You are on page 1of 255

‫الجزء الحادي عشر ‪ /‬الموسوعة الفقهية‬

‫تخارج *‬
‫التّعريف ‪:‬‬
‫‪ -‬التّخارج في اللّغة ‪ :‬مصدر تخارج ‪ ،‬يقال ‪ :‬تخارج القوم ‪ :‬إذا أخرج كلّ واحد منهم نفقةً‬ ‫‪1‬‬

‫على قدر نفقة صاحبه ‪ .‬وتخارج الشّركاء ‪ :‬خرج كلّ واحد من شركته عن ملكه إلى صاحبه‬
‫بالبيع ‪ .‬وفي الصطلح هو ‪ :‬أن يصطلح الورثة على إخراج بعضهم بشيء معلوم ‪.‬‬
‫اللفاظ ذات الصّلة ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬الصّلح ‪:‬‬
‫‪ -‬الصّلح لغةً ‪ :‬اسم للمصالحة الّتي هي المسالمة خلف المخاصمة‪ .‬واصطلحا ‪ :‬عقد‬ ‫‪2‬‬

‫وضع لرفع المنازعة ‪ .‬وهو أعمّ من التّخارج ‪ ،‬لنّه يشمل المصالحة في الميراث وغيره ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬القسمة أو التّقاسم ‪:‬‬
‫‪ -‬القسمة لغةً ‪ ،‬اسم للقتسام أو التّقسيم ‪ ،‬وتقاسموا الشّيء ‪ :‬قسموه بينهم ‪ ،‬وهو أن يأخذ كلّ‬ ‫‪3‬‬

‫واحد نصيبه ‪ .‬وشرعا ‪ :‬جمع نصيب شائع في مكان معيّن ‪.‬‬


‫ن الوارث الّذي‬
‫والفرق بينهما أنّه في القسمة يأخذ جزءا من المال المشترك ‪ ،‬أمّا في التّخارج فإ ّ‬
‫يخرج يأخذ شيئا معلوما ‪ ،‬سواء أكان من التّركة أم من غيرها ‪.‬‬
‫الحكم التّكليفيّ ‪:‬‬
‫ن عبد الرّحمن بن عوف‬
‫‪ -‬التّخارج جائز عند التّراضي ‪ ،‬والصل في جوازه ما روي أ ّ‬ ‫‪4‬‬

‫رضي ال عنه طلّق امرأته تماضر بنت الصبغ الكلبيّة في مرض موته ‪ ،‬ثمّ مات وهي في‬
‫العدّة ‪ ،‬فورّثها عثمان رضي ال تعالى عنه مع ثلث نسوة أخر ‪ ،‬فصالحوها عن ربع ُثمُنها‬
‫على ثلثة وثمانين ألفا ‪ .‬قيل من الدّنانير ‪ ،‬وقيل من الدّراهم ‪.‬‬
‫حقيقة التّخارج ‪:‬‬
‫‪ -‬الصل في التّخارج أنّه عقد صلح بين الورثة لخراج أحدهم ‪ ،‬ولكنّه يعتبر عقد بيع إن‬ ‫‪5‬‬

‫كان البدل المصالح عليه شيئا من غير التّركة ‪.‬‬


‫ويعتبر عقد قسمة ومبادلة ‪ ،‬إن كان البدل المصالح عليه من مال التّركة ‪ ،‬وقد يكون هبةً أو‬
‫إسقاطا للبعض ‪ ،‬إن كان البدل المصالح عليه أقلّ من النّصيب المستحقّ ‪ .‬وهذا في الجملة ‪.‬‬
‫ويشترط في كلّ حالة شروطها الخاصّة ‪.‬‬
‫من يملك التّخارج ‪:‬‬
‫‪ -‬التّخارج عقد صلح ‪ ،‬وهو في أغلب أحواله يعتبر من عقود المعاوضات ‪ ،‬ولذلك يشترط‬ ‫‪6‬‬

‫فيمن يملك التّخارج أهليّة التّعاقد ‪ ،‬وذلك بأن يكون عاقلً غير محجور عليه ‪ ،‬فل يصحّ‬
‫التّخارج من الصّبيّ الّذي ل يميّز ‪ ،‬ول من المجنون وأشباهه ‪.‬‬
‫ويشترط أن يكون ذا إرادة ‪ ،‬لنّ التّخارج مبناه على الرّضا ‪ ( .‬ر ‪ :‬إكراه ) ‪.‬‬
‫ويشترط فيمن يملك التّخارج كذلك أن يكون مالكا لما يتصرّف فيه ‪ .‬وفي تصرّف الفضوليّ‬
‫خلف بين من يجيزه موقوفا على إجازة المالك ‪ ،‬وهم الحنفيّة والمالكيّة ‪ ،‬وبين من ل يجيزه ‪،‬‬
‫وهم الشّافعيّة والحنابلة ‪ .‬وفي ذلك تفصيل موضعه مصطلح ( فضوليّ ) ‪.‬‬
‫وقد يكون ملك التّصرّف بالوكالة ‪ ،‬وحينئذ يجب أن يقتصر التّصرّف على المأذون به للوكيل ‪.‬‬
‫( ر ‪ :‬وكالة ) ‪ .‬وقد يكون ملك التّصرّف كذلك بالولية الشّرعيّة كالوليّ والوصيّ ‪ ،‬وحينئذ‬
‫يجب أن يقتصر تصرّفهما على ما فيه الحظّ للمولّى عليه ‪ .‬فقد نقل ابن فرحون عن مفيد‬
‫الحكّام في الب يصالح عن ابنته البكر ببعض حقّها من ميراث أو غير ذلك ‪ ،‬وحقّها بيّن ل‬
‫خصام فيه ‪ ،‬أنّ صلحه غير جائز ‪ ،‬إذ ل نظر فيه ‪ ،‬أي ل مصلحة ‪ ،‬وترجع البنة ببقيّته على‬
‫من هو عليه ‪ .‬وينظر تفصيل ذلك في ‪ ( :‬وصاية ‪ ،‬ولية ) ‪.‬‬
‫شروط صحّة التّخارج ‪:‬‬
‫للتّخارج شروط عامّة باعتباره عقد صلح ‪ ،‬وشروط خاصّة بصور التّخارج تختلف باختلف‬
‫الصّور ‪ ،‬وستذكر عند بيانها ‪.‬‬
‫أمّا الشّروط العامّة فهي ‪:‬‬
‫‪ -‬أ ‪ -‬يشترط لصحّة التّخارج أن تكون التّركة ‪ -‬محلّ التّخارج ‪ -‬معلومةً ‪ ،‬إذ التّخارج في‬ ‫‪7‬‬

‫الغالب بيع في صورة صلح ‪ ،‬وبيع المجهول ل يجوز ‪ ،‬وكذا الصّلح عنه ‪ ،‬وذلك إذا أمكن‬
‫الوصول إلى معرفة التّركة ‪ ،‬فإذا تعذّر الوصول إلى معرفتها جاز الصّلح عن المجهول ‪ ،‬كما‬
‫إذا صالحت الزّوجة عن صداقها ‪ ،‬ول علم لها ول للورثة بمبلغه ‪ ،‬وهذا عند المالكيّة‬
‫والشّافعيّة والمام أحمد ‪ ،‬وبعض الحنابلة الّذين ل يجيزون الصّلح عن المجهول ‪.‬‬
‫والمشهور عند الحنابلة جواز الصّلح عن المجهول مطلقا ‪ ،‬سواء تعذّر علمه أو لم يتعذّر ‪.‬‬
‫ودليل الصّلح عن المجهول عند تعذّر العلم به ‪ « :‬أنّ النّبيّ صلى ال عليه وسلم قال لرجلين‬
‫اختصما في مواريث درست ‪ :‬اقتسما وتوخّيا الحقّ ثمّ استهما ث ّم تحالّ » ‪.‬‬
‫أمّا عند الحنفيّة فل يشترط أن تكون أعيان التّركة معلوم ًة فيما ل يحتاج إلى قبض ‪ ،‬لنّه ل‬
‫حاجة فيه إلى التّسليم ‪ ،‬وبيع ما لم يعلم قدره جائز ‪ ،‬كمن أقرّ بغصب شيء ‪ ،‬فباعه المقرّ له‬
‫من المقرّ جاز وإن لم يعرفا قدره ‪ ،‬ولنّ الجهالة هنا ل تفضي إلى المنازعة ‪ ،‬ودليل جواز‬
‫ذلك أثر عثمان في تخارج تماضر امرأة عبد الرّحمن بن عوف ‪.‬‬
‫‪ -8‬ب ‪ -‬أن يكون البدل مالً متقوّما معلوما منتفعا به مقدورا على تسليمه ‪ ،‬فل يصحّ أن يكون‬
‫البدل مجهولً جنسا أو قدرا أو صفةً ‪ ،‬ول أن يكون ممّا ل يصلح عوضا في البيع ‪ .‬وهذا في‬
‫الجملة ‪ ،‬إذ عند الحنفيّة والحنابلة ‪ :‬إذا كان العوض ل يحتاج إلى تسليم ‪ ،‬وكان ل سبيل إلى‬
‫معرفته كالمختصمين في مواريث دارسة ‪ ،‬فإنّه يجوز مع الجهالة ‪.‬‬
‫‪ -9‬ج ‪ -‬التّقابض في المجلس فيما يعتبر صرفا ‪ ،‬كالتّخارج عن أحد النّقدين بالخر ‪ ،‬وكذا‬
‫فيما إذا اتّفق المصالح عنه والمصالح عليه في علّة الرّبا ‪.‬‬
‫وهذا باتّفاق في الصل ‪ ،‬مع الختلف في التّفاصيل الّتي سترد عند ذكر صور التّخارج ‪.‬‬
‫‪ -‬د ‪ -‬توافر شروط بيع الدّين إذا كان للتّركة دين على الغير ‪ ،‬وهذا عند من يجيز بيع‬ ‫‪10‬‬

‫الدّين لغير من هو عليه كالمالكيّة والشّافعيّة ‪ ،‬أو يراعى استعمال الحيلة لجواز التّخارج‬
‫كالبراء أو الحوالة به كما يقول الحنفيّة ‪ ،‬وسيأتي تفصيل ذلك عند ذكر الصّور ‪.‬‬
‫صور التّخارج ‪:‬‬
‫لم ترد صور مفصّلة للتّخارج عند الشّافعيّة والحنابلة ‪ ،‬وإنّما ورد ذلك مفصّلً عند الحنفيّة‬
‫والمالكيّة مع الختلف في التّجاهات ‪،‬ول تظهر هذه التّجاهات إلّ بذكر كلّ مذهب على‬
‫حدة‪.‬‬
‫صور التّخارج عند الحنفيّة ‪:‬‬
‫‪ -‬إذا تخارج الورثة مع أحدهم عن نصيبه في التّركة على شيء من المال يدفعونه له ‪،‬‬ ‫‪11‬‬

‫فلذلك صور تختلف بحسب نوع البدل الّذي يدفعونه ‪،‬وبحسب نوعيّة التّركة ‪ ،‬وذلك كما يلي ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬إذا كانت التّركة عقارا أو عرضا ‪ ،‬فأخرج الورثة أحدهم منها بمال أعطوه إيّاه ‪ ،‬جاز‬
‫التّخارج سواء أكان ما أعطوه أقلّ من حصّته أم أكثر ‪ ،‬لنّه أمكن تصحيحه بيعا ‪ ،‬والبيع يصحّ‬
‫ن البراء من العيان غير المضمونة ل‬
‫بالقليل والكثير من الثّمن ‪ .‬ول يصحّ جعله إبراءً ‪ ،‬ل ّ‬
‫يصحّ ‪ .‬ول يشترط معرفة مقدار حصّته من التّركة ‪ ،‬إذ الجهالة هنا ل تفسد البيع ‪ ،‬لنّها ل‬
‫تفضي إلى النّزاع ‪ ،‬لنّ المبيع هنا ل يحتاج إلى تسليم ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬إذا كانت التّركة ذهبا فأعطوه فضّةً ‪ ،‬أو كانت فضّةً فأعطوه ذهبا جاز الصّلح أيضا ‪،‬‬
‫سواء أكان ما أعطوه أقلّ من نصيبه أم أكثر ‪ ،‬لنّه بيع الجنس بخلف الجنس ‪ ،‬فل يعتبر‬
‫صرْفا ‪.‬‬
‫التّساوي ‪ .‬لكن يشترط القبض في المجلس لكونه َ‬
‫غير أنّ الوارث الّذي في يده بقيّة التّركة إن كان جاحدا وجودها في يده يكتفي بذلك القبض ‪،‬‬
‫لنّه قبض ضمان فينوب عن قبض الصّلح ‪.‬‬
‫والصل في ذلك أنّه متى تجانس القبضان ‪ ،‬بأن يكون قبض أمانة أو قبض ضمان ناب أحدهما‬
‫مناب الخر ‪ ،‬أمّا إذا اختلفا فالمضمون ينوب عن غيره ‪.‬‬
‫وإن كان الّذي في يده بقيّة التّركة مقرّا ‪ ،‬فإنّه ل بدّ من تجديد القبض ‪ ،‬وهو النتهاء إلى مكان‬
‫يتمكّن من قبضه ‪ ،‬لنّه قبض أمانة ‪ ،‬فل ينوب عن قبض الصّلح ‪.‬‬
‫ج ‪ -‬وإن كانت التّركة دراهم ودنانير ‪ ،‬وبدل الصّلح كذلك دراهم ودنانير ‪ ،‬جاز الصّلح كيفما‬
‫كان ‪ ،‬صرفا للجنس إلى خلف جنسه كما في البيع ‪ ،‬لكن ل بدّ من القبض في المجلس لكونه‬
‫صرْفا ‪.‬‬
‫َ‬
‫د ‪ -‬وإن كانت التّركة ذهبا وفضّةً وغير ذلك من العروض والعقار ‪ ،‬فصالحوه على أحد‬
‫النّقدين فل يجوز الصّلح ‪ ،‬إلّ أن يكون ما أعطي له أكثر من حصّته من ذلك الجنس ‪ ،‬ليكون‬
‫نصيبه بمثله ‪ ،‬والزّيادة تكون في مقابل حقّه من بقيّة التّركة احترازا عن الرّبا ‪ ،‬ول ب ّد من‬
‫التّقابض فيما يقابل نصيبه ‪ ،‬لنّه صرف في هذا القدر ‪.‬‬
‫فإن كان ما أعطوه مساويا لنصيبه ‪ ،‬أو كان أقلّ من نصيبه بطل الصّلح لوجود الرّبا ‪ ،‬لنّه إذا‬
‫كان البدل مساويا تبقى الزّيادة من غير جنس البدل خاليةً عن العوض ‪ ،‬فيكون ربا ‪.‬‬
‫ل من نصيبه تبقى الزّيادة من جنس ذلك ومن غير جنسه خاليةً عن العوض ‪،‬‬
‫وإن كان البدل أق ّ‬
‫ح تجويزه بطريق البراء‬
‫فيكون ربا ‪ .‬وتعذّر تجويزه بطريق المعاوضة للزوم الرّبا ‪ ،‬ول يص ّ‬
‫عن الباقي ‪ ،‬لنّ البراء عن العيان باطل ‪.‬‬
‫وكذلك يبطل التّخارج إن كان نصيبه مجهولً لحتمال الرّبا ‪ ،‬لنّ الفساد على تقدير أن يكون‬
‫البدل مساويا له أو أقلّ ‪ ،‬فكان أرجح وأولى بالعتبار ‪.‬‬
‫ونقل عن الحاكم أبي الفضل أنّ الصّلح إنّما يبطل على أقلّ من نصيبه في مال الرّبا في حالة‬
‫التّصادق ‪ ،‬أمّا في حالة التّناكر بأن أنكروا وراثته فالصّلح جائز ‪ ،‬لنّه في حالة المناكرة يكون‬
‫المدفوع لقطع المنازعة ولفتداء اليمين ‪ ،‬أو لحمله على أخذ عين الحقّ في قدر المأخوذ‬
‫ل من جنسه ‪.‬‬
‫وإسقاط الحقّ في الباقي ‪ ،‬كما قالوا في الصّلح عن الدّين بأق ّ‬
‫هـ ‪ -‬ولو كانت التّركة ذهبا وفضّةً وغير ذلك من العروض والعقار فصالحوه على عرض‬
‫جاز الصّلح مطلقا ‪ ،‬سواء أكان ما أعطوه أقلّ من نصيبه أو أكثر ‪.‬‬
‫و ‪ -‬إذا كانت أعيان التّركة مجهولةً والصّلح على المكيل أو الموزون ففيه اختلف ‪ .‬قال‬
‫المرغينانيّ ‪ :‬ل يجوز الصّلح لما فيه من احتمال الرّبا ‪ ،‬بأن يكون في التّركة مكيل أو موزون‬
‫من جنسه ‪ ،‬فيكون في حقّه بيع المقدّر بجنسه جزافا ‪.‬‬
‫وقال الفقيه أبو جعفر ‪ :‬يجوز لحتمال أن ل يكون في التّركة من ذلك الجنس ‪ ،‬وإن كان فيها‬
‫فيحتمل أن يكون نصيبه من ذلك الجنس في التّركة أقلّ ممّا وقع عليه الصّلح فل يلزم الرّبا ‪،‬‬
‫واحتمال أن يكون نصيبه من ذلك أكثر ‪ ،‬أو مثل ما وقع عليه الصّلح هو احتمال الحتمال ‪،‬‬
‫ففيه شبهة الشّبهة وليست بمعتبرة ‪.‬‬
‫وقول أبي جعفر هو الصّحيح على ما في الزّيلعيّ وفتاوى قاضي خان ‪.‬‬
‫ز ‪ -‬وإن كانت أعيان التّركة مجهولةً ‪ ،‬وهي غير مكيل أو موزون في يد بقيّة الورثة ‪ ،‬وكان‬
‫الصّلح على المكيل أو الموزون قيل ‪ :‬ل يجوز ‪ ،‬لنّه بيع المجهول ‪ ،‬لنّ المصالح باع نصيبه‬
‫من التّركة وهو مجهول بما أخذ من المكيل والموزون ‪.‬‬
‫والصحّ أنّه يجوز ‪ ،‬لنّ الجهالة هنا ل تفضي إلى المنازعة لعدم الحاجة إلى التّسليم ‪ ،‬لقيام‬
‫التّركة في يدهم ‪ ،‬حتّى لو كانت في يد المصالح أو بعضها لم يجز الصّلح ‪ ،‬ما لم يعلم جميع ما‬
‫في يده للحاجة إلى التّسليم ‪.‬‬
‫صور التّخارج عند المالكيّة ‪:‬‬
‫يفرّق المالكيّة بين أن يكون بدل التّخارج من نفس التّركة ‪ ،‬وبين أن يكون من غيرها ‪.‬‬
‫أوّلً ‪ :‬إذا كان بدل التّخارج من نفس التّركة ‪:‬‬
‫‪ -‬إذا كانت التّركة قد اشتملت على عرض وفضّة وذهب ‪ ،‬وصالح الورثة أحدهم عن إرثه‬ ‫‪12‬‬

‫‪ .‬كزوجة مثلً مات زوجها فصالحها البن على ما يخصّها من التّركة ‪ ،‬فإنّ الصّلح يجوز في‬
‫الحالت التية ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬إذا أخذت ذهبا من التّركة قدر حصّتها من ذهب التّركة أو أقلّ ‪ ،‬أو أخذت دراهم من‬
‫ل والذّهب‬
‫التّركة قدر حصّتها من دراهم التّركة أو أقلّ ‪ ،‬وذلك كصلحها بعشرة دنانير أو أق ّ‬
‫ثمانون عند الفرع الوارث ‪ ،‬لنّها أخذت حظّها ( أي ‪ :‬الّثمُن ) من الدّنانير أو بعضه فيكون‬
‫الباقي كأنّه هبة للورثة ‪ .‬ولكن يشترط أن يكون الذّهب الّذي أخذت منه حاضرا كلّه ‪ ،‬أو تكون‬
‫الدّراهم حاضر ًة كلّها إن أخذت منها ‪ ،‬وسواء حضر ما عدا ذلك من التّركة أم غاب ‪ ،‬لنّ‬
‫النّوع الّذي أخذت منه لو كان بعضه غائبا ترتّب على ذلك صورة ممنوعة ‪ ،‬وهي ‪ :‬اشتراط‬
‫تعجيل الثّمن في بيع الشّيء الغائب بيعا لزما ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬إذا أخذت ذهبا من التّركة زائدا على حظّها دينارا واحدا فقط ‪ .‬كصلحها بأحد عشر من‬
‫الثّمانين الحاضرة ‪ ،‬لنّها أخذت نصيبها من الدّنانير ‪ ،‬وباعت لباقي الورثة حظّها من الدّراهم‬
‫والعرض بالدّينار الزّائد ‪ ،‬فجم يع ما ف يه من الب يع وال صّرف دينار ‪ ،‬لنّه ل يجوز أن يجت مع‬
‫البيع والصّرف في أكثر من دينار ‪.‬‬
‫ولكن يشترط في هذه الحالة أن تكون التّركة كلّها من عرض ونقد حاضر ًة ‪.‬‬
‫ج ‪ -‬إذا صولحت بذهب من ذهب التّركة ‪ ،‬وكان ما أخذته يزيد عمّا يخ صّها من الذّهب أكثر‬
‫من دينار ‪ ،‬جاز هذا ال صّلح إن قلّت الدّرا هم اّل تي ت ستحقّها عن صرف دينار ‪ ،‬أو قلّت قي مة‬
‫العروض الّتـي تسـتحقّها عـن صـرف دينار ‪ ،‬أو قلّت الدّراهـم والعروض عـن صـرف دينار ‪.‬‬
‫وإنّ ما جاز في هذه الحالت لجتماع الب يع وال صّرف في دينار وا حد ف قط ‪ ،‬لنّه ل يجوز أن‬
‫يجتمع البيع والصّرف في أكثر من دينار ‪.‬‬
‫ويشترط أن تكون التّركة كلّها معلومةً وحاضر ًة ‪ .‬فإن كانت الدّراهم وقيمة العروض أكثر من‬
‫صرف دينار منع الصّلح حينئذ ‪ ،‬لنّه يؤدّي إلى اجتماع البيع والصّرف في أكثر من دينار ‪.‬‬
‫د ‪ -‬إذا صولحت بعرض من عروض التّركة جاز الصّلح مطلقا ‪ ،‬سواء أكان ما أخذته قدر‬
‫نصيبها أم أقلّ أم أكثر ‪.‬‬
‫ثانيا ‪ :‬إذا كان بدل التّخارج من غير التّركة ‪:‬‬
‫ن حكم الصّلح يختلف تبعا لختلف الحالت‬
‫‪ -‬إذا كان بدل التّخارج من غير التّركة فإ ّ‬ ‫‪13‬‬

‫وهي ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬إذا كانت التّركة عروضا وفضّةً وذهبا ‪ ،‬وصالحها الورثة بذهب من غير ذهب التّركة ‪،‬‬
‫أو بفضّة من غير فضّة التّركة ‪ ،‬فل يجوز هذا الصّلح ‪ ،‬قلّ ما أخذته عن نصيبها أو كثر ‪،‬‬
‫لنّه بيع ذهب وفضّة وعرض بذهب أو فضّة ‪ ،‬وهذا ربا فضل ‪ ،‬وفيه ربا النّساء إن غابت‬
‫ن حكمه حكم النّقد إذا صاحبه النّقد ‪.‬‬
‫التّركة كلّها أو بعضها ‪ ،‬ل ّ‬
‫ب ‪ -‬إذا كانت التّركة كما ذكر في الصّورة السّابقة ‪ ،‬وصالح الورثة الزّوجة بعرض من غير‬
‫عرض التّركة جاز هذا الصّلح بشروط هي ‪:‬‬
‫أن تكون التّركة كلّها معلوم ًة للمتصالحين ليكون الصّلح على معلوم ‪ ،‬وأن تكون التّركة جميعها‬
‫حاضرةً حقيقةً في العين أو حكما في العرض ‪ ،‬بأن كانت قريبة الغيبة بحيث يجوز النّقد فيه‬
‫فهو في حكم الحاضر ‪ ،‬وأن يكون الصّلح عن إقرار ‪ ،‬وأن يقرّ المدين بما عليه إن كان في‬
‫التّركة دين ‪ ،‬وأن يحضر وقت الصّلح إذ لو غاب لحتمل إنكاره ‪ ،‬وأن يكون مكلّفا ‪.‬‬
‫ج ‪ -‬إذا كا نت التّر كة درا هم وعرضا ‪ ،‬أو ذهبا وعرضا ‪ ،‬جاز ال صّلح بذ هب من غ ير ذ هب‬
‫التّركة ‪ ،‬أو بفضّة من غير التّركة بشرط أن ل يجتمع البيع والصّرف في أكثر من دينار ‪.‬‬
‫مذهب الشّافعيّة ‪:‬‬
‫‪ -‬يفرّق الشّافعيّة في تخارج الورثة بين ما إذا كان الصّلح بينهم عن إقرار أو عن إنكار ‪،‬‬ ‫‪14‬‬

‫فإن كان عن إقرار ‪ ،‬وكان البدل من غير المتصالح عليه كان بيعا تثبت فيه أحكام البيع ‪،‬‬
‫كاشتراط القبض إن اتّفق المصالح عنه والمصالح عليه في علّة الرّبا ‪ ،‬وكاشتراط التّساوي إذا‬
‫كان جنسا ربويّا وغير ذلك ‪.‬‬
‫وإن جرى الصّلح على بعض المتصالح عنه فهو هبة للبعض ‪ ،‬وتثبت فيه أحكام الهبة ‪.‬‬
‫هذا بالنّ سبة لل صّلح عن إقرار ‪ ،‬أمّا ال صّلح عن إنكار ف هو با طل عند هم ‪ ،‬لكنّ هم ي ستثنون من‬
‫بطلن ال صّلح على النكار صلح الورثة فيما بينهم للضّرورة ‪ ،‬لكن يشترط أن يكون ما يعطى‬
‫للمتصالح من نفس التّركة ل من غيرها ‪ ،‬ويستوي أن يكون التّصالح على تساو أو تفاوت ‪.‬‬
‫مذهب الحنابلة ‪:‬‬
‫‪ -‬لم يذكر الحنابلة صورا للتّخارج ‪ ،‬وهو يجري على قواعد الصّلح العامّة الّتي قد تكون‬ ‫‪15‬‬

‫بيعا أو هبةً أو إبراءً ‪.‬‬


‫ويجوز أن يكون البدل من جنس المتصالح عليه ومن غير جنسه ‪ ،‬فإن كان من جنس حقّه‬
‫بقدره فهو استيفاء له ‪ ،‬وإن كان دونه فهو استيفاء لبعضه وترك للبعض الخر ‪ :‬إمّا على سبيل‬
‫البراء أو على سبيل الهبة ‪.‬‬
‫وإن كان البدل من غير جنس المتصالح عليه كان بيعا تجري فيه أحكام البيع ‪ ،‬وتراعى شروط‬
‫الصّرف إن كان عن نقد بنقد وهكذا ‪ .‬ويشترط ‪ -‬إن كان الصّلح عن إنكار ‪ -‬أن ل يأخذ‬
‫المتصالح من جنس حقّه أكثر ممّا يستحقّ ‪ ،‬لنّ الزّائد ل مقابل له ‪ ،‬فيكون ظالما بأخذه ‪،‬‬
‫بخلف ما إذا أخذ من غير جنسه ‪ ،‬لنّه يكون بيعا في حقّ المدّعي ‪ ،‬لعتقاده أخذه عوضا ‪،‬‬
‫ويكون في حقّ المنكر بمنزلة البراء ‪ ،‬لنّه دفع المال افتداءً ليمينه ورفعا للضّرر عنه ‪.‬‬
‫كون بعض التّركة دينا قبل التّخارج ‪:‬‬
‫لو كان بعض التّركة دينا على النّاس وصالح الورثة أحدهم على أن يخرجوه من الدّين ويكون‬
‫لهم ‪ ،‬فقد اختلف الفقهاء في جواز الصّلح حسب التّجاهات التية ‪:‬‬
‫‪ -‬فعند الحنفيّة الصّلح باطل في العين والدّين ‪ ،‬أمّا في الدّين فلنّ فيه تمليك الدّين ‪ -‬وهو‬ ‫‪16‬‬

‫حصّة المصالح ‪ -‬من غير من عليه الدّين وهم الورثة ‪ ،‬وأمّا في العين فلنّ الصّفقة واحدة ‪،‬‬
‫سواء بيّن حصّة الدّين أو لم يبيّن عند أبي حنيفة ‪ ،‬وهو قول صاحبيه على الصحّ ‪ .‬وقد ذكر‬
‫الحنفيّة بعض الصّور لتصحيح هذا الصّلح وهي ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬أن يشترط الورثة أن يبرئ المصالح الغرماء من حصّته من الدّين ‪ ،‬لنّه حينئذ يكون‬
‫إسقاطا ‪ ،‬أو هو تمليك الدّين ممّن عليه الدّين وهو جائز ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬أن يعجّل الورثة قضاء نصيب المصالح من الدّين متبرّعين ويحيلهم بحصّته ‪.‬‬
‫وفي هذين الوجهين ضرر بقيّة الورثة ‪ ،‬لنّ في الولى ل يمكنهم الرّجوع على الغرماء بقدر‬
‫المصالح به ‪ .‬وكذا في الثّانية ‪ ،‬لنّ النّقد خير من النّسيئة ‪.‬‬
‫‪ -‬والحنابلة كالحنفيّة ل يجوز عندهم بيع الدّين لغير من عليه الدّين ‪ ،‬ولكن يصحّ إبراء‬ ‫‪17‬‬

‫الغريم منه أو الحوالة به عليه ‪.‬‬


‫‪ -‬أمّا عند المالكيّة ‪ :‬فإنّه يجوز بيع الدّين لغير من عليه الدّين بشروطه ‪ ،‬وعلى ذلك فإنّه‬ ‫‪18‬‬

‫يجوز الصّلح عن الدّين الّذي على الغير ‪ ،‬حيث يجوز بيع الدّين ‪ ،‬ويمتنع الصّلح عنه حيث‬
‫يمتنع بيعه ‪ .‬فيجوز الصّلح عن الدّين إذا كان الدّين حيوانا أو عرضا أو طعاما من قرض ‪،‬‬
‫وبشرط أن يكون المدين حاضرا ‪ ،‬وأن يكون مقرّا بالدّين ‪ ،‬وأن يكون مكلّفا ‪ ،‬ويمتنع في غير‬
‫ما تقدّم ‪.‬‬
‫‪ -‬والظهر عند الشّافعيّة ‪ -‬على ما جاء في مغني المحتاج ‪ -‬بطلن بيع الدّين لغير من‬ ‫‪19‬‬

‫عليه ‪ ،‬والمعتمد جواز بيعه لغير من عليه بشروطه ‪ ،‬بأن يكون المدين مليّا مقرّا والدّين حالّا‬
‫مستقرّا ‪ .‬وقال النّوويّ ‪ :‬لو قال أحد الوارثين لصاحبه ‪ :‬صالحتك من نصيبي على هذا‬
‫الثّوب ‪ ،‬فإن كانت التّركة ديونا على غيره فهو بيع دين لغير من عليه ‪ ،‬وإن كان فيها عين‬
‫ودين على الغير ‪ -‬ولم نجوّز بيع الدّين لغير من هو عليه ‪ -‬بطل الصّلح في الدّين ‪ ،‬وفي‬
‫العين القولن في تفريق الصّفقة ‪.‬‬
‫ولو مات شخص عن ابنين ‪ ،‬والتّركة ألفا درهم ومائة دينار ‪ ،‬وهي دين في ذمّة الغير ‪،‬‬
‫فصالح أحدهما أخاه من الدّين على ألفي درهم جاز ‪ ،‬لنّه إذا كان في ال ّذمّة فل ضرورة إلى‬
‫تقدير المعاوضة فيه ‪ ،‬فيجعل مستوفيا لحد اللفين ومعتاضا عن الدّنانير اللف الخر ‪.‬‬
‫ظهور دين على التّركة بعد التّخارج ‪:‬‬
‫‪ -‬الصل أنّ الدّين يتعلّق بالتّركة ‪ ،‬ويقدّم سداده على تقسيم التّركة ‪ ،‬لقوله تعالى ‪:‬‬ ‫‪20‬‬

‫{ مِنْ بعدِ وَصيّةٍ يُوصَى بها أو َديْنٍ } ‪.‬‬


‫لكن الفقهاء يختلفون في وقت ابتداء ملكيّة الوارث للتّركة إذا كانت مدينةً ‪ .‬فعند الحنفيّة‬
‫والمالكيّة ل تنتقل ملكيّة التّركة إلى الورثة إلّ بعد سداد الدّين ‪.‬‬
‫والصّحيح عند الشّافعيّة ‪ ،‬وإحدى الرّوايات عند الحنابلة ‪ .‬تنتقل ملكيّة التّركة للوارث قبل سداد‬
‫الدّين مع تعلّق الدّين بها ‪ ،‬وهذا في الجملة ‪.‬‬
‫وفائدة هذا الخلف أنّ الغلّة الّتي تحدث من وقت الوفاة إلى وقت السّداد يتعلّق بها الدّين عند‬
‫ن التّركة ل تدخل في ملك الوارث مع تعلّق الدّين بها ‪.‬‬
‫من يقول ‪ :‬إ ّ‬
‫وتكون للوارث عند من يقول ‪ :‬إنّ التّركة تدخل في ملك الوارث ولو كانت مدينةً ‪.‬‬
‫ومع هذا الختلف فإنّه إذا تصالح الورثة فيما بينهم ‪ ،‬وأخرجوا أحدهم ‪ ،‬واقتسموا التّركة ‪ ،‬ثمّ‬
‫ظهر دين بعد الصّلح محيط بالتّركة ‪ ،‬فإنّه إذا قضى الورثة الدّين ‪ ،‬أو أبرأ الغرماء ‪ ،‬أو ضمن‬
‫رجل بشرط أن ل يرجع على الورثة مضى الصّلح ول يبطل ‪.‬‬
‫وإن امتنع الورثة من الداء ‪ ،‬ولم يضمن أحد ‪ ،‬ولم يبرئ الغرماء بطل الصّلح ‪.‬‬
‫وهذا باتّفاق في الجملة ‪ .‬إذ في قول عند المالكيّة يقيّد البطلن بما إذا كان المقسوم مقوّما ‪.‬‬
‫بخلف ما لو كان عينا أو مثليّا ‪ .‬وينظر تفصيل ذلك في ( صلح ‪ -‬قسمة ‪ -‬دين ‪ -‬تركة ) ‪.‬‬
‫ظهور دين للميّت بعد التّخارج ‪:‬‬
‫‪ -‬لو صالح الورثة أحدهم وخرج من بينهم ‪ ،‬ثمّ ظهر للميّت شيء ‪ ،‬فإمّا أن يكون عينا وإمّا‬ ‫‪21‬‬

‫أن يكون دينا ‪ :‬فإن كان عينا فالشهر أنّها ل تندرج تحت الصّلح الّذي تمّ بين الورثة ‪ .‬وإنّما‬
‫تقسم بين الكلّ ‪ ،‬أي يكون هذا الّذي ظهر بين الكلّ ‪ .‬وتسمع الدّعوى بها على هذا ‪ .‬وقيل ‪:‬‬
‫تدخل في الصّلح فل تسمع الدّعوى بها ‪.‬‬
‫وكذا الحكم لو صدر بعد الصّلح إبراء عامّ ‪ ،‬ثمّ ظهر للمصالح عين ‪ ،‬فالصحّ سماع الدّعوى‬
‫بناءً على القول بعدم دخولها تحت الصّلح ‪ ،‬ول تسمع بناءً على القول بدخولها ‪.‬‬
‫وهذا إذا اعترف بقيّة الورثة بأنّ العين من التّركة ‪ ،‬وإلّ فل تسمع دعواه بعد البراء ‪.‬‬
‫وإن كان ما ظهر في التّركة دينا فعلى القول بعدم دخوله في الصّلح يصحّ الصّلح ويقسم الدّين‬
‫بين الكلّ ‪ ،‬وعلى القول بالدّخول فالصّلح فاسد كما لو كان الدّين ظاهرا وقت الصّلح ‪ ،‬إلّ أن‬
‫يكون مخرجا من الصّلح ‪ ،‬بأن وقع التّصريح بالصّلح عن غير الدّين من أعيان التّركة فل‬
‫يفسد الصّلح ‪ .‬وإن وقع الصّلح على جميع التّركة فسد كما لو كان الدّين ظاهرا وقت الصّلح ‪،‬‬
‫هذا مذهب الحنفيّة وقواعد المذاهب الخرى تساير ما قاله الحنفيّة في الجملة ‪ .‬وينظر تفصيل‬
‫ذلك في ( صلح ‪ -‬إبراء ‪ -‬دعوى ‪ -‬قسمة ) ‪.‬‬
‫كيفيّة تقسيم التّركة بعد التّخارج ‪:‬‬
‫‪ -‬إذا تصالح الورثة مع أحدهم على أن يترك حصّته لهم ‪ ،‬ويأخذ بدلها جزءا معيّنا من‬ ‫‪22‬‬

‫التّركة ‪ ،‬فإنّ طريقة التّقسيم أن تصحّح المسألة باعتبار المصالح موجودا بين الورثة ‪ ،‬ثمّ‬
‫تطرح سهامه من التّصحيح ‪ ،‬ثمّ يقسم باقي التّركة على سهام الباقين من الورثة ‪.‬‬
‫مثال ذلك ‪ :‬توفّيت امرأة عن زوج وأمّ وعمّ ‪ ،‬فمع وجود الزّوج تكون المسألة من ستّة ‪،‬‬
‫للزّوج منها ثلثة أسهم ‪ ،‬وللمّ سهمان ‪ ،‬وللعمّ الباقي وهو سهم واحد ‪ .‬فإن صالح الزّوج عن‬
‫نصيبه ‪ -‬الّذي هو النّصف ‪ -‬على ما في ذمّته للزّوجة من المهر على أن يخرج من التّركة ‪،‬‬
‫فإنّ سهامه تسقط في نظير ما أخذ ‪ ،‬والباقي من التّركة ‪ -‬وهو ما عدا المهر ‪ -‬يقسم بين المّ‬
‫والعمّ بقدر سهامهما من أصل المسألة فيكون للمّ سهمان وللع ّم سهم ‪.‬‬
‫ول يجوز أن يجعل الزّوج كأنّه غير موجود ما دام قد خرج عن نصيبه ‪ ،‬لنّه لو جعل كذلك‬
‫وجعلت التّركة ما وراء المهر ‪ ،‬وتمّ التّقسيم على هذا الساس ‪ ،‬لنقلب فرض المّ من ثلث‬
‫أصل المال إلى ثلث ما بقي ‪ ،‬إذ يقسم الباقي بينهما أثلثا ‪ ،‬فيكون للمّ سهم وللع ّم سهمان ‪،‬‬
‫ستّة‬
‫وهو خلف الجماع إذ حقّها ثلث الصل ‪ ،‬أمّا إذا أدخلنا الزّوج كان للمّ سهمان من ال ّ‬
‫وللعمّ سهم واحد ‪ ،‬فيقسم الباقي بينهما على هذه الطّريقة فتكون مستوفيةً حقّها من الميراث ‪.‬‬
‫هذا إذا كان التّخارج على شيء من التّركة ‪.‬‬
‫‪ -‬أمّا إذا كان التّخارج على شيء من المال من غير التّركة ‪ ،‬فإنّ المتخارج يكون قد باع‬ ‫‪23‬‬

‫نصيبه من التّركة نظير الثّمن الّذي دفعه سائر الورثة من أموالهم الخاصّة ‪ ،‬لتخلص التّركة‬
‫كلّها لهم ‪.‬‬
‫‪ -‬فإذا كان ما دفعه الورثة هو بنسبة سهام كلّ منهم ‪ ،‬فإنّ التّركة تقسم كما قسمت في‬ ‫‪24‬‬

‫ل وارث قبل التّخارج ‪،‬‬


‫صكّ‬
‫الصّورة السّابقة ‪ ،‬وذلك بأن يعرف أصل المسألة والسّهام الّتي تخ ّ‬
‫ثمّ تسقط حصّة المتخارج في نظير ما تخارج عليه وتقسم التّركة على باقي الورثة بقدر‬
‫ل منهم ‪ ،‬لنّهم دفعوا‬
‫سهامهم من أصل المسألة ‪ ،‬ثمّ تقسم حصّة المتخارج بينهم بنسبة سهام ك ّ‬
‫البدل على هذه النّسبة ‪.‬‬
‫ن حصّة الخارج تقسم بينهم بالتّساوي ‪ ،‬وذلك بعد أن يأخذ‬
‫وإذا كان ما دفعه الورثة بالتّساوي فإ ّ‬
‫كلّ منهم نصيبه من التّركة بنسبة سهامه فيها على اعتبار أنّه لم يحصل تخارج من أحد ‪ .‬وإن‬
‫كان ما دفعه الورثة متفاوتا في القدر فإنّ حصّة الخارج تقسم بينهم على قدر هذا التّفاوت ‪ ،‬بعد‬
‫ل منهم نصيبه من التّركة بنسبة سهامه ‪.‬‬
‫أخذ ك ّ‬
‫‪ -‬وإذا تخارج وارث مع وارث آخر على أن يترك له نصيبه ‪ ،‬فإنّ التّركة تقسم بين الورثة‬ ‫‪25‬‬

‫جميعا على اعتبار أنّه لم يحصل تخارج ‪ ،‬ويئول نصيب المتخارج بعد ذلك لمن دفع له البدل ‪.‬‬
‫تخارج الموصى له بشيء من التّركة ‪:‬‬
‫‪ -‬الموصى له بشيء من التّركة ‪ .‬يجوز أن يتخارج معه الورثة عن نصيبه الموصى له به‬ ‫‪26‬‬

‫‪ .‬والحكم في ذلك كالحكم في تخارج الورثة مع أحدهم ‪ ،‬فيراعى فيه الشّروط الّتي سبق ذكرها‬
‫في صور التّخارج ‪ ،‬من اعتبار كون البدل نقدا أو غيره ‪ ،‬وكونه أقلّ ممّا يستحقّ أو مساويا أو‬
‫أكثر ‪ ،‬واعتبار شروط الصّرف والتّحرّز عن الرّبا وغير ذلك من الشّروط ‪.‬‬
‫وفي كيفيّة تخارج الورثة مع الموصى له يقول ابن عابدين ‪ :‬الموصى له بمبلغ من التّركة‬
‫كوارث ‪ .‬وصورة ذلك ‪ :‬رجل أوصى لرجل بدار وترك ابنا وابنةً فصالح البن والبنة‬
‫الموصى له بالدّار على مائة درهم ‪ ،‬قال أبو يوسف ‪ :‬إن كانت المائة من مالهما غير الميراث‬
‫كانت الدّار بينهما نصفين ‪ ،‬وإن صالحاه من المال الّذي ورثاه عن أبيهما كان المال بينهما‬
‫أثلثا ‪ ،‬لنّ المائة كانت بينهما أثلثا ‪.‬‬
‫وذكر الخصّاف في الحيل ‪ :‬إن كان الصّلح عن إقرار كانت الدّار الموصى بها بينهما نصفين ‪،‬‬
‫وإن كان الصّلح عن إنكار فعلى قدر الميراث ‪ .‬وعلى هذا بعض المشايخ ‪ .‬وكذلك الصّلح عن‬
‫الميراث ‪ .‬كذا في قاضي خان وللتّفصيل ينظر ( صلح ‪ -‬قسمة ‪ -‬تركة ) ‪.‬‬

‫تخاير *‬
‫التّعريف ‪:‬‬
‫‪ -‬التّخاير هو ‪ :‬اختيار المتعاقدين لزوم العقد في المجلس ‪ ،‬سواء أكان صريحا أم ضمنا ‪.‬‬ ‫‪1‬‬

‫أمّا الصّريح ‪ :‬فكقولهما بهذا اللّفظ ‪ :‬تخايرنا ‪ ،‬أو اخترنا إمضاء العقد ‪ ،‬أو ألزمناه ‪ ،‬أو‬
‫أجزناه ‪ ،‬وما أشبهها ‪ ،‬لنّ الخيار حقّهما ‪ ،‬فسقط بإسقاطهما ‪ .‬ومن صيغ ذلك أيضا قولهما ‪:‬‬
‫أبطلنا الخيار ‪ .‬أو أفسدناه ‪ ،‬وهو الصحّ عند الشّافعيّة ‪ .‬وأمّا الضّمنيّ ‪ :‬فكأن يتبايع العاقدان‬
‫العوضين بعد قبضهما في المجلس ‪ ،‬لنّ ذلك يتضمّن الرّضا بلزوم العقد الوّل ‪.‬‬
‫الحكم الجماليّ ‪ ،‬ومواطن البحث ‪:‬‬
‫‪ -‬اتّفق الشّافعيّة ‪ ،‬والحنابلة في الصحّ ‪ ،‬وابن حبيب من المالكيّة على أ نّ كلّ عقد ثبت فيه‬ ‫‪2‬‬

‫خيار المجلس فإنّ الخيار ينقطع بالتّخاير ‪ ،‬وهذا لقول النّبيّ صلى ال عليه وسلم ‪:‬‬
‫« المتبايعان بالخيار ما لم يتفرّقا ‪ ،‬أو يقول أحدهما للخر ‪ :‬اختر » ‪.‬‬
‫وينقطع الخيار بالتّخاير ‪ ،‬بأن يختارا لزوم العقد بهذا اللّفظ أو نحوه ‪ :‬كأمضيناه ‪ ،‬أو ألزمناه ‪،‬‬
‫أو أجزناه ‪ .‬فلو اختار أحدهما لزومه سقط حقّه في الخيار وبقي الحقّ فيه للخر ‪.‬‬
‫ولو قال أحدهما للخر ‪ :‬اختر سقط خياره لتضمّنه الرّضا باللّزوم ‪ ،‬ويدلّ عليه الحديث‬
‫السّابق ‪ ،‬وبقي خيار الخر ‪ ،‬ولو اختار أحدهما لزوم العقد والخر فسخه قدّم الفسخ ‪.‬‬
‫‪ -‬ثمّ التّخاير في ابتداء العقد وبعده في المجلس واحد عند الحنابلة ‪ ،‬والتّخاير في ابتداء العقد‬ ‫‪3‬‬

‫أن يقول البائع ‪ :‬بعتك ول خيار بيننا ‪ ،‬ويقبل الخر على ذلك ‪ ،‬فل يكون لهما خيار المجلس‬
‫في هذه الحالة ‪ ،‬وأمّا عند الشّافعيّة فلو تبايعا بشرط نفي خيار المجلس فثلثة أوجه ‪ :‬أصحّها ‪:‬‬
‫البيع باطل ‪ ،‬والثّاني ‪ :‬البيع صحيح ول خيار ‪ ،‬والثّالث ‪ :‬البيع صحيح ‪ ،‬والخيار ثابت ‪.‬‬
‫وطالما أنّ التّخاير يرد على خيار المجلس ‪ ،‬فل مجال للكلم عنه عند الحنفيّة ‪ ،‬والمالكيّة ما‬
‫عدا ابن حبيب ‪ ،‬لنّهم ل يرون جواز خيار المجلس ول يقولون به ‪.‬‬
‫وتفصيل ذلك في مصطلح ( خيار المجلس ) وقد تحدّث الفقهاء عنه في كتاب البيوع عند الكلم‬
‫عن الخيار ‪.‬‬

‫تخبيب *‬
‫التّعريف ‪:‬‬
‫‪ -‬التّخبيب ‪ :‬مصدر خبّب ‪ ،‬ومعناه في اللّغة ‪ :‬إفساد الرّجل عبدا أو أمةً لغيره أو صديقا‬ ‫‪1‬‬

‫خبّ ‪ :‬فمعناه‬
‫على صديقه ‪ ،‬يقال ‪ :‬خبّبها فأفسدها ‪ .‬وخبّب فلن غلمي ‪ :‬أي خدعه ‪ .‬وأمّا ال َ‬
‫ش ّر بخلف الخبّ ‪ .‬ول‬
‫الفساد والخبث والغشّ ‪ ،‬وهو ضدّ ال ِغرّ ‪ ،‬إذ الغرّ ‪ :‬هو الّذي ل يفطن لل ّ‬
‫يخرج المعنى الصطلحيّ عن المعنى اللّغويّ ‪.‬‬
‫اللفاظ ذات الصّلة ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬الغراء ‪:‬‬
‫‪ -‬الغراء في اللّغة ‪ :‬مصدر أغرى ‪ ،‬وأغري بالشّيء ‪ :‬أولع به ‪ ،‬يقال ‪ :‬أغريت الكلب‬ ‫‪2‬‬

‫بالصّيد ‪ ،‬وأغريت بينهم العداوة ‪.‬‬


‫ول يخرج الستعمال الفقهيّ عن هذا المعنى وهو أعمّ من التّخبيب ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬إفساد ‪:‬‬
‫‪ -‬الفساد ‪ :‬مصدر أفسد ‪ ،‬وهو في اللّغة يقابل الصلح ‪.‬‬ ‫‪3‬‬

‫وأمّا في الصطلح ‪ ،‬فقد ذكر صاحب الكّليّات أنّه ‪ :‬جعل الشّيء فاسدا خارجا عمّا ينبغي أن‬
‫يكون عليه وعن كونه منتفعا به ‪ ،‬وفي الحقيقة ‪ :‬هو إخراج الشّيء عن حالة محمودة ل‬
‫لغرض صحيح ‪.‬‬
‫والفساد أعمّ ‪ ،‬لنّه يكون في المور الما ّديّة والمعنويّة ‪ ،‬بخلف التّخبيب لنّه إفساد خاصّ ‪.‬‬
‫ج ‪ -‬التّحريض ‪:‬‬
‫‪ -‬التّحريض ‪ :‬مصدر حرّض ‪ ،‬ومعناه ‪ :‬الحثّ على الشّيء والحماء عليه ‪ ،‬ومنه قوله‬ ‫‪4‬‬

‫حرّض المؤمنينَ على القتالِ } ‪.‬‬


‫تعالى { يا أيّها النّبيّ َ‬
‫شرّ ‪.‬‬
‫ل في ال ّ‬
‫شرّ ‪ ،‬بخلف التّخبيب فإنّه ل يكون إ ّ‬
‫وهو أعمّ ‪ ،‬لنّه يكون في الخير وال ّ‬
‫الحكم التّكليفيّ ‪:‬‬
‫ب ول بخيل ول منّان » ‪ ،‬وحديث « الفاجر‬
‫‪ -‬التّخبيب حرام ‪ ،‬لحديث « لن يدخل الجنّة خ ّ‬ ‫‪5‬‬

‫خبّ لئيم » وحديث « من خبّب زوجة امرئ أو مملوكه فليس منّا » أي خدعه وأفسده ‪ ،‬ولما‬
‫يترتّب عليه من الفساد والضرار ‪ .‬وتخبيب زوجة الغير خداعها وإفسادها ‪ ،‬أو تحسين‬
‫الطّلق إليها ليتزوّجها أو يزوّجها غيره ‪ ،‬ولفظ المملوك الوارد في الحديث يتناول المة ‪.‬‬
‫خبّب بمن خبّبها ‪:‬‬
‫حكم زواج الم َ‬
‫‪ -‬انفرد المالكيّة بذكرهم الحكم في هذه المسألة ‪ ،‬وصورتها ‪ :‬أن يفسد رجل زوجة رجل‬ ‫‪6‬‬

‫آخر ‪ ،‬بحيث يؤدّي ذلك الفساد إلى طلقها منه ‪ ،‬ثمّ يتزوّجها ذلك المفسد ‪.‬‬
‫ن النّكاح يفسخ قبل الدّخول وبعده بل خلف عندهم ‪ ،‬وإنّما الخلف عندهم في تأبيد‬
‫فقد ذكروا أ ّ‬
‫تحريمها على ذلك المفسد أو عدم تأبيده ‪ ،‬فذكروا فيه قولين ‪:‬‬
‫أحدهما وهو المشهور ‪ :‬أنّه ل يتأبّد ‪ ،‬فإذا عادت لزوجها الوّل وطلّقها ‪ ،‬أو مات عنها جاز‬
‫لذلك المفسد نكاحها ‪.‬‬
‫الثّاني ‪ :‬أنّ التّحريم يتأبّد ‪ ،‬وقد ذكر هذا القول يوسف بن عمر كما جاء في شرح الزّرقانيّ ‪،‬‬
‫وأفتى به غير واحد من المتأخّرين في فاس ‪.‬‬
‫هذا ومع أنّ غير المالكيّة من الفقهاء لم يصرّحوا بحكم هذه المسألة ‪ ،‬إلّ أنّ الحكم فيها وهو‬
‫التّحريم معلوم ممّا سبق في الحديث المتقدّم ‪.‬‬
‫عقوبة المخبّب ‪:‬‬
‫‪ - 7‬ل خلف بين الفقهاء في أنّ المعصية الّتي ل ح ّد فيها ول كفّارة عقوبتها التّعزير بما يراه‬
‫المام مناسبا ‪ ،‬وفعل المخبّب هذا ل يخرج عن كونه معصيةً ل حدّ فيها ول كفّار ًة ‪.‬‬
‫وقد ذكر الحنفيّة أنّ من خدع امرأة رجل أو ابنته وهي صغيرة ‪ ،‬وزوّجها من رجل ‪ ،‬قال‬
‫ن هذا‬
‫محمّد رحمه ال تعالى ‪ :‬أحبسه بهذا أبدا حتّى يردّها أو يموت ‪ .‬وذكر ابن نجيم أ ّ‬
‫المخادع يحبس إلى أن يحدث توبةً أو يموت ‪ ،‬لنّه ساع في الرض بالفساد ‪.‬‬
‫وذكر الحنابلة في ( القوّادة ) الّتي تفسد النّساء والرّجال ‪ ،‬أنّ أقلّ ما يجب عليها الضّرب‬
‫ج َتنَب ‪.‬‬
‫البليغ ‪ ،‬وينبغي شهرة ذلك بحيث يستفيض في النّساء والرّجال ل ُت ْ‬
‫وإذا أركبت القوّادة دابّةً وضمّت عليها ثيابها ‪ ،‬ليؤمن كشف عورتها ‪ ،‬ونودي عليها هذا جزاء‬
‫من يفعل كذا وكذا ( أي يفسد النّساء والرّجال ) كان من أعظم المصالح ‪ ،‬قاله الشّيخ ( أي ابن‬
‫ي المر كصاحب الشّرطة أن يعرّف ضررها ‪ ،‬إمّا‬
‫قدامة ) ليشتهر ذلك ويظهر ‪ .‬وقال ‪ :‬لول ّ‬
‫بحبسها أو بنقلها عن الجيران أو غير ذلك ‪.‬‬

‫تختّم *‬
‫التّعريف ‪:‬‬
‫‪ -‬التّختّم مصدر تختّم ‪ ،‬يقال ‪ :‬تختّم بالخاتم أي لبسه ‪ ،‬وأصله الثّلثيّ ختم ‪.‬‬ ‫‪1‬‬

‫ومن معاني الختم أيضا ‪ :‬الثر الحاصل عن النّقش ‪ ،‬ويتجوّز به في الستيثاق من الشّيء‬
‫والمنع منه ‪ ،‬اعتبارا لما يحصل من المنع بالختم على الكتب والبواب ‪.‬‬
‫وختم الشّيء ‪ :‬إنهاؤه ‪ ،‬ومنه ‪ :‬ختم القرآن وخاتم الرّسل ‪ ،‬ومنه قوله تعالى ‪ { :‬ما كانَ محمّدٌ‬
‫أبا أحدٍ من رجالِكم ولكنْ رسولَ الّل ِه وخا َتمَ النّبيّين } أي ‪ :‬آخرهم ‪ ،‬لنّه ختمت به النّبوّة‬
‫والرّسالت ‪ .‬ومن المجاز ‪ :‬لبس الخاتم ‪ ،‬وهو حليّ للصبع ‪ ،‬كالخاتم ‪ -‬بكسر التّاء ‪ -‬ويطلق‬
‫على الخاتم أيضا والخاتم والختم والخاتام والخيتام ‪ ،‬وثمّة ألفاظ أخرى مشتقّة من هذه المادّة‬
‫بالمعنى نفسه ‪ ،‬وصل بعضهم بها إلى عشرة ألفاظ ‪.‬‬
‫ي كأنّه أوّل وهلة ختم به ‪ ،‬فدخل بذلك في باب الطّابع ‪ ،‬ثمّ كثر استعماله‬
‫والخاتم من الحل ّ‬
‫لذلك ‪ ،‬وإن أع ّد الخاتم لغير الطّبع ‪ .‬ول يخرج استعمال الفقهاء للتّختّم عن معناه اللّغويّ ‪.‬‬
‫اللفاظ ذات الصّلة ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬التّزيّن ‪:‬‬
‫‪ -‬التّزيّن ‪ :‬مصدر تزيّن ‪ ،‬يقال ‪ :‬تزيّنت المرأة ‪ :‬أي لبست الزّينة أو اتّخذتها ‪ ،‬وتزيّنت‬ ‫‪2‬‬

‫الرض بالنّبات ‪ :‬أي حسنت وبهجت ‪ ،‬والزّينة اسم جامع لما يتزيّن به ‪ ،‬ومعنى الزّينة عند‬
‫الرّاغب ‪ :‬ما ل يشين النسان في شيء من أحواله ل في الدّنيا ول في الخرة ‪ ،‬وهي نفسيّة‬
‫وبدنيّة وخارجيّة ‪ .‬والتّزيّن أع ّم من التّختّم ‪ ،‬لنّه يكون بالتّختّم وبغيره ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬ال َف ْتخَة ‪:‬‬
‫‪ -‬الفتخة قريبة في المعنى والستعمال من الخاتم ‪ ،‬فهي مثله من الحليّ ‪ ،‬وقد تعدّدت القوال‬ ‫‪3‬‬

‫في معناها ‪ .‬فقيل ‪ :‬هي خاتم كبير يكون في اليد والرّجل ‪ ،‬وقيل ‪ :‬هي كالخاتم أيّا كان ‪ ،‬وقيل‬
‫‪ :‬هي خاتم يكون في اليد والرّجل بفصّ وبغير فصّ ‪ ،‬وقيل ‪ .‬هي حلقة تلبس في الصبع‬
‫ص فيها ‪ ،‬فإذا كان فيها فصّ فهي الخاتم ‪ ،‬وروي‬
‫كالخاتم ‪ ،‬وقيل ‪ :‬هي حلقة من فضّة ل ف ّ‬
‫ن إلّ ما ظَ َه َر منها }‬
‫عن عائشة رضي ال عنها في تفسير قول اللّه تعالى ‪ { :‬ول ُي ْب ِديْنَ زِي َنتَه ّ‬
‫أنّها قالت ‪ :‬المراد بالزّينة في الية القلب والفتخة ‪ ،‬وقالت ‪ :‬الفتخ ‪ :‬حلق من فضّة يكون في‬
‫أصابع الرّجلين ‪ ،‬قال ابن ب ّريّ ‪ :‬حقيقة الفتخة أن تكون في أصابع الرّجلين ‪ .‬فيتّفق الخاتم‬
‫ل منهما ‪ ،‬وفي المادّة الّتي‬
‫ل منهما ‪ ،‬ويختلفان في موضع لبس ك ّ‬
‫والفتخة في أنّه يتزيّن بك ّ‬
‫يصنع منها ‪ ،‬وفي شكله ‪.‬‬
‫ج ‪ -‬التّسوّر ‪:‬‬
‫‪ -‬التّسوّر مصدر تسوّر ‪ ،‬ويأتي في اللّغة بمعنى العلوّ والتّسلّق ‪ ،‬يقال ‪ :‬تسوّرت الحائط إذا‬ ‫‪4‬‬

‫علوته وتسلّقته ‪ ،‬وبمعنى التّزيّن بالسّوار والتّحلّي به ‪ ،‬يقال ‪ :‬سوّرته أي ألبسته السّوار من‬
‫س ّو َركَ اللّهُ بهما يومَ القيامةِ سوارين من نار » ‪.‬‬
‫س ّركَ أنْ ُي َ‬
‫الحليّ فتسوّر ‪ ،‬وفي الحديث ‪َ « :‬أ َي ُ‬
‫فيتّفق التّختّم مع التّسوّر في أنّهما من الزّينة ‪ ،‬ويختلفان في الشّكل والصّنعة وموضع اللّبس ‪.‬‬
‫د ‪ -‬التّدملج ‪:‬‬
‫‪ -‬التّدملج مصدر تدملج ‪ ،‬يقال ‪ :‬تدملج أي لبس الدّملج ‪ -‬بفتح اللم وضمّها ‪ -‬أو الدّملوج‬ ‫‪5‬‬

‫وهو المعضّد من الحليّ ‪ ،‬وهو ما يلبس في العضد ‪ ،‬ويقال أيضا ‪ :‬ألقى عليه دماليجه ‪.‬‬
‫ل منهما ‪ ،‬غير أنّهما يختلفان في الشّكل والصّنعة وموضع‬
‫فالتّدملج كالتّختّم في أنّه يتزيّن بك ّ‬
‫اللّبس ‪.‬‬
‫هـ ‪ -‬التّطوّق ‪:‬‬
‫ي للعنق ‪ ،‬وك ّل شيء‬
‫‪ -‬التّطوّق مصدر تطوّق ‪ ،‬يقال ‪ :‬تطوّق أي لبس الطّوق ‪ ،‬وهو حل ّ‬ ‫‪6‬‬

‫استدار فهو طوق ‪ ،‬كطوق الرّحى الّذي يدير القطب ونحو ذلك ‪.‬‬
‫ل منهما ‪ ،‬لكنّهما يختلفان في الشّكل والصّنعة‬
‫فالتّطوّق كالتّختّم في أنّه يتحلّى ويتزيّن بك ّ‬
‫والموضع الّذي يلبس فيه كلّ منهما ‪.‬‬
‫و ‪ -‬التّنطّق ‪:‬‬
‫‪ -‬التّنطّق مصدر تنطّق ‪ ،‬يقال ‪ :‬تنطّق الرّجل وانتطق أي لبس المنطق ‪ ،‬والمنطق والنّطاق‬ ‫‪7‬‬

‫والمنطقة ‪ :‬كلّ ما شددت به وسطك ‪ ،‬وقيل لسماء بنت أبي بكر رضي ال تعالى عنهما ذات‬
‫النّطاقين ‪ :‬لنّها كانت تطارق ( أي تطابق ) نطاقا على نطاق ‪ ،‬أو لنّها شقّت نطاقها ليلة‬
‫خروج النّبيّ صلى ال عليه وسلم إلى الغار ‪ ،‬فجعلت واحدةً لزاد رسول اللّه صلى ال عليه‬
‫ل وحجما‬
‫وسلم والخرى حمّالةً له فالنّطاق كالخاتم في الحاطة ‪ ،‬لكنّهما يختلفان ما ّدةً وشك ً‬
‫وموضعا ‪.‬‬
‫الحكم التّكليفيّ ‪:‬‬
‫يختلف الحكم التّكليفيّ للتّختّم باختلف موضعه ‪:‬‬
‫أوّلً ‪ :‬التّختّم بالذّهب ‪:‬‬
‫‪ -‬اتّفق الفقهاء على أنّه يجوز للنّساء التّختّم بالذّهب ‪ ،‬ويحرم على الرّجال ذلك ‪ ،‬لما روي أنّ‬ ‫‪8‬‬

‫حرّمَ على ذكورِها‬


‫رسول اللّه صلى ال عليه وسلم قال « ُأحِلّ الذّهبُ والحريرُ لِناثِ ُأمّتي ‪ ،‬و ُ‬
‫» ‪ .‬واختلفوا في تختّم الصّبيّ بالذّهب ‪:‬‬
‫ن تختّم الصّبيّ بالذّهب مكروه ‪ ،‬والكراهة على من‬
‫فذهب المالكيّة ‪ -‬في الرّاجح عندهم ‪ -‬إلى أ ّ‬
‫ألبسه أو على وليّه ‪ ،‬ومقابل الرّاجح عند المالكيّة الحرمة ‪.‬‬
‫ص الحنابلة ‪ -‬وهو قول مرجوح للمالكيّة ‪ -‬على حرمة إلباس الصّبيّ الذّهب ‪ ،‬ومنه الخاتم‬
‫ون ّ‬
‫‪ .‬وأطلق الحنفيّة هنا الكراهة في التّحريم ‪ ،‬واستدلّوا بحديث جابر رضي ال عنه قال ‪ « :‬كنّا‬
‫ننزعه عن الغلمان ونتركه على الجواري » وذهب الشّافعيّة في المعتمد عندهم ‪ -‬وعبّر‬
‫بعضهم بالصحّ ‪ -‬إلى أنّ الصّبيّ غير البالغ مثل المرأة في جواز التّختّم بالذّهب ‪ ،‬وأنّ للوليّ‬
‫تزيينه بالحليّ من الذّهب أو الفضّة ‪ ،‬ولو في غير يوم عيد ‪.‬‬
‫ثانيا ‪ :‬التّختّم بالفضّة ‪:‬‬
‫‪ -‬اتّفق الفقهاء على جواز تختّم المرأة بالفضّة ‪ .‬وأمّا تختّم الرّجل بالفضّة فعلى التّفصيل‬ ‫‪9‬‬

‫التي ‪ :‬ذهب الحنفيّة إلى أنّه يجوز للرّجل التّختّم بالفضّة ‪ ،‬لما روي أنّ « النّبيّ صلى ال عليه‬
‫وسلم اتّخذ خاتما من ورق ‪ ،‬وكان في يده ‪ ،‬ثمّ كان في يد أبي بكر رضي ال عنه ‪ ،‬ثمّ كان‬
‫في يد عمر رضي ال عنه ‪ ،‬ثمّ كان في يد عثمان رضي ال عنه ‪ ،‬حتّى وقع في بئر أريس ‪.‬‬
‫نقشه ‪ :‬محمّد رسول اللّه » ‪ .‬وقالوا ‪ :‬إنّ التّختّم سنّة لمن يحتاج إليه ‪ ،‬كالسّلطان والقاضي‬
‫ومن في معناهما ‪ ،‬وتركه لغير السّلطان والقاضي وذي حاجة إليه أفضل ‪.‬‬
‫وذهب المالكيّة إلى أنّه ل بأس بالخاتم من الفضّة ‪ ،‬فيجوز اتّخاذه ‪ ،‬بل يندب بشرط قصد‬
‫القتداء برسول اللّه صلى ال عليه وسلم ول يجوز لبسه عجبا ‪.‬‬
‫ل لبسه ‪،‬‬
‫ل للرّجل الخاتم من الفضّة ‪ ،‬سواء من له ولية وغيره ‪ ،‬فيجوز لك ّ‬
‫وقال الشّافعيّة ‪ :‬يح ّ‬
‫بل يسنّ ‪ .‬وقال الحنابلة ‪ :‬يباح للذّكر الخاتم من الفضّة ‪ ،‬لنّه صلى ال عليه وسلم « اتّخذ‬
‫ن ابن عمر‬
‫خاتما من ورق » ‪ ،‬قال أحمد في خاتم الفضّة للرّجل ‪ :‬ليس به بأس ‪ ،‬واحتجّ بأ ّ‬
‫رضي ال عنهما كان له خاتم ‪ ،‬وظاهر ما نقل عن أحمد أنّه ل فضل فيه ‪ .‬وجزم به في‬
‫التّلخيص وغيره ‪ ،‬وقيل ‪ :‬يستحبّ ‪ ،‬قدّمه في الرّعاية ‪ .‬وقيل ‪ :‬يكره لقصد الزّينة ‪ .‬جزم به‬
‫ابن تميم ‪ .‬وأمّا تختّم الصّبيّ بالفضّة فجائز عند الفقهاء ‪.‬‬
‫ثالثا ‪ :‬التّختّم بغير الذّهب والفضّة ‪:‬‬
‫ن التّختّم بالحديد والنّحاس‬
‫‪ -‬ذهب المالكيّة ‪ -‬في المعتمد عندهم ‪ -‬والحنابلة إلى أ ّ‬ ‫‪10‬‬

‫ل جاء إلى رسول اللّه صلى ال عليه‬


‫ن رج ً‬
‫والرّصاص مكروه للرّجال والنّساء ‪ ،‬لما روي « أ ّ‬
‫وسلم عليه خاتم شبه ‪ -‬نحاس أصفر ‪ -‬فقال له ‪ :‬إنّي أجد منك ريح الصنام فطرحه ‪ .‬ثمّ جاء‬
‫وعليه خاتم حديد فقال ‪ :‬ما لي أرى عليك حلية أهل النّار فطرحه ‪ .‬فقال ‪ :‬يا رسول اللّه ‪ :‬من‬
‫ل»‪.‬‬
‫أيّ شيء أتّخذه ؟ قال ‪ :‬اتّخذه من ورق ول تتمّه مثقا ً‬
‫وقال المالكيّة ‪ :‬إنّ التّختّم بالجلد والعقيق والقصدير والخشب جائز للرّجال والنّساء ‪.‬‬
‫وقال الحنابلة ‪ :‬إنّه يباح للرّجل والمرأة التّحلّي بالجوهر والزّمرّد والزّبرجد والياقوت والفيروز‬
‫واللّؤلؤ ‪ ،‬أمّا العقيق فقيل ‪ :‬يستحبّ تختّمهما به ‪ ،‬وقيل ‪ :‬يباح التّختّم بالعقيق لما في رواية مهنّا‬
‫سنّة ؟ يعني في التّختّم ‪ ،‬فأجاب بقوله ‪ :‬لم تكن خواتيم القوم إلّ‬
‫‪ ،‬وقد سئل المام أحمد ‪ :‬ما ال ّ‬
‫من الفضّة ‪ .‬قال صاحب كشّاف القناع ‪ :‬الدّملج في معنى الخاتم ‪.‬‬
‫واختلف الحنفيّة في التّختّم بغير الذّهب والفضّة ‪.‬‬
‫ن التّختّم بالفضّة حلل للرّجال بالحديث ‪ ،‬وبالذّهب والحديد‬
‫والحاصل كما قال ابن عابدين ‪ :‬أ ّ‬
‫والصّفر حرام عليهم بالحديث ‪ ،‬وبالحجر حلل على اختيار شمس الئمّة وقاضي خان أخذا‬
‫ل سائر‬
‫ن حلّ العقيق لمّا ثبت بهما ثبت ح ّ‬
‫من قول الرّسول وفعله صلى ال عليه وسلم ‪ ،‬ل ّ‬
‫الحجار لعدم الفرق بين حجر وحجر ‪ ،‬وحرام على اختيار صاحب الهداية والكافي أخذا من‬
‫ل بالفضّة ‪ .‬فإنّها يحتمل أن يكون القصر فيها بالضافة إلى‬
‫عبارة الجامع الصّغير ‪ :‬ول يتختّم إ ّ‬
‫الذّهب ‪ ،‬ول يخفى ما بين المأخذين من التّفاوت ‪.‬‬
‫واختلف الشّافعيّة أيضا في التّختّم بغير الذّهب والفضّة ‪ ،‬وقد ورد في المجموع طرف من هذا‬
‫الخلف ‪ ،‬وهو ‪ :‬قال صاحب البانة ‪ :‬يكره الخاتم من حديد أو شبه ‪ -‬نوع من النّحاس ‪-‬‬
‫وتابعه صاحب البيان ‪ ،‬وأضاف إليهما الخاتم من رصاص ‪ ،‬وقال صاحب التّتمّة ‪ :‬ل يكره‬
‫الخاتم من حديد أو رصاص لحديث الواهبة نفسها ‪ ،‬ففيه قوله للّذي أراد تزوّجها ‪ « :‬انظر ولو‬
‫خاتما من حديد » ‪.‬‬
‫وفي حاشية القليوبيّ ‪ :‬ول بأس بلبس غير الفضّة من نحاس أو غيره ‪.‬‬
‫رابعا ‪ :‬موضع التّختّم ‪:‬‬
‫‪ -‬لم يختلف الفقهاء في موضع التّختّم بالنّسبة للمرأة ‪ ،‬لنّه تزيّن في حقّها ‪ ،‬ولها أن تضع‬ ‫‪11‬‬

‫خاتمها في أصابع يديها أو رجليها أو حيث شاءت ‪.‬‬


‫ولكنّ الفقهاء اختلفوا في موضع التّختّم للرّجل ‪ ،‬بل إنّ فقهاء بعض المذاهب اختلفوا فيما بينهم‬
‫في ذلك ‪ :‬فذهب بعض الحنفيّة إلى أنّه ينبغي أن يكون تختّم الرّجل في خنصر يده اليسرى ‪،‬‬
‫دون سائر أصابعه ‪ ،‬ودون اليمنى ‪.‬‬
‫وذهب بعضهم إلى أنّه يجوز أن يجعل خاتمه في يده اليمنى ‪ ،‬وسوّى الفقيه أبو اللّيث في شرح‬
‫الجامع الصّغير بين اليمين واليسار ‪ ،‬لنّه قد اختلفت الرّوايات عن رسول اللّه صلى ال عليه‬
‫وسلم في ذلك ‪ ،‬وقول بعضهم ‪ :‬إنّه في اليمين من علمات أهل البغي ليس بشيء ‪ ،‬لنّ النّقل‬
‫الصّحيح عن « رسول اللّه صلى ال عليه وسلم ينفي ذلك » ‪.‬‬
‫والمختار عند مالك رحمه ال التّختّم في اليسار على جهة النّدب ‪ ،‬وجعل الخاتم في الخنصر ‪،‬‬
‫وكان مالك يلبسه في يساره ‪ ،‬قال أبو بكر بن العربيّ في القبس شرح الموطّأ ‪ :‬صحّ عن‬
‫« رسول اللّه صلى ال عليه وسلم أنّه تختّم في يمينه وفي يساره ‪ ،‬واستقرّ الكثر على أنّه كان‬
‫سنّة‬
‫يتختّم في يساره » ‪ ،‬فالتّختّم في اليمين مكروه ‪ ،‬ويتختّم في الخنصر ‪ ،‬لنّه بذلك أتت ال ّ‬
‫عنه صلى ال عليه وسلم والقتداء به حسن ‪ .‬ولنّ كونه في اليسار أبعد عن العجاب ‪ .‬وقال‬
‫الشّافعيّة ‪ :‬يجوز للرّجل لبس خاتم الفضّة في خنصر يمينه ‪ ،‬وإن شاء في خنصر يساره ‪،‬‬
‫ي صلى ال عليه وسلم لكنّ الصّحيح المشهور أنّه في اليمين أفضل‬
‫ح فعله عن النّب ّ‬
‫كلهما ص ّ‬
‫لنّه زينة ‪ ،‬واليمين أشرف ‪.‬‬
‫وقال بعضهم ‪ :‬في اليسار أفضل ‪ .‬وفي سنن أبي داود بإسناد صحيح أنّ ابن عمر رضي ال‬
‫عنهما كان يتختّم في يساره ‪ ،‬وبإسناد حسن أنّ ابن عبّاس رضي ال عنهما تختّم في يمينه‪.‬‬
‫سبّابة منهيّ عنه لما ورد عن عليّ رضي ال تعالى‬
‫وعند الشّافعيّة أنّ التّختّم في الوسطى وال ّ‬
‫عنه قال ‪ « :‬نهاني رسول اللّه صلى ال عليه وسلم أن أتختّم في أصبعي هذه أو هذه قال ‪:‬‬
‫فأومأ إلى الوسطى والّتي تليها » ‪.‬‬
‫وقال الحنابلة ‪ :‬لبس الخاتم في خنصر اليسار أفضل من لبسه في خنصر اليمين ‪ ،‬نصّ عليه‬
‫في رواية صالح ‪ ،‬وضعّف في رواية الثرم وغيره التّختّم في اليمنى ‪ ،‬قال الدّارقطنيّ وغيره‬
‫‪ :‬المحفوظ أنّ النّبيّ صلى ال عليه وسلم كان يتختّم في يساره ‪ ،‬وأنّه إنّما كان في الخنصر‬
‫لكونه طرفا ‪ ،‬فهو أبعد عن المتهان فيما تتناوله اليد ‪ ،‬ولنّه ل يشغل اليد عمّا تتناوله ‪ .‬وعند‬
‫الحنابلة أنّه يكره لبس الخاتم في سبّابة ووسطى للنّهي الصّحيح عن ذلك ‪.‬‬
‫وظاهره ل يكره لبسه في البهام والبنصر ‪ ،‬وإن كان الخنصر أفضل اقتصارا على الّنصّ ‪.‬‬
‫خامسا ‪ :‬وزن خاتم الرّجل ‪:‬‬
‫‪ -‬اختلف الفقهاء في الوزن المباح لخاتم الرّجل ‪ :‬فعند الحنفيّة ‪ ،‬قال الحصكفيّ ‪ :‬ل يزيد‬ ‫‪12‬‬

‫الرّجل خاتمه على مثقال ‪ .‬ورجّح ابن عابدين قول صاحب الذّخيرة أنّه ل يبلغ به المثقال ‪،‬‬
‫ي صلى ال عليه وسلم قائلً ‪ :‬من أيّ شيء أتّخذه ؟ ‪-‬‬
‫ل سأل النّب ّ‬
‫ن « رج ً‬
‫واستدلّ بما روي أ ّ‬
‫يعني الخاتم ‪ -‬فقال صلى ال عليه وسلم ‪ :‬اتّخذه من ورق ‪ ،‬ول تتمّه مثقالً » ‪.‬‬
‫وقال المالكيّة ‪ :‬يجوز للذّكر لبس خاتم الفضّة إن كان وزن درهمين شرعيّين أو أقلّ ‪ ،‬فإن زاد‬
‫عن درهمين حرم ‪.‬‬
‫ولم يحدّد الشّافعيّة وزنا للخاتم المباح ‪ ،‬قال الخطيب الشّربينيّ ‪ :‬لم يتعرّض الصحاب لمقدار‬
‫الخاتم المباح ‪ ،‬ولعلّهم اكتفوا فيه بالعرف ‪ ،‬أي عرف البلد وعادة أمثاله فيها ‪ ،‬فما خرج عن‬
‫ذلك كان إسرافا ‪ ...‬هذا هو المعتمد ‪ ،‬وإن قال الذرعيّ ‪ :‬الصّواب ضبطه بدون مثقال ‪ ،‬لما‬
‫ن النّبيّ صلى ال عليه وسلم قال‬
‫في صحيح ابن حبّان وسنن أبي داود عن أبي هريرة « أ ّ‬
‫للبس الخاتم الحديد ‪ :‬ما لي أرى عليك حلية أهل النّار فطرحه وقال ‪ :‬يا رسول اللّه من أيّ‬
‫شيء أتّخذه ؟ قال ‪ :‬اتّخذه من ورق ول تتمّه مثقالً » قال ‪ :‬وليس في كلمهم ما يخالفه ‪ .‬وهذا‬
‫ل ينافي ما ذكر لحتمال أنّ ذلك كان عرف بلده وعادة أمثاله ‪.‬‬
‫وقال الحنابلة ‪ :‬ل بأس بجعله مثقالً فأكثر ‪ ،‬لنّه لم يرد فيه تحديد ‪ ،‬ما لم يخرج عن العادة ‪،‬‬
‫وإلّ حرم ( قالوا ) لنّ الصل التّحريم ‪ ،‬وإنّما خرج المعتاد لفعله صلى ال عليه وسلم وفعل‬
‫الصّحابة ‪.‬‬
‫سادسا ‪ :‬عدد خواتم الرّجل ‪:‬‬
‫‪ -‬اختلف الفقهاء في حكم تعدّد خواتم الرّجل ‪:‬‬ ‫‪13‬‬

‫فنصّ المالكيّة على أنّه ل يباح للرّجل أكثر من خاتم واحد ‪ ،‬فإن تعدّد الخاتم حرم ولو كان في‬
‫حدود الوزن المباح شرعا ‪.‬‬
‫واختلف فقهاء الشّافعيّة في تعدّد الخاتم ‪ ،‬ونقل صاحب مغني المحتاج جانبا من هذا الخلف في‬
‫قوله ‪ :‬وفي الرّوضة وأصلها ‪ :‬ولو اتّخذ الرّجل خواتيم كثيرةً ليلبس الواحد منها بعد الواحد‬
‫جاز ‪ ،‬فظاهره الجواز في التّخاذ دون اللّبس ‪ ،‬وفيه خلف مشهور ‪ ،‬والّذي ينبغي اعتماده فيه‬
‫أنّه جائز ما لم يؤ ّد إلى سرف ‪.‬‬
‫وقال الحنابلة ‪ :‬لو اتّخذ الرّجل لنفسه عدّة خواتيم ‪ ،‬فالظهر جوازه إن لم يخرج عن العادة ‪،‬‬
‫والظهر جواز لبس الرّجل خاتمين فأكثر جميعا إن لم يخرج عن العادة ‪.‬‬
‫ولم نجد كلما للحنفيّة في هذه المسألة ‪.‬‬
‫سابعا ‪ :‬النّقش على الخاتم ‪:‬‬
‫‪ -‬اتّفق الفقهاء على جواز النّقش على الخاتم ‪ ،‬وعلى أنّه يجوز نقش اسم صاحب الخاتم‬ ‫‪14‬‬

‫عليه ‪ ،‬واختلفوا في نقش لفظ الجللة أو ال ّذكْر ‪:‬‬


‫فقال الحنفيّة والشّافعيّة ‪ :‬يجوز أن ينقش لفظ الجللة أو ألفاظ الذّكر على الخاتم ‪ ،‬ولكنّه يجعله‬
‫في كمّه إن دخل الخلء ‪ ،‬وفي يمينه إذا استنجى ‪.‬‬
‫وقال الحنابلة ‪ :‬يكره أن يكتب على الخاتم ذكر اللّه تعالى من القرآن أو غيره نصّا ‪ ،‬قال‬
‫إسحاق بن راهويه ‪ :‬ل يدخل الخلء به ‪ ،‬وقال في الفروع ‪ :‬ولعلّ أحمد كرهه لذلك ‪ ،‬قال ‪:‬‬
‫ولم أجد للكراهة دليلً سوى هذا ‪ ،‬وهي تفتقر إلى دليل والصل عدمه ‪ .‬وقال الحنابلة أيضا ‪:‬‬
‫يحرم أن ينقش عليه صورة حيوان ‪ ،‬ويحرم لبسه والصّورة عليه كالثّوب المصوّر ‪ ،‬ولم ير‬
‫بعض الحنفيّة بأسا في نقش ذلك إذا كان صغيرا بحيث ل يبصر عن بعد ‪.‬‬
‫ثامنا ‪ :‬فصّ الخاتم ‪:‬‬
‫‪ -‬ذهب الفقهاء في الجملة إلى أنّه يجوز أن يكون لخاتم الرّجل المباح فصّ من مادّته‬ ‫‪15‬‬

‫ضيّة أو من مادّة أخرى على التّفصيل التي ‪:‬‬


‫الف ّ‬
‫ص خاتمه عقيقا أو فيروزجا أو ياقوتا أو نحوه ‪ ،‬ول‬
‫قال الحنفيّة ‪ :‬يجوز للرّجل أن يجعل ف ّ‬
‫بأس بس ّد ثقب الفصّ بمسمار الذّهب ليحفظ به الفصّ ‪ ،‬لنّه قليل ‪ ،‬فأشبه العلم في الثّوب فل‬
‫يعدّ لبسا له ‪ ،‬ويجعل الرّجل فصّ خاتمه إلى بطن كفّه بخلف النّساء ‪ ،‬لنّه للزّينة في حقّهنّ‬
‫دون الرّجال ‪ .‬وقال المالكيّة ‪ :‬ل بأس بالفضّة في حلية الخاتم ‪ ...‬ثمّ اختلفوا في الشّرح ‪ ،‬فقال‬
‫بعضهم ‪ :‬تكون الحلية من الفضّة في خاتم من شيء جائز غير الحديد والنّحاس والرّصاص ‪،‬‬
‫كالجلد والعود أو غير ذلك ممّا يجوز ‪ ،‬فيجعل الفصّ فيه ‪.‬‬
‫وقال بعضهم ‪ :‬يكون الخاتم كلّه من الفضّة لما في صحيح مسلم ‪ « :‬كان خاتم رسول اللّه‬
‫صلى ال عليه وسلم من ورق ‪ ،‬وكان فصّه حبشيّا » أي كان صانعه حبشيّا ‪ ،‬أو كان مصنوعا‬
‫كما يصنعه أهل الحبشة فل ينافي رواية ‪ :‬أنّ فصّه منه ‪.‬‬
‫وقال المالكيّة ‪ :‬ل يجوز للذّكر خاتم بعضه ذهب ولو قلّ ‪.‬‬
‫سنّة عن النّبيّ صلى ال عليه وسلم‬
‫ص الخاتم ممّا يلي الكفّ ‪ ،‬لنّه بذلك أتت ال ّ‬
‫وقالوا ‪ :‬يجعل ف ّ‬
‫والقتداء به حسن ‪ ،‬فإذا أراد الستنجاء خلعه كما يخلعه عند إرادة الخلء ‪.‬‬
‫ص وبغير فصّ ‪ ،‬وأضاف النّوويّ ‪ :‬ويجعل الفصّ من باطن‬
‫وقال الشّافعيّة ‪ :‬يجوز الخاتم بف ّ‬
‫كفّه أو ظاهرها ‪ ،‬وباطنها أفضل للحاديث الصّحيحة فيه ‪ .‬وقال القليوبيّ ‪ :‬ويسنّ جعل فصّ‬
‫الخاتم داخل الكفّ ‪ .‬وقال الحنابلة ‪ :‬للرّجل جعل فصّ خاتمه منه أو من غيره ‪ ،‬لنّ في‬
‫البخاريّ من حديث أنس رضي ال عنه « كان فصّه منه » ولمسلم « كان فصّه حبشيّا » ‪.‬‬
‫وقالوا ‪ :‬يباح للذّكر من الذّهب فصّ خاتم إذا كان يسيرا ‪ ...‬اختاره أبو بكر عبد العزيز ومجد‬
‫الدّين ابن تيميّة وتقيّ الدّين ابن تيميّة ‪ ،‬وهو ظاهر كلم المام أحمد ‪ ،‬وإليه ميل ابن رجب ‪،‬‬
‫قال في النصاف ‪ :‬وهو الصّواب وهو المذهب ‪ ،‬وفي الفتاوى المصريّة ‪ :‬يسير الذّهب التّابع‬
‫لغيره كالطّراز ونحوه جائز في الصحّ من مذهب المام أحمد ‪.‬‬
‫واختار القاضي وأبو الخطّاب التّحريم ‪ ،‬وقطع به في شرح المنتهى في باب النية ‪.‬‬
‫ص الخاتم ممّا يلي ظهر كفّه لنّ النّبيّ صلى ال‬
‫وقال الحنابلة ‪ :‬الفضل أن يجعل الرّجل ف ّ‬
‫عليه وسلم ‪ « :‬كان يفعل ذلك » وكان ابن عبّاس رضي ال عنهما وغيره يجعله ممّا يلي ظهر‬
‫كفّه ‪.‬‬
‫تاسعا ‪ :‬تحريك الخاتم في الوضوء ‪:‬‬
‫‪ -‬ذهب جمهور الفقهاء إلى أنّه يجب في الوضوء تحريك الخاتم أثناء غسل اليد ‪ ،‬إن كان‬ ‫‪16‬‬

‫ضيّقا ول يعلم وصول ماء الوضوء إلى ما تحته ‪ ،‬فإن كان الخاتم واسعا ‪ ،‬أو كان ضيّقا وعلم‬
‫وصول الماء إلى ما تحته فإنّ تحريكه ل يجب ‪ ،‬بل يكون مستحبّا ‪.‬‬
‫وذهب المالكيّة إلى أنّه ل يجب تحويل خاتم المتوضّئ من موضعه ولو كان ضيّقا إن كان‬
‫ل فل‬
‫مأذونا فيه ‪ ،‬وعلى المتوضّئ إزالة غير المأذون فيه إن كان يمنع وصول الماء للبشرة وإ ّ‬
‫‪ ،‬وليس الحكم بإزالة ما يمنع وصول الماء للبشرة خاصّا بالخاتم غير المأذون فيه ‪ ،‬بل هو عامّ‬
‫في كلّ حائل كشمع وزفت ووسخ ‪.‬‬
‫عاشرا ‪ :‬تحريك الخاتم في الغسل ‪:‬‬
‫‪ -‬قال جمهور الفقهاء ‪ :‬ممّا يتحقّق به الغسل المجزئ أن يعمّم بدنه بالغسل ‪ ،‬حتّى ما تحت‬ ‫‪17‬‬

‫خاتم ونحوه ‪ ،‬فيحرّكه ليتحقّق وصول الماء إلى ما تحته ‪ ،‬ولو كان الخاتم ضيّقا ل يصل الماء‬
‫إلى ما تحته نزعه وجوبا ‪.‬‬
‫وقال المالكيّة ‪ :‬يجب غسل ظاهر الجسد في الغسل ‪ ،‬وأمّا الخاتم فل يلزم تحريكه ‪ ،‬كالوضوء‬
‫‪ .‬كما نصّ عليه ابن الموّاز خلفا لبن رشد ‪.‬‬
‫حادي عشر ‪ :‬نزع الخاتم في التّيمّم ‪:‬‬
‫‪ -‬ذهب المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة إلى أنّه يجب على من يريد التّيمّم نزع خاتمه ليصل‬ ‫‪18‬‬

‫التّراب إلى ما تحته عند المسح ‪ ،‬ول يكفي تحريك الخاتم ‪ ،‬لنّ التّراب كثيف ل يسري إلى ما‬
‫تحت الخاتم بخلف الماء في الوضوء ‪ .‬وقال الحنفيّة ‪ :‬يجب على المتيمّم أن يستوعب بالمسح‬
‫وجهه ويديه فينزع الخاتم أو يحرّكه ‪.‬‬
‫ثاني عشر ‪ :‬العبث بالخاتم في الصّلة ‪:‬‬
‫ن العبث في الصّلة مكروه ‪ ،‬والعبث ‪ :‬هو كلّ فعل ليس بمفيد للمصلّي‬
‫‪ -‬ذهب الفقهاء إلى أ ّ‬ ‫‪19‬‬

‫‪ ،‬ومنه كفّه لثوبه وعبثه به وبجسده وبالحصى وبالخاتم ‪ ،‬وتفصيله والخلف فيه ينظر في‬
‫الصّلة عند الكلم عن المكروهات والمبطلت ‪.‬‬
‫ثالث عشر ‪ :‬التّختّم في الحرام ‪:‬‬
‫‪ -‬اتّفق الحنفيّة والشّافعيّة والحنابلة على أنّ للمحرم التّختّم بخاتمه حال إحرامه ‪ ،‬لنّ التّختّم‬ ‫‪20‬‬

‫ليس لبسا ول تغطيةً ‪ ،‬وقد روي عن عبد اللّه بن عبّاس رضي ال تعالى عنهما أنّه قال ‪:‬‬
‫أوثقوا عليكم نفقاتكم ‪ -‬أي بشدّ الهميان في الوسط وفيه كيس النّفقة ‪ -‬ورخّص في الخاتم‬
‫والهميان للمحرم ‪ .‬وقال المالكيّة ‪ :‬يحرم على الرّجل المحرم لبس الخاتم في الحرام ولو فضّةً‬
‫زنته درهمان ‪ ،‬وفيه الفدية إن طال ‪.‬‬
‫رابع عشر ‪ :‬زكاة الخاتم ‪:‬‬
‫ن الحلية المباحة ‪ -‬ومنها‬
‫‪ -‬اتّفق المالكيّة والشّافعيّة ‪ -‬في الظهر عندهم ‪ -‬والحنابلة على أ ّ‬ ‫‪21‬‬

‫خاتم الذّهب أو الفضّة للمرأة ‪ ،‬وخاتم الفضّة المباح للرّجل ‪ -‬ل زكاة فيه ‪ ،‬لنّه مصروف عن‬
‫جهة النّماء إلى استعمال مباح ‪ ،‬فأشبه ثياب البذلة وعوامل الماشية ‪.‬‬
‫وقال الحنفيّة ‪ ،‬وهو مقابل الظهر عند الشّافعيّة ‪ :‬في خاتم الفضّة المباح للرّجل الزّكاة ‪-‬‬
‫بشرط النّصاب ‪ -‬لنّ الفضّة خلقت ثمنا ‪ ،‬فيزكّيها كيف كانت ‪ .‬وتفصيله في الزّكاة ‪.‬‬
‫خامس عشر ‪ :‬دفن الخاتم مع الشّهيد وغيره ‪:‬‬
‫‪ -‬ينزع عن الميّت قبل دفنه ما عليه من الحلية من خاتم وغيره ل نّ دفنه مع الميّت إضاعة‬ ‫‪22‬‬

‫للمال ‪ ،‬وهو منه يّ ع نه ‪ .‬أمّا الشّه يد ف قد اتّ فق الحنفيّة والشّافعيّة والحنابلة على أنّه ينزع ع نه‬
‫ف والمنطقة والقلنسوة وك ّل ما ل يعتاد لبسه غالبا‬
‫عند دفنه الجلد وال سّلح والفرو والحشو والخ ّ‬
‫‪ ،‬والخاتم مثل هذه بل أولى ‪ ،‬لحديث ابن عبّاس رضي ال تعالى عنهما ‪:‬‬
‫ن النّبيّ صلى ال عليه وسلم أمر بقتلى أحد أن ينزع عنهم الحديد والجلود ‪ ،‬وأن يدفنوا في‬
‫«أّ‬
‫ثيابهم بدمائهم » ولنّ ما يترك على الشّهيد يترك ليكون كفنا ‪ ،‬والكفن ما يلبس للسّتر ‪ ،‬والخاتم‬
‫ل يلبس للسّتر فينزع ‪ .‬وقال المالكيّة ‪ :‬ندب دفن الشّهيد بخفّ وقلنسوة ومنطقة قلّ ثمنها ‪،‬‬
‫وبخاتم قلّ فصّه أي قيمته ‪ ،‬فل ينزع إلّ أن يكون نفيس الفصّ ‪.‬‬

‫تخدير *‬
‫التّعريف ‪:‬‬
‫‪ -‬الخدر ‪ -‬بالتّحريك ‪ -‬استرخاء يغشى بعض العضاء أو الجسد كلّه ‪ .‬والخدر ‪ :‬الكسل‬ ‫‪1‬‬

‫والفتور ‪ .‬وخدّر العضو تخديرا ‪ :‬جعله خدرا ‪ ،‬وحقنه بمخدّر لزالة إحساسه ‪.‬‬
‫ويقال ‪ :‬خدّره الشّراب وخدّره المرض ‪.‬‬
‫والمخدّر ‪ :‬مادّة تسبّب في النسان والحيوان فقدان الوعي بدرجات متفاوتة ‪ ،‬كالبنج والحشيش‬
‫والفيون ‪ ،‬والجمع مخدّرات ‪ ،‬وهي محدثة ‪.‬‬
‫ول يخرج استعمال الفقهاء للتّخدير عن المعنى اللّغويّ ‪.‬‬
‫اللفاظ ذات الصّلة ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬التّفتير ‪:‬‬
‫‪ -‬فتر عن العمل فتورا ‪ :‬انكسرت حدّته ولن بعد شدّته ‪ ،‬ومنه ‪ :‬فتر الحرّ إذا انكسر ‪،‬‬ ‫‪2‬‬

‫فيكون التّفتير تكسيرا للحدة ‪ ،‬وتليينا بعد الشّدّة ‪.‬‬


‫وعلى هذا فالتّفتير أع ّم من التّخدير ‪ ،‬إذ التّخدير نوع من التّفتير ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬الغماء ‪:‬‬
‫‪ -‬أغمي عليه ‪ :‬عرض له ما أفقده الحسّ والحركة ‪ .‬والغماء ‪ :‬فتور غير أصليّ يزيل‬ ‫‪3‬‬

‫عمل القوى ل بمخدّر ‪ .‬فالتّخدير مباين للغماء ‪.‬‬


‫ج ‪ -‬السكار ‪:‬‬
‫‪ -‬أسكره الشّراب أزال عقله ‪ ،‬فالسكار ‪ :‬إزالة الشّراب للعقل دون الحسّ والحركة ‪ ،‬فيكون‬ ‫‪4‬‬

‫التّخدير أعمّ من السكار ‪ .‬وهناك ألفاظ أخرى لها صلة بالتّخدير كالمفسد والمرقّد ‪ .‬قال‬
‫الحطّاب ‪ :‬فائدة تنفع الفقيه ‪ ،‬يعرف بها الفرق بين المسكر والمفسد والمرقد ‪ ،‬فالمسكر ‪ :‬ما‬
‫غيّب العقل دون الحواسّ مع نشوة وفرح ‪ ،‬والمفسد ‪ :‬ما غيّب العقل دون الحواسّ ل مع نشوة‬
‫س كالسيكران ‪.‬‬
‫وفرح كعسل البلدر ‪ ،‬والمرقد ‪ :‬ما غيّب العقل والحوا ّ‬
‫الحكم التّكليفيّ ‪:‬‬
‫‪ -‬المخدّرات أنواع متعدّدة تختلف لختلف أصولها المستخرجة منها ‪.‬‬ ‫‪5‬‬

‫وتناول المخدّرات كالحشيشة والفيون والقاتّ والكوكايين والبنج والكفتة وجوزة الطّيب والبرش‬
‫وغيرها بالمضغ أو التّدخين أو غيرهما ينتج عنه تغييب العقل ‪ ،‬وقد يؤدّي إلى الدمان ‪ ،‬ممّا‬
‫يسبّب تدهورا في عقليّة المدمنين وصحّتهم ‪ ،‬وتغيّر الحال المعتدلة في الخلق والخلق ‪ .‬قال ابن‬
‫تيميّة ‪ :‬كلّ ما يغيّب العقل فإنّه حرام ‪ ،‬وإن لم تحصل به نشوة ول طرب ‪ ،‬فإنّ تغييب العقل‬
‫حرام بإجماع المسلمين ‪ ،‬أي إلّ لغرض معتبر شرعا ‪.‬‬
‫‪ -6‬وذهب جمهور الفقهاء إلى حرمة تناول المخدّرات الّتي تغشى العقل ‪ ،‬ولو كانت ل تحدث‬
‫الشّدّة المطربة الّتي ل ينفكّ عنها المسكر المائع ‪.‬‬
‫وكما أنّ ما أسكر كثيره حرم قليله من المائعات ‪ ،‬كذلك يحرم مطلقا ما يخدّر من الشياء‬
‫الجامدة المضرّة بالعقل أو غيره من أعضاء الجسد ‪ .‬وذلك إذا تناول قدرا مضرّا منها ‪ .‬دون‬
‫ما يؤخذ منها من أجل المداواة ‪ ،‬لنّ حرمتها ليست لعينها ‪ ،‬بل لضررها ‪.‬‬
‫‪ -7‬وعلى هذا يحرم تناول البنج والحشيشة والفيون في غير حالة التّداوي ‪ ،‬لنّ ذلك كلّه‬
‫مفسد للعقل ‪ ،‬فيحدث لمتناوله فسادا ‪ ،‬ويصدّ عن ذكر اللّه وعن الصّلة ‪ .‬لكن تحريم ذلك ليس‬
‫لعينه بل لنتائجه ‪.‬‬
‫‪ -8‬ويحرم القدر المسكر المؤذي من جوزة الطّيب ‪ ،‬فإنّها مخدّرة ‪ ،‬لكن حرمتها دون حرمة‬
‫الحشيشة ‪.‬‬
‫‪ -9‬وذهب الفقيه أبو بكر بن إبراهيم المقري الحرازيّ الشّافعيّ إلى تحريم القاتّ في مؤلّفه في‬
‫ت ‪ .‬حيث يقول ‪ :‬إنّي رأيت من أكلها الضّرر في بدني وديني فتركت لها ‪ ،‬فقد ذكر‬
‫تحريم القا ّ‬
‫العلماء ‪ :‬أنّ المضرّات من أشهر المحرّمات ‪ ،‬فمن ضررها أنّ آكلها يرتاح ويطرب وتطيب‬
‫نفسه ويذهب حزنه ‪ ،‬ث ّم يعتريه بعد ساعتين من أكله هموم متراكمة وغموم متزاحمة وسوء‬
‫ج بحديث أمّ سلمة رضي ال عنها‬
‫أخلق ‪ .‬وكذلك ذهب الفقيه حمزة النّاشريّ إلى تحريمه واحت ّ‬
‫« أنّه صلى ال عليه وسلم نهى عن كلّ مسكر ومفتر » ‪.‬‬
‫أدلّة تحريم المخدّرات ‪:‬‬
‫‪ -‬الصل في تحريمها ما رواه أحمد في مسنده وأبو داود في سننه بسند صحيح عن أمّ‬ ‫‪10‬‬

‫سلمة رضي ال عنها قالت ‪ «:‬نهى رسول اللّه صلى ال عليه وسلم عن كلّ مسكر ومفتر» ‪.‬‬
‫قال العلماء ‪ :‬المفتر ‪ :‬كلّ ما يورث الفتور والخدر في الطراف ‪ .‬قال ابن حجر ‪ :‬وهذا‬
‫الحديث فيه دليل على تحريم الحشيش بخصوصه ‪ ،‬فإنّها تسكر وتخدّر وتفتر ‪.‬‬
‫وحكى القرافيّ وابن تيميّة الجماع على تحريم الحشيشة ‪ ،‬قال ابن تيميّة ‪ :‬ومن استحلّها فقد‬
‫كفر ‪ ،‬وإنّما لم تتكلّم فيها الئمّة الربعة رضي ال عنهم ‪ ،‬لنّها لم تكن في زمنهم ‪ ،‬وإنّما‬
‫ظهرت في آخر المائة السّادسة وأوّل المائة السّابعة حين ظهرت دولة التّتار ‪.‬‬
‫طهارة المخدّرات ونجاستها ‪:‬‬
‫‪ -‬المخدّرات الجامدة كلّها عند جمهور الفقهاء طاهرة غير نجسة وإن حرم تعاطيها ‪ ،‬ول‬ ‫‪11‬‬

‫تصير نجسةً بمجرّد إذابتها في الماء ولو قصد شربها ‪ ،‬لنّ الحكم الفقهيّ أنّ نجاسة المسكرات‬
‫مخصوصة بالمائعات منها ‪ ،‬وهي الخمر الّتي سمّيت رجسا في القرآن الكريم ‪ ،‬وما يلحق بها‬
‫من سائر المسكرات المائعة ‪.‬‬
‫بل قد حكى ابن دقيق العيد الجماع على طهارة المخدّرات ‪ .‬على أنّ بعض الحنابلة رجّح‬
‫الحكم بنجاسة هذه المخدّرات الجامدة ‪ .‬وتفصيل ذلك في موضوع النّجاسات ‪.‬‬
‫علج مدمني المخدّرات ‪:‬‬
‫‪ -‬سئل ابن حجر الم ّكيّ الشّافعيّ عمّن ابتلي بأكل الفيون والحشيش ونحوهما ‪ ،‬وصار إن‬ ‫‪12‬‬

‫لم يأكل منه هلك ‪ .‬فأجاب ‪ :‬إن علم أنّه يهلك قطعا حلّ له ‪ ،‬بل وجب ‪ ،‬لضطراره إلى إبقاء‬
‫روحه ‪ ،‬كالميتة للمضطرّ ‪ ،‬ويجب عليه التّدرّج في تقليل الكميّة الّتي يتناولها شيئا فشيئا ‪ ،‬حتّى‬
‫يزول تولّع المعدة به من غير أن تشعر ‪ ،‬قال الرّمليّ من الحنفيّة ‪ :‬وقواعدنا ل تخالفه في ذلك‬
‫‪.‬‬
‫بيع المخدّرات وضمان إتلفها ‪:‬‬
‫‪ -‬لمّا كانت المخدّرات طاهرةً ‪ -‬كما سبق تفصيل ذلك ‪ -‬وأنّها قد تنفع في التّداوي بها جاز‬ ‫‪13‬‬

‫بيعها للتّداوي عند جمهور الفقهاء ‪ ،‬وضمن متلفها ‪ ،‬واستثنى بعض الفقهاء الحشيشة ‪ ،‬فقالوا‬
‫بحرمة بيعها كابن نجيم الحنفيّ ‪ ،‬وذلك لقيام المعصية بذاتها ‪ ،‬وذكر ابن الشّحنة أنّه يعاقب‬
‫بائعها ‪ ،‬وصحّح ابن تيميّة نجاستها وأنّها كالخمر ‪ ،‬وبيع الخمر ل يصحّ فكذا الحشيشة عند‬
‫الحنابلة ‪ ،‬وذهب بعض المالكيّة إلى ما ذهب إليه ابن تيميّة ‪.‬‬
‫أمّا إذا كان بيعها ل لغرض شرعيّ كالتّداوي ‪ ،‬فقد ذهب المالكيّة والشّافعيّة إلى تحريم بيع‬
‫المخدّرات لمن يعلم أو يظنّ تناوله لها على الوجه المحرّم ‪ ،‬ول يضمن متلفها ‪ ،‬خلفا للشّيخ‬
‫أبي حامد ‪ -‬أي السفرايينيّ ‪ -‬ويفهم من كلم ابن عابدين في حاشيته أنّ البيع مكروه ويضمن‬
‫متلفها ‪.‬‬
‫تصرّفات متناول المخدّرات ‪:‬‬
‫‪ -‬إنّ متناول القدر المزيل للعقل من المخدّرات ‪ ،‬إمّا أن يكون للتّداوي أو ل ‪ ،‬فإن كان‬ ‫‪14‬‬

‫للتّداوي فإنّ تصرّفاته ل تصحّ عند جماهير الفقهاء ‪.‬‬


‫أمّا إذا كان زوال العقل بتناول المخدّرات ل للتّداوي ‪ ،‬فإنّ الفقهاء مختلفون فيما يصحّ من‬
‫تصرّفاته وما ل يصحّ ‪ .‬فذهب الحنفيّة إلى أنّ تصرّفاته صحيحة إذا استعمل الفيون للّهو ‪،‬‬
‫لكونه معصيةً ‪ ،‬واستثنى الحنفيّة الرّدّة والقرار بالحدود والشهاد على شهادة نفسه فإنّها ل‬
‫تصحّ ‪ ،‬ومحلّ ذلك إذا كان ل يعرف الرض من السّماء ‪ ،‬أمّا إذا كان يعرف ذلك فهو‬
‫كالصّاحي ‪ ،‬فكفره صحيح ‪ ،‬وكذلك طلقه وعتاقه وخلعه ‪.‬‬
‫قال ابن عابدين في الحشيشة والسّكر بها ‪ :‬فلمّا ظهر من أمرها ‪ -‬أي الحشيشة ‪ -‬من الفساد‬
‫كثير وفشا ‪ ،‬عاد مشايخ المذهبين ‪ -‬الحنفيّة والشّافعيّة ‪ -‬إلى تحريمها وأفتوا بوقوع الطّلق بها‬
‫‪ .‬وزاد بعض الحنفيّة على ما تقدّم أنّ زوال العقل إذا كان بالبنج والفيون ‪ ،‬وكان للتّداوي ‪-‬‬
‫ن الطّلق يقع زجرا وعليه الفتوى ‪.‬‬
‫أي على سبيل الجواز ‪ -‬أ ّ‬
‫وذهب المالكيّة إلى صحّة طلقه وعتقه وتلزمه الحدود والجنايات على نفس ومال ‪ ،‬بخلف‬
‫عقوده من بيع وشراء وإجارة ونكاح وإقرارات فل تصحّ ول تلزم على المشهور ‪ .‬وذهب‬
‫الشّافعيّة إلى صحّة جميع تصرّفاته ‪ ،‬لعصيانه بسبب زوال عقله ‪ ،‬فجعل كأنّه لم يزل ‪.‬‬
‫ن تناول البنج ونحوه لغير حاجة ‪ -‬إذا زال العقل به كالمجنون‬
‫والصّحيح من مذهب الحنابلة أ ّ‬
‫‪ -‬ل يقع طلق من تناوله ‪ ،‬لنّه ل لذّة فيه ‪ ،‬وفرّق المام أحمد بينه وبين السّكران فألحقه‬
‫بالمجنون ‪ ،‬وقدّمه في " النّظم " " والفروع " وهو الظّاهر من كلم الخرقيّ فإنّه قال ‪ :‬وطلق‬
‫الزّائل العقل بل سكر ل يقع ‪ .‬قال الزّركشيّ ‪ -‬من الحنابلة ‪ -‬وممّا يلحق بالبنج الحشيشة‬
‫ن حكمها حكم الشّراب المسكر حتّى في إيجاب الحدّ ‪،‬‬
‫الخبيثة ‪ ،‬وأبو العبّاس ابن تيميّة يرى أ ّ‬
‫وهو الصّحيح إن أسكرت ‪ ،‬أو أسكر كثيرها وإلّ حرمت ‪ ،‬وعزّر فقط فيها ‪.‬‬
‫عقوبة متناول المخدّرات ‪:‬‬
‫‪ -‬اتّفق الفقهاء على أنّ متناول المخدّرات للتّداوي ولو زال عقله ل عقوبة عليه ‪ ،‬من حدّ‬ ‫‪15‬‬

‫أو تعزير ‪ .‬أمّا إذا تناول القدر المزيل للعقل بدون عذر فإنّه ل حدّ عليه أيضا عند جماهير‬
‫العلماء ‪ -‬إلّ ما ذهب إليه ابن تيميّة في إيجاب الحدّ على من سكر من الحشيشة ‪ ،‬مفرّقا بينها‬
‫ن الحشيشة تشتهى وتطلب بخلف البنج ‪ ،‬فالحكم عنده منوط باشتهاء‬
‫وبين سائر المخدّرات ‪ .‬بأ ّ‬
‫النّفس ‪ .‬واتّفق الفقهاء أيضا على تعزير متناول المخدّرات بدون عذر ‪ ،‬لكن ذهب الشّافعيّة إلى‬
‫ن الفيون وغيره إذا أذيب واشتدّ وقذف بالزّبد ‪ ،‬فإنّه يلحق بالخمر في النّجاسة والحدّ ‪،‬‬
‫أّ‬
‫كالخبز إذا أذيب وصار كذلك ‪ ،‬بل أولى ‪ .‬وقيّد الشّافعيّة عقوبة متناول المخدّرات بما إذا لم‬
‫يصل إلى حالة تلجئه إلى ذلك كما سبق ‪ ،‬فإن وصل إلى تلك الحالة ل يعزّر ‪ ،‬بل يجب عليه‬
‫القلع عنه إمّا باستعمال ضدّه أو تقليله تدريجيّا ‪.‬‬

‫تخذيل *‬
‫التّعريف ‪:‬‬
‫‪ -‬التّخذيل لغةً ‪ :‬حمل الرّجل على خذلن صاحبه ‪ ،‬وتثبيطه عن نصرته ‪ ،‬يقال ‪ :‬خذلته‬ ‫‪1‬‬

‫تخذيلً ‪ :‬حملته على الفشل وترك القتال ‪.‬‬


‫واصطلحا ‪ :‬ص ّد النّاس عن الغزو وتزهيدهم في الخروج إليه ‪.‬‬
‫الحكم الجماليّ ومواطن البحث ‪:‬‬
‫‪ -‬يحرم تخذيل المجاهدين عن الجهاد بأيّ وسيلة حصل من قول أو فعل ‪ .‬قال اللّه تعالى في‬ ‫‪2‬‬

‫س إلّ‬
‫ذمّ المخذّلين ‪ { :‬قَدْ َيعْلَ ُم اللّهُ ال ُم َعوّقين منكم والقائلينَ لِخوانِهم َهلُ ّم إلينا ول َي ْأتُونَ البَأْ َ‬
‫قَلِيلً } ‪ .‬وقال أيضا في شأن المنافقين ‪َ { :‬فرِحَ ال ُمخَلّفُونَ ِبمَ ْق َعدِهم خِلفَ رسولِ اللّهِ و َك ِرهُوا‬
‫حرّا لو‬
‫حرّ قلْ نارُ جه ّنمَ أشدّ َ‬
‫ن ُيجَاهِدُوا بأموالِهم وأَنفسِهم في سبيلِ اللّهِ وقالوا ل َتنْفِروا في ال َ‬
‫أْ‬
‫كانوا َي ْف َقهُون } ‪.‬‬
‫استصحاب المخذّل والمرجف ‪:‬‬
‫‪ -‬ل يستصحب المير معه مخذّلً ‪ ،‬وهو الّذي يثبّط النّاس عن الغزو ويزهّدهم في الخروج‬ ‫‪3‬‬

‫إلى القتال والجهاد ‪ ،‬مثل أن يقول ‪ :‬الحرّ أو البرد شديد ‪ ،‬والمشقّة شديدة ‪ ،‬ول تؤمن هزيمة‬
‫هذا الجيش وأشباه هذا ‪ .‬ول مرجفا وهو الّذي يقول ‪ :‬قد هلكت سريّة المسلمين ‪ ،‬وما لهم مدد‬
‫ول طاقة لهم بالكفّار ‪ ،‬والكفّار لهم قوّة ومدد وصبر ‪ ،‬ول يثبت لهم أحد ونحو هذا ‪ ،‬ول من‬
‫يعين على المسلمين بالتّجسّس للكفّار وإطلعهم على عورات المسلمين ومكاتبتهم بأخبارهم‬
‫ودللتهم على عوراتهم أو إيواء جواسيسهم ‪ ،‬ول من يوقع العداوة بين المسلمين ويسعى‬
‫ج لَعدّوا له عُدّ ًة ولكن َك ِرهَ الّل ُه ا ْن ِبعَاثَهم َف َثّبطَهم‬
‫خرُو َ‬
‫بالفساد ‪ ،‬لقوله تعالى ‪ { :‬ولو أَرَادُوا ال ُ‬
‫ضعُوا خِللَكم َي ْبغُونَكم‬
‫ل ْو َ‬
‫خبَالً َو َ‬
‫خ َرجُوا فيكم ما زَادُوكم إلّ َ‬
‫وقيل اقعُدُوا مع القَاعِدين لو َ‬
‫ال ِف ْتنَةَ } ولنّ هؤلء مضرّة على المسلمين فيلزمه منعهم ‪ ،‬وإن خرج معه أحد هؤلء لم يسهم‬
‫له ولم يرضخ وإن أظهر عون المسلمين ‪ ،‬لنّه يحتمل أن يكون أظهره نفاقا وقد ظهر دليله ‪،‬‬
‫ق ممّا غنموا شيئا ‪.‬‬
‫فيكون مجرّد ضرر فل يستح ّ‬
‫وإن كان المير أحد هؤلء لم يستحبّ الخروج معه ‪ ،‬لنّه إذا منع خروج المخذّل ومن في‬
‫حكمه تبعا فمتبوعا أولى ‪ ،‬ولنّه ل تؤمن المضرّة على من صحبه ‪.‬‬

‫تخريب *‬
‫انظر ‪ :‬جهاد ‪.‬‬

‫تخريج المناط *‬
‫التّعريف ‪:‬‬
‫‪ -‬التّخريج والستخراج بمعنًى واحد كالستنباط والمناط ‪ :‬موضع التّعليق ‪.‬‬ ‫‪1‬‬

‫ومناط الحكم عند الصوليّين ‪ :‬علّته ‪.‬‬


‫وتخريج المناط هو ‪ :‬النّظر والجتهاد في إثبات علّة الحكم ‪ ،‬إذا دلّ النّصّ أو الجماع على‬
‫الحكم دون علّته ‪ ،‬وذلك أن يستخرج المجتهد العلّة برأيه ‪ .‬كالجتهاد في إثبات كون الشّدّة‬
‫المطربة علّ ًة لتحريم شرب الخمر ‪ ،‬وكون القتل العمد العدوان علّةً لوجوب القصاص في‬
‫المحدّد ‪ ،‬وكون الطّعم علّة ربا الفضل في البرّ ونحوه حتّى يقاس عليه كلّ ما سواه في علّته‬
‫اللفاظ ذات الصّلة ‪:‬‬
‫المناسبة ‪:‬‬
‫‪ -‬وهي ‪ :‬تعيين العلّة بإبداء وجود العلقة بين الوصف والحكم ‪ ،‬بحيث يدركه العقل السّليم‬ ‫‪2‬‬

‫مع السّلمة من القوادح ‪ .‬ويسمّى استخراج المناسبة ‪ :‬تخريج المناط ‪.‬‬


‫وبذلك يكون تخريج المناط أعمّ من المناسبة ‪ ،‬إذ قد يكون باستخراج المناسبة أو بغيرها ‪.‬‬
‫الحكم الجماليّ ‪:‬‬
‫‪ -‬عدّ بعض الصوليّين تخريج المناط مسلكا من مسالك العلّة ‪ ،‬إذ هو اجتهاد في استخراجها‬ ‫‪3‬‬

‫‪ ،‬لكنّه يعتبر في الرّتبة دون تحقيق المناط وتنقيحه ‪.‬‬


‫ولذلك اختلف الصوليّون في الخذ به ‪ ،‬فأنكره أهل الظّاهر والشّيعة وطائفة من المعتزلة‬
‫البغداديّين ‪ ،‬وقال الغزاليّ عنه ‪ :‬العلّة المستنبطة عندنا ل يجوز التّحكّم بها ‪ ،‬بل قد تعلم‬
‫باليماء وإشارة النّصّ فتلحق بالمنصوص ‪ ،‬وقد تعلم بالسّبر ‪ ..‬إلخ ثمّ قال ‪ :‬وكلّ ذلك قريب‬
‫من القسمين الوّلين ( تحقيق المناط وتنقيحه ) والقسم الوّل ( تحقيق المناط ) متّفق عليه ‪،‬‬
‫والثّاني ( تنقيح المناط ) مسلّم من الكثرين ‪ .‬وتفصيل ذلك ينظر في الملحق الصوليّ ‪.‬‬

‫تخصّر *‬
‫التّعريف ‪:‬‬
‫‪ -‬للتّخصّر في اللّغة معان ‪ ،‬منها ‪ :‬أنّه وضع اليد على الخصر ‪ ،‬ومثله الختصار ‪.‬‬ ‫‪1‬‬

‫والخصر من النسان ‪ :‬وسطه وهو المستدقّ فوق الوركين ‪ ،‬والجمع خصور ‪ ،‬مثل فلس‬
‫وفلوس ‪ .‬والخصران والخاصرتان ‪ :‬معروفان ‪.‬‬
‫والختصار والتّخصّر ‪ :‬أن يضع الرّجل يده على خصره في الصّلة أو غيرها من التّكاء‬
‫على المخصرة ‪ ،‬وهي ‪ :‬ما يتوكّأ عليه من عصا ونحوها ‪ .‬وفي رواية عن النّبيّ صلى ال‬
‫عليه وسلم « أنّه نهى أن يصلّي الرّجل مختصرا ومتخصّرا » ‪.‬‬
‫قيل ‪ :‬هو من المخصرة ‪ ،‬وقيل ‪ :‬معناه أن يصلّي الرّجل وهو واضع يده على خاصرته ‪،‬‬
‫وجاء في الحديث ‪ « :‬الختصار في الصّلة راحة أهل النّار » أي أنّه فعل اليهود في صلتهم‬
‫‪ .‬وهم أهل النّار قال ابن منظور ‪ :‬ليس الرّاحة المنسوبة لهل النّار هي راحتهم في النّار ‪ ،‬إذ‬
‫ل راحة لهم فيها ‪ ،‬وإنّما هي راحتهم في صلتهم في الدّنيا ‪ .‬يعني أنّه إذا وضع يده على‬
‫خصره كأنّه استراح بذلك ‪ ،‬وسمّاهم أهل النّار لمصيرهم إليها ‪ ،‬ل لنّ ذلك راحتهم في النّار ‪.‬‬
‫وهو ‪ :‬أي التّخصّر في الصطلح ل يخرج عن ذلك ‪.‬‬
‫الحكم الجماليّ ‪:‬‬
‫‪ -‬ذهب جمهور الفقهاء إلى أنّ التّخصّر في الصّلة مكروه ‪ ،‬أي تنزيها ‪.‬‬ ‫‪2‬‬

‫وذهب الحنفيّة إلى أنّه مكروه تحريما ‪ ،‬لمنافاته هيئة الصّلة المأثورة ‪ ،‬والتّشبّه بالجبابرة ‪ ،‬وقد‬
‫نهى النّبيّ صلى ال عليه وسلم عن ذلك ‪ .‬روى أبو هريرة رضي ال عنه أنّ النّبيّ صلى ال‬
‫عليه وسلم « نهى أن يصلّي الرّجل مختصرا » وعنه رضي ال عنه « أنّ رسول اللّه صلى‬
‫ال عليه وسلم نهى عن الخصر في الصّلة » والمراد وضع اليد على الخاصرة ‪ .‬وفي رواية ‪:‬‬
‫« نهى أن يصلّي الرّجل متخصّرا » ‪ -‬بتشديد الصّاد ‪ -‬وهو أن يضع يده على خاصرته ‪-‬‬
‫وهو يصلّي ‪ -‬ما لم تكن به حاجة تدعو إلى وضعها ‪ .‬فإن كان به عذر كمن وضع يده على‬
‫خاصرته لوجع في جنبه أو تعب في قيام اللّيل ‪ ،‬فتخصّر ‪ ،‬جاز له ذلك في حدود ما تقتضي به‬
‫الحاجة ‪ ،‬ويقدّر ذلك بقدرها ‪.‬‬
‫وفيه ورد حديث ‪ « :‬المتخصّرون يوم القيامة على وجوههم النّور » ‪ .‬وقال ثعلب ‪ :‬أي‬
‫المصلّون باللّيل ‪ ،‬فإذا تعبوا وضعوا أيديهم على خواصرهم ‪ .‬وتابعه صاحب القاموس ففسّر‬
‫الحديث بغير ذلك ‪ .‬وروى أبو داود والنّسائيّ من طريق سعيد بن زياد قال ‪ « :‬صلّيت إلى‬
‫جنب ابن عمر فوضعت يديّ على خاصرتيّ ‪ .‬فلمّا صلّى قال ‪ :‬هذا ‪ .‬الصّلب في الصّلة ‪،‬‬
‫وكان رسول اللّه صلى ال عليه وسلم ينهى عنه » ‪.‬‬
‫وأمّا التّخصّر خارج الصّلة فقد جاء في تنوير البصار وشرحه ‪ :‬أنّه مكروه تنزيها ‪.‬‬
‫لنّه فعل المتكبّرين ( ر ‪ :‬الصّلة ‪ :‬مكروهات الصّلة ) ‪.‬‬
‫وأمّا الختصار بمعنى التّكاء في الصّلة على المخصرة أو غيرها فقد سبق تفصيل حكمه في‬
‫مصطلح ( استناد ) ‪.‬‬
‫التّكاء على المخصرة ونحوها في خطبة الجمعة ‪:‬‬
‫‪ -‬توكّؤ الخطيب على المخصرة في حال خطبة الجمعة مندوب عند المالكيّة ‪ ،‬وهو أيضا‬ ‫‪3‬‬

‫من سنن الخطبة عند الشّافعيّة والحنابلة ‪ .‬ويجعلها بيمينه عند المالكيّة ‪ ،‬ويستحبّ عند الشّافعيّة‬
‫أن يجعلها في يده اليسرى كعادة من يريد الضّرب بالسّيف والرّمي بالقوس ‪ ،‬ويشغل يده اليمنى‬
‫بحرف المنبر ‪.‬‬
‫وجاء في كشّاف القناع من كتب الحنابلة ‪ :‬أن يجعلها بإحدى يديه ‪ ،‬إلّ أنّ صاحب الفروع ذكر‬
‫أنّه يتوجّه باليسرى ويعتمد بالخرى على حرف المنبر ‪ ،‬فإن لم يجد شيئا يعتمد عليه ‪ ،‬فقد ذكر‬
‫الشّافعيّة أنّه يجعل اليمنى على اليسرى أو يرسلهما ول يعبث بهما ‪.‬‬
‫وذهب الحنفيّة ‪ -‬كما جاء في الفتاوى الهنديّة ‪ -‬إلى كراهة اتّكاء الخطيب على قوس أو عصا‬
‫في أثناء الخطبة من يوم الجمعة ‪ ،‬وإنّما يتقلّد الخطيب السّيف في كلّ بلدة فتحت به ‪ .‬ومثل‬
‫العصا عند المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة ‪ :‬القوس والسّيف ‪ ،‬والعصا أولى من القوس والسّيف‬
‫عند المالكيّة ‪ ،‬والمراد بالقوس كما جاء في الدّسوقيّ قوس النّشاب ‪ ،‬وهي القوس العربيّة‬
‫لطولها واستقامتها ‪ ،‬ل العجميّة لقصرها وعدم استقامتها ‪.‬‬
‫واستدلّ المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة على ما ذهبوا إليه من اتّكاء الخطيب على المخصرة في‬
‫حال الخطبة من يوم الجمعة بما رواه أبو داود عن الحكم بن حزن ‪ :‬قال ‪ « :‬وفدت على النّبيّ‬
‫صلى ال عليه وسلم فشهدنا معه الجمعة ‪ ،‬فقام متوكّئا على سيف أو قوس أو عصا مختصرا »‬
‫‪ .‬قال مالك ‪ :‬وذلك ممّا يستحبّ للئمّة أصحاب المنابر أن يخطبوا يوم الجمعة ومعهم العصا ‪،‬‬
‫يتوكّئون عليها في قيامهم ‪ ،‬وهو الّذي رأينا وسمعنا ‪.‬‬

‫تخصيص *‬
‫التّعريف ‪:‬‬
‫‪ -‬تخصيص النسان بالشّيء ‪ :‬تفضيله به على غيره ‪.‬‬ ‫‪1‬‬

‫وفي اصطلح جمهور الصوليّين يطلق على ‪ :‬قصر العامّ على بعض ما يتناوله بدليل يدلّ‬
‫على ذلك ‪ ،‬سواء أكان هذا الدّليل مستقلً أم غير مستقلّ ‪ ،‬مقارنا أم غير مقارن ‪.‬‬
‫وعند الحنفيّة ‪ :‬قصر العامّ على بعض أفراده بدليل مستقلّ مقارن ‪ ،‬فخرج الستثناء والصّفة‬
‫ونحوهما ‪ ،‬لنّ القصر حصل فيما ذكر بدليل غير مستقلّ ‪ .‬وخرج النّسخ ‪ ،‬لنّه قصر بدليل‬
‫غير مقارن ‪.‬‬
‫اللفاظ ذات الصّلة ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬النّسخ ‪:‬‬
‫‪ -‬النّسخ هو ‪ :‬الرّفع والزالة ‪.‬‬ ‫‪2‬‬

‫وفي اصطلح الصوليّين ‪ :‬رفع الشّارع الحكم المتقدّم بحكم متأخّر بدليل يدلّ على ذلك ‪.‬‬
‫فالفرق بين النّسخ وبين التّخصيص ‪ :‬أنّ التّخصيص ليس فيه رفع للحكم ‪ ،‬وأمّا النّسخ فهو رفع‬
‫الحكم بعد ثبوته ‪ .‬والتّخصيص قصر بدليل مقارن عند الحنفيّة ‪ ،‬والنّسخ فيه تراخ ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬التّقييد ‪:‬‬
‫‪ -‬التّقييد ‪ :‬تقليل شيوع اللّفظ المطلق باقترانه بلفظ آخر يدلّ على تقييده بشرط أو صفة أو‬ ‫‪3‬‬

‫حال أو نحو ذلك ‪ .‬ومثاله لفظ " رجل " إذا اقترن بلفظ " مؤمن " مثلً ‪ ،‬وقيل ‪ :‬رجل مؤمن ‪،‬‬
‫فإنّ لفظ " رجل " مطلق وهو شائع ومنتشر في كلّ ما يصدق عليه معناه ‪ ،‬وهو أي ذكر بالغ‬
‫من نوع النسان ‪ ،‬مؤمنا كان أو غير مؤمن ‪ ،‬ولمّا اقترن به لفظ " مؤمن " قلّل من شيوعه‬
‫وانتشاره ‪ ،‬وجعله مقصورا على من كان مؤمنا دون غيره ‪.‬‬
‫فالتّقييد إنّما يكون لللفاظ المطلقة ‪ ،‬ليقلّل من شيوعها وانتشارها فيما يصدق عليه معناها ‪،‬‬
‫ويجعلها مقصور ًة على ما يوجد فيه القيد دون ما عداه ‪.‬‬
‫أمّا التّخصيص ‪ :‬فإنّه يكون في اللفاظ العامّة ‪ ،‬ليقلّل من شمولها ويقصرها على بعض ما‬
‫يصدق عليه معناها دون بعضها الخر ‪.‬‬
‫ج ‪ -‬الستثناء ‪:‬‬
‫ل أو إحدى أخواتها ‪ .‬أو هو المنع من دخول بعض ما‬
‫‪ -‬الستثناء ‪ :‬إخراج من متعدّد بإ ّ‬ ‫‪4‬‬

‫يتناوله صدر الكلم في حكمه بإلّ أو إحدى أخواتها ‪.‬‬


‫والستثناء نوع من المخصّصات للعامّ عند جمهور الصوليّين ‪ ،‬وليس مخصّصا للعامّ عند‬
‫الحنفيّة ‪ ،‬وإنّما هو قاصر للعامّ على بعض أفراده ‪.‬‬
‫الحكم الجماليّ ‪:‬‬
‫‪ -‬التّخصيص جائز عقلً وواقع استقراءً ‪ ،‬ويجوز التّخصيص إلى واحد ‪ ،‬إذا لم يكن لفظ‬ ‫‪5‬‬

‫العامّ جمعا ‪ ،‬وإلى أقلّ الجمع إذا كان جمعا ‪.‬‬


‫ويجوز التّخصيص بالعقل عند الحنفيّة كما يجوز باللّفظ ‪.‬‬
‫واختلف الصوليّون في أنّ العامّ بعد التّخصيص يبقى عامّا في الباقي بطريق الحقيقة أم يصير‬
‫مجازا ؟ والشبه أنّه حقيقة في البعض الباقي ‪ ،‬وهذا رأي الحنابلة وكثير من الحنفيّة‬
‫والشّافعيّة ‪ ،‬وقيّده بعضهم بأن كان الباقي غير منحصر ‪ ،‬وبعضهم بقيود أخرى ‪.‬‬
‫قال البزدويّ ‪ :‬من شرط في العامّ الجتماع دون الستغراق قال ‪ :‬إنّه يبقى حقيقةً في العموم‬
‫بعد التّخصيص ‪ ،‬ومن قال ‪ :‬شرطه الستيعاب والستغراق قال ‪ :‬يصير مجازا بعد التّخصيص‬
‫ص منه فرد واحد ‪.‬‬
‫‪ ،‬وإن خ ّ‬
‫وهل يبقى العا ّم حجّةً بعد التّخصيص أم ل ؟ قال أكثر الصوليّين ‪ ،‬وهو الصّحيح في مذهب‬
‫ن العامّ يبقى حجّ ًة بعد التّخصيص ‪ ،‬معلوما كان المخصوص أو مجهولً ‪ .‬وبعضهم‬
‫الحنفيّة ‪ :‬إ ّ‬
‫جيّته بما إذا كان المخصوص معلوما ل مجهولً ‪ .‬وقال الكرخيّ ‪ :‬ل يبقى حجّ ًة أصلً ‪،‬‬
‫قيّد ح ّ‬
‫وهو قول أبي ثور من الشّافعيّة ‪ .‬وتفصيل ذلك في الملحق الصوليّ ‪.‬‬

‫تخطّي الرّقاب*‬
‫التّعريف ‪:‬‬
‫‪ -‬يقال في اللّغة ‪ :‬تخطّى النّاس واختطاهم أي ‪ :‬جاوزهم ‪ .‬ويقال ‪ :‬تخطّيت رقاب النّاس إذا‬ ‫‪1‬‬

‫تجاوزتهم ‪ .‬قال ابن المنير ‪ :‬التّفرقة بين اثنين المنهيّ عنها بقوله صلى ال عليه وسلم ‪ « :‬فلم‬
‫يفرّق بين اثنين » تتناول القعود بينهما وإخراج أحدهما والقعود مكانه ‪.‬‬
‫وقد يطلق على مجرّد التّخطّي ‪ .‬وفي التّخطّي زيادة رفع رجليه على رءوسهما أو أكتافهما ‪،‬‬
‫وربّما تعلّق بثيابهما شيء ممّا في رجليه ‪ .‬ول يخرج في معناه الصطلحيّ عن هذا ‪.‬‬
‫حكمه الجماليّ ‪:‬‬
‫‪ -‬لتخطّي الرّقاب أحكام تختلف باختلف حالته ‪.‬‬ ‫‪2‬‬

‫ففي الجمعة إمّا أن يكون المتخطّي هو المام أو غيره ‪.‬‬


‫فإن كان المتخطّي هو المام ‪ ،‬ولم يكن له طريق إلّ أن يتخطّى رقاب النّاس ليصل إلى‬
‫مكانه ‪ ،‬جاز له ذلك بغير كراهة ‪ ،‬لنّه موضع حاجة ‪.‬‬
‫وإن كان غير المام ‪ :‬فعند الحنفيّة ‪ :‬إمّا أن يكون دخوله المسجد قبل أن يشرع المام في‬
‫الخطبة أو بعد الشّروع فيها ‪.‬‬
‫فإن كان قبله ‪ :‬فإنّه ل بأس بالتّخطّي إن كان ل يجد إلّ فرجةً أمامه ‪ ،‬فيتخطّى إليها‬
‫للضّرورة ‪ ،‬ما لم يؤذ بذلك أحدا ‪ ،‬لنّه يندب للمسلم أن يتقدّم ويدنو من المحراب إذا لم يكن‬
‫أثناء الخطبة ‪ ،‬ليتّسع المكان لمن يجيء بعده ‪ ،‬وينال فضل القرب من المام ‪.‬‬
‫فإذا لم يفعل الوّل ذلك فقد ضيّع المكان من غير عذر ‪ ،‬فكان للّذي جاء بعده أن يأخذ ذلك‬
‫المكان وإن كان دخوله المسجد والمام يخطب ‪ :‬فإنّ عليه أن يستقرّ في أوّل مكان يجده ‪ ،‬لنّ‬
‫مشيه في المسجد وتقدّمه في حالة الخطبة منهيّ عنه ‪ ،‬لقول النّبيّ صلى ال عليه وسلم ‪ « :‬فلم‬
‫يفرّق بين اثنين » وقوله ‪ « :‬ولم يتخطّ َر َقبَةَ مسلم ‪ ،‬ولم يؤذ أحدا » وقوله « للّذي جاء‬
‫يتخطّى رقاب النّاس ‪ :‬اجلس ‪ :‬فقد آذيت وآنيت » ‪.‬‬
‫وعند المالكيّة يجوز لداخل المسجد أن يتخطّى الصّفوف لفرجة قبل جلوس الخطيب على المنبر‬
‫‪ ،‬ول يجوز التّخطّي بعده ولو لفرجة ‪.‬‬
‫وقد نصّ الحنفيّة والشّافعيّة على أنّه إن لم يكن للدّاخل موضع وبين يديه فرجة ل يصل إليها‬
‫إلّ بتخطّي رجل أو رجلين لم يكره له ذلك ‪ ،‬لنّه يسير ‪ .‬وإن كان بين يديه خلق كثير ‪ ،‬فإن‬
‫رجا إذا قاموا إلى الصّلة أن يتقدّموا جلس حتّى يقوموا ‪ ،‬وإن لم يرج أن يتقدّموا جاز أن‬
‫يتخطّى ليصل إلى الفرجة ‪ ،‬لنّه موضع حاجة ‪ ،‬وهذه إحدى الرّوايتين عن أحمد ‪ ،‬وفي رواية‬
‫أخرى أنّ للدّاخل إذا رأى فرجةً ل يصل إليها إلّ بالتّخطّي جاز له ذلك ‪.‬‬
‫‪ -‬وإذا جلس في مكان ‪ ،‬ثمّ بدت له حاجة أو احتاج الوضوء فله الخروج ولو بالتّخطّي ‪« .‬‬ ‫‪3‬‬

‫قال عقبة ‪ :‬صلّيت وراء النّبيّ صلى ال عليه وسلم بالمدينة العصر فسلّم ‪ ،‬ثمّ قام مسرعا‬
‫فتخطّى رقاب النّاس إلى بعض حجر نسائه ‪ ،‬فقال ‪ :‬ذكرت شيئا من ِتبْ ٍر عندنا ‪ ،‬فكرهت أن‬
‫ي صلى‬
‫يحبسني ‪ ،‬فأمرت بقسمته » فإذا قام من مجلسه ثمّ رجع إليه فهو أحقّ به ‪ ،‬لقول النّب ّ‬
‫ال عليه وسلم ‪ « :‬من قام من مجلسه ثمّ رجع إليه فهو أحقّ به » وحكمه في التّخطّي إلى‬
‫موضعه حكم من رأى بين يديه فرجةً على نحو ما مرّ ‪.‬‬
‫‪ -‬ويجوز التّخطّي بعد الخطبة وقبل الصّلة ‪ ،‬ولو لغير فرجة ‪ ،‬كمشي بين الصّفوف ولو‬ ‫‪4‬‬

‫حال الخطبة ‪ .‬قال به المالكيّة ‪ .‬والتّخطّي للسّؤال كرهه الحنفيّة ‪ ،‬فل يمرّ السّائل بين يدي‬
‫ل إذا كان لمر ل ب ّد منه ‪.‬‬
‫المصلّي ‪ ،‬ول يتخطّى رقاب النّاس ‪ ،‬ول يسأل النّاس إلحافا إ ّ‬
‫ويجوز تخطّي رقاب الّذين يجلسون على أبواب المساجد حيث ل حرمة لهم ‪ ،‬على ما هو‬
‫المشهور عند الحنابلة ‪.‬‬
‫‪ -‬ويكره التّخطّي في غير الصّلة من مجامع النّاس بل أذًى ‪ ،‬فإن كان فيه أذًى حرم ‪.‬‬ ‫‪5‬‬

‫‪ -‬ويحرم إقامة شخص ‪ ،‬ولو في غير المسجد ‪ ،‬ليجلس مكانه ‪ ،‬لما روى ابن عمر رضي‬ ‫‪6‬‬

‫ال عنهما أنّ النّبيّ صلى ال عليه وسلم قال ‪ « :‬ل يقيم الرّجل الرّجل من مجلسه ‪ ،‬ثمّ يجلس‬
‫سبَق إلى ما لم يسبق إليه‬
‫فيه ولكن يقول تفسّحوا وتوسّعوا » وقال صلى ال عليه وسلم ‪ « :‬من َ‬
‫مسلم فهو له » وكان ابن عمر يكره أن يقوم الرّجل من مجلسه ‪ ،‬ثمّ يجلس مكانه ‪ .‬فإن قعد‬
‫واحد من النّاس في موضع من المسجد ‪ ،‬ل يجوز لغيره أن يقيمه حتّى يقعد مكانه ‪ ،‬لما روى‬
‫ي صلى ال عليه وسلم قال ‪ « :‬ل يقيمنّ‬
‫مسلم عن أبي الزّبير عن جابر رضي ال عنه عن النّب ّ‬
‫أحدكم أخاه يوم الجمعة ‪ ،‬ث ّم ليخالف إلى مقعده فيقعد فيه ‪ ،‬ولكن يقول ‪ :‬افسحوا » قال تعالى ‪:‬‬
‫سحُوا في المجالسِ فا ْفسَحُوا َي ْفسَحِ اللّهُ لكم } فإن قام رجل‬
‫{ يا أيّها الّذين آمنوا إذا قيل لكم َت َف ّ‬
‫وأجلسه مكانه باختياره جاز له أن يجلس ‪.‬‬
‫وأمّا صاحب الموضع فإنّه إن كان الموضع الّذي ينتقل إليه مثل الوّل في سماع كلم المام لم‬
‫يكره له ذلك ‪ ،‬وإن كان الموضع الّذي انتقل إليه دون الّذي كان فيه في القرب من المام كره‬
‫له ذلك ‪ ،‬لنّه آثر غيره في القربة ‪ ،‬وفيه تفويت حظّه ‪.‬‬
‫‪ -‬وإذا أمر إنسان إنسانا أن يبكّر إلى الجامع فيأخذ له مكانا يقعد فيه ل يكره ‪ ،‬فإذا جاء‬ ‫‪7‬‬

‫المر يقوم من الموضع ‪ ،‬لما روي أنّ ابن سيرين كان يرسل غلمه إلى مجلس له في يوم‬
‫الجمعة ‪ ،‬فيجلس له فيه ‪ ،‬فإذا جاء قام له منه ‪.‬‬

‫تخفيف *‬
‫انظر ‪ :‬تيسير ‪.‬‬

‫تخلّل *‬
‫انظر ‪ :‬تخليل ‪.‬‬

‫تخلّي *‬
‫انظر ‪ :‬قضاء الحاجة ‪.‬‬

‫تخليل *‬
‫التّعريف ‪:‬‬
‫‪ -‬التّخليل لغةً يأتي بمعان ‪ ،‬منها ‪ :‬تفريق شعر اللّحية وأصابع اليدين والرّجلين ‪ ،‬يقال ‪ :‬خلّل‬ ‫‪1‬‬

‫الرّجل لحيته ‪ :‬إذا أوصل الماء إلى خللها ‪ ،‬وهو البشرة الّتي بين الشّعر ‪.‬‬
‫وأصله من إدخال الشّيء في خلل الشّيء ‪ ،‬وهو وسطه ‪ .‬ويقال ‪ :‬خلّل الشّخص أسنانه تخليلً‬
‫‪ :‬إذا أخرج ما يبقى من المأكول بينها ‪ .‬وخلّلت النّبيذ تخليلً ‪ :‬جعلته خلً ‪.‬‬
‫ويستعمل الفقهاء كلمة التّخليل بهذه المعاني اللّغويّة ‪.‬‬
‫أحكام التّخليل بأنواعه ‪:‬‬
‫أوّلً ‪ :‬التّخليل في الطّهارة ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬تخليل الصابع في الوضوء والغسل ‪:‬‬
‫‪ -‬إيصال الماء بين أصابع اليدين والرّجلين بالتّخليل أو غيره من متمّمات الغسل ‪ ،‬فهو‬ ‫‪2‬‬

‫غسِلُوا وجوهَكم وأَي ِديَكم إلى‬


‫فرض في الوضوء والغسل عند جميع الفقهاء ‪ ،‬لقوله تعالى ‪ { :‬فا ْ‬
‫ال َمرَافِقِ وا ْمسَحُوا برءوسِكم وأرجلَكم إلى الكعبينِ } ‪.‬‬
‫أمّا التّخليل بعد دخول الماء خلل الصابع ‪ ،‬فعند جمهور الفقهاء " الحنفيّة والشّافعيّة والحنابلة‬
‫" أنّ تخليل الصابع في الوضوء سنّة ‪ « ،‬لقوله صلى ال عليه وسلم لَِلقِيط بن صبرة ‪ :‬أسبغ‬
‫الوضوء ‪ ،‬وخلّل بين الصابع » ‪ ،‬وقد صرّح الحنفيّة بأنّه سنّة مؤكّدة ‪ ،‬والحنابلة يرون أنّ‬
‫التّخليل في أصابع الرّجلين آكد ‪ ،‬وعلّلوا استحباب التّخليل بأنّه أبلغ في إزالة الدّرن والوسخ من‬
‫بين الصابع ‪.‬‬
‫وذهب المالكيّة في المشهور عندهم إلى وجوب التّخليل في أصابع اليدين واستحبابه في أصابع‬
‫الرّجلين ‪ ،‬وقالوا ‪ :‬إنّما وجب تخليل أصابع اليدين دون أصابع الرّجلين لعدم شدّة التصاقها ‪،‬‬
‫فأشبهت العضاء المستقلّة ‪ ،‬بخلف أصابع الرّجلين لشدّة التصاقها ‪ ،‬فأشبه ما بينها الباطن ‪.‬‬
‫وفي القول الخر عندهم ‪ :‬يجب التّخليل في الرّجلين كاليدين ‪.‬‬
‫ومراد المالكيّة بوجوب التّخليل إيصال الماء للبشرة بالدّلك ‪.‬‬
‫‪ -‬وكذلك يسنّ تخليل أصابع اليدين والرّجلين في الغسل عند الحنفيّة ‪ ،‬وهو المفهوم من كلم‬ ‫‪3‬‬

‫الشّافعيّة والحنابلة ‪ ،‬حيث ذكروا في بيان الغسل الكامل المشتمل على الواجبات والسّنن أن‬
‫يتوضّأ كاملً قبل أن يحثو على رأسه ثلثا ‪ ،‬لقوله صلى ال عليه وسلم ‪ « :‬ثمّ يتوضّأ كما‬
‫يتوضّأ للصّلة » وقد سبق أنّ تخليل الصابع سنّة عندهم في الوضوء ‪،‬فكذلك في الغسل‪.‬‬
‫وذهب المالكيّة في المعتمد عندهم إلى وجوب تخليل أصابع الرّجلين كأصابع اليدين في‬
‫الغسل ‪،‬لنّه يتأكّد فيه المبالغة على خلف ما قالوا في الوضوء من استحباب تخليل أصابع‬
‫الرّجلين‪.‬‬
‫ب ‪ -‬تخليل الصابع في التّيمّم ‪:‬‬
‫‪ - 4‬ل خلف بين فقهاء المذاهب في أنّ مسح الوجه واليدين فرض في التّيمّم ‪ ،‬لقوله تعالى ‪:‬‬
‫سحُوا بِوجُو ِهكُم وَأيْ ِد ْيكُم منه } ‪.‬‬
‫{ فَا ْم َ‬
‫ل الفرض بغير خلف بين المذاهب الربعة ‪ ،‬ولهذا صرّحوا‬
‫كذلك يجب تعميم واستيعاب مح ّ‬
‫بوجوب نزع الخاتم والسّوار إذا كانا ضيّقين يخشى عدم وصول الغبار إلى ما تحتهما ‪ ،‬حتّى‬
‫ن المالكيّة قالوا بوجوب نزع الخاتم ‪ ،‬ولو كان واسعا ‪ ،‬وإلّ كان حائلً ‪ .‬وعلى ذلك يجب‬
‫إّ‬
‫تخليل أصابع اليدين في التّيمّم إن لم يدخل بينها غبار ‪ ،‬أو لم تمسح باتّفاق الفقهاء ‪.‬‬
‫أمّا تخليل أصابع اليدين بعد مسحهما ‪ ،‬فقد صرّح الشّافعيّة والحنابلة باستحبابه احتياطا ‪ ،‬وهو‬
‫عند الشّافعيّة إن فرّق أصابعه في الضّربتين ‪ ،‬فإن لم يفرّقها فيهما ‪ ،‬أو فرّقها في الولى دون‬
‫الثّانية وجب التّخليل ‪ .‬ويفهم من كلم الحنفيّة ما يوافق ما صرّح به الشّافعيّة والحنابلة ‪ ،‬حيث‬
‫قيّد الحنفيّة وجوب التّخليل بعدم وصول الغبار إلى الصابع ‪.‬‬
‫وذهب المالكيّة في الرّاجح عندهم إلى أنّه يلزم تعميم يديه لكوعيه مع تخليل أصابعه مطلقا ‪.‬‬
‫كيفيّة تخليل الصابع ‪:‬‬
‫‪ -‬صرّح الحنفيّة والشّافعيّة بأنّ تخليل أصابع اليدين يكون بالتّشبيك بينهما ‪.‬‬ ‫‪5‬‬

‫وقال المالكيّة والحنابلة ‪ :‬يدخل أصابع إحداهما بين أصابع الخرى ‪ ،‬سواء أدخل من الظّاهر‬
‫أو الباطن ‪ ،‬ول يكرهون التّشبيك في الوضوء ‪.‬‬
‫وقال بعض المالكيّة بكراهة التّشبيك ‪ ،‬مستدلّين بحديث أبي هريرة رضي ال عنه أنّ النّبيّ‬
‫صلى ال عليه وسلم قال ‪ « :‬إذا توضّأ أحدكم في بيته ‪ ،‬ثمّ أتى المسجد ‪ ،‬كان في صلة حتّى‬
‫يرجع ‪ ،‬فل يفعل هكذا ‪ ،‬وشبّك بين أصابعه » ‪.‬‬
‫أمّا تخليل أصابع الرّجل ‪ ،‬فيستحبّ فيه أن يبدأ بخنصر الرّجل اليمنى ‪ ،‬ويختم بخنصر الرّجل‬
‫اليسرى ليحصل التّيامن ‪ ،‬وهو محلّ اتّفاق بين الفقهاء ‪ ،‬لحديث المستورد بن شدّاد قال ‪« :‬‬
‫رأيت رسول اللّه صلى ال عليه وسلم توضّأ فخلّل أصابع رجليه بخنصره » ولما ورد « أنّ‬
‫ن الحنفيّة والحنابلة قالوا ‪:‬‬
‫النّبيّ صلى ال عليه وسلم كان يحبّ التّيامن في وضوئه » إلّ أ ّ‬
‫التّخليل يكون بخنصر يده اليسرى ‪ ،‬لنّها معدّة لزالة الوسخ والدّرن من باطن رجليه ‪ ،‬لنّه‬
‫أبلغ ‪ .‬وقال الشّافعيّة ‪ :‬يكون بخنصر يده اليمنى أو اليسرى ‪ .‬وعند المالكيّة يكون بسبّابتيه ‪.‬‬
‫ج ‪ -‬تخليل الشّعر ‪:‬‬
‫‪ - 1 -‬تخليل اللّحية ‪:‬‬
‫‪ -‬اللّحية الخفيفة ‪ -‬وهي الّتي تظهر البشرة تحتها ول تسترها عن المخاطب ‪ -‬يجب غسل‬ ‫‪6‬‬

‫ظاهرها وإيصال الماء إلى ما تحتها في الوضوء والغسل ‪ ،‬ول يكفي مجرّد تخليلها بغير خلف‬
‫غسِلُوا وجُوهَكم‬
‫‪ ،‬وذلك لفرضيّة غسل الوجه بعموم الية في قوله تعالى ‪ { :‬فَا ْ‬
‫‪ ...‬الية } ‪ .‬أمّا اللّحية الكثيفة ‪ -‬وهي الّتي ل تظهر البشرة تحتها ‪ -‬فيجب غسل ظاهرها ‪،‬‬
‫ولو كانت مسترسلةً عند المالكيّة ‪ ،‬وهو المشهور عند الشّافعيّة ‪ ،‬وظاهر مذهب الحنابلة ‪.‬‬
‫وعند الحنفيّة ‪ -‬وهو قول آخر للشّافعيّة ‪ ،‬ورواية عند الحنابلة ‪ -‬أنّه ل يجب غسل ما استرسل‬
‫من اللّحية ‪ ،‬لنّه خارج عن دائرة الوجه ‪ ،‬فأشبه ما نزل من شعر الرّأس ‪.‬‬
‫ن اللّه تعالى أمر بغسل الوجه ‪ ،‬وهو ما تحصل به المواجهة ‪ ،‬وفي اللّحية الكثيفة تحصل‬
‫ول ّ‬
‫المواجهة بالشّعر الظّاهر ‪.‬‬
‫أمّا باطنها فل يجب غسله اتّفاقا بين فقهاء المذاهب ‪ ،‬لما روى البخاريّ « أنّه صلى ال عليه‬
‫وسلم توضّأ فغسل وجهه ‪ ،‬أخذ غرفةً من ماء فمضمض بها واستنشق ‪ ،‬ثمّ أخذ غرفةً من ماء‬
‫فجعل بها هكذا ‪ :‬أضافها إلى يده الخرى ‪ ،‬فغسل بها وجهه » وكانت لحيته الكريمة كثيفةً ‪،‬‬
‫وبالغرفة الواحدة ل يصل الماء إلى باطنها غالبا ‪ ،‬ويعسر إيصال الماء إليه ‪.‬‬
‫‪ -7‬ويسنّ تخليل اللّحية الكثيفة عند الحنفيّة ‪ ،‬والشّافعيّة والحنابلة ‪ ،‬لما روي عن أنس رضي‬
‫ت حنكِه فخلّلَ به‬
‫ال عنه « أنّ النّبيّ صلى ال عليه وسلم كان إذا توضّأ أخذ كفّا من ماءٍ تح َ‬
‫لحيتَه ‪ ،‬وقال ‪ :‬هكذا أمرني ربّي » ‪.‬‬
‫وعند المالكيّة في تخليل شعر اللّحية الكثيفة ثلثة أقوال ‪ :‬الوجوب ‪ ،‬والكراهة والستحباب ‪،‬‬
‫أظهرها الكراهة لما في ذلك من التّعمّق ‪.‬‬
‫‪ -8‬أمّا في الغسل فل يكفي مجرّد التّخليل ‪ ،‬بل يجب إيصال الماء إلى أصول شعر اللّحية ولو‬
‫كثيف ًة اتّفاقا بين المذاهب ‪ ،‬لقوله صلى ال عليه وسلم ‪ « :‬تحت كلّ شعرة جنابة ‪ ،‬فاغسلوا‬
‫الشّعر وأنقوا البشرة » ‪.‬‬
‫ولكي يتأكّد من وصول الماء إلى أصول الشّعر ويتجنّب السراف قالوا ‪ :‬يدخل المغتسل‬
‫أصابعه العشر يروي بها أصول الشّعر ‪ ،‬ث ّم يفيض الماء ليكون أبعد عن السراف في الماء ‪.‬‬
‫ومن عبّر بوجوب تخليل اللّحية كالمالكيّة ‪ ،‬أراد بذلك أيضا إيصال الماء إلى أصول الشّعر ‪.‬‬
‫‪ - 2 -‬تخليل شعر الرّأس ‪:‬‬
‫‪ -‬اتّفق الفقهاء على أنّه يجب إرواء أصول شعر الرّأس في الغسل ‪ ،‬سواء كان الشّعر خفيفا‬ ‫‪9‬‬

‫أو كثيفا ‪ ،‬لما روت « أسماء رضي ال عنها أنّها سألت النّبيّ صلى ال عليه وسلم عن غسل‬
‫ب على رأسها‬
‫الجنابة فقال ‪ :‬تأخذ إحداكنّ ماءَها وسدرتَها فتطهّر فتحسن الطّهور ‪ ،‬ث ّم تص ّ‬
‫فتدلكه ‪ ،‬حتّى تبلغ شؤون رأسها ‪ ،‬ثمّ تفيض عليها الماء » ‪ ،‬وعن عليّ رضي ال عنه عن‬
‫النّبيّ صلى ال عليه وسلم قال ‪ « :‬من ترك موضع شعرة من جنابة لم يغسلها فعل به من النّار‬
‫كذا وكذا » ‪ ،‬قال عليّ ‪ :‬فمن ثَمّ عاديت شعري " وعلى ذلك فل يجزي مجرّد تخليل الشّعر في‬
‫الغسل عند الفقهاء ‪.‬‬
‫وقد صرّح فقهاء المالكيّة بوجوب تخليل شعر الرّأس ولو كثيفا ‪ ،‬للتّأكّد من وصول الماء إلى‬
‫أصوله ‪ ،‬حيث قالوا ‪ :‬ويجب تخليل شعر ولو كثيفا وضغث مضفوره ‪ -‬أي جمعه وتحريكه ‪-‬‬
‫ليعمّه بالماء ‪ ،‬وهو المعتمد عند الشّافعيّة ‪.‬‬
‫ول يختلف حكم الشّعر بالنّسبة للمحرم وغير المحرم عند جمهور الفقهاء ‪ ،‬لكنّ المحرم يخلّل‬
‫برفق لئلّ يتساقط الشّعر ‪ .‬وقال الحنفيّة ‪ :‬يكره التّخليل للمحرم ‪.‬‬
‫ثانيا ‪ :‬تخليل السنان ‪:‬‬
‫‪ -‬تنظيف السنان بالسّواك سنّة من سنن الفطرة ‪ ،‬وينظر تفصيله في مصطلح ‪ ( :‬استياك )‬ ‫‪10‬‬

‫‪.‬‬
‫‪ -‬أمّا تخليلها بعد الكل بالخلل لخراج ما بينها من الطّعام ‪ ،‬فقد ذكره الفقهاء في آداب‬ ‫‪11‬‬

‫الكل ‪ .‬قال البهوتيّ الحنبليّ ‪ :‬يستحبّ أن يخلّل أسنانه إن علق بها شيء من الطّعام ‪ ،‬قال في‬
‫المستوعب ‪ :‬روي عن ابن عمر رضي ال عنهما ‪ :‬ترك الخلل يوهن السنان ‪ .‬وروي ‪« :‬‬
‫تخلّلوا من الطّعام ‪ ،‬فإنّه ليس شيء أشدّ على الملكين أن يريا بين أسنان صاحبهما طعاما وهو‬
‫يصلّي » ‪ .‬قال الطبّاء ‪ :‬وهو نافع أيضا للّثة ومن تغيّر النّكهة ‪.‬‬
‫ول يخلّل أسنانه في أثناء الطّعام ‪ ،‬بل إذا فرغ ‪ .‬ومثله ما ذكر في كتب سائر المذاهب ‪.‬‬
‫ما تخلّل به السنان ‪:‬‬
‫ن التّخليل قبل السّواك وبعده ‪ ،‬ومن أثر الطّعام ‪ ،‬وكون الخلل من عود ‪ ،‬ويكره‬
‫‪ -‬يس ّ‬ ‫‪12‬‬

‫بالحديد ونحوه ‪ ،‬وبعود يضرّه كرمّان وآس ‪ ،‬ول يخلّل بما يجهله لئلّ يكون ممّا يضرّه ‪ ،‬وكذا‬
‫ما يجرحه كما صرّح به الفقهاء ‪.‬‬
‫ول يجوز تخليل السنان أو الشّعر بآلة من الذّهب أو الفضّة ‪ ،‬وهذا باتّفاق المذاهب الربعة ‪،‬‬
‫وتفصيله في مصطلح ‪ ( :‬آنية ) ‪.‬‬
‫واختلفت عبارات الفقهاء في جواز بلع ما يخرج من خلل السنان ‪ :‬فقال الشّافعيّة والحنابلة ‪،‬‬
‫يلقي ما أخرجه الخلل ‪ ،‬ويكره أن يبتلعه ‪ ،‬وإن قلعه بلسانه لم يكره ابتلعه كسائر ما بفمه ‪.‬‬
‫وقال المالكيّة ‪ :‬يجوز بلع ما بين السنان إلّ لخلطه بدم ‪ ،‬فليس مجرّد التّغيّر يصيّره نجسا‬
‫خلفا لما قيل ‪.‬‬
‫ثالثا ‪ :‬تخليل الخمر ‪:‬‬
‫‪ -‬اتّفق الفقهاء على أنّ الخمر إذا تخلّلت بغير علج ‪ ،‬بأن تغيّرت من المرارة إلى‬ ‫‪13‬‬

‫الحموضة وزالت أوصافها ‪ ،‬فإنّ ذلك الخلّ حلل طاهر ‪ ،‬لقوله صلى ال عليه وسلم ‪ِ « :‬نعْمَ‬
‫الُدْمُ أو الِدَا ُم الخَلّ » ‪ ،‬ولنّ علّة النّجاسة والتّحريم السكار ‪ ،‬وقد زالت ‪ ،‬والحكم يدور مع‬
‫علّته وجودا وعدما ‪.‬‬
‫ل وعكسه عند جمهور الفقهاء‪ :‬الحنفيّة والمالكيّة وهو‬
‫وكذلك إذا تخلّلت بنقلها من شمس إلى ظ ّ‬
‫الصحّ عند الشّافعيّة ‪ ،‬وبه قال الحنابلة إذا كان النّقل لغير قصد التّخليل ‪.‬‬
‫‪ -‬واختلفوا في جواز تخليل الخمر بإلقاء شيء فيها ‪ ،‬كالخلّ والبصل والملح ونحوه ‪ .‬فقال‬ ‫‪14‬‬

‫ل تخليل الخمر بالعلج ‪ ،‬ول‬


‫الشّافعيّة والحنابلة ‪ ،‬وهو رواية ابن القاسم عن مالك ‪ :‬إنّه ل يح ّ‬
‫ي صلى ال عليه وسلم‬
‫س ِئلَ النّب ّ‬
‫تطهر بذلك ‪ ،‬لحديث مسلم عن أنس رضي ال عنه قال ‪ُ « :‬‬
‫عن الخمرِ ُتتّخ ُذ خلً ‪ ،‬قال ‪ :‬ل » ‪.‬‬
‫ن النّبيّ صلى ال عليه وسلم أمر بإهراقها »‪ .‬ولنّ الخمر نجسة أمر اللّه تعالى‬
‫« ول ّ‬
‫باجتنابها ‪ ،‬وما يلقى في الخمر يتنجّس بأوّل الملقاة ‪ ،‬وما يكون نجسا ل يفيد الطّهارة ‪.‬‬
‫وصرّح الحنفيّة ‪ -‬وهو الرّاجح عند المالكيّة بجواز تخليل الخمر ‪ ،‬فتصير بعد التّخليل طاهر ًة‬
‫ل » فيتناول جميع أنواعها ‪ ،‬ولنّ‬
‫ل عندهم ‪ ،‬لقوله عليه الصلة والسلم ‪ِ « :‬نعْمَ الِدَامُ الخَ ّ‬
‫حل ً‬
‫بالتّخليل إزالة الوصف المفسد وإثبات الصّلح ‪ ،‬والصلح مباح كما في دبغ الجلد ‪ ،‬فإنّ‬
‫ط ُهرَ » ‪.‬‬
‫الدّباغ يطهّره ‪ ،‬لقوله صلى ال عليه وسلم ‪َ « :‬أّيمَا ِإهَاب ُدبِغَ فقد َ‬
‫وتفصيله في مصطلح ‪ ( :‬خمر ) ‪.‬‬
‫تخلية *‬
‫التّعريف ‪:‬‬
‫‪ -‬التّخلية لغةً ‪ :‬مصدر خلّى ‪ ،‬ومن معانيها في اللّغة ‪ :‬التّرك والعراض ‪.‬‬ ‫‪1‬‬

‫وفي اصطلح الفقهاء ‪ :‬تمكين الشّخص من التّصرّف في الشّيء دون مانع ‪ .‬ففي البيع مثلً إذا‬
‫أذن البائع للمشتري في قبض المبيع مع عدم وجود المانع حصلت التّخلية ‪ ،‬ويعتبر المشتري‬
‫قابضا للمبيع مطلقا ‪.‬‬
‫وتستعمل التّخلية أحيانا بمعنى الفراج ‪ ،‬كما يقولون ‪ :‬يحبس القاتل ول يخلّى بكفيل ‪.‬‬
‫اللفاظ ذات الصّلة ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬القبض ‪:‬‬
‫‪ -‬قبض الشّيء ‪ :‬أخذه ‪ .‬واستعمله الفقهاء بمعنى حيازة الشّيء والتّمكّن من التّصرّف فيه ‪،‬‬ ‫‪2‬‬

‫فالفرق بين التّخلية والقبض من وجهين ‪:‬‬


‫الوّل ‪ :‬أنّ التّخلية نوع من القبض ‪ ،‬ويحصل القبض بأمور أخرى أيضا ‪ ،‬كالتّناول باليد‬
‫والنّقل ‪ ،‬وكذلك التلف ‪ ،‬فإذا أتلف المشتري المبيع في يد البائع مثلً صار قابضا له ‪ .‬الثّاني‬
‫‪ :‬أنّ التّخلية تكون من قبل المعطي ‪ ،‬والقبض من قبل الخذ ‪ ،‬فإذا خلّى البائع بين المبيع وبين‬
‫المشتري برفع الحائل بينهما ‪ ،‬حصلت التّخلية من البائع والقبض من المشتري‪.‬‬
‫ب ‪ -‬التّسليم ‪:‬‬
‫‪ -‬تسليم الشّيء ‪ :‬إعطاؤه وجعله سالما خالصا ‪ ،‬يقال ‪ :‬سلّم الشّيء له أخلصه وأعطاه إيّاه ‪،‬‬ ‫‪3‬‬

‫فهو قريب من التّخلية في المعنى ‪ ،‬حتّى إنّ الحناف قالوا ‪ :‬التّسليم عندنا هو التّخلية ‪.‬‬
‫والجمهور على أنّ التّخلية تسليم إذا كان المبيع عقارا ‪ ،‬أمّا في المنقول فبحسبه أو بالعرف ‪،‬‬
‫كما سيأتي ‪ .‬والصل أنّ التّخلية نوع من أنواع التّسليم ‪ ،‬والقبض أثر لهما ‪ ،‬فالتّسليم قد يكون‬
‫بالنّقل والتّحويل ‪ ،‬وقد يكون بالتّخلية ‪ ،‬فإذا باع دارا مثلً ‪ ،‬وخلّى البائع بين المبيع وبين‬
‫المشتري ‪ ،‬برفع الحائل بينهما على وجه يتمكّن من التّصرّف فيه ‪ ،‬أصبح البائع مسلّما للمبيع‬
‫والمشتري قابضا له ‪.‬‬
‫الحكام الجمالية للتخلية ‪:‬‬
‫‪ -‬التخلية القبض في العقار اتفاقا ‪ ،‬وكذلك في بيع الثمر على الشجر عند الحنفية والشافعية ‪،‬‬ ‫‪4‬‬

‫خلفا للمالكية والحنابلة ‪.‬‬


‫أما تخلية ما يمكن نقله من العيان فاختلفوا فيها ‪:‬‬
‫قال الحنفية ‪ ،‬وهو قول عند الشافعية ‪ ،‬ورواية عند الحنابلة ‪ :‬إن التخلية قبض حكما مع القدرة‬
‫عليه بل كلفة ‪ ،‬وذلك يختلف بحسب اختلف المبيع ‪ ،‬ففي نحو حنطة في بيت مثلً دفع المفتاح‬
‫إذا أمكنه الفتح بل كلفة قبض ‪ ،‬وفي نحو بقر في مرعى بحيث يرى ويشار إليه قبض ‪ ،‬وفي‬
‫نحو ثوب بحيث لو مدّ يده فتصل إليه قبض ‪ ،‬وفي نحو فرس أو طير في بيت يمكن أخذه منه‬
‫بل معين قبض ‪.‬‬
‫واشترط الحنفية ل عتبار التخلية قبضا أن يقول البائع ‪ :‬خليت بينك وبين المبيع ‪ ،‬فلو لم يقله ‪،‬‬
‫أو كان بعيدا لم يصر قابضا ‪ ،‬والمراد به الذن بالقبض ‪ ،‬ل خصوص لفظ التخلية ‪.‬‬
‫وقال الشافعية في المعتمد ‪ :‬إن ما ينقل في العادة ‪ ،‬كالخشاب والحبوب ونحوها ‪ ،‬فقبضه‬
‫بالنقل إلى مكان ل اختصاص للبائع به ‪ ،‬وما يتناول باليد كالدراهم والدنانير والثوب والكتاب‬
‫فقبضه بالتناول ‪ .‬وهو ما ذهب إليه الحنابلة ‪ .‬فل تكفي التخلية في المنقول عندهم ‪.‬‬
‫وصرح المالكية بأن قبض العقار يكون بالتخلية للمشتري وتمكينه من التصرف فيه ‪ ،‬بتسليم‬
‫مفاتيحه إن كانت ‪ ،‬وقبض غيره يكون حسب المتعارف بين الناس كحيازة الثوب واستلم مقود‬
‫الدابة ‪.‬‬
‫‪ -‬وفي المواضع التي تعتبر التخلية فيها تسليما وقبضا ينتقل الضمان من ذمة المخلي إلى‬ ‫‪5‬‬

‫ذمة القابض ‪ ،‬وهو يتحمل الخسارة ‪ ،‬ففي عقد البيع مثلً إذا حصل القبض بالتخلية بين المبيع‬
‫والمشتري فالضمان على المشتري ‪ ،‬لن ضمان المبيع بعد القبض على المشتري بالتفاق ‪.‬‬
‫انظر مصطلح ‪ ( :‬ضمان ) ‪.‬‬
‫وزاد المالكية أن الضمان يحصل في البيع الصحيح بمجرد العقد ‪ ،‬ول يحتاج إلى القبض إل‬
‫في مواضع منها ‪ :‬بيع الغائب والبيع الفاسد والبيع بالخيار ‪ ،‬وبيع مافيه حق التوفية بالكيل أو‬
‫الوزن أو العدد ‪ .‬وهناك عقود ل تتم إل بالقبض ‪ ،‬كعقد الرهن والقرض والعارية والهبة‬
‫ونحوها ‪ ،‬مع تفصيل في بعضها ‪ ،‬ففي هذه العقود إذا حصلت التخلية بشروطها ‪ ،‬واعتبرت‬
‫قبضا ‪ ،‬تم العقد وترتبت عليه آثاره ‪.‬‬
‫وتفصيل هذه المسائل وما يتعلق بآثار القبض والتخلية ينظر في مصطلح ‪ ( :‬قبض ) ‪.‬‬
‫مواطن البحث ‪:‬‬
‫‪ -‬بحث الفقهاء التخلية في عقد البيع في بحث كيفية تسليم المبيع ‪ ،‬وفي السلم والرهن والهبة‬ ‫‪6‬‬

‫وغيرها من العقود والتصرفات التي يذكر فيها حكم القبض فيما إذا كان موضوعها عقارا أو‬
‫منقولً ‪ ،‬كما ذكرها بعضهم بمعنى الفراج في بحث الجنايات وتخلية المحبوس بالكفالة ‪.‬‬
‫وبحث بعض الفقهاء تخلية الطريق بمعنى كون الطريق خاليا من مانع ‪ ،‬كعدو ونحوه ‪ ،‬في‬
‫كتاب الحج ‪.‬‬
‫تخميس *‬
‫التعريف ‪:‬‬
‫‪ -1‬التخميس في اللغة ‪ :‬جعل الشيء خمسة أخماس ‪ ،‬واشتهر استعمال هذا اللفظ عند الفقهاء‬
‫في أخذ خمس الغنائم ‪.‬‬
‫الحكم الجمالي ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬تخميس الغنيمة ‪:‬‬
‫‪ -‬يجب على المام تخميس الغنيمة وتوزيع الربعة الخماس على الغانمين ‪ ،‬بعد إخراج‬ ‫‪2‬‬

‫خمُسَه ولِل َرسُولِ ولِ ِذيْ ال ُق ْربَى‬


‫نل ُ‬
‫غ ِن ْمتُم منْ شَي ٍء َفأَ ّ‬
‫الخمس ‪ ،‬لقوله تعالى ‪ { :‬واعَْلمُوا َأنّما َ‬
‫س ِبيْل } ‪ ،‬ول يعلم خلف بين الفقهاء في أن ما يعتبر غنيمة يخمس‬
‫وال َيتَامَى وال َمسَاكِينِ وابنِ ال َ‬
‫‪ .‬وأما ما حكاه ابن كج وجها عند الشافعية من عدم تخميس الغنيمة إذا شرطه المام‬
‫لضرورة ‪ ،‬فقد قال عنه النووي ‪ :‬شاذ وباطل ‪.‬‬
‫وللفقهاء فيما يعتبر غنيمة وما ل يعتبر ‪ ،‬ومصرف خمس الغنيمة ‪ ،‬وكيفية قسمة الربعة‬
‫أخماس ‪ ،‬وشروط من يستحقها خلف وتفصيل ينظر في ‪ ( :‬غنيمة ) ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬تخميس الفيء ‪:‬‬
‫‪ -‬ذهب الحنفيّة والمالكيّة ‪ -‬وهو ظاهر مذهب الحنابلة ‪ -‬إلى أنّ الفيء ل يخمّس ‪ ،‬لقوله‬ ‫‪3‬‬

‫خ ْيلٍ ول ِركَابٍ } فجعله كلّه‬


‫ج ْفتُم عليه مِنْ َ‬
‫تعالى ‪ { :‬وَما أَفَا َء اللّهُ على َرسُولِه منهم فَمَا أَو َ‬
‫لجميع المسلمين ‪ .‬قال عمر رضي ال عنه لمّا قرأ هذه الية ‪ ":‬استوعبت المسلمين ‪ ،‬ولئن‬
‫عشت ليأتينّ الرّاعي ‪ -‬وهو بسرو حمير ‪ -‬نصيبه منها لم يعرق فيها جبينه "‪.‬‬
‫ويرى الشّافعيّة والخرقيّ من الحنابلة ‪ -‬وهو إحدى الرّوايتين عن المام أحمد ‪ -‬تخميس الفيء‬
‫‪ ،‬وصرف خمسه إلى من يصرف إليه خمس الغنيمة ‪.‬‬
‫وقال القاضي من الحنابلة ‪ :‬إنّ الفيء لهل الجهاد خاصّةً دون غيرهم من العراب ومن ل‬
‫ي صلى ال عليه وسلم لحصول النّصرة به ‪ ،‬فلمّا مات‬
‫يعدّ نفسه للجهاد ‪ ،‬لنّ ذلك كان للنّب ّ‬
‫أعطي لمن يقوم مقامه في ذلك ‪ ،‬وهم المقاتلة دون غيرهم ‪.‬‬
‫وللفقهاء في تعريف الفيء ومصرفه تفاصيل تنظر في ( فيء ) ‪.‬‬
‫ج ‪ -‬تخميس الرض المغنومة عنو ًة ‪:‬‬
‫‪ -‬يرى الشّافعيّة ‪ -‬وهو قول للمالكيّة ‪ ،‬ورواية للحنابلة ذكرها أبو الخطّاب ‪ -‬تخميس‬ ‫‪4‬‬

‫ن الرض غنيمة كسائر ما ظهر عليه المام من قليل أموال‬


‫الرض الّتي فتحت عنو ًة ‪ ،‬ل ّ‬
‫المشركين أو كثيره ‪ ،‬وحكم اللّه عزّ وجلّ في الغنيمة أن تخمّس ‪.‬‬
‫وذهب الحنفيّة ‪ -‬وهو قول للمالكيّة ‪ -‬إلى أنّ المام مخيّر بين تخميس الرض الّتي فتحت‬
‫عنوةً وتقسيمها بين الغانمين ‪ ،‬كسائر المغنم بعد إخراج الخمس لجهاته ‪ « ،‬كما فعل رسول اللّه‬
‫صلى ال عليه وسلم بخيبر » ‪ ،‬وبين إقرار أهلها عليها ووضع الجزية عليهم وضرب الخراج‬
‫على أراضيهم ‪ ،‬كما فعل عمر رضي ال عنه بسواد العراق بموافقة من الصّحابة ‪ ،‬وقال‬
‫صاحب ال ّدرّ المختار ‪ :‬الوّل أولى عند حاجة الغانمين ‪.‬‬
‫قال ابن عابدين ‪ :‬إنّ ما فعله عمر إنّما فعله لنّه كان هو الصلح إذ ذاك ‪ ،‬كما يعلم من القصّة‬
‫‪ ،‬ل لكونه هو اللزم ‪ .‬كيف وقد « قسّم رسول اللّه صلى ال عليه وسلم أرض خيبر بين‬
‫الغانمين » ‪ ،‬فعلم أنّ المام مخيّر في فعل ما هو الصلح فيفعله ‪.‬‬
‫ن الرض المفتوحة عنو ًة‬
‫وذهب المالكيّة على المشهور ‪ -‬وهو رواية عن المام أحمد ‪ -‬إلى أ ّ‬
‫ل تخمّس ول تقسم ‪ ،‬بل توقف ويصرف خراجها في مصالح المسلمين ‪ ،‬لنّ الئمّة بعد النّبيّ‬
‫صلى ال عليه وسلم لم يقسموا أرضا افتتحوها ‪.‬‬
‫والمذهب عند الحنابلة أنّ المام يخيّر في الرض المغنومة عنو ًة ‪ ،‬بين قسمتها كمنقول ‪ ،‬وبين‬
‫وقفها على المسلمين ‪ .‬قال ابن تيميّة ‪ :‬إذا قسّم المام الرض بين الغانمين ‪ ،‬فمقتضى كلم‬
‫المجد وغيره ‪ :‬أنّه يخمّسها حيث قالوا " كالمنقول " قال ‪ :‬وعموم كلم أحمد والقاضي وقصّة‬
‫خيبر ‪ ،‬تدلّ على أنّها ل تخمّس ‪ ،‬لنّها فيء وليست بغنيمة ‪.‬‬
‫د ‪ -‬تخميس السّلَب ‪:‬‬
‫‪ -‬إنّ السّلب ل يخمّس ‪ ،‬سواء أقال المام ‪ :‬من قتل قتيلً فله سلبه ‪ ،‬أم لم يقله ‪ .‬لما روى‬ ‫‪5‬‬

‫عوف بن مالك وخالد بن الوليد رضي ال عنهما « أنّ النّبيّ صلى ال عليه وسلم قضى في‬
‫السّلب للقاتل ‪ ،‬ولم يخمّس السّلب » ‪ .‬وبهذا قال الشّافعيّة على المشهور ‪ ،‬والحنابلة ‪ ،‬وهو قول‬
‫الوزاعيّ واللّيث وإسحاق وأبي عبيد وأبي ثور ‪.‬‬
‫وذهب الحنفيّة إلى أنّ للمام تنفيل السّلب قبل حصول الغنيمة في يد الغانمين ‪ ،‬ول خمس فيما‬
‫ينفّل ‪ ،‬لنّ الخمس إنّما يجب في غنيمة مشتركة بين الغانمين ‪ ،‬والنّفل ما أخلصه المام‬
‫لصاحبه وقطع شركة الغيار عنه ‪ ،‬فل يجب فيه الخمس ‪.‬‬
‫ويرى المالكيّة أنّ السّلب من جملة النّفل ‪ ،‬يستحقّه كلّ من قتل قتيلً بعد قول المام ‪ :‬من قتل‬
‫ن النّفل ل يكون إلّ‬
‫قتيلً فله سلبه ‪ ،‬ول يعطيه المام إلّ من الخمس على حسب اجتهاده ‪ ،‬ل ّ‬
‫من الخمس ‪ ،‬أي ل من الربعة الخماس ‪ ،‬فكذا السّلب ‪ .‬أمّا إذا لم يجعل المام السّلب للقاتل ‪،‬‬
‫فيرى الحنفيّة والمالكيّة ‪ -‬وهو قول الثّوريّ ‪ ،‬ورواية عن أحمد ‪ -‬أنّ القاتل ل يستحقّ سلب‬
‫المقتول في هذه الحالة ‪ ،‬فهو من جملة الغنيمة ‪ ،‬بمعنى أنّ السّلب يخمّس ‪ ،‬فيدفع خمسه لهل‬
‫الخمس ‪ ،‬ثمّ يقسم باقيه كسائر المغنم ‪ ،‬القاتل وغيره في ذلك سواء ‪.‬‬
‫وهناك قول آخر للشّافعيّة يقابل المشهور ‪ ،‬بتخميس السّلب ودفع خمسه لهل الخمس باقيه‬
‫للقاتل ‪ ،‬ثمّ تقسيم باقي الغنيمة ‪ .‬وللفقهاء في تعريف السّلب وشروط استحقاقه تفاصيل يرجع‬
‫إليها في ( تنفيل ‪ ،‬وسلب ‪ ،‬وغنيمة ) ‪.‬‬
‫هـ – تخميس الرّكاز ‪:‬‬
‫‪ - 6‬ل خلف بين الفقهاء في تخميس الرّكاز بشروط ذكروها ‪ ،‬لما روى أبو هريرة رضي ال‬
‫عنه عن رسول اللّه صلى ال عليه وسلم أنّه قال ‪ « :‬العجماء جبار ‪ ،‬والبئر جبار ‪ ،‬والمعدن‬
‫جبار ‪ ،‬وفي الرّكاز الخمس » ولنّه مال كافر مظهور عليه بالسلم فوجب فيه الخمس‬
‫كالغنيمة ‪ .‬وفي تعريف الرّكاز وأنواعه وحكم كلّ نوع وشروط إخراج الخمس منه ومصرفه‬
‫خلف وتفصيل موطنه ( ركاز ‪ ،‬وزكاة ) ‪.‬‬

‫تَخْمين *‬
‫خرْص ‪.‬‬
‫انظر ‪َ :‬‬

‫تخنّث *‬
‫التّعريف ‪:‬‬
‫خنّث ‪.‬‬
‫خنّث الرّجل إذا فعل فعل ال ُم َ‬
‫‪ -‬التّخنّث في اللّغة بمعنى ‪ :‬التّثنّي والتّكسّر ‪ ،‬و َت َ‬ ‫‪1‬‬

‫وخنّث الرّجل كلمه ‪ :‬إذا شبّهه بكلم النّساء لينا ورخامةً ‪.‬‬
‫ي النّساء والتّشبّه‬
‫والتّخنّث اصطلحا كما يؤخذ من تعريف ابن عابدين للمخنّث ‪ :‬هو التّزيّي بز ّ‬
‫ن في تليين الكلم عن اختيار ‪ ،‬أو الفعل المنكر ‪ .‬وقال صاحب ال ّدرّ ‪ :‬المخنّث بالفتح من‬
‫به ّ‬
‫يفعل الرّديء ‪ .‬وأمّا بالكسر فالمتكسّر المتليّن في أعضائه وكلمه وخلقه ‪ .‬ويفهم من القليوبيّ‬
‫أنّه ل فرق بين الفتح والكسر في المعنى ‪ ،‬فهو عنده المتشبّه بحركات النّساء ‪.‬‬
‫الحكم الجماليّ ‪:‬‬
‫‪ -‬يحرم على الرّجال التّخنّث والتّشبّه بالنّساء في اللّباس والزّينة الّتي تختصّ بالنّساء ‪،‬‬ ‫‪2‬‬

‫وكذلك في الكلم والمشي ‪ ،‬لما روي عن ابن عبّاس رضي ال عنهما أنّه قال ‪ « :‬لعن النّبيّ‬
‫صلى ال عليه وسلم المخنّثين من الرّجال والمترجّلت من النّساء » وفي رواية أخرى ‪:‬‬
‫« لعن رسول اللّه صلى ال عليه وسلم المتشبّهين من الرّجال بالنّساء ‪ ،‬والمتشبّهات من النّساء‬
‫بالرّجال » قال ابن حجر في الفتح ‪ :‬والنّهي مختصّ بمن تعمّد ذلك ‪ ،‬وأمّا من كان أصل خلقته‬
‫‪ ،‬فإنّما يؤمر بتكلّف تركه والدمان على ذلك بالتّدريج ‪ ،‬فإن لم يفعل وتمادى دخله الذّمّ ‪ ،‬ول‬
‫سيّما إذا بدا منه ما يدلّ على الرّضا به ‪ ،‬وأمّا إطلق من قال ‪ :‬إنّ المخنّث خلقةً ل يتّجه عليه‬
‫الذّمّ ‪ ،‬فمحمول على ما إذا لم يقدر على ترك التّثنّي والتّكسّر في المشي والكلم بعد تعاطيه‬
‫المعالجة لترك ذلك ‪.‬‬
‫إمامة المخنّث ‪:‬‬
‫‪ -‬المخنّث بالخلقة ‪ ،‬وهو من يكون في كلمه لين وفي أعضائه تكسّر خلقةً ‪ ،‬ولم يشتهر‬ ‫‪3‬‬

‫بشيء من الفعال الرّديئة ل يعتبر فاسقا ‪ ،‬ول يدخله الذّمّ واللّعنة الواردة في الحاديث ‪،‬‬
‫فتصحّ إمامته ‪ ،‬لكنّه يؤمر بتكلّف تركه والدمان على ذلك بالتّدريج ‪ ،‬فإذا لم يقدر على تركه‬
‫فليس عليه لوم ‪ .‬أمّا المتخلّق بخلق النّساء حركةً وهيئةً ‪ ،‬والّذي يتشبّه بهنّ في تليين الكلم‬
‫وتكسّر العضاء عمدا ‪ ،‬فإنّ ذلك عادة قبيحة ومعصية ويعتبر فاعلها آثما وفاسقا ‪.‬‬
‫والفاسق تكره إمامته عند الحنفيّة والشّافعيّة ‪ ،‬وهو رواية عند المالكيّة ‪.‬‬
‫وقال الحنابلة ‪ ،‬والمالكيّة في رواية أخرى ‪ ،‬ببطلن إمامة الفاسق ‪ ،‬كما هو مبيّن في مصطلح‬
‫ل من‬
‫‪ ( :‬إمامة ) ‪ .‬ونقل البخاريّ عن الزّهريّ قوله ‪ :‬ل نرى أن يصلّى خلف المخنّث إ ّ‬
‫ضرورة ل ب ّد منها ‪.‬‬
‫شهادة المخنّث ‪:‬‬
‫‪ -‬صرّح الحنفيّة أنّ المخنّث الّذي ل تقبل شهادته هو الّذي في كلمه لين وتكسّر ‪ ،‬إذا كان‬ ‫‪4‬‬

‫يتعمّد ذلك تشبّها بالنّساء ‪ .‬وأمّا إذا كان في كلمه لين ‪ ،‬وفي أعضائه تكسّر خلقةً ‪ ،‬ولم يشتهر‬
‫بشيء من الفعال الرّديئة ‪ ،‬فهو عدل مقبول الشّهادة ‪.‬‬
‫واعتبر الشّافعيّة والحنابلة التّشبّه بالنّساء محرّما تردّ به الشّهادة ‪ ،‬ول يخفى أنّ المراد بالتّشبّه‬
‫التّعمّد ‪ ،‬ل المشابهة الّتي تأتي طبعا ‪.‬‬
‫واعتبر المالكيّة المجون ممّا تردّ به الشّهادة ‪ ،‬ومن المجون التّخنّث ‪.‬‬
‫وعليه تكون المذاهب متّفقةً في التّفصيل الّذي أورده الحنفيّة ‪ ،‬وتفصيله في ( شهادة ) ‪.‬‬
‫نظر المخنّث للنّساء ‪:‬‬
‫‪ -‬المخنّث بالمعنى المتقدّم ‪ ،‬والّذي له أرب في النّساء ‪ ،‬ل خلف في حرمة اطّلعه على‬ ‫‪5‬‬

‫النّساء ونظره إليهنّ ‪ ،‬لنّه فحل فاسق ‪ -‬كما قال ابن عابدين ‪.‬‬
‫أمّا إذا كان مخنّثا بالخلقة ‪ ،‬ول إرب له في النّساء ‪ ،‬فقد صرّح المالكيّة والحنابلة وبعض‬
‫الحنفيّة بأنّه يرخّص بترك مثله مع النّساء ‪ ،‬ول بأس بنظره إليهنّ ‪ ،‬استدللً بقوله تعالى فيمن‬
‫يحلّ لهم النّظر إلى النّساء ‪ ،‬ويحلّ للنّساء الظّهور أمامهم متزيّنات ‪ ،‬حيث عدّ منهم أمثال‬
‫ل ْربَةِ من ال ّرجَالِ ‪. }...‬‬
‫غيْ ِر أُولي ا ِ‬
‫هؤلء ‪ ،‬وهو { أو التّابِعينَ َ‬
‫ن المخنّث ‪ -‬ولو كان ل إرب له في النّساء ‪ -‬ل يجوز‬
‫وذهب الشّافعيّة وأكثر الحنفيّة إلى أ ّ‬
‫ن هؤلءِ عليكنّ » ‪.‬‬
‫نظره إلى النّساء ‪ ،‬وحكمه في هذا كالفحل ‪ :‬استدللً بحديث « ل يَدخل ّ‬
‫عقوبة المخنّث ‪:‬‬
‫‪ -‬المخنّث بالختيار من غير ارتكاب الفعل القبيح معصية ل حدّ فيها ول كفّار ًة ‪ ،‬فعقوبته‬ ‫‪6‬‬

‫ن النّبيّ صلى ال عليه وسلم‬


‫عقوبة تعزيريّة تناسب حالة المجرم وشدّة الجرم ‪ .‬وقد ورد « أ ّ‬
‫عزّر المخنّثين بالنّفي ‪ ،‬فأمر بإخراجهم من المدينة ‪ ،‬وقال ‪ :‬أخرجوهم من بيوتكم » وكذلك‬
‫فعل الصّحابة من بعده ‪ .‬أمّا إن صدر منه مع تخنّثه تمكين الغير من فعل الفاحشة به ‪ ،‬فقد‬
‫اختلف في عقوبته ‪ ،‬فذهب كثير من الفقهاء إلى أنّه تطبّق عليه عقوبة الزّنى ‪.‬‬
‫وذهب أبو حنيفة إلى أنّ عقوبته تعزيريّة قد تصل إلى القتل أو الحراق أو الرّمي من شاهق‬
‫جبل مع التّنكيس ‪ ،‬لنّ المنقول عن الصّحابة اختلفهم في هذه العقوبة ‪ ،‬ويراجع في هذا‬
‫مصطلح ‪ (:‬حدّ عقوبة ‪ ،‬تعزير ‪ ،‬ولواط ) ‪.‬‬
‫مواطن البحث ‪:‬‬
‫‪ -‬يذكر الفقهاء أحكام التّخنّث في مباحث خيار العيب إذا كان العبد المبيع مخنّثا ‪ ،‬ويذكرونها‬ ‫‪7‬‬

‫في بحث الشّهادة ‪ ،‬والنّكاح ‪ ،‬والنّظر إلى المرأة الجنبيّة ‪ ،‬وفي مسائل اللّباس والزّينة وأبواب‬
‫الحظر والباحة ونحوها ‪.‬‬

‫تخويف *‬
‫التّعريف ‪:‬‬
‫‪ -‬التّخويف مصدر من باب التّفعيل ‪ ،‬ومعناه في اللّغة ‪ :‬جعل الشّخص يخاف ‪ ،‬أو جعله‬ ‫‪1‬‬

‫بحالة يخاف النّاس ‪ .‬يقال ‪ :‬خوّفه تخويفا ‪ :‬أي جعله يخاف ‪ ،‬أو صيّره بحال يخافه النّاس ‪.‬‬
‫ف أَوْلِياءَه } أي يجعلكم تخافون أولياءه ‪ ،‬وقال‬
‫ش ْيطَانُ يُخ ّو ُ‬
‫وفي التّنزيل العزيز ‪ِ { :‬إّنمَا ذَِلكُم ال ّ‬
‫ثعلب ‪ :‬معناه يخوّفكم بأوليائه ‪.‬‬
‫ول يخرج استعمال الفقهاء لهذا اللّفظ عن المعنى اللّغويّ ‪.‬‬
‫اللفاظ ذات الصّلة ‪:‬‬
‫النذار ‪:‬‬
‫‪ -‬النذار هو ‪ :‬التّخويف مع إعلم موضع المخافة ‪ .‬فإذا خوّف النسان غيره وأعلمه حال‬ ‫‪2‬‬

‫ما يخوّفه به ‪ ،‬فقد أنذره ‪ .‬فالنذار أخصّ من التّخويف ‪.‬‬


‫الحكم الجماليّ ومواطن البحث ‪:‬‬
‫ما يكون التّخويف به إكراها ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬التّخويف بالقتل والضّرب والحبس ‪:‬‬
‫ن الكراه يحصل‬
‫‪ -‬يرى الحنفيّة والمالكيّة ‪ -‬وهو رواية عند كلّ من الشّافعيّة والحنابلة ‪ -‬أ ّ‬ ‫‪3‬‬

‫بتخويف بقتل أو ضرب شديد أو حبس طويل ‪.‬‬


‫أمّا التّخويف بالضّرب والحبس اليسيرين فيختلف باختلف طبقات النّاس وأحوالهم ‪ ،‬فالتّخويف‬
‫بضرب سوط أو حبس يوم في حقّ من ل يبالي ليس بإكراه ‪ ،‬إلّ أنّ التّخويف بهما يعتبر‬
‫إكراها في حقّ ذي جاه يعلم أنّه يستضرّ بهما ‪ ،‬كما يتضرّر واحد من أوساط النّاس بالضّرب‬
‫ن مطلق القيد والحبس إكراه في حقّه ‪ .‬وقال القاضي‬
‫الشّديد ‪ ،‬وذلك كالقاضي وعظيم البلد ‪ ،‬فإ ّ‬
‫من الحنابلة ‪ ،‬وهو وجه عند الشّافعيّة ‪ -‬حكاه الحنّاطيّ ‪ -‬أنّ الكراه يحصل بالتّخويف بالقتل‬
‫فقط ‪.‬وهناك وجه آخر عند الشّافعيّة ‪ :‬أنّ التّخويف بالحبس ل يكون إكراها‪.‬‬
‫ب ‪ -‬التّخويف بأخذ المال وإتلفه ‪:‬‬
‫‪ -‬يرى الحنفيّة ‪ -‬وهو قول عند المالكيّة ‪ -‬حصول الكراه بالتّخويف بأخذ المال ‪ ،‬إذا قال‬ ‫‪4‬‬

‫متغلّب لرجل ‪ :‬إمّا أن تبيعني هذه الدّار أو أدفعها إلى خصمك ‪ ،‬فباعها منه ‪ ،‬فهو بيع مكره ‪.‬‬
‫ويشترط القهستانيّ من الحنفيّة لحصول الكراه ‪ -‬كما يفهم من سياق عبارة ردّ المحتار ‪ -‬كون‬
‫التّخويف بإتلف كلّ المال ‪.‬‬
‫وقال الشّافعيّة في وجه ‪ -‬وهو المذهب عند الحنابلة ‪ ،‬وقول عند المالكيّة ‪ -‬إنّ الكراه يحصل‬
‫بأخذ المال الكثير بإتلفه ‪ .‬وهناك وجه عند الشّافعيّة ‪ -‬وهو أحد القوال الثّلثة للمالكيّة ‪ -‬أنّ‬
‫التّخويف بأخذ المال ليس إكراها ‪.‬‬
‫وللفقهاء تفاصيل في معنى الكراه وأنواعه وشروطه وأثره وما يكون التّخويف به إكراها تنظر‬
‫في مواطنها من كتب الفقه ‪ ،‬وفي مصطلح ( إكراه ) ‪.‬‬
‫القتل تخويفا ‪:‬‬
‫‪ - 5‬ل خلف بين الفقهاء في إمكان حصول القتل بالتّخويف ‪ .‬كمن شهر سيفا في وجه إنسان ‪،‬‬
‫أو دله من مكان شاهق فمات من روعته ‪ ،‬وكمن صاح في وجه إنسان فجأ ًة فمات منها ‪،‬‬
‫وكمن رمى على شخص حيّةً فمات رعبا وما إلى ذلك ‪.‬‬
‫وتنظر التّفاصيل المتعلّقة بأنواع القتل ‪ ،‬وصفة كلّ نوع ‪ ،‬وحكم القتل بالتّخويف في مختلف‬
‫صوره في مصطلح ( قتل ) ‪.‬‬
‫الجهاض بسبب التّخويف ‪:‬‬
‫‪ -‬يرى الفقهاء وجوب الضّمان على من خوّف امرأةً فأجهضت بسبب التّخويف ‪ ،‬على‬ ‫‪6‬‬

‫خلف وتفصيل في الجهاض المعاقب عليه ‪ ،‬وعقوبة الجهاض يرجع إليه في مصطلح‬
‫( إجهاض ) ‪.‬‬
‫تخيير *‬
‫التّعريف ‪:‬‬
‫‪ -‬التّخيير لغةً ‪ :‬مصدر خيّر ‪ ،‬يقال خيّرته بين الشّيئين ‪ ،‬أي ‪ :‬فوّضت إليه الخيار ‪ ،‬وتخيّر‬ ‫‪1‬‬

‫الشّيء ‪ :‬اختاره ‪ ،‬والختيار ‪ :‬الصطفاء وطلب خير المرين ‪ ،‬وكذلك التّخيّر ‪ .‬والستخارة ‪:‬‬
‫طلب الخيرة في الشّيء ‪ ،‬وخار اللّه لك أي ‪ :‬أعطاك ما هو خير لك ‪.‬‬
‫والخيرة ‪ -‬بسكون الياء ‪ -‬السم منه ‪.‬‬
‫وفي الصطلح ‪ :‬ل يخرج استعمال الفقهاء لمصطلح ( تخيير ) عن معناه اللّغويّ ‪.‬‬
‫فهو عندهم ‪ :‬تفويض المر إلى اختيار المكلّف في انتقاء خصلة من خصال معيّنة شرعا ‪،‬‬
‫ويوكل إليه تعيين أحدها ‪ ،‬بشروط معلومة ‪ ،‬كتخييره بين خصال الكفّارة ‪ ،‬وتخييره بين‬
‫القصاص والعفو ‪ ،‬وتخييره في جنس ما يخرج في الزّكاة ‪ ،‬وتخييره في فدية الحجّ ‪ ،‬وتخييره‬
‫في التّصرّف في السرى ‪ ،‬وتخييره في حدّ المحارب ‪ ،‬وغيرها من الحكام ‪ .‬والتّخيير بهذا‬
‫دليل على سماحة الشّريعة ويسرها ومراعاتها لمصالح العباد فيما فوّضت إليهم اختياره ‪ ،‬ممّا‬
‫ضرّ عنهم ‪.‬‬
‫يجلب النّفع لهم ويدفع ال ّ‬
‫التّخيير عند الصوليّين ‪:‬‬
‫‪ -‬يتكلّم الصوليّون على التّخيير في المباح ‪ ،‬والمندوب ‪ ،‬والواجب المخيّر ‪ ،‬والواجب‬ ‫‪2‬‬

‫الموسّع ‪ ،‬والنّهي على جهة التّخيير ‪ ،‬والرّخصة ‪ .‬وتفصيل ذلك في الملحق الصوليّ ‪.‬‬
‫اللفاظ ذات الصّلة ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬الباحة ‪:‬‬
‫‪ -‬الباحة في اللّغة ‪ :‬الحلل ‪ ،‬يقال ‪ :‬أبحتك الشّيء أي ‪ :‬أحللته لك ‪ ،‬والمباح خلف‬ ‫‪3‬‬

‫المحظور ‪.‬‬
‫وفي اصطلح الفقهاء ‪ :‬الذن بالتيان بالفعل حسب مشيئة الفاعل في حدود الذن ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬التّفويض ‪:‬‬
‫‪ -‬التّفويض مصدر فوّض ‪ ،‬يقال ‪ :‬فوّض إليه الختيار بين الشّيئين ‪ ،‬فاختار أحدهما ‪ ،‬ومنه‬ ‫‪4‬‬

‫تفويض الزّوج إلى زوجته طلق نفسها أو بقاءها في عصمته ‪.‬‬


‫أحكام التّخيير ‪:‬‬
‫للتّخيير أحكام خاصّة في الشّريعة السلميّة نبيّنها فيما يلي ‪:‬‬
‫أ ّولً ‪ :‬تخيير المصلّي في أداء الصّلة في الوقت الموسّع ‪:‬‬
‫‪ -‬اتّفق الفقهاء على القول بتخيير المصلّي في أداء الصّلة في الوقت الموسّع ‪ ،‬وهو الوقت‬ ‫‪5‬‬

‫الّذي وكّل إيقاع الصّلة فيه لختيار المصلّي ‪ ،‬فإن شاء أوقعها في أوّله ‪ ،‬أو في وسطه ‪ ،‬أو‬
‫في آخره ‪ ،‬ول إثم عليه فيما يختار ‪ .‬وذهب بعض الفقهاء إلى القول بالثم إن أخّر إلى وقت‬
‫الكراهة في بعض الوقات ‪ .‬وتفصيل ذلك في ( أوقات الصّلة ) ‪.‬‬
‫‪ -6‬وتجب الصّلة عند الجمهور بأوّل الوقت وجوبا موسّعا ‪ ،‬بمعنى أنّه ل يأثم بتأخيرها ‪ .‬فلو‬
‫أخّرها عازما على فعلها من غير عذر ‪ ،‬فمات في أثناء الوقت لم يأثم ‪ ،‬لنّه فعل ما يجوز له‬
‫ي جزء من وقتها ‪ ،‬والموت ليس من فعله ‪ ،‬فل يأثم‬
‫فعله ‪ ،‬إذ هو بالخيار في أداء الصّلة في أ ّ‬
‫ن الموت ‪ ،‬ولم يؤ ّد حتّى مات ‪ ،‬فإنّه يموت عاصيا ‪.‬‬
‫بالتّخيّر ‪ .‬إلّ أن يظ ّ‬
‫وكذا إذا تخلّف ظنّه فلم يمت ‪ ،‬لنّ الموسّع صار في حقّه مضيّقا ‪ ،‬وانتفى بذلك اختياره ‪.‬‬
‫فإن أخّرها غير عازم على الفعل أثم بالتّأخير ‪ ،‬وإن أخّرها بحيث لم يبق من الوقت ما يتّسع‬
‫لجميع الصّلة أثم أيضا ‪ .‬وعند الحنفيّة أنّ الصّلة ل تجب في أوّل الوقت على التّعيين ‪ ،‬وإنّما‬
‫تجب في جزء من الوقت غير معيّن ‪ ،‬والتّعيين للمصلّي باختياره من حيث الفعل ‪.‬‬
‫فإذا شرع في أوّل الوقت يجب في ذلك الوقت ‪ ،‬وكذا إذا شرع في وسطه أو آخره ‪.‬‬
‫ومتى لم يعيّن بالفعل حتّى بقي من الوقت مقدار ما يسع الصّلة يجب عليه تعيين ذلك الوقت‬
‫للداء فعلً ‪ ،‬حتّى يأثم بترك التّعيين ‪ ،‬لنّه ل خيار له في غيره ‪.‬‬
‫‪ -7‬ودليل التّخيير في أداء الصّلة في الوقت الموسّع حديث جبريل ‪ -‬عليه السلم ‪ -‬الّذي‬
‫يرويه ابن عبّاس ‪ -‬رضي ال عنهما ‪ « -‬عن النّبيّ صلى ال عليه وسلم قال ‪َ :‬أمّنِي جبريل‬
‫عند البيت مرّتين ‪ ،‬فصلّى الظّهر في الولى منهما حين كان الفيء مثل الشّراك ‪ ،‬ثمّ صلّى‬
‫ل شيء مثل ظلّه ‪ ،‬ثمّ صلّى المغرب حين وجبت الشّمس وأفطر الصّائم ‪،‬‬
‫العصر حين كان ك ّ‬
‫ثمّ صلّى العشاء حين غاب الشّفق ‪ ،‬ث ّم صلّى الفجر حين برق الفجر وحرم الطّعام على‬
‫الصّائم ‪ ،‬وصلّى المرّة الثّانية الظّهر حين كان ظلّ كلّ شيء مثله ‪ ،‬لوقت العصر بالمس ‪ ،‬ثمّ‬
‫صلّى العصر حين كان ظلّ كلّ شيء مثليه ‪ ،‬ثمّ صلّى المغرب لوقته الوّل ‪ ،‬ث ّم صلّى العشاء‬
‫ي جبريل‬
‫الخرة حين ذهب ثلث اللّيل ‪ ،‬ثمّ صلّى الصّبح حين أسفرت الرض ‪ ،‬ثمّ التفت إل ّ‬
‫وقال ‪ :‬يا محمّد هذا وقت النبياء من قبلك ‪ ،‬والوقت فيما بين هذين الوقتين » ‪.‬‬
‫وفي حديث بريدة عن مسلم ‪ « :‬وقت صلتكم بين ما رأيتم » ‪.‬‬
‫ثانيا ‪ :‬التّخيير في نوع ما يجب إخراجه في الزّكاة‬
‫‪ -‬اتّفق الفقهاء على أنّ البقر إذا بلغت مائ ًة وعشرين يخيّر في أخذ زكاتها بين ثلث مسنّات‬ ‫‪8‬‬

‫أو أربع تبيعات ‪ .‬والخيار في ذلك للسّاعي عند المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة ‪ ،‬وللمالك عند‬
‫الحنفيّة ‪ ،‬وهكذا كلّما أمكن أداء الواجب من التبعة أو المسنّات ‪.‬‬
‫أمّا البل فإذا بلغت مائةً وإحدى وعشرين ‪ ،‬فعند المالكيّة زكاتها حقّتان أو ثلث بنات لبون ‪،‬‬
‫والخيار فيه للسّاعي ‪.‬‬
‫ب المال من الصّنف الخر أفضل أجزأه ما‬
‫فإن اختار السّاعي أحد الصّنفين ‪ ،‬وكان عند ر ّ‬
‫أخذه السّاعي ‪ ،‬ول يستحبّ له إخراج شيء زائد ‪ .‬وعند الشّافعيّة والحنابلة زكاتها ثلث بنات‬
‫لبون بل تخيير ‪ .‬وعند الحنفيّة تستأنف الفريضة ‪ ،‬وتفصيل ذلك في مصطلح ( زكاة ) ‪.‬‬
‫‪ -9‬أمّا إذا ضمّت أنواعا مختلفةً من جنس واحد لتكميل نصاب السّائمة ‪ ،‬كأن تضمّ العراب إلى‬
‫البخاتيّ من البل ‪ ،‬والجواميس إلى البقر ‪ ،‬والضّأن إلى المعز من الغنم ‪ :‬فعند المالكيّة يخيّر‬
‫السّاعي في الخذ من أيّها شاء إذا تساوى النّوعان المضمومان ‪ ،‬وإذا لم يتساويا أخذ من‬
‫الكثر إذ الحكم للغلب ‪ .‬وعند الشّافعيّة ثلثة أقوال في المذهب ‪:‬‬
‫أحدها ‪ :‬أنّه يؤخذ من الغلب ‪ ،‬فإن استويا يؤخذ من الغبط للمساكين على المذهب ‪ ،‬وذلك‬
‫باعتبار القيمة ‪ ،‬كاجتماع الحقاق وبنات اللّبون ‪.‬‬
‫والقول الثّاني ‪ :‬أنّه يؤخذ من العلى ‪ ،‬كما لو انقسمت إلى صحاح ومراض ‪.‬‬
‫والقول الثّالث ‪ :‬أنّه يؤخذ من الوسط كما في الثّمار ‪ ،‬وهو مذهب الحنفيّة ‪.‬‬
‫وعند الحنابلة أنّه يؤخذ من أحدهما على قدر قيمة المالين المزكّيين ‪ ،‬فإذا كان النّوعان سواءً ‪،‬‬
‫وقيمة المخرج من أحدهما اثنا عشر ‪ ،‬والمخرج من الخر خمسة عشر ‪ ،‬أخرج من أحدهما ما‬
‫قيمته ثلثة عشر ونصف ‪.‬‬
‫‪ -‬فإن اتّفق في نصاب فرضان ‪ ،‬كالمائتين من البل ‪ ،‬وهي نصاب خمس بنات لبون‬ ‫‪10‬‬

‫ونصاب أربع حقاق ‪ ،‬فيخيّر بينهما ‪ ،‬فإن شاء أخرج أربع حقاق ‪ ،‬وإن شاء أخرج خمس بنات‬
‫لبون ‪ ،‬لحديث ‪ « :‬فإذا كانت مائتين ففيها أربع حقاق أو خمس بنات لبون » ‪ ،‬ولنّه وجد ما‬
‫يقتضي إخراج كلّ نوع منهما ‪.‬‬
‫والخيار في هذا للمالك ‪ ،‬وهذا باتّفاق الفقهاء ‪ ،‬وللشّافعيّ في القديم أنّه تجب أربع حقاق ‪ ،‬لنّه‬
‫إذا أمكن تغيّر الفرض بالسّنّ ‪ ،‬لم يغيّر بالعدد ‪.‬‬
‫ثالثا ‪ :‬التّخيير في فدية الجناية على الحرام في الحجّ‬
‫‪ -‬اتّفق الفقهاء على أنّ المحرم إذا جنى على إحرامه بأن حلق شعره ‪ ،‬أو قلّم أظفاره ‪ ،‬أو‬ ‫‪11‬‬

‫تطيّب ‪ ،‬أو لبس مخيطا ‪ ،‬أنّه تجب عليه الفدية وهي على التّخيير بين خصال ثلث ‪ :‬فإمّا أن‬
‫يهدي شاةً ‪ ،‬أو يطعم ستّة مساكين ‪ ،‬أو يصوم ثلثة أيّام ‪.‬‬
‫وتفصيل موجب الفدية تقدّم في مصطلح ‪ ( :‬إحرام ) ‪.‬‬
‫صيَامٍ أو‬
‫ن ِ‬
‫‪ -‬ودليل ذلك قوله تعالى ‪ { :‬فَمَنْ كانَ ِمنْكم َم ِر ْيضَا أو به َأذًى منْ َر ْأسِه فَفِ ْديَةٌ م ْ‬ ‫‪12‬‬

‫صدَقَةٍ أو ُنسُك } ‪ .‬ولحديث كعب بن عجرة ‪ -‬رضي ال عنه ‪ « -‬أنّ النّبيّ صلى ال عليه‬
‫َ‬
‫وسلم قال له ‪ :‬لعلّك آذاك هوا ّم رأسك ‪ ،‬قال ‪ :‬نعم يا رسول اللّه ‪ ،‬فقال صلى ال عليه وسلم ‪:‬‬
‫احلق رأسك وصم ثلثةً ‪ ،‬أو أطعم ستّة مساكين ‪ ،‬أو انسك شاةً » ‪.‬‬
‫وقصر الحنفيّة التّخيير في الفدية على أصحاب العذار ‪ ،‬أمّا غير المعذور فيفدي بذبح شاة ‪،‬‬
‫ول خيار له في غيرها ‪ .‬ولم يفرّق الجمهور بينهما ‪.‬‬
‫ن الية واردة في المعذور بدليل حديث كعب بن عجرة‬
‫ودليل الحنفيّة على ما ذهبوا إليه ‪ ،‬أ ّ‬
‫المفسّرة للية ‪ ،‬فجاء في رواية ‪ « :‬قال ‪ :‬حملت إلى رسول اللّه صلى ال عليه وسلم والقمل‬
‫يتناثر على وجهي ‪ ،‬فقال ‪ :‬ما كنت أرى الوجع بلغ بك ما أرى ‪ ،‬أو ما كنت أرى الجهد بلغ‬
‫بك ما أرى ‪ .‬أتجد شا ًة ؟ فقلت ‪ :‬ل ‪ ،‬فقال ‪ :‬صم ثلثة أيّام ‪ ،‬أو أطعم ستّة مساكين لكلّ مسكين‬
‫نصف صاع » ‪ .‬فدلّ على أنّه كان معذورا وحملت الية عليه ‪.‬‬
‫ودليل الجمهور ما تقدّم في الية والحديث من التّخيير بلفظ " أو " ‪.‬‬
‫‪ -‬والحكم ثابت في غير المعذور بطريق التّنبيه تبعا للمعذور ‪ ،‬لنّ كلّ كفّارة ثبت التّخيير‬ ‫‪13‬‬

‫فيها مع العذر ثبت مع عدمه ‪.‬‬


‫‪ -‬كما يثبت التّخيير في كفّارة قتل الصّيد في الحرم ‪.‬‬ ‫‪14‬‬

‫ويخيّر فيه قاتله بين ثلث خصال ‪ :‬فإمّا أن يهدي مثل ما قتله من ال ّنعَم لفقراء الحرم ‪ ،‬إن كان‬
‫الصّيد له مثل من البل أو البقر أو الغنم ‪ .‬أو أن يقوّمه بالمال ‪ ،‬ويقوّم المال طعاما ‪ ،‬ويتصدّق‬
‫بالطّعام على الفقراء ‪ .‬وهذا مذهب الحنفيّة والشّافعيّة والحنابلة ‪ ،‬أمّا المالكيّة فذهبوا إلى أنّ‬
‫الصّيد يقوّم ابتدا ًء بالطّعام ‪ ،‬ولو قوّمه بالمال ثمّ اشترى به طعاما أجزأه ‪ .‬والخصلة الثّالثة الّتي‬
‫ل مدّ من الطّعام يوما ‪ .‬ودليل التّفاق على التّخيير في‬
‫يخيّر فيها قاتل الصّيد أن يصوم عن ك ّ‬
‫عدْلُ ذلك صيامَا }‬
‫كفّارة صيد الحرم قوله تعالى ‪ { :‬هَ ْديَا بَاِلغَ الكعبَةِ أو كفّارةٌ طعامُ مساكين أو َ‬
‫و" أو " تفيد التّخيير ‪.‬‬
‫رابعا ‪ :‬من أسلم على أكثر من أربع نسوة ‪:‬‬
‫‪ -‬ذهب الشّافعيّة والحنابلة والمالكيّة ومحمّد بن الحسن إلى تخيير من أسلم وتحته أكثر من‬ ‫‪15‬‬

‫أربع نسوة ‪ ،‬أو أختان ‪ ،‬أو من ل يحلّ له الجمع بينهنّ بنسب أو رضاع ‪ ،‬فيخيّر في إمساك‬
‫من أراد منهنّ ‪ ،‬بأن يمسك أربعا أو أقلّ ‪ ،‬أو أن يمسك إحدى الختين ‪ ،‬وهكذا ‪ .‬ويفسخ نكاحه‬
‫ت وتحتي ثمان نسوة ‪،‬‬
‫ممّن سوى من اختارهنّ ‪ .‬وذلك لحديث قيس بن الحارث قال ‪ « :‬أسلم ُ‬
‫فأتيت النّبيّ صلى ال عليه وسلم فذكرت له ذلك ‪ ،‬فقال ‪ :‬اختر منهنّ أربعا » ‪ .‬ولحديث محمّد‬
‫بن سويد الثّقفيّ ‪ « :‬أنّ غيلن بن سلمة أسلم وتحته عشر نسوة ‪ ،‬فأسلمن معه ‪ ،‬فأمره النّبيّ‬
‫صلى ال عليه وسلم أن يختار منهنّ أربعا » ‪.‬‬
‫وذهب أبو حنيفة وأبو يوسف إلى أنّ الكافر إذا أسلم وتحته خمس نسوة فصاعدا أو أختان بطل‬
‫نكاحهنّ ‪ ،‬إن كان قد تزوّجهنّ بعقد واحد ‪ ،‬فإن كان قد رتّب فالخر هو الّذي يبطل ‪ .‬ودليلهم‬
‫على ما ذهبوا إليه أنّ هذه العقود فاسدة ‪ ،‬ولكنّا ل نتعرّض لهم ‪ ،‬لنّا أمرنا بتركهم وما‬
‫يدينون ‪ ،‬فإذا أسلموا بطلت النكحة الفاسدة ‪.‬‬
‫‪ -‬ومن أحكام التّخيير في هذا الباب وآثاره ‪ :‬أنّ الختيار يحصل باللّفظ الصّريح كأن يقول‬ ‫‪16‬‬

‫ن الطّلق ل‬
‫‪ :‬اخترت نكاح هؤلء ‪ ،‬أو اخترت إمساكهنّ ‪ ،‬كما يحصل بأن يطلّق بعضهنّ ‪ ،‬ل ّ‬
‫يكون إلّ لزوجة ‪ .‬كما يحصل إذا وطئها ‪ ،‬وإذا وطئ الكلّ يتعيّن الربع الول للمساك ‪ ،‬وما‬
‫عداهنّ يتعيّن للتّرك ‪.‬‬
‫وخالف الشّافعيّة في اعتبار الوطء اختيارا ‪ ،‬لنّ الختيار رهنا كالبتداء ‪ ،‬ول يصحّ ابتداء‬
‫النّكاح واستدامته إلّ بالقول ‪ .‬وإذا لم يختر أجبر على الختيار بالحبس أو بالتّعزير بالضّرب‬
‫وغيره ‪ ،‬لنّ الختيار حقّ عليه ‪ ،‬فألزم بالخروج منه إن امتنع كسائر الحقوق ‪.‬‬
‫وعن ابن أبي هريرة من الشّافعيّة أنّه ل يضرب مع الحبس ‪ ،‬بل يشدّد عليه الحبس ‪ ،‬فإن أصرّ‬
‫عزّر ثانيا وثالثا إلى أن يختار ‪ .‬وإذا حبس ل يعزّر على الفور ‪ .‬فلعلّه يؤخّر ليفكّر فيتخيّر بعد‬
‫رويّة وإمعان نظر ‪ .‬ومدّة المهال ثلثة أيّام ‪ .‬وليس للحاكم أن يختار على الممتنع ‪ ،‬لنّ الحقّ‬
‫ق الزّوج ‪.‬‬
‫لغير معيّن ‪ ،‬وهو اختيار رغبة ‪ ،‬فكان من ح ّ‬
‫ومن الحكام كذلك ‪ :‬أنّه إذا أسلم بعض زوجاته ‪ ،‬وليس البواقي كتابيّات ‪ ،‬فينحصر تخييره في‬
‫المسلمات فقط ‪ ،‬وليس له أن يختار من لم يسلمن ‪ ،‬لعدم حلّهنّ له ‪.‬‬
‫ومن الحكام أنّه يلزم الزّوج النّفقة لجميعهنّ في مدّة التّخيير إلى أن يختار ‪ ،‬لنّهنّ محبوسات‬
‫لجله ‪ ،‬وهنّ في حكم الزّوجات ‪.‬‬
‫خامسا ‪ :‬تخيير الطّفل في الحضانة ‪:‬‬
‫‪ -‬ذهب الشّافعيّة والحنابلة إلى تخيير المحضون بين أبيه وأمّه إذا تنازعا فيه على ما يأتي‬ ‫‪17‬‬

‫من التّفصيل ‪ ،‬فيلحق بأيّهما اختار ‪ .‬فإن اتّفقا على أن يكون المحضون عند أحدهما جاز ‪،‬‬
‫وعند الشّافعيّة يبقى التّخيير وإن أسقط أحدهما حقّه قبل التّخيير ‪ -‬خلفا للماورديّ والرّويانيّ ‪-‬‬
‫ول فرق في التّخيير بين الذّكر والنثى ‪.‬‬
‫ن الّتي أمر الشّرع فيها‬
‫وعند الحنابلة ‪ :‬يخيّر الغلم إذا بلغ سبع سنين عاقلً ‪ ،‬لنّها السّ ّ‬
‫بمخاطبته بالصّلة ‪ .‬وحدّه الشّافعيّة بالتّمييز بأن يأكل وحده ‪ ،‬ويشرب وحده ‪ ،‬ولم يعتبروا‬
‫بلوغه السّابعة حدّا ‪ ،‬فلو جاوز السّبع بل تمييز بقي عند أمّه ‪ ،‬ول فرق في هذا بين الذّكر‬
‫والنثى ‪ .‬وهذا يخالف في ظاهره ما ورد من أمره بالصّلة إذا بلغ سبع سنين ‪ ،‬وعدم أمره بها‬
‫قبل أن يبلغها وإن ميّز ‪ .‬والفرق بينهما أنّ في أمره بالصّلة قبل السّبع مش ّقةً ‪ ،‬فخفّف عنه ذلك‬
‫‪ .‬بخلف الحضانة ‪ ،‬لنّ المدار في التّخيير على معرفة ما فيه صلح نفسه وعدمه ‪ ،‬فيقيّد‬
‫بالتّمييز ‪ ،‬وإن لم يجاوز السّبع ‪.‬‬
‫وفرّق الحنابلة بين الذّكر والنثى ‪ ،‬فيخيّر الصّبيّ إذا بلغ سبع سنين ‪ ،‬أمّا البنت فتكون في‬
‫حضانة والدها إذا تمّ لها سبع سنين ‪ ،‬حتّى سنّ البلوغ ‪ ،‬وبعد البلوغ تكون عند الب أيضا إلى‬
‫الزّفاف وجوبا ‪ ،‬ولو تبرّعت ال ّم بحضانتها ‪ ،‬لنّ الغرض من الحضانة الحفظ ‪ ،‬والب أحفظ‬
‫لها ‪ .‬ولنّها تخطب منه ‪ ،‬فوجب أن تكون تحت نظره ‪.‬‬
‫‪ -‬والتّخيير في الحضانة مشروط بالسّلمة من الفساد ‪ ،‬فإذا علم أنّه يختار أحدهما ليمكّنه‬ ‫‪18‬‬

‫من الفساد ‪ ،‬ويكره الخر لما سيلزمه به من أدب ‪ ،‬لم يعمل بمقتضى اختياره ‪ ،‬لنّه مبنيّ على‬
‫الشّهوة ‪ ،‬فيكون فيه إضاعة له ‪.‬‬
‫كما أنّه مشروط بأن يظهر للحاكم معرفته بأسباب الختيار ‪.‬‬
‫‪ -‬ودليل التّخيير ما رواه أبو هريرة ‪ -‬رضي ال عنه ‪ -‬قال ‪ « :‬جاءت امرأة إلى النّبيّ‬ ‫‪19‬‬

‫صلى ال عليه وسلم فقالت ‪ :‬إنّ زوجي يريد أن يذهب بابني ‪ ،‬وقد سقاني من بئر أبي عنبة‬
‫ونفعني ‪ ،‬فقال النّبيّ صلى ال عليه وسلم ‪ :‬هذا أبوك وهذه أمّك ‪ ،‬فخذ بيد أيّهما شئت ‪ ،‬فأخذ‬
‫بيد أمّه ‪ ،‬فانطلقت به » وما ورد من قضاء عمر بذلك ‪.‬‬
‫‪ -‬ومن أحكام التّخيير ‪ :‬أنّه لو امتنع المختار من كفالة المحضون كفله الخر ‪ ،‬فإن رجع‬ ‫‪20‬‬

‫الممتنع منها أعيد التّخيير ‪ .‬وإن امتنعا أي الب والمّ ‪ ،‬خيّر بين الج ّد والجدّة ‪ ،‬وإلّ أجبر‬
‫عليها من تلزمه نفقته ‪ ،‬لنّها من جملة الكفالة ‪.‬‬
‫‪ -‬ومن أحكامه كذلك أنّ المميّز الّذي ل أب له يخيّر بين أمّ وإن علت وج ّد وإن عل ‪ ،‬عند‬ ‫‪21‬‬

‫فقد من هو أقرب منه ‪ ،‬أو قيام مانع به لوجود الولدة في الكلّ ‪.‬‬
‫‪ -‬ومن أحكامه كذلك أنّ المميّز إن اختار أحد البوين ‪ ،‬ثمّ اختار الخر حوّل إليه ‪ ،‬لنّه قد‬ ‫‪22‬‬

‫يظهر المر على خلف ما ظنّه ‪ ،‬أو يتغيّر حال من اختاره أ ّولً ‪.‬‬
‫إلّ إذا ظهر أنّ سبب اختياره للخر قلّة عقله ‪ ،‬فيجعل عند أمّه وإن بلغ ‪ ،‬كما قبل التّمييز ‪.‬‬
‫‪ -‬ومن الحكام كذلك ‪ :‬أنّ المحضون إذا اختار أبويه معا أقرع بينهما لنتفاء المرجّح ‪ .‬أمّا‬ ‫‪23‬‬

‫إذا لم يختر واحدا منهما ‪ ،‬فعند الشّافعيّة المّ أولى ‪ ،‬لنّها أشفق واستصحابا لما كان عليه ‪.‬‬
‫وعند الحنابلة ‪ :‬يقرع بينهما ‪ ،‬لنّه ل أولويّة حينئذ لحدهما ‪ ،‬وهو قول للشّافعيّة ‪ .‬فإذا اختار‬
‫المحضون غير من قدّم بالقرعة ردّ إليه ‪ ،‬كما لو اختاره ابتداءً ‪.‬‬
‫ول يخيّر الغلم إذا كان أحد أبويه ليس من أهل الحضانة ‪ ،‬لنّه غير أهل فيكون وجوده كعدمه‬
‫‪ ،‬ويتعيّن أن يكون الغلم عند الخر ‪ .‬وإن اختار ابن سبع أباه ثمّ زال عقله ر ّد إلى المّ ‪،‬‬
‫لحاجته إلى من يتعهّده كالصّغير ‪ ،‬وبطل اختياره لنّه ل حكم لكلمه ‪.‬‬
‫أمّا الحنفيّة والمالكيّة فذهبوا إلى أنّه ل خيار للصّغير ذكرا كان أو أنثى ‪ ،‬وأنّ المّ أحقّ بهما‪.‬‬
‫وعند الحنفيّة يبقى الصّبيّ عند أمّه إلى أن يستغني بنفسه ‪ ،‬بأن يأكل وحده ويشرب وحده‬
‫ويستنجي وحده ويلبس وحده ‪ .‬وعند المالكيّة إلى البلوغ في المشهور من المذهب ‪ ،‬ويقابل‬
‫المشهور ما قاله ابن شعبان ‪ :‬إنّ أمد الحضانة في الذّكر حتّى يبلغ عاقلً غير زمن ‪.‬‬
‫أمّا البنت فعند الحنفيّة تبقى حضانة أمّها إلى أن تحيض ‪ .‬وبعد البلوغ تحتاج إلى التّحصين‬
‫والحفظ والب فيه أقوى ‪ .‬وعن محمّد بن الحسن أنّ البنت تدفع إلى الب إذا بلغت حدّ‬
‫الشّهوة ‪ ،‬لتحقّق الحاجة إلى الصّيانة ‪ .‬أمّا عند المالكيّة فتبقى عند أمّها إلى أن يدخل بها زوجها‬
‫‪ ،‬لنّها تحتاج إلى معرفة آداب النّساء ‪ ،‬والمرأة على ذلك أقدر ‪.‬‬
‫‪ -‬والعلّة في عدم تخيير المحضون عند الحنفيّة والمالكيّة هي ‪ :‬قصور عقله الدّاعي إلى‬ ‫‪24‬‬

‫قصور اختياره ‪ .‬فقد يختار من عنده الدّعة والتّخلية بينه وبين اللّعب ‪ ،‬فل يتحقّق المقصود من‬
‫الحضانة وهو النّظر في مصالح المحضون ‪.‬‬
‫وما ورد من أحاديث تفيد تخيير الطّفل ‪ ،‬جاء فيها أنّ اختياره كان لدعاء النّبيّ صلى ال عليه‬
‫وسلم أن يهديه إلى الصلح ‪ .‬كما جاء في حديث « رافع بن سنان أنّه أسلم ‪ ،‬وأبت امرأته أن‬
‫ي صلى ال عليه وسلم المّ‬
‫تسلم فقالت ‪ :‬ابنتي وهي فطيم ‪ ،‬وقال رافع ‪ :‬ابنتي ‪ .‬فأقعد النّب ّ‬
‫ناحيةً ‪ ،‬والب ناحيةً ‪ ،‬وأقعد الصّبيّة ناحيةً وقال لهما ‪ :‬ادعواها فمالت الصّبيّة إلى أمّها ‪،‬‬
‫فقال النّبيّ صلى ال عليه وسلم ‪ ":‬اللّهمّ اهدها " فمالت إلى أبيها فأخذها » ‪.‬‬
‫وجاء في رواية أنّه ابنهما وليست بنتهما ‪ ،‬ولعلّهما قضيّتان مختلفتان ‪.‬‬
‫كما يحمل ما ورد في تخيير الغلم على أنّه كان بالغا ‪ ،‬بدليل أنّه كان يستسقي من بئر أبي‬
‫عنبة ‪ ،‬ومن يكون دون البلوغ ل يرسل إلى البار للخوف عليه من السّقوط ‪.‬‬
‫سادسا ‪ :‬تخيير المام في السرى ‪:‬‬
‫‪ -‬اتّفق الشّافعيّة والمالكيّة والحنابلة على تخيير إمام المسلمين في أسرى الحرب بين خمس‬ ‫‪25‬‬

‫خصال ‪ :‬فإمّا أن يسترقّهم ‪ ،‬وإمّا أن يقتلهم ‪ ،‬وإمّا أن يأخذ الجزية منهم ‪ ،‬وإمّا أن يطلب الفدية‬
‫مقابل إعتاقهم سواء بالمال ‪ ،‬أو بمفاداتهم بأسرى المسلمين الّذين في أيدي الكفّار ‪ ،‬وإمّا أن يمنّ‬
‫عليهم فيعتقهم ‪ .‬واستثنى الحنفيّة الخصلتين الخيرتين ‪ ،‬وهما الفداء والمنّ ‪ ،‬فقالوا بعدم جواز‬
‫المنّ ‪ ،‬وعدم جواز المفاداة بالمال في المشهور من المذهب ‪ ،‬أمّا المفاداة بأسرى المسلمين فل‬
‫يجوز في قول لبي حنيفة ‪ ،‬وجائز في قول الصّاحبين ‪ ،‬وهو قول لبي حنيفة كذلك ‪ .‬وفي‬
‫المسألة تفصيلت يرجع إليها في بحث ( أسرى ) ‪.‬‬
‫غرُون } ‪.‬‬
‫ج ْزيَةَ عن يَ ٍد وهم صَا ِ‬
‫ودليل جواز أخذ الجزية قوله تعالى ‪ { :‬حتّى ُي ْعطُوا ال ِ‬
‫وكذلك ما جاء أنّ عمر رضي ال عنه فعل ذلك في أهل السّواد ‪.‬‬
‫‪ -‬وما تقدّم من تخيير المام في السرى محلّه في الرّجال البالغين ‪ ،‬أمّا النّساء والصّبيان‬ ‫‪26‬‬

‫فل خيار فيهم ‪ ،‬ول يحكم فيهم إلّ بالسترقاق ‪ ،‬وحكمهم حكم سائر أموال الغنيمة ‪ .‬كما في‬
‫سبايا هوازن وخيبر وبني المصطلق ‪ .‬وجاء عنه صلى ال عليه وسلم أنّه « نهى عن قتل‬
‫‪ -‬وتخيير‬ ‫‪27‬‬ ‫النّساء والولدان » ‪ .‬وعند المالكيّة ‪ :‬للمام الخيرة فيهم بين السترقاق والفداء ‪.‬‬
‫المام بين هذه الخصال مقيّد بما يظهر له من المصلحة الرّاجحة في أحدها ‪ ،‬فيختار الصلح‬
‫للمسلمين من بينها ‪ .‬فإن كان السير ذا قوّة وشوكة فقتله هو المصلحة ‪ ،‬وإن كان ضعيفا‬
‫صاحب مال كانت المصلحة في أخذ الفدية منه ‪ ،‬وإن كان ممّن يرجى إسلمه فيمنّ عليه تقريبا‬
‫وتأليفا لقلبه على السلم ‪ .‬وإن تردّد نظر المام ورأيه في اختيار الصلح ‪ ،‬فعند الحنابلة القتل‬
‫أولى لما فيه من كفاية شرّهم ‪.‬‬
‫وعند الشّافعيّة يحبسهم حتّى يظهر له الصلح ‪.‬‬
‫فالتّخيير في تصرّف المام في السرى مقيّد بالمصلحة بخلف التّخيير في خصال الكفّارة ‪ ،‬إذ‬
‫هو تخيير مطلق أبيح للحانث بموجبه أن يختار أيّ خصلة دون النّظر إلى المصلحة ‪.‬‬
‫‪ -‬أمّا إذا اختار المام خصل ًة بعد الجتهاد وتقليب وجوه المصالح ‪ ،‬ثمّ ظهر له بالجتهاد أنّ‬ ‫‪28‬‬

‫المصلحة في غيرها ‪ ،‬فقد قال ابن حجر في تحفة المحتاج ‪ :‬الّذي يظهر لي في ذلك تفصيل ل‬
‫بدّ منه أ ّولً ‪ :‬فإن كانت رقّا لم يجز له الرّجوع عنها مطلقا ‪ ،‬سواء استرقّهم لسبب أم لغير‬
‫سبب ‪ ،‬وذلك لنّ أهل الخمس ملكوهم بمجرّد ضرب ال ّرقّ ‪ ،‬فلم يملك إبطاله عليهم إلّ برضا‬
‫من دخلوا في ملكهم ‪ .‬وإن اختار القتل جاز له الرّجوع عنه تغليبا لحقن الدّماء ‪ ،‬كما في جواز‬
‫رجوع المقرّ بالزّنى وسقوط القتل عنه ‪ ،‬بل إنّ الرّجوع عن قتل السير أولى ‪ ،‬لنّه محض‬
‫حقّ للّه تعالى ‪ ،‬أمّا حدّ الزّنا ففيه شائبة حقّ آدميّ ‪.‬‬
‫أمّا إذا كان ما اختاره المام أ ّولً هو المنّ أو الفداء فل يرجع عنه باجتهاد آخر ‪ ،‬لنّه من قبيل‬
‫نقض الجتهاد بالجتهاد من غير موجب ‪ ،‬كما أنّ الحاكم إذا اجتهد في قضيّة فل ينقض‬
‫اجتهاده باجتهاد آخر ‪ .‬أمّا إذا اختار أحدهما لسبب ‪ ،‬ثمّ زال ذلك السّبب ‪ ،‬وظهرت المصلحة‬
‫في اختيار الثّاني لزمه العمل بما أدّاه إليه اجتهاده ثانيا ‪ ،‬وليس هذا من قبيل نقض الجتهاد‬
‫بالجتهاد ‪ ،‬لنّه انتقال إلى الختيار الثّاني لزوال موجب الختيار الوّل ‪ .‬ويشترط في‬
‫السترقاق والفداء اللّفظ الدّالّ على اختيارهما ‪ ،‬ول يكفي مجرّد الفعل ‪ ،‬لنّه ل يدلّ عليه دللةً‬
‫صريحةً ‪ .‬أمّا في غيرهما من الخصال ‪ ،‬فيكفي الفعل لدللته الصّريحة على اختيارها ‪.‬‬
‫سابعا ‪ :‬تخيير المام في حدّ المحارب ‪:‬‬
‫‪ -‬ذهب الشّافعيّة والحنابلة إلى أنّ حدّ المحارب يختلف باختلف الجناية ‪ ،‬فلكلّ جناية‬ ‫‪29‬‬

‫سعَونَ في الرضِ‬
‫جزَاءُ الّذينَ ُيحَا ِربُونَ اللّهَ و َرسُولَه َو َي ْ‬
‫عقوبتها ‪ ،‬كما في قوله تعالى ‪ { :‬إ ّنمَا َ‬
‫ض ذلك لهم‬
‫فَسَادَا أنْ يُ َقتّلُوا أو ُيصَلّبُوا أو تُ َقطّعَ َأ ْيدِيهِم وَأ ْرجُلُهم منْ خِلفٍ أو ُينْفَوا منْ الر ِ‬
‫خ ْزيٌ في الدّنيا ولهم في الخرةِ عذابٌ عظيمٌ } ‪.‬‬
‫ِ‬
‫وذهب الحنفيّة إلى أنّ المام مخيّر في بعض جنايات المحارب دون بعضها على تفصيل عندهم‬
‫‪ .‬وذهب المالكيّة إلى أنّ المام بالخيار في المحارب بين أربعة أمور ‪:‬‬
‫أن يقتله بل صلب ‪ ،‬أو أن يصلبه مع القتل ‪ ،‬أو أن ينفي الذّكر الحرّ البالغ العاقل في مكان‬
‫بعيد ويسجن حتّى تظهر توبته أو يموت ‪ ،‬أو أن تقطع يده اليمنى ورجله اليسرى ‪.‬‬
‫ن القتل أو القطع ‪.‬‬
‫وهذه الربعة في حقّ الرّجال ‪ ،‬أمّا النّساء فل يصلبن ول ينفين ‪ ،‬وحدّه ّ‬
‫وتخيير المام بين هذه المور يكون على أساس المصلحة ‪.‬‬
‫ثامنا ‪ :‬تخيير ملتقط اللّقطة بعد التّعريف بها ‪:‬‬
‫ن الملتقط مخيّر بين أن يتملّك ما التقطه وينتفع به ‪ ،‬أو‬
‫‪ -‬ذهب الحنفيّة والمالكيّة إلى أ ّ‬ ‫‪30‬‬

‫يتصدّق به ‪ ،‬أو يحفظه أمان ًة إلى أن يظهر صاحب اللّقطة فيدفعها إليه ‪ ،‬وهذا بعد التّعريف بها‬
‫‪ .‬وذهب الحنابلة والشّافعيّة في قول إلى أنّ الملتقط يملك ما التقطه حتما ‪ -‬كالميراث ‪ -‬بمجرّد‬
‫تمام التّعريف بها ‪ ،‬على التّفصيل المذكور في مصطلح ‪ ( :‬لقطة ) ‪.‬‬
‫وفي الصحّ عند الشّافعيّة ‪ ،‬وهو قول أبي الخطّاب من الحنابلة ‪ :‬أنّه ل يملك اللّقطة حتّى‬
‫يختار التّملّك بلفظ صريح أو كناية مع الّنيّة ‪ ،‬وفي وجه آخر عند الشّافعيّة ‪ :‬أنّه يملك بمجرّد‬
‫ال ّنيّة بعد التّعريف ‪ .‬ودليل التّملّك والنتفاع بمجرّد التّعريف ما جاء في روايات الحديث عن‬
‫ي رضي ال عنه قال ‪ « :‬جاء أعرابيّ النّبيّ صلى ال عليه وسلم فسأله عمّا‬
‫زيد بن خالد الجهن ّ‬
‫يلتقطه فقال ‪ :‬عرّفها سنةً ‪ ،‬ثمّ اعرف عفاصها ووكاءها ‪ ،‬فإن جاء أحد يخبرك بها ‪ ،‬وإلّ‬
‫فاستنفقها » وفي أخرى ‪ « :‬وإلّ فهي كسبيل مالك » وفي لفظ ‪ « :‬ثمّ كلها » وفي لفظ ‪:‬‬
‫« فانتفع بها » وفي لفظ ‪ « :‬فشأنك بها »‬
‫ن النّبيّ صلى‬
‫‪ -‬أمّا دليل أنّه ل يتملّك حتّى يختار فما ورد في حديث زيد بن خالد الجهنيّ أ ّ‬ ‫‪31‬‬

‫ال عليه وسلم قال ‪ « :‬فإن جاء صاحبها وإلّ فشأنك بها » فجعله إلى اختياره ‪ ،‬ولنّه تملّك‬
‫ن فيه‬
‫ببدل فاعتبر فيه اختيار التّملّك كالملك بالبيع ‪ .‬وإنّما جاز للملتقط اختيار التّصدّق ‪ ،‬ل ّ‬
‫إيصالً للحقّ إلى المستحقّ ‪ ،‬وهو واجب بقدر المكان ‪ ،‬فإمّا أن يكون بإيصال العين‬
‫لصاحبها ‪ ،‬وإمّا أن يكون بإيصال العوض عند تعذّره ‪ ،‬وهو الثّواب على اعتبار إجازة صاحب‬
‫اللّقطة التّصدّق بها ‪ .‬ولهذا كان له الخيار عند ظهوره بين إمضاء الصّدقة أو الرّجوع بالضّمان‬
‫على الملتقط ‪ .‬وفي المسألة تفصيلت أخرى تنظر في ( لقطة ) ‪.‬‬
‫تاسعا ‪ :‬التّخيير في كفّارة اليمين ‪:‬‬
‫‪ -‬اتّفق الفقهاء على التّخيير في كفّارة اليمين بين أربع خصال ‪ :‬إطعام عشرة مساكين ‪ ،‬أو‬ ‫‪32‬‬

‫كسوتهم ‪ ،‬أو عتق رقبة ‪ ،‬فإن لم يجد ما يكفّر به من هذه الثّلثة ‪ -‬بأن عجز عن الطعام‬
‫والكسوة والعتق ‪ -‬صام ثلثة أيّام ‪.‬‬
‫فهي كفّارة على التّخيير في الثّلثة الولى ‪ ،‬وعلى التّرتيب بينها وبين الخصلة الرّابعة ‪.‬‬
‫والصل في التّخيير في كفّارة اليمين قوله تعالى ‪ { :‬ل ُيؤَاخِ ُذكُم اللّهُ بِالّلغْ ِو في َأ ْيمَا ِنكُم ولكنْ‬
‫ط ِعمُونَ َأهْلِيكُم أو‬
‫ش َرةِ َمسَاكِين مِنْ أَ ْوسَطِ ما تُ ْ‬
‫عَ‬‫طعَامُ َ‬
‫ل ْيمَانَ َفكَفّا َرتُه إِ ْ‬
‫عقّ ْدتُم ا َ‬
‫ُيؤَاخِ ُذكُم ِبمَا َ‬
‫صيَامُ ثَل َث ِة أيّامٍ ذلك كَفّا َر ُة َأ ْيمَا ِنكُم إذا حَلَ ْفتُم واحْفَظُوا‬
‫حرِيرُ َر َقبَةٍ ‪َ .‬فمَنْ لم َيجِدْ َف ِ‬
‫ِكسْ َوتُهم أو َت ْ‬
‫ش ُكرُون } ‪.‬‬
‫ن اللّهُ لكم آياتِه لعّلكُم َت ْ‬
‫َأ ْيمَا ِنكُم كذلك ُي َبيّ ُ‬
‫والمقصود بالتّخيير في كفّارة اليمين أنّ للمكفّر أن يأتي بأيّ خصلة شاء ‪ ،‬وأن ينتقل عنها إلى‬
‫غيرها بحسب ما يراه ويميل إليه وما يراه السهل في حقّه ‪ ،‬فإنّ اللّه سبحانه وتعالى ما خيّره‬
‫إلّ لطفا به ‪ .‬وهذا ما يفترق به التّخيير في كفّارة اليمين عن التّخيير في حدّ المحارب‬
‫والتّصرّف بالسرى حيث قيّدا بالمصلحة ‪.‬‬
‫عاشرا ‪ :‬التّخيير بين القصاص والدّية والعفو ‪:‬‬
‫‪ -‬أجمع الفقهاء على أنّ وليّ الدّم مخيّر في الجناية على النّفس بين ثلث خصال ‪ :‬فإمّا أن‬ ‫‪33‬‬

‫يقتصّ من القاتل ‪ ،‬أو يعفو عنه إلى الدّية أو بعضها ‪ ،‬أو أن يصالحه على مال مقابل العفو ‪،‬‬
‫أو يعفو عنه مطلقا ‪.‬‬
‫حرّ وال َعبْدُ‬
‫ح ّر بال ُ‬
‫ودليل ذلك قوله تعالى ‪ { :‬يا أيّها اّلذِينَ آ َمنُوا ُك ِتبَ عليكم ال ِقصَاصُ في ال َق ْتلَى ال ُ‬
‫حسَانٍ ذلك‬
‫ع بِال َم ْعرُوفِ وأَدَاءٌ إليه ِبِإ ْ‬
‫ل ْنثَى َفمَنْ عُ ِفيَ له منْ َأخِيه شَي ٌء فَاتّبَا ٌ‬
‫ل ْنثَى با ُ‬
‫بال َع ْبدِ وا ُ‬
‫ن النّفْسَ بالنّفْسِ } إلى‬
‫حمَة } الية ‪ ،‬وقوله تعالى ‪ { :‬و َك َت ْبنَا عليهم فيها أَ ّ‬
‫خ ِف ْيفٌ منْ َرّبكُم َو َر ْ‬
‫َت ْ‬
‫قوله { والجُرُوحَ ِقصَاصٌ فَمَنْ َتصَ ّدقَ به فهو كَفّا َر ٌة له } الية ‪ :‬أي كفّارة للعافي بصدقته على‬
‫الجاني ‪ .‬وفي الحديث عن أبي هريرة رضي ال عنه عن النّبيّ صلى ال عليه وسلم قال ‪« :‬‬
‫ظرَين ‪ :‬إمّا أن يودي ‪ ،‬وإمّا أن يقاد »‬
‫من ُق ِتلَ له قتيلٌ فهو بخير ال ّن َ‬
‫وعن أنس ‪ -‬رضي ال عنه ‪ -‬قال ‪ « :‬ما رأيت رسول اللّه صلى ال عليه وسلم رفع إليه‬
‫ي صلى ال عليه وسلم قال ‪:‬‬
‫شيء فيه قصاص إلّ أمر فيه بالعفو » ‪ .‬وفي الحديث أنّ النّب ّ‬
‫« إنّكم يا معشر خزاعة قتلتم هذا الرّجل من هذيل ‪ ،‬وإنّي عاقله ‪ ،‬فمن قتل له قتيل بعد اليوم‬
‫فأهله بين خيرتين ‪ :‬إمّا أن يقتلوا ‪ ،‬أو يأخذوا العقل » ‪.‬‬
‫واختلف الفقهاء في توقّف تخيير وليّ الدّم في أخذ الدّية على رضا الجاني ‪.‬‬
‫ي الدّم إلى الدّية إلّ برضا الجاني ‪ ،‬وأنّه‬
‫فذهب الحنفيّة والمالكيّة إلى أنّه ل يجوز أن يعفو ول ّ‬
‫ليس لوليّ الدّم جبر الجاني على دفع الدّية إذا سلّم نفسه للقصاص ‪ .‬وذهب الشّافعيّة في الظهر‬
‫‪ ،‬والحنابلة في المعتمد إلى أنّ موجب القتل العمد هو القود ‪ ،‬وأنّ الدّية بدل عنه عند سقوطه ‪.‬‬
‫فإذا عفا عن القصاص واختار الدّية وجبت دون توقّف على رضا الجاني ‪ .‬وهو قول أشهب‬
‫من المالكيّة ‪ .‬وفي قول آخر للشّافعيّة ‪ ،‬وهو رواية عند الحنابلة أنّ موجب القتل العمد هو‬
‫القصاص أو الدّية أحدهما ل بعينه ‪ ،‬ويتخيّر وليّ الدّم في تعيين أحدهما ‪.‬‬
‫‪ -‬أمّا دليل الحنفيّة والمالكيّة فيما ذهبوا إليه فهو ما ورد من نصوص توجب القصاص ‪،‬‬ ‫‪34‬‬

‫ن آ َمنُوا ُك ِتبَ عليكم ال ِقصَاصُ في ال َقتْلى } ممّا يعيّن القصاص‪.‬‬


‫كقوله تعالى ‪ { :‬يا أيّها الّذي َ‬
‫فهو إخبار عن كون القصاص هو الواجب ‪ ،‬وهذا يبطل القول بأنّ الدّية واجبة كذلك ‪ .‬ولمّا‬
‫كان القتل ل يقابل بالجمع بين القصاص والدّية ‪ ،‬كان القصاص هو عين حقّ الوليّ ‪ ،‬والدّية‬
‫بدل حقّه ‪ ،‬وليس لصاحب الحقّ أن يعدل من عين الحقّ إلى بدله من غير رضا من عليه الحقّ‬
‫‪ ،‬ولهذا ل يجوز اختيار الدّية من غير رضا القاتل ‪.‬‬
‫وأمّا دليل الشّافعيّة والحنابلة فهو ما تقدّم من أدلّة جواز العفو إلى الدّية ‪ ،‬وقوله تعالى ‪:‬‬
‫حسَانٍ } فأوجب سبحانه على القاتل‬
‫ف وأَدَاءٌ إليه ِبِإ ْ‬
‫ي له منْ أخِيه شَيءٌ فَا ّتبَاعٌ بِال َم ْعرُو ِ‬
‫{ َفمَنْ عُ ِف َ‬
‫أداء الدّية إلى الوليّ مطلقا عن شرط الرّضا ‪ ،‬دفعا للهلك عن نفسه ‪.‬‬
‫ولمّا كان المقصود من تشريع القصاص والدّية هو الزّجر ‪ ،‬فكان ينبغي الجمع بينهما ‪ ،‬كما في‬
‫ل أنّه تعذّر الجمع ‪ ،‬لنّ الدّية بدل النّفس ‪ ،‬وفي القصاص معنى البدليّة‬
‫شرب خمر ال ّذ ّميّ ‪ ،‬إ ّ‬
‫كما في قوله تعالى ‪ { :‬أنّ النّفْسَ بالنّفْسِ } والباء تفيد البدليّة ‪ ،‬فيؤدّي إلى الجمع بين البدلين ‪،‬‬
‫وهو غير جائز ‪ ،‬فخيّر وليّ الدّم بينهما ‪.‬‬

‫تداخل *‬
‫التّعريف ‪:‬‬
‫‪ -‬التّداخل في اللّغة ‪ :‬تشابه المور والتباسها ودخول بعضها في بعض ‪.‬‬ ‫‪1‬‬

‫وفي الصطلح ‪ :‬دخول شيء في شيء آخر بل زيادة حجم ومقدار ‪ .‬وتداخل العددين أن يعدّ‬
‫أقلّهما الكثر ‪ ،‬أي يفنيه ‪ ،‬مثل ثلثة وتسعة ‪.‬‬
‫اللفاظ ذات الصّلة ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬الندراج ‪:‬‬
‫‪ -‬الندراج مصدر اندرج ‪ ،‬ومن معانيه في اللّغة ‪ :‬النقراض ‪ .‬ويستعمله الفقهاء بمعنى‬ ‫‪2‬‬

‫دخول أمر في أمر آخر أعمّ منه ‪ ،‬كالحدث الصغر مع الجنابة في الطّهارة ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬التّباين ‪:‬‬
‫‪ -‬معنى التّباين في اللّغة ‪ :‬التّهاجر والتّباعد ‪ .‬وفي الصطلح ‪ :‬عبارة عمّا إذا نسب أحد‬ ‫‪3‬‬

‫الشّيئين إلى الخر لم يصدق أحدهما على شيء ممّا صدق عليه الخر ‪ ،‬فإن لم يتصادقا على‬
‫ل فبينهما التّباين الكّليّ ‪ ،‬وإن صدقا في الجملة فبينهما التّباين الجزئيّ ‪ .‬كالحيوان‬
‫شيء أص ً‬
‫والبيض وبينهما العموم من وجه ‪ .‬والفرق بينه وبين التّداخل واضح ‪ ،‬إذ التّداخل إنّما يكون‬
‫في المور المتشابهة والمتقاربة ‪ ،‬أمّا التّباين فيكون في المور المتفاوتة كّليّا أو جزئيّا ‪.‬‬
‫ج ‪ -‬التّماثل ‪:‬‬
‫‪ -‬التّماثل ‪ :‬مصدر تماثل ‪ ،‬ومادّة مثل في اللّغة تأتي بمعنى الشّبه ‪ ،‬وبمعنى نفس الشّيء‬ ‫‪4‬‬

‫وذاته‪ .‬والفقهاء يستعملون التّماثل بمعنى التّساوي ‪ ،‬كما في تماثل العددين في مسائل الرث‪.‬‬
‫د ‪ -‬التّوافق ‪:‬‬
‫‪ -‬معنى التّوافق في اللّغة ‪ :‬التّفاق والتّظاهر ‪.‬‬ ‫‪5‬‬
‫وتوافق العددين ‪ :‬ألّ يعدّ أقلّهما الكثر ‪ ،‬ولكن يعدّهما عدد ثالث ‪ ،‬كالثّمانية مع العشرين ‪،‬‬
‫يعدّهما أربعة ‪ ،‬فهما متوافقان بالرّبع ‪ ،‬لنّ العدد العادّ مخرج لجزء الوفق ‪.‬‬
‫محلّ التّداخل ‪:‬‬
‫‪ -‬ذكر الحنفيّة أنّ التّداخل ‪ :‬إمّا أن يكون في السباب ‪ :‬وإمّا أن يكون في الحكام ‪ .‬والليق‬ ‫‪6‬‬

‫بالعبادات الوّل ‪ ،‬وبالعقوبات الثّاني ‪ ،‬وذلك ما جاء في العناية ‪ :‬أنّ التّداخل في العبادات إذا‬
‫كان في الحكم دون السّبب كانت السباب باقيةً على تعدّدها ‪ ،‬فيلزم وجود السّبب الموجب‬
‫للعبادة بدون العبادة ‪ ،‬وفي ذلك ترك الحتياط فيما يجب فيه الحتياط ‪ ،‬فقلنا بتداخل السباب‬
‫فيها ليكون جميعها بمنزلة سبب واحد ترتّب عليه حكمه إذا وجد دليل الجمع وهو اتّحاد‬
‫المجلس ‪ ،‬وأمّا العقوبات فليس ممّا يحتاط فيها ‪ ،‬بل في درئها احتياط فيجعل التّداخل في الحكم‬
‫‪ ،‬ليكون عدم الحكم مع وجود الموجب مضافا إلى عفو اللّه وكرمه ‪ ،‬فإنّه هو الموصوف‬
‫بسبوغ العفو وكمال الكرم ‪.‬‬
‫وفائدة ذلك تظهر فيما لو تل آية سجدة في مكان فسجدها ‪ ،‬ثمّ تلها فيه مرّات فإنّه يكفيه تلك‬
‫الواقعة أ ّولً ‪ ،‬إذ لو لم يكن التّداخل في السّبب لكانت التّلوة الّتي بعد السّجدة سببا ‪ ،‬وحكمه قد‬
‫تقدّم ‪ ،‬وذلك ل يجوز ‪ .‬وأمّا في العقوبات ‪ :‬فإنّه لو زنى ‪ ،‬ثمّ زنى ثاني ًة قبل أن يحدّ الولى ‪،‬‬
‫فإنّ عليه حدّا واحدا ‪ ،‬بخلف ما لو زنى فحدّ ‪ ،‬ثمّ زنى فإنّه يحدّ ثانيا ‪.‬‬
‫وذكر صاحب الفروق من المالكيّة أنّ التّداخل محلّه السباب ل الحكام ‪ ،‬ولم يفرّق في ذلك‬
‫بين الطّهارات والعبادات ‪ ،‬كالصّلة والصّيام والكفّارات والحدود والموال ‪.‬‬
‫ن الحدود المتماثلة إن اختلفت أسبابها كالقذف وشرب الخمر ‪ ،‬أو تماثلت كالزّنى‬
‫بل ذكر أ ّ‬
‫مرارا والسّرقة مرارا والشّرب مرارا قبل إقامة الحدّ عليه ‪ ،‬فإنّها من أولى السباب بالتّداخل ‪،‬‬
‫ن تكرّرها مهلك ‪ .‬ويظهر ممّا ذكره الحنابلة في الطّهارات وكفّارة الصّيام ‪ ،‬فيما لو تكرّر‬
‫لّ‬
‫منه الجماع في يوم واحد قبل التّكفير ‪ ،‬وفي الحدود إن كانت من جنس واحد أو أجناس أنّ‬
‫التّداخل عندهم أيضا إنّما يكون في السباب دون الحكام ‪.‬‬
‫ن التّداخل إنّما يكون في الحكام دون السباب ‪،‬‬
‫ي في المنثور أ ّ‬
‫هذا ويظهر ممّا ذكره الزّركش ّ‬
‫ول فرق في ذلك بين العبادات والعقوبات والتلفات ‪.‬‬
‫آثار التّداخل الفقهيّة ومواطنه ‪:‬‬
‫‪ -‬ذكر القرافيّ في الفروق أنّ التّداخل وقع في الشّريعة في ستّة أبواب ‪ ،‬وهي الطّهارات‬ ‫‪7‬‬

‫والصّلوات والصّيام والكفّارات والحدود والموال ‪.‬‬


‫وذكر الزّركشيّ في المنثور أنّه يدخل في ضروب ‪ ،‬وهي ‪ :‬العبادات والعقوبات والتلفات ‪.‬‬
‫وذكر السّيوطيّ وابن نجيم أنّه إذا اجتمع أمران من جنس واحد ‪ ،‬ولم يختلف مقصودهما ‪،‬‬
‫دخل أحدهما في الخر غالبا ‪ ،‬كالحدث مع الجنابة ‪ .‬هذا والتّداخل يذكره الفقهاء في الطّهارة‬
‫والصّلة والصّوم والحجّ ‪ ،‬والفدية والكفّارة والعدد ‪ ،‬والجناية على النّفس والطراف والدّيات ‪،‬‬
‫والحدود والجزية ‪ ،‬وفي حساب المواريث ‪ .‬وبيان ذلك فيما يلي ‪:‬‬
‫أوّلً ‪ -‬الطّهارات ‪:‬‬
‫‪ - 8‬ل خلف بين الفقهاء في أنّ من سنن الغسل ‪ :‬الوضوء قبله ‪ ،‬لنّه صفة غسل النّبيّ صلى‬
‫ال عليه وسلم كما في حديث عائشة وميمونة رضي ال عنهما ونصّ حديث عائشة رضي ال‬
‫عنها « أنّ النّبيّ صلى ال عليه وسلم كان إذا اغتسل من الجنابة يبدأ فيغسل يديه ‪ ،‬ثمّ يفرغ‬
‫بيمينه على شماله فيغسل فرجه ‪ ،‬ثمّ يتوضّأ وضوءه للصّلة ‪ ،‬ثمّ يأخذ الماء ويدخل أصابعه في‬
‫أصول الشّعر ‪ ،‬حتّى إذا رأى أن قد استبرأ ‪ ،‬حفن على رأسه ثلث حثيات ‪ ،‬ثمّ أفاض على‬
‫سائر جسده ‪ ،‬ثمّ غسل رجليه » ‪.‬‬
‫ن الطّهارات كالوضوء والغسل‬
‫سنّة ‪ .‬أمّا الجزاء فيرى الحنفيّة والمالكيّة أ ّ‬
‫هذا عن تحصيل ال ّ‬
‫إذا تكرّرت أسبابهما المختلفة كالحيض والجنابة ‪ ،‬أو المتماثلة كالجنابتين ‪ ،‬والملمستين ‪ ،‬فإنّ‬
‫تلك السباب تتداخل ‪ ،‬فيكفي في الجنابتين ‪ ،‬أو في الحيض والجنابة ‪ ،‬أو في الجنابة والملمسة‬
‫غسل واحد ‪ ،‬ل يحتاج بعده إلى وضوء ‪،‬لندراج سببه في السّبب الموجب للغسل‪ .‬وذكر‬
‫ن الفعلين في العبادات ‪ ،‬إن كانا في واجب ولم يختلفا في القصد ‪،‬‬
‫ي في المنثور أ ّ‬
‫الزّركش ّ‬
‫تداخل ‪ ،‬كغسل الحيض مع الجنابة ‪ ،‬فإذا أجنبت ثمّ حاضت ‪ ،‬كفى لهما غسل واحد ‪.‬‬
‫هذا وقد ذكر الشّافعيّة والحنابلة في تداخل الوضوء والغسل إذا وجبا عليه ‪ -‬كما لو أحدث ثمّ‬
‫أجنب أو عكسه ‪ -‬أربعة أوجه ‪ ،‬انفرد الشّافعيّة بأوّلها ‪ ،‬واتّفقوا مع الحنابلة في الباقي ‪ .‬أحدهما‬
‫ن ابن تيميّة اختاره ‪ :‬أنّه يكفيه‬
‫‪ ،‬وهو المذهب عند الشّافعيّة ‪ ،‬وقد انفردوا فيه عن الحنابلة ‪ ،‬لك ّ‬
‫الغسل ‪ ،‬نوى الوضوء معه أو لم ينوه ‪ ،‬غسل العضاء مرتّبةً أم ل ‪ ،‬لنّهما طهارتان ‪،‬‬
‫فتداخلتا ‪.‬‬
‫والثّاني ‪ ،‬وذهب إليه أيضا الحنابلة في إحدى الرّوايات عن أحمد ‪ ،‬وهو من مفردات المذهب‬
‫عندهم ‪ :‬أنّه يجب عليه الوضوء والغسل ‪ ،‬لنّهما حقّان مختلفان يجبان بسببين مختلفين ‪ ،‬فلم‬
‫يدخل أحدهما في الخر كح ّد الزّنى والسّرقة ‪ ،‬فإن نوى الوضوء دون الغسل أو عكسه ‪ ،‬فليس‬
‫له غير ما نوى ‪.‬‬
‫الثّالث ‪ ،‬واختاره أيضا أبو بكر من الحنابلة ‪ ،‬وقطع به في المبهج ‪ :‬أنّه يأتي بخصائص‬
‫الوضوء ‪ ،‬بأن يتوضّأ مرتّبا ‪ ،‬ثمّ يغسل سائر البدن ‪ ،‬لنّهما متّفقان في الغسل ومختلفان في‬
‫التّرتيب ‪ ،‬فما اتّفقا فيه تداخل ‪ ،‬وما اختلفا فيه لم يتداخل ‪.‬‬
‫الرّابع ‪ ،‬وهو ما حكاه أبو حاتم القزوينيّ من الشّافعيّة ‪ ،‬وهو المذهب مطلقا عند الحنابلة ‪،‬‬
‫وعليه جماهير أصحابهم ‪ ،‬وقطع به كثير منهم ‪ :‬أنّهما يتداخلن في الفعال دون ال ّنيّة ‪ ،‬لنّهما‬
‫عبادتان متجانستان صغرى وكبرى ‪ ،‬فدخلت الصّغرى في الكبرى في الفعال دون ال ّنيّة ‪،‬‬
‫كالحجّ والعمرة ‪ .‬هذا ‪ ،‬وجاء في النصاف عن الدّينوريّ في وجه حكاه ‪ :‬أنّه إن أحدث ثمّ‬
‫أجنب فل تداخل ‪ ،‬وجاء فيه أيضا أنّ من أحدث ثمّ أجنب ‪ ،‬أو أجنب ث ّم أحدث يكفيه الغسل‬
‫على الصحّ ‪ ،‬وهو مماثل لما حكاه الشّافعيّة في الوجه الوّل ‪.‬‬
‫ثانيا ‪ :‬التّداخل في الصّلة وله أمثلة ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬تداخل تحيّة المسجد وصلة الفرض ‪:‬‬
‫‪ -‬ذكر ابن نجيم في الشباه ‪ ،‬والقرافيّ في الفروق ‪ :‬أنّ تحيّة المسجد تدخل في صلة‬ ‫‪9‬‬

‫ل هو‬
‫الفرض مع تعدّد سببهما ‪ ،‬فإنّ سبب التّحيّة هو دخول المسجد ‪ ،‬وسبب الظّهر مث ً‬
‫الزّوال ‪ ،‬فيقوم سبب الزّوال مقام سبب الدّخول ‪ ،‬فيكتفي به ‪.‬‬
‫وذكر الزّركشيّ في المنثور أنّ التّداخل في العبادات إن كان في مسنون ‪ ،‬وكان ذلك المسنون‬
‫من جنس المفعول ‪ ،‬دخل تحته ‪ ،‬كتحيّة المسجد مع صلة الفرض ‪.‬‬
‫سنّة الرّاتبة ‪.‬‬
‫وذهب الحنابلة إلى أنّ تحيّة المسجد تدخل في الفرض وال ّ‬
‫ب ‪ -‬تداخل سجود السّهو ‪:‬‬
‫‪ -‬جاء صريحا في حاشية ابن عابدين ‪ -‬من كتب الحنفيّة ‪ -‬فيمن تكرّر سهوه بحيث أدّى‬ ‫‪10‬‬

‫ذلك إلى ترك جميع واجبات الصّلة ‪ ،‬فإنّه ل يلزمه إلّ سجدتان ‪.‬‬
‫وقريب من ذلك ما جاء في المدوّنة من كتب المالكيّة فيمن نسي تكبير ًة أو تكبيرتين ‪ ،‬أو نسي "‬
‫سمع اللّه لمن حمده " م ّرةً أو مرّتين ‪ ،‬أو نسي التّشهّد أو التّشهّدين ‪.‬‬
‫ن جبرانات الصّلة تتداخل لتّحاد الجنس ‪،‬‬
‫وجاء في المنثور والشباه من كتب الشّافعيّة أ ّ‬
‫فسجود السّهو وإن تعدّد سجدتان ‪ ،‬لنّ القصد بسجود السّهو إرغام أنف الشّيطان ‪ ،‬وقد حصل‬
‫ن القصد جبر النّسك وهو ل‬
‫بالسّجدتين آخر الصّلة ‪ ،‬بخلف جبرانات الحرام فل تتداخل ‪ ،‬ل ّ‬
‫يحصل إلّ بالتّعدّد ‪ .‬وقال صاحب المغني ‪ :‬إذا سها سهوين أو أكثر من جنس كفاه سجدتان‬
‫للجميع ‪ ،‬ل نعلم أحدا خالف فيه ‪ .‬وإن كان السّهو من جنسين ‪ ،‬فكذلك ‪ ،‬حكاه ابن المنذر قولً‬
‫ي وأصحاب‬
‫ي والثّوريّ ومالك واللّيث والشّافع ّ‬
‫لحمد ‪ ،‬وهو قول أكثر أهل العلم ‪ ،‬منهم ‪ :‬النّخع ّ‬
‫الرّأي ‪ .‬وذكر أبو بكر من الحنابلة فيه وجهين ‪ :‬أحدهما ‪ :‬ما ذكرنا ‪ .‬والثّاني ‪ :‬يسجد سجودين‬
‫‪ ،‬قال الوزاعيّ وابن أبي حازم وعبد العزيز بن أبي سلمة ‪ :‬إذا كان عليه سجودان ‪ ،‬أحدهما‬
‫ي صلى ال عليه وسلم ‪ « :‬لكلّ‬
‫قبل السّلم ‪ ،‬والخر بعده سجدهما في محلّيهما ‪ ،‬لقول النّب ّ‬
‫سهو سجدتان » ‪ .‬وهذان سهوان ‪ ،‬فلكلّ واحد منهما سجدتان ‪،‬ولنّ كلّ سهو يقتضي سجودا ‪،‬‬
‫وإنّما تداخل في الجنس الواحد لتّفاقهما ‪ ،‬وهذان مختلفان‪.‬‬
‫ج ‪ -‬التّداخل في سجود التّلوة ‪:‬‬
‫‪ -‬ذكر الحنفيّة أنّ سجدة التّلوة مبناها على التّداخل دفعا للحرج ‪.‬‬ ‫‪11‬‬
‫والتّداخل فيها تداخل في السّبب دون الحكم ‪ ،‬لنّها عبادة ‪ ،‬فتنوب الواحدة عمّا قبلها وعمّا‬
‫بعدها ‪ ،‬ول يتكرّر وجوبها إلّ باختلف المجلس أو اختلف التّلوة ( أي الية ) أو السّماع ‪،‬‬
‫فمن تل آيةً واحدةً في مجلس واحد مرارا تكفيه سجدة واحدة وأداء السّجدة بعد القراءة الولى‬
‫ن جبريل عليه السلم كان ينزل بالوحي فيقرأ آية السّجدة‬
‫أولى ‪ .‬والصل في ذلك ما روي « أ ّ‬
‫على رسول اللّه صلى ال عليه وسلم ورسول اللّه صلى ال عليه وسلم كان يسمع ويتلقّن ‪ ،‬ثمّ‬
‫يقرأ على أصحابه ‪ ،‬وكان ل يسجد إلّ م ّرةً واحد ًة » ‪.‬‬
‫وإن تلها في غير الصّلة فسجد ‪ ،‬ثمّ دخل في الصّلة فتلها فيها ‪ ،‬سجد أخرى ‪ .‬ولو لم‬
‫ل كفته واحدة ‪ ،‬لنّ الصّلتيّة أقوى من غيرها ‪ ،‬فتستتبع غيرها وإن اختلف المجلس ‪.‬‬
‫يسجد أ ّو ً‬
‫ولو لم يسجد في الصّلة سقطتا في الصحّ ‪.‬‬
‫وأمّا المالكيّة فقاعدة المذهب عندهم تكرير سجدة التّلوة ‪ ،‬إن كرّر حزبا فيه سجدةً ‪ ،‬ول تكفيه‬
‫السّجدة الولى ‪ ،‬لوجود المقتضي للسّجود ‪ ،‬باستثناء المعلّم والمتعلّم فقط عند المام مالك وابن‬
‫القاسم ‪ ،‬واختاره المازريّ ‪ ،‬خلفا لصبغ وابن عبد الحكم القائلين بعدم السّجود عليهما ول في‬
‫أوّل مرّة ‪.‬‬
‫ل الخلف كما في حاشية الدّسوقيّ إذا حصل التّكرير لحزب فيه سجدة ‪ ،‬وأمّا قارئ القرآن‬
‫ومح ّ‬
‫بتمامه فإنّه يسجد جميع سجداته في غير الصّلة وفي الصّلة ‪ ،‬حتّى لو قرأه كلّه في ركعة‬
‫واحدة ‪ ،‬سواء أكان معلّما أم متعلّما اتّفاقا ‪ .‬وجاء في الرّوضة وغيرها من كتب الشّافعيّة ‪ :‬أنّه‬
‫إذا قرأ آيات السّجدات في مكان واحد ‪ ،‬سجد لكلّ واحدة ‪ ،‬ومثل ذلك قراءته الية الواحدة في‬
‫مجلسين ‪ .‬فلو كرّر الية الواحدة في المجلس الواحد نظر ‪ ،‬إن لم يسجد للمرّة الولى كفاه‬
‫سجود واحد ‪ ،‬وإن سجد للولى فثلثة أوجه ‪ :‬أصحّها يسجد م ّرةً أخرى لتجدّد السّبب ‪ ،‬والثّاني‬
‫تكفيه الولى ‪ ،‬والثّالث إن طال الفصل سجد أخرى ‪ ،‬وإلّ فتكفيه الولى ‪ .‬ولو كرّر الية‬
‫الواحدة في الصّلة ‪ ،‬فإن كان في ركعة فكالمجلس الواحد ‪ ،‬وإن كان في ركعتين فكالمجلسين‬
‫‪ .‬ولو قرأ م ّر ًة في الصّلة ‪ ،‬وم ّرةً خارجها في المجلس الواحد وسجد للولى ‪ ،‬فلم ير النّوويّ‬
‫فيه نصّا للصحاب ‪ ،‬وإطلقهم يقتضي طرد الخلف فيه ‪.‬‬
‫وتذكر كتب الحنابلة أيضا أنّ سجود التّلوة يتكرّر بتكرّر التّلوة ‪ ،‬حتّى في طواف مع قصر‬
‫فصل ‪ .‬وذكر صاحب النصاف وجهين في إعادة سجود من قرأ بعد سجوده ‪ ،‬وكذا يتوجّه في‬
‫تحيّة المسجد إن تكرّر دخوله ‪.‬‬
‫وقال ابن تميم ‪ :‬وإن قرأ سجدةً فسجد ‪ ،‬ثمّ قرأها في الحال م ّرةً أخرى ‪ ،‬ل لجل السّجود ‪،‬‬
‫فهل يعيد السّجود ؟ على وجهين ‪ .‬وقال القاضي في تخريجه ‪ :‬إن سجد في غير الصّلة ثمّ‬
‫صلّى فقرأها فيها أعاد السّجود ‪ ،‬وإن سجد في صلة ثمّ قرأها في غير صلة لم يسجد ‪ .‬وقال‬
‫‪ :‬إذا قرأ سجدةً في ركعة فسجد ‪ ،‬ث ّم قرأها في الثّانية ‪ ،‬فقيل يعيد السّجود ‪ ،‬وقيل ل ‪.‬‬
‫ثالثا ‪ :‬تداخل صوم رمضان وصوم العتكاف ‪:‬‬
‫‪ -‬من المقرّر عند المالكيّة والحنفيّة ‪ ،‬وفي رواية عن أحمد اشتراط الصّوم لصحّة‬ ‫‪12‬‬

‫ن صوم العتكاف يدخل في صوم رمضان ‪،‬‬


‫العتكاف مطلقا ‪ ،‬وبناءً على ذلك ذكر القرافيّ أ ّ‬
‫ن العتكاف سبب لتوجّه المر بالصّوم ‪ ،‬ورؤية هلل رمضان هي سبب توجّه المر‬
‫وذلك ل ّ‬
‫بصوم رمضان ‪ ،‬فيدخل السّبب الّذي هو العتكاف في السّبب الخر وهو رؤية الهلل فيكتفي‬
‫به ويتداخل العتكاف ورؤية الهلل ‪.‬‬
‫رابعا ‪ :‬تداخل الطّواف والسّعي للقارن ‪:‬‬
‫ن من قرن بين الحجّ والعمرة‬
‫‪ -‬ذهب المالكيّة والشّافعيّة والمام أحمد فيما اشتهر عنه إلى أ ّ‬ ‫‪13‬‬

‫في إحرام واحد ‪ ،‬فإنّه يطوف لهما طوافا واحدا ‪ ،‬ويسعى لهما سعيا واحدا ‪ ،‬وهو قول ابن‬
‫عمر وجابر بن عبد اللّه رضي ال عنهم ‪ ،‬وبه قال عطاء بن أبي رباح والحسن ومجاهد‬
‫وطاوس وإسحاق وأبو ثور ‪ ،‬لحديث عائشة رضي ال عنها قالت ‪ « :‬خرجنا مع رسول اللّه‬
‫صلى ال عليه وسلم في حجّة الوداع فأهللنا بعمرة ‪ . » ...‬الحديث ‪ .‬وفيه ‪:‬‬
‫ج والعمرة فإنّما طافوا طوافا واحدا » ‪ .‬ولنّ الحجّ والعمرة‬
‫« وأمّا الّذين جمعوا بين الح ّ‬
‫عبادتان من جنس واحد ‪ ،‬فإذا اجتمعتا دخلت أفعال الصّغرى في الكبرى كالطّهارتين ‪.‬‬
‫وأيضا فإنّ الجامع بينهما ناسك يكفيه حلق واحد ورمي واحد ‪ ،‬فكفاه طواف واحد وسعي واحد‬
‫كالفرد ‪ .‬وذهب الحنفيّة والمام أحمد في رواية أخرى لم تشتهر إلى أنّ عليه طوافين‬
‫وسعيين ‪ ،‬وقد روي هذا القول عن عليّ وابن مسعود رضي ال عنهما ‪ ،‬وبه قال الشّعبيّ وابن‬
‫أبي ليلى مستدلّين بقوله تعالى ‪ { :‬وَأ ِتمّوا الحَجّ وال ُع ْم َرةَ للّه } وتمامهما أن يأتي بأفعالهما على‬
‫الكمال بل فرق بين القارن وغيره ‪.‬‬
‫وبما روي عن النّبيّ صلى ال عليه وسلم أنّه قال ‪ « :‬من جمع بين الحجّ والعمرة فعليه‬
‫طوافان » ولنّهما نسكان ‪ ،‬فكان لهما طوافان ‪ ،‬كما لو كانا منفردين ‪ .‬وأثر هذا الخلف يظهر‬
‫في القارن إذا قتل صيدا فإنّه يلزمه جزاء واحد عند القائلين بالتّداخل ‪.‬‬
‫خامسا ‪ :‬تداخل الفدية ‪:‬‬
‫ن الفدية تتداخل ‪ .‬وقد صرّح الحنفيّة بأنّ من قلّم أظافر يديه‬
‫‪ -‬ذكر الحنفيّة والشّافعيّة أ ّ‬ ‫‪14‬‬

‫ورجليه في مجلس واحد ‪ ،‬وهو محرم ‪ ،‬فإنّ عليه دما واحدا ‪ ،‬لنّها من المحظورات ‪ ،‬لما فيه‬
‫من قضاء التّفث ‪ ،‬وهي من نوع واحد ‪ ،‬فل يزاد على دم واحد ‪.‬‬
‫ن مبناها على التّداخل ككفّارة الفطر ‪ .‬وعند‬
‫وإن كان قلّمها في مجالس ‪ ،‬فكذلك عند محمّد ‪ ،‬ل ّ‬
‫أبي حنيفة وأبي يوسف يجب لكلّ يد دم ‪ ،‬ولكلّ رجل دم إذا تعدّد المجلس ‪ ،‬لنّ الغالب في‬
‫الفدية معنى العبادة فيتقيّد التّداخل باتّحاد المجلس كما في آية السّجدة ‪ ،‬ولنّ هذه العضاء‬
‫متباينة حقيقةً ‪ ،‬وإنّما جعلت الجناية ‪ -‬وهي تقليم الظافر في مجلس واحد ‪ -‬جنايةً واحدةً في‬
‫المعنى لتّحاد المقصود وهو الرّفق ‪.‬‬
‫وصرّح الشّافعيّة بمثل ذلك فيمن فعل شيئا من مقدّمات الجماع ‪ ،‬وجامع بعده ‪ ،‬فقد ذكروا أنّ‬
‫فدية المقدّمة تدخل في البدنة الواجبة جزاءً عن الجماع ‪.‬‬
‫وقريب من ذلك ما ذكره الحنابلة فيمن حلق شعر رأسه وبدنه ‪ ،‬بأنّ عليه فديةً واحدةً في أصحّ‬
‫الرّوايتين عن أحمد ‪ ،‬وهو الصّحيح من المذهب أيضا ‪ ،‬لنّ شعر الرّأس والبدن واحد ‪ ،‬وفي‬
‫رواية أخرى عنه ‪ :‬إنّ لكلّ منهما حكما منفردا ‪ .‬وكذا لو لبس أو تطيّب في ثوبه وبدنه ففيه‬
‫الرّوايتان والمنصوص عن أحمد أنّ عليه فديةً واحدةً ‪.‬‬
‫وأمّا المالكيّة فإنّهم وإن لم يصرّحوا بتداخل الفدية ‪ ،‬إلّ أنّهم أوردوا أربع صور تتّحد فيها الفدية‬
‫ن الفاعل الباحة ‪:‬‬
‫وهي أن يظ ّ‬
‫ل منها يوجب الفدية ‪.‬‬
‫أ ‪ -‬بأن يعتقد أنّه خرج من إحرامه فيفعل أمورا ك ّ‬
‫ب ‪ -‬أو يتعدّد موجبها من لبس وتطيّب وقلم أظفار وقتل دوابّ بفور ‪.‬‬
‫ج ‪ -‬أو يتراخى ما بين الفعلين ‪ ،‬لكنّه عند الفعل الوّل أو إرادته نوى تكرار الفعل الموجب لها‬
‫‪.‬‬
‫د ‪ -‬أو يتراخى ما بين الفعلين ‪ ،‬إلّ أنّه لم ينو التّكرار عند الفعل الوّل منهما ‪ ،‬لكنّه قدّم ما‬
‫نفعه أعمّ ‪ ،‬كتقديمه لبس الثّوب على لبس السّراويل ‪.‬‬
‫وتفصيله في محظورات الحجّ من كتب الفقه ‪.‬‬
‫سادسا ‪ :‬تداخل الكفّارات ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬تداخلها في إفساد صوم رمضان بالجماع ‪:‬‬
‫‪ -‬ل خلف بين الفقهاء في وجوب كفّارة واحدة على من تكرّر منه الجماع في يوم واحد‬ ‫‪15‬‬

‫من أيّام رمضان ‪ ،‬لنّ الفعل الثّاني لم يصادف صوما ‪ ،‬وإنّما الخلف بينهم فيمن تكرّر منه‬
‫ذلك الفعل في يومين ‪ ،‬أو في رمضانين ‪ ،‬ولم يكفّر للوّل ‪ ،‬فذهب محمّد من الحنفيّة ‪،‬‬
‫والحنابلة في وجه ‪ ،‬والزّهريّ والوزاعيّ إلى أنّه تكفيه كفّارة واحدة ‪ ،‬لنّها جزاء عن جناية‬
‫تكرّر سببها قبل استيفائها ‪ ،‬فتتداخل كالحدّ ‪ .‬وذهب الحنفيّة في ظاهر الرّواية الّذي اختاره‬
‫بعضهم للفتوى وهو الصّحيح ‪ ،‬والمالكيّة والشّافعيّة ‪ ،‬وهو أيضا المذهب عند الحنابلة ‪ :‬إلى أنّ‬
‫الكفّارة الواحدة ل تجزئه ‪ ،‬بل عليه كفّارتان ‪ ،‬لنّ كلّ يوم عبادة منفردة ‪ ،‬فإذا وجبت الكفّارة‬
‫بإفساده لم تتداخل كالعمرتين والحجّتين ‪ ،‬والتّفصيل في مصطلح ‪ ( :‬كفّارة ) ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬تداخل الكفّارات في اليمان ‪:‬‬
‫ن من حلف يمينا فحنث فيها وأدّى ما وجب عليه من الكفّارة ‪ ،‬أنّه لو‬
‫‪ -‬ل خلف في أ ّ‬ ‫‪16‬‬

‫حلف يمينا أخرى وحنث فيها تجب عليه كفّارة أخرى ‪ ،‬ول تغني الكفّارة الولى عن كفّارة‬
‫الحنث في هذه اليمين الثّانية ‪ ،‬وإنّما الخلف فيمن حلف أيمانا وحنث فيها ‪ .‬ثمّ أراد التّكفير ‪،‬‬
‫هل تتداخل الكفّارات فتجزئه كفّارة واحدة ؟ أو ل تتداخل فيجب عليه لكلّ يمين كفّارة ؟ تتداخل‬
‫الكفّارات على أحد القولين عند الحنفيّة ‪ ،‬وأحد القوال عند الحنابلة ‪ ،‬ول تتداخل عند المالكيّة‬
‫ول الشّافعيّة ‪ ،‬وتفصيل ذلك في الكفّارات ‪.‬‬
‫سابعا ‪ :‬تداخل العدّتين ‪:‬‬
‫‪ -‬معنى التّداخل في العدد ‪ :‬أن تبتدئ المرأة ع ّد ًة جديدةً وتندرج بقيّة العدّة الولى في العدّة‬ ‫‪17‬‬

‫الثّانية ‪ ،‬والعدّتان إمّا أن تكونا من جنس واحد لرجل واحد أو رجلين ‪ ،‬وإمّا أن تكونا من‬
‫جنسين كذلك أي لرجل واحد أو رجلين ‪ ،‬وعلى هذا فإنّ المرأة إذا لزمها عدّتان من جنس‬
‫واحد ‪ ،‬وكانتا لرجل واحد ‪ ،‬فإنّهما تتداخلن عند الحنفيّة والشّافعيّة والحنابلة لتّحادهما في‬
‫الجنس والقصد ‪ .‬مثال ذلك ‪ :‬ما لو طلّق زوجته ثلثا ‪ ،‬ثمّ تزوّجها في العدّة ووطئها ‪ ،‬وقال ‪:‬‬
‫ظننت أنّها تحلّ لي ‪ .‬أو طلّقها بألفاظ الكناية ‪ ،‬فوطئها في العدّة ‪ ،‬فإنّ العدّتين تتداخلن ‪ ،‬فتعتدّ‬
‫ثلثة أقراء ابتداءً من الوطء الواقع في العدّة ‪ ،‬ويندرج ما بقي من العدّة الولى في العدّة الثّانية‬
‫‪ .‬أمّا إذا كانتا لرجلين فإنّهما تتداخلن عند الحنفيّة ‪ ،‬لنّ المقصود التّعرّف على فراغ الرّحم ‪،‬‬
‫وقد حصل بالواحدة فتتداخلن ‪.‬‬
‫ومثاله ‪ :‬المتوفّى عنها زوجها إذا وطئت بشبهة ‪ ،‬فهاتان عدّتان من رجلين ومن جنسين ‪.‬‬
‫ومثال العدّتين من جنس واحد ومن رجلين ‪ :‬المطلّقة إذا تزوّجت في عدّتها فوطئها الثّاني ‪،‬‬
‫وفرّق بينهما ‪ ،‬تتداخلن وتعت ّد من بدء التّفريق ‪ ،‬ويندرج ما بقي من العدّة الولى في العدّة‬
‫الثّانية ‪ .‬وأمّا عند الشّافعيّة والحنابلة فل تتداخلن ‪ ،‬لنّهما حقّان مقصودان لدميّين ‪ ،‬فلم‬
‫ن العدّة احتباس يستحقّه الرّجال على النّساء ‪ ،‬فلم يجز أن تكون المرأة‬
‫يتداخل كالدّينين ‪ ،‬ول ّ‬
‫المعتدّة في احتباس رجلين كاحتباس الزّوجة ‪.‬‬
‫وأمّا إذا اختلفت العدّتان في الجنس ‪ ،‬وكانتا لرجلين ‪ ،‬فإنّهما تتداخلن أيضا عند الحنفيّة ‪ ،‬لنّ‬
‫ل منهما أجل ‪ ،‬والجال تتداخل ‪.‬‬
‫كً‬
‫ق مقصود للدميّ ‪ ،‬فعليها أن تعتدّ‬
‫ول تداخل بينهما عند الشّافعيّة والحنابلة ‪ ،‬لنّ كلً منهما ح ّ‬
‫للوّل لسبقه ‪ ،‬ثمّ تعتدّ للثّاني ‪ ،‬ول تتقدّم عدّة الثّاني على عدّة الوّل إلّ بالحمل ‪.‬‬
‫وإن كانتا من جنسين لشخص واحد تداخلتا أيضا عند الحنفيّة ‪ ،‬وفي أصحّ الوجهين عند‬
‫الشّافعيّة ‪ ،‬وفي أحد الوجهين عند الحنابلة ‪ ،‬لنّهما لرجل واحد ‪ .‬ول تداخل بينهما على مقابل‬
‫الصحّ عند الشّافعيّة ‪ ،‬وعلى الوجه الثّاني عند الحنابلة لختلفهما في الجنس ‪.‬‬
‫وأمّا المالكيّة فقد لخصّ ابن جزيّ مذهبهم في تداخل العدد بقوله ‪ :‬فروع في تداخل العدّتين ‪:‬‬
‫الفرع الوّل ‪ :‬من طلقت طلقا رجعيّا ‪ ،‬ثمّ مات زوجها في العدّة انتقلت إلى عدّة الوفاة ‪ ،‬لنّ‬
‫الموت يهدم عدّة الرّجعيّ بخلف البائن ‪.‬‬
‫الفرع الثّا ني ‪ :‬إن طلّق ها رجعيّا ث مّ ارتجع ها في العدّة ‪ ،‬ث ّم طلّق ها ‪ ،‬ا ستأنفت العدّة من الطّلق‬
‫الثّا ني ‪ ،‬سواء كان قد وطئ ها أم ل ‪ ،‬ل نّ الرّج عة تهدم العدّة ‪ ،‬ولو طلّق ها ثانيةً في العدّة من‬
‫غ ير رج عة َب َن تْ اتّفاقا ‪ ،‬ولو طلّق ها طلقةً ثانيةً ث مّ راجع ها في العدّة أو بعد ها ‪ ،‬ث مّ طلّق ها ق بل‬
‫المسيس َب َنتْ على عدّتها الولى ‪ ،‬ولو طلّقها بعد الدّخول استأنفت من الطّلق الثّاني ‪.‬‬
‫الفرع الثّالث ‪ :‬إذا تزوّجت في عدّتها من الطّلق ‪ ،‬فدخل بها الثّاني ‪ ،‬ثمّ فرّق بينهما ‪ ،‬اعتدّت‬
‫بقيّة عدّتها من الوّل ‪ ،‬ثمّ اعتدّت من الثّاني ‪ ،‬وقيل ‪ :‬تعتدّ من الثّاني وتجزيها عنهما ‪ ،‬وإن‬
‫كانت حاملً فالوضع يجزي عن العدّتين اتّفاقا ‪ .‬والتّفصيل في مصطلح ‪ ( :‬عدّة ) ‪.‬‬
‫ثامنا ‪ :‬تداخل الجنايات على النّفس والطراف ‪:‬‬
‫‪ -‬ذكر الحنفيّة أنّ الجنايات على النّفس والطراف إذا تعدّدت ‪ ،‬كما لو قطع عضوا من‬ ‫‪18‬‬

‫أعضائه ‪ ،‬ثمّ قتله ‪ ،‬فإنّها ل تتداخل إلّ في حالة اجتماع جنايتين على واحد ‪ ،‬ولم يتخلّلهما‬
‫برء ‪ ،‬وصورها ستّ عشرة ‪ ،‬كما ذكر ابن نجيم في الشباه ‪ ،‬لنّه إذا قطع ثمّ قتل ‪ ،‬فإمّا أن‬
‫يكونا عمدين أو خطأين ‪ ،‬أو أحدهما عمدا والخر خطأً ‪ ،‬وكلّ من الربعة إمّا على واحد أو‬
‫اثنين ‪ ،‬وكلّ من الثّمانية ‪ .‬إمّا أن يكون الثّاني قبل البرء أو بعده ‪.‬‬
‫وذكر المالكيّة أنّ الجناية على الطّرف تندرج في الجناية على النّفس ‪ ،‬أي في القصاص ‪ ،‬إن‬
‫تعمّدها الجاني ‪ ،‬سواء أكان الطّرف للمقتول أم لغيره بأن قطع يد شخص عمدا ‪ ،‬وفقأ عين‬
‫آخر عمدا ‪ ،‬فيقتل فقط ول يقطع شيء من أطرافه ول تفقأ عينه ‪ ،‬إن لم يقصد الجاني بجنايته‬
‫على الطّرف مثلةً ‪ -‬أي تمثيلً وتشويها ‪ -‬فإن قصدها فل يندرج الطّرف في القتل ‪ ،‬فيقتصّ‬
‫من الطّرف ‪ ،‬ث ّم يقتل ‪.‬‬
‫أمّا إذا لم يتعمّد الجاني الجناية على الطّرف ‪ ،‬فإنّها ل تندرج في الجناية على النّفس ‪ ،‬كما لو‬
‫قطع يد شخص خطأً ‪ ،‬ثمّ قتله عمدا عدوانا ‪ ،‬فإنّه يقتل به ‪ ،‬ودية اليد على عاقلته ‪.‬‬
‫ن الجناية على النّفس والطراف إذا اتّفقتا في العمد أو الخطأ ‪ ،‬وكانت الجناية‬
‫وذكر الشّافعيّة أ ّ‬
‫على النّفس بعد اندمال الجناية على الطّرف وجبت دية الطّرف بل خلف ‪ .‬أمّا إذا كانت‬
‫الجناية على النّفس قبل اندمال الجناية على الطّرف فوجهان ‪ ،‬أصحّهما ‪ :‬دخول الجناية على‬
‫الطّرف في الجناية على النّفس ‪ ،‬بحيث ل يجب إلّ ما يجب في النّفس كالسّراية ‪ .‬وثانيهما ‪:‬‬
‫عدم التّداخل بين الجنايتين ‪ ،‬خرّجه ابن سريج ‪ ،‬وبه قال الصطخريّ ‪ ،‬واختاره إمام الحرمين‬
‫‪ .‬أمّا إذا كانت إحداهما عمدا والخرى خطأً ‪ ،‬وقلنا بالتّداخل عند التّفاق ‪ ،‬فهنا وجهان ‪:‬‬
‫أحدهما التّداخل أيضا ‪ .‬وأصحّهما ‪ :‬ل ‪ ،‬لختلفهما ‪.‬‬
‫والحنابلة يقولون ‪ :‬التّداخل في القصاص في إحدى الرّوايتين عن أحمد فيما لو جرح رجل‬
‫ي إلّ‬
‫رجلً ‪ ،‬ث ّم قتله قبل اندمال جرحه ‪ ،‬واختار الوليّ القصاص ‪ ،‬فعلى هذه الرّواية ليس للول ّ‬
‫ضرب عنقه بالسّيف ‪ .‬لقوله صلى ال عليه وسلم ‪ « :‬ل قَوَدَ إلّ بالسّيفِ » ‪ ،‬وليس له جرحه‬
‫أو قطع طرفه ‪ ،‬لنّ القصاص أحد بدلي النّفس ‪ ،‬فدخل الطّرف في حكم الجملة كالدّية‪.‬‬
‫والرّواية الثّانية ‪ :‬أنّ للوليّ أن يفعل بالجاني مثلما فعل ‪ ،‬لقوله تعالى ‪ { :‬وإنْ عَا َق ْبتُم َفعَا ِقبُوا‬
‫ِب ِم ْثلِ ما عُو ِق ْبتُم به } ‪ .‬أمّا إذا عفا الوليّ عن القصاص ‪ ،‬أو صار المر إلى الدّية لكون الفعل‬
‫خطًأ أو شبه عمد ‪ ،‬فالواجب حينئذ دية واحدة ‪ ،‬لنّه قتل قبل استقرار الجرح ‪ ،‬فدخل أرش‬
‫الجراحة في أرش النّفس والتّفصيل في مصطلح ‪ ( :‬جناية ) ‪.‬‬
‫تاسعا ‪ :‬تداخل الدّيات ‪:‬‬
‫‪ -‬ل خلف بين الفقهاء في أنّ الدّيات قد تتداخل ‪ ،‬فيدخل الدنى منها في العلى ‪ ،‬ومن‬ ‫‪19‬‬

‫ذلك دخول دية العضاء والمنافع في دية النّفس ‪ ،‬ودخول أرش الموضحة المذهبة للعقل في‬
‫دية العقل ‪ ،‬ودخول حكومة الثّدي في دية الحلمة إلى غير ذلك من الفروع ‪.‬‬
‫والتّفصيل في مصطلح ‪ ( :‬دية ) ‪.‬‬
‫عاشرا ‪ :‬تداخل الحدود ‪:‬‬
‫‪ -‬اتّفق الفقهاء على أنّ الحدود ‪ -‬كحدّ الزّنى والسّرقة والشّرب ‪ -‬إذا اتّفقت في الجنس‬ ‫‪20‬‬

‫والموجب أي الحدّ فإنّها تتداخل ‪ ،‬فمن زنى مرارا ‪ ،‬أو سرق مرارا ‪ ،‬أو شرب مرارا ‪ ،‬أقيم‬
‫عليه ح ّد واحد للزّنى المتكرّر ‪ ،‬وآخر للسّرقة المتكرّرة ‪ .‬وآخر للشّرب المتكرّر ‪ ،‬لنّ ما‬
‫تكرّر من هذه الفعال هو من جنس ما سبقه ‪ ،‬فدخل تحته ‪ .‬ومثل ذلك حدّ القذف إذا قذف‬
‫شخصا واحدا مرارا ‪ ،‬أو قذف جماع ًة بكلمة واحدة ‪ ،‬فإنّه يكتفي فيه بح ّد واحد اتّفاقا ‪ ،‬بخلف‬
‫ل واحد منهم بقذف ‪.‬‬
‫صكّ‬
‫ما لو قذف جماعةً بكلمات ‪ ،‬أو خ ّ‬
‫واتّفق الفقهاء أيضا على أنّ من زنى أو سرق أو شرب ‪ ،‬فأقيم عليه الحدّ ‪ ،‬ثمّ صدر منه أحد‬
‫هذه الفعال م ّرةً أخرى ‪ ،‬فإنّه يحدّ ثانيا ‪ ،‬ول يدخل تحت الفعل الّذي سبقه ‪ ،‬واتّفقوا أيضا على‬
‫عدم التّداخل بين هذه الفعال عند اختلفها في الجنس والقدر الواجب فيها ‪ ،‬فمن زنى وسرق‬
‫وشرب حدّ لكلّ فعل من هذه الفعال ‪ ،‬لختلفها في الجنس والقدر الواجب فيها ‪ ،‬فل تتداخل ‪.‬‬
‫أمّا إذا اتّحدت في القدر الواجب واختلفت في الجنس ‪ ،‬كالقذف والشّرب مثلً ‪ ،‬فل تداخل بينها‬
‫عند غير المالكيّة ‪ ،‬وأمّا عند المالكيّة فتتداخل ‪ ،‬لتّفاقها في القدر الواجب فيها ‪ ،‬وهو الحدّ ‪،‬‬
‫فإنّ الواجب في القذف ثمانون جلدةً وفي الشّرب أيضا مثله ‪ ،‬فإذا أقيم عليه أحدهما سقط عنه‬
‫ل واحدا فقط ‪ ،‬ث ّم ثبت أنّه شرب أو قذف ‪ ،‬فإنّه يكتفي‬
‫الخر ‪ .‬ولو لم يقصد عند إقامة الحدّ إ ّ‬
‫بما ضرب له عمّا ثبت ‪.‬‬
‫ومثل ذلك عندهم ‪ -‬أي المالكيّة ‪ -‬ما لو سرق وقطع يمين آخر ‪ ،‬فإنّه يكتفي فيه بحدّ واحد ‪.‬‬
‫وهذا كلّه إذا لم يكن في تلك الحدود القتل ‪ ،‬فإن كان فيها القتل ‪ ،‬فإنّه يكتفي به عند الحنفيّة‬
‫والمالكيّة والحنابلة ‪ ،‬لقول ابن مسعود ‪ :‬ما كانت حدود فيها قتل إلّ أحاط القتل بذلك كلّه ‪،‬‬
‫ن المقصود الزّجر وقد حصل ‪ .‬واستثنى المالكيّة من ذلك حدّ القذف ‪ ،‬فقد ذكروا أنّه ل‬
‫ول ّ‬
‫يدخل في القتل ‪ ،‬بل ل بدّ من استيفائه قبله ‪.‬‬
‫وأمّا الشّافعيّة فإنّهم ل يكتفون بالقتل ‪ ،‬ولم يقولوا بالتّداخل في هذه المسألة ‪ ،‬بل يقدّمون الخفّ‬
‫ثمّ الخفّ ‪ ،‬فمن سرق وزنى وهو بكر ‪ ،‬وشرب ولزمه قتل بردّة ‪ ،‬أقيمت عليه الحدود الواجبة‬
‫فيها بتقديم الخفّ ثمّ الخفّ ‪.‬‬
‫الحادي عشر ‪ :‬تداخل الجزية ‪:‬‬
‫‪ -‬ذهب أبو حنيفة إلى أنّ الجزية تتداخل كما إذا اجتمع على الذّ ّميّ جزية عامين ‪ ،‬فل يؤخذ‬ ‫‪21‬‬

‫منه إلّ جزية عام واحد ‪ ،‬لنّ الجزية وجبت عقوبةً للّه تعالى تؤخذ من ال ّذ ّميّ على وجه‬
‫الذلل ‪ .‬والعقوبات الواجبة للّه تعالى إذا اجتمعت ‪ ،‬وكانت من جنس واحد ‪ ،‬تداخلت كالحدود‬
‫‪ ،‬ولنّها وجبت بدلً عن القتل في حقّهم وعن النّصرة في حقّنا ‪ ،‬لكن في المستقبل ل في‬
‫الماضي ‪ ،‬لنّ القتل إنّما يستوفى لحراب قائم في الحال ‪ ،‬ل لحراب ماض ‪ ،‬وكذا النّصرة في‬
‫المستقبل لنّ الماضي وقعت ال ُغنْية عنه ‪.‬‬
‫وذهب الشّافعيّة والحنابلة وأبو يوسف ومحمّد إلى أنّها ل تتداخل ‪ ،‬ول تسقط بمضيّ المدّة ‪،‬‬
‫ن مضيّ المدّة ل تأثير له في إسقاط الواجب كالدّيون ‪.‬‬
‫لّ‬
‫وأمّا خراج الرض فقيل على هذا الخلف ‪ ،‬وقيل ل تداخل فيه بالتّفاق ‪.‬‬
‫وأمّا المالكيّة فإنّهم لم يصرّحوا بتداخل الجزية ‪ ،‬ولكن يفهم التّداخل من قول أبي الوليد ابن‬
‫رشد ‪ :‬ومن اجتمعت عليه جزية سنين ‪ ،‬فإن كان ذلك لفراره بها أخذت منه لما مضى ‪ ،‬وإن‬
‫كان لعسره لم تؤخذ منه ‪ ،‬ول يطالب بها بعد غناه ‪ .‬والتّفصيل في مصطلح ‪ ( :‬جزية ) ‪.‬‬
‫الثّاني عشر ‪ :‬تداخل العددين في حساب المواريث ‪:‬‬
‫‪ -‬العددان في حساب المواريث إمّا أن يكونا متماثلين ‪ ،‬وإمّا أن يكونا مختلفين ‪.‬‬ ‫‪22‬‬

‫وفي حال اختلفهما إمّا أن يفنى الكثر بالقلّ ‪ ،‬وإمّا أن يفنيهما عدد ثالث ‪ ،‬وإمّا أن ل يفنيهما‬
‫إلّ واحد ليس بعدد ‪ ،‬بل هو مبدؤه ‪ ،‬فهذه أربعة أقسام ‪.‬‬
‫وقد وقع التّداخل في القسم الثّاني منها ‪ ،‬وهو ما إذا اختلفا وفني الكثر بالقلّ عند إسقاطه من‬
‫الكثر مرّتين فأكثر منهما ‪ ،‬فيقال حينئذ ‪ :‬إنّهما متداخلن ‪ ،‬كثلثة مع ستّة أو تسعة أو خمسة‬
‫ستّة تفنى بإسقاط الثّلثة مرّتين ‪ ،‬والتّسعة بإسقاطها ثلث مرّات ‪ ،‬والخمسة عشر‬
‫عشر ‪ ،‬فإنّ ال ّ‬
‫بإسقاطها خمس مرّات ‪ ،‬لنّها خمسها ‪ ،‬وسمّيا متداخلين لدخول القلّ في الكثر ‪ .‬وحكم‬
‫العداد المتداخلة ‪ :‬أنّه يكتفى فيها بالكبر ويجعل أصل المسألة ‪.‬‬
‫أمّا في القسام الخرى ‪ ،‬وهي الوّل والثّالث والرّابع ‪ ،‬فل تداخل بين العددين فيها ‪ ،‬لنّ‬
‫العددين إن كانا متماثلين ‪ -‬كما في القسم الوّل ‪ -‬فإنّه يكتفى بأحدهما ‪ ،‬فيجعل أصلً للمسألة‬
‫كالثّلثة والثّلثة مخرجي الثّلث والثّلثين ‪ ،‬لنّ حقيقة المتماثلين إذا سلّط أحدهما على الخر‬
‫أفناه م ّرةً واحدةً ‪ .‬وإن كانا مختلفين ‪ ،‬ول يفنيهما إلّ عدد ثالث ‪ -‬وهو القسم الثّالث ‪ -‬فهما‬
‫ن الفناء حصل بغيرهما ‪ ،‬كأربعة وستّة بينهما موافقة‬
‫متوافقان ‪ ،‬ول تداخل بينهما أيضا ‪ ،‬ل ّ‬
‫ستّة يبقى منهما اثنان ‪ ،‬سلّطهما على الربعة مرّتين‬
‫بالنّصف ‪ ،‬لنّك إذا سلّطت الربعة على ال ّ‬
‫ستّة ‪ ،‬فهما متوافقان بجزء‬
‫تفنى بهما ‪ ،‬فقد حصل الفناء باثنين وهو عدد غير الربعة وال ّ‬
‫الثنين وهو النّصف ‪.‬‬
‫وحكم المتوافقين ‪ :‬أن تضرب وفق أحدهما في كامل الخر ‪ ،‬والحاصل أصل المسألة ‪.‬‬
‫وإن كانا مختلفين ل يفنى أكثرهما بأقلّهما ول بعدد ثالث ‪ ،‬بأن لم يفنهما إلّ الواحد كما في‬
‫القسم الرّابع فهما متباينان ‪ ،‬ول تداخل بينهما أيضا كثلثة وأربعة ‪ ،‬لنّك إذا أسقطت الثّلثة‬
‫من الربعة يبقى واحد ‪ ،‬فإذا سلّطته على الثّلثة فنيت به ‪ .‬وحكم المتباينين أنّك تضرب أحد‬
‫العددين في الخر ‪ .‬والتّفصيل في باب حساب الفرائض ‪ ،‬وينظر مصطلح ‪ ( :‬إرث ) ‪.‬‬

‫تدارك *‬
‫التّعريف ‪:‬‬
‫‪ -‬التّدارك ‪ :‬مصدر تدارك ‪ ،‬وثلثيّه ‪ :‬درك ‪ ،‬ومصدره الدّرك بمعنى ‪ :‬اللّحاق والبلوغ ‪.‬‬ ‫‪1‬‬

‫ومنه الستدراك وللستدراك في اللّغة استعمالن ‪:‬‬


‫الوّل ‪ :‬أن يتستدرك الشّيء بالشّيء ‪.‬‬
‫الثّاني ‪ :‬أن يتلفى ما فرّط في الرّأي أو المر من الخطأ أو النّقص ‪.‬‬
‫وللستدراك في الصطلح معنيان أيضا ‪:‬‬
‫الوّل ‪ ،‬للصوليّين والنّحويّين ‪ :‬وهو رفع ما يتوهّم ثبوته ‪ ،‬أو إثبات ما يتوهّم نفيه ‪.‬‬
‫والثّاني ‪ :‬يرد في كلم الفقهاء ‪ :‬وهو إصلح ما حصل في القول أو العمل من خلل أو قصور‬
‫أو فوات ‪ .‬وقد ورد في كلم الفقهاء التّعبير بالتّدارك في موضع الستدراك ‪ ،‬الّذي هو بمعنى‬
‫فعل الشّيء المتروك بعد محلّه ‪ ،‬سواء أترك سهوا أم عمدا ‪ ،‬ومن ذلك قول الرّمليّ ‪ :‬إذا سلّم‬
‫المام من صلة الجنازة ‪ ،‬تدارك المسبوق باقي التّكبيرات بأذكارها ‪.‬‬
‫وقوله ‪ :‬لو نسي تكبيرات صلة العيد فتذكّرها قبل ركوعه ‪ ،‬أو تعمّد تركها بالولى ‪ -‬وشرع‬
‫في القراءة وإن لم يتمّ فاتحته ‪ -‬فاتت في الجديد فل يتداركها ‪.‬‬
‫ومن ذلك أيضا ما ذكره البهوتيّ ‪ ،‬من أنّه لو دفن الميّت قبل الغسل ‪ ،‬وقد أمكن غسله ‪ ،‬لزم‬
‫نبشه ‪ ،‬وأن يخرج ويغسّل ‪ ،‬تداركا لواجب غسله ‪.‬‬
‫وعلى هذا يمكن تعريف التّدارك في الصطلح الفقهيّ بأنّه ‪ :‬فعل العبادة ‪ ،‬أو فعل جزئها إذا‬
‫ترك المكلّف فعل ذلك في محلّه المقرّر شرعا ما لم يفت ‪.‬‬
‫وبالتّتبّع وجدنا الفقهاء ل يطلقون التّدارك إلّ على ما كان استدراكا في العبادة ‪.‬‬
‫اللفاظ ذات الصّلة ‪:‬‬
‫‪ -‬منها القضاء والعادة والستدراك ‪ ،‬وكذلك الصلح في اصطلح المالكيّة وقد سبق بيان‬ ‫‪2‬‬

‫معانيها ‪ ،‬والتّفريق بينها وبين التّدارك في مصطلح ( استدراك ) ‪.‬‬


‫الحكم التّكليفيّ ‪:‬‬
‫‪ -‬الصل أنّ تدارك ركن العبادة المفروضة فرض ‪ ،‬وذلك إن فات الرّكن لعذر ‪ -‬كنسيان أو‬ ‫‪3‬‬

‫جهل ‪ -‬مع القدرة عليه ‪ ،‬أو فعل على وجه غير مجزئ ‪.‬‬
‫ول يحصل الثّواب المرتّب على الرّكن مع تركه ‪ ،‬لعدم المتثال ‪.‬‬
‫ول تصحّ العبادة إلّ بالتّدارك ‪ .‬فإن لم يتدارك الرّكن في الوقت الّذي يمكن تداركه فيه فسدت‬
‫العبادة ‪ ،‬ووجب الستدراك باستئناف العبادة أو قضائها ‪ ،‬بحسب اختلف الحوال ‪ .‬وأمّا‬
‫تدارك الواجبات والسّنن ففيه تفصيل ‪ .‬ويتّضح ذلك من المثلة المختلفة ‪،‬وبها يتبيّن الحكم ‪.‬‬
‫التّدارك في الوضوء ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬التّدارك في أركان الوضوء ‪:‬‬
‫‪ -‬أركان الوضوء يتحتّم التيان بها ‪ ،‬فإن ترك غسل عضو من الثّلثة أو جزءا منه ‪ ،‬أو‬ ‫‪4‬‬

‫ترك مسح الرّأس ‪ ،‬فإنّه ل بدّ من تداركه ‪ ،‬بالتيان بالفائت من غسل أو مسح ث ّم التيان بما‬
‫بعده ‪ ،‬فمن نسي غسل اليدين ‪ ،‬وتذكّره بعد غسل الرّجلين ‪ ،‬لم يصحّ وضوءه حتّى يعيد غسل‬
‫اليدين ويمسح برأسه ويغسل رجليه ‪.‬‬
‫وهذا على قول من يجعل التّرتيب فرضا في الوضوء ‪ ،‬وهم الشّافعيّة ‪ ،‬وعلى القول المقدّم عند‬
‫الحنابلة ‪ .‬أمّا من أجازوا الوضوء دون ترتيب ‪ ،‬وهم الحنفيّة والمالكيّة ‪ ،‬فيجزئ عندهم‬
‫التّدارك بغسل المتروك وحده ‪ .‬وإعادة ما بعده مستحبّ ‪ ،‬وليس واجبا ‪.‬‬
‫ولو ترك غسل اليمنى من اليدين أو الرّجلين ‪ ،‬وتذكّره بعد غسل اليسرى ‪ ،‬أجزأه غسل اليمنى‬
‫فقط ‪ ،‬ول يلزمه غسل اليسرى اتّفاقا ‪ ،‬لنّهما بمنزلة عضو واحد ‪.‬‬
‫وإنّما يجزئ التّدارك بالتيان بالفائت وما بعده ‪ ،‬أو بالفائت وحده ‪ -‬على القولين المذكورين ‪-‬‬
‫إن لم تفت الموالة عند من أوجبها ‪ ،‬فإن طال الفصل ‪ ،‬وفاتت الموالة ‪ ،‬فل ب ّد من إعادة‬
‫الوضوء كلّه ‪ .‬أمّا من لم يوجب الموالة ‪ -‬وذلك مذهب الحنفيّة والشّافعيّة ‪ -‬فإنّه يجزئ عندهم‬
‫التّدارك بغسل الفائت وحده ‪ .‬وفي المسألة تفصيلت يرجع إليها في ( وضوء ) ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬التّدارك في واجبات الوضوء ‪:‬‬
‫‪ -‬ليس للوضوء ول للغسل واجبات عند بعض الفقهاء ‪.‬‬ ‫‪5‬‬
‫ومن واجبات الوضوء عند الحنابلة مثلً التّسمية في أوّله ‪ -‬وليست ركنا في الوضوء عندهم ‪-‬‬
‫قالوا ‪ :‬وتسقط لو تركها سهوا ‪ .‬وإن ذكرها في أثناء الوضوء سمّى وبنى ‪ ،‬أي فل يلزمه‬
‫الستئناف ‪ .‬قالوا ‪ :‬لنّه لمّا عفي عنها مع السّهو في جملة الطّهارة ‪ ،‬ففي بعضها أولى ‪ .‬وهو‬
‫المذهب خلفا لما صحّحه في النصاف ‪.‬‬
‫ج ‪ -‬التّدارك في سنن الوضوء ‪:‬‬
‫‪ -‬أمّا سنن الوضوء فقد صرّح المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة بعدم مشروعيّة تداركها إذا فات‬ ‫‪6‬‬

‫محلّها ‪ .‬فيرى المالكيّة أنّ سنّة الوضوء يطالب بإعادتها لو نكّسها سهوا أو عمدا ‪ ،‬طال الوقت‬
‫أو قصر ‪ .‬أمّا لو تركها بالكّليّة عمدا أو سهوا ‪ -‬وذلك منحصر عندهم في المضمضة‬
‫والستنشاق ومسح الذنين ‪ -‬قال الدّردير ‪ :‬يفعلها استنانا دون ما بعدها طال التّرك أو ل ‪.‬‬
‫وإنّما لم تجب إعادة ما بعده لندب ترتيب السّنن في نفسها ‪ ،‬أو مع الفرائض ‪.‬‬
‫والمندوب ‪ -‬كما قال الدّسوقيّ ‪ -‬إذا فات ل يؤمر بفعله لعدم التّشديد فيه ‪ ،‬وإنّما يتداركها لما‬
‫يستقبل من الصّلوات ‪ ،‬ل إن أراد مجرّد البقاء على طهارة ‪ ،‬إلّ أن يكون بالقرب ‪ ،‬أي‬
‫بحضرة الماء وقبل فراغه من الوضوء ‪.‬‬
‫وكذلك عند الشّافعيّة ‪ :‬لو قدّم مؤخّرا ‪ ،‬كأن استنشق قبل المضمضة ‪ -‬وهما عندهم سنّتان ‪-‬‬
‫قال الرّمليّ ‪ :‬يحتسب ما بدأ به ‪ ،‬وفات ما كان محلّه قبله على الصحّ في الرّوضة ‪ ،‬خلفا لما‬
‫في المجموع ‪ ،‬أي فل يتداركه بعد ذلك ‪ ،‬وهذا قولهم في سنن الوضوء بصفة عامّة ‪ ،‬فيحسب‬
‫منها ما أوقعه أوّلً ‪ ،‬فكأنّه ترك غيره ‪ ،‬فل يعتدّ بفعله بعد ذلك ‪.‬‬
‫لكن في التّسمية في أوّل الوضوء ‪ -‬وهي سنّة عندهم ‪ -‬قالوا ‪ :‬إن تركها عمدا أو سهوا ‪ -‬أو‬
‫فـي أوّل طعام أو شراب كذلك ‪ -‬يأتـي بهـا فـي أثنائه تداركا لمـا فاتـه ‪ ،‬فيقول ‪ :‬بسـم اللّه أوّله‬
‫وآخره ‪ ،‬ول يأ تي ب ها ب عد فرا غه من الوضوء ‪ ،‬بخلف ال كل ‪ ،‬فإنّه يأ تي ب ها بعده ‪ .‬و شبيه‬
‫سنّة ‪ ،‬بل‬
‫بهذا ما عند الحنفيّة ‪ .‬حيث قالوا ‪ :‬لو نسيها ‪ ،‬فسمّى في خلل الوضوء ل تحصل ال ّ‬
‫سنّة في باقيه ‪ .‬وهل‬
‫المندوب ‪ ،‬فيأتي بها لئلّ يخلو وضوءه منها ‪ .‬وأمّا في الطّعام فتحصل ال ّ‬
‫تكون التّسمية أثناءه استدراكا لما فات ‪ ،‬فتحصل فيه ‪ ،‬أم ل تحصل ؟ ‪.‬‬
‫قال شارح المنية ‪ :‬الولى أنّها استدراك ‪ ،‬لقول النّبيّ صلى ال عليه وسلم ‪ « :‬إذا أكل أحدكم‬
‫فلْيذكر اسم اللّه تعالى ‪ ،‬فإن نسي أن يذكرَ اسمَ اللّه في أوّله فليقل ‪ :‬بسم اللّه أوّله وآخره »‬
‫سنّة أيضا‪،‬‬
‫‪.‬وقال ابن عابدين ‪ :‬إذا قال في الوضوء بسم اللّه أوّله وآخره ‪ ،‬حصل استدراك ال ّ‬
‫بدللة الّنصّ ‪.‬‬
‫‪ -7‬أمّا المضمضة والستنشاق في الوضوء عند الحنابلة ففعلهما فرض ‪ ،‬لنّ الفم والنف من‬
‫أجزاء الوجه ‪ ،‬وليسا من سنن الوضوء ‪ ،‬ولذا فل يجب التّرتيب فيما بينهما ‪.‬‬
‫ويجب أن يتدارك المضمضة بعد الستنشاق ‪ ،‬أو بعد غسل الوجه ‪ ،‬وحتّى بعد غسل سائر‬
‫العضاء ‪ ،‬إلّ أنّه إن تذكّرهما بعد غسل اليدين تداركهما وغسل ما بعدهما كما تقدّم ‪.‬‬
‫التّدارك في الغسل ‪:‬‬
‫‪ -‬التّرتيب والموالة في الغسل غير واجبين عند جمهور الفقهاء ‪.‬‬ ‫‪8‬‬

‫وقال اللّيث ‪ :‬ل بدّ من الموالة ‪ .‬واختلف فيه عن المام مالك ‪ ،‬والمقدّم عند أصحابه ‪ :‬وجوب‬
‫الموالة ‪ ،‬وفيه وجه لصحاب المام الشّافعيّ ‪ .‬فعلى قول الجمهور ‪ :‬إذا توضّأ مع الغسل لم‬
‫يلزم التّرتيب بين أعضاء الوضوء ‪ .‬من أجل ذلك فإنّه لو ترك غسل عضو أو لمعة من عضو‬
‫‪ ،‬سواء أكان في أعضاء الوضوء أم في غيرها ‪ ،‬تدارك المتروك وحده بعد ‪ ،‬طال الوقت أو‬
‫قصر ‪ ،‬ولو غسل بدنه إلّ أعضاء الوضوء تداركها ‪ ،‬ولم يجب التّرتيب بينها ‪ .‬ومن أجل ذلك‬
‫قال الشّافعيّة ‪ :‬لو ترك الوضوء في الغسل ‪ ،‬أو المضمضة أو الستنشاق كره له ‪ ،‬ويستحبّ له‬
‫أن يأتي به ولو طال الفصل دون إعادة للغسل ‪.‬‬
‫ويجب تداركهما عند الحنفيّة والحنابلة ‪ ،‬إذ هما واجبان في الغسل عندهم ‪ ،‬بخلفهما في‬
‫الوضوء ‪ ،‬فهما فيه سنّة عند الحنفيّة ‪ ،‬وليسا بواجبين ‪.‬‬
‫تدارك غسل الميّت ‪:‬‬
‫‪ -‬عند المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة لو دفن الميّت دون غسل ‪ ،‬وقد أمكن غسله ‪ ،‬لزم نبشه‬ ‫‪9‬‬

‫وأن يخرج ويغسّل ‪ ،‬تداركا لواجب غسله ‪ .‬أي ما لم يخش تغيّره ‪ ،‬كما صرّح به المالكيّة‬
‫والشّافعيّة ‪ .‬وكذلك تكفينه والصّلة عليه يجب تداركهما بنبشه ‪ .‬قال الدّردير ‪ :‬وتدورك ندبا‬
‫بالحضرة ‪ -‬وهي ما قبل تسوية التّراب عليه ‪ -‬ومثال المخالفة الّتي تتدارك ‪ :‬تنكيس رجليه‬
‫موضع رأسه ‪ ،‬أو وضعه غير مستقبل القبلة ‪ ،‬أو على ظهره ‪ ،‬وكترك الغسل ‪ ،‬أو الصّلة‬
‫عليه ‪ ،‬ودفن من أسلم بمقبرة الكفّار ‪ ،‬فيتدارك إن لم يخف عليه التّغيّر ‪.‬‬
‫ق اللّه تعالى ‪ ،‬كما لو دفن دون‬
‫أمّا عند الحنفيّة ‪ :‬فل ينبش الميّت إذا أهيل عليه التّراب لح ّ‬
‫غسل أو صلة ‪ ،‬ويصلّى على قبره دون غسل ‪.‬‬
‫التّدارك في الصّلة ‪:‬‬
‫ن في مشروعيّة‬
‫‪ -‬إذا ترك المصلّي شيئا من صلته ‪ ،‬أو فعله على وجه غير مجزئ ‪ ،‬فإ ّ‬ ‫‪10‬‬

‫تداركه تفصيلً ‪:‬‬


‫أ ‪ -‬تدارك الركان ‪:‬‬
‫‪ -‬إن كان المتروك ركنا ‪ ،‬وكان تركه عمدا ‪ ،‬بطلت صلته حالً لتلعبه ‪ .‬وإن تركه سهوا‬ ‫‪11‬‬

‫أو شكّ في تركه وجب تداركه بفعله ‪ ،‬وإلّ لم تصحّ الرّكعة الّتي ترك ركنا منها ‪ ،‬فإنّ الرّكن‬
‫ل يسقط عمدا ول سهوا ول جهلً ول غلطا ‪ ،‬ويعيد ما بعد المتروك لوجوب التّرتيب ‪ .‬وفي‬
‫كيفيّة تداركه اختلف وتفصيل بين أصحاب المذاهب يرجع إليه في ( أركان الصّلة وسجود‬
‫السّهو ) ‪ .‬وقد يشرع سجود السّهو مع تداركه ‪ ،‬على ما في سجود السّهو من الخلف ‪ ،‬في‬
‫كونه واجبا أو مستحبّا على ما هو مفصّل في سجود السّهو ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬تدارك الواجبات ‪:‬‬
‫‪ -‬ليس عند المالكيّة والشّافعيّة واجبات للصّلة غير الركان ‪.‬‬ ‫‪12‬‬

‫وعند الحنفيّة واجبات الصّلة ل تفسد الصّلة بتركها ‪ ،‬بل يجب سجود السّهو إن كان تركه‬
‫سهوا ‪ ،‬وتجب إعادتها إن كان عمدا مع الحكم بإجزاء الولى ‪.‬‬
‫أمّا عند الحنابلة ‪ :‬فواجبات الصّلة ‪ -‬كالتّشهّد الوّل ‪ ،‬والتّكبير للنتقال ‪ ،‬وتسبيح الرّكوع‬
‫والسّجود ‪ -‬فإن ترك شيئا من ذلك عمدا بطلت صلته ‪ .‬وإن تركه سهوا ثمّ تذكّره ‪ ،‬فإنّه يجب‬
‫تداركه ما لم يفت محلّه ‪ ،‬بانتقاله بعده إلى ركن مقصود ‪ ،‬إذ ل يعود بعده لواجب ‪ .‬فيرجع إلى‬
‫تسبيح ركوع قبل اعتدال ل بعده ‪ ،‬ويرجع إلى التّشهّد الوّل ما لم يشرع في قراءة الرّكعة‬
‫ل الواجب ‪ -‬كما لو شرع في القراءة من ترك التّشهّد الوّل ‪ -‬لم يجز‬
‫الثّالثة ‪ .‬ثمّ إن فات مح ّ‬
‫الرّجوع إليه ‪ .‬وفي كل الحالين يجب سجود السّهو ‪.‬‬
‫ت ‪ -‬تدارك سنن الصّلة ‪:‬‬
‫‪ -‬السّنن ل تبطل الصّلة بتركها ولو عمدا ‪ ،‬ول تجب العادة ‪ ،‬وإنّما حكم تركها ‪ :‬كراهة‬ ‫‪13‬‬

‫التّنزيه ‪ ،‬كما صرّح به الحنفيّة ‪.‬‬


‫وعند المالكيّة ‪ :‬إن نسي سنّةً من سنن الصّلة يستدركها ما لم يفت محلّها ‪ ،‬فلو ترك التّشهّد‬
‫ل فقد فات ‪.‬‬
‫الوسط ‪ ،‬وتذكّر قبل مفارقته الرض بيديه وركبتيه ‪ ،‬يرجع للتيان به ‪ ،‬وإ ّ‬
‫وأمّا السّجود للسّهو بترك سنّة ‪ ،‬فعندهم في ذلك تفصيلت يرجع إليها في( سجود السّهو )‪.‬‬
‫والسّنن عند الشّافعيّة نوعان ‪ :‬نوع هو أبعاض يشرع سجود السّهو لتركها عمدا أو سهوا ‪،‬‬
‫كالقنوت ‪ ،‬وقيامه ‪ ،‬والتّشهّد الوّل ‪ ،‬وقعوده ‪،‬والصّلة على النّبيّ صلى ال عليه وسلم فيه‪.‬‬
‫ونوع ل يشرع السّجود لتركه ‪ ،‬كأذكار الرّكوع والسّجود ‪ ،‬فإن سجد لشيء منها عامدا بطلت‬
‫صلته ‪ ،‬لنّه زاد على الصّلة من جنس أفعالها ما ليس منها ‪ ،‬إلّ أن يعذر بجهله ‪.‬‬
‫وعلى كلّ حال فل يتدارك شيء من ذلك عندهم إذا فات محلّه ‪ ،‬كالستفتاح إذا شرع في‬
‫القراءة ‪ .‬وكذا عند الحنابلة ل تتدارك السّنن إذا فات محلّها ‪ ،‬كما إذا ترك الستفتاح حتّى تعوّذ‬
‫‪ ،‬أو ترك التّعوّذ حتّى بسمل ‪ ،‬أو ترك البسملة حتّى شرع في القراءة ‪ ،‬أو ترك التّأمين حتّى‬
‫شرع في السّورة ‪ .‬لكن إن لم يكن استعاذ في الولى عمدا أو نسيانا يستعيذ في الرّكعة الثّانية ‪.‬‬
‫وليس ذلك من باب تدارك التّعوّذ الفائت ‪ ،‬ولكن إنّما يستعيذ للقراءة الثّانية ‪.‬‬
‫وكما ل تتدارك السّنن إذا فات محلّها ‪ ،‬فكذلك ل يشرع السّجود لترك شيء منها سهوا أو عمدا‬
‫‪ ،‬قوليّةً كانت أو فعليّةً ‪ ،‬وإن سجد لذلك فل بأس ‪.‬‬
‫ث ‪ -‬تدارك المسبوق ما فاته من الصّلة مع الجماعة ‪:‬‬
‫‪ -‬من جاء متأخّرا عن تكبيرة الحرام ‪ ،‬فدخل مع المام ‪ ،‬ل يتدارك ما فاته من الرّكعة‬ ‫‪14‬‬

‫معه إن أدركه قبل الرّفع من الرّكوع ‪ ،‬فإن أدركه في الرّفع من الرّكوع أو بعد ذلك فاتته‬
‫الرّكعة ووجب عليه تداركها ‪.‬‬
‫وفي ذلك تفصيل وأحكام مختلفة تنظر في صلة الجماعة ( صلة المسبوق ) ‪.‬‬
‫ج ‪ -‬تدارك سجود السّهو ‪:‬‬
‫‪ -‬لو نسي من سها في صلته ‪ ،‬ث ّم انصرف من غير أن يسجد للسّهو حتّى سلّم ‪ ،‬ثمّ تذكّره‬ ‫‪15‬‬

‫عن قرب ‪ ،‬يتداركه ‪ .‬وفي ذلك خلف وتفصيل ينظر في باب ( سجود السّهو ) ‪.‬‬
‫ح ‪ -‬تدارك النّاسي للتّكبير في صلة العيد ‪:‬‬
‫‪ -‬إذا نسي تكبيرات صلة العيد حتّى شرع في القراءة ‪ ،‬فاتت فل يتداركها في الرّكعة‬ ‫‪16‬‬

‫نفسها ‪ ،‬لنّها سنّة فات محلّها ‪ ،‬كما لو نسي الستفتاح أو التّعوّذ ‪ ،‬وهذا قول الشّافعيّة والحنابلة‬
‫‪ .‬ولنّه إن أتى بالتّكبيرات ثمّ عاد إلى القراءة ‪ ،‬فقد ألغى القراءة الولى ‪ ،‬وهي فرض يصحّ‬
‫أن يعتدّ به ‪ ،‬وإن لم يعد إلى القراءة فقد حصلت التّكبيرات في غير محلّها ‪.‬‬
‫لكن عند الشّافعيّة ‪ -‬كما قال الشبراملسي ‪ -‬يسنّ إذا نسي تكبيرات الرّكعة الولى أن يتداركها‬
‫في الرّكعة الثّانية مع تكبيراتها ‪ ،‬كما في قراءة سورة ( الجمعة ) في الرّكعة الولى من صلة‬
‫ن له أن يقرأها مع سورة ( المنافقون ) في الرّكعة الثّانية ‪.‬‬
‫الجمعة ‪ ،‬فإنّه إذا تركها فيها س ّ‬
‫وعند الحنفيّة ‪ :‬يتدارك التّكبيرات إذا نسيها ‪ ،‬سواء أذكرها أثناء القراءة أم بعد القراءة أثناء‬
‫الرّكوع ‪ .‬فإن نسيها حتّى رفع رأسه من الرّكوع فاتت فل يكبّر ‪.‬‬
‫غير أنّه إن ذكر أثناء قراءة الفاتحة وبعدها ‪ ،‬قبل أن يضمّ إليها السّورة ‪ ،‬يعيد بعد التّكبير‬
‫ن القراءة تمّت فل‬
‫قراءة الفاتحة وجوبا ‪ ،‬وإن ذكر بعد ض ّم السّورة كبّر ولم يعد القراءة ‪ ،‬ل ّ‬
‫يحتمل النّقض ‪ .‬وقول المالكيّة في هذه المسألة قريب من قول الحنفيّة ‪ ،‬فإنّهم يقولون ‪ :‬إنّ‬
‫ناسي التّكبير كلّا أو بعضا يكبّر حيث تذكّر في أثناء القراءة أو بعدها ما لم يركع ‪ .‬ويعيد‬
‫القراءة استحبابا ‪ ،‬ويسجد للسّهو ‪ ،‬لنّ القراءة الولى وقعت في غير محلّها ‪ .‬فإن ركع قبل أن‬
‫ل التّدارك ‪ ،‬ول يرجع للتّكبير ‪ ،‬فإن رجع فالظّاهر البطلن‪.‬‬
‫يتذكّر التّكبير تمادى لفوات مح ّ‬
‫خ ‪ -‬تدارك المسبوق تكبيرات صلة العيد ‪:‬‬
‫‪ -‬عند الحنفيّة يتدارك المسبوق ما فاته من تكبيرات صلة العيد ‪ ،‬فيكبّر للفتتاح قائما ‪ ،‬فإن‬ ‫‪17‬‬

‫أمكنه أن يأتي بالتّكبيرات ويدرك الرّكوع فعل ‪ ،‬وإن لم يمكنه ركع ‪ ،‬واشتغل بالتّكبيرات وهو‬
‫راكع عند أبي حنيفة ومحمّد ‪ ،‬خلفا لبي يوسف ‪ ،‬وإن رفع المام رأسه سقط عنه ما بقي من‬
‫التّكبير ‪ ،‬وإن أدركه بعد رفع رأسه قائما ل يأتي بالتّكبير ‪ ،‬لنّه يقضي الرّكعة مع تكبيراتها ‪.‬‬
‫وعند المالكيّة ‪ :‬يتداركها إن أدرك القراءة مع المام ‪ ،‬ل إذا أدركه راكعا ‪ .‬ثمّ إن أدركه في‬
‫أثناء التّكبيرات يتابع المام فيما أدركه معه ‪ ،‬ثمّ يأتي بما فاته ‪.‬‬
‫ول يكبّر ما فاته خلل تكبير المام ‪ .‬وإن أدركه في القراءة كبّر أثناء قراءة المام ‪.‬‬
‫وعند الشّافعيّة في الجديد ‪ ،‬والحنابلة ‪ :‬إن حضر المأموم ‪ ،‬وقد سبقه المام بالتّكبيرات أو‬
‫ببعضها ‪ ،‬لم يتدارك شيئا ممّا فاته ‪ ،‬لنّه ذكر مسنون فات محلّه ‪.‬‬
‫وفي القديم عند الشّافعيّة يقضي ‪،‬لنّ محلّه القيام وقد أدركه ‪ .‬قال الشّيرازيّ ‪ :‬وليس بشيء‪.‬‬
‫التّدارك في الحجّ ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬التّدارك في الحرام ‪:‬‬
‫‪ -‬إن تجاوز الّذي يريد الحجّ الميقات دون أن يحرم ‪ ،‬فعليه دم إن أحرم من مكانه ‪.‬‬ ‫‪18‬‬

‫لكن إن تدارك ما فاته بالرّجوع إلى الميقات والحرام منه فل دم عليه ‪.‬‬
‫وهذا باتّفاق إن رجع قبل أن يحرم ‪ ،‬أمّا إن أحرم من مكانه دون الميقات ‪ ،‬ثمّ رجع إليه ‪ ،‬فقد‬
‫قيل ‪ :‬يستقرّ الدّم عليه ول ينفعه التّدارك ‪ .‬وقيل ‪ :‬ينفعه ‪.‬‬
‫وفي ذلك تفصيل وخلف يرجع إليه في مصطلح ( إحرام ) ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬التّدارك في الطّواف ‪:‬‬
‫حجْر بعض طوافه ‪ ،‬لم‬
‫‪ -‬إن ترك جزءا من الطّواف المشروع ‪ ،‬كما لو طاف داخل ال ِ‬ ‫‪19‬‬

‫يصحّ حتّى يأتي بما تركه ‪ ،‬قال الحنابلة وبعض الشّافعيّة ‪ :‬في وقت قريب ‪ ،‬لشتراط الموالة‬
‫بين الطّوافات ‪.‬‬
‫ولم يشترط البعض الموالة ‪ ،‬وممّن قال ذلك ‪ :‬سائر الشّافعيّة ‪ ،‬بل هو عندهم مستحبّ ‪ .‬ونصّ‬
‫شكّ‬
‫الشّافعيّة على أنّه إن شكّ في شيء من شروط حجّه يجب التّدارك ما لم يتحلّل ‪ ،‬ول يؤثّر ال ّ‬
‫بعد الفراغ ‪.‬‬
‫وعند الحنفيّة غير ابن الهمام ‪ :‬الفرض في الطّواف أكثره ‪ -‬وهو أربع طوفات ‪ -‬وما زاد‬
‫واجب ‪ ،‬أمّا عند ابن الهمام فالسّبع كلّها فرض ‪ ،‬كقول جمهور الفقهاء ‪ .‬وعلى قول جمهور‬
‫الحنفيّة إن ترك ثلث طوفات من طواف الزّيارة أو أقلّ صحّ طوافه لفرضه ‪ ،‬وعليه دم لما‬
‫نقص من الواجب ‪ .‬لكن إن تدارك فطاف الشواط الباقية صحّ وسقط عنه الدّم ‪ ،‬ولو كان‬
‫طوافه بعد فترة ‪ ،‬بشرط أن يكون إيقاع الطّوفات المتمّمة قبل آخر أيّام التّشريق ‪.‬‬
‫وإن ترك الحاجّ طواف القدوم ‪ ،‬أو تبيّن أنّه طاف للقدوم على غير طهارة ‪ ،‬فل يلزمه التّدارك‬
‫عند الجمهور ‪ ،‬لنّه مستحبّ غير واجب بالنّسبة للمفرد ‪ ،‬قال الشّافعيّة ‪ :‬وفي فواته بالتّأخير ‪-‬‬
‫أي عن قدوم مكّة ‪ -‬وجهان ‪ ،‬أصحّهما ‪ :‬ل يفوت إلّ بالوقوف بعرفة ‪ ،‬وإذا فات فل يقضى ‪.‬‬
‫على أنّه ينبغي ملحظة أنّ من ترك طواف القدوم ‪ ،‬أو طافه ولم يصحّ له ‪ ،‬كأن طافه محدثا‬
‫ل من شرط لصحّة السّعي أن يتقدّمه الطّواف ‪ ،‬وقد‬
‫ولم يتداركه ‪ ،‬فعليه إعادة السّعي عند ك ّ‬
‫صرّح بذلك المالكيّة ( ر ‪ :‬سعي ) ‪.‬‬
‫وقال الحنفيّة ‪ :‬إن طاف للقدوم ‪ ،‬أو تطوّعا على غير طهارة ‪ ،‬فعليه دم إن كان جنبا ‪ ،‬لوجوب‬
‫الطّواف بالشّروع فيه ‪ ،‬وإن كان محدثا فعليه صدقة ل غير ‪ .‬ويمكنه التّدارك بإعادة‬
‫الطّواف ‪ ،‬فيسقط عنه الدّم أو الصّدقة ‪ .‬والحكم عند الحنفيّة كذلك في طواف الوداع ‪ .‬أمّا‬
‫الرّمل والضطباع في الطّواف فهما سنّتان في حقّ الرّجال ‪ ،‬في الشواط الثّلثة الولى من‬
‫طواف القدوم خاصّةً ‪ ،‬فلو تركهما فل شيء عليه ‪ ،‬ول يشرع له تداركهما ‪ ،‬ومثلهما ترك‬
‫الرّمل بين الميلين ( الخضرين ) في السّعي بين الصّفا والمروة ‪ .‬وهذا مذهب الحنابلة ‪ ،‬وهو‬
‫الصحّ أو الظهر عند الشّافعيّة ‪ ،‬وهو ظاهر كلم الحنفيّة ‪ ،‬قال ابن الهمام ‪ :‬إن ترك الرّمل‬
‫في أشواط الطّواف الولى ل يرمل بعد ذلك ‪ .‬وقال المالكيّة ‪ ،‬وهو قول خلف الظهر عند‬
‫الشّافعيّة ‪ ،‬وقول القاضي من الحنابلة ‪ :‬أنّه يقضي الضطباع في طواف الفاضة ‪.‬‬
‫ت ‪ -‬التّدارك في السّعي ‪:‬‬
‫ج المفرد إن لم يسع بعد طواف القدوم وجب عليه تدارك السّعي ‪ ،‬فيسعى بعد طواف‬
‫‪ -‬الحا ّ‬ ‫‪20‬‬

‫الفاضة ول بدّ ‪ ،‬وإلّ لم يصحّ حجّه عند الجمهور ‪ ،‬لنّ السّعي عندهم ركن ‪.‬‬
‫وهو عند الحنفيّة ‪ ،‬وفي قول القاضي من الحنابلة ‪ :‬واجب فقط ‪ ،‬فإن لم يتداركه يجبر بدم‬
‫وحجّه تامّ ‪ .‬وهذا إن كان المتروك السّعي كلّه أو أكثره ‪ ،‬فإن كان المتروك ثلثة أشواط أو أقلّ‬
‫فليس عليه عند الحنفيّة إلّ التّصدّق بنصف صاع عن كلّ شوط ‪ ،‬وكلّ هذا عندهم إن كان‬
‫التّرك بل عذر ‪ ،‬فإن كان بعذر فل شيء عليه ‪ ،‬وهذا في جميع واجبات الحجّ ‪.‬‬
‫ولو سعى بين الصّفا والمروة فترك بعض الشواط عمدا أو نسيانا ‪ ،‬أو ترك في بعضها أن‬
‫يصل إلى الصّفا أو إلى المروة لم يصحّ سعيه ‪ ،‬ولو كان ما تركه ذراعا واحدا ‪ ،‬وعليه أن‬
‫يتدارك ما فاته ‪ ،‬ويمكن التّدارك بالتيان بالبعض الّذي تركه ولو بعد أيّام ‪.‬‬
‫ول يلزمه إعادة السّعي كلّه ‪ ،‬لنّ الموالة غير مشترطة فيه بخلف الطّواف بالبيت ‪.‬‬
‫وقيل ‪ :‬هي مشترطة في السّعي أيضا ‪ ،‬وهو أحد قولي الشّافعيّة ‪.‬‬
‫ن الشّوط الوّل ل يعتبر ‪ ،‬لنّ « النّبيّ صلى ال‬
‫ومثل ذلك ‪ :‬ما لو سعى مبتدئا بالمروة ‪ ،‬فإ ّ‬
‫عليه وسلم قرأ قول اللّه تعالى ‪ { :‬إنّ الصّفَا والمرو َة منْ شعائرِ اللّهِ } الية ثمّ قال ‪ :‬نبدأ بما‬
‫بدأ اللّه به » وفي رواية « ابدءوا بما بدأ اللّه به » ‪.‬‬
‫ث ‪ -‬الخطأ في الوقوف ‪:‬‬
‫‪ -‬إذا وقف الحجيج يوم العاشر من شهر ذي الحجّة ‪ ،‬وتبيّن خطؤهم ‪ ،‬فالحنفيّة والمالكيّة‬ ‫‪21‬‬

‫والحنابلة ‪ ،‬وهو مقابل الصحّ عند الشّافعيّة أنّه أجزأهم الوقوف ول يعيدون ‪ ،‬دفعا للحرج‬
‫الشّديد ‪ ،‬وقال الشّافعيّة ‪ :‬إنّه يجزئهم الوقوف إلّ أن يقلّوا على خلف العادة في الحجيج ‪،‬‬
‫فيقضون هذا الحجّ في الصحّ ‪ ،‬لنّه ليس في قضائهم مشقّة عامّة ‪.‬‬
‫أمّا إذا وقفوا في اليوم الثّامن ‪ ،‬ثمّ علموا بخطئهم ‪ ،‬وأمكنهم التّدارك قبل الفوات ‪ ،‬أعادوا عند‬
‫الجمهور ( الحنفيّة والمالكيّة والشّافعيّة ‪ ،‬وهو رواية أيضا عند الحنابلة ) والرّواية الخرى عند‬
‫الحنابلة أنّه يجزئهم الوقوف دون تدارك ‪ ،‬لنّهم لو أعادوا الوقوف لتعدّد ‪ ،‬وهو بدعة ‪ ،‬كما‬
‫قال الشّيخ ابن تيميّة ‪.‬‬
‫أمّا لو علموا بخطئهم ‪ ،‬بحيث ل يمكنهم التّدارك ‪ ،‬للفوات ‪ ،‬فالحكم في المعتمد عند المالكيّة ‪،‬‬
‫والصحّ عند الشّافعيّة ‪ :‬أنّه ل يجزئهم هذا الوقوف ‪ ،‬ويجب عليهم القضاء لهذا الحجّ ‪ .‬وفرّقوا‬
‫بين تأخير العبادة عن وقتها وتقديمها عليه بأنّ التّأخير أقرب إلى الحتساب من التّقديم ‪ ،‬وبأنّ‬
‫اللّفظ في التّقديم يمكن الحتراز عنه ‪ ،‬لنّه يقع الغلط في الحساب ‪ ،‬أو الخلل في الشّهود الّذين‬
‫شهدوا بتقديم الهلل ‪ ،‬والغلط بالتّأخير قد يكون بالغيم المانع من رؤية الهلل ‪ ،‬ومثل ذلك ل‬
‫يمكن الحتراز عنه ‪ .‬وهذا أحد التّخريجين عن الحنفيّة ‪.‬‬
‫وعند الحنابلة ‪ ،‬وهو التّخريج الخر عند الحنفيّة ‪ :‬أنّه يجزئهم ‪ ،‬ول قضاء عليهم ‪ ،‬لنّ‬
‫الوقوف مرّتين في عام واحد بدعة ‪ -‬كما يقول الحنابلة ‪ -‬ولنّ القول بعدم الجزاء فيه حرج‬
‫بيّن ‪ -‬كما يقول الحنفيّة ‪. -‬‬
‫ج ‪ -‬التّدارك في وقوف عرفة ‪:‬‬
‫ج الوقوف بعرفة عمدا أو نسيانا أو جهلً حتّى طلع فجر يوم النّحر لم يصحّ‬
‫‪ -‬لو ترك الحا ّ‬ ‫‪22‬‬

‫حجّه ‪ ،‬فل يمكن التّدارك بعد ذلك ‪ ،‬وعليه أن يحلّ بعمرة ‪.‬‬
‫ولو وقف نهارا ‪ ،‬ثمّ دفع قبل الغروب ‪ ،‬فقد أتى بالرّكن ‪ ،‬وترك واجب الوقوف في جزء من‬
‫اللّيل ‪ ،‬فيكون عليه دم وجوبا عند الحنفيّة والحنابلة ‪ ،‬وهو قول عند الشّافعيّة ‪.‬‬
‫لكنّ الرّاجح عند الشّافعيّة استحباب إراقة الدّم ‪ ،‬لنّ أخذ جزء من اللّيل على هذا القول سنّة ل‬
‫غير ‪ ،‬وإنّما يستحبّ الدّم خروجا من خلف من أوجبه ‪.‬‬
‫ولو تدارك ما فاته بالرّجوع إلى عرفة قبل غروب الشّمس ‪ ،‬وبقي إلى ما بعد الغروب سقط‬
‫عنه الدّم اتّفاقا ‪ .‬ولو رجع بعد الغروب وقبل طلوع الفجر سقط عنه الدّم عند الجمهور ‪ ،‬خلفا‬
‫ن الدّم عندهم لزمه بالدّفع من عرفة ‪ ،‬فل يسقط بالرّجوع إليها ‪.‬‬
‫للحنفيّة ‪ ،‬ل ّ‬
‫أمّا عند المالكيّة فل يدفع الحاجّ من عرفة إلّ بعد غروب الشّمس ‪ ،‬فإن دفع قبل الغروب فعليه‬
‫العود ليلً ( تداركا ) وإلّ بطل حجّه ‪.‬‬
‫ح ‪ -‬تدارك الوقوف بالمزدلفة ‪:‬‬
‫‪ -‬عند الشّافعيّة والحنابلة الوجود بمزدلفة واجب ولو لحظةً ‪ ،‬بشرط أن يكون ذلك في‬ ‫‪23‬‬

‫النّصف الثّاني من اللّيل بعد الوقوف بعرفة ‪ ،‬ول يشترط المكث ‪ ،‬بل يكفي مجرّد المرور بها‪.‬‬
‫ومن دفع من مزدلفة قبل منتصف اللّيل ‪ ،‬وعاد إليها قبل الفجر فل شيء عليه ‪ ،‬لنّه أتى‬
‫بالواجب ‪ ،‬فإن لم يعد بعد نصف اللّيل حتّى طلع الفجر فعليه دم على الرجح ‪.‬‬
‫أمّا عند الحنفيّة ‪ :‬فيجب الوقوف بمزدلفة بعد طلوع الفجر إلى طلوع الشّمس ‪ ،‬وعليه أن يقف‬
‫في ذلك الوقت ولو لحظةً ‪ ،‬فإن ترك الوقوف لعذر فل شيء عليه ‪ ،‬والعذر كأن يكون به‬
‫ضعف أو علّة أو كانت امرأة تخاف الزّحام ‪ ،‬وإن أفاض من مزدلفة قبل ذلك ل لعذر فعليه دم‬
‫‪ .‬وظاهر أنّه إن تدارك الوقوف بالرّجوع إلى مزدلفة قبل طلوع الشّمس سقط عنه الدّم ‪ .‬وعند‬
‫المالكيّة ‪ :‬النّزول بمزدلفة بقدر حطّ الرّحال ‪ -‬وإن لم تحطّ بالفعل ‪ -‬واجب ‪ ،‬فإن لم ينزل بها‬
‫بقدر حطّ الرّحال حتّى طلع الفجر فالدّم واجب عليه إلّ لعذر ‪ ،‬فإن ترك النّزول لعذر فل شيء‬
‫عليه ‪.‬‬
‫خ ‪ -‬تدارك رمي الجمار ‪:‬‬
‫‪ -‬ذهب الشّافعيّة والحنابلة إلى أنّ من ترك رمي يوم أو يومين ‪ -‬عمدا أو سهوا ‪ -‬تداركه‬ ‫‪24‬‬

‫في باقي أيّام التّشريق على الظهر ‪ ،‬ويكون ذلك أداءً ‪ ،‬وفي قول قضاءً ‪ ،‬ول دم مع التّدارك‬
‫‪ .‬ومذهب الحنفيّة ‪ :‬أنّ من أخّر الرّمي في اليوم الوّل والثّاني من أيّام التّشريق إلى اللّيل ‪،‬‬
‫فرمى قبل طلوع الفجر جاز ول شيء عليه ‪ ،‬لنّ اللّيل وقت للرّمي في أيّام الرّمي ‪ .‬وأمّا رمي‬
‫جمرة العقبة ‪ ،‬فمذهب أبي حنيفة أنّه يمتدّ إلى غروب الشّمس ‪ ،‬فإن لم يرم حتّى غربت الشّمس‬
‫‪ ،‬فرمى قبل طلوع الفجر من اليوم الثّاني أجزأه ‪ ،‬ول شيء عليه ‪.‬‬
‫ومذهب المالكيّة ‪ :‬أنّ تأخير الرّمي إلى اللّيل يكون تداركه قضاءً ‪ ،‬وعليه دم واحد ‪.‬‬
‫د ‪ -‬تدارك طواف الفاضة ‪:‬‬
‫ن من طاف بعد عرفة طوافا صحيحا ‪ -‬سواء أكان‬
‫‪ -‬مذهب الحنفيّة والمالكيّة والشّافعيّة ‪ :‬أ ّ‬ ‫‪25‬‬

‫واجبا أم نفلً ‪ -‬وقع عن طواف الفاضة وإن لم ينوه ‪.‬‬


‫أمّا من ترك الطّواف بعد عرفة ‪ ،‬وخرج إلى بلده ‪ ،‬فعليه أن يرجع محرما ليطوف طواف‬
‫الفاضة ‪ ،‬ويبقى محرما بالنّسبة إلى النّساء حتّى يطوف طوافا صحيحا ‪.‬‬
‫وهناك تفصيلت في بعض المذاهب يرجع إليها في الحجّ ‪ .‬ومذهب الحنابلة ‪ :‬أنّه من ترك‬
‫طواف الفاضة ‪ ،‬لكنّه طاف طواف الصّدر ( الوداع ) أو طواف نفل ‪ ،‬وقع الطّواف عمّا‬
‫نواه ‪ ،‬ول يقع عن طواف الفاضة ‪ ،‬حتّى لو رجع إلى بلده بعد هذا الطّواف عليه أن يرجع‬
‫محرما ‪ ،‬ليطوف طواف الفاضة لنّه ركن ‪ ،‬ويبقى محرما أيضا بالنّسبة إلى النّساء ‪.‬‬
‫ذ ‪ -‬تدارك طواف الوداع ‪:‬‬
‫‪ -‬طواف الوداع واجب على غير الحائض يجبر تركه بدم ‪ ،‬ولو كان تركه لنسيان أو‬ ‫‪26‬‬

‫جهل ‪ ،‬وهذا قول الحنابلة ‪ ،‬وهو أحد قولي الشّافعيّة ‪.‬‬


‫والثّاني عندهم ‪ :‬هو سنّة ل يجب جبره ‪ ،‬فعلى قول الوجوب قال الشّافعيّة والحنابلة ‪ :‬إن خرج‬
‫بل وداع وجب عليه الرّجوع لتداركه إن كان قريبا ‪ ،‬أي دون مسافة القصر ‪ ،‬فإن عاد قبل‬
‫مسافة القصر فطاف للوداع سقط عنه الثم والدّم ‪ ،‬وإن تجاوز مسافة القصر استقرّ عليه الدّم ‪،‬‬
‫فلو تداركه بعدها لم يسقط الدّم ‪ ،‬وقيل ‪ :‬يسقط ‪.‬‬
‫ل بعد إرادة السّفر ‪ ،‬فإن‬
‫وعند الحنفيّة ‪ :‬طواف الوداع واجب ‪ ،‬ويجزئ عنه ما لو طاف نف ً‬
‫سافر ولم يكن فعل ذلك وجب عليه الرّجوع لتداركه ما لم يجاوز الميقات ‪ ،‬فيخيّر بين إراقة‬
‫الدّم وبين الرّجوع بإحرام جديد بعمرة ‪ ،‬فيبتدئ بطوافها ثمّ بطواف الوداع ‪ ،‬فإن فعل ذلك فل‬
‫شيء عليه لتأخيره ‪.‬‬
‫ل يرجع لتداركه‬
‫وعند المالكيّة ‪ :‬طواف الوداع مندوب ‪ ،‬فلو تركه وخرج ‪ ،‬أو طافه طوافا باط ً‬
‫ما لم يخف فوت رفقته الّذين يسير بسيرهم ‪ ،‬أو خاف منعا من الكراء أو نحو ذلك ‪.‬‬
‫تدارك المجنون والمغمى عليه للعبادات ‪:‬‬
‫أوّلً ‪ -‬بالنّسبة للصّلة ‪:‬‬
‫‪ -‬ل تدارك لما فات من صلة حال الجنون أو الغماء عند المالكيّة والشّافعيّة لعدم الهليّة‬ ‫‪27‬‬

‫وقت الوجوب ‪ ،‬لقول النّبيّ ‪ .‬صلى ال عليه وسلم ‪ « :‬رفع القلم عن ثلثة ‪ :‬عن النّائمِ حتّى‬
‫ي حتّى يشبّ ‪ ،‬وعن المعتوه حتّى َيعْقِل » ‪.‬‬
‫يستيقظَ ‪ ،‬وعن الصّب ّ‬
‫وعند الحنفيّة إن جنّ أو أغمي عليه خمس صلوات ‪ -‬أو ستّا على قول محمّد ‪ -‬قضاها ‪ ،‬وإن‬
‫جنّ أو أغمي عليه أكثر من ذلك فل قضاء عليه نفيا للحرج ‪ ،‬وقال بشر ‪ :‬الغماء ليس بمسقط‬
‫‪ ،‬ويلزمه القضاء وإن طالت مدّة الغماء ‪.‬‬
‫وفرّق الحنابلة بين الجنون والغماء ‪ ،‬فلم يوجبوا القضاء على ما فات حال الجنون ‪ ،‬وأوجبوه‬
‫فيما فات حال الغماء ‪ ،‬لنّ الغماء ل تطول مدّته غالبا ‪ ،‬ولما روي أنّ عمّارا رضي ال‬
‫ت منذ ثلث ‪ ،‬ثمّ توضّأ‬
‫ت ؟ قالوا ‪ :‬ما صلّي َ‬
‫عنه أغمي عليه ثلثا ‪ ،‬ثمّ أفاق فقال ‪ :‬هل صلّي ُ‬
‫وصلّى تلك الثّلث ‪ .‬وعن عمران بن حصين وسمرة بن جندب رضي ال عنهما نحوه ‪ ،‬ولم‬
‫يعرف لهم مخالف ‪ ،‬فكان كالجماع ‪.‬‬
‫‪ -‬ومن أدرك جزءا من الوقت وهو أهل ثمّ جنّ أو أغمي عليه ‪ ،‬فإن كان ما أدركه ل يسع‬ ‫‪28‬‬

‫الفرض فل يجب عليه القضاء عند الحنفيّة والمالكيّة ‪ ،‬وهو المذهب عند الشّافعيّة ‪ .‬وعند‬
‫الحنابلة يجب عليه القضاء ‪ .‬وإن كان ما أدركه يسع الفرض فعند الحنفيّة ل يجب القضاء ‪،‬‬
‫ن الوجوب يتعيّن في آخر الوقت إذا لم يوجد الداء قبله ‪ ،‬فيستدعي الهليّة فيه لستحالة‬
‫لّ‬
‫اليجاب على غير الهل ‪ ،‬ولم يوجد ‪ ،‬فلم يكن عليه القضاء ‪ ،‬وهو أيضا رأي المالكيّة خلفا‬
‫لبعض أهل المدينة وابن عبد البرّ ‪ ،‬حيث القضاء عندهم أحوط ‪.‬‬
‫ن الوجوب يثبت في أوّل الوقت فلزم القضاء‪.‬‬
‫وعند الشّافعيّة والحنابلة يجب عليه القضاء ‪،‬ل ّ‬
‫‪ -‬وإن أفاق المجنون أو المغمى عليه في آخر الوقت فللحنفيّة قولن ‪:‬‬ ‫‪29‬‬

‫ل إذا بقي من الوقت مقدار ما يمكن فيه‬


‫أحدهما ‪ ،‬وهو قول زفر ‪ :‬ل يصبح مدركا للفرض إ ّ‬
‫أداء الفرض ‪.‬‬
‫والثّاني ‪ ،‬للكرخيّ وأكثر المحقّقين ‪ ،‬وهو المختار ‪ :‬أنّه يجب الفرض ويصير مدركا إذا أدرك‬
‫من الوقت ما يسع التّحريمة فقط ‪ ،‬وهو قول الحنابلة وبعض الشّافعيّة ‪.‬‬
‫وعند المالكيّة ‪ :‬يجب الفرض إذا بقي من الوقت مقدار ركعة من زمن يسع الطّهر ‪ ،‬وهو قول‬
‫بعض الشّافعيّة ‪ .‬وفي قول آخر للشّافعيّة ‪ :‬إذا بقي مقدار ركعة فقط ‪.‬‬
‫ثانيا ‪ :‬بالنّسبة للصّوم ‪:‬‬
‫‪ -‬إذا استوعب الجنون شهر رمضان بأكمله فل قضاء على المجنون سواء ‪ ،‬أكان الجنون‬ ‫‪30‬‬

‫أصليّا أم عارضا عند الحنفيّة والشّافعيّة والحنابلة ‪ ،‬لحديث ‪ « :‬رفع القلم عن ثلث ‪ » ...‬وإذا‬
‫ل عند الحسن البصريّ ‪ ،‬ودليل‬
‫استوعب الغماء الشّهر كلّه وجب القضاء على المغمى عليه إ ّ‬
‫وجوب القضاء قوله تعالى ‪ { :‬فمنْ كان منكم مريضا أو على سفرٍ فَعِدّ ٌة من أيّامٍ ُأخَر }‬
‫والغماء مرض ‪ .‬وعند المالكيّة ‪ :‬يجب القضاء على المجنون بعد إفاقته للية السّابقة ‪،‬‬
‫والجنون مرض ‪ ،‬وعن المام أحمد مثل ذلك بالنّسبة للمجنون ‪.‬‬
‫وإن أفاق المجنون في أيّ يوم من أيّام الشّهر كان عليه قضاء ما مضى من الشّهر استحسانا‬
‫عند الحنفيّة ‪ ،‬والقياس أنّه ل يلزمه ‪ ،‬وهو قول زفر ‪.‬‬
‫وفرّق محمّد فقال ‪ :‬ل قضاء لما فات في الجنون الصليّ ‪ ،‬ويجب القضاء إذا كان الجنون‬
‫عارضا ‪ .‬وعند الشّافعيّة والحنابلة ل قضاء لما فات زمن الجنون للحديث المتقدّم ‪ -‬ويجب‬
‫القضاء عند المالكيّة ‪ .‬ويجب القضاء على المغمى عليه لما فات عند الجميع ‪.‬‬
‫‪ -‬أمّا اليوم الّذي جنّ أو أغمي عليه فيه ‪ ،‬فإنّه يعتبر مدركا لصيام هذا اليوم إن كان نوى‬ ‫‪31‬‬

‫الصّيام من اللّيل ‪ ،‬ول قضاء عليه ‪ ،‬وهذا عند الحنفيّة ‪.‬‬


‫وعند المالكيّة ‪ :‬إن جنّ أو أغمي عليه بعد الفجر ‪ ،‬واستمرّ الجنون أو الغماء أكثر اليوم فعليه‬
‫ل أجزأه ‪ ،‬ول قضاء عليه ‪ .‬وإن كان‬
‫القضاء ‪ ،‬وإن كان بعد الفجر ولم يستمرّ نصف يوم فأق ّ‬
‫الغماء أو الجنون مع الفجر أو قبله فالقضاء مطلقا ‪ ،‬لزوال العقل وقت الّنيّة ‪ .‬وعند الشّافعيّة‬
‫في الظهر ‪ ،‬وهو قول الحنابلة ‪ :‬أنّ الغماء ل يضرّ صومه إذا أفاق لحظ ًة من نهار ‪ ،‬أيّ‬
‫لحظة كانت ‪ ،‬اكتفاءً بال ّنيّة مع الفاقة في جزء ‪.‬‬
‫والثّاني للشّافعيّة ‪ :‬يضرّ مطلقا ‪ ،‬والثّالث ‪ :‬ل يضرّ إذا أفاق أوّل النّهار ‪.‬‬
‫وإن نوى الصّوم ثمّ جنّ ففيه قولن ‪ :‬في الجديد يبطل الصّوم ‪ ،‬لنّه عارض يسقط فرض‬
‫الصّلة فأبطل الصّوم ‪ ،‬وقال في القديم ‪ :‬هو كالغماء ‪ .‬وعند الحنابلة ‪ :‬الجنون كالغماء‬
‫يجزئ صومه إذا كان مفيقا في أيّ لحظة منه مع تبييت الّنيّة ‪.‬‬
‫‪ -‬أمّا اليوم الّذي تحدث فيه الفاقة من الجنون أو الغماء ‪ ،‬فعند الحنفيّة ‪ :‬أن المجنون‬ ‫‪32‬‬

‫جنونا عارضا لو أفاق في النّهار قبل الزّوال ‪ ،‬فنوى الصّوم أجزأه ‪ .‬وفي الجنون الصليّ‬
‫خلف ‪ ،‬ويجزئ في الغماء بل خلف ‪.‬‬
‫وعند المالكيّة ‪ :‬إن أفاق قبل الفجر أجزأ ذلك اليوم عن الصّيام بالنّسبة للمجنون والمغمى‬
‫عليه ‪ ،‬وإن كانت الفاقة بعد الفجر فهو على التّفصيل السّابق ‪.‬‬
‫وعند الشّافعيّة ‪ :‬إن أفاق المجنون في النّهار فعلى الصحّ ل قضاء عليه ‪ ،‬ويستحبّ له‬
‫المساك ‪ ،‬وهذا في وجه ‪ .‬وفي الوجه الثّاني ‪ :‬يجب القضاء ‪ ،‬أمّا المغمى عليه فإذا أفاق‬
‫أجزأه ‪ .‬وعند الحنابلة في قضاء اليوم الّذي أفاق فيه المجنون وإمساكه روايتان ‪ ،‬أمّا المغمى‬
‫عليه فيصحّ صومه إن أفاق في جزء من النّهار ‪.‬‬
‫ثالثا ‪ :‬بالنّسبة للحجّ ‪:‬‬
‫‪ -‬من أحرم بالحجّ ‪ ،‬وطرأ عليه جنون أو إغماء ثمّ أفاق منه قبل الوقوف بعرفة ‪ ،‬ووقف ‪،‬‬ ‫‪33‬‬

‫ج باتّفاق ‪ .‬وكذلك من لم يحرم بالحجّ لجنون أو إغماء ‪ ،‬ولكنّه أفاق من قبل‬


‫أجزأه الح ّ‬
‫الوقوف ‪ ،‬وأحرم ووقف بعرفة أجزأه ‪ ،‬على تفصيل في وجوب الجزاء عليه ‪.‬‬
‫ومثل ذلك أيضا المجنون الّذي أحرم عنه وليّه ‪ ،‬أو المغمى عليه ‪ -‬عند من يقول بجواز‬
‫الحرام عنه كالحنفيّة وبعض الشّافعيّة ‪ -‬إذا أفاقا قبل الوقوف ووقفا أجزأهما الحجّ ‪ ،‬ومن‬
‫وقف بعرفة وهو مجنون أو مغمًى عليه بعد أن أحرم وهو مفيق ‪ ،‬أو أحرم وليّه عنه فعند‬
‫المالكيّة وبعض الشّافعيّة ‪ :‬كان حجّهما صحيحا ‪ ،‬مع الختلف بين وقوعه فرضا أو نفلً ‪.‬‬
‫ج المغمى عليه صحيحا ‪ ،‬وفي المجنون خلف ‪.‬‬
‫وعند الحنفيّة كان ح ّ‬
‫وينظر تفصيل جميع ما مرّ في العبادات في ‪ ( :‬صلة ‪ ،‬صوم ‪ ،‬حجّ ‪ ،‬جنون ‪ ،‬إغماء ) ‪.‬‬
‫تدارك المريض العاجز عن اليماء ‪:‬‬
‫‪ -‬من عجز عن اليماء في الصّلة برأسه لركوعه وسجوده أومأ بطرفه ( عينه ) ونوى‬ ‫‪34‬‬

‫بقلبه ‪ ،‬لحديث عليّ رضي ال عنه ‪ « :‬يصلّي المريض قائما ‪ ،‬فإن لم يستطع صلّى جالسا ‪،‬‬
‫فإن لم يستطع صلّى على جنبه مستقبل القبلة ‪ ،‬فإن لم يستطع صلّى مستلقيا على قفاه ‪ ،‬ورجله‬
‫إلى القبلة ‪ ،‬وأومأ بطرفه » ‪ .‬وهذا متّفق عليه بين الفقهاء ‪ .‬فإن عجز عن اليماء بطرفه أومأ‬
‫بأصبعه ‪ ،‬فإن لم يستطع أتى بالصّلة بقدر ما يطيق ولو بنيّة أفعالها ‪ ،‬ول تسقط عنه أبدا ما‬
‫دام معه شيء من عقل ‪ ،‬ويأتي بالصّلة بأن يقصد الصّلة بقلبه مستحضرا الفعال والقوال إن‬
‫سعَها } ‪.‬‬
‫لوْ‬
‫عجز عن النّطق ‪ ،‬لقوله تعالى ‪ { :‬ل ُيكَّلفُ اللّهُ َن ْفسَا إ ّ‬
‫وهذا عند المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة وزفر من الحنفيّة ‪.‬‬
‫وعند الحنفيّة غير زفر ‪ :‬اليماء يكون بالرّأس فقط ول يكون بعينيه أو جبينه أو قلبه ‪ ،‬لنّ‬
‫فرض السّجود ل يتأتّى بهذه الشياء ‪ ،‬بخلف الرّأس لنّه يتأدّى به فرض السّجود ‪ ،‬فمن عجز‬
‫عن اليماء برأسه أخّر الصّلة ‪ ،‬وإن مات على ذلك الحال ل شيء عليه ‪ ،‬وإن برأ فالصّحيح‬
‫أنّه يلزمه قضاء يوم وليلة ل غير نفيا للحرج ‪.‬‬
‫تدارك النّاسي والسّاهي ‪:‬‬
‫‪ -‬النّسيان أو السّهو إن وقع في ترك مأمور لم يسقط ‪ ،‬بل يجب تداركه ‪ .‬فمن نسي صلةً‬ ‫‪35‬‬

‫أو صوما أو زكا ًة أو كفّارةً أو نذرا وجب عليه الداء إن أمكن ‪ ،‬أو أن يتداركه بالقضاء بل‬
‫خلف ‪ ،‬لقول النّبيّ صلى ال عليه وسلم ‪ « :‬مَنْ نسي صلةً أو نام عنها ‪ ،‬فكفّارتُها أن‬
‫يصلّيها إذا َذ َكرَها » ‪.‬‬
‫وتكون الصّلة أداءً إذا أدّى منها ركعةً في الوقت ‪ ،‬أو التّحريمة على الخلف في ذلك ‪.‬‬
‫وإذا فات الوقت تداركها بالقضاء ‪ .‬وينظر تفصيل ذلك في ‪ ( :‬صلة ‪ ،‬صوم ‪ ،‬زكاة ) ‪.‬‬
‫تدارك من أفسد عبادةً شرع فيها من صلةٍ أو صومٍ أو حجٍ ‪:‬‬
‫‪ -‬ل خلف بين الفقهاء في أنّ من أفسد عبادة مفروضة وجب عليه أداؤها إن كان وقتها‬ ‫‪36‬‬

‫يسعها كالصّلة ‪ ،‬أو القضاء إن خرج الوقت أو كان ل يسعها كالصّلة إن خرج الوقت ‪،‬‬
‫ج لعدم اتساع الوقت ‪.‬‬
‫وكالصّيام والح ّ‬
‫أما التطوع بالعبادة فإنها تلزم بالشّروع فيه عند الحنفية والمالكية ‪ ،‬ويجب إتمامها ‪ ،‬وعند‬
‫الشافعية والحنابلة ‪ :‬ل تجب بالشّروع ‪ ،‬ويستحب التمام فيما عدا الحجّ والعمرة فيلزمان‬
‫بالشّروع ‪ ،‬ويجب إتمامهما ‪ ،‬وعلى ذلك فمن دخل في عبادة تطوّع وأفسدها وجب عليه‬
‫عمَاَلكُم } ‪.‬‬
‫قضاؤها عند الحنفية والمالكية لقوله تعالى ‪ { :‬ول ُتبْطِلُوا أَ ْ‬
‫ول يجب القضاء عند الشافعية والحنابلة في غير الحجّ والعمرة لما روت « عائشة رضي ال‬
‫تعالى عنها قالت ‪ :‬دخل عليّ رسول ال صلى ال عليه وسلم فقال ‪ :‬هل عندك شيء ؟ فقلت ‪:‬‬
‫ي يوما آخر فقال ‪ :‬هل عندك شيء ؟ فقلت ‪ :‬نعم ‪،‬‬
‫ل ‪ ،‬فقال ‪ :‬إنّي إذا أصوم ‪ ،‬ثم دخل عل ّ‬
‫فقال ‪ :‬إذا أفطر ‪ ،‬وإن كنت قد فرضت الصوم » ‪.‬‬
‫أما الحجّ والعمرة فيجب قضاؤهما إذا أفسدهما ‪ ،‬لن الوصول إليهما ل يحصل في الغالب إل‬
‫بعد كلفة عظيمة ‪ ،‬ولهذا يجبان بالشّروع ‪.‬‬
‫تدارك المرتدّ لما فاته ‪:‬‬
‫‪ -‬ما فات المرت ّد من العبادات أيّام الرّدّة ل يجب عليه قضاؤه ‪ ،‬إذا تاب ورجع إلى‬ ‫‪37‬‬

‫ن َي ْن َتهُوا‬
‫السلم ‪ ،‬لنّه غير مخاطب بفروع الشّريعة ‪ ،‬ولقوله تعالى ‪ { :‬قُلْ لِّلذِينَ َك َفرُوا إِ ْ‬
‫جبّ ما َقبْلَه » ‪ .‬وهذا‬
‫ُي ْغفَرْ لَهم ما قَد سَلَف } ‪ ،‬ولقول النّبيّ صلى ال عليه وسلم ‪ « :‬السلمُ َي ُ‬
‫عند الحنفيّة والمالكيّة والحنابلة ‪ ،‬وعند الشّافعيّة يجب عليه قضاء ما فاته أيّام ردّته من عبادات‬
‫‪ ،‬لنّ المرتدّ كان مقرّا بإسلمه ولنّه ل يستحقّ التّخفيف ‪.‬‬
‫‪ -‬وما فاته أيّام إسلمه من عبادات قبل ردّته وحال إسلمه ‪ ،‬يجب عليه قضاؤه بعد توبته‬ ‫‪38‬‬

‫من ال ّردّة ‪ ،‬لستقرار هذه العبادات عليه حال إسلمه ‪ ،‬وهذا عند الحنفيّة والشّافعيّة والحنابلة ‪.‬‬
‫وعند المالكيّة ‪ :‬ل يطالب بما فاته قبل ردّته ‪ ،‬فالرّدّة تسقط ما كان عليه من صلة وصيام إلّ‬
‫الحجّ الّذي تقدّم منه ‪ ،‬فإنّه ل يبطل ‪ ،‬ويجب عليه إعادته إذا أسلم ‪ ،‬لبقاء وقته وهو العمر ‪.‬‬
‫‪ -‬وإذا رجع المرتدّ إلى السلم وأدرك وقت صلة ‪ ،‬أو أدرك جزءا من رمضان وجب‬ ‫‪39‬‬

‫عليه أداؤه ‪.‬‬

‫تداوي *‬
‫التّعريف ‪:‬‬
‫‪ -‬التّداوي لغةً ‪ :‬مصدر تداوى أي ‪ :‬تعاطى الدّواء ‪ ،‬وأصله دوي يدوي دوى أي مرض ‪،‬‬ ‫‪1‬‬

‫وأدوى فلنا يدويه بمعنى ‪ :‬أمرضه ‪ ،‬وبمعنى ‪ :‬عالجه أيضا ‪ ،‬فهي من الضداد ‪ ،‬ويداوي ‪:‬‬
‫أي يعالج ‪ ،‬ويداوي بالشّيء أي ‪ :‬يعالج به ‪ ،‬وتداوى بالشّيء ‪ :‬تعالج به ‪ ،‬والدّواء والدّواء‬
‫والدّواء ‪ :‬ما داويته به ‪.‬‬
‫ول يخرج استعمال الفقهاء له عن هذا المعنى ‪ ،‬كما تدلّ على ذلك عباراتهم ‪.‬‬
‫اللفاظ ذات الصّلة ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬التّطبيب ‪:‬‬
‫ب فلن فلنا أي ‪ :‬داواه ‪ ،‬وجاء يستطبّ‬
‫‪ -‬التّطبيب لغةً ‪ :‬المداواة والعلج ‪ ،‬يقال ‪ :‬ط ّ‬ ‫‪2‬‬

‫لوجعه ‪ :‬أي يستوصف الدوية أيّها يصلح لدائه ‪.‬‬


‫طبّ ‪ :‬علج الجسم والنّفس ‪ ،‬فالتّطبيب مرادف للمداواة ‪.‬‬
‫وال ّ‬
‫ب ‪ -‬التّمريض ‪:‬‬
‫‪ -‬التّمريض مصدر مرّض ‪ ،‬وهو التّكفّل بالمداواة ‪ .‬يقال ‪ :‬مرّضه تمريضا ‪ :‬إذا قام عليه‬ ‫‪3‬‬

‫ووليه في مرضه وداواه ليزول مرضه ‪،‬وقال بعضهم ‪ :‬التّمريض حسن القيام على المريض‪.‬‬
‫ج ‪ -‬السعاف ‪:‬‬
‫‪ - 4‬السعاف في اللّغة ‪ :‬العانة والمعالجة بالمداواة ‪ ،‬ويكون السعاف في حال المرض‬
‫وغيره ‪ ،‬فهو أعمّ من التّداوي ‪ ،‬لنّه ل يكون إلّ في حال المرض ‪.‬‬
‫حكمه التّكليفيّ ‪:‬‬
‫‪ -‬التّداوي مشروع من حيث الجملة ‪ ،‬لما روى أبو الدّرداء رضي ال عنه قال ‪ :‬قال رسول‬ ‫‪5‬‬

‫ن اللّه أنزل الدّا َء والدّواءَ ‪ ،‬وجعل لكلّ داءٍ دواءً ‪ ،‬فتداووا ‪ ،‬ول‬
‫اللّه صلى ال عليه وسلم ‪ « :‬إ ّ‬
‫تتداووا بالحرام » ‪ ،‬ولحديث أسامة بن شريك رضي ال عنه قال ‪ « :‬قالت العراب يا رسول‬
‫اللّه أل نتداوى ؟ قال ‪ :‬نعم عباد اللّه تداووا ‪ ،‬فإنّ اللّه لم يضع داءً إلّ وضع له شفاءً إلّ داءً‬
‫واحدا ‪ .‬قالوا ‪ :‬يا رسول اللّه وما هو ؟ قال ‪ :‬الهرم » ‪.‬‬
‫وعن جابر رضي ال عنه قال ‪ « :‬نهى رسول اللّه صلى ال عليه وسلم عن الرّقى ‪ ،‬فجاء آل‬
‫عمرو بن حزم فقالوا ‪ :‬يا رسول اللّه إنّه كانت عندنا رقية نرقي بها من العقرب ‪ :‬فإنّك نهيت‬
‫عن الرّقى فعرضوها عليه ‪ ،‬فقال ‪ :‬ما أرى بها بأسا ‪ ،‬من استطاع منكم أن ينفع أخاه فلْيفعل »‬
‫‪ .‬وقال صلى ال عليه وسلم ‪ « :‬ل بأس بالرّقى ما لم يكن فيه شرك » ولما ثبت من فعل النّبيّ‬
‫ن « عروة كان يقول لعائشة‬
‫صلى ال عليه وسلم أنّه تداوى ‪ ،‬فقد روى المام أحمد في مسنده أ ّ‬
‫‪ :‬يا أمّتاه ‪ ،‬ل أعجب من فقهك ‪ ،‬أقول ‪ :‬زوجة رسول اللّه صلى ال عليه وسلم وابنة أبي‬
‫بكر ‪ ،‬ول أعجب من علمك بالشّعر وأيّام النّاس ‪ ،‬أقول ‪ :‬ابنة أبي بكر ‪ ،‬وكان أعلم النّاس أو‬
‫طبّ ‪ ،‬كيف هو ؟ ومن أين هو ؟ قال ‪ :‬فضربت‬
‫من أعلم النّاس ‪ ،‬ولكن أعجب من علمك بال ّ‬
‫على منكبيه ‪ ،‬وقالت ‪ :‬أيْ عريّة ؟ إنّ رسول اللّه صلى ال عليه وسلم كان يسقم عند آخر‬
‫ل وجه ‪ ،‬فكانت تنعت له النعات ‪ ،‬وكنت أعالجها‬
‫عمره ‪ ،‬وكانت تقدم عليه وفود العرب من ك ّ‬
‫ن رسول اللّه صلى ال عليه وسلم كثرت أسقامه ‪،‬‬
‫له ‪ ،‬فمن َثمّ عَِل ْمتُ » ‪ .‬وفي رواية ‪ « :‬أ ّ‬
‫فكان يقدم عليه أطبّاء العرب والعجم ‪ ،‬فيصفون له فنعالجه » ‪ .‬وقال الرّبيع ‪ :‬سمعت الشّافعيّ‬
‫يقول ‪ ":‬العلم علمان ‪ :‬علم الديان وعلم البدان "‪.‬‬
‫‪ -6‬و قد ذ هب جمهور العلماء ‪ -‬الحنفيّة والمالكيّة ‪ -‬إلى أ نّ التّداوي مباح ‪ ،‬غير أ نّ عبارة‬
‫المالكيّة ‪ :‬ل بأس بالتّداوي ‪.‬‬
‫ي من الحنابلة إلى استحبابه ‪ ،‬لقول النّبيّ‬
‫وذهب الشّافعيّة ‪ ،‬والقاضي وابن عقيل وابن الجوز ّ‬
‫صلى ال عليه وسلم ‪ « :‬إنّ اللّه أنزل الدّاء والدّواء ‪ ،‬وجعل لكلّ داء دوا ًء فتداووا ‪ ،‬ول‬
‫تتداووا بالحرام » ‪ .‬وغير ذلك من الحاديث الواردة ‪ ،‬والّتي فيها المر بالتّداوي ‪ .‬قالوا ‪:‬‬
‫واحتجام النّبيّ صلى ال عليه وسلم وتداويه دليل على مشروعيّة التّداوي ‪ .‬ومحلّ الستحباب‬
‫عند الشّافعيّة عند عدم القطع بإفادته ‪ .‬أمّا لو قطع بإفادته كعصب محلّ الفصد فإنّه واجب ‪.‬‬
‫ومذهب جمهور الحنابلة ‪ :‬أنّ تركه أفضل ‪ ،‬ونصّ عليه أحمد ‪ ،‬قالوا ‪ :‬لنّه أقرب إلى التّوكّل‬
‫‪ .‬قال ابن القيّم ‪ :‬في الحاديث الصّحيحة المر بالتّداوي ‪ ،‬وأنّه ل ينافي التّوكّل ‪ ،‬كما ل ينافيه‬
‫دفع الجوع والعطش والحرّ والبرد بأضدادها ‪ ،‬بل ل تت ّم حقيقة التّوحيد إلّ بمباشرة السباب‬
‫الّتي نصبها اللّه مقتضيات لمسبّباتها قدرا وشرعا ‪ ،‬وأنّ تعطيلها يقدح في نفس التّوكّل ‪ ،‬كما‬
‫يقدح في المر والحكمة ‪ ،‬ويضعفه من حيث يظنّ معطّلها أنّ تركها أقوى في التّوكّل ‪ ،‬فإنّ‬
‫تركها عجز ينافي التّوكّل الّذي حقيقته اعتماد القلب على اللّه في حصول ما ينفع العبد في دينه‬
‫ودنياه ‪ ،‬ودفع ما يضرّه في دينه ودنياه ‪ ،‬ول ب ّد مع هذا العتماد من مباشرة السباب ‪ ،‬وإلّ‬
‫كان معطّلً للحكمة والشّرع ‪ ،‬فل يجعل العبد عجزه توكّلً ‪ ،‬ول توكّله عجزا ‪.‬‬
‫أنواع التّداوي ‪:‬‬
‫‪ -‬التّداوي قد يكون بالفعل أو بالتّرك ‪ ،‬فالتّداوي بالفعل ‪ :‬يكون بتناول الغذية الملئمة لحال‬ ‫‪7‬‬

‫ي والحجامة وغيرها من العمليّات‬


‫المريض ‪ ،‬وتعاطي الدوية والعقاقير ‪ ،‬ويكون بالفصد والك ّ‬
‫حجَم ‪،‬‬
‫ش ْرطَةِ ِم ْ‬
‫الجراحيّة ‪ .‬فعن ابن عبّاس رضي ال عنهما مرفوعا « الشّفاء في ثلثة ‪ :‬في َ‬
‫ي » وفي رواية « وما أحبّ أن أكتوي » ‪.‬‬
‫شرْبةِ عسل ‪ ،‬أو َكيّ ٍة بنار ‪ ،‬وأنهى ُأمّتي عن الك ّ‬
‫أو َ‬
‫وعن ابن عبّاس مرفوعا « خير ما تداويتم به السّعوط ‪ ،‬واللّدود ‪ ،‬والحجامة ‪ ،‬والمشي » وإنّما‬
‫ي لما فيه من اللم الشّديد والخطر العظيم ‪ ،‬ولهذا كانت‬
‫كره الرّسول صلى ال عليه وسلم الك ّ‬
‫العرب تقول في أمثالها " آخر الدّواء الكيّ " وقد « كوى رسول اللّه صلى ال عليه وسلم سعد‬
‫بن معاذ وغيره » ‪ ،‬واكتوى غير واحد من الصّحابة ‪ ،‬فدلّ على أنّ المراد بالنّهي ليس المنع ‪،‬‬
‫وإنّما المراد منه التّنفير عن الكيّ إذا قام غيره مقامه ‪ .‬قال ابن حجر في الفتح ‪ :‬ولم يرد النّبيّ‬
‫صلى ال عليه وسلم الحصر في الثّلثة ‪ ،‬فإنّ الشّفاء قد يكون في غيرها ‪ ،‬وإنّما نبّه بها على‬
‫أصول العلج ‪ .‬وأمّا التّداوي بالتّرك ‪ :‬فيكون بالحمية ‪ ،‬وذلك بالمتناع عن كلّ ما يزيد‬
‫المرض أو يجلبه إليه ‪ ،‬سواء كان بالمتناع عن أطعمة وأشربة معيّنة ‪ ،‬أو المتناع عن الدّواء‬
‫نفسه إذا كان يزيد من حدّة المرض ‪ « .‬لقوله صلى ال عليه وسلم لعليّ رضي ال عنه حين‬
‫أراد أن يأكل من الدّوالي إنّك ناقه » ‪.‬‬
‫التّداوي بالنّجس والمحرّم ‪:‬‬
‫‪ -‬اتّفق الفقهاء على عدم جواز التّداوي بالمحرّم والنّجس من حيث الجملة ‪ ،‬لقول النّبيّ صلى‬ ‫‪8‬‬

‫ال عليه وسلم ‪ « :‬إنّ اللّه لم يجعل شفاءكم فيما حرّم عليكم » ولقوله صلى ال عليه وسلم ‪«:‬‬
‫ن اللّه أنزل الدّاء والدّواء ‪ ،‬وجعل لكلّ داء دواءً ‪ ،‬فتداووا ‪ ،‬ول تتداووا بالحرام» وعن عمر‬
‫إّ‬
‫رضي ال عنه أنّه كتب إلى خالد بن الوليد " إنّه بلغني أنّك تدلّك بالخمر ‪ ،‬وإنّ اللّه قد حرّم‬
‫ظاهر الخمر وباطنها ‪ ،‬وقد حرّم مسّ الخمر كما حرّم شربها ‪ ،‬فل تمسّوها أجسادكم ‪ ،‬فإنّها‬
‫نجس " ‪.‬‬
‫وقد عمّم المالكيّة هذا الحكم في كلّ نجس ومحرّم ‪ ،‬سواء أكان خمرا ‪ ،‬أم ميتةً ‪ ،‬أم أيّ شيء‬
‫حرّمه اللّه تعالى ‪ ،‬وسواء كان التّداوي به عن طريق الشّرب أو طلء الجسد به ‪ ،‬وسواء كان‬
‫صرفا أو مخلوطا مع دواء جائز ‪ ،‬واستثنوا من ذلك حالةً واحدةً أجازوا التّداوي بهما ‪ ،‬وهي‬
‫أن يكون التّداوي بالطّلء ‪ ،‬ويخاف بتركه الموت ‪ ،‬سواء كان الطّلء نجسا أو محرّما ‪ ،‬صرفا‬
‫أو مختلطا بدواء جائز ‪.‬‬
‫ل أبوال‬
‫وأضاف الحنابلة إلى المحرّم والنّجس ك ّل مستخبث ‪ ،‬كبول مأكول اللّحم أو غيره ‪ ،‬إ ّ‬
‫البل فيجوز التّداوي بها ‪ ،‬وذكر غير واحد من الحنابلة أنّ الدّواء المسموم إن غلبت منه‬
‫السّلمة ‪ ،‬ورجي نفعه ‪ ،‬أبيح شربه لدفع ما هو أعظم منه ‪ ،‬كغيره من الدوية ‪ ،‬كما أنّه يجوز‬
‫عندهم التّداوي بالمحرّم والنّجس ‪ ،‬بغير أكل وشرب ‪.‬‬
‫وذهب الحنابلة أيضا إلى حرمة التّداوي بصوت ملهاة ‪ ،‬كسماع الغناء المحرّم ‪ ،‬لعموم قوله‬
‫صلى ال عليه وسلم ‪ « :‬ول تتداووا بالحرام » ‪.‬‬
‫وشرط الحنفيّة لجواز التّداوي بالنّجس والمحرّم أن يعلم أنّ فيه شفاءً ‪ ،‬ول يجد دواءً غيره ‪،‬‬
‫قالوا ‪ :‬وما قيل إنّ الستشفاء بالحرام حرام غير مجرى على إطلقه ‪ ،‬وإنّ الستشفاء بالحرام‬
‫ن فيه شفاءً ‪ ،‬أمّا إذا علم ‪ ،‬وليس له دواء غيره ‪ ،‬فيجوز ‪ .‬ومعنى‬
‫إنّما ل يجوز إذا لم يعلم أ ّ‬
‫قول ابن مسعود رضي ال عنه " لم يجعل شفاءكم فيما حرّم عليكم يحتمل أن يكون قاله في داء‬
‫عرف له دواء غير المحرّم ‪ ،‬لنّه حينئذ يستغني بالحلل عن الحرام ‪ ،‬ويجوز أن يقال تنكشف‬
‫الحرمة عند الحاجة ‪ ،‬فل يكون الشّفاء بالحرام ‪ ،‬وإنّما يكون بالحلل ‪.‬‬
‫وقصر الشّافعيّة الحكم على النّجس والمحرّم الصّرف ‪ ،‬فل يجوز التّداوي بهما ‪ ،‬أمّا إذا كانا‬
‫طبّ ‪ ،‬حتّى ولو‬
‫مستهلكين مع دواء آخر ‪ ،‬فيجوز التّداوي بهما بشرطين ‪ :‬أن يكون عارفا بال ّ‬
‫كان فاسقا في نفسه ‪ ،‬أو إخبار طبيب مسلم عدل ‪،‬وأن يتعيّن هذا الدّواء فل يغني عنه طاهر‪.‬‬
‫وإذا كان التّداوي بالنّجس والمحرّم لتعجيل الشّفاء به ‪ ،‬فقد ذهب الشّافعيّة إلى جوازه بالشّروط‬
‫المذكورة عندهم ‪ ،‬وللحنفيّة فيه قولن ‪.‬‬
‫التّداوي بلبس الحرير والذّهب ‪:‬‬
‫‪ -‬اتّفق الفقهاء على جواز لبس الحرير للرّجال لحكّة ‪ ،‬لما روى أنس رضي ال عنه‬ ‫‪9‬‬

‫ن النّبيّ صلى ال عليه وسلم ‪ :‬رخّص لعبد الرّحمن بن عوف والزّبير في القميص الحرير‬
‫«أّ‬
‫ن عبد الرّحمن بن عوف والزّبير‬
‫في السّفر من حكّة كانت بهما » ‪ .‬وروى أنس أيضا ‪ « :‬أ ّ‬
‫شكيا إلى النّبيّ صلى ال عليه وسلم القمل فأرخص لهما في الحرير ‪ ،‬فرأيته عليهما في غزاة‬
‫» وجاز للمريض قياسا على الحكّة والقمل ‪ .‬والمشهور عند المالكيّة الحرمة مطلقا ‪.‬‬
‫ص الحنابلة على جواز لبسه في الثّلث المذكورة ‪ ،‬ولو لم يؤثّر لبسه في زوالها ‪ ،‬ولكن ل‬
‫ون ّ‬
‫بدّ أن يكون نافعا في لبسه ‪ .‬وأجاز الحنفيّة عصب الجراحة بالحرير مع الكراهة ‪.‬‬
‫‪ -‬كما اتّفق الفقهاء على جواز اتّخاذ النف من الذّهب ‪ ،‬وزاد المالكيّة والحنابلة ومحمّد بن‬ ‫‪10‬‬

‫الحسن من الحنفيّة ‪ :‬السّنّ ‪ ،‬وزاد الشّافعيّة ‪ :‬النملة ‪.‬‬


‫كما نصّ المالكيّة والحنابلة ‪ :‬على جواز ربط السّنّ أو السنان بالذّهب ‪.‬‬
‫والصل في ذلك أنّ « عرفجة بن أسعد رضي ال عنه قطع أنفه يوم الكلب ‪ ،‬فاتّخذ أنفا من‬
‫ورق ‪ ،‬فأنتن عليه ‪ ،‬فأمره النّبيّ صلى ال عليه وسلم فاتّخذ أنفا من ذهب » ‪.‬‬
‫ولما روى الثرم عن موسى بن طلحة ‪ ،‬وأبي جمرة الضّبعيّ ‪ ،‬وأبي رافع بن ثابت البنانيّ‬
‫وإسماعيل بن زيد بن ثابت ‪ ،‬والمغيرة بن عبد اللّه ‪ ،‬أنّهم شدّوا أسنانهم بالذّهب ‪.‬‬
‫والسّنّ مقيس على النف ‪ ،‬وزاد الشّافعيّة في القياس النملة دون الصبع واليد ‪ ،‬قالوا ‪:‬‬
‫والفرق بين النملة والصبع أو اليد أنّها تعمل بخلفهما ‪ ،‬وعندهم وجه أنّه يجوز ‪ ،‬وإنّما‬
‫ن المحرّم ل يباح إلّ لضرورة ‪.‬‬
‫قصر الحنفيّة الجواز على النف فقط لضرورة نتن الفضّة ‪ ،‬ل ّ‬
‫قالوا ‪ :‬وقد اندفعت في السّنّ بالفضّة ‪ ،‬فل حاجة إلى العلى ‪ ،‬وهو الذّهب ‪.‬‬
‫تداوي المُحْرِم ‪:‬‬
‫‪ -‬الصل أنّ المحرم ممنوع من الطّيب ‪ « ،‬لقول النّبيّ صلى ال عليه وسلم في المحرم‬ ‫‪11‬‬

‫الّذي وقصته راحلته فمات ‪ :‬ل تمسّوه طيبا » وفي رواية « ل تحنّطوه » فلمّا منع الميّت من‬
‫ي أولى ‪ ،‬ومتى تطيّب المحرم فعليه الفدية ‪ ،‬لنّه استعمل ما حظر عليه‬
‫الطّيب لحرامه فالح ّ‬
‫بالحرام ‪ ،‬فوجبت عليه الفدية كاللّباس ‪.‬‬
‫ولم يستثن الفقهاء من هذا الصل ما لو تداوى المحرم بالطّيب ‪ ،‬أو بما له رائحة طيّبة ‪،‬‬
‫ن الحنفيّة خصّوا الحكم بالطّيب بنفسه كالمسك والعنبر والكافور‬
‫وأوجبوا عليه الفدية ‪ ،‬غير أ ّ‬
‫ونحوها ‪ ،‬وأمّا الزّيت والخلّ ممّا فيهما رائحة طيّبة بسبب ما يلقى فيهما من النوار كالورد‬
‫والبنفسج فل يجب عليه شيء إن تداوى بها ‪.‬‬
‫قال ابن الهمام ‪ :‬وإن داوى قرحةً بدواء فيه طيب ‪ ،‬ث ّم خرجت قرحة أخرى فداواها مع الولى‬
‫‪ ،‬فليس عليه إلّ كفّارة واحدة ما لم تبرأ الولى ‪ ،‬ول فرق بين قصده وعدمه ‪.‬‬
‫وعن أبي يوسف رحمه ال أنّه إذا خضّب ( أي المحرم ) رأسه بالوسمة لجل المعالجة من‬
‫الصّداع ‪ ،‬فعليه الجزاء باعتبار أنّه يغلّف رأسه ‪ ،‬قال ابن الهمام ‪ :‬هذا صحيح أي فينبغي أن ل‬
‫يكون فيه خلف ‪ ،‬لنّ التّغطية موجبة بالتّفاق ‪ ،‬غير أنّها للعلج ‪ ،‬فلهذا ذكر الجزاء ولم يذكر‬
‫الدّم ‪ .‬وعن أبي حنيفة ‪ :‬فيه صدقة ‪ ،‬لنّه يليّن الشّعر ويقتل الهوامّ ‪ ،‬فإن استعمل زيتا مطيّبا‬
‫كالبنفسج والزّنبق وما أشبههما كدهن البان والورد ‪ ،‬فيجب باستعماله الدّم بالتّفاق ‪ ،‬لنّه‬
‫طيب ‪ ،‬وهذا إذا استعمله على وجه التّطيّب ‪ ،‬ولو داوى به جرحه أو شقوق رجليه فل كفّارة‬
‫عليه ‪ ،‬لنّه ليس بطيب في نفسه ‪ ،‬إنّما هو أصل الطّيب ‪ ،‬أو طيب من وجه ‪ ،‬فيشترط‬
‫استعماله على وجه التّطيّب ‪ ،‬بخلف ما إذا تداوى بالمسك وما أشبهه ‪ ،‬لنّه طيب بنفسه ‪،‬‬
‫فيجب الدّم باستعماله وإن كان على وجه التّداوي ‪.‬‬
‫ف والرّجل يحرم دهن كلّ واحد منها كلً أو‬
‫وفي حاشية الدّسوقيّ ‪ :‬أنّ الجسد وباطن الك ّ‬
‫بعضا ‪ ،‬إن كان لغير علّة ‪ ،‬وإلّ فل حرمة ‪ .‬وأمّا الفدية فإن كان الدّهن مطيّبا افتدى مطلقا‬
‫كان الدهان لعلّة أو ل ‪ .‬وإن كان غير مطيّب ‪ ،‬فإن كان لغير علّة افتدى أيضا ‪ ،‬وإن كان‬
‫لعلّة فقولن ‪ .‬وفي الكحل إذا كان فيه طيب حرم استعماله على المحرم رجلً كان أو امرأةً إذا‬
‫كان استعماله لغير ضرورة كالزّينة ‪ ،‬ول حرمة إذا استعمله لضرورة حرّ ونحوه ‪ ،‬والفدية‬
‫لزمة لمستعمله مطلقا استعمله لضرورة أو لغيرها ‪.‬‬
‫وإن كان الكحل ل طيب فيه فل فدية مع الضّرورة ‪ ،‬وافتدى في غيرها ‪.‬‬
‫وفي القناع للشّربينيّ الشّافعيّ ‪ :‬أنّ استعمال الطّيب حرام على المحرم سواء أكان ذكرا أم‬
‫غيره ‪ ،‬ولو أخشم بما يقصد منه رائحته غالبا ولو مع غيره كالمسك والعود والكافور والورس‬
‫والزّعفران ‪ ،‬وإن كان يطلب للصّبغ والتّداوي أيضا ‪ ،‬سواء أكان ذلك في ملبوسه كثوبه أم في‬
‫بدنه ‪ ،‬لقوله صلى ال عليه وسلم ‪ « :‬ول تلبسوا من الثّياب ما مسّه َورْس أو زعفران » سواء‬
‫كان ذلك بأكل أم استعاط أم احتقان ‪ ،‬فيجب مع التّحريم في ذلك الفدية ‪.‬‬
‫ولو استهلك الطّيب في المخالط له بأن لم يبق ريح ول طعم ول لون ‪ ،‬كأن استعمل في دواء ‪،‬‬
‫جاز استعماله وأكله ول فدية ‪ .‬وما يقصد به الكل أو التّداوي ل يحرم ول فدية فيه وإن كان‬
‫طيّبة كالمصطكى ‪ ،‬لنّ ما يقصد منه الكل‬
‫له ريح طيّبة ‪ ،‬كالّتفّاح والسّنبل وسائر البازير ال ّ‬
‫أو التّداوي ل فدية فيه ‪ .‬وفي المغني لبن قدامة حرمة التّداوي بما له ريح طيّبة للمحرم ‪ .‬أمّا‬
‫ما ل طيب فيه كالزّيت والشّيرج والسّمن والشّحم ودهن البان فنقل الثرم عن أحمد أنّه سئل‬
‫عن المحرم يدهن بالزّيت والشّيرج فقال ‪ :‬نعم يدهن به إذا احتاج إليه ‪ ،‬ويتداوى المحرم بما‬
‫يأكل ‪ .‬وقد روي عن ابن عمر رضي ال عنهما أنّه صدع وهو محرم فقالوا ‪ :‬أل ندهنك‬
‫بالسّمن ؟ فقال ‪ :‬ل ‪ .‬قالوا ‪ :‬أليس تأكله ؟ قال ‪ :‬ليس أكله كالدهان به ‪ .‬وعن مجاهد قال ‪ :‬إن‬
‫تداوى به فعليه الكفّارة ‪.‬‬
‫أثر التّداوي في الضّمان ‪:‬‬
‫‪ -‬ذهب الحنابلة إلى أنّ المجنيّ عليه إذا لم يداو جرحه ومات كان على الجاني الضّمان ‪،‬‬ ‫‪12‬‬

‫ن التّداوي ليس بواجب ول مستحبّ ‪ ،‬فتركه ليس بقاتل ‪.‬‬


‫لّ‬
‫وفرّق الشّافعيّة بين علج الجرح المهلك وغيره ‪ ،‬فإن ترك المجنيّ عليه علج الجرح المهلك‬
‫ومات ‪ ،‬فعلى الجاني الضّمان ‪ ،‬لنّ البرء ل يوثق به وإن عالج ‪ ،‬وأمّا إذا كان الجرح غير‬
‫مهلك فل ضمان على الجاني ‪.‬‬
‫التّداوي بالرّقى والتّمائم ‪:‬‬
‫‪ -‬أجمع الفقهاء على جواز التّداوي بالرّقى عند اجتماع ثلثة شروط ‪ :‬أن يكون بكلم اللّه‬ ‫‪13‬‬

‫تعالى أو بأسمائه وصفاته ‪ ،‬وباللّسان العربيّ أو بما يعرف معناه من غيره ‪ ،‬وأن يعتقد أنّ‬
‫الرّقية ل تؤثّر بذاتها بل بإذن اللّه تعالى ‪ .‬فعن عوف بن مالك رضي ال عنه قال ‪ « :‬كنّا‬
‫نرقي في الجاهليّة فقلنا ‪ :‬يا رسول اللّه كيف ترى في ذلك ؟ فقال ‪ :‬اعرضوا عليّ رقاكم ‪ ،‬ل‬
‫بأس بالرّقى ما لم يكن فيه شرك » وما ل يعقل معناه ل يؤمن أن يؤدّي إلى الشّرك فيمنع‬
‫احتياطا ‪ .‬وقال قوم ‪ :‬ل تجوز الرّقية إلّ من العين واللّدغة لحديث عمران بن حصين رضي‬
‫ال عنه « ل رقية إلّ من عين أو حمّة » وأجيب بأنّ معنى الحصر فيه أنّهما أصل كلّ ما‬
‫يحتاج إلى الرّقية ‪ ،‬وقيل ‪ :‬المراد بالحصر معنى الفضل ‪ ،‬أو ل رقية أنفع ‪ ،‬كما قيل ل سيف‬
‫إلّ ذو الفقار ‪ .‬وقال قوم ‪ :‬المنهيّ عنه من الرّقى ما يكون قبل وقوع البلء ‪ ،‬والمأذون فيه ما‬
‫كان بعد وقوعه ‪ ،‬ذكره ابن عبد الب ّر والبيهقيّ وغيرهما ‪ ،‬لحديث ابن مسعود رضي ال عنه‬
‫مرفوعا « إنّ الرّقى والتّمائم والتّولة شرك »‬
‫وأجيب بأنّه إنّما كان ذلك من الشّرك لنّهم أرادوا دفع المضارّ وجلب المنافع من عند غير اللّه‬
‫‪ ،‬ول يدخل في ذلك ما كان بأسماء اللّه وكلمه ‪ ،‬وقد ثبت في الحاديث استعمال ذلك قبل‬
‫ن النّبيّ صلى ال عليه وسلم كان إذا أوى إلى فراشه‬
‫وقوعه كحديث عائشة رضي ال عنها « أ ّ‬
‫نفث في كفّيه ب قل هو اللّه أحد وبالمعوّذتين ثمّ يمسح بهما وجهه » ‪ .‬وحديث ابن عبّاس‬
‫ن النّبيّ صلى ال عليه وسلم كان يعوّذ الحسن والحسين بكلمات اللّه‬
‫رضي ال عنهما « أ ّ‬
‫التّامّة ‪ ،‬من كلّ شيطان وهامّة » ‪ .‬قال الرّبيع ‪ :‬سألت الشّافعيّ عن الرّقية فقال ‪ :‬ل بأس أن‬
‫يرقي بكتاب اللّه وما يعرف من ذكر اللّه ‪ .‬قلت ‪ :‬أيرقي أهل الكتاب المسلمين ؟ قال ‪ :‬نعم إذا‬
‫رقوا بما يعرف من كتاب اللّه وبذكر اللّه ‪ ،‬وقال ابن التّين ‪ :‬الرّقية بالمعوّذات وغيرها من‬
‫أسماء اللّه هو الطّبّ الرّوحانيّ ‪ ،‬إذا كان على لسان البرار من الخلق حصل الشّفاء بإذن اللّه‬
‫تعالى ‪ ،‬فلمّا عزّ هذا النّوع فزع النّاس إلى الطّبّ الجسمانيّ ‪.‬‬

‫تدبير *‬
‫التّعريف ‪:‬‬
‫‪ -‬دبّر الرّجل عبده تدبيرا ‪ :‬إذا أعتقه بعد موته ‪ ،‬والتّدبير في المر ‪ :‬النّظر إلى ما تئول إليه‬ ‫‪1‬‬

‫عاقبة المر ‪ ،‬والتّدبير أيضا ‪ :‬عتق العبد عن دبر وهو ما بعد الموت ‪.‬‬
‫ول يخرج المعنى الشّرعيّ عن هذا المعنى الخير ‪.‬‬
‫حكمه التّكليفيّ ‪:‬‬
‫‪ -‬التّدبير نوع من العتق ‪ ،‬والعتق مطلوب شرعا ‪ ،‬وهو من أعظم القرب ‪ ،‬ويكون كفّارةً‬ ‫‪2‬‬

‫للجنايات ‪ ،‬إمّا وجوبا أي في قتل الخطأ ‪ ،‬والحنث في اليم ين ونحو ذلك ‪ ،‬أو ندبا أي في قتل‬
‫ن العتق من أكبر الحسنات ‪ ،‬وقد قال اللّه تعالى ‪:‬‬
‫العمد عند المالكيّة ‪ ،‬وسائر الذّنوب ‪ ،‬ل ّ‬
‫ت } ‪ .‬ويعتق المدبّر بعد الموت من ثلث المال في قول أكثر أهل‬
‫سيّئا ِ‬
‫ن ال ّ‬
‫ت يُ ْذ ِهبْ َ‬
‫ن الحسنا ِ‬
‫{إّ‬
‫العلم ‪ ،‬ويعتق من جميع مال الميّت في قول بعض العلماء كابن مسعود وغيره ‪.‬‬
‫حكمة مشروعيّته ‪:‬‬
‫‪ -‬يؤدّي التّدبير إلى ح ّريّة المدبّر بعد موت من دبّره ‪ ،‬والشّارع يحرص على تحرير الرّقاب‬ ‫‪3‬‬

‫‪ ،‬والتّدبير طريقة ميسّرة لذلك ‪ ،‬لنّه تدوم معه منفعة الرّقيق مدّة حياته ‪ ،‬ثمّ يكون قربةً له بعد‬
‫وفاته ‪.‬‬
‫صيغته ‪:‬‬
‫‪ -‬يثبت التّدبير بكلّ لفظ يفيد إثبات العتق للمملوك بعد موت سيّده ‪ ،‬كأن يقول ‪ ،‬معلّقا ‪ :‬إذا‬ ‫‪4‬‬

‫متّ فأنت حرّ ‪ ،‬أو يقول مضيفا لمستقبل ‪ :‬أنت ح ّر بعد موتي ‪.‬‬
‫ول تفيد الصّيغة حكمها إلّ إذا صدرت ممّن له أهليّة التّبرّع على سبيل الوصيّة ‪.‬‬
‫آثاره ‪:‬‬
‫‪ -‬الفقهاء مختلفون في الثار الّتي تترتّب على التّدبير ‪ .‬فذهب الحنفيّة والمالكيّة ‪ ،‬وهو ظاهر‬ ‫‪5‬‬

‫كلم الخرقيّ ‪ ،‬وأومأ إليه أحمد إلى ‪ :‬أنّه ل يباع ‪ ،‬ول يوهب ‪ ،‬ول يرهن ‪ ،‬ول يخرج من‬
‫ق بكسبه وأرشه ‪.‬‬
‫الملك إلّ بالعتاق والكتابة ‪ ،‬ويستخدم ويستأجر ‪ ،‬وموله أح ّ‬
‫وذهب الشّافعيّة ‪ ،‬وهو إحدى الرّوايات عن المام أحمد ‪ :‬أنّه يباع مطلقا في الدّين وغيره ‪،‬‬
‫ن رجلً أعتق مملوكا له عن دبر ‪ ،‬فاحتاج ‪،‬‬
‫سيّد إلى بيعه وعدمها ‪ .‬لحديث ‪ « :‬أ ّ‬
‫وعند حاجة ال ّ‬
‫فقال رسول اللّه صلى ال عليه وسلم ‪ :‬من يشتريه منّي ‪ .‬فباعه من نعيم بن عبد اللّه بثمانمائة‬
‫درهم ‪ ،‬فدفعها إليه وقال ‪ :‬أنت أحوج منه » متّفق عليه ‪.‬‬
‫ن عائشة‬
‫وفسّر الشّافعيّة الحاجة هنا بالدّين ‪ ،‬ولكنّه ليس قيدا احترازيّا ‪ ،‬بل هو اتّفاقيّ لما ورد أ ّ‬
‫رضي ال عنها باعت مدبّرةً لها ولم ينكر عليها أحد من الصّحابة ‪.‬‬
‫من مبطلته ‪:‬‬
‫سيّد بالدّين ‪.‬‬
‫‪ -‬من مبطلت التّدبير ‪ :‬قتل المدبّر سيّده ‪ ،‬واستغراق تركة ال ّ‬ ‫‪6‬‬

‫وهناك تفصيلت كثيرة وأحكام في المذاهب مختلفة ل حاجة ليرادها لعدم وجود ال ّرقّ الن ‪.‬‬

‫تدخين *‬
‫انظر ‪ :‬تبغ ‪.‬‬

‫تدريس *‬
‫انظر ‪ :‬تعليم ‪.‬‬
‫تدليس *‬
‫التّعريف ‪:‬‬
‫‪ -‬التّدل يس ‪ :‬م صدر دلّس ‪ ،‬يقال ‪ :‬دلّس في الب يع و في كلّ ش يء ‪ :‬إذا لم يبيّن عي به ‪.‬‬ ‫‪1‬‬

‫والتّدليس في البيع ‪ :‬كتمان عيب ال سّلعة عن المشتري ‪ .‬قال الزهر يّ ‪ :‬ومن هذا أخذ التّدليس‬
‫في السناد ‪ .‬وهو في اصطلح الفقهاء ل يخرج عن المعنى اللّغويّ ‪ ،‬وهو كتمان العيب ‪ .‬قال‬
‫صاحب المغرب ‪ :‬كتمان عيب السّلعة عن المشتري ‪.‬‬
‫وعند المحدّثين هو قسمان‪ :‬أحدهما ‪ :‬تدليس السناد ‪ .‬وهو ‪ :‬أن يروي عمّن لقيه ما لم يسمعه‬
‫منه ‪ ،‬موهما أنّه سمعه منه ‪،‬أو عمّن عاصره ولم يلقه موهما أنّه لقيه أو سمعه منه‪.‬‬
‫والخر ‪ :‬تدليس الشّيوخ ‪ .‬وهو أن يروي عن شيخ حديثا سمعه منه فيسمّيه أو يكنّيه ‪ ،‬ويصفه‬
‫بما لم يعرف به كيل يعرف ‪.‬‬
‫اللفاظ ذات الصّلة ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬الخلبة ‪:‬‬
‫‪ -‬الخلبة هي ‪ :‬المخادعة ‪ .‬وقيل ‪ :‬هي الخديعة باللّسان ‪.‬‬ ‫‪2‬‬

‫والخلبة أعمّ من التّدليس ‪ ،‬لنّها كما تكون بستر العيب ‪ ،‬قد تكون بالكذب وغيره ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬التّلبيس ‪:‬‬
‫‪ -‬التّلبيس من اللّبس ‪ ،‬وهو ‪ :‬اختلط المر ‪ .‬يقال ‪ :‬لبّس عليه المر يلبّسه لبسا فالتبس ‪ .‬إذا‬ ‫‪3‬‬

‫خلطه عليه حتّى ل يعرف جهته ‪ ،‬والتّلبيس كالتّدليس والتّخليط ‪ ،‬شدّد للمبالغة ‪ .‬والتّلبيس بهذا‬
‫المعنى أعمّ من التّدليس ‪ ،‬لنّ التّدليس يكون بإخفاء العيب ‪ ،‬والتّلبيس يكون بإخفاء العيب ‪ ،‬كما‬
‫يكون بإخفاء صفات أو وقائع أو غيرها ليست صحيحةً ‪.‬‬
‫ج ‪ -‬التّغرير ‪:‬‬
‫‪ -‬وهو من الغرر ‪ ،‬يقال ‪ :‬غرّر بنفسه وماله تغريرا وتغ ّرةً ‪ :‬عرّضهما للهلكة من غير أن‬ ‫‪4‬‬

‫يعرف ‪ .‬ويقال ‪ :‬غرّه يغرّه غرّا وغرورا وغ ّرةً ‪ :‬خدعه وأطمعه بالباطل ‪.‬‬
‫والتّغرير في الصطلح ‪ :‬إيقاع الشّخص في الغرر ‪ ،‬والغرر ‪ :‬ما انطوت عنك عاقبته ‪.‬‬
‫وعلى هذا يكون التّغرير أعمّ من التّدليس ‪ ،‬لنّ الغرر قد يكون بإخفاء عيب ‪ ،‬وقد يكون بغير‬
‫ذلك ممّا تجهل عاقبته ‪.‬‬
‫د ‪ -‬الغِش ‪:‬‬
‫‪ -‬وهو اسم من الغشّ ‪ ،‬مصدر غشّه ‪ :‬إذا لم يمحّضه النّصح ‪ ،‬وزيّن له غير المصلحة ‪ ،‬أو‬ ‫‪5‬‬

‫أظهر له خلف ما أضمره ‪ .‬وهو أعمّ من التّدليس ‪ ،‬إذ التّدليس خاصّ بكتمان العيب ‪.‬‬
‫الحكم التّكليفيّ ‪:‬‬
‫ص في أحاديث كثيرة ‪ .‬فقد قال رسول اللّه صلى‬
‫‪ -‬اتّفق الفقهاء على أنّ التّدليس حرام بالّن ّ‬ ‫‪6‬‬

‫ال عليه وسلم ‪ « :‬الب ّيعَان بالخيار ما لم يتفرّقا ‪ ،‬فإن صدقا وبيّنا بُورك لهما ‪ ،‬وإن كَذَبا و َكتَما‬
‫عيْبا لم يبيّنه لم يزل في‬
‫مُحقت بركةُ بيعهما » وقال عليه أفضل الصّلة والسّلم ‪ « :‬من باع َ‬
‫مقتِ اللّه ‪ ،‬ولم تزل الملئكة تلع ْن ُه » ‪ .‬وقال صلى ال عليه وسلم ‪ « :‬من غشّنا فليس منّا »‬
‫ولهذا يؤدّب الحاكم المدلّس ‪ ،‬لحقّ اللّه ولحقّ العباد ‪.‬‬
‫التّدليس في المعاملت ‪:‬‬
‫‪ - 7‬ل خلف بين الفقهاء في أنّ كلّ تدليس يختلف الثّمن لجله في المعاملت يثبت به الخيار‬
‫‪ :‬كتصرية الشّياه ونحوها قبل بيعها ليظنّ المشتري كثرة اللّبن ‪ ،‬وصبغ المبيع بلون مرغوب‬
‫فيه ‪ ،‬على اختلف بين الفقهاء في بعض الصّور ‪.‬‬
‫واستدلّوا لثبوت الخيار بالتّصرية بحديث ‪ « :‬من اشترى شاةً مصرّا ًة فهو بخير النّظرين ‪ :‬إن‬
‫شاء أمسكها ‪ ،‬وإن شاء ردّها وصاعا من تمر » ‪.‬‬
‫ن المشتري به كمالً فل يوجد ‪ ،‬لنّ‬
‫وقيس عليها غيرها ‪ ،‬وهو كلّ فعل من البائع بالمبيع يظ ّ‬
‫الخيار غير منوط بالتّصرية لذاتها ‪ ،‬بل لما فيها من التّلبيس واليهام ‪.‬‬
‫شرط الرّدّ بالتّدليس ‪:‬‬
‫‪ -‬ل يثبت الخيار بمجرّد التّدليس ‪ ،‬بل يشترط ألّ يعلم المدلّس عليه بالعيب قبل العقد ‪ ،‬فإن‬ ‫‪8‬‬

‫ل يكون العيب ظاهرا ‪ ،‬أو ممّا يسهل معرفته ‪.‬‬


‫علم فل خيار له لرضاه به ‪ ،‬كما يشترط أ ّ‬
‫ويثبت خيار التّدليس في كلّ معاوضة ‪ ،‬كما في البيع والجارة ‪ ،‬وبدل الصّلح عن إقرار ‪،‬‬
‫وبدل الصّلح عن دم العمد ‪.‬‬
‫التّدليس القوليّ ‪:‬‬
‫‪ -‬التّدليس القوليّ كالتّدليس الفعليّ في العقود ‪ ،‬كالكذب في السّعر في بيوع المانات ( وهي‬ ‫‪9‬‬

‫المرابحة والتّولية والحطيطة ) فيثبت فيها خيار التّدليس ‪.‬‬


‫التّدليس في عقد النّكاح ‪:‬‬
‫‪ -‬ذهب جمهور الفقهاء ‪ -‬المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة ‪ -‬إلى أنّه إذا دلّس أحد الزّوجين‬ ‫‪10‬‬

‫على الخر ‪ ،‬بأن كتم عيبا فيه ‪ ،‬يثبت به الخيار ‪ ،‬لم يعلمه المدلّس عليه وقت العقد ‪ ،‬ول قبله‬
‫‪ .‬أو شرط أحدهما في صلب العقد وصفا من صفات الكمال كإسلم ‪ ،‬وبكارة ‪ ،‬وشباب ‪،‬‬
‫فتخلّف الشّرط ‪ :‬يثبت للمدلّس عليه والمغرور بخلف المشروط خيار فسخ النّكاح ‪ .‬وقال ‪ :‬أبو‬
‫حنيفة وأبو يوسف ‪ :‬ليس لواحد من الزّوجين خيار الفسخ لعيب ‪ ،‬فالنّكاح عندهم ل يقبل الفسخ‬
‫ت الستيفاءِ أصلً بالموت ل يوجب الفسخ ‪ ،‬فاختلله بهذه العيوب أولى بألّ‬
‫ن فو َ‬
‫‪ .‬وقالوا ‪ :‬إ ّ‬
‫ن الستيفاء من ثمرات العقد ‪ ،‬والمستحقّ هو التّمكّن ‪ ،‬وهو حاصل ‪ .‬وقال‬
‫يوجب الفسخ ‪ ،‬ول ّ‬
‫محمّد بن الحسن ‪ :‬ل خيار للزّوج بعيب في المرأة ‪ ،‬ولها هي الخيار بعيب في الزّوج من‬
‫العيوب الثّلثة ‪ :‬الجنون ‪ ،‬والجذام ‪ ،‬والبرص فللمرأة الخيار في طلب التّفريق أو البقاء معه ‪،‬‬
‫لنّه تعذّر عليها الوصول إلى حقّها بمعنًى فيه ‪ ،‬فكان ذلك بمنزلة ما لو وجدته مجبوبا ‪ ،‬أو‬
‫عنّينا بخلف الرّجل ‪ ،‬لنّه يتمكّن من دفع الضّرر عن نفسه بالطّلق‪ .‬والكلم عن العيوب‬
‫المثبتة للخيار في النّكاح موطنه باب النّكاح ‪.‬‬
‫سقوط المهر بالفسخ ‪:‬‬
‫‪ -‬ل خلف بين من يقول بالفسخ بالعيوب من الفقهاء في أنّ الفسخ قبل الدّخول ‪ ،‬أو الخلوة‬ ‫‪11‬‬

‫الصّحيحة يسقط المهر ‪.‬‬


‫وقالوا ‪ :‬إن كان العيب بالزّوج فهي الفاسخة ‪ -‬أي طالبة الفسخ ‪ -‬فل شيء لها ‪ ،‬وإن كان‬
‫العيب بها فسبب الفسخ معنًى وجد فيها ‪ ،‬فكأنّها هي الفاسخة ‪ ،‬لنّها غارّة ومدلّسة ‪.‬‬
‫ن المهر يجب بالعقد ‪ ،‬ويستقرّ‬
‫وإن كان الفسخ بعد الدّخول ‪ ،‬بأن لم يعلم إلّ بعده فلها المهر ‪ ،‬ل ّ‬
‫بالدّخول ‪ ،‬فل يسقط بحادث بعده ‪.‬‬
‫رجوع المغرور على من غرّه ‪:‬‬
‫‪ -‬إن فسخ الزّوج النّكاح بعيب في المرأة بعد الدّخول ‪ ،‬يرجع بالمهر على من غرّه من‬ ‫‪12‬‬

‫زوجة أو وكيل أو وليّ ‪ ،‬وإلى هذا ذهب المالكيّة ‪ ،‬والحنابلة ‪ ،‬وقاله الشّافعيّ في القديم‬
‫للتّدليس عليه بإخفاء العيب المقارن ‪ ،‬وقال الشّافعيّ في الجديد ‪ :‬إنّه ل يرجع بالمهر على من‬
‫غرّه ‪ ،‬لستيفائه منفعة البضع المتقوّم عليه بالعقد ‪ .‬أمّا العيب الحادث بعد العقد فل يرجع جزما‬
‫‪ .‬أمّا هل خيار العيب على التّراخي ؟ وهل يحتاج إلى حكم حاكم ؟ وحكم ولد المغرور ‪،‬‬
‫والتّفصيل في ذلك فيرجع فيه إلى مصطلح ‪ ( :‬تغرير ) ( وفسخ ) ‪.‬‬
‫المغرور بخلف الشّرط ‪:‬‬
‫‪ -‬لو شرط أحد الزّوجين في صلب العقد صفةً من صفات الكمال ‪ ،‬ممّا ل يمنع عدمه‬ ‫‪13‬‬

‫صحّة النّكاح كبكارة وشباب وإسلم ‪ ،‬أو نفي عيب ل يثبت به الخيار كألّ تكون عوراء أو‬
‫خرساء ‪ ،‬أو شرط ما ليس من صفات الكمال ول النّقص كطول وبياض وسمرة ‪ ،‬فتخلّف‬
‫الشّرط ‪ ،‬صحّ النّكاح ‪ ،‬وثبت للمغرور خيار الفسخ ‪ .‬عند الجمهور على خلف وتفصيل يرجع‬
‫فيه إلى مصطلح ‪ ( :‬تغرير ‪ ،‬وشرط ) ‪ .‬وقال الحنفيّة ‪ :‬ل يثبت الخيار بخلف الشّرط ‪.‬‬
‫وجاء في فتح القدير ‪ :‬فلو شرط وصفا مرغوبا فيه كالعذرة ( البكارة ) والجمال ‪ ،‬والرّشاقة ‪،‬‬
‫وصغر السّنّ ‪ :‬فظهرت ثيّبا عجوزا شوهاء ‪ ،‬ذات شقّ مائل ‪ ،‬ولعاب سائل ‪ ،‬وأنف هائل ‪،‬‬
‫وعقل زائل ‪ ،‬فل خيار له عند أبي حنيفة وأبي يوسف ‪.‬‬
‫تأديب المدلّس ‪:‬‬
‫‪ -‬يؤدّب المدلّس بالتّعزير بما يراه الحاكم زاجرا ومؤدّبا ‪.‬‬ ‫‪14‬‬

‫جاء في مواهب الجليل ‪ :‬قال مالك ‪ :‬من باع شيئا وبه عيب غرّ به أو دلّسه يعاقب عليه ‪ .‬قال‬
‫ابن رشد ‪ :‬ممّا ل خلف فيه أنّ الواجب على من غشّ أخاه المسلم ‪ ،‬أو غرّه ‪ ،‬أو دلّس بعيب‬
‫‪ :‬أن يؤدّب على ذلك ‪ ،‬مع الحكم عليه بالرّدّ ‪ ،‬لنّهما حقّان مختلفان ‪ :‬أحدهما للّه ‪ ،‬ليتناهى‬
‫النّاس عن حرمات اللّه ‪ ،‬والخر للمدلّس عليه بالعيب فل يتداخلن ‪ ،‬وتعزير المدلّس محلّ‬
‫اتّفاق بين الفقهاء ‪ ،‬ككلّ معصية ل حدّ فيها ول كفّارة ‪.‬‬

‫تدمية *‬
‫التّعريف ‪:‬‬
‫‪ -‬التّدمية لغةً ‪ :‬من دمّيته تدميةً ‪ :‬إذا حزبته حتّى خرج منه دم ‪ ،‬ومثله أدميته‪ .‬واصطلحا ‪:‬‬ ‫‪1‬‬

‫قول المقتول قبل موته ‪ :‬دمي عند فلن ‪ ،‬أو قتلني فلن ‪ .‬وهو اصطلح المالكيّة وإن كان‬
‫غيرهم قد تناول هذه المسألة في باب القسامة ولم يسمّها بالتّدمية ‪.‬‬
‫اللفاظ ذات الصّلة ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬الدّامية ‪:‬‬
‫‪-‬الدّامية هي ‪ :‬جراحة تضعف الجلد حتّى يرشح منه شيء كالدّم من غير انشقاق الرّأس‪.‬‬ ‫‪2‬‬

‫وهي من الجراحات العشر الّتي لها أسماء خاصّة ‪ ،‬فهي غير التّدمية الصطلحيّة عند المالكيّة‬
‫‪ ،‬لكنّها والتّدمية لغةً من باب واحدة ‪.‬‬
‫‪ -‬الشعار ‪ :‬هو إدماء الهدي من البل والبقر بطعن أو رمي أو وجء بحديدة ‪ ،‬ليعلم أنّه‬ ‫‪3‬‬

‫هدي فل يتعرّض له ‪ .‬فالشعار تدمية لغةً ‪ ،‬وليس كما اصطلح عليه المالكيّة ‪.‬‬
‫الحكم الجماليّ ‪:‬‬
‫‪ -‬اعتبر المالكيّة ( التّدمية ) من اللّوث الّذي تثبت به القسامة ‪ ،‬إن صدر من حرّ مسلم بالغ‬ ‫‪4‬‬

‫عاقل ‪ ،‬إن شهد على قوله عدلن ‪ ،‬واستمرّ على إقراره ‪ ،‬وكان به جرح ‪.‬‬
‫وتسمّى حينئذ التّدمية الحمراء ‪ ،‬وهي إن كان بالمقتول جرح ‪.‬‬
‫وأثر الضّرب أو السّمّ منزّل منزلة الجرح ‪ ،‬والعمل بالتّدمية قول اللّيث ‪.‬‬
‫أمّا غيرهم فقد رأوا أنّ قول المقتول ‪ :‬دمي عند فلن ‪ ،‬دعوى من المقتول والنّاس ل يعطون‬
‫بدعواهم ‪ ،‬واليمان ل تثبت الدّعوى ‪ ،‬وإنّما تردّها من المنكر ‪.‬‬
‫ورأى المالكيّة أنّ الشّخص عند موته ل يتجاسر على الكذب في سفك الدّم ‪ ،‬كيف وهو الوقت‬
‫الّذي يندم فيه النّادم ويقلع فيه الظّالم ‪.‬‬
‫ومدار الحكام على غلبة الظّنّ ‪ ،‬وأيّدوا ذلك بكون القسامة خمسين يمينا مغلّظةً احتياطا في‬
‫الدّماء ‪ ،‬ولنّ الغالب على القاتل إخفاء القتل على البيّنات ‪ ،‬فاقتضى الستحسان ذلك ‪.‬‬
‫أمّا التّدمية البيضاء ‪ ،‬فهي الّتي ليس معها جرح ‪ ،‬ول أثر ضرب ‪ ،‬فالمشهور عند المالكيّة عدم‬
‫قبولها ‪ .‬فإذا قال الميّت في حال مرضه ‪ ،‬وليس به جرح ‪ ،‬ول أثر ضرب ‪ :‬قتلني فلن ‪ ،‬أو‬
‫دمي عند فلن ‪ ،‬فل يقبل قوله إلّ بالبيّنة على ذلك ‪.‬‬
‫وتفصيل القول في ذلك في الجنايات ‪ ،‬وفي القسامة ‪.‬‬

‫تديين *‬
‫انظر ‪ :‬ديانة ‪.‬‬

‫تذفيف *‬
‫التّعريف ‪:‬‬
‫‪ -‬التّذفيف بالذّال وبالدّال في اللّغة ‪ :‬الجهاز على الجريح ‪ ،‬وهو قتله ‪ ،‬وقال بعضهم ‪ :‬هو‬ ‫‪1‬‬

‫السراع بقتله ‪ ،‬يقال ‪ :‬ذففت على القتيل ‪ :‬إذا أسرعت في قتله ‪ ،‬ويقال ‪ :‬ذففت على الجريح‬
‫إذا عجّلت قتله ‪ .‬ول يخرج استعمال الفقهاء له عن المعنى اللّغويّ ‪.‬‬
‫الحكم الجماليّ ‪:‬‬
‫يختلف حكم التّذفيف باختلف مواضعه ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬التّذفيف في الجهاد ‪:‬‬
‫‪ -‬يجوز التّذفيف على جرحى الكفّار في المعركة ‪ ،‬لنّ تركهم أحياءً ضرر على المسلمين‬ ‫‪2‬‬

‫وتقوية للكفّار ‪ ،‬والتّفصيل في مصطلح ‪ ( :‬جهاد ) ‪.‬‬


‫ب ‪ -‬الجهاز على جريح البغاة ‪:‬‬
‫‪ -‬اختلف الفقهاء في حكم جرحى البغاة بعد انهزامهم أمام المسلمين وتولّيهم ‪ .‬فقد نصّ‬ ‫‪3‬‬

‫الحنفيّة على أنّه إذا كانت لهم فئة فإنّه يجوز قتل مدبرهم والجهاز على جريحهم ‪ ،‬لئلّ‬
‫ينحازوا إلى هذه الفئة ‪ ،‬لحتمال أن يتجمّعوا ويثيروا الفتنة تار ًة أخرى ‪ ،‬فيكرّوا على أهل‬
‫السلم ‪ ،‬وقتلهم إذا كان لهم فئة ل يخرج عن كونه دفعا ‪ ،‬لنّه لو لم يذفّف عليهم يتحيّزون‬
‫إلى الفئة ‪ ،‬ويعود شرّهم كما كان ‪ ،‬وإن لم تكن لهم فئة قائمة يحرم قتل جرحى البغاة ‪.‬‬
‫ي رضي ال عنه يوم الجمل ‪ ":‬ل تتبعوا مدبرا ‪ ،‬ول تجهزوا على‬
‫والصل في ذلك قول عل ّ‬
‫جريح ‪ ،‬ول تقتلوا أسيرا ‪ ،‬وإيّاكم والنّساء وإن شتمن أعراضكم وسببن أمراءكم "‪ .‬وقد حمله‬
‫الحنفيّة على ما إذا لم تكن للبغاة فئة ‪ .‬ونقل ابن عابدين عن بعض الحنفيّة أنّ جريح البغاة‬
‫ومدبرهم يختار المام ما فيه المصلحة ‪ ،‬تاركا هوى النّفس والتّشفّي ‪ ،‬وإن وجدت الفئة ‪.‬‬
‫ومذهب المالكيّة في جرحى البغاة يعتمد على مدى تيقّن المام من التحاقهم بالبغاة ‪ ،‬أو‬
‫رجوعهم إلى الطّاعة ‪ ،‬فإن أمن المام بغيهم ل يجوز له اتّباع منهزمهم ‪ ،‬ول التّذفيف على‬
‫جريحهم ‪ ،‬وإن لم يأمن المام بغيهم اتّبع منهزمهم ‪ ،‬وذفّف على جريحهم ‪ ،‬حسب مقتضيات‬
‫مصلحة الحرب لحصول المقصود ‪.‬‬
‫ولم يشترط المالكيّة وجود الفئة الّتي يحتمل التّحيّز إليها ‪ ،‬لنّ المصلحة هي الساس عندهم‪.‬‬
‫والتّفصيل في مصطلح ‪ ( :‬بغاة ) ‪.‬‬
‫والشّافعيّة قالوا ‪ :‬إذا كانت لهم فئة بعيدة ينحازون إليها ‪ ،‬ول يتوقّع في العادة مجيئها إليهم‬
‫والحرب قائمة ‪ ،‬أو غلب على الظّنّ عدم وصولها إليهم ‪ ،‬ل يجهز على جريحهم لمن غائلته ‪،‬‬
‫إلّ إذا كان متحرّفا لقتال ‪ .‬وأمّا إذا كانت لهم فئة قريبة تسعفهم عادةً ‪ ،‬والحرب قائمة ‪ ،‬فإنّه‬
‫يجوز اتّباعهم والتّذفيف على جريحهم ‪.‬‬
‫ص الحنابلة على أنّ أهل البغي إذا تركوا القتال بالرّجوع إلى الطّاعة ‪ ،‬أو بإلقاء السّلح ‪،‬‬
‫ون ّ‬
‫أو بالهزيمة إلى فئة ‪ ،‬أو إلى غير فئة ‪ ،‬أو بالعجز لجراح أو مرض ‪ ،‬فل يجهز على‬
‫جريحهم ‪ ،‬وبهذا قال بعض الشّافعيّة ‪.‬‬
‫وساق ابن قدامة ‪ ،‬وبعض الشّافعيّة الثار الواردة في النّهي عن قتل المدبر والجهاز على‬
‫ي رضي ال عنه أنّه قال يوم الجمل ‪ :‬ل يذفّف على جريح ‪.‬‬
‫الجريح ‪ ،‬ومنها ما روي عن عل ّ‬
‫ن النّبيّ صلى ال عليه وسلم قال ‪ :‬يا ابن مسعود أتدري‬
‫كما روي عن عبد اللّه بن مسعود « أ ّ‬
‫ما حكم اللّه فيمن بغى من هذه المّة ؟ قال ابن مسعود ‪ :‬اللّه ورسوله أعلم ‪ .‬قال ‪ :‬فإنّ حكم‬
‫اللّه فيهم أن ل يتبع مدبرهم ‪ ،‬ول يقتل أسيرهم ‪ ،‬ول يذفّف على جريحهم » ‪.‬‬
‫ن قتالهم للدّفع والرّ ّد إلى الطّاعة دون القتل ‪ ،‬فل يجوز فيه القصد إلى القتل من غير حاجة‬
‫ول ّ‬
‫( ر ‪ :‬بغاة ) ‪.‬‬
‫ج ‪ -‬التّذفيف في الذّبائح ‪:‬‬
‫‪ -‬من صور الذّكاة ما إذا رمى الصّيد ‪ ،‬ثمّ أدركه وبه حياة مستقرّة ‪ ،‬فل يحلّ إلّ بتذكيته ‪.‬‬ ‫‪4‬‬

‫ل حركة المذبوح ‪ ،‬فذهب الجمهور إلى أنّه يحلّ ولو لم يذفّف عليه ‪،‬‬
‫أمّا إن أدركه ولم يبق به إ ّ‬
‫ن حركة المذبوح ل تعتبر حيا ًة عندهم ‪ ،‬وذهب أبو حنيفة ‪ -‬فيما نقل عنه الجصّاص ‪ -‬إلى‬
‫لّ‬
‫أنّه ل يحلّ ما لم يذفّف عليه بالتّذكية ‪ ،‬لنّه يعتبر حركة المذبوح حيا ًة ‪ .‬والنّقل الرّاجح عن أبي‬
‫حنيفة أنّه يوافق الجمهور ‪ .‬وينظر التّفصيل في مصطلح ‪ ( :‬صيد ) ( وذبائح ) ‪.‬‬

‫تذكّر *‬
‫التّعريف ‪:‬‬
‫سيَ ‪ ،‬يقال ‪ :‬ذكرت الشّيء بعد نسيان ‪ ،‬وذكرته‬
‫‪ -‬التّذكير والتّذكّر ‪ :‬من مادّة َذ َكرَ ‪ ،‬ض ّد َن ِ‬ ‫‪1‬‬

‫بلساني ‪ ،‬وقلبي ‪ ،‬وتذكّرته ‪ ،‬وأذكرته غيري ‪ ،‬وذكّرته تذكيرا ‪.‬‬


‫ي ل يخرج عن المعنى اللّغويّ ‪.‬‬
‫وهو في الصطلح الشّرع ّ‬
‫اللفاظ ذات الصّلة ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬السّهو ‪:‬‬
‫‪ -‬السّهو في اللّغة ‪ :‬نسيان الشّيء والغفلة عنه وذهاب القلب إلى غيره ‪ ،‬فالسّهو عن الصّلة‬ ‫‪2‬‬

‫‪ :‬الغفلة عن شيء منها ‪ ،‬قال ابن الثير ‪ :‬السّهو من الشّيء ‪ :‬تركه عن غير علم ‪ ،‬والسّهو‬
‫ن هم عن صَلتِهم سَاهُون } ‪ .‬واصطلحا ‪،‬‬
‫عنه ‪ :‬تركه مع العلم ‪ ،‬ومنه قوله تعالى ‪ { :‬الّذي َ‬
‫قال صاحب المواقف ‪ :‬السّهو زوال الصّورة عن المدركة مع بقائها في الحافظة ‪ ،‬وقيل ‪ :‬هو‬
‫الذّهول عن الشّيء ‪ ،‬بحيث لو نبّه له أدنى تنبيه لتنبّه ‪.‬‬
‫وفي المصباح ‪ :‬إنّ السّهو لو نبّه صاحبه لم يتنبّه ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬النّسيان ‪:‬‬
‫‪ -‬النّسيان ‪ :‬ضدّ الذّكر والحفظ ‪ ،‬يقال ‪ :‬نسيه نسيا ‪ ،‬ونسيانا ‪ ،‬وهو ترك الشّيء عن ذهول‬ ‫‪3‬‬

‫وغفلة ‪ ،‬ويطلق مجازا على التّرك عن عمد ‪ ،‬ومنه قوله تعالى ‪ {:‬نسوا اللّه فنسيهم } أي تركوا‬
‫أمر اللّه فحرمهم رحمته ‪ .‬ويقال ‪ :‬رجل نسيان أي ‪ :‬كثير النّسيان والغفلة ‪ .‬واصطلحا ‪ :‬هو‬
‫الذّهول عن الشّيء ‪ ،‬لكن ل يتنبّه له بأدنى تنبيه ‪ ،‬لكون الشّيء قد زال من المدركة والحافظة‬
‫معا ‪ ،‬فيحتاج إلى سبب جديد ‪.‬‬
‫الحكم الجماليّ ‪:‬‬
‫تذكّر المصلّي لصلته بعد الكل فيها ‪:‬‬
‫‪ -‬قال الحنابلة والمالكيّة ‪ :‬ل تبطل صلة من أكل ناسيا وإن كثر ‪ ،‬واستدلّوا بحديث ‪ « :‬إنّ‬ ‫‪4‬‬

‫اللّه وضع عن أمّتي الخطأ ‪ ،‬والنّسيان ‪ ،‬وما استكرهوا عليه » ‪ .‬وذهب الحنفيّة إلى أنّه إذا أكل‬
‫في الصّلة ناسيا بطلت صلته ‪ ،‬وإن قلّ ‪ .‬وفرّق الشّافعيّة بين القليل والكثير ‪ ،‬فإن كان ناسيا‬
‫فل تبطل صلته إذا كان قليلً ‪ .‬وينظر تفصيل ذلك في ‪ ( :‬صلة ) ( ونسيان ) ‪.‬‬
‫سهو المام ‪:‬‬
‫‪ -‬قال الحنفيّة ‪ :‬إذا أخبره عدلن بعدم التمام ل يعتبر شكّه ‪ ،‬وعليه الخذ بقولهم ‪ .‬أمّا إذا‬ ‫‪5‬‬

‫أخبره عدل في صلة رباعيّة مثلً أنّه ما صلّى أربعا ‪ ،‬وشكّ في صدقه وكذبه أعاد احتياطا ‪.‬‬
‫أمّا إذا كذّبه ‪ ،‬فل يعيد ‪ .‬وإن اختلف المام والقوم فإن كان على يقين لم يعد ‪ ،‬وإلّ أعاد بقولهم‬
‫‪ .‬وقال المالكيّة ‪ :‬إذا أخبرته جماعة مستفيضة ‪ ،‬يفيد خبرهم العلم الضّروريّ بتمام صلته أو‬
‫نقصها ‪ ،‬فإنّه يجب عليه الرّجوع لخبرهم ‪ ،‬سواء كانوا من مأموميه أو من غيرهم ‪ ،‬وإن تيقّن‬
‫كذبهم ‪ .‬وإن أخبره عدلن فأكثر فإنّه يعمل بالخبر إن لم يتيقّن خلف ذلك ‪ ،‬وكانا من مأموميه‬
‫‪ .‬فإن لم يكونا من مأموميه فل يرجع لخبرهما ‪ ،‬بل يعمل على يقينه ‪.‬‬
‫أمّا المنفرد والمأموم فل يرجعان لخبر العدلين ‪ ،‬وإن أخبر المام واحد ‪ ،‬فإن أخبر بالتّمام فل‬
‫يرجع لخبره ‪ ،‬بل يبني على يقين نفسه ‪ ،‬أمّا إذا أخبره بالنّقص رجع لخبره ‪.‬‬
‫وقال الشّافعيّة ‪ :‬إنّ المام إذا شكّ هل صلّى ثلثا أو أربعا ؟ أخذ بالقلّ ‪ ،‬ول يعمل بتذكير‬
‫غيره ‪ ،‬ولو كانوا جمعا غفيرا كانوا يرقبون صلته ‪ .‬ول فرق عندهم بين أن يكون التّذكير من‬
‫المأمومين أو من غيرهم ‪ .‬واستدلّوا بخبر ‪ « :‬إذا شكّ أحدُكم في صلته فلم يَ ْدرِ أصلّى ثلثا‬
‫شكّ ‪ ،‬و ْليَبنِ على ما استيقن » ‪ .‬وقد أجابوا عن المراجعة بين الرّسول‬
‫أم أربعا ؟ فليطرح ال ّ‬
‫صلى ال عليه وسلم والصّحابة ‪ ،‬وعوده للصّلة في خبر ذي اليدين ‪ ،‬بأنّه لم يكن من باب‬
‫الرّجوع إلى قول الغير ‪ ،‬وإنّما هو محمول على تذكّره بعد مراجعته لهم ‪ ،‬أو لنّهم بلغوا حدّ‬
‫التّواتر الّذي يفيد اليقين ‪ ،‬أي العلم الضّروريّ ‪ ،‬فرجع إليهم ‪.‬‬
‫وذهب الحنابلة إلى أنّه ‪ :‬إذا سبّح اثنان يثق بقولهما لتذكيره ‪ ،‬لزمه القبول والرّجوع لخبرهما ‪،‬‬
‫سواء غلب على ظنّه صوابهما أو خلفه ‪ .‬وقالوا ‪ :‬إنّ رسول اللّه صلى ال عليه وسلم ‪ :‬رجع‬
‫إلى قول أبي بكر وعمر رضي ال عنهما في حديث « ذي اليدين لمّا سألهما ‪ :‬أحقّ ما قال ذو‬
‫اليدين ؟ فقال ‪ :‬نعم » مع أنّه كان شاكّا فيما قاله ذو اليدين بدليل أنّه أنكره ‪ ،‬وسألهما عن‬
‫ن النّبيّ صلى ال عليه وسلم أمر بالتّسبيح ليذكّروا المام ‪ ،‬ويعمل بقولهم ‪.‬‬
‫صحّة قوله ‪ ،‬ول ّ‬
‫ولحديث ابن مسعود رضي ال عنه « أنّ النّبيّ صلى ال عليه وسلم ‪ :‬صلّى فزاد أو نقص ‪...‬‬
‫» الحديث ‪ ،‬وفيه أنّ النّبيّ صلى ال عليه وسلم قال ‪ « :‬إنّما أنا بشر أنسى كما تنسون ‪ ،‬فإذا‬
‫نسيت فذكّروني » ‪.‬‬
‫وإن سبّح واحد لتذكيره لم يرجع إلى قوله ‪ ،‬إلّ أن يغلب على ظنّه صدقه ‪ ،‬فيعمل بغالب‬
‫ن النّبيّ صلى ال عليه وسلم لم يقبل قول ذي اليدين وحده ‪.‬‬
‫ظنّه ‪ ،‬ل بتسبيح الغير ‪ ،‬ل ّ‬
‫سقَةٌ بالتّسبيح لم يرجع إلى قولهم ‪ ،‬لنّ قولهم غير مقبول في أحكام الشّرع ‪.‬‬
‫وإن ذكّره فَ َ‬
‫تذكّر الصّائم لصومه وهو يأكل ‪:‬‬
‫‪ -‬يرى جمهور الفقهاء أنّ من أكل أو شرب وهو صائم ‪ ،‬ثمّ تذكّر وأمسك لم يفطر ‪ ،‬لما‬ ‫‪6‬‬

‫روى أبو هريرة أنّ رسول اللّه صلى ال عليه وسلم قال ‪ « :‬من أكل ناسيا وهو صائم ‪ ،‬فليتمّ‬
‫صومه ‪ ،‬فإنّما أطعمه اللّه وسقاه » ‪ .‬وفي رواية أخرى ‪ « :‬من أكل أو شرب ناسيا فل يفطر ‪،‬‬
‫فإنّما هو رزق رزقه اللّه » ‪.‬‬
‫ي رضي ال عنه ‪ :‬ل شيء على من أكل ناسيا وهو صائم ‪.‬‬
‫وقال عل ّ‬
‫ن الصّوم عبادة ذات تحريم وتحليل ‪ ،‬فكان من محظوراته ما يخالف عمده سهوه كالصّلة ‪،‬‬
‫ول ّ‬
‫وهو قول أبي هريرة وابن عمر ‪ ،‬وطاووس والوزاعيّ والثّوريّ وإسحاق ‪.‬‬
‫وقال بعض الفقهاء ‪ :‬يشترط أن يكون الكل أو الشّرب قليلً ‪ ،‬فإن كان كثيرا أفطر ‪.‬‬
‫وعند المالكيّة ‪ :‬إن أكل أو شرب ناسيا فقد أفطر ‪ ،‬وينظر التّفصيل في مصطلح ‪ ( :‬صوم ) ‪.‬‬
‫تذكّر القاضي لحكم قضاه ‪:‬‬
‫‪ -‬ذهب جمهور الفقهاء إلى أنّ القاضي إذا رأى خطأً في حكمه ‪ ،‬لم يعتمد عليه في إمضاء‬ ‫‪7‬‬

‫الحكم حتّى يتذكّر ‪ ،‬لنّه حكم حاكم لم يعلمه ‪ ،‬ولنّه يجوز فيه التّزوير عليه وعلى ختمه ‪ ،‬فلم‬
‫ل ببيّنة كحكم غيره ‪.‬‬
‫يجز إنفاذه إ ّ‬
‫وإلى هذا ذهب المام ‪ :‬أبو حنيفة والشّافعيّ وأحمد في إحدى روايتين عنه ‪.‬‬
‫وفي رواية عن أحمد ‪ :‬إذا كان الحكم عنده ‪ ،‬وتحت يده جاز العتماد عليه ‪ ،‬لنّه في هذه‬
‫الحالة ل يحتمل التّغيير فيه ‪ ،‬وأجاز أبو يوسف ومحمّد بن الحسن العمل بالخطّ إذا عرف أنّه‬
‫خطّه ‪ ،‬ولو لم يتذكّر الحادثة ‪ ،‬وإن لم يكن الخطّ بيده ‪ ،‬لنّ الغلط نادر في مثل ذلك ‪ ،‬وأثر‬
‫ط من كلّ وجه ‪ ،‬فإذا تيقّن أنّه خطّه جاز‬
‫التّغيير يمكن الطّلع عليه ‪ ،‬وقلّما يتشابه الخ ّ‬
‫العتماد عليه ‪ ،‬توسعةً على النّاس ‪.‬‬
‫ن هذا حكمه ولم يتذكّر ‪ ،‬فقد اختلف الفقهاء في العمل‬
‫أمّا إذا شهد عدلن عند القاضي ‪ :‬بأ ّ‬
‫بقولهما ‪ :‬فقال المالكيّة وأحمد ومحمّد بن الحسن ‪ :‬يلزمه العمل بذلك وإمضاء الحكم ‪.‬‬
‫وقالوا ‪ :‬إنّه لو شهدا عنده بحكم غيره قبل ‪ ،‬فكذلك يقبل إذا شهدا عنده بحكم نفسه ‪ .‬ولنّهما‬
‫شهدا بحكم حاكم ‪ ،‬فيجب قبول شهادتهما ‪.‬وقال الشّافعيّة ‪ :‬إنّه ل يعمل بقولهما حتّى يتذكّر‪.‬‬
‫تذكّر الشّاهد الشّهادة وعدمه ‪:‬‬
‫‪ -‬إذا رأى الشّاهد بخطّه شهادةً أدّاها عند حاكم ‪ ،‬ولم يتذكّر الحادثة ‪ ،‬فعند المالكيّة والشّافعيّة‬ ‫‪8‬‬

‫‪ ،‬وهي إحدى روايتين عن أحمد ‪ :‬لم يشهد على مضمونها حتّى يتذكّر ‪ ،‬وإن كان الكتاب‬
‫محفوظا عنده لمكان التّزوير ‪.‬‬
‫وفي رواية أخرى عن أحمد ‪ :‬أنّه إذا عرف خطّه شهد به ‪،‬وهو رأي أبي يوسف من الحنفيّة‪.‬‬
‫تذكّر الرّاوي للحديث وعدمه ‪:‬‬
‫‪ -‬أمّا رواية الحديث ‪ ،‬فإنّه يجوز للشّخص أن يروي مضمون خطّه اعتمادا على الخطّ‬ ‫‪9‬‬

‫المحفوظ عنده ‪ ،‬لعمل العلماء به سلفا وخلفا ‪ .‬وقد يتساهل في الرّواية ‪ ،‬لنّها تقبل من المرأة‬
‫والعبد ‪ ،‬بخلف الشّهادة ‪ .‬هذا عند الشّافعيّة ‪.‬‬
‫وقال المام أبو حنيفة ‪ :‬ل يعمل بها لمشابهة الخطّ بالخطّ ‪ ،‬وخالفه صاحباه ‪.‬‬

‫تذكير *‬
‫انظر ‪ :‬تذكّر ‪.‬‬
‫تذكية *‬
‫التّعريف ‪:‬‬
‫‪ -‬التّذكية في اللّغة ‪ :‬مصدر ذكّى ‪ ،‬والسم ( الذّكاة ) ومعناها ‪ :‬إتمام الشّيء والذّبح ‪ .‬ومنه‬ ‫‪1‬‬

‫قوله عليه الصلة والسلم ‪ « :‬ذكاة الجنين ذكاة أمّه » ‪.‬‬


‫وفي الصطلح ‪ :‬هي السّبب الموصّل لحلّ أكل الحيوان الب ّريّ اختيارا ‪.‬‬
‫هذا تعريف الجمهور ‪ ،‬ويعرف عند الحنفيّة ‪ :‬بأنّه السّبيل الشّرعيّة لبقاء طهارة الحيوان ‪ ،‬وحلّ‬
‫أكله إن كان مأكولً ‪ ،‬وحلّ النتفاع بجلده وشعره إن كان غير مأكول ‪.‬‬
‫أنواع التّذكية ‪:‬‬
‫التّذكية لفظ عامّ ‪ ،‬يشمل ‪ :‬الذّبح ‪ ،‬والنّحر ‪ ،‬والعقر ‪ ،‬والصّيد ‪ ،‬ولكلّ موطنه على النّحو التّالي‬
‫‪:‬‬
‫أ ‪ -‬الذّبح ‪:‬‬
‫شقّ ‪ .‬وعند الفقهاء ‪ :‬قطع الحلقوم من باطن عن المفصل بين العنق والرّأس‬
‫‪ -‬الذّبح لغةً ‪ :‬ال ّ‬ ‫‪2‬‬

‫‪ .‬ويستعمل في ذكاة الختيار ‪ ،‬فهو أخصّ من التّذكية ‪ ،‬حيث إنّها تشمل ذكاة الختيار‬
‫والضطرار ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬النّحر ‪:‬‬
‫‪ -‬نحر البعير ‪ :‬طعنه في منحره حيث يبدأ الحلقوم من أعلى الصّدر ‪ ،‬قال في المغني ‪:‬‬ ‫‪3‬‬

‫معنى النّحر أن يضرب البعير بالحربة أو نحوها في الوهدة الّتي بين أصل عنقها وصدرها ‪.‬‬
‫فهو قطع العروق في أسفل العنق عند الصّدر ‪ ،‬وبهذا يفترق عن الذّبح ‪ ،‬لنّ القطع في أعلى‬
‫العنق ‪ .‬والنّحر نوع آخر من أنواع التّذكية الختياريّة ‪.‬‬
‫ج ‪ -‬العقر ‪:‬‬
‫‪ -‬العقر ‪ :‬هو الجرح ‪.‬‬ ‫‪4‬‬

‫ويستعمله الفقهاء في ‪ :‬تذكية حيوان غير مقدورعليه بالطّعن في أيّ موضع وقع من البدن‪.‬‬
‫وبهذا يختلف عن الذّبح والنّحر ‪ ،‬لنّهما تذكية اختيارا ‪ ،‬والعقر تذكية ضرورةً ‪.‬‬
‫د ‪ -‬الصّيد ‪:‬‬
‫‪ -‬الصّيد ‪ :‬هو إزهاق روح الحيوان الب ّريّ المتوحّش‪ ،‬بإرسال نحو سهم أو كلب أو صقر‪.‬‬ ‫‪5‬‬

‫الحكم الجماليّ ‪:‬‬


‫‪ -‬التّذكية سبب لباحة أكل لحم الحيوان غير المحرّم والّذي من شأنه الذّبح ‪ ،‬سواء أكانت‬ ‫‪6‬‬

‫بالذّبح أم النّحر أم العقر ‪ .‬أمّا ما ليس من شأنه الذّبح كالسّمك والجراد فيحلّان بل ذكاة ‪.‬‬
‫ويشترط في المذكّي عند الفقهاء ‪ :‬أن يكون مسلما أو كتابيّا ‪ ،‬كما يشترط عند الجمهور ‪:‬‬
‫‪-‬الحنفيّة والمالكيّة والحنابلة ‪ ،‬وهو رواية عند الشّافعيّة ‪ : -‬أن يكون المذكّي مميّزا ‪ ،‬ليعقل‬
‫التّسمية والذّبح ‪ .‬وفي الظهر عند الشّافعيّة ‪ :‬ل يشترط التّمييز ‪.‬‬
‫‪ -7‬وجمهور الفقهاء ‪ -‬الحنفيّة والمالكيّة والحنابلة ‪ -‬على أنّه تشترط التّسمية وقت التّذكية إلّ‬
‫إذا نسيها ‪ .‬وقال الشّافعيّة باستحباب التّسمية وقت التّذكية ‪.‬‬
‫ويحلّ الذّبح بكلّ محدّد يجرح ‪ ،‬كحديد ونحاس وذهب وخشب وحجر وزجاج ‪ ،‬ول يجوز‬
‫بالسّنّ والظّفر القائمين اتّفاقا ‪.‬‬
‫أمّا إذا كانا منفصلين ففيه خلف ‪ ،‬وتفصيله في مصطلح ‪ ( :‬ذبائح ) ‪.‬‬
‫مواطن البحث ‪:‬‬
‫‪ -‬ذكر الفقهاء أحكام التّذكية في أبواب الصّيد والذّبائح والضحيّة ‪ ،‬وذكر المالكيّة أحكامها‬ ‫‪8‬‬

‫في باب الذّكاة ‪.‬‬

‫تراب *‬
‫التّعريف ‪:‬‬
‫‪ -‬التّراب ‪ :‬ما نعم من أديم الرض ‪ .‬بهذا عرّفه المعجم الوسيط ‪ ،‬وهو اسم جنس ‪ ،‬وقال‬ ‫‪1‬‬

‫المبرّد ‪ :‬هو جمع واحده ترابة ‪ ،‬وجمعه أتربة وتربان ‪ ،‬وتربة الرض ‪ :‬ظاهرها ‪.‬‬
‫وأتربت الشّيء ‪ :‬وضعت عليه التّراب ‪ ،‬وترّبته تتريبا فتترّب ‪ :‬أي تلطّخ بالتّراب ‪ .‬ويقال ‪:‬‬
‫ت يَداك‬
‫ن تَ ِر َب ْ‬
‫ظ َفرْ بذاتِ الدّي ِ‬
‫َترِب الرّجل ‪ :‬إذا افتقر ‪ ،‬كأنّه لصق بالتّراب ‪ ،‬وفي الحديث ‪ « :‬فا ْ‬
‫ث والتّحريض ‪ .‬ويقال ‪ :‬أترب الرّجل ‪ :‬أي استغنى ‪ ،‬كأنّه‬
‫» وليس المراد به الدّعاء ‪ ،‬بل الح ّ‬
‫صار له من المال بقدر التّراب ‪.‬‬
‫وفي المصطلحات العلميّة والف ّنيّة ‪ :‬أنّه جزء الرض السّطحيّ المتجانس التّركيب ‪ ،‬أو الّذي‬
‫تتناوله آلت الحراثة ‪.‬‬
‫ول يخرج المعنى الصطلحيّ عن المعنى اللّغويّ ‪ .‬ويفهم من كلم الفقهاء في باب التّيمّم أنّ‬
‫الرّمل ونحاتة الصّخر ليسا من التّراب ‪ ،‬وإن أعطيا حكمه في بعض المذاهب ‪.‬‬
‫اللفاظ ذات الصّلة ‪:‬‬
‫الصّعيد ‪:‬‬
‫‪ -‬الصّعيد ‪ :‬وجه الرض ترابا كان أو غيره ‪ ،‬قال ال ّزجّاج ‪ :‬ول أعلم اختلفا بين أهل اللّغة‬ ‫‪2‬‬

‫في ذلك ‪ .‬وعلى هذا يكون الصّعيد أع ّم من التّراب ‪.‬‬


‫الحكم التّكليفيّ ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬في التّيمّم ‪:‬‬
‫ل تراب طاهر فيه غبار يعلق باليد ‪ ،‬لقوله تعالى ‪{ :‬‬
‫‪ -‬اتّفق الفقهاء على أنّ التّيمّم يصحّ بك ّ‬ ‫‪3‬‬

‫سحُوا بِوجُوهِكم وأَي ِديْكم منه } ولقوله صلى ال عليه وسلم ‪:‬‬
‫طيّبَا فَامْ َ‬
‫صعِيدا َ‬
‫َف َت َي ّممُوا َ‬
‫ت إلى كلّ‬
‫ي يُبعث إلى قومه خاصّةً ‪ ،‬وبُعث ُ‬
‫ل نب ّ‬
‫خمْسَا لم ُيعْطَهنّ أحدٌ قبلي ‪ :‬كان ك ّ‬
‫« أُعطيتُ َ‬
‫ض طيّبةً طهورا‬
‫ل لحد َقبْلي ‪ ،‬وجُعلتْ لي الر ُ‬
‫أحمرَ وأسودَ ‪ ،‬وأُحلّتْ لي الغنائمُ ولم َتحِ ّ‬
‫ي مسيرة شهر‬
‫ت بالرّعْب بين يد ّ‬
‫ومسجدا ‪ ،‬فأيّما رجلٍ أدركته الصّلة صلّى حيث كان ‪ ،‬ونُصر ُ‬
‫‪ ،‬وأعطيتُ الشّفاع َة » ‪ .‬واختلفوا في صحّة التّيمّم بما عدا التّراب ‪ ،‬كالنّورة والحجارة والرّمل‬
‫والحصى والطّين الرّطب والحائط المجصّص ‪ ،‬وغير ذلك ممّا هو من جنس الرض ‪ :‬فذهب‬
‫الحنفيّة والمالكيّة إلى صحّة التّيمّم بهذه الشياء المذكورة ‪ .‬ويرى الشّافعيّة والحنابلة أنّ التّيمّم‬
‫ل يصحّ إلّ بالتّراب الطّاهر ذي الغبار العالق ‪ .‬وكذا يصحّ برمل فيه غبار عند الشّافعيّة ‪ ،‬وفي‬
‫قول القاضي من الحنابلة ‪ .‬والتّفاصيل يرجع إليها في مصطلح ( تيمّم ) ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬في إزالة النّجاسة ‪:‬‬
‫‪ -‬ذهب الشّافعيّة والحنابلة إلى أ نّ ما نجس بملقاة شيء ‪ ،‬من كلب أو خنزير أو ما تولّد‬ ‫‪4‬‬

‫منهما أو من أحدهما ‪ ،‬يغسل سبع مرّات ‪ :‬إحداه نّ بالتّراب ‪ .‬سواء كان ذلك لعابه أو بوله أو‬
‫سائر رطوباته أو أجزاءه الجافّة إذا لقت رطبا ‪ ،‬لقول النّبيّ صلى ال عليه وسلم ‪:‬‬
‫« طهور إناء أحدكم إذا ولغ فيه الكلب أن يغسله سبع مرّات ‪ ،‬أولهنّ بالتّراب » وفي رواية ‪:‬‬
‫« أُخراهنّ بالتّراب » وفي أخرى { وعفّروه الثّامن َة بالتّراب } وألحق الخنزير بالكلب لنّه أسوأ‬
‫حالً ‪ .‬ولهذا قال اللّه تعالى في حقّه ‪ { :‬أو لح َم خنزيرٍ فإنّه ِرجْسٌ } ‪.‬‬
‫وروي عن المام أحمد روايةً أخرى بوجوب غسل نجاسة الكلب والخنزير ثماني مرّات‬
‫إحداهنّ بالتّراب ‪ ،‬وإلى هذا ذهب الحسن البصريّ ‪ ،‬لقوله صلى ال عليه وسلم في بعض‬
‫روايات الحديث ‪ « :‬وعفّروه الثّامنةَ بالتّراب » ويشترط أن يعمّ التّراب المحلّ ‪ ،‬وأن يكون‬
‫طاهرا ‪ ،‬وأن يكون قدرا يكدّر الماء ‪ ،‬ويكتفي بوجود التّراب في واحدة من الغسلت السّبع ‪،‬‬
‫ولكن يستحبّ أن يكون في غير الخيرة ‪ ،‬وجعله في الولى أولى ‪.‬‬
‫والظهر تعيّن التّراب جمعا بين نوعي الطّهور ‪ .‬فل يكفي غيره ‪ ،‬كأشنان وصابون ‪.‬‬
‫ومقابله أنّه ل يتعيّن التّراب ‪ .‬ويقوم ما ذكر ونحوه مقامه ‪.‬‬
‫وهناك رأي ثالث ‪ :‬بأنّه يقوم مقام التّراب عند فقده للضّرورة ‪ ،‬ول يقوم عند وجوده ‪.‬‬
‫وفي قول رابع ‪ :‬أنّه يقوم مقامه فيما يفسده التّراب ‪ ،‬كالثّياب دون ما ل يفسده ‪.‬‬
‫ويرى بعض الشّافعيّة ‪ :‬أنّ الخنزير ليس كالكلب ‪ ،‬بل يكفي لزالة نجاسته غسلة واحدة من‬
‫دون تراب ‪ ،‬كغيره من النّجاسات الخرى ‪ ،‬لنّ الوارد في التّتريب إنّما هو في الكلب فقط ‪.‬‬
‫أمّا الحنفيّة والمالكيّة ‪ :‬فيرون الكتفاء بغسل ما ولغ الكلب فيه من الواني من غير تتريب ‪،‬‬
‫ن روايات التّتريب في الحديث مضطربة حيث وردت بلفظ ‪ « :‬إحداهنّ » ‪،‬‬
‫وحجّتهم في ذلك أ ّ‬
‫في رواية ‪ ،‬وفي أخرى بلفظ ‪ « :‬أولهنّ » ‪ ،‬وفي ثالثة بلفظ ‪ « :‬أخراهنّ » ‪ ،‬وفي رابعة ‪:‬‬
‫« السّابعة بالتّراب » ‪ ،‬وفي خامسة « وعفّروه الثّامنة بالتّراب » ‪ ،‬والضطراب قادح فيجب‬
‫طرحها ‪ .‬ثمّ إنّ ذكر التّراب لم يثبت في كلّ الرّوايات ‪.‬‬
‫والتّفاصيل يرجع إليها في مصطلح ‪ ( :‬نجاسة ‪ ،‬وطهارة ‪ ،‬وصيد ‪ ،‬وكلب ) ‪.‬‬
‫ف والنّعل‬
‫‪ -5‬ويرى جمهور الفقهاء من الحنفيّة والمالكيّة ‪ ،‬وهو رواية عن المام أحمد أنّ الخ ّ‬
‫إذا أصابتهما نجاسة لها جرم كالرّوث فمسحهما بالتّراب يطهّرهما ‪.‬‬
‫ي رضي ال عنه ‪ { :‬أنّه صلى ال عليه وسلم صلّى‬
‫واستدلّوا لذلك بما رواه أبو سعيد الخدر ّ‬
‫يوما ‪ ،‬فخلع نعليه في الصّلة ‪ ،‬فخلع القوم نعالهم ‪ ،‬فلمّا فرغ سألهم عن ذلك ‪ ،‬فقالوا ‪ :‬رأيناك‬
‫خلعت نعليك ‪ ،‬فقال عليه الصلة والسلم ‪ :‬أتاني جبريل عليه السلم وأخبرني أنّ بهما أذًى‬
‫فخلعتهما ‪ ،‬ثمّ قال ‪ :‬إذا أتى أحدكم المسجد فليقلّب نعليه ‪ ،‬فإن كان بهما أذًى فليمسحهما‬
‫بالرض ‪ ،‬فإنّ الرض لهما طهور } ‪.‬‬
‫وأمّا ما ل جرم له من النّجاسة كالبول ففيه تفصيل ينظر في مصطلح ‪ ( :‬نجاسة ) ‪ (،‬وقضاء‬
‫ن التّراب ل يطهّر الخفّ أو‬
‫الحاجة ) ‪ .‬أمّا الشّافعيّة ‪ ،‬وهو الرّاجح عند الحنابلة ‪ ،‬فيرون أ ّ‬
‫النّعل ‪ ،‬وأنّه يجب غسلهما إذا أريد تطهيرهما ‪.‬‬
‫ج ‪ -‬في الصّوم ‪:‬‬
‫‪ -‬اتّفق الفقهاء على أنّ أكل التّراب والحصاة ونحوهما عمدا يبطل الصّوم ‪ ،‬وكذلك إذا وصل‬ ‫‪6‬‬

‫إلى الجوف عن طريق النف أو الذن أو نحوهما عمدا ‪ ،‬لنّ الصّوم هو المساك عن كلّ ما‬
‫يصل إلى الجوف ‪ ،‬وفي وجوب الكفّارة في هذه الحالة عند الحنفيّة والمالكيّة خلف وتفصيل‬
‫ينظر في مبحث ( كفّارة ) ‪.‬‬
‫أمّا الغبار الّذي يصل إلى الجوف عن طريق النف أو نحوه بصورة غير مقصودة فل يفطر‬
‫ن الصّائم لو فتح فاه عمدا حتّى‬
‫باتّفاق العلماء لمشقّة الحتراز عنه ‪ .‬ويرى بعض الشّافعيّة ‪ :‬أ ّ‬
‫دخل التّراب جوفه لم يفطر لنّه معفوّ عن جنسه ‪ .‬والتّفاصيل في مصطلح ‪ ( :‬صوم ) ‪.‬‬
‫د ‪ -‬في البيع ‪:‬‬
‫‪ -‬يرى جمهور الفقهاء من المالكيّة والحنابلة وهو الظهر عند الشّافعيّة ‪ -‬أنّ بيع التّراب‬ ‫‪7‬‬

‫ممّن حازه جائز لظهور المنفعة فيه ‪.‬‬


‫ويرى الحنفيّة ‪ ،‬وهو مقابل الصحّ عند الشّافعيّة ‪ :‬أنّه ل يجوز بيع التّراب لنّه ليس بمال ول‬
‫مرغوب فيه ‪ ،‬ولنّه يمكن تحصيل مثله بل تعب ول مؤنة ‪ .‬لكنّ الحنفيّة قيّدوه بأن ل يعرض‬
‫له ما يصير به مالً معتبرا كالنّقل والخلط بغيره ‪ .‬والتّفاصيل في مصطلح ‪ ( :‬بيع ) ‪.‬‬
‫هـ ‪ -‬في الكل ‪:‬‬
‫‪ -‬ذهب الشّافعيّة إلى حرمة أكل التّراب لمن يضرّه ‪ ،‬وإلى هذا ذهب المالكيّة في الرّاجح‬ ‫‪8‬‬

‫عندهم ‪.‬‬
‫ويرى الحنفيّة والحنابلة وبعض المالكيّة كراهة أكله ‪ .‬والتّفاصيل في مصطلح ‪ ( :‬أطعمة ) ‪.‬‬

‫تراب الصّاغة *‬
‫التّعريف ‪:‬‬
‫‪ -‬تراب ال صّاغة ‪ :‬مركّب إضاف يّ يتكوّن من كلمت ين ‪ ،‬وه ما ‪ ،‬تراب ‪ :‬وال صّاغة ‪ .‬أمّا‬ ‫‪1‬‬

‫التّراب ‪ :‬فهو اسم جنس ‪ ،‬ويجمع على أتربة وتربان ‪ ،‬وتربة الرض ظاهرها ‪.‬‬
‫وأمّا الصّاغة ‪ :‬فهي جمع صائغ ‪ ،‬وهو الّذي حرفته الصّياغة ‪ ،‬وهي جعل الذّهب حليّا ‪.‬‬
‫يقال ‪ :‬صاغ الذّهب ‪ :‬إذا جعله حليّا ‪ ،‬وصاغ اللّه فلنا صيغةً حسنةً ‪ :‬خلقه ‪.‬‬
‫وصاغ الشّيء ‪ :‬هيّأه على مثال مستقيم ‪.‬‬
‫وتراب الصّاغة ‪ -‬كما عرفه المالكيّة ‪ -‬هو الرّماد الّذي يوجد في حوانيتهم ول يدرى ما فيه‪.‬‬
‫اللفاظ ذات الصّلة ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬التّبر ‪:‬‬
‫‪ -‬من معاني التّبر في اللّغة ‪ :‬ما كان من الذّهب غير مضروب ‪ ،‬فإذا ضرب دنانير فهو‬ ‫‪2‬‬

‫ل للذّهب ‪ ،‬وبعضهم يقوله للفضّة أيضا ‪ ،‬وقد يطلق التّبر على غير‬
‫عين ‪ .‬ول يقال تبر إ ّ‬
‫الذّهب والفضّة من المعدنيّات ‪.‬‬
‫وفي اصطلح الفقهاء ‪ ،‬عرّفه المالكيّة بأنّه ‪ :‬الذّهب غير المضروب ‪.‬‬
‫وعرّفه الشّافعيّة بأنّه ‪ :‬اسم للذّهب والفضّة قبل ضربهما ‪ ،‬أو للذّهب فقط ‪ ،‬والمراد العمّ ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬تراب المعادن ‪:‬‬
‫‪ -‬أمّا التّراب فقد سبق بيان معناه ‪ ،‬وأمّا المعادن فهي ‪ :‬جمع معدن بكسر الدّال ‪ ،‬والمعدن ‪-‬‬ ‫‪3‬‬

‫كما قال اللّيث ‪ :‬مكان كلّ شيء يكون فيه أصله ومبدؤه كمعدن الذّهب والفضّة ‪.‬‬
‫وأمّا عند الفقهاء ‪ ،‬فهو كما عرّفه الزّيلعيّ ‪ :‬اسم لما يكون في الرض خلقةً ‪ ،‬بخلف الرّكاز‬
‫والكنز ‪ ،‬إذ الكنز اسم لمدفون العباد ‪ ،‬والرّكاز اسم لما يكون في الرض خلقةً ‪ ،‬أو بدفن العباد‬
‫‪ .‬وقال الرّمليّ الشّافعيّ ‪ :‬إنّ المعدن له إطلقان ‪ :‬أحدهما على المستخرج ‪ ،‬والخر على‬
‫المخرج منه ‪ .‬هذا ‪ ،‬والفرق بين تراب المعدن وتراب الصّاغة ‪ -‬كما يفهم من كلم المالكيّة ‪-‬‬
‫ن تراب المعدن ‪ :‬هو ما يتساقط من جوهر المعدن نفسه ‪ ،‬دون اختلط بجوهر آخر ‪ .‬أمّا‬
‫أّ‬
‫تراب الصّاغة فهو المتساقط من المعدن مختلطا بالتّراب أو الرّمل أو نحوهما ‪.‬‬
‫الحكم الجماليّ ‪:‬‬
‫ل أو معلوما ‪ ،‬وإمّا أن‬
‫‪ -‬تراب الصّاغة ‪ :‬إمّا أن يكون ما فيه من الذّهب أو الفضّة مجهو ً‬ ‫‪4‬‬

‫يكون من جنس واحد أو أكثر من جنس ‪ ،‬وإمّا أن يصفّى ويميّز ما فيه من الذّهب أو الفضّة أو‬
‫ل ‪ .‬قال الحنفيّة ‪ :‬إن اشترى تراب الفضّة بفضّة ل يجوز ‪ ،‬لنّه إن لم يظهر في التّراب شيء‬
‫فظاهر ‪ ،‬وإن ظهر فهو بيع الفضّة بالفضّة مجازفةً ‪ ،‬ولهذا لو اشتراه بتراب فضّة ل يجوز ‪،‬‬
‫ن البدلين هما الفضّة ل التّراب ‪ .‬ولو اشتراه بتراب ذهب أو بذهب جاز ‪ ،‬لعدم لزوم العلم‬
‫لّ‬
‫بالمماثلة ‪ ،‬لختلف الجنس ‪ ،‬فلو ظهر أن ل شيء في التّراب ل يجوز ‪.‬‬
‫وكلّ ما جاز فمشتري التّراب بالخيار إذا رأى ‪ ،‬لنّه اشترى ما لم يره ‪.‬‬
‫وهو أيضا قول الحنابلة في تراب الصّاغة ‪ ،‬إذ ل يجوز عندهم بيعه بشيء من جنسه ‪ ،‬لنّه‬
‫مال ربا بيع بجنسه على وجه ل تعلم فيه المماثلة ‪.‬‬
‫ول يجوز عند المالكيّة بيع تراب الصّاغة لشدّة الغرر فيه ‪ ،‬وإن وقع فسخ ‪.‬‬
‫وأمّا الشّافعيّة فل يجوز عندهم بيع تراب الصّاغة قبل تصفيته وتمييز الذّهب أو الفضّة منه ‪،‬‬
‫سواء أباعه بذهب أم بفضّة أم بغيرهما ‪ ،‬لنّ المقصود مجهول أو مستور بما ل مصلحة له فيه‬
‫في العادة ‪ ،‬فلم يصحّ بيعه فيه كبيع اللّحم في الجلد بعد الذّبح وقبل السّلخ ‪.‬‬

‫تراب المعادن *‬
‫التّعريف ‪:‬‬
‫‪ -‬تراب المعادن ‪ :‬مركّب إضافيّ ‪ ،‬أمّا التّراب ‪ :‬فهو ظاهر الرض ‪ ،‬وهو اسم جنس ‪ .‬وأمّا‬ ‫‪1‬‬

‫المعادن ‪ :‬فهي جمع معدن ‪ -‬بكسر الدّال ‪ -‬وهو كما قال اللّيث ‪ :‬مكان كلّ شيء يكون فيه‬
‫أصله ومبدؤه كمعدن الذّهب والفضّة ‪.‬‬
‫وأمّا عند الفقهاء فهو ‪ ،‬كما عرّفه الزّيلعيّ وابن عابدين ‪ :‬اسم لما يكون في الرض خلقةً ‪.‬‬
‫وقال الرّمليّ الشّافعيّ ‪ :‬إنّ المعدن له إطلقان ‪ :‬أحدهما على المستخرج ‪ ،‬والخر على‬
‫المخرج منه ‪.‬‬
‫اللفاظ ذات الصّلة ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬تراب الصّاغة ‪:‬‬
‫‪ -‬وهو ‪ -‬كما عرّفه المالكيّة ‪ -‬الرّماد الّذي يوجد في حوانيت الصّاغة ‪،‬ول يدرى ما فيه‪.‬‬ ‫‪2‬‬

‫والفرق بين تراب الصّاغة وتراب المعدن ‪ ،‬هو أنّ تراب الصّاغة هو المتساقط من المعدن‬
‫مختلطا بتراب أو رمل أو نحوهما ‪ ،‬أمّا تراب المعدن فهو ما يتساقط من جوهر المعدن نفسه‬
‫دون أن يختلط بجوهر آخر ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬الكنز ‪:‬‬
‫‪ -‬هو في الصل مصدر كنز ‪ ،‬ومعناه في اللّغة ‪ :‬جمع المال وادّخاره ‪ ،‬وجمع التّمر في‬ ‫‪3‬‬

‫وعائه ‪ ،‬والكنز أيضا ‪ :‬المال المدفون تسمي ًة بالمصدر ‪ ،‬والجمع كنوز كفلس وفلوس ‪.‬‬
‫وأمّا عند الفقهاء فهو ‪ :‬اسم لمدفون العباد ‪.‬‬
‫ج ‪ -‬الرّكاز ‪:‬‬
‫‪ -‬الرّكاز معناه في اللّغة ‪ :‬المال المدفون في الجاهليّة ‪ ،‬وهو على وزن فعال ‪ ،‬بمعنى مفعول‬ ‫‪4‬‬

‫كالبساط بمعنى المبسوط ‪ ،‬ويقال هو المعدن ‪.‬‬


‫وأمّا عند الفقهاء فهو ‪ :‬اسم لما يكون تحت الرض خلقةً أو بدفن العباد ‪ .‬فالرّكاز بهذا المعنى‬
‫أع ّم من المعدن والكنز ‪ ،‬فكان حقيقةً فيهما مشتركا معنويّا ‪ ،‬وليس خاصّا بالدّفين ‪ .‬وقيّده‬
‫الشّافعيّة بكونه دفين الجاهليّة ‪.‬‬
‫أنواع المعادن ‪:‬‬
‫‪ -‬للمعادن أنواع ثلثة ‪:‬‬ ‫‪5‬‬

‫‪ -‬أ ‪ -‬جامد يذوب وينطبع ‪ ،‬كالذّهب والفضّة والحديد والرّصاص والصّفر ‪.‬‬
‫‪ -‬ب ‪ -‬جامد ل يذوب ‪ ،‬كالجصّ والنّورة ‪ ،‬والكحل والزّرنيخ ‪.‬‬
‫‪ -‬ج ‪ -‬مائع ل يتجمّد ‪ ،‬كالماء والقير والنّفط ‪.‬‬
‫الحكم الجماليّ ومواطن البحث ‪:‬‬
‫ذكر الفقهاء الحكام الخاصّة بتراب المعادن في مواطن نجملها فيما يلي ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬تغيّر الماء بتراب المعادن ‪:‬‬
‫‪ -‬ذهب الحنفيّة والمالكيّة إلى أنّ تغيّر الماء المطلق بتراب المعدن ل يضرّ ‪ ،‬ويجوز التّطهّر‬ ‫‪6‬‬

‫به ‪ ،‬لنّه تغيّر بما هو من أجزاء الرض ‪ .‬وذهب الشّافعيّة والحنابلة إلى ‪ :‬أنّ الماء المتغيّر‬
‫بما ل يمكن صونه عنه من تراب المعادن ‪ ،‬بأن يكون في مقرّه أو ممرّه ل يمنع التّطهّر به ‪،‬‬
‫ول يكره استعماله فيه ‪ .‬والتّفصيل في مصطلح ‪ ( :‬مياه ) ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬حكم التّيمّم بتراب المعادن ‪:‬‬
‫ل بتراب طاهر ‪ ،‬أو برمل فيه غبار‬
‫ح التّيمّم إ ّ‬
‫‪ -‬ذهب الشّافعيّة والحنابلة إلى ‪ :‬أنّه ل يص ّ‬ ‫‪7‬‬

‫ح التّيمّم بها ‪ ،‬لنّها ليست في‬


‫يعلق باليد ‪ ،‬وأمّا ما ل غبار له كالصّخر وسائر المعادن فل يص ّ‬
‫معنى التّراب ‪ .‬ويجوز عند أبي حنيفة التّيمّم بكلّ ما ل ينطبع ول يلين من المعادن ‪ ،‬كالجصّ‬
‫والنّورة والكحل والزّرنيخ ‪ ،‬سواء التصق على يده شيء منها أو لم يلتصق ‪.‬‬
‫وأمّا المعادن الّتي تلين وتنطبع ‪ ،‬كالحديد والنّحاس والذّهب والفضّة ‪ ،‬فل يجوز التّيمّم بها إلّ‬
‫في محالّها ‪ ،‬بشرط أن يغلب عليها التّراب ‪ ،‬لنّ التّيمّم حينئذ يكون بالتّراب ل بها ‪ ،‬ولنّها‬
‫ليست من جنس الرض ‪.‬‬
‫وأمّا عند أبي يوسف ‪ :‬فل يجوز التّيمّم إلّ بالتّراب والرّمل في رواية ‪ ،‬أو بالتّراب فقط في‬
‫رواية أخرى ‪ .‬ويجوز عند المالكيّة التّيمّم بالمعادن المنطبعة وغير المنطبعة ما لم تنقل من‬
‫محالّها ‪ ،‬لنّها من أجزاء الرض باستثناء معدن النّقدين ‪ ،‬وهما ‪ :‬تبر الذّهب ونقار الفضّة ‪.‬‬
‫والجواهر النّفيسة كالياقوت واللّؤلؤ والزّمرّد والمرجان ممّا ل يقع به التّواضع للّه ‪ .‬والتّفصيل‬
‫في مصطلح ‪ ( :‬تيمّم ) ‪.‬‬
‫ج ‪ -‬زكاة تراب المعادن ‪:‬‬
‫‪ -‬اتّفق الفقهاء على أنّ الزّكاة تجب في معدني ‪ :‬الذّهب والفضّة ‪ .‬أمّا غيرهما من المعادن ‪،‬‬ ‫‪8‬‬

‫ففي وجوب الزّكاة فيه ووقت وجوبها ‪ ،‬تفصيل ينظر في مصطلح ‪ ( :‬زكاة ) ‪.‬‬
‫د ‪ -‬بيع بعضه ببعض ‪:‬‬
‫‪ -‬تراب المعادن ‪ :‬إمّا أن يكون من صنف واحد ‪ ،‬وإمّا أن يكون من أصناف متعدّدة ‪ ،‬وإمّا‬ ‫‪9‬‬

‫أن يصفّى ويميّز ما فيه أو ل ‪ .‬فإن كان من صنف واحد ‪ ،‬فل يجوز بيع بعضه ببعض ‪،‬‬
‫كتراب ذهب بتراب ذهب عند الحنفيّة والمالكيّة والحنابلة للجهل بالمماثلة ‪.‬‬
‫وإن كان من أصناف كتراب ذهب بتراب فضّة ‪ ،‬فإنّه يجوز بيعه عند الحنفيّة والمالكيّة لخفّة‬
‫الغرر فيه ‪ ،‬ولعدم لزوم العلم بالمماثلة ‪ ،‬ويكره بيعه عند الحنابلة لنّه مجهول ‪.‬‬
‫وأمّا الشّافعيّة ‪ :‬فل يجوز عندهم بيع تراب المعدن قبل تصفيته وتمييز الذّهب والفضّة منه ‪،‬‬
‫سواء أباعه بذهب أم بفضّة أم بغيرهما ‪ ،‬لنّ المقصود النّقد وهو مجهول أو مستور بما ل‬
‫مصلحة له فيه في العادة ‪ ،‬فلم يصحّ بيعه فيه ‪ ،‬كبيع اللّحم في الجلد بعد الذّبح وقبل السّلخ ‪.‬‬
‫والتّفصيل في مصطلح ‪ ( :‬بيع ) ( وربا ) ( وصرف ) ‪.‬‬

‫تراخي *‬
‫التّعريف ‪:‬‬
‫‪ -1‬التّراخي ‪ :‬مصدر تراخى ‪ ،‬ومعناه في اللّغة ‪ :‬التّقاعد عن الشّيء والتّقاعس عنه ‪ .‬وتراخى‬
‫المر تراخيا ‪ :‬امتدّ زمانه ‪ ،‬وفي المر تراخ أي ‪ :‬فسحة ‪.‬‬
‫ومعنى التّراخي في الصطلح ‪ :‬كون الداء متأخّرا عن أوّل وقت المكان إلى مظنّة الفوت ‪.‬‬
‫وعلى ذلك ل يخرج معناه الصطلحيّ عن المعنى اللّغويّ ‪.‬‬
‫اللفاظ ذات الصّلة ‪:‬‬
‫الفور ‪:‬‬
‫‪ -‬يطلق الفور في اللّغة على ‪ :‬الوقت الحاضر الّذي ل تأخير فيه ‪ ،‬وهو مأخوذ من قولهم ‪:‬‬ ‫‪2‬‬

‫فار الماء يفور فورا أي ‪ :‬نبع وجرى ‪ ،‬ثمّ استعمل في الحالة الّتي ل بطء فيها ‪.‬‬
‫يقال ‪ :‬جاء فلن في حاجته ‪ ،‬ثمّ رجع من فوره أي ‪ :‬من حركته الّتي وصل فيها ولم يسكن‬
‫بعدها ‪ ،‬وحقيقته ‪ :‬أن يصل ما بعد المجيء بما قبله من غير ُلبْث ‪.‬‬
‫ومعنى الفور في الصطلح ‪ :‬كون الداء في أوّل أوقات المكان ‪.‬‬
‫والفرق بينه وبين التّراخي ‪ :‬أنّ الفور ضدّ التّراخي ‪.‬‬
‫الحكم الجماليّ ومواطن البحث ‪:‬‬
‫تبحث الحكام الخاصّة بالتّراخي في عدد من المواضع عند الصوليّين والفقهاء توجز فيما يلي‬
‫‪:‬‬
‫أوّلً ‪ :‬مواضعه عند الصوليّين ‪:‬‬
‫ذكر الصوليّون التّراخي في مواضع وهي ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬المر ‪:‬‬
‫‪ -‬اختلف الصوليّون في المر المطلق الّذي لم يقيّد بوقت محدّد أو معيّن ‪ ،‬سواء أكان‬ ‫‪3‬‬

‫موسّعا أو مضيّقا ‪ ،‬والخالي عن قرينة تدلّ على أنّه للتّكرار أو للمرّة ‪ :‬هل يفيد الفور ‪ ،‬أو‬
‫التّراخي ‪ ،‬أو غيرهما ؟ فالقائلون بأنّ المر المطلق يقتضي التّكرار يقولون ‪ :‬بأنّه يقتضي‬
‫الفور ‪ ،‬لنّه يلزم من القول بالتّكرار استغراق الوقات بالفعل المأمور به ‪.‬‬
‫وأمّا القائلون بأنّه للمرّة ‪ ،‬فقد اختلفوا في ذلك على أربعة أقوال ‪:‬‬
‫الوّل ‪ :‬إنّه يكون لمجرّد الطّلب ‪ ،‬وهو القدر المشترك بين الفور والتّراخي ‪ ،‬فيجوز التّأخير‬
‫على وجه ل يفوت المأمور به ‪ ،‬وهذا هو الصّحيح عند الحنفيّة ‪ ،‬وهو مذهب الشّافعيّ‬
‫وأصحابه ‪ ،‬واختاره الرّازيّ والمديّ وابن الحاجب والبيضاويّ ‪.‬‬
‫الثّاني ‪ :‬أنّه يوجب الفور ‪ ،‬فيأثم بالتّأخير ‪ ،‬وهو مذهب المالكيّة والحنابلة ‪ ،‬والكرخيّ من‬
‫الحنفيّة ‪ ،‬وبعض الشّافعيّة ‪.‬‬
‫الثّالث ‪ :‬أنّه يفيد التّراخي جوازا ‪ ،‬فل يثبت حكم وجوب الداء على الفور بمطلق المر ‪ ،‬وقد‬
‫ذكر هذا القول البيضاويّ ونسبه لقوم ‪ ،‬واختاره السّرخسيّ في أصوله ‪.‬‬
‫الرّابع ‪ :‬أنّه مشترك بين الفور والتّراخي ‪ ،‬وهو رأي القائلين بالتّوقّف في دللته ‪ ،‬فإنّهم لم‬
‫يحملوه على الفور ول على التّراخي ‪ ،‬وإنّما توقّفوا فيه ‪ .‬وتوقّف فيه أيضا الجوينيّ ‪ ،‬كما جاء‬
‫في إرشاد الفحول ‪ ،‬فقد ذكر أنّ المر باعتبار اللّغة ل يفيد الفور ول التّراخي ‪ ،‬فيمتثل المأمور‬
‫بكلّ من الفور والتّراخي لعدم رجحان أحدهما على الخر ‪ ،‬مع التّوقّف في إثمه بالتّراخي ل‬
‫بالفور ‪ ،‬لعدم احتمال وجوب التّراخي ‪ ،‬وقيل بالتّوقّف في المتثال ‪ ،‬أي ل يدري هل يأثم إن‬
‫بادر ‪ ،‬أو إن أخّر ؟ لحتمال وجوب التّراخي ‪ .‬ومن أمثلة الخلف بين العلماء في هذه المسألة‬
‫اختلفهم في الحجّ ‪ ،‬أهو على الفور ‪ ،‬أم على التّراخي ؟ ‪.‬‬
‫ومن أمثلته أيضا ‪ :‬المر بالكفّارات ‪ ،‬والمر بقضاء الصّوم وبقضاء الصّلة ‪ .‬ومحلّ تفصيل‬
‫ما قالوه في ذلك ‪ ،‬مع ما استدلّوا به ‪ ،‬هو الملحق الصوليّ ‪ ،‬ومصطلح ‪ ( :‬أمر ) ‪.‬‬
‫الفور في النّهي ‪:‬‬
‫‪ -‬النّهي يقتضي الدّوام والعموم عند الكثر من أهل الصول وأهل العربيّة ‪ ،‬فهو للفور ‪.‬‬ ‫‪4‬‬

‫وقيل ‪ :‬هو كالمر في عدم اقتضائه الدّوام ‪.‬‬


‫ب ‪ -‬الرّخصة ‪:‬‬
‫‪ -‬ذكر صاحب مسلّم الثّبوت أربعة أقسام لما يطلق عليه اسم الرّخصة ‪ ،‬من حيث كونها‬ ‫‪5‬‬

‫رخصةً ‪ .‬وذكر أنّ ثاني تلك القسام ‪ ،‬ما تراخى حكم سببه مع بقائه على السّببيّة إلى زوال‬
‫ن سببيّة الشّهر باقية في حقّهما ‪ ،‬حتّى‬
‫العذر الموجب للرّخصة ‪ ،‬كفطر المسافر والمريض ‪ ،‬فإ ّ‬
‫ن رسول اللّه صلى ال عليه وسلم‬
‫لو صاما بنيّة الفرض أجزأ ‪ ،‬لما روى البخاريّ ومسلم ‪ « ،‬أ ّ‬
‫قال لحمزة بن عمرو السلميّ إن شئت فصم ‪ ،‬وإن شئت فأفطر » ‪.‬‬
‫وتأخّر الخطاب عنهما في قوله تعالى ‪ { :‬فَمَنْ كانَ ِم ْن ُكمْ مريضَا أو على سَ َفرٍ فَعِدّةٌ من َأيّامٍ ُأخَر‬
‫} والتّفصيل في مصطلح ‪ ( :‬رخصة ) ‪.‬‬
‫ج ‪ -‬معنى ( ثمّ ) ‪:‬‬
‫ي في أصوله ‪ :‬أنّ المعنى الّذي اختصّت به ( ثمّ ) في أصل الوضع هو ‪:‬‬
‫‪ -‬أورد السّرخس ّ‬ ‫‪6‬‬

‫العطف على وجه التّعقيب مع التّراخي ‪ .‬وحكم هذا التّراخي فيه اختلف بين أبي حنيفة‬
‫وصاحبيه ‪ ،‬وتفصيله في الملحق الصوليّ ومصطلح ( طلق ) ‪.‬‬
‫وأثر هذا الخلف يظهر في قول الزّوج لغير المدخول بها ‪ ،‬أو للمدخول بها ‪ ،‬إن دخلت الدّار‬
‫فأنت طالق ثمّ طالق ثمّ طالق ‪ ،‬أو أنت طالق ثمّ طالق ثمّ طالق إن دخلت الدّار ‪ ،‬أي مع تقديم‬
‫الشّرط أو تأخيره ‪ .‬وتفصيله في الملحق الصوليّ ومصطلح ‪ ( :‬طلق ) ‪.‬‬
‫ثانيا ‪ :‬مواضعه عند الفقهاء ‪:‬‬
‫ذكر الفقهاء التّراخي وما يترتّب عليه في عدد من العقود والتّصرّفات ‪ ،‬توجز فيما يلي ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬التّراخي في ردّ المغصوب ‪:‬‬
‫‪ -‬صرّح الشّافعيّة والحنابلة بوجوب ردّ المغصوب فورا من غير تراخ ‪ ،‬إن لم يكن للغاصب‬ ‫‪7‬‬

‫عذر في التّراخي ‪ ،‬كخوفه على نفسه ‪ ،‬أو ما بيده من مغصوب وغيره ‪ ،‬لقوله صلى ال عليه‬
‫وسلم ‪ « :‬على الي ِد ما أخذتْ حتّى تُؤَدّيه » ولنّه يأثم باستدامته تحت يده لحيلولته بينه وبين‬
‫صاحبه ‪ ،‬فيجب عليه ردّه على الفور بنفسه أو وليّه أو وكيله ‪ ،‬وإن تكلّف عليه أضعاف قيمته‬
‫‪ ،‬إذ ل تقبل توبته ما دام في يده ‪.‬‬
‫ولم نجد للحنفيّة والمالكيّة نصّا في ذلك ‪ ،‬ولكنّ قواعدهم العامّة في وجوب رفع الظّلم تقتضي‬
‫موافقة الشّافعيّة والحنابلة فيما ذهبوا إليه ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬تراخي اليجاب عن القبول في الهبة ‪:‬‬
‫‪ -‬ل يجوز عند الشّافعيّة تراخي القبول عن اليجاب في الهبة ‪ ،‬بل يشترط التّصال المعتاد‬ ‫‪8‬‬

‫كالبيع ‪ .‬وأجاز الحنابلة التّراخي في المجلس إذا لم يتشاغل بما يقطع التّصال ‪.‬‬
‫ولم يصرّح الحنفيّة والمالكيّة بذلك ‪ .‬والتّفصيل في مصطلح ‪ ( :‬هبة ) ‪.‬‬
‫ج ‪ -‬التّراخي في طلب الشّفعة ‪:‬‬
‫‪ -‬ذهب الحنفيّة ‪ ،‬والشّافعيّة على القول الظهر ‪ ،‬والحنابلة إلى أنّ طلب الشّفعة بعد العلم بها‬ ‫‪9‬‬

‫يكون على الفور ‪ ،‬لقوله صلى ال عليه وسلم فيما رواه ابن ماجه عن عمر رضي ال عنه ‪« :‬‬
‫الشّفعة كحلّ العقال » ‪.‬‬
‫وأجاز المالكيّة طلبها إلى سنة وما قاربها وتسقط بعدها ‪.‬والتّفصيل في مصطلح ‪ ( :‬شفعة )‪.‬‬
‫د ‪ -‬التّراخي في قبول الوصيّة ‪:‬‬
‫‪ -‬اتّفق الفقهاء على اشتراط القبول في الوصيّة إن كانت لمعيّن ‪ ،‬ومحلّ القبول بعد موت‬ ‫‪10‬‬

‫الموصي ‪ .‬ول يشترط فيه الفور عند الشّافعيّة والحنابلة ‪ ،‬فله القبول على الفور أو على‬
‫التّراخي بعد موت الموصي ‪ .‬والتّفصيل في مصطلح ‪ ( :‬وصيّة ) ‪.‬‬
‫هـ ‪ -‬حكم تراخي القبول عن اليجاب في عقد النّكاح ‪:‬‬
‫‪ -‬ذهب المالكيّة والشّافعيّة إلى اشتراط ارتباط القبول باليجاب في عقد النّكاح ‪ ،‬حتّى إنّ‬ ‫‪11‬‬

‫النّوويّ ذكر أنّ القبول في المجلس ل يكفي ‪ ،‬بل يشترط الفور ‪.‬‬
‫إلّ أنّه يغتفر عند المالكيّة التّأخير اليسير ‪ .‬وأمّا الحنفيّة والحنابلة ‪ ،‬فيصحّ عندهم تراخي القبول‬
‫عن اليجاب في عقد النّكاح ‪ ،‬وإن طال الفصل بينهما ما لم يتفرّقا عن المجلس أو يتشاغل بما‬
‫يقطعه عرفا ‪ ،‬لنّ المجلس له حكم حالة العقد ‪ ،‬بدليل صحّة القبض فيما يشترط لصحّته قبضه‬
‫في المجلس ‪ .‬والتّفصيل في مصطلح ‪ ( :‬نكاح ) ‪.‬‬
‫و ‪ -‬التّراخي في خيار العيوب والشّروط في النّكاح ‪:‬‬
‫‪ -‬نصّ الحنابلة على أنّ خيار العيوب والشّروط في النّكاح على التّراخي ‪ ،‬لنّه لدفع ضرر‬ ‫‪12‬‬

‫متحقّق ‪ ،‬فيكون على التّراخي ‪ ،‬كخيار أولياء الدّم بين القصاص أو الدّية أو العفو ‪ ،‬فل يسقط‬
‫إلّ أن يوجد ممّن له الخيار دللة على الرّضا ‪ ،‬من قول أو فعل ‪ ،‬من الزّوج إن كان الخيار له‬
‫‪ ،‬أو من الزّوجة إن كان الخيار لها ‪ ،‬أو يأتي بصريح الرّضا كأن يقول ‪ :‬رضيت بالعيب ‪.‬‬
‫وأمّا عند الشّافعيّة ‪ ،‬فقد نصّ النّوويّ في الرّوضة على ‪ :‬أنّ خيار العيب في النّكاح يكون على‬
‫الفور ‪ ،‬كخيار العيب في البيع ‪ ،‬وقال ‪ :‬إنّ هذا هو المذهب ‪ ،‬وهو الّذي قطع به الجمهور ‪.‬‬
‫ورُوي قولن آخران ‪ :‬أحدهما ‪ :‬يمتدّ ثلثة أيّام ‪ .‬والثّاني ‪ :‬يبقى إلى أن يوجد صريح الرّضا‬
‫بالمقام معه أو ما يدلّ عليه ‪ .‬حكاهما الشّيخ أبو عليّ ‪ ،‬وهما ضعيفان ‪.‬‬
‫ول يثبت خيار العيب في النّكاح عند أبي حنيفة وأبي يوسف ‪ ،‬فقد جاء في الفتاوى الهنديّة ‪:‬‬
‫خيار الرّؤية والعيب والشّرط ‪ -‬سواء جعل الخيار للزّوج أو للزّوجة أو لهما ‪ -‬ثلثة أيّام أو‬
‫ل إذا كان العيب هو الجبّ‬
‫أقلّ أو أكثر ‪ ،‬حتّى أنّه إذا شرط ذلك فالنّكاح جائز والشّرط باطل ‪ ،‬إ ّ‬
‫والخصاء والعنّة ‪ ،‬فإنّ المرأة بالخيار ‪ .‬وأمّا المالكيّة فقد ذكروا أنّ لكلّ واحد من الزّوجين‬
‫ل أنّهم لم يصرّحوا بكون ذلك على الفور أو على‬
‫الخيار بشروطه إذا وجد بصاحبه عيبا ‪ ،‬إ ّ‬
‫التّراخي ‪ .‬والتّفصيل في مصطلح ‪ ( :‬نكاح ) ‪.‬‬
‫ز ‪ -‬التّراخي في تطليق المرأة نفسها بعد تفويض الطّلق إليها ‪:‬‬
‫‪ -‬إذا فوّض الزّوج الطّلق إلى زوجته ‪ ،‬فإنّ تطليقها نفسها ل يتقيّد بالمجلس عند الحنفيّة‬ ‫‪13‬‬

‫ن المالكيّة ل فرق عندهم بين كون التّفويض تخييرا أو تمليكا ‪ ،‬فإن‬


‫والمالكيّة والحنابلة ‪ .‬غير أ ّ‬
‫قيّده بوقت كسنة فليس للزّوجة الخروج عنه ‪ ،‬ويفرّق بينهما بعد التّفويض إلى أن تختار البقاء‬
‫أو الفراق عند المالكيّة ‪.‬‬
‫وأمّا عند الشّافعيّة فإنّ التّفويض يقتضي الفور في الجديد على أنّه تمليك ما لم يعلّقه بشرط ‪.‬‬
‫( ر ‪ :‬طلق ) ‪ .‬وتفصيل ما لم يذكر هنا من مسائل التّراخي موطنه الملحق الصوليّ ‪.‬‬

‫تراضي *‬
‫التّعريف ‪:‬‬
‫‪ -‬التّراضي في اللّغة ‪ :‬تفاعل من الرّضا ضدّ السّخط ‪ ،‬والرّضا ‪ :‬هو الرّغبة في الفعل أو‬ ‫‪1‬‬

‫القول والرتياح إليه ‪ ،‬والتّفاعل يدلّ على الشتراك ‪.‬‬


‫ويستعمله الفقهاء في نفس المعنى ‪ ،‬حينما يتّفق العاقدان على إنشاء العقد دون إكراه أو نحوه ‪،‬‬
‫فيقولون مثلً ‪ :‬البيع مبادلة المال بالمال بالتّراضي ‪.‬‬
‫ن ِتجَا َر ًة عن تَرَاضٍ منكُم }‪.‬‬
‫طلِ إلّ أنْ تكو َ‬
‫وفي الية الكريمة ‪ { :‬ل َت ْأكُلُوا َأ ْموَاَل ُكمْ بينكُمْ بالبَا ِ‬
‫قال القرطبيّ ‪ :‬عن رضا منكم ‪ ،‬وجاءت من المفاعلة ‪ ،‬إذ التّجارة تكون بين طرفين ‪.‬‬
‫اللفاظ ذات الصّلة ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬الرادة ‪:‬‬
‫‪ -‬الرادة في اللّغة ‪ :‬الطّلب والمشيئة ‪ .‬ويستعملها الفقهاء بمعنى ‪ :‬القصد والتّجاه إلى‬ ‫‪2‬‬

‫الشّيء ‪ ،‬فهي أعمّ من الرّضا ‪ ،‬فقد يريد المرء شيئا ويرتاح إليه ‪ ،‬فيجتمع الرّضا مع الرادة ‪،‬‬
‫وقد ل يرتاح إليه ول يحبّه ‪ ،‬فتنفرد الرادة عن الرّضا ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬الختيار ‪:‬‬
‫ل من غيره ‪ ،‬وأصله من الخير ‪ ،‬فالمختار هو المريد لخير‬
‫‪ -‬الختيار ‪ :‬إرادة الشّيء بد ً‬ ‫‪3‬‬

‫الشّيئين في الحقيقة ‪ ،‬أو خير الشّيئين عند نفسه ‪ ،‬وقد يتوجّه القصد إلى أمر واحد دون النّظر‬
‫إلى أمر آخر ‪ ،‬وفي هذه الحالة تنفرد الرادة عن الختيار ‪.‬‬
‫وقد يختار المرء أمرا ل يحبّه ول يرتاح إليه ‪ ،‬فيأتي الختيار بدون الرّضا ‪ ،‬كما يقول الفقهاء‬
‫شرّين " ‪ ،‬والمكره قد يختار الشّيء ول يرضاه كما يقول الحنفيّة ‪.‬‬
‫‪ " :‬يختار أهون ال ّ‬
‫الحكم الجماليّ ‪:‬‬
‫‪ -‬الصل أنّ التّراضي بين الطّرفين يكون قولً باليجاب والقبول ‪ ،‬وقد يكون قولً من‬ ‫‪4‬‬

‫أحدهما وفعلً من الطّرف الخر ‪ ،‬أو فعلً من الجانبين كما في المعاطاة ‪ ،‬وتفصيله في‬
‫مصطلح ‪ ( :‬عقد ) ‪ .‬وإذا حصل التّراضي بالقول يتمّ بمجرّد اليجاب والقبول عند الحنفيّة‬
‫والمالكيّة ‪ ،‬فيلزم العقد بذلك ‪ ،‬ويرتفع الخيار ‪.‬‬
‫وقال الشّافعيّة والحنابلة ‪ :‬تمّام التّراضي ولزومه بافتراق البدان ‪ ،‬فهما على خيارهما أبدا ما‬
‫خيَارِ ما لم يتفرّقا » ‪.‬‬
‫لم يتفرّقا بأبدانهما ‪ ،‬كما ورد في الحديث ‪ « :‬ال َبيّعانِ بال ِ‬
‫وقد فسّره الحنفيّة والمالكيّة بافتراق القوال باليجاب والقبول ‪.‬‬
‫وتفصيله في مصطلح ‪ ( :‬افتراق ‪ ،‬وخيار المجلس ) ‪.‬‬
‫ن التّراضي أساس انعقاد العقود ‪ ،‬واليجاب والقبول أو التّعاطي ونحوهما‬
‫‪ -5‬هذا ‪ ،‬وحيث إ ّ‬
‫وسيلة للتّعبير عنه ‪ ،‬ينبغي أن يكون الرّضا الّذي دلّ عليه التّعبير خاليا عن العيوب ‪ ،‬وإلّ‬
‫اختلّ التّراضي ‪ ،‬فيختلّ العقد ‪.‬‬
‫ويختلّ التّراضي بأسباب نذكر منها ما يلي ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬الكراه ‪:‬‬
‫‪ -‬وهو حمل النسان على أمر يمتنع عنه بتخويف يقدر الحامل على إيقاعه ‪.‬‬ ‫‪6‬‬

‫وبما أنّ الكراه يعدم الرّضا ‪ ،‬فإنّ العقد يفسد به عند أكثر الفقهاء ‪ ،‬ويصير قابلً للفسخ عند‬
‫المالكيّة ‪ ،‬وقال بعض الحنفيّة ‪ :‬يتوقّف حكمه على إجازة المكره بعد زوال الكراه ‪ ،‬وتفصيله‬
‫في مصطلح ‪ ( :‬إكراه ) ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬الهزل ‪:‬‬
‫‪ -‬وهو ضدّ الجدّ ‪ ،‬بأن يراد بالشّيء ما لم يوضع له ‪ ،‬ول ما صحّ له اللّفظ استعار ًة ‪.‬‬ ‫‪7‬‬

‫والهازل يتكلّم بصيغة العقد باختياره ‪ ،‬لكن ل يختار ثبوت الحكم ول يرضاه ‪ ،‬ولهذا ل تنعقد به‬
‫العقود الماليّة عند أكثر الفقهاء ‪ ،‬وله آثاره في بعض التّصرّفات كالزّواج والطّلق والرّجعة‬
‫( ر ‪ :‬هزل ) ‪.‬‬
‫ج ‪ -‬المواضعة أو التّلجئة ‪:‬‬
‫‪ -‬وهي أن يتظاهر العاقدان بإنشاء عقد صوريّ للخوف من ظالم ونحوه ‪ ،‬ول يريدانه في‬ ‫‪8‬‬

‫الواقع ‪ ،‬والعقد بهذه الصّورة ‪ :‬فاسد ‪ ،‬أو باطل ‪ ،‬أو جائز ‪ ،‬على خلف وتفصيل موضعه‬
‫مصطلح ‪ ( :‬مواضعة وتلجئة ) ‪.‬‬
‫د ‪ -‬التّغرير ‪:‬‬
‫‪ -‬هو إيقاع الشّخص في الغرر ‪ ،‬أي ‪ :‬الخطر ‪ ،‬كأن يوصف المبيع للمشتري بغير صفته‬ ‫‪9‬‬

‫الحقيقيّة لترغيبه في العقد ‪ .‬فإذا غرّ أحد العاقدين الخر ‪ ،‬وتحقّق أنّ في البيع غبنا فاحشا‬
‫فللمغبون أن يفسخ العقد على تفصيل ينظر في مصطلح ‪ ( :‬غبن وتغرير ) ‪.‬‬
‫وهناك أسباب أخرى يختلّ بها التّراضي كالغلط والتّدليس والجهل والنّسيان ونحوها ‪ ،‬وتفصيل‬
‫القول في كلّ منها في مصطلحاتها ‪.‬‬
‫مواطن البحث ‪:‬‬
‫‪ -‬يتكلّم الفقهاء عن التّراضي في ‪ :‬إنشاء العقود ‪ ،‬ول سيّما في تعريف البيع ‪ ،‬وفي‬ ‫‪10‬‬

‫القالة ‪ ،‬وفي موافقة الزّوجين على مقدار الصّداق بعد العقد ‪ ،‬أو الزّيادة أو النّقصان فيه في‬
‫بحث المهر ‪ ،‬وفي الخلع ‪ ،‬والصّلح ‪ ،‬واتّفاق البوين على فطام المولود لقلّ من سنتين في‬
‫بحث الرّضاع ‪.‬‬
‫وتفصيل ما يتّصل بالتّراضي من طرفين أو طرف واحد موطنه مصطلح ‪ ( :‬رضا ) ‪.‬‬

‫تراويح *‬
‫انظر ‪ :‬صلة التّراويح ‪.‬‬

‫تربّص *‬
‫انظر ‪ :‬عدّة ‪.‬‬

‫تربّع *‬
‫التّعريف ‪:‬‬
‫‪ -‬التّربّع في اللّغة ‪ :‬ضرب من الجلوس ‪ ،‬وهو خلف الجثوّ والقعاء ‪.‬‬ ‫‪1‬‬

‫وكيفيّته ‪ :‬أن يقعد الشّخص على وركيه ‪ ،‬ويمدّ ركبته اليمنى إلى جانب يمينه ‪ ،‬وقدمه اليمنى‬
‫إلى جانب يساره ‪ .‬واليسرى بعكس ذلك ‪ .‬واستعمله الفقهاء بهذا المعنى ‪.‬‬
‫اللفاظ ذات الصّلة ‪:‬‬
‫‪ -‬التّربّع ‪ :‬غير الحتباء ‪ :‬والفتراش ‪ ،‬والِفضاء ‪ ،‬والِقعاء ‪ ،‬والتّورّك ‪.‬‬ ‫‪2‬‬
‫فالحتباء ‪ :‬أن يجلس على أليتيه ‪ ،‬رافعا ركبتيه محتويا عليهما بيديه أو غيرهما ‪ .‬والفتراش ‪:‬‬
‫أن يثني رجله اليسرى فيبسطها ويجلس عليها ‪ ،‬وينصب قدمه اليمنى ويخرجها من تحته ‪،‬‬
‫ويجعل بطون أصابعه على الرض معتمدا عليها لتكون أطراف أصابعها إلى القبلة ‪.‬‬
‫والفضاء في الجلوس في الصّلة هو ‪ :‬أن يلصق أليته بالرض ‪ ،‬وينصب رجله اليمنى‬
‫وظاهر إبهامها ممّا يلي الرض ‪ ،‬ويثني رجله اليسرى ‪.‬‬
‫والقعاء ‪ :‬أن يلصق أليتيه بالرض ‪ ،‬وينصب ساقيه ‪ ،‬ويضع يديه على الرض ‪.‬‬
‫أو أن يجعل أليتيه على عقبيه ‪ ،‬ويضع يديه على الرض ‪.‬‬
‫وفي نصّ الشّافعيّة ‪ :‬القعاء المكروه ‪ :‬أن يجلس الشّخص على وركيه ناصبا ركبتيه ‪.‬‬
‫والتّورّك ‪ :‬أن ينصب اليمنى ويثني رجله اليسرى ‪ ،‬ويقعد على الرض ‪.‬‬
‫ولتمام الفائدة تنظر هذه اللفاظ في مصطلحاتها ‪.‬‬
‫حكم التّربّع ‪:‬‬
‫أوّلً ‪ -‬التّربّع في الصّلة ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬التّربّع في الفريضة لعذر ‪:‬‬
‫‪ -‬أجمع أهل العلم على أنّ من ل يطيق القيام ‪ ،‬له أن يصلّي جالسا ‪ ،‬وقد « قال النّبيّ صلى‬ ‫‪3‬‬

‫ال عليه وسلم لعمران بن حصين رضي ال عنه ‪ :‬صلّ قائما ‪ ،‬فإِن لم تستطع فقاعدا ‪ ،‬فإِن لم‬
‫جنْب » وفي رواية ‪ « :‬فإن لم تستطع فمستلقيا » ‪.‬‬
‫تستطع فعلى َ‬
‫سعَها } ‪.‬‬
‫ن الطّاعة بحسب القدرة لقول اللّه تعالى ‪ { :‬ل ُيكَّلفُ اللّهُ نَ ْفسَا إلّ ُو ْ‬
‫ول ّ‬
‫‪ -‬واختلفوا في هيئة الجلوس إذا عجز المصلّي عن القيام كيف يقعد ؟‬ ‫‪4‬‬

‫فذهب المالكيّة في المشهور عندهم ‪ ،‬والشّافعيّة في قول ‪ ،‬والحنابلة إلى ‪ :‬أنّه إذا قعد المعذور‬
‫يندب له أن يجلس متربّعا ‪ ،‬وهو رواية عن أبي يوسف ‪.‬‬
‫ويرى أبو حنيفة ‪ -‬في رواية محمّد عنه وهي ما صحّحها العينيّ ‪ -‬أنّ المعذور إذا افتتح‬
‫الصّلة يجلس كيفما شاء ‪ ،‬لنّ عذر المرض يسقط الركان عنه ‪ ،‬فلن يسقط عنه الهيئات‬
‫أولى ‪.‬‬
‫وروى الحسن عن أبي حنيفة ‪ :‬أنّه يتربّع ‪ ،‬وإذا ركع يفترش رجله اليسرى ويجلس عليها ‪.‬‬
‫ويرى الشّافعيّة في الظهر من القولين ‪ -‬وهو قول زفر من الحنفيّة ‪ -‬أنّه يقعد مفترشا ‪.‬‬
‫ن المعذور يجلس كما يجلس للتّشهّد ‪.‬‬
‫وذهب المالكيّة في قول ‪ -‬وهو ما اختاره المتأخّرون ‪ -‬أ ّ‬
‫وهناك تفاصيل فيمن له أن يصلّي جالسا ‪ ،‬وفي هيئة الّذي ل يقدر على الجلوس ول على القيام‬
‫تنظر في مصطلحات ‪ ( :‬صلة المريض ‪ ،‬عذر ‪ ،‬وقيام ) ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬التّربّع في الفريضة بغير عذر ‪:‬‬
‫‪ -‬التّربّع مخالف للهيئة المشروعة في الفريضة في التّشهّدين جميعا ‪.‬‬ ‫‪5‬‬

‫وقد صرّح الحنفيّة بكراهة التّربّع من غير عذر ‪ ،‬لما روي أنّ عبد اللّه بن عمر رضي ال‬
‫عنهما رأى ابنه يتربّع في صلته ‪ ،‬فنهاه عن ذلك ‪ ،‬فقال ‪ :‬رأيتك تفعله يا أبت ‪ ،‬فقال ‪ :‬إنّ‬
‫رجليّ ل تحملني ‪ .‬ولنّ الجلوس على الرّكبتين أقرب إلى الخشوع ‪ ،‬فكان أولى ‪.‬‬
‫وهذا ما يفهم من عبارات المالكيّة أيضا ‪ ،‬لنّهم يعدّون الفضاء في الجلوس من مندوبات‬
‫الصّلة ‪ ،‬ويعتبرون ترك سنّة خفيفة عمدا من سنن الصّلة مكروها ‪.‬‬
‫ويسنّ عند الشّافعيّة في قعود آخر الصّلة التّورّك ‪ ،‬وفي أثنائها الفتراش ‪.‬‬
‫ويقول الحنابلة بس ّنيّة الفتراش في التّشهّد الوّل ‪ ،‬والتّورّك في التّشهّد الثّاني ‪.‬‬
‫ونقل ابن عبد البرّ إجماع العلماء على عدم جواز التّربّع للصّحيح في الفريضة ‪.‬‬
‫وقال ابن حجر العسقلنيّ ‪ :‬لعلّ المراد بكلم ابن عبد البرّ بنفي الجواز إثبات الكراهة ‪.‬‬
‫ج ‪ -‬التّربّع في صلة التّطوّع ‪:‬‬
‫‪ - 6‬ل خلف في جواز التّطوّع قاعدا مع القدرة على القيام ‪ ،‬ول في أنّ القيام أفضل ‪ ،‬لقول‬
‫النّبيّ صلى ال عليه وسلم ‪ « :‬من صلّى قائما فهو أفضل ‪ ،‬ومن صلّى قاعدا فله نصف أجر‬
‫القائم » وقالت عائشة رضي ال عنها ‪ « :‬إنّ النّبيّ صلى ال عليه وسلم لم يمت حتّى كان‬
‫كثير من صلته وهو جالس » ‪.‬‬
‫‪ -7‬أمّا كيفيّة القعود في التّطوّع فقد اختلف فيها ‪:‬‬
‫فذهب المالكيّة والحنابلة والشّافعيّة في قول ‪ -‬وهو رواية عن أبي يوسف ومحمّد ‪ -‬إلى أنّه‬
‫يستحبّ للمتطوّع جالسا أن يكبّر للحرام متربّعا ويقرأ ‪ ،‬ثمّ يغيّر هيئته للرّكوع أو السّجود على‬
‫اختلف بينهم ‪ ،‬وروي ذلك عن ابن عمر وأنس رضي ال عنهم ‪ .‬كما روي عن ابن سيرين‬
‫ي وإسحاق رحمهم ال ‪.‬‬
‫ومجاهد وسعيد بن جبير والثّور ّ‬
‫ويرى أبو حنيفة ومحمّد ‪ -‬فيما نقله الكرخيّ عنه ‪ -‬تخيير المتطوّع في حالة القراءة بين القعود‬
‫والتّربّع والحتباء ‪.‬‬
‫وعن أبي يوسف أنّه يحتبي ‪ ،‬هذا ما اختاره المام خواهر زاده ‪ ،‬لنّ عامّة صلة رسول اللّه‬
‫صلى ال عليه وسلم في آخر العمر كان محتبيا ‪،‬ولنّه يكون أكثر توجّها بأعضائه إلى القبلة‪.‬‬
‫وقال زفر ‪ :‬يقعد في جميع الصّلة كما في التّشهّد ‪ ،‬هذا ما اختاره السّرخسيّ ‪.‬‬
‫وقال الفقيه أبو اللّيث ‪ :‬وعليه الفتوى لنّه المعهود شرعا في الصّلة ‪.‬‬
‫وقال الشّافعيّة في أصحّ القوال ‪ :‬إنّ المتطوّع يقعد مفترشا ‪.‬‬
‫ثانيا ‪ -‬التّربّع عند تلوة القرآن ‪:‬‬
‫‪ -‬ل بأس بقراءة القرآن في كلّ حال ‪ :‬قائما أو جالسا ‪ ،‬متربّعا أو غير متربّع ‪ ،‬أو مضطجعا‬ ‫‪8‬‬

‫أو راكبا أو ماشيا ‪ ،‬لحديث « عائشة قالت ‪ :‬كان النّبيّ صلى ال عليه وسلم يتّكئ في حجري‬
‫وأنا حائض ثمّ يقرأ القرآن » وعنها قالت ‪ " :‬إنّي لقرأ القرآن وأنا مضطجعة على سريري " ‪.‬‬

‫ترتيب *‬
‫التّعريف ‪:‬‬
‫‪ -‬التّرتيب في اللّغة ‪ :‬جعل كلّ شيء في مرتبته ‪ .‬واصطلحا ‪ :‬هو جعل الشياء الكثيرة‬ ‫‪1‬‬

‫بحيث يطلق عليها اسم الواحد ‪ ،‬ويكون لبعض أجزائه نسبة إلى البعض بالتّقدّم والتّأخّر ‪.‬‬
‫اللفاظ ذات الصّلة ‪:‬‬
‫التّتابع والموالة ‪:‬‬
‫‪ -‬التّتابع ‪ :‬مصدر تتابع ‪ ،‬يقال ‪ :‬تتابعت الشياء والمطار والمور ‪ ،‬إذا جاء واحد منها‬ ‫‪2‬‬

‫خلف واحد على أثره بشرط عدم القطع ‪.‬‬


‫وفسّر الفقهاء التّتابع في الصّيام ‪ :‬بأن ل يفطر المرء في أيّام الصّيام ‪ .‬وعلى ذلك ‪ ،‬فالتّتابع‬
‫والموالة متقاربان في المعنى ‪ ،‬إلّ أنّ الفقهاء يستعملون التّتابع غالبا في العتكاف وكفّارة‬
‫الصّيام ونحوهما ‪ ،‬ويستعملون الموالة غالبا في الطّهارة من الوضوء والتّيمّم والغسل ‪.‬‬
‫ويختلف التّرتيب عن التّتابع والموالة في أنّ التّرتيب يكون لبعض الجزاء نسبة إلى البعض‬
‫بالتّقدّم والتّأخّر ‪ ،‬بخلف التّتابع والموالة ‪ ،‬ومن جهة أخرى فإنّ التّتابع والموالة يشترط فيهما‬
‫عدم القطع والتّفريق ‪ ،‬فيضرّهما التّراخي ‪ ،‬بخلف التّرتيب ‪.‬‬
‫الحكم الجماليّ ‪:‬‬
‫‪ -‬التّرتيب إنّما يكون بين أشياء مختلفة كالعضاء في الوضوء ‪ ،‬والجمرات الثّلث ‪ ،‬فإن‬ ‫‪3‬‬

‫اتّحد المحلّ ولم يتعدّد فل معنى للتّرتيب كما يقول الزّركشيّ ‪ ،‬ومن ثمّ لم يجب التّرتيب في‬
‫الغسل ‪ ،‬لنّه فرض يتعلّق بجميع البدن ‪ ،‬تستوي فيه العضاء كلّها ‪ .‬وكذلك الرّكوع الواحد‬
‫والسّجود الواحد ل يظهر فيه أثر التّرتيب ‪ ،‬فإذا اجتمع الرّكوع والسّجود ظهر أثره ‪.‬‬
‫هذا ‪ ،‬وقد بيّن الفقهاء حكم وأه ّميّة التّرتيب في مباحث العبادات من ‪ :‬الطّهارة ‪ ،‬وأركان‬
‫الصّلة ‪ ،‬ونسك الحجّ ‪ ،‬والكفّارات في النّذور واليمان ونحوها ‪.‬‬
‫واتّفقوا على فرضيّة التّرتيب في بعض العبادات ‪ ،‬كالتّرتيب في أركان الصّلة من القيام‬
‫والرّكوع والسّجود ‪ ،‬واختلفوا في بعضها ‪ ،‬نذكر منها ما يلي ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬التّرتيب في الوضوء ‪:‬‬
‫‪ -‬التّرتيب في أعمال الوضوء فرض عند الشّافعيّة والحنابلة ‪ ،‬لنّها وردت في الية مرتّبةً ‪،‬‬ ‫‪4‬‬

‫سحُوا‬
‫قال اللّه تعالى ‪ { :‬إذا ُقمْتم إلى الصّل ِة فاغْسِلُوا وجُوهَكم وأيديَكم إلى المرافقِ وام َ‬
‫برءوسِكم وأرجلَكم إلى ال َك ْعبَين } لنّ إدخال الممسوح " أي الرّأس " بين المغسولت " أي‬
‫اليدي والرجل " قرينة على أنّه أريد به التّرتيب ‪ ،‬فالعرب ل تقطع النّظير عن النّظير إلّ‬
‫لفائدة ‪ ،‬والفائدة هاهنا التّرتيب ‪.‬‬
‫وذهب الحنفيّة والمالكيّة إلى عدم وجوب التّرتيب في الوضوء ‪ ،‬بل هو سنّة عندهم ‪ ،‬لنّ اللّه‬
‫تعالى أمر بغسل العضاء ‪ ،‬وعطف بعضها على بعض بواو الجمع ‪ ،‬وهي ل تقتضي التّرتيب‬
‫ي أعضائي بدأت "‪ .‬والتّرتيب‬
‫‪ .‬وروي عن ابن مسعود رضي ال عنه أنّه قال ‪ ":‬ما أبالي بأ ّ‬
‫إنّما يكون في عضوين مختلفين ‪ ،‬فإن كانا في حكم العضو الواحد لم يجب ‪ ،‬ولهذا ل يجب‬
‫التّرتيب بين اليمنى واليسرى في الوضوء اتّفاقا ‪.‬‬
‫ن « النّبيّ صلى ال عليه وسلم كان يحبّ التّيامن » ‪.‬‬
‫ولكن يسنّ ‪ ،‬ل ّ‬
‫ب ‪ -‬التّرتيب في قضاء الفوائت ‪:‬‬
‫‪ -‬جمهور الفقهاء من الحنفيّة والمالكيّة والحنابلة قالوا بوجوب التّرتيب بين الصّلوات الفائتة ‪،‬‬ ‫‪5‬‬

‫وبينها وبين الصّلة الوقتيّة إذا اتّسع الوقت ‪ .‬فمن فاتته صلة أو صلوات وهو في وقت‬
‫أخرى ‪ ،‬فعليه أن يبدأ بقضاء الفوائت مرتّبةً ‪ ،‬ثمّ يؤدّي الصّلة الوقتيّة ‪ ،‬إلّ إذا كان الوقت‬
‫ضيّقا ل يتّسع لكثر من الحاضرة فيقدّمها ‪ ،‬ثمّ يقضي الفوائت على التّرتيب ‪.‬‬
‫ن المالكيّة يقولون بوجوب التّرتيب في قضاء يسير الفوائت مع صلة حاضرة ‪ ،‬وإن‬
‫على أ ّ‬
‫ن ترتيب الفوائت ‪ ،‬كأن يقضي الصّبح قبل‬
‫خرج وقتها ‪ .‬وقال الشّافعيّة ‪ :‬ل يجب ذلك ‪ ،‬بل يس ّ‬
‫الظّهر ‪ ،‬والظّهر قبل العصر ‪ .‬وكذلك يسنّ تقديم الفوائت على الحاضرة محاكاةً للداء ‪ ،‬فإن‬
‫خاف فوت الحاضرة بدأ بها وجوبا لئلّ تصير فائتةً ‪.‬‬
‫هذا ‪ ،‬ويسقط التّرتيب عند الحنفيّة والحنابلة بالنّسيان ‪ ،‬وخوف فوت الوقتيّة ‪ ،‬وزاد الحنفيّة‬
‫مسقطا آخر هو زيادة الفوائت على خمس ‪.‬‬
‫وفي المسألة خلف وتفصيل يرجع إليه في ( قضاء الفوائت ) ‪.‬‬
‫ج ‪ -‬التّرتيب في صفوف الصّلة ‪:‬‬
‫‪ -‬صرّح الفقهاء بأنّه ‪ :‬لو اجتمع الرّجال والنّساء والصّبيان ‪ ،‬فأرادوا أن يصطفّوا لصلة‬ ‫‪6‬‬

‫الجماعة ‪ ،‬يقوم الرّجال صفّا ممّا يلي المام ‪ ،‬ث ّم الصّبيان بعدهم ثمّ الناث ‪.‬‬
‫وإذا تقدّمت النّساء على الرّجال فسدت صلة من وراءهنّ من صفوف الرّجال عند الحنفيّة ‪،‬‬
‫خلفا لجمهور الفقهاء حيث صرّحوا بكراهة الصّلة حينئذ دون الفساد ‪ ،‬كما هو مفصّل في‬
‫مصطلح ‪ ( :‬اقتداء ‪ ،‬صلة الجماعة ) ‪.‬‬
‫مواطن البحث ‪:‬‬
‫يرد ذكر التّرتيب عند الفقهاء ‪ -‬إضاف ًة إلى ما سبق ‪ -‬في مواضع مختلفة منها ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬التّرتيب في الجنائز ‪:‬‬
‫‪ -‬إذا كانت أكثر من واحدة ‪ ،‬فإذا اجتمعت جنائز الرّجال والنّساء والصّبيان حين الصّلة‬ ‫‪7‬‬

‫ف النّساء ‪ ،‬وكذلك‬
‫ف الصّبيان ‪ ،‬ثمّ ص ّ‬
‫عليها ‪ ،‬فإنّه يصفّ الرّجال ممّا يلي المام ‪ ،‬ثمّ ص ّ‬
‫التّرتيب في وضع الموات في قبر واحد ‪ ،‬ويفصّل الفقهاء هذه المسائل في أبواب الجنائز ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬التّرتيب في الحجّ ‪:‬‬
‫‪ -‬التّرتيب في أعمال الحجّ وما يترتّب على الخلل به ‪ ،‬فصّله الفقهاء في كتاب الحجّ ‪.‬‬ ‫‪8‬‬

‫( ر ‪ :‬إحرام ) ‪.‬‬
‫ج ‪ -‬الدّيون ‪:‬‬
‫‪ -‬التّرتيب في قضاء الدّيون ‪ ،‬وما يجب تقديمه منها على غيره ‪ ،‬وما يتعلّق بحقوق العباد ‪،‬‬ ‫‪9‬‬

‫فصّله الفقهاء في باب الرّهن والنّفقة والكفّارة وغيرها ( ر ‪ :‬دين ) ‪.‬‬


‫د ‪ -‬أدلّة الثبات ‪:‬‬
‫‪ -‬التّرتيب في أدلّة الثبات من القرار والشّهادة والقرائن ونحوها يذكره الفقهاء في كتاب‬ ‫‪10‬‬

‫الدّعوى ‪.‬‬
‫هـ ‪ -‬النّكاح ‪:‬‬
‫‪ -‬ترتيب الولياء في النّكاح وحقّ القصاص وسائر الحقوق كالرث والحضانة وغيرهما‬ ‫‪11‬‬

‫مذكور في أبوابها من كتب الفقه ‪ ،‬وتفصيله في مصطلحاتها ‪.‬‬


‫و ‪ -‬الكفّارات ‪:‬‬
‫‪ -‬التّرتيب بين أنواع الكفّارات في اليمان والنّذور وغيرها أورده الفقهاء في باب الكفّارة ‪.‬‬ ‫‪12‬‬

‫وتفصيل هذه المسائل يرجع إليه في مصطلحاتها ‪.‬‬

‫ترتيل *‬
‫انظر ‪ :‬تلوة ‪.‬‬

‫ترجمة *‬
‫التّعريف ‪:‬‬
‫‪ -‬التّرجمة ‪ :‬مصدر ترجم ‪ ،‬يقال ‪ :‬ترجم كلمه ‪ :‬إذا بيّنه ‪ ،‬ويقال ‪ :‬ترجم كلم غيره ‪ :‬إذا‬ ‫‪1‬‬

‫عبّر عنه بلسانٍ آخر ‪ .‬ومنه التّرجِمان ‪ ،‬والتّرجُمان ‪ ،‬والتُرجُمان ‪.‬‬


‫ول يخرج استعمال الفقهاء لكلمة التّرجمة عن المعنى الثّاني ‪.‬‬
‫اللفاظ ذات الصّلة ‪:‬‬
‫التّفسير ‪:‬‬
‫‪ -‬التّفسير مصدر فسّر ‪ ،‬وهو في اللّغة بمعنى ‪ :‬البيان والكشف والظهار ‪.‬‬ ‫‪2‬‬
‫وفي الشّرع ‪ :‬توضيح معنى الية ( أي ونحوها ) وشأنها ‪ ،‬وقصّتها ‪ ،‬والسّبب الّذي نزلت فيه‬
‫بلفظ يدلّ عليه دللة ظاهرة ‪ .‬فالتّرجمة تكون بلغة مغايرة ‪ ،‬وعلى قدر الكلم المترجم ‪ ،‬دون‬
‫زيادة أو نقص ‪ ،‬بخلف التّفسير فقد يطول ويتناول الدّللت التّابعة للّفظ ‪.‬‬
‫ترجمة القرآن الكريم وأنواعها ‪:‬‬
‫‪ -‬قال الشّاطبيّ ‪ :‬للّغة العربيّة ‪ -‬من حيث هي ألفاظ دالّة على معان ‪ -‬نظران ‪ :‬أحدهما ‪:‬‬ ‫‪3‬‬

‫من جهة كونها ألفاظا وعبارات مطلقةً دالّةً على معان مطلّقة ‪ ،‬وهي الدّللة الصليّة ‪ .‬والثّاني‬
‫‪ :‬من جهة كونها ألفاظا وعبارات مقيّدةً ‪ ،‬دالّةً على معان خادمة ‪ ،‬وهي الدّللة التّابعة ‪ .‬فالجهة‬
‫الولى ‪ :‬هي الّتي يشترك فيها جميع اللسنة ‪ ،‬وإليها تنتهي مقاصد المتكلّمين ‪ ،‬ول تختصّ‬
‫بأمّة دون أخرى ‪ ،‬فإنّه إذا حصل في الوجود فعل لزيد مثلً كالقيام ‪ ،‬ثمّ أراد كلّ صاحب لسان‬
‫الخبار عن زيد بالقيام ‪ ،‬تأتّى له ما أراد من غير كلفة ‪.‬‬
‫ومن هذه الجهة يمكن في لسان العرب الخبار عن أقوال الوّلين ‪ -‬ممّن ليسوا من أهل اللّغة‬
‫العربيّة ‪ -‬وحكاية كلمهم ‪ .‬ويتأتّى في لسان العجم حكاية أقوال العرب والخبار عنها ‪ ،‬وهذا‬
‫ل إشكال فيه ‪.‬‬
‫وأمّا الجهة الثّانية ‪ :‬فهي الّتي يختصّ بها لسان العرب في تلك الحكاية وذلك الخبار ‪ ،‬فإنّ كلّ‬
‫خبر يقتضي في هذه الجهة أمورا خادم ًة لذلك الخبار ‪ ،‬بحسب المخبر ‪ ،‬والمخبر عنه ‪،‬‬
‫والمخبر به ‪ ،‬ونفس الخبار ‪ ،‬في الحال والمساق ‪ ،‬ونوع السلوب ‪ :‬من اليضاح والخفاء ‪،‬‬
‫واليجاز ‪ ،‬والطناب ‪ ،‬وغير ذلك ‪.‬‬
‫وذلك أنّك تقول في ابتداء الخبار ‪ :‬قام زيد إن لم تكن ثمّ عناية بالمخبر عنه ‪ ،‬بل بالخبر ‪ .‬فإن‬
‫كانت العناية بالمخبر عنه قلت ‪ :‬زيد قام ‪ .‬وفي جواب السّؤال أو ما هو منزّل تلك المنزلة ‪:‬‬
‫ن زيدا قام ‪ .‬وفي جواب المنكر لقيامه ‪ :‬واللّه إنّ زيدا قام ‪ .‬وفي إخبار من يتوقّع قيامه ‪ ،‬أو‬
‫إّ‬
‫الخبار بقيامه ‪ :‬قد قام زيد ‪ ،‬أو زيد قد قام ‪ .‬وفي التّنكيت على من ينكر ‪ :‬إنّما قام زيد ‪ .‬ثمّ‬
‫يتنوّع أيضا بحسب تعظيمه أو تحقيره ‪ -‬أعني المخبر عنه ‪ -‬وبحسب الكناية عنه والتّصريح‬
‫به ‪ ،‬وبحسب ما يقصد في مساق الخبار ‪ ،‬وما يعطيه مقتضى الحال ‪ ،‬إلى غير ذلك من‬
‫المور الّتي ل يمكن حصرها ‪ ،‬وجميع ذلك دائر حول الخبار بالقيام عن زيد ‪ .‬فمثل هذه‬
‫التّصرّفات الّتي يختلف معنى الكلم الواحد بحسبها ‪ ،‬ليست هي المقصود الصليّ ‪ ،‬ولكنّها من‬
‫مكمّلته ومتمّماته ‪ .‬وبطول الباع في هذا النّوع يحسن مساق الكلم إذا لم يكن فيه منكر ‪.‬‬
‫وبهذا النّوع الثّاني اختلفت العبارات وكثير من أقاصيص القرآن ‪ ،‬لنّه يأتي مساق القصّة في‬
‫بعض السّور على وجه ‪ ،‬وفي بعضها على وجه آخر ‪ ،‬وفي ثالثة على وجه ثالث ‪ ،‬وهكذا ما‬
‫تقرّر فيه من الخبارات ل بحسب النّوع الوّل ‪ ،‬إلّ إذا سكت عن بعض التّفاصيل في بعض ‪،‬‬
‫سيّا } وإذا‬
‫ونصّ عليه في بعض ‪ .‬وذلك أيضا لوجه اقتضاه الحال والوقت ‪ { .‬وما كان ربّك َن ِ‬
‫ثبت هذا فل يمكن لمن اعتبر هذا الوجه الخير أن يترجم كلما من الكلم العربيّ بكلم العجم‬
‫على حال ‪ ،‬فضلً عن أن يترجم القرآن وينقل إلى لسان غير عربيّ ‪ ،‬إلّ مع فرض استواء‬
‫اللّسانين في اعتباره عينا ‪ ،‬كما إذا استوى اللّسان في استعمال ما تقدّم تمثيله ونحوه ‪.‬‬
‫فإذا ثبت ذلك في اللّسان المنقول إليه مع لسان العرب ‪ ،‬أمكن أن يترجم أحدهما إلى الخر ‪.‬‬
‫وإثبات مثل هذا بوجه بيّن عسير جدّا ‪ .‬وربّما أشار إلى شيء من ذلك أهل المنطق من‬
‫القدماء ‪ ،‬ومن حذا حذوهم من المتأخّرين ‪ ،‬ولكنّه غير كاف ول مغن في هذا المقام ‪.‬‬
‫وقد نفى ابن قتيبة إمكان التّرجمة في القرآن يعني على هذا الوجه الثّاني ‪ ،‬فأمّا على الوجه‬
‫ح تفسير القرآن وبيان معناه للعامّة ومن ليس له فهم يقوى‬
‫الوّل فهو ممكن ‪ ،‬ومن جهته ص ّ‬
‫على تحصيل معانيه ‪ ،‬وكان ذلك جائزا باتّفاق أهل السلم ‪ ،‬فصار هذا التّفاق حجّ ًة في صحّة‬
‫التّرجمة على المعنى الصليّ ‪.‬‬
‫‪ -‬هذا وتنقسم التّرجمة إلى نوعين ‪:‬‬ ‫‪4‬‬

‫أ ‪ -‬التّرجمة الحرفيّة ‪ :‬وهي النّقل من لغة إلى أخرى ‪ ،‬مع التزام الصّورة اللّفظيّة للكلمة ‪ ،‬أو‬
‫ترتيب العبارة ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬التّرجمة لمعاني الكلم ‪ :‬وهي تعبير بألفاظ تبيّن معاني الكلم وأغراضه ‪ ،‬وتكون بمنزلة‬
‫التّفسير ‪.‬‬
‫ما يتعلّق بالتّرجمة من أحكام ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬كتابة القرآن بغير العربيّة وهل تسمّى قرآنا ؟‬
‫‪ -‬ذهب بعض الحنفيّة إلى جواز كتابة آية أو آيتين بحروف غير عربيّة ‪ ،‬ل كتابته كلّه ‪،‬‬ ‫‪5‬‬

‫ل حرف وترجمته جائز عندهم ‪.‬‬


‫لكن كتابة القرآن بالعربيّة وتفسير ك ّ‬
‫ن قوما من الفرس سألوه أن يكتب لهم شيئا من‬
‫لما روي عن سلمان الفارسيّ رضي ال عنه أ ّ‬
‫القرآن ‪ ،‬فكتب لهم فاتحة الكتاب بالفارسيّة ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬قراءة القرآن بغير العربيّة ‪:‬‬
‫ونظر الفقهاء في ذلك على اختلف آرائهم متوجّه إلى عدم الخلل بحفظ القرآن ‪ ،‬وأن ل‬
‫تكون مؤدّيةً إلى التّهاون بأمره ‪ ،‬ولكنّها ل تسمّى قرآنا على أيّ وجه كانت ‪.‬‬
‫‪ -‬واختلف الفقهاء في جواز القراءة في الصّلة بغير العربيّة ‪.‬‬ ‫‪6‬‬

‫فيرى المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة أنّه ل يجوز القراءة بغير العربيّة ‪ ،‬سواء أحسن قراءتها‬
‫بالعربيّة أم لم يحسن ‪ ،‬لقوله تعالى ‪ { :‬فَا ْقرَءُوا مَا َت َيسّر مِنَ القرآنِ } أمر بقراءة القرآن في‬
‫عرَبيّا }‬
‫الصّلة ‪ ،‬والقرآن هو المنزّل بلغة العرب ‪ ،‬كما قال سبحانه وتعالى ‪ِ { :‬إنّا أ ْنزَ ْلنَاه قًرآنَا َ‬
‫ع َر ِبيّ ُمبِينٍ } ولنّ ترجمة القرآن من قبيل التّفسير ‪ ،‬وليست قرآنا ‪ ،‬لنّ‬
‫وقال أيضا ‪ { :‬بِِلسَانٍ َ‬
‫القرآن هو اللّفظ العربيّ المنزّل على سيّدنا محمّد صلى ال عليه وسلم ‪ ،‬فالقرآن دليل النّبوّة‬
‫وعلمة الرّسالة ‪ ،‬وهو المعجز بلفظه ومعناه ‪ ،‬والعجاز من حيث اللّفظ يزول بزوال النّظم‬
‫العربيّ ‪ ،‬فل تكون التّرجمة قرآنا لنعدام العجاز ‪ ،‬ولذا لم تحرم قراءة التّرجمة على الجنب‬
‫والحائض ‪ ،‬ول يحنث بها من حلف ل يقرأ القرآن ‪.‬‬
‫وذهب أبو يوسف ومحمّد إلى أنّ المصلّي إن كان يحسن العربيّة ل يجوز أن يقرأ القرآن‬
‫بغيرها ‪ ،‬وإن كان ل يحسن يجوز ‪ .‬وقد ثبت رجوع أبي حنيفة إلى قولهما لقوّة دليلهما وهو ‪:‬‬
‫ن المأمور به قراءة القرآن ‪ ،‬وهو اسم للمنزّل باللّفظ العربيّ المنظوم هذا النّظم الخاصّ‬
‫أّ‬
‫المكتوب في المصاحف ‪ ،‬المنقول إلينا نقلً متواترا ‪.‬‬
‫والعجميّة إنّما تسمّى قرآنا مجازا ‪ ،‬ولذا يصحّ نفي اسم القرآن على المترجم إليها ‪.‬‬
‫وذهب أبو حنيفة في المشهور من قوله إلى جواز القراءة بالفارسيّة ‪ -‬فيما يمكن ترجمته حرفيّا‬
‫‪ -‬كما يجوز بالعربيّة ‪ ،‬سواء أكان يحسن العربيّة أم ل يحسن ‪ ،‬فتجب لنّها اعتبرت خلفا عن‬
‫النّظم العربيّ ‪ ،‬وليس لكونها قرآنا ‪ ،‬فهي حينئذ رخصة عنده ‪.‬‬
‫سنّة المتوارثة ‪.‬‬
‫غير أنّه إن كان يحسن العربيّة يصير مسيئا لمخالفته ال ّ‬
‫وقد رجع أبو حنيفة إلى رأي صاحبيه كما سبق ‪ .‬ثمّ الجواز على قول أبي حنيفة ‪ -‬المرجوع‬
‫عنه ‪ -‬مقصور على قراءة من ل يكون متّهما بالعبث بالقرآن ‪ ،‬وأن ل يكون معتادا لقراءة‬
‫القرآن بالعجميّة ‪ ،‬أمّا اعتياد القراءة بالعجميّة فممنوع مطلقا ‪.‬‬
‫ت ‪ -‬مسّ المحْدِث التّرجمة وحملها وقراءتها ‪:‬‬
‫‪ -‬ذهب الحنفيّة في الصحّ عندهم إلى أنّه ل يجوز للحائض قراءة القرآن بقصد القراءة ول‬ ‫‪7‬‬

‫مسّه ‪ ،‬ولو مكتوبا بغير العربيّة ‪ ،‬وقال بعضهم ‪ :‬يجوز ‪ ،‬وقال ابن عابدين نقلً عن البحر ‪:‬‬
‫وهذا أقرب إلى القياس ‪ ،‬والمنع أقرب إلى التّعظيم ‪ ،‬والصّحيح المنع ‪.‬‬
‫والمتبادر من أقوال المالكيّة ‪ ،‬وهو ما صرّح به الحنابلة ‪ :‬جواز مسّ كتب التّفسير مطلقا ‪ ،‬قلّ‬
‫التّفسير أو كثر ‪ ،‬لنّه ل يقع عليها اسم المصحف ‪ ،‬ول تثبت لها حرمته ‪.‬‬
‫ويرى الشّافعيّة حرمة حمل التّفسير ومسّه ‪ ،‬إذا كان القرآن أكثر من التّفسير ‪ ،‬وكذلك إن‬
‫تساويا على الصحّ ‪ ،‬ويحلّ إذا كان التّفسير أكثر على الصحّ ‪ ،‬وفي رواية ‪ :‬يحرم لخلله‬
‫بالتّعظيم ‪ .‬والتّرجمة من قبيل التّفسير ‪.‬‬
‫ث ‪ -‬ترجمة الذان ‪:‬‬
‫‪ -‬لو أذّن بالفارسيّة أو بلغة أخرى غير العربيّة ‪ ،‬فالصّحيح عند الحنفيّة والحنابلة ‪ :‬أنّه ل‬ ‫‪8‬‬

‫يصحّ ‪ ،‬ولو علم أنّه أذان ‪.‬‬


‫وهو المتبادر من كلم المالكيّة ‪ ،‬لنّهم يشترطون في الذان ‪ :‬أن يكون باللفاظ المشروعة ‪.‬‬
‫وأمّا الشّافعيّة فقد فصّلوا الكلم فيه ‪ ،‬وقالوا ‪ :‬إن كان يؤذّن لجماعة ‪ ،‬وفيهم من يحسن العربيّة‬
‫‪ ،‬لم يجزئ الذان بغيرها ‪ ،‬ويجزئ إن لم يوجد من يحسنها ‪ .‬وإن كان يؤذّن لنفسه ‪ ،‬فإن كان‬
‫يحسن العربيّة ل يجزئه الذان بغيرها ‪ ،‬وإن كان ل يحسنها أجزأه ‪.‬‬
‫ج ‪ -‬ترجمة التّكبير والتّشهّد وخطبة الجمعة وأذكار الصّلة ‪:‬‬
‫‪ -‬لو كبّر المصلّي بغير العربيّة ‪ ،‬فذهب أبو حنيفة إلى جوازه مطلقا ‪ ،‬عجز عن العربيّة أم‬ ‫‪9‬‬

‫لم يعجز ‪ ،‬واحتجّ في ذلك بقوله تعالى ‪َ { :‬و َذ َكرَ اسمَ َربّه َفصَلّى } ‪ ،‬وقياسا على إسلم الكافر‬
‫‪ .‬وشرط أبو يوسف ومحمّد عجز الشّخص عن العربيّة ‪.‬‬
‫وعلى هذا الخلف ‪ :‬الخطبة وأذكار الصّلة ‪ ،‬كما لو سبّح بالفارسيّة في الصّلة ‪ ،‬أو أثنى على‬
‫ي صلى ال عليه وسلم يصحّ‬
‫اللّه تعالى ‪ ،‬أو تعوّذ ‪ ،‬أو هلّل ‪ ،‬أو تشهّد ‪ ،‬أو صلّى على النّب ّ‬
‫عنده ‪ ،‬وأمّا أبو يوسف ومحمّد فشرطا العجز ‪.‬‬
‫وذكر ابن عابدين نقلً عن شرح الطّحاويّ ‪ :‬أنّه لو كبّر الشّخص بالفارسيّة ‪ ،‬أو سمّى عند‬
‫الذّبح ‪ ،‬أو لبّى عند الحرام بالفارسيّة أو بأيّ لسان ‪ ،‬سواء أكان يحسن العربيّة أم ل ‪ ،‬جاز‬
‫ن الصّاحبين رجعا إلى قول المام في جواز التّكبير‬
‫بالتّفاق بين المام وصاحبيه ‪ ،‬وهذا يعني أ ّ‬
‫ل عند‬
‫ن أبا حنيفة رجع إلى قولهما في عدم جواز القراءة بالعجميّة إ ّ‬
‫والذكار مطلقا ‪ ،‬كما أ ّ‬
‫العجز ‪ .‬ويرى المالكيّة أنّه إن عجز عن التّكبير بالعربيّة سقط ‪ ،‬ول يجوز بغيرها ‪ ،‬ويكفيه‬
‫نيّته كالخرس ‪ ،‬فإن أتى العاجز عنه بمرادفه من لغة أخرى لم تبطل ‪ ،‬قياسا على الدّعاء‬
‫بالعجميّة ولو للقادر على العربيّة ‪.‬‬
‫وعند بعض شيوخ القاضي عياض ‪ :‬يجوز التيان بالتّكبير بغير العربيّة ‪ ،‬وأمّا الخطبة فل‬
‫تجوز عندهم بغير العربيّة ولو كان الجماعة عجما ل يعرفون العربيّة ‪ ،‬فلو لم يكن منهم من‬
‫يحسن التيان بالخطبة عربيّةً لم تلزمهم جمعة ‪.‬‬
‫وذهب الشّافعيّة والحنابلة إلى عدم جواز التّكبير بالعجميّة إذا أحسن العربيّة ‪ ،‬لقوله صلى ال‬
‫عليه وسلم ‪ « :‬صلّوا كما رأيتموني أُصلّي » وكان عليه الصلة والسلم يكبّر بالعربيّة ‪،‬‬
‫وأيضا قال للمسيء في صلته ‪ « :‬إذا قمت للصّلة فكبّر ‪ » ..‬ولنّه لم ينقل عنه العدول عن‬
‫ذلك حتّى فارق الدّنيا ‪ .‬هذا إذا أحسن العربيّة ‪ ،‬أمّا إن لم يحسن العربيّة لزمه تعلّم التّكبير بها‬
‫إن كان في الوقت متّسع ‪ ،‬وإلّ كبّر بلغته ‪ .‬وكذلك التّشهّد الخير والصّلة على رسول اللّه‬
‫صلى ال عليه وسلم يجوزان بغير العربيّة عندهم للعاجز عنها ‪ ،‬ول يجوز للقادر ‪.‬‬
‫وأمّا خطبة الجمعة ‪ ،‬فذهب الشّافعيّة في الصحّ من المذهب إلى ‪ :‬أنّه يشترط أن تكون‬
‫بالعربيّة ‪ ،‬فإن لم يكن ث ّم من يحسن العربيّة ‪ ،‬ولم يمكن تعلّمها ‪ ،‬خطب بغيرها ‪ ،‬فإن انقضت‬
‫مدّة إمكان التّعلّم ‪ -‬ولم يتعلّموا ‪ -‬عصوا كلّهم ول جمعة لهم ‪.‬‬
‫وفي السّلم بالعجميّة ثلثة أوجه ‪ :‬أحدهما ‪ :‬إن قدر على العربيّة لم يجز ‪ ،‬وقال النّوويّ ‪:‬‬
‫الصّواب صحّة سلمه بالعجميّة إن كان المخاطب يفهمها ‪.‬‬
‫والضّابط عند الشّافعيّة في مسألة التّرجمة هو ‪ :‬أنّ ما كان المقصود منه لفظه ومعناه ‪ ،‬فإن‬
‫كان لعجازه امتنع قطعا ‪ ،‬وإن لم يكن كذلك امتنع للقادر ‪ ،‬كالذان وتكبير الحرام والتّشهّد‬
‫والذكار المندوبة ‪ ،‬والدعية المأثورة في الصّلة ‪ ،‬والسّلم والخطبة ‪.‬‬
‫وما كان المقصود منه معناه دون لفظه ‪ ،‬فجائز ‪ ،‬كالبيع والخلع والطّلق ونحوها ‪.‬‬
‫والقول الخر عند الشّافعيّة أنّ كون الخطبة بالعربيّة مستحبّ فقط ‪ ،‬قال النّوويّ ‪ :‬لنّ‬
‫ل اللّغات ‪.‬‬
‫المقصود الوعظ ‪ ،‬وهو حاصل بك ّ‬
‫ح ‪ -‬الدّعاء بغير العربيّة في الصّلة ‪:‬‬
‫‪ -‬المنقول عن الحنفيّة في الدّعاء بغير العربيّة الكراهة ‪ ،‬لنّ عمر رضي ال تعالى عنه‬ ‫‪10‬‬

‫نهى عن رطانة العاجم ‪ ،‬والرّطانة كما في القاموس ‪ :‬الكلم بالعجميّة ‪.‬‬


‫ن الدّعاء بغير العربيّة خلف الولى ‪ ،‬وأنّ الكراهة فيه تنزيهيّة ‪ ،‬ول يبعد‬
‫وظاهر التّعليل ‪ :‬أ ّ‬
‫أن يكون الدّعاء بالعجميّة مكروها تحريما في الصّلة ‪ ،‬وتنزيها خارجها ‪.‬‬
‫وذهب المالكيّة إلى أنّه يحرم الدّعاء بغير العربيّة ‪ -‬على ما نقل ابن عابدين عن القرافيّ ‪-‬‬
‫ي كلم القرافيّ بالعجميّة المجهولة المدلول ‪،‬‬
‫ل باشتماله على ما ينافي التّعظيم ‪ ،‬وقيّد اللّقان ّ‬
‫معلّ ً‬
‫أخذا من تعليله ‪ ،‬وهو اشتمالها على ما ينافي جلل الرّبوبيّة ‪.‬‬
‫وأمّا إذا علم مدلولها فيجوز استعمالها مطلقا في الصّلة وغيرها ‪ ،‬لقوله تعالى ‪ { :‬وَعَّلمَ آدمَ‬
‫ل بِِلسَانِ قَومِه } وهذا ما صرّح به‬
‫سمَاءَ كُلّها } وقوله تعالى ‪َ { :‬ومَا أَ ْرسَ ْلنَا منْ َرسُولٍ إ ّ‬
‫الَ ْ‬
‫الدّسوقيّ أيضا ‪.‬‬
‫وقد فصّل الشّافعيّة الكلم فقالوا ‪ :‬الدّعاء في الصّلة إمّا أن يكون مأثورا أو غير مأثور ‪.‬‬
‫أمّا الدّعاء المأثور ففيه ثلثة أوجه ‪ :‬أصحّها ‪ ،‬ويوافقه ما ذهب إليه الحنابلة ‪ :‬أنّه يجوز بغير‬
‫العربيّة للعاجز عنها ‪ ،‬ول يجوز للقادر ‪ ،‬فإن فعل بطلت صلته ‪.‬‬
‫والثّاني ‪ :‬يجوز لمن يحسن العربيّة وغيره ‪.‬‬
‫والثّالث ‪ :‬ل يجوز لواحد منهما لعدم الضّرورة إليه ‪.‬‬
‫ل واحدا ‪.‬‬
‫وأمّا الدّعاء غير المأثور في الصّلة ‪ ،‬فل يجوز اختراعه والتيان به بالعجميّة قو ً‬
‫وأمّا سائر الذكار كالتّشهّد الوّل والصّلة على النّبيّ صلى ال عليه وسلم فيه ‪ ،‬والقنوت ‪،‬‬
‫والتّسبيح في الرّكوع والسّجود ‪ ،‬وتكبيرات النتقالت ‪ ،‬فعلى القول بجواز الدّعاء بالعجميّة‬
‫تجوز بالولى ‪ ،‬وإلّ ففي جوازها للعاجز أوجه ‪ :‬أصحّها ‪ :‬الجواز ‪ .‬والثّاني ‪ :‬ل ‪ .‬والثّالث ‪:‬‬
‫يجوز فيما يجبر بسجود السّهو ‪ .‬وذكر صاحب الحاوي ‪ :‬أنّه إذا لم يحسن العربيّة أتى بكلّ‬
‫الذكار بالعجميّة ‪ ،‬وإن كان يحسنها أتى بالعربيّة ‪ ،‬فإن خالف وقالها بالفارسيّة ‪ :‬فما كان واجبا‬
‫كالتّشهّد والسّلم لم يجزه ‪ ،‬وما كان سنّةً كالتّسبيح والفتتاح أجزأه وقد أساء ‪.‬‬
‫خ ‪ -‬الِتيان بالشّهادتين بغير العربيّة لمن أراد الِسلم ‪:‬‬
‫‪ -‬يرى جمهور الفقهاء أنّ الكافر إذا أراد السلم ‪ ،‬فإن لم يحسن العربيّة جاز أن يأتي‬ ‫‪11‬‬

‫بالشّهادتين بلسانه ‪ ،‬وأمّا إن كان يحسنها ‪ :‬فيرى الحنفيّة ‪ ،‬وهو الصّحيح عند عامّة الشّافعيّة أنّه‬
‫ل لسان ‪ .‬وأمّا المالكيّة‬
‫جائز ‪ ،‬لنّ المراد من الشّهادتين الخبار عن اعتقاده ‪ ،‬وذلك يحصل بك ّ‬
‫ل لعجز ‪ -‬بخرس‬
‫فالصل عندهم أنّ النّطق بالشّهادتين بالعربيّة شرط في صحّة السلم إ ّ‬
‫ونحوه ‪ -‬مع قيام القرينة على تصديقه بقلبه ‪ ،‬فيحكم له بالسلم ‪ ،‬وتجري عليه أحكامه ‪.‬‬
‫ي بالنّطق بالشّهادتين ‪ .‬وأمّا إن قال ‪ :‬أنا مؤمن‬
‫وذهب الحنابلة إلى أنّه يثبت إسلم الكافر الصل ّ‬
‫أو أنا مسلم ‪،‬قال القاضي أبو يعلى ‪ :‬يحكم بإسلمه بهذا وإن لم يلفظ الشّهادتين‪.‬‬
‫د ‪ -‬المان بغير العربيّة ‪:‬‬
‫‪ -‬المان بغير العربيّة ل خلف بين الفقهاء في أنّه يجوز ‪ ،‬لما روي عن عمر رضي ال‬ ‫‪12‬‬

‫تعالى عنه أنّه قال ‪ :‬إذا قلتم ‪ :‬ل بأس أو ‪ :‬ل تذهل أو ‪ :‬مترس ‪ ،‬فقد آمنتموهم ‪ ،‬فإنّ اللّه‬
‫تعالى يعلم اللسنة ‪ .‬وروي عن ابن مسعود رضي ال تعالى عنه مثل ذلك ‪.‬‬
‫ذ ‪ -‬انعقاد النّكاح ووقوع الطّلق ‪ ،‬بغير العربيّة ‪:‬‬
‫أ ّولً ‪ -‬ترجمة صيغة النّكاح ‪:‬‬
‫ح منه عقد النّكاح بلسانه ‪ ،‬لنّه‬
‫‪ -‬ذهب جمهور الفقهاء إلى أنّ من ل يحسن العربيّة يص ّ‬ ‫‪13‬‬

‫عاجز عمّا سواه ‪ ،‬فسقط عنه كالخرس ‪ ،‬ويحتاج أن يأتي بالمعنى الخاصّ بحيث يشتمل على‬
‫معنى اللّفظ العربيّ ‪ ،‬وقال أبو الخطّاب من الحنابلة ‪ :‬عليه أن يتعلّم ما كانت العربيّة شرطا فيه‬
‫كالتّكبير ‪ .‬واختلفوا فيمن يقدر على لفظ النّكاح بالعربيّة ‪:‬‬
‫ي الدّين ابن تيميّة وابن قدامة من الحنابلة إلى ‪:‬‬
‫فذهب الحنفيّة والشّافعيّة في الصحّ ‪ ،‬والشّيخ تق ّ‬
‫أنّه ينعقد بغيرها ‪ ،‬لنّه أتى بلفظه الخاصّ ‪ ،‬فانعقد به ‪ ،‬كما ينعقد بلفظ العربيّة ‪.‬‬
‫ن اللّغة العجميّة تصدر عمّن تكلّم بها عن قصد صحيح ‪.‬‬
‫ول ّ‬
‫ح بغير العربيّة ‪ ،‬حتّى وإن كان ل يحسنها ‪ .‬وللشّافعيّة‬
‫ويرى الشّافعيّة في وجه آخر أنّه ل يص ّ‬
‫قول ثالث ‪ :‬وهو أنّه ينعقد إن لم يحسن العربيّة وإلّ فل ‪ .‬وقال في كشّاف القناع ‪ :‬فإن كان‬
‫أحد المتعاقدين في النّكاح يحسن العربيّة دون الخر أتى الّذي يحسن العربيّة بما هو من قبله ‪-‬‬
‫من إيجاب أو قبول ‪ -‬بالعربيّة لقدرته عليه ‪ ،‬والعاقد الخر يأتي بما هو من قبله بلغته ‪ ،‬وإن‬
‫كان كلّ منهما ل يحسن لسان الخر ترجم بينهما ثقة يعرف اللّسانين ‪.‬‬
‫ثانيا ‪ -‬التّطليق بغير العربيّة ‪:‬‬
‫ي إذا أتى بصريح الطّلق بالعجميّة كان‬
‫‪ -‬ذهب الحنفيّة والشّافعيّة والحنابلة إلى ‪ :‬أنّ العجم ّ‬ ‫‪14‬‬

‫ل بنيّته ‪ .‬ولكنّهم اختلفوا في اللفاظ الّتي تعتبر صريح الطّلق‬


‫طلقا ‪ ،‬وإذا أتى بالكناية ل يقع إ ّ‬
‫وكنايته بالعجميّة ‪ ،‬وبيّن الفقهاء بعضها في كتاب الطّلق ‪.‬‬
‫ويرى المالكيّة أنّ من طلّق بالعجميّة لزمه إن شهد بذلك عدلن يعرفان العجميّة ‪.‬‬
‫قال ابن ناجي ‪ :‬قال أبو إبراهيم ‪ :‬يؤخذ منها أنّ التّرجمان ل يكون أقلّ من عدلين ‪.‬‬
‫وينظر مصطلح ‪ ( :‬طلق ) ‪.‬‬
‫ر ‪ -‬التّرجمة في القضاء ‪:‬‬
‫‪ -‬جمهور الفقهاء على أنّ القاضي يجوز له أن يتّخذ مترجما ‪.‬‬ ‫‪15‬‬

‫وأمّا تعدّده ‪ ،‬فذهب الحنفيّة وهو رواية عن أحمد إلى ‪ :‬أنّه يكفي واحد عدل ‪ ،‬وهو اختيار أبي‬
‫بكر وقاله ابن المنذر أيضا ‪ .‬قال ابن المنذر في حديث زيد بن ثابت ‪ « :‬أنّ رسول اللّه صلى‬
‫ال عليه وسلم أمره أن يتعلّم كتاب يهود ‪ ،‬قال ‪ :‬فكنت أكتب له إذا كتب إليهم ‪ ،‬وأقرأ له إذا‬
‫كتبوا » ‪ .‬ولنّه ممّا ل يفتقر إلى لفظ الشّهادة فأجزأ فيه الواحد كأخبار الدّيانات ‪ .‬ويرى‬
‫المالكيّة أنّه يكفي الواحد العدل إن رتّبه القاضي ‪.‬‬
‫أمّا غير المرتّب بأن أتى به أحد الخصمين ‪ ،‬أو طلبه القاضي للتّبليغ ‪ ،‬فل بدّ فيه من التّعدّد ‪،‬‬
‫لنّه صار كالشّاهد ‪ .‬وفي قول ‪ :‬ل بدّ من تعدّده ‪ ،‬ولو رتّب ‪.‬‬
‫وذهب الشّافعيّة ‪ ،‬وهو المذهب عند الحنابلة إلى ‪ :‬أنّ التّرجمة شهادة ‪ ،‬لنّ المترجم ينقل إلى‬
‫القاضي قولً ل يعرفه القاضي ‪ ،‬وما خفي عليه فيما يتعلّق بالمتخاصمين ‪ ،‬ولذا فإنّها تفتقر إلى‬
‫العدد والعدالة ‪ ،‬ويعتبر فيه من الشّروط ما يعتبر في الشّهادة ‪.‬‬
‫فإن كان الحقّ ممّا يثبت برجل أو امرأتين قبلت التّرجمة من رجل وامرأتين ‪ ،‬وما ل يثبت إلّ‬
‫برجلين يشترط في ترجمته رجلن ‪ ،‬وفي حدّ الزّنا قولن عند الشّافعيّة ‪.‬‬
‫أحدهما ‪ :‬أنّه ل يكفي فيه أقلّ من أربعة رجال أحرار عدول ‪ .‬والثّاني ‪ :‬يكفي فيه اثنان ‪ .‬وقيل‬
‫عند الشّافعيّة ‪ :‬يكفي رجلن قطعا ‪.‬‬

‫ترجيح *‬
‫انظر ‪ :‬تعارض ‪.‬‬

‫ترجيع *‬
‫التّعريف ‪:‬‬
‫‪ -‬التّرجيع في اللّغة هو ‪ :‬ترديد الصّوت في قراءة أو أذان أو غناء أو غير ذلك ممّا ُيتَرنّم به‬ ‫‪1‬‬

‫‪ .‬وفي الصطلح هو ‪ :‬أن يخفض المؤذّن صوته بالشّهادتين مع إسماعه الحاضرين ‪ ،‬ثمّ يعود‬
‫فيرفع صوته بهما ‪.‬‬
‫اللفاظ ذات الصّلة ‪:‬‬
‫التّثويب ‪:‬‬
‫‪ -‬التّثويب لغةً ‪ :‬العود إلى العلم بعد العلم ‪.‬‬ ‫‪2‬‬
‫واصطلحا ‪ :‬قول المؤذّن في أذان الصّبح بعد الحيعلتين ‪ ،‬أو بعد الذان وقبل القامة ‪ -‬كما‬
‫يقول بعض الفقهاء ‪ -‬الصّلة خير من النّوم ‪ ،‬مرّتين ‪.‬‬
‫ويختلف التّثويب عن التّرجيع ‪ -‬بالمعنى الوّل ‪ -‬في أنّ التّثويب يكون في أذان الفجر بعد‬
‫الحيعلتين أو بعد الذان ‪ ،‬وأمّا التّرجيع فيكون في التيان بالشّهادتين في كلّ أذان ‪.‬‬
‫الحكم الجماليّ ‪:‬‬
‫‪ -‬يرى الحنفيّة والحنابلة على الصّحيح من المذهب ‪ -‬وهو قول الثّوريّ وإسحاق ‪ -‬أنّه ل‬ ‫‪3‬‬

‫ترجيع في الذان ‪ « ،‬لحديث عبد اللّه بن زيد من غير ترجيع ‪ .‬فقال له النّبيّ صلى ال عليه‬
‫وسلم ‪ :‬إنّها حقّ إن شاء اللّه ‪ ،‬فقم مع بلل فألق عليه ما رأيت ‪ ،‬فليؤذّن به ‪ ،‬فإنّه أندى صوتا‬
‫منك ‪ .‬فقمت مع بلل ‪ ،‬فجعلت ألقيه عليه ويؤذّن به » ‪.‬‬
‫فإذا رجع المؤذّن ‪ ،‬فقد نصّ المام أحمد على أنّه ل بأس به ‪ ،‬واعتبر الختلف في التّرجيع‬
‫من الختلفات المباحة ‪ ،‬وقال ابن نجيم ‪ :‬الظّاهر من عبارات مشايخ الحنفيّة أنّ التّرجيع‬
‫مباح ليس بسنّة ول مكروه ‪ ،‬لنّ كل المرين صحّ عن النّبيّ صلى ال عليه وسلم ونقل‬
‫الحصكفيّ عن ملتقى البحر كراهة التّرجيع في الذان ‪ ،‬وحملها ابن عابدين على الكراهة‬
‫التّنزيهيّة ‪ .‬ويرى المالكيّة ‪ ،‬وهو الصّحيح عند الشّافعيّة ‪ :‬أنّه يسنّ التّرجيع في الذان ‪ ،‬لما‬
‫ن النّبيّ صلى ال عليه وسلم ألقى عليه التّأذين هو‬
‫روي عن أبي محذورة رضي ال عنه « أ ّ‬
‫بنفسه ‪ ،‬فقال له ‪ :‬قل ‪ :‬اللّه أكبر اللّه أكبر اللّه أكبر اللّه أكبر ‪ ،‬أشهد أن ل إله إلّ اللّه ‪ ،‬أشهد‬
‫ن محمّدا رسول اللّه ‪ ،‬ثمّ قال ‪ :‬ارجع‬
‫أن ل إله إلّ اللّه ‪ ،‬أشهد أنّ محمّدا رسول اللّه ‪ ،‬أشهد أ ّ‬
‫فامدد صوتك ‪ ،‬ثمّ قال ‪ :‬قل ‪ :‬أشهد أن ل إله إلّ اللّه ‪ ،‬أشهد أن ل إله إلّ اللّه ‪ ،‬أشهد أنّ‬
‫ن محمّدا رسول اللّه ‪ ..‬إلخ » ‪.‬‬
‫محمّدا رسول اللّه ‪ ،‬أشهد أ ّ‬
‫وهناك وجه للشّافعيّة حكاه الخراسانيّون ‪ :‬أنّ التّرجيع ركن ل يصحّ الذان إلّ به ‪ .‬قال‬
‫ح أذانه ‪.‬‬
‫القاضي حسين ‪ :‬نقل البيهقيّ عن المام الشّافعيّ ‪ :‬أنّه إن ترك التّرجيع ل يص ّ‬
‫محلّ التّرجيع ‪:‬‬
‫‪ -‬التّرجيع يكون كما تقدّم في حديث أبي محذورة بعد التيان بالشّهادتين معا ‪ ،‬فل يرجّع‬ ‫‪4‬‬

‫الشّهادة الولى قبل التيان بالشّهادة الثّانية ‪.‬‬


‫حكمة التّرجيع ‪:‬‬
‫‪ -‬حكمة التّرجيع هي تدبّر كلمتي الخلص ‪ ،‬لكونهما المنجّيتين من الكفر ‪ ،‬المدخلتين في‬ ‫‪5‬‬

‫السلم ‪ ،‬وتذكّر خفائهما في أوّل السلم ثمّ ظهورهما ‪.‬‬

‫ترجيل *‬
‫التّعريف ‪:‬‬
‫‪ -‬التّرجيل لغةً ‪ :‬تسريح الشّعر وتنظيفه وتحسينه ‪ .‬يقال ‪ :‬رجّلته ترجيلً ‪ :‬إذا سرّحته‬ ‫‪1‬‬

‫ومشّطته ‪ .‬وقد يكون التّرجيل أخصّ من التّمشيط ‪،‬لنّه يراعى فيه الزّيادة في تحسين الشّعر‪.‬‬
‫أمّا التّسريح فهو ‪ :‬إرسال الشّعر وحلّه قبل المشط ‪ ،‬وعلى هذا فيكون التّسريح مغايرا‬
‫للتّرجيل ‪ ،‬ومضادّا للتّمشيط ‪ .‬وقال الزهريّ ‪ :‬تسريح الشّعر ترجيله ‪ ،‬وتخليص بعضه من‬
‫بعض بالمشط ‪ .‬فعلى المعنى الوّل يكون مغايرا للتّرجيل ‪ ،‬وعلى الثّاني يكون مرادفا ‪.‬‬
‫ول يخرج استعمال الفقهاء للفظ التّرجيل عن معناه اللّغويّ ‪.‬‬
‫الحكم التّكليفيّ ‪:‬‬
‫‪ -‬الصل في ترجيل الشّعر الستحباب ‪ ،‬لما روى أبو داود من حديث أبي هريرة رضي ال‬ ‫‪2‬‬

‫عنه مرفوعا ‪ « :‬من كان له شعر فَ ْل ُيكْرمْه » ولنّ النّبيّ صلى ال عليه وسلم كان يحبّ‬
‫التّرجيل ‪ ،‬وكان يرجّل نفسه تارةً ‪ ،‬وترجّله عائشة رضي ال عنها تار ًة أخرى فقد روت‬
‫ي رأسَه وهو مجاور في المسجد ‪ ،‬فأرجّله وأنا‬
‫ن النّبيّ صلى ال عليه وسلم كان يصغي إل ّ‬
‫«أّ‬
‫حائض » ‪.‬‬
‫وهناك حالت يختلف فيها حكم التّرجيل باختلف الشخاص والوقات منها ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬ترجيل المعتكف ‪:‬‬
‫‪ -‬يرى جمهور الفقهاء ‪ :‬أنّه ل يكره للمعتكف إلّ ما يكره فعله في المسجد ‪ ،‬فيجوز له‬ ‫‪3‬‬

‫ي صلى ال عليه‬
‫ترجيل شعره ‪ ،‬لما روي عن « عائشة رضي ال عنها أنّها قالت ‪ :‬كان النّب ّ‬
‫وسلم يصغي إليّ رأسَه ‪ ،‬وهو مجاور في المسجد ‪ ،‬فأرجّله وأنا حائض » ‪.‬‬
‫وقال المالكيّة ‪ :‬ل بأس بأن يدني المعتكف رأسه لمن هو خارج المسجد لترجيل شعره ‪ ،‬كأنّهم‬
‫ن التّرجيل ل يخلو من سقوط شيء من الشّعر ‪ ،‬والخذ‬
‫يرون كراهة التّرجيل في المسجد ‪ ،‬ل ّ‬
‫من الشّعر في المسجد مكروه عندهم ‪ .‬وللتّفصيل يرجع إلى مصطلح ‪ ( :‬اعتكاف ) ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬ترجيل المحرم ‪:‬‬
‫‪ -‬ذهب الحنفيّة إلى عدم جواز التّرجيل للمحرم ‪ -‬وهو قول المالكيّة إذا كان التّرجيل بالدّهن‬ ‫‪4‬‬

‫‪ -‬لقول النّبيّ صلى ال عليه وسلم ‪ « :‬الحاجّ الشّعثُ التّفِل » ‪ .‬والمراد بالشّعث انتشار شعر‬
‫الحاجّ فل يجمعه بالتّسريح والدّهن والتّغطية ونحوه ‪.‬‬
‫وقال الشّافعيّة بكراهية التّرجيل للمحرم لنّه أقرب إلى نتف الشّعر ‪.‬‬
‫ن التّرجيل في حالة الحرام ل بأس به ‪ ،‬ما لم يؤ ّد إلى إبانة شعره ‪.‬‬
‫ويرى الحنابلة أ ّ‬
‫أمّا إذا تيقّن المحرم سقوط الشّعر بالتّرجيل فل خلف بين الفقهاء في حرمته حينئذ ‪ .‬وتفصيل‬
‫ذلك في ‪ ( :‬إحرام ) ‪.‬‬
‫ج ‪ -‬ترجيل المحدّة ‪:‬‬
‫‪ - 5‬ل خلف بين الفقهاء في عدم جواز التّرجيل للمحدّة بشيء من الطّيب أو بما فيه زينة ‪.‬‬
‫أمّا التّرجيل بغير موادّ الزّينة والطّيب ‪ -‬كالسّدر وشبهه ممّا ل يختمر في الرّأس ‪ -‬فقد أجازه‬
‫ن رسول اللّه صلى ال‬
‫المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة ‪ ،‬لما روت أمّ سلمة رضي ال عنها « أ ّ‬
‫عليه وسلم قال ‪ :‬ل تمتشطي بالطّيب ول بالحنّاء فإنّه خضاب ‪ ،‬قالت ‪ :‬قلت ‪ :‬بأيّ شيء أمتشط‬
‫؟ قال ‪ :‬بالسّدر تغلّفين به رأسك » ولنّه يراد للتّنظيف ل للتّطيّب ‪.‬‬
‫وقال الحنفيّة بعدم جواز ترجيل المحدّة ‪ -‬وإن كان بغير طيب ‪ -‬لنّه زينة ‪ ،‬فإن كان فبمشط‬
‫ذي أسنان منفرجة دون المضمومة ‪ .‬وقيّد صاحب الجوهرة جواز ترجيل المحدّة بأسنان المشط‬
‫الواسعة بالعذر ‪ .‬وينظر التّفصيل في ( إحداد ‪ ،‬وامتشاط ) ‪.‬‬
‫كيفيّة التّرجيل ‪:‬‬
‫‪ -‬يستحبّ التّيامن في التّرجيل ‪ ،‬لحديث عائشة رضي ال عنها « أنّ النّبيّ صلى ال عليه‬ ‫‪6‬‬

‫وسلم كان يعجبه التّيامن في تنعّله وترجّله وطهوره ‪ ،‬وفي شأنه كلّه » ‪.‬‬
‫الغباب في التّرجيل ‪:‬‬
‫ل لحاجة ‪،‬‬
‫يسنّ ترجيل الشّعر ودهنه غبّا ‪ ،‬فالستكثار من التّرجيل والمداومة عليه مكروه إ ّ‬
‫لحديث عبد اللّه بن مغفّل رضي ال عنه « أنّ رسول اللّه صلى ال عليه وسلم نهى عن‬
‫ل غبّا » ‪ .‬ولما روى حميد بن عبد الرّحمن الحميريّ عن بعض أصحاب النّبيّ صلى‬
‫التّرجّل إ ّ‬
‫ال عليه وسلم ‪ « :‬نهى رسول اللّه صلى ال عليه وسلم أن يمتشط أحدنا كلّ يوم » ‪.‬‬

‫ترحّم *‬
‫التّعريف ‪:‬‬
‫‪ -‬التّرحّم ‪ :‬من الرّحمة ‪ ،‬ومن معانيها ‪ :‬الرّقة ‪ ،‬والعطف ‪ ،‬والمغفرة ‪.‬‬ ‫‪1‬‬

‫والتّرحّم ‪ :‬طلب الرّحمة ‪ ،‬وهو أيضا الدّعاء بالرّحمة ‪ ،‬كقولك ‪ :‬رحمه اللّه ‪ .‬وترحّمتُ عليه ‪:‬‬
‫أي قلت له ‪ :‬رحمة اللّه عليك ‪ ،‬ورحّم عليه ‪ :‬قال له ‪ :‬رحمة اللّه عليك ‪.‬‬
‫وتراحم القوم ‪ :‬رحم بعضهم بعضا ‪ .‬ول يخرج استعمال الفقهاء عن هذا المعنى ‪.‬‬
‫اللفاظ ذات الصّلة ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬التّ َرضّي ‪:‬‬
‫‪ -‬التّرضّي من الرّضا ‪ ،‬وهو ضدّ السّخط ‪ ،‬والتّرضّي ‪ :‬طلب الرّضا ‪ ،‬والتّرضّي أيضا ‪:‬‬ ‫‪2‬‬

‫أن تقول ‪ :‬رضي اللّه عنه ‪ .‬ول يخرج استعمال الفقهاء عن هذا المعنى ‪ ،‬فالتّرضّي دعاء‬
‫بالرّضوان ‪ ،‬والتّرحّم دعاء بالرّحمة ‪ .‬وللتّفصيل ر ‪ ( :‬ترضّي ) ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬التّبريك ‪:‬‬
‫‪ -‬التّبريك ‪ :‬الدّعاء بالبركة ‪ ،‬وهي بمعنى الزّيادة والنّماء ‪ ،‬يقال ‪ :‬بارك اللّه فيك وعليك ولك‬ ‫‪3‬‬

‫ك مَنْ في‬
‫ن بُو ِر َ‬
‫وباركك ‪ ،‬كلّها بمعنى ‪ :‬زادك خيرا ‪ ،‬ومنه قوله تعالى ‪ { :‬فَلَمّا جَاءَها نُو ِديَ أ ْ‬
‫حوْلَها } وتبرّك به ‪ :‬أي تيمّن ‪.‬‬
‫النّارِ ومَنْ َ‬
‫فالتّبريك بمعنى ‪ :‬الدّعاء بالبركة ‪ ،‬يتّفق مع التّرحّم في نفس هذا المعنى ‪ ،‬أي الدّعاء ‪.‬‬
‫الحكم التّكليفيّ ‪:‬‬
‫‪ - 4‬ل خلف بين الفقهاء في استحباب التّرحّم على الوالدين أحياءً وأمواتا ‪ ،‬وعلى التّابعين من‬
‫العلماء والعبّاد الصّالحين ‪ ،‬وعلى سائر الخيار ‪ ،‬أحياءً وأمواتا ‪.‬‬
‫وأمّا التّرحّم على النّبيّ صلى ال عليه وسلم في الصّلة وخارجها ‪ ،‬ففيه خلف وتفصيل على‬
‫النّحو التي ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬التّرحّم على النّبيّ صلى ال عليه وسلم وعلى آله في الصّلة ‪:‬‬
‫‪ -‬وهو إمّا أن يكون في التّشهّد أو خارجه ‪.‬‬ ‫‪5‬‬

‫وقد ورد التّرحّم على الرّسول صلى ال عليه وسلم في التّشهّد ‪ ،‬وهو عبارة ‪ " :‬السّلم عليك‬
‫أيّها النّبيّ ورحمة اللّه وبركاته " وتفصيل أحكام التّشهّد في مصطلحه ‪.‬‬
‫أمّا التّرحّم على النّبيّ صلى ال عليه وسلم خارج التّشهّد ‪ ،‬فقد ذهب الحنفيّة ‪ ،‬وبعض‬
‫المالكيّة ‪ ،‬وبعض الشّافعيّة إلى استحباب زيادة ‪ " :‬وارحم محمّدا وآل محمّد " في الصّلة على‬
‫النّبيّ صلى ال عليه وسلم في الصّلة ‪.‬‬
‫وعبارة الرّسالة لبن أبي زيد القيروانيّ ‪ :‬اللّهمّ صلّ على محمّد وعلى آل محمّد ‪ ،‬وارحم‬
‫محمّدا وآل محمّد ‪ ،‬كما صلّيت ورحمت وباركت على إبراهيم ‪.‬‬
‫واستدلّوا بحديث أبي هريرة ‪ :‬قال ‪ :‬قلنا ‪ « :‬يا رسول اللّه ‪ :‬قد علمنا كيف نسلّم عليك ‪ ،‬فكيف‬
‫نصلّي عليك ؟ قال ‪ :‬قولوا ‪ :‬اللّه ّم اجعل صلواتك ورحمتك وبركاتك على محمّد وعلى آل‬
‫محمّد ‪ ،‬كما جعلتها على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنّك حميد مجيد » ‪ .‬قال الحافظ ابن حجر ‪:‬‬
‫فهذه الحاديث ‪ -‬وإن كانت ضعيفة السانيد ‪ -‬إلّ أنّها يشدّ بعضها بعضا ‪ ،‬أقواها أوّلها ‪،‬ويدلّ‬
‫مجموعها على أنّ للزّيادة أصلً ‪ .‬وأيضا الضّعيف يعمل به في فضائل العمال‪ .‬وما عليه‬
‫جمهور الفقهاء القتصار على صيغة الصّلة دون إضافة ( التّرحّم ) كما ورد في الرّوايات‬
‫المشهورة في الصّحيحين وغيرهما ‪ ،‬بل ذهب بعض الحنفيّة وأبو بكر بن العربيّ المالكيّ‬
‫والنّوويّ وغيرهم إلى أنّ زيادة " وارحم محمّدا ‪ ...‬إلخ " بدعة ل أصل لها ‪ ،‬وقد بالغ ابن‬
‫ي في إنكار ذلك وتخطئة ابن أبي زيد ‪ ،‬وتجهيل فاعله ‪ ،‬لنّ النّبيّ صلى ال عليه وسلم‬
‫العرب ّ‬
‫علّمنا كيفيّة الصّلة ‪ .‬فالزّيادة على ذلك استقصار لقول النّبيّ صلى ال عليه وسلم واستدراك‬
‫عليه ‪ .‬وانتصر لهم بعض المتأخّرين ممّن جمع بين الفقه والحديث ‪ ،‬فقال ‪ :‬ول يحتجّ‬
‫بالحاديث الواردة ‪ ،‬فإنّها كلّها واهية جدّا ‪ .‬إذ ل يخلو سندها من كذّاب أو متّهم بالكذب ‪.‬‬
‫ن محلّ العمل بالحديث الضّعيف ما لم يشتدّ ضعفه ‪.‬‬
‫ويؤيّده ما ذكره السّبكيّ ‪ :‬أ ّ‬
‫ب ‪ -‬التّرحّم في التّسليم من الصّلة ‪:‬‬
‫‪ -‬ذهب الحنفيّة والشّافعيّة والحنابلة إلى أنّ الكمل في التّسليم في الصّلة أن يقول ‪:‬‬ ‫‪6‬‬

‫« السّلم عليكم ورحمة اللّه ‪ ،‬عن يمينه ويساره ‪ ،‬لحديث ابن مسعود وجابر بن سمرة‬
‫وغيرهما رضي ال تعالى عنهم » ‪ .‬فإن قال ‪ :‬السّلم عليكم ‪ -‬ولم يزد ‪ -‬يجزئه ‪ ،‬لنّ النّبيّ‬
‫صلى ال عليه وسلم قال ‪ « :‬تحليلها التّسليم » ‪.‬‬
‫والتّحليل يحصل بهذا القول ‪ ،‬ولنّ ذكر الرّحمة تكرير للثّناء فلم يجب ‪ ،‬كقوله ‪ :‬وبركاته ‪.‬‬
‫وقال ابن عقيل من الحنابلة ‪ -‬وهو المعتمد في المذهب ‪ -‬الصحّ أنّه ل يجزئه القتصار على‬
‫ن الصّحيح « عن النّبيّ صلى ال عليه وسلم أنّه كان يقول ‪ :‬السّلم عليكم‬
‫‪ :‬السّلم عليكم ‪ ،‬ل ّ‬
‫ن السّلم في الصّلة ورد مقرونا بالرّحمة ‪ ،‬فلم يجز بدونها ‪،‬‬
‫ورحمة اللّه وبركاته » ‪ ،‬ول ّ‬
‫ي صلى ال عليه وسلم في التّشهّد ‪.‬‬
‫كالتّسليم على النّب ّ‬
‫قال الشّافعيّة والحنابلة ‪ :‬والولى ترك " وبركاته " كما في أكثر الحاديث ‪ .‬وصرّح المالكيّة ‪:‬‬
‫ن زيادة " ورحمة اللّه " ل يضرّ ‪ ،‬لنّها خارجة عن الصّلة ‪ ،‬وظاهر كلم أهل المذهب أنّها‬
‫بأ ّ‬
‫غير سنّة ‪ ،‬وإن ثبت بها الحديث ‪ ،‬لنّها لم يصحبها عمل أهل المدينة ‪ ،‬وذكر بعض المالكيّة‬
‫ن الولى القتصار على ‪ :‬السّلم عليكم ‪،‬وأنّ زيادة ‪ :‬ورحمة اللّه وبركاته هنا خلف الولى‪.‬‬
‫أّ‬
‫ج ‪ -‬التّرحّم على النّبيّ صلى ال عليه وسلم خارج الصّلة ‪:‬‬
‫‪ -‬اختلف الفقهاء في جواز التّرحّم على النّبيّ صلى ال عليه وسلم خارج الصّلة ‪ ،‬فذهب‬ ‫‪7‬‬

‫بعضهم إلى المنع مطلقا ووجّهه بعض الحنفيّة ‪ :‬بأنّ الرّحمة إنّما تكون غالبا عن فعل يلم عليه‬
‫‪ ،‬ونحن أمرنا بتعظيمه ‪ ،‬وليس في التّرحّم ما يدلّ على التّعظيم ‪ ،‬مثل الصّلة ‪ ،‬ولهذا يجوز أن‬
‫يدعى بها لغير النبياء والملئكة عليهم السلم ‪.‬‬
‫أمّا هو صلى ال عليه وسلم فمرحوم قطعا ‪ ،‬فيكون من باب تحصيل الحاصل ‪ ،‬وقد استغنينا‬
‫عن هذه بالصّلة ‪ ،‬فل حاجة إليها ‪ ،‬ولنّه يجلّ مقامه عن الدّعاء بها ‪.‬‬
‫قال ابن دحية ‪ :‬ينبغي لمن ذكره صلى ال عليه وسلم أن يصلّي عليه ‪ ،‬ول يجوز أن يترحّم‬
‫ضكُمْ َب ْعضَا } ‪.‬‬
‫جعَلُوا دُعَاءَ ال ّرسُولِ َب ْي َنكُمْ كَدُعَاءِ َب ْع ِ‬
‫عليه ‪ ،‬لقوله تعالى ‪ { :‬ل َت ْ‬
‫ونقل مثله عن ابن عبد البرّ ‪ ،‬والصّيدلنيّ ‪ ،‬كما حكاه عنه الرّافعيّ ولم يتعقّبه ‪.‬‬
‫وصرّح أبو زرعة ابن الحافظ العراقيّ في فتاواه ‪ ،‬بأنّ المنع أرجح لضعف الحاديث الّتي‬
‫استند إليها ‪ ،‬فيفهم من قوله ‪ :‬حرمته مطلقا ‪.‬‬
‫وذهب بعض الفقهاء إلى الجواز مطلقا ‪ :‬أي ولو بدون انضمام صلة أو سلم ‪.‬‬
‫ي فيما رواه البخاريّ وهو قوله ‪ « :‬اللّهمّ ارحمني ‪ ،‬وارحم محمّدا ‪ ،‬ول‬
‫واستدلّوا بقول العراب ّ‬
‫ترحم معنا أحدا لتقريره صلى ال عليه وسلم على قوله ‪ :‬اللّهمّ ارحمني وارحم محمّدا ‪ ،‬ولم‬
‫ينكر عليه سوى قوله ‪ :‬ول ترحم معنا أحدا » ‪.‬‬
‫وقال السّرخسيّ ‪ :‬ل بأس بالتّرحّم على النّبيّ صلى ال عليه وسلم ‪ ،‬لنّ الثر ورد به من‬
‫ل قدره ل يستغني عن‬
‫طريق أبي هريرة وابن عبّاس رضي ال عنهم ‪ ،‬ولنّ أحدا وإن ج ّ‬
‫رحمة اللّه ‪ .‬كما روي عن النّبيّ صلى ال عليه وسلم أنّه قال ‪ « :‬لن يدخل أحدا عمله الجنّة ‪،‬‬
‫قالوا ‪ :‬ول أنت يا رسول اللّه ؟ قال ‪ :‬ول أنا إلّ أن يتغمّدني اللّه برحمته » ‪.‬‬
‫ن النّبيّ صلى ال عليه وسلم كان من أشوق العبّاد إلى مزيد رحمة اللّه تعالى ‪ ،‬ومعناها‬
‫ول ّ‬
‫معنى الصّلة ‪ ،‬فلم يوجد ما يمنع ذلك ‪ .‬ول ينافي الدّعاء له بالرّحمة أنّه عليه الصلة والسلم‬
‫حمَ ًة لِلعَاَلمِين } لنّ حصول ذلك ل يمنع طلب الزّيادة‬
‫عيْنُ الرّحمة بنصّ ‪ { :‬ومَا َأ ْرسَ ْلنَاكَ إلّ َر ْ‬
‫َ‬
‫له ‪ ،‬إذ فضل اللّه ل يتناهى ‪ ،‬والكامل يقبل الكمال ‪.‬‬
‫وفصّل بعض المتأخّرين ‪ ،‬فقال بالحرمة إنّ ذكرها استقللً ‪ :‬كأن يقول المتكلّم ‪ :‬قال النّبيّ‬
‫رحمه ال ‪ .‬وبالجواز إن ذكرها تبعا ‪ :‬أي مضموم ًة إلى الصّلة والسّلم ‪ ،‬فيجوز ‪ :‬اللّهمّ ص ّل‬
‫على محمّد وارحم محمّدا ‪ .‬ول يجوز ‪ :‬ارحم محمّدا ‪ ،‬بدون الصّلة ‪ ،‬لنّها وردت في‬
‫الحاديث الّتي وردت فيها على سبيل التّبعيّة للصّلة والبركة ‪ ،‬ولم يرد ما يدلّ على وقوعها‬
‫مفردةً ‪ ،‬وربّ شيء يجوز تبعا ‪ ،‬ل استقللً ‪.‬‬
‫وبه أخذ جمع من العلماء ‪ ،‬بل نقله القاضي عن الجمهور ‪ ،‬وقال القرطبيّ ‪ :‬وهو الصّحيح ‪.‬‬
‫د ‪ -‬التّرحّم على الصّحابة رضي ال عنهم والتّابعين ومن بعدهم من الخيار ‪:‬‬
‫‪ -‬اختلف الفقهاء في جواز التّرحّم على الصّحابة ‪ ،‬فذهب بعضهم إلى أنّه عند ذكر الصّحابة‬ ‫‪8‬‬

‫الولى أن يقال ‪ :‬رضي اللّه عنهم ‪.‬‬


‫وأمّا عند ذكر التّابعين ومن بعدهم من العلماء ‪ ،‬والعبّاد ‪،‬وسائر الخيار فيقال ‪ :‬رحمهم اللّه‪.‬‬
‫قال الزّيلعيّ ‪ :‬الولى أن يدعو للصّحابة بالرّضى ‪ ،‬وللتّابعين بالرّحمة ‪ ،‬ولمن بعدهم بالمغفرة‬
‫ن الصّحابة كانوا يبالغون في طلب الرّضى من اللّه تعالى ‪ ،‬ويجتهدون في فعل‬
‫والتّجاوز ‪ ،‬ل ّ‬
‫ما يرضيه ‪ ،‬ويرضون بما يلحقهم من البتلء من جهته أشدّ الرّضى ‪ ،‬فهؤلء أحقّ بالرّضى ‪،‬‬
‫وغيرهم ل يلحق أدناهم ولو أنفق ملء الرض ذهبا ‪.‬‬
‫وذكر ابن عابدين نقلً عن القرمانيّ على الرّاجح عنده ‪ :‬أنّه يجوز عكسه أيضا ‪ ،‬وهو التّرحّم‬
‫للصّحابة ‪ ،‬والتّرضّي للتّابعين ومن بعدهم ‪ .‬وإليه مال النّوويّ في الذكار ‪ ،‬وقال ‪ :‬يستحبّ‬
‫التّرضّي والتّرحّم على الصّحابة والتّابعين فمن بعدهم من العلماء والعبّاد وسائر الخيار ‪ .‬فيقال‬
‫‪ :‬رضي اللّه عنه ‪ ،‬أو رحمه اللّه ونحو ذلك ‪.‬‬
‫وأمّا ما قاله بعض العلماء ‪ :‬إنّ قوله ‪ :‬رضي اللّه عنه مخصوص بالصّحابة ‪ ،‬ويقال في‬
‫غيرهم ‪ :‬رحمه اللّه فقط فليس كما قال ‪ ،‬ول يوافق عليه ‪ ،‬بل الصّحيح الّذي عليه الجمهور‬
‫استحبابه ‪ ،‬ودلئله أكثر من أن تحصر ‪ .‬وذكر في النّهاية نقلً عن المجموع ‪ :‬أنّ اختصاص‬
‫التّرضّي بالصّحابة والتّرحّم بغيرهم ضعيف ‪.‬‬
‫هـ ‪ -‬التّرحّم على الوالدين ‪:‬‬
‫جنَاحَ الذّلّ من‬
‫خفِضْ لهما َ‬
‫‪ -‬الصل في وجوب التّرحّم على الوالدين قوله تعالى ‪ { :‬وَا ْ‬ ‫‪9‬‬

‫ح ْمهُما } حيث أمر اللّه سبحانه وتعالى عباده بالتّرحّم على آبائهم والدّعاء‬
‫ب ا ْر َ‬
‫حمَ ِة و ُقلْ َر ّ‬
‫ال ّر ْ‬
‫ل طلب الدّعاء والتّرحّم لهما إن كانا مؤمنين ‪ ،‬أمّا إن كانا كافرين فيحرم ذلك لقوله‬
‫لهم ‪ .‬ومح ّ‬
‫ش ِركِينَ ولو كانوا أُولِي ُق ْربَى } ‪.‬‬
‫ستَغ ِفرُوا لل ُم ْ‬
‫ن َي ْ‬
‫تعالى ‪ { :‬مَا كانَ لِلنّبيّ والّذينَ آمنُوا أ ْ‬
‫و ‪ -‬التّرحّم في التّحيّة بين المسلمين ‪:‬‬
‫‪ -‬ذهب جمهور الفقهاء إلى أنّ الفضل أن يقول المسلم للمسلم في التّحيّة ‪ :‬السّلم عليكم‬ ‫‪10‬‬

‫ورحمة اللّه وبركاته ‪ ،‬ويقول المجيب أيضا ‪ :‬وعليكم السّلم ورحمة اللّه وبركاته ‪ ،‬لما روى‬
‫عمران بن الحصين أنّه قال ‪ « :‬جاء رجل إلى النّبيّ صلى ال عليه وسلم فقال ‪ :‬السّلم‬
‫عليكم ‪ ،‬فردّ عليه ‪ ،‬ثمّ جلس ‪ ،‬فقال النّبيّ صلى ال عليه وسلم ‪ :‬عشر ‪ .‬ثمّ جاء آخر ‪ ،‬فقال ‪:‬‬
‫السّلم عليكم ورحمة اللّه ‪ ،‬فردّ عليه ‪ ،‬ثمّ جلس ‪ ،‬فقال ‪ :‬عشرون ‪ .‬ث ّم جاء آخر ‪ ،‬فقال ‪:‬‬
‫السّلم عليكم ورحمة اللّه وبركاته ‪ ،‬فردّ عليه ‪ ،‬فجلس ‪ ،‬فقال ‪ :‬ثلثون » قال التّرمذيّ ‪:‬‬
‫حديث حسن ‪ .‬وهذا التّعميم مخصوص بالمسلمين ‪ ،‬فل ترحّم على كافر لمنع بدئه بالسّلم عند‬
‫الكثرين تحريما ‪ ،‬لحديث ‪ « :‬ل تبدءوا اليهود ول النّصارى بالسّلم » ‪.‬‬
‫ولو سلّم اليهوديّ والنّصرانيّ ‪ ،‬فل بأس بال ّردّ ‪ ،‬ولكن ل يزيد على قوله ‪ " :‬وعليك " ‪.‬‬
‫والّذين جوّزوا ابتداءهم بالسّلم ‪ ،‬صرّحوا بالقتصار على ‪ " :‬السّلم عليك " دون الجمع ‪،‬‬
‫ودون أن يقول ‪ " :‬ورحمة اللّه " لما روي عن أنس رضي ال عنه ‪ ،‬قال ‪ « :‬قال رسول اللّه‬
‫صلى ال عليه وسلم ‪ :‬إذا سلّم عليكم أهل الكتاب ‪ ،‬فقولوا ‪ :‬وعليكم أو عليكم » بغير واو ‪.‬‬
‫ز ‪ -‬التّرحّم على الكفّار ‪:‬‬
‫‪ -‬صرّح النّوويّ في كتابه الذكار بأنّه ل يجوز أن يدعى لل ّذ ّميّ بالمغفرة وما أشبهها في‬ ‫‪11‬‬

‫حال حياته ممّا ل يقال للكفّار ‪ ،‬لكن يجوز أن يدعى له بالهداية ‪ ،‬وصحّة البدن والعافية وشبه‬
‫ذلك ‪ .‬لحديث أنس رضي ال عنه قال ‪ « :‬استسقى النّبيّ صلى ال عليه وسلم فسقاه يهوديّ ‪،‬‬
‫فقال له النّبيّ صلى ال عليه وسلم ‪ :‬جمّلك اللّه » فما رأى الشّيب حتّى مات ‪.‬‬
‫وأمّا بعد وفاته فيحرم الدّعاء للكافر بالمغفرة ونحوها ‪ ،‬لقول اللّه تعالى ‪ { :‬مَا كَانَ لِل ّن ِبيّ والّذينَ‬
‫ب الجَحِيمِ }‬
‫صحَا ُ‬
‫ش ِركِينَ ولو كَانُوا أُولِي ُق ْربَى مِنْ َب ْعدِ مَا َت َبيّنَ لَهم أنّهم أ ْ‬
‫س َت ْغ ِفرُوا لِل ُم ْ‬
‫آ َمنُوا أنْ َي ْ‬
‫وقد جاء الحديث بمعناه ‪ ،‬وأجمع المسلمون عليه ‪.‬‬
‫ح ‪ -‬التزام التّرحّم كتابةً ونطقا عند القراءة ‪:‬‬
‫ينبغي لكاتب الحديث وراويه أن يحافظ على كتابة التّرضّي والتّرحّم على الصّحابة والعلماء‬
‫وسائر الخيار ‪ ،‬والنّطق به ‪ ،‬ول يسأم من تكراره ‪ ،‬ول يتقيّد فيه بما في الصل إن كان‬
‫ناقصا ‪.‬‬

‫ترخيص *‬
‫انظر ‪ :‬رخصة ‪.‬‬

‫تردّي *‬
‫التّعريف ‪:‬‬
‫‪ -‬للتّردّي في اللّغة معان ‪ ،‬منها ‪ :‬السّقوط من علوّ إلى سفل يقال ‪ :‬تردّى في مهواة ‪ :‬إذا‬ ‫‪1‬‬

‫سقط فيها ‪ ،‬ورديته ترديةً ‪ :‬أسقطته ‪.‬‬


‫وهو في الصطلح ل يخرج عن هذا المعنى فقد عرّفه المالكيّة بأنّه ‪ :‬السّقوط من عال إلى‬
‫سافل ‪ .‬ومنه المتردّية ‪ :‬وهي الّتي وقعت في بئر أو من جبل ‪.‬‬
‫وفي النّظم المستعذب ‪ :‬هي الّتي تتردّى من الجبل فتسقط ‪.‬‬
‫وفي مطالب أولي النّهى ‪ :‬هي الواقعة من عل ّو كجبل وحائط ‪ ،‬وساقطة في نحو بئر ‪.‬‬
‫الحكم الجماليّ ‪:‬‬
‫خنْزِيرِ ومَا ُأ ِهلّ ِلغَيرِ اللّهِ بِه‬
‫ح ّر َمتْ عليكُم ال َم ْيتَةُ والدّمُ َوَلحْ ُم ال ِ‬
‫‪ -‬يقول اللّه تبارك وتعالى ‪ُ { :‬‬ ‫‪2‬‬

‫صبِ وأنْ‬
‫سبُعُ إلّ ما َذ ّك ْيتُم وما ُذبِحَ على الّن ُ‬
‫خ ِن َق ُة والمَوقُوذَةُ وال ُم َترَ ّد َي ُة وال ّنطِيحةُ وما َأ َكلَ ال ّ‬
‫وال ُم ْن َ‬
‫سقٌ ‪ } ...‬فقد حرّم سبحانه في هذه الية أنواعا منها ‪ :‬المتردّية إلّ إذا‬
‫سمُوا بالزْلمِ ذلكم فِ ْ‬
‫س َت ْق ِ‬
‫َت ْ‬
‫ذكّيت ذكا ًة شرعيّةً ‪ ،‬اختياريّةً كانت بالذّبح أو النّحر في محلّه ‪ .‬أو اضطراريّةً بالجرح بالطّعن‬
‫وإنهار الدّم في أيّ موضع تيسّر من البدن ‪ .‬ول ينتقل إلى الثّانية إلّ عند العجز عن الولى ‪.‬‬
‫ول خلف بين الفقهاء في أنّ الذّكاة ‪ :‬إمّا اختياريّة في المقدور عليه ‪ ،‬وتكون بالذّبح فيما‬
‫يذبح ‪ ،‬كالبقر والغنم ‪ ،‬أو النّحر فيما ينحر كالبل ‪ ،‬ول تحلّ بغير الذّكاة في محلّها ‪ .‬وإمّا‬
‫اضطراريّة في غير المقدور عليه ‪ ،‬كالحيوان المتوحّش الشّارد والمتردّي في بئر مثلً ‪،‬‬
‫وتعذّرت ذكاته في محلّها ‪ ،‬وهي ‪ -‬أي الضطراريّة ‪ -‬تكون بالعقر ‪ ،‬وهو الجرح في أيّ‬
‫موضع كان من البدن ‪ .‬واستثنى الحنفيّة الشّاة إذا ندّت في المصر ‪ ،‬فقالوا بعدم جواز عقرها ‪،‬‬
‫حيث يمكن القدرة عليها وإمساكها ‪.‬‬
‫‪ -‬فما تردّى من النّعم في بئر مثلً ‪ ،‬ووقع العجز عن تذكيته الذّكاة الختياريّة ‪ ،‬فذكاته العقر‬ ‫‪3‬‬

‫والجرح في أيّ موضع من جسمه تيسّر للعاقر فعله ‪ ،‬كالنّادّ غير المقدور عليه ‪ .‬وبذلك يحلّ‬
‫أكله إلّ أن تكون رأسه في الماء ‪ ،‬فل يحلّ أكله ‪ ،‬لنّ الماء يعين على قتله ‪ ،‬ويحتمل أن يكون‬
‫قتله بالماء ‪ -‬في قول أكثر الفقهاء ( الحنفيّة والشّافعيّة والحنابلة وفي قول لبن حبيب من‬
‫المالكيّة ) ‪ -‬لما روى رافع بن خديج رضي ال عنه قال ‪ « :‬كنّا مع النّبيّ صلى ال عليه وسلم‬
‫فندّ بعير ‪ ،‬وكان في القوم خيل يسيرة ‪ ،‬فطلبوه فأعياهم ‪ ،‬فأهوى إليه رجل بسهم فحبسه اللّه ‪،‬‬
‫فقال النّبيّ صلى ال عليه وسلم ‪ :‬إنّ لهذه البهائم أوابد كأوابد الوحش ‪ ،‬فما غلبكم منها فاصنعوا‬
‫به هكذا » ‪ ،‬وفي لفظ « فما ندّ عليكم فاصنعوا به هكذا » ‪ .‬ومن حديث أبي العشراء الدّارميّ‬
‫عن أبيه أنّه « قال ‪ :‬يا رسول اللّه ‪ .‬أما تكون الذّكاة إلّ في الحلق والّلبّة ؟ فقال صلى ال عليه‬
‫وسلم ‪ :‬لو طعنت في فخذها لجزأك » قال أبو داود ‪ :‬هذا ل يصحّ إلّ في المتردّية والمتوحّش‬
‫‪ .‬وقال المجد ‪ :‬هذا فيما ل يقدر عليه ‪.‬‬
‫والمشهور عند المالكيّة ‪ -‬سوى ابن حبيب ‪ -‬أنّ المتردّية ل يحلّها العقر ‪ ،‬وإنّما تحلّها الذّكاة‬
‫بالذّبح إن كانت ممّا يذبح ‪ ،‬أو النّحر إن كانت ممّا ينحر ‪.‬‬
‫‪ -‬وقال الحنفيّة ‪ :‬لو رمى صيدا فوقع في ماء فيحرم ‪ ،‬لحتمال قتله بالماء ‪ ،‬أو وقع على‬ ‫‪4‬‬

‫ن الحتراز عن مثل هذا ممكن ‪.‬‬


‫سطح أو جبل فتردّى منه إلى الرض حرم ‪ ،‬ل ّ‬
‫‪ -5‬وفي المغني ومطالب أولي النّهى للحنابلة ‪ :‬لو رمى حيوانا فوقع في ماء يقتله مثله ‪ ،‬أو‬
‫تردّى تردّيا يقتله مثله لم يؤكل ‪ ،‬لنّه يحتمل أنّ الماء أعان على خروج روحه ‪ .‬أمّا لو وقع‬
‫الحيوان في الماء على وجه ل يقتله ‪ ،‬مثل أن يكون رأسه خارجا من الماء ‪ ،‬أو يكون من طير‬
‫الماء الّذي ل يقتله الماء ‪ ،‬أو كان التّردّي ل يقتل مثل ذلك الحيوان فل خلف في إباحته ‪ ،‬لنّ‬
‫النّبيّ صلى ال عليه وسلم قال ‪ ... « :‬فإن وجدته غريقا في الماء فل تأكله »‬
‫ن الوقوع في الماء والتّردّي إنّما حرم خشية أن يكون قاتلً أو معينا على القتل ‪.‬‬
‫ول ّ‬
‫فإن رمى طائرا في الهواء أو على شجرة أو جبل فوقع إلى الرض فمات حلّ ‪ ،‬لنّ الحتراز‬
‫منه غير ممكن ‪.‬‬
‫‪ -6‬ولو تردّى بعيران ‪ -‬مثلً ‪ -‬أحدهما فوق الخر في نحو بئر ‪.‬‬
‫فإن مات السفل بثقل العلى مثلً لم يحلّ ‪ ،‬بخلف ما لو طعن العلى بنحو سهم أو رمح ‪،‬‬
‫فوصل إلى السفل وأثّر فيه يقينا ‪ ،‬فهما حلل وإن لم يعلم بالسفل ‪.‬‬

‫ترسّل *‬
‫التّعريف ‪:‬‬
‫‪ -‬للتّرسّل في اللّغة معان ‪ ،‬منها ‪ :‬التّمهّل والتّأنّي ‪ .‬يقال ‪ :‬ترسّل في قراءته بمعنى ‪ :‬تمهّل‬ ‫‪1‬‬

‫واتّأد فيها ‪ .‬وترسّل الرّجل في كلمه ومشيه ‪ :‬إذا لم يعجل ‪ .‬وفي حديث عمر رضي ال عنه‬
‫« إذا أذّنت فترسّل » ‪ :‬أي تأنّ ول تعجل ‪ .‬ول يخرج معناه اصطلحا عن هذا ‪ ،‬فقالوا ‪ :‬إنّه‬
‫في الذان ‪ :‬التّمهّل والتّأنّي وترك العجلة ‪ ،‬ويكون بسكتة بين كلّ جملتين من جمل الذان تسع‬
‫الجابة ‪ ،‬وذلك من غير تمطيط ول مدّ مفرط ‪.‬‬
‫‪ -‬والحدر يقابل التّرسّل ‪ ،‬وله في اللّغة معان منها ‪ :‬السراع في القراءة ‪ .‬يقال ‪ :‬حدر‬ ‫‪2‬‬

‫الرّجل الذان والقامة والقراءة وحدر فيها كلّها حدرا من باب قتل ‪ :‬إذا أسرع ‪.‬‬
‫وفي حديث الذان ‪ « :‬إذا أذّنت فترسّل ‪ ،‬وإذا أقمت فاحدر » أي أسرع ول يخرج معناه في‬
‫الصطلح عن ذلك ‪.‬‬
‫ن النّبيّ صلى‬
‫والحدر سنّة في القامة ‪ ،‬مكروه في الذان ‪ .‬لما روى جابر رضي ال عنه « أ ّ‬
‫ال عليه وسلم قال لبلل رضي ال عنه ‪ :‬يا بلل إذا أذّنت فترسّل ‪ ،‬وإذا أقمت فاحدر » ‪.‬‬
‫الحكم الجماليّ للتّرسّل ‪:‬‬
‫‪ -‬للتّرسّل أحكام تعتريه ‪ .‬فهو في الذان مسنون ‪.‬‬ ‫‪3‬‬

‫وصفته ‪ :‬أن يتمهّل المؤذّن فيه بسكتة بين كلّ جملتين منه تسع إجابة السّامع له ‪ ،‬وذلك من‬
‫غير تمطيط ول مدّ مفرط ول تطريب ‪ ،‬لما روى جابر رضي ال عنه « أنّ النّبيّ صلى ال‬
‫عليه وسلم قال لبلل ‪ :‬يا بلل إذا أذّنت فترسّل » ‪ ،‬وما روي عن أبي الزّبير مؤذّن بيت‬
‫ن رجلً قال لبن عمر‬
‫المقدس أنّ عمر رضي ال عنه قال ‪ « :‬إذا أذّنت فترسّل » وما روي أ ّ‬
‫‪ :‬إنّي لحبّك في اللّه ‪ .‬قال ‪" :‬وأنا أبغضك في اللّه ‪.‬إنّك تغنّي في أذانك "‪.‬‬
‫هذا ما عليه الفقهاء ‪ .‬والتّرسّل في القامة مكروه ‪ ،‬وذلك أنّه يسنّ لمن يقيم الصّلة أن يسرع‬
‫فيها ول يترسّل ‪ ،‬للحاديث السّابقة ‪.‬‬
‫هذا ‪ ،‬والذان قد شرع للعلم بدخول الوقت وتنبيه الغائبين إليه ودعوتهم إلى الحضور‬
‫للصّلة ‪ .‬أمّا القامة فقد شرعت لعلم الحاضرين بالتّأهّب للصّلة والقيام لها ‪ ،‬ولذا كان‬
‫التّرسّل في الذان أبلغ في العلم ‪ ،‬أمّا القامة فل حاجة فيها إلى التّرسّل ‪.‬‬
‫ولذا ُثنّي الذان وأفردت القامة ‪ ،‬لما روي عن أنس رضي ال عنه قال ‪ « :‬أمر بلل أن‬
‫يشفع الذان ويوتر القامة » ‪ .‬زاد حمّاد في حديثه " إلّ القامة " ‪ ،‬واستحبّ أن يكون الذان‬
‫في مكان عال بخلف القامة ‪ ،‬وأن يكون الصّوت في الذان أرفع منه في القامة ‪ ،‬وأن يكون‬
‫الذان مرتّلً والقامة مسرعةً ‪ ،‬وسنّ تكرار قد قامت الصّلة مرّتين في القامة ‪ ،‬لنّها‬
‫المقصودة من القامة بالذّات ‪ ( .‬ر ‪ :‬أذان ‪ ،‬إقامة ) ‪.‬‬

‫ترسيم *‬
‫التّعريف ‪:‬‬
‫‪ -‬التّرسيم لغةً مصدر رسم ‪ .‬جاء في المعجم الوسيط ‪ :‬رسم الثّوب ‪ :‬خطّطه خطوطا خفيّةً ‪.‬‬ ‫‪1‬‬

‫س َمتِ النّاقة ‪ :‬إذا أثّرت في الرض من شدّة‬


‫والسم ‪ :‬الرّسم ‪ .‬وللرّسم معان منها الثر يقال ‪َ :‬ر َ‬
‫الوطء ‪ .‬ورسم الغيث الدّيار يرسمها رسما ‪ :‬إذا عفاها وأبقى أثرها لصقا بالرض ‪ .‬ويطلق‬
‫مجازا على المر بالشّيء يقال ‪ :‬رسم له كذا إذا أمره به فارتسم ‪ :‬أي امتثل به ‪ .‬والتّرسيم في‬
‫اصطلح الفقهاء ‪ -‬كما يفهم من كتب الفقه ‪ -‬هو ‪ :‬التّضييق على الشّخص ‪ ،‬وتحديد حركته ‪،‬‬
‫بحيث ل يستطيع أن يذهب من مكان إلى آخر ‪.‬‬
‫حكمه التّكليفيّ ‪:‬‬
‫الشّهادة على إقرار ذي التّرسيم ‪:‬‬
‫‪ -‬جاء في حاشية القليوبيّ على شرح المنهاج ‪ :‬ل تجوز الشّهادة على إقرار نحو محبوس‬ ‫‪2‬‬

‫ق أو‬
‫وذي ترسيم ‪ ،‬لوجود أمارة الكراه ‪ .‬كما ل يصحّ من المحبوس وذي التّرسيم إقراره بح ّ‬
‫ما يوجب العقوبة ‪ .‬قال في شرح مطالب أولي النّهى ‪ :‬تقبل من مقرّ ونحوه دعوى إكراه على‬
‫إقرار بقرينة دالّة على إكراه ‪ ،‬كتهديد قادر على ما هدّد به من ضرب أو حبس ‪ ،‬وترسيم عليه‬
‫أو سجنه أو أخذ ماله ونحوه ‪ ،‬لدللة الحال عليه ‪.‬‬

‫ترشيد *‬
‫التّعريف ‪:‬‬
‫‪ -‬التّرشيد لغةً ‪ :‬مأخوذ من الرّشد ‪ ،‬وهو الصّلح وإصابة الصّواب ‪.‬‬ ‫‪1‬‬

‫ورشّده القاضي ترشيدا ‪ :‬جعله رشيدا ‪ .‬والتّرشيد في اصطلح الفقهاء هو ‪ :‬رفع الحجر عن‬
‫الصّغير بعد اختباره ‪ .‬وعند الحنفيّة والمالكيّة والحنابلة ‪ :‬يكون الرّشد بالصّلح في المال ‪.‬‬
‫وهو عند الشّافعيّة ‪ :‬الصّلح في الدّين والمال ‪.‬‬
‫الحكم التّكليفيّ ‪:‬‬
‫‪ -‬يجوز لوليّ الصّبيّ العاقل أن يدفع إليه شيئا من أمواله ‪ ،‬ويأذن له بالتّجارة للختبار ‪،‬‬ ‫‪2‬‬

‫شدَا فَادْ َفعُوا إليهِمْ َأمْوَالَهم‬


‫ستُم منهُم ُر ْ‬
‫لقوله تعالى ‪ { :‬وَا ْبتَلُوا ال َيتَامَى حتّى إذا بََلغُوا ال ّنكَاحَ فإَنْ آ َن ْ‬
‫} أذن اللّه سبحانه وتعالى في ابتلء اليتامى ‪ ،‬والبتلء ‪ :‬الختبار ‪ ،‬وذلك بالتّجارة ‪ ،‬فكان‬
‫الذن بالبتلء إذنا بالتّجارة ‪ ،‬وإذا اختبره ‪ :‬فإن آنس منه رشدا وقد بلغ دفع الباقي إليه للية‬
‫المذكورة ‪ ،‬وإن لم يأنس منه رشدا منعه منه إلى أن يبلغ ‪ ،‬فإن بلغ رشيدا دفع إليه ‪ ،‬وإن بلغ‬
‫سفيها مفسدا مبذّرا فإنّه يمنع عنه ماله ‪ .‬عند المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة وأبي يوسف ومحمّد‬
‫ولو صار شيخا ‪ ،‬حتّى يؤنس رشده بالختبار ‪.‬‬
‫ن الختبار يكون بتفويض التّصرّفات الّتي يتصرّف فيها أمثاله ‪ ،‬فأولد‬
‫لكنّ الحنابلة قالوا ‪ :‬إ ّ‬
‫ال ّتجّار غير أولد الدّهاقين والكبراء ‪ ،‬وكذا أبناء المزارعين ‪ ،‬وأصحاب الحرف ‪ ،‬وكلّ واحد‬
‫ممّا ذكر يختبر فيما هو أهل له ‪ ،‬والنثى يفوّض إليها ما يفوّض إلى ربّة البيت ‪ ،‬فإن وجدت‬
‫ضابطةً لما في يدها مستوفيةً من وكيلها فهي رشيدة ‪.‬‬
‫ووقت الختبار عندهم قبل البلوغ في إحدى الرّوايتين ‪ ،‬وهو أحد الوجهين لصحاب الشّافعيّ ‪،‬‬
‫ن اللّه تعالى قال ‪ { :‬وَا ْبتَلُوا ال َيتَامَى } فظاهر الية أنّ ابتلءهم قبل البلوغ لوجهين ‪ :‬أحدهما‬
‫لّ‬
‫‪ :‬أنّه سمّاهم يتامى ‪ ،‬وإنّما يكونون يتامى قبل البلوغ ‪.‬‬
‫والثّاني ‪ :‬أنّه م ّد اختبارهم إلى البلوغ بلفظ ‪ :‬حتّى ‪ ،‬فدلّ على أنّ الختبار قبله ‪.‬‬
‫والرّواية الخرى عن أحمد ‪ ،‬وهو الوجه الخر لصحاب الشّافعيّ ‪ :‬أنّ الختبار بعد البلوغ ‪.‬‬
‫والختبار واجب عند الحنابلة والشّافعيّة ‪.‬‬
‫ي وجوبا رشد الصّبيّ في الدّين والمال للية السّابقة ‪ ،‬أمّا في الدّين‬
‫وقال الشّافعيّة ‪ :‬يختبر الول ّ‬
‫‪ :‬فبمشاهدة حاله في العبادات ‪ ،‬والمعاملت ‪ ،‬وتجنّب المحظورات ‪ ،‬وتوقّي الشّبهات ‪،‬‬
‫ومخالطة أهل الخير ‪ ،‬وأمّا في المال ‪ :‬فكما قال الئمّة الثّلثة ‪.‬‬
‫وقال الحنفيّة ‪ :‬إن بلغ سفيها مفسدا مبذّرا يمنع عنه ماله إلى خمس وعشرين سنةً ما لم يؤنس‬
‫رشده قبلها ‪ ،‬فإذا بلغ السّنّ المذكورة يسلّم إليه ماله وجوبا وإن لم يكن رشيدا ‪ ،‬لنّه بلغ سنّا‬
‫ن المنع للتّأديب فإذا بلغ هذه السّنّ انقطع رجاء التّأديب ‪ ،‬وهذا عند‬
‫يتصوّر أن يصير جدّا ‪ ،‬ول ّ‬
‫أبي حنيفة ‪.‬‬
‫من يتولّى التّرشيد ‪:‬‬
‫‪ -‬ذهب الحنفيّة والحنابلة ‪ ،‬وهو الصحّ عند الشّافعيّة إلى ‪ :‬أنّ ترشيد الصّبيّ إذا بلغ وأونس‬ ‫‪3‬‬

‫منه الرّشد ‪ ،‬أو المجنون إذا عقل يصحّ أن يكون من الوليّ ‪ ،‬ول يحتاج إلى حكم حاكم ‪،‬‬
‫ويصحّ أن يكون من الحاكم أيضا عند الختلف ‪.‬‬
‫والنثى عندهم في ذلك كالذّكر ‪ ،‬فيدفع إليها مالها إذا بلغت وأونس رشدها ‪ ،‬سواء تزوّجت أم‬
‫لم تتزوّج ‪ .‬وهناك رواية عن المام أحمد أنّ الحجر ل يزول عن النثى حتّى تتزوّج وتلد ‪ ،‬أو‬
‫تمضي عليها سنة في بيت الزّوج ‪ .‬وأمّا المالكيّة فقد فرّقوا بين ترشيد الصّبيّ وترشيد الصّبيّة ‪،‬‬
‫وفكّ الحجر عنهما ‪ ،‬وكذلك بين التّرشيد للنثى إذا كانت معلومة الرّشد وبين غيرها ‪ ،‬وفرّقوا‬
‫أيضا بين التّرشيد في الب والوصيّ والمقدّم ‪.‬‬
‫ك الحجر عنه بمجرّد البلوغ مع حفظه لماله ‪ ،‬ول يحتاج‬
‫أمّا الصّبيّ فإن كان في ولية الب ينف ّ‬
‫ك منهما ‪،‬‬
‫ي أو المقدّم فل بدّ من الف ّ‬
‫إلى أن يفكّ الب الحجر عنه ‪ ،‬وإن كان في وصاية الوص ّ‬
‫ول يحتاج إلى إذن القاضي ‪.‬‬
‫وفي النثى يكون الحجر عليها لحين بلوغها مع حفظ المال ‪ ،‬ودخول الزّوج بها وشهادة عدلين‬
‫ك عنها بذلك ‪ ،‬ول يحتاج لفكّ‬
‫على حسن تصرّفها ‪ .‬فإن كانت في ولية الب ‪ ،‬فإنّ الحجر ينف ّ‬
‫من الب ‪ ،‬ويجوز للب ترشيدها قبل الدّخول إذا بلغت ‪ ،‬وإن كانت في وصاية الوصيّ أو‬
‫المقدّم ‪ ،‬فل بدّ من الفكّ منهما بعد الدّخول ‪.‬‬
‫ثمّ إن كانت النثى معلومة الرّشد فإنّه يجوز ترشيدها مطلقا ‪ :‬أي قبل الدّخول وبعده لكلّ من‬
‫الب والوصيّ والمقدّم ‪ .‬وأمّا مجهولة الرّشد فإنّه يجوز للب ترشيدها قبل الدّخول وبعده ‪،‬‬
‫وللوصيّ ترشيدها بعد الدّخول ل قبله ‪ ،‬ول يجوز للمقدّم ترشيدها ل قبل الدّخول ول بعده ‪.‬‬
‫ما يكون به التّرشيد ‪:‬‬
‫‪ -‬ليس للتّرشيد لفظ معيّن عند الحنفيّة والشّافعيّة والحنابلة ‪ ،‬فكما يكون صراح ًة يكون دللةً‬ ‫‪4‬‬

‫ن ترشيد الصّبيّ يكون بقول الوليّ للعدول ‪ :‬اشهدوا أنّي‬


‫أيضا ‪ .‬وأمّا المالكيّة فقد نصّوا على أ ّ‬
‫فككت الحجر عن فلن محجوري ‪ ،‬وأطلقت له التّصرّف ‪ ،‬وملّكت له أمره ‪ .‬وترشيد النثى‬
‫يكون بقوله لها ‪ :‬رشّدتك ‪ ،‬أو أطلقت يدك ‪ ،‬أو رفعت الحجر عنك ‪ ،‬أو نحو ذلك ‪.‬‬
‫ضمان المال إذا أخطأ الوليّ في التّرشيد ‪:‬‬
‫ن وصيّ الصّغير إذا دفع إليه ماله قبل ثبوت رشده ‪ ،‬فضاع المال في‬
‫‪ -‬ذهب الحنفيّة إلى أ ّ‬ ‫‪5‬‬

‫يده أو أتلفه الصّغير ‪ ،‬يصير الوصيّ ضامنا ‪ .‬وأمّا إذا بلغ ولم يعلم رشده وسفهه ‪ ،‬فأعطى‬
‫الوصيّ له ماله ‪ ،‬وثبت كونه مفسدا وغير رشيد ‪ ،‬فيلزم الوصيّ الضّمان على ما في‬
‫ي ضمان على ما أفاده صاحب تنقيح‬
‫الولوالجيّة والشّلبيّ ‪ ،‬وفي قول آخر ‪ :‬ل يلزم الوص ّ‬
‫ي ل يضمن شيئا ممّا أتلفه بعد ترشيده ‪ ،‬لنّ‬
‫الفتاوى الحامديّة ‪ .‬ويرى المالكيّة والحنابلة أنّ الول ّ‬
‫الوليّ فعله باجتهاده ‪ .‬وأمّا الشّافعيّة فلم ينصّوا على مسألة الضّمان ‪.‬‬

‫ترضّي *‬
‫التّعريف ‪:‬‬
‫‪ -‬التّرضّي ‪ :‬طلب الرّضا ‪ .‬والرّضا ‪ :‬خلف السّخط ‪ .‬والتّرضّي عن فلن قول ‪ :‬رضي‬ ‫‪1‬‬

‫اللّه عنه ‪ .‬ول يخرج استعمال الفقهاء لكلمة التّرضّي عن هذا المعنى ‪.‬‬
‫اللفاظ ذات الصّلة ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬التّرحّم ‪:‬‬
‫‪ -‬التّرحّم ‪ :‬من الرّحمة ‪ ،‬ولها في اللّغة معان متعدّدة منها ‪ :‬الرّقة ‪ ،‬والخير ‪ ،‬والنّعمة ‪،‬‬ ‫‪2‬‬

‫ح َمتِه مَنْ َيشَاءُ } أي بنبوّته ‪.‬‬


‫ختَصّ ِب َر ْ‬
‫والنّبوّة ‪ .‬ومنه الية الكريمة ‪ { :‬والّل ُه َي ْ‬
‫والتّرحّم قول ‪ :‬رحمه اللّه ‪ ،‬وترحّمت عليه ‪ :‬أي قلت له ‪ :‬رحمة اللّه عليك ‪ ،‬ورحّم عليه قال‬
‫‪ :‬رحمة اللّه عليه ‪ ،‬وتراحم القوم ‪ :‬رحم بعضهم بعضا ‪.‬‬
‫فالتّرضّي دعاء بالرّضا ‪ ،‬والتّرحّم دعاء بالرّحمة ‪.‬‬
‫حكمه التّكليفيّ ‪:‬‬
‫‪ -‬يختلف حكم التّرضّي باختلف المترضّى عنه على النّحو التّالي ‪:‬‬ ‫‪3‬‬

‫أ ‪ -‬التّرضّي عمّن اختلف في نبوّته ‪:‬‬


‫‪ -‬يستحبّ التّرضّي عمّن اختلف في نبوّته ‪ :‬كذي القرنين ‪،‬ولقمان ‪ ،‬وذي الكفل وغيرهم ‪.‬‬ ‫‪4‬‬

‫ن الرجح أن‬
‫وذكر ابن عابدين نقلً عن النّوويّ ‪ :‬أنّ الدّعاء بالصّلة عليهم ل بأس به ‪ ،‬ولك ّ‬
‫يقال ‪ :‬رضي اللّه عنهم ‪ ،‬لنّ مرتبتهم غير مرتبة النبياء ‪ ،‬ولم يثبت كونهم أنبياء ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬التّرضّي عن الصّحابة ‪:‬‬
‫‪ - 5‬ل خلف بين الفقهاء في أنّه يستحبّ التّرضّي عن الصّحابة رضي ال عنهم ‪ ،‬لنّهم كانوا‬
‫يبالغون في طلب الرّضا من اللّه سبحانه وتعالى ‪ ،‬ويجتهدون في فعل ما يرضيه ‪ ،‬ويرضون‬
‫ق بالرّضا ‪.‬‬
‫بما يلحقهم من البتلء من عنده أشدّ الرّضا ‪ ،‬فهؤلء أح ّ‬
‫وإن كان صحابيّا ابن صحابيّ كابن عمر وابن عبّاس قال ‪ :‬رضي ال عنهما ‪،‬لتشمله وأباه ‪.‬‬
‫وإذا كان هو وأبوه وجدّه من الصّحابة قال ‪ :‬رضي اللّه عنهم كعبد الرّحمن بن أبي بكر‬
‫الصّدّيق بن أبي قحافة رضي ال عنهم ‪.‬‬
‫ج ‪ -‬التّرضّي عن غير الصّحابة ‪:‬‬
‫‪ -‬قال صاحب عمدة البرار ‪ :‬يجوز التّرضّي عن السّلف من المشايخ والعلماء وذلك لقوله‬ ‫‪6‬‬

‫جنّاتُ‬
‫ع ْندَ َر ّب ِهمْ َ‬
‫جزَا ُؤهُمْ ِ‬
‫خيْ ُر ال َب ِريّ ِة َ‬
‫ك ُهمْ َ‬
‫عمِلُوا الصّاِلحَاتِ أُوَل ِئ َ‬
‫تعالى ‪ { :‬إنّ الّذينَ آ َمنُوا و َ‬
‫عنْهُ } ‪.‬‬
‫ع ْنهُم َو َرضُوا َ‬
‫ي اللّهُ َ‬
‫ضَ‬‫ل ْنهَارُ خَاِلدِينَ فِيهَا َأبَدَا َر ِ‬
‫ح ِتهَا ا َ‬
‫ج ِريْ مِنْ َت ْ‬
‫عَدْنٍ َت ْ‬
‫ففي الية الكريمة ذكر عامّة المؤمنين بهذا ‪ ،‬من الصّحابة وغيرهم ‪.‬‬
‫وكما ذكر في كثير من الكتب مثل ‪ :‬التّقويم ‪ ،‬والبزدويّ ‪ ،‬والسّرخسيّ ‪ ،‬والهداية وغيرها بعد‬
‫ذكر الساتذة أو بعد ذكر نفسه " رضي اللّه "‬
‫فلو لم يجز الدّعاء بهذا اللّفظ ما ذكروه في كتبهم ‪ ،‬وهكذا جرت العادة بين أهل العلم بالبتداء‬
‫بهذا الدّعاء ‪ ،‬حيث يقولون ‪ :‬رضي اللّه عنك وعن والديك إلى آخره ‪ .‬ولم ينكر أحد منهم ‪ ،‬بل‬
‫استحسنوا الدّعاء بهذا اللّفظ ‪ ،‬وكانوا يعلّمون ذلك لتلمذتهم ‪ ،‬فعليه عمل المّة ‪.‬‬
‫د ‪ -‬المحافظة على كتابة التّرضّي ‪:‬‬
‫‪ -‬ينبغي أن يحافظ على كتابة التّرضّي عن الصّحابة والتّابعين من العلماء وسائر الخيار ‪،‬‬ ‫‪7‬‬

‫ول يسأم من تكراره ‪ ،‬ومن أغفله حرم حظّا عظيما ‪ ،‬وإذا جاءت الرّواية بالتّرضّي كانت‬
‫العناية به أشدّ ‪.‬‬
‫هـ ‪ -‬ما يجب على سامع التّرضّي ‪:‬‬
‫‪ -‬ينبغي لسامع التّرضّي عن الصّحابة ولو حال الخطبة أن يترضّى عنهم ‪ ،‬كما ينبغي لسامع‬ ‫‪8‬‬

‫ي صلى ال عليه وسلم ‪ ،‬لنّه أفضل من النصات ‪.‬‬


‫الصّلة على النّب ّ‬
‫وفي ذلك خلف وتفصيل ينظر في ( خطبة ) ‪.‬‬
‫ترك *‬
‫التّعريف ‪:‬‬
‫‪ -‬التّرْك لغةً ‪َ :‬ودْعُك الشّيء ‪ ،‬ويقال ‪ :‬تركت الشّيء ‪ :‬إذا خلّيته ‪ ،‬وتركت المنزل ‪ :‬إذا‬ ‫‪1‬‬

‫رحلت عنه ‪ ،‬وتركت الرّجل ‪ :‬إذا فارقته ‪ .‬ث ّم استعير للسقاط في المعاني ‪ ،‬فقيل ‪ :‬ترك حقّه ‪:‬‬
‫إذا أسقطه ‪ ،‬وترك ركعةً من الصّلة ‪ :‬إذا لم يأت بها ‪ ،‬فإنّه إسقاط لما ثبت شرعا ‪.‬‬
‫ف النّفس عن اليقاع ‪ ،‬فهو فعل نفسيّ ‪،‬‬
‫والتّرك في اصطلح أكثر الصوليّين والفقهاء ‪ :‬ك ّ‬
‫وقيل ‪ :‬إنّه ليس بفعل ‪.‬‬
‫اللفاظ ذات الصّلة ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬الهمال ‪:‬‬
‫‪ -‬الهمال ‪ :‬التّرك عن عمد أو نسيان ‪ ،‬ويقال ‪ :‬أهمله إهمالً إذا خلّى بينه وبين نفسه ‪،‬‬ ‫‪2‬‬

‫ويأتي عند الفقهاء بمعنى التّرك ‪.‬‬


‫ب ‪ -‬التّخلية ‪:‬‬
‫‪ -‬التّخلية ‪ :‬التّرك ويستعمله الفقهاء في ‪ :‬تمكين الشّخص من التّصرّف في الشّيء دون حائل‬ ‫‪3‬‬

‫‪ .‬فالتّرك أعمّ من التّخلية ‪.‬‬


‫ج ‪ -‬السقاط والبراء ‪:‬‬
‫ق ل إلى مالك أو مستحقّ ‪.‬‬
‫‪ -‬السقاط ‪ :‬إزالة الملك أو الح ّ‬ ‫‪4‬‬

‫والبراء ‪ :‬إسقاط الشّخص حقّا له في ذمّة آخر أو قبله ‪ .‬وكلهما يستعمل في موطن التّرك إلّ‬
‫ن التّرك أع ّم في استعمالته ‪.‬‬
‫أّ‬
‫الحكم الجماليّ ‪:‬‬
‫أوّلً ‪ -‬التّرك عند الصوليّين ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬التّرك والحكم الشّرعيّ ‪:‬‬
‫‪ -‬اقتضاء التّرك في خطاب اللّه تعالى المتعلّق بفعل المكلّف هو أحد أقسام الحكم الشّرعيّ‪.‬‬ ‫‪5‬‬

‫واقتضاء التّرك لشيء إن كان جازما فهو للتّحريم ‪ ،‬وإن كان غير جازم فهو للكراهة ‪ ،‬وإن‬
‫كان مساويا لقتضاء الفعل في الخطاب فهو للباحة ‪ .‬وانظر الملحق الصوليّ ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬التّرك فعل يتعلّق به التّكليف ‪:‬‬
‫‪ -‬يتعلّق التّكليف بالتّرك بناءً على أنّه فعل ‪ ،‬إذ المكلّف به في النّهي المقتضي للتّرك هو‬ ‫‪6‬‬

‫الكفّ ‪ ،‬أي كفّ النّفس عن الفعل إذا أقبلت عليه ‪ ،‬وذلك فعل ‪ ،‬ومن ث ّم كانت القاعدة الصوليّة‬
‫ل بفعل ) وذلك متحقّق في المر ‪ ،‬وفي النّهي على اعتبار أنّ مقتضاه وهو التّرك‬
‫( ل تكليف إ ّ‬
‫فعل ‪ ،‬وهذا ما ذهب إليه أكثر الصوليّين ‪.‬‬
‫واستدلّوا على ذلك بأنّ التّرك من مقتضى النّهي ‪ ،‬والنّهي تكليف ‪ ،‬والتّكليف إنّما يرد بما كان‬
‫ن القدرة ل بدّ لها من أثر وجوديّ‬
‫ي يمتنع أن يكون مقدورا ‪ ،‬ل ّ‬
‫مقدورا للمكلّف ‪ ،‬والعدم الصل ّ‬
‫‪ ،‬والعدم نفي محض ‪ ،‬فيمتنع إسناده إليها ‪ .‬ولنّ العدم الصليّ ‪ -‬أي المستمرّ ‪ -‬حاصل ‪،‬‬
‫ن مقتضى النّهي ليس هو العدم ثبت أنّه أمر‬
‫والحاصل ل يمكن تحصيله ثانيا ‪ ،‬وإذا ثبت أ ّ‬
‫وجوديّ ‪ .‬كذلك قالوا ‪ :‬إنّ ممتثل التّكليف مطيع والطّاعة حسنة ‪ ،‬والحسنة مستلزمة للثّواب ‪،‬‬
‫ول يثاب إلّ على شيء ( وألّ يفعل ) عدم محض وليس بشيء ‪ ،‬وإذا لم يصدر منه شيء‬
‫فكيف يثاب على ل شيء ؟ ‪.‬‬
‫وقال قوم ‪ ،‬منهم أبو هاشم ‪ :‬إنّ التّرك غير فعل ‪ ،‬وهو انتفاء المنهيّ عنه ‪ ،‬وذلك مقدور‬
‫للمكلّف بأن ل يشاء فعله الّذي يوجد بمشيئته ‪ .‬وانظر ‪ :‬الملحق الصوليّ ‪.‬‬
‫هذا ‪ ،‬والخروج عن العهدة ل يشترط له قصد التّرك امتثالً ‪ ،‬بل يكفي مجرّد التّرك ‪ .‬إنّما‬
‫يشترط قصد التّرك امتثالً لحصول الثّواب ‪ .‬لقول النّبيّ صلى ال عليه وسلم ‪ « :‬إنّما العمال‬
‫بالّنيّات » ‪ .‬وفي تقريرات الشّربينيّ على جمع الجوامع ‪ :‬في التّكليف بالنّهي ثلثة أمور ‪:‬‬
‫الوّل ‪ :‬المكلّف به ‪ ،‬وهو مطلق التّرك ‪ ،‬ول يتوقّف على قصد المتثال ‪ ،‬بل مداره على إقبال‬
‫النّفس على الفعل ‪ ،‬ثمّ كفّها عنه ‪.‬‬
‫الثّاني ‪ :‬المكلّف به المثاب عليه ‪ ،‬وهو التّرك بقصد المتثال ‪.‬‬
‫الثّالث ‪ :‬عدم المنهيّ عنه ‪ ،‬وهو المقصود ‪ ،‬لكنّه ليس مكلّفا به ‪ ،‬لعدم قدرة المكلّف عليه ‪.‬‬
‫وانظر الملحق الصوليّ ‪.‬‬
‫ج ‪ -‬التّرك وسيلة لبيان الحكام ‪:‬‬
‫‪ -‬قد يكون التّرك وسيلةً لبيان الحكم الشّرعيّ ‪ ،‬يقول القرافيّ ‪ :‬البيان إمّا بالقول أو بالفعل‬ ‫‪7‬‬

‫كالكتابة والشارة ‪ ،‬أو بالدّليل العقليّ ‪ ،‬أو بالتّرك ‪ .‬والتّرك يبيّن به حكم المحرّم والمكروه‬
‫والمندوب ‪ .‬وينظر تفصيل ذلك في الملحق الصوليّ ‪.‬‬
‫ثانيا ‪ -‬التّرك عند الفقهاء ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬ترك المحرّمات ‪:‬‬
‫‪ -‬المحرّمات الّتي نهى الشّرع عنها ‪ ،‬سواء أكانت من عمل الجوارح كالزّنى والسّرقة والقتل‬ ‫‪8‬‬

‫والكذب والغيبة والنّميمة ‪ ،‬أم كانت من عمل القلب كالحقد والحسد ‪.‬‬
‫هذه المحرّمات يجب تركها امتثالً للنّهي الوارد من الشّرع ‪ ،‬كما في قوله تعالى ‪ { :‬ول تَ ْق َربُوا‬
‫حقّ } وقول النّبيّ صلى ال‬
‫ح ّرمَ الّل ُه إلّ بِال َ‬
‫ال ّزنَى } ‪ ،‬وقوله تعالى ‪ { :‬ول تَ ْقتُلُوا النّفْسَ الّتي َ‬
‫ن يا رسول اللّه ؟ قال ‪ :‬الشّرك باللّه ‪،‬‬
‫عليه وسلم ‪ « :‬اجتنبوا السّبع الموبقات ‪ ،‬قيل ‪ :‬وما ه ّ‬
‫والسّحر ‪ ،‬وقتل النّفس الّتي حرّم اللّه إلّ بالحقّ ‪ ،‬وأكل مال اليتيم ‪ ،‬والتّولّي يوم الزّحف ‪،‬‬
‫وقذف المحصنات الغافلت المؤمنات ‪ ،‬وأكل الرّبا ‪ ،‬وشهادة الزّور » ‪.‬‬
‫يقول الفقهاء ‪ :‬يجب على المكلّف كفّ الجوارح عن الحرام ‪ ،‬وكفّ القلب عن الفواحش ‪ ،‬وهو‬
‫طنَه } وفعل المحرّمات معصية يترتّب عليها‬
‫ل ْثمِ وبَا ِ‬
‫معنى قوله تعالى ‪َ { :‬و َذرُوا ظَاهِ َر ا ِ‬
‫العقوبة المقرّرة لكلّ معصية ‪ ،‬سواء أكانت حدّا كما في الزّنا والسّرقة ‪ ،‬أم كانت قصاصا كما‬
‫في الجنايات ‪ ،‬أم كانت تعزيرا كما في المعاصي الّتي ل حدّ فيها ‪.‬‬
‫ومن المقرّر أنّ بعض المحرّمات تباح عند الضطرار ‪ ،‬وقد تجب ‪ ،‬كأكل الميتة في المخمصة‬
‫إحياءً للنّفس ‪ ،‬وكشرب الخمر لزالة الغصّة ‪ ،‬وذلك بالشّروط المنصوص عليها في الحالتين ‪.‬‬
‫وهكذا وينظر كلّ ما سبق في أبوابه ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬ترك الحقوق ‪:‬‬
‫الحقّ إمّا أن يكون للّه سبحانه وتعالى ‪ ،‬وإمّا أن يكون للعباد ‪.‬‬
‫‪ -9‬أمّا حقّ اللّه سبحانه وتعالى كالعبادات مثلً ‪ ،‬فتركها حرام بالجماع ‪ ،‬ويعصي تاركها ‪،‬‬
‫ويكون آثما ‪ ،‬ويترتّب عليها الكفر إن كان تركها جحدا لها مع كونها فرضا معلوما من الدّين‬
‫بالضّرورة ‪ ،‬أو الثم والعقوبة إن كان تركها كسلً ‪.‬‬
‫يقول الزّركشيّ ‪ :‬إذا امتنع المكلّف من الواجب ‪ ،‬فإن لم تدخل النّيابة نظر ‪ :‬فإن كان حقّا للّه‬
‫تعالى نظر ‪ :‬إن كانت صلةً طولب بها فإن لم يفعل قتل ‪ ،‬وإن كان صوما حبس ومنع الطّعام‬
‫والشّراب ‪ ...‬وإن دخلته النّيابة قام القاضي مقامه ‪ ،‬كما في عضل الوليّ المجبر في النّكاح ‪،‬‬
‫على تفصيل في ذلك وفيما تدخله النّيابة ‪ .‬وهذا بالنّسبة للمجمع عليه ‪ .‬أمّا المختلف فيه ‪ ،‬فإن‬
‫كان تاركه معتقدا جواز ذلك فل شيء فيه ‪ ،‬وإن كان معتقدا تحريمه فهو آثم ‪.‬‬
‫وكذلك يأثم المسلم المكلّف بترك السّنن المؤكّدة الّتي تعتبر من شعائر السلم عند الحنفيّة ‪،‬‬
‫وفي وجه عند الشّافعيّة ‪ ،‬كالجماعة والذان وصلة العيدين إذ في تركها تهاون بالشّرع ‪،‬‬
‫ولذلك لو اتّفق أهل بلدة على تركها وجب قتالهم ‪ ،‬بخلف سائر المندوبات ‪ ،‬لنّها تفعل فرادى‬
‫‪ .‬هذا ويباح ترك الواجب للضّرورة ‪ ،‬إذ المعهود في الشّريعة دفع الضّرر بترك الواجب إذا‬
‫تعيّن طريقا لدفع الضّرر ‪.‬‬
‫ومن ثمّ كانت المسامحة في ترك الواجب أوسع من المسامحة في فعل المحرّم ‪ ،‬واعتناء الشّرع‬
‫بالمنهيّات فوق اعتنائه بالمأمورات ‪ ،‬ولهذا قال النّبيّ صلى ال عليه وسلم ‪ « :‬إذا نهيتُكم عن‬
‫شيء فاجتنبوه ‪ ،‬وإذا أمرتُكم بأمر فأْتوا منه ما استطعتم » ‪.‬‬
‫‪ -‬والحدود الّتي تكون حقّا للّه تعالى ‪ ،‬كحدّ الزّنى والسّرقة يجب إقامتها متى بلغت المام ‪.‬‬ ‫‪10‬‬

‫قال الفقهاء ‪ :‬الحدّ ل يقبل السقاط بعد ثبوت سببه عند الحاكم ‪.‬‬
‫وعليه بني عدم جواز الشّفاعة فيه ‪ ،‬فإنّها طلب ترك الواجب ‪ ،‬ولذا « أنكر رسول اللّه صلى‬
‫ال عليه وسلم على أسامة بن زيد رضي ال عنهما حين شفع في المخزوميّة الّتي سرقت فقال‬
‫‪ :‬أتشفع في حدّ من حدود اللّه ؟ ‪ » ...‬ولنّ الحدّ بعد بلوغ المام يصير حقّا للّه تعالى ‪ ،‬فل‬
‫يجوز للمام تركه ول يجوز لحد الشّفاعة في إسقاطه ‪.‬‬
‫ق للّه تعالى‬
‫‪ -‬أمّا بالنّسبة للتّعزير فقد ذهب الحنفيّة والمالكيّة والحنابلة إلى ‪ :‬أنّه إن كان الح ّ‬ ‫‪11‬‬

‫ن المصلحة في إقامته ‪ .‬وقال‬


‫وجب إقامته كالحدود ‪ ،‬إن رأى المام أنّه ل ينزجر إلّ به ‪،‬أو أ ّ‬
‫الشّافعيّ ‪ :‬هو غير واجب على المام ‪ ،‬إن شاء أقامه وإن شاء تركه ‪.‬‬
‫وينظر تفصيل ذلك في ( حدّ ‪ -‬تعزير ) ‪.‬‬
‫ق العبد ‪ ،‬فإن كان حقّا له فتركه جائز ‪ ،‬إذ الصل أنّ كلّ جائز التّصرّف ل يمنع‬
‫‪ -‬وأمّا ح ّ‬ ‫‪12‬‬

‫من ترك حقّه ‪ ،‬ما لم يكن هناك مانع من ذلك كتعلّق حقّ الغير به ‪ ،‬بل قد يكون التّرك مندوبا‬
‫ق قبل الغير ‪ ،‬أمّا إذا‬
‫إذا كان قربةً ‪ ،‬كإبراء المعسر والعفو عن القصاص ‪ .‬هذا إذا كان الح ّ‬
‫كان قبل نفسه فقد يكون التّرك حراما كما إذا ترك الكل والشّرب حتّى هلك ‪ ،‬وكما إذا ألقي‬
‫في ماء يمكنه الخلص منه عادةً ‪ ،‬فمكث فيه مختارا حتّى هلك ‪ .‬وقيل في التّمتّع بأنواع‬
‫ت ما َرزَ ْقنَاكُم } وقيل ‪:‬‬
‫ط ّيبَا ِ‬
‫ن التّرك من البدع المذمومة ‪ .‬قال تعالى ‪ { :‬كُلُوا مِنْ َ‬
‫طيّبات ‪ :‬إ ّ‬
‫ال ّ‬
‫حيَا ِتكُم الدّنيا } ‪.‬‬
‫ط ّيبَا ِتكُم في َ‬
‫ن التّرك أفضل لقوله تعالى ‪َ { :‬أذْ َه ْبتُم َ‬
‫إّ‬
‫‪ -‬وإن كان الحقّ للغير ‪ ،‬وترتّب في ذمّة شخص ‪ ،‬وأصبح ملتزما به حفظا أو أداءً ‪ ،‬فإنّ‬ ‫‪13‬‬

‫ق لهله ‪ ،‬مع الضّمان فيما‬


‫ترك الحفظ أو الداء يعتبر معصيةً تستوجب التّعزير حتّى يؤدّي الح ّ‬
‫ضاع أو تلف ‪.‬‬
‫وإن كان الحقّ يتعلّق بنفع الغير ‪ ،‬لكن لم يلتزم به شخص ‪ ،‬وكان في ترك القيام بما يحقّق‬
‫النّفع ضياع المال أو تلفه ‪ ،‬كمن ترك التقاط لقطة تضيع لو تركها ‪ ،‬أو ترك قبول وديعة تضيع‬
‫لو لم يقبلها ‪ ،‬فتلف المال أو ضاع ‪ ،‬فإنّه يأثم بالتّرك عند جمهور الفقهاء لحرمة مال الغير ‪،‬‬
‫خلفا للحنابلة إذ الخذ ليس بواجب عندهم ‪ ،‬بل هو مستحبّ ‪ ،‬وهو قول عند الشّافعيّة ‪ .‬لكنّ‬
‫ل يكلّف النسان‬
‫الفقهاء يختلفون في ترتّب الضّمان بناءً على اختلفهم ‪ ،‬هل يعدّ التّرك فع ً‬
‫بموجبه ‪ ،‬إذ ل تكليف إلّ بفعل ‪ ،‬أم ل يعتبر فعلً ؟ ‪ .‬فعند الشّافعيّة والحنابلة وجمهور‬
‫الحنفيّة ‪ ،‬وفي قول عند المالكيّة ‪ :‬ل ضمان بالتّرك عند الضّياع أو التّلف ‪ ،‬إذ التّرك في‬
‫نظرهم ليس سببا ول تضييعا ‪ ،‬بل هو امتناع من حفظ غير ملزم ‪ ،‬ولنّ المال إنّما يضمن‬
‫باليد أو التلف ‪ ،‬ولم يوجد شيء من ذلك ‪ ،‬وهذا بخلف ما إذا التقط أو قبل الوديعة وترك‬
‫الحفظ حتّى ضاع المال أو تلف ‪ ،‬فإنّه يضمن حينئذ لتركه ما التزم به ‪.‬‬
‫والمشهور عند المالكيّة ‪ ،‬وهو قول عند الحنفيّة ‪ :‬ترتّب الضّمان على التّرك في مثل ذلك ‪.‬‬
‫بناءً على أنّ التّرك فعل في المشهور من المذهب ‪ ،‬بل إنّ المالكيّة يضمّنون الصّبيّ في ترك ما‬
‫ي مميّز على صيد مجروح لم ينفذ مقتله ‪ ،‬وأمكنته ذكاته ‪ ،‬فترك‬
‫يجوز له فعله ‪ ،‬فلو م ّر صب ّ‬
‫تذكيته حتّى مات فعليه قيمته مجروحا لصاحبه ‪ ،‬لنّ الضّمان من خطاب الوضع ‪ ،‬ولنّ‬
‫الشّارع جعل التّرك سببا في الضّمان ‪ ،‬فيتناول البالغ وغيره ‪.‬‬
‫‪ -‬هذا بالنّسبة للمال ‪ ،‬أمّا بالنّسبة لترك إنقاذ نفس من الهلك ‪ ،‬فالمتتبّع لقوال الفقهاء يرى‬ ‫‪14‬‬

‫ن ذلك يكون في حالتين ‪:‬‬


‫أّ‬
‫إحداهما ‪ :‬أن يقوم شخص بعمل ضار نحو شخص آخر يمكن أن يؤدّي إلى هلكه غالبا ‪ ،‬ثمّ‬
‫يترك ما يمكن به إنقاذ هذا الشّخص فيهلك ‪.‬‬
‫ومثال ذلك ‪ :‬أن يحبس غيره في مكان ‪ ،‬ويمنعه الطّعام أو الشّراب ‪ ،‬فيموت جوعا وعطشا‬
‫لزمن يموت فيه غالبا ‪ ،‬وكان قد تعذّر عليه الطّلب ‪ .‬فعند المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة ‪ :‬يكون‬
‫فيه القود لظهور قصد الهلك بذلك ‪ .‬وعند الصّاحبين ‪ -‬أبي يوسف ومحمّد ‪ -‬يكون في ذلك‬
‫الدّية على عاقلته ‪ .‬لنّ حبسه هو الّذي تسبّب في هلكه ‪ ،‬وعند أبي حنيفة ‪ :‬ل ضمان عليه ‪،‬‬
‫ن الهلك حصل بالجوع والعطش ل بالحبس ‪ ،‬ول صنع لحد في الجوع والعطش ‪ .‬فإن لم‬
‫لّ‬
‫يمنعه الطّعام أو الشّراب ‪ ،‬بأن كان معه فلم يتناول خوفا أو حزنا ‪ ،‬أو كان يمكنه الطّلب فلم‬
‫يفعل ‪ ،‬فمات ‪ ،‬فل قصاص ول دية ‪ ،‬لنّه قتل نفسه ‪.‬‬
‫الحال الثّانية ‪ :‬من أمكنه إنقاذ إنسان من الهلك ‪ ،‬فلم يفعل حتّى مات ‪.‬‬
‫ومثال ذلك ‪ :‬من رأى إنسانا اشت ّد جوعه ‪ .‬وعجز عن الطّلب ‪ ،‬فامتنع من رآه من إعطائه‬
‫فضل طعامه حتّى مات ‪ ،‬أو رأى إنسانا في مهلكة فلم ينجه منها ‪ ،‬مع قدرته على ذلك ‪ -‬فعند‬
‫الحنفيّة والشّافعيّة والحنابلة ‪ -‬عدا أبي الخطّاب ل ضمان على الممتنع ‪ ،‬لنّه لم يهلكه ولم‬
‫ل مهلكا ‪ ،‬لكنّه يأثم ‪.‬‬
‫يحدث فيه فع ً‬
‫ب الطّعام‬
‫وهذا الحكم عند الحنابلة إذا كان المضط ّر لم يطلب الطّعام ‪ ،‬أمّا إذا طلبه فمنعه ر ّ‬
‫حتّى مات ‪ ،‬فإنّه يضمن في هذه الحالة ‪ ،‬لنّ منعه منه كان سببا في هلكه ‪ ،‬فضمنه بفعله‬
‫الّذي تعدّى به ‪ .‬وعند المالكيّة وأبي الخطّاب يضمن ‪ ،‬لنّه لم ينجه من الهلك مع إمكانه ‪ .‬هذا‬
‫ويلحظ أنّه يجوز للمضطرّ قتال من منع منه فضل طعامه ‪ ،‬فإن قتل ربّ الطّعام فدمه هدر ‪،‬‬
‫وإن قتل المضطرّ ففيه القصاص ‪ ،‬لقضاء عمر رضي ال عنه بذلك ‪.‬‬
‫عقوبة ترك الواجب ‪:‬‬
‫‪ -‬يقول ابن فرحون ‪ :‬التّعزير يكون على ترك الواجب ‪ ،‬ومن ذلك ترك قضاء الدّين وأداء‬ ‫‪15‬‬

‫المانات ‪ :‬مثل الودائع وأموال اليتام وغلّات الوقوف وما تحت أيدي الوكلء والمقارضين ‪،‬‬
‫والمتناع من ر ّد المغصوب والمظالم مع القدرة على الداء ‪ ،‬ويجبر على ذلك إن أباه ولو‬
‫بالحبس والضّرب ‪ .‬ويقول الزّركشيّ ‪ :‬إذا امتنع المكلّف من الواجب ‪ ،‬فإن كان حقّا لدميّ ل‬
‫تدخله النّيابة حبس حتّى يفعله ‪.‬‬
‫كما إذا امتنع المشتري من تسليم الثّمن ‪ ،‬فإنّ القاضي يخيّر بين حبسه وبين النّيابة عنه في‬
‫التّسليم ‪ ،‬كالمقرّ بمبهم يحبس حتّى يبيّن ‪ .‬وإن كانت تدخله النّيابة قام القاضي مقامه ‪.‬‬
‫الّنيّة في التّرك ‪:‬‬
‫‪ -‬ترك المنهيّ عنه ل يحتاج إلى نيّة للخروج عن عهدة النّهي ‪.‬‬ ‫‪16‬‬

‫وأمّا لحصول الثّواب ‪ ،‬بأن كان التّرك كفّا ‪ -‬وهو ‪ :‬أن تدعوه النّفس إليه قادرا على فعله ‪،‬‬
‫فكفّ نفسه عنه خوفا من ربّه ‪ -‬فهو مثاب ‪ ،‬وإلّ فل ثواب على تركه ‪ ،‬فل يثاب العنّين على‬
‫ترك الزّنا ‪ ،‬ول العمى على ترك النّظر ‪.‬‬
‫آثار التّرك ‪:‬‬
‫‪ -‬تتعدّد آثار التّرك وتختلف باختلف متعلّقه ‪ ،‬وباختلف ما إذا كان التّرك عمدا أو نسيانا‬ ‫‪17‬‬

‫أو جهلً وهكذا ‪ .‬وفيما يأتي بعض آثار التّرك ‪.‬‬


‫أ ‪ -‬يسقط الحقّ في الشّفعة بترك طلبها بل عذر ‪.‬‬
‫ويختلف الفقهاء في المدّة الّتي يسقط بها هذا الحقّ ‪ ( .‬ر ‪ :‬شفعة ) ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬ل تؤكل الذّبيحة إذا ترك الذّابح التّسمية عمدا عند جمهور الفقهاء ‪ ،‬وأمّا إن ترك نسيانا‬
‫فتؤكل اتّفاقا ‪ ،‬وفي المسألة خلف ينظر ( ذبائح ‪ -‬أضحيّة ) ‪.‬‬
‫والجير إن ترك التّسمية عمدا ضمن قيمة الذّبيحة ‪.‬‬
‫ج ‪ -‬ترك القيام بالدّعوى بل عذر ‪ ،‬وبعد مضيّ المدّة المحدّدة يمنع سماعها ‪ ،‬وهذا عند‬
‫متأخّري الحنفيّة بناءً على أمر سلطانيّ ‪ ،‬وكما ل تسمع في حياة المدّعي للتّرك ل تسمع من‬
‫الورثة ‪ .‬وإذا ترك المورّث الدّعوى م ّد ًة وتركها الوارث مدّةً ‪ ،‬وبلغ مجموع المدّتين حدّ مرور‬
‫الزّمان فل تسمع ‪ ( .‬ر ‪ :‬دعوى ) ‪.‬‬
‫د ‪ -‬يلزم الحنث والكفّارة في الحلف على ترك الواجب ‪ ( .‬ر ‪ :‬أيمان ) ‪.‬‬
‫هـ ‪ -‬ترك العبادات أو بعض أجزائها يستلزم الجبران ‪ .‬والمتروكات منها ما يجبر بالعمل‬
‫البدنيّ كسجود السّهو في الصّلة ‪ ،‬والقضاء أو العادة لمن ترك فرضا ‪.‬‬
‫ومنها ما يجبر بالمال كجبر الصّوم بالطعام في حقّ الشّيخ العاجز ‪ ،‬والدّم لترك واجب من‬
‫واجبات الحجّ ‪ .‬وينظر تفصيل ذلك في مواضعه ‪ .‬هذا وقد ورد في ثنايا البحث آثار التّرك ‪،‬‬
‫كترتّب الح ّد أو التّعزير في ترك واجب أو عدم ترك محرّم ‪ ،‬وكالضّمان في التّلف بالتّرك ‪.‬‬

‫تركة *‬
‫التّعريف ‪:‬‬
‫‪ -‬التّركة لغةً ‪ :‬اسم مأخوذ من ترك الشّيء يتركه تركا ‪ .‬يقال ‪ :‬تركت الشّيء تركا ‪:‬‬ ‫‪1‬‬

‫خلّفته ‪ ،‬وتركة الميّت ‪ :‬ما يتركه من الميراث ‪ ،‬والجمع تركات ‪.‬‬


‫وفي الصطلح ‪ ،‬اختلف الفقهاء في تعريفها ‪ .‬فذهب جمهور الفقهاء ‪ -‬المالكيّة والشّافعيّة‬
‫والحنابلة ‪ -‬إلى أنّ التّركة ‪ :‬هي كلّ ما يخلّفه الميّت من الموال والحقوق الثّابتة مطلقا ‪.‬‬
‫وذهب الحنفيّة إلى أنّ التّركة ‪ :‬هي ما يتركه الميّت من الموال صافيا عن تعلّق حقّ الغير‬
‫بعينه ‪ .‬ويتبيّن من خلل التّعريفين أنّ التّركة تشمل الحقوق مطلقا عند الجمهور ‪ ،‬ومنها المنافع‬
‫‪ .‬في حين أنّ المنافع ل تدخل في التّركة عند الحنفيّة ‪.‬‬
‫فإنّ الحنفيّة يحصرون التّركة في المال أو الحقّ الّذي له صلة بالمال فقط على تفصيل يأتي ‪.‬‬
‫اللفاظ ذات الصّلة ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬الرث ‪:‬‬
‫‪ -‬الرث لغةً ‪ :‬الصل والمر القديم توارثه الخر عن الوّل ‪ .‬والبقيّة من كلّ شيء ‪.‬‬ ‫‪2‬‬

‫ويطلق الرث ويراد به ‪ :‬الموروث ‪ ،‬ويساويه على هذا الطلق في المعنى ‪ :‬التّركة‬
‫ق قابل للتّجزّؤ يثبت لمستحقّه بعد موت من كان له ذلك لقرابة بينهما أو‬
‫واصطلحا ‪ :‬هو ح ّ‬
‫نحوها ‪ .‬ما تشمله التّركة وما يورث منها ‪:‬‬
‫‪ -‬ذهب جمهور الفقهاء ‪ -‬المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة ‪ -‬إلى أنّ التّركة تشمل جميع ما تركه‬ ‫‪3‬‬

‫المتوفّى من أموال وحقوق ‪ .‬وقد استدلّوا بقوله صلى ال عليه وسلم ‪ « :‬من مات وترك مالً‬
‫فماله لموالي العصبة ‪ ،‬ومن ترك كَلّا أو ضَياعا فأنا وليّه » ‪.‬‬
‫ن هذه‬
‫ي صلى ال عليه وسلم بين المال والحقّ وجعلهما تركةً لورثة الميّت ‪ ،‬إلّ أ ّ‬
‫فقد جمع النّب ّ‬
‫الحقوق أنواع مختلفة ‪ ،‬ولكلّ منها حكمه من ناحية إرثه ‪ ،‬أو عدم إرثه وذلك تبعا لطبيعته وهي‬
‫‪:‬‬
‫أ ‪ -‬حقوق غير ماليّة ‪ :‬وهي حقوق شخصيّة ل تتعدّى إلى غير صاحبها بحال ما ‪ ،‬فهي ل‬
‫تورث عنه مطلقا ‪ ،‬كحقّ ال ّم في الحضانة ‪ ،‬وحقّ الب في الولية على المال ‪ ،‬وحقّ الوصيّ‬
‫في الشراف على مال من تحت وصايته ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬حقوق ماليّة ‪ ،‬ولكنّها تتعلّق بشخص المورّث نفسه ‪ ،‬وهذه ل تورث عنه أيضا ‪ ،‬كرجوع‬
‫الواهب في هبته ‪ ،‬وحقّ النتفاع بشيء معيّن يملكه الغير ‪ ،‬كدار يسكنها أو أرض يزرعها ‪،‬‬
‫أو سيّارة يركبها ‪ ،‬فهذا ونحوه ل يورث عن صاحبه ‪.‬‬
‫ومن هذا النّوع الجل في الدّين ‪ ،‬فالدّائن يمنح هذا الجل للمدين لعتبارات خاصّة يقدّرها‬
‫الدّائن وحده ‪ ،‬وذلك من المور الشّخصيّة الّتي ل تورث عنه ‪ .‬ولذلك يحلّ الدّين بموت المدين‬
‫‪ ،‬ول يرث الورثة حقّ الجل ‪.‬‬
‫ج ‪ -‬حقوق ماليّة أخرى تتعلّق بمشيئة المورّث وإرادته ‪ ،‬وهي تورث عند الجمهور ‪.‬‬
‫ق الخيارات المعروفة‬
‫وذهب الحنفيّة إلى أنّها ل تورث ‪ .‬وأهمّ هذه الحقوق حقّ الشّفعة ‪ ،‬وح ّ‬
‫في عقود البيع ‪ ،‬كخيار الشّرط ‪ ،‬وخيار الرّؤية ‪ ،‬وخيار التّعيين ‪.‬‬
‫وللتّفصيل تنظر أحكام ( الخيار ‪ ،‬والشّفعة ) ‪.‬‬
‫د ‪ -‬حقوق ماليّة تتعلّق بمال المورّث ‪ ،‬ل بشخصه ول بإرادته ومشيئته ‪ ،‬وهذه حقوق تورث‬
‫عنه بل خلف بين الفقهاء ‪ ،‬وذلك كحقّ الرّهن ‪ ،‬وحقوق الرتفاق المعروفة ‪ ،‬كحقّ المرور‬
‫وحقّ الشّرب وحقّ المجرى وحقّ التّعلّي ‪.‬‬
‫‪ -‬فيدخل في التّركة ما كان للنسان حال حياته ‪ ،‬وخلّفه بعد مماته ‪ ،‬من مال أو حقوق أو‬ ‫‪4‬‬

‫اختصاص ‪ ،‬كال ّردّ بالعيب والقصاص والولء وحدّ القذف ‪.‬‬


‫وكذا من أوصى له بمنفعة شيء من الشياء كدار مثلً ‪ ،‬كانت المنفعة له حال حياته ولورثته‬
‫ل إذا كانت المنفعة مؤقّتةً بمدّة حياته في الوصيّة ‪.‬‬
‫بعد موته ‪ ،‬إ ّ‬
‫وصرّح الشّافعيّة بأنّ من التّركة أيضا ما دخل في ملكه بعد موته ‪ ،‬بسبب كان منه في حياته ‪،‬‬
‫ن نصبه للشّبكة للصطياد هو سبب الملك ‪ ،‬وكما لو‬
‫كصيد وقع في شبكة نصبها في حياته ‪ ،‬فإ ّ‬
‫مات عن خمر فتخلّلت بعد موته ‪ .‬قال القرافيّ ‪ :‬اعلم أنّه يروى عن رسول اللّه صلى ال عليه‬
‫وسلم أنّه قال ‪ « :‬من مات عن حقّ فلورثته » وهذا اللّفظ ليس على عمومه ‪ ،‬بل من الحقوق‬
‫ما ينقل إلى الوارث ‪ ،‬ومنها ما ل ينتقل ‪ .‬فمن حقّ النسان أن يلعن عند سبب اللّعان ‪ ،‬وأن‬
‫يفيء بعد اليلء ‪ ،‬وأن يعود بعد الظّهار ‪ ،‬وأن يختار من نسوة إذا أسلم عليهنّ وهنّ أكثر من‬
‫أربع ‪ ،‬وأن يختار إحدى الختين إذا أسلم عليهما ‪ ،‬وإذا جعل المتبايعان الخيار لجنبيّ عن‬
‫العقد فمن حقّه أن يملك إمضاء البيع عليهما أو فسخه ‪ ،‬ومن حقّه ما فوّض إليه من الوليات‬
‫والمناصب كالقصاص والمامة والخطابة وغيرهما ‪ ،‬وكالمانة والوكالة ‪ .‬فجميع هذه الحقوق‬
‫ل ينتقل للوارث منها شيء وإن كانت ثابتةً للمورّث ‪.‬‬
‫والضّابط ‪ :‬أنّه ينتقل إليه كلّ ما كان متعلّقا بالمال ‪ ،‬أو يدفع ضررا عن الوارث في عرضه‬
‫بتخفيف ألمه ‪ .‬أمّا ما كان متعلّقا بنفس المورّث وعقله وشهواته فل ينتقل للوارث ‪.‬‬
‫ن الورثة يرثون المال ‪ ،‬فيرثون ما يتعلّق به تبعا له ‪ ،‬ول يرثون عقله ول‬
‫والسّ ّر في الفرق ‪ :‬أ ّ‬
‫شهوته ول نفسه ‪ ،‬فل يرثون ما يتعلّق بذلك ‪ ،‬وما ل يورث ل يرثون ما يتعلّق به ‪ ،‬فاللّعان‬
‫يرجع إلى أمر يعتقده ل يشاركه فيه غيره غالبا ‪ ،‬والعتقادات ليست من باب المال ‪ ،‬والفيئة‬
‫شهوته ‪ ،‬والعود إرادته ‪ ،‬واختيار الختين والنّسوة إربه وميله ‪ ،‬وقضاؤه على المتبايعين عقله‬
‫وفكرته ‪ ،‬ورأيه ومناصبه وولياته وآراؤه واجتهاداته ‪ ،‬وأفعاله الدّينيّة فهو دينه ‪ ،‬ول ينتقل‬
‫شيء من ذلك للوارث ‪ ،‬لنّه لم يرث مستنده وأصله ‪ ،‬وانتقل للوارث خيار الشّرط في البياعات‬
‫‪ ،‬وقاله الشّافعيّ رحمه ال تعالى ‪ .‬ثمّ قال القرافيّ ‪ :‬إنّه لم يخرج عن حقوق الموال ‪ -‬فيما‬
‫يورث ‪ -‬إلّ صورتان فيما علمت ‪ :‬حدّ القذف وقصاص الطراف والجرح والمنافع في‬
‫العضاء ‪ .‬فإنّ هاتين الصّورتين تنتقلن للوارث ‪ ،‬وهما ليستا بمال ‪ ،‬لجل شفاء غليل الوارث‬
‫بما دخل على عرضه من قذف مورّثه والجناية عليه ‪.‬‬
‫وأمّا قصاص النّفس فإنّه ل يورث ‪ ،‬فإنّه لم يثبت للمجنيّ عليه قبل موته ‪ ،‬وإنّما يثبت للوارث‬
‫ابتداءً ‪ ،‬لنّ استحقاقه فرع زهوق النّفس ‪ ،‬فل يقع إلّ للوارث بعد موت الموروث ‪.‬‬
‫‪ -5‬وعند الحنابلة أنّ ما كان من حقوق المورّث ‪ ،‬ويجب له بموته ‪ ،‬كالدّية والقصاص في‬
‫النّفس فللورثة استيفاؤه ‪ .‬وما كان واجبا للمورّث في حياته إن كان قد طالب به ‪ ،‬أو هو في يده‬
‫ثبت للورثة إرثه ‪ ،‬وذلك على تفصيل في المذهب ‪.‬‬
‫‪ -6‬وذهب الحنفيّة إلى أنّ التّركة هي المال فقط ‪ ،‬ويدخل فيها الدّية الواجبة بالقتل الخطأ ‪ ،‬أو‬
‫بالصّلح عن عمد ‪ ،‬أو بانقلب القصاص بعفو بعض الولياء ‪ ،‬فتعتبر كسائر أمواله ‪ ،‬حتّى‬
‫تقضى منها ديونه وتخرج وصاياه ‪ ،‬ويرث الباقي ورثته ‪.‬‬
‫ول تدخل الحقوق في التّركة ‪ ،‬لنّها ليست ثابتةً بالحديث ‪ ،‬وما لم يثبت ل يكون دليلً ‪.‬‬
‫ن الحقوق ليست أموالً ‪ ،‬ول يورث منها إلّ ما كان تابعا للمال أو في معنى المال ‪ ،‬مثل‬
‫ول ّ‬
‫حقوق الرتفاق والتّعلّي وحقّ البقاء في الرض المحتكرة للبناء والغراس ‪ ،‬أمّا غير ذلك من‬
‫الحقوق فل يعتبر تركةً ‪ ،‬كحقّ الخيار في السّلعة الّتي اشتراها المورّث وكان له فيها حقّ‬
‫الخيار ‪ -‬كما سبق ‪ -‬وحقّ النتفاع بما أوصي له به ‪ ،‬ومات قبل مضيّ المدّة الّتي حدّدها‬
‫الموصي ‪ .‬قال ابن رشد ‪ :‬وعمدة المالكيّة والشّافعيّة ( والحنابلة أيضا ) أنّ الصل هو أن‬
‫تورث الحقوق والموال ‪ ،‬إلّ ما قام دليل على مفارقة الحقّ في هذا المعنى للمال ‪ .‬وعمدة‬
‫الحنفيّة أنّ الصل هو أن يورث المال دون الحقوق ‪ ،‬إلّ ما قام دليله من إلحاق الحقوق‬
‫بالموال ‪ .‬فموضع الخلف ‪ :‬هل الصل أن تورث الحقوق كالموال أو ل ؟ وكلّ واحد من‬
‫الفريقين يشبه من هذا ما لم يسلّم له خصمه منها بما يسلّمه منها له ‪ ،‬ويحتجّ على خصمه ‪.‬‬
‫الحقوق المتعلّقة بالتّركة ‪:‬‬
‫‪ -‬ذهب جمهور الفقهاء إلى أنّ الحقوق المتعلّقة بالتّركة أربعة ‪:‬‬ ‫‪7‬‬

‫وهي تجهيز الميّت للدّفن ‪ ،‬وقضاء ديونه إن مات مدينا ‪ ،‬وتنفيذ ما يكون أوصى به قبل موته‬
‫من وصايا ‪ ،‬ثمّ حقوق الورثة ‪.‬‬
‫وصرّح المالكيّة ‪ ،‬وصاحب ال ّد ّر المختار من الحنفيّة بأنّها خمسة بالستقراء ‪.‬‬
‫قال الدّردير ‪ :‬وغايتها ‪ -‬أي الحقوق المتعلّقة بالتّركة ‪ -‬خمسة ‪ :‬حقّ تعلّق بعين ‪ ،‬وحقّ تعلّق‬
‫ق تعلّق بالوارث ‪.‬‬
‫بالميّت ‪ ،‬وحقّ تعلّق بال ّذمّة ‪ ،‬وحقّ تعلّق بالغير ‪ ،‬وح ّ‬
‫ن الفقهاء تتبّعوا ذلك فلم يجدوا ما يزيد على هذه المور‬
‫والحصر في هذه استقرائيّ ‪ ،‬فإ ّ‬
‫ي كما قيل ‪ .‬وقال صاحب ال ّدرّ المختار ‪ :‬والحقوق هاهنا خمسة بالستقراء ‪،‬‬
‫الخمسة ‪ ،‬ل عقل ّ‬
‫ن الحقّ إمّا للميّت ‪ ،‬أو عليه ‪ ،‬أو ل ‪.‬‬
‫لّ‬
‫الوّل ‪ :‬التّجهيز ‪ ،‬والثّاني ‪ :‬إمّا أن يتعلّق بال ّذمّة وهو الدّين المطلق أو ل ‪ ،‬وهو المتعلّق بالعين‬
‫‪ ،‬والثّالث ‪ :‬إمّا اختياريّ وهو الوصيّة ‪ ،‬أو اضطراريّ وهو الميراث ‪.‬‬
‫أحكام التّركة ‪:‬‬
‫للتّركة أحكام خاصّة بيانها فيما يلي ‪:‬‬
‫ملكيّة التّركة ‪:‬‬
‫تنتقل ملكيّة التّركة جبرا إلى الورثة ‪ ،‬ولهذا النتقال شروط ‪:‬‬
‫الشّرط الوّل ‪ -‬موت المورّث ‪:‬‬
‫‪ -‬اتّفق الفقهاء على أنّ انتقال التّركة من المورّث إلى الوارث يكون بعد وفاة المورّث حقيقةً‬ ‫‪8‬‬

‫أو حكما أو تقديرا ‪.‬‬


‫فالموت الحقيقيّ ‪ :‬هو انعدام الحياة إمّا بالمعاينة ‪ ،‬كما إذا شوهد ميّتا ‪،‬أو بالبيّنة أو السّماع‪.‬‬
‫والموت الحكميّ ‪ :‬هو أن يكون بحكم القاضي إمّا مع احتمال الحياة أو تيقّنها ‪.‬‬
‫مثال الوّل ‪ :‬الحكم بموت المفقود ‪.‬‬
‫ومثال الثّاني ‪ :‬حكم القاضي على المرتدّ باعتباره في حكم الموات إذا لحق بدار الحرب ‪.‬‬
‫وتقسّم التّركة في هاتين الحالتين من وقت صدور الحكم بالموت ‪.‬‬
‫والموت التّقديريّ ‪ :‬هو إلحاق الشّخص بالموتى تقديرا ‪ ،‬كما في الجنين الّذي انفصل عن أمّه‬
‫بجناية ‪ ،‬بأن يضرب شخص امرأةً حاملً ‪ ،‬فتلقي جنينا ميّتا ‪ ،‬فتجب الغرّة ‪ ،‬وتقدّر بنصف‬
‫عشر الدّية ‪ .‬وقد اختلف الفقهاء في إرث هذا الجنين ‪ :‬فذهب الجمهور إلى أنّه ل يرث ‪ ،‬لنّه‬
‫ل الدّية فقط ‪.‬‬
‫لم تتحقّق حياته ‪ ،‬ومن ثمّ فلم تتحقّق أهليّته للتّملّك بالرث ‪ ،‬ول يورث عنه إ ّ‬
‫وذهب أبو حنيفة إلى أنّه يرث ويورث ‪ ،‬لنّه يقدر أنّه كان حيّا وقت الجناية ‪ ،‬وأنّه مات بسببها‬
‫‪ .‬وللتّفصيل انظر ( إرث ‪ ،‬جنين ‪ ،‬جناية ‪ ،‬موت ) ‪.‬‬
‫الشّرط الثّاني ‪ -‬حياة الوارث ‪:‬‬
‫‪ -‬تحقّق حياة الوارث بعد موت المورّث ‪ ،‬أو إلحاقه بالحياء تقديرا ‪ ،‬فالحياة الحقيقيّة هي‬ ‫‪9‬‬

‫المستقرّة الثّابتة للنسان المشاهدة له بعد موت المورّث ‪.‬‬


‫والحياة التّقديريّة هي الثّابتة تقديرا للجنين عند موت المورّث ‪ ،‬فإذا انفصل حيّا حياةً مستق ّرةً‬
‫لوقت يظهر منه وجوده عند الموت ‪ -‬ولو نطفةً ‪ -‬فيقدّر وجوده حيّا حين موت المورّث‬
‫بولدته حيّا ‪ .‬وللتّفصيل انظر مصطلح ‪ ( :‬إرث ) ‪.‬‬
‫الشّرط الثّالث ‪ -‬العلم بجهة الميراث ‪:‬‬
‫ن الحكام‬
‫‪ -‬يشترط العلم بالجهة المقتضية للرث من زوجيّة أو قرابة أو ولء ‪ ،‬وذلك ل ّ‬ ‫‪10‬‬

‫تختلف في ذلك ‪ ،‬ويجب أيضا أن تعيّن جهة القرابة ‪ ،‬مع العلم بالدّرجة الّتي يجتمع الوارث‬
‫فيها مع المورّث ‪ .‬وللتّفصيل انظر مصطلح ‪ ( :‬إرث ) ‪.‬‬
‫أسباب انتقال التّركة ‪:‬‬
‫‪ -‬أسباب انتقال التّركة أربعة ‪ ،‬اتّفق الفقهاء على ثلثة منها وهي ‪ :‬النّكاح والولء والقرابة‬ ‫‪11‬‬

‫‪.‬‬
‫وزاد المالكيّة والشّافعيّة جهة السلم وهي ‪ :‬بيت المال ‪ ،‬على تفصيل ينظر في موضعه ‪.‬‬
‫وكلّ سبب من هذه السباب يفيد الرث على الستقلل ‪ .‬وللتّفصيل انظر مصطلح ‪ ( :‬إرث )‬
‫‪.‬‬
‫موانع انتقال التّركة بالرث ‪:‬‬
‫‪ -‬موانع انتقال التّركة عن طريق الرث ثلثة ‪ :‬ال ّرقّ ‪ ،‬والقتل ‪ ،‬واختلف الدّين ‪ .‬واختلفوا‬ ‫‪12‬‬

‫في ثلثة ‪ :‬وهي الرّدّة ‪ ،‬واختلف الدّارين ‪ ،‬والدّور الحكميّ ‪.‬‬


‫وهناك موانع أخرى لبعض الفقهاء ‪ ،‬مع خلف وتفصيل يرجع فيه إلى مصطلح ( إرث ) ‪.‬‬
‫انتقال التّركة ‪:‬‬
‫‪ -‬ل يشترط لنتقال التّركة إلى الوارث قبول الوراثة ‪ ،‬ول إلى أن يتروّى قبل أن يقبلها ‪،‬‬ ‫‪13‬‬

‫بل إنّها تئول إليه جبرا بحكم الشّرع من غير قبول منه ‪ .‬وقد تكون التّركة خاليةً من الدّيون ‪،‬‬
‫وقد تكون مدينةً ‪ .‬والدّين إمّا أن يكون مستغرقا أو ل ‪ ،‬ول خلف بين الفقهاء في أنّ التّركة‬
‫تنتقل إلى الوارث ‪ ،‬إذا لم يتعلّق بها دين من حين وفاة الميّت ‪.‬‬
‫واختلفوا في انتقال التّركة الّتي يتعلّق بها الدّين على ثلثة أقوال ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬فذهب الشّافعيّة ‪ ،‬وهو أشهر الرّوايتين عند الحنابلة إلى ‪ :‬أنّ أموال التّركة تنتقل إلى ملك‬
‫الورثة بمجرّد موت المورّث ‪ ،‬مع تعلّق الدّين بها ‪ ،‬سواء أكان الدّين مستغرقا للتّركة أم غير‬
‫مستغرق لها ‪.‬‬
‫ن أموال التّركة تبقى على ملك الميّت بعد موته إلى أن يسدّد الدّين‬
‫ب ‪ -‬وذهب المالكيّة إلى ‪ :‬أ ّ‬
‫صيّةٍ يُوصِي بِها‬
‫‪ ،‬سواء أكان الدّين مستغرقا لها أم غير مستغرق ‪ ،‬لقوله تعالى ‪ { :‬مِنْ َب ْعدِ َو ِ‬
‫أو دَينٍ } ‪.‬‬
‫ج ‪ -‬وذهب الحنفيّة إلى أنّه يميّز بين ما إذا كانت التّركة مستغرقةً بالدّين ‪ ،‬أو كانت غير‬
‫مستغرقة به ‪ .‬فإن استغرق الدّين أموال التّركة تبقى أموال التّركة على ملك الميّت ‪ ،‬ول تنتقل‬
‫إلى ملك الورثة ‪ .‬وإن كان الدّين غير مستغرق ‪ ،‬فالرّأي الرّاجح أنّ أموال التّركة تنتقل إلى‬
‫الورثة بمجرّد موت المورّث ‪ ،‬مع تعلّق الدّين بهذه الموال على تفصيل سيأتي ‪.‬‬
‫قال السّرخسيّ ‪ :‬الدّين إذا كان محيطا بالتّركة يمنع ملك الوارث في التّركة ‪ ،‬وإن لم يكن‬
‫محيطا فكذلك في قول أبي حنيفة الوّل ‪.‬‬
‫وفي قوله الخر ‪ :‬ل يمنع ملك الوارث بحال ‪ ،‬لنّ الوارث يخلف المورّث في المال ‪ ،‬والمال‬
‫كان مملوكا للميّت في حال حياته مع اشتغاله بالدّين كالمرهون ‪ ،‬فكذلك يكون ملكا للوارث ‪،‬‬
‫صيّةٍ يُوصِي بها أو دَينٍ } ‪.‬‬
‫ن َبعْ ِد وَ ِ‬
‫قال ‪ :‬وحجّتنا في ذلك قوله تعالى ‪ { :‬مِ ْ‬
‫فقد جعل اللّه تعالى أوان الميراث ما بعد قضاء الدّين ‪ ،‬والحكم ل يسبق أوانه فيكون حال الدّين‬
‫كحال حياة المورّث في المعنى ‪.‬‬
‫ثمّ الوارث يخلفه فيما يفضل من حاجته ‪ ،‬فأمّا المشغول بحاجته فل يخلفه وارثه فيه ‪.‬‬
‫وإذا كان الدّين محيطا بتركته فالمال مشغول بحاجته ‪ ،‬وقيام الصل يمنع ظهور حكم الخلف ‪.‬‬
‫ول نقول ‪ :‬يبقى مملوكا بغير مالك ‪ ،‬ولكن تبقى مالكيّة المديون في ماله حكما لبقاء حاجته ‪.‬‬
‫وخلفة الوارث في التّركة ناقصة في حال تعلّق الدّين بها من غير استغراق ‪ ،‬وهي صوريّة‬
‫إذا كانت مستغرق ًة بالدّين ‪ ،‬وذلك ل يعني أنّه ل قيمة لهذه الخلفة ‪ ،‬بل لها شأنها ‪ ،‬ويعلم ذلك‬
‫من أقوال الفقهاء ‪ .‬قال ابن قاضي سماوة من الحنفيّة ‪ :‬للورثة أخذ التّركة لنفسهم ودفع الدّين‬
‫والوصيّة من مالهم ‪.‬‬
‫ب‬
‫ولو كانت التّركة مستغرقةً بدين أو غير مستغرقة ‪ ،‬فأدّاه الورثة لستخلص التّركة يجبر ر ّ‬
‫الدّين على قبوله ‪ ،‬إذ لهم الستخلص وإن لم يملكوها ‪ ،‬بخلف الجنبيّ ‪.‬‬
‫ولو كانت التّركة مستغرقةً بالدّين فالخصم في إثبات الدّين إنّما هو وارثه ‪ ،‬لنّه خلفه ‪ ،‬فتسمع‬
‫البيّنة الّتي يتقدّم بها الدّائن عليه ‪.‬‬
‫أثر الخلف السّابق في انتقال التّركة ‪:‬‬
‫‪ -‬أ ‪ -‬نماء التّركة أو نتاجها إذا حصل بين الوفاة وأداء الدّين ‪ ،‬هل تضمّ إلى التّركة‬ ‫‪14‬‬

‫لمصلحة الدّائنين أم هي للورثة ؟‬


‫وذلك كأجرة دار للسّكنى ‪ ،‬أو أرض زراعيّة استحقّت بعد وفاته ‪ ،‬وكدابّة ولدت أو سمنت‬
‫فزادت قيمتها ‪ ،‬وكشجر صار له ثمر ‪ .‬كلّ ذلك نماء أو زيادة في التّركة ‪ ،‬وفيه خلف بين‬
‫ن التّركة قبل وفاء الدّين المتعلّق بها هل تنتقل إلى الورثة أم ل ؟ فمن قال ‪:‬‬
‫الفقهاء مبنيّ على أ ّ‬
‫تنتقل إلى الورثة قال ‪ :‬إنّ الزّيادة للوارث وليست للدّائن ‪ ،‬ومن قال بعدم انتقالها ضمّت الزّيادة‬
‫إلى التّركة لوفاء الدّين ‪ ،‬فإن فضل شيء انتقل إلى الورثة ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬صيد وقع في شبكة أعدّها المورّث حال حياته ‪ ،‬ووقوع الصّيد كان بعد وفاته ‪ ،‬فعلى‬
‫الخلف السّابق ‪ .‬وللتّفصيل ينظر في مصطلح ‪ ( :‬دين ‪ ،‬وصيد ‪ ،‬وإرث ) ‪.‬‬
‫وقت انتقال التّركة ‪:‬‬
‫يختلف وقت وراثة الوارث لمورّثه بناءً على ما يسبق الوفاة ‪ .‬وهنا يفرّق بين حالت ثلث ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬الحالة الولى ‪:‬‬
‫‪ -‬من مات دون سابق مرض ظاهر ‪ ،‬وذلك كأن مات فجأ ًة بال سّكتة القلبيّة ‪ ،‬أو في حادث‬ ‫‪15‬‬

‫مثلً ‪ .‬ف في هذه الحالة يكون و قت خل فة الوارث لمو ّر ثه هو ن فس و قت الموت ‪ ،‬وبل خلف‬
‫يعتدّ به ب ين الفقهاء ‪ .‬قال الفنار يّ ‪ :‬فع ند أبي يوسف ومحمّد يخلف الوارث مو ّر ثه في التّر كة‬
‫بعد موته ‪ ،‬وعليه مشايخ بلخ ‪ ،‬لنّه ما دام حيّا مالك لجميع أمواله ‪ ،‬فلو ملكها الوارث في هذه‬
‫الحالة أدّى إلى أن ي صير الشّ يء الوا حد مملوكا لشخ صين في حالة واحدة ‪ ،‬وهذا غ ير معهود‬
‫في الشّرع ‪ ،‬ل كن ع ند محمّد ملك الوارث يتعقّب الموت ‪ ،‬وع ند أ بي يو سف ل يتعقّب ‪ ،‬بل‬
‫يتحقّق إذا ا ستغنى الميّت عن ماله بتجهيزه وأداء دي نه ‪ ،‬ل نّ كلّ جزء يجوز أن يكون محتاجا‬
‫إليه بتقدير هلك الباقي ‪ .‬وعن محمّد ينتقل الملك إلى الوارث قبل موته في آخر أجزاء الحياة ‪،‬‬
‫وعل يه مشا يخ العراق ‪ ،‬ل نّ الرث يجري ب ين الزّوج والزّو جة ‪ ،‬والزّوجيّة ترت فع بالموت أو‬
‫ي سبب يجري الرث بينه ما ‪ .‬وع ند الب عض يجري الرث‬
‫تنت هي على ح سب ما اختلفوا ‪ ،‬فبأ ّ‬
‫مع موت المورّث ل قبله ول بعده ‪ -‬كما ذكره شارح الفرائض العثمانيّة واختاره ‪ -‬ل نّ انتقال‬
‫الشّيء إلى ملك الوارث مقارن لزوال ملك المورّث عن ذلك الشّيء ‪ ،‬فحين يتمّ يحصل النتقال‬
‫والرث ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬الحالة الثّانية ‪:‬‬
‫‪ -‬هي حالة من مات بعد أن كان مريضا مرض الموت واتّصلت الوفاة به ‪.‬‬ ‫‪16‬‬

‫وقد عرّفت مجلّة الحكام العدليّة مرض الموت بأنّه ‪ :‬المرض الّذي يخاف فيه الموت في‬
‫الكثر ‪ ،‬الّذي يعجز المريض عن رويّة مصالحه الخارجيّة عن داره إن كان من الذّكور ‪،‬‬
‫ويعجزه عن رؤية المصالح الدّاخليّة في داره إن كان من الناث ‪ ،‬ويموت على ذلك الحال قبل‬
‫مرور سنة ‪ ،‬كان صاحب فراش أو لم يكن ‪ .‬وإن امتدّ مرضه دائما على حال ‪ ،‬ومضى عليه‬
‫سنة يكون في حكم الصّحيح ‪ ،‬وتكون تصرّفاته كتصرّفات الصّحيح ‪ ،‬ما لم يشتدّ مرضه‬
‫ويتغيّر حاله ‪ ،‬ولكن لو اشتدّ مرضه وتغيّر حاله ومات ‪ ،‬يعدّ حاله اعتبارا من وقت التّغيّر إلى‬
‫الوفاة مرض موت ‪ .‬ويلحق بالمريض مرض الموت ‪ :‬الحامل إذا أتمّت ستّة أشهر ودخلت في‬
‫السّابع ‪ ،‬والمحبوس للقتل ‪ ،‬وحاضر صفّ القتال وإن لم يصب بجرح كما صرّح بذلك المالكيّة‬
‫‪ .‬ونحوه تصريح الحنابلة في الحامل إذا ضربها المخاض ‪.‬‬
‫‪ -‬وذهب الجمهور إلى أنّ وقت انتقال تركة المريض مرض الموت إلى ورثته ‪ ،‬يكون‬ ‫‪17‬‬

‫ن انتقال‬
‫عقب الموت بل تراخ ‪ ،‬وهو قول أكثر الحنفيّة أيضا ‪ .‬وقال بعض متقدّمي الحنفيّة ‪ :‬إ ّ‬
‫الملكيّة في ثلثي تركة المريض مرض الموت يكون من حين ابتداء مرض الموت ‪ ،‬وتفصيل‬
‫ذلك ودليله ينظر في المطوّلت ‪ .‬قالوا ‪ :‬ولجل هذا منع المريض مرض الموت من التّصرّف‬
‫في ثلثي التّركة ‪ ،‬وترث زوجته منه لو طلّقها بائنا فيه ‪.‬‬
‫الحجر على المريض مرض الموت صونا للتّركة لحقّ الورثة ‪:‬‬
‫‪ -‬إذا شعر المريض بدن ّو أجله ربّما تنطلق يده في التّبرّعات رجاء استدراك ما فاته في‬ ‫‪18‬‬

‫حال صحّته ‪ ،‬وقد يؤدّي ذلك إلى تبديد ماله وحرمان الورثة ‪ ،‬فشرع الحجر عليه ‪.‬‬
‫وقد اتّفق الفقهاء على أنّ المريض مرض الموت محجور عليه بحكم الشّرع لحقّ الورثة ‪،‬‬
‫والّذي يحجر فيه على المريض هو تبرّعاته فقط فيما زاد عن ثلث تركته حيث ل دين ‪ .‬وذهب‬
‫جمهور الفقهاء إلى أنّ هذا الحجر على المريض مرض الموت هو في التّبرّع ‪ ،‬كالهبة‬
‫والصّدقة والوصيّة والوقف وبيع المحاباة فيما يزيد عن ثلث ماله ‪ ،‬أي أنّ حكم تبرّعاته حكم‬
‫وصيّته ‪ :‬تنفذ من الثّلث ‪ ،‬وتكون موقوفةً على إجازة الورثة فيما زاد عن الثّلث ‪ ،‬فإن برئ من‬
‫مرضه صحّ تبرّعه ‪ .‬وقال المالكيّة ‪ :‬ل ينفذ من الثّلث تبرّع المريض ‪ ،‬إلّ إذا كان المال‬
‫الباقي بعد التّبرّع مأمونا ‪ ،‬أي ل يخشى تغيّره ‪ ،‬وهو العقار كدار وأرض وشجر ‪ ،‬فإن كان‬
‫غير مأمون فل ينفذ ‪ ،‬وإنّما يوقف ولو بدون الثّلث حتّى يظهر حاله من موت أو حياة ‪ ،‬كما‬
‫يمنع من الزّواج بما زاد على الثّلث ‪ .‬قال الدّسوقيّ ‪ :‬والمريض ل يحجر عليه في تداويه‬
‫ومؤنته ‪ ،‬ول في المعاوضة الماليّة ولو بكلّ ماله ‪ .‬وأمّا التّبرّعات فيحجر عليه فيها بما زاد‬
‫عن الثّلث ‪ .‬وللتّفصيل انظر مصطلح ‪ ( :‬مرض الموت ) ‪.‬‬
‫ج ‪ -‬الحالة الثّالثة ‪:‬‬
‫‪ -‬وهي حالة التّركة المدينة بدين مستغرق أو غير مستغرق لها ‪ ،‬وقد تقدّم الكلم على هذه‬ ‫‪19‬‬

‫الحالة في " انتقال التّركة " ‪.‬‬


‫زوائد التّركة ‪:‬‬
‫‪ -‬المراد بزوائد التّركة نماء أعيانها بعد وفاة المورّث ‪.‬‬ ‫‪20‬‬

‫وقد فصّل الفقهاء حكم هذه الزّوائد ‪ ،‬آخذين بعين العتبار ما إذا كانت التّركة خاليةً من الدّيون‬
‫أو مدين ًة بدين مستغرق أو غير مستغرق ‪ .‬فإذا كانت التّركة غير مدينة ‪ ،‬فل خلف بين‬
‫ن التّركة بزوائدها للورثة ‪ ،‬كلّ حسب حصّته في الميراث ‪.‬‬
‫الفقهاء في أ ّ‬
‫أمّا إذا كانت التّركة مدينةً بدين مستغرق أو غير مستغرق ‪ ،‬فقد اختلف الفقهاء في زوائدها هل‬
‫تبقى على ملك الميّت ‪ ،‬ومن ثمّ تصرف للدّائنين ؟ أم تنتقل للورثة ؟‬
‫فذهب الحنفيّة ‪ -‬في الدّين المستغرق ‪ -‬والمالكيّة إلى ‪ :‬أنّ نماء أعيان التّركة بزيادتها المتولّدة‬
‫ملك للميّت ‪ ،‬كما أنّ نفقات أعيان التّركة ‪ ،‬من حفظ وصيانة ومصروفات حمل ونقل وطعام‬
‫حيوان تكون في التّركة ‪.‬‬
‫وذهب الحنفيّة في الدّين غير المستغرق والشّافعيّة والحنابلة ‪ -‬في أشهر الرّوايتين ‪ -‬إلى أنّ‬
‫زوائد التّركة الّتي تعلّق بها دين ملك للورثة ‪ ،‬وعليهم ما تحتاجه من نفقات ‪.‬‬
‫ترتيب الحقوق المتعلّقة بالتّركة ‪:‬‬
‫‪ -‬ل خلف بين الفقهاء في أنّ الحقوق المتعلّقة بالتّركة ليست على مرتبة واحدة ‪ ،‬وأنّ‬ ‫‪21‬‬

‫بعضها مقدّم على بعض ‪ ،‬فيقدّم من حيث الجملة تجهيز الميّت وتكفينه ‪ ،‬ثمّ أداء الدّين ‪ ،‬ثمّ‬
‫تنفيذ وصاياه ‪ ،‬والباقي للورثة ‪.‬‬
‫أوّلً ‪ :‬تجهيز الميّت وتكفينه ‪:‬‬
‫‪ -‬إذا كانت التّركة خاليةً من تعلّق دين بعينها قبل الوفاة ‪ ،‬فقد اتّفق الفقهاء على أنّ أوّل‬ ‫‪22‬‬

‫الحقوق مرتب ًة وأقواها هو ‪ :‬تجهيزه للدّفن والقيام بتكفينه وبما ل بدّ له منه ‪ « ،‬لقوله صلى ال‬
‫عليه وسلم في الّذي َو َقصَته ناقتُه ‪ :‬كَفّنوه في ثوبين » ولم يسأل هل عليه دين أم ل ؟ لنّه‬
‫محتاج إلى ذلك ‪ ،‬وإنّما يدفع إلى الوارث ما يستغني عنه المورّث ‪ ،‬لنّه إذا ترك للمفلس الحيّ‬
‫ي صلى‬
‫ثياب تليق به فالميّت أولى أن يستر ويوارى ‪ ،‬لنّ الحيّ يعالج لنفسه ‪ ،‬وقد « كفّن النّب ّ‬
‫ال عليه وسلم يوم أحد مصعبا رضي ال عنه في بردة له ‪ ،‬ولم يكن له غيرها ‪ ،‬وكفّن حمزة‬
‫رضي ال عنه أيضا » ولم يسأل عن دين قد يكون على أحدهما قبل التّكفين ‪ .‬أمّا إذا لم تكن‬
‫التّركة خاليةً من تعلّق حقّ الغير بأعيانها قبل الوفاة ‪ ،‬كأن كان فيها شيء من العيان المرهونة‬
‫‪ ،‬أو شيء اشتراه ولم يقبضه ولم يدفع ثمنه ‪ ،‬كان حقّ المرتهن متعلّقا بعين الشّيء المرهون ‪،‬‬
‫وكان حقّ البائع متعلّقا بالمبيع نفسه الّذي ل يزال تحت يده ‪ ،‬ففي هذه الحالة يكون الدّين متقدّما‬
‫في الدّفع على تكفين الميّت وتجهيزه عند المالكيّة والشّافعيّة ‪ ،‬وهي الرّواية المشهورة عند‬
‫الحنفيّة ‪.‬‬
‫وعند الحنابلة ‪ ،‬وغير المشهور عند الحنفيّة ‪ :‬أنّه إذا مات النسان بدئ بتكفينه وتجهيزه مقدّما‬
‫على غيره ‪ ،‬كما تقدّم نفقة المفلس على ديون غرمائه ‪ ،‬ثمّ تقضى ديونه بعد تجهيزه ودفنه ‪.‬‬
‫والتّفصيل في ( جنائز ‪ ،‬ودين ) ‪.‬‬
‫ثانيا ‪ :‬أداء الدّين ‪:‬‬
‫‪ -‬يأتي في المرتبة الثّانية أداء الدّيون المتعلّقة بالتّركة بعد تجهيز الميّت ‪ -‬على التّفصيل‬ ‫‪23‬‬

‫صيّةٍ يُوصِي بها أو دينٍ } ‪ .‬ويقدّم الدّين على الوصيّة‬


‫السّابق ‪ -‬لقوله تعالى ‪ { :‬مِنْ َب ْعدِ َو ِ‬
‫ن الدّين واجب من أوّل المر ‪ ،‬لكنّ الوصيّة تبرّع ابتداءً ‪ ،‬والواجب يؤدّى‬
‫باتّفاق الفقهاء ‪ ،‬ل ّ‬
‫قبل التّبرّع ‪ « .‬وعن المام عليّ رضي ال عنه أنّه قال ‪ :‬إنّكم تقرءون الوصيّة قبل الدّين ‪،‬‬
‫وقد شهدت رسول اللّه صلى ال عليه وسلم بدأ بالدّين قبل الوصيّة » ‪ .‬وهذه الدّيون أو الحقوق‬
‫أنواع ‪:‬‬
‫منها ‪ :‬ما يكون للّه تعالى ‪ ،‬كالزّكاة والكفّارات والحجّ الواجب ‪.‬‬
‫صحّة ودين المرض ‪.‬‬
‫ومنها ‪ :‬ما يكون للعباد ‪ ،‬كدين ال ّ‬
‫وهذه الدّيون بشطريها ‪ ،‬إمّا أن تتعلّق بعين التّركة أو بجزء منها ‪.‬‬
‫ومنها ‪ :‬ديون مطلقة متعلّقة بال ّذمّة وحدها ‪.‬‬
‫ي والشّعبيّ والنّخعيّ وسوّار ‪ ،‬وهو الرّواية‬
‫‪ -‬وذهب الحنفيّة والمالكيّة والشّافعيّة والثّور ّ‬ ‫‪24‬‬

‫المرجوحة للحنابلة إلى ‪ :‬أنّ الدّيون الّتي على الميّت تحلّ بموته ‪ .‬قال ابن قدامة ‪ :‬لنّه ل يخلو‬
‫إمّا أن يبقى الدّين في ذمّة الميّت ‪ ،‬أو الورثة ‪ ،‬أو يتعلّق بالمال ‪.‬‬
‫ل يجوز بقاؤه في ذمّة الميّت لخرابها وتعذّر مطالبته بها ‪ ،‬ول ذمّة الورثة لنّهم لم يلتزموها ‪،‬‬
‫ول رضي صاحب الدّين بذممهم ‪ ،‬وهي مختلفة متباينة ‪ ،‬ول يجوز تعليقه على العيان‬
‫وتأجيله ‪ ،‬لنّه ضرر بالميّت وصاحب الدّين ول نفع للورثة فيه أمّا الميّت فلنّ النّبيّ صلى ال‬
‫عليه وسلم قال ‪ « :‬نفس المؤمن معلّقة ما كان عليه دين » ‪ ،‬وأمّا صاحبه فيتأخّر حقّه ‪ ،‬وقد‬
‫تتلف العين فيسقط حقّه ‪ ،‬وأمّا الورثة فإنّهم ل ينتفعون بالعيان ول يتصرّفون فيها ‪ ،‬وإن‬
‫حصلت لهم منفعة فل يسقط حظّ الميّت وصاحب الدّين لمنفعة لهم ‪.‬‬
‫والمذهب عند الحنابلة ‪ ،‬وهو قول ابن سيرين وعبيد اللّه بن الحسن العنبريّ وأبي عبيد ‪ :‬أنّ‬
‫الدّيون على الميّت ل تحلّ بموته ‪ ،‬إذا وثق الورثة أو غيرهم برهن أو كفيل مليء على أقلّ‬
‫ل للحقوق ‪ ،‬وإنّما‬
‫ن الموت ما جعل مبط ً‬
‫المرين من قيمة التّركة أو الدّين ‪ .‬قال ابن قدامة ‪ :‬ل ّ‬
‫هو ميقات للخلفة وعلمة على الوراثة ‪ ،‬وقد قال النّبيّ صلى ال عليه وسلم ‪ « :‬من ترك حقّا‬
‫ل فلورثته » ‪ ،‬فعلى هذا يبقى الدّين في ذمّة الميّت كما كان ‪ ،‬ويتعلّق بعين ماله كتعلّق‬
‫أو ما ً‬
‫حقوق الغرماء بمال المفلس عند الحجر عليه ‪ ،‬فإن أحبّ الورثة أداء الدّين والتزامه للغريم‬
‫ويتصرّفون في المال لم يكن لهم ذلك إلّ أن يرضى الغريم ‪ ،‬أو يوثّقوا الحقّ بضمين مليء أو‬
‫رهن يثق به لوفاء حقّه ‪ ،‬فأنّهم قد ل يكونون أملياء ولم يرض بهم الغريم ‪ ،‬فيؤدّي إلى فوات‬
‫ق ينتقل إلى ذمم الورثة بموت مورّثهم من غير أن‬
‫الحقّ ‪ ،‬وذكر القاضي أبو يعلى ‪ :‬أنّ الح ّ‬
‫يشترط التزامهم له ‪ .‬قال ابن قدامة ‪ :‬ول ينبغي أن يلزم النسان دين لم يلتزمه ولم يتعاط سببه‬
‫‪ ،‬ولو لزمهم ذلك لموت مورّثهم للزمهم وإن لم يخلّف وفاءً ‪.‬‬
‫ي الدّينين يؤدّى أ ّولً إذا ضاقت التّركة عنهما ‪.‬‬
‫‪ -‬وقد اختلف الفقهاء في أ ّ‬ ‫‪25‬‬

‫ل إذا أوصى بها كما سيأتي ‪.‬‬


‫فذهب الحنفيّة إلى ‪ :‬أنّ ديون اللّه تعالى تسقط بالموت إ ّ‬
‫ن حقوق اللّه تعالى مبنيّة على‬
‫ن حقّ العبد يقدّم على حقّ اللّه تعالى ‪ ،‬ل ّ‬
‫وذهب المالكيّة إلى أ ّ‬
‫المسامحة ‪ ،‬وحقوق العباد مبنيّة على المشاحّة ‪ ،‬أو لستغناء اللّه وحاجة النّاس ‪.‬‬
‫ي إذا ضاقت التّركة‬
‫وذهب الشّافعيّة إلى تقديم حقوق اللّه تعالى أو ديونه على حقوق الدم ّ‬
‫عنهما ‪ ،‬واستدلّوا بقوله صلى ال عليه وسلم ‪ « :‬دين اللّه أحقّ أن يقضى » ‪.‬‬
‫وقوله ‪ « :‬اقضوا اللّه ‪ ،‬فاللّه أحقّ بالوفاء » ‪.‬‬
‫وأمّا الحنابلة فإنّهم يقدّمون وفاء الدّين المتعلّق بعين التّركة أو ببعضها ‪ ،‬كالدّين المرهون به‬
‫شيء منها ‪ ،‬ثمّ بعدها الدّين المطلقة المتعلّقة بذمّة المتوفّى ‪ ،‬ول فرق في التّقديم بين حقّ اللّه‬
‫أو حقّ العبد ‪ .‬وللتّفصيل انظر مصطلح ‪ ( :‬إرث ‪ ،‬ودين ) ‪.‬‬
‫تعلّق دين اللّه سبحانه بالتّركة ‪:‬‬
‫‪ -‬ذهب المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة إلى أنّ دين اللّه سبحانه وتعالى يجب أداؤه من التّركة ‪،‬‬ ‫‪26‬‬

‫سواء أوصى به أم ل ‪ ،‬على خلف سبق في تقديمه على دين الدميّ ‪.‬‬
‫وذهب الحنفيّة إلى أنّ دين اللّه تعالى ل يجب أداؤه من التّركة إلّ إذا أوصى به الميّت ‪ ،‬فإن‬
‫أوصى به فيخرج من ثلث التّركة ‪ .‬قال الفناريّ في توجيه ذلك ‪ :‬إنّ أداء دين اللّه عبادة ‪،‬‬
‫ومعنى العبادة ل يتحقّق إلّ بنيّة وفعل ممّن يجب عليه حقيقةً أو حكما ‪ ،‬كما في اليصاء لتحقّق‬
‫أدائها مختارا ‪ ،‬فيظهر اختياره الطّاعة من اختياره المعصية الّذي هو المقصود من التّكليف ‪،‬‬
‫وفعل الوارث من غير أمر المبتلى بالمر والنّهي ل يحقّق اختياره ‪ ،‬فإذا مات من غير فعل‬
‫ول أمر به فقد تحقّق عصيانه ‪ ،‬لخروجه من دار التّكليف ولم يمتثل ‪ ،‬وذلك تقرير عليه موجب‬
‫العصيان ‪ ،‬فليس فعل الوارث الفعل المأمور به ‪ ،‬فل يسقط به الواجب ‪ ،‬كما لو تبرّع به في‬
‫حال حياته ‪ ،‬بخلف حقوق العباد ‪ ،‬فإنّ الواجب فيها وصولها إلى مستحقّيها ل غير ‪ ،‬ولهذا لو‬
‫ظفر به الغريم يأخذه ‪ ،‬ويبرأ من عليه بذلك ‪.‬‬
‫ثمّ اليصاء بحقوق اللّه تعالى تبرّع ‪ ،‬لنّ الواجب في ذمّة من عليه الحقّ فعل ل مال ‪،‬‬
‫ن التّركة مال يصلح لستيفاء المال‬
‫والفعال تسقط بالموت ‪ ،‬ول يتعلّق استيفاؤها بالتّركة ‪ ،‬ل ّ‬
‫منها ل لستيفاء الفعل ‪ .‬أل يرى أنّه إذا مات وعليه القصاص ل يستوفى من تركته ‪ ،‬فصارت‬
‫الحقوق المذكورة كالسّاقط في حقّ الدّنيا ‪ ،‬لنّها لو لم يوص بها لم يجب على الورثة أداؤها ‪،‬‬
‫فكان اليصاء بأدائها تبرّعا ‪ ،‬فيعتبر كسائر التّبرّعات من الثّلث بخلف ديون العباد ‪ ،‬فإنّها ل‬
‫ن المقصود ثمّة المال ل الفعل ‪ ،‬لحاجة العباد إلى الموال ‪ .‬وفيه بحث وهو‬
‫تسقط بالموت ‪ ،‬ل ّ‬
‫ن اليصاء بأداء حقوق اللّه تعالى واجب كما صرّح به في الهداية ‪ ،‬واليصاء بسائر‬
‫أّ‬
‫التّبرّعات ليس بلزم ‪ ،‬فل وجه لقياس اليصاء بأداء حقوق اللّه على اليصاء بسائر التّبرّعات‬
‫‪ ،‬فتأمّل ‪.‬‬
‫هذا وقد اختلف الجمهور في بعض التّفصيلت ‪ :‬فذهب المالكيّة إلى أنّه بعد وفاء دين العبد يبدأ‬
‫بوفاء حقّ اللّه تعالى ‪ ،‬فيقدّم هدي التّمتّع إن مات الحاجّ بعد رمي جمرة العقبة ‪ ،‬أوصى به أم‬
‫ل ‪ ،‬ثمّ زكاة فطر فرّط فيها ‪ ،‬وكفّارات فرّط فيها أيضا ‪ ،‬ككفّارة يمين وصوم وظهار وقتل إذا‬
‫أشهد في صحّته أنّها بذمّته ‪ ،‬كلّ ذلك يخرج من رأس المال ‪ ،‬أوصى بإخراجها أم لم يوص ‪،‬‬
‫ن المقرّر في مذهب المالكيّة ‪ :‬أنّ حقوق اللّه متى أشهد في صحّته بها خرجت من رأس‬
‫لّ‬
‫المال ‪ ،‬فإن أوصى بها ولم يشهد فتخرج من الثّلث ‪.‬‬
‫ومثل ما تقدّم ‪ :‬زكاة النّقدين الّتي حلّت وأوصى بها ‪ ،‬وزكاة ماشية وجبت ول ساعي لخذها‬
‫ولم توجد السّنّ الّتي تجب فيها ‪ ،‬فإن وجدت فهو كالدّين المتعلّق بعين ‪ ،‬فيجب إخراجه قبل‬
‫الكفن والتّجهيز ‪.‬‬
‫وذهب الشّافعيّة إلى ‪ :‬أنّه بعد تجهيز الميّت وتكفينه تقضى ديونه المتعلّقة بذمّته من رأس‬
‫المال ‪ ،‬سواء أكانت للّه تعالى أم لدميّ ‪ ،‬أوصى بها أم لم يوص ‪ ،‬لنّها حقّ واجب عليه ‪.‬‬
‫هذا وإنّ محلّ تأخير الدّين عن مؤن التّجهيز إذا لم يتعلّق بعين التّركة حقّ ‪ ،‬فإن تعلّق بعين‬
‫التّركة حقّ قدّم على التّجهيز ‪ ،‬وذلك كالزّكاة الواجبة فيما قبل موته ‪ ،‬ولو من غير الجنس ‪،‬‬
‫فيقدّم على مؤن التّجهيز ‪ ،‬بل على كلّ حقّ تعلّق بها فكانت كالمرهون بها ‪.‬‬
‫وذهب الحنابلة إلى ‪ :‬أنّه بعد التّجهيز والتّكفين يوفّى حقّ مرتهن بقدر الرّهن ‪ ،‬ثمّ إن فضل‬
‫للمرتهن شيء من دينه شارك الغرماء ‪ .‬ثمّ بعد ما سبق من تسديد الدّيون المتعلّقة بأعيان‬
‫التّركة ‪ ،‬تسدّد الدّيون غير المتعلّقة بالعيان ‪ ،‬وهي الّتي تثبت في ال ّذمّة ‪ ،‬ويتعلّق حقّ الغرماء‬
‫بالتّركة كلّها ‪ ،‬سواء استغرقها الدّين أم لم يستغرقها ‪ ،‬وسواء أكان الدّين للّه تعالى كالزّكاة‬
‫والكفّارات والحجّ الواجب ‪ ،‬أم كان لدميّ كالقرض والثّمن والجرة ‪.‬‬
‫فإن زادت الدّيون عن التّركة ‪ ،‬ولم تف بدين اللّه تعالى ودين الدميّ ‪ ،‬يتحاصّون بنسبة‬
‫ديونهم كمال المفلس ‪.‬‬
‫ج وينظر مصطلح ‪ ( :‬حجّ ‪ ،‬ودين ‪ ،‬وإرث ) ‪.‬‬
‫والتّفصيل في الزّكاة والكفّارات والح ّ‬
‫دين الدميّ ‪:‬‬
‫‪ -‬دين الدميّ هو الدّين الّذي له مطالب من جهة العباد ‪ ،‬فإنّ إخراج هذا الدّين من التّركة‬ ‫‪27‬‬

‫صيّةٍ‬
‫ن َبعْ ِد وَ ِ‬
‫والوفاء به واجب شرعا على الورثة قبل توزيع التّركة بينهم ‪ ،‬لقوله تعالى ‪ { .‬مِ ْ‬
‫يُوصِي بها أو َديْنٍ } وعلى ذلك الجماع ‪ ،‬وذلك حتّى تبرأ ذمّته من حقوق النّاس ‪ ،‬أو حتّى‬
‫تبرد جلدته كما جاء في الحديث الشّريف ‪.‬‬
‫ي بين كونه متعلّقا بعين التّركة أو بذمّة المتوفّى ‪ ،‬وفي‬
‫وللفقهاء تفصيل في نوع تعلّق دين الدم ّ‬
‫صحّة والمرض ‪ ،‬وفي ضيق التّركة عن تسديد الدّين وغير ذلك ممّا سيأتي ‪.‬‬
‫دين ال ّ‬
‫نوع التّعلّق ‪:‬‬
‫الدّين الّذي له مطالب من جهة العباد إمّا أن يتعلّق بعين التّركة أو ل ‪.‬‬
‫أ ‪ -‬الدّين المتعلّق بعين التّركة ‪:‬‬
‫‪ -‬ذهب جمهور الفقهاء ‪ -‬الحنفيّة في الرّواية المشهورة عندهم ‪ ،‬والمالكيّة والشّافعيّة‪ -‬إلى‬ ‫‪28‬‬

‫أنّه يبدأ من الدّيون بما تعلّق بعين التّركة ‪ ،‬كالدّين الموثق برهن ‪ ،‬ومن ثمّ يجب تقديم هذه‬
‫الدّيون على تجهيز الميّت وتكفينه ‪ ،‬لنّ المورّث في حال حياته ل يملك التّصرّف في العيان‬
‫ق بعد وفاته ‪.‬‬
‫ل يكون له فيها ح ّ‬
‫الّتي تعلّق بها حقّ الغير ‪ ،‬فأولى أ ّ‬
‫فإن فضل شيء من التّركة بعد سداد هذا الدّين جهّز منه الميّت ‪ ،‬وإن لم يفضل شيء بعد سداد‬
‫الدّين ‪ ،‬كان تجهيز الميّت على من كانت تجب عليه نفقته في حياته ‪.‬‬
‫وذهب الحنابلة ‪ ،‬والحنفيّة في غير المشهور إلى أنّه إذا مات النسان بدئ بتكفينه وتجهيزه‬
‫مقدّما على غيره ‪ ،‬كما تقدّم نفقة المفلس على ديون غرمائه ‪ ،‬ثمّ بعد التّجهيز والتّكفين تقضى‬
‫ديونه ممّا بقي من ماله ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬الدّيون المطلقة ‪:‬‬
‫‪ -‬اتّفق الفقهاء على أنّ الدّيون المطلقة ‪ ،‬وهي الّتي ل تتعلّق بعين من أعيان التّركة تؤخّر‬ ‫‪29‬‬

‫عن تجهيز الميّت وتكفينه ‪ ،‬فإن فضل شيء بعد التّجهيز والتّكفين دفع للدّائن واحدا كان أو‬
‫أكثر بقدر حصصهم ‪ .‬وللتّفصيل ينظر مصطلح ‪ ( :‬دين وإرث )‬
‫صحّة ودين المرض ‪:‬‬
‫ج ‪ -‬دين ال ّ‬
‫صحّة أو المرض على‬
‫صحّة ‪ :‬هو ما كان ثابتا بالبيّنة مطلقا ‪ ،‬أي في حال ال ّ‬
‫‪ -‬دين ال ّ‬ ‫‪30‬‬

‫السّواء ‪.‬‬
‫صحّة وكذا الدّين الثّابت بنكول المتوفّى في زمان صحّته ‪.‬‬
‫وما كان ثابتا بالقرار في حال ال ّ‬
‫ودين المرض ‪ :‬هو ما كان ثابتا بإقراره في مرضه ‪ ،‬أو ما هو في حكم المرض ‪ ،‬كإقرار من‬
‫خرج للمبارزة ‪ ،‬أو خرج للقتل قصاصا ‪ ،‬أو ليرجم ‪.‬‬
‫صحّة ودين المرض سواء في‬
‫ذهب المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة وابن أبي ليلى إلى ‪ :‬أنّ دين ال ّ‬
‫الداء ‪ ،‬ولهذا إن لم يكن في التّركة وفاء بهما يكون لكلّ دائن حصّة منهما ‪ ،‬بنسبة مقدار‬
‫صحّة أو ديون المرض ‪ ،‬فهي في مرتبة واحدة ‪،‬‬
‫دينه ‪ ،‬بل تمييز بين ما كان منها من ديون ال ّ‬
‫صحّة ‪ -‬ووافقهم على ذلك الحنفيّة ‪ -‬وإن لم يعرّف‬
‫لنّه إن عرّف سببها للنّاس فهي ديون ال ّ‬
‫ن القرار حجّة ‪ ،‬إلّ إذا قام دليل أو قرينة على كذبه ‪.‬‬
‫سببها فيكفي القرار في إثباتها ‪ ،‬ل ّ‬
‫والنسان وهو مريض يكون أبعد عن هواه ‪ ،‬وأقرب إلى اللّه ‪ ،‬وإلى ما يؤمر به من الصّدق‬
‫ن المرض مظنّة التّوبة ‪ .‬يصدق فيه الكاذب ‪ ،‬ويبرّ فيه الفاجر ‪ ،‬وتنتفي‬
‫صحّة ‪ ،‬ل ّ‬
‫في حال ال ّ‬
‫تهمة الكذب عن إقراره ‪ ،‬فيكون الثّابت بالقرار كالثّابت بالبيّنة ‪.‬‬
‫صحّة على دين المرض الّذي ثبت بطريق القرار ‪ ،‬ولم يعلم‬
‫وذهب الحنفيّة إلى تقديم دين ال ّ‬
‫النّاس به ‪ ،‬لنّ القرار في مرض الموت مظنّة التّبرّع أو المحاباة ‪ ،‬فيكون في حكم الوصايا‬
‫الّتي تنفذ من الثّلث ‪ ،‬والوصايا مؤخّرة عن الدّيون ‪.‬‬
‫تزاحم الدّيون ‪:‬‬
‫‪ -‬إذا كانت التّركة متّسعةً للدّيون كلّها على اختلف أنواعها ‪ ،‬فل إشكال في ذلك حينئذ ‪ ،‬إذ‬ ‫‪31‬‬

‫يمكن الوفاء بها جميعا من التّركة ‪.‬‬


‫أمّا إذا ضاقت التّركة ولم تتّسع لجميع الدّيون ‪ ،‬فقد اختلف الفقهاء في تقديم بعضها على بعض‬
‫‪ .‬وقد تقدّم بيان أقوال الفقهاء في تقديم الدّيون المتعلّقة بعين التّركة على غيرها ‪ ،‬وتقديم دين‬
‫صحّة على دين المرض أو عدم تقديمه ‪.‬‬
‫ال ّ‬
‫وللتّفصيل ينظر مصطلح ‪ ( :‬دين ‪ ،‬ورهن ‪ ،‬وقسمة ) ‪.‬‬
‫ثالثا ‪ :‬الوصيّة ‪:‬‬
‫‪ -‬يأتي في المرتبة الثّالثة تنفيذ الوصيّة ‪ .‬وقد اتّفق الفقهاء على أنّ تنفيذ ما يوصي به الميّت‬ ‫‪32‬‬

‫صيّةٍ‬
‫يجيء بعد الدّين وقبل أخذ الورثة أنصباءهم من التّركة ‪ ،‬لقوله تعالى ‪ { :‬مِنْ َب ْعدِ َو ِ‬
‫يُوصِي بها أو َديْنٍ } ول يكون تنفيذ ما يوصى به من أصل المال ‪ ،‬لنّ ما تقدّم من التّكفين‬
‫وقضاء الدّين قد صار مصروفا في ضروراته الّتي ل بدّ منها ‪ ،‬والباقي هو ماله الّذي كان له‬
‫أن يتصرّف في ثلثه ‪ .‬وأيضا ربّما استغرق ثلث الصل جميع الباقي ‪ ،‬فيؤدّي إلى حرمان‬
‫الورثة بسبب الوصيّة ‪ ،‬وهذا سواء أكانت الوصيّة مطلق ًة أم معيّنةً ‪.‬‬
‫)‬ ‫‪23‬‬ ‫ل كما تبيّن من قبل ( ف‬
‫وتقديم الوصيّة على الدّين في الية الكريمة ل يفيد التّقديم فع ً‬
‫ح نفوس الورثة‬
‫وإنّما يفيد العناية بأمر وصيّة الميّت ‪ ،‬وإن كانت تبرّعا منه ‪ ،‬كي ل تش ّ‬
‫بإخراجها من التّركة قبل توزيعها بينهم ‪.‬‬
‫ومن هنا تقدّم ذكرها على الدّين تنبيها على أنّها مثله في وجوب الداء أو المسارعة إليه ‪،‬‬
‫ولذلك جيء بينهما بأو الّتي هي هنا للتّسوية ‪.‬‬
‫وتقديم الوصيّة على حقوق الورثة ليس على إطلقه ‪ ،‬لنّ تنفيذ الوصيّة مقيّد بحدود الثّلث ‪،‬‬
‫فإن كان الموصى به شيئا معيّنا أخذه ‪ ،‬وإن كان بثلث أو ربع مثلً كان الموصى له شريكا‬
‫للورثة في التّركة بنسبة نصيبه الموصى له به ‪ ،‬ل مقدّما عليهم ‪ .‬فإذا نقص المال لحقه النّقص‬
‫‪ ،‬وهذا بخلف التّجهيز والدّين ‪ ،‬فإنّهما متقدّمان حقّا على الوصيّة وحقوق الورثة ‪.‬‬
‫ولمّا كانت الوصيّة بنسبة شائعة على سبيل المشاركة مع حقوق الورثة ‪ -‬فلو هلك شيء من‬
‫التّركة قبل القسمة فإنّه يهلك على الموصى له والورثة جميعا ‪ ،‬ول يعطى الموصى له كلّ‬
‫الثّلث من الباقي ‪ ،‬بل الهالك يهلك على الحقّين ‪ ،‬والباقي يبقى على الحقّين ‪ ،‬بخلف الدّين ‪-‬‬
‫ل الدّين من الباقي ‪.‬‬
‫فإنّه إذا هلك بعض التّركة يستوفى ك ّ‬
‫ثمّ إنّ طريقة حساب الوصيّة ‪ :‬أن يحسب قدر الوصيّة من جملة التّركة لتظهر سهام الورثة ‪،‬‬
‫كما تحسب سهام أصحاب الفرائض أوّلً ليظهر الفاضل للعصبة ‪.‬‬
‫وللفقهاء تفصيل ينظر في ( وصيّة ‪ ،‬وإرث ) ‪.‬‬
‫رابعا ‪ :‬قسمة التّركة بين الورثة ‪:‬‬
‫‪ -‬ل خلف بين الفقهاء في أنّ التّركة تقسم بين الوارثين بعد أداء الحقوق المتعلّقة بها انظر‬ ‫‪33‬‬

‫مصطلح ‪ ( :‬إرث ) ‪ .‬إلّ أنّ الفقهاء اختلفوا فيما إذا قسّمت التّركة بين الورثة قبل أداء الحقوق‬
‫المتعلّقة بها ‪ ،‬هل تنقض هذه القسمة أم تلزم ؟‬
‫فذهب الحنفيّة والمالكيّة إلى أنّ التّركة المستغرقة بالدّين تبقى على ملك المورّث ‪ ،‬أو هي في‬
‫حكم ملكه ‪ ،‬لنّ الدّين يشغلها جميعا ‪ .‬أمّا غير المستغرقة فإنّها تنتقل إلى ملك الوارث من حين‬
‫وفاة المورّث أو ينتقل الجزء الفارغ من الدّين ‪.‬‬
‫ن ملكهم ل يظهر إلّ‬
‫ومن ثمّ ل يجوز للورثة اقتسام التّركة ما دامت مشغول ًة بالدّين ‪ ،‬وذلك ل ّ‬
‫صيّةٍ يُوصِي بها أو دَينٍ } فإذا قسموها نقضت‬
‫ن َبعْ ِد وَ ِ‬
‫بعد قضاء الدّين ‪ ،‬لقوله تعالى ‪ { :‬مِ ْ‬
‫ق الدّائنين ‪ ،‬لنّهم قسموا ما ل يملكون ‪ .‬قال الكاسانيّ ‪ :‬الّذي يوجب نقض‬
‫قسمتهم حفظا لح ّ‬
‫القسمة بعد وجودها أنواع ‪ :‬منها ظهور دين على الميّت ‪ ،‬إذا طلب الغرماء ديونهم ول مال‬
‫للميّت سواه ول قضاه الورثة من مال أنفسهم ‪.‬‬
‫وإذا لم يكن الدّين محيطا بالتّركة فملك الميّت وحقّ الغرماء ثابت في قدر الدّين من التّركة على‬
‫الشّيوع ‪ ،‬فيمنع جواز القسمة ‪.‬‬
‫وذهب بعض الحنفيّة إلى ‪ :‬جواز القسمة استحسانا ‪ ،‬إذا كان الدّين غير مستغرق للتّركة ‪ ،‬لنّه‬
‫قلّما تخلو تركة من دين يسير ‪ .‬ول تنقض القسمة أيضا إذا أبرأ الدّائن الميّت من الدّين ‪ ،‬أو‬
‫ضمن الدّين بعض الورثة برضى الدّائن نفسه ‪ ،‬أو كان في التّركة من غير المقسوم ما يكفي‬
‫لداء الدّين ‪ .‬وقد جاء في مجلّة الحكام العدليّة ما نصّه ‪ :‬إذا ظهر دين على الميّت بعد تقسيم‬
‫التّركة تفسخ القسمة ‪ ،‬إلّ إذا أدّى الورثة الدّين ‪ ،‬أو أبرأهم الدّائنون منه ‪ ،‬أو ترك الميّت مالً‬
‫سوى المقسوم يفي بالدّين ‪ ،‬فعند ذلك ل تفسخ القسمة ‪.‬‬
‫وذهب الشّافعيّة إلى ‪ :‬أنّ ملك الورثة للتّركة يبدأ من حين موت المورّث ‪ ،‬سواء أحاط الدّين‬
‫بالتّركة أم ل ‪ .‬وقسمة التّركة ما هي إلّ تمييز وإفراز لحقوق كلّ من الورثة ‪ ،‬ومن ثمّ فل وجه‬
‫لنقض القسمة عندهم ‪ .‬وإن قيل ‪ :‬إنّها بيع ففي نقضها وجهان ‪.‬‬
‫ن تعلّق الدّين بالتّركة ل يمنع‬
‫وعند الحنابلة ‪ :‬ل تبطل القسمة بظهور دين على الميّت ‪ ،‬ل ّ‬
‫صحّة التّصرّف فيها ‪،‬لنّه تعلّق بها بغير رضا الورثة ‪ .‬وللتّفصيل ينظر مصطلح ‪ ( :‬قسمة )‪.‬‬
‫نقض قسمة التّركة ‪:‬‬
‫‪ -‬المقصود بنقض القسمة ‪ :‬إبطالها بعد تمامها ‪ ،‬وتنقض قسمة التّركة في الحالت التّالية ‪:‬‬ ‫‪34‬‬

‫‪ -‬أ ‪ -‬القالة أو التّراضي على فسخ القسمة ‪.‬‬


‫ب ‪ -‬ظهور دين على الميّت وقد تقدّم ‪.‬‬
‫ج ‪ -‬ظهور وارث أو موصًى له في قسمة التّراضي ‪ ،‬لنّ الوارث والموصى له شريكان‬
‫للورثة في التّركة ‪.‬‬
‫د ‪ -‬ظهور غبن فاحش لحق ببعض الورثة ‪ ،‬وهو الّذي ل يدخل تحت تقويم المقوّمين ‪ ،‬كأن‬
‫قوّم المال بألف ‪ ،‬وهو يساوي خمسمائة ‪.‬‬
‫وتنقض هنا قسمة القاضي ‪ ،‬لنّ تصرّف القاضي مقيّد بالعدل ولم يوجد ‪.‬‬
‫وتنقض أيضا قسمة التّراضي ‪ ،‬لنّ شرط جوازها المعادلة ولم توجد ‪ ،‬فجاز نقضها ‪.‬‬
‫هـ ‪ -‬وقوع غلط في المال المقسوم ‪ .‬وفي جميع هذه الصّورة تفصيل وخلف ينظر في‬
‫مصطلح ‪ ( :‬قسمة ) ‪.‬‬
‫التّصرّف في التّركة ‪:‬‬
‫‪ -‬تقدّم خلف الفقهاء في نفاذ أو عدم نفاذ قسمة التّركة إذا كانت مستغرقةً بالدّين كلّا أو‬ ‫‪35‬‬

‫بعضا ‪ .‬وإذا تصرّف الورثة في التّركة المدينة بالبيع أو الهبة أو بغير ذلك من التّصرّفات الّتي‬
‫من شأنها أن تنقل الملكيّة أو ترتّب عليها حقوقا عينيّةً كالرّهن ‪ ،‬فقد اختلف الفقهاء في ذلك‬
‫على الوجه التّالي ‪ :‬ذهب الحنفيّة والمالكيّة ‪ ،‬والحنابلة في إحدى الرّوايتين ‪ -‬وهم الّذين قالوا‬
‫ي تصرّف من الورثة في التّركة‬
‫بمنع ملكيّة الوارث إلّ بعد سداد الدّين ‪ -‬إلى ‪ :‬أنّه ل يجوز أ ّ‬
‫إلّ في الحوال التّالية ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬أن تبرأ ذمّة الميّت من الدّين قبل تصرّف الورثة ‪ ،‬إمّا بالداء أو الكفالة ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬أن يرضى الدّائنون بقيام الورثة ببيع التّركة لسداد ديونهم ‪ ،‬لنّ منع تصرّف الورثة‬
‫بالتّركة كان ضمانا لحقّ الدّائنين المتعلّق بالتّركة ‪.‬‬
‫ج ‪ -‬أن يأذن القاضي بالتّصرّف ‪ ،‬وذلك لنّ القاضي بما له من الولية العامّة يملك الذن‬
‫للورثة بالبيع لجميع التّركة أو بعضها ‪.‬‬
‫ن ملك الوارث يبدأ من‬
‫وأمّا الشّافعيّة والحنفيّة في الرّواية الخرى ‪ -‬وهم الّذين ذهبوا إلى أ ّ‬
‫وقت وفاة المورّث ‪ ،‬سواء كانت التّركة مدينةً أم ل ‪ -‬فإنّهم ذهبوا إلى أنّ تصرّف الوارث‬
‫بالبيع أو الهبة مع استغراق التّركة بالدّين ل ينفذ مراعاةً لحقّ الميّت ‪ ،‬أذن الدّائن أم ل ‪ ،‬إلّ إذا‬
‫كان التّصرّف لقضاء الدّين فإنّه ينفذ ‪.‬‬
‫وفي المسألة تفصيل يرجع فيه إلى الهبة ‪ ،‬وإلى بيع منهيّ عنه ‪ ،‬ومصطلح ‪ ( :‬دين ) ‪.‬‬
‫تصفية التّركة ‪:‬‬
‫‪ -‬تقدّم الكلم حول تصرّف الوارثين البالغين في التّركة قسمةً أو بيعا ‪ ،‬أمّا إذا كان الورثة‬ ‫‪36‬‬

‫أو بعضهم قصّرا ‪ :‬فإنّ التّصرّف فيها يكون راجعا للوصيّ إن كان ‪ ،‬أو للقاضي إن لم يكن‬
‫وصيّ ‪ ،‬وذلك لضمان الحقوق المتعلّقة بالتّركة من جهة ‪ ،‬ولحفظ أموال الورثة الضّعفاء كيل‬
‫يظلموا من غيرهم ‪ .‬ولتفصيل هذه الحكام ينظر ( الوصيّة ) ومصطلح ‪ ( :‬إيصاء ) ‪.‬‬
‫التّركة الّتي ل وارث لها ‪:‬‬
‫‪ -‬اختلف الفقهاء في التّركة الّتي ل وارث لها ‪ ،‬أو لها وارث ل يرثها جميعها ‪ ،‬فمن قال‬ ‫‪37‬‬

‫من الفقهاء بال ّردّ قال ‪ :‬ل تئول التّركة إلى بيت المال ما دام لها وارث ‪ .‬ومن ل يرى الرّ ّد من‬
‫ن بيت المال يرث جميع التّركة ‪ ،‬أو ما بقي بعد أصحاب الفروض ‪ .‬وإذا آلت‬
‫الفقهاء قال ‪ :‬إ ّ‬
‫التّركة إلى بيت المال كانت على سبيل الفيء ل الرث عند الحنفيّة والحنابلة ‪ .‬وذهب المالكيّة‬
‫ق بيت المال هنا هو على سبيل الميراث ‪ ،‬أي على سبيل العصوبة ‪.‬‬
‫والشّافعيّة إلى أنّ ح ّ‬
‫وللتّفصيل ينظر مصطلح ‪ ( :‬إرث ‪ ،‬وبيت المال ) ‪.‬‬

‫ترميم *‬
‫التّعريف ‪:‬‬
‫‪ -‬للتّرميم في اللّغة معان ‪ .‬منها ‪ :‬الصلح ‪.‬‬ ‫‪1‬‬

‫يقال ‪ :‬رمّمت الحائط وغيره ترميما ‪ :‬أصلحته ‪ .‬ورمّمت الشّيء أ ُرمّه وأ ِرمّه رمّا ومَ َرمّةً ‪ :‬إذا‬
‫أصلحته ‪ .‬ويقال ‪ :‬قد َر ّم شأنُه ‪ .‬واسترمّ الحائط ‪ :‬أي حان له أن يُرَمّ ‪ ،‬وذلك إذا بعد عهده‬
‫بالتّطيين ونحوه ‪ .‬والرّم ‪ :‬إصلح الشّيء الّذي فسد بعضه من نحو حبل يبلى فيرمّه ‪ ،‬أو دار‬
‫ترمّ مرمّةً ‪ .‬ول يخرج في معناه الصطلحيّ عن هذا ‪ .‬والتّرميم قد يكون بقصد التّقوية ‪ ،‬إذا‬
‫كان الشّيء معرّضا للتّلف ‪ ،‬وقد يكون بقصد التّحسين ‪.‬‬
‫الحكم الجماليّ ‪:‬‬
‫أوّلً ‪ :‬ترميم الوقف ‪:‬‬
‫‪ -‬إذا احتاجت عين الوقف إلى ترميم ‪ ،‬فإنّه يبدأ به من غلّته قبل الصّرف إلى المستحقّين ‪،‬‬ ‫‪2‬‬

‫ن قصد الواقف صرف الغلّة مؤبّدا ‪ ،‬ول تبقى دائمةً إلّ بعمارته ‪ ،‬وما بقي بعد العمارة‬
‫لّ‬
‫يصرف للمستحقّين ‪ ،‬هذا ما عليه الحنفيّة والمالكيّة والشّافعيّة ‪.‬‬
‫وفي هذا يقول الحنفيّة ‪ :‬لو شرط الواقف تقديم العمارة ‪ ،‬ثمّ الفاضل للفقراء أو للمستحقّين ‪ ،‬لزم‬
‫النّاظر إمساك قدر ما تحتاجه العمارة كلّ سنة ‪ ،‬وإن لم يحتجه وقت المساك ‪ ،‬لجواز أن‬
‫يحدث في الوقف بعد التّوزيع حدث يحتاج إلى ترميم ول يجد غلّةً يرمّم بها ‪ ،‬بخلف ما إذا لم‬
‫يشترطه ‪ .‬والفرق بين الشّرط وعدمه ‪ :‬أنّه مع السّكوت تقدّم العمارة عند الحاجة إليها ‪ ،‬ول‬
‫يدّخر لها عند عدم الحاجة إليها ‪ ،‬ومع الشتراط تقدّم عند الحاجة ‪ ،‬ويدّخر لها عند عدمها ‪ ،‬ثمّ‬
‫ن الواقف إنّما جعل الفاضل عنها للفقراء ‪.‬‬
‫يفرّق الباقي ‪ ،‬ل ّ‬
‫ولو كان الموقوف دارا ‪ ،‬فعمارتها على من له السّكنى ‪ ،‬أي على من يستحقّها من ماله ل من‬
‫الغلّة ‪ ،‬إذ الغرم بالغنم ‪ .‬ومفاده ‪ :‬أنّه لو كان بعض المستحقّين للسّكنى غير ساكن فيها يلزمه‬
‫التّعمير مع السّاكنين ‪ ،‬لنّ تركه لحقّه ل يسقط حقّ الوقف ‪ ،‬فيعمّر معهم ‪ ،‬وإلّ تؤجّر حصّته‬
‫‪ .‬ولو أبى من له السّكنى ‪ ،‬أو عجز لفقره ‪ ،‬آجرها الحاكم منه أو من غيره ‪ ،‬وعمّرها بأجرتها‬
‫كعمارة الوقف ‪ ،‬ثمّ يردّها بعد التّعمير إلى من له السّكنى رعايةً للحقّين ‪.‬‬
‫‪ -‬فإذا امتنع عن العمارة من ماله يؤجّرها المتولّي ويعمّرها من غلّتها ‪ ،‬لنّها موقوفة للغلّة ‪.‬‬ ‫‪3‬‬

‫ولو كان هو المتولّي وامتنع من عمارتها ينصب غيره ليعمّرها ‪ ،‬أو يعمّرها الحاكم ‪ .‬ولو‬
‫احتاج الخان الموقوف إلى المرمّة آجر بيتا أو بيتين منه وأنفق عليه ‪ ،‬أو يؤذن للنّاس بالنّزول‬
‫فيه سنةً ‪ ،‬ويؤجّر سنةً أخرى ‪ ،‬وير ّم من أجرته ‪.‬‬
‫ويقول المالكيّة ‪ :‬إنّ إصلح الوقف من غلّته ‪ .‬فإن شرط على المستحقّ إصلحه يلغى‬
‫الشّرط ‪ ،‬والوقف صحيح ‪ ،‬ويصلح من غلّته ‪.‬‬
‫فإن أصلح من شرط عليه الصلح رجع بما أنفق ل بقيمته منقوضا ‪.‬‬
‫فلو شرط الواقف أن يبدأ من غلّته بمنافع أهله ‪ ،‬ويترك إصلح ما تهدّم منه ‪ ،‬أو يترك النفاق‬
‫عليه إذا كان حيوانا بطل شرطه ‪ ،‬وتجب البداءة بمرمّته والنّفقة عليه من غلّته لبقاء عينه ‪.‬‬
‫ولمّا كانت رقبة الوقف عند المالكيّة للواقف والغلّة للموقوف عليه ‪ ،‬يترتّب على هذا أنّه إذا‬
‫خرب الوقف فللواقف إن كان حيّا ‪ -‬ولوارثه إن مات ‪ -‬منع من يريد إصلحه إذا خرب أو‬
‫احتاج للصلح ‪ ،‬لنّه ليس لحد أن يتصرّف في ملك غيره إلّ بإذنه ‪ ،‬ولنّ إصلح الغير‬
‫مظنّة لتغيير معالمه ‪ ،‬وهذا إذا أصلحه الواقف أو ورثته ‪ ،‬وإلّ فليس لهم المنع ‪ ،‬بل الولى لهم‬
‫تمكين من أراد بناءه إذا خرب ‪ ،‬لنّه من التّعاون على الخير ‪.‬‬
‫وهذا في غير المساجد ‪ ،‬وأمّا هي فقد ارتفع ملكه عنها قطعا ‪.‬‬
‫ويقول الشّافعيّة ‪ :‬لو خربت الدّار الموقوفة ‪ ،‬ولم يعمّرها الموقوف عليه ‪ ،‬فإن كان للوقف مال‬
‫كانت عمارته في مال الوقف ‪ ،‬وإن لم يكن له مال أوجر وعمّر من أجرته ‪ .‬فإذا تعطّلت منافع‬
‫الوقف وكان حيوانا كخيل الجهاد ‪ ،‬فالنّفقة من بيت المال ‪.‬‬
‫أمّا عمارة الدّار الموقوفة فل تجب على أحد كالملك المطلق بخلف الحيوان فإنّ نفقته تجب‬
‫لصيانة روحه ‪ .‬وريع العيان الموقوفة على المسجد إذا انهدم وتوقّع عوده حفظ له ‪ ،‬وإلّ فإن‬
‫أمكن صرفه إلى مسجد آخر صرف إليه ‪ ،‬وإلّ فمنقطع الخر فيصرف لقرب النّاس إلى‬
‫الواقف ‪ ،‬فإن لم يكونوا صرف إلى الفقراء والمساكين أو مصالح المسلمين ‪.‬‬
‫‪ -4‬أمّا غير المنهدم فما فضل من غلّة الموقوف على مصالحه يشترى بها عقار ويوقف عليه ‪،‬‬
‫بخلف الموقوف على عمارته يجب ادّخاره لجلها ‪ ،‬وإلّ لم يعد منه شيء لجلها ‪ ،‬لنّه‬
‫يعرّض للضّياع أو لظالم يأخذ ‪.‬‬
‫‪ -5‬وأمّا الحنابلة فيرجع عندهم إلى شرط الواقف في النفاق على الوقف وفي سائر أحواله ‪،‬‬
‫لنّه ثبت بوقفه ‪ ،‬فوجب أن يتبع فيه شرطه ‪.‬‬
‫فإن عيّن الواقف النفاق عليه من غلّته أو من غيرها عمل به رجوعا إلى شرطه ‪ ،‬وإن لم‬
‫ن الوقف يقتضي‬
‫يعيّنه ‪ -‬وكان الموقوف ذا روح كالخيل ‪ -‬فإنّه ينفق عليه من غلّته ‪ ،‬ل ّ‬
‫تحبيس الصل وتسبيل منفعته ‪ ،‬ول يحصل ذلك إلّ بالنفاق عليه فكان ذلك من ضرورته ‪.‬‬
‫فإن لم يكن للموقوف غلّة لضعف به ونحوه فنفقته على الموقوف عليه المعيّن ‪ ،‬لنّ الوقف‬
‫عندهم يخرج من ملك الواقف إلى ملك الموقوف عليه إن كان آدميّا معيّنا ‪ ،‬مع منعه من‬
‫التّصرّف فيه ‪ .‬فإن تعذّر النفاق من الموقوف عليه لعجزه أو غيبته ونحوهما بيع الوقف ‪،‬‬
‫ل الضّرورة ‪.‬‬
‫وصرف ثمنه في عين أخرى تكون وقفا لمح ّ‬
‫ولو احتاج خان مسبّل إلى مرمّة ‪ ،‬أو احتاجت دار موقوفة لسكنى الحاجّ أو الغزاة أو أبناء‬
‫السّبيل ونحوهم إلى مرمّة ‪ ،‬يؤجّر منه بقدر ما يحتاج إليه في مرمّته ‪.‬‬
‫‪ -6‬وإن كان الوقف على غير معيّن كالمساكين ونحوهم كالفقهاء فنفقته في بيت المال ‪ ،‬لنتفاء‬
‫المالك المعيّن فيه ‪.‬‬
‫فإن تعذّر النفاق عليه من بيت المال بيع وصرف ثمنه في عين أخرى تكون وقفا ‪.‬‬
‫وإن كان الوقف ممّا ل روح فيه كالعقار ونحوه من سلح ومتاع وكتب ‪ ،‬لم تجب عمارته على‬
‫أحد إلّ بشرط الواقف ‪.‬‬
‫فإن شرط عمارته عمل بشرطه ‪ ،‬سواء شرط البداءة بالعمارة أو تأخيرها ‪،‬فيعمل بما شرط ‪.‬‬
‫لكن إن شرط تقديم الجهة عمل به ما لم يؤ ّد إلى التّعطيل ‪ ،‬فإذا أدّى إليه قدّمت العمارة حفظا‬
‫لصل الوقف ‪ .‬فإن لم يذكر البداءة بالعمارة أو تأخيرها ‪ ،‬فتقدّم على أرباب الوظائف ‪ ،‬ما لم‬
‫يفض ذلك إلى تعطيل مصالحه ‪ ،‬فيجمع بينهما حسب المكان ‪.‬‬
‫ويصحّ بيع بعضه لصلح باقيه ‪ ،‬لنّه إذا جاز بيع الكلّ عند الحاجة فبيع البعض مع بقاء‬
‫البعض أولى ‪ ،‬إن اتّحد الواقف ‪ .‬وتفصيل ذلك يرجع إليه في مصطلح ‪ ( :‬وقف ) ‪.‬‬
‫ثانيا ‪ :‬التّرميم في الجارة ‪:‬‬
‫‪ -‬إذا احتاجت الدّار المستأجرة للتّرميم ‪ .‬فإنّ عمارتها وإصلح ما تلف منها وكلّ ما يخلّ‬ ‫‪7‬‬

‫بالسّكنى على المؤجّر عند الحنفيّة والشّافعيّة والحنابلة ‪.‬‬


‫ويقول الحنفيّة ‪ :‬إن أبى صاحبها أن يفعل كان للمستأجر أن يخرج منها ‪ ،‬إلّ أن يكون‬
‫المستأجر استأجرها وهي كذلك وقد رآها لرضاه بالعيب ‪ ،‬وأنّه ل يجبر المؤجّر على إصلح‬
‫بئر الماء والبالوعة والمخرج إن أبى إصلح ذلك ‪ ،‬لنّه ل يجبر على إصلح ملكه ‪ ،‬فإن فعله‬
‫المستأجر فهو متبرّع ‪ ،‬وله أن يخرج إن أبى المؤجّر ‪.‬‬
‫وعلى المستأجر إصلح ما تلف من العين بسبب استعماله ‪.‬‬
‫ويقول الشّافعيّة ‪ :‬إن بادر المؤجّر إلى إصلح ما تلف فل خيار للمكتري ‪ ،‬وإلّ فله الخيار‬
‫لتضرّره بنقص المنفعة ‪.‬‬
‫ل أنّهم قالوا ‪ :‬لو شرط المؤجّر على المكتري النّفقة الواجبة‬
‫والحنابلة كالشّافعيّة في هذا ‪ ،‬إ ّ‬
‫لعمارة المأجور لم يصحّ ‪ ،‬لنّه يؤدّي إلى جهالة الجارة ‪ ،‬فلو عمّر المستأجر بهذا الشّرط أو‬
‫عمّر بإذن المؤجّر رجع عليه ‪.‬‬
‫وإن أنفق المستأجر من غير إذنه لم يرجع بشيء ‪ ،‬لنّه متبرّع ‪ ،‬لكن له أخذ أعيان آلته ‪.‬‬
‫وأجاز المالكيّة شرط المرمّة للدّار وتطيينها إن احتاجت على المكتري ‪ ،‬بشرط أن يكون من‬
‫كراء وجب على المكتري ‪ ،‬إمّا في مقابلة سكنى مضت ‪ ،‬أو باشتراط تعجيل الكراء ‪ ،‬أو‬
‫يجري العرف بتعجيله ‪ ،‬ل إن لم يجب فل يجوز ‪ .‬أو وقع العقد على أنّ ما تحتاج إليه الدّار‬
‫من المرمّة والتّطيين من عند المكتري ‪ ،‬فل يجوز للجهالة ‪.‬‬
‫ترميم المستأجر من شريكين ‪:‬‬
‫‪ -‬إذا استأجر شخص ما دارا مشتركةً بين اثنين مثلً من صاحبيها ‪ ،‬ثمّ احتاجت إلى مرمّة ‪،‬‬ ‫‪8‬‬

‫فاستأذن فيها واحدا منهما فحسب ‪ ،‬فأذن له دون رجوع إلى شريكه فليس للمستأجر حقّ‬
‫الرّجوع على الشّريك الخر بما أنفقه في المرمّة ‪.‬‬
‫فإن كان للذن حقّ الرّجوع على شريكه كان للمستأجر الرّجوع على آذنه بالنّفقة كلّا ‪ ،‬ثمّ‬
‫ق الرّجوع فإذنه لغو في حصّة‬
‫يرجع هذا على شريكه بحصّته من النّفقة ‪ .‬وإن لم يكن له ح ّ‬
‫شريكه ‪ ،‬وليس للمستأجر إلّ الرّجوع على الذن وحده بنسبة حصّته ‪.‬‬
‫ثالثا ‪ :‬ترميم الرّهن ‪:‬‬
‫ل ما يحتاج إليه لبقاء الرّهن ومصلحته فهو على الرّاهن ‪ ،‬لنّه باق على ملكه ‪ ،‬وذلك‬
‫‪-‬كّ‬ ‫‪9‬‬

‫مؤ نة الملك ‪ .‬وكلّ ما كان لحف ظه فعلى المرت هن ‪ ،‬ل نّ حب سه له ‪ ،‬فلو شرط م نه ش يء على‬
‫الرّاهن ل يلزمه لما روى أبو هريرة رضي ال عنه أنّ النّبيّ صلى ال عليه وسلم قال ‪:‬‬
‫« الظّهر يركب بنفقته إذا كان مرهونا ‪ ،‬ولبن ال ّدرّ يشرب بنفقته ‪ ،‬وعلى الّذي يركب ويشرب‬
‫النّفقة » والّذي يركب هو الرّاهن ‪ ،‬فوجب أن تكون النّفقة عليه ‪ ،‬ولنّ الرّقبة والمنفعة على‬
‫ملكه ‪ ،‬فكانت النّفقة عليه ‪.‬‬
‫ويقول الحنابلة ‪ :‬إنّ مؤنة الرّهن على راهنه ‪ ،‬لما روى أبو هريرة رضي ال عنه أنّ النّبيّ‬
‫غرْمه »‬
‫غنْمه وعليه ُ‬
‫ق الرّهنُ من صاحبه الّذي رهنه ‪ ،‬له ُ‬
‫صلى ال عليه وسلم قال ‪ « :‬ل ُيغَْل ُ‬
‫ولنّه ملك للرّاهن فكان عليه نفقته وما يحتاج إليه ‪.‬‬
‫فإن امتنع الرّاهن من بذل ما وجب عليه أجبره الحاكم عليه ‪ ،‬فإن لم يفعل أخذ الحاكم من ماله‬
‫وفعله ‪ ،‬فإن تعذّر َأخْذُ ذلك من الرّهنِ بيع منه فيما يجب على الرّاهن فعله بقدر الحاجة ‪ ،‬لنّ‬
‫حفظ البعض أولى من إضاعة الكلّ ‪ ،‬فإن خيف استغراق البيع للرّهن في النفاق عليه بيع كلّه‬
‫وجعل ثمنه رهنا مكانه لنّه أحظّ لهما ‪.‬‬
‫وإن أنفق المرتهن على الرّهن بل إذن الرّاهن ‪ ،‬مع قدرته على استئذانه ‪ ،‬فمتبرّع حكما‬
‫لتصدّقه به ‪ ،‬فل يرجع بعوضه ولو نوى الرّجوع ‪ ،‬كالصّدقة على مسكين ‪ ،‬ولتفريطه بعدم‬
‫الستئذان ‪ .‬وإن تعذّر استئذانه وأنفق بنيّة الرّجوع رجع ولو لم يستأذن الحاكم ‪ ،‬لحتياجه‬
‫لحراسة حقّه ‪ .‬وتفصيل ذلك ينظر في ( رهن ) ‪.‬‬

‫تروية *‬
‫انظر ‪ :‬يوم التّروية ‪.‬‬

‫ترياق *‬
‫التّعريف ‪:‬‬
‫جوّز ضمّه وفتحه ‪ ،‬ولكنّ المشهور الوّل وهو معرّب ‪ ،‬ويقال‬
‫‪ -‬التّرْياق بكسر فسكون ‪ ،‬و ُ‬ ‫‪1‬‬

‫بالدّال والطّاء أيضا ‪ :‬دواء يستعمل لدفع السّمّ وهو أنواع ‪.‬‬
‫الحكم الجماليّ ‪:‬‬
‫سمّ ‪ ،‬ويجعل فيه من لحوم الحيّات ‪ ،‬ولذلك لم‬
‫‪ -‬قال الحنابلة ‪ :‬التّرياق دواء يتعالج به من ال ّ‬ ‫‪2‬‬

‫ن لحم الحيّة حرام ‪ ،‬ول يجوز التّداوي بمحرّم ‪ ،‬لقول النّبيّ صلى‬
‫يبيحوا أكله ول شربه ‪ ،‬ل ّ‬
‫ال عليه وسلم ‪ « :‬إنّ اللّه لم يجعل شفاءكم فيما حرّم عليكم » وعن عبد اللّه بن عمر رضي‬
‫ال عنهما قال ‪ « :‬سمعت رسول اللّه صلى ال عليه وسلم يقول ‪ :‬ما أبالي ما أتيت إنْ أنا‬
‫شربت ترياقا ‪ ،‬أو تعلّقت بتميمة ‪ ،‬أو قلت الشّعر من قبل نفسي » والمعنى ‪ :‬أنّي إن فعلت هذه‬
‫الشياء كنت ممّن ل يبالي بما فعله من الفعال ‪ ،‬ول ينزجر عمّا ل يجوز فعله شرعا ‪ .‬وقال‬
‫الخطّابيّ ‪ :‬ليس شرب التّرياق مكروها من أجل التّداوي ‪.‬‬
‫وقد أباح رسول اللّه صلى ال عليه وسلم التّداوي والعلج في عدّة أحاديث ‪ ،‬ولكن من أجل ما‬
‫يقع فيه من لحوم الفاعي ‪ ،‬وهي محرّمة ‪ .‬والتّرياق أنواع ‪ ،‬فإذا لم يكن فيه من لحوم الفاعي‬
‫فل بأس بتناوله ‪.‬‬
‫وممّا ورد من أحاديث في التّداوي والعلج ما روي « عن أسامة بن شريك رضي ال عنه قال‬
‫‪ :‬كنت عند النّبيّ صلى ال عليه وسلم وجاءت العراب فقالوا ‪ :‬يا رسول اللّه أنتداوى ؟ فقال ‪:‬‬
‫ن اللّه عزّ وجلّ لم يضع داءً إلّ وضع له شفاءً ‪ ،‬غير داء واحد قالوا‬
‫نعم يا عباد اللّه تداووا فإ ّ‬
‫ل أنزل له شفاءً ‪ ،‬علمه من علمه ‪،‬‬
‫ن اللّه لم ينزل داءً إ ّ‬
‫‪ :‬ما هو ؟ قال ‪ :‬الهرم » وفي لفظ « إ ّ‬
‫وجهله من جهله » ‪.‬‬
‫وفي مرقاة المفاتيح ‪ :‬إذا لم يكن في التّرياق محرّم شرعا من لحوم الفاعي والخمر ونحوه ‪،‬‬
‫فإنّه ل يكون حراما ‪ .‬وبتحريم لحوم الحيّات يقول الحنفيّة والشّافعيّة والحنابلة ‪.‬‬
‫وللحنفيّة فيما إذا جعل لحم الحيّات في التّرياق للتّداوي ‪ -‬أسو ًة بالتّداوي بالمحرّم ‪ -‬رأيان ‪:‬‬
‫ظاهر المذهب ‪ :‬المنع ‪ .‬وقيل ‪ :‬يرخّص إذا علم فيه الشّفاء ولم يعلم دواء آخر ‪ ،‬وعليه الفتوى‬
‫‪ .‬فإنّ اللّه تعالى قد أذن بالتّداوي ‪ ،‬وجعل لكلّ داء دواءً ‪ ،‬فإذا كان في ذلك الدّواء ما هو محرّم‬
‫ل تناوله للتّداوي به ‪ .‬وحديث ‪:‬‬
‫وعلم فيه الشّفاء فقد زالت حرمة استعماله ‪ ،‬وح ّ‬
‫ن اللّه لم يجعل شفاءكم فيما حرّم عليكم » معناه ‪ :‬نفي الحرمة عند العلم بالشّفاء ‪.‬‬
‫«إّ‬
‫دلّ عليه جواز إساغة اللّقمة بالخمر ‪ ،‬وجواز شربها لزالة العطش ‪ ،‬ما لم يوجد ما يقوم‬
‫مقامها ‪ .‬وللشّافعيّة في التّداوي به أسوةً بالمحرّم المخالط للدّواء المنع عند البعض ‪ ،‬والجواز‬
‫عند البعض الخر متى علم فيه الشّفاء ولم يوجد غيره ‪.‬‬
‫أمّا المالكيّة فقد أباحوا أكل الحيّة متى ذكّيت في موضع ذكاتها ‪ ،‬وأمن سمّها ‪ ،‬واحتيج لكلها‬
‫بسمّها لمن ينفعه ذلك لمرضه ‪ ،‬فإنّه يجوز أكلها ‪ .‬ومفهوم هذا أنّ لحمها متى دخل في التّرياق‬
‫وخالطه فإنّه يجوز التّداوي به ‪ .‬وتفصيل ذلك يرجع إليه في مصطلح ‪ ( :‬تداوي ) ‪.‬‬

‫تزاحم *‬
‫التّعريف ‪:‬‬
‫‪ -‬التّزاحم في اللّغة مصدر تزاحم ‪ ،‬يقال ‪ :‬تزاحم القوم ‪ :‬إذا زحم بعضهم بعضا ‪ ،‬أي‬ ‫‪1‬‬

‫ضيّق ‪.‬‬
‫تضايقوا في المجلس ‪ ،‬أو تدافعوا في المكان ال ّ‬
‫والصطلح الشّرعيّ ل يختلف عن هذا ‪.‬‬
‫الحكم التّكليفيّ ‪:‬‬
‫‪ -‬تحرم المزاحمة إن ترتّب عليها أذًى لحد ‪ ،‬كمزاحمة القوياء للضّعفاء عند استلم الحجر‬ ‫‪2‬‬

‫السـود ‪ ،‬أو ترتّب عليهـا أمـر محظور شرعا ‪ ،‬كمزاحمـة المرأة للرّجال فـي الطّواف وعنـد‬
‫استلم الحجر السود وغيره من الماكن العامّة ‪ .‬وقد ورد التّزاحم في أمور منها ‪:‬‬
‫أوّلً ‪ :‬زحم المأموم ‪:‬‬
‫‪ -‬إذا زحم المأموم وتعذّر عليه السّجود على الرض متابع ًة للمام ‪ ،‬وقدر على السّجود على‬ ‫‪3‬‬

‫ظهر إنسان أو دابّة ‪ ،‬فهل يلزمه السّجود على ذلك ؟ اختلف فيه الئمّة ‪.‬‬
‫فذهب الحنفيّة والشّافعيّة والحنابلة إلى ‪ :‬أنّه يلزمه أن يسجد على ما يمكنه السّجود عليه ‪ ،‬وإن‬
‫كان على ظهر إنسان أو قدمه ‪ ،‬لتمكّنه من المتابعة ‪ ،‬ولخبر « إذا اشتدّ الزّحام فليسجد أحدكم‬
‫على ظهر أخيه » فإن لم يسجد فمتخلّف عن المتابعة بغير عذر عند الئمّة المذكورين‪ .‬وعند‬
‫المالكيّة ‪ :‬ل يجوز السّجود على ظهر النسان ‪ ،‬فإن سجد أعاد الصّلة ‪ .‬ويستدلّون لذلك بقول‬
‫النّبيّ صلى ال عليه وسلم ‪ « :‬مكّن جبهتك من الرض » ول يحصل التّمكين من الرض في‬
‫حالة السّجود على ظهر إنسان ‪ .‬أمّا إذا لم يتمكّن من السّجود مطلقا ‪ ،‬فهل يخرج عن المتابعة‬
‫أو ينتظر ؟ فيه خلف وتفصيل ينظر في ( صلة الجماعة )و( وصلة الجمعة )‪.‬‬
‫ثانيا ‪ :‬التّزاحم في الطّواف ‪:‬‬
‫‪ -‬إذا منعت الزّحمة الطّائف من تقبيل الحجر السود أو استلمه اقتصر على الشارة إليه‬ ‫‪4‬‬

‫وهذا محلّ اتّفاق بين الفقهاء ‪ .‬لما روي « عن النّبيّ صلى ال عليه وسلم أنّه قال لعمر ‪:‬‬
‫رضي ال عنه يا عمر إنّك رجل قويّ ‪ ،‬ل تؤذ الضّعيف ‪ ،‬إذا أردتَ استلم الحجر ‪ ،‬فإن خل‬
‫لك فاستلمه ‪ ،‬وإلّ فاستقبله وكبّر » ‪ . ،‬والتّفصيل في مصطلح ( إشارة وطواف ) ‪.‬‬
‫ثالثا ‪ :‬تزاحم الغرماء في مال المفلس ‪:‬‬
‫‪ -‬إذا أقرّ المدين المفلس ‪ -‬بعد الحجر عليه لحقّ الغرماء ‪ -‬بدين قد لزمه قبل الحجر عليه ‪،‬‬ ‫‪5‬‬

‫فهل يقبل في حقّ الغرماء الّذين حجر عليه لحقّهم ويزاحمهم المقرّ له في المال ‪ ،‬أم يبقى الدّين‬
‫في ذمّة المحجور عليه ‪ ،‬لئلّ يتضرّر الغرماء بالمزاحمة ؟‬
‫ق الغرماء ‪ ،‬إن أق ّر في حال الحجر ‪،‬‬
‫ذهب الحنفيّة والحنابلة إلى ‪ :‬أنّه ل يقبل إقراره في ح ّ‬
‫ن هذا الحقّ تعلّق به حقّ الوّلين ‪ .‬وعند المالكيّة ‪ :‬ل يقبل إقراره إلّ ببيّنة ‪.‬‬
‫لّ‬
‫وأظهر القولين عند الشّافعيّة أنّه يقبل أيضا في حقّهم ويزاحمهم في المال ‪ ،‬كإقرار المريض في‬
‫صحّة ‪ .‬هذا إذا أقرّ أنّه لزم الدّين قبل الحجر ‪.‬‬
‫مرضه بدين يزاحم غرماء دين ال ّ‬
‫أمّا إذا لزمه بعد الحجر ففي ذلك خلف وتفصيل يرجع إليه في مصطلح ‪ ( :‬تفليس ) ‪.‬‬
‫تزاحم الوصايا ‪:‬‬
‫‪ -‬ذهب الحنفيّة إلى أنّه إذا تزاحمت الوصايا نظر فإن كانت كلّها للّه تعالى ‪ :‬فإن كانت كلّها‬ ‫‪6‬‬

‫فرائض كالحجّ والزّكاة ‪ ،‬أو كانت كلّها واجبات كالكفّارات والنّذر ‪ ،‬وصدقة الفطر ‪ ،‬أو كانت‬
‫كلّها تطوّعات ‪ :‬كحجّ التّطوّع والصّدقة على الفقراء يبدأ بما بدأ به الموصي ‪.‬‬
‫وإن جمعت ما ذكر كحجّة السلم والكفّارات والنّذر وصدقة التّطوّع على الفقراء فيبدأ‬
‫بالفرض ‪ ،‬ثمّ بالواجب ‪ ،‬ثمّ بالتّطوّع أمّا إذا جمعت بين حقّ اللّه وحقّ العباد فإنّه يقسم الثّلث‬
‫على جميعها ‪ ،‬لنّها وإن كانت كلّها للّه في واقع المر فكلّ واحدة منها مقصودة في نفسها‬
‫فتنفرد ‪ .‬فلو قال ‪ :‬ثلث مالي في الحجّ والزّكاة ولزيد والكفّارات ‪ .‬قسم على أربعة أسهم ‪ ،‬ول‬
‫يقدّم الفرض على حقّ الدميّ لحاجته ‪.‬‬
‫هذا إذا كان الدميّ معيّنا ‪ ،‬أمّا إذا كان غير معيّن فل يقسم بل يقدّم القوى فالقوى ‪ ،‬لنّ‬
‫ق معيّن ‪.‬‬
‫الكلّ يبقى حقّا للّه تعالى ‪ ،‬إذا لم يكن هناك مستح ّ‬
‫وقال الشّافعيّة ‪ :‬ل يقدّم الواجب على غير الواجب سواء كان تطوّعا للّه أو لدميّ ‪ .‬بل تتزاحم‬
‫الوصايا فيوزّع عليه وعلى غيره ‪ ،‬ثمّ يكمّل الواجب من صلب المال ‪ ،‬إن لم يف الثّلث ‪ ،‬وبهذا‬
‫قال ‪ :‬أبو الخطّاب من الحنابلة ‪.‬‬
‫وعند الحنابلة ‪ :‬إن أوصى بأداء الواجب من الثّلث تصحّ الوصيّة ‪ ،‬فإن لم تكن له وصيّة غير‬
‫هذه لم تفد الوصيّة شيئا ويؤدّي من ماله كلّه كما لو لم يوص ‪ .‬وإن أوصى لجهة أخرى قدّم‬
‫الواجب ‪ ،‬وإن فضل شيء من الثّلث بعد الواجب فهو للتّبرّع ‪ ( .‬ر ‪ :‬الوصيّة ) ‪.‬‬
‫‪ -7‬وإن أوصى بشيء معيّن لشخص ‪ ،‬ثمّ أوصى به لخر ‪ ،‬فالموصى به بين الموصى له به‬
‫أ ّولً والموصى له به ثانيا ‪ ،‬لتعلّق حقّ كلّ واحد منهما على السّواء ‪ ،‬فوجب أن يشتركا كما لو‬
‫جمع بينهما في الوصيّة ‪ .‬وإن أوصى لشخص بثلث ماله ثمّ أوصى بثلثه لخر فالثّلث بينهما إن‬
‫ل واحد منهما ثلثه ‪ ،‬لتغايرهما ‪ .‬وكذا إن‬
‫لم يجز الورثة الثّلثين ‪ ،‬وإن أجاز الورثة أخذ ك ّ‬
‫أوصى بكلّ ماله لشخص ثمّ أوصى به لخر فهو بينهما للتّزاحم ‪.‬‬
‫وإن مات أحدهما قبل موت الموصي فكلّ المال للخر ‪ ،‬وكذا إن تأخّر موتهما عن موت‬
‫الموصي وردّ أحدهما الوصيّة بعد موت الموصي لنّه اشتراك تزاحم ‪ ،‬وقد زال بموت‬
‫المزاحم وردّه ‪ .‬هذا إذا لم يوجد ما يدلّ على رجوع الموصي عن الوصيّة ‪ ،‬فإن وجد ما يدلّ‬
‫على الرّجوع عن الوصيّة الولى ‪ ،‬كأن يقول ‪ :‬أوصيت لفلن بما أوصيت به لفلن ‪ ،‬فهو‬
‫رجوع عن الوصيّة لظهوره فيه ‪ .‬والتّفصيل في مصطلح ‪ ( :‬وصيّة ) ‪.‬‬
‫خامسا ‪ :‬القتل بالزّحام ‪:‬‬
‫‪ -‬ذهب الئمّة الثّلثة ‪ :‬أبو حنيفة ومالك وأحمد إلى أنّه إذا تزاحم قوم على بئر ‪ ،‬أو باب‬ ‫‪8‬‬

‫الكعبة ‪ ،‬أو في الطّواف ‪ ،‬أو في مضيق ‪ ،‬ثمّ تفرّقوا على قتيل لم يعرف قاتله ل يكون ذلك لوثا‬
‫ي رضي ال عنهما ‪.‬‬
‫‪ ،‬وهو قول إسحاق ‪ ،‬وروي ذلك عن عمر وعل ّ‬
‫ثمّ اختلفوا في ديته ‪ ،‬فقال الحنفيّة والحنابلة ‪ :‬إنّ ديته في بيت المال ‪ ،‬واستدلّوا بما روى سعيد‬
‫بن منصور في سننه عن إبراهيم قال ‪ :‬قتل رجل في زحام النّاس بعرفة ‪ ،‬فجاء أهله لعمر فقال‬
‫ي يا أمير المؤمنين ‪ :‬ل يطلّ دم امرئ مسلم ‪ ،‬إن علمت‬
‫‪ :‬بيّنتكم على من قتله ‪ .‬فقال عل ّ‬
‫قاتله ‪ ،‬وإلّ فأعط ديته من بيت المال ‪.‬‬
‫وقال المالكيّة ‪ :‬دمه هدر ‪ ،‬لنّه ل يعلم له قاتل ‪ ،‬ول وجد لوث فيحكم بالقسامة ‪ ،‬لنّ أسباب‬
‫القسامة عندهم خمسة ‪ .‬وليس فيها التّفرّق في الزّحام عن قتيل ‪.‬‬
‫وقال الشّافعيّة ‪ :‬إنّ ذلك يكون لوثا ‪ ،‬ول يشترط أن تكون بينهم وبينه عداوة ‪ .‬وقال الحسن‬
‫ي فيمن مات في الزّحام ‪ :‬ديته على من حضر لنّ قتله حصل منهم ‪ ،‬وكذا لو تزاحم‬
‫والزّهر ّ‬
‫ي القتل على‬
‫قوم ل يتصوّر اجتماعهم على القتل في مضيق ‪ ،‬وتفرّقوا عن قتيل ‪ ،‬فادّعى الول ّ‬
‫عدد منهم يتصوّر اجتماعهم فيقبل ‪ ،‬ويمكّن من القسامة ‪.‬‬
‫مواطن البحث ‪:‬‬
‫‪ -‬يذكر الفقهاء التّزاحم في صلة الجمعة والجماعة ‪ :‬في حال تعذّر متابعة المأموم للمام في‬ ‫‪9‬‬

‫انتقالته للزّحمة ‪ .‬وفي باب التّفليس ‪ :‬إذا ظهر دين بعد حجر المفلس للغرماء أو طرأ التزام‬
‫ماليّ جديد ‪ .‬وفي الطّواف ‪ :‬إذا عسر عليه استلم الحجر أو تقبيله ‪.‬‬

‫تزكية *‬
‫التّعريف ‪:‬‬
‫‪ -‬التّزكية لغةً ‪ :‬مصدر زكّى ‪ .‬يقال ‪ :‬زكّى فلن فلنا ‪ :‬إذا نسبه إلى الزّكاء ‪ ،‬وهو الصّلح‬ ‫‪1‬‬

‫‪ .‬وزكا الرّجل يزكو ‪ :‬إذا صلح ‪ ،‬فهو زكيّ والجمع أزكياء ‪.‬‬
‫قال الرّاغب ‪ :‬أصل الزّكاة النّم ّو الحاصل عن بركة اللّه تعالى ‪ ،‬ويعتبر ذلك بالمور الدّنيويّة‬
‫والخرويّة ‪ .‬يقال ‪ :‬زكا الزّرع يزكو ‪ :‬إذا حصل منه نموّ وبركة ‪ .‬وقال تعالى ‪ { :‬أيّها أَ ْزكَى‬
‫طَعَامَا } إشارةً إلى ما يكون حللً لما ل يستوخم عقباه ‪ ،‬ومنه الزّكاة لما يخرج النسان من‬
‫حقّ اللّه تعالى إلى الفقراء ‪ ،‬وتسميته بذلك لما يكون فيها من رجاء البركة ‪ ،‬أو لتزكية النّفس‬
‫أي تنميتها بالخيرات والبركات ‪ ،‬أو لهما جميعا ‪ ،‬فإنّ الخيرين موجودان فيها ‪ .‬وبزكاة النّفس‬
‫وطهارتها يصير النسان بحيث يستحقّ في الدّنيا الوصاف المحمودة ‪ ،‬وفي الخرة الجر‬
‫والمثوبة ‪ ،‬وهو أن يتحرّى النسان ما فيه تطهيره ‪ ،‬وذلك ينسب تار ًة إلى العبد ‪ ،‬لكونه مكتسبا‬
‫لذلك ‪ ،‬نحو { قَدْ أَفْلَحَ مَنْ َزكّاهَا } وتارةً ينسب إلى اللّه تعالى لكونه فاعلً لذلك في الحقيقة نحو‬
‫ن َيشَاءُ } وتارةً إلى النّبيّ صلى ال عليه وسلم لكونه واسطةً في وصول ذلك‬
‫{ بَل اللّهُ ُي َزكّي مَ ْ‬
‫ط ّه ُرهُمْ َوتُ َزكّيهِم ِبهَا } وقوله تعالى ‪َ { :‬يتْلُو عَلَيكُ ْم آيَا ِتنَا ويُ َزكّيكُم } وتارةً إلى‬
‫إليهم نحو { ُت َ‬
‫ب َلكِ غُلمَا َز ِكيّا } أي‬
‫حنَانَا مِنْ لَ ُدنّا َو َزكَاةً } ونحو { لَ َه َ‬
‫العبادة الّتي هي آلة في ذلك نحو { َو َ‬
‫مزكّى بالخلقة ‪ ،‬وذلك على طريق ما ذكرنا من الجتباء ‪ ،‬وهو أن يجعل بعض عباده عالما‬
‫وطاهر الخلق ل بالتّعلّم والممارسة ‪ ،‬بل بتوفيق إلهيّ ‪.‬‬
‫وتزكية النسان نفسه ضربان ‪ :‬أحدهما ‪ :‬بالفعل وهو محمود ‪ ،‬وإليه قصد بقوله ‪ { :‬قَدْ أَفْلَحَ‬
‫مَنْ َزكّاهَا } وقوله { قَدْ أَفْلَحَ مَنْ َت َزكّى } ‪.‬‬
‫والثّاني ‪ :‬بالقول كتزكية العدل غيره ‪ ،‬وذلك مذموم أن يفعل النسان بنفسه ‪ ،‬وقد نهى اللّه‬
‫سكُمْ } ونهيه عن ذلك تأديب ‪ ،‬لقبح مدح النسان نفسه عقلً‬
‫تعالى عنه فقال ‪ { :‬فَل ُت َزكّوا َأنْ َف َ‬
‫وشرعا ‪ ،‬ولهذا قيل لحكيم ‪ :‬ما الّذي ل يحسن وإن كان حقّا ؟ فقال ‪ :‬مدح الرّجل نفسه ‪.‬‬
‫والفقهاء يعبّرون عن النّسبة إلى الصّلح بالتّزكية أو التّعديل فهما مترادفان ‪.‬‬
‫ويعرّفون التّزكية في باب القضاء بأنّها ‪ :‬تعديل الشّهود ‪.‬‬
‫وتزكية الرّجل ماله ‪ :‬أن يخرج القدر الواجب عليه من الزّكاة فيه ‪.‬‬
‫والجَرْحُ ض ّد التّزكية ‪ ،‬وهو في اللّغة ‪ :‬القطع في الجسم ‪ ،‬ومنه قولهم ‪ :‬جرحه بلسانه جرحا ‪:‬‬
‫إذا عابه وتنقّصه ‪ ،‬ومنه ‪ :‬جرحت الشّاهد أو الرّاوي ‪ :‬إذا أظهرت فيه ما تردّ به شهادته أو‬
‫روايته ‪ .‬وقد أطلق الفقهاء على من يبعث إليه للتّحرّي عن الشّهود ( المزكّي ) وهو في الحقيقة‬
‫يزكّي ويجرح ‪ ،‬ولكن وصف بأحسن الوصفين ‪.‬‬
‫حكم التّزكية ‪:‬‬
‫‪ -‬ذهب المام أبو حنيفة ‪ ،‬وإحدى الرّوايتين عن المام أحمد ‪ :‬أنّه يقضي بظاهر العدالة ‪،‬‬ ‫‪2‬‬

‫إلّ إذا طعن الخصم في عدالة من شهد ‪ ،‬واستثنى أبو حنيفة الحدود والقصاص ‪ ،‬فأوجب فيهما‬
‫التّزكية وإن لم يطعن الخصم ‪.‬‬
‫وعند المام أحمد في الرّواية المذكورة ‪ :‬يستوي في ذلك الحدّ والمال ‪ .‬وقال المام مالك وأبو‬
‫ن التّزكية واجبة في كلّ‬
‫يوسف ومحمّد والشّافعيّة ‪ ،‬والمام أحمد في الرّواية الخرى عنه ‪ :‬إ ّ‬
‫المور ‪ ،‬لكنّ ذلك مشروط بما إذا لم يعرف القاضي حال الشّهود ‪ ،‬فإن عرف عدالتهم فل‬
‫حاجة إلى التّزكية ‪ .‬وإن عرف أنّهم مجروحون ردّ شهادتهم ‪ ،‬وذلك عند جميع الفقهاء ‪.‬‬
‫‪ -‬واستدلّ أصحاب القول الوّل على جواز الحكم بظاهر العدالة بقول عمر ‪ :‬المسلمون‬ ‫‪3‬‬

‫عدول بعضهم على بعض ‪ « .‬وبأنّ أعرابيّا جاء إلى النّبيّ صلى ال عليه وسلم فشهد برؤية‬
‫ل اللّه ؟ فقال ‪ :‬نعم ‪ .‬فقال ‪ :‬أتشهد‬
‫الهلل ‪ ،‬فقال له النّبيّ صلى ال عليه وسلم أتشهد ألّ إله إ ّ‬
‫أنّي رسول اللّه ؟ فقال ‪ :‬نعم ‪ .‬فصام وأمر النّاس بالصّيام » ‪.‬‬
‫ي سببها الخوف من اللّه تعالى ‪ ،‬ودليل ذلك السلم ‪ ،‬فإذا وجد فليكتف‬
‫ن العدالة أمر خف ّ‬
‫ول ّ‬
‫به ‪ ،‬ما لم يقم على خلفه دليل ‪.‬‬
‫واستدلّ لبي حنيفة في استثناء الحدود والقصاص ولزوم التّحرّي فيها وإن لم يطعن الخصم ‪:‬‬
‫ن الحدود والقصاص ممّا يحتاط فيها وتندرئ بالشّبهات بخلف غيرها ‪.‬‬
‫بأ ّ‬
‫شهَدَاء }‬
‫ل المور بقوله تعالى ‪ِ { :‬ممّنْ َت ْرضَونَ مِن ال ّ‬
‫واستدلّ القائلون بوجوب التّزكية في ك ّ‬
‫ن العدالة شرط ‪ ،‬فوجب العلم بها كالسلم ‪ ،‬كما لو‬
‫ول يعلم أنّه مرضيّ حتّى نعرفه ‪ .‬وبأ ّ‬
‫ي المسلم ‪ ،‬فإنّه كان من أصحاب رسول اللّه صلى ال‬
‫طعن الخصم في الشّهود ‪ .‬أمّا العراب ّ‬
‫عليه وسلم وقد ثبتت عدالتهم بثناء اللّه تعالى عليهم ‪ ،‬فإنّ من ترك دينه في زمن رسول اللّه‬
‫إيثارا لدين السلم وصحبة رسول اللّه صلى ال عليه وسلم ثبتت عدالته ‪ ".‬وللثر عن عمر‬
‫رضي ال عنه أنّه أتي بشاهدين ‪ ،‬فقال لهما عمر ‪ :‬لست أعرفكما ول يضرّكما إن لم‬
‫أعرفكما ‪ ،‬جيئا بمن يعرفكما ‪ ،‬فأتيا برجل ‪ ،‬فقال له عمر ‪ :‬تعرفهما ؟ فقال ‪ :‬نعم ‪ .‬فقال عمر‬
‫‪ :‬صحبتَهما في السّفر الّذي يتبيّن فيه جواهر النّاس ؟ قال ‪ :‬ل ‪ .‬قال ‪ :‬عاملتَهما بالدّنانير‬
‫والدّراهم الّتي تقطع فيها الرّحم ؟ قال ‪ :‬ل ‪ .‬قال ‪ :‬كنت جارا لهما تعرف صباحهما‬
‫ومساءهما ؟ قال ‪ :‬ل ‪ .‬قال ‪ :‬يا ابن أخي لست تعرفهما ‪ .‬جيئا بمن يعرفكما "‪.‬‬
‫قال ابن قدامة ‪ :‬وهذا بحث يدلّ على أنّه ل يكتفى بدونه ‪.‬‬
‫ن الخلف بين المام وصاحبيه ليس اختلفا حقيقيّا ‪ ،‬بل‬
‫‪ -‬هذا ‪ ،‬وقد قال علماء الحنفيّة ‪ :‬إ ّ‬ ‫‪4‬‬

‫هو اختلف عصر وزمان ‪ ،‬فإنّ النّاس في عهده كانوا أهل خير وصلح ‪ ،‬لنّه زمن‬
‫ي صلى ال عليه وسلم بالخيريّة بقوله ‪ « :‬خير النّاسُ َقرْني ‪ ،‬ثمّ‬
‫التّابعين ‪ ،‬وقد شهد لهم النّب ّ‬
‫الّذين يلونهم ‪ ،‬ثمّ الّذين يلونهم ‪ ،‬ثمّ يجيء من بعدهم قوم تسبق شهادتُهم أيمانَهم ‪ ،‬وأيمانُهم‬
‫شهادتَهم » فكان الغالب في أهل زمانه الصّلح والسّداد ‪ ،‬فوقعت الغنية عن السّؤال عن حالهم‬
‫سرّ ‪ ،‬ثمّ تغيّر الزّمان وظهر الفساد في قرنهما ‪ ،‬فوقعت الحاجة إلى السّؤال عن العدالة ‪.‬‬
‫في ال ّ‬
‫ومن العلماء من حقّق الختلف ‪.‬‬
‫متى تسقط التّزكية ‪:‬‬
‫‪ -‬قال إسماعيل بن حمّاد ناقلً عن أبي حنيفة ‪ :‬أربعة شهود ل يسأل عن عدالتهم ‪ :‬شاهدا‬ ‫‪5‬‬

‫ظنّة ‪ ،‬وشاهدا تعديل العلنية ‪ ،‬وشاهدا الغربة ‪ ،‬وشاهدا الشخاص ‪.‬‬


‫ر ّد ال ّ‬
‫وقال المالكيّة ‪ :‬إنّ الشّاهد المبرز في العدالة ‪ -‬أي الفائق أقرانه فيها ‪ -‬ل يعذر فيه لغير‬
‫العداوة ‪ ،‬ويعذر فيه فيها ‪ .‬ومثلها القرابة ‪ .‬ومنها أنّ المحكوم عليه إذا كان يخشى منه على‬
‫من شهد عليه ‪ ،‬فإنّه ل يعذر إليه فيمن شهد عليه ‪.‬‬
‫ونقل صاحب المغني عن مالك ‪ :‬أنّه يقبل شهادة المتوسّمين ‪ ،‬وذلك إذا حضر مسافران ‪،‬‬
‫فشهدا عند حاكم ل يعرفهما ‪ ،‬يقبل شهادتهما إذا رأى فيهما سيما الخير ‪ ،‬لنّه ل سبيل إلى‬
‫معرفة عدالتهما ‪ ،‬ففي التّوقّف عن قبولها تضييع الحقوق ‪ ،‬فوجب الرّجوع فيهما إلى السّيما‬
‫الجميلة ‪ .‬ومعنى هذا أنّ الشّهود المذكورين ل يسمّون لمن شهدوا عليه ليزكّيهم أو يطعن‬
‫فيهم ‪ ،‬بل يحكم بشهادتهم من غير تزكية ‪ ،‬للسباب الّتي أوردوها ‪.‬‬
‫أقسام التّزكية ‪:‬‬
‫سرّ ‪ ،‬وتزكية العلنية ‪.‬‬
‫‪ -‬التّزكية نوعان ‪ :‬تزكية ال ّ‬ ‫‪6‬‬

‫سرّ ‪ ،‬فينبغي للقاضي أن يختار للمسألة عن الشّهود من هو أوثق النّاس وأورعهم‬


‫أمّا تزكية ال ّ‬
‫ديان ًة وأعظمهم دراي ًة وأكثرهم خبرةً وأعلمهم بالتّمييز فطنةً ‪ ،‬فيولّيه البحث عن أحوال‬
‫الشّهود ‪ ،‬لنّ القاضي مأمور بالتّفحّص عن العدالة ‪ ،‬فيجب عليه المبالغة في الحتياط فيه ‪.‬‬
‫وبعد أن يختار ‪ ،‬يكتب في رقعة أسماء الشّهود جملةً بأنسابهم وقبائلهم ومحالّهم ومصلهم ‪،‬‬
‫وعلى الجملة كلّ ما يميّزهم عن غيرهم تمييزا ل تتمكّن معه الشّبهة ‪ ،‬فقد يتّفق أن تتّحد‬
‫السماء وتتّفق الوصاف وغير ذلك ‪.‬‬
‫فإذا كتب القاضي دفع المكتوب إلى من يستأمنه على ذلك ‪ ،‬وأخفاه عن كلّ من سواه ‪ ،‬لئلّ يعلم‬
‫أحد فيخدع المين ‪ ،‬وعلى المرسل أمين القاضي أن يتعرّف أحوال الشّهود ممّن يعرف‬
‫حالهم ‪ ،‬فيسأل عنهم أهل الثّقة من جيرانهم وأهل محلتهم ‪ ،‬وأن يسأل أهل أسواقهم ‪.‬‬
‫سرّ ‪.‬‬
‫أمّا تزكية العلنية ‪ ،‬فتكون بعد تزكية ال ّ‬
‫وكيفيّتها ‪ :‬أن يحضر القاضي المزكّي بعدما زكّى ‪ ،‬ليزكّي الشّهود أمامه ‪.‬‬
‫سرّ والتّزكية في العلنية ؟ اختلف الفقهاء في ذلك ‪.‬‬
‫وهل يلزم أن يجمع بين التّزكية في ال ّ‬
‫سرّ ‪ ،‬لما في تزكية العلنية من بلء وفتنة ‪.‬‬
‫قال الحنفيّة ‪ :‬اليوم وقع الكتفاء بتزكية ال ّ‬
‫سرّ‬
‫سرّ مع تزكية العلنية ‪ .‬فإن اقتصر على تزكية ال ّ‬
‫وقال المالكيّة ‪ :‬يندب للقاضي تزكية ال ّ‬
‫سرّ يشافه المبعوث الحاكم بما‬
‫أجزأه قطعا كالعلنية على الرّاجح ‪ .‬وقال الشّافعيّة ‪ :‬بعد تزكية ال ّ‬
‫سمعه من المبعوث إليه ‪ .‬وقيل ‪ :‬يشافه المبعوث إليه بما يعلمه المبعوث من جهة الحاكم ‪.‬‬
‫سرّ ‪.‬‬
‫وقيل ‪ :‬تكفي كتابته ‪ .‬والظّاهر من كلم الحنابلة أنّه يكتفى بتزكية ال ّ‬
‫‪ -7‬ثمّ هل المعتبر قول المرسل إليه ( المزكّي ) أو قول المرسلين ‪ ،‬ويسمّون أصحاب‬
‫المسائل ؟ قال بعض الشّافعيّة ‪ :‬المعوّل عليه شهادة المزكّي ‪.‬‬
‫ونقل الشّيخان من الشّافعيّة ‪ :‬أنّهما نقل عن جمع من الصحاب أنّ المعوّل على قول أصحاب‬
‫صبّاغ اعتذر عن قبولها ‪ ،‬وهي شهادة على شهادة ‪-‬‬
‫المسائل ‪ ،‬خلفا لبي إسحاق ‪ ،‬وأنّ ابن ال ّ‬
‫والصل حاضر ‪ -‬لمكان الضّرورة ‪.‬‬
‫التّعارض بين التّزكية والجرح ‪:‬‬
‫اختلف فقهاء الحنفيّة في التّعارض بين التّزكية والجرح ‪ ،‬فقد نقل معين الحكّام عن المبسوط أنّه‬
‫لو عدّله واحد ‪ ،‬وجرّحه آخر ‪ ،‬أعاد المسألة ‪ .‬وهذا قول محمّد ‪.‬‬
‫ن العدالة والجرح ل يثبت عنده بقول الواحد فصارا متساويين ‪.‬‬
‫لّ‬
‫وعند أبي حنيفة وأبي يوسف ‪ :‬الجرح أولى ‪ ،‬لنّ الجرح والتّعديل يثبت بقول الواحد عندهما ‪،‬‬
‫ن الجارح في الجرح اعتمد على الدّليل ‪ ،‬وهو العيان‬
‫وترجّح الجرح على التّعديل ‪ ،‬ل ّ‬
‫ن سبب الجرح ارتكاب الكبيرة ‪.‬‬
‫والمشاهدة ‪ ،‬فإ ّ‬
‫ولو جرّحه واحد وعدّله اثنان ‪ ،‬فالتّعديل أولى ‪ .‬ولو عدّله جماعة وجرّحه اثنان فالجرح أولى ‪،‬‬
‫لنّه ل يثبت التّرجيح بزيادة العدد على الثنين ‪.‬‬
‫ل وجرّحه آخران ‪ ،‬ففي ذلك قولن ‪.‬‬
‫‪ -8‬وعند المالكيّة لو عدّل شاهدان رج ً‬
‫قيل ‪ :‬يقضى بأعدلهما ‪ ،‬لستحالة الجمع بينهما ‪ .‬وقيل ‪ :‬يقضى بشهود الجرح ‪ ،‬لنّهم زادوا‬
‫على شهود التّعديل ‪ ،‬إذ الجرح ممّا يبطن فل يطّلع عليه كلّ النّاس ‪ ،‬بخلف العدالة ‪ .‬وللّخميّ‬
‫تفصيل ‪ ،‬قال ‪ :‬إن كان اختلف البيّنتين في فعل شيء في مجلس واحد ‪ ،‬كدعوى إحدى‬
‫البيّنتين أنّه فعل كذا في وقت كذا ‪ ،‬وقالت البيّنة الخرى ‪ :‬لم يكن ذلك ‪ ،‬فإنّه يقضى بأعدلهما ‪.‬‬
‫وإن كان ذلك في مجلسين متقاربين قضي بشهادة الجرح ‪ ،‬لنّها زادت علما في الباطن ‪ .‬وإن‬
‫تباعد ما بين المجلسين قضي بآخرهما تاريخا ‪ ،‬ويحمل على أنّه كان عدلً ففسق ‪ ،‬أو كان‬
‫فاسقا فتزكّى ‪ ،‬إلّ أن يكون في وقت تقييد الجرح ظاهر العدالة فبيّنة الجرح مقدّمة ‪ ،‬لنّها‬
‫زادت ‪ .‬وعند الشّافعيّة ‪ :‬أنّه يقدّم الجرح على التّعديل لما فيه من زيادة العلم ‪ .‬فإن قال المعدّل‬
‫‪ :‬عرفت سبب الجرح وتاب منه وأصلح ‪ ،‬قدّم قوله على قول الجارح ‪.‬‬
‫أمّا الحنابلة فقد قال في المغني ‪ :‬فإذا رجع أصحاب مسألة فأخبر اثنان بالعدالة ‪ ،‬قبل القاضي‬
‫شهادته ‪ .‬وإن أخبرا بالجرح ردّ شهادته وإن أخبر أحدهما بالعدالة والخر بالجرح بعث آخرين‬
‫‪ ،‬فإن عادا فأخبرا بالتّعديل تمّت بيّنة التّعديل ‪ ،‬وسقط الجرح لنّ بيّنته لم تتمّ ‪ ،‬وإن أخبرا‬
‫بالجرح ثبت وردّ الشّهادة ‪.‬‬
‫وإن أخبر أحدهما بالجرح والخر بالتّعديل تمّت البيّنتان ويقدّم الجرح ‪.‬‬
‫وقت التّزكية ‪:‬‬
‫‪ -‬اتّفق الفقهاء على أنّ التّزكية تكون بعد الشّهادة ل قبلها ‪.‬‬ ‫‪9‬‬

‫عدد من يقبل في التّزكية ‪:‬‬


‫سرّ ‪ ،‬وتزكية العلنية ‪.‬‬
‫‪ -‬تقدّم أنّ التّزكية نوعان ‪ :‬تزكية ال ّ‬ ‫‪10‬‬

‫سرّ ‪ ،‬قال أبو حنيفة وأبو يوسف ومالك في أحد قوليه ‪ :‬إنّ القاضي يجتزئ‬
‫فبالنّسبة لتزكية ال ّ‬
‫سرّ ‪ ،‬لنّها ليست شهادةً بل هي إخبار ‪.‬‬
‫بواحد في تزكية ال ّ‬
‫والقول الخر لمالك ‪ ،‬وهو مذهب الشّافعيّة والحنابلة ‪ :‬أنّه ل بدّ من اثنين ‪.‬‬
‫أمّا بالنّسبة لتزكية العلنية ‪ ،‬فالئمّة الثّلثة ‪ ،‬وهو المشهور عند المالكيّة ‪ :‬أنّه ل يقبل فيها إلّ‬
‫اثنان ‪ ،‬لنّها شهادة ‪ .‬وقال ابن كنانة من المالكيّة ‪ :‬ل بدّ من ثلثة ‪ .‬وعن ابن الماجشون ‪ :‬أنّ‬
‫أقلّ ما يزكّي الرّجل أربعة شهود ‪ .‬وقال ابن حبيب في الواضحة ‪ :‬والتّزكية تختلف ‪ ،‬فتكون‬
‫بالواحد والثنين والجماعة ‪ ،‬بقدر ما يظهر للحاكم ويتأكّد عنده ‪.‬‬
‫قال المتيطيّ ‪ :‬وما كثر من الشّهود فهو أحسن ‪ ،‬إلّ أن تكون التّزكية في شاهد شهد بزنا ‪،‬‬
‫فإنّ مطرّفا روى عن مالك ‪ :‬أنّه ل يزكّيه إلّ أربعة ‪.‬‬
‫من تقبل تزكيته ‪:‬‬
‫‪ -‬فقهاء المذاهب ‪ -‬عدا الحنفيّة ‪ -‬قالوا ‪ :‬يشترط في شاهد التّزكية أن يكون مبرزا ناقدا‬ ‫‪11‬‬

‫فطنا ‪ ،‬ل يخدع في عقله ‪ ،‬ول تخفى عليه شروط التّعديل ‪.‬‬
‫ل في غير‬
‫ول تقبل التّزكية من البله والجاهل بشروط العدالة ‪ ،‬وإن كان في نفسه عدلً مقبو ً‬
‫ذلك ‪ .‬ول يقبل قول من يرى تعديل كلّ مسلم ‪.‬‬
‫سرّ يقبل فيه تعديل الوالد لولده وكلّ ذي رحم محرم‬
‫وقال أبو حنيفة وأبو يوسف ‪ :‬تعديل ال ّ‬
‫س ّر ليس بشهادة ‪ .‬وقال محمّد ‪ :‬هو شهادة فل بدّ من شهادة اثنين ‪.‬‬
‫لرحمه ‪ ،‬لنّ تعديل ال ّ‬
‫‪ -‬وقال الحنفيّة ‪ :‬يقبل تعديل المرأة لزوجها وغيره ‪ ،‬إذا كانت امرأ ًة برز ًة تخالط النّاس‬ ‫‪12‬‬

‫س ّر من العمى‬
‫وتعاملهم ‪ ،‬لنّ لها خبرةً بأمورهم فيفيد السّؤال ‪ .‬قالوا ‪ :‬وتجوز تزكية ال ّ‬
‫والصّبيّ والمحدود في قذف ‪ .‬وهذا خلفا لمحمّد ‪.‬‬
‫وقال المالكيّة ‪ :‬ل تقبل تزكية النّساء ‪ ،‬ل في حقّ الرّجال ول في حقّ النّساء ‪.‬‬
‫ص بالرّجال ‪.‬‬
‫ن التّزكية يشترط فيها التّبريز في العدالة ‪ ،‬وهي صفة تخت ّ‬
‫قال ابن رشد ‪ :‬إ ّ‬
‫قال ‪ :‬وقد قيل ‪ :‬إنّهنّ يزكّين الرّجال إذا شهدوا فيما تجوز شهادتهنّ فيه ‪ ،‬وهو قول ابن نافع‬
‫وابن الماجشون في المبسوطة ‪ .‬والقياس جواز تزكيتهنّ للنّساء ‪.‬‬
‫تزكية المشهود عليه للشّاهد ‪:‬‬
‫‪ -‬قال الحنفيّة ‪ :‬إذا عدّل المدّعى عليه شهود المدّعي ‪ ،‬بأن قال ‪ :‬صدقوا في شهادتهم ‪ ،‬أو‬ ‫‪13‬‬

‫قال ‪ :‬هم عدول في شهادتهم ‪ ،‬يقضى عليه بالمال بإقراره ل بالشّهادة ‪ ،‬لنّ ذلك إقرار منه‬
‫بالمال ‪ .‬وإن قال ‪ :‬هم عدول ‪ ،‬ولم يزد عليه ‪ ،‬ذكر في الجامع الصّغير ‪ :‬أنّه ل يصحّ هذا‬
‫التّعديل ‪ ،‬لنّ من زعم المدّعي وشهوده أنّ المدّعى عليه في الجحود ظالم وكاذب ‪ ،‬فل تصحّ‬
‫تزكيته ‪ .‬وقال في كتاب التّزكية ‪ :‬ويجوز تعديل المشهود عليه إذا كان من أهله ‪ ،‬لنّ تعديل‬
‫ل ل يكون إقرارا بوجوب الحقّ‬
‫المشهود عليه بمنزلة تعديل المزكّي ‪ ،‬وإقراره بكون الشّاهد عد ً‬
‫على نفسه ل محالة ‪.‬‬
‫وعند المالكيّة ‪ :‬لو أقرّ الخصم المشهود عليه بالعدالة لمن شهد عليه يحكم القاضي بهذا‬
‫القرار ‪ ،‬ولو علم خلف ذلك ‪ ،‬لنّ إقراره بعدالته كإقراره بالحقّ ‪ ،‬حتّى لو شهدت بيّنة‬
‫بخلف عدالة الشّاهد ‪ .‬أمّا الشّافعيّة والحنابلة ‪ :‬فإذا شهد عند القاضي مجهول الحال ‪ ،‬فقال‬
‫المشهود عليه ‪ :‬هو عدل ‪ ،‬فعند الشّافعيّة ‪ :‬فيه قولن ‪ ،‬وهما وجهان عند الحنابلة ‪.‬‬
‫أ ّولً ‪ -‬ل يكفي في الصحّ في التّعديل قول المدّعى عليه ‪ :‬هو عدل ‪ ،‬وقد غلط في شهادته‬
‫عليّ ‪ .‬وقيل ‪ :‬يكفي في حقّه ‪ ،‬لنّه اعترف بما لو ثبت بالبيّنة يقضى عليه ‪.‬‬
‫والقولن هما الوجهان عند الحنابلة ‪.‬‬
‫ق المشهود عليه ‪ ،‬وقد‬
‫الوّل ‪ :‬أنّه يلزم الحاكم الحكم بشهادته ‪ ،‬لنّ البحث عن عدالته لح ّ‬
‫اعترف بها ‪ ،‬ولنّه إذا أق ّر بعدالته فقد أقرّ بما يوجب الحكم لخصمه عليه ‪ ،‬فيؤخذ بإقراره‬
‫كسائر أقاريره ‪.‬‬
‫ل له ‪ ،‬فل يثبت بقول‬
‫والوجه الثّاني ‪ :‬أنّه ل يجوز الحكم بشهادته ‪ ،‬لنّ في الحكم بها تعدي ً‬
‫واحد ‪ ،‬ولنّ اعتبار العدالة في الشّاهد حقّ للّه تعالى ‪ ،‬ولهذا لو رضي الخصم أن يحكم عليه‬
‫بقول فاسق لم يجز الحكم به ‪ ،‬لنّه ل يخلو إمّا أن يحكم عليه مع تعديله أو مع انتفائه ‪ :‬ل‬
‫يجوز أن يقال مع تعديله ‪ ،‬لنّ التّعديل ل يثبت بقول الواحد ‪.‬‬
‫ول يجوز مع انتفاء تعديله ‪ ،‬لنّ الحكم بشهادة غير العدل غير جائز ‪ ،‬بدليل شهادة من ظهر‬
‫فسقه ‪ .‬فإن قلنا بالوّل فل يثبت تعديله في حقّ غير المشهود عليه ‪ ،‬لنّه لم توجد بيّنة‬
‫التّعديل ‪ ،‬وإنّما يحكم عليه لقراره بوجود شروط الحكم ‪ ،‬وإقراره يثبت في حقّه دون غيره كما‬
‫لو أقرّ بحقّ عليه وعلى غيره ثبت في حقّه دون غيره ‪.‬‬
‫تجديد التّزكية ‪:‬‬
‫‪ -‬قال المام أحمد ‪ :‬ينبغي للقاضي أن يسأل عن شهوده ك ّل قليل ‪ ،‬لنّ الرّجل ينتقل من‬ ‫‪14‬‬

‫ب أو واجب ؟ فيه وجهان ‪:‬‬


‫حال إلى حال ‪ .‬قال ابن قدامة ‪ :‬هل هذا مستح ّ‬
‫أحدهما ‪ :‬أنّه مستحبّ ‪ ،‬لنّ الصل بقاء ما كان ‪ ،‬فل يزول حتّى يثبت الجرح ‪.‬‬
‫ن العيب يحدث ‪ ،‬وذلك على ما‬
‫والثّاني ‪ :‬يجب البحث كلّما مضت مدّة يتغيّر الحال فيها ‪ ،‬ل ّ‬
‫يراه الحاكم ‪ .‬ولصحاب الشّافعيّ فيه وجهان مثل هذين ‪.‬‬
‫ويرى الحنفيّة ‪ :‬أنّه متى ثبتت العدالة عند القاضي ‪ ،‬ثمّ شهد الشّهود في حادثة أخرى ‪ ،‬فل‬
‫يشتغل بتعديلهم إن كان العهد قريبا ‪ ،‬وإلّ سأل عنهم ‪ .‬وفي الحدّ الفاصل بينهما قولن ‪،‬‬
‫ن القريب مقدّر بستّه أشهر ‪.‬‬
‫أحدهما ‪ :‬أ ّ‬
‫والثّاني ‪ :‬أنّه مفوّض إلى رأي القاضي ‪.‬‬
‫وعند المالكيّة ‪ :‬أنّه لو شهد المزكّي ثانيا قبل عام من تاريخ شهادته السّابقة ‪ ،‬وجهل حاله ‪ ،‬ولم‬
‫يكثر معدّلوه ‪ ،‬ووجد من يعدّله عند شهادته ثانيا ‪ ،‬فقد اختلفوا فيه على قولين ‪:‬‬
‫الوّل ‪ :‬ما قاله أشهب عن مالك أنّه ل يحتاج إلى تزكية ‪.‬‬
‫والقول الثّاني لسحنون ‪ :‬أنّه يحتاج إلى تزكية ‪ .‬فإن فقد قيد من الثّلثة الخيرة ‪ :‬بأن لم يجهل‬
‫حاله ‪ ،‬أو كثر معدّلوه ‪ ،‬أو لم يوجد من يعدّله ثانيا لم يحتج إلى تزكية أخرى اكتفاءً بالتّزكية‬
‫السّابقة اتّفاقا بين المالكيّة ‪ .‬أمّا لو فقد القيد الوّل ‪ ،‬كما لو شهد مجهول الحال بعد تمام سنة ‪،‬‬
‫ولم يكن زكّاه قبله كثيرون احتاج لعادة التّزكية اتّفاقا ‪.‬‬
‫بيان سبب الجرح والتّعديل ‪:‬‬
‫‪ -‬قال أبو حنيفة والمالكيّة ‪ :‬يقبل الجرح المطلق ‪ ،‬وهو ‪ :‬أن يشهد أنّه فاسق ‪ ،‬أو أنّه ليس‬ ‫‪15‬‬

‫بعدل ‪ .‬وعن أحمد مثله ‪ ،‬لنّ التّعديل يسمع مطلقا فكذلك الجرح ‪ ،‬لنّ التّصريح بالسّبب يجعل‬
‫المجرّح فاسقا ‪ ،‬ويوجب عليه الحدّ في بعض الحالت ‪ .‬وهو أن يشهد عليه بالزّنى ‪ ،‬فيفضي‬
‫الجرح إلى جرح الجارح ‪ ،‬وتبطل شهادته ‪ ،‬ول يتجرّح بها المجروح ‪.‬‬
‫وقال الشّافعيّة ‪ :‬يجب ذكر سبب الجرح للختلف فيه ‪ ،‬بخلف سبب التّعديل ‪.‬‬
‫واستدلّ من قالوا باشتراط بيان سبب الجرح بأنّ النّاس يختلفون في أسباب الجرح ‪ ،‬كاختلفهم‬
‫في شارب النّبيذ ‪ ،‬فوجب ألّ يقبل مجرّد الجرح ‪ ،‬لئلّ يجرّحه بما ل يراه القاضي جرحا ‪،‬‬
‫ن الجرح ينقل عن الصل ‪ ،‬فإنّ الصل في المسلمين العدالة والجرح ينقل عنها ‪ ،‬فل بدّ أن‬
‫ول ّ‬
‫يعرف النّاقل ‪ ،‬لئلّ يعتقد نقله عن أصل العدالة بما ل يراه الحاكم ناقلً ‪.‬‬
‫الفرق بين شهود الدّعوى وشهود التّزكية ‪:‬‬
‫‪ -‬يختلف شهود التّزكية عن شهود الدّعوى في أمور ‪ ،‬ويتّفقان في أمور ‪:‬‬ ‫‪16‬‬

‫فيتّفقان في الجملة في اشتراط العقل الكامل والضّبط والولية والعدالة والبصر والنّطق ‪ ،‬وألّ‬
‫يكون الشّاهد محدودا في قذف ‪ ،‬وعدم القرابة المانعة من قبول الشّهادة ‪ ،‬وألّ تجرّ الشّهادة‬
‫على الشّاهد نفعا ‪ .‬وهذه الشّرائط هي في الجملة ‪ ،‬إذ في كلّ مذهب تفصيل ‪ .‬وهذا في تزكية‬
‫سرّ ‪ ،‬فقد تقدّم الكلم عمّن تقبل شهادتهم فيها ‪ ،‬ومن ذلك يعلم الفرق‬
‫العلنية ‪ .‬أمّا في تزكية ال ّ‬
‫سرّ والشّهادة أمام القاضي ‪ .‬ويختلفان في أنّ شاهد التّزكية في العلنية‬
‫بين شهود تزكية ال ّ‬
‫يشترط أن يكون ‪ :‬مبرزا في العدالة فطنا حذرا ل يخدع ول يستغفل ‪.‬‬
‫قال محمّد بن الحسن في النّوادر ‪ :‬كم من رجل أقبل شهادته ول أقبل تعديله ‪ ،‬لنّه يحسن أن‬
‫يؤدّي ما سمع ول يحسن التّعديل ‪.‬‬
‫وفي كتاب ( المتيطيّة ) من كتب المالكيّة ‪ :‬شهود التّزكية بخلف شهود الحقوق ‪.‬‬
‫قال مالك ‪ :‬قد تجوز شهادة الرّجل ول يجوز تعديله ‪ ،‬ول يجوز إلّ تعديل العارف ‪.‬‬
‫ل العدل المبرز الفطن الّذي ل يخدع في عقله ول يستز ّل‬
‫وقال سحنون ‪ :‬ل يجوز في التّعديل إ ّ‬
‫في رأيه ‪ .‬وعلى هذا أكثر أصحاب مالك ‪ ،‬وبه جرى العمل ‪.‬‬
‫وروي عنه أيضا ‪ :‬شهود التّزكية كشهود سائر الحقوق ‪.‬‬
‫‪ -‬ومثل ما تقدّم ما قاله الشّافعيّة ‪ :‬أنّه يشترط في المزكّي ما يشترط في الشّاهد ويزيد عليه‬ ‫‪17‬‬

‫أمران ‪ :‬أحدهما ‪ :‬معرفة أسباب الجرح والتّعديل ‪ ،‬لنّه يشهد بهما ‪.‬‬
‫والمر الثّاني ‪ :‬خبرة باطن من يعدّله أو يجرّحه ‪ ،‬بصحبة أو جوار أو معاملة ‪ ،‬ليتأتّى له بها‬
‫التّعديل أو الجرح ‪ .‬ول يخرج كلم الحنابلة عن ذلك ‪ .‬فقد قالوا ‪ :‬ل يقبل التّعديل إلّ من أهل‬
‫الخبرة الباطنة والمعرفة المتقادمة ‪ ،‬ولنّ عادة النّاس إظهار الصّالحات وإسرار المعاصي ‪،‬‬
‫فإذا لم يكن ذا خبرة باطنة ربّما اغت ّر بحسن ظاهره ‪ ،‬وهو في باطنه فاسق ‪.‬‬
‫تزكية الشّهود ال ّذمّيّين لمثلهم ‪:‬‬
‫‪ -‬إذا ترافع ال ّذ ّميّون أمام قاض مسلم ‪ ،‬وطلبوا منه الفصل فيما شجر بينهم ‪ ،‬وأحضر‬ ‫‪18‬‬

‫المدّعي شهوده ال ّذ ّميّين على المدّعى عليهم الذّ ّميّين ‪ ،‬فقد قال الحنفيّة ‪ :‬التّزكية لل ّذ ّميّ تكون‬
‫بالمانة في دينه ولسانه ويده ‪ ،‬وأنّه صاحب يقظة ‪ .‬فإن لم يعرفه المسلمون سألوا عنه عدول‬
‫الذّ ّميّين ‪ .‬ولم يعثر على حكم تزكية ال ّذ ّميّين في المذاهب الخرى ‪.‬‬
‫رجوع المزكّي عن التّزكية ‪:‬‬
‫‪ -‬يرى أبو حنيفة أنّه لو رجع المزكّون عن تزكيتهم للشّهود ‪ ،‬بأن قالوا مثلً ‪ :‬إنّ الشّهود‬ ‫‪19‬‬

‫عبيد أو مجوس ‪ ،‬وقد زكّيناهم ونحن نعلم ذلك ‪ ،‬فالدّية على المزكّين عند أبي حنيفة ‪ ،‬ول‬
‫يقتصّ منهم لو رجم المشهود عليه بالزّنا وهو محصن ‪.‬‬
‫وقال الصّاحبان ‪ :‬بل يقتصّ منهم وأمّا إذا قالوا ‪ :‬أخطأنا في التّزكية فل شيء عليهم ‪.‬‬
‫ن الشّهود أحرار ‪ ،‬فإذا هم عبيد‬
‫وقيل ‪ :‬الخلف بين المام وصاحبيه فيما إذا أخبر المزكّون أ ّ‬
‫أمّا إذا قالوا ‪ :‬هم عدول ‪ ،‬فبانوا عبيدا ل يضمنون إجماعا ‪ ،‬لنّ العبد قد يكون عدلً ‪ .‬ومذهب‬
‫المالكيّة ‪ :‬أنّه لو رجع المزكّي لشهود الزّنا أو قتل العمد عن تزكيتهم ‪ ،‬بعد رجم المشهود‬
‫عليه ‪ ،‬أو قتله قصاصا ‪ ،‬فل يغرم المزكّي شيئا من الدّية ‪ ،‬سواء رجع الشّهود الصول أم ل ‪.‬‬
‫وقال الشّافعيّة في الوجه الصحّ عندهم ‪ :‬إنّه يتعلّق بالمزكّي الرّاجع القصاص والضّمان ‪ ،‬لنّه‬
‫ألجأ القاضي إلى الحكم المفضي إلى القتل ‪ .‬وفي وجه آخر ‪ :‬ل ‪ ،‬لنّه لم يتعرّض للمشهود‬
‫عليه ‪ ،‬وإنّما أثنى على الشّاهد ‪ ،‬والحكم يقع بالشّاهد ‪ ،‬فكان كالممسك مع القاتل ‪ .‬وفي وجه‬
‫ثالث ‪ :‬يتعلّق به الضّمان دون القصاص ‪.‬‬
‫قال القفّال ‪ :‬الخلف فيما إذا قال المزكّيان ‪ :‬علمنا كذب الشّاهدين ‪ .‬فإن قال ‪ :‬علمنا فسقهما‬
‫فل شيء عليهما ‪ ،‬لنّهما قد يكونان صادقين مع الفسق ‪ ،‬وطرد المام الخلف في الحالين ‪.‬‬
‫وعند الحنابلة أنّ المزكّيين إذا رجعا عن التّزكية ضمنا ‪ ،‬لنّهما تسبّبا في الحكم غير الحقّ ‪،‬‬
‫فيضمنان كرجوع شهود الحصان ‪.‬‬
‫تزكية الشّهود بعضهم لبعض ‪:‬‬
‫‪ -‬يكفي عند الحنفيّة تزكية أحد الشّاهدين صاحبه في الصحّ ‪ ،‬لنّ العدل ل يتّهم بمثله ‪.‬‬ ‫‪20‬‬

‫وغاية ما فيه أنّ فيه منفعةً من حيث القضاء بشهادته ‪ ،‬ولكنّ العدل ل يتّهم بمثله كما ل يتّهم‬
‫في شهادة نفسه ‪ .‬وفي الفتح أنّ بعضهم قال ‪ :‬ل يجوز ‪ ،‬لنّه متّهم ‪ ،‬حيث كان بتعديله رفيقه‬
‫يثبت القضاء بشهادته ‪.‬‬
‫ولكنّ الصّحيح ما ذكر ‪ ،‬لنّ شهادته تتضمّن مثل هذه المنفعة وهي القضاء بها ‪ ،‬فكما أنّه لم‬
‫يعتبر الشّرع مع عدالته ذلك مانعا ‪ ،‬كذلك تعديله لمن شهد معه ‪.‬‬
‫وعند المالكيّة ‪ :‬أنّ الشّاهد ل يزكّي من شهد معه ‪ ،‬ول تقبل معه شهادته في ذلك الحقّ ‪.‬‬
‫ل طائفة صاحبتها ‪ ،‬وهو عنده بمنزلة ما‬
‫وأجاز سحنون إذا شهدت طائفة بعد ذلك أن تزكّي ك ّ‬
‫لو شهدتا في حقّين مختلفين ‪ .‬وروي عنه أنّ ذلك ل يجوز ولو شهدتا في حقّين مختلفين ‪.‬‬
‫وعند الشّافعيّة ‪ :‬أنّه ل يجوز أن يزكّي أحد الشّاهدين الخر ‪ ،‬وفيه وجه ضعيف أنّه يجوز ‪.‬‬
‫التّزكية تكون على عين المزكّي ‪:‬‬
‫‪ -‬التّزكية الّتي تشترط وتقبل تكون على عين المزكّي ‪ ،‬وذلك في تزكية العلنية ‪ .‬وصفتها‬ ‫‪21‬‬

‫سرّ ‪ -‬ليزكّيهم علنيةً بين يديه ‪،‬‬


‫‪ :‬أن يحضر القاضي المزكّي ‪ -‬بعدما زكّى الشّهود في ال ّ‬
‫ويشير إليهم فيقول ‪ :‬هؤلء عدول عندي ‪ ،‬إزالةً لللتباس ‪ ،‬واحترازا عن التّبديل والتّزوير ‪.‬‬
‫قال ابن فرحون ‪ :‬ل يزكّى الشّاهد إذا لم يعرفه القاضي إلّ على عينه ‪ ،‬وليس على القاضي أن‬
‫يسأل المزكّي عن تفسير العدالة إذا كان المزكّي عالما بوجوهها ‪ ،‬ول عن الجرحة إذا كان‬
‫عالما بها ‪.‬‬
‫ولم يصرّح الحنابلة بتكرار سؤال المزكّي أمام الشّهود وإشارته إلى عين من يزكّيهم ‪.‬‬
‫العذار إلى المدّعى عليه في تزكية المزكّين ‪:‬‬
‫‪ -‬هل على القاضي أن يعذر إلى المدّعى عليه فيمن زكّى من شهد عليه من تلقاء نفسه ؟ أو‬ ‫‪22‬‬

‫يطلب من المدّعى عليه أو ل يعذر أصلً ‪.‬‬


‫الّذي يفيده كلم الحنفيّة ‪ :‬أنّه ل يعذر إلى المدّعى عليه فيمن زكّى شهود المدّعي ‪ .‬إذ قالوا ‪:‬‬
‫سرّ ‪ ،‬لما في تزكية العلنية من بلء وفتنة ‪.‬‬
‫اليوم وقع الكتفاء بتزكية ال ّ‬
‫سرّ بحال الشّهود‬
‫سرّ ‪ ،‬وهو من يخبر القاضي في ال ّ‬
‫وقال المالكيّة ‪ :‬ممّا ل يعذر فيه مزكّي ال ّ‬
‫من عدالة أو جرح ‪ .‬ولو سأل الطّالب المقيم للبيّنة عمّن جرّحها ل يلتفت إلى سؤاله ‪.‬‬
‫ل من‬
‫وكذلك لو سأل المطلوب عمّن زكّى بيّنة الطّالب ‪ ،‬فإنّه ل يلتفت إليه ‪ ،‬لنّه ل يقيم لذلك إ ّ‬
‫يثق به ‪ ،‬فهو قائم مقام القاضي فل يعذر في نفسه ‪.‬‬
‫وكذلك الشّاهد المبرز في العدالة الفائق أقرانه فيها ل يعذر فيه لغير العداوة ‪ ،‬ويعذر فيه فيها ‪،‬‬
‫ومثلها القرابة ‪ .‬وكذلك المحكوم عليه إذا كان يخشى منه على من شهد عليه ‪ ،‬فإنّه ل يعذر‬
‫إليه فيمن شهد عليه ‪ ،‬ومعناه أنّ الشّاهد على من يخشى منه ل يسمّى له ‪.‬‬
‫ومؤدّى ذلك أنّ غير المذكورين يعذر فيهم إلى المشهود عليه ‪.‬‬
‫وقال الشّافعيّة ‪ :‬بعد السّؤال والبحث ومشافهة المزكّي بما عنده ‪ ،‬فإن كان جرحا ستره ‪ ،‬وقال‬
‫للمدّعي ‪ :‬زدني في شهودك ‪ ،‬أو تعديلً عمل بمقتضاه ‪.‬‬
‫وظاهر ذلك أنّه يعمل بمقتضى الجرح والتّعديل ‪ ،‬من غير أن يقول للمدّعي الّذي أحضر‬
‫الشّهود ‪ :‬إنّ شهودك قد جرّحهم فلن وفلن ‪ ،‬ول يقول للمدّعى عليه ‪ :‬إنّ من شهدوا عليك قد‬
‫عدّلهم فلن وفلن ‪ .‬هذا ولم نطّلع على حكم ذلك عند الحنابلة ‪.‬‬
‫تزكية رواة الحاديث ‪:‬‬
‫‪ -‬الحكام الّتي تقدّمت هي في شهود الدّعاوى ‪ .‬أمّا بالنّسبة لرواة الحاديث فقد أجمع‬ ‫‪23‬‬

‫ل ضابطا لما‬
‫جماهير أئمّة الحديث والفقه على أنّه يشترط فيمن يحتجّ بروايته ‪ :‬أن يكون عد ً‬
‫يرويه ‪ ،‬بأن يكون مسلما بالغا عاقلً ‪ ،‬سالما من أسباب الفسق وما يخلّ بالمروءة متيقّظا غير‬
‫مغفّل ‪ ،‬حافظا إن حدّث من حفظه ‪ ،‬ضابطا لكتابه إن حدّث من كتابه ‪ .‬وإن كان يحدّث‬
‫بالمعنى اشترط فيه مع ذلك ‪ :‬أن يكون عالما بما يحيل المعاني ‪.‬‬
‫وعدالة الرّاوي تار ًة تثبت بتنصيص معدّلين على عدالته ‪ ،‬وتارةً تثبت بالستفاضة ‪ ،‬فيمن‬
‫اشتهرت عدالته من أهل النّقل أو نحوهم من أهل العلم ‪ ،‬ومن شاع الثّناء عليه بالثّقة والمانة‬
‫استغني فيه بذلك عن بيّنة شاهدة بعدالته تنصيصا ‪ ،‬وهذا هو الصّحيح في مذهب الشّافعيّ ‪،‬‬
‫وعليه العتماد في فنّ أصول الفقه ‪.‬‬
‫وذلك مثل المام مالك وأبي بكر الخطيب الحافظ ‪.‬‬
‫ن أسبابه كثيرة يصعب‬
‫والتّعديل مقبول من غير ذكر سببه على المذهب الصّحيح المشهور ‪ ،‬ل ّ‬
‫حصرها ‪ ،‬بخلف الجرح ‪ ،‬فإنّه ل يقبل إلّ مفسّرا مبيّن السّبب ‪ ،‬لنّ النّاس يختلفون فيما‬
‫يجرّح ول يجرّح ‪.‬‬
‫ي ‪،‬وفي علم مصطلح الحديث ‪.‬‬
‫وهناك تفصيلت وأحكام أخرى يرجع إليها في الملحق الصول ّ‬
‫تزكية النسان نفسه ‪:‬‬
‫سكُم هوَ أَعْلَمُ‬
‫‪ -‬نهى اللّه عزّ وجلّ عن تزكية النسان نفسه بقوله تعالى ‪ { :‬فل ُت َزكّوا َأ ْن ُف َ‬ ‫‪24‬‬

‫سهُم َبلِ اللّهُ ُي َزكّي مَنْ َيشَاءُ } ‪ .‬وليس‬


‫ن اتّقَى } وقال تعالى ‪َ { :‬ألَ ْم تَ َر إلى الّذينَ ُي َزكّونَ َأ ْن ُف َ‬
‫ِبمَ ِ‬
‫من التّزكية المذمومة بيان النسان لبعض صفاته على سبيل التّعريف ‪ ،‬حيث يحتاج إلى ذلك‬
‫خزَائنِ الرضِ‬
‫جعَ ْلنِي على َ‬
‫في توليته ‪ ،‬كما حصل لنبيّ اللّه يوسف عليه السلم حيث قال ‪ { :‬ا ْ‬
‫إنّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ } ‪ .‬والتّفصيل في مصطلح ‪ ( :‬مدح ) ‪.‬‬

‫تزويج *‬
‫التّعريف ‪:‬‬
‫‪ -‬التّزويج لغةً ‪ :‬مصدر زوّج ‪ .‬يقال ‪ :‬تزوّجت امرأةً ‪ ،‬وزوّجه امرأةً أي ‪ :‬قرنه بها ‪.‬‬ ‫‪1‬‬

‫جنَاهم ِبحُورٍ عِينٍ } أي قرنّاهم بهنّ ‪ ،‬وكلّ شيئين اقترن أحدهما بالخر‬
‫وفي التّنزيل ‪َ { :‬و َز ّو ْ‬
‫فهما زوجان ‪ ،‬والسم من التّزويج ‪ :‬الزّواج ‪.‬‬
‫وهو في الصطلح كما عرّفه الحنفيّة ‪ :‬عقد يفيد ملك استمتاع الرّجل بالمرأة ‪ ،‬وحلّ استمتاع‬
‫المرأة بالرّجل على وجه مشروع ‪.‬‬
‫الحكم التّكليفيّ ‪:‬‬
‫‪ -‬التّزويج ليس له حكم واحد ينطبق عليه في جميع الحالت بل يختلف حكمه باختلف‬ ‫‪2‬‬

‫النّاس من ناحية قدرتهم على مطالب الزّواج واستعدادهم للقيام بالحقوق الزّوجيّة ‪.‬‬
‫فيكون فرضا أو واجبا أو حراما أو مكروها أو مندوبا أو مباحا ‪.‬‬
‫فيكون فرضا أو واجبا ‪ :‬إذا كان الشّخص في حالة يتيقّن فيها الوقوع في الزّنى إن لم يتزوّج ‪،‬‬
‫وكان قادرا على النّفقة والمهر وحقوق الزّواج الشّرعيّة ‪ ،‬ول يستطيع الحتراز عن الوقوع في‬
‫الزّنى ونحوه ‪.‬‬
‫ويكون حراما ‪ :‬إذا كان المرء في حالة يتيقّن فيها عدم القيام بأمور الزّوجيّة والضرار بالمرأة‬
‫إذا هو تزوّج ‪.‬‬
‫ويكون مكروها ‪ :‬إذا خاف الشّخص الوقوع في الجور والضّرر إن تزوّج ‪ ،‬لعجزه عن النفاق‬
‫أو عدم القيام بالواجبات الزّوجيّة ‪.‬‬
‫ويكون مندوبا ‪ :‬في حالة العتدال ‪ ،‬وهي أن يكون الشّخص معتدل الطّبيعة ‪ ،‬بحيث ل يخشى‬
‫الوقوع في الزّنى إن لم يتزوّج ‪ ،‬ول يخشى أن يظلم زوجته إن تزوّج ‪ ،‬وهذا عند جمهور‬
‫الفقهاء ‪ .‬وقال الشّافعيّة ‪ :‬إنّ الزّواج في هذه الحالة مباح ‪ ،‬يجوز فعله وتركه ‪.‬‬
‫مَنْ له ولية التّزويج ‪:‬‬
‫‪ -‬اتّفق الفقهاء على أنّ الرّجل الحرّ البالغ العاقل الرّشيد له أن يزوّج نفسه ‪ ،‬وأن يباشر عقد‬ ‫‪3‬‬

‫النّكاح دون إذن من أحد ‪ ،‬لما له من ح ّريّة التّصرّف في خالص حقّه ‪ .‬كما أنّ له أن يوكّل‬
‫غيره في تزويجه ‪ ،‬وأن يزوّج غيره بالولية أو الوكالة ‪.‬‬
‫ي أبا أو جدّا ‪ ،‬أو‬
‫أمّا الصّغير والمجنون فل ولية لهما على أنفسهما ‪ ،‬وإنّما يزوّجهما الول ّ‬
‫الوصيّ عليهما ‪ .‬ول يجوز للصّغير والمجنون مباشرة عقد النّكاح ‪ ،‬لعدم أهليّتهما ‪.‬‬
‫ح له الزّواج بدون إذن القيّم عليه عند المالكيّة والشّافعيّة ‪ ،‬خلفا للحنفيّة‬
‫والسّفيه ل يص ّ‬
‫والحنابلة فيجوز له أن يتزوّج بل إذن وليّه ‪ ،‬وأن يباشر العقد عند الحنفيّة ‪ ،‬لنّه عقد غير‬
‫ماليّ فصحّ منه ‪ ،‬وإن لزم منه المال ‪ ،‬فحصوله بطريق الضّمن ‪ ،‬فل يمنع الحجر عليه من‬
‫ح النّكاح بإذن وليّه وبغير إذنه‬
‫العقد ‪ .‬وقال ابن قدامة في تزويج القيّم للسّفيه ‪ :‬إن تزوّج ص ّ‬
‫وقال أبو الخطّاب ‪ :‬ل يصحّ بغير إذن وليّه ‪.‬‬
‫ي تزويجهما ‪ ،‬بدون إذنهما ‪ ،‬إذا‬
‫والولية على الصّغير والمجنون ولية إجبار ‪ ،‬فيجوز للول ّ‬
‫كان في ذلك مصلحة ‪ .‬وهذا بل خلف ‪.‬‬
‫لكن الختلف فيمن له ولية الجبار ‪ ،‬هل الب فقط أو الب والجدّ ‪ ،‬أو الب والجدّ والوصيّ‬
‫أو غيرهما ‪ .‬وينظر تفصيل ذلك في ( ولية ) ‪.‬‬
‫تزويج المرأة نفسها ‪:‬‬
‫‪ -‬المرأة البالغة العاقلة الحرّة الرّشيدة ل يجوز لها تزويج نفسها ‪ ،‬بمعنى أنّها ل تباشر العقد‬ ‫‪4‬‬

‫ي » وروي عن‬
‫بنفسها ‪ ،‬وإنّما يباشره الوليّ عند جمهور الفقهاء ‪ ،‬لحديث « ل نِكاح إلّ بول ّ‬
‫عائشة رضي ال عنها عن النّبيّ صلى ال عليه وسلم أنّه قال ‪ « :‬أيّما امرأة نكحت بغير إذن‬
‫وليّها فنكاحها باطل ‪ ،‬فنكاحها باطل ‪ ،‬فنكاحها باطل ‪ ،‬فإن دخل بها فلها المهر بما استحلّ من‬
‫ي له » ولقوله صلى ال عليه وسلم « ل تنكح‬
‫فرجها ‪ ،‬فإن تشاجروا فالسّلطان وليّ من ل ول ّ‬
‫المرأة المرأة ‪ ،‬ول تنكح المرأة نفسها » ‪.‬‬
‫ول يجوز لها أن تزوّج غيرها ‪ ،‬سواء أكانت المرأة بكرا أم ثيّبا ‪ .‬وقالوا ‪ :‬البكر يجبرها الوليّ‬
‫على النّكاح ‪ ،‬لكن يستحبّ إذنها ‪ .‬أمّا الّثيّب إن كانت صغيرةً فل يجوز تزويجها حتّى تبلغ ‪،‬‬
‫وتستأذن ‪ .‬وذلك عند الشّافعيّة ‪.‬‬
‫وفي وجه عند الحنابلة ‪ ،‬وهو ظاهر قول الخرقيّ ‪ ،‬واختاره ابن حامد وابن بطّة والقاضي ‪.‬‬
‫وعند المالكيّة ‪ ،‬وهو الوجه الثّاني عند الحنابلة ‪ :‬أنّ لبيها تزويجها ‪ ،‬ول يجب أن يستأمرها ‪،‬‬
‫وهو أيضا قول للحنفيّة ‪ .‬والعلّة عندهم هي الصّغر ‪ ،‬ولذلك له ولية إجبارها ‪.‬‬
‫ل أنّه ل يجوز‬
‫أمّا الّثيّب الكبيرة ‪ -‬فإنّها وإن كانت ل تلي عقد نكاحها بنفسها عند الجمهور ‪ -‬إ ّ‬
‫تزويجها بدون إذنها ورضاها لما « روت الخنساء بنت خذام النصاريّة أنّ أباها زوّجها وهي‬
‫ثيّب ‪ ،‬فكرهت ذلك ‪ ،‬فأتت رسول اللّه صلى ال عليه وسلم فر ّد نكاحه » ‪ .‬ولحديث « ال ّثيّب‬
‫أحقّ بنفسها من وليّها » ‪.‬‬
‫أمّا الحنفيّة ‪ :‬فإنّه ل يجوز عندهم إجبار البالغة على النّكاح بكرا كانت أم ثيّبا ‪ ،‬ولها أن تعقد‬
‫النّكاح بنفسها ‪ .‬ففي الهداية ‪ :‬ينعقد نكاح الحرّة العاقلة البالغة برضاها ‪ ،‬وإن لم يعقد عليها وليّ‬
‫‪ ،‬بكرا كانت أو ثيّبا عند أبي حنيفة وأبي يوسف في ظاهر الرّواية ‪.‬‬
‫وعن أبي يوسف أنّه ل ينعقد إلّ بوليّ ‪ .‬وعند محمّد ينعقد موقوفا ‪.‬‬
‫ووجه الجواز ‪ :‬أنّها تصرّفت في خالص حقّها وهي من أهله ‪ ،‬لكونها عاقلةً بالغةً مميّزةً ‪،‬‬
‫وإنّما يطالب الوليّ بالتّزويج كي ل تنسب إلى الوقاحة ‪ .‬وال ّثيّب من باب أولى إذا كانت كبير ًة ‪،‬‬
‫فإنّها تعقد على نفسها ‪ .‬أمّا الصّغيرة سواء أكانت بكرا أم ثيّبا فلوليّها إجبارها على النّكاح ‪ ،‬لنّ‬
‫ولية الجبار تدور مع الصّغر وجودا وعدما ‪ .‬وأمّا المجنونة فللوليّ إجبارها على النّكاح‬
‫مطلقا ‪ ،‬وهذا باتّفاق ‪ .‬وفي كلّ ما مرّ تفصيل ينظر في ( نكاح ‪ -‬ولية ) ‪.‬‬

‫تزوير *‬
‫التّعريف ‪:‬‬
‫‪ -‬التّزوير في اللّغة ‪ :‬مصدر زوّر ‪ ،‬وهو من الزّور ‪ ،‬والزّور ‪ :‬الكذب ‪ ،‬قال تعالى ‪{ :‬‬ ‫‪1‬‬

‫شهَدُونَ الزّورَ } وزوّر كلمه ‪ :‬أي زخرفه ‪ ،‬وهو أيضا ‪ :‬تزيين الكذب ‪.‬‬
‫والّذين ل َي ْ‬
‫وزوّرت الكلم في نفسي ‪ :‬هيّأته ‪ ،‬ومن ذلك قول عمر رضي ال عنه ‪ :‬ما زوّرت كلما‬
‫لقوله إلّ سبقني إليه أبو بكر ‪ .‬أي ‪ :‬هيّأته وأتقنته ‪ .‬وله في اللّغة معان أخرى ‪.‬‬
‫وفي الصطلح ‪ :‬تحسين الشّيء ووصفه بخلف صفته ‪ ،‬حتّى يخيّل إلى من سمعه أو رآه أنّه‬
‫بخلف ما هو عليه في الحقيقة ‪ .‬فهو تمويه الباطل بما يوهم أنّه حقّ ‪.‬‬
‫اللفاظ ذات الصّلة ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬الكذب ‪:‬‬
‫‪ -‬الكذب هو ‪ :‬الِخبار بما ليس مطابقا للواقع ‪ .‬وبينه وبين التّزوير عموم وخصوص وجهيّ‬ ‫‪2‬‬

‫‪ ،‬فالتّزوير يكون في القول والفعل ‪ ،‬والكذب ل يكون إلّ في القول ‪.‬‬


‫والكذب قد يكون مزيّنا أو غير مزيّن ‪ ،‬والتّزوير ل يكون إلّ في الكذب المموّه ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬الخلبة ‪:‬‬
‫‪ -‬الخلبة هي ‪ :‬المخادعة ‪ ،‬وتكون بستر العيب ‪ ،‬وتكون بالكذب وغيره ‪.‬‬ ‫‪3‬‬

‫ت ‪ -‬التّلبيس ‪:‬‬
‫‪ -‬التّلبيس من الَلبْس ‪ ،‬وهو اختلط المر ‪ ،‬وهو ستر الحقيقة وإظهارها بخلف ما هي عليها‬ ‫‪4‬‬

‫‪.‬‬
‫ث ‪ -‬التّغرير ‪:‬‬
‫‪ -‬التّغرير هو ‪ :‬الخديعة واليقاع في الباطل وفيما انطوت عاقبته ‪.‬‬ ‫‪5‬‬

‫ج – الغشّ ‪:‬‬
‫‪ -‬الغشّ مصدر غشّه إذا لم يمحّضه النّصح ‪ ،‬بل خدعه ‪.‬‬ ‫‪6‬‬

‫والغشّ يكون بالقول والفعل ‪ ،‬فالتّزوير والغشّ لفظان متقاربان ‪.‬‬


‫ح ‪ -‬التّدليس ‪:‬‬
‫‪ -‬التّدليس ‪ :‬كتمان العيب ‪ ،‬وهو في البيع كتمان عيب السّلعة عن المشتري ‪.‬‬ ‫‪7‬‬

‫والتّدليس أخصّ من التّزوير ‪ ،‬لنّه خاصّ بكتمان العيب في السّلعة المبيعة ‪ ،‬أمّا التّزوير فهو‬
‫أعمّ ‪ ،‬لنّه يكون بالقول والفعل وفي السّلعة المبيعة وغيرها ‪.‬‬
‫خ ‪ -‬التّحريف ‪:‬‬
‫‪ -‬التّحريف ‪ :‬تغيير الكلم عن مواضعه والعدول به عن حقيقته ‪.‬‬ ‫‪8‬‬

‫د ‪ -‬التّصحيف ‪:‬‬
‫‪ -‬والتّصحيف ‪ :‬هو تغيير اللّفظ حتّى يتغيّر المعنى المراد ‪.‬‬ ‫‪9‬‬

‫وقد تقدّمت اللفاظ ذات الصّلة وما يتعلّق بها من أحكام في مصطلح ( تدليس ) ( وتحريف )‪.‬‬
‫الحكم التّكليفيّ ‪:‬‬
‫‪ -‬الصل في التّزوير أنّه محرّم شرعا في الشّهادة لبطال حقّ أو إثبات باطل ‪.‬‬ ‫‪10‬‬

‫ل الزّورِ } ومن‬
‫ج َت ِنبُوا قَو َ‬
‫س مِن الوثَانِ وا ْ‬
‫ج َت ِنبُوا ال ّرجْ َ‬
‫والدّليل على حرمته قوله تعالى ‪ { :‬فَا ْ‬
‫سنّة قوله صلى ال عليه وسلم ‪ « :‬أل أُنبّئكم بأكبر الكبائر ؟ قالوا ‪ :‬بلى يا رسول اللّه ‪ .‬قال‬
‫ال ّ‬
‫الشراك باللّه وعقوق الوالدين ‪ ،‬وجلس وكان متّكئا ‪ ،‬ثمّ قال ‪ :‬أل وقول الزّور ‪ .‬فما يزال‬
‫يكرّرها حتّى قلنا ‪ :‬ليته سكت » ‪.‬‬
‫‪ -‬وقد استثني من حرمة التّزوير أمور ‪ :‬منها الكذب في الحرب ‪ ،‬وتطييب خاطر زوجته‬ ‫‪11‬‬

‫ليرضيها ‪ ،‬والصلح بين النّاس ‪.‬‬


‫واستدلّوا بحديث ‪ :‬أسماء بنت يزيد مرفوعا ‪ « :‬ل يحلّ الكذب إلّ في ثلث ‪ :‬يحدّث الرّجل‬
‫امرأته ليرضيها ‪ ،‬والكذب في الحرب ‪ ،‬والكذب ليصلح بين النّاس » ومنه ‪ :‬الكذب لدفع ظالم‬
‫على مال له أو لغيره أو عرض ‪ ،‬وفي ستر معصية منه أو من غيره ‪ .‬وقد نقل عن النّوويّ ‪:‬‬
‫الظّاهر إباحة حقيقة الكذب في المور الثّلثة ‪ ،‬ولكنّ التّعريض أولى ‪.‬‬
‫وقال ابن العربيّ ‪ :‬الكذب في الحرب هو من المستثنى الجائز بالّنصّ ‪.‬‬
‫قال صلى ال عليه وسلم ‪ « :‬الحرب خدعة » ‪ ،‬وفيه ‪ :‬المر باستعمال الحيلة في الحرب مهما‬
‫أمكن ذلك ‪ .‬وفيه ‪ :‬التّحريض على أخذ الحذر في الحرب ‪ ،‬والنّدب إلى خداع الكفّار ‪ .‬وقال‬
‫النّوويّ ‪ :‬اتّفقوا على جواز خداع الكفّار في الحرب كيفما أمكن ‪ ،‬إلّ أن يكون فيه نقض عهد‬
‫أو أمان ‪ ،‬فل يجوز ‪ .‬وأصل الخدع إظهار أمر وإضمار خلفه ‪.‬‬
‫ن النّبيّ صلى ال عليه وسلم قال ‪:‬‬
‫وجاء في حديث جابر بن عبد اللّه رضي ال عنهما ‪ « :‬أ ّ‬
‫مَنْ لكعب بن الشرف ؟ فإنّه قد آذى اللّه ورسوله ؟ قال محمّد بن مسلمة ‪ :‬أتحبّ أن أقتله يا‬
‫ي صلى ال عليه وسلم ‪ -‬قد‬
‫رسول اللّه ؟ قال ‪ :‬نعم ‪ .‬قال ‪ :‬فأتاه ‪ ،‬فقال ‪ :‬هذا ‪ -‬يعني النّب ّ‬
‫عنّانا وسألنا الصّدقة ‪ .‬قال ‪ :‬وأيضا واللّه لتمُُلنّه قال ‪ :‬فإنّا اتّبعناه فنكره أن ندعه حتّى ننظر إلى‬
‫ما يصير أمره ‪ .‬قال ‪ :‬فلمْ يزل يكلّمه حتّى استمكن منه فقتله » ‪.‬‬
‫فقوله ‪ :‬عنّانا أي ‪ :‬كلّفنا بالوامر والنّواهي ‪ ،‬وقوله ‪ :‬سألنا الصّدقة أي ‪ :‬طلبها منّا ليضعها‬
‫مواضعها ‪ ،‬وقوله ‪ :‬نكره أن ندعه أي نكره فراقه ‪.‬‬
‫فقوله له من قبيل التّعريض والتّمويه والتّزوير ‪ ،‬حتّى يأمنه فيتمكّن من قتله ‪.‬‬
‫وجاء في رواية ‪ « :‬ائذن لي أن أقول ‪ .‬قال ‪ :‬قل » فيدخل فيه الكذب تصريحا وتلويحا ‪.‬‬
‫وفي سيرة ابن هشام ‪ « :‬أتى ُنعَيمُ بن مسعود رسول اللّه صلى ال عليه وسلم فقال ‪ :‬يا رسول‬
‫اللّه ‪ ،‬إنّي قد أسلمت ‪ ،‬وإنّ قومي لم يعلموا بإسلمي ‪ ،‬فمرني بما شئت ‪ ،‬فقال رسول اللّه‬
‫صلى ال عليه وسلم ‪ :‬إنّما أنت فينا رجل واحد ‪ ،‬فخذّل عنّا إن استطعت ‪ ،‬فإنّ الحرب خدعةٌ ‪.‬‬
‫فخرج نعيم بن مسعود حتّى أتى بني قريظة ‪ ،‬فقال لهم ‪ :‬ل تقاتلوا مع القوم ‪ -‬الحزاب ‪-‬‬
‫حتّى تأخذوا منهم رهنا من أشرافهم ‪ ،‬يكونون بأيديكم ثق ًة لكم على أن تقاتلوا معهم محمّدا ‪،‬‬
‫حتّى تناجزوه ‪ ،‬فقالوا له ‪ :‬لقد أشرت بالرّأي ‪ .‬ث ّم خرج حتّى أتى قريشا فقال لهم ‪ :‬قد عرفتم‬
‫ودّي لكم وفراقي محمّدا ‪ ،‬وأنّه قد بلغني أمر قد رأيت عليّ حقّا أن أُبلِغكموه ‪ ،‬نصحا لكم ‪.‬‬
‫تعلموا أنّ معشر يهود قد ندموا على ما صنعوا فيما بينهم وبين محمّد ‪ ،‬وقد أرسلوا إليه ‪ :‬إنّا‬
‫قد ندمنا على ما فعلنا ‪ ،‬فهل يرضيك أن نأخذ لك من القبيلتين ‪ ،‬من قريش وغطفان ‪ ،‬رجالً‬
‫من أشرافهم فنعطيكهم ‪ ،‬فتضرب أعناقهم ‪ ،‬ث ّم نكون معك على من بقي منهم حتّى نستأصلهم ؟‬
‫فأرسل إليهم ‪ :‬أن نعم ‪ .‬فإن بعثت إليكم يهود يلتمسون منكم ُرهُنا من رجالكم فل تدفعوا إليهم‬
‫منكم رجلً واحدا ‪ .‬ثمّ خرج حتّى أتى غطفان ‪ ،‬فقال لهم مثل ما قال لقريش ‪ ،‬وحذّرهم ما‬
‫حذّرهم وأرسل أبو سفيان بن حرب ورءوس غطفان إلى بني قريظة ‪ :‬فاغدوا للقتال حتّى‬
‫نناجز محمّدا ونفرغ ممّا بيننا وبينه ‪ ،‬فأرسلوا إليهم ‪ :‬ولسنا بالّذين نقاتل معكم محمّدا حتّى‬
‫تعطونا رُهُنا من رجالكم ‪ ،‬يكونون بأيدينا ثقةً لنا ‪ ،‬حتّى نناجز محمّدا ‪ ،‬فإنّا نخشى إن‬
‫ضرّستكم الحرب واشتدّ عليكم القتال أن تنشمروا إلى بلدكم وتتركونا ‪ ،‬والرّجل في بلدنا ‪ ،‬ول‬
‫طاقة لنا بذلك منه ‪ .‬فلمّا رجعت إليهم الرّسل بما قالت بنو قريظة ‪ ،‬قالت قريش وغطفان ‪:‬‬
‫واللّه إنّ الّذي حدّثكم نعيم بن مسعود لحقّ ‪ .‬فأرسلوا إلى بني قريظة ‪ :‬إنّا واللّه ل ندفع إليكم‬
‫رجلً واحدا من رجالنا ‪ ،‬فإن كنتم تريدون القتال فاخرجوا فقاتلوا ‪ .‬فقالت بنو قريظة ‪ ،‬حين‬
‫ن الّذي ذكر لكم نعيم بن مسعود لحقّ ما يريد القوم إلّ أن يقاتلوا ‪،‬‬
‫انتهت الرّسل إليهم بهذا ‪ :‬إ ّ‬
‫فإن رأوا فرص ًة انتهزوها وإن كان غير ذلك انشمروا إلى بلدهم ‪ ،‬وخلّوا بينكم وبين الرّجل‬
‫في بلدكم ‪ ،‬فأرسلوا إلى قريش وغطفان ‪ :‬إنّا واللّه ل نقاتل معكم محمّدا حتّى تعطونا رُهُنا ‪.‬‬
‫فأبوا عليهم ‪ ،‬وخذل اللّه بينهم ‪ ،‬وبعث اللّه عليهم الرّيح في ليال شاتية باردة شديدة البرد ‪،‬‬
‫فجعلت تكفأ قدورهم ‪ ،‬وتطرح أبنيتهم » ‪.‬‬
‫القضاء بشهادة الزّور ‪:‬‬
‫‪ -‬ذهب المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة وأبو يوسف ومحمّد وزفر ‪ ،‬وهو المفتى به عند الحنفيّة‬ ‫‪12‬‬

‫‪ ،‬إلى أنّ قضاء الحاكم بشهادة الزّور ينفذ ظاهرا ل باطنا ‪ ،‬ول يزيل الشّيء عن صفته‬
‫الشّرعيّة سواء العقود من النّكاح وغيره والفسوخ ‪ ،‬ويستوي في ذلك الملك المرسلة ( أي‬
‫الّتي لم يبيّن سبب ملكها من إرث أو شراء ) وغير المرسلة ‪.‬‬
‫واستدلّوا ‪ :‬بخبر ‪ « :‬إنّما أنا بشر ‪ ،‬وإنّكم تختصمون إليّ ‪ ،‬ولعلّ بعضكم أن يكون ألحن بحجّته‬
‫من بعض ‪ ،‬فأقضي له على نحو ما أسمع ‪ ،‬فمن قضيت له من حقّ أخيه شيئا فل يأخذ منه‬
‫شيئا ‪ ،‬فإنّما أقطع له قطعةً من النّار » ‪.‬‬
‫وذهب أبو حنيفة إلى أنّ القضاء بشهادة الزّور ينفذ ظاهرا وباطنا في الفسوخ والعقود ‪ ،‬حيث‬
‫كان المحلّ قابلً ‪ ،‬والقاضي غير عالم ‪ ".‬لقول عليّ رضي ال عنه لمرأة أقام عليها رجل بيّنةً‬
‫على أنّه تزوّجها ‪ ،‬فأنكرت ‪ ،‬فقضى له عليّ ‪ .‬فقالت له ‪ :‬لم يتزوّجني ‪ ،‬فأمّا وقد قضيت عليّ‬
‫ل تفصيل هذا في مصطلح ‪:‬‬
‫فجدّد نكاحي ‪ ،‬فقال ‪ :‬ل أجدّد نكاحك ‪ ،‬الشّاهدان زوّجاك "‪ .‬ومح ّ‬
‫( قضاء ) ( وشهادة ) ‪.‬‬
‫التّزوير في اليمان ‪:‬‬
‫‪ -‬الصل أنّ التّزوير في اليمين حرام ‪ ،‬وهي اليمين الغموس ‪ :‬وهي الّتي يكذب فيها‬ ‫‪13‬‬

‫الحالف عامدا عالما عند الجمهور ‪ .‬وعند المالكيّة الّتي يكذب فيها الحالف عمدا ‪ ،‬أو يشكّ في‬
‫المحلوف عليه ‪ ،‬أو يظنّ منه ظنّا غير قويّ ‪.‬‬
‫وقد يكون تزوير اليمين جائزا أو واجبا ‪ -‬على الخلف بين الفقهاء ‪ -‬فيما إذا تعيّن تزوير‬
‫اليمين عند الكراه عليها أو الضطرار إليها ‪ ،‬لدفع الذى عن نفسه أو عن مظلوم ‪.‬‬
‫وقد تقدّم تفصيل أحكام اليمين الغموس في مصطلح ‪ ( :‬أيمان ) ‪.‬‬
‫تضمين شهود الزّور ‪:‬‬
‫‪ -‬يضمن شهود الزّور ما ترتّب على شهادتهم من ضمان ‪ ،‬فإن كان المحكوم به مالً ردّ‬ ‫‪14‬‬

‫إلى صاحبه ‪ ،‬وإن كان إتلفا فعلى الشّهود ضمانه ‪ ،‬لنّهم سبب إتلفه ‪.‬‬
‫وذهب الشّافعيّة ‪ ،‬والحنابلة إلى وجوب القصاص على شهود الزّور ‪ ،‬إذا شهدوا على رجل بما‬
‫يوجب قتله ‪ ،‬كأن شهدوا عليه بقتل عمد عدوان ‪ ،‬أو بردّة ‪ ،‬أو بزنًى وهو محصن ‪ ،‬فقتل‬
‫بشهادتهما ‪ ،‬ث ّم رجعا ‪ ،‬وأقرّا بتعمّد قتله بتلك الشّهادة ‪ ،‬لعلمهما أنّه يقتل بشهادتهما ‪.‬‬
‫ن شهادتهما سبب القتل ‪ ،‬ول يجب‬
‫فيجب القصاص عليهما لتعمّد القتل بتزوير الشّهادة ‪ ،‬ل ّ‬
‫القصاص بنفس التّزوير والكذب ‪.‬‬
‫وتجب عليهما الدّية المغلّظة إذا آل المر إليها بدل القصاص ‪.‬‬
‫وكذلك الحكم إذا شهدا زورا بما يوجب القطع قصاصا فقطع ‪ ،‬أو في سرقة لزمهما القطع ‪،‬‬
‫وإذا سرى أثر القطع إلى النّفس فعليهما القصاص في النّفس ‪.‬‬
‫كما يجب القصاص على القاضي إذا قضى زورا بالقصاص ‪ ،‬وكان يعلم بكذب الشّهود ‪.‬‬
‫ن الواجب هو الدّية ل القصاص ‪.‬‬
‫وذهب المالكيّة والحنفيّة ‪ :‬إلى أ ّ‬
‫ن القتل بشهادة الزّور قتل بالسّبب ‪ ،‬والقتل تسبّبا ل يساوي القتل مباشر ًة ‪ ،‬ولذا قصر أثره‬
‫لّ‬
‫فوجبت به الدّية ل القصاص ‪ .‬ومحلّ وجوب القصاص أو الدّية إذا تبيّن كذب الشّهود ‪ ،‬أو‬
‫رجعوا عن شهادتهم بعد استيفاء القصاص ‪.‬‬
‫أمّا إذا رجعوا قبله وبعد الحكم فينقض الحكم ‪ ،‬ول غرم على الشّهود ‪ ،‬بل يعزّرون ‪.‬‬
‫ويجب حدّ القذف على شهود الزّور إذا شهدوا بالزّنى ‪ ،‬ويقام عليهم الحدّ سواء تبيّن كذبهم قبل‬
‫الستيفاء أو بعده ‪ ،‬إلّ أنّه يجب عليهم القصاص مع حدّ القذف إذا شهدوا بالزّنى على‬
‫محصن ‪ ،‬فرجم بسبب شهادتهم ‪ .‬وللتّفصيل في أحكام القصاص والقذف ينظر مصطلح ( جناية‬
‫‪ ،‬حدود ‪ ،‬قصاص ) وكذلك ( شهادة ) ( وقضاء ) ‪.‬‬
‫التّزوير بالفعال ‪:‬‬
‫‪ -‬يقع التّزوير في البيوع بإخفاء عيوب السّلعة وتزيينها وتحسينها ‪ ،‬لظهارها بشكل مقبول‬ ‫‪15‬‬

‫ترغيبا فيها ‪ ،‬كتصرية الحيوان ليظنّ المشتري كثرة اللّبن ‪ ،‬أو صبغ المبيع بلون مرغوب‬
‫فيه ‪ ،‬وكالكذب في سعر السّلعة في بيوع المانات وهي ‪ :‬المرابحة والتّولية والحطيطة ‪ .‬ويقع‬
‫التّزوير كذلك بمحاكاة خطّ القاضي أو تزوير توقيعه أو شهادة الشّهود في سجلّات القضاء بما‬
‫يسلب الحقوق من أصحابها ‪.‬‬
‫كما يقع التّزوير في النّكاح بأن يكتم أحد الزّوجين عيبا فيه عن الخر ‪ .‬وقد يقع التّزوير بتسويد‬
‫الشّعر بقصد التّغرير والكذب ‪ .‬وهذه النواع من التّزوير هي من التّزوير المحرّم ‪ ،‬وهي‬
‫داخلة في عموم قوله صلى ال عليه وسلم ‪ « :‬من غشّنا فليس منّا » ‪.‬‬
‫وللتّفصيل ينظر مصطلح ‪ ( :‬تدليس ‪ ،‬تسويد ‪ ،‬بيع ‪ ،‬نكاح ‪ ،‬شهادة ‪ ،‬قضاء وعيب ) ‪.‬‬
‫التّزوير في النّقود والموازين والمكاييل ‪:‬‬
‫‪ -‬التّزوير فيها يكون بالنّقص من مقاديرها ‪ ،‬بغشّها أو تغيير أوزانها أو أحجامها ‪ ،‬كأن‬ ‫‪16‬‬

‫تخلط دنانير الذّهب أو دراهم الفضّة بمعادن أخرى كالنّحاس والرّصاص ‪ ،‬رغبةً في نقص‬
‫مقدار الذّهب أو الفضّة الخالصين ‪ ،‬أو بالنّقص من حجم الدّينار أو الدّرهم ‪.‬‬
‫أو أن ينقص من وزن الصّنج الّتي يستعملها في الموازين ‪ ،‬أو حجم المكيال ‪ ،‬رغب ًة في زيادة‬
‫الرّبح وتقليل المبيع الموزون أو المكيل ‪.‬‬
‫طفّفِينَ اّلذِينَ‬
‫ل لِ ْلمُ َ‬
‫والتّزوير في النّقود والموازين والمكاييل محرّم داخل في قوله تعالى ‪َ { :‬و ْي ٌ‬
‫سرُونَ } ‪.‬‬
‫خِ‬‫ستَوفُونَ وَإذَا كَالُوهُ ْم أو وزَنُو ُهمْ ُي ْ‬
‫إذا ا ْكتَالُوا على النّاسِ َي ْ‬
‫ن فيه إفسادا‬
‫وداخل في عموم قوله صلى ال عليه وسلم ‪ « :‬من غشّنا فليس منّا » كما أ ّ‬
‫للنّقود ‪ ،‬وإضرارا بذوي الحقوق ‪ ،‬وإغلء السعار ‪ ،‬والنّقص من الصّدقات ‪ ،‬وانقطاع ما‬
‫يجلب إلى البلد من حوائج النّاس ‪ .‬ولذلك كان من وظيفة المحتسب أن يتفقّد عيار المثاقيل‬
‫والصّنج ‪ ،‬وعليه أن يعيّر أوزانها ويختمها بختمه ‪ ،‬حتّى يأمن تزويرها وتغيير مقاديرها ‪ .‬كما‬
‫تدخل في وظيفته مراقبة مقادير دنانير الذّهب ودراهم الفضّة وزنا وحجما ‪.‬‬
‫ول يجوز للمام ضرب الدّراهم المغشوشة ‪ ،‬وحرمته في حقّ غير المام أشدّ ‪ ،‬لنّ الغشّ فيها‬
‫يخفى على النّاس فيكون الغرر بها أكبر ‪ .‬بخلف المام ‪ ،‬لنّ ما يضربه من دنانير ودراهم‬
‫يشهر ويعرف مقداره ‪.‬‬
‫كما ل يجوز لغير المام ضرب الدّنانير والدّراهم الخالصة غير المغشوشة ‪ ،‬لنّه ل يؤمن فيها‬