‫البخاري ‪ 3561‬ومسلم ‪ .2330‬يصافحه الرجل فيجد آثار الطيب في كفه أياما عديدة من أثر مصافحته‪:‬‬
‫من المسك كافورا وأعواده رندا‬
‫أل إن وادي الجزع أضحى ترابه‬
‫تمشّت وجرت في جوانبه بردا‬
‫وما ذاك إل أن هندا عشية‬
‫وكان صلى ال عليه وسلم ح يّ العاطفة جيّاش الفؤاد‪ ،‬يضحك للنادرة ويهش للدعابة‪ ،‬ويتأثر للموقف ويبكي رحمة‪ ،‬ويلين شفقة‬
‫ويمتلئ خشية‪ ،‬إذا سالم فأوفى الوفياء وأكرم الصدقاء‪ ،‬وإذا حارب فأعتى من الرياح النكباء وأمضى من الصعدة السمراء‪ ،‬وإذا‬
‫أعطى فأجود من تحت السماء وأسخى من شربة الماء‪ ،‬وإذا رضي مل القلوب سعادة وعمر المجلس حفاوة‪ ،‬وإذا غضب في الحق‬
‫كان أمضى من السيف حسما‪ ،‬وأقوى من اليام حزما‪.‬‬
‫يضحك بأسنان كالبرد‪ ،‬ويبكي بدموع كالمطر‪ ،‬ويعطي بك فّ الغيث‪ ،‬ويقابل بمحيّا كالفجر‪ ،‬ل يملّ جليسه حديثه‪ ،‬ول يسأم رفيقه‬
‫صحبته‪ ،‬ول يطيق من عرفه فراقه‪.‬‬
‫يخرج الى العيد في حلّة حمراء زاهية باهية‪ ،‬بوجه طل ق بشوش‪ ،‬أجمل من العيد وأجل من تلك الفرحة‪ ،‬فكان عيد الصحابة‬
‫العظم رؤيته وسماع حديثه والتمتع بصحبته‪ ،‬ويحضر الستسقاء متخشعا مبتذل متضرعا باكيا‪ ،‬فكان أعظم موعظة عند المسلمين‬
‫رؤية ذاك الوجه الخاشع والنظر الى تلك الدموع الصادقة والمنظر المؤثر‪.‬‬
‫ويخوض صلى ال عليه وسلم الحرب ويشعل المعركة بقلب وثّاب ونفس ثابتة وعزم صادق‪ ،‬فتنهزم أمامه الصفوف وتتراجع من‬
‫سطوته البطال‪ ،‬فأشجع الصحابة وقت الذروة يتقي به‪ ،‬وأعتى الكماة لحظة الموت يحتمي به‪.‬‬

‫‪72‬‬

‫‪١٤٢٩/١٢/٢٩‬‬

‫محمد صلى ال عليه وسلم محبوبا‪:‬‬
‫{فَالّذِينَ آمَنُواْ بِهِ وَعَزّرُوهُ وَ َنصَرُوهُ وَاتّبَعُو ْا النّورَ الّذِيَ أُن ِزلَ مَعَهُ }‬
‫" ل يؤمن أحدكم حتى أكون احب إليه من والده وولده والناس أجمعين"‬
‫وبعض مودات الرجال سراب‬
‫أحبّك حبا ليس في غضاضة‬

‫العراف ‪.157‬‬

‫أخرجه البخاري ‪ 15‬ومسلم ‪ 44‬عن أنس رضي ال عنه‪.‬‬

‫عليه دليل ظاهر وكتاب‬
‫ومنحتك الود الصريح وإنه‬
‫من يطالع سيرة الصحابة يرى ذلك الحب الصادق الفياض لشخص الرسول الكريم صلى ال عليه وسلم‪ ،‬حبا يستولي‬
‫على النفس ويملك المشاعر‪ ،‬حبا ل يعدله حب الولد والوالد والبن والزوجة‪ ،‬حبا يصل شغاف القلب ويمازج قرار‬
‫الروح‪ .‬ولكن لماذا أحبّوه هذا الحب؟ إذ ل يوجد في التاريخ كله قوم أحبّوا إمامهم أو زعيمهم أو شيخهم أو قائدهم أو‬
‫أستاذهم كما أح بّ أصحاب محمد محمدا صلى ال عليه وسلم حتى افتدوه بالمهج‪ ،‬وعرّضوا أجسامهم للسيوف دون‬
‫جسمه‪ ،‬وضحوا بدمائهم لحمايته‪ ،‬وبذلوا أعراضهم دون عرضه‪ ،‬فكان بعضهم ل يمل عينيه من النظر الى رسول ال‬
‫صلى ال عليه وسلم إجلل له‪ ،‬ومنهم من ذهب الى الموت طائعا ويعلم أنها النهاية وكأنه يذهب الى عرس‪ ،‬ومنهم من‬
‫احتسى الشهادة في سبيل ال كالماء الزلل‪ ،‬لنه أحبّ محمدا ودعوته‪ .‬بل كانوا يتمنون رضاه على رضاهم‪ ،‬وراحته ولو‬
‫تعبوا‪ ،‬وشبعه ولو جاعوا‪ ،‬فما كانوا يرفعون أصواتهم على صوته‪ ،‬ول يقدمون أمرهم على أمره‪ ،‬ول يقطعون أمرا من‬
‫دونه‪ ،‬فهو المطاع المحبوب‪ ،‬والسوة الحسنة‪ ،‬والقدوة المباركة‪.‬‬
‫أم ا دواع ي هذا الح ب وأس بابه‪ ،‬فأعظمه ا أ ن هذا النس ان ه و رس ول الرحم ن‪ ،‬وص فوة الن س والجان‪ ،‬أرس له ال‬
‫ليخرجهم من الظلمات الى النور‪ ،‬ويقودهم الى جنة عرضها السموات والرض‪.‬‬

‫‪73‬‬

‫‪١٤٢٩/١٢/٢٩‬‬

‫محمد صلى ال عليه وسلم محبوبا‪:‬‬
‫ثم إنهم وجدوا فيه صلى ال عليه وسلم المام الذي كملت فضائله وتمّت محاسنه‪ ،‬فقد أسرهم بهذا الخلق العظيم‬
‫والمذهب الكريم‪ ،‬فوجدوا في قربه واتباعه جنة وارفة من اليمان‪ ،‬بعد نار تلظى من الكفر والجاهلية‪ ،‬فهو الذي غسل‬
‫أرواحهم بإذن ال من أوضار الوثنية‪ ،‬وزكّى نفوسهم من آثام الشرك‪ ،‬وطهّر ضمائرهم من لوثة الصنام‪ ،‬وعلمهم‬
‫الحياة الكريمة‪ .‬مل صدورهم سعادة بعد عمر من القلق والضطراب والغموم والهموم‪ ،‬بنى في قلوبهم صروح اليقين‬
‫بعد خراب الشك والريبة والنحراف‪.‬‬
‫كانوا قبل دعوته كالبهائم السائمة‪ ،‬ل إيمان‪ ،‬ول أدب ول صلة‪ ،‬ول زكاة‪ ،‬ول نور‪ ،‬ول صلح‪ ،‬حياة مظلمة من‬
‫عبادة الصنام وملبسة الفواحش ومعاقرة الخمر وسفك الدماء والسلب والنهب‪ ،‬فليس لهم في الحياة رسالة‪ ،‬وما عندهم‬
‫عن ال خبر‪ ،‬وما لديهم من أمر الدنيا نبأ‪ ،‬فهم في غيّهم يعمهون‪.‬‬
‫قلوب أقسى من الحجارة‪ ،‬ونفوس أظلم من الليل‪ ،‬وبؤس أشد بشاعة من الموت‪ ،‬فل عقل محفوظ‪ ،‬ول دم معصوم‪،‬‬
‫ول مال حلل‪ ،‬ول عرض مصان‪ ،‬ول نفوس راضية‪ ،‬ول أخلق قويمة‪ ،‬ول مجتمع يحترم الفضيلة‪ ،‬ول شعب يحمي‬
‫المبادئ‪.‬‬
‫فلما أراد ال إنقاذ هذه البشرية وإسعادها وصلحها وفلحها بعث محمدا صلى ال عليه وسلم‪ ،‬فكأن الناس ولدوا من‬
‫جديد‪ ،‬وكأن وجه الدنيا تغير‪ ،‬وكأن الرض لبست ثوبا آخر‪ ،‬فالوحي يتنزل على هذا المام من لدن لطيف خبير‪،‬‬
‫وجبري ل يغدو ويروح بشريعة نسخت الشرائع‪ ،‬فيها سعادة العباد‪ ،‬وصلح البشر‪ ،‬وعمارة الرض‪ ..‬فمسجد يبنى‪،‬‬
‫ورقبة تعتق‪ ،‬وصدر يعمر‪ ،‬وجسد يطهر‪ ،‬وصلة تؤدى‪ ،‬ومصحف يتلى‪ ،‬وآية تف سّر‪ ،‬وحديث يشرح‪ ،‬وراية تعقد‪،‬‬
‫علَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكّيهِمْ وَيُعَلّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ‬
‫وحضارة تبنى‪ ،‬وأمة تحرّر { هُوَ الّذِي بَعَثَ فِي الُْمّيّينَ رَسُولً مّنْهُمْ يَ ْتلُو َ‬
‫للٍ مّبِينٍ (‪ } )2‬الجمعة‪.‬‬
‫وَإِن كَانُوا مِن قَ ْبلُ َلفِي ضَ َ‬

‫‪74‬‬

‫‪١٤٢٩/١٢/٢٩‬‬

‫محمد صلى ال عليه وسلم محبوبا‪:‬‬
‫لقد أح بّ الصحابة رسول ال صلى ال عليه وسلم لنه وصلهم بال ودلّهم على رضوانه‪ ،‬وهداهم الى صراطه المستقيم‪ .‬وإنهم‬
‫لمعذورون في هذا الحب لنه أقل ما يجب عليهم نحو هذا الرسول المعصوم والنبي الخاتم‪ ،‬الذي جاء إليهم وهم عاكفون على أصنامهم‪،‬‬
‫فصاح بهم ‪":‬قولوا ل إله إل ال تفلحوا" أخرجه أحمد ‪ 18525‬والحاكم ‪ ،39‬وصلى بهم وقال‪ ":‬صلوا كما رأيتموني أصلي" أخرجه البخاري ‪،631‬‬
‫وحجّ بهم وقال‪ ":‬خذوا عني مناسككم" أخرجه مسلم ‪ ،1297‬وعلمهم السنة وقال‪ ":‬من رغب عن سنتي فليس مني" أخرجه البخاري ‪ 5063‬ومسلم‬
‫‪ ،1401‬ودعاهم الى التقوى وقال‪ ":‬إن أتقاكم وأعلمكم بال أنا" أخرجه البخاري ‪ .20‬فال أنقذهم به من النار‪ ،‬وبصّرهم من العمى‪ ،‬وعلّمهم‬
‫به من الجهل‪ ،‬وأصلحهم بعد الفساد‪ ،‬وهداهم بعد الضللة‪ ،‬وأرشدهم بعد الغي‪.‬‬
‫كيف ل يحبه أص حابه بل كل مسلم وهو ل يزاول طاعة إل والرس ول ص لى ال عليه وس لم نص ب عينيه ف ي طهارته وصلته‬
‫وصيامه وزكاته وحجّه وذكره وعقيدته وخلقه وسلوكه‪ ،‬كيف ل يحبه وكلما فعل خيرا فإنما إمامه محمد صلى ال عليه وسلم‪ ،‬أو قام‬
‫بقربة فقدوته محمد صلى ال عليه وسلم‪ ،‬أو أحسن في حياته فأسوته محمد صلى ال عليه وسلم‪ ،‬أو أسدى جميل أو قدّم معروفا فمثله‬
‫العلى محمد صلى ال عليه وسلم‪.‬‬
‫هي أنت بل أنت اليد البيضاء‬
‫المصلحون أصابع جمعت يدا‬
‫كيف ل يحبه النسان وحديثه ير نّ في الذن ويعبر الى القلب بكل فضيلة وكل خلق شريف وسجايا نبيلة‪ ،‬داعيا الى الصدق والعدل‬
‫والس لم والرحم ة والتآخ ي والحس ان‪ ،‬محذرا م ن الفجور والفس وق والعص يان والظل م والعتداء والبغ ي والجرام‪ ..‬فميلد النسان‬
‫الميلد الثاني يوم اتبع هذا الرسول صلى ال عليه وسلم‪ ،‬واقتدى بهذا النبي المي‪:‬‬
‫وأنت أحييت أجيال من الرمم‬
‫أخوك عيسى دعا ميتا فقام له‬
‫وس عادة العب د إنم ا ه ي ف ي الهتداء بهدي هذا المام المعص وم‪ ،‬لن ه الوحي د م ن الناس الذي يدور معه الحق حيثما دار‪ ،‬فعل ى قوله‬
‫تعرض القوال‪ ،‬وعلى فعله توزن الفعال‪ ،‬وعلى حاله تقاس الحوال‪{:‬وإنّك لتهدي الى صراط مستقيم}‪.‬‬
‫في الي ّم أو دمعة خرساء في القدم‬
‫من نحن قبلك إل نقطة غرقت‬

‫‪75‬‬

‫‪١٤٢٩/١٢/٢٩‬‬

‫محمد صلى ال عليه وسلم مباركا‪:‬‬
‫{مُبَارَكاً أَيْنَ مَا كُنتُ وَأَ ْوصَانِي بِالصّلَةِ وَالزّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيّا (‪ } )31‬مريم‪.‬‬
‫إذا نحن أدلجنا وأنت إمامنا‬

‫كفى بالمطايا طيب ذكرك هاديا‬

‫لعلّ خيال منك يلقى خياليا‬
‫وإني لستغثي وما بي غشوة‬
‫كان ت البركة في ه ومعه وعنده عليه الص لة والسلم‪ ،‬فكلم ه مبارك‪ ،‬يقول الكلم ة الموجزة فتحمل ف ي طياتها العبر‬
‫والعظات ما يدهش لروعتها العقل حسنا وبلغة‪ ،‬ويلقي الخطبة فيجعل ال فيها من النفع والتأثير والبركة ما يبقى‬
‫صداه في الجيال جيل بعد جيل‪ .‬والبركة في عمره صلى ال عليه وسلم‪ ،‬فقد عاش ثلثا وعشرين سنة في إبلغ‬
‫رسالته ليس إل‪ ،‬فكان في هذه الفترة الوجيزة من الفتح والنصر والنفع والعلم واليمان والصلح ما ل يقوم به غيره‬
‫في قرون ول دهور‪ ،‬ففي ثلث وعشرين سنة فحسب‪ ،‬بلّغ الرسالة وأدّى المانة وعلّم القرآن ونشر السنة‪ ،‬وقضى‬
‫على الكفر‪ ،‬وأسّس دولة العدل‪ ،‬وأقام أعظم حضارة راشدة عرفتها النسانية‪.‬‬
‫وانظر الى بركة يوم واحد من أيامه عليه الصلة والسلم‪ ،‬وهو يوم النحر‪ ،‬اليوم العاشر من حجه صلى ال عليه‬
‫وسلم على سبيل المثال‪ ،‬ففي هذا اليوم الواحد صلى الفجر بمزدلفة ودفع الى منى وهو يلبّي ويذكر ال ويدعوه‪ ،‬ويعلم‬
‫الناس المناسك‪ ،‬ويفتي الحجاج‪ ،‬ثم رمى جمرة العقبة‪ ،‬ثم حلق ثم نحر ثم ذهب الى المسجد الحرام فطاف‪ ،‬ثم صلى‬
‫الظهر‪ ،‬وهو مع ذلك يرشد الناس ويوجّههم‪ ..‬هذا إلى صلة الظهر فقط‪ ،‬مع أن وسيلة النقل ناقته صلى ال عليه وسلم‪،‬‬
‫مع بعد المسافة وكثرة الزحام وحرارة الجو ووقوفه للناس يسألونه‪ ،‬فسبحان من بارك في لحظات عمره ودقائق حياته‪:‬‬
‫فكأنها من حسنها أيام‬
‫مرّت سنين بالسعود وبالهنا‬

‫‪76‬‬

‫‪١٤٢٩/١٢/٢٩‬‬

‫محمد صلى ال عليه وسلم مباركا‪:‬‬
‫وبورك له صلى ال عليه وسلم في آثاره‪ ،‬فقد مرّ بصاحب قبرين يعذبان‪ ،‬أحدهما كان ل يتنزه من البول‪ ،‬والخر كان يمشي‬
‫بالنميمة بين الناس‪ ،‬فشقّ صلى ال عليه وسلم عصا خضراء كانت معه وغرسها على القبرين وقال‪ ":‬أرجو أن يخفف عنهما‬
‫من العذاب حتى تيبسا " أخرجه البخاري [‪ ]218 ،216‬ومسلم ‪ 292‬عن ابن عباس رضي ال عنهما‪ .‬وهذا خاص به‪ ،‬ول‬
‫يكون إل له صلى ال عليه وسلم‪ ،‬لما جعل ال فيه من البركة‪.‬‬
‫ومرض علي ابن أبي طالب بالرمد يوم خيبر‪ ،‬حتى أصبح ل يرى شيئا‪ ،‬فنفث عليه صلى ال عليه وسلم فأبصر بإذن ال في‬
‫الحال لبركة دعائه ونفثه‪:‬‬
‫فمرضت من خوفي عليه‬
‫مرض الحبيب فزرته‬
‫فشفيت من نظري إليه‬
‫وأتى الحبيب يزورني‬
‫وكان الجيش في الخندق ألف رجل قد بلغ بهم الجوع مبلغا عظيما‪ ،‬فدعا جابر بن عبدال الرسول صلى ال عليه وسلم وثلثة‬
‫معه على عناق من ولد الماعز ذبحها وشيء من طعام الشعير‪ ،‬فدعا صلى ال عليه وسلم الجيش جميعا وسبقهم‪ ،‬ودعا على‬
‫الطعام ونفث‪ ،‬ثم أدخلهم عشرة عشرة‪ ،‬فأكلوا جميعا وشبعوا جميعا وبقي الطعام بحاله‪ ،‬ووزع على أهل المدينة‪ ،‬فما بقي بيت‬
‫إل دخله من ذلك الطعام‪ .‬فل إله إل ال! يا لها من معجزة باهرة وآية ظاهرة على صدقه وبركنه ونبوّته‪:‬‬
‫بحق فيك كل المعجزات‬
‫عل ّو في الحياة وفي الممات‬
‫بتبريك عواد رائحات‬
‫عليك تحية الرحمن تسري‬
‫وسافر معه جيش قوامه ألف وأربعمائة رجل‪ ،‬فانتهى ماؤهم وأشرفوا على الهلك‪ ،‬وانقطعوا في البيداء‪ ،‬فدعا صلى ال عليه‬
‫وسلم بقربة صغيرة فيها قليل من ماء‪ ،‬فصبّه على يده الشريفة الطاهرة المباركة‪ ،‬فثارت من بين أصابعه أنهار الماء‪ ،‬فمل‬
‫الناس أوعيتهم وعبأوا قربهم وسقوا رواحلهم‪ ،‬وشربوا وتوضؤوا واغتسلوا جميعا { َأفَ سِحْرٌ َهذَا أَ مْ أَنتُ مْ لَ تُبْصِرُونَ (‪})15‬‬
‫الطور‪.‬‬
‫ثمال اليتامى عصمة للرامل‬
‫وأبيض يستسقى الغمام بوجهه‬

‫‪77‬‬

‫‪١٤٢٩/١٢/٢٩‬‬

‫محمد صلى ال عليه وسلم مباركا‪:‬‬
‫فحيّا ال ذاك الكف الطاهر المبارك الذي ما خان ول غش ول غدر ول نهب ول سلب ول سرق ول سفك‪.‬‬
‫يد بيضاء لو مدّت بليل عظيم الهول أشرقت الليالي‬
‫وزار صلى ال عليه وسلم سعد بن أبي وقاص وهو مريض ملتهب الجسم‪ ،‬فوضع يده المباركة على صدر سعد‪ ،‬فوجد‬
‫بردها كالثلج فشفي بإذن ال‪ .‬يقول سعد بعد سنوات طويلة‪ :‬وال لكأني أجد بردها الن على صدري‪.‬‬
‫ور شّ صلى ال عليه وسلم بقية وضوئه على جابر بن عبدال وهو مريض فشفي بإذن ال‪ ،‬وحلق رأسه صلى ال‬
‫عليه وسلم بمنى يوم النحر‪ ،‬فأعطى شقّه اليمن أبا طلحة النصاري لن صوته في الجيش كمائة فارس جائزة له‪،‬‬
‫والنصف الخر وزع على الناس‪ ،‬فكادوا يقتتلون عليه‪ ،‬فمنهم من حصل على شعرة‪ ،‬ومنهم من تقاسم هو وصاحبه‬
‫شعرة واحدة‪ ،‬ومنهم من كان يضع هذه الشعرة في الماء إذا أراد أن يشرب‪.‬‬
‫وعراف نجد إن هما شفياني‬
‫جعلت لعرّاف اليمامة حكمه‬
‫ول شربة إل بها سقياني‬
‫فوال ما من رقية يعلمانها‬
‫بشربة حقّ من هدى وبيان‬
‫فجئت الى المعصوم حتى أعلّني‬
‫ومسح صلى ال عليه وسلم رأس أبي محذورة وهو صغير‪ ،‬فأقسم أبو محذورة ل يحلق هذا الشعر الذي م سّه كف‬
‫الرسول صلى ال عليه وسلم‪ ،‬فبقي طيلة حياته حتى طال ودفن معه‪.‬‬
‫وكان الص بيان يأتون ه ص لى ال علي ه وس لم بآنيته م فيض ع كف ه المبارك ف ي إناء الماء واللب ن‪ ،‬فيجدون في ه البركة‬
‫والشفاء بإذن ال‪ .‬وقصص بركته ل تنتهي‪ ،‬وأحاديث معجزاته ل تنقضي‪ ،‬فهو المبارك أينما حل وأينما ارتحل‪ ،‬وهو‬
‫الموفّق أينما سار وأقام‪.‬‬
‫نزيل عرشك خير الرسل كلهم‬
‫يا رب صلّ وسّلم ما أردت على‬

‫‪78‬‬

‫‪١٤٢٩/١٢/٢٩‬‬

‫الرسول صلى ال عليه وسلم مربيا‪:‬‬
‫{ يتلوا عليكم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة} ‪.‬‬
‫مسّكتنا حبل هدى غير منصرم‬
‫هديتنا لسبيل الحق نسلكه‬
‫وأنت قدوتنا في حالك الظلم‬
‫أنت المام الذي نرجو شفاعته‬
‫كان صلى ال عليه وسلم مربيا كملت مناقب المربي فيه‪ ،‬فهو رفيق في تعليمه ويقول ‪ ":‬إن ال رفيق يحب الرفق‪،‬‬
‫ويعطي على الرفق ما ل يعطي على العنف" أخرجه البخاري ‪ 6927‬ومسلم ‪ 2593‬عن عائشة رضي ال عنها ‪ .‬ويقول‪ ":‬ما كان‬
‫الرفق في شيء إل زانه‪ ،‬وما نزع من شيء إل شانه" أخرجه مسلم ‪ 2594‬عن عائشة رضي ال عنها‪ .‬وكان يصل‬
‫غلِي ظَ ا ْل َقلْبِ‬
‫ال ى قلوب الناس بألين السبل حتى قال في ه ربه عز وجل‪ {:‬فَبِمَا َرحْمَ ةٍ مّ نَ الّ لِن تَ لَهُ مْ َولَوْ كُن تَ فَظّا َ‬
‫ن حَ ْوِلكَ } آل عمران ‪ .159‬فهو أعظم من تمثل خلق القرآن‪ ،‬فتجده القريب منالنفوس‪ ،‬الحبيب الى القلوب‪.‬‬
‫لَن َفضّواْ مِ ْ‬
‫جاءه أعرابي فقال في التشهد‪ :‬ال ارحمني ومحمدا ول ترحم معنا أحدا‪ ،‬فقال له صلى ال عليه وسلم‪ ":‬لقد حجرت‬
‫واسعا" أخرجه البخاري ‪ 6010‬عن أبي هريرة‪ .‬أي أنه ضيّق رحمة ال التي وسعت كل شيء‪ ،‬ثم قام العرابي فبال في طرف‬
‫المسجد‪ ،‬فأراد الصحابة ضرب العرابي‪ ،‬فمنعهم صلى ال عليه وسلم ودعا بدلو من ماء فصبّه على بول العرابي‪،‬‬
‫ثم دعا العرابي برفق ولين وحسن خلق فقال ‪ ":‬إن هذه المساجد ل يصلح فيها شيء من الذى والقذر‪ ،‬وإنما هي‬
‫للصلة والذكر وقراءة القرآن" أخرجه مسلم ‪ 285‬عن أنس بن مالك رضي ال عنه‪ .‬فذهب هذا العرابي الى قومه لما رأى منا‬
‫لرفق واللين‪ ،‬فدعاهم الى السلم فأسلموا‪.‬‬
‫وجلس معه صلى ال عليه وسلم غلم على مائدة الطعام‪ ،‬فأخذت يد الغلم تطيش في الصحفة‪ ،‬فما نهره ول زجره‬
‫وإنما قال له برفق ‪ ":‬سمّ ال وكل بيمينك وكل مما يليك " أخرجه البخاري [ ‪ ]5378 ،5376‬ومسلم ‪ 2022‬عن عمر ابن أبي سلمة‬
‫رضي ال عنه‪.‬‬

‫‪79‬‬

‫‪١٤٢٩/١٢/٢٩‬‬

‫الرسول صلى ال عليه وسلم مربيا‪:‬‬
‫ودخل اليهود عليه صلى ال عليه وسلم فقالوا‪ :‬السام عليك‪ ،‬يعني الموت‪ ،‬فقالت عائشة‪ :‬عليكم السام واللعنة‪،‬‬
‫فقال صلى ال عليه وسلم‪ ":‬يا عائشة‪ ،‬ما هذا؟ إن ال يكره الفحش والتفاحش‪ ،‬وقد رددت عليهم ما قالوا‪ ،‬فقلت‪:‬‬
‫وعليكم " أخرج ه البخاري [ ‪ ]6030 ،2935‬ومس لم ‪ 2165‬عن عائش ة رض ي ال عنها‪ .‬وليس في قاموس حياته صلى ال عليه‬
‫وسلم ول في معجم أدبه كلمة نابية ول بذيئة ول فاحشة‪ ،‬وإنما طهر كله ونقاء وصفاء ولين ووفاء‪ ،‬لنه رحمة‬
‫مهداة‪ ،‬ونعمة مسداة‪ ،‬وبركة عامة‪ ،‬وخير متصل‪.‬‬
‫وكان صلى ال علي ه وسلم يتخوّل أصحابه بالموعظة كراهي ة السآمة والمل ل عليهم‪ ،‬أ ي يتركهم فترات من‬
‫الزمن بل وعظ ليكون أنشط لنفوسهم وأروح لقلوبهم‪ ،‬فكان إذا وعظهم أوجز وأبلغ‪ ،‬وكان ينهى عن التطويل‬
‫على الناس وإدخال المشقة عليهم‪ ،‬سواء في الصلة أو الخطب‪ ،‬ويقول‪ ":‬إن قصر خطبة الرجل وطول صلته‬
‫مئنة من فقهه" أخرجه مسلم ‪ 869‬عن عمار رضي ال عنه‪ .‬أي علمة على فقهه‪ ،‬فقصّروا الخطبة وأطيلوا الصلة‪.‬‬
‫وأنكر عمر على الحبشة لعبهم بالحراب في مسجده صلى ال عليه وسلم فقال‪ ":‬دعهم يا عمر‪ ،‬ليعلم يهود أن في‬
‫ديننا فسحة" أخرجه أحمد [ ‪ ]25431 ،24334‬عن عائشة رضي ال عنها أنظر كشف الخفاء‪.658 :‬‬
‫ودخل أبو بكر عليه صلى ال عليه وسلم في بيت عائشة رضي ال عنها وعندها جاريتان تغنيان يوم العيد‪ ،‬فقال‬
‫أبو بكر‪ :‬أمزمار الشيطان في بيت رسول ال صلى ال عليه وسلم؟ فقال صلى ال عليه وسلم‪ ":‬دعهم يا أبا بكر‪،‬‬
‫فإن لكل قوم عيدا وهذا عيدنا" أخرجه البخاري [ ‪ ]3931 ،952‬ومسلم ‪ 892‬عن عائشة رضي ال عنها‪.‬‬

‫‪80‬‬

‫‪١٤٢٩/١٢/٢٩‬‬

‫الرسول صلى ال عليه وسلم مربيا‪:‬‬
‫وسأل صلى ال عليه وسلم عائشة عن زواج حضرته للنصار‪ ":‬هل كان معكم شيء من لهو؟ أي من طرب فإن‬
‫النصار يعجبهم اللهو " أخرجه البخاري ‪ 5163‬عن عائشة رضي ال عنها ‪ .‬كل هذا في حدود المباح الذي يريح النفس ويذهب‬
‫عنها السأم والملل‪ ،‬أما الحرام فكان أبعد الناس عنه صلى ال عليه وسلم‪.‬‬
‫وكان صلى ال عليه وسلم يربي أصحابه بالقدوة الحيّة الماثلة فيه صلى ال عليه وسلم‪ ،‬فكان يدعوهم الى تقوى ال‬
‫وه و أتقاه م‪ ،‬وينهاه م ع ن الشيء فيكون أشدّه م حذرا من ه‪ ،‬ويعظه م ودموع ه عل ى خدّه الشري ف‪ ،‬ويوص يهم بأحسن‬
‫الخلق‪ ،‬فإذا هو أحسنهم خلقا‪ ،‬ويندبهم الى ذكر ال وإذا به أكثرهم ذكرا‪ ،‬ويناديهم الى البذل والعطاء ثم يكون أسخاهم‬
‫يدا وأكرمهم نفسا‪ ،‬وينصحهم بحسن العشرة مع الهل‪ ،‬ثم تجده أحسن الناس لهله رحمة وعطفا ورقة ولطفا‪:‬‬
‫روح الرسالت إل روح مختار‬
‫يا صاحب الخلق السمى وهل حملت‬
‫من الهدى والمعالي نصب تذكار‬
‫أعلى السجايا التي صاغت لصاحبها‬
‫والعجيب تو صّله صلى ال عليه وسلم الى غرس هذه الفضيلة في نفوس أصحابه غرسا بقي بقاء حياتهم‪ ،‬ودام دوام‬
‫أعمارهم ونقله التباع عنهم‪ ،‬وأتباع التباع عن التباع الى اليوم‪ ،‬فكان إذا لقيه الرجل يوما من الدهر أو ساعة من‬
‫الزمن وآمن به‪ ،‬ترك عليه من الثر ما يبقى ملزما له حتى الموت‪ ،‬فكأن ليس في حياة هذا الرجل إل ذلك اليوم أو‬
‫تلك الساعة التي لقي فيها رسول ال صلى ال عليه وسلم‪:‬‬
‫وتضيق الرض إل موضعا‬
‫قد يضيق العمر إل ساعة‬
‫وما ذاك إل لصدق نبوته عليه الصلة والسلم وبركة دعوته‪ ،‬وعظيم إخلصه وجللة خلقه ونبل فضائله‪:‬‬
‫فيه إله العالمين هدانا‬
‫فعليه ما سجع الحمام سلمنا‬

‫‪81‬‬

‫‪١٤٢٩/١٢/٢٩‬‬

‫وجوب الصلة والسلم عليه صلى ال عليه وسلم‪:‬‬
‫سلِيماً (‪ })56‬الحزاب‪.‬‬
‫سلّمُوا تَ ْ‬
‫علَيْهِ وَ َ‬
‫ن آمَنُوا صَلّوا َ‬
‫علَى النّبِيّ يَا أَيّهَا الّذِي َ‬
‫صلّونَ َ‬
‫{إِنّ الَّ وَمَلَئِكَتَهُ ُي َ‬
‫ما حنّ مشتاق الى لقياكا‬
‫صلى عليك ال يا علم الهدى‬
‫وقلوبنا ذابت على ذكراك‬
‫وعليك ملء الرض من صلواتنا‬
‫الص لة عل ى محم د ص لى ال علي ه وس لم جلء البص ار‪ ،‬ونور البص ائر‪ ،‬وبهج ة القلوب‪ ،‬وراحة الرواح‪ ،‬وقرة‬
‫العيون‪ ،‬ومسك المجالس‪ ،‬وطيب الحياة‪ ،‬وزكاة العمر‪ ،‬وجمال اليام‪ ،‬وذهاب الهموم‪ ،‬وطرد الحزان‪ ،‬وهي الجالبة‬
‫للسرور وانشراح الصدور وتكامل الحبور وتعاظم النور‪.‬‬
‫بها يطيب السمر ويحلو الحديث ويح لّ النس وتحصل البركة وتنزل السكينة‪ ،‬وهي علمة الحب وشاهد المتابعة‬
‫وبرهان الموالة ودليل الصلح وطريق الفلح‪ ،‬يقول صلى ال عليه وسلم‪ ":‬من صلى عليّ صلة واحدة صلى ال‬
‫عليه بها عشر صلوات‪ ،‬ورفعه عشر درجات‪ ،‬وكتبت له عشر حسنات‪ ،‬ومحي عنه عشر سيئات " أخرجه النسائي في‬
‫الكبرى ‪ 9890‬وفي عمل اليوم والليلة ‪ 63‬عن أنس بن مالك‪ .‬وقال‪ ":‬أكثروا عليّ من الصلة ليلة الجمعة ويوم الجمعة" أخرجه ابن‬
‫عدي في الكامل ‪ 102\3‬والبيهقي في الكبرى ‪ 5790‬وفي الشعب ‪ 3030‬عن أنس بن مالك وانظر كشف الخفاء ‪ .190\1‬وقال‪ ":‬رغم أنف‬
‫من ذكرت عنده ولم يصلّ عل يّ " أخرجه أحمد ‪ 7402‬والترمذي ‪ 3545‬والحاكم ‪ .2016‬وروي مرفوعا‪ ":‬البخيل من ذكرت‬
‫عنده فلم يص لّ عل يّ " أخرج ه أحم د ‪ 1738‬والترمذي ‪ 3546‬عن عل ي رض ي ال عن ه وانظ ر كش ف الخفاء ‪ .332\1‬وورد ‪ ":‬إن ل‬
‫ملئكة سياحين في الرض يبلغونني من أمتي السلم " أخرجه أحمد [‪ ]4198 ،3657‬والنسائي ‪ 1282‬والدارمي ‪ 2774‬والحاكم‬
‫‪ 3576‬عن عبدال بن مسعود ‪ .‬ولما قال أبيّ بن كعب ‪ :‬سوف أجعل لك صلتي كلها‪ ،‬أي دعائي‪ ،‬قال‪ ":‬إذن يغفر ذنبك‪،‬‬
‫وتكفي همّك" أخرجه الترمذي ‪.2457‬‬

‫‪82‬‬

‫‪١٤٢٩/١٢/٢٩‬‬

‫وجوب الصلة والسلم عليه صلى ال عليه وسلم‪:‬‬
‫فيصلى عليه صلى ال عليه وسلم في التشهد الول والثاني‪ ،‬وعند ذكره‪ ،‬وفي خطبة الجمعة‪ ،‬والعيد‪،‬‬
‫والس تسقاء‪ ،‬وف ي خطب ة النكاح‪ ،‬وف ي مجل س العل م والمواع ظ‪ ،‬والكت ب والرسائل‪ ،‬والمعاهدات‪،‬‬
‫والصكوك‪ ،‬وعند لقاء الحباب‪ ،‬وعند الوداع‪ ،‬وفي الدعاء وأذكار الصباح والمساء‪ ،‬وعند نزول الهموم‬
‫وترادف الغموم وفق د الغراض وتزاح م الكرب وحدوث المص اب ووص ول المبشرات‪ ،‬وعن د تأليف‬
‫الكتب وشرح حديثه وكتابة سيرته وذكر أخباره وقصصه‪ ..‬إلى غير ذلك من المناسبات‪ ،‬فصلّى ال عليه‬
‫وسلم ما زهر فاح‪ ،‬وبلبل صاح‪ ،‬وسر باح‪ ،‬وحمام ناح‪ ،‬وصلى ال عليه وسلم ما نسيم تدّفق وما دمع‬
‫ترقرق‪ ،‬وما وجه أشرق‪ ،‬وصلى ال عليه وسلم ما اختلف الليل والنهار‪ ،‬وهطلت المطار‪ ،‬ودنت الثمار‬
‫واهتزت الشجار‪ ،‬وصلى ال عليه وسلم ما بدت النجوم‪ ،‬وتلبدّت الغيوم وانقشعت الهموم‪ ،‬وتليت الخبار‬
‫والعلوم‪ ،‬وعلى آله الطيبين البرار‪ ،‬وأصحابه الخيار من المهاجرين والنصار‪ ،‬ومن تبعهم واقتفى الك‬
‫الثار‪.‬‬
‫صلى عليه إلهه وخليله‬

‫ما دامت الغبراء والخضراء‬

‫فهو الذي فاق النام كرامة‬

‫واستبشرت بقدومه النباء‬

‫‪83‬‬

‫‪١٤٢٩/١٢/٢٩‬‬

‫وجوب التأدب مع الرسول صلى ال عليه وسلم‪:‬‬
‫صوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النّبِيّ وَلَ تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَ ْعضِكُمْ لِبَعْضٍ أَن‬
‫{يَا أَيّهَا الّذِينَ آمَنُوا لَ تَرْفَعُوا أَ ْ‬
‫تَحْ َبطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنتُمْ لَ تَشْعُرُونَ (‪ })2‬الحجرات‪.‬‬
‫قحطان عدنان شادوا منك عزّتهم‬

‫بك التشرّف للتأريخ ل بهم‬

‫أكاد أقتلع الهات من حرقي‬

‫إذا ذكرتك أو أرتاع من ندمي‬

‫الدب معه صلى ال عليه وسلم شريعة يثاب فاعلها ويعاقب تاركها‪ ،‬فالدب مع شخصه الكريم بإجلله‬
‫وإعزازه وتوقيره وتقديره واحترام ه وانزال ه المنزل ة الت ي أنزل ه ال إياها‪ :‬ل غلوّ ول جفاء‪ ،‬وعدم‬
‫العتراض عليه صلى ال عليه وسلم أو مناقضة أقواله بأقوال غيره من الناس‪ ،‬أو تقديم قول كائن من‬
‫البشر مهما كان على قوله‪ ،‬أو أخذ حديثه على أنه كلم يصيب ويخطئ‪ ،‬بل هو كلم نبيّ معصوم‪ ،‬أو‬
‫التعرّض لصفة من صفاته بجفاء‪ ،‬أو رد قوله بعد التأكد من صحة نسبته اليه‪ ،‬أو الشك في بعض قضاياه‬
‫وأحكامه‪ ،‬أو مقارنته بالقادة والزعماء والملوك‪ ،‬فقد رفع ال قدره على الجميع وأعلى منزلته على الكل‪.‬‬

‫‪84‬‬

‫‪١٤٢٩/١٢/٢٩‬‬

‫وجوب التأدب مع الرسول صلى ال عليه وسلم‪:‬‬
‫بل يحرم كل ما فهم منه الجفاء والتنقص والعتراض عليه صلى ال عليه وسلم‪ ،‬والواجب على كل من‬
‫رضي به رسول واتبعه وآمن به حبه حبا صادقا أعظم من حب النفس والولد والوالد والناس أجمعين‪،‬‬
‫وتص ديق م ا أخ بر ب ه‪ ،‬وامتثال م ا أم ر ب ه والنتهاء عم ا نه ى عن ه‪ ،‬والهتداء بهداه والقتداء بسنته‬
‫والرضى بحكمه والحرص على متابعته‪ ،‬وتوقير حديثه والصلة والسلم عليه إذا ذكر صلى ال عليه‬
‫وس لم‪ ،‬وعدم رف ع الص وت عن د ذكره وذك ر حديث ه‪ ،‬وعدم الضح ك وق ت تلوة أخباره وكلمه وآثاره‪،‬‬
‫والخشوع عند ذكر شيء من سنته‪ ،‬والتأدب عند الستشهاد بقوله‪ ،‬والتسليم عند أمره ونهيه‪ ،‬واليمان‬
‫بمعجزاته والذب عن جنابه الشريف وأهل بيته وأصحابه { فالذين ءامنوا به وعزّروه ونصروه واتبعوا‬
‫النور الذي أنزل معه أولئك هم المفلحون}‪.‬‬
‫فطاب من طيب ذاك القاع والكم‬
‫يا من تضوّع طيب القاع منزله‬
‫فيه العفاف وفيه الجود والكرم‬
‫نفسي الفداء لمجدٍ أنت حامله‬
‫فعلى المسلم أن يفعل فعل أصحاب محمد صلى ال عليه وسلم في التأدب معه‪ ،‬فمنهم من كان ل يتكلم‬
‫عنده إل بصوت خافض خاشع‪ ،‬وكان إذا تحدث كان على رؤوسهم الطير‪ ،‬ومنهم من جلس في الطريق‬
‫خارج المسجد لما سمعه يقول من داخل المسجد‪ ":‬يا أيها الناس اجلسوا" أخرجه أبو داود ‪ 1091‬والحاكم ‪ 1056‬عن‬
‫جابر رضي ال عنه‪ .‬ومنهم من ل يكلم ابنه حتى مات لنه عارض حديث الرسول صلى ال عليه وسلم‪ ..‬إلى‬
‫آخر تلك الفعال الجميلة والخصال الحميدة من تأدبهم معه صلى ال عليه وسلم‪.‬‬

‫‪85‬‬

‫‪١٤٢٩/١٢/٢٩‬‬

‫الرسول صلى ال عليه وسلم مبشّرا‪:‬‬
‫{وَبَشّرِ الْمُؤْمِنِينَ بِأَنّ لَهُم مّنَ الِّ َفضْلً كَبِيراً (‪ } )47‬الحزاب‪.‬‬
‫" بشّروا ول تنفروا‪ ،‬ويسّروا ول تعسّروا"‪.‬‬
‫من العناية ركنا غير منهزم‬
‫بشرى لنا السلم إن لنا‬
‫بأكرم الرسل كنا أكرم المم‬
‫لما دعا ال داعينا لطاعته‬
‫من أعظم صفاته صلى ال عليه وسلم أنه مبشر‪ {:‬يَا أَيّهَا النّبِيّ إِنّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِداً وَمُبَشّراً وَ َنذِيراً (‪})45‬‬
‫الحزاب‪،‬‬
‫فهو صلى ال عليه وسلم الذي أتى بالبشارة الكبرى‪ ،‬وهي اليمان بال والبشارة بعفوه وغفرانه ورضوانه‬
‫ورحمته‪ ،‬والبشارة بجنة عرضها السموات والرض‪ ،‬وقد بشّر صلى ال عليه وسلم بتوبة ال على من تاب‬
‫وعفوه عمن أناب‪ ،‬فجلّ الذين بشارة‪ ،‬فقد بشّر عليه الصلة والسلم بان الوضوء يحطّ الخطايا وأن الصلة‬
‫ورمضان والحج والعمرة كفارات لما بينها من الذنوب إل الكبائر‪ ،‬وبشّر من فقد عينيه بالجنة‪ ،‬وبشر من‬
‫فقد ابنه بقصر في الجنة‪ ،‬وبشّر من أصابه مرض بأنه يمحو الخطايا‪ ،‬وأن من أراد ال به خيرا ابتله‪،‬‬
‫وبشّر من انتظر الصلة أن الملئكة تصلي عليه وتدعو له ما لم يحدث‪ ،‬وبشّر من سبح تسبيحة واحدة‬
‫بغرس نخلة له في الجنة‪ ،‬وأن من قال سبحان ال وبحمده مائة مرة حطّت خطاياه وإن كانت مثل زبد‬
‫البحر‪ ،‬وأن من أذنب ذنبا ثم توضأ وصلى ركعتين واستغفر ال غفر ال له‪ ،‬وبشّر أن من أصابه مرض أو‬
‫وصب أو نصب أو هم أو غمّ أو حزن حتى الشوكة يشاكها جعلها ال كفارة له من الذنوب‪.‬‬

‫‪86‬‬

‫‪١٤٢٩/١٢/٢٩‬‬

‫الرسول صلى ال عليه وسلم مبشّرا‪:‬‬
‫وجاء بكتاب عظيم وذكر حكيم يبشر المؤمنين الذين يعملون الصالحات بان لهم أجرا حسنا ونهاهم عن اليأس‪ {:‬إِنّهُ لَ‬
‫يَ ْيأَسُ مِن رّوْحِ الّ إِلّ ا ْلقَوْمُ الْكَافِرُونَ (‪ })87‬يوسف‪.‬‬
‫وعن القنوط‪{:‬ومن يقنط من رحمة ربه إل الضالون}‪.‬‬
‫ونهاهم عن الحزن‪ {:‬وَلَ تَهِنُوا وَلَ َتحْزَنُوا } آل عمران ‪.139‬‬
‫علَى أَنفُسِهِمْ لَ َتقْنَطُوا مِن ّرحْمَةِ الِّ إِنّ الَّ يَغْفِرُ‬
‫وفتح باب الغفران للتائبين من المسرفين‪ {:‬قُلْ يَا عِبَادِيَ الّذِينَ أَسْ َرفُوا َ‬
‫ب جَمِيعاً إِنّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرّحِيمُ (‪ } )53‬الزمر‪.‬‬
‫الذّنُو َ‬
‫ولما أرسل رسله الى البلدان ودعاة الى ال قال لهم‪ ":‬بشّروا ول تنفّروا‪ ،‬وي سّروا ول تع سّروا" ‪ ،‬وحذّر من التشديد‬
‫والتنفير فقال ‪ ":‬يا أيها الناس ! إن منكم منفّرين‪ ،‬من صلى بالناس فليخفف‪ ،‬فإن فيهم الكبير والصغير والمريض وذا‬
‫الحاجة" أخرجه البخاري [ ‪ ]702 ،90‬ومسلم ‪. 466‬‬
‫وذمّ المتكلفين في الدين‪ ،‬وبشّر عائشة ببراءة ال لها‪ ،‬وبشر كعب بن مالك بتوبة ال عليه‪ ،‬وبشر جابرا بأن ال كلم‬
‫أباه‪ ،‬وبشر المسلمين بدخول زيد وجعفر وابن أبي رواحة الجنة‪ ،‬وبشر بلل بأنه سمع دفي نعليه في الجنة‪ ،‬وبشّر أبيّ‬
‫بن كعب بأن ال ذكره في المل العلى‪ ،‬وبشّر العشرة بالجنة‪ ،‬وبشّر أهل بدر بأن ال قال لهم‪ ":‬اعملوا ما شئتم فقد‬
‫غفرت لكم" أخرجه البخاري [ ‪ ]3983 ،3007‬ومسلم ‪ 2494‬عن علي رضي ال عنه‪ .‬وبشّر أهل البيعة تحت الشجرة برضوان ال‪،‬‬
‫وبشّر الذي لزم {قُلْ هُوَ الُّ َأحَدٌ (‪ })1‬الخلص‪ ،‬بأن ال يحبه‪ ،‬وبشّر رجل صلى معه وقد أصاب حدّا بأن ال غفر‬
‫له‪.‬‬
‫وبالجملة فمن أعظم خصاله الحميدة صلى ال عليه وسلم إدخال البشرى على الناس وإسعادهم‪.‬‬
‫وحياً وأفضت الى الدنيا بأسرار‬
‫بشرى من الغيب ألقت في فم الغار‬

‫‪87‬‬

‫‪١٤٢٩/١٢/٢٩‬‬

‫الرسول صلى ال عليه وسلم معلما‬
‫{وَعَلّ َمكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ َفضْلُ الّ عَلَ ْيكَ عَظِيماً (‪ } )113‬النساء‪.‬‬
‫" من سلك طريقا يلتمس فيه علما سهّل ال له به طريقا الى الجنة " أخرجه مسلم ‪ 2699‬عن أبي هريرة رضي ال‬
‫عنه‪.‬‬

‫عند البريّة والتأديب في اليتم‬
‫كفاك بالعلم في المي معجزة‬
‫ثم اصطفاه رسول بارئ النسم‬
‫فهو الذي تم في فضل وفي كرم‬
‫بعث صلى ال عليه وسلم معلما الناس يعلم الناس مكارم الخلق ومعالي المور وأشرف الخصال وأنبل السجايا‪.‬‬
‫فعلّم صلى ال عليه وسلم بوعظه الذي كان يهز به القلوب فكأنه منذر جيش يقول صبّحكم ومساكم‪ ،‬وكان إذا وعظ‬
‫عل صوته واشتدّ غضبه واحمرّت عيناه‪ ،‬فل تسمع إل بكاء ونحيبا وحنينا وأنينا وتفجّعا وتوجعّا وندما وحسرة وتوبة‬
‫ورجوعا وإنابة‪.‬‬
‫وعلّم صلى ال عليه وسلم بخطبه القيمة الناعة في مناسبات العبادات‪ ،‬فكانت فيضا من الهدى ونهرا من النور‪،‬‬
‫تزيد اليمان وترفع اليقين‪.‬‬
‫وعلّم صلى ال عليه وسلم بفتواه لمن سأله‪ ،‬فكان أفقه الناس وأعظمهم إجابة وأكثرهم إصابة‪ ،‬وأعرفهم بما يصلح‬
‫للسائل‪.‬‬
‫وعلّم صلى ال عليه وسلم بوصاياه ونصائحه التي تصل الى القلوب وتمل النفوس تقوى وصلحا‪.‬‬
‫وعلّم بضرب المثال التي يعرفها الناس‪ ،‬وتوضيح المعاني بأمور محسوسة تقرب المعنى وتزيل الشكال وترفع‬
‫الوهم‪.‬‬
‫وعلّم صلى ال عليه وسلم بالقصص الجذاب الخلب الذي يثير في النفوس العجاب والنصات والستجابة‪.‬‬

‫‪88‬‬

‫‪١٤٢٩/١٢/٢٩‬‬

‫الرسول صلى ال عليه وسلم معلما‬
‫وعلّم صلى ال عليه وسلم بالقدوة الحية المتمثلة في سيرته العطرة وأخلقه السامية وخصاله الجليلة التي‬
‫أجمع على حسنها العقلء وأحبها التقياء واقتدى بها الولياء‪.‬‬
‫وأول كلم ة نزل ت علي ه ص لى ال علي ه وس لم كلم ة "اقرأ" ‪ ،‬وه ي م ن أعظ م أدل ة فض ل العل م وقيمة‬
‫المعرفة‪ ،‬وأمره ال أن يقول‪ :‬رب زدني علما‪ ،‬ولم يأمره بطلب زيادة إل من العلم لنه طريق الرضوان‬
‫وباب التوفيق وسبيل الفلح‪ ،‬وامتنّ عليه ربّه بأن علّمه ما لم يكن يعلم من المعارف اليمانية والفتوحات‬
‫الربانية والمواهب اللهية‪ ،‬وقال له ربه‪ {:‬فَاعْلَمْ أَنّهُ لَ إِلَهَ إِلّ الُّ } محمد ‪ .19‬فبدأ بالعلم قبل القول والعمل‪،‬‬
‫فكان صلى ال عليه وسلم أسوة العلماء وقدوة طلبةا لعلم في الستزادة من العلم النافع والعمل الصالح‪،‬‬
‫وقال‪ ":‬مث ل ما بعثن ي ال به من الهدى والعل م كمثل الغي ث " أخرج ه البخاري ‪ 79‬ومس لم ‪ .2282‬فكان ت مهمته‬
‫الكبرى تعليم الكتاب والحكمة‪ { :‬وَيُ َعلّمُهُ مُ الْكِتَا بَ وَالْحِكْمَ ةَ } البقرة ‪ .129‬حتى خرج من أصحابه صلى ال‬
‫عليه وسلم علماء وفقهاء وحكماء ومفسرون ومحدّثون ومفتون وخطباء ومربّون ملؤوا الدنيا علما وحكما‬
‫ورشدا واستفاقة‪:‬‬
‫فكلهم من رسول ال ملتمس‬
‫غرفا من البحر أو رشفا من الديم‬

‫‪89‬‬

‫‪١٤٢٩/١٢/٢٩‬‬

‫الرسول صلى ال عليه وسلم معلما‬
‫وق د حثّ علي ه الص لة والس لم عل ى العل م ونشره وتعليم ه فقال كم ا ف ي حج ة الوداع‪ ":‬فليبل غ الشاهد‬
‫الغائب‪ ،‬فرب مبلغ أوعى من سامع " أخرجه البخاري [‪ ]7078 ،1741‬ومسلم ‪ 1679‬عن أبي بكرة رضي ال عنه ‪ .‬وقال‪":‬‬
‫نضر ال امرءا سمع مقالتي فوعاها وحفظها وبلغها‪ ،‬فرب حامل فقه الى من هو أفقه منه " أخرجه الترمذي‬
‫‪ 2658‬عن ابن مسعود رضي ال عنه وانظر‪ :‬كشف الخفاء ‪ .423\2‬وقال‪ ":‬بلّغوا عني ولو آية" أخرجه البخاري ‪ 3461‬عن عبدال‬
‫بن عمرو رض ي ال عنهما ‪ .‬وكانت حياته صلى ال عليه وسلم كلها تعليما لمته‪ ،‬فصلته وصيامه وصدقته‬
‫وحجه وذكره لربه وكلمه وقيامه وقعوده وأكله وشربه‪ ،‬كل هذا تعليم وأسوة لمن آمن به واتبعه‪ ،‬وكان‬
‫صلى ال علي ه وس لم يتدرّج ف ي التعلي م‪ ،‬فم ا كان يلق ي العل م عل ى أص حابه جمل ة واحدة ب ل شيئ ا فشيئا‬
‫حدَةً َكذَلِكَ لِنُثَبّتَ بِهِ‬
‫علَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَا ِ‬
‫علَى النّاسِ عَلَى مُكْثٍ} السراء ‪َ{ ،106‬لوْلَ نُزّلَ َ‬
‫{فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ َ‬
‫ُفؤَادَ كَ وَرَتّلْنَا هُ تَرْتِيلً (‪ } )32‬الفرقان‪ .‬فكان يمتثل هذا في تدريسه لصحابه‪ ،‬وكان يبدأ صلى ال عليه‬
‫وسلم بكبار المسائل والهم فالمهم‪ ،‬ويكرر المسألة حتى تفهم عنه‪ ،‬ويعلّم تعليما علميا بالقدوة‪ ،‬كالوضوء‬
‫أمام الناس ليأخذوا عنه‪ ،‬وصلته لهم ليصلوا كصلته‪ ،‬وقوله‪ ":‬صلوا كما رأيتموني أصلي" أخرجه البخاري‬
‫‪ 631‬عن مالك بن الحويرث رضي ال عنه‪ .‬وحجه بهم وقوله‪ ":‬لتأخذوا عني مناسككم" أخرجه مسلم ‪ 1297‬عن جابر بن عبدال‬
‫رضي ال عنهما‪.‬‬

‫‪90‬‬

‫‪١٤٢٩/١٢/٢٩‬‬

‫ت ّم والحمد ل‬
‫شبكة مجاهد مسلم السلمية الدعوية‬
‫نسأل ال التوفيق‬
‫‪www.islammi.jeeran.com‬‬
‫بيروت لبنان‬
‫نشره موقع صيد الفوائد‬
‫‪/http://www.saaid.net‬‬

‫‪91‬‬

‫‪١٤٢٩/١٢/٢٩‬‬

‫أخي المسلم يا أختي المسلمة‪:‬‬
‫بعد أن قرأنا وعرفنا الشيء اليسير عن صفات الرسول العظم عليه الصلة‬
‫والسلم فبال عليكم بال عليكم أل يستحق هذا النبي الحب! أل يستحق هذا‬
‫النبي التباع الصادق! أل يستحق الدين الذي أتى به هذا النبي التضحية!‬
‫فس بحان م ن خل ق س يدنا محم د علي ه الص لة والس لم !وس بحان م ن علمه‬
‫وأدبه!‪.‬‬
‫فلنشحذ هممنا ولنعبر عن محبتنا لرسولنا الكريم بالقول والفعل والتباع‬
‫ولنرفع راية ل إله إل ال محمد رسول ال‬
‫والحمد ل رب العالمين‬
‫أخوكم ‪ :‬م‪.‬عبدال بن علي صغير‬
‫‪abd.s@forislam.com‬‬

‫‪92‬‬

‫‪١٤٢٩/١٢/٢٩‬‬

Sign up to vote on this title
UsefulNot useful