You are on page 1of 258

‫الموسوعة الفقهية ‪ /‬الجزء الرابع‬

‫******************‬
‫استعاذةٌ‬
‫التعريف ‪:‬‬
‫‪ - 1‬الستعاذة لغ ًة ‪ :‬اللتجاء ‪ ،‬وقد عاذ به يعوذ ‪ :‬لذ به ‪ ،‬ولجأ إليه ‪ ،‬واعتصم به ‪ ،‬وعذت‬
‫ي ‪ ،‬فقد‬
‫ن واستعذت به ‪ :‬أي لجأت إليه ‪ .‬ول يختلف معناها اصطلحا عن المعنى اللّغو ّ‬
‫بفل ٍ‬
‫عرّفها البيجوريّ من الشّافعيّة بأنّها ‪ :‬الستجارة إلى ذي منع ٍة على جهة العتصام به من‬
‫المكروه ‪ .‬وقول القائل ‪ :‬أعوذ باللّه ‪ ..‬خبرٌ لفظا دعاءٌ معنًى ‪.‬‬
‫ولكن عند الطلق ‪ ،‬ول سيّما عند تلوة القرآن أو الصّلة تنصرف إلى قول ‪ ( :‬أعوذ باللّه‬
‫من الشّيطان الرّجيم ) وما بمنزلتها كما سيأتي ‪.‬‬
‫اللفاظ ذات الصّلة ‪:‬‬

‫أ ‪ -‬الدّعاء ‪:‬‬
‫شرّ ‪.‬‬
‫شرّ والستعاذة دعاءٌ لدفع ال ّ‬
‫‪ - 2‬الدّعاء أعمّ من الستعاذة ‪ ،‬فهو لجلب الخير أو دفع ال ّ‬
‫صفتها ‪ :‬حكمها التّكليفيّ ‪:‬‬
‫‪ - 3‬الستعاذة سنّ ٌة عند أغلب الفقهاء ‪ ،‬وقال البعض بوجوبها عند قراءة القرآن ‪ ،‬وعند‬
‫الخوف ‪ .‬وسيأتي تفصيل الحكم في كلّ موطنٍ على حدةٍ ‪.‬‬
‫حكمة تشريعها ‪:‬‬
‫ل ما فيه شرّ ‪ ،‬وشرعها سبحانه عند‬
‫‪ - 4‬طلب اللّه سبحانه من عباده أن يستعيذوا به من ك ّ‬
‫القيام ببعض العمال ‪ ،‬كقراءة القرآن في الصّلة وخارجها ‪ ،‬وغير ذلك ‪ «.‬واستعاذ الرّسول‬
‫شرّ كلّه ‪ ،‬بل إنّه استعاذ ممّا عوفي منه وعصم »‪ ،‬إظهارا‬
‫صلى ال عليه وسلم من ال ّ‬
‫للعبوديّة ‪ ،‬وتعليما لمّته ‪.‬‬
‫مواطن الستعاذة ‪:‬‬

‫أوّلً ‪ :‬الستعاذة لقراءة القرآن ‪:‬‬


‫ن الستعاذة ليست من القرآن الكريم ‪ ،‬ولكنّها تطلب لقراءته ‪ ،‬لنّ‬
‫‪ - 5‬أجمع العلماء على أ ّ‬
‫قراءته من أعظم الطّاعات ‪ ،‬وسعي الشّيطان للصّدّ عنها أبلغ ‪ .‬وأيضا ‪ :‬القارئ يناجي ربّه‬
‫بكلمه ‪ ،‬واللّه سبحانه يحبّ القارئ الحسن التّلوة ويستمع إليه ‪ ،‬فأمر القارئ بالستعاذة لطرد‬
‫الشّيطان عند استماع اللّه سبحانه وتعالى له ‪.‬‬
‫حكمها ‪:‬‬
‫‪ - 6‬ذهب جمهور الفقهاء إلى أنّها سنّةٌ ‪ ،‬وعن عطاءٍ والثّوريّ ‪ :‬أنّها واجبةٌ أخذا بظاهر قوله‬
‫تعالى ‪ { :‬فإذا قرأت القرآن فاستعذ باللّه } « ولمواظبته عليه الصلة والسلم »‪ ،‬ولنّها تدرأ‬
‫ش ّر الشّيطان ‪ ،‬وما ل يتمّ الواجب إلّ به فهو واجبٌ ‪ .‬واحتجّ الجمهور بأنّ المر للنّدب ‪،‬‬
‫وصرفه عن الوجوب إجماع السّلف على س ّنيّته ‪ «،‬ولما روي من ترك النّبيّ صلى ال عليه‬
‫وسلم لها »‪ ،‬وإذا ثبت هذا كفى صارفا ‪.‬‬
‫محلّها ‪:‬‬
‫ل الستعاذة من القراءة ثلثة آراءٍ ‪:‬‬
‫‪ - 7‬للقرّاء والفقهاء في مح ّ‬
‫أحدها ‪ :‬أنّها قبل القراءة ‪ ،‬وهو قول الجمهور ‪ ،‬وذكر ابن الجزريّ الجماع على ذلك ‪،‬‬
‫ونفى صحّة القول بخلفه ‪ .‬واستدلّوا على ذلك بما رواه أئمّة القرّاء مسندا عن نافعٍ عن جبير‬
‫بن مطعمٍ« أنّه صلى ال عليه وسلم كان يقول قبل القراءة ‪ :‬أعوذ باللّه من الشّيطان الرّجيم »‪.‬‬
‫سنّة ‪ ،‬فبقي سببيّة القراءة لها ‪،‬‬
‫ن التّقديم هو ال ّ‬
‫دلّ الحديث على أ ّ‬
‫والفاء في ( فاستعذ ) دلّت على السّببيّة ‪ ،‬فلتقدّر ( الرادة ) ليصحّ ‪.‬‬
‫وأيضا الفراغ من العمل ل يناسب الستعاذة ‪.‬‬
‫الثّاني ‪ :‬أنّها بعد القراءة ‪ ،‬وهو منسوبٌ إلى حمزة ‪ ،‬وأبي حاتمٍ ‪ ،‬ونقل عن أبي هريرة‬
‫رضي ال عنه وابن سيرين ‪ ،‬وإبراهيم النّخعيّ ‪ ،‬وحكي عن مالكٍ ‪ ،‬عملً بظاهر الية { فإذا‬
‫ل على أنّ الستعاذة بعد القراءة ‪ ،‬والفاء هنا للتّعقيب ‪ .‬وردّ‬
‫قرأت القرآن فاستعذ باللّه } ‪ .‬فد ّ‬
‫صاحب كتاب النّشر صحّة هذا النّقل عمّن روي عنهم ‪.‬‬
‫صحّة‬
‫الثّالث ‪ :‬الستعاذة قبل القراءة وبعدها ‪ ،‬ذكره المام الرّازيّ ‪ ،‬ونفى ابن الجزريّ ال ّ‬
‫عمّن نقل عنه أيضا ‪.‬‬
‫الجهر والسرار بها ‪:‬‬
‫‪ -‬للفقهاء والقرّاء في الجهر بالستعاذة ‪ ،‬أو السرار بها آراءٌ ‪:‬‬ ‫‪8‬‬

‫أوّلها ‪ :‬استحباب الجهر بها ‪ ،‬وهو قول الشّافعيّة ‪ ،‬وهو رواي ٌة عن أحمد ‪ ،‬وهو المختار عند‬
‫أئمّة القرّاء ‪ ،‬لم يخالف في ذلك إلّ حمزة ومن وافقه ‪ ،‬قال الحافظ أبو عمرٍو في جامعه ‪ :‬ل‬
‫ئ بعر ضٍ ‪ ،‬أو در سٍ‬
‫ل قار ٍ‬
‫أعلم خلفا في الجهر بالستعاذة عند افتتاح القرآن ‪ ،‬وعند ابتداء ك ّ‬
‫‪ ،‬أو تلقين ٍم فمي جميمع القرآن ‪ ،‬إلّ مما جاء عمن نافع ٍم وحمزة ‪ .‬وقيّد المام أبمو شاممة إطلق‬
‫ن الج هر بالتّعوّذ إظهارٌ لشعائر‬
‫اختيار الج هر ب ما إذا كان ذلك بحضرة من ي سمع قراء ته ‪ ،‬ل ّ‬
‫ن ال سّامع ين صت للقراءة من أوّل ها ل‬
‫القراءة كالج هر بالتّلب ية وت كبيرات الع يد ‪ ،‬و من فوائده أ ّ‬
‫يفوته منها شيءٌ ‪ ،‬وإذا أخفى التّعوّذ لم يعلم السّامع بالقراءة إلّ بعد أن يفوته من المقروء شيءٌ‬
‫‪ ،‬وهذا المع نى هو الفارق ب ين القراءة خارج ال صّلة و في ال صّلة ‪ ،‬فإ نّ المختار في ال صّلة‬
‫ن المأموم منصتٌ من أوّل الحرام بالصّلة ‪.‬‬
‫الخفاء ‪ ،‬ل ّ‬
‫الثّاني ‪ :‬التّخيير بين الجهر والسرار ‪ ،‬وهو ال صّحيح عند الحنفيّة ‪ ،‬قال ابن عابدين ‪ :‬لكنّه‬
‫ل حمزة فإنّه يخفيها ‪ ،‬وهو قول الحنابلة ‪.‬‬
‫يتّبع إمامه من القرّاء ‪ ،‬وهم يجهرون بها إ ّ‬
‫ل للحنفيّة ‪ ،‬ورواي ٌة للحنابلة ‪ ،‬وهو روايةٌ عن حمزة ‪ .‬الرّابع‬
‫الثّالث ‪ :‬الخفاء مطلقا ‪ ،‬وهو قو ٌ‬
‫‪ :‬الجهر بالتّعوّذ في أوّل الفاتحة فقط ‪ ،‬والخفاء في سائر القرآن ‪ ،‬وهو رواي ٌة ثانيةٌ عن حمزة‬
‫‪ .‬ولم أقف على رأي المالكيّة في مسألة الستعاذة خارج الصّلة ‪ ،‬لكن يستأنس بما روي عن‬
‫ابن المسيّب أنّه سئل عن استعاذة أهل المدينة أيجهرون بها أم يخفونها ؟ قال ‪ (:‬ما كنّا نجهر‬
‫ول نخفي ‪ ،‬ما كنّا نستعيذ ألبتّة )‪.‬‬
‫بعض المواضع الّتي يستحبّ فيها السرار ‪:‬‬
‫ب فيها السرار بالستعاذة ‪ ،‬منها ما إذا قرأ‬
‫‪ - 9‬ذكر ابن الجزريّ بعض المواضع الّتي يستح ّ‬
‫خاليا ‪ ،‬سوا ٌء أقرأ جهرا أمّ سرّا ‪ ،‬ومنها ما إذا قرأ سرّا ‪ ،‬ومنها ما إذا قرأ في الدّور ولم يكن‬
‫ن المعنى الّذي من‬
‫في قراءته مبتدئا يسرّ بالتّعوّذ ‪ ،‬لتتّصل القراءة ‪ ،‬ول يتخلّلها أجنبيّ ‪ ،‬فإ ّ‬
‫ب الجهر ‪ -‬وهو النصات ‪ -‬فقد في هذه المواضع ‪.‬‬
‫أجله استح ّ‬
‫المراد بالخفاء ‪:‬‬
‫‪ - 10‬ذكر ابن الجزريّ اختلف المتأخّرين في المراد بالخفاء ‪ ،‬فقال ‪ :‬إنّ كثيرا منهم قالوا ‪:‬‬
‫شرّاح ‪ ،‬فعلى هذا يكفي فيه الذّكر في النّفس‬
‫هو الكتمان ‪ ،‬وعليه حمل كلم الشّاطبيّ أكثر ال ّ‬
‫من غير تل ّفظٍ ‪ .‬وقال الجمهور ‪ :‬المراد به السرار وعليه حمل الجعبريّ كلم الشّاطبيّ ‪ ،‬فل‬
‫ل التّلفّظ وإسماع نفسه ‪ ،‬وهذا هو الصّواب ‪ ،‬لنّ نصوص المتقدّمين كلّها على‬
‫يكفي فيه إ ّ‬
‫جعله ضدّا للجهر ‪ ،‬وكونه ضدّا للجهر يقتضي السرار به ‪.‬‬
‫صيغ الستعاذة وأفضلها ‪:‬‬
‫‪ - 11‬وردت صيغتان للستعاذة عند القرّاء والفقهاء ‪،‬‬
‫إحداهما ‪ ":‬أعوذ باللّه من الشّيطان الرّجيم " كما ورد في سورة النّحل من قوله تعالى { فإذا‬
‫قرأت القرآن فاستعذ باللّه من الشّيطان الرّجيم } ‪ .‬وهذا اختيار أبي عمرٍو وعاصمٍ وابن كثيرٍ‬
‫رحمهم ال ‪ .‬قال ابن الجزريّ ‪ :‬إنّه المختار لجميع القرّاء من حيث الرّواية ‪ ،‬وقال أبو الحسن‬
‫ن إجماع المّة عليه ‪ .‬قال في النّشر ‪ «:‬وقد تواتر عن‬
‫السّخاويّ في كتابة ( جمال القرّاء ) ‪ :‬إ ّ‬
‫النّبيّ صلى ال عليه وسلم التّعوّذ به للقراءة ولسائر تعوّذاته »‪ ،‬وقال أبو عمرٍو الدّانيّ ‪ :‬هو‬
‫المأخوذ به عند عامّة الفقهاء ‪ ،‬كأبي حنيفة ‪ ،‬والشّافعيّ ‪ ،‬وأحمد وغيرهم ‪ .‬وفي الصّحيحين‬
‫وغيرهما قوله صلى ال عليه وسلم في إذهاب الغضب ‪ « :‬لو قال ‪ :‬أعوذ باللّه من الشّيطان‬
‫الرّجيم لذهب عنه ما يجد » وفي غير الصّحيح « أنّ النّبيّ صلى ال عليه وسلم قرأ أمامه عبد‬
‫اللّه بن مسعو ٍد فقال ‪ :‬أعوذ باللّه السّميع العليم فقال ‪ :‬قل ‪ :‬أعوذ باللّه من الشّيطان الرّجيم‬
‫وهكذا أخذته عن جبريل عن ميكائيل عن اللّوح المحفوظ » ‪.‬‬
‫الثّانية ‪ " :‬أعوذ باللّه من الشّيطان الرّجيم إنّ اللّه هو السّميع العليم " ‪ ،‬حكي عن أهل‬
‫المدينة ‪ ،‬ونقله الرّازيّ في تفسيره عن أحمد ‪ ،‬لقوله تعالى { وإمّا ينزغنّك من الشّيطان نزغٌ‬
‫فاستعذ باللّه إنّه هو السّميع العليم } وروي عن عمر بن الخطّاب ‪ ،‬ومسلم بن يسارٍ ‪ ،‬وابن‬
‫سيرين ‪ ،‬والثّوريّ ‪ ،‬وهو اختيار نافعٍ ‪ ،‬وابن عامرٍ ‪ ،‬والكسائيّ ‪.‬‬
‫الثّالثة ‪ :‬أن يقول ‪ " :‬أعوذ بالسّميع العليم من الشّيطان الرّجيم " ‪ ،‬قاله ابن سيرين كما في‬
‫النّشر ‪.‬‬
‫الرّابعة ‪ :‬أن يقول ‪ « :‬اللّهمّ إنّي أعوذ بك من الشّيطان الرّجيم » رواه ابن ماجه بإسنادٍ‬
‫صحيحٍ عن عبد اللّه بن مسعودٍ مرفوعا ‪ ،‬ورواه أبو داود كما في النّشر ‪.‬‬
‫وهناك صيغٌ أخرى أوردها صاحب النّشر ‪.‬‬
‫الوقف على الستعاذة ‪:‬‬
‫‪ - 12‬يجوز الوقف عليها والبتداء بما بعدها ‪ ،‬بسملةً كانت أو غيرها ‪ ،‬ويجوز وصلها بما‬
‫ن الولى وصلها بالبسملة ‪ ،‬ولم يذكر ابن‬
‫بعدها ‪ ،‬والوجهان صحيحان ‪ ،‬وظاهر كلم الدّانيّ أ ّ‬
‫شيطا وأكثر العراقيّين سوى وصل الستعاذة بالبسملة ‪.‬‬
‫فأمّا من لم يسمّ فالشبه السّكوت عليها ‪ ،‬ويجوز وصلها ‪.‬‬
‫إعادة الستعاذة عند قطع القراءة ‪:‬‬
‫ل أو كلمٍ يتعلّق بالقراءة ‪ ،‬لم يعد التّعوّذ لنّها‬
‫‪ - 13‬إذا قطع القارئ القراءة لعذرٍ ‪ ،‬من سؤا ٍ‬
‫قراءةٌ واحدةٌ ‪ .‬وفي ( مطالب أولي النّهى ) ‪ :‬العزم على التمام بعد زوال العذر شرطٌ لعدم‬
‫الستعاذة ‪ .‬أمّا إذا كان الكلم أجنبيّا ‪ ،‬أو كان القطع قطع تركٍ وإهمالٍ فإنّه يعيد التّعوّذ ‪،‬‬
‫قال النّوويّ ‪ :‬يعتبر السّكوت والكلم الطّويل سببا للعادة ‪.‬‬
‫الستعاذة لدخول الخلء ‪:‬‬
‫‪ - 14‬تستحبّ الستعاذة عند دخول الخلء ‪ ،‬ويجمع معها التّسمية ‪ ،‬ويبدأ بالتّسمية باتّفاق‬
‫المذاهب الربعة ‪ .‬أمّا بعد الدّخول فل يقولها عند الحنفيّة والشّافعيّة والحنابلة ‪ ،‬ويوافقهم‬
‫المالكيّة إن كان المحلّ معدّا لذلك ‪.‬‬
‫وقيل يتعوّذ وإن كان معدّا لذلك ‪ .‬ونسبه العينيّ إلى مالكٍ ‪.‬‬
‫صيغ الستعاذة لدخول الخلء ‪:‬‬
‫ن صيغة الستعاذة‬
‫‪ - 15‬يرى الحنفيّة والمالكيّة والشّافعيّة ‪ -‬وهو المذهب عند الحنابلة ‪ -‬أ ّ‬
‫لدخول الخلء هي ‪ ":‬بسم اللّه اللّهمّ إنّي أعوذ بك من الخبث والخبائث "‪ ،‬لما روى أنسٌ رضي‬
‫ال عنه « أنّ النّبيّ صلى ال عليه وسلم كان إذا دخل الخلء يقول ‪ :‬اللّهمّ إنّي أعوذ بك من‬
‫الخبث والخبائث » ‪ .‬وروي أيضا عن أحمد أنّه يقول الرّجل إذا دخل الخلء ‪ :‬أعوذ باللّه من‬
‫الخبث والخبائث ‪ ،‬ولم يذكر التّسمية في هذه الرّواية ‪.‬وزاد الغزاليّ ‪ :‬اللّهمّ إنّي أعوذ بك من‬
‫الرّجس النّجس الخبيث المخبث الشّيطان الرّجيم ‪ ،‬لما روي عن أبي أمامة أنّ رسول اللّه‬
‫صلى ال عليه وسلم قال ‪ « :‬ل يعجز أحدكم إذا دخل مرفقه أن يقول ‪ :‬اللّهمّ إنّي أعوذ بك من‬
‫الرّجس النّجس الخبيث المخبث الشّيطان الرّجيم » ‪ .‬والخبث بضمّ الباء ‪ :‬ذكران الشّياطين ‪،‬‬
‫شرّ ‪ ،‬والخبائث ‪ :‬الشّياطين ‪ .‬قال‬
‫والخبائث ‪ :‬إناثهم ‪ ،‬وقال أبو عبيدٍ ‪ :‬الخبث بإسكان الباء ‪ :‬ال ّ‬
‫ص هذا الموضع بالستعاذة لوجهين ‪.‬‬
‫الحطّاب ‪ :‬وخ ّ‬
‫ط بالخلء ما ليس لهم في المل ‪ .‬الثّاني‬
‫الوّل ‪ :‬بأنّه خلءٌ ‪ ،‬وللشّياطين بقدرة اللّه تعالى تسلّ ٌ‬
‫ن موضع الخلء قذ ٌر ينزّه ذكر اللّه تعالى فيه عن جريانه على اللّسان ‪ ،‬فيغتنم الشّيطان‬
‫‪:‬أّ‬
‫عدم ذكره ‪ ،‬لنّ ذكر اللّه تعالى يطرده ‪ ،‬فأمر بالستعاذة قبل ذلك ليعقدها عصمةً بينه وبين‬
‫الشّيطان حتّى يخرج ‪.‬‬
‫الستعاذة للتّطهّر ‪:‬‬
‫ي ‪ :‬يأتي بها قبل التّسمية ‪ ،‬غير أنّه لم يوضّح حكمها ‪.‬‬
‫‪ - 16‬عند الحنفيّة ‪ ،‬قال الطّحاو ّ‬
‫وتستحبّ الستعاذة للوضوء سرّا عند الشّافعيّة قبل التّسمية ‪ ،‬قال الشّروانيّ ‪ :‬وأن يزيد بعدها‬
‫‪ :‬الحمد للّه الّذي جعل الماء طهورا ‪ ،‬والسلم نورا ‪ { ،‬ربّ أعوذ بك من همزات‬
‫ب أن يحضرون } ‪ .‬ولم يثبت عند المالكيّة من الذكار في الوضوء‬
‫الشّياطين ‪ ،‬وأعوذ بك ر ّ‬
‫ح فيها ‪ .‬ولم يتعرّض‬
‫ص صري ٍ‬
‫إلّ التّشهّدان آخره ‪ ،‬والتّسمية أوّله ‪ .‬ولم نقف للحنابلة على ن ّ‬
‫ن الوضوء قبل‬
‫ل أنّهم متّفقون على أ ّ‬
‫الفقهاء فيما اطّلعنا عليه للستعاذة عند الغسل والتّيمّم ‪ ،‬إ ّ‬
‫الغسل مندوبٌ ‪ ،‬فيجري عليه ما تقدّم من أحكام الستعاذة عند الوضوء ‪ .‬وما أحسن ما جاء‬
‫ن التّعوّذ يستحبّ عند كلّ قربةٍ فيدخل فيها هذا وما كان مثله ‪.‬‬
‫في الفروع لبن مفلحٍ ‪ :‬أ ّ‬
‫الستعاذة عند دخول المسجد والخروج منه ‪:‬‬
‫ص المالكيّة ‪ ،‬والشّافعيّة ‪ ،‬والحنابلة على ندب الستعاذة عند دخول المسجد ‪ ،‬وقد‬
‫‪ - 17‬ن ّ‬
‫وردت صيغة الستعاذة لدخول المسجد فيما ورد ‪ « :‬أعوذ باللّه العظيم ‪ ،‬وبوجهه الكريم ‪،‬‬
‫وسلطانه القديم من الشّيطان الرّجيم » الحمد للّه‪ ،‬اللّهمّ صلّ وسلّم على مح ّمدٍ وعلى آل محمّدٍ‬
‫‪ .‬اللّهمّ اغفر لي ذنوبي ‪ ،‬وافتح لي أبواب رحمتك ‪ ،‬ث ّم يقول ‪ :‬باسم اللّه ‪ ،‬ويقدّم اليمنى في‬
‫الدّخول ‪ ،‬ويقدّم اليسرى في الخروج ويقول جميع ما ذكرناه إلّ أنّه يقول ‪ :‬أبواب فضلك بدل‬
‫رحمتك ‪ .‬وأمّا الحنفيّة فلم نقف لهم على قولٍ في ذلك ‪.‬‬
‫ص الشّافعيّة ‪ ،‬والحنابلة على ندب الستعاذة حينئذٍ ‪ .‬قال‬
‫أمّا عند الخروج من المسجد ‪ ،‬فقد ن ّ‬
‫الشّافعيّة ‪ :‬يستعيذ بما استعاذ به عند الدّخول ‪ ،‬وقد أخذ الحنابلة في ذلك بما ورد من حديث «‬
‫اللّهمّ إنّي أعوذ بك من إبليس وجنوده » ‪ .‬ولم يوقف للحنفيّة ‪ ،‬والمالكيّة على شيءٍ في ذلك ‪،‬‬
‫غير أنّ الحنفيّة ذكروا الستعاذة عند الخروج من المسجد الحرام ‪.‬‬
‫الستعاذة في الصّلة ‪:‬حكمها ‪:‬‬
‫‪ - 18‬الستعاذة في الصّلة سنّ ٌة عند الحنفيّة والشّافعيّة ‪ ،‬وهو المذهب عند الحنابلة ‪ ،‬وعن‬
‫أحمد رواي ٌة أخرى أنّه واجبٌ ‪ .‬أمّا المالكيّة فقالوا ‪ :‬إنّها جائز ٌة في النّفل ‪ ،‬مكروه ٌة في الفرض‬
‫‪ .‬ويكتفى في الستدلل على هذه القوال بما تقدّم في الستدلل على أحكامها في قراءة القرآن‬
‫ن الشّيطان يدبر عند الذان والتّكبير ‪ ،‬كما‬
‫‪ ،‬فيما عدا دليل المالكيّة على الكراهة ‪ ،‬وحجّتهم أ ّ‬
‫استدلّوا بما روي عن أنسٍ قال ‪ «:‬صلّيت خلف رسول اللّه صلى ال عليه وسلم وخلف أبي‬
‫ب العالمين ‪» .‬‬
‫بكرٍ وعمر وكانوا يستفتحون القراءة بالحمد للّه ر ّ‬
‫محلّ الستعاذة في الصّلة ‪:‬‬
‫ل عند المالكيّة‬
‫‪ - 19‬تكون الستعاذة قبل القراءة عند الحنفيّة ‪ ،‬والشّافعيّة ‪ ،‬والحنابلة ‪ ،‬وهو قو ٌ‬
‫‪ ،‬وهو ظاهر المدوّنة ‪ ،‬والقول الخر للمالكيّة محلّها بعد أمّ القرآن ‪ ،‬كما في المجموعة ‪.‬‬
‫ويستدلّ على ذلك بما تقدّم في محلّ الستعاذة عند قراءة القرآن ( ف ‪. ) 7‬‬
‫تبعيّة الستعاذة في الصّلة ‪:‬‬
‫‪ - 20‬الستعاذة إمّا أن تكون تابع ًة لدعاء الستفتاح ( الثّناء ) أو للقراءة ‪ ،‬وتبعيّتها للقراءة قال‬
‫به أبو حنيفة ومح ّمدٌ والمالكيّة والشّافعيّة والحنابلة ‪ ،‬ودليلهم على ذلك أنّها سنّة القراءة فيأتي‬
‫بها كلّ قارئٍ ‪ ،‬لنّها شرعت صيانةً عن وساوس الشّيطان في القراءة ‪.‬‬
‫وقال أبو يوسف ‪ :‬إنّها تبعٌ للثّناء ‪ ،‬لنّها لدفع الوسواس في الصّلة مطلقا ‪ .‬وليس للخلف‬
‫ثمر ٌة إلّ بين أبي حنيفة ومح ّمدٍ ‪ ،‬وبين أبي يوسف ‪ ،‬وتظهر في مسائل منها ‪ :‬أنّه ل يأتي بها‬
‫المقتدي عند أبي حنيفة ومح ّمدٍ ‪ ،‬لنّه ل قراءة عليه ‪ ،‬ويأتي بها عند أبي يوسف ‪ ،‬لنّه يأتي‬
‫بالثّناء وهي تابعةٌ له ‪.‬‬
‫فوات التّعوّذ ‪:‬‬
‫‪ - 21‬يفوت التّعوّذ بالشّروع في القراءة عند الحنفيّة والشّافعيّة والحنابلة ‪ ،‬وذلك لفوات‬
‫سنّة مرفوضٌ ‪ .‬ومقتضى قواعد المالكيّة كذلك في النّفل ‪ ،‬فهي‬
‫المحلّ ‪ ،‬وترك الفرض لجل ال ّ‬
‫سنّةٌ قولّيةٌ ل يعود إليها ‪.‬‬
‫السرار والجهر بالستعاذة في الصّلة ‪:‬‬
‫‪ - 22‬للفقهاء في ذلك ثلثة آراءٍ ‪:‬‬
‫الوّل ‪ :‬استحباب السرار ‪ ،‬وبه قال الحنفيّة ‪ ،‬وفي الفتاوى الهنديّة ‪ :‬أنّه المذهب ‪ ،‬ومعهم‬
‫ل ما استثناه ابن قدامة ‪ ،‬وعلى هذا أيضا المالكيّة في أحد قوليهم ‪ ،‬وهو‬
‫في هذا الحنابلة ‪ ،‬إ ّ‬
‫الظهر عند الشّافعيّة ‪ .‬والدّليل على استحباب السرار قول ابن مسعودٍ رضي ال عنه أربعٌ‬
‫يخفيهنّ المام ‪ ،‬وذكر منها ‪ :‬التّعوّذ والتّسمية وآمين ‪ ،‬ولنّه لم ينقل عن النّبيّ صلى ال عليه‬
‫وسلم الجهر ‪.‬‬
‫الرّأي الثّاني ‪ :‬استحباب الجهر ‪ ،‬وهو قول المالكيّة في ظاهر المدوّنة ‪ ،‬ومقابل الظهر عند‬
‫سنّة ‪،‬‬
‫الشّافعيّة ‪ ،‬ويجهر في بعض الحيان في الجنازة ونحوها ممّا يطلب السرار فيه تعليما لل ّ‬
‫ولجل التّأليف ‪ ،‬واستحبّها ابن قدامة وقال ‪ :‬اختار ذلك ابن تيميّة ‪ .‬وقال في الفروع ‪ :‬إنّه‬
‫المنصوص عن أحمد ‪ ،‬وسندهم في الجهر قياس الستعاذة على التّسمية وآمين ‪.‬‬
‫الرّأي الثّالث ‪ :‬التّخيير بين السرار والجهر ‪ ،‬وهو قولٌ للشّافعيّة ‪ ،‬جاء في المّ ‪ :‬كان ابن‬
‫عمر رضي ال عنهما يتعوّذ في نفسه ‪ ،‬وأبو هريرة رضي ال عنه يجهر به ‪.‬‬
‫تكرار الستعاذة في كلّ ركعةٍ ‪:‬‬
‫‪ - 23‬الستعاذة مشروعةٌ في الرّكعة الولى باتّفاقٍ ‪ ،‬أمّا تكرارها في بقيّة الرّكعات فإنّ الفقهاء‬
‫يختلفون فيه على رأيين ‪:‬‬
‫ل ركعةٍ ‪ ،‬وهو قول ابن حبيبٍ من المالكيّة ‪ ،‬ولم ينقل أنّ‬
‫الوّل ‪ :‬استحباب التّكرار في ك ّ‬
‫أحدا منهم خالفه ‪ ،‬وهو المذهب عند الشّافعيّة ‪ ،‬وهو روايةٌ عن أحمد صحّحها صاحب‬
‫النصاف بل قال ابن الجوزيّ ‪ :‬روايةٌ واحدةٌ ‪ .‬والدّليل على ذلك قول اللّه سبحانه وتعالى ‪{ :‬‬
‫فإذا قرأت القرآن فاستعذ باللّه من الشّيطان الرّجيم } وقد وقع الفصل بين القراءتين ‪ ،‬فأشبه ما‬
‫ن المر معّلقٌ على‬
‫ب له التّعوّذ ‪ ،‬ول ّ‬
‫لو قطع القراءة خارج الصّلة بشغلٍ ‪ ،‬ثمّ عاد إليها يستح ّ‬
‫طهّروا } وأيضا إن كانت‬
‫شرطٍ فيتكرّر بتكرّره ‪ ،‬كما في قوله تعالى { وإن كنتم جنبا فا ّ‬
‫مشروع ًة في الرّكعة الولى فهي مشروعةٌ في غيرها من الرّكعات قياسا ‪ ،‬للشتراك في العلّة‬
‫‪ .‬الثّاني ‪ :‬كراهية تكرار الستعاذة في الرّكعة الثّانية وما بعدها عند الحنفيّة ‪ ،‬وقولٌ للشّافعيّة ‪،‬‬
‫وهو المذهب عند الحنابلة ‪ .‬وحجّتهم أنّه كما لو سجد للتّلوة في قراءته ثمّ عاد إليها ل يعيد‬
‫ل قراءةً واحدةً ‪ ،‬غير أنّ المسبوق إذا قام للقضاء يتعوّذ‬
‫التّعوّذ ‪ ،‬وكأنّ رابطة الصّلة تجعل الك ّ‬
‫عند أبي يوسف ‪.‬‬
‫صيغة الستعاذة في الصّلة ‪:‬‬
‫ل ما اشتمل على التّعوّذ من الشّيطان عند الشّافعيّة ‪،‬‬
‫‪ - 24‬تحصل الستعاذة في الصّلة بك ّ‬
‫وقيّده البيجوريّ بما إذا كان واردا ‪ .‬وعلى هذا الحنابلة ‪ ،‬فكيفما تعوّذ من الذّكر الوارد فحسنٌ‬
‫‪ .‬واقتصر الحنفيّة على " أعوذ " أو " أستعيذ " ‪ .‬ولم نجد للمالكيّة نصّا في هذه المسألة ‪.‬‬
‫وأفضل الصّيغ على الطلق عند الشّافعيّة " أعوذ باللّه من الشّيطان الرّجيم " وهو المختار‬
‫عند الحنفيّة ‪ ،‬وقول الكثر من الصحاب منهم ومن الحنابلة ‪ ،‬لنّه المنقول من استعاذته عليه‬
‫الصلة والسلم ‪ ،‬قال ابن المنذر ‪ :‬جاء عن النّبيّ صلى ال عليه وسلم « أنّه كان يقول قبل‬
‫القراءة ‪ :‬أعوذ باللّه من الشّيطان الرّجيم » ‪ .‬وجاء عن أحمد أنّه يقول ‪ « :‬أعوذ باللّه السّميع‬
‫ن لهذه الزّيادة ‪ .‬ونقل حنبلٌ عنه أنّه‬
‫العليم من الشّيطان الرّجيم » لحديث أبي سعيدٍ فإنّه متضمّ ٌ‬
‫ن اللّه هو السّميع العليم " ‪.‬‬
‫يزيد بعد ذلك " إ ّ‬
‫وفي فتح القدير ل ينبغي أن يزيد عليه " إنّ اللّه هو السّميع العليم " ‪.‬‬
‫استعاذة المأموم ‪:‬‬
‫‪ - 25‬ل يختلف حكم الستعاذة بالنّسبة للمام عمّا لو كان منفردا ‪ .‬أمّا المأموم فتستحبّ له عند‬
‫الشّافعيّة سواءٌ أكانت الصّلة س ّريّةً أم جهريّ ًة ‪ ،‬ومعهم أبو يوسف من الحنفيّة ‪ ،‬لنّ التّعوّذ‬
‫للثّناء عنده ‪ ،‬وهو إحدى رواياتٍ ثلثٍ عن أحمد ‪.‬‬
‫وتكره للمأموم تحريما عند أبي حنيفة ومحمّدٍ ‪ ،‬لنّها تابعةٌ للقراءة ‪ ،‬ول قراءة على المأموم ‪،‬‬
‫لكن ل تفسد صلته إذا استعاذ في الصحّ ‪ ،‬وعلى هذا الرّواية الثّانية عن أحمد ‪ ،‬أمّا الرّواية‬
‫الثّالثة عنه فهي إن سمع المام كرهت وإلّ فل ‪ ،‬وذهب المالكيّة إلى جوازها للمام والمأموم‬
‫في النّفل ‪ .‬أمّا في الفرض فمكروهةٌ لهما كما سبق ‪.‬‬
‫الستعاذة في خطبة الجمعة ‪:‬‬
‫‪ - 26‬من سنن خطبة الجمعة عند الحنفيّة ‪ :‬أن يستعيذ في الخطبة الولى في نفسه سرّا قبل‬
‫صدّيق رضي ال عنه يقول على المنبر‬
‫الحمد ‪ .‬ويستدلّ لهم بما قال سويدٌ ‪ :‬سمعت أبا بكرٍ ال ّ‬
‫‪ :‬أعوذ باللّه من الشّيطان الرّجيم ‪ .‬ولم نجد عند بقيّة المذاهب كلما في ذلك ‪.‬‬
‫محلّ الستعاذة في صلة العيد ‪:‬‬
‫‪ - 27‬يستعيذ بعد تكبيرات الزّوائد عند أبي حنيفة ومح ّمدٍ ‪ ،‬وكذلك عند الشّافعيّة تكون بعد‬
‫التّكبير ‪ ،‬وهو قولٌ عن أحمد ‪ ،‬لنّها تبعٌ للقراءة ‪ .‬وتكون قبل تكبيرات الزّوائد عند المالكيّة ‪،‬‬
‫وأبي يوسف من الحنفيّة ‪ ،‬لنّها تبعٌ للثّناء ‪ ،‬وهو إحدى الرّوايات عن أحمد ‪.‬‬
‫حكمها ‪ ،‬ومحلّها في صلة الجنازة ‪:‬‬
‫‪ - 28‬ل يختلف حكم الستعاذة في الجنازة عن حكمها في الصّلة المطلقة ‪ ،‬ويجري فيها‬
‫الخلف الّذي جرى في الصّلة المطلقة ‪.‬‬
‫المستعاذ به ‪:‬‬
‫‪ - 29‬الستعاذة تكون باللّه تعالى ‪ ،‬وأسمائه ‪ ،‬وصفاته ‪ ،‬وقال البعض ‪ :‬ل بدّ فيما يقرأ من‬
‫القرآن للتّعوّذ أن يكون ممّا يتعوّذ به ‪ ،‬ل نحو آية الدّين ‪ .‬ويجوز الستعاذة بالنسان فيما هو‬
‫داخلٌ تحت قدرته الحادثة ‪ ،‬كأن يستجير به من حيوانٍ مفترسٍ ‪ ،‬أو من إنسانٍ يريد الفتك به ‪.‬‬
‫ن من استعاذ بهم زادوه رهقا ‪ ،‬كما‬
‫ن اللّه تعالى أخبر أ ّ‬
‫ويحرم الستعاذة بالجنّ والشّياطين ‪ ،‬ل ّ‬
‫ن فزادوهم رهقا }‬
‫في قوله تعالى { وأنّه كان رجالٌ من النس يعوذون برجالٍ من الج ّ‬
‫المستعاذ منه ‪:‬‬
‫‪ - 30‬يصعب ذكر المستعاذ منه تفصيلً ‪ ،‬وقد عنيت كتب التّفسير ‪ ،‬والحديث ‪ ،‬والذكار‬
‫بكثيرٍ من هذه المور ‪ ،‬وتكفي الشارة إلى بعض أنواع المستعاذ منه على سبيل التّمثيل ‪ .‬من‬
‫شرّ كلّه ‪-‬‬
‫ذلك ‪ :‬الستعاذة من بعض صفات اللّه ببعض صفاته سبحانه ‪ .‬ومنه الستعاذة من ال ّ‬
‫ش ّر النّفس والحواسّ ‪ ،‬والماكن والرّيح وغير ذلك ‪ .‬ومن ذلك ‪ :‬الستعاذة من الهرم وكآبة‬
‫المنقلب ‪ ،‬ومن الشّقاق ‪ ،‬والنّفاق ‪ ،‬وسوء الخلق ‪ ،‬ومن الجبن والبخل ‪.‬‬
‫إجابة المستعيذ ‪:‬‬
‫‪ - 31‬يندب للنسان إجابة من استعاذ به في أمرٍ مقدورٍ له ‪ ،‬وقد تكون العاذة واجبا كفائيّا أو‬
‫عينيّا ‪ ،‬لما روي عن عبد اللّه بن عمر رضي ال عنهما« من استعاذكم باللّه فأعيذوه ‪ ،‬ومن‬
‫سألكم باللّه فأعطوه ‪ ،‬ومن دعاكم فأجيبوه ‪ ،‬ومن صنع إليكم معروفا فكافئوه إلخ »‪ .‬وقد يكون‬
‫المستعيذ باللّه مستغيثا ‪ ،‬فيكون تفصيل الحكم في مصطلح ( استغاثةٌ ) أولى ‪.‬‬
‫تعليق التّعويذات ‪:‬‬
‫يرجع في حكم تعليق التّعويذات إلى مصطلح ( تميمةٌ ) ‪.‬‬

‫استعارةٌ *‬
‫التعريف ‪:‬‬
‫‪ - 1‬الستعارة هي ‪ :‬طلب العارة ‪ ،‬والعارة تمليك المنفعة بل عوضٍ ‪.‬‬
‫صفتها ‪ :‬حكمها التّكليفيّ ‪:‬‬
‫‪ - 2‬الصل أنّ من أبيح له أخذ شيءٍ أبيح له طلبه ‪ ،‬ومن ل فل ‪ .‬ويختلف حكمها بحسب‬
‫الحالة الّتي يتمّ فيها الطّلب ‪ .‬فقد تكون الستعارة واجبةً إذا توقّف عليها إحياء نفسٍ ‪ ،‬أو حفظ‬
‫عرضٍ ‪ ،‬أو نحو ذلك من المور الضّروريّة ‪ ،‬لنّ سدّ الضّرورات واجبٌ ل يجوز التّساهل‬
‫ل به فهو واجبٌ ‪.‬‬
‫فيه ‪ ،‬وما ل يتمّ الواجب إ ّ‬
‫وقد تكون مندوب ًة ليستعين بها على الخير كاستعارة الكتب النّافعة ‪ .‬وتكون الستعارة مكروهةً‬
‫‪ ،‬عندما يكون فيها منّةٌ ‪ ،‬ولحاجةٍ له مندوحةٌ عنها ‪ ،‬وقد ع ّد الفقهاء من ذلك استعارة الفرع‬
‫أصله لخدمته ‪ ،‬لما في ذلك من ذلّ الخدمة الّتي يجب أن ينزّه عنها الباء ‪ .‬وقد تكون‬
‫الستعارة محرّمةً ‪ ،‬كما لو استعار شيئا ليتعاطى به تصرّفا محرّما ‪ ،‬كاستعارته سلحا ليقتل‬
‫به بريئا ‪ ،‬أو آلة لهوٍ ليجمع عليها الفسّاق ونحو ذلك ‪.‬‬
‫آداب الستعارة ‪:‬‬
‫‪ - 3‬من آدابها ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬أل يذلّ نفسه ‪ ،‬بل إن استعار استعار بعزّ ‪ ،‬والفرق بين الستعارة والستجداء ‪ :‬أنّ‬
‫الستجداء يكون مع الذّلّ ‪ ،‬والستعارة تكون مع العزّ ‪ ،‬ولذلك كان عليه أن يترك الستعارة‬
‫ممّن يمنّ عليه طالما له مندوحةٌ عن ذلك كما تقدّم ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬وألّ يلحف في طلب العارة ‪ ،‬واللحاف هو إعادة السّؤال بعد ال ّردّ ‪ ،‬وقد ذمّ اللّه‬
‫الملحفين بالسّؤال بقوله تعالى { تعرفهم بسيماهم ل يسألون النّاس إلحافا } وإنّما نهى عنه لنّ‬
‫هذا اللحاف قد يخرج المعير عن طوره ‪ ،‬فيقع في شيءٍ من المحظورات ‪ ،‬كالكلم البذيء‬
‫ونحو ذلك ‪ ،‬وهو أذًى ينزله المستعير بالمعير ‪ ،‬قال عليه الصلة والسلم ‪ « :‬ل تلحفوا في‬
‫المسألة » ‪ .‬ولكن يجوز التّكرار لبيان مسيس الحاجة إلى الستعارة ‪.‬‬
‫ج ‪ -‬وأن يقدّم الستعارة من الرّجل الصّالح على الستعارة من غيره ‪ ،‬لما يتحرّاه الصّالحون‬
‫س طيّبةٍ تجود بالخير ‪.‬‬
‫من المال الحلل ‪ ،‬ولما يحملونه من نفو ٍ‬
‫قال النّبيّ عليه الصلة والسلم ‪ « :‬إن كنت سائلً ل بدّ فاسأل الصّالحين » ‪.‬‬
‫د ‪ -‬وألّ يسأل بوجه اللّه ‪ ،‬ول بحقّ اللّه ‪ ،‬كقوله ‪ :‬أسألك بوجه اللّه ‪ ،‬أو بحقّ اللّه أن تعيرني‬
‫كذا ‪ ،‬لما فيه من اتّخاذ اسم اللّه تعالى آلةً ‪.‬‬
‫قال عليه الصلة والسلم ‪ « :‬ل يسأل بوجه اللّه إلّ الجنّة » وقال ‪ « :‬ملعونٌ من سأل بوجه‬
‫اللّه » ‪ .‬وللتّفصيل يرجع إلى ( إعارةٌ ) ‪.‬‬

‫استعانةٌ *‬
‫التعريف ‪:‬‬
‫‪ - 1‬الستعانة مصدر استعان ‪ ،‬وهي ‪ :‬طلب العون ‪ ،‬يقال ‪ :‬استعنته واستعنت به فأعانني‬
‫والمعنى الصطلحيّ ل يخرج عن المعنى اللّغويّ ‪.‬‬
‫الحكم الجماليّ ‪:‬‬
‫‪ - 2‬تنقسم الستعانة إلى استعانةٍ باللّه ‪ ،‬واستعان ٍة بغيره ‪ .‬فالستعانة باللّه سبحانه وتعالى‬
‫ي مثل تفريج‬
‫ي مثل قضاء الحاجات ‪ ،‬كالتّوسّع في الرّزق ‪ ،‬ومعنو ّ‬
‫ل شيءٍ ‪ :‬مادّ ّ‬
‫مطلوب ٌة في ك ّ‬
‫الكروب ‪ ،‬مصداقا لقوله تعالى ‪ { :‬إيّاك نعبد وإيّاك نستعين } ‪ .‬وقوله تعالى ‪ { :‬قال موسى‬
‫لقومه ‪ :‬استعينوا باللّه واصبروا } ‪ .‬وتكون الستعانة بالتّوجّه إلى اللّه تعالى بالدّعاء ‪ ،‬كما‬
‫تكون بالتّوجّه إليه تعالى بفعل الطّاعات ‪ ،‬لقوله تعالى ‪ { :‬واستعينوا بالصّبر والصّلة } ‪.‬‬
‫‪ - 3‬أمّا الستعانة بغير اللّه ‪ ،‬فإمّا أن تكون بالنس أو بالجنّ ‪ .‬فإن كانت الستعانة بالجنّ فهي‬
‫ممنوعةٌ ‪ ،‬وقد تكون شركا وكفرا ‪ ،‬لقوله تعالى ‪ { :‬وأنّه كان رجالٌ من النس يعوذون‬
‫برجالٍ من الجنّ فزادوهم رهقا } ‪.‬‬
‫‪ - 4‬وأمّا الستعانة بالنس فقد اتّفق الفقهاء على أنّها جائزةٌ فيما يقدر عليه من خيرٍ ‪ ،‬لقوله‬
‫تعالى ‪ { :‬وتعاونوا على البرّ والتّقوى ول تعاونوا على الثم والعدوان } وقد يعتريها الوجوب‬
‫عند الضطرار ‪ ،‬كما لو وقع في تهلك ٍة وتعيّنت الستعانة طريقا للنّجاة ‪ ،‬لقوله تعالى ‪ { :‬ول‬
‫تلقوا بأيديكم إلى التّهلكة } ‪.‬‬
‫استعانة المسلم بغير المسلم في القتال ‪:‬‬
‫‪ - 5‬أجاز الحنفيّة والحنابلة استعانة المسلم بغيره في القتال عند الضّرورة ‪ ،‬والشّافعيّة بشروطٍ‬
‫‪ ،‬والمالكيّة بشرط رضاه وتفصيل ذلك في مصطلح ( جهادٌ )‬
‫الستعانة بغير المسلمين في غير القتال ‪:‬‬
‫‪ - 6‬تجوز الستعانة في الجملة بغير المسلم ‪ ،‬سواءٌ أكان من أهل الكتاب أم من غيرهم في‬
‫غير القربات ‪ ،‬كتعليم الخطّ والحساب والشّعر المباح ‪ ،‬وبناء القناطر والمساكن والمساجد‬
‫وغيرها فيما ل يمنع من مزاولته شرعا ‪ .‬ول تجوز الستعانة به في القربات كالذان والحجّ‬
‫وتعليم القرآن ‪ ،‬وفي المور الّتي يمنع من مزاولتها شرعا ‪ ،‬كاتّخاذه في وليةٍ على‬
‫المسلمين ‪ ،‬أو على أولدهم ‪ .‬وقد تباح الستعانة بأهل الكتاب ‪ ،‬دون غيرهم من المشركين‬
‫والمجوس ومن على شاكلتهم في بعض المور ‪ ،‬مثل الصّيد والذّبح ‪،‬‬
‫أمّا المشرك والمجوسيّ فل يتولّى الصطياد والذّبح لمسلمٍ ‪ ،‬وتفصيل ذلك يرجع إليه في‬
‫مصطلح ( إجار ٌة ) ( وصيدٌ ) ( وذبائح ) ( وأطعمةٌ ) ( ووكالةٌ ) ‪.‬‬
‫الستعانة بأهل البغي ‪ ،‬وعليهم ‪:‬‬
‫‪ - 7‬قال الحنفيّة والمالكيّة والشّافعيّة والحنابلة ‪ :‬يجوز الستعانة بأهل البغي على الكفّار ‪ ،‬ولم‬
‫يجز الستعانة بالكفّار عليهم إلّ الحنفيّة ‪ .‬ولتفصيل ذلك ينظر إلى مصطلح ( بغاةٌ )‬
‫الستعانة بالغير في العبادة ‪:‬‬
‫‪ - 8‬الستعانة بالغير في أداء العبادة جائزةٌ ‪ ،‬ولكن هل يعتبر ذلك قدر ًة ملزمةً لمن ل يستطيع‬
‫ل بها ؟ قال بعض الحنفيّة ‪ ،‬ووافقهم الشّافعيّة والحنابلة ‪ :‬يعتبر النسان قادرا ‪ ،‬إذا‬
‫الداء إ ّ‬
‫وجد من يعينه على العبادة ‪ ،‬مثل الوضوء ‪ ،‬أو القيام في الصّلة ‪.‬‬
‫وقال بعض الحنفيّة ‪ ،‬وهو المفهوم عند المالكيّة ‪ :‬ل يصير قادرا بإعانة غيره ‪ ،‬لنّ المعونة‬
‫تعتبر له نافلةً ‪.‬‬
‫استعطاءٌ *‬
‫انظر ‪ ( :‬عطا ٌء ) ‪ ( ،‬عطيّةٌ ) ‪.‬‬
‫استعلءٌ *‬
‫التعريف ‪:‬‬
‫‪ - 1‬الستعلء في اللّغة ‪ :‬استفعالٌ من العلوّ ‪ ،‬وهو السّم ّو والرتفاع ‪ .‬والمستعلي من‬
‫الحروف ‪ :‬المفخّم منها ‪ ،‬ومعنى استعلئها ‪ :‬أنّها تتصعّد في الحنك العلى ‪ ،‬واستعلى على‬
‫النّاس ‪ :‬غلبهم وقهرهم وعلهم ‪.‬‬
‫وفي اصطلح علماء الصول يستعمل الستعلء بمعنى إظهار العلوّ ‪ ،‬سواءٌ أكان هناك علوّ‬
‫في الواقع أم ل وتفصيل ذلك في مصطلح ( أمرٌ ) ‪.‬‬
‫اللفاظ ذات الصّلة ‪:‬‬
‫‪ - 2‬التّكبّر ‪ :‬هو إظهار الكبر أي العظمة ‪ .‬وتعريفه شرعا ‪ :‬بطر الحقّ وغمط النّاس ‪ ،‬كما‬
‫ن شأنه عظيمٌ ‪ ،‬وفي صفاتنا ذمّ ‪ ،‬لنّ‬
‫جاء في الحديث ‪ .‬وهو في صفات اللّه تعالى مدحٌ ‪ ،‬ل ّ‬
‫ل للعظمة ولسنا بأهلٍ لها ‪.‬‬
‫شأننا صغيرٌ ‪ ،‬وهو أه ٌ‬
‫الحكم الجماليّ ‪:‬‬
‫ن الستعلء شرطٌ في المر ‪ ،‬وذلك احترازا عن الدّعاء‬
‫‪ - 3‬يرى جمهور الصوليّين أ ّ‬
‫واللتماس ‪.‬‬
‫مواطن البحث ‪:‬‬
‫‪ - 4‬الستعلء كشرطٍ في المر يبحثه الصوليّون في مسألة المر عند الحديث عن شروطه ‪،‬‬
‫ودللة حرف " على " على الستعلء يبحث في مسائل حروف الجرّ ‪ ،‬عند الحديث عن حرف‬
‫الجرّ " على " وتفصيل ذلك في المصطلح الصوليّ ‪.‬‬
‫استعمالٌ *‬
‫التعريف ‪:‬‬
‫‪ - 1‬الستعمال في اللّغة ‪ :‬طلب العمل ‪ ،‬أو توليته ‪ ،‬واستعمله ‪ :‬عمل به ‪ ،‬واستعمل فلنٌ ‪:‬‬
‫ولي عملً من أعمال السّلطة ‪ ،‬وحب ٌل مستعملٌ ‪ :‬قد عمل به ومهن ‪.‬‬
‫والستعمال في عرف الفقهاء ل يخرج عن معناه اللّغويّ ‪ ،‬حيث عبّر الفقهاء عنه بمعانيه‬
‫اللّغويّة الواردة في التعريف كما سيأتي بعد ‪ ،‬ومن ذلك قولهم الماء المستعمل ‪.‬‬
‫اللفاظ ذات الصّلة ‪:‬‬

‫استئجارٌ ‪:‬‬
‫‪ - 2‬الستئجار استفعالٌ من الجارة ‪ ،‬واستأجره ‪ :‬اتّخذه أخيرا على العمل بأجرٍ ‪ .‬فالستعمال‬
‫أعمّ ‪ ،‬لنّه قد يكون بأجرٍ ‪ ،‬وقد يكون بغير أجرٍ ‪.‬‬
‫الحكم الجماليّ ‪:‬‬
‫‪ - 3‬يختلف حكم الستعمال بحسب نوعه ‪ ،‬وللستعمال أنواعٌ مختلف ٌة ‪ :‬ومنها استعمال اللت‬
‫‪ ،‬واستعمال الموادّ ‪ ،‬ومنها استعمال الشخاص ‪.‬‬
‫استعمال الموادّ ‪ ،‬ومن صوره ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬استعمال الماء ‪:‬‬
‫‪ - 4‬إذا استعمل الماء المطلق للطّهارة من أحد الحدثين امتنع إطلق اسم الماء عليه دون قيدٍ ‪،‬‬
‫وصار له حكمٌ آخر من حيث الطّهوريّة ‪ .‬فيقرّر الحنفيّة والشّافعيّة والحنابلة ‪ :‬أنّه طاهرٌ في‬
‫نفسه غير مطهّرٍ لغيره ‪ ،‬وخالف في هذا المالكيّة ‪ ،‬حيث أجازوا التّطهّر به مع الكراهة إن‬
‫وجد غيره ‪ ،‬وإلّ فل كراهة ‪ ،‬وتفصيل ذلك في بحث المياه من كتب الفقه ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬استعمال الطّيب ‪:‬‬
‫ل في الحرام ‪ ،‬أو الحداد ‪ ،‬أو خوف الفتنة‬
‫‪ - 5‬استعمال الطّيب مستحبّ في الجملة ‪ ،‬إ ّ‬
‫بالنّساء عند الخروج من البيوت ‪ .‬ولتفصيل ذلك ينظر مصطلح ‪ ( :‬إحرامٌ ) ( وإحدادٌ ) ‪.‬‬
‫ج ‪ -‬استعمال جلود الميتة ‪:‬‬
‫‪ - 6‬استعمال جلود الميتة عند المالكيّة والحنابلة غير جائزٍ في الجملة ‪ ،‬وكذلك عند الشّافعيّة‬
‫قبل الدّبغ ‪ ،‬وقد أجاز ذلك الحنفيّة بعد قطع الرّطوبة بالتّشميس أو التّتريب ‪ .‬ولتفصيل ذلك‬
‫يرجع إلى مصطلح ‪ ( :‬دباغةٌ ) ‪.‬‬
‫د ‪ -‬استعمال أواني الذّهب والفضّة ‪:‬‬
‫‪ - 7‬منع العلماء استعمال أواني الذّهب والفضّة في الكل والشّرب ‪ ،‬لما ورد فيها من‬
‫نصوصٍ منها ‪ :‬قول الرّسول صلى ال عليه وسلم ‪ « :‬ل تشربوا في آنية الذّهب والفضّة ‪،‬‬
‫ول تأكلوا في صحافها ‪ ،‬فإنّها لهم في الدّنيا ولكم في الخرة » ‪.‬‬
‫ولتفصيل ذلك يرجع إلى مصطلح ‪ ( :‬آنيةٌ ) ‪.‬‬
‫الستعمال الموجب للضّمان ‪:‬‬
‫ن استعمال المرهون الوديعة يعتبر تعدّيا يضمن بموجبه ‪ ،‬لنّ‬
‫‪ - 8‬قرّر الفقهاء في الجملة أ ّ‬
‫ب للضّمان مطلقا ‪ ،‬ولتفصيل ذلك يرجع إلى مصطلح ‪ ( :‬رهنٌ ) ( ووديعةٌ )‬
‫التّعدّي سب ٌ‬
‫( وضمانٌ ) ‪.‬‬
‫استعمال النسان ‪:‬‬
‫‪ - 9‬يجوز استعمال النسان متطوّعا وبأجرٍ ‪ ،‬مثل الستعمال على المامة والقضاء بشروطٍ‬
‫معيّنةٍ ‪ ،‬يرجع في تفصيلها إلى الولية والمامة والقضاء في كتب الفقه ‪.‬‬
‫وكذا استعمال النسان في الصّناعة والخدمة والتّجارة ‪ .‬ومنه قول العبّاس بن سهلٍ السّاعديّ‬
‫في صنع المنبر النّبويّ ‪ " :‬فذهب أبي ‪ ،‬فقطع عيدان المنبر من الغابة ‪ ،‬قال ‪ :‬فما أدري عملها‬
‫أبي أو استعملها " ‪.‬‬
‫ويرجع في تفصيل ذلك إلى مصطلح ( استصناعٌ ) ( وإجارةٌ ) ( ووكالةٌ )‬

‫استغاثةٌ *‬
‫التعريف ‪:‬‬
‫‪ - 1‬الستغاثة لغةً ‪ :‬طلب الغوث والنّصر ‪ .‬والستغاثة شرعا ‪ :‬ل تخرج في المعنى عن‬
‫التعريف اللّغويّ ‪ ،‬حيث تكون للعون ‪ ،‬وتفريج الكروب ‪.‬‬
‫اللفاظ ذات الصّلة ‪:‬‬

‫الستخارة ‪:‬‬
‫‪ - 2‬الستخارة لغ ًة ‪ :‬طلب الخيرة في الشّيء ‪ .‬واصطلحا ‪ :‬طلب صرف الهمّة لما هو‬
‫المختار عند اللّه ‪ ،‬والولى بالصّلة والدّعاء ‪.‬‬
‫ل من اللّه ‪.‬‬
‫ص ‪ ،‬لنّها ل تطلب إ ّ‬
‫فالستخارة أخ ّ‬
‫الستعانة ‪:‬‬
‫ن طلبت معونته فأعانني ‪ ،‬وعاونني ‪ .‬وتكون من‬
‫‪ - 3‬الستعانة ‪ :‬طلب العون ‪ .‬استعنت بفل ٍ‬
‫ن الستغاثة ل تكون‬
‫العباد فيما يقدرون عليه ‪ ،‬ومن اللّه { إيّاك نعبد وإيّاك نستعين } فالفرق أ ّ‬
‫شدّة ‪.‬‬
‫إلّ في ال ّ‬
‫حكم الستغاثة ‪:‬‬
‫‪ - 4‬للستغاثة أربعة أحكامٍ ‪:‬‬
‫الوّل ‪ :‬الباحة ‪ ،‬وذلك في طلب الحوائج من الحياء ‪ ،‬إذا كانوا يقدرون عليها ‪ -‬ومن ذلك‬
‫الدّعاء فإنّه يباح طلبه من ك ّل مسلمٍ ‪ ،‬بل يحسن ذلك ‪ -‬فله أن يستغيث بالمخلوقين أو ل‬
‫يستغيث ‪ ،‬ولكن ل يجب أن يطلب منهم على جهة السّؤال والذّلّ والخضوع والتّضرّع لهم كما‬
‫يسأل اللّه تعالى ‪ ،‬لنّ مسألة المخلوقين في الصل محرّمةٌ ‪ ،‬ولكنّها أبيحت عند الحاجة‬
‫ك ‪ ،‬أو حدّ ‪ ،‬أو‬
‫ل إذا ترتّب على ترك الستغاثة هل ٌ‬
‫والضّرورة ‪ ،‬والفضل الستعفاف عنها إ ّ‬
‫ن ‪ ،‬فإنّه يجب عليه أن يدفع بالستغاثة أ ّولً ‪ .‬فإن لم يفعل أثم وترتّب عليه سبق ضمانٍ‬
‫ضما ٌ‬
‫للدّماء والحقوق على تفصيلٍ سيأتي ‪.‬‬
‫شدّة والكرب { أمّن‬
‫الثّاني ‪ :‬النّدب ‪ ،‬وذلك إذا استغاث باللّه ‪ ،‬أو بصف ٍة من صفاته في ال ّ‬
‫يجيب المضطرّ إذا دعاه ويكشف السّوء } ‪.‬‬
‫الثّالث ‪ :‬الوجوب ‪ ،‬وذلك إذا ترتّب على ترك الستغاثة هلكٌ أو ضمانٌ ‪ ،‬فإن تركه مع‬
‫وجوبه أثم ‪.‬‬
‫الرّابع ‪ :‬التّحريم ‪ ،‬وذلك إذا استغاث بمن ل يملك في المور المعنويّة بالقوّة أو التّأثير ‪،‬‬
‫سوا ٌء كان المستغاث به إنسانا ‪ ،‬أو جنّا ‪ ،‬أو ملكا ‪ ،‬أو نبيّا ‪ ،‬في حياته ‪ ،‬أو بعد مماته { ول‬
‫تدع من دون اللّه ما ل ينفعك ول يضرّك } ‪.‬‬
‫الستغاثة باللّه ‪:‬‬
‫‪ - 5‬أ ‪ -‬في المور العادية ‪ :‬أجمع علماء المّة على استحباب الستغاثة باللّه تبارك‬
‫وتعالى ‪ ،‬سوا ٌء أكان ذلك من قتال عد ّو أم اتّقاء سبعٍ أم نحوه ‪ .‬لستغاثة الرّسول صلى ال‬
‫عليه وسلم باللّه في موقعة بدرٍ ‪ ،‬وقد أخبرنا القرآن بذلك ‪ .‬قال اللّه تعالى ‪ { :‬إذ تستغيثون‬
‫ربّكم فاستجاب لكم أنّي ممدّكم بألفٍ من الملئكة مردفين } ‪ ،‬ولما روي عن خولة بنت حكيم‬
‫بن حزامٍ رضي ال عنها قالت ‪ :‬سمعت رسول اللّه صلى ال عليه وسلم يقول ‪ « :‬من نزل‬
‫منزلً ثمّ قال ‪ :‬أعوذ بكلمات اللّه التّامّات من ش ّر ما خلق لم يضرّه شيءٌ حتّى يرتحل من‬
‫منزله » ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬وتستحبّ أيضا الستغاثة باللّه في المور المعنويّة بالقوّة والتّأثير ‪ ،‬وفيما ل يقدر عليه‬
‫إلّ اللّه سبحانه وتعالى ‪ .‬مثل إنزال المطر ‪ ،‬وكشف الضّرّ ‪ ،‬وشفاء المرض ‪ ،‬وطلب‬
‫ل اللّه تبارك وتعالى ‪ ،‬لقوله تعالى ‪ { :‬ول تدع من‬
‫الرّزق ‪ ،‬ونحو ذلك ممّا ل يقدر عليه إ ّ‬
‫دون اللّه ما ل ينفعك ول يضرّك فإن فعلت فإنّك إذا من الظّالمين } وقوله تعالى ‪ { :‬وإن‬
‫ل هو } ‪.‬‬
‫يمسسك اللّه بضرّ فل كاشف له إ ّ‬
‫ويستغاث باسم اللّه أو بصف ٍة من صفاته ‪ ،‬لما روي عن أنس بن مالكٍ ‪ :‬قال ‪ « :‬كان النّبيّ‬
‫صلى ال عليه وسلم إذا كربه أمرٌ قال ‪ :‬يا حيّ يا قيّوم برحمتك أستغيث »‬
‫الستغاثة بالرّسول صلى ال عليه وسلم ‪.‬‬
‫‪ - 6‬الستغاثة بالرّسول أقسامٌ ‪:‬‬
‫القسم الوّل ‪ :‬الستغاثة بالرّسول فيما يقدر عليه ‪.‬‬
‫ل مخلوقٍ حال حياته‬
‫اتّفق الفقهاء على جواز الستغاثة برسول اللّه صلى ال عليه وسلم وبك ّ‬
‫فيما يقدر عليه ‪ ،‬لقوله تعالى ‪ { :‬وإن استنصروكم في الدّين فعليكم النّصر } ولقوله ‪:‬‬
‫{ فاستغاثه الّذي من شيعته على الّذي من عدوّه } وهي من قبيل العون والنّجدة ‪ ،‬كما قال‬
‫تعالى ‪ { :‬وتعاونوا على البرّ والتّقوى } ‪.‬‬
‫القسم الثّاني ‪:‬الستغاثة بالرّسول صلى ال عليه وسلم بعد موته ‪ ،‬وسيأتي الكلم عليها‬
‫والخلف فيها ‪.‬‬
‫القسم الثّالث ‪ :‬أن يستغيث العبد باللّه تعالى متقرّبا برسوله صلى ال عليه وسلم ‪ ،‬كأن يقول ‪:‬‬
‫اللّهمّ إنّي أتوجّه إليك بنبيّنا مح ّمدٍ صلى ال عليه وسلم أن تفعل كذا كما سيأتي ‪.‬‬
‫القسم الرّابع ‪ :‬الستغاثة بذات الرّسول صلى ال عليه وسلم كما سيأتي ‪.‬‬
‫أنواع الستغاثة بالخلق ‪:‬‬
‫‪ - 7‬والستغاثة بالخلق ‪ -‬فيما ل يقدرون عليه ‪ -‬تكون على أربع صورٍ ‪:‬‬
‫أوّلها ‪ :‬أن يسأل اللّه بالمتوسّل به تفريج الكربة ‪ ،‬ول يسأل المتوسّل به شيئا ‪ ،‬كقول القائل ‪:‬‬
‫اللّهمّ بجاه رسولك فرّج كربتي ‪ .‬وهو على هذا سائلٌ للّه وحده ‪ ،‬ومستغيثٌ به ‪ ،‬وليس مستغيثا‬
‫ن هذه الصّورة ليست شركا ‪ ،‬لنّها استغاثةٌ باللّه تبارك‬
‫بالمتوسّل به ‪ .‬وقد اتّفق الفقهاء على أ ّ‬
‫وتعالى ‪ ،‬وليست استغاث ًة بالمتوسّل به ؛ ولكنّهم اختلفوا في المسألة من حيث الحلّ والحرمة‬
‫ل‪:‬‬
‫على ثلثة أقوا ٍ‬
‫‪ - 8‬القول الوّل ‪ :‬جواز التّوسّل بالنبياء والصّالحين حال حياتهم وبعد مماتهم ‪ .‬قال به‬
‫مالكٌ ‪ ،‬والسّبكيّ ‪ ،‬والكرمانيّ ‪ ،‬والنّوويّ ‪ ،‬والقسطلّنيّ ‪ ،‬والسّمهوديّ ‪ ،‬وابن الحاجّ ‪ ،‬وابن‬
‫الجزريّ ‪.‬‬
‫‪ - 9‬واستدلّ القائلون بجواز الستغاثة بالنبياء والصّالحين بأدلّ ٍة كثيرةٍ ‪ ،‬منها ما ورد من‬
‫الدعية المأثورة عن النّبيّ صلى ال عليه وسلم مثل « أسألك بحقّ السّائلين عليك ‪ ،‬وبحقّ‬
‫ممشاي هذا إليك » ‪ .‬ومنها ما قاله الرّسول صلى ال عليه وسلم في الدّعاء لفاطمة بنت أسدٍ‬
‫« اغفر لمّي فاطمة بنت أسدٍ ‪ ،‬ووسّع عليها مدخلها ‪ ،‬بحقّ نبيّك والنبياء الّذين من قبلي ‪،‬‬
‫فإنّك أرحم الرّاحمين » ‪ .‬ومن الدلّة حديث رسول اللّه صلى ال عليه وسلم ‪ « :‬من زار‬
‫ي صلى ال عليه وسلم مرّ‬
‫ن النّب ّ‬
‫قبري وجبت له شفاعتي » ‪ .‬وما ورد من حديث المعراج « أ ّ‬
‫على موسى وهو قائمٌ يصلّي في قبره » والصّلة تستدعي حياة البدن ‪ .‬وعن ابن عبّاسٍ رضي‬
‫ال عنهما عند قوله تعالى { وكانوا من قبل يستفتحون على الّذين كفروا } أنّه قال ‪ :‬كان أهل‬
‫خيبر تقاتل غطفان ‪ ،‬كلّما التقتا هزمت غطفان اليهود ‪ ،‬فدعت اليهود بهذا الدّعاء ‪ :‬اللّهمّ إنّا‬
‫ل نصرتنا عليهم ‪ .‬فكانوا إذا التقوا دعوا بهذا الدّعاء‬
‫نسألك بحقّ الّذي وعدتنا أن تخرجه لنا إ ّ‬
‫فتهزم اليهود غطفان ‪ .‬وقوله تعالى ‪ { :‬ولو أنّهم إذ ظلموا أنفسهم جاءوك فاستغفروا اللّه‬
‫واستغفر لهم الرّسول لوجدوا اللّه توّابا رحيما } ‪.‬‬
‫وهذا تفخيمٌ للرّسول صلى ال عليه وسلم وتعظيمه صلى ال عليه وسلم ل ينقطع بموته ‪.‬‬
‫ويستدلّون« بحديث العمى المتوسّل برسول اللّه في ردّ بصره »‪.‬‬
‫‪ - 10‬القول الثّاني ‪ :‬أجاز العزّ بن عبد السّلم وبعض العلماء الستغاثة باللّه متوسّلً بالنّبيّ‬
‫صلى ال عليه وسلم والصّالحين حال حياتهم ‪ .‬وروي عنه أنّه قصر ذلك على النّبيّ صلى ال‬
‫عليه وسلم وحده ‪ .‬واستشهد لهذا بحديث العمى الّذي دعا اللّه سبحانه متوسّلً برسول اللّه‬
‫فردّ اللّه عليه بصره ‪ .‬فعن عثمان بن حنيفٍ أنّ « رجلً ضريرا أتاه عليه الصلة والسلم ‪.‬‬
‫فقال ‪ :‬ادع اللّه تعالى أن يعافيني ‪ ،‬فقال صلى ال عليه وسلم ‪ :‬إن شئت أخّرت وهو خيرٌ ‪،‬‬
‫وإن شئت دعوت ‪ .‬فقال ‪ :‬ادع قال ‪ :‬فأمره أن يتوضّأ ويحسن وضوءه ويدعو بهذا الدّعاء ‪:‬‬
‫اللّهمّ إنّي أسألك وأتوجّه إليك بحبيبك مح ّمدٍ نبيّ الرّحمة ‪ ،‬يا محمّد ‪ ،‬إنّي أتوجّه بك إلى ربّك‬
‫في حاجتي لتقضى ‪ .‬اللّهمّ شفّعه في » وصحّحه البيهقيّ وزاد ‪ :‬فقام ‪ ،‬وقد أبصر ‪.‬‬
‫ل باللّه سبحانه وتعالى ‪ ،‬ومنع التّوسّل في تلك‬
‫‪ - 11‬القول الثّالث ‪ :‬عدم جواز الستغاثة إ ّ‬
‫الستغاثة بالنبياء والصّالحين ‪ ،‬أحياءً كانوا أو أمواتا ‪.‬‬
‫وصاحب هذا الرّأي ابن تيميّة ‪ ،‬ومن سار على نهجه من المتأخّرين ‪ .‬واستدلّوا بقوله تعالى ‪:‬‬
‫{ ومن أضلّ ممّن يدعو من دون اللّه من ل يستجيب له إلى يوم القيامة وهم عن دعائهم‬
‫غافلون } ‪ .‬وبما رواه الطّبرانيّ بسنده عن عبادة بن الصّامت رضي ال عنه ‪ ،‬أنّه « كان في‬
‫زمن النّبيّ صلى ال عليه وسلم منافقٌ يؤذي المؤمنين ‪ ،‬فقال بعضهم ‪ :‬قوموا بنا نستغيث‬
‫برسول اللّه صلى ال عليه وسلم من هذا المنافق ‪ ،‬فقال النّبيّ صلى ال عليه وسلم ‪ :‬إنّه ل‬
‫يستغاث بي وإنّما يستغاث باللّه » ‪.‬‬
‫الصّورة الثّانية ‪:‬‬
‫‪ - 12‬استغاثةٌ باللّه واستغاث ٌة بالشّفيع أن يدعو اللّه له ‪ :‬وهو أن يسأل اللّه ‪ ،‬ويسأل المتوسّل به‬
‫أن يدعو له ‪ «،‬كما كان يفعل الصّحابة ‪ ،‬ويستغيثون ويتوسّلون بالنّبيّ صلى ال عليه وسلم في‬
‫الستسقاء ‪ ،‬ثمّ من بعده بعمّه العبّاس »‪ ،‬ويزيد بن السود الجرشيّ رضي ال عنهما ‪ ،‬فهو‬
‫استغاث ٌة باللّه ‪ ،‬واستغاث ٌة بالشّفيع أن يسأل اللّه له ‪ .‬فهو متوسّلٌ بدعائه وشفاعته ‪ ،‬وهذا‬
‫ع في الدّنيا والخرة في حياة الشّفيع ‪ ،‬ول يعلم فيه خلفٌ ‪ .‬فقد روى البخاريّ عن‬
‫مشرو ٌ‬
‫النّبيّ صلى ال عليه وسلم أنّه قال ‪ « :‬أل أخبركم بأهل الجنّة ‪ ،‬كلّ ضعيفٍ مستضعفٍ ‪ ،‬لو‬
‫ن كذا لوقع مطلوبه ‪ ،‬فيبرّ‬
‫أقسم على اللّه لبرّه » قال العلماء ‪ :‬معناه لو حلف على اللّه ليفعل ّ‬
‫ن بعض ‪ ،‬النّاس خصّه اللّه بإجابة‬
‫بقسمه إكراما له ‪ ،‬لعظم منزلته عنده ‪ .‬فدلّ ذلك على أ ّ‬
‫الدّعوة ‪ ،‬فل بأس أن يسأل فيدعو للمستغيث ‪ ،‬وقد ورد هذا في آثارٍ كثيرةٍ عن الرّسول صلى‬
‫ال عليه وسلم والصّحابة ‪.‬‬
‫الصّورة الثّالثة ‪ :‬استغاث ٌة في سؤال اللّه ‪:‬‬
‫‪ - 13‬وهي أن يستغيث النسان بغيره في سؤال اللّه له تفريج الكرب ‪ ،‬ول يسأل اللّه هو‬
‫لنفسه ‪ .‬وهذا جائزٌ ل يعلم فيه خلفٌ ‪ .‬ومنه قول النّبيّ صلى ال عليه وسلم ‪ « :‬وهل‬
‫ل بضعفائكم » أي بدعائهم ‪ ،‬وصلتهم ‪ ،‬واستغفارهم ‪ .‬ومن هذا أنّ‬
‫تنصرون وترزقون إ ّ‬
‫النّبيّ صلى ال عليه وسلم « كان يستفتح بصعاليك المهاجرين » ‪ .‬أي يستنصر بهم ‪.‬‬
‫ي صلى ال عليه وسلم أفضل‬
‫ن النّب ّ‬
‫فالستنصار والسترزاق يكون بالمؤمنين بدعائهم ‪ ،‬مع أ ّ‬
‫منهم ‪ .‬لكنّ دعاءهم وصلتهم من جملة السباب ‪ ،‬ويقتضي أن يكون للمستنصر به‬
‫ن من عباد‬
‫والمسترزق به مزيّةً على غيره من النّاس ‪ .‬ومنه قوله صلى ال عليه وسلم ‪ « :‬إ ّ‬
‫اللّه من لو أقسم على اللّه لبرّه ‪ .‬منهم البراء بن مالكٍ » ‪ .‬وقوله صلى ال عليه وسلم في‬
‫س القرنيّ ‪ « :‬فإن استطعت أن يستغفر لك فافعل » وقول الرّسول صلى ال عليه‬
‫حديث أوي ٍ‬
‫وسلم لعمر لمّا ودّعه للعمرة ‪ « :‬ل تنسنا من دعائك » ‪.‬‬
‫الصّورة الرّابعة ‪:‬‬
‫‪ - 14‬أن يسأل المستغاث به ما ل يقدر عليه ‪ ،‬ول يسأل اللّه تبارك وتعالى ‪ ،‬كأن يستغيث به‬
‫أن يفرّج الكرب عنه ‪ ،‬أو يأتي له بالرّزق ‪ .‬فهذا غير جائزٍ وقد عدّه العلماء من الشّرك ‪" ،‬‬
‫لقوله تعالى { ول تدع من دون اللّه ما ل ينفعك ول يضرّك فإن فعلت فإنّك إذا من الظّالمين ‪.‬‬
‫وإن يمسسك اللّه بضرّ فل كاشف له إلّ هو وإن يردك بخيرٍ فل رادّ لفضله يصيب به من‬
‫يشاء من عباده وهو الغفور الرّحيم } ‪ .‬وفي الصّحيح عن أنسٍ رضي ال عنه قال ‪ « :‬شجّ‬
‫النّبيّ صلى ال عليه وسلم يوم أحدٍ وكسرت رباعيته ‪ ،‬فقال ‪ :‬كيف يفلح قومٌ شجّوا نبيّهم ؟‬
‫فنزلت { ليس لك من المر شيءٌ } » ‪ ،‬فإذا نفى اللّه تعالى عن نبيّه ما ل قدرة له عليه من‬
‫جلب نفع أو دفع ضرّ ‪ ،‬فغيره أولى ‪.‬‬
‫الستغاثة بالملئكة ‪:‬‬
‫ل استغاث ٍة بغير اللّه ممنوع ٌة ‪ ،‬لحديث رسول‬
‫‪ - 15‬الستغاثة بهم استغاثةٌ بغير اللّه تعالى ‪ ،‬وك ّ‬
‫اللّه صلى ال عليه وسلم ‪ « .‬إنّه ل يستغاث بي ‪ ،‬ولكن يستغاث باللّه »‬
‫ولحديثه أيضا عليه السلم « لمّا ألقي إبراهيم في النّار اعترضه جبريل ‪ ،‬فقال له ‪ :‬ألك‬
‫حاجةٌ ؟ فقال ‪ :‬أمّا إليك فل » ‪.‬‬
‫الستغاثة بالجنّ ‪:‬‬
‫ن محرّم ٌة ‪ ،‬لنّها استغاث ٌة بمن ل يملك ‪ ،‬وتؤدّي إلى ضللٍ ‪ ،‬وقد بيّن اللّه‬
‫‪ - 16‬الستغاثة بالج ّ‬
‫ن فزادوهم رهقا }‬
‫تعالى ذلك بقوله { وأنّه كان رجالٌ من النس يعوذون برجالٍ من الج ّ‬
‫ويعتبر هذا من السّحر ‪.‬‬
‫المستغيث وأنواعه ‪:‬‬
‫‪ - 17‬إذا استغاث المسلم لدفع شرّ وجبت إغاثته ‪ ،‬لقول رسول اللّه صلى ال عليه وسلم «‬
‫ن كرب ًة من كرب‬
‫وتغيثوا الملهوف وتهدوا الضّالّ » وقوله عليه السلم « من نفّس عن مؤم ٍ‬
‫الدّنيا نفّس اللّه عنه كرب ًة من كرب يوم القيامة » وهذا إذا لم يخش المغيث على نفسه ضرّا ‪،‬‬
‫ن له اليثار بحقّ نفسه دون حقّ غيره ‪ ،‬وهذا في غير النّبيّ صلى ال عليه وسلم لقوله‬
‫لّ‬
‫تعالى { النّبيّ أولى بالمؤمنين من أنفسهم } ‪ .‬أمّا المام ونوّابه فإنّه يجب عليهم الغاثة ‪ ،‬ولو‬
‫ن ذلك مقتضى وظائفهم ‪.‬‬
‫مع الخشية على النّفس ‪ ،‬ل ّ‬
‫‪ - 18‬وإذا استغاث الكافر فإنّه يغاث لنّه آدميّ ‪ ،‬ولنّه يجب الدّفع عن الغير إذا كان آدميّا‬
‫ن له اليثار بحقّ نفسه دون حقّ غيره‬
‫محترما ‪ ،‬ولم يخش المغيث على نفسه هلكا ‪ ،‬ل ّ‬
‫ن اللّه يحبّ إغاثة الملهوف » ولقوله صلى ال‬
‫ولحديث رسول اللّه صلى ال عليه وسلم « إ ّ‬
‫عليه وسلم « ل تنزع الرّحمة إلّ من شقيّ » ‪ .‬وكذلك إذا كان الكافر حربيّا واستغاث ‪ ،‬فإنّه‬
‫يجاب إلى طلبه ‪ ،‬لعلّه يسمع كلم اللّه ‪ ،‬أو يرجع عمّا في نفسه من شرّ ويأسره المعروف ‪.‬‬
‫لقوله تعالى { وإن أحدٌ من المشركين استجارك فأجره حتّى يسمع كلم اللّه ثمّ أبلغه مأمنه } "‬
‫أي فأجره ‪ ،‬وأمّنه على نفسه وأمواله ‪ ،‬فإن اهتدى وآمن عن علمٍ واقتناعٍ فذاك ‪ ،‬وإلّ فالواجب‬
‫أن تبلغه المكان الّذي يأمن به على نفسه ‪ ،‬ويكون حرّا في عقيدته ‪.‬‬
‫الستعانة بالكافر في حرب الكفّار ‪:‬‬
‫ن الستغاثة لدفع شرّ ‪ ،‬أو جلب نفعٍ ممّا يملكه المخلوق تجوز‬
‫‪ - 19‬اتّفق العلماء على أ ّ‬
‫بالمخلوقين مطلقا ‪ ،‬فيستغاث بالمسلم والكافر ‪ ،‬والبرّ والفاجر ‪ ،‬كما يستغاث بالنّبيّ صلى ال‬
‫عليه وسلم ويستنصر به كما قال النّبيّ صلى ال عليه وسلم ‪ « :‬إنّ اللّه يؤيّد هذا الدّين بالرّجل‬
‫الفاجر » فلم تكن الغاثة من خصائص المؤمنين فضلً عن أن تكون من خصائص النّبيّين أو‬
‫ف مشتركٌ بين جميع الدميّين ‪.‬‬
‫المرسلين ‪ ،‬وإنّما هي وص ٌ‬
‫استغاثة الحيوان ‪:‬‬
‫‪ - 20‬يجب إغاثة الحيوان ‪ ،‬لما روي من الحاديث عن رسول اللّه صلى ال عليه وسلم ‪« :‬‬
‫ن رجلً دنا إلى بئرٍ فنزل ‪ ،‬فشرب منها وعلى البئر كلبٌ يلهث ‪ ،‬فرحمه ‪ ،‬فنزع أحد خفّيه‬
‫أّ‬
‫فسقاه ‪ ،‬فشكر اللّه له فأدخله الجنّة » ‪.‬‬
‫حالة المستغيث ‪:‬‬
‫‪ - 21‬إذا كان المستغيث على حقّ وجبت إغاثته ‪ ،‬لما تقدّم من وجوب إغاثة المسلم ‪ ،‬لقوله‬
‫ل على قو ٍم بينكم وبينهم ميثاقٌ } " أي‬
‫تعالى ‪ { :‬وإن استنصروكم في الدّين فعليكم النّصر إ ّ‬
‫ض عليكم ‪ ،‬فل تخذلوهم إلّ أن يستنصروكم‬
‫إن استنقذوكم فأعينوهم بنفيرٍ أو مالٍ ‪ ،‬فذلك فر ٌ‬
‫على قو ٍم كفّارٍ بينكم وبينهم ميثاقٌ فل تنصروهم عليهم ‪ .‬إلّ أن يكونوا أسرى مستضعفين ‪،‬‬
‫ن تطرف ‪ ،‬حتّى نخرج‬
‫فإنّ الولية معهم قائمةٌ ‪ ،‬والنّصرة لهم واجب ٌة ‪ ،‬حتّى ل تبقى منّا عي ٌ‬
‫إلى استنقاذهم إن كان عددنا يحتمل ذلك ‪ ،‬أو نبذل جميع أموالنا في استخراجهم حتّى ل يبقى‬
‫لحدٍ درهمٌ ‪ ،‬كذلك قال مالكٌ وجميع العلماء ولحديث رسول اللّه صلى ال عليه وسلم « من‬
‫ل على رؤوس‬
‫أذلّ عنده مؤمنٌ فلم ينصره ‪ ،‬وهو قادرٌ على أن ينصره ‪ ،‬أذلّه اللّه عزّ وج ّ‬
‫الخلئق يوم القيامة » ‪.‬‬
‫‪ - 22‬أمّا إن كان المستغيث على باطلٍ ‪ ،‬فإن أراد النّزوع عنه وأظهر ذلك استنقذ ‪ ،‬وإن كان‬
‫يريد البقاء على باطله فل ‪ .‬وكذلك ك ّل ظالمٍ فإن نصرته محرّم ٌة ‪ ،‬لحديث رسول اللّه صلى‬
‫ال عليه وسلم ‪ « :‬مثل الّذي يعين قومه على غير الحقّ كمثل بعيرٍ تردّى في بئرٍ فهو ينزع‬
‫بذنبه » ‪ .‬وقوله ‪ « :‬من حالت شفاعته دون حدّ من حدود اللّه فقد ضادّ اللّه في ملكه ‪ ،‬ومن‬
‫أعان على خصومةٍ ل يعلم أحقّ أو باطلٌ فهو في سخط اللّه حتّى ينزع » ‪ .‬وقال سفيان‬
‫الثّوريّ ‪ :‬إذا استغاث الظّالم وطلب شربة ماءٍ فأعطيته إيّاها كان ذلك إعانةً له على ظلمه ‪.‬‬
‫ضمان هلك المستغيث ‪:‬‬
‫ن منع المستغيث عمّا ينقذ حياته ‪ -‬مع القدرة على إغاثته‬
‫‪ - 23‬ذهب المالكيّة والشّافعيّة إلى أ ّ‬
‫بل ضررٍ يلحقه ‪ ،‬والعلم بأنّه يموت إن لم يغثه ‪ -‬يستوجب القصاص ‪ ،‬وإن لم يباشر قتله بيده‬
‫‪ .‬وذهب الحنابلة وأبو يوسف ومح ّمدٌ إلى أنّ فيه الضّمان ( الدّية ) ‪ ،‬وسوّى أبو الخطّاب بين‬
‫طلب الغوث ‪ ،‬أو رؤية من يحتاج للغوث بل طلبٍ ‪.‬‬
‫وقال أبو حنيفة ‪ :‬ل ضمان ‪ ،‬لنّه لم يباشر الفعل القاتل ‪.‬‬
‫حكم من أحجم عن إجابة المستغيث ‪:‬‬
‫الستغاثة عند الشراف على الهلك ‪:‬‬
‫‪ - 24‬إذا استغاث المشرف على الهلك من الجوع أو العطش وجبت إغاثته ‪ ،‬فإن منع حتّى‬
‫أشرف على الهلك ففي المسألة رأيان ‪:‬‬
‫الوّل قال به الحنفيّة ‪ :‬للمستغيث أن يقاتل بالسّلح ‪ ،‬إن كان الماء غير مح ّرزٍ في إناءٍ ‪ ،‬لما‬
‫ورد عن الهيثم أنّ قوما وردوا ما ًء فسألوا أهله واستغاثوا بهم أن يدلّوهم على بئرٍ فأبوا ‪،‬‬
‫فسألوهم أن يعطوهم دلوا فأبوا ‪ ،‬فقالوا لهم ‪ :‬إنّ أعناقنا وأعناق مطايانا قد كادت أن تقطع ‪،‬‬
‫فأبوا أن يعطوهم ‪ ،‬فذكروا ذلك لعمر رضي ال عنه ‪ ،‬فقال لهم عمر ‪ :‬فهلّ وضعتم فيهم‬
‫ل على أنّ لهم في الماء حقّ الشّفة ‪ .‬فإذا منع المستغاث بهم حقّ المستغيثين‬
‫السّلح ‪ .‬فيه دلي ٌ‬
‫بقصد إتلفهم كان للمستغيثين أن يقاتلوهم عن أنفسهم ‪ .‬فأمّا إذا كان الماء محرّزا ‪ ،‬فليس للّذي‬
‫يخاف الهلك من العطش أن يقاتل صاحب الماء بالسّلح ‪ ،‬بل له أن يقاتله بغير سلحٍ ‪،‬‬
‫وكذلك في الطّعام ‪ ،‬لنّه ملكٌ مح ّرزٌ لصاحبه ‪ ،‬ولهذا كان الخذ ضامنا ‪ .‬وقال المالكيّة‬
‫والشّافعيّة والحنابلة ‪ :‬يقاتل بالسّلح ‪ ،‬ويكون دم المانع هدرا ‪.‬‬
‫الستغاثة عند إقامة الحدّ ‪:‬‬
‫‪ - 25‬لغاثة من سيتعرّض للحدّ حالتان ‪:‬‬
‫الولى ‪ :‬قبل أن يصل أمره إلى المام ‪ ،‬أو الحاكم ‪ ،‬يستحبّ إغاثته بالعفو عنه والشّفاعة له‬
‫عند صاحب الحقّ ‪ ،‬وعدم رفع أمره للحاكم ‪ .‬لما روي عن « صفوان بن أميّة أنّ رجلً سرق‬
‫برده فرفعه إلى النّبيّ صلى ال عليه وسلم فأمر بقطعه ‪ ،‬فقال ‪ :‬يا رسول اللّه قد تجاوزت عنه‬
‫ب فقطعه رسول اللّه صلى ال عليه وسلم »‬
‫‪ ،‬قال ‪ :‬فلول كان هذا قبل أن تأتيني به يا أبا وه ٍ‬
‫‪.‬‬
‫والثّانية ‪ :‬إذا وصل أمره إلى الحاكم ‪ ،‬فل إغاثة ول شفاعة ‪ .‬لما روت عائشة رضي ال‬
‫عنها ‪ « :‬أنّ قريشا أهمّتهم المرأة المخزوميّة الّتي سرقت ‪ ،‬فقالوا ‪ :‬من يكلّم فيها رسول اللّه‬
‫ب رسول اللّه صلى ال عليه وسلم ؟ فكلّم‬
‫صلى ال عليه وسلم ومن يجترئ عليه إلّ أسامة ح ّ‬
‫رسول اللّه صلى ال عليه وسلم فقال ‪ :‬أتشفع في حدّ من حدود اللّه ؟ ‪ ،‬ثمّ قام فخطب ‪ ،‬قال ‪:‬‬
‫ل من كان قبلكم أنّهم كانوا إذا سرق فيهم الشّريف تركوه ‪ ،‬وإذا سرق‬
‫يا أيّها النّاس إنّما ض ّ‬
‫ن فاطمة بنت مح ّمدٍ سرقت لقطع مح ّمدٌ يدها »‬
‫الضّعيف فيهم أقاموا عليه الحدّ ‪ ،‬وأيم اللّه لو أ ّ‬
‫‪.‬‬
‫الستغاثة عند الغصب ‪:‬‬
‫‪ - 26‬اتّفقت المذاهب على أنّ المغصوب منه والمسروق منه يجب عليه أن يستغيث أ ّولً ‪،‬‬
‫ل ‪ ،‬أو لم يغثه أحدٌ ‪ ،‬أو‬
‫وأن يدفع الصّائل أو السّارق بغير القتل ‪ .‬فإذا لم يندفع ‪ ،‬أو كان لي ً‬
‫منعه الصّائل ‪ ،‬أو السّارق من الستغاثة ‪ ،‬أو عاجله ‪ ،‬فله دفعه عن نفسه وعرضه وماله ‪-‬‬
‫وإن كان قليلً ‪ -‬ولو بالقتل ‪ ،‬لحديث رسول اللّه صلى ال عليه وسلم « من قتل دون ماله فهو‬
‫ن ابن عمر رأى لصّا فأصلت عليه‬
‫شهيدٌ ‪ ،‬ومن قتل دون عرضه فهو شهي ٌد » وقد روي أ ّ‬
‫ص دخل بيتي ومعه حديدةٌ ‪،‬‬
‫السّيف قال ‪ :‬فلو تركناه لقتله ‪ .‬وجاء رجلٌ إلى الحسن فقال ‪ :‬ل ّ‬
‫ي شي ٍء قدرت ‪.‬‬
‫أقتله ؟ قال ‪ :‬نعم بأ ّ‬
‫‪ – 27‬فإذا قتل المغصوب منه الغاصب ‪ ،‬أو المسروق منه السّارق بدون استغاثةٍ واستعان ٍة مع‬
‫قدرته عليها ‪ ،‬وإمكان دفعه بما هو دون القتل ‪ ،‬ففي المسألة رأيان ‪:‬‬
‫الوّل للحنفيّة ‪ :‬يجب القود ‪.‬‬
‫الثّاني للمالكيّة والشّافعيّة والحنابلة ‪ :‬يضمن القاتل ‪ ،‬لنّه يمكن دفعه بغير القتل ‪ ،‬لنّ‬
‫المقصود دفعه فإذا اندفع بقليلٍ فل يلزم أكثر منه ‪ ،‬وإن ذهب مولّيا لم يكن له قتله كأهل البغي‬
‫‪ .‬فإن فعل غير ذلك كان متعدّيا ‪.‬‬
‫الستغاثة في الكراه على الفاحشة ‪:‬‬
‫‪ - 28‬اتّفق الفقهاء على أنّ الستغاثة عند الفاحشة علم ٌة من علمات الكراه الّتي تسقط الحدّ‬
‫عن المكرهة النثى ‪ ،‬لقول رسول اللّه صلى ال عليه وسلم « عفي عن أمّتي الخطأ والنّسيان‬
‫وما استكرهوا عليه » ‪.‬‬
‫استغراقٌ *‬
‫التعريف ‪:‬‬
‫‪ - 1‬الستغراق لغةً ‪ :‬الستيعاب والشّمول ‪.‬‬
‫واصطلحا ‪ :‬هو استيفاء شيءٍ بتمام أجزائه وأفراده ‪.‬‬
‫‪ - 2‬وقد قسّم صاحب دستور العلماء استغراق اللّفظ إلى ‪ :‬استغراقٍ حقيقيّ ‪ ،‬واستغراقٍ عرفيّ‬
‫‪.‬‬
‫أ ‪ -‬فالستغراق الحقيقيّ ‪ :‬هو أن يراد باللّفظ كلّ فردٍ ممّا يتناوله بحسب اللّغة ‪ ،‬أو الشّرع ‪،‬‬
‫ص ‪ ،‬مثل قوله تعالى ‪ { :‬عالم الغيب والشّهادة } ‪.‬‬
‫أو العرف الخا ّ‬
‫ب ‪ -‬والستغراق العرفيّ ‪ :‬هو أن يراد باللّفظ كلّ فردٍ ممّا يتناوله بحسب متفاهم العرف ‪،‬‬
‫مثل جمع المير الصّاغة ‪ ،‬أي كلّ صاغة بلده ‪.‬‬
‫‪ - 3‬أمّا الكفويّ ( أبو البقاء ) فقد قسّمه إلى ثلثة أقسامٍ ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬استغراقٌ جنسيّ مثل ‪ :‬ل رجل في الدّار ‪.‬‬
‫ق فرديّ مثل ‪ :‬ل رجل في الدّار ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬استغرا ٌ‬
‫ق عرفيّ ‪ :‬وهو ما يكون المرجع في شموله وإحاطته إلى حكم العرف مثل ‪:‬‬
‫ج ‪ -‬استغرا ٌ‬
‫جمع المير الصّاغة ‪.‬‬
‫الحكم الجماليّ ومواطن البحث ‪:‬‬
‫‪ - 4‬ذكر الصوليّون الستغراق أثناء الكلم على تعريف العامّ ‪ ،‬فقالوا ‪ :‬العامّ هو اللّفظ‬
‫المستغرق لجميع ما يصلح له ‪ ،‬أي يتناوله دفعةً واحد ًة من غير حصرٍ ‪ .‬واعتبار الستغراق‬
‫في العامّ إنّما هو رأي الشّافعيّة وبعض الحنفيّة ‪ .‬أمّا عند عامّتهم فيكفي في العموم انتظام جمعٍ‬
‫من المسمّيات ‪ ،‬كما صرّح به فخر السلم وغيره ‪ .‬وعلى هذا يكون الستغراق أشمل من‬
‫العموم ‪ .‬فلفظ السد يصدق أن يقال ‪ :‬إنّه مستغرقٌ لجميع ما يصلح له ‪ ،‬وليس بعامّ ‪.‬‬
‫اللفاظ الدّالّة على الستغراق ‪:‬‬
‫‪ - 5‬هناك بعض اللفاظ تدلّ على الستغراق ‪ ،‬كلفظ كلّ ‪ ،‬فإنّه يفيد استغراق أفراد المضاف‬
‫ل نفسٍ ذائقة الموت } كما أنّها تفيد استغراق أجزاء المضاف إليه‬
‫إليه المنكّر ‪ ،‬مثل { ك ّ‬
‫ل أجزائه ‪.‬‬
‫ن ‪ ،‬أي ك ّ‬
‫ل زيدٍ حس ٌ‬
‫المفرد المعرفة ‪ ،‬نحو ‪ :‬ك ّ‬
‫كذلك الجمع المحلّى باللف واللّم يفيد الستغراق ‪ :‬نحو ‪ « :‬ما رآه المسلمون حسنا » ‪.‬‬
‫‪ - 6‬وفي الموضوع تفصيلتٌ كثير ٌة تنظر في العموم في الملحق الصوليّ ‪.‬‬
‫‪ - 7‬أمّا الفقهاء فيستعملون الستغراق أيضا بمعنى الستيعاب والشّمول ‪.‬‬
‫ومن ذلك قولهم في الزّكاة ‪ :‬استغراق الصناف الثّمانية في صرف الزّكاة عند البعض ‪،‬‬
‫وللتّفصيل ينظر باب الزّكاة ‪.‬‬
‫استغفارٌ *‬
‫التعريف ‪:‬‬
‫‪ - 1‬الستغفار في اللّغة ‪ :‬طلب المغفرة بالمقال والفعال ‪.‬‬
‫وعند الفقهاء ‪ :‬سؤال المغفرة كذلك ‪ ،‬والمغفرة في الصل ‪ :‬السّتر ‪ ،‬ويراد بها التّجاوز عن‬
‫الذّنب وعدم المؤاخذة به ‪ ،‬وأضاف بعضهم ‪ :‬إمّا بترك التّوبيخ والعقاب رأسا ‪ ،‬أو بعد التّقرير‬
‫به فيما بين العبد وربّه ‪ .‬ويأتي الستغفار بمعنى السلم ‪.‬‬
‫قال اللّه تعالى ‪ { :‬وما كان اللّه معذّبهم وهم يستغفرون } أي يسلمون قاله مجاهدٌ وعكرمة ‪.‬‬
‫كذلك يأتي الستغفار بمعنى الدّعاء والتّوبة ‪ ،‬وستأتي صلته بهذه اللفاظ ‪.‬‬
‫اللفاظ ذات الصّلة ‪:‬‬

‫أ ‪ -‬التّوبة ‪:‬‬
‫ن كلّ منهما رجوعٌ إلى اللّه سبحانه ‪ ،‬كذلك يشتركان في‬
‫‪ - 2‬الستغفار والتّوبة يشتركان في أ ّ‬
‫طلب إزالة ما ل ينبغي ‪ ،‬إلّ أنّ الستغفار طلبٌ من اللّه لزالته ‪.‬‬
‫والتّوبة سعيٌ من النسان في إزالته ‪ .‬وعند الطلق يدخل كلّ منهما في مسمّى الخر ‪،‬‬
‫وعند اقترانهما يكون الستغفار طلب وقاية شرّ ما مضى والتّوبة الرّجوع وطلب وقاية شرّ ما‬
‫يخافه في المستقبل من سيّئات أعماله ‪ ،‬ففي التّوبة أمران ل بدّ منهما ‪ :‬مفارقة شيءٍ ‪،‬‬
‫والرّجوع إلى غيره ‪ ،‬فخصّت التّوبة بالرّجوع والستغفار بالمفارقة ‪ ،‬وعند إفراد أحدهما‬
‫يتناول ك ّل منهما الخر ‪ .‬وعند المعصية يكون الستغفار المقرون بالتّوبة عبارةٌ عن طلب‬
‫المغفرة باللّسان ‪ ،‬والتّوبة عبارةٌ عن القلع عن الذّنب بالقلب والجوارح ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬الدّعاء ‪:‬‬
‫ن بين الستغفار والدّعاء عموما‬
‫‪ - 3‬كلّ دعا ٍء فيه سؤال الغفران فهو استغفارٌ ‪ .‬إلّ أ ّ‬
‫وخصوصا من وجهٍ ‪ ،‬يجتمعان في طلب المغفرة ‪ ،‬وينفرد الستغفار إن كان بالفعل ل‬
‫بالقول ‪ ،‬كما ينفرد الدّعاء إن كان بطلب غير المغفرة ‪.‬‬
‫الحكم التّكليفيّ للستغفار ‪:‬‬
‫ن اللّه‬
‫ب إليه ‪ ،‬لقول اللّه سبحانه ‪ { .‬واستغفروا اللّه إ ّ‬
‫‪ - 4‬الصل في الستغفار أنّه مندو ٌ‬
‫غفورٌ رحي ٌم } يحمل على النّدب ‪ ،‬لنّه قد يكون من غير معصيةٍ ‪ ،‬لكنّه قد يخرج عن النّدب‬
‫إلى الوجوب كاستغفار النّبيّ صلى ال عليه وسلم وكالستغفار من المعصية ‪.‬‬
‫وقد يخرج إلى الكراهة كالستغفار للميّت خلف الجنازة ‪ ،‬صرّح بذلك المالكيّة ‪.‬‬
‫وقد يخرج إلى الحرمة ‪ ،‬كالستغفار للكفّار ‪.‬‬
‫الستغفار المطلوب ‪:‬‬
‫‪ - 5‬الستغفار المطلوب هو الّذي يحلّ عقدة الصرار ‪ ،‬ويثبت معناه في الجنان ‪ ،‬ل التّلفّظ‬
‫باللّسان ‪ ،‬فإن كان باللّسان ‪ -‬وهو مصرّ على المعصية ‪ -‬فإنّه ذنبٌ يحتاج إلى استغفارٍ ‪ .‬كما‬
‫روي ‪ « :‬التّائب من الذّنب ‪ ،‬كمن ل ذنب له ‪ ،‬والمستغفر من الذّنب وهو مقيمٌ عليه‬
‫كالمستهزئ بربّه » ويطلب للمستغفر بلسانه أن يكون ملحظا لهذه المعاني بجنانه ‪ ،‬ليفوز‬
‫بنتائج الستغفار ‪ ،‬فإن لم يتيسّر له ذلك فيستغفر بلسانه ‪ ،‬ويجاهد نفسه على ما هنالك ‪،‬‬
‫فالميسور ل يسقط بالمعسور ‪.‬‬
‫فإن انتفى الصرار ‪ ،‬وكان الستغفار باللّسان مع غفلة القلب ‪ ،‬ففيه رأيان ‪:‬‬
‫الوّل ‪ :‬وصفه بأنّه توبة الكذّابين ‪ ،‬وهو قول المالكيّة ‪ ،‬وقولٌ للحنفيّة والشّافعيّة ‪ ،‬إلّ أنّ‬
‫المالكيّة جعلوه معصيةً لحقةً بالكبائر ‪ ،‬وقال الخرون ‪ :‬بأنّه ل جدوى منه فقط ‪.‬‬
‫ن الستغفار عن غفلةٍ‬
‫ل للحنفيّة والشّافعيّة ‪ ،‬ل ّ‬
‫الثّاني ‪ :‬اعتباره حسنةً وهو قول الحنابلة ‪ ،‬وقو ٌ‬
‫ن اللّسان إذا ألف ذكرا يوشك أن يألفه القلب‬
‫خي ٌر من الصّمت وإن احتاج إلى استغفارٍ ‪ ،‬ل ّ‬
‫فيوافقه عليه ‪ ،‬وترك العمل للخوف منه من مكايد الشّيطان ‪.‬‬
‫صيغ الستغفار ‪:‬‬
‫س رضي‬
‫ي عن شدّاد بن أو ٍ‬
‫‪ - 6‬ورد الستغفار بصي ٍغ متعدّد ٍة ‪ ،‬والمختار منها ما رواه البخار ّ‬
‫ال عنه عن النّبيّ صلى ال عليه وسلم أنّه قال ‪ « :‬سيّد الستغفار أن تقول ‪ :‬اللّهمّ أنت ربّي‬
‫ل أنت ‪ ،‬خلقتني وأنا عبدك ‪ ،‬وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت ‪ ،‬أعوذ بك من شرّ‬
‫ل إله إ ّ‬
‫ما صنعت ‪ ،‬أبوء لك بنعمتك عليّ ‪ ،‬وأبوء بذنبي فاغفر لي فإنّه ل يغفر الذّنوب إلّ أنت » ‪.‬‬
‫‪ - 7‬ومن أفضل أنواع الستغفار أن يقول العبد ‪ « :‬أستغفر اللّه الّذي ل إله إلّ هو الحيّ‬
‫ن بعض الوقات وبعض‬
‫القيّوم وأتوب إليه » ‪ .‬وهذا على سبيل المثال وليس الحصر كما أ ّ‬
‫ص بصيغٍ مأثورةٍ تكون أفضل من غيرها وينبغي التّقيّد بألفاظها ‪ ،‬وموطن بيانها‬
‫العبادات تخت ّ‬
‫سنّة والذكار والداب ‪ ،‬في أبواب الدّعاء والستغفار والتّوبة ‪.‬‬
‫غالبا كتب ال ّ‬
‫ن بعض صيغه منهيّ عنها ‪ ،‬ففي الصّحيح عن‬
‫وإذا كانت صيغ الستغفار السّابقة مطلوبةً فإ ّ‬
‫ن رسول اللّه صلى ال عليه وسلم قال ‪ « :‬ل يقولنّ أحدكم ‪ :‬اللّهمّ‬
‫أبي هريرة رضي ال عنه أ ّ‬
‫ن اللّه ل مستكره له »‬
‫اغفر لي إن شئت ‪ ،‬اللّهمّ ارحمني إن شئت ‪ ،‬ليعزم المسألة فإ ّ‬
‫استغفار النّبيّ صلى ال عليه وسلم ‪:‬‬
‫‪ - 8‬استغفار النّبيّ عليه الصلة والسلم واجبٌ عليه ‪ ،‬لقوله تعالى ‪ { :‬فاعلم أنّه ل إله إلّ اللّه‬
‫واستغفر لذنبك وللمؤمنين والمؤمنات } ‪ ،‬وقد ذكر الفقهاء والمفسّرون وجوها عديدةً في‬
‫استغفاره صلى ال عليه وسلم منها ‪ :‬أنّه يراد به ما كان من سهوٍ أو غفلةٍ ‪ ،‬أو أنّه لم يكن عن‬
‫ذنبٍ ‪ ،‬وإنّما كان لتعليم أمّته ‪ ،‬ورأي السّبكيّ ‪ :‬أنّ استغفار النّبيّ صلى ال عليه وسلم ل‬
‫ب ‪ ،‬لنّه صلى ال عليه وسلم ل‬
‫يحتمل إلّ وجها واحدا ‪ ،‬وهو ‪ :‬تشريفه من غير أن يكون ذن ٌ‬
‫ينطق عن الهوى ‪ .‬وقد ثبت« أنّه صلى ال عليه وسلم كان يستغفر في اليوم الواحد سبعين‬
‫مرّةً ‪ ،‬ومائة مرّ ٍة »‪ ،‬بل كان أصحابه يعدّون له في المجلس الواحد قبل أن يقوم ‪:‬‬
‫« ربّ اغفر لي وتب عليّ إنّك أنت التّوّاب الغفور مائة مرّ ٍة » ‪.‬‬
‫الستغفار في الطّهارة ‪:‬‬
‫أوّلً ‪ :‬الستغفار عقب الخروج من الخلء ‪:‬‬
‫‪ - 9‬يندب الستغفار بعد قضاء الحاجة ‪ ،‬وعند الخروج من الخلء ‪ .‬روى التّرمذيّ أنّه « كان‬
‫النّبيّ صلى ال عليه وسلم إذا خرج من الخلء قال ‪ :‬غفرانك » ‪.‬‬
‫ووجه سؤال المغفرة هنا كما قال ابن العربيّ ‪ -‬هو العجز عن شكر النّعمة في تيسير الغذاء ‪،‬‬
‫وإيصال منفعته ‪ ،‬وإخراج فضلته ‪.‬‬
‫ثانيا ‪ :‬الستغفار بعد الوضوء ‪:‬‬
‫ن الستغفار ضمن الذّكر الوارد عند إتمام الوضوء روى أبو سعيدٍ الخدريّ رضي‬
‫‪ - 10‬يس ّ‬
‫ال تعالى عنه أنّ رسول اللّه صلى ال عليه وسلم قال ‪ « :‬من توضّأ فقال ‪ :‬سبحانك اللّهمّ ‪،‬‬
‫ل أنت أستغفرك ‪ ،‬وأتوب إليك ‪ ،‬كتب في رقّ ‪ ،‬ثمّ جعل في طابعٍ ‪،‬‬
‫وبحمدك أشهد أن ل إله إ ّ‬
‫فلم يكسر إلى يوم القيامة » وقد وردت صيغٌ أخرى تتضمّن الستغفار عقب النتهاء من‬
‫الوضوء وأثناءه يذكرها الفقهاء في سنن الوضوء ‪.‬‬
‫الستغفار عند دخول المسجد والخروج منه ‪:‬‬
‫ب عند المالكيّة ‪ ،‬والشّافعيّة ‪ ،‬والحنابلة ‪ ،‬الستغفار عند دخول المسجد وعند‬
‫‪ - 11‬يستح ّ‬
‫الخروج منه ‪ .‬لما ورد عن فاطمة بنت رسول اللّه صلى ال عليه وسلم قالت ‪ « :‬كان رسول‬
‫اللّه إذا دخل المسجد صلّى على مح ّمدٍ وسلّم ‪ ،‬وقال ‪ :‬ربّ اغفر لي ذنوبي ‪ ،‬وافتح لي أبواب‬
‫رحمتك ‪ ،‬وإذا خرج صلّى على محمّدٍ وسلّم ‪ ،‬وقال ‪ :‬ربّ اغفر لي ‪ ،‬وافتح لي أبواب فضلك‬
‫ن المصلّي يقول عند دخول المسجد ‪ « :‬اللّهمّ افتح لي أبواب‬
‫» والوارد في كتب الحنفيّة أ ّ‬
‫رحمتك » وعند خروجه ‪ « :‬اللّهمّ إنّي أسألك من فضلك » ‪.‬‬
‫الستغفار في الصّلة ‪:‬‬
‫ل ‪ -‬الستغفار في افتتاح الصّلة ‪:‬‬
‫أ ّو ً‬
‫‪ - 12‬جاء الستغفار في بعض الرّوايات الّتي وردت في دعاء الفتتاح في الصّلة ‪،‬‬
‫وأخذ بذلك الشّافعيّة مطلقا ‪ ،‬والحنفيّة والحنابلة في صلة اللّيل ‪ ،‬منها ما رواه أبو بكرٍ‬
‫الصّدّيق رضي ال عنه عن النّبيّ عليه الصلة والسلم ‪ « :‬اللّهمّ إنّي ظلمت نفسي ظلما كثيرا‬
‫ل أنت فاغفر لي مغفرةً من عندك ‪ ،‬وارحمني إنّك أنت الّتوّاب الرّحيم »‬
‫‪ ،‬ول يغفر الذّنوب إ ّ‬
‫ل الستغفار في دعاء الفتتاح يذكره الفقهاء في‬
‫‪ .‬ويكره الفتتاح في المكتوبة عند المالكيّة ومح ّ‬
‫سنن الصّلة ‪ ،‬أو في كيفيّة الصّلة ‪.‬‬
‫ثانيا ‪ :‬الستغفار في الرّكوع والسّجود والجلوس بين السّجدتين ‪:‬‬
‫ن الدّعاء بالمغفرة في الرّكوع عند الشّافعيّة ‪ ،‬والحنابلة ‪ .‬روت عائشة رضي ال عنها‬
‫‪ 13‬يس ّ‬
‫قالت ‪ « :‬كان رسول اللّه صلى ال عليه وسلم يكثر أن يقول في ركوعه وسجوده ‪ :‬سبحانك‬
‫اللّهمّ وبحمدك اللّهمّ اغفر لي يتأوّل القرآن »‪ ،‬أي يحقّق قوله تعالى ‪ { :‬فسبّح بحمد ربّك‬
‫واستغفره } » متّفقٌ عليه ‪ .‬إلّ أنّ الشّافعيّة يجعلون ذلك للمنفرد ‪ ،‬ولمام قو ٍم محصورين‬
‫ن الحنفيّة‬
‫رضوا بالتّطويل ‪ .‬ول يأتي بغير التّسبيح في الرّكوع عند الحنفيّة ‪ ،‬والمالكيّة ‪ ،‬غير أ ّ‬
‫يجيزون الستغفار عند الرّفع من الرّكوع ‪.‬‬
‫‪ - 14‬وفي السّجود يندب الدّعاء بالمغفرة كذلك عند المالكيّة ‪ ،‬والشّافعيّة ‪ ،‬والحنابلة ‪ ،‬لحديث‬
‫عائشة السّابق ‪.‬‬
‫ن الستغفار عند الحنفيّة ‪ ،‬والمالكيّة ‪ ،‬والشّافعيّة ‪ ،‬وهو‬
‫‪ - 15‬وفي الجلوس بين السّجدتين يس ّ‬
‫قولٌ عن أحمد ‪ ،‬والصل في هذا ما روى حذيفة « أنّه صلّى مع النّبيّ صلى ال عليه وسلم‬
‫فكان يقول بين السّجدتين ‪ :‬ربّ اغفر لي ‪ ،‬ربّ اغفر لي » ‪ .‬وإنّما لم يجب الستغفار ‪ ،‬لنّ‬
‫النّبيّ صلى ال عليه وسلم لم يعلّمه المسيء صلته ‪ .‬والمشهور عند الحنابلة أنّه واجبٌ ‪ ،‬وهو‬
‫قول إسحاق وداود ‪ ،‬وأقلّه مرّةً واحدةً ‪ ،‬وأقلّ الكمال ثلثٌ ‪ ،‬والكمال للمنفرد ما ل يخرجه إلى‬
‫السّهو ‪ ،‬وبالنّسبة للمام ‪ :‬ما ل يشقّ على المصلّين ‪.‬‬
‫الستغفار في القنوت ‪:‬‬
‫‪ - 16‬جاء الستغفار في ألفاظ القنوت ‪ ،‬قنوت النّبيّ صلى ال عليه وسلم وقنوت عمر ‪،‬‬
‫وألفاظه كبقيّة اللفاظ الواردة ‪ ،‬ولم نقف على أمرٍ يخصّه ‪ ،‬إلّ ما ذكره المالكيّة والحنفيّة بأنّ‬
‫الدّعاء بالمغفرة يقوم مقام القنوت عند العجز عنه ‪.‬‬
‫الستغفار بعد التّشهّد الخير ‪:‬‬
‫سنّة « اللّهمّ إنّي ظلمت نفسي ظلما كثيرا‬
‫‪ - 17‬يندب الستغفار بعد التّشهّد الخير ‪ ،‬ورد في ال ّ‬
‫ل أنت ‪ ،‬فاغفر لي مغفرةً من عندك ‪ ،‬وارحمني إنّك أنت الغفور‬
‫‪ ،‬وإنّه ل يغفر الذّنوب إ ّ‬
‫الرّحيم » متّفقٌ عليه ‪ .‬كذلك ورد « اللّهمّ اغفر لي ما قدّمت وما أخّرت ‪ ،‬وما أسررت وما‬
‫ل أنت »‬
‫أعلنت ‪ ،‬وما أسرفت ‪ ،‬وما أنت أعلم به منّي أنت المقدّم وأنت المؤخّر ل إله إ ّ‬
‫الستغفار عقب الصّلة ‪:‬‬
‫ن الستغفار عقب الصّلة ثلثا ‪ ،‬لما روي عن عبد اللّه بن مسعو ٍد رضي ال عنه‬
‫‪ - 18‬يس ّ‬
‫قال ‪ «:‬من قال أستغفر اللّه العظيم الّذي ل إله إلّ هو الحيّ القيّوم وأتوب إليه ‪ ،‬ثلث مرّاتٍ ‪،‬‬
‫غفر اللّه ذنوبه وإن كانت مثل زبد البحر »‬
‫ووردت رواياتٌ أخرى يذكرها الفقهاء في الذّكر الوارد عقب الصّلة ومنها قوله صلى ال‬
‫ت فقال ‪ :‬أستغفر اللّه الّذي‬
‫ل صل ٍة ثلث مرّا ٍ‬
‫عليه وسلم ‪ « :‬من استغفر اللّه تعالى في دبر ك ّ‬
‫ل هو الحيّ القيّوم وأتوب إليه غفر اللّه عزّ وجلّ ذنوبه وإن كان قد فرّ من الزّحف »‬
‫ل إله إ ّ‬
‫الستغفار في الستسقاء ‪:‬‬
‫‪ - 19‬ل خلف بين الفقهاء في أنّه يحصل الستسقاء بالستغفار وحده ‪.‬‬
‫ن أبا حنيفة يقصره على ذلك ‪ ،‬مستدلّ بقول اللّه سبحانه { فقلت استغفروا ربّكم إنّه‬
‫غير أ ّ‬
‫ن الستغفار وسيل ٌة للسّقيا ‪.‬‬
‫كان غفّارا يرسل السّماء عليكم مدرارا } لنّ الية دلّت على أ ّ‬
‫بدليل { يرسل السّماء عليكم مدرارا } ولم تزد الية الكريمة على الستغفار ‪ ،‬وروي عن‬
‫عمر رضي ال عنه أنّه خرج إلى الستسقاء ولم يصلّ بجماع ٍة ‪ ،‬بل صعد المنبر ‪ ،‬واستغفر‬
‫اللّه ‪ ،‬وما زاد عليه ‪ ،‬فقالوا ‪ :‬ما استسقيت يا أمير المؤمنين ‪ ،‬فقال ‪ :‬لقد استسقيت بمجاديح‬
‫السّماء الّتي بها يستنزل الغيث ‪.‬‬
‫‪ - 20‬وبقيّة الفقهاء والقائلون بندب صلة الستسقاء والخطبتين ‪ ،‬أو الخطبة الواحدة ‪ ،‬يسنّ‬
‫عندهم الكثار من الستغفار في الخطبة ‪ ،‬وتبدّل تكبيرات الفتتاح الّتي في خطبتي العيدين‬
‫بالستغفار في خطبتي الستسقاء عند المالكيّة ‪ ،‬والشّافعيّة ‪ ،‬وصيغته كما أوردها النّوويّ في‬
‫مجموعه " أستغفر اللّه الّذي ل إله إلّ هو الحيّ القيّوم وأتوب إليه " ‪ .‬ويكبّر كخطبتي العيدين‬
‫عند الحنابلة ‪ ،‬ونفى الحنفيّة التّكبير ولم يتعرّضوا للستغفار في الخطبة ‪.‬‬
‫الستغفار للموات ‪:‬‬
‫سنّة الستغفار للموات ‪ ،‬ففي‬
‫ح فعلها للميّت ‪ .‬وقد ثبت في ال ّ‬
‫‪ - 21‬الستغفار عباد ٌة قوليّ ٌة يص ّ‬
‫صلة الجنازة ورد الدّعاء للميّت بالمغفرة ‪ ،‬لكن ل يستغفر لصبيّ ونحوه ‪.‬‬
‫وتفصيل أحكامه يذكرها الفقهاء في صلة الجنازة ‪ .‬وعقب الدّفن يندب أن يقف جماعةٌ‬
‫يستغفرون للميّت ‪ ،‬لنّه حينئذٍ في سؤال منكرٍ ونكيرٍ ‪ ،‬روى أبو داود بإسناده عن عثمان قال‬
‫‪ « :‬كان النّبيّ صلى ال عليه وسلم إذا دفن الرّجل وقف عليه وقال ‪ :‬استغفروا لخيكم واسألوا‬
‫له التّثبّت فإنّه الن يسأل » وصرّح بذلك جمهور الفقهاء ‪.‬‬
‫‪ - 22‬ومن آداب زيارة القبور عند الحنفيّة والمالكيّة ‪ ،‬والشّافعيّة ‪ ،‬الدّعاء بالمغفرة لهلها‬
‫عقب التّسليم عليهم ‪ ،‬واستحسن ذلك الحنابلة ‪.‬‬
‫ص المؤمن ‪ ،‬أمّا الكافر الميّت فيحرم الستغفار له بنصّ القرآن والجماع‬
‫‪ - 23‬وهذا كلّه يخ ّ‬
‫‪.‬‬
‫الستغفار عن الغيبة ‪:‬‬
‫‪ - 24‬اختلف العلماء في حقّ الّذي اغتاب ‪ ،‬هل يلزمه استحلل من اغتيب ‪ ،‬مع الستغفار‬
‫له ‪ ،‬أم يكفيه الستغفار ؟ ‪.‬‬
‫الوّل ‪ :‬إذا لم يعلم من اغتيب فيكفي الستغفار ‪ ،‬وهو مذهب الشّافعيّة ‪ ،‬والحنابلة ‪ ،‬وقولٌ‬
‫ن إعلمه ربّما يج ّر فتن ًة ‪ ،‬وفي إعلمه إدخال غمّ عليه ‪ .‬لما روى الخلّل‬
‫للحنفيّة ‪ ،‬ول ّ‬
‫بإسناده عن أنسٍ مرفوعا « كفّارة من اغتيب أن يستغفر له » ‪ .‬فإن علم فل بدّ من استحلله‬
‫مع الستغفار له ‪.‬‬
‫الثّاني ‪ :‬يكفي الستغفار سوا ٌء علم الّذي اغتيب أم لم يعلم ‪ ،‬ول يجب استحلله ‪ ،‬وهو قول‬
‫ي من الحنفيّة ‪ .‬والمالكيّة على أنّه ل بدّ من استحلل المغتاب إن كان موجودا ‪ ،‬فإن لم‬
‫الطّحاو ّ‬
‫يجده ‪ ،‬أو أحدا من ورثته استغفر له ‪.‬‬
‫وفي استحلل الورثة خلفٌ بين الفقهاء يذكر في التّوبة ‪.‬‬
‫الستغفار للمؤمنين ‪:‬‬
‫ن التّعميم في الدّعاء بالمغفرة للمؤمنين والمؤمنات ‪ ،‬لخبر « ما‬
‫‪ - 25‬اتّفق الفقهاء على أنّه يس ّ‬
‫ب إلى اللّه تعالى من أن يقول العبد ‪ :‬اللّهمّ اغفر لمّة محمّ ٍد مغفرةً عا ّمةً » وفي‬
‫من دعاءٍ أح ّ‬
‫رواي ٍة أنّه « قام رسول اللّه صلى ال عليه وسلم في صل ٍة ‪ ،‬وقمنا معه ‪ ،‬فقال أعرابيّ وهو‬
‫ي صلى ال عليه‬
‫في الصّلة ‪ :‬اللّهمّ ارحمني ومحمّدا ‪ ،‬ول ترحم معنا أحدا ‪ ،‬فلمّا سلّم النّب ّ‬
‫وسلم قال للعرابيّ ‪ :‬لقد حجّرت واسعا » ‪ .‬ول بأس أن يخصّ النسان نفسه بالدّعاء ‪،‬‬
‫لحديث أبي بكرة ‪ ،‬وأمّ سلمة ‪ ،‬وسعد بن أبي وقّاصٍ ‪ « :‬اللّهمّ إنّي أعوذ بك ‪ ،‬وأسألك ‪» ...‬‬
‫إلخ وهذا يخصّ نفسه الكريمة ‪ ،‬ذلك ما لم يكن في القنوت ‪ ،‬وخلفه من يؤمّن ‪ ،‬لخبر ثوبان «‬
‫ل يؤ ّم رجلٌ قوما فيخصّ نفسه بدعوةٍ دونهم ‪ ،‬فإن فعل فقد خانهم »‬
‫الستغفار للكافر ‪:‬‬
‫ن الستغفار‬
‫‪ - 26‬اتّفق الفقهاء على أنّ الستغفار للكافر محظورٌ ‪ ،‬بل بالغ بعضهم فقال ‪ :‬إ ّ‬
‫ن فيه تكذيبا للنّصوص الواردة الّتي تدلّ على أنّ اللّه تعالى ل‬
‫للكافر يقتضي كفر من فعله ‪ ،‬ل ّ‬
‫ن من مات على كفره فهو من أهل النّار ‪.‬‬
‫يغفر أن يشرك به ‪ ،‬وأ ّ‬
‫‪ - 27‬وأمّا من استغفر للكافر الحيّ رجاء أن يؤمن فيغفر له ‪ ،‬فقد صرّح الحنفيّة بإجازة ذلك ‪،‬‬
‫وجوّز الحنابلة الدّعاء بالهداية ‪ ،‬ول يستبعد ذلك من غيرهم ‪ ،‬كذلك استظهر بعضهم جواز‬
‫ن هذا من أحكام الخرة ‪.‬‬
‫الدّعاء لطفال الكفّار بالمغفرة ‪ ،‬ل ّ‬
‫تكفير الذّنوب بالستغفار ‪:‬‬
‫‪ - 28‬الستغفار إن كان بمعنى التّوبة فإنّه يرجى أن يكفّر به الذّنوب إن توافرت فيه شروط‬
‫التّوبة ‪ ،‬يقول اللّه سبحانه ‪ { :‬ومن يعمل سوءا أو يظلم نفسه ث ّم يستغفر اللّه يجد اللّه غفورا‬
‫رحيما } ويقول صلى ال عليه وسلم رسول اللّه ‪ « :‬من استغفر اللّه تعالى في دبر كلّ صلةٍ‬
‫ثلث مرّاتٍ ‪ ،‬فقال ‪ :‬أستغفر اللّه الّذي ل إله إلّ هو الحيّ القيّوم وأتوب إليه ‪ ،‬غفر له وإن‬
‫كان قد فرّ من الزّحف » وقد قيل ‪ :‬ل صغيرة مع الصرار ‪ ،‬ول كبيرة مع الستغفار فالمراد‬
‫بالستغفار هنا التّوبة ‪.‬‬
‫‪ - 29‬فإن كان الستغفار على وجه الفتقار والنكسار دون تحقّق التّوبة ‪،‬‬
‫فقد اختلف الفقهاء في ذلك ‪ ،‬فالشّافعيّة قالوا ‪ :‬إنّه يكفّر الصّغائر دون الكبائر ‪ ،‬وقال المالكيّة‬
‫والحنابلة ‪ :‬إنّه تغفر به الذّنوب ‪ ،‬ولم يفرّقوا بين صغير ٍة وكبيرةٍ ‪ ،‬وهو ما صرّحت به بعض‬
‫كتب الحنفيّة ‪ .‬لقوله صلى ال عليه وسلم ‪ « :‬الستغفار ممحا ٌة للذّنوب » ‪.‬‬
‫الستغفار عند النّوم ‪:‬‬
‫‪ - 30‬يستحبّ الستغفار عند النّوم مع بعض الدعية الخرى ‪ ،‬ليكون الستغفار خاتمة عمله‬
‫إذا رفعت روحه ‪ ،‬روى التّرمذيّ عن أبي سعيدٍ ‪ « :‬من قال حين يأوي إلى فراشه أستغفر‬
‫ل هو الحيّ القيّوم وأتوب إليه ثلث مرّاتٍ غفر اللّه له ذنوبه وإن كانت مثل‬
‫اللّه الّذي ل إله إ ّ‬
‫زبد البحر » ‪.‬‬
‫الدّعاء بالمغفرة للمشمّت ‪:‬‬
‫ن للعاطس أن يدعو بالمغفرة لمن شمّته بقوله ‪ " :‬يرحمك اللّه " فيقول له العاطس ‪" :‬‬
‫‪ - 31‬يس ّ‬
‫يغفر اللّه لنا ولكم " أو يقول له ‪ " :‬يهديكم اللّه ويصلح بالكم " أو يقول ‪ " :‬يرحمنا اللّه وإيّاكم‬
‫ن ابن عمر كان إذا عطس فقيل له ‪ :‬يرحمك‬
‫ويغفر لنا ولكم " ‪ ،‬لما في الموطّأ عن نافعٍ أ ّ‬
‫اللّه ‪ ،‬قال ‪ :‬يرحمنا اللّه وإيّاكم ويغفر لنا ولكم ‪.‬‬
‫اختتام العمال بالستغفار ‪:‬‬
‫‪ - 32‬المتتبّع للقرآن الكريم والذكار النّبويّة يجد اختتام كثيرٍ من العمال بالستغفار ‪،‬‬
‫فقد أمر النّبيّ صلى ال عليه وسلم في آخر حياته بالستغفار بقوله تعالى ‪ { :‬فسبّح بحمد‬
‫ربّك واستغفره إنّه كان توّابا } ‪.‬‬
‫‪ - 33‬وفي اختتام الصّلة ‪ ،‬وتمام الوضوء يندب الستغفار كما تقدّم ‪.‬‬
‫‪ - 34‬والستغفار في نهاية المجلس كفّارةٌ لما يقع في المجلس من لغطٍ ‪ ،‬روى أبو هريرة‬
‫رضي ال عنه قال ‪ :‬قال رسول اللّه صلى ال عليه وسلم ‪ « :‬من جلس مجلسا فكثر فيه لغطه‬
‫‪ ،‬فقال قبل أن يقوم من مجلسه ذلك ‪ :‬سبحانك اللّه ّم وبحمدك أشهد أن ل إله إلّ أنت أستغفرك‬
‫ل غفر له ما كان في مجلسه ذلك » ‪.‬‬
‫وأتوب إليك ‪ ،‬إ ّ‬
‫‪ - 35‬ومن آكد أوقات الستغفار ‪ :‬السّحر ‪ -‬آخر اللّيل ‪ -‬لقوله تعالى ‪ { :‬وبالسحار هم‬
‫يستغفرون } وللخبر الصّحيح ‪ « :‬ينزل ربّنا تبارك وتعالى كلّ ليل ٍة إلى سماء الدّنيا حين يبقى‬
‫ثلث اللّيل الخير ‪ ،‬فيقول ‪ :‬من يدعوني فأستجيب له ؟ من يسألني فأعطيه ؟ من يستغفرني‬
‫فأغفر له ؟ » ‪.‬‬
‫استغللٌ *‬
‫انظر ‪ :‬استثمارٌ ‪.‬‬
‫استفاضةٌ *‬
‫التعريف ‪:‬‬
‫‪ - 1‬الستفاضة في اللّغة ‪ :‬مصدر استفاض ‪ .‬يقال ‪ :‬استفاض الحديث والخبر وفاض بمعنى ‪:‬‬
‫ذاع وانتشر ‪ .‬ول يخرج استعمال الفقهاء والمحدّثين له عن المعنى اللّغويّ ‪.‬‬
‫الحكم الجماليّ ‪:‬‬
‫‪ - 2‬الستفاضة مستندٌ للشّهادة ‪ ،‬يستند إليها الشّاهد في شهادته ‪ ،‬فتقوم مقام المعاينة في أمورٍ‬
‫معيّنةٍ يأتي بيانها ‪ .‬ولذلك يطلق عليها الفقهاء " الشّهادة بالستفاضة " ويطلقون عليها أيضا "‬
‫ل ذلك يقصدون‬
‫الشّهادة بالسّماع " أو بالتّسامع ‪ ،‬أو بالشّهرة ‪ ،‬أو بالشتهار ‪ ،‬وهم في ك ّ‬
‫الشّهادة بسماع ما شاع واشتهر بين النّاس ‪.‬‬
‫ويقول عنها ابن عرفة المالكيّ ‪ " :‬شهادة السّماع " لقبٌ لما يصرّح الشّاهد فيه بإسناد شهادته‬
‫لسماع غير معيّنٍ ‪ .‬ويقول عنها بعض الحنفيّة ‪ :‬الشّهرة الشّرعيّة ‪.‬‬
‫‪ - 3‬هذا وإنّ شهادة الستفاضة تكون في المور الّتي مبناها على الشتهار ‪ ،‬كالموت ‪،‬‬
‫والنّكاح ‪ ،‬والنّسب ‪ ،‬لنّه يتعذّر العلم غالبا بدون الستفاضة ‪ ،‬ولنّه يختصّ بمعاينة أسبابها‬
‫ص من النّاس ‪ ،‬فلو لم تقبل فيها الشّهادة بالتّسامع لدّى إلى الحرج وتعطيل الحكام ‪ ،‬كما‬
‫خوا ّ‬
‫يقول الفقهاء ‪.‬‬
‫ل أنّهم يختلفون في أمورٍ ‪:‬‬
‫‪ - 4‬والفقهاء جميعا متّفقون على جواز الشّهادة بالستفاضة ‪ .‬إ ّ‬
‫‪ - 5‬أ ‪ -‬شرط التّسامع ‪ .‬وهو الشّهادة بالتّسامع من جماع ٍة يؤمن تواطؤهم على الكذب ‪ ،‬وذلك‬
‫عند الشّافعيّة ‪ ،‬والمالكيّة ‪ ،‬والحنابلة ‪ ،‬ومح ّمدٍ من الحنفيّة ‪ .‬وقيل ‪ :‬يكفي رجلن عدلن ‪ ،‬أو‬
‫رجلٌ وامرأتان ‪ ،‬وهو قول الخصّاف من الحنفيّة ‪ ،‬والقاضي من الحنابلة ‪ ،‬وبعض الشّافعيّة ‪.‬‬
‫مع تفصيلٍ للفقهاء في ذلك ينظر في ( شهادةٌ ) ‪.‬‬
‫‪ - 6‬ب ‪ -‬المور الّتي تثبت بها الشّهادة بالتّسامع ‪ .‬وقد اختلفت أقوال الفقهاء في ذلك ‪ ،‬لكنّهم‬
‫يتّفقون في جوازها ‪ :‬في الموت ‪ ،‬والنّكاح ‪ ،‬والنّسب ‪ ،‬وعدّ ابن عابدين من الحنفيّة عشرة‬
‫أمورٍ تجوز فيها الشّهادة بالستفاضة ‪ ،‬وفي مغني المحتاج للشّافعيّة أكثر من عشرةٍ ‪ ،‬ومثلها‬
‫عند الحنابلة ‪ .‬وقد توسّع المالكيّة في ذلك فعدّوا أشياء كثيرةً تثبت بالسّماع الفاشي ‪ ،‬كالملك ‪،‬‬
‫والوقف ‪ ،‬وعزل القاضي ‪ ،‬والجرح ‪ ،‬والتّعديل ‪ ،‬والكفر ‪ ،‬والسلم ‪ ،‬والسّفه ‪ ،‬والرّشد ‪،‬‬
‫والهيئة ‪ ،‬والصّدقة ‪ ،‬والولدة ‪ ،‬والحرابة ‪ .‬وغير ذلك ( ر ‪ :‬شهادةٌ ) ‪.‬‬
‫‪ - 7‬ج ‪ -‬وهل إذا صرّح بأنّه بنى شهادته على السّماع تقبل أو تردّ ؟‬
‫فيه خلفٌ بين المذاهب ينظر في مصطلح ( شهاد ٌة ) كذلك ‪.‬‬
‫الحديث المستفيض ‪:‬‬
‫‪ - 8‬الحديث المستفيض اسمٌ من أسماء الحديث ( المشهور ) وهو من الحاد ‪ ،‬إلّ أنّه ممّا يقيّد‬
‫به المطلق ‪ ،‬يخصّص به العامّ عند الحنفيّة ‪ ،‬وغيرهم ‪ .‬وتعريفه عند الحنفيّة ‪ :‬أنّه ما رواه‬
‫ي واحدٌ أو‬
‫عن النّبيّ صلى ال عليه وسلم واح ٌد أو اثنان من الصّحابة ‪ ،‬أو يرويه عن الصّحاب ّ‬
‫اثنان ‪ ،‬ثمّ ينتشر بعد ذلك ‪ ،‬فيرويه قومٌ يؤمن تواطؤهم على الكذب ‪ .‬ويفيد اليقين ‪ ،‬ولكنّه‬
‫أضعف ممّا ل يفيده الخبر المتواتر ‪ .‬وعند غير الحنفيّة ‪ :‬كلّ حديثٍ ل يقلّ عدد رواته عن‬
‫ثلثةٍ في أيّ طبقةٍ من طبقات السّند ‪ ،‬ولم يبلغ مبلغ التّواتر ‪.‬‬
‫‪ - 9‬وأمّا ذيوع الحدث ‪ ،‬كرؤية الهلل فإنّه يترتّب عليه لزوم الصّوم في رمضان ‪ ،‬ووجوب‬
‫الفطر في أوّل شوّالٍ ‪ ،‬والوقوف بعرفة في شهر ذي الحجّة ‪ ،‬على تفصيلٍ يرجع إليه في‬
‫موطنه من كتب الفقه ‪.‬‬
‫مواطن البحث ‪:‬‬
‫‪ - 10‬مواطن البحث في الستفاضة ينظر في الشّهادة بالستفاضة في باب الشّهادة عند الفقهاء‬
‫‪ ،‬وفي الصّوم عند الكلم عن رؤية الهلل ‪ ،‬ويرجع إلى الملحق الصوليّ فيما يتعلّق بالحديث‬
‫المستفيض ‪.‬‬
‫استفتاءٌ *‬
‫انظر ‪ :‬فتوى ‪.‬‬
‫استفتاحٌ *‬
‫التعريف ‪:‬‬
‫المعنى اللّغويّ ‪:‬‬
‫‪ - 1‬الستفتاح ‪ :‬طلب الفتح ‪ ،‬والفتح نقيض الغلق ‪ .‬ومنه فتح الباب ‪ ،‬واستفتحه ‪ :‬إذا طرقه‬
‫ليفتح له ‪ .‬ويكون الفتح أيضا بمعنى القضاء والحكم ‪ ،‬ومنه قول اللّه تعالى مخبرا عن شعيبٍ‬
‫س ‪ :‬ما كنت‬
‫‪ { :‬ربّنا افتح بيننا وبين قومنا بالحقّ وأنت خير الفاتحين } ‪ .‬وفي حديث ابن عبّا ٍ‬
‫أدري ما قول اللّه تعالى ‪ { :‬ربّنا افتح بيننا وبين قومنا بالحقّ } حتّى سمعت بنت ذي يزن‬
‫تقول لزوجها ‪ :‬تعال أفاتحك ‪ ،‬أي أحاكمك ‪.‬‬
‫والستفتاح طلب القضاء ‪ .‬ويكون الفتح بمعنى النّصر ‪ ،‬واستفتح ‪ :‬طلب النّصر ‪ .‬ومنه الية‬
‫‪ { :‬إن تستفتحوا فقد جاءكم الفتح } ‪ .‬وفي تاج العروس ‪ :‬في المستدرك على ما قاله الفيروز‬
‫آباديّ ‪ :‬إنّ فتح عليه يكون بمعنى عرّفه وعلّمه ‪ .‬قال ‪ :‬وقد فسّر به قوله تعالى ‪ { :‬قالوا‬
‫أتحدّثونهم بما فتح اللّه عليكم ليحاجّوكم به عند ربّكم } ‪.‬‬
‫المعنى الصطلحيّ ‪:‬‬
‫‪ - 2‬يستعمل الفقهاء الستفتاح بمعانٍ ‪:‬‬
‫الوّل ‪ :‬استفتاح الصّلة ‪ ،‬وهو الذّكر الّذي الّذي تبدأ به الصّلة بعد التّكبير ‪ .‬وقد يقال له ‪:‬‬
‫دعاء الستفتاح ‪ .‬وإنّما سمّي بذلك لنّه أوّل ما يقوله المصلّي بعد التّكبير ‪ ،‬فهو يفتتح به‬
‫صلته ‪ ،‬أي يبدؤها به ‪.‬‬
‫الثّاني ‪ :‬استفتاح القارئ إذا ارتجّ عليه ‪ ،‬أي استغلق عليه باب القراءة ‪ ،‬فلم يتمكّن منها ‪ ،‬فهو‬
‫يعيد الية ويكرّرها ليفتح عليه من يسمعه ‪.‬‬
‫الثّالث ‪ :‬طلب النّصرة ‪.‬‬
‫استفتاح الصّلة ‪:‬‬
‫‪ - 3‬يعبّر عنه بعض الفقهاء أيضا بدعاء الستفتاح ‪ ،‬وبالفتتاح ‪ ،‬وبدعاء الفتتاح ‪ .‬إلّ أنّ‬
‫الكثر يقولون ‪ :‬الستفتاح ‪ .‬واستفتح ‪ :‬أي قال الذّكر الوارد في موضعه بعد التّكبير ‪.‬‬
‫اللفاظ ذات الصّلة ‪:‬‬

‫الثّناء ‪:‬‬
‫‪ - 4‬الثّناء لغةً ‪ :‬المدح ‪ ،‬وفي الصطلح ‪ :‬ما كان من ذكر اللّه تعالى وصفا له بأوصافه‬
‫الحميدة ‪ ،‬وشكرا له على نعمه الجليلة ‪ ،‬سواءٌ كان بالصّيغة الواردة ‪ " :‬سبحانك اللّهمّ وبحمدك‬
‫‪ ...‬إلخ " ‪ ،‬أو غيرها ممّا يدلّ على المعنى المذكور ‪.‬‬
‫أمّا الدّعاء فليس ثناءً ‪ .‬وهذا هو الجاري مع الستعمال اللّغويّ ‪.‬‬
‫وفي اصطلحٍ آخر ‪ :‬الثّناء لكلّ ما يستفتح به ولو كان دعا ًء ‪ .‬قال المام الرّافعيّ ‪ :‬وكلّ‬
‫واحدٍ من هذين الذّكرين ‪ ،‬أعنى " وجّهت وجهي ‪ " ...‬وسبحانك اللّهمّ ‪ " ...‬يسمّى دعاء‬
‫الستفتاح وثناءه ‪ .‬وعلى ذلك فالستفتاح أخصّ من الثّناء ‪.‬‬
‫حكم الستفتاح ‪:‬‬
‫‪ - 5‬قال جمهور الفقهاء ‪ :‬الستفتاح سنّ ٌة ‪ ،‬لما ورد في الحاديث الّتي سيأتي ذكرها في‬
‫الصّيغ المأثورة في الستفتاح ‪ .‬وذهبت طائفةٌ من أصحاب المام أحمد إلى وجوب الذّكر الّذي‬
‫هو ثناءٌ ‪ ،‬كالستفتاح بنحو " سبحانك اللّهمّ وبحمدك ‪ " ...‬وهو اختيار ابن بطّة وغيره ‪ ،‬وذكر‬
‫هذا رواي ًة عن أحمد ‪ .‬وخالف في ذلك مالكٌ ‪ ،‬ففي المدوّنة قال ابن القاسم ‪ :‬كان مالكٌ ل يرى‬
‫هذا الّذي يقول النّاس " سبحانك اللّهمّ وبحمدك ‪ ،‬وتبارك اسمك ‪ ،‬وتعالى جدّك ‪ ،‬ول إله غيرك‬
‫ي صلى ال‬
‫ن النّب ّ‬
‫ب بسنده إلى أنس بن مالكٍ « أ ّ‬
‫" ‪ .‬وكان ل يعرفه ‪ .‬ثمّ نقل من رواية ابن وه ٍ‬
‫ب العالمين » ‪ :‬قال ‪:‬‬
‫عليه وسلم وأبا بكرٍ وعمر وعثمان كانوا يفتتحون الصّلة بالحمد للّه ر ّ‬
‫وقال مالكٌ ‪ :‬من كان وراء المام ‪ ،‬ومن هو وحده ‪ ،‬ومن كان إماما فل يقل ‪ " :‬سبحانك اللّهمّ‬
‫وبحمدك ‪ ،‬وتبارك اسمك ‪ ...‬إلخ " ‪ .‬ولكن يكبّرون ث ّم يبتدئون القراءة ‪ .‬وقد صرّح فقهاء‬
‫ن الحكم كراهة الفصل بين التّكبير والقراءة بدعاءٍ ‪ .‬سوا ٌء أكان دعاء الستفتاح أو‬
‫المالكيّة بأ ّ‬
‫ب بعضهم‬
‫ن هذا هو المشهور عن مالكٍ ‪ ،‬ث ّم قال ‪ :‬واستح ّ‬
‫ن في كفاية الطّالب ‪ :‬أ ّ‬
‫غيره ‪ .‬إلّ أ ّ‬
‫الفصل بينهما بلفظ ‪ " :‬سبحانك اللّهمّ وبحمدك ‪ ...‬إلخ " ‪.‬‬
‫وقال العدويّ معلّقا على ذلك ‪ :‬في قوله والمشهور عن مالكٍ إلخ إشارةً إلى أنّ هذا القول‬
‫ل أنّه ليس مشهورا عنه ‪ .‬ثمّ قد جاء في جواهر الكليل تعليقا على قول خليلٍ‬
‫لمالكٍ " إ ّ‬
‫بالكراهة ‪ :‬أي يكره على المشهور للعمل ‪ ،‬وإن صحّ الحديث به ‪ -‬يعني ما قاله الدّسوقيّ ‪:‬‬
‫ل ‪ -‬ثمّ قال ‪ :‬وعن مالكٍ ندب قوله قبلها ‪ -‬أي قبل تكبيرة الحرام ‪: -‬‬
‫لنّه لم يصحبه عم ٌ‬
‫سبحانك اللّهمّ وبحمدك ‪ ...‬إلخ ‪ ،‬وجّهت وجهي ‪ ...‬إلخ ‪ ،‬اللّهمّ باعد ‪ ...‬إلخ ‪ .‬قال ابن حبيبٍ‬
‫‪ :‬يقوله بعد القامة وقبل الحرام ‪ .‬قال في البيان ‪ :‬وذلك حسنٌ ‪ ..‬ا هم ‪ .‬وكذلك نقل الرّافعيّ‬
‫ل بالفاتحة ‪ ،‬والدّعاء والتّعوّذ يقدمهما‬
‫من الشّافعيّة عن مالكٍ قوله ‪ :‬ل يستفتح بعد التّكبير إ ّ‬
‫ن خلف المالكيّة في الستفتاح راجعٌ إلى موضعه ‪ ،‬فعندهم يكون قبل‬
‫على التّكبير ‪ .‬فكأ ّ‬
‫التّكبير ‪ ،‬وعند غيرهم بعده ‪ .‬هذا وقد استثنى الشّافعيّة حالة خشية خروج الوقت قبل تمام‬
‫الصّلة ‪ ،‬فل يأتي بدعاء الستفتاح إلّ حيث لم يخف خروج شيءٍ من الصّلة عن وقتها ‪ ،‬فإن‬
‫خاف خروج شيءٍ من الصّلة عن الوقت حرم التيان بدعاء الستفتاح ‪ .‬وهو في هذا مخالفٌ‬
‫ت يسعها وإن لزم صيرورتها قضاءً ‪،‬‬
‫ن السّنن يأتي بها إذا أحرم في وق ٍ‬
‫لبقيّة سنن الصّلة ‪ ،‬فإ ّ‬
‫قال الشبراملسي ‪ :‬ويمكن الفرق بين الفتتاح وبقيّة السّنن بأنّه عهد طلب ترك دعاء الفتتاح‬
‫في الجنازة ‪ ،‬وفيما لو أدرك المام في ركوعٍ أو اعتدالٍ ‪ ،‬فانحطّت رتبته عن بقيّة السّنن ‪ .‬أو‬
‫بأنّ السّنن شرعت مستقلّ ًة وليست مقدّمةً لشي ٍء ‪ ،‬بخلف دعاء الفتتاح ‪ ،‬فإنّه شرع مقدّمةً‬
‫لغيره ‪ ،‬يعني للقراءة ‪ .‬قالوا ‪ :‬ولو خشي إن اشتغل بدعاء الستفتاح فوت الصّلة لهجوم‬
‫الموت عليه فيها ‪ ،‬أو خشيت طر ّو دم الحيض ‪ ،‬فل يشتغل به كذلك ‪.‬‬
‫صيغ الستفتاح المأثورة ‪:‬‬
‫‪ - 6‬ورد في الحديث عن النّبيّ صلى ال عليه وسلم استفتاح الصّلة بصيغٍ مختلف ٍة أشهرها‬
‫ثلثٌ ‪:‬‬
‫الولى ‪ :‬عن عائشة رضي ال عنها " قالت ‪ « :‬كان رسول اللّه صلى ال عليه وسلم إذا‬
‫افتتح الصّلة قال ‪ :‬سبحانك اللّهمّ وبحمدك ‪ ،‬وتبارك اسمك ‪ ،‬وتعالى جدّك ‪ ،‬ول إله غيرك »‬
‫ل ثناؤك‬
‫‪ .‬وصحّ عن عمر أنّه استفتح به ‪ .‬وجمهور الفقهاء لم يذكروا في هذه الصّيغة " وج ّ‬
‫" ‪ ،‬وذكرها الحنفيّة ‪ .‬ففي شرح منية المصلّي ‪ :‬إن زاد في دعاء الستفتاح بعد قوله ‪ :‬وتعالى‬
‫ل ثناؤك " ل يمنع من زيادته ‪ ،‬وإن سكت عنه ل يؤمر به ‪ ،‬لنّه لم يذكر في‬
‫جدّك " وج ّ‬
‫الحاديث المشهورة ‪ .‬وقد روي عن بعض الصّحابة من قولهم ‪.‬‬
‫ن رسول اللّه صلى ال عليه وسلم كان إذا قام إلى‬
‫ي رضي ال عنه « أ ّ‬
‫الثّانية ‪ :‬عن عل ّ‬
‫الصّلة قال ‪ :‬وجّهت وجهي للّذي فطر السّموات والرض حنيفا وما أنا من المشركين ‪ .‬إنّ‬
‫صلتي ونسكي ومحياي ومماتي للّه ربّ العالمين ل شريك له ‪ ،‬وبذلك أمرت ‪ ،‬وأنا من‬
‫ل أنت ‪ ،‬أنت ربّي‬
‫المسلمين » ‪ -‬وفي رواي ٍة ‪ « :‬وأنا أوّل المسلمين ‪ -‬اللّهمّ أنت الملك ل إله إ ّ‬
‫‪ ،‬وأنا عبدك ‪ ،‬ظلمت نفسي ‪ ،‬واعترفت بذنبي ‪ ،‬فاغفر لي ذنوبي جميعا ‪ ،‬إنّه ل يغفر الذّنوب‬
‫إلّ أنت ‪ ،‬واهدني لحسن الخلق ل يهدي لحسنها إلّ أنت ‪ ،‬واصرف عنّي سيّئها ل‬
‫شرّ ليس إليك ‪ ،‬أنا‬
‫يصرف عنّي سيّئها إلّ أنت ‪ ،‬لبّيك وسعديك ‪ ،‬والخير كلّه في يديك ‪ ،‬وال ّ‬
‫بك وإليك ‪ ،‬تباركت وتعاليت ‪ ،‬أستغفرك وأتوب إليك » ‪.‬‬
‫هل يقول ( وأنا من المسلمين ) أو ( أوّل المسلمين ) ؟ ‪:‬‬
‫‪ – 7‬ودعاء التّوجّه الّذي تضمّنه حديث عليّ رضي ال عنه ‪ ،‬وردت فيه هذه الكلمة بروايتين‬
‫‪ :‬الولى " وأنا من المسلمين " والثّانية " وأنا أوّل المسلمين " وكلتا الرّوايتين صحيحتان ‪ .‬فلو‬
‫سنّة ‪ ،‬ول خلف في ذلك ‪.‬‬
‫قال المستفتح ‪ " :‬وأنا من المسلمين "‪ -‬وهو الولى‪ -‬فهو موافقٌ لل ّ‬
‫ن قوله هذا كذبٌ ‪،‬‬
‫ل عند الحنفيّة ‪ :‬تفسد صلته ‪ ،‬ل ّ‬
‫وإن قال ‪ " :‬وأنا أوّل المسلمين " ففي قو ٍ‬
‫ح عندهم‬
‫فليس هو أوّل المسلمين من هذه المّة ‪ ،‬بل أوّلهم مح ّمدٌ صلى ال عليه وسلم ‪ .‬والص ّ‬
‫ل للية وحاكٍ ل مخبرٌ ‪ .‬ومن أجل ذلك إذا قصد الخبار كان‬
‫ن صلته ل تفسد ‪ ،‬لنّه تا ٍ‬
‫أّ‬
‫كاذبا ‪ ،‬وتفسد صلته قطعا ‪ .‬وكذا قال المام الشّافعيّ في المّ ‪ :‬يجعل مكان " وأنا أوّل‬
‫المسلمين ‪ :‬وأنا من المسلمين " ‪ .‬وقال البيجوريّ ‪ :‬أو يقول وأنا أوّل المسلمين ‪ ،‬نظرا للفظ‬
‫ل كفر ‪ .‬أي لنكاره إسلم المسلمين قبله ‪.‬‬
‫الية ‪ ،‬ول يقصد بذلك أنّه أوّل المسلمين حقيقةً وإ ّ‬
‫ن المرأة تقول ‪ " :‬وما أنا من المشركين " ‪ ،‬وتقول ‪" :‬‬
‫وقال ابن علّن ‪ :‬ظاهر كلم أئمّتنا أ ّ‬
‫ن مثل ذلك سائغٌ لغ ًة ‪ ،‬شائعٌ استعمالً ‪.‬‬
‫وأنا من المسلمين " ‪ ،‬ل ّ‬
‫وفي التّنزيل { وكانت من القانتين } ‪ .‬وقد « لقّن النّبيّ صلى ال عليه وسلم وأنا من‬
‫المسلمين وما أنا من المشركين فاطمة رضي ال عنها في ذبح الضحيّة » ‪ .‬قال ‪ :‬وقياس‬
‫ذلك أن تأتي المرأة أيضا بم ( حنيفا مسلما ) بالتّذكير ‪ ،‬على إرادة الشّخص ‪ ،‬محافظ ًة على‬
‫الوارد ما أمكن ‪ ،‬فهما حالن من الفاعل أو المفعول ‪.‬‬
‫الثّالثة ‪ :‬حديث أبي هريرة رضي ال عنه قال ‪ « :‬كان رسول اللّه صلى ال عليه وسلم إذا‬
‫كبّر في الصّلة سكت هنيه ًة قبل القراءة ‪ .‬فقلت يا رسول اللّه ‪ :‬بأبي أنت وأمّي يا رسول‬
‫اللّه ‪ ،‬في إسكاتك بين التّكبير والقراءة ما تقول ؟ قال ‪ :‬أقول ‪ :‬اللّهمّ باعد بيني وبين خطاياي‬
‫كما باعدت بين المشرق والمغرب ‪ .‬اللّهمّ نقّني من خطاياي كما ينقّى الثّوب البيض من‬
‫الدّنس ‪ .‬اللّهمّ اغسلني من خطاياي بالثّلج وبالماء والبرد » ‪.‬‬
‫مذاهب الفقهاء في الصّيغة المختارة ‪:‬‬
‫‪ - 8‬اختلف الفقهاء فيما يختارونه من الصّيغ المأثورة على أقوالٍ ‪:‬‬
‫الوّل ‪ :‬قال جمهور الحنفيّة ‪ ،‬والحنابلة ‪ :‬يستفتح ب ( سبحانك اللّه ّم وبحمدك ‪ ...‬إلخ )‬
‫مقتصرا عليه ‪ ،‬فل يأتي ب ( وجّهت وجهي ‪ ...‬إلخ ) ول غيره في الفريضة ‪.‬‬
‫الثّاني ‪ :‬مذهب الشّافعيّة في معتمدهم ‪ ،‬وقول الج ّريّ من الحنابلة ‪ :‬اختيار الستفتاح بما‬
‫ي من الشّافعيّة ‪ :‬والّذي يلي هذا الستفتاح في‬
‫في خبر عليّ " وجّهت وجهي ‪ . " ...‬قال النّوو ّ‬
‫الفضل حديث أبي هريرة يعني " اللّهمّ باعد ‪ ...‬إلخ " ‪.‬‬
‫الثّالث ‪ :‬مذهب أبي يوسف صاحب أبي حنيفة ‪ ،‬وجماعةٍ من الشّافعيّة ‪ ،‬منهم أبو إسحاق‬
‫المروزيّ ‪ ،‬والقاضي أبو حامدٍ ‪ ،‬وهو اختيار الوزير ابن هبيرة من أصحاب المام أحمد ‪ :‬أن‬
‫يجمع بين الصّيغتين الواردتين " سبحانك اللّهمّ وبحمدك ‪ " " ...‬ووجّهت وجهي ‪ " ...‬ونسبه‬
‫ي أيضا أن يكون الستفتاح بمجموع‬
‫صاحب النصاف إلى ابن تيميّة هذا ‪ ،‬وقد استحبّ النّوو ّ‬
‫الصّيغ الواردة كلّها لمن صلّى منفردا ‪ ،‬وللمام إذا أذن له المأمومون وجميع الراء السّابقة‬
‫إنّما هي بالنّسبة للفريضة ‪.‬‬
‫أمّا في النّافلة ‪ ،‬وخاصّةً في صلة اللّيل ‪ ،‬فقد اتّفق الحنفيّة والشّافعيّة والحنابلة على الجمع‬
‫بين الثّناء ودعاء التّوجّه ‪ .‬قال ابن عابدين ‪ :‬لحمل ما ورد من الخبار عليها ‪ ،‬فيقوله ‪ -‬أي‬
‫التّوجّه ‪ -‬في صلة اللّيل ‪ ،‬لنّ المر فيها واس ٌع ‪ .‬وفي صحيح مسلمٍ « أنّه صلى ال عليه‬
‫وسلم كان إذا قام إلى الصّلة » ‪ -‬وفي رواي ٍة « إذا استفتح الصّلة ‪ -‬كبّر ثمّ قال ‪ :‬وجّهت‬
‫وجهي للّذي فطر السّماوات والرض حنيفا ‪ » ...‬وكذا قال أحمد عن سائر الخبار في‬
‫الستفتاح سوى " سبحانك اللّهمّ وبحمدك ‪ : " ...‬إنّما هي عندي في التّطوّع ‪.‬‬
‫كيفيّة التيان بدعاء الستفتاح ‪ ،‬وموضعه ‪:‬‬
‫السرار بدعاء الستفتاح ‪:‬‬
‫ن سنّته أن يقوله المصلّي سرّا ‪ ،‬سواءٌ أكان إماما‬
‫‪ - 9‬اتّفق القائلون بس ّنيّة الستفتاح ‪ ،‬على أ ّ‬
‫أم مأموما أم منفردا ‪ ،‬ودليله حديث أبي هريرة المتقدّم ‪ .‬وأمّا ما ورد من فعل عمر رضي ال‬
‫عنه أنّه كان يجهر بهذه الكلمات ‪ " :‬سبحانك اللّهمّ وبحمدك ‪ " ...‬فقد حمله الفقهاء على قصد‬
‫سنّة فيه السرار ‪ ،‬فلو جهر به كان مكروها ‪ ،‬ول‬
‫تعليمه النّاس ‪ .‬قال النّوويّ من الشّافعيّة ‪ :‬ال ّ‬
‫تبطل صلته ‪.‬‬
‫موضع الستفتاح من الصّلة ‪:‬‬
‫‪ - 10‬تقدّم أنّ المالكيّة يخالفون في موضع الستفتاح ‪ ،‬فيمنعون وقوعه بين التّكبير والقراءة ‪،‬‬
‫وأنّ ابن حبيبٍ منهم صرّح بأنّه يأتي به قبل تكبيرة الحرام ( ف ‪. ) 5‬‬
‫ن الستفتاح في الرّكعة الولى ‪ ،‬بعد تكبيرة‬
‫أمّا جمهور الفقهاء غير المالكيّة فعندهم أ ّ‬
‫الحرام ‪ ،‬وقبل التّعوّذ والشّروع في القراءة ‪ .‬وبعض من اختار منهم الستفتاح " بسبحانك‬
‫اللّهمّ وبحمدك ‪ " ...‬أجاز أن يقول دعاء التّوجّه قبل تكبيرة الحرام وال ّنيّة ( ف ‪ ) 5‬وقد سبق‬
‫ما يتّصل بموضع الستفتاح عند الفقهاء ‪.‬‬
‫ويتعلّق بهذا المر مسألتان ‪:‬‬
‫ل يفصل بين‬
‫الولى ‪ :‬عند الشّافعيّة والحنابلة سنّته أن يتّصل بتكبيرة الحرام ‪ ،‬بمعنى أ ّ‬
‫تكبيرة الحرام وبين الستفتاح تع ّوذٌ أو دعا ٌء ‪ ،‬أو قراءةٌ ‪ .‬واستثنى الشّافعيّة ‪ -‬كما في حاشية‬
‫القليوبيّ ‪ -‬تكبيرات العيد فل يفوت الستفتاح بقولها ‪ ،‬لندرتها ‪ .‬أمّا لو كبّر تكبيرة الحرام ‪،‬‬
‫ثمّ سكت ‪ ،‬ثمّ استفتح فل بأس ‪ .‬فلو كبّر ‪ ،‬ثمّ تعوّذ سهوا أو عمدا لم يعد إلى الستفتاح ‪،‬‬
‫ي من الشّافعيّة ‪ :‬وهذا هو المذهب ‪،‬‬
‫لفوات محلّه ‪ ،‬ول يتداركه في باقي الرّكعات ‪ .‬قال النّوو ّ‬
‫ونصّ عليه الشّافعيّ في المّ ‪ ،‬وقال الشّيخ أبو حامدٍ في تعليقه ‪ :‬إذا تركه وشرع في التّعوّذ‬
‫يعود إليه ‪ .‬وقال النّوويّ ‪ :‬لكن لو خالف ‪ .‬وأتى به بعد التّعوّذ كره ‪ ،‬ولم تبطل صلته ‪ ،‬لنّه‬
‫ذكرٌ ‪ ،‬كما لو دعا أو سبّح في غير موضعه ‪ .‬وسيأتي لهذا المعنى تكميلٌ واستثناءٌ عن الحنابلة‬
‫في مسألة استفتاح المسبوق ‪.‬‬
‫الثّانية ‪ :‬ل يشرع لترك الستفتاح عمدا أو سهوا ‪ ،‬أو لجهر المام به أو لغير ذلك سجود‬
‫ن الستفتاح مستحبّ ‪ ،‬وهو قول جمهور الحنابلة ‪ .‬أمّا من قال‬
‫سهوٍ ‪ .‬وهذا عند كلّ من يرى أ ّ‬
‫بأنّه واجبٌ ‪ -‬كما تقدّم نقله عن بعض الحنابلة ‪ -‬فينبغي إذا نسيه أن يسجد للسّهو ‪ .‬والعلّة‬
‫ل بتوقيفٍ ‪.‬‬
‫لترك سجود السّهو أنّ السّجود زياد ٌة في الصّلة ‪ ،‬فل يجوز إ ّ‬
‫استفتاح المأموم ‪:‬‬
‫ن المام يراعي‬
‫ل من حيث إ ّ‬
‫ل من المام والمنفرد ‪ ،‬إ ّ‬
‫‪ - 11‬ل إشكال في مشروعيّة استفتاح ك ّ‬
‫من خلفه ‪ ،‬من حيث التّطويل والختصار فيما يستفتح به ‪.‬‬
‫أمّا المأموم فيتعلّق باستفتاحه مسألتان ‪:‬‬
‫الولى ‪ :‬يستفتح المأموم سواءٌ استفتح إمامه أم لم يستفتح ‪ .‬قال في شرح منية المصلّي من‬
‫كتب الحنفيّة ‪ :‬تسعة أشياء إذا لم يفعلها المام ل يتركها القوم ‪ ،‬فذكر منها ‪ :‬الستفتاح ‪ .‬وهو‬
‫يفهم أيضا من كلم الشّافعيّة والحنابلة ‪.‬‬
‫الثّانية ‪ :‬إذا لم يستفتح المأموم حتّى شرع المام في القراءة ‪ ،‬فقد اختلف الفقهاء في هذا على‬
‫آراءٍ ‪ :‬الوّل ‪ :‬قال الحنفيّة ‪ :‬ل يأتي المأموم بدعاء الستفتاح إذا شرع المام في القراءة ‪،‬‬
‫سوا ٌء أكان المام يجهر بقراءته أم يخافت ‪ .‬وفي قولٍ عندهم ‪ :‬يستفتح المأموم إن كان المام‬
‫يخافت بقراءته قال ابن عابدين ‪ :‬وهذا هو الصّحيح ‪ ،‬وعليه الفتوى ‪ .‬وعلّله في الذّخيرة بما‬
‫ن الستماع في غير حالة الجهر ليس بفرضٍ ‪ ،‬بل يسنّ ‪.‬‬
‫حاصله أ ّ‬
‫الثّاني ‪ .‬قال الشّافعيّة ‪ :‬يسنّ للمأموم أن يستفتح ‪ ،‬ولو كان المام يجهر والمأموم يسمع قراءته‬
‫ن للمأموم النصات لها ‪-‬‬
‫‪ .‬وفرّقوا بينه وبين قراءة المأموم للسّورة بعد الفاتحة ‪ -‬فإنّه يس ّ‬
‫ن قراءة المام تعدّ قراءةً للمأموم ‪ ،‬فأغنت عن قراءته ‪،‬‬
‫وبين الفتتاح ‪ -‬فيسنّ أن يقرأه ‪ -‬بأ ّ‬
‫ن استماعه لها ‪ ،‬ول كذلك الفتتاح ‪ ،‬فإنّ المقصود منه الدّعاء للمام ‪ ،‬ودعاء الشّخص‬
‫وس ّ‬
‫لنفسه ل يعدّ دعا ًء لغيره ‪ .‬ومع هذا فقد قالوا ‪ :‬يسنّ له السراع به إذا كان يسمع قراءة إمامه‬
‫‪.‬‬
‫الثّالث ‪ :‬قال الحنابلة ‪ :‬يستحبّ للمأموم أن يستفتح في الصّلوات الّتي يسرّ فيها المام ‪ ،‬أو‬
‫الّتي فيها سكتاتٌ يمكن فيها القراءة ‪ .‬وفي كشّاف القناع ‪ :‬أنّ المأموم يستفتح أيضا ولو كان‬
‫المام يجهر ‪ ،‬إذا كان المأموم ل يسمع قراءته ‪ .‬قالوا ‪ :‬أمّا إن لم يسكت المام أصلً فل‬
‫يستفتح المأموم ‪ .‬وإن سكت المام قدرا يتّسع للستفتاح استفتح المأموم على الصّحيح ‪ ،‬فإن‬
‫كان المأموم ممّن يرى القراءة خلف المام استفتح ‪.‬‬
‫استفتاح المسبوق ‪:‬‬
‫ل ‪ :‬يستفتح إن‬
‫‪ - 12‬عند الحنفيّة ‪ :‬ل يستفتح المسبوق إذا أدرك المام حال القراءة ‪ ،‬وفي قو ٍ‬
‫كان المام يخافت ‪ .‬ثمّ إنّه إذا قام يقضي ما فاته يستفتح مرّ ًة أخرى ‪ .‬ووجهه ‪ :‬أنّ القيام إلى‬
‫قضاء ما سبق يعتبر كتحريم ٍة أخرى ‪ ،‬للخروج به من حكم القتداء إلى حكم النفراد ‪ .‬أمّا إن‬
‫أدركه في الرّكوع أو في السّجدة الولى من الرّكعة فإنّه يتحرّى في التيان بالثّناء‬
‫( الستفتاح ) ‪ ،‬فإن كان أكبر رأيه أنّه لو أتى به يدرك المام في شيءٍ من الرّكوع فإنّه يأتي‬
‫ل الستفتاح هو‬
‫به قائما ثمّ يركع ‪ ،‬لمكان إحراز الفضيلتين معا ‪ ،‬فل يفوت إحداهما ‪ .‬ومح ّ‬
‫القيام ‪ ،‬فيفعله فيه ‪ .‬أمّا إن كان أكبر رأيه أنّه لو اشتغل بالستفتاح ل يدرك المام في شيءٍ‬
‫من الرّكوع ‪ ،‬أو السّجدة الولى من الرّكعة ‪ ،‬فإنّه يركع ‪ ،‬أو يسجد مع المام لئلّ تفوته فضيلة‬
‫ن سنّيّة الجماعة‬
‫الجماعة في الرّكعة أو السّجدتين ‪ ،‬وذلك أولى من إحراز فضيلة الثّناء ‪ ،‬ل ّ‬
‫آكد وأقوى من سنّيّته ‪ .‬وعند الشّافعيّة ‪ :‬يستفتح المأموم إذا أدرك المام في قيام الرّكعة الولى‬
‫أو غيرها ‪ ،‬وغلب على ظنّه أنّه مع اشتغاله به يدرك الفاتحة قبل ركوع إمامه ‪ .‬فإن خاف ألّ‬
‫يدرك الفاتحة ‪ ،‬فإنّه يشتغل بها ويترك الستفتاح ‪ ،‬لنّها واجبةٌ والستفتاح سنّةٌ ‪ .‬أمّا لو أدرك‬
‫المسبوق المام في غير القيام ‪ :‬إمّا في الرّكوع ‪ ،‬وإمّا في السّجود ‪ ،‬وإمّا في التّشهّد ‪ ،‬فإنّه‬
‫يحرم معه ‪ ،‬ويأتي بالذّكر الّذي يأتي به المام ‪ ،‬ول يأتي بدعاء الستفتاح في الحال ول فيما‬
‫ي ‪ :‬لو أدرك المام في القعود الخير ‪ ،‬فكبّر‬
‫بعد ‪ .‬واستثنوا من ذلك حالتين ‪ .‬قال النّوو ّ‬
‫للحرام ‪ ،‬فسلّم المام قبل قعوده ل يقعد ‪ ،‬ويأتي بدعاء الستفتاح ‪ .‬فإن قعد قبل أن يستفتح‬
‫فسلّم المام فقام ‪ ،‬فإنّه ل يأتي بدعاء الستفتاح ‪ .‬وكذلك قالوا ‪ :‬لو أمّن المام يؤمّن‬
‫ن التّأمين فاصلٌ يسيرٌ ‪ .‬وعند الحنابلة ‪ :‬إذا أدرك المسبوق‬
‫المسبوق ‪ ،‬ثمّ يأتي بالستفتاح ‪ ،‬ل ّ‬
‫ن ما يدركه المسبوق‬
‫المام فيما بعد الرّكعة الولى لم يستفتح ‪ ،‬بناءً على الرّواية المعتمدة من أ ّ‬
‫مع إمامه هو آخر صلته ل أوّلها ‪ ،‬فإذا قام للقضاء استفتح ‪ .‬نصّ عليه أحمد ‪ .‬أمّا على‬
‫ن ما يدركه المسبوق مع إمامه هو أوّل صلته ‪ -‬فإنّه يستفتح‬
‫الرّواية الخرى عن أحمد ‪ -‬أ ّ‬
‫بعد تكبيرة الحرام ‪ .‬أمّا إذا أدركه في قيام الرّكعة الولى ‪ ،‬فكما تقدّم في استفتاح المأموم‬
‫(ف‪.)9‬‬
‫الصّلوات الّتي يدخلها الستفتاح والّتي ل يدخلها ‪:‬‬
‫ل الصّلوات وفي جميع الحوال ‪.‬‬
‫‪ - 13‬الستفتاح ‪ -‬عند غير المالكيّة ‪ -‬سنّةٌ في ك ّ‬
‫ل مصلّ ‪ ،‬من إمامٍ ‪ ،‬ومأمومٍ ‪ ،‬ومنفردٍ ‪ ،‬وامرأةٍ ‪ ،‬وصبيّ‬
‫قال النّوويّ ‪ :‬الستفتاح مستحبّ لك ّ‬
‫‪ ،‬ومسافرٍ ‪ ،‬ومفترضٍ ‪ ،‬ومتنفّلٍ ‪ ،‬وقاعدٍ ‪ ،‬ومضطجعٍ ‪ ،‬وغيرهم ‪ .‬قال ‪ :‬ويدخل فيه النّوافل‬
‫المرتّبة والمطلقة ‪ ،‬والعيد ‪ ،‬والكسوف في القيام الوّل ‪ ،‬والستسقاء ‪.‬‬
‫ن بعضهم استثنى صلة الجنازة ‪ .‬وفيها ‪ -‬وفي الستفتاح في صلة العيدين ‪ ،‬وصلة‬
‫غير أ ّ‬
‫قيام اللّيل ‪ -‬كلمٌ نورده فيما يلي ‪:‬‬
‫أ ّولً ‪ :‬الستفتاح في صلة الجنازة ‪:‬‬
‫‪ - 14‬اختلف الفقهاء في الستفتاح في صلة الجنازة على أقوالٍ ‪:‬‬
‫ن الستفتاح فيها سنّةٌ بعد التّكبيرة الولى ‪ ،‬ويقتصر عليه ‪ ،‬فل‬
‫القول الوّل ‪ .‬قول الحنفيّة ‪ :‬إ ّ‬
‫يقرأ الفاتحة ‪ ،‬إذ ل تشرع القراءة عندهم في صلة الجنازة ‪ .‬قالوا ‪ :‬إلّ أن يقرأ الفاتحة بنيّة‬
‫الثّناء ‪ ،‬ل بنيّة القراءة ‪ ،‬ول يكره ذلك ‪ .‬وقالوا ‪ :‬يقدّم الثّناء على اللّه ( أي بعد التّكبيرة‬
‫الولى ) والصّلة على رسوله صلى ال عليه وسلم ( أي بعد التّكبيرة الثّانية ) على الدّعاء ‪،‬‬
‫ن سنّة الدّعاء أن يتقدّم عليه حمد اللّه والصّلة على رسوله ‪.‬‬
‫لّ‬
‫ح قولي الشّافعيّة ‪ ،‬والرّواية المعتمدة عند الحنابلة ‪ :‬أنّ صلة‬
‫والقول الثّاني ‪ ،‬وهو أص ّ‬
‫ب أو قبرٍ ‪ ،‬قالوا ‪:‬‬
‫الجنازة مستثنا ٌة فل يشرع فيها استفتاحٌ أصلً ‪ ،‬قال الشّافعيّة ‪ :‬ولو على غائ ٍ‬
‫لنّها مبنيّ ٌة على التّخفيف والختصار ‪ .‬ولذلك لم يشرع فيها قراءة سورةٍ بعد الفاتحة ‪ .‬والقول‬
‫الخر للشّافعيّة ‪ ،‬والرّواية الخرى عن المام أحمد ‪ :‬أنّه يستحبّ الستفتاح فيها كغيرها من‬
‫الصّلوات ‪.‬‬
‫ثانيا ‪ :‬الستفتاح في صلة العيد ‪:‬‬
‫ن الستفتاح في صلة العيد بعد‬
‫‪ - 15‬مذهب الحنفيّة ‪ ،‬والشّافعيّة ‪ ،‬والمقدّم عند الحنابلة ‪ :‬أ ّ‬
‫تكبيرة الحرام وقبل التّكبيرات الخرى ( الزّوائد ) في أوّل الرّكعة ‪ .‬فيكبّر للحرام ‪ ،‬ثمّ يثني‬
‫‪ ،‬ثمّ يكبّر التّكبيرات ‪ ،‬ثمّ يقرأ الفاتحة ‪ .‬وفي روايةٍ أخرى عن أحمد ‪ :‬يستفتح بعد التّكبيرات‬
‫الزّوائد ‪ ،‬وقبل القراءة ونقله الكاسانيّ عن ابن أبي ليلى ‪.‬‬
‫ثالثا ‪ :‬الستفتاح في النّوافل ‪:‬‬
‫‪ - 16‬يرى الحنابلة ‪ :‬أنّ صلة النّافلة إذا كانت بأكثر من سلمٍ واحدٍ كما في التّراويح ‪،‬‬
‫سنّة الرّاتبة ‪ ،‬إذا كانت أربعا وصلّها بسلمين ‪ ،‬فإنّه يستفتح في كلّ‬
‫والضّحى ‪ ،‬وصلة ال ّ‬
‫ل ركعتين صل ٌة مستقلّ ٌة ‪ .‬وفي قولٍ آخر عندهم ‪ :‬يكتفي‬
‫نكّ‬
‫ركعتين على الصل ‪ ،‬ل ّ‬
‫باستفتاح واحدٍ في أوّل صلته ‪ .‬وإن صلّى النّافلة الرّباعيّة بسلمٍ واحدٍ ‪ ،‬فقد قال الحنفيّة ‪ :‬إنّ‬
‫النّافلة الرّباعيّة نوعان ‪ :‬النّوع الوّل ‪ :‬شبّهوه بالفريضة لتأكّده ‪ ،‬وهو الربع قبل صلة الظّهر‬
‫‪ ،‬والربع قبل صلة الجمعة ‪ ،‬والربع بعد صلة الجمعة ‪ ،‬فهذا النّوع ليس فيه إلّ استفتاحٌ‬
‫واحدٌ فقط ‪ ،‬وهو ما يقوله في أوّل الرّكعة الولى ‪.‬‬
‫والنّوع الثّاني ‪ :‬ما عدا ذلك من النّوافل ‪ ،‬وفي هذا النّوع استفتاحٌ آخر يقوله في أوّل القيام في‬
‫الرّكعة الثّالثة ‪ .‬قالوا ‪ :‬وهكذا الحكم لو نذر أن يصلّي أربعا ‪ .‬ووجّهوه بأنّه وإن كان فرضا ‪،‬‬
‫ل اثنتين‬
‫إلّ أنّه في الصل نفلٌ عرض له الفتراض ‪ .‬قالوا ‪ :‬يستفتح المرّة الخرى ‪ ،‬لنّ ك ّ‬
‫من الربع صل ٌة على حدةٍ ‪ ،‬أي من بعض الوجه ‪ .‬قال ابن عابدين ‪ :‬وهذه المسألة ليست‬
‫ن ‪ :‬أنّه‬
‫ل ثا ٍ‬
‫مرويّةً عن المتقدّمين ‪ .‬وإنّما هي اختيار بعض المتأخّرين ‪ .‬قال ‪ :‬وفي المسألة قو ٌ‬
‫يستفتح مرّةً واحد ًة فقط كالنّوع الوّل ‪.‬‬
‫استفتاح القارئ ‪:‬‬
‫ج عليه ‪ ،‬فلم يعلم ما يقرأ ‪ ،‬سواءٌ‬
‫‪ - 17‬الستفتاح أن يطلب القارئ بقوله أو حالة الفتح إذا ارت ّ‬
‫أكان في قراء ٍة فنسي ما بعد الية الّتي يقرؤها ‪ ،‬أم أراد ابتداء القراءة فلم يعلم ما يقول ‪.‬‬
‫والفتح عليه أن تخبره بما نسيه ‪ .‬وقد ذكر ابن عابدين أنّه يكره للمام أن يلجئ المأموم إلى‬
‫الفتح عليه ‪ .‬وللمام بدل ذلك أن يركع إذا قرأ قدر الفرض ‪ .‬وإن لم يقرأ قدر الفرض فإنّه‬
‫يستخلف ‪ .‬وانظر تفصيل ذلك في ( إمامةٌ ) ( وفتحٌ على المام ) ‪.‬‬
‫الستفتاح ( بمعنى الستنصار ) ‪:‬‬
‫‪ - 18‬يستحبّ عند القتال أن يدعو المسلمون اللّه تعالى أن يفتح عليهم ‪ ،‬وأن ينصرهم على‬
‫ي صلى ال عليه وسلم أذكارٌ معيّنةٌ في وقائع مختلفةٍ ر ‪:‬‬
‫عدوّهم ‪ .‬وقد روي من ذلك عن النّب ّ‬
‫( دعاءٌ ) و ( جهادٌ ) ‪.‬‬
‫الستفتاح ( بمعنى طلب العلم بالمغيب ) ‪:‬‬
‫‪ - 19‬تقدّم أوّل هذا البحث أنّ استعمال هذه الكلمة بهذا المعنى دائرٌ في كلم العوّام ‪ .‬وأنّه يقلّ‬
‫في كلم الفقهاء ‪ .‬وفي حكمه قولن للفقهاء في استفتاح الفأل في المصحف ‪:‬‬
‫الوّل ‪ :‬أنّه حرامٌ ‪ .‬نقل عن ابن العربيّ المالكيّ ‪ ،‬وهو ظاهر ما نقله البهوتيّ عن الشّيخ‬
‫ي والطّرطوشيّ من المالكيّة ‪ ،‬قال الطّرطوشيّ ‪ :‬لنّه من‬
‫( ابن تيميّة ) ‪ .‬وصرّح به القراف ّ‬
‫باب الستقسام بالزلم ‪ ،‬لنّ المستقسم يطلب قسمه من الغيب ‪ ،‬وكذلك من أخذ الفأل من‬
‫المصحف أو غيره إنّما يعتقد هذا المقصد إن خرج جيّدا اتّبعه ‪ ،‬أو رديّا اجتنبه ‪ ،‬فهو عين‬
‫الستقسام بالزلم الّذي ورد القرآن بتحريمه فيحرم ‪.‬‬
‫الثّاني ‪ :‬أنّه مكروهٌ ‪ ،‬وهو ظاهر كلم الشّافعيّة ‪.‬‬
‫الثّالث ‪ :‬الجواز ‪ ،‬ونقل فعله عن ابن بطّة من الحنابلة ‪.‬‬

‫استفراشٌ *‬
‫التعريف ‪:‬‬
‫‪ - 1‬يقول أهل اللّغة ‪ :‬إذا اتّخذ الرّجل امرأ ًة للذّ ٍة " افترشها " ولم أجد من قال ‪ " :‬استفرشها " ‪.‬‬
‫ن الفقهاء يعبّرون عن ذلك بالستفراش ‪ ،‬ويقولون عن المرأة ‪ :‬مستفرشةٌ ‪ ،‬ول يكون ذلك‬
‫ولك ّ‬
‫إلّ في الحلّ ‪ .‬ول يرد ذكر الستفراش في كلم الفقهاء ‪ -‬فيما نعلم ‪ -‬إلّ في موضعين ‪:‬‬
‫الوّل ‪ :‬في الكفّارة في النّكاح ‪ .‬والثّاني ‪ :‬للتّعبير عن التّسرّي ‪.‬‬
‫اللفاظ ذات الصّلة ‪:‬‬

‫الستمتاع ‪:‬‬
‫‪ - 2‬الستمتاع ‪ :‬أعمّ من الستفراش مطلقا ‪ ،‬إذ يدخل في الستمتاع بالحلل والحرام ‪ ،‬ومتعة‬
‫الحجّ وغيرها ‪.‬‬
‫الحكم الجماليّ ومواطن البحث ‪:‬‬
‫‪ - 3‬الصل في الستفراش الباحة ‪ ،‬وتفصيله في مصطلحي ( نكاحٌ ) ( وتسرّي ) ‪.‬‬

‫استفسارٌ *‬
‫التعريف ‪:‬‬
‫‪ - 1‬الستفسار في اللّغة ‪ :‬مصدر استفسرته كذا إذا سألته أن يفسّره لي ‪ .‬ول يختلف معناه في‬
‫الفقه عنه في اللّغة ‪ .‬وهو عند الصوليّين ‪ :‬طلب ذكر معنى اللّفظ ‪ ،‬حين تكون فيه غرابةٌ أو‬
‫إجمالٌ ‪ .‬فالستفسار عند الصوليّين أخصّ منه عند أهل اللّغة وأهل الفقه ‪.‬‬
‫اللفاظ ذات الصّلة ‪:‬‬

‫أ ‪ -‬السّؤال ‪:‬‬
‫‪ - 2‬السّؤال هو ‪ :‬الطّلب ‪ ،‬وهو أع ّم من أن يكون طلب توضيحٍ أو غيره ‪ ،‬كقولك ‪ :‬سألته عن‬
‫كذا ‪ ،‬وسألت اللّه العافية ‪ .‬أمّا الستفسار فهو خاصّ بطلب التّوضيح ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬الستفصال ‪:‬‬
‫ص من الستفسار ‪ ،‬لنّ‬
‫‪ - 3‬الستفصال هو طلب التّفصيل ( ر ‪ :‬استفصالٌ ) ‪ ،‬فهو أخ ّ‬
‫التّفسير قد يكون بغير التّفصيل ‪ ،‬كما في تفسير اللّفظ بمرادفه ‪.‬‬
‫الحكم الجماليّ ‪:‬‬
‫‪ - 4‬حكمه عند الصوليّين ‪ :‬الستفسار من آداب المناظرة ‪ ،‬فإذا خفي على المناظر مفهوم‬
‫ل بيان مراده عند‬
‫كلم المستدلّ لجمالٍ أو غرابةٍ في الستعمال استفسره ‪ ،‬وعلى المستد ّ‬
‫س ول إيهامٌ ‪ ،‬وحتّى تجري المناظرة على خير الوجوه ‪.‬‬
‫الستفسار ‪ ،‬حتّى ل يكون هناك لب ٌ‬
‫مثال الجمال ‪ :‬أن يقول المستدلّ ‪ :‬يلزم المطلّقة أن تعتدّ بالقراء ‪ ،‬فيطلب المناظر تفسير‬
‫سيّد‬
‫القرء ‪ ،‬لنّه يطلق على الطّهر ‪ ،‬كما يطلق على الحيض ‪ .‬ومثال الغرابة قوله ‪ :‬ل يحلّ ال ّ‬
‫( بكسر السّين وسكون الياء ) فيستفسر المناظر معناه ‪ ،‬فيجيبه بأنّه الذّئب ‪.‬‬
‫هذا ‪ ،‬ويعدّ الصوليّون الستفسار من جملة العتراضات بمعنى القوادح ‪ ،‬ويرتّبونه في أوّلها‬
‫‪ ،‬وموطن استيفائه الملحق الصوليّ ‪.‬‬
‫حكمه عند الفقهاء ‪:‬‬
‫‪ - 5‬على القاضي أن يستفسر ذوي العلقة المور الغامضة ‪ ،‬ليكون في حكمه على بصيرةٍ ‪،‬‬
‫كاستفساره من أقرّ بشي ٍء مبهمٍ ‪ ،‬واستفساره الشّاهد السّبب ‪ ،‬كما إذا شهدا أنّ بينهما رضاعا ‪،‬‬
‫فالجمهور على أنّه ل بدّ من التّفصيل ‪.‬‬
‫‪ - 6‬وقد ل يجب الستفسار لعتباراتٍ خاصّ ٍة ‪ ،‬كاستفسار من أكره على شرب المسكر ‪ ،‬فإنّه‬
‫يصدق بيمينه ‪ ،‬ول يستفسر كيفيّة حصول الكراه ‪ ،‬درءا للحدود ما أمكن ‪ ،‬خلفا للذرعيّ‬
‫من الشّافعيّة القائل بوجوب الستفسار ‪.‬‬
‫مواطن البحث ‪:‬‬
‫‪ - 7‬بعض الصوليّين أوردوا المبادئ المنطقيّة ‪ ،‬كمقدّم ٍة لعلم الصول ‪ ،‬وذكروا الستفسار‬
‫ضمنها ‪ ،‬وبعضهم يذكره في مباحث القوادح في الدّليل ‪ .‬كما يذكره الفقهاء في كتاب‬
‫القرار ‪ ،‬حين الكلم على القرار بمبهمٍ ‪ ،‬وفي بحث طلق المكره من كتاب الطّلق ‪،‬‬
‫بمناسبة كلمهم على من أكره على شرب المسكر ‪ ،‬هل يستفسر ؟ وفي كتاب الشّهادات ‪ ،‬عند‬
‫الكلم على ما يجب فيه ذكر سبب الشّهادة ‪ ،‬وفي كتاب القضاء كذلك ‪.‬‬

‫استفصالٌ *‬
‫التعريف ‪:‬‬
‫ن الستفصال ‪ :‬طلب التّفصيل ‪ .‬ولم ترد‬
‫‪ - 1‬يستفاد من سياق عبارات الصوليّين والفقهاء أ ّ‬
‫هذه الكلمة في المعاجم اللّغويّة الّتي بين أيدينا ‪ ،‬وهي مع ذلك صحيح ٌة ‪ ،‬وقد وردت في كلم‬
‫جةً في لغة العرب ‪.‬‬
‫الشّافعيّ ‪ ،‬وكفى به ح ّ‬
‫اللفاظ ذات الصّلة ‪:‬‬

‫أ ‪ -‬الستفسار ‪:‬‬
‫‪ - 2‬الستفسار عند الصوليّين ‪ :‬طلب ذكر معنى اللّفظ حين تكون فيه غرابةٌ أو خفاءٌ ‪ ،‬وهو‬
‫عند الفقهاء ‪ :‬طلب التّفسير مطلقا ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬السّؤال ‪:‬‬
‫‪ - 3‬السّؤال ‪ :‬الطّلب ‪ ،‬وهو أع ّم من أن يكون طلب تفصيلٍ أو غيره ‪.‬‬
‫الحكم الجماليّ ‪:‬‬
‫حكمه عند الصوليّين ‪:‬‬
‫ن ترك الستفصال في حكاية الحال ‪ ،‬مع قيام الحتمال ‪ ،‬ينزل منزلة‬
‫‪ - 4‬ذهب الشّافعيّة إلى أ ّ‬
‫العموم في المقال ‪ .‬ومثاله « أنّ غيلن الثّقفيّ أسلم على عشر نسو ٍة ‪ ،‬فقال النّبيّ صلى ال‬
‫ن » ولم يسأل عن كيفيّة ورود عقده عليهنّ ‪،‬‬
‫ن أربعا ‪ ،‬وفارق سائره ّ‬
‫عليه وسلم ‪ :‬أمسك منه ّ‬
‫ت واحدٍ ؟ فكان إطلق القول ‪ ،‬دالّ على أنّه ل فرق بين الحالين ‪.‬‬
‫أكان مرتّبا أم في وق ٍ‬
‫وفي دللة ذلك على العموم وعدمه خلفٌ ينظر في الملحق الصوليّ ‪.‬‬
‫حكمه عند الفقهاء ‪:‬‬
‫‪ - 5‬يجب على القاضي أن يستفصل في المور الساسيّة المجملة الّتي يتوقّف الحكم الصّحيح‬
‫على معرفتها ‪ ،‬حتّى يكون مبنيّا على أمورٍ واضح ٍة ل لبس فيها ول غموض ‪ .‬كما ورد في‬
‫ل بعد أن استفصل منه فقال‬
‫حديث ماعزٍ إذ أقرّ بالزّنا ‪ ،‬فلم يرجمه النّبيّ صلى ال عليه وسلم إ ّ‬
‫‪ « :‬لعلّك قبّلت أو غمزت أو نظرت ؟ قال ‪ :‬ل يا رسول اللّه ‪ .‬قال ‪ :‬أنكتها ل يكني قال فعند‬
‫ذلك أمر برجمه » ‪ .‬فلم يترك النّبيّ صلى ال عليه وسلم مجالً لحتمال التّجوّز ‪.‬‬
‫‪ - 6‬وهناك أمورٌ ليست بهذه اله ّميّة فيندب فيها للحاكم الستفصال ول يجب ‪ ،‬كما إذا لم يبيّن‬
‫في الشّهادة على الشّهادة جهة تحمّلها ‪ ،‬ووثق القاضي بمعرفة الشّاهد على الشّاهد بشرائط‬
‫التّحمّل ‪ ،‬وكان موافقا للقاضي في تلك المسألة ‪ ،‬فيندب له أن يستفصله ‪ ،‬فيسأله ‪ :‬بأيّ سببٍ‬
‫ثبت هذا المال ؟ وهل أخبرك به الصل ( الشّاهد الصليّ ) أ ّولً وكما إذا شهد المغفّل الّذي ل‬
‫ن ألفا قرضا ‪ ،‬فيندب‬
‫ن على فل ٍ‬
‫يضبط دائما أو غالبا ‪ ،‬وبيّن سبب الشّهادة ‪ ،‬كأشهد أنّ لفل ٍ‬
‫للحاكم استفصاله فيه ‪.‬‬
‫ن المسروق‬
‫‪ - 7‬على أنّه قد يمتنع الستفصال لعتباراتٍ خاصّةٍ ‪ ،‬كما إذا ادّعى السّارق أ ّ‬
‫ملكٌ له ‪ ،‬أو ادّعى أنّه أخذ من غير حرزٍ ‪ ،‬أو أنّه دون نصابٍ ‪ ،‬أو أنّ المالك أذن له في‬
‫الخذ ‪ ،‬لم يقطع ‪ ،‬ول يستفصل في دعواه بشيءٍ من ذلك وإن علم كذبه ‪ ،‬نظرا إلى أنّ‬
‫الحدود تدرأ بالشّبهات ‪.‬‬
‫مواطن البحث ‪:‬‬
‫‪ - 8‬يذكر الصوليّون الستفصال في مباحث العامّ مع صيغ العموم ‪ .‬كما يذكره الفقهاء في‬
‫أبواب ‪ :‬القذف واللّعان ‪ ،‬والسّرقة ‪ ،‬والشّهادات على النّحو الّذي تقدّم ‪.‬‬

‫استقاءةٌ *‬
‫التعريف ‪:‬‬
‫‪ - 1‬الستقاءة ‪ :‬طلب القيء ‪ ،‬وهو استخراج ما في الجوف عمدا ‪.‬‬
‫ول يخرج استعمال الفقهاء عن هذا المعنى اللّغويّ ‪ .‬فإن ذرعه القيء أي ‪ :‬غلبه وسبقه فهو‬
‫يختلف عن الستقاءة الّتي بها طلبٌ واستدعاءٌ ‪.‬‬
‫الحكم الجماليّ ‪:‬‬
‫‪ - 2‬الستقاءة الواردة عند الفقهاء أكثر ما يكون ورودها في الصّيام ‪ ،‬لتأثيرها فيه ‪.‬‬
‫ن الصّائم إذا استقاء متعمّدا أفطر ‪ ،‬لقول النّبيّ صلى ال عليه وسلم ‪:‬‬
‫ويرى جمهور الفقهاء أ ّ‬
‫« من ذرعه القيء وهو صائمٌ فليس عليه قضاءٌ ‪ ،‬ومن استقاء فليقض » ‪.‬‬
‫وعند الحنفيّة ‪ :‬إن استقاء عامدا ملء الفم أفطر ‪ ،‬لنّ ما دون ملء الفم تبعٌ للرّيق ‪.‬‬
‫مواطن البحث ‪:‬‬
‫‪ - 3‬يأتي الكلم عن الستقاءة في الغالب في باب الصّوم ‪ ،‬عند الكلم عمّا يفسد الصّيام ‪ .‬كما‬
‫ترد في نواقض الوضوء ‪.‬‬
‫استقبالٌ *‬
‫التعريف ‪:‬‬
‫‪ - 1‬الستقبال في اللّغة ‪ :‬مصدر استقبل الشّيء إذا واجهه ‪ ،‬والسّين والتّاء فيه ليستا للطّلب ‪،‬‬
‫فاستفعل هنا بمعنى فعل ‪ ،‬كاستمرّ واستقرّ ومثله المقابلة ‪ .‬ويقابله بهذا المعنى الستدبار ‪.‬‬
‫ويرد الستقبال في اللّغة أيضا بمعنى ‪ :‬الستئناف ‪ ،‬يقال اقتبل المر واستقبله ‪ :‬إذا استأنفه ‪.‬‬
‫وقد استعمله الفقهاء بهذين الطلقين فيقولون ‪ :‬استقبال القبلة أي مقابلتها ويقولون ‪ :‬استقبل‬
‫حول الزّكاة أي ‪ :‬ابتدأه واستأنفه ‪ .‬وزاد الشّافعيّة إطلقه على طلب القبول الّذي يقابل اليجاب‬
‫ل قائمٌ‬
‫في العقود ‪ ،‬فقالوا ‪ :‬يصحّ البيع بالستقبال ‪ ،‬ومثّلوا له بنحو ‪ :‬اشتر منّي ‪ ،‬فإنّه استقبا ٌ‬
‫مقام اليجاب ‪ ،‬ومثل البيع الرّهن ‪ ،‬فيصحّ بنحو ‪ :‬ارتهن داري بكذا ‪.‬‬
‫اللفاظ ذات الصّلة ‪:‬‬

‫أ ‪ -‬الستئناف ‪:‬‬
‫‪ - 2‬الستئناف ‪ :‬ابتداء المر ‪ ،‬وعليه فهو مرادفٌ للستقبال في أحد إطلقاته ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬المسامتة ‪:‬‬
‫‪ - 3‬المسامتة بمعنى ‪ :‬المقابلة والموازاة ‪ ،‬وهي مرادف ٌة للستقبال عند الّذين فسّروا الستقبال‬
‫بمعنى التّوجّه إلى الشّيء بعينه بل انحرافٍ يمن ًة ول يسرةً ‪.‬‬
‫وأمّا الّذين لم يشترطوا في الستقبال هذا الشّرط كالمالكيّة فإنّهم فرّقوا بينهما ‪ ،‬فخصّوا‬
‫المسامتة باستقبال عين الشّيء تماما بجميع البدن ‪ ،‬وجعلوا الستقبال أعمّ من ذلك ‪ ،‬لصدقه‬
‫بخروج شيءٍ من البدن عن محاذاة العين ‪.‬‬
‫ج ‪ -‬المحاذاة ‪:‬‬
‫‪ - 4‬المحاذاة بمعنى ‪ :‬الموازاة ‪ .‬وما قيل في المسامتة يقال هنا أيضا ‪.‬‬
‫د ‪ -‬اللتفات ‪:‬‬
‫‪ - 5‬اللتفات صرف الوجه ذات اليمين أو الشّمال ‪ .‬وقد يراد به النحراف بالوجه والصّدر‬
‫ن التّحوّل إلى خلفٍ‬
‫أيضا كما ورد في مسند المام أحمد ‪ « :‬فجعلت تلتفت خلفها » ومعلومٌ أ ّ‬
‫ل يكون إلّ بالوجه والصّدر ‪.‬‬
‫‪ - 6‬هذا والستقبال عند الفقهاء قد يكون إلى القبلة ‪ ،‬وقد يكون إلى غير القبلة ‪.‬‬
‫واستقبال القبلة قد يكون في الصّلة ‪ ،‬وقد يكون في غيرها وسيأتي بيان هذه القسام واحدا‬
‫بعد الخر ‪.‬‬
‫استقبال القبلة في الصّلة ‪:‬‬
‫‪ - 7‬المراد بالقبلة موضع الكعبة ‪ ،‬لنّه لو نقل بناؤها إلى موضعٍ آخر وصلّي إليه لم يجز ‪.‬‬
‫وسمّيت بذلك لنّ النّاس يقابلونها في صلتهم ‪.‬‬
‫وما فوق الكعبة إلى السّماء يعدّ قبل ًة ‪ ،‬وهكذا ما تحتها مهما نزل ‪ ،‬فلو صلّى في الجبال‬
‫العالية والبار العميقة جاز ما دام متوجّها إليها ‪ ،‬لنّها لو زالت صحّت الصّلة إلى‬
‫ن المصلّي على الجبل يعدّ مصلّيا إليها ‪.‬‬
‫موضعها ‪ ،‬ول ّ‬
‫استقبال الحجر ‪:‬‬
‫‪ - 8‬ذكر الحنفيّة والمالكيّة أنّه لو استقبل المصلّي الحجر دون الكعبة لم يجزه ‪ ،‬لنّ كونه من‬
‫ن ل مقطوعٌ به ‪ ،‬وهو ل يكتفى به في القبلة احتياطا ‪ ،‬وهذا هو الصّحيح عند‬
‫البيت مظنو ٌ‬
‫الشّافعيّة ‪ .‬وذهب الحنابلة واللّخميّ من المالكيّة إلى جواز الصّلة إلى الحجر ‪ ،‬لنّه من‬
‫البيت ‪ ،‬للحديث الصّحيح أنّ رسول اللّه صلى ال عليه وسلم قال ‪ « :‬الحجر من البيت » ‪.‬‬
‫ت أذرعٍ من الحجر من البيت » ولنّه لو طاف فيه لم يصحّ طوافه ‪ .‬وهو‬
‫وفي روايةٍ ‪ « :‬س ّ‬
‫ح في مذهبهم ‪ ،‬وقدّره الحنابلة بستّ أذرعٍ‬
‫وجهٌ مشهورٌ عند الشّافعيّة ‪ ،‬وإن كان خلف الص ّ‬
‫ح صلته ألبتّة ‪ .‬على أنّ هذا التّقدير‬
‫وشيءٍ ‪ ،‬فمن استقبل عندهم ما زاد على ذلك لم تص ّ‬
‫بالنّسبة لغير الطّواف ‪ ،‬أمّا بالنّسبة له فل بدّ من خروجه عن جميعه احتياطا ‪.‬‬
‫حكم استقبال القبلة في الصّلة ‪:‬‬
‫ل وجهك‬
‫‪ - 9‬ل خلف في أنّ من شروط صحّة الصّلة استقبال القبلة ‪ ،‬لقوله تعالى ‪ { :‬فو ّ‬
‫شطر المسجد الحرام وحيثما كنتم فولّوا وجوهكم شطره } أي جهته ‪.‬‬
‫ل ل يشترط فيها الستقبال ‪ ،‬كصلة الخوف ‪ ،‬والمصلوب ‪ ،‬والغريق ‪،‬‬
‫ويستثنى من ذلك أحوا ٌ‬
‫ن نيّة الستقبال ليست بشرطٍ على الرّاجح ‪ ،‬انظر‬
‫ونفل السّفر المباح وغيرها ‪ ،‬ونصّوا على أ ّ‬
‫الكلم على ال ّنيّة في الصّلة ‪.‬‬
‫ترك الستقبال ‪:‬‬
‫ن من مفسدات الصّلة تحويل المصلّى صدره عن القبلة بغير عذرٍ اتّفاقا ‪،‬‬
‫‪ - 10‬ذكر الحنفيّة أ ّ‬
‫ق مع القواعد العامّة‬
‫وإن تعمّد الصّلة إلى غير القبلة على سبيل الستهزاء يكفر ‪ ،‬وهذا متّف ٌ‬
‫للشّريعة ‪ .‬وفصّل الحنفيّة فيما إذا صلّى بل تحرّ فظهر أنّه أصاب القبلة أثناء الصّلة بطلت‬
‫ن ما‬
‫صلته ‪ ،‬لبناء القويّ على الضّعيف ‪ ،‬فإن ظهر ذلك بعد الصّلة صحّت صلته ‪ ،‬ل ّ‬
‫فرض لغيره ‪ -‬كالستقبال المشروط لصحّة الصّلة ‪ -‬يشترط حصوله ل تحصيله ‪ ،‬وقد‬
‫حصل وليس فيه بناء القويّ على الضّعيف ‪.‬‬
‫وقال المالكيّة ‪ :‬إن أدّاه اجتهاده لجه ٍة فخالفها وصلّى متعمّدا بطلت صلته وإن صادف‬
‫القبلة ‪ ،‬ويعيد أبدا ‪ .‬وأمّا لو صلّى لغيرها ناسيا وصادف القبلة فهل يجري فيه من الخلف ما‬
‫صحّة لنّه صادف وهو الظّاهر ؟ ‪.‬‬
‫يجري في النّاسي إذا أخطأ ‪ ،‬أو يجزم بال ّ‬
‫وذكر الشّافعيّة أنّه ل يسقط استقبالها بجهلٍ ول غفل ٍة ول إكراهٍ ول نسيانٍ ‪ ،‬فلو استدبر ناسيا‬
‫لم يضرّ لو عاد عن قربٍ ‪ .‬ويسنّ عند ذلك أن يسجد للسّهو لنّ تعمّد الستدبار مبطلٌ ‪ .‬وهذا‬
‫بخلف ما لو أميل عنها قهرا فإنّها تبطل ‪ ،‬وإن قلّ الزّمن لندرة ذلك ‪ .‬ولو دخل في الصّلة‬
‫باجتهادٍ ثمّ ظهر الخطأ بطلت صلته ‪.‬‬
‫ن من مبطلت الصّلة استدبار القبلة حيث شرط استقبالها ‪ .‬كما‬
‫وأطلق الحنابلة القول بأ ّ‬
‫نصّوا في باب شروط الصّلة على أنّ هذه الشّروط ل تسقط عمدا أو سهوا أو جهلً ‪ .‬هذا ‪،‬‬
‫ن المالكيّة والحنابلة نصّوا على أنّ المصلّي إذا حوّل وجهه وصدره عن‬
‫ول بدّ من القول أ ّ‬
‫القبلة لم تفسد صلته ‪ ،‬حيث بقيت رجله إلى القبلة ‪ .‬ونصّ المالكيّة على أنّه يكره له ذلك بل‬
‫ن هذه الكراهة في حقّ معاين الكعبة حيث لم يخرج شي ٌء من بدنه ‪ ،‬فإن‬
‫ضرورةٍ ‪ ،‬وقالوا ‪ :‬إ ّ‬
‫خرج منه شيءٌ ولو أصبعا من سمتها بطلت صلته ‪.‬‬
‫ما يتحقّق به استقبال القبلة في الصّلة ‪:‬‬
‫‪ - 11‬ذهب الحنفيّة والشّافعيّة إلى أنّه يشترط في استقبال القبلة في الصّلة أن يكون بالصّدر ل‬
‫بالوجه ‪ ،‬خلفا لما قد يتوهّم من ظاهر قوله تعالى ‪ { :‬فولّ وجهك شطر المسجد الحرام }‬
‫ن المراد بالوجه هنا الذّات ‪ ،‬والمراد من الذّات بعضها وهو الصّدر فهو مجازٌ مبنيّ على‬
‫لّ‬
‫مجازٍ ‪ .‬ونصّ الشّافعيّة على أنّه ل يشترط الستقبال بالقدمين ‪.‬‬
‫أمّا الستقبال بالوجه فهو سنّةٌ ‪ ،‬وتركه مكروهٌ عند الئمّة الربعة ‪ .‬وهذا في حقّ القائم‬
‫والقاعد ‪ .‬أمّا الّذي يصلّي مستلقيا أو مضطجعا لعجزه فيجب عليهما الستقبال بالوجه ‪ ،‬على‬
‫تفصيلٍ يذكر في صلة المريض ‪ .‬وذهب المالكيّة والحنابلة إلى أنّه ل يشترط في الستقبال‬
‫ن الفقهاء تعرّضوا‬
‫التّوجّه بالصّدر أيضا ‪ ،‬وإنّما الّذي ل بدّ منه فهو التّوجّه بالرّجلين ‪ .‬على أ ّ‬
‫لعضاءٍ أخرى يستقبل بها المصلّي القبلة في مناسباتٍ كثيرةٍ في كتاب الصّلة ‪ ،‬نكتفي‬
‫بالشارة إلى بعضها دون تفصيلٍ لكونها بتلك المواطن ألصق ‪ ،‬ولسياق الفقهاء أنسب من جهةٍ‬
‫‪ ،‬وتفاديا للتّكرار من جه ٍة أخرى ‪ .‬ومن ذلك ‪ :‬استحباب الستقبال ببطون أصابع اليدين في‬
‫تكبيرة الحرام وباليدين وبأصابع الرّجلين في السّجود ‪ ،‬وبأصابع يسراه في التّشهّد ‪ .‬وذلك‬
‫حين الكلم على " صفة الصّلة " ‪ .‬فمن أرادها بالتّفصيل فليرجع إلى مواطنها هناك ‪.‬‬
‫استقبال الم ّكيّ للقبلة ‪:‬‬
‫استقبال الم ّكيّ المعاين ‪:‬‬
‫ن من كان يعاين الكعبة فعليه إصابة عينها في‬
‫‪ - 12‬ل خلف بين المذاهب الربعة في أ ّ‬
‫الصّلة ‪ ،‬أي مقابلة ذات بناء الكعبة يقينا ‪ ،‬ول يكفي الجتهاد ول استقبال جهتها ‪ ،‬لنّ القدرة‬
‫على اليقين والعين تمنع من الجتهاد والجهة المعرّضين للخطأ ‪ .‬وأيضا فإنّ من انحرف عن‬
‫مقابلة شي ٍء فهو ليس متوجّها نحوه ‪ .‬وذكر المالكيّة والشّافعيّة وابن عقيلٍ من الحنابلة ‪-‬‬
‫ن المصلّي في مكّة وما في حكمها ممّن تمكنه المسامتة لو استقبل طرفا من الكعبة‬
‫وأقرّوه ‪ -‬أ ّ‬
‫ل عند‬
‫ح صلته ‪ .‬وفي قو ٍ‬
‫ببعض بدنه وخرج باقيه ‪ -‬لو عضوا واحدا ‪ -‬عن استقبالها لم تص ّ‬
‫الشّافعيّة والحنابلة يكفي التّوجّه ببعض بدنه ‪.‬‬
‫صلة الجماعة قرب الكعبة ‪:‬‬
‫‪ - 13‬ذكر الحنفيّة والمالكيّة والشّافعيّة ‪ -‬وهو ما يستفاد من كلم الحنابلة ‪ -‬أنّه إن امتدّ صفّ‬
‫طويلٌ بقرب الكعبة وخرج بعضهم عن المحاذاة بطلت صلته ‪ ،‬لعدم استقبالهم لها ‪ ،‬بخلف‬
‫ن الصّلة‬
‫البعد عنها ‪ ،‬فيصلّون في حالة القرب دائر ًة أو قوسا إن قصروا عن الدّائرة ‪ ،‬ل ّ‬
‫بمكّة تؤدّى هكذا من لدن رسول اللّه صلى ال عليه وسلم إلى يومنا هذا ‪.‬‬
‫استقبال الم ّكيّ غير المعاين ‪:‬‬
‫ن من بينه وبين الكعبة حائلٌ فهو كالغائب على الصحّ ‪ ،‬فيكفيه‬
‫‪ - 14‬ذهب الحنفيّة إلى أ ّ‬
‫استقبال الجهة ‪ ،‬وسيأتي تفصيل مذهبهم في إصابة الجهة في " استقبال البعيد عن مكّة " ‪.‬‬
‫وذهب المالكيّة والحنابلة إلى أن من لم يصلّ بالمسجد من أهل مكّة ومن ألحق بهم عليه إصابة‬
‫ل ضعيفٌ عند الحنفيّة ‪ .‬وتفصيل مذهب الحنابلة أنّهم أوجبوا إصابة العين يقينا‬
‫العين ‪ ،‬وهو قو ٌ‬
‫على من كان من أهل مكّة أو ناشئا بها من وراء حائلٍ محدثٍ كالحيطان ‪.‬‬
‫وأمّا من لم يكن من أهلها وهو غائبٌ عن الكعبة ففرضه الخبر ‪ ،‬كما إذا وجد مخبرا يخبره‬
‫ن ‪ ،‬أو كان غريبا نزل بمكّة فأخبره أهل الدّار بها ‪.‬‬
‫عن يقي ٍ‬
‫وعند الشّافعيّة يجب على من نشأ بمكّة وهو غائبٌ عن الكعبة إصابة العين إن تيقّن إصابتها ‪،‬‬
‫ل جاز له الجتهاد لما في تكليفه المعاينة من المشقّة إذا لم يجد ثق ًة يخبره عن علمٍ ‪.‬‬
‫وإ ّ‬
‫الستقبال عند صلة الفريضة في الكعبة ‪:‬‬
‫‪- 15‬ذهب جمهور العلماء إلى صحّة صلة الفريضة داخل الكعبة ‪ .‬منهم الحنفيّة ‪،‬‬
‫والشّافعيّة ‪ ،‬والثّوريّ ‪ ،‬لحديث بللٍ « أنّ النّبيّ صلى ال عليه وسلم صلّى في الكعبة » ‪ .‬قال‬
‫ن الواجب استقبال جزءٍ منها غير معيّنٍ ‪ ،‬وإنّما يتعيّن الجزء قبل ًة بالشّروع في‬
‫الحنفيّة ‪ :‬ول ّ‬
‫الصّلة والتّوجّه إليه ‪ .‬ومتى صار قبلةً فاستدبار غيره ل يكون مفسدا ‪ .‬وعلى هذا ينبغي أنّه‬
‫لو صلّى ركع ًة إلى جه ٍة أخرى لم يصحّ ‪ ،‬لنّه صار مستدبرا الجهة الّتي صارت قبلةً في حقّه‬
‫بيقينٍ بل ضرور ٍة ‪ .‬ومذهب المالكيّة والحنابلة ل تصلّى الفريضة والوتر في الكعبة ‪ ،‬لنّها من‬
‫المواطن السّبع الّتي نهى عنها رسول اللّه صلى ال عليه وسلم كما سيأتي قريبا ‪ ،‬ولما في ذلك‬
‫من الخلل بالتّعظيم ‪ ،‬ولقوله تعالى ‪ { :‬وحيثما كنتم فولّوا وجوهكم شطره } قالوا ‪ :‬والشّطر‬
‫‪ :‬الجهة ‪ .‬ومن صلّى فيها أو على سطحها فهو غير مستقبلٍ لجهتها ‪ ،‬ولنّه قد يكون مستدبرا‬
‫من الكعبة ما لو استقبله منها وهو في خارجها صحّت صلته ‪ ،‬ولنّ النّهي عن الصّلة على‬
‫ظهرها قد ورد صريحا في حديث عبد اللّه بن عمر أنّ النّبيّ صلى ال عليه وسلم قال ‪« :‬‬
‫سبع مواطن ل تجوز فيها الصّلة ‪ :‬ظهر بيت اللّه والمقبرة » ‪ ...‬إلخ ‪ ،‬وفيه تنبيهٌ على النّهي‬
‫عن الصّلة فيها لنّها سواءٌ في المعنى ‪ .‬وتوجّه المصلّي في داخلها إلى الجدار ل أثر له ‪ ،‬إذ‬
‫المقصود البقعة ‪ ،‬بدليل أنّه يصلّي للبقعة حيث ل جدار ‪.‬‬
‫وإنّما جاز على أبي قبيسٍ مع أنّه أعلى من بنائها لنّ المصلّي عليه مصلّ لها ‪ ،‬وأمّا المصلّي‬
‫على ظهرها فهو فيها ‪ .‬وهناك قو ٌل للمالكيّة بجواز الصّلة في الكعبة مع الكراهة ‪.‬‬
‫الستقبال عند صلة الفريضة فوق الكعبة ‪:‬‬
‫‪ - 16‬وأمّا صلة الفريضة على ظهر الكعبة فقد أجازها الحنفيّة والشّافعيّة ‪ ،‬لكن مع الكراهة‬
‫عندهم ‪ .‬وذهب المالكيّة والحنابلة إلى عدم جواز الفرض والوتر عليها لما تقدّم في المسألة‬
‫السّابقة ‪.‬‬
‫صلة النّافلة في الكعبة وعليها ‪:‬‬
‫ن النّبيّ صلى ال‬
‫‪ - 17‬ذهب الئمّة الربعة إلى جواز صلة النّفل المطلق داخل الكعبة ‪ «،‬ل ّ‬
‫عليه وسلم صلّى فيها »‪ ،‬وللدلّة السّابقة على صحّة صلة الفريضة ‪ ،‬وأمّا السّنن الرّواتب‬
‫ل ‪ :‬الحرمة بأدلّتهم‬
‫فذهب جمهور الفقهاء إلى جوازها في الكعبة كذلك ‪ .‬وللمالكيّة ثلثة أقوا ٍ‬
‫على منع الفريضة ‪ ،‬والجواز قياسا على النّفل المطلق ‪ ،‬والثّالث الكراهة وهو الرّاجح ‪.‬‬
‫وذهب أصبغ من المالكيّة ومحمّد بن جريرٍ وابن عبّاسٍ رضي ال عنهما فيما حكي عنه إلى‬
‫أنّه ل تصحّ صلة النّافلة فيها ‪ .‬أمّا صلة النّافلة على ظهرها فتجوز عند الحنفيّة ‪،‬‬
‫ل للمالكيّة بناءً على أنّه يكفي استقبال الهواء أو استقبال قطعةٍ‬
‫والشّافعيّة ‪ ،‬والحنابلة ‪ ،‬وفي قو ٍ‬
‫من البناء ولو من حائط السّطح ‪.‬‬
‫ص الشّافعيّة على جوازها مع الكراهة لبعده عن الدب كما تقدّم في الفريضة ‪.‬‬
‫هذا ‪ ،‬وقد ن ّ‬
‫هذا ‪ ،‬وما ورد في شأن الصّلة في الكعبة يرد في الحجر ( الحطيم ) لنّه جزءٌ من الكعبة ‪.‬‬
‫ح ليّ جهةٍ ولو‬
‫‪ - 18‬وذهب الحنفيّة والمالكيّة ‪ ،‬إلى أنّ الصّلة الّتي تجوز في الكعبة ‪ ،‬تص ّ‬
‫لجهة بابها مفتوحا ‪ ،‬ولو لم يستقبل شيئا في هذه الحال ‪ ،‬لنّ القبلة هي العرصة والهواء إلى‬
‫عنان السّماء ‪ ،‬وليست هي البناء ‪ ،‬بدليل أنّه لو نقل إلى عرص ٍة أخرى وصلّى إليه لم يجز ‪،‬‬
‫ل إلى البناء ‪ .‬وشرط‬
‫ولنّه لو صلّى على جبل أبي قبيسٍ جازت بالجماع ‪ ،‬مع أنّه لم يص ّ‬
‫الشّافعيّة لجواز الصّلة في الكعبة وعليها أن يستقبل جدارا منها أيّا كان ‪ ،‬أو يستقبل الباب إن‬
‫ع بذراع الدميّ تقريبا على الصّحيح المشهور ‪ ،‬لنّ‬
‫كان مفتوحا وكان له عتبةٌ قدر ثلثي ذرا ٍ‬
‫هذا المقدار هو سترة المصلّي فاعتبر فيه قدرها ‪ .‬واختار أكثر الحنابلة أن يشترط أن يكون‬
‫بين يديه شيءٌ منها شاخصٌ يتّصل بها ‪ ،‬كالبناء والباب ولو مفتوحا ‪ ،‬فل اعتبار بالجرّ غير‬
‫المبنيّ ‪ ،‬ول الخشب غير المسمور ‪ ،‬لنّه غير متّصلٍ ‪ ،‬لكنّهم لم يقدّروا ارتفاع الشّاخص ‪.‬‬
‫وفي روايةٍ عن أحمد أنّه يكفي أن يكون بين يديه شيءٌ من الكعبة إذا سجد ‪ ،‬وإن لم يكن‬
‫شاخصٌ ‪ ،‬اختارها الموفّق في المغني وغيره وهي المذهب ‪.‬‬
‫استقبال البعيد عن مكّة ‪:‬‬
‫‪ - 19‬مذهب الحنفيّة ‪ ،‬وهو الظهر عند المالكيّة ‪ ،‬والحنابلة ‪ ،‬وهو قولٌ للشّافعيّ ‪ :‬أنّه يكفي‬
‫المصلّي البعيد عن مكّة استقبال جهة الكعبة باجتهادٍ ‪ ،‬وليس عليه إصابة العين ‪ ،‬فيكفي غلبة‬
‫ظنّه أنّ القبلة في الجهة الّتي أمامه ‪ ،‬ولو لم يقدّر أنّه مسامتٌ ومقابلٌ لها ‪ .‬وفسّر الحنفيّة جهة‬
‫الكعبة بأنّها الجانب الّذي إذا توجّه إليه النسان يكون مسامتا للكعبة ‪ ،‬أو هوائها تحقيقا أو‬
‫تقريبا ‪ .‬واستدلّوا بالية الكريمة ‪ { :‬وحيثما كنتم فولّوا وجوهكم شطره } وقالوا ‪ :‬شطر البيت‬
‫نحوه وقبله ‪ ،‬كما استدلّوا بحديث ‪ « :‬ما بين المشرق والمغرب قبلةٌ » وهذا كلّه في غير‬
‫المدينة المنوّرة ‪ ،‬وما في حكمها من الماكن المقطوع بقبلتها ‪ ،‬على ما سيأتي في استقبال‬
‫المحاريب إن شاء اللّه ‪ .‬والظهر عند الشّافعيّة ‪ ،‬وهو قولٌ لبن القصّار عند المالكيّة ‪،‬‬
‫وروايةٌ عن أحمد اختارها أبو الخطّاب من الحنابلة ‪ :‬أنّه تلزم إصابة العين ‪ .‬واستدلّوا بقوله‬
‫تعالى ‪ { :‬وحيثما كنتم فولّوا وجوهكم شطره } أي جهته ‪ ،‬والمراد بالجهة هنا العين ؛ وكذا‬
‫المراد بالقبلة هنا العين أيضا ‪ ،‬لحديث الصّحيحين ‪ « :‬أنّه صلى ال عليه وسلم ركع ركعتين‬
‫قبل الكعبة ‪ ،‬وقال ‪ :‬هذه القبلة » فالحصر هنا يدفع حمل الية على الجهة ‪ .‬وإطلق الجهة‬
‫على العين حقيقةٌ لغويّةٌ وهو المراد هنا ‪.‬‬
‫استقبال أهل المدينة وما في حكمها ‪:‬‬
‫ل للحنابلة إلى أنّ الواجب على أهل المدينة ‪-‬‬
‫‪ - 20‬ذهب الحنفيّة في الصحّ ‪ ،‬وهو قو ٌ‬
‫كغيرها ‪ -‬الجتهاد لصابة جهة الكعبة ‪ ،‬وهو جارٍ مع الصل في أمر القبلة ‪.‬‬
‫ي من‬
‫ل للحنابلة ( وأرادوا بالمدن ّ‬
‫وقال الحنفيّة في الرّاجح ‪ ،‬والمالكيّة ‪ ،‬والشّافعيّة ‪ ،‬وهو قو ٌ‬
‫في مسجده صلى ال عليه وسلم أو قريبا منه ) ‪ :‬يجب على المصلّي في المدينة إصابة عين‬
‫القبلة« لثبوت محراب مسجد النّبيّ صلى ال عليه وسلم بالوحي »‪ ،‬فهو كما لو كان مشاهدا‬
‫ض في الشّفاء أنّه رفعت له الكعبة حين بنى مسجده صلى ال‬
‫للبيت ‪ ،‬بل أورد القاضي عيا ٌ‬
‫عليه وسلم ‪.‬‬
‫استقبال محاريب الصّحابة والتّابعين ‪:‬‬
‫‪ - 21‬ذهب الجمهور إلى أنّ محاريب الصّحابة ‪ ،‬كجامع دمشق ‪ ،‬وجامع عمرٍو بالفسطاط ‪،‬‬
‫ومسجد الكوفة والقيروان والبصرة ‪ ،‬ل يجوز الجتهاد معها في إثبات الجهة ‪ ،‬لكن ل يمنع‬
‫ذلك من النحراف اليسير يمن ًة أو يسرةً ‪ ،‬ول تلحق بمحاريب النّبيّ صلى ال عليه وسلم إذ ل‬
‫يجوز فيها أدنى انحرافٍ ‪ .‬وكذلك محاريب المسلمين ‪ ،‬ومحاريب جادّتهم أي معظم طريقهم‬
‫وقراهم القديمة الّتي أنشأتها قرونٌ من المسلمين ‪ ،‬أي جماعاتٌ منهم صلّوا إلى هذا المحراب‬
‫ل بحضرة جمعٍ من أهل المعرفة‬
‫ولم ينقل عن أح ٍد منهم أنّه طعن فيها ‪ ،‬لنّها لم تنصب إ ّ‬
‫بالدلّة ‪ ،‬فجرى ذلك مجرى الخبر ‪ .‬لكن قال الحنابلة ‪ :‬إن فرض من كان فيها إصابة العين‬
‫ببدنه بالتّوجّه إلى قبلته ‪ ،‬معلّلين ذلك باتّفاق الصّحابة عليه ‪.‬‬
‫الخبار عن القبلة ‪:‬‬
‫‪ - 22‬ذهب الفقهاء إلى أنّه إذا لم يكن ثمّة محاريب منصوبةً في الحضر ‪ ،‬فيسأل من يعلم‬
‫بالقبلة ممّن تقبل شهادته من أهل ذلك المكان ممّن يكون بحضرته ‪.‬‬
‫أمّا غير مقبول الشّهادة ‪ ،‬كالكافر والفاسق والصّبيّ فل يعتدّ بإخباره فيما هو من أمور‬
‫ن صدقه ‪ .‬وأمّا إذا لم يكن من أهل ذلك المكان فلنّه يخبر عن‬
‫الدّيانات ما لم يغلب على الظّ ّ‬
‫اجتهادٍ ‪ ،‬فل يترك اجتهاده باجتهاد غيره ‪.‬‬
‫وأمّا إذا لم يكن بحضرته من أهل المسجد أحدٌ فإنّه يتحرّى ول يجب عليه قرع البواب ‪.‬‬
‫وأمّا في المفازة فالدّليل عليها النّجوم كالقطب ‪ ،‬وإلّ فمن أهلها العالم بها ممّن لو صاح به‬
‫سمعه ‪ ،‬والستدلل بالنّجوم في المفازة مق ّدمٌ على السّؤال ‪ ،‬والسّؤال مق ّدمٌ على التّحرّي ‪.‬‬
‫اختلف المخبرين ‪:‬‬
‫‪ - 23‬صرّح الشّافعيّة عند اختلف اثنين في الخبار عن القبلة ‪ :‬أنّه يتخيّر فيأخذ بقول أحدهما‬
‫‪ ،‬وقيل ‪ :‬يتساقطان ويجتهد لنفسه ‪ ،‬ول يأخذ بقول أحدهما إلّ عند العجز عن الجتهاد ‪ ،‬وفي‬
‫هذه الحالة اضط ّر للخذ بقول أحدهما ‪ ،‬أمّا في غير هذه الحالة فالمخبران اختلفا في علمةٍ‬
‫ب للتّساقط ‪.‬‬
‫واحد ٍة لعارضٍ فيها وهو موج ٌ‬
‫وما صرّحوا به ل تأباه قواعد المذاهب الخرى ‪.‬‬
‫أدلّة القبلة ‪:‬‬
‫ت يمكن‬
‫‪ - 24‬سبق ما يتّصل بالستدلل على القبلة بالمحاريب ‪ ،‬فإن لم توجد فهناك علما ٌ‬
‫العتماد عليها عند أهل الخبرة بها ‪ ،‬منها ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬النّجوم ‪:‬‬
‫ت ويمكن به معرفة الجهات الربع ‪ ،‬وبذلك يمكن معرفة القبلة‬
‫وأهمّها القطب ‪ ،‬لنّه نجمٌ ثاب ٌ‬
‫ولو على سبيل التّقريب ‪ .‬وتختلف قبلة البلد بالنّسبة إليه اختلفا كبيرا ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬الشّمس والقمر ‪:‬‬
‫يمكن التّعرّف بمنازل الشّمس والقمر على الجهات الربع ‪ ،‬وذلك في أيّام العتدالين‬
‫( الرّبيعيّ والخريفيّ ) بالنّسبة للشّمس ‪ ،‬واستكمال البدر فيه بالنّسبة للقمر ‪ .‬وفي غير‬
‫العتدالين ينظر إلى اتّجاه تلك المنازل ‪ ،‬وهو معروفٌ لهل الخبرة فيرجع إليهم فيه ‪ ،‬وفي‬
‫كتب الفقه تفاصيل عن ذلك ‪ .‬ويتّبع ذلك الستدلل بمطالع الشّمس والقمر ومغاربهما ‪.‬‬
‫ج ‪ -‬البرة المغناطيسيّة ‪:‬‬
‫من الستقراء المفيد لليقين تبيّن أنّها تحدّد جهة الشّمال تقريبا ‪ ،‬وبذلك تعرف الجهات الربع‬
‫وتحدّد القبلة ‪.‬‬
‫ترتيب أدلّة القبلة ‪:‬‬
‫ن الدّليل على القبلة في المفاوز والبحار النّجوم كالقطب ‪ ،‬فإن لم يمكن‬
‫‪ - 25‬ذكر الحنفيّة أ ّ‬
‫لوجود غيمٍ أو لعدم معرفته بها فعليه أن يسأل عالما بها ‪ ،‬فإن لم يكن من يسأله أو لم يخبره‬
‫المسئول عنها فيتحرّى ‪ .‬وذكر الشّافعيّة أنّه لو تعارضت الدلّة على القبلة فينبغي تقديم خبر‬
‫جمعٍ بلغ عددهم حدّ التّواتر ‪ ،‬لفادته اليقين ‪ ،‬ثمّ الخبار عن علمٍ برؤية الكعبة ‪ ،‬ثمّ رؤية‬
‫المحاريب المعتمدة ‪ ،‬ث ّم رؤية القطب ‪.‬‬
‫وأمّا بيت البرة فقد صرّح الشّافعيّة بأنّ المجتهد مخيّرٌ بينها وبين الجتهاد ‪ .‬وأمّا الحنابلة‬
‫فإنّهم قالوا ‪ :‬إنّ خبر المخبر عن يقينٍ مق ّدمٌ على الجتهاد ‪.‬‬
‫تعلّم أدلّة القبلة ‪:‬‬
‫ب شرعا ‪ ،‬وقد صرّح الشّافعيّة في الصحّ‬
‫‪ - 26‬تعلّم العلمات الّتي تعرف بها القبلة مطلو ٌ‬
‫ب على سبيل الكفاية ‪ .‬وقد يصبح تعلّم هذه العلمات واجبا عينيّا ‪ ،‬كمن‬
‫ن هذا واج ٌ‬
‫عندهم بأ ّ‬
‫ل فيها العارفون بها ‪ ،‬وكانت عنده قدرةٌ على تعلّم هذه‬
‫سافر سفرا يجهل معه اتّجاه القبلة ‪ ،‬ويق ّ‬
‫ل ذلك تحقيقا لصابة القبلة ‪ .‬وهل يجوز تعلّمها من كافرٍ ؟ قواعد الشّريعة ل‬
‫العلمات ‪ ،‬وك ّ‬
‫تمنع ذلك ‪ .‬لنّه ل يعتمد عليه في اتّجاه القبلة ‪ ،‬وإنّما في معرفة العلمات الّتي ل يختلف فيها‬
‫الكافر عن المسلم ‪ ،‬وذلك كتعلّم سائر العلوم ‪.‬‬
‫الجتهاد في القبلة ‪:‬‬
‫‪ - 27‬اتّفقت المذاهب الربعة على وجوب الجتهاد في القبلة في الجملة ‪.‬‬
‫قال الشّافعيّة والحنابلة ‪ :‬إن فقد المصلّي ما ذكر من الرّؤية والمحاريب والمخبر وأمكنه‬
‫الجتهاد ‪ ،‬بأن كان بصيرا يعرف أدلّة القبلة وجب عليه الجتهاد وإن كان جاهلً بأحكام‬
‫ن ما وجب عليه اتّباعه عند وجوده‬
‫الشّرع ‪ ،‬إذ كلّ من علم أدلّة شي ٍء كان مجتهدا فيه ‪ ،‬ول ّ‬
‫ن من وجب عليه الجتهاد حرم عليه‬
‫وجب الستدلل عليه عند خفائه ‪ ،‬وذكروا أيضا أ ّ‬
‫التّقليد ‪ ،‬لنّه يتمكّن من استقبالها بدليله ‪ .‬وقالوا ‪ :‬أنّه إذا ضاق عليه الوقت عن الجتهاد صلّى‬
‫حسب حاله ول يقلّد ‪ ،‬كالحاكم ل يسعه تقليد غيره ‪ ،‬ولكنّه يعيد الصّلة ‪.‬‬
‫وصرّح ابن قدامة بأنّ شرط الجتهاد ل يسقط بضيق الوقت مع إمكانه ‪.‬‬
‫شكّ في الجتهاد وتغيّره ‪:‬‬
‫ال ّ‬
‫‪ - 28‬ذهب الشّافعيّة والحنابلة إلى أنّه إذا تغيّر اجتهاد المجتهد عمل بالجتهاد الثّاني حتما ‪ ،‬إن‬
‫ترجّح على الوّل ‪ ،‬وعمل بالوّل إن ترجّح على الثّاني ‪ .‬وقال الحنابلة ‪ :‬وإن شكّ في اجتهاده‬
‫ن الجتهاد ظاهرٌ فل يزول عنه بالشّكّ ‪ .‬ول يعيد ما صلّى بالجتهاد‬
‫لم يزل عن جهته ‪ ،‬ل ّ‬
‫الوّل ‪ ،‬كالحاكم لو تغيّر اجتهاده في الحادثة الثّانية عمل فيها بالجتهاد الثّاني ‪ ،‬ولم ينقض‬
‫ن الجتهاد ل ينقض بالجتهاد ‪.‬‬
‫حكمه الوّل بغير خلفٍ ‪ ،‬ل ّ‬
‫ن المصلّي بالجتهاد في القبلة إذا تحوّل رأيه استدار‬
‫وذهب الحنفيّة والشّافعيّة والحنابلة إلى أ ّ‬
‫وبنى على ما مضى من صلته ‪ .‬ول فرق بين تغيّر اجتهاده في أثناء الصّلة وبعدها ‪ ،‬فإن‬
‫كان فيها استدار وبنى على ما مضى من صلته ‪ ،‬حتّى إنّه لو صلّى أربع ركعاتٍ لربع‬
‫جهاتٍ بالجتهاد جاز ‪ ،‬لنّه مجتهدٌ أدّاه اجتهاده إلى جهةٍ ‪ ،‬فلم تجز له الصّلة إلى غيرها ‪،‬‬
‫كما لو أراد صلةً أخرى ‪ ،‬وليس فيه نقضٌ لجتهاده ‪ ،‬لنّا لم نلزمه إعادة ما مضى ‪ ،‬وإنّما‬
‫نلزمه العمل به في المستقبل ‪.‬‬
‫أمّا عند المالكيّة فإن تبيّن لمن صلّى بالجتهاد خطأ اجتهاده في الصّلة يقينا أو ظنّا وهو في‬
‫الصّلة قطعها وجوبا ‪ .‬أمّا بعد إتمام الصّلة فإنّه يعيدها ندبا ل وجوبا ‪ .‬قياسا على القاضي‬
‫إذا تبيّن له خطأ الدّليل قبل بتّ الحكم ‪ ،‬فإنّه ل يجوز له الحكم باجتهاده الوّل ‪ ،‬وإن حكم به‬
‫نقض ‪ .‬أمّا إن شكّ وهو في الصّلة فإنّه يتمّ صلته على اجتهاده الوّل ‪.‬‬
‫الختلف في الجتهاد في القبلة ‪:‬‬
‫‪ - 29‬ذهب الحنفيّة ‪ ،‬والمالكيّة ‪ ،‬والشّافعيّة ‪ ،‬والحنابلة إلى أنّه إذا اختلف اجتهاد مجتهدين لم‬
‫ن كلّ واحدٍ منهما يعتقد خطأ الخر فلم يجز الئتمام ‪ .‬وعند‬
‫يتّبع أحدهما صاحبه ول يؤمّه ‪ ،‬ل ّ‬
‫ن كلّ واحدٍ منهما يعتقد‬
‫ن قياس المذهب جواز ذلك ‪ .‬وهو مذهب أبي ثورٍ ‪ ،‬ذلك أ ّ‬
‫ابن قدامة أ ّ‬
‫ن فرضه التّوجّه إلى ما توجّه إليه ‪ ،‬فلم يمنع اختلف الجهة القتداء‬
‫صحّة صلة الخر ‪ ،‬وأ ّ‬
‫به ‪ ،‬كالمصلّين حول الكعبة ‪ .‬ولو اتّفقا في الجهة واختلفا في النحراف يمينا أو شمالً‬
‫فالمذهب صحّة الئتمام بل خلفٍ لتّفاقهما في الجهة ‪ ،‬وهي كافي ٌة في الستقبال ‪ .‬وقال‬
‫الشّافعيّة ‪ :‬لو اجتهد اثنان في القبلة ‪ ،‬واتّفق اجتهادهما ‪ ،‬فاقتدى أحدهما بالخر ‪ ،‬ثمّ تغيّر‬
‫اجتهاد واح ٍد منهما لزمه النحراف إلى الجهة الثّانية ‪ ،‬وينوي المأموم المفارقة وإن اختلفا‬
‫تيامنا وتياسرا ‪ ،‬وذلك عذرٌ في المفارقة فل تفوته فضيلة الجماعة ‪ ،‬ومحلّ ذلك حيث علم‬
‫المأموم بانحراف إمامه ‪ ،‬فإن لم يعلم به إلّ بعد السّلم فالقرب وجوب العادة ‪.‬‬
‫وقال الحنفيّة ‪ :‬لو سلّم المام فتحوّل رأي مسبوقٍ ولحقٍ استدار المسبوق ‪ ،‬لنّه منفردٌ فيما‬
‫يقضيه ‪ ،‬واستأنف اللّحق ‪ ،‬لنّه مقتدٍ فيما يقضيه ‪.‬‬
‫والمقتدي إذا ظهر له وراء المام أنّ القبلة غير الجهة الّتي يصلّي إليها المام ل يمكنه‬
‫إصلح صلته ‪ ،‬لنّه إن استدار خالف إمامه في الجهة قصدا وهو مفسدٌ ‪ ،‬وإلّ كان متمّا‬
‫صلته إلى ما هو غير القبلة عنده وهو مفس ٌد أيضا ‪.‬‬
‫خفاء القبلة على المجتهد ‪:‬‬
‫‪ - 30‬خفاء القبلة على المجتهد إمّا أن يكون قبل الصّلة أو في أثنائها ‪ ،‬وإمّا أن يكون قبل‬
‫ل على حدةٍ ‪.‬‬
‫التّحرّي أو بعده ‪ ،‬وسنتناول بالبحث ك ّ‬
‫خفاء القبلة قبل الصّلة والتّحرّي ‪:‬‬
‫ن من عجز عن معرفة القبلة بالستدلل ‪ ،‬وخفيت‬
‫‪ - 31‬ذكر الحنفيّة ‪ ،‬والمالكيّة ‪ ،‬والحنابلة أ ّ‬
‫س أو التباسٍ مع ظهورها ‪ ،‬حيث تعارضت عنده المارات ‪،‬‬
‫عليه الدلّة لفقدها أو لغيمٍ أو حب ٍ‬
‫فإنّه يتحرّى ويصلّي ‪ ،‬وتصحّ صلته عندئذٍ ‪ ،‬لنّه بذل وسعه في معرفة الحقّ مع علمه بأدلّته‬
‫‪ ،‬أشبه الحاكم إذا خفيت عليه النّصوص ‪ ،‬وقد روى عبد اللّه بن عامر بن ربيعة عن أبيه قال‬
‫‪ « :‬كنّا مع النّبيّ صلى ال عليه وسلم في سفرٍ في ليلةٍ مظلم ٍة ‪ ،‬فلم ندر أين القبلة ‪ ،‬فصلّى‬
‫ي صلى ال عليه وسلم فنزل ‪ { :‬فأينما تولّوا‬
‫كلّ رجلٍ منّا حياله ‪ ،‬فلمّا أصبحنا ذكرنا ذلك للنّب ّ‬
‫فثمّ وجه اللّه } » وعرّف الحنفيّة التّحرّي بأنّه بذل الجهود لنيل المقصود ‪ .‬وأفاد ابن عابدين‬
‫بأنّ قبلة التّحرّي مبنيّ ٌة على مجرّد شهادة القلب من غير أمارةٍ ‪ ،‬وعبّر المالكيّة بأنّه يتخيّر جهةً‬
‫من الجهات الربع يصلّي إليها صلةً واحدةً ‪ ،‬ول إعادة لسقوط الطّلب عنه ‪ ،‬وهذا ما رجّحه‬
‫ابن عابدين من الحنفيّة على قول بعضهم بتكرار الصّلة إلى الجهات الربع في حالة التّحرّي‬
‫وعدم الرّكون إلى جهةٍ ‪.‬‬
‫وذهب الشّافعيّة إلى أنّه يصلّي كيف كان لحرمة الوقت ‪ ،‬ويقضي لندرته ‪.‬‬
‫ترك التّحرّي ‪:‬‬
‫ن العاجز عن معرفة القبلة بالدلّة ل يجوز أن يشرع في الصّلة دون‬
‫‪ - 32‬ذهب الحنفيّة إلى أ ّ‬
‫ل أنّه ل يعيد إن علم إصابته بعد فراغه‬
‫أن يتحرّى وإن أصاب ‪ ،‬لتركه فرض التّحرّي ‪ ،‬إ ّ‬
‫ن صلته تبطل لنّه بني قويّا على‬
‫اتّفاقا عند الحنفيّة ‪ ،‬بخلفٍ إذا علم الصابة قبل التّمام ‪ ،‬فإ ّ‬
‫ضعيفٍ خلفا لبي يوسف ‪ .‬وعند المالكيّة أنّ المجتهد الّذي تخفى عليه أدلّة القبلة يتخيّر جهةً‬
‫من الجهات الربع ‪ ،‬ويصلّي إليها ويسقط عنه الطّلب لعجزه ‪،‬‬
‫وقال الشّافعيّة والحنابلة ‪ :‬يعيد من صلّى بل تحرّ أو تعذّر عليه التّحرّي ‪ ،‬سواءٌ ظهر له‬
‫الصّواب أثناء الصّلة أو بعدها ‪.‬‬
‫ظهور الصّواب للمتحرّي ‪:‬‬
‫ن المتحرّي إن ظهر صوابه في أثناء الصّلة فالصّحيح أنّها ل تفسد ‪،‬‬
‫‪ - 33‬ذكر الحنفيّة أ ّ‬
‫وعند بقيّة المذاهب ل خلف في صحّتها ‪ .‬وعبارة البحر الرّائق ‪ :‬والصّحيح كما في المبسوط‬
‫ن صلته كانت جائزةً ما لم يظهر الخطأ ‪،‬‬
‫والخانيّة أنّه ل يلزمه استئناف الصّلة ‪ ،‬ل ّ‬
‫فإذا تبيّن أنّه أصاب ل يتغيّر حاله ‪ .‬وقيل ‪ :‬تفسد ‪ ،‬لنّ افتتاح الصّلة كان ضعيفا ‪ ،‬وقد قوي‬
‫ي على الضّعيف ‪.‬‬
‫حاله بظهور الصّواب ‪ ،‬ول يبنى القو ّ‬
‫التّقليد في القبلة ‪:‬‬
‫‪ - 34‬ذكر الحنفيّة ‪ ،‬والمالكيّة ‪ ،‬والشّافعيّة ‪ ،‬والحنابلة أنّه ل يقلّد المجتهد مجتهدا غيره ‪ ،‬لنّ‬
‫القدرة على الجتهاد تمنع من التّقليد ‪.‬‬
‫ومن علم أدلّة القبلة ل يجوز له أن يقلّد غيره مطلقا ‪ ،‬وأمّا غير المجتهد فعليه أن يقلّد المجتهد‬
‫‪ ،‬لقوله تعالى ‪ { :‬فاسألوا أهل الذّكر إن كنتم ل تعلمون } ‪ .‬وإذا كان هناك أكثر من مجتهدٍ‬
‫فالمقلّد له أن يختار أحدهم ‪ ،‬والولى أن يختار من يثق به أكثر من غيره ‪.‬‬
‫ترك التّقليد ‪:‬‬
‫‪ - 35‬ليس لمن فرضه التّقليد ووجد من يقلّده أن يستقبل بمجرّد ميل نفسه إلى جهة ‪ ،‬فقد ذكر‬
‫الحنفيّة ‪ ،‬والمالكيّة ‪ :‬أنّه إن ترك التّقليد واختار له جهةً تركن لها نفسه وصلّى لها كانت‬
‫صلته صحيحةً إن لم يتبيّن خطؤه ‪ ،‬وزاد المالكيّة ‪ :‬فإن تبيّن الخطأ في الصّلة قطعها حيث‬
‫كان كثيرا ‪ ،‬وإن تبيّن بعدها فقولن بالعادة أبدا أو في الوقت ‪ ،‬كما سيأتي في " تبيّن الخطأ‬
‫في الصّلة " ‪ .‬وذهب الشّافعيّة والحنابلة أنّه تلزمه العادة مطلقا وإن صادف القبلة ‪.‬‬
‫استقبال العمى ومن في ظلمةٍ للقبلة ‪:‬‬
‫ن العمى عليه أن يسأل عن القبلة ‪ ،‬لنّ‬
‫‪ - 36‬ذهب الحنفيّة ‪ ،‬والشّافعيّة ‪ ،‬والحنابلة إلى أ ّ‬
‫معظم الدلّة تتعلّق بالمشاهدة ‪ .‬قال الحنفيّة ‪ :‬فإن لم يجد من يسأله عنها تحرّى ‪ ،‬وكذا لو سأله‬
‫عنها فلم يخبره ‪ ،‬حتّى إنّه لو أخبره بعدما صلّى ل يعيد ‪ .‬ولو لم يسأله وتحرّى ‪ :‬إن أصاب‬
‫جاز وإلّ ل ‪ .‬ولو شرع في الصّلة إلى غير القبلة فسوّاه رجلٌ إليها ‪ ،‬فإن كان وجد العمى‬
‫ل بنى على ما مضى منها ‪ ،‬ول‬
‫وقت الشّروع من يسأله عنها فلم يسأله لم تجز صلته ‪ ،‬وإ ّ‬
‫يجوز لهذا الرّجل القتداء به ‪ .‬وذكر المالكيّة أنّه ل يجوز له تقليد المجتهد بل عليه أن يسأل‬
‫عن الدلّة عدلً في الرّواية ليهتدي بها إلى القبلة ‪.‬‬
‫تبيّن الخطأ في القبلة ‪:‬‬
‫ن المصلّي الّذي لم يشكّ في القبلة ولم يتحرّ إذا ظهر له خطؤه في‬
‫‪ - 37‬أطلق الحنفيّة القول بأ ّ‬
‫القبلة وهو في الصّلة فسدت صلته ‪ ،‬بخلف من خفيت عليه القبلة فشكّ فيها وتحرّى ‪ ،‬ثمّ‬
‫ظهر له خطؤه وهو في الصّلة استدار إلى الجهة الّتي انتهى إليها تحرّيه ‪ ،‬أمّا إذا ظهر له‬
‫ن صلته صحيحةٌ ‪.‬‬
‫خطؤه بعد انتهاء الصّلة فإ ّ‬
‫وذهب الحنفيّة والمالكيّة إلى وجوب العادة على المجتهد والمقلّد إذا كانت علمات القبلة‬
‫ظاهر ًة ثمّ تبيّن الخطأ فيها ‪ ،‬لنّه ل عذر لحدٍ في الجهل بالدلّة الظّاهرة ‪ .‬أمّا دقائق علم‬
‫الهيئة وصور النّجوم الثّوابت فهو معذورٌ في الجهل بها فل إعادة عليه ‪ .‬ولم يفرّق الحنابلة‬
‫والشّافعيّة في مقابل الظهر عندهم بين ما إذا كانت الدلّة ظاهر ًة فاشتبهت عليه أو خفيت ‪،‬‬
‫وبين ما إذا كانت أدلّ ٌة خفيّةٌ ‪ ،‬لنّه أتى بما أمر في الحالين وعجز عن استقبال القبلة في‬
‫الموضعين فاستويا في عدم العادة ‪.‬‬
‫أمّا في القول الظهر للشّافعيّة فتلزمه العادة لنّه أخطأ في شرطٍ من شروط الصّلة ‪.‬‬
‫العجز عن استقبال القبلة في الصّلة ‪:‬‬
‫سيّ يمنعه من الستقبال كالمريض ‪،‬‬
‫ن من به عذرٌ ح ّ‬
‫‪ - 38‬ذهب الئمّة الربعة إلى أ ّ‬
‫والمربوط يصلّي على حسب حاله ‪ ،‬ولو إلى غير القبلة ‪ ،‬لنّ الستقبال شرطٌ لصحّة الصّلة‬
‫وقد عجز عنه فأشبه القيام ‪ .‬واشترط الشّافعيّة ‪ ،‬والصّاحبان من الحنفيّة لسقوط القبلة عنه أن‬
‫يعجز أيضا عمّن يوجّهه ولو بأجر المثل ‪ ،‬كما استظهره ‪ .‬الشّيخ إسماعيل النّابلسيّ وابن‬
‫ن في ذلك خلفا تفصيله في مباحث الصّلة ‪ .‬وأمّا أبو‬
‫عابدين ‪ .‬وبالنّسبة لعادة الصّلة فإ ّ‬
‫حنيفة فذهب إلى أنّه ل يشترط ذلك ‪ ،‬لنّ القادر بقدرة غيره عاجزٌ ‪.‬‬
‫وبقولهما جزم في المنية والمنح وال ّدرّ والفتح بل حكاية خلفٍ ‪ .‬ولو وجد أجيرا بأجرة مثله‬
‫ن المراد به أجرة‬
‫فينبغي أن يلزمه استئجاره إذا كانت الجرة دون نصف درهمٍ ‪ ،‬والظّاهر أ ّ‬
‫المثل كما فسّروه في التّيمّم ‪.‬‬
‫ي يمنعه من الستقبال فقد تعرّض الفقهاء للصّور التية منه وهي ‪:‬‬
‫أمّا من به عذ ٌر شرع ّ‬
‫الخوف على النّفس ‪ ،‬وذكره الحنفيّة والمالكيّة والشّافعيّة والحنابلة ‪ ،‬وذلك كالخوف من سبعٍ‬
‫وعدوّ ‪ ،‬فله حينئذٍ أن يتوجّه إلى جه ٍة قدر عليها ‪ ،‬ومثله الهارب من العدوّ راكبا يصلّي على‬
‫دابّته ‪ .‬وذكر الحنفيّة من صور العذر ‪ :‬الخوف من النقطاع عن رفقته ‪ ،‬لما في ذلك من‬
‫الضّرر ‪ .‬وذكر الشّافعيّة من ذلك ‪ :‬الستيحاش وإن لم يتضرّر بانقطاعه عن رفقته ‪ .‬وذكر‬
‫الحنفيّة والمالكيّة من العذار ‪ :‬الخوف من أن تتلوّث ثيابه بالطّين ونحوه لو نزل عن دابّته ‪.‬‬
‫واشترط الحنفيّة عجزه عن النّزول ‪ ،‬فإن قدر عليه نزل وصلّى واقفا باليماء ‪ ،‬وإن قدر على‬
‫القعود دون السّجود أومأ قاعدا ‪ .‬وعدّ الحنفيّة والشّافعيّة من العذار ‪ :‬ما لو خاف على ماله ‪-‬‬
‫ملكا أو أمانةً ‪ -‬لو نزل عن دابّته ‪ .‬وذكر الحنفيّة والشّافعيّة من العذار ‪ :‬العجز عن الرّكوب‬
‫ن ول يجده ‪ ،‬كأن كانت الدّابّة جموحا ‪ ،‬أو‬
‫فيمن احتاج في ركوبه بعد نزوله للصّلة إلى معي ٍ‬
‫كان هو ضعيفا فله ألّ ينزل ‪ .‬ومن العذار ‪ :‬الخوف وقت التحام القتال ‪ ،‬فقد اتّفقت المذاهب‬
‫الربعة على أن يسقط شرط الستقبال في حال المسايفة وقت التحام الصّفوف في شدّة الخوف‬
‫إذا عجز المصلّي عنه ‪ .‬ولمعرفة ماهيّة هذا القتال ‪ ،‬وما يلحق به ‪ ،‬ووقت صلته ‪ ،‬وإعادتها‬
‫حين المن ‪ ،‬وبقيّة أحكامها ( ر ‪ :‬صلة الخوف ) ‪.‬‬
‫استقبال المتنفّل على الرّاحلة في السّفر ‪:‬‬
‫‪ - 39‬اتّفق الفقهاء على جواز التّنفّل على الرّاحلة في السّفر لجهة سفره ولو لغير القبلة ولو‬
‫بل عذرٍ ‪ ،‬لنّه صلى ال عليه وسلم ‪ « :‬كان يصلّي على راحلته في السّفر حيثما توجّهت به‬
‫» وفسّر قوله تعالى ‪ { :‬فأينما تولّوا فثمّ وجه اللّه } بالتّوجّه في نفل السّفر ‪ .‬وفي الشّروط‬
‫المجوّزة لذلك خلفٌ فصّله الفقهاء في مبحث صلة المسافر ‪ ،‬والصّلة على الرّاحلة ‪.‬‬
‫استقبال المتنفّل ماشيا في السّفر ‪:‬‬
‫‪ - 40‬مذهب أبي حنيفة ‪ ،‬ومالكٍ ‪ ،‬وإحدى الرّوايتين عن أحمد ‪ ،‬وهو كلم الخرقيّ من‬
‫ص إنّما ورد في الرّاكب‬
‫ن النّ ّ‬
‫الحنابلة ‪ :‬أنّه ل يباح للمسافر الماشي الصّلة في حال مشيه ‪ ،‬ل ّ‬
‫ل كثيرٍ ‪ ،‬ومشيٌ متتابعٌ ينافي الصّلة فلم‬
‫ح قياس الماشي عليه ‪ ،‬لنّه يحتاج إلى عم ٍ‬
‫‪ ،‬فل يص ّ‬
‫يصحّ اللحاق ‪ .‬ومذهب عطاءٍ ‪ ،‬والشّافعيّ ‪ ،‬وهو ثانية الرّوايتين عن أحمد اختارها القاضي‬
‫ن المشي إحدى حالتي سير‬
‫ن له أن يصلّي ماشيا قياسا على الرّاكب ‪ ،‬ل ّ‬
‫من الحنابلة ‪ :‬أ ّ‬
‫المسافر ‪ ،‬ولنّهما استويا في صلة الخوف فكذا في النّافلة ‪.‬‬
‫ن النّاس محتاجون إلى السفار ‪ ،‬فلو شرطا فيها الستقبال للتّنفّل لدّى إلى ترك‬
‫والمعنى فيه أ ّ‬
‫أورادهم أو مصالح معايشهم ‪ .‬ومذهب الحنابلة ‪ ،‬والصحّ عند الشّافعيّة ‪ :‬أنّ عليه أن يستقبل‬
‫القبلة لفتتاح الصّلة ‪ ،‬ثمّ ينحرف إلى جهة سيره ‪ ،‬قال الشّافعيّة ‪ :‬ول يلزمه الستقبال في‬
‫السّلم على القولين ‪.‬‬
‫استقبال المفترض على السّفينة ونحوها ‪:‬‬
‫‪ - 41‬اتّفقت المذاهب الربعة على وجوب استقبال المفترض على السّفينة في جميع أجزاء‬
‫صلته ‪ ،‬وذلك لتيسّر الستقبال عليه ‪ .‬ونصّ الحنفيّة والمالكيّة والحنابلة على أنّه يدور معها‬
‫إذا دارت ‪ .‬وتفصيل ذلك في مصطلح ‪ ( :‬الصّلة في السّفينة ) ‪.‬‬
‫استقبال القبلة في غير الصّلة ‪:‬‬
‫ن جهة القبلة هي أشرف الجهات ‪ ،‬ولذا يستحبّ المحافظة عليها حين‬
‫‪ - 42‬قرّر الفقهاء أ ّ‬
‫الجلوس ‪ ،‬لقوله صلى ال عليه وسلم ‪ « :‬إنّ سيّد المجالس ما استقبل القبلة » ‪ .‬قال صاحب‬
‫الفروع ‪ :‬ويتّجه في كلّ طاع ٍة إلّ لدليلٍ ‪ .‬وقد يكون المراد من التّوجّه إليها تغليط المر وإلقاء‬
‫الرّهبة في قلب من طلب منه التّوجّه إليها ‪ ،‬كما في تغليظ القاضي اليمين على حالفها بذلك‬
‫( ر ‪ :‬إثباتٌ ف ‪ . ) 26‬على أنّه قد يعرض للنسان أحوالٌ ترفع هذا الستحباب ‪ ،‬بل قد يكون‬
‫استقبالها حراما أو مكروها ( ر ‪ :‬قضاء الحاجة ‪ .‬استنجاءٌ ) ‪.‬‬
‫ن زائر قبر النّبيّ صلى ال عليه وسلم يستدبر القبلة ويستقبل القبر الشّريف‬
‫والجمهور على أ ّ‬
‫‪.‬‬
‫استقبال غير القبلة في الصّلة ‪:‬‬
‫‪ - 43‬الصل في استقبال المصلّي للشياء الباحة ‪ ،‬ما دام متوجّها إلى جهة القبلة ‪ ،‬لكن هناك‬
‫ت خاصّ ٍة فيها ‪ ،‬كأن يكون في‬
‫أشياء معيّنةٌ نهي المصلّي عن أن يجعلها أمامه لعتبارا ٍ‬
‫وجودها أمامه تشبّ ٌه بالمشركين ‪ ،‬كما في الصّنم والنّار والقبر ‪ ،‬أو لكونها قذر ًة أو نجسةً‬
‫ش والمجزرة ‪ ،‬أو قد يكون أمامه‬
‫يصان وجه المصلّي ونظره عنها ‪ ،‬كما في الصّلة إلى الح ّ‬
‫ما يشوّش عليه فكره كما في الصّلة إلى الطّريق ‪ .‬وقد تناولها الفقهاء بالبحث في الكلم على‬
‫مكروهات الصّلة ‪ .‬وقد يكون ذلك الشّيء الّذي أمام المصلّي أمرا مرغوبا فيه ‪ ،‬لكونه علمةً‬
‫على موضع سجوده لمنع المارّين من المرور فيما بينه وبينه ‪ ،‬كما في الصّلة إلى السّترة ‪.‬‬
‫وقد بحثها الفقهاء ضمن سنن الصّلة ‪.‬‬
‫استقبال غير القبلة في غير الصّلة ‪:‬‬
‫‪ - 44‬الصل في توجّه النسان إلى الشياء في غير الصّلة الباحة أيضا ‪ ،‬ولكن قد يطلب‬
‫التّوجّه إلى المواطن الشّريفة في الحوال الشّريفة طلبا لخيرها وفضلها ‪ ،‬كاستقبال السّماء‬
‫بالبصر وببطون الكفّين في الدّعاء ‪.‬‬
‫كما يطلب عدم التّوجّه إليها في الحوال الخسيسة ‪ ،‬كاستقبال قاضي الحاجة بيت المقدس أو‬
‫المصحف الشّريف ( ر ‪ :‬قضاء الحاجة ) ‪ .‬وقد يطلب تجنّب استقبالها صيان ًة له عنها‬
‫لنجاستها أو حفظا لبصره عن النّظر إليها ‪ ،‬كاستقبال قاضي الحاجة مهبّ الرّيح ‪ ،‬واستقبال‬
‫المستأذن للدّخول باب المكان الّذي يريد الدّخول إليه ‪.‬‬
‫وقد يطلب الستقبال حفاظا على الداب ومكارم الخلق وتوفيرا لحسن الصغاء ‪ ،‬كما في‬
‫استقبال الخطيب للقوم واستقبالهم له ‪ ،‬واستقبال المام النّاس بعد الصّلة المكتوبة ‪ .‬وكما في‬
‫استقبال الضّيوف والمسافرين إبقاءً على الرّوابط الجتماعيّة متينةً ‪ .‬ومن هذه الطّاعات ‪:‬‬
‫الوضوء ‪ ،‬والتّيمّم ‪ ،‬والذان والقامة ‪ ،‬ومنه الدّعاء بعد الوضوء ‪ ،‬والدّعاء في الستسقاء ‪،‬‬
‫ج في مواطن كثيرةٍ ‪ ،‬تعلم بتتبّع‬
‫والذّكر ‪ ،‬وقراءة القرآن ‪ ،‬وانتظار الصّلة في المسجد ‪ ،‬والح ّ‬
‫ج كالهلل ‪ ،‬وشرب ماء زمزم ‪ ،‬وتوجيه الهدي حين الذّبح للقبلة ‪ ،‬وقضاء القاضي‬
‫كتاب الح ّ‬
‫ب استقبال القبلة في مواطن خاصّ ٍة طلبا‬
‫بين الخصوم ‪ ،‬كما هو مبيّنٌ في مواضعها ‪ .‬كما يستح ّ‬
‫لبركتها وكمال العمل باستقبالها ‪ ،‬كما في توجيهٍ المحتضر إليها ‪ ،‬وكذا الميّت في قبره عند‬
‫الدّفن ( ر ‪ :‬كتاب الجنائز ) ‪ ،‬ومثله من أراد أن ينام ‪ ،‬أو أراد أن يذبح ذبيح ًة فيسنّ له أن‬
‫يستقبل بها القبلة ( ر ‪ :‬كتاب الذّبائح ) ‪.‬‬

‫استقراءٌ *‬
‫التعريف ‪:‬‬
‫‪ - 1‬الستقراء لغةً ‪ :‬التّتبّع ‪ ،‬يقال ‪ :‬قرأ المر ‪ ،‬وأقرأه أي ‪ :‬تتبّعه ‪ ،‬واستقرأت الشياء ‪:‬‬
‫تتبّعت أفرادها لمعرفة أحوالها وخواصّها ‪.‬‬
‫وعرّفه الصوليّون والفقهاء بقولهم ‪ :‬تصفّح جزئيّات كّليّ ليحكم بحكمها على ذلك الكّليّ ‪.‬‬
‫اللفاظ ذات الصّلة ‪:‬‬

‫القياس ‪:‬‬
‫‪ - 2‬القياس ‪ :‬هو إلحاق فرعٍ بأصلٍ في حكمٍ لشتراكهما في العلّة ‪.‬‬
‫الحكم الجماليّ ‪:‬‬
‫‪ - 3‬الستقراء إن كان تامّا بمعنى تتبّع جميع الجزئيّات ما عدا صورة النّزاع ‪ -‬أي الصّورة‬
‫المراد معرفة حكمها ‪ -‬يعتبر دليلً قطعيّا حتّى في صورة النّزاع عند الكثر من العلماء ‪،‬‬
‫وقال بعض العلماء ‪ :‬ليس بقطعيّ ‪ ،‬بل هو ظنّيّ ‪ ،‬لحتمال مخالفة تلك الصّورة لغيرها على‬
‫بعدٍ ‪ .‬وقد أجاز العلماء الخذ بالستقراء في ‪ :‬الحيض ‪ ،‬والستحاضة ‪ ،‬والعدّة على خلفٍ‬
‫وتفصيلٍ موطنه هذه المصطلحات ‪.‬‬
‫‪ - 4‬وإن كان الستقراء ناقصا أي بأكثر الجزئيّات الخالي عن صورة النّزاع فهو ظ ّنيّ في‬
‫تلك الصّورة ل قطعيّ ‪ ،‬لحتمال مخالفة صورة النّزاع لذلك المستقرأ ‪ ،‬ويسمّى هذا النّوع ‪:‬‬
‫إلحاق الفرد بالغلب ‪ .‬ومن أمثلة ما احتجّوا فيه بالستقراء ‪ :‬المعتدّة عند اليأس تعتدّ‬
‫بالشهر ‪ ،‬فقال الشّافعيّة في الرّاجح عندهم ‪ :‬يعتبر في عدّة اليائسة استقراء نساء أقاربها من‬
‫البوين القرب فالقرب ‪ ،‬لتقاربهنّ طبعا وخلقا ‪ .‬وقال الحنفيّة ‪ ،‬والمالكيّة ‪ ،‬والحنابلة ‪ -‬وهو‬
‫سنّ عند ذلك ‪ ،‬على‬
‫ي للشّافعيّة ‪ -‬باستقراء حالت النّساء واعتبار حالها بحال مثيلتها في ال ّ‬
‫رأ ٌ‬
‫اختلفٍ بينهم في ذلك يرجع إليه في مصطلح ( ع ّدةٌ ) ( وإياسٌ ) ‪.‬‬
‫استقراضٌ *‬
‫التعريف ‪:‬‬
‫‪ - 1‬الستقراض لغةً ‪ :‬طلب القرض ‪ .‬ويستعمله الفقهاء بمعنى طلب القرض ‪ ،‬أو الحصول‬
‫عليه ‪ ،‬ولو بدون طلبٍ ‪ .‬والقرض ما تعطيه من مثليّ ليتقاضى مثله ‪.‬‬
‫اللفاظ ذات الصّلة ‪:‬‬

‫الستدانة ‪:‬‬
‫ص من الستدانة ‪ ،‬فإنّ الدّين عامّ شاملٌ للقرض وغيره ممّا يثبت في‬
‫‪ - 2‬الستقراض أخ ّ‬
‫ن الجل فيه غير‬
‫ال ّذمّة كالسّلم ‪ .‬والدّين قد يكون له أجلٌ ‪ ،‬والجل فيه ملزمٌ ‪ ،‬أمّا القرض فإ ّ‬
‫ملزمٍ عند الجمهور ‪،‬‬
‫ل الجل‬
‫وقال المالكيّة ‪ :‬إنّ اشتراطه ملزمٌ ‪ ،‬وإنّه ليس للمقرض مطالبة المستقرض ما لم يح ّ‬
‫كغيره من الدّيون لقول النّبيّ صلى ال عليه وسلم ‪ « :‬المؤمنون عند شروطهم » ‪.‬‬
‫الحكم الجماليّ ‪:‬‬
‫‪ - 3‬الستقراض جائزٌ بالنّسبة للمستقرض بشروطٍ يذكرها الفقهاء في أبواب القرض ‪ ،‬ونقل‬
‫بعضهم الجماع على الجواز ‪ ،‬وروى أبو رافعٍ أنّ « النّبيّ صلى ال عليه وسلم ‪ :‬استسلف‬
‫ل بكرا ‪ ،‬فقدمت على النّبيّ صلى ال عليه وسلم إبل الصّدقة ‪ ،‬فأمر أبا رافعٍ أن يقضي‬
‫من رج ٍ‬
‫الرّجل بكره ‪ ،‬فرجع إليه أبو رافعٍ ‪ ،‬فقال ‪ :‬يا رسول اللّه لم أجد فيها إلّ خيارا رباعيّا ‪ ،‬فقال‬
‫ن خير النّاس أحسنهم قضاءً »‬
‫‪ :‬أعطه ‪ ،‬فإ ّ‬
‫وقد يعرض للستقراض ما يخرجه عن الجواز كحرمة الستقراض بشرط نف ٍع للمقرض ‪،‬‬
‫وكوجوب استقراض المضطرّ ‪ ،‬وغير ذلك من الحكام الّتي تذكر في باب القرض ‪ .‬ويصحّ‬
‫ن الستقراض‬
‫ح عند الحنفيّة ‪ ،‬ل ّ‬
‫التّوكيل في الستقراض عند الشّافعيّة والحنابلة ‪ ،‬ول يص ّ‬
‫ح التّوكيل فيه ‪.‬‬
‫طلب تب ّرعٍ من المقرض فهو نوعٌ من التّكدّي ( الشّحاذة ) ول يص ّ‬
‫ن من القاضي ‪ ،‬كاستقراض من حكم له بنفقة القريب على‬
‫والستقراض أحيانا يحتاج إلى إذ ٍ‬
‫قريبه المعسر في بعض المذاهب ‪ ،‬ويذكر الفقهاء ذلك في أحكام النّفقة ‪.‬‬
‫ن ثابتٌ فجازت‬
‫ولو استقرض الب من ولده فإنّ للولد مطالبته ‪ ،‬عند غير الحنابلة ‪ ،‬لنّه دي ٌ‬
‫المطالبة به كغيره ‪ ،‬وقال الحنابلة ‪ :‬ل يطالب ‪ ،‬لحديث ‪ « :‬أنت ومالك لبيك » ‪.‬‬
‫مواطن البحث ‪:‬‬
‫‪ - 4‬أغلب أحكام الستقراض عند الفقهاء تذكر في باب القرض ‪ ،‬وبالضافة إلى ذلك تأتي‬
‫بعض أحكامه في الشّركة ‪ ،‬أثناء الكلم عن إذن الشّريك لشريكه ‪ ،‬وفي الوكالة عند بيان ما‬
‫تصحّ فيه الوكالة ‪ ،‬وفي الوقف في الستدانة على الوقف ‪ ،‬وفي النّفقة في الستقراض على‬
‫الغائب والمعسر ‪.‬‬
‫استقسامٌ *‬
‫التعريف ‪:‬‬
‫‪ - 1‬يأتي الستقسام في اللّغة بمعنى ‪ :‬طلب القسم بالزلم ونحوها ‪ ،‬والقسم هنا ‪ :‬ما قدّر‬
‫للنسان من خيرٍ أو شرّ ‪ ،‬ويأتي بمعنى طلب ‪ :‬القسم المقدّر ممّا هو شائعٌ ‪ ،‬والقسم هنا ‪:‬‬
‫النّصيب ‪ .‬وقد اختلف علماء اللّغة والمفسّرون في المقصود بالستقسام في قوله تعالى ‪ { :‬وأن‬
‫تستقسموا بالزلم } ‪ .‬فقال الجمهور ومنهم الزهريّ والهرويّ وأبو جعفرٍ وسعيد بن جبيرٍ‬
‫شرّ‬
‫سدّيّ ‪ :‬معنى الستقسام بالزلم طلب معرفة الخير وال ّ‬
‫ضحّاك وال ّ‬
‫والحسن والقفّال وال ّ‬
‫بواسطة ضرب القداح ‪ ،‬فكان الرّجل في الجاهليّة إذا أراد سفرا ‪ ،‬أو غزوا ‪ ،‬أو تجارةً ‪ ،‬أو‬
‫نكاحا ‪ ،‬أو أو أمرا آخر ضرب بالقداح ‪ ،‬وكانوا قد كتبوا على بعضها " أمرني ربّي " وعلى‬
‫بعضها " نهاني ربّي " وتركوا بعضها خاليا عن الكتابة ‪ ،‬فإن خرج المر أقدم على الفعل ‪،‬‬
‫وإن خرج النّهي أمسك ‪ ،‬وإن خرج الغفل أعاد العمل مرّ ًة أخرى ‪ ،‬فهم يطلبون من الزلم أن‬
‫تدلّهم على قسمهم ‪ .‬وقال المؤرّج والعزيزيّ وجماعةٌ من أهل اللّغة ‪ :‬الستقسام هنا هو‬
‫الميسر المنهيّ عنه ‪ ،‬والزلم قداح الميسر ‪ ،‬وكانوا إذا أرادوا أن ييسروا ابتاعوا ناق ًة بثمنٍ‬
‫مسمّى يضمنونه لصاحبها ‪ ،‬ولم يدفعوا الثّمن حتّى يضربوا بالقداح عليها ‪ ،‬فيعلموا على من‬
‫يجب الثّمن ‪ .‬وذهب الفقهاء إلى ما ذهب إليه جمهور اللّغويّين والمفسّرين من أنّه المتثال لما‬
‫تخرجه الزلم من المر والنّهي في شئون حياتهم ‪ ،‬والقداح هي أقداح المر والنّهي ‪.‬‬
‫اللفاظ ذات الصّلة ‪:‬‬

‫أ ‪ -‬الطّرق ‪:‬‬
‫‪ - 2‬من معاني الطّرق ‪ :‬الضّرب بالحصى ‪ ،‬وهو نوعٌ من التّكهّن ‪ ،‬وشبيه الخطّ في الرّمل ‪،‬‬
‫ن الطّرق بالحصى‬
‫وفي الحديث ‪ « :‬العيافة والطّيرة والطّرق من الجبت » ومن ذلك يتبيّن أ ّ‬
‫والستقسام كلهما لطلب معرفة الحظوظ ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬الطّيرة ‪:‬‬
‫ن العربيّ كان إذا أراد المضيّ لمه ّم م ّر بمجاثم الطّير وأثارها ‪،‬‬
‫‪ - 3‬هي التّشاؤم ‪ ،‬وأصله أ ّ‬
‫فإن تيامنت مضى ‪ ،‬وإن تشاءمت تطيّر وعدل ‪.‬‬
‫فنهى الشّارع عن ذلك ففي الحديث ‪ « :‬ليس منّا من تطيّر أو تطيّر له » وهي بهذا تشبه‬
‫الستقسام في أنّها طلب معرفة قسمه من الغيب ‪.‬‬
‫ج ‪ -‬الفأل ‪:‬‬
‫‪ - 4‬الفأل هو أن تسمع كلما حسنا فتتيمّن به ‪ ،‬والفأل ض ّد الطّيرة ‪ ،‬وفي الحديث « كان النّبيّ‬
‫صلى ال عليه وسلم يحبّ الفأل ويكره الطّيرة » ‪.‬‬
‫والفأل مستحسنٌ إذا كان من قبيل الكلمة الحسنة يسمعها الرّجل من غير قصدٍ ‪ ،‬نحو ‪ :‬يا‬
‫فلّح ويا مسعود فيستبشر بها ‪ .‬والفأل بهذا المعنى ليس من قبيل الستقسام ( المنهيّ عنه ) أمّا‬
‫إذا قصد بالفأل طلب معرفة الخير من الشّرّ عن طريق أخذه من مصحفٍ ‪ ،‬أو ضرب رملٍ ‪،‬‬
‫أو قرعةٍ ونحوها ‪ -‬وهو يعتقد هذا المقصد إن خرج جيّدا اتّبعه ‪ ،‬وإن خرج رديّا اجتنبه ‪-‬‬
‫فهو حرامٌ ‪ ،‬لنّه من قبيل الستقسام المنهيّ عنه ‪.‬‬
‫د ‪ -‬القرعة ‪:‬‬
‫‪ - 5‬القرعة ‪ :‬اسم مصدرٍ بمعنى القتراع وهو الختيار بإلقاء السّهام ونحو ذلك ‪ .‬وليست‬
‫ن الميسر هو القمار ‪ ،‬وتمييز الحقوق ليس قمارا ‪.‬‬
‫القرعة من الميسر كما يقول البعض ‪ ،‬ل ّ‬
‫وليست من الستقسام المنهيّ عنه ‪ ،‬لنّ الستقسام تعرّضٌ لدعوى علم الغيب ‪ ،‬وهو ممّا‬
‫استأثر به اللّه تعالى ‪ ،‬في حين أنّ القرعة تمييز نصيبٍ موجودٍ ‪ ،‬فهي أمار ٌة على إثبات حكمٍ‬
‫قطعا للخصومة ‪ ،‬أو لزالة البهام ‪ .‬وعلى ذلك فالقرعة الّتي تكون لتمييز الحقوق مشروعةٌ ‪.‬‬
‫أمّا القرعة الّتي يؤخذ منها الفأل ‪ ،‬أو الّتي يطلب بها معرفة الغيب والمستقبل فهي في معنى‬
‫الستقسام الّذي حرّمه اللّه سبحانه وتعالى ‪.‬‬
‫هم – الكهانة ‪:‬‬
‫‪ – 6‬الكهانة أو التّكهّن ‪ :‬ادّعاء علم الغيب ‪ ،‬والكاهن هو الّذي يخبر عن بعض المضمرات ‪،‬‬
‫فيصيب بعضها ‪ ،‬ويخطئ أكثرها ‪ ،‬ويزعم أنّ الجنّ يخبره بذلك ‪ ،‬ومثل الكاهن ‪ :‬العرّاف ‪،‬‬
‫وال ّرمّال ‪ ،‬والمنجّم ‪ ،‬وهو الّذي يخبر عن المستقبل بطلوع النّجم وغروبه ‪ .‬وفي الحديث ‪« :‬‬
‫ليس منّا من تطيّر أو تطيّر له ‪ ،‬أو تكهّن أو تكهّن له ‪ ،‬أو سحر أو سحر له » و « من أتى‬
‫كاهنا فصدّقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على مح ّمدٍ » ‪.‬‬
‫وعلى ذلك فالكهانة هي من قبيل الستقسام الّذي حرّمه اللّه تعالى ‪.‬‬
‫صفة الستقسام ‪ :‬حكمه التّكليفيّ ‪:‬‬
‫‪ - 7‬الستقسام بالزلم وما في معناها ‪ -‬سوا ٌء كان لطلب القسم في أمور الحياة الغيبيّة ‪ ،‬أو‬
‫كان للمقامرة ‪ -‬ولو كان المقصود به خيرا حرامٌ ‪ ،‬كما ورد في القرآن الكريم ‪ { :‬إنّما الخمر‬
‫والميسر والنصاب والزلم رجسٌ من عمل الشّيطان فاجتنبوه } ‪ .‬وقوله تعالى ‪ { :‬حرّمت‬
‫عليكم الميتة والدّم } ‪ ...‬إلى قوله { وأن تستقسموا بالزلم ذلكم فسقٌ } ‪.‬‬
‫ع من المقامرة ‪ ،‬وكلهما منهيّ‬
‫ض لعلم الغيب ‪ ،‬أو نو ٌ‬
‫فهو خروجٌ عن طاعة اللّه ‪ ،‬لنّه تعرّ ٌ‬
‫عنه ‪.‬‬
‫إحلل الشّرع الستخارة محلّ الستقسام ‪:‬‬
‫‪ - 8‬لمّا كان النسان بطبعه يميل إلى التّعرّف على طريقه ‪ ،‬والطمئنان إلى أمور حياته ‪ ،‬فقد‬
‫أوجد الشّرع للنسان ما يلجأ به إلى اللّه تعالى ليشرح صدره لما فيه الخير فيتّجه إليه ‪.‬‬
‫والستخارة طلب الخيرة في الشّيء ‪ ،‬والتّفصيل في مصطلح ( استخارةٌ ) ‪.‬‬

‫استقللٌ *‬
‫انظر ‪ :‬انفرادٌ ‪.‬‬
‫استكسابٌ *‬
‫انظر ‪ :‬إنفاقٌ ‪ ،‬ونفقةٌ ‪.‬‬
‫استلمٌ *‬
‫التعريف ‪:‬‬
‫‪ - 1‬من معاني الستلم في اللّغة ‪ :‬اللّمس باليد أو الفم ‪ .‬والستلم مأخوذٌ إمّا من السّلم أي‬
‫التّحيّة ‪ ،‬وإمّا من السّلم أي الحجارة ‪ ،‬لما فيه من لمس الحجر ‪.‬‬
‫ويستعمله الفقهاء بهذه المعاني عند الكلم عن الطّواف ‪ .‬وقد شاع استعمال الستلم بمعنى‬
‫التّسلّم ‪ ،‬فيرجع إليه بهذا المعنى في مصطلح ‪ ( :‬تسّلمٌ ) ‪.‬‬
‫الحكم الجماليّ ‪:‬‬
‫‪ - 2‬يتّفق الفقهاء على أنّه يسنّ استلم الحجر السود والرّكن اليمانيّ باليد في أوّل الطّواف ‪،‬‬
‫ل الحجر والرّكن اليمانيّ‬
‫روى ابن عمر « أنّ رسول اللّه صلى ال عليه وسلم كان ل يستلم إ ّ‬
‫» ‪ .‬وقال ابن عمر ‪ «:‬ما تركت استلم هذين الرّكنين ‪ :‬اليمانيّ والحجر منذ رأيت رسول اللّه‬
‫ي مبنيّ على قواعد‬
‫ن الرّكن اليمان ّ‬
‫صلى ال عليه وسلم يستلمهما في شدّ ٍة ول رخاءٍ » ‪ .‬ول ّ‬
‫إبراهيم عليه السلم ‪ ،‬فسنّ استلمه ‪ ،‬كاستلم الرّكن الّذي فيه الحجر ‪ .‬والستلم في كلّ‬
‫طوفةٍ كالمرّة الولى عند الحنفيّة ‪ ،‬والشّافعيّة ‪ ،‬والحنابلة ‪ ،‬وقال المالكيّة بالستحباب ‪.‬‬
‫ن الستلم باليد يكون‬
‫والستلم بالفم كالستلم باليد بالنّسبة للحجر ‪ ،‬إلّ أنّ المالكيّة قالوا ‪ :‬إ ّ‬
‫بعد العجز عن الستلم بالفم ‪ .‬وفي استلم اليمانيّ بالفم خلفٌ بين الفقهاء يذكر في أحكام‬
‫الطّواف ‪ .‬وعند العجز عن الستلم باليد يستلم النسان بشيءٍ في يده ‪ .‬فإن لم يمكنه استلمه‬
‫أصلً أشار إليه وكبّر لحديث ابن عبّاسٍ قال ‪ « :‬طاف النّبيّ صلى ال عليه وسلم على بعيرٍ‬
‫كلّما أتى الرّكن أشار إليه وكبّر » ‪.‬‬
‫ن كذلك العود لستلم الحجر السود ‪ .‬وهذا كلّه بالنّسبة‬
‫وبعد النتهاء من ركعتي الطّواف يس ّ‬
‫للرّجل ‪ ،‬ويختلف الحال بالنّسبة للمرأة في بعض الحوال ‪ .‬واستلم الحجر والرّكن اليمانيّ‬
‫تعبّديّ وخصوصيّ ٌة لهما ‪ ،‬وتفصيل ذلك يذكره الفقهاء في أحكام الطّواف ‪.‬‬

‫استلحاقٌ *‬
‫التّعريف ‪:‬‬
‫‪ - 1‬الستلحاق لغةً ‪ :‬مصدر استلحق ‪ ،‬يقال ‪ :‬استلحقه ادّعاه ‪ .‬واصطلحا ‪ :‬هو القرار‬
‫بالنّسب ‪ .‬والتّعبير بلفظ الستلحاق هو استعمال المالكيّة ‪ ،‬والشّافعيّة ‪ ،‬والحنابلة ‪ ،‬وأمّا الحنفيّة‬
‫فاستعملوه في القرار بالنّسب على قلّةٍ ‪.‬‬
‫صفته‪ :‬حكمه التّكليفيّ ‪:‬‬
‫ل مستلحقٍ‬
‫‪ - 2‬جاء في حديث عمرو بن شعيبٍ ‪ « :‬أنّ النّبيّ صلى ال عليه وسلم قضى أنّ ك ّ‬
‫استلحق بعد أبيه الّذي يدعى له فقد لحق بمن استلحقه » قال الخطّابيّ ‪ :‬هذه أحكامٌ وقعت في‬
‫ن يلمّون بهنّ ‪ ،‬فإذا‬
‫أوّل زمان الشّريعة ‪ ،‬وذلك أنّه كان لهل الجاهليّة إما ٌء بغايا ‪ ،‬وكان سادته ّ‬
‫سيّد ‪ ،‬لنّ‬
‫سيّد والزّاني ‪ ،‬فألحقه النّبيّ صلى ال عليه وسلم بال ّ‬
‫ن بول ٍد ربّما ادّعاه ال ّ‬
‫جاءت إحداه ّ‬
‫سيّد ولم يستلحقه ثمّ استلحقه ورثته بعده لحق بأبيه ‪ .‬وقد‬
‫المة فراشٌ كالحرّة ‪ ،‬فإن مات ال ّ‬
‫ب ‪ ،‬ومع الكذب في ثبوته ونفيه حرامٌ ‪،‬‬
‫ن حكم الستلحاق عند الصّدق واج ٌ‬
‫اتّفق الفقهاء على أ ّ‬
‫ويعدّ من الكبائر ‪ ،‬لنّه كفران النّعمة ‪ ،‬لما صحّ عن رسول اللّه صلى ال عليه وسلم أنّه قال ‪:‬‬
‫« أيّما امرأةٍ أدخلت على قومٍ من ليس منهم ‪ ،‬فليست من اللّه في شيءٍ ‪ ،‬ولن يدخلها اللّه جنّته‬
‫‪ ،‬وأيّما رجلٍ جحد ولده وهو ينظر إليه احتجب اللّه تعالى منه ‪ ،‬وفضحه على رءوس الوّلين‬
‫والخرين يوم القيامة » ‪.‬‬
‫هذا ويشترط فقهاء المذاهب لصحّة الستلحاق شروطا معيّنةً ‪ ،‬منها ‪ :‬أن يولد مثله لمثله ‪،‬‬
‫وأن يكون مجهول النّسب ‪ ،‬وألّ يكذّبه المقرّ له إن كان من أهل القرار على تفصيلٍ في‬
‫مصطلح ( نسبٌ ) وفي بابه من كتب الفقه ‪.‬‬
‫استماعٌ *‬
‫التعريف ‪:‬‬
‫‪ - 1‬الستماع لغ ًة واصطلحا ‪ :‬قصد السّماع بغية فهم المسموع أو الستفادة منه ‪.‬‬
‫اللفاظ ذات الصّلة‬
‫أ ‪ -‬السّماع ‪:‬‬
‫ل إذا توفّر فيه القصد ‪ ،‬أمّا السّماع فإنّه قد يكون بقصدٍ ‪ ،‬أو‬
‫‪ - 2‬الستماع ل يكون استماعا إ ّ‬
‫بدون قصدٍ ‪ .‬وغالب استعمال الفقهاء للسّماع ينصرف إلى استماع آلت الملهي ‪ ،‬أي بالقصد‬
‫‪.‬‬
‫ب ‪ -‬استراق السّمع ‪:‬‬
‫ن استراق‬
‫الستماع قد يكون على سبيل الستخفاء ‪ ،‬وقد يكون على سبيل المجاهرة ‪ ،‬ولك ّ‬
‫ل على سبيل الستخفاء ‪ ،‬ولذلك قالوا ‪ :‬استراق السّمع هو الستماع مستخفيا‬
‫السّمع ل يكون إ ّ‬
‫( ر ‪ :‬استراق السّمع ) ‪.‬‬
‫ج ‪ -‬التّجسّس ‪:‬‬
‫ل بالسّمع ‪ ،‬أمّا التّجسّس فإنّه يكون بالسّمع وبغيره فضلً عن أنّ التّجسّس‬
‫الستماع ل يكون إ ّ‬
‫ن الستماع يكون على سبيل الستخفاء ‪ ،‬أو على سبيل‬
‫يكون على سبيل الستخفاء ‪ ،‬في حين أ ّ‬
‫المجاهرة ( ر ‪ :‬تجسّسٌ ) ‪.‬‬
‫د ‪ -‬النصات ‪:‬‬
‫النصات هو السّكوت للستماع ‪ .‬ويكون الستماع إمّا لصوت النسان ‪ ،‬أو الحيوان ‪ ،‬أو‬
‫الجماد ‪.‬‬
‫النّوع الوّل ‪ :‬استماع صوت النسان ‪.‬‬
‫أ ‪ -‬حكم استماع القرآن خارج الصّلة ‪:‬‬
‫ب إن لم يكن هناك عذرٌ مشروعٌ لترك‬
‫‪ - 3‬الستماع إلى تلوة القرآن الكريم حين يقرأ واج ٌ‬
‫ب كفائيّ ؟‬
‫ب عينيّ ‪ ،‬أو وجو ٌ‬
‫الستماع ‪ .‬وقد اختلف الحنفيّة في هذا الوجوب ‪ ،‬هل هو وجو ٌ‬
‫قال ابن عابدين ‪ :‬الصل أنّ الستماع للقرآن فرض كفايةٍ ‪ ،‬لنّه لقامة حقّه ‪ ،‬بأن يكون ملتفتا‬
‫إليه غير مضيّعٍ ‪ ،‬وذلك يحصل بإنصات البعض ‪ ،‬كما في ردّ السّلم ‪.‬‬
‫ونقل الحمويّ عن أستاذه قاضي القضاة يحيى الشّهير بمنقاري زاده ‪ :‬أنّ له رسال ًة حقّق فيها‬
‫ن ‪ .‬نعم إنّ قوله تعالى في سورة العراف { وإذا قرئ القرآن‬
‫ن سماع القرآن فرضٌ عي ٍ‬
‫أّ‬
‫ن العبرة لعموم اللّفظ‬
‫فاستمعوا له وأنصتوا } قد نزلت لنسخ جواز الكلم أثناء الصّلة ‪ .‬إلّ أ ّ‬
‫ل لخصوص السّبب ‪ ،‬ولفظها يعمّ قراءة القرآن في الصّلة وفي غيرها ‪.‬‬
‫ب استماع قراءة القرآن الكريم ‪.‬‬
‫وعند الحنابلة ‪ :‬يستح ّ‬
‫‪ - 4‬ويعذر المستمع بترك الستماع لتلوة القرآن الكريم ‪ ،‬ول يكون آثما بذلك ‪ -‬بل الثم هو‬
‫ت مرتفعٍ في أماكن الشتغال ‪،‬‬
‫التّالي ‪ ،‬على ما ذكره ابن عابدين ‪ -‬إذا وقعت التّلوة بصو ٍ‬
‫والمستمع في حالة اشتغالٍ ‪ ،‬كالسواق الّتي بنيت ليتعاطى فيها النّاس أسباب الرّزق ‪ ،‬والبيوت‬
‫س يتدارسون‬
‫خ ونحو ذلك ‪ ،‬وفي حضرة نا ٍ‬
‫في حالة تعاطي أهل البيت أعمالهم من كنسٍ وطب ٍ‬
‫ن المساجد إنّما بنيت للصّلة ‪ ،‬وقراءة القرآن تبعٌ للصّلة ‪ ،‬فل تترك‬
‫الفقه ‪ ،‬وفي المساجد ‪ ،‬ل ّ‬
‫الصّلة لسماع القرآن فيه ‪ .‬وإنّما سقط إثم ترك الستماع للقرآن في حالت الشتغال دفعا‬
‫ج } وإنّما أثم القارئ‬
‫للحرج عن النّاس ‪ .‬قال تعالى ‪ { -‬وما جعل عليكم في الدّين من حر ٍ‬
‫بذلك ‪ ،‬لنّه مضيّعٌ لحرمة القرآن ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬طلب تلوته للستماع إليه ‪:‬‬
‫‪ - 5‬يستحبّ للمسلم أن يطلب ممّن يعلم منه إجادة التّلوة للقرآن الكريم مع حسن الصّوت‬
‫ت من السّلف رضوان ال عليهم‬
‫التّلوة ليستمع إليها ‪ ،‬قال المام النّوويّ ‪ ( :‬اعلم أنّ جماعا ٍ‬
‫كانوا يطلبون من أصحاب القراءة بالصوات الحسنة أن يقرءوا وهم يستمعون ‪ ،‬وهذا متّفقٌ‬
‫على استحبابه ‪ ،‬وهو من عادة الخيار المتعبّدين وعباد اللّه الصّالحين ‪ ،‬وهو سنّةٌ ثابتةٌ عن‬
‫رسول اللّه صلى ال عليه وسلم ‪ .‬فقد صحّ عن عبد اللّه بن مسعو ٍد رضي ال عنه قال ‪ :‬قال‬
‫لي رسول اللّه صلى ال عليه وسلم ‪ « :‬اقرأ عليّ ‪ ،‬فقلت ‪ :‬يا رسول اللّه أقرأ عليك ‪ ،‬وعليك‬
‫أنزل ؟ قال ‪ :‬نعم وفي روايةٍ ‪ :‬إنّي أحبّ أن أسمعه من غيري فقرأت سورة النّساء حتّى أتيت‬
‫على هذه الية { فكيف إذا جئنا من كلّ أ ّمةٍ بشهيدٍ وجئنا بك على هؤلء شهيدا } قال ‪ :‬حسبك‬
‫ت إليه فإذا عيناه تذرفان » ‪.‬‬
‫الن ‪ ،‬فالتف ّ‬
‫ي وغيره بأسانيدهم عن عمر بن الخطّاب رضي ال عنه أنّه كان يقول لبي‬
‫وروى الدّارم ّ‬
‫موسى الشعريّ ‪ :‬ذكّرنا ربّنا ‪ ،‬فيقرأ عنده القرآن ‪ .‬والثار في هذا كثيرةٌ معروفةٌ ‪.‬‬
‫ب العلماء أن يستفتح مجلس حديث النّبيّ صلى ال عليه وسلم‬
‫‪ - 6‬قال النّوويّ ‪ :‬وقد استح ّ‬
‫ويختم بقراءة قارئٍ حسن الصّوت ممّا تيسّر من القرآن ‪ .‬وقد صرّح الحنفيّة بأنّ استماع‬
‫ن المستمع يقوم بأداء فرضٍ‬
‫القرآن الكريم أفضل من قراءة النسان القرآن بنفسه ‪ ،‬ل ّ‬
‫ل مسكينٍ ‪:‬‬
‫ض ‪ ،‬قال أبو السّعود في حاشيته على م ّ‬
‫بالستماع ‪ ،‬بينما قراءة القرآن ليست بفر ٍ‬
‫ض بخلف القراءة ‪.‬‬
‫استماع القرآن أثوب من قراءته ‪ ،‬لنّ استماعه فر ٌ‬
‫ت ‪ -‬استماع التّلوة غير المشروعة ‪:‬‬
‫‪ - 7‬ذهب الجمهور إلى عدم جواز استماع تلوة القرآن الكريم بالتّرجيع والتّلحين المفرط‬
‫الّذي فيه التّمطيط ‪ ،‬وإشباع الحركات ‪ .‬والتّرجيع ‪ :‬أي التّرديد للحروف والخراج لها من‬
‫غير مخارجها ‪ .‬وقالوا ‪ :‬التّالي والمستمع في الثم سوا ٌء ‪ ،‬أي إذا لم ينكر عليه أو يعلّمه ‪ .‬أمّا‬
‫تحسين الصّوت بقراءة القرآن من غير مخالف ٍة لصول القراءة فهو مستحبّ ‪ ،‬واستماعه حسنٌ‬
‫‪ ،‬لقول رسول اللّه صلى ال عليه وسلم ‪ « :‬زيّنوا القرآن بأصواتكم » وقوله عليه الصلة‬
‫والسلم في أبي موسى الشعريّ ‪ « :‬لقد أوتي مزمارا من مزامير آل داود » ‪ .‬وعلى هذا‬
‫يحمل قول المام الشّافعيّ في المّ ‪ :‬ل بأس بالقراءة باللحان وتحسين الصّوت بها بأيّ وجهٍ‬
‫ي ‪ -‬إلى أنّ‬
‫ب ما يقرأ إليّ حدرا وتحزينا ‪ :‬وذهب بعض الشّافعيّة ‪ -‬كالماورد ّ‬
‫ما كان ‪ ،‬وأح ّ‬
‫التّغنّي بالقرآن حرامٌ مطلقا ‪ ،‬لخراجه عن نهجه القويم ‪ ،‬وقيّده غيره بما إذا وصل به إلى حدّ‬
‫ن قراءة القرآن‬
‫لم يقل به أحدٌ من القرّاء ‪ ،‬وذهب بعض الحنابلة كالقاضي أبي يعلى إلى أ ّ‬
‫ل حالٍ ‪ ،‬لخراج القرآن عن نهجه القويم ‪ ،‬وفسّروا قوله صلى ال‬
‫باللحان مكروه ٌة على ك ّ‬
‫عليه وسلم ‪ « :‬ليس منّا من لم يتغنّ بالقرآن » بأنّ معناه ‪ :‬يستغني به ‪.‬‬
‫‪ - 8‬وفي كراهة قراءة الجماعة على الواحد ‪ -‬كما يفعل المتعلّمون عند الشّيخ وهو يستمع لهم‬
‫‪ -‬روايتان عند المالكيّة ‪ .‬إحداهما ‪ :‬أنّه حسنٌ ‪ .‬والثّانية ‪ :‬الكراهة ‪ ،‬وهو ما ذهب إليه الحنفيّة‬
‫‪ ،‬قال ابن رشدٍ ‪ :‬كان مالكٌ يكره هذا ول يرضاه ‪ ،‬ثمّ رجع وخفّفه ‪.‬‬
‫وجه الكراهة ‪ :‬أنّه إذا قرأ عليه جماعةٌ مرّةً واحد ًة ل بدّ أن يفوته سماع ما يقرأ به بعضهم ‪،‬‬
‫ما دام يصغي إلى غيرهم ‪ ،‬ويشتغل بالرّ ّد على الّذي يصغي إليه ‪ ،‬فقد يخطئ في ذلك الحين‬
‫ن أنّه قد سمعه ‪ ،‬وأجاز قراءته ‪ ،‬فيحمل عنه الخطأ ‪ ،‬ويظنّه مذهبا له ‪.‬‬
‫ويظ ّ‬
‫ووجه التّخفيف ‪ :‬المشقّة الدّاخلة على المقرئ بانفراد كلّ واحدٍ حين القراءة عليه إذا كثروا ‪،‬‬
‫وقد ل يعمّهم ‪ ،‬فرأى جمعهم في القراءة أحسن من القطع ببعضهم ‪.‬‬
‫ث ‪ -‬استماع الكافر القرآن ‪:‬‬
‫ل شأنه ‪ { :‬وإن أحدٌ من المشركين استجارك‬
‫‪ - 9‬ل يمنع الكافر من الستماع إليه ‪ ،‬لقوله ج ّ‬
‫فأجره حتّى يسمع كلم اللّه } ‪ .‬ورجاء أن يشرح اللّه صدره للسلم فيهتدي ‪.‬‬
‫ج‪ -‬استماع القرآن في الصّلة ‪:‬‬
‫ن استماع المأموم في الصّلة لقراءة المام والنصات إليه واجبٌ ‪،‬‬
‫‪ -10‬ذهب الحنفيّة إلى أ ّ‬
‫وقراءته مكروهةٌ كراه ًة تحريميّةً ‪ ،‬سوا ٌء أكان ذلك في الجهريّة أم السّ ّريّة ‪.‬‬
‫ب في الجهريّة ‪،‬‬
‫ن استماع المأموم لقراءة المام تستح ّ‬
‫وذهب المالكيّة إلى أ ّ‬
‫ب فيها القراءة على المعتمد ‪ ،‬خلفا لبن العربيّ حيث ذهب إلى‬
‫أمّا السّ ّريّة فإنّها تستح ّ‬
‫س ّريّة ‪ .‬وذهب الشّافعيّة إلى أنّ قراءة المأموم الفاتحة في السّ ّريّة والجهريّة واجبةٌ‬
‫وجوبها في ال ّ‬
‫‪ ،‬وإن فاته الستماع ‪ .‬وذهب الحنابلة إلى أنّه يستحبّ للمأموم الستماع إذا كان يسمع قراءة‬
‫المام في الجهريّة ‪ ،‬وتفصيل ذلك في مصطلح ( قراءةٌ ) ‪.‬‬
‫ح ‪ -‬استماع آية السّجدة ‪:‬‬
‫‪ - 11‬يترتّب على استماع أو سماع آي ٍة من آيات السّجدة السّجود للتّلوة ‪ ،‬على خلفٍ بين‬
‫الفقهاء في حكم السّجود ‪ ،‬تجده مع أدلّته في مصطلح ( سجود التّلوة ) ‪.‬‬
‫ثانيا ‪ :‬استماع غير القرآن الكريم ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬حكم استماع خطبة الجمعة ‪:‬‬
‫اختلف الفقهاء في حكم الستماع والنصات للخطبة ‪.‬‬
‫‪ - 12‬فذهب الحنفيّة ‪ ،‬والمالكيّة ‪ ،‬والحنابلة ‪ ،‬والوزاعيّ إلى وجوب الستماع والنصات ‪،‬‬
‫وهو ما ذهب إليه عثمان بن عفّان ‪ ،‬وعبد اللّه بن عمر ‪ ،‬وابن مسعودٍ ‪ ،‬حتّى قال الحنفيّة ‪:‬‬
‫كلّ ما حرم في الصّلة حرم في الخطبة ‪ ،‬فيحرم أكلٌ ‪ ،‬وشربٌ ‪ ،‬وكلمٌ ‪ ،‬ولو تسبيحا ‪ ،‬أو ردّ‬
‫سلمٍ ‪ ،‬أو أمرا بمعروفٍ ‪ ،‬أو نهيا عن منكرٍ ‪ .‬واستدلّوا على ذلك ‪ - :‬بقوله تعالى ‪ { :‬وإذا‬
‫ن الخطبة كالصّلة ‪ ،‬فهي قائم ٌة مقام ركعتين من‬
‫قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا } ‪ -‬وبأ ّ‬
‫الفريضة ‪ ،‬ولم يستثن الحنفيّة والحنابلة من ذلك إلّ تحذير من خيف هلكه ‪ ،‬لنّه يجب لحقّ‬
‫ق اللّه تعالى ‪ ،‬وحقوق اللّه تعالى مبنيّ ٌة على‬
‫آدميّ ‪ ،‬وهو محتاجٌ إليه ‪ ،‬أمّا النصات فهو لح ّ‬
‫المسامحة ‪ .‬واستثنى المالكيّة أيضا ‪ :‬الذّكر الخفيف إن كان له سببٌ ‪ ،‬كالتّهليل ‪ ،‬والتّحميد ‪،‬‬
‫والستغفار ‪ ،‬والتّعوّذ ‪ ،‬والصّلة على النّبيّ صلى ال عليه وسلم لكنّهم اختلفوا في وجوب‬
‫السرار بهذه الذكار الخفيفة ‪ .‬واستدلّ من قال بوجوب الستماع للخطبة بما رواه أبو هريرة‬
‫عن سيّدنا رسول اللّه صلى ال عليه وسلم أنّه قال ‪ « :‬إذا قلت لصاحبك يوم الجمعة ‪ :‬أنصت‬
‫‪ -‬والمام يخطب ‪ -‬فقد لغوت » ‪.‬‬
‫‪ - 13‬وذهب الشّافعيّة إلى أنّ الستماع والنصات أثناء الخطبة سنّةٌ ‪ ،‬ول يحرم الكلم ‪ ،‬بل‬
‫يكره ‪ ،‬وحكى ذلك النّوويّ عن عروة بن الزّبير ‪ ،‬وسعيد بن جبيرٍ ‪ ،‬والشّعبيّ ‪ ،‬والنّخعيّ ‪،‬‬
‫والثّوريّ ‪ ،‬وهو روايةٌ عن المام أحمد ‪ .‬واستدلّوا على الكراهة بالجمع بين حديث ‪ « :‬إذا‬
‫قلت لصاحبك ‪ :‬أنصت ‪ ،‬فقد لغوت » وخبر الصّحيحين عن أنسٍ ‪ « :‬فبينا رسول اللّه صلى‬
‫ال عليه وسلم يخطب على المنبر يوم الجمعة قام أعرابيّ فقال ‪ :‬يا رسول اللّه ‪ ،‬هلك المال‬
‫وجاع العيال فادع لنا أن يسقينا ‪ .‬قال ‪ :‬فرفع رسول اللّه صلى ال عليه وسلم يديه وما في‬
‫السّماء قزعةٌ ‪ » ...‬وإن عرض له ناجزٌ كتعليم خيرٍ ‪ ،‬ونهيٍ عن منكرٍ ‪ ،‬وإنذار إنسانٍ‬
‫عقربا ‪ ،‬أو أعمى بئرا لم يمنع من الكلم ‪ ،‬لكن يستحبّ أن يقتصر على الشارة إن أغنت ‪،‬‬
‫ويباح له ‪ -‬أي الكلم ‪ -‬بل كراهةٍ ‪ .‬ويباح الكلم عند الشّافعيّة للدّاخل في أثناء الخطبة ما لم‬
‫يجلس ‪ ،‬كما صرّحوا بأنّه لو سلّم داخلٌ على مستمع الخطبة وهو يخطب ‪ ،‬وجب ال ّردّ عليه‬
‫ن النصات سنّ ٌة ‪ ،‬ويستحبّ تشميت العاطس إذا حمد اللّه ‪ ،‬لعموم الدلّة ‪ ،‬وإنّما لم‬
‫بناءً على أ ّ‬
‫يكره كسائر الكلم لنّ سببه قهريّ ‪.‬‬
‫‪ - 14‬وذهب الحنابلة والشّافعيّة إلى أنّ للبعيد الّذي ل يسمع صوت الخطيب أن يقرأ القرآن ‪،‬‬
‫ويذكر اللّه تعالى ‪ ،‬ويصلّي على النّبيّ صلى ال عليه وسلم من غير أن يرفع صوته ‪ ،‬لنّه إن‬
‫رفع صوته منع من هو أقرب منه من الستماع ‪ ،‬وهذا مرويّ عن عطاء بن أبي رباحٍ ‪،‬‬
‫وسعيد بن جبيرٍ ‪ ،‬وعلقمة بن قيسٍ ‪ ،‬وإبراهيم النّخعيّ ‪ ،‬حتّى قال النّخعيّ ‪ :‬إنّي لقرأ جزئي‬
‫إذا لم أسمع الخطبة يوم الجمعة ‪ .‬وسأل إبراهيم النّخعيّ علقمة ‪ :‬أقرأ في نفسي أثناء الخطبة ؟‬
‫ل يكون به بأسٌ ‪.‬‬
‫ل ذلك أ ّ‬
‫فقال علقمة ‪ :‬لع ّ‬
‫ب ‪ -‬استماع صوت المرأة ‪:‬‬
‫‪ - 15‬إذا كان مبعث الصواتس هو النسان ‪ ،‬فإنّ هذا الصّوت إمّا أن يكون غير موزونٍ ول‬
‫ب ‪ ،‬فإمّا أن يكون صوت رجلٍ أو‬
‫مطربٍ ‪ ،‬أو يكون مطربا ‪ .‬فإن كان الصّوت غير مطر ٍ‬
‫صوت امرأ ٍة ‪ ،‬فإن كان صوت رجلٍ ‪ :‬فل قائل بتحريم استماعه ‪.‬‬
‫أمّا إن كان صوت امرأةٍ ‪ ،‬فإن كان السّامع يتلذّذ به ‪ ،‬أو خاف على نفسه فتن ًة حرم عليه‬
‫استماعه ‪ ،‬وإلّ فل يحرم ‪ ،‬ويحمل استماع الصّحابة رضوان ال عليهم أصوات النّساء حين‬
‫محادثتهنّ على هذا ‪ ،‬وليس للمرأة ترخيم الصّوت وتنغيمه وتليينه ‪ ،‬لما فيه من إثارة الفتنة ‪،‬‬
‫وذلك لقوله تعالى ‪ { :‬فل تخضعن بالقول فيطمع الّذي في قلبه مرضٌ } ‪.‬‬
‫وأمّا إن كان الصّوت مطربا فهذا الغناء استماعٌ ‪ ،‬وفيما يلي تفصيل القول فيه ‪:‬‬
‫ج ‪ -‬الستماع إلى الغناء ‪:‬‬
‫‪ - 16‬ذهب جمهور الفقهاء إلى أنّ استماع الغناء يكون محرّما في الحالت التّالية ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬إذا صاحبه منكرٌ ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬إذا خشي أن يؤدّي إلى فتنةٍ كتعّلقٍ بامرأةٍ ‪ ،‬أو بأمرد ‪ ،‬أو هيجان شهوةٍ مؤدّيةٍ إلى الزّنى‬
‫‪.‬‬
‫ي كأداء عمله الواجب عليه ‪ ،‬أمّا‬
‫ب دينيّ كالصّلة ‪ ،‬أو دنيو ّ‬
‫ج ‪ -‬إن كان يؤدّي إلى ترك واج ٍ‬
‫إذا أدّى إلى ترك المندوبات فيكون مكروها ‪ .‬كقيام اللّيل ‪ ،‬والدّعاء في السحار ونحو ذلك ‪.‬‬
‫الغناء للتّرويح عن النّفس ‪:‬‬
‫أمّا إذا كان الغناء بقصد التّرويح عن النّفس ‪ ،‬وكان خاليا عن المعاني السّابقة فقد اختلف فيه ‪،‬‬
‫فمنعه جماعةٌ وأجازه آخرون ‪.‬‬
‫‪ - 17‬وقد ذهب عبد اللّه بن مسعو ٍد إلى تحريمه ‪ ،‬وتابعه على ذلك جمهور علماء أهل العراق‬
‫‪ ،‬منهم إبراهيم النّخعيّ ‪ ،‬وعامر الشّعبيّ ‪ ،‬وحمّاد بن أبي سليمان ‪ ،‬وسفيان الثّوريّ ‪ ،‬والحسن‬
‫البصريّ ‪ ،‬والحنفيّة ‪ ،‬وبعض الحنابلة ‪ .‬واستدلّ هؤلء على التّحريم ‪ - :‬بقوله تعالى ‪:‬‬
‫{ ومن النّاس من يشتري لهو الحديث ليضلّ عن سبيل اللّه } قال ابن عبّاسٍ وابن مسعودٍ ‪:‬‬
‫لهو الحديث هو ‪ :‬الغناء ‪ .‬وبحديث أبي أمامة رضي ال عنه أنّ النّبيّ صلى ال عليه وسلم «‬
‫نهى عن بيع المغنّيات ‪ ،‬وعن شرائهنّ ‪ ،‬وعن كسبهنّ ‪ ،‬وعن أكل أثمانهنّ » ‪ .‬وبحديث عقبة‬
‫ل شي ٍء يلهو به الرّجل فهو باطلٌ ‪ ،‬إلّ‬
‫ن النّبيّ صلى ال عليه وسلم قال ‪ « :‬ك ّ‬
‫بن عامرٍ أ ّ‬
‫تأديبه فرسه ‪ ،‬ورميه بقوسه ‪ ،‬وملعبته امرأته » ‪.‬‬
‫‪ - 18‬وذهب الشّافعيّة ‪ ،‬والمالكيّة ‪ ،‬وبعض الحنابلة إلى أنّه مكروهٌ ‪ ،‬فإن كان سماعه من‬
‫ل بالمروءة ‪ ،‬وعلّلها‬
‫ن سماعه مخ ّ‬
‫امرأةٍ أجنبيّ ٍة فهو أشدّ كراهةً ‪ ،‬وعلّل المالكيّة الكراهة بأ ّ‬
‫الشّافعيّة بقولهم ‪ :‬لما فيه من اللّهو ‪ .‬وعلّلها المام أحمد بقوله ‪ :‬ل يعجبني الغناء لنّه ينبت‬
‫النّفاق في القلب ‪.‬‬
‫‪ - 19‬وذهب عبد اللّه بن جعفرٍ ‪ ،‬وعبد اللّه بن الزّبير ‪ ،‬والمغيرة بن شعبة ‪ ،‬وأسامة بن زيدٍ ‪،‬‬
‫وعمران بن حصينٍ ‪ ،‬ومعاوية بن أبي سفيان ‪ ،‬وغيرهم من الصّحابة ‪ ،‬وعطاءٌ بن أبي‬
‫ح ‪ ،‬وبعض الحنابلة منهم أبو بك ٍر الخلّل ‪ ،‬وصاحبه أبو بكرٍ عبد العزيز ‪ ،‬والغزاليّ من‬
‫ربا ٍ‬
‫ص ‪ :‬فهو ما أخرجه‬
‫الشّافعيّة إلى إباحته ‪ .‬واستدلّوا على ذلك بالنّصّ والقياس ‪ .‬أمّا النّ ّ‬
‫ي رسول اللّه صلى ال عليه‬
‫البخاريّ ومسلمٌ عن عائشة رضي ال عنها قالت ‪ « :‬دخل عل ّ‬
‫وسلم وعندي جاريتان تغنّيان بغناء بعاثٍ ‪ ،‬فاضطجع على الفراش وحوّل وجهه ‪ ،‬ودخل أبو‬
‫بك ٍر فانتهرني وقال ‪ :‬مزمارة الشّيطان عند النّبيّ صلى ال عليه وسلم فأقبل عليه رسول اللّه‬
‫صلى ال عليه وسلم فقال ‪ :‬دعهما ‪ ،‬فلمّا غفل غمزتهما فخرجتا » ‪ .‬ويقول عمر بن الخطّاب‬
‫ن عمر بن الخطّاب رضي ال عنه كان‬
‫‪ ":‬الغناء زاد الرّاكب "فقد روى البيهقيّ في سننه ‪ :‬أ ّ‬
‫ت ‪ ،‬فلمّا كان السّحر قال له ‪ ":‬ارفع لسانك يا خوّات ‪ ،‬فقد أسحرنا "‬
‫يستمع إلى غناء خوّا ٍ‬
‫ن ‪ ،‬وسماع‬
‫وأمّا القياس ‪ :‬فإنّ الغناء الّذي ل يصاحبه محرّمٌ فيه سماع صوتٍ طيّبٍ موزو ٍ‬
‫طيّب من حيث إنّه طيّبٌ ل ينبغي أن يحرم ‪ ،‬لنّه يرجع إلى تلذّذ حاسّة السّمع‬
‫الصّوت ال ّ‬
‫ص به ‪ ،‬كتلذّذ الحواسّ الخرى بما خلقت له ‪.‬‬
‫بإدراك ما هو مخصو ٌ‬
‫ن الصّوت الموزون الّذي يخرج من‬
‫‪ - 20‬وأمّا الوزن فإنّه ل يحرّم الصّوت ‪ ،‬أل ترى أ ّ‬
‫حنجرة العندليب ل يحرم سماعه ‪ ،‬فكذلك صوت النسان ‪ ،‬لنّه ل فرق بين حنجرةٍ وحنجرةٍ ‪.‬‬
‫طيّب الموزون ‪ ،‬لم يزد الباحة فيه إلّ تأكيدا ‪.‬‬
‫وإذا انضمّ الفهم إلى الصّوت ال ّ‬
‫ن هذه العواطف إن كانت عواطف‬
‫‪ - 21‬أمّا تحريك الغناء القلوب ‪ ،‬وتحريكه العواطف ‪ ،‬فإ ّ‬
‫نبيلةً فمن المطلوب تحريكها ‪ ،‬وقد وقع لعمر بن الخطّاب أن استمع إلى الغناء في طريقه للحجّ‬
‫‪ -‬كما تقدّم ‪ -‬وكان الصّحابة ينشدون الرّجزيّات لثارة الجند عند اللّقاء ‪ ،‬ولم يكن أحدٌ يعيب‬
‫عليهم ذلك ‪ ،‬ورجزيّات عبد اللّه بن رواحة وغيره معروفةٌ مشهورةٌ ‪.‬‬
‫الغناء لمرٍ مباحٍ ‪:‬‬
‫ح ‪ ،‬كالغناء في العرس ‪ ،‬والعيد ‪ ،‬والختان ‪ ،‬وقدوم الغائب ‪،‬‬
‫‪ - 22‬إذا كان الغناء لمرٍ مبا ٍ‬
‫تأكيدا للسّرور المباح ‪ ،‬وعند ختم القرآن الكريم تأكيدا للسّرور كذلك ‪ ،‬وعند سير المجاهدين‬
‫للحرب إذا كان للحماس في نفوسهم ‪ ،‬أو للحجّاج لثارة الشواق في نفوسهم إلى الكعبة‬
‫المشرّفة ‪ ،‬أو للبل لحثّها على السّير ‪ -‬وهو الحداء ‪ -‬أو للتّنشيط على العمل كغناء العمّال‬
‫عند محاولة عملٍ أو حمل ثقيلٍ ‪ ،‬أو لتسكيت الطّفل وتنويمه كغناء المّ لطفلها ‪ ،‬فإنّه مباحٌ كلّه‬
‫بل كراه ٍة عند الجمهور ‪ .‬واستدلّوا على ذلك بما ذكر سابقا من حديث الجاريتين الّذي روته‬
‫أمّ المؤمنين عائشة رضي ال عنها وهذا نصّ في إباحة الغناء في العيد ‪ .‬وبحديث بريدة قال ‪:‬‬
‫« خرج رسول اللّه صلى ال عليه وسلم في بعض مغازيه ‪ ،‬فلمّا انصرف جاءت جاريةٌ‬
‫سوداء فقالت ‪ :‬يا رسول اللّه إنّي كنت نذرت ‪ -‬إن ردّك اللّه سالما ‪ -‬أن أضرب بين يديك‬
‫بالدّفّ وأتغنّى ‪ ،‬فقال لها رسول اللّه صلى ال عليه وسلم ‪ :‬إن كنت نذرت فاضربي وإلّ فل‬
‫» ‪ .‬وهذا نصّ في إباحة الغناء عند قدوم الغائب تأكيدا للسّرور ‪ ،‬ولو كان الغناء حراما لما‬
‫جاز نذره ‪ ،‬ولما أباح لها رسول اللّه صلى ال عليه وسلم فعله ‪ .‬وبحديث عائشة ‪ « :‬أنّها‬
‫أنكحت ذات قرابةٍ لها من النصار ‪ ،‬فجاء رسول اللّه فقال ‪ :‬أهديتم الفتاة ؟ قالوا ‪ :‬نعم ‪ ،‬قال‬
‫ن النصار قومٌ‬
‫‪ :‬أرسلتم معها من يغنّي ؟ قالت ‪ :‬ل ‪ ،‬فقال رسول اللّه صلى ال عليه وسلم ‪ :‬إ ّ‬
‫ل ‪ ،‬فلو بعثتم معها من يقول ‪ :‬أتيناكم أتيناكم ‪ ،‬فحيّانا وحيّاكم » ‪ .‬وهذا نصّ في إباحة‬
‫فيهم غز ٌ‬
‫الغناء في العرس ‪ .‬وبحديث عائشة قالت ‪ « :‬كنت مع رسول اللّه صلى ال عليه وسلم في‬
‫سفرٍ ‪ ،‬وكان عبد اللّه بن رواحة جيّد الحداء ‪ ،‬وكان مع الرّجال ‪ ،‬وكان أنجشة مع النّساء ‪،‬‬
‫فقال النّبيّ صلى ال عليه وسلم لبن رواحة ‪ :‬حرّك القوم ‪ ،‬فاندفع يرتجز ‪ ،‬فتبعه أنجشة ‪،‬‬
‫فأعنفت البل ‪ ،‬فقال النّبيّ صلى ال عليه وسلم لنجشة رويدك ‪ ،‬رفقا بالقوارير ‪ .‬يعني النّساء‬
‫ف في طريق الحجّ ‪ ،‬ونحن نؤمّ‬
‫» ‪ .‬وعن السّائب بن يزيد قال ‪ ":‬كنّا مع عبد الرّحمن بن عو ٍ‬
‫مكّة ‪ ،‬اعتزل عبد الرّحمن الطّريق ‪ ،‬ثمّ قال لرباح بن المغترف ‪ :‬غنّنا يا أبا حسّان ‪ ،‬وكان‬
‫ب من الغناء ‪ -‬فبينا رباحٌ يغنّيه أدركهم عمر في خلفته فقال‬
‫يحسن النّصب ‪ -‬والنّصب ضر ٌ‬
‫‪ :‬ما هذا ؟ فقال عبد الرّحمن ‪ :‬ما بأسٌ بهذا ؟ نلهو ونقصّر عنّا السّفر ‪ ،‬فقال عمر ‪ :‬فإن كنت‬
‫آخذا فعليك بشعر ضرار بن الخطّاب بن مرداسٍ فارس قريش"ٍ ‪ .‬وكان عمر يقول ‪ ".‬الغناء‬
‫من زاد الرّاكب "‪ ،‬وهذا يدلّ على إباحة الغناء لترويح النّفس ‪ .‬وروى ابن أبي شيبة أنّ عمر‬
‫بن الخطّاب رضي ال عنه كان يأمر بالحداء ‪.‬‬
‫د ‪ -‬الستماع إلى الهجو والنّسيب ‪:‬‬
‫ن ‪ ،‬ملحّنا ( كالغناء )‬
‫‪ - 23‬يشترط في الكلم ‪ -‬سواءٌ أكان موزونا ( كالشّعر ) أم غير موزو ٍ‬
‫ن ‪ -‬حتّى يحلّ استماعه ألّ يكون فاحشا ‪ ،‬وليس فيه هج ٌو ‪ ،‬ول كذبٌ على اللّه‬
‫أم غير ملحّ ٍ‬
‫ورسوله ‪ ،‬ول على الصّحابة ‪ ،‬ول وصف امرأةٍ معيّنةٍ ‪ ،‬فإن استمع إلى شيءٍ من الكلم فيه‬
‫شيءٌ ممّا ذكرناه ‪ ،‬فالمستمع شريك القائل في الثم ‪ .‬أمّا هجاء الكفّار وأهل البدع فذلك جائزٌ ‪،‬‬
‫وقد « كان حسّان بن ثابتٍ شاعر رسول اللّه يهاجي الكفّار بعلم رسول اللّه صلى ال عليه‬
‫وسلم أو أمره ‪ ،‬وقد قال له عليه الصلة والسلم ‪ :‬اهجهم أو هاجهم وجبريل معك »‬
‫وأمّا النّسيب فإنّه ل شيء فيه ‪ ،‬وقد كان يقال أمام رسول اللّه وهو يستمع إليه « فقد استمع‬
‫صلوات ال وسلمه عليه إلى قصيدة كعب بن زهيرٍ ‪ :‬بانت سعاد فقلبي اليوم متبول »‬
‫مع ما فيها من النّسيب ‪.‬‬
‫النّوع الثّاني ‪ :‬استماع صوت الحيوان ‪:‬‬
‫‪ - 24‬اتّفق العلماء على جواز استماع أصوات الحيوانات ‪ ،‬سوا ٌء كانت هذه الصوات قبيحةً‬
‫كصوت الحمار والطّاووس ونحوهما ‪ ،‬أو عذبةً موزون ًة كأصوات العنادل والقماريّ ونحوها ‪،‬‬
‫قال الغزاليّ ‪ :‬فسماع هذه الصوات يستحيل أن يحرم لكونها طيّبةً أو موزونةً ‪ ،‬فل ذاهب إلى‬
‫تحريم صوت العندليب وسائر الطّيور ‪.‬‬
‫النّوع الثّالث ‪ :‬استماع أصوات الجمادات ‪:‬‬
‫‪ - 25‬إذا انبعثت أصوات الجمادات من تلقاء نفسها أو بفعل الرّيح فل قائل بتحريم استماع هذه‬
‫الصوات ‪ .‬أمّا إذا انبعثت بفعل النسان ‪ ،‬فإمّا أن تكون غير موزون ٍة ول مطرب ٍة ‪ ،‬كصوت‬
‫طرق الحدّاد على الحديد ‪ ،‬وصوت منشار ال ّنجّار ونحو ذلك ‪ ،‬ول قائل بتحريم استماع صوتٍ‬
‫من هذه الصوات ‪ .‬وأمّا أن ينبعث الصّوت من اللت بفعل النسان موزونا مطربا ‪ ،‬وهو ما‬
‫يسمّى بالموسيقى ‪ .‬فتفصيل القول فيه كما يلي ‪:‬‬
‫ل ‪ -‬استماع الموسيقى ‪:‬‬
‫أ ّو ً‬
‫‪ - 26‬إنّ ما حلّ تعاطيه ( أي فعله ) من الموسيقى والغناء حلّ الستماع إليه ‪ ،‬وما حرم‬
‫تعاطيه منهما حرم الستماع إليه ‪ ،‬لنّ تحريم الموسيقى أو الغناء ليس لذاته ‪ ،‬ولكن لنّه أداةٌ‬
‫للسماع ‪ ،‬ويدلّ على هذا قول الغزاليّ في معرض حديثه عن شعر الخنا ‪ ،‬والهجو ‪ ،‬ونحو‬
‫ن ‪ ،‬والمستمع شريكٌ للقائل ‪ .‬وقول ابن عابدين ‪:‬‬
‫ذلك ‪ :‬فسماع ذلك حرامٌ بألحانٍ وبغير ألحا ٍ‬
‫وكره كلّ لهوٍ واستماعه ‪.‬‬
‫أ ‪ :‬الستماع لضرب ال ّدفّ ونحوه من اللت القرعيّة ‪:‬‬
‫ل في ذلك ‪ ،‬هل هذه‬
‫ل الضّرب بال ّدفّ والستماع إليه ‪ ،‬على تفصي ٍ‬
‫‪ - 27‬اتّفق الفقهاء على ح ّ‬
‫الباحة هي في العرس وغيره ‪ ،‬أم هي في العرس دون غيره ؟ وهل يشترط في ذلك أن‬
‫يكون ال ّدفّ خاليا من الجلجل أم ل يشترط ذلك ؟ وستجد ذلك التّفصيل في مصطلح ( معازف‬
‫) ( وسماعٌ ) ‪ .‬واستدلّوا على ذلك بما رواه محمّد بن حاطبٍ أنّ رسول اللّه صلى ال عليه‬
‫وسلم قال ‪ « :‬فصل ما بين الحلل والحرام ال ّدفّ والصّوت في النّكاح » ‪ .‬وبما روت عائشة‬
‫ن رسول اللّه صلى ال عليه وسلم قال ‪ « :‬أعلنوا هذا النّكاح ‪ ،‬واضربوا‬
‫رضي ال عنها أ ّ‬
‫ي النّبيّ صلى ال عليه وسلم‬
‫عليه بالغربال » ‪ .‬وما روت الرّبيّع بنت مع ّو ٍذ قالت ‪ « :‬دخل عل ّ‬
‫ت يضربن بال ّدفّ يندبن من قتل من آبائي يوم‬
‫غداة بني عليّ ‪ ،‬فجلس على فراشي ‪ ،‬وجويريا ٌ‬
‫ن ‪ :‬وفينا نبيّ يعلم ما في غدٍ ‪ ،‬فقال النّبيّ صلى ال عليه وسلم ‪ :‬ل‬
‫بدرٍ ‪ ،‬حتّى قالت إحداه ّ‬
‫تقولي هكذا وقولي كما كنت تقولين » ‪.‬‬
‫ي من الشّافعيّة بال ّدفّ جميع أنواع الطّبول ‪ -‬وهي‬
‫‪ - 28‬وألحق المالكيّة ‪ ،‬والحنفيّة ‪ ،‬والغزال ّ‬
‫ي مثلً‬
‫اللت الفرعيّة ‪ -‬ما لم يكن استعمالها لله ٍو مح ّرمٍ ‪ .‬واستثنى من ذلك بعضهم ‪ -‬كالغزال ّ‬
‫‪ -‬الكوبة ‪ ،‬لنّها من آلت الفسقة ‪ .‬واستثنى الحنفيّة من ذلك الضّرب بالقضيب ‪ .‬قال ابن‬
‫عابدين ‪ :‬ضرب النّوبة للتّفاخر ل يجوز ‪ ،‬وللتّنبيه فل بأس به ‪ ،‬وينبغي أن يكون كذلك بوق‬
‫الحمّام وطبل المسحّر ‪ ،‬ث ّم قال ‪ :‬وهذا يفيد أنّ آلة اللّهو ليست محرّمةً بعينها بل لقصد اللّهو‬
‫فيها ‪ ،‬إمّا من سامعها ‪ ،‬أو من المشتغل بها ‪ ،‬وبه تشعر الضافة ‪ -‬يعني إضافة اللة إلى‬
‫ن ضرب تلك اللة حلّ تار ًة وحرم أخرى باختلف ال ّنيّة ‪ ،‬والمور‬
‫اللّهو ‪ -‬أل ترى أ ّ‬
‫بمقاصدها ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬الستماع للمزمار ونحوه من اللت النّفخيّة ‪:‬‬
‫‪ - 29‬أجاز المالكيّة الستماع إلى اللت النّفخيّة كالمزمار ونحوه ‪ ،‬ومنعه غيرهم ‪ ،‬وروى‬
‫ابن أبي شيبة في مصنّفه عن ابن مسعو ٍد إباحة الستماع إليه ‪ ،‬فقد روى بسنده إلى ابن‬
‫مسعودٍ أنّه دخل عرسا فوجد فيه مزامير ولهوا ‪ ،‬فلم ينه عنه ‪ .‬ومنعه غير المالكيّة ‪.‬‬
‫‪ - 30‬أمّا اللت الوتريّة كالعود ونحوه ‪ ،‬فإنّ الستماع إليها ممنوعٌ في العرس وغيره عند‬
‫جمهور العلماء ‪.‬‬
‫وذهب أهل المدينة ومن وافقهم من علماء السّلف إلى التّرخيص فيها ‪ ،‬وممّن رخّص فيها ‪:‬‬
‫عبد اللّه بن جعفرٍ ‪ ،‬وعبد اللّه بن الزّبير ‪ ،‬وشريحٌ ‪ ،‬وسعيد بن المسيّب ‪ ،‬وعطاء بن أبي‬
‫ح ‪ ،‬ومحمّد بن شهابٍ الزّهريّ ‪ ،‬وعامر بن شراحيل الشّعبيّ ‪ ،‬وغيرهم ‪.‬‬
‫ربا ٍ‬
‫ثانيا ‪ :‬استماع الصّوت والصّدى ‪:‬‬
‫‪ - 31‬من تتبّع أقوال الفقهاء يتبيّن أنّهم يرتّبون آثار الستماع على استماع الصّوت ‪ ،‬أمّا‬
‫ن الحنفيّة ل يرتّبون آثار الستماع على‬
‫استماع الصّدى فلم يتحدّث عنه إلّ الحنفيّة ‪ .‬ويظهر أ ّ‬
‫استماع الصّدى ‪ ،‬فقد نصّوا على أنّه ل تجب سجدة التّلوة بسماعها من الصّدى ‪.‬‬

‫استمتاعٌ *‬
‫التعريف ‪:‬‬
‫‪ - 1‬الستمتاع ‪ :‬طلب التّمتّع ‪ ،‬والتّمتّع النتفاع ‪ ،‬يقال ‪ :‬استمتعت بكذا وتمتّعت به ‪ :‬انتفعت ‪.‬‬
‫ول يخرج استعمال الفقهاء له عن المعنى اللّغويّ ‪ ،‬وأغلب وروده عندهم في استمتاع الرّجل‬
‫بزوجته ‪.‬‬
‫الحكم الجماليّ ‪:‬‬
‫‪ - 2‬الستمتاع بما أحلّه اللّه في الحالت المشروعة جائزٌ ‪ ،‬كالستمتاع بالزّوجة من وطءٍ‬
‫س وإحرامٍ وصيام فرضٍ ‪ ،‬فإن كانت‬
‫ومقدّماته إذا لم تكن هناك موانع شرعّيةٌ ‪ ،‬كحيضٍ ونفا ٍ‬
‫ع من أنواع الستمتاع‬
‫هناك موانع شرعّيةٌ حرم الوطء ‪ .‬أمّا الستمتاع بالجنبيّة بأيّ نو ٍ‬
‫كنظرٍ ‪ ،‬ولمسٍ ‪ ،‬وقبلةٍ ‪ ،‬ووطءٍ ‪ ،‬فهو محظورٌ ‪ ،‬يستحقّ فاعله الحدّ إن كان زنى ‪ ،‬والتّعزير‬
‫إن كان غير ذلك كمقدّمات الوطء ‪ .‬ويرتّب الفقهاء على الستمتاع بالزّوجة آثارا كتمام المهر‬
‫واستقراره والنّفقة ‪ .‬وتنظر تفاصيل الموضوع في ( النّكاح ) و ( المهر ) و ( النّفقة ) ‪.‬‬
‫مواطن البحث ‪:‬‬
‫‪ - 3‬الستمتاع بالزّوجة يرد عند الفقهاء في أبواب النّكاح ‪ ،‬والحيض ‪ ،‬والنّفاس ‪،‬‬
‫ومحظورات الحرام في الحجّ ‪ ،‬والصّيام ‪ ،‬والعتكاف ‪ ،‬وتنظر في أبوابها ‪ .‬والستمتاع‬
‫المحرّم يرد في باب حدّ الزّنا ‪ ،‬وباب التّعزير ‪ ،‬وتنظر في أبوابها ‪.‬‬

‫استمناءٌ *‬
‫التعريف ‪:‬‬
‫‪ - 1‬الستمناء ‪ :‬مصدر استمنى ‪ ،‬أي طلب خروج المنيّ ‪ .‬واصطلحا ‪ :‬إخراج المنيّ بغير‬
‫جماعٍ ‪ ،‬محرّما كان ‪ ،‬كإخراجه بيده استدعاءً للشّهوة ‪ ،‬أو غير محرّمٍ كإخراجه بيد زوجته ‪.‬‬
‫ص من المناء والنزال ‪ ،‬فقد يحصلن في غير اليقظة ودون طلبٍ ‪ ،‬أمّا‬
‫‪ - 2‬وهو أخ ّ‬
‫الستمناء فل ب ّد فيه من استدعاء المنيّ في يقظة المستمني بوسيل ٍة ما ‪ .‬ويكون الستمناء من‬
‫الرّجل ومن المرأة ‪ .‬ويقع الستمناء ولو مع وجود الحائل ‪ .‬جاء في ابن عابدين ‪ :‬لو استمنى‬
‫بكفّه بحائلٍ يمنع الحرارة يأثم أيضا ‪.‬‬
‫وفي الشّروانيّ على التّحفة ‪ :‬إن قصد بضمّ امرأةٍ النزال ‪ -‬ولو مع الحائل ‪ -‬يكون استمناءً‬
‫مبطلً للصّوم ‪ .‬بل صرّح الشّافعيّة والمالكيّة بأنّ الستمناء يحصل بالنّظر ‪ .‬ولمّا كان النزال‬
‫بالستمناء يختلف أحيانا عن النزال بغيره كالجماع والحتلم أفرد بالبحث ‪.‬‬
‫وسائل الستمناء ‪:‬‬
‫‪ - 3‬يكون الستمناء باليد ‪ ،‬أو غيرها من أنواع المباشرة ‪ ،‬أو بالنّظر ‪ ،‬أو بالفكر ‪ .‬الستمناء‬
‫باليد ‪:‬‬
‫‪ - 4‬أ ‪ -‬الستمناء باليد إن كان لمجرّد استدعاء الشّهوة فهو حرامٌ في الجملة ‪ ،‬لقوله تعالى ‪:‬‬
‫{ والّذين هم لفروجهم حافظون ‪ ،‬إلّ على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنّهم غير ملومين ‪،‬‬
‫فمن ابتغى وراء ذلك فأولئك هم العادون } ‪ .‬والعادون هم الظّالمون المتجاوزون ‪ ،‬فلم يبح‬
‫ل بالزّوجة والمة ‪ ،‬ويحرم بغير ذلك ‪.‬‬
‫اللّه سبحانه وتعالى الستمتاع إ ّ‬
‫وفي قولٍ للحنفيّة ‪ ،‬والشّافعيّة ‪ ،‬والمام أحمد ‪ :‬أنّه مكرو ٌه تنزيها ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬وإن كان الستمناء باليد لتسكين الشّهوة المفرطة الغالبة الّتي يخشى معها الزّنى فهو‬
‫ن فعله حينئذٍ يكون من قبيل المحظور الّذي تبيحه‬
‫جائزٌ في الجملة ‪ ،‬بل قيل بوجوبه ‪ ،‬ل ّ‬
‫الضّرورة ‪ ،‬ومن قبيل ارتكاب أخفّ الضّررين ‪ .‬وفي قولٍ آخر للمام أحمد ‪ :‬أنّه يحرم ولو‬
‫ن له في الصّوم بديلً ‪ ،‬وكذلك الحتلم مزيلٌ للشّبق ‪ .‬وعبارات المالكيّة تفيد‬
‫خاف الزّنى ‪ ،‬ل ّ‬
‫التّجاهين ‪ :‬الجواز للضّرورة ‪ ،‬والحرمة لوجود البديل ‪ ،‬وهو الصّوم ‪.‬‬
‫ج ‪ -‬وصرّح ابن عابدين من الحنفيّة بأنّه لو تعيّن الخلص من الزّنى به وجب ‪.‬‬
‫الستمناء بالمباشرة فيما دون الفرج ‪:‬‬
‫‪ - 5‬الستمناء بالمباشرة فيما دون الفرج يشمل كلّ استمتاعٍ ‪ -‬غير النّظر والفكر ‪ -‬من وطءٍ‬
‫في غير الفرج ‪ ،‬أو تبطينٍ ‪ ،‬أو تفخيذٍ ‪ ،‬أو لمسٍ ‪ ،‬أو تقبيلٍ ‪ .‬ول يختلف أثر الستمناء بهذه‬
‫الشياء في العبادة عن أثرها في الستمناء باليد عند المالكيّة ‪ ،‬والشّافعيّة ‪ ،‬والحنابلة ‪ .‬ويبطل‬
‫به الصّوم عند الحنفيّة ‪ ،‬دون كفّار ٍة ‪ .‬ول يختلف أثره في الحجّ عن أثر الستمناء باليد فيه ‪.‬‬
‫الغتسال من الستمناء ‪:‬‬
‫‪ - 6‬اتّفق الفقهاء على أنّ الغسل يجب بالستمناء ‪ ،‬إذا خرج المنيّ عن لذّ ٍة ودفقٍ ‪ ،‬ول عبرة‬
‫ل بذلك لكنّه خلف المشهور ‪.‬‬
‫بالّلذّة والدّفق عند الشّافعيّة ‪ ،‬وهو روايةٌ عن أحمد وللمالكيّة قو ٌ‬
‫واشترط الحنفيّة لترتّب الثر على المنيّ أن يخرج بلذّةٍ ودفقٍ ‪ ،‬وهو مشهور المالكيّة ‪ ،‬فل‬
‫يجب فيه شي ٌء ما لم تكن لذّةٌ ‪ ،‬والمذهب عند أحمد على هذا ‪ ،‬وعليه جماهير الصحاب ‪،‬‬
‫س بانتقال المنيّ من صلبه فأمسك ذكره ‪ ،‬فلم يخرج منه شيءٌ‬
‫وقطع به كثيرٌ منهم ‪ .‬أمّا إن أح ّ‬
‫في الحال ‪ ،‬ول علم خروجه بعد ذلك فل غسل عليه عند كافّة العلماء ‪ «،‬لنّ النّبيّ صلى ال‬
‫عليه وسلم علّق الغتسال على الرّؤية »‪ .‬والرّواية المشهورة عن المام أحمد بن حنبلٍ أنّه‬
‫ن الجنابة في حقيقتها هي ‪ :‬انتقال المنيّ عن‬
‫يجب الغسل ‪ ،‬لنّه ل يتصوّر رجوع المنيّ ‪ ،‬ول ّ‬
‫ن الغسل يراعى فيه الشّهوة ‪ ،‬وقد حصلت بانتقاله فأشبه ما لو ظهر‬
‫محلّه وقد وجد ‪ .‬وأيضا فإ ّ‬
‫‪ .‬فإن سكنت الشّهوة ثمّ أنزل بعد ذلك ‪ ،‬فإنّه يجب عليه الغسل عند أبي حنيفة ومح ّمدٍ ‪،‬‬
‫والشّافعيّة والحنابلة ‪ ،‬وأصبغ وابن الموّاز من المالكيّة ‪ .‬وقال أبو يوسف ‪ :‬ل يغتسل ‪ ،‬ولكن‬
‫ينتقض وضوءه ‪ ،‬وهو قول القاسم من المالكيّة ‪ .‬ولتفصيل ما يتعلّق بذلك انظر مصطلح‬
‫( غسلٌ ) ‪.‬‬
‫اغتسال المرأة من الستمناء ‪:‬‬
‫‪ - 7‬يجب الغسل على المرأة إن أنزلت بالستمناء بأيّ وسيل ٍة حصل ‪ .‬والمراد بالنزال أن‬
‫يصل إلى المحلّ الّذي تغسله في الستنجاء ‪ ،‬وهو ما يظهر عند جلوسها وقت قضاء الحاجة ‪.‬‬
‫وهذا هو ظاهر الرّواية عند الحنفيّة ‪ ،‬وبهذا قال الشّافعيّة والحنابلة والمالكيّة عدا ( سندٍ ) ‪ ،‬فقد‬
‫ن بروز المنيّ من المرأة ليس شرطا ‪ ،‬بل مجرّد النفصال عن محلّه يوجب الغسل ‪،‬‬
‫قال ‪ :‬إ ّ‬
‫ي المرأة أن ينعكس إلى الرّحم ‪.‬‬
‫ن عادة من ّ‬
‫لّ‬
‫أثر الستمناء في الصّوم ‪:‬‬
‫‪ - 8‬الستمناء باليد يبطل الصّوم عند المالكيّة ‪ ،‬والشّافعيّة ‪ ،‬والحنابلة ‪ ،‬وعامّة الحنفيّة على‬
‫ن اليلج من غير إنزالٍ مفطرٌ ‪ ،‬فالنزال بشهوةٍ أولى ‪ .‬وقال أبو بكر بن السكاف ‪،‬‬
‫ذلك ‪ ،‬ل ّ‬
‫وأبو القاسم من الحنفيّة ‪ :‬ل يبطل به الصّوم ‪ ،‬لعدم الجماع صور ًة ومعنًى ‪ .‬ول كفّارة فيه مع‬
‫البطال عند الحنفيّة والشّافعيّة ‪ ،‬وهو مقابل المعتمد عند المالكيّة ‪ ،‬وأحد قولي الحنابلة ‪ ،‬لنّه‬
‫إفطارٌ من غير جماعٍ ‪ ،‬ولنّه ل نصّ في وجوب الكفّارة فيه ول إجماع ‪ .‬ومعتمد المالكيّة‬
‫على وجوب الكفّارة مع القضاء ‪ ،‬وهو روايةٌ عن أحمد ‪ ،‬وعموم رواية الرّافعيّ من‬
‫ل ما‬
‫الشّافعيّة ‪ ،‬والّتي حكاها عن أبي خلفٍ الطّبريّ يفيد ذلك ‪ ،‬فمقتضاها وجوب الكفّارة بك ّ‬
‫يأثم بالفطار به ‪ ،‬والدّليل على وجوب الكفّارة ‪ :‬أنّه تسبّبٌ في إنزالٍ فأشبه النزال بالجماع ‪.‬‬
‫‪ - 9‬أمّا الستمناء بالنّظر فإنّه يبطل الصّوم عند المالكيّة ‪ ،‬تكرّر النّظر أم ل ‪ ،‬وسوا ٌء أكانت‬
‫عادته النزال أم ل ‪ ،‬والحنابلة معهم في البطال إن تكرّر النّظر ‪ .‬والستمناء بالتّكرار مبطلٌ‬
‫للصّوم في قولٍ للشّافعيّة أيضا ‪ ،‬وقيل ‪ .‬إن كانت عادته النزال أفطر ‪ ،‬وفي " القوت " أنّه إذا‬
‫أحسّ بانتقال المنيّ فاستدام النّظر فإنّه يفسد ‪ .‬وقال الحنفيّة ل يفطر به الصّائم مطلقا ‪ ،‬وهو‬
‫المعتمد للشّافعيّة ‪ ،‬ول كفّارة فيه إلّ عند المالكيّة ‪ ،‬لكنّهم اختلفوا في الحالت الّتي تجب فيها‬
‫الكفّارة ‪ .‬إن تكرّر النّظر وكانت عادته النزال أو استوت حالتاه وجبت عليه الكفّارة قطعا ‪.‬‬
‫وإن كانت عادته عدم النزال فقولن ‪ .‬أمّا مجرّد النّظر من غير استدام ٍة فظاهر كلم ابن‬
‫القاسم في المدوّنة أنّه ل كفّارة ‪ .‬وقال القابسيّ ‪ :‬كفّر إن أمنى من نظرةٍ واحدةٍ ‪.‬‬
‫‪ - 10‬وأمّا الستمناء بالتّفكير فل يختلف حكمه عن حكم الستمناء بالنّظر ‪ ،‬من حيث البطال‬
‫ص البرمكيّ‬
‫والكفّارة وعدمهما عند الحنفيّة ‪ ،‬والمالكيّة ‪ ،‬والشّافعيّة ‪ .‬أمّا الحنابلة ‪ ،‬عدا أبي حف ٍ‬
‫‪ ،‬فقالوا بعدم الفساد بالنزال بالتّفكير ‪ ،‬لقوله صلى ال عليه وسلم ‪ « :‬عفي لمّتي ما حدّثت‬
‫ص البرمكيّ بالبطال ‪ ،‬واختاره ابن عقيلٍ ‪،‬‬
‫به أنفسها ما لم تعمل أو تتكلّم به » ‪ .‬وقال أبو حف ٍ‬
‫لنّ الفكرة تستحضر وتدخل تحت الختيار ‪ ،‬ومدح اللّه سبحانه الّذين يتفكّرون في خلق‬
‫السّموات والرض ‪ «،‬ونهى النّبيّ صلى ال عليه وسلم عن التّفكّر في ذات اللّه ‪ ،‬وأمر‬
‫بالتّفكّر في اللء »‪ .‬ولو كانت غير مقدورٍ عليها لم يتعلّق ذلك بها ‪.‬‬
‫أثر الستمناء في العتكاف ‪:‬‬
‫ن من‬
‫‪ - 11‬يبطل العتكاف بالستمناء باليد عند الحنفيّة والمالكيّة والحنابلة والشّافعيّة ‪ ،‬إلّ أ ّ‬
‫الشّافعيّة من ذكره قولً واحدا ‪ ،‬ومنهم من استظهر البطلن ‪ .‬ولتفصيل ذلك انظر ( اعتكافٌ )‬
‫‪ .‬أمّا الستمناء بالنّظر والتّفكير فل يبطل به العتكاف عند الحنفيّة والشّافعيّة ‪ ،‬ويبطل به عند‬
‫المالكيّة ‪ ،‬وكذلك الحنابلة ‪ ،‬إذ يفهم من كلمهم بطلن العتكاف ‪ ،‬لفقدان شرط الطّهارة ممّا‬
‫يوجب الغسل ‪.‬‬
‫ج والعمرة ‪:‬‬
‫أثر الستمناء في الح ّ‬
‫ج بالستمناء باليد عند الحنفيّة والشّافعيّة والحنابلة ‪ ،‬لكن يجب فيه دمٌ ‪ ،‬لنّه‬
‫‪ - 12‬ل يفسد الح ّ‬
‫ج به‬
‫كالمباشرة فيما دون الفرج في التّحريم والتّعزير ‪ ،‬فكان بمنزلتها في الجزاء ‪ .‬ويفسد الح ّ‬
‫ل محظورٍ ‪ .‬ولبيان‬
‫عند المالكيّة ‪ ،‬وأوجبوا فيه القضاء والهدي ولو كان ناسيا ‪ ،‬لنّه أنزل بفع ٍ‬
‫نوع الدّم ووقته انظر ( إحرامٌ ) ‪ .‬والعمرة في ذلك كالحجّ عند الحنفيّة ‪ ،‬والشّافعيّة والحنابلة ‪،‬‬
‫ن ما يوجب‬
‫وهو ما يفهم من عموم كلم الباجيّ من المالكيّة ‪ ،‬لكنّ ظاهر كلم بهرامٌ وغيره أ ّ‬
‫الفساد في الحجّ في بعض الحوال من وطءٍ وإنزالٍ يوجب الهدي في العمرة ‪ ،‬لنّ أمرها‬
‫أخفّ من حيث إنّها ليست فرضا ‪.‬‬
‫‪ - 13‬أمّا الستمناء بالنّظر والفكر فإنّه يفسد الحجّ عند المالكيّة ‪ ،‬باستدعاء المنيّ بنظرٍ أو فكرٍ‬
‫مستدامين ‪ ،‬فإن خرج بمجرّد الفكر أو النّظر لم يفسد وعليه هديٌ وجوبا ‪ ،‬وسوا ٌء أكان عمدا‬
‫أم جهلً أم نسيانا ‪ .‬ول يفسد به الحجّ عند الحنفيّة والشّافعيّة والحنابلة ‪ ،‬ول فدية فيه عند‬
‫الحنفيّة والشّافعيّة ‪ ،‬وعند الحنابلة تجب الفدية في النّظر ‪ ،‬وأمّا التّفكير فانفرد بالفدية فيه منهم‬
‫ص البرمكيّ ‪.‬‬
‫أبو حف ٍ‬
‫الستمناء عن طريق الزّوجة ‪:‬‬
‫‪ - 14‬أغلب الفقهاء على جواز الستمناء بالزّوجة ما لم يوجد مانعٌ ‪ ،‬لنّها محلّ استمتاعه ‪،‬‬
‫كما لو أنزل بتفخيذٍ أو تبطينٍ ‪ ،‬ولبيان المانع انظر ( حيضٌ ‪ ،‬نفاسٌ ‪ ،‬صو ٌم ‪ ،‬اعتكافٌ ‪ ،‬حجّ )‬
‫‪ .‬وقال بكراهته بعض الحنفيّة والشّافعيّة ‪ ،‬نقل صاحب ال ّدرّ عن الجوهرة ‪ :‬ولو مكّن امرأته‬
‫من العبث بذكره فأنزل كره ول شيء عليه ‪ ،‬غير أنّ ابن عابدين حملها على الكراهة‬
‫التّنزيهيّة ‪ .‬وفي نهاية الزّين ‪ :‬وفي فتاوى القاضي ‪ :‬لو غمرت المرأة ذكر زوجها بيدها كره‬
‫وإن كان بإذنه إذا أمنى ‪ ،‬لنّه يشبه العزل ‪ ،‬والعزل مكروهٌ ‪.‬‬
‫عقوبة الستمناء ‪:‬‬
‫‪ - 15‬الستمناء المحرّم يعزّر فاعله باتّفاقٍ ‪ ،‬لقوله تعالى ‪ { :‬والّذين هم لفروجهم حافظون إلّ‬
‫على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنّهم غير ملومين } ‪.‬‬
‫استمهالٌ *‬
‫التعريف ‪:‬‬
‫‪ - 1‬الستمهال في اللّغة ‪ .‬طلب المهلة ‪ .‬والمهلة التّؤدة والتّأخير ‪.‬‬
‫والفقهاء يستعملون " الستمهال ‪ .‬بهذا المعنى الّذي استعمله به أهل اللّغة ‪.‬‬
‫حكم الستمهال ‪:‬‬
‫‪ - 2‬الستمهال قد يكون مشروعا ‪ ،‬وقد يكون غير مشروعٍ ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬الستمهال المشروع ‪ ،‬وهو على أنواعٍ ‪:‬‬
‫النّوع الوّل ‪ :‬الستمهال لثبات حقّ ‪ ،‬كاستمهال المدّعي القاضي لحضار البيّنة ‪ ،‬أو‬
‫مراجعة الحساب ‪ ،‬ونحو ذلك ‪ ،‬وقد فصّل الفقهاء ذلك في كتاب الدّعوى ‪.‬‬
‫النّوع الثّا ني ‪ :‬ال ستمهال الوارد مورد الشّرط في العقود ‪ ،‬كاشتراط أ حد المتبايع ين ترك مهلةٍ‬
‫له للتّروّي ‪ ،‬ك ما هو الحال في خيار الشّرط ‪ ،‬واشتراط المشتري إمهال البائع له بد فع الثّ من‬
‫إلى أجلٍ معلومٍ ‪ .‬وقد ذكر الفقهاء ذلك في كتاب البيع ‪.‬‬
‫النّوع الثّالث ‪ :‬الستمهال الّذي هو من قبيل التّبرّع ‪ ،‬كاستمهال المدين الدّائن في وفاء الدّين ‪.‬‬
‫واستمهال المستعير المعير في ردّ ما استعاره منه ‪ ،‬وقد ذكر الفقهاء ذلك في أبوابه من كتب‬
‫الفقه ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬الستمهال غير المشروع ‪:‬‬
‫ومنه الستمهال في الحقوق الّتي اشترط فيها الشّارع الفوريّة ‪ ،‬أو المجلس ‪ ،‬كاستمهال أحد‬
‫المتعاقدين الخر في تسليم البدل في بيع الصّرف ‪ ،‬واستمهال المشتري البائع في تسليمه رأس‬
‫مال السّلم ‪ ،‬كما هو مذكورٌ في بيع السّلم ‪.‬‬
‫‪ - 3‬ومن الستمهال ما يسقط الحقّ ‪ ،‬كاستمهال الشّفيع المشتري لطلب الشّفعة ‪ ،‬كما هو‬
‫مذكورٌ في باب الشّفعة من كتب الفقه ‪ ،‬وكاستمهال الزّوجة الصّغيرة ‪ -‬إذا بلغت ‪ -‬في‬
‫الفصاح عن اختيارها زوجها أو فراقه ‪ ،‬كما هو مذكورٌ في خيار البلوغ عند الحنفيّة ‪.‬‬
‫مدّة المهلة الّتي تعطى في الستمهال ‪:‬‬
‫‪ - 4‬مدّة المهلة إمّا محدّدةٌ من قبل الشّرع فتلتزم ‪ ،‬كإمهال العنّين سنةً ‪ ،‬كما روي ذلك عن‬
‫عمر وعليّ ‪ .‬وابن مسعودٍ ‪ .‬وإمّا متروك ٌة للقضاء ‪ ،‬كمهلة المدّعي لحضار البيّنة ‪ ،‬وإمهال‬
‫الزّوجة لتسليم نفسها لزوجها بعد قبضها المهر بقدر ما تنظّف نفسها وتتهيّأ له ‪ .‬وإمّا اتّفاقيّةٌ‬
‫بين الطّرفين ‪ ،‬كإمهال الدّائن للمدين في وفاء الدّين ‪ ،‬انظر مصطلح ( أجلٌ ) ‪.‬‬
‫حكم إجابة المستمهل ‪:‬‬
‫‪ - 5‬أ ‪ -‬يجب المهال في حالت الستمهال لثبات حقّ ‪ ،‬والستمهال الّذي هو من قبيل‬
‫المطالبة بحقّ ‪ ،‬والستمهال الوارد مورد الشّرط في العقود ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬يندب المهال عندما يكون المهال من قبيل التّبرّع ‪.‬‬
‫ج ‪ -‬يحرم المهال في الحقوق الّتي اشترط فيها الشّارع الفوريّة أو المجلس ‪ ،‬لنّ المهال‬
‫فيها يؤدّي إلى إبطالها ‪ .‬كما ذكر ذلك الفقهاء في البواب الّتي أشرنا إليها عند ذكر هذه‬
‫الحالت ‪.‬‬
‫د ‪ -‬يبطل الحقّ في مثل الحالت الّتي أشرنا إليها في ( ف ‪. ) 3‬‬

‫استنابةٌ *‬
‫انظر ‪ :‬إنابةٌ ‪.‬‬
‫استنادٌ *‬
‫التعريف ‪:‬‬
‫‪ - 1‬الستناد لغةً ‪ :‬مصدر استند ‪ .‬وأصله سند ‪ .‬يقال ‪ :‬سندت إلى الشّيء ‪ ،‬وأسندت إليه‬
‫واستندت إليه ‪ :‬إذا ملت إليه واعتمدت عليه ‪ .‬والمسند ‪ :‬ما استندت إليه من المتاع ‪ ،‬واستند‬
‫إلى فلنٍ ‪ :‬لجأ إليه في طلب العون ‪.‬‬
‫وللستناد في الصطلح معانٍ ثلثةٌ ‪:‬‬
‫سيّ ‪ ،‬و هو أن يم يل الن سان على الشّ يء معتمدا عل يه ‪ ،‬وال ستناد بهذا‬
‫الوّل ‪ :‬ال ستناد الح ّ‬
‫المعنى طبق المعنى اللّغويّ ‪.‬‬
‫الثّاني ‪ :‬الستناد إلى الشّيء بمعنى الحتجاج به ‪.‬‬
‫الثّالث ‪ :‬الستناد بمعنى ثبوت الحكم بأثرٍ رجعيّ ‪ ،‬وهو بالمعنى الثّاني والثّالث يعتبر استنادا‬
‫معنويّا ‪.‬‬
‫المبحث الوّل ‪:‬‬
‫سيّ ‪:‬‬
‫الستناد الح ّ‬
‫‪ - 2‬الستناد إلى الشّيء بهذا المعنى هو الميل على الشّيء مع العتماد عليه ‪ .‬وممّا له صلةٌ‬
‫بالستناد ‪ :‬التّكاء ‪ .‬وقد ذكر أبو البقاء أنّ الستناد على الشّيء التّكاء عليه بالظّهر خاصّةً ‪،‬‬
‫قال ‪ :‬التّكاء أعمّ من الستناد ‪ ،‬وهو ‪ -‬يعني التّكاء ‪ -‬العتماد على الشّيء بأيّ شيءٍ كان ‪،‬‬
‫وبأيّ جانبٍ كان ‪ .‬والستناد ‪ :‬اتّكاءٌ بالظّهر ل غير ‪ .‬ولم نطّلع على هذا التّقييد في شي ٍء من‬
‫كتب اللّغة ‪.‬‬
‫أوّلً ‪ :‬أحكام الستناد في الصّلة ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬الستناد في الصّلة المفروضة ‪:‬‬
‫‪ - 3‬الستناد إلى عمادٍ ‪ -‬كحائطٍ أو ساري ٍة ‪ -‬في صلة الفريضة للقادر على القيام مستقلّ‬
‫ت ثلثةٌ ‪:‬‬
‫دون اعتمادٍ ‪ .‬للفقهاء فيه اتّجاها ٌ‬
‫ل للشّافعيّة ‪ .‬قالوا ‪ :‬من‬
‫التّجاه الوّل ‪ :‬يرى الحنفيّة ‪ ،‬والمالكيّة ‪ ،‬والحنابلة منعه ‪ ،‬وهو قو ٌ‬
‫اعتمد على عصا أو حائطٍ ونحوه بحيث يسقط لو زال العماد ‪ ،‬لم تصحّ صلته ‪ ،‬قالوا ‪ :‬لنّ‬
‫الفريضة من أركانها القيام ‪ ،‬ومن استند على الشّيء بحيث لو زال من تحته سقط ‪ ،‬ل يعتبر‬
‫قائما ‪ .‬أمّا إن كان ل يسقط لو زال ما استند إليه ‪ ،‬فهو عندهم مكرو ٌه ‪ ،‬صرّح به الحنفيّة ‪،‬‬
‫والمالكيّة ‪ ،‬والحنابلة ‪ .‬قال الحلبيّ في شرح المنية ‪ :‬يكره اتّفاقا ‪ -‬أي بين أئمّة الحنفيّة ‪ -‬لما‬
‫فيه من إساءة الدب وإظهار التّجبّر ‪ .‬وعلّل ابن أبي تغلب ‪ -‬من الحنابلة ‪ -‬للكراهة بكون‬
‫الستناد يزيل مشقّة القيام ‪.‬‬
‫ن صلة المستند تصحّ مع الكراهة ‪ ،‬قالوا ‪ :‬لنّه‬
‫والتّجاه الثّاني ‪ :‬قول الشّافعيّة المقدّم لديهم أ ّ‬
‫يسمّى قائما ولو كان بحيث لو أزيل ما اعتمد عليه لسقط ‪.‬‬
‫ن استناد القائم في صلة الفرض جائزٌ ‪ .‬روي ذلك عن أبي سعيدٍ الخدريّ‬
‫والتّجاه الثّالث ‪ :‬أ ّ‬
‫ن الصّلة المفروضة ‪ -‬الّتي‬
‫وأبي ذرّ رضي ال عنهما وجماع ٍة من الصّحابة والسّلف ‪ .‬ثمّ إ ّ‬
‫هذا حكم الستناد فيها ‪ -‬تشمل الفرض العينيّ والكفائيّ ‪ ،‬كصلة الجنازة ‪ ،‬وصلة العيد عند‬
‫من أوجبها ‪ .‬وتشمل الواجب بالنّذر على من نذر القيام فيه على ما صرّح به الدّسوقيّ ‪،‬‬
‫وألحق به الحنفيّة سنّة الفجر على قولٍ لتأكّدها ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬الستناد في الفرض في حال الضّرورة ‪:‬‬
‫‪ - 4‬يتّفق الفقهاء على أنّه إذا وجدت الضّرورة ‪ ،‬بحيث ل يستطيع المصلّي أن يصلّي قائما إلّ‬
‫ن الستناد جائزٌ له ‪ .‬ولكن هل يسقط عنه فرض القيام فيجوز له الصّلة جالسا‬
‫بالستناد ‪ ،‬أ ّ‬
‫مع التّمكّن من القيام بالستناد ؟ للفقهاء في هذه المسألة اتّجاهان ‪:‬‬
‫الوّل ‪ :‬أنّ القيام واجبٌ حينئذٍ ول تصحّ صلته جالسا ‪ .‬وهو مذهب الحنفيّة على الصّحيح‬
‫ح عند المالكيّة ‪ ،‬ذهب إليه ابن شاسٍ وابن الحاجب ‪.‬‬
‫عندهم ‪ ،‬ومذهب الحنابلة ‪ ،‬وقولٌ مرجو ٌ‬
‫قال شارح المنية من الحنفيّة ‪ :‬لو قدر على القيام متوكّئا على عصا أو خادمٍ ‪ .‬قال الحلوانيّ ‪:‬‬
‫الصّحيح أنّه يلزمه القيام متّكئا ‪.‬‬
‫الثّاني ‪ :‬وهو المقدّم عند المالكيّة ‪ ،‬ومقابل الصّحيح عند الحنفيّة ‪ ،‬ومقتضى مذهب الشّافعيّة ‪-‬‬
‫ن فرض القيام ساقطٌ عنه حينئذٍ ‪ ،‬وتجوز صلته جالسا ‪ .‬قال الحطّاب نقلً عن‬
‫كما تقدّم ‪ -‬أ ّ‬
‫ابن رشدٍ ‪ :‬لنّه لمّا سقط عنه القيام ‪ ،‬وجاز له أن يصلّي جالسا ‪ ،‬صار قيامه نافل ًة ‪ ،‬فجاز أن‬
‫يعتمد فيه كما يعتمد في النّافلة ‪ ،‬والقيام مع العتماد أفضل ‪ .‬واشترط المالكيّة لجواز الصّلة‬
‫ض أو جنبٍ ‪ ،‬فإن صلّى مستندا إلى واحدٍ منهما أعاد‬
‫مع العتماد أن يكون استناده لغير حائ ٍ‬
‫ي ل الختياريّ ‪.‬‬
‫في الوقت ‪ ،‬أي الوقت الضّرور ّ‬
‫ج ‪ -‬الستناد في الصّلة أثناء الجلوس ‪:‬‬
‫‪ - 5‬الحكم في الستناد في الجلوس كالحكم في الستناد في القيام تماما ‪ ،‬على ما صرّح به‬
‫الحنفيّة ‪ :‬فإذا لم يقدر على القعود مستويا ‪ ،‬وقدر متّكئا ‪ ،‬يجب أن يصلّي متّكئا أو مستندا أمّا‬
‫ن القيام مستندا أولى من الجلوس مستقلّ ‪ .‬أمّا‬
‫المالكيّة فقد قال الدّردير ما معناه ‪ :‬المعتمد أ ّ‬
‫ل فواجبٌ ل يعدل عنه إلى الجلوس مستندا إلّ عند العجز ‪ .‬وكذا ل يصار إلى‬
‫الجلوس مستق ّ‬
‫الجلوس مستندا ممّن قدر على القيام بالستناد ‪ .‬ومثل ذلك الجلوس مستندا ‪ ،‬فهو مق ّدمٌ وجوبا‬
‫على الصّلة مضطجعا ‪ ،‬ولم نجد للشّافعيّة والحنابلة ذكرا لهذه المسألة ‪.‬‬
‫د ‪ -‬الستناد في النّفل ‪:‬‬
‫‪ - 6‬قال النّوويّ ‪ :‬التّكاء في صلة النّفل جائزٌ على العصيّ ونحوها باتّفاق العلماء إلّ ابن‬
‫سيرين فقد نقلت عنه كراهته ‪ .‬وقال مجاهدٌ ‪ :‬ينقص من أجره بقدره ‪ .‬وقد فصّل الحنفيّة فقالوا‬
‫‪ :‬أنّه مكروهٌ في التّطوّع كما هو مكروهٌ في الفرض ‪ .‬لكن لو افتتح التّطوّع قائما ثمّ أعيا ‪ -‬أي‬
‫كلّ وتعب ‪ -‬فل بأس عليه أن يتوكّأ على عصا أو حائطٍ أو نحو ذلك ‪ .‬وإنّما فرّق الجمهور‬
‫بين الستناد في الفرض فمنعوه ‪ ،‬وأجازوه في النّفل ‪ ،‬لنّ النّفل تجوز صلته من جلوس دون‬
‫قيامٍ ‪ ،‬فكذا يجوز الستناد فيه مع القيام ‪.‬‬
‫الستناد في غير الصّلة ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬استناد النّائم المتوضّئ ‪:‬‬
‫‪ - 7‬ذهب الحنفيّة في ظاهر الرّواية ‪ ،‬والشّافعيّة ‪ ،‬وهو رواي ٌة للحنابلة إلى أنّه إذا نام مستندا‬
‫إلى شيءٍ ‪ -‬بحيث لو زال لسقط ‪ -‬ل ينتقض وضوء المستند في الصحّ ‪ ،‬وعليه عامّة‬
‫المشايخ ‪ ،‬وهذا إذا لم تكن مقعدته زائلةً عن الرض وإلّ نقض اتّفاقا ‪ .‬وذهب المالكيّة ‪ ،‬وهو‬
‫غير ظاهر الرّواية عند الحنفيّة إلى أنّه ينقض الوضوء ‪ ،‬لنّه يعتبر من النّوم الثّقيل ‪ ،‬فإن كان‬
‫ن نوم المستند قليلً‬
‫ل يسقط فهو من النّوم الخفيف الّذي ل ينقض ‪ .‬والمذهب عند الحنابلة أ ّ‬
‫كان أو كثيرا ينقض ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬الستناد إلى القبور ‪:‬‬
‫‪ - 8‬يكره الستناد إلى القبور عند جمهور الفقهاء ‪ ،‬صرّح بذلك الحنفيّة والشّافعيّة والحنابلة ‪،‬‬
‫وقد ألحقوا الستناد بالجلوس الّذي وردت الحاديث بالنّهي عنه ‪ .‬قال ابن قدامة ‪ :‬يكره‬
‫الجلوس على القبر ‪ ،‬والتّكاء عليه ‪ ،‬والستناد إليه ‪ ،‬لحديث أبي هريرة مرفوعا ‪ « :‬لن‬
‫يجلس أحدكم على جمر ٍة فتحرق ثيابه فتخلص إلى جلده خيرٌ له من أن يجلس على قبرٍ » ‪.‬‬
‫ي صلى ال عليه وسلم رأى رجلً قد اتّكأ على قبرٍ فقال ‪ :‬ل‬
‫ن النّب ّ‬
‫وقال الخطّابيّ ‪ :‬روي « أ ّ‬
‫تؤذ صاحب القبر » ‪.‬‬
‫وقد قيّد الشّافعيّة الكرامة بعدم الحاجة إلى الستناد ‪ ،‬وبكون الستناد إلى قبر مسلمٍ ‪ .‬وقواعد‬
‫غيرهم ل تأبى هذا التّقييد ‪ .‬وأمّا المالكيّة فيرون أنّه ل كراهة في الجلوس على القبر ‪ ،‬ومن‬
‫باب أولى الستناد إليه ‪ .‬قال الدّسوقيّ ‪ :‬يجوز الجلوس على القبر مطلقا ‪ .‬وأمّا ما ورد من‬
‫ل على الجلوس لقضاء الحاجة ‪.‬‬
‫حرمة الجلوس على القبر فهو محمو ٌ‬
‫المبحث الثّاني ‪ :‬الستناد بمعنى الحتجاج ‪:‬‬
‫‪ - 9‬يأتي الستناد بمعنى الحتجاج بما يقوّي القضيّة المدّعاة ‪ ،‬ويكون إمّا في مقام المناظرة‬
‫والستدلل والجتهاد ‪ ،‬فيرجع لمعرفة أحكامه إلى أبواب الدلّة ‪ ،‬وباب الجتهاد من علم‬
‫الصول ‪ .‬وإمّا في دعوى أمام القضاء ‪ ،‬فيرجع لمعرفة أحكامه إلى مصطلح ( إثباتٌ ) ‪.‬‬
‫المبحث الثّالث ‪ :‬الستناد بمعنى ثبوت الحكم بأثرٍ رجعيّ ‪:‬‬
‫‪ - 10‬الستناد بهذا المعنى ‪ :‬هو أن يثبت الحكم في الحال لتحقّق علّته ‪ ،‬ثمّ يعود الحكم‬
‫القهقريّ ليثبت في الماضي تبعا لثبوته في الحاضر ‪ .‬ومن أمثلته ‪ :‬أنّ المغصوب إذا تلف‬
‫تحت يد الغاصب بفعله أو بغير فعله يضمنه بمثله أو بقيمته ‪ ،‬فإذا ضمنه ملكه ملكا مستندا إلى‬
‫وقت وجود سبب الضّمان ‪ ،‬حتّى أنّه يملك زوائده المتّصلة الّتي وجدت من حين الغصب إلى‬
‫حين الضّمان ‪ ،‬لنّها نماء ملكه ‪.‬‬
‫ن البيع الموقوف نفاذه على إجازة من له حقّ الجازة ‪ -‬كبيع الصّبيّ‬
‫ومن أمثلته أيضا أ ّ‬
‫المميّز يقف نفاذه على إجازة وليّه ‪ -‬إذا أجازه نفذ نفاذا مستندا إلى وقت وجود العقد ‪ ،‬حتّى‬
‫يملك المشتري زوائده المتّصلة والمنفصلة ‪ .‬واستعمال لفظ الستناد بهذا المعنى هو مصطلحٌ‬
‫للحنفيّة خاصّ ًة ‪ .‬والمالكيّة والشّافعيّة والحنابلة يستعملون بدلً منه اصطلح " التّبيّن " ‪،‬‬
‫والمالكيّة يعبّرون أيضا عن ذلك المعنى " بالنعطاف " ‪ .‬ومعنى الستناد في الجازة مثلً أنّ‬
‫العقد الموقوف إذا أجيز يكون للجازة استنادٌ وانعطافٌ ‪ ،‬أي تأثيرٌ رجعيّ ‪ ،‬فبعد الجازة‬
‫ن الجازة لم تنشئ العقد إنشاءً بل أنفذته إنفاذا ‪،‬‬
‫يستفيد العاقد من ثمرات العقد منذ انعقاده ‪ ،‬ل ّ‬
‫أي فتحت الطّريق لثاره الممنوعة المتوقّفة لكي تمرّ وتسري ‪ ،‬فتلحق تلك الثار بالعقد المولّد‬
‫لها اعتبارا من تاريخ انعقاده ‪ ،‬ل من تاريخ الجازة فقط ‪ .‬فبعد الجازة يعتبر الفضوليّ‬
‫ن تصرّفات الوكيل نافذ ٌة على الموكّل منذ صدورها‬
‫كوكيلٍ عن صاحب العقد قبل العقد ‪ ،‬وبما أ ّ‬
‫‪ ،‬يكون عقد الفضوليّ نافذا على المجيز نفاذا مستندا إلى تاريخ العقد ‪.‬‬
‫ص بالحنفيّة فسيكون كلمنا في هذا المبحث معبّرا عن‬
‫هذا ‪ ،‬ومن أجل أنّ هذا الصطلح خا ّ‬
‫مذهب الحنفيّة خاصّةً ‪ ،‬إلّ في المواضع الّتي ينصّ فيها على غيرهم ‪.‬‬
‫‪ - 11‬وقد ذكر ابن نجيمٍ أنّ الحكام تثبت بطرقٍ أربعٍ ‪ ،‬فذكر مع الستناد الّذي سبق بيانه ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬القتصار ‪ :‬وهو الصل ‪ .‬كما إذا أنشأ طلقا منجّزا غير معّلقٍ ‪ ،‬فإنّ الطّلق يقع عند هذا‬
‫القول في الحال ‪ ،‬فيقتصر عليه ول يكون له أثرٌ رجعيّ ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬والنقلب ‪ :‬هو أن يثبت الحكم في وقتٍ لحقٍ متأخّرٍ عن القول ‪ ،‬كما لو قال لزوجته ‪:‬‬
‫أنت طالقٌ إن دخلت الدّار ‪ ،‬ل يثبت به الطّلق في الحال ‪ ،‬لكن إن دخلتها طلقت بدخولها ‪.‬‬
‫ن ما ليس بعلّةٍ ‪ -‬وهو الصّيغة المعلّقة ‪ -‬انقلب عّلةً بوجود الدّخول ‪،‬‬
‫ووجه تسميته انقلبا ‪ :‬أ ّ‬
‫ن قوله ‪ :‬أنت طالقٌ ليس بعلّةٍ للطّلق قبل دخولها البيت ‪ ،‬ومتى دخلت انقلب فأصبح‬
‫إذ أ ّ‬
‫ن ذلك القائل جعل للعّليّة شرطا وقد تحقّق ‪.‬‬
‫عّلةً ‪ ،‬ل ّ‬
‫ن الحكم كان ثابتا من قبل ‪ ،‬كما لو قال‬
‫ج ‪ -‬والتّبيّن أو الظّهور ‪ :‬وهو أن يظهر في الحال أ ّ‬
‫ن زيدا كان في الدّار‬
‫يوم الجمعة ‪ :‬إن كان زيدٌ في الدّار فأنت طالقٌ ‪ ،‬ثمّ يتبيّن يوم السّبت أ ّ‬
‫يوم الجمعة ‪ ،‬فإنّ الطّلق يقع يوم الجمعة عند قوله ذاك ‪ ،‬وإن لم يتبيّن أنّه وقع يوم الجمعة‬
‫إلّ في يوم السّبت ‪ .‬والعدّة تبتدئ يوم الجمعة ‪.‬‬
‫التّفريق بين الستناد والتّبيّن ‪:‬‬
‫‪ - 12‬في حالة الستناد لم يكن الحكم ثابتا في نفس المر في الماضي ‪ ،‬ثمّ لمّا ثبت في‬
‫الحاضر رجع ثبوته القهقريّ فانسحب على المدّة السّابقة ‪ ،‬أمّا في التّبيّن فقد كان الحكم ثابتا‬
‫في نفس المر ولكن تأخّر العلم به ‪ ،‬ومن هنا ظهر بين المرين الفروق التّالية ‪:‬‬
‫الوّل ‪ :‬أنّ حالة التّبيّن يمكن أن يطّلع العباد فيها على الحكم ‪ .‬وفي الستناد ل يمكن ‪ .‬ففي‬
‫المثال السّابق للتّبيّن وهو قوله ‪ :‬إن كان زيدٌ في الدّار فأنت طالقٌ ثمّ علم كونه في الدّار بعد‬
‫ن العلم بكونه في الدّار ممّا يدخل في طوق العباد ‪ ،‬بخلف العلم بإجازة الوليّ لبيع‬
‫مدّةٍ ‪ ،‬فإ ّ‬
‫الصّبيّ ‪ ،‬فإنّه ل يمكن العلم بإجازته قبل أن يجيز ‪.‬‬
‫ن حالة التّبيّن ل يشترط فيها قيام المحلّ عند حصول تبيّن الحكم ‪ ،‬ول استمرار‬
‫الثّاني ‪ :‬أ ّ‬
‫وجوده إلى حين التّبيّن ‪ .‬فلو قال لزوجته ‪ :‬أنت طالقٌ إن كان زيدٌ في الدّار ‪ ،‬فحاضت ثلث‬
‫ن زيدا كان في الدّار في ذلك الوقت ‪ ،‬ل تقع الثّلث ‪ ،‬لنّه‬
‫حيضٍ ثمّ طلّقها ثلثا ‪ ،‬ثمّ ظهر أ ّ‬
‫ن إيقاع الثّلث كان بعد انقضاء العدّة ‪ .‬أمّا في حالة الستناد فل بدّ من‬
‫تبيّن وقوع الوّل ‪ ،‬وأ ّ‬
‫قيام المحلّ حال ثبوت الحكم ‪ ،‬وعدم انقطاع وجوده من وقت ثبوت الحكم ‪ ،‬عودا إلى الوقت‬
‫الّذي استند إليه ‪ ،‬كما في الزّكاة تجب بتمام الحول ‪ ،‬ويستند وجوبها إلى وقت وجود‬
‫النّصاب ‪ ،‬فلو كان عند تمّام الحول مفقودا ‪ ،‬أو انقطع أثناءه لم يثبت الوجوب في آخر الحول‬
‫‪.‬‬
‫الستناد من وجهٍ دون وجهٍ ‪:‬‬
‫‪ - 13‬إذا استند الملك فإنّه في الفترة ما بين التّصرّف إلى حصول الجازة وما يقوم معها ‪-‬‬
‫كضمان المضمونات ‪ -‬ملكٌ ناقصٌ ‪ ،‬وليس كغيره من الملك التّامّ ‪.‬‬
‫ويتفرّع على هذه المسألة فرعان ‪:‬‬
‫الفرع الوّل ‪ :‬لو غصب عينا فزادت عنده زيادةً متّصل ًة كالسّمن ‪ ،‬أو منفصلةً كالولد ‪ ،‬فإذا‬
‫ضمن الغاصب المغصوب فيما بعد ‪ ،‬ملكه ملكا مستندا إلى وقت الغصب ‪ .‬أمّا الزّيادة‬
‫المتّصلة كسمن الدّابّة فل يضمنها ‪ ،‬لنّها تكون قد حدثت على ملكه ‪ .‬وأمّا الزّيادة المنفصلة‬
‫الّتي حصلت بعد الغصب وقبل الضّمان ‪ ،‬لو باعها أو استهلكها ‪ ،‬فإنّه يضمنها ‪ ،‬لنّها في‬
‫الصل غير مضمونة عليه ‪ ،‬إذ قد حدثت عنده أمان ًة في يده فل يضمنها إلّ بالتّعدّي أو‬
‫التّفريط ‪ ،‬وببيعها أو استهلكها يكون متعدّيا ‪ ،‬فكان غاصبا لها فيضمنها على تفصيلٍ موطنه‬
‫الغصب ‪ .‬فظهر الستناد من جهة الزّوائد المتّصلة ‪ ،‬واقتصر الملك على الحال من جهة‬
‫الزّوائد المنفصلة ‪ .‬قال الكاسانيّ ‪ :‬أثبتنا الملك بطريق الستناد ‪ ،‬فالمستند يظهر من وجهٍ‬
‫ويقتصر على الحال من وج ٍه ‪ ،‬فيعمل بشبه الظّهور في الزّوائد المتّصلة ‪ ،‬وبشبه القتصار في‬
‫المنفصلة ‪ ،‬ليكون عملً بالشّبهين بقدر المكان ‪.‬‬
‫الفرع الثّاني ‪ :‬لو استغلّ الغاصب المغصوب ‪ ،‬كما لو آجر الدّابّة ‪ ،‬فإنّه يتصدّق بالغلّة على‬
‫قول أبي حنيفة ومح ّمدٍ ‪ ،‬ول يلزمه أن يتصدّق بالغلّة على قول أبي يوسف ‪ ،‬لنّه حصل في‬
‫ملكه حين أدّى ضمانه مستندا إلى حين الغصب ‪ .‬وقال البابرتيّ ‪ :‬وإنّما قال أبو حنيفة‬
‫بالتّصدّق بالغلّة لنّها حصلت بسببٍ خبيثٍ وهو التّصرّف في ملك الغير ‪ ،‬وهو وإن دخل في‬
‫ملكه من حين الغصب ‪ ،‬إلّ أنّ الملك المستند ناقصٌ لكونه ثابتا فيه من وجهٍ دون وجهٍ ‪ ،‬ولهذا‬
‫يظهر في حقّ المغصوب القائم دون الفائت ‪ ،‬فل ينعدم فيه الخبث ‪.‬‬
‫ما نشأ عن اعتبار الجازة مستندةً في البيع الموقوف ‪:‬‬
‫‪ - 14‬نشأ عن نظريّة استناد إجازة التّصرّفات الموقوفة إلى وقت النعقاد إن اشترطوا لصحّة‬
‫ل عند العقد ‪ ،‬بالضافة إلى قيام العاقدين ‪ .‬ولذا يقول الحصكفيّ ‪:‬‬
‫الجازة قيام المجيز والمح ّ‬
‫كلّ تصرّفٍ صدر من الفضوليّ وله مجيزٌ ‪ -‬أي من يقدر على إمضائه حال وقوعه ‪ -‬انعقد‬
‫ن صبيّا باع عينا ثمّ بلغ قبل إجازة وليّه فأجازه‬
‫موقوفا ‪ ،‬وما ل مجيز له ل ينعقد أصلً ‪ .‬فلو أ ّ‬
‫ن له وليّا يجيزه حالة العقد ‪ ،‬بخلف ما لو طلّق مثلً ثمّ بلغ فأجازه بنفسه ‪،‬‬
‫بنفسه جاز ‪ ،‬ل ّ‬
‫لنّه وقت قيام التّصرّف ل مجيز له ‪ -‬أي لنّ وليّه ل يملك إجازة الطّلق ‪ -‬فيبطل ‪ ،‬إلّ أن‬
‫يوقع الطّلق حينئذٍ ‪ ،‬كأن يقول بعد البلوغ ‪ :‬أوقعت ذلك الطّلق ‪.‬‬
‫ما يدخله الستناد ‪:‬‬
‫‪ - 15‬يدخل الستناد في تصرّفات شرعيّ ٍة كثيرةٍ ‪ :‬منها في العبادة كما ذكر ابن نجي ٍم في‬
‫ن الزّكاة تجب بتمام الحول مستندا إلى أوّل وجود النّصاب ‪.‬‬
‫الشباه ‪ :‬أ ّ‬
‫وكطهارة المستحاضة تنتقض عند خروج الوقت مستندا إلى وقت الحدث ‪ ،‬ل إلى خروج‬
‫الوقت ‪ ،‬وكطهارة المتيمّم ‪ ،‬تنتقض عند رؤية الماء مستندا إلى وقت الحدث ل إلى رؤية الماء‬
‫‪ ،‬فلو لبست المستحاضة الخفّ مع السّيلن أو بعده لم تمسح عليه ‪ ،‬ولو لبس المتيمّم الخفّ بعد‬
‫تيمّمه ل يجوز له المسح عليه ‪ .‬ووضّح ذلك الكرلنيّ من الحنفيّة بالنّسبة للمستحاضة بأنّ‬
‫الثّابت بالستناد ثابتٌ من وجهٍ دون وجهٍ ‪ ،‬لنّه بين الظّهور والقتصار ‪ ،‬لنّ انتقاض‬
‫الوضوء حكم الحدث ‪ ،‬والحدث وجد في تلك الحالة ‪ ،‬فهذا يقتضي صيرورتها محدثةً معلّقةً‬
‫بخروج الوقت ‪ ،‬وخروج الوقت وجد الن ‪ ،‬فهذا يقتضي صيرورتها محدث ًة في الحال ‪،‬‬
‫فجعلناه ظهورا من وج ٍه اقتصارا من وجهٍ ‪ ،‬ولو كان ظهورا من كلّ وج ٍه ل يجوز المسح ‪،‬‬
‫ولو كان اقتصارا من كلّ وج ٍه لجاز المسح ‪ ،‬فقلنا ل يجوز المسح أخذا بالحتياط ‪.‬‬
‫‪ - 16‬ويكون الستناد أيضا في البيوع الموقوف نفاذها على الجازة كما تقدّم ‪ .‬ومن البيوع‬
‫الموقوفة بيع المكره والمرتدّ ‪ ،‬وما صدر من مالكٍ غير أهلٍ لتولّي طرفي العقد ‪ ،‬كالصّبيّ‬
‫المميّز والسّفيه المحجور عليه ‪ ،‬وبيع المحجور عليه لحقّ الدّائنين ‪ ،‬وما صدر ممّن ليس له‬
‫ق الغير كالمرهون ‪.‬‬
‫ي ‪ .‬وكذا لو باع المالك ما تعلّق به ح ّ‬
‫ولي ٌة شرعيّ ٌة كالفضول ّ‬
‫ويدخل الستناد أيضا سائر العقود والسقاطات والتّصرّفات الّتي تتوقّف على الجازة ‪ ،‬فمثلً‬
‫ي تمليكا كتزويجٍ ‪ ،‬أو إسقاطا كطلقٍ وإعتاقٍ ‪ ،‬ينعقد موقوفا‬
‫كلّ تصرّفٍ صدر من الفضول ّ‬
‫على الجازة ويستند ‪ .‬والقاعدة في ذلك أنّ " الجازة اللّحقة كالوكالة السّابقة " ( ر ‪ :‬إجازةٌ )‬
‫‪ .‬وكذا العقود الّتي فيها الخيار للطّرفين ‪ ،‬أو لحدهما إذا أجازها من له الخيار فلزمت ‪ ،‬فإنّها‬
‫تلزم لزوما مستندا إلى وقت النعقاد ‪ ،‬لنّها موقوف ٌة على قولٍ ‪ ،‬والمضمونات تملك بأداء‬
‫الضّمان ملكا مستندا إلى وقت سبب الضّمان ‪.‬‬
‫ويكون الستناد أيضا في الوصيّة إذا قبل الموصى له المعيّن ما أوصى له به ‪ ،‬عند من يثبت‬
‫الملك فيه من حين موت الموصي ‪ ،‬وهو القول الصحّ للشّافعيّة ‪ ،‬وهو وج ٌه مرجوحٌ عند‬
‫الحنابلة ‪ ،‬وعليه فيطالب الموصى له بثمرة الموصى به ‪ ،‬وتلزمه نفقته وفطرته وغيرهما من‬
‫حين موت الموصي ‪.‬‬
‫ي بأكثر من الثّلث ‪ ،‬أو لوارثٍ ‪ ،‬وتبرّعات المريض في‬
‫وممّا يدخله الستناد ‪ :‬الوصيّة لجنب ّ‬
‫مرض الموت ‪ ،‬إذ يتوقّف ذلك على إجازة الورثة ‪ ،‬ويستند إلى وقت وفاة الموصي عند بعض‬
‫الفقهاء ‪.‬‬
‫الستناد في الفسخ والنفساخ ‪:‬‬
‫ن الفسخ ل يرفع العقد من أصله ‪ ،‬وإنّما في‬
‫‪ - 17‬مذهب الحنفيّة ‪ ،‬وهو الصحّ عند الشّافعيّة أ ّ‬
‫خ فيما يستقبل من الزّمان دون الماضي على ما نقل شيخ السلم خواهر زاده ‪ .‬وعند‬
‫فس ٍ‬
‫الشّافعيّة في القول المرجوح ‪ ،‬وهو أحد وجهين للحنابلة يستند الفسخ إلى وقت العقد ‪.‬‬

‫استنباطٌ *‬
‫التعريف ‪:‬‬
‫‪ - 1‬الستنباط لغةً ‪ :‬استفعالٌ من أنبط الماء إنباطا بمعنى استخرجه ‪ .‬وكلّ ما أظهر بعد خفاءٍ‬
‫فقد أنبط واستنبط ‪ .‬واستنبط الفقيه الحكم ‪ :‬استخرجه باجتهاده ‪ .‬قال اللّه تعالى ‪ { :‬ولو ردّوه‬
‫إلى الرّسول وإلى أولي المر منهم لعلمه الّذين يستنبطونه منهم } واستنبطه واستنبط منه علما‬
‫ل ‪ :‬استخرجه ‪ .‬وهو مجازٌ ‪.‬‬
‫وخيرا وما ً‬
‫ويستخلص من استعمال الفقهاء والصوليّين تعريف الستنباط بأنّه ‪ :‬استخراج الحكم أو العلّة‬
‫إذا لم يكونا منصوصين ول مجمعا عليهما بنوعٍ من الجتهاد ‪ .‬فيستخرج الحكم بالقياس ‪ ،‬أو‬
‫الستدلل ‪ ،‬أو الستحسان ‪ ،‬أو نحوها ‪ ،‬وتستخرج العلّة بالتّقسيم والسّبر ‪ ،‬أو المناسبة ‪ ،‬أو‬
‫غيرها ممّا يعرف بمسالك العلّة ‪.‬‬
‫اللفاظ ذات الصّلة ‪:‬‬

‫أ ‪ -‬الجتهاد ‪:‬‬
‫‪ - 2‬هو بذل الطّاقة من الفقيه في تحصيل حكمٍ شرعيّ ظ ّنيّ ‪ ،‬فالفرق بينه وبين الستنباط أنّه‬
‫ن الجتهاد كما يكون في استخراج الحكم أو العلّة ‪ ،‬يكون في دللت‬
‫أعمّ من الستنباط ‪ ،‬ل ّ‬
‫النّصوص والتّرجيح عند التّعارض ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬التّخريج ‪:‬‬
‫‪ - 3‬يستعمل هذا التّعبير كلّ من الفقهاء والصوليّين ‪ ،‬وهو نوعٌ من الستنباط ‪ ،‬ومعناه عندهم‬
‫‪ :‬استخراج الحكم بالتّفريع على نصّ المام في صورةٍ مشابهةٍ ‪ ،‬أو على أصول إمام المذهب‬
‫كالقواعد الكّليّة الّتي يأخذ بها ‪ ،‬أو الشّرع ‪ ،‬أو العقل ‪ ،‬من غير أن يكون الحكم منصوصا‬
‫عليه من المام ‪ .‬ومن أمثلته ‪ :‬التّفريع على قاعدة عدم التّكليف بما ل يطاق ‪ .‬هذا حاصل ما‬
‫ن التّخريج أن ينقل‬
‫ذكره ابن بدران من الحنابلة ‪ .‬وقال السّقّاف من الشّافعيّة ما حاصله ‪ :‬إ ّ‬
‫ص إمامهم في صور ٍة إلى صور ٍة مشابهةٍ ‪.‬‬
‫فقهاء المذهب الحكم من ن ّ‬
‫ف للحكم المنقول ‪ ،‬فيكون له في هذه‬
‫وقد يكون للمام نصّ في الصّورة المنقول إليها مخال ٌ‬
‫ل منصوصٌ وقولٌ مخرّجٌ ‪ .‬وتخريج المناط عند الصوليّين معناه ‪ :‬إظهار‬
‫الصّورة قولن ‪ ،‬قو ٌ‬
‫ما علّق عليه الحكم ‪ ،‬أي إظهار العلّة ‪.‬‬
‫ج ‪ -‬البحث ‪:‬‬
‫‪ - 4‬قال ابن حجرٍ الهيتميّ ‪ :‬البحث ما يفهم فهما واضحا من الكلم العامّ للصحاب ‪ ،‬المنقول‬
‫ل عامّ ‪ .‬وقال السّقّاف ‪ :‬البحث هو الّذي استنبطه الباحث من نصوص‬
‫عن صاحب المذهب بنق ٍ‬
‫المام وقواعده الكّليّة ‪.‬‬
‫مواطن البحث ‪:‬‬
‫يرجع لمعرفة مسائل الستنباط إلى ( الجتهاد ) ( والقياس ‪ -‬مسالك العلّة ) والملحق‬
‫الصوليّ ‪.‬‬
‫استنتار *‬
‫انظر ‪ :‬استبراءٌ ‪.‬‬
‫استنثارٌ *‬
‫التعريف ‪:‬‬
‫‪ - 1‬الستنثار ‪ :‬هو نثر ما في النف من مخاطٍ وغيره بالنّفس ‪ ،‬واستنثر النسان ‪ :‬استنشق‬
‫الماء ‪ ،‬ثمّ استخرج ذلك بنفس النف ‪ .‬ول يخرج استعمال الفقهاء عن المعنى اللّغويّ ‪.‬‬
‫الحكم الجماليّ ‪:‬‬
‫‪ - 2‬الستنثار سنّ ٌة في الطّهارة ‪ ،‬لما ورد في صفة وضوء رسول اللّه صلى ال عليه وسلم‬
‫أنّه « تمضمض واستنشق واستنثر » ‪ .‬وللفقهاء تفصيلٌ في كيفيّته ‪.‬‬
‫مواطن البحث ‪:‬‬
‫‪ - 3‬تنظر أحكام الستنثار وكيفيّته تحت مصطلح ( وضوءٌ ) ( وغسلٌ ) ‪.‬‬

‫استنجاءٌ *‬
‫التعريف ‪:‬‬
‫‪ - 1‬من معاني الستنجاء ‪ :‬الخلص من الشّيء ‪ ،‬يقال ‪ :‬استنجى حاجته منه ‪ ،‬أي خلّصها ‪.‬‬
‫والنّجوة ما ارتفع من الرض فلم يعلها السّيل ‪ ،‬فظننتها نجاءك ‪.‬‬
‫وأنجيت الشّجرة واستنجيتها ‪ :‬قطعتها من أصلها ‪ .‬ومأخذ الستنجاء في الطّهارة ‪،‬‬
‫قال شمرٌ ‪ :‬أراه من الستنجاء بمعنى القطع ‪ ،‬لقطعه العذرة بالماء ‪ ،‬وقال ابن قتيبة ‪ :‬مأخوذٌ‬
‫من النّجوة وهي ما ارتفع من الرض ‪ ،‬لنّه إذا أراد قضاء الحاجة استتر بها ‪.‬‬
‫ن الستنجاء‬
‫وقد اختلفت عبارات الفقهاء في تعريف الستنجاء اصطلحا ‪ ،‬وكلّها تلتقي على أ ّ‬
‫إزالة ما يخرج من السّبيلين ‪ ،‬سوا ٌء بالغسل أو المسح بالحجارة ونحوها عن موضع الخروج‬
‫وما قرب منه ‪ .‬وليس غسل النّجاسة عن البدن أو عن الثّوب استنجاءً ‪.‬‬
‫اللفاظ ذات الصّلة ‪:‬‬

‫أ ‪ -‬الستطابة ‪:‬‬
‫ل عند‬
‫‪ - 2‬الستطابة هي بمعنى الستنجاء ‪ ،‬تشمل استعمال الماء والحجارة ‪ .‬وفي قو ٍ‬
‫ص من الستنجاء ‪ .‬وأصلها من‬
‫الشّافعيّة أنّها خاصّ ٌة باستعمال الماء ‪ ،‬فتكون حينئذٍ أخ ّ‬
‫الطّيب ‪ ،‬لنّها تطيّب المحلّ بإزالة ما فيه من الذى ‪ ،‬ولذا يقال فيها أيضا الطابة ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬الستجمار ‪:‬‬
‫‪ - 3‬الجمار ‪ :‬الحجارة ‪ ،‬جمع جمر ٍة وهي الحصاة ‪ .‬ومعنى الستجمار ‪ :‬استعمال الحجارة‬
‫ونحوها في إزالة ما على السّبيلين من النّجاسة ‪.‬‬
‫ج ‪ -‬الستبراء ‪:‬‬
‫‪ - 4‬الستبراء لغ ًة طلب ‪ :‬البراءة ‪ ،‬وفي الصطلح ‪ :‬طلب البراءة من الخارج بما تعارفه‬
‫ح أو غيرهما إلى أن تنقطع المادّة ‪ ،‬فهو خارجٌ عن ماهيّة‬
‫النسان من مشيٍ أو تنحن ٍ‬
‫الستنجاء ‪ ،‬لنّه مقدّمةٌ له ‪.‬‬
‫د ‪ -‬الستنقاء ‪:‬‬
‫‪ - 5‬الستنقاء ‪ :‬طلب النّقاوة ‪ ،‬وهو أن يدلك المقعدة بالحجار ‪ ،‬أو بالصابع حالة الستنجاء‬
‫ص من الستنجاء ‪ ،‬ومثله النقاء ‪ .‬قال ابن قدامة ‪ :‬هو أن تذهب‬
‫بالماء حتّى ينقّيها ‪ ،‬فهو أخ ّ‬
‫لزوجة النّجاسة وآثارها ‪.‬‬
‫حكم الستنجاء ‪:‬‬
‫‪ - 6‬في حكم الستنجاء ‪ -‬من حيث الجملة ‪ -‬رأيان للفقهاء ‪:‬‬
‫الوّل ‪ :‬أنّه واجبٌ إذا وجد سببه ‪ ،‬وهو الخارج ‪ ،‬وهو قول المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة ‪.‬‬
‫واستدلّوا بقول النّبيّ صلى ال عليه وسلم ‪ « :‬إذا ذهب أحدكم إلى الغائط فليذهب معه بثلثة‬
‫أحجارٍ ‪ ،‬يستطيب بهنّ ‪ ،‬فإنّها تجزي عنه » وقوله ‪ « :‬ل يستنجي أحدكم بدون ثلثة أحجارٍ »‬
‫رواه مسلمٌ وفي لفظٍ له ‪ « :‬لقد نهانا أن نستنجي بدون ثلثة أحجارٍ » ‪ ،‬قالوا ‪ :‬والحديث‬
‫الوّل أمرٌ ‪ ،‬والمر يقتضي الوجوب ‪ .‬وقال ‪ « :‬فإنّها تجزي عنه » والجزاء إنّما يستعمل‬
‫في الواجب ‪ ،‬ونهى عن القتصار على أقلّ من ثلثةٍ ‪ ،‬والنّهي يقتضي التّحريم ‪ ،‬وإذا حرّم‬
‫ترك بعض النّجاسة فجميعها أولى ‪.‬‬
‫‪ - 7‬الرّأي الثّاني ‪ :‬أنّه مسنونٌ وليس بواجبٍ ‪ .‬وهو قول الحنفيّة ‪ ،‬وروايةٌ عن مالكٍ ‪ .‬ففي‬
‫منية المصلّي ‪ :‬الستنجاء مطلقا سنّةٌ ل على سبيل التّعيين من كونه بالحجر أو بالماء ‪ ،‬وهو‬
‫قول المزنيّ من أصحاب الشّافعيّ ‪ .‬ونقل صاحب المغني من قول ابن سيرين فيمن صلّى بقومٍ‬
‫ولم يستنج ‪ ،‬قال ‪ :‬ل أعلم به بأسا ‪ .‬قال الموفّق ‪ :‬يحتمل أنّه لم ير وجوب الستنجاء ‪ .‬واحتجّ‬
‫الحنفيّة بما في سنن أبي داود من قول النّبيّ صلى ال عليه وسلم « من استجمر فليوتر ‪ ،‬من‬
‫فعل فقد أحسن ‪ ،‬ومن ل فل حرج » قال في مجمع النهر ‪ :‬لنّه لو كان واجبا لما انتفى‬
‫الحرج عن تاركه ‪ .‬واحتجّوا أيضا بأنّه نجاس ٌة قليلةٌ ‪ ،‬والنّجاسة القليلة عفوٌ ‪.‬‬
‫وفي السّراج الوهّاج للحنفيّة ‪ :‬الستنجاء خمسة أنواعٍ ‪ .‬أربعةٌ فريض ٌة ‪ :‬من الحيض والنّفاس‬
‫والجنابة ‪ ،‬وإذا تجاوزت النّجاسة مخرجها ‪.‬‬
‫وواحدٌ سنّةٌ ‪ ،‬وهو ما إذا كانت النّجاسة قدر المخرج ‪ .‬وقد رفض ابن نجيمٍ هذا التّقسيم ‪،‬‬
‫وقرّر أنّ الثّلثة هي من باب إزالة الحدث ‪ ،‬والرّابع من باب إزالة النّجاسة العينيّة عن البدن ‪،‬‬
‫ل القسم المسنون ‪ .‬وأقرّ ابن عابدين التّقرير ‪ .‬وقال‬
‫وليس ذلك من باب الستنجاء ‪ ،‬فلم يبق إ ّ‬
‫ك رحمه ال في‬
‫ن من ترك الستنجاء وصلّى بالنّجاسة أعاد ‪ ،‬قال ‪ :‬ولمال ٍ‬
‫القرافيّ بعد أن ذكر أ ّ‬
‫العتبية ‪ :‬ل إعادة عليه ‪ ،‬ثمّ ذكر الحديث المتقدّم ‪ « :‬من استجمر فليوتر ‪ ،‬من فعل فقد‬
‫أحسن ‪ ،‬ومن ل فل حرج » وقال ‪ :‬الوتر يتناول المرّة الواحدة ‪ ،‬فإذا نفاها لم يبق شيءٌ ‪،‬‬
‫ولنّه محلّ تعمّ به البلوى فيعفى عنه ‪ ،‬وهذا يقتضي أنّ عند مالكٍ قولً بعدم الوجوب ‪ .‬ثمّ هو‬
‫عند الحنفيّة سنّ ٌة مؤكّد ٌة لمواظبته صلى ال عليه وسلم ‪ .‬وبنى ابن عابدين على ذلك كراهة‬
‫تركه ‪ ،‬ونقله أيضا عن البدائع ‪ .‬ونقل عن الخلصة والحلية نفي الكراهة ‪ ،‬بناءً على أنّه‬
‫ب ل سنّ ٌة ‪ ،‬بخلف النّجاسة المعف ّو عنها في غير موضع الحدث فتركها يكره ‪.‬‬
‫مستح ّ‬
‫وقت وجوب الستنجاء عند القائلين بوجوبه ‪:‬‬
‫‪ - 8‬إنّ وجوب الستنجاء إنّما هو لصحّة الصّلة ‪ .‬ولذا قال الشبراملسي من الشّافعيّة ‪ :‬ل‬
‫يجب الستنجاء على الفور ‪ ،‬بل عند القيام إلى الصّلة حقيق ًة أو حكما ‪ ،‬بأن دخل وقت‬
‫الصّلة وإن لم يرد فعلها في أوّله ‪ .‬فإذا دخل وقت الصّلة وجب وجوبا موسّعا بسعة الوقت ‪،‬‬
‫ومضيّقا بضيقه ‪ .‬ث ّم قال ‪ :‬نعم ‪ ،‬إن قضى حاجته في الوقت ‪ ،‬وعلم أنّه ل يجد الماء في‬
‫الوقت ‪ ،‬وجب استعمال الحجر فورا ‪.‬‬
‫علقة الستنجاء بالوضوء ‪ ،‬والتّرتيب بينهما ‪:‬‬
‫‪ - 9‬الستنجاء من سنن الوضوء قبله عند الحنفيّة والشّافعيّة ‪ ،‬والرّواية المعتمدة للحنابلة ‪ ،‬فلو‬
‫س ّنيّة ‪ ،‬لنّه إزالة نجاس ٍة ‪ ،‬فلم تشترط لصحّة الطّهارة ‪ ،‬كما لو كانت‬
‫أخّره عنه جاز وفاتته ال ّ‬
‫على غير الفرج ‪ .‬وصرّح المالكيّة بأنّه ل يعدّ من سنن الوضوء ‪ ،‬وإن استحبّوا تقديمه عليه ‪.‬‬
‫ط في صحّة‬
‫أمّا الرّواية الخرى عند الحنابلة ‪ :‬فالستنجاء قبل الوضوء ‪ -‬إذا وجد سببه ‪ -‬شر ٌ‬
‫الصّلة ‪ .‬فلو توضّأ قبل الستنجاء لم يصحّ ‪ ،‬وعلى هذه الرّواية اقتصر صاحب كشّاف القناع‬
‫ق صاحب الضّرورة ‪ -‬يعنون صاحب‬
‫‪ .‬قال الشّافعيّة ‪ :‬وهذا في حقّ السّليم ‪ ،‬أمّا في ح ّ‬
‫السّلس ونحوه ‪ -‬فيجب تقديم الستنجاء على الوضوء ‪.‬‬
‫وعلى هذا ‪ ،‬فإذا توضّأ السّليم قبل الستنجاء ‪ ،‬يستجمر بعد ذلك بالحجار ‪ ،‬أو يغسله بحائلٍ‬
‫بينه وبين يديه ‪ ،‬ول يمسّ الفرج ‪ .‬وقواعد المذاهب الخرى ل تأبى ذلك التّفصيل ‪.‬‬
‫علقة الستنجاء بالتّيمّم ‪ ،‬والتّرتيب بينهما ‪:‬‬
‫‪ - 10‬للفقهاء في ذلك اتّجاهان ‪:‬‬
‫التّجاه الوّل ‪ :‬أنّه يجب تقديم الستجمار على التّيمّم ‪ ،‬وهذا رأي الشّافعيّة ‪ ،‬وهو أحد‬
‫ن التّيمّم ل بدّ أن يتّصل‬
‫ل عند الحنابلة ‪ .‬وعلّل القرافيّ ذلك بأ ّ‬
‫احتمالين عند المالكيّة ‪ ،‬وقو ٌ‬
‫ن التّيمّم‬
‫بالصّلة ‪ ،‬فإذا تيمّم ثمّ استنجى فقد فرّقه بإزالة النّجو ‪ .‬وعلّل القاضي أبو يعلى ذلك بأ ّ‬
‫ل يرفع الحدث ‪ ،‬وإنّما تستباح به الصّلة ‪ ،‬ومن عليه نجاسةٌ يمكنه إزالتها ل تباح له‬
‫الصّلة ‪ ،‬فلم تصحّ نيّة الستباحة ‪ ،‬كما لو تيمّم قبل الوقت ‪.‬‬
‫ن التّرتيب هنا ل يجب ‪ ،‬وهو الحتمال الثّاني عند المالكيّة ‪ ،‬والقول الخر‬
‫والتّجاه الثّاني ‪ :‬أ ّ‬
‫للحنابلة ‪ .‬قال القرافيّ ‪ :‬كما لو تيمّم ث ّم وطئ نعله على روثٍ ‪ ،‬فإنّه يمسحه ويصلّي ‪ .‬وقال‬
‫القاضي أبو يعلى ‪ :‬لنّه طهار ٌة فأشبهت الوضوء ‪ ،‬والمنع من الباحة لمانعٍ آخر ل يقدح في‬
‫صحّة التّيمّم ‪ ،‬كما لو تيمّم في موضعٍ نهي عن الصّلة فيه ‪ ،‬أو تيمّم وعلى ثوبه نجاسةٌ ‪.‬‬
‫ح تأخيره عن التّيمّم قولً واحدا ‪.‬‬
‫وقيل عند الحنابلة ‪ :‬ل يص ّ‬
‫حكم استنجاء من به حدثٌ دائمٌ ‪:‬‬
‫ث دائمٌ ‪ ،‬كمن به سلس بولٍ ونحوه ‪ ،‬يخفّف في شأنه حكم الستنجاء ‪،‬‬
‫‪ - 11‬من كان به حد ٌ‬
‫كما يخفّف حكم الوضوء ‪.‬‬
‫ففي قول الحنفيّة والشّافعيّة والحنابلة ‪ :‬يستنجي ويتحفّظ ‪ ،‬ث ّم يتوضّأ لكلّ صل ٍة بعد دخول‬
‫الوقت ‪ .‬فإذا فعل ذلك وخرج منه شي ٌء لم يلزمه إعادة الستنجاء والوضوء بسبب السّلس‬
‫ونحوه ‪ ،‬ما لم يخرج الوقت على مذهب الحنفيّة والشّافعيّة ‪ ،‬وهو أحد قولي الحنابلة ‪ .‬أو إلى‬
‫أن يدخل وقت الصّلة الخرى على المعتمد من قولي الحنابلة ‪ .‬وأمّا على قول المالكيّة ‪ :‬فل‬
‫ن ما يخرج‬
‫ل صل ٍة ‪ ،‬بل يستحبّ ذلك ما لم يشقّ ‪ ،‬فعندهم أ ّ‬
‫يلزم من به السّلس التّوضّؤ منه لك ّ‬
‫من الحدث إذا كان مستنكحا ‪ -‬أي كثيرا يلزم كلّ الزّمن أو جلّه ‪ ،‬بأن يأتي كلّ يومٍ مرّةً‬
‫فأكثر ‪ -‬فإنّه يعفى عنه ‪ ،‬ول يلزمه غسل ما أصاب منه ول يسنّ ‪ ،‬وإن نقض الوضوء‬
‫وأبطل الصّلة في بعض الحوال ‪ ،‬وسواءٌ أكان غائطا ‪ ،‬أم بولً ‪ ،‬أم مذيا ‪ ،‬أم غير ذلك ‪.‬‬
‫ما يستنجى منه ‪:‬‬
‫‪ - 12‬أجمع الفقهاء على أنّ الخارج من السّبيلين المعتاد النّجس الملوّث يستنجى منه حسبما‬
‫ل بيانه فيما يلي ‪:‬‬
‫تقدّم ‪ .‬أمّا ما عداه ففيه خلفٌ ‪ ،‬وتفصي ٌ‬
‫الخارج غير المعتاد ‪:‬‬
‫‪ - 13‬الخارج غير المعتاد كالحصى والدّود والشّعر ‪ ،‬ل يستنجى منه إذا خرج جافّا ‪ ،‬طاهرا‬
‫كان أو نجسا ‪.‬‬
‫أمّا إذا كان به بّلةٌ ولوّث المحلّ فيستنجى منها ‪ ،‬فإن لم يلوّث المحلّ فل يستنجى منه عند‬
‫ل من الشّافعيّة والحنابلة ‪ .‬والقول الخر عند كلّ‬
‫الحنفيّة والمالكيّة ‪ ،‬وهو القول المقدّم عند ك ّ‬
‫ل ما خرج من السّبيلين غير الرّيح ‪.‬‬
‫من الشّافعيّة والحنابلة ‪ :‬يستنجى من ك ّ‬
‫ذالدّم والقيح وشبههما من غير المعتاد ‪:‬‬
‫‪ - 14‬إن خرج الدّم أو القيح من أحد السّبيلين ففيه قولن للفقهاء ‪:‬‬
‫ل عند كلّ‬
‫الوّل ‪ :‬أنّه ل بدّ من غسله كسائر النّجاسات ‪ ،‬ول يكفي فيه الستجمار ‪ .‬وهذا قو ٌ‬
‫ن الصل في النّجاسة الغسل ‪ ،‬وترك ذلك في البول والغائط‬
‫من المالكيّة والشّافعيّة ‪ ،‬ل ّ‬
‫للضّرورة ‪ ،‬ول ضرورة هنا ‪ ،‬لندرة هذا النّوع من الخارج ‪ .‬واحتجّ أصحاب هذا القول أيضا‬
‫بأنّ النّبيّ صلى ال عليه وسلم « أمر بغسل الذّكر من المذي » والمر يقتضي الوجوب ‪ .‬قال‬
‫ن الثار كلّها على اختلف ألفاظها وأسانيدها ليس فيها ذكر‬
‫ابن عبد البرّ ‪ :‬استدلّوا بأ ّ‬
‫الستجمار ‪ ،‬إنّما هو الغسل ‪ .‬كالمر بالغسل من المذي في حديث عليّ ‪.‬‬
‫ل لكلّ من‬
‫والقول الثّاني ‪ :‬أنّه يجزئ فيه الستجمار ‪ ،‬وهو رأي الحنفيّة والحنابلة ‪ ،‬وقو ٌ‬
‫ل أو غائطٍ ‪.‬‬
‫المالكيّة والشّافعيّة ‪ ،‬وهذا إن لم يختلط ببو ٍ‬
‫ق فيه الغسل لعدم تكرّره ‪ ،‬فهو مظنّة المشقّة ‪ .‬وأمّا المذي‬
‫وحجّة هذا القول ‪ ،‬أنّه وإن لم يش ّ‬
‫فمعتادٌ كثيرٌ ‪ ،‬ويجب غسل الذّكر منه تعبّدا ‪ ،‬وقيل ‪ :‬ل يجب ‪.‬‬
‫ما خرج من مخرجٍ بديلٍ عن السّبيلين ‪:‬‬
‫ج للحدث ‪ ،‬وصار معتادا ‪ ،‬استجمر منه عند المالكيّة ‪ ،‬ول يلحق‬
‫‪ - 15‬إذا انفتح مخر ٌ‬
‫بالجسد ‪ ،‬لنّه أصبح معتادا بالنّسبة إلى ذلك الشّخص المعيّن ‪ .‬وعند الحنابلة ‪ :‬إذا انسدّ‬
‫المخرج المعتاد وانفتح آخر ‪ ،‬لم يجزئه الستجمار فيه ‪ ،‬ول بدّ من غسله ‪ ،‬لنّه غير السّبيل‬
‫المعتاد ‪ .‬وفي قولٍ لهم ‪ :‬يجزئ ‪ .‬ولم يعثر على قول الحنفيّة والشّافعيّة في هذه المسألة ‪.‬‬
‫المذي ‪:‬‬
‫‪ - 16‬المذي نجسٌ عند الحنفيّة ‪ ،‬فهو ممّا يستنجى منه كغيره ‪ ،‬بالماء أو بالحجار ‪ .‬ويجزئ‬
‫الستجمار أو الستنجاء بالماء منه ‪ .‬وكذلك عند المالكيّة في قولٍ هو خلف المشهور عندهم ‪،‬‬
‫وهو الظهر عند الشّافعيّة ‪ ،‬وروايةٌ عند الحنابلة ‪ .‬أمّا في المشهور عند المالكيّة ‪ ،‬وهي‬
‫ن عليّا رضي‬
‫الرّواية الخرى عند الحنابلة ‪ ،‬فيتعيّن فيه الماء ول يجزئ الحجر ‪ ،‬لما روي أ ّ‬
‫ال عنه قال ‪ « :‬كنت رجلً مذّا ًء ‪ ،‬فاستحيت أن أسأل رسول اللّه صلى ال عليه وسلم لمكان‬
‫ابنته ‪ ،‬فأمرت المقداد بن السود فسأله ‪ ،‬فقال ‪ :‬يغسل ذكره وأنثييه ويتوضّأ » ‪ .‬وفي لفظٍ «‬
‫يغسل ذكره ويتوضّأ » ‪ .‬وإنّما يتعيّن فيه الغسل عند المالكيّة إذا خرج بلذّ ٍة معتاد ٍة ‪ ،‬أمّا إن‬
‫خرج بل لذّ ٍة أصلً فإنّه يكفي فيه الحجر ‪ ،‬ما لم يكن يأتي كلّ يو ٍم على وجه السّلس ‪ ،‬فل‬
‫يطلب في إزالته ما ٌء ول حجرٌ ‪ ،‬بل يعفى عنه ‪.‬‬
‫الودي ‪:‬‬
‫‪ - 17‬الودي خارجٌ نجسٌ ‪ ،‬ويجزي فيه الستنجاء بالماء أو بالحجار عند فقهاء المذاهب‬
‫الربعة ‪.‬‬
‫الرّيح ‪:‬‬
‫‪ - 18‬ل استنجاء من الرّيح ‪ .‬صرّح بذلك فقهاء المذاهب الربعة ‪ .‬فقال الحنفيّة ‪ :‬هو بدعةٌ ‪،‬‬
‫وهذا يقتضي أنّه عندهم مح ّرمٌ ‪ ،‬ومثله ما قاله القليوبيّ من الشّافعيّة ‪ ،‬بل يحرم ‪ ،‬لنّه عبادةٌ‬
‫فاسدةٌ ‪ .‬ويكره عند المالكيّة والشّافعيّة ‪ .‬قال الدّسوقيّ ‪ :‬لقول النّبيّ صلى ال عليه وسلم ‪« :‬‬
‫ح » والنّهي للكراهة ‪ .‬وقال صاحب نهاية المحتاج من الشّافعيّة ‪:‬‬
‫ليس منّا من استنجى من ري ٍ‬
‫ل يجب ول يستحبّ الستنجاء من الرّيح ولو كان المحلّ رطبا ‪ .‬وقال ابن حجرٍ الم ّكيّ ‪ :‬يكره‬
‫من الرّيح إلّ إن خرجت والمحلّ رطبٌ ‪ .‬والّذي عبّر به الحنابلة ‪ :‬أنّه ل يجب منها ‪،‬‬
‫ومقتضى استدللهم التي الكراهة على القلّ ‪ .‬قال صاحب المغني ‪ :‬للحديث « من استنجى‬
‫ح فليس منّا » رواه الطّبرانيّ في معجمه الصّغير ‪.‬‬
‫من ري ٍ‬
‫وعن زيد بن أسلم في قوله تعالى ‪ { :‬إذا قمتم إلى الصّلة فاغسلوا وجوهكم } ‪ .‬الية إذا‬
‫ن النّوم مظنّة خروج الرّيح‬
‫قمتم من النّوم ‪ .‬ولم يأمر بغيره ‪ ،‬يعني فلو كان واجبا لمر به ‪ ،‬ل ّ‬
‫ل على أنّه ل يجب ‪ ،‬ولنّ الوجوب من الشّرع ‪ ،‬ولم يرد بالستنجاء هاهنا نصّ ‪ ،‬ول هو‬
‫‪ ،‬فد ّ‬
‫ن الستنجاء شرع لزالة النّجاسة ‪ ،‬ول نجاسة هاهنا ‪.‬‬
‫في معنى المنصوص عليه ‪ ،‬ل ّ‬
‫الستنجاء بالماء ‪:‬‬
‫‪ - 19‬يستحبّ باتّفاق المذاهب الربعة الستنجاء بالماء ‪ .‬وقد ورد عن بعض الصّحابة‬
‫ل ذلك لنّه مطعومٌ ‪.‬‬
‫والتّابعين إنكار الستنجاء به ‪ ،‬ولع ّ‬
‫والحجّة لجزاء استعمال الماء ما روى أنس بن مالكٍ قال ‪ « :‬كان النّبيّ صلى ال عليه وسلم‬
‫يدخل الخلء ‪ ،‬فأحمل أنا وغلمٌ نحوي إداو ًة من ماءٍ وعنز ًة ‪ ،‬فيستنجي بالماء » متّفقٌ عليه ‪.‬‬
‫ن أن يستطيبوا بالماء فإنّي أستحييهم ‪ ،‬وإنّ رسول اللّه‬
‫وعن « عائشة أنّها قالت ‪ :‬مرن أزواجك ّ‬
‫صلى ال عليه وسلم كان يفعله » ‪ .‬وقد حمل المالكيّة ما ورد عن السّلف من إنكار استعمال‬
‫ق من أوجب استعمال الماء ‪ .‬وحمل صاحب كفاية الطّالب ما ورد عن سعيد‬
‫الماء بأنّه في ح ّ‬
‫ل النّساء ؟ على أنّه من واجبهنّ ‪.‬‬
‫بن المسيّب من قوله ‪ :‬وهل يفعل ذلك إ ّ‬
‫الستنجاء بغير الماء من المائعات ‪:‬‬
‫‪ - 20‬ل يجزئ الستنجاء بغير الماء من المائعات على قول الجمهور ‪ :‬المالكيّة والشّافعيّة‬
‫والحنابلة ‪ ،‬وهو روايةٌ عن محمّد بن الحسن تعدّ ضعيفةً في المذهب ‪ .‬قال المالكيّة ‪ :‬بل يحرم‬
‫الستنجاء بمائعٍ غير الماء لنشره النّجاسة ‪ .‬وذهب أبو حنيفة وأبو يوسف إلى أنّه يمكن أن يتمّ‬
‫الستنجاء ‪ -‬كما في إزالة النّجاسة ‪ -‬بكلّ مائ ٍع طاهرٍ مزيلٍ ‪ ،‬كالخلّ وماء الورد ‪ ،‬دون ما ل‬
‫يزيل كالزّيت ‪ ،‬لنّ المقصود قد تحقّق ‪ ،‬وهو إزالة النّجاسة ‪ .‬ثمّ قد قال ابن عابدين ‪ :‬يكره‬
‫الستنجاء بمائعٍ غير الماء ‪ ،‬لما فيه من إضاعة المال بل ضرورةٍ ‪.‬‬
‫أفضليّة الغسل بالماء على الستجمار ‪:‬‬
‫‪ - 21‬إنّ غسل المحلّ بالماء أفضل من الستجمار ‪ ،‬لنّه أبلغ في النقاء ‪ ،‬ولزالته عين‬
‫النّجاسة وأثرها ‪ .‬وفي روايةٍ عن أحمد ‪ :‬الحجار أفضل ‪ ،‬ذكرها صاحب الفروع ‪ .‬وإذا جمع‬
‫ل بالتّفاق ‪ .‬وبيّن النّوويّ وجه الفضليّة بقوله‬
‫بينهما بأن استجمر ثمّ غسل كان أفضل من الك ّ‬
‫ل مباشرة النّجاسة واستعمال الماء ‪ ،‬فلو استعمل الماء أ ّولً لم يستعمل‬
‫‪ :‬تقديم الحجار لتق ّ‬
‫الحجارة بعده ‪ ،‬لنّه ل فائدة فيه ‪ .‬وعند الحنابلة التّرتيب بتقديم الستجمار على الغسل مستحبّ‬
‫‪ ،‬وإن قدّم الماء وأتبعا الحجارة كره ‪ ،‬لقول عائشة ‪ « :‬مرن أزواجكنّ أن يتبعوا الحجارة‬
‫الماء فإنّي أستحييهم ‪ ،‬وإنّ رسول اللّه صلى ال عليه وسلم كان يفعله » ‪ .‬وعند الحنفيّة قيل ‪:‬‬
‫الغسل بالماء سنّ ٌة ‪ ،‬وقيل ‪ :‬الجمع سنّ ٌة في زماننا ‪ .‬وقيل ‪ :‬سنّ ٌة على الطلق ‪ ،‬وهو الصّحيح‬
‫ج الخرشيّ وغيره على أفضليّة الجمع بين‬
‫وعليه الفتوى كما في البحر الرّائق ‪ .‬هذا وقد احت ّ‬
‫ن اللّه يحبّ‬
‫الماء والحجر بأنّ أهل قباء كانوا يجمعون بينهما ‪ ،‬فمدحهم اللّه تعالى بقوله ‪ { :‬إ ّ‬
‫ن الرّواية الصّحيحة في ذلك ليس فيها أنّهم كانوا‬
‫ب المتطهّرين } وحقّق النّوويّ أ ّ‬
‫التّوّابين ويح ّ‬
‫يجمعون بينهما ‪ ،‬وإنّما فيها أنّهم يستنجون بالماء ‪.‬‬
‫ما يستجمر به ‪:‬‬
‫‪ - 22‬الستجمار يكون بك ّل جامدٍ إلّ ما منع منه وسيأتي تفصيله ‪ ،‬وهذا قول جمهور‬
‫العلماء ‪ ،‬ومنهم المام أحمد في الرّواية المعتمدة عنه ‪ ،‬وهو الصّحيح من مذهب الحنابلة ‪.‬‬
‫وفي روايةٍ عن أحمد اختارها أبو بكرٍ ‪ :‬ل يجزئ في الستجمار شيءٌ من الجوامد من خشبٍ‬
‫ن النّبيّ صلى ال عليه وسلم أمر بالحجار »‪ ،‬وأمره يقتضي‬
‫وخرقٍ إلّ الحجار ‪ «،‬ل ّ‬
‫الوجوب ‪ ،‬ولنّه موضع رخص ٍة ورد فيها الشّرع بآلةٍ مخصوصةٍ ‪ ،‬فوجب القتصار عليها ‪،‬‬
‫كالتّراب في التّيمّم ‪ .‬والدّليل لقول الجمهور ‪ :‬ما روى أبو داود عن خزيمة قال ‪ « :‬سئل‬
‫رسول اللّه صلى ال عليه وسلم عن الستطابة فقال ‪ :‬بثلثة أحجارٍ ليس فيها رجيعٌ » فلول‬
‫أنّه أراد الحجر وما في معناه لم يستثن الرّجيع ‪ ،‬لنّه ل يحتاج لذكره ‪ ،‬ولم يكن لتخصيص‬
‫الرّجيع بالذّكر معنًى ‪ .‬وعن سلمان قال «‪ :‬قيل له ‪ :‬قد علّمكم نبيّكم كلّ شيءٍ حتّى الخراء قال‬
‫‪ :‬فقال ‪ :‬أجل ‪ ،‬لقد نهانا أن نستقبل القبلة لغائطٍ أو بولٍ ‪ ،‬أو أن نستنجي باليمين ‪ .‬أو أن‬
‫ن القصد‬
‫نستنجي بأقلّ من ثلثة أحجارٍ ‪ ،‬أو أن نستنجي برجيعٍ أو عظمٍ » ‪ 0‬وفارق التّيمّم ‪ ،‬ل ّ‬
‫هنا إزالة النّجاسة ‪ ،‬وهي تحصل بغير الحجار ‪ ،‬أمّا التّيمّم فهو غير معقول المعنى ‪.‬‬
‫الستجمار هل هو مط ّهرٌ للمحلّ ؟‬
‫‪ - 23‬اختلف الفقهاء في هذا على قولين ‪:‬‬
‫ل يصير طاهرا بالستجمار ‪ ،‬وهو قولٌ عند كلّ من الحنفيّة والمالكيّة‬
‫الوّل ‪ :‬أنّ المح ّ‬
‫والحنابلة ‪ .‬قال ابن الهمام ‪ :‬والّذي يدلّ على اعتبار الشّرع طهارته أنّه صلى ال عليه وسلم «‬
‫ن ما أطلق الستنجاء به‬
‫ث أو عظمٍ ‪ ،‬وقال ‪ :‬إنّهما ل يطهّران » فعلم أ ّ‬
‫نهى أن يستنجى برو ٍ‬
‫يطهّر ‪ ،‬إذ لو لم يطهّر لم يطلق الستنجاء به لهذه العلّة ‪ .‬وكذلك قال الدّسوقيّ المالكيّ ‪ :‬يكون‬
‫ل طاهرا لرفع الحكم والعين عنه ‪.‬‬
‫المح ّ‬
‫والقول الثّاني ‪ :‬وهو القول الخر لكلّ من الحنفيّة والمالكيّة ‪ ،‬وقول المتأخّرين من الحنابلة ‪:‬‬
‫ن المحلّ ل‬
‫ن المحلّ يكون نجسا معفوّا عنه للمشقّة ‪ .‬قال ابن نجيمٍ ‪ :‬ظاهر ما في الزّيلعيّ أ ّ‬
‫أّ‬
‫يطهر بالحجر ‪ .‬وفي كشّاف القناع للحنابلة ‪ :‬أثر الستجمار نجسٌ يعفى عن يسيره في محلّه‬
‫للمشقّة ‪ .‬وفي المغني ‪ :‬وعليه لو عرق كان عرقه نجسا ‪.‬‬
‫ل بعد الستجمار يعفى عنها ‪.‬‬
‫ن الرّطوبة إذا أصابت المح ّ‬
‫‪ - 24‬وجمهور الفقهاء على أ ّ‬
‫ن المحلّ بعد الستجمار نجسٌ معفوّ عنه ‪،‬‬
‫قال ابن نجيمٍ من الحنفيّة ‪ :‬بنا ًء على القول بأ ّ‬
‫يتفرّع عليه أنّه يتنجّس السّبيل بإصابة الماء ‪ .‬وفيه الخلف المعروف في مسألة الرض إذا‬
‫جفّت بعد التّنجّس ثمّ أصابها الماء ‪ ،‬وقد اختاروا في الجميع عدم عود النّجاسة ‪ ،‬فليكن كذلك‬
‫هنا ‪ .‬ثمّ نقل عن ابن الهمام قوله ‪ :‬أجمع المتأخّرون ‪ -‬أي من الحنفيّة ‪ -‬على أنّه ل ينجس‬
‫المحلّ بالعرق ‪ ،‬حتّى لو سال العرق منه ‪ ،‬وأصاب الثّوب والبدن أكثر من قدر الدّرهم ل يمنع‬
‫( أي ل يمنع صحّة الصّلة ) ‪.‬‬
‫ونقل القرافيّ عن صاحب الطّراز وابن رشدٍ ‪ :‬يعفى عنه لعموم البلوى ‪ .‬قال ‪ :‬وقد عفي عن‬
‫ن الصّحابة رضي ال عنهم‬
‫ذيل المرأة تصيبه النّجاسة ‪ ،‬مع إمكان شيله ‪ ،‬فهذا أولى ‪ ،‬ول ّ‬
‫كانوا يستجمرون ويعرقون ‪ .‬والقول الخر ‪ :‬قاله الشّافعيّة ‪ ،‬وابن القصّار من المالكيّة ‪ :‬ل‬
‫ل الستجمار ‪ ،‬وينجس إن تعدّت النّجاسة محلّ العفوّ ‪.‬‬
‫ينجس إن لم تتعدّ الرّطوبة مح ّ‬
‫المواضع الّتي ل يجزئ فيها الستجمار ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬النّجاسة الواردة على المخرج من خارجه ‪:‬‬
‫‪ - 25‬إن كان النّجس طارئا على المحلّ من خارجٍ أجزأ فيه الستجمار في المشهور عند‬
‫الحنفيّة ‪ .‬وصرّح الشّافعيّة والحنابلة بأنّ الحجر ل يجزئ فيه ‪ ،‬بل ل بدّ من غسله بالماء ‪.‬‬
‫ل آخر للحنفيّة ‪ .‬ومثله عند الشّافعيّة ‪ ،‬ما لو طرأ على المحلّ المتنجّس بالخارج طاهرٌ‬
‫وهو قو ٌ‬
‫ب ‪ ،‬أو يختلط بالخارج كالتّراب ‪ .‬ومثله ما لو استجمر بحجرٍ مبتلّ ‪ ،‬لنّ بلل الحجر‬
‫رط ٌ‬
‫ل الّذي أصابته عند‬
‫يتنجّس بنجاسة المحلّ ثمّ ينجّسه ‪ .‬وكذا لو انتقلت النّجاسة عن المح ّ‬
‫ل تلك الصّور ‪.‬‬
‫ل في ك ّ‬
‫الخروج ‪ ،‬فل بدّ عندهم من غسل المح ّ‬
‫ب ‪ -‬ما انتشر من النّجاسة وجاوز المخرج ‪:‬‬
‫ن الخارج إن جاوز المخرج وانتشر كثيرا ل يجزئ فيه‬
‫‪ - 26‬اتّفقت المذاهب الربعة على أ ّ‬
‫ن الستجمار رخص ٌة لعموم البلوى ‪ ،‬فتختصّ‬
‫الستجمار ‪ ،‬بل ل بدّ من غسله ‪ .‬ووجه ذلك أ ّ‬
‫بما تعمّ به البلوى ‪ ،‬ويبقى الزّائد على الصل في إزالة النّجاسة بالغسل ‪ .‬لكنّهم اختلفوا في‬
‫ن الكثير من الغائط هو ما جاوز‬
‫تحديد الكثير ‪ ،‬فذهب المالكيّة والحنابلة والشّافعيّة إلى أ ّ‬
‫المخرج ‪ ،‬وانتهى إلى اللية ‪ ،‬والكثير من البول ما عمّ الحشفة ‪.‬‬
‫ل ل الزّائد وحده ‪.‬‬
‫وانفرد المالكيّة في حال الكثرة بأنّه يجب غسل الك ّ‬
‫ن الكثير هو ما زاد عن قدر الدّرهم ‪ ،‬مع اقتصار الوجوب على الزّائد‬
‫وذهب الحنفيّة إلى أ ّ‬
‫عند أبي حنيفة وأبي يوسف ‪ ،‬خلفا لمح ّمدٍ ‪ ،‬حيث وافق المالكيّة في وجوب غسل الكلّ ‪.‬‬
‫ج ‪ -‬استجمار المرأة ‪:‬‬
‫‪ - 27‬يجزئ المرأة الستجمار من الغائط بالتّفاق ‪ ،‬وهذا واضحٌ ‪ .‬أمّا من البول فعند المالكيّة‬
‫ل يجزئ الستجمار في بول المرأة ‪ ،‬بكرا كانت أو ثيّبا ‪ .‬قالوا ‪ :‬لنّه يجاوز المخرج غالبا ‪.‬‬
‫وعند الشّافعيّة ‪ :‬يكفي في بول المرأة ‪ -‬إن كانت بكرا ‪ -‬ما يزيل عين النّجاسة خرقا أو‬
‫غيرها ‪ ،‬أمّا ال ّثيّب فإن تحقّقت نزول البول إلى ظاهر المهبل ‪ ،‬كما هو الغالب ‪ ،‬لم يكف‬
‫ل كفى ‪ .‬ويستحبّ الغسل حينئذٍ ‪.‬‬
‫الستجمار ‪ ،‬وإ ّ‬
‫أمّا عند الحنابلة ففي ال ّثيّب قولن ‪:‬‬
‫الوّل ‪ :‬أنّه يكفيها الستجمار ‪.‬‬
‫والثّاني ‪ :‬أنّه يجب غسله ‪ .‬وعلى كل القولين ل يجب على المرأة غسل الدّاخل من نجاسةٍ‬
‫ض ‪ ،‬بل تغسل ما ظهر ‪ ،‬ويستحبّ لغير الصّائمة غسله ‪.‬‬
‫وجنابةٍ وحي ٍ‬
‫ومقتضى قواعد مذهب الحنفيّة أنّه إذا لم يجاوز الخارج المخرج كان الستنجاء سنّةً ‪ .‬وإن‬
‫جاوز المخرج ل يجوز الستجمار ‪ ،‬بل ل بدّ من المائع أو الماء لزالة النّجاسة ‪ .‬ولم‬
‫يتعرّضوا لكيفيّة استجمار المرأة ‪.‬‬
‫ما ل يستجمر به ‪:‬‬
‫‪ - 28‬اشترط الحنفيّة والمالكيّة فيما يستجمر به خمسة شروطٍ ‪:‬‬
‫(‪ ) 1‬أن يكون يابسا ‪ ،‬وعبّر غيرهم بدل اليابس بالجامد ‪.‬‬
‫(‪ ) 2‬طاهرا ‪.‬‬
‫(‪ ) 3‬منقّيا ‪.‬‬
‫(‪ ) 4‬غير مؤذٍ ‪.‬‬
‫(‪ ) 5‬ول محترمٍ ‪ .‬وعلى هذا فما ل يستنجى به عندهم خمسة أنواعٍ ‪:‬‬
‫(‪ ) 1‬ما ليس يابسا ‪.‬‬
‫(‪ ) 2‬النجاس ‪.‬‬
‫(‪ ) 3‬غير المنقّي ‪ ،‬كالملس من القصب ونحوه ‪.‬‬
‫سكّين ونحوه ‪.‬‬
‫(‪ ) 4‬المؤذي ‪ ،‬ومنه المحدّد كال ّ‬
‫(‪ ) 5‬المحترم وهو عندهم ثلثة أصنافٍ ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬المحترم لكونه مطعوما ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬المحترم لحقّ الغير ‪.‬‬
‫ج ‪ -‬المحترم لشرفه ‪.‬‬
‫ل أنّهم ل يذكرون في الشّروط عدم اليذاء‬
‫وهذه المور تذكر في غير كتب المالكيّة أيضا ‪ ،‬إ ّ‬
‫‪ ،‬وإن كان يفهم المنع منه بمقتضى القواعد العامّة للشّريعة ‪ .‬وهم وإن اتّفقوا على هذه‬
‫الشتراطات من حيث الجملة ‪ ،‬فإنّهم قد يختلفون في التّفاصيل ‪ ،‬وقد يتّفقون ‪.‬‬
‫ويرجع في تفصيل ذلك إلى كتب الفقه ‪.‬‬
‫هل يجزئ الستنجاء بما حرم الستنجاء به ‪:‬‬
‫‪ - 29‬إذا ارتكب النّهي واستنجى بالمحرّم وأنقى ‪ ،‬فعند الحنفيّة والمالكيّة وابن تيميّة من‬
‫ح الستنجاء مع التّحريم ‪ .‬قال ابن عابدين ‪ :‬لنّه يجفّف ما‬
‫الحنابلة ‪ ،‬كما في الفروع ‪ :‬يص ّ‬
‫على البدن من الرّطوبة ‪ .‬وقال الدّسوقيّ ‪ :‬ول إعادة عليه في الوقت ول في غيره ‪.‬‬
‫أمّا عند الشّافعيّة فل يجزئ الستنجاء بما حرم لكرامته من طعامٍ أو كتب علمٍ ‪ ،‬وكذلك‬
‫النّجس ‪ .‬أمّا عند الحنابلة فل يجزئ الستجمار بما حرم مطلقا ‪ ،‬لنّ الستجمار رخصةٌ فل‬
‫تباح بمحرّمٍ ‪ .‬وفرّقوا بينه وبين الستجمار باليمين ‪ -‬فإنّه يجزئ الستجمار بها مع ورود‬
‫النّهي ‪ -‬بأنّ النّهي في العظم ونحوه لمعنًى في شرط الفعل ‪ ،‬فمنع صحّته ‪ ،‬كالوضوء بالماء‬
‫النّجس ‪ .‬أمّا باليمين فالنّهي لمعنًى في آلة الشّرط ‪ ،‬فلم يمنع ‪ ،‬كالوضوء من إنا ٍء مح ّرمٍ ‪.‬‬
‫وسوّوا في ذلك بين ما ورد النّهي عن الستجمار به كالعظم ‪ ،‬وبين ما كان استعماله بصفةٍ‬
‫عامّ ٍة محرّما كالمغصوب ‪ .‬قالوا ‪ :‬ولو استجمر بعد المحرّم بمباحٍ لم يجزئه ووجب الماء ‪،‬‬
‫وكذا لو استنجى بمائعٍ غير الماء ‪ .‬وإن استجمر بغير منقّ كالقصب أجزأ الستجمار بعده‬
‫بمنقّ ‪ .‬وفي المغني ‪ :‬يحتمل أن يجزئه الستجمار بالطّاهر بعد الستجمار بالنّجس ‪ ،‬لنّ هذه‬
‫ل فزالت بزوالها ‪.‬‬
‫النّجاسة تابعةٌ لنجاسة المح ّ‬
‫كيفيّة الستنجاء وآدابه ‪:‬‬
‫أوّلً ‪ :‬الستنجاء بالشّمال ‪:‬‬
‫ستّة عن أبي قتادة قال ‪ :‬قال رسول اللّه صلى ال‬
‫‪ - 30‬ورد في الحديث عند أصحاب الكتب ال ّ‬
‫س ذكره بيمينه ‪ ،‬وإذا أتى الخلء فل يتمسّح بيمينه » ‪.‬‬
‫عليه وسلم ‪ « :‬إذا بال أحدكم فل يم ّ‬
‫فقد نهى الرّسول صلى ال عليه وسلم عن الستنجاء باليمين ‪ ،‬وحمل الفقهاء هذا النّهي على‬
‫ل هذا في غير حالة‬
‫الكراهة ‪ ،‬وهي كراهة تحريمٍ عند الحنفيّة ‪ ،‬كما استظهر ابن نجيمٍ ‪ .‬وك ّ‬
‫الضّرورة أو الحاجة ‪ ،‬للقاعدة المعروفة ‪ :‬الضّرورات تبيح المحظورات ‪.‬‬
‫فلو يسراه مقطوع ًة أو شلّء ‪ ،‬أو بها جراح ٌة جاز الستنجاء باليمين من غير كراهةٍ ‪.‬‬
‫هذا ‪ ،‬ويجوز الستعانة باليمين في صبّ الماء ‪ ،‬وليس هذا استنجاءً باليمين ‪ ،‬بل المقصود‬
‫منه مجرّد إعانة اليسار ‪ ،‬وهي المقصودة بالستعمال ‪.‬‬
‫ثانيا ‪ :‬الستتار عند الستنجاء ‪:‬‬
‫‪ - 31‬الستنجاء يقتضي كشف العورة ‪ ،‬وكشفها أمام النّاس محرّمٌ في الستنجاء وغيره ‪ ،‬فل‬
‫يرتكب لقامة سنّة الستنجاء ‪ ،‬ويحتال لزالة النّجاسة من غير كشفٍ للعورة عند من يراه ‪.‬‬
‫فإن لم يكن بحضرة النّاس ‪ ،‬فعند الحنفيّة ‪ :‬من الداب أن يستر عورته حين يفرغ من‬
‫ن الكشف كان لضرورةٍ وقد زالت ‪.‬‬
‫الستنجاء والتّجفيف ‪ ،‬ل ّ‬
‫وعند الحنابلة في التّكشّف لغير حاجةٍ روايتان ‪ :‬الكراهة ‪ ،‬والحرمة ‪ .‬وعليه فينبغي أن يكون‬
‫ستر العورة بعد الفراغ من الستنجاء مستحبّا على القلّ ‪.‬‬
‫ثالثا ‪ :‬النتقال عن موضع التّخلّي ‪:‬‬
‫‪ - 32‬إذا قضى حاجته فل يستنجي حيث قضى حاجته ‪ .‬كذا عند الشّافعيّة والحنابلة ‪ -‬قال‬
‫ل يعود الرّشاش إليه فينجّسه ‪.‬‬
‫الشّافعيّة ‪ :‬إذا كان استنجاؤه بالماء ‪ -‬بل ينتقل عنه ‪ ،‬لئ ّ‬
‫واستثنوا الخلية المعدّة لذلك ‪ ،‬فل ينتقل فيها ‪.‬‬
‫ل ينتقل الغائط من مكانه فيمتنع عليه‬
‫وإذا كان استنجاؤه بالحجر فقط فل ينتقل من مكانه ‪ ،‬لئ ّ‬
‫الستجمار ‪ .‬أمّا عند الحنابلة ‪ ،‬فينبغي أن يتحوّل من مكانه الّذي قضى فيه حاجته للستجمار‬
‫بالحجارة أيضا ‪ ،‬كما يتحوّل للستنجاء بالماء ‪ ،‬وهذا إن خشي التّلوّث ‪.‬‬
‫رابعا ‪ :‬عدم استقبال القبلة حال الستنجاء ‪:‬‬
‫‪ - 33‬من آداب الستنجاء عند الحنفيّة ‪ :‬أن يجلس له إلى يمين القبلة ‪ ،‬أو يسارها كي ل‬
‫يستقبل القبلة أو يستدبرها حال كشف العورة ‪ .‬فاستقبال القبلة أو استدبارها حالة الستنجاء‬
‫ترك أدبٍ ‪ ،‬وهو مكروهٌ كراهة تنزي ٍه ‪ ،‬كما في مدّ الرّجل إليها ‪ .‬وقال ابن نجيمٍ ‪ :‬اختلف‬
‫الحنفيّة في ذلك ‪ ،‬واختار التّمرتاشيّ أنّه ل يكره ‪ ،‬وهذا بخلف التّبوّل أو التّغوّط إليها فهو‬
‫عندهم محرّمٌ ‪ .‬وعند الشّافعيّة ‪ :‬يجوز الستنجاء مع التّجاه إلى القبلة من غير كراهةٍ ‪ ،‬لنّ‬
‫ل أو غائطٍ ‪ ،‬وهذا لم يفعله ‪.‬‬
‫النّهي ورد في استقبالها واستدبارها ببو ٍ‬
‫خامسا ‪ :‬الستبراء ‪:‬‬
‫‪ - 34‬وهو طلب البراءة من خارجٍ ‪ ،‬ويختلف بطباع النّاس ‪ ،‬إلى أن يستيقن بزوال الثر ‪.‬‬
‫وتفصيل ذلك في مصطلح ( استبراءٌ ) ‪.‬‬
‫سادسا ‪ :‬النتضاح وقطع الوسوسة ‪:‬‬
‫‪ - 35‬ذكر الحنفيّة والشّافعيّة والحنابلة ‪ :‬أنّه إذا فرغ من الستنجاء بالماء استحبّ له أن ينضح‬
‫ك حمل البلل على ذلك‬
‫فرجه أو سراويله بشيءٍ من الماء ‪ ،‬قطعا للوسواس ‪ ،‬حتّى إذا ش ّ‬
‫النّضح ‪ ،‬ما لم يتيقّن خلفه ‪ .‬وهذا ذكره الحنفيّة أنّه يفعل ذلك إن كان الشّيطان يريبه كثيرا ‪.‬‬
‫ومن ظنّ خروج شيءٍ بعد الستنجاء فقد قال أحمد بن حنبلٍ ‪ :‬ل تلتفت حتّى تتيقّن ‪ ،‬واله عنه‬
‫فإنّه من الشّيطان ‪ ،‬فإنّه يذهب إن شاء اللّه ‪.‬‬

‫استنزاهٌ *‬
‫التعريف ‪:‬‬
‫ن يتنزّه من القذار‬
‫‪ - 1‬الستنزاه ‪ :‬استفعالٌ من التّنزّه وأصله التّباعد ‪ .‬والسم النّزهة ‪ ،‬ففل ٌ‬
‫وينزّه نفسه عنها ‪ :‬أي يباعد نفسه عنها ‪ .‬وفي حديث المعذّب في قبره « كان ل يستنزه من‬
‫البول » أي ل يستبرئ ول يتطهّر ‪ ،‬ول يبتعد منه ‪.‬‬
‫والفقهاء يعبّرون بالستنزاه والتّنزّه عند الكلم عن الحتراز عن البول أو الغائط ‪.‬‬
‫اللفاظ ذات الصّلة ‪:‬‬

‫أ ‪ -‬الستبراء ‪:‬‬
‫‪ - 2‬الستبراء هو طلب البراءة من الخارج من السّبيلين حتّى يستيقن زوال الثر ‪ ،‬فهو أخصّ‬
‫من الستنزاه ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬الستنجاء ‪:‬‬
‫‪ - 3‬الستنجاء ‪ -‬ومثله الستطابة ‪ -‬هو إزالة النّجس عن أحد السّبيلين بماءٍ أو حجرٍ أو غير‬
‫ص من الستنزاه ‪.‬‬
‫ذلك ‪ ،‬وهو أيضا أخ ّ‬
‫الحكم الجماليّ ‪:‬‬
‫ب ‪ ،‬فمن لم يتحرّز من البول في بدنه وثوبه فقد ارتكب‬
‫‪ - 4‬الستنزاه من البول أو الغائط واج ٌ‬
‫كبير ًة كما يراه ابن حجرٍ ‪.‬‬
‫وتفصيل أحكامه في مصطلح ( استبراءٌ ) ( وقضاء الحاجة ) ( ونجاسةٌ ) ‪.‬‬
‫مواطن البحث ‪:‬‬
‫‪ - 5‬تبحث المسألة عند الفقهاء في الطّهارة عند الكلم عن الستنجاء ‪ ،‬أو الستبراء عن البول‬
‫والغائط ‪.‬‬
‫استنشاقٌ *‬
‫التعريف ‪:‬‬
‫‪ - 1‬الستنشاق ‪ :‬استنشاق الهواء أو غيره ‪ :‬إدخاله في النف ‪ .‬ويخصّه الفقهاء بإدخال الماء‬
‫في النف ‪.‬‬
‫الحكم الجماليّ ‪:‬‬
‫‪ - 2‬الستنشاق سنّ ٌة في الوضوء عند جمهور الفقهاء ‪ ،‬وعند الحنابلة فرضٌ ‪ .‬وأمّا في الغسل‬
‫للتّطهّر من الحدث الكبر فهو سنّ ٌة عند المالكيّة والشّافعيّة ‪ ،‬فرضٌ عند الحنفيّة والحنابلة ‪.‬‬
‫وإنّما فرّق الحنفيّة بين الوضوء ‪ ،‬والغسل من الجنابة ‪ ،‬فقالوا بفرضيّة الستنشاق في الغسل‬
‫وس ّنيّته في الوضوء ‪ ،‬لنّ الجنابة تعمّ جميع البدن ‪ ،‬ومن البدن الفم والنف ‪ ،‬بخلف الوضوء‬
‫فالفرض فيه غسل الوجه وهو ما تقع به المواجهة ‪ ،‬ول تقع المواجهة بالنف والفم ‪ .‬وللفقهاء‬
‫تفصيلٌ في كيفيّته انظر ( وضوءٌ ) ( وغسلٌ ) ‪.‬‬
‫مواطن البحث ‪:‬‬
‫‪ - 3‬تنظر أحكام الستنشاق في ( الوضوء ) ( والغسل ) ( وغسل الميّت ) ‪.‬‬
‫استنفارٌ *‬
‫التعريف ‪:‬‬
‫‪ - 1‬الستنفار في اللّغة مصدر ‪ :‬استنفر ‪ ،‬من نفر القوم " نفيرا " أي أسرعوا إلى الشّيء ‪،‬‬
‫وأصل النّفير مفارقة مكان إلى مكان آخر لمرٍ حرّك ذلك ‪ ،‬ويقال للقوم النّافرين لحربٍ أو‬
‫لغيرها ‪ :‬نفيرٌ ‪ ،‬تسمي ًة بالمصدر ‪.‬‬
‫‪ - 2‬وفي الصطلحيّ الشّرعيّ ‪ :‬الخروج إلى قتال العد ّو ونحوه من العمال الصّالحة بدعوةٍ‬
‫من المام أو غيره أو للحاجة إلى ذلك ‪ .‬ولكن غلب استعماله عند الفقهاء في قتال العدوّ ‪.‬‬
‫اللفاظ ذات الصّلة به ‪:‬‬

‫الستنجاد ‪:‬‬
‫‪ - 3‬الستنجاد ‪ :‬وهو طلب العون من الغير ‪ .‬يقال ‪ :‬استنجده فأنجده ‪ ،‬أي استعان به فأعانه ‪.‬‬
‫الحكم الجماليّ ‪:‬‬
‫‪ - 4‬ل خلف بين المسلمين في أنّ الخروج إلى الجهاد فرضٌ ‪ ،‬منذ شرع بعد الهجرة ‪،‬‬
‫واختلفوا في نوع الفرضيّة في عهده صلى ال عليه وسلم فذهب الشّافعيّة في أصحّ القولين‬
‫عندهم إلى أنّ النّفير كان فرض كفاي ٍة في عهده صلى ال عليه وسلم ‪ .‬أمّا كونه فرضا‬
‫فبالجماع ‪ ،‬وأمّا كونه على الكفاية فلقوله تعالى ‪ { :‬ل يستوي القاعدون من المؤمنين غير‬
‫أولي الضّرر والمجاهدون في سبيل اللّه } ‪ ،‬إلى قوله تعالى ‪ { :‬وكلّ وعد اللّه الحسنى } ‪.‬‬
‫ووجه الستدلل ‪ :‬أنّ الحقّ تبارك وتعالى فاضل بين القاعدين والمجاهدين في سبيل اللّه ‪ ،‬ثمّ‬
‫وعد كليهما الحسنى ‪ .‬والعاصي ل يوعد بها ‪ ،‬ول يفاضل بين مأجورٍ ومأزورٍ ‪ ،‬فكانوا غير‬
‫ن ‪ ،‬فلم يكن‬
‫عاصين بقعودهم ‪ .‬وقيل ‪ :‬كان النّفير في عهده صلى ال عليه وسلم فرض عي ٍ‬
‫ل تنفروا يعذّبكم عذابا أليما } ‪.‬‬
‫لحدٍ من غير المعذورين أن يتخلّف عنه ‪ ،‬لقوله تعالى ‪ { :‬إ ّ‬
‫ن القاعدين المشار إليهم بآية سورة‬
‫ل } ‪ .‬وقالوا ‪ :‬إ ّ‬
‫إلى قوله تعالى ‪ { :‬انفروا خفافا وثقا ً‬
‫ل أخرى ‪ :‬يرجع إليها في‬
‫النّساء كانوا حرّاسا على المدينة ‪ ،‬وهو نوعٌ من الجهاد ‪ .‬وهناك أقوا ٌ‬
‫مصطلح ‪ ( :‬جهادٌ ) ‪.‬‬
‫أمّا بعد عهده صلى ال عليه وسلم فللعد ّو حالتان ‪:‬‬
‫‪ - 5‬أن يكون في بلده مستقرّا ‪ ،‬ولم يقصد إلى شي ٍء من بلد المسلمين ‪ ،‬ففي هذه الحالة ‪:‬‬
‫ن النّفير فرض كفاي ٍة ‪ ،‬إذا قام به فريقٌ من النّاس مرّ ًة في السّنة‬
‫اتّفق جمهور الفقهاء على أ ّ‬
‫سقط الحرج عن الباقين ‪ ،‬أمّا الفرضيّة فلقوله تعالى ‪ { :‬فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم }‬
‫ض إلى يوم القيامة » ‪.‬‬
‫‪ .‬ولقوله صلى ال عليه وسلم « الجهاد ما ٍ‬
‫وأمّا كونه على الكفاية فلنّه لم يفرض لذاته وإنّما فرض لعزاز دين اللّه وإعلء كلمة‬
‫شرّ عن العباد ‪ ،‬فإذا حصل المقصود بالبعض سقط الحرج عن الباقين ‪ ،‬بل إذا‬
‫الحقّ ‪ ،‬ودفع ال ّ‬
‫أمكنه أن يحصل بإقامة الدّليل والدّعوة بغير جهادٍ كان أولى من الجهاد ‪ ،‬فإن لم يقم به أحدٌ أثم‬
‫الجميع بتركه ‪.‬‬
‫‪ - 6‬أمّا إذا دهم العد ّو بلدا من بلد السلم ‪ ،‬فإنّه يجب النّفير على جميع أهل هذا البلد ‪ ،‬ومن‬
‫بقربهم وجوبا عينيّا ‪ ،‬فل يجوز لحدٍ أن يتخلّف عنه ‪ ،‬حتّى الفقير ‪ ،‬والولد ‪ ،‬والعبد ‪ ،‬والمرأة‬
‫سيّد ‪ ،‬والدّائن ‪ ،‬والزّوج ‪ .‬فإن عجز أهل البلد ومن‬
‫المتزوّجة بل إذنٍ من ‪ :‬البوين ‪ ،‬وال ّ‬
‫ن كالصّلة‬
‫بقربهم عن الدّفاع فعلى من يليهم ‪ ،‬إلى أن يفترض على جميع المسلمين فرض عي ٍ‬
‫تماما على هذا التّدريج ‪.‬‬
‫ق الستنفار كالمام أو‬
‫‪ - 7‬وكذلك يكون النّفير فرض عينٍ على كلّ من يستنفر ممّن له ح ّ‬
‫نوّابه ‪ ،‬ول يجوز لحدٍ أن يتخلّف إذا دعاه داعي النّفير ‪ ،‬إلّ من منعه المام من الخروج ‪ ،‬أو‬
‫دعت الحاجة إلى تخلّفه لحفظ الهل أو المال ‪ ،‬لقوله تعالى ‪ { :‬يا أيّها الّذين آمنوا ما لكم إذا‬
‫قيل لكم انفروا في سبيل اللّه اثّاقلتم } ‪.‬‬
‫النّفير من منًى ‪:‬‬
‫‪ - 8‬يجوز للحاجّ أن ينفر قبل الغروب من اليوم الثّاني من أيّام التّشريق بعد الرّمي عند‬
‫الشّافعيّة ‪ ،‬والحنابلة ‪ ،‬ومن اليوم الثّالث من أيّام التّشريق عند الحنفيّة ‪ ،‬فإن لم ينفر حتّى‬
‫غربت شمس اليوم الثّالث كره له أن ينفر حتّى يرمي في اليوم الرّابع ‪ ،‬ول شيء عليه إن نفر‬
‫وقد أساء ‪ ،‬وقيل ‪ :‬إنّه عليه دمٌ ‪ .‬وأمّا لو نفر بعد طلوع فجر الرّابع لزمه دم هذا عند الحنفيّة‬
‫‪ .‬أمّا عند الئمّة الثّلثة ‪ :‬فإنّه يجب عليه دمٌ إذا نفر بعد غروب شمس اليوم الثّاني من أيّام‬
‫التّشريق ‪ .‬كما صرّح الشّافعيّة بأنّه يجب عليه دمٌ لو نفر بعد المبيت ‪ ،‬وقبل الرّمي ‪ ،‬ولو نفر‬
‫قبل الغروب ثمّ عاد إلى منًى مارّا أو زائرا ولو بعد الغروب لم يجب عليه مبيت تلك اللّيلة ول‬
‫رمي يومها ‪ .‬والتّفصيل في ( الحجّ ) ‪.‬‬
‫مواطن البحث ‪:‬‬
‫ج ‪ :‬المبيت بمزدلفة ‪.‬‬
‫يذكره الفقهاء في باب ‪ :‬الجهاد ‪ ،‬وفي الح ّ‬

‫استنقاءٌ *‬
‫انظر ‪ :‬استنجاءٌ ‪.‬‬
‫استنكاحٌ *‬
‫التعريف ‪:‬‬
‫‪ - 1‬في المصباح ‪ :‬استنكح بمعنى نكح ‪ ،‬وفي تاج العروس وأساس البلغة ‪ :‬ومن المجاز‬
‫استنكح النّوم عينه غلبها ‪ .‬وفقهاء المالكيّة فقط هم الّذين يعبّرون بهذا اللّفظ عن معنى الغلبة‬
‫شكّ أي اعتراه كثيرا ‪.‬‬
‫ي فيقولون ‪ :‬استنكحه ال ّ‬
‫مسايرين المعنى اللّغو ّ‬
‫شكّ أو كثرته بحيث يصبح عادةً له ‪.‬‬
‫وبقيّة الفقهاء يعبّرون عن ذلك بغلبة ال ّ‬
‫الحكم الجماليّ ‪:‬‬
‫ل يومٍ ولو‬
‫شكّ المستنكح بأنّه الّذي يعتري صاحبه كثيرا ‪ ،‬بأن يأتي ك ّ‬
‫‪ - 2‬فسّر المالكيّة ال ّ‬
‫شكّ في الحدث بأن شكّ هل أحدث أم ل بعد وضوئه ؟ فل ينتقض‬
‫مرّةً ‪ ،‬فمن استنكحه ال ّ‬
‫الوضوء لما فيه من الحرج ‪ ،‬وأمّا لو أتي يوما بعد يو ٍم فينقض ‪ ،‬لنّه ليس بغالبٍ ‪ ،‬ول حرج‬
‫في التّوضّؤ به على المشهور من المذهّب ‪ .‬وانظر ( شكّ ) ‪.‬‬
‫ومن استنكحه خروج المذي أو الودي أو غيرهما ففي الحكم تيسيرٌ ينظر في ( سلسٌ ) ‪.‬‬
‫مواطن البحث ‪:‬‬
‫شكّ الغالب يرد ذكره في كثيرٍ من مسائل الفقه كالوضوء ‪ ،‬والغسل ‪ ،‬والتّيمّم ‪ ،‬وإزالة‬
‫‪ - 3‬ال ّ‬
‫النّجاسة ‪ ،‬والصّلة ‪ ،‬والطّلق ‪ ،‬والعتاق ‪ ،‬وغير ذلك ‪.‬‬
‫وتنظر في مواضعها وفي مصطلح ( شكّ ) ‪.‬‬

‫استهزاءٌ *‬
‫انظر ‪ :‬استخفافٌ ‪.‬‬
‫استهلكٌ *‬
‫التعريف ‪:‬‬
‫‪ - 1‬الستهلك لغ ًة ‪ :‬هلك الشّيء وإفناؤه ‪ ،‬واستهلك المال ‪ :‬أنفقه وأنفده ‪ .‬واصطلحا ‪ ،‬كما‬
‫يفهم من عبارة بعض الفقهاء ‪ :‬هو تصيير الشّيء هالكا أو كالهالك كالثّوب البالي ‪ ،‬أو‬
‫اختلطه بغيره بصور ٍة ل يمكن إفراده بالتّصرّف كاستهلك السّمن في الخبز ‪.‬‬
‫اللفاظ ذات الصّلة ‪:‬‬

‫التلف ‪:‬‬
‫ص من الستهلك ‪ ،‬لنّ‬
‫‪ - 2‬التلف هو ‪ :‬إفناء عين الشّيء وإذهابٌ لها بالكلّيّة ‪ ،‬فهو أخ ّ‬
‫عين الشّيء قد تفنى وقد تبقى مع خروجه عن النتفاع الموضوع له عادةً ‪ .‬انظر مصطلح‬
‫( إتلفٌ ) ‪.‬‬
‫ما يكون به الستهلك ‪:‬‬
‫‪ - 3‬ممّا يكون به الستهلك ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬تفويت المنافع الموضوعة المقصودة من العين بحيث يصير كالهالك مع بقاء العين ‪،‬‬
‫كتخريق الثّوب ‪ ،‬وتنجيس الزّيت إن لم يمكن تطهيره ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬تعذّر وصول المالك إلى حقّه في العين لختلطه بحيث يتعذّر تمييزه عن غيره ‪ ،‬كما إذا‬
‫خلط اللّبن بالماء ‪ ،‬أو الزّيت بالشّيرج ‪.‬‬
‫أثر الستهلك ‪:‬‬
‫‪ - 4‬يترتّب على الستهلك الواقع من الغير زوال ملك المالك عن العين المستهلكة ‪ ،‬فهو يمنع‬
‫السترداد ويوجب الضّمان بالمثل أو القيمة للمالك ‪.‬‬
‫ويثبت الملك للغاصب بالضّمان ‪ ،‬وهذا عند الحنفيّة ‪ ،‬والمذهب عند الشّافعيّة ‪.‬‬

‫استهللٌ *‬
‫التعريف ‪:‬‬
‫ل الهلل ظهر ‪ ،‬واستهلل الصّبيّ أن يرفع‬
‫‪ - 1‬الستهلل لغ ًة ‪ :‬مصدر استهلّ ‪ ،‬واسته ّ‬
‫ل المحرم بالحجّ‬
‫ل اللّه ‪ ،‬وأه ّ‬
‫صوته بالبكاء عند ولدته ‪ ،‬والهلل رفع الصّوت بقول ‪ :‬ل إله إ ّ‬
‫‪ :‬رفع صوته بالتّلبية ‪ .‬والبحث هنا قاص ٌر على استهلل المولود ‪.‬‬
‫ويختلف مراد الفقهاء بالستهلل ‪ ،‬فمنهم من قصره على الصّياح ‪ ،‬وهم المالكيّة والشّافعيّة ‪،‬‬
‫ل على حياة‬
‫وهو روايةٌ عن أحمد ‪ ،‬ومنهم من ذهب إلى أوسع من ذلك وأراد به كلّ ما يد ّ‬
‫ت ‪ ،‬أو حركة عضوٍ بعد الولدة ‪ ،‬وهم الحنفيّة ‪ .‬ومنهم من فسّره بأنّه‬
‫المولود ‪ ،‬من رفع صو ٍ‬
‫س ‪ ،‬أو بكاءٍ ‪ ،‬وهو رأيٌ للحنابلة ‪.‬‬
‫ت يدلّ على الحياة من صياحٍ ‪ ،‬أو عطا ٍ‬
‫كلّ صو ٍ‬
‫والّذين قصروا الستهلل على الصّياح ل يمنعون حصول حياة المولود الّذي مات دون‬
‫ل على الحياة بمفردها أو مع‬
‫صياحٍ ‪ ،‬وإنّما يحكمون على حياته ببعض المارات الّتي تد ّ‬
‫غيرها ‪ .‬وسيشمل هذا البحث أحكام الستهلل بمعناه العمّ ‪ ،‬وهو اصطلح الحنفيّة القائلين‬
‫بتعدّد أمارات الحياة ‪.‬‬
‫أمارات الحياة ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬الصّياح ‪:‬‬
‫ن الصّياح أمارةٌ يقينيّ ٌة على الحياة ‪ ،‬لكنّهم يختلفون في الحال الّتي‬
‫‪ - 2‬يتّفق الفقهاء على أ ّ‬
‫ن لخر في المذهب الواحد ‪.‬‬
‫يعتبر الصّياح فيها مؤثّرا ‪ ،‬وقد يختلف ذلك من موط ٍ‬
‫ب ‪ -‬العطاس والرتضاع ‪:‬‬
‫‪ - 3‬العطاس والرتضاع من أمارات الستهلل عند الحنفيّة ‪ ،‬وهما في معناه عند الشّافعيّة ‪،‬‬
‫ب من المالكيّة ‪ ،‬وهو المذهب عند أحمد كذلك ‪ ،‬فيثبت بهما حكم‬
‫والمازريّ وابن وه ٍ‬
‫ك فل عبرة بالعطاس ‪ ،‬لنّه قد يكون من الرّيح ‪ ،‬وكذلك‬
‫الستهلل عندهم ‪ .‬أمّا عند مال ٍ‬
‫الرّضاع إلّ أنّ الكثير من الرّضاع معتبرٌ ‪ ،‬والكثير ما تقول أهل المعرفة ‪ :‬إنّه ل يقع مثله إلّ‬
‫ممّن فيه حياةٍ مستقرّةٍ ‪.‬‬
‫ج ‪ -‬التّنفّس ‪:‬‬
‫‪ - 4‬يأخذ التّنفّس حكم العطاس عند الحنفيّة والشّافعيّة والحنابلة ‪.‬‬
‫د ‪ -‬الحركة ‪:‬‬
‫‪ - 5‬حركة المولود إمّا أن تكون طويلةً أو يسيرةً ‪ ،‬وهي أع ّم من الختلج ‪ ،‬إذ الختلج‬
‫تحرّك عضوٍ ‪ ،‬والحركة أعمّ من تحرّك عضوٍ أو تحرّك الجملة ‪.‬‬
‫وللعلماء ثلثة اتّجاهاتٍ في الحركة ‪:‬‬
‫الوّل ‪ :‬الخذ بها مطلقا ‪.‬‬
‫والثّاني ‪ :‬عدم العتداد بها مطلقا ‪.‬‬
‫والثّالث ‪ :‬الخذ بالحركة الطّويلة دون اليسيرة ‪.‬‬
‫هم‪ -‬الحركة الطّويلة ‪:‬‬
‫‪ – 6‬الحركة الطّويلة من الستهلل عند الحنفيّة ‪ ،‬عدا ابن عابدين ‪ ،‬وفي معنى الستهلل عند‬
‫الشّافعيّة ‪ ،‬وأحد رأيي المالكيّة ‪ ،‬والمذهب عند أحمد أنّها في حكم الستهلل كذلك ‪.‬‬
‫أمّا المالكيّة في قولهم الخر ‪ ،‬وابن عابدين فإنّهم ل يعطونها حكم الستهلل ‪ ،‬سوا ٌء أكانت‬
‫ن حركته كحركته في البطن ‪ ،‬وقد يتحرّك المقتول ‪،‬‬
‫طويل ًة أم يسيرةً ‪ ،‬ل ّ‬
‫وقيل بهذا عند الحنابلة ‪.‬‬
‫و ‪ -‬الحركة اليسيرة ‪:‬‬
‫‪ - 7‬تأخذ الحركة اليسيرة حكم الستهلل عند الحنفيّة ‪ ،‬ول يعتدّ بها عند المالكيّة اتّفاقا ‪،‬‬
‫وكذلك الحنابلة ‪ ،‬أمّا الشّافعيّة فمنهم من وافق الحنفيّة ‪ ،‬ومنهم من وافق المالكيّة ‪ ،‬ومنهم من‬
‫تردّد ‪ ،‬إذ لم يفرّق كثيرٌ من فقهاء الشّافعيّة بين الحركة الطّويلة والحركة اليسيرة ‪ ،‬ومنهم من‬
‫اشترط قوّة الحركة ولم يعتدّ بحركة المذبوح ‪ ،‬لنّها ل تدلّ على الحياة ‪.‬‬
‫ز ‪ -‬الختلج ‪:‬‬
‫ن الشّافعيّة شهروا عدم‬
‫‪ - 8‬يأخذ الختلج حكم الحركة اليسيرة عند عامّة الفقهاء ‪ ،‬إلّ أ ّ‬
‫إعطائه حكم الستهلل ‪.‬‬
‫إثبات الستهلل ‪:‬‬
‫‪ - 9‬ممّا يثبت به الستهلل الشّهادة ‪ ،‬وهي إمّا أن تكون بأقوال رجلين ‪ ،‬أو رجلٍ وامرأتين ‪،‬‬
‫ل اتّفاقٍ ‪ ،‬وإمّا أن تكون بشهادة النّساء وحدهنّ ‪.‬‬
‫وهو مح ّ‬
‫وقد اختلف الفقهاء في العدد المجزي والمواطن المقبولة ‪.‬‬
‫‪ - 10‬والستهلل من المور الّتي يطّلع عليها النّساء غالبا ‪ ،‬لذلك يقبل الفقهاء ‪ -‬عدا الرّبيع‬
‫من الشّافعيّة ‪ -‬شهادتهنّ عليه منفرداتٍ عن الرّجال ‪ .‬إلّ أنّهم اختلفوا في نصابها وفي‬
‫ن فيها ‪.‬‬
‫المواطن الّتي تقبل شهادته ّ‬
‫وتفصيل اتّجاهاتهم في نصاب شهادة النّساء كما يلي ‪:‬‬
‫ت إلّ في الصّلة عليه لنّه من أمر‬
‫‪ - 11‬يرى المام أبو حنيفة أنّه ل يقبل قول النّساء منفردا ٍ‬
‫الدّين ‪ ،‬وخبر المرأة الواحدة مجتهدٌ فيه ‪ .‬أمّا غير الصّلة كالميراث فل يثبت الستهلل‬
‫بشهادة النّساء منفرداتٍ ‪ ،‬ول بدّ في ذلك من شهادة رجلين ‪ ،‬أو رجلٍ وامرأتين ‪.‬‬
‫وذهب الحنابلة وأبو يوسف ومح ّمدٌ إلى أنّه يكفي شهادة المرأة الواحدة على الستهلل إن‬
‫كانت حرّةً مسلم ًة عدلً ‪ «.‬لما روي عن عليّ رضي ال عنه أنّه أجاز شهادة القابلة في‬
‫الستهلل »‪ .‬والعلّة فيه ‪ -‬كما في المبسوط ‪ -‬أنّ استهلل الصّبيّ يكون عند الولدة ‪ ،‬وتلك‬
‫ل من شهد تلك‬
‫حالةٌ ل يطّلع عليها الرّجال ‪ ،‬وفي صوته من الضّعف عند ذلك ما ل يسمعه إ ّ‬
‫الحالة ‪ ،‬وشهادة النّساء فيما ل يطّلع عليه الرّجل كشهادة الرّجال فيما يطّلعون عليه ‪ ،‬ولهذا‬
‫يصلّى عليه بشهادة النّساء ‪ ،‬فكذلك يرث ‪.‬‬
‫كما استدلّوا بحديث حذيفة رضي ال عنه أنّ رسول اللّه صلى ال عليه وسلم « أجاز شهادة‬
‫القابلة على الولدة » وقال ‪ « :‬شهادة النّساء جائزةٌ فيما ل يطّلع عليه الرّجال » والنّساء جنسٌ‬
‫فيدخل فيه أدنى ما يتناوله السم ‪ .‬وإنّما فرّق أبو حنيفة بين الصّلة وبين الميراث ‪ ،‬لنّ‬
‫الميراث من حقوق العباد فل يثبت بشهادة النّساء ‪.‬‬
‫‪ - 12‬والمالكيّة ‪ ،‬والمام أحمد في روايةٍ أخرى عنه ‪ ،‬وابن أبي ليلى ‪ ،‬وابن شبرمة ‪ ،‬وأبو‬
‫ثورٍ رأوا أنّه ل يقبل في الستهلل أقلّ من امرأتين ‪ ،‬قالوا ‪ :‬لنّ المعتبر في الشّهادة شيئان ‪:‬‬
‫العدد والذّكورة ‪ ،‬وقد تعذّر اعتبار أحدهما وهو الذّكورة هنا ‪ ،‬ولم يتعذّر اعتبار العدد فبقي‬
‫معتبرا كسائر الشّهادات ‪.‬‬
‫شهادة الثّلث ‪:‬‬
‫ن كلّ‬
‫‪ - 13‬يرى عثمان الب ّتيّ أنّه ل يقبل في الستهلل أقلّ من ثلث نساءٍ ‪ ،‬والوجه عنده أ ّ‬
‫موضعٍ قبلت فيه شهادة النّساء كان العدد ثلثةً ‪ ،‬وهو شهادة رجلٍ وامرأتين ‪ ،‬كما لو كان‬
‫معهنّ رجلٌ ‪.‬‬
‫ي وقتادة وأبي ثورٍ في الشّهادة على الستهلل‬
‫‪ - 14‬ول يقبل الشّافعيّة وهو قول عطاءٍ والشّعب ّ‬
‫ل امرأتين تقومان مقام رجلٍ واحدٍ ‪ ،‬فقد قال النّبيّ صلى ال‬
‫أقلّ من أربعٍ من النّسوة ‪ ،‬لنّ ك ّ‬
‫ل واحدٍ » ‪.‬‬
‫عليه وسلم ‪ « :‬شهادة امرأتين شهادة رج ٍ‬
‫‪ - 15‬أمّا شهادة الرّجال فقد اتّفق الفقهاء على جواز شهادة الرّجلين على الستهلل ونحوه ‪،‬‬
‫واختلفوا في جواز شهادة الرّجل الواحد ‪ .‬فأجازها أبو يوسف ومح ّمدٌ من الحنفيّة ‪ ،‬وهو مذهب‬
‫ن الرّجل أكمل من المرأة ‪ ،‬فإذا اكتفي بها وحدها فلن يكتفى به‬
‫الحنابلة ‪ ،‬وحجّتهم في ذلك ‪ :‬أ ّ‬
‫ن ما قبل فيه قول المرأة الواحدة يقبل فيه قول الرّجل الواحد كالرّواية ‪ .‬وأمّا بقيّة‬
‫أولى ‪ ،‬ول ّ‬
‫الفقهاء فيمنعونها ‪ ،‬لما تقدّم في شهادة النّساء ‪.‬‬
‫تسمية المستهلّ ‪:‬‬
‫‪ - 16‬يسمّى المولود إن استهلّ ولو مات عقب ذلك ‪ ،‬وهو مذهب الحنفيّة ‪ ،‬والشّافعيّة ‪،‬‬
‫ن التّسمية لزمةٌ عند الحنفيّة ‪ ،‬ومندوب ٌة عند‬
‫والحنابلة ‪ ،‬وابن حبيبٍ من المالكيّة ‪ ،‬إلّ أ ّ‬
‫غيرهم ‪ ،‬لما روي عن النّبيّ صلى ال عليه وسلم أنّه قال ‪ « :‬سمّوا أسقاطكم فإنّهم أسلفكم »‬
‫سمّاك بإسناده ‪ ،‬قيل ‪ :‬إنّهم يسمّون ليدعوا يوم القيامة بأسمائهم ‪ ،‬فإن لم يعلم للسّقط‬
‫رواه ابن ال ّ‬
‫ن في تسمية المستهلّ إكراما له لنّه‬
‫ذكورةٌ ول أنوث ٌة سمّي باسمٍ يصلح لهما ‪ ،‬وقال الحنفيّة ‪ :‬إ ّ‬
‫من بني آدم ‪ ،‬ويجوز أن يكون له مالٌ يحتاج أبوه إلى أن يذكر اسمه عند الدّعوى به ‪ .‬أمّا‬
‫ن من مات ولده قبل السّابع فل تسمية عليه ‪.‬‬
‫القول الخر للمالكيّة ‪ ،‬ونسب إلى مالكٍ فهو أ ّ‬
‫غسل المستهلّ إذا مات ‪ ،‬والصّلة عليه ‪ ،‬ودفنه ‪:‬‬
‫‪ - 17‬موت المستهلّ إمّا أن يكون قبل النفصال أو بعده ‪ ،‬فإن كان بعده فإنّه يلزم فيه ما يلزم‬
‫ن الطّفل إذا عرفت حياته واستهلّ يصلّى‬
‫في الكبير ‪ ،‬قال ابن المنذر ‪ :‬أجمع أهل العلم على أ ّ‬
‫عليه ‪ .‬أمّا بعد النفصال فإن كان خرج معظمه ‪ ،‬فإنّه يصلّى عليه عند الحنفيّة ‪ ،‬وقيّده في‬
‫شرح ال ّدرّ بما إذا انفصل تامّ العضاء ‪ .‬ويصلّى عليه أيضا عند الشّافعيّة ‪ ،‬إن صاح بعد‬
‫الظّهور ‪ ،‬وكذلك إن ظهرت أمارات الحياة الخرى غير الصّياح في الظهر ‪ ،‬ول أثر‬
‫للستهلل وعدمه في غسل الميّت والصّلة عليه عند الحنابلة ‪ ،‬إذ يوجبون غسل السّقط‬
‫والصّلة عليه إذا نزل لربعة أشهرٍ سواءٌ استهلّ أم ل ‪ .‬وكره المالكيّة غسل الطّفل والصّلة‬
‫ن الجنين إذا بلغ أربعة أشهرٍ يجب دفنه ‪،‬‬
‫عليه ما لم يستهلّ صارخا بعد نزوله ‪ .‬وأمّا الدّفن فإ ّ‬
‫ن ستره بخرقةٍ ودفنه ‪.‬‬
‫كما صرّح به الشّافعيّة ‪ ،‬وإن كان لم يبلغها يس ّ‬
‫استهلل المولود وأثره في إرثه ‪:‬‬
‫‪ - 18‬الجنين إذا استهلّ بعد تمّام انفصاله ‪ -‬على الختلف السّابق في المراد بالستهلل ‪-‬‬
‫فإنّه يرث ويورث بالجماع ‪ ،‬لقول النّبيّ صلى ال عليه وسلم ‪ « :‬إذا استهلّ المولود ورث »‬
‫‪ .‬وقوله ‪ « :‬الطّفل ل يصلّى عليه ‪ ،‬ول يرث ‪ ،‬ول يورث حتّى يستهلّ » وكذا لو خرج ميّتا‬
‫ولم يستهلّ فالتّفاق على أنّه ل يورث ول يرث ‪ .‬وأمّا لو استهلّ بعد خروج بعضه ثمّ مات‬
‫قبل تمام انفصاله ‪ ،‬فعند المالكيّة ‪ ،‬وأكثر الشّافعيّة ‪ ،‬والحنابلة ل يرث ول يورث ‪.‬‬
‫ل ‪ ،‬فكأنّه‬
‫ن الكثر له حكم الك ّ‬
‫وقال الحنفيّة ‪ :‬يرث ويورث إن استهلّ بعد خروج أكثره ‪ ،‬ل ّ‬
‫خرج كلّه حيّا ‪ .‬وقال القفّال من الشّافعيّة ‪ :‬إن خرج بعضه حيّا ورث ‪.‬‬
‫الجناية على الجنين إذا مات بعد استهلله ‪:‬‬
‫‪ - 19‬الجناية على المستهلّ إمّا أن تكون قبل النفصال أو بعده ‪ ،‬والّتي قبله إمّا أن تكون قبل‬
‫ظهوره أو بعده ‪.‬‬
‫حكمها قبل الظّهور ‪:‬‬
‫‪ - 20‬إن تعمّد الجاني ضرب المّ فخرج الجنين مستهلّ ‪ ،‬ثمّ مات بسبب العتداء على المّ‬
‫ن المالكيّة‬
‫ففيه دي ٌة كاملةٌ ‪ ،‬سوا ٌء أكانت المّ حيّ ًة أم ميّتةً ‪ .‬وهذا باتّفاق المذاهب ‪ ،‬غير أ ّ‬
‫اشترطوا قسامة أوليائه حتّى يأخذوا الدّية ‪ ،‬قال ابن المنذر ‪ :‬أجمع كلّ من نحفظ عنه من أهل‬
‫ن في الجنين يسقط حيّا من الضّرب ديةٌ كامل ٌة ‪ ،‬وكذلك الحال إن تعمّد قتل الجنين‬
‫العلم أ ّ‬
‫بضرب أمّه على ظهرها أو بطنها أو رأسها عند الئمّة الثّلثة ‪.‬‬
‫أمّا المالكيّة ‪ ،‬فقد اختلفوا في الواجب في هذه الجناية ‪ ،‬فأشهب قال ‪ :‬ل قود فيه ‪ ،‬بل تجب‬
‫الدّية في مال الجاني بقسام ٍة ‪ ،‬قال ابن الحاجب ‪ :‬وهو المشهور ‪.‬‬
‫وقال ابن القاسم ‪ :‬يجب القصاص بقسام ٍة ‪ ،‬قال في التّوضيح ‪ :‬وهو مذهب المدوّنة ‪.‬‬
‫حكمها بعد الظّهور ‪:‬‬
‫ن فيه القصاص عند‬
‫‪ - 21‬إن ظهر الجنين ثمّ صاح ‪ ،‬ث ّم جنى جانٍ عليه عمدا فالصحّ أ ّ‬
‫الشّافعيّة والحنابلة ‪ .‬وعند الحنفيّة إن ظهر أغلبه ‪ .‬وفي الفتاوى الهنديّة ‪ :‬فإن كان ذبحه رجلٌ‬
‫حالما يخرج رأسه فعليه الغرّة لنّه جنينٌ ‪ ،‬وإن قطع أذنه وخرج حيّا ث ّم مات فعليه الدّية ‪.‬‬
‫ح عند الشّافعيّة والحنابلة العتبار بالنفصال التّامّ ‪.‬‬
‫ومقابل الص ّ‬
‫الجناية بعد النفصال ‪:‬‬
‫‪ - 22‬قتل المستهلّ بعد النفصال كقتل الكبير ‪ ،‬فيه القصاص أو الدّية ‪ .‬وكذلك إن انفصل‬
‫ن آخر ‪ .‬أمّا إن نزل في حالةٍ ل يحتمل أن يعيش معها ‪،‬‬
‫بجنايةٍ وبه حيا ٌة مستقرّةٌ فقتله جا ٍ‬
‫وقتله شخصٌ آخر فإنّ الضّامن هو الوّل ‪ ،‬ويعزّر الثّاني ‪.‬‬
‫الختلف في استهلل المجنيّ عليه ‪:‬‬
‫‪ - 23‬عند التّنازع في خروجه حيّا يراعى قول الضّارب عند الحنفيّة ‪ ،‬والمالكيّة ‪ ،‬وعلى هذا‬
‫ن الصل نزول الولد غير‬
‫الشّافعيّة ‪ ،‬والحنابلة في أحد قوليهم وهو المذهّب لكن مع اليمين ‪ ،‬ل ّ‬
‫مستهلّ ‪ ،‬فمدّعى عدم الستهلل ل يحتاج إلى إثباته ‪ ،‬ومدّعيه يحتاج إلى إثباته ‪ .‬والقول‬
‫الثّاني عند الحنابلة ‪ :‬أنّ المعتبر قول الوليّ ‪.‬‬

‫استواءٌ *‬
‫التعريف ‪:‬‬
‫‪ - 1‬من معاني الستواء في اللّغة ‪ :‬المماثلة والعتدال ‪ .‬وقد استعمله الفقهاء بالمعنى اللّغويّ‬
‫مطلقا بمعنى المماثلة كما في قولهم ‪ :‬إذا استوى اثنان في الدّرجة والدلء استويا في الميراث‬
‫‪ .‬وبمعنى العتدال كقولهم في الصّلة ‪ :‬إذا رفع المصلّي رأسه من الرّكوع استوى قائما ‪.‬‬
‫واستعملوه مقيّدا بالوقت فقالوا ‪ :‬وقت الستواء أي استواء الشّمس قاصدين وقت قيام الشّمس‬
‫في كبد السّماء ‪ ،‬لنّها قبل ذلك مائلةٌ غير مستقيمةٍ ‪.‬‬
‫الحكم الجماليّ ‪ ،‬ومواطن البحث ‪:‬‬
‫‪ - 2‬تكره صلة النّافلة وقت استواء الشّمس عند الحنفيّة والشّافعيّة والحنابلة ‪ ،‬لما روى عقبة‬
‫ت كان رسول اللّه صلى ال عليه وسلم ينهانا أن نصلّي فيهنّ ‪،‬‬
‫بن عامرٍ قال ‪ « :‬ثلث ساعا ٍ‬
‫وأن نقبر فيهنّ موتانا ‪ :‬حين تطلع الشّمس بازغةً حتّى ترتفع ‪ ،‬وحين يقوم قائم الظّهيرة حتّى‬
‫ب كسجود‬
‫تميل الشّمس ‪ ،‬وحين تضيف الشّمس للغروب حتّى تغرب » ول يكره ما له سب ٌ‬
‫التّلوة وصلة الجنازة ‪ ،‬وفي روايةٍ أخرى للحنابلة الكراهة مطلقا ‪.‬‬
‫ويزيد الحنفيّة على ذلك النّهي عن الفرض ‪ ،‬وعن سجدة التّلوة ‪ ،‬وصلة الجنازة في هذا‬
‫الوقت ‪ .‬أمّا المالكيّة فلم يرد ذكرٌ لمنع الصّلة عندهم في هذا الوقت في المشهور كما قال ابن‬
‫جزيّ ‪ .‬وللفقهاء تفصيلٌ في ذلك ينظر في أوقات الصّلوات ‪.‬‬

‫استياكٌ *‬
‫التعريف ‪:‬‬
‫‪ - 1‬الستياك لغ ًة ‪ :‬مصدر استاك ‪ .‬واستاك ‪ :‬نظّف فمه وأسنانه بالسّواك ‪ ،‬ومثله تسوّك ‪.‬‬
‫ويقال ‪ :‬ساك فمه بالعود يسوكه سوكا إذا دلكه به ‪ .‬ولفظ السّواك يطلق ويراد به الفعل ‪،‬‬
‫ويطلق ويراد به العود الّذي يستاك به ‪ ،‬ويسمّى أيضا المسواك ‪.‬‬
‫ول يخرج المعنى الصطلحيّ عن ذلك ‪.‬‬
‫اللفاظ ذات الصّلة ‪:‬‬

‫تخليل السنان ‪:‬‬


‫‪ - 2‬هو إخراج ما بينهما من فضلتٍ بالخلل ‪ ،‬وهو عودٌ أو نحوه وفي الحديث ‪ « :‬رحم اللّه‬
‫ن التّخليل خاصّ‬
‫المتخلّلين من أمّتي في الضّوء والطّعام » فالفرق بينه وبين الستياك ‪ :‬أ ّ‬
‫ع من الدّلك ‪.‬‬
‫بإخراج ما بين السنان ‪ ،‬أمّا السّواك فهو لتنظيف الفم والسنان بنو ٍ‬
‫حكمة مشروعيّة السّواك ‪:‬‬
‫ب لمرضاة الرّبّ ‪ .‬لحديث عائشة رضوان اللّه عليها‬
‫‪ - 3‬السّواك سببٌ لتطهير الفم ‪ ،‬موج ٌ‬
‫عن رسول اللّه صلى ال عليه وسلم أنّه قال ‪ « :‬السّواك مطهر ٌة للفم ‪ ،‬مرضا ٌة للرّبّ » حديثٌ‬
‫صحيحٌ ‪.‬‬
‫حكمه التّكليفيّ ‪:‬‬
‫‪ - 4‬يعتري الستياك أحكامٌ ثلثةٌ ‪:‬‬
‫الوّل ‪ :‬النّدب ‪ ،‬وهو القاعدة العامّة عند فقهاء المذاهب الربعة ‪ ،‬حتّى حكى النّوويّ إجماع‬
‫من يعتدّ برأيهم من العلماء عامّ ًة على ذلك ‪ ،‬لحديث أبي هريرة عن رسول اللّه صلى ال عليه‬
‫وسلم أنّه قال ‪ « :‬لول أن أشقّ على أمّتي لمرتهم بالسّواك عند كلّ صل ٍة » قال الشّافعيّ ‪ :‬لو‬
‫كان واجبا لمرهم به ‪ ،‬شقّ أو لم يشقّ ‪ ،‬وفي الحديث أيضا « السّواك مطهر ٌة للفم مرضاةٌ‬
‫للرّبّ » ولمواظبة النّبيّ صلى ال عليه وسلم عليه حتّى في النّزع ‪ ،‬وتسميته إيّاه من خصال‬
‫الفطرة ‪.‬‬
‫ن الصل في الستياك الوجوب ل‬
‫الثّاني ‪ :‬الوجوب ‪ ،‬وبه قال إسحاق بن راهويه ‪ ،‬فقد رأى أ ّ‬
‫النّدب ‪ ،‬واحتجّ لذلك بظاهر المر في الحديث « أمر النّبيّ صلى ال عليه وسلم بالوضوء لكلّ‬
‫ل صل ٍة » ‪.‬‬
‫صلةٍ ‪ ،‬طاهرا أو غير طاهرٍ ‪ ،‬فلمّا شقّ ذلك عليه أمر بالسّواك لك ّ‬
‫الثّالث ‪ :‬الكراهة ‪ ،‬إذا استاك في الصّيام بعد الزّوال عند الشّافعيّة ‪ ،‬وهو الرّواية الخرى‬
‫للحنابلة ‪ ،‬وأبي ثورٍ وعطاءٍ ‪ ،‬لحديث الخلوف التي ‪ .‬ومذهب الحنفيّة والمالكيّة والرّواية‬
‫ن حكمه في حال الصّوم وعدمه سواءٌ ‪ ،‬أخذا بعموم أدلّة السّواك ‪،‬‬
‫الخرى للحنابلة أ ّ‬
‫والّذي اختاره بعض أئمّة الشّافعيّة ‪ -‬بعد نظرٍ في الدلّة ‪ -‬أنّ السّواك ل يكره بعد الزّوال ‪،‬‬
‫ن الخلوف من خلوّ المعدة ‪،‬‬
‫ن عمدة الّذين يقولون بالكراهة حديث الخلوف ول حجّة فيه ‪ ،‬ل ّ‬
‫لّ‬
‫والسّواك ل يزيله ‪ ،‬وإنّما يزيل وسخ السنان ‪ .‬قاله الذرعيّ ‪.‬‬
‫الستياك في الطّهارة ‪ :‬الوضوء ‪:‬‬
‫ن السّواك سنّ ٌة عند الوضوء ‪،‬‬
‫‪ - 5‬اتّفقت المذاهب الربعة على أ ّ‬
‫واختلفوا هل هو من سنن الوضوء أم ل ؟ على رأيين ‪:‬‬
‫الوّل ‪ :‬قال الحنفيّة ‪ ،‬والمالكيّة ‪ ،‬وهو رأيٌ للشّافعيّة ‪ :‬الستياك سنّ ٌة من سنن الوضوء ‪ ،‬لما‬
‫رواه أبو هريرة عن النّبيّ صلى ال عليه وسلم أنّه قال ‪ « :‬لول أن أشقّ على أمّتي لمرتهم‬
‫ل وضوءٍ » وفي رواي ٍة « لفرضت عليهم السّواك مع كلّ وضو ٍء » ‪ .‬الثّاني ‪:‬‬
‫بالسّواك مع ك ّ‬
‫قال الحنابلة ‪ ،‬وهو الرّأي الوجه عند الشّافعيّة ‪ :‬السّواك سنّةٌ خارجةٌ عن الوضوء متقدّمةٌ‬
‫عليه وليست منه ‪ .‬ومدار الحكم عندهم على محلّه ‪ ،‬فمن قال إنّه قبل التّسمية قال ‪ ،‬إنّه خارجٌ‬
‫عن الوضوء ‪ ،‬ومن قال بعد التّسمية ‪ ،‬قال بس ّنيّته للوضوء ‪.‬‬
‫التّيمّم والغسل ‪:‬‬
‫‪ - 6‬يستحبّ الستياك عند التّيمّم والغسل ‪ ،‬ويكون محلّه في التّيمّم عند ابتداء الضّرب ‪ ،‬وفي‬
‫الغسل عند البدء فيه ‪.‬‬
‫الستياك للصّلة ‪:‬‬
‫‪ - 7‬في الستياك للصّلة ثلثة اتّجاهاتٍ ‪:‬‬
‫الوّل ‪ ،‬وهو قولٌ للشّافعيّة ‪ :‬يتأكّد الستياك عند كلّ صل ٍة فرضها ونفلها ‪ ،‬وإن سلّم من كلّ‬
‫ل قليلٍ ‪ ،‬لقوله صلى ال عليه وسلم‬
‫ن له قياسا تداركه بفع ٍ‬
‫ركعتين وقرب الفصل ‪ ،‬ولو نسيه س ّ‬
‫في الحديث الصّحيح « لول أن أشقّ على أمّتي لمرتهم بالسّواك عند كلّ صل ٍة ‪ ،‬أو مع كلّ‬
‫صلةٍ » ‪.‬‬
‫ن الستياك للصّلة ‪ ،‬بل للوضوء ‪ ،‬وهو رأيٌ للحنفيّة ‪ ،‬فلو أتى به عند‬
‫الثّاني ‪ :‬ل يس ّ‬
‫ن له أن يأتي به عند الصّلة ‪ ،‬لقوله صلى ال عليه وسلم « لمرتهم بالسّواك‬
‫الوضوء ل يس ّ‬
‫مع كلّ وضو ٍء »‬
‫الثّالث ‪ :‬يندب الستياك لصلة فرضٍ أو نف ٍل بعدت من الستياك للعرف ‪ ،‬فل يندب أن يستاك‬
‫لكلّ صل ٍة ما لم يبعد ما بينهما عن الستياك ‪ ،‬وهو قول المالكيّة ‪ ،‬ورواي ٌة عند الحنفيّة ‪.‬‬
‫الستياك للصّائم ‪:‬‬
‫‪ - 8‬اتّفق الفقهاء على أنّه ل بأس بالستياك للصّائم أوّل النّهار ‪ ،‬واختلفوا في الستياك للصّائم‬
‫بعد الزّوال على ما تقدّم ‪.‬‬
‫السّواك عند قراءة القرآن والذّكر ‪:‬‬
‫ب كذلك عند قراءة‬
‫‪ - 9‬ينبغي لقارئ القرآن إذا أراد القراءة أن ينظّف فمه بالسّواك ‪ .‬ويستح ّ‬
‫حديثٍ أو علمٍ ‪.‬‬
‫ب الستياك عند سجدة التّلوة ‪ ،‬ومحلّه بعد فراغ القراءة لية السّجدة وقبل الهويّ‬
‫كما يستح ّ‬
‫للسّجود ‪ .‬وهذا إذا كان خارج الصّلة ‪ ،‬أمّا إذا كان في الصّلة فل ‪ ،‬لنسحاب سواك الصّلة‬
‫عليها ‪ ،‬وكذلك القراءة ‪.‬‬
‫ن الملئكة تحضر مجالس‬
‫ويستحبّ إزالة الوساخ وقلح الفم بالسّواك عند ذكر اللّه تعالى ‪ ،‬ل ّ‬
‫الذّكر ‪ ،‬وتتأذّى ممّا يتأذّى منه بنو آدم ‪ ،‬ولذلك استحبّ الفقهاء استياك المحتضر عند الموت ‪،‬‬
‫وقالوا ‪ :‬إنّه يسهّل خروج الرّوح ‪ ،‬لنفس العلّة ‪.‬‬
‫ويستحبّ كذلك الستياك عند قيام اللّيل ‪ ،‬لما روى حذيفة قال ‪ « :‬كان النّبيّ صلى ال عليه‬
‫وسلم إذا قام من اللّيل يشوص فاه بالسّواك » ‪ .‬ولما رواه مسلمٌ عن ابن عبّاسٍ وعائشة من‬
‫الحاديث في هذا الباب ‪.‬‬
‫مواضع أخرى لستحباب الستياك ‪:‬‬
‫‪ - 10‬يستحبّ الستياك لذهاب رائحة الفم وترطيبه ‪ ،‬وإزالة صفرة السنان قبل الجتماع‬
‫ب في مواطن أخرى ‪ ،‬مثل‬
‫بالنّاس لمنع التّأذّي ‪ ،‬وهذا من تمام هيئة المسلم ‪ ،‬وكذلك يستح ّ‬
‫ل مسجدٍ ‪،‬‬
‫ن هذا من تمام الزّينة الّتي أمر اللّه سبحانه وتعالى بها عند ك ّ‬
‫دخول المسجد ‪ ،‬ل ّ‬
‫ولما فيه من حضور الملئكة واجتماع النّاس ‪ ،‬وكذلك عند دخول المنزل لللتقاء بالهل‬
‫والجتماع بهم ‪ ،‬لما روى مسلمٌ عن « عائشة رضي ال عنها حينما سئلت بأيّ شيءٍ يبدأ‬
‫الرّسول صلى ال عليه وسلم ‪ :‬إذا دخل بيته قالت ‪ :‬كان إذا دخل بيته بدأ بالسّواك » ‪.‬‬
‫ويستحبّ كذلك عند النّوم ‪ ،‬والجماع ‪ ،‬وأكل ما له رائحةٌ كريهةٌ ‪ ،‬وتغيّر الفم بعطشٍ أو‬
‫ل أو فراغٍ منه ‪.‬‬
‫جوعٍ ‪ ،‬أو غيرهما ‪ ،‬أو قيامٍ من نومٍ ‪ ،‬أو اصفرار سنّ ‪ ،‬وكذلك لرادة أك ٍ‬
‫على أنّ السّواك مستحبّ في جميع الوقات من ليلٍ أو نهارٍ ‪ ،‬لنّه مطهر ٌة للفم مرضاةٌ للرّبّ‬
‫كما ورد في الحديث ‪.‬‬
‫ما يستاك به ‪:‬‬
‫‪ - 11‬يستاك بكلّ عو ٍد ل يضرّ ‪ ،‬وقد قسّمه الفقهاء بحسب أفضليّته إلى أربعة أقسامٍ ‪:‬‬
‫ن أفضله جميعا ‪ :‬الراك ‪ ،‬لما فيه من طيبٍ وريحٍ‬
‫الوّل ‪ :‬اتّفق فقهاء المذاهب الربعة على أ ّ‬
‫وتشعي ٍر يخرج وينقّي ما بين السنان ‪ .‬ولحديث « أبي خيرة الصّباحيّ رضي ال عنه قال ‪:‬‬
‫كنت في الوفد ‪ ،‬يعني وفد عبد القيس الّذين وفدوا على رسول اللّه صلى ال عليه وسلم فأمر‬
‫ك استاك به رسول اللّه صلى ال عليه وسلم‬
‫لنا بأراكٍ فقال ‪ :‬استاكوا بهذا » ولنّه آخر سوا ٍ‬
‫ي والرّافعيّ ‪ .‬الثّاني ‪:‬‬
‫وللتّباع سوا ٌء كان العود طيّبا أم ل ‪ .‬كما اقتضاه كلم الشّيخين النّوو ّ‬
‫قال به المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة ‪ ،‬يأتي بعد الراك في الفضليّة ‪ :‬جريد النّخل ‪ ،‬لما روي«‬
‫أنّه آخر سواكٍ استاك به رسول اللّه صلى ال عليه وسلم »وقيل وقع الستياك آخرا‬
‫بالنّوعين ‪ ،‬فكلّ من الصّحابيّين روى ما رأى ‪ .‬ولم يتكلّم الحنفيّة على النّخل ‪.‬‬
‫الثّالث ‪ :‬الزّيتون ‪ .‬وقد استحبّه فقهاء المذاهب الربعة ‪ ،‬لحديث « نعم السّواك الزّيتون من‬
‫شجر ٍة مبارك ٍة ‪ ،‬تطيّب الفم وتذهب الحفر وهو سواكي وسواك النبياء قبلي » ‪.‬‬
‫الرّابع ‪ :‬ثمّ بما له رائح ٌة ذكيّةٌ ول يضرّ ‪ .‬قال الحنفيّة والشّافعيّة والمالكيّة ‪ :‬يستاك بقضبان‬
‫الشجار النّاعمة الّتي ل تضرّ ‪ ،‬ولها رائح ٌة طيّبةٌ تزيل القلح كالقتادة والسّعد ‪ .‬وقال الحنابلة ‪:‬‬
‫يكره بكلّ ذي رائح ٍة ذكيّةٍ ‪ ،‬ولم يقيّدوه بالضّرر ‪ .‬ومثّلوا له بالرّيحان والرّمّان ‪.‬‬
‫ما يحظر الستياك به أو يكره ‪:‬‬
‫‪ - 12‬يكره الستياك بكلّ عو ٍد يدمي مثل الطّرفاء والس ‪ ،‬أو يحدث ضررا أو مرضا مثل‬
‫الرّيحان وال ّرمّان ‪ ،‬لما روى الحارث في مسنده عن ضمير بن حبيبٍ قال « نهى رسول اللّه‬
‫صلى ال عليه وسلم عن السّواك بعود الرّيحان وقال ‪ :‬إنّه يحرّك عرق الجذام » ويعرف ذلك‬
‫ن فيه فسادا ‪ .‬ويحرم‬
‫ب ‪ ،‬نصّوا على ذلك فقالوا ‪ :‬يكره كلّ ما يقول الطبّاء إ ّ‬
‫أهل الطّ ّ‬
‫الستياك بالعواد السّامّة لهلكها أو شدّة ضررها ‪ .‬وهذا ل يعلم فيه خلفٌ بين العلماء ‪.‬‬
‫سنّة بالستياك بالمحظور قولن للشّافعيّة ‪:‬‬
‫وفي حصول ال ّ‬
‫سنّة ‪ ،‬لنّ الكراهة والحرمة لمرٍ خارجٍ ‪ ،‬وحملوا الطّهارة على‬
‫الوّل ‪ :‬إنّه محصّلٌ لل ّ‬
‫الطّهارة اللّغويّة ( أي النّظافة ) ‪.‬‬
‫سنّة ‪ ،‬لقوله صلى ال عليه وسلم ‪ « :‬السّواك‬
‫الثّاني ‪ ،‬وهو المعتمد عندهم ‪ :‬ل تحصل به ال ّ‬
‫مطهر ٌة للفم » ‪ .‬وهذا منجّسٌ بجرحه اللّثة وخروج الدّم ‪ ،‬لخشونته ‪.‬‬
‫صفات السّواك ‪:‬‬
‫‪ - 13‬يسحب أن يكون الستياك بعودٍ متوسّطٍ في غلظ الخنصر ‪ ،‬خالٍ من العقد ‪ ،‬ل رطبا‬
‫يلتوي ‪ ،‬لنّه ل يزيل القلح ( وسخ السنان ) ول يابسا يجرح اللّثة ‪ ،‬ول يتفتّت في الفم ‪،‬‬
‫والمراد أن يكون ليّنا ‪ ،‬ل غاية في النّعومة ‪ ،‬ول في الخشونة ‪.‬‬
‫السّواك بغير عودٍ ‪:‬‬
‫‪ - 14‬أجاز بعض الفقهاء الستياك بغير عو ٍد ‪ ،‬مثل الغاسول والصبع ‪ ،‬واعتبروه محصّلً‬
‫سنّة ‪ ،‬ونفاه آخرون ولم يعتبروه ‪ .‬والمسألة في الغاسول ( الشنان ) على رأيين ‪ :‬فالحنفيّة ‪،‬‬
‫لل ّ‬
‫والشّافعيّة ‪ :‬أجازوا استعمال الغاسول في الستياك ‪ ،‬وقالوا ‪ :‬إنّه محصّلٍ للمقصود ومزيلٌ‬
‫سنّة ‪ ،‬وأجاز الحنفيّة العلك للمرأة بدل السّواك ‪ .‬أمّا المالكيّة ‪،‬‬
‫للقلح ‪ ،‬ويتأدّى به أصل ال ّ‬
‫سنّة ‪.‬‬
‫والحنابلة فقالوا ‪ :‬لو استعمل الغاسول عوضا عن العيدان لم يأت بال ّ‬
‫أمّا الستياك بالصبع ففيه ثلثة أقوالٍ ‪:‬‬
‫ل من المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة ‪،‬‬
‫الوّل ‪ :‬تجزئ الصبع في الستياك مطلقا ‪ ،‬في رأيٍ لك ّ‬
‫لما روي عن « عليّ بن أبي طالبٍ رضي ال عنه أنّه توضّأ فأدخل بعض أصابعه في فيه ‪...‬‬
‫وقال ‪ :‬هكذا كان وضوء نبيّ اللّه صلى ال عليه وسلم » ‪.‬‬
‫الثّاني ‪ :‬تجزئ الصبع عند عدم وجود غيرها ‪ ،‬وهو مذهب الحنفيّة ‪ ،‬وهو رأيٌ آخر لكلّ‬
‫ل من بني عمرو بن‬
‫ن رج ً‬
‫من المالكيّة والشّافعيّة ‪ ،‬لما رواه أنس بن مالكٍ رضي ال عنه « أ ّ‬
‫ف قال ‪ :‬يا رسول اللّه إنّك رغّبتنا في السّواك ‪ ،‬فهل دون ذلك من شيءٍ قال ‪ :‬أصبعيك‬
‫عو ٍ‬
‫سواكٌ عند وضوئك ‪ ،‬أمرّهما على أسنانك » ‪.‬‬
‫الثّالث ‪ :‬ل تجزئ الصبع في الستياك ‪ .‬وهو رأيٌ ثالثٌ للشّافعيّة ‪ ،‬والرّأي الخر للحنابلة ‪،‬‬
‫ن الشّرع لم يرد به ول يحصل النقاء به حصوله بالعود ‪.‬‬
‫وعلّلوا ذلك بأ ّ‬
‫كيفيّة الستياك ‪:‬‬
‫‪ - 15‬يندب إمساك السّواك باليمنى ‪ ،‬لنّه المنقول عن النّبيّ صلى ال عليه وسلم فيما اتّفق‬
‫عليه من حديث عائشة رضوان اللّه عليها قالت ‪ « :‬كان النّبيّ صلى ال عليه وسلم يعجبه‬
‫التّيامن في تنعّله وترجّله وطهوره ‪ ،‬وفي شأنه كلّه » وفي رواي ٍة « وسواكه » ‪ «،‬ثمّ يجعل‬
‫الخنصر أسفل السّواك والصابع فوقه ‪ ،‬كما رواه ابن مسعودٍ عن رسول اللّه صلى ال عليه‬
‫وسلم »‪ .‬ويبدأ من الجانب اليمن ويم ّر به عرضا أي عرض السنان ‪ ،‬لنّ استعماله طولً قد‬
‫يجرح اللّثة ‪ ،‬لما روي عن رسول اللّه صلى ال عليه وسلم أنّه قال ‪ « :‬استاكوا عرضا‬
‫وادّهنوا غبّا » أي يوما بعد يو ٍم « واكتحلوا وترا » ‪ .‬ثمّ يمرّ به على أطراف السنان العليا‬
‫والسّفلى ظهرا وبطنا ‪ ،‬ثمّ على كراسيّ الضراس ‪ ،‬ثمّ على اللّثة واللّسان وسقف الحلق بلطفٍ‬
‫‪ .‬ومن ل أسنان له يستاك على اللّثة واللّسان وسقف الحلق ‪ ،‬لنّ السّواك وإن كان معقول‬
‫سنّة ‪.‬‬
‫ل أنّه ما عرى عن معنى التّعبّد ‪ ،‬وليحصل له ثواب ال ّ‬
‫المعنى إ ّ‬
‫وهذه الكيفيّة ل يعلم فيها خلفٌ ‪.‬‬
‫آداب السّواك ‪:‬‬
‫ب اتّباعها ‪ ،‬منها ‪:‬‬
‫‪ - 16‬ذكر الفقهاء آدابا للمستاك يستح ّ‬
‫ل يستاك بحضرة الجماعة ‪ ،‬لنّه ينافي المروءة ‪ ،‬ويتجنّب الستياك في‬
‫أ ‪ -‬يستحبّ أ ّ‬
‫المسجد ‪ ،‬وفي المجالس الحافلة خلفا لبن دقيق العيد ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬ويستحبّ أن يغسل سواكه بعد الستياك لتخليصه ممّا علق به ‪ ،‬لحديث عائشة « كان‬
‫النّبيّ صلى ال عليه وسلم يستاك ‪ ،‬فيعطيني السّواك لغسله ‪ ،‬فأبدأ به فأستاك ‪ ،‬ثمّ أغسله‬
‫ن غسله للستياك به مرّ ًة أخرى ‪.‬‬
‫وأدفعه إليه » كما يس ّ‬
‫ج ‪ -‬ويستحبّ حفظ السّواك بعيدا عمّا يستقذر ‪.‬‬
‫تكرار الستياك ‪ ،‬وبيان أكثره وأقلّه ‪:‬‬
‫‪ - 17‬اتّفق الفقهاء على تكرار الستياك حتّى يزول القلح ‪ ،‬ويطمئنّ على زوال الرّائحة إذا لم‬
‫يزل إلّ بالتّكرار ‪ ،‬لما روي عن رسول اللّه صلى ال عليه وسلم أنّه قال ‪ « :‬إنّي لستاك‬
‫حتّى لقد خشيت أن أحفي مقادم فمي » ‪ .‬واختلفوا في أقلّه على ثلثة آراءٍ ‪:‬‬
‫‪ - 1‬أن يمرّ السّواك على أسنانه ثلث مرّاتٍ ‪ .‬وهو المستحبّ عند الحنفيّة ‪ ،‬والكمل عند‬
‫سنّ ‪.‬‬
‫ن القلب بزوال الرّائحة واصفرار ال ّ‬
‫سنّة في التّثليث ‪ ،‬وليطمئ ّ‬
‫الشّافعيّة لل ّ‬
‫سنّة الكاملة‬
‫‪ - 2‬يكفي مرّةً واحدةً إذا حصل بها النقاء ‪ ،‬وهو رأيٌ للشّافعيّة ‪ ،‬وتحصل ال ّ‬
‫بال ّنيّة ‪.‬‬
‫سنّة ‪ ،‬وهو‬
‫‪ - 3‬ل حدّ لقلّه ‪ ،‬والمراد هو زوال الرّائحة ‪ ،‬فما زالت به الرّائحة حصلت به ال ّ‬
‫رواي ٌة للحنفيّة وقول المالكيّة ‪ ،‬والحنابلة ‪.‬‬
‫إدماء السّواك للفم ‪:‬‬
‫ن من عادته إدماء السّواك لفمه استاك بلطفٍ ‪ ،‬فإن أدمى بعد ذلك ‪ ،‬كان‬
‫‪ - 18‬إذا عرف أ ّ‬
‫الحكم على حالتين ‪:‬‬
‫الولى ‪ :‬إن لم يجد ما ًء وضاق الوقت عن الصّلة حرم الستياك خشية تنجيس فمه ‪.‬‬
‫الثّانية ‪ :‬إن وجد الماء واتّسع الوقت قبل الصّلة لم يندب ‪ ،‬بل يجوز لما فيه من المشقّة‬
‫والحرج ‪.‬‬
‫استيامٌ *‬
‫انظر ‪ :‬سومٌ ‪.‬‬
‫استيداعٌ *‬
‫انظر ‪ :‬وديعةٌ ‪.‬‬
‫استيطانٌ *‬
‫انظر ‪ :‬وطنٌ ‪.‬‬
‫استيعابٌ *‬
‫التعريف ‪:‬‬
‫‪ - 1‬الستيعاب في اللّغة ‪ :‬الشّمول والستقصاء والستئصال في كلّ شيءٍ ‪ .‬يقال في النف‬
‫أوعب جدعه ‪ :‬إذا قطعه كلّه ولم يبق منه شيئا ‪.‬‬
‫والفقهاء يستعملون الستيعاب بهذا المعنى ‪ .‬فيقولون ‪ :‬استيعاب العضو بالمسح أو الغسل ‪،‬‬
‫ويعنون به شمول المسح أو الغسل كلّ ‪ ،‬جزءٍ من أجزاء العضو ‪.‬‬
‫اللفاظ ذات الصّلة ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬السباغ ‪:‬‬
‫‪ - 2‬السباغ هو ‪ :‬التمام والكمال ‪ .‬يقال ‪ :‬أسبغ الوضوء إذا ع ّم بالماء جميع العضاء‬
‫بحيث يجري عليها ‪ ،‬فالسباغ والستيعاب متقاربان ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬الستغراق ‪:‬‬
‫‪ - 3‬الستغراق هو ‪ :‬الشّمول لجميع الفراد دفعةً واحدةً ‪ ،‬فالفرق بينه وبين الستيعاب أنّ‬
‫الستغراق ل يستعمل إلّ فيما له أفرادٌ بخلف الستيعاب ‪.‬‬
‫ي ومواطن البحث ‪:‬‬
‫الحكم الجمال ّ‬
‫يختلف الحكم التّكليفيّ للستيعاب حسب مواطنه المختلفة في العبادات وغيرها ‪.‬‬
‫أ ‪ -‬الستيعاب الواجب ‪:‬‬
‫‪ - 4‬حيثما كان غسل اليدين أو العضاء في الطّهارة واجبا كان الستيعاب واجبا فيه أيضا ‪،‬‬
‫بخلف ما وجب مسحه كالرّأس فل يجب استيعابه على خلفٍ في ذلك ‪.‬‬
‫ومن الواجب استيعاب الوقات الّتي ل تسع من العمال غير ما عيّن لها كالصّوم يستوعب‬
‫جميع الشّهر وجميع النّهار ‪ ،‬وكمن نذر الشتغال بالقرآن وعيّن كلّ ما بين المغرب والعشاء ‪،‬‬
‫ح إخلء جزءٍ منها من ال ّنيّة‬
‫يجب عليه استيعاب ذلك الوقت ‪ .‬واستيعاب ال ّنيّة للعبادة ‪ ،‬فل يص ّ‬
‫‪ ،‬لذلك وجب أن يقترن أوّل العبادة بال ّنيّة ‪ ،‬ثمّ ل تنقطع إلى آخر العمل ‪ ،‬فإن انقطعت فسدت‬
‫العبادة على خلفٍ وتفصيلٍ بين الفقهاء يرجع إليه في مصطلح ( نيّةٌ ) ‪.‬‬
‫ج والعمرة حيث ل يفسدهما انقطاع ال ّنيّة ‪.‬‬
‫ويستثنى من ذلك الح ّ‬
‫ل الحول مختلفٌ فيه ‪ ،‬فبعضهم يرى اشتراطه لوجوب الزّكاة وبعضهم‬
‫واستيعاب النّصاب ك ّ‬
‫يكتفى في ذلك بتمامه في طرفي الحول ‪ .‬انظر ( زكاةٌ ) ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬الستيعاب المندوب ‪:‬‬
‫‪ - 5‬منه استيعاب الرّأس بالمسح ‪ ،‬فهو مندوبٌ عند الحنفيّة ‪ ،‬والشّافعيّة ‪ ،‬وهو روايةٌ عن‬
‫أحمد ‪ ،‬وواجبٌ عند المالكيّة ‪ ،‬ورواي ٌة أخرى عن أحمد ‪ .‬وتفصيل ذلك في ( وضوءٌ ) ‪ .‬ومنه‬
‫استيعاب المزكّي الصناف الثّمانية في مصارف الزّكاة ‪ ،‬والّذين قالوا باستحبابه قالوه خروجا‬
‫من خلف الشّافعيّة ‪ ،‬والقائلين بوجوبه ‪.‬‬
‫‪ - 6‬ومن خطاب الوضع إذا استوعب الغماء أو الجنون يوما كاملً تسقط الصّلة على‬
‫خلفٍ موطن بيانه في مصطلحات ( صلةٌ ) ‪ ( ،‬إغماءٌ ) ‪ ( ،‬جنونٌ ) ‪.‬‬
‫ج ‪ -‬الستيعاب المكروه ‪:‬‬
‫‪ - 7‬يكره للنسان استيعاب جميع ماله بالتّبرّع أو الصّدقات ‪ ،‬وقد فصّل الفقهاء ذلك في كتاب‬
‫الصّدقات ‪.‬‬
‫استيفاءٌ *‬
‫التعريف ‪:‬‬
‫‪ - 1‬الستيفاء ‪ :‬مصدر استوفى ‪ ،‬وهو أخذ صاحب الحقّ حقّه كاملً ‪ ،‬دون أن يترك منه شيئا‬
‫‪ .‬ول يخرج استعمال الفقهاء عن هذا المعنى ‪.‬‬
‫اللفاظ ذات الصّلة ‪:‬‬

‫القبض ‪:‬‬
‫‪ - 2‬قبض الدّين أخذه ‪ ،‬وهو كما يكون في الدّيون يكون كذلك في العيان ‪ ،‬فالقبض أعمّ من‬
‫الستيفاء ‪.‬‬
‫علقة الستيفاء بالبراء والحوالة ‪:‬‬
‫‪ - 3‬من تقسيمات البراء عند الحنفيّة أنّه ‪ :‬إمّا إبراء إسقاطٍ ‪ ،‬أو إبراء استيفاءٍ ‪ ،‬ففي الكفالة‬
‫ل من الكفيل والدّائن ‪ ،‬أمّا لو‬
‫لو قال الدّائن للكفيل ‪ :‬برئت إليّ من المال ‪ ،‬كان إبراء استيفاء لك ّ‬
‫قال ‪ :‬أبرأتك ‪ ،‬فإنّه يكون إبراء إسقاطٍ ‪ ،‬يبرّأ به الكفيل فقط ‪.‬‬
‫وتفصيله في مصطلح ( إبراءٌ ) ‪.‬‬
‫وقد اختلف الفقهاء في ترجيح حقيقة الحوالة ‪ ،‬هل هي بيعٌ أو استيفاءٌ ؟ قال النّوويّ ‪:‬‬
‫والتّرجيح مختلفٌ في الفروع بحسب المسائل ‪ ،‬لقوّة الدّليل وضعفه ‪ ،‬ومن أمثلة ذلك ‪ :‬لو‬
‫ح ل رجوع للمحال ‪ ،‬بناءً على أنّها‬
‫خرج المحال عليه مفلسا ‪ ،‬وقد شرط يساره ‪ ،‬فالص ّ‬
‫استيفاءٌ ‪ ،‬ومقابله ‪ :‬له الرّجوع بناءً على أنّها بيعٌ ‪.‬‬
‫من له حقّ الستيفاء ‪:‬‬
‫‪ - 4‬يختلف من له حقّ الستيفاء باختلف الحقّ المراد استيفاؤه ‪ ،‬إذ هو إمّا حقّ خالصٌ للّه‬
‫ص للعبد ‪ ،‬كالدّيون ‪ ،‬أو حقّ مشتركٌ ‪ .‬وبعض الفقهاء يقسّم هذا‬
‫سبحانه وتعالى ‪ ،‬أو حقّ خال ٌ‬
‫الحقّ المشترك إلى قسمين ‪ :‬ما غلب فيه حقّ اللّه كحدّ السّرقة ‪ ،‬وما غلب فيه حقّ العبد‬
‫كالقصاص ‪ .‬والمراد بحقّ العبد المحض ‪ :‬ما يملك إسقاطه ‪ ،‬على معنى أنّه لو أسقطه لسقط ‪،‬‬
‫ق للّه تعالى ‪ ،‬وهو أمره بإيصال ذلك الحقّ إلى مستحقّه ‪،‬‬
‫ل وفيه ح ّ‬
‫ل فما من حقّ للعبد إ ّ‬
‫وإ ّ‬
‫فيوجد حقّ للّه تعالى دون حقّ للعبد ‪ ،‬ول يوجد حقّ لعبدٍ إلّ وفيه حقّ للّه تعالى ‪.‬‬
‫استيفاء حقوق اللّه تعالى‬
‫أوّلً ‪ :‬استيفاء الحدود ‪:‬‬
‫‪ - 5‬يجب على وليّ المر إنفاذ الحدود ‪ ،‬ول يملك وليّ المر ول غيره إسقاطها بعد ثبوتها‬
‫لديه ‪ ،‬والّذي يتولّى استيفاءها هو وليّ المر أو من ينيبه ‪ ،‬فإن استوفاها غيره دون إذنه يعزّر‬
‫لفتياته عليه ‪.‬‬
‫أ ‪ -‬كيفيّة استيفاء حدّ الزّنا ‪:‬‬
‫ل فإمّا أن يكون الزّنا قد ثبت بالبيّنة أو‬
‫‪ - 6‬حدّ الزّنا إمّا الرّجم ‪ ،‬وإمّا الجلد ‪ :‬وعلى ك ّ‬
‫بالقرار ‪ ،‬فإن كان قد ثبت بالبيّنة ‪ ،‬فالحنفيّة يشترطون أن يحضر الشّهود ‪ ،‬وأن يبدءوا‬
‫ن الشّافعيّة‬
‫بالرّجم ‪ ،‬فإن امتنعوا سقط الحدّ ‪ .‬وغير الحنفيّة ل يشترطون حضور الشّهود ‪ ،‬إلّ أ ّ‬
‫والحنابلة يرون حضورهم مستحبّا ‪ ،‬أمّا المالكيّة فل يرون حضورهم واجبا ول مستحبّا ‪.‬‬
‫ل مجمعٌ في هذه الحالة على أنّه إن حاول الهرب ل يمكّن من ذلك ‪ ،‬بل قال بعضهم بأنّه‬
‫والك ّ‬
‫إن خيف هربه يقيّد أو يحفر له ‪ .‬وإن كانت امرأ ًة يحفر لها ‪ ،‬أو تربط عليها ثيابها حتّى ل‬
‫تتكشّف ‪ .‬وأمّا إن كان قد ثبت بالقرار ‪ ،‬فهم مجمعون على أنّه إن حاول الهرب لم يتّبع ‪،‬‬
‫ويوقف التّنفيذ ‪ ،‬جلدا كان أو رجما ‪ ،‬ويعتبر ذلك رجوعا عن إقراره ‪ .‬وهناك تفصيلتٌ‬
‫وخلفٌ في بعض هذه الحكام يرجع إليها في مصطلح ( حدّ الزّنا ) ‪.‬‬
‫وإذا كان الحدّ جلدا فالكلّ مجمعٌ على نزع ما يلبسه من حش ٍو أو فروٍ ‪.‬‬
‫فإن كان رجلً ينزع عنه ثيابه إلّ ما يستر عورته ‪ ،‬ثمّ إن كان المحدود بالجلد مريضا مرضا‬
‫يرجى شفاؤه أرجئ التّنفيذ إلى أن يبرأ ‪ ،‬وإن كان امرأ ًة حاملً أرجئ الحدّ مطلقا ‪ -‬رجما أو‬
‫جلدا ‪ -‬إلى أن تضع حملها ‪ ،‬ويستغني ولدها عن الرّضاع منها ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬كيفيّة استيفاء حدّ القذف وحدّ شرب الخمر ‪:‬‬
‫‪ - 7‬سبق ما يتّصل بالجلد وح ّد الزّنا ‪ ،‬على أنّه ينبغي في الجلد في حدّ الزّنا أن يكون أشدّ منه‬
‫في ح ّد القذف ‪ ،‬وأن يكون في حدّ القذف أشدّ منه في حدّ شرب الخمر ‪.‬‬
‫ويرجع في تفصيل ذلك إلى ( حدّ القذف ) ( وح ّد الخمر ) ‪.‬‬
‫هذا ‪ ،‬وللفقهاء تفصيلتٌ في آلة الستيفاء في الجلد وملبساته ‪ ،‬ترجع إلى تحقيق عدم‬
‫تعريض المستوفى منه الحدّ إلى التّلف جزئيّا أو كّليّا ‪ ،‬وتفصيلت ذلك في الحدود ‪ .‬وانظر‬
‫أيضا مصطلح ( جلدٌ ) ومصطلح ( رجمٌ ) ‪ .‬هذا ‪ ،‬وقد صرّح الفقهاء بأنّ مبنى إقامة الحدود‬
‫على العلنية ‪ ،‬وذلك لقوله تعالى ‪ { :‬وليشهد عذابهما طائفةٌ من المؤمنين } ولكي يحصل‬
‫الرّدع والزّجر ‪ ،‬فيأمر المام قوما غير من يقيمون الحدّ بالحضور ‪.‬‬
‫ج ‪ -‬كيفيّة استيفاء حدّ السّرقة ‪:‬‬
‫ن الّذي يقيم‬
‫‪ - 8‬حدّ السّرقة من الحقوق المشتركة كحدّ القذف ‪ ،‬ول خلف بين الفقهاء في أ ّ‬
‫حدّ القذف وح ّد السّرقة هو المام ‪.‬‬
‫والتّفصيل في شروط ثبوت الحدود ‪ ،‬وحالت سقوطها يذكر في أبواب الحدود ‪.‬‬
‫أمّا كيفيّة الستيفاء في حدّ السّرقة ‪ ،‬فالفقهاء صرّحوا بأنّه إذا وجب القطع في حدّ السّرقة‬
‫بشروطه المبيّنة في بابه ‪ ،‬فإنّه يستوفى بقطع اليد اليمنى من مفصل الكفّ ‪ ،‬بطريقة تؤمن‬
‫معها السّراية ‪ ،‬كالحسم بالزّيت أو غيره من الوسائل ‪ .‬لحديث ‪ « :‬اقطعوه ثمّ احسموه » ‪.‬‬
‫د ‪ -‬مكان استيفاء الحدود ‪:‬‬
‫‪ - 9‬ل يستوفى حدّ ول قصاصٌ في المسجد ‪ ،‬حتّى لو وقعت الجناية فيه ‪ ،‬لئلّ يؤدّي ذلك إلى‬
‫ص منه فيه ‪ .‬أمّا‬
‫تلويثه ‪ ،‬أمّا إذا وقعت الجناية في الحرم دون المسجد فالجماع على أنّه يقت ّ‬
‫ل ولجأ الجاني إلى الحرم ‪ ،‬فقد اختلف فيه ‪ :‬فذهب الحنابلة ومح ّمدٌ إلى أنّه ل‬
‫إذا وقعت في الح ّ‬
‫يخرج ‪ ،‬بل يضطرّ للخروج بمنع الطّعام والشّراب عنه ‪ .‬واستدلّوا بعموم قوله تعالى ‪ { :‬ومن‬
‫دخله كان آمنا } ‪ .‬وقال أبو يوسف ‪ :‬يباح إخراجه ‪.‬‬
‫وقال المالكيّة ‪ :‬ل يؤخّر بل يقام عليه الحدّ أو القصاص خارج المسجد ‪.‬‬
‫قال في نهاية المحتاج ‪ :‬لخبر الصّحيحين « إنّ الحرم ل يعيذ فارّا بدمٍ » ‪.‬‬
‫ثانيا ‪ :‬استيفاء التّعزيرات ‪:‬‬
‫‪ - 10‬التّعزيرات الّتي ترجع إلى حقّ اللّه تعالى ‪ ،‬اختلف الفقهاء فيها ‪ ،‬فقال مالكٌ ‪ :‬وجب‬
‫ن غير الضّرب مصلحةٌ من الملمة‬
‫التّعزير لحقّ اللّه كالحدود ‪ ،‬إلّ أن يغلب على ظنّ المام أ ّ‬
‫والكلم ‪ .‬وذهب الحنفيّة والحنابلة إلى أنّه إذا كان منصوصا من الشّارع على التّعزير وجب ‪،‬‬
‫ل فللمام إقامته أو العفو عنه ‪ ،‬حسب المصلحة وحصول النزجار به أو بدونه ‪،‬‬
‫وإ ّ‬
‫ب على المام ‪ ،‬إن شاء أقامه وإن شاء تركه ‪ .‬وينظر تفصيل‬
‫وقال الشّافعيّة ‪ :‬هو غير واج ٍ‬
‫هذا وأدلّته في مصطلح ( تعزيرٌ ) ‪.‬‬
‫ثالثا ‪ :‬استيفاء حقوق اللّه الماليّة ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬استيفاء الزّكوات ‪:‬‬
‫‪ - 11‬مال الزّكاة نوعان ‪ :‬ظاهرٌ ‪ ،‬وهو المواشي والزّروع والمال الّذي يم ّر به التّاجر على‬
‫العاشر ‪ ،‬وباطنٌ ‪ :‬وهو الذّهب والفضّة ‪ ،‬وأموال التّجارة في مواضعها ‪.‬‬
‫وولية أخذ الزّكاة في الموال الظّاهرة للمام في مذاهب ‪ :‬الحنفيّة ‪ ،‬والمالكيّة ‪ ،‬وأحد قولي‬
‫الشّافعيّة ‪ .‬ودليل ذلك قول اللّه تعالى ‪ { :‬خذ من أموالهم صدق ًة } والّذي عليه عامّة أهل‬
‫التّأويل أنّ المراد بالصّدقة الزّكاة ‪ ،‬وكذلك قوله تعالى ‪ { :‬إنّما الصّدقات للفقراء والمساكين‬
‫والعاملين عليها } فقد جعل اللّه تعالى للعاملين عليها حقّا ولو لم يكن للمام أن يطالب أرباب‬
‫الموال بصدقات النعام والزّروع في أماكنها ‪ ،‬وكان أداؤها إلى أرباب الموال ‪ ،‬لم يكن‬
‫لذكر العاملين وجهٌ ‪ .‬وكان الرّسول عليه الصلة والسلم والئمّة بعده يبعثون المصدّقين إلى‬
‫أحياء العرب والبلدان والفاق ‪ ،‬لخذ الصّدقات من النعام والمواشي في أماكنها ‪.‬‬
‫وقال الحنفيّة ‪ :‬إنّه يلحق بالموال الظّاهرة المال الباطن إذا مرّ به التّاجر على العاشر ‪ ،‬فله‬
‫أن يأخذ منه الزّكاة في الجملة ‪ ،‬لنّه لمّا سافر به وأخرجه من العمران صار ظاهرا والتحق‬
‫بالسّوائم ‪ ،‬وهذا لنّ المام إنّما كان له المطالبة بزكاة المواشي في أماكنها لمكان الحماية ‪،‬‬
‫ن المواشي في البراريّ ل تصير محفوظ ًة إلّ بحفظ السّلطان وحمايته ‪ ،‬وهذا المعنى موجودٌ‬
‫لّ‬
‫في ما ٍل يمرّ به التّاجر على العاشر فكان كالسّوائم ‪ .‬وعليه إجماع الصّحابة رضي ال عنهم ‪.‬‬
‫ل في أخذها وصرفها‬
‫وهذا الحكم ( دفع زكاة الموال الظّاهرة إلى الئمّة ) إذا كان الئمّة عدو ً‬
‫‪ .‬وإن كانوا غير عدولٍ في غير ذلك ‪ ،‬وذلك مذهب المالكيّة ‪ ،‬فإن طلبها المام العدل فادّعى‬
‫ن السّلطين الّذين ل يضعون الزّكاة‬
‫المزكّي إخراجها لم يصدّق ‪ ،‬والّذي في كتب الحنفيّة أ ّ‬
‫مواضعها إذا أخذوا الزّكاة أجزأت عن المزكّين ‪ ،‬لنّ ولية الخذ لهم ‪ ،‬فل تعاد ‪ .‬وقال‬
‫بعضهم ‪ :‬يسقط الخراج ول تسقط الزّكوات ‪ .‬ومؤدّى هذا أنّه إذا كان المام غير عادلٍ‬
‫فللمزكّي إخراج زكاته ‪.‬‬
‫ل ففيها قولن ‪ :‬أحدهما أنّه‬
‫والمنصوص عليه في مذهب الشّافعيّة ‪ .‬أنّه إذا كان المام عد ً‬
‫محمولٌ على اليجاب ‪ ،‬وليس لهم التّفرّد بإخراجها ‪ ،‬ول تجزّئهم إن أخرجوها ‪.‬‬
‫ومذهب الحنابلة ل يختلف عن الجمهور في الموال الظّاهرة ‪ ،‬أمّا في الموال الباطنة فقد‬
‫صرّح أبو يعلى بأنّه ليس لوالي الصّدقات نظرٌ في زكاتها ‪ ،‬وأربابها أحقّ منه بإخراجها إلّ‬
‫أن يبذل ربّ المال زكاتها طوعا ‪ ،‬والمذهب أنّ للمام طلب زكاة الموال الباطنة أيضا ‪ .‬وإذا‬
‫تأكّد المام أنّ أرباب الموال ل يؤدّون زكاتها أجبرهم على إيتائها ولو بالقتال ‪ ،‬كما فعل أبو‬
‫ل فل يقاتلهم ‪.‬‬
‫بك ٍر رضي ال عنه بما يفي الزّكاة ‪ ،‬وهذا إن كان المام يضعها موضعها ‪ ،‬وإ ّ‬
‫ب ‪ -‬استيفاء الكفّارات والنّذور ‪:‬‬
‫‪ - 12‬ليس للمام ولية استيفاء الكفّارات والنّذور ‪ ،‬وإنّما يؤدّيها من وجبت عليه ‪.‬‬
‫وعند الحنابلة يجوز للمام طلب النّذر والكفّارة على الصّحيح من المذهب ‪ ،‬وهذا هو مذهب‬
‫الشّافعيّة في الكفّارة ‪.‬‬
‫استيفاء حقوق العباد ‪:‬‬
‫أوّلً ‪ :‬استيفاء القصاص ‪:‬‬
‫‪ - 13‬استيفاء القصاص ل بدّ له من إذن المام ‪ ،‬فإن استوفاه صاحب الحقّ بدون إذنه وقع‬
‫موقعه ‪ ،‬وعزّر لفتياته على المام ‪ .‬ثمّ إنّ الّذي يستوفي القصاص فيما دون النّفس هو‬
‫المام ‪ ،‬وليس للولياء ذلك ‪ ،‬لنّه ل يؤمن منهم التّجاوز أو التّعذيب ‪.‬‬
‫أمّا إن كان القصاص في النّفس ‪ ،‬فالجمهور على أنّ الوليّ هو الّذي يتولّه ‪ ،‬لقوله تعالى ‪{ :‬‬
‫ومن قتل مظلوما فقد جعلنا لوليّه سلطانا } ‪ .‬وللحديث الّذي فيه ‪ « :‬أنّ الرّسول صلى ال‬
‫عليه وسلم دفع القاتل إلى أخ المقتول وقال له ‪ :‬دونك صاحبك » ‪ .‬رواه مسلمٌ ‪ .‬وله أن يوكّل‬
‫ن الصل تولّي المام أو‬
‫فيه ‪ ،‬وإن كانوا أكثر من واحدٍ وكّلوا أحدهم ‪ .‬وذهب الشّافعيّة إلى أ ّ‬
‫ل أجابه إلى‬
‫من ينيبه ذلك ‪ ،‬فإن طلب المستحقّ استيفاء القصاص بنفسه ‪ ،‬ورآه المام أه ً‬
‫ل لم يجبه ‪ .‬وتفصيل الكلم في هذه المسائل في مصطلح ‪ ( :‬قصاصٌ ) ‪ .‬هذا ‪ ،‬وقد‬
‫ذلك ‪ ،‬وإ ّ‬
‫صرّح الحنابلة بوجوب حضور المام أو نائبه ‪ ،‬ليؤمن التّجاوز أو التّعذيب ‪ ،‬وحضور‬
‫القاضي الّذي حكم بالقصاص مسنونٌ عند الشّافعيّة ‪ .‬وصرّح الحنفيّة بوجوب حضور صاحب‬
‫الحقّ رجاء أن يعفو ‪.‬‬
‫أ ‪ -‬كيفيّة استيفاء القصاص في النّفس ‪:‬‬
‫‪ - 14‬قال الحنفيّة ‪ ،‬وهو روايةٌ عن الحنابلة ‪ :‬إنّ القصاص ل يستوفى إلّ بالسّيف ‪ ،‬لقول‬
‫ل بالسّيف » ‪ .‬والقود هو القصاص ‪ ،‬فكان هذا نفي‬
‫النّبيّ عليه الصلة والسلم ‪ « :‬ل قود إ ّ‬
‫استيفاء القصاص بغير السّيف ‪ .‬وإن أراد الوليّ أن يقتل بغير السّيف ل يمكّن للحديث ‪ ،‬ولو‬
‫ن القتل حقّه ‪ ،‬فإذا قتله فقد استوفى حقّه بأيّ طريقٍ‬
‫فعل يعزّر ‪ ،‬لكن ل ضمان عليه ‪ ،‬ل ّ‬
‫ل أنّه يأثم بالستيفاء بطريقٍ غير مشروعٍ ‪ ،‬لمجاوزته حدّ الشّرع ‪.‬‬
‫كان ‪ ،‬إ ّ‬
‫وعند المالكيّة والشّافعيّة ‪ -‬وهو إحدى روايتين للحنابلة ‪ -‬أنّ القاتل يقتل بمثل ما قتل به ‪،‬‬
‫ودليله ‪ :‬حديث « اليهوديّ الّذي رضّ رأس مسلم ٍة بين حجرين ‪ ،‬فأمر النّبيّ صلى ال عليه‬
‫وسلم أن يرضّ رأسه كذلك » ‪ .‬وهذا إن ثبت القتل ببيّنةٍ أو اعترافٍ ‪.‬‬
‫فإن ثبت بقسام ٍة قتل بالسّيف ‪ ،‬إلّ أن يقع القتل بما هو محرّمٌ ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬تأخير استيفاء القصاص ‪:‬‬
‫‪ - 15‬إذا كان وليّ الدّم واحدا أو أكثر ‪ ،‬وكانوا جميعا عقلء بالغين حاضرين ‪ ،‬وطلبوا‬
‫الستيفاء أجيبوا ‪ .‬أمّا إذا كان وليّ الدّم واحدا صغيرا أو مجنونا ‪ ،‬فقد ذهب الشّافعيّة والحنابلة‬
‫ل للحنفيّة ‪ -‬إلى أنّه ينتظر البلوغ أو الفاقة ‪ ،‬لحتمال العفو آنئذٍ ‪ .‬وذهب المالكيّة‬
‫‪ -‬وهو قو ٌ‬
‫إلى أنّه ل ينتظر ‪ ،‬بل الستيفاء لوليّ الصّغير ‪ ،‬والقيّم على المجنون ‪ .‬والقول الخر للحنفيّة‬
‫ن الّذي يستوفي القصاص في هذه الحال هو القاضي ‪.‬‬
‫أّ‬
‫ث بأنّ الوليّ إذا كان أبا أو جدّا يستوفي القصاص عن الصّغير ‪ ،‬وليس ذلك‬
‫وللحنفيّة قولٌ ثال ٌ‬
‫للوصيّ ‪.‬‬
‫أمّا إذا تعدّد أولياء الدّم وكان فيهم كبارٌ وصغارٌ ‪ ،‬فقد ذهب الشّافعيّة وأبو يوسف ‪ -‬وهو‬
‫روايةٌ عن أحمد ‪ -‬إلى أنّه ينتظر بلوغ الصّغير ‪ .‬وذهب المالكيّة وأبو حنيفة ‪ -‬وهو الرّواية‬
‫ن انتظارهم‬
‫الثّانية عن أحمد ‪ -‬إلى أنّه يستوفيه الكبار ‪ .‬أمّا إن كان بعض الولياء غائبين فإ ّ‬
‫ب عند أبي حنيفة والشّافعيّ وأحمد ‪ ،‬وفصّل المالكيّة فقالوا ‪ :‬ينتظر الغائب إن كانت غيبته‬
‫واج ٌ‬
‫قريب ًة دون الغائب غيبةً بعيدةً ‪ ،‬وكذلك المجنون جنونا غير مطبقٍ فإنّه ينتظر ‪.‬‬
‫ج ‪ -‬وقت استيفاء القصاص فيما دون النّفس ‪:‬‬
‫‪ - 16‬ذهب الحنفيّة والمالكيّة والحنابلة إلى أنّه ل يقام القصاص فيما دون النّفس قبل برء‬
‫المجروح ‪ ،‬لحديث ‪ « :‬ل يستقاد من الجراحة حتّى يبرأ » ‪ .‬والشّافعيّة قالوا ‪ :‬إنّه يقتصّ من‬
‫الجاني على الفور ‪ .‬وتفصيل ذلك في مصطلح ‪ ( :‬قصاصٌ ) ‪.‬‬
‫ثانيا ‪ :‬استيفاء حقوق العباد الماليّة ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬استيفاء الحقّ من مال الغير بصفةٍ عامّةٍ ‪:‬‬
‫ل له ‪ ،‬لم يكن له أن‬
‫‪ - 17‬قال ابن قدامة ‪ :‬إذا كان لرجلٍ على غيره حقّ ‪ ،‬وهو مق ّر به باذ ٌ‬
‫ف بين أهل العلم ‪ ،‬فإن أخذ من ماله شيئا بغير إذنه لزمه‬
‫ل ما يدليه بل خل ٍ‬
‫يأخذ من ماله إ ّ‬
‫ردّه إليه ‪ ،‬وإن كان قدر حقّه ‪ ،‬لنّه ل يجوز له أن يملك عليه عينا من أعيان ماله بغير‬
‫اختياره لغير ضرورةٍ ‪ ،‬وإن كانت من جنس حقّه ‪ ،‬لنّه قد يكون للنسان غرضٌ في العين ‪،‬‬
‫فإن أتلفه أو تلفت فصارت دينا في ذمّته ‪ ،‬وكان الثّابت في ذمّته من جنس حقّه تقاصّا في‬
‫قياس المذهب ‪ .‬والمشهور من مذهب الشّافعيّ ‪ ،‬وإن كان المدين مانعا لداء الدّين لم ٍر يبيح‬
‫المنع كالتّأجيل والعسار لم يجز أخذ شيءٍ من ماله بغير خلفٍ ‪ ،‬وإن أخذ شيئا لزمه ردّه إن‬
‫ن الدّين الّذي له ل يستحقّ‬
‫ص هاهنا ‪ ،‬ل ّ‬
‫كان باقيا ‪ ،‬أو عوّضه إن كان تالفا ‪ ،‬ول يحصل التّقا ّ‬
‫أخذه في الحال بخلف ما ذكر قبل ‪.‬‬
‫وإن كان مانعا له بغير حقّ ‪ ،‬وقدر على استخلصه بالحاكم أو السّلطان لم يجز له الخذ‬
‫أيضا بغير السّلطان أو الحاكم ‪ ،‬لنّه قدر على استيفاء حقّه بمن يقوم مقامه ‪ ،‬فأشبه ما لو قدر‬
‫على استيفائه من وكيله ‪ .‬وإن لم يقدر على ذلك لكونه جاحدا له ‪ ،‬ول بيّنة له به ‪ ،‬أو لكونه ل‬
‫يجيبه إلى المحاكمة ول يمكنه إجباره على ذلك ‪ ،‬أو نحو هذا ‪ ،‬فالمشهور في المذهب أنّه ليس‬
‫له أخذ قدر حقّه ‪ ،‬وهو إحدى الرّوايتين عن مالكٍ ‪.‬‬
‫قال ابن عقيلٍ ‪ :‬وقد جعل أصحابنا المحدّثون لجواز الخذ وجها في المذهب ‪ ،‬أخذا من‬
‫حديث هندٍ حين قال لها النّبيّ صلى ال عليه وسلم ‪ « :‬خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف » ‪.‬‬
‫قال أبو الخطّاب ‪ :‬ويتخرّج لنا جواز الخذ ‪ ،‬فإن كان المقدور عليه من جنس حقّه أخذ‬
‫بقدره ‪ ،‬وإن كان من غير جنسه تحرّى واجتهد في تقويمه ‪ ،‬مأخوذٌ من حديث هندٍ ‪ ،‬ومن قول‬
‫أحمد في المرتهن " يركب ويحلب بقدر ما ينفق " ‪ .‬والمرأة تأخذ مئونتها وبائع السّلعة يأخذها‬
‫ج من أجاز الخذ بحديث هن ٍد السّابق ‪.‬‬
‫من مال المفلس بغير رضا ‪ .‬واحت ّ‬
‫وقال الشّافعيّ ‪ :‬إن لم يقدر على استخلص حقّه بعينه فله أخذ قدر حقّه من جنسه ‪ ،‬أو من‬
‫غير جنسه ‪ ،‬إن لم يخف الفتنة ‪ .‬وإن كانت له بيّن ٌة وقدر على استخلص حقّه فالمذهب عند‬
‫الشّافعيّة ‪ :‬أنّ له أخذ جنس حقّه من ماله ‪ ،‬وكذا غير جنسه للضّرورة ‪.‬‬
‫وفي قولٍ آخر ‪ :‬المنع ‪ ،‬لنّه ل يتمكّن من تملّكه ‪ ،‬وما كان كذلك ل بدّ فيه من التّراضي ‪.‬‬
‫‪ - 18‬هذا ‪ ،‬وانفرد الشّافعيّة على المذهب أيضا بأنّ لصاحب الحقّ أخذ حقّه استقللً ‪ ،‬ولو‬
‫ن في الرّفع إلى القضاء‬
‫كان على مقرّ ممتنعٍ ‪ ،‬أو على منك ٍر ولصاحب الحقّ عليه بيّنةٌ ‪ ،‬ل ّ‬
‫مئونةً ومش ّقةً وتضييع زمانٍ ‪ .‬والقول الخر عندهم ‪ :‬يجب الرّفع إلى القاضي ‪ ،‬لمكان‬
‫حصوله على حقّه مع وجود القرار أو البيّنة ‪.‬‬
‫ن فله أن يأخذ بقدر حقّه ‪،‬‬
‫والرّواية الخرى من مذهب مالكٍ ‪ :‬أنّه إن لم يكن لغيره عليه دي ٌ‬
‫ن لم يجز ‪ ،‬لنّهما يتحاصّان في ماله إذا أفلس ‪ .‬وقال أبو حنيفة ‪ :‬له أن يأخذ‬
‫وإن كان عليه دي ٌ‬
‫بقدر حقّه إن كان نقدا أو من جنس حقّه ‪ ،‬وإن كان المال عرضا لم يجز ‪ ،‬لنّ أخذ العوض‬
‫ن المفتى به عند الحنفيّة جواز‬
‫عن حقّه اعتياضٌ ‪ ،‬ول تجوز المعاوضة إلّ بالتّراضي ‪ ،‬لك ّ‬
‫الخذ من خلف الجنس ‪ .‬واحتجّ المانعون من الحنابلة بقول النّبيّ صلى ال عليه وسلم ‪ « :‬أدّ‬
‫المانة إلى من ائتمنك ‪ ،‬ول تخن من خانك » ‪ ،‬ومن أخذ منه قدر حقّه من ماله بغير علمه‬
‫فقد خانه ‪ ،‬فيدخل في عموم الخبر ‪ .‬وقال صلى ال عليه وسلم ‪ « :‬ل يحلّ مال امرئٍ مسلمٍ‬
‫إلّ عن طيب نفسٍ منه » ‪ .‬ولنّه إن أخذ من غير جنس حقّه ‪ ،‬كان معاوض ًة بغير تراضٍ ‪،‬‬
‫وإن أخذ من جنس حقّه ‪ ،‬فليس له تعيين الحقّ بغير رضا صاحبه فإنّ التّعيين إليه ‪ ،‬أل ترى‬
‫ن كلّ ما ل يجوز له تملّكه‬
‫أنّه ل يجوز له أن يقول ‪ :‬اقض حقّي من هذا الكيس دون هذا ‪ ،‬ول ّ‬
‫ن ‪ ،‬كما لو كان باذلً له ‪ .‬لكنّ المانعين‬
‫ن ل يجوز له أخذه إذا كان له دي ٌ‬
‫إذا لم يكن له دي ٌ‬
‫استثنوا النّفقة ‪ ،‬لنّها تراد لحياء النّفس وإبقاء المهجة ‪ ،‬وهذا ممّا ل يصبر عنه ‪ ،‬ول سبيل‬
‫إلى تركه ‪ ،‬فجاز أخذ ما تندفع به الحاجة ‪ ،‬بخلف الدّين ‪ ،‬ولذلك لو صارت النّفقة ماضي ًة لم‬
‫يكن لها أخذها ‪ ،‬ولو وجب لها عليه دينٌ آخر غير النّفقة لم يكن لها أخذه ‪ .‬وتفصيل ذلك في‬
‫مصطلح ( نفقةٌ ) ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬استيفاء المرتهن قيمة الرّهن من المرهون ‪:‬‬
‫‪ - 19‬حقّ المرتهن في الرّهن أن يمسكه حتّى يؤدّي الرّاهن ما عليه ‪ ،‬فإن لم يأت به عند‬
‫حلول الجل كان له أن يرفعه إلى القاضي فيبيع عليه الرّهن ‪ ،‬وينصفه منه ‪ ،‬إن لم يجبه‬
‫الرّاهن إلى البيع ‪ .‬وكذلك إن كان غائبا ‪ ،‬خلفا للحنفيّة ‪ .‬وإن وكّل الرّاهن المرتهن على بيع‬
‫الرّهن عند حلول الجل جاز ‪ ،‬وكرهه المام مالكٌ ‪ ،‬إلّ أن يرفع المر إلى القاضي ‪.‬‬
‫ن الرّاهن لو‬
‫والرّهن عند الجمهور يتعلّق بجملة الحقّ المرهون فيه وببعضه ‪ .‬على معنى أ ّ‬
‫أدّى بعض الدّين وبقي بعضه ‪ ،‬فإنّ الرّهن جميعه يبقى بيد المرتهن حتّى يستوفي كلّ حقّه ‪.‬‬
‫وقال بعض الفقهاء ‪ :‬بل يبقى من الرّهن بيد المرتهن بقدر ما يبقى من الحقّ ‪.‬‬
‫وحجّة الجمهور أنّه محبوسٌ بحقّ ‪ ،‬فوجب أن يكون محبوسا بكلّ جزءٍ منه ‪ ،‬أصله حبس‬
‫ن جميعه‬
‫التّركة عن الورثة حتّى يؤدّوا الدّين الّذي على الميّت ‪ .‬وحجّة الفريق الثّاني أ ّ‬
‫محبوسٌ بجميعه ‪ ،‬فوجب أن تكون أبعاضه محبوس ًة بأبعاضه ‪ ،‬أصله الكفالة ‪.‬‬
‫والمرتهن أحقّ بثمن الرّهن من جميع الغرماء ‪ ،‬حتّى يستوفي حقّه ‪ ،‬حيّا كان الرّاهن أو‬
‫ميّتا ‪ ،‬فإذا ضاق مال الرّاهن عن ديونه وطالب الغرماء بديونهم ‪ ،‬أو حجر عليه لفلسه ‪ ،‬وأريد‬
‫ن حقّه متعّلقٌ‬
‫ن يختصّ بثمنه عن سائر الغرماء ‪ ،‬ل ّ‬
‫قسمة ماله بين غرمائه ‪ ،‬فإنّ من له ره ٌ‬
‫بعين الرّهن وذمّة الرّاهن معا ‪ ،‬وباقي الغرماء يتعلّق حقّهم بذمّة الرّاهن دون عين الرّهن ‪،‬‬
‫فكان حقّ المرتهن أقوى ‪ ،‬وهذا من أكثر فوائد الرّهن ‪ ،‬وهو تقديمه بحقّه عند تزاحم‬
‫الغرماء ‪ ،‬وليس في هذا خلفٌ بين المذاهب ‪ ،‬فيباع الرّهن ‪ ،‬فإن كان ثمنه قدر الدّين أخذه‬
‫المرتهن ‪ ،‬وإن كان فيه زيادةٌ عن دينه ردّ الباقي على الغرماء ‪ ،‬وإن فضل من دينه شي ٌء أخذ‬
‫ثمنه وشارك الغرماء ببقيّة دينه ‪ .‬وللتّفصيل يرجع إلى باب الرّهن ‪.‬‬
‫ج ‪ -‬حبس المبيع لستيفاء الثّمن ‪:‬‬
‫‪ - 20‬المنصوص عليه عند المالكيّة والحنفيّة ‪ -‬وهو قول الحنابلة اختاره ابن قدامة ‪ -‬أنّه إن‬
‫كان الثّمن دينا فللبائع أن يمتنع عن تسليم المبيع إلى المشتري حتّى يقضي الثّمن ‪ ،‬ويجبر‬
‫المشتري على تسليم الثّمن قبل الستيفاء كالمرتهن ‪ .‬واستدلّوا بأنّه لمّا كان الثّمن غير معيّنٍ‬
‫ل ليتعيّن ‪ .‬وفي رأيٍ للشّافعيّة والحنابلة أنّه إن قال البائع ‪ :‬ل أسلّم المبيع حتّى‬
‫وجب دفعه أ ّو ً‬
‫أقبض الثّمن ‪ ،‬وقال المشتري ‪ :‬ل أسلّمه حتّى أقبض المبيع ‪ ،‬وكان الثّمن عينا أو عرضا ‪،‬‬
‫جعل بينهما عدلٌ يقبض منهما ‪ ،‬ويسلّم إليهما ‪ .‬مستدلّين على ذلك بأنّ حقّ البائع قد تعلّق بعين‬
‫الثّمن ‪ ،‬كما تعلّق حقّ المشتري بعين المبيع فاستويا ‪ ،‬وقد وجب لكلّ واح ٍد منهما على الخر‬
‫ل واحدٍ منهما على إيفاء صاحبه حقّه ‪ ،‬وهذا قول الثّوريّ ‪.‬‬
‫حقّ قد استحقّ قبضه ‪ ،‬فأجبر ك ّ‬
‫ل ثانٍ للمام الشّافعيّ ‪ :‬أنّه يجب تسليم المبيع أ ّولً ‪ ،‬ويجبر‬
‫ل للمام أحمد ‪ ،‬وهو قو ٌ‬
‫وفي قو ٍ‬
‫على ذلك البائع ‪ ،‬لنّ تسليم المبيع يتعلّق به استقرار البيع وتمامه ‪ ،‬فكان تقديمه أولى ‪ ،‬وإن‬
‫كان دينا أجبر البائع على تسليم المبيع ‪ ،‬ثمّ أجبر المشتري على تسليم الثّمن ‪ ،‬لنّ حقّ‬
‫المشتري تعلّق بعين المبيع ‪ ،‬وحقّ البائع تعلّق بالذّمّة ‪ ،‬وتقديم ما تعلّق بالعين أولى لتأكّده ‪،‬‬
‫وهذا إن كان الثّمن غير مؤجّلٍ ‪.‬‬
‫د ‪ -‬الستيفاء في الجارة ‪:‬‬
‫‪ -‬استيفاء المنفعة ‪:‬‬ ‫‪1‬‬

‫‪ - 21‬المنفعة تختلف في كلّ عقدٍ بحسب المعقود عليه ‪ ،‬واستيفاؤها يكون بتمكين المؤجّر‬
‫للمستأجر من محلّ العقد ‪ .‬ويكون الستيفاء في الجير الخاصّ ( ويسمّى أجير الوحد ) بتسليم‬
‫ب مثلً ‪ -‬يكون‬
‫ن ‪ -‬كخياطة ثو ٍ‬
‫ل في عي ٍ‬
‫نفسه مع استعداده للعمل ‪ .‬واستيفاء الجارة على عم ٍ‬
‫بتسليم العين مصنوع ًة حسب التّفاق ‪.‬‬
‫‪ -‬استيفاء الجرة ‪:‬‬ ‫‪2‬‬

‫‪ - 22‬استيفاء الجرة يكون بأحد أمورٍ ‪ :‬إمّا بتعجيل الجرة من غير شرطٍ ‪ ،‬وإمّا باستيفاء‬
‫المنفعة فعلً ‪ ،‬أو التّمكّن منها ‪ ،‬وإمّا باشتراط تعجيلها ‪ ،‬أو التّعارف على التّعجيل كما صرّح‬
‫ف وتفصيلٌ يرجع إليه في مصطلح ( إجارةٌ ) ‪.‬‬
‫به المالكيّة ‪ .‬وفي المسألة خل ٌ‬
‫هم ‪ -‬استيفاء المستعير منفعة ما استعاره ‪:‬‬
‫‪ - 23‬أورد صاحب المغني أحكام استيفاء المنفعة في العارة فقال ‪ :‬وإن استعار شيئا فله‬
‫ن وكيله نائبٌ عنه ‪ ،‬ويده كيده ‪ ،‬وليس له أن يؤجّره ‪ ،‬لنّه‬
‫استيفاء منفعته بنفسه وبوكيله ‪ ،‬ل ّ‬
‫ح أن يملكها ‪ ،‬ول نعلم في هذا خلفا ‪ ،‬ول خلف بينهم أنّ المستعير‬
‫لم يملك المنافع ‪ ،‬فل يص ّ‬
‫ن للمستعير استعمال المعار فيما أذن له فيه ‪ ،‬أمّا إعارته لغيره‬
‫ل يملك العين ‪ ،‬وأجمعوا على أ ّ‬
‫ففيه خلفٌ وتفصيلٌ موطنه مصطلح ( إعارةٌ ) ‪.‬‬
‫و ‪ -‬النّيابة في الستيفاء ‪:‬‬
‫‪ -‬استخلف المام غيره في إقامة الحدود ‪:‬‬ ‫‪1‬‬

‫ن للمام أن يستخلف غيره على إقامة الحدود ‪ ،‬لنّه ل يقدر‬


‫‪ - 24‬أجمع فقهاء المذاهب على أ ّ‬
‫على استيفاء الجميع بنفسه ‪ ،‬لنّ أسباب وجوبها توجد في أقطار دار السلم ‪ ،‬ول يمكنه‬
‫الذّهاب إليها ‪ ،‬وفي الحضار إلى مكان المام حرجٌ عظيمٌ ‪ ،‬فلو لم يجز الستخلف لتعطّلت‬
‫الحدود وهذا ل يجوز ‪ ،‬ولهذا « كان عليه الصلة والسلم يجعل إلى أمرائه تنفيذ الحكام ‪،‬‬
‫وإقامة الحدود » ‪ .‬والستخلف نوعان ‪ :‬تنصيصٌ ‪ ،‬وتوليةٌ ‪.‬‬
‫أمّا التّنصيص ‪ :‬فهو أن ينصّ على إقامة الحدود ‪ ،‬فيجوز للنّائب إقامتها بل شكّ ‪.‬‬
‫والتّولية على نوعين ‪ :‬خاصّةٌ ‪ ،‬وعامّةٌ ‪.‬‬
‫فالعامّة ‪ :‬هي أن يولّي المام رجلً ولي ًة عامّ ًة ‪ ،‬مثل إمارة إقليمٍ أو بلدٍ عظيمٍ ‪ ،‬فيملك المولّى‬
‫ص عليها ‪ ،‬لنّه لمّا قلّده إمارة ذلك البلد فقد فوّض إليه القيام بمصالح‬
‫إقامة الحدود وإن لم ين ّ‬
‫المسلمين ‪ ،‬وإقامة الحدود من أعظم مصالحهم ‪ ،‬فيملكها ‪.‬‬
‫والخاصّة ‪ :‬هي أن يولّي رجلً ولي ًة خاصّةً ‪ ،‬مثل جباية الخراج ونحو ذلك ‪ ،‬فل يملك إقامة‬
‫ن هذه التّولية لم تتناول إقامة الحدود ‪ ،‬ولو استعمل أميرا على الجيش الكبير ‪ ،‬فإن‬
‫الحدود ‪ ،‬ل ّ‬
‫كان أمير مصرٍ أو مدينةٍ فغزا بجنده ‪ ،‬فإنّه يملك إقامة الحدود في معسكره ‪ ،‬لنّه كان يملك‬
‫القامة في بلده ‪ ،‬فإذا خرج بأهله أو ببعضهم ملك عليهم ما كان يملك فيهم قبل الخروج ‪ ،‬وأمّا‬
‫من أخرجه أمير البلد غازيا فمن كان يملك إقامة الحدود عليهم قبل خروجه وبعده لم يفوّض‬
‫إليه القامة ‪ ،‬فل يملك القامة ‪.‬‬
‫‪ -‬الوكالة بالستيفاء ‪:‬‬ ‫‪2‬‬

‫ن كلّ ما يملك النسان من‬


‫‪ - 25‬ذهب المالكيّة والشّافعيّة وهو الرّاجح عند الحنابلة إلى أ ّ‬
‫ل ما يملك النسان‬
‫التّصرّفات فله أن يوكّل فيه ‪ ،‬ومن ذلك القود والحدود ‪ .‬وقال الحنفيّة ‪ :‬ك ّ‬
‫أن يستوفيه من الحقوق بنفسه ‪ ،‬يجوز أن يوكّل فيه إلّ الحدود والقصاص ‪ ،‬فل يجوز أن‬
‫يستوفيها الوكيل في غيبة الموكّل عن مجلس الستيفاء ‪ ،‬لنّها تندرئ بالشّبهات ‪ .‬واستدلّ‬
‫الئمّة الثّلثة على جواز التّوكيل في القود والحدود ‪ ،‬بأنّ النّبيّ عليه الصلة والسلم قال ‪« :‬‬
‫اغد يا أنيس إلى امرأة هذا ‪ ،‬فإن اعترفت فارجمها ‪ .‬فاعترفت فرجمت » ولنّ الحاجة تدعو‬
‫ن المام ل يمكنه تولّي ذلك بنفسه ‪.‬‬
‫إلى ذلك ‪ ،‬ل ّ‬
‫ويجوز التّوكيل في إثباتها ‪ .‬ووافق بعض الحنابلة الحنفيّة على ما قالوه من عدم جواز استيفاء‬
‫القصاص وح ّد القذف في غيبة الموكّل ‪.‬‬

‫استيلءٌ *‬
‫التّعريف ‪:‬‬
‫‪ - 1‬من معاني الستيلء لغةً ‪ :‬وضع اليد على الشّيء ‪ ،‬والغلبة عليه ‪ ،‬والتّمكّن منه ‪.‬‬
‫ل حالً ومآلً ‪ ،‬أو‬
‫ل ‪ ،‬أو القتدار على المح ّ‬
‫وفي اصطلح الفقهاء ‪ :‬إثبات اليد على المح ّ‬
‫القهر والغلبة ولو حكما ‪ .‬وأمّا الفعل الما ّديّ الّذي يتحقّق به الستيلء فإنّه يختلف تبعا للشياء‬
‫والشخاص ‪ ،‬أي أنّ مدار الستيلء على العرف ‪.‬‬
‫اللفاظ ذات الصّلة ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬الحيازة ‪:‬‬
‫ضمّ ‪ .‬وشرعا ‪ :‬وضع اليد على الشّيء والستيلء‬
‫‪ - 2‬الحيازة والحوز لغةً ‪ :‬الجمع وال ّ‬
‫عليه ‪ ،‬كما قال الدّردير ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬الغصب ‪:‬‬
‫‪ - 3‬الغصب لغةً ‪ :‬أخذ الشّيء قهرا وظلما ‪ .‬وشرعا ‪ :‬الستيلء على حقّ الغير بل حقّ ‪.‬‬
‫ص من الستيلء ‪ ،‬لنّ الستيلء يكون بحقّ وبغير حقّ ‪.‬‬
‫فالغصب أخ ّ‬
‫ج ‪ -‬وضع اليد ‪:‬‬
‫ن وضع اليد هو ‪ :‬الستيلء على الشّيء بالحيازة ‪.‬‬
‫‪ - 4‬يستفاد من كلم الفقهاء أ ّ‬
‫ن وضع اليد والتّصرّف من أقوى ما يستدلّ به على الملك ‪ ،‬ولذا تصحّ‬
‫قال ابن عابدين ‪ :‬إ ّ‬
‫الشّهادة بأنّه ملكه ‪ ،‬وليس للمام أن يخرج شيئا من يد أحدٍ إلّ بحقّ ثابتٍ معروفٍ ‪ ،‬وفي ذلك‬
‫خلفٌ وتفصيلٌ ‪.‬‬
‫د ‪ -‬الغنيمة ‪:‬‬
‫‪ - 5‬الغتنام ‪ :‬أخذ الغنيمة ‪ ،‬وهي كما قال أبو عبيدٍ ‪ :‬ما أخذ من أهل العدوّ عنوةً فالغتنام‬
‫أخصّ من الستيلء ‪.‬‬
‫هم‪ -‬الحراز ‪:‬‬
‫‪ – 6‬الحراز لغةً ‪ :‬جعل الشّيء في الحرز ‪ ،‬وهو الموضع الحصين الّذي يحفظ فيه الشّيء ‪.‬‬
‫وفي الشّرع ‪ :‬حفظ المال فيما يحفظ فيه عادةً ‪ ،‬كالدّار والخيمة ‪ ،‬أو بالشّخص نفسه ‪.‬‬
‫وبين الحراز والستيلء عمومٌ وخصوصٌ ‪ .‬ولذا كان الحراز شرطا لترتّب الملك على‬
‫الستيلء في بعض الصّور ‪ ،‬فينفرد الستيلء في مثل استيلء الكفّار على أموال المسلمين في‬
‫دار السلم ‪ ،‬فليس ذلك إحرازا ‪.‬‬
‫صفة الستيلء ‪ :‬حكمه التّكليفيّ ‪:‬‬
‫‪ - 7‬يختلف حكم الستيلء بحسب الشّيء المستولى عليه ‪ ،‬وتبعا لكيفيّة الستيلء ‪ ،‬فالصل‬
‫ل إذا كان مستندا إلى طريقٍ‬
‫بالنّسبة للمال المعصوم المملوك للغير أنّ الستيلء عليه مح ّرمٌ ‪ ،‬إ ّ‬
‫ع ‪ .‬أمّا المال غير المعصوم فإنّه يجوز الستيلء عليه وإن كان مملوكا ‪ ،‬وكذا المال‬
‫مشرو ٍ‬
‫المباح فإنّه يملك بالستيلء عليه على ما سيأتي بيانه ‪.‬‬
‫أثر الستيلء في الملك والتّملّك ‪:‬‬
‫ك لحدٍ ‪ ،‬على تفصيلٍ يأتي بيانه ‪،‬‬
‫ح غير مملو ٍ‬
‫‪ - 8‬الستيلء يفيد الملك إذا ورد على مالٍ مبا ٍ‬
‫أو كان في حكم المباح لعدم العصمة ‪ ،‬بأن كان مالً للحربيّين في دار الحرب ‪ .‬وهذا إمّا أن‬
‫يكون منقولً ‪ ،‬أو عقارا ‪ ،‬ولكلّ حكمه الخاصّ ‪.‬‬
‫ل أخذ بالقهر والغلبة ‪ ،‬فإنّ الملك‬
‫‪ - 9‬فإن كان المال الّذي تمّ الستيلء عليه من الحربيّين منقو ً‬
‫ل عند الشّافعيّة أنّ‬
‫ل بالقسمة بين الغانمين ‪ ،‬فالملك موقوفٌ عليها ‪ .‬وفي قو ٍ‬
‫ل يتحقّق فيه إ ّ‬
‫الملك يثبت بنفس الستيلء بدار الحرب بعد الفراغ من القتال ‪ ،‬لزوال ملك الكفّار بالستيلء ‪،‬‬
‫ووجود مقتضى التّمليك ‪ ،‬وهو انقضاء القتال ‪ ،‬وفي قولٍ أنّ الملك موقوفٌ ‪ ،‬فإن سلّمت‬
‫ن ملكهم على الشّيوع ‪ .‬وبالقسمة ‪ -‬ولو في دار الحرب ‪ -‬ثبت الملك ‪،‬‬
‫الغنيمة إلى القسمة بأ ّ‬
‫ويستقرّ عند جمهور الفقهاء ‪ :‬المالكيّة ‪ ،‬والشّافعيّة ‪ ،‬والحنابلة ‪ .‬وبهذا قال الوزاعيّ وابن‬
‫ي ‪ :‬هل قسم رسول اللّه‬
‫المنذر وأبو ثورٍ ‪ ،‬لما روى أبو إسحاق الفزاريّ قال ‪ :‬قلت للوزاع ّ‬
‫صلى ال عليه وسلم شيئا من الغنائم بالمدينة ؟ قال ‪ :‬ل أعلمه ‪ ،‬إنّما كان النّاس يتّبعون‬
‫غنائمهم ويقسمونها في أرض عدوّهم ‪ «،‬ولم يقفل رسول اللّه صلى ال عليه وسلم عن غزاةٍ‬
‫ن الملك ثبت فيها بالقهر‬
‫قطّ ‪ ،‬أصاب فيها غنيم ًة إلّ خمّسه وقسّمه من قبل أن يقفل »‪ ،‬ول ّ‬
‫ن سبب الملك الستيلء التّامّ‬
‫والستيلء ‪ ،‬فصحّت قسمتها كما لو أحرزت بدار السلم ‪ ،‬ل ّ‬
‫وقد وجد ‪ ،‬فإنّنا أثبتنا أيدينا عليها حقيقةً ‪ ،‬وقهرناهم ونفيناهم عنها ‪ ،‬والستيلء يدلّ على‬
‫حاجة المستولي فيثبت الملك كالمباحات ‪.‬‬
‫ن الملك ل يثبت للغزاة بدار الحرب بالستيلء ‪ ،‬ولكن ينعقد سبب‬
‫‪ - 10‬لكنّ الحنفيّة يرون أ ّ‬
‫الملك فيها ‪ ،‬على أن يصير علّ ًة عند الحراز بدار السلم ‪ ،‬وعلى هذا فلم يعتبروا قسمة‬
‫ن ملك الكفّار قائمٌ ‪ ،‬إذ الملك ل‬
‫الغنائم في دار الحرب قسمة تمليكٍ ‪ ،‬وإنّما هي قسمة حملٍ ‪ ،‬ل ّ‬
‫ل بالستيلء التّامّ ‪ ،‬ول يحصل إلّ بإحرازها في دار السلم ‪ ،‬وما دام الغزاة في‬
‫يتمّ عليها إ ّ‬
‫دار الحرب فاسترداد الكفّار ليس بنادرٍ بل هو محتملٌ ‪.‬‬
‫‪ - 11‬وأمّا إن كان المال المستولى عليه من الكفّار بالقهر والغلبة أرضا ‪ ،‬فإنّ للفقهاء ثلثة‬
‫اتّجاهاتٍ ‪ :‬فالحنفيّة ‪ ،‬والحنابلة في روايةٍ ‪ -‬عليها المذهب عندهم ‪ -‬صرّحوا بأنّ المام مخ ّيرٌ‬
‫بين أن يقسمها أو يتركها في يد أهلها بالخراج ‪.‬‬
‫وقال المالكيّة في المشهور عندهم ‪ :‬إنّها ل تقسم ‪ ،‬ويرصد خراجها في مصالح المسلمين ‪،‬‬
‫ن المصلحة تقتضي القسمة ‪ ،‬والقول بأنّها تصير وقفا‬
‫إلّ أن يرى المام في وقتٍ أ ّ‬
‫بالستيلء ‪ ،‬ويرصد خراجها لصالح المسلمين رواي ٌة عند الحنابلة ‪ .‬وقال الشّافعيّة ‪ :‬إنّها تملك‬
‫للفاتحين كالمنقول ‪ .‬وهو رواي ٌة عند الحنابلة ‪ ،‬وبه قال ابن رشدٍ المالكيّ ‪ ،‬وهو قولٌ عند‬
‫المالكيّة يقابل المشهور ‪ ،‬وقالوا ‪ :‬إنّ الستيلء الحكميّ كالحقيقيّ في ترتّب الملك على‬
‫الستيلء ‪.‬‬
‫‪ 12‬أمّا الرض الّتي استولى عليها المسلمون بعد جلء الكفّار عنها خوفا ‪ ،‬فإنّها تصير‬
‫بالستيلء عليها وقفا لمصالح المسلمين ‪ .‬وأمّا الرض الّتي استولى عليها المسلمون صلحا‬
‫فإنّها تبقى في أيدي أصحابها ‪ ،‬إذا كان الصّلح على أن تبقى في ملكيّتهم ‪ ،‬ويوضع عليها‬
‫الخراج ‪ .‬أمّا إذا كان الصّلح على أن يتملّكها المسلمون فإنّها تكون وقفا لمصالح المسلمين ‪.‬‬
‫‪ - 13‬وأمّا إذا كان الستيلء على مالٍ معصومٍ مملوكٍ للغير بطريقٍ من طرق التّملّك ‪ ،‬فإنّ‬
‫الستيلء وحده ل يكسب ملكيّةً ‪ ،‬وإنّما حدوث التّملّك يكون بالسّبب المشروع الّذي يقتضيه‬
‫كالشّراء والهبة ‪ ،‬وحقّ الستيلء في هذه الحالة يكون أثرا ونتيجةً للتّملّك وليس سببا له ‪ .‬وأمّا‬
‫إذا كان الستيلء عدوانا ‪ ،‬فإنّه ل يفيد ملكا ‪.‬‬
‫وبيان ذلك في مصطلحات ( غصبٌ ) ( وسرقةٌ ) ‪.‬‬
‫‪ - 14‬واستيلء الحاكم على ما يحتكره ال ّتجّار له أثرٌ في إزالة ملكيّتهم ‪ ،‬إذ للحاكم رفع يد‬
‫المحتكرين عمّا احتكروه وبيعه للنّاس جبرا ‪ ،‬والثّمن لمالكيه ‪ ،‬على خلفٍ وتفصي ٍل مبيّنٍ في‬
‫مصطلح ( احتكارٌ ) ‪ .‬ومن ذلك ما قالوه من استيلء الحاكم على الفائض من القوات بالقيمة‬
‫لمداد جهةٍ انقطع عنها القوت أو إمداد جنوده ‪ ،‬لنّ للمام أن يخرج ذلك إذا كان بحقّ ثابتٍ‬
‫ف كما يفهم من حاشية ابن عابدين ‪ ،‬والستيلء على عمل الصّانع إذا احتاج النّاس إلى‬
‫معرو ٍ‬
‫صناعة طائفةٍ كالفلحة والنّساجة ‪ ،‬ومدار الستيلء في الصّورتين على العرف ‪.‬‬
‫استيلء الكفّار الحربيّين على أموال المسلمين ‪:‬‬
‫‪ - 15‬اختلف الفقهاء في هذا على ثلثة أقوالٍ مشهورةٍ ‪:‬‬
‫ن الكفّار ل يملكون‬
‫ن ما استردّه المسلمون من أيدي الحربيّين فهو لربابه ‪ ،‬بناءً على أ ّ‬
‫‪-1‬إّ‬
‫أموال المسلمين بالستيلء عليها أصلً ‪ ،‬وممّن قال بهذا الشّافعيّة ‪ ،‬وأبو ثو ٍر وأبو الخطّاب‬
‫من الحنابلة ‪ ،‬واحتجّوا بما رواه عمران بن حصينٍ أنّه « أسرت امرأةٌ من النصار ‪،‬‬
‫وأصيبت العضباء ‪ ،‬فكانت المرأة في الوثاق ‪ ،‬وكان القوم يريحون نعمهم بين يدي بيوتهم ‪،‬‬
‫فانفلتت مع نعمها ذات ليلةٍ من الوثاق ‪ ،‬فأتت البل ‪ ،‬فجعلت إذا دنت من البعير رغا فتتركه ‪،‬‬
‫حتّى تنتهي إلى العضباء ‪ ،‬فلم ترغ ‪ .‬قال ‪ :‬وناقةٌ منوّقةٌ ‪ .‬فقعدت في عجزها ثمّ زجرتها‬
‫فانطلقت ‪ ،‬ونذروا بها ‪ ،‬فطلبوها فأعجزتهم ‪ .‬قال ‪ :‬ونذرت للّه إن نجّاها اللّه عليها لتنحرنّها ‪،‬‬
‫فلمّا قدمت المدينة رآها النّاس ‪ ،‬فقالوا ‪ :‬العضباء ناقة رسول اللّه صلى ال عليه وسلم ‪ ،‬فقالت‬
‫‪ :‬إنّها نذرت إن نجّاها اللّه عليها لتنحرنّها ‪ .‬فأتوا رسول اللّه صلى ال عليه وسلم فذكروا ذلك‬
‫له فقال ‪ :‬سبحان اللّه ‪ ،‬بئسما جزتها ‪ ،‬نذرت للّه إن نجّاها اللّه عليها لتنحرنّها ل وفاء لنذرٍ في‬
‫معصي ٍة ‪ ،‬ول فيما ل يملك العبد » وفي رواية ابن حجرٍ « ل نذر في معصية اللّه » ‪.‬‬
‫ن ما غنمه الكفّار يملكونه بمجرّد الستيلء عليه ‪ ،‬سوا ٌء أحرزوه بدارهم أو لم يحرزوه ‪،‬‬
‫‪ -2‬إ ّ‬
‫وهو روايةٌ عن أحمد ‪ .‬ووجهه أنّ القهر سببٌ يملك به المسلم مال الكافر ‪ ،‬فملك به الكافر‬
‫مال المسلم ‪ ،‬وعلى هذا إذا استردّ المسلمون ذلك كان غنيمةً سوا ٌء بعد الحراز أو قبله ‪.‬‬
‫ن الكفّار يملكون أموال المسلمين بالستيلء عليها شرط إحرازها بدارهم ‪ ،‬وهو مذهب‬
‫‪ -3‬إ ّ‬
‫الحنفيّة والمالكيّة وروايةٌ عن أحمد ‪ ،‬ودليله « قول النّبيّ صلى ال عليه وسلم يوم فتح مكّة ‪:‬‬
‫ن العصمة تزول بالحراز بدار الحرب ‪ ،‬إذ المالك ل‬
‫وهل ترك لنا عقيلٌ من رباعٍ » ول ّ‬
‫يمكنه النتفاع به إلّ بعد الدّخول لما فيه من مخاطرةٍ ‪ ،‬إذ الدّار دارهم ‪ ،‬فإذا زال معنى الملك‬
‫أو ما شرع له الملك يزول الملك ضرورةً ‪ ،‬فباسترداد المسلمين لذلك يكون غنيمةً ‪.‬‬
‫استيلء الكفّار على بلدٍ إسلميّ ‪:‬‬
‫‪ - 16‬إذا استولى الكفّار على بلدٍ إسلميّ فهل تصير دار حربٍ أم تبقى كما هي دار إسلمٍ ؟‬
‫ن دار السلم تصير دار كفرٍ‬
‫في هذه المسألة خلفٌ وتفصيلٌ ‪ ،‬فذهب أبو يوسف ومحمّ ٌد إلى أ ّ‬
‫بشرطٍ واحدٍ ‪ ،‬وهو إظهار أحكام الكفر ‪ .‬وتفصيل ذلك في مصطلح ( دار السلم ودار‬
‫الحرب ) ‪.‬‬
‫إسلم الحربيّ بعد استيلئه على مال المسلم ‪:‬‬
‫‪ - 17‬إذا استولى الحربيّ على مال مسلمٍ بالقهر والغلبة ‪ ،‬وحكم بملكيّته له شرعا ‪ ،‬ثمّ دخل‬
‫إلى دار السلم مسلما وهو في يده ‪ ،‬فهو له ‪ ،‬لقول الرّسول صلى ال عليه وسلم ‪ « :‬من‬
‫ن الرّسول صلى‬
‫أسلم على شيءٍ فهو له » ولنّ إسلمه يعصم دمه وماله لخبر الصّحيحين أ ّ‬
‫ال عليه وسلم قال ‪ « :‬أمرت أن أقاتل النّاس حتّى يقولوا ‪ :‬ل إله إلّ اللّه ‪ ،‬فمن قالها فقد‬
‫عصم منّي ماله ونفسه إلّ بحقّه ‪ ،‬وحسابه على اللّه » ‪ .‬واستثنى الجمهور من ذلك استيلءه‬
‫على الحرّ المسلم فل يقرّ عليه ‪ .‬قال أبو يوسف ‪ :‬كلّ ملكٍ ل يجوز فيه البيع فإنّ أهل الحرب‬
‫ن مثله ‪ :‬الوقف المحقّق ‪ ،‬والمسروق‬
‫ل يملكونه إذا أصابوه وأسلموا عليه ‪ ،‬وصرّح المالكيّة بأ ّ‬
‫في فترة عهده ‪ ،‬واللّقطة ‪ ،‬والدّين في ذمّته ‪ ،‬الوديعة ‪ ،‬وما استأجره من المسلمين حال كفره‬
‫فل يقرّ على شي ٍء من ذلك ‪ .‬وقواعد المذاهب الخرى ل تأبى ذلك ‪.‬‬
‫‪ - 18‬وإذا استولى الكافر الحربيّ على مال مسلمٍ بطريق السّرقة ‪ ،‬أو الغتصاب من حربيّ‬
‫آخر ‪ ،‬ثمّ أسلم ودخل دار السلم وهو في يده ‪ ،‬فهو له أيضا عند جمهور الفقهاء ‪ ،‬لنّه‬
‫ن صاحبه أحقّ‬
‫استولى عليه حال كفره فأشبه ما استولى عليه بقهره للمسلمين ‪ .‬وعن أحمد أ ّ‬
‫به بالقيمة ‪.‬‬
‫الستيلء على المال المباح ‪:‬‬
‫‪ - 19‬المال المباح كلّ ما خلقه اللّه لينتفع به النّاس على وجهٍ معتادٍ ‪ ،‬وليس في حيازة أحدٍ مع‬
‫إمكان حيازته ‪ ،‬ويكون حيوانا ‪ :‬ب ّريّا أو بحريّا ‪ ،‬ويكون نباتا ‪ :‬حشائش وأعشابا وحطبا ‪،‬‬
‫ويكون جمادا ‪ :‬أرضا مواتا وركازا ‪ ،‬كما يكون ماءً وهوا ًء ‪ ،‬ومن حقّ أيّ إنسانٍ أن يتملّك‬
‫منه ‪ ،‬ويكون ذلك بالستيلء عليه ‪ ،‬ويتحقّق الستيلء وتستقرّ الملكيّة إذا كان الستيلء بفعلٍ‬
‫ن رسول اللّه صلى ال عليه‬
‫يؤدّي إلى التّمكّن من وضع اليد ‪ .‬روى أبو داود عن أمّ جندبٍ أ ّ‬
‫وسلم قال ‪ « :‬من سبق إلى ما لم يسبق إليه مسل ٌم فهو له » وعن جابر بن عبد اللّه قال ‪ :‬قال‬
‫ض فهي له » وفي روايةٍ ‪« :‬‬
‫رسول اللّه صلى ال عليه وسلم ‪ « :‬من أحاط حائطا على أر ٍ‬
‫من أحيا أرضا ميّت ًة فهي له » وإذا ثبت هذا بالنّسبة للعقار المباح فهو بالنّسبة للمنقول من‬
‫المباحات أولى ‪ ،‬لظهور الستئثار به ظهورا ل يكون في العقار ‪.‬‬
‫ول يحدّ من سلطان النّاس في الستيلء على المال المباح إلّ القواعد العامّة لتنظيم النتفاع‬
‫ومنع الضّرر ‪.‬‬
‫‪ - 20‬ولكلّ نوعٍ من الموال المباحة طريقٌ للستيلء عليه ‪ ،‬فالستيلء على الماء المباح‬
‫والرّكاز يكون بالحوز والكشف ‪ ،‬والستيلء على الكل والعشب يكون بالحشّ ‪ ،‬والستيلء‬
‫على حيوان الب ّر والبحر يكون بالصطياد ‪ ،‬والستيلء على الرض الموات يكون بالحياء ‪،‬‬
‫وبإقطاع التّمليك ‪.‬‬
‫تنوّع الستيلء ‪:‬‬
‫‪ - 21‬الستيلء يكون حقيقيّا بوضع اليد على الشّيء المباح فعلً ‪ ،‬وهذا ل يحتاج إلى نيّةٍ‬
‫وقصدٍ ‪ ،‬صرّح بذلك الشّافعيّة ‪ ،‬قال الرّمليّ في نهاية المحتاج ‪ :‬يملك الصّيد بضبطه باليد ‪،‬‬
‫ح ‪ ،‬فملك بوضع اليد عليه كسائر المباحات ‪ ،‬سواءٌ أقصد بذلك ملكه أم ل ‪ ،‬حتّى لو‬
‫لنّه مبا ٌ‬
‫أخذه لينظر إليه ملكه ‪ .‬ويفهم ذلك من كلم سائر المذاهب ‪ ،‬وإنّما تثبت بالستيلء الحقيقيّ‬
‫الملكيّة مستقرّةٌ ‪ ،‬وكذلك يكون الستيلء حقيقيّا إذا كان بآلةٍ أعدّت لذلك ‪ ،‬وكان واضعها قريبا‬
‫منها ‪ ،‬بحيث لو مدّ يده إليها لمسك الصّيد ‪ ،‬لنّه ليس بممتنعٍ عليه ‪.‬‬
‫ومن هذا لو نصب شبك ًة للصّيد فوقع فيها طائرٌ وامتنع عليه الطّيران ‪ ،‬أو أغرى كلبا معلّما‬
‫ن من نصب الشّبكة ومن أغرى الكلب يتملّك الصّيد ‪ ،‬سوا ٌء أكان هو مالك‬
‫فاصطاد حيوانا ‪ ،‬فإ ّ‬
‫الشّبكة والكلب أم كان المالك غيره ‪.‬‬
‫‪ - 22‬ويكون الستيلء حكميّا ‪ ،‬وهو ما كان بواسطة اللة وحدها الّتي تهيّئ المباح لوضع اليد‬
‫عليه ‪ ،‬ولم يكن واضعها قريبا منها ‪ .‬كحفر ٍة في جورة المنتفع بالرض أو مالكها تجمّع فيها‬
‫ماء المطر ‪ ،‬فل بدّ لتملّك ما تجمّع فيها من ماءٍ من وجود القصد ‪ ،‬أمّا من غير قصدٍ فإنّ‬
‫الملكيّة تثبت غير مستقرّةٍ ‪ ،‬ول تستقرّ إلّ بصيرورة الستيلء حقيقيّا ‪ ،‬وهذا باتّفاق المذاهب ‪.‬‬
‫‪ - 23‬وقد سئل الحلوانيّ الحنفيّ عمّن علّق كوزه ‪ ،‬أو وضعه في سطحه ‪ ،‬فأمطر السّحاب‬
‫ن وأخذ ذلك الكوز مع الماء ‪ ،‬هل لصاحب الكوز أن‬
‫وامتل الكوز من المطر ‪ ،‬فجاء إنسا ٌ‬
‫يستردّه مع الماء ؟ فقال ‪ :‬ل إشكال في استرداد الكوز ‪ ،‬وأمّا الماء فإن كان قد أع ّد الكوز‬
‫لذلك حقّ له أن يستردّه ‪ ،‬وإن لم يعدّه لذلك لم يستردّه ‪.‬‬
‫ولو التجأ صيدٌ إلى أرض رجلٍ أو إلى داره ‪ ،‬فل يعدّ ذلك استيلءً من صاحب الرض أو‬
‫الدّار ‪ ،‬لنّهما لم يعدّا للصطياد ‪ ،‬لنّه لم يحدث منه فعل الستيلء ‪ ،‬أمّا إذا ردّ عليه صاحب‬
‫الدّار الباب بنيّة أخذه ملكه ‪ ،‬لتحقّق الستيلء عليه بفعله مع إمكان أخذه ‪.‬‬
‫ومن نصب فسطاطا فالتجأ إليه صيدٌ لم يملك ‪ ،‬لنّ الفسطاط لم يكن آلة صيدٍ ‪ ،‬وما كان‬
‫نصبه بقصد الستيلء على الصّيد ‪ ،‬وكذا لو نصب شبكةً للتّجفيف فتعلّق بها صيدٌ ولم يكن من‬
‫علّق الشّبكة حاضرا بالقرب منها فإنّه ل يملكه ‪ ،‬إذ القصد مرعيّ في التّملّك ‪ ،‬ومع هذا فإنّه‬
‫أحقّ به من غيره إن حضر وهو معّلقٌ بالشّبكة ‪.‬‬
‫وتفصيل كلّ ذلك في مصطلح ( اصطيادٌ ) ‪.‬‬

‫استيلدٌ *‬
‫التعريف ‪:‬‬
‫‪ - 1‬الستيلد لغ ًة ‪ :‬مصدر استولد الرّجل المرأة إذا أحبلها ‪ ،‬سوا ٌء أكانت حرّ ًة أم أمةً ‪.‬‬
‫واصطلحا كما عرّفه الحنفيّة ‪ :‬تصيير الجارية أمّ ولدٍ ‪ .‬وعرّف غيرهم أمّ الولد بتعاريف منها‬
‫‪ :‬قول ابن قدامة ‪ :‬إنّها المة الّتي ولدت من سيّدها في ملكه ‪ .‬فأمّ الولد نوعٌ من أنواع الرّقيق‬
‫الّذي له في الفقه أحكامٌ خاصّةٌ من حيث نشوءه وما يتلوه ‪ ،‬وللتّفصيل ينظر ( استرقاقٌ ورقّ )‬
‫‪ ،‬والكلم هنا منحص ٌر فيما تنفرد به أمّ الولد عن سائر الرّقيق من أحكا ٍم خاصّ ٍة ‪ ،‬وكذلك‬
‫أحكام ولدها ‪.‬‬
‫اللفاظ ذات الصّلة ‪:‬‬

‫العتق ‪:‬‬
‫‪ - 2‬من معاني العتق في اللّغة ‪ :‬السّراح والستقلل ‪.‬‬
‫وشرعا ‪ :‬رفع ملك الدميّين عن آدميّ مطلقا تقرّبا إلى اللّه تعالى ‪ ،‬فهو يجتمع مع الستيلد‬
‫ل منهما سببٌ للح ّريّة ‪ ،‬غير أنّ العتق قد يكون منجزا ‪ ،‬أمّا أمّ الولد فتصير حرّ ًة بعد‬
‫في أنّ ك ّ‬
‫سيّد ‪.‬‬
‫موت سيّدها غالبا ‪ ،‬إذ يجوز عتقها وهي أمّ ولدٍ حال حياة ال ّ‬
‫التّدبير ‪:‬‬
‫سيّد لعبده أو أمته ‪ :‬أنت حرّ أو أنت حرّ ٌة دبر‬
‫‪ - 3‬التّدبير ‪ :‬تعليق العتق بالموت ‪ ،‬كأن يقول ال ّ‬
‫ل منهما‬
‫موتي أي بعد موتي أو ما شابه ذلك من اللفاظ ‪ ،‬فهو يجتمع مع الستيلد في أنّ ك ّ‬
‫سببٌ للح ّريّة بعد الموت ‪ ،‬لكنّ التّدبير بالقول ‪ ،‬والستيلد بالفعل ‪.‬‬
‫الكتابة ‪:‬‬
‫سيّد نفس رقيقه منه بمالٍ في ذمّته ‪ ،‬فيعتق العبد أو المة بعد‬
‫‪ - 4‬الكتابة والمكاتبة ‪ :‬بيع ال ّ‬
‫ن المكاتبة عقدٌ بعوضٍ ‪.‬‬
‫أداء ما كوتب عليه ‪ ،‬فكلّ من الستيلد والمكاتبة سببٌ للح ّريّة إلّ أ ّ‬
‫التّسرّي ‪:‬‬
‫‪ - 5‬التّسرّي إعداد الرّجل أمته لن تكون موطوء ًة ‪ ،‬فالفرق بينه وبين الستيلد حصول‬
‫الولدة ‪.‬‬
‫صفة الستيلد ‪ ،‬وحكمه التّشريعيّ ‪ ،‬وحكمة التّشريع ‪:‬‬
‫‪ - 6‬قال صاحب المغني ‪ :‬ل خلف في إباحة التّسرّي ووطء الماء ‪ ،‬لقول اللّه تعالى‬
‫ل على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم ‪ ،‬فإنّهم غير ملومين }‬
‫{ والّذين هم لفروجهم حافظون إ ّ‬
‫وقد كانت مارية القبطيّة أمّ ولد النّبيّ صلى ال عليه وسلم حيث ولدت له إبراهيم ‪ ،‬وكانت‬
‫هاجر أمّ إسماعيل س ّريّة سيّدنا إبراهيم ‪ ،‬وكان لعمر بن الخطّاب أمّهات أولدٍ ‪ ،‬وكذلك لعليّ‬
‫ي زين العابدين بن الحسين ‪،‬‬
‫بن أبي طالبٍ ‪ ،‬ولكثيرٍ من الصّحابة رضي ال عنهم ‪ ،‬وكان عل ّ‬
‫والقاسم بن محمّد بن أبي بكرٍ ‪ ،‬وسالم بن عبد اللّه بن عمر ‪ ،‬من أمّهات الولد ‪ ،‬وروي أنّ‬
‫النّاس لم يكونوا يرغبون في أمّهات الولد حتّى ولد هؤلء الثّلثة من أمّهات الولد ‪ ،‬فرغب‬
‫النّاس فيهنّ ‪ .‬ويقصد بالستيلد الولد ‪ ،‬فقد يرغب الشّخص في الولد ول يتيسّر له ذلك من‬
‫الحرائر ‪ ،‬وأباح اللّه له أن يتسرّى من تلد له ‪ .‬ومن تحمل من سيّدها تعتق عليه بموته من كلّ‬
‫ماله تبعا لولدها ‪ .‬والصل في ذلك قول النّبيّ « أيّما أمةٍ ولدت من سيّدها فهي حرّةٌ عن دبرٍ‬
‫منه » ‪ .‬والستيلد وسيلةٌ للعتق ‪ ،‬والعتق من أعظم القرب ‪.‬‬
‫حكم ولد المستولدة من غير سيّدها ‪:‬‬
‫‪ - 7‬إذا صارت المة أمّ ولدٍ بولدتها من سيّدها ‪ ،‬ثمّ ولدت من غيره ‪ ،‬كان لذلك الولد حكم‬
‫أمّه في العتق بموت سيّدها ‪ ،‬وغيره من أحكامها ‪ ،‬وأمّا أولدها الّذين ولدتهم قبل ثبوت حكم‬
‫الستيلد لها فل يتّبعونها ‪ ،‬ول يكون لهم حكم أمّهم ‪.‬‬
‫ما يتحقّق به الستيلد وشرائطه ‪:‬‬
‫ي أو الميّت ‪ ،‬لنّ‬
‫‪ - 8‬يتحقّق الستيلد ( بمعنى أن تصير الجارية أمّ ولدٍ ) بولدة الولد الح ّ‬
‫الميّت ولدٌ ‪ ،‬به تتعلّق أحكام الولدة فتنقضي به العدّة ‪ ،‬وتصير المرأة نفساء ‪ ،‬وكذا إذا‬
‫سيّد بوطئها ‪ ،‬فهو بمنزلة الحيّ الكامل الخلقة‬
‫أسقطت سقطا مستبينا خلقه أو بعض خلقه وأقرّ ال ّ‬
‫سيّد بالوطء عند الجمهور ‪ ،‬خلفا للحنفيّة حيث‬
‫‪ ،‬ويترتّب على هذا ثبوت النّسب إذا أقرّ ال ّ‬
‫ن الولد منه ‪ .‬وإذا تزوّج الشّخص أمة غيره فأولدها أو أحبلها ثمّ ملكها‬
‫اشترطوا إقراره بأ ّ‬
‫بشرا ٍء أو غيره لم تصر أ ّم ولدٍ له بذلك ‪ ،‬سواءٌ ملكها حاملً فولدت في ملكه ‪ ،‬أو ملكها بعد‬
‫ولدتها ‪ ،‬وبهذا قال الشّافعيّة والحنابلة ‪ ،‬لنّها علقت منه بمملوكٍ فلم يثبت لها حكم الستيلد ‪.‬‬
‫ونقل عن المام أحمد أنّها تصير أمّ ول ٍد في الحالين ‪ ،‬وهو قول أبي حنيفة ‪ ،‬لنّها أمّ ولدٍ وهو‬
‫مالكٌ لها ‪ ،‬فثبت لها حكم الستيلد ‪ ،‬كما لو حملت في ملكه ‪.‬‬
‫وعند المالكيّة إن اشتراها حاملً فإنّها تصير أمّ ولدٍ بهذا الحمل ‪.‬‬
‫سيّد في أمّ الولد ‪:‬‬
‫ما يملكه ال ّ‬
‫‪ - 9‬إذا حبلت المة من سيّدها وولدت فحكمها حكم الماء في حلّ وطء سيّدها لها ‪،‬‬
‫واستخدامها ‪ ،‬وملك كسبها ‪ ،‬وتزويجها ‪ ،‬وإجارتها ‪ ،‬وعتقها ‪ ،‬وهذا قول أكثر أهل العلم ‪.‬‬
‫وقال المالكيّة ‪ :‬ل يجوز لسيّدها تزويجها بغير رضاها ‪ ،‬فإن رضيت جاز مع الكراهة ‪ ،‬قالوا‬
‫ن إجارتها كذلك ل تجوز إلّ برضاها وإلّ‬
‫‪ :‬لنّ ذلك ليس من مكارم الخلق ‪ ،‬وقالوا ‪ :‬إ ّ‬
‫سيّد قليل خدمتها ‪.‬‬
‫فسخت ‪ ،‬ولل ّ‬
‫سيّد ‪:‬‬
‫ما ل يملكه ال ّ‬
‫سيّد ل يجوز له في أمّ ولده التّصرّف‬
‫ن ال ّ‬
‫‪ - 10‬جمهور الفقهاء ‪ -‬وعليه أكثر التّابعين ‪ -‬على أ ّ‬
‫سيّد‬
‫بما ينقل الملك ‪ ،‬فل يجوز بيعها ‪ ،‬ول وقفها ‪ ،‬ول رهنها ‪ ،‬ول تورث ‪ ،‬بل تعتق بموت ال ّ‬
‫ي النّاس ‪ ،‬فقال ‪:‬‬
‫من كلّ المال ويزول الملك عنها ‪ .‬روي عن عبيدة قال ‪ :‬خطب عل ّ‬
‫( شاورني عمر في أمّهات الولد فرأيت أنا وعمر أن أعتقهنّ ‪ ،‬فقضى به عمر حياته ‪،‬‬
‫وعثمان حياته ‪ ،‬فلمّا ولّيت رأيت أن أرقّهنّ )‪ .‬قال عبيدة ‪ :‬فرأي عمر وعليّ في الجماعة‬
‫أحبّ إلينا من رأي عليّ وحده ‪ .‬وروي القول بهذا أيضا عن عثمان وعائشة ‪ ،‬وروي الخلف‬
‫س وابن الزّبير قالوا بإباحة بيع أمّ الولد ‪.‬‬
‫في ذلك عن عليّ وابن عبّا ٍ‬
‫والصل في الباب حديث « أيّما أمةٍ ولدت من سيّدها فهي حرّةٌ عن دبرٍ منه » وخبر أنّ‬
‫النّبيّ صلى ال عليه وسلم « نهى عن بيع أمّهات الولد ‪ ،‬ل يوهبن ول يورثن ‪ ،‬يستمتع بها‬
‫سيّدها ما دام حيّا ‪ ،‬فإذا مات فهي حرّ ٌة » ‪.‬‬
‫أثر اختلف الدّين في الستيلد ‪:‬‬
‫‪ - 11‬قال الفقهاء ‪ :‬يصحّ استيلد الكافر ‪ ،‬ذ ّميّا أو مستأمنا أو مرتدّا ‪ ،‬كما يصحّ منه العتق ‪.‬‬
‫وإذا استولد ال ّذ ّميّ أمته ال ّذ ّميّة ثمّ أسلمت لم تعتق في الحال عند الشّافعيّة ‪ ،‬وفي الرّواية‬
‫المعتمدة عند الحنابلة ‪ .‬وعند المالكيّة تعتق إذ ل سبيل إلى بيعها ‪ ،‬ول إلى إقرار ملكه عليها ‪،‬‬
‫لما فيه من إثبات ملك الكافر على مسلمةٍ ‪ ،‬فلم يجز كالمة ‪.‬‬
‫وعن المام أحمد رواي ٌة أخرى أنّها تستسعى ‪ ،‬فإن أرادت عتقت ‪ ،‬وهو قول أبي حنيفة إذا لم‬
‫ن في الستسعاء جمعا بين الحقّين ‪ :‬حقّها في ألّ تبقى ملكا للكافر ‪ ،‬وحقّه في‬
‫يسلم مالكها ‪ ،‬ل ّ‬
‫حصول عوضٍ عن ملكه ‪ ،‬فأشبه بيعها إذا لم تكن أمّ ولدٍ ‪ ،‬وإذا أسلمت أمّ ولدٍ لكافرٍ منع من‬
‫وطئها أو التّلذّذ بها ‪ ،‬ويحال بينه وبينها ‪ ،‬ويجبر على نفقتها فإذا أسلم حلّت له ‪.‬‬
‫ما تختصّ به المستولدة ‪:‬‬
‫الصل في أحكام أمّهات الولد أنّها كأحكام الماء في جميع المور ‪ ،‬إلّ أنّ بي الولد تختصّ‬
‫بما يلي ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬العدّة ‪:‬‬
‫سيّد عن أ ّم ولده فعند المالكيّة ‪ ،‬والشّافعيّة ‪ ،‬والحنابلة تستبرأ بحيضةٍ ‪ ،‬وأمّا‬
‫‪ - 12‬إذا مات ال ّ‬
‫مذهب الحنفيّة فعليها العدّة ‪ ،‬وعدّتها بالحيض فل يكتفى بحيضةٍ ‪ ،‬وإنّما كانت عدّتها بالحيض‬
‫في الموت وغيره كتفريق القاضي لنّ عدّتها لتعرف براءة الرّحم ‪ ،‬وهذا إذا كانت غير يائسةٍ‬
‫وغير حاملٍ ‪ ،‬فإنّ عدّة اليائسة شهران ‪ ،‬وعدّة الحامل وضع الحمل ‪ ،‬ول نفقة لها في مدّة‬
‫العدّة عند كلّ الفقهاء ‪ ،‬لنّها عدّة وطء ل عدّة عقدٍ ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬العورة ‪:‬‬
‫سرّة والرّكبة والظّهر والبطن ‪ ،‬وهذا عند الحنفيّة ‪ ،‬وروايةٌ عن‬
‫‪ - 13‬عورة أمّ الولد ما بين ال ّ‬
‫المالكيّة ‪ ،‬وفي روايةٍ أخرى أنّها ل تصلّي إلّ بقناعٍ ‪ ،‬وعند الشّافعيّة ‪ ،‬وهو الصّحيح عند‬
‫الحنابلة أنّ عورتها ما بين السّرّة والرّكبة ‪.‬‬
‫جناية أ ّم الولد ‪:‬‬
‫سيّد‬
‫‪ - 14‬اتّفق الفقهاء على أنّ أمّ الولد إذا جنت جنايةً أوجبت المال ‪ ،‬أو أتلفت شيئا ‪ ،‬فعلى ال ّ‬
‫فداؤها بأقلّ المرين ‪ :‬من قيمتها يوم الحكم على أنّها أم ٌة بدون مالها ‪ ،‬أو الرش ‪ ،‬حتّى وإن‬
‫كثرت الجنايات ‪.‬‬
‫سيّد فداءها بأرش جنايتها بالغ ًة ما بلغت ‪ ،‬كالقنّ ‪.‬‬
‫وحكي قولٌ آخر عن الحنابلة أنّ على ال ّ‬
‫إقرار أمّ الولد بجنايةٍ ‪:‬‬
‫سيّد ‪ ،‬وهذا‬
‫‪ - 15‬إذا أقرّت أ ّم الولد بجناي ٍة توجب المال لم يجز إقرارها ‪ ،‬لنّه إقرارٌ على ال ّ‬
‫ح إقرارها على نفسها فتقتل به ‪ .‬وهذا عند الحنفيّة‬
‫بخلف القرار بالقتل عمدا ‪ ،‬فإنّه يص ّ‬
‫ن العبد ‪ -‬وأمّ الولد مثله‬
‫والمالكيّة والشّافعيّة وأبي الخطّاب من الحنابلة ‪ .‬ومذهب الحنابلة ‪ :‬أ ّ‬
‫ن الحقّ له دون سيّده ‪.‬‬
‫ح إقراره بالحدّ والقصاص فيما دون النّفس ‪ ،‬ل ّ‬
‫‪ -‬يص ّ‬
‫وأمّا إقراره بما يوجب القصاص في النّفس فالمنصوص عن أحمد أنّه ل يقبل ‪ ،‬ويتبع به بعد‬
‫العتق ‪ ،‬لنّه يسقط حقّ سيّده بإقراره ‪ ،‬ولنّه متّهمٌ في أنّه يقرّ لرجلٍ ليعفو عنه ويستحقّ‬
‫أخذه ‪ ،‬فيتخلّص به من سيّده ‪ .‬واختار أبو الخطّاب أنّه يصحّ إقراره به ‪ ،‬لنّه أحد فرعي‬
‫ح إقراره بما دون النّفس ‪.‬‬
‫القصاص ‪ ،‬فيص ّ‬
‫الجناية على جنين أمّ الولد من سيّدها ‪:‬‬
‫‪ - 16‬تقدّم أنّ حمل أمّ الولد من سيّدها حرّ ‪ ،‬فلو ضربها أحدٌ فألقت جنينها ففيه دية جنين‬
‫الحرّة ‪ ،‬انظر مصطلح ( إجهاضٌ ) ‪.‬‬
‫الجناية عليها ‪:‬‬
‫‪ - 17‬إذا قتل المستولدة حرّ ‪ ،‬فل قصاص عليه لعدم المكافأة ‪ ،‬وعليه قيمتها بالغ ًة ما بلغت ‪،‬‬
‫وإن زادت على دية الحرّة ‪ ،‬وذلك عند المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة وأبي يوسف ‪.‬‬
‫وقال أبو حنيفة ومح ّمدٌ ‪ :‬دية العبد قيمته ‪ .‬فإن بلغت دية الحرّ ‪ ،‬أو بلغت قيمة المة قيمة دية‬
‫الحرّة ينقص كلّ من دية العبد أو المة عشرة دراهم ‪ ،‬إظهارا لنحطاط مرتبة الرّقيق عن‬
‫الحرّ ‪ .‬وتعيين العشرة بأثر ابن مسعودٍ ‪ .‬أمّا إذا قتلها رقيقٌ فيقتل بها لنّها أكمل منه ‪.‬‬
‫أثر موت المستولدة في حياة سيّدها عليها ‪ ،‬وعلى ولدها من غيره ‪:‬‬
‫‪ - 18‬إذا ماتت أمّ الولد قبل سيّدها ل يبطل حكم الستيلد في الولد الّذين ولدتهم بعد ثبوت‬
‫سيّد ‪.‬‬
‫حكم الستيلد لها ‪ ،‬بل يعتقون بموت ال ّ‬
‫الوصيّة للمستولدة وإليها ‪:‬‬
‫ح الوصيّة لمّ الولد ‪ ،‬قال صاحب المغني ‪ :‬ل نعلم فيه خلفا بين أهل العلم القائلين‬
‫‪ - 19‬تص ّ‬
‫بثبوت حكم الستيلد ‪ .‬فقد روي أنّ عمر بن الخطّاب " أوصى لمّهات أولده بأربعة آلفٍ ‪،‬‬
‫ن بي الولد حرّةٌ في حال نفاذ الوصيّة لنّ عتقها يتنجّز‬
‫ل امرأةٍ منهنّ ول ّ‬
‫أربعة آلفٍ لك ّ‬
‫بموته ‪ ،‬فل تقع الوصيّة لها إلّ في حال ح ّريّتها ‪ ،‬وذلك إذا احتملها الثّلث ‪ ،‬فما زاد يتوقّف‬
‫على إجازة الورثة ‪ ،‬فإن أجازوه جاز إلّ ردّ إليهم ‪ .‬وكذلك تجوز الوصيّة إلى المستولدة بعد‬
‫وفاة سيّدها إذا كانت صالحةً لذلك ‪ ،‬لنّها بعد عتقها بموت سيّدها كسائر الحرائر ‪ ،‬فتجوز‬
‫الوصيّة إليها ‪.‬‬
‫أسرٌ *‬
‫انظر ‪ :‬أسرى ‪.‬‬
‫إسرارٌ *‬
‫التعريف ‪:‬‬
‫‪ - 1‬من معاني السرار في اللّغة ‪ :‬الخفاء ‪ .‬ومنه قوله تعالى ‪ { :‬وإذ أسرّ النّبيّ إلى بعض‬
‫أزواجه حديثا } ‪ .‬وأسررت الشّيء ‪ :‬أخفيته ‪.‬‬
‫أمّا في الصطلح فيأتي ( السرار ) بالمعاني التّالية ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬أن يسمع نفسه دون غيره ‪ ،‬وأدناه ما كان بحركة اللّسان ‪ ،‬وهذا المعنى يستعمله الفقهاء‬
‫في أقوال الصّلة والذكار ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬أن يسمع غيره على سبيل المناجاة ‪ ،‬مع الكتمان عن الخرين ‪ ،‬وهذا المعنى يرد في‬
‫السّ ّر وإفشائه ‪ ،‬ويرجع إليه في مصطلح ( إفشاء السّرّ ) ‪.‬‬
‫ج ‪ -‬أن يخفي فعله عمّن سواه ‪ ،‬وهذا المعنى يرد في أداء العبادات كالصّلة والزّكاة ونحوهما‬
‫‪.‬‬
‫اللفاظ ذات الصّلة ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬المخافتة ‪:‬‬
‫‪ - 2‬من معاني المخافتة في اللّغة ‪ :‬خفض الصّوت ‪ .‬أمّا في الصطلح فقد اختلفوا في حدّ‬
‫وجود القراءة على ثلثة أقوالٍ ‪:‬‬
‫ت يصل إلى أذنه ‪ ،‬وبه قال‬
‫فشرط الهندوانيّ والفضليّ من الحنفيّة لوجودها خروج صو ٍ‬
‫الشّافعيّ ‪ .‬وشرط المام أحمد وبش ٌر المريسيّ خروج الصّوت من الفم وإن لم يصل إلى أذنه ‪،‬‬
‫لكن بشرط كونه مسموعا في الجملة ‪ ،‬حتّى لو أدنى أحدٌ صماخه إلى فيه يسمع ‪ ،‬ولم يشترط‬
‫الكرخيّ وأبو بكرٍ البلخيّ السّماع ‪ ،‬واكتفيا بتصحيح الحروف ‪.‬‬
‫واختار شيخ السلم قاضي خان وصاحب المحيط والحلوانيّ قول الهندوانيّ ‪ ،‬كما في معراج‬
‫ل أو رجلين مثلً ‪،‬‬
‫ن أدنى المخافتة إسماع نفسه ‪ ،‬أو من بقربه من رج ٍ‬
‫الدّراية ‪ .‬فظهر بهذا أ ّ‬
‫وأعلها مجرّد تصحيح الحروف ‪ ،‬كما هو مذهب الكرخيّ ‪ ،‬وأدنى الجهر إسماع غيره ممّن‬
‫صفّ الوّل ‪ ،‬وأعله ل حدّ له ‪.‬‬
‫ليس بقربه ‪ ،‬كأهل ال ّ‬
‫ب ‪ -‬الجهر ‪:‬‬
‫‪ - 3‬من معاني الجهر في اللّغة ‪ :‬رفع الصّوت ‪ .‬يقال ‪ :‬جهر بالقول رفع به صوته ‪.‬‬
‫وفي الصطلح ‪ :‬أن يسمع غيره ممّن يليه ‪ ،‬وأعله ل حدّ له ‪ ،‬فالجهر مباينٌ للسرار ‪.‬‬
‫ج ‪ -‬الكتمان ‪:‬‬
‫‪ - 4‬من معانيه في اللّغة ‪ :‬أنّه خلف العلن ‪ .‬وهو في الصطلح ‪ :‬السّكوت عن البيان ‪.‬‬
‫ن الّذين يكتمون ما أنزلنا من البيّنات والهدى من بعد ما ب ّينّاه للنّاس في الكتاب‬
‫قال تعالى { إ ّ‬
‫أولئك يلعنهم اللّه ويلعنهم اللّعنون ‪ ،‬إلّ الّذين تابوا وأصلحوا وبيّنوا ‪ ،‬فأولئك أتوب عليهم وأنا‬
‫التّوّاب الرّحيم } ‪.‬‬
‫د ‪ -‬الخفاء ‪:‬‬
‫ن استعمال الخفاء يغلب في الفعال ‪ ،‬أمّا‬
‫‪ - 5‬الحفاء بمعنى السرار لغ ًة واصطلحا ‪ ،‬إلّ أ ّ‬
‫السرار فيغلب في القوال ‪ .‬وينظر مصطلح ( اختفاءٌ ) ‪.‬‬
‫صفة السرار ‪ :‬حكمه التّكليفيّ ‪:‬‬
‫أوّلً ‪ -‬السرار بمعنى إسماع نفسه فقط ‪:‬‬
‫السرار في العبادات ‪:‬‬
‫س ّريّة ‪ :‬المراد بها الّتي ل جهر فيها ‪ ،‬وهي الظّهر والعصر في الفرائص‬
‫‪ - 6‬الصّلوات ال ّ‬
‫ب عند الشّافعيّة والحنابلة والمالكيّة‬
‫والنّوافل ‪ ،‬وصلة التّطوّع في النّهار ‪ .‬والسرار فيها مستح ّ‬
‫ب عند الحنفيّة ‪ .‬وإنّما كانت سرّيّ ًة ‪ ،‬لنّها صلة نهارٍ‬
‫في قولٍ لهم ‪ ،‬وفي آخر مندوبٌ ‪ ،‬وواج ٌ‬
‫‪ ،‬وصلة النّهار عجماء كما ورد في الخبر ‪ ،‬أي ليست فيها قراء ٌة مسموع ٌة ‪ ،‬وذلك بالنّسبة‬
‫لكلّ مصلّ ‪ ،‬سواءٌ أكان إماما أم منفردا أم مأموما عند غير الحنفيّة ‪ ،‬فإنّ المأموم عندهم ل‬
‫قراءة عليه ‪.‬‬
‫السرار في أقوال الصّلة ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬تكبيرة الحرام ‪:‬‬
‫‪ - 7‬يستحبّ للمام أن يجهر بالتّكبير بحيث يسمع المأمومين ليكبّروا ‪ ،‬فإنّهم ل يجوز لهم‬
‫ل بعد تكبيره ‪ .‬فإن لم يمكنه إسماعهم جهر بعض المأمومين ليسمعهم ‪ ،‬أو ليسمع من‬
‫التّكبير إ ّ‬
‫ل يسمع المام ‪ ،‬لما روى جابرٌ قال « صلّى بنا رسول اللّه صلى ال عليه وسلم وأبو بكرٍ‬
‫خلفه ‪ ،‬فإذا كبّر رسول اللّه صلى ال عليه وسلم كبّر أبو بكرٍ ليسمعنا » متّفقٌ عليه ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬دعاء الستفتاح ‪:‬‬
‫‪ - 8‬وهو ما تستفتح به الصّلة من الدعية المأثورة لذلك ‪ ،‬نحو « سبحانك اللّهمّ وبحمدك ‪...‬‬
‫» أو « وجّهت وجهي ‪ » ...‬وهو سنّةٌ عند الحنفيّة والشّافعيّة والحنابلة ‪ ،‬خلفا للمالكيّة فإنّهم‬
‫سنّة عند من يقول بمشروعيّته أن يأتي به سرّا ‪ ،‬ويكره الجهر به ول تبطل‬
‫ل يقولون به ‪ .‬وال ّ‬
‫الصّلة ‪ .‬انظر ( استفتاحٌ ) ‪.‬‬
‫ت ‪ -‬التّعوّذ ‪:‬‬
‫‪ - 9‬والقول في السرار به كالقول في الستفتاح سواءٌ ‪.‬‬
‫ث ‪ -‬البسملة لغير المؤتمّ في أوّل كلّ ركعةٍ ‪:‬‬
‫‪ - 10‬وهي سنّ ٌة عند الحنفيّة والحنابلة ‪ ،‬واجبةٌ عند الشّافعيّة في الصّلة ‪ ،‬ول يقول بها‬
‫المالكيّة في الفرض لكراهيتها في المشهور ‪ ،‬وأجازوها في النّافلة من غير كراه ٍة ‪ ،‬فيسنّ‬
‫السرار بها عند الحنفيّة والحنابلة ‪ ،‬أمّا عند الشّافعيّة فهي تابع ٌة لكيفيّة القراءة من جهرٍ أو‬
‫إسرارٍ ‪ ،‬وتفصيله في مصطلح ( بسملةٌ ) ‪.‬‬
‫ج – قراءة الفاتحة ‪:‬‬
‫س ّريّة ‪ ،‬للمام والمنفرد ‪ ،‬وفي الرّكعتين الثّالثة والرّابعة من‬
‫‪ – 11‬وتقرأ سرّا في الصّلة ال ّ‬
‫الصّلة الجهريّة للمام والمنفرد ‪ ،‬أمّا قراءة المأموم لها عند من قال بذلك فهي كلّها س ّريّةٌ ‪.‬‬
‫أمّا المنفرد في الصّلة الجهريّة ‪ ،‬فهو مخيّرٌ بين الجهر والسرار عند الحنفيّة والحنابلة ‪،‬‬
‫ويستحبّ له الجهر عند الشّافعيّة ‪.‬‬
‫ويسرّ في النّوافل النّهاريّة وجوبا عند الحنفيّة ‪ ،‬واستحبابا عند المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة ‪،‬‬
‫سرّيّة إذا قضاها ليلً ‪ ،‬وصرّح ابن قدامة بأنّه ل يعلم فيه خلفا ‪.‬‬
‫ويسرّ في قضاء الصّلة ال ّ‬
‫وإذا قضى الصّلة الجهريّة نهارا وكان إماما جهر وجوبا عند الحنفيّة والمالكيّة ‪ ،‬وأسرّ عند‬
‫الشّافعيّة ‪ ،‬وللحنابلة قولن ‪ .‬ويجهر بالقراءة في الجمعة والعيدين والستسقاء ‪.‬‬
‫ح ‪ -‬تأمين المام والمأموم والمنفرد ‪:‬‬
‫‪ - 12‬يقولونه سرّا عند الحنفيّة والمالكيّة ‪ ،‬وجهرا عند الشّافعيّة والحنابلة ‪.‬‬
‫واستدلّ القائلون بالسرار بأنّه دعاءٌ ‪ ،‬والصل في الدعية السرار ‪ ،‬كالتّشهّد ‪.‬‬
‫ن النّبيّ صلى ال عليه وسلم قال ‪ :‬آمين ورفع بها صوته » ‪« ،‬‬
‫واستدلّ من قال بالجهر « بأ ّ‬
‫ولنّه صلى ال عليه وسلم أمر بالتّأمين عند تأمين المام »‪ ،‬فلو لم يجهر بها لم يعلّق عليه‬
‫كحالة الخفاء ‪.‬‬
‫خ ‪ -‬تسبيح الرّكوع ‪:‬‬
‫‪ - 13‬السرار بالتّسبيح سنّ ٌة اتّفاقا ‪.‬‬
‫د ‪ -‬التّسميع والتّحميد حال رفع الرّأس من الرّكوع للقيام ‪:‬‬
‫‪ - 14‬يسمّع المام جهرا ‪ ،‬ويحمد الجميع سرّا ‪.‬‬
‫ذ ‪ -‬التّسبيح في السّجدتين ‪:‬‬
‫‪ - 15‬يقوله المصلّي سرّا ‪ ،‬إماما كان أو مأموما أو منفردا ‪ .‬وكذلك الذكار بين السّجدتين ‪،‬‬
‫ي صلى ال عليه وسلم ‪ ،‬والدعية في آخر الصّلة‬
‫والتّشهّد الوّل والخير ‪ ،‬والصّلة على النّب ّ‬
‫‪ .‬أمّا التّسليم فيجهر به المام دون المأموم أو المنفرد ‪.‬‬
‫السرار بالستعاذة والبسملة خارج الصّلة ‪:‬‬
‫‪ - 16‬للفقهاء والقرّاء في الجهر بالستعاذة أو السرار بها آراءٌ ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬استحباب الجهر بها ‪ ،‬وهو قول الشّافعيّة ‪ ،‬وروايةٌ عن أحمد ‪ ،‬والمختار عند أئمّة القرّاء ‪.‬‬
‫ل حمزة ومن وافقه ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬لم يخالف في ذلك إ ّ‬
‫ج ‪ -‬التّخيير بين الجهر والسرار ‪ ،‬وهو الصّحيح عند الحنفيّة ‪ ،‬وقولٌ للحنابلة ‪.‬‬
‫ل للحنفيّة ‪ ،‬وروايةٌ عند الحنابلة ‪ ،‬وروايةٌ عن حمزة ‪.‬‬
‫د ‪ -‬الخفاء مطلقا ‪ ،‬وهو قو ٌ‬
‫هم – الجهر بالتّعوّذ في أوّل الفاتحة فقط ‪ ،‬والخفاء في سائر القرآن ‪ ،‬وهو رواي ٌة ثانيةٌ عن‬
‫ل ما روي عن نافعٍ أنّه كان يخفي‬
‫حمزة ‪ .‬وحكم البسملة في ذلك تابعٌ لحكم الستعاذة ‪ ،‬إ ّ‬
‫الستعاذة ويجهر بالبسملة عند افتتاح السّور ورءوس اليات في جميع القرآن ‪.‬‬
‫هذا بالنّسبة للرّجل ‪ ،‬أمّا المرأة فجهرها إسماع نفسها فقط ‪ ،‬والجهر في حقّها كالسرار ‪،‬‬
‫سرّ والجهر ‪ ،‬لنّ صوتها‬
‫فيكون أعلى جهرها وأدناه واحدا ‪ ،‬وعلى هذا فيستوي في حقّها ال ّ‬
‫كالعورة ‪ ،‬وربّما كان سماعه فتنةً ‪ ،‬بل جهرها مرتبةٌ واحدةٌ ‪ ،‬وهو أن تسمع نفسها فقط ‪،‬‬
‫وليس هذا إسرارا منها ‪ ،‬بل إسرارها مرتبةٌ أخرى ‪ ،‬وهو أن تحرّك لسانها دون إسماع نفسها‬
‫ن جهرها كذلك ‪.‬‬
‫‪ ،‬فليس لسرارها أعلى وأدنى ‪ ،‬كما أ ّ‬
‫وانظر للتّفصيل مصطلحي ( استعاذةٌ ) ( وبسملةٌ ) ‪.‬‬
‫ثانيا‪ :‬السرار في الفعال ‪:‬‬
‫الزّكاة ‪:‬‬
‫‪ - 17‬قال أبو بكر بن العربيّ ‪ :‬ل خلف في أنّ إظهار صدقة الفرض أفضل ‪ ،‬كصلة‬
‫ن المرء يحرز بها إسلمه ويعصم ماله ‪ .‬وقال الحنفيّة‬
‫الفرض وسائر فرائض الشّريعة ‪ ،‬ل ّ‬
‫والمالكيّة ‪ :‬إنّه ل يشترط علم الفقير أنّ ما أعطي له زكا ٌة على الصحّ ‪ ،‬لما في ذلك من كسر‬
‫ن الفضل‬
‫قلبه ‪ ،‬ولذا فإنّ السرار في إعطائها إليه أفضل من إعلنه بها ‪ .‬وقال الشّافعيّة ‪ :‬إ ّ‬
‫ب الحنابلة إظهار‬
‫فيها إظهار إخراجها ليراه غيره فيعمل عمله ‪ ،‬ولئلّ يساء الظّنّ به ‪ .‬واستح ّ‬
‫ن السّوء‬
‫إخراجها ‪ ،‬سواءٌ أكان الخراج بموضعٍ يخرج أهله الزّكاة أم ل ‪ ،‬وسوا ٌء أنفي عنه ظ ّ‬
‫بإظهار إخراجها أم ل ‪ ،‬لما فيه من نفي الرّيبة عنه ‪ ،‬ولعلّه يقتدى به ‪ ،‬ومن علم أهليّته أخذ‬
‫ن ‪ -‬كره أن يعلمه أنّها زكاةٌ ‪ ،‬ومع عدم عادة الخذ بأخذ الزّكاة ل‬
‫الزّكاة ‪ -‬ولو بغلبة الظّ ّ‬
‫ل أن يعلمه أنّها زكا ٌة ‪ ،‬لنّه ل يقبل زكا ًة ظاهرا ‪.‬‬
‫يجزئ دفعها إليه إ ّ‬
‫صدقات التّطوّع ‪:‬‬
‫‪ - 18‬قال الحنفيّة والمالكيّة والشّافعيّة والحنابلة ‪ :‬إنّ السرار بها أفضل من الجهر ‪ ،‬ولذا يسنّ‬
‫لمعطيها أن يسرّ بها ‪ ،‬لقوله تعالى { إن تبدوا الصّدقات فنعمّا هي ‪ ،‬وإن تحفوها وتؤتوها‬
‫الفقراء فهو خيرٌ لكم ويكفّر عنكم من سيّئاتكم واللّه بما تعملون خبيرٌ } ‪ .‬ولما روي عن أبي‬
‫هريرة مرفوعا « سبع ٌة يظلّهم اللّه في ظلّه يوم ل ظلّ إلّ ظلّه وذكر منهم رجلً تصدّق‬
‫بصدقةٍ فأخفاها حتّى ل تعلم يمينه ما تنفق شماله » ‪ .‬ولما روي أنّ رسول قال ‪ « :‬صنائع‬
‫سرّ تطفئ غضب الرّبّ ‪ ،‬وصلة الرّحم تزيد في‬
‫المعروف تقي مصارع السّوء ‪ ،‬وصدقة ال ّ‬
‫ن إعطاءها على هذا النّحو يراد به اللّه عزّ وجلّ وحده ‪ ،‬وقد قال ابن عبّاسٍ‬
‫العمر » ول ّ‬
‫سرّ في التّطوّع تفضل علنيتها بسبعين ضعفا ‪.‬‬
‫رضي ال عنهما " جعل اللّه صدقة ال ّ‬
‫قيام اللّيل ‪:‬‬
‫ل يخيّر بين الجهر بالقراءة والسرار بها ‪ ،‬إلّ‬
‫ن المتنفّل لي ً‬
‫‪ - 19‬ذهب الحنفيّة والحنابلة إلى أ ّ‬
‫أنّه إن كان الجهر أنشط له في القراءة ‪ ،‬أو كان بحضرته من يستمع قراءته ‪ ،‬أو ينتفع بها‬
‫فالجهر أفضل ‪ ،‬وإن كان قريبا منه من يتهجّد ‪ ،‬أو من يتضرّر برفع صوته فالسرار أولى ‪،‬‬
‫وإن لم يكن ل هذا ول هذا فليفعل ما شاء ‪ « .‬قال عبد اللّه بن أبي قيسٍ ‪ :‬سألت عائشة كيف‬
‫كانت قراءة رسول اللّه ؟ فقالت ‪ :‬كلّ ذلك كان يفعل ‪ .‬ربّما أسرّ ‪ ،‬وربّما جهر » ‪ .‬وقال أبو‬
‫هريرة رضي ال عنه ‪ « :‬كانت قراءة النّبيّ صلى ال عليه وسلم باللّيل يرفع طورا ‪ ،‬يخفض‬
‫ب في نوافل اللّيل الجهار ‪ ،‬وهو أفضل من السرار ‪،‬‬
‫ن المستح ّ‬
‫طورا » وقال المالكيّة ‪ :‬إ ّ‬
‫ن صلة اللّيل تقع في الوقات المظلمة فينبّه القارئ بجهره المارّة ‪ ،‬وللمن من لغو الكافر‬
‫لّ‬
‫عند سماع القرآن ‪ ،‬لشتغاله غالبا في اللّيل بالنّوم أو غيره ‪ ،‬بخلف النّهار ‪ .‬وقال الشّافعيّة ‪:‬‬
‫إنّه يسنّ في نوافل اللّيل المطلقة التّوسّط بين الجهر والسرار إن لم يشوّش على نائمٍ أو مصلّ‬
‫أو نحوه ‪ ،‬إلّ التّراويح فيجهر بها ‪ .‬والمراد بالتّوسّط أن يزيد على أدنى ما يسمع نفسه من‬
‫غير أن تبلغ تلك الزّيادة سماع من يليه ‪ ،‬والّذي ينبغي فيه ما قاله بعضهم ‪ :‬إنّه يجهر تارةً ‪،‬‬
‫ويسرّ أخرى ‪.‬‬
‫الدعية والذكار في غير الصّلة ‪:‬‬
‫‪ - 20‬قال الحنفيّة والشّافعيّة والحنابلة ‪ :‬إنّ السرار بالدعية والذكار من حيث الجملة أفضل‬
‫ب عند الشّافعيّة ‪ .‬لقوله تعالى‬
‫من الجهر بها ‪ ،‬فالسرار بها سنّ ٌة عند الحنفيّة والحنابلة ‪ ،‬ومندو ٌ‬
‫‪ { :‬ادعوا ربّكم تضرّعا وخفيةً } أي سرّا في النّفس ‪ ،‬ليبعد عن الرّياء ‪ ،‬وبذلك أثنى اللّه‬
‫تعالى على نبيّه زكريّا عليه السلم ‪ ،‬إذ قال مخبرا عنه ‪ { :‬إذ نادى ربّه ندا ًء خفيّا } ‪ ،‬ولنّه‬
‫ي»‪.‬‬
‫أقرب إلى الخلص ‪ ،‬وقد ورد « خير الذّكر الخف ّ‬
‫أمّا في عرفة فرفع الصّوت بذلك وبالتّلبية أفضل من السرار به ‪ ،‬إذ رفع الصّوت بالتّلبية‬
‫ب عند الشّافعيّة ‪ ،‬بحيث ل يجهد نفسه ‪ ،‬ول‬
‫والدّعاء بعرفة سنّةٌ عند الحنفيّة والحنابلة ‪ ،‬ومندو ٌ‬
‫يفرط في الجهر بالدّعاء بها ‪ ،‬لما روي أنّ رسول اللّه صلى ال عليه وسلم قال ‪ « :‬جاءني‬
‫جبريل عليه السلم فقال ‪ :‬يا محمّد ‪ ،‬مر أصحابك فليرفعوا أصواتهم بالتّلبية ‪ ،‬فإنّها من شعار‬
‫ج » وقال ‪ « :‬أفضل الحجّ العجّ والّثجّ » فالعجّ ‪ :‬رفعه الصّوت بالتّلبية ‪ ،‬والثّجّ ‪ :‬إسالة‬
‫الح ّ‬
‫دماء الهدي ‪ .‬هذا ‪ ،‬وإنّ لبعض الذكار صفةً خاصّةً من الجهر أو السرار ‪ ،‬كالتّلبية ‪،‬‬
‫والقامة ‪ ،‬وأذكار ما بعد الصّلة ‪ ،‬والتّسمية على الذّبيحة ‪ ،‬والذكار من المرأة ‪ ،‬وتنظر في‬
‫مواضعها الخاصّة ‪.‬‬
‫السرار باليمين ‪:‬‬
‫‪ - 21‬السرار باليمين ‪ -‬إذا أسمع نفسه ‪ -‬كالجهر بها ‪ .‬والسرار بالستثناء كالسرار‬
‫ض كسعالٍ أو‬
‫ل لعار ٍ‬
‫باليمين متى توافرت عناصره ‪ ،‬وكان الستثناء متّصلً بالمستثنى منه ‪ ،‬إ ّ‬
‫س ‪ .‬وتفصيل ذلك يرجع إليه في ( استثناءٌ ) ( وأيمانٌ ) ‪.‬‬
‫عطاسٍ أو انقطاع نف ٍ‬
‫السرار بالطّلق ‪:‬‬
‫‪ - 22‬السرار في الطّلق بإسماع نفسه كالجهر به ‪ ،‬فمتى طلّق امرأته إسرارا بلفظ الطّلق ‪،‬‬
‫ن طلقه يقع ‪ ،‬وتترتّب عليه‬
‫صريحا كان أو كناي ًة مستوفيةً شرائطها على الوجه المذكور ‪ ،‬فإ ّ‬
‫ن الطّلق ل يقع ‪ ،‬كما لو أجراه على قلبه دون أن يتلفّظ به‬
‫آثاره ‪ ،‬ومتى لم تتوافر شرائطه فإ ّ‬
‫إسماعا لنفسه أو بحركة لسانه ‪ .‬هذا ‪ ،‬وقد قال المالكيّة في لزومه بكلمه النّفسيّ ‪ ،‬كأن يقول‬
‫ن فيه خلفا ‪ ،‬والمعتمد عندهم عدم اللّزوم ‪.‬‬
‫بقلبة أنت طالقٌ ‪ :‬أ ّ‬
‫والكلم في الستثناء في الطّلق كالكلم في الطّلق ‪.‬‬

‫إسرافٌ *‬
‫التعريف ‪:‬‬
‫‪ - 1‬من معاني السراف في اللّغة ‪ :‬مجاوزة القصد ‪ ،‬يقال ‪ :‬أسرف في ماله أي أنفق من غير‬
‫اعتدالٍ ‪ ،‬ووضع المال في غير موضعه ‪ .‬وأسرف في الكلم ‪ ،‬وفي القتل ‪ :‬أفرط ‪ .‬وأمّا‬
‫السّرف الّذي نهى اللّه تعالى عنه فهو ما أنفق في غير طاعة اللّه ‪ ،‬قليلً كان أو كثيرا ‪.‬‬
‫أمّا في الصطلح الشّرعيّ ‪ ،‬فقد ذكر القليوبيّ للسراف المعنى اللّغويّ نفسه ‪ ،‬وهو ‪:‬‬
‫ص بعضهم استعمال السراف بالنّفقة والكل ‪ .‬يقول الجرجانيّ في‬
‫مجاوزة الحدّ ‪ .‬وخ ّ‬
‫التّعريفات ‪ :‬السراف تجاوز الحدّ في النّفقة ‪ .‬وقيل ‪ :‬أن يأكل الرّجل ما ل يحلّ له ‪ ،‬أو يأكل‬
‫ما يحلّ له فوق العتدال ومقدار الحاجة ‪.‬‬
‫وقيل ‪ :‬السراف تجاوز الكميّة ‪ ،‬فهو جهلٌ بمقادير الحقوق ‪ .‬والسّرف ‪ :‬مجاوزة الحدّ بفعل‬
‫الكبائر ‪ ،‬ومنه قوله تعالى ‪ { :‬ربّنا اغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا } ‪.‬‬
‫اللفاظ ذات الصّلة ‪:‬‬

‫أ ‪ -‬التّقتير ‪:‬‬
‫‪ - 2‬وهو يقابل السراف ‪ ،‬ومعناه ‪ :‬التّقصير ‪ ،‬قال اللّه تعالى ‪ { :‬والّذين إذا أنفقوا لم يسرفوا‬
‫ولم يقتروا ‪ ،‬وكان بين ذلك قواما }‬
‫ب ‪ -‬التّبذير ‪:‬‬
‫‪ - 3‬التّبذير ‪ :‬هو تفريق المال في غير قصدٍ ‪ ،‬ومنه البذر في الزّراعة ‪.‬‬
‫وقيل ‪ :‬هو إفساد المال وإنفاقه في السّرف ‪ .‬قال تعالى ‪ { :‬ول تبذّر تبذيرا } وخصّه بعضهم‬
‫بإنفاق المال في المعاصي ‪ ،‬وتفريقه في غير حقّ ‪ .‬ويعرّفه بعض الفقهاء بأنّه ‪ :‬عدم إحسان‬
‫التّصرّف في المال ‪ ،‬وصرفه فيما ل ينبغي ‪ ،‬فصرف المال إلى وجوه البرّ ليس بتبذيرٍ ‪،‬‬
‫ص من السراف‬
‫وصرفه في الطعمة النّفيسة الّتي ل تليق بحاله تبذيرٌ ‪ .‬وعلى هذا فالتّبذير أخ ّ‬
‫‪ ،‬لنّ التّبذير يستعمل في إنفاق المال في السّرف أو المعاصي أو في غير حقّ ‪ ،‬والسراف‬
‫أعمّ من ذلك ‪ ،‬لنّه مجاوزٌ الحدّ ‪ ،‬سواءٌ أكان في الموال أم في غيرها ‪ ،‬كما يستعمل‬
‫السراف في الفراط في الكلم أو القتل وغيرهما ‪ .‬وقد فرّق ابن عابدين بين السراف‬
‫والتّبذير من جهةٍ أخرى ‪ ،‬فقال ‪ :‬التّبذير يستعمل في المشهور بمعنى السراف ‪ ،‬والتّحقيق أنّ‬
‫ن السراف ‪ :‬صرف الشّيء فيما ينبغي زائدا على ما ينبغي ‪ ،‬والتّبذير ‪:‬‬
‫بينهما فرقا ‪ ،‬وهو أ ّ‬
‫صرف الشّيء فيما ل ينبغي ‪ .‬ومثله ما جاء في نهاية المحتاج نقلً عن الماورديّ ‪ ،‬التّبذير ‪:‬‬
‫الجهل بمواقع الحقوق ‪ ،‬والسّرف ‪ :‬الجهل بمقادير الحقوق ‪.‬‬
‫ج ‪ -‬السّفه ‪:‬‬
‫‪ - 4‬السّفه في اللّغة ‪ :‬خفّة العقل والطّيش والحركة ‪ .‬وفي الشّريعة ‪ :‬تضييع المال وإتلفه‬
‫على خلف مقتضى الشّرع والعقل ‪ .‬وقد عرّفه بعضهم بالتّبذير والسراف في النّفقة ‪ ،‬فقد‬
‫ن السّفه هو التّبذير ‪ ،‬وورد في أسنى المطالب أنّ السّفيه هو ‪:‬‬
‫جاء في بلغة السّالك ‪ :‬أ ّ‬
‫ن السّفه سبب التّبذير والسراف ‪ ،‬وهما أثران للسّفه ‪ ،‬كما يتبيّن ممّا قاله‬
‫المبذّر ‪ ،‬والصل أ ّ‬
‫الجرجانيّ في التّعريفات ‪ :‬السّفه خفّ ٌة تعرض للنسان من الفرح والغضب ‪ ،‬فيحمله على‬
‫العمل بخلف طور العقل ومقتضى الشّرع ‪ .‬وجاء في دستور العلماء ما يؤيّد ذلك ‪ ،‬حيث قال‬
‫ي للسّفه من‬
‫‪ :‬ومن عادة السّفيه التّبذير والسراف في النّفقة ‪ .‬ويؤيّد هذه التّفرقة المعنى اللّغو ّ‬
‫أنّه ‪ :‬خفّة العقل ‪ .‬وعلى ذلك فالعلقة بين السّفه والسراف علقة السّبب والمسبّب ‪.‬‬
‫حكم السراف ‪:‬‬
‫‪ - 5‬يختلف حكم السراف بحسب متعلّقه ‪ ،‬كما تبيّن في تعريف السراف ‪ ،‬فذهب بعض‬
‫ن صرف المال الكثير في أمور البرّ والخير والحسان ل يعتبر إسرافا ‪ ،‬فل‬
‫الفقهاء إلى أ ّ‬
‫يكون ممنوعا ‪ .‬أمّا صرفه في المعاصي والتّرف وفيما ل ينبغي فيعتبر إسرافا منهيّا عنه ‪،‬‬
‫ولو كان المال قليلً ‪ .‬وقد نقل عن مجاهدٍ أنّه قال ‪ :‬لو كان جبل أبي قبيسٍ ذهبا لرجلٍ ‪ ،‬فأنفقه‬
‫في طاعة اللّه لم يكن مسرفا ‪ ،‬ولو أنفق درهما أو مدّا في معصية اللّه كان مسرفا ‪ ،‬ويرى‬
‫شرّ ‪ ،‬يكون في الخير ‪ ،‬كمن تصدّق بجميع ماله ‪،‬‬
‫بعض الفقهاء أنّ السراف كما يكون في ال ّ‬
‫واستدلّ لذلك بقوله تعالى ‪ { :‬وآتوا حقّه يوم حصاده ول تسرفوا } أي ل تعطوا أموالكم كلّها‬
‫ن ثابت بن قيس بن شمّاسٍ أنفق جذاذ خمسمائة نخلةٍ ‪ ،‬ولم يترك‬
‫فتقعدوا فقراء ‪ ،‬وروي أ ّ‬
‫ل بفعله مثل ذلك ‪ .‬كذلك‬
‫لهله شيئا ‪ ،‬فنزلت الية السّابقة ‪ .‬وقيل ‪ :‬إنّها نزلت في معاذ بن جب ٍ‬
‫يختلف حكم السراف إذا كان في العبادات عمّا إذا كان في المحظورات أو المباحات ‪ ،‬أو في‬
‫استعمال الحقّ والعقوبات ‪ ،‬وسيأتي تفصيل هذه النواع ‪.‬‬
‫السراف في الطّاعات ‪:‬‬
‫أوّلً ‪ -‬السراف في العبادات البدنيّة ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬السراف في الوضوء ‪:‬‬
‫وذلك يتحقّق في حالتين ‪:‬‬
‫الحالة الولى ‪ :‬تكرار غسل العضاء ‪:‬‬
‫ن تكرار غسل العضاء إلى ثلثٍ مسنونٌ ‪ .‬جاء‬
‫‪ - 6‬صرّح الحنفيّة والشّافعيّة والحنابلة ‪ :‬أ ّ‬
‫في المغني أنّ الوضوء مرّ ًة أو مرّتين يجزئ ‪ ،‬والثّلث أفضل ‪ .‬والمشهور في مذهب مالكٍ‬
‫ن الغسلة الثّانية والثّالثة فضيلتان ‪ .‬وعلى ذلك فغسل العضاء ثلث مرّاتٍ ل يعتبر إسرافا ‪،‬‬
‫أّ‬
‫ب ‪ .‬أمّا الزّيادة على الثّلث الموعبة فمكرو ٌه عند الجمهور ‪ :‬الحنفيّة‬
‫بل هو سنّ ٌة أو مندو ٌ‬
‫والشّافعيّة والحنابلة ‪ ،‬وهو الرّاجح في مذهب المالكيّة ‪ ،‬لنّها من السّرف في الماء ‪ ،‬والقول‬
‫الثّاني للمالكيّة أنّها تمنع ‪ .‬والكراهة فيما إذا كان الماء مملوكا أو مباحا ‪ ،‬أمّا الماء الموقوف‬
‫على من يتطهّر به ‪ -‬ومنه ماء المدارس ‪ -‬فإنّ الزّيادة فيه على الثّلث حرا ٌم عند الجميع ‪،‬‬
‫لكونها غير مأذونٍ بها ‪ ،‬لنّه إنّما يوقف ويساق لمن يتوضّأ الوضوء الشّرعيّ ‪ ،‬ولم يقصد‬
‫إباحتها لغير ذلك ‪ .‬واستدلّوا على كراهة الزّيادة على الثّلث بحديث عمرو بن شعيبٍ عن أبيه‬
‫ل أتاه صلى ال عليه وسلم فقال ‪ :‬يا رسول اللّه كيف الطّهور ؟ فدعا بماءٍ‬
‫ن رج ً‬
‫عن جدّه « أ ّ‬
‫في إنا ٍء فغسل كفّيه ثلثا ‪ ،‬ثمّ غسل وجهه ثلثا ‪ ،‬ثمّ غسل ذراعيه ثلثا ‪ ،‬ثمّ مسح برأسه ‪،‬‬
‫سبّاحتي ن باطن‬
‫سبّاحتين في أذنيه ‪ ،‬ومسح بإبهاميه على ظاهر أذنيه ‪ ،‬وبال ّ‬
‫وأدخل أصبعيه ال ّ‬
‫أذنيه ‪ ،‬ثمّ غسل رجليه ثلثا ثلثا ‪ ،‬ثمّ قال ‪ :‬هكذا الوضوء ‪ ،‬فمن زاد على هذا أو نقص فقد‬
‫أساء وظلم أو ظلم وأساء » ‪ .‬وقد ذكر بعض الفقهاء أنّ الوعيد في الحديث لمن زاد أو نقص‬
‫شكّ‬
‫مع عدم اعتقاد الثّلث سنّةٌ ‪ ،‬أمّا إذا زاد ‪ -‬مع اعتقاد س ّنيّة الثّلث ‪ -‬لطمأنينة القلب عند ال ّ‬
‫‪ ،‬أو بنيّة وضو ٍء آخر فل بأس به ‪ ،‬فإنّ الوضوء على الوضوء نورٌ على نورٍ ‪ ،‬وقد أمر‬
‫بترك ما يريبه إلى ما ل يريبه ‪ ،‬ولهذا جاء في ابن عابدين نقلً عن البدائع ‪ :‬إذا زاد أو‬
‫ن المنفيّ في هذه الحالة إنّما هو‬
‫ن الثّلث سنّ ٌة ‪ ،‬ل يلحقه الوعيد ‪ .‬ثمّ بيّن أ ّ‬
‫نقص ‪ ،‬واعتقد أ ّ‬
‫الكراهة التّحريميّة ‪ ،‬فتبقى الكراهة التّنزيهيّة ‪ .‬وقيّد الشّافعيّة ‪ ،‬وبعض الحنفيّة ‪ ،‬أفضليّة‬
‫الوضوء على الوضوء بألّ يكون في مجلسٍ واحدٍ ‪ ،‬أو كان قد صلّى بالضّوء الوّل صلةً ‪،‬‬
‫ل يكره التّكرار ويعتبر إسرافا ‪ ،‬وقال القليوبيّ ‪ :‬الوجه الحرمة ‪ .‬أمّا لو كرّره ثالثا أو رابعا‬
‫وإ ّ‬
‫بغير أن تتخلّله صلةٌ فيعتبر إسرافا محضا عند الجميع ‪.‬‬
‫الحالة الثّانية ‪ -‬استعمال الماء أكثر ممّا يكفيه ‪:‬‬
‫‪ - 7‬اتّفق الفقهاء على أنّ ما يجزئ في الوضوء والغسل غير مق ّدرٍ بمقدارٍ معيّنٍ ‪ ،‬ونقل ابن‬
‫ن النّبيّ صلى ال عليه وسلم «‬
‫عابدين الجماع على ذلك وقال ‪ :‬إنّ ما ورد في الحديث ‪ :‬أ ّ‬
‫كان يتوضّأ بالمدّ ويغتسل بالصّاع » ليس بتقديرٍ لزمٍ ‪ ،‬بل هو بيان أدنى القدر المسنون ‪،‬‬
‫ن طباع النّاس وأحوالهم‬
‫ن من أسبغ بدون ذلك أجزأه ‪ ،‬وإن لم يكفه زاد عليه ‪ ،‬ل ّ‬
‫حتّى إ ّ‬
‫ن السراف في استعمال الماء مكرو ٌه ‪ ،‬ولهذا صرّح الحنابلة بأنّه‬
‫مختلفةٌ ‪ .‬واتّفقوا كذلك على أ ّ‬
‫يجزئ المدّ وما دون ذلك في الوضوء ‪ ،‬وإن توضّأ بأكثر من ذلك جاز ‪ ،‬إلّ أنّه يكره‬
‫السراف ‪ .‬ومع ذلك قال الشّافعيّة ‪ :‬يسنّ أن ل ينقص ماء الوضوء فيمن اعتدل جسمه عن مدّ‬
‫تقريبا ‪ ،‬لنّه صلى ال عليه وسلم « كان يوضّئه المدّ » ول حدّ لماء الوضوء ‪ ،‬لكنّه يشترط‬
‫السباغ ‪ .‬وقال المالكيّة ‪ :‬من مستحبّات الوضوء تقليل الماء من غير تحديدٍ في ذلك ‪ ،‬وأنكر‬
‫مالكٌ قول من قال ‪ :‬حتّى يقطر الماء أو يسيل ‪ ،‬يعني أنكر السّيلن عن العضو ل السّيلن‬
‫على العضو ‪ ،‬إذ ل ب ّد منه ‪ ،‬وإلّ فهو مع عدم السّيلن مسحٌ بل شكّ ‪ ،‬وإنّما يراعى القدر‬
‫الكافي في حقّ كلّ واحدٍ ‪ ،‬فما زاد على قدر ما يكفيه فهو بدعةٌ وإسرافٌ ‪ ،‬وإن اقتصر على‬
‫ل أن يقلّل الماء ‪ ،‬ول‬
‫سنّة ‪ ،‬فالمستحبّ لمن يقدر على السباغ بقلي ٍ‬
‫قدر ما يكفيه فقد أدّى ال ّ‬
‫يستعمل زيادةً على السباغ ‪ ،‬أي في كلّ مرّةٍ ‪.‬‬
‫ومعيار السراف عند الحنفيّة هو أن يستعمل الماء فوق الحاجة الشّرعيّة ‪ ،‬وذكر أكثر‬
‫الحناف أنّ ترك التّقتير ‪ -‬بأن يقترب إلى حدّ الدّهن ‪ ،‬ويكون التّقاطر غير ظاهرٍ ‪ -‬وترك‬
‫السراف ‪ -‬بأن يزيد على الحاجة الشّرعيّة ‪ -‬سنّ ٌة مؤكّد ٌة ‪ ،‬وعلى هذا فيكون السراف في‬
‫استعمال الماء في الوضوء مكروها تحريما ‪ ،‬كما صرّح به صاحب ال ّدرّ ‪ ،‬لكن رجّح ابن‬
‫عابدين كونه مكروها تنزيها ‪ .‬واستدلّ الفقهاء على كراهة السراف في الماء بحديث عبد اللّه‬
‫بن عمر وأنّ رسول اللّه صلى ال عليه وسلم « مرّ بسعدٍ وهو يتوضّأ ‪ ،‬فقال ‪ :‬ما هذا السّرف‬
‫؟ فقال ‪ :‬أفي الوضوء إسرافٌ ؟ فقال ‪ :‬نعم ‪ ،‬وإن كنت على نهرٍ جارٍ » ‪.‬‬
‫وهذا كلّه في غير الموسوس ‪ ،‬أمّا الموسوس فيغتفر في حقّه لما ابتلي به ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬السراف في الغسل ‪:‬‬
‫‪ - 8‬من سنن الغسل التّثليث ‪ ،‬بأن يفيض الماء على كلّ بدنه ثلثا مستوعبا ‪ ،‬والزّائد على‬
‫ذلك يعتبر إسرافا مكروها ‪ ،‬ول يقدّر الماء الّذي يجزئ الغسل به ‪ ،‬لنّ الحاجة الشّرعيّة‬
‫تختلف باختلف الشخاص والحوال ‪ ،‬فما زاد على الكفاية أو بعد تيقّن الواجب فهو سرفٌ‬
‫مكروهٌ ‪ ،‬وهذا القدر متّفقٌ عليه ‪ ،‬أمّا ما ورد في الحديث ‪ « :‬كان رسول اللّه صلى ال عليه‬
‫سنّة عادةً ‪ ،‬وليس تقديرا لزما ‪.‬‬
‫وسلم يغتسل بالصّاع » فهو بيانٌ لقلّ ما يمكن به أداء ال ّ‬
‫ج ‪ -‬السراف في الصّلة والصّوم ‪:‬‬
‫‪ - 9‬النسان مأمو ٌر بالقتصاد ومراعاة العتدال في كلّ أمرٍ ‪ ،‬حتّى في العبادات الّتي تقرّب‬
‫إلى اللّه تعالى كالصّلة والصّيام ‪ ،‬قال اللّه تعالى ‪ { :‬يريد اللّه بكم اليسر ول يريد بكم العسر‬
‫} ‪ .‬فالعبادات إنّما أمر بفعلها مشروط ًة بنفي العسر والمشقّة الخارجة عن المعتاد ‪ ،‬ومن هنا‬
‫أبيح الفطار في حالة السّفر والحامل والمريض والمرضع وكلّ من خشي ضرر الصّوم على‬
‫نفسه فعليه أن يفطر ‪ ،‬لنّ في ترك الفطار عسرا ‪ ،‬وقد نفى اللّه عن نفسه إرادة العسر ‪ .‬فل‬
‫ح عنه صلى ال عليه وسلم أنّه قال ‪ « :‬هلك‬
‫يجوز فيها السراف والمبالغة ‪ .‬وقد ص ّ‬
‫ط إلى بيوت‬
‫المتنطّعون » أي المبالغون في المر ‪ .‬وروي عن أنسٍ أنّه « جاء ثلثة ره ٍ‬
‫أزواج النّبيّ صلى ال عليه وسلم يسألون عن عبادة النّبيّ صلى ال عليه وسلم فلمّا أخبروا‬
‫كأنّهم تقالّوها ‪ ،‬فقالوا ‪ :‬وأين نحن من النّبيّ صلى ال عليه وسلم ؟ قد غفر اللّه له ما تقدّم من‬
‫ذنبه وما تأخّر ‪ .‬قال أحدهم ‪ :‬أمّا أنا فأنا أصلّي اللّيل أبدا ‪ ،‬وقال آخر ‪ :‬أنا أصوم الدّهر ول‬
‫أفطر ‪ ،‬وقال آخر ‪ :‬أنا أعتزل النّساء فل أتزوّج أبدا ‪ .‬فجاء رسول اللّه صلى ال عليه وسلم‬
‫فقال ‪ :‬أنتم الّذين قلتم كذا وكذا ؟ أما واللّه إنّي لخشاكم للّه ‪ ،‬وأتقاكم له ‪ ،‬لكنّي أصوم‬
‫وأفطر ‪ ،‬وأصلّي وأرقد ‪ ،‬وأتزوّج النّساء ‪ ،‬فمن رغب عن سنّتي فليس منّي » ‪.‬‬
‫ن المشروع هو القتصاد في الطّاعات ‪ ،‬لنّ إتعاب‬
‫قال في نيل الوطار ‪ :‬فيه دليلٌ على أ ّ‬
‫النّفس فيها والتّشديد عليها يفضي إلى ترك الجميع ‪ ،‬والدّين يسرٌ ‪ ،‬ولن يشادّ أحدٌ الدّين إلّ‬
‫غلبه ‪ ،‬والشّريعة النّبويّة بنيت على التّيسير وعدم التّنفير ‪ .‬ولهذا صرّح بعض الفقهاء بكراهة‬
‫صوم الوصال وصوم الدّهر ‪ ،‬كما ورد عن النّبيّ صلى ال عليه وسلم أنّه قال ‪ « :‬من صام‬
‫الدّهر فل صام ول أفطر » وقالوا بكراهة قيام اللّيل كلّه ‪ ،‬لما روي عن « عائشة رضي ال‬
‫عنها أنّها قالت ‪ :‬ل أعلم نبيّ اللّه صلى ال عليه وسلم قام ليل ًة حتّى الصّباح ‪ ،‬ول صام شهرا‬
‫قطّ غير رمضان » ‪ .‬قال ابن عابدين ‪ :‬الظّاهر من إطلق الحاديث الواردة في إحياء اللّيل‬
‫ن من أحيا نصف اللّيل فقد‬
‫الستيعاب ‪ ،‬لكنّه نقل عن بعض المتقدّمين أنّه فسّر ذلك بنصفه ‪ ،‬ل ّ‬
‫أحيا اللّيل ‪ ،‬ويؤيّد هذا التّفسير حديث عائشة المتقدّم ‪ ،‬فيترجّح إرادة الكثر أو النّصف ‪،‬‬
‫والكثر أقرب إلى الحقيقة ‪ .‬وأوضح ما جاء في منع السراف والمبالغة في الصّلة والصّيام‬
‫حديث عبد اللّه بن عمر وقال ‪ « :‬دخل رسول اللّه صلى ال عليه وسلم حجرتي ‪ ،‬فقال ‪ :‬ألم‬
‫ن ‪ ،‬نم وقم ‪ ،‬وصم‬
‫أخبر أنّك تقوم اللّيل وتصوم النّهار ؟ ‪ ،‬قلت ‪ :‬بلى ‪ ،‬قال ‪ :‬فل تفعل ّ‬
‫ن لعينيك عليك حقّا ‪ ،‬وإن لجسدك عليك حقّا ‪ ،‬وإنّ لزوجتك عليك حقّا ‪ ،‬وإنّ‬
‫وأفطر ‪ ،‬فإ ّ‬
‫ن لضيفك عليك حقّا ‪ ،‬وإن عسى أن يطول بك عمرٌ ‪ ،‬وأنّه حسبك أن‬
‫لصديقك عليك حقّا ‪ ،‬وإ ّ‬
‫ن الحسنة بعشر أمثالها » ‪ .‬وقال‬
‫تصوم من كلّ شهرٍ ثلثا ‪ ،‬فذلك صيام الدّهر كلّه ‪ ،‬وإ ّ‬
‫النّوويّ من الشّافعيّة ‪ :‬ويكره أن يقوم كلّ اللّيل دائما ‪ ،‬للحديث المذكور في الكتاب ‪ ،‬فإن قيل ‪:‬‬
‫ما الفرق بينه وبين صوم الدّهر ‪ -‬غير أيّام النّهي ‪ -‬فإنّه ل يكره عندنا ؟ فالجواب أنّ صلة‬
‫اللّيل كلّه دائما يضمر العين وسائر البدن ‪ ،‬كما جاء في الحديث الصّحيح ‪ ،‬بخلف الصّوم فإنّه‬
‫يستوفي في اللّيل ما فاته من أكل النّهار ‪ ،‬ول يمكنه نوم النّهار إذا صلّى اللّيل ‪ ،‬لما فيه من‬
‫تفويت مصالح دينه ودنياه ‪ .‬هذا حكم قيام اللّيل دائما ‪ ،‬فأمّا بعض اللّيل فل يكره إحياؤه ‪ ،‬فقد‬
‫ثبت في الصّحيحين عن عائشة رضي ال عنها أنّ « النّبيّ صلى ال عليه وسلم كان إذا دخل‬
‫العشر الواخر من رمضان أحيا اللّيل » واتّفق أصحابنا على إحياء ليلتي العيدين ‪ ،‬واللّه أعلم‬
‫‪.‬‬
‫ثانيا ‪ -‬السراف في العبادات الماليّة ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬السراف في الصّدقة ‪:‬‬
‫‪ - 10‬الصّدقات الواجبة المحدّدة المقدار ‪ ،‬كالزّكاة والنّذر وصدقة الفطر ‪ ،‬ل يتصوّر فيها‬
‫ب شرعا ‪ .‬وتفصيل شروط الوجوب ‪ ،‬ومقدار ما‬
‫ن أداءها بالقدر المحدّد واج ٌ‬
‫السراف ‪ ،‬ل ّ‬
‫وجب في هذه الصّدقات مذكورٌ في موضعها ‪.‬‬
‫ث السلم‬
‫أمّا الصّدقات المندوبة ‪ -‬وهي الّتي تعطى للمحتاجين لثواب الخرة ‪ -‬فرغم ح ّ‬
‫على النفاق على الفقراء والمساكين والمحتاجين في كثيرٍ من اليات والحاديث ‪ ،‬فقد أمر اللّه‬
‫بالقصد والعتدال وعدم التّجاوز إلى حدّ يعتبر إسرافا ‪ ،‬بحيث يؤدّي إلى فقر المنفق نفسه‬
‫حتّى يتكفّف النّاس ‪ .‬قال اللّه تعالى في صفات المؤمنين ‪ { :‬والّذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم‬
‫يقتروا ‪ ،‬وكان بين ذلك قواما } ‪ .‬وكذلك قال سبحانه ‪ { :‬ول تجعل يدك مغلولةً إلى عنقك ‪،‬‬
‫ول تبسطها كلّ البسط فتقعد ملوما محسورا } قال المفسّرون في تفسير هذه الية ‪ :‬ول تخرج‬
‫جميع ما في يدك مع حاجتك وحاجة عيالك إليه ‪ ،‬فتقعد منقطعا عن النّفقة والتّصرّف ‪ ،‬كما‬
‫يكون البعير الحسير ‪ ،‬وهو الّذي ذهبت قوّته فل انبعاث به ‪ ،‬وقيل ‪ :‬لئلّ تبقى ملوما ذا حسرةٍ‬
‫على ما في يدك ‪ ،‬لكنّ المراد بالخطاب غير النّبيّ صلى ال عليه وسلم لنّه لم يكن ممّن‬
‫يتحسّر على إنفاق ما حوته يده في سبيل اللّه ‪ ،‬وإنّما نهى اللّه عن الفراط في النفاق وإخراج‬
‫جميع ما حوته يده من المال من خيف عليه الحسرة على ما خرج عن يده ‪ ،‬وقد قال النّبيّ‬
‫ف النّاس ‪،‬‬
‫صلى ال عليه وسلم ‪ « :‬يأتي أحدكم بما يملك ‪ ،‬فيقول ‪ :‬هذه صدق ٌة ‪ ،‬ثمّ يقعد يستك ّ‬
‫‪ ،‬خير الصّدقة ما كان عن ظهر غنًى » فأمّا من وثق بموعود اللّه وجزيل ثوابه فيما أنفقه‬
‫فغير مرادٍ بالية ‪ ،‬وقد كان كثيرٌ من فضلء الصّحابة ينفقون في سبيل اللّه جميع أموالهم ‪،‬‬
‫فلم يعنّفهم النّبيّ صلى ال عليه وسلم لصحّة يقينهم وشدّة بصائرهم ‪ .‬وفي ضوء هذه اليات‬
‫ن الولى أن يتصدّق من الفاضل عن كفايته وكفاية من يموّنه على‬
‫والحاديث صرّح الفقهاء أ ّ‬
‫الدّوام ‪ ،‬ومن أسرف بأن تصدّق بما ينقصه عن كفاية من تلزمه مؤنته ‪ ،‬أو ما يحتاج إليه لنفقة‬
‫نفسه ‪ -‬ول كسب له ‪ -‬فقد أثم ‪ ،‬لقول النّبيّ صلى ال عليه وسلم ‪ « :‬كفى بالمرء إثما أن‬
‫يضيّع من يموّنه » ولنّ نفقة من يموّنه واجبةٌ ‪ ،‬والتّطوّع نافلةٌ ‪ ،‬وتقديم النّفل على الفرض‬
‫ن النسان إذا أخرج جميع ماله ل يأمن فتنة الفقر وشدّة نزاع النّفس إلى ما‬
‫غير جائزٍ ‪ ،‬ول ّ‬
‫خرج منه ‪ ،‬فيذهب ماله ‪ ،‬ويبطل أجره ‪ ،‬ويصير كلّ على النّاس ‪ .‬أمّا من يعلم من نفسه‬
‫حسن التّوكّل ‪ ،‬والصّبر على الفقر ‪ ،‬والتّعفّف عن المسألة ‪ ،‬أو كان ذا مكسبٍ واثقا من نفسه ‪،‬‬
‫ن أبا بكرٍ‬
‫ل ماله عند الحاجة ‪ ،‬ول يعتبر هذا في حقّه إسرافا ‪ .‬لما روي أ ّ‬
‫فله أن يتصدّق بك ّ‬
‫أتى النّبيّ صلى ال عليه وسلم بكلّ ما عنده ‪ ،‬فقال له ‪ « :‬ما أبقيت لهلك ؟ قال ‪ :‬أبقيت لهم‬
‫اللّه ورسوله » فهذا كان فضيل ًة في حقّ أبي بكرٍ ‪ ،‬لقوّة يقينه وكمال إيمانه ‪ ،‬وكان أيضا‬
‫تاجرا ذا مكسبٍ ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬السراف في الوصيّة ‪:‬‬
‫‪ - 11‬الوصيّة تمليكٌ مضافٌ إلى ما بعد الموت بطريق التّبرّع ‪ ،‬أو هي التّبرّع بالمال بعد‬
‫الموت ‪ ،‬وهي مستحبّ ٌة بجز ٍء من المال لمن ترك خيرا في حقّ من ل يرث ‪ ،‬وقد حدّد الشّرع‬
‫حدودها بأن ل تزيد عن الثّلث ‪ ،‬ورغّب في التّقليل من الثّلث ‪ ،‬وذلك لتجنّب السراف ‪،‬‬
‫وإيقاع الضّرر بالورثة ‪.‬‬
‫فإذا وجد للميّت وارثٌ ‪ ،‬نفّذت الوصيّة في الثّلث ‪ ،‬وبطلت في الزّائد منه اتّفاقا إن لم يجزها‬
‫الورثة ‪ ،‬لحديث سعد بن أبي وقّاصٍ قال ‪ « :‬كان رسول اللّه صلى ال عليه وسلم يعودني‬
‫عام حجّة الوداع من وجعٍ اشتدّ بي ‪ ،‬فقلت ‪ :‬إنّي قد بلغ بي من الوجع ‪ ،‬وأنا ذو مالٍ ‪ ،‬ول‬
‫يرثني إلّ ابنةٌ ‪ ،‬أفأتصدّق بثلثي مالي ؟ قال ‪ :‬ل ‪ ،‬فقلت ‪ :‬بالشّطر ‪ ،‬فقال ‪ :‬ل ‪ ،‬ثمّ قال ‪:‬‬
‫الثّلث ‪ ،‬والثّلث كبي ٌر أو كثيرٌ ‪ ،‬إنّك إن تذر ورثتك أغنياء خيرٌ من أن تذرهم عال ًة يتكفّفون‬
‫النّاس » ‪ .‬فالثّلث هو الحدّ العلى في الوصيّة إذا كان للميّت وارثٌ ‪ ،‬ولم يتّفقوا على الحدّ‬
‫ل من الثّلث ‪ ،‬وأن تكون الوصيّة للقارب غير الوارثين ‪ ،‬لتكون‬
‫الدنى ‪ ،‬مع استحبابهم الق ّ‬
‫ن الفضل للغنيّ الوصيّة بالخمس ‪ ،‬ونحو ذلك‬
‫صدقةً وصل ًة معا ‪ .‬وذكر صاحب المغني أ ّ‬
‫ث وأجاز‬
‫يروى عن أبي بكرٍ وعليّ بن أبي طالبٍ أمّا إذا لم يكن للميّت وارثٌ ‪ ،‬أو كان له وار ٌ‬
‫ف وتفصيلٌ موضعه مصطلح ( وصيّةٌ ) ‪.‬‬
‫الزّيادة على الثّلث ‪ ،‬ففيه خل ٌ‬
‫ثالثا ‪ :‬السراف في سفك دماء العدوّ في القتال ‪:‬‬
‫‪ - 12‬السراف بمعنى مجاوزة الح ّد منهيّ عنه في كلّ حال ٍة ‪ ،‬حتّى في المقابلة مع العداء في‬
‫الجهاد والقتال ‪ ،‬فالمسلم مأمورٌ بمراعاة القصد والعتدال في جميع الحوال ‪ ،‬يقول اللّه تعالى‬
‫ن اللّه ل يحبّ المعتدين } ويقول سبحانه ‪ { :‬ول يجرمنّكم شنآن قومٍ على ألّ‬
‫‪ { :‬ول تعتدوا إ ّ‬
‫تعدلوا ‪ ،‬اعدلوا هو أقرب للتّقوى } ‪.‬‬
‫ولهذا صرّح الفقهاء بأنّه إن كان العد ّو ممّن لم تبلغهم الدّعوة لم يجز قتالهم ‪ ،‬حتّى يدعوهم‬
‫إلى السلم ‪ ،‬ويكره نقل رءوس المشركين ‪ ،‬على تفصيلٍ في ذلك ‪ ،‬وتكره المثلة بقتلهم‬
‫وتعذيبهم ‪ .‬لقول النّبيّ صلى ال عليه وسلم ‪ « :‬إنّ أعفّ النّاس قتلةً أهل اليمان » ‪.‬‬
‫خ فانٍ ‪ ،‬ول يقتل زمنٌ‬
‫ول يجوز قتل الصّبيان والمجانين بل خلفٍ ‪ ،‬ول تقتل امرأةٌ ول شي ٌ‬
‫ول أعمى ول راهبٌ عند الجمهور ‪ :‬الحنفيّة ‪ ،‬والمالكيّة ‪ ،‬والحنابلة ‪ ،‬ورواي ٍة عند الشّافعيّة ‪،‬‬
‫إلّ إذا اشتركوا في المعركة ‪ ،‬أو كانوا ذا رأيٍ وتدبيرٍ ومكايد في الحرب ‪ ،‬أو أعانوا الكفّار‬
‫بوج ٍه آخر ول يجوز الغدر والغلول ‪ ،‬ول يجوز الحراق بالنّار إن أمكن التّغلّب عليهم‬
‫بدونها ‪ ،‬ول يجوز التّمثيل بالقتل ‪ ،‬لقول النّبيّ صلى ال عليه وسلم ‪ « :‬إنّ اللّه كتب الحسان‬
‫ل شيءٍ ‪ ،‬فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة ‪ ،‬وإذا ذبحتم فأحسنوا الذّبحة » ويجوز معهم عقد‬
‫على ك ّ‬
‫المان والصّلح بمالٍ لو كان ذلك خيرا للمسلمين ‪ ،‬لقوله تعالى ‪ { :‬وإن جنحوا للسّلم فاجنح‬
‫لها } ‪ .‬ولو حاصرناهم دعوناهم إلى السلم ‪ ،‬فإن أسلموا فيها ‪ ،‬وإلّ فرضنا عليهم الجزية‬
‫إن لم يكونوا مرتدّين ول من مشركي العرب ‪ ،‬فإن قبلوا ذلك فلهم منّا المعاملة بالعدل والقسط‬
‫على حسب شروط عقد ال ّذمّة ‪ ،‬وإن أبوا قاتلناهم حتّى نغلبهم عنوةً ‪.‬‬
‫وتفصيل هذه الحكام ر ‪ ( :‬جهادٌ ) ( وجزيةٌ ) ‪.‬‬
‫السراف في المباحات ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬السراف في الطّعام والشّراب ‪:‬‬
‫ح ‪ ،‬فإذا نوى‬
‫‪ - 13‬الكل والشّرب بقدر ما يندفع به الهلك فرضٌ ‪ ،‬وهو بقدر الشّبع مبا ٌ‬
‫ب ‪ ،‬وما زاد على الشّبع فهو‬
‫بالشّبع ازدياد قوّة البدن على الطّاعة وأداء الواجبات فهو مندو ٌ‬
‫مكرو ٌه أو محظورٌ ‪ ،‬على الخلف بين الفقهاء ‪ ،‬إلّ إذا قصد به التّقوّي على صوم الغد ‪ ،‬أو‬
‫لئلّ يستحي الضّيف ‪ .‬قال اللّه تعالى ‪ { :‬كلوا واشربوا ول تسرفوا } ‪.‬‬
‫فالنسان مأمورٌ بأن يأكل ويشرب بحيث يتقوّى على أداء المطلوب ‪ ،‬ول يتعدّى إلى الحرام ‪،‬‬
‫ول يكثر النفاق المستقبح ‪ ،‬ول يتناول مقدارا كثيرا يضرّه ول يحتاج إليه ‪ ،‬فإن تعدّى ذلك‬
‫إلى ما يمنعه القيام بالواجب حرم عليه ‪ ،‬وكان قد أسرف في مطعمه ومشربه ‪ ،‬ولنّه إضاعة‬
‫المال وإمراض النّفس ‪ .‬وقد ورد عن النّبيّ صلى ال عليه وسلم أنّه قال ‪ « :‬ما مل آدميّ‬
‫ت يقمن صلبه ‪ ،‬فإن كان ل محالة فثلثٌ لطعامه ‪،‬‬
‫وعاءً شرّا من بطنٍ ‪ ،‬بحسب ابن آدم أكل ٌ‬
‫ل ما‬
‫ن من السّرف أن تأكل ك ّ‬
‫ث لشرابه ‪ ،‬وثلثٌ لنفسه » ‪ .‬وقال صلى ال عليه وسلم ‪ « :‬إ ّ‬
‫وثل ٌ‬
‫اشتهيت » ‪.‬‬
‫وقد نقل القرطبيّ في الحضّ على تقليل الطّعام ما ثبت عن النّبيّ صلى ال عليه وسلم أنّه «‬
‫قال لبي جحيفة حينما أتاه يتجشّأ ‪ :‬اكفف عليك من جشائك أبا جحيفة ‪ ،‬فإنّ أكثر النّاس شبعا‬
‫في الدّنيا أطولهم جوعا يوم القيامة » ‪ .‬وهذا القدر ممّا ل خلف فيه بين الفقهاء ‪ .‬وقال‬
‫المالكيّة ‪ :‬يطلب تخفيف المعدة بتقليل الطّعام والشّراب على قدرٍ ل يترتّب عليه ضررٌ ول‬
‫كسلٌ عن عبادةٍ ‪ ،‬فقد يكون للشّبع سببا في عباد ٍة فيجب ‪ ،‬وقد يترتّب عليه ترك واجبٍ‬
‫فيحرم ‪ ،‬أو ترك مستحبّ فيكره ‪ .‬وقال الغزاليّ ‪ :‬صرف المال إلى الطعمة النّفيسة الّتي ل‬
‫يليق بحاله تبذيرٌ ‪ .‬فيكون سببا للحجر كما سيأتي ‪.‬‬
‫وقال القليوبيّ ‪ :‬إنّ هذا هو أحد القولين عند الشّافعيّة ‪ ،‬والقول الثّاني عندهم أنّه ل يعتبر‬
‫تبذيرا ما لم يصرف في مح ّرمٍ ‪ ،‬فيعتبر عندئذٍ إسرافا وتبذيرا إجماعا ‪.‬‬
‫وصرف الحنابلة أنّ أكل المتخوم ‪ ،‬أو الكل المفضي إلى تخمةٍ سببٌ لمرضه وإفساد بدنه ‪،‬‬
‫وهو تضييع المال في غير فائدةٍ ‪ .‬وقالوا ‪ :‬ل بأس بالشّبع ‪ ،‬لكن يكره السراف ‪ ،‬والسراف‬
‫في المباحات هو مجاوزة الحدّ ‪ ،‬وهو من العدوان المحرّم ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬السراف في الملبس والزّينة ‪:‬‬
‫ع ‪ ،‬لما ورد في الحديث أنّ النّبيّ صلى ال عليه‬
‫‪ - 14‬السراف في الملبس والزّينة ممنو ٌ‬
‫وسلم قال ‪ « :‬البسوا ما لم يخالطه إسرافٌ أو مخيلةٌ » ‪.‬‬
‫قال ابن عابدين ‪ :‬يلبس بين الخسيس والنّفيس ‪ ،‬إذ خير المور أوسطها ‪ ،‬وللنّهي عن‬
‫الشّهرتين ‪ ،‬وهو ما كان في نهاية النّفاسة أو الخساسة ‪ .‬ويندب لبس الثّوب الجميل للتّزيّن في‬
‫العياد والجمع ومجامع النّاس ‪ ،‬لحديث ابن مسعودٍ مرفوعا ‪ « :‬ل يدخل الجنّة من كان في‬
‫ب أن يكون ثوبه حسنا ونعله حسنا ‪ ،‬قال ‪ :‬إنّ‬
‫قلبه ذرّ ٌة من كبرٍ ‪ ،‬قال رجلٌ ‪ :‬إنّ الرّجل يح ّ‬
‫اللّه جميلٌ يحبّ الجمال ‪ ،‬الكبر بطر الحقّ وغمط النّاس » ‪.‬‬
‫السراف في المهر ‪:‬‬
‫‪ - 15‬المهر يجب إمّا بالتّسمية أو بالعقد ‪ .‬فإذا سمّي في العقد ‪ ،‬وعّين مقداره ‪ ،‬وجب المسمّى‬
‫ل وجب مهر المثل ‪ ،‬وهذا متّفقٌ عليه بين الفقهاء ‪.‬‬
‫‪ ،‬وإ ّ‬
‫ولم يحدّد الشّافعيّة والحنابلة ‪ ،‬وكذلك المالكيّة في رواي ٍة أقلّ المهر ‪ ،‬وحدّد الحنفيّة أقلّ المهر‬
‫بعشرة دراهم ‪ ،‬وقال المالكيّة في المشهور عندهم ‪ :‬أقلّه ربع دينارٍ شرعيّ ‪ ،‬أو ثلثة دراهم‬
‫فضّ ًة خالص ًة ‪ .‬ول حدّ لكثر المهر إجماعا بين الفقهاء ‪ .‬والدّليل عليه قوله تعالى ‪ { :‬وإن‬
‫ن القنطار‬
‫ن قنطارا فل تأخذوا منه شيئا } ‪ .‬ل ّ‬
‫ج وآتيتم إحداه ّ‬
‫ج مكان زو ٍ‬
‫أردتم استبدال زو ٍ‬
‫يطلق على المال الكثير ‪.‬‬
‫ولكن حذّر الفقهاء من السراف والمغالة في المهر ‪ ،‬وقالوا ‪ :‬تكره المغالة في الصّداق ‪،‬‬
‫لما روي عن عائشة عن النّبيّ صلى ال عليه وسلم أنّه قال ‪ « :‬أعظم النّساء بركةً أيسرهنّ‬
‫مؤن ًة » وفسّروا المغالة في المهر بما خرج عن عادة أمثال الزّوجة ‪ ،‬وهي تختلف باختلف‬
‫أمثالها ‪ ،‬إذ المائة قد تكون كثيرةً جدّا بالنّسبة لمرأةٍ ‪ ،‬وقليل ًة جدّا بالنّسبة لخرى ‪ .‬واستدلّوا‬
‫ن الرّجل يغلي بصدقة المرأة ( أي فوق طاقته ) ‪ ،‬حتّى‬
‫كذلك بكراهة السراف في المهر بأ ّ‬
‫يكون لها عداو ٌة في قلبه ‪ ،‬ولنّه إذا كثر بما تعذّر عليه فيتعرّض للضّرر في الدّنيا والخرة ‪.‬‬
‫ولتفصيل الموضوع راجع مصطلح ‪ ( :‬مهرٌ ) ‪.‬‬
‫السراف في التّكفين والتّجهيز ‪:‬‬
‫‪ - 16‬اتّفق الفقهاء على أنّ الواجب في الكفن هو الثّوب الواحد ‪ .‬واليتار فيه إلى ثلثٍ للرّجل‬
‫ن رسول اللّه صلى ال‬
‫س للمرأة سنّ ٌة ‪ ،‬لما روت عائشة رضي ال عنها قالت ‪ « :‬إ ّ‬
‫‪ ،‬وإلى خم ٍ‬
‫ض سحوليّةٍ ‪. » ...‬‬
‫ب يمانيّةٍ بي ٍ‬
‫عليه وسلم كفّن في ثلثة أثوا ٍ‬
‫وروي عن النّبيّ صلى ال عليه وسلم أنّه « أعطى اللّواتي غسّلن ابنته خمسة أثوابٍ » ولنّ‬
‫عدد الثّلث أكثر ما يلبسه الرّجل في حياته ‪ ،‬فكذا بعد مماته ‪ ،‬والمرأة تزيد في حال حياتها‬
‫على الرّجل في السّتر ‪ ،‬لزيادة عورتها على عورته ‪ ،‬فكذلك بعد الموت ‪.‬‬
‫وتكره الزّيادة على الثواب الثّلثة للرّجل ‪ ،‬والخمسة للمرأة عند الجمهور ‪ :‬الشّافعيّة ‪،‬‬
‫والحنابلة ‪ ،‬ورواي ٍة عند الحنفيّة ‪ ،‬لما فيها من السراف وإضاعة المال المنهيّ عنهما ‪ ،‬وقد‬
‫روي عن النّبيّ صلى ال عليه وسلم أنّه قال ‪ « :‬ل تغالوا في الكفن ‪ ،‬فإنّه يسلب سلبا سريعا‬
‫» وما روى عنه صلى ال عليه وسلم في تحسين الكفن ‪ « :‬إذا كفّن أحدكم أخاه فليحسن كفنه‬
‫» ‪ .‬معناه بياضه ونظافته ‪ ،‬ل كونه ثمينا حليةً ‪.‬‬
‫ول بأس عند المالكيّة بالزّيادة إلى خمس ٍة في الرّجل ‪ ،‬وإلى سبع ٍة في المرأة ‪ ،‬وقالوا ‪ :‬إنّ‬
‫الزّيادة على الخمسة في الرّجل ‪ ،‬والسّبعة في المرأة إسرافٌ ‪ ،‬وثلثةٌ أولى من أربعةٍ ‪،‬‬
‫وخمس ٌة أولى من ستّ ٍة ‪ .‬فعلم من ذلك أنّ السراف محظورٌ في الكفن في جميع المذاهب ‪.‬‬
‫والقاعدة في ذلك أنّ الكفن يكون وفقا لما يلبسه الميّت حال حياته عادةً ‪.‬‬
‫وينظر تفصيل هذا الموضوع في مصطلح ( كفنٌ ) ‪.‬‬
‫السراف في المحرّمات ‪:‬‬
‫‪ - 17‬المحظور في اصطلح الفقهاء ‪ :‬هو ما منع من استعماله شرعا ‪ ،‬ويشمل بالمعنى العمّ‬
‫الحرام والمكروه كراهة تحريمٍ ‪ ،‬فالمحظورات بهذا المعنى هي الممنوعات الشّرعيّة الّتي‬
‫توجب العقاب ‪ .‬وارتكاب المحرّمات يعتبر بنفسه إسرافا ‪ ،‬لنّه مجاوزة الحدّ المشروع ‪ .‬يقول‬
‫الرّازيّ في تفسير قوله تعالى ‪ { :‬ربّنا اغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا } ‪ :‬السراف في‬
‫كلّ شيءٍ الفراط فيه ‪ ،‬والمراد هنا الذّنوب العظيمة الكبيرة ‪ .‬قال أبو حيّان الندلسيّ ‪:‬‬
‫( ذنوبنا وإسرافنا ) متقاربان من حيث المعنى ‪ ،‬فجاء ذلك على سبيل التّأكيد ‪ .‬وقيل ‪ :‬الذّنوب‬
‫ن المبالغة في ارتكاب الممنوع توجب تشديد العقاب ‪ ،‬فالعقوبة بقدر‬
‫ما دون الكبائر ‪ .‬ثمّ إ ّ‬
‫الجريمة ‪ ،‬كما قرّره الفقهاء ‪ ،‬والصرار على الصّغيرة وإدامتها يأخذ حكم الكبيرة في إسقاط‬
‫العدالة ‪ ،‬فل تقبل شهادة من كثرت صغائره وأصرّ عليها ‪.‬‬
‫‪ - 18‬لكن هناك حالتٌ خاصّ ٌة يجوز للشّخص التيان بالمحرّم ‪ ،‬بشرط ألّ يسرف أي ل‬
‫يجاوز الحدّ المشروع وذلك مثل ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬حالة الكراه ‪ :‬كما إذا أجبر شخصٌ آخر بأكل أو شرب ما حرّم اللّه ‪ ،‬كالميتة والدّم‬
‫والخمر وغيرها ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬حالة الضطرار ‪ :‬كما إذا وجد الشّخص في حال ٍة لو لم يتناول المحرّم هلك ‪ ،‬ول تكون‬
‫للخروج عن هذه الحالة وسيلةٌ أخرى ‪ ،‬كحالة الجوع والعطش الشّديدين ‪.‬‬
‫ففي هذه الحالت يجوز اتّفاقا ‪ -‬بل يجب عند الكثر ‪ -‬أكل ما حرّم اللّه من الميتة والدّم‬
‫ل يسرف الكل والشّارب ‪ ،‬ول يتجاوز الحدود الشّرعيّة المقرّرة‬
‫والموال المحرّمة ‪ ،‬بشرط أ ّ‬
‫الّتي سيأتي تفصيلها ‪ .‬وتتّفق حالة الكراه مع حالة الضطرار في الحكم ‪ ،‬ولكنّهما تختلفان في‬
‫سبب الفعل ‪ ،‬ففي الكراه يدفع المكره إلى إتيان الفعل المحرّم شخصٌ آخر ويجبره على العمل‬
‫‪ ،‬أمّا في حالة الضطرار فيوجد الفاعل في ظروفٍ تقتضي الخروج منها ‪ ،‬أن يرتكب الفعل‬
‫المحرّم لينجي نفسه ‪ .‬وبهذا نكتفي بذكر حكم السراف في حالة الضطرار فقط ‪.‬‬
‫‪ - 19‬اتّفق الفقهاء على أنّ المضطرّ يجوز له النتفاع بالمحرّم ‪ ،‬ولو كان ميت ًة أو دما أو لحم‬
‫خنزيرٍ أو مال الغير ‪ ،‬واستدلّوا بقوله تعالى ‪ { :‬فمن اضطرّ غير باغٍ ول عادٍ فل إثم عليه }‬
‫ن الكل والشّرب من المحرّم حال الضطرار محدودٌ بحدودٍ ل يجوز التّجاوز عنها‬
‫لك ّ‬
‫ل يعتبر مسيئا وآثما ‪.‬‬
‫والسراف فيها ‪ ،‬وإ ّ‬
‫ن مقدار ما يجوز‬
‫ل عند الشّافعيّة ‪ ،‬ذهبوا إلى أ ّ‬
‫والجمهور ‪ :‬الحنفيّة ‪ ،‬والحنابلة ‪ ،‬وهو قو ٌ‬
‫للمضطرّ أكله أو شربه من المحرّم هو ما يسدّ الرّمق ‪ ،‬فمن زاد عن هذا المقدار يعتبر‬
‫ن اللّه سبحانه وتعالى‬
‫مجاوزا للحدّ ‪ .‬فل يجوز له الكل إلى حدّ الشّبع والتّزوّد بالمحرّم ‪ ،‬ل ّ‬
‫قيّد جواز النتفاع بالمحرّم في حالة الضطرار بقوله ‪ { :‬غير باغٍ ول عادٍ } ‪ ،‬والمراد ألّ‬
‫يكون المضطرّ باغيا في أكل المحرّم تلذّذا ‪ ،‬ول متعدّيا بالحدّ المشروع ‪ ،‬فيكون مسرفا في‬
‫الكل إذا تناول منها أكثر من المقدار الّذي يمسك الرّمق ‪ ،‬فمتى أكل بمقدار ما يزول عنه‬
‫الخوف من الضّرر في الحال فقد زالت الضّرورة ‪ ،‬ول اعتبار في ذلك لسدّ الجوعة ‪ ،‬لنّ‬
‫الجوع في البتلء ل يبيح أكل الميتة إذا لم يخف ضررا بتركه ‪.‬‬
‫ومذهب المالكيّة ‪ ،‬وهو قولٌ عند الشّافعيّة ‪ ،‬وروايةٌ عن أحمد ‪ ،‬أنّ للمضطرّ أن يأكل من‬
‫ن ما جاز سدّ الرّمق به جاز الشّبع منه كالمباح ‪،‬‬
‫الميتة إلى حدّ الشّبع إذا لم يوجد غيرها ‪ ،‬ل ّ‬
‫بل المالكيّة جوّزوا التّزوّد من الميتة ‪ ،‬وقالوا ‪ :‬إنّه يأكل منها حتّى يشبع ‪ ،‬ويتزوّد منها ‪ ،‬فإن‬
‫وجد عنها غنًى طرحها ‪ ،‬لنّ المضطرّ ليس ممّن حرمت عليه الميتة ‪ ،‬فإذا كانت حللً له‬
‫الكل منها ما شاء ‪ ،‬حتّى يجد غيرها فتحرم عليه ‪ ،‬وجواز التّزوّد للمضطرّ من لحم الميتة‬
‫رواي ٌة عند الحنابلة ‪ .‬وعلى ذلك فالكل إلى حدّ الشّبع ل يعتبر إسرافا عند هؤلء ‪ ،‬كما أنّ‬
‫التّزوّد من الميتة ل يعدّ إسرافا عند المالكيّة ‪ ،‬وفي روايةٍ عند الحنابلة ‪.‬‬
‫ولتفصيل الموضوع ر ‪ ( :‬اضطرارٌ ) ‪.‬‬
‫السراف في العقوبة ‪:‬‬
‫ن العقوبة بقدر الجريمة ‪ ،‬قال سبحانه وتعالى ‪ { :‬وإن عاقبتم‬
‫‪ - 20‬الصل في الشّريعة أ ّ‬
‫فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به } وقال سبحانه ‪ { :‬فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى‬
‫ن الزّيادة تعتبر تعدّيا منهيّا عنه بقوله‬
‫عليكم } فل تجوز فيها الزّيادة والسراف قطعا ‪ ،‬ل ّ‬
‫ب المعتدين } وبيان ذلك فيما يلي ‪:‬‬
‫ن اللّه ل يح ّ‬
‫تعالى ‪ { :‬ول تعتدوا إ ّ‬
‫أ ‪ -‬السراف في القصاص ‪:‬‬
‫‪ - 21‬اتّفق الفقهاء على أنّ مبنى القصاص على المساواة ‪ ،‬فل يجوز فيه السراف والزّيادة ‪.‬‬
‫قال اللّه تعالى ‪ { :‬ومن قتل مظلوما فقد جعلنا لوليّه سلطانا فل يسرف في القتل إنّه كان‬
‫منصورا } قال المفسّرون في تفسير هذه الية ‪ :‬ل يسرف في القتل أي ل يتجاوز الحدّ‬
‫المشروع فيه ‪ ،‬فل يقتل غير قاتله ‪ ،‬ول يمثّل بالقاتل كعادة الجاهليّة ‪ ،‬لنّهم كانوا إذا قتل منهم‬
‫واحدٌ قتلوا به جماعةً ‪ ،‬وإذا قتل من ليس شريفا لم يقتلوه ‪ ،‬وقتلوا به شريفا من قومه ‪ ،‬فنهي‬
‫عن ذلك ‪.‬‬
‫‪ - 22‬وصرّح الفقهاء أنّه إذا وجب القصاص على حاملٍ لم تقتل حتّى تضع حملها ‪ ،‬وإذا‬
‫وضعت لم تقتل حتّى تسقي ولدها اللّبأ ‪ ،‬فإن لم يكن للولد من يرضعه لم يجز قتلها حتّى يجيء‬
‫أوان فطامه ‪ ،‬لما ورد في الحديث ‪ « :‬إذا قتلت المرأة عمدا لم تقتل حتّى تضع ما في بطنها‬
‫ن في قتل الحامل قتلً لولدها ‪ ،‬فيكون إسرافا في‬
‫إن كانت حاملً ‪ ،‬وحتّى تكفل ولدها » ‪ .‬ول ّ‬
‫ن في القصاص من الحامل قتلً‬
‫القتل ‪ ،‬واللّه سبحانه قال ‪ { :‬فل يسرف في القتل } ‪ ،‬ول ّ‬
‫لغير الجاني وهو محرّمٌ ‪ ،‬إذ { ل تزر وازر ٌة وزر أخرى } ‪.‬‬
‫‪ - 23‬ونشترط المماثلة في قصاص العضاء في المحلّ والمقدار والصّفة ‪ ،‬بألّ يكون العضو‬
‫ل يعتبر إسرافا منهيّا عنه ‪ ،‬فل تؤخذ يدٌ‬
‫المقتصّ منه أحسن حالً من العضو التّالف ‪ ،‬وإ ّ‬
‫صحيح ٌة بيدٍ شلّء ‪ ،‬ول رجلٌ صحيحةٌ برجلٍ شلّء ‪ ،‬ول تؤخذ يدٌ كامل ٌة بيدٍ ناقصةٍ ‪ ،‬لنّه‬
‫ص في أنملةٍ فقطع أنملتين ‪ ،‬فإن كان‬
‫ليس للمجنيّ عليه أن يأخذ فوق حقّه ‪ ،‬ولو وجب له قصا ٌ‬
‫عامدا وجب عليه القصاص في الزّيادة ‪ ،‬وهذا ما ل خلف فيه بين الفقهاء ‪.‬‬
‫‪ - 24‬ولكي يؤمن السراف والتّعدّي ‪ ،‬صرّح الفقهاء أنّه ل يستوفى القصاص فيما دون النّفس‬
‫إلّ بحضرة السّلطان أو نائبه ‪ ،‬لنّه يفتقر إلى اجتهاده ‪ ،‬ول يؤمن فيه الحيف مع قصد‬
‫ص منه في غير النّفس ‪،‬‬
‫ي المر تفقّد آلة الستيفاء ‪ ،‬والمر بضبط المقت ّ‬
‫التّشفّي ‪ ،‬ويلزم ول ّ‬
‫حذرا من الزّيادة واضطرابه ‪ ،‬وإذا سلّم الحاكم القاتل لوليّ الدّم ليقتله نهى الحاكم الوليّ عن‬
‫التّمثيل بالقاتل والتّشديد عليه في قتله ‪.‬‬
‫وفي قصاص الطراف يشترط إمكان الستيفاء من غير حيفٍ ول زيادةٍ ‪ ،‬بأن يكون القطع‬
‫ل فل قصاص فيه من موضع القطع ‪ ،‬حذرا من‬
‫من مفصلٍ ‪ ،‬فإن كان القطع من غير مفص ٍ‬
‫السراف ‪ .‬ولنّ الجرح الّذي يمكن استيفاء القصاص فيه من غير حيفٍ ول زياد ٍة هو كلّ‬
‫ن فيها القصاص ‪ ،‬واتّفقوا كذلك‬
‫جرحٍ ينتهي إلى عظمٍ كالموضحة ‪ ،‬اتّفقت كلمة الفقهاء على أ ّ‬
‫على عدم القصاص فيما بعد الموضحة لنّه يعظم فيه الخطر ‪ ،‬أمّا في غيرها من الجروح‬
‫ص عمدا في‬
‫فاختلفوا في ذلك ‪ ،‬لحتمال الزّيادة والحيف خوفا من السراف ‪ ،‬ولو زاد المقت ّ‬
‫موضحةٍ على حقّه لزمه قصاص الزّيادة لتعمّده ‪ ،‬كما نصّوا على ذلك ‪.‬‬
‫وتفصيل هذه المسائل في مصطلح ( قصاصٌ ) ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬السراف في الحدود ‪:‬‬
‫‪ - 25‬الحدّ عقوب ٌة مقدّر ٌة واجبةٌ حقّا للّه ‪ .‬والمراد بالعقوبة المقدّرة ‪ :‬أنّها معيّنةٌ ومحدّد ٌة ل تقبل‬
‫الزّيادة والنّقصان ‪ ،‬فحدّ من سرق ربع دينارٍ أو مائة ألف دينارٍ واحدٌ ‪ .‬ومعنى أنّها حقّ اللّه‬
‫تعالى ‪ :‬أنّها ل تقبل العفو والسقاط بعد ثبوتها ‪ ،‬ول يمكن استبدال عقوبةٍ أخرى بها ‪ ،‬لنّها‬
‫ثبتت بالدلّة القطعيّة ‪ ،‬فل يجوز فيها التّعدّي والسراف ‪ ،‬وهذا ممّا ل خلف فيه بين الفقهاء‬
‫ن فيه هلك الجنين بغير حقّ ‪ ،‬وهذا‬
‫‪ .‬ولهذا صرّح الفقهاء بأنّه ل يقام الحدّ على الحامل ‪ ،‬ل ّ‬
‫إسرافٌ بل شكّ ‪ .‬ويشترط في الحدود الّتي عقوبتها الجلد ‪ ،‬كالقذف والشّرب والزّنى في حالة‬
‫ن هذا الح ّد شرع زاجرا ل مهلكا ‪ ،‬ويكون‬
‫ل يكون في الجلد خوف الهلك ‪ ،‬ل ّ‬
‫عدم الحصان أ ّ‬
‫الضّرب وسطا ‪ ،‬ل مبرّحا ول خفيفا ‪ ،‬ول يجمع في عض ٍو واحدٍ ‪ ،‬ويتّقي المقاتل ‪ ،‬وهي‬
‫الرّأس والوجه والفرج ‪ ،‬لما فيها من خوف الهلك ‪ ،‬وينبغي أن يكون الجلّد عاقلً بصيرا‬
‫بأمر الضّرب ‪ ،‬وذلك كلّه للتّحرّز عن التّعدّي والسراف ‪.‬‬
‫فإن أتى بالح ّد على الوجه المشروع من غير زياد ٍة وإسرافٍ ل يضمن من تلف به ‪ ،‬وهذا‬
‫معنى قولهم ‪ :‬إنّ إقامة الحدّ غير مشروط ٍة بالسّلمة ‪ ،‬أمّا إذا أسرف وزاد على الحدّ فتلف‬
‫المحدود وجب الضّمان بالتّفاق ‪ .‬وينظر تفصيل هذه المسائل في مواضعها ‪.‬‬
‫ج ‪ -‬السراف في التّعزير ‪:‬‬
‫ب لم يشرع فيها حدّ ول كفّارةٌ ‪ .‬وهو عقوب ٌة غير مقدّرةٍ‬
‫‪ - 26‬التّعزير هو ‪ :‬التّأديب على ذنو ٍ‬
‫تختلف باختلف الجناية وأحوال النّاس ‪ ،‬فتقدّر بقدر الجناية ‪ ،‬ومقدار ما ينزجر به الجاني ‪،‬‬
‫ل بالكثير ‪ ،‬ولهذا قرّر الفقهاء في‬
‫ومن النّاس من ينزجر باليسير ‪ ،‬ومنهم من ل ينزجر إ ّ‬
‫الضّرب للتّأديب ألّ يكون مبرّحا ‪ ،‬ول يكون على الوجه ‪ ،‬ول على المواضع المخوفة ‪ ،‬وأن‬
‫ن المقصود منه الصّلح ل غير ‪ ،‬فإن غلب على ظنّه أنّ‬
‫يكون ممّا يعتبر مثله تأديبا ‪ ،‬فإ ّ‬
‫ل كان ضامنا بل خلفٍ ‪،‬‬
‫ل أن يكون مخوفا لم يجز التّعزير بالضّرب ‪ ،‬وإ ّ‬
‫الضّرب ل يفيد إ ّ‬
‫ن الضّرب غير المعتاد ‪ ،‬والّذي ل يعتبر مثله أدبا تع ّد وإسرافٌ فيوجب الضّمان ‪.‬‬
‫لّ‬
‫‪ - 27‬أمّا إذا ضرب للتّأديب على النّحو المشروع من غير إسرافٍ ‪ -‬كما فسّره الرّمليّ ‪ -‬بأن‬
‫يكون الضّرب معتادا كمّا وكيفا ومحلّ ‪ -‬كما عبّر الطّحطاويّ ‪ -‬فتلف ‪ ،‬كضرب الزّوج‬
‫زوجته لنشوزها ‪ ،‬فتلفت من التّأديب المشروع ‪ ،‬ل يضمن عند المالكيّة والحنابلة ‪ ،‬ويضمن‬
‫عن التّلف عند الحنفيّة والشّافعيّة ولو كان الضّرب معتادا ‪ ،‬لنّ التّأديب حقّ ‪ ،‬واستعمال الحقّ‬
‫يقيّد بالسّلمة عندهما ‪ ،‬ول يقيّد بها عند المالكيّة والحنابلة ‪ ،‬كما هو مبيّنٌ في موضعها ‪.‬‬
‫وأكثر الفقهاء ( منهم أبو حنيفة ‪ ،‬ومح ّمدٌ ‪ ،‬والشّافعيّ في الصحّ ‪ ،‬وأحمد في روايةٍ ) على أنّ‬
‫عقوبة الجلد في التّعزير ل تتجاوز تسع ًة وثلثين سوطا ‪ ،‬لما ورد في الحديث الصّحيح أنّ‬
‫النّبيّ صلى ال عليه وسلم قال ‪ « :‬من بلغ حدّا في غير حدّ فهو من المعتدين » ‪ .‬لنّ‬
‫الربعين حدّ كاملٌ للرّقيق ‪ ،‬فإذا نقضت سوطا أصبح الح ّد العلى للتّعزير تسعةً وثلثين ‪،‬‬
‫وقيّد بعضهم هذا فيما يكون في جنسه حدّ ‪.‬‬
‫وفي روايةٍ عن أحمد ‪ ،‬وهو قول ابن وهبٍ من المالكيّة ‪ ،‬أنّه ل يزاد على عشر جلداتٍ ‪،‬‬
‫ن هذا هو المذهب ‪ .‬ويفوّض مقداره مطلقا ‪ -‬وإن زائدا‬
‫وقال ابن قدامة نقلً عن القاضي ‪ :‬إ ّ‬
‫على الح ّد ‪ -‬للحاكم بشرط ألّ يتجاوز عمّا يكفي لزجر الجاني عند المالكيّة ‪ .‬وليس لقلّ‬
‫ن في الرّاجح عند الفقهاء ‪ ،‬فلو رأى القاضي أنّه ينزجر بسوطٍ واح ٍد اكتفى‬
‫التّعزير حدّ معيّ ٌ‬
‫به ‪ ،‬فل يجوز السراف والزّيادة في التّعزير على مقدار ما ينزجر به المجرم في المذاهب‬
‫كلّها ‪.‬‬
‫الحجر على المسرف ‪:‬‬
‫‪ - 28‬المسرف في الموال يعتبر سفيها عند الفقهاء ‪ ،‬لنّه يبذّر الموال ويضيّعها على خلف‬
‫مقتضى الشّرع والعقل ‪ ،‬وهذا هو معنى السّفه عندهم ‪ .‬ولهذا جرى على لسان الفقهاء ‪ :‬أنّ‬
‫السّفه هو التّبذير ‪ ،‬والسّفيه هو المبذّر ‪ .‬وعلى ذلك فالسراف النّاشئ عن السّفه سببٌ للحجر‬
‫عند جمهور الفقهاء ‪ :‬المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة ‪ ،‬وهو رأي الصّاحبين ‪ :‬أبي يوسف ومح ّمدٍ‬
‫من الحنفيّة ‪ ،‬وعليه الفتوى عندهم خلفا لبي حنيفة ‪ ،‬فل يحجر على المكلّف لسبب السّفه‬
‫والتّبذير ‪ .‬ولتفصيل ذلك انظر مصطلح ( حجرٌ ) ‪.‬‬

‫أسرى *‬
‫التعريف ‪:‬‬
‫‪ - 1‬السرى جمع أسيرٍ ‪ ،‬ويجمع أيضا على أسارى وأسارى ‪.‬‬
‫والسير لغةً ‪ :‬مأخوذٌ من السار ‪ ،‬وهو القيد ‪ ،‬لنّهم كانوا يشدّونه بالقيد ‪ .‬فسمّي كلّ أخيذٍ‬
‫ل محبوسٍ في قيدٍ أو سجنٍ أسيرٌ ‪ .‬قال مجاهدٌ في تفسير قول اللّه‬
‫أسيرا وإن لم يشدّ به ‪ .‬وك ّ‬
‫سبحانه ‪ { :‬ويطعمون الطّعام على حبّه مسكينا ويتيما وأسيرا } السير ‪ :‬المسجون ‪.‬‬
‫‪ - 2‬وفي الصطلح ‪ :‬عرّف الماورديّ السرى بأنّهم ‪ :‬الرّجال المقاتلون من الكفّار ‪ ،‬إذا‬
‫ف أغلبيّ ‪ ،‬لختصاصه بأسرى الحربيّين عند القتال ‪،‬‬
‫ظفر المسلمون بهم أحياءً ‪ .‬وهو تعري ٌ‬
‫لنّه بتتبّع استعمالت الفقهاء لهذا اللّفظ يتبيّن أنّهم يطلقونه على كلّ من يظفر بهم من المقاتلين‬
‫ومن في حكمهم ‪ ،‬ويؤخذون أثناء الحرب أو في نهايتها ‪ ،‬أو من غير حربٍ فعليّ ٍة ‪ ،‬ما دام‬
‫العداء قائما والحرب محتملةٌ ‪.‬‬
‫من ذلك قول ابن تيميّة ‪ :‬أوجبت الشّريعة قتال الكفّار ‪ ،‬ولم توجب قتل المقدور عليهم منهم ‪،‬‬
‫بل إذا أسر الرّجل منهم في القتال أو غير القتال ‪ ،‬مثل أن تلقيه السّفينة إلينا ‪ ،‬أو يضلّ‬
‫الطّريق ‪ ،‬أو يؤخذ بحيل ٍة فإنّه يفعل به المام الصلح ‪ .‬وفي المغني ‪ :‬هو لمن أخذه ‪ ،‬وقيل ‪:‬‬
‫يكون فيئا ‪ .‬ويطلق الفقهاء لفظ السير أيضا على ‪ :‬من يظفر به المسلمون من الحربيّين إذا‬
‫دخلوا دار السلم بغير أمانٍ ‪ ،‬وعلى من يظفرون به من المرتدّين عند مقاتلتهم لنا ‪ .‬يقول ابن‬
‫تيميّة ‪ :‬ومن أسر منهم أقيم عليه الحدّ ‪ .‬كما يطلقون لفظ السير على ‪ :‬المسلم الّذي ظفر به‬
‫ك أسرى المسلمين من بيت المال ‪ ...‬ويقول ‪:‬‬
‫العدوّ ‪ .‬يقول ابن رشدٍ ‪ :‬وجب على المام أن يف ّ‬
‫ل من المسلمين ‪ ...‬إلخ ‪.‬‬
‫وإذا كان الحصن فيه أسارى من المسلمين ‪ ،‬وأطفا ٌ‬
‫اللفاظ ذات الصّلة‬
‫أ ‪ -‬الرّهينة ‪:‬‬
‫‪ - 3‬الرّهينة ‪ :‬واحدة الرّهائن وهي كلّ ما احتبس بشيءٍ ‪ ،‬والسير والرّهينة كلهما محتبسٌ ‪،‬‬
‫إلّ أنّ السير يتعيّن أن يكون إنسانا ‪ ،‬واحتباسه ل يلزم أن يكون مقابل حقّ ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬الحبس ‪:‬‬
‫‪ - 4‬الحبس ‪ :‬ضدّ التّخلية ‪ ،‬والمحبوس ‪ :‬الممسك عن التّوجّه حيث يشاء ‪ ،‬فالحبس أعمّ من‬
‫السر ‪.‬‬
‫ج ‪ -‬السّبي ‪:‬‬
‫‪ - 5‬السّبي والسّباء ‪ :‬السر ‪ ،‬فالسّبي أخذ النّاس عبيدا وإماءً ‪ ،‬والفقهاء يطلقون لفظ السّبي‬
‫على من يظفر به المسلمون حيّا من نساء أهل الحرب وأطفالهم ‪ .‬ويخصّصون لفظ السرى ‪-‬‬
‫عند مقابلته بلفظ السّبايا ‪ -‬بالرّجال المقاتلين ‪ ،‬إذا ظفر المسلمون بهم أحياءً ‪.‬‬
‫صفة السر ‪ :‬حكمه التّكليفيّ ‪:‬‬
‫ل على مشروعيّته النّصوص الواردة في ذلك ‪ ،‬ومنها قول اللّه‬
‫‪ - 6‬السر مشروعٌ ‪ ،‬ويد ّ‬
‫سبحانه ‪ { :‬فإذا لقيتم الّذين كفروا فضرب الرّقاب حتّى إذا أثخنتموهم فشدّوا الوثاق ‪ } ...‬ول‬
‫يتنافى ذلك مع قول اللّه تعالى { ما كان لنبيّ أن يكون له أسرى حتّى يثخن في الرض }‬
‫ث على القتال ‪ ،‬وأنّه ما كان ينبغي أن‬
‫لنّها لم ترد في منع السر مطلقا ‪ ،‬وإنّما جاءت في الح ّ‬
‫يكون للمسلمين أسرى قبل الثخان في الرض ‪ ،‬أي المبالغة في قتل الكفّار ‪.‬‬
‫الحكمة من مشروعيّة السر ‪:‬‬
‫‪ - 7‬هي كسر شوكة العد ّو ‪ ،‬ودفع شرّه ‪ ،‬وإبعاده عن ساحة القتال ‪ ،‬لمنع فاعليّته وأذاه ‪،‬‬
‫وليمكن افتكاك أسرى المسلمين به ‪.‬‬
‫من يجوز أسرهم ومن ل يجوز ‪:‬‬
‫ل من وقع في يد المسلمين من الحربيّين ‪ ،‬صبيّا كان أو شابّا أو شيخا أو‬
‫‪ - 8‬يجوز أسر ك ّ‬
‫ل من ل يخشى من تركه ضررٌ وتعذّر نقله ‪ ،‬فإنّه ل‬
‫امرأةً ‪ ،‬الصحّاء منهم والمرضى ‪ ،‬إ ّ‬
‫يجوز أسره على تفصيلٍ بين المذاهب في ذلك ‪.‬‬
‫فمذهب الحنفيّة والحنابلة ‪ ،‬وهو مقابل الظهر عند الشّافعيّة ‪ :‬أنّه ل يؤسر من ل ضرر منهم‬
‫‪ ،‬ول فائدة في أسرهم ‪ ،‬كالشّيخ الفاني والزّمن والعمى والرّاهب إذا كانوا ممّن ل رأي لهم ‪.‬‬
‫ن كلّ من ل يقتل يجوز أسره ‪ ،‬إلّ الرّاهب والرّاهبة إذا لم يكن لهما رأيٌ‬
‫ص المالكيّة على أ ّ‬
‫ون ّ‬
‫فإنّهما ل يؤسران ‪ ،‬وأمّا غيرهما من المعتوه والشّيخ الفاني والزّمن والعمى فإنّهم وإن حرم‬
‫قتلهم يجز أسرهم ‪ ،‬ويجوز تركهم من غير قتلٍ ومن غير أسرٍ ‪.‬‬
‫وذهب الشّافعيّة في الظهر إلى أنّه يجوز أسر الجميع دون استثناءٍ ‪.‬‬
‫‪ - 9‬ول يجوز أسر أح ٍد من دار الكفر إذا كان بين المسلمين وبينها عهد موادعةٍ ‪ ،‬لنّ عقد‬
‫الموادعة أفاد المان ‪ ،‬وبالمان ل تصير الدّار مستباحةً ‪ ،‬وحتّى لو خرج قومٌ من الموادعين‬
‫إلى بلد ٍة أخرى ليس بينهم وبين المسلمين موادعةٌ ‪ ،‬فغزا المسلمون تلك البلدة ‪ ،‬فهؤلء‬
‫آمنون ‪ ،‬ل سبيل لحدٍ عليهم ‪ ،‬لنّ عقد الموادعة أفاد المان لهم ‪ ،‬فل ينتقض بالخروج إلى‬
‫ن ‪ ،‬ثمّ خرج إلى دار‬
‫ل من غير دارهم بأما ٍ‬
‫موضعٍ آخر ‪ .‬وكذا لو دخل في دار الموادعة رج ٌ‬
‫ن ل يجوز أسره ‪ ،‬لنّه لمّا دخل دار الموادعين بأمانهم صار‬
‫ن ‪ ،‬فهو آم ٌ‬
‫السلم بغير أما ٍ‬
‫كواحدٍ منهم ‪ .‬ومثله ما لو وجد الحربيّ بدار السلم بأمانٍ فإنّه ل يجوز أسره ‪ ،‬وما لو أخذ‬
‫الحربيّ المان من المسلمين وهو في حصن الحربيّين ‪.‬‬
‫السير في يد آسره ومدى سلطانه عليه ‪:‬‬
‫ق له في التّصرّف فيه ‪ ،‬إذ الحقّ للتّصرّف‬
‫‪ - 10‬السير في ذمّة آسره ل يد له عليه ‪ ،‬ول ح ّ‬
‫فيه موكولٌ للمام ‪ ،‬وعليه بعد السر أن يقوده إلى المير ليقضي فيه بما يرى ‪ ،‬وللسر أن‬
‫يشدّ وثاقه إن خاف انفلته ‪ ،‬أو لم يأمن شرّه ‪ ،‬كما يجوز عصب عينيه أثناء نقله لمنعه من‬
‫الهرب ‪ .‬فمن حقّ المسلم أن يمنع السير من الهرب ‪ ،‬وإذا لم يجد فرصةً لمنعه إلّ قتله فل‬
‫بأس ‪ ،‬وقد فعل هذا غير واح ٍد من الصّحابة ‪.‬‬
‫‪ - 11‬وجمهور الفقهاء على أنّ السير إذا صار في يد المام فل استحقاق للسر فيه إلّ بتنفيل‬
‫المام ‪ ،‬ل بنفس السر ‪ ،‬وذلك بأن ينادي في العسكر ‪ :‬من أصاب منكم أسيرا فهو له ‪ ،‬فإن‬
‫قال ذلك فأعتق الرّجل أسيره فإنّه ينفذ عتقه ‪ .‬ولو أصاب ذا رح ٍم محرمٍ منه عتق ‪ ،‬لنّه إذا‬
‫ثبت الستحقاق لهم بالصابة صار السير مملوكا لسره واحدا أو جماع ًة ‪ .‬بل قالوا ‪ :‬لو قال‬
‫المير ‪ :‬من قتل قتيلً فله سلبه ‪ .‬فأسر العسكر بعض السرى ‪ ،‬ثمّ قتل أحد السراء رجلً من‬
‫العدوّ ‪ ،‬كان السّلب من الغنيمة ‪ ،‬إن لم يقسّم المير السراء ‪ ،‬وإن كان قسمهم أو باعهم‬
‫فالسّلب لمولى السير القاتل ‪ .‬وقد فرّق المالكيّة بين من أسر أسيرا أثناء القتال مستندا إلى قوّة‬
‫الجيش ‪ ،‬وبين من أسر أسيرا من غير حربٍ ‪ ،‬وقالوا ‪ :‬إن كان السر من الجيش ‪ ،‬أو مستندا‬
‫ل اختصّ به السر ‪.‬‬
‫له خمسٌ كسائر الغنيمة ‪ ،‬وإ ّ‬
‫حكم قتل السر أسيره ‪:‬‬
‫ض للمام ‪،‬‬
‫‪ - 12‬ليس لواحدٍ من الغزاة أن يقتل أسيره بنفسه ‪ ،‬إذ المر فيه بعد السر مفوّ ٌ‬
‫ل إذا خيف ضرره ‪ ،‬فحينئذٍ يجوز قتله قبل أن يؤتى به‬
‫فل يحلّ القتل إلّ برأي المام اتّفاقا ‪ ،‬إ ّ‬
‫ن النّبيّ صلى ال عليه وسلم قال ‪« :‬‬
‫إلى المام ‪ ،‬وليس لغير من أسره قتله ‪ ،‬لحديث جابرٍ أ ّ‬
‫ل يتعاطى أحدكم أسير صاحبه فيقتله » ‪.‬‬
‫فلو قتل رجلٌ من المسلمين أسيرا في دار الحرب أو في دار السلم ‪ ،‬فالحنفيّة يفرّقون بين‬
‫ما إذا كان قبل القسمة أو بعدها ‪ ،‬فإن كان قبل القسمة فل شيء فيه من دي ٍة أو كفّارةٍ أو‬
‫ن دمه غير معصو ٍم ‪ ،‬إذ للمام فيه خيرة القتل ‪ ،‬ومع هذا فهو مكروهٌ ‪ ،‬وإن كان بعد‬
‫قيمةٍ ‪ ،‬ل ّ‬
‫القسمة ‪ ،‬أو بعد البيع فيراعى فيه حكم القتل ‪ ،‬لنّ دمه صار معصوما ‪ ،‬فكان مضمونا‬
‫بالقتل ‪ ،‬إلّ أنّه ل يجب القصاص لقيام الشّبهة ‪ .‬ولم يفرّقوا في ذلك بين ما إذا كان هو السر‬
‫أو غيره كما يفيده الطلق ‪ .‬والمالكيّة يتّجهون وجهة الحنفيّة من ناحية الضّمان ‪ ،‬غير أنّهم‬
‫جعلوا التّفرقة فيما إذا كان القتل في دار الحرب قبل أن يصير في المغنم ‪ ،‬أو بعد أن صار‬
‫مغنما ‪ ،‬وينصّون على أنّ من قتل من نهي عن قتله ‪ ،‬فإن قتله في دار الحرب قبل أن يصير‬
‫في المغنم فليستغفر اللّه ‪ ،‬وإن قتله بعد أن صار مغنما فعليه قيمته ‪.‬‬
‫والشّافعيّة أيضا يلزمون القاتل بالضّمان ‪ ،‬فإذا كان بعد اختيار رقّه ضمن قيمته ‪ ،‬وكان في‬
‫الغنيمة ‪ .‬وإذا كان بعد المنّ عليه لزمه ديته لورثته ‪ .‬وإن قتله بعد الفداء فعليه ديته غنيمةً ‪،‬‬
‫إن لم يكن قبض المام الفداء ‪ ،‬وإلّ فديته لورثته ‪ .‬وإن قتله بعد اختيار المام قتله فل شيء‬
‫عليه ‪ ،‬وإن كان قبله عزّر ‪.‬‬
‫وعند الحنابلة ‪ :‬إن قتل أسيره أو أسير غيره قبل الذّهاب للمام أساء ‪ ،‬ولم يلزمه ضمانه ‪.‬‬
‫معاملة السير قبل نقله لدار السلم ‪:‬‬
‫‪ - 13‬مبادئ السلم تدعو إلى الرّفق بالسرى ‪ ،‬وتوفير الطّعام والشّراب والكساء لهم ‪،‬‬
‫واحترام آدميّتهم ‪ ،‬لقوله تعالى { ويطعمون الطّعام على حبّه مسكينا ويتيما وأسيرا } ‪ ،‬وروي‬
‫ن النّبيّ صلى ال عليه وسلم قال لصحابه في أسرى بني قريظة بعدما احترق النّهار في يومٍ‬
‫أّ‬
‫صائفٍ ‪ « :‬أحسنوا إسارهم ‪ ،‬وقيّلوهم ‪ ،‬واسقوهم » وقال ‪ « :‬ل تجمعوا عليهم حرّ هذا اليوم‬
‫ل يعذّبهم بالعطش‬
‫وحرّ السّلح ‪ » ...‬وقال الفقهاء ‪ :‬إن رأى المام قتل السارى فينبغي له أ ّ‬
‫ل كريما ‪ .‬ويجوز حبس السرى في أيّ مكان ‪ ،‬ليؤمن منعهم من‬
‫والجوع ‪ ،‬ولكنّه يقتلهم قت ً‬
‫ن « الرّسول حبس في مسجد المدينة »‬
‫الفرار ‪ ،‬فقد جاء في الصّحيحين أ ّ‬
‫التّصرّف في السرى قبل نقلهم لدار السلم ‪:‬‬
‫‪ - 14‬يرى جمهور الفقهاء جواز التّصرّف في الغنائم ‪ -‬ومنها السرى في دار الحرب ‪-‬‬
‫وقبل نقلهم لدار السلم ‪ .‬قال مالكٌ ‪ :‬الشّأن أن تقسم الغنائم وتباع ببلد الحرب ‪ ،‬وروى‬
‫الوزاعيّ أنّ رسول اللّه والخلفاء لم يقسموا غنيم ًة قطّ إلّ في دار الشّرك ‪ ،‬قال أبو سعيدٍ‬
‫الخدريّ رضي ال عنه ‪ « :‬خرجنا مع رسول اللّه صلى ال عليه وسلم في غزوة المصطلق ‪،‬‬
‫فأصبنا سبيا من سبي العرب ‪ ،‬فاشتهينا النّساء ‪ ،‬واشتدّت علينا وأحببنا العزل ‪ ،‬فأردنا العزل‬
‫وقلنا ‪ :‬نعزل ورسول اللّه صلى ال عليه وسلم بين أظهرنا قبل أن نسأله ‪ ،‬فسألناه عن ذلك‬
‫فقال ‪ :‬ما عليكم أن ل تفعلوا ‪ ،‬ما من نسمةٍ كائن ٍة إلى يوم القيامة إلّ وهي كائن ٌة » فإنّ‬
‫ل على أنّ قسمة الغنائم قد‬
‫سؤالهم النّبيّ صلى ال عليه وسلم عن العزل في وطء السّبايا دلي ٌ‬
‫تمّت في دار الحرب ‪ ،‬ولما في ذلك من تعجيل مسرّة الغانمين وغيظ الكافرين ‪ ،‬ويكره تأخيره‬
‫لبلد السلم ‪ ،‬وهذا إذا كان الغانمون جيشا وأمنوا من كرّ العد ّو عليهم ‪.‬‬
‫ن للغانمين التّملّك قبل القسمة لفظا ‪ ،‬بأن يقول كلّ بعد الحيازة ‪،‬‬
‫وقد نصّ الشّافعيّة على أ ّ‬
‫وقبل القسمة ‪ :‬اخترت ملك نصيبي ‪ ،‬فتملّك بذلك ‪ .‬وقيل ‪ :‬يملكون بمجرّد الحيازة ‪ ،‬لزوال‬
‫ملك الكفّار بالستيلء ‪ .‬وقيل ‪ :‬الملك موقوفٌ ‪ .‬والمراد عند من قال يملكون بمجرّد الحيازة ‪:‬‬
‫الختصاص ‪ ،‬أي يختصمون ‪.‬‬
‫ي وابن المنذر وأبي‬
‫وصرّح الحنابلة بجواز قسمة الغنائم في دار الحرب ‪ ،‬وهو قول الوزاع ّ‬
‫ن الملك ثبت فيها بالقهر والستيلء ‪.‬‬
‫ثورٍ لفعل الرّسول صلى ال عليه وسلم ول ّ‬
‫ن الملك ل يتمّ عليها إلّ بالستيلء‬
‫ل في دار السلم ‪ ،‬ل ّ‬
‫‪ - 15‬وعند الحنفيّة ل تقسم الغنائم إ ّ‬
‫ن سبب ثبوت الحقّ القهر ‪ ،‬وهو موجودٌ‬
‫ل بإحرازها في دار السلم ‪ ،‬ل ّ‬
‫التّامّ ‪ ،‬ول يحصل إ ّ‬
‫من وج ٍه دون وج ٍه ‪ ،‬لنّهم قاهرون يدا مقهورون دارا ‪ ،‬فل ينبغي للمام أن يقسم الغنائم ‪-‬‬
‫ومنها السرى ‪ -‬أو يبيعها حتّى يخرجها إلى دار السلم ‪ ،‬خشية تقليل الرّغبة في لحوق‬
‫ل واحدٍ منهم‬
‫المدد بالجيش ‪ ،‬وتعرّض المسلمين لوقوع الدّبرة عليهم ‪ ،‬بأن يتفرّقوا ويستقلّ ك ّ‬
‫بحمل نصيبه ‪ .‬ومع هذا فقالوا ‪ :‬وإن قسم المام الغنائم في دار الحرب جاز ‪ ،‬لنّه أمضى‬
‫ن « الرّسول صلى ال عليه وسلم أخّر قسمة غنائم‬
‫فصلً مختلفا فيه بالجتهاد ‪ .‬وقد روي أ ّ‬
‫حنينٍ حتّى انصرف إلى الجعرانة » ‪.‬‬
‫تأمين السير ‪:‬‬
‫‪ - 16‬يتّفق الفقهاء على أنّه يحقّ للمام إعطاء المان للسير بعد الستيلء عليه ‪ ،‬لنّ عمر‬
‫لمّا قدم عليه بالهرمزان أسيرا قال ‪ ":‬ل بأس عليك ‪ ،‬ثمّ أراد قتله ‪ ،‬فقال له أنسٌ ‪ :‬قد أمّنته فل‬
‫ن للمام أن يمنّ عليه ‪ ،‬والمان دون‬
‫سبيل لك عليه ‪ ،‬وشهد الزّبير بذلك "فعدّوه أمانا ‪ ،‬ول ّ‬
‫المنّ ‪ ،‬ول ينبغي للمام أن يتصرّف على حكم التّمنّي والتّشهّي دون مصلحة المسلمين ‪ ،‬فما‬
‫ن أمر‬
‫عقده أمير الجيش من المان جاز ولزم الوفاء به ‪ ،‬وأمّا آحاد الرّعيّة فليس لهم ذلك ‪ ،‬ل ّ‬
‫ض إلى المام ‪ ،‬فلم يجز الفتيات عليه فيما يمنع ذلك كقتله ‪ .‬وذكر أبو الخطّاب‬
‫السير مفوّ ٌ‬
‫ح أمان آحاد الرّعيّة ‪ ،‬لنّ « زينب بنت الرّسول صلى ال عليه وسلم أجارت زوجها‬
‫أنّه يص ّ‬
‫أبا العاص بن الرّبيع بعد أسره ‪ ،‬فأجاز النّبيّ صلى ال عليه وسلم أمانها » ‪ .‬وتفصيل ذلك في‬
‫مصطلح ( أمانٌ ) ‪.‬‬
‫حكم المام في السرى ‪:‬‬
‫‪ - 17‬يرجع المر في أسرى الحربيّين إلى المام ‪ ،‬أو من ينيبه عنه ‪.‬‬
‫وجعل جمهور الفقهاء مصائر السرى بعد ذلك ‪ ،‬وقبل إجراء قسمة الغنائم بين الغانمين ‪ ،‬في‬
‫ص الشّافعيّة والحنابلة على تخيير المام في الرّجال البالغين من أسرى الكفّار‬
‫أحد أمورٍ ‪ :‬فقد ن ّ‬
‫ن عليهم ‪ ،‬أو مفاداتهم بمالٍ أو نفسٍ ‪.‬‬
‫‪ ،‬بين قتلهم ‪ ،‬أو استرقاقهم ‪ ،‬أو الم ّ‬
‫أمّا الحنفيّة فقد قصروا التّخيير على ثلثة أمورٍ فقط ‪ :‬القتل ‪ ،‬والسترقاق ‪ ،‬والمنّ عليهم‬
‫ل عند‬
‫بجعلهم أهل ذمّ ٍة على الجزية ‪ ،‬ولم يجيزوا المنّ عليهم دون قيدٍ ‪ ،‬ول الفداء بالمال إ ّ‬
‫محمّد بن الحسن بالنّسبة للشّيخ الكبير ‪ ،‬أو إذا كان المسلمون بحاجةٍ للمال ‪ .‬وأمّا مفاداتهم‬
‫بأسرى المسلمين فموضع خلفٍ عندهم ‪.‬‬
‫ن المام يخيّر في السرى بين خمسة أشياء ‪ :‬فإمّا أن يقتل ‪ ،‬وإمّا أن‬
‫وذهب مالكٌ إلى أ ّ‬
‫يسترقّ ‪ ،‬وإمّا أن يعتق ‪ ،‬وإمّا أن يأخذ فيه الفداء ‪ ،‬وإمّا أن يعقد عليه ال ّذمّة ويضرب عليه‬
‫الجزية ‪ ،‬والمام مق ّيدٌ في اختياره بما يحقّق مصلحة الجماعة ‪.‬‬
‫ن الصل في السّبايا من النّساء والصّبيّة أنّهم ل يقتلون ‪ .‬ففي‬
‫‪ - 18‬ويتّفق الفقهاء على أ ّ‬
‫ل السترقاق أو الفداء ‪ .‬وتفصيله‬
‫الشّرح الكبير للدّردير ‪ :‬وأمّا النّساء والذّراريّ فليس فيهم إ ّ‬
‫في ( سبيٌ ) ‪ .‬كما يتّفقون على أنّ السير الحربيّ الّذي أعلن إسلمه قبل القسمة ‪ ،‬ل يحقّ‬
‫ن السلم عاصمٌ لدمه على ما سيأتي ‪.‬‬
‫للمام قتله ‪ ،‬ل ّ‬
‫‪ - 19‬ويقول الشّافعيّة ‪ :‬إن خفي على المام أو أمير الجيش الحظّ حبسهم حتّى يظهر له ‪،‬‬
‫لنّه راجعٌ إلى الجتهاد ‪ ،‬ويصرّح ابن رشدٍ بأنّ هذا ما ل خلف فيه بين المسلمين ‪ ،‬إذا لم‬
‫يكن يوجد تأمينٌ لهم ‪.‬‬
‫‪ - 20‬وقال قومٌ ‪ :‬ل يجوز قتل السير ‪ ،‬وحكى الحسن بن مح ّمدٍ التّميميّ أنّه إجماع الصّحابة‬
‫‪ .‬والسّبب في الختلف تعارض الية في هذا المعنى ‪ ،‬وتعارض الفعال ‪ ،‬ومعارضة ظاهر‬
‫ن ظاهر قول اللّه تعالى ‪ { :‬فإذا لقيتم الّذين كفروا‬
‫الكتاب لفعله عليه الصلة والسلم ‪ ،‬ل ّ‬
‫ل المنّ أو الفداء ‪ .‬وقوله تعالى { ما كان لنبيّ‬
‫فضرب الرّقاب } أنّه ليس للمام بعد السر إ ّ‬
‫ن القتل أفضل‬
‫أن يكون له أسرى حتّى يثخن في الرض } والسّبب الّذي نزلت فيه يدلّ على أ ّ‬
‫من الستبقاء ‪.‬‬
‫ن »‪ ،‬فمن رأى أنّ‬
‫وأمّا فعل الرّسول صلى ال عليه وسلم ‪ «:‬فقد قتل السارى في غير موط ٍ‬
‫الية الخاصّة بالسارى ناسخ ٌة لفعله قال ‪ :‬ل يقتل السير ‪ ،‬ومن رأى أنّ الية ليس فيها ذكرٌ‬
‫لقتل السير ول المقصود منها حصر ما يفعل بالسارى قال بجواز قتل السير ‪.‬‬
‫ن السرى من نساء الحربيّين وذراريّهم ‪ ،‬ومن في حكمهم كالخنثى‬
‫‪ - 21‬ويتّفق الفقهاء على أ ّ‬
‫ن من أسلم من‬
‫والمجنون ‪ ،‬وكذا العبيد المملوكون لهم يسترقّون بنفس السر ‪ ،‬ويتّفقون على أ ّ‬
‫ن الحكم بالنّسبة لهم‬
‫الحربيّين قبل الستيلء والسر ل يسترقّ ‪ ،‬وكذا بالنّسبة للمرتدّين ‪ ،‬فإ ّ‬
‫ل فالسّيف ‪.‬‬
‫الستتابة والعودة إلى السلم ‪ ،‬وإ ّ‬
‫‪ - 22‬أمّا الرّجال الحرار المقاتلون منهم ‪ .‬فقد اتّفقوا أيضا على جواز استرقاق العاجم ‪،‬‬
‫وثنيّين كانوا أو أهل كتابٍ ‪ .‬واتّجه الجمهور إلى جواز استرقاق العرب على تفصيلٍ بينهم ‪.‬‬
‫والحنفيّة ل يجيزون استرقاق مشركي العرب ‪.‬‬
‫الفداء بالمال ‪:‬‬
‫‪ - 23‬المشهور في مذهب المالكيّة ‪ ،‬وهو قول محمّد بن الحسن من فقهاء الحنفيّة ‪ ،‬ومذهب‬
‫الشّافعيّة ‪ ،‬والحنابلة في غير روايةٍ عن المام أحمد ‪ :‬جواز فداء أسرى الحربيّين الّذين يثبت‬
‫ن المالكيّة يجيزونه بمالٍ أكثر من قيمة السير ‪ ،‬وعن محمّد‬
‫الخيار للمام فيهم بالمال ‪ .‬غير أ ّ‬
‫بن الحسن ‪ -‬كما نقل السّرخسيّ عن السّير الكبير ‪ -‬تقييد ذلك بحاجة المسلمين للمال ‪ ،‬وقيد‬
‫الكاسانيّ هذا بما إذا كان السير شيخا كبيرا ل يرجى له ولدٌ ‪ .‬وأجازه الشّافعيّة بالمال دون‬
‫قيدٍ ‪ ،‬ولو لم تكن ثمّة حاجةٌ للمال ‪ ،‬ونصّوا على أنّه للمام أن يفدي السرى بالمال يأخذه‬
‫منهم ‪ ،‬سواءٌ ‪ ،‬أكان من مالهم أم من مالنا الّذي في أيديهم ‪ ،‬وأن نفديهم بأسلحتنا الّتي في‬
‫أيديهم ‪ .‬أمّا أسلحتهم الّتي بأيدينا ففي جواز مفاداة أسرانا بها وجهان ‪ ،‬أوجههما عندهم الجواز‬
‫‪ .‬واستدلّ المجيزون بظاهر قوله تعالى { فإمّا منّا بعد وإمّا فدا ًء } ‪ ،‬و«بفعل الرّسول صلى‬
‫ل رجلٍ منهم بأربعمائة‬
‫ال عليه وسلم ‪ ،‬فقد فادى أسارى بدرٍ بالمال وكانوا سبعين رجلً ‪ ،‬ك ّ‬
‫درهمٍ »‪ ،‬وأدنى درجات فعله الجواز والباحة ‪.‬‬
‫‪ - 24‬ويرى الحنفيّة ‪ ،‬في غير ما روي عن مح ّمدٍ ‪ ،‬وهو روايةٌ عن أحمد وقول أبي عبيد‬
‫ن قتل السارى مأمورٌ به ‪،‬‬
‫القاسم بن سلّمٍ عدم جواز الفداء بمالٍ ‪ .‬ويدلّ على عدم الجواز أ ّ‬
‫لقوله تعالى { فاضربوا فوق العناق } وأنّه منصرفٌ إلى ما بعد الخذ والسترقاق ‪ ،‬وقوله‬
‫تعالى { فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم } والمر بالقتل للتّوسّل إلى السلم ‪ ،‬فل يجوز‬
‫تركه إلّ لما شرع له القتل ‪ ،‬وهو أن يكون وسيل ًة إلى السلم ‪ ،‬ول يحصل معنى التّوسّل‬
‫بالمفاداة بالمال ‪ ،‬كما أنّ في ذلك إعانةً لهل الحرب ‪ ،‬لنّهم يرجعون إلى المنعة ‪ ،‬فيصيرون‬
‫ض محكمٌ ‪ ،‬وفي المفاداة ترك إقامة هذا الفرض‬
‫حربا علينا ‪ ،‬وقتل المشرك عند التّمكّن منه فر ٌ‬
‫‪ ،‬وقد روي عن أبي بكرٍ أنّه قال في السير ‪ ":‬ل تفادوه وإن أعطيتم به مدّين من ذهبٍ "‬
‫ولنّه صار بالسر من أهل دارنا ‪ ،‬فل يجوز إعادته لدار الحرب ‪ ،‬ليكون حربا علينا ‪ ،‬وفي‬
‫هذا معصيةٌ ‪ ،‬وارتكاب المعصية لمنفعة المال ل يجوز ‪ ،‬ولو أعطونا مالً لترك الصّلة ل‬
‫يجوز لنا أن نفعل ذلك مع الحاجة ‪ ،‬فكذا ل يجوز ترك قتل المشرك بالمفاداة ‪.‬‬
‫ن للمام حقّ المفاداة بالمال ‪ ،‬فإنّ هذا المال يكون للغانمين ‪ ،‬وليس من حقّه‬
‫وعلى القول بأ ّ‬
‫ل برضى الغانمين ‪.‬‬
‫أن يسقط شيئا من المال الّذي يفرضه عليهم مقابل الفداء إ ّ‬
‫فداء أسرى المسلمين بأسرى العداء ‪:‬‬
‫‪ - 25‬ذهب الجمهور من المالكيّة ‪ ،‬والشّافعيّة ‪ ،‬والحنابلة ‪ ،‬وصاحبا أبي حنيفة ‪ ،‬وهو إحدى‬
‫الرّوايتين عن أبي حنيفة إلى جواز تبادل السرى ‪ ،‬مستدلّين بقول النّبيّ « أطعموا الجائع‬
‫وعودوا المريض وفكّوا العاني » وقوله « إنّ على المسلمين في فيئهم أن يفادوا أسيرهم ‪،‬‬
‫ويؤدّوا عن غارمهم » و « فادى النّبيّ صلى ال عليه وسلم رجلين من المسلمين بالرّجل‬
‫الّذي أخذه من بني عقيلٍ » ‪ « .‬وفادى بالمرأة الّتي استوهبها من سلمة بن الكوع ناسا من‬
‫ن في المفاداة تخليص المسلم من عذاب الكفّار والفتنة في‬
‫المسلمين كانوا قد أسروا بمكّة » ول ّ‬
‫الدّين ‪ ،‬وإنقاذ المسلم أولى من إهلك الكافر ‪.‬‬
‫ولم يفرّقوا بين ما إذا كانت المفاداة قبل القسمة أو بعدها ‪ .‬أمّا أبو يوسف فقد قصر جواز‬
‫المفاداة على ما قبل القسمة ‪ ،‬لنّه قبل القسمة لم يتقرّر كون أسيرهم من أهل دارنا حتّى جاز‬
‫للمام أن يقتله ‪ ،‬وأمّا بعد القسمة فقد تقرّر كونه من أهل دارنا حتّى ليس للمام أن يقتله ‪ .‬أي‬
‫ن في المفاداة بعدها إبطال ملك المقسوم له من غير‬
‫فل يعاد بالمفاداة إلى دار الكفر ‪ .‬ول ّ‬
‫ص المالكيّة على مثل قول أبي يوسف أيضا ‪ ،‬ومحمّد بن الحسن أجازه في‬
‫رضاه ‪ .‬ون ّ‬
‫ن المعنى الّذي لجله جوّز ذلك قبل القسمة الحاجة إلى تخليص المسلم من عذابهم ‪،‬‬
‫الحالتين ل ّ‬
‫وهذا موجو ٌد بعد القسمة ‪ ،‬وحقّ الغانمين في السترقاق ثابتٌ قبل القسمة ‪ ،‬وقد صار السير‬
‫بذلك من أهل دارنا ‪ ،‬ثمّ تجوز المفاداة به لهذه الحاجة ‪ ،‬فكذلك بعد القسمة ‪.‬‬
‫وقد نقل الحطّاب عن أبي عبيدٍ أنّ النّساء والذّراريّ ليس فيهم إلّ السترقاق ‪ ،‬أو المفاداة‬
‫بالنّفوس دون المال ‪ .‬وأمّا الرّواية الخرى عن أبي حنيفة فهي منع مفاداة السير بالسير ‪،‬‬
‫ووجهه ‪ :‬أنّ قتل المشركين فرضٌ محكمٌ ‪ ،‬فل يجوز تركه بالمفاداة ‪.‬‬
‫ل إذا طابت به‬
‫‪ - 26‬ولو أسلم السير ل يفادى به لعدم الفائدة ‪ ،‬أي لنّه فداء مسلمٍ بمسلمٍ ‪ ،‬إ ّ‬
‫نفسه وهو مأمونٌ على إسلمه ‪:‬‬
‫‪ - 27‬ويجوز مفاداة الكثر بالقلّ والعكس كما قال الشّافعيّة ‪ ،‬ولم يصرّح بذلك الحنابلة ‪ ،‬لكن‬
‫في كتبهم ما يوافق ذلك ‪ ،‬لستدللهم بالحاديث المتقدّمة ‪ .‬أمّا الحنفيّة فقد نصّوا على أنّه ل‬
‫يجوز أن يعطى لنا رجلٌ واح ٌد من أسرانا ‪ ،‬ويؤخذ بدله أسيران من المشركين ‪.‬‬
‫جعل السرى ذمّةً لنا وفرض الجزية عليهم ‪:‬‬
‫‪ - 28‬اتّفق الفقهاء على أنّه يجوز للمام أن يضع الجزية في رقاب السرى من أهل الكتاب‬
‫والمجوس على أن يكونوا ذمّةً لنا ‪ ،‬وفي وجهٍ عند الشّافعيّ أنّه يجب على المام إجابتهم إلى‬
‫ذلك إذا سألوه ‪ ،‬كما يجب إذا بذلوا الجزية في غير أسرٍ ‪ .‬واستدلّوا على جواز ذلك بفعل عمر‬
‫ن ‪ ،‬وكيل‬
‫في أهل السّواد وقالوا ‪ :‬إنّه أمرٌ جوازيّ ‪ ،‬لنّهم صاروا في يد المسلمين بغير أما ٍ‬
‫يسقط بذلك ما ثبت من اختيارٍ ‪ .‬وهذا إن كانوا ممّن تؤخذ منهم الجزية ‪.‬‬
‫وهذا يتّفق مع ما حكاه ابن رشدٍ حيث قال ‪ :‬وقد اتّفق الفقهاء على أنّ الجزية تؤخذ من أهل‬
‫الكتاب والمجوس ‪ ،‬واختلفوا فيما سواهم من المشركين ‪ ،‬فقال قومٌ ‪ :‬تؤخذ من كلّ مشركٍ ‪،‬‬
‫وبه قال مالكٌ ‪ .‬وأجاز الحنفيّة ذلك للمام بالنّسبة للسارى من غير مشركي العرب والمرتدّين‬
‫‪ ،‬ووضعوا قاعد ًة عامّ ًة هي ‪ :‬كلّ من يجوز استرقاقه من الرّجال ‪ ،‬يجوز أخذ الجزية منه بعقد‬
‫ال ّذمّة ‪ ،‬كأهل الكتاب وعبدة الوثان من العجم ‪ ،‬ومن ل يجوز استرقاقه ل يجوز أخذ الجزية‬
‫منه ‪ ،‬كالمرتدّين وعبدة الوثان من العرب ‪.‬‬
‫رجوع المام في اختياره ‪:‬‬
‫‪ - 29‬لم نقف فيما رجعنا إليه من كتبٍ على من تعرّض لهذا ‪ ،‬إلّ ما قاله ابن حجرٍ الهيتميّ‬
‫الشّافعيّ من قولة ‪ :‬لم يتعرّضوا فيما علمت إلى أنّ المام لو اختار خصلةً له الرّجوع عنها‬
‫ن اختياره هل يتوقّف على لفظٍ أو ل ‪ .‬وقال ‪ :‬والّذي يظهر لي في ذلك‬
‫أ ّولً ‪ ،‬ول إلى أ ّ‬
‫ن الحظّ‬
‫تفصيلٌ ل بدّ منه ‪ ،‬فلو اختار خصل ًة وظهر له بالجتهاد أنّها الحظّ ‪ ،‬ثمّ ظهر له أ ّ‬
‫ن الغانمين وأهل الخمس ملكوا‬
‫غيرها ‪ ،‬فإن كانت رقّا لم يجز له الرّجوع عنها مطلقا ‪ ،‬ل ّ‬
‫بمجرّد ضرب ال ّرقّ ‪ ،‬فلم يملك إبطاله عليهم ‪ ،‬وإن كان قتلً جاز له الرّجوع عنه ‪ ،‬تغليبا‬
‫لحقن الدّماء ما أمكن ‪ ،‬وإن كان فداءً أو منّا لم يعمل بالثّاني ‪ ،‬لستلزامه نقض الجتهاد‬
‫ب ‪ ،‬إلّ إذا كان اختياره أحدهما لسببٍ ث ّم زال السّبب ‪ ،‬وتعيّنت‬
‫بالجتهاد من غير موج ٍ‬
‫المصلحة في الثّاني عمل بقضيّته ‪ .‬وليس هذا نقض اجتهادٍ باجتهادٍ ‪ ،‬بل بما يشبه النّصّ ‪،‬‬
‫لزوال موجبه الوّل بالكلّيّة ‪.‬‬
‫ما يكون به الختيار ‪:‬‬
‫ن السترقاق ل بدّ فيه من لفظٍ يدلّ عليه ‪ ،‬ول يكفي‬
‫‪ - 30‬وأمّا توقّف الختيار على لفظٍ ‪ ،‬فإ ّ‬
‫فيه مجرّد الفعل ‪ ،‬وكذا الفداء ‪ ،‬نعم يكفي فيه لفظٌ ملتزمٌ البدل مع قبض المام له من غير لفظٍ‬
‫‪ ،‬بخلف الخصلتين الخريين لحصولهما بمجرّد الفعل ‪.‬‬
‫إسلم السير ‪:‬‬
‫‪ - 31‬إذا أسلم السير بعد أسره وقبل قضاء المام فيه القتل أو المنّ أو الفداء ‪ ،‬فإنّه ل يقتل‬
‫إجماعا ‪ ،‬لنّه بالسلم قد عصم دمه ‪.‬‬
‫ن المام فيه مخ ّيرٌ‬
‫ل للحنابلة أ ّ‬
‫أمّا استرقاقه ففيه رأيان ‪ :‬فالجمهور ‪ ،‬وقولٌ للشّافعيّة ‪ ،‬واحتما ٌ‬
‫فيما عدا القتل ‪ ،‬لنّه لمّا سقط القتل بإسلمه بقيت باقي الخصال ‪.‬‬
‫ن سبب السترقاق قد انعقد‬
‫ل للشّافعيّة أنّه يتعيّن استرقاقه ‪ ،‬ل ّ‬
‫والقول الظّاهر للحنابلة ‪ ،‬وهو قو ٌ‬
‫بال سر ق بل إ سلمه ‪ ،‬ف صار كالنّ ساء والذّرار يّ ‪ ،‬فيتعيّن ا سترقاقه ف قط ‪ ،‬فل م نّ ول فداء ‪،‬‬
‫ولكن يجوز أن يفادي به لتخليصه من ال ّرقّ ‪.‬‬
‫أموال السير ‪:‬‬
‫ي على الحكم في نفسه ‪ ،‬فل عصمة له على ماله وما معه ‪،‬‬
‫‪ - 32‬الحكم في مال السير مبن ّ‬
‫ل المسلمين ما دام أسر بقوّة الجيش ‪ ،‬أو كان السر مستندا لقوّة الجيش ‪ ،‬ولو أسلم‬
‫فهو فيءٌ لك ّ‬
‫بعد أسره واسترقّ تبعه ماله ‪ ،‬أمّا لو كان إسلمه في دار الحرب قبل أخذه ‪ ،‬ولم يخرج إلينا‬
‫ل ما في يده من مالٍ ‪ ،‬لحديث « من أسلم‬
‫حتّى ظهرنا على الدّار ‪ ،‬عصم نفسه وصغاره وك ّ‬
‫ل فهو له » وذلك باتّفاق المذاهب بالنّسبة للمنقول ‪ ،‬وكذا العقار عند المالكيّة ‪ ،‬وهو‬
‫على ما ٍ‬
‫مذهب الشّافعيّة ‪ ،‬والحنابلة ‪ .‬وقال أبو حنيفة ‪ :‬وخرج عقاره لنّه في يد أهل الدّار وسلطانها‬
‫ن محمّدا جعله كسائر ماله ‪ .‬وإذا قال المير ‪ :‬من خرج من أهل‬
‫فيكون غنيمةً ‪ .‬وقيل ‪ :‬إ ّ‬
‫العسكر فأصاب شيئا فله من ذلك الرّبع ‪ ،‬وسمع هذه المقالة أسيرٌ من أهل الحرب ‪ ،‬فخرج‬
‫فأصاب شيئا فذلك كلّه للمسلمين ‪ ،‬لنّ السير فيءٌ لهم وكسب العبد لموله ‪.‬‬
‫ل كان معه لم يعلم به ‪ ،‬فينبغي‬
‫ل من المسلمين ‪ ،‬فأخرج ما ً‬
‫‪ - 33‬وإذا وقع السّبي في سهم رج ٍ‬
‫ن المير إنّما ملّكه بالقسمة رقبة السير ل ما معه‬
‫للّذي وقع في سهمه أن يردّه في الغنيمة ‪ ،‬ل ّ‬
‫من المال ‪ ،‬فإنّ ذلك لم يكن معلوما له ‪ ،‬وهو مأمورٌ بالعدل في القسمة ‪ ،‬وإنّما يتحقّق العدل‬
‫إذا كانت القسمة ل تتناول إلّ ما كان معلوما ‪ .‬ويروى أنّ رجلً اشترى جاري ًة من المغنم ‪،‬‬
‫فلمّا رأت أنّها قد خلصت له أخرجت حليّا كان معها ‪ ،‬فقال الرّجل ‪ :‬ما أدري هذا ؟ وأتى سعد‬
‫ن المال الّذي مع السير كان‬
‫بن أبي وقّاصٍ فأخبره فقال ‪ :‬اجعله في غنائم المسلمين ‪ .‬ل ّ‬
‫غنيم ًة ‪ ،‬وفعل المير تناول الرّقبة دون المال ‪ ،‬فبقي المال غنيمةً ‪.‬‬
‫وهذا الحكم يصدق أيضا على الدّيون والودائع الّتي له لدى مسلمٍ أو ذ ّميّ ‪ .‬فإن كانت لدى‬
‫حربيّ فهي في ٌء للغانمين ‪.‬‬
‫ن لمسلمٍ أو ذ ّميّ قضي من ماله الّذي لم يغنم قبل استرقاقه ‪،‬‬
‫‪ - 34‬وإذا كان على السير دي ٌ‬
‫فإنّ حقّ الدّين مق ّدمٌ على حقّ الغنيمة ‪ ،‬إلّ إذا سبق الغتنام رقّه ‪.‬‬
‫ولو وقعا معا فالظّاهر ‪ -‬على ما قال الغزاليّ من الشّافعيّة ‪ -‬تقديم الغنيمة ‪ ،‬فإن لم يكن مالٌ‬
‫فهو في ذمّته إلى أن يعتق ‪.‬‬
‫بم يعرف إسلمه ‪:‬‬
‫‪ - 35‬روي أنّه لمّا أسر المسلمون بعض المشركين وتكلّم بعضهم بالسلم دون اعترافٍ جازمٍ‬
‫ي قل لمن في أيديكم من السرى إن يعلم اللّه في قلوبكم‬
‫‪ ،‬بيّن اللّه أمرهم بقوله ‪ { :‬يا أيّها النّب ّ‬
‫خيرا يؤتكم خيرا ممّا أخذ منكم ويغفر لكم واللّه غفورٌ رحيمٌ ‪ .‬وإن يريدوا خيانتك فقد خانوا‬
‫اللّه من قبل فأمكن منهم } ‪ .‬وإذا كان القرآن كشف نيّات بعض السرى لرسوله ‪ ،‬فإنّ‬
‫المحاربين من المسلمين لم يؤمروا بالبحث عن هذه ال ّنيّات ‪ ،‬ولقد حدّث المقداد بن السود أنّه‬
‫قال ‪ «:‬يا رسول اللّه ‪ ،‬أرأيت إن لقيت رجلً من الكفّار فقاتلني ‪ ،‬فضرب إحدى يديّ بالسّيف‬
‫فقطعها ‪ ،‬ثمّ لذ منّي بشجرةٍ فقال ‪ :‬أسلمت للّه ‪ ،‬أفأقتله يا رسول اللّه بعد أن قالها ؟ قال‬
‫رسول اللّه صلى ال عليه وسلم ‪ :‬ل تقتله ‪ .‬قال فقلت ‪ :‬يا رسول اللّه إنّه قطع يدي ‪ ،‬ثمّ قال‬
‫ذلك بعد أن قطعها ‪ ،‬أفأقتله ؟ قال رسول اللّه صلى ال عليه وسلم ‪ :‬ل تقتله ‪ ،‬فإن قتلته فإنّه‬
‫بمنزلتك قبل أن تقتله ‪ ،‬وإنّك بمنزلته قبل أن يقول كلمته الّتي قال » ‪.‬‬
‫وبمثل ذلك قال الرّسول صلى ال عليه وسلم لسامة بن زيدٍ فيما رواه مسلمٌ ‪ « :‬أفل شققت‬
‫ن المسلمين أخذوا أسراء من‬
‫عن قلبه حتّى تعلم أقالها أم ل » ‪ .‬ولذا فإنّ الفقهاء قالوا ‪ :‬لو أ ّ‬
‫أهل الحرب فأرادوا قتلهم ‪ ،‬فقال رجلٌ منهم ‪ :‬أنا مسلمٌ ‪ ،‬فل ينبغي لهم أن يقتلوه حتّى يسألوه‬
‫عن السلم ‪ ،‬فإن وصفه لهم فهو مسلمٌ ‪ ،‬وإن أبى أن يصفه فإنّه ينبغي للمسلمين أن يصفوه له‬
‫‪ ،‬ثمّ يقولوا له ‪ :‬هل أنت على هذا ؟ فإن قال ‪ :‬نعم ‪ ،‬فهو مسلمٌ ‪ ،‬ولو قال ‪ :‬لست بمسلمٍ ولكن‬
‫ل قتله ‪.‬‬
‫ادعوني إلى السلم حتّى أسلم لم يح ّ‬
‫أسرى البغاة ‪:‬‬
‫‪ - 36‬البغي في اللّغة ‪ :‬مصدر بغى ‪ ،‬وهو بمعنى عل وظلم وعدل عن الحقّ واستطال ‪ .‬ومنه‬
‫قوله تعالى ‪ { :‬وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما ‪ ،‬فإن بغت إحداهما على‬
‫الخرى فقاتلوا الّتي تبغي حتّى تفيء إلى أمر اللّه } ‪.‬‬
‫ق ولهم منع ٌة ‪ .‬ويجب قتالهم‬
‫والبغاة في الصطلح ‪ :‬هم الخارجون على المام الحقّ بغير ح ّ‬
‫لردعهم ل لقتلهم وسنتصدّى للكلم عن حكم أسراهم ‪.‬‬
‫‪ - 37‬أسرى البغاة تعاملهم الشّريعة السلميّة معاملةً خاصّةً ‪ ،‬لنّ قتالهم لمجرّد دفعهم عن‬
‫ن رسول اللّه صلى ال‬
‫المحاربة ‪ ،‬وردّهم إلى الحقّ ‪ ،‬ل لكفرهم ‪ .‬روي عن ابن مسعودٍ أ ّ‬
‫عليه وسلم قال ‪ « :‬يا ابن أمّ عبدٍ ما حكم من بغى على أمّتي ؟ قال ‪ :‬فقلت ‪ :‬اللّه ورسوله‬
‫أعلم ‪ .‬قال ‪ :‬ل يتبع مدبرهم ‪ ،‬ول يذفّف على جريحهم ‪ ،‬ول يقتل أسيرهم ‪ ،‬ول يقسم فيؤهم‬
‫»‪.‬‬
‫‪ - 38‬وقد اتّفق الفقهاء على عدم جواز سبي نساء البغاة وذراريّهم ‪ .‬بل ذهب بعض الفقهاء‬
‫إلى قصر السر على الرّجال المقاتلين وتخلية سبيل الشّيوخ والصّبية ‪ ،‬وقد روي أنّ عليّا‬
‫ي عدم السّبي وعدم أخذ الغنيمة ‪،‬‬
‫رضي ال عنه لمّا وقع القتال بينه وبين معاوية ‪ ،‬قرّر عل ّ‬
‫فاعترض عليه بعض من كانوا في صفوفه ‪ ،‬فقال ابن عبّاسٍ لهم ‪ :‬أفتسبون أمّكم عائشة ؟ أم‬
‫تستحلّون منها ما تستحلّون من غيرها ‪ .‬فإن قلتم ليست أمّكم كفرتم ‪ ،‬لقوله تعالى { النّبيّ أولى‬
‫بالمؤمنين من أنفسهم وأزواجه أمّهاتهم } وإن قلتم ‪ :‬إنّها أمّكم واستحللتم سبيها فقد كفرتم ‪،‬‬
‫لقوله تعالى { وما كان لكم أن تؤذوا رسول اللّه ول أن تنكحوا أزواجه من بعده أبدا } ‪ .‬فل‬
‫ل بقدر ما يدفع القتال ويبقى حكم المال والذّ ّريّة على أصل العصمة ‪ .‬ولفقهاء‬
‫يستباح منهم إ ّ‬
‫المذاهب تفصيلٌ في حكم أسرى البغاة ‪.‬‬
‫‪ - 39‬ويتّفق الفقهاء على عدم استرقاق أسرى البغاة ‪ ،‬لنّ السلم يمنع السترقاق ابتداءً ‪،‬‬
‫وقد روي عن عليّ رضي ال عنه أنّه قال يوم الجمل ‪ ":‬ل يقتل أسيرهم ‪ ،‬ول يكشف سترٌ ‪،‬‬
‫ن أسيرهم‬
‫ول يؤخذ مالٌ " أي ل يسترقّون ولذا فإنّه ل تسبى نساؤهم ول ذراريّهم ‪ .‬والصل أ ّ‬
‫ل من الشّافعيّة والحنابلة ‪ ،‬حتّى قال الحنابلة ‪:‬‬
‫ل يقتل لنّه مسلمٌ ‪ ،‬وقد نصّ على تحريم ذلك ك ّ‬
‫وإن قتل أهل البغي أسارى أهل العدل لم يجز لهل العدل قتل أساراهم ‪ ،‬لنّهم ل يقتلون‬
‫بجناية غيرهم ‪ ،‬ويتّجه المالكيّة وجهة الشّافعيّة والحنابلة في عدم قتل السرى ‪.‬‬
‫غير أنّه جاء في بعض كتب المالكيّة ‪ :‬أنّه إذا أسر بعد انقضاء الحرب يستتاب ‪ ،‬فإن لم يتب‬
‫قتل ‪ .‬وقيل ‪ :‬يؤدّب ول يقتل وإن كانت الحرب قائمةً فللمام قتله ‪ .‬ولو كانوا جماعةً ‪ ،‬إذا‬
‫خاف أن يكون منهم ضررٌ ‪ .‬أمّا الحنفيّة فيفرّقون بين ما إذا كان لسرى البغاة فئةٌ ‪ ،‬وبين ما‬
‫إذا لم تكن لهم فئةٌ ‪ ،‬فقالوا ‪ :‬لو كان للبغاة فئ ٌة أجهز على جريحهم ‪ ،‬واتّبع هاربهم لقتله أو‬
‫أسره ‪ ،‬فإن لم يكن له فئ ٌة فل ‪ ،‬والمام بالخيار في أسرهم إن كان له فئ ٌة ‪ :‬إن شاء قتله لئلّ‬
‫ينفلت ويلحق بهم ‪ ،‬وإن شاء حبسه حتّى يتوب أهل البغي ‪ ،‬قال الشرنبللي ‪ :‬وهو الحسن ‪،‬‬
‫ل بما‬
‫ن شرّه يندفع بذلك ‪ ،‬وقالوا ‪ :‬إنّ ما قاله عليّ رضي ال عنه من عدم قتل السير مؤوّ ٌ‬
‫لّ‬
‫ل يعين عليه وخلّه ‪ ،‬أمّا إذا‬
‫إذا لم يكن لهم فئةٌ ‪ ،‬وقالوا ‪ :‬إنّ عليّا كان إذا أخذ أسيرا استحلفه أ ّ‬
‫لم تكن لهم فئةٌ فل يقتل أسيرهم ‪ .‬والمرأة من أهل البغي إذا أسرت وكانت تقاتل حبست ول‬
‫ل في حال مقاتلتها ‪ .‬وكذا العبيد والصّبيان ‪.‬‬
‫تقتل ‪ ،‬إ ّ‬
‫‪ - 40‬ويتّفق الفقهاء على أنّه ل يجوز فداؤهم نظير مالٍ ‪ ،‬وإنّما إذا تركهم مع المن كان‬
‫مجّانا ‪ ،‬لنّ السلم يعصم النّفس والمال ‪ ،‬كما أنّه ل يجوز للمام موادعتهم على مالٍ ‪ ،‬وإن‬
‫وادعهم على مالٍ بطلت الموادعة ونظر في المال ‪ ،‬فإن كان من فيئهم أو من صدقاتهم لم‬
‫يردّه عليهم ‪ ،‬وصرف الصّدقات في أهلها ‪ ،‬والفيء في مستحقّيه ‪ ،‬وإن كان من خالص‬
‫أموالهم وجب ردّه عليهم ‪.‬‬
‫‪ - 41‬ويجوز مفاداتهم بأسارى أهل العدل ‪ ،‬وإن أبى البغاة مفاداة السرى الّذين معهم‬
‫وحبسوهم ‪ ،‬قال ابن قدامة ‪ :‬احتمل أن يجوز لهل العدل حبس من معهم ‪ ،‬ليتوصّلوا إلى‬
‫تخليص أساراهم ‪ ،‬ويحتمل ألّ يجوز حبسهم ويطلقون ‪ ،‬لنّ المترتّب في أسارى أهل العدل‬
‫لغيرهم ‪.‬‬
‫‪ - 42‬وعلى ما سبق من عدم جواز قتلهم ‪ ،‬فإنّهم يحبسون ول يخلّى سبيلهم ‪ ،‬إن كان فيهم‬
‫ل أطلقوا بمجرّد انقضاء‬
‫منعةٌ ‪ ،‬ولو كان السير صبيّا أو امرأةً أو عبدا إن كانوا مقاتلين ‪ ،‬وإ ّ‬
‫الحرب ‪ ،‬وينبغي عرض التّوبة عليهم ومبايعة المام ‪ .‬ولو كانوا مراهقين وعبيدا ونساءً غير‬
‫مقاتلين أو أطفالً أطلقوا بعد الحرب دون أن نعرض عليهم مبايعة المام ‪.‬‬
‫وفي وج ٍه عند الحنابلة يحبسون ‪ ،‬لنّ فيه كسرا لقلوب البغاة ‪ .‬وقالوا ‪ :‬إن بطلت شوكتهم‬
‫ويخاف اجتماعهم في الحال ‪ ،‬فالصّواب عدم إرسال أسيرهم والحالة هذه ‪.‬‬
‫أسرى الحربيّين إذا أعانوا البغاة ‪:‬‬
‫‪ - 43‬قال الحنفيّة والشّافعيّة والحنابلة ‪ :‬إذا استعان البغاة على قتالنا بقومٍ من أهل الحرب‬
‫وأمّنوهم ‪ ،‬أو لم يؤمنوهم ‪ ،‬فظهر أهل العدل عليهم ‪ ،‬فوقعوا في السر عند أهل العدل ‪،‬‬
‫أخذوا حكم أسرى أهل الحرب ‪ ،‬واستثنى الشّافعيّة ما إذا قال السير ‪ :‬ظننت جواز إعانتهم ‪،‬‬
‫أو أنّهم على حقّ ولي إعانة المحقّ ‪ ،‬وأمكن تصديقه فإنّه يبلّغ مأمنه ‪ ،‬ثمّ يقاتل كالبغاة ‪.‬‬
‫السرى من أهل ال ّذمّة إذا أعانوا البغاة ‪:‬‬
‫‪ - 44‬إذا استعان البغاة على قتالنا بأهل ال ّذمّة ‪ ،‬فوقع أح ٌد منهم في السر ‪ ،‬أخذ حكم الباغي‬
‫عند الحنفيّة ‪ ،‬فل يقتل إذا لم تكن له فئةٌ ‪ ،‬ويخيّر المام إذا كانت له فئةٌ ‪ ،‬ول يجوز استرقاقه‬
‫س أو مالٍ ‪،‬‬
‫‪ .‬وقال المالكيّة ‪ :‬إذا استعان الباغي المتأوّل بذ ّميّ فل يغرم ال ّذ ّميّ ما أتلفه من نف ٍ‬
‫ول يعدّ خروجه معه نقضا للعهد ‪.‬‬
‫ن ال ّذ ّميّ الّذي معه يكون ناقضا للعهد ‪،‬‬
‫ل ‪ -‬فإ ّ‬
‫أمّا إن كان الباغي معاندا ‪ -‬أي غير متأوّ ٍ‬
‫ويكون هو وماله فيئا ‪ .‬وهذا إن كان مختارا ‪ ،‬أمّا إن كان مكرها فل ينتقض عهده ‪ ،‬وإن قتل‬
‫نفسا يؤخذ بها ‪ ،‬حتّى لو كان مكرها ‪ .‬وقول الشّافعيّة في ذلك كقول المالكيّة ‪ .‬قالوا ‪ :‬لو أعان‬
‫ال ّذ ّميّون البغاة في القتال ‪ ،‬وهم عالمون بالتّحريم مختارون انتقض عهدهم ‪ ،‬كما لو انفردوا‬
‫بالقتال ‪ .‬أمّا إن قال ال ّذ ّميّون ‪ :‬كنّا مكرهين ‪ ،‬أو ظننّا جواز القتال إعان ًة ‪ ،‬أو ظننّا أنّهم محقّون‬
‫ن لنا إعانة المحقّ وأمكن صدقهم ‪ ،‬فل ينتقض عهدهم ‪ ،‬لموافقتهم طائفةً مسلمةً‬
‫فيما فعلوه ‪ ،‬وأ ّ‬
‫مع عذرهم ‪ ،‬ويقاتلون كبغاةٍ ‪ .‬ومثلهم في ذلك المستأمنون ‪ ،‬على ما صرّح به الشّافعيّة ‪.‬‬
‫وللحنابلة قولن في انتقاض عهدهم ‪،‬‬
‫أحدهما ‪ :‬ينتقض عهدهم ‪ ،‬لنّهم قاتلوا أهل الحقّ فانتقض عهدهم كما لو انفردوا بقتلهم ‪.‬‬
‫ويصيرون كأهل الحرب في قتل مقبلهم واتّباع مدبرهم وجريحهم ‪.‬‬
‫ق من المبطل ‪ ،‬فيكون ذلك شبه ًة لهم ‪.‬‬
‫والثّاني ‪ :‬ل ينتقض ‪ ،‬لنّ أهل ال ّذمّة ل يعرفون المح ّ‬
‫ويكون حكمهم حكم أهل البغي في قتل مقبلهم ‪ ،‬والكفّ عن أسرهم ومدبرهم وجريحهم ‪.‬‬
‫وإن أكرههم البغاة على معونتهم ‪ ،‬أو ادّعوا ذلك قبل منهم ‪ ،‬لنّهم تحت أيديهم وقدرتهم ‪.‬‬
‫وكذلك إن قالوا ‪ :‬ظننّا أنّ من استعان بنا من المسلمين لزمتنا معونته ‪ ،‬لنّ ما ادّعوه محتملٌ ‪،‬‬
‫فل ينتقض عهدهم مع الشّبهة ‪ .‬وإن فعل ذلك المستأمنون نقض عهدهم ‪ .‬والفرق بينهما أنّ‬
‫ن عهدهم مؤ ّبدٌ ‪ ،‬ول يجوز نقضه لخوف الخيانة منهم ‪ ،‬ويلزم‬
‫أهل ال ّذمّة أقوى حكما ‪ ،‬ل ّ‬
‫المام الدّفع عنهم ‪ ،‬والمستأمنون بخلف ذلك ‪ .‬وإذا أسر من يراد عقد المامة له ‪ ،‬وكان ل‬
‫يقدر على الخلص من السر ‪ ،‬منع ذلك من عقد المامة له ‪.‬‬
‫أسرى الحرابة ‪:‬‬
‫‪ - 45‬المحاربون طائفةٌ من أهل الفساد ‪ ،‬اجتمعت على شهر السّلح وقطع الطّريق ‪ ،‬ويجوز‬
‫حبس من أسر منهم لستبراء حاله ‪ ،‬ومن ظفر بالمحارب فل يلي قتله ‪ ،‬ويرفعه إلى المام ‪.‬‬
‫ل يقيم المام عليه الحكم ‪.‬‬
‫قال المالكيّة ‪ :‬إلّ أن يخاف أ ّ‬
‫ول يجوز للمام تأمينه ‪ ،‬وإن استحقّوا الهزيمة فجريحهم أسيرٌ ‪ ،‬والحكم فيهم للمام ‪،‬‬
‫مسلمين كانوا أو ذمّيّين عند الحنفيّة والمالكيّة والشّافعيّة ‪ ،‬وأحد قولين عند الحنابلة ‪ .‬وكذلك‬
‫المستأمن عند أبي يوسف والوزاعيّ ‪ .‬وموضع بيان ذلك مصطلح ( حرابةٌ ) ‪.‬‬
‫أسرى المرتدّين وما يتعلّق بهم من أحكامٍ ‪:‬‬
‫‪ - 46‬ال ّردّة في اللّغة ‪ :‬الرّجوع ‪ ،‬فيقال ‪ :‬ارتدّ عن دينه إذا كفر بعد إسلمٍ ‪.‬‬
‫وتختصّ ال ّردّة ‪ -‬في الصطلح الفقهيّ ‪ -‬بالكفر بعد السلم ‪ .‬وك ّل مسلمٍ ارتدّ فإنّه يقتل إن‬
‫ل المرأة عند الحنفيّة فإنّها تحبس ‪ ،‬ول يترك المرتدّ على ردّته بإعطاء الجزية ول‬
‫لم يتب ‪ ،‬إ ّ‬
‫بأمانٍ ‪ ،‬ول يجوز استرقاقه حتّى لو أسر بعد أن لحق بدار الحرب ‪ ،‬بخلف المرأة فإنّها‬
‫تسترقّ بعد اللّحاق بدار الحرب ‪ ،‬على تفصيلٍ بين المذاهب موضعه مصطلح ( ردّةٌ ) ‪.‬‬
‫‪ - 47‬وإذا ارتدّ جمعٌ ‪ ،‬وتجمّعوا وانحازوا في دارٍ ينفردون بها عن المسلمين ‪ ،‬حتّى صاروا‬
‫فيها ذوي منعةٍ وجب قتالهم على ال ّردّة بعد مناظرتهم على السلم ‪ ،‬ويستتابون وجوبا عند‬
‫الحنابلة والشّافعيّة ‪ ،‬واستحبابا عند الحنفيّة ‪ ،‬ويقاتلون قتال أهل الحرب ‪ ،‬ومن أسر منهم قتل‬
‫صبرا إن لم يتب ‪ ،‬ويصرّح الشّافعيّة بأنّنا نبدؤهم بالقتال إذا امتنعوا بنحو حصنٍ ‪.‬‬
‫ول يجوز أن يسترقّ رجالهم ‪ ،‬ولكن تغنم أموالهم ‪ ،‬وتسبى ذراريّهم الّذين حدثوا بعد ال ّردّة ‪،‬‬
‫لنّها دا ٌر تجري فيها أحكام أهل الحرب فكانت دار حربٍ ‪ ،‬ول يجوز أن يهادنوا على‬
‫الموادعة ‪ ،‬ول يصالحوا على مالٍ يقرّون به على ردّتهم ‪ ،‬بخلف أهل الحرب ‪.‬‬
‫وقد سبى أبو بكرٍ رضي ال عنه ذراريّ من ارتدّ من العرب من بني حنيفة وغيرهم ‪ ،‬وسبى‬
‫عليّ بن أبي طالبٍ رضي ال عنه بني ناجية ‪ .‬وإن أسلموا حقنت دماؤهم ‪ ،‬ومضى فيهم حكم‬
‫السّباء على الصّبيان والنّساء ‪ ،‬فأمّا الرّجال فأحرا ٌر ل يسترقّون ‪ ،‬وليس على الرّجال من أهل‬
‫ال ّردّة سبيٌ ول جزيةٌ ‪ ،‬إنّما هو القتل أو السلم ‪ .‬وإن ترك المام السّباء وأطلقهم وعفا عنهم‬
‫وترك لهم أرضهم وأموالهم فهو في سعةٍ ‪.‬‬
‫‪ - 48‬ويصرّح المالكيّة بعدم استتابة المرتدّين إن حاربوا بأرض الكفر أو بأرض السلم ‪،‬‬
‫يقول ابن رشدٍ ‪ :‬إذا حارب المرتدّ ثمّ ظهر عليه فإنّه يقتل بالحرابة ‪ ،‬ول يستتاب ‪ ،‬كانت‬
‫ل أن يسلم ‪ ،‬فإن كانت حرابته في دار‬
‫حرابته بدار السلم أو بعد أن لحق بدار الحرب إ ّ‬
‫الحرب فهو عند مالكٍ كالحربيّ يسلم ‪ ،‬ل تباعة عليه في شيءٍ ممّا فعل في حال ارتداده ‪.‬‬
‫وأمّا إن كان حرابته في دار السلم فإنّه يسقط إسلمه عنه حكم الحرابة خاصّةً ‪ .‬وعن ابن‬
‫ن فإنّهم يقاتلون ‪ ،‬وأموالهم فيءٌ للمسلمين ‪ ،‬ول تسبى‬
‫القاسم قال ‪ :‬إذا ارتدّ جماع ٌة في حص ٍ‬
‫ذراريّهم ‪ .‬وقال أصبغ ‪ :‬تسبى ذراريّهم وتقسم أموالهم ‪ .‬وهذا الّذي خالفت فيه سيرة عمر‬
‫سيرة أبي بكرٍ رضي ال عنهما في الّذين ارتدّوا من العرب ‪ ،‬فقد سبى أبو بكرٍ النّساء‬
‫والصّغار ‪ ،‬وأجرى المقاسمة في أموالهم ‪ ،‬فلمّا ولي عمر نقض ذلك ‪.‬‬
‫‪ - 49‬ويتّفق فقهاء المذاهب على أنّ السير المرتدّ يقتل إن لم يتب ويعد إلى السلم ‪ ،‬ول‬
‫فرق بين رجلٍ وامرأ ٍة عند الئمّة الثّلثة ‪ .‬وروي ذلك عن أبي بكرٍ وعليّ ‪ ،‬وبه قال الحسن‬
‫ل ‪ ،‬لعموم حديث ‪ « :‬من بدّل دينه فاقتلوه » ‪.‬‬
‫والزّهريّ والنّخعيّ ومكحو ٌ‬
‫‪ - 50‬ويرى الحنفيّة أنّ المرأة ل تقتل ‪ ،‬وإنّما تحبس حتّى تتوب ‪.‬‬
‫أمّا لو كانت المرأة تقاتل ‪ ،‬أو كانت ذات رأيٍ فإنّها تقتل اتّفاقا ‪ .‬لكنّها عند الحنفيّة تقتل ل‬
‫لردّتها ‪ ،‬بل لنّها تسعى بالفساد ‪.‬‬
‫ل الحنفيّة على عدم قتل المرأة المرتدّة إذا أخذت سبيا بما روي من قول الرّسول صلى‬
‫ويستد ّ‬
‫ن ذرّيّةً ول عسيفا » ‪ ،‬ول فرق بين الكفر‬
‫ال عليه وسلم ‪ « :‬الحق بخالد بن الوليد ‪ ،‬فل يقتل ّ‬
‫ن الحربيّة إذا سبيت ل تقتل ‪.‬‬
‫الصليّ والكفر الطّارئ ‪ ،‬فإ ّ‬
‫‪ - 51‬ويتّفق فقهاء المذاهب الربعة على أنّه ل يجوز أخذ الفداء من السرى المرتدّين ‪ ،‬ول‬
‫ن مؤ ّبدٍ ‪ ،‬ول يترك على ردّته بإعطاء الجزية ‪ .‬كما يتّفقون‬
‫ن عليهم بأمانٍ مؤقّتٍ أو أما ٍ‬
‫الم ّ‬
‫ن قتل المرتدّ‬
‫على أنّ المرتدّ من الرّجال ل يجري فيه إلّ ‪ :‬العودة إلى السلم أو القتل ‪ ،‬ل ّ‬
‫على ردّته حدّ ‪ ،‬ول يترك إقامة الحدّ لمنفعة الفراد ‪.‬‬
‫ن ال ّرقّ ل يجري على المرتدّة أيضا ‪ ،‬وإن لحقت‬
‫‪ - 52‬والمالكيّة والشّافعيّة والحنابلة على أ ّ‬
‫بدار الحرب ‪ ،‬لنّه ل يجوز إمرار أحدٍ من المرتدّين على الكفر بالسترقاق ‪ ،‬بينما يرى‬
‫ن المرتدّة تسترقّ بعد اللّحاق بدار الحرب ‪ ،‬ول تسترقّ في دار السلم ‪ ،‬كما في‬
‫الحنفيّة أ ّ‬
‫ظاهر الرّواية ‪ ،‬وعن أبي حنيفة في النّوادر ‪ :‬أنّها تسترقّ في دار السلم أيضا ‪.‬‬
‫وقالوا في تعليل ذلك ‪ :‬إنّه لم يشرع قتلها ‪ ،‬ول يجوز إبقاء الكافر على الكفر إلّ مع الجزية‬
‫أو مع ال ّرقّ ‪ ،‬ول جزية على النّساء ‪ ،‬فكان إبقاؤها على الرّقّ أنفع ‪.‬‬
‫وقد استرق الصّحابة نساء من ارتدّ ‪.‬‬
‫‪ - 53‬وبالنّسبة لصحاب العذار من السرى المرتدّين ‪ ،‬فإنّهم يقتلون أيضا ‪ .‬ونقل السّرخسيّ‬
‫قولً بأنّ حلول الفة بمنزلة النوثة ‪ ،‬لنّه تخرج به بنيته ( هيئته وجسمه ) من أن تكون‬
‫صالحةً للقتال ‪ ،‬فعلى هذا ل يقتلون بعد ال ّردّة ‪ ،‬كما ل يقتلون في الكفر الصليّ ‪ .‬وعلى قول‬
‫ج ‪ ،‬وهي من ذوات الحيض‬
‫من يرى وجوب قتل المرتدّة ‪ -‬إذا كانت السيرة المرتدّة ذات زو ٍ‬
‫‪ -‬فإنّها تستبرأ بحيض ٍة قبل قتلها خشية أن تكون حاملً ‪ ،‬فإن ظهر بها حملٌ أخّرت حتّى تضع‬
‫‪ ،‬فإن كانت ممّن ل تحيض استبرئت بثلثة أشهرٍ إن كانت ممّن يتوقّع حملها ‪ ،‬وإلّ قتلت بعد‬
‫الستتابة ‪.‬‬
‫أسرى المسلمين في يد العداء ‪:‬‬
‫استئسار المسلم وما ينبغي لستنقاذه عند تترّس الكفّار به ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬الستئسار ‪:‬‬
‫‪ - 54‬الستئسار هو تسليم الجنديّ نفسه للسر ‪ ،‬فقد يجد الجنديّ نفسه مضطرّا لذلك ‪.‬‬
‫وقد وقع الستئسار من بعض المسلمين على عهد رسول اللّه صلى ال عليه وسلم وعلم به‬
‫الرّسول صلى ال عليه وسلم فلم ينكر عليهم ‪ .‬روى البخاريّ عن أبي هريرة رضي ال عنه‬
‫بسنده قال ‪ « :‬بعث رسول اللّه صلى ال عليه وسلم عشرةً رهطا عينا ‪ ،‬وأمّر عليهم عاصم‬
‫بن ثابتٍ النصاريّ ‪ ،‬فانطلقوا حتّى إذا كانوا بالهدأة ‪ -‬موضعٌ بين عسفان ومكّة ‪ -‬ذكروا‬
‫لبني لحيان ‪ ،‬فنفروا لهم قريبا من مائتي رجلٍ كلّهم رامٍ ‪ ،‬فاقتصّوا أثرهم ‪ ،‬فلمّا رآهم عاصمٌ‬
‫وأصحابه لجئوا إلى فدفدٍ ‪ -‬موضعٍ غليظٍ مرتفعٍ ‪ -‬وأحاط بهم القوم ‪ ،‬فقالوا لهم ‪ :‬انزلوا‬
‫وأعطوا بأيديكم ‪ ،‬ولكم العهد والميثاق ألّ نقتل منكم أحدا ‪ ،‬قال عاصمٌ ‪ :‬أمّا أنا فواللّه ل أنزل‬
‫اليوم في ذمّة كافرٍ ‪ ،‬اللّهمّ خبّر عنّا نبيّك ‪ ،‬فرموهم بالنّبل فقتلوا عاصما في سبع ٍة ‪ ،‬فنزل إليهم‬
‫ل آخر ‪ .‬فلمّا‬
‫ب النصاريّ ‪ ،‬وزيد بن الدّثنة ‪ ،‬ورج ٌ‬
‫ثلثة رهطٍ بالعهد والميثاق ‪ ،‬منهم خبي ٌ‬
‫استمكنوا منهم أطلقوا أوتار قسيّهم فأوثقوهم ‪ ،‬فقال الرّجل الثّالث ‪ :‬هذا أوّل الغدر ‪ ،‬واللّه ل‬
‫ن لي في هؤلء لسوةً ‪ -‬يريد القتلى ‪ -‬فجرّوه وعالجوه على أن يصحبهم ‪ -‬أي‬
‫أصحبكم ‪ ،‬إ ّ‬
‫مارسوه وخادعوه ليتبعهم ‪ -‬فأبى فقتلوه ‪ ،‬وانطلقوا بخبيبٍ وابن الدّثنة حتّى باعوهما بمكّة ‪...‬‬
‫ن الستئسار في‬
‫» فعلم رسول اللّه صلى ال عليه وسلم بما حدث ‪ ،‬وعدم إنكاره يدلّ على أ ّ‬
‫هذه الحالة مرخّصٌ فيه ‪ ،‬وقال الحسن ‪ :‬ل بأس أن يستأسر الرّجل إذا خاف أن يغلب ‪ .‬وإلى‬
‫هذا اتّجه كلّ من الحنفيّة والمالكيّة والشّافعيّة والحنابلة ‪.‬‬
‫ط يلزم توافرها لجواز الستئسار هي ‪ :‬أن يخاف أن‬
‫‪ - 55‬وقد نصّ الشّافعيّة على شرو ٍ‬
‫يترتّب على عدم الستسلم قتله في الحال ‪ ،‬وألّ يكون المستسلم إماما ‪ ،‬أو عنده من الشّجاعة‬
‫ما يمكنه من الصّمود ‪ ،‬وأن تأمن المرأة على نفسها الفاحشة ‪ .‬والولى ‪ -‬كما نصّ عليه‬
‫الحنابلة ‪ -‬إذا ما خشي المسلم الوقوع في السر أن يقاتل حتّى يقتل ‪ ،‬ول يسلم نفسه للسر ‪،‬‬
‫لنّه يفوز بثواب الدّرجة الرّفيعة ‪ ،‬ويسلم من تحكّم الكفّار عليه بالتّعذيب والستخدام والفتنة ‪،‬‬
‫وإن استأسر جاز ‪ ،‬لما روي عن أبي هريرة في الحديث المتقدّم ‪.‬‬
‫ب‪ -‬استنقاذ أسرى المسلمين ومفاداتهم ‪:‬‬
‫‪ - 56‬إذا وقع المسلم أسيرا فهو حرّ على حاله ‪ ،‬وكان في ذمّة المسلمين ‪ ،‬يلزمهم العمل على‬
‫خلصه ‪ ،‬ولو بتيسير سبل الفرار له ‪ ،‬والتّفاوض من أجل إطلق سراحه ‪ ،‬فإذا لم يطلقوا‬
‫سراحه تربّصوا لذلك ‪ .‬وقد كان الرّسول صلوات ال وسلمه عليه يتحيّن الفرصة المناسبة‬
‫ن « قريشا أسرت نفرا من المسلمين ‪ ،‬فلمّا لم يجد‬
‫لتخليص السرى ‪ .‬روت كتب السّيرة أ ّ‬
‫الرّسول صلى ال عليه وسلم حيل ًة لنقاذهم كان يدعو اللّه لنقاذهم دبر كلّ صلةٍ ‪ ،‬ولمّا أفلت‬
‫أحدهم من السر ‪ ،‬وقدم المدينة ‪ ،‬سأله النّبيّ صلى ال عليه وسلم عن رفيقيه فقال ‪ :‬أنا لك‬
‫بهما يا رسول اللّه ‪ ،‬فخرج إلى مكّة فدخلها مستخفيا ‪ ،‬فلقي امرأةً علم أنّها تحمل الطّعام لهما‬
‫في السر فتبعها ‪ ،‬حتّى استطاع تخليصهما ‪ ،‬وقدم بهما على الرّسول صلى ال عليه وسلم‬
‫بالمدينة » ‪ «.‬وقد استنقذ رسول اللّه كلّ من سعد بن أبي وقّاصٍ وعتبة بن غزوان رضي ال‬
‫عنهما ‪ ،‬وقد أسرهما المشركون ‪ ،‬بأن فاوض عليهما ‪ ،‬وحبس اثنين منهم حتّى يطلقوا‬
‫سراحهما »‪ «،‬وكذلك فعل في استنقاذ عثمان وعشر ٍة من المهاجرين رضي ال عنهم بعد صلح‬
‫ن على المسلمين في فيئهم أن‬
‫الحديبية »‪ .‬وقد روى سعيدٌ بإسناده أنّ رسول اللّه قال ‪ « :‬إ ّ‬
‫يفادوا أسراهم » ‪ .‬ويروى أنّ عمر بن الخطّاب قال ‪ :‬لن أستنقذ رجلً من المسلمين من أيدي‬
‫ي من جزيرة العرب ‪.‬‬
‫الكفّار أحبّ إل ّ‬
‫‪ - 57‬ويجب استنقاذ السرى بالمقاتلة ما دام ذلك ميسورا ‪ ،‬فإذا دخل المشركون دار السلم‬
‫فأخذوا الموال والذّراريّ والنّساء ‪ ،‬ثمّ علم بهم جماعة المسلمين ‪ ،‬ولهم عليهم ق ّوةٌ ‪ ،‬فالواجب‬
‫عليهم أن يتّبعوهم ما داموا في دار السلم ‪ ،‬فإن دخلوا بهم دار الحرب ‪ ،‬فالواجب على‬
‫المسلمين أن يتّبعوهم إذا غلب على رأيهم أنّهم يقدرون على استنقاذهم ‪ ،‬فإن شقّ عليهم القتال‬
‫لتخليصهم فتركوه كانوا في سع ٍة من ذلك ‪ ،‬فإنّا نعلم أنّ في يد الكفّار بعض أسارى المسلمين ‪،‬‬
‫ول يجب على كلّ واحدٍ منّا الخروج لقتالهم لستنقاذ السرى ‪.‬‬
‫‪ - 58‬والستنقاذ إذا لم يتيسّر عن طريق القتال فإنّه يصحّ أن يكون عن طريق الفداء بتبادل‬
‫السرى ‪ ،‬على ما سبق بيان القول فيه ‪ ،‬كما يصحّ أن يكون بالمال أيضا ‪ ،‬لقول الرّسول‬
‫صلى ال عليه وسلم ‪ « :‬أطعموا الجائع ‪ ،‬وعودوا المريض ‪ ،‬وفكّوا العاني » لنّ ما يخاف‬
‫من تعذيب السير أعظم في الضّرورة من بذل المال ‪ ،‬فجاز دفع أعظم الضّررين بأخفّهما ‪.‬‬
‫والحنفيّة على وجوب ذلك في بيت المال ‪ ،‬فإن لم يكن فعلى جميع المسلمين أن يفتدوه ‪ .‬ونقل‬
‫أبو يوسف عن عمر بن الخطّاب رضي ال عنه أنّه قال ‪ " :‬كلّ أسيرٍ كان في أيدي المشركين‬
‫من المسلمين ففكاكه في بيت مال المسلمين " ‪ .‬وهو ما ذهب إليه المالكيّة ‪ ،‬كما نقله الموّاق‬
‫عن ابن بشيرٍ من أنّه يجب في بيت المال ‪ ،‬فإن تعذّر فعلى عموم المسلمين ‪ ،‬والسير كأحدهم‬
‫‪ ،‬فإن ضيّع المام والمسلمون ذلك وجب على السير من ماله ‪ ،‬وهو ما رواه ابن رشدٍ أيضا‬
‫‪.‬‬
‫وفي المهذّب أنّه وج ٌه عند الشّافعيّة ‪ .‬والوجه الثّاني عند الشّافعيّة ‪ :‬أنّ بذل المال لفكّ أسرى‬
‫المسلمين ‪ -‬إن خيف تعذيبهم ‪ -‬جائ ٌز عند الضّرورة ‪ ،‬ويكون في مالهم ‪ ،‬ويندب عند العجز‬
‫ي كذا ‪ ،‬فأطلقه لزمه ‪ ،‬ول يرجع‬
‫افتداء الغير له ‪ ،‬فمن قال لكافرٍ ‪ :‬أطلق هذا السير ‪ ،‬وعل ّ‬
‫على السير ما لم يأذن له في فدائه ‪.‬‬
‫‪ - 61‬وأسر المسلم الحرّ ل يزيل حرّيّته ‪ ،‬فمن اشتراه من العد ّو ل يملكه ‪ ،‬وإن اشتراه مسلمٌ‬
‫بغير أمره فهو متط ّوعٌ فيما أدّى من فدائه ‪ ،‬وإن اشتراه بأمره فإنّه يرجع عليه بالثّمن الّذي‬
‫ل أن يشترط ذلك نصّا ‪.‬‬
‫اشتراه به ‪ ،‬والقياس ل يرجع عليه إ ّ‬
‫ن للمشتريّ أن يرجع عليه ‪ ،‬شاء أو أبى ‪ ،‬لنّه‬
‫ويرى المالكيّة ‪ -‬كما يروي الموّاق ‪ -‬أ ّ‬
‫ن ‪ ،‬فالّذي فداه واشتراه‬
‫فدا ٌء ‪ ،‬فإن لم يكن له شيءٌ اتّبع به في ذمّته ‪ .‬ولو كان له مالٌ وعليه دي ٌ‬
‫من العدوّ أحقّ به من غرمائه ‪ .‬أمّا إن كان يقصد الصّدقة ‪ ،‬أو كان الفداء من بيت المال فل‬
‫يرجع عليه ‪ ،‬وكذا إن كان السير يرجو الخلص بالهروب أو التّرك ‪.‬‬
‫‪ - 62‬ولو خلّى الكفّار السير ‪ ،‬واستحلفوه على أن يبعث إليهم بفدائه ‪ ،‬أو يعود إليهم ‪ ،‬فإن‬
‫كان هذا نتيجة إكرا ٍه لم يلزمه الوفاء ‪ ،‬وإن لم يكره عليه وقدر على الفداء لزمه ‪ ،‬وبهذا قال‬
‫ن فيه مصلحة‬
‫عطاءٌ والحسن والزّهريّ والنّخعيّ والثّوريّ والوزاعيّ ‪ ،‬لوجوب الوفاء ‪ ،‬ول ّ‬
‫السارى ‪ ،‬وفي الغدر مفسدةٌ في حقّهم ‪ .‬وقال الشّافعيّ ‪ :‬ل يلزمه ‪ ،‬لنّه حرّ ل يستحقّون بدله‬
‫‪ .‬وأمّا إن عجز عن الفداء ‪ ،‬فإن كانت امرأ ًة فإنّه ل يحلّ لها الرّجوع إليهم ‪ ،‬لقوله تعالى‬
‫ن في رجوعها تسليطا لهم على وطئها حراما ‪.‬‬
‫ن إلى الكفّار } ‪ ،‬ول ّ‬
‫{ فل ترجعوه ّ‬
‫وإن كان رجلً ‪ ،‬ففي روايةٍ عند الحنابلة ل يرجع ‪ ،‬وهو قول الحسن والنّخعيّ والثّوريّ‬
‫والشّافعيّ ‪ .‬وفي الرّواية الثّانية عندهم يلزمه ‪ ،‬وهو قول عثمان والزّهريّ والوزاعيّ ‪،‬‬
‫« لنّ النّبيّ صلى ال عليه وسلم حين صالح قريشا على ردّ من جاء منهم مسلما أمضى اللّه‬
‫ذلك في الرّجال ‪ ،‬ونسخه في النّساء »‪.‬‬
‫ج ‪ -‬التّترّس بأسارى المسلمين ‪:‬‬
‫‪ - 63‬التّرس بضمّ التّاء ‪ :‬ما يتوقّى به في الحرب ‪ ،‬يقال ‪ :‬تترّس بالتّرس إذا توقّى به ‪ ،‬ومن‬
‫ذلك تترّس المشركين بالسرى من المسلمين وال ّذ ّميّين في القتال ‪ ،‬لنّهم يجعلونهم كالتّراس ‪،‬‬
‫ن رمي المشركين ‪ -‬مع تترّسهم بالمسلمين ‪-‬‬
‫فيتّقون بهم هجوم جيش المسلمين عليهم ‪ ،‬ل ّ‬
‫يؤدّي إلى قتل المسلمين الّذين نحرص على حياتهم وإنقاذهم من السر ‪.‬‬
‫وقد عني الفقهاء بهذه المسألة ‪ ،‬وتناولوها من ناحية جواز الرّمي مع التّترّس بالمسلمين أو‬
‫ال ّذ ّميّين ‪ ،‬كما تناولوها من ناحية لزوم الكفّارة والدّية ‪ ،‬وإليك اتّجاهات المذاهب في هذا ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬رمي التّرس ‪:‬‬
‫‪ - 64‬من ناحية رمي التّرس ‪ :‬يتّفق الفقهاء على أنّه إذا كان في ترك الرّمي خطرٌ مح ّققٌ على‬
‫ن في الرّمي دفع الضّرر العامّ بالذّبّ‬
‫جماعة المسلمين ‪ ،‬فإنّه يجوز الرّمي برغم التّترّس ‪ ،‬ل ّ‬
‫ص ‪ .‬ويقصد عند الرّمي الكفّار ل التّرس ‪ ،‬لنّه‬
‫عن بيضة السلم ‪ ،‬وقتل السير ضررٌ خا ّ‬
‫ن القول للرّامي‬
‫إن تعذّر التّمييز فعلً فقد أمكن قصدا ‪ ،‬ونقل ابن عابدين عن السّرخسيّ أ ّ‬
‫بيمينه في أنّه قصد الكفّار ‪ ،‬وليس قول وليّ المقتول الّذي يدّعي العمد ‪.‬‬
‫أمّا في حالة خوف وقوع الضّرر على أكثر المسلمين فكذلك يجوز رميهم عند جمهور الفقهاء‬
‫‪ ،‬لنّها حالة ضرور ٍة أيضا ‪ ،‬وتسقط حرمة التّرس ‪.‬‬
‫ويقول الصّاويّ المالكيّ ‪ :‬ولو كان المسلمون المتترّس بهم أكثر من المجاهدين ‪ .‬وفي وجهٍ‬
‫ن مجرّد الخوف ل يبيح الدّم المعصوم ‪ ،‬كما أنّه ل يجوز‬
‫عند الشّافعيّة ل يجوز ‪ ،‬وعلّلوه بأ ّ‬
‫عند المالكيّة إذا كان الخوف على بعض الغازين فقط ‪.‬‬
‫‪ - 65‬وأمّا في حالة الحصار الّذي ل خطر فيه على جماعة المسلمين ‪ ،‬لكن ل يقدر على‬
‫الحربيّين إلّ برمي التّرس ‪ ،‬فجمهور الفقهاء من المالكيّة ‪ ،‬والشّافعيّة ‪ ،‬وجمهور الحنابلة ‪،‬‬
‫والحسن بن زيادٍ من الحنفيّة على المنع ‪ ،‬لنّ القدام على قتل المسلم حرامٌ ‪ ،‬وترك قتل‬
‫ن للمام ألّ يقتل السارى لمنفعة المسلمين ‪ ،‬فكان مراعاة جانب‬
‫الكافر جائزٌ ‪ .‬أل يرى أ ّ‬
‫ن مفسدة قتل المسلم فوق مصلحة قتل الكافر ‪.‬‬
‫المسلم أولى من هذا الوجه ‪ ،‬ول ّ‬
‫ن في‬
‫وذهب جمهور الحنفيّة ‪ ،‬والقاضي من الحنابلة إلى جواز رميهم ‪ ،‬وعلّل الحنفيّة ذلك بأ ّ‬
‫ن عن مسلمٍ ‪ ،‬واعتبر القاضي من الحنابلة أنّ‬
‫الرّمي دفع الضّرر العامّ ‪ ،‬وأنّه قلّما يخلو حص ٌ‬
‫ذلك من قبيل الضّرورة ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬الكفّارة والدّية ‪:‬‬
‫‪ - 66‬ومن ناحية الكفّارة والدّية عند إصابة أحد أسرى المسلمين نتيجة رمي التّرس ‪ ،‬فإنّ‬
‫جمهور الحنفيّة على أنّ ما أصابوه منهم ل يجب فيه دي ٌة ول كفّارةٌ ‪ ،‬لنّ الجهاد فرضٌ ‪،‬‬
‫ن الفرض مأمو ٌر به ل محالة ‪ ،‬وسبب الغرامات عدوانٌ‬
‫والغرامات ل تقرن بالفروض ‪ ،‬ل ّ‬
‫محضٌ منهيّ عنه ‪ ،‬وبينهما منافاةٌ ‪ ،‬فوجوب الضّمان يمنع من إقامة الفرض ‪ ،‬لنّهم يمتنعون‬
‫منه خوفا من لزوم الضّمان ‪ ،‬وهذا ل يتعارض مع ما روي عن رسول اللّه صلى ال عليه‬
‫ص منه البغاة‬
‫وسلم من أنّه « ليس في السلم دمٌ مفرجٌ » ‪ -‬أي مهدرٌ ‪ -‬لنّ النّهي عامّ خ ّ‬
‫ص صورة النّزاع ‪ ،‬كما أنّ النّهي في الحديث خاصّ بدار السلم ‪ ،‬وما‬
‫وقطّاع الطّريق ‪ ،‬فتخ ّ‬
‫نحن فيه ليس بدار السلم ‪.‬‬
‫‪ - 67‬وعند الحسن بن زيادٍ من الحنفيّة وجمهور الحنابلة والشّافعيّة تلزم الكفّارة قولً واحدا ‪،‬‬
‫وفي وجوب الدّية روايتان ‪:‬‬
‫إحداهما ‪ :‬تجب ‪ ،‬لنّه قتل مؤمنا خطأً ‪ ،‬فيدخل في عموم قوله تعالى ‪ { :‬ومن قتل مؤمنا‬
‫ل أن يصّدّقوا } ‪.‬‬
‫خطًأ فتحرير رقبةٍ مؤمنةٍ ودي ٌة مسلّم ٌة إلى أهله إ ّ‬
‫الثّانية ‪ :‬ل دية ‪ ،‬لنّه قتل في دار الحرب برميٍ مباحٍ ‪ ،‬فيدخل في عموم قوله تعالى { وإن‬
‫ن فتحرير رقبةٍ مؤمنةٍ } ولم يذكر ديةً ‪ .‬وعدم وجوب الدّية‬
‫كان من قومٍ عد ّو لكم وهو مؤم ٌ‬
‫هو الصّحيح عند الحنابلة ‪.‬‬
‫‪ - 68‬ويقول الجمل الشّافعيّ ‪ :‬وجبت الكفّارة إن علم القاتل ‪ ،‬لنّه قتل معصوما ‪ ،‬وكذا الدّية ‪،‬‬
‫ل القصاص ‪ ،‬لنّه مع تجويز الرّمي ل يجتمعان ‪ .‬وفي نهاية المحتاج تقييد ذلك بأن يعلم به ‪،‬‬
‫وأن يكون في المكان توقّيه ‪ .‬وينقل البابرتيّ من الحنفيّة عن أبي إسحاق أنّه قال ‪ :‬إن قصده‬
‫بعينه لزمه الدّية ‪ ،‬علمه مسلما أو لم يعلمه ‪ ،‬للحديث المذكور ‪ .‬وإن لم يقصده بعينه بل رمى‬
‫ن القدام على قتل المسلم حرامٌ ‪ ،‬وترك‬
‫صفّ فأصيب فل دية عليه ‪ .‬والتّعليل الوّل أ ّ‬
‫إلى ال ّ‬
‫قتل الكافر جائزٌ ‪ ،‬لنّ للمام أن يقتل السارى لمنفعة المسلمين ‪ ،‬فكان تركه لعدم قتل المسلم‬
‫ن مفسدة قتل المسلم فوق مصلحة قتل الكافر ‪.‬‬
‫أولى ‪ ،‬ول ّ‬
‫‪ - 69‬ولم نقف للمالكيّة على شي ٍء في هذا إلّ ما قاله الدّسوقيّ عند تعليقه على قول خليلٍ ‪:‬‬
‫وإن تترّسوا بمسلمٍ ‪ ،‬فقال ‪ :‬وإن تترّسوا بأموال المسلمين فيقاتلون ول يتركون ‪ .‬وينبغي‬
‫ضمان قيمته على من رماهم ‪ ،‬قياسا على ما يرمى من السّفينة للنّجاة من الغرق ‪ ،‬بجامع أنّ‬
‫كلّ إتلف مالٍ للنّجاة ‪.‬‬
‫مدى تطبيق بعض الحكام الشّرعيّة على أسرى المسلمين‬
‫حقّ السير في الغنيمة ‪:‬‬
‫‪ - 70‬يستحقّ من أسر قبل إحراز الغنيمة فيما غنم قبل السر ‪ ،‬إذا علم حياته أو انفلت من‬
‫ل ‪ ،‬لتقرّر حقّه بالحراز ‪.‬‬
‫ت فيها ‪ ،‬وبالسر لم يخرج من أن يكون أه ً‬
‫السر ‪ .‬لنّ حقّه ثاب ٌ‬
‫ن المأسور في يد أهل الحرب ل يكون مع‬
‫ول شيء له فيما غنمه المسلمون بعد أسره ‪ ،‬ل ّ‬
‫الجيش حقيقةً ول حكما ‪ ،‬فهو لم يشاركهم في إصابة هذا ‪ ،‬ول في إحرازه بالدّار ‪ .‬وإذا لم‬
‫يعرف مصير هذا السير في يد الحربيّين قسمت الغنائم ‪ ،‬ولم يوقف له منها شيءٌ ‪ .‬وإن‬
‫ن حقّ الّذين قسم بينهم قد تأكّد بالقسمة‬
‫قسمت الغنائم ثمّ جاء بعد ذلك حيّا لم يكن له شيءٌ ‪ ،‬ل ّ‬
‫وثبت ملكهم فيها ‪ ،‬ومن ضرورته إبطال الحقّ الضّعيف ‪.‬‬
‫والمذهب عند الحنابلة أنّه إذا هرب فأدرك الحرب قبل تقضّيها أسهم له ‪ ،‬وفي قولٍ ل شيء‬
‫له ‪ .‬وإن جاء بعد إحراز الغنيمة فل شيء له ‪.‬‬
‫‪ - 71‬ومن أسر بعد إخراج الغنائم من دار الحرب أو بيعها ‪ ،‬وكان قد تخلّف في دار الحرب‬
‫لحاجة بعض المسلمين ‪ ،‬فإنّه يوقف نصيبه حتّى يجيء فيأخذه ‪ ،‬أو يظهر موته فيكون‬
‫لورثته ‪ ،‬لنّ حقّه قد تأكّد في المال المصاب بالحراز ‪ .‬وفي بداية المجتهد ‪ :‬أنّ الغنيمة إنّما‬
‫تجب عند الجمهور للمجاهدين بأحد شرطين ‪ :‬إمّا أن يكون ممّن حضر القتال ‪ ،‬وإمّا أن يكون‬
‫ردءا لمن حضر القتال ‪ .‬وتفصيل الكلم في هذا موضعه مصطلح ( غنيمةٌ ) ‪.‬‬
‫حقّ السير في الرث وتصرّفاته الماليّة ‪:‬‬
‫‪ - 72‬أسير المسلمين الّذي مع العدوّ يرث إذا علمت حياته في قول عامّة الفقهاء ‪ ،‬لنّ الكفّار‬
‫ل يملكن الحرار بالقهر ‪ ،‬فهو باقٍ على ح ّريّته ‪ ،‬فيرث كغيره ‪ .‬وكذلك ل تسقط الزّكاة عنه ‪،‬‬
‫ن تصرّفه في ماله نافذٌ ‪ ،‬ول أثر لختلف الدّار بالنّسبة له ‪ .‬فقد كان شريحٌ يورّث السير‬
‫لّ‬
‫ن النّبيّ صلى ال عليه وسلم قال ‪ « :‬من‬
‫في أيدي العدوّ ‪ .‬وعن أبي هريرة رضي ال عنه أ ّ‬
‫ترك مالً فلورثته ‪ » ...‬فهذا الحديث بعمومه يؤيّد قول الجمهور أنّ السير إذا وجب له‬
‫ث يوقف له ‪ .‬وعن سعيد بن المسيّب أنّه لم يورّث السير في أيدي العد ّو ‪ ،‬وفي روايةٍ‬
‫ميرا ٌ‬
‫أخرى عنه أنّه يرث ‪.‬‬
‫ن مكانه معلومٌ وهو دار‬
‫ت ‪ ،‬مع أ ّ‬
‫‪ - 73‬والمسلم الّذي أسره العدوّ ‪ ،‬ول يدرى أحيّ هو أم ميّ ٌ‬
‫الحرب ‪ ،‬له حكمٌ في الحال ‪ ،‬فيعتبر حيّا في حقّ نفسه ‪ ،‬حتّى ل يورث عنه ماله ‪ ،‬ول تزوّج‬
‫نساؤه ‪ ،‬وميّتا في حقّ غيره حتّى ل يرث من أحدٍ ‪ .‬وله حك ٌم في المآل ‪ ،‬وهو الحكم بموته‬
‫بمضيّ مدّ ٍة معيّنةٍ ‪ ،‬فهو في حكم المفقود ‪ .‬انظر مصطلح ( مفقودٌ ) ‪.‬‬
‫صحّة من‬
‫‪ - 74‬ويسري على السير في تصرّفاته الماليّة ما يسري على غيره في حال ال ّ‬
‫أحكامٍ ‪ ،‬فبيعه وهبته وصدقته وغير ذلك جائزٌ ‪ ،‬ما دام صحيحا غير مكر ٍه ‪ .‬قال عمر بن عبد‬
‫العزيز ‪ ":‬أجيز وصيّة السير وعتاقه وما صنع في ماله ما لم يتغيّر عن دينه ‪ ،‬فإنّما هو ماله‬
‫يصنع فيه ما يشاء "‪ .‬أمّا إن كان السير في يد مشركين عرفوا بقتل أسراهم ‪ ،‬فإنّه يأخذ حكم‬
‫ل أبدا من‬
‫ن الغلب منهم أن يقتلوا ‪ ،‬وليس يخلو المرّة في حا ٍ‬
‫المريض مرض الموت ‪ ،‬ل ّ‬
‫رجاء الحياة وخوف الموت ‪ ،‬لكن إذا كان الغلب عنده وعند غيره الخوف عليه ‪ ،‬فعطيّته‬
‫عطيّة مريضٍ ‪ ،‬وإذا كان الغلب المان كانت عطيّته عطيّة الصّحيح ‪.‬‬
‫وتفصيل ذلك في مصطلح ( مرض الموت ) ‪.‬‬
‫جناية السير وما يجب فيها ‪:‬‬
‫ل عند المالكيّة ‪ ،‬إلى أنّه إذا صدر‬
‫‪ - 75‬يتّجه جمهور الفقهاء ‪ :‬الشّافعيّة والحنابلة ‪ ،‬وهو قو ٌ‬
‫من السير حال السر ما يوجب حدّا أو قصاصا وجب عليه ما يجب في دار السلم ‪ ،‬لنّه ل‬
‫تختلف الدّاران في تحريم الفعل ‪ ،‬فلم تختلف فيما يجب من العقوبة ‪ .‬فلو قتل بعضهم بعضا ‪،‬‬
‫ن الحدّ يقام عليهم إذا صاروا إلى بلد‬
‫أو قذف بعضهم بعضا ‪ ،‬أو شرب أحدهم خمرا ‪ ،‬فإ ّ‬
‫المسلمين ‪ ،‬ول تمنع الدّار حكم اللّه ‪ .‬ويقول الحطّاب ‪ :‬إذا أقرّ السير أنّه زنى ‪ ،‬ودام على‬
‫إقراره ولم يرجع ‪ ،‬أو شهد عليه ‪ ،‬قال ابن القاسم وأصبغ ‪ :‬عليّة الحدّ ‪.‬‬
‫وإذا قتل السير أحدا منهم خطأً ‪ ،‬وقد كان أسلم ‪ ،‬والسير ل يعلم ‪ ،‬فعليه الدّية والكفّارة ‪.‬‬
‫وقيل الكفّارة فقط ‪ .‬وإذا قتله عمدا ‪ ،‬وهو ل يعلمه مسلما فعليه الدّية والكفّارة ‪ .‬وإن كان قتله‬
‫عمدا وهو يعلم بإسلمه قتل به ‪ .‬وإذا جنى السير على أسيرٍ مثله فكغيرهما ‪.‬‬
‫ل عند المالكيّة ‪ ،‬قاله عبد الملك ‪ -‬في جريمة الزّنى ‪ -‬بعدم‬
‫‪ - 76‬وقال الحنفيّة ‪ -‬وهو قو ٌ‬
‫إقامة الحدّ عليه ‪ ،‬لقوله عليه السلم « ل تقام الحدود في دار الحرب » لنعدام المستوفي ‪،‬‬
‫وإذا لم يجب عليه حين باشر السّبب ل يجب عليه بعد ذلك ‪ ،‬وقالوا ‪ :‬ل ح ّد على من زنى‬
‫ن يد إمام أهل العدل ل تصل إليهم ‪ .‬وقالوا ‪ :‬لو قتل‬
‫وكان أسيرا في معسكر أهل البغي ‪ ،‬ل ّ‬
‫أحد السيرين المسلمين الخر فل شيء عليه سوى الكفّارة ‪ ،‬وهذا عند أبي حنيفة ‪ ،‬لنّه‬
‫بالسر صار تبعا لهم ‪ ،‬لصيرورته مقهورا في أيديهم ‪ ،‬ولهذا يصير مقيما بإقامتهم ومسافرا‬
‫بسفرهم ‪ .‬وخصّ الخطأ بالكفّارة ‪ ،‬لنّه ل كفّارة في العمد ‪ ،‬وبقي عليه عقاب الخرة ‪.‬‬
‫ن العصمة ل تبطل بعارض السر‬
‫وقال الصّاحبان بلزوم الدّية أيضا في الخطأ والعمد ‪ ،‬ل ّ‬
‫وامتناع القصاص لعدم المنفعة ‪ ،‬وتجب الدّية في ماله الّذي في دار السلم ‪.‬‬
‫أنكحة السرى ‪:‬‬
‫ن السير ل يحلّ له التّزوّج ما دام أسيرا ‪ ،‬وهذا قول‬
‫‪ - 77‬ظاهر كلم المام أحمد بن حنبلٍ أ ّ‬
‫ن السير إذا ولد له ولدٌ كان رقيقا‬
‫الزّهريّ ‪ ،‬وكره الحسن أن يتزوّج في أرض المشركين ‪ ،‬ل ّ‬
‫لهم ‪ ،‬ول يأمن أن يطأ امرأته غيره منهم ‪ ،‬وسئل أحمد عن أسيرٍ اشتريت معه امرأته‬
‫أيطؤها ؟ فقال ‪ :‬كيف يطؤها ؟ فلعلّ غيره منهم يطؤها ‪ ،‬قال الثرم ‪ :‬قلت له ‪ :‬ولعلّها تعلق‬
‫بولدٍ فيكون معهم ‪ ،‬قال ‪ :‬وهذا أيضا ‪ .‬ويقول الموّاق ‪ :‬السير يعلم تنصّره فل يدري أطوعا‬
‫أم كرها فلتعتدّ زوجته ‪ ،‬ويوقف ماله ‪ ،‬ويحكم فيه بحكم المرتدّ ‪ ،‬وإن ثبت إكراهه ببيّن ٍة كان‬
‫بحال المسلم في نسائه وماله ‪ .‬وتفصيل ذلك في موضع ( إكراهٌ ) ( وردّةٌ ) ‪.‬‬
‫إكراه السير والستعانة به ‪:‬‬
‫‪ - 78‬السير إن أكرهه الكفّار على الكفر ‪ ،‬وقلبه مطمئنّ باليمان ‪ ،‬ل تبين منه امرأته ‪ ،‬ول‬
‫يحرم ميراثه من المسلمين ‪ ،‬ول يحرمون ميراثهم منه ‪ ،‬وإذا ما أكره على أكل لحم الخنزير‬
‫أو دخول الكنيسة ففعل وسعه ذلك لقاعدة الضّرورات ‪ .‬ولو أكرهوه على أن يقتل مسلما لم‬
‫يكن له ذلك ‪ ،‬كما ل يرخّص له في أن يدلّ على ثغرةٍ ينفذ منها العد ّو إلى مقاتلتنا ‪ ،‬ول‬
‫الشتراك مع العدوّ في القتال عند كثيرٍ من العلماء ‪ ،‬وأجاز ذلك الوزاعيّ وغيره ‪ ،‬ومنعه‬
‫مالكٌ وابن القاسم ‪ .‬وتفصيل ذلك موضعه مصطلح ( إكراهٌ ) ‪.‬‬
‫المان من السير وتأمينه ‪:‬‬
‫ن المان ل يقع منه بصفة النّظر منه‬
‫‪ - 79‬ل يصحّ المان من السير عند الحنفيّة ‪ ،‬ل ّ‬
‫ف على نفسه ‪ ،‬إلّ أنّه فيما بينهم‬
‫للمسلمين ‪ ،‬بل لنفسه حتّى يتخلّص منهم ‪ ،‬ولنّ السير خائ ٌ‬
‫وبينه إن أمنوه وأمنهم ‪ ،‬فينبغي أن يفي لهم كما يفون له ‪ ،‬ول يسرق شيئا من أموالهم ‪ ،‬لنّه‬
‫غير متّهمٍ في حقّ نفسه ‪ ،‬وقد شرط أن يفي لهم ‪ ،‬فيكون بمنزلة المستأمن في دارهم ‪ .‬وهو ما‬
‫ل من ‪ :‬المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة ‪ ،‬إذا ما كان السير محبوسا أو‬
‫قاله اللّيث ‪ .‬ووافقهم ك ّ‬
‫ن أمانه فاسدٌ ‪ .‬أمّا‬
‫مقيّدا ‪ ،‬لنّه مكرهٌ ‪ ،‬وأعطى الشّافعيّة من أمّن آسره حكم المكره ‪ ،‬وقالوا ‪ :‬إ ّ‬
‫ص الشّافعيّة على أنّ أسير الدّار ‪ -‬وهو المطلق ببلد الكفّار‬
‫إذا كان مطلقا وغير مكر ٍه ‪ ،‬فقد ن ّ‬
‫ح أمانه ‪ .‬قال الماورديّ ‪ :‬وإنّما يكون مؤمّنه آمنا بدارهم ل‬
‫الممنوع من الخروج منها ‪ -‬يص ّ‬
‫ل شذّ عن عسكر المسلمين ‪،‬‬
‫غير ‪ ،‬إلّ أن يصرّح بالمان في غيرها ‪ .‬وسئل أشهب عن رج ٍ‬
‫فأسره العد ّو ‪ ،‬فطلبهم المسلمون ‪ ،‬فقال العد ّو للسير المسلم ‪ :‬أعطنا المان ‪ ،‬فأعطاهم المان‬
‫‪ ،‬فقال ‪ :‬إذا كان أمّنهم ‪ ،‬وهو آمنٌ على نفسه ‪ ،‬فذلك جائزٌ ‪ ،‬وإن كان أمّنهم ‪ ،‬وهو خائفٌ‬
‫على نفسه ‪ ،‬فليس ذلك بجائزٍ ‪ ،‬وقول السير في ذلك جائزٌ ‪.‬‬
‫ويعلّل ابن قدامة لصحّة أمان السير إذا عقده غير مكرهٍ ‪ ،‬بأنّه داخلٌ في عموم الخبر الّذي‬
‫ن الرّسول صلى ال عليه وسلم قال ‪ « :‬ذمّة المسلمين واحد ٌة يسعى بها‬
‫رواه مسلمٌ بسنده من أ ّ‬
‫أدناهم ‪ » ...‬كما أنّه مسل ٌم مكلّفٌ مختارٌ ‪.‬‬
‫صلة السير في السّفر ‪ ،‬والنفلت ‪ ،‬وما ينتهي به السر ‪:‬‬
‫‪ - 80‬السير المسلم في أيدي الكفّار إن عزم على الفرار من السر عند التّمكّن من ذلك ‪،‬‬
‫وكان الكفّار أقاموا به في موضعٍ يريدون المقام فيه المدّة الّتي تعتبر إقامةً ‪ ،‬ول تقصر بعدها‬
‫الصّلة ‪ ،‬لزمه أن يت ّم الصّلة ‪ ،‬لنّه مقهورٌ في أيديهم ‪ ،‬فيكون المعتبر في حقّه نيّتهم في‬
‫السّفر والقامة ‪ ،‬ل نيّته ‪ .‬وإن كان السير انفلت منهم ‪ ،‬وهو مسافرٌ ‪ ،‬فوطّن نفسه على إقامة‬
‫ب لهم ‪ ،‬فل تكون دار الحرب موضع‬
‫شهرٍ في غا ٍر أو غيره قصر الصّلة ‪ ،‬لنّه محار ٌ‬
‫القامة في حقّه ‪ ،‬حتّى ينتهي إلى دار السلم ‪.‬‬
‫وتفصيل ذلك موطنه مصطلح ( صلة المسافر ) ‪.‬‬
‫ن أو فداءٍ بمالٍ ‪ ،‬أو عن‬
‫‪ - 81‬والسر ينتهي بما يقرّر المام ‪ ،‬من قتلٍ أو استرقاقٍ أو م ّ‬
‫طريق تبادل السرى على ما سبق بيانه ‪ ،‬كما ينتهي السر بموت السير قبل قرار المام‬
‫فيه ‪ ،‬وكذلك فإنّه قد ينتهي بفرار السير ‪ ،‬يقول الكاسانيّ ‪ :‬لو انفلت أسيرٌ قبل الحراز بدار‬
‫ن حقّ أهل دار السلم‬
‫السلم والتحق بمنعتهم يعود حرّا ‪ ،‬وينتهي أسره ‪ ،‬ولم يعد فيئا ‪ ،‬ل ّ‬
‫ل يتأكّد إلّ بالخذ حقيقةً ‪ ،‬ولم يوجد ‪.‬‬
‫‪ - 82‬ويصرّح الفقهاء بأنّه يجب على أسرى المسلمين الفرار إن أطاقوه ‪ ،‬ولم يرج ظهور‬
‫السلم ببقائهم ‪ ،‬للخلوص من قهر السر ‪ ،‬وقيّد بعضهم الوجوب بعدم التّمكّن من إظهار‬
‫الدّين ‪ ،‬لكن جاء في مطالب أولي النّهي ‪ :‬وإن أسر مسلمٌ ‪ ،‬فأطلق بشرط أن يقيم في دار‬
‫الحرب مدّ ًة معيّن ًة ‪ ،‬ورضي بالشّرط لزمه الوفاء ‪ ،‬وليس له أن يهرب لحديث ‪ « :‬المؤمنون‬
‫عند شروطهم » وإن أطلق بشرط أن يرجع إليهم لزمه الوفاء ‪ ،‬إن كان قادرا على إظهار دينه‬
‫‪ ،‬إلّ المرأة فل يحلّ لها الرّجوع ‪ .‬واختار ابن رشدٍ ‪ -‬إذا ائتمن العدوّ السير طائعا على ألّ‬
‫يهرب ‪ ،‬ول يخونهم ‪ -‬أنّه يهرب ول يخونهم في أموالهم ‪.‬‬
‫وأمّا إن ائتمنوه مكرها ‪ ،‬أو لم يأتمنوه ‪ ،‬فله أن يأخذ ما أمكنه من أموالهم ‪ ،‬وله أن يهرب‬
‫بنفسه ‪ .‬وقال اللّخميّ ‪ :‬إن عاهدوه على ألّ يهرب فليوفّ بالعهد ‪ ،‬فإن تبعه واحدٌ منهم أو‬
‫أكثر بعد خروجه فليدفعهم حتما إن حاربوه وكانوا مثليه فأقلّ ‪ ،‬وإلّ فندبا ‪.‬‬

‫أسرةٌ *‬
‫التعريف ‪:‬‬
‫‪ - 1‬أسرة النسان ‪ :‬عشيرته ورهطه الدنون ‪ ،‬مأخوذٌ من السر ‪ ،‬وهو القوّة ‪ ،‬سمّوا بذلك‬
‫لنّه يتقوّى بهم ‪ ،‬والسرة ‪ :‬عشيرة الرّجل وأهل بيته ‪ ،‬وقال أبو جعفرٍ ال ّنحّاس ‪ :‬السرة‬
‫أقارب الرّجل من قبل أبيه ‪.‬‬
‫اللفاظ ذات الصّلة ‪:‬‬
‫‪ - 2‬لفظ السرة لم يرد ذكره في القرآن الكريم ‪ ،‬كذلك لم يستعمله الفقهاء في عباراتهم فيما‬
‫نعلم ‪ .‬والمتعارف عليه الن إطلق لفظ ( السرة ) على الرّجل ومن يعولهم من زوجه‬
‫وأصوله وفروعه ‪ .‬وهذا المعنى يعبّر عنه الفقهاء قديما بألفاظٍ منها ‪ :‬الل ‪ ،‬والهل ‪ ،‬والعيال‬
‫‪ .‬كقول النّفراويّ المالكيّ ‪ :‬من قال ‪ :‬الشّيء الفلنيّ وقفٌ على عيالي ‪ ،‬تدخل زوجته في‬
‫ل من في عياله‬
‫العيال ‪ .‬وفي ابن عابدين ‪ :‬أهله زوجته ‪ ،‬وقال ‪ ،‬يعني صاحبي أبي حنيفة ‪ :‬ك ّ‬
‫ونفقته غير مماليكه ‪ ،‬لقوله تعالى ‪ { :‬فنجّيناه وأهله أجمعين } ‪.‬‬
‫الحكم الجماليّ ومواطن البحث ‪:‬‬
‫ث ‪ ،‬والمراد به‬
‫ح حاد ٌ‬
‫‪ - 3‬ما يعرف بأحكام السرة أو الحوال الشّخصيّة فهو اصطل ٌ‬
‫مجموعة الحكام الّتي تنظّم العلقات بين أفراد السرة الواحدة ‪ .‬وقد فصّلها الفقهاء في أبواب‬
‫النّكاح والمهر والنّفقات والقسم والطّلق والخلع والعدد والظّهار واليلء والنّسب والحضانة‬
‫والرّضاع والوصيّة والميراث ونحوها ‪ .‬وتنظر هذه الحكام تحت هذه العناوين أيضا ‪ ،‬وتحت‬
‫ن ‪ ،‬بنتٌ ) إلخ ‪.‬‬
‫عنوان ( أبٌ ‪ ،‬اب ٌ‬

‫أسطوانةٌ *‬
‫التعريف ‪:‬‬
‫‪ - 1‬السطوانة ‪ :‬السّارية في المسجد أو البيت أو نحوهما ‪.‬‬
‫ول يخرج استعمال الفقهاء عن ذلك ‪.‬‬
‫الحكم الجماليّ ‪ ،‬ومواطن البحث ‪:‬‬
‫‪ - 2‬في وقوف المام بين السّواري ‪ ،‬وفي صلته إلى السطوانة خلفٌ ‪ .‬فقال أبو حنيفة‬
‫ومالكٌ بالكراهة ‪ ،‬وذهب الجمهور إلى عدم الكراهة ‪ .‬وتفصيل ذلك في كتاب الصّلة ‪ ،‬في‬
‫مبحث ( صلة الجماعة ) ‪ .‬أمّا المأمومون ‪ :‬فقد اتّفق الفقهاء على أنّه إذا لم تقطع السطوانة‬
‫الصّفّ فل كراهة لعدم الدّليل على ذلك ‪ .‬أمّا إذا قطعت ففيه خلفٌ ‪ .‬فالحنفيّة والمالكيّة ل‬
‫يرون به بأسا ‪ ،‬لعدم الدّليل على المنع ‪ .‬والحنابلة يرون الكراهة ‪ «،‬لما ورد من النّهي عن‬
‫ل فل يكره ‪ .‬وقد ذكر‬
‫ل أن يكون الصّفّ قدر ما بين السّاريتين ‪ ،‬أو أق ّ‬
‫الصّفّ بين السّواري »إ ّ‬
‫الفقهاء ذلك أيضا في صلة الجماعة ‪.‬‬

‫إسفارٌ *‬
‫التعريف ‪:‬‬
‫‪ - 1‬من معاني السفار في اللّغة ‪ :‬الكشف ‪ ،‬يقال ‪ :‬سفر الصّبح وأسفر ‪ :‬أي أضاء ‪ ،‬وأسفر‬
‫القوم ‪ :‬أصبحوا ‪ ،‬وسفرت المرأة ‪ :‬كشفت عن وجهها ‪.‬‬
‫وأكثر استعمال الفقهاء للسفار بمعنى ظهور الضّوء ‪ ،‬يقال ‪ :‬أسفر بالصّبح ‪ :‬إذا صلّها‬
‫وقت السفار ‪ ،‬أي عند ظهور الضّوء ‪ ،‬ل في الغلس ‪.‬‬
‫الحكم الجماليّ ‪:‬‬
‫‪ - 2‬يرى جمهور الفقهاء أنّ الوقت الختياريّ في صلة الصّبح هو إلى وقت السفار ‪ ،‬لما‬
‫ن جبريل عليه السلم صلّى الصّبح بالنّبيّ صلى ال عليه وسلم حين طلع الفجر ‪،‬‬
‫روي ‪ « :‬أ ّ‬
‫وصلّى من الغد حين أسفر ‪ ،‬ثمّ التفت وقال ‪ :‬هذا وقتك ووقت النبياء من قبلك » ‪.‬‬
‫ويرى الحنفيّة أنّه يستحبّ السفار بصلة الصّبح ‪ ،‬وهو أفضل من التّغليس ‪ ،‬في السّفر‬
‫والحضر ‪ ،‬وفي الصّيف والشّتاء ‪ ،‬لقوله صلى ال عليه وسلم ‪ « :‬أسفروا بالفجر » ‪ ،‬وفي‬
‫ي ‪ :‬يبدأ بالتّغليس ويختم‬
‫رواي ٍة « نوّروا بالفجر فإنّه أعظم للجر » ‪ .‬قال أبو جعفرٍ الطّحاو ّ‬
‫بالسفار جمعا بين أحاديث التّغليس والسفار ‪.‬‬
‫مواطن البحث ‪:‬‬
‫‪ - 3‬يبحث السفار في الصّلة عند الكلم عن وقت صلة الصّبح ‪ ،‬والوقات المستحبّة ‪.‬‬

‫إسقاطٌ *‬
‫التعريف ‪:‬‬
‫‪ - 1‬من معاني السقاط لغةً ‪ :‬اليقاع واللقاء ‪ ،‬يقال ‪ :‬سقط اسمه من الدّيوان ‪ :‬إذا وقع ‪،‬‬
‫وأسقطت الحامل ‪ :‬ألقت الجنين ‪ ،‬وقول الفقهاء ‪ :‬سقط الفرض ‪ ،‬أي سقط طلبه والمر به ‪.‬‬
‫وفي اصطلح الفقهاء ‪ :‬هو إزالة الملك ‪ ،‬أو الحقّ ‪ ،‬ل إلى مالكٍ ول إلى مستحقّ ‪ ،‬وتسقط‬
‫ن السّاقط ينتهي ويتلشى ول ينتقل ‪ ،‬وذلك كالطّلق والعتق والعفو عن‬
‫بذلك المطالبة به ‪ ،‬ل ّ‬
‫القصاص والبراء من الدّين ‪ ،‬وبمعنى السقاط ‪ :‬الحطّ ‪ ،‬إذ يستعمله الفقهاء بالمعنى نفسه ‪.‬‬
‫ويستعمله الفقهاء أيضا في إسقاط الحامل الجنين ‪ .‬وسبق تفصيله في ( إجهاضٌ ) ‪.‬‬
‫اللفاظ ذات الصّلة ‪:‬‬

‫أ ‪ -‬البراء ‪:‬‬
‫‪ - 2‬البراء عند الفقهاء ‪ :‬إسقاط الشّخص حقّا له في ذمّة آخر أو قبله ‪ .‬وهذا عند من يعتبر‬
‫البراء من الدّين إسقاطا محضا ‪ ،‬أمّا من يعتبره تمليكا فيقول ‪ :‬هو تمليك المدين ما في ذمّته ‪.‬‬
‫وتوسّط ابن السّمعانيّ فقال ‪ :‬هو تمليكٌ في حقّ من له الدّين ‪ ،‬إسقاطٌ في حقّ المدين ‪ ،‬وهذا‬
‫بالنّظر لبراءة السقاط ل لبراءة الستيفاء ‪.‬‬
‫ويلحظ أنّه إذا لم يكن الحقّ في ذمّة شخصٍ ول تجاهه ‪ ،‬كحقّ الشّفعة ‪ ،‬فتركه ل يعتبر‬
‫ن ابن عبد‬
‫إبراءً ‪ ،‬بل هو إسقاطٌ ‪ .‬وبذلك يتبيّن أنّ بينهما عموما وخصوصا من وجهٍ ‪ .‬غير أ ّ‬
‫السّلم من المالكيّة يعتبر البراء أعمّ من جه ٍة أخرى ‪ ،‬إذ يقول ‪ :‬السقاط في المعيّن ‪،‬‬
‫والبراء أعمّ منه ‪ ،‬لنّه يكون في المعيّن وغيره ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬الصّلح ‪:‬‬
‫‪ - 3‬الصّلح اسمٌ بمعنى ‪ :‬المصالحة والتّوفيق والسّلم ‪.‬‬
‫وشرعا ‪ :‬عق ٌد يقتضي قطع النّزاع والخصومة ‪ .‬ويجوز في الصّلح إسقاط بعض الحقّ ‪،‬‬
‫ت ‪ .‬فإذا كانت المصالحة على أخذ البدل فالصّلح‬
‫سوا ٌء أكان عن إقرارٍ أم إنكارٍ أم سكو ٍ‬
‫ص وجهيّ ‪.‬‬
‫معاوضةٌ ‪ ،‬وليس إسقاطا ‪ ،‬فبينهما عمومٌ وخصو ٌ‬
‫ج ‪ -‬المقاصّة ‪:‬‬
‫ل منهم صاحبه في الحساب ‪ ،‬فحبس عنه مثل ما كان له‬
‫ص القوم ‪ :‬إذا قاصّ ك ّ‬
‫‪ - 4‬يقال تقا ّ‬
‫ن على غريمه في مثل ما‬
‫ع من السقاط ‪ ،‬إذ هي إسقاط ما للنسان من دي ٍ‬
‫عليه ‪ .‬والمقاصّة نو ٌ‬
‫ن السقاط المطلق يكون بعوضٍ وبغير عوضٍ ‪ ،‬وبذلك‬
‫عليه ‪ .‬فهي إسقاطٌ بعوضٍ ‪ ،‬في حين أ ّ‬
‫ص من السقاط ‪ .‬ولها شروطٌ تنظر في موضعها ‪.‬‬
‫تكون المقاصّة أخ ّ‬
‫د ‪ -‬العفو ‪:‬‬
‫‪ - 5‬من معاني العفو ‪ :‬المحو والسقاط وترك المطالبة ‪ ،‬يقال ‪ :‬عفوت عن فلنٍ إذا تركت‬
‫مطالبته بما عليه من الحقّ ‪ ،‬ومنه قوله تعالى ‪ { :‬والعافين عن النّاس } ‪ .‬أي التّاركين‬
‫مظالمهم عندهم ل يطالبونهم بها ‪ .‬فالعفو الّذي يستعمل في ترك الحقّ مساوٍ للسقاط في‬
‫ن العفو على إطلقه أعمّ لتعدّد استعمالته ‪.‬‬
‫المعنى ‪ ،‬إلّ أ ّ‬
‫هم ‪ -‬التّمليك ‪:‬‬
‫‪ - 6‬التّمليك ‪ :‬نقل الملك وإزالته إلى مالكٍ آخر ‪ ،‬سوا ٌء أكان المنقول عينا كما في البيع ‪ ،‬أم‬
‫ض كما سبق ‪ ،‬أم بدونه كالهبة ‪ .‬والتّمليك بعمومه‬
‫منفع ًة كما في الجارة ‪ ،‬وسواءٌ أكان بعو ٍ‬
‫ن السقاط إزالةٌ وليس‬
‫يفارق السقاط بعمومه ‪ ،‬إذ التّمليك إزال ٌة ونقلٌ إلى مالكٍ ‪ ،‬في حين أ ّ‬
‫نقلً ‪ ،‬كما أنّه ليس إلى مالكٍ ‪ ،‬لكنّهما قد يجتمعان في البراء من الدّين ‪ ،‬عند من يعتبره‬
‫تمليكا ‪ ،‬كالمالكيّة وبعض فقهاء الحنفيّة والشّافعيّة ‪ ،‬ولذلك يشترطون فيه القبول ‪.‬‬
‫صفة السقاط ‪ :‬حكمه التّكليفيّ ‪:‬‬
‫‪ - 7‬السقاط من التّصرّفات المشروعة في الجملة ‪ ،‬إذ هو تصرّف النسان في خالص حقّه ‪،‬‬
‫دون أن يمسّ ذلك حقّا لغيره ‪ .‬والصل فيه الباحة ‪ ،‬وقد تعرض له الحكام التّكليفيّة الخرى‬
‫‪ .‬فيكون واجبا ‪ ،‬كترك وليّ الصّغير الشّفعة الّتي وجبت للصّغير ‪ ،‬إذا كان الحظّ في تركها ‪،‬‬
‫لنّه يجب عليه النّظر في ماله بما فيه حظّ وغبطةٌ له ‪ .‬وكالطّلق الّذي يراه الحكمان إذا وقع‬
‫الشّقاق بين الزّوجين ‪ ،‬وكذلك طلق الرّجل إذا آلى من زوجته ولم يفئ إليها ‪.‬‬
‫ويكون مندوبا إذا كان قربةً ‪ ،‬كالعفو عن القصاص ‪ ،‬وإبراء المعسر ‪ ،‬والعتق ‪ ،‬والكتابة ‪.‬‬
‫ومن النّصوص الدّالّة على النّدب في العفو عن القصاص قوله تعالى ‪ { :‬والجروح قصاصٌ ‪،‬‬
‫فمن تصدّق به فهو كفّارةٌ له } ‪ .‬فندب اللّه تعالى إلى العفو والتّصدّق بحقّ القصاص ‪ ..‬وفي‬
‫إبراء المدين قوله تعالى ‪ { :‬وإن كان ذو عسر ٍة فنظرةٌ إلى ميسرةٍ وأن تصدّقوا خيرٌ لكم إن‬
‫كنتم تعلمون } يقول القرطبيّ ‪ :‬ندب اللّه تعالى بهذه اللفاظ إلى الصّدقة على المعسر ‪ ،‬وجعل‬
‫ذلك خيرا من إنظاره ‪ ، .‬ولذلك يقول الفقهاء ‪ :‬إنّ المندوب هنا وهو البراء أفضل من‬
‫الواجب وهو النظار ‪ .‬وقد يكون حراما ‪ ،‬كطلق البدعة ‪ ،‬وهو طلق المدخول بها في حال‬
‫ي الصّغير عن القصاص مجّانا ‪.‬‬
‫ل ‪ ،‬وكذلك عفو ول ّ‬
‫الحيض من غير حم ٍ‬
‫ب يستدعيه ‪،‬‬
‫وقد يكون مكروها ‪ ،‬كالطّلق بدون سب ٍ‬
‫لقول النّبيّ صلى ال عليه وسلم ‪ « :‬أبغض الحلل إلى اللّه الطّلق » ‪.‬‬
‫الباعث على السقاط ‪:‬‬
‫‪ - 8‬تصرّفات المكلّفين فيما يملكون التّصرّف فيه ل تأتي عفوا ‪ ،‬بل تكون لها بواعث ‪ ،‬قد‬
‫تكون شرعيّةً ‪ ،‬فيكون التّصرّف استجابةً لوامر الشّرع ‪ ،‬وقد تكون لمصالح شخصيّةٍ ‪.‬‬
‫والسقاط من التّصرّفات الّتي يتأتّى فيها الباعث الشّرعيّ والشّخصيّ ‪.‬‬
‫فمن البواعث الشّرعيّة ‪:‬‬
‫ل النّاس ‪ ،‬وذلك العتق الّذي حثّ عليه السلم ‪.‬‬
‫العمل على ح ّريّة النسان الّتي هي الصل لك ّ‬
‫ومنها ‪ :‬البقاء على الحياة ‪ ،‬وذلك بإسقاط حقّ القصاص ممّن ثبت له هذا الحقّ ‪.‬‬
‫ومنها ‪ :‬معاونة المعسرين ‪ ،‬وذلك بإسقاط الدّين عنهم إن وجد ‪ ،‬وقد سبق ذكر النّصوص‬
‫الدّالّة على مشروعيّة ذلك ‪.‬‬
‫ومنها ‪ :‬إرادة نفع الجار ‪ ،‬كما في وضع خشبه على جدار جاره وذلك لقول النّبيّ صلى ال‬
‫عليه وسلم ‪ « :‬ل يمنع جارٌ جاره أن يغرز خشبه في جداره » إلى غير ذلك ممّا ل يتّسع‬
‫المقام لذكره ‪.‬‬
‫أمّا البواعث الشّخصيّة ‪:‬‬
‫فمنها ‪ :‬رجاء حسن العشرة بين الزّوجين ‪ ،‬ممّا يدعو الزّوجة إلى إبراء زوجها من المهر في‬
‫نكاح التّفويض بعد الدّخول ‪ ،‬أو إسقاط الزّوجة حقّها في القسم ‪.‬‬
‫ومنها ‪ :‬السراع في الحصول على الح ّريّة ‪ ،‬وذلك كالمكاتب ‪ ،‬إذا أسقط حقّه في الجل في‬
‫سيّد يلزمه أخذ المال ‪ ،‬لنّ‬
‫ن ال ّ‬
‫أداء المال المكاتب ‪ ،‬عليه ‪ ،‬فعجّل أداء النّجوم ( القساط ) ‪ ،‬فإ ّ‬
‫سيّد أخذ المال جعله المام‬
‫الجل حقّ المكاتب فيسقط بإسقاطه كسائر الحقوق ‪ ،‬حتّى لو أبى ال ّ‬
‫في بيت المال ‪ ،‬وحكم بعتقه ‪.‬‬
‫ومنها ‪ :‬النتفاع المادّيّ ‪ ،‬كالخلع والعفو عن القصاص على مالٍ ‪.‬‬
‫أركان السقاط ‪:‬‬
‫‪ - 9‬ركن السقاط عند الحنفيّة هو الصّيغة فقط ‪ ،‬ويزاد عليها عند غيرهم ‪ :‬الطّرفان ‪-‬‬
‫المسقط وهو صاحب الحقّ ‪ ،‬والمسقط عنه الّذي تقرّر الحقّ قبله ‪ -‬والمحلّ وهو الحقّ الّذي‬
‫يرد عليه السقاط ‪ .‬الصّيغة ‪:‬‬
‫ن الصّيغة تتكوّن من اليجاب والقبول معا في العقد ‪ ،‬وهي هنا كذلك‬
‫‪ - 10‬ممّا هو معلومٌ أ ّ‬
‫ض كالطّلق على مالٍ ‪.‬‬
‫باتّفاقٍ في الجملة في السقاطات الّتي تقابل بعو ٍ‬
‫وفي غيرها اختلف الفقهاء بالنّسبة للقبول على ما سيأتي ‪.‬‬
‫اليجاب في الصّيغة ‪:‬‬
‫‪ - 11‬اليجاب في الصّيغة ‪ ،‬هو ما يدلّ على السقاط من قولٍ ‪ ،‬أو ما يؤدّي معنى القول ‪،‬‬
‫ت ‪ .‬ويلحظ أنّ السقاطات قد ميّز بعضها بأسماءٍ‬
‫من إشار ٍة مفهم ٍة أو كتاب ٍة أو فعلٍ أو سكو ٍ‬
‫خاصّ ٍة تعرف بها ‪ ،‬فإسقاط الحقّ عن ال ّرقّ عتقٌ ‪ ،‬وعن استباحة البضع طلقٌ ‪ ،‬وعن‬
‫القصاص عفوٌ ‪ ،‬وعن الدّين إبراءٌ ‪ .‬ولكلّ نوعٍ من هذه السقاطات صي ٌغ خاصّةٌ سوا ٌء أكانت‬
‫صريحةً ‪ ،‬أم كنايةً تحتاج إلى نّيةٍ أو قرينةٍ ‪ .‬ر ‪ ( :‬طلقٌ ‪ ،‬عتقٌ ) ‪.‬‬
‫ل عليها هو السقاط ‪ .‬وما‬
‫أمّا غير هذه النواع من السقاطات ‪ ،‬فإنّ حقيقة اللّفظ الّذي يد ّ‬
‫بمعناه ‪ .‬وقد ذكر الفقهاء ألفاظا متعدّدةً تؤدّي معنى السقاط ‪ ،‬وذلك مثل ‪ :‬التّرك والحطّ‬
‫والعفو والوضع والبراء في براءة السقاط والبطال والحلل ‪ ،‬والمدار في ذلك على العرف‬
‫ودللة الحال ‪ ،‬ولذلك جعلوا من اللفاظ الّتي تدلّ عليه ‪ :‬الهبة والصّدقة والعطيّة حين ل يراد‬
‫بهذه اللفاظ حقيقتها وهي التّمليك ‪ ،‬ويكون المقام دالّ على السقاط ‪ ،‬ففي شرح منتهى‬
‫الرادات ‪ :‬من أبرأ من دينه ‪ ،‬أو وهبه لمدينه ‪ ،‬أو أحلّه منه ‪ ،‬أو أسقطه عنه ‪ ،‬أو تركه له ‪،‬‬
‫ح ذلك جميعه ‪ ،‬وكان مسقطا للدّين ‪.‬‬
‫أو ملّكه له ‪ ،‬أو تصدّق به عليه ‪ ،‬أو عفا عن الدّين ‪ ،‬ص ّ‬
‫ح بلفظ الهبة والصّدقة والعطيّة ‪ ،‬لنّه لمّا لم يكن هناك عينٌ موجود ٌة يتناولها اللّفظ‬
‫وإنّما ص ّ‬
‫انصرف إلى معنى البراء ‪ .‬قال الحارثيّ ‪ :‬ولهذا لو وهبه دينه هب ًة حقيقيّ ًة لم يصحّ ‪ ،‬لنتفاء‬
‫معنى السقاط وانتفاء شرط الهبة ‪ .‬وكما يحصل السقاط بالقول ‪ ،‬فإنّه يحصل بالكتابة‬
‫المعنونة المرسومة ‪ ،‬وبالشارة المفهمة من فاقد النّطق ‪.‬‬
‫كذلك قد يحصل السقاط بالسّكوت ‪ ،‬كما إذا علم الشّفيع ببيع المشفوع فيه ‪ ،‬وسكت مع إمكان‬
‫الطّلب ‪ ،‬فإنّ سكوته يسقط حقّه في طلب الشّفعة ‪ .‬ويحصل السقاط أيضا نتيجة فعلٍ يصدر‬
‫من صاحب الحقّ ‪ ،‬كمن يشتري بشرط الخيار ‪ ،‬ثمّ يتصرّف في المبيع بوقفٍ أو بيعٍ في زمن‬
‫ن هذا التّصرّف يعتبر إسقاطا لحقّه في الخيار ‪.‬‬
‫الخيار ‪ ،‬فإ ّ‬
‫القبول ‪:‬‬
‫ن جائز التّصرّف ل يمنع من إسقاط‬
‫‪ - 12‬الصل في السقاط أن يتمّ بإرادة المسقط وحده ‪ ،‬ل ّ‬
‫س حقّ غيره ‪.‬‬
‫حقّه ‪ ،‬ما دام لم يم ّ‬
‫ن السقاط المحض الّذي ليس فيه معنى التّمليك ‪ ،‬والّذي لم‬
‫ومن هنا فإنّ الفقهاء يتّفقون على أ ّ‬
‫ل ‪ ،‬أو ما يؤدّي معناه دون توقّفٍ على قبول‬
‫يقابل بعوضٍ ‪ ،‬يتمّ بصدور ما يحقّق معناه من قو ٍ‬
‫الطّرف الخر ‪ ،‬كالطّلق ‪ ،‬فل يحتاج الطّلق إلى قبولٍ ‪.‬‬
‫‪ - 13‬ويتّفقون كذلك على أنّ السقاط الّذي يقابل بعوضٍ يتوقّف نفاذه على قبول الطّرف‬
‫ن السقاط حينئذٍ يكون معاوضةً ‪ ،‬فيتوقّف ثبوت‬
‫الخر في الجملة ‪ ،‬كالطّلق على مالٍ ‪ ،‬ل ّ‬
‫الحكم على قبول دفع العوض من الطّرف الخر ‪ ،‬إذ المعاوضة ل تتمّ إلّ برضى الطّرفين ‪.‬‬
‫وقد ألحق الحنفيّة بهذا القسم الصّلح على دم العمد ‪ ،‬فإنّ الحكم فيه يتوقّف على رضى‬
‫الجاني ‪ ،‬لقوله تعالى ‪ { :‬فمن عفي له من أخيه شيءٌ فاتّباعٌ بالمعروف وأداءٌ إليه بإحسانٍ }‬
‫ق ثابتٌ للورثة يجري فيه السقاط عفوا ‪ ،‬فكذا تعويضا ‪،‬‬
‫والمراد به الصّلح ‪ .‬ولنّه ح ّ‬
‫لشتماله على إحسان الولياء وإحياء القاتل ‪ ،‬فيجوز بالتّراضي ‪.‬‬
‫ل للمام مالكٍ وبعض أصحابه ‪ .‬وعند الشّافعيّة والحنابلة ‪ ،‬وفي‬
‫وما ذهب إليه الحنفيّة هو قو ٌ‬
‫قولٍ آخر للمام مالكٍ أنّ من له حقّ القصاص ‪ ،‬إذا أراد أخذ الدّية بدل القصاص ‪ ،‬فله ذلك‬
‫من غير رضى الجاني ‪ ،‬لقوله تعالى ‪ { :‬فمن عفي له من أخيه شيءٌ فاتّباعٌ بالمعروف وأداءٌ‬
‫ن } ولما روى أبو هريرة رضي ال عنه قال ‪ « :‬قام رسول اللّه صلى ال عليه‬
‫إليه بإحسا ٍ‬
‫وسلم فقال ‪ :‬من قتل له قتيلٌ فهو بخير النّظرين ‪ ،‬إمّا أن يودى ‪ ،‬وإمّا أن يقاد » ‪ .‬وبهذا قال‬
‫سعيد بن المسيّب وابن سيرين وعطا ٌء ومجاهدٌ وأبو ثورٍ وابن المنذر ‪.‬‬
‫‪ - 14‬ويبقى بعد ذلك السقاط الّذي فيه معنى التّمليك ‪ ،‬كإبراء المدين من الدّين ‪.‬‬
‫وهذا النّوع من السقاط هو الّذي اختلف فيه الفقهاء على أساس ما فيه من جانبي السقاط‬
‫والتّمليك ‪ .‬فالحنفيّة ‪ ،‬والشّافعيّة في الصحّ ‪ ،‬والحنابلة وأشهب من المالكيّة ‪ ،‬نظروا إلى جانب‬
‫ن جائز التّصرّف ل يمنع من إسقاط‬
‫السقاط فيه ‪ ،‬فل يتوقّف تمامه عندهم على القبول ‪ ،‬ل ّ‬
‫حقّه أو بعضه ‪ .‬ولنّه إسقاط حقّ ليس فيه تمليك مالٍ ‪ ،‬فلم يعتبر فيه القبول ‪ ،‬كالعتق‬
‫ن الخطيب الشّربينيّ قال ‪ :‬ل يشترط القبول على المذهب ‪ ،‬سواءٌ قلنا‬
‫والطّلق والشّفعة ‪ .‬بل إ ّ‬
‫‪ :‬البراء تمليكٌ أو إسقاطٌ ‪ .‬ويستوي عند هؤلء الفقهاء التّعبير بالبراء أو بهبة الدّين للمدين ‪،‬‬
‫ن التّعبير بالهبة يحتاج إلى القبول ‪ .‬جاء في الفتاوى الهنديّة‬
‫إلّ ما فرّق به بعض الحنفيّة من أ ّ‬
‫‪ :‬هبة الدّين من الكفيل ل تتمّ بدون القبول ‪ ،‬وإبراؤه يت ّم بدون قبولٍ ‪.‬‬
‫‪ - 15‬ولمّا كان البراء من بدل الصّرف ورأس مال السّلم يتوقّف على القبول عند الحنفيّة ‪،‬‬
‫ممّا يشعر بالتّعارض مع رأيهم في عدم توقّف البراء من الدّين على القبول ‪ ،‬فقد علّلوا ذلك‬
‫ن البراء فيهما‬
‫بأنّ التّوقّف على القبول فيهما ليس من جهة أنّه هبة الدّين للمدين ‪ ،‬ولكن ل ّ‬
‫يوجب انفساخ العقد بفوات القبض المستحقّ بالعقد لحقّ الشّارع ‪ ،‬وأحد العاقدين ل ينفرد‬
‫بفسخه ‪ ،‬فلهذا توقّف على قبول الخر ‪ .‬والرجح عند المالكيّة ‪ ،‬وعند بعض الشّافعيّة أنّ‬
‫ل للملك ‪،‬‬
‫ن البراء ‪ -‬على رأيهم ‪ -‬نق ٌ‬
‫إبراء المدين من الدّين يتوقّف تمامه على القبول ‪ ،‬ل ّ‬
‫فهو تمليك المدين ما في ذمّته ‪ ،‬فيكون من قبيل الهبة الّتي يشترط فيها القبول ‪.‬‬
‫والحكمة في ذلك عندهم هي ترفّع ذوي المروءات عمّا قد يحدث في البراء من منّةٍ ‪ ،‬وما قد‬
‫يصيبهم من ضررٍ بذلك ‪ ،‬ل سيّما من السّفلة ‪ ،‬فكان لهم الرّفض شرعا ‪ ،‬نفيا للضّرر الحاصل‬
‫من المنن من غير أهلها ‪ ،‬أو من غير حاجةٍ ‪.‬‬
‫ردّ السقاط ‪:‬‬
‫‪ - 16‬ل يختلف الفقهاء في أنّ السقاطات المحضة الّتي ليس فيها معنى التّمليك ‪ ،‬والّتي لم‬
‫تقابل بعوضٍ ‪ ،‬كالعتق والطّلق والشّفعة والقصاص ل ترتدّ بالرّدّ ‪ ،‬لنّها ل تفتقر إلى‬
‫القبول ‪ ،‬وبالسقاط يسقط الملك والحقّ ‪ ،‬فيتلشى ول يؤثّر فيه ال ّردّ ‪ ،‬والسّاقط ل يعود كما‬
‫ن السقاطات الّتي تقابل بعوضٍ ‪ ،‬كالطّلق والعتق على‬
‫هو معلومٌ ‪ .‬ول يختلفون كذلك في أ ّ‬
‫ل أو طلبٌ ‪.‬‬
‫مالٍ ‪ ،‬ترت ّد بال ّردّ ما لم يسبق قبو ٌ‬
‫‪ - 17‬أمّا ما فيه معنى التّمليك كالبراء من الدّين ‪ ،‬فعند الحنفيّة والمالكيّة في الرّاجح عندهم ‪،‬‬
‫وهو رأي بعض الشّافعيّة ‪ ،‬أنّه يرتدّ بالرّدّ ‪ ،‬نظرا لجانب التّمليك فيه ‪ ،‬ولما قد يترتّب على‬
‫عدم قابليّته لل ّردّ من ضرر المنّة الّتي يترفّع عنها ذوو المروءات ‪.‬‬
‫‪ - 18‬هذا مع استثناء الحنفيّة لبعض المسائل الّتي ل يرتدّ فيها البراء بالرّدّ وهي ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬إذا أبرأ المحال المحال عليه فل يرت ّد بردّه ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬إذا أبرأ الطّالب الكفيل فالرجح أنّه ل يرتدّ بال ّردّ ‪ ،‬وقيل يرتدّ ‪.‬‬
‫ج ‪ -‬إذا طلب المدين البراء فأبرأه الدّائن فل يرتدّ بال ّردّ ‪.‬‬
‫د ‪ -‬إذا قبل المدين البراء ثمّ ردّه ل يرتدّ ‪.‬‬
‫وهذه المسائل في الحقيقة ليست خروجا على الصل الّذي سار عليه الحنفيّة ‪ ،‬ذلك أنّ الحوالة‬
‫ن الواجب هو حقّ المطالبة وليس فيه تمليك مالٍ ‪ .‬وأمّا‬
‫والكفالة من السقاطات المحضة ‪ ،‬ل ّ‬
‫القبول إذا تمّ فل معنى لل ّردّ بعده ‪ ،‬وكذلك طلب المدين البراءة يعتبر قبولً ‪.‬‬
‫ن البراء يرتدّ بال ّردّ إلّ أنّهم يختلفون من حيث تقييد ال ّردّ‬
‫‪ - 19‬ومع اتّفاق الحنفيّة على أ ّ‬
‫بمجلس البراء وعدم تقييده ‪ .‬قال ابن عابدين ‪ :‬هما قولن ‪ .‬وفي الفتاوى الصّيرفيّة ‪ :‬لو لم‬
‫يقبل ولم يردّ حتّى افترقا ‪ ،‬ث ّم بعد أيّامٍ ردّ ل يرتدّ في الصّحيح ‪.‬‬
‫التّعليق والتّقييد والضافة في السقاطات ‪:‬‬
‫‪ - 20‬التّعليق هو ربط وجود الشّيء بوجود غيره ‪ ،‬ويستعمل فيه لفظ أداة الشّرط صريحا ‪،‬‬
‫كإن وإذا ‪ ،‬وانعقاد الحكم فيه يتوقّف على حصول الشّرط ‪.‬‬
‫‪ - 21‬والتّقييد بالشّروط ما جزم فيه بالصل ‪ ،‬وشرط فيه أمرٌ آخر ‪ ،‬ول يستعمل فيه لفظ أداة‬
‫الشّرط صريحا ‪.‬‬
‫‪ - 22‬أمّا الضافة فهي وإن كانت ل تمنع سببيّة اللّفظ للحكم إلّ أنّها تجعل الحكم يتأخّر البدء‬
‫به إلى زمنٍ مستقبلٍ يحدّده المتصرّف ‪.‬‬
‫وبيان ذلك بالنّسبة للسقاطات هو ‪:‬‬
‫أوّلً ‪ :‬تعليق السقاط على الشّرط ‪:‬‬
‫‪ - 23‬يجوز باتّفاق الفقهاء تعليق السقاطات على الشّرط الكائن بالفعل ( أي الموجود حالة‬
‫السقاط ) ‪ ،‬لنّه في حكم المنجز ‪ ،‬كقول الدّائن لغريمه ‪ :‬إن كان لي عليك دينٌ فقد أبرأتك ‪،‬‬
‫وكقول الرّجل لمرأته ‪ :‬أنت طالقٌ إن كانت السّماء فوقنا والرض تحتنا ‪ ،‬وكمن قال لخر ‪:‬‬
‫ن اشترى هذا الشّقص‬
‫باعني فلنٌ دارك بكذا ‪ ،‬فقال ‪ :‬إن كان كذا فقد أجزته ‪ ،‬وإن كان فل ٌ‬
‫بكذا فقد أسقطت الشّفعة ‪ .‬كذلك يجوز باتّفاق الفقهاء التّعليق على موت المسقط ‪ ،‬ويعتبر‬
‫وصيّةً ‪ ،‬كقوله لمدينه ‪ :‬إذا متّ فأنت بريءٌ ‪ .‬وهذا فيما عدا من علّق طلق زوجته على موته‬
‫‪ ،‬إذ فيه الختلف بين تنجيز الطّلق وبين عدم وقوعه ‪.‬‬
‫أمّا فيما عدا ذلك من الشّروط فيمكن تقسيم السقاطات بالنّسبة لها في الجملة إلى التي ‪:‬‬
‫‪ - 24‬أ ‪ -‬إسقاطاتٌ محض ٌة ليس فيها معنى التّمليك ولم تقابل بعوضٍ ‪ .‬وهذه يجوز في‬
‫ن الحنفيّة وضعوا هنا ضابطا فقالوا ‪ :‬إن كانت السقاطات‬
‫الجملة تعليقها على الشّرط ‪ ،‬غير أ ّ‬
‫ممّا يحلف بها ‪ ،‬كالطّلق والعتق ‪ ،‬فإنّه يجوز تعليقها بالشّرط ملئما أم غير ملئمٍ ‪ .‬وإن‬
‫كانت ممّا ل يحلف بها ‪ ،‬كالذن في التّجارة وتسليم الشّفعة ‪ ،‬فإنّه يجوز تعليقها بالشّرط الملئم‬
‫فقط ‪ ،‬وهو ما يؤكّد موجب العقد ‪.‬‬
‫ن المراد بهما واحدٌ ‪ ،‬ففي ابن عابدين ‪:‬‬
‫ويعبّر الحنفيّة أحيانا بالشّرط المتعارف ‪ .‬ويظهر أ ّ‬
‫وفي البحر عن المعراج ‪ :‬غير الملئم هو ما ل منفعة فيه للطّالب أصلً ‪ ،‬كدخول الدّار‬
‫ومجيء الغد ‪ ،‬لنّه غير متعارفٍ ‪ .‬وفي فتح القدير ‪ -‬بعد الكلم عن اختلف الرّوايات في‬
‫جواز تعليق البراءة من الكفالة بالشّرط ‪ -‬قال ‪ :‬وجه اختلف الرّوايتين أنّ عدم الجواز إنّما‬
‫هو إذا كان الشّرط محضا ل منفعة فيه أصلً ‪ ،‬لنّه غير متعارفٍ بين النّاس ‪ ،‬كما ل يجوز‬
‫تعليق الكفالة بشرطٍ ليس للنّاس فيه تعاملٌ ‪ ،‬فأمّا إذا كان بشرطٍ فيه نف ٌع للطّالب ‪ ،‬وله تعاملٌ ‪،‬‬
‫فتعليق البراءة به صحيحٌ ‪ .‬ولم يتعرّض غير الحنفيّة لهذا التّقسيم ‪ ،‬والّذي يبدو ممّا ذكروه أنّه‬
‫يجوز عندهم تعليق السقاطات المحضة على الشّرط مطلقا ‪ ،‬دون تفريقٍ بين ما يحلف به وما‬
‫ل لذلك الضّابط الّذي وضعه الشّافعيّة وهو ‪ :‬ما كان تمليكا محضا ل مدخل‬
‫ل يحلف به ‪ ،‬ويد ّ‬
‫ل محضا ‪ ،‬يدخله التّعليق قطعا كالعتق ‪ ،‬وبينهما مراتب‬
‫للتّعليق فيه قطعا كالبيع ‪ ،‬وما كان ح ّ‬
‫يجري فيها الخلف كالفسخ والبراء ‪ .‬وأمّا المالكيّة والحنابلة فإنّ المسائل الّتي ذكروا أنّها‬
‫تقبل التّعليق تفيد هذا المعنى ‪ .‬وقد ورد الكثير من هذه المسائل في فتاوى الشّيخ عليشٍ المالكيّ‬
‫‪ ،‬ومنها ‪ :‬إذا طلبت الحاضنة النتقال بالولد إلى مكان بعيدٍ ‪ ،‬فقال الب ‪ :‬إن فعلت ذلك‬
‫ن للب منعها من الخروج بهم إلى مكان بعيدٍ ‪،‬‬
‫فنفقتهم وكسوتهم عليك ‪ ،‬لزمها ذلك ‪ ،‬ل ّ‬
‫فأسقط حقّه بذلك ‪ .‬وإذا قال الشّفيع ‪ :‬إن اشتريت ذلك الشّقص فقد سلّمت لك شفعتي على دينارٍ‬
‫تعطيني إيّاه ‪ ،‬فإن لم يبعه منك فل جعل لي عليك ‪ ،‬جاز ذلك ‪.‬‬
‫ت فيها معنى المعاوضة ‪ ،‬كالخلع والمكاتبة ‪ .‬وما يلحق بهما من الطّلق‬
‫‪ - 25‬ب ‪ -‬إسقاطا ٌ‬
‫والعتق على مالٍ ‪ .‬فالطّلق على مالٍ وكذا العتق على مالٍ تعليقهما جائزٌ باتّفاقٍ ‪ ،‬لنّهما‬
‫إسقاطٌ محضٌ ‪ ،‬والمعاوضة فيهما معدولٌ بها عن سائر المعاوضات ‪.‬‬
‫وأمّا الخلع فقد أجاز تعليقه الحنفيّة والمالكيّة والشّافعيّة في الصّحيح ‪ ،‬باعتباره طلقا ‪ ،‬ومنعه‬
‫الحنابلة لمعنى المعاوضة ‪.‬‬
‫وأمّا المكاتبة فقد أجاز تعليقها بالشّرط الحنفيّة والمالكيّة ‪ ،‬ومنعها الحنابلة والشّافعيّة ‪ ،‬جاء في‬
‫قواعد الزّركشيّ ‪ :‬المعاوضة غير المحضة وهي الّتي يكون المال فيها مقصودا من جانبٍ‬
‫واحدٍ ( أي كالمكاتبة ) ل تقبل التّعليق ‪ ،‬إلّ في الخلع من جانب المرأة ‪.‬‬
‫‪ - 26‬ج ‪ -‬السقاط الّذي فيه معنى التّمليك ‪ ،‬كالبراء من الدّين ‪ .‬وقد أجاز تعليقه على‬
‫الشّرط الحنفيّة والمالكيّة ‪ .‬غير أنّ الحنفيّة قيّدوه بالشّرط الملئم أو المتعارف على ما سبق‬
‫تفسيره ‪ .‬ومنع تعليقة الحنابلة والشّافعيّة في الصحّ ‪.‬‬
‫وقد استثنى الشّافعيّة ثلث صورٍ يجوز فيها التّعليق ‪ ،‬وهي ‪:‬‬
‫( ‪ ) 1‬لو قال ‪ :‬إن رددت ضالّتي فقد أبرأتك عن الدّين الّذي لي عليك صحّ ‪.‬‬
‫( ‪ ) 2‬تعليق البراء ضمنا ‪ ،‬كما إذا علّق عتق عبده ‪ ،‬ثمّ كاتبه فوجدت الصّفة ‪ ،‬عتق ‪،‬‬
‫وتضمّن ذلك البراء من النّجوم ( أي القساط ) ‪.‬‬
‫( ‪ ) 3‬البراءة المعلّقة بموت المبرّئ ‪ ،‬وقد سبق بيان ذلك ‪.‬‬
‫ثانيا ‪ :‬تقييد السقاط بالشّرط ‪:‬‬
‫ح في الجملة تقييد السقاطات بالشّروط ‪ ،‬فإن كان الشّرط صحيحا لزم ‪ ،‬وإن كان‬
‫‪ - 27‬يص ّ‬
‫ب تفصيلٌ في الحكم على ما يعتبر فاسدا من الشّروط وما ل يعتبر ‪،‬‬
‫الشّرط فاسدا فلكلّ مذه ٍ‬
‫وهل يبطل التّصرّف بفساد الشّرط ‪ ،‬أو يبطل الشّرط ويصحّ التّصرّف ‪ .‬ونترك التّفاصيل‬
‫ح وبطل‬
‫لمواضعها ‪ .‬لكنّ الحكم الغالب في السقاطات أنّها لو قيّدت بالشّرط الفاسد ‪ ،‬ص ّ‬
‫الشّرط ‪ .‬ويتبيّن هذا ممّا ذكره بعض الفقهاء من الضّوابط ‪ ،‬ومن الفروع الّتي أوردها‬
‫غيرهم ‪ ،‬وفيما يلي بيان ذلك ‪.‬‬
‫ل ما جاز تعليقه بالشّرط يجوز تقييده بالشّرط ‪ ،‬ول يفسد بالشّرط ‪ ،‬الفاسد ‪.‬‬
‫قال الحنفيّة ‪ :‬ك ّ‬
‫ل بمالٍ ل يفسد بالشّرط الفاسد ‪ .‬وذكر صاحب الدّرّ وابن‬
‫وقالوا أيضا ‪ :‬ما ليس مبادلة ما ٍ‬
‫ح ول تفسد بالشّرط الفاسد ‪ ،‬ومنها ‪ :‬الطّلق والخلع والعتق‬
‫عابدين التّصرّفات الّتي تص ّ‬
‫واليصاء والشّركة والمضاربة والكفالة والحوالة والوكالة والكتابة والذن في التّجارة والصّلح‬
‫عن دم العمد والبراء عنه ‪ .‬أمّا المالكيّة والشّافعيّة فلم يربطوا بين التّعليق والتّقييد ‪ ،‬فقد ذكر‬
‫ن ما يقبل الشّرط والتّعليق ‪ :‬الطّلق والعتق ‪ ،‬ول يلزم من قبول التّعليق‬
‫القرافيّ في الفروق أ ّ‬
‫قبول الشّرط ‪ ،‬ول من قبول الشّرط قبول التّعليق ‪ ،‬وتطلب المناسبة في كلّ بابٍ من أبواب‬
‫الفقه ‪ .‬ومن المثلة الّتي وردت عندهم ‪ :‬لو خالعت زوجها واشترطت الرّجعة ‪ ،‬لزم الخلع ‪،‬‬
‫وبطل الشّرط ‪ .‬ولو صالح الجاني وليّ الدّم على شيءٍ بشرط أن يرحل من البلد ‪ ،‬فقال ابن‬
‫كنانة ‪ :‬الشّرط باطلٌ والصّلح جائزٌ ‪ ،‬وقال ابن القاسم ‪ :‬ل يجوز الصّلح ‪ ،‬وقال المغيرة ‪:‬‬
‫الشّرط جائزٌ والصّلح لزمٌ ‪ ،‬وكان سحنونٌ يعجبه قول المغيرة ‪.‬‬
‫ويقول الشّافعيّة ‪ :‬الشّرط الفاسد قد يترتّب عليه بعض أحكام الصّحيح ‪ ،‬ومثل ذلك في‬
‫السقاطات الكتابة والخلع ‪ .‬وممّا قاله الحنابلة في ذلك ‪ :‬إذا قيّد الخلع بشرطٍ فاسدٍ صحّ الخلع‬
‫ولغا الشّرط ‪ .‬وفي المغني ‪ :‬العتق والطّلق ل تبطلهما الشّروط الفاسدة ‪.‬‬
‫ثالثا ‪ :‬إضافة السقاط إلى الزّمن المستقبل ‪:‬‬
‫‪ - 28‬من التّصرّفات ما يظهر أثرها ويترتّب عليها الحكم بمجرّد تمّام الصّيغة ‪ ،‬ول تقبل‬
‫إرجاء حكمها إلى زمنٍ آخر كالزّواج والبيع ‪ .‬ومن التّصرّفات ما تكون طبيعتها تمنع ظهور‬
‫أثرها إلّ في زمنٍ مستقبلٍ ‪ ،‬كالوصيّة ‪ .‬ومن التّصرّفات ما يقع حكمه منجزا ‪ ،‬كالطّلق تنتهي‬
‫ل عند حصوله‬
‫به الزّوجيّة في الحال ‪ ،‬ويصحّ أن يضاف إلى زمنٍ مستقبلٍ ل تنتهي الزّوجيّة إ ّ‬
‫‪ .‬وإضافة الطّلق إلى الزّمن المستقبل جائزٌ عند الحنفيّة والشّافعيّة والحنابلة ‪ .‬وهو منجزٌ عند‬
‫المالكيّة ولو أض