‫د‪ .

‬عبد الرزاق ب ّنور‬

‫جدل حول‬
‫الخطابة والحجاج‬
‫‪2008‬‬

‫‪1‬‬

2

‫«م��ن ال إع�لام له ال معرفة له وال ح� ّ‬
‫�ق معه‪ ،‬وم��ن كانت له‬
‫عصبيته‪ ،‬الويل لـمن خيالفه! لكن ّ‬
‫الظ َفر بقواطع احلجج أقوى‬
‫ّ‬
‫العصبية يطوهيا الزمان وقول احلق‬
‫ألن‬
‫من الظهور‬
‫بالعصبية‪ّ ،‬‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫ال يطويه زمان وال سلطان»‪.‬‬
‫د‪.‬طـه عبد الرمحان ‪« :‬جتديد املنهج يف تقويم رّ‬
‫التاث»‬

‫‪3‬‬

4

)‫ (في الميدان ذي الصلة‬،‫صدر للمؤلــــــف‬
:‫بالعربية‬
ّ

‫ (ترجم إلى‬2003 .‫ الجزائر‬.‫ دار زرياب للنشر‬،‫المتوسط‬
‫ الكتابة في‬،‫عبد الرزاق ب ّنور‬
ّ

.)‫واإليطالية وهو بصدد الترجمة إلى العبر ّية‬
‫الفرنسية‬
ّ
ّ

‫جمعية‬
‫ مج ّلة‬،»‫التداولية‬
‫ من التوليد المعجمي إلى التأثيرات‬،‫ «المضاعفة‬،
ّ
ّ
.127-77 ‫ صفحات‬،2003 .‫المعجمية العربية بتونس‬
ّ

‫العربية‬
‫ المنظمة‬.‫فلسفية» للودفيك فيتغنشتاين‬
‫ ترجمة كتاب «تحقيقات‬،
ّ
ّ
.2007 .‫ بيروت‬.‫للترجمة‬
‫دولية انتظمت‬
‫ «تأصيل الجهات في‬،ّ ‫ سيصدر قريبا ضمن أعمال ندوة‬،»‫العربية‬
ّ

.2004 ‫بجامعة م ّنوبة سنة‬

:‫األجنبية‬
‫باللغات‬
ّ

A.Bannour, «La terminologie modale et son usage en linguistique», in La Banque
des mots, n°19. PUF. Paris, 1980, pp. 1-20.

—, «Pour une sémantique linguistique,…», in Alain Berrendonner,

édit. Logique, argumentation, conversation. Peter Lang Verlag. Berne, Suisse.1983,
pp.9-59.

—, Recherches sur les structures modales dans le système verbal

(Linguistique et logique). Publications de l’Université de Tunis. 1986.

—, Rhétorique des attitudes propositionnelles. Publications de
l’Université de Tunis. 1991 (Vol.1 Linguistique et logique. Vol.2 Rhétorique
et argumentation).
—, Dictionnaire de logique pour linguistes (français-anglaisallemand). CILF et PUF. Paris 1995.

‫واللسانيات واألدب‬
‫للمؤ ّلف كتب أخرى ومقاالت في ميادين متعدّ دة تشمل النحو العربي‬
ّ
.‫اإلعالمية‬
‫بالفرنسية والفولكلور والتطبيقات‬
‫المغاربي الناطق‬
ّ
ّ
5

6

‫توطئة‬
‫الشهرية‬
‫‪ .1‬في األصل‪ ،‬كان هذا الكتاب مجموعة مقاالت صدرت في المج ّلة‬
‫ّ‬
‫الثقافية»‪ ،‬على امتداد خمسة أشهر وشملت األعداد ‪،107 ،106‬‬
‫التونسية «الحياة‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫‪ ،108‬و‪ 109‬من سنة ‪ 1999‬على التوالي‪ ،‬وقد أرفقناها بر ّد األستاذ الريفي الذي‬
‫صدر بالعدد ‪ 108‬من السنة نفسها (أنظر القسم الرابع من هذا الكتاب)‪ .‬وتتناول هذه‬
‫<أهم نظر ّيات احلجاج يف التقاليد الغرب ّية من أرسطو إىل اليوم>‬
‫المقاالت بالنقد كتاب‬
‫ّ‬
‫بكلية اآلداب بم ّنوبة سنة ‪ 1998‬وقد عرفت هذه المقاالت بعد صدورها‬
‫الذي نشر ّ‬
‫يتعد حدود الوطن وهذا ما ك ّنا نريده بالذات‪ ،‬رغم إلحاح بعض‬
‫رواجا كبيرا‪ ،‬لك ّنه لم ّ‬
‫والحيز المكاني أو بعض من أراد ركوب‬
‫الذين رأوا فيه موضوعا يتجاوز األشخاص‬
‫ّ‬
‫الحدث لحاجة في نفس تستعجل العالج…‬
‫‪ .2‬يمكن للمرء أن يتساءل عن سبب صدور هذا الكتاب اآلن‪ ،‬ولماذا ترقبت‬
‫ّ‬
‫األول راجع إلى مرور الزمن إذ أصبح من العسير‬
‫كل هذه ّ‬
‫المدة ألنشره‪ .‬السبب ّ‬
‫خاصة خارج تونس‪ ،‬لضعف انتشار المج ّلة‪ .‬وقد حدثت‬
‫الحصول على المقاالت‪،‬‬
‫ّ‬
‫منذ زمن قريب حادثة مثيرة ومزعجة في آن جعلتني أضع هذا الكتاب في متناول‬
‫العربية‪ ،‬كنت أناقش أحد الزمالء‬
‫القراء‪ :‬في مؤتمر بإحدى البلدان‬
‫ّ‬
‫عدد أكبر من ّ‬
‫بالكلية ال ّتي ينتمي‬
‫العربية‬
‫تهم البالغة والحجاج‪ ،‬فأعلمني بأنّ قسم‬
‫حول مسألة ّ‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫إليها كان قد ّ‬
‫نظم ندوة قبل سنة حول موضوع الحجاج‪ ،‬وأنّ أحد الباحثين التونسيين‬
‫قد حضر هذه الندوة‪ .‬وقد ذكر لي اسمه لك ّني نسيته‪ ،‬ألنّه نكرة ال ّنكرات‪ .‬فأعلمته‬
‫الزمن وأنّني قد نشرت حول مسألة الحجاج‬
‫بأنّ الموضوع كان يشغلني ّ‬
‫مدة من ّ‬
‫العربية منذ الثمانينات ووعدته بأن أرسلها له عن طريق البريد‪.‬‬
‫بالعربية وغير‬
‫مقاالت‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫ثم التقيته‪ ،‬في زيارة الحقة لهذا البلد‪ ،‬فأعلمني‪ ،‬نصف ضاحك‬
‫وأوفيت بوعدي‪ّ .‬‬
‫التونسي الذي‬
‫نصف ساخط‪ ،‬أنّي أحسنت صنعا بتمكينه من المقاالت وأنّ الباحث‬
‫ّ‬
‫قدم إحدى المقاالت ال ّتي نشرتُها حول كتاب الحجاج ونسبها‬
‫ذكر آنفا كان قد ّ‬
‫لنفسه‪ .‬وأخبرني كيف كانت خيبة الحاضرين كبيرة للفارق الواضح بين صالبة‬
‫المتدخل‪ .‬كما رفض المنتحل تسليم المداخلة‬
‫المداخلة ال ّتي قرأت وضعف ردود‬
‫ّ‬
‫للنشر‪ .‬لذلك‪ ،‬من أجل هذا وغيره ارتأيت أنه من المفيد وضع هذه الوثائق في‬
‫متناول القراء من جديد‪.‬‬
‫‪7‬‬

‫‪ .3‬واآلن مع تقادم الزمن وهدوء العاصفة ال ّتي أحدثتها هذه المقاالت‪ ،‬وقد طابت‬
‫الخواطر وفهم ّ‬
‫كل م ّنا قدره من هذه اللعبة‪ ،‬فإنّي أنشرها كما هي دون أي تعليق‪،‬‬
‫أو زيادة أو حذف‪ ،‬رغم أنّ الرغبة جامحة في تعديل بعض العبارات الجارحة أو‬
‫تصويب بعض التراكيب المخ ّلة أو إضافة بعض األفكار والبراهين المفحمة‪ ،‬أو ح ّتى‬
‫سببته لهم هذه المقاالت من إحراج‪.‬‬
‫االعتذار للبعض ّ‬
‫عما يمكن أن تكون قد ّ‬
‫األصلية لهذه المقاالت رغم المشاكل‬
‫حافظنا إذن قدر اإلمكان على الصورة‬
‫ّ‬
‫نغير فيها عن وعي إ ّ‬
‫ال تخصيص مواقع‬
‫المطبعية ال ّتي قامت دون تحقيق ذلك‪ .‬ولم ّ‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫االستشهادات من المج ّلة‪ ،‬وما عدا ذلك ال يكون إال خطأ غير مقصود‪ ،‬رغم الجهد‬
‫الذي بذلنا لنكون أوفياء أكثر ما يمكن لألصل نعتذر عنه مسبقا‪ .‬وحافظنا تبعا لذلك‬
‫على شكل المقاالت كما صدرت في األصل‪ ،‬وتركنا عناوينها كما هي مكتفين بإضافة‬
‫األول» أو «المقال الثاني»‪ ،‬الخ‪ ،‬حسب الترتيب الزمني لصدورها‪ .‬بل تركنا‬
‫«المقال ّ‬
‫المطبعية على حالها ولم نحاول تداركها ح ّتى ال ننزلق في التصحيحات‬
‫األخطاء‬
‫ّ‬
‫والتحيين‪ ،‬الخ‪.‬‬
‫هذا ال يعني بالطبع أنّي أتفق مع ّ‬
‫كل ما جاء في هذه المقاالت وأنّي راض عنها‬
‫وأخرت‪ .‬بل قل إنّني كنت‬
‫وقدمت ّ‬
‫وغيرت ّ‬
‫تمام الرضا‪ .‬فلو كان األمر بيدي‪ ،‬لحذفت ّ‬
‫سأتردد في نشرها أصال‪ ،‬لو كنت أعلم أنّ األمور ستؤول إلى ما آلت إليه‪.‬‬
‫<أهم نظر ّيات احلجاج يف التقاليد‬
‫‪ .4‬هكذا إذن كانت مساهمتي في نقاش كتاب‬
‫ّ‬
‫فكرية عميقة ال تنتج إ ّ‬
‫أظن‬
‫تنم عن سذاجة‬
‫غر متفائل‪ .‬لم أكن ّ‬
‫ّ‬
‫الغرب ّية…> ّ‬
‫ال عن ّ‬
‫عندها أنّ ال ّناس يكرهون النقد بهذا القدر وأنّهم ال يرغبون إ ّ‬
‫ال في الشكر والمديح‪ .‬ال‬
‫تهمهم الصورة ال ّتي تحصل للناس‬
‫تهمهم قيمتهم‬
‫الحقيقية وقيمة ما ينشرون بقدر ما ّ‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫عنهم حقّا أو باطال‪ .‬لذلك جعلتني سذاجتي هدفا للتعريض والثلب ومضايقات‬
‫أظن جا ّدا أنّ مساهمتي ستساعد في إرساء‬
‫أخرى أق ّلها اإلفراد وإخماد الذكر‪ .‬كنت ّ‬
‫أكرر دون سامع أنّ أعتى‬
‫العلمية‬
‫تقاليد المراجعة‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫اآللية للكتب ال ّتي تصدر وكنت ّ‬
‫علمي لن يكون النقد مهما كان قاسيا أو مجحفا بل قبر‬
‫ما يمكن أن يحصل لمنتوج‬
‫ّ‬
‫هذا العمل في ال ّ‬
‫المباالة‪ .‬وإذا بدار لقمان على حالها! بل تمادت الرداءة وتواصلت‬
‫السرقات واالنتحال والسلخ والترجمة غير الصريحة والفخفخة الفاضية ّ‬
‫بكل أنواعها‪.‬‬
‫فترى أحدهم ينشر كتابا ال تخرج منه إ ّ‬
‫فكرية ووجع دماغ لكثرة التناقضات‬
‫ال بركاكة‬
‫ّ‬
‫‪8‬‬

‫يحرك ساكنا‪.‬‬
‫والسخافات ال ّتي ال‬
‫ّ‬
‫تستحق الورق الذي كتبت عليه فال ترى أحدا ّ‬
‫وترى ترجمات ال تخلو صفحة منها من تضارب وتحريف وضحك على ذقون‬
‫العربية لمن كنت تحسبه مرجعا في المسألة وإذا به‬
‫القراء وتقرأ كتابا في التأصيالت‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫يجهل ّ‬
‫يقدم نفسه على أنّه علم من أعالمها‬
‫كل شيء تقريبا ح ّتى اللغة‬
‫العربية ال ّتي ّ‬
‫ّ‬
‫التركية وإذا بك‬
‫الفرنسية أو من‬
‫فيدعي في أكثر من مناسبة أنّ تلك اللفظة مقترضة من‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫شرا‪….‬هل هو‬
‫تجدها مستعملة معروفة في‬
‫العربية منذ إمرئ القيس وعنترة ّ‬
‫ّ‬
‫وتأبط ّ‬
‫نوع من التواطؤ أو التساهل المتبادل‪ ،‬سببه الجري وراء تراكم المنشورات لتضخيم‬
‫أمرر ردآتي وسأسكت عن‬
‫البيداغوجية بغرض الترقيات‬
‫الملفات‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫المهنية؟ أتركني ّ‬
‫كتيب‬
‫ردآتك؟ لذلك ولغيره‪ ،‬وبعد هذه التجربة‪ ،‬صرت أكتب كتابا كامال تعقيبا على ّ‬
‫ثم أحتفظ به لنفسي‬
‫أو تصحيحا لمقال الفت يعتمد منطلقات تستدعي المراجعة‪ّ ،‬‬
‫يغير في العادة شيئا ألنّ المنحدر أقوى من‬
‫وأتراجع عن نشره‪ ،‬باعتبار أنّ ذلك لن ّ‬
‫الفرامل‪.‬‬
‫مع ذلك‪ ،‬ومهما يكن من أمر‪ ،‬فإنّ المكتوب ال يضيع وستحاسب األجيال القادمة‬
‫إن لم تكن أردأ من الماضية‪ّ -‬‬‫كل واحد بحسب ما أتى‪.‬‬
‫‪ .5‬على ّ‬
‫ثم‬
‫كل حال‪ ،‬ال يمكن‬
‫منطقيا أن يكتب جماعة كتابا حول الحجاج‪ّ ،‬‬
‫ّ‬
‫محاجته‪ .‬كان من األجدر أن تكون فرصتهم لتطبيق المبادئ ال ّتي‬
‫إمكانية‬
‫ينكرون‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫ظريات‪ .‬فلتعتبر مساهمتي تعريفا بهذا‬
‫يقدمون لها‬
‫ّ‬
‫نظريا ويطرحون عنها مختلف ال ّن ّ‬
‫ّ‬
‫مما أصبح يكتبه العرب وال قارئ له إ ّ‬
‫ال ق ّلة‬
‫الكتاب وكان يمكن أن يقبر مثل غيره ّ‬
‫من المريدين الذين ال يتوانون‪- ،‬في رقاعة ال حدود لها‪ -‬عن تقزيم عمالقة في‬
‫الميدان المعني للنفخ في رماد أستاذهم أو من يظ ّنون أنّه سيكون ضمن لجنان الترقية‬
‫واالنتداب‪ ،‬الخ‪.‬‬
‫‪ .6‬كان من الضروري نشر المقال الذي نشرته إحدى المج ّ‬
‫التونسية‪ ،‬نظرا‬
‫الت‬
‫ّ‬
‫لكن المقال كان بدوره ر ّدا على ومضات‬
‫إلى أنّ األستاذ الريفي يشير إليه في ر ّده‪ّ .‬‬
‫مجهولة المؤ ّلف أمطر بها الجماعة صفحات المج ّلة‪ ،‬وبما أنّه ليس في مقدورنا أن‬
‫فضلنا أن ال نعير زائد اهتمام لتلك المقاالت وأن ال نسهم بال ّتالي في‬
‫نوردها ك ّلها‪ّ ،‬‬
‫العلمية‪.‬‬
‫األكاديمية عوض دعم األخالق‬
‫بث اإلشاعات‬
‫ترويج مج ّلة تسعى إلى ّ‬
‫ّ‬
‫ّ‬

‫‪9‬‬

‫نظريات الحجاج…» لتصدر‬
‫«أهم‬
‫‪ .7‬لم تكن المقاالت ال ّتي تعقّب على كتاب‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫الثقافية» في ذلك‬
‫شخصية حسن بن عثمان الذي كان رئيس تحرير مج ّلة «الحياة‬
‫لوال‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫«تتوهج‬
‫الحين‪ .‬فقد جعل من هذه المج ّلة ال ّتي «كانت تقبر فيها المقاالت» موقدا‬
‫ّ‬
‫حركت سكون الساحة‬
‫فيه األقالم» فكان وراء مجموعة من المل ّفات الساخنة ال ّتي ّ‬
‫الثقافية في تونس‪ ،‬قبل أن تعود إلى سالف عهدها‪ .‬فله الشكر واالمتنان على الشجاعة‬
‫ّ‬
‫الحرة‪.‬‬
‫باألقالم‬
‫فيه‬
‫ت‬
‫عز‬
‫زمن‬
‫في‬
‫بالثقافة‪،‬‬
‫النهوض‬
‫في‬
‫والمساهمة‬
‫واالنفتاح‬
‫ّ‬
‫ّ‬

‫‪10‬‬

‫املقال األ ّول‪« :‬احلياة الثقاف ّية» ‪ ،1999‬عدد ‪ ،106‬ص ص ‪19-4‬‬

‫تعقيب عىل كتاب ‪:‬‬

‫"احلجاج يف التفكري الغريب‬
‫من أرسطو إىل اليوم"‬

‫كرث الحديث يف امل ّد ة األخرية‪،‬‬
‫يف وسائل االعالم املكتوبة واملرئيّة‬
‫واملسموعة‪ ،‬عن كتاب "أهمّ نظريّات‬
‫الحجاج يف التقاليد الغربيّة من أرسطو إىل‬
‫اليوم" الذي نرشته‪ ،‬تحت ارشاف األستاذ‬
‫اّ‬
‫حمدي صمّود‪ ،‬كليّة آداب م ّنوبة من‬
‫جامعة تونس‪ .‬ومل يكن الكتاب ليلفت‬
‫انتباهنا لوال هذه الدعاية الضخمة التي‬
‫رافقته‪.‬‬
‫والكتاب طريف يف ح ّد ذاته‬
‫وهو يحتوي عىل مق ّدمتني إحداهام‬
‫عا مّة واألخرى لضبط املصطلح وعىل‬
‫ّ‬
‫ومفكرين‪ ،‬مثل‬
‫عروض ألعامل فالسفة‬
‫أرسطو لالستاذ الريفي‪ ،‬وميشال ميّار‬
‫لالستاذ الڤاريص‪ ،‬وديكرو لالستــاذ‬

‫* باحث وجامعي تونيس‬

‫الر ّزاق بنّور*‬
‫عبد ّ‬

‫"ليس العار يف ق ّلة االطالع أو نقص املعرفة‪ ،‬وإنّام العار يف‬
‫التشبث بمعطيات خاطئة"‬
‫اإلرصار األمحق الدّ ائم عىل‬
‫ّ‬
‫شيرشون ‪ :‬االستكشاف‪ ،‬املج ّلد ‪ ،2‬الكتاب ‪ ،2‬الفقرة ‪.9‬‬

‫تم عرض كتاب "مصنّف يف‬
‫املبخوت وكذلك ّ‬
‫احلجاج" لپرملان‪ ،‬قام به األستاذ صوله وكتاب‬
‫"نقد احلجاج" لوودس ووالطون وقد قدّ مه األستاذ‬
‫النويري‪ .‬وجمموعة ّ‬
‫تكون فريق بحث‬
‫مؤلفي الكتاب ّ‬
‫صمود‪.‬‬
‫يرشف عليه األستاذ ّ‬
‫إعالمية مكثّفة‪.‬‬
‫لقد رافقت الكتاب محلة‬
‫ّ‬
‫فو صف مثال بـ"حدث السنة العلمي"‪ .‬و ُنعت‬
‫ُ‬
‫مهمة‬
‫يتضمن طرحا جديدا ومقاربات‬
‫بكونه‬
‫حداثية ّ‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫توسع حدود املعرفة‪ .‬وبعد هذه الدعاية‬
‫يمكنها أن ّ‬
‫عملية برجمة الكتاب ضمن شهادة التأهيل‬
‫وقعت‬
‫ّ‬
‫العربية‪ .‬وهنا تكمن اخلطورة التي‬
‫املهين ألساتذة‬
‫ّ‬
‫تفصيلية وأكتب هذا‬
‫جعلتين أقرأ الكتاب قراءة‬
‫ّ‬
‫املقال الذي انطلقت فيه من قناعتني‪:‬‬
‫أن الكتاب قد نال ّ‬
‫(أ) بمـا ّ‬
‫حظه من التمجيد‬
‫والشكر فلن أزيد يف ذلك اّ‬
‫عم قيل‪ ،‬ألنّين عىل يقني‬
‫من ّ‬
‫أن مؤ ّلفي الكتاب ليسوا يف حاجة إىل املزيد من‬
‫املديح بقدر ما قد يكونون يف حاجة إىل املالحظات‬
‫التي قد تنفعهم يف تاليف بعض النقائص يف طبعة‬
‫‪11‬‬

‫(‪ّ )Eurisis‬‬
‫ملخصه أ ّنه مل يقدّ م يف املواضع‬
‫واخلطابة أشياء جاهزة ومل يرش عىل‬
‫ّ‬
‫متشكلة قبل ّيا‬
‫اجلديل واخلطيب "بأشياء‬
‫لكنّها متخ ّفية" وهو بذلك خيرج عن شبه‬
‫اإلمجاع الذي عليه الدارسون يف الغرب‬
‫أمثال بارط )‪ (Barthes‬وكورتيوس‬
‫)‪ (Curtius‬وم‪.‬ميار)‪ (M.Meyer‬يف‬
‫اعتبارهم االخرتاع عند أرسطو اجيادا‬
‫ملوجود وكشفا ملحتجب وجريا عىل نفس‬
‫النهج يف التأويل حاول اعتامدا عىل ما قاله‬
‫أرسطو وعىل ما ذكره ّ‬
‫رشاحه من الفالسفة‬
‫املسلمني أن جييب عن سؤال استعصى‬
‫عىل النّاس القطع يف االجابة عليه وهو‬
‫مسوغ االستعارة املكان ّية يف تسمية اجلهاز‬
‫املفهومي الذي اعتمده يف وصف صناعة‬
‫القول اجلديل باملواضع" (ص‪.)15‬‬
‫إذا ما كان األستاذ الريفي قد فهم‬
‫ما مل يفهمه كبار ّ‬
‫مفكري الغرب فهذا‬
‫يعين أ ّنه ذهب شوطا بعيدا يف اإلملام‬
‫برشوط البحث‪ .‬وحاز الد ّقة واحلصافة‬
‫واملوضوع ّية ووضوح الرؤية‪ .‬أل ّنه ال يعقل‬
‫أن ّ‬
‫ّ‬
‫مفكري الغرب مل يطلعوا عىل الفالسفة‬

‫الحقة أو يف توسيع باب ال ّنقاش خدمة‬
‫للبحث العلمي واملعرفة‪.‬‬
‫(ب) لقد اعترب مقال األستاذ الريفي‬
‫املحور الذي يدور عليه الكتاب حتى أن‬
‫صاحبا املقدمتني قد أمجعا عىل أنه حاز‬
‫ّ‬
‫وحل ما استعىص‬
‫سبقا وأفحم الغرب‬
‫فهمه عىل أكرب ّ‬
‫املفكرين يف العامل‪ .‬وهذا ما‬
‫جعلين أبدأ بقراءته قبل تناول املقدّ متني‬
‫بالدرس‬

‫‪ .I.‬الحجاج عند أرسطو ‪:‬‬
‫قراءة فتساؤالت‪.‬‬

‫بام ّ‬
‫(وخاصة‬
‫أن دراسة أرسطو وكتبه‬
‫ّ‬
‫كتاب اخلطابة) مسألة قد ّمتت حتّى مل‬
‫وتعرض له الباحثون‬
‫يبق موضوع إال‬
‫ّ‬
‫بالتدقيق‪ّ ،‬‬
‫فإن عدد الكتب واملقاالت‬
‫واألطروحات التي كتبت ّ‬
‫بكل ال ّلغات‬
‫أكثر من أن حترص‪.‬‬
‫وبام ّ‬
‫ان تقديم "خطابة أرسطو" لألستاذ‬
‫جمرد‬
‫الريفي يف جوهره النظري إ ّنام هو ّ‬
‫جتميع ملا قيل يف املوضوع‪ ،‬فلن أتو ّقف‬
‫ّ‬
‫املهمة التي ال ختلو‬
‫إال عند بعض النقاط ّ‬
‫ّ‬
‫سنركز عليها وأخرى تعترب‬
‫من طرافة مم ّيزة‬
‫بحقّ طريفة يتيمة‪.‬‬

‫املسلمني من الذين يعتمدهم ويستشهد هبم‬
‫الريفي (كالفارايب‪ ،‬وابن سينا وابن رشد)‪.‬‬
‫إن من يريد أن ينتقد كبار ّ‬
‫ّ‬
‫مفكري‬

‫ومن بني هذه النقاط ما يقوله عنه‬
‫صمود ‪" :‬يذهب هشام الريفي‬
‫األستاذ ّ‬
‫نصه مذهبا طريفا يف تأويل ما جاء يف‬
‫يف ّ‬
‫باحلجة‬
‫أرغانون أرسطو متع ّلقا بالبرص‬
‫ّ‬

‫العامل ويتّهمهم بالغباء وقرص النّظر جيب‬
‫أن ّ‬
‫تتوفر فيه بعض رشوط الباحث الدنيا‬

‫ومنها ‪ .1 :‬أن يكون ّ‬
‫مطلعا ّ‬
‫اطالعا دقيقا‬
‫حتّى يتك ّلم عن دراية وعلم وال يعيد‬

‫‪12‬‬

‫حكرا عىل أحد‪.‬‬

‫اكتشاف البارود وخلع األبواب املفتوحة‬
‫ّ‬
‫متمكنا من‬
‫عىل مرصاعيها ‪ .2‬أن يكون‬

‫أ‪ .‬اخلليل بن سيبويه‪:‬‬

‫موضوعه‪ ،‬ممسكا ّ‬
‫بكل أطرافه‪ .3 ،‬أن يكون‬
‫متحريا‪ ،‬ح ِذرا حذر العامل املتبصرّ ‪ .4‬أن‬
‫ّ‬
‫تكون له من حصافة الفكر ما يضمن له‬
‫عدم التناقض املفضوح‪ .5 ،‬أن يكون ثقة‬
‫يؤمتن عىل ما ليس له فيعطي ّ‬
‫كل ذي حقّ‬
‫ح ّقه وال ينسب لنفسه ما هو لغريه‪ .6 ،‬أن‬
‫يكون موضوع ّيا وله من الفكر النقدي ما‬
‫يدفعه إىل متييز األمور املشتبهة‪.‬‬
‫ورجائي أن ال يعترب هذا حكام مس ّبقا‬
‫أي كان فليست هذه الرشوط ّ‬
‫إال‬
‫عىل ّ‬
‫جمردة تصلح كمبادئ عا ّمة مت ّيز هبا‬
‫رشوطا ّ‬
‫املؤسسة من املصادفات السارة‬
‫النظر ّيات‬
‫َّ‬
‫أو االحكام االعتباط ّية‪.‬‬
‫وجب إذن قبل أن ندخل يف مناقشة‬
‫صمود عىل‬
‫القض ّية االساس ّية التي قدّ مها ّ‬
‫هّأنا من الطرافة التي "ال تتح ّقق ّ‬
‫إال للقارئ‬
‫العريب"‪ ،‬وزعم الريفي أ ّنه اكتشف ما مل‬
‫ّ‬
‫يتفطن إليه بارط وپرملان واحلضارة الغرب ّية‬

‫ما هو رأي األستاذ الريفي إذا‬
‫"املختصني" من الغربيني ّ‬
‫أن‬
‫زعم أحد‬
‫ّ‬
‫"اخلليل بن سيبويه" من نحاة القرن‬
‫الثاني للهجرة مثال؟ أال ينهض للرد‬
‫عليه خوفا من أن يأخذ عنه من يقرأه‬
‫يتوجب‬
‫فيعم اخلطأ؟ لذلك فإ ّني ّ‬
‫أظن أ ّنه ّ‬
‫ّ‬
‫عليه أن يتالىف ما قاله(ص‪ )93‬عن‬
‫سمبليسيوس‪ .‬فلقد كتب األستاذ الريفي‬
‫الشــــر اح طائفتني اعتربت‬
‫‪" :‬انقسم‬
‫ّ‬
‫احدامها وعىل رأســـها سمبليسيوس‬
‫)‪ ."(Ammonius Simplicius‬هكذا‬
‫إذن يكون سمبليسيوس بال ّلغة العرب ّية‬
‫فيلسوفـا واحـدا ويصـبح بقدرة ال ّلغــة‬
‫الفـــرنسـ ّية ‪Ammonius Simplicius‬‬
‫ومها فيلسوفان‪ .‬فضال عن ّ‬
‫األول أي‬
‫أن ّ‬
‫أمونيوس بن هرمياس كان أستاذا للثاني‪.‬‬

‫ب ‪ .‬ا لفر ق بني " ا لذ ئا ب‬
‫بر ّمتها‪ ،‬وجب كام قلنا أن نتحقق من تو ّفر والكالب" ‪:‬‬

‫خمتص‬
‫لغوي‬
‫األستاذ الريفي وهو‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫كام ّ‬‫يؤكد ذلك يف عديد املناسبات(‪ -)1‬ال‬
‫يفرق حتّى ظاهر ّيا بني ال ّلغة الالتين ّية وال ّلغة‬
‫ّ‬
‫اإلغريق ّية‪ .‬ومل أكن ألحتج عىل هذا اخللط‬
‫انجر عنه من استناجات‬
‫بني ال ّلغتني لوال ما ّ‬
‫هيم التاريخ ومنها ما يتع ّلق‬
‫خاطئة منها ما ّ‬
‫بمعطيات أساس ّية أخرى مثل طمس‬

‫هذه الرشوط‪.‬‬

‫‪ .1‬رشط االطالع ‪:‬‬

‫وال أعين هبذا خوض املرء يف مواضيع‬
‫بعيدة عن اختصاصه فهذا ممكن ومتاح‪،‬‬
‫رشط أن يكون عارفا‪ ،‬بل ّ‬
‫إن هذا األمر من‬
‫األمور املح ّبذة أل ّنه ال وجود لعلم يكون‬
‫‪13‬‬

‫بالعبارة األرسط ّية‪(".‬ص‪ّ ،)235‬‬
‫فإن الريبة‬
‫ّ‬
‫والشك يزول ّ‬
‫ألن هذا خطأ أصلع‪،‬‬
‫تتالشى‬

‫الفروق بني املصطلحات التي ترجع إىل‬
‫نظر ّيات خمتلفة‪ ،‬إلخ‪ ،‬وحتّى أوجز أقول ّ‬
‫إن‬

‫أقرع‪ ،‬عار‪ ،‬ال لبس فيه‪ .‬بل إ ّنه مغالطة‬
‫ّ‬
‫معها‪،‬ألن‬
‫مر ّدها اجلهل بال ّلغة التي يتعامل‬
‫العبارة األوىل )‪ (in dictione‬يقابلها‬
‫باإلغريق ّية ‪(para ten lexin (para ten‬‬
‫))‪ lexin‬والثانية أي )‪(extra dictionem‬‬
‫يقابلها ‪(exw tñj lexewj, (exo tes‬‬
‫))‪ .lexeos‬وعىل ذكر املغالطات‪ ،‬فهو يضيف‬

‫املغالطة التي نتجت عن هذا اخللط تعطي‬
‫فكرة واضحة عن عقل ّية البحث عندنا‬
‫إذ كان بإمكان األستاذ الريفي قبل أن‬‫ُي رَ‬
‫نش الكتاب أن يستشري من ال يبخل عنه‬
‫برأي‪ .‬أل ّنه عندما يقول ‪" :‬ترجم ّ‬
‫الرشاح‬
‫من فالسفة العرب مصطلح '‪'Copula‬‬
‫اإلغريقي ('‪ 'copule‬يف الفرنس ّية) بالعبارة‬
‫<كلمة وجود ّية>"(ص‪ ،)90‬فإ ّنك حتدّ ق‬
‫متر ولسان حالك يقول لع ّلها‬
‫مل ّيا ّ‬
‫ثم ّ‬

‫إىل ما سبق‪" :‬كلمة <مغالطات> استعملها‬
‫ّ‬
‫الرشاح من الفالسفة العرب يف ترمجة كلمة‬
‫)‪ (Fallaciae‬التي استعملها أرسطو ويف‬

‫هفوة أو خطأ مطبعي أو سهو مغفور‪،‬‬
‫ّ‬
‫ألن الكلمة التين ّية‪ ،‬وال وجود ملقابل هلا‬

‫الكلمة العرب ّية داللة عىل ن ّية اإليقاع يف اخلطإ‬

‫خاص يف ال ّلغة اإلغريق ّية‪ .‬وعندما تعثر‬
‫ّ‬

‫ألح عليه أرسطو‪ .‬ويف‬
‫وهو املعنى الذي ّ‬
‫احلديث ترجم املحققون الفرنس ّيون لكتب‬

‫عىل "‪("elocutio‬ص‪ )250‬أو املقابلة ‪in‬‬
‫‪(dictione/ extra dictionem‬ص‪)157‬‬

‫أرسطو الكلمة بـ )‪ (paralogisme‬وترمجها‬
‫االنغليز بـ)‪(."(fallacies‬ص‪ّ )228‬‬
‫إن هذا‬
‫اخللط املغالطي ّ‬
‫يدل بوضوح عىل ّ‬
‫أن األستاذ‬

‫فإن الريبة تستبد بك ّ‬
‫منسوبة إىل أرسطو ّ‬
‫(ألن‬

‫ألفاظ املقابلة التين ّية)‪ .‬أ ّما عندما جتده خيلط‬
‫ّ‬
‫كل االوراق خلطا واضحا جل ّيا يف قوله‪:‬‬

‫الريفي مل يعتمد ال النص األرسطي وال‬

‫اّ‬
‫الظاهري‪...‬سمه [أرسطو] ‪"in‬‬
‫"التبكيت‬

‫النّص العريب أو أ ّنه ييسء فهمهام معا‪ .‬ذلك‬
‫ّ‬
‫أن كلمة "‪ "paralogismój‬اإلغريق ّية‬

‫"‪ dictione‬وهو ما ترمجه ابن سينا <داخل يف‬

‫عربت يف الرتمجات العرب ّية القديمة إىل‬
‫قد ّ‬
‫ّ‬
‫الرش اح‬
‫"فارالوجيسموس"( ‪ )2‬ومل يرتجم‬
‫العرب كلمة "‪ّ "fallaciae‬‬
‫ألن الالتني هم‬

‫اللفظ> وترمجه "تريكو" بعبارة <يف اخلطاب>‬
‫)‪ ]...[ .(dans le discours‬التبكيت يف‬
‫مستوى اّ‬
‫سمه [أرسطو] "‪"extra dictionem‬‬

‫الذين ترمجوا العرب وليس العكس خالفا ملا‬

‫وهو ما ترمجه ابن سينا بعبارة <داخل يف‬
‫ّ‬
‫<مستقل عن‬
‫املعنى> وترمجه "تريكو" بعبارة‬

‫نص األستاذ الريفي‪ .‬وههنا تكمن‬
‫ُيفهم من ّ‬

‫اخلطاب> )‪(indépendant du discours‬‬

‫الكارثة‪ .‬ال سيام إن مل يتالف األستاذ الريفي‬
‫األمر وذلك بإصالح هذه األخطاء‪ .‬إ ّنه ليكفي‬

‫ويف هذه الرتمجة حرص واضح عىل االلتصاق‬
‫‪14‬‬

‫وتطوراته منذ نشأته‪ .‬أليس هذا أحسن‬
‫ّ‬
‫دليل عىل ّ‬
‫النص‬
‫أن املقصود ليس املفهوم يف ّ‬
‫املدونة الالتين ّية‬
‫األرسطي فحسب‪ ،‬بل يف ّ‬
‫أيضا؟ وحينئذ ّ‬
‫فإن استعامل األستاذ الريفي‬
‫للمصطلحني كام لو ّ‬
‫أن أحدمها يمكن أن‬
‫ينوب عن اآلخر عندما يقول وهو يتحدّ ث‬
‫عن أرسطو‪":‬وملّا كان <االستكشاف>‬
‫)‪ (Euresis ou inventio‬هو العمل ّية‬
‫األساس ّية يف صناعة القول احلجاجي عنده"‬
‫جمرد استعامل قائم عىل اخللط‬
‫(ص‪ّ )186‬‬
‫واخلطأ ّ‬
‫ألن ‪ eurésis‬ليس‪ .inventio‬وهذا‬
‫ما جعل األستاذ الريفي ومن معه يظنّون‬
‫أ ّنه اكتشف ما استعىص عىل الغرب فهمه‪.‬‬
‫كام يستشهد األستاذ الريفي لتدعيم‬
‫هيم ‪ l'inventio‬بمقال‬
‫ما يظنّه اكتشافا ّ‬
‫يف مدخل "‪ "heuristique‬دائرة املعارف‬
‫يونفرساليس(‪ ،)Universalis‬فيقول ‪:‬‬
‫"لقد قرأنا بانتباه كبري مقال <استكشاف ّية>‬
‫)‪ّ (heuristique‬‬
‫فتأكد لنا ّ‬
‫أن كتاب‬
‫"االرغانون" بام فيه من نظر ّية يف املعرفة‬
‫ّ‬
‫وأن قسم "املواضع" منه‬
‫واألقاويل‬
‫تصور لالستكشاف‬
‫باخلصوص بام فيه من ّ‬
‫تصورا‬
‫يف جمال املمكن واملحتمل يمثالن‬
‫ّ‬
‫كان يف الغرب لتلك العمل ّية الفكر ّية‬
‫أي االستكشاف تواصل حسب ما‬
‫السابع‬
‫ذكر صاحب املقال إىل القرن ّ‬
‫عرش‪(".‬ص ‪ .)177‬وهذا الكالم مثري‬
‫خيص‬
‫للدهشة واالستغراب‪ .‬ففي ما‬
‫ّ‬

‫أن يم ّيز القارئ بني اإلغريق ّية والالتين ّية‪...‬‬
‫ويبدو يل ّ‬
‫أن السبب هو انسياق األستاذ الريفي‬
‫وراء التعاليق والرشوح والرتمجات الفرنس ّية‬

‫التي ترجع إىل التقاليد الالتين ّية‪ ،‬إذ ال خيطر‬
‫عىل بال املرتمجني واملع ّلقني (وهم باستعامل‬
‫الكلامت الالتين ّية يرجعون إىل تقاليد عريقة‬
‫ألنا مصطلحات‬
‫متأصلة يف معرفة أرسطو هّ‬
‫ّ‬
‫مستقرة‪ ،‬احتد القوم عىل دالالهتا) أ ّنه ال يزال‬
‫ّ‬

‫يفرق بني الالتين ّية واإلغريق ّية‪.‬‬
‫يوجد من ال ّ‬

‫ج‪ .‬أدوات العمل ‪:‬‬

‫من املفروض ّ‬
‫أن من يقارب أثرا كهذا‪،‬‬
‫أعين كتاب اخلطابة ألرسطو‪ ،‬جيب عليه‬
‫يلم ولو‬
‫وهذا هو أضعف االيامن‪ -‬أن ّ‬‫سطح ّيا بال ّلغة األصل ّية التي كتب هبا‬
‫األثر حتّى ال خيلط(‪ )3‬فيخبط‪ .‬وللخلط‬
‫واخلبط نتائج خطرية‪ :‬لقد صار األستاذ‬
‫الريفي يتّهم بارط وغريه من كبار املفكرين‬
‫وخاصة‬
‫الغربيني كام قلنا بعدم فهم أرسطو‬
‫ّ‬
‫يف مفهوم املواضع عنده‪ .‬ويف احلقيقة إن‬
‫ما مل يستطع أن يستوعبه األستاذ الريفي‬
‫(كام سنبينّ ) هو ّ‬
‫أن بارط وغريه ينهلون‬
‫من َم نْ‬
‫النص األرسطي والتقاليد‬
‫عينَي‪:‬‬
‫ّ‬
‫الالتين ّية‪ .‬هذا ما خفي عىل األستاذ الريفي‬
‫وهذا ما غاب عن صاحبي املقدّ متني‪ّ :‬‬
‫إن‬
‫بارط يستعمل املصطلح اإلغريقي فقط‬
‫عندما يتحدّ ث عن أرسطو‪ ،‬ويرفقه دائام‬
‫بمقابله الالتيين عندما يتحدّ ث عن املفهوم‬
‫‪15‬‬

‫خاصة‪ ،‬وعليه‬
‫مع إشارات وعالمات‬
‫ّ‬
‫أن ينقب بنفسه لكي جيد الكنز املدفون‬
‫يعرضها‬
‫دون أن يك ّلف نفسه عناء أو ّ‬
‫للخطإ"(‪ .)8‬ومن هنا جاءت حسب رأيي‬
‫)‪،(filon‬ثم يف موضع آخر‬
‫استعارة ال ِعرق‬
‫ّ‬
‫يستعمل استعارة الشبكة والص ّياد ( ‪)9‬‬
‫ويف كتابه املوسوم "االستكشاف" ‪(De‬‬
‫)‪ Inventione‬يستعمل استعارة أخرى مل‬
‫يذكرها بارط وهي استعارة "اآللة املرتبطة‬
‫بالصنعة"(‪.)10‬‬
‫األول عن‬
‫وهنا نعود إىل ما قلناه يف ّ‬
‫أمه ّية شيرشون وكانتيليان يف التفكري‬
‫اخلطايب\البالغي يف احلضارة الغرب ّية وعن‬
‫نتيجة إمهال مثل هذه االعامل‪ ،‬فقد كان‬
‫هلام التأثري ك ّله ويمكن القول إنهّام أ ّثرا‬
‫فيه أكثر من أرسطو نفسه‪ .‬وهذا حسب‬
‫أهم أسباب "انحسار" البالغة‬
‫رأيي من ّ‬
‫عندهم وخروجها عن النّمط األرسطي‪.‬‬
‫ّ‬
‫وجه اخلطابة‪ ،‬رغام عن‬
‫ألن شيرشون قد ّ‬
‫كونه يزعم أ ّنه اتبع نظر ّية أرسطو(‪،)11‬‬
‫وجهة البالغة‪ّ .‬‬
‫ويلخص كانتيليان املرشوع‬
‫"فن حسن‬
‫ك ّله يف تعريفه اخلطابة هّ‬
‫بأنا ّ‬

‫"املواضع" يف كتاب املواضع فقد ذهب‬
‫صاحب املقال إىل نقيض ذلك متاما وأكثر‬
‫من ذلك‪ ،‬فهو يستشهد بروالن پارط وپور‬
‫رويال وشيرشون ويذهب إىل عكس ما‬
‫قاله األستاذ الريفي متاما(‪.)4‬‬
‫ونحن ال نعترب أن يف مقال األستاذ‬
‫الريفي أي سوء ن ّية الستجالب ما يراه‬
‫ّ‬
‫وغض الطرف عن‬
‫يدعم فكرته فقط‬
‫الباقي‪ ،‬وإ ّنام املسألة عىل ما يبدو‪ ،‬ليست‬
‫ّ‬
‫إال سوء فهم للمقال وعجز عن مت ّثل‬

‫املقاصد‪.‬‬
‫هيمنا من األمر فليس تفنيد ما‬
‫أ ّما ما ّ‬
‫قاله الريفي بقدر ما هو التأكيد عىل تأثري‬
‫شيرشون عىل التقاليد الغرب ّية(‪.)5‬‬
‫يقول األستاذ الريفي (ص‪ّ )187‬‬
‫إن‬
‫استعارات املواضع التي استعملها بارط‬
‫بعضها مو ّفق والبعض اآلخر غري مو ّفق‬
‫مثل "مغازة" و "وكر محام" من مبدأ ّ‬
‫أن‬
‫ّ‬
‫متشكال‬
‫املواضع عند أرسطو ال مت ّثل شيئا‬
‫قبل ّيا‪ .‬ولو ك ّلف الريفي نفسه عناء االطالع‬
‫عىل مصادر بارط لتبني له ّ‬
‫أن االستعارت‬
‫ليست من وضع بارط وإ ّنام هي من‬
‫وضع علمني من أعالم البالغة يف التفكري‬
‫الغريب‪ .‬فبعضها يرجع إىل شيرشون(‪،)6‬‬
‫واآلخر إىل كانتيليان(‪ )7‬وال بدّ هنا من‬
‫االستشهاد بشيرشون ‪" :‬إذا أردت أن ّ‬
‫تدل‬
‫أحدهم عىل مكان ذهب مدفون يف أماكن‬
‫توجهه إىل مواقع خمتلفة‬
‫متعدّ دة‪ ،‬يكفيك أن ّ‬

‫القول"( ‪ .)12‬إ ّنه من الطبيعي إذن‪ ،‬أن‬
‫يدفع األستاذ الريفي ثمن إقصاء التقاليد‬
‫الالتين ّية وثمن اخللط بني اللغتني الالتين ّية‬
‫واإلغريق ّية‪ .‬ذلك ّ‬
‫أن اجلهل هبذين العلمني‬
‫جيعل من الصعب فهم التطورات التي‬
‫عرفتها اخلطابة يف تارخيها‪ .‬فإذا أضفنا شيئا‬
‫‪16‬‬

‫من االمتالء بالذات إىل ق ّلة االطالع كانت‬
‫نتوهم ما نشاء فنُخطئ بارط‬
‫النتيجة أن ّ‬
‫وم ّيار والغرب أمجعني‪ ،‬رغم ّ‬
‫أن قليال من‬
‫التبصرّ كان يكفي كي ُيفهمنا أن خطأ كهذا‬
‫ال يمكن أن يطول عمره ّ‬
‫كل هذه املدّ ة‬
‫التحري قبل الطعن‪.‬‬
‫وكان من الواجب‬
‫ّ‬
‫مرة أخرى‪ ،‬سنسعف األستاذ الريفي‬
‫ّ‬
‫بحسن الن ّية‪ ،‬مع أ ّنه مل يتساءل مثال كيف ّ‬
‫إن‬
‫ال روالن بارط وال ميشال ميار قرآ كتاب‬
‫"منطق پور رويال" حيث حتدّ د املواضع‬
‫عىل هّأنا ‪"certains chefs généraux‬‬
‫‪auxquels on peut rapporter toutes‬‬
‫‪les preuves dont on se sert dans les‬‬
‫"…‪divers matières que l'on traite‬‬
‫)‪ ،(p.232‬أليس هذا بالضبط ما خيلص‬
‫إليه هو حني يقول "<املواضع> قضايا‬
‫عا ّمة جدّ ا حينئذ‪("...‬ص‪)197‬؟ أيمكن‬
‫أن يقتنع عاقل ّ‬
‫أن مفكر ْين هبذا احلجم‬
‫يدرس‬
‫مل يقرآ منطق بور رويال والكتاب ّ‬
‫بصفة آل ّية منذ القرن السابع عرش؟‬
‫وحلفظ القض ّية نقول إذن ‪ّ :‬‬
‫إن املفهوم‬
‫وحر ف وك ّلس‪.‬‬
‫تطو ر منذ أرسطو‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫أحيل هنا ملزيد االطالع عىل أطروحة‬
‫أوجني ثيونفيل(‪Eugène )1855‬‬
‫‪ ،)13 (Thionville‬فبعد قراءة هذه‬
‫األطروحة ّ‬
‫ّ‬
‫ألن صاحبها قرأ‬‫املطلعة‬
‫الفالسفة العرب‪ ،‬ومنهم ابن رشد وغريه‬
‫صمود‬
‫(‪ -)14‬خالفا ملا يذهب إليه األستاذ ّ‬

‫(ص‪ )15‬من ّ‬
‫أن الغربيني غري مطلعني‬
‫عىل نصوص الفالسفة املسلمني‪ ،-‬وإ ّني‬
‫لعىل ثقة من ّ‬
‫أن الريفي حتّى إن مل يقتنع بام‬
‫ّ‬
‫األقل سيعيد نظره يف مقاله‪،‬‬
‫قلناه‪ ،‬فإ ّنه عىل‬
‫إذا أمكنه االطالع عىل التقاليد البالغ ّية‬
‫الالتين ّية‪ .‬فال بدّ من التيقظ واالنتباه ملا هلذه‬
‫االزدواج ّية املرجع ّية اإلغريق ّية الالتين ّية من‬
‫أمه ّية حتّى ال نقع يف املحظور‪)15(.‬‬

‫د‪ .‬الفرنس ّية َم ْعلم استداليل غري‬
‫ثابت‪:‬‬

‫من اجلائز أن يعطي املرء مصطلحا‬
‫معروفا بلغة أخرى مقابال ملصطلح غري‬
‫مستقر يف لغته‪ ،‬أ ّما أن يقدّ م بصفة آل ّية‬
‫مرات يف نفس الصفحة يف بعض‬
‫ولعدّ ة ّ‬
‫‪16‬‬
‫األحيان( ) املقابل الفرنيس ملصطلحات‬
‫معروفة يف التقاليد العرب ّية منذ الرتاجم‬
‫جيرنا إىل احلرية‬
‫األوىل لكتب أرسطو فذلك ّ‬
‫والتساؤل‪ .‬ففي غياب تربير أو تفسري هلذا‬
‫االستعامل املفرط ل ّلغة الفرنس ّية‪ ،‬نتساءل‬
‫إىل من يكتب صاحب املقال؟ أليس يف هذا‬
‫ربر له؟ أهي‬
‫ترشيف ل ّلغة الفرنس ّية ال م ّ‬
‫عمل ّية ترمجة لتقييدات فرنس ّية مل تستكمل‬
‫نضجها؟‬
‫ولكن املضجر يف األمر هو ّ‬
‫أن القارئ‬
‫ّ‬
‫خاصة‬
‫جيد صعوبة قصوى يف فهم املقصود ّ‬
‫مرات يف‬
‫إذا تغيرّ املقابل الفرنيس عدّ ة ّ‬
‫املقال الواحد‪ ،‬وباألساس إذا استند إىل‬
‫‪17‬‬

‫وللممكن‪ -‬فهو حكم بصدق وجود‬
‫املحمول للموضوع مع ترك هامش من‬
‫عدم التوثيق ويقابله غري املحتمل وغري‬
‫املحتمل هو حكم بكذب وجود املحمول‬
‫للموضوع مع ترك هامش من عدم‬
‫التو ّثق"‪ )22(.‬وإذا س ّلمنا بتعريف "املمكن"‬
‫سواء أكان يف مقابل ‪ probable‬أو‬‫‪ possible‬حسب األستاذ الريفي‪ ،‬الذي‬
‫يقول (ص‪ ]...[" ،)206‬لوقوع هذا النوع‬
‫من األقاويل يف جهة املمكن واملحتمل‬
‫أي لقبوهلام احتاميل الصدق والكذب يف‬
‫آن"‪ ،‬وال فائدة أن ّ‬
‫نذكر بام سبق أن قال‬
‫(ص‪ )164‬عن خلط الناس بني املمكن‬
‫واملحتمل‪ -‬واحتامله الثبات والسلب (أي‬
‫ّ‬
‫أن املمكن االجيايب = املمكن السلبي‪ ،‬مثال‬
‫إذا أمكن التدخني أمكن عدم التدخني)‬
‫مهمة اخلطابة‬
‫فام معنى قوله يف تعريف ّ‬
‫"تتعرف عىل ما هو ممكن وما هو‬
‫هّأنا‬
‫ّ‬
‫ممكن يف الظاهر"(ص‪ )139‬بام ّ‬
‫أن ما‬
‫هو ممكن أن يكون يمكن أن ال يكون؟‬
‫ّ‬
‫فكل هذا اخللط كام نرى ليس مر ّده ق ّلة‬
‫معرفة بال ّلغة الفرنس ّية التي جعلها الريفي‬

‫املصطلح ومقابله الفرنيس وباألخص إذا‬
‫تع ّلق األمر بمصطلحات أساس ّية مثل ما‬
‫يرتبط بتحديد اخلـطــابة(‪.)17‬‬
‫يضع األستاذ الريفي مقابل مصطلح‬
‫"املمكن" نظريه الفرنيس "‪"possible‬‬
‫(ممكن =‪ possible‬ص‪ )111‬ومعه مقابله‬
‫"الرضوري" "‪( "nécessaire‬ص‪،)135‬‬
‫ثم ما نلبث حتّى نرى له مقابال آخر‬
‫ّ‬
‫‪18‬‬
‫"‪ ،) ("probable‬أ ّما "املحتمل" فإ ّنه‬
‫يقدّ مه يف ّ‬
‫مرة(‪ )19‬ومعه مقابله الفرنيس‬
‫كل ّ‬
‫"‪ّ ."vraisemblable‬‬
‫إال أ ّنه‪ ،‬ويف نفس الفقرة‬
‫التي يذكر فيها ّ‬
‫أن املمكن=‪،probable‬‬
‫يعطي " ‪ )2 0 (" p r o b a b l e‬كمقا بل‬
‫ملصطلح "املحتمل"‪ ،‬وهو يتك ّلم عن‬
‫املمكن=‪ .possible‬وإذا مل يفهم القارئ‬
‫ما قلناه فهو معذور ّ‬
‫ألن الريفي يعطي‬
‫يف نفس الفقرة ثالث مقابالت لثالث‬
‫كلامت ويف ّ‬
‫يستقر‬
‫مرة يغيرّ املقابل وال‬
‫ّ‬
‫كل ّ‬
‫عىل حال‪ ،‬يقول مثال‪" :‬املحتمل ليس‬
‫حكم قيمة ثابتة يقع بني حكمي الصدق‬
‫والكذب فهو خيتلف عن "املمكن" وإن‬
‫خلط الناس بينهام فاملمكن)‪(probable‬‬
‫كام ذكر أرسطو يف كتاب العبارة هو‬
‫جهة )‪ (Mode‬تكون معها صورة وجود‬
‫املحمول للموضوع واقعة بني االثبات‬
‫والسلب يف آن واحد( ‪ )21‬فهو نوع‬
‫من حكم القيمة إن جاز القول‪ .‬أ ّما‬
‫املحتمل ‪-‬خالفا حلكمي الصدق والكذب‬

‫مرجعه األسايس بقدر ما هو راجع إىل‬
‫عدم االملام باملوضوع (واملقصود هنا هو‬
‫ّ‬
‫وكل هذا جيعل قراءة‬
‫منطق اجلهات)‪.‬‬

‫املقال مستعصية إن مل نقل مستحيلة ال‬
‫يعرف اخلطابة تعريفا طريفا مل نر‬
‫سيام أ ّنه ّ‬
‫مثله ّ‬
‫قط‪.‬‬
‫‪18‬‬

‫هـ‪ .‬تعريف اخلطابة ‪:‬‬

‫‪piqanòn kaì tò fainómenon idein‬‬
‫"‪piqanòn.‬‬

‫ومع هذا‪ ،‬وحتّى نوفيه ح ّقه فلن‬
‫احلجة‪ .‬من ذلك ّ‬
‫أن‬
‫نمر دون أن نستويف ّ‬
‫ّ‬
‫الفرق بني الرتمجات املتداولة يف الرشق‬
‫والغرب يقع يف مستوى كلمة "‪"piqanòn‬‬
‫وهي كلمة متعدّ دة الدالالت منذ عهد‬
‫أرسطو وتعين بالفعل "االقناع" وكذلك‬
‫"احلق ظاهر ّيا"(‪ .)28‬ولو كان باالمكان‬
‫أن ننسب هذه الرتمجة إىل األستاذ الريفي‬
‫دون حت ّفظ (وال نفعل‪ ،‬جلهله بال ّلغة‬
‫اإلغريق ّية كام سلف) لكان من الطريف‬
‫ح ّقا أن نربز عالقة الكناية (بني السبب‬
‫والنتيجة) بني معنيي الكلمة فاحلق ظاهر ّيا‬
‫مقنع ويكون االقناع بسبب ما يبدو أ ّنه‬
‫احلق‪ ،‬ونكون بذلك قد ساندنا بينفنيست‬
‫)‪ (Benveniste‬يف أطروحته(‪ )29‬القائلة‬
‫ّ‬
‫إن ال ّلغة اإلغريق ّية أسعفت أرسطو بأرقى‬

‫"ال يمكننا أن نفهم قيمة األشياء التي‬
‫نتحدّ ث عنها قبل أن نستوعب حدّ ها"‬
‫شيرشون‪ :‬اجلمهور ّية (كتاب ‪ ،1‬باب‬
‫‪ ،24‬فقرة ‪)38‬‬

‫يقول األستاذ الريفي (ص‪ )139‬يف‬
‫تعريف اخلطابة عند أرسطو‪" :‬مل نعتمد ترمجة‬
‫بدوي وقد بدت لنا مستبعدة قال ‪<-:‬من‬
‫شأن اخلطابة أن تكتشف الوسائل احلقيق ّية‬

‫والظاهرة لالقناع>‪ "-‬ويعطي بديال عنها‪:‬‬
‫تتعرف ما هو‬
‫"املهمة‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫اخلاصة باخلطابة أن ّ‬
‫ممكن وما هو ممكن يف ّ‬
‫الظاهر"‪ .‬ومل ير‬
‫األستاذ الريفي موجبا لتربير رفضه ترمجة‬
‫ديفور )‪ (Dufour‬الفرنس ّية التي اعتمدها‪،‬‬
‫وكذلك ترمجة بدوي( ‪- )23‬الذي حيذق‬
‫ال ّلغة اإلغريق ّية عىل عكس الريفي كام ب ّينّا‪،-‬‬
‫وبذلك خيرج األستاذ الريفي عن اإلمجاع‪،‬‬
‫ّ‬
‫مرة أخرى‪ ،‬ويرى ما ال يراه‬
‫ويؤكد طرافته ّ‬

‫نظر ّياته الفلسف ّية واملنطق ّية‪.‬‬
‫ومع ذلك ّ‬
‫لنص أرسطو‬
‫فإن‬
‫املتفحص ّ‬
‫ّ‬
‫يالحظ أنه ال يستعمل هذه الكلمة باملعنى‬
‫املشرتك‪ .‬وأرسطو حريص يف الغالب‬
‫عىل د ّقة مصطلحاته‪ .‬وهو يستعمل كلمة‬
‫"‪- "eikwj‬أيكوس‪ -‬عندما يقصد "احلق‬
‫ظاهر ّيا"‪( ،‬وكلمة "‪- "dunatón‬ديناتون‪-‬‬
‫للداللة عىل املمكن‪ ،‬أ ّما يف معنى املحتمل‬
‫فنجد دائام عبارة "‪- "endoxón‬اندوكسون)‪.‬‬
‫لكن هل اهتدى األستاذ الريفي إىل ّ‬
‫كل هذا‬

‫غريه‪ّ .‬‬
‫املرة هيتدي إىل ما مل يره‬
‫إال أ ّنه هذه ّ‬
‫ألن ّ‬
‫الرشق والغرب جمتمعني ّ‬
‫كل الرتمجات‬

‫العرب ّية( ‪ )24‬والفرنس ّية( ‪ )25‬التي تسنّى لنا‬
‫االطالع عليها ترتجم مجلة أرسطو بنفس‬

‫الطريقة وكذلك الشأن يف لغات أخرى مثل‬
‫االنغليز ّية (‪ )26‬واالملان ّية (‪ )27‬وك ّلها تتطابق‬

‫مع اجلملة كام جاءت باإلغريق ّية‪"Pròj :‬‬
‫‪de toútoij oti thj autej tó te‬‬

‫‪19‬‬

‫بـ"املمكن"؟‬
‫ّ‬
‫إن هذا التناقض اجليل باإلضافة إىل‬
‫يمس من مصداق ّية املقال ومن‬
‫كونه‬
‫ّ‬
‫تناسقه و ُيدخل الريبة عىل نتائجه‪ ،‬فإ ّنه‬
‫يشري إىل ّ‬
‫أن األستاذ الريفي قد التجأ إىل‬
‫إحدى الرتمجات الفرنس ّية ملرتجم يبحث‬
‫عن الطرافة والتجديد مهام كان الثمن‬
‫ّ‬
‫ربر ترمجة جديدة لكتاب‬
‫[ألن ال يشء ي ّ‬

‫يفرق بني الذئاب والكالب؟‬
‫وهو ال ّ‬
‫توصل إىل تلك الرتمجة التي مل‬
‫أ ّما كيف ّ‬
‫يسبقه إليها أحد فذلك يشء ال يعلمه ّ‬
‫إال‬
‫الل وهشام الريفي‪ ،‬أو لع ّله نور قذفه هّ‬
‫هّ‬
‫الل‬
‫ّ‬
‫ونؤكد عىل‬
‫يف صدره مؤ ّقتا‪- ،‬قلنا مؤ ّقتا‬
‫ذلك‪ -‬أل ّنه‪ ،‬وبعد بضع صفحات‪ ،‬يأخذ‬
‫برتمجة بدوي لنفس اجلملة تقريبا ويقبلها‬
‫ّ‬
‫كأن شيئا مل يكن‪ ،‬دون حرج أو تفسري‪.‬‬

‫املرات(‪ ،])32‬دون التحقق‬
‫ترجم عرشات ّ‬
‫من خصوص ّيات السياقات األرسط ّية‬
‫و‪ .‬مبدأ التناقض ‪:‬‬
‫إن ّ‬
‫يقول املناطقة ّ‬
‫"كل تناقض يف القول وأسلوب أرسطو‪ .‬وبذلك يكون املرتجم‬
‫مر ة وأخطأ األستاذ الريفي‬
‫يكون سببا يف انتشار التناقض يف جمموع قد أخطأ ّ‬
‫اخلطاب ويف دخول االبتذال عليه حيث ّ‬
‫مرتني‪)33(.‬‬
‫إن‬
‫ّ‬
‫إنه ألمر عجيب العجب َّ‬
‫كله أن‬
‫جموزا لكل قول"(‪) 30‬‬
‫هذا التناقض يصبح ِّ‬
‫‪31‬‬
‫وهذا املبدأ يعرتف به الريفي نفسه‪ّ ) (،‬‬
‫يتحول هذا املقال بام فيه من خلط ومن‬
‫إال‬
‫ّ‬
‫خبط اىل َفت ٍْح علمي يف نظر صاحبي‬
‫أ ّنه ال يرى مانعا يف جتاوزه‪.‬‬
‫فبعد أن رفض الريفي ترمجة بدوي املقدمتني‪ .‬لذلك وجب أن نتو ّقف عندمها‬
‫فيعرف اخلطابة بقوله‪" :‬يمكن لنتبينّ مدى ما تؤ ّدي اليه العجلة يف احلكم‬
‫يعود إليها ّ‬
‫بأنا [ملكة] الكشف عن من مغالطة‪ ،‬وما تقود اليه األوهام من‬
‫أن نحدّ د اخلطابة هّ‬
‫الطرق املمكنة لالقناع يف أي موضوع كان" أخطاء‪.‬‬
‫(ص‪ ،170‬ترمجة بدوي‪ ،‬وهي تناسب‬
‫‪ .II‬التقديم بني االعرتاف‬
‫الرتمجات القديمة وما نجده يف كتب‬
‫الرش ّاح)‪ .‬أ ّما اجلملة اإلغريق ّية ‪ "Estw‬والتضليل‬
‫ال ختلو عمل ّية التقديم من املجازفة‬
‫‪dh  htorikh dúnamij perì ekaston‬‬
‫‪ tou qewrhsai tò endecómenon‬ملا حتتويه ضمن ّيا من عقد معريف‪ .‬فاملقدّ م‬
‫وحجة يف موضوع‬
‫فإنا تدور حول نفس الكلمة يكون عادة مرجعا‬
‫"‪ piqanon‬هّ‬
‫ّ‬
‫االساس ّية "‪- ،"piqanon‬ولكن األستاذ الكتاب املقدّ م‪ّ .‬‬
‫يزكيه ويضفي عليه من‬
‫الريفي ال يقول لنا ملاذا مل يرتمجها هنا أيضا إشعاعه فيكون بمثابة الضامن املعريف‬
‫‪20‬‬

‫لقد حرص بارط يف ّ‬
‫مرة عىل الرتكيز‬
‫كل ّ‬
‫عىل اإلرث الالتيين فاستخدم املصطلح‬
‫ا لال تيين و و ضعه بجا نب ا ملصطلح‬
‫اإلغريقي‪ ،‬واملصطلحان ال يؤ ّديان املعنى‬
‫ّ‬
‫يذكر أ ّنه حيتكم إىل َم ِع نْ‬
‫يني‬
‫نفسه‪ ،‬حتّى‬
‫يف التقاليد البالغ ّية احلجاج ّية الغرب ّية‪ .‬مل‬
‫ينتبه األستاذ الريفي إىل ثنائ ّية املصطلح‬
‫عند بارط َ‬
‫فخ َّطأه‪ ،‬وسارع صاحب التقديم‬
‫بالثناء عليه بدعوى أ ّنه قد حاز سبقا‬
‫ّ‬
‫وحل ما استعىص فهمه‬
‫وافحم الغرب‬
‫عىل أكرب ّ‬
‫املفكرين‪.‬‬
‫وباالضافة إىل ذلك مل ير صاحب‬
‫التقديم رضورة لتربير أو تفسري أسباب‬
‫<أهم نظر ّيات‬
‫اختيار ما اختِري ضمن‬
‫ّ‬
‫احلجاج يف التقاليد الغرب ّية>‪ .‬فلقد وقع‬
‫إقصاء العاملقة والتصفيق لألقزام( ‪.)35‬‬
‫فعرض كتاب والطون وهو تلميذ ّ‬
‫هنتكا‪،‬‬
‫ُ‬
‫وأقيص األستاذ‪ .‬إذ يبدو ّ‬
‫أن الرشط املعتمد‬
‫يف اختيار الكتب وعرضها لدى الفريق‬
‫هو تو ّفر األثر بال ّلغة الفرنس ّية‪ .‬ذلك‬
‫ّ‬
‫أن اختيار كتاب وودس ووالطون هذا‬
‫ربره ّ‬
‫إال تو ّفر ترمجته‬
‫للتقديم والعرض ال ي ّ‬
‫الفرنس ّية‪ .‬هكذا إذن‪ ،‬وبعد أن ّمتت إزاحة‬
‫‪ 23‬قرنا من الفكر الغريب بام فيه من أخرض‬
‫ويابس‪ ،‬يعمد فريق البحث إىل تغييب‬
‫كربيات لغات العلم يف الوقت احلارض‬
‫(وكرباها االنغليز ّية) لنجد أنفسنا يف طريق‬
‫أحادي املنفذ وبذلك ال يمكننا املرور ّ‬
‫إال‬
‫من االجتاه الذي سلكته ال ّلغة الفرنس ّية‪.‬‬

‫املؤمتن‪ .‬وقد تعود عليه فوائد التقديم‬
‫باالعرتاف واإلشهار‪ ،‬ور ّبام تنقلب عليه‬
‫املبادرة فال يسلم من اللوم إذا قرن اسمه‬
‫بام ال يليق به‪ .‬ويف ّ‬
‫كل احلاالت ّ‬
‫فإن يف‬
‫تقديم أعامل اآلخرين جمازفة واعتدادا‬
‫بالنفس يف اآلن ذاته‪ .‬وال يمكن أن يسلم‬
‫من هذا املأزق ّ‬
‫إال من يأخذ موقفا علم ّيا‬
‫نزهيا فيك ّلف نفسه عناء قراءة الكتاب(‪،)34‬‬
‫ويقدّ مه بطريقة موضوع ّية جدّ ية‪ .‬يكفي‬
‫أن نعيد قراءة املقدّ مة التي كتبها املرحوم‬
‫صالح الڤرمادي لكتاب الطيب البكوش‬
‫حول الترصيف العريب وسيتبني لنا ّ‬
‫أن‬
‫املقدّ م مل يكتف بتأطري الكتاب بل قام‬
‫بمساءلته ومناقشة أطروحاته‪.‬‬
‫أ ّما الكتاب الذي بني أيدينا فإ ّنه يقفز‬
‫الرابع قبل امليالد (مع‬
‫قفزا من القرن ّ‬
‫اإلغريق‪،‬وأرسطو) إىل أواسط القرن‬
‫العرشين (مع پرملان)‪ .‬هكذا تتم عمل ّية‬
‫حذف ‪ 23‬قرنا من اإلبداع الفكري‬
‫متر‬
‫الغريب‪ .‬ثالثة وعرشون قرنا بتاممها ّ‬
‫إىل البالوعة‪ .. .‬فال نجد أثرا لشيرشون‬
‫وكانتيليان وبواسيسوس وراموس وپور‬
‫رويال وغريهم من أعالم التقاليد الالتين ّية‪،‬‬
‫دون أن حياول املقدّ م تربير ذلك حتّى‬
‫ّ‬
‫تم حذفه ال يستحقّ الذكر وال‬
‫لكأن ما ّ‬
‫نفع يف احلديث عنه‪ .‬وقد رأينا كيف ّ‬
‫أن‬
‫املؤسسة قد أ ّدى بأحد‬
‫امهال هذه االعامل ّ‬
‫أعضاء الفريق إىل سوء فهم روالن بارط‪.‬‬

‫‪21‬‬

‫مطلع هذه املقدّ مة إىل تدقيق اصطالحي ال‬
‫غنى للقارئ العريب عنه [‪( "]...‬ص‪.)11‬‬
‫وهو حمقّ يف هذا إىل حدّ بعيد‪ .‬وكان‬
‫يمكن أن يسدي خدمة جليلة للفكر‬
‫العريب لو َن ّفذ فريق البحث هذا الربنامج‬
‫ُ‬
‫فضبط املصطلح الغريب ومقابله العريب‬
‫تطوره وسياق استعامالته الخ‪.‬‬
‫وظروف ّ‬
‫هيتم ّ‬
‫إال بتعريف‬
‫صمود مل‬
‫ّ‬
‫لكن األستاذ ّ‬
‫ّ‬
‫أربعة مصطلحات‪ ،‬هي "اخلطابة" و"البرص‬
‫باحلجة" و"ترتيب االقسام" و "العبارة"‪،‬‬
‫ّ‬
‫عرج عىل أمور أخرى‬
‫عرفها ّ‬
‫ثم ما لبث أن ّ‬
‫ّ‬
‫ُتعدّ‬
‫مهمة يف ذاهتا‪ ،‬لكنّها ال تدخل يف‬
‫ّ‬
‫هذا الباب‪ .‬ومع ذلك ّ‬
‫ظل الكتاب مفتقرا‬
‫افتقارا لد ّقة املصطلح وهذا أمر مؤسف‬

‫فكتاب طوملني مثال وهو يعدّ مع پرملان‬
‫طبع جتديد الدراسات اخلطاب ّية يف‬
‫أهم من َ‬
‫ّ‬
‫القرن العرشين ‪Toulmin: The Use :‬‬
‫‪of Argument. Cambridge.1958.‬‬
‫وترجم إىل االملان ّية منذ سنة ‪ ،1975‬حتت‬
‫عنوان ‪Toulmin: Der Gebrauch‬‬
‫‪ von Argumenten. Kronberg‬وقد‬
‫صدر باالنغليز ّية يف نفس السنة التي‬
‫صدر فيها كتاب پرملان‪ ،‬لكنّه مل يرتجم‬
‫إىل الفرنس ّية(‪ّ )36‬‬
‫إال سنة‪ .1993 ...‬وال‬
‫جيب أن يأخذ ما سبق باعتباره نقدا فهو‬
‫جمرد توضيح‪ .‬وليست الغاية منه االحلاح‬
‫ّ‬
‫ملجرد‬
‫عىل رضورة معرفة عدّ ة لغات‬
‫ّ‬
‫معرفتها(‪ )37‬فعنوان الكتاب نفسه يفرض‬
‫االطالع عىل تقاليد أخرى غري الفرنس ّية‬
‫ثم ّ‬
‫إن اللغة‬
‫ّ‬
‫وخاصة إذا كانت خمتلفة عنها‪ّ .‬‬
‫الفرنس ّية اليوم ليست لغة العلم‪ .‬واالكتفاء‬
‫هبا جيعلنا يف حاجة إىل وسيط نحن يف غنى‬
‫عنه‪ .‬ويوقعنا يف مشاكل الرتمجة‪ ،‬عوضا عن‬
‫التعامل مع النّصوص يف لغاهتا‪ .‬وللمرء‬
‫أن يتساءل هنا‪ ،‬ملاذا مل يقع االعتناء بكتاب‬
‫طوملني أكثر مع ّ‬
‫أن له نفس القيمة العلم ّية‬
‫التي لكتاب پرملان؟‬

‫فعال‪.‬‬
‫فلقد كان من املفرتض مثال أن يلتزم‬
‫أعضاء فريق البحث بحدّ أدنى من التناسق‬
‫املصطلحي حتّى ال يتيه القارئ الذي مل‬
‫يتعود عىل قراءة هذا النوع من البحوث‬
‫ّ‬
‫يف غابة التضارب املصطلحي الذي بلغ‬
‫مبلغا عظيام أحيانا‪ .‬وبام ّ‬
‫صمود‬
‫أن األستاذ ّ‬
‫هو "شيخ احللقة" وقد ق ّيد نفسه برضورة‬
‫التدقيق املصطلحي فإ ّنه من حقّ القارئ‬
‫مهمة تنسيق‬
‫يقوم مدى نجاحه يف ّ‬
‫أن ّ‬
‫أو ال‪.‬‬
‫املصطلحات بني أعضاء احللقة ّ‬
‫هذا قبل أن ننظر يف مسألة التقابل بني‬
‫حضارتني وهو ما سنعود إليه يف حينه‪.‬‬
‫سنكتفي ببعض األمثلة حتّى نجنّب‬
‫القارئ مش ّقة قائمة طويلة من املصطلحات‬

‫‪ .I I I‬التدقيق املصطلحي‬
‫وتناسقه ‪:‬‬

‫ّ‬
‫صمود مقاله بجملة‬
‫يستهل األستاذ ّ‬
‫مفيدة كانت من املمكن أن مت ّثل يف حدّ‬
‫ذاهتا برنامج عمل‪ .‬يقول ‪" :‬نحتاج يف‬
‫‪22‬‬

‫"األفودقطيقي الربهاني"‪" :‬اخلطيب يف‬
‫هذا اخلطاب الربهاني يسعى إىل إحداث‬
‫اإلمجاع حول بعض القيم التي يقول هبا‬
‫اجلمهور"(ص‪ ،)305‬وال ّ‬
‫يتفطن األستاذ‬
‫صوله إىل ّ‬
‫أن األفودقـطيقي( ‪ )39‬غري‬
‫التثبيتي\املرائي‪ ،‬إ ّنام يعين فعال القياس‬
‫الصوري‪ ،‬وهو ما يتناسب أكثر مع‬
‫اهتاممات اخلوارزمي‪.‬‬
‫غري ّ‬
‫أن هذا التذبذب املصطلحي ال‬
‫يستوقفنا يف حدّ ذاته‪ ،‬رغام عن كونه دليال‬
‫عىل ق ّلة التنسيق أو انعدامه بني أعضاء‬
‫الفريق‪ّ ،‬‬
‫إال أل ّنه إ ّنام يربهن عىل ّ‬
‫أن رضورة‬
‫الرجوع إىل النّصوص األصل ّية لتدقيق‬
‫ّ‬
‫املصطلحات أمر ال غنى للباحث عنه‪.‬‬
‫فالعبارة الفرنس ّية ‪ épidictique‬يقابلها يف‬
‫اإلغريق ّية ‪(epideiktikos) epideiktikój‬‬
‫احلجة والوصف والتثبيت واالظهار‬
‫بمعنى ّ‬
‫‪40‬‬
‫والعرض( ) واالشارة (انظر ما يعنيه‬
‫الفعل ‪ epideiknúnai‬باإلغريق ّية) وهذا‬
‫ما تعنيه الكلمة الفرنس ّية ‪démonstratif‬‬
‫املنحدرة يف احلقيقة من الالتين ّية التي ال‬
‫تعين فيها كلمة ‪ demonstratio‬غري ذلك‪.‬‬
‫واملصطلح الالتيين ليس ترمجة ملصطلح‬
‫ّ‬
‫(ألن املصطلح‬
‫عريب كام جرت العادة‬
‫املقابل ترجم ‪ confirmatio‬بالالتين ّية) وإ ّنام‬
‫هو من املوروث الالتيين وبالتحديد من‬
‫شيرشون‪ .‬ففي كتاب ‪De inventione‬‬
‫ّ‬
‫"كل قض ّية‬
‫يقول يف مطلع الفقرة ‪12‬‬
‫أكانت مشاجر ّية أم مشور ّية أم تثبيت ّية‬

‫املتضاربة‪:‬‬
‫أ‪ .‬املصطلح األرسطي )‪(eurhsij‬‬
‫‪ eurésis‬مل يقع ضبطه‪ ،‬رغم أ ّنه‬
‫مصطلح أسايس يف احلجاج‪ .‬ففي حني‬
‫صمود مصطلح "البرص‬
‫يستعمل األستاذ ّ‬
‫باحلجة"(‪ )38‬مقابال للمصطلح اإلغريقي‬
‫ّ‬
‫و الالتيين )‪ ،(inventio‬وهو يتّبع يف‬
‫ذلك اجلاحظ ويستخدم مصطلحاته‪،‬‬
‫حيرص األستاذ الريفي عىل مقابلته‬
‫ّ‬
‫ثم‬
‫بـ "استكشاف‬
‫األدلة" (ص‪ّ )174‬‬
‫"استكشاف التصديقات" (ص ‪175‬‬
‫وما بعدها) وينقد ضمن ّيا ما قاله "شيخ‬
‫احللقة"‪ .‬أ ّما األستاذ صولة فيستعمل‬
‫باحلجة" و"مصادر ّ‬
‫األدلة"‬
‫مصطلح "الظفر‬
‫ّ‬
‫مقابال لـ ‪( inventio‬ص‪ .)349‬وهو ما‬
‫يرفضه األستاذ الريفي كام رأينا‪.‬‬
‫ب‪ .‬يف حني يستعمل األستاذ‬
‫صمود مصطلح "اخلطابة املنافر ّية أو‬
‫ّ‬
‫التثبيت ّية" مقابال لـلمصطلح الفرنيس‬
‫‪(،épidictique‬ص‪ ،)16‬وكذلك يفعل‬
‫األستاذ الريفي الذي يرفض املقابل‬
‫الفرنيس ‪ démonstratif‬فيقول "ولكن‬
‫ههنا جنس خطبي اّ‬
‫سم ه يف اإلغريق ّية‬
‫اّ‬
‫وسمه بعض الفرنسيني‬
‫)‪(épidictique‬‬
‫يف ترمجاهتم )‪( (démonstratif‬وهي كلمة‬
‫ال نرتاح هلا متاما لداللتها عىل الربهاني)"‬
‫(ص‪ ،)12‬يذهب األستاذ صولة إىل حدّ‬
‫نسف ما سبق (ص‪ 304‬وما بعدها)‪،‬‬
‫فيقتدي باخلوارزمي يف ترمجة الكلمة بـ‬
‫‪23‬‬

‫جيب أن ترجع بالنّظر إىل إحدى احلاالت اجلامل اخللقي"(‪ .)44‬وهذه التسمية ليست‬
‫املب ّينة أعاله ‪...‬ويف اجلنس(‪ )41‬التثبيتي غريبة عن املعنى األصيل للكلمة اإلغريق ّية‪،‬‬
‫نبحث عن اجلامل اخللقي" وكانت ترمجة فكلمة ‪ (epainos) epainoj‬التي يستعملها‬
‫العبارات اإلغريق ّية‪ ،‬إىل الالتين ّية تتناسب أرسطو بكثرة يف كتاب اخلطابة‪ ،‬يف السياق‬
‫مع املصطلحات الفرنس ّية املقابلة‪ .‬لقد املقصود‪ ،‬تعين املدح والتقريض)‪ .‬وبذلك‬
‫ترجم اجلنس املشاجري من اإلغريق ّية يكون املستعمل الفرنيس كاملستعمل‬
‫‪ genoj dikanikon :‬إىل الالتين ّية بـ االنغليزي يعتمد عىل التقاليد الالتين ّية‬
‫‪ genus iudicia‬أو )‪ ،(controversiae‬التي جتاهلها فريق البحث وال يعتمد عىل‬
‫واجلنس املشوري من اإلغريق ّية ‪ genoj‬أرسطو فقط‪ .‬أ ّما االفودقطيقي الذي ذهب‬
‫‪ bouleutikon‬إىل الالتين ّيةبـ‪ genus‬إليه األستاذ صولة فهو يرتكز يف أصله‬
‫‪ deliberativum‬أو)‪ ،(suasoriae‬واجلنس عىل الكلمة اإلغريق ّية ‪apodeiktikoj‬‬
‫التثبيتي\املرائي من اإلغريق ّية ‪ ،(apodeiktikos) genoj‬وهي تستعمل عادة‬
‫كبديل لألوىل مع اختصاصها يف املعنى‬
‫‪ epideiktikon‬إىل الالتين ّيةبـ‪.genus‬‬
‫‪ demonstrativum‬أ ّما يف التقاليد الربهاني وهي بالفرنس ّية ‪apodictique‬‬
‫االنڤلوسكسون ّية( ‪ )42‬فيشار إىل هذا حيث ّ‬
‫تدل عىل اجلهات "الرياض ّية" التي‬
‫الصنف بنفس العبارة "‪ "demonstrative‬ختضع للربهان ومها جهتا الرضوري‬
‫أو "‪( "panegyric‬وأصل الكلمة من واملستحيل(‪ .)45‬وال بد أن نشري هنا إىل‬
‫اإلغريق ّية ‪ panhgurikój,‬وتعين املجلس الثبت املصطلحي الثنائي ال ّلغة الذي‬
‫الشعبي من ‪ ،panhgurij‬وأرسطو وضعة الدكتور بدوي يف فهارس كتاب‬
‫يستعملها يف نص اخلطابة هبذا املعنى اخلطابة (الرتمجة القديمة ص ‪ )266‬حيث‬
‫بحرف التاج وكذلك بمعنى التقريض)‪ .‬نالحظ أن مصطلح ‪epideiktikój‬‬
‫وهذه التسمية األخرية موروثة أيضا عن يقابله بالعرب ّية "التثبيتي واملرتائي" وهو‬
‫يسمي هذ اجلنس يف كتابه كام قلنا أحد املعاني األصل ّية لكلمة‬
‫شيرشون فهو ّ‬
‫"املواضع" )‪ (Topica‬اجلنس املدحي "‪."demonstratio‬‬
‫وال يمكن بذلك أن نرفض لفظ‬
‫أو التقرييض‪ .‬يقول يف كتابه املذكور(‪) 43‬‬
‫‪":‬هناك ثالثة أجناس [‪ ]...‬املشاجري "الربهاني" ّ‬
‫إال ملوجب واحد وهو تواتر‬
‫واملشوري واملدحي‪ ،‬فام ّدة املشاجري هي اتصال االستعامل بمعنى الربهان الصوري‬
‫ّ‬
‫احلقوق [‪ ]...‬ويف املشورات نتحدّ ث اّ‬
‫ألن معنى كلمة "برهان" كام قال اخلليل‬
‫عم‬
‫احلجة وايضاحها (كام يف قوله‬
‫هو صالح [‪ ]...‬أ ّما اجلنس املدحي فام ّدته تعين بيان ّ‬
‫‪24‬‬

‫‪.IV‬مستلزمات احلداثة‪:‬‬

‫لكن‬
‫تعاىل "لوال أن رأى برهان ر ّبه")‪ّ .‬‬
‫الطريف يف املوضوع ّ‬
‫أن أصل الكلمة‬
‫يؤهلها أكثر من ّ‬
‫كل كلمة أخرى لرتمجة‬
‫ّ‬

‫األرنب ‪":‬أتريد مزيدا من الشاي؟"‬‫أليس‪":‬أنا مل آخذ شايا البتّة‪ ،‬فكيف‬‫تريدني أن أزيد منه؟"‬
‫األرنب ‪":‬تريدين أن تقويل إ ّنه ليس‬‫بإمكانك أن تأخذي ّ‬
‫أقل‪ ،‬أل ّنه يمكنك‬
‫دائام أن تأخذي أكثر من ال يشء‪ .‬لكن‬
‫ال يمكنك أبدا أن تأخذي ّ‬
‫أقل من ال‬
‫يشء"‪.‬‬

‫كلمة "‪ "argument‬يف املعنى املتداول‬
‫اليوم‪ّ ،‬‬
‫ألن "الربهان"‪ ،‬كام يذهب أ ّدي شري‬

‫املعربة‪ ،‬من‬
‫يف معجم األلفاظ الفارس ّية‬
‫ّ‬
‫رب ْه" بمعنى البياض‪ .‬وهو يعترب الكلمة‬
‫"ال َ‬

‫معر بة عن الكلمة الفارس ّية "پروهان"‬
‫ّ‬
‫بمعنى الواضح والظاهر واملعلوم‪ .‬أ ّما كلمة‬
‫"‪ )46(،"argument‬فهي من الفعل ال ّ‬
‫التيينّ‬
‫َ‬
‫جعل اليشء‬
‫"‪ "arguere‬حيث تعين‬

‫لوفيس كارول ‪ :‬أليس يف بالد‬

‫العجائب‪.‬‬

‫صمود مقدّ مة الكتاب‬
‫يفتتح األستاذ ّ‬
‫بالتحقيق يف اخللف ّية النظر ّية للمصطلح‬
‫كام أسلفنا‪ .‬ويلفت النّظر إىل ّ‬
‫أن "احلقل‬
‫املعنوي لكلمة ‪ rhétorique‬ال يطابق يف‬
‫االعم احلقل الذي تبنيه كلمة "البالغة"‬
‫السنن العرب ّية [‪ ]...‬والرتامجة ّ‬
‫فضلوا‬
‫يف ّ‬
‫ثم ملّا تناول‬
‫[‪< ]...‬ريطوريقا>‪ّ .‬‬
‫سموه‬
‫الفالسفة الكتاب بالرتمجة والرشح ّ‬
‫"اخلطابة"(ص‪ .)48 ()12‬معنى هذا ّ‬
‫أن‬
‫يقر بأن البالغة العرب ّية‬
‫األستاذ ّ‬
‫صمود ّ‬
‫ختتلف عن اخلطابة األرسط ّية اختالفا‬
‫ظاهرا من حيث ظروف نشأهتا واحلاجة‬
‫إليها [‪(".]...‬ص‪18‬و‪ )19‬إذ ّ‬
‫أن األوىل‬
‫فلسف ّية املنشأ والثانية ُولدت بني أحضان‬
‫الشعر‪ّ .‬‬
‫يلح يف السؤال قائال "ملاذا‬
‫إال أ ّنه ّ‬
‫اقتُرص يف دراسة القول عىل جانب وحيد‬
‫هو يف اجلملة قسم العبارة (‪ )lexis‬من‬

‫واضحا‪ ،‬المعا‪ ،‬ظاهرا‪ .‬وهي بدورها من‬
‫جذر إغريقي ‪ )argues( argej‬و َيعين‬

‫أبيض المعا‪.‬‬
‫ّ‬
‫إن ما ذكرناه يف ما يتع ّلق باالختالل‬
‫ّ‬
‫يدل‬
‫املصطلحي وانعدام التناسق( ‪)47‬‬
‫رصاحة ّ‬
‫ينسق‬
‫أن "كتاب فريق البحث" مل َّ‬

‫حسب تقاليد فرق البحث‪ .‬فجاء الكتاب‬
‫تبعا لذلك عبارة عن مقاالت مستق ّلة ال‬
‫جيمع بينها ّ‬
‫إال املوضوع يف أقىص وأوسع‬
‫تعودنا أن‬
‫تعريفاته وهو بذلك إ ّنام يشبه ما ّ‬
‫نراه يف التقاليد االنڤلوأمريك ّية أى جمموعة‬
‫مقاالت منشورة بعناية فالن ‪:‬‬

‫”‪”edited by...‬‬
‫وعندئذ يكون "شيخ احللقة" أقرب إىل‬
‫رئيس حترير جم ّلة‪ ،‬مجع مقاالت وعرض‬

‫لكتب ال تعبرّ ّ‬
‫إال عن آراء أصحاهبا‪.‬‬

‫‪25‬‬

‫هتم أيضا الشعر ّية واملنطق والسياسة‬
‫بل ّ‬
‫وغريها‪ ،-‬وقد نوقشت حتّى ابتذلت‬
‫ّ‬
‫وتفطن إليها املتقدّ مون مثل ابن سينا(‪،)51‬‬
‫ّ‬
‫واملتأخرون مثل ابن‬
‫وابن رشد( ‪)52‬‬
‫خلدون(‪ ،)53‬وعادت لتطفو عىل السطح‬
‫مع الطرح املسترشقي العنرصي(‪ )54‬املربر‬
‫لتفوق الغرب وحتم ّية خت ّلف العرب حتّى‬
‫ّ‬
‫‪55‬‬
‫يف عزّ عرصهم الذهبي( )‪.‬‬
‫لكن املوضوع ذو أمه ّية بالنسبة إلينا‪،‬‬

‫خطابة أرسطو [‪]...‬؟" (ص‪.)20‬‬
‫ثم يعرض‪ ،‬دون متييز‪ ،‬عددا من‬
‫ّ‬
‫‪49‬‬
‫األسباب( ) التي جعلت العرب‪ ،‬حسب‬
‫رأيه‪ ،‬يضيعون فرصة تأسيس آل ّيات نظر ّية‬
‫تدرس اخلطابة يف ابعادها االستدالل ّية‬
‫املنطق ّية‪(،‬ص‪ ،)23‬واالسباب التي ذكر‬
‫صمود‪،‬‬
‫سنوردها هنا‪ ،‬مثلام أوردها األستاذ ّ‬
‫دون ترتيب وال تفاضل وال تعليل‪،‬‬
‫جيرنا إىل اخلوض يف‬
‫رغم وعينا أن هذا ّ‬
‫ميدان خـارج اختصاصـنا‪ ،‬وأقصـد ما‬
‫ُيصطلح عليه باالنثروبولـوجيا الثقـافـ ّية‬
‫املقـارنـة( ‪ .)50‬وهـا هي االسبـاب كام‬
‫أوردها ‪ :‬ظهور تباشري البالغة يف أحضان‬
‫حجة احلجج‪،‬‬
‫الشعر (ص‪ ،)19‬القرآن‪ّ ،‬‬
‫نتج عنه إقصاء االختالف (ص‪،)28‬‬
‫االعتامد عىل منطق النقل‪(،‬ص‪،)26‬‬
‫ّ‬
‫الوال ة وحسم اخلالفات بحدّ‬
‫تس ّلط‬
‫السيف (‪ ،)28-27‬دخول الثقافة رشوط‬
‫الرأي الواحد (ص‪ ،)30‬بنية القضاء عند‬
‫املسلمني خمتلفة عن بنية املحاكم يف أثينا‬
‫(ص‪.)32‬‬
‫ُ‬
‫وخيلص األستاذ من ّ‬
‫كل هذا إىل إصدار‬
‫حكم قاس عىل احلضارة اإلسالم ّية‪.‬‬
‫فينعت ا حلضا ر ة ا لعر ب ّية ا ال سال م ّية‬
‫بقصور العقول النيرّ ة منها عىل ّ‬
‫فك طوق‬
‫الدائرة(ص‪.)29‬‬
‫وكان بإمكاننا التعليق عىل املقال‬
‫إمجاال بالقول ّ‬
‫إن هذه اإلشكال ّية قديمة‪-،‬‬
‫هتم اخلطابة وحدها‬
‫إضافة إىل هّأنا ال ّ‬

‫ّ‬
‫ألن من مل يستوعب تراثه ال يمكن له أن‬

‫يستوعب تراث غريه ‪ .‬بام ّ‬
‫أن األستاذ‬
‫يب‬
‫صمود حياكم الرتاث البالغي العر ّ‬
‫ّ‬
‫وحيكم عليه بـالقصور ثم بـ"االنحسار" يف‬
‫الرجوع إىل‬
‫جزء منه(‪ )56‬فال مناص من ّ‬
‫هذه املسألة حتّى نحاول أن نضع األمور‬
‫يف سياقها‪.‬‬
‫عمم مالحظة بارط‬
‫وأصل القض ّية أ ّنه ّ‬
‫تطو ر البالغة يف التفكري الغريب‬
‫حول ّ‬
‫عىل البالغة يف الثقافة العرب ّية االسالم ّية‪.‬‬
‫لكن االشكال ّية التي طرحها روالن بارط‬
‫ّ‬
‫وأخذها عنه جريار جينات تقترص عىل‬
‫التفكري البالغي يف احلضارة الغرب ّية‪ .‬أ ّما‬
‫حيث ّياهتا فتتمثل يف ّ‬
‫أن موضوع البالغة‬
‫واملحسنات و ختلىّ‬
‫انحرس يف العبارة‬
‫ّ‬
‫املكونات اخلطاب ّية األخرى كالبرص‬
‫عن‬
‫ّ‬
‫ولكن بارط كان‬
‫باحلجة وترتيب األقسام‪.‬‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫واعيا بام يقوله واضعا القض ّية يف إطارها‪،‬‬
‫ممسكا خيوطها ومراميها‪ .‬فقد ابتدأ مقاله‬
‫‪26‬‬

‫تركز أصل كياهنا ووجودها يف م ِعينني‬
‫حضاريني مها اإلغريقي والالتيين‪ .‬ومها‬
‫يكونان املرجع ّية الفكر ّية وال ّلغو ّية وحتّى‬
‫ّ‬
‫االسطور ّية‪ .‬وبام ّ‬
‫أن االنحسار يكون‬
‫بنقصان َمعني ثبت وجوده وحفظه‪ ،‬وال‬
‫يمكن أن يكون ‪-‬أي أن نتحدّ ث عن‬
‫االنحسار‪ -‬يف يشء مل يوجد ّ‬
‫قط (قارن‬
‫بمنطق "أرنب مارس" عند لوفيس‬
‫عم تنحرس البالغة العرب ّية إذن؟‬
‫كارول)‪ّ .‬‬
‫أين كانت وإىل أين صارت؟ هل تراجعت‬
‫بالنسبة إىل مرجع معينّ ؟ كيف تنحرس عن‬
‫النمط األرسطي وقد رفضته من منطلقات‬
‫مبدئ ّية؟ أال يتبينّ من هنا إسقاط مقوالت‬
‫عىل الفكر العريب اإلسالمي ال تصلح ّ‬
‫إال‬
‫مع التقاليد الغرب ّية(‪)60‬؟ وعىل ما يبدو لنا‬
‫فالسبب منهجي أكثر ممّا هو معريف‪.‬‬
‫ولذلك سنحاول أن نضع املسألة يف‬
‫إطارها الصحيح ونسأل السؤال املناسب‬
‫قبل أن نقدّ م مرشوعا بديال هلذا الطرح‪.‬‬
‫ّ‬
‫إن السؤال الذي كان عىل األستاذ‬

‫املطول عن اخلطابة\البالغة القـديمة(‪)57‬‬
‫ّ‬
‫بتمييز دقيق يستعيص عىل دارس تاريخ‬
‫البالغة احلديثة أن يستوعبه إذا مل يس ّلم‬
‫هبذا التمييز‪ .‬يقول بارط‪" :‬أليست كل‬
‫اخلطابة (إذا استثنينا أفالطون) أرسط ّية؟‬
‫نعم‪ّ ،‬‬
‫مكوناهتا فقط‬
‫ألن النظم ال حتدّ دها ّ‬
‫وإ ّنام حتدّ دها أيضا أطراف التقابل التي‬
‫خاصة‪ .‬واملقابلة بني النظامني‬
‫حتكمها‬
‫ّ‬
‫الشعري واخلطايب هي التي حتدّ د يف‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫وكل الذين‬
‫احلقيقة اخلطابة األرسط ّية‪.‬‬
‫حيافظون عىل هذه املقابلة ينضوون حتت‬
‫راية اخلطابة األرسط ّية‪ ،‬وال تعدّ اخلطابة‬
‫أرسط ّية إذا أبطلت أو ُغ ّيبت هذه املقابلة‬

‫أي عندما تنصهر االثنتان وتصري اخلطابة‬
‫الفن‬
‫صناعة ابداع ّية شعر ّية‪ ،‬وعندما يكون ّ‬
‫الفن اخلطايب باملعنى الذي‬
‫الشعري هو ّ‬
‫صمود‬
‫تعرض األستاذ ّ‬
‫ذكرنا"(‪ .)58‬وقد ّ‬
‫هلذا الفرق يف التأريخ للبالغة (انظر آخر‬
‫مقاله ص‪ )38‬دون أن يستغ ّله يف تفسري‬
‫هذه الظاهرة‪.‬‬
‫عندئذ فإ ّنه يبدو وكأ ّنه قد أخطأ‬
‫اهلدف إذ ّ‬
‫أن السؤال الذي ُطرِح "هل‬
‫اتسمت البالغة العرب ّية "باالنحسار" منذ‬
‫ّ‬
‫نشأهتا يف حني ّ‬
‫املتولدة عن‬
‫أن البالغات‬
‫الرتاث اليوناني مل تتـسم به ّ‬
‫إال يف عصور‬
‫ّ‬
‫متأخرة؟"سؤال غـري وجـيه( ‪ .)59‬أل ّنه‬

‫صمود أن يطرحه هو اآليت ‪ :‬هل البالغة‬
‫ّ‬
‫ُ‬
‫العرب ّية أرسط ّية يف املعنى الذي ذكر أي‬

‫تفرق بني الشعر ّية واخلطابة؟ وسيجيبنا‬
‫هّأنا ّ‬
‫صمود بالنفي‪ .‬ويلزم هذا السؤال‬
‫األستاذ ّ‬
‫سؤال آخر‪ :‬ملاذا مل تتبع البالغة يف الثقافة‬
‫ولكن اجلواب‬
‫العرب ّية املنوال األرسطي؟‬
‫ّ‬
‫عن هذين السؤالني ال يمكن أن يتحدّ د‬
‫يف إطار البالغة فقط (ال ّلهم ّ‬
‫إال اصطناع ّيا)‬

‫يدفع بنا إىل حافة االنزالق يف مقارنة ال‬
‫تصح بأي وجه‪ .‬فاحلضارة الغرب ّية اليوم‬
‫ّ‬

‫‪27‬‬

‫وهنا تكمن نقطة اخلالف بيننا‪ -‬أل ّنه ال‬‫خاصة كام يفهم من كالم‬
‫يرتبط بظروف‬
‫ّ‬
‫يمس مبادئ‬
‫صمود بقدر ما‬
‫األستاذ ّ‬
‫ّ‬
‫ومقومات حضار ّية أساس ّية‬
‫سلوك ّية عا ّمة‬
‫ّ‬
‫وتركيبة نفس ّية حكمت (ور ّبام حتكم يف‬
‫بعض املظاهر إىل اآلن) عالقة املسلمني‬
‫بالعقيدة وال ّلغة واالنتامء‪ .‬وهذا يعين ّ‬
‫أن‬
‫إرجاع "انحسار" البالغة إىل الظروف‬
‫التي نشأت فيها منتهى منطلقه ّ‬
‫أن الثقافة‬
‫االسالم ّية عجزت عن استيعاب اخلطابة‬
‫األرسط ّية‪ ،‬يف حني أننا نذهب إىل ّ‬
‫أن‬
‫اخلطابة األرسط ّية (ومظاهر أخرى من‬
‫منطق وفلسفة أرسطو كالشعر ّية(‪ )61‬مثال)‬
‫وطبيعة عالقتها باملبادئ السلوك ّية التي‬
‫ذكرنا تفس ملاذا وكيف رفضت الثقافة‬
‫االسالم ّية االنخراط يف اخلط األرسطي‪.‬‬
‫والفرق جيل واضح كام سنبينّ ‪ .‬أ ّما املقاربة‬
‫صمود‪ ،‬وهي كام‬
‫التي يتقدّ م هبا األستاذ ّ‬
‫قلنا تطبيق نظام تفسريي غري مالئم عىل‬
‫ّ‬
‫متشكلة ما قبل ّيا‪ ،‬إ ّنام ختدم أعداء‬
‫معطيات‬
‫األ ّمة وتعطيهم الفرصة إلسقاط األحكام‬
‫املس ّبقة واالحتجاج بام قاله العرب عن‬
‫العرب‪.‬‬
‫فطرح السؤال بالطريقة التي اعتمدها‬
‫صمود تعطي‪ ،‬حسب رأينا‪ ،‬لآلخر‬
‫األستاذ ّ‬
‫الفرصة كي يسقط علينا نامذجه التقييم ّية‪،‬‬
‫عوض أن ُيكتفى بالقول ّ‬
‫إن احلضارة‬
‫اإلسالم ّية ترفض النموذج األرسطي‬
‫(هذا ما سنحاول أن نب ّينه الحقا) أل ّنه‬

‫يتضارب مع مبادئها السلوك ّية العقائد ّية‬
‫وال ّلغو ّية والعصب ّية باملفهوم اخللدوني‬
‫من جهة وهو غري كاف وال يفي باحلاجة‬
‫يف أمور أخرى‪ .‬من ذلك مثال ‪ :‬هل‬
‫االجناس األرسط ّية الثالثة‪ :‬املشوري‬
‫واملشاجري والتثبيتي التي سبق ذكرها‬
‫مقو مات اخلطاب‬
‫قادرة عىل استيعاب ّ‬
‫الديين عندنا؟ هل تستطيع أن تقنّن اخلطبة‬
‫مؤسسة قائمة يف ثقافتنا؟ أال‬
‫الدين ّية‪ ،‬وهي ّ‬
‫ُيظهر هذا القصور النّمطي عجز النظر ّية‬
‫األرسط ّية عىل الوفاء بمتط ّلبات الثقافة‬
‫االسالم ّية؟ أنحاكم املادة( ‪ )62‬عوض‬
‫االعرتاف بقصور النّموذج؟ أ ُيفسرّ غياب‬
‫التفكري اخلطايب عندنا بميلنا إىل ال ّلجوء إىل‬
‫القوة يف ّ‬
‫حل نزاعاتنا‬
‫السالح واستعامل ّ‬
‫ّ‬
‫‪63‬‬
‫(ص‪ ،)28‬وإىل غياب الديمقراط ّية( )‬
‫من ديارنا (ص‪ ،)29-28‬وإىل تس ّلط‬
‫احلجة من شكل‬
‫النص القرآني وقيام‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫النص‪ ،‬لنختم بعقد العالقة بني طغيان‬
‫ّ‬
‫احلجة الشكل ّية وانغراس العرب املسلمني‬
‫ّ‬
‫يف تقاليد النقل(ص‪ ،)26‬ونخلص من‬
‫ّ‬
‫كل ذلك إىل ّ‬
‫أن االسالم هو الذي ق ّيدهم‬
‫بـ"طقوس النّامذج واملثل"(ص‪)27‬؟‬
‫أ ّما إذا قبلنا هبذه املقاربة فال بدّ لنا‬
‫من أن نقبل األساطري العنرص ّية(‪ )64‬التي‬
‫يكوهنا عنّا الغرب ويكون بذلك تفسري‬
‫ّ‬
‫غياب اخلطابة عندنا ّ‬
‫بأن الفكر اإلغريقي‬
‫يميل إىل املنطق والفلسفة والتحليل‬
‫وحضارة احلوار بينام يميل الفكر العريب‬

‫‪28‬‬

‫إىل الرسد واحلكايات وبربر ّية التس ّلط‬
‫أ‪ .‬املبدأ السلوكي والتفسري‬
‫بالسيف‪ .‬وهكذا ينتج اإلغريق االرغانون البديل(‪.)68‬‬
‫ملّا دخل جند العرب قصور كرسى‬
‫جتمع عندهم عدد ال حرص له‬
‫بفارس ّ‬
‫من الكتب التي حتتوي عىل علوم وآداب‬
‫وتراث يرضب يف أعامق القدم‪َ ،‬‬
‫فكتَب قائد‬
‫اجلند يستشري اخلليفة عمر بن اخلطاب فيام‬
‫يفعله ّ‬
‫بكل هذه الكتب فأجابه بأن يطرحها‬
‫يف املاء‪ ،‬مضيفا "فإن كانت حتتوي عىل‬
‫رش فقد كفانا هّ‬
‫ّ‬
‫الل ذلك‪ ،‬وإن كانت حتتوي‬

‫والديمقراط ّية وننتج ألف ليلة وليلة والنظام‬
‫عرف تس ّلط الفكر الواحد‬
‫العثامني (كام ُي ّ‬
‫يف التفكري السيايس)(‪ّ .)65‬‬
‫لنذكر مثال بام‬
‫ّ‬
‫وهتكم ڤابريايل‬
‫قيل عن شعر ّية أرسطو‬
‫‪66‬‬
‫(‪ )F.Gabrieli‬من الفالسفة العرب( )‬
‫ونعتهم بالعجز عن استيعاب املفاهيم‬
‫اإلغريق ّية (مثل تراجيديا وكوميديا‪ ،‬التي‬
‫عربت إىل <قوموذيا> و<طراغوديا> من‬
‫ّ‬
‫كلمتي ‪ kwmwdía‬و‪ tragwdía‬مثلام‬
‫عربت كلمة "ريطوريقا" من ‪،rhtorikh‬‬
‫ّ‬
‫ثم ترمجت األوىل إىل "مديح" بينام ترمجت‬
‫ّ‬
‫الثانية إىل "هجاء"(‪ .))67‬فالطرح املسترشقي‬
‫الذي ما زال عىل ما يبدو َيل َقى بيننا رواجا‬
‫يتحرك من منطلق العجز‪ .‬يف حني‬
‫إ ّنام‬
‫ّ‬
‫أ ّننا نحاول أن نفسرّ األمر من منطلق‬
‫األخذ باجلوهر ورفض القالب‪ ،‬حسب‬
‫املبادئ السلوكية العامة التي حتكم الثقافة‬
‫العرب ّية االسالم ّية والتي سنحاول أن نتبني‬
‫أسسها‪.‬‬
‫ُ‬
‫من هنا يمكن القول ّ‬
‫إن التسليم‬
‫بـ"انحسار" البالغة العرب ّية يف العبارة‬
‫قول ال يمكن قبوله ال شكال وال‬
‫مضمونا‪ ،‬أل ّنه جيعل من الفكر الغريب‬
‫املرجع والقياس والنمط وجيعل من‬
‫مقوماتنا الثقافية املا ّدة اخلام‪.‬‬

‫عىل خري فقد هدانا هّ‬
‫الل إىل ما هو أحسن‬

‫منه"‪ .‬اخلطر أن نسارع باحلكم عىل ماسبق‬
‫حجة نستدل هبا عىل قرص الرأي‬
‫ونستعمله ّ‬
‫وعقدة االكتفاء‪ ،‬فام قاله عمر هو يف احلقيقة‬
‫تأسيس ملبدأ عميل سلوكي حيكم الثقافة‬
‫اإلسالم ّية ويتم ّثل يف نوع من اخلالص ّية إذ‬
‫ال يوجد خري يف الدنيا ّ‬
‫إال وقد حزنا منه‬
‫طرفا‪ .‬أمل يأت اإلسالم دينا جامعا شامال‬
‫وخامتة لألديان يأخذ منها أحسن ما يف‬
‫جوهرها مع ترك نامذجها؟‬
‫ويقوم هذا املبدأ السلوكي‪ ،‬حسب‬
‫رأينا‪ ،‬عىل ثالثة مرتكزات ‪:‬العقيدة‬
‫(االسالم ّ‬
‫ملخص األديان مجيعا لذلك‬
‫وجب التصديق بجميع الرسل) وال ّلغة‬
‫(فالعرب ّية بلغت أعىل مراتب الكامل‬
‫والفصاحة(‪ ،))69‬والسلف الصالح (وهم‬
‫املثل األعىل والقدوة‪ ،‬ويف هذا نوع من‬
‫تعميم السنّة عىل سرية أهل الفضل من‬
‫السابقني)‪.‬وهذه املرتكزات‪ ،‬وإن كانت‬
‫‪29‬‬

‫يونس‪ ،‬النرصاني(‪.)71‬‬
‫صمود ّ‬
‫يذكر بنفسه(‪ )72‬يف‬
‫واألستاذ ّ‬
‫سياق آخر "بالغبن" الذي أصاب كتاب‬
‫ابن وهب «الربهان يف وجوه البيان» من‬
‫جراء حماولته استعامل النّموذج األرسطي‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫يف مقاربته للبالغة العرب ّية‪ .‬ونذكر كذلك‬
‫بام يقوله الدكتور أمحد مطلوب يف مقدّ مته‬
‫لكتاب ابن وهب ‪" :‬ويظهر ّ‬
‫أن البالغيني‬
‫قد ضاقوا به ضيقا شديدا [‪ ]...‬وليس من‬
‫ّ‬
‫أن ذلك يرجع إىل ّ‬
‫شك ّ‬
‫أن ابن وهب أوغل‬

‫من الثوابت‪ ،‬فهي ليست من املوانع (فهي‬
‫ال توصد مثال باب االجتهاد) ما دامت ال‬
‫متس باملرجع أي بالنموذج (لذلك قبلت‬
‫ّ‬
‫عمل ّية الغزايل يف تفقيه املنطق ومل تقبل‬
‫عمل ّية ابن حزم يف منطقة الفقه)‪.‬‬
‫ورغم ّ‬
‫أن اإلسالم قد غيرّ النامذج‬
‫السلوك ّية للعرب (احلط من مبادئ مثل‬
‫املفاخرة واملروءة‪ ،‬واحللم‪ ،‬واجلوار‪،‬‬
‫بمقومات املبدأ اجلديد) ّ‬
‫فإن‬
‫وغريها مقارنة ّ‬
‫بعضها ّ‬
‫مر يف الفرتة األوىل‬
‫ظل قائام ‪-‬وإن ّ‬
‫من االسالم ببعض الفتور‪ -‬ومنها مبدأ‬
‫تفضيل الشعر عىل النثر‪ ،‬ونجا ُته من ثورة‬
‫قلب املبادئ‪ ،‬التي جاء هبا االسالم(‪،)70‬‬
‫لدليل آخر عىل فعال ّية هذه املقابلة يف املبدأ‬
‫السلوكي العريب بني النموذج واجلوهر (إذ‬
‫بقيت الركيزة وتبدّ ل املحتوى)‪ .‬وكام كان‬
‫النثر يمثل نطاق املقارعة عند اإلغريق‬
‫(وكانوا حيتكمون إىل مبادئ سلوك ّية‬
‫ُتوليه مكانته) فبالشعر ال بالنثر يتقارع‬
‫العرب‪ ،‬عىل أساس النموذج العميل الذي‬
‫حيتكمون إليه‪.‬‬
‫مقومات هذه النامذج‬
‫أ ّما ما‬
‫يمس ّ‬
‫ّ‬
‫السلوكية أو من مرتكزاهتا فإ ّنه يبقى حمل‬
‫شبهة‪.‬‬
‫مصورة هلذا املبدأ‬
‫وأحسن استعارة‬
‫ّ‬
‫السلوكي هي انتصار النحو العريب الذي‬
‫السريايف ‪-‬‬
‫يم ّثله النحوي أبو سعيد ّ‬
‫وهو رمز االنتامء املرجعي‪ -‬عىل املنطق‬
‫اإلغريقي الذي يم ّثله أبو برش متّى بن‬

‫يف االستعارة من التفكري اليوناني"(ص‪)36‬‬
‫وهتمنا كذلك مالحظة شوقي ضيف كام‬
‫ّ‬
‫يذكرها أمحد مطلوب يف نفس املكان‪،‬‬
‫يقول‪" :‬وبدا ّ‬
‫كأن البيان العريب عند ابن‬
‫وهب يريد أن يستعجم‪ ".‬فاملالحظة تقوم‬
‫ألنا‬
‫هتمنا كثريا هّ‬
‫عىل مرتكز ال ّلغة‪ ،‬وهي ّ‬
‫تشري إىل ّ‬
‫أن النامذج السلوك ّية التي حتكم‬
‫مسار الثقافة اإلسالم ّية ال تزال فاعلة‬
‫اليوم‪ .‬ولقد كشف حممد لطفي اليوسفي‬
‫يف كتابه "الشعر والشعر ّية"( ‪ ،)73‬عن‬
‫الكيف ّية التي قرأ حسبها الفالسفة العرب‬
‫"فن الشعر" وبينّ ّ‬
‫أن القراءة مل تكن‬
‫كتاب ّ‬
‫حتولت إىل ابداع وصارت‬
‫جمرد رشح بل ّ‬
‫ّ‬
‫نوعا من الرصاع بني نظامني معرفيني‬
‫متغايرين‪.‬‬
‫فالعرب قرأوا كتاب أرسطو يف ضوء‬
‫معارفهم عن الشعر العريب والنظر ّية‬
‫املرافقة له وما عدّ ه الباحثون سوء فهم‬
‫(من باب العجز كام قلنا) يبينّ اليوسفي‬
‫أ ّنه فهم مغاير وعمل ّية ابداع ّية‪.‬‬
‫‪30‬‬

‫ب‪ .‬جتاوز املبادئ أو قدر‬
‫اخلطابة من قدر املنطق ‪:‬‬

‫األدب‪ .‬لذلك فمن يبحث عنها يف دائرة‬
‫األدب فهو هيدر وقته‪ .‬إذ ّ‬
‫أن قدر اخلطابة‬
‫مرتبط بقدر املنطق‪.‬‬
‫وتلك نقطة أخرى ذات أ ّ‬
‫مهية لفهم‬
‫صمود‬
‫القض ّية يبدو هّأنا غابت عن األستاذ ّ‬
‫فأمهلها من اعتباراته‪ ،‬نعين عالقة العرب‬
‫باملنطق‪ .‬وهذه العالقة ترتاوح بني االحرتاز‬
‫يف الغالب والسخط وال ّلعنة واملضايقات‬
‫يف بعض األحيان (رغم حماوالت الغزايل‪،‬‬
‫كام أسلفنا)(‪ )76‬ملا يمتاز به املنطق من أ ّنه‬
‫نموذج يف ذاته(‪.)77‬‬
‫وجيب أن نضيف‪ ،‬حتّى نضع االمر‬
‫يف سياقه التّارخيي‪ّ ،‬‬
‫أن اخلطابة األرسط ّية‬
‫مل تستعد مكانتها يف الدراسات ال ّلغو ّية ّ‬
‫إال‬
‫عندما قبل ال ّلغو ّيون (من نحاة وغريهم)‬
‫كرس‬
‫إدخال االعتبارات املنطق ّية ‪-‬بعد أن ّ‬
‫املناطقة جهودا كبرية يف االهتامم باخلطاب‬
‫اليومي‪ -‬وبذلك تزامن ر ّد االعتبار‬
‫للخطابة األرسط ّية مع قبول املنطق داخل‬
‫دائرة االهتاممات ال ّلسان ّية‪.‬‬

‫إذا جتاوزنا هذا الطرح بوضعنا اخلطابة‬
‫يف موضعها االصيل يف النّظام األرسطي‬
‫وجدنا ّ‬
‫أن مكاهنا ليس األدب (كام البالغة‬
‫العرب ّية) وإ ّنام املنطق (وحتّى وإن كانت‬
‫منطقا من درجة ثانية أو منطق العام ّية كام‬
‫فإنا تبقى‬
‫يسميه أبو يعرب املرزوقي(‪ ،)74‬هّ‬
‫ّ‬
‫من املنطق)‪ .‬وهذا ما ّ‬
‫تفطن إليه راموس‬
‫(كام اسلفنا) ‪ ،‬فأخرج ما هو من املنطق‬
‫وخص األدب بام ينتمي إىل األدب (أي‬
‫ّ‬
‫العبارة)‪ .‬وبذلك مل خيطئ العرب بوضعها‬
‫هذا املوضع فاخلطابة األرسط ّية‪ ،‬كام قلنا‪،‬‬
‫ليست خارجة عن املنطق بل هي نوع منه‬
‫وال ختتلف عنه ّ‬
‫إال يف عدم اعتامدها الربهان‬
‫حجتها من‬
‫ّ‬
‫الصوري‪ .‬فاخلطابة ال تستمدّ ّ‬
‫ذاهتا ومقوالهتا كالقياس‪ ،‬وإ ّنام من ّ‬
‫الضمري‬
‫)‪ (enqumhma‬واالحتامل‪ .‬وكام يقول بارط‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫منحط عن‬
‫إن خطابة أرسطو هي منطق‬
‫قصد‪ ،‬يتامشى مع مستوى <اجلمهور> أي‬
‫<احلس املشرتك واالعتقاد العام>(‪ ،)75‬فإن‬
‫رمنا مقارنة مع التقاليد العرب ّية فيجب أن‬
‫ال نبحث عن الشمس يف منتصف الليل‪.‬‬
‫ذلك أ ّننا لن نجد اخلطابة ضمن األدب ّ‬
‫ألن‬
‫إدخاهلا يف هذه البوتقة يكون مفعوله إ ّما‬
‫إخراج البالغة من األدب (وهذا ما وقع‬
‫ملحاولة ابن وهب) وإ ّما إخراجها حتام من‬
‫األرسطي‪ .‬ويمكن أن نوجز ما‬
‫النموذج‬
‫ّ‬
‫قلنا ونصوغه عىل النحو التايل‪ :‬اخلطابة‬

‫ج ‪ .‬نحو نمو ذ ج سلو كي‬
‫جديد ‪:‬‬

‫ّ‬
‫إن ما قلناه اعرتاضا عىل ما قاله األستاذ‬
‫صمود من انحسار البالغة وتقصري الفكر‬
‫ّ‬
‫البالغي العريب‪ ،‬وهو ال يستثين فيه عبد‬
‫القاهر اجلرجاني‪ ،‬ليس من باب مناقشة‬
‫اجلزئ ّيات‪ .‬فاألمر أسايس يف توضيح معامل‬
‫صمود يف‬
‫الطرح الذي ينطلق منه األستاذ ّ‬
‫تعامله مع الرتاث‪ .‬أ ّما نحن فلسنا من‬

‫ُتدخل املنطق يف ال ّلغة خُ‬
‫وترج البالغة من‬

‫‪31‬‬

‫املدافعني عن الرتاث باسم األصالة وال‬
‫من القادحني فيه باسم احلداثة ّ‬
‫ألن كل‬
‫ذلك من باب التأريخ للرتاث واحلكم له‬
‫أو عليه‪.‬وكان من األفضل أن نأخذ منه‬
‫و َنرجع إليه ونرتكز عليه ال أن نحاكمه‬
‫كام يقول األستاذ عبد الرمحان طه يف‬
‫دعوته العرب واملسلمني إىل " إنشاء‬

‫أهم‬
‫مل نكن لنأخذ عىل أنفسنا نقد كتاب ّ‬
‫نظر ّيات احلجاج يف التفكري الغريب من‬
‫أرسطو إىل اليوم لو مل نجد فيه خريا يذكر‪.‬‬
‫وإ ّننا لعىل يقني من ّ‬
‫أن أخبث وأقسى ما يمكن‬
‫أن يصيب أثرا أو ابداعا إ ّنام هو عدم االكرتاث‬
‫وال ّ‬
‫المباالة التي قد تقربه يف النسيان‪ .‬أ ّما النقد‬
‫احلقيقي‪- ،‬ال املديح السهل‪ ،‬املريح‪ -‬فإ ّنه‬
‫ال هيدم بقدر ما ير ّمم‪ّ ،‬‬
‫ألن ال يشء يمكن‬
‫أن يتقدّ م ّ‬
‫إال إذا فرض نفسه رغم الرفض‬
‫والتمحيص‪.‬‬
‫وما كتبنا ّ‬
‫إال القتناعنا بأن من "ينقدك هو‬
‫كمن يكتب معك"‪ ،‬كام كان يقول الشيخ عبد‬
‫هّ‬
‫الل العالييل يف بداية القرن‪ .‬ومن يغضب من‬
‫النقد‪ ،‬فال مستقبل علمي له‪.‬أ ّما ّ‬
‫وأن الكتاب‬
‫الذي بني أيدينا كتاب يف موضوع احلجاج‬
‫حماجته وحماورته أمر من شأنه أن يفرغه‬
‫فعدم ّ‬
‫أي عمل آخر أل ّنه كام يقول‬
‫من حمتواه أكثر من ّ‬
‫كانتيليان‪" :‬إ ّنه ال يمكن أن يوجد حجاج ّ‬
‫إال‬
‫حيث يوجد نقاط خالف"(‪.)85‬‬
‫ونو ّد أن نشري يف خامتة كالمنا إىل ّ‬
‫أن‬
‫مطول‬
‫ما كتبناه هنا هو جزء ّ‬
‫أول من مقال ّ‬
‫سينرش قسمه الثاني الحقا‪ .‬وإلن كنّا قد‬
‫األول ببعض القضايا‬
‫اهتممنا يف هذا اجلزء ّ‬
‫الشكل ّية ود ّققنا بعض النّقاط فإ ّنا سنعمد يف‬
‫اجلزء الثاني إىل تناول قضايا املضمون واملادّة‬
‫املقدّ مة‪.‬‬

‫تراث جديد‪ ،‬ال لوك أحكام عن تراث‬
‫قديم"(ص‪ )405‬بتحصيل أسباب املعرفة‬

‫عىل وجهها األكمل والقدرة عىل انتاج‬
‫متأصل يف املعرفة دقيق‬
‫خطاب متناسق‬
‫ّ‬
‫عميق يضاهي به غريه من احلارض واملايض‬
‫"ذلك ّ‬
‫متنوعة يف‬
‫أن للمعرفة مسارات ّ‬
‫اجتاهاهتا‪ ،‬وجيوز أن تكون معرفة ّ‬
‫املتأخرين‬
‫قد سلكت بعضا من هذه املسارات وأن‬
‫تكون معرفة املتقدّ مني قد سلكت غريها‬
‫مما ال ّ‬
‫صحة وفائدة"‪.‬فاملبدأ الذي‬
‫يقل عنه ّ‬
‫نرمي إىل إرساء معامله يكون هدفه إنشاء‬
‫تراث جديد يرتكز عىل مبدأ سلوكي‬
‫نختزله بقولنا‪< :‬حاكم حارضك بامضيك‬
‫ال ماضيك بحارضك>‪.‬‬

‫‪" .V‬من ينقد عليك كمن‬
‫يكتب معك"‪.‬‬

‫«إذا وافقك اجلمع وص ّفق لك فراجع‬
‫نفسك عىل الفور لرتى أين قصرّ ت أو‬
‫أخطأت»‬
‫‪Bacon, Novum Organum, p. 138‬‬

‫‪32‬‬

‫األول‪:‬‬
‫هوامش املقال ّ‬
‫‪ .1‬انظر مثال ص‪" 49‬من موقع اختصاصنا ال ّلغوي البالغي"‪.‬‬
‫وخاصة الثبت‬
‫‪ .2‬انظر كتاب أرسطوطاليس ‪ :‬اخلطابة‪( ،‬الرتمجة القديمة) حتقيق بدوي‪،‬‬
‫ّ‬
‫املصطلحي ص ‪.266‬‬
‫‪ .3‬وله مع هذا من اجلرأة أن يدّ عي ّ‬
‫أن ابن سينا خمطئ يف تعريفه "‪ "hypocrisis‬بـ "األخذ‬
‫بالوجوه والنفاق" ّ‬
‫ألن الكلمة حسب األستاذ الريفي "ليس هلا معنى هتجيين"(ص‪ )174‬ونحن‬
‫ّ‬
‫االغريقية ‪upokrisij‬‬
‫الكلمة‬
‫يف‬
‫موجود‬
‫النفاق‬
‫معنى‬
‫ألن‬
‫احلكم‬
‫هبذا‬
‫ال نعلم من أين أتى‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫يف عهد أرسطو‪ ،‬رغم أنّه مل يضعها يف نظامه‪ ،‬فقد أضيفت من بعده مع التذكر ‪ mnhme‬إىل‬
‫االقسام الثالثة‪( ،‬انظر ‪ Bloch & Wartburg, Dict. étym. de la langue fran.‬وكذلك‬
‫ابن رشد كتاب تلخيص اخلطابة‪ ،‬حتقيق بدوي ص‪ ،184‬هامش‪ .) 5‬ومع ما نعلم من عدم‬
‫ربر هذا احلكم بذكر مصادره‪.‬‬
‫معرفته‬
‫باالغريقية فقد كان عليه أن ي ّ‬
‫ّ‬
‫‪ .4‬انظر املقال املذكور‪ ،‬يف مدخل "‪ "heuristique‬بدائرة املعارف يونفرساليس‪ ،‬ص‪،396‬‬
‫وخاصة تأكيده عىل النظرة‬
‫ثم نقده لنظر ّية ديكارت ص ‪،397‬‬
‫ّ‬
‫واستشهاده ببارط‪ ،‬وپور رويال‪ّ ،‬‬
‫الشيرشونية لالستكتشاف ص ‪.398‬‬
‫ّ‬
‫‪( .5‬انظر ما يقوله نيل ونيل عن شيرشون ‪:‬‬
‫‪(Kneale & Kneale The Development of Logic. p. 179)"Among Cicero’s‬‬
‫‪philosophical works there is a small treatise called Topica which has had consider‬‬‫‪able influence on the teaching of logic because it was highly regarded in late antiquity, when logic‬‬
‫‪was associated with rhetoric in the way he thought proper. The book professes‬‬
‫‪to be an adaptation of Aristotle’s Topics […] but it shows little trace of direct‬‬
‫"]…[ ‪borrowing from Aristotle’s work.‬‬
‫‪.6‬عند قراءة نص شيرشون‪ ،‬مثال كتاب املواضع‪،‬‬
‫)‪(Topica, édition "Belles-Lettres", 1924, p.69‬‬
‫الفرنسية‪ ،‬إذ يقول‬
‫نستغرب من ترمجة استعارة "املوقع" بكلمة "املغازة" يف الرتمجة‬
‫ّ‬
‫شيرشون(‪:)II.7‬‬
‫‪"sic enim appellatae ab Aristoteles sunt hae quasi sedes, e quibus argumenta‬‬
‫"‪promuntur‬‬
‫بالفرنسية كام ييل‪:‬‬
‫النص مرتجم‬
‫ّ‬
‫ولكن ّ‬
‫ّ‬
‫‪"c'est ainsi en effet qu'Aristote appelle comme qui dirait les magasins où l'on‬‬
‫"‪cherche les arguments‬‬
‫الوفية إ ّ‬
‫وخاصة كانتيليان‬
‫ال بالنظر يف الرشوح التي تناولته‬
‫ّ‬
‫وال يتس ّنى فهم أصل هذه الرتمجة غري ّ‬
‫الذي يستعمل العبارة وكذلك عدّ ة استعارات من ضمنها الشمع واحلروف وغرف املنزل (انظر‬
‫ما يقوله الريفي حول موضوع الغرف ص ‪ )189‬و املوقع ويضع ّ‬
‫كل ذلك يف باب الذاكرة‪،‬‬
‫اخلطابية)‪:‬‬
‫املؤسسة‬
‫(انظر كتاب ّ‬
‫ّ‬
‫‪Quintilien, L'institution oratoire, liv. XI, Chap. II "De la mémoire", édition‬‬
‫‪"Belles-Lettres", 1956, p. 252-253).‬‬
‫‪.7‬ليس من باب املصادفة إذن أن يضع كانتيليان االستكشاف ضمن الذاكرة وجيعل املواضع‬
‫عائقا أمام االبداع‪(.‬نفس املرجع ص‪.)255‬‬
‫‪ .8‬شيرشون‪ ،‬كتاب اخلطيب‪:‬‬

‫‪33‬‬

Cicéron : De Oratore, §. XLI. 174, éd. Belles-Lettres p.76, "Ut enim si
aurum quoi, quod esset multifariam defossum, commonstrare uellem, satis esse
deberet, si signa et notas ostenderem locorum, quibus cognitis ipse sibi foderet
et id, quod uellet, paruo labore, nullo errore inueniret."
.XXXIV, 146 ،66‫ ص‬،‫ شيرشون كتاب اخلطيب‬.9
:‫ انظر‬.10
Ciceron, De Inventione, Garnier, XXXIV, 104, p. 213
‫َب كتابه‬
َ ‫ يزعم شيرشون يف كتاب املواضع أنّه اتبع نظر ّية أرسطو لك ّنه يقول بعد ذلك إنّه َكـت‬.11
) II.5،‫ املواضع‬،‫ (شيرشون‬.‫ يف ثامنية أ ّيام باالعتامد عىل ذاكرته فقط‬-‫وهو مسافر‬‫ وما بعدها "يف تعريف‬15 ‫ الفقرة‬،15 ‫ الفصل‬،‫ الكتاب الثاني‬،‫اخلطابية‬
‫املؤسسة‬
ّ :‫ كانتيليان‬.12
ّ
:"‫اخلطابة‬
Quintilien, L'institution oratoire, Liv. II, Chap.XV, §.15: "rhetoricen esse
bene dicendi scientiam". p.180 et 182, éd. Garnier.
: ‫ انظر‬.13
Eugène Thionville : De la théorie des lieux communs dans les Topiques
d'Aristote et des principales modifications qu'elle a subies jusqu'à nos
jours. 131 pp. Paris, Chez Auguste Durand, Librairie, Rue Grés, n°7, 1855.
ّ ‫وإذا‬
-403‫خاصة ص‬
ّ ‫ انظر‬،‫ فمقال إكهار إيڤس يفي باألمر‬،‫تعذر العثور عىل هذه األطروحة‬
.404
Ekkehard EGGS: "L'actualité du débat sur les topoi dans la rhétorique et la dialectique traditionnelles", in Lieux communs, stéréotypes, clichés, édité par Ch. Plantin.
Paris,Kimé, 1993, pp.393-409.
"Pour Aristote, seulement les règles topiques méritent le nom de topos. Par
contre, les Latins ont réduit le topos dialectique et rhétorique à un locus, c'està-dire à un "siège" ou "nom de lieu" où l'on peut trouver des arguments". Cette
réduction est déjà manifeste chez Cicéron. Et, nous l'avons vu, la Renaissance
reprend cette conception réductrice du topos".
.34‫ انظر املرجع املذكور ص‬.14
ّ ‫أن مفكري الغرب مل يطلعوا عىل الرتاث الفلسفي العريب يف لغته‬
ّ ‫ فح ّتى إن افرتضنا‬.15
‫فإن‬
ّ
‫الالتينية أو‬
‫املؤسسة قد ترمجت إىل‬
،‫االغريقية‬
‫عرف بالفلسفة‬
ّ ‫وجل النصوص‬
ّ
ّ
ّ ‫العرب هم من‬
ّ
‫عربية (مثل‬
‫قومية أخرى مثل‬
ّ ‫ وقد ظلت عدّ ة نصوص‬.‫األملانية عن طريق املسترشقني‬
ّ
ّ ‫إىل لغات‬
‫لذلك فاهتام‬.‫رشح كتاب النفس البن رشد) مغمورة متاما عندنا بينام هي جدّ معروفة عندهم‬
‫فاحلجة‬
‫ إذن‬.‫الغرب بق ّلة اطالعهم عىل الفكر الفلسفي العريب ال يمكن أن يقبله باحث جدّ ي‬
ّ
ّ ‫بأن األستاذ الريفي قد‬
ّ ‫القائلة‬
‫حل ما استعىص عىل الغرب ح ّله ملعرفته املفرتضة بنصوص ابن‬
.‫حجة واهية متوهمَّ ة‬
ّ ،،‫سينا والفارايب وابن رشد‬
16
‫مرات‬
ّ ‫عىل سبيل املثال حيث يعطي املقابل الفرنيس عدّ ة‬،177،102،97،90‫ انظر مثال ص‬.
ّ ‫ ويقدّ م املقابل الفرنيس يف‬.‫يف نفس الصفحة‬
‫ ونالحظ أن هذا هو ما‬.‫مرة ح ّتى آخر املقال‬
ّ ‫كل‬
‫ وهو يعذر أكثر من الريفي إذ أنّه‬،‫يفعله أيضا األستاذ صوله يف تقديمه لكتاب پرملان وتيتكاه‬
.‫بالفرنسية‬
‫يقدّ م لكتاب ُكـتب أصال‬
ّ
34

‫ألمهية املوضوع فهو أساس املقال‪.‬‬
‫‪ .17‬انظر ص‪ ،139‬ولك ّننا سنعود إىل هذا الحقا‬
‫ّ‬
‫مرة إ ّ‬
‫‪ .18‬ممكن =‪ probable‬من ‪ 139‬إىل ‪ 290‬مع ذكر املقابل الفرنيس يف ّ‬
‫ال أنّه يرجع بعد‬
‫كل ّ‬
‫ذلك إىل "املمكن" =‪،possible‬يف املقابلة ممكن\غري ممكن= ‪ possible/ impossible‬ص‪192‬‬
‫إىل ‪.296‬‬
‫ص‪،82،78،63،60‬مرتان ص‪.164 ،102‬‬
‫‪ .19‬مثال‬
‫ّ‬
‫‪ .20‬ص‪ ،165‬هامش ‪ ،238‬أين يقدّ م "‪ "probable‬كمقابل للمحتمل مع تعريف لالند‪،‬‬
‫‪.Lalande‬‬
‫‪ .21‬إ ّ‬
‫ال أنّه يف كتاب العبارة ال يتحدّ ث أرسطو عن "‪ "probable‬بل عن "‪ "possible‬و التعريف‬
‫يناسب "املمكن" هبذا املعنى‪ .‬انظر‪:‬‬
‫‪Aristote, De l'interprétation, éd.Vrin, p.122,‬‬
‫‪ .22‬ص‪ ،165-164‬ويرجع إىل مدخل "‪ "probable‬عند لالند‪ .‬أ ّما التعريف فإنّه يناسب‬
‫"املحتمل" هبذا املعنى إذا ترمجنا ‪ vraisemblable‬كام يفعل العرب بـ "احلق ظاهر ّيا"‪.‬‬
‫ويسبح باسمه‪ ،‬إذ الريفي يستشهد بالبدوي ما‬
‫‪ .23‬وكان عليه أن يثين عىل عبد الرمحان بدوي‬
‫ّ‬
‫مرة ‪-‬يأخذ منه صفحة كاملة يف بعض االحيان‪ -‬وهو رقم قيايس بالنسبة إىل‬
‫يزيد عىل ‪ّ 150‬‬
‫عدد صفحات املقال‪.‬‬
‫‪24‬‬
‫تعرف املقنعات يف‬
‫‪ .‬سواء كانت القديمة منها‪..." :‬الريطور ّية ليس عملها أن تقنع‪ ،‬لكن أن ّ‬
‫كل األمور"‪ ،‬حتقيق بدوي‪ ،‬ص‪ 8‬أو احلديثة‪.‬‬
‫الفرنسية القديمة منها واحلديثة‪ ،‬انظر مثال ترمجات‬
‫‪ .25‬وكذلك الرتمجات‬
‫ّ‬
‫‪Robert Étienne 1608, M.Cassandre, 1648, Bauduyn de la Neufville, 1665,‬‬
‫‪M.E.Gros 1822, C.Minoïde-Mynas 1837, Norbert Bonafous, 1856, Barthe‬‬‫‪lémy de Saint-Hilaire 1870,‬‬
‫وغريهم‪ ...‬فك ّلها متفقة عىل نفس الرتمجة تقريبا‪ ،‬نورد منها ترمجة القرن السابع عرش لـكاساندر‬
‫(‪ )Cassandre‬لندرهتا‪:‬‬
‫‪"Enfin, il se voit, Que c'est à la Rhétorique à considérer également & ce qui est‬‬
‫‪capable de persuader en effet, & ce qui ne le peut faire qu'en apparence" p.9.‬‬
‫‪ .26‬وقد نظرنا يف الرتمجتني التاليتني‪:‬‬
‫‪C.Lawson-Tancred, (Pinguin, 1991); Rhys Roberts, 1952,‬‬
‫وهي متو ّفرة عىل األنرتنات‪ ،‬وكلتامها ترتجم اجلملة بنفس املعنى‪:‬‬
‫‪"Furthermore, it is plain that it is the function of one and the same art to discern‬‬
‫‪the real and the apparent means of persuasion,".‬‬
‫‪ .27‬طبعة بيكر األوىل وهي منشورة عىل األنرتنات يف العنوان التايل‪:‬‬
‫‪http://www.cwrl.utexas.edu/~rhet/fivecanons/‬‬
‫‪ .28‬هذا عىل األقل ما نجده يف املعاجم ثنائية ال ّلغة‪ ،‬التي تذكر مصادرها القديمة‪.‬‬
‫‪ .29‬انظر مقاله املشهور الذي أثار كثريا من اجلدل ‪:‬‬
‫‪Benveniste:"Catégories de pensées et catégories de langue", in Problèmes de Linguistique‬‬
‫‪générale, T.I, pp.63-74.‬‬
‫االغريقية وصعوبة‬
‫وخاصة يف صيغة "‪ "esti‬يف ال ّلغة‬
‫حول الكلامت الوجود ّية مثل "‪"einai‬‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫العربية وغريها‪ .‬وملزيد التفاصيل انظر مقال سلفان‬
‫مثل‬
‫ترمجة اللغات التي ال توجد فيها‬
‫ّ‬
‫أورو ‪:‬‬
‫‪Sylvain Auroux : "L'ancrage linguistique de la tradition philosophique", in Le Discours‬‬
‫‪35‬‬

‫‪philosophique (Encyclopédie Universelle, dirigée par J-F.Mattei), PUF, 1998,‬‬
‫‪pp.5-16.‬‬
‫‪ .30‬عبد الرمحان طه‪ ،‬الكالم وامليزان‪ ،‬نرش املركز الثقايف العريب‪ ،‬بريوت‪ ،1998 ،‬ص‪.303‬‬
‫األول يف الفكر والقول" ص‪ ،60‬وكذلك أحد أعضاء الفريق وهو‬
‫‪ .31‬إذ يقول "وهو املبدأ ّ‬
‫"املهم ّ‬
‫أن وقوع املتك ّلم يف التناقض املنطقي يمثّل أقىص ما يمكن‬
‫االستاذ النويري حيث يقول ‪:‬‬
‫ّ‬
‫احلجة وانتقاضها وقد يكون ذلك دليال عىل أنّه ال يمكن أن يكون طرفا‬
‫أن يقع فيه من تعثّر ّ‬
‫املحاجة أصال"‪(.‬ص‪ ،)416‬وهذا ما نعتقده نحن أيضا‪.‬‬
‫يف‬
‫ّ‬
‫‪ .23‬انظر الرتمجات التي استعملها الريفي لكتاب اخلطابة‪ ،‬لـ شارل ريوال (‪Charles-Emile‬‬
‫‪ ،)Ruelle, LGF, Paris‬سنة‪ .1991‬ولـفوالكان وكاپال (‪J.Voilquin et J. Capelle,‬‬
‫‪ )Garnier, Paris,‬سنة ‪ ;1944‬انظر الريفي ص ‪ ،95‬هامش ‪.109‬‬
‫‪ .33‬ال بدّ أن نالحظ هنا التكرار اململ يف مقال األستاذ الريفي‪ ،‬إذ يعمد إىل تكرار اجلملة‬
‫مرة تعاد نفس اجلملة) تراه‬
‫مرات يف الصفحة الواحدة (انظر مثال ص‪ 212-200‬كم ّ‬
‫عدّ ة ّ‬
‫البيداغوجية‪ ،‬أم ألنّه يعرف ّ‬
‫أن الناس ال يقرأون املحتوى بل يعدّ ون الصفحات‬
‫فات‬
‫من خم ّل‬
‫ّ‬
‫(‪ 250‬صفحة ‪)!!!...‬‬
‫كل مقدّ م ما يقدّ م؟ هذا ما ّ‬
‫‪ .34‬هل يقرأ ّ‬
‫نشك فيه حقيقة‪ .‬ففي كثري من األحيان يكتفى بالقاء‬
‫تقريبية‪.‬‬
‫إمجالية‬
‫نظرة رسيعة مستعجلة عىل الكتاب‪ ،‬أو يكتفي باحلديث مع املؤ ّلف ألخذ فكرة‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫‪ .35‬فمن هو ديكرو مثال مقارنة بالعمالق االمريكي‪-‬الفنلندي‪ّ -‬‬
‫هنتكا )‪(Jaakko Hintikka‬؟‬
‫ألن ّ‬
‫ّ‬
‫هنتكا ال يمكن أن يتجاهله باحث جاد‪ ،‬وهو صاحب نظر ّيات يف فلسفة املنطق واجلهات‬
‫خاصة مع "نظر ّية ال ّلعب احلوار ّية" )‪(Dialogical Game Theory‬‬
‫واحلجاج‬
‫العمل‬
‫ة‬
‫ي‬
‫ونظر‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫احلجاجية املستندة إىل نظر ّية العمل)‪.(action theory‬‬
‫ذات الوجهة‬
‫ّ‬
‫الفرنسية حتت عنوان‪:‬‬
‫‪ .36‬ترجم إىل‬
‫ّ‬
‫‪Toulmin : Les usages de l'argumentation, PUF. 1993, Paris.‬‬
‫علم عوضا عن كتاب وودس‬
‫والسؤال الذي يطرح نفسه هنا هو ‪ :‬ملاذا مل يقع تقديم هذا املَ ْ‬
‫ووالطون الذي هو عبارة عن جمموعة مقاالت كتبت يف فرتة متتدّ عىل عرش سنوات‪ ،‬مع العلم‬
‫أن االستاذ النويري مقدّ م الكتاب ال يذكر ح ّتى العنوان االصيل للكتاب يف تقديمه وال نعثر‬
‫ربر اختياره له‪.‬‬
‫عىل أي يشء ي ّ‬
‫صمود الذي "يشري إىل رضورة االحتياط عند التأريخ ملثل هذه املسائل" (ص‪،35‬‬
‫واالستاذ ّ‬
‫ّ‬
‫الفرنسية سنة ‪!!!1994‬‬
‫برتمجته‬
‫نرش‬
‫املذكور‬
‫طوملني‬
‫كتاب‬
‫إن‬
‫يقول‬
‫هامش ‪)45‬‬
‫ّ‬
‫الغربية منذ النشأة إىل اليوم ال‬
‫التقاليد‬
‫عن‬
‫احلديث‬
‫وهو‬
‫كبريا‬
‫هدفا‬
‫ينشد‬
‫فمن‬
‫ذلك‬
‫‪ .37‬ومع‬
‫ّ‬
‫يمكن أن يسمح لنفسه باالقتصار عىل مصدر واحد‪ .‬فمثال‪ ،‬عىل سبيل اإلشارة نذكر كتابا اّ‬
‫مهم‬
‫يف احلجاج يف اجلنس املشاجري لألملاني فيفاك‪:‬‬
‫‪Th. Viehweg, 1953, Topik und Jurisprudenz (Ein Beitrag zur rechtswis‬‬‫‪senschaftlichen Grundlagenforschung).‬‬
‫احلجاجية يف املرافعات وعالقتها باملنطق الصوري‪ّ .‬‬
‫وإن‬
‫مونيخ‪ .‬وفيه مقاربة ها ّمة بني املواضع‬
‫ّ‬
‫دراسة مقارنة بني هذا الكتاب ومص ّنف يف احلجاج ستظهر ال حمالة مدى تأثري فيفاك عىل پرملان‪.‬‬
‫صمود عىل كتابة ‪ eurisis‬عوضا‬
‫‪ .38‬انظر ص ‪ 14‬وما بعدها‪ .‬وال نعرف ملاذا ّ‬
‫يرص االستاذ ّ‬
‫عن ‪ eurésis‬يف ّ‬
‫مرة‪.‬‬
‫كل ّ‬
‫‪ .39‬سنعود الحقا هلذا املصطلح مع مزيد من التفاصيل‪.‬‬
‫‪40‬‬
‫مرة أخرى‪ ،‬أال يكون‬
‫مرة ويف اخلطابة ّ‬
‫‪ .‬يبدو أرسطو حمتارا مع هذا اجلنس فيضعه يف الشعرية ّ‬
‫الرابط الذي جيمع بني اخلطابة والشعر ّية يف مستوى مرسحة االثنني معا يف معنى املرتائي؟‬
‫‪36‬‬

‫الرسيانية ‪.gensâ‬‬
‫العربية عن طريق‬
‫مرت إىل‬
‫‪ .41‬كلمة "جنس" تعود إىل‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫االغريقية ‪ ،genoj‬وقد ّ‬
‫أ ّما النص األصيل لشيرشون فهو ‪:‬‬
‫‪" Omnis et demonstrativa et deliberativa et judicialis causa necesse est in aliquo‬‬
‫‪eorum, qua ante exposita sunt, constituionis genere uno pluribusve versetur.‬‬
‫)‪[…] in demonstrationis , quid honestum […]" " p.136-137‬‬
‫‪42‬‬
‫األملانية‪:‬‬
‫تسمى االجناس الثالث تباعا يف‬
‫‪ّ .‬‬
‫ّ‬
‫‪judiziale Gattung, deliberative Gattung, epideiktische/demonstrative Gattung.‬‬
‫‪ .43‬شيرشون كتاب املواضع‪،91 ،24 ،‬ص ‪.97‬‬
‫‪ .44‬والنص األصيل ص‪: 97‬‬
‫‪Tria sunt igitur genera […], judici, deliberationis, laudationis. Nam judici finis‬‬
‫‪est jus, […]. Deliberandi finis utilitas […]. Laudationis finis honestas […].‬‬
‫األلسنية"‪ ،‬جم ّلة بنك الكلامت‪ ،‬ص‬
‫‪ .45‬انظر مقالنا "مصطلحات اجلهات واستعامالهتا يف‬
‫ّ‬
‫‪:34‬‬
‫‪A.Bannour: "Aperçu sur la terminologie modale et son usage en linguistique", in La Banque‬‬
‫‪des mots, n°19, Paris, PUF, 1980, pp.25-34.‬‬
‫اخلطابية التي وضعها شيرشون‪ ،‬حسب ميشال مالريب وجان ماري‬
‫‪ .46‬وهي تتصل بالتقاليد‬
‫ّ‬
‫بوسري‪ .‬انظر كتاب‪:‬‬
‫‪Francis Bacon : Novum Organum, introd. trad. et notes par Michel Malherbe‬‬
‫‪et J-M.Pousseur, PUF,1986, p.336.‬‬
‫‪ .47‬ومل نذكر ّ‬
‫العربية بأخرى‬
‫وخاصة عندما يرفق املقدمون املصطلحات‬
‫كل حاالت النشاز املوجودة‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫فرنسية بدون أي تنسيق مثل استدالل = ‪( argument‬ص‪ ،)148‬استدالل=‪raisonnement‬‬
‫ّ‬
‫(‪ ،)99‬استدالل= ‪ ،)161(inférence‬عند األستاذ الريفي واستدالل = ‪،démonstration‬‬
‫عند األستاذ صوله(ص‪.)300‬‬
‫ازدواجية االستعامل (عند ابن رشد مثال‬
‫‪ .48‬أريد هنا فقط أن ألفت انتباه أستاذنا إىل تواصل‬
‫ّ‬
‫واختصاص؟؟؟ املواضع التي يستعمل فيها مصطلح "بالغة" والتي ّ‬
‫يفضل فيها استعامل‬
‫"اخلطابة" يف نفس الكتاب ويف نفس الصفحة أحيانا (انظر تلخيص اخلطابة‪ ،‬دار القلم‪ ،‬ص‬
‫‪ 4‬وص ‪ 10‬و ‪ 254-252‬مثال)‪.‬‬
‫ثم الفرقان من نوازع السلطان‬
‫‪،26‬‬
‫ص‬
‫والتسليم‬
‫االمجاع‬
‫مبدأ‬
‫‪.49‬متقابلة يف بعض احلاالت‪ ،‬مثل‬
‫ّ‬
‫‪":‬وراجت سوق القول واخلطب‪ .‬وكان االنتصار لشق عىل شقّ يقوم عىل حدّ السيف وعىل‬
‫النص" ص‪.27‬‬
‫ترويض ّ‬
‫‪ .50‬وال مناص من ذلك (وسنعود إليه) إ ّ‬
‫ال أنّنا نطرح طرحا آخر ال خيرجنا ممّا بني أيدينا‪.‬‬
‫‪.51‬انظر ابن سينا كتاب الشفاء‪ ،‬اجلزء ‪ ،9‬الشعر‪ ،‬حتقيق د‪.‬بدوي‪ ،‬القاهرة ‪ ،1966‬ص‪:31‬‬
‫خاصة هبم ومتعارفة بينهم "‪ .‬وكذلك "وكانت‬
‫"إذ أكثر ما فيه اقتصاص أشعار ورسوم كانت ّ‬
‫هلم عادات يف ّ‬
‫خاصة هبم كام للعرب من عادة ذكر الديار والغزل وذكر الفيايف وغري‬
‫كل نوع ّ‬
‫ذلك‪ .‬فيجب أن يكون هذا معلوما مفروضا"‪.‬‬
‫‪ .52‬ابن رشد تلخيص اخلطابة‪ ،‬حتقيق بدوي ‪ ]...[:‬ور ّبام اكتفي يف بعض املدن يف األقاويل‬
‫فإنم‬
‫اخلصومية بقول احلاكم دون قول املتكلم واملناظر عىل ما عليه األمر يف م ّلة اإلسالم‪ ،‬هّ‬
‫ّ‬
‫إنّام يستعملون يف اخلصومات قول احلاكم مع األشياء التي من خارج مثل الشّ هادات‬
‫واأليْامن"ص‪ .203‬وله مقاالت متاثل هذه يف مواضع أخرى‪ .‬ويقول يف كتاب تلخيص الشعر  ‪:‬‬
‫ّ‬
‫خاص هبم وغري موجود مثاله عندنا ّ‬
‫ألن ذلك الذي ذكر غري مشرتك لألكثر من‬
‫"وكل هذا‬
‫ّ‬
‫‪37‬‬

‫األمم وإ ّما انّه عرض للعرب يف هذه األشياء أمر خارج عن الطبع[‪".]...‬ص‪.201.‬حتقيق‬
‫د‪.‬بدوي‪ ،‬بريوت ‪.1973‬‬
‫‪ .53‬انظر ابن خلدون‪ ،‬املقدّ مة‪ ،‬تونس‪" ،1984،‬اعلم ّ‬
‫أن هذا الفن قد اشتد ال ّنكري عىل انتحاله‬
‫السلف واملتك ّلمني‪ .‬وبالغوا يف الطعن عليه والتحذير منه وحظروا تع ّلمه وتعليمه‪"".‬‬
‫من متقدّ مي ّ‬
‫ّ‬
‫(ص‪(،616‬فصل يف علم املنطق))‪.‬كذلك ‪ ]..[":‬وترمجت كلها [أي كتب املقوالت والربهان‬
‫االسالمية وتناوهلا فالسفة االسالم بالرشح‬
‫واجلدل والسفسطة واخلطابة والشعر] يف امل ّلة‬
‫ّ‬
‫والتلخيص [‪ .]..‬وهجرت كتب املتقدمني وطرقهم وكأن مل تكن‪ ،‬وهي ممتلئة من ثمرة املنطق‬
‫وفائدته كام قلنا‪( ".‬الصفحة نفسها)‪.‬‬
‫اجلاملية والشعر العريب‪ ،‬يف تفسري الشعر ّية‬
‫املطول حول‬
‫‪ .54‬انظر مقال املسترشق االيطايل‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫األرسطية عند ابن سينا وابن رشد‪:‬‬
‫ّ‬
‫‪"Estetica e poesia araba nell'interpretazione della poetica aristotelica presso Avicennna e Averroè",‬‬
‫‪in Rivista degli Studi Orientali, n°12, 1929, pp. 291-331: "La scomparsa‬‬
‫‪quasi totale dello spirito aristotelico da questi rifacimenti orientali appare dunque‬‬
‫‪già troppo chiara perché valga la pena d'insistere in analitiche dimostrazione".‬‬
‫ّ‬
‫األرسطية من هذا التحوير الرشقي يبدو إذن بوضوح تام يغنينا عن زيادة‬
‫"إن ضياع الروح‬
‫ّ‬
‫التحليل والتدليل"‪.‬ص‪.294‬‬
‫حممد لطفي اليوسفي يف كتابه الشعر والشعر ّية‪ :‬وقد ّ‬
‫تفطن إىل ما يف‬
‫‪ .55‬انظر ما قاله ّ‬
‫هذا الطرح من مغالطة‪" :‬هكذا تبدو الصورة التي ّ‬
‫تشكل حسبها كتاب أرسطو لدى الفالسفة‬
‫العرب قائمة يف نظر الدارسني عىل التحريف واخلطأ والقصور عن بلوغ األصل"(ص‪)174‬‬
‫ويضيف ّ‬
‫سموه حتريفا وخطأ هو يف احلقيقة فهام مغايرا كام سنرى‪.‬‬
‫أن ما ّ‬
‫ّ‬
‫ويزكيه‪.‬‬
‫‪ .56‬ويذهب صاحب املقدّ مة األوىل مذهبه‬
‫‪ .57‬انظر‪:‬‬
‫‪R. Barthes, "L'ancienne rhétorique, aide mémoire", Communications, n°16,‬‬
‫‪pp.172-223‬‬
‫عدو أرسطو لكي خيرج‬
‫‪( .58‬بارط ‪ ،1970‬ص ‪ ،)178‬وللتذكري‪ ،‬ماذا فعل راموس )‪ّ (Ramus‬‬
‫الفرنسية من البوتقة األرسطية؟ لقد جعل البالغة ال تقترص إ ّ‬
‫ال عىل العبارة )‪(elocutio‬‬
‫البالغة‬
‫ّ‬
‫التي أصبحت بذلك العنرص االسايس يف البالغة فدمج بذلك الشعر ّية واخلطابة التي أصبحت‬
‫باحلجة" و بـ"ترتيب االقسام" )‪،(dispositio et l'inventio‬‬
‫تنتمي لألدب‪ ،‬وبعث بـ"البرص‬
‫ّ‬
‫أي الباب املهم يف اخلطابة نحو اجلدل‪ .‬انظر مقال جينات ‪"La rhétorique restreinte".‬‬
‫األرسطية‪ ...‬فهل‬
‫‪ )p.159, note 3).‬وبذلك فسخ الفرق االسايس الذي به ختتص املقاربة‬
‫ّ‬
‫املؤسسة يفعل؟‬
‫أفلح؟ هل تركته‬
‫ّ‬
‫‪ .59‬وليس صحيحا‪ ،‬إذ ّ‬
‫خاصة‬
‫أن البالغة قد "انحرست" بمفهوم بارط منذ شيرشون ومن بعده ّ‬
‫ّ‬
‫اخلطابية" فقد سعى إىل طمس التمييز‬
‫"املؤسسة‬
‫وللتأكد من ذلك يكفي أن نقرأ‬
‫كانتيليان‪.‬‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫املكونات‬
‫حساب‬
‫عىل‬
‫ة‬
‫البديعي‬
‫نات‬
‫للمحس‬
‫الكتاب‬
‫أغلب‬
‫وخصص‬
‫واخلطابة‬
‫الشعرية‬
‫بني‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫وخاصة منها "‪ ."l'inventio‬انظر‪:‬‬
‫اخلطابية‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫‪Quintilien: L'Institution oratoire, Garnier Paris.‬‬
‫االدبية عندنا ّ‬
‫يفرق بني �‪fable, fabliau, histo‬‬
‫‪ .600‬هل سنقول بانحسار األجناس‬
‫ّ‬
‫ألن غرينا ّ‬
‫‪ riette, conte, légende, mythe, roman, conte merveilleux, histoire, etc.‬وال نفعل‪.‬‬
‫وال جيدي تشذير النامذج اخلارجة عىل ما ّدة موجودة قبلها ألنّه ال يو ّلد إ ّ‬
‫ال البالدة الفكر ّية‪.‬‬
‫‪38‬‬

‫وكأنّنا قلنا ّ‬
‫إن املجتمع األمومي عند الطوارق جمتمع مقلوب رأسا عىل عقب ورحنا نبحث عن‬
‫االسباب التي جتعله ال ينسجم مع املث ّلث الفرويدي‪.‬‬
‫‪61‬‬
‫نعممها عىل امليثولوجيا واملرسح الرتاجيدي‬
‫‪ .‬فهل هي "منحرسة" أيضا بام أننا كام قيل ال ّ‬
‫والكوميدي؟‬
‫‪ .62‬مع أنّنا ال نعترب هّأنا كذلك؟‬
‫ّ‬
‫ديمقراطية باملعنى الذي نفهمه‪ .‬وح ّتى إن كانت‬
‫الديمقراطية يف عرص أرسطو كانت‬
‫وكأن‬
‫‪.63‬‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫كذلك فهل هي كافية لبعث مثل هذا التفكري ؟ أمل يكن هناك االالف من العبيد (وكذلك الشأن‬
‫صمود؟ أمل يكن‬
‫بالنسبة لالمرباطور ّية‬
‫حرية حقيقة‪ ،‬كام يقول االستاذ ّ‬
‫ّ‬
‫الرومانية)‪ ،‬أكانت هناك ّ‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫كل أثيين‪ ،‬وهذا ّ‬
‫"الشعبية"؟‬
‫املحاكم‬
‫أمام‬
‫باملثول‬
‫وقت‬
‫كل‬
‫يف‬
‫دا‬
‫د‪،‬‬
‫مؤك‬
‫مهدّ‬
‫ّ‬
‫فإنم يلقون بالالئمة عىل االثنني‪" :‬كانت عربية القرآن ال حتتمل أرسطو‪،‬‬
‫‪ .64‬ويف أحسن احلاالت هّ‬
‫عربية القرآن‪ .‬ولقد انتهى الرصاع بفوز أرسطو بام‬
‫وكذلك أرسطو يرفض أن يدخل يف أطر ّ‬
‫ّ‬
‫أن هذه األطر قد ُق ّوضت"‪.‬‬
‫‪"L'arabe coranique refusait d'accueillir Aristote, tout comme Aristote refusait‬‬
‫‪d'entrer dans les cadres de l'arabe coranique. Le philosophe a triomphé dans la‬‬
‫‪mesure où ces cadres ont éclaté." R. Arnaldez: "Influence des traductions d'Aristote sur‬‬
‫‪l'évolution de la langue arabe". Actes du Congrès de l'Association G.Budé. Lyon,‬‬
‫‪1958, pp.111-114).‬‬
‫‪ .65‬وهذا طرح أرناست رونان ولوي ماسينيون مثال‪ .‬ومها يزعامن ّ‬
‫السامية تتالءم‬
‫أن ال ّلغات‬
‫ّ‬
‫املنزلة‪ ،‬ال مع الفلسفة‬
‫مع السحر والشعوذة واألنبياء الذين يطلقون األحكام ويرمون باحلقيقة ّ‬
‫التي ختضع الفكرة للتمحيص والتدقيق والد ّقة‪.‬‬
‫األرسطية عند ابن سينا وابن‬
‫اجلاملية والشعر العريب‪ ،‬يف تفسري الشعر ّية‬
‫‪.66‬انظر مقاله حول"‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫رشد" املذكور‪ .‬وهو يدّ عي ّ‬
‫أن ابن سينا غري قادر أن يكتب سطرا واحدا من صفحات تصنيف‬
‫الشعر االغريقي التي وضعها أرسطو‪( .‬ص‪ )300-299‬و "تتمثّل الرتاجيديا عند ابن سينا‬
‫غنائية" (ص‪ .)303‬وأخريا ما ال أرغب يف ترمجته‪:‬‬
‫يف قصيدة رسد ّية‬
‫ّ‬
‫‪"…la monocorde povera musa beduina, estrinsecatesi quasi unicamente nella‬‬
‫‪lirica soggettiva, si rivelerebbe in astratto più vicina alla concezione moderna‬‬
‫‪dell'arte che non la splendida multiforme musa greca". p. 304.‬‬
‫دون أن ّ‬
‫نذكر أنّه حرص ابداع ابن رشد وابن سينا يف النقل احلريف )‪ (parafrasare‬ملا قاله أرسطو‬
‫وهو ال يفتأ ّ‬
‫يؤكد ذلك يف مواضع عديدة من املقال‪.‬‬
‫االغريقية ‪-‬وكانت‬
‫املسيحيون يف التعامل مع خطب التأبني‬
‫‪.67‬انظر املشاكل التي تعرض هلا‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫بأتم معنى الكلمة‪ -‬وكانت ال تتالءم والطابع القديس للخطاب الديين يف مثل‬
‫فرجة‬
‫كرنفالية ّ‬
‫ّ‬
‫هذه املواقف‪ .‬للمقارنة واالطالع‪ ،‬انظر پرملان وتيتكا‪ :‬مص ّنف يف احلجاج‪ ،1958 ،‬ص‪.66‬‬
‫‪ .68‬يتط ّلب احلديث عن املبدأ السلوكي العام جماال أوسع لذلك سنكتفي يف هذا املقال باجياز‬
‫القول‪.‬‬
‫ّ‬
‫‪ .69‬يقول ابن خلدون ‪" :‬وكان الكالم العريب لذلك أوجز وأقل ألفاظا وعبارة من مجيع األلسن"‬
‫املصدر املذكور (ص‪.)724‬‬
‫ّ‬
‫‪.70‬من ذلك ّ‬
‫أن سوق اخلطابة كانت جدّ مزدهرة يف العرص اجلاهيل وإن كان حظها ال يضاهي‬
‫‪39‬‬

‫حظ الشعر‪.‬‬
‫‪71‬‬
‫حيان التوحيدي‪ ،‬املقابسات‪ ،‬القاهرة‪.1929 ،‬‬
‫‪ .‬أبو ّ‬
‫‪ .72‬انظر مقاله ص‪ ،23‬هامش ‪.34‬‬
‫العربية للكتاب ‪.1992‬‬
‫‪ .73‬حممد لطفي اليوسفي ‪ :‬الشعر والشعر ّية‪ ،‬الدار‬
‫ّ‬
‫الثقافية‪ ،‬العدد ‪ ،102‬فيفري‬
‫‪ .74‬أبو يعرب املرزوقي ‪" :‬موجز تاريخ الفلسفة املع ّلل"‪ ،‬احلياة‬
‫ّ‬
‫‪.1999‬‬
‫‪ .75‬انظر بارط املقال املذكور ص ‪: 179‬‬
‫‪"La rhétorique d'Aristote est surtout une rhétorique de la preuve, du raisonne‬‬‫‪ment, du syllogisme approximatif (enthymème); c'est une logique volontai‬‬‫‪rement dégradée, adaptée au niveau du "public", c'est-à-dire du sens commun,‬‬
‫‪de l'opinion courante".‬‬
‫وهو كام يقال باالنغليز ّية "الفرع الشعبي من املنطق" ‪.("the popular branch of logic"),‬‬
‫‪ .76‬أ ّما إذا نظرنا كيف يتعامل العرب مع البالغة وما هو موقعها من العلوم‪ ،‬ح ّتى منذ أمد‬
‫قريب (نأخذ مثاال بداية هذا القرن) فإنّنا نراها مص ّنفة ضمن املنطق ‪" :‬اخلطابة هي قياس‬
‫مؤ ّلف من مقدّ مات تؤخذ عىل وجه القبول لصدورها من شخص معتقد فيه ُ‬
‫كاجلمل التي‬
‫تصدر من األولياء ومن كبار العلامء وأهل الزهد والتقوى‪ .‬وتتأ ّلف اخلطابة أيضا من املظنونات‬
‫الوعاظ واخلطباء يف خطبهم‬
‫وهي ما‬
‫تتضمن ترغيبا أو ترهيبا كاجلمل املؤ ّثرة التي يأيت هبا ّ‬
‫ّ‬
‫حممد شاكر اجلرجاوي (‪ 1325‬هـ‪ ،1938 ،‬شيخ األزهر‪ ،‬االيضاح يف منطق‬
‫ومواعظهم‪".‬‬
‫ّ‬
‫ايساغوجي‪ .‬ص‪ ،66‬نجد صدى هلذا التحديد يف مقام آخر(أي ما يوافق الرأي العام‪ ،‬وهو‬
‫املحتمل ‪( endoxon‬اندوكسون) عند أرسطو‪ ،‬انظر كتاب املواضع‪ I.1. 100 b 21 ،‬يف‬
‫نظام بيكر‪ .)<Bekker> .‬وهذا يتامشى متاما مع نظام أرسطو‪ ،‬إذ يقول "جيب أن يكون أستاذ‬
‫املنطق هو أستاذ اخلطابة"‪.‬‬
‫ّ‬
‫‪ .77‬وح ّتى نبقى يف باب احرتاز العرب واملسلمني من اخلطابة نقول ّ‬
‫إن أسباب اللعنة التي الحقت‬
‫خطابة السفسطائيني هي نفسها التي جعلت املسلمني حيرتزون منها‪ ،‬عىل ما يبدو‪ .‬فاخلطابة تز ّين‬
‫يضمن الرسول (صلعم) يف حديث ُيذكر‬
‫الباطل وتطمس احلقّ ‪ ،‬فتلبس الظلم ثوب العدل‪ .‬أمل ّ‬
‫بروايتني لعنته للخطابة واحرتازه منها والتنبيه إليها‪ .‬إذ يقول عليه السالم ‪":‬إنّام أنا برش‪ ،‬وإنّكم‬
‫ّ‬
‫بحجته من بعض‪ ،‬فأقيض له عىل نحو ما أسمع‪،‬‬
‫ختتصمون إ ّيل‬
‫ولعل بعضكم أن يكون أحلن ّ‬
‫فمن كنت قطعت له من حقّ أخيه شيئا‪ ،‬فإنّام أقطع له قطعة من ال ّنار"[ويف رواية ثانية ‪" :‬إنّام‬
‫أنا برش‪ ،‬وإنّه يأتيين اخلصم‪ّ ،‬‬
‫فلعل بعضهم أن يكون أبلغ من بعض‪ ،‬فأحسب أنّه صادق‪،‬فأقيض‬
‫له‪ ،‬فمن قضيت له بحقّ مسلم فإنّام هي قطعة من ال ّنار فليحملها أو يذرها"‪ ،‬ذكر احلديثني د‪.‬‬
‫القضائية‪ ،‬نشأهتا وأصوهلا‪ ...‬لغتها‪ ...‬أساليبها‪ ...‬طرق أدائها"‪،‬‬
‫سلامن القضاة يف مقاله‪" :‬املرافعة‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫األول ‪ .1997‬ص‪163‬‬
‫جم ّلة جممع ال ّلغة‬
‫العربية األردني‪ ،‬العدد ‪ ،53‬السنة ‪ ،21‬متوز‪-‬كانون ّ‬
‫ّ‬
‫كرسها من أسباب غياب اخلطابة يف‬
‫و‪ .].169‬ويمكن أن يكون هذا احلديث والرؤية التي ّ‬
‫البينة والشهود واليمني‪.‬‬
‫ال ّنظام القضائي العريب اإلسالمي الذي كان يعتمد ّ‬
‫خاصة عىل ّ‬
‫‪.78‬انظر موريس‪:‬‬
‫‪Charles W. Morris : Foundations of The Theory of Signs, International‬‬
‫‪Encyclopedia of Unified Science. Chicago, 1938.‬‬
‫‪.79‬انظر موريس نفس املصدر ص ‪: 35‬‬
‫‪40‬‬

"the pragmatical dimension is involved in the very existence of the relation of
designation, it cannot itself be put within the semantical dimension".
:35‫ نفس املصدر ص‬.80
"there is a pragmatical component in all rules".
:‫خاصة‬
ّ ‫ انظر‬.81
Journal of Pragmatics, 5/6, vol.8, 1984, pp.661-692, ‫ و‬J. of Prag. vol. 10, 1986,
pp.435-440.
ّ ‫ألن االستاذ املبخوت ال يورد بد ّقة مصدر هذه األمثلة ح ّتى‬
ّ ‫ مع احرتازنا‬.82
‫نتمكن من العودة‬
ّ
‫ ألن "احلجاج يف‬،‫العربية هي التي أوقعت النظر ّية يف اخلطأ‬
‫ولعل الرتمجة إىل‬
،‫للتثبت‬
ّ
ّ ‫إليها‬
ّ
.‫كونية بل لنظام اللغة املتعامل معه‬
ّ ‫ال ّلغة" كام قلنا ال خيضع لقوانني‬
،)354‫(ص‬1988 ‫نصه عىل مرجعني لديكرو أحدمها بتاريخ‬
ّ ‫ حييل االستاذ املبخوت يف‬.83
ّ‫ ولك ّننا ال نعرف ا‬،)359‫(ص‬1994 ‫والثاني بتاريخ‬
‫عمذا يتحدّ ث االستاذ املبخوت ألنّه ال‬
.‫يذكرمها ضمن قائمة مراجعه‬
:233‫ ص‬،‫ انظر ديكرو‬.84
Ducrot : "Les topoi dans la <Théorie de l'argumentation dans la langue>", in
Lieux communs, stéréotypes, clichés. Plantin édit. Kimé, 1993, pp.233248. "Nous nous sommes trompés dans la mesure où nous pensions montrer comment et pourquoi il est possible d'<argumenter> avec les mots de la
langue".
:‫اخلطابية‬
‫املؤسسة‬
ّ :‫ كانتيليان‬.85
ّ
"de nulla re dicturum oratorem, nisi de qua quæratur, existimant;"
.‫بترصف‬
(Quintilien, Inst. orat. liv. III. chap. V, édit. Granier p.227).
ّ

41

42

‫املقال الثاين‪« :‬احلياة الثقاف ّية» ‪ ،1999‬عدد ‪ ،107‬ص ص ‪24-8‬‬

‫تعقيب عىل كتاب ‪:‬‬
‫"احلجاج يف التفكري الغريب من أرسطو إىل اليوم"‬
‫«ال يمكن أن نقول إنّنا أثبتنا شيئا مل يقع طرحه للنّقاش‬
‫ظن»‪.‬‬
‫ومل نحاسبه دون حت ّفظ أو سبق ّ‬

‫برصف النّظر عن محتواه كان‬
‫صدور الجزء األ ّول من «تعقيب عىل‬
‫«أهم نظر ّيات الحجاج‪»...‬‬
‫كتاب‬
‫ّ‬
‫بالعدد السابق من مج ّلة «الحياة‬
‫الثقاف ّية» أ ّوله بادرة لسرب هموم‬
‫ا لنّتا ج ا لفكري عند نا وآخره‬
‫محاولة الرساء تقاليد جديدة يف‬
‫البحث العلمي ترتقي بأساليب‬
‫الحوار األكادميي والنقاش العلمي‬
‫والنقد البنّاء‪ ،‬ال متحاملة ه ّد امة‬
‫وال مجاملة خ ّداعة‪ ،‬العتقادي ّ‬
‫أن‬
‫العلم ال يتق ّدم باملجامالت‪ .‬ولكن‬
‫بعد الذي صدر من ردود فعل‬
‫ألناس تع ّودوا عىل ليربال ّية علم ّية‬
‫مــائعة تـقوم عـىل ّ‬
‫غـض الطرف‬

‫فلسفية‪.‬‬
‫ديدرو‪ ،‬خواطر‬
‫ّ‬

‫األكاديمية‬
‫املتبادل‪ ،‬وبعدما أصبحت اإلشاعة‬
‫ّ‬
‫العلمية‪ ،‬فإنّي ألتفت إىل القارئ‬
‫واردة يف األخالق‬
‫ّ‬
‫يف هذا اجلزء من املقال وأحاول قدر املستطاع‬
‫جتاهل مؤ ّلفي كتاب«أهم نظر ّيات احلجاج»‪.‬‬
‫وسـأكتفي من قولة الشيخ العالييل «من ينقد‬
‫عليك هو كمن يكتب معك» بنصفها الثاني (أي‬
‫األول‬
‫«كمن يكتب معك‪ )»...‬وأجت ّنب النصف ّ‬
‫(أي «من ينقد عليك‪ )»...‬ك ّلام أمكن ذلك‪ ،‬إ ّ‬
‫ال‬
‫عند الرضورة أو إنصافا للقارئ‪.‬‬
‫بقية االبحاث‬
‫ومن هذا املنطلق‪ ،‬سأحاول وضع ّ‬
‫املعروضة (تقديمي االستاذ صوله واالستاذ‬
‫النويري ومقايل األستاذ املبخوت واالستاذ‬
‫وخاصة‬
‫الڤاريص) إمجاال يف إطارها العلمي‬
‫ّ‬
‫التارخيي\املنهجي االيديولوجي يف صيغة أجوبة‬
‫عن بعض التساؤالت التي تطرحها البحوث‬
‫املقدّ مة‪ ،‬يمكن أن متثّل يف ذاهتا خطوة نحو‬
‫ابستمولوجية جتمل خمتلف النظر ّيات املعروضة‪،‬‬
‫ّ‬
‫«أهم نظر ّيات‬
‫ويكون هذا بمثابة املقدّ مة لكتاب‬
‫ّ‬
‫‪43‬‬

‫ا حلجا ج … » ال عتقا د ي أ نّه و إ ن النقاط األساس ّية دون النقاط التفصيل ّية‪.‬‬
‫احتوى عىل مقدّ متني يف شكله فإ نّه‬
‫أ‪ .‬يف مفهوم الحجاج‪:‬‬
‫ثم سأحاول‬
‫يفتقر إىل مقدّ مة‬
‫حقيقية‪ّ .‬‬
‫ّ‬
‫يأخذ پرملان يف تعريف احلجاج بامه ّية‬
‫ا ستعر ا ض بعض نقا ط ا لضعف‬
‫اخلطابة عند أرسطو (وهو من هذه النّاحية‬
‫وامكانية نقدها عوض‬
‫يف النظر ّيات املقدّ مة‬
‫ّ‬
‫فيعرفه بأ ّنه قول هيدف‬
‫ملتزم)‬
‫أرسطي‬
‫ّ‬
‫وكأنا قول تنزيل‪،‬‬
‫االنبهار هبا والتسليم هلا هّ‬
‫خاصة وأنّنا نحتكم إىل تقاليد يف ثقافتنا ال من ورائه إىل ممارسة فعل االقناع عىل‬
‫ّ‬
‫َ‬
‫يعرفه‬
‫كام‬
‫ة‪،‬‬
‫املحاج‬
‫عمل‬
‫ويشرتط‬
‫ب‪.‬‬
‫خماط‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫تقل خصوبة وثراء وأق ّلها امتالكنا ل ُلغة‬
‫يتوجه بخطاب‬
‫ختتلف يف تركيبتها ومكو ناهتا وأسسها پرملان‪ ،‬يف وجود خطيب‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫عم تعود عليه الغرب من لغاته إىل مجهور(‪ ،)2‬وتتمثل صيغة االقناع أو‬
‫املعرفية‪ ،‬اّ ّ‬
‫ّ‬
‫تذكر علامءه هّأنم إنّام يقدّ مون نظر ّيات االقتناع (كام يقول األستاذ صوله مرتمجا‬‫ّ‬
‫ال للغات مقابلة پرملان ‪)persuader ≠ convaincre‬‬
‫انتقائية (ال تصلح إ ّ‬
‫عرقية‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫يف عمل املحاجة) يف أن القول يرمي إىل‬
‫كونية‪.‬‬
‫األوروبية) عىل هّأنا نظر ّيات ّ‬
‫ّ‬
‫تغيري موقف أو يشء موجود (ص‪)11‬‬
‫‪ .V‬قراءات يف «مصنَّف أو إىل كسب موافقة (ص‪ .)24‬لكن ليس‬
‫ّ‬
‫كل قول حجاجا أو حتّى ذا اجتاه حجاجي‬
‫يف احلجاج» ومزايا الرتمجة‬

‫(ص‪.)11‬‬
‫وتكمن نقطة اخلالف اجلوهرية يف أن‬
‫ديكرو‪ ،‬خالفا لپرملان ‪-‬الذي يرى أن كل‬
‫قول ال حيتوي عىل فعل إقناعي ال يكون‬
‫حجاجا بل «أدبا» يف املعنى العام(ص‪،)6‬‬
‫يعمم احلجاج عىل ّ‬
‫كل قول وجيعلها‬
‫ّ‬
‫تعادل ّية رضور ّية‪:‬‬
‫ّ‬
‫كل قول = حجاج‬
‫أن تتك ّلم‪ ،‬يعين أن حتاجج‪ ،‬وال‬
‫وجود لكالم دون شحنة حجاج ّية(‪.)3‬‬
‫وإذا اعتربنا تعريف األستاذ املبخوت‬
‫للحجاج(ص‪ ،)360‬رغم دائر ّيته‪:‬‬
‫«احلجاج هو عالقة دالل ّية تربط بني‬
‫األقوال يف اخلطاب تنتج عن عمل‬

‫الرصحية‪:‬‬

‫هل تر ّبى ديكرو يف أحضان مصنّف‬
‫يف احلجاج لپرملان كام يقول األستاذ‬
‫صوله(‪)1‬؟ ّ‬
‫إن اجلواب باالجياب جيعلنا‬
‫إ ّما ال نفهم پرملان أو ال نفهم ديكرو‪.‬‬
‫ذلك ّ‬
‫أن املرشوعني عىل طريف نقيض حتّى‬
‫يف االجتاه االيديولوجي العام جدّ ا‪ ،‬أي‬
‫أهنام ال يلتقيان ّ‬
‫إال قرسا يف ّ‬
‫جل النّقاط‬
‫االجرائ ّية أو العمل ّية التي ختص ركائز‬
‫النظر ّية ووجوه ترصيفها وميدان فعال ّيتها‬
‫وآل ّياهتا‪ ،‬وكذلك مفاهيمها ومصطلحاهتا‬
‫ومبادئها ومقاييس نجاحها‪.‬‬
‫سنبدأ إذن باستعراض نقاط اخلالف‬
‫بني النظريتني ونعتمد باخلصوص عىل‬
‫‪44‬‬

‫املحاجة» ّ‬
‫فإن عديد األسئلة تفرض‬
‫ّ‬
‫نفسها مثل‪«:‬هل يتحدّ ث ديكرو وپرملان‬
‫عن نفس مفهوم احلجاج؟» أو «أ َتعترب‬
‫النظر ّيتان هذا املفهوم من نفس املنطلق؟»‬
‫أو «هل ّ‬
‫إن ما يعنيه ديكرو هو فعال‬
‫‘حجاج’؟» وهي جتعل من العسري املقاربة‬
‫بني النّظر ّيتني‪ ،‬برصف النّظر عن األجوبة‪.‬‬
‫ألنه بإعطاء كلمة «حجاج» معنى آخر‬
‫تتخلىّ كام سنرى نظر ّية ديكرو عن أحد‬
‫أسباب وجودها (عىل األقل آن ّيا يف‬
‫كتاب«أهم نظر ّيات احلجاج»)‪.‬‬
‫ّ‬

‫االيديولوجي (أي تلك الغائ ّية) يف الصيغة‬
‫التي يقدّ مها ديكرو ّ‬
‫«كل قول = حجاج»‬
‫و عند م ّيار «كل سؤال=حجاج»‪ ،‬فنسب‬
‫إىل ديكرو الصيغة مقــلـوبـة(‪:)7‬‬
‫«كل حجاج = قول»‬
‫وهي إ ّما هّأنا ال تعين أكثر ممّا يف‬
‫العبارة أي ّ‬
‫يتم بالقول‪ .‬وما‬
‫أن احلجاج ّ‬
‫أراد ديكرو أن يقول ذلك أبدا (هذه حتفة‬
‫أوىل من حتف پالنتني)‪ .‬أو هّأنا تناسب‬
‫أكثر پرملان‪ ،‬بام أ ّنه يعترب ّ‬
‫أال إمكان ّية حلجاج‬
‫دون متخاطبني‪.‬‬
‫الصلة» يتّخذ‬
‫ّ‬
‫ولكن مبدأ «مناسـبة ّ‬
‫عند پرملان شكال مغايرا متاما‪ ،‬إذ ال يكون‬
‫الصلة‬
‫اخلطيب يف عالقة مالءمة وثيقة ّ‬
‫بموضوعه ّ‬
‫إال عندما يعدّ ل خطابه حسب‬
‫نوع ّية السامع حتّى ال يقع يف حجاج‬
‫مغالطي (‪ ،1979‬ص‪ ،)14‬ف ُيخضع‬
‫بذلك حماجته لرشط التقاء االفكار‬
‫(نعين به مجلة اآلراء والقناعات التي‬
‫حتكم اجلمهور‪ ،‬يف معناها العام)‪ .‬ونقول‬
‫تلخيصا ملا سبق ّ‬
‫إن هذا املبدأ يناسب‬
‫‪8‬‬
‫«املقام» يف قولنا «لكل مقام مقال»( ) بينام‬
‫يقابله عند ديكرو نفس ّية يعقوب ّية ال تعرتف‬
‫بمجان ّية القول أو بعفويتّه‪.‬‬
‫ويتفق پرملان وديكرو يف مستوى هذه‬
‫النظرة الغائ ّية يف نوع واحد من احلجج‬
‫املؤسسة عىل بنية الواقع»‬
‫(«احلجج‬
‫ّ‬
‫يسميها األستاذ صوله(ص‪))331‬‬
‫كام ّ‬
‫يصنّفها پرملان‪ ،‬يف وعي كليّ‬
‫بمقوماهتا‬
‫ّ‬

‫ب‪ .‬مبدأ مناسبة الصّ لـة(‪: )4‬‬

‫«ال يتك ّلم املرء لوجه هّ‬
‫الل»(‪ .)5‬إذ ال‬
‫يمكن أن يقال كالم دون أن يكون ورائه‬
‫غرض ما‪ .‬وبام ّ‬
‫أن كل كالم ذو معنى‪،‬‬
‫و بام ّ‬
‫أن احلجاج ليس يف املعنى بل هو‬
‫املعنى عينه‪ّ ،‬‬
‫فإن كل كالم حجاج‪ .‬ويقوم‬
‫يرصح به‬
‫هذا االستدالل عند ديكرو‪ ،‬كام ّ‬
‫جهارا هنارا عىل املبدأ النفعي الغائي وهو‬
‫إحدى املبادئ الذرائع ّية (‪)pragmatisme‬‬
‫كام هو معلوم‪ .‬ويقع م ّيار يف نفس االجتاه‬
‫الذرائعي الغائي تقريبا عن قصد أو‬
‫عن غري قصد عندما يستنسخ الصيغة‬
‫عن ديكرو (أي ّ‬
‫«كل قول = حجاج»)‬
‫ّ‬
‫ثم يستلفها‬
‫فيقول«كل سؤال = حجاج»‪ّ ،‬‬
‫ّ‬
‫«كل‬
‫مقو ما لنظر ّية املساءلة‪:‬‬
‫فيام بعد ّ‬
‫‪6‬‬
‫قول=سؤال»( )‪.‬‬
‫ويبدو لنا ّ‬
‫أن پالنتني مل يع البعد‬
‫‪45‬‬

‫وظيفة إبالغ ّية إخبار ّية(‪.)12‬‬
‫حتّى نخترص املسافة سنقول إمجاال ّ‬
‫إن‬
‫ديكرو ‪-‬يف تلميح غري بريء لـ«اخلطابة‬
‫اجلديدة» ّ‬
‫بأن «احلجاج خمتلف عن السعي‬
‫إىل االقناع»‪ ،‬ميدانه الكالم ووسيلته القول‬
‫وفعل القول‪ ،‬فهو إذن من مشموالت‬
‫ربر وجود نظر ّيته بمنافسة‬
‫ال ّلساني(‪ ،-)13‬ي ّ‬
‫النظر ّيات غري ال ّلسان ّية‪ ،‬أي أن ال سبيل‬
‫للتخليّ عن احلجاج لصالح نظر ّية ُتدخل‬
‫املقومات غري اللغو ّية(‪.)14‬‬
‫يف اعتبارها ّ‬
‫ويبدو ّ‬
‫أن األستاذ صوله قد تأ ّثر بام‬
‫قاله پالنتني(‪ )15‬يف حماولته التقريب بني‬
‫ديكرو وپرملان(‪ .)16‬ورضوري هنا أن‬
‫نستعرض ما يقوله پالنتني يف املوضوع‬
‫ونناقشه إذ ّ‬
‫املقو مات النظر ّية‬
‫أن فهم‬
‫ّ‬
‫ملقاربتي ديكرو وپرملان للحجاج مهم‬
‫مهم أيضا‬
‫لرضب عصفورين بحجر وهو ّ‬
‫ّ‬
‫لتبيان وجوب التحري فيام يقوله املفكرون‬
‫الغرب ّيون ال التسليم هلم يف انبهار دون‬
‫متحيص وإمعان نظر فنبقى بذلك يف‬
‫موقف املتق ّبل الكسالن‪)17(.‬‬

‫االيديولوج ّية(‪ ،)9‬ضمن احلجج الذرائع ّية‬
‫أو الغائ ّية\النفع ّية(‪ّ .)10‬‬
‫إال ّ‬
‫أن نظرة پرملان‬
‫املطلقة للغائ ّية غري ملتزمة‪ ،‬بل بالعكس‬
‫ك ّلام كانت مرتبطة بالشكالن ّية (انظر‬
‫أسفله) ازداد حت ّفظا ‪« :‬كيف يمكن أن‬
‫ّ‬
‫نفضل عمال عىل آخر؟ أيكون ذلك عىل‬
‫أساس النجاعة فقط؟ [‪ ]...‬إذن ّ‬
‫فإن‬

‫االختيار الوحيد يبدو أ ّنه عىل أساس‬
‫احلسابات النفع ّية؟»(‪ .)30،1979‬وقد‬
‫وصل مقياس االختيار هذا بالنظر ّية‬
‫الغائ ّية\النفع ّية القائمة عىل أدوات‬
‫فكر ّية تقترص عىل املنطق الصوري حتّى‬
‫الرمي بكل القيم التي ال تدخل يف دائرة‬
‫احلسابات الشكل ّية عىل ّ‬
‫أن هذه القيــم‬
‫تافـهة‪ .‬وهذا ما دفع پرملان إىل التفكري يف‬
‫تأسيس نظر ّية «اخلطابة اجلديدة» أداة‬
‫للفكر العميل‪ ،‬تأخذ يف حساباهتا ّ‬
‫كل ما‬
‫ال ّ‬
‫يغطيه احلقل العقالني يف املقابلة معقول‬
‫عقالني(‪.)11‬‬‫ولكن وإن ا ّتفقت النّظر ّيتان إمجاال‬
‫يف نظرهتام الذرائع ّية إىل ال ّلغة فإن پرملان‬
‫خيتلف عن ديكرو عىل األقل يف عدم‬
‫املحاجة قرصا‬
‫قرصه املطلق ل ّلغة عىل عمل‬
‫ّ‬
‫مطلقا‪ّ :‬‬
‫«إن ال ّلغة ال يمكن أن تكون فقط‬
‫أداة إبالغ‪ ،‬هّإنا أيضا أداة عمل وهي مهيأة‬
‫جدّ ا هلذه الوظيفة»(‪ ،1979‬ص‪ ،)35‬بينام‬
‫ينكر ديكرو أن تكون ل ّلغة ‪-‬وللقارئ أن‬
‫يستغرب من هذا املوقف اإلقصائي‪ -‬أ ّية‬

‫ج‪ .‬زيارة خاطفة ملجموعة تحف پالنتني ‪:‬‬

‫يقول پالنتني ّ‬
‫إن پرملان مل يذكر‬
‫قط ديكرو (‪ )43 ،1990‬وال ذكر‬
‫خاصة بعد أن أخذت‬
‫ديكرو پرملان‪،‬‬
‫ّ‬
‫نظر ّيته املنعرج احلجاجي (أي بعد فصل‬
‫«السالمل احلجاج ّية» يف كتاب «الدليل‬
‫والقول»(‪ّ ،))18‬‬
‫مرة واحدة عرضا‪.‬‬
‫إال ّ‬
‫‪46‬‬

‫وينسى أو يتناسى أن يذكر مقال ديكرو‬
‫وأنسكومرب يف كتاب «من امليتفيزيقيا إىل‬
‫الريطوريقا»(‪ )19‬الــذي أصـدره مي ّـار‬
‫(وهو الذي ال خيفي تأ ّثره هبام معا) يف‬
‫ذكرى وفاة پرملان (‪ 22‬جانفي ‪،)1984‬‬
‫ّ‬
‫مستهل‬
‫وقد سارع انسكومرب وديكرو يف‬
‫مقاهلام إىل تأكيد انطالقهام يف احلجاج من‬
‫وجهة نظر ختتلف(ص‪ )79‬اختالفا كل ّيا‬
‫عن «اخلطابة اجلديدة»‪.‬‬
‫الر جلني‬
‫ويفسرّ پالنتني جتاهل ّ‬
‫لبعضهام بعض باختالف األوساط التي‬
‫تتحرك فيها النظر ّيتان‪« ،‬احلجاج يف ال ّلغة»‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫يف اللغة و«اخلطابة اجلديدة» يف القانون‬
‫والفلسفة إلخ‪ ،‬رغم ما جيمع بينهام‪،‬‬
‫كام يقول پالنتني (ص‪ ،)44‬من اهتامم‬
‫باإلنشائ ّيات (‪ )performatifs‬وفلسفة ال ّلغة‬
‫االنڤلوسكسون ّية‪ .‬ونحن ال نعارض إىل‬
‫هنا ما جاء يف كالم پالنتني ّ‬
‫إال فيام قلنا من‬
‫لكن األمر خيتلف عندما‬
‫نسيانه أو تناسيه‪ّ .‬‬
‫خيصص پالنتني باب ًـا كامال (ص ص ‪-44‬‬
‫ّ‬
‫‪ )46‬يف حتليل عىل قدر وافر من «السذاجة»‬
‫النّظر ّية يقارب فيه بني پرملان وديكرو عىل‬
‫أساس ّ‬
‫عدوا مشرتكا يتم ّثل يف‬
‫أن هلام‬
‫ّ‬
‫الوضع ّية )‪ .(positivisme‬ويستنتج أن‬
‫أوجه التقارب‪ ،‬حتّى يف غياب تأثري مبارش‬
‫«وأهم‬
‫ومتبادل‪ ،‬أكثر من أوجه االختالف‬
‫ّ‬
‫تفحص الفهارس‬
‫ممّا يمكن أن يوحي به ّ‬
‫البيبليوغراف ّية»(ص‪.)49‬‬

‫عدو مشرتك بني‬
‫‪ .A‬الوضع ّية ّ‬
‫پرملان وديكرو؟‬

‫ّ‬
‫«كل علوم اخلطاب‪ ،‬تداول ّية كانت أم‬
‫شيئا آخر‪ ،‬ترتكز عىل اختيارات فلسف ّية‪،‬‬
‫أو حتّى إيديولوج ّية ليس من السهل‬
‫عليها االعرتاف هبا»‪ .‬هرمان پاريه‪،‬‬
‫مدخل إىل نظر ّية فعل القول‪،1987 ،‬‬
‫ص‪)20(.217.‬‬

‫يقول پالنتني ‪« :‬يضع ّ‬
‫كل من پرملان‬
‫وديكرو نظر ّيتهام يف مواجهة «الوضع ّية»‬
‫ربر ذلك مستشهدا بديكرو‬
‫(ص‪ ،)44‬وي ّ‬
‫ومصدّ قا بقوله «حسب ديكرو أن‬
‫تكون وضع ّيا مثال هو أن تقبل يف‬
‫ميدان ال ّلسان ّيات بالثالث ّية املنهج ّية ذات‬
‫واملتدر جة‬
‫املستويات الثالثة املستق ّلة‬
‫ّ‬
‫‪ :‬تركيب\داللة\تداول ّية (انسكومرب‬
‫وديكرو ‪ ،1983‬ص‪ .)21(»)18-15‬وإن‬
‫كنّا ال نقبل ّ‬
‫بأن پرملان ضدّ الوضع ّية(‪)22‬‬
‫ّ‬
‫إال ّ‬
‫بكل نسب ّية ولبعده عن امليدان ال ّلساني‪،‬‬
‫فإ ّننا نعترب أ ّنه من العمه االبستمولوجي‬
‫القبول باملقاربة بني پرملان وديكرو عىل‬
‫هذا االساس (أي القول ّ‬
‫العدو املشرتك‬
‫إن‬
‫ّ‬
‫بينهام هو الوضع ّية)‪ .‬والسبب أ ّنه ال يمكن‬
‫تصديق ديكرو يف هذا الزعم(‪ّ )23‬‬
‫ألن‬
‫النّظر ّية يف احلقيقة وضع ّية حتّى أطراف‬
‫يرصح املرء أ ّنه‬
‫هوامشها‪ ،‬إذ ال يكفي أن ّ‬
‫لصا حتّى نصـدّ قه‪.‬‬
‫ليس ّ‬
‫وبام ّ‬
‫مكو ناهتا‬
‫أن النّظم حتدّ دها‬
‫ّ‬
‫وحتدّ دها كذلك أطراف التقابل التي‬
‫‪47‬‬

‫ما دام يرى ّ‬
‫أن نجاح پرملان يتم ّثل يف‬
‫اخراج احلجاج من بوتقة املنطق‪ ،‬إذ‬
‫يقول «ويتم ّثل فضل كتاب پرملان وتيتكاه‬
‫حسب رأينا‪ ،‬يف أ ّنه حاول برصاحة وجرأة‬
‫يف أحيان كثرية أن خي ّلص احلجاج من ربقة‬
‫املنطق [‪»]..‬‬
‫وإ ّننا نخطئ اهلدف ونيسء فهم‬
‫«اخلطابة اجلديدة» لپرملان باعتبارها حماولة‬
‫جلعل احلجاج خارج دائرة املنطق‪ ،‬ونجعله‬
‫بذلك ينشق عن املنظومة األرسط ّية‪ّ .‬‬
‫ألن‬
‫پرملان ال يرى ّ‬
‫أن احلجاج ال منطقي أو‬
‫غري املنطق أو خارجا عن دائرة املنطق‪،‬‬
‫كام فهم األستاذ صولة‪ .‬إ ّنام احلجاج منطق‬
‫غري أ ّنه منطق ال صوري متاما كام يعتربه‬
‫أرسطو‪ .‬وهو يلوم املناطقة عىل عدم فهم‬
‫هذه اخلاص ّية يف منطق أرسطو(‪ )28‬بظنّهم‬
‫أ ّنه يقترص عىل االستدالل الشكيل(‪.)29‬‬
‫ويذهب پرملان حتّى جعل الفرق الوحيد‬
‫بني اخلطابة واجلدل (يف املعنى األرسطي)‬
‫يتم ّثل يف نوع ّية اجلمهور ال يف صيغ‬
‫االستدالل( ‪ .)30‬وترى پرملان ّ‬
‫يؤكد‬
‫وكأ ّنه ير ّد مس ّبقا عىل ّ‬
‫كل من ييسء فهم‬
‫مقاربته‪« :‬هل جيب إذن أن نقيص املنطق‬
‫وخاصة تلك التي ال‬
‫عن دراسة احلجج‪،‬‬
‫ّ‬
‫تنضوي بسهولة يف صيغ صور ّية رصف؟‬
‫ّ‬
‫إن النتيجة التي يمكن أن حتصل من مثل‬

‫حتكمها كام رأينا من قول روالن بارط‪،‬‬
‫فإ ّننا سنحاول التدليل عىل ّ‬
‫أن ديكرو ليس‬
‫عدو الوضع ّية‪ ،‬اعتامدا عىل ما حيكم نظر ّيته‬
‫ّ‬
‫مقومات ومن تقابالت نظر ّية‪.‬‬
‫من ّ‬

‫أ‪ .‬احلجاج واملنطق‬

‫ال يتفق پرملان وديكرو‪ ،‬وال حتّى عىل‬
‫درجات متفاوتة وألسباب خمتلفة‪ ،‬ترتاوح‬
‫بني الرفض املريض(‪ )24‬ورضورة األخذ‬
‫بمعطيات نافرة‪ ،‬يف رفض الشكالن ّية‬
‫وخاصة اختصارها عمل ّية التفكري يف‬
‫ّ‬
‫‪25‬‬
‫توظيف العالقات املنطق ّية( )‪.‬‬
‫لكن يبدو لنا من ناحية أخرى أن‬
‫احرتاز ديكرو من الشكالن ّية والقواعد‬
‫املنطق ّية ‪-‬حتّى وإن كان متصنّعا‪ -‬يتامشى‬
‫مع النظرة الذرائع ّية (املرتبطة بصفة أو‬
‫بأخرى بالوضع ّية‪ ،‬انظر مثال موريس) التي‬
‫تعترب أن القوانني املنطق ّية وحساباهتا ليست‬
‫ّ‬
‫إال «ومها نافعا» )”‪.(“fiction utile‬‬
‫ثم بقدر ما حيافظ پرملان عىل الصبغة‬
‫ّ‬
‫املنطق ّية للحجاج بتنزيل مرشوعه يف‬
‫اإلطار األرسطي كام سنرى‪ ،‬حياول ديكرو‬
‫يسميه «احلجاج يف‬
‫بنظر ّيته أن يبين ما ّ‬
‫املوسعة جلزء‬
‫ال ّلغة» أي يف اهلياكل الدالل ّية ّ‬
‫من التداول ّية يف نظام ال ّلغة(‪ )26‬يف منظومة‬
‫تأصيلية )‪ (immanentiste‬تراعي منطق‬
‫ال ّلغة الداخيل الذي ال يالئم بالرضورة‬
‫املنطق الصوري(‪ .)27‬ومن الطبيعي أن‬
‫يقرب األستاذ صوله بني ديكرو وپرملان‬
‫ّ‬

‫هذا االقصاء هو أننا لن نفهم شيئا من‬
‫منطق املجـادلة»(‪.)31‬‬
‫أما ما يرفضه پرملان قطع ّيا فهو‬

‫‪48‬‬

‫يقر ويصدّ ق‪ ،‬فأتبعه األستاذ‬
‫پالنتني ّ‬
‫صوله وكذلك األستاذ املبخوت الذي‬
‫افتتح مقاله معلنا ّ‬
‫أن وجه مت ّيز تداول ّية‬
‫التصور القائم‬
‫ديكرو يتم ّثل يف «رفض‬
‫ّ‬
‫عىل الفصل بني الداللة والتّداول ّية» وهو‬
‫ما ّ‬
‫انفك ير ّدده ديكرو لعلمه أن ذلك من‬
‫مقومات الوضع ّية يف الدّ راسات ال ّلغو ّية‪.‬‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫وبام أن تقديم نظر ّية ما ال يتم ّثل يف ترمجة‬
‫بعض الفصول أو املقتطفات املختارة‬
‫بل يف فهم (حتّى يتسنّى إفهام القارئ)‬
‫مقو مات النظر ّية‪( ،‬أهدافها وقدرهتا‬
‫ّ‬
‫التفسري ّية) ومناقشة نقاط ضعفها أو‬
‫مفكرون آخرون‪ّ .‬‬
‫تلك التي انتقدها ّ‬
‫وإال‬
‫ملاذا التقديم ونحن نعلم ّ‬
‫أن أحسن قراءة‬
‫للنص هي مبارشته‪ّ ،‬‬
‫وأن التقديم بام أن ّه يد‬
‫ثانية كام يقال بالفرنس ّية فإ ّنه ال يكون جمديا‬
‫ّ‬
‫حوم فوق النّظر ّية بالتحليل لتم ّثل‬
‫إال إذا ّ‬

‫شكالن ّية املنطق وعجزه عن توليد طرق‬
‫آل ّية للحجاج(‪.)32‬‬
‫فاالكتفاء بالقول إذن ّ‬
‫بأن پرملان يريد‬
‫أن خيرج احلجاج من ربقة املنطق ‪-‬دون‬
‫وضع األمور يف سياقها األرسطي‪-‬‬
‫يدفع إىل سوء فهم ملرشوعه األصيل(‪)33‬‬
‫وهو فهم مغالط أل ّنه جيعل پرملان خيرج‬
‫احلجاج من املقابلة األرسط ّية التي ذكرنا‬
‫مع ّ‬
‫أن پرملان أرسطي‪ ،‬مل يغيرّ املرشوع‬
‫املنطقي ذا الرسعتني (إذا قبلنا االستعارة‬
‫الفرنس ّية)‪ :‬فأعاد احلجاج إىل دائرة املنطق‬
‫ذي الطابقني حسب املقابلة األرسط ّية‪:‬‬
‫الظن‪ ،‬كام كان يقول‬
‫منطق اليقني ومنطق ّ‬
‫القدامى أو حسب عبارة املحدثني «املنطق‬
‫الشكيل واملنطق ال ّ‬
‫الشكيل»(‪ .)34‬بل لقد‬
‫عكس پرملان العالقة فجعل اخلطابة قاعدة‬
‫للمنطق‪ ،‬باعتباره دراسة للعالقات بني‬
‫الفكر وال ّلغة(‪.)35‬‬
‫لكن هل يكفي أن ترفض املنطق‬
‫الشكيل مقاربة إقصائ ّية لتحليل اخلطاب‬
‫عدو الوضع ّية أو حتّى تكون‬
‫حتّى تكون ّ‬
‫ال وضع ّيا؟(‪)36‬‬

‫خطوطها الكربى وما سكتت عنه لغاية‬
‫ثم غاص يف أعامقها يسرب ما‬
‫إيديولوج ّية‪ّ ،‬‬
‫عجزت عن مت ّثله لكشف فقرها‪.‬‬
‫هنا تكمن إذن رضورة التحليل‬
‫ال ّ‬
‫الحق‪ ،‬ال فحسب ر ّدا عىل ضعف حتليل‬
‫پالنتني‪ ،‬الذي نعتربه عىل قدر كبري من‬
‫االنحياز أو البساطة‪-‬يف هذا الباب‪ -‬وإ ّنام‬
‫تصحيح إلعادة قراءة نظر ّية ديكرو(‪.)37‬‬
‫أن تكون وضع ّيا يف ال ّلسان ّيات هو أن‬
‫تقبل مثال باملبادئ التالية(‪: )38‬‬
‫‪ .1‬الثالث ّية السيميائ ّية ‪:‬‬
‫أ‪.‬االعرتاف بثالث ّية موريس‪ :‬تركيب\‬

‫ب‪ .‬فصل يف الـتورية الـنظر ّية ‪:‬‬

‫كام أسلفنا‪ ،‬ال تتم ّيز النظر ّيات‬
‫بام حيكمه أصحاهبا عىل أنفسهم بل‬
‫حتركها‪ .‬ومن هذا املنطلق‬
‫بالتقابالت التي ّ‬
‫فإ ّننا سنمسك بديكرو ونظر ّيته متلبسني‬
‫بالوضع ّية رغم إعالنه ّ‬
‫تنكره هلا‪ ،‬ممّا جعل‬
‫‪49‬‬

‫ما قاله املبخوت فهذا يعين ّ‬
‫أن نظر ّية‬
‫ديكرو ال تفصل بني الداللة والتداول ّية‬
‫التصور القائم عىل هذا‬
‫بل ترفض حتّى‬
‫ّ‬
‫الفصل‪ .‬وحتّى ال نتساءل هل قرأ األستاذ‬
‫املبخوت ديكرو ج ّيدا‪ ،‬سنكتفي بالتساؤل‬
‫هل ح ّقا يرفض ديكرو الفصل بني الداللة‬
‫والتداول ّية؟ وهذه ليست مسألة تفاصيل‬
‫ّ‬
‫ألن من مل يفهم هذه النقطة يستحيل عليه‬
‫فهم مرشوع ديكرو وباألحرى إفهامه‬
‫للقارئ‪ .‬أال تتحد هنا رشوط التقديم‬
‫وأهدافه؟‬
‫هل أ ّن د يكر و ضدّ ا لثال ث ّية‬
‫إذن (أي ضدّ الفصل بني الرتكيب‬
‫والداللة والتداول ّية) كام يقول پالنتني‬
‫(‪ )45،1990‬وجياريه املبخوت يف ذلك‬
‫دون تث ّبت(‪)351،1998‬؟‬

‫داللة\تداول ّية (أي الفصل بني الداللة‬
‫والتداول ّية)‪.‬‬
‫التصو ر األدنى للتداول ّية‪،‬‬
‫ب‪.‬‬
‫ّ‬
‫مكونات‬
‫(القول بوجود عالقة خط ّية بني ّ‬
‫الثالث ّية)‪.‬‬
‫‪ .2‬احلرف ّية‪ :‬القول بوجود معنى ّأول‬
‫متفرع أو سياقي‪.‬‬
‫للكلمة ومعنى ّ‬
‫املكون‬
‫‪ .3‬التأصيل ّية‪ :‬القول بغياب‬
‫ّ‬
‫االبالغي‪ ،‬بام أ ّنه ال دخل يف ال ّلغة ملا هو‬
‫غري لغوي‪.‬‬
‫‪ .4‬املوضوعان ّية‪≠( :‬الذاتان ّية) القول‬
‫ّ‬
‫بأن املعنى ليس يف ذهن املتخاطبني وال يف‬
‫ّ‬
‫(ألن ذلك يكون مناقضا‬
‫العامل اخلارجي‬
‫للتأصيل ّية) ّ‬
‫وأن االشياء تفرض نفسها‬
‫بنفسها‪.‬‬
‫‪ .5‬ال ّ‬
‫ال أدر ّية‪ :‬وهي يف الوضع ّية‬
‫املحدثة أن تقرص العلم عىل بعض األمور‬
‫وأن تتخلىّ عن الفكر املنطقي‪.‬‬

‫أ‪ .‬االعرتاف بثالث ّية موريس‬
‫تركيب\داللة\تداول ّية (أي الفصل‬
‫بني الداللة والتداول ّية)‪.‬‬

‫‪ .1‬الثالث ّية السيميائ ّية ‪:‬‬

‫ال أحد ينكر ّ‬
‫أن الثالث ّية كمكونات‬
‫ملرشوع سيميائي عام هي من نتاج الفكر‬
‫الوضعي‪ .‬وأن تقبل بالثالث ّية معناه أن‬
‫تسلك سبيل الوضع ّية( ‪ .)40‬لذلك ال‬
‫يرصح بمرح ّ‬
‫«أن‬
‫غرابة أن نرى ديكرو ّ‬
‫ّ‬
‫كل فصل بني التداول ّية والداللة يفتّت‬
‫التداول ّية»( ‪ .)41‬وبذلك يتنزّ ل مرشوع‬
‫ديكرو الذي عرضه تفصيل ّيا يف كتاب‬
‫«احلجاج يف ّ‬
‫اللغة» يف إعادة النّظر يف‬
‫الفصل بني الداللة والتداول ّية كام تقدّ مها‬

‫سنركز يف مناقشتنا ملسألة وضع ّية‬
‫نظر ّية التّداول ّية املدمجَ ة عىل موقفها من‬
‫ثم نأخذ بق ّية املبادئ‬
‫ثالث ّية موريس(‪ّ ،)39‬‬
‫بطريقة خمتزلة إلبراز مدى انخراط هذه‬
‫النظر ّية يف الوضع ّية‪.‬‬
‫يقول األستاذ املبخوت ‪« :‬مت ّثل أعامل‬
‫أزوالد ديكرو وجون كلود انسكومرب‬
‫ت ّيارا تداول ّيا متم ّيزا‪ .‬ويكمن وجه مت ّيزه‬
‫التصور القائم عىل الفصل بني‬
‫يف رفض‬
‫ّ‬
‫الداللة والتداول ّية (ص‪ .»)351‬إذا فهمنا‬
‫‪50‬‬

‫مستشهدا بام قاله بنفنيست( ‪.)43‬وهو‬
‫عىل ما يبدو فهم خاص جدّ ا ال سيام إذا‬
‫اعتربنا ما يقوله بنفنيست رصاحة‪« :‬أ ّما‬
‫خيص التمييز يف املنطق بني التداول ّية‬
‫فيام ّ‬
‫والداللة‪ّ ،‬‬
‫أظن‪ ،‬ال‬
‫فإن ال ّل ّ‬
‫غوي‪ ،‬عىل ما ّ‬
‫يراه رضور ّيا‪ .‬ويمكن أن نم ّيز بني عالقة‬
‫ال ّلغة باألشياء‪ ،‬من جهة ‪-‬وهو املستوى‬
‫الداليل‪ ،-‬وبني عالقة ال ّلغة بالذين‬
‫ترشكهم يف لعبتها‪ ،‬أي مستعميل تلك‬
‫ال ّلغة‪-،‬وهو املستوى التداويل‪ّ ،-‬‬
‫إال أ ّنه‬
‫مبدئ ّيا‪ ،‬ليس رضور ّيا كمبدإ وحتّى وإن‬
‫كان هلذا التصنيف بعض الفائدة يف بعض‬
‫مراحل البحث‪ ».‬ويقترص بنفنيست عىل‬
‫الداللة ويرفض التفرقة املبدئ ّية‪ ،‬باعتبار‬
‫أن ال وجود لقول ال يتل ّفظ به قائل أو‬
‫يمكن إخراجه من سياقه(‪ .)44‬وبذلك ّ‬
‫فإن‬
‫بنفنيست ال يقبل بالثالث ّية إطالقا‪ ،‬عكس‬
‫ما يوهم به ديكرو‪ .‬أال يكون هذا هو ما‬
‫جعل األستاذ املبخوت يتحدّ ث عن تأثري‬
‫بنفنيست يف نظر ّية «التداول ّية املدجمة» عند‬
‫ديكرو(ص‪)352‬؟‬
‫وعىل هذا األساس‪ ،‬أليس يف قبول‬
‫ديكرو للثالث ّية السيميائ ّية اقرار بالفصل‬
‫يرصح‬
‫بني التداول ّية والداللة؟(‪ )45‬أال ّ‬
‫دون ّ‬
‫لف أ ّنه ال سبيل إىل الطعن يف‬
‫الثالث ّية(‪)46‬؟ كيف سنفهم إذن ما يقوله‬
‫(‪ )107 ،1984‬عن وجود مناطق يف‬
‫املعنى تكون دالل ّية خالصة ووجوب تعيني‬
‫موضع للتداول ّية خمصوص هبا؟(‪ .)47‬وما‬

‫وخاصة يف‬
‫الوضع ّية املحدثة(ص‪،)15‬‬
‫ّ‬
‫تصو ر موريس‪ .‬ولكنّه يف احلقيقة ال‬
‫ّ‬
‫يرفض الفصل الذي تقوم عليه الثالث ّية‬
‫وإ ّنام ما يرفضه هو الداللة املنطق ّية‬
‫“‪( ”sémantique logique‬منافسا للداللة‬
‫ال ّلسان ّية ‪” “sémantique linguistique‬التي‬
‫تأخذ منحى بنيو ّيا يف مرشوع ديكرو) التي‬
‫لكن‬
‫جاءت ر ّد فعل عىل الداللة البنيو ّية‪ّ .‬‬
‫املعضلة تتم ّثل يف ّ‬
‫أن الداللة املنطق ّية مل‬
‫ُتقدَّ م بديال عن الداللة البنيو ّية األوروب ّية‪،‬‬
‫التي ُط ّعمت بمفاهيم وآل ّيات جتعلها أقرب‬

‫إىل التداول ّية (ومنها مفهوم «فعل القول»‬
‫)‪ ،)l’énonciation‬فانتجت داللة نسق ّية‬
‫)‪ ،)42((syntagmatique‬بل بديــال عن‬
‫الداللــة البنيـــو ّية األمـريك ّية باخلصوص‬
‫وهي توزيع ّية )‪(distributionaliste‬‬
‫استبدال ّية )‪ .(paradigmatique‬هياجم‬
‫ديكرو هذه الداللة أيضا (‪.)72،1984‬‬
‫لذلك فمرشوع ديكرو‪ ،‬حسب رأيي‪،‬‬
‫يتم ّثل يف إبرازه خاص ّية الداللة البنيو ّية‬
‫املطعمة بمفهوم فعل القول وعدم‬
‫النسق ّية ّ‬
‫جدوى الداللة املنطق ّية بديال هلا أكثر من‬
‫رفضه للثالث ّية أو للخط ّية التي جعلها‬
‫ديكرو حصان طروادة‪ .‬ومن هذا املنطلق‬
‫يضع ديكرو رد الفعل ضدّ الداللة املنطق ّية‬
‫يف سياق ت ّيار افتتحه ‪-‬حقيقة‪ -‬بنفنيست‬
‫)‪ (Benveniste‬الذي زعم ديكرو أ ّنه يقبل‬
‫بثالث ّية موريس‪ .‬ويذهب ديكرو حتّى‬
‫تفسري حتليله ّ‬
‫للضامئر عىل هذا األساس‬
‫‪51‬‬

‫واحدة أفق ّية والثانية عمود ّية ولكنّه‬
‫يعتربها كذلك يف عالقة خط ّية‪ ،‬ويضع‬
‫نظر ّيته بديال ممكنا عن هذه اخلط ّية‪،‬‬
‫العتبار ّ‬
‫كل من هاتني النظر ّيتن الداللة‬
‫والتداول ّية يف عالقة استقالل ّية الواحدة‬
‫ملمرات تصل‬
‫عن األخرى وال وجود ّ‬
‫املكونات بعضها ببعض‪.‬‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫إال أ ّننا إذا رجعنا إىل شارل موريس‬
‫صاحب هذه النّظرة الثالث ّية <الرتكيب\‬
‫ا لد ال لة \ ا لتد ا و ل ّية > يف ا لتحليل‬
‫اللساني(‪ ،)51‬نالحظ أ ّنه ال يقول هبذه‬
‫اخلط ّية وإ ّنام يعترب ّ‬
‫أن العالقة الدجم ّية بني‬
‫الداللة والتداول ّية معكوسة‪ ،‬إذ ال يكون‬
‫املكون التداويل هو املدمج يف الداللة وإ ّنام‬
‫ّ‬
‫الداللة هي التي تكون مدجمة يف التداول ّية‬
‫وبذلك تكون التداول ّية هي القاعدة‬
‫الداجمة ال العكس‪ .‬وبعبارة أخرى ّ‬
‫إن ما‬
‫راجعه ديكرو هو ليس هذه النظرة اخلط ّية‬
‫وإ ّنام العالقة بني التداول ّية والداللة‪.‬‬
‫فبينام يقول موريس ّ‬
‫إن الداللة مدجمة يف‬
‫التداول ّية وال يمكن للتداول ّية أن تكون‬
‫مدجمة يف الداللة يف قوله‪« :‬البعد التداويل‬
‫متضمن يف وجود عالقة الداللة‪ ،‬لكنّه‬
‫َّ‬
‫ال يمكن أن يدمج يف البعد الداليل(‪»)52‬‬
‫يقول ديكرو ّ‬
‫إن التداول ّية مدجمة يف الداللة‬
‫وهي تتفاعل مع ّ‬
‫كل مستويات اخلطاب‬
‫نص موريس‪،‬‬
‫ومكوناته‪ .‬وإذا رجعنا إىل ّ‬
‫ّ‬
‫نرى ّ‬
‫أن نظر ّية ديكرو تستند يف احلقيقة هنا‬
‫أيضا‪ ،‬إىل مالحظة قدّ مها موريس الذي‬

‫قيمة ما يقوله (‪ )21 ،1983‬يف اعرتاف‬
‫رصيح بالثالث ّية وبدالل ّية موريس «هنا‬
‫تستنتج التداول ّية من الدالل ّية (يف املعنى‬
‫الذي يعطيه هلا موريس)»(‪ )48‬إذا اعتربنا‬
‫أ ّنه يرفض التقسيم الثالثي؟ أيقبل به حينا‬
‫ويرفضه أحيانا؟‬

‫التصو ر األدنى للتداول ّية‪،‬‬
‫ب‪.‬‬
‫ّ‬
‫(القول بوجود عالقة خط ّية بني‬
‫مكونات الثالث ّية)‪:‬‬
‫ّ‬

‫هل سنصدّ ق ديكرو ونعتقد أ ّنه ضدّ‬
‫العالقة اخلط ّية بني الرتكيب والداللة‬
‫والتداول ّية؟‬
‫يقول األستاذ املبخوت ّ‬
‫إن نظر ّية‬
‫ديكرو وأنسكومرب أي «التداول ّية املدجمة‬
‫يف الدّ اللة تعارض ت ّيارا منطق ّيا قائام‬
‫تصور ّ‬
‫خطي للعالقة بني الرتكيب‬
‫عىل‬
‫ّ‬
‫(االعراب) والداللة والتداول»(ص‪.)353‬‬
‫وهو ال يقول من أين جاء بفكرة العالقة‬
‫اخلط ّية هذه‪ ،‬ألنه ال يقول يف أي كتابات‬
‫ديكرو وجدها‪ ،‬ولع ّله يعتربها من‬
‫البدهي ّيات أو من األمور الثانو ّية‪ .‬ولكننّا‬
‫نعثر عليها عند ديكرو يف مناسبتني عىل‬
‫األقل األوىل عرضا يف ( املصدر املذكور‪،‬‬
‫‪ ،)71 ،1984‬حيث يقبل بالثالث ّية لكنه‬
‫ال يقبل باخلط ّية‪«:‬سنقول ّ‬
‫إن بعض مظاهر‬
‫التداول ّية جيب أن تدمج يف الداللة وإ ّنه‬
‫ال سبيل إىل وجود عالقة تسلسل خط ّية‬
‫بني هذه العلوم»(‪ .)49‬والثانية أكثر تفصيال‬
‫(‪،1983‬ص‪ .)50()18-17‬وهو يعرض‬
‫‪52‬‬

‫جمردة (‪ ،)des abstractions‬ك ّلام كانتا غري‬
‫ّ‬
‫مرتبطتني بالقاعدة التداول ّية‪ .‬وبذلك حتكم‬
‫التداول ّية ّ‬
‫املقومات ال ّلغو ّية‪ ،‬فتكون‬
‫كل ّ‬
‫املكمل ‪-‬سواء كان مدجما أو‬
‫النواة ال‬
‫ّ‬
‫حرا‪ ،-‬عوض أن تكون جزءا من منظومة‬
‫ّ‬
‫‪56‬‬
‫كربى( )‪.‬‬
‫وهذا يناسب املقاربة الدنيا يف اعتبار‬
‫التداول ّية مدمجَ ة يف نظر ّية داجمة‪ ،‬سواء‬
‫أكانت هذه النظر ّية السيمياء (حسب‬
‫موريس وكارناپ) أم الداللة (حسب‬
‫ديكرو ومن شاكله)‪ .‬وهذه مت ّثل‬
‫املقاربة األفق ّية‪ ،‬حيث يم ّثل ّ‬
‫كل عنرص‬
‫مكونا ّ‬
‫يتعذر‬
‫من العنارص الثالثة املدجمة ّ‬
‫املكونة‬
‫اختزاله ما دامت تناسب األبعاد‬
‫ّ‬
‫للنظر ّية الداجمة‪ ،‬فتضمن بذلك استقالل ّية‬
‫ّ‬
‫كل عنرص‪ .‬وإذ يعترب ديكرو التداول ّية‬
‫مدجمة يف منظومة أكرب منها فإ ّنه ينضوي‬
‫بذلك‪- ،‬عىل األقل حسب ما رأينا من‬
‫تقسيم هرمان پاري‪ -‬هو أيضا ضمن‬
‫النظرة اخلط ّية للثالث ّية‪ ،‬عكس ما يزعمه‪.‬‬
‫وإن كان موريس وضع ّيا ذرائع ّيا بثالث ّيته‬
‫فإ ّنه ال يزيد يف يشء عن ديكرو‪.‬‬
‫‪َ .2‬‬
‫فية‪:‬‬
‫احل ْر ّ‬
‫هترب ديكرو من‬
‫ال يشء يضاهي ّ‬
‫التصو ر اخلطي للثالث ّية ّ‬
‫هتر به من‬
‫ّ‬
‫إال ّ‬
‫‪57‬‬
‫احلرف ّية( )‪.‬‬
‫ّ‬
‫إن الزوج التقابيل معنى حريف ≠ معنى‬
‫املقومات النّظر ّية للوضع ّية‬
‫متفرع من‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫املحدثة‪ .‬والنظرة اخلطية للتداول ّية هي‬

‫يقول ‪ّ :‬‬
‫«إن ال ّلغة قائمة عىل جمموعات من‬
‫العالقات تربط بني املتخاطبني يف استعامل‬
‫حتدّ ده القواعد الرتكيبية والقواعد الداللية‬
‫والقواعد التداولية»‪ ،‬لكنّه يضـيف ‪-‬ما مل‬
‫ّ‬
‫يشأ أن يره ديكرو‪ّ -‬‬
‫التداويل‬
‫املكون‬
‫أن « ّ‬
‫مـوجود يف ّ‬
‫كل الــقواعد «( ‪ ،)53‬وهذا‬
‫وحده كفيل بأن جيعل ديكرو يتخلىّ عن‬
‫حتليله يف (‪.)18-17،1983‬‬
‫ومع ذلك فإ ّننا سنعترب ّ‬
‫أن موريس مل‬
‫طور نظرته فيام بعد‬
‫يقل هذا‪ ،‬رغم أنه قد ّ‬
‫(=النظرة العمود ّية)‪ .‬وسنعتمد عىل ما‬
‫يقوله هرمان پاري(‪ )54‬لتأكيد ما قلـنـاه‬
‫وحجة إضاف ّية يمكن أن نبينّ هبا ّ‬
‫أن ديكرو‬
‫ّ‬
‫‪55‬‬
‫يسميه «التداول ّية املدجمة»( )‬
‫نفسه بام ّ‬
‫يعترب هو أيضا العالقة بني التداول ّية‬
‫والداللة عالقة خط ّية ال دجم ّية‪.‬‬
‫يقا بل پا ر ي بني مقا ر بة د نيا‬
‫( ‪ )m i n i m a l i s t e‬و مقا ر بة قصو ى‬
‫( ‪ )m a x i m a l i s t e‬يف ا لتعا مل مع‬
‫التداول ّية‪.‬‬
‫طور‬
‫تكون املقاربة العمود ّية التي ّ‬
‫املكون‬
‫هبا موريس ما قاله عن وجود‬
‫ّ‬
‫التداويل يف ّ‬
‫تدرج‬
‫كل القواعد بإقامة عالقة ّ‬
‫املكونات األخرى‬
‫وتنضيد‪ ،‬حيث ترتبط‬
‫ّ‬
‫(من تركيب وداللة) بالتداول ّية التي مت ّثل‬
‫القاعدة واألساس (كام يبدو ذلك جل ّيا‬
‫يف الرسم البياني الذي قدّ مه ديكرو ولكنّه‬
‫اختار أن يتجاهل هذا البعد)‪ .‬وال حيتل‬
‫الرتكيب والداللة يف هذا البناء ّ‬
‫إال مواقع‬
‫‪53‬‬

‫املقابلة بني كلمتي ‪sens ≠ signification‬‬

‫املسؤولة عن هذه التقابالت الزوج ّية‬
‫مثل اجلملة ≠ القول‪ ،‬القول ≠ فعل‬
‫القول ‪،‬لغة ≠ سياق‪ ،‬التي جعلت من‬
‫فلسفة ال ّلغة ضح ّية الوضع ّية (هرمان‬
‫پاري‪،1987،‬ص‪ .)209‬وال فائدة من‬
‫اإلطالة يف هذا الباب ملناقشة ما إذا كان‬
‫ديكرو يقبل باملعنى احلريف أم ال‪ ،‬أل ّنه‬
‫متذبذب كالعادة يرفضه رصاحة (‪ )58‬أو‬
‫ثم يقبل به بصفة‬
‫بحذر (‪ّ ،)85 ،1983‬‬
‫غري مبارشة بوضعه بني ظفرين (‪،1984‬‬
‫‪ ،)99،19،16‬وبدون الظفرين(‪1984‬؛‬
‫‪ )210 ،100 ،26‬أو بال ّلعب عىل الكالم‬
‫بقوله مثال “‪ ”signification littérale‬عوضا‬
‫عن “‪ ،)25 ،1983(”sens littéral‬أو‬
‫يقبل به ضمن ّيا دون ترصيح(‪،1984‬‬
‫‪ ،)56-55‬وبعد ذلك يقبل به رصاحة‬
‫مفهوما ال غنى عنه (‪،113 ،1984‬‬
‫ويوسعه‪...‬‬
‫وأنسكومرب‪)82،64،1980،‬‬
‫ّ‬
‫فال فائدة إذن قلنا يف تت ّبع ديكرو يف هذا‬
‫الباب‪ ،‬رغم أ ّننا لن نس ّلم له كام فعل‬
‫املبخوت‪ ،‬الذي سارع إىل تصديقه‪ ،‬وكأ ّنه‬
‫ينكر ما قرأه‪ ،‬فيقول دون جمادلة ّ‬
‫إن ديكرو‬
‫«يرفض مفهوم املعنى احلريف»(ص‪،)358‬‬
‫ثم ال يضريه أن يتناقض بأن يقول ّ‬
‫إن‬
‫ّ‬
‫«تتضمن وجهة حجاج ّية‬
‫اجلملة عنده‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫حتدد معناها قبل أي استعامل هلا»(هكذا!‬
‫ص‪ .)375‬ويكفينا من ديكرو أ ّنه ال‬
‫ّ‬
‫األقل يف املقابلة بني املعنى‬
‫يرتاجع عىل‬
‫≠املفهوم (كام يرتجم االستاذ املبخوت‬

‫ص ص‪ّ ،)358،357،355‬‬
‫فإن هذه‬
‫املقابلة من نفس املستوى وهلا نفس البعد‬
‫االيديولوجي‪ ،‬وإن مل يكن هلا نفس البعد‬
‫االجرائي‪.‬‬
‫‪ .3‬التأصيل ّية‪:‬‬
‫رغم ّ‬
‫أن الذرائع ّية التي ترتكز عليها‬
‫نظر ّية ديكرو جتريب ّية تأصيل ّية كام يقول‬
‫البعض‪ ،‬فإ ّننا سنقترص عىل هذه اخلاص ّية‬
‫يف البنيو ّية‪ ،‬التي ما ّ‬
‫يرصح‬
‫انفك ديكرو ّ‬
‫حجة‬
‫باالنتامء إليها(‪ ،)59‬حتّى ال تسقط ّ‬
‫بإمكان ّية سقوط أخرى‪.‬‬
‫تعو د ا لتأ صيل ّية إ ىل مفهو م‬
‫“‪ ”l’immanence‬الذي وضعه عامل ال ّلغة‬
‫الدنامركي هياملسالف يف املقابلة بني مالزمة‬
‫≠جتليّ )‪.(immanence ≠ manifestation‬‬
‫وهذا املبدأ قديم جدّ ا يف ميادين أخرى‬
‫ثم العرب واملسلمون مثال‬
‫(عرفه اإلغريق ّ‬
‫حتت اسم ُ‬
‫«الكمون») ّ‬
‫إال ّ‬
‫أن هياملسالف‬
‫يعود به يف ال ّلسان ّيات إىل دي سوسري‬
‫إن ّ‬
‫الذي يقول ّ‬
‫كل عنرص لغوي جيب‬
‫أن حيدد عىل أساس عنارص لغو ّية أخرى‬
‫وال يمكن ألي عالقة لغو ّية أن حتدد عىل‬
‫أساس غري لغوي‪ .‬وهلذا السبب فقد طرح‬
‫مكون املرجع يف‬
‫دي سوسري من اعتباره ّ‬
‫حتديد الرمز ال ّلغوي ومل يعرتف ّ‬
‫إال بالدال‬
‫واملدلول‪.‬‬
‫اعتبارا ملا سبق ّ‬
‫فإن نظر ّية «احلجاج‬
‫يف ال ّلغة» تأصيل ّية مثال ألهنا كام يقول‬
‫‪54‬‬

‫ديكرو «ال حتدّ د عنارص ال ّلغة بام هو‬
‫غري لغوي»(‪ .)60‬أو بعبارة أوضح أن‬
‫تفرتض أ ّنه من املمكن استيعاب ميدان‬
‫البحث دون ال ّلجوء إىل ميدان جتريبي‬
‫ثان‪ ،‬أي هّأنا تقبل باستقالل ّية ال ّلغة‬
‫وأولو ّيتها عىل الظواهر التي تتعامل معها‬
‫(‪ .)73،1984‬واألمثلة عديدة متعدّ دة‬
‫مع ّ‬
‫أن بنيو ّية ديكرو‪ ،‬يف احلقيقة‪ ،‬تكفي‬
‫وحدها الستنتاج مبدإ التأصيل ّية‪.‬‬
‫لكن القض ّية تأخذ بعدا درام ّيا قاتال‬
‫ّ‬
‫بالنسبة إىل النّظر ّية مع إدخال مبدإ املواضع‬
‫يف «احلجاج يف ال ّلغة»‪ ،‬ذلك ّ‬
‫ألن هذا‬
‫املبدأ يتعارض ومبدأ التأصيل ّية الذي هو‬
‫أساس النّظر ّية‪ .‬فاملوضع يتجاوز حدود‬
‫ال ّلغة إىل الظروف غري ال ّلغو ّية(‪ )61‬التي‬
‫من شأهنا أن جتعل من النظر ّية «حجاجا‬
‫اللغة» أو «الحجاجا يف ّ‬
‫يف غري ّ‬
‫اللغة» كام‬
‫سنرى يف تقديمي ملقال األستاذ املبخوت‪،‬‬
‫الذي حتدّ ث عن «املواضع» يف مرحلتها‬
‫األوىل (إذ مل يتجاوز سنة ‪ 1989‬يف‬
‫قراءاته) لذلك مل ّ‬
‫يتفطن إىل ما يف هذا‬
‫مقوم أسايس‬
‫املبدأ من اشكال ّية بالنسبة إىل ّ‬
‫املكون‬
‫مقومات النظر ّية (أي إدماج‬
‫ّ‬
‫من ّ‬
‫االبالغي \اإلخباري‪ ،‬الذي طاملا رفضه‬
‫ديكرو) نتج عنه وضع ماه ّيتها وسبب‬
‫وجودها يف امليزان كام سيتبينّ ‪.‬‬
‫ّ‬
‫إال أن ّه جتب املالحظة ّ‬
‫أن الداللة‬
‫كرس ديكرو كثريا من وقته‬
‫املنطق ّية‪ ،‬التي ّ‬
‫للتنصل منها لكي يربز طرافة نظر ّيته‪ ،‬غري‬
‫ّ‬

‫لومه عىل هذه النّظر ّية‬
‫تأصيل ّية‪ .‬وقد ركز ْ‬
‫الدالل ّية يف هّأنا تعترب معنى العبارة أو‬
‫اجلملة عالقة بني مفهوم وموجود (يف‬
‫عامل من العوامل املمكنة)‪ ،‬أي ّ‬
‫املكون‬
‫أن‬
‫ّ‬
‫اإلخباري هو الذي حيدّ د قيمة احلقيقة‬
‫وبالتايل معنى العبارة‪ .‬ومن هذا املنطلق‬
‫نفهم كيف ّ‬
‫أن التخليّ عن التأصيل ّية‬
‫املكو ن‬
‫أو االعرتاف برضورة وجود‬
‫ّ‬
‫اإلبالغي يف النّظر ّية ُيدخل يف النّظر ّية‬
‫التناقض واخللل ويسقط ّ‬
‫كل التحاليل‬
‫واجلهود التي بذهلا أصحاهبا للتم ّيز عن‬
‫الداللة املنطق ّية‪ .‬وما يزيد من مرارة هذه‬
‫أن ّ‬
‫احلقيقة ّ‬
‫موجه‬
‫كل نقد (وما أكثره) ّ‬
‫ضدّ الداللة املنطق ّية انطالقا من اعتامدها‬
‫ّ‬
‫املركب اإلبالغي صار‪ ،‬من باب‬
‫عىل‬
‫موجها ضدّ أصحابه‪.‬‬
‫سخر ّية األقدار‪ّ ،‬‬
‫لذلك فقد بدأ أنسكومرب (‪،1991‬‬
‫يمهد لتقارب رضوري‬
‫‪ّ )140-139‬‬
‫بني النظر ّيتني ‪-‬كان يمكن لقارئ غري‬
‫ّ‬
‫مطلع عىل التناقض الداخيل للنّظر ّية‬
‫أن يستغرب منه‪ -‬أي داللة ديكرو‬
‫التأصيل ّية والداللة املنطق ّية يف تعاملهام‬
‫الركائز املعلومات ّية(‪.)informatique‬‬
‫مع ّ‬
‫يقول أنسكومرب ّ‬
‫إن هلام عنرصا مشرتكا‬
‫هيم‬
‫وهو اجلزء من قاعدة املعلومات الذي ّ‬
‫«معرفة العامل اخلارجي»(‪!!!)140،1991‬‬
‫ثم جيعل منهام نظر ّيتني متكاملتني يف هذا‬
‫ّ‬
‫املستوى (هنا فقط يمكن أن نقارب بني‬
‫أول ّية وال‬
‫پرملان وديكرو)‪ .‬هذا يف مرحلة ّ‬

‫‪55‬‬

‫ندري ماذا ختفي لنا األ ّيام من تق ّلبات هذه‬
‫النّظر ّية احلرباء‪.‬‬

‫ِ‬
‫املخاطب رصاحة (أي لغو ّيا)»(‪ )63‬ونحن‬
‫النظري أن يبين‬
‫نعترب أ ّنه من االستخفاف‬
‫ّ‬
‫پالنتني حكمه عىل ما يقوله ديكرو عن‬
‫مكونات النظر ّية‬
‫نظر ّيته دون أن يتقصىّ‬
‫ّ‬
‫ومفاهيمها وطرق استخدامها‪ .‬صحيح‬
‫أ ّننا نجد عند ديكرو ومن معه تأكيدات‬
‫عىل ّ‬
‫القوة احلجاج ّية يرتبط‬
‫أن ‪« :‬مفهوم ّ‬
‫أساسا بالسياق وبمقاصد املتك ّلمني»(‪)64‬‬
‫لكن السياق املقصود هو السياق ال ّلغوي‬
‫ّ‬
‫النسقي (‪ )syntagmatique‬ال السياق غري‬
‫ال ّلغوي (‪ّ )extra-linguistique‬‬
‫ألن ذلك‬
‫يتعارض مع النظرة «التأصيل ّية اهليكل ّية»‬
‫( ‪ )immanentisme structuraliste‬التي‬
‫تقوم عليها النظر ّية كام رأينا‪ .‬وال تعين‬
‫عبارة «مقاصد املتك ّلمني» كذلك ّ‬
‫أن‬
‫النظر ّية أصبحت ذاتان ّية (‪)subjectiviste‬‬
‫وال هّأنا «ذهن ّية» ( ‪ّ ،)mentaliste‬‬
‫ألن‬
‫ديكرو ومن معه ال يضعون املعنى يف‬
‫ّ‬
‫(ألن ذلك يتعارض مع‬
‫ذهن املخاطب‬
‫نظرهتم «املوضـوعان ّية»‪(،‬أنظر ديكرو‬
‫‪ ،))18،1966‬كمـا ال يضـعونه يف‬
‫ّ‬
‫(ألن ذلك جيعلهم يتبعون مبدأ‬
‫الكــون‬
‫التح ّقق )‪ .))vériconditionalisme‬وال‬
‫يمكن أن نفهم جد ّيا هذه اجلملة الربنامج‬
‫ّ‬
‫إال باجلواب عن السؤال «أين يوجد املعنى‬

‫‪ .4‬املوضوعان ّية‪:‬‬

‫ترتبط املوضوعان ّية )‪(objectivisme‬‬

‫بطبيعتها ارتباطا عضو ّيا\سبب ّيا بالتأصيل ّية‪،‬‬
‫إضافة إىل ما يم ّيز نظر ّية ديكرو من‬
‫ميل إىل التقعيد( ‪ )62‬بوضـع القـواعد‬
‫التقييد ّية وعرشات القوانني الوصف ّية‬
‫(غري التوليد ّية)‪ .‬وال يغ ّ‬
‫رت القارئ أو‬
‫املقدّ م هلذه النّظر ّية بام يدّ عيه پالنتني‬
‫عندما يعترب نظر ّية ديكرو «داللة مقاصد»‬
‫( ‪ )sémantique intentionnelle‬فهو‬
‫ربره‬
‫حسب رأيي لعب عىل الكالم ال ت ّ‬
‫النظر ّية‪ ،‬إذ يريد پالنتني بذلك أن‬
‫يقابل نظر ّية الداللة عند ديكرو بنظر ّية‬
‫املفاهيم يف الداللة املنطق ّية (‪sémantique‬‬
‫‪ )intensionnelle‬يف تقابلها بنظر ّية‬
‫املراجع (‪)sémantique extensionnelle‬‬
‫التي يعتربها أنسكومرب(‪)65 ،1980‬‬
‫داللة إبالغ ّية أو إخبار ّية( ‪sémantique‬‬
‫‪ .)informative‬ووجه اخلطأ حسب رأيي‬
‫تصورا غريبا‬
‫يف هذه التسمية التي‬
‫ّ‬
‫تتضمن ّ‬
‫للنّظر ّية (رغم ّ‬
‫أن نظر ّية «احلجاج يف ال ّلغة»‬
‫ختتلف اختالفا واضحا عن نظر ّية «رشط‬
‫حقيقة املرجع»‪ ،‬حـتّى وإن مل ّ‬
‫يؤكد ديكرو‬
‫ذلك بصفة تبعث عـىل الـريبـة بمناسبـة‬
‫أو بغري مناسبة) متأ ّتيا من تعريف پالنتني‬
‫لنظر ّية ديكرو إذ يقول‪« :‬إن داللة املقاصد‬
‫تعرف معنى القول بالرجوع إىل ما قصده‬
‫ّ‬

‫يف نظر ّية ديكرو؟» دون أن يتعارض‬
‫املقـوم األسـايس للنّـظر ّية‪،‬‬
‫جوابنا مع‬
‫ّ‬
‫ايـديولــوجي‬
‫أي التأصـيل ّية يف غـالف‬
‫ّ‬
‫ذرائعي (‪.)pragmatiste‬‬
‫ّ‬

‫‪56‬‬

‫فكيف تكون النّظر ّية ذاتان ّية دون أن‬
‫تكون ذهن ّية أو عىل األقل انطولوج ّية‬
‫(مثل الداللة املنطق ّية التي هيامجها ديكرو‪،‬‬
‫وليس له عظيم فخر يف ذلك‪ .‬فقد اعرتف‬
‫الوضع ّيون أنفسهم هبشاشتها وبقابل ّيتها‬
‫للنّقد (انظر مثال كاتز «فلسفة ّ‬
‫اللغة»‪،‬‬
‫لكن نظر ّية ديكرو‬
‫‪،1971‬ص‪))48‬؟‬
‫ّ‬
‫تضع املعنى يف العنارص ال ّلغو ّية ذاهتا‬
‫وهي تقول ّ‬
‫بأن املعنى مبين يف أصل‬
‫الكلامت(‪ ،)66‬هلذا السبب فإ ّنه ال يمكن‬
‫هلا أن تكون نظر ّية ذاتان ّية‪.‬‬
‫ويذهب أصحاب نظر ّية «احلجاج‬
‫يف ال ّلغة» باملوضوعان ّية شوطا بعيدا إذ‬
‫يستعملون استعارات غريبة لكنّها متناسقة‬
‫تصو رهم‪ .‬فيقول انسكومرب مثال‬
‫مع‬
‫ّ‬
‫(‪« )139 ،1991‬يف نظر ال ّلغة» (“‪aux‬‬
‫‪ )”yeux de la langue‬حتّى ال يقول‬
‫أي ذاتان ّية‬
‫يف نظر مستعميل ال ّلغة‪ .‬فعن ّ‬
‫نتحدّ ث؟‬
‫ثم ‪ ،‬وبام ّ‬
‫أن املوضوعان ّية متّصلة‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫بالتأصيل ّية فإن نفس املعضلة قائمة أمام‬
‫النظر ّية هتدّ د كياهنا (وتنجح يف هتديمها‬
‫كام سنرى)‪ ،‬نعين هبا خروج «املواضع»‬
‫املكون اإلبالغي‪ :‬أي‬
‫بالنظام التفسريي إىل ّ‬
‫ّ‬
‫هيمنا العنرص الذايت يف اللغة‪.‬‬
‫فيام ّ‬
‫فقد وضعت أطروحة( ‪ )67‬ماريون‬
‫كارال ‪-‬رغم ّ‬
‫أن ديكرو كان املرشف‬
‫عليها(‪ -)68‬النظر ّية يف مأزق بأن أثبتت‬
‫‪-‬ضمن ما أثبتته من مشاكل‪ -‬أن مفهوم‬

‫فام تسمية پالنتني نظر ّية ديكرو إذن‬
‫بداللة املقاصد (حتّى وإن كان املقصود‬
‫هو االجتاه احلجاجي القول‪ ،‬أو لعدم مت ّثل‬
‫ما قاله أنسكومرب‪ّ )1980‬‬
‫إال حتفة أخرى‬
‫من جمموعة حتفـه‪.‬‬
‫وال جيوز أن ينساق املرء كذلك وراء ما‬
‫يقوله ديكرو نفسه يف العموم ّيات (أي ما‬
‫هيم االجراءات التحليل ّية)‪« :‬أطلق عبارة‬
‫ال ّ‬
‫التطورات‬
‫«عمل ّية لغو ّية» عىل جمموعة‬
‫ّ‬
‫الفيزيولوج ّية والنفس ّية التي جتعل من‬
‫املمكن انتاج القول عند شخص معينّ يف‬
‫نقطة حمدّ دة من الزمان واملكان[‪.»)65(]...‬‬
‫ولنقل حتّى يف حيث ّيات النظر ّية يف ما أدجمه‬
‫يف الداللة من فعل القول حتت عنوان‬
‫التداول ّية ‪« :‬منذ صدور مقاالت بنفنيست‬
‫حول الذات ّية يف ال ّلغة تبلور اجتاه يف الداللة‬
‫ال ّلسان ّية يرمي إىل إدخال بعض الظواهر‬
‫املتع ّلقة بفعل القول يف مستوى ال ّلغة بعدما‬
‫كانت مبعدة يف مستوى الكالم‪( ».‬ديكرو‪،‬‬
‫«السالمل احلجاج ّية»‪ ،1980 ،‬ص‪.)15‬‬
‫ومع ذلك ورغم معرفتنا بأن إسهام‬
‫بنفنيست يف الدراسات الدالل ّية األوروب ّية‬
‫خاصة يتم ّثل يف إدخاله العنرص الذايت(هل‬
‫ّ‬
‫كان بنفنيست بنيو ّيا؟) الذي تسعى الداللة‬
‫البنيو ّية‪-‬لتأصيل ّية فيها‪ -‬قدر االمكان‬
‫إىل ابعاده بتقليص دور املخاطب وتأثريه‬
‫يف اخلطاب‪ّ ،‬‬
‫فإن نظر ّية ديكرو بالتزامها‬
‫بالتأصيل ّية البنيو ّية واحلرف ّية الدالل ّية كام بينّا‬
‫ال يمكن أن تكون ّ‬
‫إال موضوعان ّية‪.‬‬
‫‪57‬‬

‫األمريك ّية أيضا الأدر ّية‪ ،‬متم ّثلة يف‬
‫بلومفيلد‪ ،‬نموذجا‪ .‬وكلتا البنيو ّيتني تقول‬
‫بالعجز النّظري عن اإلملام بطريقة علم ّية‬
‫ّ‬
‫وخاصة‬
‫مقومات السياق لكثرهتا‪،‬‬
‫ّ‬
‫بكل ّ‬
‫عالقة املخاطب بالعامل غري ال ّلغوي‪.‬‬
‫الأدر ّية ّ‬
‫وليست ال ّ‬
‫إال نتيجة طبيع ّية‬
‫للتأصيل ّية التي تقرص البحث عىل ما يمكن‬
‫السيطرة عليه من املعطيات التجريب ّية‪.‬‬
‫يقر ّ‬
‫بأن الباحث يف‬
‫لذلك نرى ديكرو ّ‬
‫الداللة جمرب عىل التخليّ عن ّ‬
‫كل ما يعلم‬
‫عن العامل اخلارجي إذا ضبط نفسه باإلطار‬
‫النّظري البنيوي الذي يرفض إقحام‬
‫معلومات مس ّبقة عن خاص ّيات العامل‬
‫اخلارجي يف التحليل(‪.)71‬‬
‫وتقود ال ّ‬
‫الأدر ّية إىل نتيجتني ال خري‬
‫فيهام عىل املستوى النّظري ‪:‬‬
‫أ‪ .‬نوع من الذر ّية(‪ :)atomisme‬يدفع‬
‫بالباحث إىل انتقاء أمثلة قصرية جدّ ا‬
‫ّ‬
‫يتمكن‬
‫ويف عدد حمدود للغاية حتّى‬
‫من السيطرة عليها (أال ترمي ال ّ‬
‫الأدر ّية‬
‫إىل إقصاء ّ‬
‫كل اجلوانب التي ال يمكن‬
‫السيطرة عليها ومعرفتها بد ّقة!؟)‪ .‬لذلك‬
‫نالحظ أن نظر ّية ديكرو ختتار من األمثلة‬
‫أقرصها وأسهلها‪ ،‬فكانت بذلك ّ‬
‫كل‬
‫مدونته اصطناع ّية (وال وجود فيها ألي‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫مجلة من وضع مؤلف غريه‪ ،‬إال فيام يتعلق‬
‫بالتحليل الذرائعي‪-‬األسلويب أي فيام ال‬
‫هيم النظر ّية مبارشة) ال تتجاوز بعد ثالثني‬
‫ّ‬
‫سنة من البحث عدد مجلها أصابع طفل‪.‬‬

‫«املواضع» مفهوم ذايت‪.‬‬
‫لكن وحتّى ال ندخل يف التفاصيل‬
‫ّ‬
‫هيم اثبات موضوعان ّية النظر ّية‬
‫إال يف ما ّ‬
‫(ودحض زعم پالنتني من ّ‬
‫أن النظر ّية‬
‫داللة ذاتان ّية‪ ،‬أو داللة املقاصد) سنقترص‬
‫عىل مبدأ التشيي )‪(principe de réification‬‬
‫الذي سارع انسكومرب إىل إحلاقه يف حماولة‬
‫يائسة النقاذ موضوعان ّية النّظر ّية‪.‬‬
‫يقول هذا املبدأ‪ ،‬وهـو عـبارة عـن‬
‫قفزة هبلوان ّية‪« :‬يبـدو ّ‬
‫أن الطـريقـة‬
‫الوحيـدة للـحـديث عـن مـوضـع ذاتــي‬
‫(ق‪ ،‬كـ) هـو أن نجـعله خيـتـرق شـكــل‬
‫املوضع املوضـوعـي(ق كـ)»( ‪.)69‬لكي‬
‫يصطبغ باملوضوع ّية !!؟؟‬
‫ومع هذا فلم ّ‬
‫تتمكن النظر ّية من جتاوز‬
‫مشكل الذاتان ّية يف تعارضها مع التأصيل ّية‬
‫واستوجب األمر التخليّ عن أحد أطراف‬
‫املقابلة‪ .‬وهو ما سنراه يف حتليلنا ملقال‬
‫األستاذ املبخوت‪.‬‬

‫‪ .5‬ال ّالأدر ّية‪:‬‬

‫لنقل يف البداية ّ‬
‫إن ال حاجة لنا إىل‬
‫كبري جهد للتدليل عىل ّ‬
‫أن نظر ّية ديكرو‬
‫الأدر ّية )‪ (agnoticiste‬ذلك ّ‬
‫أن الداللة‬
‫البنو ّية األوروب ّية الأدر ّية‪ .‬لذلك ترى‬
‫ڤرايامس مثال يستشهد بـبار هالل(‪Bar-‬‬
‫تصوره للداللة ‪« :‬ال تقدر‬
‫‪ ،)Hillel‬لتربير ّ‬
‫أ ّية ذاكرة عىل ختزين ّ‬
‫كل ما قيل عن العامل؛‬
‫وال وجود لعلم حسن التكوين يك ّلف‬
‫نفسه جرد ّ‬
‫كل األحداث»(‪ .)70‬والبنيو ّية‬
‫‪58‬‬

‫وك ّلام أمكن ذلك فال بأس من كلامت‬
‫تسمى العوامل أو الروابط‪ ،‬ولن‬
‫جمردة ّ‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫هنتم بعنارص أكرب إال جمربين‪ ،‬فيقول‪«:‬ومن‬
‫ّ‬
‫الوارد أن نجرب‪ ،‬يف بعض احلاالت‪ ،‬يف‬
‫عمل ّية تقدير معنى القول عىل االنطالق‬
‫من عنرص أكرب من الكلمة(‪ !!!»)72‬وهذا‬
‫ما جعل أحد أعضاء فريق ديكرو يعلن‬
‫عن برنامج النظر ّية يف عنوان مقال صدر‬
‫ـبـ ّ‬
‫جملة التداول ّية ( �‪Journal of Pragmat‬‬

‫املجردة‪.‬‬
‫ّ‬
‫ أن نعترب ّ‬‫يفرق بني رغبته‬
‫أن پالنتني ال ّ‬
‫اخلاصة بأن جيعل من نظر ّية أستاذه نظر ّية‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫الرث‪ ،‬فنضيف‬
‫نص ّية وبني واقع النّظر ّية‬
‫هذه إىل جمموعة «حتف» پالنتني‪ ،‬لكي‬
‫تطول الزيارة‪.‬‬
‫ثم ننزهلا‬
‫ أن نرفع أيدينا إىل السامء ّ‬‫لننظر مل ّيا إىل األستاذ صوله الذي يعترب‬
‫پالنتني «علام من أعالم احلجاج عىل‬
‫أ ّيامنا»(ص‪.)298‬‬
‫تلك عقل ّية البحث عندنا‪ .‬إ ّما اتباع ّية‬
‫تسليم ّية‪ ،‬أو منازلة عن بعد‪ ،‬مفاخرة‬
‫دون رصيد‪.‬‬
‫ب‪ .‬االستدراك ‪ :‬تدفع ال ّ‬
‫الأدر ّية إىل‬
‫نوع من الشك املريض (يقود يف حاالته‬
‫القصوى إىل «االرتياب ّية») لذلك فال غرابة‬
‫إن رأينا ديكرو ومن معه يرتاجعون يف‬
‫استدراكات ال متناهية جتعل تتبع النّظر ّية‬
‫يلم‬
‫أو نقدها شبه مستحيل عىل من ال ّ‬
‫ّ‬
‫بكل مراحلها‪ .‬وسنحيل عىل بعض النامذج‬

‫)‪How to make“ )ics, vol. 24, 1995‬‬

‫‪ ”theories with a word‬أي «كيف تبين‬
‫نظر ّيات من كلمة»‪.‬‬
‫يرصح‬
‫من هذا املنطلق‪ ،‬نستغرب كيف ّ‬
‫پالنتني ‪-‬جا ّدا‪ّ -‬‬
‫أن نظر ّية ديكرو نظر ّية‬
‫نصية )‪ (de texte‬يف قوله ‪« :‬الروابط‬
‫ّ‬
‫(التداول ّية) هي كلامت ربط وتوجيه‬
‫وحماجاته‪ .‬وهي‬
‫متفصل معلومات‬
‫النص‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫النص‬
‫خاصة املعلومات التي حيوهيا ّ‬
‫جتعل ّ‬
‫يف خدمة املقاصد احلجاج ّية العا ّمة هلذا‬
‫النّص»( ‪ .)73‬ويتبعه يف ذلك املبخوت‬
‫(‪ .)371،352‬وما دامت الكلمة هي‬
‫حمور نظر ّية ديكرو ال نعثر له ّ‬
‫إال نادرا‬
‫عىل تسلسل خطايب يفوق اجلملة (حتّى‬
‫يف العالقة‪ :‬سؤال‪-‬جواب‪ ،‬التي نعتربها‬
‫مجلة بمسند ومسند إليه)‪ ،‬فال تبقى لنا ّ‬
‫إال‬
‫واحدة من ثالث‪:‬‬
‫ أن نعترب ّ‬‫النص عند پالنتني‬
‫أن مفهوم‬
‫ّ‬
‫ال خيتلف عن مفهوم اجلملة أو أ ّنه يعترب‬
‫نصا جمهر ّيا تصعب رؤيته بالعني‬
‫اجلملة ّ‬

‫من هذه االستدراكات عىل أن نعود‬
‫إليها بالتفصيل يف ما أسميناه «مسلسل‬
‫اعرتافات ديكرو» يف تقديمنا ملقال لألستاذ‬
‫املبخوت(‪.)74‬‬

‫ج‪ .‬ك ّفا عن التّعرية النظر ّية ‪:‬‬

‫تنقسم املبادئ التي تناولناها بالتحليل‬
‫إىل قسمني‪ :‬ما هو متع ّلق بالبنيو ّية‬
‫(التأصيل ّية واملوضوعان ّية وال ّ‬
‫الأدر ّية) وما‬
‫هو متع ّلق بالذرائع ّية (الفصل بني ّ‬
‫مركبات‬
‫‪59‬‬

‫مراجع پرملان وتيتكاه وقراءة إحاالهتام أو‬
‫عىل االقل االشارة إىل أن االحالة ليست‬
‫له بل لصاحبي املصنّف‪ .‬وإ ّنك ال تكاد‬
‫مت ّيز بني قراءات املقدّ م والكاتبني أل ّنه ال‬
‫مرة واحدة رصاحة ّ‬
‫أن ما يقوله‬
‫يذكر ولو ّ‬
‫عن كانتيليان(ص‪ ،)330‬أو شيرشون‬
‫(ص‪ ،)311‬أو بيكن (ص‪ ،)315‬أو‬
‫شانييه (ص‪ ،)301‬أو لوك (ص‪،)330‬‬
‫أو واتوالي (ص‪ ،)318‬أو ريتشاردس‬
‫(ص‪ ،)342‬هو من مراجع الكاتبني أو‬
‫من قراءات املقدّ م(‪.)75‬‬
‫فلو مل يكتف األستاذ صوله بام قاله‬
‫پرملان ولو أ ّنه قدّ مه مستعينا بحدّ أدنى‬
‫من الفكر النقدي للتث ّبت من مراجع‬
‫پرملان ولو أ ّنه رجع إىل نصوص شيرشون‬
‫وكانتيليان مثال ال ّتضح له ّ‬
‫أن پرملان ال‬
‫بالنص األصيل بل بالرتمجات‬
‫يستشهد‬
‫ّ‬
‫الفرنس ّية‪.‬ولو ّ‬
‫النص‬
‫أن پرملان استعمل‬
‫ّ‬
‫الالتيين ملا قال(‪ّ )76‬‬
‫إن شيرشون يستعمل‬
‫استعارة «مغازة أو مستودع احلجج» ّ‬
‫ألن‬
‫هذه االستعارة هي من ابداع كانتيليان‬
‫كام بينّا يف مناقشتنا ملقال األستاذ الريفي‬
‫أ ّما النص االصيل الالتيين فال يقول فيه‬
‫شيرشون شيئا من هذا إذ إ ّنه يستعمل‬
‫كلمة “‪ ”sedes‬الالتين ّية وتقابلها الفرنس ّية‬
‫‪ ”“siège‬وتعين املوضع أو املوقع (وإن‬
‫شئنا «الركيزة» أو «املقعد»)‪ ،‬بينام يستعمل‬
‫كانتيليان كلمة “‪ ، ”depositorum‬من‬
‫“‪ ”depositum‬وهي التي تعين «املستودع»‪.‬‬
‫خيص كانتيليان ّ‬
‫فإن پرملان‬
‫ويف ما‬
‫ّ‬

‫الثالث ّية‪ ،‬والعالقة اخلط ّية بني الداللة‬
‫والتداول ّية) وتكون احلرف ّية مشرتكة بينهام‪،‬‬
‫ّ‬
‫ألن كليهام يقوالن بالثنائ ّية وبرضورة‬
‫وجود الصيغة الرتكيب ّية «النّواة‪+‬اإلضافة»‬
‫‪ .‬وبام ّ‬
‫أن ديكرو ينتسب إليهام معا ويلعب‬
‫عىل احلبلني كام نقول أو يقف موقف‬
‫الوسيط يف صدام التأصيل ّية والتداول ّية‬
‫(انظر الباب «ديكرو ومبدأ الثالث‬
‫املرفوس» يف تقديمنا ملقال األستاذ‬
‫املبخوت) بني رحى الذرائع ّية وحـجر‬
‫البنيوية‪ ،‬فهـو يأخذ إذن «وضعيته» من‬
‫مصدرين ال من مصدر واحد‪ .‬ونكون‬
‫بذلك عىل طريف نقيض مع ما زعمه‬
‫پالنتني من ّ‬
‫عدو مشرتك بني‬
‫أن الوضع ّية ّ‬
‫ديكرو وپرملان‪.‬‬

‫د‪« .‬اليد الثالثة»‪:‬‬

‫األول من‬
‫تعرضنا فيام سبق (باجلزء ّ‬
‫ّ‬
‫هذا املقال) إىل رضورة املعرفة املبارشة‬
‫بالنصوص وعدم االكتفاء بام نقرأه عنها‪.‬‬
‫فالفرق بني هذا وذاك كالفرق بني من‬
‫يزور أثرا معامريا مثال وبني من يسمع‬
‫عنه‪ .‬ويصطلح يف النقد األورويب عىل هذه‬
‫املقاربة أو هذه «املعرفة غري املبارشة» بـ‬
‫«اليد الثانية»‪.‬‬
‫أ ّما مع تقديم األستاذ صوله لـمصنّف‬
‫يف احلجاج ‪-‬بام أ ّنه رجع صدى ملا‬
‫ّ‬
‫املؤلفان من مصادرمها‪،-‬‬
‫استشهد به‬
‫النص نزوال‬
‫فإ ّننا نشهد يف عالقتنا مع‬
‫ّ‬
‫إىل مستوى «اليد الثالثة»‪ّ .‬‬
‫ألن األستاذ‬
‫صوله مل يك ّلف نفسه عناء التث ّبت من‬

‫‪60‬‬

‫املنحرفة(‪.)80‬‬
‫أ ّما املثال الوحيد الذي يمكن أن‬
‫يناقش‪ ،‬يف تقديم األستاذ صوله‪ ،‬فهو‬
‫املعادلة بني فرنيس\ڤاوري يف قولنا‬
‫عن فتاة تونس ّية هّإنا «تزوجت فرنسيا»‬
‫و«تزوجت ڤاوري»‪ ،‬حيث يرى األستاذ‬
‫صوله ّ‬
‫األو ل حمايد بينام الثاني‬
‫أن‬
‫ّ‬
‫ولكن التفسري غري‬
‫تقويمي(ص‪.)320‬‬
‫ّ‬
‫مصيب وكذلك املعادلة‪ّ ،‬‬
‫ألن الكلمتني‬
‫األول‬
‫حتيالن عىل نفس القيمة السلبية إذ ّ‬
‫ليس عربيا والثاني ليس مسلام وهلام نفس‬
‫القيمة احلجاج ّية التقويم ّية‪ ،‬عكس ما‬
‫يذهب إليه األستاذ صوله‪ ،‬باإلضافة إىل‬
‫أن ّ‬
‫ّ‬
‫جل املستعملني ال يذهبون إىل معنى‬
‫الكلمة األصيل (فمن يعرف من العا ّمة‬
‫ّ‬
‫أن كلمة «ڤاوري» ترك ّية وهي حتريف‬

‫جيعل منه صاحب املصطلح املنطقي‬
‫“‪ ”épichérème‬ويتبعه األستاذ صوله‬
‫دون تث ّبت لق ّلة معارشته ملصطلحات‬
‫التمرس هي التي‬
‫املجال املنطقي‪ .‬وق ّلة‬
‫ّ‬
‫جعلته يقول ‪« :‬االستدالل القيايس‬
‫‪ Raisonnement syllogistique‬القائم عىل‬
‫التّعدية يف القياس اخلطايب الذي يسميه‬
‫يسميه‬
‫أرسطو ضمريا ‪ Enthymème‬و ّ‬
‫‪ Quintilien‬قياسا ظن ّيا “‪.Epichérème‬‬
‫(ص‪)330‬‬
‫والواضح هنا أيضا ّ‬
‫أن پرملان ال‬
‫يستعمل ّ‬
‫النص الفرنيس املرتجم أل ّنه‬
‫إال‬
‫ّ‬
‫لو رجع إىل النص الالتيين ال ّتضح له‬
‫ّ‬
‫أن كانتيليان يستعمل الكلمة يف صيغتها‬
‫اإلغريق ّية ‪-‬باجلمع‪.)77(epiceirhmata -‬‬
‫واحلقيقة ّ‬
‫يسميه هكذا‬
‫أن أرسطو هو من ّ‬
‫ال كانتيليان وذلك يف كتابه «املواضع«(‪)78‬‬
‫وبنفس املعنى إذ يضعه مقابل القياس‬
‫اجلديل‪.‬‬
‫وبام ّ‬
‫أن األستاذ صوله ال ينقد پرملان‬
‫النص حسب القارئ‬
‫وتيتكا وال يك ّيف‬
‫ّ‬
‫العريب املسلم فريبط بني الوطن (تونس)‬
‫ثم بني العلم\‬
‫وبني الكنيسة(ص‪ّ ،)310‬‬
‫والصليب\املسيح ّية (ص‪)336‬‬
‫الوطن‬
‫ّ‬
‫وكان بـإمكانه أن يغيرّ األمثلة لتتالءم‬
‫واملراجع التي يتعامل من منطلقها القارئ‬
‫ربأ‬
‫العريب املسلم(‪ .)79‬وهو يبدو وكأ ّنه يت ّ‬
‫النص فلامذا مل يقم برتمجة باب من‬
‫من‬
‫ّ‬
‫االبواب أو مقتطفات من الكتاب وذلك‬
‫يكون أنفع من هذه القراءة\الرتمجة‬

‫لكلمة «كافر» العرب ّية؟) وهم يطلقوهنا يف‬
‫الغالب عىل ّ‬
‫كل أجنبي أورويب غري ثابت‬
‫اجلنس ّية‪(.‬يتبع‪.)...‬‬

‫‘‪ .V‬قفلة ّ‬
‫مؤقتة ‪:‬‬

‫إذا كان هذا املقال قد أسهم‪ ،‬ولو‬
‫يتعود عىل النقد‬
‫بطريقة قد بدت‪ ،‬ملن مل ّ‬
‫وألف املديح السهل‪ ،‬خرقاء متحاملة‪،‬‬
‫يف إرساء مبدأ تعامل‪ ،‬متح ّفظ‪ ،‬مع‬
‫النّصوص‪ ،‬و َد َفع إىل اجلرأة النّظر ّية يف نقد‬
‫الفكر اآلخر‪ ،‬دونام تعام وال انبهار‪ ،‬فإ ّني‬
‫أعترب ّ‬
‫أن املقصود قد حصل بأصل الفعل‪،‬‬
‫وبقطع النّظر عن املحـتوى(‪.)81‬‬
‫‪61‬‬

62

‫هوامش املقال الثاين‪:‬‬
‫‪ .1‬ص ‪ ]...[« ،350‬خصوصا ّ‬
‫وأن رواد هذه العلوم وال ّنظر ّيات (مثل ديكرو وماير) هم‬
‫من تالمذة پرملان وممن تر ّبوا يف أحضان "مص ّنف يف احلجاج"»‪.‬‬
‫‪ .2‬انظر پرملان‪:‬‬

‫‪Perelman : The New Rhetoric and the Humanities. D.Reidel. Holland. 1979,‬‬
‫‪p.10.‬‬

‫ألمهيتها يف مناقشتنا لـ« جمموعة "حتف" پالنتني» وكذلك يف مناقشتنا‬
‫‪ .3‬سنعود إىل هذه النقطة‬
‫ّ‬
‫إن هذه الصيغة ّ‬
‫اإليديولوجية إذ ّ‬
‫(كل قول=حجاج) تقوم يف احلقيقة‬
‫ملقومات نظر ّية ديكرو‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫الغائية (‪.)téléologie‬‬
‫عىل‬
‫يقوم‬
‫ذرائعي‬
‫مبدأ‬
‫وهو‬
‫ديكرو‬
‫يعرفه‬
‫كام‬
‫لة‬
‫الص‬
‫مناسبة‬
‫مبدأ‬
‫عىل‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫يعرفه ديكرو وكام‬
‫كام‬
‫‪،‬‬
‫‪“principe‬‬
‫‪de‬‬
‫“‪pertinence‬‬
‫لرتمجة‬
‫منها‬
‫أحسن‬
‫‪ .4‬مل نجد كلمة‬
‫ّ‬
‫نستخلصه من كالم پرملان‪.‬‬
‫‪ .5‬انظر ديكرو ‪،1984‬ص ‪ ،108‬حيث يقول ‪:‬‬

‫“)‪”[…]principe de pertinence (on ne parle pas pour rien‬‬
‫التداولية» ‪ (Journal of Pragmatics, 1986,‬ص‬
‫و ديكرو وانسكومرب ‪« ،1986‬جم ّلة‬
‫ّ‬

‫‪:440‬‬

‫‪“Mais l’argumentation que nous concevions à l’époque comme un simple composant‬‬
‫‪isolable de la signification, nous paraît maintenant être cette signification”.‬‬

‫ميار شكال مماثال «نحن ال نتك ّلم عن األشياء التي ال تطرح مشاكل»‪،‬‬
‫ويأخذ هذا املبدأ عند ّ‬
‫انظر «مسائل يف البالغة»‪،‬‬
‫‪Meyer: Questions de rhétorique. 1993, p. 73‬‬

‫‪6‬‬
‫ميار «املنطق وال ّلغة واحلجاج»‬
‫‪ .‬انظر ميشال ّ‬

‫‪M.Meyer: Logique, langage, et argumentation, 1982, p. 137.‬‬
‫‪“Soulever une question —ce qui est propre au discours—, c’est argumenter”.‬‬

‫وكتاب «مسائل يف البالغة» ‪ ،1993‬ص‪:73‬‬
‫‪ .7‬انظر پالنتني «رسائل يف احلجاج»‬

‫‪"Parler, c'est soulever une question".‬‬

‫‪Ch. Plantin: Essais sur l’argumentation, Kimé, 1990, p. 38: “Argumenter,‬‬
‫‪c’est parler”.‬‬

‫ّ‬
‫كتيبه الصغري «احلجاج»‪ ،‬ساي‪ ،1996 ،‬ص‬
‫وهو يستدرك األمر‪،‬‬
‫وكأن شيئا مل يكن‪ ،‬يف ّ‬
‫‪:71‬‬

‫‪Plantin, L'argumentation. Mémo. Seuil. 1996 : "sitôt que l'on parle, on argu‬‬‫‪mente"..‬‬

‫‪« .8‬جيب أن يكون قادرا عىل التأقلم مع الظروف واملواضيع واجلامهري املختلفة» ص‪،25‬‬
‫نفس املصدر‪:‬‬

‫‪“[…] it must be able to adapt itself to the most varied circumstances, matters,‬‬
‫”‪and audiences‬‬

‫‪63‬‬

‫«النفعية» (‪ ،)S.Mill. Utilitarisme. 1863‬وهو من‬
‫‪.9‬إذ يستشهد بستـــوار ميل وكتابه‬
‫ّ‬
‫الذرائعية )‪.(pragmatisme‬‬
‫الوضعية وكذلك‬
‫أعالم‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫احلجة ذات العالقة‬
‫‪ .10‬انظر املصدر املذكور ‪ ،1979‬ص ‪ 21‬ملزيد من التفاصيل عن هذه ّ‬
‫املؤسسة عىل بنية الواقع‪:‬‬
‫السببية‬
‫ّ‬
‫ّ‬

‫‪“Thus we may be attempting to find the causes of an effect, the means to an end,‬‬
‫‪the consequences of a fact, or to judge an action or a rule by the consequences‬‬
‫‪that it has. This last process might be called the pragmatic argument, since it is typical of‬‬
‫‪utilitarianism in morals and of pragmaticism in general“.‬‬

‫احلرف املائل من عندنا‪.‬‬
‫ّ‬
‫املنطقية‬
‫ة‬
‫للتجريبي‬
‫الوضعي‬
‫املناخ‬
‫أن‬
‫«كيف‬
‫املستوى‪:‬‬
‫هذا‬
‫يف‬
‫ة‬
‫للوضعي‬
‫‪ .11‬يعرتف پرملان بدينه‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫تصورا آخر هلا»‪:‬‬
‫جعل من املمكن إقامة نظر ّية خطابية جديدة‪ ،‬أو جتديدها أو ّ‬

‫‪“how the positivist climate of logical empiricism makes possible a new, or renovated,‬‬
‫‪conception of rhetoric”. (1979, p.30).‬‬

‫وقد قادته أبحاثه إىل إعادة اكتشاف منطق أرسطو يف مقابلته‪ :‬العقيل واملعقول‪ ،‬أو الربهان‬
‫والرجحان‪.‬‬
‫االيديولوجية‪،‬‬
‫االجرائية بل‬
‫ألمهيتها‬
‫‪ .12‬يشدّ د ديكرو يف عديد املناسبات عىل هذه النقطة‪ ،‬ال‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫التنصل من ّ‬
‫املنطقية التي جتعل من هذا‬
‫كل ما له عالقة بالداللة‬
‫املرضية املريبة يف‬
‫لرغبته‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫مقوماهتا‪ .‬انظر مثال ‪« ،1983‬احلجاج يف ال ّلغة»‪ ،‬حيث يقول ّ‬
‫«إن الوصف‬
‫أحد‬
‫املنطلق‬
‫ّ‬
‫اإلبالغية (أي داللة‬
‫الداللة‬
‫من‬
‫كان)‬
‫مستوى‬
‫أي‬
‫(عىل‬
‫يستنتج‬
‫أن‬
‫يمكن‬
‫الداليل للقول ال‬
‫ّ‬
‫هتم االستعامل املمكن‬
‫توجيهات‬
‫عىل‬
‫االنطالق‬
‫منذ‬
‫حيتوي‬
‫أن‬
‫جيب‬
‫بل‬
‫)‪،‬‬
‫موريس ‪Morris‬‬
‫ّ‬
‫هلذا القول لتدعيم استنتاج ما»‪(.‬ص ‪ .)27‬إذ ّ‬
‫إن ما يلومه عىل داللة موريس هو طابعها‬
‫املتكررة ألنسكومرب ‪”Dynamique du sens et scalarité“1991‬مثال‬
‫االبالغي‪ .‬انظر أيضا التأكيدات‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫مكون إبالغي يف اجلملة فنجده يف مقال‬
‫لكل‬
‫رفضه‬
‫بلغه‬
‫ما‬
‫ص‪ ،125‬و‪ .127‬أ ّما ذروة‬
‫ّ‬
‫مشرتك مع أنسكومرب موضوعه هذه املقابلة بني اإلبالغ واحلجاج‪:‬‬

‫‪Anscombre et Ducrot: “ Argumentativité et informativité”, in Meyer (édit.), De la Méta‬‬‫‪physique à la rhétorique. Essais à la mémoire de Ch. Perelman. Bruxelles,‬‬
‫‪1986, pp.79-96.‬‬

‫نأول تشدّ ده اخلاص يف هذا املقال بالذات نوعا من املسافة التي يرغب يف أن جيعلها‬
‫ونحن ّ‬
‫«احلجاجية» عىل نظر ّية «اخلطابة اجلديدة» القائمة عىل‬
‫متيز نظر ّيته‬
‫ّ‬
‫بينه وبني پرملان بأن يربز ّ‬
‫املكون اإلبالغي للجملة‪:‬‬
‫ّ‬

‫‪“[…] il n’y a jamais de valeurs informatives au niveau de la phrase. Non seulement il n’y a‬‬
‫‪pas de phrases purement informatives mais il n’y a pas dans la signification des‬‬
‫‪phrases, de composant informatif”(1986, p.92).‬‬

‫اإلبالغية‬
‫وهو خيتم هذا املقال بجملة تذهب يف نفس االجتاه‪« :‬ال يمكن أن تكون الصبغة‬
‫ّ‬
‫للجملة إ ّ‬
‫ال فضالة أو ما ّدة ثانو ّية»‪:‬‬
‫)‪“L’aspect informatif ne serait qu’un sous produit” (p.93‬‬

‫‪ .13‬وإن كانت األمور خمتلفة يف عرص أرسطو لعدم قيام مثل هذا االختصاص فإنّه ال‬
‫‪64‬‬

‫سبيل إليه اليوم‪.‬‬
‫‪ .14‬انظر ديكرو‪« ،1983 ،‬احلجاج يف ال ّلغة» ص ‪.9‬‬

‫‪“C’est ce qui nous justifie de relier les possibilités d’enchaînement argumentatif à une‬‬
‫‪étude de la langue et de ne pas les abandonner à une rhétorique extra-linguistique“.‬‬

‫ّ‬
‫ثم ‪ ،185 ،1984‬حيث يقول «احلجاج خمتلف فعال عن السعي إىل‬
‫سطرها ديكرو بنفسه‪ّ .‬‬
‫االقناع [=تلميح لنظر ّية پرملان]‪ ،‬فهو حسب رأيي‪ ،‬فعل علين‪ ،‬رصيح‪ ،‬ال يمكن أن ينجز‬
‫إ ّ‬
‫ال إذا قدّ م نفسه عىل أنّه من ذات القبيل»‪:‬‬

‫‪“L'argumentation, en effet, bien différente de l'effort de persuasion, est pour moi‬‬
‫‪un acte public, ouvert, qui ne peut s'accomplir sans se dénoncer comme tel”.‬‬

‫‪ .15‬الذي قرأ األستاذ صوله كتابه «رسائل يف احلجاج»‪:‬‬

‫‪Ch. Plantin: Essais sur l’argumentation, Kimé, 1990.‬‬

‫دون ّ‬
‫شك فهو يستشهد به ص ‪ ،298‬هامش ‪ ،2‬قارئا لكتاب پرملان «مصنف يف‬
‫احلجاج»‪.‬‬
‫ميار أبدا التشبيه بني ديكرو وپرملان لعلمه ّ‬
‫أن النظر ّيتن خمتلفتان‪ .‬بل‬
‫ميشال‬
‫حياول‬
‫‪ .16‬مل‬
‫ّ‬
‫بالعكس لقد حاول أن يو ّفق بينهام (انظر مثال ‪ ،)138 ،1982‬لوعيه أن إحدى النظر ّيتن‬
‫تتعامل مع احلجاج املبارش (=پرملان) والثانية مع احلجاج غري املبارش (= ديكرو)‪ ،‬فأقام‬
‫وسطا بينهام بوضعه صيغة جتملهام يف تكامل‪« :‬احلجاج هو فعل للفعل»‪l’argumentation“.‬‬
‫‪“est un faire faire‬‬

‫‪ .17‬أنا ّ‬
‫األول من هذا املقال‬
‫أؤكد عىل هذه النقطة ح ّتى ال يفهم خطأ ما قلته يف اجلزء ّ‬
‫صمود ومن معه عىل نقد‬
‫بالعدد املايض من «احلياة‬
‫الثقافية»‪ .‬ألنّين مل أكن أللوم األستاذ ّ‬
‫ّ‬
‫مفكر غريب أو ح ّتى جمموعة ّ‬
‫ّ‬
‫مفكرين‪ ،‬وهذا وارد ممكن ‪-‬وأنا أعترب أعضاء الفريق قادرين‬
‫عىل ذلك بام ّ‬
‫متكنوا من االطالع عليه ممّا ال يتس ّنى لبعض املفكرين الغربيني‪ -‬لو تس ّلحوا‬
‫املنهجية ومن الفكر النقدي(ومنها االطالع عىل‬
‫بام يلزم من احلذر والتمييز ومن األدوات‬
‫ّ‬
‫بعض ال ّلغات والتدقيق املصطلحي)‪ .‬لذلك فإنّي ال أتناقض اليوم إن ملت األستاذ الريفي‬
‫مرة‪ .‬عالوة عىل ّ‬
‫أن هذه‬
‫عىل انبهاره بأرسطو ونعته بـ«الفيلسوف العظيم» يف أكثر من ّ‬
‫الصفة ال تطلق عىل فيلسوف (فإ ّما أن يكون ّ‬
‫ّ‬
‫مية‬
‫ل‬
‫لس‬
‫وجود‬
‫وال‬
‫يكون‬
‫املفكر فيلسوفا أو ال‬
‫ّ‬
‫فإنا متثّل رجوعا إىل الوراء بعدّ ة قرون (لقد كان مفكرو پور رويال مثال يرون‬
‫فلسفية)‪ ،‬هّ‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫أن أرسطو يقع يف نفس املغالطات التي يلومها عىل السوفسطائيني يف تبكيتاته السفسطائية‪.‬‬
‫انظر «منطق پور رويال» ص ‪ ،)332‬فلو انبهر به ّ‬
‫مفكرو العرب ‪-‬رغم اعتبارهم له املع ّلم‬
‫األول‪ -‬ألخذوا عنه ّ‬
‫كل يشء تسليام ولكان يفسرّ انحسار البالغة فعال بعجزهم عن فهمه‬
‫ّ‬
‫ولك ّنهم انتقوا منه ما يتامشى مع مبادئهم ورفضوا عن دراية ما ال سبيل إىل أخذه دون أن‬
‫يزعزع دعائم األ ّمة‪ .‬ويذهب األب آج براندت يف نفس االجتاه لتفسري انحسار البالغة يف‬
‫املسيحية‪:‬‬
‫التفكري الغريب فيجعل نسق تق ّلص البالغة متامشيا مع نسق تدعيم الديانة‬
‫ّ‬
‫‪("The evolution of classical rhetorics was seriously inhibited when Christian culture‬‬
‫‪.18‬‬

‫‪became powerful[…]". Encyclopaedia of Linguistics. 1994, p.3571)).‬‬

‫انظر ‪:‬‬

‫”‪Ducrot, La preuve et le dire. Mame, 1973. Chap. “Les échelles argumentatives‬‬
‫‪65‬‬

‫‪.19‬‬

‫‪pp.225-285.‬‬

‫انظر ‪:‬‬

‫‪Ducrot et Anscombre, “Argumentativité et informativité”, in M.Meyer (édt). De la méta‬‬‫‪physique à la rhétorique. Essais à la mémoire de Chaïm Perelman. Éditions‬‬
‫‪de l’Université de Bruxelles. 1986, pp.79-94.‬‬

‫ويعود ديكرو إىل املوضوع (لكن بعد صدور كتاب پالنتني) بأكثر وضوح ورصاحة يف‬
‫مقاله‪:‬‬

‫‪"Argumentation et persuasion", in Énonciation et parti pris, edited by W.de Mülder,‬‬
‫‪F.Schürewegen et Liliane Tasmowski-De Ryck, pp.143-158. Rodopi. Amster‬‬‫‪dam, 1992.‬‬
‫‪ .20‬انظر ‪:‬‬
‫‪“Toute science du discours, qu’elle soit pragmatique ou autre, repose sur des options‬‬
‫‪philosophiques, voire idéologiques difficilement avouables”. H.Parret, Prolégomè‬‬‫‪nes à la théorie de l’énonciation. Peter Lang.1987. (p.217).‬‬

‫‪ .21‬پالنتني ‪ ،1990‬رسائل يف احلجاج‪ .‬صفحات ‪.45-44‬‬
‫‪ .22‬كانت ّأول أعامل پرملان ( كتاب «يف العدل» ‪)De la Justice”, Bruxelles“ ،1945‬‬
‫املنطقية‪ ،‬كام يعرتف‬
‫بالتجريبية‬
‫يسمى‬
‫طبق نظر ّية العمل يف سياق ما ّ‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫وضعية رصحية وقد ّ‬
‫ّ‬
‫هو نفسه بذلك‪ .‬انظر املصدر املذكور ‪ ،1979‬ص‪ .8‬ولك ّنه مل يقتنع بنتائجه ووجد نفسه‬
‫‪.‬ولكن پرملان نيس أن يقول كيف‬
‫ومثالية مور )‪(Moore‬‬
‫ذرائعية آيار )‪(Ayer‬‬
‫متذبذبا بني‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫الوضعية‪.‬‬
‫كانت تطغى عىل تلك الفرتة موضة نقد‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫‪ .23‬أال يقول هو نفسه ّ‬
‫تتطور إال عندما تكون متخ ّفية‪ .‬انظر ديكرو‬
‫إن‬
‫االيديولوجيات ال ّ‬
‫ّ‬
‫ميار‪ :‬من امليتافيزيقا إىل الريطوريقا‪.‬‬
‫وأنسكومرب ‪ 92 ،1986‬يف ّ‬
‫بتنصله من التمثيل الشك ّ‬
‫يل ‪-‬وهو طبعا‬
‫التذكري‬
‫دون‬
‫متر‬
‫فرصة‬
‫أي‬
‫‪ .24‬ال يرتك ديكرو ّ‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫ربر واضح‪ ،‬ويأخذ هذا‬
‫يرمي إىل‬
‫التهرب من املنطق الصوري‪ -‬ح ّتى إذا مل يكن هنالك م ّ‬
‫ّ‬
‫التنصيص املتكرر شكال كاريكاتور ّيا يف بعض األحيان‪ .‬انظر مثال هامش ‪ 14‬ص ‪ ،43‬يف‬
‫املنطقية لتخفيف الصيغة‪ ،‬وال نستعملها‬
‫«احلجاج يف ال ّلغة» ‪« :1983‬نحن نستعمل الرموز‬
‫ّ‬
‫إ ّ‬
‫ال هلذا الغرض»‪:‬‬

‫‪(“Nous utilisons le symbolisme logique pour alléger l’écriture, et uniquement dans‬‬
‫‪ce but”.).‬‬

‫الكرة الصفحة املوالية !!(هامش ‪:)15‬‬
‫ويعيد ّ‬

‫‪“Nous procédons de la sorte pour bien marquer la différence entre la relation‬‬
‫‪argumentative empirique des énoncés et la relation formelle du métalangage[…].‬‬
‫‪Mais il est clair que la logique propositionnelle ne saurait fournir une formalisation‬‬
‫‪adéquate des langues naturelles”.(p.45).‬‬

‫الشكلية يف مقاله عن منتاسكيو‬
‫ربر ديكرو جلوءه إىل املنطق الصوري وإىل الصيغ‬
‫وي ّ‬
‫ّ‬
‫احلجاجية»‪،‬‬
‫الرابع لكتاب «السالمل‬
‫ّ‬
‫والعبود ّية(وهو أصال مقال صدر سنة ‪ )1972‬يف امللحق ّ‬
‫املتأصل‬
‫سنة ‪ ،1980‬بأنّه حماولة ملقارنة بني نظام التمثيل الذي وضعه املناطقة وبني املنطق‬
‫ّ‬
‫‪66‬‬

‫يف ال ّلغة (انظر مقد ّمة الكتاب ص ‪ .)13‬انظر كذلك املصدر نفسه ‪ ،1983‬صفحات ‪،79‬‬
‫ّ‬
‫ظر‪.‬ألن احلقيقة أن ديكرو‬
‫‪ ،112 ،95‬إلخ إذ يعيد تقريبا نفس القول يف تأكيد ملفت لل ّن‬
‫الشكالنية (كام يظهر ذلك جلوؤه إىل‬
‫ذو تكوين منطقي وهو ال يستنكف من احلسابات‬
‫ّ‬
‫املنطقية وأساليب القياس يف استدالالته‪ .‬انظر أيضا ما يقوله أنسكومرب ‪،51،1973‬‬
‫الصيغ‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫سانيات») ح ّتى وإن مل تكن يف‬
‫الذي يناقض ما يقوله ديكرو ‪ ،1966‬يف مقاله «املنطق والل ّ‬
‫بعض األحيان من املنطق الصوري‪ .‬إ ّ‬
‫ال أنّه يعترب ّ‬
‫أن الروابط )‪ (connecteurs‬ال ّلغو ّية (أو‬
‫احلجاجية» ص ‪ )375‬ال تناسب الروابط‬
‫يسميها األستاذ املبخوت «الروابط والعوامل‬
‫كام‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫املجردة‪ّ ،‬‬
‫ألن الروابط اللغو ّية مشحونة باملعنى‪ ،‬ويصعب بذلك عىل الباحث اإلملام‬
‫املنطقية‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫الوضعية املحدثة التي تعترب ّ‬
‫أن‬
‫ارات‬
‫تي‬
‫بعض‬
‫مع‬
‫هذا‬
‫يتطابق‬
‫أال‬
‫لكن‬
‫اهتا‪.‬‬
‫إشكالي‬
‫بكل‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫مهمة املنطق ال تكمن يف اإلخبار عن الواقع وال تعدو أن تكون طريقة كتابة تتمثّل يف‬
‫ّ‬
‫إعادة صياغة اجلمل إلخالءها من الغموض‪.‬‬
‫‪ .25‬انظر ديكرو ‪ ،1983‬املصدر املذكور‪ ،‬ص ‪.79‬‬
‫الفرنسية (ويف احلقيقة ال‬
‫‪ .26‬فريتبط بذلك ديكرو بحدود ال ّلغة التي يتعامل هبا وهي هنا‬
‫ّ‬
‫يمكن أن تسري األمور خالفا لذلك ّ‬
‫التأصيلية التي حتكم البنيو ّية جتعل من الصعب‬
‫ألن‬
‫ّ‬
‫األرسطية اجلديدة‬
‫سحب نموذج تفسريي للغة ما عىل لغة أخرى)‪ ،‬بينام تتجاوز النظر ّية‬
‫ّ‬
‫املقيد بلغة ما‪،‬‬
‫املتمثّلة يف پرملان حدود ال ّلغات إذ تقوم عىل أسس التفكري املنطقي غري ّ‬
‫الفرنكوفونية إ ّ‬
‫ال‬
‫وبذلك يمكن أن نفسرّ ملاذا ال يمكن ملرشوع ديكرو أن يتجاوز حدود‬
‫ّ‬
‫بصعوبة‪ ،‬لرضورة تكييفه مع مقتضيات ال ّلغات املختلفة‪.‬‬
‫احلجاجية» ‪« :1980‬كنت أبحث يف كتاب «الدليل والقول»‬
‫‪ .27‬يقول يف مقدّ مة كتاب «السالمل‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫تتحكم يف ترابطه»‪.‬ص‪.12‬‬
‫عن «منطق ال ّلغة» أعين القواعد ال ّنابعة من اخلطاب والتي‬
‫لك ّنه ليس ّأول من دعا إىل هذا من ال ّلسانيني (انظر مثال مفهوم «املنطق الطبيعي» عند الكوف‬
‫سانيات واملنطق‬
‫‪ ،(J.Lakoff) 1972‬يف مقال مرتجم إىل‬
‫الفرنسية ومنشور يف كتاب «ال ّل ّ‬
‫ّ‬
‫الطبيعي» سنة ‪ ،1976‬هرمان) وقبل ذلك ڤيستاف ّڤيوم )‪ (G.Guillaume‬وكذلك ڤرايامس‬
‫األنڤلوسكسونية املتأ ّثرة بنظر ّية ويليام‬
‫اللسانيات البنيو ّية‪ .‬وهو يمثّل اجتاه فلسفة ال ّلغة‬
‫يف‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫الذرائعية‪ ،‬نذكر منهم غرايس)‪ ،(P.Grice‬أوستني )‪،(J.L.Austin‬‬
‫جايمز )‪(William James‬‬
‫ّ‬
‫سريل )‪ (J.Searle‬والقائمة تطول‪ .‬وبعض املناطقة مثل ڤريز )‪.(J.B.Grize‬‬
‫‪ .28‬انظر مقاله «املنطق الصوري واحلجاج» ص‪.167‬‬

‫‪Perelman: “Logique formelle et argumentation” in P.Bange, A.Bannour, A.Berrendonner,‬‬
‫‪O.Ducrot, C.Kohler-Chesny, G.Lüdi, Ch.Perelman, B.Py, & E.Roulet: Logique,‬‬
‫‪Argumentation, Conversation, Peter Lang, Berne/Francfort, 1983. pp.167‬‬‫‪176‬‬

‫‪ .29‬بذلك نقع نحن أيضا يف نفس اخلطأ يف إشارتنا بكلمة «املنطق» إىل املنطق الصوري‬
‫لكن الغريب‬
‫فنعمم بذلك الكلمة يف مقاربة غري‬
‫األرسطية‪ .‬هذا هو ما يرفضه پرملان ‪ّ .‬‬
‫فقط ّ‬
‫ّ‬
‫ميار يأخذ بالكلمة يف نفس املعنى فيقرتح مثال تقابل املنطق‬
‫أن أحد تابعيه‪ ،‬وهو ميشال ّ‬
‫واحلجاج “)‪ ،il faut ici opposer logique et argumentation” (Meyer, 1982, 113‬رغم‬
‫أنّه ّ‬
‫نسبية االستعامل الشكالني يف احلجاج فال يقول برفضه بل يقول فقط بعدم‬
‫يتفطن إىل ّ‬
‫إعطائه األولو ّية‪(.‬نفس املصدر ص ‪:)115‬‬
‫‪67‬‬

“Chez Perelman, pas de privilège donné au logico-mathématique parce que pas
de discours sans auditoire”.

‫قرب ديكرو من پرملان عىل هذا األساس؟‬
ّ ‫هل يمكن أن ُي‬
: 27 ،1979 ‫ انظر املصدر املذكور‬.30

“it appears that Aristotle’s, wich is essentially empirical and based on the analysis of
the material had in his disposal, distinguishes dialectic from rhetoric only by the type
of audience and especially, by the nature of the questions examined in practice”.

:94‫ ص‬،‫ كتاب املعقول والالمعقول يف احلقوق‬:‫ پرملان‬.31

Perelman: Le raisonnable et le déraisonnable en droit. Paris, 1984:
“Faut-il exclure la logique de l’étude des arguments, et spécialement de ceux qui
ne se laissent pas réduire à des schémas purement formels? La conséquence qui
en résulterait immédiatement, c’est qu’on ne comprendrait rien à la logique de la
controverse”.

32
‫آليا توليد‬
ّ ‫ «ما‬.39 ‫ انظر كتاب «مص ّنف يف احلجاج» ص‬.
ّ ‫هيمين هو أنّه ليس باالمكان‬
:»‫حجاجية‬
‫طرق‬
ّ
.“ce qui m’intéresse, c’est qu’on ne peut pas reproduire mécaniquement des pro-

cédés d’argumentation”.

‫«وبذلك كان التناول‬: ‫وقد فهم االستاذ الريفي هذه النقطة إذ يقول واحلديث عن أرسطو‬.33
‫منطقيا باألساس وإن وسع يف <اخلطابة> باخلصوص روافد‬
‫األرسطي للحجاج تناوال‬
ّ
.105‫ ص‬.»‫سياسية‬
‫ة‬
‫أخالقي‬
‫اجتامعية وروافد‬
‫نفسية‬
ّ
ّ
ّ
ّ
.»‫ «فصل يف علم املنطق‬:‫ املقدّ مة‬،‫ انظر مثال ابن خلدون‬.34
:‫ال يرى پرملان تنافرا بني النظرتني بل تكامال‬

“If rhetoric is regarded as complementary to formal logic and argumentation as
complementary to demonstrative proof, it becomes of paramount importance in
philosophy, since no philosophic discourse can develop without resorting to it”
(1979, p. 31)

:1989 ‫ انظر پرملان‬.35

.Ch.Perelman, Rhétoriques. (posthume)1989, Université de Bruxelles.
ّ ‫خاصة‬
(néo-positivisme) ‫بالوضعية املحدثة‬
‫يسمى‬
‫وأن‬
ّ .36
ّ ‫الوضعية يف ثوهبا املعارص أو ما‬
ّ
ّ

‫ بالتذبذب‬،»‫اتسمت يف السنوات اخلمسني التي رأت ظهور نظر ّية پرملان «اخلطابة اجلديدة‬
،”post-positivisme“ »‫الوضعية‬
‫وح ّتى التناقض الداخيل (ربام حتت تأثري نقد «مابعد‬
ّ
ّ ‫) بني‬K.Popper ‫مثال پوبار‬
‫يضم‬
‫املفكرين الذين ينتمون إىل هذا املذهب الفلسفي(الذي‬
ّ
‫املنطقية وفلسفة ال ّلغة حسب االجتاه‬
‫والوضعية‬
‫والذرائعية‬
‫املنطقية‬
‫العلمية أو‬
‫التجريبية‬
ّ
ّ
ّ
ّ
ّ
ّ
ّ ‫التجريبية (رغم‬
‫«الغائية» يعود‬
‫أن كتابه‬
‫ته‬
‫بغائي‬
(S.Mill)
‫ميل‬
‫ستيوار‬
‫فيه‬
‫فرتى‬
،)‫واملكان‬
ّ
ّ
ّ
(W.James)‫فإن تأثريه يف پرملان بقي قو ّيا) وويليام جايمز‬1863 ،‫تارخيه إىل القرن املايض‬
ّ ‫بذرائعيته «ال‬
»‫يسميه پرملان «املعقول‬
‫“( وهي متاثل تقريبا ما‬l’irrationalisme”)»‫عقالنية‬
‫ال‬
ّ
ّ
ّ
)‫الذرائعية ال يزال إىل اليوم‬
‫لكن تأثريه يف‬
ّ 1910 ‫ (تويف جايمز سنة‬،(le raisonnable)
ّ
68

‫بشكالنيته املفرطة رغم‬
‫وفيتغانشتاين ( ‪ )Wittgenstein‬بمرحلتيه‪ ،‬وكارناپ )‪(Carnap‬‬
‫ّ‬
‫ذرائعيته؛ وفلسفة ال ّلغة العاد ّية(جون أوستني وآيار وبالك‪(J.Austin, M.Black, A.Ayer‬‬
‫ّ‬
‫بـ«ذرائعيته اجلديدة»‪(néo-‬‬
‫الوضعية املحدثة عىل الطريقة االنغليزية) وكواين)‪(Quine‬‬
‫وهي‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫أساسية س ّفهها أصحاب‬
‫أطروحات‬
‫ة‬
‫عن‬
‫املحدثة‬
‫ة‬
‫الوضعي‬
‫ت‬
‫ل‬
‫خت‬
‫وقد‬
‫‪.‬‬
‫)‪pragmatisme‬‬
‫عدّ‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫شكالنية كرناپ وطارسكي)‪ (Tarski‬مثال‬
‫نكون‬
‫ال ّنظر ّية أنفسهم‪.‬لذلك ال يكفي أن‬
‫ضدّ‬
‫ّ‬
‫الوضعية املحدثة‪.‬‬
‫ح ّتى نكون ضدّ‬
‫ّ‬
‫تطورها يف مناقشتنا ملقال‬
‫ومراحل‬
‫األخرى‬
‫ناهتا‬
‫ومكو‬
‫خصائصها‬
‫من‬
‫نه‬
‫سنبي‬
‫‪ .37‬مع ما‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫األستاذ املبخوت‪.‬‬
‫اعتباطيا سنحيل عىل ثالثة مراجع للسانيني من املختصينّ يف‬
‫‪ .38‬ح ّتى ال يبدو حكمنا‬
‫ّ‬
‫والتداولية معروفني باجلد ّية مثل فرانسوا راستيي )‪ ،(François Rastier‬و هرمان‬
‫الداللة‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫پاريي )‪ (Herman Parret‬واللساني الكندي پول الروندو )‪ .(Paul Larendeau‬وح ّتى ال‬
‫نثقل القارئ باهلوامش واملراجع فسنعطيها تباعا ‪:‬‬

‫‪H.Parret, Prolégomènes à la théorie de l’énonciation. Peter Lang Verlag,1987,‬‬
‫‪Chap. 7. pp.207-227.‬‬
‫‪F.Rastier, “Sur l’immanentisme en sémantique”. in Cahiers de Linguistique Française‬‬
‫‪n° 15, 1994. pp.325-335.‬‬
‫�‪P.Larendeau, “Contre la trichotomie Syntaxe/sémantique/pragmatique”, in Revue de Séman‬‬
‫‪tique et Pragmatique, n° 1. 1998. pp. 115-131.‬‬

‫‪39‬‬
‫خاصة يف كتاب «أسس نظر ّية الرموز» ‪:1938‬‬
‫طور شارل موريس هذه ال ّنظر ّية ّ‬
‫‪ .‬لقد ّ‬

‫‪Morris, Foundations of the Theory of Signs (Foundations of the Unity of Sci‬‬‫)‪ence‬‬

‫الوضعية املحدثة يف خمتلف العلوم‪ .‬وقد اختذ كرناپ هذه النظرة‬
‫يف نطاق مرشوع بيان نظم‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫قاعدة لتحليله الداليل يف مؤلفاته‪:‬‬
‫‪Carnap, Meaning and Necessity. University of Chicago Press. 1947.‬‬
‫وكذلك ‪Carnap, Introduction to Semantics, [1961].‬‬

‫ولكن ديكرو ال يذكر من مصادر موريس إ ّ‬
‫ال «أسس نظر ّية الرموز» ويذكر‪-‬خطأ‪ -‬تاريخ‬
‫‪ ،1948‬الذي يناسب يف احلقيقة أكثر كتاب موريس الذي ال يذكره ديكرو وفيه حتوير كليّ‬
‫لل ّنظر ّية ويبدو أنّه مل يطلع عىل هذا الكتاب‪:‬‬
‫‪Morris, Signs, Language and Behavior. New York. 1946.‬‬

‫‪ .40‬يمكننا أن نستشهد هنا بعدّ ة ّ‬
‫ميار ملعرفته بنظر ّية ديكرو‬
‫مفكرين‪ ،‬لكننا سنختار ميشال ّ‬
‫ميار يف كتابه «املنطق وال ّلغة واحلجاج»‬
‫ومعرفتنا به عن طريق تقديم االستاذ الڤاريص‪ .‬يقول ّ‬
‫‪ ،1982‬ص ‪:105‬‬

‫‪“C’est le positivisme qui a canonisé cette découpe [syntaxe/sémantique/pragma‬‬‫‪tique], suivi en cela, fort curieusement, par Chomsky”.‬‬
‫‪ .41‬يف لعب عىل األلفاظ بني «مدمجَ ة» “‪ “intégrée‬و»مف ّتتة» “‪ .“désintégrée‬انظر املصدر‬

‫املذكور ‪ ،1983‬ص‪.24‬‬
‫ّ‬
‫ُنصب نفسها ضدّ اخلطية وتقرتح‬
‫‪ .42‬وال فائدة من االستغراب من هذه ال ّنظر ّية التي ت ِّ‬
‫‪69‬‬

!!!‫نسقية‬
‫داللة‬
ّ
Benveniste, Problèmes de Linguistique générale,،1966 ‫ انظر بنفنيست‬.43
:‫ حيث يقول‬،252 ‫اجلزء الثاني ص‬

“il y a [des pronoms] qui tiennent au processus même de l’énonciation linguistique
et qui sont d’une nature plus générale et plus profonde. L’énoncé contenant “je”
appartient à ce niveau ou type de langage que Charles Morris appelle pragmatique,
qui inclut, avec les signes, ceux qui en font usage.”,

ّ ‫أيعين هذا‬
‫أن بنفنيست يأخذ عىل عاتقه التقسيم الثالثي؟ فلو كان ذلك كذلك فام معنى‬
ّ
‫ومرة «رضبا من اللغة» وليس بالعسري أن نفهم‬
‫أنّه يعترب‬
ّ
ّ »‫مرة «مستوى لغوي‬
ّ ‫التداولية‬
ّ ‫ملاذا ينتقي ديكرو من فقرة بنفنيست إ‬
،16‫ ص‬،1983 ‫ انظر ديكرو‬.‫ال ما يتامشى مع تأويله‬
ّ ‫أال يمكن أن يفهم هذا كام يقول الروندو عىل‬.1‫هامش‬
‫للذارئعية‬
‫أن بنفنيست يرتك‬
ّ
‫مسؤولية هذا التقسيم؟‬
ّ
: 234 ‫ ص‬،1967 ‫ انظر بنفنيست‬.44

“Pour ce qui est de la distinction admise en logique entre le pragmatique et le sémantique, le linguiste,
je crois, ne la trouve pas nécessaire. Il est important pour le logicien de distinguer d’un
côté le rapport entre la langue et les choses, c’est l’ordre sémantique; de l’autre, le
rapport entre la langue et ceux que la langue implique dans son jeu, ceux qui se
servent de la langue, c’est l’ordre pragmatique. Mais pour un linguiste, s’il peut être
utile de recourir à cette sous-division à tel moment de l’étude, en principe, une
pareille distinction de principe n’est pas nécessaire. À partir du moment où la langue
est considérée comme action, comme réalisation, elle suppose nécessairement un
locuteur et elle suppose la situation de ce locuteur dans le monde. Ces relations sont
données ensemble dans ce que je définis comme la sémantique“.
.‫ ال يعرتف برضورة هذا التقسيم يف املستوى ال ّلغوي‬،‫ خالفا لديكرو‬،‫وبذلك فهو‬

: ‫ أال يعرتف هبا يف قوله‬.45

“Ou encore, en recourant à la distinction néopositiviste entre pramatique et sémantique, on dira que certains aspects de la pragmatique doivent être intégrés à la
sémantique” (1984, 71).

:52،1973 ‫انظر كذلك ما يقوله أنسكومرب‬

"la description sémantique est faite de deux composants totalement indépendants
que nous appellerons respectivement composant linguistique et composant rhétorique".
“La tripartition proposée par les positivistes est inattaquable”

:17 ،1983 ‫ انظر‬.46

:‫ حيث يقول‬،107 ‫و‬1984 ‫ انظر‬.47

“[…]localiser la pragmatique dans un secteur bien défini, qui contiendrait ainsi
une région purement sémantique”.

‫باستقاللية الظواهر‬
‫«يقر‬
ّ
ّ ‫وال فائدة يف التعليق هنا عىل ما يقوله األستاذ املبخوت الذي‬
.‫ عسى أن يكون واعيا بام يقول‬،)363‫الداللية»(ص‬
ّ
70

‫‪ .48‬انظر ‪ici la pragmatique se déduit de la sémantique (au sens de“ ،21 ،1983‬‬
‫‪Morris)”.‬‬
‫‪ .49‬انظرديكرو املصدر املذكور‪[…] on dira que certains aspects de la pragmatique :‬‬
‫‪doivent être intégrés à la sémantique, et qu’il ne peut y avoir entre les deux recher‬‬‫‪ches un ordre de succession linéaire”.‬‬
‫‪ .50‬يمكن أن يفهم القارئ أن كتاب ديكرو ‪ ،Le dire et le dit ،1984‬أحدث من‬
‫كتابه‪ .L’argumentation dans la langue ،1983‬وجب التنبيه هنا إىل ّ‬
‫أن الكتابني مها‬

‫عبارة عن جمموعة مقاالت ‪ ،‬لكن أغلب مقاالت ‪ 1983‬أحدث من ّ‬
‫جل املقاالت الواردة‬
‫يف ‪ .1984‬هلذا فإنّنا نعترب دائام ّ‬
‫أن ديكرو ‪ 1984‬أقدم من ديكرو ‪ ،1983‬العتبارنا التاريخ‬
‫تكونه ال تاريخ صدوره كتابا‪.‬‬
‫األصيل للمقاالت التي ّ‬
‫‪.51‬انظر موريس‪:‬‬

‫‪Charles W. Morris : Foundations of The Theory of Signs, International Ency‬‬‫‪clopedia of Unified Science. Chicago, 1938.‬‬

‫‪.52‬انظر موريس نفس املصدر ص ‪: 35‬‬

‫‪“the pragmatical dimension is involved in the very existence of the relation of‬‬
‫‪designation, it cannot itself be put within the semantical dimension”.‬‬

‫‪ .53‬نفس املصدر ص‪:35‬‬

‫”‪.”there is a pragmatical component in all rules‬‬

‫خاصة صفحات ‪.227-207‬‬
‫‪ .54‬انظر هرمان پاري‪ ،‬املصدر املذكور ‪ّ ،1987‬‬
‫‪ .55‬انطالقا مما قاله كيليويل )‪ (Culioli‬عن وجوب تكوين منظومة عليا ‪،Hyperthéorie‬‬
‫تدمج فيها ّ‬
‫املكونات التي تتع ّلق بالسياق واملخاطبني‪(.‬انظر ديكرو ‪)104 ،1984‬‬
‫كل‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫‪ .56‬لذلك قلنا إنّه جيب أن يؤخذ ما قاله ديكرو بكل حذر‪ .‬أال يستنتج ّ‬
‫التداولية ليست‬
‫أن‬
‫ّ‬
‫مكمال يف ‪:44 ،1984‬‬
‫إضافة أو ّ‬

‫‪“cela confirme l’idée que la pragmatique n’est pas un supplément à la sémantique‬‬
‫‪[…]”.‬‬

‫رغم ّ‬
‫مكون يف منظومة كربى؟‪ ،‬أال تربهن كذلك نظر ّيته األوىل يف شكل‬
‫أن‬
‫جمرد ّ‬
‫ّ‬
‫التداولية ّ‬
‫خطية؟‬
‫‪ Y‬عىل أن العالقة‬
‫ّ‬
‫متفرع‬
‫ومعنى‬
‫‪(sens‬‬
‫)‪littéral‬‬
‫حريف‬
‫معنى‬
‫بوجود‬
‫القول‬
‫أي‬
‫‪،‬‬
‫‪littéralisme‬‬
‫بالفرنسية‬
‫‪.57‬‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫)‪ .(sens dérivé‬ونالحظ هنا ّ‬
‫باحلرفية دون حت ّفظ‪ .‬انظر «مسائل‬
‫ميار مثال يقول‬
‫ّ‬
‫أن ميشال ّ‬
‫يف البالغة»‪ ،1993 ،‬صفحات ‪ ،88-87 ،80 ،69،18‬و‪.95-90‬‬
‫‪ .58‬انظر ‪ ،1980‬ديكرو ومن معه «عبارات اخلطاب» ‪Les mots du discours‬؛ص‪.18‬‬
‫‪ .59‬ح ّتي ولو عرفنا ّ‬
‫التأصيلية توافق مبدأ من مبادئ الوضعي املحدث نويرات ‪Neurath‬‬
‫أن‬
‫ّ‬
‫الذي يعترب ّ‬
‫أن القضايا تأخذ قيمتها من قضايا مماثلة تقارن هبا (= مفهوم «القيمة» عند دي‬
‫سوسري) وليس من الواقع أو من التجربة أو من ميدان آخر‪.‬‬
‫ّ‬
‫يمكن للقارئ أن يتساءل «هل ّ‬
‫أن بنفنيست بنيوي؟» ومع ذلك فإن ديكرو ما فتئ يضع‬
‫السؤال‪.‬‬
‫نظر ّيته يف سياقه‪ ،‬رغم أنّه من العسري الر ّد عىل هذا ّ‬
‫‪ .60‬ديكرو‪،65،1984 ،‬‬
‫‪71‬‬

“les éléments de la langue ne sauraient se définir en termes extra-linguistiques”.
.‫تأصيليته‬
‫ لتربير‬،29،1966 ‫انظر كذلك استشهاده بدي سوسري‬
ّ

:‫نص بروكسال وديكرو ورقاح‬
ّ ‫ انظر باخلصوص‬.61

S. Bruxelles, O.Ducrot & P-Y. Raccah: “Argumentation and the lexical topical fields” in
Journal of Pragmatics, 1995, pp.99-114,: “however, contrary to the Saussurian
project, we have had to introduce, at the basis of the topical fields, simple terms
which are not themselves linguistics; this does undeniably amount to a limitation on the ‘autonomous’ of language”(p.113).

:618،1998 ،‫انظر كذلك لوند‬

،S.N.Lund, “Dynamisme et topoï argumentatifs”, in Journal of Pragmatics, 1998, pp.615-

626.”la théorie dans sa nouvelle orientation affronte la question : en formalisant le
dynamisme, mais sans résoudre pour autant le problème théorico-épistémologique du statut extralinguistique des topoï fondant l’activité argumentative”.p.618.

:240‫ص‬،1993 ‫ثم ديكرو نفسه‬
ّ

“il est clair en effet que l’acte d’argumentation doit se fonder sur une connaissance
de la réalité, sur une caractérisation des ‘fait’, indépendante de l’activité linguistique
elle-même”.

: ‫وأنسكومرب‬

“Certaines de nos paroles sont interprétées comme une description du monde réel,
comme véhiculant des informations (au sens fort)”. in L’argumentation. Mardaga
1991,125.

ّ ،‫ «ح ّتى إذا كان العنرص األسايس هو الكلمة‬:51 ،1984 ‫ انظر ديكرو‬.62
‫فإن وصفه يف‬
ّ ‫نسقية يأخذ شكل قاعدة‬
:»‫مسبقا من تقدير قيمة القول بأكمله‬
‫داللة‬
ّ ‫متكن‬
ّ

“Même si l’unité de base est le mot, sa description, dans une sémantique syntagmatique prend la forme d’une règle permettant de prévoir la valeur de l’énoncé
total”.

:65‫ ص‬،1980‫ انظر أمسكومرب‬.63

("Appelons sémantique informative une telle approche, sémantique intentionnelle celle fondée
sur la notion de phrase en notre sens"), Communications n°32, "Voulez-vous dériver
avec moi?"
‫ أنظر كذلك پالنتني‬.)69-68،1980( ‫القولية غري املبارشة‬
‫وهو يعين باملقاصد األعامل‬
ّ

: ‫املصدر املذكور‬

“La sémantique intentionnelle définit le sens d’un énoncé en référence aux intentions
affichées ouvertement (linguistiquement) par le locuteur” (1990, 37).

ّ
‫للشك فيام يقوله پالنتني لتأكيده عىل أن املقاصد تكون إ ّما عن وعي أو دون‬
‫وال جمال‬
ّ
ّ
‫يلمح إىل ما ذهب‬
‫أن‬
‫دون‬
،1996
»‫«احلجاج‬
‫ب‬
‫كتي‬
‫يف‬
‫األمر‬
‫يستدرك‬
‫ّه‬
‫ن‬
‫أ‬
‫ال‬
‫إ‬
،‫م‬
‫ل‬
‫املتك‬
‫وعي‬
ّ
ّ
‫حيز فقرة‬
ّ ‫مرتني يف‬
ّ ‫ ولكن بتأكيد ملفت لالنتباه (فيعيد نفس التنبيه‬،1990 ‫إليه خطأ يف‬

72

ّ ‫ فيقول‬،)‫واحدة‬
‫إن عبارة «املقاصد» جيب أن ال تفهم يف معناها النفساني بل يف معناها‬
.)70‫اللساني(ص‬
ّ
ّ
»‫«التأصيلية‬
‫ انظر مثال كل ما يثبت الصبغة‬.‫ ولك ّننا نجد أيضا ما يناقض هذا‬.64
ّ
.‫) للنظر ّية‬immanentiste(
: ،20 ‫ ص‬،1980 ‫ انظر ديكرو‬.65

“J’appelle ‘activité linguistique’ l’ensemble des processus physiologiques et psychologiques qui rendent possible la production de la parole, chez un individu donné,
en un point particulier de l’espace et du temps”. Ducrot, “Analyses pragmatiques”, in
Communication, n°32, pp.11-60.

:9‫ ص‬،1995 ،‫إيف ر ّقاح‬-‫ انظر پيار‬.66

P-Y. Raccah : “Those inferences, so to speak built in the words“, in Journal of
Pragmatics, n° 24,1995.

:‫ حتت عنوان‬،1992 ‫ نوقشت هذه األطروحة سنة‬.67

Marion Carel, “Vers une formalisation de la théorie de “l’argumentation
dans la langue”. Thèse de l’EHESS, 1992.
.X ‫الرياضيات بجامعة باريس‬
‫تدرس‬
ّ ‫وكارال هذه‬
ّ

‫ لنا هنا أن نلوم االستاذ املبخوت باملناسبة عىل قرصه املراجع النظر ّية عىل ديكرو‬.68
‫إيف رق ّاح وستيفن‬-‫وأنسكومرب وإقصاءه املتعاونني اآلخرين مثل سلفي بروكسال وپيار‬
ّ ‫خاصة‬
‫تطور‬
‫وأن مسامهاهتم كانت عىل غاية من‬
ّ .‫لوند وألكسيس كالوكارينوس‬
ّ ‫األمهية يف‬
ّ
.‫ال ّنظر ّية‬
:52 ‫ ص‬،1995 ‫ انظر انسكومرب‬.69

Anscombre, 1995, “La nature des topoï”: “Tout semble donc se passer comme si la
seule façon de parler de notion topique subjective (PQ) soit de le faire au travers de
la forme topique objective(P,Q)”. in Théorie des topoï, édited by J-C.Anscombre,
pp.49-83. Kimé.

:131‫ ص‬،1966 »‫ يف كتابه «الداللة البنيو ّية‬،‫ انظر ڤريامس‬.70

“aucune mémoire n’est capable d’emmagasiner tous les propos sur le monde;
aucune science dûment constituée ne s’embarrasse de l’inventaire des événements”.

ّ ‫الذرائعية والبنيو ّية يف مستوى ال‬
‫ وقد تب ّنت النظر ّية‬.‫الأدر ّية‬
‫ بذلك تتفق‬.‫وبار هالل ذرائعي‬
ّ
.‫التوليد ّية أيضا هذا املوقف‬
:235 ،1993 ‫ انظر ديكرو‬71

“en se maintenant dans le cadre structuraliste, c-à-d en refusant de faire allusion,
dans la description de cette phrase à une connaissance préalable des propriétés du
monde ou de la pensée...”.
“le sémanticien est donc bien obligé de faire comme s’il ne savait rien de cette
réalité
dont parlent tous nos discours […]” .

73

‫‪ .72‬انظر ديكرو ‪:51 ،1984‬‬

‫‪“Car il est possible que le calcul du sens de l’énoncé doive, dans certains cas au‬‬
‫‪moins prendre pour point de départ des segments plus vastes que le mot”.‬‬

‫‪ .73‬انظر پالنتني‪:39 ،1990 ،‬‬

‫‪“Les connecteurs (pragmatiques) sont des mots de liaison et d’orientation qui‬‬
‫‪articulent les informations et les argumentations d’un texte. Ils mettent notamment‬‬
‫‪les informations contenues dans un texte au service de celui-ci”.‬‬

‫األسلوبية التي قدّ مها (پاسكال‪ ،‬منتاسكيو‪،‬‬
‫ونحن ال نعترب هنا طبعا حتاليل ال ّنصوص‬
‫ّ‬
‫هتمها‪.‬‬
‫فلوبار‪ ،‬البرويار‪ ،‬إلخ) هّ‬
‫ألنا سبقت نظر ّية «احلجاج يف ال ّلغة» أو ال ّ‬
‫‪ .74‬انظر مثال‪ ...190 ،192،204 ،215-233 ،1984 ،‬وتكون العبارة دائام «لقد ختليت‬
‫عن‪« ،»...‬كنت أعتقد أن‪ ...‬أ ّما اآلن فقد أصبحت أعتقد أن‪« ،»...‬سأصف من هنا فصاعدا‬
‫بطريقة خمتلفة ‪»...‬إلخ‪.‬‬
‫تعرضت ال ّنظر ّية للنقد كان اجلواب نفسه ‪«:‬لقد جتاوزت ال ّنظر ّية هذه النقطة ومل نعد‬
‫وك ّلام ّ‬
‫آلية (انظر ما حدث مع جيل فوكونييه‪،‬‬
‫نرى األمر هكذا‪ .»...‬وهذا حيدث تقريبا بصفة ّ‬
‫پيار هنري‪ ،‬أالن براندونار‪ ،‬بينوا دي كرنلييه‪.)...،‬‬
‫أ ّما پالنتني فقد اتبع خطوات أستاذه يف عادة االستدراكات هذه‪ ،‬لكن دون الترصيح هبا‬
‫(انظر مقالنا هذا هامش‪ 7‬وهامش‪ ،)63‬نضيف إليها يف باب اعتبار نظر ّية ديكرو نظر ّية‬
‫أن النظر ّية ليست ّ‬
‫نصية ما يقوله(‪ ،)66،1996‬من ّ‬
‫إال «نظر ّية مجل ّية»‪ ،‬يف أهدافها وطرقها‬
‫ّ‬
‫واملسائل التي تطرحها‬

‫‪."Cette théorie est développée dans le cadre de la phrase, tant par ses méthodes‬‬
‫"‪que ses problèmatiques et ses buts‬‬

‫‪ .75‬ولذلك فنحن ال نفهم ّ‬
‫أن ما يقوله االستاذ صوله(ص‪ )340‬قد اعتمد فيه عىل املعجم‬
‫عم قاله الكاتبان إ ّ‬
‫الفرنيس ‪ ، Le Petit Robert‬أو اّ‬
‫ال باملقارنة مع النص (ص‪ )524‬حيث‬
‫يتبينّ ّ‬
‫مسؤولية املقدّ م‪.‬‬
‫أن ما قيل هو من‬
‫ّ‬
‫أهم نظر ّيات احلجاج‪...‬‬
‫يف‬
‫‪311‬‬
‫وصفحة‬
‫احلجاج‪،‬‬
‫يف‬
‫ف‬
‫ن‬
‫مص‬
‫كتاب‬
‫يف‬
‫ص‪112‬‬
‫انظر‬
‫‪.76‬‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫«فاملعاني أو املواضع هي عند شيرشون ‪ Cicéron‬يف كتاب «املواضع» عبارة عن خمازن‬
‫للحجج أو مستودعات حجج ‪( Magasins des arguments‬ص‪ )112‬ومن هنا جاءت ر ّبام‬
‫كلمة مواضع»(ص‪ .)311‬أ ّما النص املستشهد به لپرملان ومن معه فهو‪:‬‬
‫‪“d’où la définition des lieux comme des magasins d’arguments“ (p.112).‬‬
‫ويف نفس املقام يرتجم االستاذ صوله عبارة “‪ ”lieux communs‬التي يستعملها پرملان وهو‬

‫اخلصوصية واملواضع املشرتكة عند أرسطو بـ«املواضع‬
‫يتحدّ ث عن املقابلة بني املواضع‬
‫ّ‬
‫تنم عن سوء فهم للمقابلة املذكورة فليس يف‬
‫املشرتكة أو املبتذلة» وهذه الرتمجة‬
‫احلرفية ّ‬
‫ّ‬
‫ونبه إليه يف مقاله‪.‬‬
‫دا‬
‫جي‬
‫الريفي‬
‫فهمه‬
‫ما‬
‫وهذا‬
‫ابتذال‪.‬‬
‫أي‬
‫املواضع املشرتكة يف مفهوم أرسطو ّ‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫والظاهر ّ‬
‫أن االستاذ صوله مل يطلع عىل مقال زميله يف فريق البحث وإال لكان تالىف هذه‬
‫الرتمجة اخلاطئة‪ .‬ومعنى االبتذال قد لبس الكلمة بعد املقابلة التي أقامها شيرشون يف عبارة‬
‫«املواضع املشرتكة»)‪ (locus communis‬بني ‪ res certa‬مواضع اليقني أو األشياء املعروفة لدى‬
‫اجلميع وهي تستعمل عادة للتضخيم‪ ،‬ومواضع الشك ‪( res dubia‬األشياء غري ّ‬
‫املؤكدة)‬
‫‪74‬‬

‫«احلياة عىل‬
‫املتشاجرين‬
‫وتستعمل إلعانة‬
‫التحاج‪ ،1999.‬عدد ‪ ،108‬ص ص ‪39-19‬‬
‫الثقاف ّية»‬
‫الثالث‪:‬‬
‫املقال‬
‫انظر شيرشون كتاب االستكشاف‪ ،‬اجلزء‬
‫‪ ،2‬باب ‪ ،15‬فقرة ‪.48‬‬
‫‪ّ .77‬‬
‫ألن املفرد منه ‪ ، epiceírhma‬انظر‬
‫كانتيليان «املؤسسة‬
‫"احلجاج ّ‬
‫اخلطابييفة»‪:‬التفكري الغريب‬

‫تعقيب عىل كتاب ‪:‬‬

‫من أرسطو إىل اليوم"‬

‫‪Quintilien: L’institution oratoire,‬‬
‫‪Livre V, chapitre X: “Des arguments”,‬‬
‫‪p. 27-28,‬‬
‫عصبيته‪،‬‬
‫إعالم له ال معرفة له وال حقّ معه‪ ،‬ومن كانت له‬
‫‪« édition Garnier.‬من ال‬
‫ّ‬
‫لـمن خيالفه! لكن ّ‬
‫ألرسطو‪،‬‬
‫الظ َفر بقواطع احلجج أقوى من الظهور‬
‫‪ .78‬انظر كتاب املواضع الويل‬
‫ة‪ّ ،،‬‬
‫العصبية يطوهيا الزمان وقول احلق ال يطويه زمان‬
‫ألن‬
‫بالعصبي‬
‫‪Vrin‬‬
‫ّ‬
‫‪ 162a,16‬يف ترقيم بيكر‪ .‬طبعة ّ‬

‫ص ‪.355‬‬
‫‪ .79‬وكان عليه أن يقدّ م اعتذاراته للقارئ‬
‫د‪.‬طـه عبد الرمحان ‪« :‬جتديد املنهج يف تقويم رّ‬
‫التاث»‪ ،‬ص‪.12‬‬
‫العريب التونيس عىل هذا املزج ّ‬
‫الفظ‪.‬‬
‫‪ .80‬ألننا ال نرى فائدة مثال يف وضعه‬
‫لكلمةّف»تناعندنا‬
‫«تأبيد التخل‬
‫امنملقامؤ‬
‫قض =‬
‫بلشرّ ااتلفر نيس‬
‫بمقومات التعامل‬
‫وإذا كان التسامح ال يرض‬
‫ّ‬
‫‪(contradiction‬ص‪ )325‬وأمثاهلا كثر‬
‫يف البحث العلـمي بال ّذات‪ ،‬أنّنا ال عىل مستويات أخرى ّ‬
‫فإن من خصائص العلم‬
‫يف املقال‪.‬‬
‫نسعى إىل تقليص الحيز الزمني حتّى أ ّنه ال يتقدّ م ّ‬
‫إال بالرفض والتشكيك‪ .‬فال وجود‬
‫سنتعرض يف عدد الحق (نظرا لضيق‬
‫‪.81‬‬
‫ّ‬
‫تقديمناآنيّاملقالضمن املعامالت ليشء يمكن أن نسميه «التّصالح‬
‫من املج ّلة‬
‫لبقيةّظريّـات‬
‫استيعاب ال ّن‬
‫احليز) من‬
‫نتمكّن‬
‫ّ‬
‫وبقية مقاالت كتاب «أهماإلبستمولوجي»‪ ،‬لذلك فإننا ال نسدي خدمة ملن‬
‫صوله‬
‫األستاذ‬
‫سبيل‬
‫أو يف أحدث تجل ّّياتها‪ ،‬إذ ال‬
‫شكرنانسكت عن أخطائه‪ ،‬وال نقزّ م من ّ‬
‫ندله عىل مرجع‬
‫نظر ّيات احلجاج‪ ،»...‬بالتفصيل مع‬
‫طر َحه‪ .‬أ ّما حكم من‬
‫إىل ّ‬
‫بحديث‬
‫لكل من‬
‫طرح َ‬
‫النقاشّظري‬
‫أسهميف اليفنّقاش الن‬
‫املساهمة‬
‫دونمفيدمفيد أو نقدّ م بديال عن ْ‬
‫أو بمرجع أكيد‪ ،‬العتقادنا ّأن األفكار اليستبله القارئ‪ ،‬فيستسهل األمور ويوقف أمره عىل‬
‫املواكبة واملواظبة‪ ،‬لعلّنا نستدرك‬
‫الطفيلية‪.‬‬
‫تنبت كاألعشاب‬
‫سكوت غريه‪ ،‬تعويال عىل استقال ّية علم ّية مجاع ّية‬
‫ّ‬
‫وال سلطان»‪.‬‬

‫ما فاتنا من أسباب الحضارة‪ .‬أمّا أن‬

‫نكتفي بدور املؤرّخ املتفرّج أو العاجز‬
‫املتبلّد املتذرّع بندرة املصادر أو حتّى‬
‫املتجاهل املتعمّد‪ ،‬فذلك الضّ امن‬
‫الـوحيد ليك تستحيل كتبنا مقابر‬
‫للنّظـريّات ومقاالتنا نقاط تجميـع‬
‫«الفـريـپ» العلـمـي الذي تجاوزه‬
‫الزمن وعـافه أصحابه‪.‬‬

‫نصب نفسه‬
‫خاصة ممن ّ‬
‫ختوف مريض من النقد‪ّ ،‬‬
‫أو ّ‬
‫سلطة علم ّية دون صفة أو ممن تش ّيخ عىل حلقة‪،‬‬
‫فهو حكم من جعل من نفسه رشيكا يف مهزلة هو‬
‫ضح ّيتها األوىل‪.‬‬
‫وبذلك‪ ،‬وبعد استكامل تقديم مقال األستاذ‬
‫صولة الذي أرجأنا بق ّيته لضيق احليز يف العدد‬
‫السابق‪ ،‬سنحاول يف تقديمنا ملقال األستاذ‬
‫املبخوت أن نعطي فكرة عن هذه املقاربات التي‬
‫فاهتا ركب الزمان وال تستحي من تقديم أعامل‬
‫خت ّلفت عن القطار‪ ،‬الستخفاف أصحاهبا بالقارئ‬
‫لتعودهم عىل حلقات اجلمع والتّدوين‪.‬‬
‫أو ّ‬
‫ومل نفهم غياب طوملني وكتابه «استعامالت احلجج»‬

‫‪75‬‬

76

‫صمود ومجاعته «أهم نظر ّيات‬
‫من كتاب ّ‬
‫احلجاج يف التقاليد الغرب ّية من أرسطو إىل‬
‫اليوم» ّ‬
‫إال عىل أ ّنه من باب التصفيق لألقزام‬

‫د ‪ .‬بني پرملان وطوملني ‪:‬‬

‫يقول األستاذ صولة ّ‬
‫إن فضل كتاب‬
‫پرملان وتيتكاه يتم ّثل «يف أ ّنه حاول برصاحة‬
‫وجرأة يف أحيان كثرية أن خي ّلص احلجاج‬
‫من ربقة املنطق [‪ »]..‬فكان كتاب مصنّف‬
‫يف احلجاج مرتبطا أكثر بمجاالت استخدام‬
‫ال ّلغة يف حني ّ‬
‫ظل «كتاب طوملني[ ‪The‬‬
‫‪ ]Uses of argument‬يراعي يف جوانب‬
‫كثرية منه العالقات التي تربط احلجاج‬
‫باملنطق»(ص‪ .)348‬ونحن نعترب ّ‬
‫أن يف‬
‫بعض هذا احلكم إجحافا بمرشوع طوملني‪،‬‬
‫ّ‬
‫ألن من َق َدر كتاب «استعامالت احلجج»‬
‫مناقضة املنطق الصوري‪ .‬وطوملني يتأرجح‬
‫بني رفض الفكر املنطقي بحذر وبني إعالن‬
‫احلرب عىل املنطاقة الذين ال يعتربون من‬
‫املنطق ّ‬
‫إال اجلانب الصوري‪ .‬وقد عبرّ يف‬
‫أكثر من مناسبة عن ختييب املنطق الصوري‬
‫لظنّه وعن حماولته اجتناب املصادمة‬
‫(مثال ص‪ 54‬و‪« :)106‬كنت ك ّلام ملحت‬
‫إمكان ّية نزاع مع املناطقة الصوريني غيرّ ت‬
‫وجهتي[‪ .»]...‬إىل أن أصبحت املنازلة‬
‫حتم ّية ‪ « :‬أ ّما وقد وصلت بنا األمور إىل‬
‫هذا احلد فلم يبق هناك إمكان ّية لتجنّب‬
‫املواجهة»(‪.)2‬‬

‫األول من‬
‫وإقصاء العاملقة كام قلنا يف القسم ّ‬
‫ّ‬
‫املقال‪.‬وألن نظام طوملني نظام متكامل‬
‫هذا‬

‫شامل متناسق ومالئم جدّ ا فإ ّننا ال نرى‬
‫ربرا لعدم العناية به‪.‬‬
‫م ّ‬

‫وكدنا نرى پالنتني من بني أصحاب‬
‫ّ‬
‫ولعل إقحام كتاب «نقد‬
‫النّظر ّيات احلجاج ّية‪.‬‬
‫احلجاج» لوودس ووالطون ليس ّ‬
‫إال طـريقة‬

‫إلدخـال پالنتـني هـذا ‪-‬ولو من الباب‬
‫اخللفي‪ :‬باب الرتمجة‪ ،-‬ما دام هو وفريقه هم‬
‫تكون كتاب‬
‫من ترجم جمموعة املقاالت التي ّ‬

‫«نقد احلجاج»‪.‬‬

‫(تتمّة) ‪ .V‬قراءات يف «مصنَّف‬
‫يف احلجاج» و مزايا الرتمجة‬
‫الرصحية‪:‬‬

‫لقد حاول األستاذ صولة ‪-‬ولو باجياز‬
‫كبري جدّ ا وهو معذور(‪ -)1‬أن يقارن بني‬
‫طوملني وپرملان مع ما يف هذه املقارنة من‬
‫إجحاف بطوملني‪ .‬وال وجود كام قلنا آنفا‬
‫ربر غياب طوملني وحضور‬
‫ألي يشء ي ّ‬
‫ّ‬
‫پرملان مع ّ‬
‫األقل‬
‫أن املقارنة واردة‪ ،‬عىل‬
‫بسبب صدور الكتابني يف نفس السنة‬
‫(‪ ،)1958‬وكذلك لعمق تأثري طوملني يف‬
‫النظر ّيات احلجاج ّية‪ ،‬ويف نقد الوضع ّية‬
‫املنطق ّية أو حتّى يف الطرق التعليم ّية‪.‬‬

‫ويتّفق پرملان وطوملني يف رفض القول‬
‫بأن املنطق الشكيل أو الرياض ّيات مت ّثل كل‬
‫جمرد‬
‫قوانني العقل وجت ّلياته واعتبار التفكري ّ‬
‫صيغ حساب ّية‪ .‬وينكر طوملني عىل املناطقة‬
‫قرص املنطق عىل اجلانب الصوري متاما‬
‫‪77‬‬

‫كام يراه پرملان‪ .‬ويرى طوملني كذلك ّ‬
‫أن‬
‫القياس االستنتاجي(‪)syllogisme déductif‬‬
‫خاصة هو مانع ال حافز عىل التفكري‬
‫بصفة ّ‬
‫(مع التذكري ّ‬
‫بأن القياس االستنتاجي هو‬
‫تارخي ّيا أصل املنطق الصوري)‪ .‬وبذلك‬
‫يتوازى طوملني وپرملان يف الدفاع عن وجود‬
‫منطق ال صوري‪.‬‬

‫الذي يرى أن نظر ّية طوملني «حتقيق ّية»‬
‫(‪ )vériconditionnelle‬وهو يعترب املفهوم‬
‫التقليدي للحقيقة يف حتليل احلجاج وتقييم‬
‫احلجج( ‪ .)3‬لكن ال سبيل إىل موافقة‬
‫پالنتني يف هذا الباب ّ‬
‫إال يف مستوى نقطة‬
‫عممها اعتباط ّيا‪ .‬ولن نطيل احلديث‬
‫واحدة ّ‬
‫يف حتليل هذه النظرة املختزلة جدّ ا لنظر ّية‬
‫طوملني لسبب وحيد هو رغبتنا يف عدم‬
‫االبتعاد عن موضوعنا‪ ،‬ما دام طوملني‬
‫وكتابه مل يدرسا ضمن األعامل املقدّ مة يف‬
‫«أهم نظر ّيات احلجاج‪- »..‬مع ما‬
‫كتاب‬
‫ّ‬
‫يف ذلك من اعتباط ّية كام قلنا‪ .‬وسنحيل‬
‫القارئ إىل نص طوملني (‪ ،1993‬صفحات‬
‫ثم ‪ ،)116‬حتّى‬
‫‪ ،102-99‬و‪ّ ،106‬‬
‫يتبينّ أن طوملني ال يشرتط حقيقة املرجع‬
‫قوة احلجج ّ‬
‫إال يف ميدان جيعل‬
‫يف اعتبار ّ‬
‫احلقيقة موضوعا وهدفا مثل حساب‬
‫االحتامالت( ‪،)calcul des probabilités‬‬
‫يرفقها بكم ّية كبرية من االحرتازات والنقد‬
‫الصارم للمقاربات التي تقرتحها نظر ّية‬
‫ّ‬
‫كارناپ (‪ )Carnap‬التحقيق ّية‪ .‬وال جيوز‬
‫تعميم هذا احلكم عىل ّ‬
‫كل امليادين ّ‬
‫ألن‬
‫ّ‬
‫والتنكر‬
‫يف ذلك حتريفا لنظر ّية طوملني‬
‫ملرشوعه‪.‬وكان بإمكان نقده للداللة‬
‫التحقيق ّية وجلوئه إىل املعطيات النفسان ّية‬
‫«الظن »‬
‫واالرتكاز عىل مفاهيم مثل‬
‫ّ‬
‫و«ال ّثقة» و«التربير» و«العمل» و«التخمني»‬
‫املترسع‬
‫حيصن پالنتني من االستنتاج‬
‫أن ّ‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫بأن نظر ّية طوملني تعود إىل «التحقيق ّية»‬

‫ويذهب طوملني إىل أبعد من ذلك فيقف‬
‫ضدّ التميش الفريغي( ‪ )fregéen‬وفلسفة‬
‫املنطق السائدة يف عرصه فيعترب املنطق‬
‫منهج ّية ال فرعا من فروع الرياض ّيات‪.‬‬
‫ولع ّله‪ ،‬بمناقشته هذه املسائل املنطق ّية‪ ،‬قد‬
‫دفع األستاذ صولة إىل القول بأ ّنه يراعي‬
‫اجلوانب املنطق ّية يف دراسة احلجج‪.‬‬

‫وإذا كان پرملان يصنّف بعض احلجج‬
‫أنا شبه منطق ّية )‪(quasi logiques‬‬
‫عىل هّ‬
‫قو هتا‬
‫و يسم ّيها كذ لك أل هّنا تستمدّ ّ‬
‫اإلقناع ّية من مشاهبتها للطرائق الشكل ّية‬
‫كام يقول األستاذ صولة(ص‪ّ )325‬‬
‫فإن‬
‫ّ‬
‫يشكك يف وجود حجج «شبه‬
‫طوملني‬
‫هندس ّية» )‪ (quasi géométriques‬حتّى يف‬
‫بعض امليادين مثل الرياض ّيات‪ ،‬وال يرى‬
‫فائدة من هذا التصنيف(‪.)116 ،1993‬‬

‫لذلك ال نوافق عىل ما يقوله األستاذ‬
‫صولة ونعتربه حكام ال يستند إىل مت ّثل‬
‫نظر ّية طوملني مت ّثال صحيحا يضعها يف‬
‫إطارها املعادي للشكالن ّية املنطق ّية‪ّ .‬‬
‫إال‬
‫إذا مل ُيفهم القصد‪ .‬أو لع ّله قد اتبع يف‬
‫تقييمه ملرشوع طوملني ما يقوله پالنتني‬
‫‪78‬‬

‫وبأنا ال ختتلف عنها ّ‬
‫إال بإدخال مفهوم‬
‫هّ‬
‫النسب ّية فيها‪.‬‬
‫ّ‬
‫أ ّما فيام عدا ذلك ّ‬
‫لكل ميدان‬
‫فإن‬

‫فإ ّني أعترب أن مرشوع طوملني أقرب إىل‬
‫مرشوع پرملان منه إىل الداللة التحقيق ّية‬
‫التي وضع طوملني نظر ّيته يف مواجهتها‬
‫وأسسها عىل هّأنا بديل عن املقاربة املنطق ّية‪.‬‬
‫ّ‬
‫وهو ال يتوانى كام بينّا عن توجيه نقده‬
‫ال ّ‬
‫الذع للمناطقة ومن بينهم كرناپ وآير‬
‫وفون ورايت‪Carnap, Ayer, von Wright,..‬‬
‫‪ ...‬وهو ال خيفي ذرائع ّيته وكذلك ارتباطه‬
‫رصاحة بأعامل مدرسة أكسفورد يف فلسفة‬
‫ال ّلغة العاد ّية‪ ،‬وهو متأ ّثر إىل حدّ بعيد‬
‫بأوستني )‪ (Austin‬وبنظر ّيته يف اإلنشائ ّيات‬
‫( ‪ .)performatifs‬وهذا التأ ّثر بالذرائع ّية‬
‫وبفلسفة ال ّلغة العاد ّية األنغليز ّية يم ّثل نقطة‬
‫التقاء بني طوملني وپرملان وكذلك ديكرو‪.‬‬
‫فرتى ثالثتهم يستعملون ما ّد ة القانون‬
‫عىل درجات خمتلفة‪ .‬إ ّما ركيزة القانون‬
‫ميدانا للبحث (=پرملان)‪ ،‬أو موضوعا‬
‫وأمثلة (=طوملني) أو عىل األقل استعارة‬
‫للمفاهيم(=ديكرو)‪ّ .‬‬
‫إال ّ‬
‫أن غياب اجلمهور‬
‫عند طوملني(‪ ،)7‬ورضورة اجلمهور‪ ،‬عند‬
‫پرملان( ‪ ،)8‬يف تعريف احلجاج ومقياسا‬
‫ثم إشكال ّية هذه القض ّية‬
‫لنجاح‬
‫ّ‬
‫احلجة‪ّ ،‬‬
‫عند ديكرو جتعل عالقتهم بالقانون تباعد‬
‫تقرب‪.‬‬
‫بينهم أكثر ممّا ّ‬

‫اخلاصة التي «تضمن» تناسق‬
‫قوانينه‬
‫ّ‬
‫ومكو نات احلجج‬
‫الرتابط بني احلجج‬
‫ّ‬
‫أو بني احلجج واالستنتاجات‪ .‬وهنا‬
‫نفهم معنى كلمة «الضامن» ‪warrant‬‬
‫ا لتي يرت مجها آ ڤس ( ‪ « )E g g s‬ضا من‬
‫االنتقال»(‪ ،)35،1994‬بينام يرتمجها‬
‫پالنتني «قانون االنتقال»(‪.)27،1990‬‬
‫فلنقل حتّى نجد تربيرا لرتمجة پالنتني‬
‫ّ‬
‫إن القوانني تضمن التعدية (أو االنتقال)‬
‫من املعطيات إىل االستنتاجات يف نطاق‬
‫امليدان الذي وقع فيه القول‪ .‬لكن أال‬
‫خيلط هنا پالنتني بني «التحقيق ّية» وبني‬
‫«التأصيل ّية»(‪)4‬؟ ّ‬
‫ألن التحقيق ّية يف تقييمها‬
‫حلقيقة القول تشرتط حقيقة املرجع‪.‬‬
‫ويكون املرجع دائام خارج ميدان أو‬
‫حقل القول(‪ .)5‬أ ّما نظر ّية طوملني فهي‬
‫تأصيل ّية‪.‬لذلك نرى طوملني يقول ّ‬
‫إن ما‬
‫احلجة(‪)validité‬‬
‫يقرر به مدى صالح ّية‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫ال يتطلب الرجوع إىل مقاييس خارج ّية‪.‬‬
‫إ ّنه داخل امليدان وليس خارجه‪ .‬واحلقل‬
‫احلجاجي من أصل امليدان(‪ ،)6‬كام يقول‬
‫ّ‬
‫بكل وضوح‪ّ :‬‬
‫«إن احلجج ُتق ّيم حسب‬

‫يفرق حقيقة بني نظر ّية پرملان‬
‫أ ّما ما ّ‬
‫ونظر ّية طوملني‪ ،‬وهو ما حسبه پالنتني‬
‫نوعا من التحقيق ّية النسب ّية‪ ،‬فهو امتالك‬
‫يسميه املناطقة «إجراء‬
‫نظر ّية طوملني ملا ّ‬
‫البت»)‪ .(procédure de décision‬فإمكان ّية‬
‫ّ‬

‫خاصة باحلقل الذي تنتسب‬
‫مقاييس‬
‫ّ‬
‫إليه»(‪.)316 ،1993‬‬

‫لذلك واعتبارا ملا سبق‪ ،‬ومع التنبيه‬
‫إىل عدم اخللط بني التأصيل ّية والتحقيق ّية‪،‬‬

‫‪79‬‬

‫ومع هذا فنحن عىل يقني من ّ‬
‫أن‬
‫األستاذ صولة لو تعامل مع كتاب مصنّف‬
‫يف احلجاج من منطلق نقدي أعين لو أ ّنه‬
‫مل يكتف بالعرض والنقل ومل يستسلم‬
‫استسالما كل ّيا لپرملان‪ ،‬لكان ملقاله األثر‬
‫الذي يستحقّ ألنه عىل ما يبدو قد بذل يف‬
‫لكن ال ّلوم عليه وحده‪ ،‬يف‬
‫قراءته جهدا‪ّ .‬‬
‫هذه احلال‪ ،‬ال خيلو من التجنيّ ‪ ،‬فهذه عقل ّية‬
‫ّ‬
‫متحكمة بالعديد من الدراسات‪.‬‬

‫التحقق غائبة من نظر ّية پرملان يف دراسته‬
‫للحجج‪.‬‬
‫ّ‬
‫إن الفرق األسايس بني طوملني وپرملان‬
‫هو يف التعامل مع مفهوم «إمكان ّية التحقق»‬
‫و«اختبار الصالح ّية»‪ .‬ال وجود ألي‬
‫حجة‬
‫قوة أو مدى صالح ّية ّ‬
‫مقياس إلثبات ّ‬
‫من احلجج بطريقة موضوع ّية‪ ،‬العتامده يف‬
‫ضباب ّية تقريب ّية عىل استحسان اجلمهور أو‬
‫رفضه‪ .‬وهذا ما جيعل هذه النظر ّية غري‬
‫حجة بأهنا صاحلة‬
‫قادرة عىل احلكم عىل ّ‬
‫بأنا غري صاحلة‪.‬‬
‫أو رشع ّية وعىل أخرى هّ‬
‫ففي حني ال حتتوي نظر ّية پرملان مفهوم‬
‫البت»‪ ،‬نرى نظام طوملني حيتوي‬
‫«إجراء ّ‬
‫يقرر‬
‫عىل مبدأ إمكان ّية التحقق وهو ما به ّ‬
‫احلجة أو رفضها وذلك بأن يضعها‬
‫قبول ّ‬
‫يف سياقها التطبيقي دون ال ّلجوء إىل أي‬
‫نظام شكيل أو ريايض منطقي‪.‬‬

‫‪ .’V‬فصل ال مكان له‪:‬‬

‫مل نر أي باحث يقارب بني ديكرو‬
‫وطوملني‪ ،‬ر ّبام ّ‬
‫األو ل يعلن رفضه‬
‫ألن‬
‫ّ‬
‫للمنطق والثاني قد بدا هلم وكأ ّنه يستسيغه‪.‬‬
‫ولكن بتخ ّلينا عن هذا احلكم املس ّبق‪،‬‬
‫يتّضح ّ‬
‫أن املقابلة بني نظر ّيتي طوملني‬
‫وديكرو ال ختلو من مفاجآت(‪.)9‬‬

‫أ‪ .‬بني ديكرو وطوملني ‪:‬‬

‫وقد كان من الرضوري من هذا املنطلق‬
‫عىل األقل دراسة نظر ّية طوملني‪ .‬فقد أ ّثرت‬
‫تأثريا كبريا يف الدّ راسات اخلطاب ّية والبالغ ّية‬
‫االنڤلوسكسون ّية األوروب ّية‪ .‬وهذا ما جيعل‬
‫العالقة بني نظر ّية طوملني ونظر ّية پرملان‬
‫عالقة عضو ّية‪ ،‬إذ ّ‬
‫أن إحدامها تكشف‬
‫حمدود ّية األخرى‪ .‬لذلك نعترب ّ‬
‫أن تقديم‬
‫نظر ّية پرملان دون مقابلتها بنظر ّية طوملني‬
‫موقف بريء إىل ٍّ ِ‬
‫حد‪...‬وليس مطلوبا منيّ‬
‫أن ّ‬
‫أذكر األستاذ صولة باملثل العريب القائل‬
‫«إ ّنام بضدّ ها تتم ّيز األشياء» وما أحوجه إليه‬
‫يف هذا املجال‪.‬‬

‫ّ‬
‫املرة الوحيدة التي يذكر فيها ديكرو‬
‫إن ّ‬
‫أو أصحابه طوملني موجودة‪ ،‬حسب علمنا‪،‬‬
‫عند أنسكومرب (‪ )1995‬حيث يقول‪«:‬إ ّننا‬
‫سنستعمل مفهوم «املوضع» األرسطي‬
‫مكان «الضامن» عند طوملني»( ‪.)10‬‬
‫االنغليزي‬
‫خاصة للمقابل‬
‫وهي ترمجة‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫‪ّ Warrant‬‬
‫ألن النص الفرنيس يرتجم الكلمة‬
‫بـ«‪ .»garantie‬هذا ما نجده يف التلخيص‬
‫الفرنيس للمقال‪ .‬أ ّما التلخيص األنغليزي‬
‫ففيه بعض اإلضافة‪« :‬سنستعمل مصطلح‬
‫يسميه طوملني‪ ،‬ولكنّنا‬
‫«الضامن» كام‬
‫ّ‬
‫ترشيفا ألرسطو سنطلق عىل هذا الضامن‬
‫‪80‬‬

‫اسم «املوضع»( ‪ .)11‬وال نجد أي أثر‬
‫لطوملني ضمن البيبليوغرافيا‪.‬‬

‫‪passage) -> conclusion‬‬
‫قياس ‪ >-‬ضامن(أو قوانني االنتقال)‪<-‬‬

‫ما يستوقفنا هنا هو ّ‬
‫أن ديكرو‬
‫وأنسكومرب قد أعادا اكتشاف «املواضع»‬
‫ّ‬
‫بكل تفصيل يف‬
‫ال بعد ما ب ّينه پرملان‬
‫كتابه «مصنّف يف احلجاج»‪ ،‬وكأنهّام مل‬
‫يقرآه‪ ،‬بل بعد أن ناقش اكهارد آڤس‬
‫(‪ ،)Ekkhard Eggs‬أطروحته حول أرسطو‬
‫ثم يقول أنسكومرب ببساطة‬
‫واخلطابة(‪ّ .)12‬‬
‫إ ّنه سيستعمل املفهوم املعروف عند أرسطو‬
‫باسم «املوضع» ّ‬
‫إال أ ّنه خيتلف اّ‬
‫عم يعرف‬
‫عند أرسطو(أنسكومرب‪.)135،1991 ،‬‬
‫وذلك ال يعين يف احلقيقة سوى أ ّنه ال‬
‫يستعري ّ‬
‫ثم يعرتف اجلامعة‬
‫إال املصطلح‪ّ .‬‬
‫ّ‬
‫بأن املوضع عندهم يناسب يف احلقيقة‬
‫سيسمونه‬
‫«الضامن» عند طوملني ولكنّهم‬
‫ّ‬
‫«املوضع» ترشيفا ألرسطو فقط(‪!!!)13‬‬
‫ال ّ‬
‫ال فت لال نتبا ه هو أ ّن د يكر و‬

‫استنتاج‬

‫فتأثري نموذج طوملني يف ديكرو‪ ،‬حتّى‬
‫وإن مل يعرتف به‪ ،‬وال نعرف ملاذا‪ ،‬واضح‬
‫جيل‪:‬‬
‫)‪argument -> topos (ou loi du discours‬‬
‫‪-> conclusion‬‬

‫قياس‬

‫> موضع(أو قوانني اخلطاب)‬‫‪ >-‬استنتاج‬

‫ويقع ديكرو‪ ،‬يف أكثر من مناسبة‪ ،‬يف‬
‫ّ‬
‫زلة لسان فيستعمل عبارة طوملني دون أن‬
‫يشعر فيقول مثال‪«:‬املوضع الذي يسمح‬
‫باالنتقال»(‪ .)14‬أليست هذه عبارة طوملني‬
‫التي يستعملها كذلك لوند‪« :‬املوضع يم ّثل‬
‫العنرص الثالث الذي يسمح باالنتقال من‬
‫القياس إىل االستنتاج»(‪ .)15‬جيب أن يفقد‬
‫املرء الذاكرة حتّى ال يرى هنا اهليكل‬
‫احلجاجي لطوملني وعباراته‪ .‬وكيف سنفهم‬
‫ما يقوله أنسكومرب‪ ،‬إذا كان املوضع ال‬
‫يناسب ما يستعمله طوملني يف نظامه ‪:‬‬
‫«يلعب املوضع يف الديناميك ّية اخلطاب ّية‬
‫دورا مماثال للدور الذي تلعبه املس ّلامت يف‬
‫الشكالني» (‪.)136 ،1991‬‬
‫النظام‬
‫ّ‬

‫وأنسكومرب قد أنكرا وجود طوملني‬
‫حتّى سنة ‪ ،1995‬أي حتّى ترجم كتاب‬
‫«استعامالت احلجج» بالفرنس ّية(‪،)1993‬‬
‫مع ّ‬
‫أن أنسكومرب يذكر «الضامن» باعتامد‬
‫األنغليزي‪ .‬كيف يمكن جتاهله وقد‬
‫النص‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫انجز نظر ّيته حول الروابط احلجاج ّية‪.‬‬
‫توصال إليه هو‬
‫واهليكل النظري الذي‬
‫ّ‬
‫نسخة طبق األصل للتّخطيط العام لنظر ّية‬
‫يفرق بني ما هو‬
‫طوملني‪ .‬فمن يستطيع أن ّ‬
‫لطوملني وما هو لديكرو ‪:‬‬

‫ما سبق يم ّثل بعض املؤشرّ ات املستوقفة‬
‫و ال ّ‬
‫ربر التقريب‬
‫الفتة لالنتباه‪ .‬وهي التي ت ّ‬
‫املقومات النّظر ّية‬
‫بني النّظر ّيتني‪ .‬وال خت ّيب ّ‬
‫الظن‪ .‬وسنعرضها‬
‫التي تتط ّلب التمحيص ّ‬

‫‪argument -> garantie (ou lois de‬‬

‫‪81‬‬

‫تباعا لكي ال نطيل أكثر يف املوضوع‪ ،‬بام أ ّننا‬
‫سنرجع إليها بالتفصيل يف ح ّيز آخر‪.‬‬

‫انتقادات غيتش (‪ ،)Geach‬وينترصان هلا‬
‫يف كتاب «احلجاج يف ّ‬
‫اللغة» (صفحات‬
‫‪.)173-169‬‬

‫من ذلك مثال‪:‬‬
‫ ّ‬‫أن اجلمهور يغ ّيب من كلتا النظر ّيتني‬
‫يقرب ديكرو من طوملني (‪ )16‬أكثر من‬
‫ممّا ّ‬
‫پرملان‪.‬‬
‫ ّ‬‫ّ‬
‫«الضامن» عند طوملني‪ ،‬الذي‬
‫أن‬
‫يقابله عند ديكرو «املوضع»‪ ،‬يدخل ضمن‬
‫«حقل حجاجي»( ‪)champ argumentatif‬‬
‫كام يدخل موضع ديكرو ضمن «حقل‬
‫موضعي» (‪ .)champ topique‬هذا يعين‬
‫أن ّ‬
‫ّ‬
‫لكل قانون انتقايل ميدانا مناسبا يط ّبق‬
‫فيه(=التأصيل ّية)‪ .‬وكام يستعمل طوملني‬
‫ختطيطا حجاجيا (‪)schéma argumentatif‬‬
‫يستعمل ديكرو ختطيطا موضع ّيا (‪schéma‬‬
‫توجهه االجيايب والسلبي‬
‫‪ )topique‬مع ّ‬
‫وتدرجه إلخ‪.‬‬
‫ّ‬
‫ ّ‬‫أن طوملني ال يعترب فقط االستنتاج‬
‫املنجز بل كذلك االستنتاج الفريض‬
‫(‪ .)virtuel‬وهو يوازي ما يقوله ديكرو‬
‫الذي يقيم ّ‬
‫كل نظر ّيته ال عىل ما قيل بل‬
‫عىل ما يمكن أن يقال يف اجتاه يع ّينه قول‬
‫سابق‪.‬‬
‫ ّ‬‫التدرج‬
‫أن النظر ّيتني تقومان عىل‬
‫ّ‬
‫قوة احلجج‪.‬‬
‫(‪ )gradualité‬وعىل مؤرشات ّ‬
‫ّ‬
‫أن النظر ّيتني تقوالن بال ِعزو ّية‬‫(‪ .)ascriptivisme‬فيتبنّى طوملني (ص ‪39‬‬
‫مثال) هذا النّوع من التحليل‪ .‬أ ّما ديكرو‬
‫وأنسكومرب فيدافعان عن ال ِعزو ّية ضدّ‬

‫ ّ‬‫أن النظر ّيتني تقومان عىل نفس‬
‫تعرضنا فيام‬
‫ّ‬
‫املقومات اإليديولوج ّية‪ .‬وقد ّ‬
‫ّ‬
‫خيص نظر ّية ديكرو للتأصيل ّية والالأدر ّية‬
‫ّ‬
‫واملوضوعان ّية (انظر «املقال الثاني»)‪ .‬أ ّما‬
‫نظر ّية طوملني فتقول بالتأصيل ّية كام رأينا‬
‫يف هذا املقال‪.‬وتقول كذلك باملوضوعان ّية‬
‫إذ ينقد طوملني رصاحة الذاتان ّية (‪5‬‬
‫‪،86‬وخاصة ص ‪ ،)77‬رغم‬
‫‪،79-75،‬‬
‫ّ‬
‫جلوئه يف نقد الشكالن ّية إىل مفاهيم‬
‫سيكولوج ّية‪ .‬وتقول نظر ّية طوملني أيضا‬
‫بال ّ‬
‫الأدر ّية(‪.)287-286‬‬
‫نرى بذلك ّ‬
‫أن املقاربة بني ديكرو‬
‫وطوملني ليست عقيام ّ‬
‫وأن اقصاء طوملني‬
‫من «أهم نظر ّيات احلجاج‪ »...‬ينقص‬
‫من قيمة الكتاب التوثيق ّية‪ ،‬حتّى ال نقول‬
‫شيئا آخر‪.‬‬

‫‪ .VI‬نظر ّية ّ‬
‫الالحجاج يف ال ّلغة‪،‬‬
‫أو بيع «الفريپ» النّظري دون‬
‫«تقليب»‪:‬‬
‫حيتوي مقال األستاذ املبخوت عىل‬
‫إثنتني وثالثني صفحة‪ ،‬إثنتا عرش صفحة‬
‫(=الثلث) منها مقدّ مات‪ .‬وال خامتة له‪،‬‬
‫ألن ّه ال هدف له‪ .‬وقد تفنّن يف املقدّ مات‬
‫فكان منها مثال «مقدّ مة يف مفهوم «التداول ّية‬
‫املدجمة»» و«مقدّ مة يف مرشوع التداول ّية‬
‫‪82‬‬

‫املدجمة»‪ .‬وإذا اعتربنا مقدّ مة الفصل الثاني‬
‫بصفحاهتا ال ّثالث‪ ،‬بينام ال حيتوي الفصل‬
‫بأكمله ّ‬
‫إال عىل ثامني صفحات‪ ،‬فإ ّننا‬
‫نقول ّ‬
‫إن مقال املبخوث يمكن أن يصلح‬
‫«مقدّ مة» لتقديم «نظر ّية احلجاج يف ال ّلغة»‪.‬‬
‫فلننتظر البق ّية‪ ،‬حتّى ال يكون «نصف املهر‬
‫حنّاء» كام يقول املثل التّونيس‪.‬‬
‫ّ‬
‫والظاهر ّ‬
‫أن املبخوت قد وقف يف‬
‫عمله وسط الطريق لسبب ع ْل ُمـه عند‬
‫فس ْف َسف مقاله‪ ،‬ر ّبام ابتغاء ملرضاة‬
‫صاحبه‪َ ،‬‬

‫مسكني من ال يعرف النّظر ّية‪ ،‬ومسكني‬
‫أيضا من يعرفها‪ّ .‬‬
‫ألن تقديم املبخوت‬
‫األول ُ‬
‫ويغ ّم الثاني‪ :‬هل‬
‫للنّظر ّية سيض ّلل ّ‬
‫ّ‬
‫إن النّظر ّية داللة أم تداول ّية؟ وما عالقة‬
‫البنيو ّية بالتداول ّية؟ هل باإلمكان أن‬
‫نتحدّ ث عن تداول ّية بنيو ّية؟ أال تنتمي ّ‬
‫كل‬
‫من الداللة البنيو ّية والتداول ّية إىل ت ّيارات‬
‫نظر ّية خمتلفة بل حتّى متعارضة؟ وكيف‬
‫أمكن التوفيق بني النّار واهلشيم؟‬
‫يكو ن « ا لتقد يم » نسخة شا حبة‬
‫جمر د إسهاب يف‬
‫من األصل إذا كان ّ‬
‫القول)‪ ،(paraphrase‬واتباع نسق القراءات‬
‫يف استطرادات رسد ّية تتدافع دون أدنى‬
‫فكر نقدي‪ .‬وحتّى يكون تقديم نظر ّية ما‬
‫تقديام حقيق ّيا يفيد القارئ‪ ،‬حتّى وإن كان‬
‫هذا القارئ ممّن ّ‬
‫اطلع عىل بعض الكتابات‬
‫يف املوضوع‪ ،‬وجب عىل املقدّ م أن يعلو‬
‫ترصح به النّظر ّية‪،‬‬
‫بالتحليل إىل ماوراء ما ّ‬
‫وأن يغوص يف أعامقها ويق ّيم أسسها‪ ،‬كام‬
‫أسلفنا‪.‬‬

‫شيخه‪....‬‬

‫ّ‬
‫خف واحد‪ ،‬أو مبدأ‬
‫‪.1‬ساقان يف‬
‫الثالث املرفوس‪:‬‬
‫ّ‬
‫يؤكد األستاذ املبخوت (ص‪،)351‬‬
‫يف مجلة يفتتح هبا مقاله‪ّ ،‬‬
‫أن نظر ّية ديكرو‬
‫وحسمت‬
‫ومن معه هي «تداول ّية مدجمة»‪ُ .‬‬
‫القض ّية يف صفحة واحدة‪ّ ،‬‬
‫كأن األمر بدهيي‬
‫بسيط ال إشكال فيه وال تعقيد‪ .‬فاكتفى‬
‫ثم ببعض التفسري‪،‬‬
‫القارئ منه هبذا اإلعالن ّ‬
‫وريض بام قرأ منه عىل ما فيه من غمغمة‪.‬‬
‫ّ‬
‫مستهل «مقدّ مة يف مرشوع‬
‫لكنّنا نفاجأ يف‬
‫التداول ّية املدجمة»(ص‪ّ )359‬‬
‫أن النّظر ّية‬
‫هي يف احلقيقة «داللة اخلطاب املثايل» ّ‬
‫وأن‬
‫احلجاج «هو عالقة دالل ّية»(ص‪،)360‬‬
‫ثم نقرأ يف اجلملة التي يفتتح هبا الفصل‬
‫ّ‬
‫الثالث(ص‪ )371‬هّأنا «بنيو ّية اخلطاب‬
‫ثم نصطدم بعد ثالثة أسطر‬
‫املثايل»(‪ّ )17‬‬
‫بالنّظر ّية وقد عاد إليها اسم «التداول ّية‬
‫املدجمة» من جديد!!!‬

‫لذلك يبدو من الوهلة األوىل ّ‬
‫أن يف‬
‫ّ‬
‫توخي املبخوت أسلوبا رسد ّيا تبسيط ّيا يف‬
‫يرصح‬
‫تقديم نظر ّية ديكرو‪ ،‬انطالقا ممّا ّ‬
‫به صاحب النّظر ّية‪ ،‬جتنّبا لإلشكال ّيات‬
‫املطروحة‪ ،‬أو ر ّبام أسلوبا بيداغوج ّيا‬
‫لتقريب املستعيص من األمور‪.‬‬
‫ولكن ماذا عسانا نقول بعد ما رأينا منه‬
‫واملقومات‬
‫من قبول التّضارب بني الت ّيارات‬
‫ّ‬
‫النّظر ّية سوى أ ّنه ال يتم ّثل اإلشكال ّيات‬
‫‪83‬‬

‫احلقيق ّية للنّظر ّية التي يقدّ مها؟ (أو أ ّنه ال‬
‫يفي برشط االطالع‪ .‬ور ّبام أيضا لتغلغل‬
‫عقل ّية االنبهار وغياب الفكر النقدي‬
‫السائدة يف البحث العلمي عندنا)‪.‬‬

‫مقابل داللة املدرسة البنيو ّية‪ ،‬واإلنشائ ّيات‬
‫(‪ )performatifs‬يف مقابلتها بفعل القول‬
‫(‪.)énonciation‬‬
‫وكان االختيار حتم ّيا‪ ،‬خيضع ملبدأ‬
‫الثالث املرفوع‪ّ ،‬‬
‫ألن الت ّيارين متضاربان‪.‬‬
‫ووجد ديكرو نفسه يف مفرتق ّ‬
‫الطرق‪:‬‬
‫أيرتك فلسفة املنطق التي هي أصل تكوينه‬
‫تكون وتر ّبى فيها) أم يرتك الت ّيار‬
‫(التي ّ‬
‫البنيوي العتيد يف أورو ّبا وفرنسا بالذات؟‬
‫اختار غريه اتباع التداول ّية ومدرسة‬
‫اكسفورد(مثال‪ :‬فوكونييه‪ ،‬دي كرنيلييه‪،‬‬
‫پاريه ‪G.Fauconnier, B.de Cornulier,‬‬
‫‪ )H.Parret‬أو البنيو ّية األوروب ّية(مثال‪:‬‬
‫كوزيريو‪ ،‬پوتييه‪ ،‬ڤرايامس ‪E.Coseriu,‬‬
‫‪ ،)B.Pottier, A.J.Greimas‬أ ّما ديكرو فلم‬
‫يستقر عىل رأي أو قل إ ّنه اختار أن ال‬
‫ّ‬
‫خيتار فوضع نفسه مهزة وصل أو جرس‬
‫عبور يف حماولة للتوفيق بني الذرائع ّية‬
‫والبنيو ّية وبني الداللة والتداول ّية حماوال‬
‫عىل األقل األخذ بأحسن ما يف الت ّيارين‪،‬‬
‫فجلس بني كرسيني كام يقال بالفرنس ّية‬
‫(وهذه جلسة غري مرحية وال يمكن أن‬
‫يستقر من هو فيها كام سنرى)‪ .‬أو أخطر‬
‫من ذلك فقد لعب عىل احلبلني ووضع‬
‫نفسه بني عمالقني متصارعني‪ّ ،‬‬
‫كل منهام‬
‫حياول أن يربح املعركة وأن خيلو له امليدان‪.‬‬
‫فكان الثالث املرفوس بني حجر الذرائع ّية‬
‫ورحى البنيو ّية‪ .‬ك ّلام خرست واحدة منهام‬
‫خرس هو‪.‬‬

‫وكان يكفي األستاذ املبخوت االنتباه‬
‫قراء النّظر ّية وناقدهيا‪.‬‬
‫إىل ما يقوله غريه من ّ‬
‫ّ‬
‫لعل ذلك كان يكفل إيقاظ الفكر النّقدي‬
‫يقرب املسافة الفاصلة بينه وبني‬
‫عنده أو ّ‬
‫النّظر ّية فتتضح رؤيته‪.‬‬
‫لنجعلها مصادرة ‪:‬ال توجد نظر ّية‬

‫ال تطرح إشكال ّيات ‪ .‬لكن من العسري‬
‫املختص يف علوم‬
‫أن يعرتض القارئ‬
‫ّ‬
‫ال ّلسان يف حياته نظر ّية تطرح ما تطرحه‬
‫نظر ّية ديكرو من إشكاالت‪ .‬هي عبارة‬
‫متشعبة من العقد النّظر ّية‪،‬‬
‫عن جمموعة‬
‫ّ‬
‫وهي ترسم وجودها‪ ،‬أكثر من ّ‬
‫كل‬
‫نظر ّية معروفة‪ ،‬بطرحها للمشاكل‪ ،‬ال يف‬
‫وجود احللول ّ‬
‫وفك العقد‪ .‬وال يمكن أن‬
‫يستوعب النّظر ّية من ال يضع يف اعتباره‬
‫هّأنا نظر ّية هجني‪ :‬هي وريثة ت ّيارين أو‬

‫نظر ّيتني متقابلتني‪ ،‬متصارعتني‪ ،‬متنازعتني‪.‬‬
‫فـالنّظر ّية إذن نغل خليط بني نقيضني ‪:‬‬
‫البنيو ّية والذرائع ّية‪ ...‬ومن مل ّ‬
‫يتفطن إىل‬
‫هذه اخلاص ّية مل يفهم من أين تتأ ّتى مشاكل‬
‫النّظر ّية وملاذا تطرح ّ‬
‫كل هذه اإلشكال ّيات‬
‫يف ّ‬
‫جل مستوياهتا‪.‬‬
‫لقد وجد ديكرو نفسه بني ت ّيارات‬
‫متصارعة‪ ،‬فلسفة املنطق وفلسفة ال ّلغة‬
‫العاد ّية‪ ،‬تداول ّية املدرسة الذرائع ّية يف‬

‫‪84‬‬

‫إىل مرحلة أخرى‪ّ :‬‬
‫«إن عبارة «احلجاج»‬
‫التي تبنّيناها ليست عبارة مناسبة وال‬
‫ّ‬
‫بكل تأكيد‪ّ .‬‬
‫إن هذا االختيار‬
‫مو ّفقة‪،‬‬
‫متأت من ّ‬
‫أن املظاهر األوىل التي تسنّى لنا‬
‫ّ‬
‫مالحظتها كانت بشكل رصيح من الصنف‬
‫البالغي»(‪ .)19‬لكن ملاذا ال تكون «بالغة‬
‫مدجمة» إذن؟(‪)20‬‬

‫أليس موضع النغل اهلجني موضعا‬
‫ملعونا؟‬

‫سنسمي هذا الـنّغل؟‬
‫‪ .2‬كيف‬
‫ّ‬

‫ّ‬
‫لكل نظر ّية جديدة اسم جديد‪ .‬فكيف‬
‫سنسمي هذه النّظر ّية؟‬
‫ّ‬
‫يبقى املبخوت بني الذين قاربوا نظر ّية‬
‫يتحرج من تسميتها‬
‫ديكرو الوحيد الذي مل ّ‬
‫ومل تقم أمامه إشكال ّية حتديدها‪ .‬لنقل إ ّنه‬
‫مل ير فيها ما يستحقّ التساؤل فقال هّإنا‬
‫«مت ّثل ت ّيارا تداول ّيا متم ّيزا»(ص‪.)351‬‬
‫ومل يالحظ حرج ال ّلسانيني الذين حاولوا‬
‫النّظر فيها وارتباكهم ك ّلام تع ّلق األمر‬
‫بتسميتها(‪ .)18‬ومل يسلم من هذا االرتباك‬
‫حتّى أصحاب النّظر ّية أنفسهم‪.‬‬
‫أوال بني نوع املقاربة ال ّلسان ّية‪،‬‬
‫لنفصل ّ‬

‫هذا يعين ّ‬
‫أن تسميتها «احلجاج يف‬
‫ال ّلغة» ال تسلم بدورها من املشاكل‪،‬‬
‫تتضمنه‬
‫برصف النّظر عن التّضارب الذي‬
‫ّ‬
‫ترصح بتأصيل ّية‬
‫عبارة «يف ال ّلغة»‪ ،‬التي ّ‬
‫النّظر ّية‪ ،‬وتسميتها بـ«التّداول ّية املدجمة»‬
‫التي تقول بعكس ذلك‪ .‬وإذا اعتربنا آخر‬
‫تطورات النّظر ّية (انظر «هل انتهى مسلسل‬
‫ّ‬
‫اعرتافات ديكرو؟»‪ ،‬أسفله) فإ ّننا نفهم ملاذا‬
‫سم ّي ُت هذا الباب من تقديمي ملقال‬
‫األستاذ املبخوت ‪« :‬نظر ّية ال ّ‬
‫الحجاج يف‬
‫ال ّلغة»‪.‬‬
‫أ ّما عن نوع املقاربة ال ّلسان ّية للنّظر ّية‪،‬‬

‫بالغة‪-‬داللة‪-‬تداول ّية‪ ،‬وعالقة الدامج‬
‫باملدمج حتّى ال ختتلط األمور‪ ،‬وبني تسمية‬
‫النّظر ّية إمجاال‪ .‬ولعل هذه التسمية أسلم‬
‫وأثبت‪ ،‬إذ ال تقوم يف عبارهتا عىل االشرتاك‬
‫ّظري بني الداللة والبالغة والتداول ّية‪.‬‬
‫الن ّ‬

‫التّي يصفها املبخوت بالتداول ّية املدجمة‬
‫ثم بالداللة البنيو ّية دون حرج كام رأينا‪،‬‬
‫ّ‬
‫فالقائمة تطول واملشاكل تتداخل‪ .‬فهل‬
‫سنعترب ميشال م ّيار (‪Meyer, 1982:‬‬
‫بمقومات النّظر ّية‬
‫‪ )110‬أمحق‪ ،‬أو جاهال‬
‫ّ‬
‫ومكوناهتا‪ ،‬أل ّنه ال يتحدّ ث عن تداول ّية‬
‫ّ‬
‫مدجمة يف الداللة بل عن «داللة أو‬
‫بالغة مدجمة»؟ هل سنعترب بينوا دي‬
‫كرنيلييه ( ‪B.de Cornulier ، 1984:‬‬
‫‪ )664‬أعمه أو متحامال أل ّنه يقول ّ‬
‫إن‬

‫ّ‬
‫إن النّظر ّية تعرف بام َوسم به األستاذ‬
‫املبخوت مقاله ‪« :‬نظر ّية احلجاج يف ّ‬
‫اللغة»‪.‬‬
‫ولكن هذه التسمية مل تسلم بدورها‬
‫من املشاكل‪ .‬ومل يالحظ املبخوت هنا‬
‫أيضا حرج أصحاب النّظر ّية‪ .‬يقول‬
‫أنسكومرب (‪ ،)133، 1991‬عندما بدأت‬
‫تتكاثر مشاكلها‪ ،‬متهيدا للتخليّ عن إحد‬
‫مقو ماهتا األساس ّية حتّى يتسنّى املرور‬
‫ّ‬
‫‪85‬‬

‫النّظر ّية داللة رصف؟ أو ّ‬
‫أن برياندونار‬
‫(‪ )Berrendonner,1981: 61‬محار أل ّنه‬
‫مل يفهم أين ستدمج التداول ّية؟ أو جان‬
‫كارون (‪ )Caron, 1983: 144‬أبله أل ّنه‬
‫ال يتك ّلم عن تداول ّية مدجمة بل عن «بالغة‬
‫مدجمة»؟ أهكذا خيلط ّ‬
‫كل هؤالء بني‬
‫الداللة والتداول ّية والبالغة‪ ،‬أو هّأنم ال‬
‫يعون ما يقولون؟‬

‫هو"الطريقة التي تؤول هبا األقوال (‪)...‬‬
‫يف السياقات املخصوصة التي تستعمل‬
‫فيها"»(ص‪.)359‬‬
‫بذلك يكون مقال األستاذ املبخوت‬
‫عىل قدر كبري من التبسيط إذ أ ّنه يقدّ م‬
‫النّظر ّية يف صورة خط ّية متناسقة‪ .‬ويتجاوز‬
‫أو قل يزيل بذلك مشكال أساس ّيا وكأ ّنه‬
‫مل يكن‪ ،‬وهو مشكل التذبذب الذي يم ّيز‬
‫هذه النظر ّية يف ماه ّيتها‪- ،‬تداول ّية هي‬
‫أم داللة‪ ،‬تداول ّية مدجمة أم داجمة‪ ،‬داللة‬
‫تداول ّية(‪ )22‬أم تداول ّية دالل ّية؟ فإذا كانت‬
‫تداول ّية‪ ،‬فأي تداول ّية هي تلك التي ستدمج‬
‫يف الداللة(‪)23‬؟‪:‬‬

‫لذلك ونظرا ملا يم ّيز هذه النّظر ّية من‬
‫إشكال ّيات كام أسلفنا كان من املفرتض أن‬
‫يكون موضوع تقديم املبخوت للنّظر ّية‬
‫التوصل إىل‬
‫هو البحث يف ماه ّيتها‪ .‬وكان‬
‫ّ‬
‫حتديد تسمية النّظر ّية أو عىل األقل االرتقاء‬
‫السؤال يم ّثل إسهاما يف‬
‫إىل مستوى طرح ّ‬
‫فهمها واستيعاب حدّ ها‪ .‬لكن‪ ،‬أن يستهل‬
‫أقر ما كان جيب أن‬
‫املبخوت مقاله وقد ّ‬
‫يربهن عليه‪ ،‬فقد ارتكب مغالطة من النوع‬
‫الذي يسم ّيه االستاذ النويري «مصادرة‬
‫عىل املطلوب»‪.‬‬
‫ونرى ديكرو ّ‬
‫يؤكد يف بعض مراحل‬
‫تطور النّظرية ّ‬
‫أن نظر ّيته ال تعدو أن تكون‬
‫ّ‬

‫أ‪ .‬تداول ّية موريس(‪ ،)Ch.Morris‬الذي‬
‫هيتم يف ثالث ّيته (تركيب\داللة\تداول ّية)‬
‫ّ‬
‫بالعالقة بني ال ّلغة ومستعمليها؟‬
‫ب‪ .‬تداول ّية لوويس( ‪)D.Lewis‬‬
‫ومنتاغيو(‪ )R.Montague‬وهي عبارة عن‬
‫موسعة إىل املعطيات التأشري ّية‬
‫داللة‬
‫ّ‬
‫(‪.)indexical semantics‬‬
‫ج‪ .‬تداول ّية يف معنى أوستني وسريل‬
‫وغرايس(‪ ،)Austin, Searle, Grice‬وتتم ّثل‬
‫يف دراسة األعامل الكالم ّية وقوانني‬
‫اخلطاب‪.‬‬

‫«داللة نسق ّية»( ‪une sémantique “ )21‬‬

‫ولكن الغريب يف األمر‬
‫‪”syntagmatique‬‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫أن األستاذ املبخوت يستشهد يف تعريفه‬
‫لـ«التداول ّية املدجمة» بام جاء عىل لسان‬
‫يعرف به «الداللة النسق ّية»‪ .‬فيقول‬
‫ديكرو ّ‬
‫معرفا التداول ّية املدجمة ما قاله‬
‫املبخوت ّ‬
‫معرفا الداللة النسق ّية ‪«:‬املعطى‬
‫ديكرو ّ‬
‫األسايس [‪ ]...‬يف التداول ّية املدجمة‬

‫د‪.‬تداول ّية يف معنى بارتش )‪(R.Bartsh‬‬

‫وهي التّي ُتعنى بمدى مطابقة القول‬
‫للسياق‪.‬‬
‫ّ‬

‫هـ‪.‬تداول ّية يف املعنى التشومكيس(‪N.‬‬
‫‪86‬‬

‫ولع ّلها بالغة مدجمة( ‪ )31‬ويف ماذا‬
‫تدمج هذه البالغة يف الدّ اللة أم يف‬
‫التداول ّية(‪)32‬؟‬

‫‪ )Chomsky‬بمعنى اإلنجاز ال ّلغوي‬
‫مقابلة بالقدرة ال ّلغو ّية ( ≠ ‪compétence‬‬
‫‪.)performance‬‬

‫ودون مبالغة تذكر ال توجد نظر ّية‬
‫اتسمت هبذا الفيض من التسميات‪ .‬وهو‬
‫فيض ناتج يف احلقيقة عن موقعها نظر ّي ًة‬
‫بني بني‪ ،‬فال غرابة إن اعرتض سبيلنا يف‬
‫تعريف النّظر ّية عند أصحاهبا قول مبهم‬
‫أو قل رصاحة «غمغمة» ال معنى هلا‪:‬‬
‫ّ‬
‫«إن التعبري «داللة‪-‬تداول ّية»(‪sémantico-‬‬
‫‪ )pragmatique‬يشري يف نظرنا إىل ذلك اجلزء‬
‫من الداللة الذي ُيقحم بيانات أو تعليامت‬
‫(‪ )des indications‬من نوع تداويل؛ ونحن‬
‫نعترب ذلك اجلزء مدمجَ ا يف الداللة(هكذا!)‪،‬‬
‫وغري مضاف»(‪ .)33‬أليست هذه غمغمة‬
‫من يضع ساقني يف ّ‬
‫خف واحد؟‬

‫و‪ .‬تداول ّية باملعنى الذي يعطيه هلا‬
‫شرتاوسون (‪ ،)P.F.Strawson‬وهي تتم ّثل‬
‫يف دراسة ظروف فعل القول(‪.)24‬‬
‫ال نجد شيئا من هذا يف مقال‬
‫املبخوت(‪ .)25‬هي تداول ّية وكفى!‬

‫أ ّما پالنتني فإ ّنه ال خييب ظنّنا ويتحفنا‬
‫كعادته (انظر بق ّية حتف پالنتني يف القسم‬
‫السابق من هذا املقال)‪ ،‬فيقول ّ‬
‫«إن هذه‬
‫تعو ض الداللة يف التقسيم‬
‫التداول ّية ّ‬
‫التقليدي للوصف ّ‬
‫اللساني» (هكذا‬
‫ص‪ .)38‬ويضيف «ولكنّها تداول ّية «مدجمة»‬
‫يف ال ّلغة (هكذا!)‪ ،‬تقابل تداول ّية خارج ّية»‪.‬‬
‫ولكنّه ال يقول كيف يمكن أن تكون‬
‫النّظر ّية «تداول ّية سوسري ّية»[=تأصيل ّية]‬
‫تعالج الكالم‪ ،‬بمعنى استعامل لغة تحُ دّ د‬
‫برصف النّظر عن ظروف استعامهلا‬
‫(بدون تعليق!!!)»( ‪ .)26‬ولكن‪ ،‬كيف‬
‫يمكن أن تكون النظر ّية يف اآلن نفسه‬
‫«تداول ّية بنيو ّية‪-‬تأصيل ّية»‪ ،‬فهذا جوابه‬
‫عند پالنتني‪.‬‬

‫يسمي‬
‫ومل يتساءل األستاذ املبخوت ملاذا ّ‬
‫ديكرو ومن معه النّظر ّية تداول ّية مدجمة‪ ،‬يف‬
‫حني ّ‬
‫أن الدامج يكون أوىل بالتسمية من‬
‫املـدمج‪ .‬أليس يف هذه التسمية ما يفسرّ‬
‫بعض اليشء ازدواج ّية هذه النّظر ّية؟‬
‫أليس االنبهار بالتداول ّية هو الذي جعل‬
‫ديكرو يتأرجح بني الداللة البنيو ّية وبني‬
‫توسع‬
‫تلوح به التداول ّية من امكانات ّ‬
‫ما ّ‬
‫جمال البحث ال ّلغوي‪.‬‬

‫ثم إذا كانت داللة فهل هي داللة داجمة‬
‫ّ‬
‫‪28‬‬
‫‪27‬‬
‫أو مدجمة( ) وهل هي داللة رصف( )‬
‫أو داللة نسق ّية( ‪ ،)29‬أو داللة املقاصد‬
‫أو داللة حجاج ّية( ‪ ،)30‬أو داللة فعل‬
‫القول(‪)sémantique énonciative‬؟‬

‫يسم النّظر ّية «بالغة مدجمة» ما‬
‫ملاذا مل ّ‬
‫دامت النّظر ّية ‪-‬كام يظهر ذلك الرسم البياني‬
‫الذي قدّ مه املبخوت للنّظر ّية(ص‪-)355‬‬
‫«مكونا تداول ّيا»؟‬
‫«مكونا بالغ ّيا» ال‬
‫تدمج‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫أم هل ّ‬
‫أن البالغة والتداول ّية يشء واحد‬
‫‪87‬‬

‫يتصور املرء تقديام هلذه النّظر ّية أو‬
‫أن‬
‫ّ‬
‫تصور معقول ال يقوم عىل دراسة‬
‫أدنى‬
‫ّ‬
‫تارخي ّية‪ ،‬غري آن ّية‪ .‬وال يمكن ملن يروم‬
‫تقديمها أن يتجاهل خمتلف مراحلها‬
‫وتراجعاهتا‪ .‬ونظرا ملا سبق فإ ّنه يشرتط‬
‫يف من يقدّ م هذه النّظر ّية أن يكون واعيا‬
‫هبذه اخلاص ّية فيها‪ .‬فال يمكن مثال أن‬
‫يقدّ م الشكل ‪ Y‬للنّظر ّية عىل أ ّنه «نظر ّية‬
‫احلجاج يف ال ّلغة» وقد تراجع عنه صاحبه‬
‫منذ سنة ‪ .)36(1983‬لذلك تستوجب‬
‫مقاربتُها‪ ،‬أكثر من ّ‬
‫كل نظر ّية أخرى أن‬
‫يكون من جيرؤ عليها ّ‬
‫مطلعا عارفا ّ‬
‫بكل‬
‫حتوالهتا ّ‬
‫ما نرش فيها‪ ،‬اّ‬
‫وإال فإ ّنه‬
‫ملم بكل ّ‬
‫ال يقبض منها ّ‬
‫إال عىل رساب‪ّ .‬‬
‫وإن بعض‬
‫متأت باخلصوص من‬
‫إشكال ّيات تسميتها‬
‫ّ‬
‫بتطور البحوث يف ميدان التداول ّية‬
‫تطورها ّ‬
‫ّ‬
‫متأت كذلك من‬
‫والداللة واحلجاج‪ .‬وهو ّ‬
‫املوجهة إىل هذه‬
‫تأقلمها مع االنتقادات‬
‫ّ‬
‫املنهج ّية أو تلك‪ .‬فهي تتغيرّ وتتبدّ ل مع‬
‫املدونة‪ .‬وقد أعطينا‬
‫رياح النقد ومشاكل‬
‫ّ‬
‫نموذجا الطراد االستدراكات يف هذه‬
‫النّظر ّية يف اجلزء السابق من هذا املقال(‪،)37‬‬
‫مرة‬
‫وسنضيف بعض املراجع والتواريخ ّ‬
‫ألنا ال حرص هلا‪.‬‬
‫أخرى عىل سبيل املثال‪ ،‬هّ‬
‫وجمرد رسدها مجيعا يمكن أن ّ‬
‫حيتل ح ّيز هذا‬
‫ّ‬
‫‪38‬‬
‫اجلزء من املقال بأكمله( )‪.‬‬

‫بالنّسبة إىل ديكرو؟‬
‫ال فائدة ترجى عىل هذا املستوى من‬
‫مقال األستاذ املبخوت‪ .‬فال توجد كلمة‬
‫واحدة عن «البالغة املدجمة» يف مقاله‬
‫وكأ ّنه يعتربها مرادفا للتداول ّية! ويكاد‬
‫القارئ ‪-‬غري املطلع‪ -‬يستنتج ّ‬
‫أن ديكرو‬
‫يفرق بني البالغة والتداول ّية‪ .‬واحلقيقة‬
‫ال ّ‬
‫غري ذلك متاما‪.‬‬
‫ّ‬
‫ولعل املبخوت مل يعر اهتامما كبريا‬
‫ملا قرأه عند ديكرو وأنسكومرب ال ّلذين‬

‫األو ل (‪)16:1983‬‬
‫خيصصان الباب‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫والثاني(‪ )36 :1983‬من الكتاب لـ«مفهوم‬
‫البالغة املدجمة»‪ ،‬فيقرتحان إدخال "بالغة‬
‫مدجمة" يف "التداول ّية املدجمة"(‪ .)34‬وكان‬
‫هذا كفيال بأن يربهن عىل أن ديكرو‬
‫وصاحبه يم ّيزان بني البالغة والتداول ّية‪.‬‬
‫ومها ّ‬
‫يؤكدان (يف هامش ‪ 2‬من نفس‬
‫الصفحة) عىل ّ‬
‫«املكو ن البالغي»‪،‬‬
‫أن‬
‫ّ‬
‫الذي يتحدّ ث عنه ديكرو يف رسمه البياني‬
‫للنّظر ّية ‪ ،Y‬كام عرضه يف كتابه «‪Dire et ne‬‬
‫‪ ،»pas dire‬خمتلف عن التداول ّية والبالغة‬
‫املدجمتني(‪.)35‬‬

‫‪ .3‬هل انتهى مسلسل اعرتافات‬
‫ديكرو؟‬

‫و ممّا يزيد من تعقيد األمور ّ‬
‫أن‬
‫نظر ّية ديكرو ختتص بصبغتها الرتاجع ّية‬
‫االستدراك ّية وإعادة النّظر واملراجعة‪ .‬فال‬
‫يكاد خيلو مقال من تراجع عن موقف‬
‫صدر يف املقال الذي سبقه‪ .‬وال يمكن‬

‫أ‪ .‬اسرتاتيج ّية العضاية‪:‬‬

‫ال توجد كام رأينا نظر ّية تراجع فيها‬
‫أصحاهبا تراجع ديكرو يف نظر ّيته‪ ،‬وقد ب ّينّا‬

‫‪88‬‬

‫الرتاجعات‪ ،‬إلخ‪ .‬هذه أربع مراحل ومازلنا‬
‫يف سنة ‪ ،1986‬فام بال األستاذ املبخوت‪،‬‬
‫سنة ‪ ،1998‬ال يعترب ّ‬
‫إال اجلزء املرئي من‬
‫جبل الثلج؟‬

‫أن هذا الرتاجع امل َـرَضيِ للنّظر ّية هو أحد‬
‫مقوماهتا(‪.)39‬‬
‫ّ‬
‫وقد صار نقد النّظر ّية من باب‬
‫املستحيل نظرا لتغيرّ ها كاحلرباء‪ ،‬وك ّلام‬
‫ملقوم ما أو‬
‫ّ‬
‫توجه أحد ال ّلسانيني بالنقد ّ‬
‫ملقاربة أو لتحليل مجلة أو قول‪ ،‬كان نصيبه‬
‫دائام نصيب فوكونييه أو بينوا دي كرنيلييه‬
‫أو أالن براندونار‪ ،‬أو بيار هنري‪ ،‬أو جان‬
‫كارون‪« :‬لقد جتاوزت النّظر ّية هذه النقطة‬
‫ومل نعد نعترب األمور كام سبق لذلك فهذا‬
‫هيمنا»(‪.)40‬‬
‫النّقد مل يعد ّ‬

‫بذلك تأخذ قض ّية املراجع ورشط‬
‫االطالع يف تقديم نظر ّية ديكرو أمه ّية‬
‫خاصة إذ ال يمكن معرفة ما آلت إليه‬
‫ّ‬
‫مهمة مثال‬
‫النّظر ّية دون االطالع عىل مراجع ّ‬
‫ديكرو ‪ ،1988‬وانسكومرب ‪ 1989‬التي‬
‫ثم‬
‫مت ّثل املرحلة النّموذج ّية يف النّظر ّية(‪ّ ،)42‬‬
‫ما صدر بعد التّاريخ االعتباطي (أي سنة‬
‫‪ )1989‬الذي وقف فيه املبخوت قراءاته‪،‬‬
‫ّ‬
‫وكأن ديكرو ومن معه قد كتفوا األيدي‬
‫وأستكملوا دين النّظر ّية‪ .‬ونذكر منها‬
‫مثال مقاالت ديكرو ‪ ،)43(1993‬ومقال‬
‫يتسن للمبخوت من‬
‫لوند ‪ .1998‬ومل‬
‫ّ‬
‫النّظر ّية ّ‬
‫إال مرحلة الروابط احلجاج ّية‪ّ .‬‬
‫ألن‬
‫ديكرو(‪ )1995‬صار يعترب ّ‬
‫أن املقوالت‬
‫وخاصة األسامء واألفعال هلا هي‬
‫األخرى‬
‫ّ‬
‫أيضا اجتاهات حجاج ّية‪ ،‬متاما كالروابط‬
‫الرتكيب ّية‪ ،‬بعد أن قرص نظر ّيته عليها‪.‬‬
‫لذلك فلم يعد معنى للقسم الثالث من‬
‫مقال املبخوت املخصص لـ«الرتابط‬
‫احلجاجي»(‪ّ )380-375‬‬
‫إال عىل سبيل‬
‫التأريخ ملرحلة انقضت من النّظر ّية‪.‬‬

‫وال يضري النّظر ّية حتّى الرتاجع عن‬
‫الرتاجع إذا اقتىض األمر يف اسرتاتيج ّية‬
‫تضحي بذيلها إلنقاذ‬
‫العضاية التي‬
‫ّ‬
‫حياهتا‪ .‬فرتى ديكرو ّ‬
‫يتهكم من نقد جيل‬
‫فوكونييه(‪ّ ،)51،1983‬الذي ينقد مقاربة‬
‫للمكو ن االخباري يف املرحلة‬
‫النّظر ّية‬
‫ّ‬
‫الثانية(‪ )1973‬ويعترب فوكونييه ّ‬
‫أن املرحلة‬
‫األوىل(‪ )1969‬من النّظر ّية أقرب من‬
‫الصواب‪ .‬فيكون جواب ديكرو أ ّنه قد‬
‫ّ‬
‫ختلىّ عن املقاربة األوىل والثانية أل ّنه غيرّ‬
‫تعريفه للحجاج(‪.)41‬‬

‫ويف مقال ديكرو وأنسكومرب (‪،)1986‬‬
‫ّ‬
‫وإال‬
‫الذي مل يستغ ّله األستاذ املبخوت‬
‫لكان اعترب هذه اخلاص ّية االستدراك ّية‬
‫يقسم صاحبا النّظر ّية مراحل‬
‫للنّظر ّية‪ّ ،‬‬
‫تطورها يف صيغتها احلجاج ّية (أي بعد‬
‫ّ‬
‫سنة ‪ )1973‬إىل أربع مراحل‪ .‬وليس يف‬
‫هذا املقال أي ّ‬
‫متش نسقي إذ كان أغلبه‬
‫تراجعات وحتويرات وتراجعات عن‬

‫‪ .4‬ال يملك املبخوت إ ّال محارا هزيال‪:‬‬
‫فهل سيفتقر؟‬

‫يتعرض‬
‫وكان عىل األستاذ املبخوت أن ّ‬
‫يف تقديمه للنّقاط التي تناوهلا اللسان ّيون‬
‫‪89‬‬

‫عدنا إىل القول (‪:)21‬‬

‫بالنقد من نظر ّية ديكرو أو عىل األقل أن‬
‫يبدي رأيه يف هذه النّظر ّية‪ ،‬ال أن َيعرضها‬
‫وكأنا قول منزّ ل‪ ،‬وهذا مظهر آخر من‬
‫هّ‬
‫مظاهر العقل ّية التي ذكرنا‪ .‬وال نريد أن‬
‫نطيل احلديث عن ديكرو العتقادنا ّ‬
‫أن‬
‫نظر ّيته ال تستحق أكثر من احل ّيز الذي‬
‫أخذته‪ .‬فام دامت النّظر ّية تأصيل ّية‪ ،‬يف‬
‫مراحلها التي وصفنا إىل اآلن‪ ،‬فهي ال‬
‫هتم ّ‬
‫إال ال ّلغة الفرنس ّية وال يمكن أن تكون‬
‫ّ‬
‫نظر ّية كون ّية‪ ،‬إذ يصعب نقلها إىل لـغة‬
‫أخرى العتامدها الكليّ عىل اخلاص ّيات‬
‫الرتكيب ّية ل ّلغة الفرنس ّية(‪ ،)44‬خالفا لغريها‬
‫من النّظر ّيات احلجاج ّية‪.‬‬

‫(‪ )21‬لن تفتقر فثمن التذكرة ثالثون‬‫دينارا‪.‬‬
‫احلجة نفسها <ثمن‬
‫أمكننا أن نستعمل ّ‬
‫التذكرة ثالثون دينارا> لتدعيم النتيجة‬
‫املعاكسة «ستفتقر»‪.‬‬
‫ (‪ )‘21‬ستفتقر فثمن التذكرة ثالثون‬‫دينارا‪.‬‬
‫ولكننا حني نقارنه بـ(‪ )31‬و (‪:)‘31‬‬

‫(‪ )31‬لن تفتقر فام ثمن التذكرة ّ‬‫إال‬
‫ثالثون دينارا‪.‬‬
‫(‪* )‘31‬ستفتقر فام ثمن التذكرة ّ‬‫إال‬
‫ثالثون دينارا‪.‬‬

‫وقد كان من اليسري عىل األستاذ‬
‫املبخوت أن يربهن عىل ّ‬
‫أن نظر ّية «احلجاج‬
‫يف ال ّلغة» ال تسلم من اخلور (إذا استثنينا‬
‫«السالمل احلجاج ّية») وذلك بمناقشة‬
‫األمثلة التي يقدّ مها ديكرو‪ ،‬ال أن يكتفي‬
‫بنقلها إىل العرب ّية مع ما يطرحه هذا النّقل‬
‫من مشاكل‪ .‬فالنقل يف هذه احلال استسالم‬
‫ولكن هذا األمر‬
‫وتسليم وليس أمانة(‪.)45‬‬
‫ّ‬
‫يتقمص النظر ّية‬
‫ال يمكن أن يتحقق ملن ّ‬
‫ويتجر د‬
‫فيدافع عنها منبهرا دون متييز‬
‫ّ‬
‫إزاءها من ّ‬
‫نقدي بدل أن يتق ّبلها‬
‫كل فكر‬
‫ّ‬
‫معمال الرأي حمرتزا‪.‬‬

‫نجد الربط يف (‪ )‘31‬غري سائغ[…]‬
‫وما جيب االنتباه إليه هنا هو ّ‬
‫أن هذه‬
‫الوجهة االجياب ّية موجودة يف بنية "ما‬
‫… ّ‬
‫إال …" بقطع النّظر عن االستعامل‬
‫متس باملحتوى القضوي‬
‫املقامي وهي ال ّ‬
‫للجملتني»(ص‪.)376‬‬
‫أ ّما نحن فنرى ّ‬
‫يمت إىل‬
‫أن ما قيل ال ّ‬
‫الواقع بصلة‪ .‬وهو ّ‬
‫يدلل بالعكس عىل‬
‫أولو ّية املقام يف احلجاج (كام يف املعنى)‪.‬‬
‫فهذه اجلملة ال ترتبط ارتباطا عضو ّيا كام‬
‫يرى املبخوت بالوجهة اإلجياب ّية‪ .‬وسنبينّ‬
‫ألي أحد‪،‬‬
‫ملاذا‪ .‬وال يمكن ال لديكرو وال ّ‬
‫هم ّ‬
‫إال يف نطاق نظر ّية تأويل ّية تقوم عىل‬
‫ال ّل ّ‬
‫بناء املعنى ال البحث عنه موجودا قبل‬
‫حجته أقوى أو أسلم‬
‫القول‪ ،‬أن يثبت أن ّ‬

‫لقد كانت فرصة املبخوت يف نقد‬
‫نظر ّية «احلجاج يف ال ّلغة» واالستدالل عىل‬
‫حجتها يف األمثلة(‪ )46‬التي قدّ مها‬
‫ضعف ّ‬
‫(ص‪ )376‬حيث يقول املبخوت‪« :‬فإذا‬
‫‪90‬‬

‫ّ‬
‫ألن السياق الذي تسكت عنه النّظر ّية‬
‫ويضمنه ديكرو هو ّ‬
‫أن كلمة «ثمن»‬
‫صح “‪ )”coûter‬يف‬
‫(ومقابلها الفرنيس إن ّ‬
‫رأسه تساوي الرشاء فقط‪ .‬بذلك نرى‬
‫أمه ّية العنرص االخباري‪ ،‬يف السياق‪ ،‬لفهم‬
‫ّ‬
‫وندلل بالطبع عىل ّ‬
‫أن اختيار‬
‫املقاصد‬
‫يتم قبل الرشوع يف تطبيق‬
‫االجتاه التأوييل ّ‬
‫قوانني اخلطاب واآلل ّيات الدالل ّية التي‬
‫توجهات اجلملة احلجاج ّية‬
‫تبحث عن ّ‬
‫يف نظر ّية ديكرو‪ ،‬عكس ما تقوله نظر ّية‬
‫احلجاج يف ال ّلغة متاما حيث تتم هذه‬
‫العمل ّية بعد تطبيق قوانني اخلطاب‪ ،‬إلخ‪.‬‬

‫بت» يف هذه النّظر ّية وعدم‬
‫لغياب «إجراء ّ‬
‫اعتامدها عىل السياق خالفا ملا ُيزعم‪.‬‬

‫ذلك ّ‬
‫أن ال يشء يف اجلملة التي‬
‫يستشهد هبا املبخوت والتي أخذها عىل‬
‫ما فيها من ديكرو(‪ ،)47‬يدل عىل عمل ّية‬
‫تتم باملقابل املايل‪ :‬أهي البيع‬
‫املبادلة التي ّ‬
‫أم الرشاء؟ فأي يشء يربر اختيار املبخوت‬
‫مكونات‬
‫عمل ّية الرشاء دون البيع وكأ ّنه من ّ‬
‫املوسعة‬
‫املعنى الضمينّ (يف مضامر الدالل ّية ّ‬
‫هذه) أو كأ ّنه من البدهي ّيات؟ أل ّننا إذا‬
‫اعتربنا أن العمل ّية موضوع احلديث هي‬
‫عمل ّية بيع تذاكر وليست عمل ّية رشاء فإنّ‬
‫هذه «الوجهة االجياب ّية» املوجودة يف بنية‬
‫إال…"‪ .‬ستنقلب بفعل القادر‬
‫"ما …‬
‫ّ‬
‫وجهة سلب ّية!!! ال إجياب ّية‪ .‬إذا كانت «هذه‬
‫الوجهة االجياب ّية‪ ،‬كام يقول املبخوت‪،‬‬
‫موجودة يف بنية "ما ‪ّ ...‬‬
‫إال"» فستستوي‬
‫لديه اجلملتان «ما تعطي ّ‬
‫إال ‪ 10‬دنانري» و‬
‫«ما تأخذ ّ‬
‫إال ‪ 10‬دنانري» وسيستوي لديه‬
‫الدفع والقبول! وال يقبل هبذا حتّى طفل‬
‫يف ّأول عهده بالكالم‪.‬‬

‫وبذلك تكون اجلملة «‪ )‘31(-‬ستفتقر‬
‫فام ثمن التذكرة ّ‬
‫إال ثالثون دينارا» سائغة‬
‫جدّ ا‪ ،‬عكس ما يدعيه ديكرو ومن ورائه‬
‫املبخوت‪ .‬وال يبقى غري سائغ سوى القبول‬
‫هبذه النظر ّية دون إعامل رأي‪.‬‬
‫ثم حتّى ّ‬
‫ندق الوتد بعمق‪ ،‬فنبينّ كيف‬
‫ّ‬
‫أن ديكرو خيتار أمثلته ّ‬
‫ّ‬
‫هيمه‬
‫بكل عناية وال ّ‬
‫منها إن كانت تأخذ بأكثر عدد ممكن من‬
‫املظاهر ال ّلغو ّية (النظر ّية التوليد ّية مثال)‪،‬‬
‫سنعطي أمثلة نجد فيها نفس الرتاكيب‬
‫ولكن ال نجد فيها نفس التقييدات‪ .‬فكيف‬
‫سنحكم مـثال عىل الوجهة احلجاج ّية‬
‫للجملتني ‪:‬‬
‫(أ) ‪-‬ستفتقر‪ :‬أنت ال متلك ّ‬
‫إال محارا‬

‫بذلك وإذا اعتربنا السياق الثاني‬
‫ّ‬
‫فإن القيم املتع ّلقة باجلملتني تنقلب تباعا‬
‫فتصري‪:‬‬
‫(“‪* )31‬لن تفتقر فام ثمن التذكرة‬‫ّ‬
‫إال ثالثون دينارا‪.‬‬
‫(‪ )“‘31‬ستفتقر فام ثمن التذكرة ّ‬‫إال‬

‫هزيال‪.‬‬

‫(ب) ‪-‬لن تفتقر‪ :‬أنت ال متلك ّ‬
‫إال‬
‫محارا هزيال‪.‬‬

‫ثالثون دينارا‪.‬‬

‫‪91‬‬

‫املكون‬
‫دون ال ّلجوء إىل السياق وإىل‬
‫ّ‬
‫ثم كيف يمكن‬
‫اإلخباري لتبيان املقاصد؟ ّ‬
‫لنظر ّية احلجاج يف ال ّلغة أن تبينّ الوجهة‬
‫احلجاج ّية إن كانت إجياب ّية أو سلب ّية جلملة‬
‫مثل ‪:‬‬
‫ج‪ .‬ال يغلق املرصف أبوابه ّ‬
‫إال يف املساء؟‬

‫والتعويم الذي تقوم عليه‪ .‬فكثري من‬
‫النظر ّيات ال ّلسان ّية قد قامت وليس هلا ما‬
‫ربر وجودها سوى قدرهتا عىل تفسري مجلة‬
‫ي ّ‬
‫عجزت نظر ّية أخرى عن تفسريها‪ .‬وكم‬
‫ألنا عجزت عن إدخال‬
‫من نظر ّية هوت هّ‬
‫مجلة\مثال يف نظامها النظري‪ ،‬وأحسن‬
‫شاهد عىل ذلك ما وقع لتشومسكي مع‬
‫تتحول إىل املبين للمجهول‬
‫اجلملة التي ال‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫إال بتغيرّ معناها‪.‬‬

‫حيث نستطيع أن نقول‪:‬‬

‫(ج‪ .)1‬ال يغلق املرصف أبوابه ّ‬
‫إال يف‬
‫الصباح‪.‬‬
‫(ج‪ .)2‬ال يفتح املرصف أبوابه ّ‬
‫إال يف‬
‫الصباح‪.‬‬
‫(ج‪ .)3‬ال يفتح املرصف أبوابه ّ‬
‫إال يف‬
‫املساء‪.‬‬
‫(ج‪ .)4‬ال يغلق املرصف أبوابه ّ‬
‫إال‬
‫يف املساء‪.‬‬
‫بام أ ّننا ال نبدّ ل يف األمر شيئا حتّى إذا‬
‫أضفنا إليها «ستفتقر\لن تفتقر»‪:‬‬

‫‪ .5‬شو ّية وأخواهتا‪.‬‬

‫سنحاول أن نربهن‪ ،‬يف ما ييل‪ ،‬عىل‬
‫ّ‬
‫أن النّظر ّية‪ ،‬خالفا للنظر ّيات احلجاج ّية‬
‫األخرى‪ ،‬تعتمد أساسا عىل هياكل ال ّلغة‬
‫الفرنس ّية وال تصلح أن تكون نظر ّية كون ّية‪.‬‬
‫وبام ّ‬
‫أن املبخوت مل يع هذا البعد فإ ّنه راح‬
‫يرتجم اجلمل الفرنس ّية عىل ما تطرحه‬
‫من اشكاالت‪ ،‬ومل ينتبه إىل إمكان ّية نقد‬
‫النّظر ّية‪ ،‬اعتامدا عىل ال ّلغة العرب ّية‪ ،‬النغامسه‬
‫يف هذه النّظر ّية واسرتخائه هلا‪.‬‬

‫د‪ 1.‬ستفتقر فام يغلق(يفتح) املرصف‬
‫أبوابه ّ‬
‫إال يف املساء (الصباح)‬
‫د‪ 2.‬لن تفتقر فام يغلق(يفتح) املرصف‬
‫أبوابه ّ‬
‫إال يف املساء (الصباح)‪.‬‬

‫لقد أقام ديكرو نظر ّية السالمل احلجاج ّية‬
‫ثم نظر ّية احلجاج يف ال ّلغة عىل املقابلة بني‬
‫ّ‬
‫أدايت الظرف “‪ ”peu‬و “‪ ”un peu‬يف تقابل‬
‫وجهتهام احلجاج ّية رغم تقارب داللتهام‪.‬‬
‫فاألول يعين القليل مع اجتاه سلبي والثاني‬
‫ّ‬
‫يعين القليل مع اجتاه إجيايب وال يمكن أن‬
‫يستعمال ّ‬
‫إال يف اجتاهات معاكسة‪.‬‬

‫هل سيقول ديكرو إ ّنه ليس هلذه اجلملة‬
‫وجهة حجاج ّية أم سيقرتح مفهوما جديدا‬
‫يسمـيه الرابط التداويل الفارغ(‪ ،)48‬مع‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫أن هلذه اجلملة معنى يبنى حسب املسار‬
‫التأوييل املناسب يف ّ‬
‫مرة ملقتضيات‬
‫كل ّ‬
‫املقام واملقاصد؟‬
‫وعىل ّ‬
‫كل فإ ّننا مل نكن لنورد هذا املثال‬

‫وال خيلو مقال أو كتاب منذ ‪ 1972‬من‬
‫احلجة التي جعلها ديكرو يف مقدّ مة‬
‫هذه ّ‬

‫لو مل تكن له أمه ّيته يف إبراز معامل النظر ّية‬
‫‪92‬‬

‫حججه‪ .‬ومن حسن ّ‬
‫حظ النّظر ّية أن‬
‫ّ‬
‫جل ال ّلغات األورب ّية تعرتف هبذا التقابل‪،‬‬
‫فجعل منه عامال دالل ّيا «عزو ّيا» يتجاوز‬
‫وسع ديكرو‬
‫ثم ّ‬
‫حدود ال ّلغة الفرنس ّية‪ّ .‬‬
‫فسمى هذا‬
‫طموحه إىل ال ّلغات السام ّية ّ‬
‫العامل سنة ‪،“CHOUIA“ )49 (1995‬‬
‫أي ما يقابل «شو ّية» بال ّلهجات العام ّية‬
‫العرب ّية‪.‬‬

‫هذا األساس لن يدمج يف الداللة بل يف‬
‫الرتكيب‪ .‬فتكون النّظر ّية ‪-‬عفوا أستاذ‬
‫مبخوت‪ -‬تداول ّية مدجمة يف الرتكيب‬
‫ال يف الداللة‪.‬‬
‫وال نريد أن نطيل احلديث أكثر حتّى‬
‫نثبت أن نظر ّية ديكرو ليست نظر ّية كون ّية‪،‬‬
‫ويكفي القول ّ‬
‫إن كلمة «شو ّية» التي اختذها‬
‫حصان طروادة الدخال نظر ّيته يف ال ّلغات‬
‫السام ّية ال تنقاد بسهولة‪ .‬فامذا عساه يقول‬
‫عنها يف استعامالت «شو ّية» من نوع‪:‬‬
‫ج‪ .‬خ ّليت الباب حملول‪ ،‬شو ّية‬

‫وما كنّا لنذهب إليه لو مل يبدأ بالزيارة‪.‬‬
‫فهل تصلح هذه النّظر ّية لتبيان نفس املقابلة‬
‫احلجاج ّية يف ال ّلغة العرب ّية؟‬
‫ّ‬
‫بكل بساطة‪ .‬إذ ال وجود يف‬
‫ال!‬

‫القطوس دخل‪.‬‬
‫ّ‬

‫غري ّ‬
‫أن املعنى ُيـبنى يف ديالكتيك ّية‬
‫تأويل ّية وال يوجد ماقبل ّيا يف هياكل ال ّلغة‬
‫كام يزعم ديكرو(‪.)50‬‬

‫هلجاتنا‪ ،‬أو عىل األقل يف ما نعرف منها‪،‬‬
‫ويوجه القول‬
‫لزوج تقابيل له نفس املعنى‬
‫ّ‬
‫اجتاهات حجاج ّية متناقضة‪.‬‬
‫ولكنّنا نالحظ أن نفس العامل «شو ّية»‬
‫يستعمل يف موقعني من اجلملة ‪:‬‬

‫‪ .6‬انتحار آخر اهلنود احلمر‪ .‬أو كيف‬
‫تكون ملك ّيا أكثر من امللك؟‬

‫أ‪ .‬عندي شو ّية فلوس‪.‬‬

‫أي حتوير يف النّظر ّية‬
‫ال يشري املبخوت إىل ّ‬
‫ّ‬
‫إال يف آخر فقرة من املقال(ص‪ ،)383‬ورغم‬
‫أ ّنه ال يقدّ م ّ‬
‫إال الفرض ّية األوىل للنّظر ّية‬
‫وبشائر الفرض ّية الثانية‪ ،‬فهو مل ير فائدة‪ ،‬أو‪،‬‬
‫إلسعافه بحسن الن ّية‪ ،‬لع ّله مل ّ‬
‫يتفطن إىل ّ‬
‫أن‬
‫هذا «التحوير» يدخل تناقضا جوهر ّيا يف‬
‫خاصة يف ماه ّية احلجاج وعمل ّية‬
‫النّظر ّية‪ّ ،‬‬
‫املحاجة‪ .‬فكيف سنفهم تعريفه للحجاج‬
‫ّ‬
‫«يف ال ّلغة» (ص‪ّ ]…[« :)383‬‬
‫إن اجلملة‬
‫التي تنجز يف مقام خمصوص ال تفيض‬
‫إىل نتيجة حمدّ دة ّ‬
‫إال باالحالة عىل موضع‬

‫ب‪ .‬الفلوس اليل عندي شو ّية‪.‬‬
‫ويعطي اجتاهني متقابلني للجملة‪.‬‬
‫فيكون (أ)عندي شو ّية فلوس‪( ← .‬عندي‬
‫مال يكفيين وزيادة) «بينام (ب)الفلوس‬
‫اليل عندي شو ّية‪ ← .‬عندي مال (لكن‬
‫أقل من ال ّ‬
‫ولكن املقابلة كام نرى‬
‫الزم)‪.‬‬
‫ّ‬
‫ليست دالل ّية تقوم عىل معنى مشرتك‬
‫بني كلمتني‪ ،‬بل تركيب ّية تقوم عىل موقع‬
‫تقمصنا‬
‫نفس العامل من اجلملة‪.‬وإذا‬
‫ّ‬
‫النّظر ّية سنقول ّ‬
‫املكون البالغي عىل‬
‫إن‬
‫ّ‬
‫‪93‬‬

‫من املواضع» إذا علمنا ّ‬
‫أن املوضع يم ّثل‬
‫تصوراهتم‬
‫«اعتقادات املتخاطبني ومن بينها ّ‬
‫عن املجتمع بام ّ‬
‫أن املواضع قضايا وأفكار‬
‫مشرتكة بينهم» فتكون داللة اجلملة جمموع‬
‫املواضع التي تمُ ّكن من تطبيقها عند قول‬
‫اجلملة(ص‪.)382‬وكيف سنقابله بام‬
‫عرف‬
‫مطرق به آذاننا طيلة ثالثني صفحة ّ‬
‫مسجل يف أبنية ال ّلغة‬
‫فيها «احلجاج» بأ ّنه‬
‫ّ‬
‫توجه القول وليس رهينة‬
‫بصفته عالقات ّ‬
‫املحتوى االخباري للقول وال رهينة أي‬
‫بنية استدالل ّية صناع ّية من خارج نظام‬
‫ال ّلغة»(ص‪)352‬؟‬

‫وضع ال حيسد عليه‪ ،‬ألنه َو ْض ُع من هو‬
‫أكثر دفاعا عىل امللك ّية من امللك نفسه‪،‬‬
‫أو من يرىض أن يكون «ت ّياس» نظر ّيات‬
‫مط ّلقة!‬
‫هاكم ما يقول ديكرو سنة ‪« :1993‬لقد‬
‫أخطأنا [أنا وأنسكومرب] يف مرامي نظر ّيتنا‬
‫ثم ّ‬
‫يؤكد «لقد أخطأنا عندما‬
‫وأهدافها(‪ّ .)52‬‬
‫اعتقدنا أنه باالمكان أن نربز كيف وملاذا‬
‫نستطيع أن <نحاجج> باستعامل ألفاظ‬
‫ّ‬
‫اللغة»(‪ .)53‬ويستنتج «كان باألحرى أن‬
‫تسمى نظر ّيتنا «نظر ّية ال ّال حجاج يف‬
‫ّ‬
‫‪54‬‬
‫ثم يضيف «لقد انطلقنا وكان‬
‫ال ّلغة»»( )‪ّ .‬‬
‫هدفنا تفسري الطريقة التي ّ‬
‫متكن اخلطاب‬
‫حتّى وإن مل يقدر عىل أشياء أخرى‪ -‬من‬‫املحاجة‪ ،‬مستعينا باملواضع البالغ ّية‪.‬‬
‫عمل‬
‫ّ‬
‫املحاجة‬
‫لكن ها أ ّني أنكر حتّى إمكان ّية‬
‫ّ‬
‫يف اخلطاب(‪.»)247 ،1993‬ومل يعد يرى‬
‫من احلجاج ّ‬
‫إال رسابا‪ّ :‬‬
‫«إن "نظر ّية احلجاج‬
‫يف ال ّلغة" أصبحت بذلك "نظر ّية احلجاج‬
‫املز ّيف" أو "نظر ّية رساب احلجاج"»(‪.)55‬‬

‫ّ‬
‫هيم‬
‫هيم ديكرو بقدر ما ّ‬
‫إن ما سبق ّ‬
‫األستاذ املبخوت‪ .‬أ ّما ما يمكن أن نؤاخذه‬
‫عليه وحده فإ ّنام هو الوقوف‪ ،‬يف عرضه‬
‫لنظر ّية ديكرو‪ ،‬عند سنة ‪]1991[\1989‬‬
‫(‪ ،)51‬وهذا يعين أ ّنه مل ينظر فيام كتبه ديكرو‬
‫بعد هذا التّاريخ‪ .‬وكأ ّننا بديكرو ومن معه‬
‫قد توقفوا عن الرتاجع والنقد الذايت أو‬
‫ّ‬
‫أن ما كتبوه منذ سنوات ال يستحقّ الذكر‪.‬‬
‫ومهام كان رأي ديكرو بخصوص‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫متأخر عن الركب‬
‫ولعل القارئ العريب‬
‫ّ‬
‫إال بعد قربها احلجاج وعالقته باللغة ّ‬
‫بطبعه‪ ،‬ال يزور النّظر ّيات ّ‬
‫فإن هذا املوقف‬
‫بقرون‪ ،‬فال تعترب عرش سنوات يف نظره النقدي الذا ّ‬
‫يت الذي جاهر به صاحب‬
‫ح ّيزا زمن ّيا كبريا‪ .‬أو لع ّله ال يستحق أحدث النّظر ّية من شأنه أن جيعل من يقدّ مها‬
‫أي اعرتاض أو نقاش يشعر بقليل‬
‫ممّا قدّ م من النّظر ّية‪ .‬لكن يف احلالة التي بني دون ّ‬
‫أيدينا ال يغبط املبخوت عىل وضعه‪ ،‬فحني من اخلجل‪.‬‬
‫ال ّ‬
‫وال فائدة من القول ّ‬
‫يطلع املرء عىل النقد الذايت الذي أصبح‬
‫إن الترّ اجع يف‬
‫مقاله بموجبه مفرغا من معناه‪ ،‬يصبح يف «احلجاج يف ال ّلغة» مر ّده الترّ اجع يف إحد‬
‫تعامله مع النظر ّية التي ط ّلقها صاحبها يف‬
‫املقو مات األساس ّية للنّظر ّية‪ ،‬أعين به‬
‫ّ‬
‫‪94‬‬

‫مشجعيه من‬
‫التأصيل ّية‪ .‬فقد أدخلت املواضع تناقضا مع يريد أن حيافظ عىل ماء وجه‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫التأصيل ّية يصعب التخ ّلص منه ّ‬
‫إال‬
‫قرائه ونحن منهم‪.‬‬
‫بالتنكر ّ‬
‫ألحدمها‪ّ .‬‬
‫ألهم الفرض ّيات‬
‫فتنكر ديكرو‬
‫ّ‬
‫التي تقوم عليها «نظر ّية احلجاج يف‬
‫‪ .VII‬قض ّية املساءلة يف البالغة‬
‫ال ّلغة»(‪ .)240 ،1993‬ولكن الرتاجع قد واحلجاج‪:‬‬
‫عم تقريبا ّ‬
‫كل ما يربط النّظر ّية بالبنيو ّية(‪)56‬‬
‫ّ‬
‫يقول األستاذ القاريص ّ‬
‫إن ميشال ميار‬
‫ّ‬
‫يف املقاالت الالحقة‪ .‬وصارت النّظر ّية‪« ،‬يلغي ّ‬
‫كل املحاوالت واملدارس ال ّلغو ّية‬
‫ألنا يف‬
‫بعد مقال لوند (‪ )618 ،1998‬وهو التي اشتغلت عىل ال ّلغة والكالم هّ‬
‫أحد تالمذة ديكرو‪ ،‬تعرف بـ«ديناميك ّية نظره مل جتب عن السؤال ‪ :‬ماذا يعين أن‬
‫‪57‬‬
‫اخلطاب»( )‪ ،‬وخت ّلت عن صفتها نظر ّي ًة نتك ّلم؟» (ص‪ .)392‬إن رمنا مداعبة‪،‬‬
‫للحجاج‪.‬‬
‫كان اجلواب من قول م ّيار نفسه‪« :‬أن‬
‫نتك ّلم يعين أن نسائل»(‪ .)58‬وإن شئنا أن‬
‫نأخذ األمور بجدّ ّية ّ‬
‫أول ما يتبادر إىل‬
‫فإن ّ‬
‫الذهن هو ّ‬
‫أن نظر ّية م ّيار تدخل هي أيضا‬
‫يف املسار االستدراكي للنّظر ّيات اللسان ّية‬
‫تتأسس ّ‬
‫إال عىل أنقاض‬
‫التي ال يمكنها أن ّ‬
‫النظر ّيات األخرى‪ ،‬عكس األنظمة املنطق ّية‬
‫مثال التي يمكنها أن تتعايش دون إقصاء‬
‫بل إ ّنه بإمكان الواحدة أن تواصل ما ابتدأه‬
‫غريها‪ .‬وهذا من شأنه أن جيعل القارئ‬
‫يس ّلم مع األستاذ الڤاريص ّ‬
‫بأن نظر ّية‬
‫املساءلة مل ّيار هي نظر ّية لسان ّية جديدة تتز ّيا‬
‫باملقاربة ال ّلسان ّية‪ .‬يف حني ّ‬
‫أن نظر ّية املساءلة‬
‫ليست نظر ّية لسان ّية كتلك التي يمكن أن‬
‫نجدها عند استار ڤودي(‪ )E.Goody‬أو‬
‫عند بربارا هال پريت( ‪،)B.Hall-Partee‬‬
‫وال هي نظر ّية منطق ّية كالتي نجدها عند‬
‫ّ‬
‫هنتكا(‪ )J.Hintikka‬أو أكوفيست(‪)L.Åqvist‬‬

‫ولكم شعرنا باالحراج ‪-‬ملعرفتنا ّ‬
‫بأن‬
‫األستاذ املبخوت باحث حياول أن يكون‬
‫جا ّدا‪ -‬عند قراءة عرضه وإدراكنا أ ّنه مل‬
‫ّ‬
‫مهمة يف فهم نظر ّية‬
‫يطلع عىل عدّ ة أعامل ّ‬
‫الصادر سنة‬
‫ديكرو ومنها مقال ديكرو ّ‬
‫‪ّ ،1993‬‬
‫فإن إمهاله لتلك األعامل جيعل من‬
‫تقديمه للنّظر ّية تقديم غري ّ‬
‫املطلع‪.‬‬

‫وعىل ّ‬
‫كل حال‪ ،‬فإذا كان األستاذ‬
‫املبخوت ّ‬
‫مطلعا عىل هذا املقال وما فيه من‬
‫وتعمد‬
‫تطور للنّظر ّية‬
‫ّ‬
‫تعديل أو نقد ذايت أو ّ‬
‫إغفاله ومل يستغ ّله يف تقديمه فقد ارتكب‬
‫ذنبا علم ّيا ال يبعد عن املغالطة‪ .‬أ ّما إذا كان‬
‫ال يعلم بوجوده أل ّنه أوقف حدود العمل‬
‫يف سنة ‪ ،]1991[\1989‬وال يعذر املرء‬
‫بجهله‪ ،‬فإ ّنه قد باعنا سلعة «فريپ» (أي‬
‫«الروبافيكيا» عند أهل تونس)‪ ،‬أكل عليها‬
‫الدهر وعافها صاحبها‪ .‬وهذا ال جيوز ملن‬

‫‪95‬‬

‫ُ‬
‫املسند‬
‫حيتوي عىل اإلخبار‪ .‬ور ّبام احتوى‬
‫َ‬
‫املسند إليه وأعاد طرحه‪ .‬ولكن ال يمكن أن‬
‫يكون هناك تل ّفظ من غري «املوضوع»‪ّ .‬‬
‫فكل‬
‫عمل قويل يفرتض وجود موضوع‪ .‬ولكنّه‬
‫ال يفرتض وال يستوجب إخبارا‪ .‬لذلك‬
‫سمي املسند إليه يف بعض األحيان «املبتدأ»‪.‬‬
‫ّ‬
‫كون هذه العالقة بني املسند واملسند إليه‬
‫و ُت ّ‬
‫أعمق مستوى داليل يف اخلطاب‪.‬‬
‫القو ة‬
‫لقد فهم ميشال م ّيار إذن‬
‫ّ‬
‫اإلنشائ ّية الكامنة يف السؤال واكتامله يف‬
‫عدم خضوعه ملعيار احلقيقة والكذب‬
‫وصموده أمام األدوات املنطق ّية وحتّى‬
‫ال ّلسان ّية‪ .‬فهو من نوع املسند إليه ينتفي‬
‫إنشائي ( ‪ )61‬بعكس‬
‫القول بغيابه ألنه‬
‫ّ‬
‫العالقة اخلرب ّية(‪.)62‬‬
‫فالنظر ّية إذن من هذه النّاحية ال تعدو‬
‫أن تكون إعادة صياغة ملفهومي املسند‬
‫واملسند إليه يف ثوب جديد‪ّ ،‬‬
‫ألن املسند‬
‫إليه ال يكون ّ‬
‫إال سؤاال واملسند ال يكون‬
‫ّ‬
‫القوة اإلنشائية‬
‫إال جوابا مع ما يتبعهام من ّ‬
‫كام قلنا‪ّ .‬‬
‫إال ّ‬
‫أن هذه النّظر ّية تعتمد ضمن ّيا‬

‫أو بِلناپ(‪ .)N.Belnap‬فال غرابة إذن إذا‬
‫املخصصة‬
‫مل نجد أثرا مل ّيار يف البحوث‬
‫ّ‬
‫ملوضوع املساءلة‪.‬‬
‫فام دخل م ّيار يف املدارس ال ّلغو ّية‬
‫واملحاوالت ال ّلسان ّية حتّى يلغيها؟ إ ّنه يقدّ م‬
‫نظر ّية فلسف ّية معرف ّية أكثر من ّ‬
‫كل يشء آخر‬
‫ّ‬
‫ألن عالقة املساءلة يف نظامه احلواري هي‬

‫فوق الوجود املادي للقول‪ .‬وهي بذلك ال‬
‫ترتبط بخطاب وال تفرتض قرسا وجود‬
‫وامل َ‬
‫خاطب ُ‬
‫ُامل ِ‬
‫خاطب كطرفني يف العمل ّية‬
‫متضمنني يف نفس‬
‫الكالم ّية‪ .‬ألنهّام يكونان‬
‫ّ‬
‫القول(‪ )59‬الذي يضع السؤال ويفرتض‬
‫التوجه ّ‬
‫يذكر‪ ،‬يف سياق‬
‫جوابه‪ .‬وهذا‬
‫ّ‬
‫املنطق االستفهامي‪ ،‬بام يقوله هامبلن(‪)60‬‬
‫من ّ‬
‫أن معرفة السؤال هي معرفة ما يمكن‬
‫أن يكون جوابا صاحلا ضمن جمموعة من‬
‫أجوبة ممكنة يقيص بعضها بعضا‪.‬‬
‫بينام ما يدين به م ّيار ونظر ّيته للتفكري‬
‫ال ّلساني\املنطقي يتم ّثل يف نقطتني‪ :‬املسند‬
‫إليه وفرض ّية اإلنشاء‪.‬‬

‫عىل «فرض ّية اإلنشاء»(‪ ،)63‬التي جتعل من‬
‫ّ‬
‫كل قول قوال مسبوقا حرف ّيا أو ضمن ّيا‬
‫بفعل قول‪ ،‬أو أمر أو سؤال أو أحد‬
‫الوجوه املتع ّلقة هبا‪ .‬ونحن نعلم ّ‬
‫أن هذه‬
‫املقاربة أصبحت مشبوهة ومل تعد تريض‬
‫أحدا(‪.)64‬‬
‫هيم احلجاج من هذه النّظر ّية‬
‫أ ّما ما ّ‬

‫أ‪ .‬املسند إليه‪ ،‬وفرض ّية اإلنشاء‬

‫ُيعترب ّ‬
‫كل تل ّفظ‪ ،‬حسب نظر ّية املساءلة‪،‬‬
‫جوابا عن سؤال مطروح أو مفرتض‪.‬‬
‫ولكن السؤال ال يكون من الوجهة‬
‫ّ‬
‫الدالل ّية العميقة ّ‬
‫إال مسندا إليه (فهو‬
‫املوضوع ‪ (théma) tò qema‬كام يقول‬
‫اإلغريق) ويكون املسند هو اجلواب الذي‬
‫‪96‬‬

‫أو منطق ‪( Erotétique‬ص‪ ،)413‬وكأ ّنه‬
‫مل يشأ أن يك ّلف نفسه عناء البحث عن‬
‫ظن أن‬
‫املقابل يف ال ّلغة العرب ّية‪ ،‬أو لع ّله ّ‬
‫ال وجود ملقابل عريب هلذه املصطلحات‪.‬‬
‫يف حني هّأنا متو ّفرة‪ .‬فالعرب القدامى قد‬
‫تفنّنوا‪ ،‬رغم املضايقات‪ ،‬يف علم املنطق ما مل‬
‫فعرف‬
‫يمس املبادئ السلوك ّية كام قلنا آنفا‪ُ .‬‬
‫ّ‬
‫األول بـاملنطق الوجويب والثاني بـاملنطق‬
‫ّ‬
‫االستفهامي‪.‬‬
‫أ ّما النقطة الثانية فتتع ّلق بام قلناه من‬
‫أن ال مستقبل لنظر ّية حجاج ّية دون‬
‫رسنا ما رأينا من‬
‫نظر ّية إبالغ ّية‪ .‬وقد ّ‬
‫بحث األستاذ النّويري عن مقابالت عرب ّية‬
‫لألمثلة الفرنس ّية أو األنغليز ّية ومل يقترص‬
‫عىل ترمجة ما وجد من أمثلة (كام رأينا يف‬
‫فعوض‬
‫تقديمنا ملقال األستاذ املبخوت) ّ‬
‫املثال املبتذل «هل انتهيت عن رضب‬
‫بنص مجيل من مناظرة جرت‬
‫زوجك؟(‪ّ »)66‬‬
‫بني األوزاعي وغيالن الدمشقي(ص‪،441‬‬
‫يقرب‬
‫وكذلك ‪ .)417‬وهذا من شأنه أن ّ‬
‫ولكن املرء‬
‫التقديم من القارئ العريب‪.‬‬
‫ّ‬
‫ليعجب العجب ك ّله حني يرى األستاذ‬
‫النويري يقدّ م (ص‪ )416‬صنفا من احلجاج‬
‫“‪ “tu quoque‬كام اّ‬
‫سمه ريرش ‪- N.Rescher‬‬
‫وأحال إليه وودس و والطون‪ ،‬فيرتجم‬
‫العبارة بـ«أنت أيضا»‪ ،‬دون أن يقدّ م أي‬
‫تفسري آخر حتّى ّ‬
‫لكأن األمر من املس ّلامت‪.‬‬
‫وكان عليه ضامنا للحدود الدنيا من‬

‫وبقطع النّظر عن صواب أو خطأ مبدأ‬
‫«التفاوض» و«املسافات» واعتامد م ّيار عىل‬
‫پرملان اعتامدا يكاد يكون كل ّيا‪ ،‬فإ ّننا نرى ّ‬
‫أن‬
‫األستاذ الڤاريص حمقّ عندما يقول إ ّنه ال‬
‫نؤسس لنظر ّية يف احلجاج دون‬
‫يمكن أن ّ‬
‫أن نجيب عن سؤال ماه ّية التواصل‪.‬‬

‫‪ .V I I I‬يف نقد ا أل سا ليب‬
‫املغالط ّية ‪:‬‬

‫ّ‬
‫يقر بمحدود ّية‬
‫إن األستاذ النويري ّ‬
‫معرفته باملوضوع وأ ّنه «أتاه من بعيد»‪.‬‬
‫عول كثريا يف عرضه لكتاب وودس‬
‫وقد ّ‬
‫وواطون عىل املقدّ مة التي وضعها املرتمجون‬
‫الفرنس ّيون وكذلك أصحاب الكتاب وله‬
‫احلق يف ذلك‪ .‬لكنّه مل يقع فيام وقع فيه‬
‫األستاذ الريفي(‪ )65‬من خلط‪ .‬فقد بذل‬
‫جمهودا يحُ مد يف فهم كتاب « نقد احلجاج»‬
‫لوودس ووالطون‪ .‬وكان تقديمه عىل قدر‬
‫كبري من الوضوح‪ ،‬لذلك لن نتو ّقف ّ‬
‫إال‬
‫خاصة ّ‬
‫أن هذا‬
‫عند بعض النّقاط الثانو ّية‪ّ ،‬‬
‫الكتاب َيعت ِمد أكثر من الكتب األخرى‬
‫عىل الصيغ املنطق ّية‪.‬‬
‫وأول ما نالحظه هنا أيضا يف عرض‬
‫ّ‬
‫األستاذ النويري هو جلوؤه غري املربر يف‬
‫ّ‬
‫مرة إىل ال ّلغة الفرنس ّية ليضعها مقابال‬
‫كل ّ‬
‫للعرب ّية‪ .‬بل إ ّنه يميض أبعد من هذا إذ‬
‫نراه يكتب الكلمة مبارشة بالفرنس ّية يف‬
‫مجلة عرب ّية مثل قوله «كاملنطق ‪Déontique‬‬

‫‪97‬‬

‫اهلوة الزمن ّية يف‬
‫‪ )1‬أن يقع تدارك ّ‬
‫عرض النّظر ّيات احلجاج ّية بقروهنا الثالثة‬
‫والعرشين…من التفكري البالغي يف‬
‫خاصة إذا كان املغ ّيب‬
‫احلضارة الغرب ّية‪،‬‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫ومفكرون ال جمال لتجاهلهم‬
‫منها عاملقة‬
‫أو نظر ّيات تقوم عىل أساسها التقاليد‬
‫الغرب ّية (بحجم شيرشون أو كانتيليان‪ ،‬يف‬
‫ّ‬
‫هنتكا‪ ،‬يف احلديث)‪.‬‬
‫القديم وطوملني أو‬
‫يتضمن غياهبم زعام ال يقبل به ّ‬
‫إال غري‬
‫إذ‬
‫ّ‬
‫املختص‪ ،‬عالوة عىل أ ّنه يفقد هذا الكتاب‬
‫ّ‬
‫قيمته التوثيق ّية‪.‬‬

‫التفسري حتّى ُيفهم القارئ ما يعنيه أن يضع‬
‫ّ‬
‫يتمكن‬
‫العبارة (الالتين ّية) يف سياقها‪ ،‬كي‬

‫القارئ من فهم موضع اخلطإ فيها‪ .‬وهي‬
‫عبارة قاهلا يوليوس قيرص البنه (بالتبنيّ )‬
‫بروتوس (”‪ “tu quoque fili‬وأنت أيضا يا‬
‫ُبينّ ) عندما ّ‬
‫تفطن إىل ّ‬
‫أن بروتوس كان من‬
‫بني املتآمرين عليه عندما طعنوه‪ .‬وتطابق‬
‫هذه التسمية السياقات التي نرى فيها‬
‫متجادلني يتهم أحدمها اآلخر بأ ّنه ينصح‬
‫بيشء وال يعمل به‪ .‬وكان بإمكان األستاذ‬
‫النّويري أن يعطي املقابل العريب ‪-‬وهو قول‬
‫مأثور‪ -‬لرتمجة هذه املغالطة‪« :‬ينهى عن‬
‫خلق ويأيت مثله»‪ .‬وكان هذا املثال وحده‬
‫يغنيه حتّى عن التفسري‪ ،‬ويكون بذلك قد‬
‫ترجم قوال مأثورا بقول مأثور‪ .‬ولكن‪ ،‬إلن‬
‫مل يكن ُوودس َووالطون بحاجة إىل تفسري‬
‫ألنا صارت يف عداد‬
‫هذه العبارة الالتين ّية هّ‬
‫املعلوم واملتداول‪ ،‬جرت يف الثقافة الغرب ّيـة‬
‫جمرى املـثل املعـروف‪ّ ،‬‬
‫فإن الناقل العـريب‬
‫ّ‬
‫يظـل يف حـاجـة إىل تـوضـيح سـياق هـذه‬
‫اجلملة‪ .‬أ ّمـا أن تـرمى هكذا‪َ ،‬فــال‪.‬‬

‫‪ )2‬أن يتدارك ما وقع فيه بعض‬
‫املقدمني من اخللط الذي ال يمكن التغايض‬
‫عنه (بني ال ّلغتني االغريق ّية وال ّ‬
‫التين ّية وعىل‬
‫مستوى األعالم والتواريخ واملعطيات…‬
‫إلخ)‪ ،‬فكانوا كـ«حاطب الل ّيل»‪.‬‬
‫يتم إصالح األخطاء الواردة‬
‫‪ )3‬أن ّ‬
‫خاصة منها التي جتر ّ إىل‬
‫يف الكتاب‪،‬‬
‫ّ‬
‫‪67‬‬
‫استنتاجات تض ّلل القارئ( )‪.‬‬
‫‪ )4‬أن يعاد النّظر يف بعض األطروحات‬
‫تكرس الطرح االسترشاقي‬
‫املغرضة‪ ،‬التي ّ‬
‫العـنـرصي إزاء الثــقافـة العـرب ّيـة أو‬
‫اإلسالم ّية‪.‬‬

‫‪ .IX‬فصل املقال‪:‬‬
‫مل نكن لنك ّلف نفسنا مش ّقة تقويم هذا‬

‫‪ )5‬أن يتالىف التّأرجح املصطلحي وأن‬
‫الكتاب لو مل ترتاء لنا من ورائه إمكان ّية‬
‫يقع تدقيق املصطلحات وتنسيق استعامهلا‬
‫ترميمه‪ ،‬رشط استدراك النقائص التي ن ّبهنا‬
‫بني أعضاء فريق البحث‪.‬‬
‫عليها‪ ،‬لع ّله يصبح مستساغا قابال للنرش‪.‬‬
‫‪ )6‬أن ينسب املقدّ مون األفكار إىل‬
‫وسنورد هذه الرشوط إمجاال كام ييل ‪:‬‬
‫أصحاهبا رصاحة وأن يتخ ّلوا اّ‬
‫عم أسميناه‬
‫‪98‬‬

‫«اليد الثالثة»‪.‬‬
‫‪ )7‬أن تقدّ م النّظر ّيات احلديثة يف أحدث جت ّلياهتا ال أن تباع لنا سلعة «فريپ»‪.‬‬
‫‪ )8‬أن ّ‬
‫يتوخى املقدّ مون منهج ّية علم ّية‪ ،‬موضوع ّية (بالرجوع إىل النّصوص األصل ّية)‬
‫يف تقديم النّظر ّيات أو الكتب‪ ،‬معملني الرأي‪ ،‬دونام انبهار وال حتاملٍ ولكن بحدّ أدنى‬
‫من الفكر النقدي‪ .‬وأن يكونوا مطلعني عىل األعامل التي يقدّ موهنا اطالعا دقيقا‪ ،‬عارفني‬

‫بام يقولون‪.‬‬
‫الرجوع إليها‪ -‬عىل مرامي‬
‫‪ )9‬أن حتتوي مقدّ مة الكتاب ‪-‬وهذه قض ّية أخرى ال نريد ّ‬

‫هذا الكتاب وأهدافه‪ ،‬وكذلك عىل تربير اختيار النّظر ّيات التي وقع اختيارها‪.‬‬

‫‪ )10‬أن يتخلىّ مقدّ ما الكتاب عن مبالغاهتام بأن ينسبا لألستاذ الريفي ما مل ينسبه‬

‫لنفسه‪ ،‬ومـا له من سبيل إليه ولن يكون‪ ،‬ما دامت تلك منهجـي ّـته يف التـعـامـل مـع‬
‫النّصوص واملراجع‪.‬‬

‫‪ )11‬أن ّ‬
‫صمود عىل املراجع التي يشري إليها‪ ،‬وينصح بقراءهتا‪ ،‬ال أن‬
‫يطلع األستاذ ّ‬
‫يكتفي منها بام قرأه ضمن بيبليوغراف ّية پالنتني املخترصة جدّ ا فينقلها بأخطائها‪ .‬وأن‬

‫يستدرك ما فاته من املنطق وما شاهبه من تكوين منهجي‪.‬‬

‫الرصانة الكافية لتق ّبل النقد والشجاعة ال ّ‬
‫الزمة لالعرتاف‬
‫‪ )12‬أن تكون لفريق البحث ّ‬

‫باألخطاء واحلكمة املعينة عىل تدارك النّقائص‪.‬‬

‫ويقيين أ ّنـه باكتامل هذه الرشوط يمكن أن ننرش هذا الكتاب دون أن نخجل ممّا‬
‫وقعنا فيه من خلط أوراق وبعثرة طاقات وخطر نرش األخطاء عىل من ال يمتلك بعد‬
‫احلصانة العلم ّية‪.‬‬

‫أ ّما يف انتظار بق ّية احلوار‪ ،‬الذي لن يطول ّ‬
‫إال إذا كان جمديا مفيدا بعيدا عن املهاترات‪،‬‬
‫فإ ّني ّ‬
‫أذكر بام قاله م ّيار(‪ )68‬من ّ‬
‫حيركه من تناقضات ومقابالت‪،‬‬
‫أن احلجاج‪ ،‬بفعل ما ّ‬
‫يواري ما جيعله عديم اجلدوى‪ ،‬إذ ال جيعل احلجاج ممكنا ّ‬
‫إال عدم معرفة الفرض ّية القويمة‪.‬‬
‫ّ‬
‫فلنحسن إذن‬
‫ألن املعرفة بالفرض ّية التي من أجلها نتنازع هي ذاهتا نقيض احلجاج‪.‬‬
‫ّ‬

‫سبل معرفتنا ولن يبقى لنا ما نتجادل بسببه‪}69{.‬‬

‫‪99‬‬

:‫هوامش املقال الثالث‬

ّ ‫) لكتاب طوملني إ‬1990( ‫خيصص پالنتني‬
‫ انظر «رسائل‬.‫ال بضع ّصفحات‬
ّ ‫ إذ مل‬.1
ّ ‫ وعددها أقل عىل‬،34-22‫ ص ص‬،1990 »‫يف احلجاج‬
،‫كل حال ممّا خصص لديكرو‬
.‫ وهذا بليغ بام فيه الكفاية‬.49-34‫ص ص‬
:181 »‫ «استعامالت احلجج‬،1993 ]1958[ ‫ انظر طوملني‬.2

“Chaque fois que j’entrevoyais le moindre danger de conflit avec les logiciens formels,
j’ai changé de direction[…]. Nous en sommes maintenant à un point où il n’est plus
possible d’éviter l’affrontement”.
:30 ‫ ص‬،1990 ‫ انظر پالنتني‬.3
“Le modèle de Toulmin n’est pas rhétorique mais vériconditionnel. Il ne s’agit pas
comme nous l’avons vu avec Perelman, de mesurer la vérité d’un énoncé à l’aune de
l’adhésion que lui accorde l’auditoire, mais bien de conserver la notion traditionnelle de
vérité, en la rendant simplement relative, en la rapportant aux critères d’appréciation
en vigueur dans le domaine dont relève l’énoncé-conclusion.” p.30"

‫خارجية لتفسري ظاهرة ما واالنطالق من املعطيات‬
‫التأصيلية تقول بعدم ال ّلجوء إىل ميادين‬
.4
ّ
ّ
‫للمقومات النظر ّية‬
‫ انظر حتليلنا‬،»‫«التأصيلية‬
‫ للمزيد من ال ّتفصيل عن‬.‫الداخلية للميدان نفسه‬
ّ
ّ
ّ
،1999 ‫ سبتمرب‬،107 ‫األول بالعدد‬
ّ ‫ يف اجلزء الثاني من القسم‬،‫لـ«احلجاج يف ال ّلغة» لديكرو‬
.‫ انظر املقال الثاني من هذا الكتاب‬،»‫الثقافية‬
‫من جم ّلة «احلياة‬
ّ
ّ ‫ إ‬.5
ّ‫) لكوهنا تستمد‬tautologiques( ‫ال فيام يتع ّلق باجلمل التي تكون من حتصيل احلاصل‬
.‫حقيقتها من ذاهتا‬
.)1358a( »‫ انظر «اخلطابة‬.»‫اخلصوصية‬
‫ وهذا يناسب ما يعرف عند أرسطو بـ«املواضع‬.6
ّ
.»‫ أي يف كتاب «استعامالت احلجج‬،‫ عىل األقل يف املرحلة األوىل من النظر ّية‬.7
‫يتقبلها ومدى مالءمة نوع اجلمهور لنوع‬
‫تقاس‬.8
ّ
ّ ‫احلجة عند پرملان بقيمة اجلمهور الذي‬
.‫اخلطاب‬
.‫ سنخترص هذا الفصل ألنّه ال مكان له يف هذا التقديم‬.9
:115‫ ص‬،1995،‫التداولية‬
‫ جم ّلة‬،‫ انظر أنسكومرب‬.10
ّ

“[…]la plausibilité de l’inférence est assurée par un troisième terme, souvent implicite,
un garant dans la terminologie de S.Toulmin. Nous utiliserons pour de tels garants le
terme aristotélicien de topos“(p.115),
11
:»‫املوضعية‬
‫ املعارف واحلقول‬: ‫درج‬
ّ ‫ انظر مقال پيار إيف ر ّقاح «اخلربة وال ّت‬.
ّ

«Expertise et gradualité: connaissances et champs topiques" in Sémantique et cognition, Danièle
Dubois (édit). CNRS éditions, Paris. 1993, pp.189-203.

:200‫حيث يقول ص‬
"Les règles de ce type ont été appelées topoi (au singulier topos) en hommage à Aristote […]".

‫النص األنغليزي‬
‫ حيث يقول يف‬،116‫ ص‬،‫التداولية‬
‫ جم ّلة‬،1995 ‫انظر كذلك أنسكومرب‬
ّ
ّ
100

:‫املقابل‬

«a third factor- a warrant, as Toulmin called it, secures the plausibility of the inference.
To honour Aristotle, we will refer to such a warrant as a topos».

‫ أ ّما أطروحة آڤس هذا‬.101 ‫ «احلجاج يف ال ّلغة» ص‬،1983 ‫ انظر ديكرو وأنسكومرب‬،12
:‫فهي بعنوان‬

E.Eggs, 1978, Die Rhetorik des Aristoteles. Ein Beitrag zur Argumentationstheorie und zur
Syntax der komplexen Sätze (im Französichen).

.‫احلرة برلني‬
ّ ‫وقد نوقشت باجلامعة‬
13
ّ
.‫اخلصوصية» عند أرسطو‬
‫«املواضع‬
‫يناسب‬
‫ديكرو‬
‫عند‬
»‫«املوضع‬
‫أن‬
،1994 ‫ثم يثبت آڤس‬.
ّ
ّ
:‫انظر آڤس‬

E.Eggs, Grammaire du discours argumentatif. Kimé. 1994, pp. 30-31.
“le topos rhétorique autorisant le passage”

:‫بالفرنسية‬
‫ العبارة‬.14
ّ

،1993 ‫خاصة ديكرو‬
ّ ‫ انظر‬.101 ‫ وكذلك ص‬،11 ‫ ص‬،1983 ‫انظر مثال أنسكومرب وديكرو‬
:241 ‫ص‬

“le topos constitue un troisième terme autorisant le passage de l’argument à la conclusion“.

:‫بالفرنسية‬
‫النص‬
ّ .15
ّ

J. of Prag. 1998, p.616: “le topos constitue un troisième terme autorisant le passage

.”de l’argument à la conclusion

.616 ‫ ص‬،1998 »‫التداولية‬
‫انظر «جم ّلة‬
ّ
ّ ‫ رغم‬.16
.1982 ،‫أن طوملني التحق بپرملان فيام بعد‬
ّ ‫ بام‬،»‫الصلة بالبنيو ّية‬
ّ ‫ألن املبخوت يعلمنا‬
ّ .17
‫أن الداللة تدرس عىل أساس‬
‫أن‬
ّ ‫املثالية «وثيقة‬
ّ
.)360‫استقالليتها عن الواقع(هكذا!)(ص‬
ّ
18
‫ميار من أعداء ال ّنظر ّية ومع ذلك فهو ال خيفي تذبذبه حيال‬
ّ ‫ ال يمكن أن نعترب ميشال‬.
:‫ماهيتها‬
ّ
«que l’on appellera comme on voudra, pragmatique, sémantique intégrée ou argumentation», (1982,112).

ّ ‫أال يعين هذا عىل األقل أن األمر غري بدهيي وكان يستحق‬
‫ بل كان من املفرتض‬،‫كل العناية‬
‫أن يكون العنرص األسايس يف املقال؟‬
:133 ‫ ص‬،1991 ‫ انظر أنسكومرب‬.19

“Le terme d’argumentation que nous avons adopté n’est sans doute ni très heureux,
ni très adéquat. Ce choix provient de ce que les premiers phénomèmes qui nous sont
apparus étaient explicitement de nature rhétorique“ (Anscombre, 1991, p.133).

ّ‫ هذا سؤال يبعدنا ا‬.20
.‫عم نحن فيه وسنعود إليه أسفله‬
.Ducrot: Le dire et le dit. Minuit.55‫ أو ص‬54 ‫ مثال ص‬،1984 ‫ انظر ديكرو‬.21
22
.123 ،1991 ‫ انظر أنسكومرب‬.”sémantico-pragmatique“.‫يسميها أنسكومرب نفسه‬
ّ ‫ كام‬.
23
ّ ‫هنتم هنا إ‬
‫ انظر كتابه‬،‫تداولية أيدوكييفيتش‬
‫سانية فال تعنينا مثال‬
‫ال‬
ّ ‫ ولن‬.
ّ
ّ ‫بالتداولية ال ّل‬
ّ
101

‫املنطقية»‪:‬‬
‫«التداولية‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫‪Ajdukiewicz: Pragmatic Logic. D.Reidel. P.C. Holland.1975‬‬
‫املعرفية‪.‬‬
‫العمليات‬
‫تداولية تعنى بانجاز‬
‫وهي‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫‪24‬‬
‫تداولية يف كتابنا «بالغة املواقف‬
‫يسمى‬
‫‪ .‬لقد أعطينا عىل األقل سبعة اجتاهات ملا يمكن أن ّ‬
‫ّ‬
‫تداولية؟»‪:‬‬
‫الرزاق ب ّنور [‪ ،]1989‬ص ‪ ،22-21‬انظر الفصل‪« :‬أي‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫احلملية»‪ ،‬عبد ّ‬

‫‪A.Bannour, Rhétorique des attitudes propositionnelles. 1991, §.«Quelle prag‬‬‫»?‪matique‬‬

‫‪25‬‬
‫تسمى إذن هذه‬
‫‪ .‬يقول پالنتني الذي وعى هبذا االشكال يف طبيعة ال ّنظر ّية‪« :‬من األفضل أن ّ‬
‫التداولية أن حت ّلل فعل القول‬
‫تداولية‪ ،‬ما دامت قد جرت العادة أن من وظائف‬
‫القولية‬
‫الداللة‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫يف معنى دراسة عالقات القول بالظروف املالئمة التي حتيط بإنتاجه» (‪.)37 ،1990‬فيختار‬
‫للتداولية أكثر من هذا‬
‫للتداولية‪ .‬ولكن ديكرو‪ ،‬كام رأينا‪ ،‬يعطي‬
‫بذلك املعنى (مدخل «و»)‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫الكالمية‪ ،‬واالقتضاء‪ ،‬إلخ‪.‬‬
‫املكون البالغي‪ ،‬واألعامل‬
‫املعنى‪ ،‬إذ يقحم فيها‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫‪ .26‬انظر پالنتني ح ّتى تتحقق من التضارب مع ما سبق ‪:38 ،1990‬‬

‫‪“Cette pragmatique remplace ainsi la sémantique dans le compartimentage traditionnel‬‬
‫‪de la description linguistique. Mais il s’agit d’une pragmatique “intégrée” à la langue,‬‬
‫‪opposée à une pragmatique externe, une pragmatique saussurienne traitant de la parole,‬‬
‫‪c’est-à-dire de l’usage d’une langue définie indépendamment de ses conditions de‬‬
‫‪mise en pratique”(sic).‬‬
‫‪27‬‬
‫مرة‬
‫مرة‬
‫ّ‬
‫‪ .‬انظر ميشال ّ‬
‫و«تداولية أو بالغة مدجمة» ّ‬
‫ميار الذي يقول «داللة أو بالغة مدجمة» ّ‬

‫أخرى‪ ،‬يف نفس املرجع‪:‬‬

‫‪“Jean-Claude Anscombre et Oswald Ducrot parlent de sémantique ou de rhétorique‬‬
‫)‪intégrée“ (1982, 110), et “pagmatique et rhétorique intégrées“, (1982: 120‬‬
‫‪ .28‬كام يقول بنوا دي كرنيلييه يف نظر ّية ديكرو‪:‬‬
‫‪“conception rigide d’une sémantique pure, étanche, des syntagmes, qui baignerait sans‬‬
‫‪s’y mouiller dans la pragamatique des énonciations” (Journal of Pragmatics, 1984,‬‬
‫‪n°8, p.664).‬‬

‫‪29‬‬
‫ترسب خطأ مطبعي جعل األستاذ املبخوت حييل عىل مرجع بتاريخ‬
‫‪.‬ال بد من االشارة هنا إىل ّ‬
‫‪ ،1994‬وهو يف احلقيقة ‪.1884‬‬
‫‪ .30‬انظر پالنتني‪« ،‬رسائل يف احلجاج»‪ ،1990 ،‬ص ‪.36‬‬
‫يسميها جان كارون‪ ،‬ص‪:144‬‬
‫‪ .31‬هكذا‬
‫ّ‬

‫‪J.Caron: Les régulations du discours. PUF.1983.‬‬

‫ميار املصدر املذكور‪.‬‬
‫انظر كذلك ميشال ّ‬
‫التداولية املدجمة يف الداللة‪ .‬ملزيد التفصيل‪ ،‬انظر أسفله‪.‬‬
‫‪ .32‬البالغة مدجمة يف‬
‫ّ‬
‫‪ .33‬انظر أنسكومرب ‪ ،1991‬ص‪:123‬‬

‫‪«Pour ce qui est du terme de sémantico-pragmatique, il ne recouvre rien de mystérieux. Ce‬‬
‫‪vocable nous sert à désigner, dans l’optique qui est la nôtre, cette partie de la sémantique‬‬

‫‪102‬‬

‫‪qui fait intervenir des indications de nature pragmatique; partie que nous considérons‬‬
‫‪comme intégrée à la sémantique, et non pas surajoutée».‬‬

‫‪ .34‬انظر ديكرو وأنسكومرب ‪« ،1983‬احلجاج يف ال ّلغة» ص ‪:20‬‬

‫‪“Introduire dans cette pragmatique intégrée une sorte de rhétorique intégrée, tel est‬‬
‫”‪l’objet de la théorie[…].‬‬

‫‪ .35‬انظر املصدر املذكور ‪ ،1983‬هامش ‪ ،2‬ص‪:20‬‬

‫‪“Dans la mesure où elles sont “intégrées”, cette pragmatique et cette rhétorique ne‬‬
‫‪relèvent donc pas de ce qui est appelé «composant rhétorique» dans Ducrot 1972,‬‬
‫‪chap.4, mais de ce qui y apparaît comme composant linguistique”.‬‬

‫ّ‬
‫يستهل ديكرو وأنسكومرب كتاهبام «احلجاج يف ال ّلغة» (ص‪ )5‬معلنني رصاحة عن هذه‬
‫‪.36‬‬
‫الرتاجعات باجلملة‪“ce qui a amené reformulation et remaniements”. :‬‬
‫‪ .37‬انظر اهلامش ‪ ،74‬حيث اكتفينا يف مرحلة أوىل بكتاب “‪ ،1984 “Le dire et le dit‬ورجعنا‬
‫إىل الصفحات التي يستدرك فيها ديكرو رصاحة ويرتاجع‪ ،‬دون اعتبار ما يسكت عنه‪،190 :‬‬
‫خيصص بابا كامال للترّ اجعات فيام بني صفحة ‪ 215‬وصفحة ‪.233‬‬
‫ثم ّ‬
‫‪ّ ،204 ،192‬‬
‫‪ - .38‬انظر مثال كتاب «احلجاج يف ال ّلغة» ‪ ،1983‬ص ‪167-164 ،52 ،51 ،41 ،39‬‬
‫املحاجة» ليخرجا نظر ّيتهام من املأزق الذي‬
‫(حيث استبدال مفهوم «احلجاج» بمفهوم «عمل‬
‫ّ‬
‫وضعها فيه ال ّنقد)‪.179 ،‬‬
‫ّ‬
‫التداولية» ص‪( 99‬وفيها تراجع عن الترّ اجع)‬
‫ انظر ديكرو وبروكسال ور ّقاح ‪« ،1995‬جملة‬‫ّ‬
‫و‪ .108‬ويقوم املقال بأكمله عىل إعادة ال ّنظر يف مفهوم «املوضع» وتغيري تعريفه وإدخال مفهوم‬
‫«احلقل املوضعي»‪ ،‬إلخ‪...‬‬
‫ّ‬
‫التداولية» ص‪ 117‬و‪ 118‬حيث يستبدل مفهوم «املوضع»‬
‫ انظر أنسكومرب ‪« ،1995‬جملة‬‫ّ‬
‫جزئية لل ّنظر ّية‬
‫مراجعة‬
‫ّه‬
‫ن‬
‫أ‬
‫عىل‬
‫املقال‬
‫م‬
‫)‪،‬‬
‫‪schéma‬‬
‫‪de‬‬
‫‪scénario‬‬
‫بمفهوم «تصميم السيناريو»(‬
‫ويقدّ‬
‫ّ‬
‫وحتوير ملفهوم «املوضع»(‪.)117‬‬
‫وخاصة ‪ 154‬ففيها تراجعات ها ّمة‪.‬‬
‫التداولية» ص‪164‬‬
‫ انظر ديكرو ‪« ،1995‬جم ّلة‬‫ّ‬
‫ّ‬
‫التداولية» ص‪:188-167‬‬
‫ من مل يطلع عىل مقال ماريون كارال ‪« ،1995‬جم ّلة‬‫ّ‬
‫»‪by exception‬‬

‫‪«Pourtant: argumentation‬‬

‫واملستقبلية‪ .‬ففيه تقييم لل ّنظر ّية يف العرشين سنة‬
‫فلن يفهم شيئا من مشاكلها املاضية واحلارضة‬
‫ّ‬
‫املاضية مع ّ‬
‫خاصة الرتاجع األخري يف مفهوم «املوضع» ص ‪.178‬‬
‫كل تراجعاهتا‪ .‬انظر ّ‬
‫ّ‬
‫‪ .39‬انظر مدخل «ب‪ .‬االستدراك» يف الباب «‪. 5‬الالأدر ّية»‪ ،‬من اجلزء السابق من املقال الصادر‬
‫الثقافية» عدد ‪«( 107‬املقال الثاني» يف هذا الكتاب)‪ .‬ومل ّ‬
‫يتفطن االستاذ املبخوت‬
‫بمج ّلة« احلياة‬
‫ّ‬
‫إىل هذه الظاهرة يف ال ّنظر ّية رغم شيوعها يف ّ‬
‫كل ما كتبه ديكرو ومن معه‪.‬‬
‫ّ‬
‫التداولية»‪،1986 ،‬ص‪: 435‬‬
‫‪ .40‬انظر مثال ر ّد ديكرو عىل دي كرنيلييه يف «جملة‬
‫ّ‬

‫‪«Nous avons soutenu autrefois à propos de certaines expressions -thèse que nous avons‬‬
‫»’‪abandonnée ensuite et qualifiée de ‘minimaliste‬‬

‫‪ .41‬انظر ديكرو وأنسكومرب ‪:51 ،1983‬‬

‫‪“Il est amusant de voir certaines thèses que l’on a soutenues sans rencontrer grand écho‬‬

‫‪103‬‬

‫‪commencer à être reçues avec faveur au moment précis où l’on s’en détache. C’est‬‬
‫‪la situation où nous met un article de G.Fauconnier 1976, discutant les recherches‬‬
‫‪que nous menons, depuis quelques années, sur la valeur linguistique fondamentale de‬‬
‫‪l’argumentation, et leur préférant une démarche plus ancienne (Ducrot, 1969, p32‬‬
‫‪sq.) à laquelle nous voudrions maintenant renoncer“.‬‬

‫التداولية»‬
‫ يف باب الرتاجع عن الرتاجع‪ ،‬انظر ديكرو وبروكسال ور ّقاح ‪« ،1995‬جم ّلة‬‫ّ‬
‫ص‪.99‬‬
‫‪ .42‬املرجعان مها مقاالن صدر ّأوهلام عن أنسكومرب ‪:1989‬‬

‫‪“Théorie de l’argumentation, topoi et structuration discursive”, Revue québécoise de linguistique,‬‬
‫‪n°18/1, pp.13-56.‬‬

‫وصدر ثانيهام عن ديكرو ‪:1988‬‬

‫‪“Topoi et formes topiques”. Bulletin d’études de linguistique française, n°22, pp.1‬‬‫‪14.‬‬

‫التداولية»‪ ،1995 ،‬هامش ‪ 1‬ص ‪.168‬‬
‫انظر مقال ماريون كرال يف «جم ّلة‬
‫ّ‬
‫بيبليوغرافية املبخوت ال يتجاوز سنة ‪ ،1989‬إذا اعتربنا ّ‬
‫ثم ّ‬
‫أن أنسكومرب‬
‫إن أحدث مرجع يف‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫نص حمارضة ألقيت سنة ‪ .1987‬فيغض بذلك الطرف‬
‫هو‬
‫نفسه‪،‬‬
‫ت‬
‫املبخو‬
‫يعرتف‬
‫كام‬
‫‪،1991‬‬
‫ّ‬
‫التطورات التي عرفتها النظر ّية وأمهّها ما نرش سنة ‪ ،1993‬من تراجع كيل من طرف‬
‫أهم‬
‫ّ‬
‫عن ّ‬
‫احلجاجية للنظر ّية‪ .‬وهذان املقاالن‬
‫الصبغة‬
‫يف‬
‫تراجع‬
‫من‬
‫‪1998‬‬
‫وسنة‬
‫سنرى‪،‬‬
‫كام‬
‫ديكرو‪،‬‬
‫ّ‬
‫عىل األقل جيعالن من وجود هذه ال ّنظر ّية ضمن هذا الكتاب من نوع التأريخ أو االستدالل‬
‫بالالمعقول‪.‬‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫التداولية ‪ ،1995‬ليست‬
‫ة‬
‫ل‬
‫جم‬
‫يف‬
‫املنشورة‬
‫معه‪،‬‬
‫ومن‬
‫ديكرو‬
‫مقاالت‬
‫أن‬
‫إىل‬
‫االنتباه‬
‫‪ .43‬جيب‬
‫ّ‬
‫أحدث من مقاله املنشور سنة ‪ ،1993‬ال فقط ألنّه يشري إليها يف بيبليوغرافيا املقال ذاته‪ ،‬عىل‬
‫هّأنا ستصدر سنة ‪ ،1994‬ومع معرفتنا بمشاكل النرش يف املج ّ‬
‫الت‪ ،‬بل ّ‬
‫متأخرة‬
‫ألن حمتوياهتا ّ‬
‫بالنسبة ملقال ديكرو الصادر سنة ‪.1993‬‬
‫تعرضه هلا‪ ،‬إذ ّ‬
‫أن اجلملة التي يعتمدها يف‬
‫‪ .44‬ال يطرح األستاذ املبخوت هذه‬
‫ّ‬
‫اإلشكالية رغم ّ‬
‫الفرنسية “‪cela ne‬‬
‫العربية‪ .‬فتصري العبارة‬
‫الفرنسية‪ .‬وال مقابل له يف‬
‫حتليله حتتوي عىل فعل يف‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫بالعربية «ما ثمن كذا إ ّ‬
‫ال‪.»...‬انظر أسفله املثال املضاد الذي سنقرتحه إلثبات‬
‫‪”coûte que...‬‬
‫ّ‬
‫كونية ال ّنظر ّية‪.‬‬
‫عدم ّ‬
‫ّ‬
‫خاصة ص ص‪-441‬‬
‫انظر‬
‫املنزلق‪.‬‬
‫هذا‬
‫يف‬
‫يقع‬
‫مل‬
‫ويري‬
‫ن‬
‫ال‬
‫األستاذ‬
‫أن‬
‫إىل‬
‫هنا‬
‫اإلشارة‬
‫‪ .45‬جتدر‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫‪.442‬‬
‫‪ .46‬والتي يعمد ديكرو ومن معه إىل انتقائها حسب ما يرمي إىل استنتاجه‪ .‬انظر ما قلناه يف‬
‫الأدر ّية (أ‪.‬الذر ّية)‪ .‬لذلك ال ترى ديكرو إ ّ‬
‫اجلزء السابق من هذا املقال عن ال ّ‬
‫ال نادرا يعمل‬
‫حقيقية أو من نصوص أو ح ّتى من تسلسل خطايب قصري‪.‬‬
‫انطالقا من أمثلة‬
‫ّ‬

‫‪ّ .47‬‬
‫ألن هذا يستعمل الفعل املناسب لكلمة «ثمن» أي “‪.”coûter‬‬

‫‪.48‬كام فعل لـ«واو» الربط )‪ (“et”, connecteur argumentativement non orienté‬عندما أعيته‬
‫احلجة‪.‬‬
‫ّ‬

‫‪104‬‬

ّ ‫ مع علمنا طبعا‬.49
‫ «جم ّلة‬،1995 ‫ انظر ديكرو‬.‫أن هذه الكلمة دخلت االستعامل الفرنيس‬
‫ وهو‬.155 ‫خاصة ص‬
‫انظر‬165.-Ducrot: “Les modifieurs déréalisants” pp.145 ،»‫التداولية‬
ّ
ّ
ّ ‫يعود يف نفس الصفحة إىل بنية «ما…إ‬
.»‫ال‬
‫ فقد تو ّلد عنه مقال‬،‫املهم‬
‫ شكري للمبخوت الذي أتاح يل فرصة دراسة هذا العامل‬.50
ّ
‫معرفية لتحليل‬
‫داللية‬
‫ واقرتاح مقاربة‬،un peu“ “‫“ و‬peu” ‫بالفرنسية يف نقد مقاربة ديكرو لـ‬
ّ
ّ
ّ
.‫استعامالت هذا العامل‬
‫ ولك ّننا ال نعرف‬،)354‫(ص‬1988 ‫نصه عىل مرجع لديكرو بتاريخ‬
ّ ‫ حييل االستاذ املبخوت يف‬.51
ّ ‫ ومل‬،‫عمذا يتحدّ ث املبخوت ألنّه ال يذكره ضمن قائمة مراجعه‬
ّ‫ا‬
.‫عرف عليه‬
ّ ‫نتمكن من ال ّت‬
233‫ ص‬،‫ انظر ديكرو‬.52

Ducrot : “Les topoi dans la <Théorie de l’argumentation dans la langue>”, in Lieux communs,
stéréotypes, clichés. Plantin édit. Kimé, 1993, pp.233-248. “Nous nous sommes
trompés sur la portée de nos recherches”.

:233‫ ص‬،‫ انظر ديكرو‬.53

“Nous nous sommes trompés dans la mesure où nous pensions montrer comment et
pourquoi il est possible d<‘argumenter> avec les mots de la langue”.

:234‫ ص‬،‫ انظر ديكرو‬.54
«[…] notre théorie devrait plutôt s’appeler “théorie de la non-argumentation“».
:247 ،1993 ‫ انظر ديكرو‬.55

«Parti pour expliquer que le discours, s’il ne peut pas faire plus qu’argumenter, permet
au moins de le faire, en convoquant les topoi rhétoriques, j’en arrive à nier que cela
même soit possible.»

:‫واالستشهاد الثاني‬

«L’ADL devient ainsi une théorie de la “pseudo-argumentation”, ou encore de “l’illusion argumentative”».
)Martinet( ‫ يكون بذلك ديكرو آخر من يتخلىّ عن البنيو ّية يف أورو ّبا بعد موت مارتينيه‬.56
ّ
.‫) هلا‬Pottier( ‫) وپوتييه‬Greimas( ‫) وڤريامس‬Coseriu( ‫وتنكر كوزيريو‬
‫) من مقال‬dynamique discursive( »‫«ديناميكية اخلطاب‬
‫ حسب رأيي تو ّلدت فكرة‬.57
ّ

:»‫مية‬
:1991 ‫ألنسكومرب‬
ّ ‫«ديناميكية املعنى والس ّل‬
ّ

«Dynamique

du sens et scalarité», in L’argumentation, Mardaga. 1991.

:136 ‫إذ هو يذكر العبارة ص‬
“les topoi jouent dans la dynamique discursive un rôle analogue à celui que jouent les
axiomes dans un système formel”.
”parler, c’est soulever une question“.73 ‫ ص‬،1993 »‫ انظر كتاب «مسائل يف البالغة‬.58

ّ ‫ أي‬.59
.‫أن القول ذاته حيتوي عليهام معا‬
Hamblin: “Questions”, in Australian Journal of Philosophy n°36, 1958, ‫ هامبلن‬.60

pp.159-168.

ّ ،‫اعتباطيا‬
‫ ذلك‬.‫ألن من يقول «أنا» يكون‬
‫ وتقريبه إذن من الكوجيتو كحدث كالمي ليس‬.61
ّ

105

‫أنّه إنّام يصبح مسندا إليه بفعل القول‪.‬‬
‫‪ .62‬انظر ما قلناه عن العوامل املمكنة واعتبارنا‬
‫إ ّياها عالقات إخبار ّية ممكنة يف كتابنا «بالغة‬
‫احلملية»‪ ،‬ص ص‪.495-490‬‬
‫املواقف‬
‫ّ‬
‫‪ .63‬انظر احلاج روس‪:‬‬

‫‪J.Robert Ross (Haj Ross) : “On Declarative‬‬
‫‪Sentences”, in Jakobs & Rosenbaum (eds),‬‬
‫‪Reading in English Transformational‬‬
‫‪Grammar. Waltham.‬‬

‫‪64‬‬
‫الفرضية‬
‫امليت عىل‬
‫ّ‬
‫‪ .‬انظر الفصل «صالة ّ‬
‫اإلنشائية» يف كتابنا «مباحث يف أبنية اجلهات‬
‫ّ‬
‫يف النظام الفعيل»‪:‬‬

‫‪A.Bannour, Recherches sur les struc‬‬‫‪tures modales dans le système verbal.‬‬
‫‪PUT, 1986:‬‬

‫‪ .65‬الذي يبدو أنّه مل يطلع عىل مقال األستاذ‬
‫النويري رغم أنّه حييل عليه فيقول ص‪،156‬‬
‫«ويبدو من البحث العميق الذي قدّ مه زميلنا‬
‫حممد النويري ‪ »...‬واملالحظ ّ‬
‫أن البحث ليس‬
‫ّ‬
‫عميقا ألنّه ال يتعدّ ى كونه عرضا لكتاب‬
‫يتكون من جمموعة مقاالت‪ ،‬ولك ّنه لو قرأه‬
‫ّ‬
‫فعال لكان أصلح البعض من األخطاء التي‬
‫مل يرتكبها االستاذ النويري‪.‬‬
‫‪ .66‬مع أنّنا ال نريد أن نناقش مثل هذه األمور‪،‬‬
‫إ ّ‬
‫ال أنّه يبدو لنا ّ‬
‫تصح هكذا‬
‫أن هذه اجلملة ال‬
‫ّ‬
‫ويمكن استدراكها بطريقتني ‪« :‬هل انتهيت‬
‫من رضب زوجك؟» أو «هل كففت عن‬
‫رضب زوجك؟»‪.‬‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫نتمكن من اإلشارة إليها كلها ّ‬
‫ألن‬
‫‪ .67‬ومل‬
‫حيزا أكربا ووقتا أطول‪ ،‬فاكتفينا‬
‫ذلك يتط ّلب ّ‬
‫بال ّتنبيه‪ ،‬دون احلرص‪ .‬لك ّنه بإمكاننا أن هندهيا‬
‫مؤ ّلفي الكتاب‪ ،‬إن كانوا ح ّقا ينوون تداركها‬
‫يف نرشة الحقة‪.‬‬
‫‪.68‬انظر ميشال م ّيار «من امليتافيزيقا إىل‬
‫الريطوريقا» ‪ ،1986‬ص‪.8‬‬
‫{‪ }69‬جزيل الشكر ّ‬
‫لكل من ناقش فكرة أو‬
‫أسهم برأي أو أبدى مالحظة يف املقال قبل‬

‫خاصة ‪ .‬وكذلك ّ‬
‫اهتم‬
‫نرشه أو بعده ّ‬
‫لكل من ّ‬
‫باملوضوع أو أسهم يف ال ّنقاش‪ .‬وأخص منهم‬
‫من راجع «بروفة» قبل طبعها أو اطلع عىل‬
‫ّ‬
‫وألن األفكار ال تنبت‬
‫نسخة قبل تعديلها‪.‬‬
‫يف األرض بعد نزول املطر‪ ،‬كام أسلفت‪،‬‬
‫فإنّي أعرتف بديين ّ‬
‫لكل من استشهدت به‪،‬‬
‫فتبنيت فكرته أو قوله أو صياغة مفاهيم كانت‬
‫ّ‬
‫تراودني منذ زمن وال أجد هلا مدخال مرحيا‪.‬‬
‫«أهم نظر ّيات‬
‫وقد كان ألصحاب كتاب‬
‫ّ‬
‫احلجاج…» الفضل يف بلورة العديد منها أو‬
‫إتاحة فرصة طرحها‪.‬‬
‫أ ّما األخطاء الواردة يف املقال فهي من‬
‫مسؤوليتي وحدي… ويف هذا الباب أشكر‬
‫ّ‬
‫الزمالء الذين أسدوا يل خدمة بتنبيهي‬
‫أحد ّ‬
‫إىل خطأ ورد يف اجلزء األول من املقال حول‬
‫موقع املكتبة التي أتلفت حمتوياهتا‪ ،‬فهي‬
‫مكتبة االسكندر ّية وليست مكتبة مدينة شاه‬
‫الفرس‪ .‬ومل تطرح الكتب يف املاء بل وزّ عت‬
‫محامات االسكندر ّية وأحرقت يف مواقدها‬
‫عىل ّ‬
‫مع االحتفاظ بجوهر الشّ اهد والعربة‪.-‬‬‫يصحح القارئ ما قرأه خطأ أرفقه‬
‫فرجائي أن ّ‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫بكل اعتذارايت‪ .‬وشكري سلفا لكل من يدلين‬
‫عىل هفوة ارتكبتها أو ز ّلة وقعت فيها أو خلط‬
‫أفلت من يقظتي‪ ،‬فهو يسدي خدمة للمعرفة‪،‬‬
‫أتوجه بال ّلوم‬
‫مهام كان أسلوب تقديمها‪ .‬بل ّ‬‫سلفا إىل كل من كان بإمكانه أن يسهم بنقد‬
‫أو بطرح خمالف أو بفكرة مفحمة وسكت‬
‫الزور‪ ،‬رأى باطال‬
‫عنها‪ ،‬فحكمه حكم شاهد ّ‬
‫و«الساكت عن احلقّ شيطان‬
‫وسكت عنه‬
‫ّ‬
‫أخرس» كام جاء يف احلديث الرشيف‪.‬‬

‫‪106‬‬

‫ر ّد األستاذ الريفي‪« :‬احلياة الثقاف ّية» ‪ ،1999‬عدد ‪ ،108‬ص ص ‪39-19‬‬
‫حـــول كتـــاب «أهم نظريات ِ‬
‫الغربية‬
‫الحجاج في التقاليد‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫ّ‬

‫من أرسطو إلى اليوم»‬

‫ّ‬
‫يســـــر‬
‫كل ُمجــــرٍ في الخـــالء‬
‫ّ‬
‫هشـــام الريــــفي‬

‫*‬

‫نشرت «الحياة الثقافية» في شهر‬
‫ومهما يكن تقديرنا لما تحت ذلك التحوير‬
‫جوان الماضي العدد ‪ 106‬مقا ًال بقلم‬
‫السيد عبد الرزاق ب ّنور‬
‫فنحن نس ّلم بأن مقال ّ‬
‫جدا فعن مقاصده منه ذكر في الفقرة‬
‫الس ّيد عبد الرزاق بنّور عنوانه «تعقيب الفت ّ‬

‫على كتاب‪ :‬الحِ جاج في التفكير الغربي األخيرة أنه أراد به ال ّنقد الحقيقي‪ ،‬وتدقيق‬
‫بعض النقاط‪ ،‬والمحاجة والمحاورة‪ ،‬وزاد أمر‬
‫من أرسطو إلى اليوم» وهو عنوان عجبنا‬
‫ّ‬
‫مقاصده جالء فيما نشره بمجلة أسبوعية تصدر‬
‫له في البدء فكتابنا موسوم فيما نعلم‬
‫بتونس فقد قال في كثير من الثقة‪«:‬المقال‬
‫بـ«أهم نظريات الحِ جاج في التقاليد‬
‫يصحح ما جاء في هذا الكتاب من أخطاء‬
‫ّ‬
‫علمية فادحة من شأنها أن تسيء لسمعة البحث‬
‫الغربية من أرسطو إلى اليوم» عجبنا‬
‫ّ‬
‫وتضر بالمعرفة وتعطي لمن يطلع عليه‬
‫العلمي‬
‫ّ‬
‫حينئذ في األول ثم تبدّد منّا العجب‬
‫من التونسيين وغير التونسيين فكرة خاطئة عن‬
‫ّ‬
‫فأي بأس في أن يح ّور الناقد أحيانا من عقلية البحث في بالدنا وفي جامعتنا» وأضاف‬
‫عنوان الكتاب موضوع نقده؟! وأي في الحديث عن جانب آخر من المقاصد‬
‫تتم وقاية تالميذ السنة التاسعة‬
‫فرق بين العنوان الذي ارتضيناه لكتابنا قائال‪«:‬بذلك ّ‬
‫أساسي(كذا!) وطلبة(كذا!) الكاباس‪ ،‬من‬
‫والعنوان الذي نسبه إليه؟!‬
‫مغبة االستسالم لألخطاء وترويجها(‪).....‬‬
‫ّ‬
‫* باحث وجامعي تونسي‪.‬‬

‫‪107‬‬

‫كانت غايتي االسهام في االرتقاء‬
‫بالمعرفة والبحث العلمي ووقاية‬
‫المتعلمين الناشئة (كذا!) من االخطاء‬
‫وكذلك ارساء تقاليد ال ّنقد الب ّناء‬
‫العتقادي أنّ من ينقد عليك(كذا!)‬
‫كمن يكتب معك!»‪.‬‬
‫المسألة حينئذ خطيرة فيما يبدو ـ‬
‫ولقد حرصنا على التذكير بالمقاصد‬
‫السيد ب ّنور ونطلب‬
‫التي أعلن عنها‬
‫ّ‬
‫من القارئ أن يستحضرها على الدوام‬
‫وهو يقرأ ر ّدنا جميع ًا ـ وسعى السيد‬
‫ب ّنور في مقاله المذكور نبيل كما هو‬
‫مشهور عنه ولذلك ولغيره ُس ّر بعض‬
‫القائمين على هذه المج ّلة بالمقال‬
‫ونبهوا إلى اهميته في عينهم‬
‫ّ‬
‫جدا ّ‬
‫بالعبارة «هام جدا» مكتوبة باللون‬
‫االحمر على صفحة الغالف ونعتوه‬
‫في االفتتاحية بالعبارة مراجة علمية‪،‬‬
‫وجعلوه من المجلة في الصدر‪ .‬واآلن‬
‫عما جاء في هذه المراجعة‬
‫ما جوابنا ّ‬
‫العلمية؟ وما ر ّدنا عن التهم الخطيرة‬
‫التي ع ّلقت بنا؟‬
‫ليكن ّأول الجواب أن نذكّ ر السيد‬
‫عبد الرزاق ب ّنور ومن سمح بنشر مقاله‬
‫على اللهجة التي جاء عليها بالمسائل‬
‫المبدئية التالية‪:‬‬
‫أ ـ نحن نؤمن عميق ًا بأن النقد‬
‫‪108‬‬

‫ضروري فهو لقاح للفكر وخميرة‬
‫للبحث ونحن نعتقد بأنّ كتابنا ـ كغيره‬
‫من الكتب التي تنشر في الناس ـ في‬
‫حاجة إلى نقّاد علماء ينبهون إلى ما‬
‫فيه من خلل أو خطإ ويشيرون إلى ما‬
‫في أثنائه من مسالك لع ّلنا وقفنا منها‬
‫عند المنتصف أو وقعنا دونها ولم‬
‫نضرب فيها‪.‬‬
‫نحن نعتقد ذلك لك ّننا نرفض النقد‬
‫المشبته‪.‬‬
‫ب ـ نحن نؤمن بجسامة المسؤولية‬
‫المعرفية التي أؤتمن الجامعي عليها‬
‫فهو يمثل ـ في مجال العلم على‬
‫ّ‬
‫األقل ـ المرجعية حين تختلط على‬

‫ونقدر أنّ االضطالع‬
‫الناس السبل‬
‫ّ‬
‫التجرد من‬
‫بهذه المسؤولية يقتضي‬
‫ّ‬
‫الهوى والسخاء والنبل في الضمير‬
‫وفي اللسان جميع ًا‪.‬‬
‫ج ـ نذكر بأن من أبسط واجبات‬
‫القائمين على مج ّلة ثقافية وأدناها إلى‬
‫البداهة أن تأخذ من ينشر فيها برعاية‬
‫آداب في النقد وأن تعمل على رعاية‬
‫ذمم المكتوب فيهم ونعتبر أن مفارقة‬
‫السبيل والسعي إلى ترويج‬
‫هذه ّ‬
‫المجلة على حساب المكتوب فيهم‬
‫انحراف غير مقبول‪.‬‬

‫نقد مصطلحات أم تالعب بالمصطلحات؟‬

‫أما بعد‪ ،‬فال ّ‬
‫شك أنّ القارئ الحظ‬
‫أنّ السيد عبد الرزاق ب ّنور أربك على‬
‫أقسام مقاله نـظامها الطبيعي المنتظر‬
‫وبرر في الحقيقة ذلك‪ ،‬غير أنه بتبريره‬
‫ّ‬
‫كشف عن «موضع» اعتمده في‬
‫ّ‬
‫خطته العامة ونحن نبين وجه الخرق‬
‫في استغالل ذلك «الموضع» فيما‬
‫نستأنف من مقالنا إذا صرنا إليه‪.‬‬

‫ورأينا ـ قبل ذلك ـ أن نخ ّلص‬
‫أقسام مقاله من مضايقها ونرجعها‬
‫نتتبع ما جاء فيها‬
‫إلى محالتها وأن ّ‬
‫من «نقد» نقطة بنقطة ـ وهذا من أعتى‬
‫الطرق في ّ‬
‫حل المخالطات كما ذكر‬
‫أرسطو ـ ولنبدأ من البداية كما يقال‪:‬‬
‫٭ في باب استعراض ما استثاره‬
‫إلى تحرير مقاله ذكر أنه وقعت عملية‬
‫برمجة (كذا!) الكتاب ضمن شهادة‬
‫(كذا!) التأهيل المهني ألساتذة‬
‫العربية‪ ،‬وهذا زعم ال يخرج عن أحد‬
‫احتمالين‪ :‬التسرع في نقل خبر دون‬
‫التثبت من صحته أو االفتراء‪ .‬وكال‬
‫االحتمالين ال يليق بمن يريد تلقين‬
‫غيره دروسا في طرائق التثبت في‬
‫البحث والتدقيق‪.‬‬

‫‪109‬‬

‫٭ وفي تقييمه لكتابنا في جملته‬

‫أصدر في أثناء مقاله االحكام الثالثة‬
‫التالية‪:‬‬
‫ينسق حسب تقاليد‬
‫ـ أن كتابنا لم ّ‬
‫فرق البحث‪ ،‬فهو في نظره مجموعة‬
‫مقاالت منشورة بعناية فالن «‪Edited‬‬
‫‪ »by‬وعندئذ يكون شيخ الحلقة (يعني‬
‫صمود) أقرب إلى‬
‫السيد حمادي‬
‫ّ‬
‫رئيس تحرير مجلة‪ ،‬جمع مقاالت‬
‫تعبر عن آراء‬
‫وعرض لكتب (كذا!) ال ّ‬
‫أصحابها؟‬
‫قفزا من القرن‬
‫ـ إن كتابنا‪ ،‬يقفز ً‬
‫الرابع قبل الميالد(…) إلى أواسط‬
‫تم حذف ‪23‬‬
‫القرن العشرين‪ ،‬وهكذا ّ‬
‫قرنًا من اإلبداع الفكري الغربي؟‬
‫ـ أن فريقنا عمد ـ بما اختار تقديمه‬
‫من نظريات وكتب ـ إلى «تغييب لغات‬
‫العلم في الوقت الحاضر وكبراها‬
‫االنقليزية» ولننظر في هذه االحكام‬
‫واحدا واحدا ‪:‬‬
‫جدا وال‬
‫الحكم األول بغيض ّ‬
‫سيما في معناه المقتضى والمطعن‬
‫قدمه السيد بنور الثباته يتمثل‬
‫الذي ّ‬
‫فيما اعتبره في أعمال «الفريق اختالال‬
‫مصطلحيا وانعدام تناسق»‪.‬‬
‫نقدر بأن هذا المطعن خطير‬
‫ونحن ّ‬
‫جدا في ذاته «فاالختالل المصطلحي»‬
‫ّ‬

‫قد يدل ـ إن وجد ـ على عدم وضوح‬
‫في المفاهيم وتداعي البحوث القائمة‬
‫يتصور‬
‫عليها وتهاويها‪ .‬والقارئ‬
‫ّ‬
‫مبدئيا أن السيد عبد الرزاق بنور‬
‫قدم على ذلك المطعن حججا وهو‬
‫ّ‬
‫الحريص بمقاله ـ حسب ما أعلن ـ‬
‫على اإلسهام في االرتقاء بالمعرفة‬
‫والبحث العلمي‪ ،‬فما حججه على‬
‫ذلك المطعن الخطير؟‬
‫يحلو لنا قبل استقدام تلك الحجج‬
‫أن نسائله على «سبيل التقرير» كما‬
‫يقول البالغيون العرب القدامى فيما‬
‫يلي‪:‬‬
‫ألم يالحظ أنّ مفردات الجهاز‬
‫االصطالحي الذي استعملناه في‬
‫الكتاب كثيرة فهي مائة وخمسون‬
‫بل يزيد؟! ألم يالحظ ـ بما جاء في‬
‫هوامش بعض البحوث من تعليقات ـ‬
‫مسألية المصطلح كانت من أوكد‬
‫أن‬
‫ّ‬
‫شواغلنا؟!‬
‫بلى‪ ،‬الحظ ذلك جميع ًا وهو‬
‫المف ّتش في بحوثنا عن الجزئيات‬
‫والحظ أيض ًا أنّنا‪:‬‬
‫ـ حرصنا على استخراج‬
‫المصطلحات التي استعملها الفالسفة‬
‫العرب في تالخيصهم على ثالثية‬
‫أرسطو ِ‬
‫جاجية أو في شروحهم لها‬
‫الح‬
‫ّ‬

‫‪110‬‬

‫وعينا بكل د ّقة السياقات التي جاءت‬
‫ّ‬
‫تلك المصطلحات فيها ونبهنا إلى ما‬
‫كان بينهم من اختالف وان كان قليال‬
‫ال يكاد يذكر‪ .‬ووفّرنا بذلك جميع ًا‬
‫ثبتا أولي ًا في اصطالحات ِ‬
‫الحجاج‬
‫ّ‬
‫عند الفالسفة العرب‪.‬‬
‫ـ حرصنا على اإلشارة إلى‬
‫االختالف في ترجمة بعض‬
‫الفلسفية‬
‫المصطلحات في المعاجم‬
‫ّ‬
‫العربية الحديثة أو في المسارد‬
‫االصطالحية التي أثبتت في فهارس‬
‫بعض كتب المنطق الحديثة‪.‬‬
‫جاجي‬
‫ـ نقدنا ترجمة مصطلح ِح‬
‫ّ‬
‫أرسطي إلى الفرنسية أو مصطلحين‬
‫ووافقنا السيد عبد الرزاق بنور بعض‬
‫الموافقة وإن لم يطاوعه لسانه على‬
‫االعالن عنه‪.‬‬
‫يعلم السيد بنور هذا ك ّله حينئذ وان‬
‫سكت عنه فما حججه على ما اعتبره‬
‫«اختالال مصطلحيا وعدم تناسق» في‬
‫كتابنا؟‬
‫وقع عند ثالث نقاط من جهازنا‬
‫المصطلحي أثبت اثنتين في متن مقاله‬
‫ّ‬
‫وأرجأ الثالثة إلى الهامش‪ ،‬ففي المتن‬
‫أشار إلى أنّ مؤلفي الكتاب اختلفوا‬
‫االرسطي‬
‫في ترجمة المصطلح‬
‫ّ‬
‫األساسي ‪ Eurésis‬ثم وقف طوي ً‬
‫ال ـ‬

‫لسببين نذكرهما بعد حين ـ عند عدم‬
‫ارتياحنا الستعمال غالب المترجمين‬
‫الفرنسيين كلمة «‪ »démonstratif‬في‬
‫رسم الجنس الخطبي التثبيتي‪ .‬وفي‬
‫الهامش أورد أمثلة إلقامة الدليل على‬
‫غياب التنسيق في ترجمة المصطلح‬
‫في كتابنا‪ .‬ولنا على هذا الذي ذكر‬
‫المالحظات التالية‪:‬‬
‫أ ـ واضح ـ باالستناد إلى ما ذكرنا‬
‫به أعاله ـ أن الحكم بـ «االختالل‬
‫المصطلحي وعدم التنسيق» ال يستقيم‬
‫له فما ذكر ـ وقد ساقه بعد تفتيش‬
‫هين من حيث العدد بالقياس الي‬
‫ـ ّ‬
‫ضخامة الجهاز المصطلحي المعتمد‬
‫في الكتاب‪ .‬ولئن قال‪« :‬سنكتفي‬
‫ببعض األمثلة حتى نج ّنب القارئ‬
‫مشقّة قائمة طويلة من المصطلحات‬
‫المتضاربة» فاننا نتحداه أن يفعل إن‬
‫كان صادقا!‬
‫مما قال السيد عبد‬
‫ب ـ واضح ّ‬
‫الرزاق بنور نفسه أنّ اختالف أعضاء‬
‫الفريق في ترجمة المصطلح االرسطي‬
‫لم يكن عن «عدم تنسيق» وانما كان‬
‫عن اختالف بل قل‪ :‬عن احترام لحق‬
‫االختالف الخصيب بين أعضاء فريق‬
‫البحث الواحد فبعضنا استعمل في‬

‫‪111‬‬

‫ترجمة المصطلح المذكور عبارة‬
‫بالحجة» وبعضنا‬
‫الجاحظ «البصر‬
‫ّ‬
‫اآلخر رأى في استعمال العبارة‬
‫الجاحظية ـ ألسباب التغيب عن‬
‫ّ‬
‫القارئ العارف ـ بأسا فآثر ترجمة‬
‫المصطلح األرسطي بعبارة «استكشاف‬
‫الحجج»‪ .‬والغريب ههنا أن السيد‬
‫بنور أخذ ع ّنا العبارتين واستعمل في‬
‫بعض المواطن من مقاله احداهما‬
‫وفي مواطن أخرى الثانية فرقص‬
‫بذلك على حبلين والحال أنه يؤاخذ‬
‫في مقاله نفسه غيره عليه!‬
‫ج ـ وفي الهامش قال‪« :‬ولم نذكر‬
‫ّ‬
‫كل حاالت ال ّنشاز الموجودة وخاصة‬
‫عندما يرفق المقدمون المصطلحات‬
‫أي تنسيق‬
‫العربية بأخري فرنسية بدون ّ‬
‫ّ‬
‫مثل استدالل = ‪( argument‬ص‪)148‬‬
‫استدالل = ‪)28( Raisonnement‬‬
‫استدالل = ‪)161( inference‬‬
‫عند االستاذ الريفي واستدالل =‬
‫‪ demonstration‬عند االستاذ صوله‬
‫لتزيده علينا‬
‫(ص‪)300‬؛ استغربنا ّأوال ّ‬
‫فالعبارة »استدالل = ‪ »argument‬ال‬
‫توجد في الصفحة ‪ 148‬من الكتاب‬
‫واستغربنا بالخصوص لسكوته عن‬
‫مما آخذنا عليه ّ‬
‫بالذات!‬
‫موقفنا ّ‬

‫تتعدى‬
‫وليعلم القارئ أن المسألة ّ‬
‫المصطلحات المذكورة في الفقرة‬
‫أعاله إلى ما بين المفاهيم المتعلقة‬
‫بها من عالقات وهي عالقات اختلف‬
‫الشارحون لها من المتخصصين في‬
‫بيانها‪ .‬وليعلم القارئ أننا استعملنا بعض‬
‫تلك المصطلحات في كتابنا وأرفقناه‬
‫ـ على سبيل الحيطة وال ّتنبيه إلى عدم‬
‫االرتياح ـ بعالمة استفهام وقلنا في‬
‫التعليق على ذلك ما يلي‪«:‬أشار اللند‬
‫(‪( Lalande‬في معجمه إلى التقارب‬
‫الكبير بين مدلولي المصطلحين‬
‫و«‪»inférence‬‬
‫«‪»raisonnement‬‬
‫واختار صليبا كلمة «استدالل» مقابال‬
‫«‪ »Raisonnement‬وكلمة «استنباط»‬
‫مقابال لـ«‪ .»Inférence‬أما مهدي فضل‬
‫اهلل فاستعمل كلمة «استدالل» مقابال‬
‫«‪»Raisonnement‬‬
‫للمصطلحين‬
‫و«‪ »Inférence‬واستعمل «استدالل»‬
‫مقابال لـ«‪( »deduction‬أهم نظريات‬
‫ِ‬
‫الحجاج‪...‬ص‪ .)100‬فلماذا آخذنا‬
‫السيد بنور على شيء ّنبهنا إلى أنّ فيه‬
‫عما‬
‫إشكاال مفهوميا ؟! ولماذا سكت ّ‬
‫قلناه في ذلك وهو الحريص بمناسبة‬
‫وبغير مناسبة إلى االطالة في هوامش‬
‫مقاله ؟! أهذه هي تقاليد ال ّنقد التي‬

‫‪112‬‬

‫أراد بمقاله في كتابنا أن يسهم في‬
‫إرسائها ؟!‬

‫وهو كما قلنا أحد المعاني األصلية‬
‫لكلمة ‪.demonstratio‬‬

‫خصص السيد ب ّنور عمودا‬
‫هـ ـ ّ‬
‫ونصفا من الصفحة العاشرة من مقاله‬
‫الستقصاء داللة الكلمة ال ّ‬
‫التينية‬
‫‪ Demostratio‬بالخصوص واألمر ال‬
‫سيما‬
‫يحتاج في الحقيقة إلى ذلك وال ّ‬
‫عبرنا‬
‫أنه يوافقنا عند التحصيل عما ّ‬
‫عنه من تح ّفظ في خصوص استعمال‬
‫المترجمين الفرنسيين لعبارة ‪Genre‬‬
‫سماه‬
‫‪ démonstratif‬في الحديث عما ّ‬
‫الفالسفة العرب «الجنس الخطبي‬
‫التثبيتي» (أو المنافري)‪ .‬ومهما يكن‬
‫من أمر فقد أطال في المسألة لسببين‪:‬‬
‫يبين للقراء درجة‬
‫أراد من ناحية أن ّ‬
‫ّ‬
‫وتمكنه‬
‫حرصه على التثبت والتحقيق‬
‫من االغريقية وال ّ‬
‫التينية وأراد من ناحية‬
‫ويقدم مصطلحا‬
‫ثانية أن يستدرك ع ّنا‬
‫ّ‬
‫تصور أنه غاب ع ّنا فقال‬
‫قديما‬
‫عربي ًا‬
‫ً‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫بد‬
‫في خاتمة تحليله‬
‫المطول‪ :‬وال ّ‬
‫ّ‬
‫أن نشير هنا إلى الثبت المصطلحي‬
‫الثنائي اللغة الذي وضعه الدكتور‬
‫بدوي في فهارس كتاب الخطابة‬
‫ّ‬
‫(الترجمة القديمة ص ‪ )266‬حيث‬
‫نالحظ أن مصطلح ‪Epidictique‬‬
‫«التثبيتي والمترائي»‬
‫يقابله بالعربية‬
‫ّ‬

‫نحن نثني على هذا البحث‬
‫السيد‬
‫خصص له‬
‫المصطلحي الذي ّ‬
‫ّ‬
‫بنور عمودا ونصفا من مقاله ونه ّنئه‬
‫بالترجمة العربية التي ظفر بها ونو ّد لو‬
‫يتفضل باالجابة عن االسئلة اليسيرة‬
‫ّ‬
‫التالية‪:‬‬
‫عربية قديمة»‬
‫اعتمد «ترجمة‬
‫ّ‬
‫مجهولة المؤلف ترجع إلى أوائل‬
‫القرن الثالث للهجرة (أي بداية حركة‬
‫الترجمة لكتب أرسطو) حسب ما‬
‫بدوي في‬
‫رجح السيد عبد الرحمان‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫تصديره لها‪ .‬وهي ترجمة حققها‬
‫بدوي لكنه ّنبه إلى أنّها «سقيمة‬
‫السيد‬
‫ّ‬
‫السقم‬
‫ّ‬
‫جدا»‪ ،‬وعنها قال‪« :‬قد وجدنا ّ‬
‫يشمل ّ‬
‫كل صفحة تقريبا‪ ،‬لذا لم‬
‫نتعقب ّ‬
‫كل موضع من مواضع ال ّترجمة‬
‫بالتنبيه عليه في الهامش» (التصدير‪،‬‬
‫الصفحة ك) فلماذا اعتمد السيد‬
‫ب ّنور في بحثه عن العبارة الموافقة‬
‫لكلمة ‪ Epidictique‬تلك الترجمة‬
‫دون سواها من «الترجمات» العربية‬
‫القديمة؟!‬
‫واضح أنّ السبب في ذلك هو‬
‫انفرادها باستعمال الصفة «متراء» وهي‬

‫‪113‬‬

‫توهم ـ ما في‬
‫صفة توافق ـ حسب ما ّ‬
‫الداللة االصلية للمصطلح االغريقي‬
‫ّ‬
‫(أو ال ّ‬
‫التيني) من معاني «اإلظهار‬
‫السيد عبد‬
‫والعرض واإلشارة»‪ .‬أثبت ّ‬
‫بدوي حينئذ كلمة «مترائي»‬
‫الرحمان‬
‫ّ‬
‫(كذا!) في كشّ اف االصطالحات‬
‫القصير الملحق بتلك الترجمة وتلقّف‬
‫عنه السيد بنور ـ بعد أن نظر في‬
‫دالالت المصطلحين ‪epidictique‬‬
‫و‪ demonstratio‬ـ تلك الكلمة دون‬
‫أن يتأكد ـ ّأوال ـ من ورودها في‬
‫متن الترجمة (ولو كان فعل لالحظ‬
‫أنها غير موجودة فالكلمة الواردة في‬
‫المتن هي «المري» ال «المترائي»!)‬
‫ودون أن يبحث ـ بالخصوص ـ في‬
‫المعاجم العربية عن معناها‪.‬‬
‫كذا اعتبر السيد ب ّنور في لهجة‬
‫واثقة أنّ عبارة «التثبيتي والمترائي»‬
‫تترجم في د ّقة ما في المصطلح‬
‫‪ Epidictique‬من معان والغريب أنه‬
‫لم يخالجه أدنى تساؤل عن السبب‬
‫الذي قد يكون جعل ابن سينا وابن‬
‫تبنينا في كتابنا ترجمتها‬
‫رشد ـ وقد ّ‬
‫للمصطلح المذكور ـ يسقطان من‬
‫«المري» (وإن كانت‬
‫اعتبارهما كلمة ُ‬
‫هذه الكلمة في ذاتها ال تمثل مشكال)‬

‫عما قد يكون جعل‬
‫ودون أن يتساءل ّ‬
‫بدوي ـ وهو العارف باالغريقية‬
‫السيد‬
‫ّ‬
‫والحاذق للعربية جميع ًا ـ ال يتب ّنى‬
‫في ترجمته الحديثة للخطابة الكلمة‬
‫التي كان هو نفسه أثبتها في كشاف‬
‫السيد‬
‫االصطالحات الذي اعتمده‬
‫ّ‬
‫السبب الذي جعل‬
‫ب ّنور! ولسنا ندري ّ‬
‫السيد بنور ال يعني نفسه جهد البحث‬
‫في معنى الصفة «متراء» في المعاجم‬
‫العربية خالفا لما اصطنعه حين اشتغل‬
‫ببيان دالالت كلمتي ‪Epidictique‬‬
‫و‪ Demonstratio‬في المعاجم‬
‫ّ‬
‫لعل اهتمامه‬
‫االغريقية والالتينية؟!‬
‫بداللة المصطلح في اللغة المنقول‬
‫منها وإغفاله النظر في داللة الكلمة‬
‫المختارة لترجمة ذلك المصطلح‬
‫في اللغة المنقول إليها منهج يرضاه‬
‫المصطلحي!‬
‫ويتفرد به في البحث‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫ومهما يكن من أمر فلنا سؤال‬
‫ومالحظتان‪:‬‬
‫ـ نحن نسأله أن ينظر في المعاجم‬
‫العربية ويبين باالستناد إلى ما جاء‬
‫فيها وجاهة اختياره العبارة «الجنس‬
‫الخطبي المترائي» في ترجمة المصطلح‬
‫ّ‬
‫‪ Epidictique‬أو ترجمة بعض ما في‬
‫داللته من معان)! ونحن نشير إلى أنّه‬

‫‪114‬‬

‫لو كان اقترح عبارة «الجنس الخطبي‬
‫المري» وهي العبارة التي جاءت في‬
‫نص الترجمة العربية التي اعتمد لما‬
‫ّ‬
‫كنا مبدئيا اعترضنا عليه‪.‬‬

‫السبب والنتيجة) (الصفحة الثامنة من‬
‫ّ‬
‫مقاله‪ ،‬العمود الثاني‪ ،‬الفقرة األولى)‬
‫ومعلوم أن المصطلح المناسب هو‬
‫المجاز المرسل‪.‬‬

‫ننبه إلى أنه انزلق انزالقا شنيعا‬
‫ـ ّ‬
‫في هذه المسألة بالذات فقد اقترح‬
‫في البحث المصطلحي الذي انجزه‬
‫العبارة «التثبيتي والمترائي» باعتبارها‬
‫سماه أرسطو‬
‫ترجمة دقيقة شاملة لما ّ‬
‫‪ Epidictique‬ولكنه استعمل في‬
‫موطن آخر من مقاله عبارة «التثبيتي‪/‬‬
‫المرائي (ص ‪ 10‬من مقاله‪ ،‬العمود‬
‫‪ 1‬الفقرة ‪[ 3‬وهنا ‪ :‬ص ‪ ،23‬ع ‪.)]1‬‬
‫داللي‬
‫وبين المرائي والمترائي فرق‬
‫ّ‬
‫من غير ال ّ‬
‫الئق أن يخفى عنه‪ .‬وكلمة‬
‫المرائي‪ ،‬استعملها ابن سينا في حديثه‬
‫عن الخطاب السفسطائي! (انظر‬
‫السفسطة المجلد السابع من الشفاء‬
‫تحقيق أحمد فؤاد األهواني المطبعة‬
‫االميرية بالقاهرة ‪ 1958‬صفحة ‪56‬‬
‫سطر ‪ 11‬ص ‪ 77‬س ‪ 10‬ص ‪110‬‬
‫س ‪.)9‬‬

‫كذا خاض السيد عبد الرزاق بنور‬
‫في الجانب المصطلحي من كتابنا‬
‫ّ‬
‫أخل بشروط أساسية في النقد‬
‫لكنه‬
‫أو في البحث المصطلحي فوقع في‬
‫تفريط يستثير الشفقة والرثاء ح ّق ًا!‬

‫ننصح له أن يتثبت في‬
‫المصطلحات العربية التي يستعمل‬
‫في المستقبل فقد استعمل مصصلح‬
‫وعين العالقة الداللية التي‬
‫«الكناية» ّ‬
‫يقصد فأثبت بين قوسين العبارة (بين‬

‫«نقد علمي» يعتمد «اليد الثانية»!‬

‫وكان له مأخذ ثان على كتابنا في‬
‫جملته فقد اعتبر أنّه يقفز قفزا من‬
‫القرن الرابع قبل الميالد (مع اإلغريق‬
‫وأرسطو) إلى أواسط القرن العشرين‬
‫تتم عملية حذف‬
‫(مع برلمان)‪ .‬هكذا ّ‬
‫‪ 23‬قرن ًا من اإلبداع الفكري الغربي‪،‬‬
‫تمر إلى‬
‫«ثالثة وعشرون قرنا بتمامها ّ‬
‫أثرا لشيشيرون‬
‫البالوعة‪....‬فال نجد ً‬
‫وكانتيليان وبواسيوس وراموس وبور‬
‫روايال وغيرهم من أعالم التقاليد‬
‫ال ّ‬
‫التينية» ولقد عجبنا لما جاء في هذه‬
‫الفترة لسببين‪:‬‬
‫٭ نحن لم نقصد في كتابنا إلى‬
‫«الريطوريقا» في‬
‫رصد منعرجات‬
‫ّ‬
‫السنة الغربية منذ أرسطو إلى اليوم‬
‫وال قصدنا إلى الحديث عن جميع‬

‫‪115‬‬

‫من خاض في مسألية ِ‬
‫الحجاج في‬
‫ّ‬
‫تلك السنة بل قصدنا إلى تقديم‬
‫أهم نظريات ِ‬
‫الحجاج فيها وبين هذه‬
‫المقاصد فروق ال يمكن أن تخفى‪.‬‬

‫كتاب «الجدل» لراموس والحال أنه‬
‫متض ّلع في ال ّ‬
‫التينية حسب ما يفهم‬
‫بشدة في المقال نفسه‬
‫من مقاله وناقد ّ‬
‫لمن يعتمد في بحثه «اليد الثانية!»‪.‬‬

‫نقدر أنّه كان عليه ـ لتبرير‬
‫٭ نحن ّ‬
‫الصاخبة التي عمد إلى‬
‫تلك العبارة ّ‬
‫استعمالها أي قوله‪« :‬ثالثة وعشرون‬
‫تمر إلى البالوعة» ـ أن‬
‫قرنا بتمامها ّ‬
‫مجرد االستعراض‬
‫ال يقتصر على‬
‫ّ‬
‫ألسماء أعالم اشتغلوا في مؤلفاتهم‬
‫أو في بعضها ـ من مواقع مختلفة ـ‬
‫عن اإلرث األرسطي وكان عليه أن‬
‫يشير ـ كما فعل في بعض الهوامش‬
‫وهو الحريص ألسباب واضحة على‬
‫اإلكثار منها وإطالتها ـ إلى «زوايا في‬
‫التناول» أو «مشكليات» أو «مفاهيم»‬
‫تميز بها في رأيه من ذكر‬
‫قد يكون ّ‬
‫من األعالم‪ ،‬ال أن يكتفي في هامش‬
‫واحد بإحالة على ما أنجزه «راموس»‬
‫من توزيع ألركان الخطابة االرسطية‬
‫بين الجدل و«الريطوريقا» وهي إحالة‬
‫تتعلق بما لم نقصد إلى درسه كما‬
‫ذكرنا أعاله‪ ،‬إحالة خجول اعتمد فيها‬
‫ما جاء في هامش من هوامش أحد‬
‫مقاالت جينيت!‪ Genette‬نعم اعتمد‬
‫يعن نفسه الرجوع إلى‬
‫هامشا ولم ّ‬

‫ومهما يكن من أمر فإننا ـ حرصا‬
‫م ّنا على استثارة ما وراء كالمه ـ‬
‫نذكر أننا ّ‬
‫اطلعنا على غالب ما أ ّلف‬
‫شيشرون في الخطابة وقرأنا بعض ما‬
‫وتعرضنا‬
‫كتب كانتيليان وبور رويال‬
‫ّ‬
‫في أثناء مطالعتنا إلى ما قاله بعض‬
‫الدارسين فيما انجزه راموس في‬
‫ّ‬
‫تاريخ «الريطوريقا» الغربية غير أننا ال‬
‫نذكر أنّنا وقفنا في ذلك على مخايل‬
‫نظرية متميزة في ِ‬
‫الحجاج‪.‬‬
‫ّ‬
‫نحن نعرف أن شيشرون أغنى‬
‫المبحث «البالغي» بالخصوص‬
‫تعمق مثال درس «الوجوه»‬
‫فقد‬
‫ّ‬
‫و«المجازات» في كتيباته المختلفة‬
‫ّ‬
‫النظرية‬
‫وقدم ما يعرف اليوم بـ‬
‫ّ‬
‫التشبيهية في االستعارة وهي تختلف‬
‫عن ال ّنظرية األرسطية فيها واهتم‬
‫بدرس االيقاع في النثر ودرس ما‬
‫سماه االساليب الثالثة لكننا ال نعتقد‬
‫ّ‬
‫ حسب ما ّ‬‫اطلعنا عليه ‪ -‬أنّه كان له‬
‫اسهام متميز الفت في راسة ِ‬
‫الحجاج‬
‫ّ‬
‫وال نعتقد أنّه كانت له ولمريده‬

‫‪116‬‬

‫كانتيليان نظرية في ِ‬
‫الخطبي‬
‫الحجاج‬
‫ّ‬
‫نظرية‬
‫تختلف في منطلقاتها العامة عن ّ‬
‫أرسطو‪.‬‬
‫وعلمنا في أثناء مطالعتنا عن‬
‫أرسطو أنّ بواسيوس‪ ،boàce‬اضطلع‬
‫مهم في تعريف القرون الوسطى‬
‫بدور ّ‬
‫بأرسطو فقد ترجم «ايزاغوجي»‬
‫لفرفيريوس وترجم األجزاء التالية من‬
‫االرغنون على األقل‪« :‬المقوالت‪،‬‬
‫والعبارة‪ ،‬والتحليالت األولى‪ ،‬وشرح‬
‫كتاب المواضع»‪ ،‬لشيشرون‪ .‬لكننا‬
‫الحظنا عند قراءة ترجمتين له أعدهما‬
‫مقدمة وضعها‬
‫متخصصان وقراءة‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫محقّق كتابه الشهير الموسوم بـ«سلوى‬
‫الفلسفة» ‪La consolation de la‬‬
‫‪ philosophie‬أن المترجمين والمحقق‬
‫المتميز‬
‫يعتبرون جميع ًا أنّ الجانب‬
‫ّ‬
‫من آثار هذا العلم يتمثل بالخصوص‬
‫مبدئيا‬
‫نقدر‬
‫في كتاباته الدينية ونحن ّ‬
‫ً‬
‫متميزة في‬
‫أنه لو كانت له مساهمة‬
‫ّ‬
‫دراسة ِ‬
‫الحجاج لكان الذين ترجموا‬
‫له ّنبهوا إليها بشكل من االشكال‪.‬‬
‫وعلمنا من بعض ما وقع بين أيدينا‬
‫من مقاالت أنّ «راموس»(‪)Ramus‬‬
‫حمل على أرسطو حملة شعواء ولقد‬
‫وقفنا علي نقد «بول رويال» له في‬

‫بعض ما ذكره في «المواضع» وطالعنا‬
‫لـ«كوانتز» ‪ Kuentz‬مقاال معروفا‬
‫عنوانه‪Rhétorique ou la mise à :‬‬
‫‪ l’écart‬تناول فيه ما أحدثه «راموس»‬
‫الريطوريقا» بالغرب من‬
‫في «تاريخ ّ‬
‫تغيير في األركان غير أننا لم نجد فيما‬
‫ذكره «بول روايال»‪ ،‬وال فيما قاله‬
‫«كوانتز» أدنى إشارة قد يستفاد منها‬
‫أنّه كان لهذا العلم الذي اعتبره بعضهم‬
‫الرواد للفكر الفلسفي‬
‫من‬
‫ّ‬
‫الممهدين ّ‬
‫الحديث نظرية في ِ‬
‫الحجاج‪.‬‬
‫ّ‬

‫أما جماعة «بول روايال» فقد تناوال‬
‫في منطقهم ‪ -‬كما هو معلوم ‪ -‬جوانب‬
‫مما درس أرسطو في «المواضع»‬
‫ّ‬
‫مسألية‬
‫يهم‬
‫وفي«التبكيتات»‪ّ ،...‬‬
‫مما ّ‬
‫ّ‬
‫ِ‬
‫وعبرا عن‬
‫الحجاج بطبيعة الحال‬
‫ّ‬
‫إعجابهما بما جاء في المقالة األولي‬
‫من كتاب الخطابة‪ ،‬دون أن يعرضا‬
‫ما جاء فيها ولم نقف ـ في حدود ما‬
‫ّ‬
‫اطلعنا عليه ما كتب ذانك الع َلمان ـ‬
‫متميزة‬
‫نظرية‬
‫على ما يمكن أن يعتبر‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫في ِ‬
‫الحجاج‪.‬‬

‫واضح أنّ معرفتنا بعدد من االعالم‬
‫سطحية‬
‫الذين ذكرهم السيد بنور رقيقة‬
‫ّ‬
‫ومن واجبه ـ وهو المتضلع في اللغة‬
‫ال ّ‬
‫التينية ـ أن ينير القراء فيما اعتبر أنّنا‬

‫‪117‬‬

‫تركناه ينسرب إلى البالوعة من نظريات‬
‫ِ‬
‫الحجاج في التقاليد ال ّ‬
‫التينية حتى ال‬
‫يعتبر نقده لنا قبضا على الريح!‬
‫سكوت «الناقد» عن جوهر المسائل‬

‫وكان للسيد ب ّنور مأخذ ثالث على‬
‫كتابنا في جملته‪ ،‬مأخذ يتمثّل في أنّنا‬
‫غيبنا ـ حسب رأيه ـ ال ّلغة االنكليزية‬
‫ّ‬
‫تفضل‬
‫قدمناه وهي اليوم حسب ما ّ‬
‫فيما ّ‬
‫بإعالمنا به! ـ ال ّلغة األساسية في انتاج‬
‫واحتج على ما زعمه بما‬
‫المعرفة‪.‬‬
‫ّ‬
‫توهمه سببا في اختيارنا تقديم كتاب‬
‫ّ‬
‫«جون وودوس» و«دوقالس ولطون»‬
‫وما كان يستطيع بطبيعة الحال أن‬
‫يقدح ـ من ذلك المنطلق ـ في اختيارنا‬
‫كتب االعالم األربعة اآلخرين الذين‬
‫قدمنا نظرياتهم في ِ‬
‫الحجاج‪ .‬وفي‬
‫خصوص الكتاب الذي اتكأ عليه‬
‫لدعم زعمه قال‪ :‬عرض كتاب ولطون‬
‫وهو تلميذ هنتكا وأقصي االستاذ إذ‬
‫يبدو أنّ الشرط المعتمد في اختيار‬
‫الكتب وعرضها لدى الفريق هو توفّر‬
‫األثر بال ّلغة الفرنسية‪ .‬ذلك أنّ اختيار‬
‫كتاب وودس وولطون هذا للتقديم‬
‫اليبرره اال توفّر ترجمته‬
‫والعرض‬
‫ّ‬
‫تمت‬
‫الفرنسية‪ .‬هكذا إذن وبعد أن ّ‬
‫إزاحة ‪ 23‬قرنا من الفكر الغربي بما‬

‫فيه من أخضر ويابس يعمد فريق‬
‫البحث إلى تغييب كبريات لغات‬
‫العلم في الوقت الحاضر»‪.‬‬
‫وهذا الذي ذكر مدفوع من جهتين‬
‫بالسنة الثقافية وهي‬
‫إحداهما تتعلق ّ‬
‫التي ينبغي أن تكون مدار االعتبار‬
‫باألصالة ففريقنا اختار ‪ -‬من ناحية ‪-‬‬
‫تقديم ذلك الكتاب لما فيه من دراسة‬
‫ِ‬
‫ومما‬
‫متكاملة لنوع من أنواع الحجاج ّ‬
‫محمد النويري في التقديم‬
‫قال السيد‬
‫ّ‬
‫لبحثه‪« :‬جاءت مساهمات ولطون‬
‫وودوس في الموضوع منخرطة في س ّنة‬
‫تعتبر أن دراسة البرالوجيسم تكتسي‬
‫على وجه التأكيد أهمية منهجية أساسية‬
‫في الفلسفة وخصوصا في مجال‬
‫االنسانيات» وفريقنا «حرص ـ من‬
‫ناحية ثانية ـ على تقديم ذلك الكتاب‬
‫مما‬
‫مما توفّر في موضوعه ّ‬
‫دون سواه ّ‬
‫الفرنسيون لالسهام في التعريف‬
‫كتبه‬
‫ّ‬
‫ببعض ما ُقدِّ م من دراسات ِ‬
‫الحجاج‬
‫الس ّنة االنقلو أمريكية‪.‬‬
‫في ّ‬
‫ونذكر بالمناسبة أن المقاالت‬
‫تقدم مقاربات‬
‫المنشورة في كتابنا ّ‬
‫تنسب إلى مسلكين أساسيين وقع‬
‫اعتمادهما في دراسة ِ‬
‫الحجاج في‬
‫الس ّنة الغربية‪:‬‬
‫ّ‬

‫‪118‬‬

‫مسلك ذي منحى منطقي أو‬
‫نفسي ومسلك ذي‬
‫اجتماعي‬
‫منطقي‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫األول‬
‫منحى لساني وفي المسلك‬
‫ّ‬
‫تندرج بطبيعة الحال أعمال أرسطو‬
‫وبرلمان وماير ووودس وفي المسلك‬
‫الثاني تندرج اعمال ديكرو‪.‬‬
‫األول حينئذ اخترنا‬
‫ففي المسلك ّ‬
‫السلف البعيد لدراسة‬
‫نقدم‬
‫أن‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫ِ‬
‫الحجاج في الغرب ونعني بطبيعة‬
‫الحال أرسطو وعلى إثره رأينا أن‬
‫بولوني‬
‫نقدم برلمان وهو فيلسوف‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫سخر حياته لدراسة أنساق‬
‫االصل ّ‬
‫االستدالل في الخطابات غير البرهانية‬
‫على اختالف أجناسها وأذكى في‬
‫الغرب بذلك من جديد االهتمام‬
‫ِ‬
‫الحجاج وأعاد‬
‫بدرس مسأليات‬
‫السلف‬
‫إحياء الصلة بمشروع ذلك ّ‬
‫البعيد ولذلك اعتبره المترجمون له‪،‬‬
‫مؤسس الخطابة الجديدة‪ ،‬وفي درج‬
‫الحجاج»‬
‫تقديمنا كتابه‪« :‬مص ّنف في‬
‫ّ‬
‫سعينا إلى اإلشارة إلى وجوه إعادة‬
‫بنائه لل ّنظرية ِ‬
‫الحجاجية االرسطية في‬
‫ّ‬
‫والخطبي وأشرنا إلى‬
‫بعديها الجدلي‬
‫ّ‬
‫االرسطي‬
‫ما يفصل نسقه عن ال ّنسق‬
‫ّ‬
‫من مسافة وان كانت االشارات إلى‬
‫جدا في الحقيقة‪ .‬وآثرنا‬
‫ذلك مقتضبة ّ‬

‫القراء بطريقة‬
‫من جهة أخرى تعريف ّ‬
‫بعض الفالسفة المحدثين في تناول‬
‫مسألية ِ‬
‫الحجاج في إطار قراءة تاريخ‬
‫ّ‬
‫البحث الفلسفي وانتاج خطابه وقدمنا‬
‫لذلك بعض أعمال «مايار» وهو‬
‫فيلسوف بلجيكي تتلمذ على برلمان‬
‫ونزل دراسة‬
‫واهتم «بخطابة» أرسطو ّ‬
‫ّ‬
‫ِ‬
‫فلسفي غير الفضاء‬
‫الحجاج في فضاء‬
‫ّ‬
‫الذي ّنزله فيها أستاذه‪ .‬وفي األخير‬
‫قدمنا كتاب األمريكيين وودس‬
‫ّ‬
‫ووالطون لألسباب التي سبق ذكرها‪.‬‬
‫وللتمثيل على المسلك الثاني من‬
‫مسالك دراسة ِ‬
‫الحجاج في القول‬
‫اخترنا تقديم نظرية ديكرو وفيها‬
‫منطلقات تناقش (وأي النظريات ال‬
‫يناقش ؟!) لكن فيها تناول عميق‬
‫للمكونات التي تتضافر في رسم‬
‫ّ‬
‫االتجاه في بناء المعنى في القول‬
‫بالخصوص وال يمكن ألي كتاب‬
‫في ال ّتعريف بأهم نظريات ِ‬
‫الحجاج‬
‫ّ‬
‫أن يتجاهل تلك النظرية مهما يكن‬
‫جدا‬
‫تقييم أصحابه لها‪ .‬ولقد ساءتنا ّ‬
‫السيد ب ّنور للتعبير عن‬
‫كلمة استعملها ّ‬
‫استهانته بديكرو واستغربنا صدورها‬
‫عنه وهو الذي أعلن أنه أراد بمقاله أن‬
‫يسهم في إرساء «تقاليد النقد البناء»!‬

‫‪119‬‬

‫السيد ب ّنور في قسم من مقاله‬
‫ونقد ّ‬
‫مقدمة كتابنا وفي نقده لها ركنان‬
‫ّ‬
‫أساسيان‪« :‬نقد» المنهج الذي اعتمده‬
‫صمود في تناول مسألة‬
‫حمادي ّ‬
‫السيد ّ‬
‫ما يمكن أن يعتبر «انحسار» البالغة‬
‫تصوره لما كان‬
‫العربية ثم عرض‬
‫ّ‬
‫يمكن أن يكون وضع البالغة العربية‬
‫لوكانت احتضنت خطابة أرسطو‬
‫ولوضع البالغة الفعلي في حضارتنا‬
‫ولنا على ما قال المالحظات التالية‪:‬‬
‫المقدمة وقع في‬
‫أ‪ :‬اعتبر أن صاحب‬
‫ّ‬
‫خطإ منهجي إذ رصد البالغة العربية‬
‫الخطبي‬
‫انطالقا من أركان النسق‬
‫ّ‬
‫األرسطي وفي ذلك قال‪« :‬وبما أنّ‬
‫ّ‬
‫معين ثبت‬
‫االنحسار يكون بنقصان ّ‬
‫وجوده وحفظه وال يمكن أن يكون‬
‫نتحدث عن االنحسار ـ في‬
‫ـ أي أن‬
‫ّ‬
‫شيء لم يوجد ّ‬
‫عم تنحسر‬
‫قط(‪ّ ).....‬‬
‫البالغة العربية إذن؟ أين كانت والى‬
‫أين صارت؟ هل تراجعت بال ّنسبة إلى‬
‫معين؟ كيف تنحسر عن ال ّنمط‬
‫مرجع ّ‬
‫االرسطي وقد رفضته من منطلقات‬
‫مبدئية؟ أال يتبين من هنا إسقاط‬
‫مقوالت على الفكر العربي االسالمي‬
‫ال تصلح ا ّ‬
‫ال مع التقاليد الغربية؟»‬
‫وفي هذا القول إخالل بل تشويه‬

‫حمادي صمود استحضر أفقين‬
‫فالسيد ّ‬
‫اثنين استثار بال ّنظر إليهما مجتمعين‬
‫مسألة ما يمكن أن نعتبره «انحسارا»‬
‫في البالغة العربية‪ .‬ولقد جعلنا كلمة‬
‫«انحسار» بين ظفرين ألننا ال نوافق‬
‫تماما على العبارة التي أضحت منذ‬
‫استعملها «جينيت» شهيرة أي «عبارة‬
‫البالغة المنحسرة» (بل «الخطابة‬
‫المنحسرة»!)‪ .‬نحن نحترز من تلك‬
‫سمي بها يختلف في‬
‫العبارة ألنّ ما ّ‬
‫عما اعتبر «أصال»‬
‫القوة‬
‫ّ‬
‫الموجهة له ّ‬
‫ّ‬
‫انحسرت عنه فقسم األسلوب‬
‫(‪ )Elocutio‬عند أرسطو وهو القسم‬
‫الذي انحسرت اليه البالغة (والى‬
‫قسم منه فيما بعد) مشدود إلى مفهوم‬
‫«االقناع» وهو المفهوم المركزي الذي‬
‫قامت عليه خطابته فقسم األسلوب‬
‫عند أرسطو يمثّل في الحقيقة ما‬
‫يمكن أن نسميه «أسلوبية ِ‬
‫الحجاج»‬
‫ّ‬
‫ولذلك كان تناوله للمجاز مثال (أو‬
‫سماه ‪ Metaphora‬في ذلك القسم‬
‫ما ّ‬
‫«فن الشعر»‬
‫يختلف عن تناوله له في ّ‬
‫وحين انفرط ذلك القسم من النسق‬
‫ِ‬
‫الحجاجي الحاضن له واستقل بذاته‬
‫القوة الناظمة له وأضحى‬
‫تغيرت‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫يتعلق بمقولة «الحسن» باألساس‬

‫‪120‬‬

‫فنحن نحترز من كلمة «انحسار» ألنّ‬
‫االطار العام للبالغتين مختلف‪.‬‬
‫ومهما يكن من أمر فقد استحضر‬
‫مقدمته‬
‫صمود في‬
‫حمادي‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫السيد ّ‬
‫ّ‬
‫الجاحظي من ناحية‬
‫المشروع البالغي‬
‫ّ‬
‫األرسطي من ناحية‬
‫والنسق الخطبي‬
‫ّ‬
‫الجاحظي‬
‫ثانية والمشروع البالغي‬
‫ّ‬
‫أول في‬
‫كان منطلق ًا‪ ،‬عنه نشأ منحى ّ‬
‫البالغي عند العرب وههنا‬
‫التأليف‬
‫ّ‬
‫تحدر عن مشروع عبد‬
‫منحى اخر‬
‫ّ‬
‫القاهر الجرجاني‪.‬‬

‫«الحيوان» ذكر االنماط العالمية التي‬
‫اشتغل بدرس بعضها وقوله ال ّتالي‬
‫شهير عند الباحثين قال‪« :‬وجميع‬
‫الدالالت على المعاني من‬
‫أصناف ّ‬
‫لفظ وغير لفظ خمسة أشياء ال تنقص‬
‫ثم اإلشارة ثم‬
‫وال تزيد‪ّ :‬أولها ال ّلفظ ّ‬
‫تسمى‬
‫العقد ثم الخطأ ثم الحال التي ّ‬
‫نصبة‪( .‬البيان‪ ،‬والتبيين تحقيق عبد‬
‫السالم محمد هارون‪ ،‬مطبعة لجنة‬
‫التأليف والترجمة والنشر القاهرة‬
‫األول صفحة ‪.)76‬‬
‫‪ 1948‬الجزء ّ‬

‫الجاحظي كان‬
‫فالمشروع البالغي‬
‫ّ‬
‫األول في التأليف البالغي في‬
‫المنطلق ّ‬
‫حضارتنا وهو مشروع فسيح استجمع‬
‫فيه صاحبه ما خاضت فيه العرب من‬
‫مسائل دراسة القول إلى عصره وتلقّط‬
‫ما توفّر في بيئته من أجوبة الحضارات‬
‫األخرى عن سؤال البالغة‪ .‬وهو‬
‫اهتم فيه ـ على طريقته‬
‫مشروع ضخم ّ‬
‫ـ بأجناس مختلفة من األقاويل‬
‫همه األوكد دراسة صناعة‬
‫وإن كان ّ‬
‫وتعرض إلى‬
‫الخطابة عند العرب‬
‫ّ‬
‫االركان المختلفة التي ينبغي تناولها‬
‫في رأيه عند درس هذه الصناعة‪ .‬ومن‬
‫المعلوم أنّ حدود هذا المشروع أوسع‬
‫مما ذكرنا ففي «البيان والتبيين» وفي‬
‫ّ‬

‫ففي هذه الكتابات من المالحظات‬
‫واالشارات ما ّ‬
‫يدل على وعي أبي‬
‫عثمان بأهمية الجوانب المذكورة‬
‫عامة‬
‫ودورها في «العملية التخاطبية» ّ‬
‫والخطبة خاصة […] لكن كأن هذا‬

‫وبالنظر إلى رحابة هذا المشروع‬
‫السيد‬
‫البالغي العربي باألساس وضع ّ‬
‫صمود سؤال «االنحسار» وقد‬
‫حمادي ّ‬
‫ّ‬
‫أشار السيد عبد القادر المهيري إلى‬
‫هذا المسلك األساسي الذي نهجه‬
‫صمود قال‪« :‬يكتسب السؤال وجاهته‬
‫ّ‬
‫إذا أخذت بعين االعتبار الجاحظ في‬
‫«البيان والتبيين» و«الحيوان» وهي بال‬
‫شك أبرز النصوص المؤسسة للبالغة‬
‫العربية‪.‬‬

‫‪121‬‬

‫يتسرب‬
‫الوعي لم يتجاوز صاحبه ولم ّ‬
‫إلى التصانيف البالغية وال ّنقدية التي‬
‫أصبحت ابتداء من القرن الرابع مسردا‬
‫والصور وأنماط البديع»‪.‬‬
‫بالوجوه‬
‫ّ‬
‫(أهم نظريات ِ‬
‫الحجاج‪....‬ص‪.)8‬‬
‫جدا سكوت السيد‬
‫ب ـ استغربنا ّ‬
‫بنور في متن مقاله وفي هامشه جميع ًا‬
‫يخص جوهر‬
‫مما‬
‫ّ‬
‫عما جاء في الكتاب ّ‬
‫ّ‬
‫المسألة التي تناولها عند نقده المقدمة‬
‫يبرر ذلك السكوت وال سيما‬
‫والشيء ّ‬
‫يتصيد أدنى مناسبة لإلشارة‬
‫أنه كان‬
‫ّ‬
‫إلى دقائق في كتابنا والطالة الهوامش‬
‫ونحن نورد ههنا ما سكت عنه فنحن‬
‫ال ننتظره ليقودنا في شعاب ّ‬
‫مكة ونحن‬
‫أشرنا فيما قلناه إلى مسالك غائبة‬
‫عنه‪ .‬ففي معرض نقدنا لـ«روبول»‬
‫‪ Reboul‬قلنا‪« :‬فنحن العرب لنا فيما‬
‫نعلم «صناعة خطابة» جاءت مبثوثة‬
‫في كتاب «البيان والتبيين» للجاحظ‬
‫ولنا «صناعة بالغة» ونحن النعتبر أنّ‬
‫«صناعة البالغة» عندنا توافق قسما‬
‫من أقسام «صناعة الخطابة» عندهم‬
‫أي قسم األسلوب ‪ Elocutio‬فدراسة‬
‫األسلوب عند أرسطو ‪ -‬مثال ‪ -‬تندرج‬
‫الخطبي [‪]...‬‬
‫في إطار دراسة االقناع‬
‫ّ‬
‫أما دراسة القول في بالغتنا فتندرج في‬

‫إطار فضاء مسألي آخر وما فتئنا نزداد‬
‫بـ«صناعة البالغة» عندنا إعجابا ومنها‬
‫وتعمقنا ما‬
‫إفادة ك ّلما أعدنا فيها النظر‬
‫ّ‬
‫ينشر حديثا من دراسات في مسألية بناء‬
‫المعنى في القول ومسألية األصناف‬
‫ومسألية التل ّفظ‬
‫الكبرى من المعاني‬
‫ّ‬
‫وال ّتداول وغيرها من المسأليات التي‬
‫تثيرها دراسة الخطاب […] ويبدو‬
‫لنا ونحن بصدد درس هذه المسألة ‪-‬‬
‫أنّ بعض مسالك البحث البالغي في‬
‫تراثنا ‪.‬‬
‫(قلنا «مسالك» ولم نقل شيئا‬
‫تم االهتمام بها ابتداء من‬
‫آخر) ّ‬
‫العقد الخامس من هذا القرن في‬
‫الغرب «(أهم نظريات ِ‬
‫الحجاج‪...‬ص‬
‫ّ‬
‫‪.)250‬‬
‫ج ـ عمد السيد ب ّنور في نقده الي‬
‫استراتيجية نصون لساننا عن نعتها‬
‫فقد أثنى على طريقة المرحوم صالح‬
‫القرمادي في تقديمه أحد كتب السيد‬
‫الطيب البكوش وأثنى على ما قاله‬
‫ّ‬
‫السيد محمد لطفي اليوسفي في تعامل‬
‫الفالسفة العرب مع «فن الشعر»‬
‫ألرسطو ولم يكن ثناؤه لوجه هّ‬
‫الل وال‬
‫جدا ما‬
‫نقدر ّ‬
‫لوجه العلم! وليعلم أننا ّ‬
‫حقّقه أستاذنا المرحوم القرمادي في‬

‫‪122‬‬

‫تطوير البحث ال ّلساني في جامعتنا‬
‫جدا ما انجزه وينجزه زميلنا‬
‫ونقدر ّ‬
‫ّ‬
‫السيد محمد لطفي اليوسفي وعنه‬
‫ّ‬
‫قال‪« :‬ولقد كشف محمد لطفي‬
‫اليوسفي في كتابه “الشعر والشعرية”‬
‫عن الكيفية التي قرأ حسبها الفالسفة‬
‫وبين‬
‫«فن الشّ عر»‬
‫العرب كتاب‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫مجرد شرح بل‬
‫أنّ القراءة لم تكن‬
‫ّ‬
‫تحولت إلى إبداع وصارت نوعا من‬
‫ّ‬
‫معرفيين متغايرين»‬
‫الصراع بين نظامين‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫لك ّننا نتساءل عن السبب الذي جعله‬
‫يسكت في هذا المواطن بالذات من‬
‫مقاله أو في الهامش ـ عن وجه تعامل‬
‫الفالسفة العرب مع كتاب «الخطابة»‬
‫وهو كتاب أدخل في المسألة موضوع‬
‫البحث في كتابنا وفي «نقده»! ونتساءل‬
‫مرة أخرى عن سبب سكوته عن وجه‬
‫ّ‬
‫إثارتنا لهذه المسألة وعنها قلنا في‬
‫اهتم بوضع‬
‫كتابنا‪« :‬ولعل ابن رشد لو ّ‬
‫الصناعية في خطابتنا‬
‫التصديقات غير‬
‫ّ‬
‫ووجوه استغالل خطبائنا لها لكان‬
‫األرسطي أكثر‬
‫أسهم في جعل النص‬
‫ّ‬
‫حضورا في تراثنا‪ .‬وهذا الذي ذكرنا‬
‫يتعداه‬
‫ال ينحصر في هذا الفصل بل ّ‬
‫إلى الكتاب ك ّله وكتاب «الخطابة»‬
‫كتاب خطير فهو يدور في أكبر قسم‬

‫منه على القول والسياسة ولقد الحظنا‬
‫أنّ ابن سينا وابن رشد ـ ّأما الفارابي‬
‫فلم نطلع إ ّ‬
‫ال على القسم المحقّق من‬
‫شرحه على الخطابة كانا يحرصان في‬
‫الغالب ـ وال سيما في المواطن التي‬
‫يمكن أن تكون محرجة ـ على البقاء‬
‫األرسطي واليسعيان إلى‬
‫النص‬
‫داخل ّ‬
‫ّ‬
‫الخطبية االرسطية إلى‬
‫المسألية‬
‫جر‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫الخطبي وفضائنا السياسي‪ .‬نعم‬
‫فضائنا‬
‫ّ‬
‫كان ابن سينا في شرحه وابن رشد في‬
‫تلخيصه ـ وال فرق كبير بين ما اعتبر‬
‫شرحا وما اعتبر تلخيصا ـ أمينين‬
‫ودقيقين ومفيدين لك ّنهما التصقا‬
‫األرسطي أكثر من ال ّلزوم وفي‬
‫بالنص‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫رأينا مما جعل «قراءتهما» ينقصها‬
‫التفاعل والمالقحة»‪( .‬أهم نظريات‬
‫ِ‬
‫الحجاج ص ص ‪ 148‬ـ ‪.)185‬‬
‫في استيعاب ال ّتراث دون معرفته!‬

‫د ـ ذكر السيد ب ّنور في تعريض‬
‫سافر في مقاله أنّ «من لم يستوعب‬
‫تراثه ال يمكن أن يستوعب تراث‬
‫تصوره لوضع البالغة‬
‫غيره» وعرض‬
‫ّ‬
‫في تراثنا واعتمد في ذلك الرباعية‬
‫خطابة‪ ،‬منطق‪ ،‬بالغة‪ ،‬أدب فقد قال‪:‬‬
‫«إذا تجاوزنا هذا الطرح بوضعنا‬
‫الخطابة في موضعها األصلي في‬

‫‪123‬‬

‫النظام األرسطي وجدنا أن مكانها‬
‫ليس األدب (كما البالغة العربية)‪.‬‬
‫وإنما المنطق»‪.‬‬
‫الرباعية أوقعته في تبسيط‬
‫وهذه‬
‫ّ‬
‫وتعميم مخ ّلين‪ .‬والسبب في ذلك أن‬
‫الطرف الرابع من تلك الرباعية كان‬
‫من حقّه أن يكون في المنطلق في ذهنه‬
‫استفهام ال جنسا قوليا جامعا مستجلبا‬
‫على نحو مسبق‪ .‬وأخشى ما نخشاه‬
‫أن يكون وقع فيما حسب غيره وقع‬
‫وتدبر وضع البالغة العربية انطالقا‬
‫فيه ّ‬
‫مما كان بعض منعرجات «الريطوريقا»‬
‫ّ‬
‫بالغرب وإال فما اعتماده على نحو‬
‫مسبق الزوج (بالغة‪ ،‬أدب)؟!‬
‫ولسنا ندري هل بحث في معاني‬
‫كلمة «أدب» في الحضارة العربية؟‬
‫أي معني استعمل‬
‫ولسنا ندري في ّ‬
‫الكلمة فال إشارة إلى ذلك في متن‬
‫مقاله وال في الهامش! ومهما يكن‬
‫من أمر فقد اختزل ‪ -‬بما انتهى اليه‬
‫انطالقا من الرباعية المذكورة أعاله‬
‫فضاء ‪ -‬البالغة في حضارتنا وهو‬
‫متحرك نهم!‬
‫فضاء شاسع‬
‫ّ‬
‫ أي «مكان‬‫فهل يصدق قوله‬
‫ّ‬
‫البالغة العربية األدب» ‪ -‬على‬
‫الجاحظي وهو‬
‫البالغي‬
‫المشروع‬
‫ّ‬
‫ّ‬

‫مشروع استحضر فيه صاحبه مختلف‬
‫أجناس األقاويل في عصره وأشار في‬
‫أثناء حديثه عن «البالغة» إلى حاجة‬
‫صاحبها إلى «صناعة المنطق» والعبارة‬
‫له؟! (انظر البيان والتبيين‪ ،‬التحقيق‬
‫المذكور أعاله ج‪ 1‬ص ‪.)92‬‬
‫وهل يصدق قوله على المشروع‬
‫الثاني أي المشروع البالغي الجرجاني‬
‫وهو مشروع يمكن أن نرصد فيه خطأ‬
‫مسترسال من طبقات األقاويل بدءا‬
‫بما أسماه عبد القاهر‪« ،‬القول الساذج‬
‫الغفل» وانتهاء إلى القول المعجز! هل‬
‫يصدق قوله على هذا المشروع وهو‬
‫مشروع كانت نواته األولى البحث‬
‫«المزية في القول وجهاتها»‪،‬‬
‫في‬
‫ّ‬
‫ولكنه فاض عنها وتجاوزها إلى‬
‫دراسة الخطاب عموما؟! هل يصدق‬
‫قوله على هذا المشروع وهومشروع‬
‫المتداده نقرأ أجزاء طويلة منه فتساءل‬
‫هوية موضوعه ففيه مبادئ في‬
‫عن ّ‬
‫حوية‬
‫دراسة تشكل الداللة في األبنية ال ّن ّ‬
‫التخاطبي‬
‫ونظر في وجوه وسمها‬
‫ّ‬
‫وفيه اقتراح لمفاهيم عديدة ّ‬
‫تمكن من‬
‫وصف ّ‬
‫تشكل المعنى في القول بما‬
‫حيزا؟!‬
‫هو حركة ّ‬
‫تحدد منه ّ‬
‫الرباعية في ضوء‬
‫وهل تصمد تلك‬
‫ّ‬
‫ما جاء في كتاب العلم الثالث الكبير‬

‫‪124‬‬

‫من أعالم الفكر البالغي في تراثنا‬
‫ّ‬
‫فالسكاكي اعتبر «مفاتيحه» في علم‬
‫األدب ـ والعبارة مصطلح فسره ابن‬
‫خلدون في مقدمته كما هو معلوم ـ‬
‫يخصص‬
‫وأنت تقرأ «المفاتيح» فتجده ّ‬
‫محيرا‪....‬لالستدالل ؟!!‬
‫فصال مربكا ّ‬
‫نعم‪...‬لالستدالل؟!‬
‫يتبين من خالل ما أشرنا‬
‫وهكذا ّ‬
‫إليه أنّ فضاء البالغة ـ خالفا لما ذكر‬
‫السيد ب ّنور ـ هوصناعة األقاويل‪.‬‬
‫هـ ـ لم يقتصر السيد ب ّنور على‬
‫تصوره لما كان‬
‫الحديث العام عن‬
‫ّ‬
‫يمكن أن ينشأ عن إدراج الخطابة‬
‫األرسطية في البالغة العربية بل ضرب‬
‫ّ‬
‫مثاال لدعم طرحه قال‪« :‬لن نجد‬
‫الخطابة ضن األدب ألنّ إدخالها في‬
‫هذه البوتقة يكون مفعوله ّإما إخراج‬
‫البالغة من األدب (وهذا ما وقع‬
‫لمحاولة ابن وهب) وإما إخراجها‬
‫األرسطي»‪.‬‬
‫حتما من ال ّنموذج‬
‫ّ‬

‫يدعي حينئذ أنّ ابن وهب في‬
‫هو ّ‬
‫كتابه «البرهان في وجوه البيان» أخرج‬
‫ـ الهتمامه بالخطابة ـ البالغة من‬
‫األدب! وهذا حكم غريب فما سنده‬
‫فيه؟ هل حقّق ال ّنـظر في وجه مقاربة‬
‫ابن وهب للخطابة في كتابه المذكور؟‬
‫وما قوله في اهتمام ابن وهب في‬

‫كتابه بأقسام المنظوم والمنثور قسما‬
‫قسما؟ وما األدلة التي وقع عليها كي‬
‫يدعي أنّ ابن وهب أخرج البالغة‬
‫ّ‬
‫من األدب؟ وإذا كان أخرجها كما‬
‫ا ّدعى ففي أي فرع من فروع المعرفة‬
‫أدرجها؟ وهذا السؤال االخير نثيره‬
‫وفي ذهننا االحتمال الذي تقود إليه‬
‫رباعيته المذكورة‪.‬‬
‫ّ‬
‫ّأما نحن فال يخالجنا ّ‬
‫شك في أن‬
‫ابن وهب اعتمد في تناول الخطابة‬
‫الجاحظية ال أركان‬
‫أركان المقاربة‬
‫ّ‬
‫ال ّنسق األرسطي وال نتر ّدد في اعتبار‬
‫البرهان في وجوه البيان مندرجا في‬
‫والسلوكي‪.‬‬
‫األدب بمعنييه‪:‬االنشائي‬
‫ّ‬

‫وما قاله السيد بنور في الفقرة‬
‫ّ‬
‫نشك‬
‫المذكورة أعاله يجعلنا ال نكاد‬
‫في أنه أرسل القول إرساال دون أن‬
‫يكون قرأ كتاب ابن وهب ونحن ال‬
‫ّ‬
‫نشك في أنه كتب ما كتب دون‬
‫نكاد‬
‫مقدمة المحقّق كاملة‬
‫أن يكون قرأ ّ‬
‫ولو كان فعل الستوقفته من تلك‬
‫المقدمة الجملة التالية‪« :‬البرهان في‬
‫وجوه البيان» خطوة جديدة في دراسة‬
‫ّ‬
‫منـظمة‬
‫علمية‬
‫األدب وألوانه دراسة‬
‫ّ‬
‫(تحقيق أحمد مطلوب وخديجة‬
‫‪1967‬المقدمة ص‬
‫حديثي بغداد‬
‫ّ‬
‫الحجة‬
‫‪ .)28‬وللسيد ب ّنور أن يقيم‬
‫ّ‬

‫‪125‬‬

‫على خالف ما ذكرنا وأن يثبت ـ دعما‬
‫لما سبق أن أعلن عنه في حديثه عن‬
‫كتابنا ـ بأنّه ال يرضى أنّ يسيء أحد‬
‫ويضر بالمعرفة‬
‫لسمعة البحث العلمي‬
‫ّ‬
‫ويعطي لمن ّ‬
‫يطلع عليه من التونسيين‬
‫وغير التونسيين فكرة خاطئة عن عقلية‬
‫البحث في بالدنا وفي جامعتنا؟!‬
‫و ـ وفي األخير ننصح له بأن‬
‫يتثبت عند االستشهاد في إسناد‬
‫األقاويل إلى أصحابها فما أسنده إلى‬
‫أحمد مطلوب (ص ‪ 13‬عمود ‪ 2‬فقرة‬
‫‪ )3‬ليس له وإنما هو لشوقي ضيف‬
‫ويرجع الخطأ إلى عدم انتباه إلى‬
‫موطن غلق ّ‬
‫مقدمة أحمد‬
‫الظفرين في ّ‬
‫مطلوب ومنها أخذ الشّ اهد!‬
‫أح ّقا قتل أرسطو درسا؟ مغالطة البتر!‬

‫جدا أن نر ّد على‬
‫انه لمن المحرج ّ‬
‫السيد ب ّنور في خصوص قسم‬
‫ما ذكر ّ‬
‫نشرناه من بحث لنا في ِ‬
‫الحجاج عند‬
‫أرسطو ومأتى الحرج أنّ الفضاء الذي‬
‫ّنزل فيه عن قصد «نقده» هو فضاء‬
‫حكم القيمة ومع ذلك فنحن نتجاوز‬
‫تفضل علينا به في ذاك الفضاء‬
‫عما ّ‬
‫متدرجين‬
‫وننظر فيما آخذنا عليه‬
‫ّ‬
‫مما ذكره عن بحثنا في ك ّليته إلى‬
‫ّ‬
‫الجزئيات‪:‬‬

‫أـ أعتبر أنّ «دراسة أرسطو وكتبه‬
‫(وخاصة كتاب الخطابة) مسألة قد‬
‫وتعرض‬
‫ّ‬
‫تمت حتى لم يبق موضوع إال ّ‬
‫له الباحثون بالتدقيق فإنّ عدد الكتب‬
‫والمقاالت واالطروحات التي كتبت‬
‫ّ‬
‫بكل ال ّلغات أكثر من أن تحصر‪ .‬قال‬

‫هذا ليخلع عن بحثنا أية قيمة ومع‬
‫ذلك فال نـظ ّنه جادا في ما ذكر فمن‬
‫يستطيع من الباحثين الجادين أن‬
‫الموسسة يمكن أن‬
‫يدعي أن الكتب‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫تقتل درسا يوما؟! والنحسبه وزن‬
‫قوله قبل أن يرسله فباالعتماد على أية‬
‫بيبلوغرافيا انتهى إلى أنّ كتاب الخطابة‬
‫بالخصوص وقع درسه أكثر من كتب‬
‫ّ‬
‫ولعل األمر على‬
‫أرسطو األخرى؟!‬
‫خالف ما زعم تماما ونحن نذكر أننا‬
‫عجبنا ـ حين ّ‬
‫اطلعنا على فهارس دور‬
‫وطنية أجنبيةـ لق ّلة الدراسات‬
‫كتب‬
‫ّ‬
‫المتعلقة بخطابة أرسطو(و«بمواضعه»‬
‫و«تبكيتاته») بالقياس إلى ما أ ّلف في‬
‫كتبه األخرى!‬
‫ب ـ اعتبر أن تقديم «خطابة‬
‫الريفي في جوهره‬
‫أرسطو» لألستاذ ّ‬
‫مجرد تجميع لما قيل‬
‫ال ّن ّ‬
‫ظري إنّما هو ّ‬
‫في الموضوع‪ ،‬ومقتضى هذا الحكم‬
‫يفيد بطبيعة الحال أنّه قرأ جميع ما‬

‫‪126‬‬

‫كتب في الموضوع‪ ،‬ولنا إليه مالحظة‬
‫مبدئية فأسئلة‪:‬‬
‫ـ في الحكم المذكور معلومة‬
‫قدمنا‬
‫جدا فقد ذكر أنّنا ّ‬
‫تقدح فيه ّ‬
‫األول حسبنا‬
‫«خطابة أرسطو» وفي‬
‫ّ‬
‫األمر وقع عن سهو غير أننا الحظنا‬
‫أنّه أعاد العبارة نفسها في موطن آخر‬
‫من مقاله (ص‪ ،6‬عمود‪ ،1‬الفقرة‬
‫األخيرة [وهنا‪ :‬ص ‪ ،15‬ع ‪.)]1‬‬
‫محير حقّا‪ :‬درسنا‬
‫وهذا أمر‬
‫ّ‬
‫الحجاج في ثالثية أرسطو ِ‬
‫ِ‬
‫الحجاجية‬
‫أي في كتاب «المواضع» وكتاب‬
‫«التبكيتات السفسطائية» وكتاب‬
‫«الخطابة» وقصدنا من ذلك إلى‬
‫الكشف عن األصول التي اعتمدها‬
‫أرسطو في درس أنماط ِحجاجية‬
‫ِ‬
‫ثالثة أي ِ‬
‫والحجاج‬
‫الحجاج الجدلي‬
‫ِ‬
‫والحجاج السفسطائي‪.‬‬
‫الخطبي‬
‫لكن السيد ب ّنور ا ّدعى في «مراجعته‬
‫العلمية» أننا قدمنا «الخطابة» وحدها!‬
‫ّ‬
‫وهذا ال يخرج عن أحد احتمالين‪:‬‬
‫أن يكون قرأ مقالنا بالطول بحثا عن‬
‫تصورات‬
‫توهم انها تخدم‬
‫جزئيات ّ‬
‫ّ‬
‫قبلية أو أن يكون لجأ إلى مغالطة‬
‫له ّ‬
‫البتر ونحن إلى االحتمال الثاني أميل‬
‫ولنا عليه قرائن تتنزل في مستويات‬

‫مختلفة من خطابنا في مقاله ففي‬
‫سباق التشنيع علينا واإلشارة إلى ما‬
‫ا ّدعاه في خطابنا من «امتالء بالذات»‬
‫زعم أننا في معرض حديثنا عن الفرق‬
‫بين «الممكن» و»المحتمل» استعملنا‬
‫العبارة التالية «ان خلط الناس بينهما»‬
‫وكتبها بالخط الغليظ (ص ‪ 7‬من‬
‫مقاله‪ ،‬العمود ‪ 2‬ـ الفقرة ‪[ 4‬وهنا‪:‬‬
‫ص ‪ ،17‬ع ‪ )]2‬والحال أننا قلنا‪:‬‬
‫(أهم‬
‫«وإن خلط بعض ال ّناس بينهما»‪ّ .‬‬
‫نظريات ِ‬
‫الحجاج‪....‬ص ‪ .)146‬فقد‬
‫السور الجزئي وال‬
‫حذف من عبارتنا ّ‬
‫نظ ّنه غفل عن ذلك فالذي يكتب عبارة‬
‫ّ‬
‫بالخط الغليظ يتأكد منها‪ .‬ولو كان‬
‫أبقى عبارتنا على صيغتها األصلية لما‬
‫تحقق له مقصده!‬
‫األول من‬
‫ـ نحن ال ننفي أن القسم ّ‬
‫بحثنا كان في غالبه تأليفا لما انتهى‬
‫إليه ما أمكن لنا ّ‬
‫االطالع عليهم من‬
‫يخص موضوعنا‬
‫دارسي أرسطو فيما‬
‫ّ‬
‫من «األرغانون»‪ ،‬وهم قليل وإحاالتنا‬
‫تصرح عن ذلك وتعلنه‪ .‬لك ّننا ك ّنا في‬
‫ّ‬
‫القسم األكبر من بحثنا واجهنا ثالثية‬
‫أرسطو ِ‬
‫الحجاجية بمفردنا في الغالب‬
‫ولذلك كانت إحاالتنا تكاد تكون‬
‫مقتصرة عليها دون سواها‪ .‬ونحن‬

‫‪127‬‬

‫الندعي أنه انفتح لنا باب من األمر‬
‫ّ‬
‫لم ينفتح لغيرنا لك ّننا بذلنا قصارى‬
‫الجهد في البحث ونحن نطلب من‬
‫السيد ب ّنور بإلحاح ـ وقد ّ‬
‫اطلع على‬
‫جميع ما كتب في الموضوع الذي‬
‫اشتغلنا عليه حسب مقتضى الحكم‬
‫الذي أصدره على جوهر بحثنا ـ أن‬
‫يرشدنا إلى دراسات في المسائل‬
‫التالية التي اشتغلنا بها عسى أن نفيد‬
‫منها ونوازن بين ما انتهينا اليه وما‬
‫انتهى اليه غيرنا‪:‬‬
‫يقدم لنا دراسة واحدة فيها‬
‫٭ أن ّ‬
‫سميناه «شجرة‬
‫استقصاء لفروع ما ّ‬
‫االرسطية» و«عن بعض‬
‫المواضع‬
‫ّ‬
‫هذه الشجرة قلنا في بحثنا‪« :‬هي‬
‫شجرة بعض فروعها بارز له في‬
‫يعينه وبعضها‬
‫ّ‬
‫النص األرسطي اسم ّ‬
‫يعينه‪.‬‬
‫اآلخر مضمر وليس له اسم ّ‬
‫ونحن نقصد في هذا القسم من بحثنا‬
‫إلى تجلية الشجرة والكشف عن‬
‫فروعها جميع ًا ومحاولة بيان ال ّنسغ‬
‫الذي يجري في ّ‬
‫(أهم‬
‫كل واحد منها»‬
‫ّ‬
‫نظريات ِ‬
‫الحجاج‪...‬ص ‪.)265‬‬
‫يقدم لنا دراسة واحدة فيها‬
‫٭ أن ّ‬
‫رصد شامل ودقيق لمعاني مصطلح‬
‫«الموضع» عند أرسطو‪ ،‬رصد‬

‫تأليفي مستخلص من «المواضع»‬
‫و«التبكيتات» و«الخطابة» جميع ًا‪.‬‬
‫تصور حسب‬
‫وإذا كان السيد ب ّنور‬
‫ّ‬
‫ما يستفاد من «نقده» لنا ـ أنّ هدفنا‬
‫الرئيس من بحثنا في الموضع كان‬
‫بحد له دقيق فقد‬
‫السعي إلى الظفر ّ‬
‫أخطأ قراءة مقالنا وهدفنا الرئيسي‬
‫تمثل ‪ -‬في مستوى ّأول ‪ -‬في رصد‬
‫ما لذلك المصطلح في الموضعيات‬
‫الثالث‪.‬‬
‫والموضعية‬
‫(أي الموضعية الجدلية‬
‫ّ‬
‫الخطبية)‬
‫والموضعية‬
‫السفسطائية‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫وتدبر ما بين تلك المعاني‬
‫من معان‬
‫ّ‬
‫من عالقات وتعيين المستويات التي‬
‫تحيل عليها تلك المعاني المختلفة‬
‫من إنشاء القول ِ‬
‫الحجاجي وهدفنا‬
‫تمثل ‪ -‬في مستوى ثان ‪  -‬في البحث‬
‫نفسر ‪ -‬من‬
‫في تلك المعاني ّ‬
‫عما به ّ‬
‫المتن األرسطي ذاته ‪ -‬ما طرأ على‬
‫دالالت المفهوم من تغيير في السنة‬
‫ومما قلنا عن هذا‬
‫الغربية بعد أرسطو‪ّ .‬‬
‫الهدف الثاني في بحثنا ما يلي‪]…[«:‬‬
‫فمفهوم المضوع عند ارسطو يحيل‬
‫لتعدد المستويات التي يحيل‬
‫بالقوة ـ ّ‬
‫ّ‬
‫عليها ـ على الدالالت التي أضحت‬
‫الغربي»‪( .‬أهم‬
‫له في تاريخ الفكر‬
‫ّ‬

‫‪128‬‬

‫نظريات ِ‬
‫الحجاج‪...‬ص ‪.)289‬‬
‫٭ ـ أن يشير إلى فقرة واحدة ذكر‬
‫فيها صاحبها الموطن أو المواطن‬
‫تعد معبرا لبعض معاني‬
‫التي يمكن أن ّ‬
‫النقدية‬
‫المدونة‬
‫مفهوم «الموضع» في‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫العربية القديمة‪.‬‬
‫ّ‬

‫يقدم لنا دراسة واحدة فيها‬
‫٭ أن ّ‬
‫رصد ألبرز ما جاء في نصوص‬
‫«الموضع» عند الشراح من الفالسفة‬
‫العرب على ثالثية أرسطو ِ‬
‫الحجاجية‬
‫مما نطلبه منه ههنا‬
‫ولع ّله يعجب ّ‬
‫سيما أنّه قال في «نقده» لنا ما‬
‫وال ّ‬
‫يلي‪« :‬أحيل هنا لمزيد ّ‬
‫االطالع على‬
‫أطروحة أوجين ثيونفيل‪Eugène‬‬
‫‪ Thionville‬فبعد قراءة هذه األطروحة‬
‫ّ‬
‫المطلعة ـ ألن صاحبها قرأ الفالسفة‬
‫العرب ومنهم ابن رشد وغيره ـ خالفا‬
‫صمود من أنّ‬
‫لما يذهب إليه االستاذ ّ‬
‫الغربيين غير ّ‬
‫مطلعين على نصوص‬
‫ّ‬
‫الفالسفة المسلمين‪( .‬الجملة ناقصة‬
‫نص المقال انظر ص ‪ ،7‬العمود‪1‬‬
‫في ّ‬
‫‪ ،‬الفقرة األخيرة‪[...‬وهنا‪ :‬ص ‪ ،17‬ع‬
‫‪ .)]1‬ولقد عثرنا في الرصيد القديم‬
‫بدار الكتب الوطنية التونسية على‬
‫نسخة من هذه االطروحة ولم يسبق‬
‫لنا أن ّ‬
‫اطلعنا عليها والحظنا أنّ‬

‫صاحبها اشتغل فيها باألساس على‬
‫مفهوم «الموضع» في كتاب واحد من‬
‫ثالثية أرسطو ِ‬
‫الحجاجية وهو كتاب‬
‫«المواضع» وأحال في درجها على‬
‫شرح ابن رشد على ذلك الكتاب في‬
‫ثالث مناسبات (ص‪ 34‬ص ‪103‬‬
‫وعبر عن‬
‫وص ص ‪110‬ـ‪)111‬‬
‫ّ‬
‫اعجابه الكبير بذلك الشّ ارح‪.‬‬
‫أحال صاحب االطروحة المذكورة‬
‫على شرح ابن رشد في مناسبات‬
‫ثالث حينئذ ولم يبرز بإحاالته تلك‬
‫مهما ولم يحل‬
‫ما جعله يعتبر الشّ رح ّ‬
‫أي شرح آخر‪ .‬صحيح أ ّنّه أشار‬
‫على ّ‬
‫إلى الفارابي غير أنّ إشارته اليه تفيد‬
‫أنّه لم يطلع عليه فقد قال‪« :‬لم يكن‬
‫اهتموا‬
‫ابن رشد ّ‬
‫ممن ّ‬
‫األول في ّأمته ّ‬
‫«بالمواضع» فقد ذكر أعمال بعض من‬
‫سبقه في هذا الموضوع وبالخصوص‬
‫الفارابي وهو فيلسوف من الشام عاش‬
‫في القرن العاشر (االطروحة ص ص‬
‫السيد بنور‬
‫‪110‬ـ‪ )111‬ونحن نسأل‬
‫ّ‬
‫ههنا ـ وهو الحريص على التدقيق‪،‬‬
‫سوغ‬
‫كما أعلن في نقده لنا ـ ّ‬
‫عما ّ‬
‫له في الحديث عن تلك االطروحة‬
‫العبارة التي استعمل أي قوله‪:‬‬
‫«صاحب (االطروحة) قرأ الفالسفة‬

‫‪129‬‬

‫العرب ومنهم ابن رشد وغيره»؟!‬
‫حفظ قضايا ال يمسك السيد بنّور‬
‫بخيوطها!‬

‫ج ـ وفي خصوص «الموضع» قال‬
‫القضية نقول إذن‪:‬‬
‫السيد ب ّنور‪ :‬ولحفظ‬
‫ّ‬
‫تطور منذ (كذا!) أرسطو‬
‫إن المفهوم ّ‬
‫وحرف وك ّلس» وهل يتصور أنه قادر‬
‫ّ‬
‫على حفظ القضية والحال أنّ قوله‬
‫دليل على أنّ خيوطها ليست بيده؟!‬
‫ولتوضيح مقصدنا نلقي عليه‬
‫السؤالين التاليين‪:‬‬
‫ّ‬

‫٭ عن أي معنى من معاني «الموضع»‬
‫القضية؟‬
‫تتحدث حين أردت حفظ‬
‫ّ‬

‫الجدلية‬
‫تتصور أن المواضع‬
‫٭هل‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫األرسطية (باستثناء مواضع المؤثرات)‬
‫ّ‬
‫يمكن أن تتك ّلس يوما؟‬

‫ومن مقتضى قوله المذكور أعاله‬
‫التطور في المفهوم‬
‫يفهم أنّ منعرج‬
‫ّ‬
‫والمرجو منه‬
‫كان مطردا وواضحا‬
‫ّ‬
‫يبين لنا وجه التك ّلس في الفقرة‬
‫أن ّ‬
‫التالية وهي لشيشرون وجاءت في‬
‫معرض الحديث عن «المواضع» في‬
‫كتابه الرائق «محاوالت الخطيب»‬
‫قال «يكون للمرء فكر محدود إذا‬
‫تعلق بالجداول ولم يصعد إلى‬

‫العيون‪ .‬وينبغي في ِس ّننا وبما لنا‬
‫من تجربة أن نرتفع إلى أعلى وأن‬
‫نتدبر المبادئ(‪ )....‬عندما نفحص‬
‫ّ‬
‫نشتق‬
‫ما لموضوع من عالقات‬
‫ّ‬
‫الحجج من عيون مختلفة فنبحث‬
‫عندئذ في الكلمات التي تنتسب إلى‬
‫(المجال) نفسه واألجناس واألنواع‬
‫والمماثالت والفروق والمقابالت‬
‫والسوابق وال ّنتائج ووجوه عدم‬
‫ّ‬
‫ال ّتوافق واألسباب واآلثار‪»...‬‬
‫‪Ciceron Analye et extraits des‬‬
‫‪ouvrages de Rhétorique‬‬
‫‪J.v. la clerc, Paris: Hachette‬‬
‫‪1880 pp 142 -145‬‬

‫ّ‬
‫السيد ب ّنور ير ّدد‬
‫انفك‬
‫د ـ ما‬
‫ّ‬
‫في مقاله أننا ن ّتهم بارط وغيره من‬
‫الغربيين(‪ )....‬بعدم فهم أرسطو‬
‫وخاصة في مفهوم الموضع عنده‬
‫نتحداه في أن يثبت ما زعم‬
‫ونحن‬
‫ّ‬
‫بجملة من مقالنا أو بعض جملة إن‬
‫كان صادقا!‬
‫هـ ـ وفي خصوص الباحثين‬
‫وحد «الموضع» قال أيض ًا‬
‫الغربيين‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫مرة أخرى سنسعف األستاذ الريفي‬
‫ّ‬
‫النية مع أنه لم يتساءل مثال‬
‫بحسن ّ‬
‫كيف إنّ (كذا!) ال روالن بارط وال‬

‫‪130‬‬

‫ميشال ميار قرآ كتاب «منطق بول‬
‫تحدد المواضع […]‬
‫روايال» حيث ّ‬
‫بالضبط ما يخلص إليه‬
‫أليس هذا‬
‫ّ‬
‫هو […] أيمكن أن يقتنع عاقل أن‬
‫ّ‬
‫مفكرين بهذا الحجم لم يقرآ منطق‬
‫يدرس بصفة‬
‫بول روايال والكتاب ّ‬
‫آلية منذ القرن السابع عشر»‪.‬‬

‫ماذا عساي أن أقول في الر ّد على‬
‫ما جاء في هذه الفقرة وهي قائمة على‬
‫لبس غريب؟! لبس مر ّده أنه قرأ مقالنا‬
‫تشبثت به على نحو مسبق فكرة‬
‫وقد ّ‬
‫تشبث‬
‫غير موجودة فيه بل‬
‫ّ‬
‫األصح أنه ّ‬
‫بفكرة وقرر بدءا أنها موجودة في‬
‫مقالنا وان لم يعثر عليها به! والمسلك‬
‫الذي يكشف عن تلك الفكرة الالزمة‬
‫حد‬
‫المستبدة أنه وازن بين ما قلناه في ّ‬
‫ّ‬
‫«الموضوع» وما جاء في منطق بول‬
‫روايال ثم نتساءل على جهة االنكار‪:‬‬
‫بالضبط ما يخلص إليه‬
‫«أليس هذا‬
‫ّ‬
‫هو‪ .»....‬ومقتضى ما قاله أنه وضع‬
‫بحد الموضع أو‬
‫أننا ا ّدعينا االنفراد‬
‫ّ‬
‫السبق له وهذا غير صحيح وال قرينة‬
‫ّ‬
‫عليه واحدة في مقالنا! ونحن لم‬
‫حد الموضع مثّل في‬
‫نعتبر الب ّتة أنّ ّ‬
‫شراح‬
‫القديم مشكال فقد ذكرنا أنّ ّ‬
‫عينوا الجذر‬
‫عرفوه ـ أو ّ‬
‫أرسطو ّ‬

‫المشترك لغالب معاني المفهوم في‬
‫األرسطية ـ وفي ذلك قلنا‪:‬‬
‫المدونة‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫يعرف أرسطو «الموضع» حينئذ‬
‫«لم ّ‬
‫قدم مالحظتين تساعدان شيئا‬
‫لك ّنه ّ‬
‫على االقتراب من مدلول المفهوم‬
‫عنده […] هذا ال ّنقص تداركه بعض‬
‫الشّ ّراح ممن أخذوا عن أرسطو‬
‫كثاوفرسطوس كما تداركه بعض‬
‫ممن عاشوا بعده بقرون‬
‫الشّ راح ّ‬
‫كثامسطيوس واالسكندر األفروديسي‬
‫وعن هؤالء أخذ الشّ ّراح من الفالسفة‬
‫حد الموضع (أهم نظريات‬
‫العرب ّ‬
‫ِ‬
‫الحجاج ص ص ‪ )194-193‬ومهما‬
‫يكن من أمر فقد دعا السيد بنور إلى‬
‫النظر في أطروحة «ثيونفيل» المذكورة‬
‫أعاله وقد فعلنا ونحن نذكّ ره ههنا‬
‫ببعض ما قاله صاحب األطروحة‬
‫في عدم وضوح معنى الموضع في‬
‫الحديث (الى عهد إعداد االطروحة)‬
‫من ناحية وفي إسهام منطق بول‬
‫روايال في صرف ال ّناس عن االهتمام‬
‫«بالموضع» ففي المسألة األولى قال‪:‬‬
‫عما حصل لنا من‬
‫إذا تساءلنا بصدق ّ‬
‫[فكرة] واضحة دقيقة في هذه المسألة‬
‫فنظن أنّنا‬
‫من الدراسة أو من الكتب‬
‫ّ‬
‫نكون في حرج شديد وأنه ال يمكن‬

‫‪131‬‬

‫لنا أن نجيب عن طبيعة المواضع»‬
‫(االطروحة المذكورة ص ‪ )28‬وفي‬
‫خصوص المسألة الثانية قال‪« :‬يمكن‬
‫الرأي‬
‫أن نجد في مثال «بول روايال» ّ‬
‫الذي كان لل ّناس منذ زمن بعيد عن‬
‫الجدلية فذانك المؤلفان‬
‫المواضع‬
‫ّ‬
‫ال يعتبران تلك المواضع غير مفيدة‬
‫ضارة (االطروحة‬
‫فحسب بل يعتبرانها ّ‬
‫المذكورة ص ‪ )8‬و‪ -‬اعتبر السيد ب ّنور‬
‫أن الخطأ األساسي في بحثنا إنّما‬
‫يرجع إلى «اقصاء التقاليد ال ّ‬
‫التينية»‬
‫و«الخلط بين ال ّلغتين ال ّ‬
‫التينية‬
‫أول من‬
‫واالغريقية» ففي موطن ّ‬
‫«نقده» لنا قال ««انه من الطبيعي إذن‬
‫الريفي ثمن إقصاء‬
‫أن يدفع األستاذ ّ‬
‫التقاليد ال ّ‬
‫التينية وثمن الخلط بين‬
‫ال ّلغتين ال ّ‬
‫التينية واالغريقية» وفي بيان‬
‫وجه الخلط بين ال ّلغتين قال في موطن‬
‫آخر من المقال‪« :‬وحينئذ فإنّ استعمال‬
‫الريفي للمصطلحين كما لو‬
‫األستاذ ّ‬
‫أنّ أحدهما يمكن أن ينوب عن اآلخر‬
‫عندما يقول وهو يتحدث عن أرسطو‪:‬‬
‫ولما كان االستكشاف ‪Eurésis ou‬‬
‫العملية األساسية في‬
‫‪ Inventio‬هو‬
‫ّ‬
‫مجرد‬
‫الحجاجي عنده‬
‫صناعة القول‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫استعمال قائم على الخلط والخطإ‬

‫ألنّ ‪ Eurésis‬ليس ‪ .»Inventio‬ولنا‬
‫على ما قال المالحظات التالية‪:‬‬
‫ـ استعملنا المصطلحين االغريقي‬
‫وال ّ‬
‫للسبب ال ّتالي‪:‬‬
‫التيني جميع ًا‬
‫ّ‬
‫الدارسين من كان‬
‫الحظنا أنّ من ّ‬
‫يستعمل ـ في معرض الحديث عن‬
‫الخطبي االرسطي ـ مصطلحات‬
‫النسق‬
‫ّ‬
‫فرنسية «مستنسخة» عن ال ّ‬
‫التينية كما‬
‫ّ‬
‫يقول «روبول» ومنهم من كان يستعمل‬
‫المصطلحات ال ّ‬
‫التينية واإلغريقية‪،‬‬
‫يضع بينهما فاصال أو يجعل المصطلح‬
‫االغريقي بين قوسين دون أدنى إشارة‬
‫إلى وجود فرق بينهما‪.‬‬
‫ـ سألنا أستاذا يضطلع بتدريس‬
‫ال ّ‬
‫التينية في الفرق بين األزواج‬
‫االصطالحية التالية‪(Eurésis/ :‬‬
‫‪Inventio‬‬
‫‪Hypocrisis/actio,‬‬
‫)‪.lexis/ Elocu Taxis/dispositio‬‬
‫مطولة بأنّه ال‬
‫فأجابنا في رسالة‬
‫ّ‬
‫يكاد يوجد فرق يذكر بين معاني تلك‬
‫األزوج‪.‬‬
‫ـ نظرنا في ما يقع تحت األطراف‬
‫ال ّ‬
‫التينية من تلك االزواج في كتابي‬
‫شيشرون «محاورات الخطيب»‪،‬‬
‫و«الخطيب» فما وقفنا على فرق مبدئي‬
‫بينها وبين ما يقع تحت المصطلحات‬

‫‪132‬‬

‫اإلغريقية‪ ،‬عن أرسطو‪ .‬وهذا ال يعني‬
‫بطبيعة الحال أنّ شيشرون تناول ركن‬
‫االستكشاف كما تناوله أرسطو تماما‬
‫فحجم االستكشاف في خطابته ضامر‬
‫بالقياس إلى حجمه في خطابة أرسطو‬
‫الخطبي غير موقعه‬
‫وموقعه من ال ّنسق‬
‫ّ‬
‫األرسطي فيما يبدو‬
‫الخطبي‬
‫من ال ّنسق‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫وفي تناوله لالستكشاف تأثر بمصادر‬
‫أخرى غير أرسطو حسب ما أشار إليه‬
‫الدارسون‪.‬‬
‫نسوق هذا ونحن مازلنا بصدد‬
‫درس الخطابة الشيشرونية‪.‬‬
‫للسيد ب ّنور‬
‫ولنا على ما أوردنا‬
‫ّ‬
‫أعاله األسئلة التالية‪:‬‬
‫ـ نحن لم نقصد الب ّتة إلى االشتغال‬
‫على «التقاليد ال ّ‬
‫التينية» فلماذا اعتبر‬
‫أنّنا أقصيناها؟!‬
‫ـ ما هو الثّمن الذي دفعنا نتيجة‬
‫ما اعتبره إقصاء للتقاليد ال ّ‬
‫التينية؟!‬
‫األرسطية‬
‫للموضعية‬
‫وهل أنّ تحليلنا‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫عما جاء عند أرسطو؟!‬
‫يخرج ّ‬
‫ـ اعتبر أن المصطلح االغريقي‬
‫‪ Eurésis‬ليس‪ Inventio‬فلماذا لم‬
‫يذكر الفرق بينهما والحال أنه وقف‬
‫طويال عند دالالت المصطلحين‬
‫‪ Demonstratio‬و‪ Epidictique‬؟!‬

‫وبما أنّه أشار في متن مقاله وفي‬
‫هامشه إلى جوانب من الخطابة عند‬
‫شيشرون وكانتيليان فانّنا نو ّد لو‬
‫يتفضل ببيان ما يلي‪:‬‬
‫ّ‬
‫ـ قال في متن مقاله‪« :‬إن شيشرون‬
‫وجه الخطابة‪ ،‬رغما عن كونه يزعم‬
‫قد ّ‬
‫نظرية أرسطو‪ ،‬وجهة البالغة‬
‫أنه ا ّتبع‬
‫ّ‬
‫ويلخص كانتيليان المشروع ك ّله‬
‫ّ‬
‫في تعريفه الخطابة بأنّها “فن حسن‬
‫السبب‬
‫القول”»‪ .‬ونحن ال نفهم الب ّتة ّ‬
‫الذي جعله يحيل في الهامش رقم‬
‫‪ 11‬المتع ّلق بهذه الفقرة على كتاب‬
‫«المواضع» لشيشيرون وهو كتاب ال‬
‫عالقة له ‪ -‬مبدئيا ‪ -‬بالخطابة وإنما‬
‫هو في أساسه شرح لقسم من كتاب‬
‫«المواضع» ألرسطو ونحن ال نفهم‬
‫سوقه تعريف كانتيليان للخطابة دون‬
‫أدنى إشارة إلى داللة «الحسن» ‪-‬‬
‫فيه وبغياب ال ّتنبيه الى ما ذكرنا يفهم‬
‫السياق الذي أورد‬
‫«الحسن» في ّ‬
‫فيه السيد ‪ -‬ب ّنور ال ّتعريف بالمعنى‬
‫األسلوبي وحده‪ .‬ومعلوم أنّ كلمة‬
‫«حسن» في ذلك ال ّتعريف الشهير‬
‫تفيد أمرين اثنين اعتبرهما كانتيليان‬
‫متالزمين وهما حسن األسلوب‬
‫وحسن األخالق‪ .‬وبذلك المعنى‬

‫‪133‬‬

‫المزدوج «للحسن» دافع عن الخطابة‬
‫واعتبرها نافعة‪ .‬انظر‪(Quintilien::‬‬
‫‪,chap XV et‬‬
‫‪Institution‬‬
‫)‪Oratoire livreII‬‬

‫)‪XVI‬‬

‫‪.chap‬‬

‫مما جاء في الهامش عدد ‪6‬‬
‫ـ ّ‬
‫نص شيشرون‬
‫ما يلي‪« :‬عند قراءة ّ‬
‫[…] نستغرب من ترجمة استعارة‬
‫«الموقع» بكلمة «مغازة» في الترجمة‬
‫الفرنسية […] وال يتسنى فهم أصل‬
‫الوفية إال بالنـظر في‬
‫هذه ال ّترجمة غير‬
‫ّ‬
‫وخاصة كانتيليان‬
‫الشروح التي تناولته‬
‫ّ‬
‫الذي يستعمل العبارة وكذلك‬
‫عدة استعارات من ضمنها الشمع‬
‫ّ‬
‫والحروف وغرف المنزل […]‬
‫والموقع ويضع ّ‬
‫كل ذلك في باب‬
‫الذاكرة (انظر المؤسسة الخطابية‪.‬‬
‫‪Quintilien:‬‬
‫‪Institution‬‬
‫‪Oratoire livre XI chap II “de‬‬
‫‪la memeoire” édition “Belles‬‬
‫‪lettres” 1956 pp 252-253‬‬
‫وفي الهامش عدد ‪ 7‬قال‪« :‬ليس‬
‫من باب المصادفة أن يضع كانتيليان‬
‫االستكشاف ضمن ّ‬
‫الذاكرة…» (نفس‬
‫المرجع ص ‪.)255‬‬
‫استوقفنا ما جاء في هذا الهامش‬

‫الخطبية»‬
‫فنـظرنا في «كتاب المؤسسة‬
‫ّ‬
‫وألفينا كانتيليان درس «المواضع» (أي‬
‫االستكشاف) في الكتاب الخامس‬
‫ودرس الذاكرة في الكتاب الحادي‬
‫عشر‪ .‬وقرأنا ما قاله في الذاكرة‬
‫فالحظنا أنه تحدث في ايجاز شديد‬
‫مزية الذاكرة على «االستكشاف»‬
‫عن ّ‬
‫فهي تحفظ ما يظفر به الخطيب في‬
‫مرحلة البحث عن الحجج‪ .‬لك ّننا لم‬
‫نقف في ذلك الباب على درس لمسألة‬
‫االستكشاف أو توقف الفت عندها‬
‫ونحن نستغرب جدا ما ا ّدعاه السيد‬
‫ب ّنور ـ في الهامش المذكور أعاله ـ‬
‫من أنّ كانتيليان «يضع االستكشاف‬
‫ضمن الذاكرة»!!‬
‫كيفية حفظ المعلومات‬
‫وفي بيان ّ‬
‫في ّ‬
‫الذاكرة استعمل كانتيليان عبارات‬
‫كان شيشرون استعملها في حديثه عن‬
‫الذاكرة في «محاورات الخطيب»‪،‬‬
‫وهذه العبارات هي‪« :‬الشمع‬
‫والحروف وغرف المنزل‪ ،‬والمواضع‬
‫واألماكن»‪ ...‬لكن ال عالقة لهذه‬
‫العبارات جميع ًا بمفهوم «الموضع»‬
‫بالمعنى االستكشافي وإنما هي‬
‫عبارات سليلة «الذاكرة الموضعية»‪،‬‬
‫نظرية‬
‫‪ Mémoire topique‬وهي‬
‫ّ‬

‫‪134‬‬

‫تنسب الى ‪V( Simonide de créos‬‬
‫ق م)ومفادها على العموم أنّ الذاكرة‬
‫تع ّلق صور األشياء والمعلومات‬
‫ليتيسر حفظها‪ .‬فلماذا ذكر‬
‫بأمكنة‬
‫ّ‬
‫السيد ب ّنور كلمات استعملها كانتيليان‬
‫في الحديث عن الذاكرة بهامش يتعلق‬
‫بمفهوم الموضع؟! نحن نستغرب‬
‫ذلك الخلط الحاصل في الهامش‬
‫وننبه إلى أنّ ما قاله‬
‫المذكور حينئذ‪ّ ،‬‬
‫كانتيليان عن «المواضع» في الكتاب‬
‫الخامس يجعلها أساسا تساعد على‬
‫فمما قال‪:‬‬
‫ّ‬
‫التدبر والبحث ال التذكّ ر ّ‬
‫شخصيا إلى كلمة «موضع»‬
‫«ال أسند‬
‫ّ‬
‫المعنى المتداول لها اليوم أي معنى‬
‫«المواضع المشتركة» كتلك التي‬
‫موضوعها )‪ (theme‬ال ّترف أو الخيانة‬
‫إلي‬
‫الزوجية إلخ‪ ،‬و(المواضع) بالنسبة ّ‬
‫أسس (‪ )bases‬فيها تختفي الحجج‬
‫تشتق» انظر‪:‬‬
‫ومنها ينبغي أن‬
‫ّ‬
‫‪Quintilen : Institution oratoire‬‬
‫‪livres v chap 10 paragraphe 20 p‬‬
‫‪132 paris : les Belles lettres 1976‬‬

‫مغالطات أخرى جزئية‪:‬‬

‫استعرضنا فيما سبق ما تع ّلق من‬
‫«نقد» السيد ب ّنور ببحثنا في كليته وفي‬

‫هذا القسم األخير نتناول ما جاء في‬
‫ذلك «النقد» عن الجزئيات ومن بحثنا‬
‫اهتم عند االستقصاء بها وما خاض‬
‫في الجوهر! احتفل أيما احتفال‬
‫وخصها‬
‫ضخمها‬
‫بالجزئيات حينئذ‪،‬‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫بصدر المقال وقصد بما صاغه لها‬
‫ّ‬
‫موطئة وما استعمله‬
‫من عناوين‬
‫في عرضها من احكام إلى التشنيع‬
‫وااليذاء‪.‬‬
‫ومهما يكن ما وراء ذلك جميع ًا‬
‫من دوافع فقد اخترنا أن نستعرض‬
‫فيما يلي ـ حسب المنهج الذي آثرنا‬
‫في ر ّدنا عليه ـ ما ذكر نقطة بنقطة‬
‫نس ّلم له بما كان فيه محقا وهو قليل‬
‫ونكشف عن ضروب من المغالطات‬
‫عمد إليها فيما سوى ذلك‪:‬‬
‫أ ـ نحن نسلم له بوقوعنا في‬
‫الخطإ في نقطتين اثنتين فحسب وهما‬
‫النقطتان الوحيدتان اللتان كان فيهما‬
‫محقا في مقاله بأكمله‪:‬‬
‫٭ ففي معرض حديثنا عن‬
‫السنة التي اتبعتها الفالسفة العرب‬
‫في خصوص وجه اعتبار ما في‬
‫«االرغانون» من أجزاء أثبتنا في بحثنا‬
‫االسم «سمبليسيوس» بالعربية والى‬
‫جانبه ذلك االسم نفسه واسم علم‬

‫‪135‬‬

‫آخر بال ّ‬
‫التينية وهما اسمان أخذناهما‬
‫عن كتاب «أرغانون أرسطو في العالم‬
‫العربي»‪ ،‬البراهيم مذكور وعليه أحلنا‬
‫في الهامش‪ ،‬لكن كان فيما أثبتناه‬
‫بنصنا خطأ لم نتفطن إليه‪ .‬وعلى‬
‫ّ‬
‫اثره قراءة ما قاله السيد ب ّنور راجعنا‬
‫المسودة التي سلمناها للطبع فألفينا‬
‫بخط يدنا اسمين معطوفين بالعربية‬
‫واسمين بينهما فاصل بال ّ‬
‫التينية ولسنا‬
‫ندري كيف وقع الخطأ‪.‬‬
‫نحن نسلم بهذا الخطإ حينئذ‬
‫القراء لك ّننا ننبه في‬
‫ونعتذر عنه لدى ّ‬
‫اآلن نفسه إلى أنه خطأ هين ال أثر‬
‫له في بحثنا ناهيك أنه يمكن إسقاط‬
‫اسمي العلمين تماما‪.‬‬
‫هو خطأ هين ال يشك في ذلك‬
‫منصف‪ ،‬غير أنّ مقصد السيد ب ّنور لم‬
‫يكن ال ّتنبيه اليه بل البحث عن مسالك‬
‫المطية إلى‬
‫التشنيع علينا مهما تكن‬
‫ّ‬
‫ذلك وإ ّ‬
‫ال فما وجه الشّ به في معارفنا‬
‫القراء بين عالقة الخليل‬
‫ومعارف‬
‫ّ‬
‫بسيبويه وعالقة العلمين ال ّ‬
‫التينيين‬
‫اللذين ال أعرف عنهما شيئا وال‬
‫يعرف عنهما السيد بنور شيئا! ويعلم‬
‫السيد ب ّنور أنه كان يمكن لنا أن نشنع‬
‫على ما تورط فيه من أخطاء جسيمة‬

‫في «نقده» لنا غير أننا نرفض ذلك‬
‫األسلوب الخسيس‪.‬‬
‫٭ ههنا عبارات التينية ثالث ‪(in‬‬
‫)‪dictione copula extra dictioneur‬‬
‫حسبناها لورودها في متون ترجمات‬
‫فرنسية ألرغانون اغريقية‪ .‬والمالحظ‬
‫أنّ السيد بنور ذكر ما يرافق العبارتين‬
‫األخيرتين في اإلغريقية وأشار إلى أن‬
‫األولى ال وجود لمقابل لها في تلك‬
‫اللغة‪ .‬ولو كان يقصد إلى اإلسهام‬
‫في «إرساء نقد بناء»‪ ،‬كما ا ّدعى لكان‬
‫ما وقعنا فيه من خطإ مناسبة للبحث‬
‫واإلفادة كأن يذكر الطريقة التي كان‬
‫اإلغريق يستعملونها في التعبير عن‬
‫«الرابط الوجودي» ونحن ال‬
‫معنى ّ‬
‫تعجبا من عدم وجود ذلك‬
‫نخفي ّ‬
‫المقابل وال سيما أن المفهوم كان‬
‫مركزيا في البحث الفلسفي عندهم‪.‬‬
‫ب ـ ههنا مسائل جزئية أخرى‬
‫ش ّنع علينا فيها وبنى في الحقيقة ما‬
‫ا ّدعى على ضروب من المغالطات‬
‫نبينها‪:‬‬
‫نحن ّ‬
‫شراح‬
‫٭ ذكرنا في أثناء‪ ،‬بحثنا أن ّ‬
‫أرسطو من الفالسفة العرب ترجموا‬
‫ما يوافق كلمة ‪ Paralogiome‬في‬
‫االغريقية بكلمة «مغالطة» وسارع في‬

‫‪136‬‬

‫تخطئتنا في سخرية وا ّدعى أنّ الكلمة‬
‫العربية القديمة‬
‫«ع ّربت في ال ّترجمات‬
‫ُ‬
‫ّ‬
‫إلى فارالوجيسموس» وهكذا استعمل‬
‫صيغة الجمع على سبيل المغالطة‬
‫وأحال في الهامش المتعلق بذلك‬
‫الشاهد على مصدر واحد وحيد‪:‬‬
‫هو ذلك الثّبت المصطلحي الملحق‬
‫بالترجمة القديمة التي وقفنا عندها‬
‫طويال أعاله! كذا أضحى ذلك الثبت‬
‫عنده كصحيفة صاحب ابن المقفع‬
‫الصفراء‪ ،‬نظر فيه حينئذ وخطأنا دون‬
‫ّ‬
‫أدنى تر ّدد ودون أن يع ّني نفسه النظر‬
‫في شرح ابن سينا على «التبكيتات»‬
‫وال في تلخيص ابن رشد ولو كان‬
‫فعل لوقف على تهافت ما ا ّدعى!‬
‫٭ استعمل في متن مقاله عبارة‬
‫«الحق ظاهريا» وفي الهامش المتعلق‬
‫بتلك العبارة قال‪...«:‬إذا ترجمنا‬
‫‪ vraisemblable‬كما يفعل العرب‬
‫«الحق ظاهريا» واطرح صحيفته‬
‫بـ‬
‫ّ‬
‫المرة وما ذكر‬
‫الصفراء في هذه‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫المصدر الذي أخذ عنه تلك الترجمة‪.‬‬
‫ويرجع ّ‬
‫اطراحه صحيفته في الحقيقة‬
‫المعنية ولو‬
‫خلو ثبتها من الكلمة‬
‫إلى ّ‬
‫ّ‬
‫كان نظر في متن ال ّترجمة ـ وبدوي لم‬
‫يجمع في ثبته المصطلحات الواردة‬

‫في المتن جميع ًا ـ لكان الحظ أنّ‬
‫صاحب تلك ال ّترجمة استعمل كلمة‬
‫«احتمال» باعتبارها مصطلحا يوافق‬
‫‪( vraisemblable‬انظر الترجمة‬
‫القديمة ص ‪.)9‬‬
‫هكذا ينسب السيد ب ّنور ما يريد إلى‬
‫تثبت وال ذكر لمصادره!‬
‫العرب دون ّ‬

‫٭ ا ّدعى أننا خلطنا بين مقابالت‬
‫عربية فرنسية استعملناها في موطن‬
‫من مواطن بحثنا قال‪« :‬في نفس الفقرة‬
‫التي يذكر فيها أنّ الممكن ‪Probable‬‬
‫يعطي ‪ Probable‬كمقابل لمصطلح‬
‫المحتمل وفي الهامش المتعلق بهذا‬
‫الشّ اهد قال‪« :‬ص ‪ 165‬هامش ‪238‬‬
‫يقدم ‪ Probable‬كمقابل لمحتمل‬
‫اين ّ‬
‫مع تعريف اللند‪ .‬وفيما ذكر تالعب‬
‫وافتراء فنحن لم نرفق كلمة ‪Probable‬‬
‫بكلمة محتمل في المتن بل أثبتنا في‬
‫الهامش ما يلي‪:‬‬
‫‪Art : le probable in‬‬
‫‪dictionnaire de la philosophie‬‬
‫‪p.U.F‬‬
‫و جعلنا رقم االجابة في آخر فقرة‬
‫من فقرات المتن وفي فقرة قارنا فيها‬
‫بين معنى الممكن ومعنى المحتمل!‬
‫ونالحـظ بالمناسبة اننا لم نحل على‬

‫‪137‬‬

‫معجم اللند بل أحلنا ـ خالفا لما ا ّدعى‬
‫ـ على معجم فلسفي آخر شهير‪.‬‬
‫٭ نظرنا في درج بحثنا في‬
‫االستعارات التي استعملت في توضيح‬
‫معنى «الموضع» وع ّلق على ذلك في‬
‫الريفي نفسه‬
‫نقده بقوله‪« :‬لو ك ّلف ّ‬
‫عناء ّ‬
‫االطالع على مصادر بارط لتبين‬
‫له أنّ االستعارات ليست من وضع‬
‫بارط‪ »...‬وإذا نظرالقارئ في بحثنا‬
‫لالحظ أننا قلنا‪…« :‬جمع أكثرها‬
‫(نعني االستعارات) بارط في مقاله‬
‫المذكور‪ .‬كذا استعملنا الفعل «جمع»‬
‫وا ّدعى أننا استعملنا فعل «وضع»‬
‫وآخذنا على ما ا ّدعى!‬
‫٭ش ّنع علينا إذ استبعدنا ترجمة بدوي‬
‫لجملة من كتاب «الخطابة» وا ّدعى‬
‫انّنا وقعنا في التناقض‪ ،‬وال ّتناقض‬
‫أعتى ما يمكن أن يرمي به باحث‪.‬‬
‫قال وفي عبارته إطالق مقصود‪:‬‬
‫بدوي‬
‫الريفي ترجمة‬
‫ّ‬
‫«فبعد أن رفض ّ‬
‫يعود إليها» وقال أيض ًا‪…« :‬وبعد‬
‫بضع صفحات‪ ،‬يأخذ بترجمة بدوي‬
‫لنفس الجملة تقريبا ويقبلها كأن شيئا‬
‫لم يكن» وفي كلمة «تقريبا» التي‬
‫جاءت في هذا القول مكر! فما معنى‬
‫«نفس الجملة تقريبا»! وليعلم القارئ‬

‫أنّ األمر ال يتع ّلق بترجمة الجملة‬
‫نفسها بل بترجمة جملتين متشابهتين‬
‫جدا جاءتا في موطنين متقاربين جدا‬
‫من كتاب «الخطابة» ولو كان األمر‬
‫يتع ّلق بترجمة الجملة نفسها وك ّنا‬
‫مرة ثم تبنيناها‬
‫استبعدنا الترجمة ّ‬
‫أخرى الستقام له الحكم بوقوعنا‬
‫في التناقض أما واألمر يتعلق بترجمة‬
‫جملين متشابهتين استبعدنا إحداهما‬
‫وتب ّنينا األخرى فإين وجه ال ّتناقض؟!‬
‫وههنا في خطاب السيد ب ّنور‬
‫تحدث عن‬
‫مغالطة أخرى فقد‬
‫ّ‬
‫الجملتين باعتبارهما جميع ًا تعريفا‬
‫للخطابة والحال أنّ أرسطو لم يقصد‬
‫الحد ولذلك كانت العبارة‬
‫باألولى‬
‫ّ‬
‫بدوي هي‬
‫المصدرة لها في ترجمة‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫«من شأن الخطابة» وكانت العبارة‬
‫المصدرة لها في ترجمة «بونافوس»‬
‫ّ‬
‫‪ Bonafous‬هي‪:‬‬
‫‪Il appartient à la rhétorique‬‬
‫وكانت العبارة المصدرة لها في‬
‫ترجمة ‪ Ruelle‬هي‪Le propre de :‬‬
‫‪ ”.la rhétorique‬أما الجملة الثانية‬
‫فجاءت فعال في صدر الباب الذي‬
‫خصصه أرسطو لتعريف الخطابة‬
‫ّ‬
‫الركنين ال ّلذين‬
‫واشتملت على‬
‫ّ‬

‫‪138‬‬

‫الحد عنده أي الجنس‬
‫يقوم عليها‬
‫ّ‬
‫والفاصلة‪.‬‬
‫ولم يشنع علينا نحن فحسب بل‬
‫«نقد» الترجمة الفرنسية التي اعتمدنا‬
‫قال‪ :‬التجأ إلى احدى ال ّترجمات‬
‫الفرنسية لمترجم يبحث عن الطرافة‬
‫والتجديد مهما كان الثمن (ألن ال‬
‫يبرر ترجمة جديدة لكتاب ترجم‬
‫شيء ّ‬
‫عشرات المرات)‪...‬‬
‫وفي هذا القول خطأ ومغالطة‬
‫فالترجمة التي اعتمدنا ليست جديدة‬
‫الصادرة سنة‬
‫اعتمدنا الطبعة الحديثة ّ‬
‫لكن الطبعة األولى من تلك‬
‫‪ّ 1991‬‬
‫الترجمة ترجع إلى سنة ‪ .1882‬واعتبر‬
‫أن كثرة ال ّترجمات تغني عن ترجمة‬
‫جديدة والعكس هو األصوب فكثرة‬
‫النص‬
‫ال ّترجمات دليل على صعوبة‬
‫ّ‬
‫وتعدد المحاوالت لالقتراب‬
‫المترجم‬
‫ّ‬
‫منه أكثر وفي هذه الحالة قد تكون‬
‫ال ّترجمة الجديدة ـ الستفادة صاحبها‬
‫من ال ّترجمات السابقة ـ أوفق‪.‬‬
‫ومهما يكن من أمر فقد اعتمدنا في‬
‫ّ‬
‫محل الخالف ما جاء‬
‫ترجمة الجملة‬
‫عند «شارل ايميل رويال» وترجمته‬
‫اختارها «مايار» ـ وهو فيلسوف اشتغل‬
‫على نص «الخطابة» طويال ونشر فيه‬

‫مهم‪.‬‬
‫درسات مهمة ـ وأرفقها بتقديم ّ‬

‫وما المشكل الكبير في ال ّترجمة‬
‫التي اخترنا لتلك الجملة؟! فيها بعض‬
‫تم به‬
‫التصرف بني على مجاز مرسل ّ‬
‫السبب عوضا‬
‫االلحاح على داللة ّ‬
‫عن ال ّنتيجة كما أشار إلى ذلك السيد‬
‫ّ‬
‫أخل ذلك بمعنى‬
‫ب ّنور نفسه! وهل‬
‫«الخطابة» عند أرسطو؟!‬
‫جدا ما جاء في‬
‫ولقد استغربنا ّ‬
‫الهامش رقم ‪ 23‬من أنه كان علينا أن‬
‫«نثني على السيد عبد الرحمان بدوي‬
‫ونقدر‬
‫ونسبح باسمه»‪ .‬نحن نثني عليه ّ‬
‫ّ‬
‫نسبح‬
‫ما بذل من جهد جبار لكننا ال ّ‬
‫باسم أحد من البشر! ولقد حرصنا‬
‫في أثناء قراءة «خطابة» أرسطو على‬
‫المقارنة بين ما جاء في ترجمة‬
‫بدوي وما جاء في تلخيص ابن رشد‬
‫وشرح ابن سينا وما جاء في ال ّترجمة‬
‫الفرنسية‪ .‬ولقد أخذنا كثيرا من ترجمة‬
‫بالدرجة األولى في‬
‫بدوي واعتمدناها ّ‬
‫لكن ذلك لم يمنعنا من نقدها‬
‫احاالتنا ّ‬
‫في مواطن أربعة من بحثنا (انظر‬
‫الصفحات ‪ 147‬ـ‪218‬ـ‪256‬ـ‪)417‬‬
‫ونحن نتعجب من سكوت السيد بنور‬
‫عن ذلك جميع ًا!‬

‫‪139‬‬

‫وبــعــدُ ‪،‬‬

‫وبعد‪ ،‬فقد ذكر السيد ب ّنور في‬

‫صحيفة أسبوعية تصدر بتونس أنّ‬

‫القراء ال يعرفونه ألنّه لم يسبق له أن‬
‫ّ‬

‫نشر بالعربية ولقد فعل ونشهد بأنّه‬

‫حقّق ما ذكر!‬

‫‪140‬‬

‫تعقيب عىل الر ّد ‪« :‬احلياة الثقاف ّية» ‪ ،1999‬عدد ‪ ،109‬ص ص ‪35-19‬‬

‫حـــول كتـــاب «أهم نظريات ِ‬
‫الحجاج …»‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫جنت براقش…!‬
‫على نفسها‬
‫ْ‬

‫«ليس العار يف ق ّلة االطالع أونقص املعرفة وإنّام العار يف‬
‫التشبث بمعطيات خاطئة»‪.‬‬
‫االرصار األمحق الدائم عىل‬
‫ّ‬

‫شيرشون ‪ :‬االستكشاف‪ ،‬املجلد ‪،2‬الكتاب ‪ ،2‬الفقرة ‪.9‬‬

‫ّ‬
‫…حق أليب حنيفة أن مي ّد رجله!‬
‫بهذا ح ّد ثت نفيس عندما قرأت‬
‫«ردّ» األستاذ الريفي‪ ،‬فنحن نكتب‬
‫يف تونس أو يف البلدان العرب ّية ّ‬
‫بكل‬
‫طالقة وح ّرية عن التقاليد الغرب ّية‪،‬‬
‫خاصة إذا حبرّ نا بالعرب ّية‪ ،‬مع ّولني‬
‫ّ‬
‫عىل ق ّلة ّاطالع النّاس عىل دقائق هذه‬
‫األمور‪ ،‬أو عىل الفروق بني ال ّلغات‬
‫التي تجعل من العسري العثور عىل‬
‫مصادر ّ‬
‫ضخ املعلومات‪ .‬وال غرابة‬
‫أن يؤ ّلف فريق بحث كتابا يتحدّث‬
‫فيه عن الخطابة يف التقاليد العرب ّية‬
‫موجها إىل الغرب‪ ،‬وبلغة أجنب ّية‪،‬‬
‫ّ‬

‫ح ّتى وإن تراجع يف ّ‬
‫كل ما قيل واتضح ّ‬
‫أن العرب‬
‫يفوتوا الفـرصة ّ‬
‫«لفك الطوق» أو لتأسيس نظام‬
‫مل ّ‬
‫استداليل تقوم عليه نظر ّية خمصوصة للخطـابة‪.‬‬
‫ثالثية نبيع فيها ّ‬
‫لكل واحد من السلعة ما‬
‫جتارة ّ‬
‫نظن أنّه ال يمتلكها‪ .‬العتقادنا أنّه ال يوجد يف‬
‫ّ‬
‫العربية‪ ،‬وأنّه‬
‫الغرب من هو مطلع عىل التقاليد‬
‫ّ‬
‫ال وجود بني العرب من هو ّ‬
‫مطلع عىل التقاليد‬
‫فنعول عىل اجلهل املتبادل‪ ،‬كي نسوق‬
‫الغربية‪ّ .‬‬
‫ّ‬
‫ما نشاء‪ .‬ويصبح ّ‬
‫كل يشء مسموحا به ح ّتى‬
‫أكرب الرتّهات! فرصنا نرى أحدهم يكتب كتابا‬
‫ويرصح يف غده ّ‬
‫أن معرفته باملوضوع‬
‫يف يومه‬
‫ّ‬
‫وسطحية»‪ ،‬أو أنّه قدم إليه من بعيد‪،‬‬
‫«رقيقة جدّ ا‬
‫ّ‬
‫أو أنّه قد ابتـدأ قراءة «مقتطـفات» يف املوضوع‪،‬‬
‫وسيكون له هبـا شـأن!‬
‫ّ‬
‫مرص عىل أن ال يفهم وال‬
‫كأن فريق البحث ّ‬
‫الثقافية» عدد‬
‫يتمثّل مقاصد مسامهتنا («احلياة‬
‫ّ‬
‫‪ .)108-107-106‬لذلك ظ ّنوا هّأنا مساجلة‬

‫‪141‬‬

‫وراحوا بدورهم يبحثون لنا عن أخطاء‬
‫القمل يف رأس‬
‫ومهية‪ ،‬كمن يبحث عن ّ‬
‫ّ‬
‫أصلع‪ .‬وهلذا فإنّنا نعترب «الر ّد» الذي حبرّ ه‬
‫الريفي نكوصا إىل الوراء‪ ،‬وانتكاسا بالنسبة‬
‫إىل الكـتاب‪ ،‬جيعلنا نتخلىّ عن بعض‬
‫تبـدل مسامهتنا‬
‫كنـا نأمـل أن ّ‬
‫َز ْعمنا‪ ،‬إذ ّ‬

‫العقليات شيئا‪.‬‬
‫من‬
‫ّ‬
‫ومع هذا استبرشنا عندما نام إىل علمنا‬
‫ّ‬
‫محادي‬
‫الصامت»‪ ،‬أعين األستاذ ّ‬
‫أن «املحاور ّ‬
‫صمود‪ ،‬وفريقه قد ّ‬
‫متكنوا أخريا من الر ّد‬
‫ّ‬
‫واإلجابة مفصحني عن أسامئهم‪ ،‬متخ ّلني‬
‫عن طريقة ترويج األخبار املجهولة املؤ ّلف‪.‬‬
‫وقد كان من نتائجها أن أدخلت اإلشاعة‬
‫العلمية‪ .‬ويبدو ّ‬
‫أن‬
‫األكاديمية يف األخالق‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫«شيخ احللقة» قد انتدب االستاذ الريفي‬
‫للدّ فاع عن الفريق‪ ،‬فحرمه بذلك من التم ّتع‬
‫بعطلة الصيف‪ .‬فله اعتذاراتنا‪ .‬لك ّنـنا لن‬
‫نشـكره عـىل التضحية يف سبيل العلم‪ ،‬ألنّه‬
‫حاد يف مقاله اّ‬
‫عم يمكن به أن يفيد‪ ،‬ومل يـف‬
‫الر ّد بام ك ّنا ننتظره من حتاليل أو طروحات‬
‫تتامشى ومستوى مؤ ّلفي كتاب يف احلجاج‪.‬‬
‫بل قابل دعوتنا إىل رضورة النقد للحفاظ‬
‫صحة البحث العلــمي وسالمته‬
‫عىل‬
‫ّ‬
‫بالدعوة إىل إجلــام األفـواه!!!‬

‫‪ّ .I‬‬
‫رس إىل اخلالء يجُ ّر» ‪:‬‬
‫«كل ُم ٍّ‬

‫لك ّننا نشكره عىل تأكيده هبذا املقال‬
‫ّ‬
‫«أهم نظر ّيات‬
‫كل ما قلناه يف نقدنا لكتاب‬
‫ّ‬
‫خاصة‪.‬‬
‫احلجاج…» عا ّمة وفيام يتع ّلق به هو ّ‬
‫‪142‬‬

‫يرص عىل أخطائه فقد ح ّقت فيه‬
‫وبام أنّه ّ‬
‫قولة شيرشون‪.‬‬
‫ومل نكن لنع ّقب عىل ما جاء يف «ر ّد»‬
‫األستاذ الريفي(الصادر يف العدد ‪108‬‬
‫الثقافية»)‪ ،‬لو أنّه كان يع ّلق‬
‫من «احلياة‬
‫ّ‬
‫اّ‬
‫األول من‬
‫هيمه من نقد جاء يف اجلزء ّ‬
‫عم ّ‬
‫الثقافية»‪،‬‬
‫املقال (العدد ‪ 106‬من «احلياة‬
‫ّ‬
‫األول هنا‪ّ .).‬‬
‫ألن مقاله يغنينا‬
‫وهو املقال ّ‬
‫عن ّ‬
‫كل تعليق‪ .‬فقد أثبت بـ«ر ّده»‪ ،‬وبام‬
‫ال يدع جماال للشك‪ ،‬إ ّ‬
‫ال عند من ال‬
‫هيمنا رأيه‪ ،‬أنّه ال يسيطر عىل املوضوع‬
‫ّ‬
‫الذي «حيبرّ » فيه‪ّ ،‬‬
‫خاصة‬
‫وأن له نظرة‬
‫ّ‬
‫يتفرد هبا‪ .‬ومل نكن‬
‫ّ‬
‫ألخالقيات البحث‪ّ ،‬‬
‫ملجرد أن األستاذ الريفي‬
‫لنع ّقب كذلك‬
‫ّ‬
‫كان لسان دفاع كامل الفريق أو باألحرى‬
‫من شملهم النقد يف اجلزء األول من مقالنا‪.‬‬
‫فمن تقاليد فرق البحث أن يكون رئيس‬
‫الفريق هو املسؤول عن الر ّد اجلامعي وأن‬
‫يكون ّ‬
‫كل فرد مسؤوال عن نفسه‪ .‬وما‬
‫متمسكة بصفة الفريق هذه‬
‫دامت اجلامعة‬
‫ّ‬
‫فأوجعتهم عبارة “‪ ،”edited by‬فام عليهم‬
‫إ ّ‬
‫ال أن ينضبطوا لتقاليد فرق البحث‪.‬‬
‫صمود أن ير ّد عىل‬
‫فكان إذن عىل األستاذ ّ‬
‫ما ورد من نقد‪ ،‬ال أن خيتفي وراء أحد‬
‫أعضاء الفريق‪ ،‬فال يظهر منه إ ّ‬
‫ال طرف من‬
‫لكن احلقيقة ّ‬
‫أن «الر ّد»‪ ،‬وإن كان‬
‫رداء! ّ‬
‫ظاهر ّيا من أمضاه أحدهم‪ ،‬فهو متعدّ د‬
‫األصوات‪ .‬وقد لفت انتباهنا خطاب‪،‬‬
‫ال عالقة له بال ّنص جاء يف صورة فقرة‬

‫اعرتاضية‪ .‬وهو خطاب يستعمل ضمري‬
‫ّ‬
‫ِ‬
‫املخاطب اجلمع وحيمل سامت أسلوب‬
‫صمود‪ .‬ويأيت مبارشة بعد أن‬
‫األستاذ ّ‬
‫كان لسان دفاع الفريق يشري إليه بضمري‬
‫الغائب‪ .‬وليس من باب الصدفة‪ ،‬أن ترد‬
‫تكون‬
‫هذه الفقرة‬
‫االعرتاضية بني مجلتني ّ‬
‫ّ‬
‫محادي‬
‫الثانية منهام مرآة لألوىل «فالسيد ّ‬
‫ثم مناظرهتا «فقد‬
‫ّ‬
‫صمود استحرض…» ‪ّ ،‬‬
‫صمود…»‪ .‬فنقرأ ‪:‬‬
‫استحرض السيد ّ‬
‫محادي ّ‬
‫«ولقد جعلنا «االنحسار» بني ظفرين…‬
‫نسميه…‪ ،‬فنحن‬
‫نحن نحرتز من… أن‬
‫ّ‬
‫نحرتز من كلمة «انحسار»…»(ص‪،10‬‬

‫عمود ‪ ،1‬فقرة ‪[1‬وهنا‪ :‬ص ‪ ،120‬ع‬
‫‪ .)]2‬وبام ّ‬
‫أن ما سبق ليس استشهادا بام‬

‫صمود يف مقاله‪ ،‬إذ ال وجود‬
‫قاله األستاذ ّ‬
‫له يف ذلك املقال أصال‪ّ ،‬‬
‫فإن األمر واضح‬
‫إذن‪ ،‬وال يعدو أن يكون إ ّ‬
‫ال من قبيل‬
‫مسامهته يف هذا «الر ّد» متعدّ د الرؤوس‪.‬‬
‫لذلك قبلنا التعقيب كام أسلفنا عىل من‬
‫ال صفة له للتك ّلم باسم اجلامعة رغم ّ‬
‫أن‬
‫عملية‬
‫املهمة‬
‫تقديم األستاذ الريفي هلذه‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫مرحية بعض اليشء‪ ،‬إذ ّ‬
‫أن اجلامعة كانت‬
‫تتوهم أنّه بإمكاهنا التم ّلص من أكرب مزلق‬
‫ّ‬
‫وقعت فيه عند تقديمها للكتاب كام سنرى‬
‫يف اإل ّبان‪ .‬أو لعل رئيس الفريق انتخب‬
‫وتبحره يف‬
‫األستاذ الريفي لعلمه الوفري‬
‫ّ‬
‫األجنبية‪ ،‬وكذلك‬
‫احلجاج ويف ال ّلغات‬
‫ّ‬
‫ألخالقه العالية (وال نعين هبا إ ّ‬
‫ال األخالق‬
‫وننزه‬
‫العلمية طبعا ألنّنا ال نخلط األمور‪ّ ،‬‬
‫ّ‬

‫‪143‬‬

‫زمالءنا عن ّ‬
‫السفاسف وال نعري اهتامما‬
‫كل ّ‬
‫ملا قيل أو ما يقال فيام ال يتع ّلق باألمور‬
‫العلمية)‪ .‬لك ّننا لن نجيب األستاذ الريفي‬
‫ّ‬
‫إ ّ‬
‫وسنتوجه بالر ّد‬
‫األمور‪،‬‬
‫من‬
‫ه‬
‫خيص‬
‫فيام‬
‫ال‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫إىل ّ‬
‫كل واحد فيام يتع ّلق بـه‪.‬‬
‫أول تعليق خاطف لنا عىل‬
‫ويكون ّ‬
‫االعرتاضية (إذا‬
‫ما ورد يف هذه الفقرة‬
‫ّ‬
‫س ّلمنا ّ‬
‫صمود)‪،‬‬
‫أن املتك ِّلم هو األستاذ ّ‬
‫صمود كلمة انحسار‬
‫بالتساؤل أين جعل ّ‬
‫بني ظفرين يف هذا الكتاب؟ ر ّبام وقع ذلك‬
‫الصادر يف‬
‫يف خمطوطه إذ ال وجود يف مقاله ّ‬
‫«أهم نظر ّيات احلجاج…» لكلمة‬
‫كتاب‬
‫ّ‬
‫انحسار بني ظفرين (وال ملرادفاهتا مثل‬
‫«انكمش»ص‪ ،30‬سطر‪ .)8‬لقد استعمل‬
‫مر ات يف‬
‫ّ‬
‫صمود كلمة انحسار عدّ ة ّ‬
‫النص(صفحات ‪ ،29‬سطر ‪ 31 ، 3‬سطر‬
‫‪( 6‬منحرسة)‪ 36 ،‬سطر ‪ 37 ، 13‬سطر‬
‫مرة واحدة كلمة‬
‫‪ ،)18‬فهل يمكن أن يرينا ّ‬
‫انحسار بني ظفرين يف مقاله!!؟؟ وال سبيل‬
‫إىل ّ‬
‫القضية واعتبارها‬
‫غض الطرف عن‬
‫ّ‬
‫اجلزئيات ال سيام ّ‬
‫أن الريفي استغ ّلها‬
‫من‬
‫ّ‬
‫لي ّتهمنا بـ«االخالل والتشويه» (وهو‪ ،‬إن‬
‫وجد‪ ،‬اهتام خطري!)‪ ،‬وهذا ما ذهب إليه‬
‫األستاذ الريفي استنادا إىل ما أوعز له به‬
‫شيخه‪ ،‬فكتب يف ر ّده متحدّ ثا عن مقالنا‪:‬‬
‫«ويف هذا القول إخالل بل تشويه»(نفس‬
‫مرة أخرى‪،‬‬
‫املصدر)‪ .‬وعمد إىل الطعن ّ‬
‫صمود قد جعل‬
‫يتثبت إن كان ّ‬
‫دون أن ّ‬
‫فعال كلمة «انحسار» بني ظفرين أو أنّه‬

‫حيرتز منها كام ا ّدعى‪ .‬فسارع إىل تصديقه‬
‫جام خمزونه من سخاء العبارة‬
‫صا ّبا علينا ّ‬
‫ولطف ال ّنعوت‪ .‬لكن‪ ،‬ها ّ‬
‫أن شيخه قد‬
‫أوقع به وال وجود هلذه الكلمة أو ألي‬
‫نوع من االحرتاز(‪ )1‬من كلمة االنحسار‬
‫يف مقاله‪ ،‬كام نفهم من قوله‪.‬‬
‫أ ّما إذا نسب الريفي هذا الكالم لنفسه‪،‬‬
‫خاصة إذا كان‬
‫هيمنا رأيه هو‪،‬‬
‫ّ‬
‫ففي ماذا ّ‬
‫خيالف موقف املعين باألمر؟ وماذا يضيفنا‬
‫أن حيرتز ‪-‬اآلن‪ -‬من كلمة "انحسار"‪،‬‬
‫غري أنّه يناقض من يدافع عنه ؟ وما هو‬
‫ّ‬
‫تقمص‬
‫حمل «االخالل والتشويه» إذن وقد ّ‬
‫طرحنا ووافقنا نحن عىل احرتازنا من‬
‫هذا املوقف؟ وال بأس أن نعتربه من قبيل‬
‫صمود‬
‫«االستدراك»‪ ،‬بعد نقدنا لألستاذ ّ‬
‫عىل ما جاء يف مقاله حول املوضوع!‬
‫ّ‬
‫كل هذا جاء يف فقرة مريبة جدّ ا‬
‫تتحدّ ث عن «إخالل وتشويه» ملا قاله‬
‫ثم تُعطى الفقرة دون‬
‫األستاذ ّ‬
‫صمود‪ّ ،‬‬
‫عالمات استشهاد‪ ،‬وننتقل دون خت ّلص‬
‫من «هو» إىل « نحن»‪.‬‬

‫اسرتاتيجية «قبلة ‘حقل’‬
‫‪.II‬‬
‫ّ‬
‫الزيتون»!‬

‫صمود ومن معه من مقال‬
‫لقد جعل ّ‬
‫األستاذ الريفي املدخل األسايس والفتح‬
‫الكبري يف الكتاب‪ ،‬فزعم أنّه حاز سبقا‬
‫ّ‬
‫وحل ما استعىص عىل أكرب‬
‫وأفحم الغرب‬
‫ّ‬
‫املفكرين يف العامل فقال‪« :‬يذهب هشام‬

‫نصه مذهبا طريفا يف تأويل ما‬
‫الريفي يف ّ‬

‫‪144‬‬

‫جاء يف أرغانون أرسطو متع ّلقا بالبرص‬
‫باحلجة (‪ّ )Eurisis‬‬
‫ملخصه أنّه مل يقدّ م يف‬
‫ّ‬
‫املواضع واخلطابة أشياء جاهزة ومل يرش‬
‫ّ‬
‫متشكلة‬
‫عىل اجلديل واخلطيب «بأشياء‬
‫قبليا لك ّنها متخ ّفية» وهو بذلك خيرج‬
‫ّ‬
‫عن شبه اإلمجاع الذي عليه الدارسون يف‬
‫الغرب أمثال بارط )‪ (Barthes‬وكورتيوس‬
‫)‪ (Curtius‬وميشال ميار )‪ (M.Meyer‬يف‬
‫اعتبارهم االخرتاع عند أرسطو هنا إجيادا‬
‫ملوجود وكشفا ملحتجب وجريا عىل نفس‬
‫النهج يف التأويل حاول اعتامدا عىل ما‬
‫قال أرسطو وعىل ما ذكره ّ‬
‫رشاحه من‬
‫الفالسفة املسلمني أن جييب عن سؤال‬
‫استعىص عىل ال ّناس القطع يف االجابة‬
‫املكانية يف‬
‫عليه وهو مسوغ االستعارة‬
‫ّ‬
‫تسمية اجلهاز املفهومي الذي اعتمده يف‬
‫وصف صناعة القول اجلديل باملواضع»‬
‫(«أهم نظر ّيات…»‪ ،‬ص‪ ،15‬هامش‪.)9‬‬
‫ّ‬
‫وبموجب ذلك ُقدّ م الكتاب عىل أنّه حيتوي‬
‫عىل فتح عظيم‪ .‬وقد ك ّنا ّ‬
‫كذبنا هذا الزعم‬
‫اعتامدا عىل مبادئ س ّتة(‪ .)2‬لكن ها ّ‬
‫أن‬
‫األستاذ الريفي ينكر ذلك! ويتحدّ انا طالبا‬
‫إ ّيانا أن نقدّ م مجلة واحدة تدعم مثل هذا‬
‫الزعم‪ ،‬فيقول‪« :‬ومقتىض ما قاله أنّه وضع‬
‫أنّنا ادعينا االنفراد بحدّ املوضع أو السبق له‬
‫وهذا غري صحيح وال قرينة عليه واحدة يف‬

‫مقالنا(«الر ّد» ص‪ ،14‬ع ‪ ،2‬فقرة ‪[ 4‬وهنا‪:‬‬
‫ص ‪ ،131‬ع ‪ .))]1‬وليس مطلوبا م ّنا أن‬
‫األول‪ ،‬وال ح ّتى أن‬
‫نعيد ما قلناه يف املقال ّ‬

‫نبذل أدنى جمهود للتدليل عىل أي يشء‪،‬‬
‫إمكانية اختيار أحد األمرين ‪:‬‬
‫وأمامنا‬
‫ّ‬
‫‪ .1‬إ ّما أن نصدّ ق نحن ما قاله األستاذ‬
‫الريفي ويكون هو‪ ،‬يف هذه احلال‪ ،‬قد‬
‫‪3‬‬
‫وأقر أن ال وجود‬
‫ناقض شيخ احللقة( )‪ّ ،‬‬
‫الزعم وهذا االدعاء‬
‫ربر هذا ّ‬
‫يف مقاله ملا ي ّ‬
‫ّ‬
‫وأن األمر ال يتعدّ ى أن يكون من باب‬
‫«الدعاية»‪ .‬لذلك فنحن ال نريد أن ن ّتخذ‬
‫إ ّ‬
‫القضية…‬
‫املتفرج من هذه‬
‫ال موقف‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫الفرضية الثانية‪:‬‬
‫تبقى‬
‫ّ‬
‫أن نس ّلم ّ‬
‫‪ .2‬وإ ّما ّ‬
‫بأن األستاذ الريفي‬
‫هيمه أن يناقض نفسه أو يرتاجع‪.‬‬
‫ال ّ‬
‫خاصة‬
‫يضيع بذلك بعض‬
‫مصداقيته‪ّ ،‬‬
‫ّ‬
‫وقد ّ‬
‫بعدما اعرتف به من اخالل بضوابط‬
‫العلمية‪.‬‬
‫األخالق‬
‫ّ‬
‫وليس لزاما علينا يف هذه احلال‪ ،‬كام‬
‫قلنا‪ ،‬أن نثبت ّ‬
‫أن األستاذ الريفي زعم‬
‫ربئ بذلك رئيس الفريق‪.‬‬
‫فعال ما زعمه‪ ،‬فن ّ‬
‫يتبينه‪ .‬فإن‬
‫لذلك سنرتك األمر للقارئ ّ‬
‫متكن من اثبات وجود األمر كان ّ‬
‫احلل‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫احلل‬
‫أقر بعدم وجوده كان‬
‫ّ‬
‫األول‪ ،‬وإن ّ‬
‫كل‪ ،‬فله يف ّ‬
‫الثاني‪ .‬عىل ّ‬
‫مرة خارس‬
‫كل ّ‬
‫واحد أو قل مدّ ع واحد‪ .‬ولن يرجع‬
‫بشبكة فارغة‪ .‬ولك ّننا منهام براء‪ ،‬براءة‬
‫الذئب من دم يوسف! (مع أنّنا نحيل‬
‫القارئ عىل مقال األستاذ الريفي ص‬
‫‪ ،177-176‬ففيه ما يفي باحلاجة‪ ،‬وال‬
‫ألي تالعب‪ ،‬انظر كذلك ص ‪189‬‬
‫جمال ّ‬
‫واهلامش ‪.)276‬‬

‫‪145‬‬

‫وما دمنا يف باب التناقض بني أعضاء‬
‫«الفريق»‪ ،‬ال يرى األستاذ الريفي حرجا‬
‫الغربية‬
‫من حتقري دور كانتيليان يف التقاليد‬
‫ّ‬
‫«أهم نظر ّيات احلجاج…»‪،‬‬
‫لتربير غيابه من ّ‬
‫ثم ينعته بالتابع‬
‫دون ّ‬
‫تعمق أو حتليل‪ّ ،‬‬
‫لشيرشون (فيقول‪« :‬ومريده كانتيليان»‬

‫ص‪ ،8‬ع ‪ ،2‬فقرة ‪[ 1‬وهنا‪ :‬ص ‪،116‬‬
‫ع ‪ ،)]2‬بعد أن أزاح شيرشون ذاته‪ ،‬إثر‬

‫تص ّفح «مقتطفات» أعدّ ها أحد اهلواة‪ .‬وال‬
‫هيمنا كانتيليان يف حدّ ذاته‪ ،‬أو شيرشون‪،‬‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫الغربية‪ ،‬ال‬
‫فكل املطلعني عىل التقاليد‬‫ّ‬
‫املتط ّلعني «القادمني من بعيد»‪ ،‬يعرتفون‬
‫الغربية‪ -‬بقدر ما‬
‫بمكانتهام يف التقاليد‬
‫ّ‬
‫هيمنا تناسق الفريق الذي يدافع عنه‬
‫ّ‬
‫األستاذ الريفي إذ هو يناقض بقوله‪ ،‬ر ّبام‬
‫دون عمد (ولكن من يدري؟)‪ ،‬ما يقوله‬
‫رئيس فريق البحث يف مقاله‪ .‬هذا ما يقوله‬
‫رئيس فريق البحث عن كانتيليان الذي‬
‫ت ّفهه الريفي‪…« :‬عامل اخلطابة الروماني‬
‫الشهري كنتيليان‪ Quintilien‬صاحب أحد‬
‫أشهر مؤ ّلفات اخلطابة يف القديم وهو‬
‫اخلطابية ( ‪De Institutione‬‬
‫املؤسسة‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫‪4‬‬
‫«أهم نظر ّيات‬
‫‪()oratio‬كذا! )»‪،‬‬
‫ّ‬
‫(صمود‪ّ ،‬‬
‫الغربية…» ص ‪.)38‬‬
‫احلجاج يف التقاليد‬
‫ّ‬

‫‪ .III‬مسألة «جوهر املسائل» ‪:‬‬

‫تعود عبارة «جوهر املسألة» بإحلاح‬
‫يف «الر ّد»‪ ،‬مردفة يف ّ‬
‫مرة باستغراب‬
‫كل ّ‬
‫من «سكوتنا» عنها (ص ‪ ،10‬ع ‪ ،2‬فقرة‬
‫‪[ 4‬وهنا‪ :‬ص ‪ ،117‬ع ‪ )]2‬و«احتفالنا‬

‫باجلزئيات» (ص‪ ،16‬ع ‪ ،2‬فقرة ‪[ 4‬وهنا‪:‬‬
‫ّ‬
‫ص ‪ ،135‬ع ‪ .)]1‬والظاهر أن صاحب‬

‫«الرد» مل يفهم ّ‬
‫أن مقاله ال يمكن أن ينطوي‬
‫عىل جواهر وال عىل جوهر‪ .‬وكان بإمكانه‬
‫االستغرابية‬
‫أن يو ّفر عىل نفسه هذه األسئلة‬
‫ّ‬
‫خلو مقاله من‬
‫التي تلفت االنتباه إىل‬
‫ّ‬
‫ضمنيا‬
‫«جوهر»‪ .‬أم لع ّله حياول أن يقول‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫إن فيه جوهرا يناقش‪ .‬فأين هو «اجلوهر»‬
‫يف مقال األستاذ الريفي ح ّتى يناقش أو‬
‫نسكت عنه؟ لقد ناقشنا املقاالت التي فيها‬
‫حمتوى أو طرحا ُيناقش‪ ،‬وناقشناها عىل هذا‬
‫األساس‪ .‬ولذلك تناولنا بعض املسائل‬
‫الغربية‬
‫ال ّتي تتع ّلق باحلجاج يف ال ّتقاليد‬
‫ّ‬
‫مطوال‪ ،‬سواء يف صلب املقاالت أو فيام‬
‫ّ‬
‫هيم الكتاب امجاال‪ ،‬ح ّتى جعلنا من بعضها‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫ولعل مناقشتنا‬
‫«فصوال ال مكان هلا»‪.‬‬
‫صمود املتع ّلق بانحسار‬
‫لطرح األستاذ ّ‬
‫العربية ليس من هذا الباب‪ ،‬رغم‬
‫البالغة‬
‫ّ‬
‫أنّه ال ي ّتصل مبارشة باملوضوع!؟ فام دخل‬
‫العربية يف كتاب يبحث يف التقاليد‬
‫التقاليد‬
‫ّ‬
‫الغربية (ويعترب أنّه ال يبحث يف التقاليد‬
‫ّ‬
‫خاصة أنّه وقع تغييب أعالم‬
‫الالتينية!!!)‪ّ ،‬‬
‫ّ‬
‫ال يمكن ّ‬
‫غض الطرف عنهم؟ وكان من‬
‫أن ّ‬
‫باب أوىل ّ‬
‫يركز أعضاء الفريق عىل من‬
‫يتصل من هؤالء األعالم مبارشة بمحاور‬
‫ّ‬
‫والظاهر ّ‬
‫أن األستاذ الريفي قد‬
‫الكتاب‪.‬‬
‫نيس عنوان الكتاب(‪ )5‬فجعل ممّا قاله يف‬
‫«نقده» لربول( ‪ )Reboul‬من ّ‬
‫أن للعرب‬
‫«صناعة خطابة» مبثوثة يف كتاب «البيان‬

‫‪146‬‬

‫والتبيني»… للجاحظ(ص ‪ ،10‬ع ‪ ،2‬فقرة‬

‫‪[ 4‬وهنا‪ :‬ص ‪ ،121‬ع ‪ ،)]2‬جوهر‬
‫القضية‪ .‬فأورد ما سكتنا عنه ومل ينتظرنا‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫ح ّتى نقوده «يف شعاب مكة»‪ .‬ولكن زيادة‬
‫عىل أنّه ال يمكن لـ«شعاب ّ‬
‫مكة» أن تكون‬
‫القضية يف هذا الكتاب‪ ،‬كام قلنا‪ّ ،‬‬
‫فإن‬
‫جوهر‬
‫ّ‬
‫ما سبق من إرصار ال معنى له سوى ّ‬
‫أن‬
‫صمود‪ ،‬الذي‬
‫األستاذ الريفي مل يقرأ مقال ّ‬
‫القضية‬
‫حيزا كبريا هلذه‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫خيص هذا األخري ّ‬
‫وللجاحظ بالذات (الذي ّ‬
‫يركز األستاذ‬
‫صمود عىل تأ ّثره بأرسطو) ويقدّ م ّ‬
‫كل ما‬
‫ّ‬
‫سبق بتفصيل أكثر وبحجج أضفى (انظر‬
‫صمود‪ ،‬ص‪ ،)21-20‬ونحن نحيله إليه‬
‫ّ‬
‫لع ّلها تكون فرصته لقراءته‪.‬‬
‫وبرصف ال ّنظر عن ّ‬
‫كل هذا‪ ،‬ما‬
‫هو «اجلوهر» الذي يمكن أن يناقش أو‬
‫الفتح الذي يمكن أن يفتحه من ليس له‬
‫من أدوات البحث إ ّ‬
‫مقص ووعاء من‬
‫ال‬
‫ّ‬
‫ال ّلصاق؟ فرتى يف مدخل ّ‬
‫كل فقرة ‪« :‬ويف‬
‫الفصل ‪ VIII‬عدّ د أرسطو…»(ص‪،)272‬‬
‫عرف السعادة‬
‫«ففي فاحتة الفصل [‪ّ ]V‬‬
‫تأليفية ما‬
‫ثم عدّ د يف فقرة‬
‫حسب املشهور ّ‬
‫ّ‬
‫اعتربه…»(ص‪« ،)273‬ففي فاحتة الفصل‬
‫عر ف اجلور…»(ص‪« ،)282‬ذكر‬
‫‪ّ X‬‬
‫أرسطو يف إحدى الفقرات بالفصل ‪XIII‬‬
‫ّ‬
‫أن اخلالف…»(ص‪« ،)283‬استعرض‬
‫األول من الفصل ‪XII‬‬
‫أرسطو يف القسم ّ‬
‫األحوال…»(ص‪« ،)285‬يف القسم الثاني‬
‫من الفصل ‪ XII‬عرض أرسطو»(‪…،)286‬‬

‫العربية أن ترفد‬
‫إلخ‪ .‬فهل يمكن للثقافة‬
‫ّ‬
‫املبسطة‬
‫نفسها بمثل هذه التالخيص‬
‫ّ‬
‫املقتطعة‪ .‬وهل يمكن لنا أن نـدّ عي بعد‬
‫ذلـك أن ما قمـنا باقتـطاعه يدخـل يف‬
‫عـداد اجلواهر؟‬
‫ولكن‪ ،‬لنفرتض ّ‬
‫أن يف هذا املقال ما‬
‫فأي «جوهر» يريد أن‬
‫يمكن أن نناقشه‪ّ ،‬‬
‫األو ّلية‬
‫يميز بني املصطلحات ّ‬
‫نناقش من ال ّ‬
‫للعلم الذي خيوض فيه!؟ من بامكانه أن‬
‫خيوض يف دقائق علم احلياة مع من ال‬
‫يفرق بني الذئاب والكالب فيناقش وخيرج‬
‫ّ‬
‫يصح‬
‫هل‬
‫قل‬
‫بل‬
‫ساملا؟‬
‫النقاش‬
‫هذا‬
‫من‬
‫ّ‬
‫أصال مثل هذا ال ّنقاش؟ وإن هو وقع فهل‬
‫علميا؟‬
‫نسميـه نقاشا‬
‫ّ‬
‫ّ‬

‫النية؟‬
‫‪ .IV‬ملاذا سنسعفه بسوء ّ‬

‫لقد أسعفنا األستاذ الريفي عديد‬
‫النية (هل هذا فعل من‬
‫املرات بحسن ّ‬
‫ّ‬
‫يبحث عن مسالك التشهري والتشنيع‪،‬‬
‫الثقافية» عدد‬
‫كام يدّ عي!؟) (انظر «احلياة‬
‫ّ‬

‫‪ ،106‬ص‪ ،8‬ع ‪ 1‬وص ‪ ،6‬ع ‪[ 1‬وهنا‪:‬‬
‫ص ‪ ،17‬ع ‪ .)]1‬وليس لنا من مهرب‪،‬‬
‫يف هذا املقال‪ ،‬ح ّتى ال نلقي أحكاما ال‬
‫تليق‪ ،‬إ ّ‬
‫النية ورغبته يف‬
‫ال أن نسعفه بسوء ّ‬
‫اإلساءة أو يف التغ ّلب عىل اخلصم بمنطق‬
‫اجلاحظ («التخ ّلص من اخلصم باحلقّ‬
‫والباطل»(‪.))6‬فقد وقفنا يف ر ّده عىل أقوال‬
‫جازمة وتأكيدات ال يمكن أن تصدر عن‬
‫باحث عادي‪ ،‬نستثين منها ما يدور حول‬
‫نفسه من حجج واهية أو كالم ال معنى‬

‫‪147‬‬

‫أحس األستاذ‬
‫له‪ .‬فهذا يشء طبيعي‪ .‬فلقد‬
‫ّ‬
‫الريفي بنفسه حمارصا بالعدد اهلائل من‬
‫األخطاء من ّ‬
‫كل نوع فلم يعد يعرف من‬
‫ينسق حججه‪ .‬وقد‬
‫أين يبدأ وال كيف ّ‬
‫جعلنا هذه احلجج الدائر ّية يف مدخل‬
‫وسمناه بعبارة «القول املتهافت»‪ .‬أ ّما التي‬
‫من النوع الذي سبـق فســنورد منها هذه‬
‫العينات‪.‬‬
‫‪ .1‬ال يمكن إ ّ‬
‫النية‬
‫ال أن نسعفه بسوء ّ‬
‫وتعويله عىل نسيان القارئ ملا جاء يف‬
‫األول‪ .‬وهو بذلك إنّام يريد أن ينقذ‬
‫مقالنا ّ‬
‫ما يمكن انقاذه من ماء وجه مقاله‪ ،‬وال‬
‫هتم الوسيلة‪ .‬فهو يقول أنّنا آخذناه عىل‬
‫ّ‬
‫ترمجة «ما يقابل ‪( »paralogiome‬كذا!)‬

‫بمغالطة (ص‪ ،17‬ع ‪ ،1‬فقرة ‪[ 6‬وهنا‪:‬‬
‫ص ‪ ،136‬ع ‪ .)]2‬ولكن كيف حيصل‬
‫هذا ونحن أيضا قد استعملنا الكلمة ذاهتا‬
‫عول عىل ّ‬
‫أن القارئ‬
‫يف مقالنا؟ وبام أنه ّ‬
‫الثقافية»‬
‫نص مقالنا («احلياة‬
‫لن يعود إىل ّ‬
‫ّ‬
‫األول هنا‪ ).‬فإنّنا‬
‫عدد ‪ ،106‬أي املقال ّ‬
‫سنسرتجعه فيام ييل‪ .‬فام ملناه عليه ليس‬
‫هتمنا؟) وإنّام ملناه عىل‬
‫الرتمجة (ويف ماذا ّ‬
‫قوله ص‪»«: 228‬كلمة <مغالطات>‬
‫استعملها الرشّ اح من الفالسفة العرب‬
‫يف ترمجة كلمة )‪ (fallaciae‬التي استعملها‬
‫العربية‬
‫أرسطو(كذا!!!) ويف الكلمة‬
‫ّ‬
‫داللة عىل ّنية االيقاع…»‪ .‬وإذ مل يرتجم‬
‫العرب(‪ )7‬الالتني‪ ،‬بام ّ‬
‫التينية‬
‫أن الكلمة‬
‫ّ‬
‫اغريقية‪ ،‬أعطيناه املقابل االغريقي‬
‫وليست‬
‫ّ‬

‫للكلمة‪ ،‬وأحلناه عىل قائمة بدوي (أعين‬
‫صحيفتنا الصفراء العزيزة!‪« ،‬إذ ّ‬
‫أن‬
‫الالتني هم الذين ترمجوا العرب وليس‬
‫نص األستاذ‬
‫العكس خالفا ملا يفهم من ّ‬
‫الريفي»(املقال املذكور‪ ،‬ص‪ ،6‬ع ‪ ،1‬فقرة‬

‫‪[1‬وهنا‪ :‬ص ‪ ،14‬ع ‪ ،)]2‬ويف هذا‬
‫مرة‬
‫قلب للمعطيات‬
‫ّ‬
‫التارخيية‪ .‬لك ّنه يد ّلل ّ‬
‫أخرى (ومل نشأ أن نتو ّقف عند هذه كذلك‬
‫فاكتفينا بالذكر واإلشارة دون احلرص)‬
‫عىل عدم التناسق بني أعضاء الفريق وبني‬
‫تكون الكتاب‪ .‬وهذا ما‬
‫املقاالت التي ّ‬
‫جيعلنا ّ‬
‫مرة أخرى ما قلناه من أنّه‬
‫نؤكد ّ‬
‫جمموعة مقاالت “‪ ”edited by‬وليس عمال‬
‫مشرتكا قام به فريق بحث‪ .‬ال سيام ّ‬
‫أن‬
‫األستاذ النويري قد أسهب يف القول يف‬
‫خاصة‬
‫هذه‬
‫القضية وأحاط بجوانبها (وبينّ‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫أن مصطلح “‪ ”fallaciae‬الالتيين ال يناسب‬
‫املصطلح االغريقي ‪( paralogismos‬انظر‬
‫«أهم نظر ّيات احلجاج…»‪ ،‬ص‪))406‬‬
‫ّ‬
‫ولو قرأه األستاذ الريفي ملا وقع يف عدم‬
‫التمييز بني املصطلح االغريقي واملصطلح‬
‫الالتيين‪.‬‬
‫مرة‬
‫‪ .2‬كيف يكون من مل يذكر املسيح ّ‬
‫الدينية»!؟‬
‫«خمتصا يف الكتابات‬
‫واحدة‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫يقول األستاذ الريفي يف الر ّد‪« :‬لك ّننا‬
‫الحظنا عند قراءة ترمجتني له [أي‬
‫متخصصان‬
‫بواسيـوس(‪ ])Boèce‬أعدّ مها‬
‫ّ‬
‫و قر ا ء ة مقدّ مة و ضعها حم ّقق كتا به‬
‫الشهري املوسوم بـ«سلوى الفلسفة» ‪La‬‬

‫‪148‬‬

‫‪ّ consolation de la phislosophie‬‬
‫أن‬
‫املرتمجني واملحقق يعتربون مجيعا ّ‬
‫أن اجلانب‬
‫املتميز من آثار هذا العلم يتمثّل باخلصوص‬
‫ّ‬
‫الدينية[…]‪«( ».‬الر ّد» ص‪،8‬‬
‫كتاباته‬
‫يف‬
‫ّ‬
‫ع‪ ،2‬فقرة ‪[ 2‬وهنا‪ :‬ص ‪ ،116‬ع ‪.)]2‬‬
‫النية ح ّتى ال نعترب‬
‫سنسعفه هنا أيضا بسوء ّ‬
‫هذا الكالم من قبيل«ا ُهلراء املستحيل»‪.‬‬
‫لذلك سنذهب إىل احتامل أنّه يستجلب‬
‫البقية‪.‬‬
‫حجة صاحلة ويتجاهل‬
‫ما يراه ّ‬
‫ّ‬
‫الصواب ما دام مل يستشهد‬
‫وهذا أقرب إىل ّ‬
‫بقول ومل يذكر صفحة وهو احلريص مع‬
‫كانتيليان عىل ذكر الفقرة والسطر ح ّتى‬
‫يربهن يف زهو أنّه قرأه‪ .‬ذلك ّ‬
‫أن مقدّ مة‬
‫ترمجة كتاب «سلوى الفلسفة»( ‪ )8‬ال‬
‫تكـاد ختـلو من صـفحة ال ّ‬
‫يؤكد فيهـا‬
‫صاحبها ّ‬
‫أن بواسيوس)‪« (Boèce‬وثـنـي‬
‫ملحد» (“‪païen”, 4, “païen parmi les‬‬
‫‪ ،)plus grands”5,8,10,12‬ومل يذكر اسم‬
‫مرة واحدة («‪cet écrivain‬‬
‫املسيح ولو ّ‬

‫‪“qui ne nomme pas une seule fois le‬‬

‫‪ ،)Christ”»,p.4‬وأنّه التجأ إىل الفلسفة ومل‬
‫يلتجئ إىل الدين يف أحرج حلظات حياته‪.‬‬
‫ينص املقدّ م عىل مجلة الكتب التي نسبت‬
‫ثم ّ‬
‫ّ‬
‫إىل بواسيوس خطأ (فقد وقع خلط يف‬
‫ونص املقدّ م عىل ذلك‪ ،‬وقد أثبت‬
‫األسامء ّ‬
‫علامء األملان منذ القرن الثامن عرش هّأنا‬
‫ملؤ ّلف آخر أطلقوا عليه إسم «بواسيوس‬
‫ولعل ّ‬
‫ّ‬
‫كل ما‬
‫املز ّيف» (‪،))pseudo-Boèce‬‬
‫الدينية‬
‫رآه األستاذ الريفي هو قائمة الكتب‬
‫ّ‬

‫التي ذكرها صاحب املقدّ مة(‪ .)9‬ومل نكن‬
‫لنتوقف عند هذه النقطة‪ ،‬مع هّأنا تعطي‬
‫فكرة عن طريقة تعامل األستاذ الريفي مع‬
‫وحجة‬
‫ال ّنصوص‪ ،‬لو مل يستعملها ذريعة‬
‫ّ‬
‫ربر إبعاد بواسيوس من كتاب احلجاج‪،‬‬
‫لي ّ‬
‫دون أن يعرف عنه شيئا طبعا إ ّ‬
‫ال ما شاء أن‬
‫يراه من خالل تص ّفحه هلذه املقدّ مة‪.‬‬

‫‪« -‬القول املتهافت»‪:‬‬

‫هذه عبارة نصف هبا قوال ال معنى له‪،‬‬
‫قوال متضاربا متناقضا‪ ،‬يدور عىل نفسه‪.‬‬
‫وهي تصلح اليوم عىل بعض الفقرات ممّا‬
‫جاء يف «الر ّد» ‪.‬‬
‫فتقرأ مثال ّ‬
‫أن اجلامعة ما قصدوا‬
‫الالتينية (ص‪،15‬‬
‫االشتغال عىل التقاليد‬
‫ّ‬

‫ع‪ ،2‬فقرة ‪[ 3‬وهنا‪ :‬ص ‪ ،115‬ع‬
‫وأنم ال يشتغلون إ ّ‬
‫ال عىل التقاليد‬
‫‪ )]1‬هّ‬

‫الغربية!!! ولك ّنك تقرأ عكس ذلك أيضا‬
‫ّ‬
‫القراء‬
‫إذ يقول ع ّنا‪« :‬ومن واجبه أن ينري ّ‬
‫فيام اعترب أنّنا تركناه ينرسب إىل البالوعة‬
‫الالتينية‬
‫من نظر ّيات احلجاج يف التقاليد‬
‫ّ‬
‫ح ّتى ال يعترب نقده لنا قبضا عىل الريح!»‬

‫(«الرد»ص‪[ 9-8‬وهنا‪ :‬ص ‪ ،117‬ع‬
‫‪.)]2‬‬

‫وتقرأ مثال ّ‬
‫أن قولك «نفس اجلملة‬

‫تقريبا» («الرد»‪ ،‬ص‪ ،18‬ع‪ ،1‬ف ‪[1‬وهنا‪:‬‬
‫ص ‪ ،138‬ع ‪ ،)]1‬غري وارد بل وجب‬

‫القول إنهّام مجلتان متشاهبتان جدّ ا يف‬
‫موطنني متقاربني جدّ ا بمعاني متشاهبة‬

‫‪149‬‬

‫جدّ ا! وقد استبعد إحدامها وتب ّنى األخرى‪.‬‬
‫فأين وجه التناقض؟ (ص‪ ،18‬ع‪،1‬فقرة‬
‫‪[1‬وهنا‪ :‬ص ‪ ،138‬ع ‪!!!)]1‬‬
‫وتقرأ ّ‬
‫أن راموس قد « غيرّ أركان‬
‫الريطوريقا» ّ‬
‫وأن ما انجزه يف تاريخ اخلطابة‬
‫األمهية‪ّ ،‬‬
‫وأن شيرشون أغنى‬
‫عىل قدر من‬
‫ّ‬
‫املبحث البالغي(كذا!!!)‪ ،‬ولكن ليس هلذا‬
‫متميزة يف احلجاج»(«الر ّد»‬
‫أو لذاك «نظر ّية ّ‬

‫ص‪،8‬ع‪ 1‬و‪[ 2‬وهنا‪ :‬ص ‪ ،117‬ع ‪)]1‬‬
‫وهو يسوق ّ‬
‫كل هذا وهو ال يزال بصدد‬
‫الشيرشونية («الر ّد »‪،‬‬
‫دراسة اخلطابة‬
‫ّ‬

‫ص‪ ،15‬ع‪ ،2‬فقرة ‪[ 4‬وهنا‪ :‬ص ‪،132‬‬
‫ع ‪ .)]2‬لك ّنك تقرأ كذلك ّ‬
‫ميار‬
‫أن مليشال ّ‬

‫متميزة يف احلـجاج ال ليشء إ ّ‬
‫ال ألنّه‬
‫نظر ّية ّ‬
‫اهتم بـ«خطـابة»‬
‫«تتلمذ عىل پرملان وأنّه ّ‬
‫أرسطو»!!(«الر ّد»‪ ،‬ص‪ ،9‬ع‪ ،2‬فقرة ‪1‬‬
‫[وهنا‪ :‬ص ‪ ،119‬ع ‪ )]1‬وهذا كاف‬
‫ليجعله يف نظر الريفي صاحب نظر ّية‬
‫متميزة يف احلجاج!‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫وتقرأ أن جمموعة مقاالت وودس‬
‫ووالطون‪ ،‬وهي متتدّ عىل عرش سنوات‪،‬‬
‫«تكون دراسة متكاملة لنوع من أنواع‬
‫ّ‬

‫احلجاج»(ص‪،9‬ع‪،1‬فقرة‪[ 3‬وهنا‪ :‬ص‬
‫متميزة‬
‫‪ ،118‬ع ‪ ،)]1‬وهي إذن نظر ّية‬
‫ّ‬

‫حجاجية‬
‫اعتبارهم نظر ّية ديكرو نظر ّي ًة‬
‫ّ‬
‫متميزة‪ ،‬بعدما أعلن صاحبها نفسه هّأنا‬
‫ّ‬
‫وأنا نظر ّية‬
‫حجاجية‪،‬‬
‫ليست نظر ّية‬
‫هّ‬
‫ّ‬
‫«ديناميكية اخلطاب»!!!‬
‫ّ‬
‫وأمثاهلا كثر…‬
‫حتسبن نفسك حتلم‪ ،‬عندما‬
‫وال‬
‫َّ‬
‫تقرأ ا ّد عائه نقد عبد الرمحان بدوي‪.‬‬
‫فهو يقول واثقا من نفسه أنّه نقد عبد‬
‫الرمحان بدوي يف مواطن أربعة‪« :‬يف‬
‫مواطن أربعة من بحثنا (انظر الصفحات‬
‫‪(»)417،256،218،147‬ص‪ ،18‬ع‪،2‬‬

‫فقرة ‪[2‬وهنا‪ :‬ص ‪ ،139‬ع ‪ .)]2‬وسنعود‬
‫إىل هذا االدعاء ّ‬
‫ألن فيه من «التحف» ما‬
‫يطيب‪ .‬فهو حييل إىل الصفحة ‪ 417‬متوهمّ ا‬
‫ّ‬
‫أن مقاله يتواصل ح ّتى هذه الصفحة من‬
‫الكتاب‪ .‬دون أن يعلم أن مقالته تنتهي يف‬
‫الصفحة ‪ .296‬ويف هذا ما ّ‬
‫يدل عىل أنّه‬
‫أن مقاله أكرب ممّا هو‪ ،‬ومل ّ‬
‫ظن ّ‬
‫يتفطن إىل‬
‫ّ‬
‫«أهم‬
‫أنّه يصطدم بآخر صفحات كتاب‬
‫ّ‬
‫نظر ّيات احلجاج…»‪ ،‬وحيوز مقاالت‬
‫زمالئه (إذ ّ‬
‫أن صفحة ‪ 417‬تناسب مقال‬
‫ّ‬
‫لكأن‬
‫األستاذ ال ّنويري من الكتاب)‪ .‬ح ّتي‬
‫األمر جيري يف املنام‪ .‬لكن لنضع ّ‬
‫كل هذا‬
‫عىل حساب إرساعه يف الر ّد‪ .‬فقد استغرق‬
‫منه هذا الر ّد ثالثة أشهر ال غري!‬

‫جمرد نوع من ‪ -‬االمتالء بال ّذات أو عرص االستهالك‬
‫يف احلجاج‪ .‬وبذلك يصبح ّ‬
‫متميزة» يف املعريف؟‬
‫أنواع احلجاج يمثّل «نظر ّية‬
‫ّ‬
‫نظر الريفي!‬
‫وتقرأ أيضا أنّه ال يمكن الطعن يف‬

‫‪150‬‬

‫الرجل عاملا ما طلب‬
‫«ال يزال ّ‬
‫ظن أ نّه علم فقد‬
‫العلم فإذا ّ‬

‫جهل»‪( .‬حديث رشيف!)‬

‫لقد عجبنا ّأوال من هذا «الر ّد» الذي‬
‫وحتو ل عجبنا إىل‬
‫يتط ّلب ثالثة أشهر‪.‬‬
‫ّ‬
‫يرصح فيه أنّه‬
‫دهشة عندما رأينا صاحبه ّ‬
‫مل يقرأ َب ْعدُ ما نصحناه بقراءته‪.‬‬
‫العربية من‬
‫املدونة‬
‫أ ّما ما يقوله عن‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫أنّنا لسنا من العارفني هبا ومن ّ‬
‫أن هلذه‬
‫األمور أهلها ونحن لسنا منهم ح ّتى نجيز‬
‫ألنفسنا الكالم عنها‪ ،‬فإنّنا نرجو أن ال‬
‫يكون األستاذ الريفي قرأها كام قرأ كتاب‬
‫«اخلطابة» (الرتمجة القديمة) ومل ير فيها ما‬
‫مل يكن يرغب يف وجوده!‬
‫لقد رأينا أن ُنجيب األستاذ الريفي يف‬
‫األول عن زعمه أن ال وجود لعمل آخر‬
‫ّ‬
‫أتى بمثل ما أتى به يف مقاله‪ .‬والريفي يكتب‬
‫ثالثية‬
‫واصفا مقاله فيقول مثال‪« :‬واجهنا‬
‫ّ‬
‫أرسطو بمفردنا يف الغالب…»(ص‪،13‬‬
‫ع ‪[1‬وهنا‪ :‬ص ‪ ،127‬ع ‪ .)]2‬ويتحدّ ى‬
‫أ ّيا كان «أن يقدّ م لنا دراسة واحدة فيها‬

‫استقصاء…»(ص‪ ،13‬ع ‪[2‬وهنا‪ :‬ص‬
‫‪ ،127‬ع ‪) ]2‬؛ «أن يقدّ م لنا دراسة‬

‫واحدة فيها رصد شامل…»(ص‪ ،13‬ع‬

‫‪[2‬وهنا‪ :‬ص ‪ ،127‬ع ‪)]2‬؛ «أن يقدّ م‬
‫لنا دراسة واحدة فيها رصد ألبرز ما‬

‫جاء…»(ص‪ ،13‬ع ‪[2‬وهنا‪ :‬ص ‪،127‬‬
‫ع ‪)]2‬؛ «أن يقدّ م لنا فقرة واحدة ذكر فيها‬
‫العربية‬
‫املدونة‬
‫صاحبها املوطن[…] يف‬
‫ّ‬
‫ّ‬

‫القديمة‪(».‬ص‪ ،13‬ع‪[2‬وهنا‪ :‬ص ‪،127‬‬

‫ع ‪ .)]2‬ومن يقرأ هذه اجلمل يدرك أن‬
‫يرص عىل اقناعنا بأنّه حاز‬
‫قائل هذا الكالم ّ‬
‫وتفرد به‪ .‬هكذا يكون‬
‫ما حاز من العلم‬
‫ّ‬
‫كل من امتأل بذاته أو ّ‬
‫دائام كالم ّ‬
‫كل من‬
‫غره كالم غري ّ‬
‫املطلعني‪ .‬والغريب ّ‬
‫أن‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫الريفي مل يطلع عىل ما هو موجود بدار‬
‫التونسية (وقد دللناه عىل‬
‫الوطنية‬
‫الكتب‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫مراجع اعرتف أنّه مل ّ‬
‫يطلع عليها قبل ذلك‪،‬‬
‫ثم أنّه قد فعل‪ ،‬والبعض اآلخر مل ّ‬
‫يتمكن‬
‫ّ‬
‫من االطالع عليه بعد) فكيف به يتك ّلم‬
‫اّ‬
‫عم هو موجود بأماكن أخرى ال يمكن‬
‫الوصول إليها بسهولة؟ لذلك رأ ْيـنا من‬
‫املستحسن أن ّ‬
‫نؤكد عىل أنّه مل يعد بإمكان‬
‫أي أحد أن يدّ عي اإلملام ويقع يف هذا‬
‫ّ‬
‫هيم األستاذ الريفي‬
‫اخلطإ‪ .‬فاألمر إذن ال ّ‬
‫وحده بل ّ‬
‫كل قارئ مهام كان اختصاصه‪.‬‬
‫إذ أنّه مل يعد بمقدورنا معرفة‪ ،‬أو حتديد‬
‫أو عىل األقل تقريب حدود جهلنا بنفس‬
‫الطريقة التي كان أسالفنا يتعاملون هبا‪.‬‬
‫ذلك ّ‬
‫االنسانية يف السنوات‬
‫أن ما أنتجته‬
‫ّ‬
‫العرش األخرية يفوق بكثري ما أنتجته‬
‫منذ أن تع ّلم االنسان الكتابة‪ .‬بل أكثر‬
‫من ذلك‪ّ ،‬‬
‫االنسانية اليوم‬
‫فإن ما تنتجه‬
‫ّ‬
‫يف ظرف ساعة واحدة‪ ،‬ال يمكن لقارئ‬
‫رسيع القراءة أن يستوعبه يف ّ‬
‫أقل من مخس‬
‫سنوات‪ .‬وبذلك فإنّنا ننغمس يف اجلـهل‬
‫بام قـدره مخس سنوات ّ‬
‫كل ساعة‪ ،‬ح ّتي‬
‫كنـا مـواظبني عـىل القـراءة ليال هنارا‪.‬‬
‫وإن ّ‬
‫االنسانية عـرص اسـتـهالك‬
‫بذلـك تعيش‬
‫ّ‬

‫‪151‬‬

‫املـعـرفة‪ ،‬ومل يعد املرء قادرا عىل التعميم‬
‫أو الشمول واالستيعاب ألنّه مل يعد يعرف‬
‫حدود جهله!! ال سبيل إذن إىل أن يتك ّلم‬
‫املرء عن ّ‬
‫«كل» أو «الوحيد» أو «الفريد» أو‬
‫«شامل» إ ّ‬
‫عقلية‬
‫ال إذا كان ال يزال يعيش ّ‬
‫قرون إىل الوراء‪ ،‬أو كان كالمه رضبا من‬
‫"القول املتهافت"‪ .‬لكن يبدو لنا ّ‬
‫أن األستاذ‬
‫الريفي لو عرف بام سبق ملا قال ما قاله‪ .‬ولن‬
‫يكون ر ّدنا أكثر من ذلك ح ّتى ال نجعله وحده‬

‫املعرفية اجلديدة وليدة‬
‫الوضعية‬
‫ضحية هذه‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫والركائز احلديثـة‪.‬‬
‫وسائـل االتصاالت ّ‬

‫‪ -‬من ال ميتلك خيوط ال ّلعبة؟‬

‫يقول األستاذ الريفي‪ ،‬لسان دفاع فريق‬
‫القضية‪،‬‬
‫البحث‪ ،‬إنّنا ال نمتلك خيوط‬
‫ّ‬
‫فكيف نتك ّلم فيها ؟ ونحن ال نريد‬
‫اإلطالة هنا‪ّ ،‬‬
‫ألن األمر ال يستحقّ تعليقا‬
‫أكثر من التذكري بام يقوله من يمسك‬
‫ّ‬
‫القضية التي هي «نظر ّيات‬
‫بكل أطراف‬
‫ّ‬

‫الغربية»‪ .‬فالريفي يقول‬
‫احلجاج يف ال ّتقاليد‬
‫ّ‬
‫عىل لسان اجلامعة متحدّ ثا عن الكتاب‬
‫‪«:‬نسـوق هذا ونحن ما زلنا بصدد درس‬
‫الشيرشونية» (ص‪ ،15‬ع ‪،2‬‬
‫اخلطابة‬
‫ّ‬

‫فقرة ‪[ 4‬وهنا‪ :‬ص ‪ ،132‬ع ‪ .)]2‬وإنّنا‬
‫ثم‬
‫لنستغرب فعال كيف يؤ ّلف اجلامعة كتابا ّ‬
‫ينربي واحد منهم للر ّد عىل ّ‬
‫كل من حتدّ ثه‬
‫نفسه بالوقوف عند األخطاء الواردة فيه‬
‫يرصحون عىل‬
‫كيف يفعلون هذا وهم ّ‬‫بأنم مل يكملوا التحصيل‬
‫لسان الريفي هّ‬
‫الذي يسبق ّ‬
‫كل تأليف‪ .‬وح ّتى إن هم‬

‫يمرون إىل التأليف‬
‫أكملوا التحصيل فكيف ّ‬
‫ومعارفهم مل تنضج بعد؟‬
‫ّ‬
‫ويتوهم‬
‫إن من يمتلك خيوط ال ّلعبة‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫يرصح‬
‫أن غريه غري عارف هبا ال يمكن أن ّ‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫واملفكرين الذين متثّل‬
‫بأن معرفته باألعالم‬
‫ّ‬
‫املحطات يف موضوع كتابه‬
‫أهم‬
‫كتاباهتم ّ‬
‫سطحية»(ص‪ ،8‬ع ‪ ،2‬فقرة‪4‬‬
‫«رقيقة‬
‫ّ‬

‫[وهنا‪ :‬ص ‪ ،117‬ع ‪ّ !)]1‬‬
‫إن الريفي‬
‫يعرتف ّ‬
‫لكن‬
‫بأن معرفته «رقيقة‬
‫سطحية» ّ‬
‫ّ‬
‫هذا مل يمنعه من احلكم عىل مجيع املفكرين‬
‫يتفرد‬
‫واألعالم ‪ ،‬ومل يمنعه من أن يدعي أنّه ّ‬
‫بعمله وعلمه!‬
‫قضية «مسك اخليوط» ّ‬
‫أن‬
‫وأصل‬
‫ّ‬
‫صاحب الر ّد يرفض فكرة «تك ّلس»‬
‫تتصور‬
‫األرسطية‪ .‬فيقول‪« :‬هل‬
‫املواضع‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫األرسطية (باستثناء‬
‫اجلدلية‬
‫أن املواضع‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫مواضع املؤ ّثرات) يمكن أن تتك ّلس‬

‫يوما؟»(ص‪ ،14‬ع‪ ،1‬فقرة‪[ 5‬وهنا‪ :‬ص‬
‫‪ ،129‬ع ‪ .)]2‬وهو يعتمد ذلك ليخلص‬

‫ّ‬
‫ولعل‬
‫منه إىل أنّنا ال نمتلك خيوط ال ّلعبة‪.‬‬
‫ما جعله يقول هذا هو ما قرأه عند ثيونفيل‬
‫‪( Thionville‬وهي آخر مجلة يف ال ّنص‬
‫تعرض هلا‪ ،‬ألنّنا مل نعد نثق أنّه‬
‫لذلك فقد ّ‬
‫قرأ ال ّنص بأكمله بعد الذي قاله عن ابن‬
‫رشد(‪ّ :))10‬‬
‫«إن نظر ّية [يعين هبا املواضع]‬
‫أسسها أرسطو ال يمكن أن تصبح عقيام»‬
‫ّ‬
‫‪11‬‬
‫( )‪ .‬ولكن إذا كان هذا فقد نيس ما قاله‬
‫ثيونفيل عن افالس مفهوم املواضع‪ ،‬بعد‬
‫أرسطو‪« :‬ومل تعد بذلك املواضع ّ‬
‫تدل‬

‫‪152‬‬

‫إ ّ‬
‫ال عىل كلامت بعدما كانت ّ‬
‫تدل عىل‬
‫‪12‬‬
‫ّ‬
‫)‪.‬وكل «هذا ناتج عن التحويرات‬
‫جمُ ل»(‬
‫العميقة التي أدخلها شيرشون عىل نظر ّية‬
‫األرسطية»(‪.)13‬‬
‫املواضع‬
‫ّ‬
‫وملزيد الوضوح‪ ،‬فقد أحلنا األستاذ‬
‫الريفي إىل مقال آڤس(‪ )1993‬اهلام‪،‬‬
‫والظاهر أنّه مل يطلع عليه‪ ،‬وإ ّ‬
‫ال لغيرّ الكثري‬
‫من مواقفه‪ ،‬ولفهم أنّه هو من ال يمسك‬
‫القضية وأنه كتب يف موضوع‬
‫بخيوط‬
‫ّ‬
‫ينقصه فيه االطالع‪ّ .‬‬
‫إن آڤس يقول‪:‬‬
‫‪“Chez Ramus, les topoi n’ont plus de‬‬
‫‪dynamisme inventif, car ils sont réifiés‬‬

‫‪et réduits à des éléments de base. Bref ils‬‬
‫‪n’ont plus droit de cité dans la logique de‬‬
‫‪Ramus”. p. 399.‬‬

‫بتحجر‬
‫وآڤس ليس وحده من يقول‬
‫ّ‬
‫هذه القضايا‪ .‬وكان يمكن للريفي أن‬
‫يفهم ذلك ممّ ا قاله عبد الرمحان بدوي يف‬
‫(خاصة أنّه‬
‫مقدّ مة صحيفتنا الصفراء القامتة‬
‫ّ‬
‫يستشهد بنفس الصفحة يف «ر ّده»)‪« :‬وهلذا‬
‫خطر يف تأريخ علم [اخلطابة] كان له مركز‬
‫الرابع‬
‫الصدارة بني علوم‬
‫ّ‬
‫العربية يف القرنني ّ‬
‫هنائيا يف‬
‫واخلامس ح ّتى‬
‫استقرت قواعده ّ‬
‫ّ‬
‫حتجر يف قوالب‬
‫القرن السادس‪ ،‬ومن ثمة ّ‬
‫تقليد ّية‪( ».‬مقدّ مة الرتمجة القديمة لكتاب‬
‫«اخلطابة» ألرسطو‪ ،‬صفحة ك)‪.‬‬
‫بل الغريب ّ‬
‫أن األستاذ الريفي نيس ما‬
‫جاء يف مقاله‪ ،‬واملرء ال ينسى ما ابتدعه‬
‫وإ ّنام ينسى ما قرأه‪ ،‬فقد قال‪« :‬املواضع‬
‫يف بالغة القرون الوسطى هي حينئذ تقديم‬

‫ّ‬
‫متشكل وثابت‪ ،‬وال أظ ّننا نجانب‬
‫ملحتوى‬
‫قوة عطالة‬
‫ّ‬
‫الصواب إن قلنا هّإنا كانت ّ‬
‫املعنى»[…]»(«أهم‬
‫تعرقل حركة «انتاج‬
‫ّ‬
‫نظر ّيات احلجاج…»‪ ،‬ص‪ ،)192‬فام هو‬
‫تعريف التك ّلس؟ أم ّ‬
‫أن الريفي ال حيرجه‬
‫التناقض؟‬

‫‪ .V‬زندقة احلداثة!‬

‫تنم عن‬
‫لقد استوقفتنا عبارة غريبة ّ‬
‫عقلية مل تعد من زماننا‪« :‬ال ننتظره ليقودنا‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫يف شعاب مكة»!!! هذا يعين أن املعرفة‬
‫االقطاعية‪،‬‬
‫لإلقليمية أو‬
‫أصبحت ختضع‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫وأنّه أدرى هبذه الشعاب ما دام من أهل‬
‫ّ‬
‫التحرر املعلومايت وفسخ‬
‫مكة‪ ،‬يف عرص‬
‫ّ‬
‫حدود االختصاصات‪.‬‬
‫اهتم من هذا املنطلق ببعض ما كان‬
‫وقد ّ‬
‫يظ ّنه أخطا ًء ويعتربه يقع ضمن «شعابه»‬
‫خيتص بالبحث فيه‪ ،‬فيسعى به إىل التشكيك‬
‫ّ‬
‫إلشكالية احلجاج‬
‫الرتاثية‬
‫يف إملامنا باجلذور‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫العربية‪ ،‬من منطلق‬
‫والبالغة يف الثقافة‬
‫ّ‬
‫العربية‪ .‬وما ادعينا‬
‫اإلملام بثنايا ال ّلغة‬
‫ّ‬
‫ولكن ذلك مل يكن حائال دوننا‬
‫إلـامما!‬
‫ّ‬
‫وحماولة االطالع وقراءة النصوص قراءة‬
‫موضوعية جتتهد لتكون أكثر د ّقة وصوابا‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫متحرر من بعض‬
‫غري‬
‫قرأها‬
‫ممن‬
‫ادعاء‬
‫وأقل‬
‫ّ‬
‫االسترشاقية التي قد يكون هلا‬
‫األطروحات‬
‫ّ‬
‫حتيز‬
‫بعض األثر فيام طرأ عىل ّ‬
‫تصوراته من ّ‬
‫املسبقة‪.‬‬
‫ضدّ الثقافة‬
‫العربية نتيجة أحكامه ّ‬
‫ّ‬
‫وليس املرء يف حاجة إىل املعرفة بـ«شعاب‬
‫ّ‬
‫مكة» ح ّتى يقرأ ال ّنصوص ويستحرضها‬
‫يف مكاهنا وأواهنا‪.‬‬

‫‪153‬‬

‫ومن هذا املنطلق‪ ،‬قلنا‪ ،‬مل يدَ ْع صاحب‬
‫«الر ّد» الفرصة تفوته ليلفت ال ّنظر إىل‬
‫أنّه من شعاهبا‪ ،‬فع ّلق عىل قولة الشيخ‬
‫العالييل «من ينقد عليك كمن يكتب‬
‫عربية‪ ،‬فأردفها‬
‫معك» وقد بدت له غري‬
‫ّ‬
‫بني قوسني بـ«كذا»‪ ،‬رغم هّأنا ذكرت‬
‫عىل سبيل االستشهاد! وبمن؟ بأحد أكرب‬
‫العربية عىل أ ّيامنا‪ .‬ها ّ‬
‫أن الريفي‬
‫أعالم‬
‫ّ‬
‫يع ّلم الشيخ عبد هّ‬
‫العربية(‪.)14‬‬
‫الل العالييل‬
‫ّ‬
‫عبد هّ‬
‫الل العالئيل صاحب «املعجم الكبري»‪،‬‬
‫وعضو املجامع ال ّلغو ّية واملرجع العتيد يف‬
‫ولكن ما سبق‬
‫العربية!!! يا للعجب!!!‪،‬‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫يتضمن ادعاء أو امتالء‬
‫مل يستوقفنا ألنّه‬
‫ّ‬
‫بالذات‪ ،‬ومل نعد بحاجة إىل االستدالل‬
‫العقلية التي حتكم‬
‫هتمنا‬
‫عليهام‪ ،‬بقدر ما ّ‬
‫ّ‬
‫عقلية من يمأل شدقيه‬
‫رص ف‪.‬‬
‫هذا ال ّت ّ‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫وتدل أفعاله عىل أن ّه ال فرق‬
‫باحلداثة‪،‬‬
‫بينه وبني أوائل شيوخه‪ .‬هذا دليل عىل‬
‫ّ‬
‫أن اجلامعة يدّ عون احلداثة وهم ال يزالون‬
‫يتعاملون مع ال ّلغة تعامل السلف من‬
‫حراس املتاحف‪ .‬ومل يسمع الريفي ومن‬
‫ّ‬
‫الصادر عن جممع‬
‫«التضمني»‬
‫بـقرار‬
‫معه‬
‫ّ‬
‫العربية بالقاهرة‪ ،‬يف دورته األوىل‬
‫ال ّلغة‬
‫ّ‬
‫لسنة ‪ ،1934‬جلسة ‪« :17‬أن يؤ ّدي فعل‬
‫مؤدى فعل آخر‬
‫أو ما يف معناه يف التعبري َّ‬
‫أو ما يف معناه‪ ،‬فيعطى حكمه يف التعدية‬
‫وال ّلزوم»‪ .‬ويشرتط وجود مناسبة بني‬
‫الفعلني‪ .‬ورشوط التضمني ثالثة ‪ :‬أ‪.‬‬
‫حتقيق املناسبة بني الفعلني‪ .‬ب‪ .‬وجود‬
‫ّ‬
‫تدل عىل مالحظة الفعل اآلخر‬
‫قرينة‬

‫ويؤمن معها ال ّلبس‪ .‬ج‪ .‬مالءمة التضمني‬
‫للذوق العريب‪ .‬لذلك جيوز استعامل «نقد‬
‫عىل» بمعنى «عاب عىل» لسبب بالغي ال‬
‫خاصة ّ‬
‫وأن فعل «انتقد» يقبل هذا‬
‫خيفى‪ّ ،‬‬
‫ينص عىل ذلك‬
‫الرتكيب عىل األقل كام ّ‬
‫املعجم الوسيط‪.‬‬
‫لذلك ولغـريه‪ ،‬سنبقى نتحسس طريقنا‬
‫يف «شعاهبم»‪ ،‬وأقـدامنا دامـية‪ ،‬بينام غرينا‬
‫املعلوماتية‬
‫يــسابق الضـوء يف الطرق‬
‫ّ‬
‫السيارة!‬
‫ّ‬

‫السلطة العلم ّية‬
‫‪.VI‬‬
‫ّ‬
‫حجة ّ‬
‫«النكرة»!!!‬

‫ملنا األستاذ الريفي عىل خلطه بني‬
‫واالغريقية وعدم تبينّ الفارق‬
‫الالتينية‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫الالتينية واملصطلحات‬
‫بني املصطلحات‬
‫ّ‬
‫االغريقية ويبدو أ نّه أراد أن يفحمنا‪،‬‬
‫ّ‬
‫فرنسيا‬
‫فأجابنا يف ر ّده قائال‪« :‬سألنا أستاذا‬
‫ّ‬
‫الالتينية عن الفرق بني‬
‫يضطلع بتدريس‬
‫ّ‬
‫مطولة بأن ّه‬
‫األزواج …فأجابنا يف رسالة ّ‬
‫ال يكاد يوجد فرق يذكر بني معاني تلك‬
‫األزواج («الر ّد»‪ ،‬ص‪ ،15‬ع ‪ ،2‬فقرة‪1‬‬
‫[ وهنا‪ :‬ص ‪ ،132‬ع ‪ .») ]1‬وكان‬
‫مطية‬
‫بإمكاننا استغالل هذا الكالم وركوبه ّ‬
‫القضية‬
‫للسخرية والتشنيع‪ .‬لك ّننا نأخذ‬
‫ّ‬
‫مأخذ اجلدّ وال سبيل إىل اهلزل هنا‪ .‬وال‬
‫ّ‬
‫صحة ما قال‪ ،‬بل نتمنيّ لو‬
‫نشكك يف ّ‬
‫كان ذلك من قبيل البالغة وأن ال عالقة‬
‫له بالواقع!!! فام الذي حيدث؟ أساتذة‬
‫يكونون فريقا من‬
‫يف ال ّلغة‬
‫ّ‬
‫«خمتصون» ّ‬

‫‪154‬‬

‫اجلهابذة (‪ ،7‬بشيوخ حلقاهتم!) ‪،‬يكتبون‬
‫كتابا لن يتيه إمرئ بعده يف احلجاج‪ ،‬ويف‬
‫الغربية‪ ،‬يفتحون فيه ما استعىص‬
‫التقاليد‬
‫ّ‬
‫عىل الغرب ح ّله‪ ،‬ويأتون ما ال جتده يف‬
‫العربية وخيوضون فيام مل يكتب فيه‬
‫املدونة‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫إنيس‪ ،‬يعطون فرصة ألستاذ «فرنيس» نكرة‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫ونسية‬
‫للتهكم عىل البحث يف اجلامعة ال ّت ّ‬

‫لت من كفاءاهتا‪ ،‬ومل تعد‬
‫وكأنا قد َخ ْ‬
‫هّ‬
‫واإلغريقية‪ .‬إنّه‬
‫الالتينية‬
‫تعرف الفرق بني‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫يشء مؤسف ح ّقا أن ال يعي املرء تبعات‬
‫عم صباحا أيهّ ا‬
‫ما يقول وما يفعل‪ .‬أال َف ْ‬
‫الطلل اخلايل!‬
‫عقلية‬
‫لقد دعونا إىل التخليّ عن‬
‫ّ‬
‫االنبهار وإىل الوعي بمخاطر نرش بعض‬
‫االسترشاقية العنرص ّية ونادينا‬
‫األطروحات‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫املفكرين الغربيني‬
‫برضورة أن نناقش‬
‫بدراية ومتييز وأن نتخلىّ عن املنازلة الفارغة‬
‫السلفية‪ ،‬وإذا بر ّد فريق البحث‬
‫أو املفاخرة‬
‫ّ‬
‫وما ورد فيه من استسالم وتسليم جيعلنا‬
‫ندرك ّ‬
‫أن األمر املستعجل ليس ما ذكرنا‬
‫وإنّام هو الدعوة إىل االستقالل الفكري‪.‬‬
‫والظاهر ّ‬
‫عقلية «املغلوب» ال تزال‬
‫أن‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫تتحكم بعقولنا!‬
‫لكن‪ ،‬ح ّتي يفهم األستاذ الريفي موقع‬
‫هيتم باخلطابة ‪-‬والظاهر‬
‫اخلطأ ممّا أتاه وهو ّ‬
‫هّأنا مل تنفعه يف يشء‪ ،-‬فليعلم ّ‬
‫أن مغالطة‬
‫«حجة السلطة» تقوم عىل االحتجاج‬
‫ّ‬
‫شخصية تتم ّتع‬
‫بحجة يف امليدان «يكون‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫ختصصها»‪ .‬ورسالة‬
‫بكفاءة عالية يف جمال ّ‬

‫جمرد‬
‫«الفرنيس» هذا ‪-‬عسى أن تكون ّ‬
‫«كذبة بيضاء»‪ -‬كان يمكن أن تكون حجة‬
‫مـغالطة ‪-‬واهية طبعا‪ ،‬لكن غري مضحكة‪-‬‬
‫حجة فعال يف املوضوع‪.‬‬
‫إذا ُعرف عنه أنّه ّ‬
‫حجة سوى‬
‫أ ّما وهو نكرة فال يبقى من ّ‬
‫حجة كافية‬
‫أنّه «فرنيس»‪ .‬وهذه كام نعلم ّ‬
‫يف ذاهتا ملن يريض لنفسه هبذا املوقع(‪.)15‬‬
‫أ ّما إن ك ّنا مكانه‪ ،‬فال سبيل إىل اعتامد رأي‬
‫يفرق بني‬
‫ّ‬
‫أي فرنيس قبل أن نسأله إن كان ّ‬
‫أبنائه وأبناء اجلريان‪ ،‬فإنّه ال يكاد يوجد‬
‫ّ‬
‫الكل حيوان ناطق‪.‬‬
‫بينهم فرق‪ ،‬إذ‬
‫املرة الوحيدة التي يكشف‬
‫وليست هذه ّ‬
‫عقلية‬
‫فيها كالم األستاذ الريفي عن‬
‫ّ‬
‫املستعمر هذه‪ ،‬فقد جترأنا حسب رأيه عىل‬
‫َ‬
‫الفرنسية(!) التي اعتمد (فالمنا‬
‫نقد الرتمجة‬
‫ّ‬
‫عىل نقدنا للفرنسيني قائال‪« :‬ومل يش ّنع علينا‬
‫الفرنسية‬
‫نحن فحسب بل «نقد» الرتمجة‬
‫ّ‬
‫التي اعتمدنا»!!! («الـر ّد» ‪،‬ص‪ ،18‬ع‪،1‬‬
‫فقرة‪[ 3‬وهنا‪ :‬ص ‪ ،138‬ع ‪ .))]2‬لقد‬
‫الفرنسية وهذه يف نظر‬
‫جترأنا عىل الرتمجة‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫الريفي‪ ،‬كام نرى‪ ،‬ز ّلة ال تُغتفر‪.‬‬

‫رباعيات األدب‪ ،‬ويف‬
‫‪.VII‬‬
‫ّ‬
‫معرفة الرتاث دون استيعابه !‬

‫‪155‬‬

‫ٌ‬
‫العربية‬
‫منطق ولك ّنه مسلوخ من‬
‫«والنحو‬
‫ُ‬
‫ّ‬
‫نحو‪ ،‬ولك ّنه مفهوم بال ّلغة‪ ،‬وإنّام‬
‫واملنطق ٌ‬
‫اخلالف بني ال ّلفظ واملعنى أن ال ّلفظ‬
‫طبيعي واملعنى عقيل»‪.‬‬
‫حيان التوحيدي‪« ،‬االمتاع واملؤانسة»‪،‬‬
‫ابو ّ‬
‫ص ‪.115‬‬

‫اختُرص التحليل الذي ينتهي إىل ّ‬
‫أن‬

‫«اخلطابة تدخل املنطق يف ال ّلغة وخترج البالغة‬

‫الثقافية»‪ ،‬عدد ‪،106‬‬
‫من األدب» («احلياة‬
‫ّ‬

‫ص‪ ،14‬ع ‪ ،1‬فقرة‪[ ،1‬وهنا‪ :‬ص ‪ ،31‬ع‬
‫‪ّ ،)]1‬‬
‫ألن قدر اخلطابة مرتبط بقدر املنطق‬

‫(إذ هي ليست خارجة عن املنطق بل هي‬
‫نوع منه‪ ،‬بام ّ‬
‫أن املنطق نموذج يف ذاته‪ ،‬كام‬
‫«رباعية»‬
‫قلنا (انظر نفس املوضع))‪ ،‬يف‬
‫ّ‬
‫أقرب إىل هيكل عظمي كاريكاتوري‪.‬‬
‫الريفي\صمود باحلكم عليها‪،‬‬
‫وسارع‬
‫ّ‬
‫بسطها‪ ،‬وأفرغها من معناها عمدا‪،‬‬
‫بعدما ّ‬
‫الرباعية أوقعته‬
‫كالعادة‪ .‬يقول‪« :‬وهذه‬
‫ّ‬
‫يف تبسيط وتعميم خم ّلني»(ص‪ ،11‬ع‪،2‬‬

‫فقرة‪[3‬وهنا‪ :‬ص ‪ ،123‬ع ‪ .))]2‬وأنكـر‬
‫«الزوج املسبق {بالغة‪،‬أدب}» واعـتـربه‬
‫من تـأثيـر بعـض منـعرجـات الريطـوريقا‬
‫بالـغرب‪.‬‬
‫والظاهر ّ‬
‫القضية هو جهلنا‬
‫لب‬
‫أن ّ‬
‫ّ‬
‫تصوره بمعنى كلمة «أدب»‪ ،‬وكذلك‬
‫يف‬
‫ّ‬
‫العربية و«امتداده»‪،‬‬
‫برتامي أطراف البالغة‬
‫ّ‬
‫يظن نختزل «فضاء‬
‫الذي جعلنا حسب ما ّ‬
‫البالغة يف حضارتنا وهو فضاء شاسع‬
‫متحرك هنم!»(نفس املوضع)‪.‬‬
‫ّ‬
‫ولسنا بحاجة إىل التعليق هنا عىل هذا‬
‫الكالم الذي يناقض ما مطرقوا به آذاننا‬
‫عن انحسار البالغة عندنا!!!‬
‫نظن أننا رشحنا األمور‬
‫ولك ّننا ك ّنا ّ‬
‫بام فيه الكفاية وبي ّنا الفروق بني املقاربة‬
‫ة‪-‬األدبية‪،‬‬
‫والبالغي‬
‫ة‪-‬املنطقية‪،‬‬
‫اخلطابي‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫ّ‬

‫التي ال تقوم عىل املحتويات واملضامني‬
‫تترصف فيها بل عىل هيئة املقاربات‬
‫التي‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫وتشكل هذه املحتويات (وقد ُأ طيل‬
‫احلديث عن الفرق بني اجلدل واخلطابة‬
‫الذي ال يتمثّل يف حمتوى أو مضمون بل يف‬
‫نوع العالقات بني املقدّ مات واالستنتاج‪:‬‬
‫رضور ّية يف اجلدل وحمتملة يف اخلطابة)‪.‬‬
‫ومل نكن بحاجة إىل توضيح ما نقصده من‬
‫معاني األدب العتقادنا ّ‬
‫أن «األدب» شكل‬
‫وليس مضمونا‪ .‬ومل نكن بحاجة كذلك‬
‫لتحديد البالغة كام ُحدّ د املنطق واخلطابة‬
‫ثم يف ترابط قدرمها‪.‬‬
‫بصفة منفصلة ّ‬
‫ولكن‪ ،‬لنفصل األمور عن بعضها ح ّتى‬
‫الصواب‪.‬‬
‫يتبينّ القارئ وجه اخلطأ من ّ‬
‫ّ‬
‫ألن خلط املفاهيم وعدم القدرة عىل‬
‫متييز املصطلحات املتقاربة (مثل «األدب»‬
‫و«نظر ّية األدب» و«النقد» و«البالغة»‬
‫و«اخلطابة») قد انضاف إىل عدم االنسجام‬
‫والوقوع يف التناقض‪.‬‬
‫ّ‬
‫إن يف جعل الريفي ير ّد باسمه راحة‬
‫صمود‪ ،‬تسمح له‬
‫كبرية بالنسبة لألستاذ ّ‬
‫«أهم نظر ّيات‬
‫بأن يناقض ما قاله يف كتاب ّ‬
‫احلجاج…» (أو ّ‬
‫لعل الريفي مل يقرأ ما جاء‬
‫يف مقال رئيس الفريق الوارد بالكتاب) كام‬
‫جاء بالصفحة ‪ 20‬وما بعدها‪« :‬وال ّ‬
‫شك‬
‫ّ‬
‫أن األمر حميرّ ‪ .‬وهو مطرح أسايس يف تاريخ‬
‫االسالمية يتع ّلق باالسباب‬
‫العربية‬
‫الثقافة‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫التارخيية التي جعلت التفكري‬
‫واملسوغات‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫يف القول ال يتجاوز شكله الظاهر وهيأته‬

‫‪156‬‬

‫اخلارجية‪ ،‬أي ملاذا اقترص يف دراسة القول‬
‫ّ‬
‫عىل جانب وحيد هو يف اجلملة قسم‬
‫العبارة (‪ )Lexis‬من خطابة أرسطو‪]…[ .‬‬
‫ملاذا مل تلتقط البالغة هذه املعطيات وتعتدّ‬
‫هبا يف البناء ال ّنظري الذي أقامت رصحه‬
‫ود‪«،‬أهم‬
‫قرون؟»(صم‬
‫عىل أربعة أو مخسة‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫يتفطن‬
‫نظر ّيات احلجاج» ص‪.)20‬ومل‬
‫صمود‪ ،‬يف كتاب‬
‫الريفي إىل تناقضه مع ّ‬
‫«أهم نظر ّيات احلجاج…»‪ ،‬وكذلك‬
‫ّ‬
‫يف «الرد» إذ يقول ‪«:‬ونحن ال نعترب أن‬
‫«صناعة البالغة» عندنا توافق قسام من‬
‫أقسام «صناعة اخلطابة» عندهم أي قسم‬
‫االسلوب ‪[ Elocutio‬وهو املقابل الالتيين‬
‫االغريقية ‪ Lexis‬كام جاءت عند‬
‫للكلمة‬
‫ّ‬
‫«أهم نظر ّيات‬
‫صمود]» (انظر كتاب‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫احلجاج…» ص‪ ،250‬وكذلك يف ّر ّده»‬
‫ص ‪ ،10‬ع ‪ ،2‬فقرة‪[4‬وهنا‪ :‬ص ‪،121‬‬
‫ع ‪.)]2‬‬
‫وكان علينا أن نرفض النقاش مع من‬
‫يناقض أطروحة من يدافع عنه‪ .‬ال ّ‬
‫ألن‬
‫ذلك التناقض يضعف جمموع اخلطاب‬
‫احلجة من أساسها فحسب‪ ،‬بل‬
‫وينقض‬
‫ّ‬
‫أخالقيات العلم أن‬
‫ألنّه ليس من باب‬
‫ّ‬
‫حياسب أحد بقول اآلخر‪ .‬ولكن‪ ،‬ح ّتى‬
‫َ‬
‫نتهرب من املوضوع (وكان‬
‫ال ّ‬
‫يظن أنّنا ّ‬
‫بامكاننا ايقافه يف نقطة التناقض)‪ ،‬فإنّنا‬
‫سنحاول أن نربز موضع الوهن يف هذه‬
‫احلجة‪ ،‬من داخلها وكذلك من خارجها‪،‬‬
‫ّ‬
‫وسنحاول أن نبينّ عدم استيعاب صاحب‬

‫للقضية‪.‬‬
‫«الر ّد»‬
‫ّ‬
‫لذلك فنحن حمتارون أمام هذا التذبذب‬
‫أول لبنة‬
‫صمود ّ‬
‫إذ جيحد الريفي ما اعتربه ّ‬
‫يف دراسة اخلطابة عند اجلاحظ (نفس‬
‫املصدر ص‪ )21‬باعتامده عىل منطق أرسطو‬
‫وخطابته فيجعله الريفي يف «مصادرة عىل‬
‫ثم‬
‫املطلوب» من البالغة‪ ،‬بل‬
‫ّ‬
‫وحيتج به! ّ‬
‫يتناقض مع نفسه‪ ،‬عندما يقول‪« :‬فنحن‬
‫العرب لنا فيام نعلم «صناعة خطابة» جاءت‬
‫مبثوثة يف كتاب «البيان والتبيني» للجاحظ»‬

‫(«الر ّد»‪ ،‬ص‪ ،11‬ع‪ ،2‬فقرة‪[6‬وهنا‪ :‬ص‬
‫‪ ،121‬ع ‪ .)]2‬وال فائدة من اإلشارة إىل‬

‫موضع التناقض فيام جيعله من اخلطابة وهو‬
‫يتحدّ ث عن البالغة‪ .‬وقد خلط األوراق‬
‫يمر‪ ،‬يف جمرى حديثه‪،‬‬
‫أيضا يف «الر ّد» فرتاه ّ‬
‫عند احتجاجه عىل ّ‬
‫أن «بالغة» ابن وهب‬
‫من األدب‪ ،‬من احلديث عن البالغة إىل‬
‫احلديث عن اخلطابة («الر ّد»‪ ،‬ص‪،12‬‬

‫ع‪ ،1‬فقرة‪[4‬وهنا‪ :‬ص ‪ ،122‬ع ‪.)]1‬‬
‫فيقول ّ‬
‫إن «خطابة» ابن وهب تعتمد‬
‫املرشوع اجلاحظي املعتمد عىل املنطق‪ ،‬كام‬
‫قال هو نفسه‪ ،‬واملتأ ّثر كام يعلم اجلميع‬
‫وكام ّ‬
‫صمود بمنطق أرسطو‪ ،‬حني‬
‫يؤكد ّ‬
‫يقول ناقال عن طه حسني‪« :‬أ ّما بالنسبة‬
‫إىل ابن وهب[…] وهو هنج يف التأليف‬
‫ال عهد للسابقني به‪ ،‬تأ ّثر فيه املؤ ّلف‬
‫ترتيب األقسام كام وردت يف «اخلطابة»‪.‬‬
‫َ‬
‫صمود‪،‬‬
‫[أي كتاب «اخلطابة» ألرسطو]» ّ‬
‫«التفكري البالغي…»‪ ،‬ص‪ .)79‬وبذلك‬

‫‪157‬‬

‫مرة أخرى إذ يقول‪:‬‬
‫يناقض الريفي ّ‬
‫صمود ّ‬
‫«أ ّما نحن فال خياجلنا ّ‬
‫شك يف ّ‬
‫أن ابن وهب‬
‫قد اعتمد يف تناول اخلطابة أركان املقاربة‬
‫اجلاحظية» (انظر ص‪ ،12‬ع‪ ،1‬فقرة‪4‬و‪5‬‬
‫ّ‬

‫ثم فقرة‪[ 6‬وهنا‪ :‬ص ‪ ،125‬ع ‪،)]1‬‬
‫ّ‬
‫صمود‬
‫وينسى بذلك يف ر ّده ما يقوله ّ‬
‫نفسه يف نفس املوضع‪« :‬وال ّ‬
‫شك ّ‬
‫أن ما‬
‫لقيه من غبن يعود إىل حماولته االستفادة‬
‫أرسطو[…]»‪«(.‬أهم نظر ّيات‬
‫من مؤ ّلفات‬
‫ّ‬
‫الغربية…»‪ ،‬ص‪،23‬‬
‫احلجاج يف ال ّتقاليد‬
‫ّ‬
‫هامش ‪.)34‬‬
‫لقد نجح الريفي بر ّده يف جعل املواقف‬
‫متهافتة متضاربة‪ ،‬إذ كان لزاما عليه قبل‬
‫التك ّفل بالر ّد أن يتمثّل ّ‬
‫تصور من‬
‫بكل د ّقة ّ‬
‫للقضية املطروحة‪.‬‬
‫يدافع عنهم‬
‫ّ‬
‫ولو ّ‬
‫أن الريفي ك ّلف نفسه حتديد‬
‫مفهوم «البالغة» ومل جيعلها مصادرة عىل‬
‫املطلوب‪ ،‬ولو أنّه هو ومجاعته مل حيدّ دوا‬
‫األدب بمضمونه ال بشكله ‪-‬ومل َن َر من‬
‫يفعل ذلك غريهم‪ -‬هلان األمر واختلف‬
‫امكانية ال ّنقاش معهم متو ّفرة‪ .‬أ ّما‬
‫وصارت‬
‫ّ‬
‫يف غياب حتديد منهجي للبالغة واألدب‪،‬‬
‫صمود (انظر‬
‫فإنّه من الطبيعي أن نرى ّ‬
‫«التفكري البالغي…» ص‪ )89‬حيتار‬
‫يف حتديد ما هو من األدب وما هو من‬
‫البالغة‪ .‬يقول‪« :‬قلنا فيام سبق إ نّه مل‬
‫تصلنا‪ ،‬عن هذه الفرتة‪ ،‬مؤ ّلفات رصحية‬
‫ورجحنا ّ‬
‫أن‬
‫االنتساب إىل البحث البالغي‪ّ ،‬‬
‫بعض العناوين التي احتفظت هبا املصادر‬

‫[…] كتب أدب ال كتب حتليل وتعليل‬
‫يميز‪ ،‬وهنا تكمن‬
‫ملسائل البالغة»‪ّ .‬‬
‫ثم ّ‬
‫الطرافة التي جعلت الريفي ينساق وراء‬
‫حتاليله‪ ،‬بني األدب والبالغة عىل أساس‬
‫املحتوى‪« :‬وكتاب «جماز القرآن أليب عبيدة‬
‫مبدئيا‪ ،‬عن ارتباطه‬
‫ينم عنوانه‪،‬‬
‫هو الذي ّ‬
‫ّ‬
‫بموضوع بحثنا‪ .‬إ ّ‬
‫ال ّ‬
‫التثبت من حمتوى‬
‫أن ّ‬
‫هذا الكتاب‪ ،‬واالطالع عىل ما أثري حوله‬
‫من نقاش قديام وحديثا يضعفان من هذه‬
‫الصلة[…]» (نفس املرجع)! وهذه كام‬
‫ّ‬
‫علمية خالصة ال جدال فيها‪،‬‬
‫نرى مقاربة‬
‫ّ‬
‫متيز برصامة ما هو من البالغة وما هو من‬
‫ّ‬
‫األدب!!! ّ‬
‫يفرق بني األدب‬
‫لكأن ّ‬
‫صمود ال ّ‬
‫ونظر ّية األدب!‬
‫إذ ّ‬
‫أن االعتامد عىل املحتوى لتحديد‬
‫جير إىل ظالم اخللط‪ .‬لذلك مل‬
‫األدب ّ‬
‫يتساءل أي منهام ما الذي جيعل هذا‬
‫الكتاب من األدب أو من البالغة وهو‬
‫يتك ّلم عن «االستدالل» وهذا الكتاب‬
‫من الفلسفة أو املنطق وهو يتك ّلم أيضا‬
‫عن «االستدالل»؟ تراه املضمون أو‬
‫نموذج املقاربة وشكلها وطريقة تنسيقها‬
‫والعالقات التي حتكم أطرافها؟ يقول‬
‫الريفي‪« :‬وأنت تقرأ املفاتيح [كتاب العلم‬
‫الثالث الكبري من أعالم الفكر البالغي‬
‫يف تراثنا‪ ،‬أي السكاكي‪ ،‬و«مفاتيحه»‬
‫خيصص فصال‬
‫يف علم األدب] فتجده ّ‬
‫مربكا حميرّ ا…لالستدالل؟!! نعم …‬
‫لالستدالل؟!» («الرد»‪ ،‬ص ‪ ،12‬ع‪،1‬‬

‫‪158‬‬

‫فقرة‪[ 2‬وهنا‪ :‬ص ‪ ،124‬ع ‪ .)]2‬فإذا‬
‫اتبعنا هذه املقاربة التي يفصح عنها كالم‬
‫الريفي‪ ،‬سنقول إنّه فعال أمر حميرّ أن يعترب‬
‫كتاب «البخالء» للجاحظ من األدب‬
‫االجتامعي‪ .‬وكتاب‬
‫وليس من علم ال ّنفس‬
‫ّ‬
‫لوفيس كارول «أليس يف بالد العجائب»‪،‬‬
‫وهو حيتوي عىل ما ال ّ‬
‫يقل عن مائة معضلة‬
‫منطقية‪ ،‬ملاذا ال يكون كتابا يف املنطق!؟‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫و«كليلة ودمنة» لعله كتاب يف الفلسفة‬
‫السياسية؟ ما الذي يوقع «حي ابن يقظان»‬
‫ّ‬
‫ضمن األدب أو ضمن الفلسفة؟ وما‬
‫يميز بني هذه الصفة وتلك إن مل‬
‫الذي ّ‬
‫تكن صيغة َت ُّ‬
‫شكل املحتوى؟ وليس لنا أن‬
‫نرجع إىل فيلولوجيا كلمة «أدب» لنعرف‬
‫تطور استعامهلا أو تشابك معانيها‬
‫تاريخ ّ‬
‫وما كان العرب يعتربونه من األدب بمعنى‬
‫اخلاصة‪ .‬ففي‬
‫التقاليد أو الثقافة اجلامعة أو‬
‫ّ‬
‫هذا خلط بني «األدب» كمفهوم وما يعترب‬
‫مـعينة‪.‬‬
‫«نظر ّية األدب» عنـد جمـموعة‬
‫ّ‬
‫متـاما كـام ّ‬
‫أن نظـر ّية ال ّنـحو ليـست من‬
‫ال ّلغة أو هـي ال ّلـغـة!‬
‫من قال ّ‬
‫إن املرشوع اجلاحظي هو‬
‫أقر ما جيب البحث‬
‫«مرشوع بالغي»‪ ،‬فقد ّ‬
‫خطابيا»‪،‬‬
‫عنه‪ ،‬وملاذا ال يكون «مرشوعا‬
‫ّ‬
‫واألمور ال تزال غامضة تتأرجح بني املنطق‬
‫اخلاصة‬
‫والنحو وعلم الكالم والطرق‬
‫ّ‬
‫للقول‪ ،‬إلخ؟ ولكن‪ ،‬أن تستعمل بعض‬
‫أدوات املنطق‪ ،‬فهذا وارد يف ّ‬
‫كل علم ّ‬
‫ألن‬
‫ّ‬
‫يتضمن احلد األدنى من املبادئ‬
‫كل نظام‬
‫ّ‬

‫املنطقية لتناسقه‪.‬أ ّما البالغة‪،‬‬
‫أو األدوات‬
‫ّ‬
‫التقييمية يف ال ّنقد الذي‬
‫للعملية‬
‫(خالفا‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫يعمل انطالقا من موجود)‪ ،‬فهي‪ ،‬من‬
‫منطلق طبيعتها ال ّنظر ّية وبسبب بحثها عن‬
‫قوانني ومبادئ عا ّمة‪ ،‬حتتوي بالرضورة‬
‫املنطقية الذي‬
‫اآلليات‬
‫ّ‬
‫عىل احلدّ األدنى من ّ‬
‫يفرتضه ّ‬
‫كل نظام تفسريي أو نموذجي‪ .‬أ ّما‬
‫أن يكون املنطق هو املحور واهلدف ‪-‬وهنا‬
‫تكمن مغالطة الريفي‪ ،-‬بكونه نموذجا يف‬
‫ذاته كام أكدنا عىل ذلك‪ ،‬فهذا ما يتح ّقق‬
‫األرسطية‪ .‬أمل نر ّ‬
‫أن اخلطابة من‬
‫يف اخلطابة‬
‫ّ‬
‫املنطق؟ فبينام يكون ال ّنموذج التفسريي‬
‫وآلياته للبحث عن‬
‫للخطابة هو املنطق ّ‬
‫وسائل اإلقناع املمكنة‪ ،‬واهلدف هو عقلنة‬
‫املنطقية‪ ،‬ال يكون‬
‫آليات االقناع بالوسائل‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫بعض املنطق يف املبحث البالغي إال رافدا‬
‫ثانو ّيا لرتتيب انواع العالقات أو لتنظيمها‪،‬‬
‫إلخ‪ .‬أ ّما حني ُي ّتخذ املنطق هدفا يف ذاته‬
‫داخل املرشوع البالغي‪ ،‬كام هو الشأن يف‬
‫لتوه من‬
‫اخلطابة‬
‫األرسطية فهذا خيرجه ّ‬
‫ّ‬
‫األدبية‪ ،‬وعندها يرفض‬
‫دائرة اإلهتاممات‬
‫ّ‬
‫كام رفض كتاب ابن وهب و«يصاب‬
‫بالغبن»‪ .‬وإذا كان مرشوع ابن وهب من‬
‫املرشوع اجلاحظي ومل يسقط يف ال ّنموذج‬
‫املنطقي فكيف يفسرّ الريفي الغبن الذي‬
‫أصاب ابن وهب ومل يصب اجلاحظ؟‬
‫فـاملنطق ليس أداة رافدة يف اخلطابة‪ .‬ولك ّنه‬
‫كذلك يف البالغة! وما مل يقبله ال دارسو‬
‫األدب وال املبدعون إنّام هو جتاوز املنطق‬

‫‪159‬‬

‫صمود نفسه مف ّندا‬
‫هلذا الدور‪ .‬أال يقول ّ‬
‫متسكه يف «نعت‬
‫كالم الريفي‪« :‬واعترب ّ‬
‫املعاني» بمبدأ االستحالة والتناقض من‬
‫مظاهر تأ ّثره باملنطق اليوناني إىل درجة‬
‫ّ‬
‫واضمحل لديه‬
‫ج ّفت معها ملكته النقد ّية‬
‫البعد النفيس والعاطفي يف العمل الشعري‬
‫فراح يتج ّنى عىل الشعر والشعراء وحيكم‬
‫أجنبية عن روحهم‬
‫فيه بمقاييس صارمة‬
‫ّ‬
‫صمود «التفكري البالغي»‬
‫وف ّنهم»(انظر ّ‬
‫ص ‪ .)78‬انظر كذلك كيف ُرفض يف‬
‫مقو م من‬
‫الشعر معيار احلقيقة وهو‬
‫ّ‬
‫األساسية(‪.)16‬‬
‫مقومات املنطق‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫وبرصف ال ّنظر عن كل هذا فقد ك ّنا‬
‫السلوكية ومل نكن‬
‫نتحدّ ث عن ال ّنامذج‬
‫ّ‬
‫نتحدّ ث عن حمتوى معينّ أو موضوع قيل‬
‫فيه ومل ُيقل‪« :‬وبدا ّ‬
‫كأن البيان العريب عند‬
‫ابن وهب يريد أن يستعجم»(ص‪ 13‬ع ‪2‬‬
‫فق‪[ 4‬وهنا‪ :‬ص ‪ ،30‬ع ‪.)]2‬‬
‫ّ‬
‫وكل ما يمكن أن نحتفظ به ممّا جاء يف‬
‫«الر ّد» هو أن صاحب الر ّد مل يفهم وهو‬
‫العارف بـ«شعاب ّ‬
‫مكة» ّ‬
‫أن اجلاحظ يمثّل‬
‫انتقالية‪ ،‬ومنعرجا‪ ،‬اتسم باختالط‬
‫فرتة‬
‫ّ‬
‫األجناس والثقافات وتالقحها ومتازجها‪.‬‬
‫يفرقون‬
‫وهي مرحلة مل يكن العرب فيها ّ‬
‫عملية االبداع‪،‬‬
‫بني ما هو من األدب‪ ،‬أي‬
‫ّ‬
‫وبني دراسة األدب نعين تقييمه أو تفسري‬
‫آليات االنتاج‪ .‬كام يمثّل اجلرجاني فرتة‬
‫ّ‬
‫انتقالية ومنعرجا‪ .‬ومن هنا نفهم ملاذا ال‬
‫ّ‬
‫يضبط احلدود الفاصلة يف إحدى مراحل‬

‫التفكري ال ّلغوي بني ال ّلغة والنحو (وهذا‬
‫موقف نجد صداه إىل اليوم يف عدم‬
‫التفريق بني ما هو من املا ّدة وما هو من‬
‫يفرق أيضا بني ال ّنموذج‬
‫املنهج)‪ .‬وهو ال ّ‬
‫واملبادئ‪ ،‬بني الواقع وال ّنظر ّية‪ .‬وهذا ما‬
‫منع ويمنع‪ ،‬حسب رأينا‪ّ ،‬‬
‫كل تقدّ م ممكن‬
‫هلذه العلوم‪.‬‬
‫أ ّما ابن خلدون الذي يـستدعيه الريفي‬
‫لالستشهاد به‪ ،‬يف غمرة محاسه‪ ،‬فله من‬
‫البالغة موقف يناقض متاما ما خيلص‬
‫إليه الريفي عندما يزعم ‪« :‬وهكذا يتبينّ‬
‫من خالل ما أرشنا إليه ّ‬
‫أن فضاء البالغة‬
‫السيد ب ّنور‪ -‬هو صناعة‬
‫‪-‬خالفا ملا ذكر ّ‬

‫األقاويل» (ص‪ ،12‬ع‪ ،1‬فقرة‪[ 3‬وهنا‪:‬‬
‫ص ‪ ،124‬ع ‪ .»)]2‬ذلك ّ‬
‫أن ابن خلدون‬

‫يعرف البالغة عىل هّأنا من األدب يف‬
‫ّ‬
‫قوله‪« :‬فملكة البالغة العالية الطبقة يف‬
‫جنسها إنّام حتصل بحفظ العايل يف طبقته‬
‫من الكالم‪ ،‬وهلذا كان الفقهاء وأهل‬
‫ّ‬
‫البالغة…ألن‬
‫العلوم ك ّلهم قارصين يف‬
‫العبارات عن القوانني والعلوم ال ّ‬
‫حظ هلا‬
‫يف البالغة (انظر «املقدّ مة»‪ ،‬باب «يف ّ‬
‫أن‬
‫حصول هذه امللكة بكثرة احلفظ وجودهتا‬
‫بجودة املحفوظ»)»‪ .‬وهو بذلك خيرج‬
‫من البالغة ما ليس من األدب‪ .‬وبذلك‬
‫يكون تعريف البالغة إمجاال‪ ،‬ح ّتى وإن مل‬
‫يكن بالد ّقة املطلوبة‪ ،‬كام ييل‪ :‬البالغة هي‬
‫اخلاصة> يف القول(وهذا‬
‫دراسة <الطرق‬
‫ّ‬
‫يناسب أيضا ما يقوله اجلرجاني يف حتديده‬

‫‪160‬‬

‫وتقديمه لعلم البالغة ‪ ]…[« :‬هو ترتيبها‬
‫عىل طريقة معلومة‪ ،‬وحصوهلا عىل صورة‬
‫من التأليف خمصوصة»(كتاب «أرسار‬
‫البالغة»‪ ،‬ص‪ .))4‬وهذا التعريف عىل‬
‫بساطته وتواضعه هو أكثر د ّقة من تعريفي‬
‫وصمود‪ .‬فمجال البالغة إنّام هو‬
‫الريفي‬
‫ّ‬
‫األدب باعتباره شكال وليس مضمونا‪،‬‬
‫ألنا‬
‫هّ‬
‫ّ‬
‫هتتم بتمـثّل ال ّنـموذج وتفـسرّ‬
‫تؤسـس له‪.‬‬
‫الطـرق التي حتيد عنه أو ّ‬
‫أن الريفي ال يرى ّ‬
‫غري ّ‬
‫أن قوله‪:‬‬
‫«فضاء البالغة هو صناعة األقاويل» قول‬
‫فضفاض‪ ،‬وأنّه يصلح ّ‬
‫لكل مقاربة لغو ّية‪.‬‬
‫وهو يمثّل أحسن طريقة للتخليّ عن ّ‬
‫كل‬
‫سيفرق‬
‫امكانية لتحديد البالغة‪ ،‬فكيف‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫مثال بني البالغة والفلسفة واملنطق وال ّنحو‬
‫واخلطابة وعلم الكالم؟ أال تتمثّل ك ّلها يف‬
‫دراسة صناعة األقاويل التي هي ميداهنا؟‪،‬‬
‫أو بطريقة أخرى‪ ،‬أليس ميدان ّ‬
‫كل منها‬
‫صناعة القول؟‬
‫والقضية ليست من باب االفرتاض‪،‬‬
‫ّ‬
‫فقد نيس الريفي ما قاله‪ ،‬بنفس العبارة‪،‬‬
‫«أهم نظر ّيات احلجاج يف التقاليد‬
‫يف كتاب ّ‬
‫الغربية…» ‪«:‬ومهام يكن من أمر فصناعة‬
‫ّ‬
‫االغريقية ‪-‬وهي‬
‫احلجاج يف الفلسفة‬
‫ّ‬
‫مبدأ الفكر الغريب ومعينه األساس طوال‬
‫تنزلت يف إطار ما كان بني‬
‫قرون عديدة‪ّ -‬‬
‫الفالسفة والسفسطائيني من رصاع يف‬
‫«صناعة القول» (العبارة صناعة القول‬
‫ألفالطون‪ ،‬فيدرة ‪lógwn tecnh ،266c‬‬

‫[‪(»)art de la parole( ]logon technê‬انظر‬
‫ّ‬
‫يتفطن إىل‬
‫ص‪ ،53‬واهلامش ‪.)8‬ومل‬

‫أنّه جيعل اخلطاب الفلسفي االغريقي‬
‫البالغي العريب يلتقيان يف‬
‫واخلطاب‬
‫ّ‬
‫مستوى نفس الفضاء‪ :‬صناعة القول‪ .‬فال‬
‫ّ‬
‫يتفطن كذلك إىل أن السبيل املؤ ّدية إىل‬
‫ّالتمييز بينهام قد ضاعت منه ومل يبق لديه‬
‫يعول عليه يف فرز‬
‫سوى حدس ضبايب ّ‬
‫ما هو من الفلسفة وما هو من البالغة‪.‬‬
‫واملدهش أنّه مل ير ما هلذا الكالم من‬
‫تضيع ّ‬
‫كل الفروق بني خمتلف مناهج‬
‫دائر ّية ّ‬
‫املقاربات وأشكاهلا‪ ،‬ألن املحتوى يمكن‬
‫ثمة ما خيرج عن‬
‫أن يكون نفسه‪ ،‬فهل ّ‬
‫نطاق صناعة األقاويل؟ ولكن الظاهر ّ‬
‫أن‬
‫عبارة «صناعة األقاويل» قد أعجبته فلم‬
‫ّ‬
‫«أهم‬
‫(للتأكد‪ ،‬انظر‬
‫تعد تغيب عن طبيخ‬
‫ّ‬
‫‪17‬‬
‫نظر ّيات احلجاج…»‪ ،‬ص‪.)) (50‬‬

‫‪ -‬ملاذا يستحسن تعمية االستشهادات؟‬

‫لقد اعتمد األستاذ الريفي يف ادراج‬
‫علمية الب ّتة‪ .‬إنّه ال‬
‫شواهده طريقة غري‬
‫ّ‬
‫حييل إىل مراجعه بد ّقة إ ّ‬
‫ال عندما يرى‬
‫ذلك يف صاحله‪ .‬لذلك تراه يلجأ إىل عدم‬
‫ذكر املصادر بد ّقة كي يتس ّنى له أن يقول‬
‫ما يشاء‪ ،‬ح ّتى وإن كان ذلك ال أساس له‬
‫الصحة أو أنّه ال يوجد إ ّ‬
‫ال عنده‪ .‬يقول‬
‫من‬
‫ّ‬
‫مثال ‪« :‬والغريب ههنا ّ‬
‫أن السيد ب ّنور أخذ‬
‫ع ّنا العبارتني واستعمل يف بعض املواطن‬
‫من مقاله احدامها ويف مواطن أخرى‬
‫الثانية فرقص بذلك عىل حبلني واحلال أنّه‬

‫‪161‬‬

‫يآخذ يف مقاله نفسه غريه عليه!»(«الر ّد»‬

‫ص‪ ،6‬ع‪ ،1‬فقرة‪[ 4‬وهنا‪ :‬ص ‪ ،111‬ع‬
‫‪ .)]2‬وما استعملنا قط هاتني العبارتني‪.‬‬

‫وما حاجتنا إىل استعامهلام؟ وهذا نوع من‬
‫«االقاويل» الـتي ال قـاع هلـا‪ .‬ومل ير ّ‬
‫أن‬
‫حرصنا عىل إعطاء املرجع بد ّقة يمنعنا‬
‫من االفرتاء كام يزعم أو من التضليل كام‬
‫حياول‪ .‬غري ّ‬
‫أن ذلك مل يمنعه من تكذيبنا‬
‫يف عدّ ة مواطن‪ ،‬كام سنبينّ ‪ ،‬رغم إعطائنا‬
‫املراجع بد ّقة‪ .‬وهو معذور يف ذلك‪ .‬إنّه‬
‫يذود عن نفسه وحياول أن يسرت الوهن‬
‫الذي أرشنا إليه مستخدما ّ‬
‫كل الوسائل‪.‬‬
‫الفرنسية‬
‫لذلك عندما ملناه عىل جعله ال ّلغة‬
‫ّ‬
‫معلام غري ثابت‪ ،‬باعطاء مقابل كلمة‬
‫مر ة ‪( argument‬ص‪،)148‬‬
‫استدالل ّ‬
‫ومر ة‬
‫ومر ة ‪( raisonnement‬ص‪،)28‬‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫ومرة ‪démonstration‬‬
‫(‪،)161‬‬
‫‪inférence‬‬
‫ّ‬
‫(االستاذ صوله‪ ،‬ص‪ ،)300‬ر ّد مدّ عيا‬
‫أن ال وجود لعبارة «استدالل» بمعنى‬
‫“‪ ”argument‬يف تلك الصفحة! وهذا اهتام‬
‫واضح باالفرتاء‪ .‬وللقارئ أن يعجب أو‬
‫يفهم منه أنّنا نختلق االخطاء ونل ّفق هتم‬
‫مبدئيا إ ّ‬
‫ال إذا‬
‫اخللط‪ .‬وله احلقّ يف ذلك‬
‫ّ‬
‫رجع إىل الصفحة املذكورة (أي ص‪148‬‬
‫من مقاله)‪ ،‬وسيكتشف كيف التجأ الريفي‬
‫حني أعيته احليلة إىل املغالطة‪.‬‬
‫يقول األستاذ الريفي إذن إ نّه مل‬
‫يضع املقابلة االستدالل = ‪argument‬‬
‫صح‪ ،‬فإنّام‬
‫(ص‪ .)148‬وهو زعم‪ ،‬إن‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫يدل عىل ّ‬
‫أن ناقده قد افرتى عليه‪ .‬هلذا‬

‫ك ّله فمن ح ّقنا أن نقول ّ‬
‫إن الريفي هنا‬
‫يعول‬
‫يلعب بال ّنار‪ .‬فهو يستبله القارئ أو ّ‬
‫عىل أن هذا القارئ املفرتض لن جيشّ م‬
‫نفسه عناء العودة إىل ال ّنص‪ .‬فعندما‬
‫ينظر القارئ إىل ال ّنص فإنّه فعال ال يرى‬
‫احلجة‬
‫الفرنسية‪.‬‬
‫كلمة “‪”argument‬‬
‫ّ‬
‫ولكن ّ‬
‫ّ‬
‫واهية إذ ّ‬
‫أن النص الذي حيتوي مصطلح‬
‫نص مرتجم (رغم ّ‬
‫أن نصفه‬
‫االستدالل ّ‬
‫بالفرنسية يف النص العريب)‪ .‬وكان يمكن‬
‫نص أرسطو‬
‫أن تنطيل عىل من ال يعرف ّ‬
‫السفسطائية) املأخوذ منه‬
‫(التبكيتات‬
‫ّ‬
‫النص كام‬
‫االستشهاد‪ .‬وها نحن نورد‬
‫ّ‬
‫ظهر عند األستاذ الريفي والنص الفرنيس‬
‫املأخوذ عنه‪ ،‬ح ّتى يتبينّ القارئ ّ‬
‫أن األستاذ‬
‫يعول عىل الظاهر من األمور ح ّتى‬
‫الريفي ّ‬
‫وإن مل يكن إ ّ‬
‫ال تأجيال النكشاف احليلة‪.‬‬
‫نص األستاذ الريفي‪« :‬االستدالل‬
‫هاكم ّ‬
‫التعليمي(‪ )Didactique‬واالستدالل اجلديل‬
‫واالستدالل النقدي(‪ )Critique‬واالستدالل‬
‫املشاغبي (‪(»)éristique‬ص‪ .)148‬وهذا‬
‫النص الفرنيس األصيل‪:‬‬
‫ّ‬
‫‪«Il y a quatre genres d’arguments‬‬
‫‪dans la discussion : les arguments didacti-‬‬

‫‪ques, dialectiques, critiques et éristiques (Réfutati‬‬‫»‪nons sophistiques, p. 5, 165a).‬‬

‫وبذلك ّ‬
‫مرة أخرى ما قلناه‪ .‬إنّه‬
‫نؤكد ّ‬
‫فعال جيعل كلمة «استدالل» مقابال للكلمة‬
‫الفرنسية “‪ .”argument‬وهبذا تعود ُ‬
‫الكرة‬
‫ّ‬
‫إلـى شباكه‪.‬‬
‫مل يكتف الريفي يف ر ّده هبذا ك ّله بل لقد‬

‫‪162‬‬

‫وصل به األمر إىل حدّ أنّه المنا عىل االكثار‬
‫من اهلوامش‪ّ ،‬‬
‫يقيده‪ ،‬ويسدّ عليه‬
‫ألن ذلك ّ‬
‫منافذ النفي‪ ،‬ومع ذلك…‬

‫‪ -‬س ُب ٌع أمْ…ماذا؟‬

‫يقول األستاذ الريفي بلهجة الواثق ّ‬
‫إن‬
‫نص‬
‫كلمة «مرتائي» غري موجودة بمتن ّ‬
‫«اخلطابة»‪ ،‬الرتمجة القديمة‪ .‬وهذا يمثّل‪،‬‬
‫حجة ال بأس هبا لالستدالل عىل‬
‫يف رأيه‪ّ ،‬‬
‫ترسعنا وأنّنا مل نقرأ‬
‫أنّنا قد وقعنا‬
‫ضحية ّ‬
‫ّ‬
‫املدونة ونحن نناقش بذلك قشور املسائل‬
‫ّ‬
‫أو ّ‬
‫أن عملنا منقوص وغري جدّ ي‪ ،‬إذ أننا‪،‬‬
‫نص «اخلطابة» (الرتمجة‬
‫يف رأيه دائام‪ ،‬مل نقرأ ّ‬
‫القديمة) واكتفينا إذن بالقاء نظرة رسيعة‬
‫عىل الفهرس‪« :‬دون أن ّ‬
‫أوال‪ -‬من‬‫يتأكد ّ‬
‫ورودها يف متن الرتمجة (ولو كان فعل‬
‫لالحظ هّأنا غري موجودة[…]!)»(«الر ّد»‪،‬‬
‫ص‪ ،7‬ع‪ ،1‬فقرة‪[3‬وهنا‪ :‬ص ‪ ،113‬ع‬
‫خاصة أنّه‬
‫‪.)]2‬ويكاد القارئ يصدّ قه‪،‬‬
‫ّ‬
‫يدّ عي االطالع عىل ّ‬
‫العربية‬
‫املدونة‬
‫كل‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫ظن بلقيته هذه أنّه قد أوقع‬
‫والغربية! وقد ّ‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫الشك‪ .‬واحلال أنّه هو الذي‬
‫بنا يف حبال‬
‫ضحية اهتاماته‪ ،‬إذ‬
‫وقع يف شباكه وكان‬
‫ّ‬
‫النص‬
‫أنّه برهن بنفسه عىل أنّه مل يزر من‬
‫ّ‬
‫إ ّ‬
‫الصفحة ‪ 17‬التي حييل عليها الثبت‪.‬‬
‫ال ّ‬
‫ومل يقرأ إذن ال ّنص الذي يسمح لنفسه‬
‫بنقده وإ ّ‬
‫ال العرتضت سبيله الكلمة فهي‬
‫موجودة يف أكثر من مناسبة‪ .‬والظاهر ّ‬
‫أن‬
‫خاصة يف «القراءة»‪ .‬وهي طريقة‬
‫له طريقة ّ‬
‫جتعله ال يرى إ ّ‬
‫ال ما يريده‪ .‬ولع ّله من‬

‫النية‬
‫مرة أخرى بسوء ّ‬
‫األفضل أن نسعفه ّ‬
‫وإ ّ‬
‫ال فإنّنا سنصدّ ق أنه مل يطلع عىل يشء‬
‫ممّا يقول أو سنستحرض قول القائل «عىل‬
‫نفسها جنت براقش»‪.‬‬
‫املرات يف‬
‫الكلمة إذن مذكورة عديد ّ‬
‫يتثبت بنفسه‪ .‬لع ّلها تكون‬
‫ّ‬
‫النص وعليه أن ّ‬
‫النص ولع ّله لن جيد يف‬
‫يقرأ‬
‫لكي‬
‫فرصته‬
‫ّ‬
‫مستقبل أ ّيامه من يؤ ّدي له هذه النصيحة‪.‬‬
‫أ ّما القارئ الكريم فإنّنا سنيسرّ عليه األمر‬
‫بأن ند ّله عىل البعض منها‪ .‬انظر مثال‬
‫ص ‪ 238 ،235 ،232 ،231‬و‪246‬‬
‫والبقية يف حالة‬
‫(واألوىل يف حالة االفراد‬
‫ّ‬
‫«املرتائيات») ويرفقها عبد الرمحان‬
‫اجلمع‬
‫ّ‬
‫مرة (‪(épidictique‬‬
‫بدوي باملقابل الفرنيس ّ‬
‫ومرة (‪ .)démonstratif‬فقد اشرتط األستاذ‬
‫ّ‬
‫الريفي‪ ،‬يف جمرى كرمه وعطفه‪ ،‬وجود‬
‫الكلمة يف ال ّنص ح ّتى يعفو اّ‬
‫عم ظ ّنه ز ّلة‪.‬‬
‫يقول‪« :‬ونحن نشري إىل أنّه لو كان اقرتح‬
‫عبارة «اجلنس اخلطبي املري» [التي وجدها‬
‫األستاذ الريفي يف الصفحة الوحيدة‬
‫التي قرأها أي ص‪ ،17‬التي حييل عليها‬
‫نص‬
‫الثبت!!] وهي العبارة التي جاءت يف ّ‬
‫مبدئيا‬
‫العربية التي اعتمد ملا ك ّنا‬
‫الرتمجة‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫اعرتضنا عليه»‪ .‬بورك فيه! ولكن لو قرأ‬
‫لوجه عفوه لنفسه(‪.)18‬‬
‫الكتاب ّ‬
‫إن من يريد أن ّ‬
‫ّ‬
‫يتهكم من غريه يشرتط‬
‫فيه أن يكون عارفا واثقا بام يقول‪ّ ،‬‬
‫مطلعا‪،‬‬
‫دقيق املعرفة‪ ،‬وإ ّ‬
‫ال انقلبت األمور ضدّ ه‪.‬‬
‫يقول األستاذ الريفي من فرط معرفته‬
‫براموس وبنصوصه متحدّ ثا ع ّنا ‪«:‬يكتفي يف‬
‫هامش واحد بإحالة […] خجول اعتمد‬

‫‪163‬‬

‫فيها ما جاء يف هامش من هوامش أحد‬
‫مقاالت جينيت!‪ Genette‬نعم اعتمد هامشا‬
‫الرجوع إىل كتاب «اجلدل»‬
‫ومل ّ‬
‫يعن نفسه ّ‬
‫الالتينية‬
‫لراموس واحلال أنّه متض ّلع يف‬
‫ّ‬
‫حسب ما يفهم من مقاله وناقد بشدّ ة‬
‫يف املقال نفسه ملن يعتمد يف بحثه “اليد‬

‫الثانية”»(ص‪ ،8‬ع‪ ،1‬فقرة‪[ 3‬وهنا‪ :‬ص‬
‫الظن بالقارئ‬
‫‪ ،116‬ع ‪ .)]1‬وقد‬
‫يذهبن ّ‬
‫ّ‬

‫الكريم إىل ّ‬
‫أن األستاذ الريفي قد رجع إىل‬
‫)‪(19‬‬
‫نصه‬
‫كتاب «اجلدل» )‪ ( Dialectique‬يف ّ‬
‫األول أنّه استاذ‬
‫الالتيين‪ .‬فلقد ّبينا يف مقالنا ّ‬
‫الالتينية‬
‫يفرق بني‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫خمتص يف ال ّلغة لك ّنه ال ّ‬
‫واالغريقية‪ .‬وها أنّه اآلن يكشف لنا عن‬
‫ّ‬
‫يفرق‬
‫ال‬
‫ّه‬
‫ن‬
‫إ‬
‫تكوينه‪:‬‬
‫من‬
‫آخر‬
‫مهم‬
‫جانب ّ‬
‫ّ‬
‫وفرنسية القرن السادس عرش!‬
‫الالتينية‬
‫بني‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫بفرنسية‬
‫فكتاب «اجلدل» لراموس مكتوب‬
‫ّ‬
‫القرون املتوسطة‪ ،‬وإن احتوى يف ثنايا لغته‬
‫عىل آثار خم ّلفات التأثري الالتيين(‪ )20‬وليس‬
‫لكن األستاذ يطالبنا يف‬
‫مكتوبا‬
‫بالالتينية‪ّ .‬‬
‫ّ‬
‫بالالتينية‬
‫قوله السابق بأن نقرأ الكتاب‬
‫ّ‬
‫لتوهمّ ه أنّه مكتوب هبذه ال ّلغة‪ .‬واألغلب‬
‫ظن ّ‬
‫أن‬
‫أنّه سمع براموس من بعيد لذلك ّ‬
‫بالالتينية‪ .‬ولكن هل‬
‫هذا الكتاب مكتوب‬
‫ّ‬
‫يفهم األستاذ الريفي ّ‬
‫املحاجة تقتيض‬
‫أن‬
‫ّ‬
‫وخاصة‬
‫أن تستشهد بام يعرفه القارئ‬
‫ّ‬
‫صمود‬
‫ما يعرفه الطرف الثاني وقد كان ّ‬
‫استشهد بمقال جينات املذكور يف مناسبات‬
‫«أهم نظر ّيات احلجاج…»‪،‬‬
‫عدّ ة (انظر‬
‫ّ‬
‫ص‪ ،36‬هامش‪ 47‬و ص‪ ،38‬هامش‪،49‬‬
‫حجة أقوى‬
‫وص‪ ،41‬هامش‪ّ ،)51‬‬
‫فأي ّ‬
‫من االستدالل بام يعرفه وما قرأه دون أن‬

‫املحاجة؟‬
‫عملية‬
‫يتمثّله الطرف الثاني يف‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫واالستشهاد باليد الثانية ليس ممنوعا رشط‬
‫بالنص األصيل مط ّلعا‬
‫أن يكون املرء عارفا‬
‫ّ‬
‫عليه ح ّتى ال يقع يف املغالطات‪ ،‬أو ينقل‬
‫اخلطأ‪ .‬ولذلك وح ّتى نسدّ عليه ح ّتى هذه‬
‫النص كام‬
‫احلجة الواهية فإنّنا سنعطيه‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫جاء يف كتاب «اجلدل» لراموس مكتوبا‬
‫فرنسية القرن السادس عرش وفيه ينكر‬
‫يف‬
‫ّ‬
‫التقسيم األرسطي بني «منطق اليقني»‬
‫الظن»‪:‬‬
‫و«منطق‬
‫ّ‬

‫‪«[…]Aristote a voulu faire deux‬‬

‫‪logiques, l’une pour la science, l’autre‬‬
‫‪pour l’opinion, en quoy (saulve l’honeur‬‬
‫‪d’un si grand maistre) il a tresgrandement‬‬
‫»‪erré(21).‬‬

‫ثم يوزّ ع فيه «أركان اخلطابة بني اجلدل‬
‫ّ‬
‫والريطوريقا»‪:‬‬
‫‪« Les parties de Dialectique sont‬‬

‫‪deux, Invention & Iugement: la premiere‬‬
‫‪declaire les parties separées, dont toute‬‬
‫‪sentence est composée : la deuziesme‬‬
‫‪monstre les manieres & especes de les‬‬
‫‪disposer[…](22). Le iugement est aussi‬‬
‫‪nommé disposition: Ainsi Platon au‬‬
‫& ‪Phedre attribue à Dialectique Invention‬‬
‫‪Disposition: Ainsi Aristote […]a vraye‬‬‫‪ment dict au troizième de la Rhetorique,‬‬
‫‪que la seule Invention & disposition est‬‬
‫‪necessaire pour enseigner: Ainsi apres‬‬
‫‪ces philosophes Ciceron & Quintilien ont‬‬
‫‪suivy ceste mesme partition.».‬‬

‫‪164‬‬

‫ويف نظام راموس يتحد اجلدل واملنطق‬

‫يف علم واحد‪ ،‬ويبقى للنحو حسن القول‬
‫(بمعنى سالمة ال ّلغة من األخطاء) ويبقى‬
‫فن تزويق الكالم‪:‬‬
‫للخطابة ّ‬
‫‪«[…] Dialectique ou Logique est‬‬

‫‪une & mesme doctrine pour aperceuvoir‬‬
‫‪toutes choses[…]. Partant nous dirons‬‬
‫& ‪que Dialectique est art de bien disputer‬‬
‫‪raisonner de quelque chose que ce soit,‬‬
‫‪tout ainsi que Grammaire est art de bien‬‬
‫& ‪parler de tout ce qui se pourroit offrir‬‬
‫‪proposer[…] et Rhetorique art de bien‬‬
‫‪orner le discours.(23)” ».‬‬

‫‪ .VIII‬مسالك التشنيع !‬

‫ّ‬
‫«فإن صيانة القول خري من‬
‫سوء وضعه‪ّ ،‬‬
‫وإن كلمة واحدة‬
‫الصواب تصيب موضعها‬
‫من ّ‬
‫خري من مئة كلمة تقوهلا يف غري‬
‫فرصها ومواضعها»‪.‬‬

‫ابن املق ّفع‪« ،‬األدب الكبري‬
‫واألدب الصغري»‪،‬ص ‪.51‬‬

‫تعود عبارة «مسالك التشنيع» وكلمة‬
‫«التشنيع» بترصيفاهتا مرارا يف متن «الر ّد»‪.‬‬
‫واهلدف منها هو استجالب عطف القارئ‬
‫الضحية‪ .‬واحلقيقة ّ‬
‫أن‬
‫وشفقته ولعب دور‬
‫ّ‬
‫الثقافية» عدد ‪ ،106‬أي‬
‫مقالنا («احلياة‬
‫ّ‬
‫األول‪ ،‬هنا) مل يش ّنع وال رام تشنيعا‬
‫املقال ّ‬
‫بل ّ‬
‫غض الطرف عن كثري من مواضع‬
‫الوهن‪ .‬بل وملّح اّ‬
‫لـم وجب التشهري! ولو‬
‫خلصصنا‬
‫كان هدفه «التشنيع»‪ ،‬كام ذكر‪ّ ،‬‬
‫بابا كامال لتفصيل القول يف االنتحال وذكر‬
‫ّ‬
‫رصح هبا أو‬
‫كل ما أخذ عن مصادر مل ُي ّ‬

‫وقع التك ّتم عليها وبيان تلك التي نسبت‬
‫إىل غري أصحاهبا ومنها هذه الرتمجة التي‬
‫كتبها األستاذ الريفي باألحرف الغليظة‬
‫واحتفى هبا واستعاض هبا عن ترمجة‬
‫بدوي وديفور (‪ّ ،)Dufour‬‬
‫وكل الرتمجات‬
‫العربية‬
‫املعروفة يف ال ّلغات التي ذكرت يف‬
‫ّ‬
‫القديمة واحلديثة ويف الغرب منذ القرن‬
‫السابع عرش األورويب‪ .‬لك ّنه عاد يف «الر ّد»‬
‫ليعرتف ّ‬
‫بأن الرتمجة لريوال(‪ .)Ruelle‬وانكر‬
‫«الفرنسية»!!! مع‬
‫علينا نقد هذه الرتمجة‬
‫ّ‬
‫العلم بأنّه يأخذ‪ ،‬عىل ما يبدو‪ ،‬من ريوال‬
‫احلجة التي هبا ير ّد عىل «انتقادنا» هلذه‬
‫ح ّتى ّ‬
‫الرتمجة (حيث قلنا ّ‬
‫إن الكتاب قد ترجم‬
‫املرات فام حاجتنا برتمجة جديدة)‪.‬‬
‫عديد ّ‬
‫وهو بذلك حياكي ما قاله رويال يف مقدّ مته‪.‬‬
‫يقول الريفي‪« :‬والعـكس هو األصوب‬
‫فكثرة الرتجـامت تدل عـىل صـعوبة‬
‫النـص املرتجـم»‪ .‬ويقول ريوال‪Tout“(:‬‬
‫ّ‬
‫]…[ ‪le monde convient que la traduction‬‬
‫‪de la Rhétorique d’Aristote représente‬‬

‫‪( un travail difficile”.‬ريوال‪ :‬نفس املصدر‬
‫ص ‪).73‬‬
‫وهنا يتبينّ أنّه قد اتبع يف الواقع ما‬
‫كتبه ريوال الذي مل يفهم يف ترمجته مقصد‬
‫أرسطو من هذه اجلملة‪ّ .‬‬
‫ألن أرسطو ال‬
‫يتحدث فيها عن املمكن واملحتمل كام‬
‫ّ‬
‫بدا للريفي وإنّام ير ّد هبا عىل السفسطائيني‬
‫فن االقناع‪.‬‬
‫يعرفون اخلطابة عىل هّأنا ّ‬
‫الذين ّ‬
‫وأرسطو إنّام ير ّد بذلك عىل هذا الزعم بأن‬

‫‪165‬‬

‫فن االقناع بقدر ما هي‬
‫اخلطابة ليست ّ‬
‫فن البحث عن الوسائل املمكنة لإلقناع‪.‬‬
‫ّ‬
‫وأسلوب االستنكار واضح يف ال ّنص‬
‫ّ‬
‫يتفطن إليه‪ .‬وهو ما‬
‫ولكن املرتجم مل‬
‫ّ‬
‫فهمه ّ‬
‫نص أرسطو‬
‫كل من عمل عىل ترمجة ّ‬
‫ّ‬
‫وبكل‬
‫يف عرشات الرتمجات التي ذكرنا‬
‫لكن ريوال ترجم هذه الرتمجة‬
‫ال ّلغات‪ّ .‬‬
‫اخلاطئة‪ ،‬وتبعه األستاذ الريفي‪ ،‬مستنكرا‬
‫وخاصة ترمجة عبد‬
‫الرتمجات األخرى‬
‫ّ‬
‫الرمحان بدوي وديفور اللذين استعملهام‬
‫ظ ّنا منه أنّه وقع عىل كسب كبري‪ ،‬بام أنّه‬
‫نسب ترمجة ريوال لنفسه دون صفة فسطا‬
‫عىل هذه ال ّلقية(‪.)24‬‬
‫األول ّ‬
‫إن األستاذ‬
‫وقد قلنا يف مقالنا ّ‬
‫مرتني بينام أخطأ املرتجم‬
‫الريفي قد أخطأ ّ‬
‫مرة واحدة‪ .‬أ ّما بعد ر ّده‪ ،‬فإنّنا ّ‬
‫نؤكد عىل‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫ولكـن الـريفي‬
‫مرة‬
‫ّ‬
‫أن املرتجم قد أخطأ ّ‬
‫مـرات(‪ .)25‬وإذا كان‬
‫قد أخطـأ ثالث ّ‬
‫املتـرجم يعـذر بزمـانه فإنّه ال عذر ملـن‬
‫يتشبث بمعطيات خاطئة‪.‬‬
‫ّ‬
‫الفرنسية‪.‬‬
‫وهو يستنكر انتقادنا للرتمجة‬
‫ّ‬
‫يقول‪« :‬ومل يش ّنع علينا فحسب بل «نقد»‬
‫الفرنسية التي اعتمدنا» (ص‪،18‬‬
‫الرتمجة‬
‫ّ‬

‫ع‪ ،1‬فقرة‪[ 3‬وهنا‪ :‬ص ‪ ،138‬ع ‪))]2‬‬
‫فرنسيا ونأيت‬
‫فكيف لنا أن ننقد مرتمجا‬
‫ّ‬
‫جريرة كهذه‪ ،‬وهو مرتجم «فرنيس»!؟‬
‫عقلية‬
‫عينة أخرى من‬
‫ّ‬
‫أليست هذه ّ‬
‫«املغلوب» التي ذكـرنا!؟‬
‫ومل نش ّنع كذلك عندما ذكر الريفي ّ‬
‫أن‬

‫استعارات املواضع قد «مجع أكثرها روالن‬
‫بارط» واحلال ّ‬
‫أن الريفي قد نقلها كام‬
‫هي عن برونشفيك دون أن يذكره‪ .‬انظر‬
‫اهلامش عدد ‪ 3‬بمقدّ مته لكتاب «املواضع»‬
‫ألرسطو‪ .‬ونحن ندعو القارى إىل أن‬
‫نص األستاذ الريفي (مثال ص‬
‫يقارن بني ّ‬
‫‪ ،187‬وقائمة االستعارات التي استعملت‬
‫للمواضع‪ ،‬والتعليقات املناسبة(‪ ))26‬وما‬
‫يمكن أن يقرأه بني الصفحتني ‪XXXVIII‬‬
‫‪ XXXIX‬من مقدّ مة برونشفيك لكتاب‬‫خاصة اهلامش‬
‫«املواضع» ألرسطو (انظر‬
‫ّ‬
‫املطول رقم ‪ ،)3‬فسيجد أربعني من وجوه‬
‫ّ‬
‫الشبه املريب‪.‬‬
‫ويف هذا الباب‪ ،‬مل يفهم الريفي ملاذا‬
‫أحلنا عىل كتاب «املواضع» لشيرشون‬
‫(ص‪ ،15‬ع‪ ،2‬الفقرة األخرية [وهنا‪ :‬ص‬
‫‪ ،133‬ع ‪ ،)]1‬ألنّه يعتربه تلخيصا ورشحا‬
‫لكتاب «املواضع» ألرسطو‪ ،‬يقول‪«:‬كتاب‬
‫<املواضع> لشيرشون وهو كتاب ال‬
‫له‪-‬مبدئيا‪ -‬باخلطابة وإنّام هو يف‬
‫عالقة‬
‫ّ‬
‫أساسه رشح لقسم من كتاب <املواضع>‬
‫ألرسطو»(نفس املرجع)‪ .‬وهو يسوق هذه‬
‫األحكام التي قرأها‪ ،‬دون ذكر املصدر‬
‫طبعا‪ ،‬يف «مقتطفات» لوكالرك (‪)Le Clerc‬‬
‫فنقرأ عند لوكالرك‪:‬‬
‫‪« “L’ouvrage de Cicéron n’est en‬‬
‫‪général qu’une analyse superficielle des‬‬
‫‪divisions et subdivisions de l’ouvrage‬‬
‫‪d’Aristote” (p.327).‬‬
‫‪“[Cicéron] composa les Topiques,‬‬

‫‪166‬‬

‫‪abrégé des huits livres d’Aristote sur ce‬‬
‫‪sujet” (p.327).».‬‬

‫وهذه «املقتطفات» ال حتتوي إ ّ‬
‫ال‬
‫عىل سبع صفحات من كتاب «املواضع»‬
‫لشيرشون… ّ‬
‫لكل صحيفته الصفراء!‬
‫وما سبق من كالم لوكالرك ال نعثر‬
‫له عىل مثيل لدى ّ‬
‫بقضية‬
‫اهتم‬
‫كل من‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫املواضع ورأيه هذا ال يمكن أن يكون‬
‫إ ّ‬
‫املختص‪ ،‬لقيامه عىل خلط‬
‫ال رأي غري‬
‫ّ‬
‫انجر‬
‫واضح وعدم دراية باملسألة‪ .‬وقد‬
‫ّ‬
‫وراءه الريفي دون أن يطلع من الكتاب‬
‫إ ّ‬
‫ال عىل صفحاته السبع‪.‬‬
‫وإذا كان األمر كذلك أي إذا كان كتاب‬
‫جمرد تلخيص أو‬
‫«املواضع» لشيرشون هو ّ‬
‫رشح لكتاب «املواضع» ألرسطو‪ ،‬فكيف‬
‫يمكن لبواسيوس )‪ (Boèce‬أن حياول‬
‫التوفيق بينهام كام يبينّ ذلك آڤس(‪Eggs,‬‬
‫‪ .)1993, 397‬أو كيف نفهم ما يمكن أن‬
‫نقرأه كذلك يف القاموس الفلسفي التارخيي‬
‫األملانية‪ ،‬يقول فيه صاحب‬
‫الضخم‪ ،‬بال ّلغة‬
‫ّ‬
‫املقال (مدخل االستكشاف “‪)”Invention‬‬
‫الشيرشونية‬
‫بعد حتليل للفرق بني املواضع‬
‫ّ‬
‫ومواضع أرسطو ّ‬
‫إن مواضع شيرشون‬
‫مل يعد يربطها إ ّ‬
‫ال خيط ضعيف بصناعة‬
‫التصديقات املحتملة يف نظام أرسطو‪:‬‬
‫‪«Ciceros Topik hat allerdings mit der‬‬

‫‪aristotelischen Kunst der kritischen Prü-‬‬

‫‪fung des Wahrscheinlichen wenig mehr‬‬
‫‪gemeinsam”(27).‬‬

‫ولو ّ‬
‫أن الريفي أمعن ال ّنظر يف ما يقوله‬

‫نيل ونيل (‪ )Kneale & Kneale‬وقد ك ّنا‬
‫الثقافية» عدد ‪،)106‬‬
‫أحلنا إليه(«احلياة‬
‫ّ‬
‫ويبدو ّ‬
‫أن الريفي مل يطلع علـيه أل نّه‬
‫ال «يرغب» يف االسـتشهاد بال ّنصوص‬
‫االنغليز ّية‪- ،‬لو ّ‬
‫فهم‬
‫أن الريفي فعل هذا‪َ -‬ل َ‬
‫عـالقة «مواضع» شيرشون باخلطابة‪ ،‬إذ‬
‫ّ‬
‫عمليا‪ -‬لتـدريب‬‫مصمم‬
‫أن الكتاب‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫الرومـان‪ ،‬وليـس تلخيــصا‬
‫اخلطـباء مـن ّ‬
‫أو شـرحا ملواضـع أرسطو‪:‬‬

‫‪«Among Cicero’s philosophical works‬‬
‫‪there is a small treatise called Topica‬‬
‫‪which has had considerable influence on the‬‬
‫‪teaching of logic because it was highly regarded in‬‬
‫‪late antiquity, when logic was associated with‬‬
‫‪rhetoric in the way he thought proper.‬‬
‫‪The book professes to be an adaptation‬‬
‫‪of Aristotle’s Topics for the use of a friend‬‬
‫‪called Trebatius, but it shows little trace of direct‬‬
‫‪borrowing from Aristotle’s work. It is conceived‬‬
‫‪as a manual for the training of Roman‬‬

‫‪and is therefore furnished with‬‬
‫‪illustrations from Roman jurisprudence.‬‬
‫‪Probably the plan, such as it is, was‬‬
‫‪derived from some Hellenistic manual; for‬‬
‫‪the topics discussed here are mentioned‬‬
‫‪in the same order in the De Oratore, as‬‬
‫‪though they were in fact commonplace of‬‬
‫)‪that age». (28‬‬
‫‪orators‬‬

‫ولو أردنا تشنيعا لوضعنا ما يزعمه‬
‫األستاذ الريفي من «نقد» ترمجة عبد‬
‫نص ريوال هذا‪ ،‬ألنّه‬
‫الرمحان بدوي قبالة ّ‬
‫حرفية له‪« :‬وقد‬
‫ال يعدو أن يكون ترمجة‬
‫ّ‬

‫‪167‬‬

‫بقي لنا أن نتك ّلم عن احلجج املشرتكة‬
‫بني أنواع اخلطابة ما دمنا قد حتدثنا عن‬
‫اخلاصة‪ّ .‬‬
‫إن هذه احلجج املشرتكة‬
‫احلجج‬
‫ّ‬
‫والضمري ّ‬
‫ّ‬
‫ألن |الرأي|‬
‫عىل نوعني ‪| :‬املثال|‬
‫جزء من الضمري ولنتك ّلم ّأوال عن |املثال|‬
‫ّ‬
‫ألن |املثال| يشبه االستقراء»(‪.)29‬‬
‫ومل نقف يف مقالنا التقويمي («احلياة‬
‫الثقافية» عدد ‪ )106‬إ ّ‬
‫ال عىل ما يرضّ‬
‫ّ‬
‫جير إىل استنتاجات‬
‫أو‬
‫والفهم‬
‫بالقراءة‬
‫ّ‬
‫خاطئة‪ .‬فلامذا مل نتو ّقف عند ما قاله‬
‫صمود‪ ،‬وهو خيلط يف اعتباره ّ‬
‫أن اخلطابة‬
‫ّ‬
‫األرسطية حتتوي عىل مخسة أقسام يف قوله‪:‬‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫«بدأت خطابة أرسطو منذ وقت مبكر‬
‫وكان أن خت ّلصت أو ما خت ّلصت (كذا!) من‬
‫قسمني اعتربا دائام من أقسامها الثانو ّية ومها‬
‫املسميان متثيل القول(‪)hypocrisis, actio‬‬
‫ّ‬
‫والذاكرة ( ‪ )memoria‬ألنهّام ال يتع ّلقان‬
‫إ ّ‬
‫(«أهم نظر ّيات احلجاج يف‬
‫ال باملشافهة‪».‬‬
‫ّ‬
‫الغربية…» ص ص‪.))30(38-37‬‬
‫التقاليد‬
‫ّ‬
‫‪31‬‬
‫ّ‬
‫والكـل يعرف ّ‬
‫أن اجلـزء اخلامس( ) ال‬

‫األرسطية‪ .‬وقد ذكر‬
‫ينتـمي إىل اخلطـابة‬
‫ّ‬
‫بارط ذلك منذ سنوات السبعني‪ .‬ومل ينتبه‬
‫االغريقية‬‫إزدواجية املصطلح‬
‫صمود إىل‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫ثم الالتينية‪-‬يف املرجع الذي استقى منه‬
‫ّ‬
‫هذه املعلومة فيام يتع ّلق بـ ‪hypocrisis-‬‬
‫‪ actio‬وآحاد ّيته ‪-‬الالتينية فقط‪ -‬فيام‬
‫يتع ّلق بالذاكرة (‪ .)memoria‬وقد ّنبهنا إىل‬
‫إزدواجية املصطلح ّ‬
‫وأن املستعمل الغريب‬
‫ّ‬
‫يرجع إىل معينني‪ ،‬االغريقي والالتيين‪ّ ،‬‬
‫وأن‬

‫املصطلحني مل يتواجدا هكذا الستعراض‬
‫العضالت أو ليبينّ القائل أنّه «متض ّلع يف‬
‫الالتينية»‪ .‬ولكن ماذا عسانا نقول بعد أن‬
‫ّ‬
‫كاتب الريفي «أستاذا فرنسيا» وأخربه ّ‬
‫بأن‬
‫كأنا أزواج من‬
‫ال فرق بني هذه األزواج‪ ،‬هّ‬
‫ال ّنعاج…؟ ومهام يكن من أمر فقد ّنبهنا‬
‫إىل هتاوي املقاالت يف الكتاب وهتافتها‬
‫وإىل تناقض اجلامعة فيام بينهم‪ ،‬وإىل‬
‫وو َ‬
‫صف هذا‬
‫التعويم املصطلحي إلخ‪ُ ،‬‬
‫الرأي بـ«البغيض» ووقع حتدّ ينا بأن نظهر‬
‫ّ‬
‫ولكل احلر ّية‬
‫شكال آخر من هذا التعويم‪.‬‬
‫لكن الواقع ّ‬
‫يكذب اال ّدعاء‬
‫فيام يقول‪ّ .‬‬
‫والتناقض ّ‬
‫صمود‬
‫يؤكد التداعي‪ .‬فلو قرأ ّ‬
‫مقال تلميذه الريفي ملا قال ما قاله وملا‬
‫األرسطية مخسة أجزاء كام‬
‫نسب إىل اخلطابة‬
‫ّ‬
‫مرة‬
‫فعل‪ .‬يقول الريفي إذن مناقضا ّ‬
‫صمود ّ‬
‫أخرى ‪« :‬ولقد أضاف الالتني إىل املراحل‬
‫األربعة التي ذكرها أرسطو مرحلة خامسة‬
‫لكن ال عالقة هلا باالنتاج يف احلقيقة‬
‫وتتمثّل يف استظهار اخلطيب للخطبة‬
‫وسموا هذه املرحلة‬
‫استعدادا إللقائها‬
‫ّ‬
‫“‪( ”memoria‬أي االستظهار) وإلن اعترب‬
‫سيرسون “‪ ”Ciceron‬القدرة عىل االستظهار‬
‫من باب املوهبة ّ‬
‫فإن كانتيليان “‪”Quintilien‬‬
‫العملية»‬
‫عملية تيسرّ تلك‬
‫عرض قواعد‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫بارط]»(«أهم‬
‫[يستشهد الريفي هنا بروالن‬
‫ّ‬
‫نظر ّيات احلجاج…»‪ ،‬ص‪ .)174‬ولسنا‬
‫هنا بحاجة إىل االستدالل أو االستشهاد‬
‫ببارط أو بغريه فالتناقض بني أعضاء‬

‫‪168‬‬

‫الفريق يكفي وحده ليبينّ أن أحـدهـام عىل‬
‫القـضية كحـاطب‬
‫األقـل يتـعامل مـع‬
‫ّ‬
‫الليل‪.‬‬
‫وإن رمنا التشنيع فلامذا مل نتو ّقف‬
‫عند قول الريفي‪« :‬غياب مصطلح‬
‫» ‪ « E l o c u t i o‬و حضو ر مصطلحي‬
‫»‪ «Inventio‬و»‪ «dispositio‬وهو يتحدّ ث‬
‫عن أفالطون‪« :‬ومل يستعمل أفالطون‬
‫مصطلحي “‪ ”Inventio‬و “‪ ”Dispositio‬وإن‬
‫كان استعملهام ‪-‬عرضا‪ -‬يف نقد لنص‬
‫«ليزياس»»(ص ‪ 77‬وكذلك ص ‪،)82‬‬
‫بالالتينية!‬
‫وكأنّنا بأفالطون صار يكتب‬
‫ّ‬
‫مل ال!؟ أو ّ‬
‫أن مرجع الريفي مل يعد ال ّنص‬
‫العريب أو الفرنيس أو االغريقي بل‬
‫الالتيين؟‬
‫ّ‬
‫وبام ّ‬
‫أن أفالطون ال يستعمل املصطلح‬
‫الفرنسية (بل‬
‫النص املرتجم إىل‬
‫الالتيين يف ّ‬
‫ّ‬
‫استعمل فيه ‪ invention‬و ‪))32(arrangement‬‬
‫اللذان يستشهد هبام الريفي الذي ال يمكنه‬
‫النص االغريقي األصيل‪،‬‬
‫أيضا أن يرجع إىل ّ‬
‫حيث ال يستعمل مصطلح ‪،(taxij) taxis‬‬
‫بل مصطلح ‪ (diaqesij) diathesis‬فام‬
‫عسى أن نفهم من ّ‬
‫كل هذا ونحن مل نعد‬
‫نثق بنسبة (أي إىل من ينتسب) ما يقدّ مه‪:‬‬
‫هل قرأ هذا عند أفالطون أم وجد الطعام‬
‫حارضا مهضوما؟‬
‫وهو يف احلقيقة من «يش ّنع» عىل نفسه‬
‫دون أن يشعر يف الفقرة التي ير ّد فيها عىل‬
‫اخللط بني “‪”probable‬و “‪ ،”possible‬ولقد‬
‫خ َل َط ‪ ،‬وال يمكن الرتاجع عن ذلك‪ ،‬وال‬

‫يمكن أن يض ّلل أحدا‪ ،‬فهو يقول إنّه مل جيد‬
‫مدخل “‪ ”probable‬يف معجم اللند بل يف‬
‫معجم فلسفي آخر شهري‪Dictionnaire ،‬‬
‫‪«(،de la philosophie .PUF.‬الـر ّد »‪،‬‬
‫ص‪ ،17‬ع‪ ،2‬فقرة‪[ 4‬وهنا‪ :‬ص ‪،137‬‬
‫ع ‪ .)]2‬لك ّننا سنموت ولن نعرف هذا‬
‫املعجم الفلسفي الشّ هري‪ ،‬الذي مل ّ‬
‫يتفضل‬
‫الريفي بذكر مؤ ّلفه وال تاريخ صدوره‪،‬‬
‫ألنّه ببساطة ال وجود ضمن منشورات‬
‫‪ PUF‬ملعجم فلسفي حيمل هذا االسم!!‬
‫فإن ّ‬
‫وكام جنت براقش عىل نفسها‪ّ ،‬‬
‫كل‬
‫هيم الريفي ومن خيتفي ورائه إنّام هو‬
‫ما ّ‬
‫اهتام غريه بـ«التالعب واالفرتاء»!‬
‫وقد آخذنا عىل أسقاط كلمة «بعض»‬
‫من مجلته التالية‪« :‬وإن خلط بعض ال ّناس‬
‫بينهام»‪ ،‬وهو خطأ مطبعي‪ ،‬وزعم أ نّه‬
‫لن يتحقق لنا ما نريد إن مل نسقط هذا‬
‫التسوير!!! وقد كان من املفرتض أن خيدمه‬
‫السهو‪ّ ،‬‬
‫ألن اخللط يمثّل بذلك خطأ‬
‫هذا ّ‬
‫شائعا‪ .‬أ ّما وقد ّنبهنا إىل ذلك مشكورا‪،‬‬
‫فعدم سقوط «بعض» يغرقه أكثر! ّ‬
‫ألن قوله‬
‫«بعض ال ّناس» يعين أنّه من املخطئني وال‬
‫يعول (ملّا كان بإمكانه أن‬
‫يمكن ح ّتى أن ّ‬
‫ّ‬
‫يستغل سقوط التسوير) عىل خطأ مشهور‬
‫أو شائع بني ال ّناس(وهو من ظروف‬
‫التخفيف لو درى!)‪ ،‬ويكون بذلك إذن‬
‫طوق رقبته أكثر وجعل خلطه خطأ‬
‫قد ّ‬
‫شخصيا ال خطأ شائعا‪ .‬أتراه ُخدش فجنى‬
‫ّ‬
‫عىل نفسه!؟‬

‫‪169‬‬

‫‪ .IX‬البالغة بالغات؟‬

‫‪ -‬الحجاج بني النّظر ّية والتطبيق‪:‬‬

‫«هذا قولكم يف يفعل وينفعل‪ ،‬مل‬
‫تستوضحوا فيهام مراتبهام ومواقعهام‪،‬‬
‫ومل تقفوا عىل مقاسمهام‪ ،‬ألنّكم قنعتم‬
‫فيهام بوقوع الفعل من يفعل‪ ،‬وقبول‬
‫الفعل من ينفعل‪ ،‬ومن وراء ذلك غايات‬
‫خفيت عليكم وذهبت عنكم»‪.‬‬
‫حيان التوحيدي‪ ،‬املقابسات‪ ،‬ص‬
‫أبو ّ‬

‫«…وإن كان حجاجا كان برهانه أنور‪،‬‬
‫وسلطانه أقهر‪ ،‬وبيانه أهبر»‪.‬‬
‫اجلرجاني‪« ،‬أرسار البالغة»‪.‬ص ‪.102‬‬

‫يقول‪« :‬ويعلم(‪ )33‬السيد ب ّنور أنّه‬

‫تورط فيه‬
‫كان يمكن لنا أن نش ّنع عىل ما ّ‬
‫من أخطاء جسيمة» ولك ّنه يرفض أسلوبنا‬

‫ّ‬
‫وغض‬
‫«اخلسيس»!!!‪ .‬وبذلك فإنّه عفا ع ّنا‬
‫الطرف وتسامح ومل يشتم ومل ينعت بام له‬

‫من خمزون لفظي حيذقه‪ ،‬وإننا له ملمنونون‬
‫جدّ ا!!!‬
‫وتشبث‬
‫ترك «األخطاء اجلسيمة» إذن‪،‬‬
‫ّ‬

‫طويال بالبسيط منها‪ ،‬فأطال حول األخطاء‬
‫املطبعية( ‪ ،)34‬وتوقف عند ما حسبه‬
‫ّ‬
‫انزالقات يف ال ّلغة‪ ،‬وعنوان املقال‪...‬وح ّتى‬

‫عالمات الوقف والرتقيم‪ ،‬إلخ‪ ،‬وجادل‬
‫يف الرتّهات‪ ،‬مثل كناية‪-‬جماز مرسل‪ ،‬أو‬
‫ما يتع ّلق بـ«احلسن» عند كانتيليان أو‬
‫بالذاكرة عند شيرشون (وقد قال إنه قرأ‬
‫أغلب ما كتبه يف اخلطابة بينام مل يتص ّفح إ ّ‬
‫ال‬
‫«مقتطفات»(‪ ))35‬فيام مل يتمثّله من التقاليد‬
‫الالتينية‪.‬‬
‫ّ‬

‫هل يتقن احلجاج من يرتك االخطاء‬
‫متر‪ ،‬ويمسك بالقشور؟ ال ّلهم إ ّ‬
‫ال‬
‫اجلسيمة ّ‬

‫إذا كانت أخالقه العالية هي التي منعته من‬
‫اظهار هذه «األخطاء اجلسيمة»!‬

‫‪.82‬‬

‫ينصح األستاذ الريفي يف «ر ّد ه»‬
‫العربية‬
‫يتثبت املرء يف املصطلحات‬
‫ّ‬
‫أن ّ‬
‫التي يستعمل فال خيلط بني الكناية‬
‫يتثبت يف‬
‫واملجاز املرسل‪« :‬ننصح له أن ّ‬
‫العربية التي يستعمل يف‬
‫املصطلحات‬
‫ّ‬
‫املستقبل فقد استعمل مصطلح «الكناية»‬
‫الداللية التي يقصد فأثبت‬
‫وعينّ العالقة‬
‫ّ‬
‫بني قوسني العبارة (بني السبب والنتيجة)‬
‫ومعلوم ّ‬
‫أن املصطلح املناسب هو املجاز‬
‫املرسل»(ص‪ ،7‬ع ‪ ،2‬فقرة‪[ 4‬وهنا‪ :‬ص‬
‫‪ ،115‬ع ‪ .)]1‬ويبدو ّ‬
‫أن من خيلط بينهام‬
‫«يستثري الشفقة والرثاء ح ّقا»(ص‪ ،7‬ع‪،2‬‬
‫فقرة‪[ 5‬وهنا‪ :‬ص ‪ ،115‬ع ‪ .)]1‬ومل‬
‫نكن لنر ّد عىل هذه املالحظة العابرة‪ ،‬التي‬
‫هتم احلجاج يف يشء‪ ،‬وال هتدف إ ّ‬
‫ال إىل‬
‫ال ّ‬
‫حتقري الشأن‪ ،‬وإثبات عدم إملامنا بالثقافة‬
‫العربية (وما ادعينا إملاما‪ ،‬ولن نفعل!)‪،‬‬
‫ّ‬
‫واعتبار مقاربتها حكرا عىل أهل الشعاب‪.‬‬
‫وقد ّبرر هبا وبأمثاهلا وأجاز لنا ما مل نكن‬
‫نود أن نستعمل من وسائل يف احلجاج‬
‫«ذات وجه»‪ .‬ومل نكن نر ّد‪ ،‬قلنا وال نعري‬
‫عقلية‬
‫هذه املالحظة اهتامما لو مل تكن ختفي ّ‬

‫‪170‬‬

‫يف البحث ومقاربة لألمور ّ‬
‫تعطل الفكر‬
‫وتسدل الس ّتار عىل ّ‬
‫كل حماولة إلعادة ال ّنظر‬
‫والتفكري يف مثل هذه املسائل أو التنظري‬
‫اعتامدا عىل املوروث‪ ،‬دون نبذه باسم‬
‫احلداثة أو االكتفاء به موجودا‪ ،‬وتقديسه‬
‫لألولني‪ ،‬ليس بعده كالم‪ .‬ومل نشأ‪،‬‬
‫كالما ّ‬
‫متر إذن‬
‫من هذا املنطلق‪ ،‬أن نرتك‬
‫ّ‬
‫القضية ّ‬
‫دون تدقيق‪.‬‬
‫ويف غمرة إحلاحه عىل االيقاع بنا‪ ،‬مل ير‬
‫األستاذ الريفي ّ‬
‫صمود يضعه‪ ،‬بدوره‪،‬‬
‫أن ّ‬
‫يف حرج إذ أنّه جيعل املجاورة واالرداف‬
‫ضمن املجاز املرسل‪ ،‬فيقول‪« :‬فرأينا‬
‫الوجوه واملجازات تضبط يف عدد حمدود‬
‫من العالقات واملبادئ اشتهرت منها‬
‫ثالثة هي عالقة الشبه البانية لالستعارة‬
‫وعالقة املجاورة أو االرداف البانية‬
‫بالفرنسية‬
‫يسمى‬
‫لنوع من املجاز املرسل ّ‬
‫ّ‬
‫«أهم‬
‫(صمود‪،‬‬
‫)‪ (Métonymie‬و[…]»‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫نظر ّيات احلجاج…»‪ ،‬ص‪.)41‬‬
‫القضية‬
‫ولو أنّنا مل نكن واعني هبذه‬
‫ّ‬
‫لقلنا إنّه من الواضح ّ‬
‫صمود قد ترجم‪،‬‬
‫أن ّ‬
‫العربية‪« ،‬جماورة»‬
‫وهو أستاذ البالغة‬
‫ّ‬
‫و«إرداف» باالعتامد عىل املقابل الفرنيس‬
‫يعرف جاكبسون العالقة‬
‫‪( contiguïté‬كام ّ‬
‫التي حتكم هذا التعبري املجازي يف املصطلح‬
‫بالفرنسية أي ‪ ،)métonymie‬ومل‬
‫املناسب‬
‫ّ‬
‫العربية التي تضع املجاورة‬
‫يعترب التقاليد‬
‫ّ‬
‫واالرداف ضمن الكناية ونوعا من انواعها‪.‬‬

‫انظر مثال ابن األثري يف القديم(‪ ،)36‬وانعام‬
‫نوال ّ‬
‫ّ‬
‫وكل من‬
‫عكاري يف احلديث(‪)37‬‬

‫يذكرهم هؤالء مثل ابن قتيبة‪ ،‬وابن املعتز‪،‬‬
‫وقدامة واحلامتي والر ّماني…وغريهم‪ ،‬ومل‬
‫نر من بينهم من يضع اإلرداف واملجاورة‬
‫صمود‪،‬‬
‫ضمن املجاز املرسل‪ ،‬غري األستاذ ّ‬
‫العربية‬
‫املختص يف البالغة‬
‫وهو كام قلنا‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫وصاحب دكتوراه دولة يف التأريخ للبالغة‪.‬‬
‫فهل أضعنا مشيتنا ونامذج تفكرينا وهو ّيتنا‬
‫فلم يعد الواحد يعرف أهدهد هو أم محام؟‬
‫ّ‬
‫ونتهكم من هذه‬
‫وكان بإمكاننا أن نسخر‬
‫القضية ومن غريها (وهو كثري!) إن ك ّنا‬
‫ّ‬
‫فعال نبحث عن مسالك التشنيع كام يزعم‬
‫الريفي‪ ،‬ولك ّننا مل نناقشه إ ّ‬
‫ال فيام يستحقّ‬
‫من املوضوع‪ .‬ومل هنتم يف الكتاب إ ّ‬
‫ال بام‬
‫يتع ّلق باحلجاج تاركني لغرينا مثل هذه‬
‫املدرسية‪ .‬وقد ص ّنا ال ّنفس عن‬
‫املالحظات‬
‫ّ‬
‫خلط األمور واستغالل ّ‬
‫كل نقاط الضعف‬
‫هلدف حتقريي أو تشنيعي كام أراد أن يقول‬
‫صاحب «الر ّد»‪ .‬ومل نشأ أن ننزل إىل هذه‬
‫املدرسية رغام‬
‫السفاسف واملالحظات‬
‫ّ‬
‫تتضمن انبتاتا‬
‫امكانية فهمها عىل هّأنا‬
‫عن‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫خطرا ومؤشرّ ات عىل اختالط األمور يف‬
‫األذهان ويف هياكل التفكري ر ّبام يفسرّ عدم‬
‫وعيهم بخطورة الطروحات االسترشاقية‬
‫فريوجوهنا دون قصد‪.‬‬
‫ّ‬
‫صمود أن يسدي‬
‫وكان بإمكان األستاذ ّ‬
‫أول فقرة من‬
‫خدمة للعرب‪ ،‬كام قلنا يف ّ‬

‫‪171‬‬

‫الثقافية» عدد ‪( 106‬انظر‬
‫مقالنا بـ«احلياة‬
‫ّ‬
‫النص)‪ ،‬لو بحثت اجلامعة يف املقابالت‬
‫ّ‬
‫واألوروبية‬
‫العربية‬
‫بني املصطلحات‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫وحاولت أن تبينّ مواضع التقارب‬
‫والتقاطع والرتاكب‪ ،‬ال أن تكتفي بوضع‬
‫الثنائية دون تعليق‬
‫االصطالحية‬
‫املعاجم‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫ولكن الظ ّاهر ّ‬
‫أن هذا العمل‬
‫أو أمثلة‪.‬‬
‫ّ‬
‫يتط ّلب جهدا وتفكريا وقد غلبت العادة‬
‫عىل اجلمع والتكديس والتوثيق‪ ،‬ال التفكري‬
‫واملحاككة‪.‬‬
‫أو كأنّنا باجلامعة وهم ليسوا أفرادا‬
‫(وقد غضبوا من قولنا ّ‬
‫إن الكتاب يمثّل‬
‫جمموعة مقاالت ال يربط بينها غري‬
‫املوضوع يف صيغته الواسعة ‪edited‬‬
‫‪ )…by‬بل فريق بحث عىل طريقة من ال‬
‫تعرف يمناه ما أعطته يرساه فال يقرأون‬
‫صمود خمطئا يف قوله‬
‫بعضهم (فإذا كان ّ‬
‫ينبه إىل هذا اخللط بني‬
‫فلامذا يآخذنا ومل ّ‬
‫املفهومني كام فعلنا؟)‪ .‬ولو فعل األستاذ‬
‫عملية‬
‫بمجرد‬
‫الريفي ذلك هلان األمر‪ .‬ألنّه‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫قياسية ‪-‬والريفي قد أشبعنا كالما عن‬
‫ّ‬
‫القياس وما شاهبه‪ -‬يتخلىّ عن مالحظته‪.‬‬
‫وما دامت كتب البالغة قديام وحديثا تضع‬
‫املجاورة واالرداف ضمن الكناية‪ ،‬وبام ّ‬
‫أن‬
‫صمود جيعل املجاورة واالرداف من املجاز‬
‫ّ‬
‫املرسل‪ ،‬فال فرق إذن بني الكناية واملجاز‬
‫املرسل من هذا املنظور‪ ،‬أي يف مستوى متثّل‬
‫املفهوم يف املعنى العالئقي العام‪.‬‬

‫املختص يف البالغة‬
‫وما دام األستاذ‬
‫ّ‬
‫العربية خيلط بني الكناية واملجاز املرسل‬
‫ّ‬
‫خمتص يف اللغات‬
‫فقد هانت من أستاذ‬
‫ّ‬
‫األجنبية‪ ،‬حيث ال وجود هلذا التمييز‪.‬‬
‫ّ‬
‫ولكن املضحك ّ‬
‫أن الريفي أراد أن يرمينا‬
‫ّ‬
‫مرة‬
‫هبذه احلجارة فأصابت أستاذه فس ّفهه ّ‬
‫أخرى‪ ،‬وأثار غبار الوهن يف مقاله‪.‬‬
‫ومل يشأ مثال األستاذ الريفي «وهو‬
‫من ال يريد أن يش ّنع» أن يفهم أنّنا رجعنا‬
‫إىل املصطلح الفرنيس ‪-‬ونحن معذورون‬
‫صمود‪ ،‬بحكم انشغالنا‬
‫أكثر من األستاذ ّ‬
‫الفرنسية‪ -‬إذ ّ‬
‫أن املصطلح الفرنيس‬
‫بالبالغة‬
‫ّ‬
‫بالعربية مصطلحان‪:‬‬
‫‪ métonymie‬يقابله‬
‫ّ‬
‫الكناية واملجاز املرسل(انظر معجم رمزي‬
‫بسام بركة‪ ،‬وال يقابله‬
‫منري بعلبكي ومعجم ّ‬
‫سانيات لعبد السالم املسدّ ى‬
‫يف معجم ال ّل ّ‬
‫إ ّ‬
‫ال مصطلح «كناية»!!!)‪ .‬ومع ذلك فإنّنا‬
‫مل نعتمد الكلمة يف معناها الفرنيس‪.‬‬

‫ ملن درس الكناية إذن؟‬‫«وكان شغلهم الشاغل مدّ املستعملني‬
‫بقوالب جاهزة يمكن حفظها أو تدوينها‬
‫يف كنانيش الستعامهلا وقت احلاجة»‬
‫صمود‪« ،‬التفكري البالغي عند‬
‫ح‪.‬‬
‫ّ‬
‫العرب»‪.‬ص ‪.489‬‬

‫العقلية‬
‫لكن موضع االشكال يتمثّل يف‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫صمود نفسه يف أطروحته‬
‫التي يصفها ّ‬
‫فيقول حول انحطاط العمل البالغي‪:‬‬

‫‪172‬‬

‫«لذلك انحرصت مقاصدهم يف الغرض‬
‫التعليمي وكان شغلهم الشاغل مدّ‬
‫املستعملني بقوالب جاهزة يمكن حفظها‬
‫أو تدوينها يف كنانيش الستعامهلا وقت‬
‫(صمود ص ‪ّ .)489‬‬
‫والظاهر أنّنا‬
‫احلاجة»‬
‫ّ‬
‫مل نتقدّ م قيد أنملة‪.‬‬
‫فلو ّ‬
‫أن األستاذ الريفي أعمل رأيه‪،‬‬
‫بدل ذاكرته وما حفظه من قوالب جاهزة‬
‫يف ك ّنشه ليسمح لنفسه بـ«تلقني الدروس»‬
‫لغريه‪ ،‬لرأى ّ‬
‫السببية املوجودة يف‬
‫أن العالقة‬
‫ّ‬
‫األمثلة املقدّ مة يف املجاز املرسل مثل (غيث‬
‫← عشب)‪ ،‬موجودة كذلك يف األمثلة‬
‫التي تقدّ م يف الكناية مثل (نؤوم ّ‬
‫الضحى‬
‫→ مرتفة وهلا من يسهر عىل شؤوهنا) إ ّ‬
‫ال‬
‫ّ‬
‫السببية مقلوبة كام يبينّ السهم‪.‬‬
‫أن العالقة‬
‫ّ‬
‫فتقدَّ م النتيجة يف احلالة األوىل والسبب‬
‫يف احلالة الثانية(‪ .)38‬ولسنا نبتدع شيئا‬
‫فمحمد‬
‫أول من قال هذا‪.‬‬
‫هنا وال نحن ّ‬
‫ّ‬
‫غاليم مثال يف كتابه «التوليد الداليل يف‬
‫البالغة واملعجم»(‪ )39‬يذهب (وقد رمى‬
‫بك ّنشه يف املاء) إىل نفس التفسري‪« :‬هذه‬
‫العقلية‪-‬االعتقاد ّية‪ ،‬هي التي‬
‫العالقات‬
‫ّ‬
‫تسمح إذن بقيام املالزمات بني املعاني‪،‬‬
‫باالنتقال من حكم إىل آخر‪ ،‬فينتقل من‬
‫امللزوم إىل الالزم يف املجاز‪ ،‬كاالنتقال‬
‫من الغيث إىل الزمه‪ ،‬وهو النبت يف مثل‬
‫رعينا غيثا‪ ،‬وينتقل من ال ّ‬
‫الزم إىل امللزوم‬
‫يف الكناية‪ ،‬كاالنتقال من طول ال ّنجاد إىل‬

‫ملزومه‪ ،‬وهو طول القامة يف مثل ‪ :‬زيد‬
‫ثم فهذه العالقات‬
‫طويل ال ّنجاد‪ ،‬ومن ّ‬
‫هي طريق إىل االستدالل»(ص‪.)21‬‬
‫ويضع غاليم العالقتني (كناية\ جماز مرسل‬
‫ضمن «داللة االلتزام» ص‪ .)33‬ويضع‬
‫واملسبب ضمن املبعد‬
‫العالقة بني السبب‬
‫ّ‬
‫الكنائي وجيعله رصاحة من الكناية (انظر‬
‫ص ص‪.)135-134‬‬
‫لك ّننا نعترب مالحظة األستاذ الريفي‪،‬‬
‫ألنا مؤشرّ ال‬
‫مهمة جدّ ا هّ‬
‫عىل ما فيها‪ّ ،‬‬
‫خيطئ عىل رضورة إعادة ال ّنظر يف البالغة‬
‫العربية من منطلقات جديدة‪ ،‬ال االكتفاء‬
‫ّ‬
‫بجمع الوثائق واملعلومات وتدوينها‬
‫«اآلليات‬
‫وتكديسها‪ ،‬دون البحث يف‬
‫ّ‬
‫وهيمنا كذلك‬
‫العميقة» التي حتكمها‪.‬‬
‫ّ‬
‫حممد مفتاح يف هذا السياق‪:‬‬
‫ما يقوله ّ‬
‫العربية يف الدراسات‬
‫««لقد بقيت البالغة‬
‫ّ‬
‫القديمة واحلديثة مفصولة عن ال ّنظام‬
‫الفكري الذي نشأت فيه وترعرعت‪ ،‬فهي‬
‫الصلة باملنطق‪ ،‬واألصول وال ّنحو‪،‬‬
‫وثيقة ّ‬
‫وعلم الكالم‪ ،‬وعدم مراعاة التفاعل‬
‫املعرفية عاق املصلحني‬
‫بني هذه الفروع‬
‫ّ‬
‫اآلليات العميقة التي حتكم‬
‫أن يكتشفوا‬
‫ّ‬
‫ال ّنشاط االستداليل ال ّلغوي القائمة عليه‬
‫مهمة‬
‫تلك الفروع‪ .‬بيد أن املهتم جيد أعامال ّ‬
‫أنجزت الثبات الصلة بني النحو وبني‬
‫املنطق وبني النحو وأصول الفقه‪ ،‬ولك ّنه‬
‫ال يعثر عىل مثيل هلا أنجز لتبيان العالئق‬

‫‪173‬‬

‫بني التشبيه واالستعارة والكناية واملجاز‬
‫املرسل وبني قياس التمثيل األصويل‬
‫وتطورات املنطق الصوري عرب العصور‬
‫ّ‬
‫‪40‬‬
‫ّ‬
‫الوسيطة»( )‪.‬لعلها دعوة تنصح العريب‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫يستل‬
‫يستل عقله يف املستقبل بدل أن‬
‫بأن‬
‫ك ّنشه‪.‬‬

‫‪.1‬يستشهد الريفي بام حسبه من‬
‫قول األستاذ ال ّنويري(«الر ّد » ص‪،9‬‬
‫ع‪ ،1‬فقرة‪[ 3‬وهنا‪ :‬ص ‪ ،118‬ع ‪)]1‬‬
‫‪«:‬جاءت مسامهات ولطون وودس يف‬
‫املوضوع منخرطة يف [س ّنة تعترب ّ‬
‫أن دراسة‬
‫أمهية‬
‫الربالوجيسم تكتيس عىل وجه التأكيد ّ‬
‫أساسية يف الفلسفة وخصوصا‬
‫منهجية‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫االنسانيات»]‪ .‬ومل ير ّ‬
‫أن ما‬
‫يف جمال‬
‫ّ‬
‫وضعناه بني معقفني ليس لل ّنويري وإنّام‬
‫باملؤلفي (أي‬
‫هو من استشهاد لپالنتني‬
‫نْ‬
‫«يد ثالثة»)‪ .‬ومل ّ‬
‫يتفطن األستاذ الريفي‬
‫إشكالية‪l’étude“:‬‬
‫ملا يف هذا االستشهاد من‬
‫ّ‬

‫الثقافية»‬
‫يف آخر فقرة يف مقالنا («احلياة‬
‫ّ‬
‫عدد ‪ ،108‬ص‪ ،35‬هامش‪[ 68‬وهنا‪:‬‬
‫المقال الثالث ص ‪ ،10٥‬هامش ‪.)]69‬‬
‫وعسى أن يكون هذا ّأول الطريق للتعاون‬
‫املفيد البعيد عن التش ّنج واملهاترات‪.‬‬
‫ونريد أن نر ّد له اجلميل باملثل فند ّله عىل‬
‫موقعني يف «ر ّده» حدث له معهام ما حدث‬
‫الستشهادنا بأمحد مطلوب\شوقي ضيف‪،‬‬
‫مع فارق ّ‬
‫أن احلالتني اللتني سنلفت انتباهه‬
‫اضافية يمكن أن‬
‫إليهام تطرحان مشاكل‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫خاصة من تعامل‬
‫تدل يف ذاهتا عىل‬
‫نوعية ّ‬
‫ّ‬
‫أصحاهبا مع ال ّنصوص‪ .‬وكذلك ّ‬
‫ألن‬
‫املستشهد هبم هم من أعضـاء الفـريق‬
‫َ‬
‫وكـان من املفـرتض أن يكـون الـريفي‬
‫عـارفا بنـسبة ما قـيل ملن قال‪.‬‬

‫‪des paralogismes revêt certainement une‬‬

‫‪ .X‬امتنان… ولكن «أنت أيضا‬
‫يا بني!»‬

‫يمر هذا الر ّد دون شكر‬
‫ال يمكن أن ّ‬
‫األستاذ الريفي عىل تنبيهه لنا ولفت‬
‫انتباهنا مشكورا إىل االستشهاد الذي مل‬
‫ّ‬
‫نتفطن إىل تواصله‪ ...‬وقد دعونا إىل هذا‬

‫‪importance méthodologique essentielle en‬‬
‫‪philosophie, en particulier dans le cadre des‬‬

‫‪ humanités“.‬إذ ّ‬
‫أن األستاذ ال ّنويري مل‬
‫الفرنسية “‪ ”les humanités‬بل‬
‫يرتجم الكلمة‬
‫ّ‬
‫الكلمة األنغليز ّية “‪ ”the humanities‬بام ّ‬
‫أن‬
‫«االنسانيات» ال تناسب إ ّ‬
‫ال املعنى‬
‫ترمجة‬
‫ّ‬
‫انسانية‪ ،‬وقد‬
‫االنغليزي للكلمة (= علوم‬
‫ّ‬
‫العربي َة عن طريق هذه الرتمجة‬
‫دخلت‬
‫ّ‬
‫للمقابل األنغليزي)‪ .‬أ ّما إذا ترجم األستاذ‬
‫الفرنسية ‪-‬وهي ال ّلغة التي‬
‫ال ّنويري الكلمة‬
‫ّ‬
‫كان من املفرتض أن يرتمجها‪ -‬فقد كان‬
‫لزاما عليه أن يضع مقابلها «ال ّلغة واآلداب‬
‫واالغريقية»‪ .‬وهو املعنى الذي‬
‫الالتينية‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫بالفرنسية (انظر مثال‬
‫تشري إليه الكلمة‬
‫ّ‬
‫معجم ‪ .)Le Petit Robert‬وهذه حتفة أخرى‬

‫‪174‬‬

‫من حتف پالنتني وقد بدأت القـائمة تطول‬
‫بشكل مريب‪.‬‬
‫‪ .2‬يستشهد األستاذ الريفي كذلك‬
‫األول يقول‪« :‬ففي هذه الكتابات‬
‫باملقدّ م ّ‬
‫من املالحظات واالشارات …[…]‬
‫||لكن ّ‬
‫كأن هذا الوعي مل يتجاوز صاحبه‬
‫البالغية والنقد ّية‬
‫يترسب إىل التصانيف‬
‫ومل ّ‬
‫ّ‬
‫التي أصبحت ابتداء من القرن الرابع مرسدا‬
‫والصور وأنامط البديع||»(ص‪،10‬‬
‫بالوجوه ّ‬
‫ع‪ ،2‬فقرة‪[ 2‬وهنا‪ :‬ص ‪ ،121‬ع ‪.)]2‬‬
‫ومل ير ّ‬
‫أن ما وضعنا هنا بني عمودين‬
‫متوازيني ليس من قوله وإنّام هو استشهاد‬
‫األول القول إىل‬
‫حميرّ ‪ ،‬إذ ينسب املقدّ م ّ‬
‫صمود‪ ،‬متحدّ ثا عن اجلاحظ‪ .‬ولك ّننا ال‬
‫ّ‬
‫نجد إ ّ‬
‫صمود‬
‫ال شبها ضئيال يف مقال ّ‬
‫هلذا االستشهاد‪ .‬وهو يتع ّلق بام قاله عن‬
‫اجلرجاني‪« :‬ال نستثين من ذلك عبد‬
‫القادر اجلرجاني […] عىل الرغم من ّ‬
‫كل‬
‫ذلك مل يتجاوز جهد صاحبه فيه ختليص‬
‫األد ّلة»(ص‪ )23‬وال أثر هلذا القول كام‬
‫ُن ِ‬
‫ننبه إىل رضورة املراجع يف‬
‫ـقل عنه!؟ أمل ّ‬
‫االستشهادات؟‬
‫«أهم نظر ّيات احلجاج‬
‫هيم‬
‫ّ‬
‫أ ّما فيام ّ‬
‫الغربية…» وبعد ّ‬
‫كل ما رأينا‪،‬‬
‫يف التقاليد‬
‫ّ‬
‫فالظاهر أنّه ال بدّ من القيام بتحقيق هذا‬
‫الكتاب لع ّله قد احتوى عىل جزء ضاع‬
‫من املخطوط األصيل وأصبح يف قبضة‬
‫ّ‬
‫الكل! ونكاد نفرك‬
‫البعض وال يملكه‬

‫أعيننا من البحث ونحن من نحسب أنفسنا‬
‫بنصنا فال نعثر عىل ما يفرتض أن‬
‫عارفني ّ‬
‫يوجد به!‬

‫هنائية‪:‬‬
‫قفلة‬
‫ّ‬

‫‪.XI‬‬
‫إ نّنا نتساءل‪ ،‬بعد أن قدّ منا بعض‬
‫املالحظات فيام يستحقّ منها التعليق‪ ،‬ومل‬
‫ّ‬
‫نتمكن من الر ّد عىل ّ‬
‫كل ما جاء لضيق‬

‫احليز ولعدم رغبتنا يف اإلطالة‪ ،‬وكذلك‬
‫ّ‬
‫نعول عىل فطنة القارئ‪:‬‬
‫ألنّنا ّ‬
‫يسمى هذا نقاشا‬
‫هل يمكن أن‬
‫ّ‬
‫علميا ؟‬
‫ّ‬
‫ما عسانا نقول ألحد يكتب كتابا‬
‫الغربية (وهيمل ‪ 23‬قرنا‬
‫عن التقاليد‬
‫ّ‬
‫من التفكري اخلطايب والبالغي واملنطقي‬
‫آليات احلجاج) ويأيت اليوم‬
‫والتفكري يف ّ‬
‫ليقول إنّه قد ابتدأ القراءة يف بعضها‪ ،‬وإنّه‬
‫قد قرأ بعضها‪ ،‬وإنّه قد سمع خالل قراءته‬
‫عن أرسطو عن بعضها اآلخر‪ ،‬وسمع‬
‫ثم يناقش يف‬
‫أحدهم يتحدّ ث عن ثالثة‪ّ .‬‬
‫ويتجرأ عىل األحكام‬
‫مسائل تفوق حجمه‪،‬‬
‫ّ‬
‫السبق‪ .‬بينام يالحظ ال ّناظر يف‬
‫ويدعي‬
‫ّ‬
‫كتاب احلجاج الذي أنتجته اجلامعة هّأنم‬
‫قد تعاملوا مع املوضوع دون أدنى جدّ ّية‪،‬‬
‫وأي احرتاف‪ .‬فرتى واحدا منهم يعرتف‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫بأن معرفته يف األمر رقيقة جدّ ا أو أنّه قدم‬
‫بعيد…ثـم يــدّ عي أن ال أحــد‬
‫إليه من‬
‫ّ‬
‫كتــب ما كتـبه أو اكتشف ما اكتشفه!‬

‫‪175‬‬

‫إن هذا ال ّنقاش لن يطول إ ّ‬
‫أ ّما وقد قلنا يف آخر جزء من مقالنا ّ‬
‫ال إذا كان مفيدا‬
‫جمديا بعيدا عن املهاترات‪ ،‬فإننا نالحظ ّ‬
‫أن ال ّنقاش أصبح مفرغا من معناه وقد بدأ‬
‫ّ‬
‫جير إىل انتحاء أسلوب اجلامعة…وهو غري وارد يف التعامل‬
‫يتضخم ويأخذ منحى خطرا ّ‬
‫األكاديمي‪ .‬إ ّ‬
‫ال أن نكون خمطئني يف املكان والزمان‪ .‬وهذا ال يليق بام دعونا إليه وال‬
‫ّ‬
‫(وبكل رصامة) لكن دونام حتامل‬
‫يتناسب معه‪ ،‬من ارساء تقاليد يف النقد دون جماملة‬
‫وال جتاوز حلدود ال ّلياقة‪ .‬ولكن ما فائدة ال ّنقاش مع من ال يتمثّل ما يقال له ومع من‬
‫فيـرص عىل أخطائه‪ ،‬بل يقع فيام هـو أشـنع‪.‬‬
‫ال يعترب‬
‫ّ‬
‫الستار عىل هذه اجلولة! عسى أن تتو ّفر الندّ ية والرشوط الرضور ّية‬
‫لذلك فإنّنا سننزل ّ‬
‫للتفاعل العلمي واملعريف‪.‬‬
‫فلنفسح املجال لغرينا!‬

‫‪176‬‬

177

‫هوامش املقال الرابع‬

‫كل ّ‬
‫‪ .1‬ح ّتي نلغي ّ‬
‫تكون‬
‫شك‪ ،‬فقد رجعنا إىل نفس املقال وهو منشور ضمن مقاالت أخرى ّ‬
‫مرة واحدة عىل كلمة انحسار أو‬
‫كتاب «من جت ّليات اخلطاب البالغي»‪ ،‬ولك ّننا مل نعثر ولو ّ‬
‫انكامش بني ظفرين‪(.‬انظر املصدر صفحات ‪ ،119‬سطر ‪2‬؛ ‪ ،120‬سطر‪6‬؛ ‪ ،121‬سطر‪2‬؛ ‪،126‬‬
‫سطر ‪5‬؛ ‪ ،127‬سطر‪ .)15‬بل لقد عمدنا ح ّتى إىل قراءة واستقصاء األمر يف مقاله الثاني بنفس‬
‫الكتاب «أتكون البالغة يف اجلوهر حجاجا؟» فرأينا أنّه يستعمل كلمة انحسار(‪ ،87‬السطر قبل‬
‫األخري) وح ّتي انحصار(‪ ،88‬السطر الثالث) دون «أظفارها»!!!‬
‫‪2‬‬
‫ّقافية» العدد ‪ ،106‬ص ‪ .1« :5‬أن يكون ّ‬
‫مطلعا ّ‬
‫اطالعا دقيقا ح ّتى يتك ّلم عن‬
‫‪ .‬انظر «احلياة الث ّ‬
‫دراية وعلم وال يعيد اكتشاف البارود وخلع األبواب املفتوحة عىل مرصاعيها ‪ .2‬أن يكون‬
‫متحريا‪ِ ،‬‬
‫ّ‬
‫متمكنا من موضوعه‪،‬ممسكا ّ‬
‫بكل أطرافه‪ .3 ،‬أن يكون‬
‫حذرا حذر العامل املتبصرّ‬
‫ّ‬
‫‪ .4‬أن تكون له من حصافة الفكر ما يضمن له عدم التناقض املفضوح‪ .5 ،‬أن يكون ثقة‬
‫يؤمتن عىل ما ليس له فيعطي ّ‬
‫كل ذي حقّ ح ّقه وال ينسب لنفسه ما هو لغريه‪ .6 ،‬أن يكون‬
‫موضوعيا وله من الفكر النقدي ما يدفعه إىل متييز األمور املشتبهة»‪ .‬وانتهينا إىل أنّه ال سبيل‬
‫ّ‬
‫ثم‬
‫سبق‪،‬‬
‫ما‬
‫ة‬
‫صح‬
‫ه‬
‫د‬
‫بر‬
‫الريفي‬
‫لنا‬
‫أثبت‬
‫لقد‬
‫بل‬
‫ذلك‪.‬‬
‫يف‬
‫مرتاجعني‬
‫ولسنا‬
‫م‬
‫زعمه‬
‫إىل ما‬
‫املقدّ‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫ببعض ما تيسرّ لنا من أد ّلة يف مقاله‪ ،‬فله الشكر‪.‬‬
‫‪3‬‬
‫املرة األخرية‪ ،‬فلنا عودة ملثيالهتا‪.‬‬
‫‪ .‬ولن تكون ّ‬
‫‪4‬‬
‫صمود هبذا العنوان الالتيين لكتاب كانتيليان “‪De‬‬
‫‪ .‬ال ندري من أين أتى األستاذ ّ‬
‫‪ ،“Institutione oratio‬وحسب علمنا كام نرى الكتاب بني أيدينا فعنوانه هو ‪Institutionis‬‬
‫‪ .oratoriae‬ويف بعض الطبعات ‪ ،De Institutione oratoria‬أو ‪Institutio oratoria‬‬
‫وبام أنّه ال ّ‬
‫الفرنسية؟‬
‫الالتينية فلامذا مل يذكر عنوان الكتاب بال ّلغة‬
‫يفك الرموز‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫‪ .5‬وال نقول أهدافه‪ ،‬ألنّه ال أثر لتحديد دقيق هلدف أو أهداف هلذا الكتاب‪ ،‬التي نجدها عادة‬
‫حمدّ دة بد ّقة يف املقدّ مة‪ .‬ولو رمنا التشنيع دون مناقشة الـ«جواهر»‪ ،‬الكتفينا بالقول ّ‬
‫إن هذه‬
‫القضية ال مكان هلا يف هذا الكتاب إ ّ‬
‫هيم‬
‫النرجسية أو‬
‫ال من باب‬
‫العرقية املعكوسة‪ .‬أ ّما فيام ّ‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫عنوان الكتاب‪ ،‬فقد استغرب الريفي من العنوان الذي أعطيناه ملقالنا ومل يالحظ أنّه عنوان‬
‫الفرنسية التي أعطاها أصحاهبا للكتاب‪ .‬إ ّ‬
‫ال أن نفهم ّ‬
‫أن هذه الرتمجة‬
‫الكتاب كام جاء يف الرتمجة‬
‫ّ‬
‫لىّ‬
‫عملية مربحة‬
‫عنواني‬
‫خمصصة للتصدير‪ ،‬بينام العنوان العريب لالستهالك املح ! واعطاء الكتاب‬
‫نْ‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫نحور إذن عنوان الكتاب‪ ،‬ولو شاء الريفي لرآى‬
‫وتدخل يف نفس باب الدعاية التي ذكرنا‪ .‬ومل ّ‬
‫حرصنا يف ّ‬
‫العربية يف متن املقال أ ّما وأنّه‬
‫مرة عىل ايراد عنوان الكتاب كام جاء يف صورته‬
‫ّ‬
‫كل ّ‬
‫يلومنا عىل «حتريف» العنوان وقد اختاره اجلامعة بأنفسهم فإنّه يلفت االنتباه فعال إىل ّ‬
‫أن يف‬
‫رسا‪ .‬وللمرء أن يتساءل‪ :‬ملاذا ال يناسب العنوان الفرنيس العنوان العريب؟‬
‫األمر ّ‬
‫‪ .6‬كام ّ‬
‫«أهم نظر ّيات احلجاج…»‪ ،‬ص ‪.22‬‬
‫صمود يف مقاله‪.‬‬
‫ذكر بذلك األستاذ ّ‬
‫ّ‬
‫التارخيية إذ مل يرتجم الرشّ اح من‬
‫‪ .7‬ولو شئنا التشنيع عليه آلخذناه كذلك عىل خلط املعطيات‬
‫ّ‬
‫الفالسفة العرب شيئا وال كانوا من املرتمجني‪.‬‬
‫‪178‬‬

:»‫ انظر بواسيوس «سلوى الفلسفة‬.8
Boèce, Consolation de la philosophie. Traduction de Louis Judicis de
Mirandol, Edition de la Maisnie. 1981.
:9‫ ص‬،‫ انظر نفس املقدّ مة‬.9
“Il est hélas depuis longtemps démontré que ces ouvrages, aussi étrangers
qu’il est possible au style et aux idées de Boèce, ne recèlent que de laborieuses
imitations de quelques passages d’Aristote traduits et commentés par l’auteur de
la Consolation, et que le pseudo-Boèce pilla sans vergogne.
Il est vraisemblable que cette fausse attribution ait reposé sur une simple
homonymie, l’Église s’honorant alors de trois ou quatre Severinus, nom que
portait également Boèce”».
ّ ‫ وإ‬،‫أن الريفي قد اكتفى بتوريق الكتاب‬
ّ ‫ ومن الواضح‬.10
‫مرة أخرى أن نسعفه‬
ّ ‫ال وجب علينا‬
ّ ‫ فلم ير ح ّتى‬،‫النيـة‬
.‫ أو ق ّلصها عمدا إىل النصف‬،‫كل االستشهادات املتع ّلقة بابن رشد‬
ّ ‫بسوء‬
‫ ورغم‬.‫تطور نظر ّية احلجاج و مفهوم املواضع‬
ّ ‫أمهية بواسيوس والقرون الوسطى يف فهم‬
ّ ‫ومل ير‬
ّ ‫أنّه كان من املفرتض أن يقرأه قبل كتابة مقاله ال بعدما ّنبهناه إليه رغم‬
‫أن الكتاب موجود بدار‬
‫ بأنّه اطلع عىل حمتويات دور الكتب‬،‫ ولن نصدّ قه‬،‫التونسية (إذ ما فائدة أن يبهرنا‬
‫الوطنية‬
‫الكتب‬
ّ
ّ
‫]) وهو ال يعرف ما‬1 ‫ ع‬،126 ‫ ص‬:‫ الفقرة األخرية [وهنا‬،2‫ ع‬،12‫(ص‬،‫األجنبية‬
‫الوطنية‬
ّ
ّ
‫ «ومل يسبق‬:‫ فيقول‬،‫ مثل ثيونفيل الذي هو يف صلب موضوعه‬،‫التونسية‬
‫ة‬
‫الوطني‬
‫باملكتبة‬
‫يوجد‬
ّ
ّ
‫ وقد انكر الريفي أن‬.)!)]1 ‫ ع‬،129 ‫ ص‬:‫ [وهنا‬1‫ فقرة‬1‫ ع‬14‫لنا أن اطلعنا عليه» ص‬
: ‫ بينام يقول ثيونفيل عن ابن رشد‬،‫متميزة البن رشد‬
ّ ‫يكون ثيونفيل أعطى مكانة‬
“mais c’est lui qui est le plus complet: il a résumé tout ce qui s’était fait
jusqu’alors, et ce n’est pas sans raison que M.Barthélémy St-Hilaire le place à
la tête de tous les commentateurs anciens et modernes. Son principal mérite,
c’est qu’il ne se contente pas d’expliquer les phrases à la manière des scoliastes
(p.111) La scolastique fit beaucoup moins que le Arabes pour les Topiques.
(111).
ّ ‫ولو قرأ الكتاب لعرف قيمة‬
،‫ بواسيوس‬،‫شيرشون‬...‫املفكرين الذين ملناهم عىل بعثهم للبالوعة‬
...‫ راموس‬،‫ پور رويال‬،‫اڤريكوال‬
“L’ouvrage de Boëce est toutefois très important à cause du rôle qu’il a joué
plus tard. Il fut le livre classique au moyen-âge. [Les travaux de Boèce sur la
topique] remplacèrent presque complètement [les Topiques d’Aristote].p.108.
Il a pris pour modèle Cicéron et non Aristote.”
ّ ‫وكذلك كيف‬
:‫أن «مواضع» شيرشون ليست تلخيصا لكتاب «املواضع» ألرسطو‬

179

“Sans cette regrettable confusion entre les lieux communs de Cicéron et
ceux d’Aristote, il est probable que la topique ne serait pas tombée dans un tel
discrédit” (p.122).
: ‫وكذلك‬
“On lisait concurremment des livres qui ne pouvaient s’accorder : Aristote,
Boèce et Cicéron.” (p. 113)
: ‫وعن قيمة بواسيوس‬
“Les Topiques d’Aristote étaient pourtant prescrits par les statuts de l’Université
de Paris comme un des livres qui devaient être lus dans les écoles. Mais il ne
paraît pas qu’on y ait fait beaucoup attention. On étudiait plutôt le traité de
differentiis topicis, [livre de Boèce], qui avait été prescrit en même temps. […] on
ne connut d’abord Aristote que par les versions et par les explications de Boèce.
Aussi la topique du Stagirite fut-elle remplacée de bonne heure par celle de ses
successeurs trop peu fidèles, Cicéron et Thémiste. p.111).
:‫الالتينية‬
‫خاصة يف التقاليد‬
ّ
ّ
“Agricola […] n’a fait qu’achever l’oeuvre du moyen-âge, en substituant
définitivement la théorie de Boèce à celle d’Aristote” (Thionville, p.114).
:‫ انظر ثيونفيل‬.11
“une théorie [celle des Topiques] créée par Aristote ne saurait être frappée
de stérilité”(p. 130).
:126 ‫انظر أطروحة ثيونفيل ص‬.12
“C’est ainsi que les topói, après avoir désigné des phrases, arrivèrent à ne
plus désigner que des mots” (Thionville, p.96).
:‫ويقول كذلك يف موقع آخر‬
“la théorie d’Aristote a été ruinée du jour où l’on a oublié ce principe [= lieux
généraux vs lieux spéciaux]” (Thionville p.126)
:‫ انظر ثيونفيل نفس املصدر‬.13
“Ce sont les modifications profondes que Cicéron a fait subir à la théorie des
lieux” (p.94),
.35 ‫انظر كذلك ص‬
ّ
‫ دار‬،»‫ وهو من يصفه الدكتور أسعد أمحد عيل يف كتابه «هتذيب املقدّ مة اللغو ّية للعالييل‬.14
‫ واملقصود باملقدّ مة هو كتاب‬.5‫ بأنّه «فراهيدي عرصنا» ص‬.1988 ،‫ دمشق‬،‫السؤال للطباعة‬
‫ وقد توفيّ حسب علمنا السنة املاضية‬1914 ‫ والعالييل من مواليد‬.»‫«مقدّ مة لدرس لغة العرب‬
180

‫وله عىل سبيل الذكر «املعجم الكبري» و«املرجع»‪ .‬واملقالة التي نرشهتا جم ّلة الفكر العريب‪،‬‬
‫الصادرة ببريوت‪ ،‬سنة ‪( ،1993‬عدد ‪ ،72‬ص ص‪ )26-9‬حتمل عنوان إحدى مقابستني‬
‫للشيخ العالييل يف ر ّده عىل من نقد معجمه سالف الذكر أي «املعجم الكبري»‪ ،‬بذات العنوان‬
‫«من ينقد عليك هو كمن يؤ ّلف معك»‪ .‬وقد أثنى عىل منتقديه (ومنهم العرويس املطوي‪،‬‬
‫(انظر ص‪ ))10‬وإن قسوا عليه‪.‬‬
‫خمصصة «للنقد والعقل النقدي»‪ ،‬ويا لسخرية‬
‫بالرجوع إىل املج ّلة املذكورة فهي ّ‬
‫ولكن‪ ،‬عليه ّ‬
‫ّ‬
‫األقدار‪ ،‬كان من املفرتض أن يكون هو من يدلنا عليها‪ ،‬ال أن نفعل ذلك‪ ،‬نحن الدّ خالء عىل‬
‫هذه الشّ عاب‪.‬‬
‫‪ .15‬إذا س ّلمنا بأنّه فعال كا َت َب ِ‬
‫فأجيب‪ :‬فبامذا عساه جييبه هذا «األستاذ الفرنيس» ‪-‬مع ما نعرفه‬
‫االنسانية‪ -‬وقد بعث إليه الريفي رسالة من حتت املاء‪ ،‬يستغيثه ويستنجد به‪ ،‬غري أنّه‬
‫عنهم من‬
‫ّ‬
‫ينقذه من االغريق‪.‬‬
‫‪16‬‬
‫ّ‬
‫صمود نفسه‪« :‬أ ّما مبحث القياس فواضح الصلة باملنطق وكثريا ما أشار املؤلف‬
‫‪ .‬انظر ما يقوله ّ‬
‫خالله إىل ما بني قول أهل املنطق وما يكتفي به يف لسان العرب»‪ ،‬التفكري البالغي‪ ،‬ص‪.80‬‬
‫الريفي‪«:‬أهم نظر ّيات احلجاج…»‪« :‬واألمر الذي ينبغي أن نتد ّبر أبعاده نحن املشتغلني‬
‫‪ .17‬انظر‬
‫ّ‬
‫بـ«البالغة» أي بدراسة بناء «األقاويل» حسب مصطلح القدامى أو «اخلطابات» حسب مصطلح‬
‫الفلسفية التي يفتحها ذلك الصرّ اع داخل فضاء اختصاصنا‪ ،‬فضاء البحث‬
‫املحدثني هو املساءلة‬
‫ّ‬
‫البالغي‪(».‬ص‪.)50‬‬
‫هيمنا ذلك يف‬
‫‪ .18‬حيثّنا الريفي عىل ال ّنظر يف املعاجم‬
‫العربية للبحث عن معنى «املرتائي»‪ ،‬وال ّ‬
‫ّ‬
‫الثقافية»‪،‬‬
‫يشء إذ أنّنا قد ّنبهنا إىل املعنى «املرسحي» للكلمة يف مقالنا بالعدد ‪ 106‬من جم ّلة «احلياة‬
‫ّ‬
‫هامش ‪ ،40‬ص‪[ 17،‬وهنا‪ :‬ص ‪ ،37‬الهامش ‪ ]40‬ولكن إذا كان ال بدّ من ال ّنظر يف‬
‫املعاجم الستعامل مصطلح ّما‪ ،‬فإنّه يلزمه التخليّ عن مصطلح «تبكيت» الذي يستعمله عرشات‬
‫العربية كام ينصح بذلك ألعاد‬
‫املرات يرفقه باملقابل الفرنيس(‪ ،)réfutation‬فلو نظر يف املعاجم‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫التطور ال ّلغوي؟‬
‫اسمه‬
‫بيشء‬
‫يسمع‬
‫مل‬
‫ه‬
‫ل‬
‫ولع‬
‫نبذه‪.‬‬
‫ام‬
‫ب‬
‫ور‬
‫استعامله‪،‬‬
‫يف‬
‫ظر‬
‫ال ّن‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫‪ .19‬راموس «اجلدل»‪:‬‬
‫‪Ramus Petrus (dit Pierre de la Ramée): Dialectique, 1555. Droz, Slatkine‬‬
‫‪Reprints. Genève.‬‬
‫‪ .20‬والظاهر ّ‬
‫بالالتينية وهي ‪Dialecticae‬‬
‫أن الريفي خيلط بينه وبني كتب راموس املكتوبة‬
‫ّ‬
‫)‪ Partiones, (1543‬و)‪Dialecticae Libri Duo. (1556‬‬
‫‪ .21‬راموس كتاب «اجلدل»‪ ،‬ص‪.1‬‬
‫‪ .22‬راموس كتاب «اجلدل»‪ ،‬ص‪.4‬‬
‫‪ .23‬راموس كتاب «اجلدل»‪ ،‬ص‪.1‬‬
‫الثقافية» عدد ‪ ،106‬ص‪[ 9‬وهنا‪ :‬ص ‪ .]22‬وسنورد هنا الرتمجات‬
‫‪ .24‬انظر مقالنا «احلياة‬
‫ّ‬
‫الفرنسية القديمة واحلديثة يف مقالنا املذكور‪:‬‬
‫واألملانية‪ ،‬بعدما أوردنا الرتمجات‬
‫األنغليز ّية‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫‪181‬‬

:‫ترمجة ريس روبارتس‬It is thus evident that Rhetoric does not deal with any one definite class of
subjects, but, like Dialectic, [is of general application]; also, that it is useful; and
further, that its function is not so much to persuade, as to find out in each case
the existing means of persuasion. (1355b,
:1 ‫انظر تعليق املرتجم هامش‬
(n°1. The early sophistical definition was “the art of persuasion.”).
:‫ وكذلك ترمجة الوسون طانكريد‬Hugh Lawson-Tancred, 1991, “It it then established that rhetoric is not
concerned with any single delimited kind of subject but is like dialectic and that
it is a useful art. It is also clear that its function is not persuasion. It is rather the
detection of the persuasive aspects of each matter and this is in line with
all other skills” (p.69-70, souligné par l’auteur, qui ajoute en note 6 p. 268
: “ In giving this definition, which is to be amplified in the next Section into
its full form, Aristotle is breaking with the sophistic conception of rhetoric and
offering a more tempered and judicious account of the activity, which avoids
any prejudgement of its pratical value”).
: ‫األملانية‬
‫وترمجة پول غولكه‬
ّ
Aristoteles: Die Lehrschriften: Rhetorik. Herausgegeben, übertragen und
in ihrer Entstehung erläutert von Dr. Paul Golkhe. Paderborn: Ferdinand
Schöningh 1959 :
“...auch daß es nicht ihre Aufgabe ist, wirklich zu überzeugen, sondern nur
den in jedem Gegenstand liegenden Überzeugungsgrund zu überblicken.”
:‫اخلاصة باخلطابة‬
‫املهمة‬
ّ
ّ ‫ويف تعريف‬
“Zudem erkennt man, daß dieselbe Kunst das Überzeugende und das nur
scheinbar überzeugende zu behandeln hat, [...]”
‫ «من أخذ‬:»‫يقول ابن رشيق القريواني يف «باب الرسقات وما شاكلها» من كتاب «العمدة‬.25
،‫ فإن غيرّ فيه بعض ال ّلفظ كان ساخلا» […] فإن ا ّدعاه مجلة‬،‫ كان سارقا‬،‫معنى بلفظه كام هو‬
.1039‫فهو انتحال […]»ص‬
: ‫نص برنشفيك‬
ّ ‫ ملن ال يتس ّنى له االطالع عىل‬.26
“A défaut de définition, un grand nombre de métaphores ont été proposées,
depuis sedes argumentorum (Cicéron. Top., 7-8) jusqu’à pigeon-holes (Ross, Aristotle, p.61), en passant par source, moule, matrice, filon, puits, arsenal, magasin, etc.
182

Cette abondance de métaphores trahit, en même temps qu’un certain embarras
devant la nature exacte du lieu, un certain émerveillement devant les exploits
que l’on attend de lui”».
:553 ‫ مدخل «االستكشاف» عمود‬،‫انظر القاموس الفلسفي ال ّتارخيي‬. 27
Historisches Wörterbuch der Philosophie. Herausgegeben von Joachim
Ritter & Karlfried Gründer. Schwabe & Co Verlag, 1992.
.)13 ‫وكذلك يف مقالنا هذا (اهلامش عدد‬
:179‫ ص‬،‫ انظر كتاب نيل ونيل‬. 28
Kneale &. Kneale The Development of Logic. p. 179
:‫ انظر ترمجة «اخلطابة» لريوال‬.29
“Il nous reste à parler des preuves communes à tous (les genres), puisque
l’on a parlé des preuves particulières (à chacune d’eux). Les preuves communes
sont de deux sortes: l’exemple et l’enthymème, car la sentence est une partie
de l’enthymème.
Parlons donc, en premier lieu, de l’exemple, car l’exemple ressemble à l’induction.” (p. 251).
ّ ‫ يقول الريفي‬،‫ومع هذا‬
‫إن ما جعله بني مع ّقفني هو «تعديل أدخله» عىل ترمجة بدوي يف ضوء‬
!‫الفرنسية التي اعتمد‬
‫«تأ ّمله» ملا جاء يف تلخيص ابن رشد وما جاء يف الرتمجة‬
ّ
: ‫ وهو ما يقوله تقريبا بارط‬.30
“Les trois premières sont les plus importantes (Inventio, Dispositio, Elocutio)
[…]. Les deux dernières (Actio et Memoria) ont été très vite sacrifiées, dès
lors que la rhétorique n’a plus seulement porté sur les discours parlés[…]”;
Communications 16, p. 197.».
ّ ‫إن خطابة أرسطو مل تو ّلد إ‬
ّ ‫ يقول بارط يف املصدر املذكور‬.31
pisteis, taxis, ‫ال أربعة أجزاء‬
.195 ‫ ص‬،lexis, hypocrisis
(Platon, Phèdre, 236a).‫أ‬،236 ،»‫ «فيدره‬،‫ انظر أفالطون‬.32
‫ فقد أعلن يف الفقرة التي‬،‫ إذ هو يعرف ما نعرف وما ال نعرف‬،‫ وهو عارف بذات الصدور‬.33
!‫قبلها أنّنا ال نعرف عن سمبليسيوس وال عن أ ّمونيوس شيئا‬
34
،106 ‫الثقافية» عدد‬
‫نص مقالنا («احلياة‬
ّ ‫مرات يف‬
ّ
ّ ‫ رغم ورودها ثالث‬،»‫ انظر مثال «مرتائي‬.
»‫األول») فإنّه وثب عىل الفرصة إذ وردت وقد سقطت منها التاء فأصبحت «املرائي‬
ّ ‫وهنا «املقال‬
‫ ومل يشأ أن يرى اهلامش‬.‫ وراح يف حمارضة طويلة عن ال ّنفاق عند ابن سينا‬.»‫عوض «املرتائي‬
ّ ‫الذي‬
‫نؤكد فيه عىل املعنى املرسحي لكلمة «مرتائي» (<يبدو أرسطو حمتارا مع هذا اجلنس فيضعه‬
‫الرابط الذي جيمع بني اخلطابة والشعر ّية يف‬
ّ ‫ أال يكون‬،‫مرة أخرى‬
ّ ‫مرة ويف اخلطابة‬
ّ ‫يف الشعر ّية‬

183

‫الثقافية» عدد‬
‫مستوى مرسحة االثنني معا يف معنى املرتائي؟> انظر اهلامش عدد ‪« ،40‬احلياة‬
‫ّ‬
‫‪ 106‬ص‪[ 17‬وهنا‪ :‬هامش ‪ 40‬ص ‪.)]37‬‬
‫‪ .35‬مع اإلشارة هنا إىل هّأنا سيئة الرتمجة‪ ،‬وال تناسب بتاتا النص األصيل (فيرتجم مثال “‪sedes‬‬
‫بالفرنسية “‪ ،”source‬وهي نوع من املغالطة‪ ،‬يعرفها ح ّتى‬
‫‪ ”ac loci‬بام يقابل «منبع» أو «عني»‬
‫ّ‬
‫بالعربية «التامثل املفردايت»)‪.‬‬
‫بالفرنسية “‪ ،”isolexisme‬ويقابلها‬
‫البالغيون ويعبرّ ون عنها‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫ويقول‬
‫ويسمح الريفي لنفسه بـ«تركيب»(‪ )montage‬االستشهادات الستجالب ما يراه صاحلا ّ‬
‫شيرشون ما مل يقله أبدا‪ .‬وهذا ال جيوز! والفقرة التي يستشهد هبا الريفي ص‪ ،14‬عمود ‪،2‬‬
‫تتكون يف «املقتطفات» يف احلقيقة من ‪ 4‬صفحات‪ .‬أ ّما يف‬
‫فقرة ‪[ ،1‬وهنا‪ :‬ص ‪ ،130‬ع‪ّ ]1‬‬
‫النص األصيل َفي ْفصل بني اجلملتني ما ال ّ‬
‫يقل عن العرشين صفحة (يناسبها ‪ 40‬فقرة مر ّقمة)‪،‬‬
‫ّ‬
‫عالوة عىل ّ‬
‫أن اجلملة الثانية مقطوعة من وسطها!!!‬
‫‪ .36‬ابن األثري ‪« :‬اجلامع الكبري يف صناعة املنظوم من الكالم واملنثور»‪ .‬مطبوعات املجمع‬
‫العراقي‪ ،‬بغداد ‪ .1956‬انظر صفحات ‪ ،165 ،164 ،160‬أو إمجاال وهي األكثر وضوحا‬
‫ص‪« : 293‬القسم الثاني من الكناية وهو اإلرداف» (‪« )160‬القسم الثالث من الكناية وهو‬
‫ثم «تنقسم الكناية إىل ثالثة أقسام ‪ :‬متثيل وإرداف وجماورة»‪.‬‬
‫املجاورة (ص‪ّ .)164‬‬
‫‪ .37‬انظر انعام نوال ّ‬
‫العلمية ‪،1992‬‬
‫املفصل يف علوم البالغة»‪ ،‬دار الكتب‬
‫عكاري‪« ،‬املعجم‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫ص‪ ، 58-55‬و ‪ .629-628‬وقد ذكرت ما ذكره تقريبا ابن األثري ّ‬
‫حجة‬
‫وذكرت بام قاله ابن ّ‬
‫احلموي‪« :‬الكناية هي اإلرداف بعينه عند علامء البيان»‪ .‬ص ‪.629‬‬
‫‪ .38‬ح ّتى إن وجدنا العالقة معكوسة يف بعض املراجع‪.‬‬
‫‪39‬‬
‫حممد غاليم ‪ :‬التوليد الداليل يف البالغة واملعجم‪ ،‬دار توبقال لل ّنرش‪ .‬الدّ ار‬
‫‪ّ .‬‬
‫البيضاء‪.1987،‬‬
‫د‪.‬حممد مفتاح‪« :‬نحو إعادة بناء البيان العريب‪ :‬نقد التعريف املنطقي»‪ ،‬املناظرة‪،‬‬
‫‪ .40‬انظر مقال‬
‫ّ‬
‫عدد ‪ 1‬جويلية ‪ ،1989‬ص‪.71‬‬

‫‪184‬‬

185

‫املالحق‬

‫‪186‬‬

187

‫قائمة املصادر واملراجع‬
‫بالعربية ‪:‬‬
‫املصادر واملراجع‬
‫ّ‬

‫الثقافية‪ ،‬العدد ‪ ،102‬فيفري‬
‫أبو يعرب املرزوقي ‪« :‬موجز تاريخ الفلسفة املع ّلل»‪ ،‬احلياة‬
‫ّ‬
‫‪.1999‬‬
‫أرسطوطاليس ‪ :‬التحليالت الثانية (منطق أرسطو) حتقيق عبد الرمحان بدوي‪ ،‬دار القلم‪.‬‬
‫بريوت‪.1980 .‬‬
‫أرسطوطاليس ‪ :‬اخلطابة‪( ،‬الرتمجة العربية القديمة) حتقيق عبد الرمحان بدوي‪ ،‬دار القلم‪.‬‬
‫بريوت‪.1979 .‬‬
‫فن الشعر‪ ،‬ت شكري حممد عياد‪ ،‬دار الكتاب العريب‪ .‬القاهرة‪.1967 .‬‬
‫أرسطوطاليس ‪ّ :‬‬
‫أسعد‪ ،‬أمحد عيل ‪« :‬هتذيب املقدّ مة ال ّلغو ّية للعالييل»‪ ،‬دار السؤال للطباعة‪ ،‬دمشق‪.1988 ،‬‬
‫ابن األثري ‪ :‬اجلامع الكبري يف صناعة املنظوم من الكالم واملنثور‪ .‬مطبوعات املجمع العراقي‪،‬‬
‫بغداد ‪.1956‬‬
‫ابن املقفع‪ ،‬عبد اهلل‪ ،‬األدب الكبري واألدب الصغري‪ ،‬دار اجليل‪ ،‬بريوت‪.‬‬
‫ابن خلدون‪ ،‬املقدّ مة‪ ،‬الدار التونسية للنرش‪ ،‬تونس‪.1984 ،‬‬
‫ابن رشد‪ ،‬أبو الوليد‪ :‬تلخيص اخلطابة‪ ،‬حتقيق عبد الرمحان بدوي‪ ،‬دار القلم‪ ،‬بريوت‪.‬‬
‫الرشقية‪ .‬بريوت‪.‬‬
‫ابن رشد‪ ،‬أبو الوليد‪ :‬تلخيص منطق أرسطو‪ ،‬حتقيق جريار جهامي‪ ،‬املكتبة‬
‫ّ‬
‫‪.1982‬‬
‫ابن رشد‪ :‬تلخيص الشعر ‪ ،‬حتقيق د‪.‬بدوي‪ ،‬بريوت ‪.1973‬‬
‫ابن سينا‪ ،‬أبو عيل‪ :‬اإلشارات والتنبيهات‪ ،‬دار املعارف بمرص‪ ،‬القاهرة‪.1906 ،‬‬
‫ابن وهب‪ ،‬أبو احلسن اسحاق‪ :‬الربهان يف وجوه البيان‪ .‬ت حفين حممد رشف‪ ،‬مكتبة الشباب‪.‬‬
‫القاهرة‪.1996 ،‬‬
‫حيان‪ :‬اإلمتاع واملؤانسة‪ ،‬املكتبة العرص ّية‪ ،‬بريوت‪.1960 ،‬‬
‫التوحيدي‪ ،‬أبو ّ‬
‫الرمحانية‪ ،‬القاهرة‪.1929 ،‬‬
‫املطبعة‬
‫املقابسات‪،‬‬
‫ان‪:‬‬
‫حي‬
‫ّ‬
‫التوحيدي‪ ،‬أبو ّ‬
‫الثعالبي‪ ،‬أبو منصور اسامعيل ‪ :‬النهاية يف الكناية‪ ،‬دار املعارف للطباعة ولل ّنرش‪ .‬تونس‪،‬‬
‫‪.1995‬‬
‫اجلرجاني‪ ،‬عبد القاهر‪ :‬أرسار البالغة‪ ،‬ت حممد رشيد رضا‪ ،‬بريوت‪.1978 ،‬‬
‫اجلرجاني‪ ،‬عبد القاهر‪ :‬دالئل اإلعجاز‪ ،‬ت حممد رشيد رضا‪ ،‬القاهرة ‪.1969‬‬
‫العلمية‪ ،‬بريوت‪.1983 ،‬‬
‫السكاكي‪ ،‬أبو يعقوب‪ :‬مفتاح العلوم‪ ،‬دار الكتب‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫العالييل‪ ،‬عبد اهلل ‪« :‬من ينقد عليك هو كمن يؤ ّلف معك»‪ ،‬جملة الفكر العريب‪ ،‬بريوت‪ ،‬سنة‬
‫‪( ،1993‬عدد ‪ ،72‬ص ص‪)26-9‬‬
‫الفارايب‪ ،‬أبو نرص‪ :‬كتاب األلفاظ املستعملة يف املنطق‪ ،‬ت حمسن مهدي‪ ،‬دار املرشق‪ ،‬بريوت‪.‬‬
‫‪.1983‬‬
‫اإلسالمية‪ ،‬دار القلم‪ ،‬بريوت‪.1980.‬‬
‫بدوي‪ ،‬عبد الرمحان‪ :‬الرتاث اليوناني يف احلضارة‬
‫ّ‬
‫القضائية‪ ،‬نشأهتا وأصوهلا‪...‬لغتها‪...‬أساليبها‪...‬طرق أدائها»‪،‬‬
‫د‪ .‬سلامن القضاة‪« :‬املرافعة‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫األول ‪ .1997‬ص‪163‬‬
‫وز‪-‬كانون‬
‫مت‬
‫‪،21‬‬
‫السنة‬
‫‪،53‬‬
‫العدد‬
‫األردني‪،‬‬
‫العربية‬
‫جم ّلة جممع ال ّلغة‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫و‪.169‬‬
‫الغربية من أرسطو إىل اليوم‪.‬‬
‫أهم نظر ّيات احلجاج يف التقاليد‬
‫صمود‪ّ ،‬‬
‫محادي ‪( :‬حتت ارشاف)‪ّ :‬‬
‫ّ‬
‫‪188‬‬

.1998 .‫ تونس‬.‫ منوبة‬،‫كلية اآلداب‬
ّ
.1981 ‫ تونس‬،‫ منشورات اجلامعة التونسية‬،‫ التفكري البالغي عند العرب‬: ‫محادي‬
ّ ،‫صمود‬
.1999 ‫ تونس‬،‫ دار قرطاج للنرش والتوزيع‬،‫ من جت ّليات اخلطاب البالغي‬: ‫محادي‬
ّ ،‫صمود‬
.1998 ،‫ بريوت‬،‫ نرش املركز الثقايف العريب‬،‫ اللسان وامليزان‬:‫ عبد الرمحان‬،‫طه‬
.1994 ،‫ بريوت‬،‫ نرش املركز الثقايف العريب‬،‫ جتديد املنهج يف تقويم الرتاث‬:‫ عبد الرمحان‬،‫طه‬
ّ
.1992 ،‫ بريوت‬،‫العلمية‬
‫ دار الكتب‬،‫املفصل يف علوم البالغة‬
ّ ‫ املعجم‬:‫ انعام نوال‬،‫عكاري‬
ّ
.1987 ،‫ الدّ ار البيضاء‬.‫ دار توبقال لل ّنرش‬،‫ التوليد الداليل يف البالغة واملعجم‬: ‫حممد غاليم‬
ّ
.1992 ،‫ تونس‬،‫العربية للكتاب‬
‫الدار‬
،‫ة‬
‫ي‬
‫والشعر‬
‫الشعر‬
:
‫اليوسفي‬
‫لطفي‬
‫حممد‬
ّ
ّ
‫ جويلية‬1 ‫ عدد‬،‫ املناظرة‬،»‫ نقد التعريف املنطقي‬:‫ «نحو إعادة بناء البيان العريب‬:‫حممد مفتاح‬
ّ
.1989

: ‫األجنبية‬
‫املصادر واملراجع باللغات‬
ّ
Ajdukiewicz, (K.), Pragmatic Logic. D.Reidel. P.C. Holland. 1975.
Anscombre, ( J.-C.) : «Voulez-vous dériver avec moi?», in Communications
n°32, 1980, pp. 61-124.
Anscombre, ( J.-C.), 1995, “La nature des topoï”, in Théorie des topoï,
édited by J-C.Anscombre, pp.49-83. Kimé.
Anscombre, ( J.-C..), et Ducrot, (O.), “ Argumentativité et informativité”,
in Meyer (édit.), De la Métaphysique à la rhétorique. Essais à la
mémoire de Ch. Perelman. Bruxelles, 1986, pp.79-96.
Anscombre, ( J.-C..), et Ducrot, (O.), L’argumentation dans la langue.
Bruxelles, Mardaga. 1983.
Aristote, De l’interprétation, éd.Vrin, Paris. 1959.
Aristote, Rhéthorique, éd. Les Belles-Lettres, Paris. 1967.
Aristote, Réfutations sophistiques, éd. Vrin, Paris. 1977.
Aristote, Les Topiques, éd.Vrin, Paris. 1965.
Aristoteles, Die Lehrschriften: Rhetorik. Herausgegeben, übertragen
und in ihrer Entstehung erläutert von Dr. Paul Gohlke. Paderborn:
Ferdinand Schöningh 1959.
Arnaldez, (A.), «Influence des traductions d’Aristote sur l’évolution de la
langue arabe». Actes du Congrès de l’Association G.Budé. Lyon, 1958,
pp.111-114.
Arnauld (A.) et Nicole (P.), La logique ou l’art de penser. (dite «Logique
de Port-Royal») Flammarion. Paris. 1967.
189

Bacon, (F.), : Novum Organum, introd. trad. et notes par Michel Malherbe
et J-M.Pousseur, PUF, 1986.
Bannour, (A.), «Aperçu sur la terminologie modale et son usage en linguistique»,
in La Banque des mots, n°19, Paris, PUF, 1980, pp.25-34.
Bannour, (A.), Recherches sur les structures modales dans le système
verbal. PUT, 1986:
Bannour, (A.), Rhétorique des attitudes propositionnelles. 1991,
Barthes, (R.), «L’ancienne rhétorique, aide mémoire», Communications,
n°16, 1973, pp.172-223.
Benveniste, (E.), «Catégories de pensées et catégories de langue», in Problèmes
de Linguistique générale, T.I, Gallimard. Paris. 1966.
Boèce, Consolation de la philosophie. Traduction de Louis Judicis de
Mirandol, Edition de la Maisnie. 1981.
Bruxelles, (S.), Ducrot, (O.) & Raccah, (P-Y.): “Argumentation and the
lexical topical fields” in Journal of Pragmatics, 1995, pp.99-114.
Carnap, (R.), Introduction to Semantics, Harvard University Press.
[1961].
Carnap, (R.), Meaning and Necessity. University of Chicago Press.
1947.
Caron, ( J.), Les régulations du discours. PUF. Paris. 1983.
Carrol (Lewis), Logique sans peine. Hermann. Paris. 1966.
Cicéron, De Oratore. Les Belles-Lettres. [De l’orateur.] Paris. 19561959.
Ciceron, Orator, Garnier, [L’orateur. Du meilleur genre d’orateur.],
Les Belles-Lettres. Paris. 1921.
Ciceron, De Inventione, Garnier, [L’invention] Paris, 1932.
Ciceron, Partitiones Oratoriae. [Division de l’art oratoire]. Topica.
[Topiques.], Les Belles-Lettres. Paris. 1924.
Cornulier, (B. de ), «Pour l’analyse minimaliste de certaines expressions
de quantité», in Journal of Pragmatics, 1984, n°8. pp.661-691.
Cornulier, (B. de ), «La notion de dérivation délocutive», in Revue de
Linguistique Romane, 1976, pp. 116-144.
Ducrot, (O.), «Dynamique du sens et scalarité», in L’argumentation,
Mardaga. 1991.
Ducrot, (O.), “Les topoi dans la <Théorie de l’argumentation dans la langue>”,
in Lieux communs, stéréotypes, clichés. Plantin édit. Kimé, 1993,
pp.233-248.
Ducrot, (O.) “Analyses pragmatiques”, in Communication, n°32, pp.11-60.

190

Ducrot, (O.), : «Les topoi dans la <Théorie de l’argumentation dans la
langue>», in Lieux communs, stéréotypes, clichés. Plantin édit. Kimé,
1993, pp.233-248.
Ducrot, (O.), Le dire et le dit. Minuit. Paris. 1984.
Ducrot, (O.), Le dire et ne pas dire. Hermann. Paris. 1972.
Ducrot, (O.) & alii. Les mots du discours. Minuit. Paris, 1980.
Ducrot, (O.), «Argumentation et persuasion», in Énonciation et parti pris,
edited by W.de Mülder, F.Schürewegen et Liliane Tasmowski-De
Ryck, pp.143-158. Rodopi. Amsterdam, 1992.
Ducrot, (O.), et Anscombre, ( J.-C.), “Argumentativité et informativité”,
in M.Meyer (édt). De la métaphysique à la rhétorique. Essais à la
mémoire de Chaïm Perelman. Éditions de l’Université de Bruxelles.
1986, pp.79-94.
Ducrot, (O.), La preuve et le dire. Mame, 1973. Chap. “Les échelles
argumentatives” pp.225-285.
Eggs, (E.), «L’actualité du débat sur les topoi dans la rhétorique et la dialectique
traditionnelles», in Lieux communs, stéréotypes, clichés, édité par
Ch. Plantin. Paris,Kimé, 1993.
Eggs, (E.), 1978, Die Rhetorik des Aristoteles. Ein Beitrag zur
Argumentationstheorie und zur Syntax der komplexen Sätze (im
Französichen).
Eggs, (E.), Grammaire du discours argumentatif. Kimé. 1994, pp. 3031.
Gabrieli, (F.), «Estetica e poesia araba nell’interpretazione della poetica
aristotelica presso Avicennna e Averroè», in Rivista degli Studi
Orientali, n°12, 1929, pp. 291-331.
Hamblin, (C.L.), “Questions”, in Australian Journal of Philosophy n°36,
1958, pp.159-168.
Hamblin, (C.L.), Fallacies. Methuen. London. 1970.
Hintikka ( J.), «The Fallacy of Fallacies», in Argumentation, 1, 3, pp. 211238. 1987.
Hintikka ( J.) et Kulas ( J.), The Game of Language. Reidel P.C.
Dordrecht. Holland. 1983.
Ritter, ( Joachim) & Gründer, (Karlfried), (Herausgegeben von -),
Historisches Wörterbuch der Philosophie. Schwabe & Co Verlag,
1992.
Kneale, (W.), & Kneale, (M.), The Development of Logic. Clarendon
Press. Oxford. 1978.
Larendeau, (P.) “Contre la trichotomie Syntaxe/sémantique/pragmatique”, in
Revue de Sémantique et Pragmatique, n° 1. 1998. pp. 115-131.
191

Lund, (S.N.), “Dynamisme et topoï argumentatifs”, in Journal of Pragmatics,
1998, pp.615-626.
Marion, (C.), “Vers une formalisation de la théorie de “l’argumentation
dans la langue”. Thèse de l’EHESS, 1992.
Meyer, (M.), (édit.), De la Métaphysique à la rhétorique. Essais à la
mémoire de Ch. Perelman. Bruxelles, 1986,
Meyer, (M.), Questions de rhétorique. Hachette. Paris. 1993.
Meyer, (M.), Logique, langage, et argumentation, Hachette. Paris.
1982.
Mill, (S.), Utilitarism. Frazer. 1861.
Morris, (CH.), : Foundations of The Theory of Signs, International
Encyclopedia of Unified Science. Chicago, 1938.
Morris, (CH.), Signs, Language and Behavior. New York. 1946.
Parret, (H.), Prolégomènes à la théorie de l’énonciation. Peter Lang.
Berne.1987.
Parret, (H.) Prolégomènes à la théorie de l’énonciation. Peter Lang
Verlag,1987, Chap. 7. pp.207-227.
Perelman, (CH.): “Logique formelle et argumentation” in Bange, (P.),
Bannour, (A.), Berrendonner, (A.), Ducrot, (O.), Kohler-Chesny,
(C.), Lüdi,(G.), Perelman,(CH.), B.Py,(B.), & Roulet, (E.): Logique,
Argumentation, Conversation, Peter Lang, Berne/Francfort, 1983.
pp.167-176
Perelman, (CH.), Rhétoriques. (posthume), Université de Bruxelles.
1989.
Perelman, (CH.), Le champ de l’argumentation. Université de Bruxelles.
1970.
Perelman, (CH.), L’emprire rhétorique. Vrin. Paris. 1977.
Perelman, (CH.), The New Rhetoric and the Humanities. D.Reidel
Publishing Co. Holland. 1979.
Perelman, (CH.), et Olbrecht-Tyteca (L.), Traité de l’argumentation.
Université Libre de Bruxelles. 1970.
Plantin, (Ch.), Essais sur l’argumentation, Kimé, Paris. 1990.
Plantin, (Ch.), L’argumentation. Mémo. Seuil. Paris. 1996.
Platon, Phèdre. Garnier-Flammarion. Paris. 1989.
Quintilien, L’institution oratoire, éditions «Belles-Lettres», Paris,
1956.
Raccah, (P.-Y.), «Expertise et gradualité: connaissances et champs topiques» in
Sémantique et cognition, Danièle Dubois (édit). CNRS éditions,
Paris. 1993, pp.189-203.

192

Raccah, (P.-Y.), “Those inferences, so to speak built in the words“, in
Journal of Pragmatics, n° 24, 1995.
Ramus Petrus (dit Pierre de la Ramée): Dialectique, 1555. Droz, Slatkine
Reprints. Genève.
Rastier, (F.) “Sur l’immanentisme en sémantique”. in Cahiers de Linguistique
Française n° 15, 1994. pp.325-335.
Ross, (Haj) : “On Declarative Sentences”, in Jakobs & Rosenbaum (eds),
Reading in English Transformational Grammar. Waltham.
Searle ( J.R.), Les actes de langage. Hermann. Paris. 1972.
Thionville, (E.), : De la théorie des lieux communs dans les Topiques
d’Aristote et des principales modifications qu’elle a subies jusqu’à
nos jours. 131 pp. Paris, Chez Auguste Durand, Librairie, Rue Grés,
n°7, 1855.
Toulmin, (S.), Les usages de l’argumentation, PUF. 1993, Paris. [Toulmin,
The Uses of Argument. Cambridge University Press. 1974.]
Tutescu, (M.), L’Argumentation, Editura Universiâtii Bucuresti. 1998.
Viehweg, (Th.), Topik und Jurisprudenz (Ein Beitrag zur
rechtswissenschaftlichen Grundlagenforschung). 1953,
Walton, (D.N.), Topical Relevance in Argumentation. John Benjamin.
Amsterdam. 1982.
Wittgenstein, (L.), Recherches philosophiques. Gallimard. Paris.
[1953].
Woods ( J.), & Walton, (D.N.), Argument: the Logic of the Fallacies.
Toronto. McGraw Hill. 1985.

193

‫فهرس املحتويات‬
‫توطئة ‬

‫‪7.......................................................‬‬

‫‪11.........................................................‬‬
‫األول‪ :‬‬
‫المقال ّ‬
‫‪ .I.‬الحجاج عند أرسطو ‪ :‬قراءة فتساؤالت ‪12..............................‬‬
‫‪ ..‬أ‪ .‬رشط االطالع ‪13.................................................‬‬
‫‪..‬ب‪ .‬الفرق بني "الذئاب والكالب"‪13................................‬‬
‫‪..‬ج‪ .‬أدوات العمل ‪15.................................................‬‬
‫‪..‬د‪ .‬الفرنس ّية َم ْعلم استداليل غري ثابت ‪17.............................‬‬
‫‪..‬هـ‪ .‬تعريف اخلطابة ‪19...............................................‬‬
‫‪..‬و‪ .‬مبدأ التناقض ‪20................................................‬‬
‫‪ .II‬التقديم بني االعرتاف والتضليل ‪20.....................................‬‬
‫‪ .III‬التدقيق املصطلحي وتناسقه ‪22.........................................‬‬
‫‪.IV‬مستلزمات احلداثة ‪25...................................................‬‬
‫‪..‬أ‪ .‬املبدأ السلوكي والتفسري البديل‪29.................................‬‬
‫‪..‬ب‪ .‬جتاوز املبادئ أو قدر اخلطابة من قدر املنطق ‪31.................‬‬
‫‪..‬ج‪ .‬نحو نموذج سلوكي جديد  ‪31...................................‬‬
‫ ‪".V‬من ينقد عليك كمن يكتب معك" ‪32...................................‬‬
‫األول ‪33......................................................‬‬
‫هوامش املقال ّ‬
‫المقال الثاني‪43........................................................ :‬‬
‫‪ .V‬قراءات يف «مصنَّف يف احلجاج» ومزايا الرتمجة الرصحية ‪44..............‬‬
‫‪..‬أ‪ .‬يف مفهوم احلجاج ‪44..............................................‬‬
‫الصلـة ‪45..........................................‬‬
‫‪..‬ب‪ .‬مبدأ مناسبة ّ‬
‫‪..‬ج‪ .‬زيارة خاطفة ملجموعة حتف پالنتني ‪46...........................‬‬
‫عدو مشرتك بني پرملان وديكرو؟‪47..........................‬‬
‫‪ .A‬الوضع ّية ّ‬
‫‪..‬أ‪ .‬احلجاج واملنطق ‪48................................................‬‬

‫‪194‬‬

‫‪..‬ب‪ .‬فصل يف الـتورية الـنظر ّية ‪49...................................‬‬
‫‪ .1.‬الثالث ّية السيميائ ّية ‪50..................................................‬‬
‫‪..‬أ‪ .‬االعرتاف بثالث ّية موريس تركيب\داللة\تداول ّية ‪50...............‬‬
‫التصور األدنى للتداول ّية‪52......................................‬‬
‫‪..‬ب‪.‬‬
‫ّ‬
‫‪53......................................................‬‬
‫ ‬
‫‪ .2‬احلرف ّية‬
‫‪ 54......................................................‬‬
‫‪ .3‬التأصيل ّية ‬
‫‪ .4‬املوضوعان ّية ‪56......................................................‬‬
‫‪ .5‬ال ّ‬
‫‪58......................................................‬‬
‫ ‬
‫الأدر ّية‬
‫‪..‬أ‪ .‬نوع من الذر ّية(‪58....................................)atomisme‬‬
‫ ‪.‬ب‪ .‬االستدراك ‪59...................................................‬‬
‫‪..‬ج‪ .‬ك ّفا عن الـتّعرية النظر ّية‪59.......................................‬‬
‫ ‪.‬د‪« .‬اليد الثالثة» ‪60...................................................‬‬
‫‪61......................................................‬‬
‫‘‪ .V‬قفلة مؤ ّقتة ‬
‫هوامش املقال الثاين‪62......................................................‬‬
‫المقال الثالث‪75........................................................ :‬‬
‫(تتمة) ‪ .V‬قراءات يف «مصنَّف يف احلجاج» و مزايا الرتمجة الرصحية‪76......‬‬
‫ّ‬
‫‪..‬د’ ‪ .‬بني پرملان وطوملني‪76............................................‬‬
‫‪ .’V‬فصل ال مكان له ‪79....................................................‬‬
‫‪..‬أ‪ .‬بني ديكرو وطوملني‪79.............................................‬‬
‫‪ .VI‬نظر ّية ال ّ‬
‫الحجاج يف ال ّلغة‪ ،‬أو بيع «الفريپ» النّظري دون «تقليب»‪81.‬‬
‫‪.1.‬ساقان يف ّ‬
‫خف واحد‪ ،‬أو مبدأ الثالث املرفوس ‪82......................‬‬
‫سنسمي هذا الـنّغل؟‪84..........................................‬‬
‫‪ .2.‬كيف‬
‫ّ‬
‫‪ .3 .‬هل انتهى مسلسل اعرتافات ديكرو؟ ‪87...............................‬‬
‫‪..‬أ‪ .‬اسرتاتيج ّية العضاية‪87.............................................‬‬
‫‪ .4‬ال يملك املبخوت ّ‬
‫إال محارا هزيال‪ :‬فهل سيفتقر؟ ‪88...................‬‬
‫‪ .5‬شو ّية وأخواهتا ‪91......................................................‬‬
‫‪ .6‬انتحار آخر اهلنود احلمر‪ .‬أو كيف تكون ملك ّيا أكثر من امللك؟ ‪92.....‬‬
‫‪ .VII‬قض ّية املساءلة يف البالغة واحلجاج‪94.................................‬‬

‫‪195‬‬

‫‪..‬أ‪ .‬املسند إليه‪ ،‬وفرض ّية اإلنشاء ‪95...................................‬‬
‫‪.VIII‬يف نقد األساليب املغالط ّية  ‪96.........................................‬‬
‫‪ .IX‬فصل املقال ‪97......................................................‬‬
‫هوامش املقال الثالث‪99......................................................‬‬
‫ردّ األستاذ الريفي ّ‬
‫ (كل ُمجــــ ٍر في الخـــالء يســـــر) ‪107...............‬‬

‫ نقد مصطلحات أم تالعب بالمصطلحات؟ ‪109............................‬‬
‫«نقد علمي» يعتمد «اليد الثانية»! ‪115......................................‬‬
‫سكوت «الناقد» عن جوهر المسائل ‪117...................................‬‬
‫في استيعاب ال ّتراث دون معرفته!‪123......................................‬‬
‫أحقّا قتل أرسطو درسا؟ مغالطة البتر! ‪125.................................‬‬
‫حفظ قضايا ال يمسك السيد ب ّنور بخيوطها! ‪129...........................‬‬
‫مغالطات أخرى جزئية‪135................................................ :‬‬
‫جنت براقش…!) ‪141.......................‬‬
‫تعقيب على الردّ ‪( .:‬على نفسها‬
‫ْ‬
‫‪ّ .I‬‬
‫رس إىل اخلالء يجُ ّر» ‪142............................................‬‬
‫«كل ُم ٍّ‬
‫اسرتاتيجية «قبلة ‘حقل’ الزيتون»! ‪144.................................‬‬
‫‪.II‬‬
‫ّ‬
‫‪ .III‬مسألة «جوهر املسائل» ‪145............................................‬‬
‫النية؟‪147..........................................‬‬
‫‪ .IV‬ملاذا سنسعفه بسوء ّ‬
‫‪« -..‬القول املتهافت» ‪ 149.............................................‬‬
‫‪ -..‬االمتالء ّ‬
‫بالذات أو عرص االستهالك املعريف؟ ‪150................‬‬
‫‪ -..‬من ال يمتلك خيوط ال ّلعبة؟ ‪151.................................‬‬
‫‪ .V‬زندقة احلداثة! ‪153....................................................‬‬
‫السلطة العلم ّية «النكرة»!!! ‪154................................‬‬
‫‪ّ .VI‬‬
‫حجة ّ‬
‫رباعيات األدب‪ ،‬ويف معرفة الرتاث دون استيعابه ! ‪155.............‬‬
‫‪. VII‬‬
‫ّ‬
‫‪ -..‬ملاذا يستحسن تعمية االستشهادات؟ ‪161.........................‬‬
‫‪ -..‬س ُب ٌع ْأم…ماذا؟ ‪162..............................................‬‬
‫‪ .VIII‬مسالك التشنيع !‪164...............................................‬‬

‫‪196‬‬

‫‪ -..‬احلجاج بني ال ّنظر ّية والتطبيق‪169.................................‬‬
‫‪ .IX‬البالغة بالغات؟ ‪170.................................................‬‬
‫‪ -..‬ملن درس الكناية إذن؟ ‪ 172.......................................‬‬
‫‪ .X‬امتنان… ولكن «أنت أيضا يا بين!» ‪173..............................‬‬
‫هنائية ‪175....................................................‬‬
‫‪ .XI‬قفلة ّ‬
‫هوامش املقال الرابع ‪177...................................................‬‬
‫‪185.......................................................‬‬
‫املالحق ‬
‫قائمة املصادر واملراجع ‪187..................................................‬‬
‫‪ 193.......................................................‬‬
‫ ‬
‫الفهرس‬

‫‪197‬‬

Sign up to vote on this title
UsefulNot useful