You are on page 1of 185

‫الموسوعة الفقهية ‪ /‬الجزء الثامن‬

‫بئر *‬
‫انظر ‪ :‬آبار ‪.‬‬
‫بئر بضاعة *‬
‫انظر ‪ :‬آبار ‪.‬‬

‫باءة *‬
‫التّعريف ‪:‬‬
‫ل في المنزل غالبا ‪ ،‬أو لنّ‬
‫‪ -1‬الباءة لغ ًة ‪ :‬النّكاح ‪ ،‬كنّي به عن الجماع ‪ .‬إمّا لنّه ل يكون إ ّ‬
‫الرّجل يتبوّأ من أهله ‪ -‬أي يستمكن منها ‪ -‬كما يتبوّأ من داره ‪.‬‬
‫غضّ للبصرِ‬
‫ج ‪ ،‬فإنّه أَ َ‬
‫وفي الحديث ‪ « :‬يا معشرَ الشّباب ‪ ،‬من استطاعَ منكم البَاءَ َة فَ ْليَتَزوّ ْ‬
‫ن لِلْ َفرْجِ ‪ .‬ومن لم يستطعْ فعليه بالصّومِ ‪ ،‬فإنّه له وِجا ٌء » ‪.‬‬
‫حصَ ُ‬
‫وَأ ْ‬
‫وقال شارح المنهاج ‪ :‬الباءة ‪ :‬مؤن النّكاح ‪.‬‬
‫اللفاظ ذات الصّلة ‪:‬‬
‫‪ - 2‬أ ‪ -‬الباءة ‪ :‬هو الوطء ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬أهبة النّكاح ‪ :‬القدرة على مؤنه من مهرٍ وغيره ‪ ،‬فهي بمعنى الباءة على قول من فسّر‬
‫الحديث بذلك ‪.‬‬
‫الحكم الجماليّ ‪:‬‬
‫‪ - 3‬الباءة بمعنى الوطء تنظر أحكامها في موضوعها ( ر ‪ :‬وطء ) ‪.‬‬
‫أمّا بمعنى مؤن النّكاح فإنّ من وجدها ‪ ،‬وكانت نفسه تتوق إلى الوطء ‪ ،‬ول يخشى الوقوع في‬
‫المحرّم ‪ ،‬استحبّ له النّكاح ‪ .‬لقوله صلى ال عليه وسلم ‪ « :‬يا معشر الشّباب من استطاع‬
‫منكم الباءة فليتزوّجْ ‪ » ...‬الحديث ‪ .‬فإن كان يتحقّق الوقوع في المحظور ‪ ،‬فيفترض عليه‬
‫النّكاح ‪ ،‬لنّه يلزمه إعفاف نفسه ‪ ،‬وصونها عن الحرام ‪.‬‬
‫ل به يكون فرضا ‪.‬‬
‫قال ابن عابدين ‪ :‬ولنّ ما ل يتوصّل إلى ترك الحرام إ ّ‬
‫أمّا إن وجد الهبة ‪ ،‬وكان به مرض كهرمٍ ونحوه ‪ ،‬فإنّ من الفقهاء من كره له النّكاح ‪ ،‬ومنهم‬
‫من قال بحرمته لضراره بالمرأة ‪ .‬ويختلف الفقهاء في حكم النّكاح بالنّسبة لمن وجد الباءة ‪،‬‬
‫ن التّخلّي للعبادة‬
‫ولم تتق نفسه للوطء ‪ ،‬منهم من يرى أنّ النّكاح أفضل ‪ .‬ومنهم من يرى أ ّ‬
‫أفضل ‪ ،‬وتفصيل ذلك كلّه يذكره الفقهاء في أوّل كتاب النّكاح ‪.‬‬
‫بادي *‬
‫انظر ‪ :‬بدو ‪.‬‬

‫بازلة *‬
‫التّعريف ‪:‬‬
‫شقّ ‪ .‬يقال ‪ :‬بزل الرّجل الشّيء يبزله بزلً ‪ :‬شقّه ‪.‬‬
‫‪ - 1‬من معاني البزل في اللّغة ‪ :‬ال ّ‬
‫والبازلة من الشّجاج ‪ :‬هي الّتي تبزل الجلد ‪ ،‬أي تشقّه ‪ ،‬يقال انبزل الطّلع ‪ :‬أي تشقّق ‪.‬‬
‫أمّا في استعمال الفقهاء ‪ :‬فهي الّتي تشقّ الجلد ويرشح منها الدّم ‪.‬‬
‫وسمّاها بعضهم ‪ -‬ومنهم الحنفيّة ‪ -‬الدّامعة ‪ ،‬لقلّة ما يخرج منها من الدّم ‪ ،‬تشبيها بدمع‬
‫العين ‪ ،‬وسمّيت أيضا ‪ :‬الدّامية ‪.‬‬
‫الحكم الجماليّ ‪:‬‬
‫‪ - 2‬ذهب جمهور الفقهاء إلى أنّ في البازلة حكومة عدلٍ في العمد وغيره ‪ ،‬وقال المالكيّة ‪:‬‬
‫فيها القصاص في العمد ‪ .‬ولمّا كانت البازلة من أنواع الجراح في الجنايات تكلّم الفقهاء عنها‬
‫في القصاص والدّيات ‪ .‬وتفصيل ذلك في أبواب الجنايات ‪ ،‬والدّيات ‪.‬‬

‫باسور *‬
‫انظر ‪ :‬أعذار ‪.‬‬

‫باضعة *‬
‫التّعريف ‪:‬‬
‫‪ -1‬من معاني البضع في اللّغة ‪ .‬الشّقّ ‪ .‬يقال ‪ :‬بضع الرّجل الشّيء يبضعه ‪ :‬إذا شقّه ‪ .‬ومنه‬
‫شجّة الّتي تشقّ اللّحم بعد الجلد ‪ ،‬ول تبلغ العظم ‪،‬ول يسيل بها الدّم‪.‬‬
‫الباضعة ‪ :‬وهي ال ّ‬
‫الحكم الجماليّ ‪:‬‬
‫‪ - 2‬الباضعة من أنواع الجراح في الرّأس ‪ ،‬وقد تكلّم الفقهاء عن حكمها في الجنايات والدّيات‬
‫ل في العمد وغيره ‪ ،‬وهي ما‬
‫ن فيها حكومة عد ٍ‬
‫‪ ،‬وتفصيلها فيهما ‪ .‬فذهب جمهور الفقهاء إلى أ ّ‬
‫يقدّره أهل الخبرة تعويضا عن الجناية ‪ ،‬بما ل يزيد عن دية أصل العضو المصاب ‪ .‬وقال‬
‫المالكيّة ‪ :‬فيها القصاص في العمد ‪.‬‬

‫باطل *‬
‫انظر ‪ :‬بطلن ‪.‬‬
‫باغي *‬
‫انظر ‪ :‬بغاةً ‪.‬‬

‫بتات *‬
‫التّعريف ‪:‬‬
‫ت الحبل ‪ :‬أي قطعته قطعا مستأصلً ‪.‬‬
‫‪ - 1‬البتات في اللّغة ‪ :‬القطع المستأصل ‪ .‬يقال ‪ :‬بت ّ‬
‫ويقال ‪ :‬طلّقها ثلثا بتّ ًة وبتاتا ‪ :‬أي بتل ًة بائنةً ‪ ،‬يعني قطعا ل عود فيها ‪ .‬ويقال ‪ :‬الطّلقة‬
‫الواحدة تبتّ وتبتّ ‪ :‬أي تقطع عصمة النّكاح إذا انقضت العدّة ‪ ،‬كما يقال ‪ :‬حلف على ذلك‬
‫يمينا بتّا وبتّ ًة وبتاتا ‪ :‬أي يمينا قد أمضاها ‪ .‬ومثل البتات ‪ :‬البتّ ‪ ،‬وهو مصدر بتّ ‪ :‬إذا قطع‬
‫ت امرأته ‪ :‬إذا قطعها عن الرّجعة ‪ .‬وأبتّ طلقها كذلك‬
‫ت الرّجل طلق امرأته ‪ ،‬وب ّ‬
‫‪ .‬يقال ‪ :‬ب ّ‬
‫ت طلقها ‪ ،‬وأبتّ ‪ ،‬وطلق باتّ‬
‫‪ .‬ويستعمل الفعلن ‪ :‬بتّ وأبتّ لزمين كذلك ‪ ،‬فيقال ‪ :‬ب ّ‬
‫ت القاضي الحكم عليه ‪ :‬إذا قطعه ‪ ،‬أي‬
‫ت بمعنى اللزام فيقال ‪ :‬ب ّ‬
‫ت ‪ ،‬كما يستعمل الب ّ‬
‫ومب ّ‬
‫ألزمه ‪ ،‬وبتّ ال ّنيّة ‪ :‬جزمها ‪.‬‬
‫ن الشّافعيّة يوقعون الطّلق بلفظ "‬
‫ول تختلف معاني هذه اللفاظ في الفقه عنها في اللّغة ‪ ،‬إلّ أ ّ‬
‫ل بها ‪ ،‬ونوى بها أقلّ من الثّلث ‪.‬‬
‫ألبتّة " رجعيّا إن كانت المطلّقة مدخو ً‬
‫ت‪.‬‬
‫كما أنّهم يعبّرون عن خل ّو العقد عن الخيار بالبتّ فيقال ‪ :‬البيع على الب ّ‬
‫وهو راجع إلى المعنى اللّغويّ كما ل يخفى ‪ .‬وكذا يعبّرون عن المعتدّة الّتي طلقت ثلثا ‪ ،‬أو‬
‫ت ‪ ،‬وهي خلف الرّجعيّة ‪.‬‬
‫فرّق بينها وبين زوجها بخيار الجبّ والعنّة ونحوهما بمعتدّة الب ّ‬
‫الحكم الجماليّ ‪:‬‬
‫‪ - 2‬ذهب المالكيّة والحنابلة إلى وقوع الطّلق ثلثا ‪ ،‬فيمن طلّق زوجته بقوله ‪ :‬هي بتّة ‪،‬‬
‫لنّه طلّق امرأته بلفظٍ يقتضي البينونة ‪ .‬والبتّ ‪ :‬هو القطع ‪ ،‬فكأنّه قطع النّكاح له ‪ ،‬واحتجّوا‬
‫على ذلك بعمل الصّحابة ‪.‬‬
‫وعند الحنفيّة يقع واحدةً بائن ًة ‪ ،‬لنّه وصف الطّلق بما يحتمل البينونة ‪.‬‬
‫وقال الشّافعيّ ‪ :‬يرجع إلى ما نواه ‪ .‬وهي رواية عند الحنابلة اختارها أبو الخطّاب منهم ‪.‬‬
‫وتمام الكلم على ذلك محلّه كتاب الطّلق ‪.‬‬
‫مواطن البحث ‪:‬‬
‫‪ - 3‬تعرّض الفقهاء للبتات ‪ -‬ومثله بقيّة المصادر والمشتقّات ‪ -‬في كتاب الطّلق ‪ ،‬في الكلم‬
‫على ألفاظ الطّلق كما سبق ‪ .‬كما تعرّضوا في كتاب العدّة لمعتدّة البتّ ‪ ،‬وهل عليها الحداد ؟‬
‫ظ كنائيّ ‪ ،‬ونوى به‬
‫ن البتات يلزم الزّوجة إن ظاهر منها زوجها بلف ٍ‬
‫‪ .‬وفي الظّهار يذكرون أ ّ‬
‫الطّلق ‪ ،‬على تفصيلٍ في ذلك ‪ .‬وفي اليمان ذكروا معنى الحلف على البتّ ‪ ،‬ومقابله الحلف‬
‫ت ‪ .‬وفي الشّهادة ذكروا بيّنة‬
‫على العلم ‪ ،‬أو على نفي العلم ‪ ،‬ومتى يحلف الحالف على الب ّ‬
‫البتّ ‪ ،‬ومقابلها بيّنة السّماع ‪ ،‬ومتى تقدّم الولى على الثّانية ‪ .‬وفي البيع تعرّضوا لذكر البيع‬
‫ت ‪ ،‬باعتباره مقابلً للخيار فيه ‪.‬‬
‫على الب ّ‬

‫بتر *‬
‫التّعريف ‪:‬‬
‫‪ - 1‬البتر لغ ًة ‪ :‬استئصال الشّيء بالقطع ‪ ،‬يقال ‪ :‬بتر الذّنب أو العضو ‪ :‬إذا قطعه‬
‫واستأصله ‪ ،‬كما يطلق على قطع الشّيء دون تمامٍ ‪ ،‬بأن يبقى من العضو شيء ‪.‬‬
‫وقد استعمل اصطلحا بهذين المعنيين عند الفقهاء ‪ .‬وقد يطلق على كلّ قطعٍ ‪ ،‬ومنه قولهم ‪:‬‬
‫سيف بتّار أي قاطع ‪.‬‬
‫الحكم الجماليّ ‪:‬‬
‫‪ - 2‬البتر إمّا أن يكون عدوانا بجناي ٍة ‪ ،‬عمدا أو خطأً ‪ ،‬وذلك محرّم ‪.‬‬
‫وإمّا أن يكون بحقّ ‪ ،‬كقطع اليد حدّا أو قصاصا ‪.‬‬
‫وإمّا أن يكون من وسائل العلج بقطع اليد المصابة بالكلة لمنع السّراية للبدن ‪.‬‬
‫تطهير موضع البتر ‪:‬‬
‫‪ - 3‬من قُطعتْ يده من دون المرفق غسل ما بقي من محلّ الفرض ‪ ،‬وإن قطعت من المرفق‬
‫ن غسل العظمين المتلقيين من الذّراع والعضد‬
‫غسل العظم الّذي هو طرف العضد ‪ ،‬ل ّ‬
‫واجب ‪ ،‬فإذا زال أحدهما غسل الخر ‪ .‬وإن كان من فوق المرفقين سقط الغسل لعدم محلّه ‪.‬‬
‫وللتّفصيل ينظر ( الوضوء ‪ ،‬والغسل ) ‪.‬‬
‫بتر العضاء لضرورةٍ ‪:‬‬
‫‪ - 4‬يجوز بتر عضوٍ فاسدٍ من أعضاء النسان ‪ ،‬خوفا على سلمة الجسم من انتشار العلّة في‬
‫الجميع ‪ .‬والتّفصيل في ( طبّ ‪ ،‬وتداوٍ ) ‪.‬‬
‫بتر العضاء في الجنايات ‪:‬‬
‫‪ - 5‬بتر أعضاء الغير عمدا عدوانا يجب فيه القصاص ‪ ،‬بشروطه المبيّنة في مباحث‬
‫ب معيّنةٍ تذكر في موضعها ‪ ( .‬ر ‪:‬‬
‫القصاص فيما دون النّفس ‪ ،‬وقد يعدل عن القصاص لسبا ٍ‬
‫قصاص ‪ -‬جنايات ) ‪ .‬أمّا بتر العضو خطأً فتجب فيه الدّية المقدّرة لذلك العضو شرعا أو‬
‫الرش بالتّفاق ‪ .‬ويختلف مقدارها باختلف العضو المبتور ‪ ( .‬ر ‪ :‬ديات ) ‪.‬‬
‫أعضاء الحيوان المبتورة ‪:‬‬
‫ل أكله وفي‬
‫‪ - 6‬ما بتر من أعضاء الحيوان الحيّ المأكول اللّحم حكمه حكم ميتته ‪ ،‬في ح ّ‬
‫نجاسته أو طهارته ‪ .‬فلو قطع طرف شا ٍة أو فخذها لم يحلّ ‪ ،‬ولو ضرب سمك ًة فقطع جزءا‬
‫ن ميتتها حلل ‪ ،‬وذلك لقول النّبيّ صلى ال عليه وسلم ‪ « :‬ما ُقطِعَ من‬
‫منها حلّ أكله ‪ ،‬ل ّ‬
‫ال َبهِيمَةِ ‪ -‬وهي حيّة ‪ -‬فهو َك َميْتٍ » ‪.‬‬
‫وهذا على خلفٍ وتفصيلٍ يذكر في موضعه ‪ ( .‬ر ‪ :‬صيد ‪ :‬ذبائح ) ‪.‬‬
‫وما بتر من أعضاء النسان حكمه حكم النسان الميّت في الجملة ‪ ،‬في وجوب تغسيله وتكفينه‬
‫ودفنه وفي النّظر إليه ( ر ‪ :‬جنائز ) ‪.‬‬

‫بتراء *‬
‫التّعريف ‪:‬‬
‫‪ - 1‬البتر لغ ًة ‪ :‬القطع ‪ ،‬والبتراء من الشّياه ‪ :‬مقطوعة الذّنب على غير تمامٍ ‪ ،‬يقال للنثى ‪:‬‬
‫بتراء ‪ ،‬وللذّكر ‪ :‬أبتر ‪ .‬واصطلحا ‪ :‬ل يختلف معناه عن المعنى اللّغويّ ‪.‬‬
‫الحكم الجماليّ ‪:‬‬
‫‪ - 2‬استعمل العلماء لفظة " بتراء " في الشّاة المقطوعة اللية ‪ ،‬حيث تكلّموا عنها في الهدي‬
‫والضحيّة ‪ .‬فعند الحنفيّة والمالكيّة والشّافعيّة البتر من العيوب الّتي تمنع الجزاء في الضحيّة‬
‫والهدي ‪ .‬وأمّا الحنابلة فلم يعدّوا ذلك عيبا يمنع الجزاء ( ر ‪ :‬أضحيّة ‪ ،‬هدي ) ‪.‬‬

‫بتع *‬
‫التّعريف ‪:‬‬
‫‪ - 1‬البتع ‪ :‬نبيذ يتّخذ من العسل في اليمن ‪.‬‬
‫الحكم الجماليّ ‪:‬‬
‫ل مسكرٍ هو خمر ‪ ،‬يحرم شربه ‪ ،‬ويحرم بيعه ‪،‬‬
‫نكّ‬
‫‪ - 2‬ذهب الجمهور من الفقهاء إلى أ ّ‬
‫ب َأسْكر فهو حرامٌ » وبقوله صلى ال عليه وسلم ‪:‬‬
‫ل شرا ٍ‬
‫واحتجّوا لذلك بعموم الحديث ‪ « :‬ك ّ‬
‫« ما أَسكر كثيرُه فقليلُه حرام » وبنا ًء على ذلك فالبتع عندهم حرام ‪ ،‬لنّه ممّا يسكر كثيره ‪.‬‬
‫ن الخمر هي ‪ :‬النّيء من ماء العنب إذا غل واشتدّ وقذف بالزّبد ‪ ،‬وأنّها‬
‫وذهب الحنفيّة إلى أ ّ‬
‫هي المحرّمة لعينها ‪ ،‬لقول رسول اللّه صلى ال عليه وسلم ‪ « :‬حرّمت الخمر لعينها » دون‬
‫غيرها من سائر الشربة ‪.‬‬
‫قالوا ‪ :‬ل يحرم شرب البتع ما دام شاربه ل يسكر منه ‪ ،‬فإذا وصل إلى حدّ السكار حرم ‪،‬‬
‫ب أسكر فهو‬
‫ل شرا ٍ‬
‫ن رسول اللّه صلى ال عليه وسلم لمّا سئل عن البتع قال ‪ « :‬ك ّ‬
‫ولذلك فإ ّ‬
‫حرام » يعني شرب منه حتّى السّكر ‪ ،‬ولكنّهم كرهوا شربه لدخوله في جملة ما يكره من‬
‫الشربة ‪ ،‬ولذلك قال عنه أبو حنيفة ‪ :‬البتع خمر يمانيّة ‪ .‬يقصد أنّ أهل اليمن يشربون منه‬
‫حتّى السّكر ‪ ،‬وما حلّ شربه حلّ بيعه ‪ .‬وتفصيل ذلك يذكره الفقهاء في كتاب الشربة ‪.‬‬

‫بتعة *‬
‫انظر ‪ :‬بتلة ‪.‬‬

‫بتلة *‬
‫التعريف ‪:‬‬
‫‪ -1‬بتل في اللغة ‪ :‬بمعنى قطع ‪ ،‬والمتبتل ‪ :‬المنقطع لعبادة ال تعالى ‪ .‬والبتلة ‪ :‬المنقطعة ‪.‬‬
‫ولما كان الطلق قطعا لحبل الزواج ‪ ،‬حيث تصبح المرأة به منقطعة عن زوجها ‪ ،‬فإنه قد‬
‫يكنى به عن الطلق ‪ ،‬فيقال أنت بتلة أي طالق ‪ .‬ولذلك اعتبر الفقهاء لفظ " بتلة " من كنايات‬
‫الطلق الظاهرة ‪ ،‬ولم يكن صريحا ‪ ،‬لنه قد يقصد به النقطاع في غير النكاح ‪.‬‬
‫الحكم الجمالي ‪:‬‬
‫‪ -2‬اتفق الفقهاء على أن لفظ " بتلة " من كنايات الطلق ‪ ،‬وأنه ل يقع بها الطلق إل بالنية‬
‫‪-‬كما هي القاعدة في الكنايات ‪ -‬وأنه إن نوى بها واحدة وقعت واحدة ‪ ،‬وإن نوى بها ثلثا‬
‫وقع ثلث ‪ ،‬وإن أطلق فلم ينو عددا ‪ ،‬فمنهم من قال ‪ :‬يقع واحدة ‪ ،‬ومنهم من قال ‪ :‬يقع ثلث‬
‫‪ ،‬وتفصيل ذلك في مصطلح ( طلق ) ‪.‬‬

‫بحح *‬
‫انظر ‪ :‬كلم ‪.‬‬

‫بحر *‬
‫التّعريف ‪:‬‬
‫‪ - 1‬البحر ‪ :‬الماء الكثير ‪ ،‬ملحا كان أو عذبا ‪ ،‬وهو خلف البرّ ‪ ،‬وإنّما سمّي البحر بحرا‬
‫لسعته وانبساطه ‪ ،‬وقد غلب استعماله في الماء الملح حتّى قلّ في العذب ‪.‬‬
‫اللفاظ ذات الصّلة‬
‫أ ‪ -‬النّهر ‪:‬‬
‫ل كثيرٍ جرى فقد نهر‬
‫‪ - 2‬النّهر ‪ :‬الماء الجاري ‪ ،‬يقال ‪ :‬نهر الماء إذا جرى في الرض ‪ ،‬وك ّ‬
‫ل في الماء العذب ‪ ،‬خلفا للبحر ‪.‬‬
‫‪ ،‬واستنهر ول يستعمل النّهر غالبا إ ّ‬
‫ب ‪ -‬العين ‪:‬‬
‫‪ - 3‬العين ‪ :‬ينبوع الماء الّذي ينبع من الرض ويجري ‪ .‬وهي من اللفاظ المشتركة ‪ ،‬لنّها‬
‫تطلق على معانٍ أخرى ‪ :‬كالجاسوس ‪ ،‬والذّهب ‪ ،‬والعين الباصرة ‪.‬‬
‫الحكام المتعلّقة بالبحر ‪:‬‬
‫يتعلّق بالبحر أحكام منها ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬ماء البحر ‪:‬‬
‫‪ - 4‬اتّفق جمهور العلماء على طهوريّة ماء البحر وجواز التّطهّر به ‪ ،‬لما روى أبو هريرة‬
‫رضي ال عنه قال ‪ « :‬سأل رجل النّبيّ صلى ال عليه وسلم فقال ‪ :‬يا رسول اللّه إنّا نركب‬
‫البحر ونحمل معنا القليل من الماء ‪ ،‬فإن توضّأنا به عطشنا ‪ .‬أفنتوضّأ بماء البحر ؟ فقال‬
‫ل َم ْي َتتُهُ » ‪.‬‬
‫طهُورُ مَاؤُه ‪ ،‬الحِ ّ‬
‫رسول اللّه صلى ال عليه وسلم ‪ :‬هو ال ّ‬
‫وروي عن عمر رضي ال عنه أنّه قال " من لم يطهّره ماء البحر فل طهّره اللّه "ولنّه ماء‬
‫ق على أصل خلقته ‪ ،‬فجاز الوضوء به كالعذب ‪ .‬وحكي عن عبد اللّه بن عمر وعبد اللّه بن‬
‫با ٍ‬
‫عمرٍو أنّهما قال في البحر ‪ ":‬التّيمّم أعجب إلينا منه "‪ ،‬وحكاه الماورديّ عن سعيد بن المسيّب‬
‫‪ :‬أي كانوا ل يرون جواز الوضوء به ‪ ( .‬ر ‪ :‬طهارة ‪ ،‬ماء ) ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬صيد البحر ‪:‬‬
‫‪ - 5‬ذهب جمهور الفقهاء إلى إباحة صيد جميع حيوانات البحر ‪ ،‬سواء كانت سمكا أو غيره ‪.‬‬
‫ل لكم صَيدُ البحرِ َوطَعامُه } أي مصيده ومطعومه ‪.‬‬
‫لقول اللّه تعالى ‪ُ { :‬أحِ ّ‬
‫وقول النّبيّ صلى ال عليه وسلم لمّا سئل عن ماء البحر ‪ «:‬هو الطّهور ماؤه الحلّ ميتته »‪.‬‬
‫واستثنى الشّافعيّة والحنابلة ‪ :‬التّمساح والضّفدع ‪ ،‬للنّهي عن قتل الضّفدع ‪ ،‬فقد ثبت أنّ‬
‫ي صلى ال عليه وسلم نهى عن قتله » وروي عن ابن عمرٍو أنّه قال ‪ ":‬ل تقتلوا‬
‫« النّب ّ‬
‫ن نقيقها تسبيح "‪ .‬وللستخباث في التّمساح ‪ ،‬ولنّه يتقوّى بنابه ويأكل النّاس ‪.‬‬
‫الضّفادع ‪ ،‬فإ ّ‬
‫وزاد الحنابلة ‪ :‬الحيّة ‪ ،‬وصرّح الماورديّ من الشّافعيّة بتحريمها وغيرها من ذوات السّموم‬
‫البحريّة ‪ ،‬وقصر الشّافعيّة التّحريم على الحيّة الّتي تعيش في البحر والبرّ ‪ ،‬وأمّا الحيّة الّتي ل‬
‫تعيش إلّ في الماء فحلل ‪ .‬وذهب الحنفيّة إلى إباحة السّمك من صيد البحر فقط دون غيره‬
‫من الحيوانات البحريّة ‪ .‬وللتّفصيل انظر مصطلح ( أطعمة ) ‪.‬‬
‫ج ‪ -‬ميتة البحر ‪:‬‬
‫‪ - 6‬ذهب جمهور الفقهاء إلى إباحة ميتة البحر ‪ ،‬سواء كانت سمكا أو غيره من حيوانات‬
‫ل لكم صيدُ البحرِ وطعامُه } وقول النّبيّ صلى ال عليه وسلم ‪:‬‬
‫البحر ‪ ،‬لقول اللّه تعالى ‪ُ { :‬أحِ ّ‬
‫ل دابّةٍ تموت‬
‫ل ميتته » ‪ ،‬وعن أبي بك ٍر رضي ال عنه أنّه قال ‪ ":‬ك ّ‬
‫« هو الطّهور ماؤه الح ّ‬
‫في البحر فقد ذكّاها اللّه لكم "‪.‬‬
‫ولم يبح الحنفيّة إلّ ميتة السّمك الّذي مات بآفةٍ ‪ ،‬وأمّا الّذي مات حتف أنفه ‪ ،‬وكان غير‬
‫طافٍ ‪ ،‬فليس بمباحٍ ‪ .‬وح ّد الطّافي عندهم ‪ :‬ما كان بطنه من فوق ‪ ،‬فلو كان ظهره من فوق ‪،‬‬
‫فليس بطافٍ فيؤكل ‪ .‬وللتّفصيل انظر مصطلح ( أطعمة ) ‪.‬‬
‫د ‪ -‬الصّلة في السّفينة ‪:‬‬
‫‪ - 7‬اتّفق الفقهاء على جواز الصّلة في السّفينة من حيث الجملة ‪ ،‬شريطة أن يكون المصلّي‬
‫مستقبلً للقبلة عند افتتاح الصّلة ‪ ،‬وأن يدور إلى جهة القبلة إن دارت السّفينة لغيرها إن أمكنه‬
‫ذلك ‪ ،‬لوجوب الستقبال ‪ .‬ول فرق في ذلك بين الفريضة والنّافلة لتيسّر استقباله ‪ .‬وخالف‬
‫الحنابلة في النّافلة ‪ ،‬وقصروا وجوب الدّوران إلى القبلة على الفريضة فقط ‪ ،‬ول يلزمه أن‬
‫يدور في النّفل للحرج والمشقّة ‪ ،‬وأجازوا كذلك للملّاح ‪ :‬ألّ يدور في الفرض أيضا لحاجته‬
‫لتسيير السّفينة ‪ .‬وللتّفصيل انظر مصطلح ( قبلة ) ‪.‬‬
‫هـ – حكم من مات في السّفينة ‪:‬‬
‫‪ - 8‬اتّفق الفقهاء على أنّ من مات في سفينة في البحر ‪ ،‬وأمكن دفنه لقرب البرّ ‪ ،‬ول مانع ‪،‬‬
‫لزمهم التّأخير ليدفنوه فيه ‪ ،‬ما لم يخافوا عليه الفساد ‪ ،‬وإلّ غسّل وكفّن وصلّي عليه وألقي في‬
‫البحر ‪.‬‬
‫وزاد الشّافعيّة ‪ :‬أنّه يوضع بعد الصّلة عليه بين لوحين لئلّ ينتفخ ‪ ،‬ويلقى لينبذه البحر إلى‬
‫السّاحل ‪ ،‬لعلّه يقع إلى قو ٍم يدفنونه ‪ .‬فإن كان أهل السّاحل كفّارا ثقّل بشيءٍ ليرسب ‪.‬‬
‫فإن لم يوضع بين لوحين ثقّل بشيءٍ لينزل إلى القرار ‪ ،‬وإلى تثقيله ذهب الحنابلة أيضا ‪.‬‬
‫و ‪ -‬الموت غرقا في البحر ‪:‬‬
‫‪ - 9‬ذهب العلماء إلى أنّه من مات في البحر غرقا ‪ ،‬فإنّه شهيد ‪ ،‬لقول النّبيّ صلى ال عليه‬
‫وسلم ‪ « :‬الشّهداء خمسة ‪ :‬المطعون ‪ ،‬والمبطون ‪ ،‬والغريق ‪ ،‬وصاحب الهدم ‪ ،‬والشّهيد في‬
‫سبيل اللّه » ‪.‬‬
‫وإذا وجد الغريق فإنّه يغسّل ويكفّن ويصلّى عليه كأيّ ميّتٍ آخر ‪ ،‬وإذا لم يعثر عليه فيصلّى‬
‫عليه صلة الغائب عند الشّافعيّة والحنابلة ‪ ،‬وكرهها المالكيّة ‪ ،‬ومنعها الحنفيّة لشتراطهم‬
‫لصلة الجنازة حضور الميّت أو حضور أكثر بدنه أو نصفه مع رأسه ‪ ( .‬ر ‪ :‬غسل )‬

‫بخار *‬
‫التّعريف ‪:‬‬
‫‪ - 1‬البخار لغ ًة واصطلحا ‪ :‬ما يتصاعد من الماء أو النّدى أو أيّ مادّ ٍة رطب ٍة تتعرّض‬
‫للحرارة ‪ .‬ويطلق البخار أيضا على ‪ :‬دخان العود ونحوه ‪ .‬وعلى ‪ :‬كلّ رائحةٍ ساطعةٍ من نتنٍ‬
‫أو غيره ‪.‬‬
‫اللفاظ ذات الصّلة ‪:‬‬
‫البخر ‪:‬‬
‫‪ - 2‬البخر هو ‪ :‬الرّائحة المتغيّرة من الفم ‪ .‬قال أبو حنيفة ‪ :‬البخر ‪ :‬النّتن يكون في الفم‬
‫وغيره ‪ ،‬وهو أبخر ‪ ،‬وهي بخراء ‪.‬‬
‫واستعمال الفقهاء للبخر مخصوص بالرّائحة الكريهة في الفم فقط ‪.‬‬
‫الحكام المتعلّقة بالبخار ‪:‬‬
‫للبخار أحكام خاصّة ‪ ،‬فقد يكون طاهرا ‪ ،‬وقد يكون نجسا ‪ ،‬وينبني عليه جواز أو عدم جواز‬
‫التّطهّر بما تقاطر من البخار ‪.‬‬
‫أ ‪ -‬رفع الحدث بما جمع من النّدى ‪:‬‬
‫‪ - 3‬ذهب الفقهاء إلى جواز التّطهّر بالنّدى ‪ ،‬وهو المتجمّع على أوراق الشّجر إذا جمع ‪ ،‬لنّه‬
‫ماء مطلق ‪ .‬أمّا ما ورد عن بعض الفقهاء من أنّ النّدى ‪ :‬نفس دابّةٍ في البحر ‪ ،‬ومن ثمّ فهل‬
‫هو طاهر أو نجس ؟ فل يعوّل عليه ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬رفع الحدث بما جمع من البخار ‪:‬‬
‫‪ - 4‬ذهب جمهور الفقهاء إلى جواز التّطهّر من الحدث وتطهير النّجس بما جمع من بخار‬
‫الماء الطّاهر المغليّ بوقودٍ طاهرٍ ‪ ،‬لنّه ماء مطلق ‪ ،‬وهو المعتمد عند الشّافعيّة ‪ ،‬خلفا لما‬
‫ذهب إليه الرّافعيّ منهم إلى أنّه ل يرفع الحدث ‪ ،‬لنّه ل يسمّى ما ًء ‪ ،‬بل هو بخار ‪.‬‬
‫أمّا البخار المتأثّر بدخان النّجاسة فهو مختلف في طهارته ‪ ،‬بناءً على اختلف الفقهاء في‬
‫دخان النّجاسة ‪ ،‬هل هو طاهر أم نجس ؟ ‪.‬‬
‫ن دخان النّجاسة‬
‫فذهب الحنفيّة على المفتى به ‪ ،‬والمالكيّة في المعتمد ‪ ،‬وبعض الحنابلة إلى ‪ :‬أ ّ‬
‫وبخارها طاهران ‪ ،‬قال الحنفيّة ‪ :‬إنّ ذلك على سبيل الستحسان دفعا للحرج ‪ .‬وبناءً على هذا‬
‫فإنّ البخار المتصاعد من الماء النّجس طهور يزيل الحدث والنّجس ‪.‬‬
‫ن دخان النّجاسة‬
‫وذهب الشّافعيّة ‪ ،‬وأبو يوسف من الحنفيّة ‪ ،‬وهو المذهب عند الحنابلة إلى ‪ :‬أ ّ‬
‫ح الطّهارة به ‪ ،‬لكن‬
‫نجس كأصلها ‪ ،‬وعلى هذا فالبخار المتأثّر بدخان النّجاسة نجس ل تص ّ‬
‫ذهب الشّافعيّة إلى أنّه يعفى عن قليله ‪.‬‬
‫وأمّا البخار المتصاعد من الحمّامات وغيرها ‪ -‬كالغازات الكريهة المتصاعدة من النّجاسة ‪-‬‬
‫إذا علقت بالثّوب ‪ ،‬فإنّه ل ينجس على الصّحيح من مذهب الحنفيّة ‪ ،‬تخريجا على الرّيح‬
‫ن بقيّة‬
‫الخارجة من النسان ‪ ،‬فإنّها ل تنجس ‪ ،‬سواء أكانت سراويله مبتلّةً أم ل ‪ ،‬والظّاهر أ ّ‬
‫المذاهب ل تخالف مذهب الحنفيّة في هذا ‪.‬‬

‫بخر *‬
‫التّعريف ‪:‬‬
‫‪ -‬البخر ‪ :‬الرّائحة المتغيّرة من الفم من نتنٍ وغيره ‪ .‬يقال ‪ :‬بخر الفم بخرا من باب تعب ‪،‬‬ ‫‪1‬‬

‫إذا أنتن وتغيّر ريحه ‪ ،‬ولم يخرج استعمال الفقهاء عن هذا المعنى ‪.‬‬
‫الحكم الجماليّ ‪:‬‬
‫‪ - 2‬لمّا كان البخر في النسان يؤدّي إلى النّفرة والتّأذّي اعتبره الفقهاء عيبا ‪ ،‬واتّفقوا على أنّه‬
‫من العيوب الّتي يثبت بها الخيار في بيع الماء ‪.‬‬
‫وأمّا في النّكاح ‪ :‬فقد اختلفوا في ثبوت الخيار والفسخ به ‪.‬‬
‫فقال الحنفيّة والشّافعيّة ‪ ،‬وهو القول الخر للحنابلة ‪ :‬ل يثبت به الخيار ول يفرّق به بين‬
‫الزّوجين ‪ .‬وقال المالكيّة ‪ ،‬وهو رأي للحنابلة ‪ :‬يثبت بالبخر الخيار والفسخ في النّكاح ‪.‬‬
‫وينظر تفصيل القول في ذلك في باب خيار العيب في البيوع ‪ ،‬وباب العيب في النّكاح ‪.‬‬
‫وأمّا في التّرخيص لمن به بخر في حضور الجماعات والجمع وعدمه ‪ -‬فيرجع في ذلك إلى‬
‫باب صلة الجماعة ‪.‬‬

‫بخس *‬
‫انظر ‪ :‬غبن ‪.‬‬

‫البخيلة *‬
‫التّعريف ‪:‬‬
‫ل ‪ .‬وتسمّى‬
‫‪ - 1‬البخيلة من مسائل العَوْل في الميراث ‪ ،‬سمّيت بخيل ًة ‪ ،‬لنّها أقلّ الصول عو ً‬
‫( المنبريّة ) لنّ عليّا رضي ال عنه سئل عنها على المنبر ‪ .‬وهي من سهام الفرائض الّتي‬
‫تعول ‪ ،‬وتأتي في المسألتين اللّتين يعول فيهما أصل أربع ٍة وعشرين إلى سبعةٍ وعشرين ‪.‬‬
‫‪ - 2‬المسألة الولى ‪ :‬هي الّتي يكون فيها نصف وثمن وثلثة أسداسٍ ‪ ،‬كزوجةٍ وبنتٍ وأبوين‬
‫وبنت ابنٍ ‪ ،‬فللزّوجة الثّمن ‪ ،‬وللبنت النّصف ‪ ،‬ولبنت البن السّدس ‪ ،‬وللبوين السّدسان ‪.‬‬
‫‪ - 3‬المسألة الثّانية ‪ :‬هي الّتي يكون فيها مع الثّمن ثلثان وسدسان ‪ ،‬كزوجةٍ وبنتين وأبوين ‪،‬‬
‫فللزّوجة الثّمن ‪ ،‬وللبنتين الثّلثان ‪ ،‬وللبوين السّدسان ‪ ،‬ومجموعها من الربعة والعشرين‬
‫ل من هاتين المسألتين تسمّى البخيلة لقلّة عولها ‪ ،‬لنّها تعول مرّةً واحدةً‬
‫سبعة وعشرون ‪ .‬وك ّ‬
‫ن عليّا سئل عنها وهو على المنبر فأجاب ‪.‬‬
‫‪ .‬والمسألة الثّانية تسمّى أيضا ( المنبريّة ) ل ّ‬
‫وللتّفصيل ينظر ( الرث ) عند الكلم عن العول ‪.‬‬

‫بدعة *‬
‫التّعريف ‪:‬‬
‫‪ -‬البدعة لغةً ‪ :‬من بدع الشّيء يبدعه بدعا ‪ ،‬وابتدعه ‪ :‬إذا أنشأه وبدأه ‪.‬‬ ‫‪1‬‬

‫والبدع ‪ :‬الشّيء الّذي يكون أ ّولً ‪ ،‬ومنه قوله تعالى ‪ { :‬قُلْ ‪ :‬ما كنتُ ِبدْعا من الرّسُلِ } أي‬
‫لست بأوّل رسولٍ بعث إلى النّاس ‪ ،‬بل قد جاءت الرّسل من قبل ‪ ،‬فما أنا بالمر الّذي ل نظير‬
‫له حتّى تستنكروني ‪.‬‬
‫والبدعة ‪ :‬الحدث ‪ ،‬وما ابتدع في الدّين بعد الكمال ‪ .‬وفي لسان العرب ‪ :‬المبتدع الّذي يأتي‬
‫أمرا على شب ٍه لم يكن ‪ ،‬بل ابتدأه هو ‪ .‬وأبدع وابتدع وتبدّع ‪ :‬أتى ببدعةٍ ‪ ،‬ومنه قوله تعالى ‪:‬‬
‫ن اللّه } وبدّعه ‪ :‬نسبه إلى البدعة ‪،‬‬
‫{ َورَ ْهبَا ِنيّ ًة ا ْب َتدَعوها ما َك َت ْبنَاها عليهم إلّ ا ْب ِتغَاءَ ِرضْوا ِ‬
‫ل ‪ ،‬والبديع من أسماء اللّه‬
‫والبديع ‪ :‬المحدث العجيب ‪ ،‬وأبدعت الشّيء ‪ :‬اخترعته ل على مثا ٍ‬
‫تعالى ‪ ،‬ومعناه ‪ :‬المبدع ‪ ،‬لبداعه الشياء وإحداثه إيّاها ‪.‬‬
‫أمّا في الصطلح ‪ ،‬فقد تعدّدت تعريفات البدعة وتنوّعت ‪ ،‬لختلف أنظار العلماء في‬
‫مفهومها ومدلولها ‪.‬‬
‫ث من الشياء ‪ ،‬ومنهم من ضيّق ما تدلّ‬
‫فمنهم من وسّع مدلولها ‪ ،‬حتّى أطلقها على ك ّل مستحد ٍ‬
‫عليه ‪ ،‬فتقلّص بذلك ما يندرج تحتها من الحكام ‪ .‬وسنوجز هذا في اتّجاهين ‪.‬‬
‫التّجاه الوّل ‪:‬‬
‫سنّة ‪ ،‬سواء‬
‫ل حادثٍ لم يوجد في الكتاب وال ّ‬
‫‪ - 2‬أطلق أصحاب التّجاه الوّل البدعة على ك ّ‬
‫أكان في العبادات أم العادات ‪ ،‬وسواء أكان مذموما أم غير مذمو ٍم ‪.‬‬
‫ومن القائلين بهذا المام الشّافعيّ ‪ ،‬ومن أتباعه العزّ بن عبد السّلم ‪ ،‬والنّوويّ ‪ ،‬وأبو شامة ‪.‬‬
‫ومن المالكيّة ‪ :‬القرافيّ ‪ ،‬والزّرقانيّ ‪ .‬ومن الحنفيّة ‪ :‬ابن عابدين ‪ .‬ومن الحنابلة ‪ :‬ابن‬
‫الجوزيّ ‪ .‬ومن الظّاهريّة ‪ :‬ابن حزمٍ ‪ .‬ويتمثّل هذا التّجاه في تعريف العزّ بن عبد السّلم‬
‫للبدعة وهو ‪ :‬أنّها فعلُ ما لم ُيعْهد في عهد رسول اللّه صلى ال عليه وسلم ‪ .‬وهي منقسمة‬
‫إلى بدع ٍة واجبةٍ ‪ ،‬وبدع ٍة محرّم ٍة ‪ ،‬وبدعةٍ مندوبةٍ ‪ ،‬وبدعةٍ مكروه ٍة ‪ ،‬وبدعةٍ مباحةٍ ‪.‬‬
‫وضربوا لذلك أمثلةً ‪:‬‬
‫فالبدعة الواجبة ‪ :‬كالشتغال بعلم النّحو الّذي يفهم به كلم اللّه ورسوله ‪ ،‬وذلك واجب ‪ ،‬لنّه‬
‫ل به فهو واجب ‪.‬‬
‫ل بدّ منه لحفظ الشّريعة ‪ ،‬وما ل يتمّ الواجب إ ّ‬
‫والبدعة المحرّمة من أمثلتها ‪ :‬مذهب القدريّة ‪ ،‬والجبريّة ‪ ،‬والمرجئة ‪ ،‬والخوارج ‪.‬‬
‫والبدعة المندوبة ‪ :‬مثل إحداث المدارس ‪ ،‬وبناء القناطر ‪ ،‬ومنها صلة التّراويح جماعةً في‬
‫المسجد بإمامٍ واح ٍد ‪.‬‬
‫والبدعة المكروهة ‪ :‬مثل زخرفة المساجد ‪ ،‬وتزويق المصاحف ‪.‬‬
‫والبدعة المباحة ‪ :‬مثل المصافحة عقب الصّلوات ‪ ،‬ومنها التّوسّع في اللّذيذ من المآكل‬
‫والمشارب والملبس ‪ .‬واستدلّوا لرأيهم في تقسيم البدعة إلى الحكام الخمسة بأدلّةٍ منها ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬قول عمر رضي ال عنه في صلة التّراويح جماع ًة في المسجد في رمضان" ِن ْعمَتِ‬
‫البدع ُة هذه "‪ .‬فقد روي عن عبد الرّحمن بن عبد القاريّ أنّه قال ‪ ":‬خرجت مع عمر بن‬
‫الخطّاب رضي ال عنه ليل ًة في رمضان إلى المسجد ‪ ،‬فإذا النّاس أوزاعٌ متفرّقون ‪ ،‬يصلّي‬
‫الرّجل لنفسه ‪ ،‬ويصلّي الرّجل فيصلّي بصلته الرّ ْهطُ ‪ .‬فقال عمر ‪ :‬إنّي أرى لو جمعت‬
‫ب ‪ ،‬ثمّ خرجت معه‬
‫هؤلء على قارئٍ واحدٍ لكان أمثل ‪ ،‬ثمّ عزم ‪ ،‬فجمعهم على أبيّ بن كع ٍ‬
‫ليل ًة أخرى ‪ ،‬والنّاس يصلّون بصلة قارئهم ‪ ،‬قال عمر ‪ :‬نعم البدعة هذه ‪ ،‬والّتي ينامون عنها‬
‫أفضل من الّتي يقومون ‪ .‬يريد آخر اللّيل ‪ .‬وكان النّاس يقومون أوّله "‪.‬‬
‫ب ‪ -‬تسمية ابن عمر صلة الضّحى جماع ًة في المسجد بدعةً ‪ ،‬وهي من المور الحسنة ‪.‬‬
‫روي عن مجاهدٍ قال ‪ ":‬دخلت أنا وعروة بن الزّبير المسجد ‪ ،‬فإذا عبد اللّه بن عمر جالس‬
‫إلى حجرة عائشة ‪ ،‬وإذا ناس يصلّون في المسجد صلة الضّحى ‪ ،‬فسألناه عن صلتهم ‪ ،‬فقال‬
‫‪ :‬بدعة "‪.‬‬
‫سيّئة ‪ ،‬ومنها ما روي مرفوعا ‪ « :‬من‬
‫ج ‪ -‬الحاديث الّتي تفيد انقسام البدعة إلى الحسنة وال ّ‬
‫سنّ ًة سيّئةً ‪ ،‬فعليه‬
‫حسَنةً ‪ ،‬فله أجرُها وأجرُ من عمل بها إلى يوم القيامة ‪ ،‬ومن سنّ ُ‬
‫سنّ ًة َ‬
‫سنّ ُ‬
‫عمِلَ بها إلى يوم القيامة » ‪.‬‬
‫ِو ْزرُها و ِوزْ ُر مَنْ َ‬
‫التّجاه الثّاني ‪:‬‬
‫ن البدعة كلّها ضللة ‪ ،‬سواء في‬
‫‪ - 3‬اتّجه فريق من العلماء إلى ذ ّم البدعة ‪ ،‬وقرّروا أ ّ‬
‫العادات أو العبادات ‪ .‬ومن القائلين بهذا المام مالك والشّاطبيّ والطّرطوشيّ ‪ .‬ومن الحنفيّة ‪:‬‬
‫المام الشّم ّنيّ ‪ ،‬والعينيّ ‪ .‬ومن الشّافعيّة ‪ :‬البيهقيّ ‪ ،‬وابن حجرٍ العسقلنيّ ‪ ،‬وابن حجرٍ‬
‫الهيتميّ ‪ .‬ومن الحنابلة ‪ :‬ابن رجبٍ ‪ ،‬وابن تيميّة ‪.‬‬
‫وأوضح تعريفٍ يمثّل هذا التّجاه هو تعريف الشّاطبيّ ‪ ،‬حيث عرّف البدعة بتعريفين ‪:‬‬
‫الوّل أنّها ‪ :‬طريقة في الدّين مخترعة ‪ ،‬تضاهي الشّرعيّة ‪ ،‬يقصد بالسّلوك عليها المبالغة في‬
‫التّعبّد للّه سبحانه ‪ .‬وهذا التّعريف لم يدخل العادات في البدعة ‪ ،‬بل خصّها بالعبادات ‪ ،‬بخلف‬
‫الختراع في أمور الدّنيا ‪.‬‬
‫الثّاني أنّها ‪ :‬طريقة في الدّين مخترعة تضاهي الشّريعة يقصد بالسّلوك عليها ما يقصد‬
‫بالطّريقة الشّرعيّة ‪ .‬وبهذا التّعريف تدخل العادات في البدع إذا ضاهت الطّريقة الشّرعيّة ‪،‬‬
‫كالنّاذر للصّيام قائما ل يقعد متعرّضا للشّمس ل يستظلّ ‪ ،‬والقتصار في المأكل والملبس على‬
‫صنفٍ دون صنفٍ من غير علّ ٍة ‪ .‬واستدلّ القائلون بذمّ البدعة مطلقا بأدلّ ٍة منها ‪:‬‬
‫ن الشّريعة قد كملت قبل وفاة الرّسول صلى ال عليه وسلم فقال سبحانه ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬أخبر اللّه أ ّ‬
‫ت لكم الِإسلمَ دِينا } فل يتصوّر أن‬
‫ت عليكم ِنعْمتي ورضي ُ‬
‫{ اليومَ َأكْملتُ لكم دينَكم وأَتمم ُ‬
‫يجيء إنسان ويخترع فيها شيئا ‪ ،‬لنّ الزّيادة عليها تعتبر استدراكا على اللّه سبحانه وتعالى ‪.‬‬
‫وتوحي بأنّ الشّريعة ناقصة ‪ ،‬وهذا يخالف ما جاء في كتاب اللّه ‪.‬‬
‫ن هذا‬
‫ب ‪ -‬وردت آيات قرآنيّة تذمّ المبتدعة في الجملة ‪ ،‬من ذلك قوله تعالى ‪ { :‬وأَ ّ‬
‫ق بكم عن سبيلِهِ } ‪.‬‬
‫صراطي مستقيما فا ّتبِعوه ول َت ّتبِعُوا السّبلَ َفتَ َفرّ َ‬
‫ل ما ورد من أحاديث عن رسول اللّه صلى ال عليه وسلم في البدعة جاء بذمّها ‪ ،‬من‬
‫ج‪-‬كّ‬
‫ل اللّه صلى ال عليه وسلم موعظةً بليغةً ‪،‬‬
‫عظَنَا رسو ُ‬
‫ذلك حديث العرباض بن سارية ‪َ « :‬و َ‬
‫ع فما‬
‫ل اللّه كأنّها موعظةُ مو ّد ٍ‬
‫ت منها القلوبُ ‪ .‬فقال قائل ‪ :‬يا رسو َ‬
‫َذرَفتْ منها العيونُ ‪ ،‬وَوَجلَ ْ‬
‫َت ْعهَد إلينا ‪ .‬فقال ‪ :‬أوصيكم بتقوى اللّه والسّمعِ والطّاعةِ لولة المرِ ‪ ،‬وإن كان عبدا حبشيّا ‪،‬‬
‫فإنّه من يعش منكم بعدي فسيرى اختلفا كثيرا ‪ ،‬فعليكم بسنّتي وسنّة الخلفاء الرّاشدين‬
‫حدَثَةٍ‬
‫ل ُم ْ‬
‫ت المورِ ‪ .‬فإنّ ك ّ‬
‫حدَثا ِ‬
‫المهديّين ‪ ،‬تمسّكوا بها ‪ ،‬وعضّوا عليها بالنّواجذ ‪ ،‬وإيّاكم و ُم ْ‬
‫بِدعةٌ ‪ ،‬وكلّ بدع ٍة ضللة » ‪.‬‬
‫( د ) أقوال الصّحابة في ذلك ‪ ،‬من هذا ما روي عن مجاهدٍ قال ‪ ":‬دخلت مع عبد اللّه بن‬
‫عمر مسجدا ‪ ،‬وقد أذّن فيه ‪ ،‬ونحن نريد أن نصلّي فيه ‪ ،‬فثوّب المؤذّن ‪ ،‬فخرج عبد اللّه بن‬
‫عمر من المسجد ‪ ،‬وقال ‪ " :‬اخرج بنا من عند هذا المبتدع " ولم يصلّ فيه ‪.‬‬
‫اللفاظ ذات الصّلة ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬المحدثات ‪:‬‬
‫‪ -‬الحديث نقيض القديم ‪ ،‬والحدوث ‪ :‬كون شيءٍ بعد أن لم يكن ‪ .‬ومحدثات المور ‪ :‬ما‬ ‫‪4‬‬

‫ابتدعه أهل الهواء من الشياء الّتي كان السّلف الصّالح على غيرها ‪ .‬وفي الحديث ‪:‬‬
‫« إيّاكم ومحدثات المور » والمحدثات جمع محدثةٍ بالفتح ‪ ،‬وهي ‪ :‬ما لم يكن معروفا في‬
‫كتابٍ ول سنّةٍ ول إجماعٍ ‪ .‬وعلى هذا المعنى تلتقي المحدثات مع البدعة على المعنى الثّاني ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬الفطرة ‪:‬‬
‫‪ - 5‬الفطرة ‪ :‬البتداء والختراع ‪ .‬وفطر اللّه الخلق ‪ :‬خلقهم وبدأهم ‪ ،‬ويقال ‪ :‬أنا فطرت‬
‫الشّيء أي ‪ :‬أوّل من ابتدأه ‪ .‬وعلى هذا الوجه يلتقي مع البدعة في بعض معانيها اللّغويّة ‪.‬‬
‫سنّة ‪:‬‬
‫ج ‪ -‬ال ّ‬
‫سنّ‬
‫سنّة في اللّغة ‪ :‬الطّريقة ‪ ،‬حسنةً كانت أو سيّئ ًة ‪ .‬قال عليه الصلة والسلم ‪ « :‬من َ‬
‫‪ - 6‬ال ّ‬
‫ن سنّ ًة سيّئ ًة فعليه ِوزْرها‬
‫عمِل بها إلى يوم القيامة ‪ ،‬ومن سَ ّ‬
‫سنّةً حسن ًة فله أجرُها وأجرُ من َ‬
‫ُ‬
‫عمِل بها إلى يوم القيامة » ‪.‬‬
‫َو ِوزْرُ من َ‬
‫وفي الصطلح ‪ :‬هي الطّريقة المسلوكة الجارية في الدّين المأثورة عن رسول اللّه صلى ال‬
‫عليه وسلم أو صحبه ‪ .‬لقوله صلى ال عليه وسلم ‪ « :‬عليكم بسنّتي وسنّة الخلفاء الرّاشدين‬
‫من بعدي » وهي بهذا المعنى مقابلة للبدعة ومضادّة لها تماما ‪.‬‬
‫سنّة إطلقات أخرى شرعيّة اشتهرت بها ‪ ،‬منها ‪ :‬أنّها تطلق على الشّريعة كلّها ‪ ،‬كقولهم ‪:‬‬
‫ولل ّ‬
‫سنّة ‪ .‬ومنها ‪ :‬ما هو أحد الدلّة الربعة الشّرعيّة ‪ ،‬وهو ما صدر‬
‫الولى بالمامة العلم بال ّ‬
‫ل أو تقريرٍ ‪ .‬ومنها ‪ :‬ما يعمّ النّفل ‪ ،‬وهو ما‬
‫ل أو فع ٍ‬
‫عن رسول اللّه ‪ -‬غير القرآن ‪ -‬من قو ٍ‬
‫فعله خير من تركه من غير افتراضٍ ول وجوبٍ ‪.‬‬
‫د ‪ -‬المعصية ‪:‬‬
‫‪ - 7‬العصيان ‪ :‬خلف الطّاعة يقال ‪ :‬عصى العبد ربّه إذا خالف أمره ‪ ،‬وعصى فلن أميره ‪:‬‬
‫إذا خالف أمره ‪ .‬وشرعا ‪ :‬عصيان أمر الشّارع قصدا ‪ ،‬وهي ليست بمنزلةٍ واحدةٍ ‪.‬‬
‫فهي إمّا كبائر وهي ‪ :‬ما يترتّب عليها حدّ ‪ ،‬أو وعيد بالنّار أو اللّعنة أو الغضب ‪ ،‬أو ما اتّفقت‬
‫الشّرائع على تحريمه ‪ ،‬على اختلفٍ بين العلماء في تحديدها ‪.‬‬
‫وإمّا صغائر وهي ‪ :‬ما لم يترتّب عليها شيء ممّا ذكر إذا اجتنب الصرار عليها ‪ ،‬لقوله‬
‫ن عنه ُنكَ ّفرْ عنكم سيّئاتِكم } وعلى هذا تكون البدعة أعمّ‬
‫ج َتنِبُوا َكبَائِرَ ما ُت ْنهَو َ‬
‫ن َت ْ‬
‫تعالى ‪ { :‬إ ْ‬
‫من المعصية ‪ ،‬حيث تشمل المعصية ‪ ،‬كالبدعة المحرّمة والمكروهة كراهة تحريمٍ ‪ ،‬وغير‬
‫المعصية كالواجبة والمستحبّة والمباحة ‪.‬‬
‫هـ – المصلحة المرسلة ‪:‬‬
‫‪ – 8‬المصلحة لغ ًة كالمنفعة وزنا ومعنًى ‪ ،‬فهي مصدر بمعنى الصّلح ‪ ،‬أو هي اسم للواحد‬
‫من المصالح ‪ .‬والمصلحة المرسلة اصطلحا هي ‪ :‬المحافظة على مقصود الشّرع المنحصر‬
‫في الضّروريّات ‪ .‬الخمس ‪ ،‬كما قال المام الغزاليّ رحمه ال ‪ ،‬أو هي اعتبار المناسب الّذي‬
‫ن هذا الفعل فيه منفعة راجحة‬
‫ل يشهد له أصل معيّن عند الشّاطبيّ ‪ ،‬أو هي أن يرى المجتهد أ ّ‬
‫وليس في الشّرع ما ينفيه عند ابن تيميّة ‪ .‬أو هي أن يناط المر باعتبارٍ مناسبٍ لم يدلّ‬
‫ل أنّه ملئم لتصرّفات الشّرع ‪ ،‬إلى غير ذلك من التّعريفات‬
‫الشّرع على اعتباره ول إلغائه إ ّ‬
‫الخرى الّتي يرجع لتفاصيلها إلى مصطلح ( مصلحة مرسلة ) ‪.‬‬
‫حكم البدعة التّكليفيّ ‪:‬‬
‫ي من الشّافعيّة ‪ ،‬والمام‬
‫‪ - 9‬ذهب المام الشّافعيّ والعزّ بن عبد السّلم وأبو شامة ‪ ،‬والنّوو ّ‬
‫القرافيّ والزّرقانيّ من المالكيّة ‪ ،‬وابن الجوزيّ من الحنابلة ‪ ،‬وابن عابدين من الحنيفة إلى‬
‫تقسيم البدعة تبعا للحكام الخمسة إلى ‪ :‬واجب ٍة أو محرّمةٍ أو مندوبةٍ أو مكروهةٍ أو مباحةٍ ‪.‬‬
‫ل من هذه القسام أمثلةً ‪:‬‬
‫وضربوا لك ّ‬
‫فمن أمثلة البدعة الواجبة ‪ :‬الشتغال بعلم النّحو ‪ ،‬الّذي يفهم به كلم اللّه وكلم رسوله صلى‬
‫ل بمعرفة ذلك ‪ ،‬وما ل يتمّ‬
‫ن حفظ الشّريعة واجب ‪ ،‬ول يتأتّى حفظها إ ّ‬
‫ال عليه وسلم ل ّ‬
‫الواجب إلّ به فهو واجب ‪ .‬وتدوين الكلم في الجرح والتّعديل لتمييز الصّحيح من السّقيم ‪،‬‬
‫لنّ قواعد الشّريعة دلّت على أنّ حفظ الشّريعة فرض كفايةٍ فيما زاد على القدر المتعيّن ‪ ،‬ول‬
‫ل بما ذكرناه ‪.‬‬
‫يتأتّى حفظها إ ّ‬
‫ومن أمثلة البدعة المحرّمة ‪ :‬مذهب القدريّة والخوارج والمجسّمة ‪.‬‬
‫ومن أمثلة البدعة المندوبة ‪ :‬إحداث المدارس وبناء القناطر وصلة التّراويح في المسجد‬
‫جماع ًة ‪.‬‬
‫ومن أمثلة المكروهة ‪ :‬زخرفة المساجد وتزويق المصاحف ‪.‬‬
‫وأمّا أمثلة البدعة المباحة فمنها ‪ :‬المصافحة عقيب صلة الصّبح والعصر ‪ ،‬ومنها التّوسّع في‬
‫اللّذيذ من المآكل والمشارب والملبس ‪ .‬هذا وقد قسّم العلماء البدعة المحرّمة إلى بدعةٍ مكفّرةٍ‬
‫وغير مكفّرةٍ ‪ ،‬وصغيرةٍ وكبيرةٍ على ما سيأتي ‪.‬‬
‫البدعة في العقيدة ‪:‬‬
‫ن البدعة في العقيدة محرّمة ‪ ،‬وقد تتدرّج إلى أن تصل إلى الكفر ‪.‬‬
‫‪ - 10‬اتّفق العلماء على أ ّ‬
‫فأمّا الّتي تصل إلى الكفر فهي أن تخالف معلوما من الدّين بالضّرورة ‪ ،‬كبدعة الجاهليّين الّتي‬
‫جعَل اللّ ُه من َبحِيرَ ٍة ول سَائِبَةٍ ول َوصِيلَةٍ ول‬
‫نبّه عليها القرآن الكريم في قوله تعالى ‪ { :‬ما َ‬
‫ح ّرمٌ على أزواجنا‬
‫حَامٍ } وقوله تعالى ‪ { :‬وقالوا ما في بطون هذه النعام خالص ٌة ِلذُكورنا و ُم َ‬
‫وإنْ يكن َم ْيتَةً فهم فيه شركاءُ } وحدّدوا كذلك ضابطا للبدعة المكفّرة ‪ ،‬وهي ‪ :‬أن يتّفق الكلّ‬
‫على أنّ هذه البدعة كفر صراح ل شبهة فيه ‪.‬‬
‫البدعة في العبادات ‪:‬‬
‫ن البدعة في العبادات منها ما يكون حراما ومعصيةً ‪ ،‬ومنها ما يكون‬
‫اتّفق العلماء على أ ّ‬
‫مكروها ‪.‬‬
‫أ ‪ -‬البدعة المحرّمة ‪:‬‬
‫‪ - 11‬ومن أمثلتها ‪ :‬بدعة التّبتّل والصّيام قائما في الشّمس ‪ ،‬والخصاء لقطع الشّهوة في‬
‫الجماع والتّفرّغ للعبادة ‪ .‬لما جاء عن رسول اللّه صلى ال عليه وسلم في حديث الرّهط الّذين‬
‫فعلوا ذلك ‪ « :‬جاء ثلثةُ رَ ْهطٍ إلى بيوتِ أزواج رسولِ اللّه صلى ال عليه وسلم يسألون عن‬
‫ن نحنُ من النّبيّ صلى ال عليه وسلم قد غفرَ‬
‫عبادته ‪ ،‬فلمّا أُخبِروا كأنّهم تَقَالّوها ‪ ،‬فقالوا ‪ :‬وأي َ‬
‫ل أبدا ‪ ،‬وقال الخر ‪:‬‬
‫خرَ ‪ .‬قال أحدُهم ‪ :‬أمّا أنا فإنّي أصلّي اللّي َ‬
‫اللّه له ما تَ َق ّدمَ من ذنبه وما َتَأ ّ‬
‫ج أبدا ‪ ،‬فجاء رسول اللّه‬
‫أنا أصومُ الدّهرَ ول أفطرُ ‪ ،‬وقال الخر ‪ :‬أنا أعتزلُ النّساءَ فل أتزوّ ُ‬
‫خشَاكم لِلّه وأتقاكُم له ‪.‬‬
‫صلى ال عليه وسلم فقال ‪ :‬أنتم الّذين قلتم كذا وكذا ‪ ،‬أمَا واللّه إنّي َلَأ ْ‬
‫ج النّساء ‪َ ،‬فمَنْ رغِبَ عن سنّتي فليس منّي » ‪.‬‬
‫لكنّي أصومُ وأفطرُ ‪ ،‬وأصلّي وأرقدُ ‪ ،‬وأتزوّ ُ‬
‫ب ‪ -‬البدعة المكروهة ‪:‬‬
‫‪ - 12‬قد تكون البدعة في العبادات من المكروهات ‪ ،‬مثل الجتماع عشيّة عرفة للدّعاء لغير‬
‫الحجّاج فيها ‪ ،‬وذكر السّلطين في خطبة الجمعة للتّعظيم ‪ ،‬أمّا للدّعاء فسائغ ‪ ،‬وكزخرفة‬
‫المساجد ‪ .‬جاء عن محمّد بن أبي القاسم عن أبي البحتريّ قال ‪ ":‬أخبر رجل عبد اللّه بن‬
‫ن قوما يجلسون في المسجد بعد المغرب فيهم رجل يقول ‪ :‬كبّروا اللّه كذا وكذا ‪،‬‬
‫مسعودٍ أ ّ‬
‫وسبّحوا اللّه كذا وكذا ‪ ،‬واحمدوا اللّه كذا وكذا ‪ ،‬قال عبد اللّه ‪ :‬فإذا رأيتهم فعلوا ذلك فأتني‬
‫فأخبرني بمجلسهم ‪ ،‬فأتاهم فجلس ‪ ،‬فلمّا سمع ما يقولون قام فأتى ابن مسعو ٍد فجاء ‪ -‬وكان‬
‫رجلً حديدا ‪ -‬فقال أنا عبد اللّه بن مسعودٍ ‪ ،‬واللّه الّذي ل إله غيره لقد جئتم ببدعةٍ ظلما ‪،‬‬
‫ولقد فضلتم أصحاب مح ّمدٍ صلى ال عليه وسلم علما ‪ .‬فقال عمرو بن عتبة ‪ :‬أستغفر اللّه ‪.‬‬
‫ل بعيدا "‪.‬‬
‫ن ضل ً‬
‫فقال عليكم بالطّريق فالزموه ‪ ،‬ولئن أخذتم يمينا وشمالً لتضلّ ّ‬
‫البدعة في العادات ‪:‬‬
‫‪ - 13‬البدعة في العادات منها المكروه ‪ ،‬كالسراف في المآكل والمشارب ونحوها ‪.‬‬
‫ومنها المباح ‪ ،‬مثل التّوسّع في اللّذيذ من المآكل والمشارب والملبس والمساكن ‪ ،‬ولبس‬
‫ل‪.‬‬
‫الطّيالسة ‪ ،‬وتوسيع الكمام ‪ ،‬من غير سرفٍ ول اختيا ٍ‬
‫وذهب قوم إلى أنّ البتداع في العادات الّتي ليس لها تعلّق بالعبادات جائز ‪ ،‬لنّه لو جازت‬
‫ل العادات الّتي حدثت بعد الصّدر الوّل ‪-‬‬
‫المؤاخذة في البتداع في العادات لوجب أن تعدّ ك ّ‬
‫من المآكل والمشارب والملبس والمسائل النّازلة ‪ -‬بدعا مكروهاتٍ ‪ ،‬والتّالي باطل ‪ ،‬لنّه لم‬
‫يقل أحد بأنّ تلك العادات الّتي برزت بعد الصّدر الوّل مخالف ًة لهم ‪ ،‬ولنّ العادات من الشياء‬
‫الّتي تدور مع الزّمان والمكان ‪.‬‬
‫دواعي البدعة وأسبابها ‪:‬‬
‫‪ - 14‬دواعي البدعة وأسبابها وبواعثها كثيرة ومتعدّدة ‪ ،‬يصعب حصرها ‪ ،‬لنّها تتجدّد‬
‫وتتنوّع حسب الحوال والزمان والمكنة والشخاص ‪ ،‬وأحكام الدّين وفروعه كثيرة ‪،‬‬
‫ل حكمٍ متعدّد الوجوه ‪.‬‬
‫والنحراف عنها واتّباع سبل الشّيطان في ك ّ‬
‫وكلّ خروجٍ إلى وسيل ٍة من وسائل الباطل ل بدّ له من باعثٍ ‪.‬‬
‫ومع ذلك فمن الممكن إرجاع الدّواعي والسباب إلى ما يأتي ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬الجهل بوسائل المقاصد ‪:‬‬
‫‪ - 15‬أنزل اللّه سبحانه وتعالى القرآن عربيّا ل عجمة فيه ‪ ،‬بمعنى أنّه جارٍ في ألفاظه‬
‫ومعانيه وأساليبه على لسان العرب ‪ ،‬وقد أخبر اللّه تعالى بذلك فقال ‪ { :‬إنّا أنزلناه قرآنا عربيّا‬
‫ل إذا فهم اللّسان‬
‫ن الشّريعة ل تفهم إ ّ‬
‫} ‪ .‬وقال ‪ { :‬قرآنا عربيّا غير ذي عوجٍ } ومن هذا يعلم أ ّ‬
‫العربيّ ‪ ،‬لقوله تعالى ‪ { :‬وكذلك أنزلناه حكما عربيّا } والخلل في ذلك قد يؤدّي إلى البدعة‬
‫‪.‬‬
‫ب ‪ -‬الجهل بالمقاصد ‪:‬‬
‫‪ - 16‬ما ينبغي للنسان أن يعلمه ول يجهله من المقاصد أمران ‪:‬‬
‫‪ - 1 -‬أنّ الشّريعة جاءت كامل ًة تامّةً ل نقص فيها ول زيادة ‪ ،‬ويجب أن ينظر إليها بعين‬
‫ن ‪ ،‬في عاداتها وعباداتها‬
‫الكمال ل بعين النّقص ‪ ،‬وأن يرتبط بها ارتباط ثقةٍ وإذعا ٍ‬
‫ومعاملتها ‪ ،‬وألّ يخرج عنها ألبتّة ‪ .‬وهذا المر أغفله المبتدعة فاستدركوا على الشّرع ‪،‬‬
‫وكذبوا على رسول اللّه صلى ال عليه وسلم ‪ .‬وقيل لهم في ذلك فقالوا ‪ :‬نحن لم نكذب على‬
‫رسول اللّه وإنّما كذبنا له ‪ .‬وحكي عن محمّد بن سعيدٍ ‪ ،‬المعروف بالردنّيّ ‪ ،‬أنّه قال ‪ ":‬إذا‬
‫كان الكلم حسنا لم أر فيه بأسا ‪ ،‬أجعل له إسنادا إلى رسول اللّه صلى ال عليه وسلم "‪.‬‬
‫‪ - 2 -‬أن يوقن إيقانا جازما أنّه ل تضادّ بين آيات القرآن الكريم وبين الحاديث النّبويّة‬
‫بعضها مع بعضٍ ‪ ،‬أو بينها وبين القرآن الكريم ‪ ،‬لنّ النّبع واحد ‪ ،‬وما كان الرّسول صلى ال‬
‫ن قوما اختلف عليهم المر‬
‫عليه وسلم ينطق عن الهوى ‪ ،‬إن هو إلّ وحيّ يوحى ‪ ،‬وإ ّ‬
‫ن ل يجا ِو ُز حناجرَهم » ‪.‬‬
‫لجهلهم ‪ ،‬هم الّذين عناهم الرّسول بقوله ‪ « :‬يقرءون القرآ َ‬
‫فيتحصّل ممّا قدّمنا كمال الشّريعة وعدم التّضادّ بين نصوصها ‪.‬‬
‫ت لكم دينَكم وأتممتُ عليكم نعمتي‬
‫أمّا كمال الشّريعة فقد أخبرنا اللّه تعالى بذلك ‪ { :‬اليوم أكمل ُ‬
‫ورضيتُ لكم السلم دينا } ‪ .‬وأمّا عدم التّضادّ في اللّفظ أو المعنى فقد بيّن اللّه أنّ المتدبّر ل‬
‫ن الختلف منافٍ للعلم والقدرة والحكمة { أفل َي َتدَ ّبرُونَ القرآنَ‬
‫يجد في القرآن اختلفا ‪ ،‬ل ّ‬
‫ن من عندِ غيرِ اللّه لَوَجدوا فيه اختلفا كثيرا } ‪.‬‬
‫ولو كا َ‬
‫ج ‪ -‬الجهل بالسّنّة ‪:‬‬
‫سنّة يعني أمرين ‪:‬‬
‫سنّة ‪ .‬والجهل بال ّ‬
‫‪ - 17‬من المور المؤدّية إلى البدعة الجهل بال ّ‬
‫سنّة ‪.‬‬
‫الوّل ‪ :‬جهل النّاس بأصل ال ّ‬
‫والثّاني ‪ :‬جهلهم بالصّحيح من غيره ‪ ،‬فيختلط عليهم المر ‪.‬‬
‫أمّا جهلهم بالسّنّة الصّحيحة ‪ ،‬فيجعلهم يأخذون بالحاديث المكذوبة على رسول اللّه صلى ال‬
‫سنّة تنهي عن ذلك ‪ ،‬كقوله تعالى ‪ { :‬ول تَ ْقفُ ما‬
‫عليه وسلم ‪ .‬وقد وردت الثار من القرآن وال ّ‬
‫ك بهِ عِ ْلمٌ إنّ السّمعَ والبصرَ والفؤا َد كلّ أولئك كان عنه َمسْئولً } وقول رسول اللّه‬
‫ليس َل َ‬
‫صلى ال عليه وسلم ‪ « :‬من َكذَبَ عليّ ُم َت َعمّدا فَلْ َيتَبوّأ مَ ْق َعدَه من النّارِ » ‪.‬‬
‫سنّة في‬
‫ومن جهلهم بالسّنّة ‪ ،‬جهلهم بدورها في التّشريع ‪ ،‬وقد بيّن اللّه سبحانه وتعالى مكانة ال ّ‬
‫ل َفخُذُوه وما َنهَاكم عنه فانتهوا } ‪.‬‬
‫التّشريع ‪َ { :‬ومَا آتاكم الرّسو ُ‬
‫ن بالعقل ‪:‬‬
‫د ‪ -‬تحسين الظّ ّ‬
‫ن بالعقل ‪ ،‬ويتأتّى هذا من جهة أنّ المبتدع‬
‫‪ - 18‬ع ّد العلماء من دواعي البدعة تحسين الظّ ّ‬
‫يعتمد على عقله ‪ ،‬ول يعتمد على الوحي وإخبار المعصوم صلى ال عليه وسلم فيجرّه عقله‬
‫القاصر إلى أشياء بعيدةٍ عن الطّريق المستقيم ‪ ،‬فيقع بذلك في الخطأ والبتداع ‪ ،‬ويظنّ أنّ‬
‫عقله موصّله ‪ ،‬فإذا هو مهلكه ‪ .‬وهذا لنّ اللّه جعل للعقول في إدراكها حدّا تنتهي إليه ل‬
‫تتعدّاه ‪ ،‬من ناحية الكمّ ومن ناحية الكيف ‪.‬‬
‫أمّا علم اللّه سبحانه فل يتناهى ‪ ،‬والمتناهي ل يساوي ما ل يتناهى ‪ .‬ويتخلّص من ذلك ‪:‬‬
‫‪ - 1 -‬أنّ العقل ما دام على هذه الصّورة ل يجعل حاكما بإطلقٍ ‪ ،‬وقد ثبت عليه حاكم‬
‫بإطلقٍ ‪ ،‬وهو الشّرع ‪ ،‬والواجب عليه أن يقدّم ما حقّه التّقديم ‪ ،‬ويؤخّر ما حقّه التّأخير ‪.‬‬
‫‪ - 2 -‬إذا وجد النسان في الشّرع أخبارا يقتضي ظاهرها خرق العادة المألوفة ‪ -‬الّتي لم‬
‫يسبق له أن رآها أو علم بها علما صحيحا ‪ -‬ل يجوز له أن يقدّم بين يديه لوّل وهل ٍة النكار‬
‫بإطلقٍ ‪ ،‬بل أمامه أحد أمرين ‪:‬‬
‫الوّل ‪ :‬إمّا أن يصدّق به ويكل العلم فيه للرّاسخين في العلم والمتخصّصين فيه متمثّلً بقوله‬
‫ن في العلمِ يقولون آ َمنّا به كُلّ من عند ربّنا }‬
‫تعالى ‪ { :‬والرّاسخو َ‬
‫الثّا ني ‪ :‬يتأوّل على ما يم كن حمله عل يه من الراء بمقت ضى الظّا هر ‪ .‬ويح كم هذا كلّه قوله‬
‫ن ل يعلمون } وقوله ‪:‬‬
‫ل ْمرِ فاتّ ِبعْها ول َت ّتبِ عْ أهواءَ الّذي َ‬
‫شرِيعةٍ من ا َ‬
‫جعَلْناك على َ‬
‫تعالى ‪ { :‬ث مّ َ‬
‫عتُ مْ في شيءٍ‬
‫ن َتنَازَ ْ‬
‫ن آمنوا أطيعُوا اللّه وأطيعُوا الرّ سولَ وأُولي المرِ من كم فإ ْ‬
‫{ يَا أيّ ها الّذي َ‬
‫ن باللّه واليوم الخر ذلك خيرٌ وأحسنُ تأويلً } ‪.‬‬
‫فَ ُردّوهُ إلى اللّه والرّسولِ إنْ كنتم تُؤْمنو َ‬
‫هـ – اتّباع المتشابه ‪:‬‬
‫‪ – 19‬قال بعض العلماء ‪ :‬المتشابه هو ما اختلف فيه من أحكام القرآن ‪ ،‬وقال آخرون ‪ :‬هو‬
‫ما تقابلت فيه الدلّة ‪ .‬وقد نهى الرّسول صلى ال عليه وسلم عن اتّباع المتشابه بقوله ‪ « :‬إذا‬
‫ن َي ّت ِبعُون ما َتشَابَهَ منه فأولئك الّذين سمّى اللّه فاح َذرُوهم » وقد ذكرهم القرآن في‬
‫رأيتم الّذي َ‬
‫خرُ ُم َتشَابِهاتٌ‬
‫ن ُأمّ الكتابِ وَُأ َ‬
‫ح َكمَاتٌ هُ ّ‬
‫قوله تعالى ‪ { :‬هو الّذي أنزل عليك الكتابَ ِمنْ ُه آياتٌ ُم ْ‬
‫ن في قُلوبِهم زَيْ ٌغ فَ َي ّت ِبعُون ما َتشَابه مِنه } ‪.‬‬
‫َفأَمّا الّذي َ‬
‫فليس نظرهم في الدّليل نظر المستبصر حتّى يكون هواه تحت حكمه ‪ ،‬بل نظر من حكم‬
‫بالهوى ‪ .‬ثمّ أتى بالدّليل كالشّاهد له ‪.‬‬
‫و ‪ -‬اتّباع الهوى ‪:‬‬
‫‪ - 20‬يطلق الهوى على ميل النّفس وانحرافها نحو الشّيء ‪ ،‬ث ّم غلب استعماله في الميل‬
‫سيّئ ‪ .‬ونسبت البدع إلى الهواء ‪ ،‬وسمّي أصحابها بأهل الهواء ‪،‬‬
‫المذموم والنحراف ال ّ‬
‫لنّهم اتّبعوا أهواءهم فلم يأخذوا الدلّة مأخذ الفتقار إليها والتّعويل عليها ‪ ،‬بل قدّموا أهواءهم‬
‫واعتمدوا على آرائهم ‪ ،‬ثمّ جعلوا الدلّة الشّرعيّة منظورا فيها من وراء ذلك ‪.‬‬
‫‪ - 21‬مداخل هذه الهواء ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬اتّباع العادات والباء وجعلها دينا ‪ .‬قال تعالى في شأن هؤلء ‪ { :‬إنّا َوجَدنا آباءنا على‬
‫ج ْئتُكم بأَ ْهدَى ممّا‬
‫ُأمّةٍ وإنّا على آثارِهم ُم ْهتَدون } فقال الحقّ على لسان رسوله { قال أَوََلوْ ِ‬
‫ج ْدتُم عليه آباءَكم } ‪.‬‬
‫َو َ‬
‫ب ‪ -‬رأي بعض المقلّدين في أئمّتهم والتّعصّب لهم ‪ ،‬فقد يؤدّي هذا التّغالي في التّقليد إلى‬
‫إنكار بعض النّصوص والدلّة أو تأويلها ‪ ،‬وعدّ من يخالفهم مفارقا للجماعة ‪.‬‬
‫ج ‪ -‬التّصوّف الفاسد وأخذ ما نقل عن المتصوّفة من الحوال الجارية عليهم ‪ ،‬أو القوال‬
‫سنّة ‪.‬‬
‫الصّادرة عنهم دينا وشريعةً ‪ ،‬وإن كانت مخالف ًة للنّصوص الشّرعيّة من الكتاب وال ّ‬
‫د ‪ -‬التّحسين والتّقبيح العقليّان ‪ .‬فإنّ محصول هذا المذهب تحكيم عقول الرّجال دون الشّرع ‪،‬‬
‫وهو أصل من الصول الّتي بنى عليها أهل البتداع في الدّين ‪ ،‬بحيث إنّ الشّرع إن وافق‬
‫ل ردّ ‪.‬‬
‫آراءهم قبلوه وإ ّ‬
‫هـ ‪ -‬العمل بالحلم ‪ .‬فإنّ الرّؤيا قد تكون من الشّيطان ‪ ،‬وقد تكون من حديث النّفس ‪ ،‬وقد‬
‫تكون من أخلطٍ مهتاج ٍة ‪ .‬فمتى تتعيّن الرّؤيا الصّالحة النّقيّة حتّى يحكم بها ؟ ‪. ،‬‬
‫أنواع البدعة ‪:‬‬
‫تنقسم البدعة من حيث قربها من الدلّة أو بعدها عنها إلى حقيقّيةٍ وإضافيّةٍ ‪.‬‬
‫البدعة الحقيقيّة ‪:‬‬
‫‪ - 22‬هي الّتي لم يدلّ عليها دليل شرعيّ ‪ ،‬ل من كتابٍ ول سنّ ٍة ول إجماعٍ ول استدللٍ‬
‫معتبرٍ عند أهل العلم ‪ ،‬ل في الجملة ول في التّفصيل ‪ ،‬ولهذا سمّيت بدعة حقيقيّة ‪ ،‬لنّها شيء‬
‫مخترع على غير مثالٍ سابقٍ ‪ ،‬وإن كان المبتدع يأبى أن ينسب إليه الخروج عن الشّرع ‪ ،‬إذ‬
‫ن هذه الدّعوى غير‬
‫هو م ّدعٍ أنّه داخل بما استنبط تحت مقتضى الدلّة ‪ ،‬ولكن ثبت أ ّ‬
‫صحيح ٍة ‪ ،‬ل في نفس المر ول بحسب الظّاهر ‪ ،‬أمّا بحسب نفس المر فبالعرض ‪ ،‬وأمّا‬
‫ن أدلّته شبه وليست بأدلّةٍ ‪ ،‬ومن أمثلتها ‪ :‬التّقرّب إلى اللّه تعالى بالرّهبانيّة‬
‫بحسب الظّاهر فإ ّ‬
‫وترك الزّواج مع وجود الدّاعي إليه وفقد المانع الشّرعيّ ‪ ،‬كرهبانيّة النّصارى المذكورة في‬
‫ل ابتغا َء رِضْوانِ اللّه } فهذه كانت قبل‬
‫قوله تعالى ‪َ { :‬ورَ ْهبَا ِنيّةً اب َتدَعُوها ما ك َت ْبنَاها عليهم إ ّ‬
‫السلم ‪ ،‬أمّا في السلم فقد نسخت في شريعتنا بمثل قوله صلى ال عليه وسلم « فمن رغب‬
‫عن سنّتي فليس منّي » ‪.‬‬
‫ومنها ‪ :‬أن يفعل المسلم مثل ما يفعل أهل الهند في تعذيب النّفس بأنواع العذاب الشّنيع والقتل‬
‫بالصناف الّتي تفزع منها القلوب وتقشعرّ منها الجلود ‪ ،‬مثل الحراق بالنّار على جهة‬
‫استعجال الموت لنيل الدّرجات العليا والقربى من اللّه سبحانه في زعمهم ‪.‬‬
‫البدعة الضافيّة ‪:‬‬
‫‪ - 23‬وهي الّتي لها شائبتان ‪ :‬إحداهما لها من الدلّة متعلّق ‪ ،‬فل تكون من تلك الجهة بدعةً ‪،‬‬
‫والثّانية ليس لها متعلّق إلّ مثل ما للبدعة الحقيقيّة ‪ .‬ولمّا كان العمل له شائبتان ‪ ،‬ولم يتخلّص‬
‫لحدٍ الطّرفين ‪ ،‬وضعت له هذه التّسمية ‪ ،‬لنّها بالنّسبة إلى إحدى الجهتين سنّة لستنادها إلى‬
‫دليلٍ ‪ ،‬وبالنّسبة إلى الجهة الخرى بدعة لستنادها إلى شبه ٍة ل إلى دليلٍ ‪ ،‬أو لنّها غير‬
‫مستند ٍة إلى شيءٍ ‪ ،‬وهذا النّوع من البدع هو مثار الخلف بين المتكلّمين في البدع والسّنن ‪.‬‬
‫وله أمثلة كثيرة ‪ ،‬منها ‪ :‬صلة الرّغائب ‪ ،‬وهي ‪ :‬اثنتا عشرة ركعةً في ليلة الجمعة الولى‬
‫ب بكيفيّةٍ مخصوص ٍة ‪ ،‬وقد قال العلماء ‪ :‬إنّها بدعة قبيحة منكرة ‪ .‬وكذا صلة ليلة‬
‫من رج ٍ‬
‫النّصف من شعبان ‪ ،‬وهي ‪ :‬مائة ركع ٍة بكيفيّةٍ خاصّ ٍة ‪ .‬وصلة برّ الوالدين ‪ .‬ووجه كونها‬
‫بدع ًة إضافيّةً ‪ :‬أنّها مشروعة ‪ ،‬باعتبار النّظر إلى أصل الصّلة ‪ ،‬لحديثٍ رواه الطّبرانيّ في‬
‫ع » وغير مشروع ٍة باعتبار ما عرض لها من التزام الوقت‬
‫الوسط « الصّلة خير موضو ٍ‬
‫المخصوص والكيفيّة المخصوصة ‪.‬‬
‫فهي مشروعة باعتبار ذاتها ‪ ،‬مبتدعة باعتبار ما عرض لها ‪.‬‬
‫البدع المكفّرة وغير المكفّرة ‪:‬‬
‫‪ - 24‬البدع متفاوتة ‪ ،‬فل يصحّ أن يقال ‪ :‬إنّها على حكمٍ واح ٍد هو الكراهة فقط ‪ ،‬أو التّحريم‬
‫فقط ‪ .‬فقد وجد أنّها تختلف في أحكامها ‪ ،‬فمنها ما هو كفر صراح ‪ ،‬كبدعة الجاهليّة الّتي نبّه‬
‫ث والنعامِ نَصيبا فقالوا ‪ :‬هذا للّه‬
‫حرْ ِ‬
‫جعَلوا للّه ممّا ذَرََأ من ال َ‬
‫القرآن عليها كقوله تعالى ‪َ { :‬و َ‬
‫ن هذه النْعامِ خالصةٌ‬
‫ش َركَائِنا } الية ‪ ،‬وقوله تعالى ‪ { :‬وقالوا ما في بُطو ِ‬
‫ع ِمهِمْ وهذا ِل ُ‬
‫ِبزَ ْ‬
‫جعَل اللّهُ‬
‫ش َركَاء } وقوله تعالى ‪ { :‬ما َ‬
‫ن َميْتةً فهم فيه ُ‬
‫ن يك ْ‬
‫لذكورِنا ومح ّرمٌ على أزواجِنا وإ ْ‬
‫من َبحِيرَ ٍة ول سَا ِئبَةٍ ول َوصِيل ٍة ول حَامٍ } ‪ .‬وكذلك بدعة المنافقين الّذين اتّخذوا الدّين ذريعةً‬
‫س في قُلوبِهم } فهذا وأضرابه ل‬
‫لحفظ النّفس والمال وما أشبه ذلك { يقولونَ ِبَأفْوا ِه ِهمْ ما لي َ‬
‫يشكّ أحد في أنّه كفر صراح ‪ ،‬لبتداعه أشياء أنكرتها النّصوص وتوعّدت عليها ‪.‬‬
‫ومنها ما هو كبيرة وليس بكفرٍ ‪ ،‬أو يختلف فيه هل هو كفر أم ل ؟ كبدع الفرق الضّالّة ‪.‬‬
‫ومنها ما هو معصية وليس بكف ٍر اتّفاقا ‪ ،‬كبدعة التّبتّل والصّيام قائما في الشّمس ‪ ،‬والخصاء‬
‫بقطع شهوة الجماع ‪ ،‬للحاديث الواردة في النّهي عن ذلك ‪ ،‬وقد سبق بعض منها ولقوله‬
‫تعالى ‪ { :‬ول تَ ْقتُلُوا َأنْ ُفسَكم إنّ اللّه كانَ بِكم رَحيما } ‪.‬‬
‫تقسيم البدع غير المكفّرة إلى كبيرةٍ وصغيرةٍ ‪:‬‬
‫‪ - 25‬إنّ المعاصي منها صغائر ومنها كبائر ‪ ،‬ويعرف ذلك بكونها واقع ًة في الضّروريّات أو‬
‫الحاجيّات أو التّحسينات ‪ ،‬فإن كانت في الضّروريّات فهي أعظم الكبائر ‪ ،‬وإن وقعت في‬
‫التّحسينات فهي أدنى رتب ًة بل إشكالٍ ‪ ،‬وإن وقعت في الحاجيّات فمتوسّطة بين الرّتبتين ‪،‬‬
‫ج َتنِبُوا َكبَا ِئرَ ما‬
‫ن َت ْ‬
‫ج َت ِنبُون َكبَائِرَ الِإثمِ وال َفوَاحِشَ إلّ الّل َممَ } وقوله ‪ { :‬إ ْ‬
‫لقوله تعالى ‪ { :‬الّذين َي ْ‬
‫ن عنه ُنكَ ّفرْ عنكم سيّئاتِكم َو ُن ْدخِلْكم ُمدْخَلً َكرِيما } ‪ ،‬وإذا كانت ليست رتبةً واحد ًة فالبدع‬
‫ُت ْنهَوْ َ‬
‫من جملة المعاصي ‪ ،‬وقد ثبت التّفاوت في المعاصي ‪ ،‬فكذلك يتصوّر مثله في البدع ‪ ،‬فمنها‬
‫ما يقع في الضّروريّات ‪ ،‬ومنها ما يقع في رتبة الحاجيّات ‪ ،‬ومنها ما يقع في رتبة التّحسينات‬
‫‪ .‬وما يقع في رتبة الضّروريّات ‪ ،‬منه ما يقع في الدّين ‪ ،‬أو النّفس ‪ ،‬أو النّسل ‪ ،‬أو العقل ‪ ،‬أو‬
‫المال ‪ .‬فمثال وقوعه في الدّين ‪ :‬اختراع الكفّار وتغييرهم ملّة إبراهيم عليه السلم في نحو‬
‫جعَل اللّ ُه من َبحِير ٍة ول سَائبةٍ ول َوصِيل ٍة ول حامٍ } وحاصل ما في الية تحريم‬
‫قوله ‪ { :‬ما َ‬
‫ما أحلّ اللّه على نيّة التّقرّب به إليه ‪ ،‬مع كونه حللً بحكم الشّريعة المتقدّمة ‪ .‬ومثال ما يقع‬
‫في النّفس ‪ :‬ما عليه بعض نحل الهند ‪ ،‬من تعذيبها أنفسها بأنواع العذاب واستعجال الموت ‪،‬‬
‫لنيل الدّرجات العلى على زعمهم ‪.‬‬
‫ومثال ما يقع في النّسل ‪ :‬ما كان من أنكحة الجاهليّة الّتي كانت معهودةً ومعمولً بها ومتّخذةً‬
‫كالدّين ‪ ،‬وهي ل عهد بها في شريعة إبراهيم عليه السلم ول غيره ‪ ،‬بل كانت من جملة ما‬
‫اخترعوه ‪ .‬من ذلك ما روته عائشة رضي ال عنها في حديث أنكحة الجاهليّة ‪.‬‬
‫ومثال ما يقع في العقل ‪ :‬ما يتناول من المسكرات والمخدّرات بدعوى تحصيل النّفع والتّقوّي‬
‫على القيام ببعض الواجبات المشروعة في ذاتها ‪ .‬ومثال ما يقع في المال ‪ :‬قولهم { إنّما ال َبيْعُ‬
‫ِمثْلُ الرّبا } فإنّهم احتجّوا بقياسٍ فاسدٍ ‪ .‬وكذلك سائر ما يحدث النّاس بينهم من البيوع المبنيّة‬
‫على المخاطرة والغرر ‪.‬‬
‫‪ - 26‬هذا التّقسيم من حيث اعتبار البدعة كبير ًة أو صغير ًة مشروط بشروطٍ ‪:‬‬
‫الوّل ‪ :‬ألّ يداوم عليها ‪ ،‬فإنّ الصّغيرة من المعاصي لمن داوم عليها تكبر بالنّسبة إليه ‪ ،‬لنّ‬
‫ذلك ناشئ عن الصرار عليها ‪ ،‬والصرار على الصّغيرة يصيّرها كبير ًة ‪ ،‬ولذلك قالوا ‪ :‬ل‬
‫صغيرة مع إصرارٍ ‪ ،‬ول كبيرة مع استغفارٍ ‪ ،‬فكذلك البدعة من غير فرقٍ ‪.‬‬
‫ل يدعو إليها ‪ .‬فإذا ابتلي إنسان ببدع ٍة فدعا إليها تحمّل وزرها وأوزار الخرين معه‬
‫الثّاني ‪ :‬أ ّ‬
‫ن سنّ ًة سيّئةً فعليه وزرها ووزر‬
‫‪ ،‬مصداقا لقول رسول اللّه صلى ال عليه وسلم ‪ « :‬من س ّ‬
‫من عمل بها إلى يوم القيامة » ‪.‬‬
‫الثّالث ‪ :‬ألّ تفعل في الماكن العامّة الّتي يجتمع فيها النّاس ‪ ،‬أو المواضع الّتي تقام فيها السّنن‬
‫ل يكون ممّن يقتدى به أو يحسن به الظّنّ ‪ ،‬فإنّ العوّام‬
‫‪ ،‬وتظهر فيها أعلم الشّريعة ‪ ،‬وأ ّ‬
‫ن به ‪ ،‬فتعمّ البلوى ويسهل على‬
‫يقتدون ‪ -‬بغير نظرٍ ‪ -‬بالموثوق بهم أو بمن يحسنون الظّ ّ‬
‫النّاس ارتكابها ‪.‬‬
‫تقسيم المبتدع إلى داعيةٍ لبدعته وغير داعيةٍ ‪:‬‬
‫‪ - 27‬المنسوب إلى البدعة في العرف ل يخلو أن يكون مجتهدا فيها أو مقلّدا ‪ ،‬والمقلّد إمّا أن‬
‫يكون مقلّدا مع القرار بالدّليل الّذي زعمه المجتهد المبتدع ‪ ،‬وإمّا أن يكون مقلّدا من غير نظرٍ‬
‫‪ ،‬كالعا ّميّ الصّرف الّذي حسّن الظّنّ بصاحب البدعة ‪ ،‬ولم يكن له دليل على التّفصيل يتعلّق‬
‫ن بالمبتدع خاصّةً ‪ .‬وهذا القسم كثير في العوّام ‪ ،‬فإذا تبيّن أنّ المبتدع‬
‫به ‪ ،‬إلّ تحسين الظّ ّ‬
‫آثم ‪ ،‬فليس الثم الواقع عليه على رتبةٍ واحد ٍة ‪ .‬بل هو على مراتب مختلف ٍة ‪ ،‬من جهة كون‬
‫ن الزّيغ في قلب الدّاعي أمكن منه في قلب المقلّد ‪ ،‬ولنّه‬
‫صاحب البدعة داعيا إليها أم ل ‪ ،‬ل ّ‬
‫ن سنّةً سيّئةً‬
‫سنّة ‪ ،‬ولنّه يتحمّل وزر من تبعه ‪ ،‬مصداقا لحديث ‪ « :‬من س ّ‬
‫أوّل من سنّ تلك ال ّ‬
‫فعليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة » ‪.‬‬
‫كما يختلف الثم بالنّسبة إلى السرار والعلن ‪ ،‬لنّ المسرّ ضرره مقصور عليه ل يتعدّاه ‪،‬‬
‫بخلف المعلن ‪ .‬كما يختلف كذلك من جهة الصرار عليها أو عدمه ‪ ،‬ومن جهة كونها حقيقيّةً‬
‫أو إضافيّةً ‪ ،‬ومن جهة كونها كفرا أو غير كفرٍ ‪.‬س‬
‫رواية المبتدع للحديث ‪:‬‬
‫‪ - 28‬ردّ العلماء رواية من كفر ببدعته ‪ ،‬ولم يحتجّوا به في صحّة الرّواية ‪.‬‬
‫ولكنّهم شرطوا للكفر بالبدعة ‪ ،‬أن ينكر المبتدع أمرا متواترا من الشّرع معلوما من الدّين‬
‫بالضّرورة ‪ .‬أمّا من لم يكفر ببدعته ‪ ،‬فللعلماء في روايته ثلثة أقوالٍ ‪:‬‬
‫ج بروايته مطلقا ‪ ،‬وهو رأي المام مالكٍ ‪ ،‬لنّ في الرّواية عن المبتدع ترويجا‬
‫الوّل ‪ :‬ل يحت ّ‬
‫لمره وتنويها بذكره ‪ ،‬ولنّه أصبح فاسقا ببدعته ‪.‬‬
‫ج به إن لم يكن ممّن يستحلّ الكذب في نصرة مذهبه ‪ ،‬سواء أكان داعيةً أم ل ‪،‬‬
‫الثّاني ‪ :‬يحت ّ‬
‫وهو قول الشّافعيّ وأبي يوسف والثّوريّ ‪.‬‬
‫ج به إن لم يكن داعيا إلى بدعته ‪ ،‬ول يحتجّ به إن كان داعي ًة إليها ‪.‬‬
‫الثّالث ‪ :‬قيل يحت ّ‬
‫قال النّوويّ والسّيوطيّ ‪ :‬هذا القول هو العدل والظهر ‪ ،‬وهو قول الكثير أو الكثر ‪ ،‬ويؤيّده‬
‫احتجاج البخاريّ ومسلمٍ في الصّحيحين بكثيرٍ من المبتدعة غير الدّعاة ‪.‬‬
‫شهادة المبتدع ‪:‬‬
‫‪ - 29‬ردّ المالكيّة والحنابلة شهادة المبتدع ‪ ،‬سواء أكفر ببدعته أم ل ‪ ،‬وسواء أكان داعيا لها‬
‫ن المبتدع فاسق تردّ‬
‫أم ل ‪ .‬وهو رأي شريكٍ وإسحاق وأبي عبيد وأبي ثورٍ ‪ ،‬وعلّلوا ذلك بأ ّ‬
‫ن جَا َء ُكمْ فاسقٌ ِب َن َبأٍ َفتَ َب ّينُوا }‬
‫ل ِمنْكم } ولقوله تعالى ‪ { :‬إ ْ‬
‫عدْ ٍ‬
‫ش ِهدُوا ذَ َويْ َ‬
‫شهادته للية ‪ { :‬وَأ ْ‬
‫وقال الحنفيّة والشّافعيّة في الرّاجح عندهم ‪ :‬تقبل شهادة المبتدع ما لم يكفر ببدعته ‪ ،‬كمنكر‬
‫صفات اللّه وخلقه لفعال العباد ‪ ،‬لنّهم يعتقدون أنّهم مصيبون في ذلك لما قام عندهم من‬
‫الدلّة ‪.‬‬
‫وقال الشّافعيّة في المرجوح عندهم ‪ :‬ل تقبل شهادة المبتدع الدّاعي إلى البدعة ‪.‬‬
‫الصّلة خلف المبتدع‬
‫‪ - 30‬اختلف العلماء في حكم الصّلة خلف المبتدع ‪ .‬فذهب الحنفيّة ‪ ،‬والشّافعيّة ‪ ،‬وهو رأي‬
‫للمالكيّة إلى جواز الصّلة خلف المبتدع مع الكراهة ما لم يكفر ببدعته ‪ ،‬فإن كفر ببدعته فل‬
‫تجوز الصّلة خلفه ‪ .‬واستدلّوا لذلك بأدلّةٍ منها ‪ :‬قوله صلى ال عليه وسلم « صَلّوا خ ْلفَ مَنْ‬
‫ل اللّه » وقوله ‪ « :‬صَلّوا خلفَ كلّ َبرّ وفاجرٍ » ‪.‬‬
‫قال ل إِلهَ إ ّ‬
‫ن ابن عمر رضي ال عنهما كان يصلّي مع الخوارج وغيرهم زمن عبد اللّه‬
‫وما روي من أ ّ‬
‫بن الزّبير وهم يقتتلون ‪ ،‬فقيل له ‪ :‬أتصلّي مع هؤلء ومع هؤلء ‪ ،‬وبعضهم يقتل بعضا ؟‬
‫ي على الفلح أجبته ‪ .‬ومن قال ‪ :‬حيّ‬
‫ي على الصّلة أجبته ‪ ،‬ومن قال ‪ :‬ح ّ‬
‫فقال ‪ ":‬من قال ح ّ‬
‫على قتل أخيك المسلم وأخذ ماله قلت ‪ :‬ل "‪.‬‬
‫ن المبتدع المذكور تصحّ صلته ‪ ،‬فصحّ الئتمام به كغيره ‪.‬‬
‫ول ّ‬
‫وذهب المالكيّة والحنابلة إلى أنّ من صلّى خلف المبتدع الّذي يعلن بدعته ويدعو إليها أعاد‬
‫صلته ندبا ‪ ،‬وأمّا من صلّى خلف مبتدعٍ يستتر ببدعته فل إعادة عليه ‪.‬‬
‫ل أن يَ ْق َهرَه‬
‫واستدلّوا بقوله صلى ال عليه وسلم ‪ « :‬ل تَ ُؤمّنّ امرأ ٌة رجلً ‪ ،‬ول فاجرٌ مؤمنا إ ّ‬
‫ن ‪ ،‬أو يخافَ سوطَه أو سيفه » ‪.‬‬
‫بسلطا ٍ‬
‫ولية المبتدع ‪:‬‬
‫ن من شروط أصحاب الوليات العامّة ‪ -‬كالمام العظم الخليفة‬
‫‪ - 31‬اتّفق العلماء على أ ّ‬
‫وأمراء الوليات والقضاة وغيرهم ‪ -‬العدالة ‪ ،‬وألّ يكونوا من أصحاب الهواء والبدع ‪ ،‬وذلك‬
‫لتكون العدالة وازعةً عن التّقصير في جلب المصالح ودرء المفاسد ‪ ،‬وحتّى ل يخرجه الهوى‬
‫ق إلى الباطل ‪ ،‬وقد ورد ‪ " :‬حبّك الشّيء يعمي ويصمّ " ‪.‬‬
‫من الح ّ‬
‫ولكنّ ولية المتغلّب على المامة أو غيرها من الوليات تنعقد ‪ ،‬وتجب طاعته فيما يجوز من‬
‫أمره ونهيه وقضائه باتّفاق الفقهاء ‪ ،‬وإن كان من أهل البدع ‪ .‬والهواء ‪ ،‬ما لم يكفر ببدعته ‪،‬‬
‫درءا للفتنة ‪ ،‬وصونا لشمل المسلمين ‪ ،‬واحتفاظا بوحدة الكلمة ‪.‬‬
‫الصّلة على المبتدع ‪:‬‬
‫‪ - 32‬اختلف الفقهاء في الصّلة على المبتدع الميّت ‪ ،‬فذهب جمهور العلماء إلى وجوب‬
‫الصّلة على المبتدع الّذي لم يكفر ببدعته ‪ ،‬لقول النّبيّ صلى ال عليه وسلم ‪ « :‬صلّوا على‬
‫من قال ل إله إلّ اللّه » ‪.‬‬
‫إلّ أنّ المالكيّة يرون كراهية صلة أصحاب الفضل على المبتدع ‪ ،‬ليكون ذلك ردعا وزجرا‬
‫ي صلى ال عليه وسلم أتي برجلٍ قتل نفسه لم يصلّ عليه‬
‫ن « النّب ّ‬
‫لغيرهم عن مثل حالهم ‪ ،‬ول ّ‬
‫» ‪ .‬وذهب الحنابلة إلى منع الصّلة على المبتدع ‪ ،‬لنّ النّبيّ صلى ال عليه وسلم‬
‫« ترك الصّلة على صاحب الدّين وقاتل نفسه » وهما أقلّ جرما من المبتدع ‪.‬‬
‫توبة المبتدع ‪:‬‬
‫‪ - 33‬اختلف العلماء في قبول توبة المبتدع المكفّر ببدعته ‪ ،‬فقال جمهور كلّ من الحنفيّة‬
‫والمالكيّة والشّافعيّة والحنابلة بقبول توبته ‪ ،‬لقوله تعالى ‪ { :‬قُلْ لِلّذين َكفَروا إنْ ِينْتهُوا ُيغْ َفرْ لهم‬
‫ما َقدْ سََلفَ } ولقوله صلى ال عليه وسلم ‪ُ « :‬أ ِمرْتُ أنْ أُقاتلَ النّاسَ حتّى يقولُوا ‪ :‬ل إلهَ إلّ‬
‫ل ِبحَقّها ‪ ،‬وحسابُهم على اللّه » ومن‬
‫صمُوا منّي دماءَهم وأموالَهم إ ّ‬
‫ع َ‬
‫اللّه ‪ ،‬فإذا قالوها فقد َ‬
‫الحنفيّة والمالكيّة والشّافعيّة والحنابلة من يرى أنّ توبة المبتدع ل تقبل إذا كان ممّن يظهر‬
‫السلم ويبطن الكفر ‪ ،‬كالمنافق والزّنديق والباطنيّ ‪ ،‬لنّ توبته صدرت عن خوفٍ ‪ ،‬ولنّه ل‬
‫تظهر منه علمة تبيّن صدق توبته ‪ ،‬حيث كان مظهرا للسلم مسرّا للكفر ‪ ،‬فإذا أظهر التّوبة‬
‫لم يزد على ما كان منه قبلها ‪ ،‬واستدلّوا لذلك ببعض الحاديث ‪ ،‬ومنها قوله صلى ال عليه‬
‫وسلم ‪ « :‬سيخرجُ في أمّتي أقوا ٌم تجاري بهم تلك الهواءُ ‪ ،‬كما يتجارى الكلبُ بصاحبه ‪ ،‬ل‬
‫يبقى منه عرقٌ ول مفصلٌ إلّ َدخَلَه » ‪ .‬وهذا الخلف بين العلماء في قبول توبة المبتدع‬
‫ينحصر فيما يتعلّق بأحكام الدّنيا في حقّه ‪ ،‬أمّا ما يتعلّق بقبول اللّه تعالى لتوبته وغفرانه لذنبه‬
‫إذا أخلص وصدق في توبته فل خلف فيه ‪.‬‬
‫ما يجب على المسلمين تجاه البدعة ‪:‬‬
‫‪ - 34‬ينبغي على المسلمين تجاه البدعة أشياء لمنع الوقوع فيها ‪ -‬منها ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬تعهّد القرآن وحفظه وتعليمه وبيان أحكامه ‪ ،‬لقوله تعالى ‪ { :‬وَأ ْنزَلْنا إليك الذّكرَ ِل ُت َبيّنَ‬
‫للنّاسِ ما ُنزّلَ إليهم } ولقول رسول اللّه صلى ال عليه وسلم « خيرُكم من تعّلمَ القُرآنَ وعّلمَه‬
‫» وفي رواي ٍة « َأ ْفضَلُكم من تعّلمَ القُرآنَ وعّلمَه » وقوله صلى ال عليه وسلم ‪:‬‬
‫ن في تعليم‬
‫ن فوالّذي نفسي بيده َل ُهوَ أشدّ تَ َفصّيا من البِلِ في عُقُلِها » ل ّ‬
‫« َتعَاهَدُوا القرآ َ‬
‫القرآن وبيان أحكامه قطع الطّريق على المبتدعين بإظهار الحكام الشّرعيّة ‪.‬‬
‫خذُوه وما َنهَاكم عنه‬
‫سنّة والتّعريف بها ‪ :‬لقوله تعالى ‪ { :‬وما آتاكم الرّسولُ َف ُ‬
‫ب ‪ -‬إظهار ال ّ‬
‫ن لهم‬
‫ن ول مُؤْمن ٍة إذا َقضَى الّلهُ ورسولُه أمرا أن يكو َ‬
‫فا ْن َتهُوا } وقوله تعالى ‪ { :‬وما كان ِلمُؤْم ٍ‬
‫خيَرَ ُة من أمرِهم ومن يعص الّلهَ ورسولَه فقد ضلّ ضَللً مُبينا } ‪ .‬وعن رسول اللّه صلى‬
‫ال ِ‬
‫سمِع منّا حديثا َفحَ ِفظَهُ حتّى ُيبَّلغَ ُه غيرَه » ‪.‬‬
‫ضرَ الّلهُ امْرأً َ‬
‫ال عليه وسلم ‪ « :‬نَ ّ‬
‫سنّ ِة » ‪.‬‬
‫ع ًة إلّ ُرفِعَ ِمثْلُها من ال ّ‬
‫وعن رسول اللّه صلى ال عليه وسلم ‪ « :‬ما أحدثَ قومٌ ِبدْ َ‬
‫ج ‪ -‬عدم قبول الجتهاد ممّن ل يتأهّل له ‪ ،‬ور ّد الجتهاد في الدّين من المصادر غير المقبولة‬
‫عتُم في شيءٍ‬
‫ن ُكنْتم ل َتعْلَمون } وقوله ‪ { :‬فإنْ َتنَازَ ْ‬
‫‪ ،‬لقوله تعالى ‪ { :‬فاسْألوا أهل ال ّذ ْكرِ إ ْ‬
‫ن في العلمِ } ‪.‬‬
‫ل اللّ ُه والرّاسخو َ‬
‫فَ ُردّوهُ إلى الّلهِ والرّسولِ } وقوله ‪ { :‬وما َيعْلمُ َتأْويلَه إ ّ‬
‫د ‪ -‬نبذ التّعصّب لرأيٍ من الراء أو اجتهادٍ من الجتهادات ‪ ،‬ما لم يكن مؤيّدا بالحقّ من‬
‫ن أضلّ ِممّن ا ّتبَعَ َهوَا ُه بِغيرِ هُدىً من الّلهِ } ‪.‬‬
‫الدلّة الشّرعيّة لقوله تعالى ‪َ { :‬ومَ ْ‬
‫هـ – منع العامّة من القول في الدّين ‪ ،‬وعدم العتداد بآرائهم مهما كانت مناصبهم وتقواهم‬
‫إلّ بالدّليل ‪ .‬يقول أبو يزيد البسطاميّ ‪ :‬لو نظرتم إلى رجلٍ أعطي من الكرامات حتّى يرتقي‬
‫في الهواء ‪ ،‬فل تغترّوا به حتّى تنظروا كيف تجدونه عن المر والنّهي وحفظ الحدود وأداء‬
‫ل وفعلً نطق بالحكمة ‪،‬‬
‫سنّة على نفسه قو ً‬
‫الشّريعة ‪ .‬وقال أبو عثمان الحيريّ ‪ :‬من أمّر ال ّ‬
‫ومن أمّر الهوى على نفسه نطق بالبدعة ‪ .‬قال تعالى ‪ { :‬وَِإنْ ُتطِيعو ُه َت ْه َتدُوا } ‪.‬‬
‫و‪ -‬صدّ ال ّتيّارات الفكريّة المضلّلة الّتي تشكّك النّاس في الدّين ‪ ،‬وتحمل بعضهم على التّأويل‬
‫ن أُوتوا الكِتابَ َي ُردّو ُكمْ‬
‫بغير دليلٍ لقوله تعالى ‪ { :‬يا أيّها الّذين آمنوا إن تُطِيعُوا فَريقا ِمنَ الّذي َ‬
‫بعدَ إِيمانِكُم كافرين } ‪.‬‬
‫ما يجب على المسلمين تجاه أهل البدعة ‪:‬‬
‫‪ - 35‬يجب على المسلمين من أولي المر وغيرهم أن يأمروا أهل البدع بالمعروف وينهوهم‬
‫سنّة والقلع عن البدعة والبعد عنها ‪ .‬لقوله تعالى ‪{ :‬‬
‫عن المنكر ‪ ،‬ويحضّوهم على اتّباع ال ّ‬
‫ك ُهمُ‬
‫ن منكم ُأمّ ٌة َيدْعون إلى الخيرِ َو َيأْمرون بالمعروفِ و َي ْنهَونَ عن المنكَرِ وأولئ َ‬
‫و ْل َتكُ ْ‬
‫ن بِالمَعْروفِ‬
‫المفلحون } ولقوله تعالى ‪ { :‬والمؤمنونَ والمؤمناتُ بعضُه ْم أَوْليا ُء بعضٍ َي ْأمُرو َ‬
‫و َي ْنهَوْن عن المنكَرِ } ‪.‬‬
‫‪ -‬مراحل المر بالمعروف والنّهي عن المنكر لمنع البدعة ‪:‬‬ ‫‪36‬‬

‫أ ‪ -‬التّعريف ببيان الصّواب من الخطأ بالدّليل ‪.‬‬


‫ظةِ‬
‫عَ‬‫ح ْكمَةِ والمَوْ ِ‬
‫ب ‪ -‬الوعظ بالكلم الحسن مصداقا لقوله تعالى ‪ُ { :‬ا ْدعُ إلى سبيلِ ربّك بال ِ‬
‫سنَةِ } ‪.‬‬
‫حَ‬‫ال َ‬
‫ج ‪ -‬التّعنيف والتّخويف من العقاب الدّنيويّ والخرويّ ‪ ،‬بيان أحكام ذلك في أمر بدعته ‪.‬‬
‫ض المجالس ‪.‬‬
‫د ‪ -‬المنع بالقهر ‪ ،‬مثل كسر الملهي وتمزيق الوراق وف ّ‬
‫هـ ‪ -‬التّخويف والتّهديد بالضّرب الّذي يصل إلى التّعزير ‪ ،‬وهذه المرتبة ل تنبغي إلّ للمام‬
‫أو بإذنه ‪ ،‬لئلّ يترتّب عليها ضرر أكبر منها ‪.‬‬
‫وللتّفصيل يرجع إلى مصطلح ( المر بالمعروف والنّهي عن المنكر ) ‪.‬‬
‫معاملة المبتدع ومخالطته ‪:‬‬
‫‪ - 37‬إذا كان المبتدع غير مجاهرٍ ببدعته ينصح ‪ ،‬ول يجتنب ول يشهّر به ‪ ،‬لحديث الرّسول‬
‫س َترَ ُه اللّ ُه في الدّنيا والخرة » ‪.‬‬
‫س َترَ ُمسْلِما َ‬
‫ن َ‬
‫صلى ال عليه وسلم ‪ « :‬مَ ْ‬
‫وأمّا إذا كان مجاهرا بشيءٍ منهيّ عنه من البدع العتقاديّة أو القوليّة أو العمليّة ‪ -‬وهو يعلم‬
‫ن هجره ‪ ،‬وقد اشتهر هذا عند العلماء ‪ .‬وروي عن عمر بن الخطّاب رضي‬
‫ذلك ‪ -‬فإنّه يس ّ‬
‫ل ال َقدَر ‪ ،‬ول تُفَا ِتحُوهم »‬
‫ال عنه أنّ رسول اللّه صلى ال عليه وسلم قال ‪ « :‬ل ُتجَاِلسُوا أه َ‬
‫ب أن يكرم دينه فليعتزل مخالطة الشّيطان ومجالسة أصحاب‬
‫وقال ابن مسعودٍ ‪ ":‬من أح ّ‬
‫الهواء ‪ ،‬فإنّ مجالسهم ألصق من الحرب "‪.‬‬
‫وعن ابن عمر مرفوعا ‪ « :‬ل ُتجَالسوا أهلَ القدرِ ول تُنا ِكحُوهم » ‪ .‬وعن أبي قلبة " ل‬
‫تجالسوا أهل الهواء ‪ ،‬فإنّي ل آمن أن يغمسوكم في ضللتهم ‪ ،‬أو يلبسوا عليكم بعض ما‬
‫تعرفون " وقد هجر أحمد من قالوا بخلق القرآن ‪ .‬قال ابن تيميّة ‪ :‬ينبغي لهل الخير والدّين‬
‫أن يهجروا المبتدع حيّا وميّتا ‪ ،‬إذا كان في ذلك كفّ للمجرمين ‪ ،‬فيتركوا تشييع جنازته ‪.‬‬
‫إهانة المبتدع ‪:‬‬
‫‪ - 38‬صرّح العلماء بجواز إهانة المبتدع بعدم الصّلة خلفه ‪ ،‬أو الصّلة على جنازته ‪ ،‬وكذلك‬
‫ل يعاد إذا مرض ‪ ،‬على خلفٍ في ذلك ‪.‬‬

‫بدل *‬
‫انظر ‪ :‬إبدال ‪.‬‬

‫بدنة *‬
‫التّعريف ‪:‬‬
‫‪ - 1‬البدنة في اللّغة ‪ :‬من البل خاصّ ًة ‪ ،‬ويطلق هذا اللّفظ على الذّكر والنثى ‪ ،‬والجمع البدن‬
‫‪ .‬وسمّيت بدن ًة لضخامتها ‪.‬‬
‫قال في المصباح المنير ‪ :‬والبدنة قالوا ‪ :‬هي ناقة أو بقرة ‪ ،‬وزاد الزهريّ ‪ :‬أو بعير ذكر ‪.‬‬
‫قال ‪ :‬ول تطلق البدنة على الشّاة ‪.‬‬
‫ن البقرة لمّا صارت في الشّريعة في حكم‬
‫وفي الصطلح ‪ :‬البدنة اسم تختصّ به البل ‪ ،‬إلّ أ ّ‬
‫حرْنا مع رسولِ اللّه صلى ال عليه‬
‫البدنة قامت مقامها ‪ ،‬وذلك لما قال جابر بن عبد اللّه ‪َ « :‬ن َ‬
‫وسلم عا َم الحديبي ِة البدنةَ عن سبعةٍ ‪ ،‬والبقرةَ عن سبعةٍ » فصار البقر في حكم البدن مع‬
‫تغايرهما لوجود العطف بينهما ‪ ،‬والعطف يقتضي المغايرة ‪.‬‬
‫ومع هذا فقد أطلق بعض الفقهاء " البدنة " على البل والبقر ‪.‬‬
‫الحكم الجماليّ ‪:‬‬
‫تتعلّق بالبدن أحكام خاصّة منها ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬بول البدن و َروْثها ‪:‬‬
‫‪ - 2‬ذهب الحنفيّة والشّافعيّة إلى نجاسة بول وروث الحيوان ‪ ،‬سواء أكان ممّا يؤكل لحمه أم‬
‫ل ‪ ،‬ومن الحيوان ‪ :‬البدن ‪ .‬لما روى البخاريّ « أنّه صلى ال عليه وسلم لمّا جيء له‬
‫بحجرين َورَ ْو َثةٍ ليستنجي بها ‪ ،‬أخذ الحجرين وردّ الرّوثة ‪ ،‬وقال ‪ :‬هذا ركس » والرّكس ‪:‬‬
‫النّجس ‪ .‬وأمّا نجاسة البول فلعموم قوله صلى ال عليه وسلم ‪َ « :‬تنَزّهوا من البول ‪ ،‬فإنّ‬
‫ب القبرِ منه » حيث يدخل فيه جميع أنواع البوال ‪.‬‬
‫عامّةَ عذا ِ‬
‫وذهب المالكيّة والحنابلة إلى طهارة بول وروث ما يؤكل لحمه ‪ ،‬لنّه « صلى ال عليه وسلم‬
‫شرَبُوا من أبوالها وألبانها » والنّجس ل يباح شربه ‪،‬‬
‫أمر ال ُعرَنيّين أن يَ ْلحَقُوا بإِبلِ الصّدقة ‪ ،‬فَ َي ْ‬
‫ولنّه « صلى ال عليه وسلم كان يصلّي في مرابض الغنم ‪ ،‬وأمر بالصّلة فيها » ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬نقض الوضوء ‪:‬‬
‫ن أكل لحم الجزور ‪ -‬وهو لحم البل ‪ -‬ل ينقض الوضوء ‪،‬‬
‫‪ - 3‬ذهب جمهور العلماء إلى أ ّ‬
‫لما روى ابن عبّاسٍ عن النّبيّ صلى ال عليه وسلم أنّه قال ‪ « :‬الوضو ُء ممّا خرج ل ممّا‬
‫دخل » ‪ ،‬ولما روى جابر قال ‪ « :‬كان آخ ُر المرين عن رسول اللّه صلى ال عليه وسلم‬
‫تركُ الوضو ِء ممّا َمسّتِ النّار » ولنّه مأكول أشبه سائر المأكولت ‪.‬‬
‫صدّيق وعمر وعثمان وعليّ وابن مسعو ٍد وأبيّ بن كعبٍ‬
‫وهذا القول مرويّ عن أبي بكرٍ ال ّ‬
‫وأبي طلحة وأبي الدّرداء وابن عبّاسٍ وعامر بن ربيعة وأبي أمامة ‪ ،‬وبه قال جمهور التّابعين‬
‫‪ ،‬وهو مذهب الحنفيّة والمالكيّة ‪ ،‬والصّحيح من مذهب الشّافعيّة ‪.‬‬
‫وذهب الحنابلة ‪ ،‬والشّافعيّ في القديم إلى وجوب الوضوء من أكل لحم الجزور على كلّ‬
‫حالٍ ‪ ،‬نيئا أو مطبوخا ‪ ،‬عالما كان أو جاهلً ‪ .‬وبه قال إسحاق بن راهويه ويحيى بن يحيى ‪.‬‬
‫وحكاه الماورديّ عن جماع ٍة من الصّحابة ‪ ،‬منهم ‪ :‬زيد بن ثابتٍ وابن عمر وأبو موسى وأبو‬
‫طلحة ‪ ،‬واختاره من الشّافعيّة أبو بكر بن خزيمة وابن المنذر ‪ ،‬وأشار البيهقيّ إلى ترجيحه‬
‫واختياره ‪ ،‬وقوّاه النّوويّ في المجموع ‪.‬‬
‫واستدلّوا بحديث البراء بن عازبٍ قال ‪ « :‬سئل رسول اللّه صلى ال عليه وسلم عن لحوم‬
‫البل ‪ ،‬فقال ‪ :‬توضّئوا منها ‪ ،‬وسئل عن لحوم الغنم ‪ ،‬فقال ‪ :‬ل يُتوضّأ منها » وبقول النّبيّ‬
‫صلى ال عليه وسلم ‪ { :‬توضّئوا من لحوم البل ‪ ،‬ول تتوضّئوا من لحوم الغنم } ‪.‬‬
‫أمّا ألبان البل ‪ ،‬فعند الحنابلة روايتان في نقض الوضوء بشربها ‪:‬‬
‫ن النّبيّ صلى ال عليه وسلم قال ‪:‬‬
‫إحداهما ‪ :‬ينقض الوضوء ‪ ،‬لما روى أسيد بن حضيرٍ أ ّ‬
‫« توضّئوا من لحوم البل وألبانها » ‪.‬‬
‫والثّانية ‪ :‬ل وضوء فيه ‪ ،‬لنّ الحديث الصّحيح إنّما ورد في اللّحم ‪ ،‬ورجّح هذا القول صاحب‬
‫كشّاف القناع ‪.‬‬
‫ج ‪ -‬سؤر البدنة ‪:‬‬
‫‪ - 4‬اتّفق الفقهاء على طهارة سؤر البدنة ‪ ،‬وسائر البل والبقر والغنم ‪ ،‬ول كراهة في أسآرها‬
‫ما لم تكن جلّال ًة ‪.‬‬
‫ن سؤر ما أكل لحمه يجوز شربه والوضوء به ‪.‬‬
‫قال ابن المنذر ‪ :‬أجمع أهل العلم على أ ّ‬
‫د ‪ -‬الصّلة في أعطان البل ومرابض البقر ‪:‬‬
‫‪ - 5‬ذهب جمهور العلماء إلى كراهة الصّلة في معاطن البل ‪.‬‬
‫وقد ألحق الحنفيّة بالبل البقر في الكراهة ‪.‬‬
‫ن البقر كالغنم في جواز الصّلة في مرابضها ‪.‬‬
‫وقال المالكيّة والشّافعيّة ‪ :‬إ ّ‬
‫وذهب الحنابلة إلى عدم صحّة الصّلة في أعطان البل ‪ ،‬وهي ‪ :‬ما تقيم فيه وتأوي إليه ‪.‬‬
‫أمّا مواضع نزولها في سيرها فل بأس بالصّلة فيه ‪.‬‬
‫هـ – الدّماء الواجبة ‪:‬‬
‫‪ – 6‬تجزئ البدنة عن سبع ٍة في حالتي القران والتّمتّع ‪ ،‬وفي الضحيّة ‪ ،‬وفي فعل بعض‬
‫المحظورات أو ترك بعض الواجبات حال الحرام بحجّ أو عمرةٍ ‪.‬‬
‫وتجب عند الحنفيّة بدنة كاملة على الحائض والنّفساء إذا طافتا ‪.‬‬
‫كما تجب بدنة كاملة إذا قتل المحرم صيدا كبيرا ‪ ،‬كالزّرافة والنّعامة ‪ ،‬على التّخيير المفصّل‬
‫ج والعمرة قبل التّحلّل الصغر ‪،‬‬
‫في موضعه ‪ .‬وتجب أيضا على من جامع حال الحرام بالح ّ‬
‫ج ‪ ،‬وهدي ‪ ،‬وصيد )‪.‬‬
‫على خلفٍ وتفصيلٍ يرجع إليه في المصطلحات التّالية ‪ ( :‬إحرام ‪ ،‬وح ّ‬
‫و‪ -‬الهدي ‪:‬‬
‫‪ - 7‬اتّفق الفقهاء على أنّ الهدي سنّة ‪ ،‬ول يجب إلّ بالنّذر ‪ .‬ويكون من البل والبقر والغنم ‪،‬‬
‫ل الثّنيّ من البل ‪ ،‬وهو ما كمّل خمس سنين ودخل في السّادسة ‪.‬‬
‫ول يجزئ إ ّ‬
‫ففي الصّحيحين ‪ « :‬أنّه صلى ال عليه وسلم أهدى في حجّة الوداع مائة بدنةٍ » ‪.‬‬
‫ظمْ شَعائرَ اللّه فإنّها من‬
‫ن ُيعَ ّ‬
‫ويستحبّ أن يكون ما يهديه سمينا حسنا ‪ ،‬لقوله تعالى ‪َ { :‬ومَ ْ‬
‫تَقْوى القلوبِ } فسّرها ابن عبّاسٍ بالستسمان والستحسان ‪ .‬ويستحبّ تقليد البدنة في الهدي ‪.‬‬
‫وهناك تفصيلت تنظر في مصطلح ( حجّ ‪ ،‬وهدي ‪ ،‬وإحرام ‪ ،‬وقران ‪ ،‬وتمتّع ) ‪.‬‬
‫ز ‪ -‬ذكاة البدنة ‪:‬‬
‫ص البل ‪ -‬ومنها البدنة ‪ -‬بالنّحر ‪ ،‬فقد ذهب جمهور الفقهاء إلى س ّنيّة نحر البل ‪.‬‬
‫‪ - 8‬تخت ّ‬
‫وذهب المالكيّة إلى وجوب نحرها ‪ ،‬وألحقوا بها الزّرافة ‪.‬‬
‫وأمّا ذبحها ‪ ،‬فقد قال بجوازه الشّافعيّة والحنابلة ‪ ،‬وكرهه الحنفيّة كراهة تنزي ٍه ‪ ،‬على ما نقله‬
‫ابن عابدين عن أبي السّعود عن الدّيريّ ‪.‬‬
‫وقال المالكيّة ‪ :‬جاز الذّبح في البل ‪ ،‬والنّحر في غيرها للضّرورة ‪ .‬ث ّم النّحر ‪ -‬كما قال ابن‬
‫عابدين ‪ -‬هو قطع العروق في أسفل العنق عند الصّدر ‪ ،‬أمّا الذّبح فقطعها في أعله تحت‬
‫سنّة نحرها قائمةً معقولةً يدها اليسرى ‪ ،‬لما ورد عن عبد الرّحمن بن سابطٍ ‪:‬‬
‫اللّحيين ‪ .‬وال ّ‬
‫ي صلى ال عليه وسلم وأصحابه كانوا ينحرون البدنة معقولة اليسرى ‪ ،‬قائمةً على‬
‫ن النّب ّ‬
‫«أّ‬
‫جنُوبها } دليل على أنّها تنحر قائمةً ‪.‬‬
‫ت ُ‬
‫جبَ ْ‬
‫ما بقي من قوائمها » وفي قوله تعالى ‪ { :‬فإذا َو َ‬
‫وكيفيّته ‪ :‬أن يطعنها بالحربة في الوهدة الّتي بين أصل العنق والصّدر ‪.‬‬
‫ج ‪ -‬الدّيات ‪ :‬الدّية بدل النّفس ‪:‬‬
‫‪ - 9‬وقد اتّفق الفقهاء على جواز الدّية في ‪ :‬البل والذّهب والفضّة ‪ ،‬واختلفوا في الخيل والبقر‬
‫والغنم ‪ .‬وللتّفصيل ينظر مصطلح ( دية ) ‪.‬‬

‫بدو *‬
‫التّعريف ‪:‬‬
‫‪ -1‬البادية ‪ :‬خلف الحاضرة ‪ .‬قال اللّيث ‪ :‬البادية اسم للرض الّتي ل حضر فيها ‪ ،‬والبادي‬
‫‪ :‬هو المقيم في البادية ‪ ،‬ومسكنه المضارب والخيام ‪ ،‬ول يستقرّ في موضعٍ معيّنٍ ‪ .‬والبدو ‪:‬‬
‫سكّان البادية ‪ ،‬سواء أكانوا من العرب أم من غيرهم ‪ ،‬أمّا العراب فهم سكّان البادية من‬
‫العرب خاصّةً ‪ .‬وفي الحديث ‪ « :‬من بدا جفا » أي ‪ :‬من نزل البادية صار فيه جفاء العراب‬
‫‪ .‬ول يختلف استعمال الفقهاء عن ذلك ‪.‬‬
‫الحكام المتعلّقة بالبدو ‪:‬‬
‫ن الحكام تتعلّق بالمكلّف بقطع النّظر عن مكان سكناه ‪ ،‬وبذلك‬
‫‪ - 2‬الصل في الشّرع أ ّ‬
‫ل ما ورد على سبيل الستثناء من هذه القاعدة ‪ ،‬بسبب‬
‫تستوي أحكام البدو والحضر ‪ ،‬إ ّ‬
‫اختلف طبيعة حياة البدو عن طبيعة حياة الحضر ‪ ،‬فتبعا لهذا الختلف تختلف بعض الحكام‬
‫‪ ،‬وسيأتي أهمّها ‪.‬‬
‫أ ‪ -‬الذان في البادية ‪:‬‬
‫ن للبادي الذان عند كلّ صل ٍة في باديته ‪ ،‬لحديث رسول اللّه صلى ال عليه وسلم‬
‫‪ - 3‬يس ّ‬
‫ن ‪ ،‬وارفع صوتك‬
‫ب الغنم والبادية ‪ .‬فإذا دخل وقت الصّلة فأذّ ْ‬
‫لبي سعيدٍ ‪ « :‬إنّك رجل تح ّ‬
‫ل شهد له يوم القيامة‬
‫ن ول إنسٌ ول شيء إ ّ‬
‫بالنّداء ‪ ،‬فإنّه ل يسمع مدى صوت المؤذّن جِ ّ‬
‫» ( ر ‪ :‬أذان ) ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬سقوط الجمعة والعيدين ‪:‬‬
‫ح جمعة لعدم الستيطان‬
‫‪ - 4‬ل تجب الجمعة على أهل البادية ‪ .‬ولو أقاموها في باديتهم ل تص ّ‬
‫‪ ،‬حيث لم يؤمر بها البدو ممّن كانوا حول المدينة ول قبائل البادية ممّن أسلموا ‪ ،‬ول أقاموها ‪،‬‬
‫ولو أقاموها لنقل ذلك ‪ ،‬بل ل تجزئهم عن الظّهر ‪ ،‬ولكن إذا كانوا مقيمين بموضعٍ يسمعون‬
‫فيه نداء الحضر وجبت عليهم ‪.‬‬
‫ج ‪ -‬وقت الضحيّة ‪:‬‬
‫‪ - 5‬يرى الجمهور أنّ وقت الضحيّة للبدو كوقته للحضر ‪ ،‬وخالف في ذلك الحنفيّة حيث‬
‫قالوا ‪ :‬لمّا كانت ل تجب على البدو صلة العيد ‪ ،‬فإنّه يجوز لهم أن يذبحوا أضاحيهم بعد‬
‫طلوع الفجر الصّادق من يوم العيد ‪ ،‬في حين ل يجوز لهل الحضر أن يذبحوا أضاحيهم إلّ‬
‫ن صلة العيد واجبة عليهم ‪.‬‬
‫بعد صلة العيد ‪ ،‬ل ّ‬
‫د ‪ -‬عدم استحقاقهم العطاء ‪:‬‬
‫ص أهل الحاضرة بالعطاء ‪ ،‬أمّا البدو فل يفرض لهم فريضة راتبة تجري عليهم من‬
‫‪ - 6‬يخت ّ‬
‫بيت المال ‪ ،‬ل أعطية المقاتلة ‪ ،‬ول أرزاق ال ّذرّيّة ‪ ،‬حتّى قال أبو عبيدٍ ‪ :‬فلم يبلغنا عن رسول‬
‫اللّه صلى ال عليه وسلم ول عن أحدٍ من الئمّة بعده أنّه فعل ذلك ‪ -‬أي أعطى البدو عطاء‬
‫الجند وأرزاق الذّ ّريّة ‪ -‬إلّ بأهل الحاضرة ‪ ،‬الّذين هم أهل الغناء عن السلم ‪ .‬ولحديث بريدة‬
‫ش أو سريّةٍ ‪،‬‬
‫مرفوعا قال ‪ « :‬كان رسول اللّه صلى ال عليه وسلم إذا أمّر أميرا على جي ٍ‬
‫أوصاه في خاصّته بتقوى اللّه ومن معه من المسلمين خيرا ‪ .‬ثمّ قال ‪ :‬اغزوا باسم اللّه في‬
‫سبيل اللّه ‪ .‬قاتلوا من كفر باللّه ‪ .‬اغزوا ول تغلّوا ‪ ،‬ول تغدروا ‪ ،‬ول تمثّلوا ‪ ،‬ول تقتلوا‬
‫ن ما أجابوك‬
‫ل ) َفَأيّته ّ‬
‫وليدا ‪ ،‬وإذا لقيت عدوّك من المشركين فادعهم إلى ثلث خصالٍ( أو خل ٍ‬
‫فاقبل منهم وكفّ عنهم ‪ .‬ثمّ ادعهم إلى السلم ‪ ،‬فإن أجابوك فاقبل منهم وكفّ عنهم ‪ .‬ثمّ‬
‫ادعهم إلى التّحوّل من دارهم إلى دار المهاجرين ‪ ،‬وأخبرهم أنّهم إن فعلوا ذلك ‪ ،‬فلهم ما‬
‫للمهاجرين وعليهم ما على المهاجرين ‪ .‬فإن أبوا أن يتحوّلوا منها ‪ ،‬فأخبرهم أنّهم يكونون‬
‫كأعراب المسلمين ‪ ،‬يجري عليهم حكم اللّه الّذي يجري على المؤمنين ‪ ،‬ول يكون لهم في‬
‫ل أن يجاهدوا مع المسلمين ‪ .‬فإن هم أبوا َفسَ ْلهُم الجزية ‪ .‬فإن هم‬
‫الغنيمة والفيء شيء ‪ .‬إ ّ‬
‫أجابوك فاقبل منهم وكفّ عنهم ‪ ،‬فإن هم أبوا فاستعن اللّه وقاتلهم ‪ .‬وإذا حاصرت أهل‬
‫حصنٍ ‪ ،‬فأرادوك أن تجعل لهم ذمّة اللّه وذمّة نبيّه ‪ ،‬فل تجعل لهم ذمّة اللّه ول ذمّة نبيّه ‪.‬‬
‫ولكن اجعل لهم ذمّتك وذمّة أصحابك ‪ .‬فإنّكم إن تخفروا ذممكم وذمم أصحابكم ‪ ،‬أهون من أن‬
‫تخفروا ذمّة اللّه وذمّة رسوله ‪ .‬وإذا حاصرت أهل حصنٍ ‪ ،‬فأرادوك أن تنزلهم على حكم اللّه‬
‫‪ ،‬فل تنزلهم على حكم اللّه ‪ ،‬ولكن أنزلهم على حكمك ‪ ،‬فإنّك ل تدري أتصيب حكم اللّه فيهم‬
‫أم ل » ‪.‬‬
‫ولكن لهل البادية على المام وعلى المسلمين نصرهم والدّفع عنهم بالبدان والموال إن‬
‫اعتدي عليهم ‪ ،‬والمئونة والمواساة إذا نزلت بهم جائحة أو جدب ‪.‬‬
‫هـ ‪ -‬عدم دخول البدو في عاقلة الحضر وعكسه ‪:‬‬
‫‪ - 7‬ل يدخل البدويّ في عاقلة القاتل الحضريّ ‪ ،‬ول الحضريّ في عاقلة البدويّ القاتل ‪ ،‬لعدم‬
‫التّناصر بينهما ‪ ،‬كما يقول المالكيّة ‪ .‬وللتّفصيل ( ر ‪ :‬عاقلة )‬
‫و ‪ -‬إمامة البدويّ ‪:‬‬
‫‪ - 8‬تكره إمامة العرابيّ في الصّلة كما يقول الحنفيّة ‪ ،‬لنّ الغالب عليهم الجهل بالحكام ‪.‬‬
‫وقد ذكر الفقهاء ذلك في كتاب الصّلة ‪ ،‬باب صلة الجماعة ‪ ( .‬ر ‪ :‬إمامة الصّلة ‪ ،‬وصلة‬
‫الجماعة )‬
‫ز ‪ -‬نقل اللّقيط إلى البادية وحكمه ‪:‬‬
‫‪ - 9‬إذا وجد حضريّ أو بدويّ لقيطا في الحضر فليس له نقله إلى البادية ‪ ،‬لما في ذلك من‬
‫الضّرر عليه بفوات الدّين والعلم والصّنعة ‪ ،‬أمّا إن وجده في البادية فله أن ينقله إلى‬
‫الحاضرة ‪ ،‬لنّ في نقله مصلحةً له ‪ .‬وله أن يبقيه في البادية ‪.‬‬
‫كما صرّح الشّافعيّة بذلك ‪ ،‬وتنظر التّفاصيل في ( لقيط )‬
‫ح ‪ -‬شهادة البدويّ على الحضريّ ‪:‬‬
‫‪ - 10‬اختلف في شهادة البدويّ على الحضريّ ‪ ،‬فأجازها الجمهور ‪ ،‬ومنعها المالكيّة ‪ .‬لقول‬
‫رسول اللّه صلى ال عليه وسلم ‪ « :‬ل تجوز شهادة بدويّ على صاحب قريةٍ » ولنّهم في‬
‫الغالب ل يضبطون الشّهادة على وجهها ‪.‬‬
‫ط ‪ -‬عدم الحتكام إلى عاداتهم فيما يحلّ أكله ‪:‬‬
‫‪ - 11‬يقتصر على العرب من الحاضرة ‪ -‬عند الشّافعيّة والحنابلة ‪ -‬في تحديد من يرجع إليهم‬
‫في معرفة المستخبث والطّيّب ‪ ،‬ممّا لم ينصّ على حكمه من الطّعام ‪.‬‬
‫قال النّوويّ ‪ :‬يرجع في ذلك إلى العرب من أهل الرّيف والقرى وأهل اليسار والغنى ‪ ،‬دون‬
‫الجلف من أهل البادية والفقراء وأهل الضّرورة ‪.‬‬
‫وقال ابن قدامة ‪ :‬لنّهم للضّرورة والمجاعة يأكلون ما وجدوا ‪.‬‬
‫ي ‪ -‬حكم ارتحال المعتدّة من أهل البادية ‪:‬‬
‫‪ - 12‬لمّا كان الصل في حياة البدو النتقال لنتجاع مواقع الكل ‪ ،‬فإنّ البدويّة المعتدّة إذا‬
‫ارتحل أهلها عن مواقعهم ترتحل معهم ‪ ،‬ول تكون آثمةً بذلك ‪ ،‬لنّ من الحرج إقامتها وحدها‬
‫دون أهلها ‪ ،‬ولنّ الرّحلة من طبيعة حياتهم ‪ ،‬وقد فصّل ذلك الفقهاء في كتاب العدّة من كتب‬
‫الفقه ‪.‬‬
‫ك ‪ -‬تحوّل البدويّ إلى حضريّ ‪:‬‬
‫ي الحاضرة أصبح من أهلها ‪ ،‬وسرت عليه أحكام الحضر ‪.‬‬
‫‪ - 13‬إذا استوطن البدو ّ‬

‫بذر *‬
‫التّعريف ‪:‬‬
‫ب في الرض للزّراعة ‪ ،‬وهذا هو المصدر ‪ ،‬وقد يطلق على ما يبذر‬
‫‪- 1‬البذر لغةً ‪ :‬إلقاء الح ّ‬
‫‪ ،‬فيكون من إطلق المصدر على اسم المفعول ‪ .‬ول يخرج الستعمال الفقهيّ عن ذلك ‪.‬‬
‫الحكم الجماليّ ‪:‬‬
‫‪ - 2‬الصل في إلقاء البذر في الرض للزّراعة الباحة فيما هو مباحة زراعته ‪ ،‬لقوله تعالى‬
‫ن الزّارِعُون } ‪.‬‬
‫‪َ { :‬أ َفرََأيْتم ما َتحْرثون أََأ ْن ُتمْ َتزْرَعونَه َأمْ نح ُ‬
‫فالية تدلّ على إباحة الزّرع من جهة المتنان به ‪ .‬وقد يكون مندوبا بقصد التّصدّق لقوله‬
‫غرْسا ‪ ،‬أو َيزْرعُ زَرْعا فيأكلَ منه طيرٌ أو إنسانٌ‬
‫ن مسلمٍ َي ْغرِسُ َ‬
‫صلى ال عليه وسلم « مَا مَ ْ‬
‫ل كان له به صدقةٌ » ‪ .‬وقد يكون ‪ ،‬واجبا إذا احتاج النّاس إليه ‪ .‬وقد يكون إلقاء‬
‫أو بهيمةٌ إ ّ‬
‫ب لزرعٍ يضرّ بالنّاس ‪ ،‬كالحشيشة والفيون ‪ ،‬لنّ‬
‫بعض أنواع البذور حراما ‪ ،‬مثل إلقاء ح ّ‬
‫هذا وما يماثله يؤدّي إلى الضّرر وفعل الحرام ‪ ،‬وما أدّى إلى الحرام فهو حرام ‪.‬‬
‫مواطن البحث ‪:‬‬
‫‪ - 3‬تكلّم الفقهاء عن البذر في المزارعة والزّكاة والغصب في مواطن معيّنةٍ ‪:‬‬
‫فمن المزارعة ‪ :‬تعيين من عليه البذر في عقد المزارعة لصحّة المزارعة أو فسادها ‪ ،‬عند من‬
‫اعتبرها من الفقهاء ‪ ،‬كالحنفيّة والمالكيّة والحنابلة ‪ .‬ولزوم عقد المزارعة بوضع البذر في‬
‫ل يرجع إليه في المزارعة ‪.‬‬
‫الرض ‪ ،‬على تفصي ٍ‬
‫ل يرجع إليه في زكاة الزّروع‪.‬‬
‫ومن الزّكاة ‪ :‬مسألة الخارج من الزّارعة بشروطه ‪،‬على تفصي ٍ‬
‫ل عامٍ في أرضٍ مملوكةٍ أو مستأجرةٍ إذا بلغ‬
‫ب وقف ليزرع ك ّ‬
‫وجوب الزّكاة في الجملة من ح ّ‬
‫نصابا ‪ ،‬بخلف الحبّ الّذي وقف للتّسليف ‪ ،‬فل زكاة فيه عند من يرى جواز وقف البذر‬
‫ليزرع لحاجة الفقراء وغيرهم ‪ .‬ومن الغصب ‪ ،‬البذر في أرضٍ مغصوب ٍة أو متعدّى عليها ‪،‬‬
‫واسترجاع مالكها لها بعد البذر ‪ ،‬هل يعوّض المغتصب عن البذر أم ل ‪ .‬وبيانه في غصب ‪.‬‬

‫بذرقة *‬
‫التّعريف ‪:‬‬
‫‪ - 1‬البذرقة ‪ ،‬قال ابن خالويه ‪ :‬فارسيّة معرّبة ‪ ،‬وقيل ‪ :‬مولّدة ( أي عربيّة غير محضةٍ ) ‪،‬‬
‫ومعناها ‪ :‬الخفارة ‪ ،‬والجماعة تتقدّم القافلة للحراسة ‪.‬‬
‫ن بعضهم ينطقها بالذّال ‪ ،‬وبعضهم بالدّال ‪ ،‬وبعضهم بهما جميعا ‪.‬‬
‫كما أ ّ‬
‫وهي في الصطلح بهذا المعنى ‪ ،‬غير أنّه يراد بها الحراسة في السّفر وغيره ‪.‬‬
‫الحكم الجماليّ ‪:‬‬
‫‪ - 2‬أجاز العلماء بالتّفاق البذرقة " الخفارة أو الحراسة " وأجازوا أخذ الجر عليها ‪ .‬واختلفوا‬
‫في تضمينهم على رأيين ‪،‬بنا ًء على تكييف البذرقة على أنّها إجارة عامّة أو خاصّة‪ .‬الوّل ‪:‬‬
‫يضمن قيمة ما يفقد منه ‪ ،‬وهو لبي يوسف ومح ّمدٍ من الحنفيّة ‪.‬‬
‫والثّاني ‪ :‬ل يضمن ‪ ،‬وهو الصحّ والمفتى به عند الحنفيّة ‪ ،‬وهو رأي المالكيّة والشّافعيّة‬
‫والحنابلة ‪ .‬ومنشأ هذا الخلف في اعتبار الحارس أجيرا خاصّا أو عامّا ‪ ،‬فمن اعتبره أجيرا‬
‫خاصّا لم يضمّنه ومن اعتبره أجيرا عامّا ‪ -‬مثل أبي يوسف ومح ّمدٍ ‪ -‬ضمّنه ‪.‬‬
‫ولبيان هذه المواطن يرجع إلى ‪ ( -‬إجارةٍ ‪ ،‬وضمانٍ ‪ ،‬وخفارةٍ ) ‪.‬‬

‫براءة *‬
‫التّعريف ‪:‬‬
‫‪ - 1‬البراءة في اللّغة ‪ :‬الخروج من الشّيء والمفارقة له ‪ ،‬والصل البرء بمعنى ‪ :‬القطع ‪،‬‬
‫فالبراءة قطع العلقة ‪ ،‬يقال ‪ :‬برئت من الشّيء ‪ ،‬وأبرأ براءةً ‪ :‬إذا أزلته عن نفسك وقطعت‬
‫أسبابه ‪ ،‬وبرئت من الدّين ‪ :‬نقطع عنّي ‪ ،‬ولم يبق بيننا علقة ‪.‬‬
‫ول يخرج المعنى الصطلحيّ للبراءة عن معناها اللّغويّ ‪ ،‬فإنّهم يريدون بالبراءة في ألفاظ‬
‫الطّلق ‪ :‬المفارقة ‪ ،‬وفي الدّيون والمعاملت والجنايات ‪ :‬التّخلّص والتّنزّه ‪ ،‬وكثيرا ما يتردّد‬
‫على ألسنة الفقهاء قولهم ‪ :‬الصل براءة ال ّذمّة أي تخلّصها وعدم انشغالها بحقّ آخر ‪.‬‬
‫اللفاظ ذات الصّلة ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬البراء ‪:‬‬
‫‪ - 2‬البراء في اللّغة ‪ :‬إفعال من برئ ‪ ،‬إذا تخلّص وتنزّه ‪.‬‬
‫ص حقّا له في ذمّة آخر أو قبله ‪ ،‬وفي المعاملت والدّيون عرّفه‬
‫وفي الصطلح ‪ :‬إسقاط شخ ٍ‬
‫البيّ المالكيّ ‪ :‬بأنّه إسقاط الدّين عن ذمّة مدينه وتفريغ لها منه ‪.‬‬
‫فإذا أبرأ الدّائن مثلً ‪ ،‬بإسقاط الدّين عن ذمّة مدينه وتفريغها منه ‪ ،‬حصلت البراءة ‪.‬‬
‫وعلى ذلك فالبراء سبب من أسباب البراءة ‪ ،‬وهي قد تحصل بالبراء ‪ ،‬وقد تحصل بسببٍ‬
‫آخر كما لو استوفى الدّائن حقّه من المدين ‪ ،‬أو زال سبب الضّمان بعاملٍ آخر غير فعل الدّائن‬
‫‪ .‬وقد يستعمل أحدهما مكان الخر ‪ ،‬لعلقة الثر والمؤثّر بينهما ‪ ( .‬ر ‪ :‬إبراء ) ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬المبارأة ‪:‬‬
‫‪ - 3‬المبارأة لغةً ‪ :‬مفاعلة من البراءة ‪ ،‬فهي الشتراك في البراءة من الجانبين ‪ .‬وتعتبر من‬
‫ل منهما قبل الخر ممّا يتعلّق‬
‫ألفاظ الخلع ‪ ،‬وإذا حصلت بين الزّوجين توجب سقوط حقّ ك ّ‬
‫بالنّكاح ‪ ،‬على تفصيلٍ في ذلك ‪ .‬وتستعمل غالبا في إسقاط الزّوجة حقوقها على الزّوج مقابل‬
‫الطّلق ‪ ،‬كما هو مبيّن في مباحث الطّلق والخلع ‪ .‬فالمبارأة أخصّ من البراءة ‪.‬‬
‫ج ‪ -‬الستبراء ‪:‬‬
‫‪ - 4‬الستبراء لغ ًة ‪ :‬طلب البراءة ‪ ،‬وشرعا يستعمل في معنيين ‪:‬‬
‫الوّل ‪ :‬في الطّهارة بمعنى نظافة المخرجين من الذى ‪.‬‬
‫والثّاني ‪ :‬في النّسب بمعنى ‪ :‬طلب براءة المرأة من الحبل ومن ماء الغير ‪ ،‬كما عبّروا عنه‬
‫باستبراء الرّحم ‪.‬‬
‫الحكم الجماليّ ‪:‬‬
‫‪ - 5‬البراءة حالة أصليّة في الشخاص ‪ ،‬فكلّ شخصٍ يولد وذمّته بريئة ‪ ،‬وشغلها يحصل‬
‫بالمعاملت أو العمال الّتي يجريها فيما بعد ‪ ،‬فكلّ شخصٍ يدّعي خلف هذا الصل يطلب‬
‫منه أن يبرهن على ذلك ‪ ،‬فإذا ادّعى شخص على آخر بحقّ ‪ ،‬فالقول قول المدّعى عليه‬
‫لموافقته الصل ‪ ،‬والبيّنة على المدّعي لدعواه ما خالف الصل ‪ ،‬فإذا لم يتمكّن من إثبات‬
‫دعواه بالبيّنة يحكم ببراءة ذمّة المدّعى عليه اعتبارا بالقاعدة الفقهيّة ‪ ( :‬الصل براءة ال ّذمّة )‬
‫‪ .‬وكذلك إذا اختلفا في مقدار المغصوب والمتلف ‪ ،‬فالقول قول الغارم ( المدين ) لنّ الصل‬
‫البراءة ممّا زاد ‪ .‬والبراءة وصف توصف به ال ّذمّة ‪ ،‬ولهذا صرّح الفقهاء بأنّ العيان ل‬
‫توصف بالبراءة ‪ ،‬إلّ أن يؤوّل بالبراءة من العهدة أو عن الدّعوى ‪ .‬هذا ‪ ،‬ولهذه القاعدة فروع‬
‫مختلفة في المعاملت والجنايات ‪ ،‬وينظر تفصيلها في مباحث الدّعوى والبيّنات ‪.‬‬
‫‪ - 6‬ثمّ إنّ براءة ال ّذمّة كالصل ل تحتاج إلى دليلٍ ‪ ،‬فإذا شغلت ال ّذمّة بارتكاب عملٍ أو إجراء‬
‫معاملةٍ ‪ ،‬فبراءتها تحصل بأسبابٍ مختلف ٍة حسب اختلف اشتغال ال ّذمّة وضمانها ‪.‬‬
‫ففي حقوق اللّه تعالى إذا كانت ال ّذمّة مشغولةً بما يلزم من الموال كالزّكاة والصّدقات الواجبة‬
‫ل بأدائها ما دامت ميسّر ًة ‪ .‬أمّا إذا كانت مشغولةً بالعبادات البدنيّة‬
‫فل تحصل البراءة إ ّ‬
‫كالصّلة والصّوم فبراءتها تحصل بالداء ‪ ،‬وإذا فات الوان فبالقضاء إذا كانت قليل ًة يمكن‬
‫قضاؤها ‪ ،‬وإلّ فبالتّوبة والستغفار ‪ ،‬وأمره إلى اللّه ‪.‬‬
‫وفي حقوق العباد إذا أتلف أو غصب شخص مال شخصٍ آخر ‪ ،‬تحصل البراءة بالضّمان ‪،‬‬
‫وهو إعطاء عين الشّيء إذا كان قائما ‪ ،‬أو مثله إن كان مثليّا ‪ ،‬أو قيمته إذا كان قيميّا ‪.‬‬
‫ولتفصيل هذه المسائل ينظر مصطلح ( إتلف ‪ ،‬غصب ‪ ،‬ضمان ) ‪.‬‬
‫كذلك تحصل البراءة بإبراء الطّالب من حقّه على المطلوب منه دون الداء أو الستيفاء ‪ ،‬كما‬
‫عبّروا عنه ببراءة السقاط ‪ ،‬أو إبراء السقاط ‪ .‬وتفصيله في مصطلح ( إبراء ) ‪.‬‬
‫‪ -7‬هذا ‪ ،‬وقد تحصل البراءة بانتقال الضّمان من ذمّ ٍة إلى ذمّ ٍة أخرى كما في الحوالة ‪ ،‬فإذا‬
‫أحال المدين حقّ الدّائن على شخصٍ ثالثٍ ( المحال عليه ) وتمّ العقد ‪ ،‬برئت ذمّة المحيل من‬
‫الدّين ‪ ،‬وبرئت ذمّة الكفيل إذا كان له كفيل ‪ ،‬وذلك لنتقال الدّين إلى ذمّة المحال عليه ‪ ،‬فإذا‬
‫حصل التّوى ( تعذّر الستيفاء من المحال عليه ) رجع الدّين إلى ذمّة المحيل ‪ ،‬وفيه خلف (‬
‫ر ‪ :‬حوالة ) ‪.‬‬
‫‪ -8‬وقد تحصل البراءة بالتّبعيّة كما في الكفالة ‪ ،‬فإنّه إذا حصلت براءة المدين بأداء الدّين أو‬
‫إبراء الدّائن له برئت ذمّة الكفيل ‪ ،‬وكذلك إذا زال سبب الضّمان بوج ٍه آخر ‪ ،‬كمن كان كفيلً‬
‫بثمن المبيع وانفسخ البيع مثلً ‪ ،‬لنّ براءة الصيل توجب براءة الكفيل ‪.‬‬
‫وتفصيله في مصطلح ‪ ( :‬كفالة ) ‪.‬‬
‫هذا ‪ ،‬وهناك استعمال آخر لكلمة براء ٍة بمعنى ‪ :‬التّنزّه والنقطاع عن الديان والمعتقدات‬
‫الباطلة ‪ ،‬كما يطلب ممّن يشهر إسلمه أن يقرّ بأنّه بريء من كلّ عقيدةٍ ودينٍ يخالف دين‬
‫السلم ‪ .‬وتفصيله في مصطلح ‪ ( :‬إسلم ) ‪.‬‬
‫مواطن البحث ‪:‬‬
‫‪ - 9‬بحث الفقهاء البراءة في أبواب الدّعوى والبيّنات ‪ ،‬وفي بحث الكفالة تذكر براءة ذمّة‬
‫ن اشتراط‬
‫الكفيل ‪ ،‬وفي الحوالة بأنّها توجب براءة ذمّة المدين ‪ ،‬وفي البيوع حيث قالوا ‪ :‬إ ّ‬
‫البائع البراءة من عيوب المبيع سبب لسقوط الخيار ولزوم العقد ‪ ،‬كما ذكروها في باب البراء‬
‫وآثاره من براءة الستيفاء وبراءة السقاط ‪.‬‬

‫براجم *‬
‫التّعريف ‪:‬‬
‫‪ - 1‬البراجم لغ ًة ‪ :‬جمع برجم ٍة ‪ ،‬وهي ‪ :‬المفاصل والعقد الّتي تكون في ظهور الصابع ‪،‬‬
‫ويجتمع فيها الوسخ ‪ .‬ومعنى الكلمة في الصطلح ل يخرج عن المعنى اللّغويّ ‪.‬‬
‫الحكم الجماليّ ‪:‬‬
‫‪ - 2‬يندب غسل البراجم في الطّهارة ‪ -‬في الوضوء والغسل ‪ -‬وفي غيرهما ‪ ،‬لحديث رسول‬
‫اللّه صلى ال عليه وسلم « عشر من الفطرة ‪ ...‬وع ّد منها ‪ :‬غسل البراجم » ‪.‬‬
‫ي موضعٍ‬
‫ويلحق بالبراجم المواطن الّتي يجتمع فيها الوسخ عاد ًة ‪ :‬كالذن والنف والظافر وأ ّ‬
‫من البدن ‪.‬‬
‫هذا إذا كان الوسخ ل يمنع وصول الماء إلى البشرة ‪ ،‬أمّا إن منع وصول الماء إليها ‪ ،‬فإنّه‬
‫يجب إزالته في الجملة ‪ ،‬ليصل الماء إلى العضو في الطّهارة ‪ .‬هذا ويتكلّم الفقهاء عن البراجم‬
‫وغيرها من خصال الفطرة في الوضوء ‪ ،‬والغسل ‪ ،‬وخصال الفطرة ‪.‬‬

‫براز *‬
‫التّعريف ‪:‬‬
‫‪ -1‬البراز ( بالفتح ) لغ ًة ‪ :‬اسم للفضاء الواسع ‪ .‬وكنّوا به عن قضاء الحاجة ‪ .‬كما كنّوا عنه‬
‫ل في المكنة الخالية من النّاس ‪ .‬يقال ‪ :‬برز إذا خرج إلى‬
‫بالخلء ‪ ،‬لنّهم كانوا يتبرّزون إ ّ‬
‫البراز ‪ ،‬وهو الغائط ‪ ،‬وتبرّز الرّجل ‪ :‬خرج إلى البراز للحاجة ‪ .‬وهو بكسر الباء مصدر من‬
‫المبارزة في الحرب ‪ ،‬ويكنّى به أيضا عن الغائط وهو بمعناه الصطلحيّ ل يخرج عن‬
‫المعنى الكنائيّ ‪ ،‬إذ هو ثفل الغذاء ‪ ،‬وهو الغائط الخارج على الوجه المعتاد ‪.‬‬
‫اللفاظ ذات الصّلة ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬الغائط ‪:‬‬
‫‪ - 2‬الغائط ‪ :‬أصله ما انخفض من الرض ‪ ،‬والجمع الغيطان والغواط ‪ .‬وبه سمّيت غوطة‬
‫دمشق ‪ ،‬وكانت العرب تقصد هذا الصّنف من المواضع لقضاء حاجتها تستّرا عن أعين النّاس‬
‫‪ .‬ثمّ سمّي الحدث الخارج من النسان غائطا للمقارنة ‪.‬‬
‫ن كلّا منهما كناية‬
‫وهو بهذا المعنى يتّفق مع البراز ‪ -‬بالفتح ‪ -‬كنائيّا في الدّللة ‪ ،‬من حيث إ ّ‬
‫عن ثفل الغذاء وفضلته الخارجة ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬البول ‪:‬‬
‫‪ - 3‬البول ‪ :‬واحد البوال ‪ .‬يقال ‪ :‬بال النسان والدّابّة ‪ ،‬يبول بولً ومبالً ‪ ،‬فهو بائل ‪.‬‬
‫ثمّ استعمل البول في العين ‪ .‬أي في الماء الخارج من القبل ‪ ،‬وجمع على أبوالٍ ‪.‬‬
‫ن كلّا منهما نجس ‪ ،‬وإن اختلفا‬
‫وهو بهذا المعنى يأخذ حكم البراز ( بالفتح ) كنائيّا ‪ ،‬من حيث إ ّ‬
‫مخرجا ‪.‬‬
‫ج ‪ -‬النّجاسة ‪:‬‬
‫ل مستقذرٍ ‪.‬‬
‫‪ - 4‬النّجاسة لغةً ‪ :‬ك ّ‬
‫واصطلحا ‪ :‬صفة حكميّة توجب لموصوفها منع استباحة الصّلة ونحوها ‪.‬‬
‫وهي بهذا المعنى أعمّ من البراز ( بالفتح ) مكنّيا إذ تشمله وغيره من النجاس ‪ ،‬كالدّم والبول‬
‫والمذي والودي والخمر وغير ذلك من النجاس الخرى ‪.‬‬
‫ي ومواطن البحث ‪:‬‬
‫الحكم الجمال ّ‬
‫‪ - 5‬أجمع الفقهاء على نجاسة البراز ‪ .‬وأنّه تتعلّق به أحكام منها ‪ :‬أنّه منجّس للبدن والثّوب‬
‫والمكان ‪ .‬وأنّ تطهير ذلك واجب ‪ ،‬سواء أكان ذلك بالستنجاء أو الغسل ‪ ،‬على ما هو مفصّل‬
‫في موطنه ‪ .‬واختلفوا في المقدار المعفوّ عنه منه ‪ ،‬وفي جواز بيعه ‪.‬‬
‫وتفصيل ذلك في أبواب الطّهارات وفي مصطلح ( قضاء الحاجة ) ‪.‬‬

‫برد *‬
‫التّعريف ‪:‬‬
‫‪ - 1‬البرد لغ ًة ‪ :‬ضدّ الحرّ ‪ ،‬والبرودة نقيض الحرارة ‪.‬‬
‫ول يخرج استعمال الفقهاء للكلمة عن المعنى اللّغويّ في الجملة ‪.‬‬
‫اللفاظ ذات الصّلة ‪:‬‬
‫إبراد ‪:‬‬
‫‪ - 2‬من معاني البراد في اللّغة ‪ :‬الدّخول في البرد والدّخول في آخر النّهار ‪.‬‬
‫وعند الفقهاء ‪ :‬تأخير الظّهر إلى وقت البرد ‪.‬‬
‫ي ومواطن البحث ‪:‬‬
‫الحكم الجمال ّ‬
‫‪ - 3‬تكلّم الفقهاء عن البرد في التّيمّم والجمعة والجماعة وجمع الصّلوات والحدود والتّعازير‬
‫والصّلة ‪.‬‬
‫أ ‪ -‬ففي التّيمّم ‪ :‬أجاز المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة ‪ -‬وهو رأي للحنفيّة ‪ -‬التّيمّم للحدث الكبر‬
‫والصغر في البرد الشّديد مع وجود الماء ‪ ،‬إذا لم يجد ما يسخّنه وخشي الضّرر ‪ .‬وأجاز‬
‫الحنفيّة ‪ -‬في المشهور ‪ -‬عندهم التّيمّم للحدث الكبر دون الصغر ‪ ،‬لعدم تحقّق الضّرر في‬
‫الصغر غالبا ‪ ،‬لكن لو تحقّق الضّرر جاز فيه أيضا اتّفاقا ‪ ،‬كما قرّره ابن عابدين ‪ ،‬قال ‪ :‬لنّ‬
‫الحرج مدفوع بالنّصّ ‪ ،‬وهو ظاهر إطلق المتون ‪.‬‬
‫وأجاز المالكيّة التّيمّم للبرد الشّديد المسبّب برودة الماء ‪ ،‬إذا خاف الصّحيح الحاضر أو‬
‫المسافر خروج وقت الصّلة بطلبه الماء وتسخينه ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬وفي صلة الجمعة والجماعة ‪ :‬أجاز الفقهاء في البرد الشّديد التّخلّف عن صلة‬
‫الجمعة ‪ ،‬وعن صلة الجماعة نهارا أو ليلً ‪.‬‬
‫ج ‪ -‬وفي جمع الصّلوات ‪ :‬أجاز المالكيّة ‪ ،‬وهو رأي للحنابلة الجمع بين العشاءين فقط جمع‬
‫تقديمٍ في البرد الشّديد ‪ ،‬حالّا أو متوقّعا ‪.‬‬
‫وأجاز الشّافعيّة الجمع بين الظّهر والعصر ‪ ،‬وبين المغرب والعشاء بشروطٍ مدوّنةٍ في‬
‫مواطنها ‪ .‬ومنع الحنفيّة الجمع بين الصّلوات تقديما أو تأخيرا في البرد ‪ ،‬ل َقصْرهم الجمع على‬
‫موطنين هما ‪ :‬مزدلفة وعرفة ‪.‬‬
‫د ‪ -‬وفي الحدود والتّعازير ‪ :‬أوجب الحنفيّة والمالكيّة والشّافعيّة في الجملة منع إقامة الحدود‬
‫ن إقامتها مهلكة ‪ ،‬وليس‬
‫والتّعازير فيما دون النّفس في البرد الشّديد ‪ ،‬حتّى يعتدل الزّمان ‪ ،‬ل ّ‬
‫ردعا ‪.‬‬
‫هـ ‪ -‬وفي الصّلة ‪ :‬أجاز الحنفيّة والمالكيّة والحنابلة السّجود على كور العمامة أثناء الصّلة‬
‫على الرض المكشوفة الباردة للضّرورة ‪.‬‬
‫برد *‬
‫انظر ‪ :‬مياه ‪.‬‬

‫ُبرّ *‬
‫التّعريف ‪:‬‬
‫ضمّ يطلق لغةً ‪ :‬على القمح ‪ ،‬والواحدة منه ( برّة ) ‪ ،‬وهو في الصلح بهذا‬
‫‪ - 1‬البرّ بال ّ‬
‫المعنى ‪.‬‬
‫الحكم الجماليّ ‪:‬‬
‫‪ - 2‬البرّ ‪ -‬من حيث كونه حبّا خارجا من الرض ‪ -‬وجبت فيه الزّكاة إذا بلغ خمسة أوسقٍ‬
‫عند الجمهور ‪ ،‬ومنهم أبو يوسف ومحمّد ‪ .‬وأوجبها أبو حنيفة في الخارج مطلقا ‪ ،‬ولو لم يبلغ‬
‫خمسة أوسقٍ ‪.‬‬
‫ونسبة الواجب إذا سقيت الرض سيحا أو بماء السّماء ‪ :‬العشر ‪ ،‬وإذا سقيت بآل ٍة ‪ :‬نصف‬
‫العشر ‪ ،‬وهذا باتّفاقٍ ‪ .‬وإذا كانت الرض خراجيّةً ففيها الخراج دون العشر عند الحنفيّة ‪.‬‬
‫والبرّ من الجناس المجزئة في صدقة الفطر الواجبة ‪ ،‬والقدر المجزئ منه صاع عند‬
‫الجمهور ‪ ،‬ونصفه عند الحنفيّة ‪ .‬وتفصيله في صدقة الفطر ‪.‬‬
‫وإذا قصد في البرّ التّجارة قوّم كالعروض ‪ ،‬وأخرجت عنه الزّكاة كما تخرج عنها ‪ .‬وتفصيله‬
‫في الزّكاة ‪.‬‬
‫ويعدّ البرّ من الماليّات المتقوّمة الّتي يجوز بيعها وهبتها والسّلم فيها ‪ ،‬ويدخله الرّبا إذا بيع‬
‫بمثله ‪ .‬فيشترط له ‪ :‬المماثلة والحلول والتّقابض ‪ .‬لقول رسول اللّه صلى ال عليه وسلم ‪:‬‬
‫« الذّهب بالذّهب ‪ ،‬والفضّة بالفضّة ‪ ،‬والبرّ بالبرّ ‪. » ...‬‬
‫كما ل يجوز بيعه محاقلةً في الجملة ‪ ،‬وهي ‪ :‬بيع الحنطة في سنبلها بمثلها من الحنطة ولو‬
‫خرصا ‪ ،‬ول مخاضرةً ‪ ،‬وهي ‪ :‬البيع قبل بد ّو الصّلح والزّرع أخضر ‪ ،‬خلفا لبعض الحنفيّة‬
‫‪ .‬والتّفصيل في ( البيع ‪ ،‬والرّبا ‪ ،‬والبيع المنهيّ عنه ) ‪.‬‬

‫ِبرّ *‬
‫التّعريف ‪:‬‬
‫‪ - 1‬تدور معاني لفظ الب ّر لغةً ‪ :‬على الصّدق والطّاعة والصّلة والصلح والتّساع في‬
‫الحسان إلى النّاس ‪ .‬يقال ‪َ :‬ب ّر يبرّ ‪ :‬إذا صلح ‪ .‬وبرّ في يمينه ‪ :‬إذا صدق ‪ ،‬وال َبرّ ‪ :‬الصّادق‬
‫ج وبرّه ‪ :‬أي قبله ‪ .‬والبرّ ‪ :‬ضدّ العقوق ‪ ،‬والمبرّة مثله ‪ .‬وبررت والديّ ‪ :‬أي‬
‫‪ .‬وأبرّ اللّه الح ّ‬
‫وصلتهما ‪.‬‬
‫ومن أسمائه سبحانه وتعالى ‪ ( :‬البرّ ) أي الصّادق فيما وعد أولياءه ‪.‬‬
‫ول يخرج استعمال الفقهاء لهذا اللّفظ عن معناه اللّغويّ ‪ ،‬فهو عندهم ‪ :‬اسم جامع للخيرات‬
‫كلّها ‪ ،‬يراد به التّخلّق بالخلق الحسنة مع النّاس بالحسان إليهم وصلتهم والصّدق معهم ‪،‬‬
‫ومع الخالق بالتزام أمره واجتناب نهيه ‪.‬‬
‫كما يطلق ويراد به العمل الدّائم الخالص من المأثم ‪ .‬ويقابله ‪ :‬الفجور والثم ‪ ،‬لنّ الفجور‬
‫شرّ ‪.‬‬
‫خروج عن الدّين ‪ ،‬وميل إلى الفساد ‪ ،‬وانبعاث في المعاصي ‪ ،‬وهو اسم جامع لل ّ‬
‫الحكم الجماليّ ‪:‬‬
‫‪ - 2‬تظاهرت نصوص الشّريعة على المر بالبرّ والحضّ عليه ‪ ،‬فهو خلق جامع للخير ‪،‬‬
‫حاضّ على التزام الطّاعة واجتناب المعصية ‪.‬‬
‫ن البِ ّر مَنْ آمن باللّه‬
‫ش ِرقِ والم ْغرِبِ ولك ّ‬
‫قال اللّه تعالى ‪ { :‬ليس ال ِبرّ أن تُوَلّوا وجوهَكم ِقبَلَ الم ْ‬
‫حبّ ِه ذَوِي ال ُقرْبى واليتامَى‬
‫خرِ والملئك ِة والكتابِ والنّبيّينَ وآتى المالَ على ُ‬
‫واليومِ ال ِ‬
‫ن ِب َعهْدِهِم إذا‬
‫ل والسّائلين وفي الرّقابِ وَأقَامَ الصّل َة وآتى الزّكاةَ والموفُو َ‬
‫ن السّبي ِ‬
‫والمساكينَ واب َ‬
‫صدَقوا وأولئك ُهمُ المتّقون‬
‫ضرّاءِ وحين ال َبأْسِ أولئك الّذين َ‬
‫ن في ال َبأْسا ِء وال ّ‬
‫عَا َهدُوا والصّابري َ‬
‫ن البرّ‬
‫ن الب ّر هنا اسم جامع للخير ‪ ،‬وقال ‪ :‬تقدير الكلم ‪ :‬ولك ّ‬
‫} ‪ .‬جاء في تفسير القرطبيّ ‪ :‬أ ّ‬
‫ن ذا البرّ مَنْ آمن ‪ ،‬وذلك أنّ النّبيّ صلى ال عليه وسلم لمّا‬
‫برّ من آمن ‪ .‬أو التّقدير ‪ :‬ولك ّ‬
‫هاجر إلى المدينة ‪ ،‬وفرضت الفرائض ‪ ،‬وصرفت القبلة إلى الكعبة ‪ ،‬وحدّت الحدود ‪ ،‬أنزل‬
‫اللّه هذه الية ‪ .‬فأفادت أنّ البرّ ليس كلّه بالصّلة ‪ ،‬ولكنّ البرّ باليمان باللّه إلى آخرها من‬
‫صفات الخير الجامعة ‪.‬‬
‫وقال تعالى ‪َ { :‬وتَعا َونُوا على ال ِبرّ والتّقوى ول َتعَا َونُوا على الثمِ والعدوانِ } ‪.‬‬
‫ن في التّقوى‬
‫قال الماورديّ ‪ :‬ندب اللّه سبحانه إلى التّعاون بالبرّ ‪ ،‬وقرنه بالتّقوى له ‪ ،‬ل ّ‬
‫رضى اللّه تعالى وفي البرّ رضى النّاس ‪ ،‬ومن جمع بين رضى اللّه تعالى ورضى النّاس فقد‬
‫تمّت سعادته وعمّت نعمته ‪.‬‬
‫وقال ابن خويز مندادٍ ‪ :‬والتّعاون على البرّ والتّقوى يكون بوجوهٍ ‪ ،‬فواجب على العالم أن يعين‬
‫النّاس بعلمه فيعلّمهم ‪ ،‬ويعينهم الغنيّ بماله ‪ ،‬والشّجاع بشجاعته في سبيل اللّه ‪ ،‬وأن يكون‬
‫المسلمون متظاهرين كاليد الواحدة ‪.‬‬
‫وفي حديث النّوّاس بن سمعان قال ‪ :‬سألت رسول اللّه صلى ال عليه وسلم عن البرّ والثم ‪،‬‬
‫ن الخلُق ‪ ،‬والثمُ ما حاك في نفسِك ‪،‬‬
‫حسْ ُ‬
‫فقال رسول اللّه صلى ال عليه وسلم ‪ « :‬ال ِبرّ ُ‬
‫و َكرِهْتَ أن َيطّلعَ عليه النّاس » ‪.‬‬
‫قال النّوويّ في شرحه على مسلمٍ ‪ :‬قال العلماء ‪ :‬البرّ يكون بمعنى الصّلة ‪ ،‬وبمعنى اللّطف‬
‫والمبرّة وحسن الصّحبة والعشرة ‪ ،‬وبمعنى الطّاعة ‪ ،‬وهذه المور هي مجامع حسن الخلق ‪.‬‬
‫ومعنى حاك في صدرك ‪ :‬أي تحرّك فيه وتردّد ‪ ،‬ولم ينشرح له الصّدر ‪ ،‬وحصل في القلب‬
‫ك وخوف كونه ذنبا "‪.‬‬
‫شّ‬‫منه ال ّ‬
‫ويتعلّق بالب ّر أحكام كثيرة منها ‪:‬‬
‫برّ الوالدين ‪:‬‬
‫‪ - 3‬برّ الوالدين بمعنى ‪ :‬طاعتهما وصلتهما وعدم عقوقهما ‪ ،‬والحسان إليهما مع إرضائهما‬
‫ل َت ْعبُدُوا إلّ إيّاه وبالوالدين‬
‫بفعل ما يريدانه ما لم يكن إثما ‪ .‬قال اللّه تعالى ‪َ { :‬وقَضى َربّك َأ ّ‬
‫حسَانا } ‪.‬‬
‫إْ‬
‫وفي حديث عبد اللّه بن مسعو ٍد ‪ -‬رضي ال عنه ‪ -‬قال ‪ « :‬سألت رسول اللّه صلى ال عليه‬
‫وسلم ‪ :‬أيّ العمل أحبّ إلى اللّه ؟ قال ‪ :‬الصّل ُة على وقتها ‪ ،‬قلت ‪ :‬ث ّم أيّ ؟ قال ‪ :‬برّ الوالدين‬
‫‪ ،‬قلت ‪ :‬ثمّ أيّ ؟ قال ‪ :‬الجها ُد في سبيل اللّه » ‪.‬‬
‫فهذه النّصوص تدلّ على وجوب برّ الوالدين وتعظيم حقّهما ‪.‬‬
‫وللتّفصيل في بيان حقّ الوالدين وبرّهما انظر مصطلح ( برّ الوالدين ) ‪.‬‬
‫برّ الرحام ‪:‬‬
‫‪ - 4‬برّ الرحام وهو بمعنى صلتهم والحسان إليهم وتفقّد أحوالهم والقيام على حاجاتهم‬
‫حسَانا وبذي‬
‫ع ُبدُوا اللّ َه ول ُتشْركُوا به شيئا وبالوالدين إ ْ‬
‫ومواساتهم ‪ .‬قال اللّه تعالى ‪ { :‬وا ْ‬
‫ن السّبيلِ‬
‫ب بالجَنْبِ واب ِ‬
‫جنُبِ والصّاح ِ‬
‫ال ُقرْبى وال َيتَامى والمساكينِ والجا ِر ذي ال ُقرْبى والجارِ ال ُ‬
‫ت أيمانُكم }‬
‫وما مََلكَ ْ‬
‫وفي حديث أبي هريرة ‪ -‬رضي ال عنه ‪ -‬قال ‪ :‬رسول اللّه صلى ال عليه وسلم ‪ « :‬إنّ اللّه‬
‫تعالى خََلقَ الخلق ‪ ،‬حتّى إذا فرغ منهم ‪ ،‬قامت الرّحم فقالت ‪ :‬هذا مقام العائذ بك من القطيعة‬
‫قال نعم ‪ ،‬أما ترضين أن أصل من وصلك ‪ ،‬وأقطع من قطعك ؟ قالت ‪ :‬بلى قال ‪ :‬فذلك لك ‪.‬‬
‫سيْتُم إنْ َتوَّل ْيتُم أنْ ُت ْفسِدوا‬
‫عَ‬‫ثمّ قال رسول اللّه صلى ال عليه وسلم ‪ :‬اقرءوا إن شئتم ‪ { :‬فهل َ‬
‫صمّهم وأعمى َأ ْبصَارَهم } » ‪ .‬فهذه‬
‫ك الّذين َل َع َنهُم اللّه فأ َ‬
‫طعُوا أرحامكم أولئ َ‬
‫ض وتُ َق ّ‬
‫في الر ِ‬
‫ل أنّها‬
‫ل على أنّ صلة الرحام وبرّها واجب ‪ ،‬وقطيعتها محرّمة في الجملة ‪ ،‬إ ّ‬
‫النّصوص تد ّ‬
‫ض ‪ ،‬وأدناها ترك الهجر ‪ ،‬والصّلة بالكلم والسّلم ‪ .‬وتختلف هذه‬
‫درجات بعضها أرفع من بع ٍ‬
‫الدّرجات باختلف القدرة والحاجة ‪ ،‬فمنها الواجب ‪ ،‬ومنها المستحبّ ‪ .‬إلّ أنّه لو وصل‬
‫بعض الصّلة ‪ ،‬ولم يصل غايتها ‪ ،‬ل يسمّى قاطعا ‪ ،‬ولو قصّر عمّا يقدر عليه وينبغي له ل‬
‫يكون واصلً ‪.‬‬
‫أمّا حدّ الرّحم الّتي تجب صلتها ويحرم قطعها ‪ :‬فهو القرابات من جهة أصل النسان ‪ ،‬كأبيه‬
‫وجدّه وإن عل ‪ ،‬وفروعه كأبنائه وبناته وإن نزلوا ‪ .‬وما يتّصل بهما من حواشٍ كالخوة‬
‫والخوات والعمام والعمّات والخوال والخالت ‪ ،‬وما يتّصل بهم من أولدهم برحمٍ جامعةٍ ‪.‬‬
‫وللتّفصيل انظر مصطلح ( أرحام ) ‪.‬‬
‫برّ اليتامى والضّعفة والمساكين ‪:‬‬
‫‪ - 5‬برّ اليتامى والضّعفة والمساكين يكون بالحسان إليهم ‪ ،‬والقيام على مصالحهم وحقوقهم ‪،‬‬
‫وعدم تضييعها ‪ ،‬ففي حديث سهل بن سعدٍ ‪ -‬رضي ال عنه ‪ -‬قال ‪ :‬قال رسول اللّه صلى‬
‫ال عليه وسلم ‪ « :‬أنا وكافل اليتيم في الجنّة هكذا وأشار بالسّبّابة والوسطى وفرّج بينهما » ‪.‬‬
‫وفي حديث أبي هريرة ‪ -‬رضي ال عنه قال ‪ :‬رسول اللّه صلى ال عليه وسلم ‪ « :‬السّاعي‬
‫على الرملة والمسكين كالمجاهد في سبيل اللّه ‪ .‬وأحسبه قال ‪ :‬وكالقائم الّذي ل يفتر ‪،‬‬
‫وكالصّائم الّذي ل يفطر » ‪.‬‬
‫ج المبرور ‪:‬‬
‫الح ّ‬
‫ج المقبول الّذي ل يخالطه إثم ول رياء ‪.‬‬
‫‪ - 6‬الحجّ المبرور هو ‪ :‬الح ّ‬
‫وفي حديث أبي هريرة ‪ -‬رضي ال عنه ‪ -‬أنّ رسول اللّه صلى ال عليه وسلم قال ‪« :‬‬
‫العمرة إلى العمرة كفّارة لما بينهما ‪ ،‬والحجّ المبرور ليس له جزاء إلّ الجنّة » وللتّفصيل‬
‫انظر مصطلح ( حجّ ) ‪.‬‬
‫البيع المبرور ‪:‬‬
‫ش فيه ول خيانة ‪ .‬ففي حديث أبي بردة بن نيارٍ عن ابن‬
‫‪ - 7‬البيع المبرور ‪ :‬هو الّذي ل غ ّ‬
‫عمر قال ‪ « :‬سئل رسول اللّه صلى ال عليه وسلم ‪ :‬أيّ الكسب أفضل قال ‪ :‬عمل الرّجل بيده‬
‫ل بيعٍ مبرورٍ » وللتّفصيل انظر مصطلح ( بيع ) ‪.‬‬
‫‪ ،‬وك ّ‬
‫ب ّر اليمين ‪:‬‬
‫‪ - 8‬برّ اليمين معناه ‪ :‬أن يصدق في يمينه ‪ ،‬فيأتي بما حلف عليه ‪ .‬قال اللّه تعالى ‪ { :‬ول‬
‫ن اللّه َيعَْلمُ ما تَ ْفعَلون } ‪.‬‬
‫جعَ ْلتُم اللّهَ عَلَيكم كَفيلً إ ّ‬
‫ن بع َد تَ ْوكِيدِها َو َقدْ َ‬
‫َتنْ ُقضُوا اليما َ‬
‫وهو واجب في الحلف على فعل الواجب أو ترك الحرام ‪ ،‬فيكون يمين طاعةٍ يجب البرّ به‬
‫بالتزام ما حلف عليه ‪ ،‬ويحرم عليه الحنث فيه ‪.‬‬
‫ب أو فعل مح ّرمٍ فهو يمين معصيةٍ ‪ ،‬يجب الحنث فيه ‪.‬‬
‫أمّا إن حلف على ترك واج ٍ‬
‫فإن حلف على فعل نفلٍ ‪ ،‬كصلة تط ّوعٍ أو صدقة تط ّوعٍ فالتزام اليمين مندوب ‪ ،‬ومخالفته‬
‫مكروهة ‪.‬‬
‫سنّة أن يحنث فيها ‪.‬‬
‫فإن حلف على ترك نفلٍ فاليمين مكروهة ‪ ،‬والقامة عليها مكروهة ‪ ،‬وال ّ‬
‫وإن كانت على فعلٍ مباحٍ فالحنث بها مباح قال رسول اللّه صلى ال عليه وسلم ‪:‬‬
‫ت الّذي هو خير ‪ ،‬وكَ ّفرْ عن يَمينِك »‬
‫ت غيرَها خيرا منها فَأْ ِ‬
‫ن فرأي َ‬
‫« إذا حلفت على يمي ٍ‬
‫وللتّفصيل انظر مصطلح ( أيمان ) ‪.‬‬

‫ب ّر الوالدين *‬
‫التّعريف ‪:‬‬
‫‪ - 1‬من معاني البرّ في اللّغة ‪ :‬الخير والفضل والصّدق والطّاعة والصّلح ‪.‬‬
‫ل على الرّفق‬
‫وفي الصطلح ‪ :‬يطلق في الغلب على الحسان بالقول الّليّن اللّطيف الدّا ّ‬
‫والمحبّة ‪ ،‬وتجنّب غليظ القول الموجب للنّفرة ‪ ،‬واقتران ذلك بالشّفقة والعطف والتّودّد‬
‫والحسان بالمال وغيره من الفعال الصّالحات ‪ .‬والبوان ‪ :‬هما الب والمّ ‪.‬‬
‫ويشمل لفظ ( البوين ) الجداد والجدّات ‪ .‬قال ابن المنذر ‪ :‬والجداد آباء ‪ ،‬والجدّات‬
‫ل بإذنهم ‪ ،‬ول أعلم دللةً توجب ذلك لغيرهم من الخوة وسائر‬
‫أمّهات ‪ ،‬فل يغزو المرء إ ّ‬
‫القرابات ‪ .‬حكمه التّكليفيّ ‪:‬‬
‫‪ - 2‬اهتمّ السلم بالوالدين اهتماما بالغا ‪ .‬وجعل طاعتهما والبرّ بهما من أفضل القربات ‪.‬‬
‫ونهى عن عقوقهما وشدّد في ذلك غاية التّشديد ‪ .‬كما ورد في القرآن المجيد في قوله سبحانه‬
‫وتعالى ‪َ { :‬وقَضَى ربّك َألّ َت ْعبُدوا ِإلّ إيّاهُ وبالوالدين إِحسانا ِإمّا َيبُْلغَنّ عندَك ال ِكبَ َر أحدُهما أو‬
‫ل مِن‬
‫جنَاحَ الذّ ّ‬
‫ض لهما َ‬
‫ل لَهما قَ ْولً كَريما ‪ .‬واخْفِ ْ‬
‫كِلهما فل تَقُلْ لَهما ُأفّ ول َت ْنهَرْهُما وقُ ْ‬
‫ح ْمهُما كَما ر ّبيَاني صَغِيرا } ‪ ،‬فقد أمر سبحانه بعبادته وتوحيده وجعل برّ‬
‫ل ربّ ار َ‬
‫الرّحم ِة وق ْ‬
‫الوالدين مقرونا بذلك ‪ ،‬والقضاء هنا ‪ :‬بمعنى المر واللزام والوجوب ‪.‬‬
‫شكُرْ لي ولوَال َديْك إليّ المصيرُ } ‪.‬‬
‫ناْ‬
‫كما قرن شكرهما بشكره في قوله سبحانه ‪ { :‬أَ ِ‬
‫فالشّكر للّه على نعمة اليمان ‪ ،‬وللوالدين على نعمة التّربية ‪ .‬وقال سفيان بن عيينة ‪ :‬من‬
‫صلّى الصّلوات الخمس فقد شكر اللّه تعالى ‪.‬‬
‫ومن دعا لوالديه في أدبار الصّلوات فقد شكرهما ‪ .‬وفي صحيح البخاريّ عن عبد اللّه بن‬
‫ل ؟ قال‬
‫ب إلى اللّه عزّ وج ّ‬
‫مسعودٍ قال ‪ « :‬سألت النّبيّ صلى ال عليه وسلم ‪ :‬أيّ العمال أح ّ‬
‫ي ؟ قال ‪ :‬الجهادُ في سبيلِ‬
‫‪ :‬الصّلةُ على َوقْتها قال ‪ :‬ثمّ أيّ ؟ قال ‪ِ :‬برّ الوالدين قال ‪ :‬ثمّ أ ّ‬
‫ن برّ الوالدين أفضل العمال بعد الصّلة الّتي هي أعظم‬
‫اللّه » ‪ .‬فأخبر صلى ال عليه وسلم أ ّ‬
‫ن برّهما فرض عينٍ يتعيّن عليه‬
‫دعائم السلم ‪ .‬وقدّم في الحديث برّ الوالدين على الجهاد ‪ ،‬ل ّ‬
‫س رضي ال عنهما ‪ ":‬إنّي نذرت‬
‫القيام به ‪ ،‬ول ينوب عنه فيه غيره ‪ .‬فقد قال رجل لبن عبّا ٍ‬
‫ن الرّوم ستجد من يغزوها غيرك‬
‫ن أبويّ منعاني ‪ .‬فقال ‪ :‬أطع أبويك ‪ ،‬فإ ّ‬
‫أن أغزو الرّوم ‪ ،‬وإ ّ‬
‫"‪ .‬والجهاد في سبيل اللّه فرض كفايةٍ إذا قام به البعض سقط عن الباقين ‪ ،‬وبرّ الوالدين فرض‬
‫ن ‪ ،‬وفرض العين أقوى من فرض الكفاية ‪ .‬وفي خصوص ذلك أحاديث كثيرة منها ما في‬
‫عي ٍ‬
‫صحيح البخاريّ عن عبد اللّه بن عمرٍو قال ‪ « :‬جاء رجل إلى النّبيّ صلى ال عليه وسلم‬
‫حيّ والداك ؟ قال ‪ :‬نعم ‪ .‬قال فَفِيهما فجاهد » ‪ .‬وفي سنن أبي‬
‫فاستأذنه في الغزو ‪ .‬فقال ‪ :‬أ َ‬
‫داود عن عبد اللّه بن عمرو بن العاص ‪ « .‬جاء رجل إلى رسول اللّه صلى ال عليه وسلم‬
‫ح ْكهُما كما‬
‫فقال ‪ :‬جئتُ أبايعك على الهجر ِة ‪ ،‬وتركت أبويّ يبكيان فقال ‪ :‬ا ْرجِعْ إليهما َفَأضْ ِ‬
‫َأ ْب َك ْيتَهُما » ‪ .‬وفيه عن أبي سعيدٍ الخدريّ « أنّ رجلً هاجر إلى رسول اللّه صلى ال عليه‬
‫وسلم من اليمن ‪ .‬فقال ‪ :‬هل لك أحد باليمن ؟ قال ‪ :‬أبواي ‪ .‬قال ‪َ :‬أ ِذنَا لك ؟ قال ‪ :‬ل ‪ .‬قال ‪:‬‬
‫ن َأ ِذنَا لك َفجَا ِهدْ ‪ ،‬وإلّ َف ِبرّهما » ‪ .‬هذا إذا لم يكن النّفير عامّا ‪ .‬وإلّ‬
‫فارجْع فاستأ ِذنْهما فإِ ْ‬
‫ن ‪ ،‬إذ يتعيّن على الجميع الدّفع والخروج للعدوّ ‪ .‬وإذا كان برّ‬
‫أصبح خروجه فرض عي ٍ‬
‫ن ‪ ،‬فإنّ خلفه يكون حراما ‪ ،‬ما لم يكن عن أمرٍ بشركٍ أو ارتكاب‬
‫الوالدين فرض عي ٍ‬
‫معصي ٍة ‪ ،‬حيث ل طاعة لمخلوقٍ في معصية الخالق ‪.‬‬
‫البرّ بالوالدين مع اختلف الدّين ‪:‬‬
‫ص بكونهما مسلمين ‪ ،‬بل حتّى لو كانا‬
‫‪ - 3‬البرّ بالوالدين فرض عينٍ كما سبق بيانه ‪ ،‬ول يخت ّ‬
‫كافرين يجب برّهما والحسان إليهما ما لم يأمرا ابنهما بشركٍ أو ارتكاب معصيةٍ ‪.‬‬
‫خ ِرجُوكم من دياركم أَنْ‬
‫قال تعالى ‪ { :‬ل َينْهاكُم اللّه عن الّذين َلمْ يُقاتِلوكم في الدّين ولم ُي ْ‬
‫ن اللّه يحبّ الم ْقسِطين } ‪.‬‬
‫سطُوا إليهم إ ّ‬
‫َتبَرّوهم وتُ ْق ِ‬
‫ل ليّنا لطيفا دالّا على الرّفق بهما والمحبّة لهما ‪ ،‬ويجتنب غليظ القول‬
‫فعليه أن يقول لهما قو ً‬
‫الموجب لنفرتهما ‪ ،‬ويناديهما بأحبّ اللفاظ إليهما ‪ ،‬وليقل لهما ما ينفعهما في أمر دينهما‬
‫ل كريما ‪.‬‬
‫ودنياهما ‪ ،‬ول يتبرّم بهما بالضّجر والملل والتّأفّف ‪ ،‬ول ينهرهما ‪ ،‬وليقل لهما قو ً‬
‫ت أمّي وهي مشركة في عهد قريش ومدّتهم إذ‬
‫وفي صحيح البخاريّ « عن أسماء قالت ‪ :‬قدم ْ‬
‫عاهدوا النّبيّ صلى ال عليه وسلم مع أبيها ‪ ،‬فاستفتيتُ النّبيّ صلى ال عليه وسلم فقلت ‪ :‬إنّ‬
‫ت وهي راغبةٌ َأ َفأَصِلُها ؟ قال ‪ :‬نعم ‪ ،‬صِلي َأ ّمكِ » ‪ ،‬وفي روايةٍ أخرى عنها قالت ‪:‬‬
‫أمّي قدم ْ‬
‫« أتتني أمّي راغبةً في عهد النّبيّ صلى ال عليه وسلم فسألت النّبيّ صلى ال عليه وسلم‬
‫ل فيها { ل ينهاكم اللّه عن الّذين لم‬
‫أََأصِلها ؟ قال ‪ :‬نعم » قال ابن عيينة ‪ :‬فأنزل اللّه عزّ وج ّ‬
‫يقاتلوكم في الدّين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبرّوهم } ‪ .‬وفي هذا المقام قال اللّه تعالى ‪{ :‬‬
‫طعْهُما إليّ‬
‫س لك به عِ ْلمٌ فَل ُت ِ‬
‫ك ِل ُتشْ ِركَ بي ما َليْ َ‬
‫ن جَاهدا َ‬
‫حسْنا وإ ْ‬
‫صيْنَا النسانَ ِبوَالديهِ ُ‬
‫َو َو ّ‬
‫جعُكم َفُأنَبّئكُم بما ُك ْنتُم ت ْعمَلون } ‪ .‬قيل ‪ :‬نزلت في سعد بن أبي وقّاصٍ ‪ .‬فقد روي أنّه قال‬
‫َمرْ ِ‬
‫‪ ":‬كنت بارّا بأمّي فأسلمت فقالت ‪ :‬لتدعنّ دينك أو ل آكل ول أشرب شرابا حتّى أموت فتعيّر‬
‫بي ‪ ،‬ويقال ‪ :‬يا قاتل أمّه ‪ ..‬وبقيت يوما ويوما ‪ .‬فقلت ‪ :‬يا أمّاه ‪ :‬لو كانت لك مائة نفسٍ ‪،‬‬
‫فخرجت نفسا نفسا ما تركت ديني هذا ‪ ،‬فإن شئت فكلي ‪ ،‬وإن شئت فل تأكلي ‪ .‬فلمّا رأت‬
‫ذلك أكلت "‪ .‬هذا وفي الدّعاء بالرّحمة الدّنيويّة للوالدين غير المسلمين حال حياتهما خلف‬
‫ذكره القرطبيّ ‪.‬‬
‫أمّا الستغفار لهما فممنوع ‪ ،‬استنادا إلى قوله تعالى ‪ { :‬ما كانَ لِل ّن ِبيّ والّذين آمَنوا أنْ‬
‫ستَغْ ِفرُوا لِلمشركينَ وََلوْ كانُوا أُولي ُقرْبى } فإنّها نزلت في استغفاره صلى ال عليه وسلم‬
‫َي ْ‬
‫ب واستغفار بعض الصّحابة لبويه المشركين ‪ .‬وانعقد الجماع على عدم‬
‫لعمّه أبي طال ٍ‬
‫الستغفار لهما بعد وفاتهما وحرمته ‪ ،‬وعلى عدم التّصدّق على روحهما ‪.‬‬
‫أمّا الستغفار للبوين الكافرين حال الحياة فمختلف فيه ‪ ،‬إذ قد يسلمان ‪.‬‬
‫ولو منعه أبواه الكافران عن الخروج للجهاد الكفائيّ ‪ ،‬مخافةً عليه ‪ ،‬ومشقّ ًة لهما بخروجه‬
‫وتركهما ‪ ،‬فعند الحنفيّة ‪ :‬لهما ذلك ‪ ،‬ول يخرج إلّ بإذنهما برّا بهما وطاع ًة لهما ‪ ،‬إلّ إذا كان‬
‫منعهما له لكراهة قتال أهل دينهما ‪ ،‬فإنّه ل يطيعهما ويخرج له ‪.‬‬
‫وعند المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة ‪ :‬يجوز له الخروج للجهاد بغير إذنهما ‪ ،‬لنّهما متّهمان في‬
‫ل بقرين ٍة تفيد الشّفقة ونحوها عند المالكيّة ‪ .‬وقال الثّوريّ ‪ :‬ل يغزو إلّ بإذنهما إذا‬
‫الدّين ‪ ،‬إ ّ‬
‫كان الجهاد من فروض الكفاية ‪.‬‬
‫أمّا إذا تعيّن الجهاد لحضور الصّفّ ‪ ،‬أو حصر العدوّ ‪ ،‬أو استنفار المام له بإعلن النّفير‬
‫العامّ فإنّه يسقط الذن ‪ ،‬ويجب عليه الجهاد بغير إذنهما ‪ ،‬إذ أصبح واجبا عليه القيام به ‪،‬‬
‫ن على الجميع ‪.‬‬
‫لصيرورته فرض عي ٍ‬
‫التّعارض بين برّ الب وبرّ المّ ‪:‬‬
‫‪ - 4‬لمّا كان حقّ الوالدين على الولد عظيما ‪ ،‬فقد نزل به القرآن الكريم في مواضع كثيرةٍ ‪،‬‬
‫سنّة المطهّرة ‪ ،‬ويقضي ذلك بلزوم برّهما وطاعتهما ورعاية شئونهما والمتثال‬
‫ووردت به ال ّ‬
‫لمرهما ‪ ،‬فيما ليس بمعصي ٍة ‪ ،‬على نحو ما سبق بيانه ‪.‬‬
‫ونظرا لقيام المّ بالعبء الكبر في تربية الولد اختصّها الشّارع بمزيدٍ من البرّ ‪ ،‬بعد أن‬
‫ن و ِفصَالُه‬
‫حمََلتْه أمّه وَ ْهنَا على وَهْ ٍ‬
‫صيْنَا النسانَ بِوالديه َ‬
‫أوصى ببرّهما ‪ ،‬فقال تعالى ‪َ { :‬و َو ّ‬
‫في عَامينِ } ‪ .‬وعن أبي هريرة رضي ال عنه قال ‪ « :‬جاء رجل إلى النّبيّ صلى ال عليه‬
‫وسلم فقال ‪ :‬يا رسول اللّه ‪ :‬من أحقّ بحسن صحابتي ؟ قال ‪ :‬أمّك قال ‪ :‬ثمّ من ؟ قال ‪ :‬أمّك‬
‫قال ‪ :‬ثمّ من ؟ قال ‪ :‬أمّك قال ‪ :‬ثمّ من ؟ قال ‪ :‬أبوك » ‪.‬‬
‫وقوله صلى ال عليه وسلم « إنّ اللّه يُوصيكم بأمّهاتكم ‪ ،‬ثمّ يُوصيكم بأمّهاتِكم ‪ ،‬ثمّ يُوصيكم‬
‫بأمّهاتكم ‪ ،‬ثمّ يُوصيكم بآبائِكم ‪ ،‬ثمّ يوصيكم بالقربِ فالقربِ » ‪.‬‬
‫س أعظمُ‬
‫ومن حديث عائشة رضي ال عنها ‪ « :‬سألتُ النّبيّ صلى ال عليه وسلم ‪ :‬أيّ النّا ِ‬
‫حقّا على المرأة ؟ قال ‪ :‬زوجها ‪ .‬قلتُ ‪ :‬فعلى الرّجل ؟ قال أمّه » ‪.‬‬
‫ففيما ذكر ‪ -‬وغيره كثير ‪ -‬ممّا سبق بيانه دليل على منزلة البوين ‪ ،‬وتقديم المّ في البرّ على‬
‫الب في ذلك ‪ ،‬لصعوبة الحمل ‪ ،‬ثمّ الوضع وآلمه ‪ ،‬ثمّ الرّضاع ومتاعبه ‪ ،‬وهذه أمور تنفرد‬
‫ن المّ أحوج إلى الرّعاية من‬
‫بها المّ وتشقى بها ‪ ،‬ثمّ تشارك الب في التّربية ‪ ،‬فضلً عن أ ّ‬
‫الب ‪ ،‬ول سيّما حال الكبر ‪.‬‬
‫وفي تقديم هذا الحقّ أيضا ‪ :‬أنّه لو وجبت النّفقة على الولد لبويه ‪ ،‬ولم يقدر إلّ على نفقة‬
‫ح الرّوايات عند الحنفيّة والمالكيّة والشّافعيّة ‪ ،‬وهو رأي‬
‫أحدهما ‪ ،‬فتقدّم المّ على الب في أص ّ‬
‫عند الحنابلة ‪ ،‬وذلك لما لها من مشقّة الحمل والرّضاع والتّربية وزيادة الشّفقة ‪ ،‬وأنّها أضعف‬
‫وأعجز ‪ .‬هذا ما لم يتعارضا في برّهما ‪.‬‬
‫‪ -5‬فإن تعارضا فيه ‪ ،‬بأن كان في طاعة أحدهما معصية الخر ‪ .‬فإنّه ينظر ‪ .‬إن كان أحدهما‬
‫يأمر بطاعةٍ والخر يأمر بمعصي ٍة ‪ ،‬فإنّ عليه أن يطيع المر بالطّاعة منهما دون المر‬
‫بالمعصية ‪ ،‬فيما أمر به من معصيةٍ ‪ .‬لقوله صلى ال عليه وسلم ‪ « :‬ل طاعةَ لمخلوقٍ في‬
‫حبْهما في‬
‫معصي ِة الخالق » وعليه أن يصاحبه بالمعروف للمر بذلك في قوله تعالى ‪ { :‬وصا ِ‬
‫ن العبرة بعموم اللّفظ ل‬
‫الدّنيا معروفا } وهي وإن كانت نزلت في البوين الكافرين ‪ ،‬إلّ أ ّ‬
‫بخصوص السّبب ‪.‬‬
‫أمّا إن تعارض برّهما في غير معصي ٍة ‪ ،‬وحيث ل يمكن إيصال البرّ إليهما دفعةً واحد ًة ‪ ،‬فقد‬
‫قال الجمهور ‪ :‬طاعة المّ مقدّمة ‪ ،‬لنّها تفضل الب في البرّ ‪ .‬وقيل ‪ :‬هما في البرّ سواء ‪،‬‬
‫ي أن أقدم عليه ‪ ،‬وأمّي تمنعني‬
‫فقد روي أنّ رجلً قال لمالكٍ ‪ ":‬والدي في السّودان ‪ ،‬كتب إل ّ‬
‫من ذلك ‪ ،‬فقال له مالك ‪ :‬أطع أباك ول تعص أمّك "‪ .‬يعني أنّه يبالغ في رضى أمّه بسفره‬
‫لوالده ‪ ،‬ولو بأخذها معه ‪ ،‬ليتمكّن من طاعة أبيه وعدم عصيان أمّه ‪.‬‬
‫ن لها ثلثي البرّ "‪.‬‬
‫ن اللّيث حين سئل عن المسألة بعينها قال ‪ ":‬أطع أمّك ‪ ،‬فإ ّ‬
‫وروي أ ّ‬
‫كما حكى الباجيّ أنّ امرأ ًة كان لها حقّ على زوجها ‪ ،‬فأفتى بعض الفقهاء ابنها ‪ :‬بأن يتوكّل‬
‫لها على أبيه ‪ ،‬فكان يحاكمه ‪ ،‬ويخاصمه في المجالس تغليبا لجانب المّ ‪ .‬ومنعه بعضهم من‬
‫ل على أنّ برّه أقلّ من برّ المّ ‪ ،‬ل‬
‫ذلك ‪ ،‬قال ‪ :‬لنّه عقوق للب ‪ ،‬وحديث أبي هريرة إنّما د ّ‬
‫ن المّ مقدّمة في الب ّر على الب ‪.‬‬
‫ي الجماع على أ ّ‬
‫ن الب يعقّ ‪ .‬ونقل المحاسب ّ‬
‫أّ‬
‫ب ّر الوالدين والقارب المقيمين بدار الحرب ‪:‬‬
‫‪ - 6‬قال ابن جريرٍ ‪ :‬إنّ برّ المؤمن من أهل الحرب ‪ ،‬ممّن بينه وبينه قرابة نسبٍ ‪ ،‬أو من ل‬
‫قرابة بينه وبينه ول نسب ‪ ،‬غير محرّمٍ ول منهيّ عنه ‪ ،‬إذا لم يكن في ذلك تقوية للكفّار على‬
‫ح‪.‬‬
‫المسلمين ‪ ،‬أو دللة على عور ٍة لهل السلم ‪ ،‬أو تقوية لهم بكراعٍ أو سل ٍ‬
‫وهو موافق لما نقل عن ابن الجوزيّ الحنبليّ في الداب الشّرعيّة ‪ ،‬ول يختلف عمّا ذكر ‪،‬‬
‫واستدلّ له بإهداء عمر الحلّة الحريريّة إلى أخيه المشرك ‪ .‬وبحديث أسماء وفيهما صلة أهل‬
‫الحرب وبرّهم وصلة القريب المشرك ‪ .‬ومن البرّ للوالدين الكافرين الوصيّة لهما ‪ ،‬لنّهما ل‬
‫يرثان ابنهما المسلم ‪ .‬وللتّفصيل ر ‪ ( :‬وصيّة ) ‪.‬‬
‫بم يكون البرّ ؟‬
‫ل على الرّفق بهما والمحبّة لهما ‪،‬‬
‫‪ – 7‬يكون برّ الوالدين بالحسان إليهما بالقول الّليّن الدّا ّ‬
‫وتجنّب غليظ القول الموجب لنفرتهما ‪ ،‬وبمناداتهما بأحبّ اللفاظ إليهما ‪ ،‬كيا أمّي ويا أبي ‪،‬‬
‫وليقل لهما ما ينفعهما في أمر دينهما ‪ ،‬ودنياهما ويعلّمهما ما يحتاجان إليه من أمور دينهما ‪،‬‬
‫وليعاشرهما بالمعروف ‪ .‬أي بكلّ ما عرف من الشّرع جوازه ‪ ،‬فيطيعهما في فعل جميع ما‬
‫يأمرانه به ‪ ،‬من واجبٍ أو مندوبٍ ‪ ،‬وفي ترك ما ل ضرر عليه في تركه ‪ ،‬ول يحاذيهما في‬
‫المشي ‪ ،‬فضلً عن التّقدّم عليهما ‪ ،‬إلّ لضرورةٍ نحو ظلمٍ ‪ ،‬وإذا دخل عليهما ل يجلس إلّ‬
‫بإذنهما ‪ ،‬وإذا قعد ل يقوم إلّ بإذنهما ‪ ،‬ول يستقبح منهما نحو البول عند كبرهما أو مرضهما‬
‫حسَانا } ‪.‬‬
‫نإْ‬
‫ع ُبدُوا اللّه ول ُتشْركوا به شيئا وبالوالدي ِ‬
‫لما في ذلك من أذيّتهما ‪ ،‬قال تعالى ‪ { :‬وا ْ‬
‫قال ابن عبّاسٍ ‪ :‬يريد البرّ بهما مع اللّطف ولين الجانب ‪ ،‬فل يغلظ لهما في الجواب ‪ ،‬ول يحدّ‬
‫النّظر إليهما ‪ ،‬ول يرفع صوته عليهما ‪.‬‬
‫ل يسيء إليهما بسبّ أو شتمٍ أو إيذا ٍء بأيّ نوعٍ من أنواعه ‪،‬‬
‫ومن البرّ بهما والحسان إليها ‪ :‬أ ّ‬
‫ن رسول اللّه صلى ال‬
‫فإنّه من الكبائر بل خلفٍ ‪ .‬ففي صحيح مسلمٍ عن عبد اللّه بن عمرٍو أ ّ‬
‫ن الكبائرِ شتمُ الرّجلِ والديه ‪ ،‬قالوا ‪ .‬يا رسول اللّه ‪ :‬وهل يشتم‬
‫عليه وسلم قال ‪ « :‬إنّ مِ َ‬
‫ب الرّجلُ أبا الرّجل َف َيسُبّ أباه ‪ ،‬ويسبّ ُأمّه فيسبّ أمّه » وفي‬
‫الرّجلُ والديه ؟ قال ‪ :‬نعم َيسُ ّ‬
‫رواي ٍة أخرى ‪ « :‬إنّ من أكبر الكبائر أن يلعن الرّجلُ وال َديْه ‪ .‬قيل ‪ :‬يا رسول اللّه وكيف‬
‫يلعن الرّجل والديه ؟ ‪ .‬قال ‪ :‬يسبّ أبا الرّجل فيسبّ الرّجل أباه » ‪.‬‬
‫‪ -8‬ومن برّهما صلة أهل ودّهما ‪ ،‬ففي الصّحيح عن ابن عمر قال ‪ :‬سمعت رسول اللّه صلى‬
‫ل و ّد أبيه بعد أنْ ُيوَلّي » فإن غاب أو‬
‫ن من َأ َبرّ ال ِبرّ صل َة الرّجلِ أه َ‬
‫ال عليه وسلم يقول ‪ « :‬إ ّ‬
‫مات يحفظ أهل ودّه ويحسن إليهم ‪ ،‬فإنّه من تمام الحسان إليه ‪.‬‬
‫وروى أبو أسيدٍ وكان بدريّا قال ‪ « :‬كنت مع النّبيّ صلى ال عليه وسلم جالسا ‪ ،‬فجاءه رجل‬
‫من النصار فقال ‪ :‬يا رسول اللّه ‪ .‬هل بقي من برّ والديّ بعد موتهما شيء أبرّهما به ؟ قال ‪:‬‬
‫ع ْهدِهما من بعدِهما ‪ ،‬وإِكرامُ صديقِهما ‪،‬‬
‫نعم ‪ ،‬الصّلة عليهما ‪ ،‬والستغفار لهما ‪ ،‬وإنفاذ َ‬
‫ي عليك » ‪ « .‬وكان صلى ال عليه‬
‫حمَ لك إلّ من ِقبَلِهما ‪ ،‬فهذا الّذي بَ ِق َ‬
‫وصل ُة ال ّرحِمِ الّتي ل َر ِ‬
‫وسلم يهدي لصدائق خديجة برّا بها ووفا ًء لها » ‪ ،‬وهي زوجته ‪ ،‬فما ظنّك بالوالدين ‪.‬‬
‫استئذانهما للسّفر للتّجارة أو لطلب العلم ‪:‬‬
‫ل سفرٍ ل يؤمن فيه الهلك ‪ ،‬ويشتدّ فيه‬
‫نكّ‬
‫‪ - 9‬وضع فقهاء الحنفيّة لذلك قاعد ًة حاصلها ‪ :‬أ ّ‬
‫الخطر ‪ ،‬فليس للولد أن يخرج إليه بغير إذن والديه ‪ ،‬لنّهما يشفقان على ولدهما ‪ ،‬فيتضرّران‬
‫ل سفرٍ ل يشتدّ فيه الخطر يحلّ له أن يخرج إليه بغير إذنهما ‪ ،‬إذا لم يضيّعهما ‪،‬‬
‫بذلك ‪ .‬وك ّ‬
‫لنعدام الضّرر ‪ .‬وبذا ل يلزمه إذنهما للسّفر للتّعلّم ‪ ،‬إذا لم يتيسّر له ذلك في بلده ‪ ،‬وكان‬
‫الطّريق آمنا ‪ ،‬ولم يخف عليهما الضّياع ‪ ،‬لنّهما ل يتضرّران بذلك ‪ ،‬بل ينتفعان به ‪ ،‬فل‬
‫تلحقه سمة العقوق ‪ .‬أمّا إذا كان السّفر للتّجارة ‪ ،‬وكانا مستغنين عن خدمة ابنهما ‪ ،‬ويؤمن‬
‫عليهما الضّياع ‪ ،‬فإنّه يخرج إليها بغير إذنهما ‪ .‬أمّا إذا كانا محتاجين إليه وإلى خدمته ‪ ،‬فإنّه‬
‫ل يسافر بغير إذنهما ‪.‬‬
‫وفصّل المالكيّة في السّفر لطلب العلم ‪ ،‬بأنّه إذا كان لتحصيل درج ٍة من العلم ل تتوفّر في بلده‬
‫سنّة ومعرفة الجماع ومواضع الخلف ومراتب القياس ‪ ،‬كان له ذلك‬
‫‪ ،‬كالتّفقّه في الكتاب وال ّ‬
‫ن تحصيل درجة المجتهدين‬
‫بغير إذنهما إن كان فيه أهليّة النّظر ‪ ،‬ول طاعة لهما في منعه ‪ ،‬ل ّ‬
‫ن بِالمعروفِ‬
‫فرض على الكفاية ‪ .‬قال تعالى ‪ { :‬وَ ْل َتكُنْ ِمنْكم أمّ ٌة َيدْعُون إلى الخيرِ َو َي ْأمُرو َ‬
‫َو َي ْنهَوْن عن الم ْنكَرِ } ‪ ،‬أمّا إن كان للتّفقّه على طريق التّقليد ‪ ،‬وفي بلده ذلك ‪ ،‬لم يجز له السّفر‬
‫إلّ بإذنهما ‪.‬‬
‫وإذا أراد سفرا للتّجارة يرجو به ما يحصل له في القامة فل يخرج إلّ بإذنهما ‪.‬‬
‫حكم طاعتهما في ترك النّوافل أو قطعها ‪:‬‬
‫‪ - 10‬قال الشّيخ أبو بك ٍر الطّرطوشيّ في كتاب برّ الوالدين ‪ :‬ل طاعة لهما في ترك سنّةٍ‬
‫راتب ٍة ‪ ،‬كحضور الجماعات ‪ ،‬وترك ركعتي الفجر والوتر ونحو ذلك ‪ ،‬إذا سأله ترك ذلك‬
‫على الدّوام ‪ ،‬بخلف ما لو دعواه لوّل وقت الصّلة وجبت طاعتهما ‪ ،‬وإن فاتته فضيلة أوّل‬
‫الوقت ‪.‬‬
‫حكم طاعتهما في ترك فروض الكفاية ‪:‬‬
‫حدُ والديه حيّ ‪ ،‬وفيه دللة على تقديم‬
‫‪ - 11‬سبق حديث صحيح مسل ٍم فيمن أراد البيعة وََأ َ‬
‫صحبتهما على صحبة النّبيّ صلى ال عليه وسلم ‪ .‬وتقديم خدمتهما ‪ -‬الّتي هي واجبة عليه‬
‫وجوبا عينيّا ‪ -‬على فروض الكفاية ‪ ،‬وذلك لنّ طاعتهما وبرّهما فرض عينٍ ‪ ،‬والجهاد فرض‬
‫كفايةٍ ‪ ،‬وفرض العين أقوى ‪.‬‬
‫حكم طاعتهما في طلبهما تطليق زوجته ‪:‬‬
‫‪ - 12‬روى التّرمذيّ عن ابن عمر قال ‪ « :‬كانت تحتي امرأة أحبّها ‪ ،‬وكان أبي يكرهها ‪،‬‬
‫فأمرني أن أطلّقها ‪ ،‬فأبيتُ ‪ ،‬فذكرت ذلك للنّبيّ صلى ال عليه وسلم فقال ‪ :‬يا عب َد اللّه بن‬
‫عمر طّلقْ امرأتك » ‪.‬‬
‫وسأل رجل المام أحمد فقال ‪ ":‬إنّ أبي يأمرني أن أطلّق امرأتي ‪ .‬قال ‪ :‬ل تطلّقها ‪ .‬قال ‪:‬‬
‫أليس عمر رضي ال عنه أمر ابنه عبد اللّه أن يطلّق امرأته ؟ قال ‪ :‬حتّى يكون أبوك مثل‬
‫عمر رضي ال عنه "‪ .‬يعني ل تطلّقها بأمره حتّى يصير مثل عمر في تحرّيه الحقّ والعدل ‪،‬‬
‫وعدم اتّباع هواه في مثل هذا المر ‪ .‬واختار أبو بكرٍ من الحنابلة أنّه يجب ‪ ،‬لمر النّبيّ صلى‬
‫ال عليه وسلم لبن عمر ‪ .‬وقال الشّيخ تقيّ الدّين بن تيميّة ‪ ":‬فيمن تأمره أمّه بطلق امرأته ‪.‬‬
‫قال ‪ :‬ل يحلّ له أن يطلّقها ‪ .‬بل عليه أن يبرّها ‪ .‬وليس تطليق امرأته من برّها "‪.‬‬
‫حكم طاعتهما فيما لو أمراه بمعصيةٍ أو بترك واجبٍ ‪:‬‬
‫شرِك بِي ما ليس َلكَ به عِ ْلمٌ‬
‫حسْنا وإن جا َهدَاك ِل ُت ْ‬
‫ن بوالديه ُ‬
‫‪ - 13‬قال تعالى ‪ { :‬وَ َوصّينا النسا َ‬
‫ن جاهداك على أنْ ُتشْرك بي ما ليس لك به علم فل ُتطْعهما‬
‫فل ُتطِعْهما } وقال ‪ { :‬وإ ْ‬
‫حبْهما في الدّنيا معروفا } ففيهما وجوب برّهما وطاعتهما والحسان إليهما ‪ ،‬وحرمة‬
‫وصا ِ‬
‫عقوقهما ومخالفتهما ‪ ،‬إلّ فيما يأمرانه به من شركٍ أو ارتكاب معصي ٍة ‪ ،‬فإنّه في هذه الحالة ل‬
‫يطيعهما ول يمتثل لوامرهما ‪ ،‬لوجوب مخالفتهما وحرمة طاعتهما في ذلك ‪ ،‬يؤكّد هذا قوله‬
‫صلى ال عليه وسلم ‪ « :‬ل طاعة لمخلوقٍ في معصي ٍة الخالق » وللحديث المتقدّم في سعد بن‬
‫أبي وقّاصٍ مع أمّه فقد عصى أمرها ‪ ،‬حين طلبت إليه ترك دينه ‪ ،‬وبقي على مصاحبتها‬
‫بالمعروف برّا بها ‪ .‬وعصيانه لها فيما أمرته به واجب ‪ ،‬فل تطاع في أمرها له بترك‬
‫الواجبات ‪.‬‬
‫عقوق الوالدين وجزاؤه في الدّنيا والخرة ‪:‬‬
‫‪ - 14‬بالضافة إلى العقوق السّلبيّ بترك برّهما ‪ ،‬فإنّ هناك صورا مختلفةً للعقوق بعضها‬
‫فعليّ وبعضها قوليّ ‪ .‬ومن العقوق ما يبديه الولد لبويه من مللٍ وضجرٍ وغضبٍ وانتفاخ‬
‫أوداجه ‪ ،‬واستطالته عليهما بدالّة البنوّة وقلّة الدّيانة خاصّ ًة في حال كبرهما ‪ .‬وقد أمر أن‬
‫يقابلهما بالحسنى واللّين والمودّة ‪ ،‬والقول الموصوف بالكرامة ‪ ،‬السّالم من كلّ عيبٍ ‪ ،‬فقال‬
‫تعالى ‪ { :‬إمّا َيبُْلغَنّ عندك ال ِك َبرَ أحدُهما أو كلهما فل تَقُلْ لهما ُأفّ }‬
‫فنهي عن أن يقول لهما ما يكون فيه أدنى تب ّرمٍ ‪ .‬وضابط عقوقهما ‪ -‬أو أحدهما ‪ -‬هو أن‬
‫يؤذي الولد أحد والديه بما لو فعله مع غيرهما كان محرّما من جملة الصّغائر ‪ ،‬فينتقل بالنّسبة‬
‫إلى أحد الوالدين إلى الكبائر ‪ .‬وقد روي عنه صلى ال عليه وسلم أنّه قال ‪ « :‬يُراح ريحُ‬
‫ن خمرٍ »‬
‫ن بعمله ‪ ،‬ول عاقّ ‪ ،‬ول ُم ْدمِ ُ‬
‫الجنّة من مسيرة خمسمائةِ عا ٍم ‪ ،‬ول َيجِ ُد ريحَها منّا ٌ‬
‫وما روي عن عبد الرّحمن بن أبي بكرة عن أبيه رضي ال عنه قال ‪ :‬قال رسول اللّه صلى‬
‫ال عليه وسلم « أل أنبّئكم بأكبرِ الكبائر ؟ قلنا ‪ :‬بلى يا رسول اللّه ‪ .‬قال ‪ :‬ثلثا ‪ .‬الشراكُ‬
‫ل الزّورِ وشهادة الزّور ‪ .‬أل‬
‫باللّه ‪ ،‬وعقوقُ الوالدين ‪ ،‬وكان ُم ّتكِئا فجلس ‪ ،‬فقال ‪ :‬أل وقو َ‬
‫ل الزّورِ وشهاد َة الزّورِ ‪ .‬فما زال يقولها حتّى قلت ‪ :‬ل يسكت » ‪ .‬وقال صلى ال عليه‬
‫وقو َ‬
‫وسلم ‪ « :‬رضى اللّه في رضى الوالدين ‪ ،‬وسخط اللّه في سخط الوالدين » ‪ .‬وقوله صلى ال‬
‫ق الوالدين ‪ ،‬فإِنّ‬
‫خرُ اللّه منها ما شاءَ إلى يومِ القيام ِة إلّ عقو َ‬
‫ل الذّنوبِ يؤ ّ‬
‫عليه وسلم ‪ « :‬ك ّ‬
‫اللّه يعجّلُه لصاحبِه في الحيا ِة قبل المماتِ » ‪.‬‬
‫جزاء العقوق ‪:‬‬
‫‪ - 15‬جزاء عقوق الوالدين أخرويّا سبق الكلم عنه ‪ ،‬وأمّا جزاؤه في الدّنيا فهو من باب‬
‫التّعزير ‪ ،‬ويختلف قدره باختلف حاله وحال فاعله ‪.‬‬
‫فإن تعدّى على أبويه ‪ ،‬أو أحدهما ‪ ،‬بالشّتم أو الضّرب مثلً عزّراه ‪ ،‬أو عزّره المام ‪-‬‬
‫بطلبهما ‪ -‬إن كانا مشتومين أو مضروبين معا ‪ ،‬أو بطلب من كان منهما معتدًى عليه بذلك ‪.‬‬
‫فإن عفا المشتوم أو المضروب كان وليّ المر بعد عفوه على خياره في فعل الصلح من‬
‫التّعزير تقويما ‪ ،‬والصّفح عنه عفوا ‪ ،‬فإن تعافوا عن الشّتم والضّرب قبل التّرافع إلى المام‬
‫سقط التّعزير ‪ .‬ويكون تعزيره بالحبس على حسب الذّنب والهفوة ‪ ،‬أو بالضّرب أو التّأنيب‬
‫بالكلم العنيف ‪ ،‬أو بغير ذلك ممّا به ينزجر ويرتدع ‪.‬‬

‫برزة *‬
‫التّعريف ‪:‬‬
‫‪ - 1‬ال َبرْزة هي ‪ :‬المرأة البارزة المحاسن ‪ ،‬أو المتجاهرة الكهلة الوقورة ‪ ،‬الّتي تبرز للقوم‬
‫يجلسون إليها ويتحدّثون ‪ ،‬وهي عفيفة ‪ .‬ويقال ‪ :‬امرأة برزة إذا كانت كهل ًة ل تحتجب احتجاب‬
‫ب ‪ ،‬وهي مع هذا عفيفة عاقلة ‪ ،‬تجلس للنّاس وتحدّثهم ‪ ،‬من البروز والخروج ‪ .‬ول‬
‫الشّوَا ّ‬
‫يخرج استعمال الفقهاء عن هذا المعنى اللّغويّ ‪.‬‬
‫اللفاظ ذات الصّلة ‪:‬‬
‫المخدّرة ‪:‬‬
‫‪ - 2‬المخدّرة لغةً ‪ :‬من لزمت الخدر ‪ ،‬والخدر ‪ :‬السّتر ‪.‬‬
‫وفي الصطلح ‪ :‬الملزمة للخدر ‪ ،‬بكرا كانت أو ثيّبا ‪ ،‬ول يراها غير المحارم من الرّجال ‪،‬‬
‫وإن خرجت لحاجةٍ ‪ .‬وعلى هذا ‪ :‬فالمخدّرة ضدّ البرزة ‪.‬‬
‫الحكم الجماليّ ‪:‬‬
‫‪ - 3‬يرى الحنفيّة والشّافعيّة والحنابلة وجوب حضور المرأة البرزة لداء الشّهادة ‪ ،‬إذا تحمّلت‬
‫شهاد ًة ممّا يجوز شهادتها به ‪ ،‬وتوقّفت الدّعوى على حضورها ‪ ،‬ول يقبل في هذه الحالة‬
‫الشّهادة على شهادتها ‪ ،‬إلّ إذا وجد مانع من الحضور ‪ ،‬كمرضٍ وسفرٍ ‪ ،‬فيرسل لها القاضي‬
‫من يسمع شهادتها ‪ ،‬وتفصيله في أبحاث الشّهادة ‪ .‬أمّا المخدّرة فل يجب إحضارها إلى مجلس‬
‫القضاء ‪ .‬والمالكيّة ل يفرّقون في أداء شهادة المرأة بين البرزة وغيرها ‪ ،‬والحكم عندهم أنّها‬
‫تنقل الشّهادة عنها ‪ ،‬لما ينالها من الكشف والمشقّة ‪.‬‬
‫هذا في الشّهادة ‪ ،‬أمّا في التّقاضي فقد صرّح الحنابلة أنّه إن ادّعي على المرأة البرزة‬
‫أحضرها القاضي ‪ ،‬لعدم العذر ‪ ،‬ول يعتبر لحضارها في سفرها هذا محرّم ‪ ،‬لتعيّن السّفر‬
‫ح والضّيق ‪ ،‬أمّا إن كانت المدّعى عليها مخدّرةً‬
‫عليها ‪ ،‬ولنّه حقّ آدميّ وهو مبنيّ على الشّ ّ‬
‫فإنّها تؤمر بالتّوكيل ‪ ،‬ول يجب إحضارها ‪ ،‬لما فيه من المشقّة والضّرر ‪ ،‬فإن توجّهت عليها‬
‫اليمين بعث القاضي أمينا ‪ -‬معه شاهدان ‪ -‬يستحلفها بحضرتهما ‪.‬‬
‫مواطن البحث ‪:‬‬
‫‪ - 4‬تكلّم الفقهاء عن أداء المرأة البرزة للشّهادة ‪ ،‬فيما يجوز لها أن تشهد به على النّحو المبيّن‬
‫في مواطنه ‪.‬‬
‫برسام *‬
‫التّعريف ‪:‬‬
‫‪ - 1‬البرسام لغةً ‪ ،‬واصطلحا ‪ :‬علّة عقليّة ينشأ عنها الهذيان ‪ ،‬شبيهة بالجنون ‪.‬‬
‫اللفاظ ذات الصّلة ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬العته ‪:‬‬
‫‪ - 2‬العته لغ ًة ‪ :‬نقص في العقل من غير جنونٍ أو وهنٍ ‪.‬‬
‫ل في العقل ‪ ،‬فيصير صاحبه مختلط العقل ‪ ،‬فيشبه بعض‬
‫وهو في الصطلح ‪ :‬آفة توجب خل ً‬
‫كلمه كلم العقلء ‪ ،‬وبعضه كلم المجانين ‪ ،‬وتجري على المعتوه أحكام الصّبيّ المميّز ‪.‬‬
‫وأمّا المبرسم فإنّه تجري عليه في حال نوباته أحكام الجنون ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬الجنون ‪:‬‬
‫‪ - 3‬الجنون كما عرّفه الشّرنبلليّ ‪ :‬مرض يزيل العقل ويزيد القوى ‪.‬‬
‫وهو في الجملة ممّا يسقط التّكليف ويبطل أهليّة الداء ‪.‬‬
‫ي ومواطن البحث ‪:‬‬
‫الحكم الجمال ّ‬
‫‪ - 4‬للمبرسم أحكام تتعلّق به ‪ ،‬فعقوده غير معتبر ٍة في حال إصابته بالبرسام ‪ ،‬وإقراره غير‬
‫ح ‪ ،‬وتصرّفاته القوليّة غير معتبر ٍة شرعا ‪ ،‬مثله في ذلك مثل المجنون ‪.‬‬
‫صحي ٍ‬
‫أمّا تصرّفاته الفعليّة في وقت إصابته فإنّه ل إثم عليه فيها ‪ ،‬ولكن إذا ترتّب على فعله إتلف‬
‫س يجب الضّمان في ماله ‪ ،‬وعليه ديته ‪ ،‬أو قيمة التّعويض من ماله ‪ .‬وتفصيل ذلك‬
‫مالٍ أو نف ٍ‬
‫تناوله الفقهاء عند الكلم عن التلف ونحوه ‪ ،‬والصوليّون في الهليّة وعوارضها ‪.‬‬

‫برص *‬
‫التّعريف ‪:‬‬
‫‪ - 1‬البرص لغةً ‪ :‬داء معروف ‪ ،‬وهو بياض يقع في ظاهر الجلد ‪ ،‬يبقّع الجلد ويذهب دمويّته‬
‫‪ .‬وبرص برصا فهو أبرص ‪ ،‬والنثى برصاء ‪.‬‬
‫ول يخرج الستعمال الفقهيّ عن هذا المعنى ‪.‬‬
‫اللفاظ ذات الصّلة ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬الجذام ‪:‬‬
‫‪ - 2‬الجذام ‪ :‬مأخوذ من الجذم ‪ ،‬وهو القطع ‪ ،‬سمّي كذلك لنّه داء تجذم به العضاء أي‬
‫تتقطّع ‪ .‬والجذام علّة يحمرّ منها العضو ‪ ،‬ث ّم يسودّ ‪ ،‬ثمّ ينتن ويتقطّع ويتناثر ‪ ،‬ويتصوّر في‬
‫كلّ عضوٍ غير أنّه يكون في الوجه أغلب‬
‫ب ‪ -‬البهق ‪:‬‬
‫البهق لغةً ‪ :‬بياض دون البرص يعتري الجسد بخلف لونه ‪ ،‬وليس من البرص ‪.‬‬
‫واصطلحا ‪ :‬تغيير في لون الجلد ‪ ،‬والشّعر النّابت عليه أسود ‪ .‬بخلف النّابت على البرص‬
‫فإنّه أبيض ‪.‬‬
‫أحكام يختصّ بها البرص‬
‫ثبوت الخيار في فسخ النّكاح بسبب البرص ‪:‬‬
‫‪ - 3‬أثبت المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة طلب فسخ الزّواج بوجود البرص المستحكم في الجملة‬
‫‪ :‬فأجاز المالكيّة للزّوجة فقط طلب فسخ العقد ببرصٍ مضرّ بعد العقد ‪ ،‬سواء كان قبل الدّخول‬
‫أو بعده ‪ ،‬وذلك بعد التّأجيل سنةً إن رجي برؤه ‪.‬‬
‫وأجاز الشّافعيّة والحنابلة للزّوج أو للزّوجة طلب الفسخ بالبرص قبل الدّخول وبعده ‪ .‬وهذا كلّه‬
‫مع مراعاة شروط الخيار على الوجه المبيّن في النّكاح ‪.‬‬
‫ومنع الحنفيّة ‪ -‬عدا مح ّمدٍ ‪ -‬تخيير أحد الزّوجين بعيب الخر ولو فاحشا كبرصٍ ‪ ،‬وقال‬
‫محمّد ‪ :‬يثبت الخيار بالبرص للزّوجة فقط ‪ ،‬بخلف الزّوج لنّه يقدر على دفعه بالطّلق ‪.‬‬
‫ويرجع إليه في موطنه ‪.‬‬
‫واستدلّ لثبوت الخيار بسبب البرص بما روي عن سعيد بن المسيّب أنّ عمر بن الخطّاب‬
‫رضي ال عنه قال ‪ ":‬أيّما رجل تزوّج امرأ ًة ‪ ،‬فدخل بها فوجد بها برصا ‪ .‬أو مجنونةً أو‬
‫مجذوم ًة فلها الصّداق بمسيسه إيّاها ‪ ،‬وهو له على من غرّه منها "‪.‬‬
‫وحديث زيد بن كعب بن عجرة قال ‪ « :‬تزوّج رسول اللّه صلى ال عليه وسلم امرأ ًة من بني‬
‫غفارٍ فرأى بكشحها بياضا ‪ ،‬فقال لها النّبيّ ‪ :‬خذي عليك ثيابك ولم يأخذ ممّا آتاها شيئا » ‪.‬‬
‫حكم شهود البرص المساجد ‪:‬‬
‫‪ - 4‬ذهب المالكيّة إلى إباحة ترك صلة الجمعة والجماعة للبرص ‪ ،‬إذا كان برصه شديدا ‪،‬‬
‫إذا لم يوجد للبرص موضع يتميّزون فيه ‪ ،‬بحيث ل يلحق ضررهم بالنّاس على الوجه المبيّن‬
‫في موطنه ‪ .‬وعند الحنابلة يكره حضور المسجد لصلة الجمعة والجماعة لمن به برص يتأذّى‬
‫ص للتّأذّي ‪.‬‬
‫ض ببر ٍ‬
‫به ‪ .‬ورخّص الشّافعيّة في ترك الجماعة لمري ٍ‬
‫مصافحته وملمسته ‪:‬‬
‫ن في ذلك إيذاءً ‪ ،‬ويخشى‬
‫‪ - 5‬يكره عند الشّافعيّة مصافحة أو ملمسة ذي عاهةٍ كالبرص ‪ ،‬ل ّ‬
‫أن ينتقل ذلك إلى السّليم ‪.‬‬
‫حكم إمامة البرص ‪:‬‬
‫‪ - 6‬أجاز المالكيّة القتداء بإمامٍ به برص ‪ ،‬إلّ إن كان شديدا ‪ ،‬فيؤمر بالبعد عن النّاس بالكّليّة‬
‫وجوبا ‪ ،‬فإن امتنع أجبر على ذلك ‪ .‬وعند الحنفيّة تكره إمامة أبرص شاع برصه ‪ ،‬وكذا‬
‫الصّلة خلفه للنّفرة ‪ ،‬والقتداء بغيره أولى ‪.‬‬

‫َبرَكة *‬
‫انظر ‪ :‬تشهّد ‪ ،‬تحيّة ‪.‬‬

‫ِبرْكة *‬
‫انظر ‪ :‬مياه ‪.‬‬

‫برنامج *‬
‫التّعريف ‪:‬‬
‫‪ - 1‬البرنامج ‪ :‬الورقة الجامعة للحساب ‪ ،‬وهو معرّب برنامه ‪ ،‬وقال في المغرب ‪ :‬هي‬
‫ن لخر ‪ ،‬فتلك‬
‫النّسخة المكتوب فيها عدد الثّياب والمتعة وأنواعها المبعوث بها من إنسا ٍ‬
‫النّسخة هي البرنامج الّتي فيها مقدار المبعوث ‪ ،‬ومنه قول السّمسار ‪ :‬إنّ وزن الحمولة في‬
‫ص فقهاء المالكيّة على أنّ البرنامج ‪ :‬هو الدّفتر المكتوب فيه صفة ما في‬
‫البرنامج كذا ‪ .‬ون ّ‬
‫الوعاء من الثّياب المبيعة ‪.‬‬
‫اللفاظ ذات الصّلة ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬الرّقم ‪:‬‬
‫‪ - 2‬الرّقم لغةً ‪ :‬من رقمت الشّيء ‪ :‬أعلمته بعلم ٍة تميّزه عن غيره كالكتابة ونحوها ‪.‬‬
‫وفي الصطلح ‪ :‬علمة يعرف بها مقدار ما يقع به البيع ‪ ،‬كما عرّفه بذلك الحنفيّة ‪.‬‬
‫وعرّفه الحنابلة بأنّه ‪ :‬الثّمن المكتوب على الثّوب ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬النموذج ‪:‬‬
‫‪ - 3‬ويقال فيه أيضا ‪ :‬نموذج ‪ ،‬وهو معرّب ‪ ،‬وقال الصّغانيّ ‪ :‬النّموذج ‪ :‬مثال الشّيء الّذي‬
‫يعمل عليه ‪.‬‬
‫ل على صفة الشّيء ‪ .‬كأن يريه صاعا من صبرة قمحٍ ‪ ،‬ويبيعه‬
‫ومن معانيه لغةً ‪ :‬أنّه ما يد ّ‬
‫الصّبرة على أنّها من جنس ذلك الصّاع ‪ .‬وتفصيل أحكامه في مصطلح ‪ ( :‬أنموذج ) ‪.‬‬
‫الحكم الجماليّ ‪:‬‬
‫‪ - 4‬أجاز المالكيّة البيع على رؤية البرنامج ‪ ،‬فيجوز شراء ثيابٍ مربوط ٍة في العدل ‪ ،‬معتمدا‬
‫فيه على الوصاف المذكورة في الدّفتر ‪ .‬فإن وجدت على الصّفّة لزم ‪ ،‬وإلّ خيّر المشتري إن‬
‫ل عددا وضع عنه من الثّمن بقدره ‪ .‬فإن كثر النّقص أكثر من‬
‫كانت أدنى صف ًة ‪ .‬فإن وجدها أق ّ‬
‫النّصف لم يلزمه ‪ ،‬وكان له أن يردّ البيع ‪ .‬وإن وجدها أكثر عددا كان البائع شريكا معه بنسبة‬
‫ي‪.‬‬
‫الزّائد ‪ .‬وقيل ‪ :‬ير ّد ما زاد ‪ .‬قال ابن القاسم ‪ :‬والوّل أحبّ إل ّ‬
‫ولو قبضه المشتري وغاب عليه ‪ ،‬وادّعى أنّه أدنى أو أنقص ممّا هو مكتوب في البرنامج ‪.‬‬
‫ن ما في العدل موافق للمكتوب ‪ .‬حيث أنكر ما ادّعاه المشتري ‪.‬‬
‫فالقول للبائع بيمينه ‪ :‬أ ّ‬
‫فإن نكل ولم يحلف حلف المشتري ‪ ،‬وردّ المبيع ‪ ،‬وحلف ‪ :‬أنّه ما بدّل فيه ‪ ،‬وإنّ هذا هو‬
‫المبتاع بعينه ‪ .‬فإن نكل كالبائع لزمه ‪.‬‬

‫بريد *‬
‫التّعريف ‪:‬‬
‫‪ - 1‬من معاني البريد في اللّغة ‪ :‬الرّسول ‪ ،‬ومنه قول بعض العرب ‪ :‬الحمّى بريد الموت ‪.‬‬
‫وأبرد بريدا ‪ :‬أرسله ‪ ،‬وفي الحديث أنّه صلى ال عليه وسلم قال ‪ « :‬إذا َأبْردتم إليّ بريدا‬
‫ن السمِ » وإبراده ‪ :‬إرساله ‪.‬‬
‫حسَنَ الوجهِ ‪ ،‬حس َ‬
‫فاجْعلوه َ‬
‫وقال الزّمخشريّ ‪ :‬البريد ‪ :‬كلمة فارسيّة معرّبة ‪ ،‬كانت تطلق على بغال البريد ‪ ،‬ثمّ سمّي‬
‫سكّة ‪ :‬موضع كان‬
‫سكّتين بريدا ‪ ،‬وال ّ‬
‫الرّسول الّذي يركبها بريدا ‪ ،‬وسمّيت المسافة الّتي بين ال ّ‬
‫ل سكّةٍ‬
‫يسكنه الشخاص المعيّنون لهذا الغرض من بيتٍ أو قبّ ٍة أو رباطٍ ‪ .‬وكان يرتّب في ك ّ‬
‫سكّتين فرسخان أو أربعة ‪ .‬أ ‪ .‬هـ ‪ .‬والفرسخ ثلثة أميالٍ ‪ ،‬والميل‬
‫بغال ‪ ،‬وبعد ما بين ال ّ‬
‫أربعة آلف ذراعٍ ‪ .‬وفي كتب الفقه ‪ :‬السّفر الّذي يجوز فيه القصر أربعة بردٍ ‪ ،‬وهي ‪ 48‬ميلً‬
‫بالميال الهاشميّة ‪.‬‬
‫مواطن البحث ‪:‬‬
‫‪ - 2‬البريد مصطلح يذكره الفقهاء في تقدير مسافة القصر الّتي يرخّص فيها القصر والفطر‬
‫في رمضان ونحو ذلك من أحكام السّفر ( ر ‪ :‬قصر ‪ ،‬فطر ‪ ،‬سفر ‪ ،‬صلة المسافر ) وانظر‬
‫أيضا ( مقادير ) ‪.‬‬

‫َب ِريّة *‬
‫انظر ‪ :‬طلق ‪.‬‬

‫بزاق *‬
‫انظر ‪ :‬بصاق ‪.‬‬
‫بساط اليمين *‬
‫التّعريف ‪:‬‬
‫‪ - 1‬ركّب هذا المصطلح من لفظين ‪ .‬أوّلهما ‪ :‬لفظ بساطٍ ‪ .‬وثانيهما ‪ :‬لفظ اليمين ‪ .‬وأوّلهما‬
‫مضاف إلى ثانيهما ‪ .‬وهما يستعملن في الحلف ‪ .‬ولم يستعملهما بهذه الصّورة سوى فقهاء‬
‫المالكيّة ‪ ،‬ول بدّ من تعريف المتضايفين للوصول إلى تعريف المركّب الضافيّ ‪.‬‬
‫من معاني اليمين في اللّغة ‪ :‬القسم والحلف ‪ ،‬وهو المراد هنا ‪.‬‬
‫وفي اصطلح فقهاء المالكيّة ‪ :‬تحقيق ما لم يجب بذكر اسم اللّه أو صف ًة من صفاته ‪.‬‬
‫وهذا أدقّ تعريفٍ وأوجزه ‪ ،‬وهناك تعاريف أخرى لليمين ل تخرج عن هذا المعنى ‪.‬‬
‫‪ - 2‬أمّا البساط فهو ‪ :‬السّبب الحامل على اليمين إذ هو مظنّتها فليس فيه انتفاع ال ّنيّة ‪ ،‬بل هو‬
‫متضمّن لها ‪.‬‬
‫وضابطه ‪ :‬صحّة تقييد يمينه بقوله ‪ :‬ما دام هذا الشّيء أي الحامل على اليمين موجودا ‪.‬‬
‫الحكم الجماليّ ‪:‬‬
‫‪ - 3‬بساط اليمين عند المالكيّة الّذين انفردوا بهذا التّعبير ‪ :‬هو الباعث على اليمين ‪ ،‬والحامل‬
‫عليها ‪ .‬ويمكن أن يكون مقيّدا لمطلق اليمين ‪ ،‬أو مخصّصا لعمومه ‪ ،‬كما لو كان هناك ظالم‬
‫في السّوق فقال ‪ :‬واللّه ل أشتري لحما من هذا السّوق ‪ ،‬فيمكن أن يقيّد يمينه بوجود هذا الظّالم‬
‫‪ ،‬فإذا زال هذا الظّالم جاز له شراء اللّحم من هذا السّوق ‪ ،‬ول يكون حانثا ‪ .‬وكذلك لو كان‬
‫خادم المسجد سيّئ الخلق ‪ ،‬فقال ‪ :‬واللّه ل أدخل هذا المسجد ‪ ،‬ثمّ زال هذا الخادم ‪ ،‬فلو دخل‬
‫ح أن يقيّد اليمين بقوله ‪ :‬ما دام هذا الخادم موجودا ‪ .‬ويشترط‬
‫هذا المسجد ل يحنث ‪ ،‬فإنّه يص ّ‬
‫ل تكون للحالف نيّة ‪ ،‬وألّ يكون له مدخل في هذا الباعث ‪ ،‬والتّقييد به أو‬
‫في هذا البساط أ ّ‬
‫التّخصيص به إنّما يكون بعد زوال هذا الباعث ‪ .‬ويقابل بساط اليمين عند الحنفيّة ‪ ،‬ما يسمّى‬
‫يمين العذر ‪ ،‬كمن قال لزوجته عندما تهيّأت للخروج ‪ :‬واللّه ل تخرجي ‪ ،‬فإذا جلست ساعةً ثمّ‬
‫خرجت ل يحنث استحسانا عند أئمّة الحنفيّة ‪ ،‬خلفا لزفر الّذي أخذ بالقياس ‪ ،‬وهو الحنث ‪.‬‬
‫ل أن تكون له نيّة ‪ ،‬والمعتبر عندهم‬
‫وليس هناك دخل عند الشّافعيّة للباعث على اليمين ‪ ،‬إ ّ‬
‫ظاهر اللّفظ ‪ ،‬إن عامّا فعامّ ‪ ،‬أو مطلقا فمطلق ‪ ،‬أو خاصّا فخاصّ ‪ .‬وسمّى الحنابلة بساط‬
‫اليمين ‪ :‬سبب اليمين وما هيّجها ‪ ،‬واعتبروا مطلق اليمين ‪ ،‬إذا لم ينو الحالف شيئا ‪ .‬ومن أراد‬
‫تفصيل ذلك فليرجع إلى مصطلح ( أيمان ) ‪.‬‬

‫بسملة *‬
‫التّعريف ‪:‬‬
‫سمَلَةً ‪:‬‬
‫سمَلَ َب ْ‬
‫‪ - 1‬البسملة في اللّغة والصطلح ‪ :‬قول ‪ :‬بسم اللّه الرّحمن الرّحيم ‪ .‬يقال ‪َ :‬ب ْ‬
‫إذا قال ‪ ،‬أو كتب ‪ :‬بسم اللّه ‪ .‬ويقال ‪ :‬أكثرَ من البسملة ‪ ،‬أي أكثر من قول ‪ :‬بسم اللّه ‪.‬‬
‫ن اللّه ‪ -‬تعالى ذكره ‪ ،‬وتقدّست أسماؤه ‪ -‬أدّب نبيّه محمّدا صلى ال عليه‬
‫قال الطّبريّ ‪ :‬إ ّ‬
‫وسلم بتعليمه ذكر أسمائه الحسنى أمام جميع أفعاله ‪ ،‬وجعل ذلك لجميع خلقه سنّ ًة يستنّون‬
‫بها ‪ ،‬وسبيلً يتّبعونه عليها ‪ ،‬فقول القائل ‪ :‬بسم اللّه الرّحمن الرّحيم إذا افتتح تاليا سورةً ‪،‬‬
‫ن مراده أقرأ باسم اللّه ‪ ،‬وكذلك سائر الفعال ‪ .‬البسملة جزء من القرآن الكريم ‪:‬‬
‫ينبئ عن أ ّ‬
‫‪ - 2‬اتّفق الفقهاء على أنّ البسملة جزء من آي ٍة في قوله تعالى ‪ { :‬إنّه من سليمانَ وإنّه بسمِ‬
‫اللّه الرّحمنِ الرّحي ِم } ‪.‬‬
‫واختلفوا في أنّ ها أيّة من الفات حة ‪ ،‬و من كلّ سور ٍة ‪ .‬والمشهور ع ند الحنفيّة ‪ ،‬وال صحّ ع ند‬
‫ل سورةٍ ‪،‬‬
‫ن الب سملة لي ست آي ًة من الفات حة و من ك ّ‬
‫الحنابلة ‪ ،‬و ما قال به أك ثر الفقهاء هو ‪ :‬أ ّ‬
‫وأنّها آية واحدة من القرآن كلّه ‪ ،‬أنزلت للفصل بين السّور ‪ ،‬وذكرت في أوّل الفاتحة ‪.‬‬
‫سمْتُ‬
‫ومن أدلّتهم ما رواه أبو هريرة أنّ النّبيّ صلى ال عليه وسلم قال ‪ « :‬يقول اللّه تعالى ‪ :‬قَ َ‬
‫عبْدي ِنصْفين ‪ ،‬فإذا قال العبد ‪ { :‬الحمدُ للّه ربّ العالمينَ } ‪ ،‬قال اللّه تعالى‬
‫الصّلةَ بيني وبينَ َ‬
‫‪ :‬حمدني عبدي ‪ ،‬فإذا قال ‪ { :‬الرّحمن الرّحيم } ‪ ،‬قال اللّه تعالى ‪ :‬مجّدني عبدي ‪ ،‬وإذا قال ‪:‬‬
‫{ مالك يوم الدّين } ‪ ،‬قال اللّه تعالى ‪ :‬أثنى عليّ عبدي ‪ ،‬وإذا قال ‪ { :‬إيّاك نعبد وإيّاك نستعين‬
‫} ‪ ،‬قال اللّه تعالى ‪ :‬هذا بيني وبين عبدي نصفين ‪ ،‬ولعبدي ما سأل » فالبداءة بقوله ‪ { :‬الحمد‬
‫ن التّسمية ليست آيةً من أوّل الفاتحة ‪ .‬إذ لو كانت آي ًة من‬
‫للّه ربّ العالمين } ‪ ،‬دليل على أ ّ‬
‫الفاتحة لبدأ بها ‪ ،‬وأيضا ‪ :‬لو كانت البسملة آي ًة منها لم تتحقّق المناصفة ‪ ،‬فإنّه يكون في‬
‫ن السّلف اتّفقوا على أنّ‬
‫ص على المناصفة ‪ ،‬ول ّ‬
‫ت إلّ نصفا ‪ ،‬وقد ن ّ‬
‫النّصف الوّل أربع آيا ٍ‬
‫ب من المذاهب‬
‫ت بدون البسملة ‪ .‬وورد في كلّ مذه ٍ‬
‫ت ‪ .‬وهي ثلث آيا ٍ‬
‫سورة الكوثر ثلث آيا ٍ‬
‫الثّلثة غير ما سبق ‪ .‬ففي المذهب الحنفيّ أنّ المعلّى قال ‪ :‬قلت لمح ّمدٍ ‪ :‬التّسمية آية من‬
‫القرآن أم ل ؟ قال ‪ :‬ما بين ال ّدفّتين كلّه قرآن ‪ ،‬فهذا عن مح ّمدٍ بيان أنّها آية للفصل بين السّور‬
‫‪ ،‬ولهذا كتبت بخطّ على حد ٍة ‪ .‬وقال محمّد ‪ :‬يكره للحائض والجنب قراءة التّسمية على وجه‬
‫ن من ضرورة كونها قرآنا حرمة قراءتها على الحائض والجنب ‪ ،‬وليس من‬
‫قراءة القرآن ‪ ،‬ل ّ‬
‫ضرورة كونها قرآنا الجهر بها كالفاتحة ‪ ...‬وروى ابن عبّاسٍ أنّه قال لعثمان ‪ :‬لم لم تكتب‬
‫التّسمية بين ‪ ،‬التّوبة والنفال ‪ ،‬قال ‪ :‬لنّ التّوبة من آخر ما نزل ‪ ،‬فرسول اللّه صلى ال عليه‬
‫وسلم توفّي ‪ ،‬ولم يبيّن لنا شأنها ‪ ،‬فرأيت أوّلها يشبه أواخر النفال ‪ ،‬فألحقتها بها ‪ ،‬فهذا بيان‬
‫منهما على أنّها كتبت للفصل بين السّور ‪ .‬والمشهور عند المالكيّة ‪ :‬أنّ البسملة ليست آي ًة من‬
‫القرآن إلّ في سورة النّمل ‪ ،‬فإنّها جزء من آيةٍ ‪ ،‬ويكره قراءتها بصلة فرضٍ ‪ -‬للمام وغيره‬
‫‪ -‬قبل فاتحةٍ أو سور ٍة بعدها ‪ ،‬وقيل عند المالكيّة بإباحتها ‪ ،‬وندبها ‪ ،‬ووجوبها في الفاتحة ‪.‬‬
‫ن البسملة من الفاتحة ‪ ،‬لما رواه أبو هريرة أنّ النّبيّ صلى ال عليه‬
‫وروي عن المام أحمد أ ّ‬
‫وسلم قال ‪ { :‬إذا قرأتم ‪ { :‬الحمد للّه ربّ العالمين } ‪ ،‬فاقرءوا ‪ :‬بسم اللّه الرّحمن الرّحيم فإنّها‬
‫ن الصّحابة أثبتوها في‬
‫أمّ القرآن والسّبع المثاني وبسم اللّه الرّحمن الرّحيم آية منها } ول ّ‬
‫المصاحف بخطّهم ‪ ،‬ولم يثبتوا بين ال ّدفّتين سوى القرآن ‪ ،‬وما روي عن نعيمٍ المجمر قال ‪:‬‬
‫صلّيت وراء أبي هريرة ‪ ،‬فقرأ ‪ :‬بسم اللّه الرّحمن الرّحيم ‪ ،‬ثمّ قرأ بأمّ القرآن ‪ .‬وما رواه ابن‬
‫ن رسول اللّه صلى ال عليه وسلم قرأ في الصّلة ‪ :‬بسم اللّه الرّحمن الرّحيم ‪ ،‬ثمّ‬
‫المنذر { أ ّ‬
‫ب العالمين } آيتين } ‪ .‬وقال ابن المبارك ‪ :‬من‬
‫قرأ بأمّ القرآن ‪ ،‬وعدّها آيةً ‪ { ،‬والحمد للّه ر ّ‬
‫ترك بسم اللّه الرّحمن الرّحيم فقد ترك مائةً وثلث عشرة آيةٍ وروي عن المام أحمد ‪ :‬أنّ‬
‫ل سورتين فصلً بين السّور ‪ .‬وعنه أيضا ‪ :‬أنّها بعض‬
‫البسملة آية مفردة ‪ ،‬كانت تنزل بين ك ّ‬
‫ل فيها ‪ .‬وعنه أيضا ‪ :‬البسملة ليست بآيةٍ إلّ من الفاتحة‬
‫آيةٍ من سورة النّمل ‪ ،‬وما أنزلت إ ّ‬
‫وحدها ‪.‬‬
‫ن البسملة آية كاملة من الفاتحة ومن كلّ سورةٍ ‪ ،‬لما روت أمّ سلمة‬
‫‪ - 3‬ومذهب الشّافعيّة ‪ :‬أ ّ‬
‫رضي ال عنها ‪ { :‬أنّ النّبيّ صلى ال عليه وسلم قرأ في الصّلة ‪ :‬بسم اللّه الرّحمن الرّحيم ‪،‬‬
‫فعدّها آيةً منها } ‪ ،‬ولما روي عن أبي هريرة رضي ال عنه ‪ :‬أنّ { رسول اللّه صلى ال عليه‬
‫وسلم قال ‪ :‬الحمد للّه سبع آياتٍ ‪ ،‬إحداهنّ بسم اللّه الرّحمن الرّحيم } ‪ .‬وعن عليّ رضي ال‬
‫عنه كان إذا افتتح السّورة في الصّلة يقرأ ‪ :‬بسم اللّه الرّحمن الرّحيم ‪ .‬وروي عن أبي هريرة‬
‫ب العالمين } ‪ ،‬فاقرءوا ‪ :‬بسم‬
‫عن النّبيّ صلى ال عليه وسلم قال ‪ { :‬إذا قرأتم ‪ { :‬الحمد للّه ر ّ‬
‫اللّه الرّحمن الرّحيم ‪ ،‬إنّها أمّ القرآن والسّبع المثاني ‪ ،‬بسم اللّه الرّحمن الرّحيم إحدى آياتها } ‪،‬‬
‫ن الصّحابة أثبتوها فيما جمعوا من القرآن في أوائل السّور ‪ ،‬وأنّها مكتوبة بخطّ القرآن ‪،‬‬
‫ول ّ‬
‫ن ما بين‬
‫ب بخطّ القرآن ‪ ،‬وأجمع المسلمون على أ ّ‬
‫ل ما ليس من القرآن فإنّه غير مكتو ٍ‬
‫وك ّ‬
‫الدّفّتين كلم اللّه تعالى ‪ ،‬والبسملة موجودة بينهما ‪ ،‬فوجب جعلها منه ‪ .‬واتّفق أصحاب‬
‫ن من أنكر أنّها آية في أوائل السّور ل يعدّ كافرا ‪ .‬للخلف السّابق في‬
‫المذاهب الربعة على أ ّ‬
‫المذاهب ‪.‬‬

‫حكم قراءة البسملة لغير المتطهّر ‪:‬‬


‫‪ - 4‬ل خلف بين العلماء في أنّ البسملة من القرآن ‪ ،‬وذهب الجمهور إلى حرمة قراءتها‬
‫على الجنب والحائض والنّفساء بقصد التّلوة ‪ ،‬لحديث التّرمذيّ وغيره ‪ { :‬ل يقرأ الجنب ول‬
‫الحائض شيئا من القرآن } ‪ .‬ورويت كراهة ذلك عن عمر وعليّ ‪ ،‬وروى أحمد وأبو داود‬
‫ي قال ‪ { :‬كان النّبيّ صلى ال عليه وسلم ل‬
‫والنّسائيّ من رواية عبد اللّه بن سلمة عن عل ّ‬
‫يحجبه ‪ -‬وربّما قال ل يحجزه ‪ -‬من القرآن شيء ليس الجنابة } ‪ .‬وورد عن ابن عمر أنّ‬
‫النّبيّ صلى ال عليه وسلم قال ‪ { :‬ل تقرأ الحائض ول الجنب شيئا من القرآن } ‪ .‬فلو قصد‬
‫الدّعاء أو الثّناء أو افتتاح أم ٍر تبرّكا ‪ ،‬ولم يقصد القراءة ‪ ،‬فل بأس ‪ .‬وفي أحد قولين للمالكيّة‬
‫‪ :‬ل يحرم قراءة آي ٍة للتّعوّذ أو الرّقية ‪ ،‬ولو آية الكرسيّ ‪ .‬كما ذهب المالكيّة إلى أنّه ل يمنع‬
‫الحيض والنّفاس قراءة القرآن ‪ ،‬ما دامت المرأة حائضا أو نفساء بقصد التّعلّم أو التّعليم ‪ ،‬لنّها‬
‫غير قادر ٍة على إزالة المانع ‪ ،‬أمّا إذا انقطع ولم تتطهّر ‪ ،‬فل تحلّ لها قراءته كما ل تحلّ‬
‫ن لهم ذكر اللّه ‪ ،‬ويحتاجون إلى التّسمية‬
‫للجنب ‪ .‬والدّليل على استثناء التّسمية من التّحريم ‪ :‬أ ّ‬
‫عند اغتسالهم ‪ ،‬ول يمكنهم التّحرّز عنها ‪ ،‬لما روى مسلم عن عائشة قالت ‪ { :‬كان النّبيّ‬
‫صلى ال عليه وسلم يذكر اللّه في كلّ أحيانه } ‪ .‬وإن قصدوا بها القراءة ‪ ،‬ففيه روايتان ‪:‬‬
‫إحداهما ل يجوز ‪ ،‬لما روي عن عليّ رضي ال عنه أنّه سئل عن الجنب يقرأ القرآن ؟ فقال‬
‫‪ :‬ل ولو حرفا ‪ ،‬لعموم الخبر في النّهي ‪ ،‬والثّانية ‪ :‬ل يمنع منه ‪ ،‬لنّه ل يحصل به‬
‫العجاز ‪ ،‬ويجوز إذا لم يقصد به القرآن ‪ ( .‬ر ‪ :‬الجنابة ‪ ،‬والحيض ‪ ،‬والغسل ‪ ،‬والنّفاس ) ‪.‬‬

‫البسملة في الصّلة ‪:‬‬


‫‪ - 5‬اختلف الفقهاء في حكم قراءة البسملة بالنّسبة للمام والمأموم والمنفرد ‪ ،‬في ركعات‬
‫الصّلة ‪ ،‬لختلفهم في أنّها آية من الفاتحة ومن كلّ سورةٍ ‪ .‬وحاصل مذهب الحنفيّة في ذلك‬
‫ن قراءتها‬
‫ل ركعةٍ ‪ ،‬ول يس ّ‬
‫‪ :‬أنّه يسنّ قراءة البسملة سرّا للمام والمنفرد في أوّل الفاتحة من ك ّ‬
‫بين الفاتحة والسّورة مطلقا عند أبي حنيفة وأبي يوسف ‪ ،‬لنّ البسملة ليست من الفاتحة ‪،‬‬
‫ن هذا أقرب إلى الحتياط لختلف العلماء والثار‬
‫وذكرت في أوّلها للتّبرّك ‪ .‬قال المعلّى ‪ :‬إ ّ‬
‫ن قراءة البسملة سرّا‬
‫في كونها آيةً من الفاتحة ‪ ،‬وروى ابن أبي رجاءٍ عن مح ّمدٍ أنّه قال ‪ :‬يس ّ‬
‫بين السّورة والفاتحة في غير الصّلة الجهريّة ‪ ،‬لنّ هذا أقرب إلى متابعة المصحف ‪ ،‬وإذا‬
‫كانت القراءة جهرا فل يؤتى بالبسملة بين السّورة والفاتحة ‪ ،‬لنّه لو فعل لخفى ‪ ،‬فيكون ذلك‬
‫سكتةً في وسط القراءة ‪ ،‬وليس ذلك مأثورا ‪ .‬وفي قولٍ آخر في المذهب ‪ :‬تجب بداية القراءة‬
‫بالبسملة في الصّلة ‪ ،‬لنّها آية من الفاتحة ‪ .‬وحكم المقتدي عند الحنفيّة أنّه ل يقرأ لحمل‬
‫إمامه عنه ‪ ،‬ول تكره التّسمية اتّفاقا بين الفاتحة والسّورة المقروءة سرّا أو جهرا ‪ .‬والمشهور‬
‫ن البسملة ليست من الفاتحة ‪ ،‬فل تقرأ في المكتوبة سرّا أو جهرا من المام أو‬
‫عند المالكيّة ‪ :‬أ ّ‬
‫المأموم أو المنفرد ‪ ،‬لما ورد عن أنسٍ أنّه قال ‪ { :‬صلّيت خلف رسول اللّه صلى ال عليه‬
‫وسلم وأبي بكرٍ وعمر وعثمان وعليّ ‪ ،‬فكانوا يفتتحون القراءة بالحمد للّه ربّ العالمين ‪ ،‬ول‬
‫يذكرون بسم اللّه الرّحمن الرّحيم في أوّل قراءةٍ ول في آخرها } ‪ .‬ويكره قراءتها بفرضٍ قبل‬
‫الفاتحة أو السّورة الّتي بعدها ‪ ،‬وفي قولٍ عند المالكيّة ‪ :‬يجب ‪ ،‬وهناك قول بالجواز ‪ .‬وفي‬
‫رواي ٍة في مذهب المام مالكٍ أنّه يجوز قراءة البسملة في صلة النّفل قبل الفاتحة والسّورة في‬
‫كلّ ركع ٍة سرّا أو جهرا ‪ .‬وللخروج من الخلف في حكم قراءة البسملة في الصّلة ‪ ،‬قال‬
‫ل كراهة التيان بالبسملة إذا لم يقصد‬
‫القرافيّ ‪ :‬الورع البسملة أوّل الفاتحة ‪ ،‬وقال ‪ :‬مح ّ‬
‫الخروج من الخلف الوارد في المذهب ‪ ،‬فإن قصده فل كراهة ‪ .‬والظهر عند الشّافعيّة ‪ :‬أنّه‬
‫ل ركع ٍة من ركعات الصّلة في قيامها‬
‫يجب على المام والمأموم والمنفرد قراءة البسملة في ك ّ‬
‫قبل فاتحة الكتاب ‪ ،‬سواء أكانت الصّلة فرضا أم نفلً ‪ ،‬سريّ ًة أو جهريّ ًة ‪ ،‬لحديثٍ رواه أبو‬
‫ن ‪ :‬بسم‬
‫ن رسول اللّه صلى ال عليه وسلم قال ‪ { :‬فاتحة الكتاب سبع آياتٍ ‪ ،‬إحداه ّ‬
‫هريرة ‪ :‬أ ّ‬
‫ل على دخول‬
‫اللّه الرّحمن الرّحيم } وللخبر ‪ { :‬ل صلة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب } ويد ّ‬
‫المأمومين في العموم ما صحّ عن عبادة ‪ { :‬كنّا نخلف رسول اللّه صلى ال عليه وسلم في‬
‫صلة الفجر ‪ ،‬فثقلت عليه القراءة ‪ ،‬فلمّا فرغ قال ‪ :‬لعلّكم تقرءون خلف إمامكم ‪ ،‬قلنا ‪ :‬نعم ‪،‬‬
‫قال ‪ :‬ل تفعلوا إلّ بفاتحة الكتاب ‪ ،‬فإنّه ل صلة لمن لم يقرأ بها } وتقرأ البسملة عند ابتداء‬
‫كلّ سور ٍة في ركعات الصّلة ‪ ،‬ويجهر بها في حالة الجهر بالفاتحة والسّورة ‪ ،‬وكذا يسرّ بها‬
‫ح عند الحنابلة ‪ :‬ل يجب‬
‫معهما ‪ ،‬على القول بأنّ البسملة آية من سائر السّور ‪ .‬وعلى الص ّ‬
‫قراءة البسملة مع الفاتحة ومع كلّ سور ٍة في ركعات الصّلة ‪ ،‬لنّها ليست آيةً من الفاتحة ومن‬
‫ن الصّحابة أثبتوها في‬
‫كلّ سور ٍة ‪ ،‬لحديث { قسمت الصّلة بيني وبين عبدي نصفين ‪ } ...‬ول ّ‬
‫ح ‪ :‬يسنّ قراءة البسملة‬
‫المصاحف بخطّهم ‪ ،‬ولم يثبتوا بين ال ّدفّتين سوى القرآن ‪ .‬وعلى الص ّ‬
‫مع فاتحة الكتاب في الرّكعتين الوليين من كلّ صل ٍة ‪ ،‬ويستفتح بها السّورة بعد الفاتحة ‪،‬‬
‫ن { النّبيّ صلى ال عليه وسلم كان يسرّ ببسم اللّه الرّحمن الرّحيم في‬
‫ويسرّ بها ‪ ،‬لما ورد أ ّ‬
‫الصّلة } ‪ .‬وعلى الرّواية الخرى عن أحمد في قرآنيّة البسملة يجب على المام والمنفرد‬
‫والمأموم قراءة البسملة مع الفاتحة في الصّلة ‪ .‬هذا ‪ ،‬وتقرأ البسملة بعد التّكبير والستفتاح‬
‫والتّعوّذ في الرّكعة الولى ‪ ،‬أمّا فيما بعدها فإنّه يقرؤها بعد تكبير القيام إلى تلك الرّكعة ‪،‬‬
‫وتقرأ البسملة في حال القيام ‪ ،‬إلّ إذا صلّى قاعدا لعذرٍ ‪ ،‬فيقرؤها قاعدا وللتّفصيل ر ‪:‬‬
‫( الصّلة )‬

‫مواطن أخرى للبسملة ‪:‬‬


‫أ ‪ -‬التّسمية عند دخول الخلء ‪:‬‬
‫‪ - 6‬اتّفق الفقهاء على مشروعيّة التّسمية على سبيل النّدب ‪ ،‬وذلك قبل دخول الخلء لقضاء‬
‫الحاجة ‪ ،‬لما ورد عن النّبيّ صلى ال عليه وسلم { أنّه كان يقول إذا دخل الخلء ‪ :‬بسم اللّه ‪،‬‬
‫اللّهمّ إنّي أعوذ بك من الخبث والخبائث } وانظر للتّفصيل مصطلح ‪ ( :‬قضاء الحاجة ) ‪.‬‬

‫ب ‪ -‬التّسمية عند الوضوء ‪:‬‬


‫ن التّسمية سنّة عند ابتداء‬
‫‪ - 7‬ذهب الحنفيّة ‪ ،‬والمالكيّة في المشهور عندهم ‪ ،‬والشّافعيّة إلى أ ّ‬
‫ن آية الوضوء مطلقة عن شرط التّسمية ‪ ،‬والمطلوب من‬
‫الوضوء ‪ ،‬وسندهم فيما قالوا ‪ :‬أ ّ‬
‫المتوضّئ الطّهارة ‪ ،‬وترك التّسمية ل يقدح فيها ‪ ،‬لنّ الماء خلق طهورا في الصل ‪ ،‬فل‬
‫تتوقّف طهوريّته على صنع العبد ‪ ،‬وما رواه ابن مسعودٍ أنّ رسول اللّه صلى ال عليه وسلم‬
‫قال ‪ { :‬من توضّأ وذكر اسم اللّه عليه كان طهورا لجميع بدنه ‪ ،‬ومن توضّأ ولم يذكر اسم اللّه‬
‫كان طهورا لما أصاب من بدنه } وإن نسي المتوضّئ التّسمية في أوّل الوضوء ‪ ،‬وذكرها في‬
‫ن التّسمية‬
‫أثنائه ‪ ،‬أتى بها ‪ ،‬حتّى ل يخلو الوضوء من اسم اللّه تعالى ‪ .‬وذهب الحنابلة ‪ :‬إلى أ ّ‬
‫في الوضوء واجبة ‪ ،‬وهي قول ( باسم اللّه ) ل يقوم غيرها مقامها ‪ ،‬واستدلّوا لوجوبها بما‬
‫رواه أبو هريرة عن النّبيّ صلى ال عليه وسلم أنّه قال ‪ { :‬ل صلة لمن ل وضوء له ‪ ،‬ول‬
‫وضوء لمن لم يذكر اسم اللّه عليه } وتسقط التّسمية حالة السّهو تجاوزا ‪ ،‬لحديث ‪ { :‬تجاوز‬
‫اللّه عن أمّتي الخطأ والنّسيان وما استكرهوا عليه } ‪ .‬فإن ذكر المتوضّئ التّسمية في أثناء‬
‫ح طهارته ‪ ،‬لنّه لم يذكر اسم اللّه على طهارته‬
‫الوضوء سمّى وبنى ‪ ،‬وإن تركها عمدا لم تص ّ‬
‫‪ ،‬والخرس والمعتقل لسانه يشير بها ‪.‬‬

‫ج ‪ -‬التّسمية عند الذّبح ‪:‬‬


‫ن التّسمية واجبة عند الذّبح ‪.‬‬
‫‪ - 8‬ذهب الحنفيّة والمالكيّة والحنابلة في المشهور عندهم إلى أ ّ‬
‫لقوله تعالى ‪ { :‬ول تأكلوا ممّا لم يذكر اسم اللّه عليه } ول تجب التّسمية على ناسٍ ‪ ،‬ول‬
‫ن إشارته تقوم مقام نطق‬
‫أخرس ‪ ،‬ول مكر ٍه ‪ ،‬ويكفي من الخرس أن يومئ إلى السّماء ‪ ،‬ل ّ‬
‫ن التّسمية سنّة عند الذّبح ‪ ،‬وصيغتها أن‬
‫النّاطق ‪ .‬وذهب الشّافعيّة ‪ ،‬وهو رواية عن أحمد إلى أ ّ‬
‫يقول ‪ ( :‬باسم اللّه ) عند الفعل ‪ ،‬لما روى البيهقيّ في صفة ذبح النّبيّ صلى ال عليه وسلم‬
‫ي صلى ال عليه وسلم أتى بكبشين أملحين أقرنين عظيمين‬
‫لضحيّته ‪ { :‬ضحّى النّب ّ‬
‫موجوأين ‪ ،‬فأضجع أحدهما فقال ‪ :‬بسم اللّه واللّه أكبر ‪ ،‬اللّهمّ هذا عن مح ّمدٍ ‪ ،‬ثمّ أضجع‬
‫الخر فقال ‪ :‬بسم اللّه واللّه أكبر ‪ ،‬اللّهمّ هذا عن محمّدٍ وأمّته ممّن شهد لك بالتّوحيد ‪ ،‬وشهد‬
‫لي بالبلغ } ‪ .‬ويكره عند الشّافعيّة تعمّد ترك التّسمية ‪ ،‬ولكن لو تركها عمدا يحلّ ما ذبحه‬
‫ن اللّه تعالى أباح ذبائح أهل الكتاب بقوله تعالى ‪ { :‬وطعام الّذين أوتوا الكتاب حلّ‬
‫ويؤكل ‪ ،‬ل ّ‬
‫لكم } وهم ل يذكرونها ( التّسمية ) ‪ ،‬وأمّا قوله تعالى ‪ { :‬ول تأكلوا ممّا لم يذكر اسم اللّه عليه‬
‫وإنّه لفسق } فالمراد ما ذكر عليه غير اسم اللّه ‪ ،‬أي ما ذبح للصنام ‪ ،‬بدليل قوله تعالى ‪:‬‬
‫ل لغير اللّه به } وسياق الية دالّ عليه ‪ ،‬فإنّه قال ‪ { :‬وإنّه لفسق } والحالة الّتي يكون‬
‫{ وما أه ّ‬
‫فيها فسقا هي الهلل لغير اللّه تعالى ‪.‬‬
‫د ‪ -‬التّسمية على الصّيد ‪:‬‬
‫‪ - 9‬ذهب الحنفيّة والمالكيّة إلى وجوب التّسمية عند صيد ما يؤكل لحمه ‪ ،‬والمراد بها ‪ :‬ذكر‬
‫اللّه من حيث هو ‪ ،‬ل خصوص ( باسم اللّه ) والفضل باسم اللّه واللّه أكبر ‪ ،‬ول يزيد في‬
‫البسملة ‪ :‬الرّحمن الرّحيم ول الصّلة على النّبيّ صلى ال عليه وسلم ويشترط عند الرّمي أو‬
‫الرسال للمعلّم إن ذكر وقدر ‪ ،‬لنّه وقت الفعل من الرّامي والمرسل ‪ ،‬فتعتبر عنده ‪ .‬فإن‬
‫تركها ناسيا أو عجزا يحلّ ويؤكل ‪ ،‬وإن تركها عمدا مع القدرة عليها فل ‪ ،‬لقوله تعالى ‪:‬‬
‫{ ول تأكلوا ممّا لم يذكر اسم اللّه عليه } على معنى ول تأكلوا ممّا تركت التّسمية عليه عمدا‬
‫مع القدرة ‪ ،‬وخالف ابن رشدٍ من المالكيّة وقال ‪ :‬التّسمية ليست بشرطٍ في صحّة الذّكاة ‪ ،‬لنّ‬
‫معنى قوله تعالى ‪ { :‬ول تأكلوا ممّا لم يذكر اسم اللّه عليه } ل تأكلوا الميتة الّتي لم تقصد‬
‫ذكاتها ‪ ،‬لنّها فسق ‪ .‬وذهب الشّافعيّة إلى أنّ التّسمية عند الصّيد سنّة ‪ ،‬وصيغتها أن يقول عند‬
‫الفعل ‪ :‬باسم اللّه والكمل ‪ :‬بسم اللّه الرّحمن الرّحيم ‪ ،‬لما رواه الشّيخان في الذّبح للضحيّة ‪،‬‬
‫وقيس بما فيه غيره ‪ ،‬ويكره تعمّد ترك التّسمية ‪ .‬فلو تركها ‪ -‬ولو عمدا ‪ -‬يحلّ ويؤكل للدّليل‬
‫المبيّن في التّسمية عند الذّبح ‪ .‬ولمزيدٍ من التّفصيل ( ر ‪ :‬ذبائح ) ‪ .‬وذهب الحنابلة إلى‬
‫اشتراط التّسمية في حلّ الصّيد عند إرسال الجارح المعلّم ‪ ،‬وهي ‪ :‬باسم اللّه ‪ ،‬لنّ إطلق‬
‫التّسمية ينصرف إلى ذلك ‪ ،‬ولو قال ‪ :‬باسم اللّه واللّه أكبر ‪ ،‬فل بأس لوروده ‪ ،‬فإن ترك‬
‫التّسمية عمدا أو سهوا لم يبح على التّحقيق ‪ ،‬لقوله تعالى ‪ { :‬ول تأكلوا ممّا لم يذكر اسم اللّه‬
‫ي بن حاتمٍ ‪ { :‬إذا أرسلت كلبك وسمّيت‬
‫عليه } وقول النّبيّ صلى ال عليه وسلم فيما رواه عد ّ‬
‫فكل ‪ ،‬قلت ‪ :‬فإن أخذ معه آخر ؟ قال ‪ :‬ل تأكل ‪ ،‬فإنّك سمّيت على كلبك ‪ ،‬ولم تسمّ على‬
‫ن الذّبح وقع في محلّه ‪ ،‬فجاز‬
‫الخر } ‪ ،‬والفرق بين الذّبح والصّيد في التّسمية عند الحنابلة ‪ :‬أ ّ‬
‫أن يتسامح فيه بالنّسبة لنسيان التّسمية ‪ ،‬بخلف الصّيد ‪ ،‬فل يتسامح في نسيانها فيه ‪ ،‬ونقل‬
‫عن المام أحمد ‪ :‬أنّه إن نسي التّسمية عند الصّيد يباح ويؤكل ‪ ،‬وعنه أيضا ‪ :‬إن نسيها على‬
‫السّهم أبيح ‪ ،‬وإن نسيها على الجارحة لم يبح ‪ .‬ولمزيدٍ من التّفصيل ( ر ‪ :‬صيد ) ‪.‬‬

‫هـ ‪ ( -‬التّسمية عند الكل ) ‪:‬‬


‫ن التّسمية عند البدء في الكل من السّنن ‪ .‬وصيغتها ‪ :‬بسم اللّه وبسم‬
‫‪ - 10‬ذهب الفقهاء إلى أ ّ‬
‫اللّه الرّحمن الرّحيم ‪ ،‬فإن نسيها في أوّله سمّى في باقيه ‪ ،‬ويقول ‪ :‬باسم اللّه أوّله وآخره‬
‫لحديث عائشة رضي ال عنها عن النّبيّ صلى ال عليه وسلم قال ‪ { :‬إذا أكل أحدكم فليذكر‬
‫اسم اللّه تعالى ‪ ،‬فإن نسي أن يذكر اسم اللّه في أوّله فليقل ‪ :‬باسم اللّه أوّله وآخره } ‪.‬‬

‫و ‪ -‬التّسمية عند التّيمّم ‪:‬‬


‫‪ - 11‬التّسمية عند التّيمّم مشروعة ‪ :‬سنّة عند الحنفيّة ‪ ،‬ومندوبة عند المالكيّة ‪ ،‬ومستحبّة عند‬
‫الشّافعيّة ‪ ،‬وصيغتها ‪ :‬بسم اللّه والكمل عند الشّافعيّة ‪ :‬بسم اللّه الرّحمن الرّحيم ‪ ،‬وإن نسي‬
‫التّسمية في أوّل التّيمّم وذكرها في أثنائه أتى بها ‪ ،‬وإن تركها عمدا ل يبطل التّيمّم ‪ ،‬وإن فعلها‬
‫ن التّسمية عند التّيمّم واجبة وهي ‪ :‬باسم اللّه ‪ ،‬ل يقوم غيرها‬
‫يثاب ‪ .‬وذهب الحنابلة إلى أ ّ‬
‫مقامها ‪ ،‬ووقتها أوّله ‪ ،‬وتسقط سهوا لحديث ‪ { :‬تجاوز اللّه عن أمّتي الخطأ والنّسيان ‪} ...‬‬
‫وإن ذكرها في أثنائه سمّى وبنى ‪ ،‬وإن تركها عمدا حتّى مسح بعض أعضائه ‪ ،‬ولم يستأنف‬
‫ح طهارته ‪ ،‬لنّه لم يذكر اسم اللّه على طهارته ‪.‬‬
‫ما فعله ‪ ،‬لم تص ّ‬

‫ز ‪ -‬التّسمية لكلّ أمرٍ ذي بالٍ ‪:‬‬


‫ن التّسمية مشروعة لك ّل أمرٍ ذي بالٍ ‪ ،‬عباد ٍة أو غيرها ‪ ،‬فتقال‬
‫‪ - 12‬اتّفق أكثر الفقهاء على أ ّ‬
‫عند البدء في تلوة القرآن الكريم والذكار ‪ ،‬وركوب سفين ٍة وداّبةٍ ‪ ،‬ودخول المنزل ومسجدٍ ‪،‬‬
‫ب منبرا ‪،‬‬
‫أو خروجٍ منه ‪ ،‬وعند إيقاد مصباحٍ أو إطفائه ‪ ،‬وقبل وطءٍ مباحٍ ‪ ،‬وصعود خطي ٍ‬
‫ونومٍ ‪ ،‬والدّخول في صلة النّفل ‪ ،‬وتغطية الناء ‪ ،‬وفي أوائل الكتب ‪ ،‬وعند تغميض ميّتٍ‬
‫ولحده في قبره ‪ ،‬ووضع اليد على موضع ألمٍ بالجسد ‪ ،‬وصيغتها ( باسم اللّه ) والكمل ( بسم‬
‫اللّه الرّحمن الرّحيم ) فإن نسي التّسمية أو تركها عمدا فل شيء ‪ ،‬ويثاب إن فعل ‪ .‬وممّا ورد‬
‫‪ :‬حديث { ك ّل أمرٍ ذي بالٍ ل يبدأ فيه باسم اللّه فهو أبتر } ‪ ،‬وفي رواي ٍة { فهو أقطع } وفي‬
‫أخرى { فهو أجذم } ‪ ،‬وما ورد عن رسول اللّه صلى ال عليه وسلم ‪ { :‬ضع يدك على الّذي‬
‫تألّم من جسدك ‪ ،‬وقل ‪ :‬باسم اللّه ثلثا ‪ } ...‬الحديث ‪ .‬وحديث ‪ { :‬أغلق بابك واذكر اسم‬
‫اللّه ‪ ،‬فإنّ الشّيطان ل يفتح بابا مغلقا ‪ ،‬وأطفئ مصباحك واذكر اسم اللّه ‪ ،‬وخمّر إناءك ‪} ...‬‬
‫وحديث ‪ { :‬إذا عثرت بك الدّابّة فل تقل ‪ :‬تعس الشّيطان ‪ ،‬فإنّه يتعاظم ‪ ،‬حتّى يصير مثل‬
‫البيت ‪ ،‬ويقول ‪ :‬بقوّتي صرعته ‪ ،‬ولكن قل ‪ :‬بسم اللّه الرّحمن الرّحيم ‪ ،‬فإنّه يتصاغر ‪ ،‬حتّى‬
‫يصير مثل الذّباب } ‪.‬‬

‫بشارة‬
‫التّعريف‬
‫‪ - 1‬البشارة ‪ -‬بكسر الباء ‪ : -‬ما يبشّر به النسان غيره من أمرٍ ‪ ،‬وبضمّ الباء ‪ :‬ما يعطاه‬
‫ضمّ ‪ :‬ما يعطى البشير ‪ ،‬وبكسر‬
‫المبشّر بالمر ‪ ،‬كالعمالة للعامل ‪ ،‬قال ابن الثير ‪ :‬البشارة بال ّ‬
‫الباء ‪ :‬السم ‪ ،‬سمّيت بذلك من البشر وهو السّرور ‪ ،‬لنّها تظهر طلقة وجه النسان ‪ .‬وهم‬
‫يتباشرون بذلك المر أي ‪ :‬يبشّر بعضهم بعضا ‪ ،‬والبشارة إذا أطلقت فهي للبشارة بالخير ‪،‬‬
‫شرّ ‪ ،‬كقوله تعالى ‪ { :‬فبشّرهم بعذابٍ أليمٍ } ‪ .‬ول يخرج‬
‫ويجوز استعمالها مقيّد ًة في ال ّ‬
‫استعمالها في اصطلح الفقهاء عن ذلك ‪ ( .‬اللفاظ ذات الصّلة ) ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬الخبر ‪:‬‬
‫‪ - 2‬الخبر يكون من المخبر الوّل ومن يليه ‪ ،‬والبشارة ل تكون إلّ من المخبر الوّل ‪.‬‬
‫والخبر يكون بالصّدق والكذب سارّا ‪ ،‬كان أو غير سارّ ‪ ،‬والبشارة تختصّ بالخبر الصّادق‬
‫السّارّ غالبا ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬الجعل ‪:‬‬
‫‪ - 3‬الجعل لغةً ‪ :‬اسم لما يجعله النسان لغيره على شي ٍء يعمله ‪ .‬والجعل اصطلحا ‪ :‬عوض‬
‫ن معلومٍ فيه كلفة ‪ .‬والبشارة بضمّ الباء ‪ :‬ما يعطاه المبشّر‬
‫معلوم ملتزم به على عملٍ معيّ ٍ‬
‫بالمر ‪ ،‬وهي بهذا المعنى تشبه الجعل ‪ ،‬جاء في نهاية المحتاج ‪ :‬ل ب ّد من كون العمل في‬
‫الجعالة فيه كلفة أو مؤنة ‪ ،‬كردّ آبقٍ ‪ ،‬أو إخبارٍ فيه غرض والمخبر صادق فيه ‪.‬‬
‫الحكم الجماليّ ‪:‬‬
‫‪ - 4‬إخبار النّاس بما يسرّهم أمر مستحبّ ‪ ،‬لما ورد في ذلك من اليات القرآنيّة ‪ ،‬كقوله‬
‫تعالى ‪ { :‬وبشّر الّذين آمنوا وعملوا الصّالحات أنّ لهم جنّاتٍ تجري من تحتها النهار كلّما‬
‫رزقوا منها من ثمر ٍة رزقا قالوا ‪ :‬هذا الّذي رزقنا من قبل وأتوا به متشابها ولهم فيها أزواج‬
‫مطهّرة وهم فيها خالدون } وما ورد كذلك من أحاديث ‪ ،‬منها حديث كعب بن مالكٍ رضي ال‬
‫عنه المخرّج في الصّحيحين { في قصّة توبته قال ‪ :‬وسمعت صوت صارخٍ يقول بأعلى‬
‫صوته ‪ :‬يا كعب بن مالكٍ ‪ .‬أبشر ‪ ،‬فذهب النّاس يبشّروننا ‪ ،‬وانطلقت أتأمّم رسول اللّه صلى‬
‫ال عليه وسلم يتلقّاني النّاس فوجا فوجا يهنّئونني بالتّوبة ‪ ،‬ويقولون ‪ :‬لتهنك توبة اللّه تعالى‬
‫عليك ‪ ،‬حتّى دخلت المسجد ‪ ،‬فإذا رسول اللّه صلى ال عليه وسلم حوله النّاس ‪ ،‬فقام طلحة‬
‫بن عبيد اللّه يهرول ‪ ،‬حتّى صافحني وهنّأني ‪ ،‬وكان كعب ل ينساها لطلحة ‪ ،‬قال كعب ‪ :‬فلمّا‬
‫سلّمت على رسول اللّه صلى ال عليه وسلم قال ‪ -‬وهو يبرق وجهه من السّرور ‪ : -‬أبشر‬
‫ب أنّه لمّا جاءه البشير بالتّوبة ‪ ،‬نزع له‬
‫بخير يومٍ مرّ عليك منذ ولدتك أمّك } ‪ .‬وفي قصّة كع ٍ‬
‫ثوبيه وكساهما إيّاه نظير بشارته ‪ .‬ونقل البيّ عن القاضي عياضٍ أنّه قال ‪ :‬وهذا يدلّ على‬
‫جواز البشارة والتّهنئة بما يسرّ من أمور الدّنيا والخرة ‪ ،‬وإعطاء الجعل للمبشّر ‪ .‬وفي حديث‬
‫كعبٍ مشروعيّة الستباق إلى البشارة بالخير ‪ .‬ويستحبّ لمن بشّر بخبرٍ سارّ أن يحمد اللّه‬
‫ن ‪ ،‬في مقتل عمر بن‬
‫تعالى ويثني عليه ‪ ،‬لما روي في صحيح البخاريّ عن عمرو بن ميمو ٍ‬
‫ن عمر رضي ال عنه أرسل ابنه‬
‫الخطّاب رضي ال عنه ‪ ،‬في حديث الشّورى الطّويل ‪ :‬أ ّ‬
‫عبد اللّه إلى عائشة رضي ال عنها يستأذنها أن يدفن مع صاحبيه ‪ ،‬فلمّا أقبل عبد اللّه ‪ ،‬قال‬
‫عمر ‪ :‬ما لديك ؟ قال ‪ :‬الّذي تحبّ يا أمير المؤمنين ‪ ،‬أذنت ‪ .‬فقال ‪ :‬الحمد للّه ما كان شيء‬
‫ن البشارة تتحقّق من المخبر الوّل منفردا أو مع غيره‬
‫أهمّ إليّ من ذلك ‪ .‬وأجمع العلماء على أ ّ‬
‫‪ ،‬فإذا قال رجل ‪ :‬من بشّرني من عبيدي بكذا فهو حرّ ‪ ،‬فبشّره واحد من عبيده فأكثر ‪ ،‬فإنّ‬
‫أوّلهم يكون حرّا ‪ .‬وأورد الفقهاء أمثل ًة أخرى في مواطن متعدّدةٍ ‪ .‬ويدلّ على ذلك ما روي‬
‫{ أنّه عليه الصلة والسلم مرّ بابن مسعودٍ وهو يقرأ القرآن ‪ ،‬فقال عليه الصلة والسلم من‬
‫أحبّ أن يقرأ القرآن غضّا طريّا كما نزل فليقرأ بقراءة ابن أمّ عبدٍ ‪ ،‬فابتدر إليه أبو بكرٍ وعمر‬
‫رضي ال عنهما بالبشارة ‪ ،‬فسبق أبو بكرٍ عمر ‪ ،‬فكان ابن مسعو ٍد يقول ‪ :‬بشّرني أبو بكرٍ ‪،‬‬
‫وأخبرني عمر } رضي ال عنهم أجمعين ‪ .‬والبشارة مستحبّة كالهبة إذا قصد بها وجه اللّه‬
‫تعالى ‪.‬‬
‫( مواطن البحث ) ‪:‬‬
‫سنّة النّبويّة بيان بعض أحكام البشارة‬
‫‪ - 5‬ورد في الكتاب الكريم ذكر البشارة ‪ ،‬وورد في ال ّ‬
‫وما يستحبّ فعله لمن يبشّر بأمرٍ ‪ ،‬ويرد عند الفقهاء في اليمان ‪ .‬كما ورد في كتب الداب‬
‫الشّرعيّة حكم البشارة ‪ ،‬وما يستحبّ فعله لمن يبشّر بأمرٍ ‪.‬‬

‫بصاق‬
‫التّعريف‬
‫‪ - 1‬البصاق ‪ :‬ماء الفم إذا خرج منه ‪ .‬يقال ‪ :‬بصق يبصق بصاقا ‪ .‬ويقال فيه أيضا ‪:‬‬
‫البزاق ‪ ،‬والبساق ‪ .‬وهو من البدال ‪.‬‬
‫( اللفاظ ذات الصّلة ) ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬التّفل ‪:‬‬
‫ل ‪ :‬بصق ‪ .‬والتّفل بالفم ‪ :‬نفخ معه شيء‬
‫‪ - 2‬التّفل لغ ًة ‪ :‬البصق ‪ .‬يقال ‪ :‬تفل يتفل ويتفل تف ً‬
‫من الرّيق ‪ .‬فإذا كان نفخا بل ريقٍ فهو النّفث ‪ .‬والتّفل شبيه بالبزاق ‪ ،‬وهو أقلّ منه ‪ .‬أوّله‬
‫البزق ‪ ،‬ثمّ التّفل ‪ ،‬ثمّ النّفخ ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬اللّعاب ‪:‬‬
‫‪ - 3‬اللّعاب ‪ :‬الرّيق الّذي يسيل من الفم ‪.‬‬
‫الحكم الجماليّ ‪:‬‬
‫‪ - 4‬الصل في ماء فم النسان طهوريّته ما لم ينجّسه نجس ‪ .‬وللبصاق أحكام تتعلّق به ‪ .‬فهو‬
‫حرام في المسجد ومكروه على حيطانه ‪ .‬فإذا بصق المصلّي في المسجد كان عليه أن يدفنه ‪،‬‬
‫إذ البصق فيه خطيئة ‪ ،‬وكفّارتها دفنه ‪ ،‬كما جاء في الحديث { البصاق في المسجد خطيئة ‪،‬‬
‫وكفّارتها دفنها } ‪ .‬والمشهور في ذلك أن يدفنه في تراب المسجد ورمله ‪ ،‬إن كان له تراب أو‬
‫رمل ونحوهما ‪ .‬فإن لم يكن أخذه بعودٍ أو خرقةٍ أو نحوهما أو بيده وأخرجه منه ‪ .‬كما ل‬
‫يبصق على حيطانه ‪ ،‬ول بين يديه على الحصى ‪ ،‬ول فوق البواري ( أي الحصر ) ول‬
‫تحتها ‪ .‬ولكن يأخذه بطرف ثوبٍ ويحكّ بعضه ببعضٍ ‪ ،‬ول تبطل به الصّلة إلّ أن يتوالى‬
‫ويكثر ‪ .‬وإن كان قد بصق في تراب المسجد فعليه أن يدفنه ‪ .‬فإن اضطرّ إلى ذلك ‪ ،‬كان‬
‫اللقاء فوق الحصير أهون من اللقاء تحته ‪ .‬لنّ البواري ليست بمسجدٍ حقيقةً ‪ ،‬وما تحتها‬
‫مسجد حقيقةً ‪ .‬وإن لم يكن فيه البواري يدفنه في التّراب ‪ ،‬ول يتركه على وجه الرض ‪ .‬وإن‬
‫كان في غير المسجد لم يبصق تلقاء وجهه ‪ ،‬ول عن يمينه ‪ ،‬بل يبصق تحت قدمه اليسرى ‪،‬‬
‫أو عن يساره ‪ .‬ومن رأى من يبصق في المسجد لزمه النكار عليه ومنعه منه إن قدر ‪ .‬ومن‬
‫سنّة أن يزيله بدفنه أو إخراجه ‪ ،‬ويستحبّ له تطييب محلّه ‪.‬‬
‫رأى بصاقا ونحوه في المسجد فال ّ‬
‫وأمّا ما يفعله كثير من النّاس إذا بصق أو رأى بصاقا دلكه بأسفل مداسه الّذي داس به النّجاسة‬
‫والقذار فحرام ‪ ،‬لنّه تنجيس للمسجد وتقذير له ‪ .‬وعلى من رآه يفعل ذلك النكار عليه‬
‫بشرطه ‪ .‬ول يسوغ مسح لوح القرآن أو بعضه بالبصاق ‪ .‬ويتعيّن على معلّم الصّبيان أن‬
‫يمنعهم من ذلك ‪ .‬ومن أحكامه بالنّسبة للصّائم ‪ :‬أنّ من ابتلع ريق نفسه ‪ ،‬وهو في فيه قبل‬
‫خروجه منه ‪ ،‬فإنّه ل يفطر ‪ ،‬حتّى لو جمعه في الفم وابتلعه ‪ .‬وإن صار خارج فيه وانفصل‬
‫عنه ‪ ،‬وأعاده إليه بعد انفصاله وابتلعه ‪ ،‬فسد صومه ‪ .‬كما لو ابتلع بزاق غيره ‪ .‬ومن ترطّبت‬
‫شفتاه بلعابه عند الكلم أو القراءة أو غير ذلك ‪ ،‬فابتلعه ل يفسد صومه للضّرورة ‪ .‬ولو بقي‬
‫ل الخيّاط خيطا بريقه ثمّ ردّه‬
‫بلل في فمه بعد المضمضة فابتلعه مع البزاق لم يفطّره ‪ .‬ولو ب ّ‬
‫إلى فيه على عادتهم حال الفتل ‪ ،‬فإن لم تكن على الخيط رطوبة تنفصل لم يفطر بابتلع‬
‫ريقه ‪ ،‬بخلف ما إذا كانت تنفصل ‪.‬‬

‫بصر‬
‫التّعريف‬
‫‪ - 1‬البصر ‪ :‬هو القوّة الّتي أودعها اللّه في العين ‪ ،‬فتدرك بها الضواء واللوان والشكال ‪.‬‬
‫ضمّ ( والكسر لغةً ) بصرا بفتحتين‬
‫يقال ‪ :‬أبصرته برؤية العين إبصارا ‪ ،‬وبصرت بالشّيء بال ّ‬
‫‪ :‬رأيته ‪ .‬ويطلق مجازا على ‪ :‬الدراك للمعنويّات ‪ ،‬كما يطلق على العين نفسها ‪ ،‬لنّها محلّ‬
‫البصار ‪ .‬والبصر ‪ :‬ض ّد العمى ‪.‬‬
‫الحكم الجماليّ ‪ :‬الجناية على البصر ‪:‬‬
‫‪ - 2‬اتّفق فقهاء المذاهب على وجوب القصاص من الجاني عمدا على البصر ‪ ،‬إذا أدّت جنايته‬
‫إلى إذهاب البصر ‪ -‬وذلك بإذهاب بصر الجاني إن أمكن بوسيلةٍ ما برأي أهل الخبرة ‪ -‬فإن‬
‫لم يمكن القصاص ‪ ،‬وجبت الدّية اتّفاقا في مال الجاني ‪ .‬وكذلك تجب الدّية في إذهاب البصر‬
‫خطأً ‪ ،‬وتكون على العاقلة ‪ .‬وتفصيل ذلك في الجنايات ‪.‬‬
‫توجيه البصر في الصّلة ‪:‬‬
‫‪ - 3‬أجمع العلماء على استحباب الخشوع والخضوع وغضّ البصر عمّا يلهي ‪ ،‬وكراهة‬
‫ب للمصلّي النّظر إلى موضع سجوده إذا كان‬
‫اللتفات ورفع البصر إلى السّماء ‪ ،‬وأنّه يستح ّ‬
‫قائما ‪ ،‬ويستحبّ نظره في ركوعه إلى قدميه ‪ ،‬وفي حال سجوده إلى أرنبة أنفه ‪ ،‬وفي حال‬
‫التّشهّد إلى حجره ‪ .‬أمّا في صلة الخوف ‪ -‬إذا كان العد ّو أمامه ‪ -‬فيوجّه نظره إلى جهته ‪،‬‬
‫وبهذا قال الحنفيّة ‪ ،‬وهو رواية عند الحنابلة ‪ ،‬وفي قولٍ للشّافعيّة أنّه يسنّ ‪ .‬والخر عندهم ‪،‬‬
‫ث رواه البخاريّ عن أنسٍ أنّ‬
‫وعند الحنابلة ‪ :‬النّظر إلى موضع سجوده في جميع صلته لحدي ٍ‬
‫النّبيّ صلى ال عليه وسلم قال ‪ { :‬ما بال أقوا ٍم يرفعون أبصارهم إلى السّماء في صلتهم ‪،‬‬
‫فاشتدّ قوله في ذلك حتّى قال ‪ :‬لينتهنّ عن ذلك ‪ ،‬أو لتخطفنّ أبصارهم } ‪ .‬وقال المالكيّة ‪ :‬إن‬
‫كان رفع البصر إلى السّماء للموعظة والعتبار بآيات السّماء فل يكره ‪ .‬ويكره أيضا في‬
‫الصّلة تغميض العينين إلّ لحاج ٍة ‪ ،‬ول يعلم في ذلك خلف ‪.‬‬

‫حكم رفع البصر إلى السّماء في الدّعاء خارج الصّلة ‪:‬‬


‫ص الشّافعيّة على أنّ الولى في الدّعاء خارج الصّلة رفع البصر إلى السّماء ‪ ،‬وقال‬
‫‪-4‬ن ّ‬
‫الغزاليّ منهم ‪ :‬ل يرفع الدّاعي بصره إليها ‪.‬‬

‫غضّ البصر عن المحرّم ‪:‬‬


‫‪ - 5‬أمر اللّه سبحانه وتعالى المؤمنين والمؤمنات بأن يغضّوا من أبصارهم عمّا حرّمه‬
‫عليهم ‪ ،‬دون ما أباح لهم رؤيته ‪ -‬وإذا اتّفق أن وقع البصر على مح ّرمٍ من غير قصدٍ ‪،‬‬
‫فليصرف البصر عنه سريعا ‪ -‬لنّ البصر هو الباب الوّل إلى القلب ورائده ‪ ،‬وغضّه واجب‬
‫ل ما يخشى منه الفتنة ‪ ،‬لقوله تعالى ‪ { :‬قل للمؤمنين يغضّوا من‬
‫عن جميع المحرّمات وك ّ‬
‫أبصارهم ويحفظوا فروجهم ذلك أزكى لهم إنّ اللّه خبير بما يصنعون وقل للمؤمنات يغضضن‬
‫من أبصارهنّ } ‪ .‬وانظر للتّفصيل مصطلح ‪ ( :‬نظر ‪ .‬عورة ) ‪.‬‬
‫( مواطن البحث ) ‪:‬‬
‫‪ - 6‬للبصر أحكام في مواطن متعدّدةٍ ‪ ،‬تتعلّق بالجناية عليه ‪ ،‬والدّية فيه ‪ ،‬واشتراطه في‬
‫الشّاهد ‪ ،‬وشهادة العمى وتحمّله وأدائه ‪ ،‬واشتراطه واستدامته فيمن يتولّى القضاء ‪ ،‬ونفاذ‬
‫ض طرأ العمى عليه ‪ ،‬وتوجيه البصر في الصّلة ‪ ،‬ورفع البصر إلى السّماء في الدّعاء‬
‫حكم قا ٍ‬
‫في غير الصّلة ‪ ،‬وما يجوز النّظر إليه ممّن يراد خطبتها ‪ ،‬وغضّ البصر عمّا حرّمه اللّه ‪.‬‬
‫ويفصّل الفقهاء أحكام ذلك في مباحث ( الجنايات ‪ ،‬والدّيات ‪ ،‬والشّهادة ‪ ،‬والقضاء ‪،‬‬
‫والصّلة ‪ ،‬والنّكاح ) على النّحو المبيّن في الحكم الجماليّ ومواطنه ‪.‬‬

‫بضاعة انظر ‪ :‬إبضاع ‪.‬‬

‫بضع انظر ‪ :‬فرج ‪.‬‬

‫بطالة‬
‫التّعريف‬
‫‪ - 1‬البطالة لغةً ‪ :‬التّعطّل عن العمل ‪ .‬يقال ‪ :‬بطل العامل ‪ ،‬أو الجير عن العمل فهو بطّال‬
‫بيّن البطالة ( بفتح الباء ) وحكى بعض شارحي المعلّقات البطالة ( بالكسر ) وقال ‪ :‬هو أفصح‬
‫‪ ،‬ويقال ‪ :‬بطل الجير من العمل ‪ ،‬يبطل بطالةً وبطالةً ‪ :‬تعطّل فهو بطّال ‪ .‬ول يخرج المعنى‬
‫الصطلحيّ عن المعنى اللّغويّ ‪ .‬حكمها التّكليفيّ ‪:‬‬
‫‪ - 2‬يختلف حكم البطالة تبعا للحوال الّتي تكون فيها كالتي ‪ :‬البطالة حتّى لو كانت للتّفرّغ‬
‫للعبادة ‪ ،‬مع القدرة على العمل ‪ ،‬والحاجة إلى الكسب لقوته وقوت من يعوله تكون حراما ‪،‬‬
‫ن اللّه يحبّ العبد المؤمن‬
‫ن اللّه يكره الرّجل البطّال } وعن ابن عمر قال ‪ { :‬إ ّ‬
‫لخبر { إ ّ‬
‫المحترف } وعن ابن مسعودٍ أنّه قال ‪ :‬إنّي لمقت الرّجل فارغا ليس في شيءٍ من عمل دنيا‬
‫ول آخرةٍ وفي الشّعب للبيهقيّ عن عروة بن الزّبير أنّه سئل ‪ :‬ما شرّ شيءٍ في العالم ؟ فقال ‪:‬‬
‫ل مع عدم الحاجة للكسب مكروهة أيضا ‪ ،‬وتزري بصاحبها ‪.‬‬
‫البطالة ‪ .‬والبطالة تهاونا وكس ً‬
‫أمّا البطالة لعذرٍ ‪ -‬كزمان ٍة وعجزٍ لعاه ٍة ‪ -‬فل إثم فيها ول كراهة ‪ ،‬لقوله تعالى ‪ { :‬ل يكلّف‬
‫اللّه نفسا إلّ وسعها } ‪.‬‬

‫التّوكّل ل يدعو إلى البطالة ‪:‬‬


‫‪ - 3‬التّوكّل ل يدعو إلى البطالة ‪ ،‬وإنّما هو واجب ‪ ،‬ولكن يجب معه الخذ بالسباب ‪ .‬وورد‬
‫ن { أعرابيّا سأل رسول اللّه صلى ال عليه وسلم فقال ‪ :‬يا رسول اللّه ‪ :‬أرسل ناقتي‬
‫أّ‬
‫وأتوكّل ؟ فقال صلى ال عليه وسلم ‪ :‬اعقلها وتوكّل } وقال عليه الصلة والسلم ‪ { :‬إنّ اللّه‬
‫يحبّ المؤمن المحترف } ‪ .‬ومرّ عمر رضي ال عنه بقو ٍم فقال ‪ :‬ما أنتم ؟ قالوا متوكّلون قال‬
‫‪ :‬ل بل أنتم متأكّلون ‪ ،‬إنّما المتوكّل من ألقى حبّ ًة في الرض ‪ ،‬وتوكّل على ربّه ‪ .‬فليس في‬
‫طلب المعاش والمضيّ في السباب على تدبير اللّه ترك التّفويض ‪ ،‬والتّوكّل إنّما هو بالقلب ‪،‬‬
‫وترك التّوكّل يكون إذا غفل عن اللّه ‪ ،‬واعتمد على السباب ونسي مسبّبها ‪ ،‬وكان عمر‬
‫رضي ال عنه إذا نظر إلى ذي سيما سأل ‪ :‬أله حرفة ؟ فإن قيل ‪ :‬ل ‪ ،‬سقط من عينه ‪.‬‬
‫العبادة ليست مسوّغا للبطالة ‪:‬‬
‫ن السلم ل يقرّ البطالة من أجل‬
‫ن العبادة ليست مسوّغا للبطالة ‪ ،‬وأ ّ‬
‫‪ - 4‬يرى الفقهاء ‪ :‬أ ّ‬
‫ن في هذا تعطيلً للدّنيا الّتي أمر اللّه عباده بالسّعي فيها ‪ ،‬قال تعالى‬
‫النقطاع للعبادة ‪ ،‬ل ّ‬
‫ل شأنه { يا أيّها الّذين آمنوا إذا نودي للصّلة‬
‫{ فامشوا في مناكبها وكلوا من رزقه } وقال ج ّ‬
‫من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر اللّه وذروا البيع } وأعقبها بقوله { فإذا قضيت الصّلة‬
‫ي صلى ال عليه وسلم مرّ على‬
‫فانتشروا في الرض وابتغوا من فضل اللّه } وورد أنّ { النّب ّ‬
‫شخصٍ ‪ ،‬قالوا له عنه أنّه كان يقوم اللّيل ويصوم النّهار ‪ ،‬وهو منقطع للعبادة انقطاعا كّليّا ‪،‬‬
‫فسأل رسول اللّه صلى ال عليه وسلم عمّن يعوله ؟ فقالوا ‪ :‬كلّنا ‪ .‬فقال ‪ :‬عليه الصلة‬
‫والسلم كلّكم أفضل منه } ‪.‬‬

‫أثر البطالة في طلب المتعطّل نفقةً له ‪:‬‬


‫‪ - 5‬أجمع الفقهاء على أنّ نفقة البن المتعطّل عن العمل ‪ -‬مع قدرته على الكسب ‪ -‬ل تجب‬
‫ن من شروط وجوبها ‪ :‬أن يكون عاجزا عن الكسب ‪ ،‬والعاجز عن الكسب هو‬
‫على أبيه ‪ ،‬ل ّ‬
‫ي بقدرته ‪ ،‬ويستطيع‬
‫من ل يمكنه اكتساب معيشته بالوسائل المشروعة المعتادة ‪ ،‬والقادر غن ّ‬
‫أن يتكسّب بها وينفق على نفسه ‪ ،‬ول يكون في حالة ضرور ٍة يتعرّض فيها للهلك ‪.‬‬

‫أثر البطالة في استحقاق الزّكاة ‪:‬‬


‫‪ - 6‬إنّ القادر على الكسب مكلّف بالعمل ليكفي نفسه بنفسه ‪ ،‬أمّا العاجز عن الكسب لضعفٍ‬
‫ذاتيّ ‪ ،‬كالصّغر والنوثة والعته والشّيخوخة والمرض إذا لم يكن عنده مال موروث يسدّ‬
‫حاجته ‪ ،‬كان في كفالة أقاربه الموسرين ‪ ،‬وإذا لم يوجد له شخص يكفله بما يحتاجه فقد حلّ له‬
‫الخذ من الزّكاة ‪ ،‬ول حرج عليه في دين اللّه ‪ .‬وتفصيله في مصطلح ‪ ( :‬زكاة ) ‪.‬‬

‫رعاية الدّولة والمجتمع للمتعطّلين بعدم وجود عملٍ ‪:‬‬


‫ن على الدّولة القيام بشئون فقراء المسلمين من العجزة واللّقطاء‬
‫‪ - 7‬صرّح الفقهاء بأ ّ‬
‫والمساجين الفقراء ‪ ،‬الّذين ليس لهم ما ينفق عليهم منه ول أقارب تلزمهم نفقتهم ‪ ،‬فيتحمّل بيت‬
‫ت ونحوها ‪.‬‬
‫المال نفقاتهم وكسوتهم ‪ ،‬وما يصلحهم من دواءٍ وأجرة علجٍ وتجهيز ميّ ٍ‬
‫وللتّفصيل ( ر ‪ :‬بيت المال ) ‪.‬‬

‫بطانة‬
‫التّعريف‬
‫‪ - 1‬البطانة ‪ :‬بطانة الثّوب ‪ ،‬وهي ‪ :‬ما يجعل وقاءً له من الدّاخل ‪ ،‬وهي خلف الظّهارة ‪.‬‬
‫وبطانة الرّجل ‪ :‬خاصّته ‪ ،‬وأبطنت الرّجل ‪ :‬جعلته من خواصّك ‪ ،‬وفي الحديث ‪ { :‬وما بعث‬
‫اللّه من نبيّ ول استخلف من خليف ٍة إلّ كانت له بطانتان ‪ :‬بطانة تأمره بالمعروف وتحضّه‬
‫عليه ‪ ،‬وبطانة تأمره بالشّرّ وتحضّه عليه ‪ ،‬فالمعصوم من عصمه اللّه تعالى } وهو مصدر‬
‫سمّي به الواحد والجمع ‪ .‬والبطانة اصطلحا ‪ :‬خاصّة الرّجل المقرّبون الّذين يفضي إليهم‬
‫بأسراره ‪.‬‬
‫اللفاظ ذات الصّلة ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬الحاشية ‪:‬‬
‫‪ - 2‬الحاشية ‪ :‬هي واحدة حواشي الثّوب ‪ .‬وتطلق على صغار البل ‪ .‬وعلى ما يكتب على‬
‫جوانب صفحات الكتاب ‪ .‬وفي الصطلح ‪ :‬أهل الرّجل من غير أصوله وفروعه كالخوة‬
‫والعمام ‪.‬‬
‫ب ‪ ( -‬أهل الشّورى ) ‪:‬‬
‫‪ - 3‬الشّورى ‪ :‬اسم مصدرٍ من التّشاور ‪ .‬وأهل الشّورى ‪ :‬هم أهل الرّأي الّذين يقدّمون‬
‫المشورة لمن يستشيرهم ‪ ،‬وقد يكونون من بطانة الرّجل أو غيرهم من ذوي الرّأي ‪ .‬ما يتعلّق‬
‫بالبطانة من أحكامٍ ‪ :‬أ ّولً ‪ :‬البطانة بمعنى خاصّة الرّجل ‪ .‬اتّخاذ البطانة الصّالحة ‪:‬‬
‫ن العادة جارية‬
‫‪ - 4‬لمّا كانت الشّورى من قواعد الشّريعة ‪ ،‬ومن لوازم الحكم في السلم ‪ ،‬وأ ّ‬
‫ن إلى بطانته ‪ ،‬فإنّه يجب على ولة المسلمين أن يتّخذوا بطانةً صالحةً ‪ ،‬من‬
‫بأنّ النسان يطمئ ّ‬
‫أهل التّقوى والمانة ‪ ،‬وممّن يخشى اللّه ‪ .‬قال ابن خويز مندادٍ ‪ :‬واجب على الولة مشاورة‬
‫العلماء فيما ل يعلمون ‪ ،‬وما أشكل عليهم من أمور الدّين ‪ ،‬ومشاورة وجوه الجيش فيما يتعلّق‬
‫بالحرب ‪ ،‬ومشاورة وجوه النّاس فيما يتعلّق بالمصالح ‪ ،‬ومشاورة وجوه الكتّاب والوزراء‬
‫والعمّال فيما يفعلون بمصالح البلد وعمارتها ‪ .‬وجاء في كتاب " الحكام السّلطانيّة "‬
‫للماورديّ في معرض ع ّد واجبات المام ‪ :‬استكفاء المناء ‪ ،‬وتقليد النّصحاء فيما يفوّضه إليهم‬
‫من العمال ‪ ،‬ويكله إليهم من الموال ‪ ،‬لتكون العمال بالكفاءة مضبوط ًة ‪ ،‬والموال بالمناء‬
‫محفوظ ًة ‪ .‬وفي الثر الصّحيح ‪ { :‬إذا أراد اللّه بالمير خيرا جعل له وزير صدقٍ ‪ ،‬إن نسي‬
‫ذكّره ‪ ،‬وإن ذكر أعانه ‪ ،‬وإن أراد غير ذلك جعل له وزير سو ٍء ‪ :‬إن نسي لم يذكّره ‪ ،‬وإن‬
‫ذكر لم يعنه } ‪ .‬وعن أبي سعيدٍ الخدريّ عن رسول اللّه صلى ال عليه وسلم أنّه قال ‪ { :‬ما‬
‫ل كانت له بطانتان ‪ :‬بطانة تأمره بالخير وتحضّه‬
‫بعث اللّه من نبيّ ول استخلف من خليفةٍ إ ّ‬
‫عليه ‪ ،‬وبطانة تأمره بالشّرّ وتحضّه عليه ‪ ،‬فالمعصوم من عصمه اللّه تعالى } ‪.‬‬

‫اتّخاذ بطانةٍ من دون المؤمنين ‪:‬‬


‫‪ - 5‬ل خلف بين علماء السلم في أنّه ل يجوز لولياء أمور المسلمين أن يتّخذوا بطانةً من‬
‫الكفّار والمنافقين ‪ ،‬يطلعونهم على سرائرهم ‪ ،‬وما يضمرونه لعدائهم ‪ ،‬ويستشيرونهم في‬
‫ن هذا من شأنه أن يضرّ مصلحة المسلمين ‪ ،‬ويعرّض أمنهم للخطر ‪ ،‬وقد ورد‬
‫المور ‪ ،‬ل ّ‬
‫التّنزيل بتحذير المؤمنين من موالة غيرهم ممّن يخالفونهم في العقيدة والدّين ‪ ،‬وقال عزّ من‬
‫قائلٍ ‪ { :‬يا أيّها الّذين آمنوا ل تتّخذوا بطان ًة من دونكم ل يألونكم خبالً ودّوا ما عنتّم قد بدت‬
‫البغضاء من أفواههم وما تخفي صدورهم أكبر قد ب ّينّا لكم اليات إن كنتم تعقلون } ‪ .‬وقال ‪{ :‬‬
‫يا أيّها الّذين آمنوا ل تتّخذوا عدوّي وعدوّكم أولياء تلقون إليهم بالمودّة وقد كفروا بما جاءكم‬
‫ق يخرجون الرّسول وإيّاكم أن تؤمنوا باللّه ربّكم إن كنتم خرجتم جهادا في سبيلي‬
‫من الح ّ‬
‫وابتغاء مرضاتي ‪ ،‬تسرّون إليهم بالمودّة وأنا أعلم بما أخفيتم وما أعلنتم ومن يفعله منكم فقد‬
‫ضلّ سواء السّبيل } ‪ .‬ونهى اللّه تبارك وتعالى عباده المؤمنين عن اتّخاذ بطانةٍ من دون‬
‫المؤمنين ‪ ،‬يطلعونهم على سرائرهم ‪ ،‬ويكشفون لهم عورات المسلمين ‪ .‬بقوله تعالى ‪ { :‬يا‬
‫أيّها الّذين آمنوا ل تتّخذوا الكافرين أولياء من دون المؤمنين } وفي معنى ذلك آيات كثيرة ‪.‬‬
‫وقد تقدّم الحديث في شأن بطانة السّوء ‪ .‬وقال ابن أبي حاتمٍ ‪ :‬قيل لعمر بن الخطّاب ‪ :‬رضي‬
‫ال عنه ‪ :‬إنّ هنا غلما من أهل الحيرة حافظا كاتبا ‪ ،‬فلو اتّخذته كاتبا ؟ قال ‪ :‬اتّخذت إذن‬
‫بطان ًة من دون المؤمنين ‪ .‬قال ابن كثيرٍ ‪ :‬في الثر مع هذه الية دليل على أنّه ل يجوز‬
‫استعمال أهل ال ّذمّة في الكتابة ‪ ،‬الّتي فيها استطالة على المسلمين ‪ ،‬واطّلع على دخائل‬
‫أمورهم الّتي يخشى أن يفشوها إلى العداء من أهل الحرب ‪ .‬وقال السّيوطيّ نقلً عن إلكيا‬
‫الهرّاسيّ ‪ :‬في قوله تعالى ‪ { :‬ل تتّخذوا بطان ًة من دونكم } فيه دللة على أنّه ل يجوز‬
‫الستعانة بأهل ال ّذمّة في شي ٍء من أمر المسلمين ‪ .‬وقال القرطبيّ في تفسير هذه الية ‪ :‬أكّد‬
‫اللّه سبحانه وتعالى الزّجر عن الرّكون إلى الكفّار وهو متّصل بما سبق من قوله ‪ { :‬يا أيّها‬
‫الّذين آمنوا إن تطيعوا فريقا من الّذين أوتوا الكتاب يردّوكم بعد إيمانكم كافرين } ‪ ،‬ونهى‬
‫المؤمنين بهذه الية أن يتّخذوا من الكفّار وأهل الهواء دخلء وولجاء ‪ ،‬يفاوضونهم في الراء‬
‫‪ ،‬ويسندون إليهم أمورهم ‪ .‬ثمّ بيّن اللّه المعنى الّذي من أجله نهى عن المواصلة فقال ‪ { :‬ل‬
‫يألونكم خبالً } يعني ل يتركون الجهد في إفسادكم ‪ ،‬أي أنّهم وإن لم يقاتلوكم فإنّهم ل يتركون‬
‫ي استكتب ذ ّميّا ‪ ،‬فعنّفه عمر رضي‬
‫ن أبا موسى الشعر ّ‬
‫الجهد في المكر والخديعة ‪ .‬وروي أ ّ‬
‫ال عنهما وتل عليه هذه الية ‪ .‬وعن عمر رضي ال عنه أنّه قال أيضا ‪ :‬ل تستعملوا أهل‬
‫الكتاب فإنّهم يستحلّون الرّشا ‪ ،‬واستعينوا على أموركم وعلى رعيّتكم بالّذين يخشون اللّه تعالى‬
‫‪.‬‬

‫ثانيا ‪ :‬البطانة في الثّوب ‪ :‬الصّلة على ثوبٍ بطانته نجسة ‪:‬‬


‫ح الصّلة‬
‫‪ - 6‬ذهب المالكيّة والشّافعيّة وأبو حنيفة والحنابلة ومحمّد بن الحسن إلى أنّه تص ّ‬
‫على بساطٍ ظاهره طاهر ‪ ،‬وبطانته نجس ‪ ،‬لنّه ليس حاملً ول لبسا ‪ ،‬ول مباشرا للنّجاسة ‪،‬‬
‫ش على نجسٍ ‪ .‬وذهب أبو يوسف من‬
‫فأشبه ما لو صلّى على بساطٍ طرفه نجس ‪ ،‬أو مفرو ٍ‬
‫ل ‪ ،‬فاستوى ظاهره وباطنه ‪.‬‬
‫الحنفيّة إلى أنّه ل يصحّ الصّلة عليه ‪ ،‬نظرا لتّحاد المح ّ‬

‫حكم لبس الرّجل ثوبا بطانته من حريرٍ ‪:‬‬


‫ب بطانته من حريرٍ ‪ ،‬لحديث عمر رضي‬
‫‪ - 7‬ذهب الفقهاء إلى أنّه يحرم على الرّجل لبس ثو ٍ‬
‫ال تعالى عنه قال ‪ :‬قال رسول اللّه صلى ال عليه وسلم ‪ { :‬ل تلبسوا الحرير ‪ ،‬فإنّه من لبسه‬
‫في الدّنيا لم يلبسه في الخرة } ‪ .‬وفي كشّاف القناع ‪ ،‬بعد بيان تحريم الحرير على الرّجال‬
‫والستدلل بالحديث ‪ ،‬قال ‪ :‬ولو كان الحرير بطانةً ‪ ،‬لعموم الخبر ‪ ،‬لكن قيّد المالكيّة حرمة‬
‫المبطّن بالحرير بما إذا كان كثيرا ‪ ،‬كما قال القاضي أبو الوليد ‪ .‬وهو مكروه عند الحنفيّة كما‬
‫جاء في ابن عابدين نقلً عن الهنديّة ‪ ،‬وقال في تعليله ‪ :‬لنّ البطانة مقصودة ‪ .‬والكراهة حيث‬
‫أطلقت عند الحنفيّة فهي لكراهة التّحريم ‪ .‬وتفصيله في مصطلح ( حرير ) ‪.‬‬

‫بطلن‬
‫التّعريف‬
‫‪ - 1‬البطلن لغةً ‪ :‬الضّياع والخسران ‪ ،‬أو سقوط الحكم ‪ .‬يقال ‪ :‬بطل الشّيء يبطل بطلً‬
‫وبطلنا بمعنى ‪ :‬ذهب ضياعا وخسرانا ‪ ،‬أو سقط حكمه ‪ ،‬ومن معانيه ‪ :‬الحبوط ‪ .‬وهو في‬
‫الصطلح يختلف تبعا للعبادات والمعاملت ‪ .‬ففي العبادات ‪ :‬البطلن ‪ :‬عدم اعتبار العبادة‬
‫حتّى كأنّها لم تكن ‪ .‬كما لو صلّى بغير وضوءٍ ‪ .‬والبطلن في المعاملت يختلف فيها تعريف‬
‫ع بأصله ول بوصفه ‪،‬‬
‫الحنفيّة عن غيرهم ‪ ،‬فهو عند الحنفيّة ‪ :‬أن تقع على وجهٍ غير مشرو ٍ‬
‫وينشأ عن البطلن تخلّف الحكام كلّها عن التّصرّفات ‪ ،‬وخروجها عن كونها أسبابا مفيدةً لتلك‬
‫ي أصلً ‪ ،‬لنّ‬
‫الحكام الّتي تترتّب عليها ‪ ،‬فبطلن المعاملة ل يوصّل إلى المقصود الدّنيو ّ‬
‫آثارها ل تترتّب عليها ‪ .‬وتعريف البطلن عند غير الحنفيّة هو تعريف الفساد بعينه ‪ ،‬وهو ‪:‬‬
‫أن تقع المعاملة على وج ٍه غير مشروعٍ بأصله أو بوصفه أو بهما ‪.‬‬
‫( اللفاظ ذات الصّلة ) ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬الفساد ‪:‬‬
‫‪ - 2‬الفساد ‪ :‬مرادف للبطلن عند الجمهور ( المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة ) فكلّ من الباطل‬
‫والفاسد يطلق على الفعل الّذي يخالف وقوعه الشّرع ‪ ،‬ول تترتّب عليه الثار ‪ ،‬ول يسقط‬
‫القضاء في العبادات ‪ .‬وهذا في الجملة ‪ ،‬ففي بعض أبواب الفقه يأتي التّفريق بين البطلن‬
‫ج والعاريّة والكتابة والخلع وسيأتي بيان ذلك ‪ .‬أمّا عند الحنفيّة ‪ ،‬فالفساد يباين‬
‫والفساد ‪ ،‬كالح ّ‬
‫ن من أركانه‬
‫ل في رك ٍ‬
‫البطلن بالنّسبة للمعاملت ‪ ،‬فالبطلن عندهم ‪ :‬مخالفة الفعل للشّرع لخل ٍ‬
‫أو شرطٍ من شرائط انعقاده ‪ .‬أمّا الفساد فهو ‪ :‬مخالفة الفعل للشّرع في شرطٍ من شروط‬
‫صحّته ‪ ،‬ولو مع موافقة الشّرع في أركانه وشرائط انعقاده ‪.‬‬
‫صحّة ‪:‬‬
‫ب ‪ -‬ال ّ‬
‫صحّة في اللّغة ‪ .‬بمعنى ‪ :‬السّلمة فالصّحيح ضدّ المريض ‪ .‬وفي الصطلح ‪ :‬وقوع‬
‫‪ - 3‬ال ّ‬
‫الفعل موافقا للشّرع باستجماع الركان والشّروط ‪ .‬وأثره في المعاملت ‪ :‬ترتّب ثمرة‬
‫التّصرّف المطلوبة منه عليه ‪ ،‬كحلّ النتفاع في البيع ‪ ،‬والستمتاع في النّكاح ‪ .‬وأثره في‬
‫العبادات هو سقوط القضاء بفعل العبادة ‪.‬‬
‫ج ‪ -‬النعقاد ‪:‬‬
‫صحّة ‪ ،‬ويشمل الفساد عند الحنفيّة ‪ ،‬فهو ارتباط أجزاء التّصرّف شرعا‬
‫‪ - 4‬النعقاد ‪ :‬يشمل ال ّ‬
‫‪ .‬أو هو ‪ :‬تعلّق كلّ من اليجاب والقبول بالخر على وجهٍ مشروعٍ ‪ ،‬يظهر أثره في متعلّقهما‬
‫‪ .‬فالعقد الفاسد منعقد بأصله ‪ ،‬ولكنّه فاسد بوصفه ‪ ،‬وهذا عند الحنفيّة ‪ .‬فالنعقاد ضدّ البطلن‬
‫‪ .‬عدم التّلزم بين بطلن التّصرّف في الدّنيا وبطلن أثره في الخرة ‪:‬‬
‫‪ - 5‬ل تلزم بين صحّة التّصرّف أو بطلنه في أحكام الدّنيا ‪ ،‬وبين بطلن أثره في الخرة ‪،‬‬
‫صحّة في الدّنيا ‪ ،‬لستكماله الركان والشّروط المطلوبة شرعا ‪،‬‬
‫فقد يكون محكوما عليه بال ّ‬
‫لكن اقترن به من المقاصد وال ّنيّات ما يبطل ثمرته في الخرة ‪ ،‬فل يكون له عليه ثواب ‪ ،‬بل‬
‫قد يلزمه الثم ‪ ،‬ودليل ذلك قول النّبيّ صلى ال عليه وسلم ‪ { :‬إنّما العمال بال ّنيّات ‪ ،‬وإنّما‬
‫لكلّ امرئٍ ما نوى ‪ ،‬فمن كانت هجرته إلى الدّنيا يصيبها أو إلى امرأ ٍة ينكحها فهجرته إلى ما‬
‫ل يبطله ‪ ،‬فالمنّ‬
‫ح العمل ويستحقّ عامله الثّواب ‪ ،‬ولكن يتبعه صاحبه عم ً‬
‫هاجر إليه } وقد يص ّ‬
‫والذى يبطل أجر الصّدقة ‪ ،‬لقوله تعالى ‪ { :‬يا أيّها الّذين آمنوا ل تبطلوا صدقاتكم بالمنّ‬
‫والذى } وقال ‪ { :‬يا أيّها الّذين آمنوا أطيعوا اللّه وأطيعوا الرّسول ول تبطلوا أعمالكم } ‪.‬‬
‫‪ -6‬ويوضّح الشّاطبيّ ذلك فيقول ‪ :‬يراد بالبطلن إطلقان ‪ :‬أحدهما ‪ :‬عدم ترتّب آثار العمل‬
‫عليه في الدّنيا ‪ ،‬كما نقول في العبادات ‪ :‬إنّها غير مجزئةٍ ول مبرّئةٍ لل ّذمّة ول مسقطةٍ للقضاء‬
‫‪ ،‬فهي باطلة بهذا المعنى لمخالفتها لما قصد الشّارع فيها ‪ .‬وقد تكون باطل ًة لخللٍ في بعض‬
‫أركانها أو شروطها ‪ ،‬ككونها ناقص ًة ركع ًة أو سجدةً ‪ .‬ونقول أيضا في العادات ‪ :‬إنّها باطلة ‪،‬‬
‫بمعنى عدم حصول فوائدها بها شرعا ‪ ،‬من حصول إملكٍ واستباحة فروجٍ وانتفاعٍ بالمطلوب‬
‫‪ .‬والثّاني ‪ :‬أن يراد بالبطلن عدم ترتّب آثار العمل عليه في الخرة ‪ ،‬وهو الثّواب ‪ .‬فتكون‬
‫العبادة باطلةً بالطلق الوّل ‪ ،‬فل يترتّب عليها جزاء ‪ ،‬لنّها غير مطابق ٍة لمقتضى المر‬
‫بها ‪ ،‬كالمتعبّد رئاء النّاس ‪ ،‬فهي غير مجزئةٍ ول يترتّب عليها ثواب ‪ ،‬وقد تكون صحيحةً‬
‫بالطلق الوّل ‪ ،‬ول يترتّب عليها ثواب أيضا ‪ ،‬كالمتصدّق بالصّدقة يتبعها بالمنّ والذى ‪،‬‬
‫ن والذى كالّذي ينفق ماله‬
‫وقد قال اللّه تعالى ‪ { :‬يا أيّها الّذين آمنوا ل تبطلوا صدقاتكم بالم ّ‬
‫رئاء النّاس } ‪.‬‬

‫الحكم التّكليفيّ للقدام على تصرّفٍ باطلٍ مع العلم وعدمه ‪:‬‬


‫‪ - 7‬القدام على فعلٍ باطلٍ ‪ -‬مع العلم ببطلنه ‪ -‬حرام ‪ ،‬ويأثم فاعله ‪ ،‬لرتكابه المعصية‬
‫ن البطلن وصف للفعل الّذي يقع مخالفا للشّرع ‪ ،‬وسواء أكان ذلك في‬
‫بمخالفته المشروع ‪ ،‬ل ّ‬
‫العبادات ‪ ،‬كالصّلة بدون طهار ٍة ‪ ،‬والكل في نهار رمضان ‪ ،‬أم كان ذلك في المعاملت ‪،‬‬
‫كبيع الميتة والدّم والملقيح والمضامين ‪ ،‬وكالستئجار على النّوح ‪ ،‬وكرهن الخمر عند المسلم‬
‫ولو كانت لذمّيّ ‪ ،‬وما شابه ذلك ‪ ،‬أم كان في النّكاح ‪ ،‬كنكاح المّ والبنت ‪ .‬وهذا الحكم يشمل‬
‫الفاسد أيضا عند الحنفيّة ‪ ،‬فإنّه وإن كان يفيد بعض الحكام ‪ -‬كإفادته الملك بالقبض في البيع‬
‫مثلً ‪ -‬إلّ أنّ القدام عليه حرام ‪ ،‬ويجب فسخه حقّا للّه تعالى دفعا للفساد ‪ ،‬لنّ فعله‬
‫معصية ‪ ،‬فعلى العاقد التّوبة منه بفسخه ‪ .‬ويستثنى من حكم القدام على التّصرّف الباطل حالة‬
‫الضّرورة ‪ ،‬كالمضطرّ يشتري الميتة ‪ .‬هذا فيمن يقدم على الباطل مع علمه ببطلنه ‪.‬‬

‫‪ -‬وأمّا القدام على التّصرّف الباطل مع عدم العلم ‪ ،‬فهذا يشمل النّاسي والجاهل‬ ‫‪8‬‬

‫‪ .‬والصل بالنّسبة للجاهل ‪ :‬أنّه ل يجوز له أن يقدم على فعلٍ حتّى يعلم حكم اللّه‬
‫فيه ‪ ،‬فمن باع وجب عليه أن يتعلّم ما شرعه اللّه في البيع ‪ ،‬ومن آجر وجب عليه‬
‫أن يتعلّم ما شرعه اللّه في الجارة ‪ ،‬ومن صلّى وجب عليه أن يتعلّم حكم اللّه‬
‫تعالى في هذه الصّلة ‪ ،‬وهكذا في كلّ ما يريد القدام عليه ‪ ،‬لقوله تعالى ‪ { :‬ول‬
‫تقف ما ليس لك به علم } فل يجوز الشّروع في شيءٍ حتّى يعلم حكمه ‪ ،‬فيكون‬
‫طلب العلم واجبا في كلّ مسألةٍ ‪ ،‬وترك التّعلّم معصيةً يؤاخذ بها ‪ .‬أمّا المؤاخذة‬
‫بالنّسبة للتّصرّف الّذي وقع باطلً مع الجهل ‪ ،‬فقد ذكر القرافيّ في الفروق ‪ :‬أنّ‬
‫صاحب الشّرع قد تسامح في جهالتٍ في الشّريعة ‪ ،‬فعفا عن مرتكبها ‪ ،‬وأخذ‬
‫بجهالتٍ ‪ ،‬فلم يعف عن مرتكبها ‪ .‬وانظر للتّفصيل مصطلح ( جهل ‪ ،‬نسيان ) ‪.‬‬

‫النكار على من فعل الباطل ‪:‬‬


‫‪ - 9‬إن كان الفعل متّفقا على بطلنه ‪ ،‬فإنكاره واجب على مسلمٍ ‪ .‬أمّا إن كان مختلفا فيه ‪ ،‬فل‬
‫إنكار فيه ‪ .‬قال الزّركشيّ ‪ :‬النكار من المنكر إنّما يكون فيما اجتمع عليه ‪ ،‬فأمّا المختلف فيه‬
‫ل مجتهدٍ مصيب ‪ ،‬أو المصيب واحد ول نعلمه ‪ ،‬ولم يزل الخلف بين‬
‫نكّ‬
‫فل إنكار فيه ‪ ،‬ل ّ‬
‫السّلف في الفروع ‪ ،‬ول ينكر أحد على غيره أمرا مجتهدا فيه ‪ ،‬وإنّما ينكرون ما خالف‬
‫نصّا ‪ ،‬أو إجماعا قطعيّا أو قياسا جليّا ‪ ،‬وهذا إذا كان الفاعل ل يرى تحريمه ‪ ،‬فإن كان يراه‬
‫ل ذلك خلف وتفصيل يرجع إليه في ( إنكار ‪ ،‬أمر بالمعروف ‪،‬‬
‫فالصحّ النكار ‪ .‬وفي ك ّ‬
‫اجتهاد ‪ ،‬تقليد ‪ ،‬اختلف ‪ ،‬إفتاء ‪ ،‬رخصة ) ‪.‬‬

‫الختلف في التّفريق بين البطلن والفساد ‪ ،‬وسبب ذلك ‪:‬‬


‫‪ - 10‬يرى المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة أنّه ل فرق بين البطلن والفساد في التّصرّفات ‪ ،‬سواء‬
‫أكان ذلك في العبادات ‪ ،‬كالصّلة مع ترك ركنٍ من أركانها ‪ ،‬أو شرطٍ من شروطها ‪ ،‬أم كان‬
‫ذلك في النّكاح ‪ ،‬كالعقد على إحدى المحارم ‪ ،‬أم كان في المعاوضات ‪ ،‬كبيع الميتة والدّم ‪،‬‬
‫والشّراء بالخمر ‪ ،‬والبيع المشتمل على الرّبا ‪ ،‬فكلّ من البطلن والفساد يوصف به الفعل الّذي‬
‫يقع على خلف ما طلبه الشّارع ‪ ،‬ومن أجل هذه المخالفة لم يعتبره ‪ ،‬ولم يرتّب عليه أيّ أثرٍ‬
‫من الثار الّتي تترتّب على الفعل الصّحيح ‪ .‬فالجمهور يطلقونهما ‪ ،‬ويريدون بهما معنًى واحدا‬
‫‪ ،‬وهو ‪ :‬وقوع الفعل على خلف ما طلبه الشّارع ‪ ،‬سواء أكان هذا الخلف راجعا إلى فوات‬
‫ركنٍ من أركان الفعل ‪ ،‬أم راجعا إلى فوات شرطٍ من شروطه ‪ .‬أمّا الحنفيّة فإنّهم ‪ -‬على‬
‫ن البطلن والفساد مترادفان بالنّسبة‬
‫المشهور عندهم ‪ ،‬وهو المعتمد ‪ -‬يوافقون الجمهور في أ ّ‬
‫للعبادات ‪ .‬أمّا بالنّسبة للمعاملت ‪ ،‬فإنّهم يخالفون الجمهور ‪ ،‬فيفرّقون بينهما ‪ ،‬ويجعلون للفساد‬
‫معنًى يخالف معنى البطلن ‪ ،‬ويقوم هذا التّفريق على أساس التّمييز بين أصل العقد ووصفه ‪.‬‬
‫فأصل العقد هو أركانه وشرائط انعقاده ‪ ،‬من أهليّة العاقد ومحّليّة المعقود عليه وغيرهما ‪،‬‬
‫كاليجاب والقبول ‪ ...‬وهكذا ‪ .‬أمّا وصف العقد ‪ ،‬فهي شروط الصّحّة ‪ ،‬وهي العناصر‬
‫المكمّلة للعقد ‪ ،‬كخلوّه عن الرّبا ‪ ،‬وعن شرطٍ من الشّروط الفاسدة ‪ ،‬وعن الغرر والضّرر ‪.‬‬
‫وعلى هذا الساس يقول الحنفيّة ‪ :‬إذا حصل خلل في أصل العقد ‪ -‬بأن تخلّف ركن من أركانه‬
‫‪ ،‬أو شرط من شروط انعقاده ‪ -‬كان العقد باطلً ‪ ،‬ول وجود له ‪ ،‬ول يترتّب عليه أيّ أثرٍ‬
‫ل من الهل في المحلّ ‪ ،‬ويكون العقد فائت المعنى من كلّ‬
‫دنيويّ ‪ ،‬لنّه ل وجود للتّصرّف إ ّ‬
‫وجهٍ مع وجود الصّورة فحسب ‪ ،‬إمّا لنعدام محلّ التّصرّف كبيع الميتة والدّم ‪ ،‬أو لنعدام‬
‫أهليّة المتصرّف كالبيع الصّادر من المجنون أو الصّبيّ الّذي ل يعقل ‪ .‬أمّا إذا كان أصل العقد‬
‫سالما من الخلل ‪ ،‬وحصل خلل في الوصف ‪ ،‬بأن اشتمل العقد على شرطٍ فاسدٍ ‪ ،‬أو ربا ‪ ،‬فإنّ‬
‫العقد يكون فاسدا ل باطلً ‪ ،‬وتترتّب عليه بعض الثار دون بعضٍ ‪.‬‬
‫‪ - 11‬والسّبب في هذا الختلف بين الجمهور والحنفيّة ‪ ،‬يرجع إلى اختلف هؤلء الفقهاء في‬
‫ف من أوصاف العمل اللّازمة له ‪ ،‬كالنّهي عن البيع المشتمل على‬
‫أثر النّهي إذا توجّه إلى وص ٍ‬
‫الرّبا أو شرطٍ فاسدٍ ‪ .‬فالجمهور يقولون ‪ :‬إنّه يقتضي بطلن كلّ من الوصف والصل ‪ ،‬كأثر‬
‫ي عنه لوصفٍ لزمٍ له اسم‬
‫النّهي المتوجّه إلى ذات الفعل وحقيقته ‪ ،‬ويطلقون على الفعل المنه ّ‬
‫الفاسد أو الباطل ‪ ،‬ول يرتّبون عليه أيّ أثرٍ من الثار المقصودة منه ‪ ،‬ولهذا كان البيع‬
‫المشتمل على الرّبا ‪ ،‬أو على شرطٍ فاسدٍ ‪ ،‬أو نحو هذا من قبيل الباطل عندهم أو الفاسد ‪.‬‬
‫والحنفيّة يقولون ‪ :‬إنّه يقتضي بطلن الوصف فقط ‪ ،‬أمّا أصل العمل فهو باقٍ على مشروعيّته‬
‫بخلف النّهي المتوجّه إلى ذات الفعل وحقيقته ‪ ،‬ويطلقون على الفعل المنهيّ عنه لوصفٍ لزمٍ‬
‫له اسم الفاسد ل الباطل ‪ ،‬ويرتّبون عليه بعض الثار دون بعضٍ ‪ ،‬ولهذا كان البيع المشتمل‬
‫على الرّبا ‪ ،‬أو على شرطٍ فاسدٍ ونحوهما من قبيل الفاسد عندهم ‪ ،‬ل من قبيل الباطل ‪.‬‬
‫ل كلّ من الفريقين لما ذهب إليه بأدلّ ٍة كثير ٍة ‪ ،‬أهمّها ما يأتي ‪ :‬أمّا الجمهور فقد‬
‫‪ - 12‬وقد استد ّ‬
‫استدلّوا بقول النّبيّ صلى ال عليه وسلم ‪ { :‬من أحدث في أمرنا ما ليس منه فهو ردّ } فإنّه‬
‫ن العمل متى خالف أمر الشّارع صار غير معتبرٍ في نظره ‪ ،‬فل تترتّب عليه‬
‫يدلّ على أ ّ‬
‫الحكام الّتي يقصدها منه ‪ ،‬سواء أكانت المخالفة راجعةً إلى ذات العمل وحقيقته ‪ ،‬أم إلى‬
‫وصفٍ من الوصاف اللّازمة له ‪ .‬وأمّا الحنفيّة فإنّهم استندوا إلى أنّ الشّارع قد وضع العبادات‬
‫والمعاملت أسبابا لحكامٍ تترتّب عليها ‪ ،‬فإذا نهى الشّارع عن شيءٍ منها لوصفٍ من‬
‫ن النّهي متوجّه إليه ‪،‬‬
‫الوصاف اللّازمة له ‪ ،‬كان النّهي مقتضيا بطلن هذا الوصف فقط ‪ ،‬ل ّ‬
‫فيقتصر أثره عليه ‪ ،‬فإذا لم يكن وجود هذا الوصف مخلّا بحقيقة التّصرّف الموصوف به ‪،‬‬
‫بقيت حقيقته قائمةً ‪ ،‬وحينئذٍ يجب أن يثبت لك ّل منهما مقتضاه ‪ .‬فإذا كان المنهيّ عنه بيعا مثلً‬
‫‪ ،‬ووجدت حقيقته بوجود ركنه ومحلّه ‪ ،‬ثبت الملك به نظرا لوجود حقيقته ‪ ،‬ووجب فسخه‬
‫نظرا لوجود الوصف المنهيّ عنه ‪ ،‬وبذلك يمكن مراعاة الجانبين ‪ ،‬وإعطاء كلّ منها حكمه‬
‫ل إذا لم‬
‫ن العبادات لمّا كان المقصود منها المتثال والطّاعة ‪ ،‬ول يتحقّق هذا إ ّ‬
‫اللّائق به ‪ .‬إلّ أ ّ‬
‫تحصل فيها مخالفة ما ‪ ،‬ل في الصل ول في الوصف ‪ ،‬كانت مخالفة أمر الشّارع فيها‬
‫مقتضي ًة للفساد والبطلن ‪ ،‬سواء أكانت هذه المخالفة راجعةً إلى ذات العبادة ‪ ،‬أم إلى صفةٍ من‬
‫ن الجمهور وإن كانوا ل يفرّقون بين الفاسد والباطل‬
‫صفاتها اللّازمة ‪ .‬بقي بعد ذلك أن نذكر أ ّ‬
‫‪ -‬على ما جاء في قواعدهم العامّة ‪ -‬إلّ أنّه يتبيّن وجود الخلف في كثيرٍ من أبواب الفقه ‪،‬‬
‫كما يؤخذ من نصوصهم ‪ ،‬غير أنّهم اعتبروا ذلك استثنا ًء من القاعدة العامّة كما يقول الشّافعيّة‬
‫ب من‬
‫‪ ،‬أو للتّفرقة في مسائل الدّليل كما يقول الحنابلة والمالكيّة ‪ ،‬وتفصيل ذلك في كلّ با ٍ‬
‫أبواب الفقه ينظر في مواضعه ‪.‬‬

‫تجزّؤ البطلن ‪:‬‬


‫‪ - 13‬المراد بتجزّؤ البطلن ‪ :‬أن يشمل التّصرّف على ما يجوز وما ل يجوز ‪ ،‬فيكون في‬
‫شقّ الخر باطلً ‪ .‬ومن هذا النّوع ما يسمّى بتفريق الصّفقة ‪ .‬وهي‬
‫ق منه صحيحا ‪ ،‬وفي ال ّ‬
‫شّ‬
‫الجمع بين ما يجوز وما ل يجوز في عقدٍ واحدٍ ‪ .‬وأهمّ الصّور الواردة في ذلك ما جاء في‬
‫البيع وهي ‪.‬‬
‫شقّ الخر باطلً ‪ ،‬كبيع العصير‬
‫‪ - 14‬عقد البيع إذا كان في شقّ منه صحيحا ‪ ،‬وفي ال ّ‬
‫والخمر صفقةً واحدةً ‪ ،‬وكذلك بيع المذكّاة والميتة ‪ ،‬فالصّفقة كلّها باطلة ‪ ،‬وهذا عند الحنفيّة‬
‫والمالكيّة ‪ -‬عدا ابن القصّار منهم ‪ -‬وهو أحد قولي الشّافعيّة ( وادّعى في المهمّات أنّه‬
‫المذهب ) ‪ ،‬وفي روايةٍ عن المام أحمد ‪ .‬وذلك لنّه متى بطل العقد في البعض بطل في الكلّ‬
‫‪ ،‬لنّ الصّفقة غير متجزّئ ٍة ‪ ،‬أو لتغليب الحرام على الحلل عند اجتماعهما ‪ ،‬أو لجهالة الثّمن‬
‫‪ .‬والقول الخر للشّافعيّة ‪ -‬قالوا ‪ :‬وهو الظهر ‪ -‬والرّواية الثّانية عن المام أحمد ‪ ،‬وقول‬
‫ح البيع فيما يجوز ‪ ،‬ويبطل فيما ل‬
‫ابن القصّار من المالكيّة ‪ :‬أنّه يجوز تجزئة الصّفقة ‪ ،‬فيص ّ‬
‫ل لبطلن أحدهما ليس بأولى من تصحيح الكلّ لصحّة أحدهما ‪،‬‬
‫ن البطال في الك ّ‬
‫يجوز ‪ ،‬ل ّ‬
‫ح فيما يجوز ويبطل فيما ل يجوز ‪ .‬وقال أبو يوسف ومحمّد من‬
‫فيبقيان على حكمهما ‪ ،‬ويص ّ‬
‫الحنفيّة ‪ :‬إن عيّن ابتداءً لكلّ شقّ حصّته من الثّمن ‪ ،‬فعند ذلك نعتبر الصّفقة صفقتين مستقلّتين‬
‫‪ ،‬تجوز فيهما التّجزئة ‪ ،‬فتصحّ واحدة ‪ ،‬وتبطل الخرى ‪ .‬وإذا كان العقد في شقّ منه صحيحا‬
‫شقّ الخر موقوفا ‪ ،‬كالجمع بين ما يملكه وما يملكه غيره ‪ ،‬وبيعهما صفقةً واحدةً ‪،‬‬
‫‪ ،‬وفي ال ّ‬
‫ح فيهما ويلزم في ملكه ‪ ،‬ويقف اللّازم في ملك الغير على إجازته ‪ ،‬وهذا عند‬
‫فإنّ البيع يص ّ‬
‫المالكيّة والحنفيّة عدا زفر ‪ ،‬وهو مبنيّ عند الحنفيّة على قاعدة عدم جواز البيع بالحصّة ابتداءً‬
‫‪ ،‬وجواز ذلك بقاءً ‪ .‬وعند زفر ‪ :‬يبطل الجميع ‪ ،‬لنّ العقد وقع على المجموع ‪ ،‬والمجموع ل‬
‫ن العقد الموقوف عندهم باطل في‬
‫يتجزّأ ‪ .‬وعند الشّافعيّة والحنابلة يجري الخلف السّابق ‪ ،‬ل ّ‬
‫الصحّ ‪.‬‬
‫‪ - 15‬كذلك تجري التّجزئة في النّكاح ‪ ،‬فلو جمع في عقد النّكاح بين من تحلّ ومن ل تحلّ ‪،‬‬
‫ح نكاح الحلل اتّفاقا ‪ ،‬وبطل في من ل تحلّ ‪ .‬أمّا لو جمع بين خمسٍ ‪،‬‬
‫كمسلمةٍ ووثنيّةٍ ‪ ،‬ص ّ‬
‫ن المحرّم الجمع ‪ ،‬ل إحداهنّ أو إحداهما‬
‫أو بين أختين في عق ٍد واحدٍ فإنّه يبطل في الكلّ ‪ ،‬ل ّ‬
‫فقط ‪ ،‬وإنّما يجري خلف الفقهاء فيما لو جمع بين أم ٍة وحرّ ٍة معا في عق ٍد واحدٍ ‪ ،‬فعند الحنفيّة‬
‫ح نكاح الحرّة ‪ ،‬وبطل نكاح المة على المشهور ‪ ،‬وهو أظهر‬
‫يبطل فيهما ‪ ،‬وعند المالكيّة ص ّ‬
‫الرّوايتين عند الحنابلة والظهر عند الشّافعيّة ‪ .‬والحكم في سائر عقود المعاملت كالجارة‬
‫وغيرها كالحكم في البيع في الجملة ‪ ،‬وقد عقد الفقهاء فصلً لتفريق الصّفقة وما يجرى‬
‫مجراها من تصرّفاتٍ ‪ .‬انظر ( تفريق الصّفقة ) ‪.‬‬
‫بطلن الشّيء يستلزم بطلن ما في ضمنه وما بني عليه ‪:‬‬
‫‪ - 16‬من القواعد الفقهيّة الّتي ذكرها ابن نجيمٍ في الشباه ‪ :‬إذا بطل الشّيء بطل ما في ضمنه‬
‫‪ ،‬ثمّ قال ‪ :‬وهو معنى قولهم ‪ :‬إذا بطل المتضمّن ( بالكسر ) بطل المتضمّن ( بالفتح ) وأورد‬
‫لذلك عدّة أمثل ٍة منها ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬لو قال ‪ :‬بعتك دمي بألفٍ ‪ ،‬فقتله وجب القصاص ‪ ،‬ول يعتبر ما في ضمنه من الذن بقتله‬
‫‪.‬‬
‫ب ‪ -‬التّعاطي ضمن عقدٍ فاسدٍ أو باطلٍ ل ينعقد به البيع ‪.‬‬
‫ج ‪ -‬لو أبرأه أو أقرّ له ضمن عقدٍ فاس ٍد فسد البراء ‪.‬‬
‫ح ‪ ،‬فلم يلزم ما في‬
‫ن النّكاح الثّاني لم يص ّ‬
‫د ‪ -‬لو جدّد النّكاح لمنكوحته بمهرٍ لم يلزمه ‪ ،‬ل ّ‬
‫ضمنه من المهر ‪ .‬إلّ أنّ أغلب كتب الحنفيّة تجري القاعدة على الفساد ل على البطلن ‪ ،‬لنّ‬
‫الباطل معدوم شرعا أصلً ووصفا ‪ ،‬والمعدوم ل يتضمّن شيئا ‪ ،‬أمّا الفاسد فهو فائت الوصف‬
‫ح أن يكون متضمّنا ‪ ،‬فإن فسد المتضمّن فسد‬
‫دون الصل ‪ ،‬فلم يكن معدوما بأصله فص ّ‬
‫المتضمّن ‪.‬‬
‫‪ - 17‬هذا والمذاهب الخرى ‪ -‬وهي الّتي ل تفرّق بين البطلن والفساد ‪ -‬تسير على هذا‬
‫النّهج ‪ ،‬واستثنوا من ذلك صورا ‪ .‬ففي كتب الشّافعيّة ‪ :‬الفاسد من العقود المتضمّنة للذن ‪ ،‬إذا‬
‫صدرت من المأذون ‪ ،‬صحّت ‪ ،‬كما في الوكالة المعلّقة إذا أفسدناها فتصرّف الوكيل ‪ ،‬صحّ‬
‫لوجود الذن ‪ ،‬والوكيل بالبيع مع شرط عوضٍ فاسدٍ للوكيل ‪ ،‬فالذن صحيح والعوض فاسد ‪.‬‬
‫وفي القواعد لبن رجبٍ الحنبليّ ‪ :‬العقود الجائزة كالشّركة والمضاربة والوكالة ل يمنع‬
‫فسادها نفوذ المتصرّف فيها بالذن ‪ .‬ث ّم يفرّق بين الذن في البيع ‪ -‬وهو عقد تمليكٍ ‪ -‬وبين‬
‫الذن في العقود الجائزة ‪ ،‬فيقول ‪ :‬البيع وضع لنقل الملك ل للذن وصحّة التّصرّف فيه‬
‫تستفاد من الملك ل من الذن ‪ ،‬بخلف الوكالة فإنّها موضوعة للذن ‪ .‬ويقول ابن قدامة ‪ :‬إذا‬
‫تصرّف العامل في المضاربة الفاسدة نفذ تصرّفه ‪ ،‬لنّه أذن له فيه ‪ ،‬فإذا بطل العقد بقي الذن‬
‫‪ ،‬فملك به التّصرّف ‪ .‬وقواعد المالكيّة ل تأبى ذلك ‪ .‬هذه هي قاعدة التّضمّن ‪ .‬لكن هناك‬
‫قاعدة أخرى شبيهة بها ‪ ،‬وهي ‪ :‬إذا سقط الصل سقط الفرع ‪ ،‬ومنها ‪ :‬التّابع يسقط بسقوط‬
‫المتبوع ‪ ،‬وقد مثّل الفقهاء لذلك بقولهم ‪ :‬لو أبرأ الدّائن المدين من الدّين ‪ ،‬فكما أنّه يبرأ المدين‬
‫يبرأ منه الكفيل أيضا ‪ ،‬لنّ المدين في الدّين أصل ‪ ،‬والكفيل فرع ‪.‬‬

‫تصحيح العقد الباطل ‪:‬‬


‫‪ - 18‬تصحيح العقد الباطل يمكن تصويره بصورتين ‪ :‬الولى ‪ :‬إذا ارتفع ما يبطل العقد فهل‬
‫ينقلب صحيحا الثّانية ‪ :‬أن تؤدّي صيغة العقد الباطل إلى معنى عقدٍ آخر صحيحٍ ‪.‬‬
‫‪ - 19‬أمّا الصّورة الولى ‪ :‬فإنّ الحنفيّة والشّافعيّة والحنابلة ل يصير العقد الباطل صحيحا‬
‫عندهم إذا ارتفع ما يبطله ‪ .‬وعلى ذلك ‪ :‬ل يجوز بيع الدّقيق في الحنطة ‪ ،‬والزّيت في‬
‫الزّيتون ‪ ،‬واللّبن في الضّرع ‪ ،‬والبذر في البطّيخ ‪ ،‬والنّوى في التّمر ‪ ،‬لنّه ل يعلّم وجوده فهو‬
‫كالمعدوم ‪ ،‬حتّى لو سلّم اللّبن أو الدّقيق أو العصير ل ينقلب صحيحا ‪ ،‬لنّ المعقود عليه‬
‫كالمعدوم حالة العقد ‪ ،‬ول يتصوّر انعقاد العقد بدونه ‪ ،‬فلم ينعقد أصلً ‪ ،‬فل يحتمل التّصحيح ‪.‬‬
‫أمّا الجمهور ( وهم ل يفرّقون في الجملة بين الفاسد والباطل ) فالحكم عند الشّافعيّة والحنابلة‬
‫كالحنفيّة ‪ ،‬ل ينقلب العقد الباطل صحيحا برفع المفسد ‪ .‬ففي كتب الشّافعيّة ‪ :‬لو حذف العاقدان‬
‫المفسد للعقد ‪ ،‬ولو في مجلس الخيار ‪ ،‬لم ينقلب العقد صحيحا ‪ ،‬إذ ل عبرة بالفاسد ‪ .‬وفي‬
‫منتهى الرادات ‪ :‬الفاسد ل ينقلب صحيحا ‪ .‬أمّا المالكيّة ‪ :‬فإنّهم يوافقون الجمهور في هذا‬
‫ن العقد ينقلب‬
‫صحّة ‪ ،‬فإ ّ‬
‫الحكم ‪ ،‬إلّ في البيع بشرطٍ ل يؤدّي إلى الخلل بشيءٍ من شروط ال ّ‬
‫ن البائع متى ردّ‬
‫صحيحا إذا أسقط الشّرط ‪ ،‬وذلك كبيع الثّنيا ‪ ،‬وهو أن يبتاع السّلعة على أ ّ‬
‫الثّمن فالسّلعة له ‪ ،‬وكالبيع بشرط السّلف ‪ ،‬فإنّ البيع عندهم يكون فاسدا ‪ ،‬لكنّه ينقلب صحيحا‬
‫إن حذف الشّرط ‪.‬‬

‫أمّا الصّورة الثّانية ‪ :‬وهي تحوّل العقد الباطل إلى عقدٍ آخر صحيحٍ ‪ ،‬فيكاد الفقهاء‬
‫يتّفقون على أنّه متى أمكن تحويل العقد الباطل إلى عقدٍ آخر صحيحٍ ‪ -‬لتوفّر‬
‫أسباب الصّحّة فيه ‪ -‬صحّ ذلك ‪ ،‬سواء أكانت الصّحّة عن طريق المعنى عند‬
‫بعض الفقهاء ‪ ،‬أم عن طريق اللّفظ عند البعض الخر ‪ ،‬نظرا لختلفهم في قاعدة‬
‫‪ -‬ومن أمثلة ذلك ما يأتي ‪:‬‬ ‫‪21‬‬ ‫‪ :‬هل العبرة بصيغ العقود أو معانيها ‪.‬‬
‫المضاربة ‪ ،‬وهي ‪ :‬أن يدفع شخص إلى آخر ماله ليتّجر فيه ‪ ،‬ويكون الرّبح بينهما‬
‫بحسب ما يتّفقان ‪ ،‬ويسمّى القائم بالتّجارة مضاربا ‪ ،‬فلو شرط في عقد المضاربة‬
‫الرّبح كلّه للمضارب لم يكن مضاربةً ‪ ،‬ولكن يكون قرضا ‪ ،‬تصحيحا للعقد ‪ ،‬لنّه‬
‫ن المضارب ل يملك رأس مال المضاربة حتّى‬
‫لو بقي مضاربةً لكان باطلً ‪ ،‬ل ّ‬
‫يكون الرّبح كلّه له ‪ ،‬فجعل قرضا ‪ ،‬نظرا للمعنى ‪ ،‬ليصحّ العقد ‪ .‬وكذلك لو شرط‬
‫الرّبح كلّه لربّ المال ‪ ،‬اعتبر العقد في هذه الحالة إبضاعا ‪ ،‬تصحيحا للعقد ‪ ،‬وفي‬
‫هذه الحالة يكون المضارب وكيلً متبرّعا لصاحب المال ‪ .‬نصّ على ذلك فقهاء‬
‫الحنفيّة ‪ .‬وبه قال المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة ‪ ،‬وصحّحوا الوكالة إذا عقدت بلفظ‬
‫الحوالة ‪ ،‬والحوالة إذا عقدت بلفظ الوكالة ‪ ،‬لشتراكهما في المعنى ‪ ،‬حيث قالوا ‪:‬‬
‫إن أحال من ليس عليه دين رجلً على رجلٍ آخر مدينٍ له ‪ ،‬لم يكن هذا التّصرّف‬
‫حوالةً ‪ ،‬بل وكالةً تترتّب عليه أحكامها ‪ ،‬وإن أحال من عليه دين صاحب الدّين‬
‫على رجلٍ ليس له عليه دين ‪ ،‬لم يجعل هذا التّصرّف حوالةً ‪ ،‬بل اقتراضا ‪ ،‬وإن‬
‫كان الّذي أحاله ل دين له عليه اعتبر وكالةً في القتراض ‪ .‬وفي الفقه الشّافعيّ ‪:‬‬
‫إذا وهب شخص لخر شيئا بشرط الثّواب ‪ ،‬اعتبر هذا التّصرّف بيعا بالثّمن ل‬
‫هبةً ‪ ،‬في أصحّ القوال ‪.‬‬

‫الباطل ل يصير صحيحا بتقادم الزّمان أو بحكم الحاكم ‪:‬‬


‫‪ - 22‬التّصرّفات الباطلة ل تنقلب صحيح ًة بتقادم الزّمان ‪ ،‬ولو حكم حاكم بنفاذ التّصرّفات‬
‫ل لحدٍ النتفاع بحقّ‬
‫الباطلة ‪ ،‬فإنّ ثبوت الحقّ وعودته يعتبر قائما في نفس المر ‪ ،‬ول يح ّ‬
‫غيره نتيجة تص ّرفٍ باطلٍ ما دام يعلم بذلك ‪ .‬فإنّ حكم الحاكم ل يحلّ حراما ول يحرّم حللً ‪.‬‬
‫ج يبنون عليها‬
‫هذا هو الصل ‪ ،‬والقضاة إنّما يقضون بحسب ما يظهر لهم من أدلّةٍ وحج ٍ‬
‫أحكامهم ‪ ،‬وقد تكون غير صحيح ٍة في نفس المر ‪ .‬ولذلك يقول النّبيّ صلى ال عليه وسلم‬
‫ل بعضكم أن يكون‬
‫فيما روت أمّ سلمة عنه ‪ { :‬إنّما أنا بشر ‪ ،‬وإنّكم تختصمون إليّ ‪ ،‬ولع ّ‬
‫ألحن بحجّته من بعضٍ ‪ ،‬فأقضي له بما أسمع ‪ ،‬وأظنّه صادقا ‪ ،‬فمن قضيت له بشيءٍ من حقّ‬
‫أخيه فل يأخذ منه شيئا ‪ ،‬فإنّما أقطع له قطع ًة من النّار } ‪ - 23 .‬ومضيّ فترةٍ من الزّمن على‬
‫أيّ تص ّرفٍ ‪ ،‬مع عدم تقدّم أحدٍ إلى القضاء بدعوى بطلن هذا التّصرّف ‪ ،‬ربّما يعني صحّة‬
‫هذا التّصرّف أو رضى صاحب الحقّ به ‪ .‬ومن هنا نشأ عدم سماع الدّعوى بعد مضيّ م ّدةٍ‬
‫معيّنةٍ ‪ ،‬يختلف الفقهاء في تحديدها بحسب الحوال ‪ ،‬وبحسب الشّيء المدّعى به ‪ ،‬وبحسب‬
‫القرابة وعدمها ‪ ،‬ومدّة الحيازة ‪ ،‬لكنّ مضيّ المدّة الّتي تمنع سماع الدّعوى ل أثر له في صحّة‬
‫التّصرّف ‪ ،‬إن كان باطلً ‪ .‬يقول ابن نجيمٍ ‪ :‬الحقّ ل يسقط بتقادم الزّمان ‪ ،‬قذفا أو قصاصا أو‬
‫ل في مسائل منها‬
‫لعانا أو حقّا للعبد ‪ .‬ويقول ‪ :‬ينفذ قضاء القاضي في المسائل المجتهد فيها ‪ ،‬إ ّ‬
‫ي المدّة ‪ ،‬أو بصحّة نكاح المتعة ‪ ،‬أو بسقوط المهر بالتّقادم ‪.‬‬
‫‪ :‬لو قضى ببطلن الحقّ بمض ّ‬
‫وفي التّكملة لبن عابدين ‪ :‬من القضاء الباطل ‪ :‬القضاء بسقوط الحقّ بمضيّ سنين ‪ .‬ثمّ يقول‬
‫‪ .‬عدم سماع الدّعوى بعد مضيّ ثلثين سنةً ‪ ،‬أو بعد الطّلع على التّصرّف ‪ ،‬ليس مبنيّا على‬
‫بطلن الحقّ في ذلك ‪ ،‬وإنّما هو مجرّد منعٍ للقضاء عن سماع الدّعوى ‪ ،‬مع بقاء الحقّ‬
‫لصاحبه ‪ ،‬حتّى لو أقرّ به الخصم يلزمه ‪ .‬وفي منتهى الرادات ‪ :‬تقبل الشّهادة بح ّد قديمٍ على‬
‫الصّحيح ‪ ،‬لنّها شهادة بحقّ ‪ ،‬فجازت مع تقادم الزّمان ‪ .‬والمالكيّة ‪ -‬وإن كانوا يشترطون‬
‫ن ذلك‬
‫لعدم سماع الدّعوى حيازة الشّيء المدّعى به مدّةً تختلف بحسبه من عقارٍ وغيره ‪ -‬إلّ أ ّ‬
‫مقيّد بكون المدّعي حاضرا مدّة حيازة الغير ‪ ،‬ويراه يقوم بالهدم والبناء والتّصرّف وهو‬
‫ن الحيازة ل تفيد شيئا مهما طالت المدّة ‪ ،‬وفي فتح العليّ لمالكٍ‬
‫ساكت ‪ .‬أمّا إذا كان ينازعه فإ ّ‬
‫‪ :‬رجل استولى على أرضٍ بعد موت أهلها بغير حقّ ‪ ،‬مع وجود ورثتهم ‪ ،‬وبناها ونازعه‬
‫الورثة ‪ ،‬ولم يقدروا على منعه لكونه من رؤساء بلدتهم ‪ ،‬فهل ل تعتبر حيازته ولو طالت‬
‫مدّتها ؟ أجيب ‪ :‬نعم ‪ .‬ل تعتبر حيازته ولو طالت مدّتها ‪ ...‬سمع يحيى من ابن القاسم ‪ :‬من‬
‫عرف بغصب أموال النّاس ل ينتفع بحيازته مال غيره في وجهه ‪ ،‬فل يصدّق فيما يدّعيه من‬
‫شرا ٍء أو عطيّةٍ ‪ ،‬وإن طال بيده أعواما إن أقرّ بأصل الملك لمدّعيه ‪ ،‬أو قامت له به بيّنة ‪.‬‬
‫ن الحيازة ل توجب الملك ‪ ،‬وإنّما هي دليل عليه‬
‫قال ابن رشدٍ ‪ :‬هذا صحيح ل خلف فيه ‪ ،‬ل ّ‬
‫ن الظّاهر أنّه ل يجوز أخذ مال‬
‫توجب تصديق غير الغاصب فيما ادّعاه من تصير إليه ‪ ،‬ل ّ‬
‫ل وقد صار إلى حائز ٍة إذا حازه عشرة أعوامٍ‬
‫أحدٍ ‪ ،‬وهو حاضر ل يطلبه ول يدّعيه ‪ ،‬إ ّ‬
‫ونحوها ‪ .‬وتنظر تفصيلت ذلك في ( دعوى ‪ .‬تقادم ‪ .‬حيازة ) ‪ .‬وبالنّسبة للعبادات ‪ :‬فمن‬
‫ن ذمّته تظلّ مشغول ًة بها حتّى يقضيها ‪.‬‬
‫ن من بطلت عبادته ‪ ،‬فإ ّ‬
‫المقرّر أ ّ‬

‫آثار البطلن ‪ :‬تختلف آثار البطلن بالنّسبة للتّصرّفات ‪ ،‬وبيان ذلك فيما يلي ‪:‬‬
‫أوّلً ‪ -‬بالنّسبة للعبادات ‪:‬‬
‫‪ - 24‬بطلن العبادات يترتّب عليه عدّة آثارٍ منها ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬استمرار انشغال ال ّذمّة بالعبادة إلى أن ‪ -‬تؤدّى إن كانت العبادة ليس لها وقت محدّد‬
‫كالزّكاة ‪ ،‬وعبّر بعض الفقهاء فيها بالعادة ‪ -‬أو تقضى ‪ ،‬إن كانت العبادة ل يتّسع وقتها‬
‫لمثلها كرمضان ‪ - .‬أو تعاد ‪ ،‬إن كان وقتها يتّسع لغيرها معها كالصّلة ‪ .‬فإن خرج الوقت‬
‫كانت قضا ًء أو يؤتى بالبدل ‪ ،‬كالظّهر لمن بطلت جمعته ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬العقوبة الدّنيويّة في بعض العبادات كالكفّارة على من تعمّد الفطار في رمضان ‪ .‬ج ‪-‬‬
‫ج ‪ ،‬إذ يجب المساك‬
‫وجوب النقطاع عن المضيّ في الصّلة إذا بطلت ل في الصّيام والح ّ‬
‫ج الفاسد ‪ ،‬مع القضاء فيهما ‪.‬‬
‫في الصّوم في رمضان ‪ ،‬والمضيّ في الح ّ‬
‫د ‪ -‬حقّ استرداد الزّكاة إذا أعطيت لغير مستحقّ ‪ .‬وفي كلّ ما سبق تفصيل ينظر في أبوابه ‪.‬‬

‫ثانيا ‪ :‬أثر البطلن في المعاملت ‪:‬‬


‫‪ - 25‬العقد الباطل في اصطلح الحنفيّة ل وجود له إلّ من حيث الصّورة ‪ ،‬فليس له وجود‬
‫ي ‪ ،‬ومن ثمّ فهو عدم ‪ ،‬والعدم ل ينتج أثرا ‪ .‬وهو منقوض من أساسه ‪ ،‬ول يحتاج لحكم‬
‫شرع ّ‬
‫حاكمٍ لنقضه ‪ .‬ول تلحقه الجازة ‪ ،‬لنّه غير منعقدٍ أصلً فهو معدوم ‪ ،‬والجازة ل تلحق‬
‫المعدوم ‪ ،‬لنّه متلشٍ ‪ .‬ول يملك بالعقد الباطل ما يملك بغيره ‪ ،‬وإذا حدث فيه تسليم يجب‬
‫ال ّردّ ‪ .‬ففي البيع الباطل ل ينتقل الملك بالقبض ولذا يجب الرّدّ ‪ .‬يقول ابن رشدٍ من المالكيّة ‪:‬‬
‫ن البيوع الفاسدة ‪ -‬وهي الباطلة عند الحنفيّة ‪ -‬إذا وقعت ولم تفت ‪ ،‬حكمها‬
‫اتّفق العلماء على أ ّ‬
‫ال ّردّ ‪ ،‬أي أن ير ّد البائع الثّمن ‪ ،‬ويردّ المشتري المثمّن ‪ .‬ول يملك المصالح ما صالح به في‬
‫الصّلح الباطل ‪ ،‬ويرجع الدّافع بما دفع ‪ .‬ول يملك الموهوب له الهبة في الهبة الباطلة ‪ .‬ول‬
‫يملك المرتهن حبس المرهون في الرّهن الباطل ‪ .‬ول يملك المكاتب ح ّريّته في الكتابة الباطلة‬
‫ن أخذها‬
‫‪ .‬وفي الجارة الباطلة الّتي ليست محلّا للجارة ‪ ،‬ل تملك الجرة ويجب ردّها ‪ ،‬ل ّ‬
‫حرام ‪ ،‬وتعتبر من أكل الموال بالباطل ‪ .‬ول يملك الستمتاع بالبضع والنتفاع به في النّكاح‬
‫الباطل ‪ .‬وهكذا الحكم في كلّ العقود الباطلة على وجه الجمال ‪ ،‬مع تفصيلتٍ تنظر في‬
‫مواضعها ‪ .‬لكنّ وجود العقد الباطل كصورةٍ قد ينتج أثرا ‪ ،‬وذلك إذا حدث فيه تسليم وامتنع‬
‫ال ّردّ للفوات ‪ ،‬فهل يكون فيه الضّمان أو ل يكون ‪ .‬وبيان ذلك فيما يلي ‪ :‬الضّمان ‪:‬‬
‫ن جمهور الفقهاء ل يفرّقون في قواعدهم العامّة بين الباطل والفاسد إلّ أنّه بالنّسبة‬
‫‪ - 26‬رغم أ ّ‬
‫لبعض الحكام نجد التّفريق بينهما ‪ .‬والضّمان ممّا يفترقان فيه وبيان ذلك فيما يلي ‪ :‬في قاعدةٍ‬
‫ن كلّ عقدٍ اقتضى صحيحه الضّمان بعد التّسليم كالبيع ففاسده كذلك‬
‫عند الشّافعيّة والحنابلة أ ّ‬
‫يقتضي الضّمان ‪ ،‬وإن اقتضى صحيحه عدم الضّمان كالقراض ففاسده كذلك ل يقتضي‬
‫ن عدم اقتضاء الضّمان مقيّد بما إذا كان القبض صحيحا ‪ ،‬بأن كان الذن في‬
‫الضّمان ‪ .‬لك ّ‬
‫قبضه صادرا من أهله ‪ ،‬ويكون وضع اليد عليه في هذه الحالة صحيحا ‪ ،‬وحينئذٍ فل ضمان‬
‫مع فساد القبض ‪ .‬أمّا إذا لم يوجد إذن أصلً ‪ ،‬أو صدر ولم يكن صحيحا ‪ ،‬لكونه من غير‬
‫أهله ‪ ،‬أو في ظلّ الكراه ‪ ،‬فإنّ القبض يكون باطلً ‪ ،‬وحينئذٍ يجب الضّمان مطلقا ‪ ،‬سواء‬
‫أكان صحيحه ل ضمان فيه ‪ ،‬أم كان فيه الضّمان ‪ .‬جاء في نهاية المحتاج ‪ :‬فاسد كلّ عقدٍ‬
‫صدر من رشيدٍ كصحيحه ‪ ،‬في الضّمان وعدمه ‪ ،‬لنّ العقد إن اقتضى صحيحه الضّمان بعد‬
‫التّسليم كالبيع والعارة ففاسده أولى ‪ .‬وإن اقتضى صحيحه عدم الضّمان كالرّهن ‪ ،‬والهبة من‬
‫غير ثوابٍ ‪ ،‬والعين المستأجرة ‪ ،‬ففاسده كذلك ل يقتضي الضّمان ‪ .‬ومثل ذلك في حاشية‬
‫الجمل وغيرها من كتب الشّافعيّة ‪ - 27 .‬واعتبار عدم الضّمان مع البطلن في عقود‬
‫التّصرّفات والمانات لوجود الذن الصّادر من أهله ‪ ،‬والضّمان إن كان الذن من غير أهله ‪،‬‬
‫هو أيضا مذهب الحنفيّة والمالكيّة في الجملة على ما يستفاد من أقوالهم ‪ ،‬مع الختلف فيمن‬
‫ل للذن ‪ ،‬ومن ل يعتبر كالسّفيه ‪ ،‬ومع الختلف أيضا في العقود المضمونة في‬
‫يعتبر أه ً‬
‫صحيحها ‪ ،‬أو غير المضمونة كالرّهن والعاريّة ‪ .‬ويعتبر أبو حنيفة المبيع في البيع الباطل إذا‬
‫ن العقد إذا بطل بقي مجرّد القبض بإذن‬
‫قبضه المشتري أمانةً ‪ ،‬ول ضمان عليه لو هلك ‪ ،‬ل ّ‬
‫المالك ‪ ،‬وهو ل يوجب الضّمان إلّ بالتّعدّي ‪ ،‬والقائلون بالضّمان يعلّلون ذلك بأنّه ل يكون‬
‫أدنى من المقبوض على سوم الشّراء ‪ .‬ويفرّق المالكيّة في العقد الفاسد بين ما قبض على جهة‬
‫التّملّك فيكون مضمونا ‪ ،‬وما قبض على جهة المانة فل ضمان فيه ‪ .‬جاء في الفواكه الدّواني‬
‫‪ :‬كلّ مبيعٍ فاس ٍد قبضه المبتاع قبضا مستمرّا بعد بتّ البيع فضمانه من المبتاع من يوم قبضه ‪،‬‬
‫لنّه قبضه على جهة التّملّك ‪ ،‬ل على جهة المانة ‪ .‬ومثل ذلك في الشّركة ‪ :‬لو اشترك من ل‬
‫يعتبر إذنه ‪ ،‬كصبيّ غير مأذونٍ أو سفيهٍ ‪ ،‬فل ضمان ‪.‬‬

‫أثر البطلن في النّكاح ‪:‬‬


‫‪ - 28‬من القواعد العامّة عند الجمهور أنّه ل فرق بين الباطل والفاسد ‪ ،‬ويتابعهم الحنفيّة في‬
‫ن الفقهاء يعبّرون عن‬
‫ذلك في باب النّكاح على ما عرف من القواعد العامّة عندهم ‪ .‬إلّ أ ّ‬
‫النّكاح غير الصّحيح بالباطل أحيانا ‪ ،‬وبالفاسد أحيانا أخرى ‪ .‬ويريدون بهما ما قابل الصّحيح‬
‫‪ .‬لكنّهم يقصدون بالفاسد ما كان مختلفا في فساده بين المذاهب ‪ ،‬كالنّكاح بدون شهودٍ ‪ ،‬حيث‬
‫يجيز المالكيّة العقد بدونه ‪ ،‬وإن كانوا يشترطون الشهاد قبل الدّخول ‪ ،‬ويجيزه أيضا أبو ثورٍ‬
‫وجماعة ‪ .‬وكنكاح المحرم بالحجّ ‪ ،‬والنّكاح بدون وليّ ‪ ،‬حيث يجيزهما الحنفيّة ‪ .‬وكنكاح‬
‫الشّغار يصحّحه الحنفيّة ويلغون الشّرط ‪ ،‬ويوجبون مهر المثل لك ّل من المرأتين ‪ .‬ويقصدون‬
‫بالباطل ‪ :‬ما كان مجمعا على فساده بين المذاهب ‪ ،‬كنكاح الخامسة ‪ ،‬أو المتزوّجة من الغير ‪،‬‬
‫أو المطلّقة ثلثا ‪ ،‬أو نكاح المحارم ‪ .‬والنّكاح الباطل أو الفاسد واجب الفسخ عند الجميع‬
‫بالنّسبة للمتّفق على فساده ‪ ،‬وعند القائلين بالفساد بالنّسبة للمختلف فيه ‪ ،‬إلّ إذا حكم حاكم‬
‫بصحّته ‪ ،‬فل ينقض حكمه ‪ .‬والتّفريق في المتّفق على فساده ليس طلقا بالجماع ‪ ،‬وإنّما هو‬
‫فسخ أو متاركة ‪ ،‬وأمّا المختلف فيه ‪ ،‬ففي اعتبار التّفريق طلقا أم ل اختلف الفقهاء ‪ .‬ر ‪:‬‬
‫( طلق ‪ -‬فرقة ‪ -‬فسخ ) ‪ .‬ول حكم للنّكاح الباطل أو الفاسد قبل الدّخول في الجملة على ما‬
‫سيعرف ‪ ،‬لنّه ليس بنكاحٍ حقيقةً ‪ ،‬لنعدام ملك منافع البضع بالعقد الباطل أو الفاسد ‪ .‬أمّا بعد‬
‫الدّخول فيتعلّق بالفاسد بعض الحكام ‪ ،‬لعتباره منعقدا ضرورةً في حقّ المنافع المستوفاة ‪.‬‬
‫وفيما يلي بيان أه ّم الحكام الّتي تتعلّق به ‪ :‬المهر ‪:‬‬
‫‪ - 29‬ل يستحقّ المهر في النّكاح الفاسد مطلقا ‪ -‬سواء اتّفق على فساده أم ل ‪ -‬إذا حصل‬
‫التّفريق قبل الدّخول باتّفاقٍ في الجملة ‪ ،‬أو قبل الخلوة فيما اختلف فيه ‪ ،‬وذلك عند الحنابلة ‪.‬‬
‫هذا مع استثناء بعض المسائل الّتي يثبت فيها نصف المهر قبل الدّخول ‪ ،‬ومن ذلك ما يقوله‬
‫ل في المهر ‪ ،‬كنكاح المحرم بالحجّ ‪ ،‬ففيه نصف‬
‫ن سبب الفساد إذا لم يؤثّر خل ً‬
‫المالكيّة من أ ّ‬
‫الصّداق بالطّلق ‪ ،‬وجميعه بالموت ‪ .‬وكذلك النّكاح الفاسد عند المالكيّة لوقوع صداقه أقلّ من‬
‫الصّداق الشّرعيّ ‪ ،‬وامتنع الزّوج من إتمامه ( وهو ما يسمّى بنكاح الدّرهمين ‪ ،‬لنّهما أقلّ من‬
‫الصّداق الشّرعيّ ) ففيه نصف الدّرهمين بفسخه قبل الدّخول ‪ .‬ومن ذلك ما إذا ادّعى الزّوج‬
‫قبل الدّخول رضاعا محرّما بل بيّن ٍة ‪ ،‬وكذّبته الزّوجة ‪ ،‬فإنّه يفسخ ‪ ،‬وعليه نصف الصّداق كما‬
‫يقول المالكيّة والحنابلة ‪ .‬ويتّفق الفقهاء على وجوب المهر في النّكاح الفاسد مطلقا بالدّخول‬
‫( أي بالوطء ) لما روي عن النّبيّ صلى ال عليه وسلم أنّه قال ‪ { :‬أيّما امرأ ٍة أنكحت نفسها‬
‫ي صلى ال عليه وسلم‬
‫بغير إذن وليّها فنكاحها باطل ‪ ،‬فإن دخل بها فلها مهر مثلها } جعل النّب ّ‬
‫لها مهر المثل فيما له حكم النّكاح الفاسد ‪ ،‬وعلّقه بالدّخول ‪ ،‬فدلّ أنّ وجوبه متعلّق به ‪ .‬وعند‬
‫الحنابلة يجب المهر كذلك في النّكاح المختلف فيه بالخلوة ‪ .‬قال في منتهى الرادات ‪ :‬نصّا لما‬
‫في حديث عائشة رضي ال عنها من قوله صلى ال عليه وسلم ‪ { :‬فلها المهر بما استحلّ من‬
‫ن الخلوة في النّكاح الفاسد ل يجب بها شيء من‬
‫ن ابن قدامة ذكر في المغني أ ّ‬
‫فرجها } ‪ .‬إلّ أ ّ‬
‫المهر ‪ ،‬وإنّما يوجبه الوطء ولم يوجد ‪ ،‬ثمّ قال ‪ :‬وقد روي عن أحمد ما يدلّ على أنّ الخلوة‬
‫فيه كالصّحيح ‪ ،‬فيتقرّر به المهر كالصّحيح ‪ ،‬والوّل أولى ‪ .‬ويرى المالكيّة أنّ المتلذّذ بها من‬
‫غير وط ٍء تعوّض وجوبا بالجتهاد ‪ ،‬سواء أكان النّكاح مختلفا فيه أم متّفقا على فساده ‪.‬‬
‫واختلف الفقهاء في الواجب من المهر ‪ ،‬هل هو المسمّى أو مهر المثل ؟ ‪ .‬فعند الحنفيّة ‪ -‬غير‬
‫زفر ‪ -‬لها القلّ من مهر مثلها ومن المسمّى ‪ .‬وعند المالكيّة لها المسمّى ‪ ،‬وإن لم يكن مسمّى‬
‫‪ -‬كنكاح الشّغار ‪ -‬فلها مهر المثل ‪ ،‬وعند الشّافعيّة وزفر من الحنفيّة لها مهر المثل ‪ ،‬وعند‬
‫الحنابلة لها المسمّى في الفاسد ومهر المثل في الباطل ‪ .‬وفي الموضوع تفصيلت كثيرة تنظر‬
‫في ( مهر ‪ ،‬صداق ‪ ،‬نكاح ) ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬العدّة والنّسب ‪:‬‬
‫‪ - 30‬اتّفق الفقهاء على وجوب العدّة وثبوت النّسب بالوطء في النّكاح المختلف فيه بين‬
‫المذاهب ‪ ،‬كالنّكاح بدون شهودٍ ‪ ،‬أو بدون وليّ ‪ ،‬وكنكاح المحرم بالحجّ ‪ ،‬ونكاح الشّغار ‪.‬‬
‫ويزيد الحنابلة ثبوتهما بالخلوة ‪ ،‬لنّه ينفذ بحكم الحاكم أشبه الصّحيح ‪ .‬ويتّفقون كذلك على‬
‫وجوب العدّة وثبوت النّسب في النّكاح المجمع على فساده بالوطء كنكاح المعتدّة ‪ ،‬وزوجة‬
‫ن الصل‬
‫الغير والمحارم إذا كانت هناك شبهة تسقط الحدّ ‪ ،‬بأن كان ل يعلم بالحرمة ‪ ،‬ول ّ‬
‫ح يدرأ فيه الحدّ فالولد لحق بالواطئ ‪ .‬أمّا إذا لم تكن هناك شبهة‬
‫ل نكا ٍ‬
‫عند الفقهاء ‪ :‬أنّ ك ّ‬
‫تسقط الحدّ ‪ ،‬بأن كان عالما بالحرمة ‪ ،‬فل يلحق به الولد عند الجمهور ‪ ،‬وكذلك عند بعض‬
‫مشايخ الحنفيّة ‪ ،‬لنّه حيث وجب الحدّ فل يثبت النّسب ‪ .‬وعند أبي حنيفة وبعض مشايخ‬
‫ن العقد شبهة ‪ .‬وروي عن أبي يوسف ومح ّمدٍ أنّ الشّبهة تنتفي إذا كان‬
‫الحنفيّة يثبت النّسب ل ّ‬
‫النّكاح مجمعا على تحريمه والمنكوحة محرّمة على التّأبيد ‪ ،‬كالمّ والخت ‪ ،‬وعلى ذلك فل‬
‫يثبت النّسب عندهما في المحرّمة على التّأبيد ‪ ،‬فقد ذكر الخير الرّمليّ في باب المهر عن‬
‫ل أنّه روي عن مح ّمدٍ أنّه‬
‫العينيّ ومجمع الفتاوى أنّه يثبت النّسب عند أبي حنيفة خلفا لهما ‪ ،‬إ ّ‬
‫قال سقوط الحدّ عنه لشبهةٍ حكميّ ٍة فيثبت النّسب ‪ .‬هذا بالنّسبة للنّسب في النّكاح المجمع على‬
‫تحريمه مع العلم بالحرمة ‪ .‬وأمّا بالنّسبة للعدّة ‪ ،‬فعند المالكيّة والحنابلة والقائلين من الحنفيّة‬
‫بثبوت النّسب فإنّ العدّة تجب وتسمّى استبراءً ‪ ،‬ول يجب عند الشّافعيّة وبعض الحنفيّة القائلين‬
‫بعدم ثبوت النّسب ‪ .‬هذا مع اختلفهم في العدّة وهل تعتبر وقت التّفريق أو من آخر الوطآت ‪.‬‬
‫وهل تتداخل العدد أو ل تتداخل ‪ ،‬بل تستأنف ‪ .‬وهل يعتبر النّسب من وقت الدّخول أو من‬
‫وقت العقد ‪ .‬وهل تثبت بالنّكاح الباطل حرمة المصاهرة أو ل تثبت ‪ .‬وهل يثبت به الرث أو‬
‫ل ذلك تفصيلت كثيرة تنظر في مواضعها ‪.‬‬
‫ل يثبت ؟ ففي ك ّ‬

‫بعض انظر ‪ :‬بعضيّة ‪.‬‬

‫بعضيّة‬
‫التّعريف‬
‫‪ - 1‬البعضيّة ‪ :‬مصدر صناعيّ من البعض ‪ ،‬وبعض الشّيء ‪ :‬الطّائفة منه ‪ ،‬وبعضهم يقول ‪:‬‬
‫الجزء منه ‪ ،‬والجمع ‪ :‬أبعاض ‪ .‬قال ثعلب ‪ :‬أجمع أهل النّحو على أنّ البعض ‪ :‬شيء من‬
‫شيءٍ ‪ ،‬أو شيء من أشياء ‪ ،‬وهذا يتناول ما فوق النّصف ‪ ،‬كالثّمانية ‪ ،‬فإنّه يصدق عليه أنّه‬
‫شيء من العشرة ‪ ،‬ويتناول أيضا ما دون النّصف ‪ .‬وبعّضت الشّيء تبعيضا ‪ :‬جعلته أبعاضا‬
‫متمايزةً ‪ .‬وفي الصطلح ل يخرج عن معناه اللّغويّ ‪.‬‬
‫( اللفاظ ذات الصّلة ) ‪:‬‬
‫‪ - 2‬من اللفاظ ذات الصّلة " الجزئيّة والفرعيّة " وهذه اللفاظ مقاربة ‪ ،‬لنّ الجزئيّة من‬
‫الجزء ‪ ،‬والجزء من الشّيء ‪ :‬الطّائفة منه ‪ .‬والفرعيّة من الفرع ‪ ،‬وهو ما يتفرّع من أصله ‪.‬‬
‫( الحكم الجماليّ ) ‪ :‬ورد استعمال الفقهاء لهذا المصطلح في كتب الفقه في مواطن أهمّها ما‬
‫يأتي ‪ :‬في الطّهارة ‪:‬‬
‫‪ - 3‬اختلف الفقهاء في القدر الواجب في مسح الرّأس ‪ ،‬فذهب الحناف إلى أنّه يجب مسح‬
‫مقدار النّاصية ‪ ،‬وهو ربع الرّأس ‪ .‬وذهب المالكيّة والحنابلة إلى أنّه يجب مسح جميع الرّأس‬
‫‪ .‬وذهب الشّافعيّة إلى أنّه يكفي ما يقع عليه اسم المسح من الرّأس ‪ ،‬وإن قلّ ‪ .‬وتفصيل ذلك‬
‫في مصطلح ( وضوء ) ‪ .‬واختلف الفقهاء كذلك فيمن لم يجد من الماء إلّ ما يكفي بعض‬
‫ل لبعض‬
‫أعضائه ‪ .‬فذهب الحناف والمالكيّة وأكثر العلماء إلى أنّه يترك الماء الّذي ل يكفي إ ّ‬
‫أعضائه ويتيمّم ‪ ،‬وهذا أحد الوجهين عند الحنابلة ‪ ،‬وذهب الشّافعيّة في الظهر إلى أنّه يلزمه‬
‫استعماله ‪ ،‬ث ّم يتيمّم ‪ ،‬وهو الوجه الثّاني عند الحنابلة ‪ .‬وتفصيل ذلك في مصطلح ‪ ( :‬تيمّم ) ‪.‬‬

‫في الصّلة ‪:‬‬


‫ل ما يستر به بعض عورته لزمه ستره ‪ .‬وأبعاض‬
‫‪ - 4‬اتّفق الفقهاء على أنّ من لم يجد إ ّ‬
‫الصّلة في اصطلح الشّافعيّة ‪ :‬هي السّنن الّتي تجبر بسجود السّهو ‪ ،‬وهي القنوت في الصّبح‬
‫‪ ،‬أو في وتر نصف رمضان ‪ ،‬والقيام له ‪ ،‬والتّشهّد الوّل ‪ ،‬وقعوده ‪ ،‬والصّلة على النّبيّ‬
‫صلى ال عليه وسلم على الظهر ‪ .‬وسمّيت أبعاضا ‪ ،‬لنّها لمّا تأكّدت بالجبر بالسّجود أشبهت‬
‫البعاض الحقيقيّة ‪ ،‬وهي الركان ‪ .‬وما عداها من السّنن يسمّى هيئاتٍ ل تجبر بسجود‬
‫السّهو ‪ ،‬ول يشرع لها ‪ .‬ويتميّز البعض من الهيئة عند الشّافعيّة بعدّة أمورٍ ‪ .‬أوّلها ‪ :‬أنّ‬
‫البعض يجبر بسجود السّهو بخلف الهيئة ‪ ،‬فإنّها ل تجبر بسجود السّهو ‪ ،‬لعدم وروده فيها ‪.‬‬
‫ثانيها ‪ :‬أنّ البعض سنّة مستقلّة وليست تابعةً لغيرها ‪ ،‬بخلف الهيئات ‪ ،‬فإنّها ليست مستقلّةً ‪،‬‬
‫بل هي تابعة للركان ‪ ،‬كالتّكبيرات والتّسبيحات والدعية الواقعة إمّا في القيام ‪ ،‬أو الرّكوع ‪،‬‬
‫أو العتدال منها ‪ ،‬أو السّجود ‪ ،‬أو الجلوس بين السّجدتين ‪ .‬ثالثها ‪ :‬البعاض لها محلّ خاصّ‬
‫ص بها ‪ ،‬بل تقع في‬
‫بها من الصّلة ل يشاركها غيرها ‪ ،‬بخلف الهيئات فليس لها محلّ خا ّ‬
‫داخل الركان ‪ ،‬كما ذكرنا آنفا ‪ .‬رابعها ‪ :‬أنّ البعاض ل يطلب التيان بها خارج الصّلة إلّ‬
‫الصّلة على النّبيّ صلى ال عليه وسلم بخلف الهيئات ‪ ،‬فالتّكبيرات والتّسبيحات وغيرها من‬
‫الذكار مطلوبة في الصّلة وخارج الصّلة ‪ .‬ويكره ترك البعض عمدا عند الشّافعيّة ‪ ،‬ول‬
‫تبطل الصّلة به ‪ ،‬ويسجد للسّهو ندبا بتركه ‪ ،‬كما يسجد كذلك بتركه نسيانا في المعتمد‬
‫ن الخلل حاصل في الحالتين ‪ ،‬بل خلل العمد أكثر ‪ ،‬فكان للجبر أحوج ‪ .‬والمرجوح‬
‫عندهم ‪ ،‬ل ّ‬
‫سنّة على نفسه ‪ ،‬بخلف النّاسي فإنّه‬
‫لديهم أنّه إن ترك عمدا فل يسجد لتقصيره بتفويت ال ّ‬
‫معذور ‪ ،‬فناسب أن يشرع له الجبر ‪ .‬ويقابل البعض عند الحنفيّة والحنابلة الواجب ‪ ،‬وهو‬
‫عند الحنفيّة ‪ :‬ما ل تفسد الصّلة بتركه ‪ ،‬ولكن يجب إعادتها في العمد والسّهو إن لم يسجد‬
‫ح صلته في الحالتين ‪ .‬وتبطل‬
‫للسّهو في حالة النّسيان ‪ ،‬وإن لم يعدها يكون آثما ‪ ،‬وتص ّ‬
‫صلته إذا ترك الواجب عمدا عند الحنابلة ‪ ،‬ويجب سجود السّهو عند الفريقين إذا ترك‬
‫الواجب نسيانا ‪ .‬أمّا المالكيّة فيرون أنّ البعاض سنّة كالشّافعيّة ‪ ،‬وإن لم يسمّوها بهذا السم ‪.‬‬
‫ن سجود السّهو سنّة عندهم كذلك ( ر ‪ :‬صلة ) ‪.‬‬
‫كما أ ّ‬

‫في الزّكاة ‪:‬‬


‫‪ - 5‬ل يعطى من تلزم المزكّي نفقته بزوجّيةٍ أو بعضيّةٍ ‪ ،‬كالبناء والبنت ‪ ،‬من سهم الفقراء‬
‫والمساكين ‪ ،‬بل خلفٍ بين الفقهاء في ذلك ‪ ،‬فيما إذا كان المزكّي يجب عليه النفاق ‪.‬‬

‫في زكاة الفطر ‪:‬‬


‫ن الفطرة ل‬
‫‪ - 6‬لو وجد بعض الصّاع من الفطرة فهل يلزمه إخراجه ؟ ذهب الحنفيّة إلى أ ّ‬
‫ل على من ملك نصاب الزّكاة ‪ ،‬فاضلً عن مسكنه وثيابه وأثاثه وما يحتاجه ‪ .‬وذهب‬
‫تجب إ ّ‬
‫المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة إلى عدم اشتراط ملك نصاب الزّكاة ‪ ،‬واتّفقوا على أنّ من ملك‬
‫صاعا زائدا عن قوت يومٍ وليلةٍ وجب عليه إخراجه ‪ .‬أمّا من ملك بعض صاعٍ ‪ ،‬فذهب‬
‫المالكيّة إلى أنّه يجب إخراجه ‪ ،‬وهو إحدى الرّوايتين عن أحمد ‪ ،‬وذهب الشّافعيّة إلى أنّه‬
‫ح محافظةً على الواجب قدر المكان ‪ .‬راجع مصطلح ‪( :‬‬
‫يجب إخراج بعض الصّاع في الص ّ‬
‫زكاة ) ‪.‬‬

‫في الطّلق والظّهار والعتق ‪:‬‬


‫‪ - 7‬أجمع الفقهاء على أنّ الطّلق أو الظّهار ل يتبعّض ول يتجزّأ ‪ ،‬فإن قال لزوجته ‪ :‬أنت‬
‫طالق بعض طلق ٍة أو نصفها أو جزأها تقع طلقة كاملة ‪ .‬كما اتّفقوا على أنّه إذا أضاف الطّلق‬
‫أو الظّهار إلى بعض زوجته يلزمه الطّلق أو الظّهار ‪ ،‬إن كان ذلك البعض جزءا شائعا‬
‫كنصفها أو ثلثها ‪ ،‬أمّا إذا أسند الطّلق أو الظّهار إلى جزءٍ معيّنٍ ففي ذلك تفصيل وخلف‬
‫يرجع إليه في مصطلح ‪ ( :‬طلق وظهار ) ‪ .‬والكلم في تبعيض العتق يرجع إليه في‬
‫مصطلح ‪ ( :‬عتق ) ‪.‬‬

‫في الشّهادة ‪:‬‬


‫‪ - 8‬تردّ شهادة البن لبيه بعلّة البعضيّة ‪ ،‬وهو قول جماهير العلماء ‪ ،‬أمّا شهادة البن على‬
‫أبيه فهي مقبولة عند عامّة أهل العلم ‪ ،‬وإنّما ردّوا شهادة البن لبيه لنّ بينهما بعضيّة ‪ ،‬فكأنّه‬
‫يشهد لنفسه أو عليها ‪ .‬راجع مصطلح ‪ ( :‬شهادة ) ‪.‬‬

‫العتق بالبعضيّة ‪:‬‬


‫ن من ملك أحد أصوله أو فروعه عتق عليه ‪ .‬أمّا الحناف والحنابلة‬
‫‪ - 9‬ذهب الشّافعيّة إلى أ ّ‬
‫ن العلّة هنا المحرميّة ‪ ،‬فمن ملك ذا رحمٍ محرمٍ عتق عليه ‪.‬‬
‫فقد وسّعوا دائرة العتق وقالوا ‪ :‬إ ّ‬
‫وذهب المالكيّة إلى أنّه يعتق بنفس الملك البوان وإن علوا ‪ ،‬والولد وإن سفل ‪ ،‬وأخ وأخت‬
‫شقيقان أو لبٍ أو لمّ ‪ .‬راجع مصطلح ‪ ( :‬عتق ) ‪.‬‬

‫بغاء‬
‫التّعريف‬
‫‪ - 1‬البغاء مصدر ‪ :‬بغت المرأة تبغي بغا ًء ‪ ،‬بمعنى ‪ :‬فجرت ‪ ،‬فهي بغيّ ‪ ،‬والجمع بغايا ‪،‬‬
‫ص بالمرأة ‪ ،‬ول يقال للرّجل ‪ :‬بغيّ ‪ .‬ويعرّف الفقهاء البغاء بأنّه ‪ :‬زنى‬
‫وهو وصف مخت ّ‬
‫المرأة ‪ .‬أمّا الرّجل فل يسمّى زناه بغا ًء ‪ .‬والمراد من بغاء المرأة هو خروجها تبحث عمّن‬
‫يفعل بها ذلك الفعل ‪ ،‬سواء أكانت مكره ًة أم غير مكرهةٍ ‪ ،‬ويفهم ذلك من كلم العلماء في‬
‫تفسير قوله تعالى ‪ { :‬ول تكرهوا فتياتكم على البغاء إن أردن تحصّنا } وقد ذكرت كتب‬
‫التّفسير سبب نزول هذه الية ‪ ،‬وهو أنّه كان لعبد اللّه بن أبيّ ابن سلول جوارٍ ‪ ،‬وكان‬
‫ن مكرهات عليه بغاءً ‪ ،‬فإطلق هذا السم عليه‬
‫ن على ذلك الفعل ‪ ،‬فقد سمّي فعلهنّ وه ّ‬
‫يكرهه ّ‬
‫مع رضاهنّ يصحّ ‪ ،‬بل أولى ‪ ،‬وبالنّسبة للقيد الّذي في الية وهو قوله تعالى ‪ { :‬إن أردن‬
‫تحصّنا } فستأتي الشارة إليه ‪ .‬حكم أخذ البغيّ مهرا ‪:‬‬
‫‪ - 2‬نهى النّبيّ صلى ال عليه وسلم عن مهر البغيّ ‪ ،‬لحديث ابن مسعودٍ قال ‪ { :‬نهى رسول‬
‫ن من البغايا من‬
‫اللّه صلى ال عليه وسلم عن ثمن الكلب ‪ ،‬ومهر البغيّ ‪ ،‬وحلوان الكاهن } فإ ّ‬
‫ن يأخذن عوضا عن البغاء ‪ ،‬ومن ذلك ما روى مجاهد في قوله تعالى ‪ { :‬ول تكرهوا‬
‫كّ‬
‫ن يفعلن ذلك فيصبن ‪ ،‬فيأتينهم‬
‫فتياتكم على البغاء } قال ‪ :‬كانوا يأمرون ولئدهم فيباغين ‪ ،‬فك ّ‬
‫بكسبهنّ ‪ .‬وكانت لعبد اللّه بن أبيّ ابن سلول جارية كانت تباغي ‪ ،‬فكرهت ذلك ‪ ،‬وحلفت ألّ‬
‫تفعله ‪ ،‬فأكرهها ‪ ،‬فانطلقت فباغت ببردٍ أخضر ‪ ،‬فأتتهم به ‪ ،‬فأنزل اللّه الية ‪ .‬والمراد بمهر‬
‫البغيّ ‪ :‬ما تؤجر به المرأة نفسها على الزّنى ‪ ،‬ول خلف بين العلماء في تحريمه ‪ .‬وتفصيل‬
‫بقيّة الحكام المتعلّقة بالبغاء محلّها مصطلح ‪ ( :‬زنى ) ‪.‬‬

‫بغاة‬
‫التّعريف‬
‫‪ - 1‬يقال في اللّغة ‪ :‬بغى على النّاس بغيا ‪ :‬أي ظلم واعتدى ‪ ،‬فهو باغٍ والجمع بغاة ‪ ،‬وبغى ‪:‬‬
‫سعى بالفساد ‪ ،‬ومنه الفئة الباغية ‪ .‬والفقهاء ل يخرجون في الجملة عن هذا المعنى إلّ بوضع‬
‫بعض قيودٍ في التّعريف فقد عرّفوا البغاة بأنّهم ‪ :‬الخارجون من المسلمين عن طاعة المام‬
‫الحقّ بتأويلٍ ‪ ،‬ولهم شوكة ‪ .‬ويعتبر بمنزلة الخروج ‪ :‬المتناع من أداء الحقّ الواجب الّذي‬
‫يطلبه المام ‪ ،‬كالزّكاة ‪ .‬ويطلق على من سوى البغاة اسم ( أهل العدل ) وهم الثّابتون على‬
‫موالة المام ‪.‬‬
‫( اللفاظ ذات الصّلة ) ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬الخوارج ‪:‬‬
‫‪ - 2‬يقول الجرجانيّ ‪ :‬هم الّذي يأخذون العشر من غير إذن السّلطان ‪ .‬وهم في الصل كانوا‬
‫ي رضي ال عنه في القتال ‪ ،‬وخرجوا عليه لمّا قبل التّحكيم ‪ .‬قالوا ‪ :‬لم‬
‫في صفّ المام عل ّ‬
‫تحكّم وأنت على حقّ ‪ .‬ويقول ابن عابدين ‪ :‬إنّهم يرون عليّ بن أبي طالبٍ رضي ال عنه‬
‫على باطلٍ بقبوله التّحكيم ‪ ،‬ويوجبون قتاله ‪ ،‬ويستحلّون دماء أهل العدل ‪ ،‬ويسبون نساءهم‬
‫وذراريّهم ‪ ،‬لنّهم في نظرهم كفّار ‪ .‬وأكثر الفقهاء يرون أنّهم بغاة ‪ ،‬ول يرون تكفيرهم ‪،‬‬
‫وذهبت طائفة من أهل الحديث إلى أنّهم كفّار مرتدّون ‪ .‬وقال ابن المنذر ‪ :‬ل أعلم أحدا وافق‬
‫أهل الحديث على تكفيرهم ‪ ،‬وذكر ابن عبد البرّ أنّ المام عليّا رضي ال عنه سئل عنهم ‪:‬‬
‫ن المنافقين ل يذكرون اللّه إلّ‬
‫أكفّار هم ؟ قال ‪ :‬من الكفر فرّوا ‪ .‬قيل ‪ :‬فمنافقون ؟ قال ‪ :‬إ ّ‬
‫قليلً ‪ .‬قيل فما هم ؟ قال ‪ :‬هم قوم أصابتهم فتنة ‪ ،‬فعموا وصمّوا ‪ ،‬وبغوا علينا ‪ ،‬وقاتلوا‬
‫فقاتلناهم ‪ .‬وقال لهم ‪ :‬لكم علينا ثلث ‪ :‬ل نمنعكم مساجد اللّه أن تذكروا فيها اسم اللّه ‪ ،‬ول‬
‫نبدؤكم بقتالٍ ‪ ،‬ول نمنعكم الفيء ما دامت أيديكم معنا ‪ .‬ويقول الماورديّ ‪ :‬إن تظاهر‬
‫الخوارج باعتقادهم ‪ ،‬وهم على اختلطٍ بأهل العدل ‪ ،‬جاز للمام أن يعزّرهم ‪ .‬وتفصيل الكلم‬
‫في مصطلح ( فرق ) ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬المحاربون ‪:‬‬
‫ق من الحرابة مصدر حرب ‪ ،‬وحرّبه يحرّبه ‪ :‬إذا أخذ ماله ‪،‬‬
‫‪ - 3‬المحاربون ‪ :‬لفظ مشت ّ‬
‫والحارب ‪ :‬الغاصب النّاهب ‪ .‬وعبّر عنها الحنفيّة والشّافعيّة والحنابلة ‪ :‬بقطع الطّريق ‪ ،‬وقالوا‬
‫‪ :‬إنّه الخروج على المارّة لخذ المال على سبيل المغالبة ‪ ،‬على وج ٍه يمنع المارّة من‬
‫المرور ‪ ،‬فينقطع الطّريق ‪ ،‬سواء أكان القطع من جماعةٍ أم واحدٍ ‪ ،‬بعد أن يكون له قوّة القطع‬
‫‪ ،‬وسواء أكان القطع بسلحٍ أم بغيره من العصا والحجر ونحو ذلك ‪ .‬وتسمّى الحرابة بالسّرقة‬
‫ن قاطع الطّريق يأخذ المال خفيةً عن عين المام الّذي‬
‫الكبرى ‪ .‬أمّا كونها سرق ًة ‪ ،‬فباعتبار أ ّ‬
‫ن ضرره يعمّ ‪ ،‬حيث يقطع الطّريق على الجماعة‬
‫عليه حفظ المن ‪ .‬وأمّا كونها كبرى ‪ ،‬فل ّ‬
‫ل ‪ ،‬أمّا الحرابة‬
‫ن البغي يستلزم وجود تأوي ٍ‬
‫بزوال المن ‪ .‬فالفرق بين الحرابة والبغي هو أ ّ‬
‫فالغرض منها الفساد في الرض ‪ .‬الحكم التّكليفيّ للبغي ‪:‬‬
‫‪ - 4‬البغي حرام ‪ ،‬والبغاة آثمون ‪ ،‬ولكن ليس البغي خروجا عن اليمان ‪ ،‬لنّ اللّه سمّى‬
‫البغاة مؤمنين في قوله تعالى ‪ { :‬وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما فإن بغت‬
‫إحداهما على الخرى فقاتلوا الّتي تبغي حتّى تفيء إلى أمر اللّه ‪ } ...‬إلى أن قال ‪ { :‬إنّما‬
‫ل قتالهم ‪ ،‬ويجب على النّاس معونة المام في‬
‫المؤمنون إخوة فأصلحوا بين أخويكم } ‪ ،‬ويح ّ‬
‫قتالهم ‪ .‬ومن قتل من أهل العدل أثناء قتالهم فهو شهيد ‪ .‬ويسقط قتالهم إذا فاءوا إلى أمر اللّه ‪،‬‬
‫ويقول الصّنعانيّ ‪ :‬إذا فارق أحد الجماعة ولم يخرج عليهم ول قاتلهم يخلّى وشأنه ‪ ،‬إذ مجرّد‬
‫الخلف على المام ل يوجب قتال المخالف ‪ .‬وفي حديثٍ رواه الحاكم وغيره قال النّبيّ عليه‬
‫الصلة والسلم لبن مسعودٍ ‪ { :‬يا ابن مسعودٍ ‪ :‬أتدري ما حكم اللّه فيمن بغى من هذه‬
‫ل يتّبع مدبرهم ‪ ،‬ول يقتل‬
‫المّة ؟ قال ابن مسعودٍ ‪ :‬اللّه ورسوله أعلم ‪ .‬قال ‪ :‬حكم اللّه فيهم أ ّ‬
‫أسيرهم ‪ ،‬ول يذفّف على جريحهم } ‪ .‬ويرى الشّافعيّة أنّ البغي ليس اسم ذمّ ‪ ،‬لنّ البغاة‬
‫خالفوا بتأويلٍ جائزٍ في اعتقادهم ‪ ،‬لكنّهم مخطئون فيه ‪ ،‬فلهم نوع عذرٍ ‪ ،‬لما فيهم من أهليّة‬
‫ن ما ورد في ذمّهم ‪ ،‬وما وقع في كلم الفقهاء في بعض المواضع من‬
‫الجتهاد ‪ .‬وقالوا ‪ :‬إ ّ‬
‫وصفهم بالعصيان أو الفسق محمول على من ل أهليّة فيه للجتهاد ‪ ،‬أو ل تأويل له ‪ .‬وكذلك‬
‫إن كان تأويله قطعيّ البطلن ‪.‬‬

‫‪ -‬وقد بيّن الفقهاء أنواع البغاة من حيث جواز فعلهم ‪ ،‬أو كونه صغير ًة أو كبيرةً‬ ‫‪5‬‬

‫كما يلي ‪:‬‬


‫أ ‪ -‬البغاة إذا لم يكونوا من أهل البدع ليسوا بفاسقين ‪ ،‬وإنّما هم مخطئون في تأويلهم ‪،‬‬
‫كالمجتهدين من الفقهاء ‪ ،‬يقول ابن قدامة ‪ :‬ل أعلم خلفا في قبول شهادتهم ‪ .‬وسيأتي بيانه ‪.‬‬
‫وكذا إن تكلّموا بالخروج لكن لم يعزموا على الخروج بعد ‪ ،‬فليس للمام أن يتعرّض لهم ‪،‬‬
‫ن العزم على الجناية لم يوجد ‪ .‬ومثال ذلك ‪ :‬ما وقع لبعض الصّحابة ‪ ،‬ممّن عصى المام ل‬
‫لّ‬
‫على سبيل المغالبة ‪ ،‬من أنّه مكث أشهرا لم يبايع الخليفة ثمّ بايعه ‪ .‬يقول القرطبيّ ‪ :‬ولم‬
‫يوجب ذلك لعن البغاة والبراءة منهم وتفسيقهم ‪.‬‬

‫ب ‪ -‬إن خالط البغاة أهل العدل ‪ ،‬وتظاهروا باعتقادهم ‪ ،‬دون مقاتلتهم جاز للمام‬
‫تعزيرهم ‪ ،‬إذ التّظاهر باعتقادهم ‪ ،‬ونشره بين أهل العدل دون قتالٍ يعتبر من‬
‫الصّغائر ‪.‬‬

‫ج ‪ -‬إذا اجتمع المسلمون على إمامٍ ‪ ،‬وصاروا آمنين به ‪ ،‬فخرج عليه طائفة من‬
‫المؤمنين ‪ ،‬ولم يكن ذلك لظلمٍ ظلمهم إيّاه ‪ ،‬ولكن لدعوى الحقّ والولية ‪ .‬فقالوا ‪:‬‬
‫الحقّ معنا ‪ ،‬ويدّعون الولية ‪ ،‬ولهم تأويل ومنعة ‪ ،‬فهم أهل بغيٍ ‪ ،‬فعلى كلّ من‬
‫يقوى على القتال مناصرة المام عليهم ‪ .‬قال ابن عابدين ‪ :‬ومن البغاة الخوارج ‪.‬‬
‫ويقول ابن قدامة ‪ :‬إذا خرجوا على المام فهم فسّاق ‪.‬‬

‫شروط تحقّق البغي ‪:‬‬


‫‪ - 6‬يتحقّق البغي بما يلي ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬أن يكون الخارجون على المام جماعةً من المسلمين لهم شوكة ‪ ،‬وخرجوا عليه بغير حقّ‬
‫لرادة خلعه بتأويلٍ فاسدٍ ‪ .‬فلو خرج عليه أهل ال ّذمّة لكانوا حربيّين ل بغاةً ‪ .‬ولو خرجت عليه‬
‫ل ول طلب إمرةٍ لكانوا قطّاع طريقٍ ‪ ،‬وكذا لو لم يكن لهم قوّة‬
‫طائفة من المسلمين بغير تأوي ٍ‬
‫ومنعة ‪ ،‬ول يخشى قتالهم ‪ ،‬ولو كانوا متأوّلين ‪ .‬ولو خرجوا على المام بحقّ ‪ -‬كدفع ظلمٍ ‪-‬‬
‫فليسوا ببغاةٍ ‪ ،‬وعلى المام أن يترك الظّلم وينصفهم ‪ ،‬ول ينبغي للنّاس معونة المام عليهم ‪،‬‬
‫ن فيه إعانةً على‬
‫ن فيه إعانةً على الظّلم ‪ ،‬ول أن يعينوا تلك الطّائفة الخارجة ‪ ،‬ل ّ‬
‫لّ‬
‫خروجهم ‪ ،‬واتّساع الفتنة ‪ ،‬وقد لعن اللّه من أيقظ الفتنة ‪ .‬وأمّا من خرجوا على المام بمنعةٍ ‪،‬‬
‫بتأويلٍ يقطع بفساده ‪ ،‬مستحلّين دماء المسلمين وأموالهم ‪ ،‬ممّا كان قطعيّ التّحريم ‪ ،‬كتأويل‬
‫صحّة والفساد ‪ ،‬ولكنّ فساده هو‬
‫ن الباغي تأويله محتمل لل ّ‬
‫المرتدّين ‪ ،‬فليسوا ببغاةٍ ‪ ،‬ل ّ‬
‫الظهر ‪ ،‬وهو متّبع للشّرع في زعمه ‪ ،‬والفاسد منه ملحق بالصّحيح ‪ ،‬إذا ضمّت إليه المنعة‬
‫في حقّ الدّفع ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬أن يكون النّاس قد اجتمعوا على إمامٍ وصاروا به آمنين ‪ ،‬والطّرقات به آمنة ‪ ،‬لنّه إذا‬
‫لم يكن كذلك يكون عاجزا ‪ ،‬أو جائرا ظالما يجوز الخروج عليه وعزله ‪ ،‬إن لم يلزم منه فتنة‬
‫ل فالصّبر أولى من التّعرّض لفساد ذات البين ‪.‬‬
‫‪ ،‬وإ ّ‬
‫ج ‪ -‬أن يكون الخروج على سبيل المغالبة ‪ ،‬أي بإظهار القهر ‪ .‬وقيل ‪ :‬بالمقاتلة ‪ ،‬وذلك لنّ‬
‫من يعصي المام ل على سبيل المغالبة ل يكون من البغاة ‪ ،‬فمن خرج عن طاعة المام من‬
‫غير إظهار القهر ل يكون باغيا ‪.‬‬
‫د ‪ -‬وصرّح الشّافعيّة باشتراط أن يكون للخارجين مطاع فيهم ‪ ،‬يصدرون عن رأيه ‪ ،‬وإن لم‬
‫يكن إماما منصوبا ‪ ،‬إذ ل شوكة لمن ل مطاع لهم ‪ .‬وقيل ‪ :‬بل يشترط أن يكون لهم إمام‬
‫ن ذلك شرط لمقاتلتهم ‪.‬‬
‫منصوب منهم ‪ ،‬هذا ول يشترط لتحقّق البغي انفرادهم بنحو بلدٍ ولك ّ‬

‫المام الّذي يعتبر الخروج عليه بغيا ‪:‬‬


‫‪ - 7‬من اتّفق ‪ ،‬المسلمون على إمامته وبيعته ‪ ،‬وثبتت إمامته ‪ ،‬وجبت طاعته ومعونته ‪ ،‬ومثله‬
‫من تثبت إمامته بعهد إمامٍ قبله إليه ‪ ،‬إذ المام يصير إماما بالمبايعة أو بالستخلف ممّن قبله‬
‫‪ .‬ولو خرج رجل على المام فقهره ‪ ،‬وغلب النّاس بسيفه ‪ ،‬حتّى أذعنوا له وتابعوه ‪ ،‬صار‬
‫إماما يحرم قتاله والخروج عليه ‪ .‬وينظر للتّفصيل بحث ( المامة الكبرى ) ‪.‬‬

‫أمارات البغي ‪:‬‬


‫‪ - 8‬إذا تكلّم جماعة في الخروج على المام ومخالفة أوامره ‪ ،‬وأظهروا المتناع ‪ ،‬وكانوا‬
‫متحيّزين متهيّئين لقصد القتال ‪ ،‬لخلع المام وطلب المرة لهم ‪ ،‬وكان لهم تأويل يبرّر في‬
‫ن ذلك يكون أمارة بغيهم ‪ .‬وينبغي إذا ما بلغ المام أمرهم ‪،‬‬
‫نظرهم مسلكهم دون المقاتلة ‪ ،‬فإ ّ‬
‫وأنّهم يشترون السّلح ويتأهّبون للقتال ‪ ،‬أن يأخذهم ويحبسهم حتّى يقلعوا عن ذلك ‪ ،‬ويحدثوا‬
‫شرّ بقدر المكان ‪ ،‬لنّه لو انتظر أن يبدءوه بالقتال ‪ ،‬فربّما ل يمكنه الدّفع ‪،‬‬
‫توب ًة ‪ ،‬دفعا لل ّ‬
‫لتقوّي شوكتهم وتكثّر جمعهم ‪ ،‬خصوصا والفتنة يسرع إليها أهل الفساد ‪ .‬ويختلف الفقهاء في‬
‫ن مخالفتهم للمام لمنع حقّ اللّه ‪ ،‬أو لدميّ‬
‫بدئهم بالقتال على ما سيأتي بيانه ‪ .‬وكذلك فإ ّ‬
‫كزكا ٍة ‪ ،‬وكأداء ما عليهم ممّا جبوه لبيت مال المسلمين خراج الرض ‪ ،‬مع التّحيّز والتّهيّؤ‬
‫ن ذلك يكون أمارة بغيهم ‪ .‬أمّا‬
‫للخروج على المام على وجه المغالبة ‪ ،‬وعدم المبالة به ‪ ،‬فإ ّ‬
‫لو أظهروا رأي الخوارج ‪ ،‬كتكفير فاعل الكبيرة وترك الجماعات واستباحة دماء المسلمين‬
‫وأموالهم ‪ ،‬ولكن لم يرتكبوا ذلك ‪ ،‬ولم يقصدوا القتال ‪ ،‬ولم يخرجوا عن طاعة المام ‪ ،‬فإنّ‬
‫ذلك ل يكون أمارة البغي ‪ ،‬حتّى لو امتازوا بموضعٍ يتجمّعون فيه ‪ ،‬لكن إن حصل منهم‬
‫ضرر تعرّضنا لهم إلى زوال الضّرر ‪.‬‬

‫‪ -‬ذهب جمهور الفقهاء إلى تحريم بيع السّلح للبغاة‬ ‫‪9‬‬ ‫بيع السّلح لهل الفتنة‬
‫وأهل الفتنة ‪ ،‬لنّ هذا سدّ لذريعة العانة على المعصية ‪ ،‬وكذا ما كان في معنى‬
‫البيع من إجارةٍ أو معاوضةٍ ‪ ،‬وقد قال المام أحمد ‪ { :‬نهى رسول اللّه صلى ال‬
‫عليه وسلم عن بيع السّلح في الفتنة } ‪ .‬وصرّح الحنفيّة بكراهة بيع السّلح لهم‬
‫كراهةً تحريميّةً ‪ ،‬لنّه إعانة على معصيةٍ ‪ ،‬قال اللّه تعالى ‪ { :‬وتعاونوا على البرّ‬
‫والتّقوى ول تعاونوا على الثم والعدوان } ‪ ،‬ولنّ الواجب أخذ سلحهم بما‬
‫أمكن ‪ ،‬حتّى ل يستعملوه في الفتنة ‪ ،‬فمنع بيعه لهم أولى ‪ .‬والّذي يكره هو بيع‬
‫السّلح نفسه المعدّ للستعمال ‪ .‬وإن لم يدر أنّ طالب السّلح من أهل الفتنة ل‬
‫يكره البيع له ‪ ،‬لنّ الغلبة في دار السلم لهل الصّلح ‪ ،‬والحكام تبنى على‬
‫ن المعصية‬
‫الغالب ‪ .‬وأمّا ما ل يقاتل به إلّ بصنعةٍ كالحديد ‪ ،‬فل يكره بيعه ‪ ،‬ل ّ‬
‫تقع بعين السّلح ‪ ،‬بخلف الحديد ‪ ،‬وقاسوه على الخشب الّذي يتّخذ منه‬
‫المعازف ‪ ،‬فإنّه ل يكره بيعه ‪ ،‬لنّ عينه ليس منكرا ‪ ،‬وإنّما المنكر في استعماله‬
‫المحظور ‪ .‬والحديد وإن كان يكره تحريما بيعه لهل الحرب ‪ ،‬فإنّه يجوز بيعه‬
‫لهل البغي ‪ ،‬لنّهم ل يتفرّغون لستعمال الحديد سلحا ‪ ،‬لنّ فسادهم في الغالب‬
‫يكون على شرف الزّوال بالتّوبة ‪ ،‬أو بتفريق جمعهم ‪ ،‬بخلف أهل الحرب ‪.‬‬
‫واستظهر ابن عابدين أنّ الكراهة تنزيهيّة ‪ ،‬وقال ‪ :‬ولم أر من تعرّض لهذا ‪.‬‬

‫واجب المام نحو البغاة ‪:‬‬


‫أ ‪ -‬قبل القتال ‪:‬‬
‫‪ - 10‬ينبغي للمام أن يدعو البغاة الخارجين عليه إلى العودة إلى الجماعة ‪ ،‬والدّخول في‬
‫شرّ يندفع بالتّذكرة ‪ ،‬لنّه ترجى توبتهم ‪،‬‬
‫طاعته رجاء الجابة ‪ ،‬وقبول الدّعوة ‪ ،‬لعلّ ال ّ‬
‫ويسألهم عن سبب خروجهم ‪ ،‬فإن كان لظلمٍ منه أزاله ‪ ،‬وإن ذكروا عّلةً يمكن إزالتها أزالها ‪،‬‬
‫ن اللّه سبحانه بدأ المر بالصلح قبل القتال فقال ‪ { :‬وإن‬
‫وإن ذكروا شبه ًة كشفها ‪ ،‬ل ّ‬
‫ن المقصود كفّهم ودفع شرّهم ‪ ،‬ل قتلهم ‪.‬‬
‫طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما } ول ّ‬
‫فإذا أمكن بمجرّد القول كان أولى من القتال ‪ ،‬لما فيه من الضّرر بالفريقين ‪ .‬ول يجوز قتالهم‬
‫قبل ذلك إلّ أن يخاف شرّهم ‪ .‬وإن طلبوا النظار ‪ -‬وكان الظّاهر من قصدهم الرّجوع إلى‬
‫الطّاعة ‪ -‬أمهلهم ‪ .‬قال ابن المنذر ‪ :‬أجمع على هذا كلّ من أحفظ عنه من أهل العلم ‪ .‬وقال‬
‫أبو إسحاق الشّيرازيّ ‪ :‬ينظرهم إلى مدّ ٍة قريب ٍة كيومين أو ثلثةٍ ‪ .‬وإن أصرّوا على بغيهم ‪،‬‬
‫بعد أن بعث إليهم أمينا ناصحا لدعوتهم ‪ ،‬نصحهم ندبا بوعظٍ ترغيبا وترهيبا ‪ ،‬وحسّن لهم‬
‫اتّحاد كلمة الدّين وعدم شماتة الكافرين ‪ ،‬فإن أصرّوا آذنهم بالقتال ‪ .‬وإن قاتلهم بل دعوةٍ‬
‫جاز ‪ ،‬لنّ الدّعوة ليست بواجبةٍ ‪ .‬وعند المالكيّة ‪ :‬يجب إنذارهم ودعوتهم ما لم يعاجلوه ‪.‬‬
‫ل فمستحبّ ‪.‬‬
‫وكون المبعوث إليهم عارفا فطنا واجب ‪ ،‬إن بعث للمناظرة وكشف الشّبهة ‪ ،‬وإ ّ‬
‫وفصّل الكاسانيّ فقال ‪ :‬إن علم المام أنّهم يجهّزون السّلح ويتأهّبون للقتال ‪ ،‬فينبغي له أن‬
‫يأخذهم ‪ ،‬ويحبسهم حتّى يتوبوا ‪ ،‬وإن لم يعلم بذلك حتّى تعسكروا وتأهّبوا للقتال ‪ ،‬فينبغي له‬
‫أن يدعوهم إلى الرّجوع إلى رأي الجماعة أ ّولً ‪ ،‬فإنّ المام عليّا رضي ال عنه لمّا خرج‬
‫عليه أهل حروراء ‪ ،‬ندب إليهم عبد اللّه بن عبّاسٍ رضي ال عنهما ليدعوهم إلى العدل ‪ ،‬فإن‬
‫ن الدّعوة قد‬
‫أجابوا كفّ عنهم وإن أبوا قاتلهم ‪ ...‬وإن قاتلهم قبل الدّعوة ل بأس بذلك ‪ ،‬ل ّ‬
‫س قال‬
‫بلغتهم ‪ ،‬فهم مسلمون في دار السلم ‪ .‬وقد أسند النّسائيّ في سننه الكبرى إلى ابن عبّا ٍ‬
‫ف ‪ ،‬فقلت لعليّ أمير المؤمنين ‪:‬‬
‫‪ :‬لمّا خرجت الحروريّة اعتزلوا في دارٍ ‪ ،‬وكانوا ستّة آل ٍ‬
‫لعلّي أكلّم هؤلء القوم ‪ .‬قال إنّي أخافهم عليك ‪ .‬قلت ‪ :‬كلّا ‪ .‬فلبست ثيابي ‪ ،‬ومضيت إليهم ‪،‬‬
‫حتّى دخلت عليهم وهم مجتمعون ‪ .‬وقلت ‪ :‬أتيتكم من عند أصحاب النّبيّ صلى ال عليه‬
‫وسلم من عند ابن ع ّم النّبيّ وصهره وعليهم نزل القرآن ‪ ،‬وهم أعرف بتأويله منكم ‪ .‬وليس‬
‫فيكم منهم أحد ‪ .‬وقلت ‪ :‬هاتوا ما نقمتم على أصحاب رسول اللّه وختنه ‪ .‬قالوا ‪ :‬ثلث ‪ .‬أنّه‬
‫ل للّه } وأنّه قاتل ولم يسب ولم‬
‫حكّم الرّجال في دين اللّه ‪ ،‬وقد قال اللّه تعالى ‪ { :‬إن الحكم إ ّ‬
‫يغنم ‪ ،‬فإن كانوا كفّارا فقد حلّت لنا نساؤهم وأموالهم ‪ ،‬وإن كانوا مؤمنين فقد حرمت علينا‬
‫دماؤهم ‪ .‬وأنّه محا نفسه من أمير المؤمنين فإن لم يكن أمير المؤمنين فإنّه يكون أمير الكافرين‬
‫‪ .‬قلت ‪ :‬أرأيتم إن قرأت عليكم من كتاب اللّه ‪ ،‬وحدّثتكم من سنّة نبيّه صلى ال عليه وسلم ما‬
‫يردّ قولكم هذا ‪ ،‬ترجعون ؟ قالوا ‪ :‬نعم ‪ .‬قلت ‪ :‬أمّا قولكم ‪ :‬إنّه حكّم الرّجال في دين اللّه ‪،‬‬
‫فأنا أقرأ عليكم أن قد صيّر اللّه حكمه إلى الرّجال في أرنبٍ ثمنها ربع درهمٍ ‪ ،‬قال اللّه تعالى‬
‫‪ { :‬ل تقتلوا الصّيد وأنتم حرم } إلى قوله { يحكم به ذوا عد ٍل منكم } وقال اللّه تعالى في‬
‫المرأة وزوجها ‪ { :‬وإن خفتم شقاق بينهما فابعثوا حكما من أهله وحكما من أهلها } أنشدكم‬
‫ب ثمنها ربع‬
‫اللّه أحكم الرّجال في حقن دمائهم وأنفسهم وإصلح ذات البين أحقّ ‪ ،‬أم في أرن ٍ‬
‫درهمٍ ؟ ‪ .‬وأمّا قولكم ‪ :‬إنّه قاتل ولم يسب ولم يغنم ‪ ،‬أتسبون أمّكم عائشة ‪ ،‬فتستحلّون منها ما‬
‫تستحلّون من غيرها ‪ ،‬وهي أمّكم ؟ لئن فعلتم لقد كفرتم ‪ .‬فإن قلتم ‪ :‬ليست أمّنا فقد كفرتم ‪،‬‬
‫ن اللّه تعالى يقول ‪ { :‬النّبيّ أولى بالمؤمنين من أنفسهم وأزواجه أمّهاتهم } ‪ .‬وأمّا قولكم ‪:‬‬
‫لّ‬
‫إنّه محا نفسه من أمير المؤمنين ‪ .‬فإنّ { رسول اللّه صلى ال عليه وسلم دعا قريشا يوم‬
‫الحديبية ‪ ،‬على أن يكتب بينه وبينهم كتابا ‪ ،‬فقال لكاتبه ‪ :‬اكتب ‪ :‬هذا ما قضى عليه محمّد‬
‫رسول اللّه ‪ .‬فقالوا ‪ :‬واللّه لو كنّا نعلم أنّك رسول اللّه ما صددناك عن البيت ول قاتلناك ‪،‬‬
‫ولكن اكتب ‪ :‬محمّد بن عبد اللّه ‪ .‬فقال ‪ :‬واللّه إنّي لرسول اللّه وإن كذّبتموني ‪ .‬يا عليّ اكتب‬
‫ي ‪ ،‬وقد محا نفسه ولم يكن محو ذلك محوا‬
‫‪ :‬محمّد بن عبد اللّه } ‪ ،‬فرسول اللّه خير من عل ّ‬
‫من النّبوّة ‪ .‬فرجع منهم ألفان وبقي سائرهم ‪ ،‬فقوتلوا ‪ .‬ويصرّح اللوسيّ أنّه يجب قبل القتال‬
‫إزالة الشّبهة بالحجج ال ّنيّرة والبراهين القاطعة ‪ ،‬ودعوة البغاة إلى الرّجوع إلى الجماعة‬
‫والدّخول في طاعة المام ‪.‬‬

‫ب ‪ -‬قتال البغاة ‪:‬‬


‫‪ - 11‬إذا ما دعا المام البغاة إلى الدّخول في طاعته ‪ ،‬وكشف شبهتهم ‪ ،‬فلم يستجيبوا وتحيّزوا‬
‫مجتمعين ‪ ،‬وكانوا متهيّئين للقتال فإنّه يحلّ قتالهم ‪ .‬ولكن هل نبدؤهم بالقتال ‪ ،‬أم ل نقاتلهم إلّ‬
‫إذا أظهروا المغالبة ؟ هناك اتّجاهان ‪ :‬التّجاه الوّل ‪ :‬جواز البدء بالقتال ‪ ،‬لنّه لو انتظرنا‬
‫قتالهم ربّما ل يمكن الدّفع ‪ ،‬وهو ما نقله خواهر زاده ‪ ،‬قال الزّيلعيّ ‪ :‬وهو المذهب عند‬
‫ص جاء غير مق ّيدٍ بالبداءة منهم في قوله تعالى ‪ { :‬فإن بغت إحداهما على‬
‫الحنفيّة ‪ ،‬لنّ النّ ّ‬
‫الخرى فقاتلوا الّتي تبغي ‪ } ...‬وقول عليّ رضي ال عنه ‪ :‬سمعت رسول اللّه صلى ال عليه‬
‫وسلم يقول ‪ { :‬سيخرج قوم في آخر الزّمان ‪ ،‬حداث السنان سفهاء الحلم ‪ ،‬يقولون من قول‬
‫خير الب ّريّة ‪ ،‬ل يجاوز إيمانهم حناجرهم ‪ ،‬يمرقون من الدّين كما يمرق السّهم من الرّميّة ‪،‬‬
‫ن الحكم يدار على‬
‫فأينما لقيتموهم فاقتلوهم ‪ ،‬فإنّ في قتلهم أجرا لمن قتلهم يوم القيامة } ‪ ،‬ول ّ‬
‫علمته ‪ ،‬وهي هنا التّحيّز والتّهيّؤ ‪ ،‬فلو انتظرنا حقيقة قتالهم لصار ذريعةً لتقويتهم ‪ .‬فيدار‬
‫الحكم على المارة ضرورة دفع شرّهم ‪ ،‬ولنّهم بالخروج على المام صاروا عصا ًة فجاز‬
‫قتالهم ‪ ،‬إلى أن يقلعوا عن ذلك ‪ .‬وما نقل عن عليّ رضي ال عنه من قوله في الخوارج لن‬
‫نقاتلكم حتّى تقاتلونا معناه ‪ :‬حتّى تعزموا على قتالنا ‪ .‬ولو أمكن دفع شرّهم بالحبس بعدما‬
‫تأهّبوا فعل ذلك ‪ ،‬ول نقاتلهم ‪ ،‬لنّه أمكن دفع شرّهم بأهون منه ‪ .‬وإلى القول بحلّ بدئهم‬
‫بالقتال اتّجه فقهاء الحنابلة ‪ ،‬جاء في كشّاف القناع ‪ :‬إن أبوا الرّجوع وعظهم وخوّفهم بالقتال ‪،‬‬
‫ل لزمه قتالهم إن كان قادرا ‪ ،‬لجماع الصّحابة على ذلك ‪.‬‬
‫فإن رجعوا إلى الطّاعة تركهم ‪ ،‬وإ ّ‬
‫التّجاه الثّاني ‪ :‬نقل القدوريّ أنّه ل يبدؤهم بالقتال حتّى يبدءوه ‪ ،‬وهو ما رواه الكاسانيّ‬
‫والكمال ‪ .‬قال الكاسانيّ ‪ :‬لنّ قتالهم لدفع شرّهم ‪ ،‬ل لشرّ شركهم ‪ ،‬لنّهم مسلمون ‪ ،‬فما لم‬
‫شرّ منهم ل يقاتلهم المام ‪ ،‬إذ ل يجوز قتال المسلم إلّ دفعا ‪ ،‬بخلف الكافر ‪ ،‬لنّ‬
‫يتوجّه ال ّ‬
‫نفس الكفر قبيح ‪ .‬وهو ما استظهره بعض المالكيّة ‪ ،‬وهو مذهب الشّافعيّة ‪ ،‬وقول أحمد بن‬
‫ل يبدءوا من خرجوا عليه بالقتال ‪ ،‬وإن أمكن دفعهم دون القتل‬
‫ن عليّا أمر أصحابه أ ّ‬
‫حنبلٍ ‪ ،‬ل ّ‬
‫ل أن يخاف شرّهم كالصّائل ‪ .‬وقال ابن تيميّة ‪« :‬‬
‫لم يجز القتل ‪ .‬ول يجوز قتالهم قبل ذلك إ ّ‬
‫الفضل تركه حتّى يبدءوه " أي القتال ‪.‬‬

‫المعاونة في مقاتلة البغاة ‪:‬‬


‫ن طاعة المام فيما ليس‬
‫‪ - 12‬من دعاه المام إلى مقاتلة البغاة افترض عليه إجابته ‪ ،‬ل ّ‬
‫بمعصي ٍة فرض ‪ .‬قال ابن عابدين ‪ :‬يجب على كلّ من أطاق الدّفع أن يقاتل مع المام ‪ ،‬إلّ إن‬
‫كان سبب الخروج ظلم المام بما ل شبهة فيه ‪ ،‬إذ يجب معونتهم لنصافهم إن كان ذلك ممكنا‬
‫‪ .‬ومن لم يكن قادرا لزم بيته ‪ .‬وعليه يحمل ما روي عن جماعةٍ من الصّحابة أنّهم قعدوا في‬
‫الفتنة ‪ ،‬وربّما كان بعضهم في تر ّددٍ من حلّ القتال ‪ .‬وما روي عن أبي حنيفة من قوله ‪ « :‬إذا‬
‫ل مسلمٍ أن يعتزل الفتنة ‪ ،‬ويقعد في بيته " فإنّه‬
‫وقعت الفتنة بين المسلمين ‪ ،‬فالواجب على ك ّ‬
‫محمول على ما إذا لم يكن إمام ‪ .‬أمّا ما روي من حديث ‪ { :‬إذا التقى المسلمان بسيفيهما‬
‫فالقاتل والمقتول في النّار } فإنّه محمول على اقتتالهما حميّ ًة وعصبيّ ًة ‪ ،‬أو لجل الدّنيا والملك‬
‫‪ .‬ولو كان السّلطان ظالما ‪ ،‬وبغت عليه طائفة لرفع الظّلم ‪ ،‬وطلب منه ذلك فلم يستجب ‪ ،‬فل‬
‫ينبغي للنّاس معاونة السّلطان ول معاونة البغاة ‪ ،‬إذ غير العدل ل تجب معاونته ‪ .‬قال مالك ‪:‬‬
‫ص الشّافعيّة على من‬
‫دعه وما يراد منه ‪ ،‬ينتقم اللّه من الظّالم بظالمٍ ‪ ،‬ثمّ ينتقم من كليهما ‪ .‬وين ّ‬
‫خرجوا على المام ‪ -‬ولو جائرا ‪ -‬يجب على المسلمين إعانته ممّن قرب منهم ‪ ،‬حتّى تبطل‬
‫شوكتهم ‪ .‬ويدلّ على وجوب معونة المام لدفع البغاة ما رواه عبد اللّه بن عمرٍو رضي ال‬
‫عنهما قال ‪ :‬سمعت رسول اللّه صلى ال عليه وسلم يقول ‪ { :‬من أعطى إماما صفقة يده‬
‫ل من‬
‫نكّ‬
‫وثمرة قلبه فليطعه إن استطاع ‪ ،‬فإن جاء آخر ينازعه فاضربوا عنق الخر } ول ّ‬
‫ثبتت إمامته وجبت طاعته ‪ ،‬للحديث السّابق { يخرج قوم في آخر الزّمان ‪. } ...‬‬

‫شروط قتال البغاة وما يتميّز به ‪:‬‬


‫‪ - 13‬إذا لم يجد مع البغاة النّصح ‪ ،‬ولم يستجيبوا للرّجوع إلى طاعة المام والدّخول في‬
‫الجماعة ‪ ،‬أو لم يقلبوا الستتابة ‪ -‬إن كانوا في قبضة المام ‪ -‬ورأوا مقاتلتنا وجب قتالهم ‪.‬‬
‫بشرط أن يتعرّضوا لحرمات أهل العدل ‪ ،‬أو يتعطّل جهاد المشركين بهم ‪ ،‬أو يأخذوا من‬
‫حقوق بيت المال ما ليس لهم ‪ ،‬أو يمتنعوا من دفع ما وجب عليهم ‪ ،‬أو يتظاهروا على خلع‬
‫المام الّذي انعقدت له البيعة ‪ .‬على ما قاله الماورديّ ‪ .‬وقال الرّمليّ ‪ :‬الوجه وجوب قتالهم‬
‫ن ببقائهم ‪ -‬وإن لم يوجد ما ذكر ‪ -‬تتولّد مفاسد ‪ ،‬قد ل تتدارك ما داموا قد خرجوا‬
‫مطلقا ‪ ،‬ل ّ‬
‫عن قبضة المام وتهيّئوا للقتال ‪ .‬ولو اندفع شرّهم بما هو أهون وجب بقدر ما يندفع ‪ ،‬إذ‬
‫يشترط لمقاتلتهم أن يتعيّن القتال لدفع شرّهم ‪ ،‬وإذا أمكن ذلك بمجرّد القول كان أولى من‬
‫القتال ‪.‬‬

‫كيفيّة قتال البغاة ‪:‬‬


‫‪ - 14‬الصل أنّ قتالهم إنّما يكون درءا لتفريق الكلمة ‪ ،‬مع عدم التّأثيم ‪ ،‬لنّهم متأوّلون ‪ ،‬ولذا‬
‫فإنّ قتالهم يفترق عن قتال الكفّار بأحد عشر وجها ‪ :‬أن يقصد بالقتال ردعهم ل قتلهم ‪ ،‬وأن‬
‫ف عن مدبرهم ‪ ،‬ول يجهز على جريحهم ‪ ،‬ول تقتل أسراهم ‪ ،‬ول تغنم أموالهم ‪ ،‬ول تسبى‬
‫يك ّ‬
‫ذراريّهم ‪ ،‬ول يستعان عليهم بمشركٍ ‪ ،‬ول يوادعهم على مالٍ ‪ ،‬ول تنصب عليهم العرّادات (‬
‫المجانيق ونحوها ) ‪ ،‬ول تحرّق مساكنهم ‪ ،‬ول يقطع شجرهم ‪ .‬وإذا تحيّز البغاة إلى جهةٍ‬
‫ل قتالهم حتّى يتفرّق جمعهم ‪،‬‬
‫مجتمعين ‪ ،‬أو إلى جماع ٍة ولم يمكن دفع شرّهم إلّ بالقتال ‪ ،‬ح ّ‬
‫ولو أمكن دفع شرّهم بالحبس بعدما تأهّبوا فعل ذلك ‪ ،‬إذ الجهاد معهم واجب بقدر ما يندفع به‬
‫ي رضي ال عنه أهل حروراء بالنّهروان بحضرة الصّحابة‬
‫شرّهم على ما سبق ‪ .‬وقد قاتل عل ّ‬
‫‪ ،‬تصديقا لقوله عليه الصلة والسلم له { أنا أقاتل على تنزيل القرآن ‪ ،‬وعليّ يقاتل على‬
‫تأويله } والقتال مع التّأويل هو القتال مع البغاة ‪ ،‬وذلك كقتال أبي بكرٍ رضي ال عنه مانعي‬
‫الزّكاة ‪ .‬وإذا قاتلهم المام فهزمهم ‪ ،‬وولّوا مدبرين ‪ ،‬وأمن جانبهم ‪ ،‬أو تركوا القتال بإلقاء‬
‫ح أو أسيرٍ ‪ ،‬فإنّه ل يجوز لهل العدل أن يتّبعوهم ‪ ،‬ول‬
‫السّلح أو بالهزيمة أو بالعجز ‪ ،‬لجرا ٍ‬
‫يجهزوا على جريحهم ‪ ،‬ول يقلتوا أسيرهم ‪ ،‬لوقوع المن عن شرّهم ‪ ،‬ول تسبى لهم ذرّيّة ‪،‬‬
‫ول يقسم له مال ‪ ،‬لقول عليّ رضي ال عنه ل يقتل بعد الهزيمة مقبل ول مدبر ‪ ،‬ول يفتح‬
‫باب ‪ ،‬ول يستحلّ فرج ول مال بل قال لهم ‪ :‬من اعترف شيئا فليأخذه ‪ ،‬أي من عرف من‬
‫البغاة متاعه استردّه ‪ ،‬وقال يوم الجمل ‪ :‬ل تتّبعوا مدبرا ‪ ،‬ول تجهزوا على جريحٍ ‪ ،‬ول تقتلوا‬
‫أسيرا ‪ ،‬وإيّاكم والنّساء ‪ ،‬ولنّ قتالهم للدّفع وال ّردّ إلى الطّاعة دون القتل ‪ .‬ويقول ابن قدامة ‪:‬‬
‫أمّا غنيمة أموالهم وسبي ذ ّريّتهم فل نعلم في تحريمه بين أهل العلم خلفا ‪ ،‬لنّهم معصومون ‪،‬‬
‫وإنّما أبيح من دمائهم وأموالهم ما حصل من ضرورة دفعهم وقتالهم ‪ ،‬وما عداه يبقى على‬
‫أصل التّحريم ‪ .‬وذهب الشّافعيّة إلى أنّه إذا كانت لهم فئة بعيدة ينحازون إليها ‪ ،‬ول يتوقّع في‬
‫العادة مجيئها إليهم والحرب قائمة ‪ ،‬وغلب على الظّنّ عدم وصولها لهم ‪ ،‬فإنّه ل يقاتل‬
‫مدبرهم ‪ ،‬ول يجهز على جريحهم ‪ ،‬لمن غائلته إلّ إذا كان متحرّفا لقتالٍ ‪ .‬وأمّا إذا كان لهم‬
‫فئة قريبة تسعفهم عادةً ‪ ،‬والحرب قائمة ‪ ،‬فإنّه يجوز اتّباعهم والجهاز على جريحهم ‪ .‬أو‬
‫كانت لهم فئة بعيدة يتوقّع في العادة مجيئها إليهم والحرب قائمة ‪ ،‬وغلب على الظّنّ ذلك‬
‫فالمتّجه أن يقاتل ‪ .‬وقريب منه ما ذهب إليه المالكيّة ‪ ،‬فقد صرّحوا بأنّه إذا أمن جانبهم‬
‫بالظّهور عليهم ‪ ،‬لم يتبع منهزمهم ‪ ،‬ولم يذفّف على جريحهم ‪ .‬أمّا الحنابلة فينصّون على أنّ‬
‫أهل البغي إذا تركوا القتال ‪ ،‬بالرّجوع إلى الطّاعة ‪ ،‬أو بإلقاء السّلح ‪ ،‬أو بالهزيمة إلى فئةٍ ‪،‬‬
‫ح أو مرضٍ أو أسرٍ فإنّه يحرم قتلهم واتّباع مدبرهم ‪ .‬وساق‬
‫أو إلى غير فئ ٍة ‪ ،‬أو بالعجز لجرا ٍ‬
‫ابن قدامة الثار الواردة في النّهي عن قتل المدبر والجهاز على الجريح وقتل السير ‪ ،‬وهي‬
‫ن المقصود كفّهم وقد حصل ‪ ،‬فلم يجز قتلهم كالصّائل ‪ ،‬ول يقتلون لما‬
‫عامّة ‪ .‬ثمّ قال ‪ :‬ل ّ‬
‫يخاف في التّالي ‪ -‬إن كان لهم فئة ‪ -‬كما لو لم تكن لهم فئة ‪ .‬أمّا الحنفيّة ‪ :‬فقد نصّوا على أنّه‬
‫إذا كانت لهم فئة ينحازون إليها ‪ -‬مطلقا ‪ -‬فإنّه ينبغي لهل العدل أن يقتلوا مدبرهم ‪،‬‬
‫ويجهزوا على جريحهم ‪ ،‬لئلّ ينحازوا إلى الفئة ‪ ،‬فيمتنعوا بها ‪ ،‬فيكرّوا على أهل العدل ‪.‬‬
‫ن قتلهم إذا كان لهم فئة ‪ ،‬ل يخرج عن‬
‫والمعتبر في جواز القتل أمارة قتالهم ل حقيقته ‪ ،‬ول ّ‬
‫ن ما قاله عليّ رضي ال‬
‫كونه دفعا ‪ ،‬لنّه يتحيّز إلى الفئة ويعود شرّه كما كان ‪ .‬وقالوا ‪ :‬إ ّ‬
‫عنه على تأويل إذا لم تكن لهم فئة ‪.‬‬

‫المرأة المقاتلة من أهل البغي ‪:‬‬


‫ن المرأة من البغاة ‪ -‬إن كانت‬
‫‪ - 15‬ذهب جمهور الفقهاء ( الحنفيّة والشّافعيّة والحنابلة ) إلى أ ّ‬
‫تقاتل ‪ -‬فإنّها تحبس ‪ ،‬ول تقتل إلّ في حال مقاتلتها ‪ ،‬وإنّما تحبس للمعصية ‪ ،‬ولمنعها من‬
‫نل‬
‫ن إلّ بالتّحريض والرّمي بالحجارة ‪ ،‬فإنّه ّ‬
‫الشّرّ والفتنة ‪ .‬وقال المالكيّة ‪ :‬إن لم يكن قتاله ّ‬
‫يقتلن ‪.‬‬

‫أموالهم بالنّسبة لغتنامها وإتلفها وضمانها ‪:‬‬


‫‪ - 16‬اتّفق الفقهاء على أنّ أموال البغاة ل تغنم ‪ ،‬ول تقسّم ‪ ،‬ول يجوز إتلفها ‪ ،‬وإنّما يجب‬
‫أن تردّ إليهم ‪ .‬لكن ينبغي أن يحبس المام أموالهم دفعا لشرّهم بكسر شوكتهم حتّى يتوبوا ‪،‬‬
‫فيردّها إليها لندفاع الضّرورة ‪ ،‬ولنّها ل استغنام فيها ‪ ،‬وإذا كان في أموالهم خيل ونحوها ‪-‬‬
‫ممّا يحتاج في حفظه إلى إنفاقٍ ‪ -‬كان الفضل بيعه وحبس ثمنه ‪ .‬وفي ضمان إتلف مالهم‬
‫ن العادل إذا أتلف نفس الباغي أو ماله حال القتال بسبب القتال أو ضرورته ل‬
‫كلم ‪ .‬فإ ّ‬
‫يضمن ‪ ،‬إذ ل يمكن أن يقتلهم إلّ بإتلف شيءٍ من أموالهم كالخيل ‪ ،‬فيجوز عقر دوابّهم إذا‬
‫قاتلوا عليها ‪ ،‬وإذا كانوا ل يضمنون النفس فالموال أولى ‪ .‬أمّا في غير حال القتال‬
‫ن المام إذا ظفر لهم بمالٍ حال‬
‫وضرورته فل تحرّق مساكنهم ‪ ،‬ول يقطع شجرهم ‪ ،‬ل ّ‬
‫المقاتلة فإنّه يحبسه حتّى يردّ إليهم ‪ ،‬فل تؤخذ أموالهم ‪ ،‬لنّ مواريثهم قائمة ‪ ،‬وإنّما قوتلوا بما‬
‫أحدثوا من البدع ‪ ،‬فكان ذلك كالحدّ يقام عليهم ‪ .‬وقيّد الماورديّ الضّمان بما إذا كان التلف‬
‫خارج القتال بقصد التّشفّي والنتقام ‪ ،‬أمّا إذا كان لضعافهم أو هزيمتهم فل ضمان ‪.‬‬
‫واستظهر الزّيلعيّ وابن عابدين حمل الضّمان على ما قبل تحيّزهم وخروجهم ‪ ،‬أو بعد كسرهم‬
‫وتفرّق جمعهم ‪.‬‬

‫ما أتلفه أهل العدل للبغاة ‪:‬‬


‫ي عن المرغينانيّ ‪ :‬أنّ العادل إذا أتلف نفس الباغي أو ماله ل يضمن ول‬
‫‪ - 17‬نقل الزّيلع ّ‬
‫يأثم ‪ ،‬لنّه مأمور بقتالهم دفعا لشرّهم ‪ .‬وفي المحيط ‪ :‬إذا أتلف مال الباغي يؤخذ بالضّمان ‪،‬‬
‫ن مال الباغي معصوم في حقّنا ‪ ،‬وأمكن إلزام الضّمان ‪ ،‬فكان في إيجابه فائدة‬
‫لّ‬

‫ما أتلفه البغاة لهل العدل ‪:‬‬


‫‪ - 18‬إذا أتلف أهل البغي لهل العدل مالً فل ضمان عليهم ‪ ،‬لنّهم طائفة متأوّلة فل تضمن‬
‫كأهل العدل ‪ ،‬ولنّه ذو منع ٍة في حقّنا ‪ ،‬وأمّا الثم فإنّه ل منعة له في حقّ الشّارع ‪ ،‬ولنّ‬
‫تضمينهم يفضي إلى تنفيرهم عن الرّجوع إلى الطّاعة ‪ ،‬لما رواه عبد ال ّرزّاق بإسناده عن‬
‫ن سليمان بن هشامٍ كتب إليه يسأله عن امرأةٍ خرجت من عند زوجها ‪ ،‬وشهدت‬
‫الزّهريّ ‪ ،‬أ ّ‬
‫على قومها بالشّرك ‪ ،‬ولحقت بالحروريّة فتزوّجت ‪ ،‬ثمّ إنّها رجعت إلى أهلها تائبةً ‪ ،‬قال‬
‫ن الفتنة الولى ثارت ‪ ،‬وأصحاب رسول اللّه صلى ال عليه وسلم ‪-‬‬
‫فكتب إليه ‪ :‬أمّا بعد ‪ ،‬فإ ّ‬
‫ل يقيموا على أحدٍ حدّا في فرجٍ استحلّوه بتأويل‬
‫ممّن شهد بدرا ‪ -‬كثير ‪ ،‬فاجتمع رأيهم على أ ّ‬
‫القرآن ‪ ،‬ول قصاصا في دمٍ استحلّوه بتأويل القرآن ‪ ،‬ول يردّ مال استحلّوه بتأويل القرآن ‪،‬‬
‫إلّ أن يوجد شيء بعينه فيردّ على صاحبه ‪ ،‬وإنّي أرى أن تردّ إلى زوجها ‪ ،‬وأن يحدّ من‬
‫افترى عليها ‪ .‬وفي قولٍ للشّافعيّ ‪ :‬يضمنون ‪ ،‬لقول أبي بكرٍ تدون قتلنا ‪ ،‬ول ندي ‪ -‬من‬
‫الدّية ‪ -‬قتلكم ولنّها نفوس وأموال معصومة أتلفت بغير حقّ ول ضرورة دفع مباحٍ ‪،‬‬
‫فوجب ضمانه ‪ ،‬كالّتي أتلفت في غير حال الحرب ‪ .‬وإذا تاب البغاة ورجعوا أخذ منهم ما‬
‫وجد بأيديهم من أموال أهل الحقّ ‪ ،‬وما استهلكوه لم يتبعوا به ‪ ،‬ولو كانوا أغنياء ‪ ،‬لنّهم‬
‫متأوّلون ‪ .‬وإذا قتل الباغي أحدا من أهل العدل في غير المعركة يقتل به ‪ ،‬لنّه قتل بإشهار‬
‫السّلح والسّعي في الرض بالفساد كقاطع الطّريق ‪ ،‬وقيل ‪ :‬ل يتحتّم قتله ‪ ،‬وهو الصّحيح عند‬
‫الحنابلة ‪ :‬لقول عليّ رضي ال عنه ‪ :‬إن شئت أن أعفو ‪ ،‬وإن شئت استقدت ‪.‬‬

‫التّمثيل بقتلى البغاة ‪:‬‬


‫‪ - 19‬التّمثيل بقتلى البغاة مكروه تحريما عند الحنفيّة ‪ ،‬حرام عند المالكيّة ‪ ،‬أمّا نقل رءوسهم ‪،‬‬
‫فقد قال الحنفيّة ‪ :‬يكره أخذ رءوسهم ‪ ،‬فيطاف بها في الفاق ‪ ،‬لنّه مثلة ‪ .‬وجوّزه بعض‬
‫متأخّري الحنفيّة ‪ ،‬إذا كان فيه طمأنينة قلوب أهل العدل ‪ ،‬أو كسر شوكة البغاة ‪ .‬وجوّز‬
‫المالكيّة رفع رءوس قتلى البغاة في محلّ قتلهم ‪.‬‬

‫أسرى البغاة ‪:‬‬


‫ن قتالهم كان لمجرّد دفع شرّهم ‪ ،‬فل يستباح‬
‫‪ - 20‬أسرى البغاة يعاملون معامل ًة خاصّةً ‪ ،‬ل ّ‬
‫ل بقدر ما يدفع القتال ‪ ،‬ولذا فإنّهم ل يقتلون إذا لم تكن لهم فئة اتّفاقا ‪ ،‬للتّعليل السّابق ‪،‬‬
‫دمهم إ ّ‬
‫ولذا ل يسترقّون مطلقا ‪ ،‬سواء أكانت لهم فئة أم ل اتّفاقا ‪ ،‬لنّهم أحرار مسلمون ‪ ،‬ول تسبى‬
‫لهم نساء ول ذ ّريّة ‪ .‬أمّا إن كانت لهم فئة ‪ ،‬فقد ذهب المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة إلى أنّهم ل‬
‫يقتلون أيضا ‪ .‬غير أنّ عبد الملك من المالكيّة قال ‪ :‬إن أسر منهم أسير وقد انقطعت الحرب ل‬
‫يقتل ‪ ،‬وإن كانت الحرب قائمةً فللمام قتله ‪ ،‬إذا خاف منه الضّرر ‪ .‬وفي بعض كتب المالكيّة‬
‫‪ :‬أنّه إذا أسر بعد انقضاء الحرب يستتاب ‪ ،‬فإن لم يتب قتل ‪ ،‬وقيل ‪ :‬يؤدّب ول يقتل ‪ .‬وقال‬
‫الشّافعيّة ‪ :‬إن قتله ضمنه بالدّية ‪ ،‬لنّه بالسر صار محقون الدّم ‪ ،‬وقيل ‪ :‬فيه قصاص ‪ .‬وقيل‬
‫ن أبا حنيفة يجيز قتله فصار ذلك شبهةً ‪ .‬وإن كان أسير بالغا فدخل في‬
‫‪ :‬ل قصاص فيه ‪ ،‬ل ّ‬
‫الطّاعة أطلقه ‪ ،‬وإن لم يدخل في الطّاعة حبسه إلى أن تنتهي الحرب ‪ .‬وإن كان عبدا أو صبيّا‬
‫ن في حبسه كسرا‬
‫لم يحبس ‪ ،‬لنّه ليس من أهل البيعة ‪ ،‬وقال بعض الشّافعيّة ‪ :‬يحبس ل ّ‬
‫لقلوبهم ‪ .‬وهذا ما قاله الحنابلة ‪ .‬وقال الحنفيّة ‪ :‬إذا كانت للسير فئة ‪ ،‬فالمام بالخيار إن شاء‬
‫قتله ‪ ،‬وإن شاء حبسه دفعا لشرّه بقدر المكان ‪ ،‬ويحكم المام بنظره فيما هو أحسن في كسر‬
‫الشّوكة ‪.‬‬

‫فداء السرى ‪:‬‬


‫ص الفقهاء على جواز فداء أسارى أهل العدل بأسارى البغاة ‪ ،‬وقالوا ‪ :‬إن قتل أهل‬
‫‪ - 21‬ن ّ‬
‫البغي أسرى أهل العدل لم يجز لهل العدل قتل أسراهم ‪ ،‬لنّهم ل يقتلون بجناية غيرهم ‪ ،‬وإن‬
‫أبى البغاة مفاداة السرى الّذين معهم وحبسوهم ‪ ،‬قال ابن قدامة ‪ :‬احتمل أن يجوز لهل العدل‬
‫حبس من معهم ليتوصّلوا إلى تخليص أسراهم بذلك ‪ ،‬ويحتمل ألّ يجوز حبسهم ‪ ،‬ويطلقون ‪،‬‬
‫ن الذّنب في حبس أسارى أهل العدل لغيرهم ‪ .‬وتفصيل الكلم عن أسرى البغاة في مصطلح‬
‫لّ‬
‫( أسرى ) ‪.‬‬

‫( موادعة البغاة ) ‪:‬‬


‫‪ - 22‬اتّفق الفقهاء على أنّه ل يجوز موادعة البغاة على مالٍ ‪ .‬فإن وادعهم المام على مالٍ‬
‫ل ‪ -‬أجيبوا‬
‫بطلت الموادعة ‪ .‬ولو طلبوا الموادعة ‪ -‬أي الصّلح على ترك المقاتلة بغير ما ٍ‬
‫إليها إن كان ذلك خيرا ‪ .‬فإن بان له أنّ قصدهم الرّجوع إلى الطّاعة ومعرفة الحقّ أمهلهم ‪.‬‬
‫وقال ابن المنذر ‪ :‬أجمع على هذا كلّ من أحفظ عنه من أهل العلم ‪ .‬فإن كان قصدهم الجتماع‬
‫على قتاله وانتظار مددٍ ‪ ،‬أو ليأخذوا المام على غ ّرةٍ عاجلهم ولم ينظرهم ‪ .‬وإذا وقعت‬
‫الموادعة فأعطى كلّ فريقٍ رهنا على أيّهما غدر يقتل الخرون الرّهن ‪ ،‬فغدر أهل البغي‬
‫وقتلوا الرّهن ‪ ،‬ل يحلّ لهل العدل قتل الرّهن ‪ ،‬بل يحبسونهم حتّى يهلك أهل البغي أو‬
‫يتوبوا ‪ ،‬لنّهم صاروا آمنين بالموادعة ‪ ،‬أو بإعطائه المان لهم حين أخذناهم رهنا ‪ .‬والغدر‬
‫من غيرهم ل يؤاخذون به ‪ ،‬لكنّهم يحبسون مخافة أن يرجعوا إلى فئتهم فيكونون لهم قوّةً‬
‫تغريهم على المقاتلة ‪ - 23 .‬وإن بذل البغاة لهل العدل رهائن على إنظارهم لم يجز أخذها‬
‫ن الرّهائن ل يجوز قتلهم لغدر أهلهم ‪ ،‬وإن كان في أيديهم أسرى من أهل العدل ‪،‬‬
‫لذلك ‪ ،‬ل ّ‬
‫وأعطوا بذلك رهائن منهم قبلهم المام ‪ ،‬واستظهر لهل العدل ‪ .‬فإن أطلقوا أسرى أهل العدل‬
‫الّذين عندهم أطلق رهائنهم ‪ .‬وإن قتلوا من عندهم لم يجز قتل رهائنهم ‪ ،‬لنّهم ل يقتلون بقتل‬
‫غيرهم ‪ ،‬لنّهم صاروا آمنين ‪ .‬فإذا انقضت الحرب خلّي الرّهائن كما تخلّى السرى منهم ‪.‬‬

‫من ل يجوز قتله من البغاة ‪:‬‬


‫ن من ل يجوز قتله من أهل الحرب ‪ -‬كالنّساء‬
‫‪ - 24‬يتّفق الفقهاء على أصل قاعدةٍ ‪ :‬أ ّ‬
‫ن قتلهم لدفع شرّ‬
‫والشّيوخ والصّبيان والعميان ‪ -‬ل يجوز قتله من البغاة ما لم يقاتلوا ‪ ،‬ل ّ‬
‫ل إذا‬
‫ص ذلك بأهل القتال ‪ .‬وهؤلء ليسوا من أهل القتال عادةً ‪ ،‬فل يقتلون إ ّ‬
‫قتالهم ‪ ،‬فيخت ّ‬
‫قاتلوا ولو بالتّحريض ‪ ،‬لوجود القتال من حيث المعنى ‪ ،‬فيباح قتلهم إلّ الصّبيّ والمعتوه ‪.‬‬
‫فالصل أنّهما ل يقصدان القتل ‪ .‬فيحلّ قتلهما حال القتال إن قاتل حقيقةً أو معنًى ‪ .‬أمّا الحنفيّة‬
‫‪ ،‬فعلى مذهبهم في تخيير المام بين قتل أسرى البغاة أو حبسهم ‪ ،‬يرون جواز قتل من قاتل أو‬
‫حرّض من الشّيوخ ونحوهم ‪ ،‬فيقتلون حال القتال أو بعد الفراغ منه ‪ .‬لكن ل يقتل الصّبيّ‬
‫ن القتل بعد الفراغ والسر بطريق العقوبة ‪ ،‬وهما ليسا من‬
‫والمعتوه بعد الفراغ من القتال ‪ ،‬ل ّ‬
‫أهل العقوبة ‪ .‬وأمّا قتلهما حال الحرب فدفعا لشرّهم كدفع الصّائل ‪ .‬وقال الحنابلة ‪ :‬إن حضر‬
‫مع البغاة عبيد ونساء وصبيان قوتلوا مقبلين ‪ ،‬وتركوا مدبرين كغيرهم من الحرار والذّكور‬
‫ن جاز دفعه وقتاله ‪ .‬وقد نصّ‬
‫ن قتالهم للدّفع ‪ ،‬ولو أراد أحد هؤلء قتل إنسا ٍ‬
‫البالغين ‪ ،‬ل ّ‬
‫ل أن يترتّب على تركهم تلف أكثر‬
‫ن البغاة لو تترّسوا بذ ّريّتهم تركوا ‪ ،‬إ ّ‬
‫المالكيّة على أ ّ‬
‫المسلمين ‪.‬‬
‫حضور من ل يقاتل من القادرين على القتال مع البغاة ‪:‬‬
‫‪ - 25‬إذا حضر مع البغاة من ل يقاتل ‪ -‬برغم قدرته على القتال ‪ -‬لم يجز أن يقصد بالقتل ‪،‬‬
‫ن القصد من قتالهم كفّهم ‪ ،‬وهذا قد كفّ نفسه لقوله تعالى ‪ { :‬ومن يقتل مؤمنا متعمّدا‬
‫لّ‬
‫فجزاؤه جهنّم } فإنّه يدلّ على تحريم قتل المؤمن عمدا على وجه العموم ‪ ،‬وإنّما خصّ من ذلك‬
‫ما حصل ضرورة دفع الباغي والصّائل ‪ ،‬ففيما عداه يبقى على العموم ‪ ،‬فمن ل يقاتل تورّعا‬
‫عنه ‪ -‬مع قدرته عليه ‪ -‬ول يخاف منه القتال بعد ذلك ‪ ،‬وهو مسلم ل يحتاج لدفعٍ فل يحلّ‬
‫سجّاد بن طلحة بن‬
‫ن عليّا نهاهم عن قتل محمّدٍ ال ّ‬
‫دمه ‪ .‬وفي وج ٍه عند الشّافعيّة يجوز قتله ‪ ،‬ل ّ‬
‫عبيد اللّه ولم يكن يقاتل ‪ ،‬وإنّما كان يحمل راية أبيه ‪ ،‬فقتله رجل وأنشد شعرا ‪ ،‬فلم ينكر عليّ‬
‫قتله ‪ ،‬ولنّه صار ردءا لهم ‪.‬‬

‫حكم قتال المحارم من البغاة ‪:‬‬


‫‪ - 26‬اتّفق الفقهاء في الجملة على عدم جواز قتل العادل لذي رحمه المحرّم من أهل البغي ‪،‬‬
‫وقصر المالكيّة ذلك على البوين فقط ‪ .‬بل منهم من قال بجواز قتل أبويه ‪ ،‬وكذا في روايةٍ‬
‫ح لقوله تعالى ‪ { :‬وإن‬
‫عند الحنابلة ذكرها القاضي ‪ .‬ومنهم من صرّح بالكراهة ‪ ،‬وهو الص ّ‬
‫جاهداك على أن تشرك بي ما ليس لك به علم فل تطعهما وصاحبهما في الدّنيا معروفا } ولما‬
‫ي صلى ال عليه وسلم كفّ أبا حذيفة بن عتبة عن قتل أبيه } ‪.‬‬
‫روى الشّافعيّ أنّ { النّب ّ‬
‫وصرّح بعضهم بعدم الحلّ ‪ ،‬لنّ اللّه أمر بالمصاحبة بالمعروف ‪ ،‬والمر يقتضي الوجوب ‪.‬‬
‫وللفقهاء تفصيل وأدلّة ‪ .‬يقول الحنفيّة ‪ :‬ل يجوز للعادل أن يبتدئ بقتل ذي رحمٍ محرمٍ من أهل‬
‫البغي مباشرةً ‪ ،‬إذ اجتمع فيه حرمتان ‪ :‬حرمة السلم وحرمة القرابة ‪ .‬وإذا أراد الباغي قتل‬
‫ل بالقتل فيجوز له أن يتسبّب ليقتله غيره ‪ ،‬لنّ‬
‫العادل فله أن يدفعه ‪ ،‬وإن كان ل يندفع إ ّ‬
‫السلم في الصل عاصم ‪ { :‬فإذا قالوها عصموا منّي دماءهم وأموالهم ‪ } ...‬والباغي مسلم ‪،‬‬
‫شرّ‬
‫إلّ أنّه أبيح قتل غير ذي الرّحم المحرّم من أهل البغي لدفع شرّهم ‪ ،‬ل لشركهم ‪ ،‬ودفع ال ّ‬
‫يحصل بالدّفع والتّسبّب ليقتله غيره ‪ .‬وقال المالكيّة ‪ :‬كره للرّجل قتل أبيه الباغي ‪ ،‬ومثل أبيه‬
‫أمّه ‪ ،‬بل هي أولى ‪ ،‬لما جبلت عليه من الحنان والشّفقة ‪ ،‬ول يكره قتل جدّه وأخيه وابنه ‪.‬‬
‫ن ‪ :‬ول بأس أن يقتل الرّجل في قتال البغاة أخاه وقرابته ‪ ،‬فأمّا الب وحده فل‬
‫وقال ابن سحنو ٍ‬
‫أحبّ قتله عمدا ‪ ،‬وروى ابن عبد السّلم جواز قتل البن الباغي ‪ ،‬وهو غير المشهور ‪ .‬وقال‬
‫الشّافعيّة ‪ :‬يكره أن يقصد قتل ذي رحمٍ محرمٍ ‪ ،‬كما يكره في قتال الكفّار ‪ ،‬فإن قاتله لم يكره ‪.‬‬
‫ح كراهة قتل ذي الرّحم المحرّم الباغي ‪ ،‬ونقل ابن قدامة عن القاضي أنّه‬
‫وقال الحنابلة ‪ :‬الص ّ‬
‫ل يكره ‪ ،‬لنّه قتل بحقّ ‪ ،‬فأشبه إقامة الحدّ عليه ‪.‬‬
‫إرث العادل من الباغي الّذي قتله والعكس ‪:‬‬
‫ن العادل إذا قتل قريبه‬
‫‪ - 27‬ذهب الحنفيّة والمالكيّة ‪ -‬وهو قول لبي بك ٍر من الحنابلة ‪ -‬إلى أ ّ‬
‫ن قتل الباغي واجب ‪ ،‬ول‬
‫الباغي ورثه ‪ ،‬لنّه قتل بحقّ ‪ ،‬فلم يمنع الميراث كالقصاص ‪ ،‬ول ّ‬
‫إثم على القاتل بقتله ‪ ،‬ول يجب الضّمان عليه ‪ .‬فكذا ل يحرم من الرث ‪ .‬وكذا لو قتل الباغي‬
‫ذا رحمه العادل عند المالكيّة وأبي بكرٍ من الحنابلة ‪ ،‬لقولهم " ومواريثهم قائمة » ‪ .‬أمّا الحنفيّة‬
‫فقالوا ‪ :‬لو قتل الباغي قريبه العادل وقال ‪ :‬أنا على حقّ ورثه عند أبي حنيفة ومح ّمدٍ ‪ ،‬خلفا‬
‫لبي يوسف ‪ .‬وإن قال ‪ :‬قتلته وأنا على الباطل ل يرث اتّفاقا بين المام وصاحبيه ‪ .‬واستدلّ‬
‫‪ -‬أبو حنيفة ‪ -‬بأنّه أتلف ما أتلف عن تأويلٍ فاسدٍ ‪ ،‬والفاسد منه ملحق بالصّحيح إذا انضمّت‬
‫إليه منعة ‪ ،‬وهو إن كان فاسدا في نفسه فإنّه يسقط به الضّمان ‪ ،‬فكذا ل يوجب الحرمان ‪ ،‬كما‬
‫ن التّأويل في اعتقاده هو صحيح ‪ .‬وذهب الشّافعيّة ‪ ،‬وهو قول ابن حامدٍ من الحنابلة إلى أنّه‬
‫أّ‬
‫ل يرث لعموم حديث ‪ { :‬ليس لقاتلٍ شيء } وكذا بالنّسبة للباغي إذا قتل العادل ‪ ،‬ونصّ‬
‫الشّافعيّة ‪ :‬ل يرث قاتل من مقتوله مطلقا ‪.‬‬

‫ما يجوز قتال البغاة به ‪:‬‬


‫‪ - 28‬يجوز عند الحنفيّة والمالكيّة قتال البغاة ‪ -‬إذا تحصّنوا ‪ -‬بكلّ ما يقاتل به أهل الحرب ‪،‬‬
‫بالسّيف والرّمي بالنّبل وبالمنجنيق والحريق والتّغريق ‪ ،‬وقطع الميرة ( المؤن ) والماء عنهم ‪،‬‬
‫وكذا إذا فعل البغاة معهم مثل ذلك ‪ ،‬لنّ قتالهم لدفع شرّهم وكسر شوكتهم ‪ ،‬فيقاتلون بكلّ ما‬
‫ل أن يكون فيهم نسوة أو ذراريّ ‪ ،‬فل نرميهم بالنّار ‪ .‬وقال‬
‫يحصل به ذلك ‪ .‬وقال المالكيّة ‪ :‬إ ّ‬
‫ل عظيمٍ يعمّ ‪ ،‬كالتّغريق‬
‫الشّافعيّة والحنابلة بعدم جواز قتالهم بالنّار والرّمي بالمنجنيق ‪ ،‬ول بك ّ‬
‫ل جارفةٍ ‪ ،‬ول يجوز محاصرتهم وقطع الطّعام والشّراب عنهم إلّ لضرورةٍ ‪،‬‬
‫وإرسال سيو ٍ‬
‫بأن قاتلوا به ‪ ،‬أو أحاطوا بنّا ولم يندفعوا إلّ به ‪ ،‬ويكون فعل ذلك بقصد الخلص منهم ل‬
‫بقصد قتلهم ‪ ،‬لنّه ل يجوز قتل من ل يقاتل ‪ ،‬وما يعمّ إتلفه يقع على من يقاتل ومن ل يقاتل‬
‫‪.‬‬

‫مقاتلة البغاة بسلحهم الّذي في أيدينا ‪:‬‬


‫‪ - 29‬يجوز عند الحنفيّة والمالكيّة ‪ ،‬وهو وجه عند الحنابلة ‪ ،‬قتالهم بسلحهم وخيلهم وكلّ‬
‫أدوات القتال الّتي استولينا عليها منهم ‪ ،‬إن احتاج أهل العدل إلى هذا ‪ ،‬لنّ عليّا رضي ال‬
‫عنه قسّم ما استولى عليه من سلح البغاة بين أصحابه بالبصرة ‪ ،‬وكانت قسمةً للحاجة ل‬
‫ن للمام أن يفعل ذلك في مال أهل العدل عند الحاجة ‪ ،‬ففي مال الباغي أولى ‪.‬‬
‫للتّمليك ‪ ،‬ول ّ‬
‫ونقل ابن قدامة عن القاضي أنّ أحمد أومأ إلى جواز النتفاع به حال التحام الحرب ‪ ،‬ومنعه‬
‫في غير قتالهم ‪ ،‬لنّ هذه الحالة يجوز فيها إتلف نفوسهم ‪ ،‬وحبس سلحهم وكراعهم ‪ ،‬فجاز‬
‫النتفاع به كسلح أهل الحرب ‪ .‬وقال أبو الخطّاب ‪ :‬في هذه المسألة وجهان ‪ .‬أمّا الشّافعيّة ‪،‬‬
‫وهو الوجه الخر عند الحنابلة الّذي ذكره أبو الخطّاب ‪ ،‬فيرون أنّه ل يجوز لحدٍ استعمال‬
‫ل لضرور ٍة ‪ ،‬ويلزم دفع أجرة المثل لهم ‪،‬‬
‫شيءٍ ممّا استولينا عليه من سلح البغاة وخيلهم إ ّ‬
‫ل مال امرئٍ‬
‫كمضطرّ لكل طعام غيره يلزمه ثمنه ‪ ،‬ولقوله صلى ال عليه وسلم ‪ { :‬ل يح ّ‬
‫س منه } ولنّ من ل يجوز أخذ ماله لم يجز النتفاع بماله من غير إذنه‬
‫ل بطيب نف ٍ‬
‫مسلمٍ إ ّ‬
‫ن السلم عصم أموالهم ‪ ،‬وإنّما أبيح قتالهم لردّهم إلى الطّاعة ‪،‬‬
‫ومن غير ضرورةٍ ‪ ،‬ول ّ‬
‫فيبقى المال على عصمته ‪ ،‬ومتى انقضت الحرب وجب ردّه إليهم كسائر أموالهم ‪ ،‬ول يردّ‬
‫إليهم قبل ذلك لئلّ يقاتلونا به ‪.‬‬

‫الستعانة في قتالهم بالمشركين ‪:‬‬


‫‪ - 30‬اتّفق المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة على تحريم الستعانة بالكفّار في قتال البغاة ‪ ،‬لنّ‬
‫القصد كفّهم ل قتلهم ‪ ،‬والكفّار ل يقصدون إلّ قتلهم ‪ ،‬وإن دعت الحاجة إلى الستعانة بهم ‪،‬‬
‫فإن كان من الممكن القدرة على كفّ هؤلء الكفّار المستعان بهم جاز ‪ ،‬وإن لم يقدر لم يجز ‪.‬‬
‫كما نصّ الشّافعيّة والحنابلة على أنّه ل يجوز الستعانة على قتالهم بمن يرى من أهل العدل‬
‫( وهم فقهاء الحنفيّة ) قتل البغاة وهم مدبرون ‪ ،‬على ما سبق بيانه ‪ .‬ويتّفق الحنفيّة مع‬
‫الجمهور في أنّه ل يحلّ الستعانة بأهل الشّرك إذا كان حكم أهل الشّرك ‪ ،‬هو الظّاهر ‪ ،‬أمّا‬
‫إذا كان حكم أهل العدل هو الظّاهر فل بأس بالستعانة بال ّذ ّميّين وصنفٍ من البغاة ‪ ،‬ولو لم‬
‫ن أهل العدل يقاتلون لعزاز الدّين ‪ ،‬والستعانة على البغاة بهم‬
‫تكن هناك حاجة ‪ ،‬ل ّ‬
‫كالستعانة عليهم بأدوات القتال ‪.‬‬

‫قتلى معارك البغاة وحكم الصّلة عليهم ‪:‬‬


‫‪ - 31‬من قتل من أهل العدل كان شهيدا ‪ ،‬لنّه قتل في قتالٍ أمر اللّه به ‪ ،‬وذلك بقوله جلّ‬
‫شأنه ‪ { :‬فقاتلوا الّتي تبغي } ول يغسّل ‪ ،‬ول يصلّى عليه ‪ ،‬لنّه شهيد معرك ٍة أمر بالقتال‬
‫فيها ‪ ،‬فأشبه شهيد معركة الكفّار ‪ .‬وفي روايةٍ عند الحنابلة ‪ :‬يغسّل ويصلّي عليه ‪ ،‬وهو قول‬
‫ن النّبيّ صلى ال عليه وسلم قال ‪ { :‬صلّوا على من قال ل إله إلّ‬
‫الوزاعيّ وابن المنذر ‪ ،‬ل ّ‬
‫اللّه } واستثنى قتيل الكفّار في المعركة ‪ ،‬ففيما عداه يبقى على الصل ‪ .‬أمّا قتلى البغاة ‪،‬‬
‫فمذهب المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة ‪ :‬أنّهم يغسّلون ويكفّنون ويصلّى عليهم ‪ ،‬لعموم قوله صلى‬
‫ال عليه وسلم ‪ { :‬صلّوا على من قال ‪ :‬ل إله إلّ اللّه } ولنّهم مسلمون لم يثبت لهم حكم‬
‫الشّهادة ‪ ،‬فيغسّلون ويصلّى عليهم ‪ .‬ومثله الحنفيّة ‪ ،‬سواء أكانت لهم فئة ‪ ،‬أم لم تكن لهم فئة‬
‫على الرّأي الصّحيح عندهم ‪ .‬وقد روي ‪ :‬أنّ عليّا رضي ال عنه لم يصلّ على أهل‬
‫حروراء ‪ ،‬ولكنّهم يغسّلون ويكفّنون ويدفنون ‪ .‬ولم يفرّق الجمهور بين الخوارج وغيرهم من‬
‫البغاة في حكم التّغسيل والتّكفين والصّلة ‪.‬‬

‫تقاتل أهل البغي ‪:‬‬


‫‪ - 32‬إن اقتتل فريقان من أهل البغي ‪ ،‬فإن قدر المام على قهرهما ‪ ،‬لم يعاون واحدا منهما ‪،‬‬
‫لنّ الفريقين على خطأٍ ‪ ،‬وإن لم يقدر على قهرهما ‪ ،‬ولم يأمن أن يجتمعا على قتاله ‪ ،‬ضمّ‬
‫إلى نفسه أقربهما إلى الحقّ ‪ .‬فإن استويا في ذلك اجتهد رأيه في ضمّ أحدهما ‪ ،‬ول يقصد‬
‫بذلك معاونته على الخر ‪ ،‬بل يقصد الستعانة به على الخر ‪ ،‬فإذا انهزم الخر لم يقاتل الّذي‬
‫ص على‬
‫ضمّه إلى نفسه حتّى يدعوه إلى الطّاعة ‪ ،‬لنّه بالستعانة به حصل على المان ‪ ،‬ن ّ‬
‫هذا الشّافعيّة والحنابلة ‪ .‬ولم يوجد فيما رجعنا إليه من كتب الحنفيّة والمالكيّة حكم هذه الصّورة‬
‫‪ .‬وجاء في كتب الحنفيّة ‪ :‬لو قتل باغٍ مثله عمدا في عسكرهم ‪ ،‬ث ّم ظهر أهل العدل على البغاة‬
‫‪ ،‬فل شيء على القاتل ‪ ،‬لكون المقتول مباح الدّم ‪ ،‬إذ لو قتله العادل ل يجب عليه شيء ‪ ،‬فل‬
‫يجب على الباغي القاتل دية ول قصاص ‪ ،‬ول إثم عليه أيضا ‪ ،‬ولنّه ل ولية لمام العدل‬
‫حين القتل ‪ ،‬فلم ينعقد موجبا للجزاء ‪ ،‬كالقتل في دار الحرب ‪ .‬وقالوا ‪ :‬لو غلب أهل البغي‬
‫على بلدٍ ‪ ،‬فقاتلهم آخرون من أهل البغي ‪ ،‬فأرادوا أن يسبوا ذراريّ أهل المدينة ‪ ،‬وجب على‬
‫أهل البلد أن يقاتلوا دفاعا عن ذراريّهم ‪ .‬وقال الحنفيّة أيضا ‪ :‬لو قتل تاجر من أهل العدل‬
‫تاجرا آخر من أهل العدل في عسكر أهل البغي ‪ ،‬أو قتل السير من أهل العدل أسيرا آخر ‪،‬‬
‫ثمّ ظهر عليه فل قصاص عليه ‪ ،‬لنّ الفعل لم يقع موجبا للجزاء ‪ ،‬لتعذّر الستيفاء وانعدام‬
‫ن عسكر أهل البغي في حقّ انقطاع الولية‬
‫الولية ‪ ،‬كما لو فعل ذلك في دار الحرب ‪ ،‬ل ّ‬
‫ودار الحرب سواء ‪.‬‬

‫استعانة البغاة بالكفّار ‪:‬‬


‫‪ - 33‬ذهب الحنفيّة والشّافعيّة والحنابلة إلى أنّه إذا استعان البغاة بالحربيّين وأمّنوهم ‪ ،‬أو‬
‫ن المان من شرط صحّته إلزام‬
‫عقدوا لهم ذمّ ًة ‪ ،‬لم يعتبر المان بالنّسبة لنا إن ظفرنا بهم ‪ ،‬ل ّ‬
‫ح المان لهم ‪ .‬ولهل‬
‫كفّهم عن المسلمين ‪ ،‬وهؤلء يشترطون عليهم قتال المسلمين ‪ ،‬فل يص ّ‬
‫العدل قتالهم ‪ ،‬وحكم أسرهم في يد أهل العدل حكم السير الحربيّ ‪ .‬أمّا ما إذا استعان البغاة‬
‫بالمستأمنين ‪ ،‬فمتى أعانوهم كانوا ناقضين للعهد ‪ ،‬وصاروا كأهل الحرب ‪ ،‬لنّهم تركوا‬
‫الشّرط ‪ ،‬وهو كفّهم عن المسلمين ‪ ،‬وعهدهم مؤقّت بخلف ال ّذ ّميّين ‪ ،‬فإن فعلوا ذلك مكرهين ‪،‬‬
‫وكانت لهم منعة ‪ ،‬لم ينتقض عهدهم ‪ .‬وإن استعانوا بأهل ال ّذمّة فأعانوهم ‪ ،‬وقاتلوا معهم ‪،‬‬
‫فعند الشّافعيّة والحنابلة وجهان ‪ :‬أحدهما ‪ :‬ينتقض عهدهم ‪ ،‬لنّهم قاتلوا أهل الحقّ فينتقض‬
‫عهدهم ‪ ،‬كما لو انفردوا بقتالهم ‪ ،‬وعلى هذا يكونون كأهل الحرب ‪ ،‬فيقتلون مقبلين ومدبرين ‪،‬‬
‫ويجهز على جريحهم ‪ ،‬ويسترقّون ‪ ،‬وغير ذلك من أحكام قتال الحربيّين ‪ .‬والوجه الثّاني ‪ :‬أنّه‬
‫ن أهل ال ّذمّة ل يعرفون المحقّ من المبطل ‪ ،‬فيكون ذلك شبه ًة لهم ‪.‬‬
‫ل ينقض عهدهم ‪ ،‬ل ّ‬
‫وعلى هذا يكونون كأهل البغي في الكفّ عن قتل أسرهم ومدبرهم وجريحهم ‪ .‬والحنفيّة‬
‫والمالكيّة يتّفقون مع الشّافعيّة والحنابلة في أنّ معونة ال ّذ ّميّين للبغاة استجابة لطلبهم ل تنقض‬
‫ن هذا الفعل من أهل البغي ليس نقضا للمان ‪ .‬فالّذين انضمّوا إليهم من أهل‬
‫عهد ال ّذمّة ‪ ،‬كما أ ّ‬
‫ال ّذمّة لم يخرجوا من أن يكونوا ملتزمين حكم السلم في المعاملت ‪ ،‬وأن يكونوا من أهل‬
‫الدّار ‪ .‬وإن أكرههم البغاة على معونتهم لم ينقض عهدهم ‪ -‬قولً واحدا ‪ -‬ويقبل قولهم ‪ ،‬لنّهم‬
‫ص الحنفيّة على أنّهم يأخذون حكم البغاة ‪ ،‬وأطلقوا هذه العبارة ممّا‬
‫تحت أيديهم وقدرتهم ‪ .‬ون ّ‬
‫يفيد أنّهم كالبغاة في عدم ضمان ما أتلفوه لهل العدل أثناء القتال ‪ ،‬وهو ما صرّح به‬
‫المالكيّة ‪ ،‬إذ قالوا بالنّسبة لل ّذ ّميّ الخارج مع البغاة المتأوّلين استجاب ًة لطلبهم ‪ :‬ل يضمن نفسا‬
‫ول مالً ‪ .‬لكنّ الشّافعيّة والحنابلة نصّوا على أنّهم يضمنون ما أتلفوا على أهل العدل حال‬
‫القتال وغيره ‪ ،‬إذ ل تأويل لهم ‪.‬‬

‫إعطاء المان للباغي من العادل ‪:‬‬


‫‪ - 34‬صرّح الحنفيّة أنّه إذا أمّن رجل من أهل العدل رجلً من أهل البغي جاز أمانه ‪ ،‬لنّه‬
‫ليس أعلى شقاقا من الكافر الّذي يجوز إعطاء المان له ‪ .‬فكذا هذا ‪ ،‬بل هو أولى وأحقّ ‪،‬‬
‫لنّه مسلم ‪ ،‬وقد يحتاج إلى مناظرته ليتوب ‪ ،‬ول يتأتّى ذلك ما لم يأمن كلّ الخر ‪ .‬ولو دخل‬
‫باغٍ بأمانٍ ‪ ،‬فقتله عادل عمدا ‪ ،‬لزمته الدّية ‪.‬‬

‫تصرّفات إمام البغاة إذا استولى البغاة على بلدٍ في دار السلم ‪ ،‬ونصّبوا لهم إماما‬
‫‪ ،‬وأحدث المام تصرّفاتٍ باعتباره حاكما ‪ ،‬كالجباية من جمع الزّكاة والعشور‬
‫والجزية والخراج ‪ ،‬واستيفاء الحدود والتّعازير وإقامة القضاة ‪ ،‬فهل تنفذ هذه‬
‫التّصرّفات ‪ ،‬وتترتّب عليها آثارها في حقّ أهل العدل ؟ بيان ذلك فيما يأتي ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬جباية الزّكاة والجزية والعشور والخراج ‪:‬‬
‫ن ما جباه أهل البغي من البلد الّتي غلبوا عليها ‪ ،‬من الزّكاة والجزية‬
‫‪ - 35‬ذهب الفقهاء إلى أ ّ‬
‫ل سائغٍ ‪ ،‬فوجب إمضاؤه ‪،‬‬
‫والعشور والخارج ‪ ،‬يعتدّ به ‪ ،‬لنّ ما فعلوه أو أخذوه كان بتأوي ٍ‬
‫كالحاكم إذا حكم بما يسوغ الجتهاد فيه ‪ ،‬ول حرج على النّاس في دفع ذلك إليهم ‪ ،‬فقد كان‬
‫ابن عمر إذا أتاه ساعي نجدة الحروريّ دفع إليه زكاته ‪ ،‬وكذلك سلمة بن الكوع ‪ .‬وليس‬
‫لمام أهل العدل إذا ظهر على هذه البلد أن يطالب بشيءٍ ممّا جبوه ‪ ،‬ول يرجع به على من‬
‫أخذ منه ‪ ،‬وقد روي نحو هذا عن ابن عمر وسلمة بن الكوع ‪ ،‬ولنّ ولية الخذ كانت له‬
‫باعتبار الحماية ‪ ،‬ولم يحمهم ‪ ،‬ولنّ في ترك الحتساب بها ضررا عظيما ومش ّقةً كبيرةً ‪،‬‬
‫فإنّهم قد يغلبون على البلد السّنين الكثيرة ‪ ،‬فلو لم يحتسب ما أخذوه ‪ ،‬أدّى إلى أخذ الصّدقات‬
‫منهم عن كلّ تلك المدّة ‪ .‬وقال أبو عبيدٍ ‪ :‬على من أخذوا منه الزّكاة العادة ‪ ،‬لنّه أخذها من‬
‫ل ولية له صحيحة ‪ ،‬فأشبه ما لو أخذها آحاد الرّعيّة ‪ .‬وذهب فقهاء الحنفيّة إلى أنّه إذا كان‬
‫إمام أهل البغي صرف ما أخذه في مصرفه أجزأ من أخذ منه ‪ ،‬ول إعادة عليه ‪ ،‬لوصول‬
‫الحقّ إلى مستحقّه ‪ .‬وإن لم يكن صرفه في حقّه فعلى من أخذ منهم أن يعيدوا دفعه فيما بينهم‬
‫وبين اللّه تعالى ‪ ،‬لنّه لم يصل إلى مستحقّه ‪ .‬وقال الكمال ابن الهمام ‪ :‬قال المشايخ ‪ :‬ل إعادة‬
‫على الرباب في الخراج ‪ ،‬لنّ البغاة مقاتلة ‪ ،‬وهم مصرف الخراج وإن كانوا أغنياء ‪،‬‬
‫وكذلك في العشر إن كانوا فقراء ‪ ،‬أمّا إن كانوا أغنياء فقد أفتوا بالعادة ‪ ،‬وذلك في زكاة‬
‫الموال كلّها ‪ .‬وقال الشّافعيّة والحنابلة ‪ :‬إن عاد بلد البغاة إلى أهل العدل ‪ ،‬فادّعى من عليه‬
‫الزّكاة أنّه دفعها إلى أهل البغي قبل قوله ‪ .‬وفي استحلفه وجهان عند الشّافعيّة ‪ ،‬وقال أحمد ‪:‬‬
‫ل يستحلف النّاس على صدقاتهم ‪ .‬وإن ادّعى من عليه الجزية أنّه دفعها إليهم لم يقبل قوله ‪،‬‬
‫لنّها عوض ‪ ،‬فلم يقبل قوله في الدّفع ‪ ،‬كالمستأجر إذا ادّعى دفع الجرة ‪ .‬وعند الحنابلة‬
‫ن البغاة ل يدّعون الجزية لهم ‪ ،‬فكان‬
‫ن الظّاهر أ ّ‬
‫يحتمل قبول قولهم إذا مضى الحول ‪ ،‬ل ّ‬
‫ق عليهم إقامة البيّنة‬
‫ن الظّاهر معهم ‪ ،‬ولنّه إذا مضى لذلك سنون كثيرة ش ّ‬
‫القول قولهم ‪ ،‬ل ّ‬
‫على مدّعيهم ‪ ،‬فيؤدّي ذلك إلى تغريمهم الجزية مرّتين ‪ .‬وإن ادّعى من عليه الخراج أنّه دفعه‬
‫إليهم ‪ ،‬ففيه وجهان ‪ :‬أحدهما ‪ :‬يقبل قوله ‪ ،‬لنّه مسلم ‪ ،‬فقبل قوله في الدّفع لمن عليه الزّكاة ‪.‬‬
‫ن الخراج ثمن أو أجرة ‪ ،‬فلم يقبل قوله في الدّفع ‪ ،‬كالثّمن في البيع‬
‫والثّاني ‪ :‬ل يقبل ‪ ،‬ل ّ‬
‫والجرة في الجارة ‪ .‬ويصحّ تفريقهم سهم المرتزقة على جنودهم ‪ ،‬لعتقادهم التّأويل‬
‫المحتمل ‪ ،‬فأشبه الحكم بالجتهاد ‪ ،‬ولما في عدم العتداد به من الضرار بالرّعيّة ‪ ،‬ولنّ‬
‫جندهم من جند السلم ‪ ،‬ورعب الكفّار قائم بهم ‪ ،‬وسواء أكانت الزّكاة معجّل ًة أم ل ‪،‬‬
‫واستمرّت شوكتهم على وجوبها أم ل ‪ ،‬وقيل ‪ :‬ل يعتدّ بتفرقتهم لئلّ يتقوّوا به علينا ‪ ،‬وإن كان‬
‫من عليه الخراج ذ ّميّا فهو كالجزية ‪ ،‬لنّه عوض على غير المسلم ‪.‬‬

‫ب ‪ -‬قضاء البغاة وحكم نفاذه ‪:‬‬


‫ح اتّفاقا‬
‫‪ - 36‬لو ظهر أهل البغي على بلدٍ فولّوا فيه قاضيا من أهله ‪ ،‬وليس من أهل البغي ص ّ‬
‫‪ ،‬وعليه أن يقيم الحدود ‪ .‬أمّا إن كان منهم ‪ ،‬فإذا ظهر أهل العدل على هذا البلد ‪ ،‬فرفعت‬
‫أقضيته إلى قاضي أهل العدل نفذ منها ما هو عدل ‪ ،‬وكذا ما قضاه برأي بعض المجتهدين ‪،‬‬
‫ن قضاء القاضي في المجتهدات نافذ ‪ ،‬وإن كان مخالفا لرأي قاضي أهل العدل ‪ .‬وقال‬
‫لّ‬
‫ل ‪ ،‬وأقام قاضيا ‪ ،‬فحكم بشيءٍ فإنّه ينفذ ‪ ،‬ول تتصفّح أحكامه ‪،‬‬
‫المالكيّة ‪ :‬إذا كان الباغي متأ ّو ً‬
‫صحّة ‪ ،‬ويرتفع بها الخلف ‪ .‬قال الموّاق ‪ :‬هذا في ظاهر المذهب ‪ .‬أمّا غير‬
‫بل تحمل على ال ّ‬
‫المتأوّل فأحكامه تتعقّب ‪ .‬وقال ابن القاسم ‪ :‬ل يجوز قضاؤهم ‪ .‬وقال الشّافعيّة والحنابلة ‪ :‬إن‬
‫ن من شرط القضاء العدالة‬
‫كان ممّن يستبيح دماء أهل العدل وأموالهم لم تنفذ أحكامه ‪ ،‬ل ّ‬
‫والجتهاد ‪ ،‬وهذا ليس بعدلٍ ول مجتهدٍ ‪ ،‬وإن كان ممّن ل يستبيح ذلك نفذ من حكمه ما ينفذ‬
‫ل يسوغ فيه الجتهاد ‪ ،‬فلم ينقض من حكمه ما يسوغ‬
‫من حكم أهل العدل ‪ ،‬لنّ لهم تأوي ً‬
‫ل سائغٍ ‪ ،‬فلم يمنع صحّة القضاء ولم يفسق‬
‫الجتهاد فيه ‪ ،‬ولنّه اختلف في الفروع بتأوي ٍ‬
‫كاختلف الفقهاء ‪ ،‬وإذا حكم بما ل يخالف إجماعا نفذ حكمه ‪ ،‬وإن خالف الجماع نقض ‪،‬‬
‫وإن حكم بسقوط الضّمان عن أهل البغي فيما أتلفوه حال الحرب جاز حكمه ‪ ،‬لنّه موضع‬
‫اجتهادٍ ‪ ،‬وإن كان فيما أتلفوه قبل الحرب لم ينفذ ‪ ،‬لنّه مخالف للجماع ‪ ،‬وإن حكم على أهل‬
‫العدل بالضّمان فيما أتلفوه حال الحرب لم ينفذ حكمه لمخالفته للجماع ‪ ،‬وإن حكم عليهم‬
‫بوجوب الضّمان فيما أتلفوه في غير حال الحرب نفذ حكمه ‪.‬‬

‫ج ‪ -‬كتاب قاضي البغاة إلى قاضي أهل العدل ‪:‬‬


‫‪ - 37‬ل يقبل قاضي أهل العدل كتاب قاضي البغاة عند الحنفيّة ‪ ،‬لنّهم فسقة ‪ .‬وعند الشّافعيّة‬
‫ب عدم تنفيذه والحكم به‬
‫والحنابلة ‪ :‬يجوز الحكم بكتابهم إلينا بسماع البيّنة في الصحّ ‪ ،‬ويستح ّ‬
‫‪ ،‬استخفافا بهم حيث ل ضرر على المحكوم له ‪ .‬فإن قبله جاز ‪ ،‬لنّه ينفذ حكمه ‪ ،‬فجاز الحكم‬
‫بكتابه ‪ ،‬كقاضي أهل العدل ‪ ،‬لنّه حكم والحاكم من أهله ‪ .‬بل لو كان الحكم لواحدٍ منّا على‬
‫واحدٍ منهم ‪ ،‬فالمتّجه وجوب التّنفيذ ‪ .‬وقيل ‪ :‬ل يجوز اعتبار كتابه ‪ ،‬لما فيه من إعلءٍ‬
‫ص للمالكيّة في هذا ‪ ،‬لكنّهم اشترطوا في القاضي الّذي يقبل كتابه ‪:‬‬
‫لمنصبه ‪ .‬ولم نقف على ن ّ‬
‫العدالة ‪ ،‬سواء أكان تولّى القضاء من قبل الوالي المتغلّب أو من قبل الكافر ‪ ،‬رعاي ًة لمصالح‬
‫العباد ‪ ،‬ممّا يفيد جواز قبول كتاب قاضي أهل البغي ‪.‬‬

‫د ‪ -‬إقامتهم للحدّ ‪ ،‬ووجوبه عليهم ‪:‬‬


‫‪ - 38‬الحدّ الّذي يقيمه إمام أهل البغي يقع موقعه ‪ ،‬ويكون مجزئا ‪ ،‬ول يعاد ثانيا على‬
‫المحدود إن كان غير قتلٍ ‪ ،‬ول دية عليه إن كان قتلً ‪ ،‬لنّ عليّا رضي ال عنه قاتل أهل‬
‫البصرة ‪ ،‬ولم يلغ ما فعلوه ‪ ،‬لنّهم فعلوه بتأويلٍ سائغٍ ‪ ،‬فوجب إمضاؤه ‪ ،‬وهذا ما صرّح به‬
‫كلّ من المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة ‪ .‬وقال الحنفيّة ‪ :‬إذا كان القاضي الّذي أقامه إمام أهل‬
‫البغي من أهل البلد الّتي تغلّبوا عليها ‪ ،‬وليس من البغاة ‪ ،‬وجب عليه إقامة الحدّ وأجزأ ‪ .‬وأمّا‬
‫ن الحدّ ل يجب ‪ ،‬إذ الفعل لم يقع‬
‫إذا كان من أهل البغي ‪ ،‬وكانوا امتنعوا بدار الحرب ‪ ،‬فإ ّ‬
‫موجبا أصلً لوقوعه في غير دار السلم ‪ ،‬لعدم الولية على مكان وقوع الجريمة وقت‬
‫وقوعها ‪ .‬ولو رجع إلى دار السلم ل يقام عليه الحدّ أيضا ‪ .‬وعلى هذا لو تغلّبنا عليهم ل‬
‫يقام ‪ .‬ولو كانوا أقاموه فإنّه ل تجب إعادته ‪ ،‬لعدم وجوبه أصلً ‪ .‬وقال المالكيّة والشّافعيّة‬
‫والحنابلة ‪ :‬إذا ارتكبوا حال امتناعهم ما يوجب حدّا ‪ ،‬ث ّم قدر عليهم ‪ -‬ولم يكن أقيم الحدّ ‪-‬‬
‫أقيمت فيهم حدود اللّه ‪ ،‬ول تسقط الحدود باختلف الدّار ‪ .‬وهو قول ابن المنذر لعموم اليات‬
‫ن كلّ موضعٍ تجب فيه العبادة في أوقاتها تجب الحدود فيه عند وجود أسبابها‬
‫والخبار ‪ ،‬ول ّ‬
‫كدار أهل العدل ‪ ،‬ولنّه زانٍ أو سارق ل شبهة في زناه وسرقته ‪ ،‬فوجب عليه الح ّد كال ّذ ّميّ‬
‫في دار العدل ‪.‬‬

‫شهادة البغاة ‪:‬‬


‫‪ - 39‬الصل قبول شهادتهم ‪ .‬فقد نصّ الحنفيّة على قبول شهادة أهل الهواء إن كانوا عدولً‬
‫في أهوائهم ‪ ،‬إلّ بعض الرّافضة كالخطابيّة ‪ ،‬ومن كانت بدعته تكفّر ‪ ،‬أو كان صاحب‬
‫عصبيّةٍ ‪ ،‬أو فيه مجانة ‪ ،‬فإنّ شهادته ل تقبل لكفره ولفسقه ‪ .‬ويقول المالكيّة ‪ :‬تقبل شهادة‬
‫البغاة إذا لم يكونوا مبتدعين ‪ ،‬ول تقبل إذا كانوا مبتدعين والعبرة بوقت الداء ‪ .‬وقال الشّافعيّة‬
‫‪ :‬تقبل شهادة البغاة لتأويلهم ‪ ،‬إلّ أن يكونوا ممّن يشهدون لموافقيهم بتصديقهم ‪ ،‬فل تقبل حينئذٍ‬
‫لبعضهم ‪ .‬وقال الحنابلة ‪ :‬البغاة إذا لم يكونوا من أهل البدع ليسوا بفاسقين ‪ ،‬وإنّما هم‬
‫يخطئون في تأويلهم ‪ ،‬فهم كالمجتهدين ‪ ،‬فمن شهد منهم قبلت شهادته إذا كان عدلً ‪ .‬ونقل عن‬
‫ن فسقهم من‬
‫أبي حنيفة أنّهم يفسقون بالبغي وخروجهم على المام ‪ ،‬ولكن تقبل شهادتهم ‪ ،‬ل ّ‬
‫جهة الدّين فل تردّ به الشّهادة ‪.‬‬

‫بغي انظر ‪ :‬بغاة‬

‫بقر‬
‫التّعريف‬
‫س ‪ .‬قال ابن سيده ‪ :‬ويطلق على الهليّ والوحشيّ ‪ ،‬وعلى الذّكر‬
‫‪ - 1‬البقر ‪ :‬اسم جن ٍ‬
‫والنثى ‪ ،‬وواحده بقرة ‪ ،‬وقيل ‪ :‬إنّما دخلته الهاء لنّه واحد من الجنس ‪ .‬والجمع ‪ :‬بقرات ‪،‬‬
‫وقد سوّى الفقهاء الجاموس بالبقر في الحكام ‪ ،‬وعاملوهما كجنسٍ واحدٍ ‪ .‬زكاة البقر ‪:‬‬
‫سنّة فما روى البخاريّ عن أبي ذرّ رضي ال‬
‫سنّة والجماع ‪ .‬أمّا ال ّ‬
‫‪ - 2‬زكاة البقر واجبة بال ّ‬
‫ن رسول اللّه صلى ال عليه وسلم قال ‪ { :‬والّذي نفسي بيده ‪ ،‬أو والّذي ل إله غيره ‪-‬‬
‫عنه أ ّ‬
‫أو كما حلف ‪ -‬ما من رجلٍ تكون له إبل أو بقر أو غنم ل يؤدّي حقّها إلّ أتى بها يوم القيامة‬
‫أعظم ما تكون وأسمنه ‪ ،‬تطؤه بأخفافها ‪ ،‬وتنطحه بقرونها ‪ ،‬كلّما جازت أخراها ردّت عليه‬
‫ن النّبيّ صلى‬
‫أولها حتّى يقضى بين النّاس } ‪ .‬وما روى النّسائيّ والتّرمذيّ عن مسروقٍ أ ّ‬
‫ل حالمٍ دينارا ‪ ،‬ومن البقر من‬
‫ال عليه وسلم { بعث معاذا إلى اليمن ‪ ،‬وأمره أن يأخذ من ك ّ‬
‫ل أربعين مسنّةً } ‪ .‬وقد أجمع الصّحابة ومن بعدهم على‬
‫كلّ ثلثين تبيعا أو تبيعةً ‪ ،‬ومن ك ّ‬
‫وجوب الزّكاة في النعام ‪ ،‬ولم يخالف في ذلك أحد ‪ ،‬والبقر صنف من النعام ‪ ،‬فوجبت‬
‫الزّكاة فيها كالبل والغنم ‪ ،‬وإنّما كان الخلف في بعض الشّروط كما سيأتي ‪.‬‬

‫شروط وجوب الزّكاة في البقر ‪:‬‬


‫‪ - 3‬يشترط في وجوب الزّكاة في البقر شروط عامّة تفصيلها في الزّكاة ‪ ،‬وهناك شروط‬
‫خاصّة بيانها فيما يلي ‪ :‬اشتراط السّوم ‪:‬‬
‫‪ - 4‬المراد بالسّوم في زكاة الماشية ‪ :‬أن ترعى الماشية أكثر أيّام السّنة في كلٍ مباحٍ ‪ ،‬سواء‬
‫أكانت ترعى بنفسها أم براعٍ يرعاها ‪ ،‬هذا وقد ذهب جمهور العلماء من الحنفيّة والشّافعيّة‬
‫والحنابلة وغيرهم إلى أنّه يشترط السّوم في زكاة الماشية ‪ ،‬ومن بين تلك الماشية البقر ‪،‬‬
‫فيشترط فيها السّوم أيضا ‪ ،‬وأمّا البقر العوامل والمعلوفة فل زكاة فيها ‪ ،‬لنتفاء السّوم ‪ .‬وقال‬
‫المام مالك ‪ :‬ل يشترط السّوم في زكاة البقر ‪ ،‬فالبقر العوامل والمعلوفة تجب فيها الزّكاة عنده‬
‫ل المام مالك لما ذهب إليه بالطلق في الحاديث الموجبة لزكاة البقر ‪ ،‬وهو الّذي‬
‫‪ .‬استد ّ‬
‫استقرّ عليه عمل أهل المدينة ‪ ،‬وعمل أهل المدينة أحد أصول المالكيّة ‪ .‬واستدلّ القائلون‬
‫باشتراط السّوم في زكاة الماشية بما روي عن عليّ رضي ال عنه ‪ ،‬قال الرّاوي أحسبه عن‬
‫النّبيّ صلى ال عليه وسلم في صدقة البقر قال ‪ { :‬وليس في العوامل شيء } ‪ ،‬وأيضا بما‬
‫روي عن عمرو بن شعيبٍ عن أبيه عن جدّه عن النّبيّ صلى ال عليه وسلم قال ‪ { :‬ليس في‬
‫البقر العوامل شيء } وقد حمل الجمهور النّصوص المطلقة في البقر على النّصوص المقيّدة‬
‫بالسّوم الواردة في البل والغنم ‪ ،‬كما استدلّوا بقياس البقر على البل والغنم في اشتراط السّوم‬
‫‪ .‬وأيضا فإنّ صفة النّماء معتبرة في الزّكاة ‪ ،‬فل توجد إلّ في السّائمة ‪ ،‬أمّا البقر العوامل‬
‫فصفة النّماء مفقودة فيها ‪ ،‬ومثلها المعلوفة فل نماء فيها أيضا ‪ ،‬لنّ علفها يستغرق نماءها ‪،‬‬
‫إلّ أن يعدّها للتّجارة ‪ ،‬فيزكّيها زكاة عروض التّجارة ‪.‬‬

‫الزّكاة في بقر الوحش ‪:‬‬


‫‪ - 5‬ذهب أكثر العلماء إلى عدم وجوب الزّكاة في بقر الوحش ‪ ،‬وعند الحنابلة روايتان ‪،‬‬
‫ن مطلق الخبر الّذي أوجب الزّكاة في البقر ‪ -‬والّذي‬
‫فالمذهب عندهم وجوب الزّكاة فيها ‪ ،‬ل ّ‬
‫سبق ذكره ‪ -‬يتناولها ‪ .‬والرّواية الثّانية عندهم عدم وجوب الزّكاة فيها ‪ .‬قال ابن قدامة ‪ :‬وهي‬
‫ن اسم البقر عند‬
‫أصحّ ‪ ،‬وهو قول أكثر أهل العلم في عدم وجوب الزّكاة في بقر الوحش ‪ ،‬ل ّ‬
‫الطلق ل ينصرف إليها ول يفهم منه إذ كانت ل تسمّى بقرا بدون الضافة ‪ ،‬فيقال ‪ :‬بقر‬
‫ل كاملً ‪ ،‬ولنّها‬
‫ب منها موصوفا بصفة السّوم حو ً‬
‫ن العادة تنفي وجود نصا ٍ‬
‫الوحش ‪ ،‬ول ّ‬
‫حيوان ل يجزئ نوعه في الضحيّة والهدي ‪ ،‬فل تجب فيها الزّكاة كالظّباء ‪ ،‬ولنّها ليست من‬
‫ن الزّكاة إنّما وجبت‬
‫سرّ في ذلك أ ّ‬
‫بهيمة النعام ‪ ،‬فل تجب فيها الزّكاة كسائر الوحوش ‪ ،‬وال ّ‬
‫في بهيمة النعام دون غيرها لكثرة النّماء فيها ‪ ،‬من درّها ونسلها وكثرة النتفاع بها لكثرتها‬
‫وخفّة مئونتها ‪ ،‬وهذا المعنى يختصّ بها ‪ ،‬فاختصّت الزّكاة بها دون غيرها ‪.‬‬

‫ي والهليّ ‪:‬‬
‫زكاة المتولّد بين الوحش ّ‬
‫ي والهليّ ‪ ،‬سواء أكان الوحشيّ‬
‫‪ - 6‬ذهب الحنابلة إلى وجوب الزّكاة في المتولّد بين الوحش ّ‬
‫ن المتولّد بين الوحشيّ والهليّ متولّد بين الّذي تجب فيه‬
‫هو الفحل أم المّ ‪ ،‬واحتجّوا لذلك بأ ّ‬
‫الزّكاة وبين ما ل تجب فيه ‪ ،‬فيرجّح جانب الوجوب ‪ ،‬قياسا على المتولّد بين السّائمة‬
‫والمعلوفة ‪ ،‬فتجب فيه الزّكاة ‪ ،‬فكذلك المتولّد بين الوحشيّ والهليّ ‪ .‬وعلى هذا القول تضمّ‬
‫إلى جنسها من الهليّ في وجوب الزّكاة ‪ ،‬ويكمّل بها نصابها ‪ ،‬وتكون كأحد أنواعه ‪ .‬وقال‬
‫ل فل ‪ .‬واستدلّ لهذا القول‬
‫أبو حنيفة ومالك ‪ :‬إن كانت المّهات أهلّيةً وجبت الزّكاة فيها ‪ ،‬وإ ّ‬
‫ن المّ في الحيوان هي الّتي تقوم وحدها برعاية‬
‫بأنّ جانب المّ في الحيوان هو المعتبر ‪ ،‬ل ّ‬
‫ابنها ‪ .‬وقال الشّافعيّ ‪ :‬ل زكاة فيه مطلقا ‪ ،‬سواء أكانت الوحشيّة من قبل الفحل أم من قبل‬
‫المّ ‪.‬‬
‫اشتراط تمام النّصاب ‪ :‬أمّا النّصاب فقد اختلف الفقهاء فيه على أقوالٍ ‪ ،‬من‬
‫أشهرها اتّجاهان ‪:‬‬
‫ب ومعاذ بن جبلٍ وأبي سعيدٍ الخدريّ رضي‬
‫ي بن أبي طال ٍ‬
‫‪ - 8‬التّجاه الوّل ‪ :‬وهو قول عل ّ‬
‫ال عنهم وقال به الشّعبيّ وشهر بن حوشبٍ وطاووس وعمر بن عبد العزيز والحسن البصريّ‬
‫‪ ،‬ونقله الزّهريّ عن أهل الشّام ‪ ،‬وبه قال أبو حنيفة ومالك وأحمد بن حنبلٍ والشّافعيّ ‪ ،‬قالوا ‪:‬‬
‫ليس فيما دون الثّلثين من البقر شيء ‪ ،‬فإذا بلغتها ففيها تبيع أو تبيعة ‪ ( ،‬والتّبيع هو الّذي له‬
‫سنتان ‪ ،‬أو الّذي له سنة وطعن في الثّانية ‪ ،‬وقيل ‪ :‬ستّة أشهرٍ ‪ ،‬والتّبيعة مثله ) ‪ ،‬ثمّ ل شيء‬
‫فيها حتّى تبلغ أربعين ‪ ،‬فإذا بلغتها ففيها بقرة مسنّة ‪ .‬ثمّ ل شيء فيها حتّى تبلغ ستّين ‪ ،‬فإذا‬
‫بلغتها ففيها تبيعان أو تبيعتان ‪ .‬ث ّم ل شيء فيها حتّى تبلغ عشرا زائدةً ‪ ،‬فإذا بلغتها ففي كلّ‬
‫ن أو مسنّة ‪ ،‬ففي سبعين تبيع ومسنّة ‪،‬‬
‫ثلثين من ذلك العدد تبيع أو تبيعة وفي كلّ أربعين مس ّ‬
‫وفي ثمانين مسنّتان ‪ ،‬وفي تسعين ثلثة أتبع ٍة ‪ ،‬وفي مائةٍ مسنّة وتبيعان ‪ ،‬وفي مائةٍ وعشرٍ‬
‫مسنّتان وتبيع ‪ ،‬وفي مائ ٍة وعشرين ثلث مسنّاتٍ أو أربعة أتبعةٍ ‪ ،‬فالمالك مخيّر بين إخراج‬
‫التبعة أو المسنّات ‪ ،‬وإن كان الولى النّظر إلى حاجة الفقراء والصلح لهم ‪ .‬ث ّم يتغيّر‬
‫ج أصحاب هذا القول بما روي عن معاذٍ رضي ال عنه‬
‫الواجب كلّما زاد العدد عشرا ‪ .‬واحت ّ‬
‫{ أنّ رسول اللّه صلى ال عليه وسلم حين بعثه إلى اليمن أمره أن يأخذ من كلّ حالمٍ دينارا ‪،‬‬
‫ومن البقر من ك ّل ثلثين تبيعا أو تبيعةً ‪ ،‬ومن كلّ أربعين مسنّ ًة } ‪ .‬وروى ابن أبي ليلى‬
‫والحكم بن عتيبة عن { معاذٍ أنّه سأل النّبيّ صلى ال عليه وسلم عن الوقاص ‪ :‬ما بين‬
‫الثّلثين إلى الربعين ‪ ،‬وما بين الربعين إلى الخمسين ؟ قال ‪ :‬ليس فيها شيء } ‪ .‬واحتجّوا‬
‫أيضا بما جاء في كتاب رسول اللّه صلى ال عليه وسلم إلى عمرو بن حزمٍ ‪ { :‬فرائض البقر‬
‫ليس فيما دون الثّلثين من البقر صدقة ‪ ،‬فإذا بلغت ثلثين ففيها عجل رائع جذع ‪ ،‬إلى أن تبلغ‬
‫ن فيها بقر ًة وعجلً‬
‫أربعين ‪ ،‬فإذا بلغت أربعين ففيها بقرة مسنّة ‪ .‬إلى أن تبلغ سبعين ‪ ،‬فإ ّ‬
‫جذعا ‪ ،‬فإذا بلغت ثمانين ففيها مسنّتان ‪ ،‬ثمّ على هذا الحساب } ‪ .‬هذا ‪ ،‬ولتفصيل أحكام ما‬
‫بين الفريضتين في الزّكاة ‪ -‬وهو المسمّى بالوقص ‪ -‬ينظر مصطلح ‪ ( :‬أوقاص ) ‪.‬‬
‫‪ -9‬التّجاه الثّاني ‪ :‬قول سعيد بن المسيّب والزّهريّ وأبي قلبة وغيرهم ‪ :‬أنّ نصاب البقر هو‬
‫نصاب البل ‪ ،‬وأنّه يؤخذ في زكاة البقر ما يؤخذ من البل ‪ ،‬دون اعتبارٍ للسنان الّتي‬
‫اشترطت في البل ‪ ،‬من بنت مخاضٍ وبنت لبونٍ وحقّ ٍة وجذعةٍ ‪ ،‬وروي هذا عن كتاب عمر‬
‫خ أدّوا الصّدقات على‬
‫بن الخطّاب في الزّكاة ‪ ،‬وعن جابر بن عبد اللّه رضي ال عنهم ‪ ،‬وشيو ٍ‬
‫عهد النّبيّ صلى ال عليه وسلم وروى أبو عبيدٍ ‪ :‬أنّ في كتاب عمر بن الخطّاب ( في‬
‫ن البقر يؤخذ منها مثل ما يؤخذ من البل ‪ ،‬قال ‪ :‬وقد سئل عنها غيرهم ‪ ،‬فقالوا ‪:‬‬
‫الزّكاة ) أ ّ‬
‫فيها ما في البل ‪ .‬وقد ذكر ابن حزمٍ بسنده عن الزّهريّ وقتادة كلهما عن جابر بن عبد اللّه‬
‫ل خمسٍ من البقر شاة ‪ ،‬وفي عشرٍ شاتان ‪ ،‬وفي‬
‫ي رضي ال عنهما قال ‪ :‬في ك ّ‬
‫النصار ّ‬
‫خمس عشرة ثلث شيا ٍه ‪ ،‬وفي عشرين أربع شيا ٍه ‪ .‬قال الزّهريّ ‪ :‬فرائض البقر مثل فرائض‬
‫ن فيها ‪ :‬فإذا كانت البقر خمسا وعشرين ففيها بقرة إلى خمسٍ وسبعين ‪ ،‬فإذا‬
‫البل غير أسنا ٍ‬
‫س وسبعين ففيها بقرتان إلى مائةٍ وعشرين ‪ ،‬فإذا زادت على مائةٍ وعشرين‬
‫زادت على خم ٍ‬
‫ل ثلثين تبيع ‪ ،‬وفي كلّ‬
‫ن قولهم ‪ :‬في ك ّ‬
‫ففي كلّ أربعين بقرة ‪ .‬قال الزّهريّ ‪ :‬وبلغنا أ ّ‬
‫أربعين بقرة ‪ ،‬أنّ ذلك كان تخفيفا لهل اليمن ‪ ،‬ثمّ كان بعد ذلك ل يروى ‪ .‬وروي أيضا عن‬
‫عكرمة بن خالدٍ قال ‪ :‬استعملت ‪ -‬أي ولّيت ‪ -‬على صدقات ( عكّ ) فلقيت أشياخا ممّن‬
‫صدّق ( أخذت منهم الصّدقة ) على عهد رسول اللّه صلى ال عليه وسلم فاختلفوا عليّ ‪:‬‬
‫فمنهم من قال اجعلها مثل صدقة البل ‪ ،‬ومنهم من قال ‪ :‬في ثلثين تبيع ‪ ،‬ومنهم من قال ‪:‬‬
‫في أربعين بقرة مسنّة ‪ .‬وذكر ابن حزمٍ أيضا بسنده عن ابن المسيّب وأبي قلبة وآخرين مثل‬
‫ما نقل عن الزّهريّ ‪ ،‬ونقل عن عمر بن عبد الرّحمن بن خلدة النصاريّ ‪ :‬أنّ صدقة البقر‬
‫صدقة البل ‪ ،‬غير أنّه ل أسنان فيها ‪.‬‬

‫ما يجزئ في الضحيّة ‪:‬‬


‫‪ - 10‬ل يجزئ في الضحيّة سوى النّعم ‪ ،‬وهي البل والبقر والغنم ‪ ،‬خلفا لمن قال ‪ :‬يجوز‬
‫التّضحية بأيّ شيءٍ من مأكول اللّحم من النّعم أو من غيرها ‪ .‬وتفصيله في ( الضحيّة ) ‪.‬‬
‫ن الضحيّة تقع له ‪،‬‬
‫واتّفق العلماء على أنّ الشّخص إذا ضحّى بالبقرة الواحدة عن نفسه فقط فإ ّ‬
‫وسواء أكانت واجب ًة أم متطوّعا بها ‪.‬‬
‫‪ - 11‬وأمّا الشتراك في التّضحية بالبقرة الواحدة ففيه خلف ‪ :‬فذهب الحنفيّة والشّافعيّة‬
‫ن البقرة الواحدة تجزئ عن سبعة أشخاصٍ ‪ ،‬فيجوز لهم‬
‫والحنابلة ‪ ،‬وأكثر أهل العلم ‪ :‬إلى أ ّ‬
‫ت واحدٍ ‪ ،‬أم أهل بيتين ‪ ،‬أم متفرّقين ‪،‬‬
‫الشتراك في البقرة الواحدة ‪ ،‬وسواء أكانوا أهل بي ٍ‬
‫وسواء أكانت أضحيّةً واجب ًة أم متطوّعا بها ‪ ،‬وسواء أراد بعضهم القربة أم أراد اللّحم ‪ ،‬فيقع‬
‫ل أنّه عند الحنفيّة ل بدّ أن يريد كلّهم القربة ‪ ،‬فلو أراد أحدهم اللّحم‬
‫لكلّ واحدٍ منهم ما قصد ‪ .‬إ ّ‬
‫لم تجزئ عن الكلّ عندهم ‪ .‬وقال مالك ‪ :‬يجزئ الرّأس الواحد من البل أو البقر أو الغنم عن‬
‫واحدٍ ‪ ،‬وعن أهل البيت وإن كثر عددهم وكانوا أكثر من سبع ٍة ‪ ،‬إذا أشركهم فيها تطوّعا ‪،‬‬
‫ول تجزئ إذا اشتروها بينهم بالشّركة ‪ ،‬ول على أجنبيّين فصاعدا ‪ .‬واحتجّ أصحاب القول‬
‫الوّل بما رواه جابر قال ‪ { :‬نحرنا مع رسول اللّه صلى ال عليه وسلم البدنة عن سبعةٍ ‪،‬‬
‫والبقرة عن سبع ٍة } وعنه قال ‪ { :‬خرجنا مع رسول اللّه صلى ال عليه وسلم مهلّين ‪ ،‬فأمرنا‬
‫أن نشترك في البل والبقر ‪ ،‬كلّ سبع ٍة منّا في بدن ٍة } ‪ .‬وأمّا مالك فقد أخذ بما روي عن ابن‬
‫عمر رضي ال عنهما أنّه كان يقول ‪ :‬البدنة عن واحدٍ والبقرة عن واحدٍ ‪ ،‬والشّاة عن واحدٍ ل‬
‫ن النّفس‬
‫أعلم شركا ‪ .‬وقد روي هذا أيضا عن غير ابن عمر كمحمّد بن سيرين فإنّه يرى أ ّ‬
‫الواحدة ل تجزئ إلّ عن نفسٍ واحدةٍ فقط ‪.‬‬

‫البقر في الهدي ‪:‬‬


‫‪ - 12‬حكم البقرة في الهدي كحكمها في الضحيّة ‪ ،‬باستثناء ما يتّصل بالتّضحية عن الرّجل‬
‫ج ‪ ،‬والهدي ) ‪ .‬أمّا إشعار البقر في الهدي فقد اتّفق العلماء‬
‫وأهل بيته ‪ ،‬وتفصيله في ( الح ّ‬
‫ب ‪ ،‬وقد فعله النّبيّ صلى ال عليه‬
‫ن الشعار سنّة ‪ ،‬وأنّه مستح ّ‬
‫( سوى أبي حنيفة ) على أ ّ‬
‫وسلم والصّحابة من بعده ‪ ،‬واتّفقوا أيضا على أنّ الشعار سنّة في البل ‪ ،‬سواء أكان لها سنام‬
‫أم لم يكن لها سنام ‪ ،‬فإن لم يكن لها سنام فإنّها تشعر في موضع السّنام ‪ .‬وأمّا البقر فمذهب‬
‫الشّافعيّة ‪ :‬الشعار فيها مطلقا ‪ ،‬سواء أكان لها سنام أم لم يكن لها سنام ‪ ،‬فهي عندهم كالبل ‪.‬‬
‫ن البقر إذا كان لها سنام فإنّها تشعر ‪ ،‬أمّا إذا لم يكن لها سنام فإنّها ل‬
‫وقد ذهب مالك إلى أ ّ‬
‫تشعر ‪.‬‬

‫( حكم التّقليد ) ‪:‬‬


‫‪ - 13‬التّقليد ‪ :‬جعل القلدة في العنق ‪ ،‬وتقليد الهدي ‪ :‬أن يعلّق في عنقه قطعة من جلدٍ ‪،‬‬
‫ن التّقليد مستحبّ في البل والبقر ‪.‬‬
‫ليعرف أنّه هدي فل يتعرّض له ‪ .‬واتّفق العلماء على أ ّ‬
‫وأمّا الغنم فقد ذهب الشّافعيّة إلى استحباب التّقليد فيها كالبل والبقر ‪ .‬وذهب أبو حنيفة ومالك‬
‫إلى عدم استحباب التّقليد فيها ‪ .‬وتقليد البل والبقر يكون بالنّعال ونحوها ممّا يشعر أنّها هدي‬
‫‪.‬‬

‫ذكاة البقر ‪:‬‬


‫‪ - 14‬ذكاة البقر كذكاة الغنم ‪ ،‬فإذا أريد تذكية البقرة فإنّها تضجع على جنبها اليسر ‪ ،‬وتشدّ‬
‫قوائمها الثّلث ‪ :‬اليد اليمنى واليسرى والرّجل اليسرى ‪ ،‬وتترك الرّجل اليمنى بل شدّ لتحرّكها‬
‫سكّين بيده اليمنى ‪ ،‬ثمّ يبدأ الذّبح بعد‬
‫عند الذّبح ‪ ،‬ويمسك الذّابح رأسها بيده اليسرى ‪ ،‬ويمسك ال ّ‬
‫أن يقول ‪ :‬باسم اللّه واللّه أكبر وبعد أن يتّجه هو وذبيحته نحو القبلة ‪ .‬وأمّا البل فإنّها تنحر‬
‫بطعنها في الّلبّة ‪ ،‬أي أسفل العنق ‪ ،‬وهي قائمة معقولة الرّكبة اليسرى ‪.‬‬

‫استعمال البقر للرّكوب ‪:‬‬


‫ن ما يركب من النعام ويحمل عليه هو البل ‪ .‬وأمّا البقر فإنّه لم‬
‫‪ - 15‬اتّفق العلماء على أ ّ‬
‫يخلق للرّكوب ‪ ،‬وإنّما خلق لينتفع به في حرث الرض ‪ ،‬وغير ذلك من المنافع سوى الرّكوب‬
‫ن لكم في النعام لعبرةً نسقيكم ممّا في‬
‫‪ .‬وأمّا الغنم فهي لل ّدرّ والنّسل واللّحم لقوله تعالى ‪ { :‬وإ ّ‬
‫بطونها ولكم فيها منافع كثيرة ومنها تأكلون ‪ ،‬وعليها وعلى الفلك تحملون } ‪ ،‬وقوله تعالى ‪{ :‬‬
‫اللّه الّذي جعل لكم النعام لتركبوا منها ومنها تأكلون } ‪ ،‬وقوله تعالى ‪ { :‬وجعل لكم من الفلك‬
‫ن النعام تركب فهي محمولة عند العلماء على‬
‫والنعام ما تركبون } ‪ .‬وأمّا اليات الّتي تذكر أ ّ‬
‫ن استعمال‬
‫بعض النعام ‪ ،‬وهي البل ‪ ،‬وهو من العامّ الّذي أريد به الخاصّ ‪ .‬وممّا يدلّ على أ ّ‬
‫البقر للرّكوب غير لئقٍ ما رواه مسلم في صحيحه عن أبي هريرة رضي ال عنه قال ‪ :‬قال‬
‫رسول اللّه صلى ال عليه وسلم ‪ { :‬بينما رجل يسوق بقرةً له قد حمل عليها ‪ ،‬التفتت إليه‬
‫البقرة فقالت ‪ :‬إنّي لم أخلق لهذا ‪ ،‬ولكنّي إنّما خلقت للحرث ‪ ،‬فقال النّاس ‪ :‬سبحان اللّه ‪-‬‬
‫تعجّبا وفزعا ‪ -‬أبقرة تكلّم ؟ فقال رسول اللّه صلى ال عليه وسلم ‪ :‬فإنّي أومن به وأبو بكرٍ‬
‫وعمر } ‪.‬‬

‫بول وروث البقر ‪:‬‬


‫‪ - 16‬اتّفق الفقهاء على نجاسة بول وروث ما ل يؤكل لحمه ‪ ،‬سواء أكان إنسانا أم غيره ‪.‬‬
‫وأمّا بول وروث ما يؤكل لحمه كالبل والبقر والغنم ففيه الخلف فذهب أبو حنيفة وأبو‬
‫يوسف والشّافعيّ إلى نجاسة البوال والرواث كلّها ‪ ،‬من مأكول اللّحم وغيره ‪ .‬وذهب مالك‬
‫وأحمد وطائفة من السّلف ‪ ،‬ووافقهم من الشّافعيّة ابن خزيمة وابن المنذر وابن حبّان‬
‫والصطخريّ والرّويانيّ ‪ ،‬ومن الحنفيّة محمّد بن الحسن إلى طهارة بول ما يؤكل لحمه ‪.‬‬
‫وانظر للتّفصيل والستدلل مصطلح ( نجاسة ) ‪.‬‬

‫حكم البقر في الدّية ‪:‬‬


‫ل في الدّية على قولين ‪ :‬فذهب أبو حنيفة ومالك‬
‫‪ - 17‬اختلف العلماء في اعتبار البقر أص ً‬
‫والشّافعيّ في القديم إلى أنّ الدّية ثلثة أصولٍ ‪ :‬البل ‪ ،‬والذّهب ‪ ،‬والفضّة ‪ ،‬وليس أصلً ‪.‬‬
‫وذهب صاحبا أبي حنيفة ( أبو يوسف ومحمّد بن الحسن ) والثّوريّ وأحمد بن حنبلٍ إلى أنّ‬
‫الدّية خمسة أصولٍ ‪ :‬البل ‪ ،‬والذّهب ‪ ،‬والفضّة ‪ ،‬والبقر ‪ ،‬والغنم ‪ .‬وزاد الصّاحبان ‪ :‬الحلل ‪،‬‬
‫س وفقهاء المدينة السّبعة ‪ ،‬فعلى هذا القول تعتبر البقر أصلً‬
‫وهو قول عمر وعطاءٍ وطاوو ٍ‬
‫من أصول الدّية ‪ ،‬ويجوز لصحابها ‪ -‬كما عند الصّاحبين ‪ -‬دفعها ابتدا ًء ‪ ،‬ول يكلّفون غيرها‬
‫‪ .‬وذهب الشّافعيّ في الجديد إلى أنّ الدّية ليس لها إلّ أصل واحد ‪ ،‬وهو البل ‪ ،‬فإذا فقدت‬
‫فالواجب قيمتها من نقد البلد بالغةً ما بلغت ‪ .‬فليست البقر أصلً على هذا القول كذلك ‪ .‬وانظر‬
‫للتّفصيل مصطلح ( دية ) ‪.‬‬
‫بكاء‬
‫التّعريف‬
‫‪ - 1‬البكاء ‪ :‬مصدر بكى يبكي بكًى ‪ ،‬وبكاءً ‪ .‬قال في اللّسان ‪ :‬البكاء يقصر ويمدّ ‪ .‬قال‬
‫الفرّاء وغيره ‪ :‬إذا مددت أردت الصّوت الّذي يكون مع البكاء ‪ ،‬وإذا قصرت أردت الدّموع‬
‫وخروجها ‪ .‬قال كعب بن مالكٍ رضي ال عنه في رثاء حمزة بكت عيني وحقّ لها بكاها وما‬
‫يغني البكاء ول العويل قال الخليل ‪ :‬من قصر ذهب به إلى معنى الحزن ‪ ،‬ومن مدّه ذهب به‬
‫إلى معنى الصّوت ‪ .‬والتّباكي ‪ :‬تكلّف البكاء كما في الحديث { فإن لم تبكوا فتباكوا } ‪ .‬ول‬
‫يخرج استعمال الفقهاء عن ذلك ‪.‬‬
‫اللفاظ ذات الصّلة ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬الصّياح والصّراخ ‪:‬‬
‫‪ - 2‬الصّياح والصّراخ في اللّغة ‪ :‬هو الصّوت بأقصى الطّاقة ‪ ،‬وقد يكون معهما بكاء ‪ ،‬وقد‬
‫ل يكون ‪ ،‬ويرد الصّراخ أيضا لرفع الصّوت على سبيل الستغاثة ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬النّياح ‪:‬‬
‫‪ - 3‬النّياح والنّياحة لغةً ‪ :‬البكاء بصوتٍ على الميّت ‪ .‬وقال في المصباح ‪ ،‬وهو قريب ممّا‬
‫جاء في القاموس ‪ :‬ناحت المرأة على الميّت نوحا من باب قال ‪ ،‬والسم النّواح وزان غرابٍ ‪،‬‬
‫وربّما قيل ‪ :‬النّياح بالكسر ‪ ،‬فهي نائحة ‪ ،‬والنّياحة بالكسر ‪ :‬السم منه ‪ ،‬والمناحة بفتح الميم ‪:‬‬
‫موضع النّوح ‪ .‬ج النّدب ‪:‬‬
‫‪ - 4‬النّدب لغةً ‪ :‬الدّعاء إلى المر والحثّ عليه ‪ .‬والنّدب ‪ :‬البكاء على الميّت وتعداد محاسنه‬
‫‪ .‬والسم ‪ :‬النّدبة ‪ .‬د ‪ -‬النّحب ‪ ،‬أو النّحيب ‪:‬‬
‫‪ - 5‬النّحب لغ ًة ‪ :‬أش ّد البكاء ‪ ،‬كالنّحيب ‪ .‬العويل ‪:‬‬
‫‪ - 6‬العويل ‪ :‬هو رفع الصّوت بالبكاء ‪ ،‬يقال ‪ :‬أعولت المرأة إعوالً وعويلً ‪ .‬هذا ويتّضح‬
‫ن النّحيب والعويل معناهما البكاء الشّديد ‪ ،‬وأنّ الصّراخ والصّياح متقاربان في‬
‫ممّا تقدّم أ ّ‬
‫ن النّواح يأتي بمعنى البكاء على الميّت ‪ ،‬وأنّ النّدب هو تعداد محاسن الميّت ‪،‬‬
‫المعنى ‪ ،‬وأ ّ‬
‫ت ‪ ،‬والبكى ما كان بل صوتٍ ‪ ،‬بأن كان قاصرا على‬
‫وأنّ البكاء ما كان مصحوبا بصو ٍ‬
‫خروج الدّمع ‪ .‬أسباب البكاء ‪:‬‬
‫‪ - 7‬للبكاء أسباب ‪ ،‬منها ‪ :‬خشية اللّه تعالى ‪ ،‬والحزن ‪ ،‬وشدّة الفرح ‪ .‬الحكم التّكليفيّ للبكاء‬
‫في المصيبة ‪:‬‬
‫ت ل يمكن الحتراز‬
‫‪ - 8‬البكاء قد يكون قاصرا على خروج الدّمع فقط بل صوتٍ ‪ ،‬أو بصو ٍ‬
‫ح أو ندبٍ وغيرها ‪ ،‬وهذا يختلف باختلف‬
‫ت كصراخٍ أو نوا ٍ‬
‫عنه ‪ ،‬وقد يكون مصحوبا بصو ٍ‬
‫من يصدر منه البكاء ‪ ،‬فمن النّاس من يقدر على كتمان الحزن ‪ ،‬ويملك السّيطرة على‬
‫مشاعره ‪ ،‬ومنهم من ل يستطيع ذلك ‪ .‬فإن كان البكاء مجرّدا عن فعل اليد ‪ ،‬كشقّ جيبٍ أو‬
‫لطمٍ ‪ ،‬وعن فعل اللّسان ‪ ،‬كالصّراخ ودعوى الويل والثّبور ونحو ذلك ‪ ،‬فإنّه مباح لقوله صلى‬
‫ال عليه وسلم { إنّه مهما كان من العين والقلب فمن اللّه عزّ وجلّ ومن الرّحمة ‪ ،‬وما كان من‬
‫ن اللّه ل يعذّب بدمع العين‬
‫اليد واللّسان فمن الشّيطان } ولقوله صلى ال عليه وسلم أيضا { إ ّ‬
‫ول بحزن القلب ‪ ،‬ولكن يعذّب بهذا ‪ -‬وأشار إلى لسانه ‪ -‬أو يرحم } ‪ .‬أمّا حكم البكاء في‬
‫غير هذه الحالة فسيأتي فيما بعد ‪.‬‬

‫البكاء من خشية اللّه تعالى ‪:‬‬


‫‪ - 9‬المؤمن يعيش في جهادٍ مع نفسه ‪ ،‬ويراقب اللّه في جميع أفعاله وتصرّفاته ‪ ،‬فهو يخاف‬
‫اللّه ‪ ،‬ويبكي عند ذكره سبحانه تعالى ‪ ،‬فهذا من المخبتين الّذين بشّرهم اللّه سبحانه وتعالى‬
‫بقوله ‪ { :‬وبشّر المخبتين الّذين إذا ذكر اللّه وجلت قلوبهم والصّابرين على ما أصابهم‬
‫والمقيمي الصّلة وممّا رزقناهم ينفقون } وهم الّذين عناهم اللّه بقوله ‪ { :‬إنّما المؤمنون الّذين‬
‫إذا ذكر اللّه وجلت قلوبهم وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانا وعلى ربّهم يتوكّلون } ‪ .‬وممّا‬
‫قاله القرطبيّ في تفسير هذه الية ‪ ،‬مع الشارة إلى غيرها من اليات القريبة منها في المعنى‬
‫‪ :‬وصف اللّه تعالى المؤمنين في هذه الية بالخوف والوجل عند ذكره ‪ ،‬وذلك لقوّة إيمانهم‬
‫ومراعاتهم لربّهم ‪ ،‬وكأنّهم بين يديه ‪ ،‬ونظير هذه الية { وبشّر المخبتين الّذين إذا ذكر اللّه‬
‫وجلت قلوبهم } وقال ‪ { :‬الّذين آمنوا وتطمئنّ قلوبهم بذكر اللّه } ‪ ،‬فهذا يرجع إلى كمال‬
‫المعرفة وثقة القلب ‪ ،‬والوجل ‪ :‬الفزع من عذاب اللّه ‪ ،‬فل تناقض ‪ ،‬وقد جمع اللّه بين‬
‫المعنيين في قوله تعالى ‪ { :‬اللّه نزّل أحسن الحديث كتابا متشابها مثاني تقشعرّ منه جلود الّذين‬
‫يخشون ربّهم ثمّ تلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر اللّه } أي تسكن نفوسهم مع اللّه من حيث‬
‫اليقين ‪ ،‬وإن كانوا يخافون اللّه ‪.‬‬
‫‪ - 10‬فهذه حالة العارفين باللّه ‪ ،‬الخائفين من سطوته وعقوبته ‪ .‬ل كما يفعله جهّال العوّام‬
‫والمبتدعة الطّغام ‪ ،‬من الزّعيق والزّئير ومن النّهاق الّذي يشبه نهاق الحمير ‪ ،‬فيقال لمن‬
‫ن ذلك وجد وخشوع ‪ :‬لم تبلغ أن تساوي حال الرّسول ول حال أصحابه‬
‫تعاطى ذلك ‪ ،‬وزعم أ ّ‬
‫في المعرفة باللّه ‪ ،‬والخوف منه ‪ ،‬والتّعظيم لجلله ‪ ،‬ومع ذلك فكانت حالهم عند المواعظ‬
‫الفهم عن اللّه والبكاء خوفا من اللّه ‪ ،‬ولذلك وصف اللّه أحوال أهل المعرفة عند سماع ذكره‬
‫وتلوة كتابه فقال ‪ { :‬وإذا سمعوا ما أنزل إلى الرّسول ترى أعينهم تفيض من الدّمع ممّا‬
‫عرفوا من الحقّ يقولون ربّنا آمنا فاكتبنا مع الشّاهدين } ‪ .‬فهذا وصف حالهم وحكاية مقالهم ‪،‬‬
‫ومن لم يكن كذلك فليس على هديهم ول على طريقتهم ‪ ،‬فمن كان مستنّا فليستنّ بهم ‪ ،‬ومن‬
‫تعاطى أحوال المجانين والجنون فهو من أخسّهم حالً ‪ ،‬والجنون فنون ‪ .‬روى مسلم عن أنس‬
‫بن مالكٍ { أنّ النّاس سألوا النّبيّ صلى ال عليه وسلم حتّى أحفّوه في المسألة ‪ ،‬فخرج ذات يومٍ‬
‫‪ ،‬فصعد المنبر ‪ ،‬فقال ‪ :‬سلوني ‪ ،‬ل تسألوني عن شي ٍء إلّ بيّنته لكم ‪ ،‬ما دمت في مقامي هذا‬
‫‪ .‬فلمّا سمع ذلك القوم أرموا ورهبوا أن يكون بين يدي أمرٍ قد حضر ‪ ،‬قال أنس ‪ :‬فجعلت‬
‫ن لفّ رأسه في ثوبه يبكي ‪ . } ...‬وذكر الحديث ‪ .‬وروى‬
‫ل إنسا ٍ‬
‫ل فإذا ك ّ‬
‫ألتفت يمينا وشما ً‬
‫التّرمذيّ وصحّحه عن العرباض بن سارية رضي ال عنه قال ‪ { :‬وعظنا رسول اللّه صلى‬
‫ال عليه وسلم موعظةً بليغ ًة ذرفت منها العيون ‪ ،‬ووجلت منها القلوب } ‪ .‬الحديث ‪ .‬ولم يقل ‪:‬‬
‫زعقنا ول رقصنا ول زفنا ول قمنا ‪ .‬وقال صاحب روح المعاني في تفسير قوله تعالى ‪:‬‬
‫ل لشراق أشعّة الجلل‬
‫{ الّذين إذا ذكر اللّه وجلت قلوبهم } أي خافت قلوبهم منه عزّ وج ّ‬
‫عليها ‪.‬‬
‫ل لذلك ما رواه‬
‫‪ - 11‬والبكاء خشي ًة من اللّه له أثره في العمل ‪ ،‬وفي غفران الذّنوب ‪ ،‬ويد ّ‬
‫ن النّبيّ صلى ال عليه وسلم قال ‪ { :‬عينان ل تمسّهما النّار ‪ :‬عين‬
‫التّرمذيّ عن ابن عبّاسٍ أ ّ‬
‫بكت من خشية اللّه ‪ ،‬وعين باتت تحرس في سبيل اللّه } ‪ .‬قال صاحب تحفة الحوذيّ ‪ :‬قوله‬
‫‪ { :‬عينان ل تمسّهما النّار } أي ل تمسّ صاحبهما ‪ ،‬فعبّر بالجزء عن الجملة ‪ ،‬وعبّر بالمسّ‬
‫إشار ًة إلى امتناع ما فوقه بالولى ‪ ،‬وفي روايةٍ ‪ « :‬أبدا " وفي رواي ٍة ‪ { :‬ل يقربان النّار } ‪.‬‬
‫وقد ذكر صاحب روح المعاني أخبارا وردت في مدح البكاء خشيةً من اللّه تعالى ‪ ،‬من بينها‬
‫هذا الحديث المتقدّم ‪ .‬وعن أبي هريرة رضي ال عنه قال ‪ :‬قال رسول اللّه صلى ال عليه‬
‫وسلم ‪ { :‬ل يلج النّار رجل بكى من خشية اللّه تعالى حتّى يعود اللّبن في الضّرع ‪ ،‬ول يجتمع‬
‫على عبدٍ غبار في سبيل اللّه تعالى ودخان جهنّم } ‪.‬‬

‫البكاء في الصّلة ‪:‬‬


‫ن البكاء في الصّلة إن كان سببه ألما أو مصيب ًة فإنّه يفسد الصّلة ‪ ،‬لنّه‬
‫‪ - 12‬يرى الحنفيّة أ ّ‬
‫ل على زيادة‬
‫يعتبر من كلم النّاس ‪ ،‬وإن كان سببه ذكر الجنّة أو النّار فإنّه ل يفسدها ‪ ،‬لنّه يد ّ‬
‫ل على هذا‬
‫الخشوع ‪ ،‬وهو المقصود في الصّلة ‪ ،‬فكان في معنى التّسبيح أو الدّعاء ‪ .‬ويد ّ‬
‫حديث الرّسول صلى ال عليه وسلم { أنّه كان يصلّي باللّيل وله أزيز كأزيز المرجل من‬
‫ن هذا التّفصيل فيما إذا كان على أكثر من حرفين ‪ ،‬أو على‬
‫البكاء } ‪ .‬وعن أبي يوسف أ ّ‬
‫حرفين أصليّين ‪ ،‬أمّا إذا كان على حرفين من حروف الزّيادة ‪ ،‬أو أحدها من حروف الزّيادة‬
‫والخر أصليّ ‪ ،‬ل تفسد في الوجهين معا ‪ ،‬وحروف الزّيادة عشرة يجمعها قولك ‪ :‬أمان‬
‫ن البكاء في الصّلة إمّا أن يكون بصوتٍ ‪ ،‬وإمّا‬
‫وتسهيل ‪ .‬وحاصل مذهب المالكيّة في هذا ‪ :‬أ ّ‬
‫ت ‪ ،‬فإن كان البكاء بل صوتٍ فإنّه ل يبطل الصّلة ‪ ،‬سواء أكان بغير‬
‫أن يكون بل صو ٍ‬
‫اختيارٍ ‪ ،‬بأن غلبه البكاء تخشّعا أو لمصيبةٍ ‪ ،‬أم كان اختياريّا ما لم يكثر ذلك في الختياريّ ‪.‬‬
‫وأمّا إذا كان البكاء بصوتٍ ‪ ،‬فإن كان اختياريّا فإنّه يبطل الصّلة ‪ ،‬سواء كان لمصيب ٍة أم‬
‫لتخشّعٍ ‪ ،‬وإن كان بغير اختياره ‪ ،‬بأن غلبه البكاء تخشّعا لم يبطل ‪ ،‬وإن كثر ‪ ،‬وإن غلبه‬
‫ن البكاء بصوتٍ ‪ ،‬إن كان لمصيبةٍ أو لوجعٍ‬
‫البكاء بغير تخشّعٍ أبطل ‪ .‬هذا وقد ذكر الدّسوقيّ أ ّ‬
‫ع فهو حينئذٍ كالكلم ‪ ،‬يفرّق بين عمده وسهوه ‪ ،‬أي فالعمد مبطل مطلقا‬
‫من غير غلبةٍ أو لخشو ٍ‬
‫‪ ،‬قلّ أو كثر ‪ ،‬والسّهو يبطل إن كان كثيرا ‪ ،‬ويسجد له إن قلّ ‪ .‬وأمّا عند الشّافعيّة ‪ ،‬فإنّ‬
‫ح إن ظهر به حرفان فإنّه يبطل الصّلة ‪ ،‬لوجود ما ينافيها‬
‫البكاء في الصّلة على الوجه الص ّ‬
‫‪ ،‬حتّى وإن كان البكاء من خوف الخرة ‪ .‬وعلى مقابل الصحّ ‪ :‬ل يبطل لنّه ل يسمّى كلما‬
‫في اللّغة ‪ ،‬ول يفهم منه شيء ‪ ،‬فكان أشبه بالصّوت المجرّد ‪ .‬وأمّا الحنابلة فإنّهم يرون أنّه إن‬
‫ن في الصّلة لم تبطل ‪ ،‬لنّه يجري مجرى الذّكر‬
‫بان حرفان من بكاءٍ ‪ ،‬أو تأ ّو ٍه خشيةً ‪ ،‬أو أني ٍ‬
‫ل بنفسه‬
‫‪ ،‬وقيل ‪ :‬إن غلبه وإلّ بطلت ‪ ،‬كما لو لم يكن خشي ًة ‪ ،‬لنّه يقع على الهجاء ‪ ،‬ويد ّ‬
‫على المعنى كالكلم ‪ ،‬قال أحمد في النين ‪ :‬إذا كان غالبا أكرهه ‪ ،‬أي من وجعٍ ‪ ،‬وإن‬
‫استدعى البكاء فيها كره كالضّحك وإلّ فل ‪.‬‬

‫البكاء عند قراءة القرآن ‪:‬‬


‫‪ - 13‬البكاء عند قراءة القرآن مستحبّ ‪ ،‬ويفهم ذلك من قوله تعالى في سورة السراء‬
‫ل من‬
‫{ ويخرّون للذقان يبكون ويزيدهم خشوعا } ‪ .‬قال القرطبيّ ‪ :‬هذا مدح لهم ‪ ،‬وحقّ لك ّ‬
‫توسّم بالعلم ‪ ،‬وحصل منه شيئا أن يجري إلى هذه المرتبة ‪ ،‬فيخشع عند استماع القرآن‬
‫ويتواضع ويذلّ ‪ .‬وقال الزّمخشريّ في الكشّاف في تفسير قوله تعالى ‪ { :‬ويزيدهم خشوعا }‬
‫ن ‪ .‬وقال الطّبريّ عند الكلم على هذه الية ‪ :‬يقول تعالى‬
‫أي يزيدهم لين قلبٍ ورطوبة عي ٍ‬
‫ذكره ‪ .‬ويخرّ هؤلء الّذين أوتوا العلم من مؤمني أهل الكتابين ‪ ،‬من قبل نزول الفرقان ‪ ،‬إذا‬
‫يتلى عليه القرآن لذقانهم يبكون ‪ ،‬ويزيدهم ما في القرآن من المواعظ والعبر خشوعا ‪ ،‬يعني‬
‫خضوعا لمر اللّه وطاعته استكانةً له ‪ .‬ويفهم استحباب البكاء أيضا عند قراءة القرآن بما‬
‫أخرجه ابن ماجه وإسحاق بن راهويه والبزّار في مسنديهما من حديث سعد بن أبي وقّاصٍ‬
‫رضي ال عنه مرفوعا ‪ { :‬إنّ هذا القرآن نزل بحزنٍ ‪ ،‬فإذا قرأتموه فابكوا ‪ ،‬فإن لم تبكوا‬
‫فتباكوا } ‪.‬‬

‫البكاء عند الموت وبعده ‪:‬‬


‫ت فإنّه‬
‫‪ - 14‬اتّفق الفقهاء على أنّ البكاء إن كان قاصرا على خروج الدّمع فقط بل صو ٍ‬
‫ت إذا لم يقدر على ردّه ‪ ،‬ومثله حزن القلب‬
‫جائز ‪ ،‬قبل الموت وبعده ‪ ،‬ومثله غلبة البكاء بصو ٍ‬
‫ت ‪ ،‬إلّ ما نقل في الفروع‬
‫‪ .‬واتّفقوا أيضا على تحريم النّدب بتعداد محاسن الميّت برفع صو ٍ‬
‫عن بعض الحنابلة ‪ .‬واتّفقوا على تحريم النّواح وشقّ الجيب أو الثّوب ولطم الخدّ وما أشبه‬
‫ذلك ‪ ،‬إلّ أنّ الحنفيّة عبّروا في ذلك بالكراهة ‪ ،‬ومرادهم الكراهة التّحريميّة ‪ ،‬وبذلك ل يكون‬
‫بين الفقهاء في ذلك خلف ‪ .‬وأمّا إذا كان البكاء بصوتٍ وغير مصحوبٍ بنياحةٍ وندبٍ أو شقّ‬
‫جيبٍ أو نحو ذلك ‪ ،‬فيرى الحنفيّة والمالكيّة والحنابلة أنّه جائز ‪ ،‬واشترط المالكيّة عدم‬
‫ن البكاء على الميّت‬
‫الجتماع للبكاء ‪ ،‬وإلّ كره ‪ .‬وللشّافعيّة تفصيل أتى به القليوبيّ ‪ ،‬فقال ‪ :‬إ ّ‬
‫إن كان لخوفٍ عليه من هول يوم القيامة ونحوه فل بأس به ‪ ،‬أو لمحبّةٍ ورقّ ٍة كطفلٍ فكذلك ‪،‬‬
‫ن الصّبر أجمل ‪ ،‬أو لصلحٍ وبرك ٍة وشجاعةٍ وفقد نحو علمٍ فمندوب ‪ ،‬أو لفقد صل ٍة وبرّ‬
‫ولك ّ‬
‫وقيامٍ بمصلح ٍة فمكروه ‪ ،‬أو لعدم تسليمٍ للقضاء وعدم الرّضى به فحرام ‪ .‬وقال الشّافعيّ ‪:‬‬
‫ي عن جابر بن عتيكٍ كما‬
‫يجوز البكاء قبل الموت ‪ ،‬فإذا مات أمسكن ‪ .‬واستدلّ بحديث النّسائ ّ‬
‫سنّة ‪ ،‬فقد أخرج التّرمذيّ عن‬
‫يأتي قريبا ‪ .‬والفقهاء فيما قالوه في ذلك استدلّوا بما ورد في ال ّ‬
‫جابرٍ رضي ال عنه قال ‪ { :‬أخذ النّبيّ صلى ال عليه وسلم بيد عبد الرّحمن بن عوفٍ رضي‬
‫ال عنه فانطلق به إلى ابنه إبراهيم ‪ ،‬فوجده يجود بنفسه ‪ ،‬فأخذه النّبيّ صلى ال عليه وسلم‬
‫فوضعه في حجره فبكى ‪ ،‬فقال له عبد الرّحمن ‪ :‬أتبكي ؟ أولم تكن نهيت عن البكاء ؟ قال ‪:‬‬
‫ت عند مصيبةٍ ‪ ،‬خمش وجوهٍ وشقّ جيوبٍ‬
‫ل ‪ .‬ولكن نهيت عن صوتين أحمقين فاجرين ‪ :‬صو ٍ‬
‫ن رسول اللّه‬
‫ن } ‪ .‬وقد أخرج البخاريّ عن عبد اللّه بن مسعودٍ رضي ال عنه أ ّ‬
‫ورنّة شيطا ٍ‬
‫صلى ال عليه وسلم قال ‪ { :‬ليس منّا من لطم الخدود وشقّ الجيوب ودعا بدعوى الجاهليّة } ‪.‬‬
‫ق الجيب ودعوى الجاهليّة ‪ .‬وأخرج‬
‫ل على عدم جواز ما ذكر فيه من اللّطم وش ّ‬
‫فهذا يد ّ‬
‫ن رسول اللّه صلى ال عليه وسلم جاء يعود‬
‫ك رضي ال عنه ‪ { :‬أ ّ‬
‫النّسائيّ عن جابر بن عتي ٍ‬
‫ن ‪ ،‬فقال‬
‫عبد اللّه بن ثابتٍ فوجده قد غلب ‪ ،‬فصاح النّسوة وبكين ‪ ،‬فجعل ابن عتيكٍ يسكته ّ‬
‫ن ‪ ،‬فإذا وجب فل تبكين باكية ‪ .‬قالوا ‪ :‬وما الوجوب يا‬
‫رسول اللّه صلى ال عليه وسلم ‪ :‬دعه ّ‬
‫رسول اللّه ؟ قال ‪ :‬الموت } ‪.‬‬

‫البكاء عند زيارة القبر ‪:‬‬


‫‪ - 15‬البكاء عند زيارة القبر جائز ‪ ،‬والدّليل على ذلك ما أخرجه مسلم في صحيحه عن أبي‬
‫هريرة رضي ال عنه قال ‪ { :‬زار النّبيّ صلى ال عليه وسلم قبر أمّه فبكى ‪ ،‬وأبكى من حوله‬
‫‪ } ...‬إلخ الحديث ‪.‬‬

‫اجتماع النّساء للبكاء ‪:‬‬


‫‪ - 16‬اجتماع النّساء للبكاء عند المالكيّة مكروه إن كان بل صوتٍ ‪ ،‬وحرام إن كان معه‬
‫صوت ‪ .‬والشّافعيّة ل يجيزون الجتماع للبكاء ‪ .‬ولم يتعرّض الحنفيّة ول الحنابلة لجتماع‬
‫ن الفقهاء متّفقون على جواز البكاء بالدّمع فقط بل صوتٍ ‪ ،‬وإنّما تأتي‬
‫النّساء للبكاء ‪ .‬على أ ّ‬
‫الكراهة أو التّحريم على ما إذا قصد الجتماع له ‪ .‬هذا ‪ ،‬وإذا كان اجتماع النّساء للبكاء‬
‫ص الفقهاء النّساء‬
‫مكروها أو محرّما فكراهة أو تحريم اجتماع الرّجال له أولى ‪ ،‬وإنّما خ ّ‬
‫ن هذا شأنهنّ ‪.‬‬
‫بالذّكر ل ّ‬

‫أثر بكاء المولود عند الولدة ‪:‬‬


‫ل على تحقّق حياته ‪،‬‬
‫‪ - 17‬إذا بكى المولود عند ولدته ‪ ،‬بأن استهلّ صارخا ‪ ،‬فإنّ ذلك يد ّ‬
‫سواء انفصل بالكّليّة كما عند الشّافعيّة ‪ ،‬أم لم ينفصل كما عند الحنفيّة ‪ .‬فإن لم يبك ‪ ،‬ولم‬
‫توجد منه علمة تدلّ على الحياة فل يحكم بحياته ‪ .‬فإن بدا منه ما يدلّ على حياته ‪ ،‬كالبكاء‬
‫ص من قاتله عمدا ‪،‬‬
‫والصّراخ ونحو ذلك ‪ ،‬فإنّه يعطى حكم الحياء ‪ ،‬فيسمّى ويرث ‪ ،‬ويقت ّ‬
‫ق مواليه الدّية في غير العمد فإن مات بعد تحقّق حياته فإنّه يغسّل ويصلّى عليه ويورث‬
‫ويستح ّ‬
‫‪ .‬وتفصيل ذلك يرجع إليه في مصطلح ( استهلل ) ‪.‬‬

‫أثر بكاء البكر عند الستئذان لتزويجها ‪:‬‬


‫ن للفقهاء في دللته على الرّضا وعدمه اتّجاهاتٍ‬
‫‪ - 18‬إذا استؤذنت البكر في النّكاح فبكت ‪ ،‬فإ ّ‬
‫ثلثةً ‪:‬‬
‫ل على الرّضا ‪ ،‬وإن كان‬
‫ت فيد ّ‬
‫أ ‪ -‬فالحنفيّة والشّافعيّة يقولون ‪ :‬إن كان البكاء بل صو ٍ‬
‫ل على الرّضا ‪.‬‬
‫بصوتٍ فل يد ّ‬
‫ب ‪ -‬والمالكيّة يقولون ‪ :‬إنّ بكاء البكر غير المجبرة ‪ ،‬وهي الّتي يزوّجها غير الب من‬
‫ل ‪ ،‬فإن علم أنّه للمنع من‬
‫الولياء ‪ ،‬يعتبر رضا ‪ ،‬لحتمال أنّ هذا البكاء إنّما هو لفقد الب مث ً‬
‫الزّواج لم يكن رضا ‪.‬‬
‫ج ‪ -‬والحنابلة يقولون ‪ :‬إنّ البكاء إذن في النّكاح ‪ ،‬لما روى أبو هريرة قال رسول اللّه صلى‬
‫ال عليه وسلم ‪ { :‬تستأمر اليتيمة فإذا بكت أو سكتت فهو رضاها ‪ ،‬وإن أبت فل جواز‬
‫عليها } ولنّها غير ناطقةٍ بالمتناع مع سماع الستئذان ‪ ،‬فكان ذلك إذنا منها كالصّمات ‪.‬‬
‫والبكاء يدلّ على فرط الحياء ل الكراهة ‪ .‬ولو كرهت لمتنعت ‪ ،‬فإنّها ل تستحي من المتناع‬
‫‪.‬‬

‫بكاء المرء هل يكون دليلً على صدق مقاله ‪:‬‬


‫ل على صدق مقاله ‪ ،‬ويدلّ على ذلك قوله تعالى في سورة يوسف‬
‫‪ - 19‬بكاء المرء ل يد ّ‬
‫{ وجاءوا أباهم عشاءً يبكون } ‪ .‬فإنّ إخوة يوسف تصنّعوا البكاء ليصدّقهم أبوهم بما أخبروه‬
‫ن الّذي أخبروه به كذب ‪ ،‬هم الّذين دبّروه وفعلوه ‪ .‬قال القرطبيّ قال علماؤنا ‪ :‬هذه‬
‫به ‪ ،‬مع أ ّ‬
‫ل على صدق مقاله ‪ ،‬لحتمال أن يكون تصنّعا ‪ ،‬فمن‬
‫الية دليل على أنّ بكاء المرء ل يد ّ‬
‫ن الدّمع المصنوع ل يخفى ‪ .‬كما‬
‫الخلق من يقدر على ذلك ‪ ،‬وفيهم من ل يقدر ‪ ،‬وقد قيل ‪ :‬إ ّ‬
‫قال حكيم ‪ :‬إذا اشتبكت دموع في خدودٍ تبيّن من بكى ممّن تباكى ‪.‬‬

‫بكارة‬
‫التّعريف‬
‫‪ - 1‬البكارة ( بالفتح ) لغ ًة ‪ :‬عذرة المرأة ‪ ،‬وهي الجلدة الّتي على القبل ‪ .‬والبكر ‪ :‬المرأة الّتي‬
‫ض ‪ ،‬ويقال للرّجل ‪ :‬بكر ‪ ،‬إذا لم يقرب النّساء ‪ ،‬ومنه حديث { البكر بالبكر جلد مائةٍ‬
‫لم تفت ّ‬
‫ونفي سنةٍ } ‪ .‬والبكر اصطلحا عند الحنفيّة ‪ :‬اسم لمرأ ٍة لم تجامع بنكاحٍ ول غيره ‪ ،‬فمن‬
‫زالت بكارتها بغير جماعٍ كوثب ٍة ‪ ،‬أو درور حيضٍ ‪ ،‬أو حصول جراحةٍ ‪ ،‬أو تعنيسٍ ‪ :‬بأن‬
‫طال مكثها بعد إدراكها في منزل أهلها حتّى خرجت عن عداد البكار فهي بكر حقيق ًة وحكما‬
‫‪ .‬وعرّفها المالكيّة ‪ :‬بأنّها الّتي لم توطأ بعقدٍ صحيحٍ ‪ ،‬أو فاسدٍ جرى مجرى الصّحيح ‪ .‬وقيل ‪:‬‬
‫إنّها الّتي لم تزل بكارتها أصلً ‪.‬‬
‫اللفاظ ذات الصّلة ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬العذرة ‪:‬‬
‫‪ - 2‬العذرة لغةً ‪ :‬الجلدة الّتي على المحلّ ‪ .‬ومنه العذراء ‪ ،‬وهي ‪ :‬المرأة الّتي لم تزل بكارتها‬
‫بمزيلٍ ‪ .‬فالعذراء ‪ :‬ترادف البكر لغ ًة وعرفا ‪ ،‬وقد يفرّقون بينهما ‪ ،‬فيطلقون العذراء على من‬
‫لم تزل بكارتها أصلً ‪ ،‬وقال الدّردير ‪ :‬إذا جرى العرف بالتّسوية بينهما يعتبر ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬الثّيوبة ‪:‬‬
‫‪ - 3‬الثّيوبة ‪ :‬زوال البكارة بالوطء ولو حراما ‪ .‬وال ّثيّب لغ ًة ‪ :‬ض ّد البكر ‪ ،‬فهي الّتي تزوّجت‬
‫ن ال ّثيّب ‪ :‬هو الرّجل‬
‫فثابت ‪ ،‬وفارقت زوجها بأيّ وج ٍه كان بعد أن مسّها ‪ ،‬وعن الصمعيّ أ ّ‬
‫أو المرأة بعد الدّخول ‪ .‬وال ّثيّب اصطلحا ‪ :‬من زالت بكارتها بالوطء ولو حراما ‪ .‬وال ّثيّب‬
‫والبكر ضدّان ‪ .‬ما تثبت به البكارة عند التّنازع ‪:‬‬
‫‪ - 4‬أجاز جمهور الفقهاء قبول شهادة النّساء في البكارة والثّيوبة ‪ .‬واختلفوا في العدد المشترط‬
‫ن البكارة تثبت بشهادة امرأةٍ ثقةٍ ‪ ،‬والثّنتان أحوط وأوثق ‪.‬‬
‫‪ :‬فذهب الحنفيّة والحنابلة إلى أ ّ‬
‫وأجاز أبو الخطّاب من الحنابلة شهادة الرّجل في ذلك ‪ .‬وذهب المالكيّة ‪ -‬على ما صرّح به‬
‫خليل والدّردير في شرحيه ‪ -‬إلى أنّها تثبت بشهادة امرأتين ‪ .‬لكن قال الدّسوقيّ في باب النّكاح‬
‫‪ :‬إن أتى الرّجل بامرأتين ‪ ،‬أو امرأ ٍة واحدةٍ تشهد له على ما تصدّق فيه الزّوجة قبلت ‪ .‬وقال‬
‫الشّافعيّة ‪ :‬تثبت البكارة بشهادة رجلين ‪ ،‬أو رجلٍ وامرأتين ‪ ،‬أو شهادة أربع نسو ٍة ‪ .‬ومناط‬
‫ل للضّرورة ‪،‬‬
‫قول شهادة المرأة في إثبات البكارة أنّ موضعها عورة ل يطّلع عليه الرّجال إ ّ‬
‫سنّة أنّه تجوز شهادة النّساء فيما ل يطّلع عليه‬
‫وروى مالك عن الزّهريّ ‪ { :‬مضت ال ّ‬
‫ن } ‪ .‬وقيس على ذلك البكارة والثّيوبة ‪ .‬وتثبت البكارة‬
‫غيرهنّ ‪ ،‬من ولدة النّساء وعيوبه ّ‬
‫كذلك باليمين حسب التّفصيل الّذي سيأتي ‪.‬‬

‫أثر البكارة في عقد النّكاح ‪ :‬ما يكون به إذن البكر ‪:‬‬


‫‪ - 5‬اتّفق الفقهاء على أنّ سكوت البكر البالغة عند استئذانها في النّكاح إذن منها ‪ ،‬لحديث ‪:‬‬
‫س رضي ال عنهما أنّ‬
‫{ البكر تستأذن في نفسها ‪ ،‬وإذنها صماتها } ‪ .‬ولما روي عن ابن عبّا ٍ‬
‫النّبيّ صلى ال عليه وسلم قال ‪ { :‬اليّم أحقّ بنفسها من وليّها ‪ ،‬والبكر تستأذن في نفسها ‪،‬‬
‫وإذنها صماتها } ‪ .‬ومثل السّكوت ‪ :‬الضّحك بغير استهزاءٍ ‪ ،‬لنّه أدلّ على الرّضا من‬
‫السّكوت ‪ ،‬وكذا التّبسّم والبكاء بل صوتٍ ‪ ،‬لدللة بكاها على الرّضا ضمنا ‪ .‬والمعوّل عليه‬
‫اعتبار قرائن الحوال في البكاء والضّحك ‪ ،‬فإن تعارضت أو أشكل احتيط ‪ .‬واستئمار البكر‬
‫البالغة العاقلة مندوب عند الجمهور ‪ ،‬لنّ لوليّها الحقّ في إجبارها على النّكاح ‪ .‬وسنّة عند‬
‫الحنفيّة ‪ ،‬لنّه ليس لوليّها حقّ الجبار ‪ .‬وتفصيل ذلك في مصطلح ( نكاح ) ‪.‬‬
‫ن في‬
‫‪ -6‬وقد ذكر المالكيّة أبكارا ل يكتفى بصمتهنّ ‪ ،‬بل ل بدّ من إذنهنّ بالقول عند استئذانه ّ‬
‫النّكاح ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬بكر رشّدها أبوها أو وصيّه بعد بلوغها ‪ ،‬لنّه ل جبر لبيها عليها ‪ ،‬لما قام بها من حسن‬
‫التّصرّف على المعروف في المذهب ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬بكر مجبرة عضلها أبوها ‪ ،‬أي منعها من النّكاح ل لمصلحتها ‪ ،‬بل للضرار بها ‪،‬‬
‫فرفعت أمرها للحاكم ‪ ،‬فأراد تزويجها لمتناع أبيها ‪ ،‬وزوّجها ‪.‬‬
‫ج ‪ -‬بكر يتيمة مهملة ل أب لها ول وصيّ ‪ ،‬خيف فسادها بفقرٍ أو زنًى أو عدم حاضنٍ‬
‫ل ‪ ،‬والمعتمد أنّها تجبر ‪.‬‬
‫ي في قو ٍ‬
‫شرع ّ‬
‫د ‪ -‬بكر غير مجبرةٍ ‪ ،‬افتيت عليها ‪ ،‬زوّجها وليّها غير المجبر ‪ -‬وهو غير الب ووصيّه ‪-‬‬
‫بغير إذنها ‪ ،‬ثمّ أنهى إليها الخبر فرضيت ‪.‬‬
‫ن وجذامٍ وبرصٍ ‪ .‬والتّفصيل في‬
‫هـ ‪ -‬بكر أريد تزويجها لذي عيبٍ موجبٍ لخيارها ‪ ،‬كجنو ٍ‬
‫مصطلح ( نكاح ) ‪.‬‬

‫اشتراط الوليّ وعدمه ‪:‬‬


‫‪ - 7‬البكر إن كانت صغيرةً فالجماع على أنّها ل تزوّج نفسها ‪ ،‬بل يزوّجها وليّها ‪ .‬وأمّا إن‬
‫كانت كبيرةً ‪ ،‬فجمهور الفقهاء من السّلف والخلف على أنّها ل تزوّج نفسها ‪ ،‬وإنّما يزوّجها‬
‫ستّين في مشهور المذهب ‪ .‬وذهب الحنفيّة‬
‫وليّها ‪ ،‬وعند المالكيّة ‪ :‬ولو كانت عانسا بلغت ال ّ‬
‫إلى أنّه ليس لوليّها حقّ إجبارها ‪ ،‬ولها أن تزوّج نفسها ‪ ،‬فإن زوّجت نفسها بغير كفءٍ ‪ ،‬أو‬
‫بدون مهر المثل ‪ ،‬فلوليّها حقّ طلب الفسخ ما لم تحمل ‪ .‬وروي عن أبي يوسف أنّ نكاح‬
‫الحرّة البالغة العاقلة إذا كانت بكرا ل ينعقد إلّ بوليّ ‪ ،‬وعن مح ّمدٍ ينعقد موقوفا ‪ .‬والتّفصيل‬
‫في مصطلح ( نكاح ) ‪.‬‬

‫متى يرتفع الجبار مع وجود البكارة ‪:‬‬


‫ن الب ل يجبر بكرا رشّدها ‪ -‬إن بلغت ‪ -‬بأن قال لها ‪ :‬رشّدتك ‪ ،‬أو‬
‫‪ - 8‬أ ‪ -‬يرى المالكيّة أ ّ‬
‫أطلقت يدك ‪ ،‬أو رفعت الحجر عنك ‪ ،‬أو نحو ذلك ‪ .‬وثبت ترشيدها بإقراره ‪ ،‬أو ببيّنةٍ إن‬
‫أنكر ‪ ،‬وحيث كانت ل تجبر فل بدّ من نطقها وإذنها ‪ ،‬وهو المعروف في المذهب ‪ ،‬وقال ابن‬
‫عبد البرّ ‪ :‬له جبرها ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬إذا عضل والد البكر المجبرة ‪ ،‬ومنعها من نكاح من ترغب فيه ‪ ،‬ورفعت أمرها للقضاء‬
‫‪ ،‬وثبت كفاءة من ترغب في زواجه يأمره الحاكم بتزويجها ‪ ،‬فإن امتنع ارتفع إجباره ‪،‬‬
‫وزوّجها الحاكم ‪ ،‬ول بدّ من نطقها برضاها بالزّوج وبالصّداق ‪ .‬ول يختلف مذهب الشّافعيّة‬
‫ل في بعض التّفصيلت ‪ ،‬كتكرار امتناع الوليّ العاضل مرارا ‪.‬‬
‫والحنابلة عن هذا إ ّ‬
‫ج ‪ -‬والبكر اليتيمة الصّغيرة إذا خيف فسادها ‪ ،‬يجبرها وليّها على التّزويج ‪ ،‬وتجب مشاورة‬
‫ن مطلق‬
‫القاضي على المعتمد عند المالكيّة ‪ .‬ول خصوصيّة لهذا الحالة عند الحنفيّة ‪ ،‬ل ّ‬
‫الصّغيرة ‪ -‬بكرا كانت أو ثيّبا ‪ -‬لوليّها إجبارها على النّكاح ‪ ،‬ثمّ إذا بلغت وكان الوليّ المجبر‬
‫غير الب أو الجدّ ثبت لها خيار البلوغ ‪ .‬وذهب الحنابلة ‪ -‬في روايةٍ ‪ -‬إلى أنّ الوليّ المجبر‬
‫هو الب فقط ‪ ،‬ول يزوّج الصّغيرة غيره ولو كان جدّا ‪ .‬وفي المذهب رواية أخرى كمذهب‬
‫الحنفيّة ‪ .‬ويرى الشّافعيّة أنّ ولية الجبار في تزويج البكر هي للب والج ّد وحدهما ‪ ،‬دون‬
‫بقيّة الولياء ‪ .‬فالبكر اليتيمة تنحصر ولية إجبارها في الجدّ ‪.‬‬

‫اشتراط الزّوج بكارة الزّوجة ‪:‬‬


‫ن الرّجل لو تزوّج امرأةً على أنّها بكر ‪ ،‬فتبيّن بعد الدّخول أنّها ليست‬
‫‪ - 9‬ذهب الحنفيّة إلى أ ّ‬
‫ل لمرها على‬
‫ل المهر ‪ ،‬لنّ المهر شرع لمجرّد الستمتاع دون البكارة ‪ ،‬وحم ً‬
‫كذلك ‪ ،‬لزمه ك ّ‬
‫الصّلح ‪ ،‬بأن زالت بوثب ٍة ‪ .‬فإن كان قد تزوّجها بأزيد من مهر مثلها على أنّها بكر ‪ ،‬فإذا هي‬
‫غير بكرٍ ‪ ،‬ل تجب الزّيادة ‪ ،‬لنّه قابل الزّيادة بما هو مرغوب فيه ‪ ،‬وقد فات ‪ ،‬فل يجب ما‬
‫قوبل به ‪ ،‬ول يثبت بتخلّف شرط البكارة فسخ العقد ‪ .‬وعند المالكيّة ‪ :‬إذا تزوّج الرّجل امرأةً‬
‫ظانّا أنّها بكر ‪ ،‬ثمّ تبيّن أنّها ثيّب ‪ ،‬ول علم عند أبيها ‪ ،‬فل ردّ للزّوج بذلك ‪ ،‬إلّ أن يقول ‪:‬‬
‫أتزوّجها بشرط أنّها ( عذراء ) وهي الّتي لم تزل بكارتها بمزيلٍ ‪ ،‬فإذا وجدها ثيّبا فله ردّها ‪،‬‬
‫ي أم ل ‪ ،‬وسواء أكانت الثّيوبة بنكاحٍ أم ل ‪ .‬وأمّا إذا شرط أنّها ( بكر )‬
‫وسواء أعلم الول ّ‬
‫فوجدها ثيّبا بغير وطء نكاحٍ ‪ ،‬ولم يعلم الب بذلك ‪ ،‬ففيه تردّد ‪ ،‬قيل ‪ :‬يخيّر ‪ ،‬وقيل ‪ :‬ل ‪،‬‬
‫ن البكارة قد تزول بوثبةٍ ونحوها ‪ .‬وإن علم‬
‫وهو الصوب لوقوع اسم البكارة عليها ‪ ،‬ول ّ‬
‫الب بثيوبتها بل وطءٍ وكتم ‪ ،‬فللزّوج ال ّردّ على الصحّ ‪ ،‬وأحرى بوطءٍ ‪ .‬ولو شرط البكارة‬
‫ووجدها قد ثيبت بنكاحٍ ‪ ،‬فله ال ّردّ مطلقا علم الب أم ل ‪ .‬وعند الشّافعيّة ‪ :‬لو نكح امرأةً‬
‫ن المعقود عليه معيّن ل يتبدّل‬
‫ح النّكاح في الظهر ‪ ،‬ل ّ‬
‫بشرط بكارتها ‪ ،‬فتبيّن فوات الشّرط ص ّ‬
‫بخلف الصّفة المشروطة والقول الثّاني عندهم ‪ :‬بطلنه ‪ ،‬لنّ النّكاح يعتمد الصّفات والسماء‬
‫دون التّعيين والمشاهدة ‪ ،‬فيكون اختلف الصّفّة فيه كاختلف العين ‪ .‬وورد عن الحنابلة ‪ :‬إن‬
‫شرط في التّزويج أن تكون بكرا فوجدها ثيّبا بالزّنى ملك الفسخ ‪ .‬وإن شرط أن تكون بكرا‬
‫فبانت ثيّبا ‪ ،‬قال ابن قدامة ‪ :‬عن أحمد كلم يحتمل أمرين ‪ :‬أحدهما ‪ :‬ل خيار له ‪ ،‬لنّ النّكاح‬
‫ب ‪ ،‬فل يردّ منه بمخالفة الشّرط ‪ .‬والمر الثّاني ‪ :‬له‬
‫ب سوى ثمانية عيو ٍ‬
‫ل يردّ فيه بعي ٍ‬
‫الخيار نصّا ‪ ،‬لنّه شرط وصفا مرغوبا فيه ‪ ،‬فبانت بخلفه ‪.‬‬

‫البكارة الحكميّة ‪ ،‬وأثرها في الجبار ومعرفة إذنها ‪:‬‬


‫‪ - 10‬من زالت بكارتها بل وطءٍ كوثب ٍة ‪ ،‬أو أصبعٍ ‪ ،‬أو حدة حيضٍ ‪ ،‬ونحو ذلك ‪ ،‬فهي بكر‬
‫حقيق ًة وحكما ‪ ،‬ول أثر لزوال بكارتها بما ذكر ونحوه في الجبار والستئذان ومعرفة إذنها ‪،‬‬
‫ن الزّائل في هذه المسائل العذرة ‪ ،‬أي‬
‫لنّها لم تمارس الرّجال بالوطء في محلّ البكارة ‪ ،‬ول ّ‬
‫الجلدة الّتي على محلّ البكارة ‪ .‬وهذا عند الحنفيّة والمالكيّة والحنابلة ‪ .‬والصحّ للشّافعيّة ‪،‬‬
‫والثّاني لهؤلء ‪ ،‬ولبي يوسف ومح ّمدٍ ‪ :‬أنّها كال ّثيّب من حيث عدم الكتفاء بسكوتها ‪ ،‬لزوال‬
‫العذرة ‪ ،‬لنّها ثيّب حقيقةً ‪ .‬وقال الحنفيّة ‪ :‬من زالت بكارتها بزنًى ‪ -‬إن لم يتكرّر ‪ ،‬ولم تحدّ‬
‫به ‪ -‬هي بكر حكما ‪ .‬والتّفصيل في مصطلح ( نكاح ) ‪.‬‬

‫ع وأثر ذلك ‪:‬‬


‫تعمّد إزالة العذرة بغير جما ٍ‬
‫ن الزّوج إذا تعمّد إزالة‬
‫ح عندهم على أ ّ‬
‫‪ - 11‬اتّفق الحنفيّة ‪ ،‬والحنابلة ‪ ،‬والشّافعيّة في الص ّ‬
‫بكارة زوجته بغير جماعٍ ‪ ،‬كأصبعٍ ‪ ،‬ل شيء عليه ‪ .‬ووجهه عند الحنفيّة ‪ :‬أنّه ل فرق بين آلةٍ‬
‫ن الزّوج لو أزال عذرتها‬
‫وآلةٍ في هذه الزالة ‪ .‬وورد في أحكام الصّغار في الجنايات ‪ :‬أ ّ‬
‫بالصبع ل يضمن ‪ ،‬ويعزّر ‪ ،‬ومقتضاه أنّه مكروه فقط ‪ .‬وقال الحنابلة ‪ :‬إنّه أتلف ما يستحقّ‬
‫إتلفه بالعقد ‪ ،‬فل يضمن بغيره ‪ .‬وأمّا الشّافعيّة فقالوا ‪ :‬إنّ الزالة من استحقاق الزّوج ‪.‬‬
‫والقول الثّاني لهم ‪ :‬إن أزال بغير ذكرٍ فأرش ‪ .‬وقال المالكيّة ‪ :‬إذا أزال الزّوج بكارة زوجته‬
‫ل ( أرش ) يقدّره القاضي ‪ ،‬وإزالة البكارة بالصبع حرام ‪،‬‬
‫بأصبعه تعمّدا ‪ ،‬يلزمه حكومة عد ٍ‬
‫ويؤدّب الزّوج عليه ‪ .‬والتّفصيل يكون في مصطلح ( نكاح ودية ) ‪.‬‬

‫مقدار الصّداق بإزالة البكارة بالصبع دون الجماع ‪:‬‬


‫ن الزّوج إذا أزال بكارة زوجته بغير جماعٍ ‪ ،‬ثمّ طلّقها قبل المسيس ‪،‬‬
‫‪ - 12‬يرى الحنفيّة أ ّ‬
‫وجب لها جميع مهرها ‪ ،‬إن كان مسمّى ولم يقبض ‪ ،‬وباقيه إن قبض بعضه ‪ ،‬لنّ إزالة‬
‫البكارة بأصبعٍ ونحوه ل يكون إلّ في خلوةٍ ‪ .‬وقال المالكيّة ‪ :‬لو فعل الزّوج ما ذكر لزمه‬
‫أرش البكارة الّتي أزالها بأصبعه ‪ ،‬مع نصف صداقها ‪ .‬وقال الشّافعيّة والحنابلة ‪ :‬يحكم لها‬
‫ن وقد فرضتم لهنّ‬
‫بنصف صداقها ‪ ،‬لمفهوم قوله تعالى ‪ { :‬وإن طلّقتموهنّ من قبل أن تمسّوه ّ‬
‫فريضةً فنصف ما فرضتم } إذ المراد بالمسّ ‪ :‬الجماع ‪ ،‬ول يستقرّ المهر باستمتاعٍ وإزالة‬
‫بكار ٍة بل آلةٍ ‪ ،‬فإن طلّقها وجب لها الشّطر دون أرش البكارة ‪ ،‬وعلّل الحنابلة زيادةً على الية‬
‫بأنّ هذه مطلّقة قبل المسيس والخلوة ‪ ،‬فلم يكن لها سوى نصف الصّداق المسمّى ‪ ،‬ولنّه أتلف‬
‫ما يستحقّ إتلفه بالعقد ‪ ،‬فل يضمنه بغيره ‪.‬‬

‫ادّعاء البكارة ‪ ،‬وأثر ذلك في الستحلف ‪:‬‬


‫‪ - 13‬يرى المالكيّة ‪ :‬أنّ من تزوّج امرأةً ظانّا أنّها بكر ‪ ،‬وقال ‪ :‬إنّي وجدتها ثيّبا ‪ ،‬وقالت ‪:‬‬
‫بل وجدني بكرا ‪ ،‬فالقول قولها مع يمينها إن كانت رشيدةً ‪ ،‬سواء ادّعت أنّها الن بكر ‪ ،‬أم‬
‫ادّعى أنّها كانت بكرا ‪ ،‬وهو أزال بكارتها على المشهور في المذهب ‪ ،‬ول يكشف عن حالها‬
‫‪ .‬فإن لم تكن رشيدةً ‪ ،‬وكانت ل تحسن التّصرّف ‪ ،‬أو صغيرةً ‪ ،‬يحلف أبوها ‪ ،‬ول ينظرها‬
‫النّساء جبرا عليها ‪ ،‬أو ابتداءً ‪ ،‬وأمّا برضاها فينظرنها ‪ ،‬فإن أتى الزّوج بامرأتين تشهدان له‬
‫على ما هي مصدّقة فيه فإنّه يعمل بشهادتهما ‪ ،‬وكذا المرأة الواحدة ‪ .‬وحينئ ٍذ ل تصدّق الزّوجة‬
‫‪ ،‬وظاهره ولو حصلت الشّهادة بعد حلفها على ما ادّعت ‪ ،‬وإن كان الب أو غيره من الولياء‬
‫عالما بثيوبتها بل وطءٍ من نكاحٍ ‪ ،‬بل بوثب ٍة ونحوها ‪ ،‬أو زنًى وكتم عن الزّوج ‪ ،‬فللزّوج الرّدّ‬
‫على الصحّ إن كان قد شرط بكارتها ‪ ،‬ويكون له الرّجوع بالصّداق على الب ‪ ،‬وعلى غيره‬
‫إن تولّى العقد ‪ .‬وأمّا إن كانت الثّيوبة من نكاحٍ فتردّ ‪ ،‬وإن لم يعلم الب ‪ .‬والتّفصيل في‬
‫مصطلح ( نكاح ‪ ،‬صداق ‪ ،‬عيب ) ‪ .‬وقال الشّافعيّة ‪ :‬تصدّق المرأة في دعوى بكارتها بل‬
‫يمينٍ ‪ ،‬وكذا في ثيوبتها ‪ ،‬إلّ إذا ادّعت بعد العقد أنّها كانت ثيّبا قبله فل بدّ من يمينها ‪ .‬وقال‬
‫ي بيمينه هنا ‪ ،‬لئلّ يلزم بطلن العقد ‪ ،‬ول تسأل عن سبب‬
‫الخطيب الشّربينيّ ‪ :‬يصدّق الول ّ‬
‫زوال بكارتها ‪ .‬ولو أقام الوليّ بيّن ًة ببكارتها قبل العقد لجبارها قبلت ‪ ،‬ولو أقامت هي بيّنةً‬
‫بعد العقد بزوال بكارتها قبل العقد لم يبطل العقد ‪ .‬وقال الحنابلة ‪ :‬من تزوّج امرأ ًة بشرط أنّها‬
‫عذراء ‪ ،‬فادّعى بعد دخوله بها أنّه وجدها ثيّبا ‪ ،‬وأنكرت ذلك ‪ ،‬ل يقبل قوله بعد وطئه في‬
‫ن ذلك ممّا يخفى ‪ ،‬فل يقبل في قوله بمجرّد دعواه ‪ .‬فإن شهدت امرأة عدل ‪:‬‬
‫عدم بكارتها ‪ ،‬ل ّ‬
‫أنّها كانت ثيّبا قبل الدّخول قبل قولها ويثبت له الخيار ‪ ،‬وإلّ فل ‪ .‬والتّفصيل في مصطلح‬
‫( نكاح ‪ ،‬صداق ‪ ،‬شرط )‬

‫بلغ انظر ‪ :‬تبليغ ‪.‬‬

‫‪ -‬البلعوم لغ ًة واصطلحا ‪ :‬هو مجرى الطّعام والشّراب ‪ ،‬وموضع‬ ‫‪1‬‬ ‫بلعوم‬


‫البتلع من الحلق ‪ .‬أحكام تتعلّق بالبلعوم ‪ :‬البلعوم ‪ -‬باعتباره مجرى الطّعام‬
‫والشّراب بين آخر الفم ( أي أقصاه ‪ ،‬وهو اللّهاة ) والمعدة ‪ -‬تجري عليه أحكام ‪،‬‬
‫منها ما يتعلّق بما يفطر به الصّائم ‪ ،‬ومنها ما يتعلّق بالتّذكية وقطع البلعوم فيها ‪،‬‬
‫ومنها ما يتعلّق بالجناية عليه والدّية فيه ‪.‬‬
‫أ ‪ -‬ما يتعلّق بالصّوم ومفطراته ‪:‬‬
‫ل ما أدخل في البلعوم من طعامٍ أو شرابٍ أو دوا ٍء في فترة الصّوم‬
‫‪ - 2‬اتّفق الفقهاء على أنّ ك ّ‬
‫فإنّه يفطر في الجملة ‪ .‬وفي ذلك تفصيلت تنظر في ( الصّوم ) ‪ .‬وإن استقاء وجاوز القيء‬
‫البلعوم أفطر عند بعض الفقهاء ‪ .‬وفي ذلك خلف وتفصيل ينظر في ( الصّوم ) أيضا ‪.‬‬

‫ب ‪ -‬ما يتعلّق بالتّذكية ‪:‬‬


‫‪ - 3‬اتّفق الحنفيّة والشّافعيّة والحنابلة على ضرورة قطع البلعوم أثناء الذّبح ‪ ،‬ضمن ما يقطع‬
‫من عروقٍ في المذبوح معلوم ٍة ‪ .‬وهي الحلقوم وهو ‪ :‬مجرى النّفس ‪ ،‬والودجان وهما ‪:‬‬
‫عرقان في جانبي العنق بينهما الحلقوم والمريء ‪ ،‬ويتّصل بهما أكثر عروق البدن ‪ ،‬ويتّصلن‬
‫بالدّماغ ‪ .‬هذا بالضافة إلى المريء ( البلعوم ) ‪ .‬أمّا المالكيّة فلم يشترطوا قطعه ‪ ،‬بل قالوا‬
‫بقطع جميع الحلقوم ‪ ،‬وقطع جميع الودجين ‪ .‬وفيما يجزئ في الذّبح خلف ‪ ،‬مجمله فيما يلي‬
‫ل الكل ‪ ،‬لوجود الذّكاة ‪ .‬وكذلك إن قطع‬
‫‪ :‬ذهب الحنفيّة إلى أنّ الذّابح إن قطع جميعها ح ّ‬
‫ثلثة منها ‪ ،‬أيّ ثلثةٍ كانت ‪ .‬وقال أبو يوسف ‪ :‬ل بدّ من قطع الحلقوم والمريء وأحد‬
‫الودجين ‪ .‬وقال محمّد ‪ :‬إنّه يعتبر الكثر من كلّ عرقٍ ‪ ،‬وذكر القدوريّ قول محمّدٍ مع أبي‬
‫يوسف ‪ ،‬وحمل الكرخيّ قول أبي حنيفة " وإن قطع أكثرها حلّ " على ما قاله محمّد ‪،‬‬
‫ب قطع الحلقوم والمريء‬
‫والصّحيح أنّ قطع أيّ ثلث ٍة منها يكفي ‪ .‬وعند الشّافعيّة ‪ :‬يستح ّ‬
‫والودجين ‪ ،‬لنّه أسرع وأروح للذّبيحة ‪ ،‬فإن اقتصر على قطع الحلقوم والمريء أجزأه ‪ ،‬لنّ‬
‫الحلقوم مجرى النّفس ‪ ،‬والمريء مجرى الطّعام ‪ ،‬والرّوح ل تبقى مع قطعهما ‪ .‬وشرط‬
‫المالكيّة قطع جميع الحلقوم ‪ ،‬وهو القصبة الّتي يجري فيها النّفس ‪ ،‬وقطع جميع الودجين ‪،‬‬
‫ولم يشترطوا قطع المريء ‪ .‬أمّا الحنابلة فاشترطوا قطع الحلقوم والمريء ‪ ،‬واكتفوا بقطع‬
‫البعض منهما ‪ ،‬ولم يشترطوا إبانتهما ‪ ،‬لنّه قطع في محلّ الذّبح ما ل تبقى الحياة معه ‪،‬‬
‫واشترطوا فري الودجين ‪ ،‬وذكر ابن تيميّة وجها أنّه يكفي قطع ثلثةٍ من الربعة ‪ ،‬وقال ‪:‬‬
‫إنّه القوى ‪ ،‬وسئل عمّن قطع الحلقوم والودجين لكن فوق الجوزة ؟ فقال ‪ :‬هذا فيه نزاع ‪،‬‬
‫والصّحيح أنّها تحلّ ‪ .‬والتّفصيل يرجع فيه إلى ‪ ( :‬تذكية ) ‪.‬‬

‫ج ‪ -‬ما يتعلّق بالجناية ‪:‬‬


‫‪ - 4‬الفقهاء متّفقون على أنّ الجروح ‪ -‬فيما عدا الرّأس والوجه ‪ -‬تنقسم إلى جائفةٍ وغير‬
‫ن الجائفة هي الّتي تصل إلى الجوف من البطن أو الظّهر أو‬
‫جائفةٍ ‪ .‬قال الشّافعيّة والحنابلة ‪ :‬إ ّ‬
‫ن ما وصل من الرّقبة‬
‫الورك أو الثّغر ( ثغرة النّحر ) أو الحلق أو المثانة ‪ ،‬وقال الحنفيّة ‪ :‬إ ّ‬
‫إلى الموضع الّذي لو وصل إليه من الشّراب قطرة لفطر يكون جائف ًة ‪ ،‬لنّه ل يفطر إلّ إذا‬
‫كان وصل إلى الجوف ‪ .‬وفي الجائفة ثلث الدّية ‪ ،‬فإن نفذت فهي جائفتان قال عليه الصلة‬
‫والسلم { في الجائفة ثلث الدّية } وعن أبي بكرٍ رضي ال عنه أنّه حكم في جائفةٍ نفذت بثلث‬
‫الدّية لنّها إن نفذت فهي جائفتان ‪ ،‬وهذا عند الحنفيّة والشّافعيّة والحنابلة ‪ .‬أمّا المالكيّة فقد‬
‫ن الجائفة مختصّة بالبطن والظّهر ‪ ،‬وفيها ثلث من الدّية المخمّسة ‪ ،‬فإن نفذت فهي‬
‫قالوا ‪ :‬إ ّ‬
‫جائفتان ‪ .‬والتّفصيل في ( الجنايات ‪ ،‬والدّيات ) ‪.‬‬

‫بلغم انظر ‪ :‬نخامة ‪.‬‬

‫بلوغ‬
‫التّعريف‬
‫‪ - 1‬البلوغ لغ ًة ‪ :‬الوصول ‪ ،‬يقال بلغ الشّيء يبلغ بلوغا وبلغا ‪ :‬وصل وانتهى ‪ ،‬وبلغ الصّبيّ‬
‫‪ :‬احتلم وأدرك وقت التّكليف ‪ ،‬وكذلك بلغت الفتاة ‪ .‬واصطلحا ‪ :‬انتهاء حدّ الصّغر في‬
‫النسان ‪ ،‬ليكون أهلً للتّكاليف الشّرعيّة ‪ .‬أو هو ‪ :‬قوّة تحدث في الصّبيّ ‪ ،‬يخرج بها عن‬
‫حالة الطّفوليّة إلى غيرها ‪.‬‬
‫( اللفاظ ذات الصّلة ) ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬الكبر ‪:‬‬
‫‪ - 2‬الكبر والصّغر معنيان إضافيّان ‪ ،‬فقد يكون الشّيء كبيرا بالنّسبة لخر ‪ ،‬صغيرا لغيره ‪،‬‬
‫ن الفقهاء يطلقون الكبر في السّنّ على معنيين ‪ .‬الوّل ‪ :‬أن يبلغ النسان مبلغ الشّيخوخة‬
‫ولك ّ‬
‫والضّعف بعد تجاوزه مرحلة الكهولة ‪ .‬الثّاني ‪ :‬أن يراد به الخروج عن حدّ الصّغر بدخول‬
‫مرحلة الشّباب ‪ ،‬فيكون بمعنى البلوغ المصطلح عليه ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬الدراك ‪:‬‬
‫‪ - 3‬الدراك ‪ :‬لغ ًة مصدر أدرك ‪ ،‬وأدرك الصّبيّ والفتاة ‪ :‬إذا بلغا ‪ .‬ويطلق الدراك في اللّغة‬
‫ويراد به ‪ :‬اللّحاق ‪ ،‬يقال ‪ :‬مشيت حتّى أدركته ‪ .‬ويراد به أيضا ‪ :‬البلوغ في الحيوان والثّمر ‪.‬‬
‫كما يستعمل في الرّؤية فيقال ‪ :‬أدركته ببصري ‪ :‬أي رأيته ‪ .‬وقد استعمل الفقهاء الدراك‬
‫بمعنى ‪ :‬بلوغ الحلم ‪ ،‬فيكون مساويا للفظ البلوغ بهذا الطلق ‪ ،‬ويطلق بعض الفقهاء الدراك‬
‫ويريدون به أوان النّضج ‪ .‬ج الحلم والحتلم ‪:‬‬
‫‪ - 4‬الحتلم ‪ :‬مصدر احتلم ‪ ،‬والحلم ‪ :‬اسم المصدر ‪ .‬وهو لغ ًة ‪ :‬رؤيا النّائم مطلقا ‪ ،‬خيرا‬
‫ص الحلم بضدّه ‪ .‬ثمّ‬
‫ص الرّؤيا بالخير ‪ ،‬وخ ّ‬
‫كان المرئيّ أو شرّا ‪ .‬وفرّق الشّارع بينهما ‪ ،‬فخ ّ‬
‫ص من ذلك ‪ ،‬وهو ‪ :‬أن يرى النّائم أنّه يجامع ‪ ،‬سواء أكان‬
‫استعمل الحتلم والحلم بمعنًى أخ ّ‬
‫مع ذلك إنزال أم ل ثمّ استعمل هذا اللّفظ بمعنى البلوغ ‪ ،‬وعلى هذا يكون الحلم والحتلم‬
‫والبلوغ بهذا المعنى ألفاظا مترادفةً ‪.‬‬
‫د ‪ -‬المراهقة ‪ :‬د ‪ - 5‬المراهقة ‪ :‬مقاربة البلوغ ‪ ،‬وراهق الغلم والفتاة مراهق ًة ‪ :‬قاربا البلوغ‬
‫‪ ،‬ولم يبلغا ‪ ،‬ول يخرج المعنى الصطلحيّ عن المعنى اللّغويّ ‪ .‬وبهذا تكون المراهقة‬
‫والبلوغ لفظين متباينين ‪.‬‬
‫هـ ‪ -‬الشدّ ‪:‬‬
‫‪ - 6‬الشدّ لغ ًة ‪ :‬بلوغ الرّجل الحنكة والمعرفة ‪ .‬والشدّ ‪ :‬طور يبتدئ بعد انتهاء حدّ الصّغر ‪،‬‬
‫ن الربعين ‪ ،‬وقد يطلق الشدّ على الدراك‬
‫أي من وقت بلوغ النسان مبلغ الرّجال إلى س ّ‬
‫والبلوغ ‪ .‬وقيل ‪ :‬أن يؤنس منه الرّشد مع أن يكون بالغا ‪ .‬فالشدّ مساوٍ للبلوغ في بعض‬
‫إطلقاته ‪ .‬الرّشد ‪:‬‬
‫‪ - 7‬الرّشد لغ ًة ‪ :‬خلف الضّلل ‪ .‬والرّشد ‪ ،‬والرّشد ‪ ،‬والرّشاد ‪ :‬نقيض الضّلل ‪ ،‬وهو ‪:‬‬
‫إصابة وجه المر والهتداء إلى الطّريق ‪ .‬والرّشد في اصطلح الفقهاء ‪ :‬الصّلح في المال ل‬
‫غير عند أكثر العلماء ‪ ،‬منهم ‪ :‬أبو حنيفة ومالك وأحمد ‪ .‬وقال الحسن والشّافعيّ وابن المنذر‬
‫‪ :‬الصّلح في الدّين والمال ‪ .‬والتّفصيل في مصطلح ( رشد ) ( والولية على المال ) ‪ .‬وليس‬
‫ن معيّنة ‪ ،‬وقد يحصل قبل البلوغ ‪ ،‬وهذا نادر ل حكم له ‪ ،‬وقد يحصل مع البلوغ أو‬
‫للرّشد س ّ‬
‫بعده ‪ ،‬وفي استعمال الفقهاء ‪ :‬كلّ رشيدٍ بالغ ‪ ،‬وليس كلّ بال ٍغ رشيدا ‪ .‬علمات البلوغ‬
‫الطّبيعيّة في الذّكر ‪ ،‬والنثى ‪ ،‬والخنثى ‪:‬‬
‫‪ - 8‬للبلوغ علمات طبيعيّة ظاهرة ‪ ،‬منها ما هو مشترك بين الذّكر والنثى ‪ ،‬ومنها ما‬
‫يختصّ بأحدهما ‪ .‬وفيما يلي بيان العلمات المشتركة ‪ :‬الحتلم ‪:‬‬
‫‪ - 9‬الحتلم ‪ :‬خروج المنيّ من الرّجل أو المرأة في يقظةٍ أو منامٍ لوقت إمكانه ‪ .‬لقوله تعالى‬
‫ل حالمٍ دينارا } ‪ .‬النبات ‪:‬‬
‫‪ { :‬وإذا بلغ الطفال منكم الحلم فليستأذنوا } ولحديث ‪ { :‬خذ من ك ّ‬
‫‪ - 10‬النبات ‪ :‬ظهور شعر العانة ‪ ،‬وهو الّذي يحتاج في إزالته إلى نحو حلقٍ ‪ ،‬دون الزّغب‬
‫ن النبات إذا جلب‬
‫الضّعيف الّذي ينبت للصّغير ‪ .‬ونجد في كلم بعض المالكيّة والحنابلة ‪ :‬أ ّ‬
‫واستعمل بوسائل صناعيّ ٍة من الدوية ونحوها فإنّه ل يكون مثبتا للبلوغ ‪ ،‬قالوا ‪ :‬لنّه قد‬
‫يستعجل النبات بالدّواء ونحوه لتحصيل الوليات والحقوق الّتي للبالغين ‪ .‬وقد اختلف الفقهاء‬
‫ل ثلثةٍ ‪:‬‬
‫في اعتبار النبات علم ًة على البلوغ ‪ ،‬على أقوا ٍ‬
‫ق اللّه ول في حقّ‬
‫ن النبات ليس بعلم ٍة على البلوغ مطلقا ‪ .‬أي ل في ح ّ‬
‫‪ - 11‬الوّل ‪ :‬أ ّ‬
‫ك على ما في باب القذف من المدوّنة ‪ ،‬ونحوه‬
‫العباد ‪ .‬وهو قول أبي حنيفة ‪ ،‬ورواية عن مال ٍ‬
‫لبن القاسم في باب القطع في السّرقة ‪ ،‬قال الدّسوقيّ ‪ :‬وظاهره ل فرق بين حقّ اللّه وحقّ‬
‫الدميّين ‪.‬‬
‫ن النبات علمة البلوغ مطلقا ‪ .‬وهو مذهب المالكيّة والحنابلة ‪ ،‬ورواية عن‬
‫‪ - 12‬الثّاني ‪ :‬أ ّ‬
‫ن ابن حجرٍ نقل أنّ مالكا ل يقيم الحدّ‬
‫أبي يوسف ذكرها ابن عابدين وصاحب الجوهرة ‪ ،‬إلّ أ ّ‬
‫ن الشّبهة فيه تمنع من إقامة الحدّ ‪ ،‬واحتجّ أصحاب‬
‫على من لم يثبت بلوغه بغير النبات ‪ ،‬ل ّ‬
‫ي صلى ال‬
‫ن { النّب ّ‬
‫هذا القول بحديثٍ نبويّ ‪ ،‬وآثارٍ عن الصّحابة ‪ .‬فأمّا الحديث ‪ :‬فما ورد أ ّ‬
‫عليه وسلم لمّا حكّم سعد بن معاذٍ في بني قريظة ‪ ،‬فحكم بقتل مقاتلتهم وسبي ذراريّهم ‪ ،‬وأمر‬
‫أن يكشف عن مؤتزرهم ‪ ،‬فمن أنبت فهو من المقاتلة ‪ ،‬ومن لم ينبت فهو من ال ّذ ّريّة ‪ .‬بلغ ذلك‬
‫النّبيّ صلى ال عليه وسلم فقال ‪ :‬لقد حكمت فيهم بحكم اللّه من فوق سبعة أرقعةٍ } ومن هنا‬
‫ت ‪ ،‬فكشفوا‬
‫ي هل أنب ّ‬
‫ب القرظيّ ‪ :‬كنت معهم يوم قريظة ‪ .‬فأمر أن ينظر إل ّ‬
‫قال عطيّة بن كع ٍ‬
‫ن عمر‬
‫عانتي ‪ ،‬فوجدوها لم تنبت ‪ ،‬فجعلوني في السّبي ‪ .‬وأمّا ما ورد عن الصّحابة ‪ ،‬فمنه أ ّ‬
‫رضي ال عنه كتب إلى عامله أن ل يقتل إلّ من جرت عليه المواسي ‪ ،‬ول يأخذ الجزية إلّ‬
‫ن غلما من النصار شبّب بامرأ ٍة في شعره ‪ ،‬فرفع إلى عمر فلم‬
‫ممّن جرت عليه المواسي وأ ّ‬
‫يجده أنبت فقال ‪ :‬لو أنبتّ الشّعر لحددتك ‪.‬‬
‫ن النبات بلوغ في بعض الصّور دون بعضٍ ‪ .‬وهو قول الشّافعيّة ‪،‬‬
‫‪ - 13‬القول الثّالث ‪ :‬أ ّ‬
‫ن النبات يقتضي الحكم ببلوغ ولد الكافر ‪ ،‬ومن جهل‬
‫وبعض المالكيّة ‪ .‬فيرى الشّافعيّة أ ّ‬
‫ن أو بالنزال ‪ ،‬وليس‬
‫إسلمه ‪ ،‬دون المسلم والمسلمة ‪ .‬وهو عندهم أمارة على البلوغ بالسّ ّ‬
‫ن عمره دون خمسة عشرة سن ًة ‪ ،‬لم‬
‫بلوغا حقيقةً ‪ .‬قالوا ‪ :‬ولهذا لو لم يحتلم ‪ ،‬وشهد عدلن بأ ّ‬
‫يحكم ببلوغه بالنبات ‪ .‬وإنّما فرّقوا بينه وبين المسلم في ذلك لسهولة مراجعة آباء المسلم‬
‫وأقاربه من المسلمين ‪ ،‬ولنّ الصّبيّ المسلم متّهم في النبات ‪ ،‬فربّما تعجّله بدوا ٍء دفعا للحجر‬
‫عن نفسه وتشوّفا للوليات ‪ ،‬بخلف الكافر فإنّه ل يستعجله ‪.‬‬
‫‪ - 14‬ويرى بعض المالكيّة أنّ النبات يقبل علمةً في أع ّم ممّا ذهب إليه الشّافعيّة ‪ ،‬فقد قال‬
‫ن النبات علمة فيما بين الشّخص وبين غيره من الدميّين من قذفٍ وقطعٍ وقتلٍ‬
‫ابن رشدٍ ‪ :‬إ ّ‬
‫‪ .‬وأمّا فيما بين الشّخص وبين اللّه تعالى فل خلف ‪ -‬يعني عند المالكيّة ‪ -‬أنّه ليس بعلمةٍ ‪.‬‬
‫وبنى بعض المالكيّة على هذا القول أنّه ليس على من أنبت ‪ ،‬ولم يحتلم إثم في ترك الواجبات‬
‫وارتكاب المحرّمات ‪ ،‬ول يلزمه في الباطن عتق ول حدّ ‪ ،‬وإن كان الحاكم يلزمه ذلك ‪ ،‬لنّه‬
‫ينظر فيه ويحكم بما ظهر له والحجّة للطّرفين الحديث المتقدّم ذكره الوارد في شأن بني قريظة‬
‫‪ .‬أمّا الشّافعيّة فقد قصروا حكمه على مخرجه ‪ ،‬فإنّ بني قريظة كانوا كفّارا ‪ ،‬وابن رشدٍ ومن‬
‫معه من المالكيّة جعلوه فيما هو أعمّ من ذلك ‪ ،‬أي في الحكام الظّاهرة ‪ ،‬بنوعٍ من القياس ‪.‬‬

‫ما تختصّ به النثى من علمات البلوغ ‪:‬‬


‫‪ - 15‬تزيد النثى وتختصّ بعلمتين ‪ :‬هما الحيض ‪ ،‬إذ هو علم على بلوغها لحديث ‪ { :‬ل‬
‫ص المالكيّة الحيض بالّذي لم يتسبّب في جلبه ‪ ،‬وإلّ‬
‫ل بخمارٍ } ‪ .‬وخ ّ‬
‫يقبل اللّه صلة حائضٍ إ ّ‬
‫ن الولد‬
‫ن اللّه تعالى أجرى العادة أ ّ‬
‫فل يكون علمةً ‪ .‬والحمل علمة على بلوغ النثى ‪ ،‬ل ّ‬
‫يخلق من ماء الرّجال وماء المرأة ‪ .‬قال تعالى ‪ { :‬فلينظر النسان م ّم خلق خلق من ما ٍء دافقٍ‬
‫يخرج من بين الصّلب والتّرائب } فإذا وجد واحد من العلمات السّابقة حكم بالبلوغ على‬
‫ن على النّحو المبيّن في مواطنه من البحث ‪.‬‬
‫الوجه المتقدّم ‪ ،‬وإن لم يوجد كان البلوغ بالسّ ّ‬
‫‪ - 16‬واعتبر المالكيّة من علمات البلوغ في الذّكر والنثى ‪ -‬زياد ًة على ما تقدّم ‪ -‬نتن البط‬
‫‪ ،‬وفرق الرنبة ‪ ،‬وغلظ الصّوت ‪ .‬واعتبر الشّافعيّة أيضا من علمات البلوغ في الذّكر ‪-‬‬
‫زياد ًة على ما سبق ‪ -‬نبات الشّعر الخشن للشّارب ‪ ،‬وثقل الصّوت ‪ ،‬ونتوء طرف الحلقوم ‪،‬‬
‫ونحو ذلك ‪ .‬وفي النثى نهود الثّدي ‪.‬‬

‫علمات البلوغ الطّبيعيّة لدى الخنثى ‪:‬‬


‫‪ - 17‬الخنثى إن كان غير مشكلٍ ‪ ،‬وألحق بالذّكور أو الناث ‪ ،‬فعلمة بلوغه بحسب النّوع‬
‫الّذي ألحق به ‪ .‬أمّا الخنثى المشكل فعلمات البلوغ الطّبيعيّة لديه كعلمات البلوغ لدى الذّكور‬
‫أو الناث ‪ ،‬فيحكم ببلوغه بالنزال أو النبات أو غيرهما من العلمات المشتركة أو الخاصّة ‪،‬‬
‫على التّفصيل المتقدّم ‪ ،‬وهذا قول المالكيّة والحنابلة ‪ ،‬وهو قول بعض الشّافعيّة ‪ .‬أمّا القول‬
‫الثّاني ‪ ،‬وهو المعتمد عند الشّافعيّة ‪ :‬أنّه ل بدّ من وجود العلمة في الفرجين جميعا ‪ ،‬فلو‬
‫أمنى الخنثى من ذكره ‪ ،‬وحاضت من فرجها ‪ ،‬أو أمنى منهما جميعا حكم ببلوغه ‪ ،‬أمّا لو‬
‫أمنى من ذكره فقط ‪ ،‬أو حاضت من فرجها فقط فل يحكم بالبلوغ ‪.‬‬
‫‪ - 18‬واستدلّ ابن قدامة من الحنابلة على الكتفاء بأيّ العلمتين تظهر أ ّولً ‪ ،‬بأنّ خروج منيّ‬
‫الرّجل من المرأة مستحيل ‪ ،‬وخروج الحيض من الرّجل مستحيل ‪ ،‬فكان خروج أيّ منهما‬
‫دليلً على تعيين كون الخنثى أنثى أو ذكرا ‪ ،‬فإذا ثبت التّعيين لزم كونه دليلً على البلوغ ‪،‬‬
‫كما لو تعيّن قبل خروجه ‪ ،‬ولنّه منيّ خارج من ذكرٍ ‪ ،‬أو حيض خارج من فرجٍ ‪ ،‬فكان علما‬
‫على البلوغ ‪ ،‬كالمنيّ الخارج من الغلم ‪ ،‬والحيض الخارج من الجارية ‪ .‬قال ‪ :‬ولنّهم سلّموا‬
‫ن خروجهما معا يقتضي تعارضهما‬
‫ن خروجهما معا دليل البلوغ ‪ ،‬فخروج أحدهما أولى ‪ ،‬ل ّ‬
‫أّ‬
‫وإسقاط دللتهما ‪ ،‬إذ ل يتصوّر حيض صحيح ومنيّ رجلٍ ‪ .‬فيلزم أن يكون أحدهما فضلةً‬
‫خارج ًة من غير محلّها ‪ ،‬وليس أحدهما أولى بذلك من الخر ‪ ،‬فتبطل دللتهما ‪ ،‬كالبيّنتين إذا‬
‫تعارضتا ‪ ،‬أمّا إن وجد الخروج من أحدهما من غير معارضٍ ‪ ،‬وجب أن يثبت حكمه ‪،‬‬
‫ويقضى بثبوت دللته ‪.‬‬
‫‪ - 19‬وأمّا الحنفيّة فلم نجد ‪ -‬في ما اطّلعنا عليه ‪ -‬من كلمهم تعرّضا صريحا لهذه المسألة ‪،‬‬
‫ن قول الحنفيّة كقول المالكيّة والحنابلة ‪ ،‬لظاهر ما في شرح الشباه من قوله في‬
‫ولكن يبدو أ ّ‬
‫باب أحكام الخنثى ‪ :‬إذا كان الخنثى بالغا ‪ ،‬بأن بلغ بالسّنّ ‪ ،‬ولم يظهر شيء من علمات‬
‫ن الرّأس من الحرّة عورة ‪.‬‬
‫الرّجال أو النّساء ‪ ،‬ل تجزيه الصّلة بغير قناعٍ ‪ ،‬ل ّ‬

‫البلوغ بالسّنّ ‪:‬‬


‫ن الطّلع على أوّل كمال العقل‬
‫‪ - 20‬جعل الشّارع البلوغ أمارةً على أوّل كمال العقل ‪ ،‬ل ّ‬
‫متعذّر ‪ ،‬فأقيم البلوغ مقامه ‪ .‬والبلوغ بالسّنّ ‪ :‬يكون عند عدم وجود علم ٍة من علمات البلوغ‬
‫قبل ذلك ‪ ،‬واختلف الفقهاء في سنّ البلوغ ‪ .‬فيرى الشّافعيّة ‪ ،‬والحنابلة ‪ ،‬وأبو يوسف ومحمّد‬
‫من الحنفيّة ‪ :‬أنّ البلوغ بالسّنّ يكون بتمام خمس عشرة سن ًة قمريّ ًة للذّكر والنثى ‪ ،‬كما صرّح‬
‫الشّافعيّة بأنّها تحديديّة ‪ ،‬لخبر ابن عمر { عرضت على النّبيّ صلى ال عليه وسلم يوم أحدٍ ‪،‬‬
‫وأنا ابن أربع عشرة سن ًة فلم يجزني ‪ ،‬ولم يرني بلغت ‪ ،‬وعرضت عليه يوم الخندق وأنا ابن‬
‫خمس عشرة سنةً فأجازني ‪ ،‬ورآني بلغت } ‪ .‬قال الشّافعيّ ‪ :‬ردّ النّبيّ صلى ال عليه وسلم‬
‫سبعة عشر من الصّحابة ‪ ،‬وهم أبناء أربع عشرة سن ًة ‪ ،‬لنّه لم يرهم بلغوا ‪ ،‬ثمّ عرضوا عليه‬
‫وهم من أبناء خمس عشرة فأجازهم ‪ ،‬منهم ‪ :‬زيد بن ثابتٍ ورافع بن خديجٍ وابن عمر ‪.‬‬
‫ويرى المالكيّة أنّ البلوغ يكون بتمام ثماني عشرة سن ًة ‪ ،‬وقيل بالدّخول فيها ‪ ،‬وقد أورد‬
‫ل في المذهب ‪ ،‬ففي رواي ٍة ‪ :‬ثمانية عشر ‪ ،‬وقيل ‪ :‬سبعة عشر ‪ ،‬وزاد‬
‫الحطّاب خمسة أقوا ٍ‬
‫ب خمسة عشر ‪،‬‬
‫بعض شرّاح الرّسالة ‪ :‬ستّة عشرة ‪ ،‬وتسعة عشر ‪ ،‬وروي عن ابن وه ٍ‬
‫لحديث ابن عمر السّابق ‪ .‬ويرى أبو حنيفة ‪ :‬أنّ البلوغ بالسّنّ للغلم هو بلوغه ثماني عشرة‬
‫سنةً ‪ ،‬والجارية سبع عشرة سنةً لقوله تعالى ‪ { :‬ول تقربوا مال اليتيم إلّ بالّتي هي أحسن‬
‫حتّى يبلغ أشدّه } قال ابن عبّاسٍ رضي ال عنه ‪ :‬الشدّ ثماني عشرة سن ًة ‪ .‬وهي أقلّ ما قيل‬
‫فيه ‪ ،‬فأخذ به احتياطا ‪ ،‬هذا أشدّ الصّبيّ ‪ ،‬والنثى أسرع بلوغا فنقصت سنةً ‪.‬‬

‫السّنّ الدنى للبلوغ الّذي ل تصحّ دعوى البلوغ قبله ‪:‬‬


‫ن الدنى للبلوغ في الذّكر ‪ :‬عند المالكيّة والشّافعيّة باستكمال تسع سنين قمريّةٍ‬
‫‪ - 21‬السّ ّ‬
‫بالتّمام ‪ ،‬وفي وج ٍه آخر للشّافعيّة ‪ :‬مضيّ نصف التّاسعة ‪ ،‬ذكره النّوويّ في شرح المهذّب ‪.‬‬
‫ي بأنّ الصّبيّ‬
‫وعند الحنفيّة ‪ :‬اثنتا عشرة سنةً ‪ .‬وعند الحنابلة ‪ :‬عشر سنين ‪ .‬ويقبل إقرار الول ّ‬
‫ن الدنى للبلوغ في النثى ‪ :‬تسع سنين قمريّ ٍة عند‬
‫بلغ بالحتلم ‪ ،‬إذا بلغ عشر سنين ‪ .‬والسّ ّ‬
‫ن تحيض له المرأة ‪،‬‬
‫الحنفيّة ‪ ،‬والشّافعيّة على الظهر عندهم ‪ ،‬وكذا الحنابلة لنّه أقلّ س ّ‬
‫ولحديث ‪ { :‬إذا بلغت الجارية تسع سنين فهي امرأة } والمراد حكمها حكم المرأة ‪ ،‬وفي روايةٍ‬
‫ن لحيض الفتاة ‪.‬‬
‫للشّافعيّة ‪ :‬نصف التّاسعة ‪ ،‬وقيل ‪ :‬الدّخول في التّاسعة ‪ ،‬ولنّ هذا أقلّ س ّ‬
‫ن الدنى للبلوغ في الخنثى ‪ :‬تسع سنين قمريّ ٍة بالتّمام ‪ ،‬وقيل نصف التّاسعة ‪ ،‬وقيل ‪:‬‬
‫والسّ ّ‬
‫الدّخول فيها ‪.‬‬

‫إثبات البلوغ ‪ :‬يثبت البلوغ بالطّرق التية ‪ :‬الطّريق الولى ‪ :‬القرار ‪:‬‬
‫ن الصّغير إذا كان مراهقا ‪ ،‬وأق ّر بالبلوغ‬
‫‪ - 22‬تتّفق كلمة الفقهاء في المذاهب الربعة على أ ّ‬
‫ح إقراره ‪،‬‬
‫بشي ٍء من العلمات الطّبيعيّة الّتي تخفى عاد ًة ‪ ،‬كالنزال والحتلم والحيض ‪ ،‬يص ّ‬
‫وتثبت له أحكام البالغ فيما له وما عليه ‪ .‬قال المالكيّة ‪ :‬يقبل قوله في البلوغ نفيا وإثباتا ‪ ،‬طالبا‬
‫أو مطلوبا ‪ .‬فالطّالب كمن ادّعى البلوغ ليأخذ سهمه في الغنيمة ‪ ،‬أو ليؤمّ النّاس ‪ ،‬أو ليكمل‬
‫العدد في صلة الجمعة ‪ .‬والمطلوب كجانٍ ادّعى عدم البلوغ ليدرأ عن نفسه الحدّ أو القصاص‬
‫ل يقع عليه الطّلق‬
‫أو الغرامة في إتلف الوديعة ‪ ،‬وكمطّلقٍ ادّعى عدم البلوغ عند الطّلق ‪ ،‬لئ ّ‬
‫ن الدنى للبلوغ ‪ ،‬بل ل تقبل البيّنة ببلوغه قبل‬
‫‪ .‬ويشترط لقبول قوله أن يكون قد جاوز السّ ّ‬
‫ذلك ‪ .‬فعند الحنفيّة ‪ :‬ل يقبل إقرار الصّبيّ قبل تمام اثني عشر عاما ‪ ،‬وعند الحنابلة ل يقبل‬
‫إقراره بذلك قبل تمام العاشرة ‪ ،‬وعند كليهما ‪ :‬ل يقبل إقرار الصّبيّة به قبل تمام التّاسعة ‪،‬‬
‫ووجه صحّة القرار بالبلوغ ‪ :‬أنّه معنًى ل يعرف إلّ من قبل الشّخص نفسه ‪ ،‬وفي تكليف‬
‫الطّلع عليه عسر شديد ‪ ،‬ول يكلّف البيّنة على ذلك ‪ .‬ول يحلف أيضا حتّى عند الخصومة ‪،‬‬
‫فإن لم يكن في الحقيقة بالغا فل قيمة ليمينه ‪ ،‬لعدم العتداد بيمين الصّغير ‪ ،‬وإن كان بالغا‬
‫فيمينه تحصيل حاصلٍ ‪ ،‬وقد استثنى الشّافعيّة بعض الصّور يحلف فيها احتياطا ‪ ،‬لكنّه يزاحم‬
‫غيره في الحقوق ‪ ،‬كما لو طلب في الغنيمة سهم مقاتلٍ ‪ - 23‬واشترط الفقهاء في المذاهب‬
‫الربعة لصحّة إقراره بذلك ‪ :‬أن ل يكون بحالٍ مريب ٍة ‪ ،‬أو كما عبّر الشّافعيّ رحمه ال ‪ :‬يقبل‬
‫إن أشبه ‪ ،‬فإن لم يشبه لم يقبل ‪ ،‬ولو صدّقه أبوه ‪ .‬وعبّر الحنفيّة بقولهم إن لم يكذّبه الظّاهر ‪،‬‬
‫ل يحتلم مثله ‪ .‬والمراد أن يكون حال جسمه عند القرار حال البالغين ‪ ،‬ول يشكّ‬
‫بل يكون بحا ٍ‬
‫في صدقه ‪ .‬هكذا أطلق فقهاء المذاهب ‪ -‬ما عدا المالكيّة ‪ -‬قبول قوله ‪ ،‬وفصّل المالكيّة فقالوا‬
‫‪ :‬إن ارتيب فيه يصدّق فيما يتعلّق بالجناية والطّلق ‪ ،‬فل يحدّ للشّبهة ‪ ،‬ول يقع عليه الطّلق‬
‫استصحابا لصل الصّغر ‪ ،‬ول يصدّق فيما يتعلّق بالمال ‪ ،‬فلو أقرّ بإتلف الوديعة ‪ ،‬وأنّه‬
‫بالغ ‪ ،‬فقال أبوه ‪ :‬إنّه غير بالغٍ ‪ ،‬فل ضمان ‪ .‬وقد تعرّض بعض المالكيّة لقبول قول‬
‫المراهقين في البلوغ إن ادّعياه بالنبات ‪ .‬والفرق بين النبات وبين غيره من العلمات‬
‫الطّبيعيّة الّتي ذكرت سابقا ‪ :‬أنّه يسهل الطّلع عليه ‪ .‬وقد أمر النّبيّ صلى ال عليه وسلم‬
‫ن كون العورة في الصل يحرم‬
‫بالكشف عمّن شكّ في بلوغه من غلمان بني قريظة ‪ .‬إلّ أ ّ‬
‫كشفها ‪ ،‬دعا إلى قول الفقهاء إنّه يقبل قول الشّخص المشكوك فيه في نباتها وعدمه ‪ ،‬إلّ أنّ‬
‫ي المالكيّ خالف في ذلك وقال ‪ :‬إنّه ينبغي أن ينظر إليها ‪ ،‬ولكن ل ينظر مباشر ًة بل‬
‫ابن العرب ّ‬
‫من خلل المرآة ‪ .‬وردّ كلمه ابن القطّان من المالكيّة وقال ‪ :‬ل ينظر إليها مباشرةً ‪ ،‬ول من‬
‫خلل المرآة ‪ ،‬ويقبل كلمه إن ادّعى البلوغ بالنبات ‪.‬‬

‫البلوغ شرط للزوم الحكام الشّرعيّة عند الفقهاء ‪:‬‬


‫ن الشّارع ربط التّكليف بالواجبات والمحرّمات ولزوم آثار الحكام‬
‫‪ - 24‬ذهب الفقهاء إلى أ ّ‬
‫في الجملة بشرط البلوغ ‪ ،‬واستدلّوا على ذلك بأدلّةٍ منها ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬قول اللّه تعالى ‪ { :‬وإذا بلغ الطفال منكم الحلم فليستأذنوا كما استأذن الّذين من قبلهم }‬
‫جعل البلوغ موجبا للستئذان ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬ومنها قوله تعالى ‪ { :‬وابتلوا اليتامى حتّى إذا بلغوا النّكاح فإن آنستم منهم رشدا فادفعوا‬
‫إليهم أموالهم } جعل بلوغ النّكاح موجبا لرتفاع الولية الماليّة عن اليتيم ‪ ،‬بشرط كونه راشدا‬
‫‪.‬‬
‫ل حالمٍ‬
‫ج ‪ -‬ومنها قول النّبيّ صلى ال عليه وسلم لمعاذٍ لمّا أرسله إلى اليمن ‪ { :‬خذ من ك ّ‬
‫دينارا أو عدله معافريّا } جعل الحتلم موجبا للجزية ‪.‬‬
‫ن من اشتبهوا في بلوغه من السرى كان إذا أنبت قتل‬
‫د ‪ -‬ومنها ما حصل يوم قريظة ‪ ،‬من أ ّ‬
‫‪ ،‬فإن لم يكن أنبت لم يقتل ‪ .‬فجعل النبات علمةً لجواز قتل السير ‪.‬‬
‫ل بخمارٍ } فجعل‬
‫هـ ‪ -‬ومنها قول النّبيّ صلى ال عليه وسلم ‪ { :‬ل يقبل اللّه صلة حائضٍ إ ّ‬
‫الحيض من المرأة موجبا لفساد صلتها ‪ ،‬إن صلّت بغير خمارٍ ‪.‬‬
‫و ‪ -‬ومنها حديث ‪ { :‬غسل يوم الجمعة واجب على ك ّل محتلمٍ } بوّب عليه البخاريّ " باب‬
‫بلوغ الصّبيان وشهادتهم " قال ابن حجرٍ ‪ :‬ويستفاد مقصود التّرجمة ‪ -‬يعني شهادة الصّبيان ‪-‬‬
‫بالقياس على بقيّة الحكام من حيث تعلّق الوجوب بالحتلم ‪.‬‬
‫ز ‪ -‬ومنها حديث ‪ { :‬رفع القلم عن ثلثةٍ ‪ :‬عن الصّغير حتّى يكبر ‪ } ...‬جعل الخروج عن‬
‫حدّ الصّغير موجبا لكتابة الثم ‪ ،‬على من فعل ما يوجبه ‪ .‬فهذه الدلّة وأمثالها ‪ -‬ممّا يأتي في‬
‫ن الشّارع ربط التّكليف ولزوم الحكام عامّ ًة بشرط البلوغ ‪،‬‬
‫شأن علمات البلوغ ‪ -‬تدلّ على أ ّ‬
‫فمن اعتبر بالغا بأيّ علمةٍ من علمات البلوغ فهو رجل تامّ أو امرأة تامّة ‪ ،‬مكلّف ‪ -‬إن كان‬
‫عاقلً ‪ -‬كغيره من الرّجال والنّساء ‪ ،‬يلزمه ما يلزمهم ‪ ،‬وحقّ له ما يحقّ لهم ‪ .‬وقد نقل‬
‫ن الفرائض والحكام تجب على‬
‫بعضهم الجماع على ذلك ‪ ،‬فقال ابن المنذر ‪ :‬وأجمعوا على أ ّ‬
‫ن الحتلم في الرّجال والنّساء يلزم به‬
‫المحتلم العاقل ‪ .‬وقال ابن حجرٍ ‪ :‬أجمع العلماء على أ ّ‬
‫العبادات والحدود وسائر الحكام ‪.‬‬

‫ما يشترط له البلوغ من الحكام ‪:‬‬


‫أ ‪ -‬ما يشترط لوجوبه البلوغ ‪:‬‬
‫‪ - 25‬التّكليف بالفرائض والواجبات وترك المحرّمات يشترط له البلوغ ‪ ،‬ول تجب على غير‬
‫البالغ لقول النّبيّ صلى ال عليه وسلم ‪ { :‬رفع القلم عن ثلثةٍ ‪ :‬عن الصّغير حتّى يكبر ‪} ...‬‬
‫ج على أنّ في الزّكاة خلفا ‪ .‬ومع هذا ينبغي لوليّ‬
‫الحديث ‪ ،‬وذلك كالصّلة والصّوم والح ّ‬
‫الصّغير أن يجنّبه المحرّمات ‪ ،‬وأن يأمره بالصّلة ونحوها ليعتادها ‪ ،‬لقول النّبيّ صلى ال‬
‫عليه وسلم ‪ { :‬مروا أبناءكم بالصّلة لسبعٍ ‪ ،‬واضربوهم عليها لعشرٍ ‪ ،‬وفرّقوا بينهم في‬
‫ح منه ‪ ،‬ويؤجر عليها ‪ .‬ول‬
‫المضاجع } ‪ .‬ومع هذا إذا أدّاها الصّغير ‪ ،‬أو فعل المستحبّات تص ّ‬
‫يجب القصاص والحدود ‪ ،‬كحدّ السّرقة وحدّ القذف ولكن يجوز أن يؤدّب ‪.‬‬

‫ب ‪ -‬ما يشترط لصحّته البلوغ ‪:‬‬


‫‪ - 26‬البلوغ شرط صحّ ٍة في كلّ ما يشترط له تمام الهليّة ‪ ،‬ومن ذلك ‪ :‬الوليات كلّها ‪،‬‬
‫كالمارة والقضاء والولية على النّفس والشّهادة في الجملة ‪ .‬ومن ذلك التّصرّفات المتمحّضة‬
‫للضّرر كالهبة والعاريّة والوقف والكفالة ‪ .‬ومن ذلك أيضا ‪ :‬الطّلق ‪ ،‬وما في معناه كالظّهار‬
‫واليلء والخلع والعتق ‪ ،‬وكذلك النّذر ‪ .‬وينظر تفصيل كلّ ذلك في موطنه ‪ ،‬وفي مصطلح‬
‫( صغر ) ‪.‬‬

‫ما يثبت بطروء البلوغ من الحكام ‪:‬‬


‫‪ - 27‬من الصّعوبة بمكانٍ حصر جميع الحكام الّتي تثبت بمجرّد طروء البلوغ ‪ ،‬وفيما يلي‬
‫ي أو الصّبيّة ‪ ،‬أو يريا أيّة علم ٍة من‬
‫بعض المثلة للحكام الّتي تثبت بمجرّد أن يحتلم الصّب ّ‬
‫علمات البلوغ ‪ :‬أ ّولً في باب الطّهارة ‪ :‬إعادة التّيمّم ‪:‬‬
‫‪ - 28‬عند الشّافعيّة والحنابلة إذا تيمّم ‪ ،‬وهو غير بالغٍ ‪ ،‬ثمّ بلغ بما ل ينقض الطّهارة كالسّنّ ‪،‬‬
‫ن تيمّمه قبل بلوغه كان لنافل ٍة ‪ ،‬إذ أنّه لو‬
‫لزمه أن يعيد التّيمّم إن أراد أن يصلّي الفرض ‪ ،‬ل ّ‬
‫تيمّم للظّهر مثلً فقد كانت في حقّه نافل ًة ‪ ،‬فل يستبيح به الفرض ‪ ،‬وهذا بخلف من توضّأ أو‬
‫اغتسل ثمّ بلغ ‪ ،‬ل يلزمه إعادتهما ‪ ،‬لنّ الوضوء والغسل للنّافلة يرفعان الحدث من أصله ‪.‬‬
‫أمّا التّيمّم فهو مبيح وليس رافعا ‪ ،‬والمشهور من مذهب المالكيّة كذلك ‪ :‬أنّه مبيح ل رافع ‪ .‬أمّا‬
‫مذهب الحنفيّة ‪ ،‬وهو قول عند المالكيّة فهو أنّ التّيمّم رافع للحدث إلى وقت وجود الماء مع‬
‫القدرة على استعماله ‪ ،‬وهذا يقتضي أن ليس على الصّبيّ إذا تيمّم ‪ ،‬ثمّ بلغ إعادة التّيمّم ‪.‬‬

‫ثانيا ‪ -‬في باب الصّلة ‪:‬‬


‫‪ - 29‬تجب على الصّبيّ أو الصّبيّة الصّلة الّتي بلغ في وقتها إن لم يكن قد صلّاها إجماعا ‪،‬‬
‫حتّى المالكيّة ‪ -‬الّذين قالوا ‪ :‬يحرم تأخير الصّلة إلى الوقت الضّروريّ ‪ ،‬أي للعصر في‬
‫الجزء الخر من وقتها ‪ ،‬والصّبح كذلك ‪ -‬قالوا ‪ :‬لو بلغ في الوقت الضّروريّ فعليه أن‬
‫يصلّيها ‪ ،‬ول حرمة عليه ‪ - 30 .‬ولو أنّه صلّى صلة الوقت ‪ ،‬ثمّ بلغ قبل خروج وقتها ‪،‬‬
‫ن الصّلة الّتي صلّاها قبل البلوغ نفل في حقّه ‪ ،‬لعدم وجوبها عليه ‪،‬‬
‫لزمه إعادتها ‪ ،‬وذلك ل ّ‬
‫فلم تجزئه عن الواجب ‪ ،‬هذا مذهب الحنفيّة والمالكيّة والحنابلة ‪ .‬ونصّ المالكيّة أيضا على أنّه‬
‫لو صلّى الظّهر ‪ ،‬ثمّ بلغ قبل صلة الجمعة ‪ ،‬تجب عليه الجمعة مع النّاس ‪ .‬وكذا إن صلّى‬
‫الجمعة ‪ ،‬ثمّ بلغ ووجد جمعةً أخرى ‪ ،‬وجب عليه العادة معهم ‪ ،‬وإن فاتته الجمعة أعادها‬
‫ل ‪ ،‬فل يجزئ عن الفرض ‪ .‬أمّا مذهب‬
‫ن فعله الوّل ‪ -‬ولو جمع ًة ‪ -‬وقع نف ً‬
‫ظهرا ‪ ،‬ل ّ‬
‫الشّافعيّة ‪ ،‬فهو أنّه ل يلزم الصّبيّ العادة إذا بلغ في الوقت وقد صلّى ‪ ،‬قالوا ‪ :‬لنّه أدّى‬
‫وظيفة الوقت ‪ .‬ولو أنّه بلغ في أثناء الصّلة يلزمه إتمام الصّلة الّتي هو فيها ‪ ،‬ول يجب عليه‬
‫إعادتها ‪ ،‬بل تستحبّ ‪ - 31 .‬تجب عليه الصّلة الّتي بلغ في وقتها ‪ ،‬كما تقدّم ‪ ،‬ويجب عليه‬
‫مع ذلك أن يصلّي الصّلة الّتي تجمع إلى الحاضرة قبلها ‪ ،‬فلو بلغ قبل أن تغرب الشّمس‬
‫وجب عليه أن يصلّي الظّهر والعصر ‪ ،‬ولو بلغ قبل الفجر وجب عليه أن يصلّي المغرب‬
‫والعشاء ‪ .‬قال ابن قدامة ‪ :‬روي هذا القول عن عبد الرّحمن بن عوفٍ وابن عبّاسٍ وطاووسٍ‬
‫ومجاهدٍ والنّخعيّ والزّهريّ وربيعة ‪ ،‬وهو قول مالكٍ والشّافعيّ واللّيث وإسحاق وأبي ثورٍ‬
‫ل بإدراك ما يسع خمس ركعاتٍ أي‬
‫ن مالكا قال ‪ :‬ل تجب الولى إ ّ‬
‫وعامّة التّابعين ‪ ،‬إلّ أ ّ‬
‫الصّلة الولى منهما كاملةً وركعةً واحدةً على القلّ من الثّانية ‪ .‬وعند الحنابلة ‪ :‬لو أدرك ما‬
‫يسع تكبيرة إحرامٍ فقد لزمته الصّلتان ‪ .‬وعند الشّافعيّة ‪ :‬بإدراك ركعةٍ واحدةٍ ‪ .‬ووجه هذا‬
‫ن وقت الثّانية هو وقت للولى حال العذر ‪ ،‬أي لنّه يمكن في حال السّفر أو نحوه أن‬
‫القول ‪ :‬أ ّ‬
‫يؤخّر الظّهر إلى العصر ‪ ،‬والمغرب إلى العشاء ‪ ،‬فوقت العصر وقت للظّهر من وجهٍ ‪،‬‬
‫وكذلك المغرب والعشاء ‪ ،‬فكأنّه بإدراكه وقت الثّانية مدرك للولى أيضا ‪ .‬وخالف في هذه‬
‫المسألة الحنفيّة والثّوريّ والحسن البصريّ ‪ ،‬فرأوا أنّه يصلّي الصّلة الّتي بلغ في وقتها فقط ‪.‬‬

‫ثالثا ‪ -‬الصّوم ‪:‬‬


‫‪ - 32‬إن بيّت الصّبيّ الصّوم في رمضان ‪ ،‬ثمّ بلغ أثناء النّهار وهو صائم ‪ ،‬فإنّه يجب عليه‬
‫إتمام صومه بغير خلفٍ ‪ ،‬لنّه ‪ -‬كما قال الرّمليّ الشّافعيّ ‪ -‬صار من أهل الوجوب في أثناء‬
‫العبادة ‪ ،‬فأشبه ما لو دخل البالغ في صوم تط ّوعٍ ‪ ،‬ثمّ نذر إتمامه ‪ .‬فإن صام في تلك الحال‬
‫فل قضاء عليه إلّ في وجهٍ عند الحنابلة ‪ .‬أمّا إن بيّت الفطار ‪ ،‬ثمّ بلغ أثناء النّهار ‪ ،‬فقد‬
‫اختلف الفقهاء في ذلك في موضعين ‪ :‬في حكم المساك بقيّة النّهار ‪ ،‬وفي حكم قضاء ذلك‬
‫اليوم ‪ - 33 .‬فأمّا المساك فقد اختلفوا فيه ‪ :‬فذهب الحنفيّة والحنابلة ‪ -‬وهو قول لدى الشّافعيّة‬
‫‪ -‬إلى أنّه يجب عليه المساك بقيّة اليوم ‪ ،‬لدراكه وقت المساك ‪ ،‬وإن لم يدرك وقت الصّوم‬
‫‪ .‬واحتجّوا بما ورد في فرض عاشوراء ‪ -‬قبل أن ينسخ بفرض رمضان ‪ -‬فقد قال النّبيّ‬
‫صلى ال عليه وسلم ‪ { :‬من كان منكم أصبح مفطرا فليمسك بقيّة يومه ‪ ،‬ومن كان أصبح‬
‫صائما فليتمّ صومه } قالوا ‪ :‬والمر يقتضي الوجوب ‪ ،‬وذلك لحرمة الشّهر ‪ .‬وذهب الشّافعيّة‬
‫ح عندهم ‪ -‬إلى أنّ المساك في تلك الحال مستحبّ ‪ ،‬وليس واجبا ‪ .‬وإنّما استحبّوه‬
‫‪ -‬في الص ّ‬
‫لحرمة الوقت ‪ .‬ولم يجب المساك في تلك الحال ‪ ،‬لنّه أفطر بعذرٍ هو الصّغر ‪ ،‬فأشبه‬
‫ن المساك حينئذٍ ل يجب ول‬
‫المسافر إذا قدم ‪ ،‬والمريض إذا برأ ‪ .‬وذهب المالكيّة إلى أ ّ‬
‫ب ‪ ،‬ككلّ صاحب عذرٍ يباح لجله الفطر ‪ - 34 .‬وأمّا القضاء قد اختلفوا فيه كذلك ‪:‬‬
‫يستح ّ‬
‫ل ‪ -‬إلى أنّ القضاء واجب ‪ ،‬وفصّل الحنابلة بين من أصبح مفطرا ‪،‬‬
‫فذهب الشّافعيّة ‪ -‬في قو ٍ‬
‫ثمّ بلغ في أثناء النّهار ‪ ،‬فالقضاء واجب عليه ‪ ،‬لنّه أدرك جزءا من وقت الوجوب ‪ ،‬ول يمكن‬
‫ل بصو ٍم كاملٍ ‪ .‬وبين من بيّت الصّوم من اللّيل ‪ ،‬وأصبح صائما ثمّ بلغ ‪ ،‬فل قضاء‬
‫فعله إ ّ‬
‫عليه ‪ ،‬خلفا لبي الخطّاب منهم ‪ .‬وقال الحنفيّة والمالكيّة ‪ ،‬والشّافعيّة في الصحّ عندهم ‪ :‬ل‬
‫ل ‪ .‬وفرّقوا بين ذلك وبين الصّلة ‪ ،‬إذ يجب فعلها‬
‫يجب القضاء لعدم تمكّنه من زمنٍ يسع الك ّ‬
‫لمن بلغ في الوقت ‪ ،‬لنّ السّبب فيها الجزء المتّصل بأدائها ‪ ،‬فوجدت الهليّة عنده ‪ ،‬وأمّا‬
‫الصّوم فالسّبب فيه الجزء الوّل والهليّة منعدمة فيه ‪ ،‬وبهذا علّله الحنفيّة ‪ .‬هذا وقد ورد في‬
‫المغني أنّ الوزاعيّ كان يرى أنّ الصّبيّ إذا بلغ أثناء شهر رمضان ‪ ،‬يلزمه قضاء اليّام‬
‫الّتي سبقت بلوغه من الشّهر ‪ ،‬إن كان قد أفطرها ‪ ،‬وهو خلف ما عليه عامّة أهل العلم ‪.‬‬
‫رابعا ‪ :‬الزّكاة ‪:‬‬
‫‪ - 35‬اختلف في وجوب الزّكاة على من لم يبلغ ‪ .‬فذهب جمهور الفقهاء إلى وجوبها ‪ ،‬لتعلّق‬
‫الوجوب بالمال ‪ .‬وذهب الحنفيّة إلى أنّها ل تجب ‪ ،‬لنّها عبادة تلزم الشّخص المكلّف ‪،‬‬
‫والصّبيّ ليس من أهل التّكليف ‪ .‬فعلى هذا إذا بلغ الصّبيّ ‪ :‬فعند الحنفيّة يبدأ حول زكاته من‬
‫حين بلوغه ‪ ،‬إن كان يملك نصابا ‪ .‬أمّا عند غير الحنفيّة ‪ :‬فالحول الّذي بدأ قبل البلوغ ممتدّ‬
‫بعده ‪ .‬وعند غير الحنفيّة كذلك يلزم الصّبيّ إذا بلغ راشدا أداء الزّكاة ‪ ،‬لما مضى من‬
‫العوام ‪ ،‬منذ دخل المال في ملكه ‪ ،‬إن لم يكن وليّه يخرج عنه الزّكاة ‪ .‬أمّا إن بلغ سفيها ‪،‬‬
‫فاستم ّر الحجر عليه ‪ ،‬فإنّه عند الحنفيّة يؤدّيها بنفسه لشتراط ال ّنيّة ‪ ،‬ول يقوم عنه وليّه في‬
‫ذلك ‪ .‬قالوا ‪ :‬غير أنّه يدفع القاضي إليه قدر الزّكاة ليفرّقها ‪ ،‬لكن يبعث معه أمينا ‪ ،‬كي ل‬
‫يصرفها في غير وجهها ‪ ،‬بخلف النّفقات الواجبة على السّفيه لقاربه مثلً ‪ ،‬فإنّ وليّه يتولّى‬
‫دفعها لعدم اشتراط ال ّنيّة فيها ‪ .‬أمّا عند الشّافعيّة ‪ ،‬قد قال الرّمليّ ‪ :‬ل يفرّق السّفيه الزّكاة‬
‫ح صرفه ‪ ،‬كما يجوز للجنبيّ توكيله‬
‫بنفسه ‪ ،‬لكن إن أذن له الوليّ ‪ ،‬وعيّن المدفوع له ‪ ،‬ص ّ‬
‫فيه ‪ .‬وينبغي أن يكون تفريقه الزّكاة بحضرة الوليّ أو نائبه ‪ ،‬لحتمال تلف المال لو خل به‬
‫السّفيه ‪ ،‬أو دعواه صرفها كاذبا ‪ .‬ولم يتعرّض لكون الوليّ يخرجها أو يؤخّرها إلى الرّشد ‪.‬‬
‫ولم يتعرّض المالكيّة والحنابلة لهذه المسألة فيما رأيناه من كلمهم ‪.‬‬

‫خامسا ‪ :‬الحجّ ‪:‬‬


‫‪ - 36‬إذا حجّ الصّغير ثمّ بلغ فعليه حجّة أخرى ‪ ،‬هي حجّة السلم بالنّسبة إليه ‪ ،‬ول تجزئه‬
‫الحجّة الّتي حجّها قبل البلوغ ‪ .‬نقل الجماع على ذلك التّرمذيّ وابن المنذر ‪ ،‬لقول النّبيّ صلى‬
‫ال عليه وسلم ‪ { :‬إنّي أريد أن أجدّد في صدور المؤمنين عهدا ‪ :‬أيّما مملوكٍ حجّ به أهله‬
‫فمات قبل أن يعتق فقد قضى حجّه ‪ ،‬وإن عتق قبل أن يموت فليحجّ ‪ ،‬وأيّما غلمٍ حجّ به أهله‬
‫قبل أن يدرك ‪ ،‬فقد قضى حجّته ‪ ،‬وإن بلغ فليحجج } ‪ ،‬ولنّها عبادة بدنيّة فعلها قبل وقت‬
‫الوجوب ‪ ،‬فلم يمنع ذلك وجوبها عليه في وقتها ‪ .‬قال الرّمليّ ‪ :‬والمعنى فيه ‪ :‬أنّ الحجّ وظيفة‬
‫العمر ‪ ،‬ل تكرار فيه ‪ ،‬فاعتبر وقوعه في حالة الكمال ‪ - 37 .‬إذا بلغ المراهق ( أو‬
‫المراهقة ) وهو محرم بعد أن تجاوز الميقات ‪ ،‬فإن كان بلوغه وهو واقف بعرفة ‪ ،‬أو قبل‬
‫الوقوف ‪ ،‬أو كان بلوغه بعد الوقوف ‪ ،‬ولكن رجع فوقف بعرفاتٍ قبل الفجر من ليلة يوم‬
‫النّحر ‪ ،‬وأتمّ المناسك كلّها ‪ ،‬فهل تجزئه ذلك عن حجّة السلم ؟ مذهب الشّافعيّ وأحمد ‪ :‬أنّ‬
‫ذلك يجزئه عن حجّة السلم ‪ ،‬ول دم عليه ‪ ،‬ول يجدّد لحجّته تلك إحراما ‪ ،‬لما ورد عن ابن‬
‫عبّاسٍ أنّه قال ‪ :‬إذا عتق العبد بعرفة أجزأت عنه حجّته ‪ ،‬فإن عتق بجمعٍ ‪ -‬يعني المزدلفة ‪-‬‬
‫ن ذلك يجزئه عن‬
‫لم تجزئ عنه وقياسا على ما لو أحرم غيره من البالغين الحرار بعرفة ‪ ،‬فإ ّ‬
‫ن ذلك يجزئه بشرط أن‬
‫حجّة السلم إذا أت ّم مناسكه ‪ ،‬فكذلك من بلغ بعرفة ‪ .‬ومذهب الحنفيّة أ ّ‬
‫ن إحرامه انعقد نفلً ‪،‬‬
‫يجدّد إحراما بعد بلوغه قبل الوقوف ‪ ،‬فإن لم يجدّد إحراما لم يجزئه ‪ ،‬ل ّ‬
‫ج إلّ أنّه شبيه بالرّكن ‪ ،‬فاعتبرنا شبه‬
‫فل ينقلب فرضا ‪ .‬قالوا ‪ :‬والحرام وإن كان شرطا للح ّ‬
‫الرّكن احتياطا للعبادة ‪ .‬وفي روايةٍ عن الشّافعيّ ‪ -‬كما في مختصر المزنيّ ‪ -‬أنّ عليه في‬
‫ن ذلك ل يجزئه عن حجّة‬
‫ذلك دما ‪ ،‬أي لنّه كمن جاوز الميقات غير محرم ‪ .‬ومذهب مالكٍ أ ّ‬
‫السلم أصلً ‪ .‬وليس له أن يجدّد إحرامه بعد بلوغه ‪ .‬ولكن عليه أن يمضي على إحرامه‬
‫الّذي احتلم فيه ‪ ،‬ول يجزئه من حجّة السلم ‪ - 38 .‬إذا تجاوز الصّبيّ الميقات غير محرمٍ ‪،‬‬
‫ثمّ بلغ ‪ ،‬فأحرم من مكان دون الرّجوع إلى الميقات ‪ :‬يرى الحنفيّة والمالكيّة ‪ ،‬وهو رواية عند‬
‫الحنابلة أنّه يجزئه ذلك ‪ ،‬وليس عليه دم ‪ ،‬لنّه كالم ّكيّ ومن كان منزله دون الميقات ‪ .‬ويرى‬
‫الشّافعيّ ‪ ،‬وهو الرّواية الخرى عن أحمد ‪ :‬أنّ عليه إن لم يرجع إلى الميقات دما ‪ ،‬لنّه‬
‫تجاوز الميقات دون إحرامٍ ‪.‬‬

‫سادسا ‪ :‬خيار البلوغ ‪ :‬تخيير الزّوج والزّوجة في الصّغر ‪:‬‬


‫ن الصّغير أو الصّغيرة ‪ -‬ولو ثيّبا ‪ -‬إن زوّجهما غير الب‬
‫‪ - 39‬يرى أكثر الحنفيّة ‪ :‬أ ّ‬
‫ح النّكاح ‪ ،‬ولكن لهما خيار الفسخ بالبلوغ‬
‫والجدّ ‪ ،‬كالخ أو العمّ ‪ ،‬من كف ٍء وبمهر المثل ‪ ،‬ص ّ‬
‫‪ ،‬إذا علما بعقد النّكاح قبل البلوغ أو عنده ‪ ،‬أو علما بالنّكاح بعد البلوغ ‪ ،‬بأن بلغا ولم يعلما به‬
‫ثمّ علما بعده ‪ ،‬فإن اختار الفسخ ل يتمّ الفسخ إلّ بالقضاء ‪ ،‬لنّ في أصله ضعفا ‪ ،‬فيتوقّف‬
‫على الرّجوع إلى القضاء ‪ .‬وقال أبو يوسف ‪ :‬ل خيار لهما ‪ ،‬اعتبارا بما لو زوّجهما الب‬
‫والجدّ ‪ ،‬ويبطل خيار البكر بالسّكوت لو مختارةً عالم ًة بأصل النّكاح ‪ ،‬ول يمتدّ إلى آخر‬
‫مجلس بلوغها أو علمها بالنّكاح ‪ .‬أي إذا بلغت وهي عالمة بالنّكاح ‪ ،‬أو علمت به بعد‬
‫ل ‪ -‬بطل خيارها ‪،‬‬
‫بلوغها ‪ ،‬فل بدّ من الفسخ في حال البلوغ أو العلم ‪ ،‬فلو سكتت ‪ -‬ولو قلي ً‬
‫ولو قبل تبدّل المجلس ‪ .‬وكذا ل يمتدّ إلى آخر مجلس بلوغها أو علمها بالنّكاح ‪ ،‬بأن جهلت‬
‫ن لها‬
‫بأنّ لها خيار البلوغ ‪ ،‬أو بأنّه ل يمتدّ إلى آخر مجلس بلوغها ‪ ،‬فل تعذر بدعوى جهلها أ ّ‬
‫الخيار ‪ ،‬لنّ الدّار دار إسلمٍ ‪ ،‬فل تعذر بالجهل ‪ ،‬وهذا عند أبي حنيفة وأبي يوسف ‪ .‬وقال‬
‫ن لها خيارا ‪ ،‬وخيار الصّغير إذا بلغ وال ّثيّب ‪ -‬سواء‬
‫محمّد ‪ :‬إنّ خيارها يمتدّ إلى أن تعلم أ ّ‬
‫أكانت ثيّبا في الصل ‪ ،‬أو كانت بكرا ‪ ،‬ثمّ دخل بها ‪ ،‬ثمّ بلغت ‪ -‬ل يبطل بالسّكوت بل‬
‫س ودفع مهرٍ ‪ ،‬ول يبطل بقيامها عن‬
‫صريح الرّضا ‪ ،‬أو دلل ٍة على الرّضا ‪ ،‬كقبلةٍ ولم ٍ‬
‫ن وقته العمر ‪ ،‬فيبقى الخيار حتّى يوجد الرّضا ‪ .‬وإذا زوّج القاضي صغيرةً من‬
‫المجلس ‪ ،‬ل ّ‬
‫كفءٍ ‪ ،‬وكان أبوها أو جدّها فاسقا ‪ ،‬فلها الخيار في أظهر الرّوايتين عند أبي حنيفة ‪ ،‬وهو‬
‫قول مح ّمدٍ ‪ - 40 .‬وعند المالكيّة ‪ :‬إذا عقد للصّغير وليّه ‪ -‬أبا كان أو غيره ‪ -‬على شروطٍ‬
‫شرطت حين العقد ‪ ،‬وكانت تلزم إن وقعت من مكّلفٍ ‪ -‬كأن اشترط لها في العقد أنّه إن‬
‫تزوّج عليها فهي ‪ ،‬أو الّتي تزوّجها طالق ‪ -‬أو زوّج الصّغير نفسه بالشّروط وأجازها وليّه ‪،‬‬
‫ثمّ بلغ وكره بعد بلوغه تلك الشّروط ‪ -‬والحال أنّه لم يدخل بها ‪ ،‬ل قبل البلوغ ول بعده ‪-‬‬
‫عالما بها ‪ ،‬فهو مخيّر بين التزامها وثبوت النّكاح ‪ ،‬وبين عدم التزامها وفسخ النّكاح بطلقٍ ‪،‬‬
‫ل ذلك ما لم ترض المرأة بإسقاط الشّروط ‪ .‬والصّغيرة في هذا حكمها حكم الصّغير ‪.‬‬
‫ومح ّ‬
‫والتّفصيل في باب ( الولية ) من كتب الفقه ‪ .‬وإن زوّج الصّغير نفسه بغير إذن وليّه ‪ ،‬فلوليّه‬
‫فسخ عقده بطلقٍ ‪ ،‬لنّه نكاح صحيح ‪ ،‬غاية المر أنّه غير لزمٍ ‪ .‬وقال ابن الموّاز من‬
‫ن المصلحة في ردّه ‪ -‬حتّى كبر وخرج‬
‫المالكيّة ‪ :‬إذا لم يرد الوليّ نكاح الصّبيّ ‪ -‬والحال أ ّ‬
‫ن للصّغير حقّ‬
‫من الولية جاز النّكاح ‪ ،‬وينبغي أن ينتقل النّظر إليه فيمضي أو يردّ ‪ ،‬ومفاده أ ّ‬
‫ل عندهم ‪:‬‬
‫الختيار بعد بلوغه ‪ .‬والتّفصيل في باب ( الولية ) ‪ - 41 .‬ويرى الشّافعيّة في قو ٍ‬
‫ن الصّغير إذا زوّجه أبوه امرأةً معيب ًة بعيبٍ صحّ النّكاح ‪ ،‬وثبت له الخيار ‪ -‬إذا بلغ ‪ -‬ول‬
‫أّ‬
‫يصحّ على المذهب لنّه خلف الغبطة ‪ .‬والصّغير إن زوّجه أبوه من ل تكافئه ‪ ،‬ففي الصحّ‬
‫ن الرّجل ل يتعيّر باستفراش من ل تكافئه ‪ ،‬ولكن له‬
‫ن نكاحه على هذا الوجه جائز ‪ ،‬ل ّ‬
‫أّ‬
‫الخيار ‪ .‬وهناك قول بعدم صحّة العقد ‪ ،‬لنّ الولية ولية مصلحةٍ ‪ ،‬وليست المصلحة في‬
‫تزويجه ممّن ل تكافئه ‪ .‬وإن زوّج الب أو الجدّ الصّغيرة من غير كف ٍء يثبت لها الخيار إذا‬
‫بلغت ‪ ،‬لوقوع النّكاح على الوجه المذكور صحيحا على خلف الظهر ‪ ،‬والنّقص لعدم‬
‫الكفاءة يقتضي الخيار ‪ .‬وعلى الظهر ‪ :‬التّزويج باطل ‪ - 42 .‬وعند الحنابلة ل يجوز لغير‬
‫الب تزويج الصّغيرة ‪ ،‬فإن زوّجها الب فل خيار لها ‪ ،‬وإن زوّجها غير الب فالنّكاح باطل‬
‫‪ .‬وفي رواي ٍة ‪ :‬يصحّ تزويج غير الب ‪ ،‬وتخيّر إذا بلغت ‪ ،‬كمذهب أبي حنيفة ‪ .‬وقيل ‪ :‬تخيّر‬
‫إذا بلغت تسعا ‪ .‬فإن طلقت قبله وقع الطّلق وبطل خيارها ‪ .‬وكذا يبطل خيارها إن وطئها بعد‬
‫ب يردّ به في النّكاح ‪،‬‬
‫أن تمّ لها تسع سنين ولم تخيّر ‪ .‬وليس لوليّ صغيرٍ تزويجه بمعيب ٍة بعي ٍ‬
‫ب يردّ به في النّكاح ‪ ،‬لوجوب نظره لهما بما فيه‬
‫ي الصّغيرة تزويجها بمعيبٍ بعي ٍ‬
‫وكذا ليس لول ّ‬
‫الحظّ والمصلحة ‪ ،‬ول حظّ لهما في هذا العقد ‪ ،‬فإن فعل وليّ غير المكلّف والمكلّفة بأن زوّجه‬
‫ح النّكاح ‪ ،‬لنّه عقد لهما عقدا ل يجوز ‪ ،‬وإن لم يعلم‬
‫بمعيبٍ ير ّد به ‪ -‬عالما بالعيب ‪ -‬لم يص ّ‬
‫الوليّ أنّه معيب صحّ العقد ‪ ،‬ووجب عليه الفسخ إذا علم ‪ .‬وهذا خلفا لما ورد في المنتهى‬
‫فيما يوهم إباحة الفسخ ‪ ،‬ومن الحنابلة من قال ‪ :‬ل يفسخ ‪ ،‬وينتظر البلوغ لختيارهما ‪.‬‬
‫وتفصيل ما ذكر يرجع إليه في باب ( النّكاح ‪ ،‬والولية ) ‪.‬‬

‫سابعا ‪ -‬انتهاء الولية على النّفس بالبلوغ ‪:‬‬


‫‪ - 43‬عند الحنفيّة ‪ :‬تنتهي الولية على النّفس بالنّسبة لولية النكاح في الحرّة بالتّكليف‬
‫( البلوغ والعقل ) فيصحّ نكاح حرّةٍ مكلّفةٍ بل رضى وليّ ‪ ،‬وتترتّب الحكام من طلقٍ‬
‫وتوارثٍ وغيرهما ‪ .‬وتنتهي الحضانة للجارية البكر ببلوغها بما تبلغ به النّساء من الحيض‬
‫ونحوه ‪ ،‬ويضمّها الب إلى نفسه وإن لم يخف عليها الفساد ‪ ،‬لو كانت حديثة السّنّ ‪ ،‬والخ‬
‫والعمّ كذلك عند فقد الب ما لم يخف عليها منهما ‪ ،‬فينظر القاضي امرأةً ثقةً فتسلّم إليها ‪،‬‬
‫وتنتهي ولية الب على النثى إذا كانت مسنّ ًة ‪ ،‬واجتمع لها رأي ‪ ،‬فتسكن حيث أحبّت حيث‬
‫ضمّ ‪،‬‬
‫ل إذا لم تكن مأمون ًة على نفسها ‪ ،‬فللب والجدّ ال ّ‬
‫ل خوف عليها ‪ ،‬وإن ثيّبا ل يضمّها إ ّ‬
‫ل لغيرهما كما في البتداء ‪ .‬وتنتهي ولية الب على الغلم إذا بلغ وعقل واستغنى برأيه ‪ ،‬إلّ‬
‫إذا لم يكن مأمونا على نفسه ‪ ،‬بأن يكون مفسدا مخوفا عليه ‪ ،‬فللب ولية ضمّه إليه لدفع‬
‫فتن ٍة أو عارٍ ‪ ،‬وتأديبه إذا وقع منه شيء ‪ ،‬والجدّ بمنزلة الب فيما ذكر من أحكام البكر وال ّثيّب‬
‫والغلم ‪ .‬وعند المالكيّة ‪ :‬تنتهي الولية على النّفس بالنّسبة للصّغير ببلوغه الطّبيعيّ ‪ ،‬وهو‬
‫بلوغ النّكاح ‪ ،‬فيذهب حيث شاء ‪ ،‬ولكن إذا كان يخشى عليه الفساد لجماله مثلً ‪ ،‬أو كما إذا‬
‫كان يصطحب الشرار وتعوّد معهم أخلقا فاسدةً ‪ ،‬يبقى حتّى تستقيم أخلقه ‪ .‬وإذا بلغ الذّكر‬
‫رشيدا ذهب حيث يشاء ‪ ،‬لنقطاع الحجر عنه بالنّسبة لذاته ‪ ،‬وإذا بلغ الذّكر ‪ -‬ولو زمنا أو‬
‫مجنونا ‪ -‬سقطت عنه حضانة المّ على المشهور ‪ .‬وبالنّسبة للنثى ‪ ،‬فتستمرّ الحضانة عليها‬
‫والولية على النّفس حتّى تتزوّج ‪ ،‬ويدخل بها الزّوج ‪ .‬وعند الشّافعيّة ‪ :‬تنتهي الولية على‬
‫الصّغير ‪ -‬ذكرا كان أو أنثى ‪ -‬بمجرّد بلوغه ‪ .‬وعند الحنابلة ‪ :‬ل تثبت الحضانة إلّ على‬
‫الطّفل أو المعتوه ‪ ،‬فأمّا البالغ الرّشيد فل حضانة عليه ‪ ،‬فإن كان رجلً فله النفراد بنفسه‬
‫لستغنائه عن أبويه ‪ ،‬وإن كانت أنثى لم يكن لها النفراد ‪ ،‬ولبيها منعها منه ‪ ،‬لنّه ل يؤمن‬
‫أن يدخل عليها من يفسدها ‪ ،‬ويلحق العار بها وبأهلها ‪ ،‬وإن لم يكن لها أب فلوليّها وأهلها‬
‫منعها من ذلك ‪.‬‬

‫ثامنا ‪ :‬الولية على المال ‪:‬‬


‫‪ - 44‬تنقضي الولية على المال أيضا ببلوغ الصّغير عاقلً ‪ ،‬ذكرا كان أو أنثى ‪ ،‬وينفكّ‬
‫الحجر عنه ‪ ،‬ولكن يشترط لذلك باتّفاق الفقهاء أن يكون رشيدا ‪ ،‬لقوله تعالى ‪ { :‬وابتلوا‬
‫اليتامى حتّى إذا بلغوا النّكاح فإن آنستم منهم رشدا فادفعوا إليهم أموالهم } وفي المسألة خلف‬
‫وتفصيل يرجع لمعرفته إلى أبواب الحجر ‪.‬‬

‫بناء‬
‫التّعريف‬
‫‪ - 1‬البناء لغةً ‪ :‬وضع شيءٍ على شيءٍ على وجهٍ يراد به الثّبوت ‪ .‬ويطلق على بناء الدّور‬
‫ونحوها ‪ ،‬وضدّه الهدم والنّقض ‪ ،‬ويطلق البناء أيضا على الدّخول بالزّوجة يقال ‪ :‬بنى على‬
‫أهله ‪ ،‬وبنى بأهله ‪ .‬والوّل أفصح ‪ ،‬ويكنّى بهذا عن الجماع بعد عقد النّكاح ‪ .‬وأصله ‪ :‬أنّ‬
‫الرّجل كان إذا تزوّج بنى للعرس خبا ًء جديدا ‪ ،‬وعمّره بما يحتاج إليه ‪ .‬ويطلقه الفقهاء ‪ :‬على‬
‫الدّور ونحوها ‪ ،‬وعلى إتمام العبادة بال ّنيّة الولى إذا طرأ فيها خلل ل يوجب التّجديد ‪ .‬ومن‬
‫أمثلة ذلك ‪ :‬إذا سلّم المسبوق بسلم المام سهوا ‪ ،‬بنى على صلته وسجد للسّهو ‪ .‬وإذا رعف‬
‫المصلّي في الصّلة ‪ ،‬ولم يصب الدّم ثوبه أو بدنه ‪ ،‬بنى على صلته ‪ .‬إذا تكلّم المؤذّن أثناء‬
‫الذان عمدا أو سهوا بنى ‪ ،‬ولم يستأنف ‪ .‬وإذا خرج المجمعون أثناء الخطبة من المسجد ثمّ‬
‫رجعوا قبل طول الفصل ‪ ،‬بنى الخطيب على ما مضى من خطبته في وجودهم ‪ ،‬ولم يستأنف‬
‫‪ .‬كما يطلق البناء على التّفريع على القاعدة الفقهيّة ‪ ،‬أي التّخريج عليها ‪.‬‬
‫( اللفاظ ذات الصّلة ) ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬التّرميم ‪:‬‬
‫‪ - 2‬التّرميم ‪ :‬هو إصلح البناء ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬العمارة ‪:‬‬
‫‪ - 3‬العمارة ‪ :‬ما يعمّر به المكان ‪ ،‬ويطلق على بناء الدّار ‪ ،‬وضدّ العمارة الخراب ‪ ،‬ويطلق‬
‫الخراب على المكان الّذي خل بعد عمارته ‪.‬‬
‫ج ‪ -‬الصل ‪:‬‬
‫‪ - 4‬الصل لغةً ‪ :‬أسفل الشّيء ‪ .‬ويطلق اصطلحا على ‪ :‬ما يبنى عليه غيره ‪ ،‬ويقابله‬
‫الفرع ‪ ،‬وعلى الرّاجح ‪ ،‬وعلى الدّليل ‪ ،‬وعلى القاعدة الّتي تجمع جزئيّاتٍ ‪ ،‬وعلى المتفرّع‬
‫منه كالب يتفرّع منه أولده ‪.‬‬
‫د ‪ -‬العقار ‪:‬‬
‫ت له أصل في الرض ( الحكم الجماليّ‬
‫‪ - 5‬العقار هو ‪ :‬ما يقابل المنقول ‪ ،‬وهو كلّ ملكٍ ثاب ٍ‬
‫) ‪ :‬أ ّولً ‪ -‬البناء ( بمعنى إقامة المباني ) ‪ - 6‬الصل في البناء الباحة ‪ ،‬وإن زاد على سبعة‬
‫أذرعٍ ‪ ،‬أمّا النّهي الوارد عنه في الحديث وهو { إذا أراد اللّه بعبدٍ شرّا أخضر له اللّبن والطّين‬
‫ن ذلك يحمل على ما كان للتّفاخر ‪ ،‬أو زاد عن الحاجة ‪.‬‬
‫‪ ،‬حتّى يبني } ‪ .‬فقد بيّن المناويّ أ ّ‬
‫وتعتريه باقي الحكام الخمسة ‪ :‬فيكون واجبا ‪ :‬كبناء دار المحجور عليه إذا كان في البناء‬
‫غبطة ( مصلحة ظاهرة تنتهز قد ل تعوّض ) ‪ .‬وحراما ‪ :‬كالبناء في الماكن ذات المنافع‬
‫المشتركة ‪ ،‬كالشّارع العامّ ‪ ،‬وبناء دور اللّهو ‪ ،‬والبناء بقصد الضرار ‪ ،‬كسدّ الهواء عن‬
‫ل ما فيه مصلحة عامّة‬
‫الجار ‪ .‬ومندوبا ‪ :‬كبناء المساجد والمدارس ‪ ،‬والمستشفيات ‪ ،‬وك ّ‬
‫ل صار واجبا ‪ ،‬لنّ ما ل يتمّ الواجب إلّ به‬
‫للمسلمين حيث ل يتعيّن ذلك لتمام الواجبات ‪ ،‬وإ ّ‬
‫فهو واجب ‪ .‬ومكروها ‪ :‬كالتّطاول في البنيان لغير حاجةٍ ‪.‬‬

‫الوليمة للبناء ‪:‬‬


‫‪ - 7‬هي مستحبّة ‪ ،‬كبقيّة الولئم الّتي تقام لحدوث سرورٍ أو اندفاع شرّ ‪ ،‬وتسمّى الوليمة للبناء‬
‫( وكيرة ) ول تتأكّد تأكّد وليمة النّكاح ‪ .‬وقد ذكر بعض الشّافعيّة قولً بوجوبها ‪ ،‬لنّ الشّافعيّ‬
‫قال ‪ :‬بعد ذكر الولئم ‪ -‬ومنها الوكيرة ‪ : -‬ول أرخّص في تركها ‪ .‬وذهب بعض المالكيّة‬
‫إلى أنّها مكروهة ‪ ،‬وعن بعضهم أنّها مباحة ‪ .‬وينظر التّفصيل في مصطلح ( وليمة ) ‪.‬‬

‫من أحكام البناء ‪:‬‬


‫ن البناء من المنقولت ‪ .‬وعند بقيّة‬
‫أ ‪ -‬هل البناء من المنقولت ؟ ‪ - 8‬صرّح الحنفيّة بأ ّ‬
‫المذاهب هو من غير المنقول وللتّفصيل ينظر مصطلح ( عقار ) ‪.‬‬

‫ب ‪ -‬قبض البناء ‪:‬‬


‫‪ - 9‬يكون قبض البناء في البيع بتخليته للمشتري ‪ ،‬وتمكين المشتري من التّصرّف فيه ‪ ،‬كما‬
‫صرّح به الحنفيّة والشّافعيّة وقالوا ‪ :‬من تمكينه من التّصرّف تسليمه المفتاح إليه ‪ ،‬بشرط فراغ‬
‫ي أو حسّيّ ‪ .‬قالوا ‪ :‬لنّ الشّارع أطلق القبض‬
‫البناء من أمتعة البائع ‪ ،‬وأن ل يكون مانع شرع ّ‬
‫وأناط به أحكاما ولم يبيّنه ‪ ،‬وليس له حدّ في اللّغة ‪ ،‬فيجب الرّجوع إلى العرف ‪ ،‬وهو يقتضي‬
‫ما ذكرناه ‪ .‬وللتّفصيل ينظر مصطلح ( قبض ) ‪.‬‬

‫ج ‪ -‬جريان الشّفعة في البناء المبيع ‪:‬‬


‫‪ - 10‬تجري الشّفعة في البناء إذا بيع مع الرض تبعا لها ‪ ،‬ول تثبت فيه إذا بيع منفردا ‪،‬‬
‫وعلى هذا جمهور الفقهاء ‪ .‬وعند المام مالكٍ وعطاءٍ وهو رواية عن أحمد ‪ :‬تثبت فيه الشّفعة‬
‫‪ ،‬وإن بيع منفردا ‪ .‬وانظر مصطلح ( شفعة ) ‪.‬‬

‫د ‪ -‬البناء في الراضي المباحة ‪:‬‬


‫‪ - 11‬يرى جمهور الفقهاء جواز البناء في الرض المباحة ‪ ،‬ولو بدون إذن المام اكتفا ًء بإذن‬
‫الشّارع ‪ ،‬ولنّه مباح ‪ ،‬كالحتطاب والصطياد ‪ .‬ولكن يستحبّ الستئذان من المام خروجا‬
‫من خلف من أوجبه ‪ .‬وإلى هذا ذهب الشّافعيّة ‪ ،‬والمالكيّة ‪ ،‬والحنابلة ‪ ،‬وأبو يوسف ومحمّد‬
‫ل ما‬
‫ل بإذن المام ‪ ،‬واستدلّ بحديث ‪ { :‬ليس للمرء إ ّ‬
‫من الحنفيّة ‪ .‬وقال أبو حنيفة ‪ :‬ل يجوز إ ّ‬
‫طابت به نفس إمامه } وانظر مصطلح ( إحياء الموات ) ‪.‬‬
‫هـ ‪ -‬تحجير الرض للبناء ‪:‬‬
‫‪ - 12‬إذا احتجر أرضا للبناء ‪ ،‬ولم يبن م ّدةً يمكن البناء فيها ‪ ،‬ول أحياها بغير ذلك ‪ ،‬بطل‬
‫ل بقدر أسبابها ‪ .‬ومن الفقهاء‬
‫حقّه فيها ‪ ،‬لنّ التّحجّر ذريعة إلى العمارة ‪ ،‬وهي ل تؤخّر عنه إ ّ‬
‫من يرى أنّه يرفع إلى السّلطان ‪ ،‬ول يبطل حقّه بطول المدّة ‪ .‬وقد قدّر البعض المدّة بثلث‬
‫جرٍ بعد ثلث سنواتٍ حقّ هذا ما صرّح به‬
‫سنواتٍ ‪ ،‬لقول عمر رضي ال عنه ليس لمتح ّ‬
‫الشّافعيّة ‪ ،‬وفي المذاهب الخرى خلف وتفصيل يرجع إليه في مصطلح ( إحياء الموات ) ‪.‬‬

‫و ‪ -‬البناء في الراضي المغصوبة ‪:‬‬


‫ض مغصوبةٍ ‪ ،‬فطلب صاحب الرض قلع بنائه قلع ‪ ،‬قال ابن قدامة ‪ :‬ل‬
‫‪ - 13‬إذا بنى في أر ٍ‬
‫نعلم في ذلك خلفا بين الفقهاء لحديث ‪ { :‬ليس لعرقٍ ظالمٍ حقّ } ولنّه شغل ملك غيره بملكه‬
‫الّذي ل حرمة له في نفسه بغير إذنه ‪ ،‬فلزمه تفريغه ‪ ،‬وإن أراد صاحب الرض أخذ البناء‬
‫بغير عوضٍ لم يكن له ذلك ‪ .‬وللحنفيّة تفصيل فيما إذا كان البناء أو الغرس بزعم سببٍ‬
‫ي يعذر به الباني ‪ ،‬فينظر ‪ :‬إن كانت قيمة الرض أكثر من قيمة البناء كلّف الغاصب‬
‫شرع ّ‬
‫القلع ‪ .‬وإن كانت أقلّ منه فل يؤمر بالقلع ‪ ،‬ويغرم صاحب البناء لصاحب الرض قيمة‬
‫الرض ‪ ،‬أمّا إذا كان البناء ظلما ‪ ،‬فالخيار لصاحب الرض بين المر بالقلع أو تملّك البناء‬
‫مستحقّ القلع ‪ .‬أمّا ضمان منفعة الرض في مدّة الغصب وآراء الفقهاء فيه فيرجع إليه في‬
‫مصطلح ( غصب ) ‪.‬‬

‫ز ‪ -‬البناء في الرض المستأجرة ‪:‬‬


‫‪ - 14‬إذا بنى المستأجر في الرض المستأجرة ‪ ،‬فإن انقضت مدّة الجارة لزم المستأجر قلعها‬
‫‪ ،‬وتسليم الرض فارغةً للمؤجر ‪ ،‬لنّ البناء ل نهاية له ‪ ،‬وفي إبقائه إضرار بصاحب‬
‫الرض ‪ ،‬إلّ أن يختار صاحب الرض أن يغرم للمستأجر قيمة البناء مقلوعا ويتملّكه ‪ ،‬فله‬
‫ذلك برضا صاحب البناء إن لم تنقص الرض بالقلع ‪ ،‬فيتملّكها حينئذٍ بغير رضاه ‪ .‬ول فرق‬
‫عند الحنفيّة بين الجارة المطلقة والجارة المشروط فيها القلع ‪ .‬أمّا عند المالكيّة فإن استأجر‬
‫أرضا لمدّةٍ طويل ٍة كتسعين سنةً ‪ -‬على مذهب من يرى ذلك منهم ‪ -‬ليبني فيها ‪ ،‬وفعل ثمّ‬
‫مضت المدّة ‪ ،‬وأراد المؤجّر إخراج المستأجر ويدفع له قيمة بنائه منقوضا ‪ ،‬فإنّه ل يجاب‬
‫لذلك ‪ ،‬ويجب عليه بقاء البناء في أرضه ‪ ،‬وله كراء المثل في المستقبل ‪ ،‬وسواء كانت تلك‬
‫ن شرط القلع بعد‬
‫الرض المؤجّرة ملكا أو وقفا على جه ٍة ‪ .‬أمّا عند الشّافعيّة والحنابلة فإ ّ‬
‫انتهاء مدّة الجارة لزم المستأجر القلع وفاءً بشرطه ‪ ،‬وليس على مالك الرض أرش نقص‬
‫البناء بالقلع ‪ ،‬ول على المستأجر تسوية الرض وإصلحها لتراضيهما بالقلع ‪ ،‬وإن أطلقا‬
‫فللمكتري قلعه ‪ ،‬لنّه ملكه فله أخذه ‪ ،‬وعليه تسوية الرض إن قلعه لنّه ضرر أدخله في ملك‬
‫ل أن يضمن له المالك أرش النّقص بالقلع‬
‫غيره بغير إذنه ‪ ،‬وإن أبى القلع لم يجبر عليه ‪ ،‬إ ّ‬
‫فيجبر عليه ‪ .‬أمّا المالك فله الخيار بين ثلثة أشياء ‪ :‬أن يدفع للمستأجر قيمة البناء فيتملّكه ‪،‬‬
‫أو يقلع البناء ويضمن أرش النّقص ‪ ،‬أو يقرّ البناء فيأخذ من المستأجر أجرة المثل ‪ .‬والتّفصيل‬
‫في ( الجارة ) ‪.‬‬

‫ح ‪ -‬البناء في الرض المستعارة ‪:‬‬


‫‪ - 15‬إذا استعار أرضا للبناء لم يكن له أن يبني بعد انتهاء مدّة العاريّة أو الرّجوع عن‬
‫العاريّة ‪ ،‬فإن فعل ذلك قلع بناؤه ‪ ،‬وحكمه حكم الغاصب ‪ ،‬وعليه تسوية الرض وضمان‬
‫نقص الرض ‪ ،‬لنّه عدوان ‪ .‬أمّا إذا بنى قبل الرّجوع ‪ ،‬فإن شرط عليه ‪ :‬القلع مجّانا عند‬
‫الرّجوع لزمه القلع عملً بالشّرط ‪ .‬وإن لم يشترط القلع فل يقلع مجّانا ‪ ،‬سواء كانت العاريّة‬
‫ن البناء مال محترم فل يقلع مجّانا ‪ ،‬فيخيّر المعير بين المور‬
‫مطلقةً أو مقيّدةً بوقتٍ ‪ ،‬ل ّ‬
‫الثّلثة الّتي مرّت في الجارة المطلقة ‪ ،‬وهذا في الجملة عند غير الحنفيّة ‪ .‬وفرّق الحنفيّة بين‬
‫المطلقة والمؤقّتة ‪ ،‬فإن كانت العاريّة مؤقّتةً فرجع قبل الوقت ضمن المعير ما نقص في قيمة‬
‫البناء بالقلع ‪ ،‬لنّ المستعير مغرور من قبل المعير ‪ ،‬أمّا المطلقة فل ضمان على المعير ‪،‬‬
‫ن أنّه يتركه مدّةً طويلةً ‪.‬‬
‫ن المستعير مغترّ غير مغرورٍ ‪ ،‬حيث اعتمد إطلق العقد ‪ ،‬وظ ّ‬
‫لّ‬

‫‪ -‬إذا بنى في الرض الموقوفة المستأجرة‬ ‫‪16‬‬ ‫ط ‪ -‬البناء في الرض الموقوفة‬


‫بغير إذن ناظر الوقف قلع بناؤه إن لم يكن ضرر على الرض بالقلع ‪ ،‬ويضمن‬
‫منافعها الّتي فاتت بيده ‪ ،‬بهذا صرّح الحنفيّة في هذه المسألة ‪ ،‬والضّمان هو‬
‫الصل عند غير الحنفيّة في منفعة كلّ مغصوبٍ ‪.‬‬

‫ي ‪ -‬بناء المساجد ‪:‬‬


‫‪ - 17‬بناء المساجد في المصار والقرى والمحالّ حسب الحاجة فرض كفايةٍ وهو من أجلّ‬
‫ت أذن اللّه أن ترفع ويذكر فيها‬
‫أعمال البرّ الّتي حثّ الشّارع عليها ‪ .‬قال تعالى ‪ { :‬في بيو ٍ‬
‫اسمه } ‪ .‬وجاء في الخبر الصّحيح { من بنى مسجدا ‪ ،‬يبتغي به وجه اللّه ‪ ،‬بنى اللّه له مثله‬
‫في الجنّة } ‪ .‬وأمّا ما يراعى في بناء المساجد فينظر في مصطلح ( مسجد ) ‪.‬‬

‫ك ‪ -‬البناء باللّبن المخلوط بالنّجاسة ‪:‬‬


‫‪ - 18‬صرّح الشّافعيّة بأنّه يجوز بناء الدّور ونحوها بموادّ مخلوط ٍة بالنّجاسة ‪ -‬كتسميد‬
‫ي على صحّة بيع ذلك ‪ .‬والتّفصيل‬
‫الرض بها ‪ -‬للضّرورة ‪ .‬قال الذرعيّ ‪ :‬والجماع الفعل ّ‬
‫في باب ( النّجاسة ) ‪.‬‬

‫ل ‪ -‬البناء على القبور ‪:‬‬


‫ض كان يملكها الميّت ‪ ،‬أو أرضٍ‬
‫‪ - 19‬يكره تجصيص القبر والبناء عليه ‪ ،‬إن كان في أر ٍ‬
‫ت بل قصد مباها ٍة ‪ ،‬فإن كان في مقبرةٍ مسبّل ٍة حرم البناء ‪ ،‬ويهدم إن بني ‪ ،‬لنّه يضيّق‬
‫موا ٍ‬
‫على النّاس ‪ ،‬ول فرق في ذلك بين أن يبني قبّةً أو بيتا أو مسجدا ‪ .‬وقد ورد النّهي عن بناء‬
‫ن الرّسول صلى ال عليه وسلم قال في مرضه‬
‫المساجد على القبور ‪ ،‬ففي الخبر المتّفق عليه أ ّ‬
‫الّذي مات فيه ‪ { :‬لعن اللّه اليهود والنّصارى ‪ ،‬اتّخذوا قبور أنبيائهم مساجد } ‪ .‬والتّفصيل‬
‫ينظر في مصطلح ( قبر ) ‪.‬‬

‫م ‪ -‬البناء في الماكن المشتركة ‪:‬‬


‫ص في الماكن الّتي تتعلّق بها حقوق عامّة ‪ ،‬كالشّوارع العامّة ‪،‬‬
‫‪ - 20‬ل يجوز البناء الخا ّ‬
‫ومصلّى العيد في الصّحراء ‪ ،‬وأماكن النّسك ‪ ،‬كعرفة ومزدلفة ‪ ،‬لما في ذلك من التّضييق‬
‫على النّاس ولنّها للمسلمين جميعا ‪ ،‬فليس لفردٍ أن يستأثر بها ‪.‬‬

‫ن ‪ -‬بناء الحمّام ‪:‬‬


‫‪ - 21‬ذهب المام أحمد إلى أنّه يكره بناء الحمّام مطلقا ‪ ،‬وبناؤه للنّساء أشدّ كراهةً ‪ ،‬ونقل عنه‬
‫قوله ‪ :‬الّذي يبني الحمّام للنّساء ليس بعدلٍ وهو جائز عند بقيّة الئمّة ‪.‬‬

‫‪ -‬إذا‬ ‫‪22‬‬ ‫ثانيا ‪ :‬البناء في العبادات يراد بالبناء هنا ‪ :‬إتمام العبادة بعد انقطاعها ‪.‬‬
‫أحرم متطهّرا ‪ ،‬ثمّ أحدث عمدا ‪ ،‬بطلت صلته باتّفاق الفقهاء ‪ .‬واختلفوا فيما إذا‬
‫سبقه الحدث بل عمدٍ منه ‪ .‬فذهب الحنفيّة إلى أنّه ل تبطل صلته ‪ ،‬فيبني عليها‬
‫بعد التّطهّر ‪ ،‬وهو القول القديم للشّافعيّ ‪ .‬وعند المالكيّة ‪ :‬ل يبني المحدث في‬
‫الصّلة إلّ في الرّعاف ‪ .‬وتبطل الصّلة في الجديد عند الشّافعيّة ول بناء ‪ ،‬وهو‬
‫مذهب الحنابلة ‪ .‬وللتّفصيل انظر مصطلح ( حدث ‪ ،‬رعاف ) ‪.‬‬

‫بناء السّاهي في الصّلة على يقينه ‪:‬‬


‫ن ‪ ،‬فالصل أنّه لم يفعل ‪ ،‬فيجب‬
‫‪ - 23‬إذا شكّ في أثناء الصّلة في عدد الرّكعات أو فعل رك ٍ‬
‫البناء على اليقين ‪ ،‬وهو القلّ ‪ .‬وانظر مصطلح ( شكّ ) ‪.‬‬

‫البناء في خطبة الجمعة ‪:‬‬


‫ض المجمعون في أثناء الصّلة ‪ ،‬وعادوا قبل طول الفصل ‪ ،‬بنى الخطيب على‬
‫‪ - 24‬إذا انف ّ‬
‫خطبته ‪ .‬وانظر مصطلح ( خطبة ) ‪.‬‬

‫البناء في الطّواف ‪:‬‬


‫‪ - 25‬اتّفق الفقهاء على أنّه إذا ابتدأ بالطّواف ‪ ،‬ثمّ أقيمت الصّلة المكتوبة ‪ ،‬فإنّه يقطع الطّواف‬
‫‪ ،‬ويصلّي مع الجماعة ‪ ،‬ثمّ يبني على طوافه ‪ ،‬لنّه فعل مشروع فلم يقطعه ‪ ،‬كالفعل اليسير ‪.‬‬
‫أمّا في غير المكتوبة فقد اختلف الفقهاء في صحّة البناء على ما مضى ‪ .‬ر ‪ :‬مصطلح‬
‫( طواف ) ‪.‬‬

‫بناء بالزّوجة انظر ‪ :‬دخول ‪.‬‬

‫بناء في العبادات انظر ‪ :‬استئناف ‪.‬‬

‫بنان انظر ‪ :‬إصبع ‪.‬‬

‫بنت‬
‫التّعريف‬
‫‪ - 1‬بنت وابنة ‪ :‬مؤنّث ابنٍ ‪ .‬والولد يطلق عليهما ‪ .‬الحكم الجماليّ ومواطن البحث ‪ :‬وردت‬
‫أحكام تتعلّق بالبنت أهمّها ما يلي ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬النّكاح ‪:‬‬
‫‪ - 2‬نكاح البنت ‪ :‬يحرم نكاح الرّجل ابنته ‪ ،‬والعقد عليها باطل ‪ .‬لقوله تعالى ‪ { :‬حرّمت‬
‫عليكم أمّهاتكم وبناتكم } وعليه إجماع المّة ‪.‬‬

‫‪ -‬نكاح ابنته من الزّنى ‪ :‬ذهب الحنفيّة والمالكيّة والحنابلة إلى تحريم زواج‬ ‫‪3‬‬

‫الرّجل ابنته من الزّنى ‪ ،‬لنّ الوطء سبب الجزئيّة ‪ ،‬والستمتاع بالجزء حرام ‪.‬‬
‫وذهب الشّافعيّة إلى أنّ المخلوقة من ماء زناه تحلّ له ‪ ،‬لنّ ماء الزّنى ل حرمة‬
‫له ‪ ،‬لكنّه مكروه خروجا من الخلف ‪ .‬انظر مصطلح ( نكاح ) ‪.‬‬
‫الولية في النّكاح ‪:‬‬
‫‪ - 4‬اتّفق الفقهاء على أنّ للب إنكاح ابنته الصّغيرة والكبيرة المجنونة أو المعتوهة ولو جبرا‬
‫عنها ‪ ،‬إن كانت بكرا ‪ .‬واختلفوا في ال ّثيّب الصّغيرة ‪ .‬وأمّا تزويج الرّجل ابنته البكر الكبيرة‬
‫ن للب إجبارها خلفا للحنفيّة ‪ .‬أمّا البنت ال ّثيّب الكبيرة فالب يلي إنكاحها‬
‫فالجمهور على أ ّ‬
‫دون إجبارٍ ‪ .‬والتّفصيل في ( النّكاح والولية ) ‪.‬‬

‫ب ‪ -‬إرث البنت ‪:‬‬


‫‪ - 5‬البنت إذا انفردت لها النّصف في الميراث ‪ ،‬لقوله تعالى ‪ { :‬وإن كانت واحد ًة فلها‬
‫ن نساءً فوق اثنتين‬
‫النّصف } وإن كانتا اثنتين فصاعدا فلهما الثّلثان ‪ ،‬لقوله تعالى ‪ { :‬فإن ك ّ‬
‫فلهنّ ثلثا ما ترك } هذا عند عامّة الصّحابة ‪ ،‬وعن ابن عبّاسٍ أنّ حكمهما حكم الواحدة ‪ .‬أمّا‬
‫ظ النثيين وهو يعصبهنّ ‪ ،‬لقوله تعالى ‪ { :‬يوصيكم اللّه‬
‫إذا كان مع البنت ابن ‪ ،‬فللذّكر مثل ح ّ‬
‫في أولدكم للذّكر مثل حظّ النثيين } ‪ .‬والتّفصيل في مصطلح ( إرث )‬

‫ج ‪ -‬النّفقة ‪:‬‬
‫‪ - 6‬اتّفقوا على وجوب نفقة البنت الفقيرة غير المتزوّجة على والدها إذا كان غنيّا ‪ .‬أمّا إذا‬
‫كانت البنت غنيّةً ‪ ،‬فل تجب لها النّفقة ‪ ،‬وإذا كانت كبيرةً وفقيرةً فتجب لها النّفقة أيضا مع‬
‫بعض الشّروط ‪ .‬ولتفصيل ذلك انظر مصطلح ( نفقة )‬

‫بنت البن‬
‫التّعريف‬
‫‪ - 1‬بنت البن ‪ :‬هي كلّ بنتٍ تنتسب إلى المتوفّى بطريق البن ‪ ،‬مهما نزلت درجة أبيها ‪،‬‬
‫فتشمل بنت البن وبنت ابن البن مهما نزل ‪ .‬الحكم الجماليّ ومواطن البحث ‪ :‬لبنت البن‬
‫ي نجمل أهمّها فيما يلي ‪ :‬النّكاح ‪:‬‬
‫أحكام خاصّة في الفقه السلم ّ‬
‫‪ - 2‬يحرم على الرّجل نكاح بنت ابنه وإن نزلت ‪ ،‬لقوله تعالى { حرّمت عليكم أمّهاتكم وبناتكم‬
‫} والمراد بالبنت ‪ :‬الفرع المؤنّث وإن بعد ‪ .‬فيشمل بنت البن وبنت البنت ‪ ،‬ولجماع‬
‫المجتهدين على ذلك ‪ .‬وللتّفصيل يراجع مصطلح ( نكاح ) ‪.‬‬

‫الزّكاة ‪:‬‬
‫ن منافع الملك بينهم‬
‫‪ - 3‬ل يجوز دفع الزّكاة إلى بنت البن عند الحنفيّة والحنابلة ‪ ،‬ل ّ‬
‫متّصلة ‪ .‬وذهب الشّافعيّة إلى أنّه ل يجوز دفع الزّكاة إليها في الحال الّتي تجب فيها النّفقة‬
‫على الج ّد أمّا المالكيّة فقد جوّزوا دفع الزّكاة إلى بنت البن ‪ ،‬لنّها ل تجب نفقتها على جدّها ‪.‬‬

‫الفرائض ‪:‬‬
‫‪ - 4‬لبنت البن أحوال في الميراث نجملها فيما يلي ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬النّصف للواحدة ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬الثّلثان للثنتين فصاعدا ‪ .‬وهاتان الحالتان يشترط فيهما عدم البنات الصّلبيّات ‪ ،‬فإذا‬
‫عدمن قامت بنت البن مقامهنّ ‪.‬‬
‫ن ‪ ،‬وحينئذٍ فللذّكر مثل حظّ النثيين ‪.‬‬
‫ن ذكر فإنّه يعصبه ّ‬
‫ج ‪ -‬إذا كان معه ّ‬
‫ن السّدس مع البنت الواحدة الصّلبيّة ‪ ،‬تكمل ًة للثّلثين ‪.‬‬
‫د ‪ -‬له ّ‬
‫ن ذكر بدرجتهنّ أو أسفل‬
‫هـ ‪ -‬ل يرثن مع الصّلبيّتين عند عامّة الصّحابة ‪ ،‬إلّ إذا كان معه ّ‬
‫ظ النثيين ‪ .‬ولتفصيل ذلك راجع مصطلح‬
‫منهنّ ‪ ،‬فإنّه يعصبهنّ ‪ ،‬وحينئذٍ فللذّكر مثل ح ّ‬
‫( فرائض ) ‪.‬‬

‫بنت لبونٍ انظر ‪ :‬ابن لبونٍ‬

‫بنت مخاضٍ انظر ‪ :‬ابن مخاضٍ‬

‫بنج‬
‫التّعريف‬
‫‪ - 1‬البنج ‪ -‬بفتح الباء ‪ -‬في اللّغة والصطلح ‪ :‬نبات مخدّر ‪ ،‬غير الحشيش ‪ ،‬مسكّن‬
‫للوجاع ‪.‬‬
‫( اللفاظ ذات الصّلة ) ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬الفيون ‪:‬‬
‫‪ - 2‬الفيون ‪ :‬عصارة ليّنة يستخرج من الخشخاش ‪ ،‬ويحتوي على ثلث موا ّد منوّم ٍة منها‬
‫المورفين ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬الحشيشة ‪:‬‬
‫‪ - 3‬الحشيشة ‪ :‬نوع من ورق القنّب الهنديّ يسكر جدّا إذا تناول منه قدر درهمٍ ‪ .‬هذا ما قاله‬
‫ابن تيميّة وابن حجرٍ الهيتميّ وابن عابدين ‪ .‬لكن قال القرافيّ ‪ -‬بعد بيان الفرق بين المسكر‬
‫ل لذلك‬
‫والمفسد ( أي المخدّر ) ‪ -‬وبهذا يظهر لك أنّ الحشيشة مفسدة وليست مسكر ًة ‪ ،‬ثمّ استد ّ‬
‫بكل ٍم نفيسٍ يرجع إليه في الفروق ‪ .‬الحكم الشّرعيّ في تناوله ‪:‬‬
‫‪ - 4‬يرى جمهور الفقهاء أنّه يحرم تناول القدر المسكر من هذه المادّة ‪ ،‬ويعزّر بالسّكر منه‬
‫بغير عذرٍ ويجوز عندهم التّداوي به واستعماله لزالة العقل لقطع عضوٍ متآكلٍ ‪ .‬أمّا الحنفيّة‬
‫فقد اختلفت آراؤهم في حكم تناول البنج لغير التّداوي ووجوب إقامة الح ّد على السّكران منه ‪.‬‬

‫عقوبة تناوله ‪:‬‬


‫ب مسكرٍ ‪.‬‬
‫ل شرا ٍ‬
‫‪ - 5‬يعرّف الفقهاء ما يحرم تناوله ‪ ،‬ويترتّب على تعاطيه الح ّد بأنّه ‪ :‬ك ّ‬
‫وبنا ًء على هذا التّعريف ذهب معظم الفقهاء إلى عدم إقامة الحدّ على السّكران من البنج‬
‫ونظائره من الجامدات ‪ ،‬وإن كان مذابا وقت التّعاطي ‪ ،‬ولكنّه يعاقب عقوب ًة تعزيريّةً ‪.‬‬

‫حكم طهارته ‪:‬‬


‫‪ - 6‬اتّفق الفقهاء على أنّ البنج طاهر ‪ ،‬لنّهم يشترطون لنجاسة المسكر أن يكون مائعا ‪.‬‬
‫( مواطن البحث ) ‪:‬‬
‫‪ - 7‬يذكره الفقهاء في باب الشربة والنّجاسات والطّلق ‪.‬‬

‫بندق انظر ‪ :‬صيد‬

‫بنوّة انظر ‪ :‬ابن‬

‫بهتان انظر ‪ :‬افتراء‬

‫بهيمة انظر ‪ :‬حيوان‬

‫بول ‪ .‬انظر ‪ :‬قضاء الحاجة‬

‫بيات ‪ .‬انظر ‪ :‬بيتوتة‬

‫بيان‬
‫التّعريف‬
‫‪ - 1‬البيان لغ ًة ‪ :‬الظهار والتّوضيح ‪ ،‬والكشف عن الخفيّ أو المبهم ‪ .‬قال اللّه تعالى ‪:‬‬
‫{ علّمه البيان } أي الكلم الّذي يبيّن به ما في قلبه ‪ ،‬ويحتاج إليه من أمور دنياه ‪ ،‬فهو منفصل‬
‫به عن سائر الحيوانات ‪ .‬ولم يبعد الصوليّون والفقهاء عن المعنى اللّغويّ في تعريفهم للبيان‬
‫ب ل يستقلّ بنفسه في الدّللة على المراد ‪.‬‬
‫‪ .‬فهو عند الصوليّين ‪ :‬الدّالّ على المراد بخطا ٍ‬
‫ويطلق ويراد به المدلول ‪ ،‬ويطلق أيضا على فعل المبيّن ‪ ،‬ولجل إطلقه على المعاني الثّلثة‬
‫ن البيان هو‬
‫اختلفوا في تفسيره بالنّظر إليها ‪ .‬قال العبدريّ بعد حكاية المذاهب ‪ :‬الصّواب أ ّ‬
‫مجموع هذه المور ‪.‬‬
‫( اللفاظ ذات الصّلة ) ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬التّفسير ‪:‬‬
‫‪ - 2‬التّفسير لغ ًة ‪ :‬هو الكشف والظهار ‪ .‬وفي الشّرع ‪ :‬توضيح معنى الية وشأنها‬
‫وقصّتها ‪ ،‬والسّبب الّذي نزلت فيه بلفظٍ يدلّ عليه دلل ًة ظاهرةً ‪ .‬والبيان بعمومه يختلف عن‬
‫ن التّفسير ل يكون إلّ‬
‫التّفسير ‪ ،‬إذ البيان قد يكون بدللة حال المتكلّم كالسّكوت ‪ ،‬في حين أ ّ‬
‫بلفظٍ يدلّ على المعنى دللةً ظاهرةً ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬التّأويل ‪:‬‬
‫‪ - 3‬التّأويل ‪ :‬صرف اللّفظ عن معناه الظّاهر إلى معنًى يحتمله ‪ ،‬إذا كان المحتمل موافقا‬
‫سنّة ‪ ( .‬ر ‪ :‬تأويل ) ‪ .‬والفرق بين التّأويل والبيان ‪ :‬أنّ التّأويل ما يذكر في كلمٍ ل‬
‫للكتاب وال ّ‬
‫يفهم منه المعنى المراد لوّل وهل ٍة ‪ ،‬والبيان ما يذكر في كلمٍ يفهم المعنى المراد منه بنوع‬
‫خفاءٍ بالنّسبة إلى البعض ‪ ،‬فالبيان أع ّم من التّأويل ‪ .‬الحكام المتعلّقة بالبيان عند الصوليّين ‪:‬‬
‫‪ - 4‬البيان بالقول والفعل ‪ :‬المذهب عند الفقهاء وأكثر المتكلّمين أنّ البيان يحصل بالفعل من‬
‫رسول اللّه صلى ال عليه وسلم كما يحصل بالقول ‪ .‬والدّليل على أنّ البيان قد يحصل بالفعل‬
‫ن جبريل عليه الصلة والسلم بيّن مواقيت الصّلة للنّبيّ صلى ال عليه وسلم بالفعل ‪،‬‬
‫‪:‬أّ‬
‫حيث أمّه في البيت يومين ‪ { ،‬ولمّا سئل رسول اللّه صلى ال عليه وسلم عن مواقيت الصّلة‬
‫قال للسّائل ‪ :‬صلّ معنا } وكما قال ‪ { :‬صلّوا كما رأيتموني أصلّي } ثمّ صلّى في اليومين في‬
‫وقتين ‪ ،‬فبيّن له المواقيت بالفعل ‪ .‬وفي الحجّ قال لصحابه ‪ { :‬خذوا عنّي مناسككم } ‪ ،‬ولنّ‬
‫البيان عبارة عن إظهار المراد ‪ .‬فربّما يكون ذلك بالفعل أبلغ منه بالقول ‪ ،‬لنّه { صلى ال‬
‫عليه وسلم أمر أصحابه بالحلق عام الحديبية ‪ ،‬فلم يفعلوا ثمّ لمّا رأوه حلق بنفسه حلقوا في‬
‫الحال } ‪ .‬فعرفنا أنّ إظهار المراد يحصل بالفعل كما يحصل بالقول ‪ .‬وقال الكرخيّ وأبو‬
‫إسحاق المروزيّ وبعض المتكلّمين ‪ :‬ل يكون البيان إلّ بالقول ‪ ،‬بناءً على أصلهم أنّ بيان‬
‫ل متّصلً ‪ ،‬والفعل ل يكون متّصلً بالقول ‪ .‬وللتّفصيل انظر الملحق‬
‫المجمل ل يكون إ ّ‬
‫الصوليّ ‪.‬‬
‫‪ -‬قال البزدويّ ‪ :‬البيان على أوجهٍ ‪ :‬بيان تقريرٍ ‪ ،‬وبيان تفسيرٍ ‪،‬‬ ‫‪5‬‬ ‫أنواع البيان‬
‫وبيان تغييرٍ ‪ ،‬وبيان تبديلٍ ‪ ،‬وبيان ضرورةٍ ‪ ،‬فهي خمسة أقسامٍ ‪ .‬وتجدر الشارة‬
‫إلى أنّ إضافة البيان إلى التّقرير والتّغيير والتّبديل من قبيل إضافة الجنس إلى‬
‫طبّ ‪ ،‬أي بيان هو تقرير ‪ ،‬وكذا الباقي ‪ ،‬وإضافته إلى الضّرورة من‬
‫نوعه كعلم ال ّ‬
‫قبيل إضافة الشّيء إلى سببه ‪ .‬بيان التّقرير ‪:‬‬
‫‪ - 6‬بيان التّقرير هو كلّ حقيقةٍ تحتمل المجاز ‪ ،‬أو عامّ يحتمل الخصوص ‪ ،‬إذا لحق به ما‬
‫يقطع الحتمال ‪ ،‬وذلك نحو قوله تعالى ‪ { :‬فسجد الملئكة كلّهم أجمعون } ‪ ،‬فصيغة الجمع‬
‫تعمّ الملئكة على احتمال أن يكون المراد بعضهم وقوله تعالى ‪ { :‬كلّهم أجمعون } بيان قاطع‬
‫لهذا الحتمال فهو بيان التّقرير ‪.‬‬

‫بيان التّفسير ‪:‬‬


‫‪ - 7‬بيان التّفسير هو بيان ما فيه خفاء ‪ ،‬كالمشترك والمجمل ونحوهما ‪ ،‬مثل قوله تعالى ‪:‬‬
‫{ أقيموا الصّلة وآتوا الزّكاة } فإنّه مجمل ‪ ،‬إذ العمل بظاهره غير ممكنٍ ‪ ،‬وإنّما يوقف على‬
‫سنّة ‪ ،‬فإنّه عليه الصلة والسلم بيّن‬
‫المراد للعمل به بالبيان ‪ ،‬ثمّ لحق هذه الية البيان بال ّ‬
‫الصّلة بالقول والفعل ‪ ،‬والزّكاة بقوله ‪ { :‬هاتوا ربع العشور } فإنّه يكون تفسيرا ‪.‬‬

‫بيان التّغيير ‪:‬‬


‫‪ - 8‬بيان التّغيير هو البيان الّذي فيه تغيير لموجب الكلم وهو نوعان ‪ :‬الوّل ‪ -‬التّعليق‬
‫ن } فإنّه يتبيّن به أنّه ل يجب‬
‫بالشّرط ‪ :‬كما قال اللّه تعالى ‪ { :‬فإن أرضعن لكم فآتوهنّ أجوره ّ‬
‫إيتاء الجر بعد عقد إجارة المرضع إذا لم يوجد الرضاع ‪ ،‬وإنّما يجب ابتداءً عند وجود‬
‫الرضاع فيكون تغييرا لحكم وجوب أداء البدل بنفس العقد ‪ .‬الثّاني ‪ -‬الستثناء ‪ :‬كما قال اللّه‬
‫ل خمسين عاما } فإنّ اللف اسم موضوع لعددٍ معلومٍ ‪ ،‬فما‬
‫تعالى ‪ { :‬فلبث فيهم ألف سنةٍ إ ّ‬
‫يكون دون ذلك العدد يكون غيره ل محالة ‪ ،‬فلول الستثناء لكان العلم يقع لنا بأنّه لبث فيهم‬
‫ألف سنةٍ ‪ ،‬ومع الستثناء إنّما يقع العلم لنا بأنّه لبث فيهم تسعمائةٍ وخمسين عاما ‪ ،‬فيكون‬
‫الستثناء تغييرا لما يفيده لفظ اللف ‪.‬‬

‫بيان التّبديل ‪:‬‬


‫‪ - 9‬بيان التّبديل هو النّسخ ‪ ،‬وهو رفع حكمٍ شرعيّ بدليلٍ شرعيّ متأخّرٍ ‪ .‬والنّسخ في حقّ‬
‫صاحب الشّرع بيان محض لنتهاء الحكم الوّل ‪ ،‬ليس فيه معنى الرّفع ‪ ،‬لنّه كان معلوما عند‬
‫اللّه أنّه ينتهي في وقت كذا بالنّاسخ ‪ ،‬فكان النّاسخ بالنّسبة إلى علمه تعالى مبيّنا ل رافعا ‪ .‬ثمّ‬
‫الرّاجح عند الصوليّين أنّ النّسخ جائز في المر والنّهي الّذي يجوز أن يكون ثابتا ‪ ،‬ويجوز‬
‫أن ل يكون ‪ .‬وقد قال بعضهم ‪ :‬إنّه ل يجوز النّسخ ‪ ،‬وربّما قالوا ‪ :‬لم يرد النّسخ في شيءٍ‬
‫أصلً ‪ .‬وانظر التّفاصيل في ( نسخ ) وفي الملحق الصوليّ ‪.‬‬

‫بيان الضّرورة ‪:‬‬


‫‪ - 10‬بيان الضّرورة نوع من البيان يحصل بغير اللّفظ للضّرورة ‪ ،‬وهو على أربعة أنواعٍ ‪:‬‬
‫النّوع الوّل ‪ :‬ما يكون في حكم المنطوق ‪ ،‬وذلك بأن يدلّ النّطق على حكم المسكوت عنه ‪.‬‬
‫وقد مثّلوا له بقوله تعالى ‪ { :‬فإن لم يكن له ولد وورثه أبواه فلمّه الثّلث } فإنّه لمّا أضاف‬
‫ن للب ما بقي ‪ ،‬فلم‬
‫الميراث إليها في صدر الكلم ‪ ،‬ثمّ بيّن نصيب المّ ‪ ،‬كان ذلك بيان أ ّ‬
‫يحصل هذا البيان بترك التّنصيص على نصيب الب ‪ ،‬بل بدللة صدر الكلم يصير نصيب‬
‫الب كالمنصوص عليه ‪ .‬النّوع الثّاني ‪ :‬هو السّكوت الّذي يكون بيانا بدللة حال المتكلّم ‪،‬‬
‫نحو سكوت صاحب الشّرع عند معاينة شيءٍ عن تغييره يكون بيانا لحقيته باعتبار حاله ‪ ،‬مثل‬
‫ت ومعاملتٍ كان النّاس يتعاملونها فيما بينهم ‪،‬‬
‫ما شاهد النّبيّ صلى ال عليه وسلم من بياعا ٍ‬
‫فأقرّهم عليها ‪ ،‬ولم ينكرها عليهم ‪ ،‬فدلّ أنّ جميعها مباح في الشّرع ‪ ،‬إذ ل يجوز من النّبيّ‬
‫صلى ال عليه وسلم أن يقرّ النّاس على منكرٍ محظورٍ ‪ .‬النّوع الثّالث ‪ :‬هو السّكوت الّذي‬
‫جعل بيانا ‪ ،‬ضرورة دفع الغرور ‪ ،‬مثل الب إذا رأى ولده المميّز يبيع ويشتري ‪ ،‬فسكت عن‬
‫النّهي ‪ ،‬كان سكوته إذنا له في التّجارة ‪ ،‬لضرورة دفع الغرور عمّن يعامله ‪ ،‬فإنّ في هذا‬
‫الغرور إضرارا بهم ‪ ،‬والضّرر مدفوع ‪ .‬بهذا قال الحنفيّة ‪ .‬وقال الشّافعيّ ‪ :‬ل يكون السّكوت‬
‫ن سكوت الب عن النّهي محتمل ‪ ،‬قد يكون للرّضا بتصرّفه ‪ ،‬وقد يكون لفرط الغيظ ‪،‬‬
‫إذنا ل ّ‬
‫أو قلّة اللتفات ‪ ،‬والمحتمل ل يكون حجّ ًة ‪ .‬النّوع الرّابع ‪ :‬هو السّكوت الّذي جعل بيانا‬
‫ن العطف‬
‫ن عليّ مائة ودرهم ‪ ،‬أو مائة ودينار ‪ ،‬فإ ّ‬
‫لضرورة الكلم كما إذا قال رجل ‪ :‬لفل ٍ‬
‫جعل بيانا للوّل ‪ ،‬وجعل الوّل من جنس المعطوف ‪ .‬بهذا يقول الحنفيّة ‪ .‬وقال الشّافعيّ ‪:‬‬
‫يلزمه المعطوف ‪ ،‬والقول في بيان جنس المائة قول المقرّ ‪ ،‬لنّها مجملة فإليه بيانها ‪،‬‬
‫والعطف ل يصلح بيانا ‪ ،‬لنّه لم يوضع له ‪.‬‬

‫تأخير البيان عن وقت الحاجة ‪ :‬كلّ ما يحتاج إلى البيان من مجملٍ وعامّ ‪ ،‬ومجازٍ‬
‫ومشتركٍ ‪ ،‬وفعلٍ متردّدٍ ومطلقٍ ‪ ،‬إذا تأخّر بيانه فذلك على وجهين ‪:‬‬
‫‪ - 11‬الوجه الوّل ‪ :‬أن يتأخّر عن وقت الحاجة ‪ ،‬وهو الوقت الّذي إذا تأخّر البيان عنه لم‬
‫يتمكّن المكلّف من معرفة ما تضمّنه الخطاب ‪ ،‬وذلك في الواجبات الفوريّة ‪ .‬فهذا النّوع من‬
‫ن التيان بالشّيء مع عدم العلم به ممتنع عند جميع القائلين بمنع التّكليف‬
‫التّأخير ل يجوز ‪ ،‬ل ّ‬
‫ل ‪ ،‬ل بوقوعه ‪ ،‬فكان‬
‫بما ل يطاق ‪ .‬وأمّا من جوّز التّكليف بما ل يطاق فهو يقول بجوازه عق ً‬
‫عدم الوقوع متّفقا عليه بين الطّائفتين ‪ .‬ولهذا نقل أبو بكرٍ الباقلّانيّ إجماع أرباب الشّرائع على‬
‫امتناعه ‪.‬‬
‫‪ - 12‬الوجه الثّاني ‪ :‬تأخير البيان عن وقت ورود الخطاب إلى وقت الحاجة إلى الفعل ‪ ،‬وذلك‬
‫في الواجبات الّتي ليست بفوريّ ٍة ‪ ،‬حيث يكون الخطاب ل ظاهر له ‪ ،‬كالسماء المتواطئة‬
‫والمشتركة ‪ ،‬أو يكون له ظاهر وقد استعمل في خلف الظّاهر ‪ ،‬كتأخير البيان بالتّخصيص ‪.‬‬
‫ومثله تأخير النّسخ ونحو ذلك ‪ ،‬وفي ذلك اتّجاهات أهمّها ما يلي ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬الجواز مطلقا ‪ ،‬قال ابن برهانٍ ‪ :‬وعليه عامّة علمائنا من الفقهاء والمتكلّمين ‪ .‬ونقله‬
‫القاضي عن الشّافعيّ ‪ ،‬واختاره الخوّات في المحصول ‪ ،‬وابن الحاجب ‪ .‬وقال الباجيّ ‪ :‬عليه‬
‫أكثر أصحابنا ‪ ،‬وحكاه القاضي عن مالكٍ ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬المنع مطلقا ‪ ،‬نقل ذلك عن أبي إسحاق المروزيّ وأبي بكرٍ الصّيرفيّ وأبي حامدٍ‬
‫المروزيّ وأبي بكرٍ ال ّدقّاق وداود الظّاهريّ والبهريّ ‪ ،‬قال القاضي ‪ :‬وهو قول المعتزلة‬
‫وكثيرٍ من الحنفيّة ‪.‬‬
‫ج ‪ -‬أنّ بيان المجمل إن لم يكن تبديلً ول تغييرا جاز مقارنا وطارئا ‪ ،‬وإن كان تغييرا جاز‬
‫مقارنا ول يجوز طارئا بحالٍ ‪ .‬نقله السّمعانيّ عن أبي زيدٍ من الحنفيّة ‪ .‬وتنظر مراتب البيان‬
‫للحكام وسائر التّفاصيل المتعلّقة بالموضوع في الملحق الصوليّ ‪.‬‬

‫الحكام المتعلّقة بالبيان عند الفقهاء بيان المقرّ به المجهول ‪:‬‬


‫ن الحقّ قد‬
‫ي شيء أو حقّ ‪ ،‬يلزمه ‪ ،‬ل ّ‬
‫‪ - 13‬إذا أقرّ شخص بمجهولٍ وأطلق ‪ ،‬بأن قال ‪ :‬عل ّ‬
‫يلزمه مجهولً ‪ ،‬كأن يتلف مالً ل يعرف قيمته ‪ ،‬أو يجرح جراحةً ل يعرف أرشها ‪ ،‬أو يبقى‬
‫عليه باقية حسابٍ ل يعرف قدره وهو محتاج إليه لبراء ذمّته باليفاء أوالتّراضي ‪ ،‬فجهالة‬
‫المقرّ به ل تمنع صحّة القرار ‪ ،‬ويقال للمقرّ ‪ :‬بيّن المجهول ‪ ،‬فإن لم يبيّن أجبره الحاكم على‬
‫البيان ‪ ،‬لنّه لزمه الخروج عمّا وجب عليه بصحيحٍ إقراره ‪ ،‬وذلك الخروج عمّا لزمه يكون‬
‫بالبيان ‪ ،‬ولكن يبيّن شيئا يثبت في ال ّذمّة ‪ ،‬قلّ أو كثر ‪ ،‬أمّا إذا بيّن شيئا ل يثبت في ال ّذمّة فل‬
‫يقبل منه ‪ ،‬نحو أن يقول ‪ :‬عنيت حقّ السلم ‪ ،‬أو كفّا من ترابٍ أو نحوه ‪ ،‬بهذا قال الحنفيّة‬
‫والمالكيّة والحنابلة ‪ ،‬وهو أحد قولي الشّافعيّة ‪ .‬وذهب الشّافعيّة في القول الخر إلى أنّه إن‬
‫وقع القرار المبهم في جواب دعوى ‪ ،‬وامتنع عن التّفسير ‪ ،‬يجعل ذلك إنكارا منه وتعرض‬
‫اليمين عليه ‪ ،‬فإن أصرّ على المتناع جعل ناكلً عن اليمين ويحلف المدّعي ‪ .‬أمّا إذا أقرّ‬
‫بمجهولٍ وبيّن السّبب ‪ ،‬فينظر إن كان سببا ل تضرّه الجهالة كالغصب الوديعة ‪ ،‬بأن قال ‪:‬‬
‫ح إقراره ‪ ،‬ويجبر على بيان المغصوب أو‬
‫غصبت مال فلنٍ ‪ ،‬أو لفلنٍ عندي أمانة ‪ ،‬فيص ّ‬
‫ح القرار ‪،‬‬
‫المانة المجهولة وتعيينهما ‪ ،‬وإن كان سببا تضرّه الجهالة كالبيع والجارة ل يص ّ‬
‫ول يجبر على بيان ما باعه أو استأجره ‪.‬‬

‫البيان في الطّلق المبهم ‪:‬‬


‫‪ - 14‬إذا قال الزّوج لزوجتيه ‪ :‬إحداكما طالق ‪ ،‬وقصد معيّنةً منهما طلقت ‪ ،‬ويلزمه البيان ‪،‬‬
‫ح بيانه أيضا ‪ ،‬وما في ضميره ل يوقف عليه إلّ من‬
‫ويصدّق ‪ ،‬لنّه مالك لليقاع عليها ‪ ،‬فيص ّ‬
‫جهته ‪ ،‬فيقبل قوله فيه ‪ .‬وتعتزلنه إلى البيان ‪ ،‬لختلط المحرّمة بالمباحة ‪ .‬ويلزم الزّوج‬
‫البيان فورا ‪ ،‬فإن أخّر عصى ‪ ،‬فإن امتنع حبس وعزّر ‪ .‬وللفقهاء تفاصيل في لزوم نفقة‬
‫الزّوجتين إلى البيان ‪ ،‬وألفاظ البيان وما يثبت به البيان من الفعال كالوطء ومقدّماته تنظر في‬
‫( طلق ) ‪.‬‬

‫بيان المعتق المبهم ‪:‬‬


‫‪ - 15‬إذا قال شخص لرقّائه ‪ :‬أحدكم حرّ ‪ ،‬أو أعتقت أحدكم ‪ ،‬ونوى معيّنا بيّنه وجوبا ‪ ،‬وإذا‬
‫خاصم أحدهم إلى الحاكم أجبر المولى على البيان ‪ ،‬وإن بيّن واحدا من الثنين للعتق ‪ ،‬فللخر‬
‫تحليفه أنّه ما أراده ‪ .‬وإن قال ‪ :‬أردت هذا ‪ ،‬بل هذا ‪ ،‬عتقا جميعا مؤاخذةً له بإقراره ‪.‬‬
‫وللتّفصيل ( ر ‪ :‬عتق )‬

‫‪ .‬بيت‬
‫التّعريف‬
‫‪ - 1‬من معاني البيت في اللّغة ‪ :‬المسكن ‪ ،‬وهو كلّ ما كان له جدار وسقف ‪ ،‬وإن لم يكن به‬
‫ت ‪ .‬ويطلق البيت‬
‫ساكن ‪ .‬ويطلق أيضا على البيت الشّقّة ‪ .‬ويجمع البيت على أبياتٍ ‪ ،‬وبيو ٍ‬
‫على القصر ‪ ،‬ومنه { قول جبريل عليه السلم لرسول اللّه صلى ال عليه وسلم بشّروا خديجة‬
‫ببيتٍ في الجنّة من قصبٍ } قال في اللّسان ‪ :‬يعني بشّروها بقصرٍ من لؤلؤةٍ مجوّف ٍة ‪ .‬ويطلق‬
‫ت أذن اللّه أن ترفع } قال الزّجّاج ‪ :‬أراد المساجد‬
‫ل ‪ { :‬في بيو ٍ‬
‫على المسجد ‪ .‬قال اللّه عزّ وج ّ‬
‫ل كحجر ٍة من دارٍ ‪ .‬ويصدق‬
‫‪ .‬وقد يكون البيت مستقلّا بذاته ‪ ،‬أو جزءا من المسكن المستق ّ‬
‫على المبنيّ من طينٍ ‪ ،‬أو آج ّر ومدرٍ وحجرٍ ‪ ،‬وعلى المتّخذ من خشبٍ ‪ ،‬أو صوفٍ ‪ ،‬أو‬
‫وبرٍ ‪ ،‬أو شعرٍ ‪ ،‬أو جلدٍ ‪ ،‬وأنواع الخيام ‪ .‬ول يخرج معناه الصطلحيّ عمّا ورد في اللّغة ‪.‬‬
‫( اللفاظ ذات الصّلة ) ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬الدّار ‪:‬‬
‫ن غير مس ّقفٍ ‪ .‬واسم الدّار يتناول‬
‫ت ومنازل وصح ٍ‬
‫‪ - 2‬الدّار لغةً ‪ :‬اسم لما اشتمل على بيو ٍ‬
‫العرصة والبناء جميعا ‪ .‬والفرق بين البيت والدّار ‪ :‬أنّ الدّار تشتمل على بيوتٍ ومنازل ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬المنزل ‪:‬‬
‫‪ - 3‬المنزل لغةً ‪ :‬اسم مكان النّزول ‪ ،‬وفي بعض العراف ‪ :‬هو اسم لما يشتمل على بيوتٍ ‪،‬‬
‫ن مسقّفٍ ومطبخٍ يسكنه الرّجل بعياله ‪ .‬وهو دون الدّار وفوق البيت ‪ ،‬وأقلّه بيتان أو‬
‫وصح ٍ‬
‫ثلثة ‪ .‬وتختلف العراف في هذه اللفاظ باختلف المكان والزّمان ‪ .‬المبيت على ظهر البيت‬
‫‪:‬‬
‫سنّة الشّريفة عن المبيت على ظهر بيتٍ ليس له حائط يمنع من السّقوط‬
‫‪ - 4‬جاء التّحذير في ال ّ‬
‫ي بن شيبان رضي ال عنه عن الرّسول صلى ال عليه وسلم قال ‪ { :‬من بات‬
‫‪ .‬فقد روى عل ّ‬
‫على ظهر بيتٍ ليس له حجار فقد برئت منه ال ّذمّة } وجاء في روايةٍ ‪ :‬حجاب ‪ ،‬وفي أخرى ‪:‬‬
‫حجاز ‪ .‬وهي بمعنى السّترة الّتي تمنع وتحجز النّائم عن السّقوط ‪ .‬ومعنى برئت منه ال ّذمّة ‪:‬‬
‫أي أزال عصمة نفسه ‪ ،‬وصار كالمهدر الّذي ل ذمّة له ‪ ،‬أي ل يجب له على أحدٍ شيء بسبب‬
‫موته ‪ ،‬إذ أنّ الّذي نام كذلك ربّما انقلب من نومه فسقط فمات هدرا ‪ .‬ثمّ إنّه إن مات كذلك‬
‫ب ‪ ،‬ول استعدادٍ للموت ‪.‬‬
‫مات من غير تأهّ ٍ‬

‫الحكام المتعلّقة بالبيت ‪:‬‬


‫أ ‪ -‬البيع ‪:‬‬
‫‪ - 5‬يجوز بيع البيت المملوك المعيّن والمحدود عند جمهور الفقهاء ويدخل تبعا للرض ‪.‬‬
‫وقال مالك ‪ :‬إنّ بيع البيت يتناول الرض الّتي بها البيت ‪ ،‬وكذا بيع الرض يتناول البناء ‪،‬‬
‫ل تناول العقد على البناء للرض ‪ ،‬وتناول العقد على الرض ما فيها من بناءٍ ‪ -‬كان‬
‫ومح ّ‬
‫العقد بيعا أو غيره ‪ -‬إن لم يكن شرط ‪ ،‬أو عرف بخلفه ‪ ،‬وإلّ عمل بذلك الشّرط ‪ ،‬أو‬
‫العرف ‪ .‬فإذا اشترط البائع إفراد البناء عن الرض ‪ ،‬أو جرى العرف بإفراده عن الرض في‬
‫البيع وغيره ‪ ،‬فل تدخل الرض في العقد على البناء ‪ ،‬وكذلك لو اشترط البائع إفراد الرض‬
‫ن البناء ل يدخل في العقد على الرض ‪ .‬والتّفصيل‬
‫عن البناء ‪ ،‬أو جرى العرف بذلك ‪ ،‬فإ ّ‬
‫موطنه مصطلح ( بيع ) ‪.‬‬

‫ب ‪ -‬خيار الرّؤية ‪:‬‬


‫‪ - 6‬يثبت خيار الرّؤية للمشتري في شرائه للبيت إن لم يعاين ولم تحصل رؤيته ‪ ،‬لنّ البيت‬
‫ح بيع‬
‫ل للشّافعيّة والحنابلة ‪ .‬قالوا ‪ :‬يص ّ‬
‫من العيان اللّازم تعيينها ‪ ،‬وهذا عند الحنفيّة وعلى قو ٍ‬
‫الغائب ‪ ،‬وهو ما لم يره المتعاقدان أو أحدهما ‪ ،‬ويثبت الخيار للمشتري عند الرّؤية ‪ ،‬وتعتبر‬
‫في رؤية البيت رؤية السّقف والجدران والسّطح والحمّام والطّريق ‪ .‬وفي الظهر للشّافعيّة ‪،‬‬
‫والمقدّم عند الحنابلة ‪ :‬إن اشترى إنسان ما لم يره ‪ ،‬وما لم يوصف له ‪ ،‬لم يصحّ العقد ‪.‬‬
‫والتّفصيل موطنه مصطلح ( بيع ‪ -‬خيار الرّؤية ) ‪.‬‬

‫ج ‪ -‬الشّفعة ‪:‬‬
‫ق طلب الشّفعة في البيت المبيع للشّريك فيه الّذي لم يقاسم تبعا للرض المبيعة ‪،‬‬
‫‪ - 7‬يثبت ح ّ‬
‫ي صلى ال عليه‬
‫وأمّا الجار فل شفعة له ‪ ،‬لحديث جابرٍ رضي ال عنه قال ‪ { :‬قضى النّب ّ‬
‫ل ما لم يقسّم ‪ ،‬فإذا وقعت الحدود وصرفت الطّرق فل شفعة } ول شفعة‬
‫وسلم بالشّفعة في ك ّ‬
‫ن من شروط الشّفعة أن يكون المبيع أرضا ‪ ،‬لنّها هي الّتي‬
‫في بنا ٍء مفردٍ عن أرضٍ ‪ ،‬ل ّ‬
‫تبقى على الدّوام ‪ ،‬ويدوم ضررها ‪ ،‬والبناء يؤخذ تبعا للرض ‪ ،‬لحديث جابرٍ رضي ال عنه‬
‫قال ‪ { :‬قضى رسول اللّه صلى ال عليه وسلم بالشّفعة في كلّ شرك ٍة لم تقسّم ربعةٍ ‪ ،‬أو حائطٍ‬
‫‪ } ...‬ويدخل فيه البناء ‪ ،‬وهذا عند جمهور الفقهاء ‪ .‬وعند الحنفيّة ‪ :‬الشّفعة تكون للشّريك‬
‫وللجار تبعا للعقار المملوك ‪ ،‬وهذا إن تحقّقت شروط الشّفعة ‪ .‬والتّفصيل في مصطلح‬
‫( شفعة ) ‪.‬‬

‫د ‪ -‬الجارة ‪:‬‬
‫ل معلومٍ ‪ ،‬اشترط في‬
‫‪ - 8‬لمّا كان المقصود من عقد إجارة البيت هو بيع منفعته إلى أج ٍ‬
‫المنفعة ما يشترط في المعقود عليه في عقد البيع ‪ ،‬وهو أن ل يمنع من النتفاع بها مانع‬
‫شرعيّ ‪ ،‬بأن تكون محرّم ًة كالخمر وآلت اللّهو ولحم الخنزير ‪ .‬فل يجوز عند جمهور‬
‫ض غير مشروعٍ ‪ ،‬كأن يتّخذه المستأجر مكانا لشرب الخمر أو لعب‬
‫الفقهاء إجارة البيت لغر ٍ‬
‫القمار ‪ ،‬أو أن يتّخذه كنيسةً أو معبدا وثنيّا ‪ .‬ويحرم حينئذٍ أخذ الجرة كما يحرم إعطاؤها ‪،‬‬
‫وذلك لما فيه من العانة على المعصية ‪.‬‬

‫مراعاة حقّ الجار في مرافق البيت ‪:‬‬


‫سنّة الشّريفة بالتّأكيد على حقّ الجار والمر بمراعاته والحفاظ عليه ‪ ،‬من ذلك‬
‫‪ - 9‬جاءت ال ّ‬
‫قوله صلى ال عليه وسلم ‪ { :‬ما زال جبريل يوصيني بالجار حتّى ظننت أنّه سيورّثه } ‪.‬‬
‫وقوله صلى ال عليه وسلم ‪ { :‬واللّه ل يؤمن واللّه ل يؤمن واللّه ل يؤمن قيل ‪ :‬من يا رسول‬
‫اللّه ؟ قال ‪ :‬الّذي ل يأمن جاره بوائقه } ‪ .‬والبوائق تعني ‪ :‬الغوائل والشّرور ‪ .‬ولذا ل يجوز‬
‫أن يحدث مالك البيت فيه ما يض ّر بجاره ‪ .‬كأن يحفر كنيفا إلى جنب حائط جاره ‪ ،‬أو يبني‬
‫حمّاما ‪ ،‬أو تنّورا ‪ ،‬أو أن يعمل دكّان حدادةٍ أو نحوها من المهن الّتي يتأذّى منها جار البيت ‪.‬‬
‫أمّا في المرافق الّتي تكون بين البيتين ‪ ،‬كالجدار الفاصل بينهما ‪ ،‬فله حالتان ‪ :‬إمّا أن يختصّ‬
‫بملكه أحدهما ‪ ،‬ويكون ساترا للخر فقط ‪ .‬فليس للخر التّصرّف فيه بما يضرّ مطلقا ‪ .‬فيحرم‬
‫عليه وضع الخشاب ‪ ،‬أو مدّ الجسور ‪ ،‬أو بناء العقود ‪ ،‬ونحوها من التّصرّفات الّتي تضرّ‬
‫الجدار وتؤثّر في تحمّله ‪ ،‬وهذا ل خلف فيه بين أهل العلم ‪ ،‬وذلك لعموم القاعدة الفقهيّة ‪:‬‬
‫( ل ضرر ول ضرار ) ‪ ،‬ولعموم قوله صلى ال عليه وسلم ‪ { :‬ل يحلّ مال امرئٍ مسلمٍ إلّ‬
‫بطيب نفسٍ منه } ‪ .‬أمّا إذا كان التّصرّف ل يضرّ الجدار ول يضعفه ‪ ،‬فيجوز ‪ ،‬بل يندب‬
‫لصاحبه الذن لجاره باستعماله والتّصرّف فيه ‪ ،‬لما فيه من الرفاق بالجار والتّوسعة عليه ‪.‬‬
‫والتّفصيل ينظر في مصطلح ( ارتفاق ‪ .‬جوار ) ‪.‬‬

‫دخول البيوت ‪:‬‬


‫‪ - 10‬أجمع الفقهاء على أنّه ل يجوز دخول بيت الغير إلّ بإذنٍ ‪ ،‬لنّ اللّه تعالى حرّم على‬
‫الخلق أن يطّلعوا على ما في بيوت الغير من خارجها ‪ ،‬أو يلجوها من غير إذن أربابها ‪ ،‬لئلّ‬
‫ن اللّه تعالى‬
‫يطّلع أحد منهم على عور ٍة ‪ ،‬وذلك لغاي ٍة هي ‪ :‬الستئناس ‪ ،‬وهو ‪ :‬الستئذان ‪ ،‬ل ّ‬
‫خصّص البيوت لسكنى النّاس ‪ ،‬وملّكهم الستمتاع بها على النفراد ‪ ،‬قال تعالى ‪ { :‬يا أيّها‬
‫الّذين آمنوا ل تدخلوا بيوتا غير بيوتكم حتّى تستأنسوا وتسلّموا على أهلها ذلكم خير لكم لعلّكم‬
‫تذكّرون } ‪ .‬واستثنى الفقهاء حالة الغزو ‪ ،‬فيجوز دخول البيت إذا كان ذلك البيت مشرفا على‬
‫العدوّ ‪ ،‬فللغزاة دخوله ليقاتلوا العد ّو فيه وكذا في حالة العلم ‪ ،‬أو الظّنّ الغالب بوجود فسادٍ‬
‫فيه ‪ ،‬فيجوز للمام أو نائبه الهجوم على بيت المفسدين ‪ ،‬وقد هجم عمر رضي ال عنه على‬
‫نائحةٍ في منزلها ‪ ،‬وضربها بالدّرّة حتّى سقط خمارها ‪ ،‬فقيل له فيه ‪ ،‬فقال ‪ :‬ل حرمة لها ‪.‬‬
‫أي لشتغالها بالمحرّم والتحقت بالماء ‪ .‬وقد نفّذ عمر رضي ال عنه التّعزير لهتك حرمات‬
‫ل وجد في بيت رجلٍ بعد العتمة ملفّفا ‪ ،‬فضربه عمر مائة جلد ٍة ‪ .‬وكما‬
‫البيت ‪ ،‬وذلك في رج ٍ‬
‫يحرم الدّخول بل استئذانٍ يحرم النّظر إلى داخل البيوت ‪ ،‬لقول النّبيّ صلى ال عليه وسلم ‪{ :‬‬
‫ن ‪ ،‬فحذفته بحصاةٍ ‪ ،‬فقأت عينه لم يكن عليك جناح }‬
‫ن امرأً اطّلع عليك بغير إذ ٍ‬
‫لو أ ّ‬

‫إباحة دخول البيت ‪:‬‬


‫ل بيتٍ ل يسكنه أحد ‪ ،‬فقال تعالى ‪ { :‬ليس عليكم جناح أن‬
‫‪ - 11‬أباح اللّه عدم الستئذان في ك ّ‬
‫تدخلوا بيوتا غير مسكون ٍة فيها متاع لكم واللّه يعلم ما تبدون وما تكتمون } ذلك لنّ العلّة في‬
‫الستئذان إنّما هي لجل خوف الطّلع على المحرّمات ‪ ،‬فإذا زالت العلّة زال الحكم ‪.‬‬
‫وللتّفصيل ينظر ( استئذان ) ‪.‬‬
‫ول يجوز للمرأة أن تأذن في بيتها إلّ بإذن زوجها ‪ ،‬أو بغلبة ظنّها بأنّه يرضى‬
‫ل للمرأة أن تصوم‬
‫بذلك لحاجةٍ مشروعةٍ لقوله صلى ال عليه وسلم ‪ { :‬ل يح ّ‬
‫وزوجها شاهد إلّ بإذنه ‪ ،‬ول تأذن في بيته إلّ بإذنه } ‪.‬‬

‫دعاء دخول المرء بيته ‪ ،‬ودعاء الخروج منه ‪:‬‬


‫‪ - 12‬من الداب الّتي سنّها رسول اللّه صلى ال عليه وسلم الدّعاء عند دخول البيت وعند‬
‫الخروج منه ‪ .‬من ذلك ما روته أ ّم سلمة ‪ -‬رضي ال عنها ‪ -‬أنّ النّبيّ صلى ال عليه وسلم‬
‫كان إذا خرج من بيته قال ‪ { :‬باسم اللّه ‪ ،‬وتوكّلت على اللّه اللّه ّم إنّي أعوذ بك أن أضلّ ‪ ،‬أو‬
‫أضلّ ‪ ،‬أو أزلّ أو أزلّ ‪ ،‬أو أظلم أو أظلم ‪ ،‬أو أجهل أو يجهل عليّ } ‪ .‬وجاء في دعاء دخول‬
‫ك الشعريّ ‪ -‬رضي ال عنه ‪ -‬قال ‪ :‬قال رسول اللّه صلى ال عليه‬
‫البيت ما رواه أبو مال ٍ‬
‫وسلم ‪ { :‬إذا ولج الرّجل بيته فليقل ‪ :‬اللّهمّ أنّي أسألك خير المولج ‪ ،‬وخير المخرج ‪ ،‬باسم اللّه‬
‫ولجنا ‪ ،‬وباسم اللّه خرجنا ‪ ،‬وعلى اللّه ربّنا توكّلنا ‪ ،‬ثمّ ليسلّم على أهله } ‪.‬‬

‫صلة الرّجل والمرأة الفريضة في البيت ‪:‬‬


‫‪ - 13‬اتّفق الفقهاء على صحّة أداء صلة الفريضة في البيت للرّجل والمرأة ‪ .‬وذهب الحنابلة‬
‫ن الرّجل يأثم إن صلّى الفريضة منفردا في البيت ‪ ،‬مع صحّة صلته ‪ ،‬بناءً على قولهم‬
‫إلى أ ّ‬
‫بوجوب صلة الجماعة على الرّجال الحرار القادرين عليها ‪ ،‬وذهب الشّافعيّة إلى أنّها فرض‬
‫كفايةٍ ‪ ،‬وذهب المالكيّة والحنفيّة إلى أنّها سنّة مؤكّدة ‪ ،‬مع اتّفاق فقهاء المذاهب على أنّ‬
‫ل من الحنابلة ‪ .‬واتّفق الفقهاء‬
‫الجماعة ليست شرطا في صحّة الصّلة ‪ ،‬إلّ على قول ابن عقي ٍ‬
‫على أنّ صلة الرّجل في المسجد جماعةً أفضل من صلته منفردا في البيت ‪ ،‬لحديث أبي‬
‫هريرة ‪ -‬رضي ال عنه ‪ -‬قال ‪ :‬قال رسول اللّه صلى ال عليه وسلم ‪ { :‬صلة الجماعة‬
‫أفضل من صلة أحدكم وحده بخمسٍ وعشرين درج ًة } وفي رواي ٍة ‪ { :‬بسبعٍ وعشرين درجةً }‬
‫‪ .‬أمّا في حقّ النّساء فإنّ صلتهنّ في البيت أفضل ‪ ،‬لحديث أمّ سلمة مرفوعا ‪ { :‬خير مساجد‬
‫النّساء قعر بيوتهنّ } ولحديث عبد اللّه بن مسعودٍ رضي ال عنه قال ‪ :‬قال رسول اللّه صلى‬
‫ال عليه وسلم ‪ { :‬صلة المرأة في بيتها أفضل من صلتها في حجرتها ‪ ،‬وصلتها في‬
‫مخدعها أفضل من صلتها في بيتها } وعن { أمّ حميدٍ السّاعديّة أنّها جاءت إلى رسول اللّه‬
‫صلى ال عليه وسلم فقالت ‪ :‬يا رسول اللّه إنّي أحبّ الصّلة معك ‪ ،‬فقال صلى ال عليه وسلم‬
‫‪ :‬قد علمت ‪ .‬وصلتك في بيتك خير لك من صلتك في حجرتك ‪ ،‬وصلة في حجرتك خير‬
‫لك من صلتك في دارك ‪ ،‬وصلتك في دارك خير لك من صلتك في مسجد قومك ‪،‬‬
‫وصلتك في مسجد قومك خير لك من صلتك في مسجد الجماعة } ‪ .‬قال النّوويّ ‪ :‬يستحبّ‬
‫للزّوج أن يأذن لزوجته في شهود الجماعة في المسجد ‪ ،‬لحديث أبي هريرة ‪ -‬رضي ال عنه‬
‫‪ -‬قال ‪ :‬قال رسول اللّه صلى ال عليه وسلم ‪ { :‬ل تمنعوا إماء اللّه مساجد اللّه ‪ ،‬ولكن‬
‫ليخرجن وهنّ تفلت } ‪ .‬أي تاركات للطّيب ‪ .‬ولحديث ابن عمر مرفوعا { إذا استأذنكم‬
‫ن } ‪ .‬غير أنّه يكره للمرأة حضور جماعة المسجد إذا‬
‫نساؤكم باللّيل إلى المسجد فأذنوا له ّ‬
‫ترتّب على خروجها من البيت وحضورها الجماعة فتنة ‪ ،‬وللزّوج منعها من ذلك ‪ ،‬ول يأثم ‪.‬‬
‫ن حقّ الزّوج في ملزمة البيت واجب ‪ ،‬فل‬
‫وحمل النّهي في الحديث على نهي التّنزيه ‪ ،‬ل ّ‬
‫تتركه للفضيلة ‪.‬‬

‫صلة النّافلة في البيت ‪:‬‬


‫سنّة أن تصلّى النّوافل في البيت ‪ .‬فقد روى زيد بن ثابتٍ رضي ال عنه أنّ النّبيّ‬
‫‪ - 14‬من ال ّ‬
‫ن أفضل صلة المرء في بيته ‪،‬‬
‫صلى ال عليه وسلم قال ‪ { :‬صلّوا أيّها النّاس في بيوتكم ‪ ،‬فإ ّ‬
‫إلّ المكتوبة } ‪ .‬ووجه أفضليّتها ‪ :‬أنّ الصّلة في البيت أقرب إلى الخلص ‪ ،‬وأبعد من الرّياء‬
‫‪ ،‬لما فيه من السرار بالعمل الصّالح ‪ ،‬وهو أفضل من العلن به ‪ .‬وقد جاء تعليل أداء‬
‫النّافلة في البيت في قوله صلى ال عليه وسلم ‪ { :‬اجعلوا في بيوتكم من صلتكم ‪ ،‬ول‬
‫تتّخذوها قبورا } فالبيت الّذي ل يذكر اللّه فيه ‪ ،‬ول تقام فيه الصّلة ‪ ،‬يكون كالقبر الخرب ‪.‬‬
‫بل من الخير أن يجعل المرء نصيبا من صلته في بيته ‪ ،‬حتّى يعمّره بالذّكر والتّقرّب إلى‬
‫اللّه سبحانه وتعالى ‪ .‬وجاء في حديث جابرٍ رضي ال عنه قال ‪ :‬قال رسول اللّه صلى ال‬
‫ن اللّه‬
‫عليه وسلم ‪ { :‬إذا قضى أحدكم الصّلة في مسجده ‪ ،‬فليجعل لبيته نصيبا من صلته ‪ ،‬فإ ّ‬
‫جاعل في بيته من صلته خيرا } ‪.‬‬

‫العتكاف في البيت ‪:‬‬


‫‪ - 15‬اتّفق الفقهاء على أنّه ل يجوز للرّجل أن يعتكف في مسجد بيته ‪ ،‬وهو المكان المعزول‬
‫المهيّأ المتّخذ للصّلة في البيت ‪ .‬وذهب المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة إلى عدم جواز اعتكاف‬
‫س رضي ال عنهما ‪ { :‬سئل عن‬
‫المرأة في مسجد بيتها كذلك ‪ .‬مستدلّين بالثر عن ابن عبّا ٍ‬
‫امرأةٍ جعلت عليها ‪ -‬أي نذرت ‪ -‬أن تعتكف في مسجد بيتها ‪ ،‬فقال ‪ :‬بدعة ‪ ،‬وأبغض‬
‫العمال إلى اللّه البدع ‪ ،‬فل اعتكاف إلّ في مسجدٍ تقام فيه الصّلة } ولنّ مسجد البيت ليس‬
‫بمسجدٍ حقيقةً ول حكما ‪ .‬ولو جاز لفعلته أمّهات المؤمنين ولو مرّ ًة ‪ ،‬تبيينا للجواز ‪ .‬وذهب‬
‫ن موضع العتكاف في حقّها هو‬
‫الحنفيّة إلى جواز اعتكاف المرأة في مسجد بيتها ‪ ،‬ل ّ‬
‫الموضع الّذي تكون صلتها فيه أفضل ‪ ،‬كما في حقّ الرّجل ‪ ،‬وصلتها في مسجد بيتها‬
‫أفضل ‪ ،‬فكان موضع العتكاف مسجد بيتها ‪ .‬كما ذهبوا إلى أنّه ل يجوز لها أن تخرج من‬
‫معتكفها في البيت إلى نفس البيت ‪ .‬كما في رواية الحسن ‪.‬‬

‫حكم الحلف على سكنى البيت ‪:‬‬


‫‪ - 16‬لو حلف ل يسكن بيتا ‪ ،‬ول نيّة له ‪ ،‬فسكن بيتا من شعرٍ أو فسطاطا أو خيمةً ‪ ،‬لم يحنث‬
‫إن كان من أهل المصار ‪ ،‬وحنث إن كان من أهل البادية ‪ ،‬لنّ البيت اسم لموضعٍ يبات‬
‫فيه ‪ ،‬واليمين تتقيّد بما عرف من مقصود الحالف ‪ ،‬وأهل البادية يسكنون البيوت المتّخذة من‬
‫الشّعر ‪ ،‬فإذا كان الحالف بدويّا يحنث ‪ ،‬بخلف ما إذا كان من أهل المصار ‪.‬‬

‫‪ -‬يطلق البيت الحرام على الكعبة ‪ ،‬وسمّى اللّه الكعبة البيت‬ ‫‪1‬‬ ‫البيت الحرام‬
‫الحرام ‪ ،‬في مثل قوله تعالى ‪ { :‬جعل اللّه الكعبة البيت الحرام قياما للنّاس } ويقال‬
‫للكعبة أيضا ‪ :‬بيت اللّه ‪ ،‬إعظاما لها وتشريفا ‪ ،‬كما في قوله تعالى ‪ { :‬وطهّر‬
‫بيتي للطّائفين والقائمين وال ّركّع السّجود } ويطلق على ‪ :‬المسجد الحرام ‪ ،‬وعلى‬
‫حرم مكّة وما حولها إلى العلم المعروفة ‪.‬‬
‫‪ - 2‬والبيت الحرام أوّل مسجدٍ وضع للعبادة في الرض ‪ ،‬لقوله تعالى ‪ { :‬إنّ أوّل بيتٍ وضع‬
‫للنّاس للّذي ببكّة مباركا وهدًى للعالمين } وعن أبي ذرّ رضي ال عنه قال ‪ { :‬سألت رسول‬
‫اللّه صلى ال عليه وسلم عن أوّل مسجدٍ وضع في الرض قال ‪ :‬المسجد الحرام } ولمعرفة‬
‫ل من الكعبة والمسجد الحرام ر ‪ ( :‬الكعبة ‪ .‬المسجد الحرام ) ‪.‬‬
‫أحكام ك ّ‬

‫بيت الخلء ‪ .‬انظر ‪ :‬قضاء الحاجة ‪.‬‬

‫بيت الزّوجيّة‬
‫التّعريف‬
‫‪ - 1‬البيت لغ ًة ‪ :‬المسكن ‪ ،‬وبيت الرّجل داره ‪ .‬وبيت الزّوجيّة ‪ :‬محلّ منفرد معيّن مختصّ‬
‫بالزّوجة ‪ ،‬ل يشاركها أحد في سكناه من أهل الزّوج المميّزين ‪ ،‬وله غلق يخصّه ومرافق‬
‫سواء كانت في البيت أو في الدّار ‪ ،‬على أل يشاركها فيها أحد إلّ برضاها ‪ .‬وهذا في غير‬
‫الفقراء الّذين يشتركون في بعض المرافق ‪ .‬ما يراعى في بيت الزّوجيّة ‪:‬‬
‫‪ - 2‬يرى الحنفيّة ‪ -‬على المفتى به ‪ -‬عندهم ‪ ،‬والحنابلة ‪ ،‬وهو رواية عند الشّافعيّة أنّ بيت‬
‫الزّوجيّة يكون بقدر حال الزّوجين في اليسار والعسار ‪ ،‬فليس مسكن الغنياء كمسكن الفقراء‬
‫ن بالمعروف } فقوله بالمعروف يقتضي‬
‫‪ ،‬لقوله تعالى ‪ { :‬وعلى المولود له رزقهنّ وكسوته ّ‬
‫ن بيت الزّوجيّة ‪ -‬في الصل ‪ -‬بيت دوا ٍم واستقرارٍ ‪ ،‬فجرى‬
‫مراعاة حال الزّوجين ‪ ،‬ول ّ‬
‫ن " محلّ‬
‫مجرى النّفقة والكسوة ‪ ،‬ويراعي الحاكم حالهما عند التّنازع ‪ .‬ويرى المالكيّة ‪ :‬أ ّ‬
‫الطّاعة " يكون حسب العادة الجارية بين أهل بلد الزّوجين بقدر وسع الرّجل وحال المرأة ‪.‬‬
‫فإن تساويا فقرا أو غنًى اعتبر حالهما ‪ ،‬وإن كان فقيرا ل قدرة له إلّ على أدنى الكفاية ‪،‬‬
‫فالعبرة بوسعه فقط ‪ .‬وإن كان غنيّا ذا قدرٍ ‪ ،‬وهي فقيرة ‪ ،‬أجيبت لحالةٍ أعلى من حالها ودون‬
‫ن له قدر ًة على أرفع من حاله ‪ ،‬ول قدرة‬
‫حاله ‪ .‬وإن كانت غنّيةً ذات قدرٍ ‪ ،‬وهو فقير ‪ ،‬إلّ أ ّ‬
‫له على حالها رفعها بالقضاء إلى الحالة الّتي يقدر عليها ‪ .‬ويرى الشّافعيّة على المعتمد‬
‫ن بيت الزّوجيّة يكون بما يليق بحال المرأة عاد ًة ‪ ،‬إذ هو إمتاع ‪ ،‬سواء كان دارا أو‬
‫عندهم ‪ :‬أ ّ‬
‫حجر ًة أو غيرهما ‪ .‬وظاهر الرّواية عند الحنفيّة ‪ :‬اعتبار حال الزّوج فقط ‪ ،‬لقوله تعالى ‪:‬‬
‫ن من حيث سكنتم من وجدكم } وهو خطاب للزواج ‪ ،‬وبه قال جمع كثير منهم ‪،‬‬
‫{ أسكنوه ّ‬
‫ل ثالثٍ للشّافعيّة ‪ :‬أنّ مسكن الطّاعة يكون على قدر يسار‬
‫ونصّ عليه محمّد ‪ .‬وكذا في قو ٍ‬
‫الزّوج وإعساره وتوسّطه كالنّفقة ‪.‬‬

‫شروط بيت الزّوجيّة ‪:‬‬


‫ن بيت الزّوجيّة يراعى فيه ما يأتي ‪:‬‬
‫‪ - 3‬يرى الفقهاء أ ّ‬
‫أ ‪ -‬أن يكون خاليا عن أهل الزّوج ‪ ،‬سوى طفله غير المميّز ‪ ،‬لنّ المرأة تتضرّر بمشاركة‬
‫غيرها في بيت الزّوجيّة الخاصّ بها ‪ ،‬ول تأمن على متاعها ‪ ،‬ويمنعها ذلك من معاشرة‬
‫زوجها ‪ ،‬وهذا بالنّسبة إلى بيت الزّوجيّة متّفق عليه بين الفقهاء ‪ .‬أمّا سكنى أقارب الزّوج أو‬
‫زوجاته الخريات في الدّار الّتي فيها بيت الزّوجيّة ‪ ،‬إذا لم ترض بسكناهم معها فيها ‪ ،‬فقد قال‬
‫الحنفيّة ‪ :‬إنّه إذا كان لها بيت منفرد في الدّار له غلق ومرافق خاصّة كفاها ‪ ،‬ومقتضاه أنّه‬
‫ليس لها العتراض حينئ ٍذ على سكنى أقاربه في بقيّة الدّار ‪ ،‬إن لم يكن أحد منهم يؤذيها ‪.‬‬
‫ن هذا سبب‬
‫وقالوا أيضا ‪ :‬له أن يسكن ضرّتها حينئ ٍذ في الدّار ما لم تكن المرافق مشتركةً ‪ ،‬ل ّ‬
‫للتّخاصم ‪ .‬ومثله في الجملة مذهب الشّافعيّة ‪ .‬وفي قولٍ عند بعض الحنفيّة ارتضاه ابن‬
‫عابدين ‪ :‬أنّه يفرّق بين الشّريفة والوضيعة ‪ ،‬ففي الشّريفة ذات اليسار ل بدّ من إفرادها في‬
‫دارٍ ‪ ،‬ومتوسّطة الحال يكفيها بيت واحد من دارٍ ‪ .‬وبنحو هذا قال المالكيّة على تفصيلٍ ذكروه‬
‫‪ ،‬كما نصّ عليه صاحب الشّرح الكبير ‪ ،‬قال ‪ :‬للزّوجة المتناع من أن تسكن مع أقارب‬
‫الزّوج كأبويه في دارٍ واحدةٍ ‪ ،‬لما فيه من الضّرر عليها باطّلعهم على حالها ‪ ،‬إلّ الوضيعة‬
‫فليس لها المتناع من السّكنى معهم ‪ ،‬وكذا الشّريفة إن اشترطوا عليها سكناها معهم ‪ .‬ومحلّ‬
‫ذلك فيما لم يطّلعوا على عوراتها ‪ .‬ونصّ المالكيّة أيضا على أنّ له أن يسكن معها ولده‬
‫الصّغير من غيرها ‪ ،‬إن كانت عالمةً به وقت البناء ‪ ،‬أو لم يكن له حاضن غير أبيه ‪ ،‬وإن لم‬
‫تعلم به وقت البناء ‪ .‬وقال الحنابلة ‪ :‬إن أسكن زوجتيه في دارٍ واحدةٍ ‪ ،‬كلّ واحد ٍة منهما في‬
‫بيتٍ ‪ ،‬جاز إذا كان بيت كلّ واحد ٍة منهما كمسكن مثلها ‪ ،‬وهذا يقتضي أنّه إذا كان مسكن مثلها‬
‫دارا مستقّلةً فيلزم الزّوج ذلك ‪ .‬أمّا خادم الزّوج أو الزّوجة ‪ :‬سواء من جهتها أو من جهة‬
‫الزّوج ‪ ،‬فيجوز سكناه في الدّار ‪ ،‬لنّ نفقته واجبة على الزّوج ‪ ،‬ول يكون الخادم إلّ ممّن‬
‫يجوز نظره إلى الزّوجة كالمرأة الحرّة ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬أن يكون خاليا من سكنى ضرّتها ‪ ،‬لما بينهما من الغيرة ‪ ،‬واجتماعهما يثير الخصومة‬
‫ن الحقّ لهما ‪ ،‬ولهما الرّجوع بعدئذٍ ‪.‬‬
‫والمشاجرة ‪ ،‬إلّ إن رضيتا بسكناهما معا ‪ ،‬ل ّ‬
‫ن صالحين ‪ ،‬وهم من تقبل شهادتهم ‪ ،‬وذلك لتأمن فيه على نفسها‬
‫ج ‪ -‬أن يكون بين جيرا ٍ‬
‫ومالها ‪ ،‬ومفاده أنّ البيت بل جيرانٍ ليس مسكنا شرعيّا ‪ ،‬إن كانت ل تأمن فيه على نفسها‬
‫ومالها ‪.‬‬
‫د ‪ -‬أن يكون مشتملً على جميع ما يلزم لمعيشة أمثالهما عادةً على ما تقدّم ‪ ،‬وعلى جميع ما‬
‫يحتاج إليه من المرافق اللّازمة ‪.‬‬

‫سكنى الطّفل الرّضيع في بيت الزّوجيّة ‪:‬‬


‫‪ - 4‬اتّفق الفقهاء على أنّ المرأة إذا تعيّن عليها إرضاع طفلها ‪ ،‬أو كانت آجرت نفسها‬
‫للرضاع ‪ ،‬وهي غير متزوّج ٍة ‪ ،‬ثمّ تزوّجت ‪ ،‬فليس للزّوج فسخ عقد الرضاع ‪ ،‬وكذلك ليس‬
‫له الفسخ إذا أذن لها ‪ ،‬وفي هاتين الحالتين لها أن تسكن الرّضيع معها في بيت الزّوجيّة ‪.‬‬

‫ما يجيز للزّوجة الخروج من بيت الزّوجيّة ‪ :‬الصل أنّه ليس للمرأة الخروج من‬
‫بيت الزّوجيّة إلّ بإذن زوجها ‪ ،‬إلّ في حالتٍ خاصّةٍ ‪ .‬وقد اختلف الفقهاء في تلك‬
‫الحالت ‪ ،‬وأهمّها ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬زيارة أهلها ‪:‬‬
‫‪ - 5‬الرّاجح عند الحنفيّة ‪ :‬إنّه يجوز للمرأة أن تخرج من بيت الزّوجيّة لزيارة أبويها كلّ‬
‫ل سنةٍ ‪ ،‬وإن لم يأذن زوجها ‪ .‬ولها الخروج لعيادة والديها‬
‫أسبوعٍ ‪ ،‬أو زيارة المحارم ك ّ‬
‫وحضور جنازتهما أو أحدهما ‪ .‬وعن أبي يوسف ‪ :‬تقييد خروج المرأة من بيت الزّوجيّة‬
‫ل جمعةٍ بأن ل يقدرا على زيارتها ‪ ،‬فإن قدرا ل تذهب ‪ .‬وأجاز المالكيّة ‪:‬‬
‫لزيارة أبويها ك ّ‬
‫للمرأة الخروج من بيت الزّوجيّة لزيارة والديها ‪ ،‬ويقضى لها بزيارتهما مرّ ًة كلّ أسبوعٍ ‪ ،‬إن‬
‫كانت مأمونةً ولو شابّ ًة ‪ ،‬وحالها محمول على المانة حتّى يظهر خلفها ‪ .‬وإن حلف ‪ :‬أن ل‬
‫تزور والديها يحنث في يمينه ‪ ،‬بأن يحكم لها القاضي بالخروج للزّيارة ‪ ،‬فإذا خرجت بالفعل‬
‫حنث ‪ ،‬وهذا على فرض أنّ والديها بالبلد ‪ ،‬ل إن بعدا عنها فل يقضى لها ‪ ،‬وليس لها أن‬
‫ص منعها من الزّيارة بل‬
‫تخرج لزيارتهما إن حلف باللّه أنّها ل تخرج ‪ ،‬وأطلق ‪ -‬بحيث لم يخ ّ‬
‫منعها من الخروج أصلً ‪ -‬لفظا ونيّةً ‪ ،‬ول يقضى عليه بخروجها ولو لزيارة والديها إذا‬
‫طلبتها ‪ ،‬لنّه في حال التّخصيص يظهر منه قصد ضررها ‪ ،‬فلذا حنث ‪ ،‬بخلف حال التّعميم‬
‫فإنّه لم يظهر منه قصد الضّرر ‪ ،‬فلذا ل يقضى عليه بخروجها ول يحنث ‪ .‬وإن لم تكن‬
‫مأمون ًة ‪ ،‬لم تخرج ولو متجالّ ًة ‪ ،‬أو مع أمين ٍة ‪ ،‬لتطرّق فسادها بالخروج ‪ .‬وجوّز الشّافعيّة‬
‫خروج المرأة لزيارة أهلها ولو محارم ‪ -‬على المعتمد عندهم ‪ -‬حيث ل ريبة ‪ ،‬وكذا‬
‫ن ‪ ،‬أو منع قبل غيبته ‪ ،‬فلو منعها‬
‫عيادتهم ‪ ،‬وتشييع جنازتهم ‪ ،‬ولو في غيبة الزّوج من غير إذ ٍ‬
‫قبل غيب ٍة فليس لها الخروج ‪ ،‬والمراد خروج لغير سفرٍ وغيبةٍ عن البلد ‪ .‬وأجاز الحنابلة‬
‫للمرأة الخروج لزيارة والديها بإذن زوجها ‪ ،‬وليس لها الخروج بل إذنه ‪ ،‬لنّ حقّ الزّوج‬
‫ب مهما كان سبب الزّيارة ‪ ،‬ول تخرج بغير إذنه إلّ‬
‫واجب فل يجوز تركه بما ليس بواج ٍ‬
‫لضرور ٍة ‪ ،‬ول يملك الزّوج منعها من زيارتهما إلّ مع ظنّ حصول ضررٍ يعرف بقرائن‬
‫الحوال بسبب زيارتهما لها ‪ ،‬فله منعهما حينئذٍ من زيارتها دفعا للضّرر ‪.‬‬

‫ب ‪ -‬سفر المرأة والمبيت خارج بيت الزّوجيّة ‪:‬‬


‫‪ - 6‬يرى الحنفيّة والمالكيّة والحنابلة جواز خروج المرأة من بيت الزّوجيّة لداء الحجّة‬
‫ج فرض بأصل الشّرع ‪ ،‬ول يملك تحليلها إذا‬
‫المفروضة ‪ ،‬ول يجوز للزّوج منعها لنّ الح ّ‬
‫ج غير مفروضٍ ‪ ،‬لوجوب إتمامه بشروعها فيه ‪ .‬ويرى الشّافعيّة جواز‬
‫أحرمت بإذنه بح ّ‬
‫ج إلّ بإذن الزّوج للفرض وغيره ‪.‬‬
‫ج بإذن الزّوج ‪ ،‬إذ ليس للمرأة الح ّ‬
‫خروج المرأة للح ّ‬

‫ج ‪ -‬العتكاف ‪:‬‬
‫‪ - 7‬يرى الفقهاء جواز خروج المرأة من بيت الزّوجيّة بإذن زوجها للعتكاف في المسجد‬
‫مطلقا ‪ ،‬والمكث فيه مدّته ‪.‬‬

‫د ‪ -‬رعاية المحارم ‪:‬‬


‫‪ - 8‬ذهب جمهور الفقهاء ‪ -‬خلفا للحنابلة ‪ -‬إلى أنّ للمرأة أن تخرج من بيت الزّوجيّة‬
‫لرعاية محارمها ‪ ،‬كأبويها وإخوتها ‪ ،‬وذلك لتمريض المريض أو عيادته ‪ ،‬إذا لم يوجد من‬
‫يقوم عليه واحتاجها ‪ ،‬وعليها تعاهده بقدر احتياجه ‪ ،‬وكذا إذا مات أحد من أقاربها تخرج‬
‫لشهود جنازته ‪ ،‬ويستحبّ لزوجها إذنها بالخروج ‪ ،‬لما في ذلك من صلة الرّحم ‪ ،‬وفي منعها‬
‫من ذلك قطيعة رحمٍ ‪ ،‬وربّما حملها عدم إذنه على مخالفته ‪ ،‬وقد أمر اللّه سبحانه وتعالى‬
‫بالمعاشرة بالمعروف ‪ ،‬فل ينبغي للزّوج منعها ‪ .‬ولم يصرّح الحنابلة بحكم هذه الصّور ‪.‬‬
‫هـ ‪ -‬الخروج لقضاء الحوائج ‪:‬‬
‫‪ - 9‬يرى جمهور الفقهاء أنّه يجوز للمرأة أن تخرج من بيت الزّوجيّة بل إذن الزّوج إن كانت‬
‫لها نازلة ‪ ،‬ولم يغنها الزّوج الثّقة أو نحو محرمها ‪ ،‬وكذا لقضاء بعض حوائجها الّتي ل بدّ لها‬
‫منها ‪ ،‬كإتيانها بالماء من الدّار ‪ ،‬أو من خارجها ‪ ،‬وكذا مأكل ‪ ،‬ونحو ذلك ممّا ل غناء عنه‬
‫للضّرورة إن لم يقم الزّوج بقضائه لها ‪ ،‬وكذا إن ضربها ضربا مبرّحا ‪ ،‬أو كانت تحتاج إلى‬
‫ن للمرأة أن تخرج من بيت الزّوجيّة إن‬
‫الخروج لقاضٍ تطلب عنده حقّها ‪ .‬وصرّح الحنفيّة بأ ّ‬
‫كان البيت مغصوبا ‪ ،‬لنّ السّكنى في المغصوب حرام ‪ ،‬والمتناع عن الحرام واجب ‪ ،‬ول‬
‫تسقط نفقتها ‪ .‬وكذا لو أبت الذّهاب إليه ‪ .‬وصرّح الشّافعيّة والحنابلة بأنّ للمرأة أن تخرج من‬
‫بيت الزّوجيّة للعمل إن أجاز لها زوجها ذلك ‪ ،‬لنّ الحقّ لهما ل يخرج عنهما ‪ ،‬ولها الخروج‬
‫للرضاع إن كانت آجرت نفسها له قبل عقد النّكاح ثمّ تزوّجت ‪ ،‬لصحّة الجارة ‪ ،‬ول يملك‬
‫ن منافعها ملكت بعقدٍ سابقٍ‬
‫الزّوج فسخها ‪ ،‬ول منعها من الرّضاع حتّى تنقضي المدّة ‪ ،‬ل ّ‬
‫ن للمرأة أن تخرج من بيت الزّوجيّة إن‬
‫على نكاح الزّوج مع علمه بذلك ‪ .‬وصرّح الشّافعيّة بأ ّ‬
‫كانت تخاف على نفسها أو مالها من فاسقٍ أو سارقٍ ‪ ،‬أو أخرجها معير المنزل ‪ ،‬كما صرّح‬
‫الشّافعيّة بأنّ لها الخروج والسّفر بإذن الزّوج مطلقا مع محرمٍ ‪ .‬وصرّح الحنفيّة والشّافعيّة أنّه‬
‫يجوز للمرأة الخروج من بيت الزّوجيّة ولو بغير إذن الزّوج ‪ ،‬إن كانت في منزلٍ أضحى كلّه‬
‫أو بعضه يشرف على النهدام ‪ ،‬مع وجود قرين ٍة على ذلك ‪ .‬ولها الخروج إلى مجلس العلم‬
‫برضا الزّوج ‪ ،‬وليس لها ذلك بغير رضاه ‪.‬‬

‫ما يترتّب على رفض الزّوجة القامة في بيت الزّوجيّة ‪:‬‬


‫ن المرأة إذا امتنعت عن القامة في بيت الزّوجيّة بغير حقّ ‪ ،‬سواء أكان‬
‫‪ - 10‬يرى الفقهاء أ ّ‬
‫بعد خروجها منه ‪ ،‬أم امتنعت عن أن تجيء إليه ابتداءً بعد إيفائها معجّل مهرها ‪ ،‬وطلب‬
‫زوجها القامة فيه ‪ ،‬فل نفقة لها ول سكنى حتّى تعود إليه ‪ ،‬لنّها بالمتناع قد فوّتت حقّ‬
‫الزّوج في الحتباس الموجب للنّفقة ‪ ،‬فتكون ناشزا ‪.‬‬

‫بيت المال‬
‫التّعريف‬
‫‪ - 1‬بيت المال لغةً ‪ :‬هو المكان المعدّ لحفظ المال ‪ ،‬خاصّا كان أو عامّا ‪ .‬وأمّا في الصطلح‬
‫‪ :‬فقد استعمل لفظ " بيت مال المسلمين ‪ ،‬أو " بيت مال اللّه " في صدر السلم للدّللة على‬
‫المبنى والمكان الّذي تحفظ فيه الموال العامّة للدّولة السلميّة من المنقولت ‪ ،‬كالفيء وخمس‬
‫الغنائم ونحوها ‪ ،‬إلى أن تصرف في وجوهها ‪ .‬ثمّ اكتفي بكلمة " بيت المال " للدّللة على ذلك‬
‫‪ ،‬حتّى أصبح عند الطلق ينصرف إليه ‪ .‬وتطوّر لفظ " بيت المال " في العصور السلميّة‬
‫اللّاحقة إلى أن أصبح يطلق على الجهة الّتي تملك المال العامّ للمسلمين ‪ ،‬من النّقود والعروض‬
‫ل مالٍ ثبتت عليه اليد في بلد‬
‫والراضي السلميّة وغيرها ‪ .‬والمال العامّ هنا ‪ :‬هو ك ّ‬
‫المسلمين ‪ ،‬ولم يتعيّن مالكه ‪ ،‬بل هو لهم جميعا ‪ .‬قال القاضي الماورديّ والقاضي أبو يعلى ‪:‬‬
‫ل استحقّه المسلمون ‪ ،‬ولم يتعيّن مالكه منهم ‪ ،‬فهو من حقوق بيت المال ‪ .‬ثمّ قال ‪:‬‬
‫كلّ ما ٍ‬
‫وبيت المال عبارة عن الجهة ل عن المكان ‪ .‬أمّا خزائن الموال الخاصّة للخليفة أو غيره‬
‫فكانت تسمّى " بيت مال الخاصّة » ‪.‬‬
‫ن ديوان بيت المال هو‬
‫‪ - 2‬وينبغي عدم الخلط بين ( ديوان بيت المال ) ( وبيت المال ) فإ ّ‬
‫ي وأبي يعلى ‪:‬‬
‫الدارة الخاصّة بتسجيل الدّخل والخرج والموال العامّة ‪ .‬وهو عند الماورد ّ‬
‫أحد دواوين الدّولة ‪ ،‬فقد كانت في عهدهما أربعة دواوين ‪ :‬ديوان يختصّ بالجيش ‪ .‬وديوان‬
‫ص ببيت المال ‪ .‬وليس للدّيوان سلطة‬
‫يختصّ بالعمال ‪ ،‬وديوان يختصّ بالعمّال ‪ ،‬وديوان يخت ّ‬
‫التّصرّف في أموال بيت المال ‪ ،‬وإنّما عمله قاصر على التّسجيل فقط ‪ .‬والدّيوان في الصل‬
‫بمعنى ( السّجلّ ) أو ( الدّفتر ) وكان في أوّل السلم عبارةً عن الدّفتر الّذي تثبت فيه أسماء‬
‫المرتزقة ( من لهم رزق في بيت المال ) ثمّ تنوّع بعد ذلك ‪ ،‬كما سبق ‪ .‬ومن واجبات كاتب‬
‫الدّيوان أن يحفظ قوانين بيت المال على الرّسوم العادلة ‪ ،‬من غير زياد ٍة تتحيّف بها الرّعيّة ‪،‬‬
‫أو نقصانٍ ينثلم به حقّ بيت المال ‪ .‬وعليه فيما يختصّ ببيت المال أن يحفظ قوانينه ورسومه ‪،‬‬
‫ي وأبو يعلى أعماله في ستّة أمورٍ ‪ ،‬نذكرها باختصارٍ ‪:‬‬
‫وقد حصر القاضيان الماورد ّ‬
‫أ ‪ -‬تحديد العمل بما يتميّز به عن غيره ‪ ،‬وتفصيل نواحيه الّتي تختلف أحكامها ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬أن يذكر حال البلد ‪ ،‬هل فتحت عنو ًة أو صلحا ‪ ،‬وما استقرّ عليه حكم أرضها من عشرٍ‬
‫أو خراجٍ بالتّفصيل ‪.‬‬
‫ج ‪ -‬أن يذكر أحكام خراج البلد وما استقرّ على أراضيه ‪ ،‬هل هو خراج مقاسم ٍة ‪ ،‬أم خراج‬
‫وظيف ٍة ( دراهم معلومة موظّفة على الرض ) ‪.‬‬
‫د ‪ -‬أن يذكر ما في كلّ ناحي ٍة من أهل ال ّذمّة ‪ ،‬وما استقرّ عليهم في عقد الجزية ‪.‬‬
‫ل جنسٍ ‪ ،‬ليعلم ما يؤخذ‬
‫هـ ‪ -‬إن كان البلد من بلدان المعادن ‪ ،‬يذكر أجناس معادنه ‪ ،‬وعدد ك ّ‬
‫ممّا ينال منه ‪.‬‬
‫و ‪ -‬إن كان البلد يتاخم دار الحرب ‪ ،‬وكانت أموالهم إذا دخلت دار السلم تعشّر عن صلحٍ‬
‫استقرّ معهم ‪ ،‬أثبت في الدّيوان عقد صلحهم وقدر المأخوذ منهم ‪ .‬نشأة بيت المال في السلم‬
‫‪:‬‬
‫ن عمر بن الخطّاب رضي ال عنه كان أوّل من اتّخذ بيت‬
‫‪ - 3‬تشير بعض المصادر إلى أ ّ‬
‫ن أبا بكرٍ رضي ال عنه كان‬
‫ن كثيرا من المصادر تذكر أ ّ‬
‫المال ‪ .‬نقل ذلك ابن الثير ‪ .‬غير أ ّ‬
‫قد اتّخذ بيت مالٍ للمسلمين ‪ .‬ففي الستيعاب لبن عبد البرّ وتهذيب التّهذيب لبن حجرٍ في‬
‫ترجمة معيقيبٍ بن أبي فاطمة ‪ :‬استعمله أبو بكرٍ وعمر على بيت المال ‪ .‬بل ذكر ابن الثير‬
‫ل بالسّنح ( من ضواحي المدينة )‬
‫ن أبا بكرٍ رضي ال عنه كان له بيت ما ٍ‬
‫في موضعٍ آخر ‪ :‬أ ّ‬
‫وكان يسكنه إلى أن انتقل إلى المدينة ‪ .‬فقيل له ‪ :‬أل نجعل عليه من يحرسه ؟ قال ‪ :‬ل ‪ .‬فكان‬
‫ينفق ما فيه على المسلمين ‪ ،‬فل يبقى فيه شيء ‪ ،‬فلمّا انتقل إلى المدينة جعل بيت المال في‬
‫داره ‪ .‬ولمّا توفّي أبو بكرٍ جمع عمر المناء ‪ ،‬وفتح بيت المال ‪ ،‬فلم يجدوا فيه غير دينارٍ‬
‫سقط من غرارةٍ ‪ ،‬فترحموا عليه ‪ .‬وقال ‪ :‬وأمر أبو بكرٍ أن ير ّد جميع ما أخذ من بيت المال‬
‫لنفقته بعد وفاته ‪ .‬وفي كتاب الخراج لبي يوسف أنّ خالد بن الوليد ‪ -‬في عهده لهل الحيرة‬
‫زمن أبي بكرٍ رضي ال عنه ‪ -‬كتب لهم ‪ :‬وجعلت لهم أيّما شيخٍ ضعف عن العمل ‪ ،‬أو‬
‫أصابته آفة ‪ ،‬أو كان غنيّا فافتقر وصار أهل دينه يتصدّقون عليه ‪ ،‬طرحت جزيته ‪ ،‬وعيل من‬
‫بيت مال المسلمين وعياله ما أقام بدار الهجرة ودار السلم ‪ ...‬وشرطت عليهم جباية ما‬
‫صالحتهم عليه ‪ ،‬حتّى يؤدّوه إلى بيت مال المسلمين عمّا لهم منهم ‪.‬‬
‫سنّة وغيرها من المراجع ‪ -‬فيما اطّلعنا عليه ‪-‬‬
‫‪ - 4‬أمّا النّبيّ صلى ال عليه وسلم فل تذكر ال ّ‬
‫استعمال هذه التّسمية " بيت المال " في عهده صلى ال عليه وسلم ‪ .‬ولكن يظهر من كثيرٍ من‬
‫الحاديث الواردة أنّ بعض وظائف بيت المال كانت قائم ًة ‪ ،‬فإنّ الموال العامّة من الفيء ‪،‬‬
‫ل ذلك‬
‫وأخماس الغنائم ‪ ،‬وأموال الصّدقات ‪ ،‬وما يهيّأ للجيش من السّلح والعتاد ونحو ذلك ‪ ،‬ك ّ‬
‫كان يضبطه الكتّاب وكان يخزّن إلى أن يحين موعد إخراجه ‪ .‬أمّا فيما بعد عهد عمر رضي‬
‫ال عنه فقد استمرّ بيت المال يؤدّي دوره طيلة العهود السلميّة إلى أن جاءت النّظم‬
‫المعاصرة ‪ ،‬فاقتصر دوره في الوقت الحاضر ‪ -‬في بعض البلد السلميّة ‪ -‬على حفظ‬
‫الموال الضّائعة ومال من ل وارث له ‪ ،‬وقام بدوره في غير ذلك وزارات الماليّة والخزانة ‪.‬‬

‫سلطة التّصرّف في أموال بيت المال ‪:‬‬


‫‪ - 5‬سلطة التّصرّف في بيت مال المسلمين للخليفة وحده أو من ينيبه ‪ .‬وذلك لنّ المام نائب‬
‫عن المسلمين فيما لم يتعيّن المتصرّف فيه منهم ‪ .‬وكلّ من يتصرّف في شيءٍ من حقوق بيت‬
‫المال فل بدّ أن يستمدّ سلطته في ذلك من سلطة المام ‪ .‬ويجب ‪ -‬وهو ما جرت عليه العادة‬
‫‪ -‬أن يولّي الخليفة على بيت المال رجلً من أهل المانة والقدرة ‪ .‬وكان المتصرّف في بيت‬
‫المال بإنابة الخليفة يسمّى " صاحب بيت المال " وإنّما يتصرّف فيه طبقا لما يحدّده الخليفة من‬
‫طرق الصّرف ‪ .‬وكون الحقّ في التّصرّف في أموال بيت المال للخليفة ليس معناه أن‬
‫ص ‪ ،‬فإن كان يفعل ذلك قيل ‪ :‬إنّ‬
‫يتصرّف فيها طبقا لما يشتهي ‪ ،‬كما يتصرّف في ماله الخا ّ‬
‫بيت المال قد فسد ‪ ،‬أو أصبح غير منتظمٍ ‪ ،‬ويستتبع ذلك أحكاما خاصّ ًة يأتي بيانها ‪ ،‬بل ينبغي‬
‫أن يكون تصرّفه في تلك الموال كتصرّف وليّ اليتيم في مال اليتيم ‪ ،‬كما قال عمر بن‬
‫الخطّاب رضي ال عنه ‪ :‬إنّي أنزلت نفسي من هذا المال بمنزلة وليّ اليتيم ‪ ،‬إن استغنيت‬
‫استعففت ‪ ،‬وإن افتقرت أكلت بالمعروف ‪ ،‬فإذا أيسرت قضيت ‪ .‬ويعني ذلك أن يتصرّف في‬
‫المال بالّذي يرى أنّه خير للمسلمين وأصلح لمرهم ‪ ،‬دون التّصرّف بالتّشهّي والهوى والثرة‬
‫‪ .‬وبيّن القاضي أبو يعلى أنّ ما يلزم المام من أمور المّة عشرة أشياء ‪ ،‬منها ‪ :‬جباية الفيء‬
‫والصّدقات على ما أوجبه الشّرع ‪ .‬ومنها تقدير العطاء وما يستحقّ في بيت المال من غير‬
‫ت ل تقديم فيه ول تأخير ‪ .‬وله أن يعطي الجوائز من بيت‬
‫سرفٍ ول تقصيرٍ ‪ ،‬ودفعه في وق ٍ‬
‫المال لمن كان فيه نفع ظاهر للمسلمين ‪ ،‬وقوّة على العدوّ ‪ ،‬ونحو ذلك ممّا فيه المصلحة ‪ .‬وقد‬
‫كانت العادة في صدر الدّولة السلميّة أنّ العامل ( أي الوالي ) على بلدٍ أو إقليمٍ ‪ ،‬ينوب عن‬
‫ض منه في الجباية لبيت المال والنفاق منه ‪ ،‬وكان المفترض فيه أن يتصرّف‬
‫المام بتفوي ٍ‬
‫على الوجه الشّرعيّ المعتبر ‪ .‬ولم يكن ذلك للقضاة ‪ .‬وربّما كان صاحب بيت المال في بعض‬
‫المصار يتّبع الخليفة مباشر ًة ‪ ،‬مستقلّا عن عامل المصر ‪.‬‬

‫موارد بيت المال ‪:‬‬


‫‪ - 6‬موارد بيت المال الصناف التّالية ‪ ،‬وأمّا صفة اليد على ك ّل منها فإنّها مختلفة ‪ ،‬كما‬
‫سنبيّنه فيما بعد ‪.‬‬
‫أ ‪ -‬الزّكاة بأنواعها ‪ ،‬الّتي يأخذها المام سواء أكانت زكاة أموالٍ ظاهرةٍ أم باطنةٍ ‪ ،‬من‬
‫السّوائم والزّروع والنّقود والعروض ‪ ،‬ومنها عشور تجّار المسلمين إذا مرّوا بتجارتهم على‬
‫ل أخذ من الكفّار بالقتال ‪ ،‬ما عدا‬
‫العاشر ‪ .‬ب ‪ -‬خمس الغنائم المنقولة ‪ .‬والغنيمة هي كلّ ما ٍ‬
‫الراضي والعقارات ‪ ،‬فيورّد خمسها لبيت المال ‪ ،‬ليصرف في مصارفه ‪ .‬قال اللّه تعالى ‪:‬‬
‫ن للّه خمسه وللرّسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن‬
‫{ واعلموا أنّما غنمتم من شيءٍ فأ ّ‬
‫السّبيل ‪ } ...‬الية ‪.‬‬
‫ج ‪ -‬خمس الخارج من الرض من المعادن من الذّهب والفضّة والحديد وغيرها ‪ ،‬وقيل ‪:‬‬
‫مثلها المستخرج من البحر من لؤلؤٍ وعنبرٍ وسواهما ‪.‬‬
‫ل مالٍ دفن في الرض بفعل النسان ‪ ،‬والمراد هنا كنوز‬
‫د ‪ -‬خمس الرّكاز ( الكنوز ) وهو ك ّ‬
‫أهل الجاهليّة والكفر إذا وجده مسلم ‪ ،‬فخمسه لبيت المال ‪ ،‬وباقيه بعد الخمس لواجده ‪.‬‬
‫ل مالٍ منقولٍ أخذ من الكفّار بغير قتالٍ ‪ ،‬وبل إيجاف خيلٍ ول ركابٍ ‪.‬‬
‫هـ ‪ -‬الفيء ‪ :‬وهو ك ّ‬
‫والفيء أنواع ‪ ) 1 ( :‬ما جل عنه الكفّار خوفا من المسلمين من الراضي والعقارات ‪ ،‬وهي‬
‫ل سنةٍ ‪ ،‬نصّ عليه الشّافعيّة ‪ .‬وفي ذلك‬
‫توقف كالراضي المغنومة بالقتال ‪ ،‬وتقسّم غلّاتها ك ّ‬
‫خلف ( انظر ‪ :‬فيء ) ‪ ) 2 ( .‬ما تركوه وجلوا عنه من المنقولت ‪ .‬وهو يقسّم في الحال ول‬
‫ج أو أجرةٍ عن الراضي الّتي ملكها المسلمون ‪،‬‬
‫يوقف ‪ ) 3 ( .‬ما أخذ من الكفّار من خرا ٍ‬
‫ودفعت بالجارة لمسلمٍ أو ذمّيّ ‪ ،‬أو عن الراضي الّتي أقرّت بأيدي أصحابها من أهل ال ّذمّة‬
‫صلحا أو عنوةً على أنّها لهم ‪ ،‬ولنا عليها الخراج ‪ ) 4 ( .‬الجزية وهي ‪ :‬ما يضرب على‬
‫س من الرّجال البالغين القادرين‬
‫رقاب الكفّار لقامتهم في بلد المسلمين ‪ .‬فيفرض على كلّ رأ ٍ‬
‫مبلغ من المال ‪ ،‬أو يضرب على البلد كلّها أن تؤدّي مبلغا معلوما ‪ .‬ولو أدّاها من ل تجب‬
‫عليه كانت هبةً ل جزي ًة ‪ ) 5 ( .‬عشور أهل ال ّذمّة ‪ ،‬وهي ‪ :‬ضريبة تؤخذ منهم عن أموالهم‬
‫الّتي يتردّدون بها متاجرين إلى دار الحرب ‪ ،‬أو يدخلون بها من دار الحرب إلى دار السلم‬
‫‪ ،‬أو ينتقلون بها من بلدٍ في دار السلم إلى بلدٍ آخر ‪ ،‬تؤخذ منهم في السّنة مرّ ًة ‪ ،‬ما لم‬
‫يخرجوا من دار السلم ‪ ،‬ثمّ يعودوا إليها ‪ .‬ومثلها عشور أهل الحرب من ال ّتجّار كذلك ‪ ،‬إذا‬
‫ل يؤدّونه إلى المسلمين‬
‫دخلوا بتجارتهم إلينا مستأمنين ‪ ) 6 ( .‬ما صولح عليه الحربيّون من ما ٍ‬
‫‪ ) 7 ( .‬مال المرتدّ إن قتل أو مات ‪ ،‬ومال الزّنديق إن قتل أو مات ‪ ،‬فل يورث مالهما بل هو‬
‫فيء ‪ ،‬وعند الحنفيّة في مال المرتدّ تفصيل ‪ ) 8 ( .‬مال ال ّذ ّميّ إن مات ول وارث له ‪ ،‬وما‬
‫فضل من ماله عن وارثه فهو فيء كذلك ‪ ) 9 ( .‬الراضي المغنومة بالقتال ‪ ،‬وهي الراضي‬
‫الزّراعيّة عند من يرى عدم تقسيمها بين الغانمين ‪.‬‬
‫و ‪ -‬غلّات أراضي بيت المال وأملكه ونتاج المتاجرة والمعاملة ‪.‬‬
‫ز ‪ -‬الهبات والتّبرّعات والوصايا الّتي تقدّم لبيت المال للجهاد أو غيره من المصالح العامّة ‪.‬‬
‫ح ‪ -‬الهدايا الّتي تقدّم إلى القضاة ممّن لم يكن يهدى لهم قبل الولية ‪ ،‬أو كان يهدى لهم لكن‬
‫ن { النّبيّ صلى‬
‫له عند القاضي خصومة ‪ ،‬فإنّها إن لم تردّ إلى مهديها تردّ إلى بيت المال ‪ .‬ل ّ‬
‫ال عليه وسلم أخذ من ابن اللّتبيّة ما أهدي إليه } ‪ .‬وكذلك الهدايا الّتي تقدّم إلى المام من أهل‬
‫الحرب ‪ ،‬والهدايا الّتي تقدّم إلى عمّال الدّولة ‪ ،‬وهذا إن لم يعط الخذ مقابلها من ماله الخاصّ‬
‫‪ .‬ط ‪ -‬الضّرائب الموظّفة على الرّعيّة لمصلحتهم ‪ ،‬سواء أكان ذلك للجهاد أم لغيره ‪ ،‬ول‬
‫ل كانت موردا‬
‫تضرب عليهم إلّ إذا لم يكن في بيت المال ما يكفي لذلك ‪ ،‬وكان لضرورةٍ ‪ ،‬وإ ّ‬
‫غير شرعيّ ‪ .‬ي ‪ -‬الموال الضّائعة ‪ ،‬وهي مال وجد ولم يمكن معرفة صاحبه ‪ ،‬من لقطةٍ‬
‫أو وديع ٍة أو رهنٍ ‪ ،‬ومنه ما يوجد مع اللّصوص ونحوهم ممّا ل طالب له ‪ ،‬فيورّد إلى بيت‬
‫المال ‪ .‬ك ‪ -‬مواريث من مات من المسلمين بل وارثٍ ‪ ،‬أو له وارث ل يرث كلّ المال ‪-‬‬
‫ث فإنّ ديته تورّد إلى بيت المال ‪ ،‬ويصرف‬
‫عند من ل يرى ال ّردّ ‪ -‬ومن قتل وكان بل وار ٍ‬
‫هذا في مصارف الفيء ‪ .‬وحقّ بيت المال في هذا النّوع هو على سبيل الميراث عند الشّافعيّة‬
‫والمالكيّة أي على سبيل العصوبة ‪ .‬وقال الحنابلة والحنفيّة ‪ :‬يردّ إلى بيت المال فيئا ل إرثا‬
‫سنّة تغريم مانع الزّكاة بأخذ‬
‫( ر ‪ :‬إرث ) ‪ .‬ل ‪ -‬الغرامات والمصادرات ‪ :‬وقد ورد في ال ّ‬
‫شطر ماله ‪ ،‬وبهذا يقول إسحاق بن راهويه وأبو بكرٍ عبد العزيز ‪ ،‬وورد تغريم من أخذ من‬
‫الثّمر المعلّق وخرج به ضعف قيمته ‪ ،‬وبهذا يقول الحنابلة وإسحاق بن راهويه ‪ :‬والظّاهر أنّ‬
‫مثل هذه الغرامات إذا أخذت تنفق في المصالح العامّة ‪ ،‬فتكون بذلك من حقوق بيت المال ‪.‬‬
‫ن عمر رضي ال عنه صادر شطر أموال بعض الولة ‪ ،‬لمّا ظهر عليهم الثراء بسبب‬
‫وورد أ ّ‬
‫أعمالهم ‪ ،‬فيرجع مثل ذلك إلى بيت المال أيضا ‪.‬‬

‫أقسام بيت المال ومصارف كلّ قسمٍ ‪:‬‬


‫‪ - 7‬الموال الّتي تدخل بيت المال متنوّعة المصارف ‪ ،‬وكثير من أصنافها ل يجوز صرفه‬
‫في الوجوه الّتي تصرف فيها الصناف الخرى ‪ .‬ومن أجل ذلك احتيج إلى فصل أموال بيت‬
‫المال بحسب مصارفها ‪ ،‬لجل سهولة التّصرّف فيها ‪ ،‬وقد نصّ أبو يوسف على فصل الزّكاة‬
‫عن الخراج في بيت المال ‪ ،‬فقال ‪ :‬مال الصّدقة والعشور ل ينبغي أن يجمع إلى مال‬
‫ن الخراج فيء لجميع المسلمين ‪ ،‬والصّدقات لمن سمّى اللّه في كتابه ‪ .‬وقد نصّ‬
‫الخراج ‪ ،‬ل ّ‬
‫الحنفيّة على أنّه يجب على المام توزيع موجودات بيت المال على أربعة بيوتٍ ‪ ،‬ول تأبى‬
‫قواعد المذاهب الخرى التّقسيم من حيث الجملة ‪ .‬وقد قال الحنفيّة ‪ :‬للمام أن يستقرض من‬
‫أحد البيوت الربعة ليصرفه في مصارف البيوت الخرى ‪ ،‬ويجب ردّه إلى البيت المستقرض‬
‫منه ‪ ،‬ما لم يكن ما صرفه إليه يجوز صرفه من هذا البيت الخر ‪ .‬والبيوت الربعة هي ‪:‬‬
‫البيت الوّل ‪ :‬بيت الزّكاة ‪:‬‬
‫‪ - 8‬من حقوقه ‪ :‬زكاة السّوائم ‪ ،‬وعشور الراضي الزّكويّة ‪ ،‬والعشور الّتي تؤخذ من ال ّتجّار‬
‫المسلمين إذا مرّوا على العاشر ‪ ،‬وزكاة الموال الباطنة إن أخذها المام ‪ .‬ومصرف هذا‬
‫النّوع المصارف الثّمانية الّتي نصّ عليها القرآن العظيم ‪ .‬وفي ذلك تفصيل وخلف يرجع إليه‬
‫في مصطلح ( زكاة ) ‪ .‬وقد نقل الماورديّ الخلف بين الفقهاء في صفة اليد على هذه الموال‬
‫ن قول أبي حنيفة ‪ :‬إنّها من حقوق بيت المال ‪ ،‬أي أملكه الّتي يرجع التّصرّف فيها‬
‫‪ ،‬فنقل أ ّ‬
‫إلى رأي المام واجتهاده ‪ ،‬كمال الفيء ‪ .‬ولذا يجوز صرفه في المصالح العامّة كالفيء ‪ ،‬وإن‬
‫ن بيت المال مجرّد حر ٍز للزّكاة يحرّزها لصحابها ‪ ،‬فإن وجدوا وجب الدّفع‬
‫رأى الشّافعيّ أ ّ‬
‫إليهم ‪ ،‬وإن لم يوجدوا أحرزها لبيت المال ‪ ،‬وجوبا على مذهبه القديم ‪ ،‬وجوازا على مذهبه‬
‫الجديد ‪ ،‬بنا ًء على وجوب دفع الزّكاة إلى المام ‪ ،‬أو جواز ذلك ‪ .‬ونقل أبو يعلى الحنبليّ أنّ‬
‫قول أحمد كقول الشّافعيّ في ذلك وخرّج وجها في زكاة الموال الظّاهرة كقول أبي حنيفة ‪.‬‬

‫البيت الثّاني ‪ :‬بيت الخماس ‪:‬‬


‫‪ - 9‬والمراد بالخماس ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬خمس الغنائم المنقولة ‪ ،‬وقيل ‪ :‬وخمس العقارات الّتي غنمت أيضا ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬خمس ما يوجد من كنوز الجاهليّة وقيل هو زكاة ‪.‬‬
‫ج ‪ -‬خمس أموال الفيء على قول الشّافعيّ ‪ ،‬وإحدى روايتين عن أحمد ‪ .‬وعلى الرّواية‬
‫الخرى ومذهب الحنفيّة والمالكيّة ‪ :‬ل يخمّس الفيء ‪ .‬ومصرف هذا النّوع خمسة أسهمٍ ‪ :‬سهم‬
‫للّه ورسوله ‪ ،‬وسهم لذوي القربى ‪ ،‬وسهم لليتامى ‪ ،‬وسهم للمساكين ‪ ،‬وسهم لبن السّبيل ‪،‬‬
‫على ما قال اللّه تعالى ‪ { :‬واعلموا أنّما غنمتم من شيءٍ فأنّ للّه خمسه وللرّسول ولذي القربى‬
‫واليتامى والمساكين وابن السّبيل } وكان السّهم الوّل يأخذه النّبيّ صلى ال عليه وسلم في‬
‫حياته ‪ ،‬وبعده يصرف في مصالح المسلمين على رأي المام ‪ ،‬فينقل لبيت مال الفيء التي‬
‫ذكره ‪ .‬وسائر السهم الربعة تحرّز لصحابها في بيت المال ‪ ،‬حتّى تقسّم عليهم ‪ ،‬وليس‬
‫للمام أن يصرفها في المصالح ‪.‬‬

‫البيت الثّالث ‪ :‬بيت الضّوائع ‪:‬‬


‫ق ل يعلم صاحبه‬
‫‪ - 10‬وهي الموال الضّائعة ونحوها من لقط ٍة ل يعرف صاحبها ‪ ،‬أو مسرو ٍ‬
‫ونحوهما على ما تقدّم ‪ ،‬فتحفظ في هذا البيت محرّز ًة لصحابها ‪ ،‬فإن حصل اليأس من‬
‫معرفتهم صرف في وجهه ‪ .‬ومصرف أموال هذا البيت ‪ -‬على ما نقله ابن عابدين عن‬
‫الزّيلعيّ ‪ ،‬وقال ‪ :‬إنّه المشهور عند الحنفيّة ‪ -‬هو اللّقيط الفقير ‪ ،‬والفقراء الّذين ل أولياء لهم ‪،‬‬
‫فيعطون منه نفقتهم وأدويتهم وتكاليف أكفانهم ودية جناياتهم ‪ .‬وقال الماورديّ ‪ :‬عند أبي حنيفة‬
‫يصرف لهؤلء صدق ًة عمّن المال له ‪ ،‬أو من خلّف المال ‪ .‬ولم نعثر لغير الحنفيّة على‬
‫ص ‪ ،‬فالظّاهر أنّها عندهم تصرف في المصالح‬
‫تخصيص هذا النّوع من الموال بمصرفٍ خا ّ‬
‫العامّة كالفيء ‪ ،‬وهو ما صرّح به أبو يعلى والماورديّ في مال من مات بل وارثٍ ‪ ،‬وبناءً‬
‫على ذلك تكون البيوت عندهم ثلث ًة ل أربعةً ‪.‬‬

‫البيت الرّابع ‪ :‬وهو بيت مال الفيء ‪:‬‬


‫‪ - 11‬أهمّ موارد هذا البيت ما يلي ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬أنواع الفيء الّتي تقدّم ذكرها ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬سهم اللّه ورسوله من الخماس ‪.‬‬
‫ج ‪ -‬الراضي الّتي غنمها المسلمون على القول بأنّها ل تقسّم ‪ ،‬وأنّها ليست من الوقف‬
‫المصطلح عليه ‪.‬‬
‫د ‪ -‬خراج الرض الّتي غنمها المسلمون ‪ ،‬سواء اعتبرت وقفا أم غير وقفٍ ‪.‬‬
‫هـ ‪ -‬خمس الكنوز الّتي لم يعلم صاحبها ‪ ،‬أو تطاول عليها الزّمن ‪.‬‬
‫و ‪ -‬خمس الخارج من الرض من معدنٍ أو نفطٍ أو نحو ذلك ‪ .‬وقيل ‪ :‬ما يؤخذ من ذلك هو‬
‫زكاة مقدارها ربع العشر ‪ ،‬ويصرف في مصارف الزّكاة ‪.‬‬
‫ث من المسلمين ‪ ،‬ومن ذلك ديته ‪ .‬ح ‪ -‬الضّرائب الموظّفة على‬
‫ز ‪ -‬مال من مات بل وار ٍ‬
‫ن ‪ .‬ط ‪ -‬الهدايا إلى القضاة والعمّال والمام ‪ .‬ى ‪-‬‬
‫الرّعيّة ‪ ،‬الّتي لم توظّف لغرضٍ معيّ ٍ‬
‫أموال البيت السّابق على قول غير الحنفيّة ‪.‬‬

‫مصارف بيت مال الفيء ‪:‬‬


‫‪ - 12‬مصرف أموال هذا البيت المصالح العامّة للمسلمين ‪ ،‬فيكون تحت يد المام ‪ ،‬ويصرف‬
‫ن نفقة كذا هي‬
‫منه بحسب نظره واجتهاده في المصلحة العامّة ‪ .‬والفقهاء إذا أطلقوا القول بأ ّ‬
‫في بيت المال ‪ ،‬يقصدون هذا البيت الرّابع ‪ ،‬لنّه وحده المخصّص للمصالح العامّة ‪ ،‬بخلف‬
‫ما عداه ‪ ،‬فالحقّ فيه لجهاتٍ محدّدةٍ ‪ ،‬يصرف لها ل لغيرها ‪ .‬وفيما يلي بيان بعض المصالح‬
‫الّتي تصرف فيها أموال هذا البيت ممّا ورد في كلم الفقهاء ‪ ،‬ل على سبيل الحصر‬
‫والستقصاء ‪ ،‬فإنّ أبواب المصالح ل تنحصر ‪ ،‬وهي تختلف من عصرٍ إلى عصرٍ ‪ ،‬ومن بلدٍ‬
‫إلى بلدٍ ‪.‬‬
‫‪ - 13‬ومن أهمّ المصالح الّتي تصرف فيها أموال هذا البيت ما يلي ‪:‬‬
‫ل مسلمٍ ‪ ،‬سواء أكان من أهل القتال‬
‫أ ‪ -‬العطاء ‪ ،‬وهو نصيب من بيت مال المسلمين يعطى لك ّ‬
‫أم لم يكن ‪ .‬وهذا أحد قولين للحنابلة قدّمه صاحب المغني ‪ ،‬وهو كذلك أحد قولين للشّافعيّة هو‬
‫خلف الظهر عندهم ‪ .‬قال المام أحمد ‪ :‬في الفيء حقّ لك ّل المسلمين ‪ ،‬وهو بين الغنيّ‬
‫والفقير ‪ .‬ومن الحجّة لهذا القول قول اللّه تعالى ‪ { :‬ما أفاء اللّه على رسوله من أهل القرى‬
‫فللّه وللرّسول ‪ } ...‬الية ‪ .‬ثمّ قال ‪ { :‬للفقراء المهاجرين الّذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم‬
‫يبتغون فضلً من اللّه ورضوانا وينصرون اللّه ورسوله أولئك هم الصّادقون } ثمّ قال ‪:‬‬
‫{ والّذين تبوّءوا الدّار واليمان من قبلهم يحبّون من هاجر إليهم ‪ } ...‬ث ّم قال ‪ { :‬والّذين جاءوا‬
‫من بعدهم ‪ } ...‬فاستوعب كلّ المسلمين ‪ .‬ولهذا قال عمر بن الخطّاب رضي ال عنه بعد أن‬
‫قرأ اليات من سورة الحشر ‪ :‬هذه ‪ -‬يعني الية الخيرة ‪ -‬استوعبت المسلمين عامّةً ‪ ،‬ولن‬
‫ن الرّاعي بسرو حمير نصيبه منها ‪ ،‬لم يعرق فيه جبينه ‪ .‬والقول الثّاني للحنابلة ‪،‬‬
‫عشت ليأتي ّ‬
‫ن أهل الفيء هم أهل الجهاد المرابطون في الثّغور ‪ ،‬وجند‬
‫وهو الظهر عند الشّافعيّة ‪ :‬أ ّ‬
‫المسلمين ‪ ،‬ومن يقوم بمصالحهم ‪ -‬أي بالضافة إلى أبواب المصالح التي بيانها ‪ .‬وأمّا‬
‫العراب ونحوهم ممّن ل يعدّ نفسه للقتال في سبيل اللّه فل حقّ لهم فيه ‪ ،‬ما لم يجاهدوا فعلً‬
‫‪ .‬ومن الحجّة لهذا القول ما في صحيح مسلمٍ وغيره من حديث بريدة { أنّ النّبيّ صلى ال‬
‫عليه وسلم كان إذا أمّر أميرا على جيشٍ أو سريّةٍ أوصاه في خاصّته بتقوى اللّه ‪ } ...‬إلى أن‬
‫ف عنهم ‪ ،‬ثمّ ادعهم إلى التّحوّل من‬
‫قال ‪ { :‬ثمّ ادعهم إلى السلم ‪ ،‬فإن أجابوك فاقبل منهم وك ّ‬
‫دارهم إلى دار المهاجرين ‪ ،‬وأخبرهم أنّهم إن فعلوا ذلك فلهم ما للمهاجرين ‪ ،‬وعليهم ما على‬
‫المهاجرين ‪ .‬فإن أبوا أن يتحوّلوا منها ‪ ،‬فأخبرهم أنّهم يكونون كأعراب المسلمين ‪ ،‬يجري‬
‫عليهم حكم اللّه الّذي يجري على المؤمنين ‪ ،‬ول يكون لهم في الغنيمة والفيء شيء ‪ ،‬إلّ أن‬
‫ن الفيء كلّه يجب قسمه بين من له رزق في‬
‫يجاهدوا مع المسلمين } ‪ .‬وقيل عند الشّافعيّة ‪ :‬إ ّ‬
‫بيت المال في عامه ‪ ،‬ول يبقى منه شيء ول يوفّر شيء للمصالح ما عدا خمس الخمس ( أي‬
‫الّذي للّه ورسوله ) والتّحقيق عندهم ‪ :‬إعطاء من لهم رزق في بيت المال كفايتهم ‪ ،‬وصرف‬
‫ما يتبقّى من مال الفيء للمصالح ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬السلحة والمعدّات والتّحصينات وتكاليف الجهاد والدّفاع عن أوطان المسلمين ‪.‬‬
‫ج ‪ -‬رواتب الموظّفين الّذين يحتاج إليهم المسلمون في أمورهم العامّة ‪ ،‬من القضاة‬
‫والمحتسبين ‪ ،‬ومن ينفّذون الحدود ‪ ،‬والمفتين والئمّة والمؤذّنين والمدرّسين ‪ ،‬ونحوهم من كلّ‬
‫من فرّغ نفسه لمصلحة المسلمين ‪ ،‬فيستحقّ الكفاية من بيت المال له ولمن يعوله ‪ .‬ويختلف‬
‫ذلك باختلف العصار والبلدان لختلف الحوال والسعار ‪ .‬وليست هذه الرّواتب أجرةً‬
‫ن القضاء ونحوه من الطّاعات ل يجوز أخذ‬
‫للموظّفين من كلّ وجهٍ ‪ ،‬بل هي كالجرة ‪ ،‬ل ّ‬
‫الجرة عليه أصلً ‪ .‬ثمّ إن سمّي للموظّف مقدار معلوم استحقّه ‪ ،‬وإلّ استحقّ ما يجري لمثاله‬
‫ل بمرتّبٍ ‪ .‬وأرزاق هؤلء ‪ ،‬وأرزاق الجند إن لم توجد في بيت‬
‫إن كان ممّن ل يعمل إ ّ‬
‫المال ‪ ،‬تبقى دينا عليه ‪ ،‬ووجب إنظاره ‪ ،‬كالدّيون مع العسار ‪ .‬بخلف سائر المصالح فل‬
‫ن من مات من أهل‬
‫ل مع القدرة ‪ ،‬وتسقط بعدمها ‪ .‬والرّاجح عند الحنفيّة ‪ :‬أ ّ‬
‫يجب القيام بها إ ّ‬
‫العطاء ‪ ،‬كالقاضي والمفتي والمدرّس ونحوهم قبل انتهاء العام ‪ ،‬يعطى حصّته من العام ‪ ،‬أمّا‬
‫من مات في آخره أو بعد تمامه فإنّه يجب العطاء إلى وارثه ‪.‬‬
‫د ‪ -‬القيام بشئون فقراء المسلمين من العجزة واللّقطاء والمساجين الفقراء ‪ ،‬الّذين ليس لهم ما‬
‫ينفق عليهم منه ‪ ،‬ول أقارب تلزمهم نفقتهم ‪ ،‬فيتحمّل بيت المال نفقاتهم وكسوتهم وما يصلحهم‬
‫ج وتجهيز ميّتٍ ‪ ،‬وكذا دية جناية من لم يكن له عاقلة من المسلمين ‪ ،‬أو‬
‫من دواءٍ وأجرة عل ٍ‬
‫ن بيت المال يتحمّل باقي الدّية ‪ ،‬ول تعقل عن‬
‫كان له عاقلة فعجزوا عن الكلّ أو البعض ‪ ،‬فإ ّ‬
‫ن إقرار الجاني ل يقبل على بيت المال ‪ ،‬كما ل يقبل على‬
‫كافرٍ ‪ .‬ونبّه بعض الشّافعيّة إلى أ ّ‬
‫العاقلة ‪.‬‬
‫هـ ‪ -‬النفاق على أهل ال ّذمّة من بيت المال ‪ :‬ليس لكافرٍ ذ ّميّ أو غيره حقّ في بيت مال‬
‫ن ال ّذمّيّ إن احتاج لضعفه يعطى ما يسدّ جوعته ‪ .‬وفي كتاب الخراج لبي‬
‫المسلمين ‪ .‬لك ّ‬
‫خ ضعف‬
‫ن ممّا أعطاه خالد بن الوليد رضي ال عنه في عهده لهل الحيرة ‪ :‬أيّما شي ٍ‬
‫يوسف أ ّ‬
‫عن العمل ‪ ،‬أو أصابته آفة من الفات ‪ ،‬أو كان غنيّا فافتقر ‪ ،‬وصار أهل دينه يتصدّقون عليه‬
‫طرحت جزيته ‪ ،‬وعيل من بيت مال المسلمين وعياله ما أقام بدار الهجرة ودار السلم ‪.‬‬
‫ونقل مثل ذلك أبو عبيدٍ في كتاب الموال ‪.‬‬
‫و ‪ -‬ومن مصارف بيت مال الفيء أيضا ‪ :‬فكاك أسرى المسلمين من أيدي الكفّار ‪ ،‬ونقل أبو‬
‫يوسف في كتاب الخراج قول عمر بن الخطّاب رضي ال عنه ‪ :‬كلّ أسيرٍ كان في أيدي‬
‫ن فكاكه في‬
‫المشركين من المسلمين ففكاكه من بيت مال المسلمين ‪ .‬وهناك وجه للشّافعيّة بأ ّ‬
‫ب ‪ -‬غير المأكولة‬
‫ن مالك الدّوا ّ‬
‫ماله هو ( ر ‪ :‬أسرى ) ‪ .‬وشبيه بهذا ما قاله بعض الشّافعيّة أ ّ‬
‫‪ -‬لو امتنع من علفها ‪ ،‬ولم يمكن إجباره لفقره مثلً ينفق عليها من بيت المال مجّانا ‪ ،‬وكذلك‬
‫الدّابّة الموقوفة إن لم يمكن أخذ النّفقة من كسبها ‪.‬‬
‫ز ‪ -‬المصالح العامّة لبلدان المسلمين ‪ ،‬من إنشاء المساجد والطّرق والجسور والقناطر‬
‫والنهار والمدارس ونحو ذلك ‪ ،‬وإصلح ما تلف منها ‪ .‬ح ‪ -‬ضمان ما يتلف بأخطاء أعضاء‬
‫ي المر والقاضي ونحوهم من سائر من يقوم بالعمال‬
‫الدارة الحكوميّة ‪ :‬من ذلك أخطاء ول ّ‬
‫العامّة ‪ ،‬إذا أخطئوا في عملهم الّذي كلّفوا به ‪ ،‬فتلف بذلك نفس أو عضو أو مال ‪ ،‬كدية من‬
‫مات بالتّجاوز في التّعزير ‪ ،‬فحيث وجب ضمان ذلك يضمن بيت المال ‪ .‬فإن كان العمل‬
‫ن خاصّ للمام أو غيره من المسئولين فالضّمان على عاقلته ‪ ،‬أو في ماله‬
‫المكلّف به لشأ ٍ‬
‫ن أخطاءهم قد تكثر ‪ ،‬فلو حملوها هم أو عاقلتهم لجحف‬
‫الخاصّ بحسب الحوال ‪ .‬وذلك ل ّ‬
‫بهم ‪ .‬هذا عند الحنفيّة والمالكيّة ‪ ،‬وهو الصحّ عند الحنابلة ‪ ،‬والقول غير الظهر للشّافعيّة ‪.‬‬
‫ن الضّمان على عاقلته ‪ .‬أمّا ضمان‬
‫أمّا الظهر للشّافعيّة ‪ ،‬ومقابل الصحّ عند الحنابلة فهو أ ّ‬
‫العمد فيتحمّله فاعله اتّفاقا ‪ .‬ط ‪ -‬تحمّل الحقوق الّتي أقرّها الشّرع لصحابها ‪ ،‬واقتضت قواعد‬
‫ف أو مسجدٍ‬
‫الشّرع أن ل يحملها أحد معيّن ‪ :‬ومن أمثلة ذلك ما لو قتل شخص في زحام طوا ٍ‬
‫ي رضي ال‬
‫عامّ أو الطّريق العظم ‪ ،‬ولم يعرف قاتله ‪ ،‬فتكون ديته في بيت المال لقول عل ّ‬
‫ي صلى ال عليه وسلم دية عبد اللّه بن سهلٍ‬
‫عنه ‪ :‬ل يبطل في السلم دم ‪ ،‬وقد { تحمّل النّب ّ‬
‫ي حين قتل في خيبر ‪ ،‬لمّا لم يعرف قاتله ‪ ،‬وأبى النصار أن يحلفوا القسامة ‪ ،‬ولم‬
‫النصار ّ‬
‫يقبلوا أيمان اليهود ‪ ،‬فوداه النّبيّ صلى ال عليه وسلم من عنده كراهية أن يبطل دمه } ‪ .‬ومن‬
‫ذلك أيضا أجرة تعريف اللّقطة ‪ ،‬فللقاضي أن يرتّب أجرة تعريفها من بيت المال ‪ ،‬على أن‬
‫تكون قرضا على صاحبها ‪.‬‬

‫أولويّات الصّرف من بيت المال ‪:‬‬


‫‪ - 14‬يرى المالكيّة والشّافعيّة أنّه يندب البدء بالصّرف لل النّبيّ صلى ال عليه وسلم الّذين‬
‫تحرم عليهم الصّدقة ‪ ،‬اقتداءً بفعل عمر رضي ال عنه ‪ ،‬إذ قدّم آل بيت النّبيّ صلى ال عليه‬
‫وسلم في ديوان العطاء ‪ .‬ثمّ بعد ذلك يجب البدء بمصالح أهل البلد الّذين جمع منهم المال ‪،‬‬
‫كبناء مساجدهم وعمارة ثغورهم وأرزاق قضاتهم ومؤذّنيهم وقضاء ديونهم وديات جناياتهم ‪،‬‬
‫ويعطون كفاية سنتهم ‪ .‬وإن كان غير فقراء البلد الّتي جبي فيها المال أكثر احتياجا منهم ‪ ،‬فإنّ‬
‫المام يصرف القليل لهل البلد الّتي جبي فيها المال ‪ ،‬ثمّ ينقل الكثر لغيرهم ‪ .‬ويرى الحنابلة‬
‫أنّه إذا اجتمع على بيت المال حقّان ‪ ،‬ضاق عنهما واتّسع لحدهما ‪ ،‬صرف فيما يصير منهما‬
‫دينا على بيت المال لو لم يؤدّ في وقته ‪ ،‬كأرزاق الجند وأثمان المعدّات والسّلح ونحوهما ‪،‬‬
‫دون ما يجب على وجه الرفاق والمصلحة ‪ ،‬كالطّرق ونحوها ‪.‬‬

‫الفائض في بيت المال ‪:‬‬


‫‪ - 15‬لعلماء المسلمين فيما يفيض في بيت المال ‪ ،‬بعد أداء الحقوق الّتي عليه ‪ ،‬ثلثة اتّجاهاتٍ‬
‫‪ :‬الوّل ‪ -‬وهو مذهب الشّافعيّة ‪ :‬أنّه يجب تفريق الفائض وتوزيعه على من يع ّم به صلح‬
‫ن ما ينوب المسلمين يتعيّن فرضه عليهم إذا حدث ‪ .‬وفي المنهاج‬
‫المسلمين ‪ ،‬ول يدّخر ‪ ،‬ل ّ‬
‫وشرحه من كتب الشّافعيّة ‪ :‬يوزّع الفائض على الرّجال البالغين ممّن لهم رزق في بيت‬
‫المال ‪ ،‬ل على غيرهم ول ذراريّهم ‪ .‬قال القليوبيّ ‪ :‬والغرض أن ل يبقى في بيت المال شيء‬
‫‪ .‬والثّاني ‪ -‬وهو مذهب الحنفيّة ‪ :‬أنّها تدّخر في بيت المال لما ينوب المسلمين من حادثٍ ‪.‬‬
‫والثّالث ‪ -‬التّفويض لرأي المام ‪ ،‬قال القليوبيّ من الشّافعيّة ‪ :‬قال المحقّقون ‪ :‬للمام الدّخار‬
‫‪ .‬ونقل صاحب جواهر الكليل عن المدوّنة ‪ :‬يبدأ في الفيء بفقراء المسلمين ‪ ،‬فما بقي يقسّم‬
‫ل أن يرى المام حبسه لنوائب المسلمين ‪ .‬إذا عجز بيت المال عن أداء‬
‫بين النّاس بالسّويّة ‪ ،‬إ ّ‬
‫الحقوق ‪:‬‬
‫‪ - 16‬بيّن الماورديّ وأبو يعلى حالة عجز بيت المال عن أداء الحقوق فقال ما حاصله ‪ :‬إنّ‬
‫المستحقّ على بيت المال ضربان ‪ :‬الوّل ‪ :‬ما كان بيت المال له مجرّد حرزٍ ‪ ،‬كالخماس‬
‫والزّكاة ‪ ،‬فاستحقاقه معتبر بالوجود ‪ ،‬فإن كان المال موجودا فيه كان مصرفه مستحقّا ‪،‬‬
‫وعدمه مسقط لستحقاقه ‪ .‬الثّاني ‪ :‬ما كان بيت المال له مستحقّا ‪ ،‬وهو مال الفيء ونحوه ‪،‬‬
‫ومصارفه نوعان ‪ :‬أوّلهما ‪ :‬ما كان مصرفه مستحقّا على وجه البدل ‪ ،‬كرواتب الجنود ‪،‬‬
‫وأثمان ما اشتري من السّلح والمعدّات ‪ ،‬فاستحقاقه غير معتبرٍ بالوجود ‪ ،‬بل هو من الحقوق‬
‫اللّازمة لبيت المال مع الوجود والعدم ‪ .‬فإن كان موجودا يعجّل دفعه ‪ ،‬كالدّين على الموسر ‪،‬‬
‫وإن كان معدوما وجب فيه ‪ ،‬ولزم إنظاره ‪ ،‬كالدّين على المعسر ‪ .‬ثانيهما ‪ :‬أن يكون مصرفه‬
‫مستحقّا على وجه المصلحة والرفاق دون البدل ‪ ،‬فاستحقاقه معتبر بالوجود دون العدم ‪ .‬فإن‬
‫كان موجودا وجب فيه ‪ ،‬إن كان معدوما سقط وجوبه عن بيت المال ‪ .‬ثمّ يكون ‪ -‬إن عمّ‬
‫ضرره ‪ -‬من فروض الكفاية على المسلمين ‪ ،‬حتّى يقوم به من فيه كفاية كالجهاد ‪ ،‬وإن كان‬
‫ب يجد النّاس غيره طريقا بعيدا ‪ ،‬أو انقطاع شربٍ يجد‬
‫ممّا ل يعمّ ضرره كوعورة طريقٍ قري ٍ‬
‫النّاس غيره شربا ‪ .‬فإذا سقط وجوبه عن بيت المال بالعدم سقط وجوبه عن الكافّة ‪ ،‬لوجود‬
‫البدل ‪ .‬ويلحظ أنّه قد يكون العجز في بيت المال الفرعيّ ‪ ،‬أي في أحد القاليم التّابعة للمام‬
‫‪ .‬فإذا قلّد الخليفة أميرا على إقليمٍ ‪ ،‬فإذا نقص مال الخراج عن أرزاق جيشه ‪ ،‬فإنّه يطالب‬
‫الخليفة بتمامها من بيت المال ‪ .‬أمّا إن نقص مال الصّدقات عن كفاية مصارفها في عمله فل‬
‫ن أرزاق الجيش مقدّرة بالكفاية ‪ ،‬وحقوق أهل‬
‫يكون له مطالبة الخليفة بتمامها ‪ ،‬وذلك ل ّ‬
‫الصّدقات معتبرة بالوجود ‪.‬‬

‫تصرّفات المام في الدّيون على بيت المال ‪:‬‬


‫‪ - 17‬إذا ثبتت الدّيون على بيت المال ‪ ،‬ولم يكن فيه وفاء لها ‪ ،‬فللمام أن يستقرض من أحد‬
‫ص على ذلك الحنفيّة ‪ .‬وقالوا ‪ :‬وإذا حصل للخزانة الّتي استقرض‬
‫بيوت المال للبيت الخر ‪ ،‬ن ّ‬
‫لها مال يردّ إلى المستقرض منه ‪ ،‬إلّ أن يكون المصروف من الصّدقات أو خمس الغنائم على‬
‫أهل الخراج ‪ ،‬وهم فقراء ‪ ،‬فإنّه ل يردّ من ذلك شيئا ‪ ،‬لستحقاقهم الصّدقات بالفقر ‪ .‬وكذا‬
‫غيره إذا صرف إلى المستحقّ ‪ .‬وللمام أيضا أن يستعير أو يقترض لبيت المال من الرّعيّة ‪.‬‬
‫{ وقد استعار النّبيّ صلى ال عليه وسلم دروعا للجهاد من صفوان بن أميّة } { واستسلف عليه‬
‫الصلة والسلم بعيرا ور ّد مثله من إبل الصّدقة } ‪ ،‬وذلك اقتراض على خزانة الصّدقات من‬
‫بيت المال ‪.‬‬

‫تنمية أموال بيت المال والتّصرّف فيها ‪:‬‬


‫‪ - 18‬بالضافة إلى ما تقدّم من صلحيات النفاق في بيت المال ‪ ،‬فإنّ للمام التّصرّف في‬
‫أموال بيت المال ‪ .‬والقاعدة في ذلك أنّ منزلة المام من أموال بيت المال منزلة الوليّ من مال‬
‫اليتيم ‪ ،‬كما قال عمر بن الخطّاب رضي ال عنه ‪ :‬إنّي أنزلت نفسي من هذا المال منزلة وليّ‬
‫اليتيم ‪ .‬فله فيه من التّصرّف ما لوليّ اليتيم في مال اليتيم ‪ .‬وليست هذه القاعدة على إطلقها ‪،‬‬
‫فل يلزم التّشبيه من كلّ وجهٍ ‪ ،‬بدليل أنّ للمام التّمليك من بيت المال والقطاع منه ‪ .‬ومن‬
‫المثلة الّتي تعرّض لها بعض الفقهاء ما يلي ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬البيع ‪ :‬يجوز للمام بيع شيءٍ من أموال بيت المال ‪ ،‬إذا رأى المصلحة في ذلك ‪ .‬أمّا‬
‫شراؤه لنفسه شيئا منها فقد جاء في ال ّدرّ المختار ‪ :‬ل يصحّ بيع المام ول شراؤه من وكيل‬
‫ل لضرورةٍ ‪.‬‬
‫بيت المال لشي ٍء من أموال بيت المال ‪ ،‬لنّه كوكيل اليتيم ‪ ،‬فل يجوز ذلك منه إ ّ‬
‫زاد في البحر ‪ :‬أو رغب في العقار بضعف قيمته ‪ ،‬على قول المتأخّرين المفتى به ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬الجارة ‪ :‬أرض بيت المال تجري عليها أحكام الوقوف المؤبّدة ‪ .‬فتؤجّر كما يؤجّر‬
‫الوقف ‪ .‬ج ‪ -‬المساقاة ‪ :‬تصحّ المساقاة من المام على بساتين بيت المال ‪ ،‬كما تصحّ من‬
‫جائز التّصرّف لصبيّ تحت وليته ‪.‬‬
‫د ‪ -‬العارة ‪ :‬اختلف قول الشّافعيّة في إعارة المام لشي ٍء من أموال بيت المال ‪ ،‬فأفتى‬
‫السنويّ بجوازه ‪ ،‬بناءً على أنّه إذا جاز له التّمليك من بيت المال فالعارة أولى ‪ .‬وقال‬
‫الرّمليّ ‪ :‬ل يجوز للمام مطلقا إعارة أموال بيت المال ‪ ،‬كالوليّ في مال مولّيه ‪ .‬وقال‬
‫القليوبيّ ‪ :‬ثمّ إن أخذ أحد شيئا من بيت المال عاريّ ًة فهلك في يده فل ضمان عليه ‪ ،‬إن كان له‬
‫في بيت المال حقّ ‪ ،‬وتسميته عاريّةً مجاز ‪.‬‬
‫ن عمر بن الخطّاب رضي ال عنه أقرض هندا بنت عتبة‬
‫هـ ‪ -‬القراض ‪ :‬ذكر ابن الثير أ ّ‬
‫أربعة آلفٍ تتّجر فيها وتضمنها ‪ .‬وممّا يجري مجرى القراض النفاق بقصد الرّجوع ‪ ،‬ومن‬
‫ذلك النفاق على البهيمة الضّائعة ونحوها ‪ ،‬حفظا لها من التّلف ‪ .‬ثمّ يرجع بيت المال بالنّفقة‬
‫على صاحب البهيمة ‪ ،‬وإن لم يعرف بيعت ‪ ،‬وأخذ من ثمنها حقّ بيت المال ‪.‬‬

‫إقطاع التّمليك ‪:‬‬


‫ن للمام أن يقطع من الراضي الّتي لم تكن لحدٍ ول في يد وارثٍ ‪ ،‬لمن‬
‫‪ - 19‬يرى الحنفيّة أ ّ‬
‫فيه غناء ونفع للمسلمين على سبيل النّظر في المصلحة ‪ ،‬ل على سبيل المحاباة والثرة ‪ ،‬كما‬
‫ن له أن يعطي من أموال بيت المال الخرى ‪ ،‬إذ الرض والمال شيء واحد ‪ .‬كذا قال‬
‫أّ‬
‫ج بما روي أنّ عمر بن الخطّاب رضي ال عنه أصفى أموال‬
‫القاضي أبو يوسف ‪ ،‬واحت ّ‬
‫ل رجلٍ قتل في الحرب أو لحق بأرض الحرب أو مغيض‬
‫كسرى وأهله لبيت المال ‪ ،‬ومال ك ّ‬
‫ماءٍ أو أجمةٍ ‪ .‬وكان خراج ذلك سبعة آلف ألفٍ ‪ ،‬فكان يقطع من هذه لمن أقطع ‪ .‬قال أبو‬
‫يوسف ‪ :‬وذلك بمنزلة المال الّذي لم يكن لحدٍ ‪ ،‬ول في يد وارثٍ ‪ ،‬فللمام العادل أن يجيز‬
‫منه ويعطي من كان له غناء في السلم ‪ .‬ونقل هذا ابن عابدين ‪ ،‬وقال ‪ :‬هذا صريح في أنّ‬
‫القطائع قد تكون من الموات ‪ ،‬وقد تكون من بيت المال لمن هو من مصارفه ‪ ،‬كما يعطي‬
‫ن المقطع يملك رقبة الرض ‪ ،‬ولذا يؤخذ منها العشر ‪ ،‬لنّها‬
‫المال حيث رأى المصلحة ‪ ،‬وأ ّ‬
‫بمنزلة الصّدقة ‪ .‬ويرى الشّافعيّة والحنابلة ‪ -‬على ما فصّله الماورديّ وأبو يعلى ‪ -‬أنّ‬
‫أراضي بيت المال ثلثة أقسامٍ ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬ما اصطفاه المام لبيت المال بحقّ الخمس أو باستطابة نفوس الغانمين ‪ ،‬كما اصطفى‬
‫عمر أراضي كسرى وأهله ‪ ،‬ولم يقطع من ذلك شيئا ‪ .‬فلمّا جاء عثمان أقطع منه وأخذ منه‬
‫حقّ الفيء ‪ .‬قال الماورديّ ‪ :‬فكان ذلك إقطاع إجار ٍة ل إقطاع تمليكٍ ‪ .‬ول يجوز إقطاع رقبته‬
‫‪ ،‬لنّه صار باصطفائه لبيت المال ملكا لكافّة المسلمين ‪ ،‬فجرى على رقبته حكم الوقف المؤبّد‬
‫‪.‬‬
‫ن أرض الخراج بعضها موقوف ‪،‬‬
‫ب ‪ -‬أرض الخراج ‪ ،‬فل يجوز تمليك رقبتها ‪ ،‬ل ّ‬
‫وخراجها أجرة ‪ ،‬وبعضها مملوك لهلها ‪ ،‬وخراجها جزية ‪.‬‬
‫ج ‪ -‬ما مات عنه أربابه ولم يستحقّه وارث بفرضٍ أو تعصيبٍ ‪ .‬واختلف أصحاب الشّافعيّ‬
‫في هذا النّوع على وجهين ‪ :‬أحدهما ‪ :‬أنّها تصير وقفا ‪ ،‬فعلى هذا ل يجوز بيعها ول إقطاعها‬
‫‪ .‬وثانيهما ‪ :‬أنّها ل تصير وقفا حتّى يقفها المام ‪ .‬فعلى هذا يجوز له إقطاعها تمليكا ‪ ،‬كما‬
‫ن البيع معاوضة ‪،‬‬
‫يجوز بيعها ‪ .‬ونقل قولً آخر ‪ :‬أنّ إقطاعها ل يجوز ‪ ،‬وإن جاز بيعها ‪ ،‬ل ّ‬
‫وهذا القطاع صلة ‪ ،‬والثمان إذا صارت ناضّةً لها حكم يخالف في العطايا حكم الصول‬
‫الثّابتة ‪ ،‬فافترقا ‪ ،‬وإن كان الفرق بينهما ضعيفا ‪ .‬والحكم كذلك عند المالكيّة في أرض العنوة‬
‫العامرة فإنّها ل يجوز للمام إقطاعها تمليكا ‪ ،‬بناءً على أنّها تكون وقفا بنفس الستيلء عليها‬
‫‪ .‬ولم نجد لهم تعرّضا للرض الّتي تئول إلى بيت المال بهلك أربابها ‪ .‬هل يجوز إقطاع‬
‫التّمليك منها أم ل ؟ ‪.‬‬

‫إقطاع النتفاع والرفاق والستغلل ‪:‬‬


‫‪ - 20‬يجوز للمام ‪ -‬إذا رأى المصلحة ‪ -‬أن يقطع من أراضي بيت المال أو عقاره ‪ -‬بعض‬
‫النّاس إرفاقا أو ليأخذ الغلّة ‪ .‬قال المالكيّة ‪ :‬ثمّ ما اقتطعه المام من العنوة ‪ ،‬إن كان لشخصٍ‬
‫بعينه انحلّ بموت المنتفع ‪ .‬وإن كان لشخصٍ وذ ّريّته وعقبه استحقّته ال ّذ ّريّة بعده ‪ ،‬للنثى مثل‬
‫الذّكر ‪ .‬وانظر ( إرفاق ‪ .‬إرصاد ‪ .‬أرض الحوز ) وبعضهم جعل مثل هذا وقفا ‪.‬‬

‫وقف عقار بيت المال ‪:‬‬


‫‪ - 21‬ذكر الحنفيّة جواز وقف المام من بيت المال ‪ ،‬ثمّ قالوا ‪ :‬إن كان السّلطان اشترى‬
‫الراضي والمزارع من وكيل بيت المال يجب مراعاة شرائطه ‪ ،‬إن وقفها من بيت المال ل‬
‫تجب مراعاتها ‪ .‬ويرى الشّافعيّة ‪ ،‬كما نقل عميرة البرلّسيّ ‪ :‬وقف المام من بيت المال ‪.‬‬
‫ن له التّمليك منه ‪ ،‬وكما فعل عمر رضي ال عنه في أرض سواد العراق ‪ ،‬إذ وقفها‬
‫قالوا ‪ :‬ل ّ‬
‫على المسلمين ‪ .‬وانظر ( ر ‪ :‬إرصاد ) ‪.‬‬

‫تمليك حقوق بيت المال قبل توريدها إليه ‪:‬‬


‫ن للمام أن يترك الخراج للمالك ل العشر ‪ ،‬ثمّ يحلّ ذلك للمالك عند‬
‫‪ - 22‬ذهب الحنفيّة إلى أ ّ‬
‫ل تصدّق به ‪ .‬ولو ترك‬
‫أبي يوسف ‪ ،‬إن كان المالك ممّن يستحقّ شيئا من بيت المال ‪ ،‬وإ ّ‬
‫المام العشر ونحوه من أموال الزّكاة فلم يأخذه ل يجوز إجماعا ‪ ،‬ويخرجه المالك بنفسه‬
‫للفقراء ونحوهم من مصارف الزّكاة ‪.‬‬

‫الدّيون الّتي لبيت المال ‪:‬‬


‫‪ - 23‬تثبت لبيت المال الدّيون في ذمم الفراد ‪ .‬فلو ضرب المام أموالً على الرّعيّة عامّةً ‪،‬‬
‫أو طائفةٍ منهم أو أهل بلدٍ ‪ ،‬لمصلحتهم ‪ ،‬كتجهيز الجيوش أو فداء السرى ‪ ،‬وكأجرة الحراسة‬
‫وكري النهار ‪ ،‬فمن لم يؤ ّد من ذلك ما ضرب عليه بقي في ذمّته دينا واجبا لبيت المال ‪ ،‬ل‬
‫يجوز لهم المتناع منه ‪.‬‬

‫انتظام بيت المال وفساده ‪:‬‬


‫ل يأخذ المال من حقّه ‪ ،‬ويضعه في مستحقّه ‪.‬‬
‫‪ - 24‬يكون بيت المال منتظما إذا كان المام عد ً‬
‫ل ‪ ،‬فيأخذ المال من أصحابه بغير حقّ ‪ .‬أو يأخذه بحقّ ‪،‬‬
‫ويكون فاسدا إذا كان المام غير عد ٍ‬
‫ولكن ينفق منه في غير مصلحة المسلمين ‪ ،‬وعلى غير الوجه الشّرعيّ ‪ ،‬كما لو أنفقه في‬
‫ص أقاربه أو من يهوى بما ل يستحقّونه ‪ ،‬ويمنع أهل الستحقاق ‪.‬‬
‫مصالحه الخاصّة ‪ ،‬أو يخ ّ‬
‫ل ‪ ،‬ول يستقصي عليه فيما‬
‫ومن الفساد أيضا أن يفوّض المام أمر بيت المال إلى غير عد ٍ‬
‫يتصرّف فيه من أموال بيت المال فيظهر منه التّضييع وسوء التّصرّف ‪ .‬ومن أوجه فساد بيت‬
‫المال أيضا ما أشار إليه ابن عابدين ‪ :‬أن يخلط المام أموال بيت المال الربعة بعضها ببعضٍ‬
‫‪ ،‬فل تكون مفرزةً ‪ - 25 .‬وإذا فسد بيت المال ترتّبت عليه أحكام منها ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬أنّ لمن عليه حقّا لبيت المال ‪ -‬إذا لم يطّلع عليه ‪ -‬أن يمنع من ذلك الحقّ بقدر حقّه هو‬
‫ن له أن يصرفه‬
‫في بيت المال ‪ ،‬إن كان له فيه حقّ لم يعطه ‪ .‬وإن لم يكن له فيه حقّ ‪ ،‬فإ ّ‬
‫مباشر ًة في مصارف بيت المال ‪ ،‬كبناء مسجدٍ أو رباطٍ ‪ .‬ذكر ذلك بعض الشّافعيّة بخصوص‬
‫ب ألقته الرّيح إلى داره ولم يعلم صاحبه‬
‫لقط ٍة حصل اليأس من معرفة صاحبها ‪ ،‬أو نحو ثو ٍ‬
‫وأيس من ذلك ‪ ،‬وقالوا أيضا ‪ :‬ما انحسر عنه ماء النّهر لو زرعه أحد لزمته أجرته لمصالح‬
‫المسلمين ‪ ،‬ويسقط عنه قدر حصّته ‪ ،‬إن كان له حصّة في مال المصالح ‪ .‬واستدلّ لذلك بما‬
‫روي عن عائشة رضي ال عنها أنّ رجلً قال لها ‪ :‬أصبت كنزا فرفعته إلى السّلطان ‪ .‬فقالت‬
‫له ‪ :‬بفيك الكثكث ‪ .‬والكثكث ‪ :‬التّراب ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬ومنها ‪ :‬لو منع السّلطان حقّ المستحقّين ‪ ،‬فظفر أحدهم بمالٍ لبيت المال ‪ ،‬فقد أجاز‬
‫بعض الفقهاء أن يأخذ المستحقّ قدر ما كان يعطيه المام ‪ .‬وهذا أحد أقوالٍ أربع ٍة ذكرها‬
‫ن له أن يأخذ كلّ يومٍ قدر قوته ‪ .‬وثالثها ‪ :‬يأخذ كفاية سنته ‪ .‬ورابعها ‪ :‬ل‬
‫الغزاليّ ‪ .‬ثانيها ‪ :‬أ ّ‬
‫يجوز له أن يأخذ شيئا لم يؤذن له فيه ‪ .‬وأمّا المالكيّة فقد صرّحوا بأنّه ل يجوز السّرقة من‬
‫بيت المال ‪ ،‬سواء انتظم أم لم ينتظم ‪ ،‬ويفهم من هذا أنّهم يوافقون القول الرّابع من القوال‬
‫ن له في تلك الحال أن يأخذ قدر حقّه ديانةً ‪،‬‬
‫الّتي نقلها الغزاليّ ‪ .‬ومفاد ما يذكره الحنفيّة ‪ :‬أ ّ‬
‫إلّ أنّه ليس له الخذ من غير بيته الّذي يستحقّ هو منه إلّ للضّرورة كما في زماننا ‪ ،‬إذ لو لم‬
‫ل من بيته لزم أن ل يبقى حقّ لحدٍ في زماننا ‪ ،‬لعدم إفراز كلّ بيتٍ على حدةٍ ‪،‬‬
‫يجز أخذه إ ّ‬
‫بل يخلطون المال كلّه ‪ .‬ولو لم يأخذ ما ظفر به لم يمكنه الوصول إلى شيءٍ ‪ ،‬كما أفتى به ابن‬
‫عابدين ‪ .‬ج ‪ -‬ومنها ما أفتى به المتأخّرون من الشّافعيّة ‪ -‬وهم من بعد سنة ‪ 400‬هـ ‪-‬‬
‫موافق ًة لبعض المتقدّمين ‪ ،‬وقال به متأخّرو المالكيّة أيضا ‪ :‬أنّه إذا لم ينتظم بيت المال يردّ‬
‫ض يردّ على ذوي‬
‫على أهل الفرض غير الزّوجين ما فضل عن إرثهم ‪ ،‬فإن لم يكن ذو فر ٍ‬
‫الرحام ‪ .‬والحكم الصليّ عند الشّافعيّة والمالكيّة ‪ ،‬في حال انتظام بيت المال ‪ ،‬عدم الرّدّ‬
‫وعدم توريث ذوي الرحام ‪ ،‬بل تكون التّركة كلّها أو فاضلها عن ذوي الفروض لبيت المال ‪،‬‬
‫إن لم يكن عصبة ‪.‬‬

‫العتداء على أموال بيت المال ‪:‬‬


‫ن من أتلف شيئا من أموال بيت المال بغير حقّ كان ضامنا‬
‫‪ - 26‬ل خلف بين الفقهاء في أ ّ‬
‫ن من أخذ منه شيئا بغير حقّ لزمه ردّه ‪ ،‬أو ر ّد مثله إن كان مثليّا ‪ ،‬وقيمته إن‬
‫لما أتلفه ‪ ،‬وأ ّ‬
‫كان قيميّا ‪ .‬وإنّما الخلف بينهم في قطع يد السّارق من بيت المال ‪ ،‬ولهم في ذلك اتّجاهان ‪:‬‬
‫أحدهما ‪ -‬وإليه ذهب الحنفيّة والشّافعيّة والحنابلة ‪ :‬أنّ السّارق من بيت المال ل تقطع يده ‪.‬‬
‫ن عبدا من رقيق الخمس سرق‬
‫واستدلّوا على ذلك بما روى ابن عبّاسٍ رضي ال عنهما { أ ّ‬
‫من الخمس ‪ ،‬فرفع إلى النّبيّ صلى ال عليه وسلم فلم يقطعه ‪ ،‬وقال ‪ :‬مال اللّه سرق بعضه‬
‫ل سرق من بيت المال ‪،‬‬
‫ن ابن مسعو ٍد سأل عمر بن الخطّاب عن رج ٍ‬
‫بعضا } ‪ .‬وبما روي أ ّ‬
‫فقال عمر ‪ :‬أرسله ‪ ،‬فما من أحدٍ إلّ وله في هذا المال حقّ ‪ .‬وثانيهما ‪ -‬وإليه ذهب المالكيّة‬
‫ن السّارق من بيت المال تقطع يده ‪ ،‬واستدلّوا على ذلك بعموم قول اللّه تعالى ‪ { :‬والسّارق‬
‫أّ‬
‫والسّارقة فاقطعوا أيديهما } ‪ ،‬فإنّه عامّ يشمل السّارق من بيت المال والسّارق من غيره ‪ ،‬وبأنّ‬
‫السّارق قد أخذ مالً محرّزا ‪ ،‬وليست له فيه شبهة قويّة ‪ ،‬فتقطع يده كما لو أخذ غيره من‬
‫الموال الّتي ليست له فيها شبهة قويّة ‪.‬‬

‫الخصومة في شأن أموال بيت المال ‪:‬‬


‫‪ - 27‬إذا ادّعي على بيت المال بحقّ ‪ ،‬أو كان لبيت المال حقّ قبل الغير ‪ ،‬ورفعت الدّعوى‬
‫بذلك أمام القضاء ‪ ،‬كان للقاضي الّذي رفعت الدّعوى إليه أن يقضي فيها ‪ ،‬ولو أنّه أحد‬
‫المستحقّين ‪ .‬وإذا كان القاضي نفسه هو المدّعي أو المدّعى عليه ‪ ،‬فل تتوجّه عليه دعوى‬
‫أصلً ‪ ،‬ول على نائبه ‪ ،‬بل ل ب ّد أن ينصّب من يدّعي ومن يدّعى عليه عنده ‪ ،‬أو عند غيره ‪.‬‬
‫ومن جملة ما يمكن الدّعاء به ‪ :‬إيرادات بيت المال إذا قبضها العامل ‪ ،‬وأنكر صاحب بيت‬
‫المال أنّه قبضها من العامل ‪ .‬فيطالب العامل بإقامة الحجّة على صاحب بيت المال بالقبض ‪،‬‬
‫فإن عدمها أحلف صاحب بيت المال ‪ ،‬وأخذ العامل بالغرم ‪.‬‬

‫الستقصاء على الولة ومحاسبة الجباة ‪:‬‬


‫‪ - 28‬على المام وولته أن يراقبوا من يوكّل إليهم جمع الزّكاة وغيرها ممّا يجب لبيت‬
‫المال ‪ ،‬وأن يستقصوا عليهم فيما يتصرّفون فيه من أموال بيت المال ‪ ،‬ويحاسبوهم في ذلك‬
‫محاسب ًة دقيقةً ‪ .‬ففي صحيح البخاريّ من حديث أبي حمي ٍد السّاعديّ قال ‪ { :‬استعمل النّبيّ‬
‫صلى ال عليه وسلم رجلً من الزد على صدقات بني سليمٍ يدعى ابن اللّتبيّة ‪ ،‬فلمّا جاء‬
‫حاسبه } ‪ .‬وقال القاضي أبو يعلى ‪ :‬مذهب أبي حنيفة في إيراد الصّدقات وجوب رفع الحساب‬
‫عنها إلى كاتب الدّيوان ‪ ،‬ويجب على كاتب الدّيوان محاسبتهم على صحّة ما رفعوه ‪ ،‬وذلك‬
‫ن مصرف العشر ومصرف الخراج عند أبي حنيفة واحد ‪ .‬وأمّا على مذهب الشّافعيّ فل‬
‫لّ‬
‫يجب على العمّال رفع الحساب عن العشور ‪ ،‬لنّها عنده صدقة ‪ ،‬ل يقف مصرفها على‬
‫اجتهاد الولة ‪ .‬وأمّا عمّال الخراج فيلزمهم رفع الحساب باتّفاق المذهبين ‪ .‬ويجب على كاتب‬
‫الدّيوان محاسبتهم على صحّة ما رفعوه ‪ .‬ث ّم من وجبت محاسبته من العمّال ل يخلو من حالين‬
‫‪ :‬الولى ‪ :‬إن لم يقع بينه وبين كاتب الدّيوان اختلف في الحساب كان كاتب الدّيوان مصدّقا‬
‫في الحساب ‪ .‬وإن استراب فيه وليّ المر كلّفه إحضار شواهده ‪ ،‬فإن زالت الرّيبة عنه فل‬
‫يحلف ‪ ،‬وإن لم تزل الرّيبة ‪ -‬وأراد وليّ المر تحليفه عليه ‪ -‬حلف العامل دون كاتب الدّيوان‬
‫‪ ،‬لنّ المطالبة متوجّهة على العامل دون كاتب الدّيوان ‪ .‬الثّانية ‪ :‬إن وقع بين العامل وكاتب‬
‫الدّيوان اختلف في الحساب ‪ :‬فإن كان اختلفهما في الدّخل ‪ ،‬فالقول قول العامل ‪ ،‬لنّه منكر‬
‫‪ .‬وإن كان اختلفهما في الخرج ‪ ،‬فالقول قول الكاتب ‪ ،‬لنّه منكر ‪ .‬وإن كان اختلفهما في‬
‫تقدير الخراج ‪ ،‬كما لو اختلفا في مساحةٍ يمكن إعادتها أعيدت ويعمل فيها بما يتبيّن ‪ .‬وإن لم‬
‫ي وأبو يعلى صفة‬
‫يمكن إعادتها يحلف ربّ المال دون الماسح ‪ - 29 .‬وقد فصّل الماورد ّ‬
‫المحاسبة في ذلك ‪ ،‬واستعرضا ما يعتبر حجّةً في قبض ‪ ،‬الولة من الجباة ‪ ،‬وأنّه يعمل في‬
‫ذلك بالقرار بالقبض ‪ ،‬أمّا الخطّ إذا أنكره ‪ ،‬أو لم يعترف به فعرف الدّواوين أن يكتفى به ‪،‬‬
‫جةً ‪ .‬والّذي عليه الفقهاء أنّه إن لم يعترف الوالي أنّه خطّه أو أنكره لم يلزمه ‪ ،‬ولم‬
‫ويكون ح ّ‬
‫جةً في القبض ‪ .‬ول يجوز أن يقاس بخطّه في اللزام إجبارا ‪ ،‬وإنّما يقاس بخطّه إرهابا‬
‫يكن ح ّ‬
‫ليعترف به طوعا ‪ .‬وقد يعترف الوالي بالخطّ وينكر القبض ‪ ،‬وحينئذٍ يكون ذلك في الحقوق‬
‫السّلطانيّة خاصّ ًة حجّ ًة للعاملين بالدّفع ‪ ،‬وحجّ ًة على الولة بالقبض اعتبارا بالعرف ‪ .‬وأورد‬
‫الماورديّ ذلك ثمّ قال ‪ :‬هذا هو الظّاهر من مذهب الشّافعيّ ‪ .‬أمّا أبو حنيفة فالظّاهر من مذهبه‬
‫أنّه ل يكون حجّةً عليه ‪ .‬ول للعاملين ‪ ،‬حتّى يق ّر به لفظا كالدّيون الخاصّة ‪ .‬قال ‪ :‬وفيما‬
‫ن كلّ ما ورد إلى عمّال المسلمين ‪ ،‬أو خرج من‬
‫قدّمناه من الفرق بينهما مقنع ‪ .‬ويلحظ أ ّ‬
‫أيديهم من المال العامّ ‪ ،‬فحكم بيت المال جارٍ عليه في دخله إليه وخرجه عنه ‪ ،‬ولذلك تجرى‬
‫المحاسبة عليه ‪.‬‬

‫‪ -‬بيت المقدس ‪ :‬اسم لمكان العبادة المعروف في أرض فلسطين ‪.‬‬ ‫‪1‬‬ ‫بيت المقدس‬
‫وأصل التّقديس التّطهير ‪ ،‬والرض المقدّسة أي ‪ :‬المطهّرة ‪ .‬قال ابن منظورٍ ‪:‬‬
‫والنّسبة إليه مقدسيّ ومقدسيّ ‪ .‬وفي معجم البلدان سمّاه في بعض مواضع من‬
‫كلمه عنه " البيت المقدّس » ‪.‬‬
‫‪ - 2‬وهذا السم " بيت المقدس " يطلق الن على المدينة الّتي فيها المسجد القصى ‪ ،‬ول‬
‫يطلق على مكان العبادة بخصوصه ‪ ،‬أمّا في كلم الفقهاء والمؤرّخين فإنّ السم دائر بين‬
‫المعنيين ‪ ،‬كما استعمله صاحب معجم البلدان وغيره ‪ .‬وتسمّى المدينة الن أيضا ( القدس ) ‪.‬‬
‫ووردت هذه التّسمية أيضا في كلم العرب ‪ .‬ففي اللّسان ‪ :‬قال الشّاعر ‪ :‬ل نوم حتّى تهبطي‬
‫أرض العدس وتشربي من خير ماءٍ بقدس هذا وإنّ للمسجد القصى ببيت المقدس أحكاما‬
‫يختصّ بها عن سائر المساجد ( ر ‪ :‬المسجد القصى ) ‪.‬‬

‫بيت النّار ‪ .‬انظر ‪ :‬معابد ‪.‬‬

‫بيتوتة ‪ .‬انظر ‪ :‬تبييت ‪.‬‬

‫بيض‬
‫التّعريف‬
‫‪ - 1‬البيض معروف ‪ ،‬يقال ‪ :‬باض الطّائر يبيض بيضا ‪ ،‬واحدته ‪ :‬بيضة ‪ ،‬وتطلق البيضة‬
‫أيضا على الخصية ‪ .‬وتنظر أحكامها في مصطلح ‪ ( :‬خصية ) ‪ .‬الحكام المتعلّقة بالبيض ‪:‬‬
‫بيض الحيوانات المأكولة اللّحم وغير المأكولة ‪:‬‬
‫‪ - 2‬سبق في مصطلح ( أطعمة ) تفصيل ما يتّصل بحلّ الكل وحرمته بالنّسبة للبيض ‪ ،‬وهو‬
‫ل أكل لحمه في الجملة‬
‫حلّ أكل بيض ما يؤكل لحمه من الحيوان ‪ ،‬وحرمة أكل بيض ما ل يح ّ‬
‫‪.‬‬
‫بيض الجلّالة ‪:‬‬
‫‪ - 3‬اختلف الفقهاء في حكم أكل بيض الجلّالة ( وهي الّتي تتّبع النّجاسات وتأكلها إذا كانت‬
‫مخلّاةً تجول في القاذورات ) ‪ .‬فبنى الحنفيّة والشّافعيّة في الصّحيح الحكم على تغيّر لحمها‬
‫ونتنه ‪ ،‬فإن تغيّر ووجدت منها رائحة منتنة كره أكل بيضها عند الحنفيّة ‪ ،‬وحرم الكل في‬
‫الصّحيح عند الشّافعيّة ‪ ،‬لنّها صارت من الخبائث ‪ { ،‬ولنهي النّبيّ صلى ال عليه وسلم عن‬
‫أكل لحم الجلّالة وشرب لبنها } ‪ .‬وقيّد الحنابلة وبعض الشّافعيّة حرمة أكل بيض الجلّالة بما إذا‬
‫كان أكثر علفها النّجاسة للحديث الوارد في ذلك ‪ .‬وقال بعض الشّافعيّة ‪ :‬يكره أكل بيض‬
‫ن النّهي إنّما هو لتغيّر اللّحم ‪ ،‬وهو ل يوجب التّحريم ‪ .‬قالوا ‪ :‬وهو‬
‫الجلّالة كراه ًة تنزيهً ‪ ،‬ل ّ‬
‫ل أكل بيضها لتولّده من‬
‫الصحّ ‪ ،‬وهو رواية عند الحنابلة ‪ .‬والمختار عند المالكيّة ‪ ،‬أنّه يح ّ‬
‫ل حيّ طاهر ‪ .‬وإن لم يتغيّر لحم الجلّالة ولم ينتن ‪ ،‬بأن كانت تخلط ولم يكن أكثر‬
‫حيّ ‪ ،‬وك ّ‬
‫علفها النّجاسة حلّ أكل بيضها باتّفاقٍ ‪.‬‬

‫سلق البيض في ماءٍ نجسٍ ‪:‬‬


‫ل أكله عند الجمهور ( الحنفيّة والشّافعيّة والحنابلة وهو‬
‫‪ - 4‬إذا سلق البيض في ماءٍ نجسٍ ح ّ‬
‫القول المرجوح عند المالكيّة ) وفي الرّاجح عند المالكيّة ل يحلّ أكله لنجاسته وتعذّر تطهيره‬
‫لسريان الماء النّجس في مسامّه ‪.‬‬

‫‪ -‬البيض المذر ( وهو الفاسد بوجهٍ عامّ ) ‪ :‬هـ ‪ -‬إذا استحالت البيضة دما‬ ‫‪5‬‬

‫صارت نجسةً عند الحنفيّة والمالكيّة والحنابلة في الصّحيح من مذهبهم ‪ ،‬وفي‬


‫الصحّ عند الشّافعيّة ‪ ،‬ومقابله أنّها طاهرة ‪ ،‬وإذا تغيّرت بالتّعفّن فقط فهي طاهرة‬
‫عند الحنفيّة والشّافعيّة والحنابلة ‪ ،‬كاللّحم المنتن ‪ ،‬وهي نجسة عند المالكيّة ‪ .‬وإن‬
‫اختلط صفارها ببياضها من غير عفونةٍ فهي طاهرة ‪.‬‬

‫البيض الخارج بعد الموت ‪:‬‬


‫‪ - 6‬البيض الخارج من مأكول اللّحم بعد موته ول يحتاج لتذكي ٍة يحلّ أكله باتّفاقٍ ‪ ،‬إلّ إذا كان‬
‫فاسدا ‪ .‬أمّا ما يحتاج لتذكي ٍة ولم يذكّ فالبيض الخارج بعد موته يحلّ أكله إن تصلّبت قشرته ‪،‬‬
‫وهذا عند الحنابلة ‪ ،‬وأصحّ الوجه عند الشّافعيّة ‪ ،‬لنّه صار شيئا آخر منفصلً فيحلّ أكله ‪.‬‬
‫ل أكله عند الحنفيّة ولو لم تتصلّب قشرته ‪ ،‬وهو وجه عند الشّافعيّة ‪ ،‬لنّه شيء طاهر في‬
‫ويح ّ‬
‫ل ما‬
‫ي الّذي له نفس سائلة إذا لم يذكّ ‪ ،‬إ ّ‬
‫ل عند المالكيّة أكل بيض الحيوان البرّ ّ‬
‫نفسه ‪ ،‬ول يح ّ‬
‫كانت ميتته طاهرةً دون ذكاةٍ ‪ -‬كالجراد والتّمساح ‪ -‬فيحلّ أكل بيضه ‪.‬‬
‫بيع البيض ‪:‬‬
‫‪ - 7‬يشترط في بيع البيض ما يشترط في غيره من المبيعات ‪ ،‬وهو أن يكون موجودا متقوّما‬
‫طاهرا منتفعا به مقدورا على تسليمه ‪ ( ...‬ر ‪ :‬بيع ) ‪ .‬ولذلك ل يجوز بيع البيض الفاسد ‪،‬‬
‫لنّه ل ينتفع به ‪ ،‬ول بيع بيضٍ في بطن دجاج ٍة ‪ ،‬لنّه في حكم المعدوم ‪ ...‬هذا ويختلف‬
‫الفقهاء في اعتبار البيض من الرّبويّات وعدم اعتباره ‪ .‬فذهب الحنفيّة والحنابلة وابن شعبان‬
‫من المالكيّة ‪ ،‬وهو القديم عند الشّافعيّة ‪ :‬إلى أنّه ل يعتبر البيض من الرّبويّات ‪ ،‬لنّ علّة الرّبا‬
‫عندهم الكيل مع الجنس ‪ ،‬أو الوزن مع الجنس ‪ ،‬وهذا بالنّسبة لربا الفضل ‪ .‬ول يتحقّق الرّبا‬
‫إلّ بإجماع الوصفين ‪ :‬الجنس والقدر ( الكيل أو الوزن ) ‪ ،‬وعلى ذلك يجوز بيع بيضةٍ‬
‫ببيضتين إذا كان يدا بيدٍ ‪ ،‬لنّه ل تتحقّق فيه العلّة ‪ .‬إلّ أنّه روي عن المام أحمد كراهة بيع‬
‫بيض ٍة ببيضتين لعلّة الطّعم ‪ .‬ويحرم بيع البيض بالبيض نساءً ‪ ،‬لنّ علّة ربا النّساء هي أحد‬
‫وصفي علّة ربا الفضل ‪ ،‬أمّا الكيل أو الوزن المتّفق ‪ ،‬أو الجنس فالجنس بانفراده يحرّم النّساء‬
‫ح الرّوايات ‪:‬‬
‫‪ .‬وهذا عند الحنفيّة بالنّسبة للنّساء ‪ .‬وهو إحدى الرّوايات عند الحنابلة ‪ ،‬وفي أص ّ‬
‫ل يحرم النّساء في بيع البيض بالبيض ‪ .‬وذهب المالكيّة غير ابن شعبان والشّافعيّة في الجديد‬
‫إلى اعتبار البيض من الرّبويّات ‪ ،‬لعلّة القتيات والدّخار في ربا الفضل ‪ ،‬وعلّة الطّعم في‬
‫ربا النّساء ‪ ،‬وذلك عند المالكيّة ‪ ،‬وعلّة الطّعم في ربا الفضل والنّساء عند الشّافعيّة ‪ .‬والبيض‬
‫يقتات ويدّخر ويطعم فيكون ربويّا ‪ .‬وعلى ذلك يحرم الفضل والنّساء في بيع البيض بالبيض ‪،‬‬
‫فإذا بيع بعضه ببعضٍ فل بدّ أن تكون حالّا ‪ ،‬مثلً بمثلٍ ‪ ،‬يدا بيدٍ ‪ .‬والصل في ذلك ما رواه‬
‫مسلم عن عبادة قال ‪ { :‬سمعت رسول اللّه صلى ال عليه وسلم ينهى عن بيع الذّهب‬
‫بالذّهب ‪ ،‬والفضّة بالفضّة ‪ ،‬والب ّر بالبرّ ‪ ،‬والشّعير بالشّعير ‪ ،‬والتّمر بالتّمر ‪ ،‬والملح بالملح ‪،‬‬
‫ن ‪ ،‬فمن زاد أو ازداد فقد أربى } فإن اختلف الجنس ولم تختلف‬
‫إلّ سواءً بسوا ٍء ‪ ،‬عينا بعي ٍ‬
‫العلّة جاز التّفاضل ‪ ،‬لنّ اختلف الجنس ل يحرم معه التّفاضل ويحرم النّساء لوجود علّة‬
‫ي صلى ال عليه وسلم في تتمّة الحديث السّابق ‪ { :‬فإذا اختلفت هذه‬
‫الطّعم ‪ ،‬وقد قال النّب ّ‬
‫الصناف ‪ ،‬فبيعوا كيف شئتم ‪ ،‬إذا كان يدا بيدٍ } ‪ .‬وبيع البيض بالبيض ل يجوز إلّ وزنا‬
‫عند الشّافعيّة ‪ ،‬وبالوزن أو التّحرّي لتحقّق المماثلة عند المالكيّة ‪.‬‬

‫السّلم في البيض ‪:‬‬


‫‪ - 8‬إسلم البيض في البيض ل يجوز عند جمهور الفقهاء ‪ -‬الحنفيّة والمالكيّة والشّافعيّة‬
‫وروايةٍ عند الحنابلة ‪ -‬لنّه يعتبر ربا لعلّة الجنس عند الحنفيّة ‪ ،‬وعلّة الطّعم عند المالكيّة‬
‫والشّافعيّة وروايةٍ عند الحنابلة ‪ .‬ويجوز في أصحّ الرّوايات عند الحنابلة إسلم البيض في‬
‫ن النّبيّ‬
‫البيض ‪ ،‬لنّه ليس من الرّبويّات ‪ ،‬واستدلّوا على ذلك بحديث { ابن عمرٍو ‪ ،‬وهو أ ّ‬
‫صلى ال عليه وسلم أمره أن يأخذ على قلئص الصّدقة فكان يأخذ البعير بالبعيرين إلى إبل‬
‫الصّدقة } ‪ .‬ويجوز أن يكون البيض مسلما فيه عند جمهور الفقهاء ‪ ،‬ويشترط فيه ما يشترط‬
‫في ك ّل مسلمٍ فيه من كونه معلوم الجنس والصّفة ‪ ،‬وأن يكون ممّا يمكن ضبط قدره وصفته ‪..‬‬
‫وهكذا ‪ .‬والبيض يمكن ضبطه قدرا وصفةً ‪ ،‬لنّ الجهالة يسيرة ل تفضي إلى المنازعة ‪،‬‬
‫وصغير البيض وكبيره سواء ‪ ،‬لنّه ل يجري التّنازع في ذلك القدر من التّفاوت بين النّاس‬
‫عاد ًة فكان ملحقا بالعدم ‪ ،‬وبذلك يجوز السّلم في البيض عددا ‪ ،‬وهذا عند الحنفيّة خلفا لزفر ‪،‬‬
‫وكذلك عند من يقول بجوازه من الحنابلة يجوز السّلم فيه عددا ‪ ،‬ويذهب التّفاوت باشتراط‬
‫الكبر أو الصّغر أو الوسط ‪ .‬ويجوز عند المالكيّة أيضا أن يسلم فيه عددا إذا أمكن ضبطه أو‬
‫ن لختلف الغراض بالكبر والصّغر ‪ .‬أمّا عند الشّافعيّة فل‬
‫قياسه بنحو خيطٍ يوضع عند أمي ٍ‬
‫يجوز السّلم في البيض عددا ول كيلً ‪ ،‬وإنّما يجوز بالوزن التّقريبيّ ‪ .‬وعند أبي الخطّاب من‬
‫الحنابلة ‪ ،‬وزفر من الحنفيّة ‪ ،‬وفي قولٍ عند الشّافعيّة ‪ :‬ل يجوز السّلم في البيض ‪ ،‬لنّه ل‬
‫يمكن ضبطه لختلفه في الصّغر والكبر ‪.‬‬

‫العتداء على البيض في الحرم وحال الحرام ‪:‬‬


‫ل ما حرم صيده في الحرم حرم التّعرّض لبيضه ‪ ،‬فإذا كسره أحد أو شواه لزمه قيمته‬
‫‪-9‬كّ‬
‫بمحلّه يوم التّلف ‪ ،‬لنّه أصل الصّيد ‪ ،‬إذ الصّيد يتولّد منه فيعطى له حكم الصّيد احتياطا ‪ .‬وقد‬
‫روي عن الصّحابة رضي ال تعالى عنهم أنّهم حكموا في بيض النّعامة بالقيمة ‪ .‬وهذا عند‬
‫الحنفيّة والحنابلة والشّافعيّة ‪ ،‬عدا المزنيّ فإنّه قال ‪ :‬هو حلل ل جزاء فيه ‪ .‬وعند المالكيّة‬
‫يجب في كلّ فردٍ من أفراد البيض عشر قيمة أمّه طعاما أو عدله صياما ‪ -‬صوم يومٍ عن كلّ‬
‫ن في العشر البيضات شا ًة ‪ .‬واستثنى المالكيّة بيض حمام حرم‬
‫مدّ ‪ -‬واستظهر ابن عرفة أ ّ‬
‫مكّة ففيه عشر قيمة شاةٍ طعاما ‪ ،‬لقضاء عثمان رضي ال عنه فيه بذلك ‪ .‬ول ضمان في‬
‫البيض الفاسد باتّفاقٍ إذا كان غير بيض نعامةٍ ‪ ،‬لنّ الضّمان لعرضيّة أن يصير البيض صيدا‬
‫وهو مفقود في الفاسد ‪ .‬أمّا إذا كان الفاسد بيض نعامةٍ فعند الحنفيّة والمالكيّة وإمام الحرمين‬
‫من الشّافعيّة وابن قدامة من الحنابلة ل شيء فيه أيضا ‪ ،‬لنّه إذا لم يكن فيه حيوان ول مآله‬
‫إلى أن يصير منه حيوان صار كالحجار والخشب ‪ .‬وقال الشّافعيّة غير إمام الحرمين ‪،‬‬
‫ن لقشره قيمة لكن قال ابن قدامة ‪:‬‬
‫والحنابلة غير ابن قدامة يضمن قيمة قشر بيض النّعام ‪ ،‬ل ّ‬
‫الصّحيح ل شيء فيه ‪ .‬وإن كسر البيض فخرج منه فرخ ميّت ‪ ،‬فإن كان موت الفرخ بسبب‬
‫الكسر ‪ ،‬فعند الجمهور عليه قيمته حيّا ‪ ،‬وعند المالكيّة عليه عشر قيمة أمّه ‪ -‬فإن علم موت‬
‫الفرخ قبل الكسر فل شيء فيه ‪ .‬وإذا كسر المحرم بيضا أو شواه وضمنه أو أخذه حلل من‬
‫أجله حرم عليه أكله لنّه صار كالميتة ‪ ،‬وهذا عند المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة ‪ ،‬ويحلّ أكله‬
‫ل أكله لغير المحرم عند الحنفيّة والشّافعيّة كما صحّحه في المجموع وجزم‬
‫عند الحنفيّة ‪ .‬ويح ّ‬
‫به ابن المقري ‪ ،‬وكذلك يحلّ عند الحنابلة ‪ -‬غير القاضي ‪ -‬وسندٍ من المالكيّة ‪ .‬وعند‬
‫المالكيّة غير سندٍ ‪ ،‬وفي قولٍ عند الشّافعيّة والقاضي من الحنابلة يحرم على الحلل ( غير‬
‫المحرم ) أكله كما يحرم على المحرم ‪ .‬وما مرّ إنّما هو بالنّسبة لبيض حرم مكّة ‪ ،‬أمّا بالنّسبة‬
‫لحرم المدينة فل جزاء فيه وإن كان يحرم ويأثم بذلك ‪ .‬هذا كلّه في بيض الصّيد وهو غير‬
‫المستأنس من الطّيور ‪ .‬أمّا المستأنس ( ما يربّى في البيوت كالدّجاج ) فل شيء في بيضه ‪.‬‬

‫غصب البيض ‪:‬‬


‫‪ - 10‬غصب البيض ‪ -‬كغصب غيره من الموال ‪ -‬حرام ‪ ،‬وعلى الغاصب الضّمان ‪ ،‬فإن‬
‫كان البيض المغصوب باقيا وجب ردّه ‪ ،‬لقول النّبيّ صلى ال عليه وسلم ‪ { :‬ل يأخذنّ أحدكم‬
‫مال أخيه لعبا ول جادّا ومن أخذ عصا أخيه فليردّها } فإن تلف ضمن مثله ‪ ،‬إذ البيض من‬
‫المثليّات عند الجمهور ‪ ،‬وإن تعذّر المثل فالقيمة ‪ .‬ويختلف الفقهاء فيمن غصب بيضا فحضنه‬
‫تحت دجاجٍ حتّى أفرخ ‪ .‬فعند الحنفيّة والمالكيّة يكون على الغاصب بيض مثله لربّه والفراخ‬
‫للغاصب ‪ ،‬لنّ المغصوب قد تبدّل وصار شيئا آخر ‪ ،‬وعند الشّافعيّة والحنابلة تكون الفراخ‬
‫لربّ البيض لنّه عين ماله نمّي ‪ ،‬ول شيء للغاصب ‪.‬‬

‫‪ -‬البيطرة في اللّغة ‪ :‬معالجة الدّوابّ ‪ .‬مأخوذ من بطر الشّيء إذا شقّه ‪.‬‬ ‫‪1‬‬ ‫بيطرة‬
‫ومنه البيطار ‪ ،‬وهو معالج الدّوابّ ‪ .‬ول تخرج البيطرة في معناها الصطلحيّ‬
‫عن ذلك ‪ ( .‬الحكم التّكليفيّ ) ‪:‬‬
‫‪ - 2‬مداواة البهائم وعلجها بما فيه منفعتها ولو بالفصد والكيّ جائز شرعا وهو مطلوب‬
‫شرعا ‪ ،‬لنّه من الرّحمة بالحيوان ومن حفظ المال وهل يضمن من باشر مداواتها وعلجها‬
‫ح عندهم ‪ :‬ل‬
‫إذا أتلفها أو عطبت بفعله ؟ قال الحنفيّة والمالكيّة والحنابلة والشّافعيّة في الص ّ‬
‫ضمان عليه إن كان قد أذن بذلك ‪ ،‬وكانت له بصنعته خبرة ومعرفة ‪ ،‬ولم يتجاوز ‪ ،‬فإن لم‬
‫ت ل يصلح‬
‫يؤذن له أو كان قد جاوز ما أذن فيه ‪ ،‬أو قطع بآل ٍة كآلةٍ يكثر ألمها ‪ ،‬أو في وق ٍ‬
‫القطع فيه وأشباه هذا ‪ ،‬ضمن في هذا كلّه ‪ ،‬لنّه إتلف ل يختلف ضمانه بالعمد والخطأ ‪،‬‬
‫فأشبه إتلف المال ‪ ،‬ولنّ هذا فعل محرّم فيضمن سرايته كالقطع ابتداءً ‪ ،‬وفي الحديث ‪:‬‬
‫ب ولم يسبق له تجربة فيه ‪.‬‬
‫ب فهو ضامن } ‪ .‬أي من تعاطى الطّ ّ‬
‫{ من تطبّب ولم يعلم منه ط ّ‬
‫فالحديث يدلّ بمنطوقه على أنّ من طبّب وليست له خبرة بالطّبّ يكون ضامنا ‪ .‬وكذلك من له‬
‫خبرة بالطّبّ ولكنّه أهمل أو تعدّى ‪ .‬والتّفصيل في ذلك يرجع إليه في مواطنه ( إجارة ‪-‬‬
‫جنايات ‪ ،‬حيوان ‪ ،‬ضمان ) ‪.‬‬

‫نهاية الجزء الثامن ‪ /‬الموسوعة الفقهية‬