You are on page 1of 238

‫الجزء السادس عشر ‪ /‬الموسوعة الفقهية‬

‫جنائز *‬
‫التّعريف ‪:‬‬
‫‪ -‬الجنائز جمع جنازة بالفتح الميّت ‪ ،‬وبالكسر السّرير الّذي يوضع عليه الميّت ‪ ،‬وقيل‬ ‫‪1‬‬

‫عكسه ‪ ،‬أو بالكسر ‪ :‬السّرير مع الميّت ‪ ،‬فإن لم يكن عليه الميّت فهو سرير ونعش وقيل ‪ :‬في‬
‫كلّ منهما لغتان ‪.‬‬
‫أحكام المحتضر ‪:‬‬
‫تعريف المحتضر ‪:‬‬
‫‪ -‬المحتضر هو من حضره الموت وملئكته ‪ ،‬والمراد من قرب موته ‪ ،‬وعلمة الحتضار‬ ‫‪2‬‬

‫ج أنفه ‪ ،‬وينخسف صدغاه‬


‫‪ -‬كما أوردها ابن عابدين ‪ -‬أن تسترخي قدماه فل تنتصبان ‪ ،‬ويعو ّ‬
‫‪ ،‬ويمت ّد جلد خصيتيه لنشمار الخصيتين بالموت ‪ ،‬وتمتدّ جلدة وجهه فل يرى فيها تعطّف ‪.‬‬
‫وللمحتضر أحكام تنظر في مصطلح ‪ ( :‬احتضار ) ‪.‬‬
‫ما ينبغي فعله بعد الموت ‪ ،‬وما ل ينبغي فعله ‪:‬‬
‫أولً ‪ :‬ما ينبغي فعله بعد الموت ‪:‬‬
‫ي صلى ال‬
‫‪ -‬اتّفق الفقهاء على أنّه إذا مات الميّت شدّ لحياه ‪ ،‬وغمّضت عيناه ‪ « ،‬فإنّ النّب ّ‬ ‫‪3‬‬

‫عليه وسلم دخل على أبي سلمة ‪ ،‬وقد شقّ بصره فأغمضه وقال ‪ :‬إذا حضرتم موتاكم‬
‫فأغمضوا البصر » ويتولّى أرفق أهله به إغماضه بأسهل ما يقدر عليه ‪ ،‬ويشدّ لحياه بعصابة‬
‫عريضة يشدّها في لحيه السفل ويربطها فوق رأسه ‪.‬‬
‫ويقول مغمضه ‪ « :‬بسم اللّه وعلى ملّة رسول اللّه » ‪ ،‬اللّه ّم يسّر عليه أمره ‪ ،‬وسهّل عليه ما‬
‫بعده ‪ ،‬وأسعده بلقائك ‪ ،‬واجعل ما خرج إليه خيرا ممّا خرج منه ‪.‬‬
‫ويليّن مفاصله ‪ ،‬ويردّ ذراعيه إلى عضديه ‪ ،‬ويردّ أصابع كفّيه ‪ ،‬ثمّ يمدّها ‪ ،‬ويردّ فخذيه إلى‬
‫بطنه ‪ ،‬وساقيه إلى فخذيه ‪ ،‬ثمّ يمدّها ‪ ،‬وهو أيضا ممّا اتّفق عليه ‪.‬‬
‫ويستحبّ أن ينزع عنه ثيابه الّتي مات فيها ‪ ،‬ويسجّى جميع بدنه بثوب " فعن عائشة رضي‬
‫ال تعالى عنها « أنّ رسول اللّه صلى ال عليه وسلم حين توفّي سجّي ببرد حبرة »‬
‫ويترك على شيء مرتفع من لوح أو سرير ‪ ،‬لئلّ تصيبه نداوة الرض فيتغيّر ريحه ‪.‬‬
‫ويجعل على بطنه حديد ‪ ،‬أو طين يابس ‪ ،‬لئلّ ينتفخ ‪ ،‬وهذا متّفق عليه في الجملة ‪.‬‬
‫العلم بالموت ‪:‬‬
‫‪ -‬يستحبّ أن يعلم جيران الميّت وأصدقاؤه حتّى يؤدّوا حقّه بالصّلة عليه والدّعاء له ‪،‬‬ ‫‪4‬‬

‫روى سعيد بن منصور عن النّخعيّ ‪ :‬ل بأس إذا مات الرّجل أن يؤذن صديقه وأصحابه ‪،‬‬
‫إنّما يكره أن يطاف في المجلس فيقال ‪ :‬أنعي ( فلنا ) لنّ ذلك من فعل أهل الجاهليّة ‪،‬‬
‫وروي نحوه باختصار عن ابن سيرين ‪ ،‬وإليه ذهب الحنفيّة والشّافعيّة ‪.‬‬
‫وكره بعض الحنفيّة النّداء في السواق قال في النّهاية ‪ :‬إن كان عالما ‪ ،‬أو زاهدا ‪ ،‬أو ممّن‬
‫يتبرّك به ‪ ،‬فقد استحسن بعض المتأخّرين النّداء في السواق لجنازته وهو الصحّ ‪ ،‬ولكن ل‬
‫يكون على هيئة التّفخيم ‪ ،‬وينبغي أن يكون بنحو ‪ ،‬مات الفقير إلى اللّه تعالى فلن بن فلن ‪،‬‬
‫ويشهد له أنّ أبا هريرة كان يؤذن بالجنازة فيمرّ بالمسجد فيقول ‪ :‬عبد اللّه دعي فأجاب ‪ ،‬أو‬
‫أمة اللّه دعيت فأجابت ‪ .‬وعند الحنابلة ل بأس بإعلم أقاربه وإخوانه من غير نداء ‪.‬‬
‫وقال ابن العربيّ من المالكيّة ‪ :‬يؤخذ من مجموع الحاديث ثلث حالت ‪:‬‬
‫الولى ‪ :‬إعلم الهل والصحاب وأهل الصّلح فهذا سنّة ‪.‬‬
‫والثّانية ‪ :‬الدّعوة للمفاخرة بالكثرة فهذا مكروه ‪.‬‬
‫والثّالثة ‪ :‬العلم بنوع آخر كالنّياحة ونحو ذلك فهذا محرّم ‪.‬‬
‫وفي الشّرح الصّغير كره صياح بمسجد أو ببابه بأن يقال ‪ :‬فلن قد مات فاسعوا إلى جنازته‬
‫مثلً ‪ ،‬إلّ العلم بصوت خفيّ أي من غير صياح فل يكره ‪.‬‬
‫فالنّعي منهيّ عنه اتّفاقا ‪ ،‬وهو أن يركب رجل دابّة يصيح في النّاس أنعى فلنا ‪ ،‬أو كما مرّ‬
‫عن النّخعيّ ‪ ،‬أو أن ينادى بموته ‪ ،‬ويشاد بمفاخره ‪ .‬وبه يقول الحنفيّة والشّافعيّة ‪.‬‬
‫وينظر التّفصيل في مصطلح ‪ ( :‬نعي ) ‪.‬‬
‫قضاء الدّين ‪:‬‬
‫‪ -‬يستحبّ أن يسارع إلى قضاء دينه أو إبرائه منه ‪ ،‬وبه قال أحمد لحديث أبي هريرة‬ ‫‪5‬‬

‫رضي ال عنه مرفوعا « نفس المؤمن معلّقة بدينه حتّى يقضى عنه » ‪.‬‬
‫قال السّيوطيّ ‪ :‬سواء ترك الميّت وفاء أم ل ‪،‬‬
‫ن الحديث محمول على من يخلّف وفاء ‪.‬‬
‫وشذّ الماورديّ فقال ‪ :‬إ ّ‬
‫وقال الحنابلة ‪ :‬إن تعذّر الوفاء استحبّ لوارثه أو غيره أن يتكفّل عنه ‪ ،‬والكفالة بدين الميّت‬
‫قال بصحّتها أكثر الئمّة ‪ ،‬خلفا لبي حنيفة ‪ ،‬فإنّه ل تصحّ عنده الكفالة بدين على ميّت مفلس‬
‫‪ ،‬وإن وعد أحد بأداء دين الميّت صحّ عنده عدة ل كفالة ‪.‬‬
‫ي إلى قول الجمهور ‪.‬‬
‫وذهب الطّحطاو ّ‬
‫تجهيز الميّت ‪:‬‬
‫‪ -‬اتّفق الفقهاء على أنّه إن تيقّن الموت يبادر إلى التّجهيز ول يؤخّر " لقوله عليه الصلة‬ ‫‪6‬‬

‫والسلم ‪ « :‬ل ينبغي لجيفة مسلم أن تحبس بين ظهري أهله » ‪.‬‬
‫وتشهد له أحاديث السراع بالجنازة ‪ ،‬وسيأتي عند الكلم عن حمل الجنازة ‪.‬‬
‫فإن مات فجأة ترك حتّى يتيقّن موته ‪ ،‬وهو مفاد كلم الشّافعيّ في المّ ‪.‬‬
‫وفي الغاية سنّ إسراع تجهيزه إن مات غير فجأة ‪ ،‬وينتظر من مات فجأة بنحو صعقة ‪ ،‬أو‬
‫ك في موته ‪ ،‬حتّى يعلم بانخساف صدغيه إلخ ‪ .‬وبه يقول المالكيّة ففي مقدّمات ابن رشد‬
‫من ش ّ‬
‫يستحبّ أن يؤخّر دفن الغريق مخافة أن يكون الماء غمره فل تتبيّن حياته ‪.‬‬
‫ثانيا ‪ :‬ما ل ينبغي فعله بعد الموت ‪:‬‬
‫قراءة القرآن عند الميّت ‪:‬‬
‫‪ -‬تكره عند الحنفيّة قراءة القرآن عند الميّت حتّى يغسّل ‪ ،‬وأمّا حديث معقل بن يسار‬ ‫‪7‬‬

‫مرفوعا « اقرءوا سورة يس على موتاكم » فقال ابن حبّان ‪ :‬المراد به من حضره الموت ‪،‬‬
‫ويؤيّده ما أخرجه ابن أبي الدّنيا وابن مردويه مرفوعا « ما من ميّت يقرأ عنده يس إلّ هوّن‬
‫اللّه عليه » وخالفه بعض متأخّري المحقّقين ‪ ،‬فأخذ بظاهر الخبر وقال ‪ :‬بل يقرأ عليه بعد‬
‫موته وهو مسجّى ‪ ،‬وفي المسألة خلف عند الحنفيّة أيضا ‪.‬‬
‫قال ابن عابدين ‪ :‬الحاصل أنّ الميّت إن كان محدثا فل كراهة ‪ ،‬وإن كان نجسا كره ‪.‬‬
‫والظّاهر أنّ هذا أيضا إذا لم يكن الميّت مسجّى بثوب يستر جميع بدنه ‪ ،‬وكذا ينبغي تقييد‬
‫الكراهة بما إذا قرأ جهرا ‪ .‬وعند المالكيّة يكره قراءة شيء من القرآن مطلقا ‪.‬‬
‫وذهب الشّافعيّة إلى أنّه ل يقرأ عند الميّت قبل الدّفن لئلّ تشغلهم القراءة عن تعجيل تجهيزه ‪،‬‬
‫خلفا لبن الرّفعة وبعضهم ‪ ،‬وجوّزه الرّمليّ بحثا ‪ .‬أمّا بعد الدّفن فيندب عندهم ‪.‬‬
‫ولم نعثر على تصريح للحنابلة في غير المحتضر ‪.‬‬
‫النّوح والصّياح على الميّت ‪:‬‬
‫‪ -‬يكره النّوح ‪ ،‬والصّياح ‪ ،‬وشقّ الجيوب ‪ ،‬في منزل الميّت ‪ ،‬وفي الجنائز ‪ ،‬أو في محلّ‬ ‫‪8‬‬

‫آخر للنّهي عنه ‪ ،‬ول بأس بالبكاء بدمع قال الحنفيّة ‪ :‬والصّبر أفضل ‪.‬‬
‫ن رسول اللّه صلى ال عليه وسلم‬
‫فقد روى الشّيخان من حديث أبي موسى الشعريّ « أ ّ‬
‫برئ من الصّالقة والحالقة والشّاقّة » ‪ .‬وأخرجا من حديث ابن مسعود « ليس منّا من ضرب‬
‫الخدود ‪ ،‬وشقّ الجيوب ‪ ،‬ودعا بدعوى الجاهليّة » ‪.‬‬
‫وأمّا البكاء بغير صوت فيدلّ على جوازه « أنّ النّبيّ صلى ال عليه وسلم رفع إليه ابن لبنته‬
‫ونفسه تتقعقع ففاضت عيناه ‪ ،‬وقال ‪ :‬هذه رحمة جعلها اللّه في قلوب عباده » ‪.‬‬
‫وقول عمر ‪ - :‬في حقّ نساء خالد بن الوليد ‪ -‬دعهنّ يبكين على أبي سليمان ما لم يكن نقع‬
‫أو لقلقة ذكره البخاريّ تعليقا ‪.‬‬
‫وفي الصّبر روى البخاريّ ‪ « :‬أنّ النّبيّ صلى ال عليه وسلم مرّ بامرأة تبكي عند قبر فقال ‪:‬‬
‫سرّاج ‪ :‬قد‬
‫اتّقي اللّه واصبري » ‪ .‬والمراد بالكراهة كراهة التّحريم عند الحنفيّة ‪ .‬وقال ال ّ‬
‫أجمعت المّة على تحريم النّوح ‪ ،‬والدّعوى بدعوى الجاهليّة ‪ ،‬ذكره الطّحطاويّ ‪.‬‬
‫ن الميّت ليعذّب ببكاء أهله عليه » النّدب ‪ ،‬والنّياحة ‪ ،‬وإنّما‬
‫والمراد بالبكاء في حديث ‪ « :‬إ ّ‬
‫يعذّب الميّت إذا أوصى بذلك ‪.‬‬
‫وفي غاية المنتهى من كتب الحنابلة ل يكره بكاء على ميّت قبل موت ول بعده ‪ ،‬بل استحباب‬
‫البكاء رحمة للميّت سنّة صحيحة ‪ ،‬وحرم ندب وهو بكاء مع تعديد محاسنه ‪ ،‬ونوح وهو رفع‬
‫صوت بذلك برقّة وشقّ ثوب ‪ ،‬وكره استدامة لبس مشقوق ‪ ،‬وحرم لطم خدّ ‪ ،‬وخمشه ‪،‬‬
‫وصراخ ‪ ،‬ونتف شعر ونشره وحلقه ‪ ،‬وعدّ في ( الفصول ) من المحرّمات إظهار الجزع ‪،‬‬
‫لنّه يشبه التّظلّم من الظّالم ‪ ،‬وهو عدل من اللّه سبحانه ‪ .‬قال صاحب الغاية ‪ ( :‬ويتّجه )‬
‫ومثله إلقاء تراب على الرّأس ‪ ،‬ودعاء بويل وثبور ‪ ،‬ويباح يسير ندبة لم تخرج مخرج نوح ‪،‬‬
‫نحو يا أبتاه يا ولداه ‪ ،‬فإن زاد يصير ندبا ويجب منعه لنّه محرّم ‪.‬‬
‫شقّ بطن الميّتة لخراج الجنين ‪:‬‬
‫‪ -‬ذهب الحنفيّة وهو قول ابن سريج وبعض الشّافعيّة ‪ ،‬إلى أنّه إن ماتت امرأة والولد‬ ‫‪9‬‬

‫ل ذلك ‪.‬‬
‫يضطرب في بطنها يشقّ بطنها ويخرج الولد ‪ ،‬وقال محمّد بن الحسن ل يسع إ ّ‬
‫ق للولد إن كان ترجى حياته ‪.‬‬
‫ومذهب الشّافعيّة وهو المتّجه عند الحنابلة ‪ ،‬أنّه يش ّ‬
‫ق بطنها وأخرج نساء ل‬
‫فإن كان ل ترجى حياته فالصحّ أنّه ل يشقّ ‪ .‬وعند أحمد حرم ش ّ‬
‫رجال من ترجى حياته ‪ ،‬فإن تعذّر لم تدفن حتّى يموت ‪ ،‬فإن لم يوجد نساء لم يسط عليه‬
‫الرّجال ‪ ،‬لما فيه من هتك حرمة الميّتة ‪ ،‬ويترك حتّى يتيقّن موته ‪.‬‬
‫وعنه يسطو عليه الرّجال والولى بذلك المحارم ‪.‬‬
‫وقال ابن القاسم من المالكيّة ‪ :‬ل يبقر بطن الميّتة إذا كان جنينها يضطرب في بطنها ‪.‬‬
‫وقال سحنون منهم ‪ :‬سمعت أنّ الجنين إذا استيقن بحياته وكان معروف الحياة ‪ ،‬فل بأس أن‬
‫يبقر بطنها ويستخرج الولد ‪.‬‬
‫وفي الشّرح الصّغير ل يشقّ بطن المرأة عن جنين ولو رجي حياته على المعتمد ‪ ،‬ولكن ل‬
‫تدفن حتّى يتحقّق موته ولو تغيّرت ‪.‬‬
‫واتّفقوا على أنّه إن أمكن إخراجه بحيلة غير الشّقّ وجبت ‪.‬‬
‫غسل الميّت ‪:‬‬
‫ن تغسيل الميّت واجب كفاية بحيث إذا قام به البعض سقط‬
‫م ‪ -‬ذهب جمهور الفقهاء إلى أ ّ‬ ‫‪9‬‬

‫عن الباقين ‪ ،‬وتفصيل أحكامه في مصطلح ‪ ( :‬تغسيل الميّت ) ‪.‬‬


‫تكفين الميّت ‪:‬‬
‫‪ -‬اتّفق الفقهاء على أنّ تكفين الميّت بما يستره فرض على الكفاية ‪.‬‬ ‫‪10‬‬

‫وتفصيل أحكامه ينظر في مصطلح ‪ ( :‬تكفين ) ‪.‬‬


‫حمل الجنازة ‪:‬‬
‫حكم الحمل وكيفيّته ‪:‬‬
‫‪ -‬أجمع الفقهاء على أنّ حمل الجنازة فرض على الكفاية ‪ ،‬ويجوز الستئجار على حمل‬ ‫‪11‬‬

‫الجنازة ‪.‬‬
‫وأمّا كيفيّة حمل الجنازة وعدد حامليها فيسنّ عند الحنفيّة أن يحملها أربعة رجال ‪ ،‬فإذا حملوا‬
‫سنّة ‪ ،‬فقد روى ابن ماجه عن ابن‬
‫الميّت على سرير أخذوه بقوائمه الربع وبه وردت ال ّ‬
‫سنّة ‪ ،‬ثمّ إن شاء‬
‫مسعود قال ‪ « :‬من اتّبع جنازة فليحمل بجوانب السّرير كلّها فإنّه من ال ّ‬
‫فليتطوّع وإن شاء فليدع » ‪.‬‬
‫سنّة فهي أن تأخذ‬
‫سنّة ‪ ،‬وكمالها ‪ ،‬أمّا نفس ال ّ‬
‫‪ -‬ثمّ إنّ في حمل الجنازة شيئين ‪ :‬نفس ال ّ‬ ‫‪12‬‬

‫بقوائمها الربع على طريق التّعاقب بأن يحمل من كلّ جانب عشر خطوات ‪.‬‬
‫سنّة ‪ ،‬فهو أن يبدأ الحامل بحمل الجنازة من جانب يمين مقدّم الميّت وهو يسار‬
‫وأمّا كمال ال ّ‬
‫الجنازة ‪ ...‬فيحمله على عاتقه اليمن ‪ ،‬ثمّ المؤخّر اليمن للميّت على عاتقه اليمن ‪ ،‬ثمّ المقدّم‬
‫اليسر للميّت على عاتقه اليسر ‪ ،‬ثمّ المؤخّر اليسر للميّت على عاتقه اليسر ‪.‬‬
‫ويكره حملها بين العمودين ‪ ،‬بأن يحملها رجلن أحدهما يحمل مقدّمها والخر مؤخّرها ‪ ،‬لنّه‬
‫يشقّ على الحاملين ‪ ،‬ول يؤمن من سقوط الجنازة ‪ .‬إلّ عند الضّرورة ‪ ،‬مثل ضيق المكان أو‬
‫قلّة الحاملين أو نحو ذلك ‪ ،‬وعليه حمل ما روي من الحمل بين العمودين ‪.‬‬
‫وعند الشّافعيّة الفضل أن يجمع في حمل الجنازة بين التّربيع والحمل بين العمودين ‪ ،‬وقد‬
‫روي من فعل ابن عمر وسالم ‪ ،‬فإن أراد أحدهما فالحمل بين العمودين أفضل ‪ ،‬والتّربيع أن‬
‫يحملها أربعة من جوانبها الربعة ‪ ،‬والحمل بين العمودين أن يحملها ثلثة رجال ‪ ،‬أحدهم‬
‫يكون في مقدّمها ‪ ،‬يضع الخشبتين الشّاخصتين على عاتقيه والمعترضة بينهما على كتفيه ‪،‬‬
‫والخران يحملن مؤخّرها ‪ ،‬كلّ واحد منهما خشبة على عاتقه ‪ ،‬فإن عجز المتقدّم عن حمل‬
‫المقدّم وحده أعانه رجلن خارج العمودين فيصيرون خمسة ‪.‬‬
‫وعند الحنابلة يستحبّ التّربيع في حمله ‪ ،‬وهو أن يضع قائمة السّرير اليسرى المقدّمة " عند‬
‫السّير " على كتفه اليمنى ‪ ،‬ثمّ ينتقل إلى المؤخّرة ‪ ،‬ثمّ يضع القائمة اليمنى على كتفه اليسرى ‪،‬‬
‫ثمّ ينتقل إلى المؤخّرة ‪ ،‬وإن حمل بين العمودين فحسن ‪.‬‬
‫ي وغيره التّربيع مع زحام ‪ ،‬ول يكره الحمل بين العمودين كلّ‬
‫وفي غاية المنتهى ‪ :‬كره الج ّر ّ‬
‫واحد على عاتق ‪ ،‬والجمع بينهما أولى ‪.‬‬
‫وأمّا المالكيّة فقالوا ‪ :‬حمل الميّت ليس له كيفيّة معيّنة ‪ ،‬فيجوز أن يحمله أربعة أشخاص ‪،‬‬
‫وثلثة ‪ ،‬واثنان بل كراهة ‪ ،‬ول يتعيّن البدء بناحية من السّرير ( النّعش ) ‪.‬‬
‫‪ -‬وذهب الحنفيّة إلى أنّه ل بأس بأن يأخذ السّرير بيده أو يضع على المنكب ‪ -‬يعني بعد‬ ‫‪13‬‬

‫أخذ قائمة السّرير باليد ل ابتداء كما تحمل الثقال ‪. -‬‬


‫وصرّح الشّافعيّة بحرمة حمل الجنازة على هيئة مزرية ‪ ،‬كحمله في قفّة ‪ ،‬وغرارة ‪ ،‬ونحو‬
‫ذلك ‪ ،‬ويحرم كذلك حمله على هيئة يخاف منها سقوطه ‪.‬‬
‫ويكره له أن يضع نصفه على المنكب ونصفه على أصل العنق ‪ ،‬ويكره عند الحنفيّة حمله‬
‫على الظّهر والدّابّة بل عذر ‪.‬‬
‫ل بعيدا يشقّ حمل الرّجال له ‪ ،‬أو لم يكن الحامل إلّ واحدا ‪،‬‬
‫أمّا إذا كان عذر بأن كان المح ّ‬
‫فحمله على ظهره فل كراهة إذن وفاقا للشّافعيّة ‪.‬‬
‫وعند الحنابلة أيضا ل يكره حملها على دابّة لغرض صحيح ‪ ،‬وذكر السبيجابيّ من الحنفيّة‬
‫ن الصّبيّ الرّضيع ‪ ،‬أو الفطيم ‪ ،‬أو من جاوز ذلك قليلً ‪ ،‬إذا مات فل بأس أن يحمله رجل‬
‫أّ‬
‫واحد على يديه ‪ ،‬ويتداوله النّاس بالحمل على أيديهم ‪ ،‬ول بأس بأن يحمله على يديه وهو‬
‫راكب ‪ ،‬وإن كان كبيرا يحمل على الجنازة ‪ ،‬واتّفقوا على أنّه ل يكره حمل الطّفل على اليدين‬
‫بل يندب ذلك عند المالكيّة ‪ ،‬وزاد الحنابلة أنّه ل يكره حمل جنازة الكبير بأعمدة عند الحاجة‪.‬‬
‫ويسرع بالميّت وقت المشي بل خبب ‪ ،‬وحدّه أن يسرع به بحيث ل يضطرب الميّت على‬
‫الجنازة ‪ ،‬ويكره بخبب لقوله صلى ال عليه وسلم ‪ « :‬أسرعوا بالجنازة » أي ما دون الخبب‬
‫كما في رواية ابن مسعود ‪ « ،‬سألنا رسول صلى ال عليه وسلم اللّه عن المشي خلف الجنازة‬
‫فقال ‪ :‬ما دون الخبب » قال الحافظ ابن حجر ‪ :‬نقل ابن قدامة أنّ المر فيه للستحباب بل‬
‫خلف بين العلماء ‪.‬‬
‫وأمّا ما يحكى عن الشّافعيّ والجمهور أنّه يكره السراع الشّديد ‪ ،‬فقال الحافظ ابن حجر ‪ :‬مال‬
‫عياض إلى نفي الخلف فقال ‪ :‬من استحبّه أراد الزّيادة على المشي المعتاد ‪ ،‬ومن كرهه أراد‬
‫الفراط فيه كالرّمل ‪.‬‬
‫وكذا يستحبّ السراع بتجهيزه كلّه من حين موته ‪ ،‬فلو جهّز الميّت صبيحة يوم الجمعة يكره‬
‫تأخير الصّلة عليه ليصلّي عليه الجمع العظيم ‪ ،‬ولو خافوا فوت الجمعة بسبب دفنه يؤخّر‬
‫ك في موته ‪ ،‬ويقدّم رأس‬
‫الدّفن ‪ ،‬وقال المالكيّة والشّافعيّة أيضا ‪ ،‬بالسراع بتجهيزه إلّ إذا ش ّ‬
‫الميّت في حال المشي بالجنازة ‪.‬‬
‫تشييع الجنازة ‪:‬‬
‫‪ -‬ذهب جمهور الفقهاء إلى أنّ تشييع الرّجال للجنازة سنّة ‪ ،‬لحديث البراء بن عازب ‪« :‬‬ ‫‪14‬‬

‫أمرنا رسول اللّه صلى ال عليه وسلم باتّباع الجنائز » والمر هنا للنّدب ل للوجوب‬
‫للجماع ‪ ،‬وقال الزّين بن المنير من المالكيّة ‪ :‬إنّ اتّباع الجنازة من الواجبات على الكفاية ‪.‬‬
‫وقال الشّيخ مرعي الحنبليّ ‪ :‬اتّباع الجنائز سنّة ‪.‬‬
‫قال الحنفيّة اتّباع الجنائز أفضل من النّوافل إذا كان لجوار وقرابة ‪ ،‬أو صلح مشهور ‪،‬‬
‫والفضل لمشيّع الجنازة المشي خلفها ‪ ،‬وبه قال الوزاعيّ وإسحاق على ما حكاه التّرمذيّ "‬
‫لحديث « الجنازة متبوعة ول تتبع ‪ ،‬ليس معها من تقدّمها » إلّ أن يكون خلفها نساء فالمشي‬
‫أمامها أحسن ‪ ،‬ولكن إن تباعد عنها بحيث يعدّ ماشيا وحده أو تقدّم الكلّ ‪ ،‬وتركوها خلفهم‬
‫ليس معها أحد أو ركب أمامها كره ‪ ،‬وأمّا الرّكوب خلفها فل بأس به ‪ ،‬والمشي أفضل ‪،‬‬
‫والمشي عن يمينها أو يسارها خلف الولى ‪ ،‬لنّ فيه ترك المندوب وهو اتّباعها ‪.‬‬
‫وقال المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة ‪ :‬المشي أمام الجنازة أفضل ‪ ،‬لما روي أنّ « رسول اللّه‬
‫صلى ال عليه وسلم وأبا بكر وعمر كانوا يمشون أمام الجنازة » ‪.‬‬
‫ن فضل الماشي خلفها على الّذي يمشي‬
‫وروي عن الصّحابة كل المرين وقد قال عليّ ‪ :‬إ ّ‬
‫أمامها كفضل صلة الجماعة على صلة الفذّ ‪ .‬وقال الثّوريّ ‪ :‬كلّ ذلك في الفضل سواء ‪.‬‬
‫‪ -‬وأمّا النّساء فل ينبغي لهنّ عند الحنفيّة أن يخرجن في الجنازة ‪ ،‬ففي ال ّدرّ يكره‬ ‫‪15‬‬

‫خروجهنّ تحريما ‪ ،‬قال ابن عابدين ‪ :‬لقوله عليه الصلة والسلم ‪ « :‬ارجعن مأزورات غير‬
‫مأجورات » ‪ .‬ولحديث أ ّم عطيّة ‪ « :‬نهينا عن اتّباع الجنائز ‪ ،‬ولم يعزم علينا » ‪.‬‬
‫ولقوله صلى ال عليه وسلم لفاطمة ‪ « :‬لعلّك بلغت معهم الكدى » " المقابر " ‪.‬‬
‫وأمّا عند الشّافعيّة فقال النّوويّ ‪ :‬مذهب أصحابنا أنّه مكروه ‪ ،‬وليس بحرام ‪ ،‬وفسّر قول أمّ‬
‫عطيّة « ولم يعزم علينا » أنّ النّبيّ صلى ال عليه وسلم نهى عنه نهي كراهية تنزيه ‪ ،‬ل نهي‬
‫عزيمة وتحريم ‪.‬‬
‫ن " لجنازة مطلقا ‪ ،‬وكذا‬
‫وأمّا المالكيّة ففي الشّرح الصّغير ‪ :‬جاز خروج متجالّةٍ " كبيرة السّ ّ‬
‫شابّة ل تخشى فتنتها ‪ ،‬لجنازة من عظمت مصيبته عليها ‪ ،‬كأب ‪ ،‬وأمّ ‪ ،‬وزوج ‪ ،‬وابن ‪،‬‬
‫وبنت ‪ ،‬وأخ ‪ ،‬وأخت ‪ ،‬أمّا من تخشى فتنتها فيحرم خروجها مطلقا ‪.‬‬
‫ي أنّه قال ‪ :‬إذا أمن من‬
‫وقال الحنابلة ‪ :‬كره أن تتبع الجنازة امرأة وحكى الشّوكانيّ عن القرطب ّ‬
‫تضييع حقّ الزّوج والتّبرّج وما ينشأ من الصّياح ونحو ذلك فل مانع من الذن لهنّ ‪ ،‬ثمّ قال‬
‫الشّوكانيّ ‪ :‬هذا الكلم هو الّذي ينبغي اعتماده في الجمع بين الحاديث المتعارضة ‪.‬‬
‫قال الحنفيّة ‪ :‬وإذا كان مع الجنازة نائحة أو صائحة زجرت ‪ ،‬فإن لم تنزجر فل بأس بأن‬
‫يمشي معها ‪ ،‬لنّ اتّباع الجنازة سنّة فل يتركه لبدعة من غيره ‪ ،‬لكن يمشي أمام الجنازة كما‬
‫تقدّم ‪.‬‬
‫وقال الحنابلة ‪ :‬حرم أن يتبعها المشيّع مع منكر ‪ ،‬نحو صراخ ‪ ،‬ونوح ‪ ،‬وهو عاجز عن‬
‫إزالته ‪ ،‬ويلزم القادر إزالته ‪.‬‬
‫ما ينبغي أن يفعل مع الجنازة وما ل ينبغي ‪:‬‬
‫اتّباع الجنازة بمبخرة أو نار ‪:‬‬
‫‪ -‬اتّفق الفقهاء على أنّ الجنازة ل تتبع بنار في مجمرة " مبخرة " ول شمع ‪.‬‬ ‫‪16‬‬

‫وفي مراقي الفلح ‪ :‬ل تتبع الجنازة بصوت ول نار ‪ ،‬ويكره تجمير القبر ‪.‬‬
‫إلّ لحاجة ضوء أو نحوه ‪ .‬لحديث أبي داود مرفوعا ‪ « :‬ل تتبع الجنازة بصوت ول نار » ‪.‬‬
‫الجلوس قبل وضع الجنازة ‪:‬‬
‫‪ -‬يكره لمتّبع الجنازة أن يجلس قبل وضعها للنّهي عن ذلك ‪ .‬فعن أبي هريرة مرفوعا ‪« :‬‬ ‫‪17‬‬

‫من تبع جنازة فل يقعدن حتّى توضع » ‪.‬‬


‫قال الطّحطاويّ ‪ :‬إنّ في الجلوس قبل وضعها ازدراء بها ‪ ،‬قال الحازميّ ‪ :‬وممّن رأى ذلك‬
‫الحسن بن عليّ ‪ ،‬وأبو هريرة ‪ ،‬وابن عمر ‪ ،‬وابن الزّبير ‪ ،‬والوزاعيّ ‪ ،‬وأهل الشّام ‪ ،‬وأحمد‬
‫ي والشّعبيّ أنّهم كانوا يكرهون أن يجلسوا حتّى توضع عن مناكب‬
‫‪ ،‬وإسحاق ‪ ،‬وذكر النّخع ّ‬
‫الرّجال وبه قال محمّد بن الحسن ‪.‬‬
‫قال ابن حجر في الفتح ‪ :‬ذهب أكثر الصّحابة والتّابعين إلى استحباب القيام ‪ ،‬كما نقله ابن‬
‫المنذر ‪ ،‬وهو قول الوزاعيّ ‪ ،‬وأحمد ‪ ،‬وإسحاق ‪ ،‬ومحمّد بن الحسن ‪ ،‬والمختار عند‬
‫الشّافعيّة استحباب القيام مع الجنازة حتّى توضع ‪ ،‬قال الحازميّ ‪ :‬وخالفهم في ذلك آخرون ‪،‬‬
‫ورأوا الجلوس أولى ‪ ،‬وقال بعض السّلف ‪ :‬يجب القيام ‪ .‬فإذا وضعت الجنازة على الرض‬
‫عند القبر فل بأس بالجلوس ‪ ،‬وإنّما يكره قبل أن توضع عن مناكب الرّجال ‪.‬‬
‫والفضل أن ل يجلسوا ما لم يسوّوا عليه التّراب لرواية أبي معاوية عن سهيل بن أبي صالح‬
‫عن أبيه عن أبي هريرة « حتّى توضع في اللّحد » وخالفه الثّوريّ وهو أحفظ فقال ‪ « :‬في‬
‫الرض » ‪ .‬ونقل حنبل " من أصحاب أحمد " ل بأس بقيامه على القبر حتّى تدفن جبرا‬
‫وإكراما ‪ ،‬وكان أحمد إذا حضر جنازة َوِليَها لم يجلس حتّى تدفن ‪.‬‬
‫القيام للجنازة ‪:‬‬
‫‪ -‬مذهب الحنفيّة وأحمد ل يقوم للجنازة إذا مرّت به إلّ أن يريد أن يشهدها ‪ ،‬وكذا إذا كان‬ ‫‪18‬‬

‫القوم في المصلّى ‪ ،‬وجيء بجنازة ‪ ،‬قال بعضهم ‪ :‬ل يقومون إذا رأوها قبل أن توضع الجنازة‬
‫عن العناق وهو الصّحيح ‪ ،‬وما رواه مسلم من قوله صلى ال عليه وسلم ‪ « :‬إذا رأيتم‬
‫الجنازة فقوموا لها حتّى تخلفكم أو توضع » منسوخ بما روي من طرق عن عليّ رضي ال‬
‫عنه قال ‪ « :‬قام رسول اللّه صلى ال عليه وسلم ثمّ قعد » ‪ ،‬قال الحازميّ ‪ :‬قال أكثر أهل‬
‫العلم ‪ :‬ليس على أحد القيام لجنازة ‪ ،‬وبه قال مالك وأهل الحجاز والشّافعيّ وأصحابه ‪ ،‬وذهبوا‬
‫إلى أنّ المر بالقيام منسوخ ‪ ،‬وكذا قال القاضي عياض ‪.‬‬
‫وقال الحنابلة ‪ :‬كره قيام لها ‪ -‬أي للجنازة ‪ -‬لو جاءت أو مرّت به وهو جالس ‪ ،‬وقال في‬
‫المغني ‪ « :‬كان آخر المرين من رسول اللّه صلى ال عليه وسلم ترك القيام للجنازة » ‪،‬‬
‫ن القيام ليس مستحبّا ‪.‬‬
‫والخذ بآخر المرين أولى ‪ .‬وفي شرح مسلم ‪ :‬المشهور في مذهبنا أ ّ‬
‫وقالوا ‪ :‬هو منسوخ بحديث عليّ ث ّم قال النّوويّ ‪ :‬اختار المتولّي من أصحابنا أنّ القيام‬
‫مستحبّ وهذا هو المختار ‪ ،‬فيكون المر به للنّدب ‪ ،‬والقعود لبيان الجواز ‪ ،‬ول يصحّ دعوى‬
‫النّسخ في مثل هذا ‪ ،‬لنّ النّسخ إنّما يكون إذا تعذّر الجمع ولم يتعذّر ‪.‬‬
‫قال القليوبيّ من الشّافعيّة ‪ :‬وهذا هو المعتمد ‪ .‬وحكى القاضي عياض عن أحمد ‪ ،‬وإسحاق ‪،‬‬
‫وابن حبيب وابن الماجشون المالكيّين أنّهم قالوا ‪ :‬هو مخيّر ‪.‬‬
‫الصّمت في اتّباع الجنازة ‪:‬‬
‫‪ -‬ينبغي لمن تبع الجنازة أن يطيل الصّمت ‪ ،‬ويكره رفع الصّوت بالذّكر وقراءة القرآن‬ ‫‪19‬‬

‫وغيرهما ‪ ،‬لما روي عن قيس بن عبادة أنّه قال ‪ « :‬كان أصحاب رسول اللّه صلى ال عليه‬
‫وسلم يكرهون رفع الصّوت عند ثلثة ‪ :‬عند القتال ‪ ،‬وعند الجنازة ‪ ،‬والذّكر » ‪.‬‬
‫وهذه الكراهة قيل ‪ :‬كراهة تحريم ‪ ،‬وقيل ‪ :‬ترك الولى ‪ .‬فإن أراد أن يذكر اللّه تعالى ففي‬
‫نفسه ‪ ،‬أي سرّا بحيث يسمع نفسه ‪ ،‬وفي السّراج ‪ :‬يستحبّ لمن تبع الجنازة أن يكون مشغولً‬
‫بذكر اللّه تعالى ‪ ،‬أو التّفكّر فيما يلقاه الميّت ‪ ،‬وأنّ هذا عاقبة أهل الدّنيا ‪ ،‬وليحذر عمّا ل فائدة‬
‫فيه من الكلم ‪ ،‬فإنّ هذا وقت ذكر وموعظة ‪ ،‬فتقبح فيه الغفلة ‪ ،‬فإن لم يذكر اللّه تعالى فيلزم‬
‫الصّمت ‪ ،‬ول يرفع صوته بالقراءة ول بالذّكر ‪ ،‬ول يغت ّر بكثرة من يفعل ذلك ‪ ،‬وأمّا ما يفعله‬
‫الجهّال من القراءة مع الجنازة من رفع الصّوت والتّمطيط فيه فل يجوز بالجماع ‪ .‬وروى‬
‫ابن أبي شيبة عن المغيرة قال ‪ :‬كان رجل يمشي خلف الجنازة ويقرأ سورة الواقعة فسئل‬
‫إبراهيم النّخعيّ عن ذلك فكرهه ‪ ،‬ول يسع أحدا يقدر على إنكاره أن يسكت عنه ول ينكر‬
‫عليه ‪ ،‬وعن إبراهيم النّخعيّ أنّه كان ينكر أن يقول الرّجل وهو يمشي معها ‪ :‬استغفروا له‬
‫يغفر اللّه لكم ‪.‬‬
‫وقال ابن عابدين ‪ :‬إذا كان هذا في الدّعاء والذّكر فما ظنّك بالغناء الحادث في زماننا ‪.‬‬
‫قال الحنفيّة ‪ :‬ول ينبغي أن يرجع من يتبع جنازة حتّى يصلّي عليها ‪ ،‬لنّ التّباع كان للصّلة‬
‫عليها ‪ ،‬فل يرجع قبل حصول المقصود ‪ ،‬وبعد ما صلّى ل يرجع إلّ بإذن أهل الجنازة قبل‬
‫الدّفن ‪ ،‬وبعد الدّفن يسعه الرّجوع بغير إذنهم ‪ .‬وبه قال المالكيّة وزادوا أنّ النصراف قبل‬
‫الصّلة يكره ولو أذن أهلها ‪ ،‬وبعد الصّلة ل يكره إذا طوّلوا ولم يأذنوا ‪.‬‬
‫فإذا وضعوها للصّلة عليها وضعوها عرضا للقبلة ‪ ،‬هكذا توارثه النّاس ‪.‬‬
‫وقال المالكيّة ‪ :‬كره صياح خلفها ب استغفروا لها ونحوه ‪.‬‬
‫وقال الشّافعيّة أيضا ‪ :‬يكون رفع الصّوت بالذّكر بدعة ‪ ،‬وقالوا ‪ :‬يكره اللّغط في الجنازة ‪.‬‬
‫وقال الشّيخ مرعي الحنبليّ ‪ :‬وقول القائل معها ‪ :‬استغفروا له ونحوه بدعة ‪ ،‬وحرّمه أبو‬
‫حفص ‪ ،‬وسنّ كون تابعها متخشّعا متفكّرا في مآله ‪ ،‬متّعظا بالموت وما يصير إليه الميّت ‪.‬‬
‫الصّلة على الجنازة ‪:‬‬
‫‪ -‬ذهب جمهور الفقهاء إلى أنّ الصّلة على الجنازة فرض على الكفاية ‪ ،‬واختلف فيه قول‬ ‫‪20‬‬

‫المالكيّة فقال ابن عبد الحكم ‪ :‬فرض على الكفاية وهو قول سحنون ‪ ،‬وعليه الكثر وشهره‬
‫الفاكهانيّ ‪ ،‬وقال أصبغ ‪ :‬سنّة على الكفاية ‪.‬‬
‫ص الحنفيّة والشّافعيّة والحنابلة على أنّ الجماعة ليست شرطا لصحّة الصّلة على الجنازة‬
‫ون ّ‬
‫وإنّما هي سنّة ‪.‬‬
‫وقال المالكيّة ‪ :‬من شرط صحّتها الجماعة كصلة الجمعة ‪ ،‬فإن صلّي عليها بغير إمام أعيدت‬
‫الصّلة ما لم يفت ذلك ‪.‬‬
‫‪ -‬وأركان صلة الجنازة عند الحنفيّة ‪ :‬التّكبيرات والقيام ‪ ،‬فل تصحّ من القاعد أو الرّاكب‬ ‫‪21‬‬

‫من غير عذر ‪ ،‬فلو تعذّر النّزول عن الدّابّة لطين ونحوه جاز أن يصلّي عليها راكبا‬
‫استحسانا ‪ ،‬ولو كان الوليّ مريضا فأمّ قاعدا والنّاس قيام أجزأهم عند أبي حنيفة وأبي‬
‫يوسف ‪ ،‬وقال محمّد ‪ :‬تجزئ المام فقط ‪.‬‬
‫وقال المالكيّة ‪ :‬أركانها خمسة ‪ :‬أوّلها ‪ :‬الّنيّة ‪ :‬ثانيها ‪ :‬أربع تكبيرات ‪ ،‬ثالثها ‪ :‬دعاء بينهنّ ‪،‬‬
‫وأمّا بعد الرّابعة فإن أحبّ دعا وإن أحبّ لم يدع ‪ ،‬رابعها ‪ :‬تسليمة واحدة يجهر بها المام‬
‫بقدر التّسميع ‪ ،‬خامسها ‪ :‬قيام لها لقادر ‪.‬‬
‫وقال الشّافعيّة ‪ :‬أركانها الّنيّة ‪ ،‬والتّكبيرات وقراءة الفاتحة ‪ ،‬والصّلة على النّبيّ ‪ ،‬وأدنى‬
‫الدّعاء للميّت ‪ ،‬والتّسليمة الولى ‪ ،‬وكذلك يجب القيام على المذهب إن قدر عليه ‪ ،‬فلو صلّوا‬
‫جلوسا من غير عذر أو ركبانا أعادوا ‪.‬‬
‫وقال الحنابلة ‪ :‬أركانها قيام لقادر في فرضها ‪ ،‬وتكبيرات أربع ‪ ،‬وقراءة الفاتحة على غير‬
‫المأموم ‪ ،‬والصّلة على النّبيّ ‪ ،‬وأدنى دعاء لميّت ( ويتّجه ) يخصّه به بنحو اللّهمّ ارحمه فل‬
‫يكفي قوله ‪ :‬اللّه ّم اغفر لحيّنا وميّتنا ‪ ،‬وسلم ‪ ،‬وترتيب ‪.‬‬
‫شروط صلة الجنازة ‪:‬‬
‫‪ -‬يشترط لصحّة صلة الجنازة ما يشترط لبقيّة الصّلوات من الطّهارة الحقيقيّة بدنا وثوبا‬ ‫‪22‬‬

‫ومكانا ‪ ،‬والحكميّة ‪ ،‬وستر العورة ‪ ،‬واستقبال القبلة ‪ ،‬والّنيّة ‪ ،‬سوى الوقت ‪.‬‬
‫وشرط الحنفيّة أيضا ما يلي ‪:‬‬
‫حدٍ منهم مَاتَ أبدا } ‪.‬‬
‫صلّ على َأ َ‬
‫أوّلها ‪ :‬إسلم الميّت لقوله تعالى ‪ { :‬ول ُت َ‬
‫والثّاني ‪ :‬طهارته من نجاسة حكميّة وحقيقيّة في البدن ‪ ،‬فل تصحّ على من لم يغسّل ‪ ،‬ول‬
‫على من عليه نجاسة ‪ ،‬وهذا الشّرط عند المكان فلو دفن بل غسل ولم يمكن إخراجه إلّ‬
‫بالنّبش سقط الغسل وصلّي على قبره بل غسل للضّرورة ‪ -‬هذه رواية ابن سماعة عن‬
‫محمّد ‪ ،‬وصحّح في غاية البيان معزيّا إلى القدوريّ وصاحب التّحفة أنّه ل يصلّى عليه ‪ ،‬لنّها‬
‫بل غسل غير مشروعة ‪ -‬بخلف ما إذا لم يهل عليه التّراب ‪ ،‬فإنّه يخرج ويغسّل ويصلّى‬
‫عليه‪ .‬ولو صلّي عليه بل غسل جهلً مثلً ‪ ،‬ثمّ دفن ول يخرج إلّ بالنّبش أعيدت الصّلة على‬
‫قبره استحسانا ‪ ،‬ويشترط طهارة الكفن إلّ إذا شقّ ذلك ‪ ،‬لما في خزانة الفتاوى من أنّه إن‬
‫تنجّس الكفن بنجاسة الميّت ل يضرّ ‪ ،‬دفعا للحرج ‪ ،‬بخلف الكفن المتنجّس ابتداء ‪.‬‬
‫وكذا لو تنجّس بدنه بما خرج منه ‪ ،‬إن كان قبل أن يكفّن غسّل وبعده ل ‪ ،‬وأمّا طهارة مكان‬
‫الميّت ‪ ،‬ففي الهنديّة والفوائد التّاجيّة أنّها ليست بشرط ‪ ،‬وفي مراقي الفلح والقنية أنّها شرط ‪،‬‬
‫فإذا كان المكان نجسا ‪ ،‬وكان الميّت على الجنازة " النّعش " تجوز الصّلة ‪ ،‬وإن كان على‬
‫الرض ففي الفوائد ل يجوز ‪ ،‬ومال إلى الجواز قاضي خان ‪ ،‬وجزم في القنية بعدمه ‪ .‬وجه‬
‫ن الكفن تابع فل يع ّد حائلً ‪.‬‬
‫الجواز أنّ الكفن حائل بين الميّت والنّجاسة ‪ ،‬ووجه عدم الجواز أ ّ‬
‫والحاصل أنّه إن كان المراد بمكان الميّت الرض ‪ ،‬وكان الميّت على الجنازة ‪ ،‬فعدم اشتراط‬
‫طهارة الرض متّفق عليه ‪ .‬وإن كان المراد الجنازة فالظّاهر أنّه تختلف القوال فيه كما‬
‫اختلفت فيما إذا كان الميّت موضوعا على الرض النّجسة ‪.‬‬
‫قال في القنية ‪ :‬الطّهارة من النّجاسة في ثوب وبدن ومكان ‪ ،‬وستر العورة شرطان في حقّ‬
‫الميّت والمام جميعا ‪ ،‬فلو أمّ بل طهارة ‪ ،‬والقوم بها أعيدت ‪ ،‬وبعكسه ل ‪ ،‬لسقوط الفرض‬
‫بصلة المام ‪.‬‬
‫والثّالث ‪ :‬تقديم الميّت أمام القوم فل تصحّ على ميّت موضوع خلفهم ‪.‬‬
‫والرّابع ‪ :‬حضوره أو حضور أكثر بدنه أو نصفه مع رأسه ‪.‬‬
‫والخامس ‪ :‬وضعه على الرض أو على اليدي قريبا منها ‪.‬‬
‫والسّادس ‪ :‬ستر عورته ‪ -‬هذا هو المذكور في ال ّدرّ المختار ‪.‬‬
‫والسّابع ‪ :‬قال صاحب ال ّدرّ ‪ :‬بقي من الشّروط بلوغ المام ‪ ،‬فلو أمّ صبيّ في صلة الجنازة‬
‫ينبغي أن ل يجوز وهو الظّاهر ‪ ،‬لنّها من فروض الكفاية ‪،‬وهو ليس من أهل أداء الفرائض‪.‬‬
‫ولكن نقل في الحكام عن جامع الفتاوى سقوط الفرض بفعله ‪.‬‬
‫والثّامن ‪ :‬محاذاة المام جزءا من أجزاء الميّت إذا كان الميّت واحدا ‪ ،‬وأمّا إذا كثرت الموتى‬
‫فيجعلهم صفّا ويقوم عند أفضلهم ‪ ،‬قال ابن عابدين ‪ :‬القرب كون المحاذاة شرطا ‪.‬‬
‫وقال الحنابلة ‪ :‬ل يجب أن يسامت المام الميّت فإن لم يسامته كره ‪ ،‬وفي تعليق الغاية ‪ :‬لعلّه‬
‫ما لم يفحش عرفا ‪ ،‬فل تصحّ إن فحش ‪.‬‬
‫‪ -‬وقد وافق الحنابلة الحنفيّة على اشتراط إسلم الميّت وطهارته ‪ ،‬وستر عورته ‪،‬‬ ‫‪23‬‬

‫وحضوره بين يدي المصلّي من الشّروط الّتي ترجع إلى الميّت ‪ ،‬وعلى اشتراط كون المصلّي‬
‫مكلّفا ‪ ،‬واجتنابه النّجاسة ‪ ،‬واستقباله القبلة ‪ ،‬وستر العورة ‪ ،‬وال ّنيّة ‪ ،‬من الّتي ترجع إلى‬
‫المصلّي ‪ .‬وخالفوهم في اشتراط حضور الجنازة فجوّزوا الصّلة على غائب عن بلد دون‬
‫مسافة قصر ‪ ،‬أو في غير قبلته ‪ ،‬وعلى غريق وأسير ونحوه ‪ ،‬إلى شهر بالّنيّة ‪ ،‬وأمّا ما‬
‫اشترطوه من حضوره بين يدي المصلّي ‪ ،‬فمعناه أن ل تكون الجنازة محمولة ‪ ،‬ول من وراء‬
‫حائل ‪ ،‬كحائط قبل دفن ‪ ،‬ول في تابوت مغطّى ‪.‬‬
‫ووافق الشّافعيّة الحنابلة على عدم اشتراط حضوره ‪ ،‬وتجويز الصّلة على الغائب ‪ ،‬ووافقت‬
‫المالكيّة الحنفيّة على اشتراط حضوره ‪ ،‬وأمّا وضعه أمام المصلّي بحيث يكون عند منكبي‬
‫المرأة ووسط الرّجل فمندوب عندهم ‪ ،‬وعند الحنفيّة أيضا ‪ ،‬إلّ أنّ محاذاة المام بجزء من‬
‫الميّت شرط عند الحنفيّة ‪.‬‬
‫وخالف المالكيّة والشّافعيّة الحنفيّة في اشتراط وضعه على الرض ‪ ،‬فقالوا ‪ :‬تجوز الصّلة‬
‫على المحمول على دابّة ‪ ،‬أو على أيدي النّاس ‪ ،‬أو على أعناقهم ‪.‬‬
‫وانفرد المالكيّة باشتراط المامة في صلة الجنازة على ما صرّح به ابن رشد ‪ ،‬وصرّح غيره‬
‫بصحّة صلة المنفرد عليه ‪ ،‬ففي الشّرح الصّغير إن صلّى عليها منفردا أعيدت ندبا جماعة ‪.‬‬
‫والواجب عند الحنفيّة في صلة الجنازة التّسليم مرّتين بعد التّكبيرة الرّابعة ‪ ،‬وعند المالكيّة‬
‫والشّافعيّة والحنابلة التّسليم مرّة واحدة ركن ‪ ،‬قالوا لقول النّبيّ صلى ال عليه وسلم ‪« :‬‬
‫وتحليلها التّسليم » في الصّلة ‪.‬‬
‫وورد التّسليم مرّة واحدة على الجنازة عن ستّة من أصحاب النّبيّ صلى ال عليه وسلم‬
‫والتّسليمة الثّانية مسنونة عند الشّافعيّة جائزة عند الحنابلة ‪.‬‬
‫وأمّا سننها فتفصيلها كما يلي ‪:‬‬
‫الولى ‪ :‬قيام المام بحذاء صدر الميّت ذكرا كان الميّت أو أنثى سنّة عند الحنفيّة ‪ ،‬وفي‬
‫حواشي الطّحطاويّ على المراقي ما يدلّ على أنّه مستحبّ ‪.‬‬
‫وقال المالكيّة ‪ :‬ليس لصلة الجنازة سنن بل لها مستحبّات ‪ ،‬منها وقوف المام والمنفرد حذاء‬
‫وسط الرّجل ‪ ،‬ومنكبي المرأة والخنثى ‪.‬‬
‫وقال الشّافعيّة ‪ :‬إنّهما يقومان عند رأس الرّجل ‪ ،‬وعند عجز المرأة أو الخنثى ‪.‬‬
‫وقال الحنابلة ‪ :‬عند صدر الرّجل ‪ ،‬ووسط النثى ‪ ،‬وسنّ ذلك من خنثى ‪.‬‬
‫الثّانية ‪ :‬الثّناء بعد التّكبيرة الولى سنّة عند الحنفيّة وهو اختيار الخلّال من الحنابلة وهو ‪:‬‬
‫سبحانك اللّهمّ وبحمدك ‪ ،‬وتبارك اسمك ‪ ،‬وتعالى جدّك ‪ ،‬ول إله غيرك ‪.‬‬
‫وقال الشّافعيّة والحنابلة والطّحاويّ من الحنفيّة ‪ :‬ل استفتاح منه ولكن النّقل والعادة أنّهم‬
‫يستفتحون بعد تكبيرة الفتتاح ‪.‬‬
‫وقال في " سكب النهر " الولى ترك ‪ " :‬وجلّ ثناؤك " إلّ في صلة الجنازة ‪ ،‬وقال ابن‬
‫ي صيغة من صيغ الحمد ‪.‬‬
‫سنّة بأ ّ‬
‫عابدين ‪ :‬مقتضى ظاهر الرّواية حصول ال ّ‬
‫وقال المالكيّة ‪ :‬ل ثناء في التّكبيرة الولى ‪ ،‬ولكن ابتداء الدّعاء بحمد اللّه والصّلة على النّبيّ‬
‫صلى ال عليه وسلم مندوب ‪ ،‬أي بعد التّكبيرة الثّانية ‪.‬‬
‫وقال الحنابلة أيضا ‪ :‬ل يستفتح ‪ .‬وجاء قراءة الفاتحة بقصد الثّناء كذا نصّ عليه الحنفيّة ‪،‬‬
‫ي القاريّ ‪ :‬يستحبّ قراءتها بنيّة الدّعاء خروجا من الخلف ‪.‬‬
‫وقال عل ّ‬
‫ي صلى ال عليه وسلم بعد التّكبيرة الثّانية‬
‫الثّالثة ‪ :‬ومن السّنن عند الحنفيّة الصّلة على النّب ّ‬
‫بقوله ‪ :‬اللّهمّ ص ّل على محمّد وعلى آل محمّد إلى آخره ‪ ،‬لنّ تقديم الصّلة على الدّعاء‬
‫ي صلى ال عليه وسلم بعد‬
‫وتقديم الثّناء عليهما سنّة ‪ ،‬قالوا ‪ :‬وينبغي أن يصلّي على النّب ّ‬
‫الدّعاء أيضا ‪ ،‬لقوله عليه الصلة والسلم ‪ « :‬اجعلوني في أوّل الدّعاء وأوسطه وآخره » ‪.‬‬
‫ل تكبيرة قبل الشّروع‬
‫وقال المالكيّة ‪ :‬الصّلة على النّبيّ صلى ال عليه وسلم مندوبة عقب ك ّ‬
‫في الدّعاء ‪ ،‬بأن يقول ‪ :‬الحمد للّه الّذي أمات وأحيا ‪ ،‬والحمد للّه الّذي يحيي الموتى وهو على‬
‫كلّ شيء قدير ‪ ،‬اللّهمّ ص ّل على محمّد وعلى آل محمّد ‪ ،‬وبارك على محمّد ‪ ،‬وعلى آل محمّد‬
‫‪ ،‬كما صلّيت وباركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين إنّك حميد مجيد ‪ ،‬كما يدعو‬
‫كما سيأتي ‪ ،‬وهي عند الشّافعيّة والحنابلة ركن كما مرّ ‪.‬‬
‫‪ -‬الرّابعة ‪ :‬ومن السّنن عند الحنفيّة دعاء المصلّي للميّت ولنفسه " وإذا دعا لنفسه قدّم‬ ‫‪25‬‬

‫ن من سنّة الدّعاء أن يبدأ فيه بنفسه " ولجماعة المسلمين ‪ ،‬وذلك بعد‬
‫نفسه على الميّت ل ّ‬
‫التّكبيرة الثّالثة ‪ ،‬ول يتعيّن للدّعاء شيء سوى كونه بأمور الخرة ‪ ،‬ولكن إن دعا بالمأثور عن‬
‫النّبيّ صلى ال عليه وسلم فهو أحسن وأبلغ لرجاء قبوله ‪.‬‬
‫ي صلى ال عليه وسلم على جنازة « اللّهمّ‬
‫فمن المأثور ما حفظ عوف بن مالك من دعاء النّب ّ‬
‫اغفر له وارحمه ‪ ،‬وعافه واعف عنه ‪ ،‬وأكرم نزله ‪ ،‬ووسّع مدخله ‪ ،‬واغسله بالماء والثّلج‬
‫والبرد ‪ ،‬ونقّه من الخطايا كما ينقّى الثّوب البيض من الدّنس ‪ ،‬وأبدله دارا خيرا من داره ‪،‬‬
‫ل خيرا من أهله ‪ ،‬وزوجا خيرا من زوجه ‪ ،‬وأدخله الجنّة ‪ ،‬وأعذه من عذاب القبر ومن‬
‫وأه ً‬
‫عذاب النّار » ‪.‬‬
‫وفي الصل روايات أخر ‪ ،‬منها ‪ :‬ما رواه أبو حنيفة في مسنده من حديث أبي هريرة ‪:‬‬
‫« اللّهمّ اغفر لحيّنا وميّتنا ‪ ،‬وشاهدنا وغائبنا ‪ ،‬وذكرنا وأنثانا ‪ ،‬وصغيرنا وكبيرنا » ‪.‬‬
‫ل النّسائيّ « اللّه ّم من أحييته منّا فأحيه على السلم ‪ ،‬ومن‬
‫وزاد أحمد وأصحاب السّنن إ ّ‬
‫توفّيته منّا فتوفّه على اليمان » ‪ .‬وفي رواية « اللّهمّ إن كان محسنا فزد في إحسانه ‪ ،‬وإن‬
‫كان مسيئا فتجاوز عن سيّئاته ‪ ،‬اللّهمّ ل تحرمنا أجره ‪ ،‬ول تفتنّا بعده » ‪.‬‬
‫فإن كان الميّت صغيرا فعن أبي حنيفة ينبغي أن يقول ‪ :‬اللّهمّ اجعله لنا فرطا ‪ ،‬واجعله لنا‬
‫أجرا وذخرا ‪ ،‬اللّهمّ اجعله لنا شافعا ومشفّعا ‪ ،‬مقتصرا عليه كما هو في متون المذهب ‪ ،‬أو‬
‫بعد الدّعاء المذكور كما في حواشي الطّحطاويّ على المراقي وغيرها ‪.‬‬
‫وقال الشّوكانيّ ‪ :‬إذا كان الميّت طفل استحبّ أن يقول ‪ :‬اللّهمّ اجعله لنا سلفا وفرطا وأجرا ‪.‬‬
‫وهذا كلّه إذا كان يحسن ذلك فإن كان ل يحسن يأتي بأيّ دعاء شاء ‪ ،‬وقال في ال ّدرّ ‪ :‬ل‬
‫يستغفر فيها لصبيّ ‪ ،‬ومجنون ‪ ،‬ومعتوه ‪ ،‬لعدم تكليفهم ‪ ،‬ول ينافي هذا قوله ‪ " :‬وصغيرنا‬
‫ن المقصود الستيعاب ‪.‬‬
‫وكبيرنا " ل ّ‬
‫وقال الحنابلة ‪ :‬إن كان صغيرا أو استمرّ مجنونا قال ‪ :‬اللّهمّ اجعله ذخرا لوالديه ‪ ...‬إلخ‬
‫وظاهره القتصار عليه ‪.‬‬
‫وصرّح الشّافعيّة بأنّ هذا الدّعاء يكون بدل الدّعاء المذكور للبالغين ‪ ،‬وهو ظاهر كلم المالكيّة‬
‫أيضا ‪ ،‬فكأنّ أقوال الربعة اتّفقت في الدّعاء للصّغير بهذه الصّيغة ‪.‬‬
‫الدّعاء للميّت ‪:‬‬
‫‪ -‬الدّعاء عند المالكيّة والحنابلة ركن ‪ ،‬ولكن عند المالكيّة يدعو عقب كلّ تكبيرة حتّى‬ ‫‪26‬‬

‫الرّابعة ‪ ،‬وفي قول آخر عندهم ل يجب بعد الرّابعة كما تقدّم ‪ ،‬وأقلّ الدّعاء أن يقول ‪ :‬اللّهمّ‬
‫اغفر له ونحو ذلك ‪ ،‬وأحسنه أن يدعو بدعاء أبي هريرة وهو أن يقول ‪ :‬بعد حمد اللّه تعالى‬
‫ي صلى ال عليه وسلم ‪ :‬اللّهمّ إنّه عبدك وابن عبدك وابن أمتك ‪ ،‬كان يشهد‬
‫والصّلة على النّب ّ‬
‫أن ل إله إلّ أنت وحدك ل شريك لك وأنّ محمّدا عبدك ورسولك وأنت أعلم به ‪ ،‬اللّهمّ إن‬
‫كان محسنا فزد في إحسانه وإن كان مسيئا فتجاوز عن سيّئاته ‪ ،‬اللّهمّ ل تحرمنا أجره ول‬
‫تفتنّا بعده ‪.‬‬
‫ويقول في المرأة ‪ :‬اللّهمّ إنّها أمتك وبنت عبدك وبنت أمتك ‪ ،‬ويستمرّ في الدّعاء المتقدّم‬
‫بصيغة التّأنيث ‪ ،‬ويقول في الطّفل الذّكر ‪ :‬اللّه ّم إنّه عبدك وابن عبدك أنت خلقته ورزقته ‪،‬‬
‫وأنت أمتّه وأنت تحييه ‪ ،‬اللّه ّم اجعله لوالديه سلفا وذخرا ‪ ،‬وفرطا وأجرا ‪ ،‬وثقّل به موازينهما‬
‫‪ ،‬وأعظم به أجورهما ‪ ،‬ول تفتنّا وإيّاهما بعده ‪ ،‬اللّه ّم ألحقه بصالح سلف المؤمنين في كفالة‬
‫إبراهيم ‪ .‬ويزيد في الكبير ‪ :‬وأبدله دارا خيرا من داره وأهلً خيرا من أهله ‪ ،‬وعافه من فتنة‬
‫القبر وعذاب جهنّم ‪ .‬فإن كان يصلّي على ذكر وأنثى معا يغلّب الذّكر على النثى فيقول ‪:‬‬
‫إنّهما عبداك وابنا عبديك وابنا أمتيك ‪ ...‬إلخ ‪.‬‬
‫وكذا إذا كان يصلّي على جماعة من رجال ونساء ‪ ،‬فإنّه يغلّب الذّكور على الناث فيقول ‪:‬‬
‫اللّهمّ إنّهم عبيدك وأبناء عبيدك ‪ ...‬إلخ ‪ .‬فإن كان يصلّي على نساء يقول ‪ :‬اللّه ّم إنّهنّ إماؤك‬
‫‪ ،‬وبنات عبيدك ‪ ،‬وبنات إمائك كنّ يشهدن ‪ ..‬إلخ ‪.‬‬
‫ل ميّت بعد التّكبيرة الرّابعة " اللّهمّ اغفر لسلفنا ‪،‬‬
‫قكّ‬
‫ويزيد على الدّعاء المذكور في ح ّ‬
‫وأفراطنا ‪ ،‬ومن سبقنا باليمان ‪ ،‬اللّهمّ من أحييته منّا فأحيه على اليمان ‪ ،‬ومن توفّيته منّا‬
‫فتوفّه على السلم ‪ ،‬واغفر للمسلمين والمسلمات ‪ ،‬ثمّ يسلّم ‪.‬‬
‫والفرض عند الشّافعيّة أدنى دعاء للميّت كما تقدّم لقول النّبيّ صلى ال عليه وسلم ‪ « :‬إذا‬
‫صلّيتم على الميّت فأخلصوا له الدّعاء » ‪.‬‬
‫ويشترط فيه أن يكون بعد التّكبيرة الثّالثة ‪ ،‬وأن يكون مشتملً على طلب الخير للميّت الحاضر‬
‫‪ ،‬فلو دعا للمؤمنين بغير دعاء له ل يكفي ‪ ،‬إلّ إذا كان صبيّا ‪ ،‬فإنّه يكفي كما يكفي الدّعاء‬
‫لوالديه ‪ ،‬وأن يكون المطلوب به أمرا أخرويّا كطلب الرّحمة والمغفرة وإن كان الميّت غير‬
‫مكلّف ‪ ،‬ول يتقيّد المصلّي في الدّعاء بصيغة خاصّة ‪ ،‬والفضل أن يدعو بالدّعاء المشهور‬
‫الّذي انتخبه الشّافعيّ من مجموع أحاديث وهو ‪ « :‬اللّهمّ هذا عبدك وابن عبديك ‪ ،‬خرج من‬
‫روح الدّنيا وسعتها ‪ ،‬ومحبوبه وأحبّائه فيها إلى ظلمة القبر وما هو لقيه ‪ ،‬كان يشهد أن ل‬
‫ل أنت ‪ ،‬وأنّ محمّدا عبدك ورسولك وأنت أعلم به ‪ ،‬اللّهمّ إنّه نزل بك وأنت خير منزول‬
‫إله إ ّ‬
‫به ‪ ،‬وأصبح فقيرا إلى رحمتك وأنت غنيّ عن عذابه ‪ ،‬وقد جئناك راغبين إليك شفعاء له ‪،‬‬
‫اللّهمّ إن كان محسنا فزد في إحسانه ‪ ،‬وإن كان مسيئا فتجاوز عنه ‪ ،‬ولقه برحمتك رضاك وقه‬
‫فتنة القبر وعذابه ‪ ،‬وافسح له في قبره ‪ ،‬وجاف الرض عن جنبيه ‪ ،‬ولقه برحمتك المن من‬
‫عذابك حتّى تبعثه آمنا إلى جنّتك برحمتك يا أرحم الرّاحمين » ‪.‬‬
‫‪ -‬ويستحبّ أن يقول قبله ‪ :‬الدّعاء الّذي رواه التّرمذيّ ‪ « :‬اللّه ّم اغفر لحيّنا وميّتنا ‪،‬‬ ‫‪27‬‬

‫وشاهدنا وغائبنا ‪ ،‬وصغيرنا وكبيرنا ‪ ،‬وذكرنا وأنثانا ‪ ،‬اللّهمّ من أحييته منّا فأحيه على السلم‬
‫‪ ،‬ومن توفّيته منّا فتوفّه على اليمان ‪ ،‬اللّهمّ ل تحرمنا أجره » ‪.‬‬
‫ويندب أن يقول ‪ :‬بين الدّعاءين المذكورين ‪ :‬اللّهمّ اغفر له وارحمه ‪ ،‬وعافه واعف عنه ‪،‬‬
‫وأكرم نزله ‪ ،‬ووسّع مدخله ‪ ،‬واغسله بالماء والثّلج والبرد ‪ ،‬ونقّه من الخطايا كما ينقّى الثّوب‬
‫البيض من الدّنس ‪ ،‬وأبدله دارا خيرا من داره ‪ ،‬وأهلً خيرا من أهله ‪ ،‬وزوجا خيرا من‬
‫زوجه ‪ ،‬وأعذه من عذاب القبر وفتنته ‪ ،‬ومن عذاب النّار ‪.‬‬
‫وينبغي أن يلحظ المصلّي في دعائه التّذكير والتّأنيث ‪ ،‬والتّثنية والجمع ‪ ،‬بما يناسب حال‬
‫الميّت الّذي يصلّي عليه ‪ ،‬وله أن يذكّر مطلقا بقصد الشّخص ‪ ،‬وأن يؤنّث مطلقا بقصد الجنازة‬
‫‪ ،‬ويصحّ أن يقول في الدّعاء على الصّغير بدل الدّعاء المذكور ‪ :‬اللّه ّم اجعله فرطا لبويه ‪،‬‬
‫وسلفا ‪ ،‬وذخرا وعظة ‪ ،‬واعتبارا وشفيعا ‪ ،‬وثقّل به موازينهما ‪ ،‬وأفرغ الصّبر على قلوبهما ‪،‬‬
‫ول تفتنهما بعده ‪ ،‬ول تحرمهما أجره ‪.‬‬
‫ويتأدّى الرّكن عند الحنابلة بأدنى دعاء للميّت يخصّه به نحو اللّهمّ ارحمه ‪.‬‬
‫ل الدّعاء عندهم بعد التّكبيرة الثّالثة ويجوز عقب الرّابعة ‪ ،‬ول يصحّ عقب سواهما ‪.‬‬
‫ومح ّ‬
‫والمسنون الدّعاء بما ورد ‪ ،‬ومنه ‪ :‬اللّهمّ اغفر لحيّنا وميّتنا ‪ ،‬وشاهدنا وغائبنا ‪ ،‬وصغيرنا‬
‫وكبيرنا ‪ ،‬وذكرنا وأنثانا ‪ ،‬إنّك تعلم منقلبنا ومثوانا ‪ ،‬وأنت على كلّ شيء قدير ‪ ،‬اللّهمّ من‬
‫سنّة ‪ ،‬ومن توفّيته منّا فتوفّه عليهما ‪ ،‬اللّهمّ اغفر له‬
‫أحييته منّا فأحيه على السلم وال ّ‬
‫وارحمه ‪ ،‬وعافه واعف عنه ‪ ،‬وأكرم نزله ‪ ،‬ووسّع مدخله ‪ ،‬واغسله بالماء والثّلج والبرد ‪،‬‬
‫ونقّه من الذّنوب والخطايا كما ينقّى الثّوب البيض من الدّنس ‪ ،‬وأبدله دارا خيرا من داره ‪،‬‬
‫وزوجا خيرا من زوجه ‪ ،‬وأدخله الجنّة ‪ ،‬وأعذه من عذاب القبر ‪ ،‬ومن عذاب النّار ‪ ،‬وافسح‬
‫له في قبره ونوّر له فيه ‪ ،‬وهذا الدّعاء للميّت الكبير ذكرا كان أو أنثى إلّ أنّه يؤنّث الضّمائر‬
‫في النثى ‪ .‬وإن كان الميّت صغيرا أو بلغ مجنونا واستمرّ على جنونه حتّى مات قال في‬
‫الدّعاء ‪ :‬اللّهمّ اجعله ذخرا لوالديه ‪ ،‬وفرطا وأجرا ‪ ،‬وشفيعا مجابا ‪ ،‬اللّهمّ ثقّل به موازينهما ‪،‬‬
‫وأعظم به أجورهما ‪ ،‬وألحقه بصالح سلف المؤمنين ‪ ،‬واجعله في كفالة إبراهيم ‪ ،‬وقه‬
‫ل أنّه يؤنّث في المؤنّث ‪.‬‬
‫برحمتك عذاب الجحيم ‪ ،‬يقال ذلك في الذّكر والنثى إ ّ‬
‫‪ -‬وليس لصلة الجنازة عند المالكيّة سنن بل لها مستحبّات ‪ ،‬وهي السرار بها ‪ ،‬ورفع‬ ‫‪28‬‬

‫اليدين عند التّكبيرة الولى فقط ‪ ،‬حتّى يكونا حذو أذنيه ‪ ،‬وابتداء الدّعاء بحمد اللّه ‪ ،‬والصّلة‬
‫على النّبيّ صلى ال عليه وسلم ووقوف المام عند وسط الرّجل ‪ ،‬وعند منكبي المرأة ‪ ،‬وأمّا‬
‫المأموم فيقف خلف المام كما يقف في غيرها من الصّلة ‪ ،‬وجهر المام بالسّلم والتّكبير‬
‫بحيث يسمع من خلفه ‪ ،‬وأمّا غيره فيسرّ فيها ‪.‬‬
‫وقال الشّافعيّة ‪ :‬سنّتها التّعوّذ قبل الفاتحة والتّأمين ‪ ،‬والسرار بالقراءة والدّعاء وسائر القوال‬
‫فيها ولو فعلت ليل ‪ ،‬عدا التّكبير والسّلم فيجهر بها ‪ ،‬وفعل الصّلة في جماعة ‪ ،‬وأن يكونوا‬
‫ف اثنان ولو بالمام ‪ ،‬ول تكره مساواة المأموم‬
‫ص ّ‬
‫ثلثة صفوف فأكثر إذا أمكن ‪ ،‬وأقلّ ال ّ‬
‫للمام في الوقوف ‪ ،‬حينئذ واختيار أكمل صيغ الصّلة على النّبيّ صلى ال عليه وسلم وهو‬
‫مذكور في سنن الصّلة ‪ ،‬والصّلة على الل دون السّلم عليهم ‪ ،‬وعلى النّبيّ عليه الصلة‬
‫والسلم ‪ ،‬والتّحميد قبل الصّلة على النّبيّ صلى ال عليه وسلم والدّعاء للمؤمنين والمؤمنات‬
‫ي صلى ال عليه وسلم والدّعاء المأثور في صلة الجنازة والتّسليمة الثّانية‬
‫بعد الصّلة على النّب ّ‬
‫‪ ،‬وأن يقول بعد التّكبيرة الرّابعة قبل السّلم ‪ :‬اللّهمّ ل تحرمنا أجره ول تفتنّا بعده ‪ .‬ثمّ يقرأ {‬
‫ن ِبحَمدِ َربّهمْ َويُؤمنونَ بهِ } وأن يقف المام أو‬
‫س ّبحُو َ‬
‫ن ال َعرْشَ ومَنْ حَولَه ُي َ‬
‫حمِلُو َ‬
‫الّذينَ َي ْ‬
‫المنفرد عند رأس الرّجل ‪ ،‬وعند عجز النثى أو الخنثى ‪ ،‬وأن يرفع يديه عند كلّ تكبيرة ثمّ‬
‫يضعهما تحت صدره ‪ ،‬وأن ل ترفع الجنازة حتّى يتمّ المسبوق صلته ‪ ،‬وإن تكرّر الصّلة‬
‫عليه من أشخاص متغايرين ‪ ،‬أمّا إعادتها ممّن أقاموها أوّل فمكروهة ‪ .‬ومن السّنن ترك دعاء‬
‫الفتتاح ‪ ،‬وترك السّورة ‪ ،‬ويكره أن يصلّى عليه قبل أن يكفّن ‪.‬‬
‫وقال الحنابلة ‪ :‬سننها فعلها في جماعة ‪ ،‬وأن ل ينقص عدد كلّ صفّ عن ثلثة إن كثر‬
‫المصلّون ‪ ،‬وإن كانوا ستّة جعلهم المام صفّين ‪ ،‬وإن كانوا أربعة جعل كلّ اثنين صفّا ‪ ،‬ول‬
‫صفّ وحده كغيرها من الصّلة ‪ ،‬وأن يقف المام والمنفرد عند‬
‫تصحّ صلة من صلّى خلف ال ّ‬
‫صدر الرّجل ووسط النثى ‪ ،‬وأن يس ّر بالقراءة والدّعاء فيها وقد ذكروا التّعوّذ والتّسمية قبل‬
‫قراءة الفاتحة ‪ ،‬ولم يطّلع على تصريح لهم بس ّنيّتها ‪.‬‬
‫‪ -‬وإذا كان القوم سبعة قاموا ثلثة صفوف يتقدّم واحد ويقوم خلفه ثلثة ‪ ،‬وخلفهم اثنان ‪،‬‬ ‫‪29‬‬

‫وخلفهما واحد ‪ ،‬وهذا عند الحنفيّة ‪.‬‬


‫وقال الحنابلة ‪ :‬يسنّ أن ل تنقص الصّفوف عن ثلثة ‪ ،‬ول ينقص عدد كلّ صفّ عن ثلثة إن‬
‫ل اثنين صفّا ‪،‬‬
‫كثر المصلّون ‪ ،‬وإن كانوا ستّة جعلهم المام صفّين ‪ ،‬وإن كانوا أربعة جعل ك ّ‬
‫صفّ وحده ‪.‬‬
‫ول تصحّ صلة من صلّى خلف ال ّ‬
‫صفّ اثنان ولو بالمام ‪،‬‬
‫وقال الشّافعيّة ‪ :‬من سننها أن يكون ثلثة صفوف إذا أمكن ‪ ،‬وأقلّ ال ّ‬
‫ول تكره مساواة المأموم للمام في الوقوف حينئذ ‪.‬‬
‫ي من حديث مالك بن هبيرة مرفوعا ‪ « :‬من صلّى عليه ثلثة صفوف فقد‬
‫وقد روى التّرمذ ّ‬
‫أوجب » ‪ ،‬وفي رواية ‪ « :‬إلّ غفر له » وقد كان مالك بن هبيرة يصفّ من يحضر الصّلة‬
‫على الجنازة ثلثة صفوف سواء قلّوا أو كثروا ‪.‬‬
‫صفة صلة الجنازة ‪:‬‬
‫‪ -‬مذهب الحنفيّة أنّ المام يقوم في الصّلة على الجنازة بحذاء الصّدر من الرّجل‬ ‫‪30‬‬

‫والمرأة ‪ ،‬وهذا أحسن مواقف المام من الميّت للصّلة عليه ‪ ،‬وإن وقف في غيره جاز ‪.‬‬
‫وروى الحسن عن أبي حنيفة أنّه قال ‪ :‬يقوم بحذاء الوسط من الرّجل ‪ ،‬وبحذاء الصّدر من‬
‫المرأة ‪ ،‬وهو قول ابن أبي ليلى ‪.‬‬
‫وعند المالكيّة يندب أن يقف المام وسط الذّكر وحذو منكبي غيره ‪ ،‬ومذهب الشّافعيّة أنّ‬
‫ن « أنسا صلّى على رجل فقام‬
‫المام يقوم ندبا عند رأس الرّجل ‪ ،‬وعجيزة المرأة ‪ ،‬لما روي أ ّ‬
‫عند رأسه ‪ ،‬وعلى امرأة فقام عند عجيزتها ‪ ،‬فقال له العلء بن زياد ‪ :‬هكذا كانت صلة‬
‫رسول اللّه صلى ال عليه وسلم على المرأة عند عجيزتها وعلى الرّجل عند رأسه ؟ قال ‪ :‬نعم‬
‫» قالوا ‪ :‬لنّه أبلغ في صيانة المرأة عن الباقين ‪.‬‬
‫سنّة ‪.‬‬
‫ي مكان جاز وخالف ال ّ‬
‫فإن وقف من الرّجل والمرأة في أ ّ‬
‫وقال الحنابلة ‪ :‬يقوم عند صدر رجل ‪ ،‬وقيل عند رأسه ‪ ،‬ووسط امرأة ‪ ،‬وبين الصّدر والوسط‬
‫من الخنثى ‪ ،‬لحديث أنس « وفيه أنّه صلّى على امرأة فقام وسط السّرير » ‪.‬‬
‫‪ -‬وينوي المام والمأمومون ‪ ،‬ثمّ يكبّر ومن خلفه أربع تكبيرات ‪ ،‬وهو متّفق عليه عند‬ ‫‪31‬‬

‫الفقهاء ‪ ،‬وبه قال الثّوريّ وابن المبارك وإسحاق ‪ .‬وعليه العمل عند أكثر أهل العلم كما قال‬
‫التّرمذيّ وابن المنذر ‪ -‬ولو ترك واحدة منها لم تجز صلته ‪.‬‬
‫قال الحنفيّة ‪ :‬ولو كبّر المام خمسا لم يتبع ‪ ،‬لنّه منسوخ ‪ ،‬ولكن ينتظر سلمه في المختار‬
‫ليسلّم معه على الصحّ ‪ ،‬وفي رواية يسلّم المأموم إذا كبّر إمامه التّكبيرة الزّائدة ‪.‬‬
‫وقال الشّافعيّة ‪ :‬لو كبّر المام خمسا لم يتابعه المأموم في الخامسة ‪ ،‬بل يسلّم أو ينتظر ليسلّم‬
‫معه وهذا هو الصحّ ‪ ،‬وخلف الصحّ أنّه لو تابعه لم يضرّ ‪.‬‬
‫وقال الحنابلة ‪ :‬الولى أن ل يزاد على أربع تكبيرات ويتابع إمامه فيما زاد إلى سبع فقط ‪،‬‬
‫ويحرم سلم قبله ‪ ،‬إن جاوز سبعا ‪.‬‬
‫قال الحنفيّة ‪ :‬فإذا كبّر الولى مع رفع يديه أثنى على اللّه كما مرّ ‪.‬‬
‫وعند الشّافعيّة والحنابلة إذا كبّر الولى تعوّذ وسمّى وقرأ الفاتحة ‪.‬‬
‫وقال الحنفيّة والمالكيّة ‪ :‬ليس في صلة الجنازة قراءة ‪.‬‬
‫وإذا كبّر الثّانية يأتي بالصّلة على النّبيّ صلى ال عليه وسلم وهي الصّلة البراهيميّة الّتي‬
‫يأتي بها في القعدة الخيرة من ذوات الرّكوع ‪ ،‬وإذا كبّر الثّالثة يدعو للميّت ويستغفر له كما‬
‫تقدّم ‪ ،‬ث ّم يكبّر الرّابعة ول دعاء بعد الرّابعة ‪ ،‬وهو ظاهر مذهب الحنفيّة ومذهب الحنابلة ‪،‬‬
‫سنَةً ‪ } ...‬إلخ‬
‫حَ‬‫وقيل عند الحنفيّة ‪ :‬يقول ‪َ { :‬رّبنَا آ ِتنَا في ال ّدنْيا َ‬
‫وقيل ‪َ { :‬ربّنَا ل تُزِغْ قُلُو َبنَا } إلخ ‪ ،‬وقيل ‪ :‬يخيّر بين السّكوت والدّعاء ‪ ،‬وعند الشّافعيّة‬
‫والمالكيّة يدعو بعد الرّابعة أيضا ث ّم يسلّم تسليمة واحدة أو تسليمتين على الخلف المتقدّم ‪.‬‬
‫وينوي التّسليم على الميّت مع القوم كما في ال ّدرّ ومراقي الفلح ‪.‬‬
‫وفي الهنديّة ‪ :‬ل ينوي التّسليم على الميّت ‪.‬‬
‫ول يجهر بما يقرأ عقب كلّ تكبيرة سواء في الفاتحة أو غيرها ليلً كانت الصّلة أو نهارا ‪.‬‬
‫وهل يرفع صوته بالتّسليم ؟ لم يتعرّض له الحنفيّة في ظاهر الرّواية ‪ ،‬وذكر الحسن بن زياد‬
‫أنّه ل يرفع ‪ ،‬لنّه للعلم ول حاجة إليه ‪ ،‬لنّ التّسليم مشروع عقب التّكبير بل فصل ‪ ،‬لكن‬
‫العمل على خلفه ‪ ،‬وفي جواهر الفتاوى ‪ :‬يجهر بتسليم واحد ‪.‬‬
‫وروى محمّد في موطّئه أنّ ابن عمر كان إذا صلّى على جنازة سلّم حتّى يسمع من يليه ‪ ،‬قال‬
‫محمّد ‪ :‬وبهذا نأخذ فيسلّم عن يمينه ويساره ويسمع من يليه وهو قول أبي حنيفة ‪.‬‬
‫ل الجهر ول يس ّر ك ّل السرار ‪.‬‬
‫وقال أبو يوسف ‪ :‬إنّه ل يجهر ك ّ‬
‫وعند المالكيّة يجهر المام بالتّسليم بقدر التّسميع ‪ ،‬ويندب لغير المام إسرارها ‪.‬‬
‫وقال النّوويّ ‪ :‬قال جمهورهم ‪ :‬يسلّم تسليمة واحدة ‪.‬‬
‫واختلفوا هل يجهر المام بالتّسليم ؟‬
‫فأبو حنيفة والشّافعيّ يقولن ‪ :‬يجهر ‪ ،‬وعن مالك روايتان ‪ ،‬وفي المدوّنة قال مالك في السّلم‬
‫على الجنائز ‪ :‬يسمع نفسه وكذلك من خلف المام وهو دون سلم المام ‪ ،‬تسليمة واحدة‬
‫للمام وغيره ‪ ،‬وفي رواية يسلّم المام واحدة قدر ما يسمع من يليه ‪ ،‬ويسلّم من وراءه واحدة‬
‫في أنفسهم ‪ ،‬وإن أسمعوا من يليهم لم أر بذلك بأسا ‪،‬‬
‫وقالت الحنابلة ‪ :‬يسلّم بل تشهّد واحدة عن يمينه ‪ ،‬ويجوز تلقاء وجهه ‪ ،‬ويجوز ثانية ‪.‬‬
‫ول يرفع يديه في غير التّكبيرة الولى عند الحنفيّة في ظاهر الرّواية ‪ ،‬وكثير من مشايخ بلخ‬
‫اختاروا الرّفع في كلّ تكبيرة ‪ .‬وبه قال مالك ‪ ،‬فقد روي عنه ل ترفع اليدي في الصّلة على‬
‫ل في أوّل تكبيرة ‪ ،‬وروي عنه أنّه يعجبني أن يرفع يديه في التّكبيرات الربع ‪.‬‬
‫الجنازة إ ّ‬
‫والرّاجح في مذهبهم الوّل وهو الّذي ذهب إليه الثّوريّ ‪ ،‬وفي الشّرح الصّغير ‪ :‬ندب رفع‬
‫اليدين حذو المنكبين عند التّكبيرة الولى فقط ‪ ،‬وفي غير الولى خلف الولى ‪.‬‬
‫وقال الشّافعيّة والحنابلة ‪ :‬يسنّ أن يرفع يديه في كلّ تكبيرة ‪.‬‬
‫ما يفعل المسبوق في صلة الجنازة ‪:‬‬
‫‪ -‬إذا جاء رجل وقد كبّر المام التّكبيرة الولى ولم يكن حاضرا انتظره حتّى إذا كبّر‬ ‫‪32‬‬

‫الثّانية كبّر معه ‪ ،‬فإذا فرغ المام كبّر المسبوق التّكبيرة الّتي فاتته قبل أن ترفع الجنازة ‪ ،‬وهذا‬
‫قول أبي حنيفة ومحمّد رضي ال عنهما ‪ .‬وقال أبو يوسف يكبّر حين يحضر ‪ ،‬وكذا إن جاء‬
‫وقد كبّر المام تكبيرتين أو ثلثا ‪ ،‬فإن لم ينتظر المسبوق وكبّر قبل تكبير المام الثّانية أو‬
‫الثّالثة أو الرّابعة لم تفسد صلته ‪ ،‬ولكن ل يعتدّ بتكبيرته هذه ‪ ،‬وإن جاء وقد كبّر المام أربعا‬
‫ح أنّه يدخل ‪ ،‬وعليه الفتوى ‪ ،‬ثمّ يكبّر‬
‫ولم يسلّم ل يدخل معه في رواية أبي حنيفة ‪ ،‬والص ّ‬
‫ثلثا قبل أن ترفع الجنازة متتابعا ل دعاء فيها ‪ -‬وهو قول أبي يوسف ‪ -‬ولو رفعت باليدي‬
‫ولم توضع على الكتاف ذكر في ظاهر الرّواية أنّه ل يأتي بالتّكبير ‪ .‬وعن محمّد إن كانت‬
‫إلى الرض أقرب يكبّر وإلّ فل ‪ ،‬وهو الّذي ينبغي أن يعوّل عليه كما في الشرنبللية ‪.‬‬
‫هذا إذا كان غائبا ثمّ حضر ‪ ،‬وأمّا إذا كان حاضرا مع المام فتغافل ولم يكبّر مع المام أو‬
‫تشاغل بالّنيّة فأخّر التّكبير ‪ ،‬فإنّه يكبّر ول ينتظر تكبيرة المام الثّانية في قولهم جميعا ‪ ،‬لنّه‬
‫لمّا كان مستعدّا جعل كالمشارك ‪.‬‬
‫وقال المالكيّة ‪ :‬إذا جاء والمام مشتغل بالدّعاء فإنّه يجب عليه أن ل يكبّر حتّى إذا كبّر المام‬
‫كبّر معه ‪ ،‬فإن لم ينتظر وكبّر صحّت صلته ولكن ل تحتسب تكبيرته هذه ‪ ،‬سواء انتظر أو‬
‫لم ينتظر ‪ ،‬وإذا سلّم المام قضى المأموم ما فاته من التّكبير سواء رفعت الجنازة فورا أو‬
‫ل أنّه إذا بقيت الجنازة دعا عقب كلّ تكبيرة يقضيها ‪ ،‬وإن رفعت فورا والى التّكبير‬
‫بقيت ‪ ،‬إ ّ‬
‫ول يدعو لئلّ يكون مصلّيا على غائب ‪ ،‬والصّلة على الغائب غير مشروعة عندهم ‪ ،‬أمّا إذا‬
‫كان المام ومن معه قد فرغوا من التّكبيرة الرّابعة فل يدخل المسبوق معه على الصّحيح ‪،‬‬
‫لنّه في حكم التّشهّد ‪ ،‬فلو دخل معه يكون مكرّرا الصّلة على الميّت وتكرارها مكروه‬
‫عندهم‪ .‬وقال الشّافعيّة ‪ :‬إذا جاء المأموم وقد فرغ المام من التّكبيرة الولى أو غيرها ‪،‬‬
‫واشتغل بما بعدها من قراءة أو غيرها ‪ ،‬فإنّه يدخل معه ول ينتظر المام حتّى يكبّر التّكبيرة‬
‫ل أنّه يسير في صلته على نظم الصّلة لو كان منفردا ‪ ،‬فبعد أن يكبّر التّكبيرة‬
‫التّالية ‪ ،‬إ ّ‬
‫الولى يقرأ من الفاتحة ما يمكنه قراءته قبل تكبير المام ويسقط عنه الباقي ‪ ،‬ثمّ يصلّي على‬
‫النّبيّ صلى ال عليه وسلم بعد الثّانية وهكذا ‪ ،‬فإذا فرغ المام أت ّم المأموم صلته على النّظم‬
‫المذكور ‪ ،‬ويأتي بالذكار في مواضعها ‪ ،‬سواء بقيت الجنازة أو رفعت ‪ ،‬وإذا لم يمكنه قراءة‬
‫شيء من الفاتحة إن كبّر إمامه عقب تكبير المسبوق للحرام كبّر معه وتحمّل المام عنه كلّ‬
‫الفاتحة ‪ .‬وفي التّنبيه ‪ :‬من سبقه المام ببعض التّكبيرات دخل في الصّلة وأتى بما أدرك ‪،‬‬
‫فإذا سلّم المام كبّر ما بقي متواليا ‪.‬‬
‫وقال الحنابلة ‪ :‬من سبق ببعض الصّلة كبّر ودخل مع المام حيث أدركه ولو بين تكبيرتين‬
‫ندبا كالصّلة ‪ ،‬أو كان إدراكه له بعد تكبيرة الرّابعة قبل السّلم ‪ ،‬فيكبّر للحرام معه ويقضي‬
‫ثلث تكبيرات استحبابا ‪ ،‬ويقضي مسبوق ما فاته قبل دخوله مع المام على صفته ‪ ،‬لنّ‬
‫القضاء يحكي الداء كسائر الصّلوات ‪ ،‬ويكون قضاؤه بعد سلم المام كالمسبوق في الصّلة‪.‬‬
‫قال البهوتيّ ‪ :‬قلت ‪ :‬لكن إن حصل له عذر يبيح ترك جمعة وجماعة صحّ أن ينفرد ويتمّ‬
‫لنفسه قبل سلمه ‪ ،‬فإن أدركه المسبوق في الدّعاء تابعه فيه ‪ ،‬فإذا سلّم المام كبّر وقرأ الفاتحة‬
‫بعد التّعوّذ والبسملة ‪ ،‬ثمّ كبّر وصلّى على النّبيّ صلى ال عليه وسلم ث ّم كبّر وسلّم ; لما تقدّم‬
‫ي أوّل صلته ‪ ،‬فيأتي فيه بحسب ذلك ‪ ،‬لعموم قوله صلى ال عليه وسلم « وما‬
‫من أنّ المقض ّ‬
‫فاتكم فأتمّوا » وإنّما يظهر إذا كان الدّعاء بعد الرّابعة أو بعد الثّالثة ‪ ،‬لكنّه لم يأت بها لنوم أو‬
‫سهو ونحوه ‪ .‬وإلّ لزم عليه الزّيادة على أربع ‪ ،‬وتركها أفضل ‪.‬‬
‫فإن كان أدركه في الدّعاء وكبّر الخيرة معه فإذا سلّم المام كبّر وقرأ الفاتحة ‪ ،‬ثمّ كبّر‬
‫وصلّى عليه صلى ال عليه وسلم ثمّ سلّم من غير تكبير ‪ ،‬لنّ الربع تمّت ‪ .‬وإن كبّر مع‬
‫المام التّكبيرة الولى ولم يكبّر الثّانية والثّالثة يكبّرهما ‪ ،‬ثمّ يكبّر مع المام الرّابعة ‪.‬‬
‫ترك بعض التّكبيرات ‪:‬‬
‫‪ -‬ولو سلّم المام بعد الثّالثة ناسيا كبّر الرّابعة ويسلّم ‪.‬‬ ‫‪33‬‬

‫وقال الحنابلة ‪ :‬إن ترك غير مسبوق تكبيرة عمدا بطلت ‪ ،‬وإن ترك سهوا فإن كان مأموما‬
‫كبّرها ما لم يطل الفصل ( أي بعد السّلم ) ‪ ،‬وإن كان إماما نبّهه المأمومون فيكبّرها ما لم‬
‫يطل الفصل ‪ ،‬وصحّت صلة الجميع ‪ ،‬فإن طال أو وجد مناف استأنف ‪ ،‬وصحّت صلة‬
‫المأمومين إن نووا المفارقة ‪.‬‬
‫وقال الشّافعيّة ‪ :‬تبطل صلة الجميع إن كان النّقص قصدا من المام ‪ ،‬وإن كان سهوا تداركه‬
‫المام والمأموم كالصّلة ‪ ،‬ول سجود للسّهو هنا ‪.‬‬
‫وقال المالكيّة ‪ :‬إن كان النّقص من المام عمدا بطلت صلة الجميع ‪ ،‬وإن سهوا سبّح له‬
‫المأمومون ‪ ،‬فإن رجع عن قرب وكمّل التّكبير كمّلوه معه وصحّت صلة الجميع ‪ ،‬وإن لم‬
‫يرجع أو لم يتنبّه إلّ بعد زمن طويل كمّلوا هم ‪ ،‬وصحّت صلتهم وبطلت صلته ‪.‬‬
‫الصّلة على جنائز مجتمعة ‪:‬‬
‫‪ -‬اتّفق الفقهاء على أنّه إذا اجتمعت جنائز يجوز أن يصلّى عليهم مجتمعين أو فرادى ثمّ‬ ‫‪34‬‬

‫اختلفوا فقال الحنفيّة ‪ :‬فالمام إن شاء صلّى على كلّ واحدة على حدة ‪ ،‬وإن شاء صلّى على‬
‫الكلّ دفعة واحدة بالّنيّة على الجميع ‪ ،‬كذا في معراج الدّراية والبدائع ‪ ،‬وفي ال ّدرّ ‪ :‬إفراد‬
‫الصّلة على كلّ واحدة أولى من الجمع ‪ -‬لنّ الجمع مختلف فيه ‪ -‬فإذا أفرد يصلّي على‬
‫أفضلهم أوّل ‪ ،‬ثمّ على الّذي يليه في الفضل إن لم يسبقه غيره ‪ ،‬وإلّ يصلّي على السبق أوّل‬
‫ولو كان مفضولً ‪.‬‬
‫والمذهب عند الشّافعيّة ‪ :‬أنّ الفراد أفضل من أن يصلّي عليهم دفعة واحدة لنّه أكثر عمل‬
‫وأرجى للقبول ‪ .‬وقال الحنابلة وهو قول صاحب التّنبيه من الشّافعيّة إذا اجتمعت جنائز‬
‫فجمعهم في الصّلة عليهم أفضل من الصّلة على كلّ واحد منهم منفردا ‪ ،‬وذلك لجل‬
‫المحافظة على السراع والتّخفيف ‪.‬‬
‫ثمّ قال الحنفيّة إن صلّى عليهم دفعة فإن شاء جعلهم صفّا واحدا عرضا ‪ ،‬وإن شاء وضع‬
‫واحدا بعد واحد ممّا يلي القبلة ليقوم بحذاء الكلّ ‪ ،‬هذا جواب ظاهر الرّواية ‪.‬‬
‫سنّة هي قيام المام‬
‫وروي عن أبي حنيفة في غير رواية الصول أنّ الثّاني أولى ‪ ،‬لنّ ال ّ‬
‫بحذاء الميّت ‪ ،‬وهو يحصل في الثّاني دون الوّل ‪ ،‬فإذا صفّهم صفّا واحدا عرضا قام عند‬
‫أفضلهم إذا اختلفوا في الفضل ‪ ،‬وإن تساووا قام عند أسنّهم ‪ " ،‬أكبرهم سنّا " ‪.‬‬
‫وقال مالك ‪ :‬أرى ذلك واسعا إن جعل بعضهم خلف بعض ‪ ،‬أو جعلوا صفّا واحدا ‪ ،‬ويقوم‬
‫المام وسط ذلك ويصلّي عليهم ‪ .‬وإن كانوا غلمانا ذكورا أو نساء جعل الغلمان ممّا يلي‬
‫ن كما يصنع بالرّجال كلّ ذلك‬
‫المام والنّساء من خلفهم ممّا يلي القبلة ‪ ،‬وإن كنّ نساء صنع به ّ‬
‫واسع بعضهم خلف بعض صفّا واحدا ‪.‬‬
‫ح عندهم ‪ -‬والحنابلة ‪ :‬إنّ الجنائز توضع أمام المام بعضها خلف‬
‫وقال الشّافعيّة ‪ -‬في الص ّ‬
‫بعض ‪ ،‬والقول الثّاني عند الشّافعيّة ‪ :‬أنّها توضع بين يدي المام صفّا واحدا عن يمينه فيقف‬
‫هو في محاذاة الخر منهم ‪ ،‬فإن كانوا رجال ونساء يتعيّن عند الشّافعيّة القول الوّل ‪.‬‬
‫وإن وضعوا واحدا بعد واحد ممّا يلي القبلة ينبغي أن يكون أفضلهم ممّا يلي المام ‪ ،‬كذا روي‬
‫عن أبي حنيفة أنّه يوضع أفضلهم وأسنّهم ممّا يلي المام ‪ ،‬وقال أبو يوسف ‪ :‬الحسن عندي‬
‫أن يكون أهل الفضل ممّا يلي المام ‪ .‬ثمّ إن وضع رأس كلّ واحد منهم بحذاء رأس صاحبه‬
‫فحسن ‪ ،‬وإن وضع شبه الدّرج كما قال ابن أبي ليلى ‪ ،‬وهو أن يكون رأس الثّاني عند منكب‬
‫الوّل فحسن أيضا ‪ ،‬كذا روي عن أبي حنيفة ‪.‬‬
‫وقال الشّافعيّة ‪ :‬يوضع بعضهم خلف بعض ليحاذي المام الجمع ‪.‬‬
‫وقال الحنابلة ‪ :‬يتعيّن أن يكون رأس كلّ واحد منهم بحذاء رأس صاحبه إن كانوا من نوع‬
‫واحد ‪ ،‬فإن كانوا أكثر من نوع سوّى بين رءوس كلّ نوع ويجعل وسط المرأة حذاء صدر‬
‫الرّجل ‪ .‬وترتيبهم في الوضع عند اختلف النّوع ل خلف فيه بين المذاهب ‪ ،‬فتوضع الرّجال‬
‫ممّا يلي المام ‪ ،‬ثمّ الصّبيان ‪ ،‬ثمّ الخناثى ‪ ،‬ث ّم النّساء ‪ ،‬ثمّ المراهقات ‪.‬‬
‫ل يوضع أفضلهم وأسنّهم ممّا يلي المام ‪.‬‬
‫ولو كان الكلّ رجا ً‬
‫وهذا إن جيء بهم دفعة واحدة فإن جيء بهم متعاقبين وكانوا من نوع واحد يقدّم السبق ‪.‬‬
‫وقال مالك والشّافعيّ ‪ :‬إن افتتح المصلّي الصّلة على جنازة فكبّر واحدة أو اثنتين ‪ ،‬ثمّ أتي‬
‫بجنازة أخرى وضعت حتّى يفرغ من الصّلة على الجنازة الّتي كانت قبلها ‪ ،‬لنّه افتتح‬
‫الصّلة ينوي بها غير هذه الجنازة المؤخّرة ‪ ،‬ثمّ يصلّي على الجنازة المؤخّرة ‪.‬‬
‫وإذا كبّر المام على جنازة فجيء بأخرى مضى على صلته على الولى ‪ ،‬فإذا فرغ استأنف‬
‫على الثّانية ‪ ،‬وإن كان لمّا وضعوا الثّانية كبّر الخرى ينويهما فهي للولى أيضا ‪ ،‬ول يكون‬
‫للثّانية ‪ ،‬وإن كبّر الثّانية ينوي الثّانية وحدها فهي للثّانية وقد خرج من الولى ‪ ،‬فإذا فرغ أعاد‬
‫الصّلة على الولى وهذا ما ذهب إليه الحنفيّة ‪.‬‬
‫وقال الحنابلة ‪ :‬لو كبّر فجيء بأخرى كبّر ثانية ونواهما ‪ ،‬فإن جيء بثالثة كبّر ثالثة ونوى‬
‫الجنائز الثّلث ‪ ،‬فإن جيء برابعة كبّر رابعة ونوى الكلّ ‪ ،‬فيصير مكبّرا على الولى أربعا‬
‫وعلى الثّانية ثلثا ‪ ،‬وعلى الثّالثة اثنتين ‪ ،‬وعلى الرّابعة واحدة ‪ ،‬فيأتي بثلث تكبيرات أخر ‪،‬‬
‫فيتمّ التّكبيرات سبعا ‪ ،‬يقرأ في خامسة ويصلّي على النّبيّ صلى ال عليه وسلم بسادسة ‪،‬‬
‫ويدعو بسابعة ‪ ،‬فيصير مكبّرا على الولى سبعا ‪ ،‬وعلى الثّانية ستّا ‪ ،‬وعلى الثّالثة خمسا ‪،‬‬
‫وعلى الرّابعة أربعا ‪ .‬فإن جيء بخامسة لم ينوها بل يصلّي عليها بعد سلمه ‪ ،‬وكذا لو جيء‬
‫بثانية عقب التّكبيرة الرّابعة ‪ ،‬لنّه لم يبق من السّبع أربع ‪ ،‬ول ب ّد من أربع تكبيرات ‪ ،‬ول‬
‫يجوز أن يزيد على سبع تكبيرات ‪.‬‬
‫‪ -‬ويرى الحنفيّة والشّافعيّة والحنابلة أنّه لو صلّى النّساء جماعة على جنازة قامت الّتي تؤمّ‬ ‫‪35‬‬

‫وسطهنّ كما في الصّلة المفروضة المعهودة ‪.‬‬


‫وعند المالكيّة ل تصلّي النّساء جماعة ‪ ،‬بل يصلّين فرادى في آن واحد ‪ ،‬لنّهنّ لو صلّين‬
‫واحدة بعد واحدة لزم تكرار الصّلة وهو مكروه عندهم ‪.‬‬
‫الحدث في صلة الجنازة ‪:‬‬
‫‪ -‬ذهب الحنفيّة إلى أنّه إن كان المام على غير الطّهارة تعاد الصّلة ‪ ،‬وإن كان المام‬ ‫‪36‬‬

‫على طهارة والقوم على غير طهارة صحّت صلة المام ول تعاد الصّلة عليه ‪.‬‬
‫وقال الشّافعيّ ‪ :‬لو صلّى المام غير متوضّئ ومن خلفه متوضّئون أجزأت صلتهم ‪ ،‬وإن‬
‫كانوا كلّهم غير متوضّئين أعادوا ‪ ،‬وإن كان فيهم ثلثة فصاعدا متوضّئون أجزأت ‪.‬‬
‫وقال مالك ‪ :‬إذا أحدث إمام الجنازة يأخذ بيد رجل فيقدّمه فيكبّر ما بقي على هذا الّذي قدّمه ‪،‬‬
‫ثمّ إن شاء رجع بعد أن يتوضّأ فصلّى ما أدرك وقضى ما فاته ‪ ،‬وإن شاء ترك ذلك ‪.‬‬
‫ولو أحدث المام في صلة الجنازة فقدّم غيره جاز وهو الصّحيح ‪ ،‬فإذا عاد بعد التّوضّؤ بنى‬
‫على صلته وهذا عند الحنفيّة ‪.‬‬
‫وقال الشّافعيّ ‪ :‬إن أحدث المام انصرف وتوضّأ وكبّر من خلفه ما بقي من التّكبير فرادى ل‬
‫يؤمّهم أحد ‪.‬‬
‫الصّلة على القبر ‪:‬‬
‫‪ -‬لو دفن الميّت قبل الصّلة أو قبل الغسل فإنّه يصلّى عليه وهو في قبره ما لم يعلم أنّه‬ ‫‪37‬‬

‫تمزّق ‪ ،‬وهذا مذهب الحنفيّة ‪.‬‬


‫وقال مالك ‪ :‬ل يصلّى على القبر كما في بداية المجتهد ‪ ،‬وفي مقدّمات ابن رشد إن دفن قبل‬
‫أن يصلّى عليه أخرج وصلّي عليه ما لم يفت ‪ ،‬فإن فات صلّي عليه في قبره ‪ ،‬وهو مذهب‬
‫ابن القاسم وابن وهب ‪ ،‬وقيل ‪ :‬إنّه إن فات لم يصلّ عليه لئلّ يكون ذريعة للصّلة على القبور‬
‫وهو مذهب أشهب وسحنون ‪.‬‬
‫واختلف بم يكون الفوت ؟ فقيل ‪ :‬يفوت بأن يهال عليه التّراب بعد نصب اللّبن ‪ ،‬وإن لم يفرغ‬
‫من دفنه وما لم يهل عليه التّراب ‪ ،‬وإن نصب اللّبن فإنّه يخرج ويصلّى عليه ‪ ،‬وهو قول‬
‫أشهب ‪ .‬وقيل ‪ :‬إنّه ل يفوت إلّ بالفراغ من الدّفن وهو قول ابن وهب ‪.‬‬
‫وقيل ‪ :‬إنّه ل يفوت وإن فرغ من دفنه ويخرج ويصلّى عليه ما لم يخش عليه التّغيّر وهو قول‬
‫سحنون وعيسى بن دينار ورواية عن ابن القاسم ‪ ،‬وإنّما يصلّى عليه في القبر ما لم يطل حتّى‬
‫يغلب على الظّنّ أنّه قد فني بالبلى أو غيره ‪.‬‬
‫وأمّا إذا صلّي على الميّت مرّة فل تعاد الصّلة عليه دفن أو لم يدفن ‪.‬‬
‫ن النّبيّ صلى ال عليه وسلم صلّى عليها وهي في‬
‫وقال مالك في الحديث الّذي جاء فيه « أ ّ‬
‫قبرها » ‪ .‬قد جاء هذا الحديث وليس عليه العمل ‪.‬‬
‫ل من فاتته الصّلة عليه قبل دفنه ‪ ،‬وقيل ‪ :‬يصلّي‬
‫وعند الشّافعيّة يجوز الصّلة على المقبور لك ّ‬
‫عليه من كان من أهل الصّلة عليه عند الموت أبدا ‪ ،‬وقيل ‪ :‬إلى شهر ‪ ،‬وقيل ‪ :‬ما لم يبل‬
‫جسده ‪ ،‬والمعتمد عندهم الجواز لمن كان من أهل فرض الصّلة عليه وقت الموت ‪ .‬وعند‬
‫أحمد يجوز لمن فاتته الصّلة على الميّت أن يصلّي على قبره إلى شهر من دفنه وزيادة يسيرة‬
‫كيومين ويحرم بعدها ‪ ،‬وحكي عن الوزاعيّ تجويزه الصّلة على القبر ولم يحك عنه التّحديد‬
‫‪.‬‬
‫وحكي عن إسحاق بن راهويه أنّه قال ‪ :‬يصلّي الغائب إلى شهر ‪ ،‬والحاضر إلى ثلث ‪.‬‬
‫وحكى التّرمذيّ عن ابن المبارك أنّه قال ‪ :‬إذا دفن الميّت ولم يص ّل عليه صلّي على القبر ‪.‬‬
‫الصّلة على الجنازة في المسجد ‪:‬‬
‫‪ -‬مذهب الحنفيّة أنّه تجوز الصّلة على الجنازة في الجبّانة والمكنة والدّور وهي فيها‬ ‫‪38‬‬

‫سواء ‪ ،‬ويكره في الشّارع وأراضي النّاس ‪ ،‬وكذا تكره في المسجد الّذي تقام فيه الجماعة‬
‫سواء كان الميّت والقوم في المسجد ‪ ،‬أو كان الميّت خارج المسجد والقوم في المسجد ‪ ،‬أو‬
‫الميّت في المسجد ‪ ،‬والمام والقوم خارج المسجد ‪ ،‬وهو المختار ‪.‬‬
‫ومحصّل كلم ابن عابدين في الصّلة على الجنازة في المسجد ‪ ،‬أنّ البلد الّتي جرت فيها‬
‫العادة بالصّلة عليها في المسجد لتعذّر غيره أو لتعسّره ‪ ،‬بسبب اندراس المواضع الّتي كانت‬
‫يصلّى فيها عليها ‪ ،‬ينبغي الفتاء بالقول بكراهة التّنزيه الّذي هو خلف الولى ‪ ،‬ول يكره‬
‫لعذر المطر ونحوه ‪ ،‬كاعتكاف الوليّ ‪ ،‬ومن له حقّ التّقدّم ويصلّي فيه غيره تبعا له ‪ ،‬وأمّا‬
‫المسجد الّذي خصّص لجل صلة الجنازة فل يكره فيه ‪.‬‬
‫وقال مالك ‪ :‬أكره أن توضع الجنازة في المسجد ‪ ،‬فإن وضعت قرب المسجد للصّلة عليها فل‬
‫بأس أن يصلّي من في المسجد عليها بصلة المام الّذي يصلّي عليها إذا ضاق خارج المسجد‬
‫بأهله ‪ ،‬وفي الشّرح الصّغير كره إدخالها المسجد ولو بغير صلة ‪.‬‬
‫وقال الشّافعيّة ‪ :‬تندب الصّلة على الميّت في المسجد إذا أمن تلويثه ‪ ،‬أمّا إذا خيف تلويث‬
‫المسجد فل يجوز إدخاله ‪ ،‬وحجّة جواز الصّلة على الجنازة في المسجد ‪ ،‬لنّه « صلى ال‬
‫عليه وسلم صلّى فيه على سهل وسهيل ابني بيضاء » كما رواه مسلم ‪.‬‬
‫قال الشّافعيّة ‪ .‬فالصّلة عليه لذلك ‪ ،‬ولنّ المسجد أشرف ‪.‬‬
‫وقال الحنابلة ‪ :‬تباح الصّلة على الجنازة في المسجد مع أمن تلويث ‪ ،‬فإن لم يؤمن لم يجز‪.‬‬
‫الصّلة على الجنازة في المقبرة ‪:‬‬
‫‪ -‬فيها للفقهاء قولن ‪ :‬أحدهما ‪ :‬ل بأس بها ‪ ،‬وهو مذهب الحنفيّة كما تقدّم ورواية عن‬ ‫‪39‬‬

‫أحمد ‪ ،‬لنّ « النّبيّ صلى ال عليه وسلم صلّى على قبر وهو في المقبرة » ‪.‬‬
‫وقال ابن المنذر ‪ :‬ذكر نافع أنّه صلّي على عائشة وأمّ سلمة وسط قبور البقيع ‪ ،‬صلّى على‬
‫عائشة أبو هريرة وحضر ذلك ابن عمر ‪ ،‬وفعل ذلك عمر بن عبد العزيز ‪.‬‬
‫والقول الثّاني ‪ :‬يكره ذلك ‪ ،‬روي ذلك عن عليّ وعبد اللّه بن عمرو بن العاص وابن عبّاس ‪،‬‬
‫وبه قال عطاء والنّخعيّ والشّافعيّ وإسحاق وابن المنذر وهو رواية أخرى عن أحمد ‪ ،‬لقول‬
‫النّبيّ صلى ال عليه وسلم ‪ « :‬والرض كلّها مسجد إلّ المقبرة والحمّام »‬
‫ولنّه ليس بموضع للصّلة غير صلة الجنازة فكرهت فيه صلة الجنازة كالحمّام ‪.‬‬
‫من يصلّى عليه ومن ل يصلّى عليه ‪:‬‬
‫‪ -‬يرى الحنفيّة أنّه يصلّى على كلّ مسلم مات بعد الولدة صغيرا كان أو كبيرا ‪ ،‬ذكرا كان‬ ‫‪40‬‬

‫أو أنثى ‪ ،‬حرّا كان أو عبدا ‪ ،‬إلّ البغاة وقطّاع الطّريق ومن بمثل حالهم ‪.‬‬
‫وكره مالك لهل الفضل الصّلة على أهل البدع ‪.‬‬
‫قال الدّردير ‪ :‬وكره صلة فاضل على بدعيّ لم يكفر ببدعته ‪.‬‬
‫وقال مالك في المدوّنة ‪ :‬إذا قتل الخوارج فذلك أحرى عندي أن ل يصلّى عليهم ‪.‬‬
‫وقال الحنابلة ‪ :‬حرّم أن يعود أو يغسّل مسلم صاحب بدعة مكفّرة ‪ ،‬أو يكفّنه ‪ ،‬أو يصلّى‬
‫عليه ‪ ،‬أو يتبع جنازته ‪.‬‬
‫وقال أحمد ‪ :‬أهل البدع إن مرضوا فل تعودوهم ‪ ،‬وإن ماتوا فل تصلّوا عليهم ‪.‬‬
‫ن من قتل نفسه ولو عمدا يغسّل ويصلّى عليه ‪ ،‬به يفتى وإن كان أعظم وزرا‬
‫ويرى الحنفيّة أ ّ‬
‫من قاتل غيره ‪ .‬وقال أبو يوسف ‪ :‬يغسّل ول يصلّى عليه ‪ ،‬والقتل أعمّ من أن يكون بسيف أو‬
‫إلقاء في بحر أو نار ‪.‬‬
‫وقال مالك ‪ :‬يصلّى على الّذين كابروا ‪ -‬أي البغاة ‪ -‬ول يصلّي عليهم المام ‪ ،‬وقال ‪ :‬يصلّى‬
‫على قاتل نفسه ويصنع به ما يصنع بموتى المسلمين وإثمه على نفسه ‪.‬‬
‫وقال الحنابلة ‪ :‬ل يسنّ للمام العظم وإمام كلّ قرية وهو واليها في القضاء ‪ ،‬الصّلة على‬
‫غالّ وقاتل نفسه عمدا ‪ ،‬وإن صلّى عليهما فل بأس به ‪.‬‬
‫وقال الشّوكانيّ ‪ :‬ذهب مالك والشّافعيّ وأبو حنيفة وجمهور العلماء إلى أنّه يصلّى على الفاسق‬
‫ن النّبيّ صلى ال عليه وسلم إنّما لم يصلّ على من قتل نفسه زجرا للنّاس ‪،‬‬
‫‪ ،‬وقالوا ‪ « :‬إ ّ‬
‫وصلّت عليه الصّحابة » ‪.‬‬
‫ن من قتل أحد أبويه ل يصلّى عليه إهانة ‪ ،‬قال أبو يوسف ‪ :‬ل يصلّى على كلّ‬
‫ويرى الحنفيّة أ ّ‬
‫من يقتل على متاع يأخذه ‪ ،‬ومن قتل بحقّ بسلح أو غيره كما في القود والرّجم يغسّل ويصلّى‬
‫عليه ‪ ،‬ويصنع به ما يصنع بالموتى ‪ ،‬والّذي صلبه المام ففيه روايتان عن أبي حنيفة روى‬
‫أبو سليمان عنه أنّه ل يصلّى عليه ‪،‬‬
‫وقال مالك ‪ :‬كلّ من قتله المام على قصاص ‪ ،‬أو في حدّ من الحدود ‪ ،‬فإنّ المام ل يصلّي‬
‫عليه والنّاس يصلّون عليه وكذا المرجوم ‪.‬‬
‫ول يصلّى على من لم يستهلّ بعد الولدة كما تقدّم ‪.‬‬
‫وإذا اختلط موتانا بكفّار صلّي عليهم مطلقا في أوجه القوال ‪.‬‬
‫ل الكافر والمرتدّ ‪.‬‬
‫أمّا الشّافعيّة فلم يستثنوا من الصّلة على الميّت إ ّ‬
‫من له ولية الصّلة على الميّت ‪:‬‬
‫‪ -‬ذهب الحنفيّة إلى أنّ أولى النّاس بالصّلة على الميّت السّلطان إن حضر ثمّ نائبه وهو‬ ‫‪41‬‬

‫أمير المصر ‪ ،‬ث ّم القاضي ‪ ،‬فإن لم يحضر فصاحب الشّرط ثمّ خليفة الوالي ‪ ،‬ثمّ خليفة القاضي‬
‫‪ ،‬ثمّ إمام الحيّ ‪.‬‬
‫قال الحصكفيّ ‪ :‬فيه إيهام ‪ ،‬وذلك أنّ تقديم الولة واجب وتقديم إمام الحيّ مندوب فقط بشرط‬
‫أن يكون أفضل من الوليّ ‪ ،‬وإلّ فالوليّ أولى ‪ ،‬وبشرط أن ل يكون ساخطا عليه حال حياته‬
‫ي إمام المسجد الخاصّ بالمحلّة ‪ ،‬وإمام المسجد الجامع‬
‫لوجه صحيح ‪ .‬والمراد بإمام الح ّ‬
‫‪ -‬وعبّر عنه في كتاب المنية بإمام الجمعة ‪ -‬أولى من إمام الحيّ ‪ ،‬وأمّا إمام مصلّى الجنازة‬
‫فاستظهر المقدسيّ أنّه كالجنبيّ فالوليّ مقدّم عليه ‪.‬‬
‫ثمّ الوليّ بترتيب عصوبة النكاح إلّ الب فإنّه يقدّم على البن اتّفاقا إلّ أن يكون البن عالما‬
‫ل فالبن أولى ‪ ،‬فل ولية للنّساء ول للزّوج إلّ أنّه أحقّ من الجنبيّ ‪ ،‬والتّقييد‬
‫والب جاه ً‬
‫بالعصوبة لخراج النّساء فقط ‪ ،‬فذوو الرحام وهم داخلون في الولية وهم أولى من الجنبيّ‪.‬‬
‫والمراد بالوليّ الذّكر المكلّف فل حقّ للصّغير ول للمعتوه ‪.‬‬
‫‪ -‬وتفصيل الجمال أنّه يقدّم في الصّلة على الميّت أبوه ‪ ،‬ث ّم ابنه ‪ ،‬ثمّ ابن ابنه وإن سفل ‪،‬‬ ‫‪42‬‬

‫ثمّ الجدّ وإن عل ‪ ،‬ثمّ الخ الشّقيق ‪ ،‬ثمّ الخ لب ‪ ،‬ثمّ ابن الخ الشّقيق ‪ ،‬وهكذا القرب‬
‫فالقرب كترتيبهم في النّكاح ‪.‬‬
‫ومن له ولية التّقدّم فهو أحقّ بالصّلة على الميّت ممّن أوصى له الميّت بالصّلة عليه ‪ ،‬لنّ‬
‫الوصيّة باطلة على المفتى به عند الحنفيّة ‪ ،‬وفي نوادر ابن رستم الوصيّة جائزة ومع ذلك‬
‫يقدّم من له حقّ التّقدّم ‪.‬‬
‫وقال أبو يوسف ‪ :‬القريب أولى من السّلطان ‪ .‬ول ولية للزّوج عند الحنفيّة لنقطاع الصّلة‬
‫بالموت لكن إن لم يكن للزّوجة الميّتة وليّ فالزّوج أولى ‪ ،‬ثمّ الجيران أولى من الجنبيّ ‪ .‬ولو‬
‫ماتت امرأة ولها زوج وابن عاقل بالغ منه ‪ ،‬فالولية للبن دون الزّوج ‪ ،‬لكن يكره للبن أن‬
‫يتقدّم أباه ‪ ،‬وينبغي أن يقدّمه ‪ ،‬فإن كان لها ابن من زوج آخر فل بأس أن يتقدّم ‪ ،‬لنّه هو‬
‫الوليّ ‪ ،‬وتعظيم زوج أمّه غير واجب عليه ‪.‬‬
‫ل فل ‪،‬‬
‫وقال المالكيّة ‪ :‬الحقّ بالصّلة عليه وصيّ الميّت إن كان أوصى إليه رجاء بركته وإ ّ‬
‫ثمّ الخليفة وهو المام العظم ‪ ،‬وأمّا نائبه فل حقّ له في التّقدّم إلّ إذا كان نائبه في الحكم‬
‫والخطبة ‪ ،‬ثمّ أقرب العصبة فيقدّم البن ‪ ،‬ث ّم ابنه ثمّ الب ‪ ،‬ثمّ الخ ‪ ،‬ثمّ ابن الخ ‪ ،‬ثمّ الجدّ ‪،‬‬
‫ثمّ العمّ ‪ ،‬ث ّم ابن الع ّم وهكذا ‪ .‬ول حقّ لزوج الميّتة في التّقدّم ويكون بعد العصبة ‪ ،‬فإن لم‬
‫يوجد عصبة فالجانب سواء ‪ ،‬إلّ أنّه يقدّم الفضل منهم ‪.‬‬
‫وقال الشّافعيّة ‪ :‬الولى بالصّلة عليه أبو الميّت وإن عل ‪ ،‬ثمّ ابنه وإن سفل ‪ ،‬ثمّ الخ‬
‫الشّقيق ‪ ،‬ثمّ الخ لب ‪ ،‬ثمّ ابن الخ الشّقيق ‪ ،‬ثمّ ابن الخ لب ‪ ،‬ثمّ بقيّة العصبة على ترتيب‬
‫الميراث ‪ ،‬فإن لم يكن فالمام العظم ‪ ،‬أو نائبه عند انتظام بيت المال ‪ ،‬ث ّم ذوو الرحام‬
‫القرب فالقرب ‪ .‬وإذا أوصى بالصّلة لغير من يستحقّ التّقدّم ممّن ذكر فل تنفذ وصيّته ‪.‬‬
‫ول حقّ للزّوج حيث وجد معه غيره من الجانب ‪ ،‬ول حقّ للزّوجة حيث وجد معها ذكر ‪،‬‬
‫فإن لم يوجد فالزّوج مقدّم على الجانب ‪ .‬والمرأة تصلّي وتقدّم بترتيب الذّكور ‪.‬‬
‫وقال الحنابلة ‪ :‬الولى بالصّلة عليه إماما وصيّه العدل ‪ ،‬ث ّم السّلطان ‪ ،‬ثمّ نائبه ‪ ،‬ثمّ أبو الميّت‬
‫وإن عل ‪ ،‬ثمّ ابنه وإن نزل ‪ ،‬ثمّ القرب فالقرب على ترتيب الميراث ‪ ،‬ثمّ ذوو الرحام ‪ ،‬ثمّ‬
‫الزّوج ‪ ،‬ونائب الوليّ بمنزلته بخلف نائب الوصيّ فل يكون بمنزلته ‪.‬‬
‫وقال الحنفيّة ‪ :‬ولو كان الوليّان في درجة واحدة فأكبرهما سنّا أولى ‪ ،‬ولهما أن يقدّما غيرهما‬
‫فلو قدّم كلّ واحد منهما رجلً على حدة فالّذي قدّمه الكبر أولى ‪.‬‬
‫ن لسنّه " لقول النّبيّ صلى ال‬
‫وليس لحدهما أن يقدّم إنسانا إلّ بإذن الخر ‪ ،‬إلّ إن قدّما الس ّ‬
‫عليه وسلم ‪ « :‬الكبر الكبر » ولغيره من الحاديث ‪.‬‬
‫وإذا أراد أحد الوليّين المتساويين درجة أن يستخلف غيره كان الخر أولى بأن يستخلفه ‪ .‬فإن‬
‫تشاجر الوليّان فتقدّم أجنبيّ بغير إذنهما فصلّى ‪ ،‬ينظر إن صلّى الولياء معه جازت الصّلة‬
‫ول تعاد ‪ ،‬وإن لم يصلّوا معه فلهم إعادة الصّلة لعدم سقوط حقّهم وإن تأدّى الفرض ‪ ،‬ول‬
‫يعيد مع الولياء من صلّى مع غيرهم ‪.‬‬
‫وقال المالكيّة ‪ :‬إن تعدّدت العصبة المتساوون في القرب من الميّت ‪ ،‬قدّم الفضل منهم لزيادة‬
‫فقه أو حديث أو نحو ذلك ‪ ،‬وكذا الجانب إذا لم يوجد غيرهم يقدّم الفضل منهم كما في‬
‫صلة الجماعة ‪.‬‬
‫وقال الشّافعيّة ‪ :‬بتقديم السنّ إذا استوى الولة وتشاحّوا ‪ ،‬إلّ أن تكون حالة السنّ غير‬
‫محمودة ‪ ،‬فكان أفضلهم وأفقههم أحبّ ‪ ،‬فإن تقاربوا فأسنّهم ‪ ،‬لنّ الغرض هنا الدّعاء ودعاء‬
‫السنّ أقرب للجابة لقول النّبيّ صلى ال عليه وسلم ‪ « :‬إنّ اللّه يستحيي أن يردّ دعوة ذي‬
‫الشّيبة في السلم » وإن استووا وقلّما يكون ذلك فلم يصطلحوا أقرع بينهم ‪.‬‬
‫وقال الحنابلة ‪ :‬إذا تساوى الولياء قدّم من كان أولهم بالمامة في الصّلوات الخمس ‪ ،‬فإن‬
‫استووا فيه أيضا أقرع بينهم ‪ ،‬وتكره إمامة غير الولى بل إذنه مع حضوره ‪ ،‬لكن يسقط به‬
‫الفرض ‪ ،‬فإن صلّى الولى خلفه صار إذنا ‪ ،‬وإلّ فله أن يعيدها ‪ ،‬لنّها حقّه ‪ ،‬ويجوز أن‬
‫يعيدها من صلّاها تبعا للولى ‪.‬‬
‫‪ -‬وعند الشّافعيّة والحنابلة ‪ :‬تسنّ الصّلة على الجنازة لكلّ من لم يصلّ أوّل ‪ ،‬سواء أكان‬ ‫‪43‬‬

‫أولى بالصّلة عليه أم لم يكن ‪.‬‬


‫وقال في المّ ‪ :‬إن سبق الولياء بالصّلة على الجنازة ثمّ جاء وليّ آخر أحببت أن ل توضع‬
‫للصّلة ثانية ‪ ،‬وإن فعل فل بأس إن شاء اللّه ‪.‬‬
‫وعند مالك ل تعاد الصّلة على الجنازة مرّة أخرى ‪.‬‬
‫ما يفسد صلة الجنازة وما يكره فيها ‪:‬‬
‫‪ -‬تفسد صلة الجنازة عند الحنفيّة بما تفسد به سائر الصّلوات من الحدث العمد والكلم ‪،‬‬ ‫‪44‬‬

‫ل المحاذاة فإنّها غير مفسدة في هذه الصّلة ‪،‬‬


‫والعمل الكثير وغيرها من مبطلت الصّلة ‪ ،‬إ ّ‬
‫ن فساد الصّلة بالمحاذاة عرف بالّنصّ ‪ ،‬والّنصّ ورد في الصّلة المطلقة فل يلحق بها‬
‫لّ‬
‫غيرها ‪ ،‬ولهذا لم يلحق بها سجدة التّلوة حتّى لم تكن المحاذاة فيها مفسدة ‪ ،‬وكذا القهقهة في‬
‫ن القهقهة مبطلة بالنّصّ الوارد في صلة مطلقة ‪ ،‬فل يجعل‬
‫هذه الصّلة ل تنقض الطّهارة ‪ ،‬ل ّ‬
‫واردا في غيرها ‪.‬‬
‫وتكره الصّلة على الجنازة عند طلوع الشّمس وعند غروبها ‪ ،‬وعند انتصاف النّهار ‪ ،‬لحديث‬
‫عقبة بن عامر ‪ « :‬ثلث ساعات نهانا رسول اللّه صلى ال عليه وسلم أن نصلّي فيها وأن‬
‫نقبر فيها موتانا » ‪ .‬والمراد بقبر الموتى الصّلة على الجنازة دون الدّفن ‪.‬‬
‫وإنّما تكره الصّلة على الجنازة كراهة تحريم عند الحنفيّة إذا حضرت في هذه الوقات في‬
‫ظاهر الرّواية ‪ ،‬كما في مراقي الفلح ‪ ،‬ولكن في تحفة الفقهاء الفضل أن يصلّي على جنازة‬
‫ن التّأخير مكروه لقول النّبيّ صلى‬
‫حضرت في تلك الوقات ول يؤخّرها ‪ ،‬بل قال الزّيلعيّ ‪ :‬إ ّ‬
‫ال عليه وسلم لعليّ رضي ال عنه ‪ « :‬ثلث ل تؤخّرها ‪ ،‬الصّلة إذا آنت ‪ ،‬والجنازة إذا‬
‫حضرت ‪ ،‬واليّم إذا وجدت لها كفئا » ‪ .‬أمّا إذا حضرت قبل الوقت المكروه فأخّرها حتّى‬
‫ح وتجب إعادتها ‪.‬‬
‫صلّى في الوقت المكروه فإنّها ل تص ّ‬
‫ول يكره أن يصلّى على الجنازة بعد صلة الفجر ‪ ،‬أو بعد صلة العصر ‪ ،‬وكذا بعد طلوع‬
‫الفجر ‪ ،‬وبعد الغروب قبل صلة المغرب ‪ ،‬لكن يبدأ بعد الغروب بصلة المغرب أوّل ‪ ،‬ثمّ‬
‫سنّة ‪.‬‬
‫بالجنازة ث ّم بال ّ‬
‫قال ابن نجيم ‪ :‬ولعلّه لبيان الفضليّة ‪ ،‬وفي الحلية ‪ :‬الفتوى على تأخير صلة الجنازة عن‬
‫سنّة الجمعة ‪ ،‬فعلى هذا تؤخّر عن سنّة المغرب ‪ ،‬لنّها آكد ‪.‬‬
‫وقال ابن المبارك ‪ :‬معنى هذا الحديث « أو أن نقبر فيها موتانا » يعني الصّلة على الجنازة ‪،‬‬
‫وكرهها ابن المبارك عند طلوع الشّمس وعند غروبها ‪ ،‬وإذا انتصف النّهار حتّى تزول‬
‫الشّمس " كما قال أبو حنيفة " وهو قول أحمد وإسحاق وهو قول مالك والوزاعيّ وهو قول‬
‫ابن عمر ‪.‬‬
‫وقال الشّافعيّة ‪ :‬إذا وقع الدّفن في هذه الوقات بل تعمّد فل يكره ‪.‬‬
‫والنّهي عند الشّافعيّ محمول على الصّلوات الّتي ل سبب لها ‪.‬‬
‫التّعزية ‪ ،‬والرّثاء ‪ ،‬وزيارة القبور ونحو ذلك ‪:‬‬
‫‪ -‬قال الطّحطاويّ ‪ :‬إذا فرغوا من دفن الميّت يستحبّ الجلوس ( المكث ) عند قبره بقدر‬ ‫‪45‬‬

‫ما ينحر جزور ويقسم لحمه ‪ « ،‬فقد روى مسلم عن عمرو بن العاص أنّه قال ‪ :‬إذا دفنتموني‬
‫ي التّراب شنّا ‪ ،‬ثمّ أقيموا حول قبري قدر ما تنحر جزور ويقسم لحمها حتّى أستأنس‬
‫فشنّوا عل ّ‬
‫بكم ‪ ،‬وأنظر ماذا أراجع به رسل ربّي » يتلون القرآن ويدعون للميّت ‪.‬‬
‫فقد روي عن عثمان رضي ال عنه أنّه قال ‪ « :‬كان رسول اللّه صلى ال عليه وسلم إذا فرغ‬
‫من دفن الميّت وقف عليه ‪ ،‬فقال ‪ :‬استغفروا لخيكم وسلوا له التّثبيت فإنّه الن يسأل»‪.‬‬
‫وكان ابن عمر يستحبّ أن يقرأ على القبر بعد الدّفن أوّل سورة البقرة وخاتمتها ‪.‬‬
‫والتّلقين بعد الدّفن ل يؤمر به وينهى عنه ‪ .‬وظاهر الرّواية عند الحنفيّة يقتضي النّهي عنه ‪،‬‬
‫وبه قالت المالكيّة فقد ذهبوا إلى أنّ التّلقين بعد الدّفن وحاله مكروه ‪ ،‬وإنّما يندب حال‬
‫الحتضار فقط ‪ ،‬واستحبّه الشّافعيّة فقالوا ‪ :‬والتّلقين هنا أن يقول الملقّن مخاطبا للميّت ‪:‬‬
‫« يا فلن بن فلنة ‪ - ،‬إن كان يعرف اسم أمّه وإلّ نسبه إلى حوّاء عليها السلم ‪ ،-‬ث ّم يقول‬
‫ن محمّدا رسول‬
‫بعد ذلك اذكر العهد الّذي خرجت عليه من الدّنيا ‪ ،‬شهادة أن ل إله إلّ اللّه وأ ّ‬
‫ن البعث حقّ ‪ ،‬وأنّ السّاعة آتية ل ريب فيها ‪ ،‬وأنّ‬
‫اللّه ‪ ،‬وأنّ الجنّة حقّ ‪ ،‬والنّار حقّ ‪ ،‬وأ ّ‬
‫اللّه يبعث من في القبور ‪ ،‬وأنّك رضيت باللّه ربّا ‪ ،‬وبالسلم دينا ‪ ،‬وبمحمّد صلى ال عليه‬
‫وسلم نبيّا ‪ ،‬وبالقرآن إماما ‪ ،‬وبالكعبة قبلة وبالمؤمنين إخوانا » ‪.‬‬
‫وقال الحنابلة ‪ :‬استحبّ الكثر تلقينه ‪ ،‬فيقوم عند رأسه بعد تسوية التّراب فيقول ‪ " :‬وذكروا‬
‫نحو ما ذكرته الشّافعيّة من كلمات التّلقين " ‪.‬‬
‫‪ -‬قال كثير من متأخّري الحنفيّة ‪ :‬يكره الجتماع عند صاحب الميّت حتّى يأتي إليه من‬ ‫‪46‬‬

‫يعزّي بل إذا رجع النّاس من الدّفن ليتفرّقوا ويشتغلوا بأمورهم ‪ ،‬وصاحب الميّت بأمره ‪.‬‬
‫ويكره الجلوس على باب الدّار للمصيبة ‪ ،‬فإنّ ذلك عمل أهل الجاهليّة ‪ ،‬ونهى النّبيّ صلى ال‬
‫عليه وسلم عن ذلك ‪.‬وفي ال ّدرّ المختار ‪ :‬ل بأس بالجلوس للتّعزية في غير مسجد ثلثة أيّام‪.‬‬
‫قال ابن عابدين ‪ :‬استعمال ل بأس هنا على حقيقته فإنّه خلف الولى صرّح به في شرح‬
‫المنية ‪ .‬أمّا في مسجد فيكره كما في البحر عن المجتبى ‪ ،‬وجزم به في شرح المنية والفتح ‪.‬‬
‫وهذا إذا لم يكن الجلوس مع ارتكاب محظور من فرش البسط ‪ ،‬واتّخاذ الطعمة من أهل‬
‫الميّت ‪ ،‬وإلّ كانت بدعة مستقبحة ‪ ،‬كما في مراقي الفلح وحواشيه ‪.‬‬
‫ونقل في النّهر عن التّجنيس أنّه ل بأس بالجلوس لها ثلثة أيّام ‪ ،‬وكونه على باب الدّار مع‬
‫فرش بسط على قوارع الطّريق من أقبح القبائح ‪.‬‬
‫قال ابن عابدين ‪ :‬الظّاهر أنّه ل تنتفي الكراهة بالجلوس في المسجد وقراءة القرآن ‪ ،‬حتّى إذا‬
‫ي الميّت وعزّاه النّاس كما يفعل في زماننا لكون الجلوس مقصودا للتّعزية ل‬
‫فرغوا قام ول ّ‬
‫للقراءة ‪ ،‬ول سيّما إذا كان هذا الجتماع والجلوس في المصيبة ثلثة أيّام جاءت الرّخصة‬
‫فيه ‪ ،‬ول تجلس النّساء قطعا ‪ .‬وفرّق صاحب الظّهيريّة بين الجلوس في البيت أو المسجد‬
‫والجلوس على باب الدّار ‪ ،‬فحكم على الوّل أنّه ل بأس به وقال في الثّاني ‪ :‬يكره الجلوس‬
‫على باب الدّار للتّعزية ‪ ،‬لنّه عمل أهل الجاهليّة وقد نهي عنه ‪ ،‬وما يصنع في بلد العجم من‬
‫فرش البسط ‪ ،‬والقيام على قوارع الطّريق من أقبح القبائح ‪ ،‬ووافق الشّافعيّة الحنفيّة في‬
‫كراهية الجلوس للتّعزية ‪.‬‬
‫وكذا الحنابلة قالوا ‪ :‬كره جلوس مصاب لها ‪ ،‬وجلوس معزّية كذلك ‪ ،‬ل بقرب دار الميّت‬
‫ليتبع الجنازة ‪ ،‬أو ليخرج وليّه فيعزّيه ‪ ،‬وقال المالكيّة ‪ :‬يباح الجلوس لقبول التّعزية ‪.‬‬
‫ب التّعزية للرّجال والنّساء اللّاتي ل يفتنّ لقوله عليه الصلة والسلم ‪ « :‬من‬
‫‪ -‬ويستح ّ‬ ‫‪47‬‬

‫عزّى أخاه بمصيبة كساه اللّه من حلل الكرامة يوم القيامة » ‪.‬‬
‫وتفصيل باقي أحكام التّعزية ينظر في مصطلح ‪ ( :‬تعزية ) ‪.‬‬
‫صنع الطّعام لهل الميّت ‪:‬‬
‫ب لجيران الميّت والباعد من قرابته‬
‫‪ -‬ذهب الحنفيّة والمالكيّة والشّافعيّة إلى أنّه يستح ّ‬ ‫‪48‬‬

‫تهيئة طعام لهل الميّت يشبعهم يومهم وليلتهم ‪ ،‬لقوله صلى ال عليه وسلم ‪ « :‬اصنعوا لل‬
‫ن الحزن يمنعهم فيضعفهم ‪ ،‬وبه‬
‫جعفر طعاما فقد أتاهم ما يشغلهم » ويلحّ عليهم في الكل ‪ ،‬ل ّ‬
‫قالت المالكيّة ‪ ،‬إلّ إذا اجتمعوا على محرّم من ندب ولطم ونياحة ‪ ،‬فل يندب تهيئة الطّعام لهم‬
‫ن ذلك عند الحنابلة ثلثا لهل الميّت ل لمن يجتمع عندهم ‪ ،‬فإنّه يكره لهم ‪ ،‬إلّ أن‬
‫‪ .‬ويس ّ‬
‫يكونوا ضيوفا ‪.‬‬
‫واتّفق الفقهاء على أنّه تكره الضّيافة من أهل الميّت لنّها شرعت في السّرور ل في الشّرور ‪،‬‬
‫وهي بدعة مستقبحة ‪ ،‬وقال عليه الصلة والسلم ‪ « :‬ل عقر في السلم » وهو الّذي كان‬
‫يعقر عند القبر من إبل ‪ ،‬أو بقر ‪ ،‬أو شاة ‪.‬‬
‫وصرّح الحنابلة بأنّه يكره الكل من طعام أهل الميّت ‪ ،‬فإن كان من تركة وفي مستحقّيها‬
‫محجور عليه حرّم فعله والكل منه ‪ ،‬وكره الذّبح والضحيّة عند القبر ‪ ،‬والكل منه ‪.‬‬
‫وصرّح الحنابلة والشّافعيّة ‪ ،‬بأنّه يحرم تهيئة الطّعام لنائحات ‪ ،‬لنّه إعانة على المعصية ‪،‬‬
‫وصرّح الحنفيّة بأنّه يكره اتّخاذ الطّعام في أيّام متعارف عليها كاليوم الوّل ‪ ،‬والثّالث ‪ ،‬وبعد‬
‫السبوع ‪ .‬ونقل الطّعام إلى القبر في المواسم ‪ ،‬واتّخاذ الدّعوة لقراءة القرآن ‪ ،‬وجمع الصّلحاء‬
‫والقرّاء للختم ‪ ،‬أو لقراءة سورتي النعام والخلص ‪.‬‬
‫على أنّه إذا اتّخذ الطّعام للفقراء كان حسنا ‪ ،‬وقال في المعراج ‪ :‬هذه الفعال كلّها للسّمعة‬
‫والرّياء ‪ ،‬فيحترز عنها ‪ ،‬لنّهم ل يريدون به وجه اللّه تعالى ‪.‬‬
‫وفي غاية المنتهى للحنابلة ‪ :‬ومن المنكر وضع طعام أو شراب على القبر ليأخذه النّاس ‪.‬‬
‫وصول ثواب العمال للغير ‪:‬‬
‫‪ -‬ومن صام أو صلّى أو تصدّق وجعل ثوابه لغيره من الموات والحياء جاز ‪ ،‬ويصل‬ ‫‪49‬‬

‫ي العبادات البدنيّة المحضة ‪،‬‬


‫سنّة والجماعة ‪ ،‬واستثنى مالك والشّافع ّ‬
‫ثوابها إليهم عند أهل ال ّ‬
‫كالصّلة والتّلوة ‪ ،‬فل يصل ثوابها إلى الميّت عندهما ‪ ،‬ومقتضى تحرير المتأخّرين من‬
‫الشّافعيّة انتفاع الميّت بالقراءة ل حصول ثوابها له ‪.‬‬
‫وللعلّامة ابن القيّم كلم مشبع في هذه المسألة ‪ ،‬فراجع كتاب الرّوح " له " ‪.‬‬
‫وقال بعض المالكيّة ‪ :‬إنّ القراءة تصل للميّت وأنّها عند القبر أحسن مزية ‪.‬‬
‫ي قربة فعلها وجعل ثوابها للميّت المسلم نفعه ذلك إن شاء اللّه ‪ ،‬أمّا‬
‫وقال ابن قدامة ‪ :‬وأ ّ‬
‫الدّعاء والستغفار والصّدقة وأداء الواجبات فل أعلم فيه خلفا إذا كانت الواجبات ممّا يدخله‬
‫خوَا ِننَا الّذينَ‬
‫غ ِفرْ لنا ول ْ‬
‫ن َبعْدِهم يَقولونَ َربّنَا ا ْ‬
‫ن جَاءوا مِ ْ‬
‫النّيابة ‪ ،‬وقد قال اللّه تعالى { والّذي َ‬
‫ن والمُؤمناتِ } « ودعا النّبيّ صلى‬
‫س َتغْفِ ْر لِ َذ ْن ِبكَ وللمؤمني َ‬
‫سبَقُونَا باليمَانِ } وقال تعالى ‪ { :‬وا ْ‬
‫َ‬
‫ال عليه وسلم لبي سلمة حين مات » ‪ « ،‬وللميّت الّذي صلّى عليه في حديث عوف بن مالك‬
‫ي صلى ال عليه وسلم فقال ‪ :‬يا رسول اللّه إنّ‬
‫‪ ،‬ولكلّ ميّت صلّى عليه » ‪ « ،‬وسأل رجل النّب ّ‬
‫أمّي ماتت فينفعها إن تصدّقت عنها ؟ قال ‪ :‬نعم » ‪ ،‬رواه أبو داود ‪.‬‬
‫ي صلى ال عليه وسلم فقالت ‪ :‬يا‬
‫وروي ذلك عن سعد بن عبادة ‪ « ،‬وجاءت امرأة إلى النّب ّ‬
‫رسول اللّه إنّ فريضة اللّه في الحجّ أدركت أبي شيخا كبيرا ل يستطيع أن يثبت على الرّاحلة‬
‫أفأحجّ عنه ؟ قال ‪ :‬أرأيت لو كان على أبيك دين أكنت قاضيته ؟ قالت ‪ :‬نعم ‪ ،‬قال ‪ :‬فدين اللّه‬
‫أحقّ أن يقضى »‬
‫وقال للّذي سأله « إنّ أمّي ماتت وعليها صوم شهر أفأصوم عنها ؟ قال ‪ :‬نعم » ‪.‬‬
‫وهذه أحاديث صحاح ‪ ،‬وفيها دللة على انتفاع الميّت بسائر القرب ‪ ،‬لنّ الصّوم والحجّ‬
‫والدّعاء والستغفار عبادات بدنيّة وقد أوصل اللّه نفعها إلى الميّت فكذلك ما سواها مع ما‬
‫ذكرنا من الحديث في ثواب من قرأ " يس " ‪ ،‬وتخفيف اللّه تعالى عن أهل المقابر بقراءته ‪،‬‬
‫وروى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جدّه أنّ رسول اللّه صلى ال عليه وسلم قال لعمرو بن‬
‫العاص ‪ « :‬لو كان أبوك مسلما فأعتقتم عنه ‪ ،‬أو تصدّقتم عنه ‪ ،‬أو حججتم عنه ‪ ،‬بلغه ذلك »‬
‫ج التّطوّع وغيره ‪ ،‬ولنّه عمل برّ وطاعة ‪ ،‬فوصل نفعه وثوابه ‪ ،‬كالصّدقة ‪،‬‬
‫وهذا عامّ في ح ّ‬
‫والصّيام ‪ ،‬والحجّ الواجب ‪ ،‬وقال الشّافعيّ ‪ :‬ما عدا الواجب والصّدقة والدّعاء والستغفار ل‬
‫ن ليسَ للنْسانِ إلّ مَا سَعَى }‬
‫يفعل عن الميّت ‪ ،‬ول يصل ثوابه إليه ‪ ،‬لقول اللّه تعالى ‪ { :‬وأ ْ‬
‫وقول النّبيّ صلى ال عليه وسلم ‪ « :‬إذا مات النسان انقطع عمله إلّ من ثلثة ‪ :‬إلّ من‬
‫صدقة جارية ‪ ،‬أو علم ينتفع به ‪ ،‬أو ولد صالح يدعو له »‬
‫ن نفعه ل يتعدّى فاعله ‪ ،‬فل يتعدّى ثوابه ‪ .‬وقال بعضهم ‪ :‬إذا قرئ القرآن عند الميّت أو‬
‫ول ّ‬
‫أهدي إليه ثوابه كان الثّواب لقارئه ‪ ،‬ويكون الميّت كأنّه حاضرها وترجى له الرّحمة ‪.‬‬

‫جنابة *‬
‫التّعريف ‪:‬‬
‫‪ -‬الجنابة لغة ‪ :‬ض ّد القرب والقرابة ‪ ،‬وجنب الشّيء ‪ ،‬وتجنّبه ‪ ،‬وجانبه ‪ ،‬وتجانبه ‪ ،‬واجتنبه‬ ‫‪1‬‬

‫‪ :‬بعد عنه ‪ ،‬والجنابة في الصل ‪ :‬البعد ‪ ،‬ويقال ‪ :‬أجنب الرّجل وجنب ‪ -‬وزّان قرب ‪ -‬فهو‬
‫جنب من الجنابة ‪ ،‬قال الزهريّ ‪ :‬إنّما قيل له جنب ‪ ،‬لنّه نهي أن يقرب مواضع الصّلة ما‬
‫لم يتطهّر ‪ ،‬فتجنّبها وأجنب عنها ‪ ،‬أي تنحّى عنها ‪ ،‬وقيل ‪ :‬لمجانبته النّاس ما لم يغتسل ‪.‬‬
‫والجنب يستوي فيه الذّكر والنثى ‪ ،‬والواحد ‪ ،‬والتّثنية ‪ ،‬والجمع ‪ ،‬لنّه على صيغة المصدر‪.‬‬
‫أمّا تعريفها اصطلحا فقد قال النّوويّ ‪ :‬تطلق الجنابة في الشّرع على من أنزل المنيّ ‪ ،‬وعلى‬
‫من جامع ‪ ،‬وسمّي جنبا ‪ ،‬لنّه يجتنب الصّلة والمسجد والقراءة ويتباعد عنها ‪ ،‬وفي نهاية‬
‫ي يقوم بالبدن يمنع صحّة الصّلة حيث ل مرخّص ‪.‬‬
‫المحتاج ‪ :‬الجنابة شرعا أمر معنو ّ‬
‫اللفاظ ذات الصّلة ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬الحدث ‪:‬‬
‫‪ -‬الحدث لغة ‪ :‬الحالة النّاقضة للطّهارة شرعا ‪.‬‬ ‫‪2‬‬

‫ل في العضاء ويزيل الطّهارة ‪ ،‬وقيل ‪:‬‬


‫واصطلحا ‪ :‬الوصف الشّرعيّ الحكميّ الّذي يح ّ‬
‫السباب الّتي توجب الوضوء أو الغسل ‪ .‬فالحدث أعمّ من الجنابة ‪ ،‬لنّها تختصّ بما يوجب‬
‫الغسل ‪ .‬أمّا الحدث فيوجب الغسل أو الوضوء ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬الخبث ‪:‬‬
‫‪ -‬الخبث لغة ‪ :‬النّجس ‪ .‬واصطلحا ‪ :‬العين المستقذرة شرعا أي النّجاسة الحقيقيّة ‪ .‬فالفرق‬ ‫‪3‬‬

‫بينه وبين الجنابة أنّها نجاسة معنويّة ‪.‬‬


‫ج ‪ -‬النّجس ‪:‬‬
‫ل مستقذر ‪ ،‬والنّجس ضدّ الطّاهر ‪ ،‬وهو لغة يع ّم الحقيقيّ والحكميّ ‪،‬‬
‫‪ -‬النّجس ‪ :‬اسم لك ّ‬ ‫‪4‬‬

‫وعرفا يختصّ بالحقيقيّ كالخبث ‪ ،‬فل يقال في عرف الشّارع لمن وجب عليه الغسل إنّه نجس‬
‫‪ ،‬فبينهما تباين ‪.‬‬
‫د ‪ -‬الطّهارة ‪:‬‬
‫‪ -‬الطّهارة لغة ‪ :‬النّزاهة والنّظافة ‪ ،‬واصطلحا ‪ :‬رفع ما يمنع الصّلة وما في معناها من‬ ‫‪5‬‬

‫حدث أو نجاسة بالماء أو بالصّعيد الطّاهر ‪ ،‬فالطّهارة ضدّ الجنابة ‪.‬‬


‫أسباب الجنابة ‪:‬‬
‫للجنابة سببان ‪:‬‬
‫‪ -‬أحدهما ‪ :‬غيبوبة الحشفة أو قدرها من مقطوعها في قبل أو دبر امرأة أو رجل ‪ ،‬وسواء‬ ‫‪6‬‬

‫أحصل إنزال أم لم يحصل ‪ ،‬وهذا بالنّسبة للبالغين من الرّجال والنّساء باتّفاق ‪ ،‬قال الشّافعيّ ‪:‬‬
‫والعرب تسمّي الجماع ‪ -‬وإن لم يكن معه إنزال ‪ -‬جنابة ‪ ،‬والجنابة تحصل لمن وقع الوطء‬
‫منه ‪ ،‬أو وقع عليه ‪.‬‬
‫وزاد جمهور الفقهاء ‪ -‬المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة ‪ -‬أنّ الجنابة تحصل بذلك ولو كان الوطء‬
‫لغير مشتهى كميّتة وبهيمة ‪.‬‬
‫ن الفعل في ذلك ليس‬
‫وقال الحنفيّة ‪ :‬ل تحدث الجنابة بذلك إلّ إذا كان مع اليلج إنزال ‪ ،‬ل ّ‬
‫نظير الفعل في فرج النسان في السّببيّة ‪ ،‬وبالنّسبة لغير البالغين قال الشّافعيّة ‪ :‬يجنب الصّغير‬
‫بإيلجه على الوصف السّابق ‪ ،‬وكذا الصّغيرة تجنب باليلج فيها ‪ ،‬وسواء في هذا المميّز‬
‫وغيره ‪ ،‬وكذا قال الحنابلة ‪ ،‬إلّ أنّهم قيّدوا ذلك بما إذا كان غير البالغ ممّن يجامع مثله وهو‬
‫ابن عشر وبنت تسع ‪ ،‬قال المام أحمد ‪ :‬إن كان الواطئ صغيرا ‪ ،‬أو الموطوءة صغيرة‬
‫وجب عليهما الغسل وقال ‪ :‬إذا أتى على الصّبيّة تسع سنين ومثلها يوطأ وجب عليها الغسل ‪،‬‬
‫وسئل عن الغلم يجامع مثله ولم يبلغ فجامع المرأة يكون عليهما جميعا الغسل ؟ قال ‪ :‬نعم ‪،‬‬
‫قيل له ‪ :‬أنزل أو لم ينزل ؟ قال ‪ :‬نعم ‪.‬‬
‫قال ابن قدامة ‪ :‬وحمل القاضي كلم أحمد على الستحباب ‪ ،‬وهو قول أصحاب الرّأي وأبي‬
‫ثور ‪ ،‬لنّ الصّغيرة ل يتعلّق بها المأثم ‪ ،‬ول هي من أهل التّكليف ‪ ،‬ول تجب عليها الصّلة‬
‫الّتي تجب الطّهارة لها ‪ ،‬لكن قال ابن قدامة ‪ :‬ل يصحّ حمل كلم أحمد على الستحباب‬
‫لتصريحه بالوجوب ‪ ،‬واحتجّ بفعل عائشة رضي ال عنها وروايتها للحديث العامّ في الصّغير‬
‫والكبير ‪ ،‬ولنّها أجابت بفعلها وفعل النّبيّ صلى ال عليه وسلم بقولها ‪ « :‬فعلته أنا ورسول‬
‫اللّه صلى ال عليه وسلم فاغتسلنا » فكيف تكون خارجة منه ‪.‬‬
‫وبقول الحنابلة قال أشهب وسحنون من المالكيّة ‪ .‬لكن المعتمد عند المالكيّة أنّ الصّغير‬
‫المطيق ل يجنب بإيلجه أو اليلج فيه ‪ ،‬وكذا الصّغيرة المطيقة ل تجنب باليلج فيها ‪،‬‬
‫ويجنب البالغ بإيلجه في الصّغيرة المطيقة ‪ ،‬وتجنب البالغة بإيلج الصّغير فيها إذا أنزلت ‪،‬‬
‫والقول بالغسل على الصّغير عند من قال به ليس معناه التّأثيم بتركه ‪ ،‬بل معناه أنّه شرط‬
‫لصحّة الصّلة والطّواف ‪ ،‬وهكذا ‪ .‬ولذلك لو أخّره لم يأثم ‪ ،‬وإنّما يبقى في حقّه شرطا كما في‬
‫حقّ الكبير ‪ ،‬حتّى إذا بلغ قبل أن يغتسل كان حكم الحدث في حقّه باقيا ويلزمه الغسل ‪،‬‬
‫ويستوي في حصول الجنابة باليلج أن يحدث ذلك مع نائم ‪ ،‬أو مجنون ‪ ،‬أو مكره ‪.‬‬
‫أمّا بالنّسبة للخنثى المشكل ففيه خلف ينظر في ( خنثى مشكل ‪ ،‬وغسل ) ‪.‬‬
‫‪ -7‬الثّاني ‪ :‬خروج المنيّ بشهوة من رجل أو امرأة ‪ ،‬سواء أكان عن احتلم أم استمناء ‪،‬‬
‫أم نظر ‪ ،‬أم فكر ‪ ،‬أم تقبيل ‪ ،‬أم غير ذلك ‪ ،‬وهذا باتّفاق ‪.‬‬
‫واشتراط الشّهوة لحصول الجنابة هو ما قال به الحنفيّة والمالكيّة والحنابلة ‪ ،‬ولذلك ل تحصل‬
‫ن الجنابة تحصل عندهم بخروج المنيّ من‬
‫الجنابة عندهم بخروجه لمرض ‪ ،‬أمّا الشّافعيّة فإ ّ‬
‫مخرجه المعتاد مطلقا بشهوة أو غيرها ‪.‬‬
‫وخروج المنيّ بالنّسبة للمرأة هو بروزه إلى محلّ استنجائها ‪ ،‬وهو ما يظهر منها عند جلوسها‬
‫لقضاء حاجتها وهذا ما قال به المالكيّة خلفا لسند ‪ ،‬وهو قول الشّافعيّة بالنّسبة لل ّثيّب ‪ ،‬وقالوا‬
‫بالنّسبة للبكر لو أنزلت المنيّ إلى فرجها لم يلزمها الغسل حتّى يخرج من فرجها ‪ ،‬لنّ داخل‬
‫فرجها في حكم الباطن ‪ ،‬ولهذا ل يلزمها تطهيره في الستنجاء والغسل ‪ ،‬فأشبه إحليل الذّكر ‪.‬‬
‫ولم يفرّق الحنفيّة بين بكر وثيّب بل هي تجنب عندهم ولو لم يصل المنيّ إلى ظاهر فرجها ‪.‬‬
‫قالوا ‪ :‬لنّ له داخلً وخارجا والخارج منهما له حكم الظّاهر ‪.‬‬
‫س بانتقال المنيّ عند الشّهوة فأمسك ذكره فلم يخرج المنيّ فل يعتبر جنبا عند‬
‫ومن أح ّ‬
‫ي من الحنابلة وإحدى الرّوايتين عن أحمد ‪ ،‬والمشهور عند‬
‫الجمهور ‪ ،‬وهو ظاهر قول الخرق ّ‬
‫أحمد أنّه يعتبر جنبا ويجب عليه الغسل ‪ ،‬وأنكر أن يكون الماء يرجع ‪ ،‬ولم يذكر القاضي‬
‫خلفا في وجوب الغسل قال ‪ :‬لنّ الجنابة تباعد الماء عن محلّه ‪ ،‬وقد وجد ‪ ،‬فتكون الجنابة‬
‫موجودة فيجب الغسل بها ‪ ،‬ولنّ الغسل تراعى فيه الشّهوة وقد حصلت بانتقاله فأشبه ما لو‬
‫ظهر ‪ .‬واستدلّ ابن قدامة على عدم وجود الجنابة لعدم خروج المنيّ ‪ ،‬بأنّ النّبيّ صلى ال‬
‫عليه وسلم علّق الغتسال على الرّؤية وفضخه بقوله ‪ « :‬إذا رأت الماء » « و إذا فضخت‬
‫الماء فاغتسل » فل يثبت الحكم بدونه ‪ ،‬ول يجوز أن يسمّى جنبا لمجانبته الماء ‪ ،‬ول يحصل‬
‫إلّ بخروجه منه ‪.‬‬
‫وكلم أحمد إنّما يدلّ على أنّ الماء إذا انتقل لزم منه الخروج وإنّما يتأخّر ‪ .‬ويعتبر جنبا من‬
‫انتقل منيّه من محلّه بشهوة وخرج ل عن شهوة عند المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة وأبي حنيفة‬
‫ومحمّد خلفا لبي يوسف ‪ ،‬إذ المعتبر عنده هو النفصال مع الخروج عن شهوة ‪.‬‬
‫ما ترتفع به الجنابة ‪:‬‬
‫‪ -‬سبق بيان أنّ الجنابة تكون بالجماع ولو بدون إنزال أو بخروج المنيّ من غير جماع‬ ‫‪8‬‬

‫على التّفصيل السّابق ‪ ،‬وترتفع الجنابة بما يأتي ‪:‬‬


‫أ ‪ -‬بالغسل ‪ ،‬والدّليل على وجوب الغسل من الجماع ولو من غير إنزال قول النّبيّ صلى ال‬
‫عليه وسلم ‪ « :‬إذا جلس بين شعبها الربع ومسّ الختان الختان فقد وجب الغسل » متّفق عليه‬
‫وزاد مسلم ‪ « :‬وإن لم ينزل » ‪ .‬والمراد بالتقاء الختانين تغييب الحشفة في الفرج ‪ ،‬وهذا‬
‫باتّفاق المذاهب الربعة ‪ ،‬قال النّوويّ ‪ :‬وبهذا قال جمهور العلماء من الصّحابة والتّابعين ومن‬
‫بعدهم ‪ ،‬وكان الحكم على خلف ذلك فنسخ كما قال النّوويّ وابن قدامة ‪ ،‬والثار الّتي رويت‬
‫ي بن كعب‬
‫عن الصّحابة قالوها قبل أن يبلغهم النّسخ ‪ ،‬قال سهل بن سعد السّاعديّ حدّثني أب ّ‬
‫ن « الماء من الماء » كان رخصة أرخص فيها رسول اللّه صلى ال عليه وسلم ثمّ نهى عنها‬
‫أّ‬
‫‪ .‬وينظر تفصيل ذلك في ( غسل ) ‪.‬‬
‫والدّليل على وجوب الغسل بنزول المنيّ من غير جماع ما روته أمّ سلمة رضي ال عنها‬
‫ي صلى ال عليه وسلم فقالت ‪ :‬يا رسول اللّه‬
‫قالت ‪ « :‬جاءت أمّ سليم امرأة أبي طلحة إلى النّب ّ‬
‫‪ :‬إنّ اللّه ل يستحيي من الحقّ هل على المرأة من غسل إذا هي احتلمت ‪ .‬قال ‪ :‬نعم إذا رأت‬
‫الماء » ‪.‬‬
‫‪ -‬ب ‪ -‬التّيمّم ‪ :‬اختلف الفقهاء في أنّ التّيمّم هل هو رافع للجنابة ‪ ،‬أو غير رافع لها ؟ ومع‬ ‫‪9‬‬

‫اختلف الفقهاء في ذلك إلّ أنّهم متّفقون في الجملة على أنّ التّيمّم يباح به ما يباح بالغسل من‬
‫الجنابة ‪.‬‬
‫فذهب الحنفيّة وبعض المالكيّة وبعض الشّافعيّة وابن تيميّة وهو رواية عن أحمد واختارها ابن‬
‫ي صلى ال عليه‬
‫الجوزيّ إلى أنّ التّيمّم يرفع الحدث ‪ ،‬لنّه بدل مطلق عن الماء ‪ ،‬ولقول النّب ّ‬
‫طيّب طهور المسلم وإن لم يجد الماء عشر سنين ‪ ،‬فإذا وجد الماء‬
‫ن الصّعيد ال ّ‬
‫وسلم ‪ « :‬إ ّ‬
‫ن ذلك خير » فقد سمّى التّيمّم وضوءا ‪ ،‬والوضوء مزيل للحدث ‪ ،‬وقال صلى‬
‫فليمسّه بشرته فإ ّ‬
‫ال عليه وسلم ‪ « :‬جعلت لي الرض طهورا ومسجدا » ‪ ،‬والطّهور اسم للمطهّر فدلّ على أنّ‬
‫ن زواله مؤقّت إلى غاية وجود الماء ‪ ،‬فإذا وجد الماء يعود الحدث‬
‫الحدث يزول بالتّيمّم ‪ ،‬إلّ أ ّ‬
‫ق الصّلة المؤدّاة ‪ ،‬ولهذا يجوز‬
‫السّابق ‪ ،‬ولكن في المستقبل ل في الماضي ‪ ،‬فلم يظهر في ح ّ‬
‫التّيمّم قبل دخول الوقت عند الحنفيّة ‪ ،‬وقال القرافيّ ‪ :‬الحدث هو المنع الشّرعيّ من الصّلة ‪،‬‬
‫وهذا الحدث الّذي هو المنع متعلّق بالمكلّف ‪ ،‬وهو بالتّيمّم قد أبيحت له الصّلة إجماعا وارتفع‬
‫المنع إجماعا ‪ ،‬لنّه ل منع مع الباحة فإنّهما ضدّان والضّدّان ل يجتمعان ‪ ،‬وإذا كانت‬
‫الباحة ثابتة قطعا ‪ ،‬والمنع مرتفع قطعا كان التّيمّم رافعا للحدث قطعا ‪ .‬والمشهور عند‬
‫المالكيّة والصّحيح عند الشّافعيّة وعند الحنابلة ‪ -‬غير من ذكر ‪ -‬أنّ التّيمّم ل يرفع الحدث ‪،‬‬
‫ن رسول اللّه‬
‫لنّه بدل ضروريّ ‪ ،‬أو طهارة ضرورة ‪ ،‬ولما روى عمران بن حصين « أ ّ‬
‫صلى ال عليه وسلم صلّى ثمّ رأى رجلً معتزلً لم يصلّ مع القوم فقال ‪ :‬يا فلن ما منعك أن‬
‫تصلّي مع القوم ؟ فقال ‪ :‬يا رسول اللّه أصابتني جنابة ول ماء فقال ‪ :‬عليك بالصّعيد فإنّه‬
‫يكفيك ‪ ،‬فلمّا حضر الماء أعطى النّبيّ صلى ال عليه وسلم هذا الرّجل إناء من ماء فقال‬
‫اغتسل به » ‪ .‬وحديث « عمرو بن العاص حين تيمّم وهو جنب وصلّى بالنّاس فقال له النّبيّ‬
‫صلى ال عليه وسلم ‪ :‬صلّيت بأصحابك وأنت جنب » ‪.‬‬
‫وعن أبي ذرّ رضي ال عنه أنّه كان يعزب في البل وتصيبه الجنابة فأخبر النّبيّ صلى ال‬
‫طيّب طهور المسلم وإن لم يجد الماء عشر سنين فإذا‬
‫ن الصّعيد ال ّ‬
‫عليه وسلم فقال له ‪ « :‬إ ّ‬
‫وجد الماء فليمسّه بشرته » ‪ .‬قال النّوويّ ‪ :‬وكلّها أحاديث صحاح ظاهرة في أنّ الحدث ما‬
‫ارتفع ‪ ،‬إذ لو ارتفع لم يحتج إلى الغتسال ‪.‬‬
‫ما يحرم فعله بسبب الجنابة ‪:‬‬
‫‪ -‬يحرم على الجنب الصّلة سواء أكانت فرضا أم نفلً ‪ ،‬لنّ الطّهارة شرط صحّة الصّلة‬ ‫‪10‬‬

‫ولقول النّبيّ صلى ال عليه وسلم ‪ « :‬ل تقبل صلة بغير طهور » ‪.‬‬
‫وهذا باتّفاق ‪ .‬ويشمل ذلك سجدة التّلوة وصلة الجنازة ‪.‬‬
‫‪ -‬ويحرّم كذلك الطّواف فرضا كان أو نفلً ‪ ،‬لنّه في معنى الصّلة لقول النّبيّ صلى ال‬ ‫‪11‬‬

‫ن اللّه أحلّ لكم فيه الكلم » ولذلك ل يصحّ‬


‫عليه وسلم ‪ « :‬الطّواف بالبيت صلة إلّ أ ّ‬
‫الطّواف ممّن كان جنبا ‪ ،‬وهذا عند المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة ‪ ،‬أمّا عند الحنفيّة فإنّ طواف‬
‫الجنب صحيح ولكن عليه بدنة ‪ ،‬لنّ الطّهارة في الطّواف عندهم ليست شرطا وإنّما هي‬
‫واجبة ‪ ،‬وقد روي عن ابن عبّاس أنّه قال ‪ :‬البدنة تجب في الحجّ في موضعين ‪ :‬إذا طاف‬
‫جنبا ‪ ،‬والثّاني ‪ :‬إذا جامع بعد الوقوف ‪.‬‬
‫‪ -‬ويحرم على الجنب مسّ المصحف بيده أو بشيء من جسده ‪ ،‬سواء أكان مصحفا جامعا‬ ‫‪12‬‬

‫للقرآن ‪ ،‬أم كان جزءا أم ورقا مكتوبا فيه بعض السّور ‪ ،‬وكذا مسّ جلده المتّصل به ‪ ،‬وذلك‬
‫ط ّهرُونَ } وفي كتاب النّبيّ صلى ال عليه وسلم لعمرو بن‬
‫لقوله تعالى ‪ { :‬ل َي َمسّه إلّ ال ُم َ‬
‫حزم ‪ « :‬أن ل يمسّ القرآن إلّ طاهر » ‪.‬‬
‫‪ -‬ويحرم على الجنب كذلك حمل القرآن إلّ إذا كان بأمتعة ‪ ،‬والمتعة هي المقصودة ‪ ،‬أو‬ ‫‪13‬‬

‫كان حمله لضرورة ‪ ،‬كخوف عليه من نجاسة أو غير ذلك ‪.‬‬


‫وأجاز الحنابلة حمله بعلّاقة ‪ ،‬قال ابن قدامة ‪ :‬يجوز حمل المصحف بعلّاقته وهذا قول أبي‬
‫حنيفة وروي ذلك عن الحسن وعطاء وطاوس والشّعبيّ والقاسم وأبي وائل والحكم وحمّاد ;‬
‫لنّه غير ماسّ له كما لو حمله في رحله ‪.‬‬
‫‪ -‬ويحرم عند الحنفيّة مسّ كتب التّفسير ‪ ،‬لنّه يصير بمسّها ماسّا للقرآن ‪ ،‬وهو قول ابن‬ ‫‪14‬‬

‫عرفة من المالكيّة ‪ ،‬والعبرة عند الشّافعيّة بالقلّة والكثرة ‪ ،‬فإن كان القرآن أكثر كبعض كتب‬
‫غريب القرآن حرم مسّه ‪ ،‬وإن كان التّفسير أكثر ل يحرم مسّه في الصحّ ‪.‬‬
‫وأجاز ذلك المالكيّة ‪ -‬غير ابن عرفة ‪ -‬والحنابلة لنّه ل يقع عليها اسم مصحف ‪.‬‬
‫س الدّراهم الّتي عليها شيء من‬
‫‪ -‬ويحرم عند الحنفيّة وفي وجه للشّافعيّة والحنابلة م ّ‬ ‫‪15‬‬

‫القرآن ‪ ،‬لنّ الدّراهم كالورقة الّتي كتب فيها قرآن ‪ ،‬وكره ذلك عطاء والقاسم والشّعبيّ ‪،‬‬
‫وأجاز ذلك المالكيّة ‪ ،‬وهو الصحّ من وجهين مشهورين عند الشّافعيّة وفي وجه عند‬
‫ن في الحتراز من ذلك‬
‫الحنابلة ‪ ،‬لنّه ل يقع عليها اسم المصحف فأشبهت كتب الفقه ‪ ،‬ول ّ‬
‫مشقّة ‪ ،‬والحاجة تدعو إلى ذلك ‪ ،‬والبلوى تعمّ ‪ ،‬فعفي عنه ‪.‬‬
‫‪ -‬ويحرم على الجنب أن يكتب القرآن ‪ ،‬وذلك عند المالكيّة ‪ ،‬وهو وجه مشهور عند‬ ‫‪16‬‬

‫ن كتابة الحروف تجري مجرى‬


‫ب إليّ أن ل يكتب ‪ ،‬ل ّ‬
‫الشّافعيّة ‪ ،‬وقال محمّد بن الحسن ‪ :‬أح ّ‬
‫القراءة ‪.‬‬
‫‪ -‬ويحرم على الجنب قراءة القرآن عند عامّة العلماء من الحنفيّة والمالكيّة والشّافعيّة‬ ‫‪17‬‬

‫ن النّبيّ صلى ال عليه وسلم كان ل يحجزه شيء عن قراءة القرآن إلّ‬
‫والحنابلة لما روي أ ّ‬
‫الجنابة وعن عبد اللّه بن عمر رضي ال عنهما عن النّبيّ صلى ال عليه وسلم أنّه قال ‪:‬‬
‫« ل تقرأ الحائض ول الجنب شيئا من القرآن » ‪ .‬وروي عن ابن عبّاس وسعيد بن المسيّب‬
‫صبّاغ وغيرهما ‪ :‬اختاره‬
‫طيّب وابن ال ّ‬
‫أنّه يجوز للجنب قراءة كلّ القرآن ‪ .‬قال القاضي أبو ال ّ‬
‫ابن المنذر ويجوز عند الجميع تلوة ما لم يقصد به القرآن كالدعية والذّكر البحت ‪.‬‬
‫‪ -‬ويحرم على الجنب دخول المسجد واللّبث فيه ‪ ،‬وأجاز الشّافعيّة والحنابلة وبعض‬ ‫‪18‬‬

‫ج ُنبَا إلّ عَابِري سَبيلٍ } ‪.‬‬


‫المالكيّة عبوره ‪ ،‬للستثناء الوارد في قوله تعالى ‪ { :‬ول ُ‬
‫ل بالتّيمّم ‪.‬‬
‫ومنع الحنفيّة وهو المذهب عند المالكيّة العبور إ ّ‬
‫ج ُنبَا إلّ عَابِري سَبيلٍ } ‪.‬‬
‫‪ -‬ويحرم العتكاف للجنب لقوله تعالى ‪ { :‬ول ُ‬ ‫‪19‬‬

‫وقد سبق تفصيل ذلك في مصطلح ( اعتكاف ) ‪.‬‬


‫ما يستحبّ وما يباح للجنب ‪:‬‬
‫‪ -‬يباح للجنب الذّكر والتّسبيح والدّعاء لما روى مسلم عن عائشة رضي ال عنها قالت‪« :‬‬ ‫‪20‬‬

‫كان النّبيّ صلى ال عليه وسلم يذكر اللّه على كلّ أحيانه » ‪.‬‬
‫ب للجنب إذا أراد أن ينام أو يأكل أو يشرب أو يطأ ثانيا أن يغسل فرجه ويتوضّأ‬
‫‪ -‬يستح ّ‬ ‫‪21‬‬

‫وضوءه للصّلة ‪ ،‬وذلك عند الشّافعيّة والحنابلة ‪ ،‬وهو قول عند المالكيّة ‪ :‬لما روى مسلم ‪« :‬‬
‫كان رسول اللّه صلى ال عليه وسلم إذا كان جنبا فأراد أن يأكل أو ينام توضّأ وضوءه »‪.‬‬
‫وعن أبي سعيد الخدريّ رضي ال عنه قال ‪ :‬قال رسول اللّه صلى ال عليه وسلم ‪ « :‬إذا أتى‬
‫أحدكم أهله ث ّم أراد أن يعود فليتوضّأ بينهما وضوءا » رواه مسلم ‪.‬‬
‫ن الجنب مأمور‬
‫وفي القول الثّاني للمالكيّة ‪ :‬أنّ الوضوء للنّوم أو لمعاودة الهل واجب ‪ ،‬ل ّ‬
‫بالوضوء قبل النّوم ‪ ،‬فهل المر لليجاب أو للنّدب ؟ قولن ‪.‬‬
‫وأجاز الحنفيّة للجنب إذا أراد النّوم أو معاودة الهل الوضوء وعدمه ‪ ،‬قال الكاسانيّ ‪ :‬ل بأس‬
‫للجنب أن ينام ويعاود أهله ‪ ،‬لما روي عن عمر رضي ال عنه قال ‪ « :‬يا رسول اللّه أينام‬
‫أحدنا وهو جنب ؟ قال ‪ :‬نعم » ‪ ،‬ويتوضّأ وضوءه للصّلة ‪ ،‬وله أن ينام قبل أن يتوضّأ‬
‫وضوءه للصّلة ‪ ،‬لما روي عن عائشة رضي ال عنها قالت ‪ « :‬كان النّبيّ صلى ال عليه‬
‫وسلم ينام وهو جنب من غير أن يمسّ ماء » ولنّ الوضوء ليس بقربة بنفسه وإنّما هو لداء‬
‫الصّلة ‪ ،‬وليس في النّوم ذلك ‪ -‬وهو قول ابن المسيّب ‪.‬‬
‫ب الحنفيّة بالنّسبة للكل والشّرب لمن كان جنبا أن يتمضمض ويغسل يديه ‪ ،‬وهو‬
‫لكن استح ّ‬
‫قول ابن المسيّب ‪ ،‬وحكي ذلك عن المام أحمد وإسحاق ‪ ،‬وقال مجاهد ‪ :‬يغسل كفّيه ‪.‬‬
‫‪ -‬يصحّ من الجنب أداء الصّوم بأن يصبح صائما قبل أن يغتسل فإنّ « عائشة وأمّ سلمة‬ ‫‪22‬‬

‫قالتا ‪ :‬نشهد على رسول اللّه صلى ال عليه وسلم أن كان ليصبح جنبا من غير احتلم ثمّ‬
‫يغتسل ث ّم يصوم » ‪.‬‬
‫‪ -‬يصحّ أذان الجنب مع الكراهة وهذا في الجملة ‪.‬‬ ‫‪23‬‬

‫وقد سبق تفصيل ذلك في مصطلح ( أذان ) ‪.‬‬


‫‪ -‬تجوز خطبة الجمعة ممّن كان جنبا مع الكراهة عند المالكيّة ‪ ،‬وفي ظاهر الرّواية عند‬ ‫‪24‬‬

‫الحنفيّة ‪ ،‬وهو قول المام أحمد ‪ ،‬وفي القديم عند الشّافعيّة ‪ ،‬لنّ الطّهارة في خطبة الجمعة‬
‫سنّة عند هؤلء وليست شرطا ‪ ،‬ولنّها من باب الذّكر ‪ ،‬والجنب ل يمنع من الذّكر ‪ ،‬فإن‬
‫خطب جنبا واستخلف في الصّلة أجزأه ‪ ،‬كما يقول المالكيّة ‪ ،‬وقال المام أحمد فيمن خطب‬
‫وهو جنب ثمّ اغتسل وصلّى بهم أجزأه ‪ ،‬وفي الجديد عند الشّافعيّة وهو الشبه بأصول مذهب‬
‫ح الخطبة بدونها ‪ .‬وينظر‬
‫الحنابلة ‪ ،‬كما قال ابن قدامة أنّ الطّهارة من الجنابة شرط فل تص ّ‬
‫تفصيل ذلك في ‪ ( :‬صلة الجمعة ‪ ،‬خطبة ) ‪.‬‬
‫أثر الجنابة في الصّوم ‪:‬‬
‫‪ -‬اتّفق الفقهاء على أنّ الجنابة إذا كانت بالجماع عمدا في نهار رمضان فإنّها تفسد الصّوم‬ ‫‪25‬‬

‫‪ ،‬وتجب الكفّارة ‪ ،‬وكذلك القضاء ‪ ،‬إلّ في قول عند الشّافعيّة أنّه ل يجب القضاء مع الكفّارة ‪،‬‬
‫ن الخلل الحاصل قد انجبر بالكفّارة ‪ ،‬وفي قول آخر للشّافعيّة أنّ القضاء ل يسقط إلّ إن كفّر‬
‫لّ‬
‫بالصّوم ‪ ،‬ولكن الصحّ عندهم أنّ القضاء واجب مع الكفّارة ‪.‬‬
‫والدّليل على وجوب الكفّارة ما روي عن أبي هريرة رضي ال عنه قال ‪ « :‬بينما نحن جلوس‬
‫عند النّبيّ صلى ال عليه وسلم إذ جاءه رجل فقال يا رسول اللّه هلكت ‪ ،‬قال ‪ :‬ما لك ؟ قال ‪:‬‬
‫وقعت على امرأتي وأنا صائم ‪ .‬فقال رسول اللّه صلى ال عليه وسلم ‪ :‬هل تجد رقبة تعتقها ؟‬
‫قال ل ‪ .‬قال فهل تستطيع أن تصوم شهرين متتابعين ؟ قال ل ‪ .‬قال ‪ :‬فهل تجد إطعام ستّين‬
‫ي صلى‬
‫مسكينا ؟ قال ل ‪ .‬قال فمكث النّبيّ صلى ال عليه وسلم فبينا نحن على ذلك أتي النّب ّ‬
‫ال عليه وسلم بعرق فيها تمر ‪ -‬والعرق ‪ :‬المكتل ‪ -‬قال ‪ :‬أين السّائل ؟ فقال أنا ‪ .‬قال ‪ :‬خذ‬
‫هذا فتصدّق به ‪ .‬فقال الرّجل ‪ :‬على أفقر منّي يا رسول اللّه ؟ فواللّه ما بين لبتيها ‪ -‬يريد‬
‫ي صلى ال عليه وسلم حتّى بدت أنيابه‬
‫الحرّتين ‪ -‬أهل بيت أفقر من أهل بيتي ‪ .‬فضحك النّب ّ‬
‫ثمّ قال ‪ :‬أطعمه أهلك » ‪.‬‬
‫والكفّارة فيما سبق إنّما تجب إذا كان الجماع عمدا ‪ ،‬فإن كان نسيانا فل تجب الكفّارة عند‬
‫الحنفيّة والمالكيّة والشّافعيّة ‪ ،‬وفي قول عن المام أحمد لكن ظاهر مذهب الحنابلة أنّ العمد‬
‫والنّسيان سواء في وجوب الكفّارة والقضاء ‪ ،‬كما أنّه ل يجب القضاء بالنّسيان أيضا عند‬
‫الحنفيّة والشّافعيّة وفي قول عند الحنابلة ‪،‬‬
‫قال الحنفيّة ‪ :‬عدم وجوب القضاء استحسان ‪ ،‬لنّه لم يفطر ‪ ،‬والقياس وجوب القضاء ‪.‬‬
‫وعند المالكيّة وهو القول الخر للحنابلة يجب القضاء ‪.‬‬
‫ول تجب الكفّارة بالجماع عمدا في صوم غير رمضان وهذا باتّفاق ‪.‬‬
‫‪ -‬أمّا إذا كانت الجنابة بالنزال بغير جماع في نهار رمضان ‪ .‬فإن كان عن احتلم فل‬ ‫‪26‬‬

‫يفسد الصّوم بالجماع لقول النّبيّ صلى ال عليه وسلم ‪ « :‬ثلث ل يفطرن الصّائم ‪:‬‬
‫الحجامة ‪ ،‬والقيء والحتلم » ‪ .‬ولنّه ل صنع له فيه ‪ ،‬وإن كانت الجنابة بالنزال عن تعمّد‬
‫بمباشرة فيما دون الفرج ‪ ،‬أو قبلة ‪ ،‬أو لمس بشهوة ‪ ،‬أو استمناء فسد الصّوم عند المالكيّة‬
‫والشّافعيّة والحنابلة وعامّة مشايخ الحنفيّة ‪ ،‬وبفساد الصّوم يجب القضاء دون الكفّارة عند‬
‫الحنفيّة والشّافعيّة ‪ ،‬وظاهر مذهب الحنابلة ‪ ،‬ومقابل المعتمد عند المالكيّة ‪ ،‬والمعتمد عند‬
‫المالكيّة وجوب الكفّارة مع القضاء ‪ ،‬وهو قول للمام أحمد ‪ ،‬والرّجل والمرأة في ذلك سواء‪.‬‬
‫أمّا الجنابة الّتي تكون بالنزال عن نظر أو فكر فل تفسد الصّوم عند الحنفيّة ‪ ،‬وهو المذهب‬
‫عند الشّافعيّة والحنابلة لقول النّبيّ صلى ال عليه وسلم ‪ « :‬إنّ اللّه تجاوز لمّتي عمّا وسوست‬
‫أو حدّثت به أنفسها ما لم تعمل به أو تتكلّم » ‪.‬‬
‫وفي قول عند الشّافعيّة ‪ :‬إن كرّر النّظر فأنزل فسد صومه ‪ ،‬وهو قول المام أحمد ‪ ،‬وفي‬
‫قول آخر عند الشّافعيّة ‪ :‬إن اعتاد النزال بالنّظر فسد صومه ‪ ،‬وحكي عن أبي حفص‬
‫البرمكيّ من الحنابلة أنّه لو فكّر فأنزل فسد صومه ‪ ،‬واختاره ابن عقيل ‪.‬‬
‫وعند المالكيّة إن داوم الفكر أو النّظر فأنزل فعليه القضاء والكفّارة ‪ ،‬وإن كانت عادته عدم‬
‫النزال فأنزل فسد صومه ‪ ،‬وفي وجوب الكفّارة وعدمها قولن ‪ ،‬وإن لم يدم النّظر أو الفكر‬
‫فأنزل فعليه القضاء فقط ‪ ،‬إلّ إذا كانت عادته النزال فقولن في الكفّارة وعدمها ‪.‬‬
‫أثر الجنابة في الحجّ ‪:‬‬
‫‪ -‬اتّفق الفقهاء على أنّ الجنابة إذا كانت بجماع فإن كانت قبل الوقوف بعرفة فسد الحجّ‬ ‫‪27‬‬

‫وعليه المضيّ فيه والقضاء ‪ ،‬وعليه بدنة عند الجمهور ‪ ،‬وشاة عند الحنفيّة ‪.‬‬
‫ويستوي في هذا الرّجل والمرأة ‪ ،‬والعمد والنّسيان عند الحنفيّة والمالكيّة والحنابلة ‪ ،‬وفي‬
‫القديم عند الشّافعيّة ‪ ،‬وفي الجديد ل يفسد بالجماع نسيانا ‪.‬‬
‫وإن كانت الجنابة بالجماع بعد الوقوف بعرفة فعند الحنفيّة ل يفسد الحجّ وعليه بدنة ‪ ،‬لقول‬
‫النّبيّ صلى ال عليه وسلم ‪ « :‬الحجّ عرفة » فمن وقف بعرفة فقد تمّ حجّه ‪.‬‬
‫وعند الشّافعيّة والحنابلة في الجملة ‪ ،‬إن كانت الجنابة بالجماع بعد الوقوف بعرفة وقبل التّحلّل‬
‫الوّل فسد الحجّ ويجب المضيّ فيه وعليه القضاء مع وجوب بدنة عند الحنابلة وشاة عند‬
‫الشّافعيّة ‪ ،‬وإن كانت الجنابة بعد التّحلّل الوّل لم يفسد الحجّ عندهما وعليه كفّارة ‪ ،‬قيل بدنة‬
‫وقيل شاة ‪ .‬ول يفسد الحجّ بالجنابة بغير الجماع كأن كان بمباشرة أو قبلة أو لمس ‪ ،‬وسواء‬
‫أكانت الجنابة بذلك قبل الوقوف بعرفة أم بعده مع وجوب الكفّارة على الخلف هل هي بدنة‬
‫أو شاة ‪ ،‬وهذا عند الحنفيّة والشّافعيّة والحنابلة ‪ ،‬وقد فصّل المالكيّة القول فقالوا ‪ :‬إنّ الحجّ‬
‫يفسد بالجنابة بالجماع ومقدّماته سواء أكان ذلك عمدا أم سهوا وذلك إن وقعت الجنابة على‬
‫الوجه التي ‪.‬‬
‫أ ‪ -‬إذا كانت قبل الوقوف بعرفة ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬إذا كانت في يوم النّحر " أي بعد الوقوف بعرفة " ‪ .‬ولكن قبل رمي جمرة العقبة وقبل‬
‫الطّواف ‪ .‬ول يفسد الحجّ إن وقع الجماع أو مقدّماته يوم النّحر بعد رمي جمرة العقبة أو بعد‬
‫الطّواف ‪ .‬أو وقع الجماع أو مقدّماته بعد يوم النّحر ولو قبل الطّواف والرّمي وعليه الهدي ‪.‬‬
‫ي فيه والقضاء ‪.‬‬
‫وإذا فسد الحجّ عليه المض ّ‬
‫والعمرة تفسد بما سبق بيانه في المذاهب قبل التّحلّل منها عند الجمهور ‪ ،‬وعند الحنفيّة قبل أن‬
‫يطوف أربعة أشواط ‪ ،‬فإن كانت الجنابة بعد طواف أربعة أشواط فل تفسد وعليه شاة ‪ .‬وفي‬
‫كلّ ما سبق تفصيلت كثيرة تنظر في ( حجّ ‪ ،‬عمرة ‪ ،‬إحرام ) ‪.‬‬

‫جناية *‬
‫التّعريف ‪:‬‬
‫‪ -‬الجناية في اللّغة الذّنب والجرم ‪ ،‬وهو في الصل مصدر جنى ‪ ،‬ثمّ أريد به اسم‬ ‫‪1‬‬

‫ل فعل محظور يتضمّن ضررا على النّفس أو غيرها ‪،‬‬


‫المفعول ‪ ،‬قال الجرجانيّ ‪ :‬الجناية ك ّ‬
‫وقال الحصكفيّ ‪ :‬الجناية شرعا اسم لفعل محرّم حلّ بمال أو نفس ‪.‬‬
‫ل بنفس وأطراف ‪ ،‬والغصب والسّرقة بما حلّ بمال ‪.‬‬
‫إلّ أنّ الفقهاء خصّوا لفظ الجناية بما ح ّ‬
‫وتذكر الجناية عند الفقهاء ويراد بها كلّ فعل محرّم حلّ بمال ‪ ،‬كالغصب ‪ ،‬والسّرقة ‪،‬‬
‫والتلف ‪ ،‬وتذكر ويراد بها أيضا ما تحدثه البهائم ‪ ،‬وتسمّى ‪ :‬جناية البهيمة ‪ ،‬والجناية عليها‬
‫كما أطلقها بعض الفقهاء على كلّ فعل ثبتت حرمته بسبب الحرام أو الحرم ‪.‬‬
‫فقالوا ‪ :‬جنايات الحرام ‪ ،‬والمراد بها كلّ فعل ليس للمحرم أو الحاجّ أن يفعله ‪.‬‬
‫وعبّر عنها جمهور الفقهاء بممنوعات الحرام أو محظوراته ‪ ،‬أو محرّمات الحرام ‪،‬والحرم‪.‬‬
‫اللفاظ ذات الصّلة ‪:‬‬
‫الجريمة ‪:‬‬
‫‪ -‬الجرم والجريمة في اللّغة ‪ :‬الذّنب ‪ ،‬وفي الصطلح عرّفها الماورديّ بقوله ‪ :‬الجرائم‬ ‫‪2‬‬

‫محظورات شرعيّة زجر اللّه تعالى عنها بحدّ أو تعزير ‪ ،‬فالجريمة أعمّ من الجناية‬
‫الحكم التّكليفيّ ‪:‬‬
‫‪ -‬كلّ عدوان على نفس أو بدن أو مال محرّم شرعا ‪.‬‬ ‫‪3‬‬

‫الحكم الوضعيّ ‪:‬‬


‫‪ -‬يختلف حكم الجناية بحسبها فيكون قصاصا ‪ ،‬أو دية ‪ ،‬أو أرشا ‪ ،‬أو حكومة عدل ‪ ،‬أو‬ ‫‪4‬‬

‫ضمانا على حسب الحوال ‪ ،‬وقد يترتّب على ارتكاب بعض أنواع الجناية ‪ ،‬الكفّارة أو‬
‫الحرمان من الميراث ‪.‬‬
‫أقسام الجناية ‪:‬‬
‫‪ -‬قسّم الفقهاء الجناية إلى أقسام ثلثة ‪:‬‬ ‫‪5‬‬

‫‪ -‬الجناية على النّفس وهي القتل ‪.‬‬ ‫‪1‬‬

‫‪ -‬الجناية على ما دون النّفس ‪ ،‬وهي الصابة الّتي ل تزهق الرّوح ‪.‬‬ ‫‪2‬‬

‫‪ -‬الجناية على ما هو نفس من وجه دون وجه كالجناية على الجنين ‪.‬‬ ‫‪3‬‬

‫وبيان ذلك كما يلي ‪:‬‬


‫أوّلً ‪ -‬أقسام الجناية على النّفس ‪:‬‬
‫‪ -‬ذهب أكثر أهل العلم إلى أنّ الجناية على النّفس تنقسم بحسب القصد وعدمه إلى ‪ :‬عمد ‪،‬‬ ‫‪6‬‬

‫وشبه عمد ‪ ،‬وخطإ ‪ ،‬فالتّقسيم عندهم ثلثيّ ‪ .‬وهو خماسيّ عند فقهاء الحنفيّة بزيادة ‪ :‬ما‬
‫أجري مجرى الخطأ ‪ ،‬والقتل بسبب ‪ .‬وهي عند بعض فقهاء الحنابلة أربعة أقسام ‪ ،‬لنّهم‬
‫يعتبرون ما أجري مجرى الخطأ ‪ ،‬والقتل بسبب قسما واحدا ‪.‬‬
‫وقال ابن قدامة ‪ :‬هذا القسم هو من الخطأ ‪ ،‬فالتّقسيم عند جمهور الحنابلة أيضا ثلثيّ ‪ ،‬وأنكر‬
‫مالك في رواية شبه العمد ‪ ،‬وقال ‪ :‬القتل إمّا عمد وإمّا خطأ ‪ ،‬لنّه ليس في كتاب اللّه تعالى‬
‫إلّ العمد والخطأ ‪ ،‬وجعل شبه العمد في حكم العمد ‪ ،‬وروي عنه أنّه قال بشبه العمد وبيان كلّ‬
‫من أقسام القتل كالتي ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬القتل العمد ‪:‬‬
‫‪ -‬اختلف الفقهاء في تعريف القتل العمد ‪ :‬فذهب المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة ‪ ،‬وأبو يوسف‬ ‫‪7‬‬

‫ومحمّد من الحنفيّة ‪ ،‬إلى أنّ القتل العمد هو الضّرب بمحدّد أو غير محدّد ‪ ،‬والمحدّد ‪ ،‬هو ما‬
‫سكّين وأمثالهما ممّا يحدّد ويجرح ‪ ،‬وغير المحدّد هو ما‬
‫يقطع ‪ ،‬ويدخل في البدن كالسّيف وال ّ‬
‫يغلب على الظّنّ حصول الزّهوق به عند استعماله كحجر كبير ‪ ،‬أو خشبة كبيرة وبه قال‬
‫النّخعيّ ‪ ،‬والزّهريّ ‪ ،‬وابن سيرين وحمّاد ‪ ،‬وعمرو بن دينار ‪ ،‬وابن أبي ليلى ‪،‬وإسحاق‪.‬‬
‫وذهب أبو حنيفة إلى أنّ القتل العمد هو أن يتعمّد ضرب المقتول في أيّ موضع من جسده بآلة‬
‫تفرّق الجزاء ‪ ،‬كالسّيف ‪ ،‬واللّيطة ‪ ،‬والمروة والنّار ‪ ،‬لنّ العمد فعل القلب ‪ ،‬لنّه القصد ‪،‬‬
‫ول يوقف عليه إلّ بدليله ‪ ،‬وهو مباشرة اللة الموجبة للقتل عادة ‪.‬‬
‫وهذا بخلف المثقل فليس القتل به عمدا عنده ‪.‬‬
‫وأمّا حكمه فل خلف بين الفقهاء في أنّ موجب القتل العمد بشروطه ‪ :‬القود ‪ ،‬والثم ‪،‬‬
‫وحرمان القاتل من أن يرث القتيل ‪ .‬وتفصيل ذلك في مصطلح ‪ ( :‬قتل عمد ) ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬القتل شبه العمد ‪:‬‬
‫‪ -‬ذهب الشّافعيّة ‪ ،‬والحنابلة ‪ ،‬وأبو يوسف ومحمّد من الحنفيّة إلى أنّ شبه العمد هو ‪ :‬أن‬ ‫‪8‬‬

‫يقصد الفعل والشّخص ‪ ،‬بما ل يقتل غالبا كالضّرب بالسّوط ‪ ،‬والعصا الصّغيرة ‪ ،‬فيؤدّي إلى‬
‫ن معنى العمديّة قاصر في مثل هذه الفعال ‪ ،‬لنّها ل تقتل عادة ‪ ،‬ويقصد به‬
‫موته ‪ ،‬وهذا ل ّ‬
‫غير القتل ‪ ،‬كالتّأديب ونحوه ‪ ،‬فكان شبه العمد ‪.‬‬
‫وقال أبو حنيفة ‪ :‬شبه العمد أن يتعمّد الضّرب بما ل يفرّق الجزاء كالحجر ‪ ،‬والعصا ‪،‬واليد‪.‬‬
‫وأمّا المالكيّة فل يقولون بشبه العمد في قول ‪ ،‬وعلى القول الخر شبه العمد ‪ :‬هو أن يقصد‬
‫الضّرب ول يقصد القتل ‪ ،‬فالمشهور أنّه كالعمد ‪ ،‬وقيل ‪ :‬كالخطأ ‪ ،‬وهناك قول ثالث ‪ :‬وهو‬
‫أنّه تغلّظ فيه الدّية ‪.‬وموجبه الثم والكفّارة ودية مغلّظة على العاقلة في قول جمهور الفقهاء‪.‬‬
‫وتفصيل ذلك في مصطلح ‪ ( :‬قتل شبه عمد ) ‪.‬‬
‫ج ‪ -‬القتل الخطأ ‪:‬‬
‫‪ - 9‬ل خلف بين الفقهاء في أنّ القتل الخطأ هو أن ل يقصد الضّرب ول القتل ‪ ،‬مثل أن‬
‫يرمي صيدا أو هدفا فيصيب إنسانا ‪ ،‬أو ينقلب النّائم على إنسان فيقتله ‪.‬‬
‫وموجبه الدّية على العاقلة والكفّارة ‪ ،‬وتفصيل ذلك في مصطلح ‪ ( :‬قتل خطأ ) ‪.‬‬
‫د ‪ -‬القتل بالتّسبّب أو السّبب ‪:‬‬
‫‪ -‬ذهب الحنفيّة إلى أنّ القتل بالتّسبّب هو القتل نتيجة حفر البئر ‪ ،‬أو وضع الحجر في غير‬ ‫‪10‬‬

‫ملكه وفنائه ‪ ،‬وأمثالهما ‪ ،‬فيعطب به إنسان ويقتل ‪ ،‬وموجب ذلك الدّية على العاقلة ل غير ‪،‬‬
‫لنّه متعدّ فيما وضعه وحفره ‪ ،‬فجعل الحافر دافعا موقعا ‪ ،‬فتجب الدّية على العاقلة ‪ ،‬ول يأثم‬
‫فيه لعدم القصد ‪ ،‬ول كفّارة عليه ‪ ،‬لنّه لم يقتل حقيقة ‪ ،‬وإنّما ألحق بالقاتل في حقّ الضّمان ‪،‬‬
‫فبقي ما وراء ذلك على الصل ‪ ،‬وبذلك قضى شريح بمحضر من الصّحابة من غير نكير ‪.‬‬
‫وألحق المالكيّة والشّافعيّة وأكثر الحنابلة القتل بسبب بالخطأ في أحكامه إذا لم يقصد به الجناية‬
‫‪ ،‬فإن قصد به جناية فشبه عمد ‪ ،‬وقد يقوى فيلحق بالعمد ‪.‬‬
‫وتفصيل ذلك في مصطلح ‪ ( :‬القتل بالتّسبّب ) ‪.‬‬
‫ثانيا ‪ -‬الجناية على ما دون النّفس ‪:‬‬
‫الجناية على ما دون النّفس إمّا أن تكون عمدا ‪ ،‬أو خطأ ‪.‬‬
‫أ ‪ -‬إذا كانت عمدا ‪:‬‬
‫‪ -‬يجب القصاص في الجناية على ما دون النّفس بقطع عضو ‪ ،‬أو إحداث جرح ‪ ،‬أو إزالة‬ ‫‪11‬‬

‫منفعة عمدا بشرائط خاصّة ‪ ،‬ول يكون فيما دون النّفس شبه عمد عند فقهاء الحنفيّة وبعض‬
‫فقهاء الحنابلة ‪ ،‬فما كان شبه عمد في النّفس فهو عمد فيما دون النّفس ‪ ،‬لنّ ما دون النّفس ل‬
‫يقصد إتلفه بآلة دون آلة عادة ‪ ،‬فاستوت اللت كلّها في الدّللة على القصد ‪ ،‬فكان الفعل‬
‫عمدا محضا ‪ .‬وتفصيل ذلك في مصطلح ‪ ( :‬جناية على ما دون النّفس ) ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬إذا كانت خطأ ‪:‬‬
‫‪ -‬الجناية على ما دون النّفس إذا كانت خطأ ففيها الدّية ‪ ،‬أو أرش ‪ ،‬أو حكومة عدل على‬ ‫‪12‬‬

‫حسب الحوال ‪ .‬وفي شروط وجوب القصاص فيما دون النّفس وكيفيّة استيفائه ‪ ،‬وكذلك في‬
‫شروط وجوب الدّية ‪ ،‬ومقدار ما يؤخذ من الدّية في كلّ نوع من العتداء على الطراف‬
‫خلف وتفصيل يرجع فيه إلى مصطلح ‪ ( :‬جناية على ما دون النّفس ) ‪.‬‬
‫ثالثا ‪ -‬الجناية على ما هو نفس من وجه دون وجه ‪:‬‬
‫‪ -‬الجناية على ما هو نفس من وجه دون وجه وهو الجنين بأن ضرب حاملً فألقت جنينا‬ ‫‪13‬‬

‫ميّتا ‪ ،‬فل خلف بين الفقهاء في أنّه تجب فيه الغرّة وهي نصف عشر الدّية ‪.‬‬
‫قال الحنفيّة ‪ :‬وجوب الغرّة في الجنين استحسان ‪ ،‬والقياس أن ل شيء على الضّارب ‪ ،‬لنّه‬
‫يحتمل أن يكون حيّا وقت الضّرب ‪ ،‬ويحتمل أنّه لم يكن ‪ ،‬بأن لم تخلق فيه الحياة بعد ‪ ،‬فل‬
‫شكّ ‪ .‬وتفصيل ذلك في مصطلح ‪ ( :‬جنين وحمل ) ‪.‬‬
‫يجب الضّمان بال ّ‬

‫جناية على ما دون النّفس *‬


‫التّعريف ‪:‬‬
‫‪ -‬الجناية في اللّغة الذّنب والجرم ‪ .‬وقال الحصكفيّ ‪ :‬الجناية شرعا ‪ :‬اسم لفعل محرّم حلّ‬ ‫‪1‬‬

‫بمال أو نفس ‪ ،‬إلّ أنّ الفقهاء خصّوا لفظ الجناية بما حلّ بنفس أو أطراف ‪ ،‬والغصب والسّرقة‬
‫ل بمال ‪.‬‬
‫بما ح ّ‬
‫والجناية على ما دون النّفس كلّ فعل محرّم وقع على الطراف أو العضاء ‪ ،‬سواء أكان‬
‫بالقطع ‪ ،‬أم بالجرح ‪ ،‬أم بإزالة المنافع ‪.‬‬
‫الحكم التّكليفيّ ‪:‬‬
‫كلّ جناية على ما دون النّفس عمدا عدوانا محرّمة شرعا ‪.‬‬
‫الحكم الوضعيّ ‪:‬‬
‫‪ -‬يختلف حكم الجناية باختلف كونها عمدا أو خطأ ‪ ،‬فإذا كانت عمدا فموجبها القصاص‬ ‫‪2‬‬

‫سنّة ‪ ،‬والجماع ‪،‬‬


‫إذا توفّرت فيها شروط معيّنة يأتي ذكرها ‪ ،‬والدّليل على ذلك الكتاب ‪ ،‬وال ّ‬
‫ن النّفْسَ بالنّفْسِ والعَينَ بالعَينِ‬
‫والمعقول ‪ .‬أمّا الكتاب فقوله تعالى ‪ { :‬و َك َت ْبنَا عليهم فيها أ ّ‬
‫ع َتدَى‬
‫جرُوحَ ِقصَاصٌ } ‪ ،‬وقوله تعالى ‪ { :‬فَمَن ا ْ‬
‫ن وال ُ‬
‫ن بالسّ ّ‬
‫لذُنِ والسّ ّ‬
‫ل ْنفِ والُذُنَ با ُ‬
‫واَل ْأنَف با َ‬
‫عتَدَى عَليكمْ } ‪.‬‬
‫عتَدُوا عليه ِب ِم ْثلِ ما ا ْ‬
‫عليكم فَا ْ‬
‫سنّة ‪ :‬فما روى أنس رضي ال عنه قال ‪ « :‬كسرت الرّبيّع ‪ ،‬وهي عمّة أنس بن‬
‫وأمّا ال ّ‬
‫ي صلى ال عليه وسلم‬
‫مالك ‪ ،‬ثنيّة جارية من النصار ‪ ،‬فطلب القوم القصاص ‪ ،‬فأتوا النّب ّ‬
‫فأمر النّبيّ صلى ال عليه وسلم بالقصاص ‪ ،‬فقال أنس بن النّضر عمّ أنس بن مالك ‪ :‬ل ‪:‬‬
‫واللّه ل تكسر سنّها يا رسول اللّه ‪ ،‬فقال رسول اللّه صلى ال عليه وسلم ‪ :‬يا أنس ‪ ،‬كتاب اللّه‬
‫القصاص ‪ ،‬فرضي القوم وقبلوا الرش فقال رسول اللّه صلى ال عليه وسلم ‪ :‬إنّ من عباد‬
‫اللّه من لو أقسم على اللّه لبرّه » ‪.‬‬
‫وأمّا الجماع ‪ :‬فقد أجمع المسلمون على جريان القصاص فيما دون النّفس إذا أمكن ‪.‬‬
‫وأمّا المعقول ‪ :‬فلنّ ما دون النّفس كالنّفس في الحاجة إلى حفظه ‪ ،‬لنّه خلق وقاية للنّفس‬
‫فشرع الجزاء صونا له ‪.‬‬
‫وإذا كانت الجناية على ما دون النّفس خطأ أو عمدا غير مستجمع لسائر الشّروط الموجبة‬
‫للقصاص فموجبها الدّية ‪ ،‬أو الرش ‪ ،‬أو حكومة عدل ‪ ،‬على حسب الحوال ‪.‬‬
‫فالجناية على ما دون النّفس قسمان ‪ :‬الجناية الموجبة للقصاص ‪ ،‬والجناية الموجبة للدّية‬
‫وغيرها ‪.‬‬
‫القسم الوّل ‪ :‬الجناية على ما دون النّفس الموجبة للقصاص ‪:‬‬
‫‪ -‬تكون الجناية على ما دون النّفس موجبة للقصاص إذا تحقّقت فيها الشّروط التية ‪:‬‬ ‫‪3‬‬

‫‪ - 1 -‬أن يكون الفعل عمدا ‪:‬‬


‫‪ -‬اتّفق الفقهاء على أنّ العمد شرط من شروط وجوب القصاص في الجناية على ما دون‬ ‫‪4‬‬

‫النّفس ‪ .‬واختلفوا فيما وراء ذلك ‪:‬‬


‫فذهب فقهاء الحنفيّة ‪ ،‬وأبو بكر ‪ ،‬وابن أبي موسى من فقهاء الحنابلة إلى أنّه ليس فيما دون‬
‫ن ما دون النّفس‬
‫النّفس شبه عمد ‪ ،‬فما كان شبه عمد في النّفس فهو عمد فيما دون النّفس ‪ ،‬ل ّ‬
‫ل يقصد إتلفه بآلة دون آلة عادة فاستوت اللت كلّها في الدّللة على القصد ‪ ،‬فكان الفعل‬
‫عمدا محضا ‪.‬‬
‫ويشترط المالكيّة للقصاص فيما دون النّفس أن يكون الجرح ناتجا عن قصد الضّرب عداوة ‪،‬‬
‫فالجرح النّاتج عن اللّعب ‪ ،‬أو الدب ل قصاص فيه ‪.‬‬
‫وعند الشّافعيّة كما يعتبر في القتل أن يكون عمدا محضا ‪ ،‬يعتبر ذلك في الطّرف أيضا ‪ ،‬فل‬
‫يجب القصاص بالجراحات وإبانة الطراف إذا كانت خطأ أو شبه عمد ‪ ،‬ومن صور شبه‬
‫العمد أن يضرب رأسه بلطمة أو حجر ل يشجّ غالبا لصغره ‪ ،‬فيتورّم الموضع ويتّضح‬
‫ن شبه العمد ل يوجب القصاص في الجناية على ما دون‬
‫العظم‪ .‬وذهب جمهور الحنابلة إلى أ ّ‬
‫النّفس ‪ ،‬وهو أن يقصد ضربه بما ل يفضي إلى ذلك غالبا ‪ ،‬مثل أن يضربه بحصاة ل توضح‬
‫مثلها ‪ ،‬فل يجب القصاص ‪ ،‬لنّه شبه عمد ‪.‬‬
‫‪ - 2 -‬أن يكون الفعل عدوانا ‪:‬‬
‫‪ -‬اتّفق الفقهاء على أنّ العدوان شرط من شروط وجوب القصاص في الجناية على ما دون‬ ‫‪5‬‬

‫النّفس كما هو شرط في الجناية على النّفس ‪ ،‬فإن لم يكن الجاني متعدّيا في فعله ‪ ،‬فل يقتصّ‬
‫منه ‪ .‬كأن يكون الجاني ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬غير أهل للعقوبة ‪ ،‬لنّ الهليّة هي مناط التّكليف ‪ ،‬ويعتبر الشّخص كامل الهليّة بالعقل‬
‫والبلوغ ‪.‬‬
‫ص ممّن أقام الحدّ ‪ ،‬أو نفّذ‬
‫ب ‪ -‬إذا كان ارتكاب الفعل الضّارّ بحقّ أو شبهة ‪ .‬فل يقت ّ‬
‫التّعزير ‪ ،‬سواء أكان قتل أم قطعا ‪ ،‬ول من الطّبيب بشروطه ‪ ،‬لنّ الغرض من فعل الطّبيب‬
‫هو شفاء المريض ل العتداء عليه ‪ ،‬ول ممّن وجب عليه دفع الصّائل بشروطه ‪ .‬ول ممّن‬
‫ارتكب الجناية بأمر من المجنيّ عليه عند الحنفيّة والشّافعيّة والحنابلة ‪ ،‬فمن قال لخر ‪ :‬اقطع‬
‫يدي ول شيء عليك ‪ ،‬فقطع فل شيء عليه مع الثم عليهما ‪.‬‬
‫ويرى المالكيّة أنّه يجب القصاص إن لم يستمرّ المقطوع على إبراء القاطع ‪ ،‬بأن رجع عنه‬
‫بعد القطع ‪ ،‬أمّا إن استمرّ على البراء فليس على القاطع إلّ الدب ‪ ،‬وقيل ‪ :‬عليه الدب‬
‫مطلقا من غير تفصيل بين استمرار المقطوع على البراء والرّجوع عنه ‪.‬‬
‫‪ - 3 -‬كون المجنيّ عليه مكافئا للجاني في الصّفات التية على الخلف والتّفصيل التيين ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬التّكافؤ في النّوع " الذّكورة والنوثة " ‪:‬‬
‫‪ -‬ذهب المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة إلى أنّه ل يشترط التّكافؤ بين الجاني والمجنيّ عليه في‬ ‫‪6‬‬

‫النّوع ‪ ،‬فيجري القصاص بين الذّكور والناث بنفس أحكام القصاص في النّفس ‪.‬‬
‫ويرى الحنفيّة في المشهور والمعتمد أنّه يجب أن يكافئ المجنيّ عليه الجاني في النّوع ‪ ،‬لنّه‬
‫يشترط للتّكافؤ أن يكون أرش كلّ من الجاني والمجنيّ عليه مساويا للخر ‪ ،‬فيجري القصاص‬
‫عندهم فيما دون النّفس إذا كانا ذكرين أو أنثيين ‪ ،‬فإن كان أحدهما ذكرا والخر أنثى ‪ ،‬فل‬
‫قصاص ‪ ،‬لنّ المماثلة في الروش شرط وجوب القصاص فيما دون النّفس ‪.‬‬
‫وفي الواقعات ‪ :‬لو قطعت المرأة يد رجل كان له القود ‪ ،‬إذا رضي بالقود عن الرش ‪.‬‬
‫ص محمّد على جريان القصاص بين الرّجل والمرأة في الشّجاج الّتي يجري فيها‬
‫ون ّ‬
‫القصاص ‪ ،‬لنّه ليس في الشّجاج تفويت منفعة ‪ ،‬وإنّما هو إلحاق شين وقد استويا فيه ‪ ،‬وفي‬
‫الطّرف تفويت المنفعة ‪ ،‬وقد اختلفا فيه ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬التّكافؤ في الدّين ‪:‬‬
‫‪ -‬اختلفت آراء الفقهاء في اشتراط التّكافؤ في الدّين ‪:‬‬ ‫‪7‬‬

‫فذهب الحنفيّة إلى أنّه يجري القصاص فيما دون النّفس بين المسلم وال ّذ ّميّ لتساويهما في‬
‫الرش ‪ ،‬وكذا بين المسلمة والكتابيّة ‪.‬‬
‫وعند المالكيّة على المشهور من المذهب أنّه ل يقتصّ من الكافر للمسلم ; لنّ جناية النّاقص‬
‫على الكامل كجناية ذي يد شلّاء على صحيحة في الجراح ‪ ،‬ويلزمه للكامل ما فيه من الدّية ‪،‬‬
‫وإلّ فحكومة عدل إن برئ على شين ‪ ،‬وإلّ فليس على الجاني إلّ الدب ‪.‬‬
‫ويرى الشّافعيّة أنّه ل يشترط في قصاص الطّرف التّساوي في البدل ‪ ،‬فيقطع ال ّذ ّميّ بالمسلم ‪،‬‬
‫ول عكس فيه ‪ .‬وكذلك قال الحنابلة ‪ :‬من ل يقتل بقتله ‪ ،‬ل يقتصّ منه فيما دون النّفس له‬
‫أيضا كالمسلم مع الكافر ‪ ،‬لنّه ل تؤخذ نفسه بنفسه ‪ ،‬فل يؤخذ طرفه بطرفه ‪ ،‬ول يجرح‬
‫بجرحه كالمسلم مع المستأمن ‪.‬‬
‫ج ‪ -‬التّكافؤ في العدد ‪:‬‬
‫‪ -‬ذهب المالكيّة ‪ ،‬والشّافعيّة وهو المذهب عند الحنابلة إلى أنّ الجماعة إذا اشتركوا في‬ ‫‪8‬‬

‫جرح موجب للقصاص وجب القصاص على جميعهم ‪ ،‬لما روي أنّ شاهدين شهدا عند عليّ‬
‫رضي ال عنه على رجل بالسّرقة فقطع يده ‪ ،‬ث ّم جاءا بآخر ‪ ،‬فقال ‪ :‬هذا هو السّارق وأخطأنا‬
‫في الوّل فر ّد شهادتهما على الثّاني وغرّمهما دية الوّل ‪ .‬وقال ‪ :‬لو علمت أنّكما تعمّدتما‬
‫ل واحد منهما لو تعمّد ‪ ،‬ولنّه أحد نوعي القصاص ‪،‬‬
‫لقطعتكما ‪ .‬فأخبر أنّ القصاص على ك ّ‬
‫فتؤخذ الجماعة بالواحد كالنفس ‪.‬‬
‫هذا إذا لم يتميّز فعل كلّ واحد ‪ ،‬أمّا لو تميّز ‪ :‬بأن قطع هذا من جانب ‪ ،‬وهذا من جانب حتّى‬
‫التقت الحديدتان ‪ ،‬أو قطع أحدهما بعض اليد ‪ ،‬وأبانها الخر ‪ ،‬فل قصاص على واحد منهما‬
‫ل واحد منهما حكومة عدل تليق بجنايته ‪.‬‬
‫عند الشّافعيّة والحنابلة ‪ .‬ويلزم ك ّ‬
‫وينبغي أن يبلغ مجموع الحكومتين دية اليد ‪.‬‬
‫ل إذا كانوا ثلثة ‪ :‬قلع أحدهم عينه ‪ ،‬والخر قطع‬
‫والظهر عند المالكيّة أنّه يقتصّ من الك ّ‬
‫يده ‪ ،‬والثّالث رجله ولم يعلم من الّذي فقأ العين وقطع الرّجل أو اليد ‪ ،‬ول تمالؤ بينهم ‪ ،‬اقتصّ‬
‫من كلّ بفقء عينه ‪ ،‬وقطع يده ورجله ‪ ،‬وأمّا إن تميّزت جناية كلّ واحد ول تمالؤ بينهم ‪،‬‬
‫ص من كلّ منهم كفعله بالمجنيّ عليه ‪.‬‬
‫فيقت ّ‬
‫وأمّا عند الحنفيّة والحنابلة في وجه فل تقطع اليدي باليد ‪ ،‬وتجب الدّية ‪ ،‬كالثنين إذا قطعا يد‬
‫رجل ‪ ،‬أو رجله ‪ ،‬أو أذهبا سمعه أو بصره ‪ ،‬أو قلعا سنّا له أو نحو ذلك من الجنايات الّتي‬
‫على الواحد منهما فيها القصاص لو انفرد بها ‪ ،‬فل قصاص عليهما ‪ ،‬بل عليهما الرش‬
‫ن المماثلة‬
‫نصفين ‪ ،‬وإن كانوا أكثر من اثنين فعليهم الرش على عددهم بالسّواء ‪ ،‬وهذا ل ّ‬
‫فيما دون النّفس معتبرة ‪ ،‬ول مماثلة بين اليدي ويد واحدة ل في الذّات ول في المنفعة ول‬
‫في الفعل ‪ .‬وبه قال الحسن والزّهريّ ‪ ،‬والثّوريّ وابن المنذر ‪.‬‬
‫‪ - 4 -‬المماثلة في المحلّ ‪:‬‬
‫‪ - 9‬ل خلف بين الفقهاء في أنّه يشترط لوجوب القصاص في الجناية على ما دون النّفس‬
‫ل الجناية ‪ ،‬ومحلّ القصاص ‪ ،‬فل يؤخذ شيء من الصل إلّ بمثله ‪ ،‬فل‬
‫توافر التّماثل بين مح ّ‬
‫ل باليد ‪ ،‬لنّ غير اليد ليس من جنسها ‪ ،‬فلم يكن مثل لها ‪ ،‬إذ التّجانس شرط‬
‫تؤخذ اليد إ ّ‬
‫للمماثلة ‪ ،‬وكذا الرّجل ‪ ،‬والصبع ‪ ،‬والعين ‪ ،‬والنف ونحوها ‪ .‬وكذا ل تؤخذ الصابع إلّ‬
‫سبّابة ‪ ،‬وهكذا في الباقي ‪ ،‬لنّ منافع‬
‫سبّابة إلّ بال ّ‬
‫بمثلها ‪ ،‬فل تؤخذ البهام إلّ بالبهام ‪ ،‬ول ال ّ‬
‫الصابع مختلفة ‪ ،‬فكانت كالجناس المختلفة ‪ .‬وكذلك ل تؤخذ اليمين باليسار في كلّ ما انقسم‬
‫إلى يمين ويسار ‪ ،‬كاليدين والرّجلين ‪ ،‬والذنين والمنخرين وغيرها ‪.‬‬
‫وكذلك في السنان ل تؤخذ الثّنيّة إلّ بالثّنيّة لختلف منافعها ‪ ،‬فإنّ بعضها قواطع ‪ ،‬وبعضها‬
‫ضواحك ‪ ،‬واختلف المنفعة بين الشّيئين يلحقهما بجنسين ‪ ،‬ول مماثلة عند اختلف الجنس ‪،‬‬
‫وكذلك الحكم في العلى والسفل من السنان للتّفاوت بين العلى والسفل ‪ ،‬وهو الحكم في‬
‫كلّ ما انقسم إلى أعلى وأسفل ‪.‬‬
‫‪ - 5 -‬المماثلة في المنفعة ‪:‬‬
‫‪ -‬اتّفق الفقهاء على أنّه يشترط لوجوب القصاص في الجناية على ما دون النّفس أن تتماثل‬ ‫‪10‬‬

‫منافعها عند الجاني وعند المجنيّ عليه ‪ ،‬وإذا اتّحد الجنس في الطراف كاليد والرّجل لم يؤثّر‬
‫التّفاوت في الصّغر والكبر ‪ ،‬والطّول والقصر ‪ ،‬والقوّة والضّعف ‪ ،‬والضّخامة والنّحافة ; لنّ‬
‫الختلف في الحجم ل يؤثّر في منافعها ‪.‬‬
‫واختلف الفقهاء في بعض العضاء على تفصيل يأتي عند الكلم عن أنواع الجناية على ما‬
‫دون النّفس من العضاء والطراف ‪.‬‬
‫إمكان الستيفاء من غير حيف ‪:‬‬
‫‪ -‬يتحقّق هذا بأن يكون القطع من مفصل ‪ ،‬فإن كان من غير مفصل فل قصاص فيه من‬ ‫‪11‬‬

‫موضع القطع بغير خلف ‪ ،‬وقد روى نمر بن جابر عن أبيه « أنّ رجلً ضرب على ساعده‬
‫بالسّيف فقطعها من غير مفصل ‪ ،‬فاستعدى عليه النّبيّ صلى ال عليه وسلم فأمر له بالدّية ‪،‬‬
‫قال ‪ :‬إنّي أريد القصاص ‪ ،‬قال ‪ :‬خذ الدّية بارك اللّه لك فيها » ‪ ،‬ولم يقض له بالقصاص ‪.‬‬
‫وهذا ما لم يرض المجنيّ عليه بالقطع من مفصل أدنى من محلّ الجناية على ما سيأتي في‬
‫الجناية على العظم ‪.‬‬
‫أنواع الجناية على ما دون النّفس ‪:‬‬
‫إذا كانت عمدا ‪:‬‬
‫‪ -‬الجناية على ما دون النّفس إمّا أن تكون بالقطع والبانة ‪ ،‬أو بالجرح الّذي يشقّ ‪ ،‬أو‬ ‫‪12‬‬

‫بإزالة منفعة بل شقّ ول إبانة ‪.‬‬


‫النّوع الوّل ‪ -‬أن تكون الجناية بالقطع والبانة ‪:‬‬
‫‪ -‬يجب القصاص بالجناية على العضاء والطراف إذا أدّت إلى قطع العضو أو الطّرف‬ ‫‪13‬‬

‫بشروط معيّنة ‪ ،‬وفيما يلي تفصيل الكلم على كلّ ‪:‬‬


‫‪ -‬الجناية على اليدين والرّجلين ‪:‬‬ ‫‪1‬‬

‫‪ -‬اتّفق الفقهاء على أنّه تؤخذ اليد باليد ‪ ،‬والرّجل بالرّجل ‪ ،‬ول يؤثّر التّفاوت في الحجم‬ ‫‪14‬‬

‫وغير ذلك من الوصاف ‪ ،‬فتؤخذ اليد الصّغيرة بالكبيرة ‪ ،‬والقويّة بالضّعيفة ‪ ،‬ويد الصّانع بيد‬
‫صحّة على الوجه التّالي ‪:‬‬
‫الخرق ‪ .‬ولكن يؤثّر الكمال وال ّ‬
‫أ ‪ -‬الكمال ‪:‬‬
‫‪ -‬اختلفت آراء الفقهاء في قطع كاملة الصابع من يد أو رجل بناقصة الصابع ‪ ،‬فذهب‬ ‫‪15‬‬

‫الحنفيّة والشّافعيّة والحنابلة إلى أنّه ل تؤخذ كاملة الصابع بناقصة الصابع ‪ ،‬لعدم المماثلة‬
‫وعدم المساواة ‪ ،‬فلو قطع من له خمس أصابع ‪ ،‬يد من له أقلّ من ذلك لم يجز القصاص ‪،‬‬
‫لنّها فوق حقّه ‪ ،‬ول ذات أظفار بما ل أظفار لها ‪ ،‬لزيادتها على حقّه ‪ ،‬ول بناقصة الظفار ‪،‬‬
‫سواء رضي الجاني بذلك أم ل ‪ ،‬لنّ الدّماء ل تستباح بالباحة ‪.‬‬
‫وإن كانت أظفار المقطوعة من يد أو رجل خضراء أو رديئة أخذت بها السّليمة ‪ ،‬لنّ ذلك‬
‫علّة ومرض ‪ ،‬والمرض ل يمنع القصاص ‪.‬‬
‫ن للمجنيّ عليه أن يقطع من أصابع الجاني‬
‫ثمّ اختلفوا فيرى الشّافعيّة وهو وجه لدى الحنابلة أ ّ‬
‫بعدد أصابع المجنيّ عليه المقطوعة ‪ ،‬أو يأخذ ديتها ‪.‬‬
‫وأمّا إن كان النّقصان في طرف الجاني ‪ ،‬فالمجنيّ عليه بالخيار إن شاء اقتصّ وإن شاء أخذ‬
‫ل وجه مع فوات‬
‫ن حقّه في المثل هو السّليم ‪ ،‬ول يمكنه استيفاء حقّه من ك ّ‬
‫أرش الصّحيح ‪ ،‬ل ّ‬
‫السّلمة ‪ ،‬وأمكنه من وجه ‪ ،‬ول سبيل إلى إلزام الستيفاء حتما ‪ ،‬لما فيه من إلزام استيفاء‬
‫حقّه ناقصا ‪ ،‬وهذا ل يجوز فيخيّر ‪ :‬إن شاء رضي بقدر حقّه واستوفاه ناقصا ‪ ،‬وإن شاء عدل‬
‫إلى بدل حقّه وهو كمال الرش ‪ ،‬وليس للمجنيّ عليه أن يأخذه ‪ ،‬ويضمّنه النّقصان ‪ ،‬خلفا‬
‫للشّافعيّة والحنابلة في وجه ‪.‬‬
‫وفرّق المالكيّة بين النّقصان إذا كان أصبعا ‪ ،‬أو أكثر من أصبع فقالوا ‪ :‬إن نقصت يد المجنيّ‬
‫عليه أو رجله أصبعا ‪ ،‬فالقود على الجاني الكامل الصابع ول غرامة عليه ‪ ،‬حتّى ولو كان‬
‫الصبع النّاقص إبهاما ‪.‬‬
‫وإن كان النّاقص أكثر من أصبع بأن نقصت اليد أصبعين أو أكثر فل يقتصّ من الكاملة ‪.‬‬
‫وكذلك تقطع يد أو رجل الجاني النّاقصة أصبعا بالكاملة بل غرم عليه لرش الصبع ‪ ،‬إذ هو‬
‫نقص ل يمنع المماثلة ‪ .‬ول خيار للمجنيّ عليه في هذه الحالة ‪.‬‬
‫ويخيّر إن نقصت يد الجاني أو رجله أكثر من أصبع في القصاص ‪ ،‬وأخذ الدّية ‪ ،‬وليس له أن‬
‫يقتصّ ويأخذ أرش النّاقص ‪.‬‬
‫وأمّا النّاقصة بالنّاقصة ‪ ،‬فقد صرّح الحنابلة وهو مقتضى قواعد المذاهب الخرى ‪ ،‬بأنّه تؤخذ‬
‫إذا تساوتا فيه ‪ ،‬بأن يكون المقطوع من يد الجاني كالمقطوع من يد المجنيّ عليه ‪ ،‬لنّهما‬
‫تساوتا في الذّات والصّفة ‪ ،‬فأمّا إن اختلفا في النّقص ‪ ،‬بأن يكون المقطوع من يد أحدهما‬
‫البهام ‪ ،‬ومن الخرى أصبع غيرها لم يجز القصاص ‪ ،‬لعدم المساواة ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬الصّحّة ‪:‬‬
‫‪ -‬اتّفق الفقهاء على أنّه ل تقطع يد أو رجل صحيحة بشلّاء وإن رضي الجاني ‪ ،‬لنّ الشّلّاء‬ ‫‪16‬‬

‫ل نفع فيها سوى الجمال ‪ ،‬فل يؤخذ بها ما فيه نفع ‪ ،‬والواجب في الطّرف الشلّ حكومة عدل‬
‫‪.‬‬
‫واختلفوا في قطع الشّلّاء بالصّحيحة ‪ ،‬وقطع الشّلّاء بالشّلّاء على أقوال ‪:‬‬
‫ففي قطع الشّلّاء بالصّحيحة ‪ :‬يرى الحنفيّة والحنابلة أنّ المجنيّ عليه بالخيار إن شاء أخذها ‪،‬‬
‫فذلك له ‪ ،‬ول شيء له غيرها ‪ ،‬وإن شاء عفا ‪ ،‬وأخذ دية يده ‪.‬‬
‫وعند المالكيّة والشّافعيّة في وجه ل تقطع يد الجاني إذا كانت شلّاء باليد الصّحيحة ‪ ،‬لنّ‬
‫الشّرع لم يرد بالقصاص فيها ‪ .‬وعليه العقل أي الدّية ‪.‬‬
‫وعند الحنابلة وهو الوجه الصّحيح عند الشّافعيّة أنّها تقطع إن قال أهل الخبرة والبصر ‪ ،‬بأنّه‬
‫ينقطع الدّم ‪ ،‬ول تقطع إن قالوا ‪ :‬ل ينسدّ فم العروق بالحسم ‪ ،‬ول ينقطع الدّم ‪ ،‬وتجب دية يده‬
‫‪.‬‬
‫ن الشّلل‬
‫وفي قطع الشّلّاء بالشّلّاء ‪ :‬ذهب المالكيّة ‪ ،‬والشّافعيّة في وجه إلى أنّه ل تقطع ‪ ،‬ل ّ‬
‫علّة ‪ ،‬والعلل يختلف تأثيرها في البدن ‪.‬‬
‫ويرى الحنابلة وهو الصّحيح لدى الشّافعيّة أنّهما إن استويا في الشّلل ‪ ،‬أو كان شلل يد القاطع‬
‫أكثر قطعت بها بشرط أن ل يخاف نزف الدّم ‪.‬‬
‫وإن كان الشّلل في يد المقطوع أكثر لم يقطع بها ‪.‬‬
‫وذهب جمهور الحنفيّة إلى أنّه ل قصاص بين الشلّين ‪ ،‬سواء أكانت المقطوعة يده أقلّ شلل‬
‫أم أكثرهما ‪ ،‬أم هما سواء ‪ ،‬لنّ بعض الشّلل في يديهما يوجب اختلف أرشيهما ‪ ،‬وذلك‬
‫يعرف بالحزر والظّنّ ‪ ،‬فل تعرف المماثلة ‪.‬‬
‫وقال زفر من الحنفيّة ‪ :‬إن كانا سواء ففيهما القصاص ‪ ،‬وإن كانت يد المقطوعة يده أقلّ شلل‬
‫كان بالخيار ‪ ،‬وإن شاء قطع يد القاطع ‪ ،‬وإن شاء ضمّنه أرش يده شلّاء ‪ ،‬وإن كانت يد‬
‫المقطوعة يده أكثر شللً ‪ ،‬فل قصاص وله أرش يده ‪.‬‬
‫‪ -‬الجناية على العين ‪:‬‬ ‫‪2‬‬

‫‪ -‬ل خلف بين الفقهاء في أنّ الجناية على العين بالقلع موجبة للقصاص ‪ ،‬للية الكريمة {‬ ‫‪17‬‬

‫ن النّفْسَ بالنّفْسِ والعَينَ بالعَينِ ‪ ، } ...‬ولنّها تنتهي إلى مفصل فجرى‬


‫و َك َت ْبنَا عليهمْ فيها أ ّ‬
‫القصاص فيها كاليد ‪ ،‬وإليه ذهب مسروق ‪ ،‬الحسن ‪ ،‬وابن سيرين ‪ ،‬والشّعبيّ والنّخعيّ ‪،‬‬
‫والزّهريّ ‪ ،‬والثّوريّ ‪ ،‬وإسحاق ‪ ،‬وأبو ثور ‪ ،‬كما روي أيضا عن عليّ رضي ال عنه ‪.‬‬
‫وتؤخذ عين الشّابّ بعين الشّيخ ‪ ،‬وعين الصّغير ‪ ،‬بعين الكبير ‪ ،‬لنّ التّفاوت في الصّفة ل‬
‫يمنع القصاص ‪ ،‬لكن إن كان الجاني قد قلع عينه بأصبعه ل يجوز للمجنيّ عليه أن يقتصّ‬
‫بإصبعه ‪ ،‬لنّه ل يمكن المماثلة فيه ‪ .‬وأمّا أخذ العين السّليمة بالمريضة ‪ ،‬فقد ذهب المالكيّة‬
‫والحنابلة إلى أنّه تؤخذ العين السّليمة بالضّعيفة البصار ‪.‬‬
‫وقد ذهب الحنفيّة ‪ -‬في الرجح ‪ -‬إلى أنّه لو فقأ شخص عينا حولء ‪ ،‬وكان الحول ل يضرّ‬
‫ببصره يقتصّ منه ‪ ،‬وإلّ ففيه حكومة عدل ‪.‬‬
‫وعن أبي يوسف ل قصاص في العين الحولء مطلقا ‪ .‬وعند الحنفيّة لو جنى على عين فيها‬
‫بياض يبصر بها ‪ ،‬وعين الجاني كذلك فل قصاص بينهما ‪ ،‬ولو فقأ عين رجل ‪ ،‬وفي عين‬
‫الفاقئ بياض ينقصها ‪ ،‬فللرّجل أن يفقأ البيضاء ‪ ،‬أو أن يأخذ أرش عينه ‪.‬‬
‫وعند الشّافعيّة ل تؤخذ العين السّليمة بالحدقة العمياء ‪.‬‬
‫جناية العور صحيح العينين وعكسها ‪:‬‬
‫‪ -‬إذا قلع العور العين اليمنى لصحيح العينين ‪ ،‬ويسرى الفاقئ ذاهبة ‪ ،‬فذهب الحنفيّة‬ ‫‪18‬‬

‫والشّافعيّة إلى أنّه يقتصّ منه ‪ ،‬ويترك أعمى ‪ ،‬وإليه ذهب مسروق والشّعبيّ ‪ ،‬وابن سيرين ‪،‬‬
‫وابن مغفّل ‪ ،‬والثّوريّ ‪ ،‬وابن المنذر ‪.‬‬
‫وفصّل المالكيّة فقالوا ‪ :‬إن فقأ أعور من سالم مماثلته فالمجنيّ عليه بالخيار ‪ :‬إن شاء اقتصّ ‪،‬‬
‫وإن شاء أخذ دية كاملة ‪ ،‬وإن فقأ غير مماثلته فنصف دية فقط في مال الجاني ‪ ،‬وليس‬
‫للمجنيّ عليه القصاص ‪ ،‬لنعدام محلّه ‪ ،‬وإن فقأ العور عيني السّالم عمدا فالقصاص في‬
‫المماثلة لعينه ‪ ،‬ونصف الدّية في العين الّتي ليس له مثلها ‪.‬‬
‫وعند الحنابلة ‪ ،‬إن قلع العور عين صحيح فل قود ‪ ،‬وعليه دية كاملة ‪ ،‬لنّه روي ذلك عن‬
‫عمر وعثمان رضي ال عنهما ولم يعرف لهما مخالف في عصرهما ‪ ،‬فصار إجماعا ‪ .‬ولنّه‬
‫لم يذهب بجميع بصره ‪ ،‬فلم يجز له القتصاص منه بجميع بصره ‪ ،‬كما لو كان ذا عينين ‪.‬‬
‫وصرّح بعض العلماء كالحسن والنّخعيّ بأنّه إن شاء المجنيّ عليه أخذ دية كاملة ‪ ،‬وإن شاء‬
‫اقتصّ ‪ ،‬وأعطاه نصف دية ‪.‬‬
‫وإن قلع العور عيني صحيح فقد صرّح القاضي من الحنابلة بأنّ المجنيّ عليه بالخيار إن‬
‫شاء اقتصّ ول شيء له سوى ذلك ‪ ،‬لنّه أخذ جميع بصره وإن شاء أخذ دية واحدة وهو‬
‫الصّحيح ‪ ،‬لقول النّبيّ صلى ال عليه وسلم ‪ « :‬وفي العينين الدّية » ‪.‬‬
‫وإذا فقأ صحيح العينين العين السّالمة من عين أعور ‪:‬‬
‫فذهب المالكيّة وهو وجه لدى الحنابلة إلى أنّ للمجنيّ عليه القود بأخذ نظيرتها من صحيح‬
‫العينين من غير زيادة ‪ ،‬أو أخذ الدّية كاملة ‪ ،‬لنّ عينه بمنزلة عينين ‪.‬‬
‫وذهب الحنابلة في المذهب إلى أنّ له القصاص من مثلها ‪ ،‬ويأخذ نصف الدّية ‪ ،‬لنّه ذهب‬
‫بجميع بصره ‪ ،‬وأذهب الضّوء الّذي بدله دية كاملة ‪ ،‬وقد تعذّر استيفاء جميع الضّوء ‪ ،‬إذ ل‬
‫يمكن أخذ عينين بعين واحدة ‪ ،‬ول أخذ يمنى بيسرى ‪ ،‬فوجب الرّجوع ببدل نصف الضّوء ‪.‬‬
‫قال ابن قدامة ‪ :‬ويحتمل أنّه ليس له إلّ القصاص من غير زيادة أو العفو على الدّية كما لو‬
‫ل يدا صحيحة ‪ ،‬ولعموم قوله تعالى ‪ { :‬والعَينَ بالعَينِ } ‪.‬‬
‫قطع الش ّ‬
‫ل وجه ‪ ،‬إذا كانت‬
‫ولو قلع العور عين مثله ففيه القصاص بغير خلف ‪ ،‬لتساويهما من ك ّ‬
‫العين مثل العين في كونها يمينا أو يسارا ‪ ،‬وإن عفا إلى الدّية فله جميعها ‪.‬‬
‫ن الحنفيّة قالوا‬
‫‪ -‬أمّا الجفان ‪ ،‬والشفار ‪ ،‬فل قصاص فيها عند الحنفيّة والمالكيّة ‪ ،‬إلّ أ ّ‬ ‫‪19‬‬

‫بالدّية والمالكيّة بحكومة عدل ‪.‬‬


‫وعند الشّافعيّة والحنابلة فيها القصاص ‪ ،‬لقوله تعالى ‪ { :‬والجُروحَ ِقصَاصٌ } ‪ ،‬ولنّه يمكن‬
‫القصاص فيه لنتهائه إلى مفصل ‪ ،‬ويؤخذ جفن البصير بجفن البصير والضّرير ‪ ،‬وجفن‬
‫الضّرير بكلّ واحد منهما لنّهما تساويا في السّلمة من النّقص ‪.‬‬
‫‪ -‬الجناية على النف ‪:‬‬ ‫‪3‬‬

‫‪ -‬الجناية على المارن ‪ -‬وهو ما لن من النف ‪ -‬موجب للقصاص عند الئمّة الربعة ‪،‬‬ ‫‪20‬‬

‫للية الكريمة ‪ { :‬وال ْنفَ بال ْنفِ } ‪ ،‬ولنّ استيفاء المثل فيه ممكن ‪ ،‬لنّ له حدّا معلوما وهو‬
‫ما لن منه ‪ ،‬وإن قطع المارن كلّه مع قصبة النف ‪ ،‬ففي المارن القصاص ‪ ،‬وفي القصبة‬
‫حكومة عدل إذ ل قصاص في العظم ولكن في المارن قصاص ‪.‬‬
‫وصرّح الشّافعيّة والحنابلة بأنّه يؤخذ النف الكبير بالصّغير ‪ ،‬والقنى بالفطس ‪ ،‬وأنف‬
‫صحيح الشّ ّم بالخشم الّذي ل يشمّ ‪ ،‬لنّ ذلك لعلّة في الدّماغ ‪ ،‬والنف صحيح ‪.‬‬
‫وكذلك يؤخذ الصّحيح بالمجذوم ما لم يسقط منه شيء ‪ ،‬لنّ ذلك مرض ‪ ،‬فإن سقط منه شيء‬
‫‪ ،‬يقطع منه ما كان بقي من المجنيّ عليه إن أمكن عند الشّافعيّة ‪.‬‬
‫وقال الحنابلة ‪ :‬المجنيّ عليه بالخيار ‪ :‬إن شاء قطع مثل ما بقي منه ‪ ،‬أو أخذ أرش ذلك ‪.‬‬
‫وفصّل البغويّ من الشّافعيّة فقال ‪ :‬يؤخذ النف السّليم بالمجذوم إن كان في حال الحمرار ‪،‬‬
‫وإن اسودّ فل قصاص ‪ ،‬لنّه دخل في حدّ البلى ‪ ،‬وإنّما تجب فيه الحكومة ‪.‬‬
‫وذهب الحنفيّة إلى أنّه إن كان أنف القاطع أصغر ‪ ،‬خيّر المقطوع أنفه الكبير إن شاء قطع ‪،‬‬
‫وإن شاء أخذ الرش ‪ ،‬وكذا إذا كان قاطع النف أخشم ‪ ،‬أو أصرم النف ‪ ،‬أو بأنفه نقصان‬
‫من شيء أصابه ‪ ،‬فإنّ المقطوع مخيّر بين القطع وبين أخذ دية أنفه ‪.‬‬
‫ويؤخذ المنخر اليمن باليمن ‪ ،‬واليسر باليسر ‪ ،‬ول يؤخذ العكس ‪ ،‬ويؤخذ الحاجز بالحاجز‬
‫‪ ،‬لنّه يمكن القصاص فيه لنتهائه إلى حدّ ‪.‬‬
‫وفي قطع بعض المارن القصاص عند الشّافعيّة والحنابلة ‪ ،‬وقدّر ذلك بالجزاء دون‬
‫المساحة ‪ ،‬وقال الحنفيّة ‪ :‬ل قصاص فيه لتعذّر استيفاء المثل ‪.‬‬
‫‪ -‬الجناية على الذن ‪:‬‬ ‫‪4‬‬

‫‪ -‬ل خلف بين الفقهاء في أنّ الذن تؤخذ بالذن ‪ ،‬لقوله تعالى ‪ { :‬والُذنَ بالذنِ } ‪.‬‬ ‫‪21‬‬

‫ولنّها تنتهي إلى حدّ فاصل ‪ ،‬فأشبهت اليد ‪ ،‬ول فرق بين الكبيرة والصّغيرة ‪.‬‬
‫ن ذهاب‬
‫ص الشّافعيّة والحنابلة على عدم الفرق بين أذن السّميع والصمّ ‪ ،‬لتساويهما ‪ ،‬فإ ّ‬
‫ون ّ‬
‫السّمع نقص في الرّأس ‪ ،‬لنّه محلّه ‪ ،‬وليس بنقص فيها ‪ ،‬كما نصّ عند الشّافعيّة على أخذ‬
‫الذن الشّلّاء بغيرها ‪ ،‬لبقاء منفعتها بجمع الصّوت ‪.‬‬
‫ص في بعض الذن ‪ ،‬ويرى الحنفيّة أنّ‬
‫فإن قطع بعضها ‪ ،‬فذهب الشّافعيّة والحنابلة إلى أنّه يقت ّ‬
‫ل سقط القصاص ‪.‬‬
‫فيه القصاص إن كان له حدّ يعرف وتمكن فيه المماثلة ‪ ،‬وإ ّ‬
‫وتؤخذ الصّحيحة بالمثقوبة ‪ ،‬لنّ الثّقب ليس بعيب ‪ ،‬وإنّما يفعل في العادة للقرط والتّزيّن به ‪،‬‬
‫فإن كان الثّقب في غير محلّه ‪ ،‬أو كانت أذن القاطع مخرومة ‪ ،‬والمقطوعة سالمة ‪ ،‬فذهب‬
‫الحنفيّة إلى أنّ المجنيّ عليه بالخيار إن شاء قطع ‪ ،‬وإن شاء ضمّنه نصف الدّية ‪ ،‬وإن كانت‬
‫المقطوعة ناقصة كانت له حكومة عدل ‪.‬‬
‫وعند الشّافعيّة تؤخذ المخرومة بالصّحيحة ‪ ،‬ويؤخذ من الدّية بقدر ما ذهب من المخرومة ‪.‬‬
‫وقال الحنابلة ‪ :‬تؤخذ المخرومة بالصّحيحة ‪ ،‬ول تؤخذ الصّحيحة بها ‪ ،‬لنّ الثّقب إذا انخرم‬
‫صار نقصا فيها ‪ ،‬والثّقب في غير محلّه عيب ‪.‬‬
‫أمّا الذن المستحشفة ( اليابسة ) فتؤخذ بالصّحيحة ‪ ،‬وكذلك الصّحيحة تؤخذ بها في الظهر‬
‫عند الشّافعيّة وهو وجه عند الحنابلة ‪ ،‬لنّ المقصود منها جمع الصّوت ‪ ،‬وحفظ محلّ السّمع‬
‫والجمال ‪ ،‬وهذا يحصل بها ‪ ،‬كحصوله بالصّحيحة بخلف سائر العضاء ‪.‬‬
‫ومقابل الظهر عند الشّافعيّة وهو وجه آخر عند الحنابلة ل تؤخذ الصّحيحة بالمستحشفة ‪،‬‬
‫لنّها ناقصة ‪ ،‬فتكون كاليد الشّلّاء ‪ ،‬وسائر العضاء ‪.‬‬
‫‪ -‬الجناية على اللّسان ‪:‬‬ ‫‪5‬‬

‫‪ -‬ذهب المالكيّة والشّافعيّة في الصّحيح من المذهب والحنابلة ‪ -‬وهو قول أبي يوسف من‬ ‫‪22‬‬

‫الحنفيّة ‪ -‬إلى أنّه يؤخذ اللّسان باللّسان ‪ ،‬لقوله تعالى ‪ { :‬والجُروحَ ِقصَاصٌ } ‪ .‬ولنّ له حدّا‬
‫ينتهي إليه ‪ ،‬فاقتصّ منه كالعين ‪ ،‬ول يؤخذ لسان ناطق بلسان أخرس ‪ ،‬لنّه أفضل منه ‪،‬‬
‫ويجوز العكس برضى المجنيّ عليه عند الشّافعيّة والحنابلة ‪ ،‬ول يجوز عند المالكيّة ‪ .‬وذهب‬
‫الحنفيّة ‪ -‬ما عدا أبا يوسف ‪ -‬إلى أنّه ل قصاص في اللّسان ‪ ،‬ولو قطع من أصله ‪ ،‬وذلك‬
‫لعسر استقصاء اللّسان من أصله ‪.‬‬
‫‪ -‬الجناية على الشّفة ‪:‬‬ ‫‪6‬‬

‫‪ -‬يرى الشّافعيّة في الصّحيح من المذهب والحنابلة وجوب القصاص في الشّفة مطلقا لقوله‬ ‫‪23‬‬

‫ن لها حدّا ينتهي إليه ‪ ،‬يمكن القصاص منه ‪ ،‬فوجب‬


‫تعالى ‪ { :‬والجُروحَ ِقصَاصٌ } ‪ .‬ول ّ‬
‫كاليدين ‪ .‬وذهب الحنفيّة إلى أنّه يجب القصاص في الشّفة إذا قطعها جميعا ‪ ،‬للمساواة ‪،‬‬
‫وإمكان استيفاء المثل ‪.‬‬
‫‪ -‬الجناية على السّنّ ‪:‬‬ ‫‪7‬‬

‫‪ -‬اتّفق الفقهاء على وجوب القصاص في الجناية على السّنّ إذا قلعت ‪.‬‬ ‫‪24‬‬

‫وذهب الجمهور إلى وجوب القصاص في الجناية على السّنّ إذا كسرت ‪ ،‬لقول اللّه تبارك‬
‫وتعالى ‪ { :‬والسّنّ بالسّنّ } ‪ ،‬ولنّ « الرّبيّع كسرت سنّ جارية فأمر النّبيّ صلى ال عليه‬
‫وسلم بالقصاص » كما تقدّم ‪ ،‬ولنّه يمكن استيفاء المثل فيه ‪ ،‬فإن قلعت تقلع ‪ ،‬وإن كسرت‬
‫تبرد بقدره تحقيقا للمساواة ‪ ،‬أمّا لو كانت السّنّ بحال ل يمكن بردها فل قصاص فيها وتجب‬
‫الدّية ‪ ،‬وروي ذلك عن عمر وابن مسعود رضي ال عنهما ‪.‬‬
‫وذهب الشّافعيّة إلى أنّه ل قصاص في السّنّ إذا كسرها ‪ ،‬بناء على عدم وجوب القصاص في‬
‫كسر العظام إلّ إذا أمكن فيها القصاص فإنّه يجب لنّ السّنّ عظم مشاهد من أكثر الجوانب‬
‫ولهل الصّنعة آلت قطّاعة يعتمد عليها في الضّبط فلم تكن كسائر العظام ‪.‬‬
‫ول اعتبار بالكبر والصّغر ‪ ،‬والطّول والقصر ‪ ،‬لستوائهما في المنفعة ‪ ،‬وتؤخذ الثّنيّة بالثّنيّة ‪،‬‬
‫والنّاب بالنّاب ‪ ،‬ول يؤخذ العلى بالسفل ‪ ،‬ول السفل بالعلى ‪ ،‬ول تؤخذ السّنّ الصّحيحة‬
‫بالمكسورة ‪ ،‬وتؤخذ المكسورة بالصّحيحة ‪.‬‬
‫وذهب الشّافعيّة والحنابلة إلى وجوب القصاص في السّنّ الزّائدة إذا كان للجاني زائدة مثلها‪.‬‬
‫ويرى الحنفيّة أنّه ليس فيها إلّ حكومة عدل ‪.‬‬
‫‪ -‬الجناية على ثدي المرأة ‪:‬‬ ‫‪8‬‬

‫‪ -‬صرّح الحنفيّة والشّافعيّة بأنّه تقطع حلمة المرأة بحلمة المرأة ‪ ،‬لنّ لها حدّا معلوما ‪،‬‬ ‫‪25‬‬

‫فيمكن استيفاء المثل فيها ‪ ،‬ول قصاص في ثدييها ‪ ،‬لنّه ليس لهما مفصل معلوم ‪ ،‬فل يمكن‬
‫استيفاء المثل ‪.‬‬
‫وعند الشّافعيّة قال النّوويّ ‪ :‬تقطع حلمة المرأة بحلمة المرأة ‪ ،‬وفي " التّتمّة " وجه أنّه إذا لم‬
‫يتدلّ الثّدي ‪ ،‬فل قصاص ‪ ،‬لتّصالها بلحم الصّدر ‪ ،‬وتعذّر التّمييز ‪ ،‬والصّحيح الوّل ‪ ،‬قال‬
‫البغويّ ‪ :‬ول قصاص في الثّدي ‪ ،‬لنّه ل يمكن المماثلة ‪ ،‬وللمجنيّ عليها أن تقتصّ في الحلمة‬
‫ن الثّدي هذا الشّاخص ‪ ،‬وهو‬
‫‪ ،‬وتأخذ حكومة الثّدي ‪ ،‬ولك أن تقول ‪ :‬المماثلة ممكنة ‪ ،‬فإ ّ‬
‫أقرب إلى الضّبط من الشّفتين والليتين ونحوهما ‪.‬‬
‫وتقطع حلمة الرّجل بحلمة الرّجل إن أوجبنا فيها الحكومة أو الدّية ‪ ،‬وتقطع حلمة الرّجل‬
‫بحلمة المرأة وبالعكس ‪ ،‬إن أوجبنا في حلمة الرّجل الدّية ‪ ،‬فإن أوجبنا الحكومة ‪ ،‬لم تقطع‬
‫حلمتها بحلمته وإن رضيت ‪ ،‬كما ل تقطع صحيحة بشلّاء ‪ ،‬وتقطع حلمته بحلمتها إن‬
‫رضيت ‪ ،‬كما تقطع الشّلّاء بالصّحيحة إذا رضي المستحقّ ‪.‬‬
‫ن في قطع الثّديين الدّية سواء أبطل اللّبن ‪ ،‬أو فسد ‪ ،‬أم ل ‪ .‬وفي قطع‬
‫وذهب المالكيّة إلى أ ّ‬
‫ن في انقطاع اللّبن أو فساده بغير‬
‫حلمتي الثّديين الدّية إذا بطل اللّبن أو فسد ‪ .‬وزاد المالكيّة أ ّ‬
‫قطع للثّديين ‪ ،‬أو للحلمتين الدّية ‪ ،‬فإن عاد اللّبن ردّت الدّية ‪.‬‬
‫وذهب الحنابلة إلى أنّ في ثديي المرأة الدّية وفي الواحد منهما نصف الدّية كالجمهور ‪ ،‬وأنّ‬
‫في قطع حلمتي الثّديين الدّية ‪ ،‬ول قصاص فيهما ‪.‬‬
‫‪ -‬الجناية على الذّكر ‪:‬‬ ‫‪9‬‬
‫جرُوحَ‬
‫‪ -‬ذهب جمهور الفقهاء إلى أنّ القصاص يجري في الذّكر لقوله تعالى ‪ { :‬وال ُ‬ ‫‪26‬‬

‫ن له حدّا ينتهي إليه ‪ ،‬ويمكن القصاص فيه من غير حيف ‪ ،‬فوجب فيه‬
‫ِقصَاصٌ } ‪ ،‬ول ّ‬
‫القصاص كالنف ‪.‬‬
‫ويستوي في ذلك ذكر الصّغير والكبير ‪ ،‬والشّيخ والشّابّ والكبير والصّغير ‪ ،‬والمريض‬
‫والصّحيح ‪ ،‬لنّ ما وجب فيه القصاص من الطراف لم يختلف بهذه المعاني ‪ ،‬كذلك الذّكر ‪.‬‬
‫ويؤخذ المختون بالغلف وعكسه ‪ ،‬لنّ الغلفة زيادة تستحقّ إزالتها فهي كالمعدومة ‪.‬‬
‫ويؤخذ ذكر الخصيّ بذكر الخصيّ ‪ ،‬وذكر العنّين بمثله ‪ ،‬لحصول المساواة ‪.‬‬
‫أمّا ذكر فحل بذكر خصيّ أو عنّين فعند المالكيّة وجمهور الحنابلة ل يؤخذ بهما ‪ ،‬لنّه ل‬
‫ي ل يولد له ‪ ،‬ول ينزل ‪ ،‬ول يكاد‬
‫منفعة فيهما ‪ ،‬ولنّ العنّين ل يطأ ‪ ،‬ول ينزل ‪ ،‬والخص ّ‬
‫يقدر على الوطء فهما كالشلّ ‪ ،‬ولنّ كلّ واحد منهما ناقص ‪ ،‬فل يؤخذ به الكامل ‪ ،‬كاليد‬
‫النّاقصة بالكاملة ‪.‬‬
‫والمذهب عند الشّافعيّة وهو وجه لدى الحنابلة أنّه يؤخذ غيرهما بهما ‪ ،‬لنّهما عضوان‬
‫صحيحان ‪ ،‬ينقبضان ‪ ،‬وينبسطان ‪.‬‬
‫وذهب الحنفيّة في الصّحيح من المذهب إلى أنّه ل قصاص في قطع ذكر ولو من أصله ‪ ،‬لنّه‬
‫ينقبض وينبسط ‪ ،‬وجزم بعض الحنفيّة بلزوم القصاص في الذّكر إذا قطع من أصله ‪ ،‬وقال‬
‫في المحيط ‪ :‬قال أبو حنيفة ‪ :‬إن قطع الذّكر من أصله ‪ ،‬أو من الحشفة ‪ ،‬اقتصّ منه ‪ ،‬إذ له‬
‫حدّ معلوم ‪ ،‬ونسب صاحب البدائع هذا القول إلى أبي يوسف ‪.‬‬
‫وفي قطع كلّ الحشفة قصاص دون خلف ‪ ،‬ولو قطع بعضها فل قصاص فيها ‪.‬‬
‫‪ -‬وأمّا النثيان فعند جمهور الفقهاء يجري القصاص فيهما ‪ ،‬للنّصّ والمعنى ‪.‬‬ ‫‪27‬‬

‫فإن قطع إحداهما ‪ -‬وقال أهل الخبرة إنّه ممكن أخذها مع سلمة الخرى ‪ -‬جاز ‪ ،‬وتؤخذ‬
‫اليمنى باليمنى ‪ ،‬واليسرى باليسرى ‪ ،‬وإلّ لم تؤخذ ‪ ،‬ويكون فيها نصف الدّية ‪.‬‬
‫ي بأنّه ل يجب فيهما القصاص ‪ ،‬لنّ ذلك ليس له مفصل معلوم‬
‫وأمّا الحنفيّة فقد صرّح الكاسان ّ‬
‫‪ ،‬فل يمكن استيفاء المثل ‪.‬‬
‫‪ -‬وفي شفري المرأة قصاص في الصحّ عند الشّافعيّة ‪ ،‬والحنابلة ‪ ،‬وكذلك عند المالكيّة‬ ‫‪28‬‬

‫إن بدا العظم ‪ ،‬لنّ انتهاءهما معروف ‪ ،‬فأشبها الشّفتين ‪ ،‬وجفني العين ‪.‬‬
‫ويرى الحنفيّة وهو وجه عند الشّافعيّة والحنابلة أنّه ل قصاص فيهما ‪ ،‬لنّ الشّفر لحم ل‬
‫مفصل له ينتهي إليه كلحم الفخذين ‪.‬‬
‫‪ -‬وأمّا الليتان فذهب المالكيّة والحنابلة والشّافعيّة على الصحّ عندهم إلى وجوب‬ ‫‪29‬‬

‫القصاص فيهما ‪ ،‬لقوله تعالى ‪ { :‬والجُرُوحَ ِقصَاصٌ } ‪ ،‬ولنّ لهما حدّا ينتهيان إليه ‪ ،‬فجرى‬
‫القصاص فيهما كالذّكر والنثيين ‪.‬‬
‫وعند الحنفيّة وهو قول المزنيّ من الشّافعيّة ل قصاص فيهما ‪ ،‬لتعذّر استيفاء المثل ‪ ،‬ولنّهما‬
‫لحم متّصل بلحم فأشبه لحم الفخذ ‪ .‬وتفصيل ذلك في مصطلح ‪ ( :‬دية ) ‪.‬‬
‫‪ -‬الجناية على اللّحية وشعر الرّأس والحاجب ‪:‬‬ ‫‪10‬‬

‫‪ -‬اتّفق جمهور الفقهاء على أنّه ل يجب القصاص في حلق هذه الشّعور الثّلثة أو نتفها ‪،‬‬ ‫‪30‬‬

‫وإن لم تنبت ‪ ،‬لنّ إتلفها إنّما يكون بالجناية على محلّها ‪ ،‬وهو غير معلوم المقدار ‪ ،‬فل‬
‫تمكن المساواة فيها ‪ ،‬فل يجب القصاص فيها ‪.‬‬
‫ولنّها ليست جراحات فل تدخل في قوله تعالى ‪ { :‬والجُرُوحَ ِقصَاصٌ } ‪.‬‬
‫وذكر في النّوادر من كتب الحنفيّة وجوب القصاص إذا لم تنبت ‪ ،‬واختلفوا فيما وراء ذلك من‬
‫وجوب الدّية أو حكومة عدل ‪ ،‬وكيفيّة استيفائها ‪ .‬وتفصيل ذلك في مصطلح ‪ ( :‬دية ) ‪.‬‬
‫‪ -‬الجناية على العظم ‪:‬‬ ‫‪11‬‬

‫‪ -‬اتّفق الفقهاء على أنّه ل قصاص في كسر العظام لما روي عنه صلى ال عليه وسلم أنّه‬ ‫‪31‬‬

‫قال ‪ « :‬ل قصاص في عظم » ‪ ،‬ولعدم الوثوق بالمماثلة ‪ ،‬لنّه ل يعلم موضعه ‪ ،‬فل يؤمن‬
‫فيه التّعدّي ‪ .‬ومنع القصاص في العظام عمر بن عبد العزيز وعطاء ‪ ،‬والنّخعيّ ‪ ،‬والزّهريّ ‪،‬‬
‫والحكم ‪ ،‬وابن شبرمة والثّوريّ ‪ ،‬إلّ أنّ الشّافعيّة نصّوا على أنّ للمجنيّ عليه أن يقطع أقرب‬
‫مفصل إلى موضع الكسر ‪ ،‬ويأخذ حكومة للباقي ‪.‬‬
‫وصرّح المالكيّة بأنّه ل قصاص في شيء ممّا يعظم خطره كائنا ما كان ‪ ،‬ككسر عظم الصّدر‬
‫‪ ،‬والرّقبة ‪ ،‬والظّهر ‪ ،‬والفخذ ‪ ،‬فل قصاص فيها ‪ ،‬وفيها حكومة ‪.‬‬
‫النّوع الثّاني ‪ :‬الجراح ‪:‬‬
‫الجناية على ما دون النّفس قد ل تكون بالقطع والبانة ‪ ،‬بل بالجرح ‪ ،‬وهو نوعان ‪ :‬الجراح‬
‫الواقعة على الرّأس والوجه ‪ ،‬وتسمّى الشّجاج ‪ ،‬والجراح الواقعة على سائر البدن ‪.‬‬
‫أوّلً ‪ -‬الشّجاج ‪:‬‬
‫‪ -‬الشّجاج أقسام ‪ :‬أشهرها ما يلي ‪:‬‬ ‫‪32‬‬

‫‪ -‬الحارصة ‪ :‬وهي الّتي تشقّ الجلد قليلً ‪ ،‬نحو الخدش ‪ ،‬ول يخرج الدّم ‪ ،‬وتسمّى‬ ‫‪1‬‬

‫الحرصة أيضا ‪.‬‬


‫ق والخدش ‪ ،‬ول يقطر منها دم ‪ ،‬هكذا نصّ‬
‫‪ -‬الدّامية ‪ :‬وهي الّتي تدمي موضعها من الشّ ّ‬ ‫‪2‬‬

‫ي وأهل اللّغة ‪ ،‬وتأتي بعدها عند الشّافعيّة الدّامعة وهي ما يسيل منها الدّم ‪ ،‬أمّا‬
‫عليه الشّافع ّ‬
‫عند الحنفيّة فالدّامية ما تخرج الدّم وتسيله ‪ ،‬وتأتي عندهم بعد الدّامعة ‪ ،‬وهي ‪ :‬الّتي تظهر‬
‫الدّم كالدّمع ول تسيله ‪ .‬والدّامية تسمّى عند بعض الفقهاء البازلة ‪ ،‬لنّها تبزل الجلد أي تشقّه‬
‫‪ .‬وانظر مصطلح ‪ ( :‬بازلة ) ‪.‬‬
‫‪ -‬الباضعة ‪ :‬وهي الّتي تبضع اللّحم بعد الجلد ‪ ،‬أي تقطعه ‪ ،‬وقيل ‪ :‬الّتي تقطع الجلد‬ ‫‪3‬‬

‫( انظر مصطلح ‪ :‬باضعة ) ‪.‬‬


‫‪ -‬المتلحمة ‪ :‬وهي الّتي تغوص في اللّحم ‪ ،‬ول تبلغ الجلدة بين اللّحم والعظم ‪ ،‬وتسمّى‬ ‫‪4‬‬

‫اللّاحمة أيضا ‪.‬‬


‫‪ -5‬السّمحاق ‪ :‬وهي الّتي تبلغ الجلدة الّتي بين اللّحم والعظم ‪ ،‬وقد تسمّى هذه الشّجّة عند‬
‫بعض الفقهاء الملطى ‪ ،‬والملطاة ‪ ،‬واللّاطئة ‪.‬‬
‫‪ -6‬الموضحة ‪ :‬وهي الّتي تخرق السّمحاق وتوضّح العظم ‪.‬‬
‫‪ -‬الهاشمة ‪ :‬وهي الّتي تهشم العظم أي تكسره سواء أوضحته أم ل عند الشّافعيّة ‪.‬‬ ‫‪7‬‬

‫‪ -8‬المنقّلة ‪ :‬بتشديد القاف وفتحها ‪ ،‬أو كسرها ‪ ،‬وهي الّتي تكسر العظم وتنقله من موضع إلى‬
‫موضع سواء أوضحته وهشّمته أم ل ‪.‬‬
‫‪ -9‬المأمومة ‪ :‬وهي الّتي تبلغ أمّ الرّأس وهي خريطة الدّماغ المحيطة به ‪ ،‬ويقال لها المّة‬
‫أيضا ( انظر مصطلح آمّة ) ‪.‬‬
‫‪ -‬الدّامغة ‪ :‬وهي الّتي تخرق الخريطة ‪ ،‬وتصل الدّماغ ‪.‬‬ ‫‪10‬‬

‫فهذه القسام العشرة هي المشهورة ‪ ،‬وذكر فيها ألفاظ أخرى تؤوّل إلى هذه القسام ‪ .‬وتتصوّر‬
‫جميع هذه الشّجاج في الجبهة كما تتصوّر في الرّأس ‪ ،‬وكذلك تتصوّر ما عدا المأمومة‬
‫والدّامغة في الخدّ ‪ ،‬وفي قصبة النف ‪ ،‬واللّحي السفل ‪.‬‬
‫والتّسميات السّابق ذكرها تكاد تكون محلّ اتّفاق بين المذاهب ‪ ،‬وإن كان هناك خلف يسير في‬
‫ترتيبها ‪ ،‬فمردّه الختلف في تحديد المعنى اللّغويّ ‪.‬‬
‫‪ -‬وأمّا حكم هذه الشّجاج فقد اتّفق الفقهاء على أنّ القصاص واجب في الموضحة ‪ ،‬لقوله‬ ‫‪33‬‬

‫سكّين‬
‫جرُوحَ ِقصَاصٌ } ولتيسير ضبطها واستيفاء مثلها ‪ ،‬لنّه يمكن أن ينهي ال ّ‬
‫تعالى ‪ { :‬وال ُ‬
‫إلى العظم فتتحقّق المساواة ‪ ،‬وقد « قضى عليه الصلة والسلم في الموضحة بالقصاص » ‪.‬‬
‫ص المالكيّة والشّافعيّة على أنّه ل يشترط في الموضحة ما له بال واتّساع ‪ ،‬فيقتصّ وإن‬
‫ون ّ‬
‫ضاق كقدر مغرز إبرة ‪.‬‬
‫وكذلك اتّفق الفقهاء على أنّه ل قصاص فيما فوق الموضحة ‪ ،‬وهي الهاشمة ‪ ،‬والمنقّلة ‪،‬‬
‫والمّة ‪ ،‬لنّه ل يمكن اعتبار المساواة فيما بعدها ‪ ،‬لنّ كسر العظم وتنقّله ل يمكن المساواة‬
‫فيها ‪.‬‬
‫واختلفوا فيما دون الموضحة ‪ :‬فذهب الحنفيّة في ظاهر المذهب وهو الصحّ عندهم ‪،‬‬
‫والمالكيّة ‪ -‬وهو رواية عن الشّافعيّة في الباضعة والمتلحمة والسّمحاق ‪ -‬إلى وجوب‬
‫القصاص فيما قبل الموضحة أيضا ‪.‬‬
‫جرُوحَ ِقصَاصٌ } ولنّه يمكن اعتبار المساواة فيما قبلها بمعرفة‬
‫واستدلّوا بقوله تعالى ‪ { :‬وال ُ‬
‫قدر الجراحة فيستوفى منه مثل ما فعل ‪.‬‬
‫واستثنى الشّرنبلليّ من الحنفيّة السّمحاق فل يقاد فيها كالهاشمة ‪ ،‬والمنقّلة ‪.‬‬
‫ويرى الشّافعيّة عدم وجوب القصاص في الحارصة مطلقا ‪ ،‬وفي الباضعة ‪ ،‬والمتلحمة ‪،‬‬
‫والسّمحاق على المذهب ‪ ،‬والدّامية كالحارصة عندهم ‪ ،‬وقيل كالباضعة ‪.‬‬
‫وأمّا الحنابلة فل قصاص عندهم فيما دون الموضحة مطلقا ‪ ،‬ولم يذكر محمّد بن الحسن‬
‫شجّة‬
‫الحارصة ‪ ،‬والدّامية ‪ ،‬والدّامغة ‪ ،‬لنّ الحارصة والدّامية ل يبقى لهما أثر في العادة ‪ ،‬وال ّ‬
‫الّتي ل يبقى لها أثر ‪ ،‬ل حكم لها في الشّرع ‪.‬‬
‫والدّامغة ل يعيش معها عادة ‪ ،‬فل معنى لبيان حكم الشّجّة ‪.‬‬
‫ثانيا ‪ -‬الجراحات الواقعة على سائر البدن ‪:‬‬
‫‪ -‬اتّفق الفقهاء على أنّه ل قصاص في الجائفة لما روي أنّ النّبيّ صلى ال عليه وسلم قال‬ ‫‪34‬‬

‫‪ « :‬ل قود في المأمومة ‪ ،‬ول في الجائفة ‪ ،‬ول في المنقّلة » ‪.‬‬


‫ولنّها جراح ل تؤمن الزّيادة فيها ‪ ،‬فلم يجب فيها قصاص ‪ ،‬ككسر العظام ‪.‬‬
‫والجائفة هي الّتي تصل إلى الجوف ‪ ،‬والمواضع الّتي تنفذ فيها الجراحة إلى الجوف هي‬
‫الصّدر والظّهر ‪ ،‬والبطن ‪ ،‬والجنبان ‪ ،‬والدّبر ‪ ،‬ول تكون في اليدين والرّجلين ‪ ،‬ول في‬
‫الرّقبة جائفة ‪ ،‬لنّ الجرح ل يصل إلى الجوف ‪ ،‬وروي عن أبي يوسف ‪ :‬أنّ ما وصل من‬
‫الرّقبة إلى الموضع الّذي لو وصل إليه من الشّراب فطره ‪ ،‬تكون جائفة ‪ ،‬لنّه ل يفطر إلّ إذا‬
‫وصل إلى الجوف ‪.‬‬
‫أمّا غير الجائفة فيرى الشّافعيّة والحنابلة بأنّ ما ل قصاص فيه إذا كان على الرّأس والوجه ‪،‬‬
‫ل قصاص فيه إذا كان على غيرهما ‪ ،‬وأمّا الموضحة الّتي توضح عظم الصّدر ففي وجوب‬
‫ح أنّه يجب ‪ ،‬فعند الشّافعيّة يجب القصاص في‬
‫القصاص فيها وجهان عند الشّافعيّة ‪ :‬الص ّ‬
‫الجراحة على أيّ موضع كانت بشرط أن تنتهي إلى عظم ول تكسره ‪.‬‬
‫وذهب الحنفيّة إلى أنّ الجراحات الّتي في غير الوجه والرّأس ل قصاص فيها ‪ ،‬بل فيها‬
‫حكومة عدل إذا أوضحت العظم وكسرته ‪ ،‬وإذا بقي لها أثر ‪ ،‬وإلّ فل شيء فيها عند أبي‬
‫حنيفة وأبي يوسف ‪ ،‬وعند محمّد يلزمه قيمة ما أنفق إلى أن يبرأ ‪.‬‬
‫وعند المالكيّة يقتصّ من جراح الجسد وإن كانت هاشمة ‪ ،‬قال ابن الحاجب ‪ :‬في جراح الجسد‬
‫من الهاشمة وغيرها القود ‪ ،‬بشرط أن ل يعظم الخطر كعظم الصّدر ‪ ،‬والعنق ‪ ،‬والصّلب ‪،‬‬
‫والفخذ ‪ ،‬ويكون القصاص في الجراح بالمساحة طولً ‪ ،‬وعرضا ‪ ،‬وعمقا ‪ ،‬إن اتّحد المحلّ ‪.‬‬
‫النّوع الثّالث ‪ :‬إبطال المنافع بل شقّ ول إبانة ‪:‬‬
‫‪ -‬قد يترتّب على العتداء بالضّرب أو الجرح زوال منفعة العضو مع بقائه قائما ‪ ،‬كمن‬ ‫‪35‬‬

‫يلطم شخصا على وجهه أو يجرحه في رأسه ‪ ،‬فينشأ عن ذلك ذهاب البصر أو السّمع ‪ ،‬مع‬
‫بقاء العضو سليما ‪.‬‬
‫وقد اختلف الفقهاء في وجوب القصاص في ذهاب منفعة العضو فذهب المالكيّة والحنابلة إلى‬
‫شمّ ‪ ،‬وكذلك الشّافعيّة في البصر والسّمع اتّفاقا ‪ ،‬وفي البطش‬
‫ص في البصر والسّمع وال ّ‬
‫أنّه يقت ّ‬
‫ل مضبوطة ‪ ،‬ولهل الخبرة طرق في إبطالها‬
‫ن لها محا ّ‬
‫والذّوق والشّمّ في الصحّ عندهم ‪ ،‬ل ّ‬
‫‪.‬‬
‫وزاد المالكيّة غير ذلك من المعاني ‪ ،‬فإنّه يجري عندهم القصاص في هذه المعاني وغيرها ‪.‬‬
‫وأمّا الحنفيّة فل يجوز عندهم القصاص إلّ في زوال البصر دون سواه ‪ ،‬لنّ في ذهاب‬
‫البصر قصاصا في الشّريعة ‪ ،‬أمّا إذا أدّى العتداء إلى ذهاب العقل ‪ ،‬أو السّمع ‪ ،‬أو الكلم ‪،‬‬
‫أو الشّمّ ‪ ،‬أو لزومه ‪ ،‬أو الجماع ‪ ،‬أو ماء الصّلب ‪ ،‬أو إلى شلل اليد أو الرّجل ‪ ،‬فل يجب‬
‫القصاص ‪.‬‬
‫القسم الثّاني ‪ :‬الجناية على ما دون النّفس الموجبة للدّية أو غيرها ‪:‬‬
‫‪ -‬إذا كانت الجناية على ما دون النّفس خطأ ‪ ،‬أو لم تتوفّر فيها الشّروط الموجبة للقصاص‬ ‫‪36‬‬

‫فتجب فيها الدّية ‪ ،‬أو حكومة عدل ‪ ،‬على حسب الحوال ‪ ،‬وهي ثلثة أنواع ‪ :‬لنّها ل تخلوا‬
‫إمّا أن تكون بالقطع وإبانة الطراف ‪ ،‬أو بالجرح ‪ ،‬أو بإزالة المنافع ‪.‬‬
‫النّوع الوّل ‪ :‬إبانة الطراف ‪:‬‬
‫ل واحدا‬
‫‪ -‬اتّفق الفقهاء على أنّ كلّ عضو لم يخلق اللّه تعالى في بدن النسان منه إ ّ‬ ‫‪37‬‬

‫كاللّسان والنف ‪ ،‬والذّكر ‪ ،‬والصّلب ‪ ،‬وغيرها ‪ ،‬ففيه دية كاملة ‪ ،‬والصل في ذلك ما روي‬
‫عن سعيد بن المسيّب ‪ :‬أن رسول اللّه صلى ال عليه وسلم قال ‪ « :‬في النّفس الدّية ‪ ،‬وفي‬
‫اللّسان الدّية ‪ ،‬وفي الذّكر الدّية ‪ ،‬وفي النف الدّية ‪ ،‬وفي المارن الدّية » ‪.‬‬
‫ن إتلف كلّ عضو من هذه العضاء كإذهاب منفعة الجنس ‪ ،‬وإذهاب منفعة الجنس كإتلف‬
‫لّ‬
‫النّفس ‪ ،‬فإتلف كلّ عضو من هذه العضاء كإتلف النّفس ‪.‬‬
‫وصرّح الحنابلة بأنّ النف يشتمل على ثلثة أشياء ‪ :‬المنخرين ‪ ،‬والحاجز بينهما ‪ ،‬ففي النف‬
‫الدّية ‪ ،‬وفي كلّ واحد منهما ثلثها ‪.‬وبهذا قال إسحاق وهو أحد الوجهين عند الشّافعيّة‪ .‬وما‬
‫خلق في النسان منه شيئان كاليدين والرّجلين ‪ ،‬والعينين والذنين ‪ ،‬والمنخرين ‪ ،‬والشّفتين ‪،‬‬
‫والنثيين ‪ ،‬والثّديين ‪ ،‬والليتين وغيرها ‪ ،‬ففيهما الدّية كاملة ‪ ،‬لما روي « أنّ رسول اللّه‬
‫صلى ال عليه وسلم كتب لعمرو بن حازم في كتابه ‪ :‬وفي العينين الدّية ‪ ،‬وفي إحداهما نصف‬
‫الدّية ‪ ،‬وفي اليدين الدّية ‪ ،‬وفي إحداهما نصف الدّية ‪» ...‬‬
‫ن في إتلفهما إذهاب منفعة الجنس ‪ ،‬وفي أحدهما نصف الدّية ‪ ،‬لنّ في إتلف إحداهما‬
‫ول ّ‬
‫إذهاب نصف منفعة الجنس ‪.‬‬
‫واختلف الفقهاء في عين العور ‪ :‬فذهب الحنفيّة والشّافعيّة إلى أنّ فيها نصف الدّية وبه قال‬
‫مسروق وعبد اللّه بن مغفّل ‪ ،‬والنّخعيّ ‪ ،‬والثّوريّ ‪ ،‬لقوله صلى ال عليه وسلم ‪ « :‬وفي‬
‫العين خمسون من البل » ‪.‬‬
‫وذهب المالكيّة والحنابلة إلى أنّ في إتلف عين العور دية كاملة وبه قال الزّهريّ ‪ ،‬واللّيث ‪،‬‬
‫وقتادة ‪ ،‬وإسحاق ‪ ،‬لنّ عمر وعثمان وعليّا وابن عمر رضي ال عنهم قضوا في عين‬
‫العور بالدّية ‪ ،‬ولم يعلم لهم في الصّحابة مخالف فيكون إجماعا ‪ ،‬ولنّ قلع عين العور‬
‫تضمنّ إذهاب البصر كلّه ‪ ،‬فوجبت الدّية كما لو أذهبه من العينين ‪.‬‬
‫ل واحد منها ربع الدّية ‪ ،‬وهو أجفان‬
‫وما خلق في النسان منه أربعة أشياء ففيها الدّية ‪ ،‬وفي ك ّ‬
‫العينين وأهدابها ‪ .‬وما فيه منه عشرة ففيها الدّية ‪ ،‬وفي كلّ واحد منها عشرها ‪ ،‬ففي أصابع‬
‫اليدين الدّية ‪ ،‬وفي أصابع الرّجلين الدّية أيضا ‪ ،‬ول فرق بين إصبع وإصبع لقوله صلى ال‬
‫عليه وسلم ‪ « :‬في كلّ إصبع عشر من البل »‬
‫والصابع كلّها سواء ‪ ،‬فالخنصر والبهام سواء ‪ ،‬وفي كلّ سلمى من السّلميّات الثّلث ثلث‬
‫دية الصبع ما عدا البهام فإنّها مفصلن ‪ ،‬وفي كلّ مفصل نصف دية الصبع ‪.‬‬
‫ل السنان فإنّ في كلّ سنّ خمسا من البل ‪،‬‬
‫وليس في البدن شيء من جنس يزيد على الدّية إ ّ‬
‫أي نصف عشر الدّية ‪ ،‬والصل في ذلك ما روي عنه صلى ال عليه وسلم أنّه قال ‪ « :‬في‬
‫كلّ سنّ خمس من البل » ول فرق بين سنّ وسنّ ‪ ،‬للحديث المذكور ‪.‬‬
‫‪ -‬وأمّا إزالة شعر الرّأس ‪ ،‬واللّحية ‪ ،‬والحاجبين إذا لم ينبت ‪ ،‬فذهب الحنفيّة ‪ ،‬والحنابلة‬ ‫‪38‬‬

‫إلى أنّ فيها الدّية ‪ ،‬وبه قال الثّوريّ ‪ ،‬لنّه أذهب الجمال على الكمال ‪ ،‬فوجب فيه دية كاملة‬
‫كأذن الصمّ ‪ ،‬وأنف الخشم ‪.‬‬
‫ويرى المالكيّة والشّافعيّة أنّ فيه حكومة عدل ‪ ،‬واختاره ابن المنذر ‪ ،‬لنّه إتلف جمال من‬
‫غير منفعة ‪ ،‬فلم تجب فيه الدّية كاليد الشّلّاء ‪ ،‬والعين القائمة ‪.‬‬
‫وتفصيل ذلك كلّه في مصطلح ‪ ( :‬دية ) ‪.‬‬
‫النّوع الثّاني ‪ :‬الجراح ‪:‬‬
‫‪ -‬قال ابن المنذر ‪ :‬أجمع أهل العلم على أنّ في الموضحة إذا كانت في الوجه أو الرّأس‬ ‫‪39‬‬

‫خمسا من البل ‪ ،‬سواء كانت من رجل أو امرأة ‪ ،‬وليس في جراحات غير الرّأس والوجه‬
‫أرش مقدّر في قول أكثر أهل العلم ‪ .‬وفي المنقّلة خمس عشرة من البل ‪ ،‬وفي كلّ من‬
‫المأمومة والجائفة ثلث الدّية ‪ ،‬والدّليل على ذلك كلّه كتاب النّبيّ صلى ال عليه وسلم لعمرو‬
‫بن حزم المعروف ‪ ،‬وروي عن ابن عمر مثل ذلك ‪.‬‬
‫وصرّح الحنابلة بأنّ في الدّامغة ما في المأمومة ‪ ،‬لنّها أبلغ من المأمومة ‪ ،‬ول يسلم صاحبها‬
‫في الغالب ‪ ،‬ولذلك لم يذكره محمّد بن الحسن بين الشّجاج ‪ ،‬لنّه ل يعيش معها ‪ ،‬وليس لها‬
‫حكم ‪.‬‬
‫وأمّا الهاشمة ‪ :‬فاختلف الفقهاء في موجبها ‪:‬‬
‫فقدّرها الحنفيّة والمالكيّة بعشر الدّية ‪ ،‬وحكي عن مالك ‪ :‬أنّ الهاشمة ترادف المنقّلة ‪.‬‬
‫وقدّرها الشّافعيّة ‪ -‬في الصحّ ‪ -‬والحنابلة وجماعة من أهل العلم بعشر من البل إن كانت‬
‫ق لخراج عظم أو تقويمه ‪ ،‬فإن لم توضح فخمس من البل وقيل‬
‫مع إيضاح أو احتيج إليه بش ّ‬
‫‪ :‬حكومة ‪ .‬وأمّا ما قبل الموضحة من الشّجاج وهي الحارصة والسّمحاق وما بينهما ففيها‬
‫حكومة عدل ‪ ،‬لنّه لم يثبت فيها أرش مقدّر بتوقيف ‪ ،‬ول له قياس فوجب الرّجوع إلى‬
‫الحكومة ‪ .‬وينظر تفصيل ذلك في مصطلح ‪ ( :‬ديات ) ‪.‬‬
‫النّوع الثّالث ‪ :‬إبطال المنافع ‪:‬‬
‫‪ -‬اتّفق الفقهاء على أنّه تجب بإزالة العقل كمال الدّية ‪ ،‬لنّه أكبر المعاني قدرا ‪ ،‬وأعظم‬ ‫‪40‬‬

‫الحواسّ نفعا ‪ ،‬وبإبطال السّمع من الذنين أو البصر من العينين ‪ ،‬أو الشّ ّم من المنخرين كمال‬
‫الدّية ‪ ،‬وبإبطال المنفعة من إحدى الذنين ‪ ،‬أو العينين ‪ ،‬أو المنخرين ‪ ،‬نصف الدّية ‪ ،‬من‬
‫إحداها ‪ .‬وكذلك بإبطال الصّوت ‪ ،‬والذّوق ‪ ،‬والمضغ ‪ ،‬والمناء والحبال ‪ ،‬والجماع ‪،‬‬
‫والبطش ‪ ،‬والمشي دية كاملة ‪.‬‬
‫ص الحنابلة على أنّ المذاق مشتمل على خمسة أشياء ‪ :‬الحلوة ‪ ،‬والمرارة ‪ ،‬والحموضة ‪،‬‬
‫ون ّ‬
‫والعذوبة ‪ ،‬والملوحة ‪ ،‬ففيه الدّية ‪ ،‬وفي أحد أقسامها خمسها ‪.‬‬
‫وفي شرائط وجوب الدّية وكيفيّتها خلف وتفصيل ينظر مصطلح ‪ ( :‬ديات ) ‪.‬‬

‫جنس *‬
‫التّعريف ‪:‬‬
‫‪ -‬الجنس في اللّغة الضّرب من كلّ شيء ‪ .‬قال في اللّسان ‪ :‬البل جنس من البهائم العجم ‪،‬‬ ‫‪1‬‬

‫فإذا واليت سنّا من أسنان البل على حدة فقد صنّفتها تصنيفا ‪ ،‬كأنّك جعلت بنات المخاض‬
‫منها صنفا ‪ ،‬وبنات اللّبون صنفا ‪ ،‬والحقاق صنفا ‪ ،‬وكذلك الجذع والثّنيّ ‪.‬‬
‫والحيوان أجناس ‪ ،‬فالنّاس جنس ‪ ،‬والبل جنس ‪ ،‬والبقر جنس ‪ ،‬والشّاء جنس ‪.‬‬
‫وفي اصطلح الفقهاء عرّفه الجرجانيّ بأنّه اسم دالّ على كثيرين مختلفين بالنواع ‪.‬‬
‫وقال الشّربينيّ ‪ :‬الجنس ‪ :‬كلّ شيئين أو أشياء جمعها اسم خاصّ تشترك في ذلك السم‬
‫بالشتراك المعنويّ ‪ .‬وعرّفه المناطقة بأنّه ما صدق في جواب ما هو على كثيرين مختلفين‬
‫بالحقيقة ‪ ،‬والنّوع ما صدق في جواب ما هو على كثيرين متّفقين بالحقيقة ‪.‬‬
‫الحكام المتعلّقة بالجنس ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬اتّحاد الجنس في الزّكاة ‪:‬‬
‫‪ -‬قال المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة في زكاة الخلطة ‪ :‬إنّ الخلطاء يعاملون في الزّكاة معاملة‬ ‫‪2‬‬

‫المالك الواحد في زكاة الماشية وغيرها على خلف بينهم فيما يثبت فيه ذلك ‪ ،‬وذلك بالشّروط‬
‫الّتي تذكر في بابها ‪ ،‬وبشرط اتّحاد الجنس ‪ ،‬سواء كانت الخلطة خلطة أعيان ‪ ،‬أو خلطة‬
‫أوصاف ‪ ،‬لخبر أنس « ل يجمع بين متفرّق ‪ ،‬ول يفرّق مجتمع خشية الصّدقة » ‪ .‬وذهب‬
‫الحنفيّة إلى أنّ الخلطة ل أثر لها في القدر الواجب ‪ ،‬ول في النّصاب في الزّكاة ‪ ،‬فلو كانت‬
‫سائمة مشتركة بين اثنين أو أكثر ل تجب الزّكاة على واحد منهم إلّ أن يبلغ نصيب كلّ شريك‬
‫نصابا لقوله عليه الصلة والسلم ‪ « :‬فإذا كانت سائمة الرّجل ناقصة من أربعين شاة واحدة‬
‫فليس فيها صدقة » ‪.‬‬
‫وأمّا اتّحاد الجنس عند المالك الواحد بأن ملك إبل ‪ ،‬بعضها أرحبيّة ‪ ،‬وبعضها مهريّة ‪ ،‬أو‬
‫ملك بقرا بعضها عراب ‪ ،‬وبعضها جواميس ‪ ،‬أو ملك غنما بعضها من الضّأن ‪ ،‬وبعضها من‬
‫المعز ‪ ،‬فإنّه يضمّ بعضها إلى بعض ‪ ،‬ويجوز الخراج من أيّ نوع ما دام الجنس متّحدا ‪.‬‬
‫وفي المسألة أوجه أخرى محلّها مصطلح ‪ ( :‬زكاة ) ‪.‬‬
‫وأمّا إذا اختلفت الجناس فالصل أن ل يضمّ بعضها إلى بعض ‪ ،‬فل تضمّ البقر إلى البل ‪،‬‬
‫ول إلى الغنم ‪ ،‬ول يضمّ القمح إلى التّمر في تكميل النّصاب ‪.‬‬
‫ويستثنى من ذلك صور معيّنة يأخذ بها بعض المذاهب ( وانظر مصطلح ‪ :‬زكاة ) ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬أثر اتّحاد الجنس واختلفه في البيوع الرّبويّة ‪:‬‬
‫‪ -‬اتّفق الفقهاء على أنّ الشّيئين إذا كانا من جنس واحد وكانا ربويّين ‪ ،‬فإذا بيع أحدهما‬ ‫‪3‬‬

‫بالخر فل يجوز فيهما النّساء ‪ ،‬أي تأخير التّسليم لكل العوضين أو أحدهما ‪ ،‬لقول النّبيّ صلى‬
‫ال عليه وسلم « الذّهب بالذّهب ‪ ،‬والفضّة بالفضّة ‪ ،‬والب ّر بالبرّ ‪ ،‬والشّعير بالشّعير ‪ ،‬والملح‬
‫ل بمثل ‪ ،‬سواء بسواء ‪ ،‬يدا بيد ‪ ،‬فإذا اختلفت هذه الصناف فبيعوا‬
‫بالملح ‪ ،‬والتّمر بالتّمر ‪ ،‬مث ً‬
‫كيف شئتم إذا كان يدا بيد » ‪ .‬وقد اختلف في بعض الشياء المتشابهة هل هي جنس واحد‬
‫فيحرم فيها التّفاضل ‪ ،‬أم جنسان فل يحرم ؟‬
‫فذهب جمهور الفقهاء ‪ -‬الحنفيّة والشّافعيّة والحنابلة ‪ -‬إلى أنّ كلّ شيئين اتّفقا في السم‬
‫ي فهما جنس واحد ‪ ،‬وكلّ شيئين اختلفا‬
‫الخاصّ من أصل الخلقة كالتّمر البرنيّ والتّمر المعقل ّ‬
‫في السم من أصل الخلقة كالحنطة والتّمر فهما جنسان بدللة الحديث السّابق ‪.‬‬
‫وهذا مذهب المالكيّة أيضا ‪ ،‬إلّ أنّهم قالوا ‪ :‬إنّ الطّعامين إن استويا في المنفعة كأصناف‬
‫الحنطة ‪ ،‬أو تقاربا فيها كالقمح والشّعير والسّلت فهما جنس واحد ‪ ،‬وإن تباينا في المنفعة‬
‫كالتّمر والقمح فهما جنسان ‪ .‬وينظر تفصيل القول في هذه المسألة في مصطلح ‪ ( :‬ربا ) ‪.‬‬
‫ج ‪ -‬الجنس في السّلم ‪:‬‬
‫‪ -‬اتّفق الفقهاء على أنّ المسلم فيه ل بدّ أن يكون مضبوطا بالصّفات الّتي يختلف الثّمن‬ ‫‪4‬‬

‫ن المسلم فيه عوض موصوف في ال ّذمّة ‪ ،‬فل بدّ أن يكون معلوما‬


‫باختلفها ظاهرا ‪ ،‬ل ّ‬
‫بالصّفة ‪ ،‬كالثّمن فيذكر جنسه بأن يقول تمر ‪ ،‬ونوعه كتمر برنيّ أو معقليّ ‪ ،‬فإن أتى بغير‬
‫جنس المسلم فيه ل يلزمه قبوله ‪ ،‬إذ ل يجوز العتياض عنه ‪ ،‬وإن أتى بجنسه وعلى صفته‬
‫المشروطة وجب قبوله قطعا ‪.‬‬
‫د ‪ -‬الختلف في جنس المغصوب ‪:‬‬
‫‪ -‬إذا اختلف الغاصب والمغصوب منه في جنس المغصوب ‪ ،‬أو صفته ‪ ،‬أو قدره ‪ ،‬أو‬ ‫‪5‬‬

‫وزنه ‪ ،‬أو تلفه ‪ ،‬فالقول قول الغاصب بيمينه عند الحنفيّة ‪ ،‬وكذا عند المالكيّة والشّافعيّة على‬
‫الصّحيح وهو أيضا قول الحنابلة في غير التلف بل خلف ‪ ،‬وفي التلف على الصّحيح ‪،‬‬
‫من المذهب ‪ ،‬لنّه غارم ‪ ،‬والتّفصيل في مصطلح ‪ ( :‬غصب ) ‪.‬‬
‫هـ ‪ -‬الوصيّة لجنس فلن ‪:‬‬
‫‪ -‬ذهب الحنفيّة إلى أنّه لو قال في وصيّته " أوصيت لجنس فلن " فهم أهل بيت أبيه دون‬ ‫‪6‬‬

‫أهل بيت أمّه ‪ ،‬لنّ النسان يتجنّس بأبيه ول يتجنّس بأمّه ‪ ،‬فكان المراد منه جنسه في النّسب‬
‫‪ .‬بخلف ما لو أوصى لقرابته ‪ ،‬فيدخل أيضا أقاربه من جهة المّ ‪ ،‬لنّ القرابة من يتقرّب‬
‫إلى النسان بغيره ‪ ،‬وهذا المعنى يوجد في الطّرفين بخلف الجنس ‪.‬‬
‫والتّفصيل في ‪ ( :‬وصيّة ) ‪.‬‬
‫و ‪ -‬شرب ما يسكر جنسه ‪:‬‬
‫‪ -‬ذهب الجمهور إلى أنّ المسلم يح ّد بشرب ما يسكر جنسه وإن لم يسكر ما شربه لقلّته أو‬ ‫‪7‬‬

‫اعتياد الشّارب له ‪ ،‬سواء كان عصير عنب ‪ ،‬أو نقيع زبيب ‪ ،‬أو تمر ‪ ،‬أو رطب ‪ ،‬أو بسر ‪،‬‬
‫أو عسل ‪ ،‬أو حنطة ‪ ،‬أو شعير ‪ ،‬أو ذرة ‪ ،‬أو أرز ‪ ،‬أو غير ذلك ‪.‬‬
‫أمّا الخمر الّتي هي من العنب فل خلف بين الفقهاء في أنّ القليل والكثير منها سواء في‬
‫الحرمة وفي وجوب الحدّ ‪ ،‬لقوله صلى ال عليه وسلم في ما رواه أبو داود وابن ماجه‬
‫والتّرمذيّ عن جابر مرفوعا « ما أسكر كثيره فقليله حرام » ولقوله صلى ال عليه وسلم في‬
‫ما رواه أحمد وأبو داود والنّسائيّ عن أبي هريرة « من شرب الخمر فاجلدوه » ‪.‬‬
‫والتّفصيل في مصطلح ‪ ( :‬أشربة ) ‪.‬‬
‫مواطن البحث ‪:‬‬
‫‪ -‬يذكر الفقهاء الجنس في مواطن أخرى فيذكرونه في تعيين ال ّنيّة في الكفّارة إذا كانت‬ ‫‪8‬‬

‫أسبابها مختلفة أو متّحدة الجنس ‪ ،‬وفي البيع كاختلط المبيع بجنسه ‪ ،‬وفي الجارة كعدوله عن‬
‫الجنس المشروط فيها إلى غيره ‪ ،‬وفي القرار كما لو كان المستثنى من جنس المستثنى منه‬
‫أو من غيره ‪ ،‬وتفصيل ذلك في المصطلحات الخاصّة بتلك المواطن ‪.‬‬

‫جنّ *‬
‫التّعريف ‪:‬‬
‫‪ -‬الجنّ خلف النس ‪ ،‬والجانّ ‪ :‬الواحد من الجنّ ‪ ،‬يقال ‪ :‬جنّه اللّيل وجنّ عليه وأجنّه ‪:‬‬ ‫‪1‬‬

‫ن عنك ‪.‬‬
‫إذا ستره ‪ .‬وك ّل شيء ستر عنك فقد ج ّ‬
‫قال ابن منظور ‪ :‬وبه سمّي الجنّ لستتارهم واختفائهم عن البصار ‪ ،‬ومنه سمّي الجنين‬
‫لستتاره في بطن أمّه ‪.‬‬
‫وكان أهل الجاهليّة يسمّون الملئكة جنّا لستتارهم عن العيون ‪ .‬والجنّ ‪ :‬أجسام ناريّة لها قوّة‬
‫سمُومِ } ‪.‬‬
‫ن نَارِ ال ّ‬
‫ن خََل ْقنَاه مِنْ َقبْلُ مِ ْ‬
‫التّشكّل ‪ .‬قال اللّه تعالى ‪ { :‬والجَا ّ‬
‫ن أجسام عاقلة خفيّة تغلب عليهم النّاريّة أو الهوائيّة ‪ .‬وقال أبو عل يّ بن‬
‫قال البيضاو يّ ‪ :‬الج ّ‬
‫ي يتشكّل بأشكال مختلفة ‪ .‬ول يخرج الصطلح الفقهيّ عن ذلك ‪.‬‬
‫ن حيوان هوائ ّ‬
‫سينا ‪ :‬الج ّ‬
‫اللفاظ ذات الصّلة ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬النس ‪:‬‬
‫‪ -‬النس ‪ :‬جماعة النّاس ‪ ،‬والجمع أناس ‪ ،‬والنس ‪ :‬البشر ‪ .‬الواحد إنسيّ وأنسيّ بالتّحريك‬ ‫‪2‬‬

‫‪ ،‬وهم بنو آدم ‪.‬‬


‫وقال في الكّليّات ‪ " :‬كلّ ما يؤنس به فهو إنس " ‪ .‬والنّسبة بين الجنّ والنس التّضادّ ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬الشّياطين ‪:‬‬
‫‪ -‬الشّياطين جمع شيطان وصيغته ( فيعال ) من شطن إذا بعد أي ‪ :‬بعد عن الخير ‪ ،‬أو من‬ ‫‪3‬‬

‫شرّ ‪ .‬وهذا فيمن جعل النّون أصلً ‪ ،‬وقيل ‪ :‬الشّيطان فعلن من‬
‫الحبل الطّويل كأنّه طال في ال ّ‬
‫شاط يشيط إذا هلك واحترق ‪ ،‬وهذا فيمن جعل النّون زائدة ‪.‬‬
‫قال الزهريّ ‪ :‬الوّل أكثر ‪ .‬وهو من حيث العموم ‪ :‬العصيّ البيّ الممتلئ شرّا ومكرا ‪ ،‬أو‬
‫المتمادي في الطّغيان الممتدّ إلى العصيان ‪ .‬وكلّ عات متمرّد من الجنّ والنس والدّوابّ‬
‫شيطان ‪ .‬فبين الجنّ والشّيطان عموم وخصوص وجهيّ ‪.‬‬
‫‪ -‬ويدعى متمرّد الشّياطين " عفريتا " ‪ .‬والعفريت ‪ :‬الخبيث المنكر الدّاهية ‪ ،‬ويسمّى الجنّ‬ ‫‪4‬‬

‫عفريتا إذا بلغ الغاية في الكفر والظّلم والتّعدّي والقوّة ‪.‬‬


‫ن عند أهل الكلم واللّسان منزّلون على مراتب ‪ .‬فإذا ذكروا‬
‫قال أبو عمر بن عبد البرّ ‪ :‬الج ّ‬
‫الجنّ خالصا قالوا ‪ :‬ج ّنيّ ‪ .‬فإن أرادوا أنّه ممّن يسكن مع النّاس قالوا ‪ :‬عامر ‪ ،‬والجمع عمّار‬
‫‪ .‬فإن كان ممّن يعرض للصّبيان قالوا أرواح ‪ ،‬فإن خبث وتعزّم فهو شيطان ‪ ،‬فإن زاد على‬
‫ذلك فهو مارد ‪ ،‬فإن زاد على ذلك وقوي أمره قالوا ‪ :‬عفريت ‪ ،‬والجمع عفاريت ‪ .‬وكبير‬
‫سقَ عَنْ َأ ْمرِ َربّهِ } ‪.‬‬
‫سجَدُوا إلّ إبليسَ كَانَ مِن الجِنّ فَ َف َ‬
‫الجنّ ‪ :‬إبليس ‪ .‬قال اللّه تعالى ‪ { :‬فَ َ‬
‫الحكم الجماليّ ‪:‬‬
‫للجنّ أحكام عامّة وخاصّة ‪ ،‬وفيما يلي بيانها ‪:‬‬
‫أوّلً ‪ -‬الحكام العامّة ‪:‬‬
‫وجود الجنّ ‪:‬‬
‫سنّة وعلى ذلك انعقد الجماع ‪ ،‬فمنكر وجودهم كافر لنكاره‬
‫ن بالقرآن وال ّ‬
‫‪ -‬ثبت وجود الج ّ‬ ‫‪5‬‬

‫ما علم من الدّين بالضّرورة ‪.‬‬


‫قدرتهم على التّشكّل في صور شتّى ‪:‬‬
‫‪ -‬قال بدر الدّين الشّبليّ ‪ :‬للجنّ القدرة على التّطوّر والتّشكّل في صور النس والبهائم ‪،‬‬ ‫‪6‬‬

‫فيتصوّرون في صور الحيّات ‪ ،‬والعقارب ‪ ،‬وفي صور البل ‪ ،‬والبقر ‪ ،‬والغنم ‪ ،‬والخيل ‪،‬‬
‫والبغال ‪ ،‬والحمير ‪ ،‬وفي صور الطّير ‪ ،‬وفي صور بني آدم ‪ ،‬كما أتى الشّيطان قريشا في‬
‫صورة سراقة بن مالك بن جعشم لمّا أرادوا الخروج إلى بدر ‪ .‬قال اللّه تعالى ‪ { :‬وإذْ َزيّنَ‬
‫ب لكم اليَومَ مِن النّاسِ وإنّي جَارٌ لكم فَلمّا تَراءتْ الفِئتَانِ‬
‫ل ل غَاِل َ‬
‫عمَالَهمْ وقَا َ‬
‫لهم الشّيطَانُ أَ ْ‬
‫ب‬
‫ع ِقبَيهِ وقَالَ إنّي َبرِيءٌ منكم إنّي َأرَى ما ل تَرَونَ إنّي أخَافُ اللّهَ واللّهُ شَدِيدُ ال ِعقَا ِ‬
‫َنكَصَ على َ‬
‫} وكما روي أنّه تصوّر في صورة شيخ نجديّ لمّا اجتمعوا بدار النّدوة للتّشاور في أمر‬
‫الرّسول صلى ال عليه وسلم هل يقتلونه ‪ ،‬أو يحبسونه ‪ ،‬أو يخرجونه ‪ ،‬وورد « عن أبي‬
‫ن بالمدينة نفرا من الجنّ قد أسلموا فمن رأى شيئا من هذه العوامر‬
‫سعيد الخدريّ يرفعه أ ّ‬
‫فليؤذنه ثلثا فإن بدا له بعد فليقتله فإنّه شيطان » ‪.‬‬
‫قال ابن عابدين ‪ :‬تشكّلهم ثابت بالحاديث ‪ ،‬والثار ‪ ،‬والحكايات الكثيرة ‪.‬‬
‫وأنكر قوم قدرة الجنّ على ذلك ‪ .‬وقال القاضي أبو يعلى ‪ :‬ل قدرة للشّياطين على تغيير خلقهم‬
‫والنتقال في الصّور ‪ ،‬وإنّما يجوز أن يعلّمهم اللّه تعالى كلمات وضروبا من الفعال إذا فعله‬
‫وتكلّم به نقله اللّه تعالى من صورة إلى صورة ‪.‬‬
‫وروي عن عمر أنّه قال ‪ :‬إنّ أحدا ل يستطيع أن يتغيّر عن صورته الّتي خلقه اللّه تعالى‬
‫عليها ولكن لهم سحرة كسحرتكم ‪ ،‬فإذا رأيتم ذلك فأذنوا ‪.‬‬
‫ن أنّهم يرون النس ول يراهم النس إلّ نادرا ‪ ،‬قال اللّه تعالى ‪ { :‬إنّه‬
‫هذا ومن خصائص الج ّ‬
‫ث ل تَرَو َنهُمْ } ‪.‬‬
‫َيرَاكُمْ هو و َقبِيلُهُ مِنْ حَي ُ‬
‫مسكن الجنّ ومأكلهم ومشربهم ‪:‬‬
‫ن في مواضع المعاصي والنّجاسات ‪ ،‬كالحمّامات ‪ ،‬والحشوش ‪،‬‬
‫‪ -‬غالب ما يسكن الج ّ‬ ‫‪7‬‬

‫والمزابل ‪ ،‬والقمّامين ‪ .‬فعن زيد بن أرقم عن رسول اللّه صلى ال عليه وسلم أنّه قال ‪ « :‬إنّ‬
‫هذه الحشوش محتضرة فإذا أتى أحدكم الخلء فليقل اللّهمّ إنّي أعوذ بك من الخبث والخبائث »‬
‫‪ .‬والمحضرة مكان حضور الجنّ والشّياطين ‪.‬‬
‫وقد جاءت الثار بالنّهي عن الصّلة في هذه الماكن ‪.‬‬
‫‪ -8‬ومن أزواد الجنّ العظام ‪ .‬ففي الحديث أنّ « الجنّ سألوا رسول اللّه صلى ال عليه وسلم‬
‫الزّاد فقال ‪ :‬كلّ عظم يذكر اسم اللّه يقع في أيديكم أوفر ما كان لحما ‪ ،‬وكلّ بعرة أو روثة‬
‫علف لدوابّكم » ‪ .‬وقد « نهى رسول اللّه صلى ال عليه وسلم أن يستنجى بالعظم والرّوث‬
‫وقال ‪ :‬إنّه زاد إخوانكم من الجنّ » ‪.‬‬
‫تكليف الجنّ ودخولهم في عموم بعثة محمّد صلى ال عليه وسلم ‪:‬‬
‫ن والنْسَ إلّ‬
‫ن مكلّفون مخاطبون لقوله تعالى ‪ { :‬وما خَلَ ْقتُ الجِ ّ‬
‫‪ -‬اتّفق العلماء على أنّ الج ّ‬ ‫‪9‬‬

‫جبَا‬
‫عَ‬‫س ِم ْعنَا ُقرْآنَا َ‬
‫ن فَقَالُوا إنّا َ‬
‫س َت َمعَ َن َفرٌ مِن الجِ ّ‬
‫حيَ إليّ أنّهُ ا ْ‬
‫ِل َي ْعبُدُونِ } وقوله تعالى ‪ { :‬قُلْ أُو ِ‬
‫ن والنسِ إنْ‬
‫شرَ الجِ ّ‬
‫ش ِركَ ِب َرّبنَا أحَدَا } وقوله تعالى ‪ { :‬يا َمعْ َ‬
‫ن ُن ْ‬
‫َيهْدِي إلى ال ّرشْدِ فَآ َمنّا بِهِ ولَ ْ‬
‫ط ْعتُمْ ‪ } ...‬إلى قوله تعالى { َف ِبَأيّ آلءِ َرّب ُكمَا ُت َك ّذبَانِ } إلى غير ذلك من اليات الدّالّة على‬
‫س َت َ‬
‫اْ‬
‫تكليفهم وأنّهم مأمورون منهيّون ‪ .‬ولما في القرآن من ذ ّم الشّياطين ولعنهم ‪ ،‬والتّحرّز من‬
‫غوائلهم وشرّهم ‪ ،‬وذكر ما أعدّ اللّه لهم من العذاب ‪ ،‬وهذه ل تكون إلّ لمن خالف المر‬
‫والنّهي ‪ ،‬وارتكب الكبائر ‪ ،‬وهتك المحارم ‪ ،‬مع تمكّنه من أن ل يفعل ذلك ‪ ،‬وقدرته على فعل‬
‫خلفه ‪.‬‬
‫ن الجنّ مكلّفون ‪.‬‬
‫قال القاضي عبد الجبّار ‪ :‬ل نعلم خلفا بين أهل النّظر في أ ّ‬
‫وحكي عن الحشويّة أنّهم مضطرّون إلى أفعالهم ‪ ،‬وأنّهم ليسوا مكلّفين ‪.‬‬
‫ن في عموم بعثة النّبيّ صلى ال عليه وسلم وأنّ اللّه‬
‫‪ -‬وأجمع العلماء على دخول الج ّ‬ ‫‪10‬‬

‫ن والنس ففي الصّحيحين من حديث جابر بن‬


‫تعالى أرسل محمّدا صلى ال عليه وسلم إلى الج ّ‬
‫عبد اللّه أنّ رسول اللّه صلى ال عليه وسلم قال ‪ « :‬أعطيت خمسا لم يعطهنّ أحد من النبياء‬
‫قبلي » وحديث « كان النّبيّ يبعث إلى خاصّة قومه وبعثت أنا إلى الجنّ والنس » قال ابن‬
‫عقيل ‪ :‬والجنّ داخلون في مسمّى النّاس لغة ‪ .‬ويقول الفيّوميّ ‪ :‬يطلق لفظ النّاس على الجنّ‬
‫والنس ‪ .‬قال تعالى ‪ { :‬الّذي يُ َوسْوِسُ في صُدُورِ النّاسِ } ثمّ فسّر النّاس بالجنّ والنس فقال ‪:‬‬
‫جنّ ِة والنّاسِ } ‪.‬‬
‫{ مِن ال ِ‬
‫ثواب الجنّ على أعمالهم ‪:‬‬
‫‪ -‬ذهب جمهور العلماء إلى أنّ الجنّ يثابون على الطّاعة ويعاقبون على المعصية ‪ ،‬لقوله‬ ‫‪11‬‬

‫سطُونَ‬
‫حرّوا َرشَدَا وأمّا القَا ِ‬
‫سطُونَ َفمَنْ َأسْلَ َم فأولئكَ َت َ‬
‫ن و ِمنّا القَا ِ‬
‫تعالى ‪ { :‬وأنّا ِمنّا ال ُمسْلِمو َ‬
‫عمِلُوا }‬
‫ل َد َرجَاتٌ ِممّا َ‬
‫طبَا } وقوله تعالى ‪ { :‬وَِل ُك ّ‬
‫حَ‬‫َفكَانُوا ِلجَ َه ّنمَ َ‬
‫ن إنْسٌ َقبْلَه ْم ول جَانّ } ‪.‬‬
‫وقوله تعالى ‪ { :‬لمْ َيطْ ِم ْثهُ ّ‬
‫ل النّجاة من النّار لنّه جاء في‬
‫وحكى ابن حزم وغيره عن أبي حنيفة أنّه قال ‪ :‬ل ثواب لهم إ ّ‬
‫القرآن فيهم { يَغ ِفرْ َل ُكمْ ُذنُو َبكُمْ } والمغفرة ل تستلزم الثابة ‪ ،‬لنّ المغفرة ستر ‪.‬‬
‫وروي عن ليث بن أبي سليم قال ‪ :‬ثواب الجنّ أن يجاروا من النّار ‪ ،‬ثمّ يقال لهم ‪ :‬كونوا‬
‫ترابا ‪ ،‬وروي عن أبي الزّناد قال ‪ :‬إذا دخل أهل الجنّة الجنّة وأهل النّار النّار قال اللّه تعالى ‪:‬‬
‫لمؤمني الجنّ وسائر المم ‪ :‬كونوا ترابا ‪ ،‬فحينئذ يقول الكافر يا ليتني كنت ترابا ‪.‬‬
‫ثمّ إنّ العلماء اتّفقوا على أنّ كافر الجنّ يعذّب في الخرة ‪ ،‬كما ذكر اللّه تعالى في كتابه‬
‫طبَا } وقوله تعالى ‪ { :‬والنّارُ مَثوى َل ُهمْ }‬
‫حَ‬‫ج َهنّ َم َ‬
‫سطُونَ َفكَانُوا ِل َ‬
‫العزيز ‪ { :‬وأمّا القَا ِ‬
‫دخول الجنّ في بدن النسان ‪:‬‬
‫‪ -‬قال أبو الحسن الشعريّ ‪ :‬اختلف النّاس في الجنّ ‪ ،‬هل يدخلون في النّاس ؟ على‬ ‫‪12‬‬

‫مقالتين ‪ :‬فقال قائلون ‪ :‬محال أن يدخل الجنّ في النّاس ‪.‬‬


‫وقال قائلون ‪ :‬يجوز أن يدخل الجنّ في النّاس ‪ ،‬ولحديث ‪ « :‬اخرج عد ّو اللّه فإنّي رسول اللّه‬
‫صلى ال عليه وسلم » ولنّ أجسام الجنّ أجسام رقيقة ‪ ،‬فليس بمستنكر أن يدخلوا في جوف‬
‫النسان من خروقه ‪ ،‬كما يدخل الماء والطّعام في بطن النسان ‪ ،‬وهو أكثف من أجسام‬
‫الجنّ ‪ ،‬ول يؤدّي ذلك إلى اجتماع الجواهر في حيّز واحد ‪ ،‬لنّها ل تجتمع إلّ على طريق‬
‫المجاورة ل على سبيل الحلول ‪ ،‬وإنّما تدخل أجسامنا كما يدخل الجسم الرّقيق في المظروف‪.‬‬
‫رواية الجنّ للحديث ‪:‬‬
‫‪ -‬تجوز رواية الجنّ عن النس ما سمعوه منهم ‪ ،‬أو قرئ عليهم وهم يسمعون ‪ ،‬سواء علم‬ ‫‪13‬‬

‫س َتمَعَ نَ َفرٌ مِن الجِنّ } اليات ‪،‬‬


‫حيَ إليّ أنّهُ ا ْ‬
‫النس بحضورهم أم ل ‪ .‬لقوله تعالى ‪ُ { :‬قلْ أُو ِ‬
‫صتُوا فلمّا‬
‫ضرُوه قالوا َأ ْن ِ‬
‫ح َ‬
‫ن فَلَمّا َ‬
‫ن القُرآ َ‬
‫س َت ِمعُو َ‬
‫ن َي ْ‬
‫صرَ ْفنَا إليكَ نَ َفرَا مِنَ الجِ ّ‬
‫وقوله ‪ { :‬وإذْ َ‬
‫ضيَ ولّوا إلى قَومِهمْ ُمنْ ِذرِينَ قَالوا يا قَو َمنَا ‪ } ...‬فإذا جاز أن يبلّغوا القرآن جاز أن يبلّغوا‬
‫ُق ِ‬
‫الحديث ‪ .‬وكذا إذا أجاز الشّيخ من حضر أو سمع دخلوا في إجازته ‪ ،‬وإن لم يعلم به ‪ ،‬كما‬
‫في نظير ذلك من النس ‪.‬‬
‫وأمّا رواية النس عنهم ‪ :‬فقال السّيوطيّ ‪ :‬الظّاهر منعها ‪ ،‬لعدم حصول الثّقة بعدالتهم ‪.‬‬
‫الذّبح للجنّ ‪:‬‬
‫ح ّر َمتْ عَلَيكُمْ المَيتَةُ } إلى قوله {‬
‫‪ -‬ما ذبح للجنّ وعلى اسمهم فل يحلّ ‪ ،‬لقوله تعالى ‪ُ { :‬‬ ‫‪14‬‬

‫َومَا ُأ ِهلّ ِلغَيرِ اللّهِ بِهِ ‪ } ...‬قال يحيى بن يحيى ‪ :‬قال لي وهب ‪ :‬استنبط بعض الخلفاء عينا‬
‫ل يغوروا ماءها فأطعم ذلك ناسا ‪ ،‬فبلغ ذلك ابن شهاب ‪،‬‬
‫وأراد إجراءها وذبح للجنّ عليها لئ ّ‬
‫فقال ‪ :‬أمّا إنّه قد ذبح ما لم يحلّ له ‪ ،‬وأطعم النّاس ما ل يحلّ لهم ‪ .‬فقد « نهى رسول اللّه‬
‫ن»‪.‬‬
‫صلى ال عليه وسلم عن ذبائح الج ّ‬
‫الذكار الّتي يعتصم بها من الشّياطين مردة الجنّ ويستدفع بها شرّهم ‪:‬‬
‫‪ -‬وذلك في عشرة حروز ‪ -‬كما قال صاحب الكام ‪-‬‬ ‫‪15‬‬

‫س َتعِذْ باللّهِ‬
‫غ ّنكَ مِن الشّيطَانِ َن ْزغٌ فَا ْ‬
‫أحدها ‪ :‬الستعاذة باللّه من الجنّ ‪ ،‬قال تعالى ‪ { :‬وإمّا َي ْنزَ َ‬
‫س َتعِذْ بِاللّهِ إنّه‬
‫ن نَزْغٌ فَا ْ‬
‫غ ّنكَ مِن الشّيطَا ِ‬
‫سمِي ُع العَلِيمُ } ‪ ،‬وفي موضع آخر ‪ { :‬وإمّا َي ْنزَ َ‬
‫إنّه هو ال ّ‬
‫سمِيعٌ عَلِيمٌ } وفي الصّحيح « أنّ رجلين استبّا عند النّبيّ صلى ال عليه وسلم حتّى احمرّ وجه‬
‫َ‬
‫أحدهما فقال صلى ال عليه وسلم ‪ :‬إنّي لعلم كلمة لو قالها لذهب عنه ما يجد ‪ :‬أعوذ باللّه‬
‫من الشّيطان الرّجيم » ‪.‬‬
‫ي رضي ال عنه‬
‫الثّاني ‪ :‬قراءة المعوّذتين ‪ .‬فقد روى التّرمذيّ من حديث أبي سعيد الخدر ّ‬
‫قال ‪ « :‬كان رسول اللّه صلى ال عليه وسلم يتعوّذ من الجانّ وعين النسان حتّى نزلت‬
‫المعوّذتان فلمّا نزلتا أخذ بهما وترك ما سواهما » ‪.‬‬
‫الثّالث ‪ :‬قراءة آية الكرسيّ ‪ .‬فعن « أبي هريرة قال ‪ :‬وكّلني رسول اللّه صلى ال عليه وسلم‬
‫بحفظ زكاة رمضان فأتاني آت ‪ ،‬فجعل يحثو من الطّعام ‪ ،‬فأخذته فقلت لرفعنّك إلى رسول‬
‫اللّه صلى ال عليه وسلم ‪ .‬فقال ‪ :‬أعلّمك كلمات ينفعك اللّه بهنّ ‪ .‬قلت ‪ :‬ما هي ؟ قال ‪ :‬إذا‬
‫حيّ ال َقيّومُ } ‪ ...‬حتّى ختم الية فإنّه‬
‫ل هوَ ال َ‬
‫آويت إلى فراشك فاقرأ هذه الية ‪ { :‬اللّهُ ل إلهَ إ ّ‬
‫ي صلى ال عليه‬
‫لن يزال عليك حافظ من اللّه تعالى ول يقربك شيطان حتّى تصبح ‪ .‬فقال النّب ّ‬
‫وسلم ‪ :‬ما فعل أسيرك اللّيلة ؟ قلت ‪ :‬يا رسول اللّه علّمني شيئا زعم أنّ اللّه تعالى ينفعني به ‪.‬‬
‫قال ‪ :‬وما هو ؟ قال ‪ :‬أمرني أن أقرأ آية الكرسيّ إذا آويت إلى فراشي ‪ ،‬زعم أنّه ل يقربني‬
‫حتّى أصبح ‪ ،‬ول يزال عليّ من اللّه تعالى حافظ ‪ .‬فقال النّبيّ صلى ال عليه وسلم ‪ :‬أما إنّه‬
‫قد صدقك وهو كذوب ‪ ،‬ذاك الشّيطان » ‪.‬‬
‫الرّابع ‪ :‬قراءة سورة البقرة ‪ ،‬ففي الصّحيح من حديث أبي هريرة رضي ال عنه أنّ رسول‬
‫ن الشّيطان ينفر من البيت الّذي‬
‫اللّه صلى ال عليه وسلم قال ‪ « :‬ل تجعلوا بيوتكم مقابر ‪ ،‬وإ ّ‬
‫تقرأ فيه سورة البقرة » ‪.‬‬
‫الخامس ‪ :‬خاتمة سورة البقرة ‪ ،‬فعن أبي مسعود النصاريّ رضي ال عنه قال ‪ :‬قال رسول‬
‫اللّه صلى ال عليه وسلم ‪ « :‬من قرأ اليتين من آخر سورة البقرة في ليلة كفتاه »‬
‫ن اللّه كتب‬
‫وعن النّعمان بن بشير رضي ال عنه عن النّبيّ صلى ال عليه وسلم قال ‪ « :‬إ ّ‬
‫كتابا قبل أن يخلق السّموات والرض بألفي عام أنزل منه آيتين ختم بهما سورة البقرة ‪ ،‬ول‬
‫يقرآن في دار ثلث ليال فيق ّر بها شيطان » ‪.‬‬
‫السّادس ‪ :‬أوّل سورة حم المؤمن ( غافر ) ‪ -‬إلى قوله ‪ { -‬إليه المصير } ‪ ،‬مع آية الكرسيّ ‪،‬‬
‫فعن أبي هريرة رضي ال عنه قال ‪ « :‬قال رسول اللّه صلى ال عليه وسلم ‪ :‬من قرأ حم‬
‫المؤمن إلى قوله ‪ { :‬إليه المصير } وآية الكرسيّ حين يصبح حفظ بهما حتّى يمسي ‪ ،‬ومن‬
‫قرأهما حين يمسي حفظ بهما حتّى يصبح » ‪.‬‬
‫السّابع ‪ " :‬ل إله إلّ اللّه وحده ل شريك له ‪ ،‬له الملك وله الحمد ‪ ،‬وهو على كلّ شيء قدير "‬
‫ن رسول اللّه صلى ال عليه وسلم قال ‪ :‬من‬
‫مائة مرّة ‪ .‬فعن أبي هريرة رضي ال عنه « أ ّ‬
‫ل شيء قدير في يوم‬
‫قال ل إله إلّ اللّه وحده ل شريك له ‪ ،‬له الملك وله الحمد ‪ ،‬وهو على ك ّ‬
‫مائة مرّة ‪ ،‬كانت له عدل عشر رقاب ‪ ،‬وكتب له مائة حسنة ‪ ،‬ومحيت عنه مائة سيّئة ‪،‬‬
‫ل أحد‬
‫وكانت له حرزا من الشّيطان يومه ذلك حتّى يمسي ‪ ،‬ولم يأت أحد أفضل ممّا جاء به إ ّ‬
‫عمل أكثر من ذلك » ‪.‬‬
‫ن النّبيّ صلى ال عليه وسلم‬
‫الثّامن ‪ :‬كثرة ذكر اللّه ع ّز وجلّ ‪ ،‬فعن الحارث الشعريّ « أ ّ‬
‫قال ‪ :‬إنّ اللّه تعالى أمر يحيى بن زكريّا عليه السلم بخمس كلمات أن يعمل بها ويأمر بني‬
‫ن اللّه أمرك بخمس كلمات‬
‫إسرائيل أن يعملوا بها ‪ ،‬وإنّه كاد أن يبطئ بها فقال عيسى ‪ :‬إ ّ‬
‫لتعمل بها ‪ ،‬وتأمر بني إسرائيل أن يعملوا بها ‪ ،‬فإمّا أن تأمرهم ‪ ،‬وإمّا أنا آمرهم فقال يحيى‬
‫عليه السلم ‪ :‬أخشى إن سبقتني بها أن يخسف بي أو أعذّب ‪ .‬فجمع النّاس في بيت المقدس‬
‫فامتل المسجد وقعدوا على الشّرف ‪ .‬فقال ‪ :‬إنّ اللّه أمرني بخمس كلمات أن أعمل بهنّ‬
‫ن مثل من أشرك‬
‫وآمركم أن تعملوا بهنّ ‪ .‬أوّلهنّ ‪ :‬أن تعبدوا اللّه ول تشركوا به شيئا ‪ ،‬وإ ّ‬
‫باللّه كمثل رجل اشترى عبدا من خالص ماله بذهب أو ورق ‪ ،‬فقال ‪ :‬هذه داري وهذا عملي‬
‫ي فكان يعمل ويؤدّي إلى غير سيّده ‪ ،‬فأيّكم يرضى أن يكون عبده كذلك ؟ وأنّ‬
‫فاعمل وأدّ إل ّ‬
‫اللّه أمركم بالصّلة فإذا صلّيتم فل تلتفتوا فإنّ اللّه تعالى ينصب وجهه بوجه عبده في صلته‬
‫ما لم يلتفت ‪ ،‬وآمركم بالصّيام فإنّ مثل ذلك كمثل رجل في عصابة معه صرّة فيها مسك‬
‫ن ريح الصّائم أطيب عند اللّه تعالى من ريح المسك ‪،‬‬
‫فكلّهم يعجب أو يعجبه ريحها ‪ ،‬وإ ّ‬
‫وآمركم بالصّدقة فإنّ مثل ذلك كمثل رجل أسره العدوّ فأوثقوا يده إلى عنقه وقدّموه ليضربوا‬
‫عنقه ‪ ،‬فقال ‪ :‬أنا أفديه منكم بالقليل والكثير ففدى نفسه منهم ‪ .‬وآمركم أن تذكروا اللّه تعالى ‪،‬‬
‫فإنّ مثل ذلك كمثل رجل خرج العدوّ في أثره سراعا حتّى إذا أتى على حصن حصين فأحرز‬
‫نفسه منهم ‪ ،‬كذلك العبد ل يحرز نفسه من الشّيطان إلّ بذكر اللّه تعالى … » ‪ .‬الحديث ‪.‬‬
‫التّاسع الوضوء ‪ :‬وهو من أعظم ما يتحرّز به ل سيّما عند ثوران قوّة الغضب والشّهوة فإنّها‬
‫ن النّبيّ صلى ال عليه وسلم قال ‪ :‬أل‬
‫نار تغلي في قلب ابن آدم ‪ ،‬فعن أبي سعيد الخدريّ « أ ّ‬
‫ن الغضب جمرة في قلب ابن آدم ‪ ،‬أما رأيتم إلى حمرة عينيه وانتفاخ أوداجه ‪ ،‬فمن أحسّ‬
‫وإ ّ‬
‫بشيء من ذلك فليلصق بالرض » وقال صلى ال عليه وسلم ‪ « :‬إنّ الغضب من الشّيطان ‪،‬‬
‫ن الشّيطان خلق من النّار ‪ ،‬وإنّما تطفأ النّار بالماء ‪ ،‬فإذا غضب أحدكم فليتوضّأ » ‪.‬‬
‫وإ ّ‬
‫العاشر ‪ :‬إمساك فضول النّظر والكلم والطّعام ومخالطة النّاس ‪ ،‬فإنّ الشّيطان إنّما يتسلّط‬
‫على ابن آدم من هذه البواب الربعة ‪ ،‬ففي مسند المام أحمد عن النّبيّ صلى ال عليه وسلم‬
‫قال ‪ « :‬النّظرة سهم مسموم من سهام إبليس ‪ ،‬من تركها من مخافتي أبدلته إيمانا يجد له‬
‫حلوة في قلبه » ‪.‬‬
‫وزاد المام النّوويّ الذان ‪ ،‬ففي صحيح مسلم عن سهيل بن أبي صالح أنّه قال ‪ :‬أرسلني أبي‬
‫إلى بني حارثة ومعي غلم لنا أو صاحب لنا ‪ ،‬فناداه مناد من حائط باسمه ‪ ،‬وأشرف الّذي‬
‫معي على الحائط فلم ير شيئا ‪ ،‬فذكرت ذلك لبي ‪ ،‬فقال ‪ :‬لو شعرت أنّك تلقى هذا لم‬
‫أرسلك ‪ ،‬ولكن إذا سمعت صوتا فناد بالصّلة ‪ .‬فإنّي سمعت أبا هريرة رضي ال عنه يحدّث‬
‫ن الشّيطان إذا نودي بالصّلة ولّى وله‬
‫عن رسول اللّه صلى ال عليه وسلم أنّه قال ‪ « :‬إ ّ‬
‫حصاص » كما أنّه نصّ على أنّ مطلق القرآن يعصم من الشّياطين ‪ .‬قال تعالى ‪ { :‬وإذا‬
‫ستُورَا } ‪.‬‬
‫حجَابَا َم ْ‬
‫خ َرةِ ِ‬
‫ك وبَينَ الّذينَ ل يُؤمنونَ بال ِ‬
‫جعَ ْلنَا بَي َن َ‬
‫َقرَأتَ القُرآنَ َ‬

‫جنون *‬
‫التّعريف ‪:‬‬
‫ن الرّجل بالبناء للمجهول ‪ ،‬فهو مجنون ‪ :‬أي زال عقله أو‬
‫‪ -‬الجنون في اللّغة ‪ :‬مصدر ج ّ‬ ‫‪1‬‬

‫فسد ‪ ،‬أو دخلته الجنّ ‪ ،‬وجنّ الشّيء عليه ‪ :‬ستره ‪.‬‬


‫وأمّا في الصطلح فقد عرّفه الفقهاء والصوليّون بعبارات مختلفة منها ‪ :‬أنّه اختلل العقل‬
‫بحيث يمنع جريان الفعال والقوال على نهجه إلّ نادرا ‪.‬‬
‫وقيل ‪ :‬الجنون اختلل القوّة المميّزة بين الشياء الحسنة والقبيحة المدركة للعواقب بأن ل‬
‫تظهر آثارها ‪ ،‬وأن تتعطّل أفعالها ‪.‬‬
‫وعرّفه صاحب البحر الرّائق بأنّه ‪ :‬اختلل القوّة الّتي بها إدراك الكّليّات ‪.‬‬
‫اللفاظ ذات الصّلة ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬الدّهش ‪:‬‬
‫‪ -‬الدّهش في اللّغة ‪ :‬مصدر دهش ‪ ،‬يقال دهش الرّجل أي تحيّر ‪ ،‬أو ذهب عقله من ذهل‬ ‫‪2‬‬

‫أو وله ‪ ،‬ودهش أيضا على ما لم يسمّ فاعله فهو مدهوش ‪.‬‬
‫ول يخرج استعمال الفقهاء عن هذين المعنيين فهم يطلقونه على المتحيّر وعلى ذاهب العقل ‪،‬‬
‫وقد جعل الحنفيّة المدهوش الّذي ذهب عقله داخلً في المجنون ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬العته ‪:‬‬
‫‪ -‬العته في اللّغة ‪ :‬نقصان العقل من غير جنون أو دهش ‪ .‬وهو عند الفقهاء والصوليّين‬ ‫‪3‬‬

‫آفة توجب خللً في العقل فيصير صاحبه مختلط الكلم ‪ ،‬فيشبه بعض كلمه كلم العقلء ‪،‬‬
‫وبعضه كلم المجانين ‪ ،‬وكذا سائر أموره ‪.‬‬
‫والفرق بين الجنون والعته ‪ ،‬أنّ المعتوه قليل الفهم مختلط الكلم ‪ ،‬فاسد التّدبير ‪ ،‬لكن ل‬
‫يضرب ول يشتم بخلف المجنون ‪.‬‬
‫ن الدّبوسيّ قال ‪ :‬تجب عليه‬
‫ي المميّز ‪ ،‬إلّ أ ّ‬
‫وصرّح الصوليّون بأنّ حكم المعتوه حكم الصّب ّ‬
‫العبادات احتياطا ‪ ،‬وقال صدر السلم ‪ :‬إنّ العته نوع جنون فيمنع أداء الحقوق جميعا ‪.‬‬
‫ج ‪ -‬السّفه ‪:‬‬
‫‪ -‬السّفه لغة ‪ :‬نقص في العقل ‪ ،‬وأصله الخفّة والتّحرّك ‪ ،‬يقال ‪ :‬تسفّهت الرّياح الثّوب ‪ :‬إذا‬ ‫‪4‬‬

‫استخفّته ‪ ،‬وحرّكته ‪ ،‬ومنه زمام سفيه أي خفيف ‪.‬‬


‫وفي اصطلح الفقهاء ‪ :‬خفّة تبعث النسان على العمل في ماله بخلف مقتضى العقل والشّرع‬
‫مع قيام العقل حقيقة ‪ .‬قال الحنفيّة ‪ :‬فالسّفه ل يوجب خللً ‪،‬ول يمنع شيئا من أحكام الشّرع‪.‬‬
‫وقيل السّفه صفة ل يكون الشّخص معها مطلق التّصرّف كأن يبلغ مبذّرا يضيّع المال في غير‬
‫وجهه الجائز ‪ ،‬وأمّا عرفا ‪ :‬فهو بذاءة اللّسان والنّطق بما يستحيا منه ‪ .‬وفي جواهر الكليل ‪:‬‬
‫السّفيه ‪ :‬البالغ العاقل الّذي ل يحسن التّصرّف في المال فهو خلف الرّشيد ‪.‬‬
‫د ‪ -‬السكر ‪:‬‬
‫‪ -‬اختلفت عبارات الفقهاء في تعريف السّكر ‪ :‬فعند أبي حنيفة والمزنيّ من الشّافعيّة ‪:‬‬ ‫‪5‬‬

‫السّكر نشوة تزيل العقل ‪ ،‬فل يعرف السّماء من الرض ‪ ،‬ول الرّجل من المرأة ‪ ،‬وصرّح‬
‫ابن الهمام بأنّ تعريف السّكر بما م ّر إنّما هو في السّكر الموجب للحدّ ‪ ،‬وأمّا تعريفه في غير‬
‫وجوب الحدّ فهو عند أئمّة الحنفيّة كلّهم ‪ :‬اختلط الكلم والهذيان ‪ .‬ويقرب من هذا تعريف‬
‫الشّافعيّ للسّكران ‪ :‬بأنّه الّذي اختلط كلمه المنظوم ‪ ،‬وانكشف سرّه المكتوم ‪.‬‬
‫وقال ابن سريج ‪ :‬الرّجوع فيه إلى العادة ‪ ،‬فإذا انتهى تغيّره إلى حالة يقع عليه فيها عادة اسم‬
‫ي وهو القرب ‪.‬‬
‫السّكران ‪ ،‬فهو المراد بالسّكران ‪ ،‬قال الرّافع ّ‬
‫وقيل ‪ :‬السّكر حالة تعرض للنسان من امتلء دماغه من البخرة المتصاعدة من الخمر‬
‫ونحوه ‪ ،‬فيتعطّل معه العقل المميّز بين المور الحسنة والقبيحة ‪.‬‬
‫هـ ‪ -‬الصّرع ‪:‬‬
‫‪ -‬الصّرع لغة ‪ :‬علّة تمنع الدّماغ من فعله منعا غير تامّ ‪ ،‬فتتشنّج العضاء ‪.‬‬ ‫‪6‬‬

‫أقسام الجنون ‪:‬‬


‫‪ -‬جاء في كشف السرار ‪ :‬الجنون يكون أصليّا إذا كان لنقصان جبل عليه دماغه وطبع‬ ‫‪7‬‬

‫عليه في أصل الخلقة فلم يصلح لقبول ما أعدّ لقبوله من العقل ‪ ،‬وهذا النّوع ممّا ل يرجى‬
‫زواله ‪ .‬ويكون عارضا ‪ :‬إذا زال العتدال الحاصل للدّماغ خلقة إلى رطوبة مفرطة ‪ ،‬أو‬
‫يبوسة متناهية ‪ ،‬وهذا النّوع ممّا يرجى زواله بالعلج بما خلق اللّه تعالى من الدوية ‪.‬‬
‫والجنون الصليّ ل يفارق العارض في شيء من الحكام ‪.‬‬
‫‪ -8‬وينقسم الجنون أيضا إلى مطبق وغير مطبق ‪ :‬والمراد بالمطبق الملزم الممتدّ ‪ .‬والمتداد‬
‫ليس له ضابط عامّ بل يختلف باختلف العبادات ‪ ،‬كما صرّح به ابن الهمام من الحنفيّة حيث‬
‫قال ‪ :‬إنّ قدر المتداد المسقط في الصّلوات بالزّيادة على يوم وليلة عند أبي حنيفة وأبي‬
‫يوسف وبصيرورتها ستّا عند محمّد ‪ ،‬وفي الصّوم باستغراق الشّهر ليله ونهاره ‪ ،‬وفي الزّكاة‬
‫باستغراق الحول كلّه في الصحّ ‪ ،‬وغير الممتدّ ما كان أقلّ من ذلك ‪.‬‬
‫فالجنون إن كان ممتدّا سقط معه وجوب العبادات فل تشغل بها ذمّته ‪ ،‬وإن كان غير ممتدّ‬
‫وهو طارئ لم يمنع التّكليف ول ينفي أصل الوجوب ‪ ،‬لنّ الوجوب بال ّذمّة ‪ ،‬وهي ثابتة ‪،‬‬
‫ولذلك يرث ويملك ‪ ،‬وإن كان غير ممتدّ ‪ ،‬وكان أصليّا فحكمه عند محمّد حكم الممتدّ ‪ ،‬لنّه‬
‫ناط السقاط بالكلّ من المتداد والصالة ‪ ،‬وقال أبو يوسف ‪ :‬حكمه حكم الطّارئ فيناط‬
‫السقاط بالمتداد ‪.‬‬
‫أثر الجنون في الهليّة ‪:‬‬
‫‪ -‬الجنون من عوارض أهليّة الداء وهو يزيلها من أصلها ‪ ،‬فل تترتّب على تصرّفاته‬ ‫‪9‬‬

‫آثارها الشّرعيّة ‪ ،‬لنّ أساس أهليّة الداء في النسان التّمييز والعقل ‪ ،‬والمجنون عديم العقل‬
‫ل إنسان أيّا كان له‬
‫والتّمييز ‪ .‬ول يؤثّر الجنون في أهليّة الوجوب ‪ ،‬لنّها ثابتة لكلّ إنسان ‪ ،‬فك ّ‬
‫ن أهليّته للوجوب هي حياته النسانيّة ‪.‬‬
‫أهليّة الوجوب ‪ ،‬ل ّ‬
‫وما وجب على المجنون بمقتضى أهليّته للوجوب من واجبات ماليّة يؤدّيها عنه وليّه ‪.‬‬
‫فإذا جنى على نفس أو مال يؤاخذ ماليّا ل بدنيّا ‪ ،‬ففي القتل يضمن دية القتيل ول يقتصّ منه ‪،‬‬
‫لقول عليّ رضي ال عنه ‪ " :‬عمد الصّبيّ والمجنون خطأ " وكذلك يضمن ما أتلفه من مال‬
‫الغير ‪ .‬وتفصيله في الملحق الصوليّ ‪.‬‬
‫أثر الجنون في العبادات البدنيّة ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬في الوضوء والتّيمّم ‪:‬‬
‫‪ -‬أجمع الفقهاء على أنّ الجنون قليلً كان أو كثيرا ناقص للوضوء ‪.‬‬ ‫‪10‬‬

‫ل ما يبطل الوضوء يبطل التّيمّم أيضا ‪.‬‬


‫نكّ‬
‫كما صرّحوا بأ ّ‬
‫ب ‪ -‬أثر الجنون في سقوط الصّلة ‪:‬‬
‫‪ -‬ل خلف بين الفقهاء في أنّ المجنون غير مكلّف بأداء الصّلة في حال جنونه ‪ ،‬فل‬ ‫‪11‬‬

‫ن أهليّة الداء تفوت بزوال العقل ‪ .‬لحديث عائشة‬


‫تجب الصّلة على مجنون ل يفيق ‪ ،‬ل ّ‬
‫رضي ال تعالى عنها مرفوعا ‪ « :‬رفع القلم عن ثلثة ‪ :‬عن النّائم حتّى يستيقظ ‪ ،‬وعن‬
‫الصّبيّ حتّى يحتلم ‪ ،‬وعن المجنون حتّى يعقل » ‪.‬‬
‫ن من جنّ‬
‫واختلفوا في وجوب القضاء عليه بعد الفاقة ‪ :‬فذهب الحنفيّة ما عدا محمّدا إلى أ ّ‬
‫يوما وليلة ‪ ،‬ثمّ أفاق قضى الخمس ‪ ،‬وإن زاد الجنون وقت صلة سادسة ل يقضي ‪ ،‬لنّ ذلك‬
‫يدخل في التّكرار فسقط القضاء للحرج ‪ ،‬وقال محمّد ‪ :‬يسقط القضاء إذا صارت الصّلوات ستّا‬
‫ودخل في السّابعة ‪ ،‬لنّ ذلك هو الّذي يحصل به التّكرار ‪.‬‬
‫وأمّا أبو حنيفة وأبو يوسف فأقاما الوقت في دخول الصّلوات في حدّ التّكرار مقام الصّلة‬
‫تيسيرا ‪ ،‬فتعتبر الزّيادة بالسّاعات ‪.‬‬
‫ل من ركعة سقطت‬
‫ويرى المالكيّة أنّ الجنون إذا ارتفع ‪ ،‬وقد بقي من الوقت ما يسع أق ّ‬
‫الصّلتان ‪ ،‬هذا إذا كان في وقت مشترك بين الصّلتين ‪.‬‬
‫وإن بقي ما يسع ركعة فأكثر إلى تمام صلة واحدة وجبت الخيرة وسقطت الولى ‪ ،‬وإن بقي‬
‫زيادة على ذلك بمقدار ركعة من الصّلة الخرى وجبت الصّلتان ‪ ،‬وإن ارتفع في وقت‬
‫مختصّ بصلة واحدة وجبت المختصّة بالوقت ‪.‬‬
‫وقد فصّل الشّافعيّة الكلم فقالوا ‪ :‬الجنون مانع من وجوب الصّلة وله ثلثة أحوال ‪:‬‬
‫ل الجنون أو كثر‬
‫‪ -‬ل تجب على المجنون الصّلة ول قضاؤها إذا استغرق الوقت جميعا ‪ ،‬ق ّ‬ ‫‪1‬‬

‫‪.‬‬
‫‪ -‬أن يوجد في أوّل الوقت ‪ ،‬ويخلو آخره ‪ :‬فينظر إن بقي الوقت قدر ركعة ‪ ،‬وامتدّت‬ ‫‪2‬‬

‫السّلمة من الجنون قدر إمكان الطّهارة ‪ ،‬وتلك الصّلة ‪ ،‬لزمه فرض الوقت ‪.‬‬
‫‪ -‬أن يخلو أوّل الوقت أو أوسطه عن الجنون ثمّ يطرأ ‪ ،‬ففي القدر الماضي من الوقت ‪ :‬إن‬ ‫‪3‬‬

‫كان قدرا يسع تلك الصّلة وجب القضاء على المذهب ‪.‬‬
‫وخرج ابن سريج قولً ‪ :‬أنّه ل يجب إلّ إذا أدرك جميع الوقت ‪ ،‬أمّا إذا كان الماضي من‬
‫الوقت ل يسع تلك الصّلة ‪ ،‬فل يجب على المذهب ‪ ،‬وبه قطع جمهور الشّافعيّة ‪.‬‬
‫وأمّا عند الحنابلة فل يقضي المجنون الصّلة إذا أفاق لعدم لزومها له ‪ ،‬إلّ أن يفيق في وقت‬
‫الصّلة فيصير كالصّبيّ يبلغ ‪ ،‬وذلك لحديث النّبيّ صلى ال عليه وسلم ‪ « :‬رفع القلم عن‬
‫ثلثة ‪ » ...‬الحديث ولنّ مدّته تطول غالبا ‪ ،‬فوجوب القضاء عليه يشقّ فعفي عنه ‪.‬‬
‫ج ‪ -‬أثر الجنون في الصّوم ‪:‬‬
‫‪ -‬اتّفق الئمّة على أنّ الجنون مسقط للصّوم إذا كان مطبقا ‪ ،‬وذلك بأن يمتدّ إلى أن‬ ‫‪12‬‬

‫يستغرق شهر رمضان ‪ ،‬لنّه لم يشهد الشّهر ‪ ،‬وهو السّبب لوجوب الصّوم ‪ ،‬ولذا فل يجب‬
‫الصّوم على المجنون ‪ .‬واختلفوا في وجوب القضاء عليه إذا أفاق في جزء من شهر‬
‫رمضان ‪ ،‬فذهب الحنفيّة في ظاهر الرّواية إلى وجوب القضاء سواء أفاق ليلً أم نهارا ‪ ،‬لنّه‬
‫صمْه ‪ } ...‬شهود بعضه ‪،‬‬
‫ش ْه َر فَ ْل َي ُ‬
‫شهِدَ ِمنْكم ال ّ‬
‫شهد الشّهر ‪ ،‬إذ المراد من قوله تعالى ‪ { :‬فَمَنْ َ‬
‫لنّه لو أراد شهود كلّه لوقع الصّوم بعد رمضان ‪ ،‬وأنّه خلف الجماع ‪.‬‬
‫قال في شرح كشف السرار ‪ :‬ذكر في الكامل نقل عن شمس الئمّة الحلوانيّ ‪ ،‬إنّه إن كان‬
‫مفيقا في أوّل ليلة من رمضان فأصبح مجنونا ‪ ،‬واستوعب الجنون باقي الشّهر ل يجب عليه‬
‫القضاء وهو الصّحيح ‪ ،‬لنّ اللّيل ل يصام فيه ‪ ،‬فكان الجنون والفاقة فيه سواء ‪ ،‬وكذا لو‬
‫أفاق في ليلة من الشّهر ثمّ أصبح مجنونا ‪.‬‬
‫وفرّق محمّد بن الحسن في حكم الجنون بين ما إذا كان أصليّا وما إذا كان عارضا بعد‬
‫البلوغ ‪ ،‬وهذا ما اختاره بعض المتأخّرين من الحنفيّة ‪ ،‬وفي الشرنبللية ‪ :‬ليس على المجنون‬
‫الصليّ قضاء ما مضى من اليّام قبل إفاقته في الصحّ ‪.‬‬
‫وخلصة القول ‪ :‬أنّه إذا استوعب الجنون الشّهر كلّه ل قضاء عليه بل خلف مطلقا ‪ ،‬وإلّ‬
‫ففيه الخلف المذكور ‪.‬‬
‫ويرى المالكيّة أنّ المجنون ل يصحّ صومه ولكن ل يجب القضاء عليه في المشهور ‪ ،‬وقيل ‪:‬‬
‫ل يجب عليه قضاء ما كثر من السّنين ‪.‬‬
‫وهناك قول ثالث عندهم وهو ‪ :‬أنّه إن بلغ مجنونا لم يقض بخلف من بلغ صحيحا ثمّ جنّ ‪.‬‬
‫ح وهو قول زفر من الحنفيّة إلى أنّ المجنون لو أفاق في بعض شهر‬
‫وذهب الشّافعيّة في الص ّ‬
‫رمضان لم يجب عليه قضاء ما مضى كالصّبيّ إذا بلغ ‪ ،‬أو الكافر إذا أسلم في خلل الشّهر ‪.‬‬
‫ويرى الحنابلة وهو وجه عند الشّافعيّة أنّ الجنون حكمه حكم الغماء ‪ ،‬أي يمنع صحّة الصّوم‬
‫‪ ،‬إلّ أنّه إذا وجد في جميع النّهار لم يجب قضاؤه ‪.‬‬
‫د ‪ -‬أثر الجنون في الحجّ ‪:‬‬
‫‪ -‬الجنون كما سبق من عوارض الهليّة ‪ ،‬فالمجنون ل يتأتّى منه أداء أفعال الحجّ ‪،‬‬ ‫‪13‬‬

‫وكذلك لو وقف بعرفة وهو مجنون ولم يفق حتّى خرج منها لم يجزئه ‪ ،‬ثمّ العقل شرط لصحّة‬
‫التّكليف عند الحنفيّة في الظهر والحنابلة ‪ ،‬فل يصحّ أن يحرم الوليّ عن المجنون ‪ ،‬ولكن لو‬
‫وجب الحجّ على المجنون قبل طروّ جنونه صحّ الحجاج عنه ‪ ،‬وأمّا عند المالكيّة والشّافعيّة ‪،‬‬
‫صحّة المطلقة السلم وليس العقل ‪ ،‬فيجوز للوليّ أن يحرم‬
‫وهو رواية عند الحنفيّة فشرط ال ّ‬
‫عن المجنون ‪ .‬وتفصيل ذلك في مصطلح ‪ ( :‬حجّ ) ‪.‬‬
‫هـ ‪ -‬أثر الجنون في الزّكاة ‪:‬‬
‫‪ -‬ذهب المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة إلى أنّه تجب الزّكاة في مال المجنون ويخرجها الوليّ‬ ‫‪14‬‬

‫من ماله ‪ ،‬فإن لم يخرج ‪ ،‬أخرج المجنون بعد الفاقة زكاة ما مضى ‪ ،‬لما روي عن النّبيّ‬
‫صلى ال عليه وسلم أنّه قال ‪ « :‬من ولي يتيما له مال ‪ ،‬فليتّجر له ‪ ،‬ول يتركه حتّى تأكله‬
‫الصّدقة » وروي موقوفا على عمر رضي ال عنه ‪ ،‬وإنّما تأكله الصّدقة بإخراجها ‪ ،‬وإنّما‬
‫يجوز للوليّ إخراجها إذا كانت واجبة ‪ ،‬لنّه ليس له أن يتبرّع بمال اليتيم ‪ ،‬ولنّ الشّارع جعل‬
‫ملك النّصاب سببا في الزّكاة والنّصاب موجود ‪ ،‬والخطاب بإخراجها يتعلّق بالوليّ ‪ .‬والمجنون‬
‫والصّبيّ سواء في هذا الحكم ‪.‬‬
‫ويروى ذلك عن جماعة من كبار الصّحابة فيهم عمر ‪ ،‬وعليّ ‪ ،‬وابن عمر ‪ ،‬وعائشة ‪،‬‬
‫والحسن بن عليّ ‪ ،‬وجابر رضي ال عنهم ‪ ،‬وبه قال جابر بن زيد ‪ ،‬وابن سيرين ‪ ،‬وعطاء ‪،‬‬
‫ومجاهد ‪ ،‬وابن أبي ليلى ‪ ،‬وإسحاق وأبو ثور وغيرهم ‪.‬‬
‫وذهب الحنفيّة إلى أنّه ل زكاة في مال المجنون ‪ ،‬لنّه غير مخاطب بالعبادة ‪ ،‬والزّكاة من‬
‫أعظم العبادات ‪ ،‬فل تجب عليه كالصّلة والحجّ ولقوله صلى ال عليه وسلم ‪ « :‬رفع القلم‬
‫ي حتّى يحتلم ‪ ،‬وعن المجنون حتّى يعقل » ‪.‬‬
‫عن ثلثة ‪ :‬عن النّائم حتّى يستيقظ ‪ ،‬وعن الصّب ّ‬
‫ي رضي ال تعالى عنه ‪ :‬ل تجب عليه الزّكاة حتّى تجب عليه الصّلة ‪ ،‬وإليه ذهب‬
‫وقال عل ّ‬
‫الحسن ‪ ،‬وسعيد بن المسيّب ‪ ،‬وسعيد بن جبير ‪ ،‬وأبو وائل ‪ ،‬والنّخعيّ ‪.‬‬
‫وحدّ امتداد الجنون في حقّ الزّكاة عندهم أن يستغرق الحول ‪ ،‬وروى هشام عن أبي يوسف‬
‫ن امتداده في حقّ الزّكاة بأكثر السّنة ونصف السّنة ملحق بالقلّ ‪ ،‬لنّ كلّ وقتها الحول ‪ ،‬إلّ‬
‫أّ‬
‫أنّه مديد جدّا ‪ ،‬فقدّر بأكثر الحول عمل بالتّيسير والتّخفيف ‪ ،‬فإنّ اعتبار أكثر السّنة أيسر‬
‫ي مجنونا ‪ ،‬وهو مالك لنصاب فزال جنونه بعد مضيّ‬
‫وأخفّ على المكلّف ‪ ،‬وإذا بلغ الصّب ّ‬
‫ستّة أشهر ثمّ ت ّم الحول من وقت البلوغ وهو مفيق ‪ ،‬وجبت عليه الزّكاة عند محمّد ‪ ،‬لنّه‬
‫ي والعارض ‪ ،‬ول تجب عند أبي يوسف ‪ ،‬بل يستأنف الحول من‬
‫يفرّق بين الجنون الصل ّ‬
‫وقت الفاقة ‪ ،‬لنّه بمنزلة الصّبيّ الّذي بلغ الن عنده ‪ ،‬ولو كان الجنون عارضا فزال بعد‬
‫ستّة أشهر ‪ ،‬تجب الزّكاة بالجماع ‪ ،‬لنّه زال قبل المتداد عند الكلّ ‪.‬‬
‫ويحكى عن ابن مسعود ‪ ،‬والثّوريّ ‪ ،‬والوزاعيّ أنّهم قالوا ‪ :‬تجب الزّكاة في الحال ‪ ،‬لكنّه ل‬
‫يخرج حتّى يفيق ‪ .‬وتفصيله في مصطلح ‪ ( :‬إفاقة ) ‪.‬‬
‫أمّا زكاة زرع المجنون فل خلف في وجوبها فيه ‪ ،‬وكذلك صدقة الفطر عند الجمهور ‪ ،‬وقال‬
‫محمّد وزفر من الحنفيّة ‪ :‬ل تجب صدقة الفطر في مال المجنون فيضمنها الوليّ والوصيّ لو‬
‫أدّياها من ماله ‪.‬‬
‫و ‪ -‬أثر الجنون في التّصرّفات القوليّة ‪:‬‬
‫‪ -‬أجمع الفقهاء على أنّ الجنون كالغماء والنّوم ‪ ،‬بل هو أشدّ منهما في فوات الختيار‬ ‫‪15‬‬

‫وتبطل عبارات المغمى عليه ‪ ،‬والنّائم في التّصرّفات القوليّة ‪ ،‬كالطّلق ‪ ،‬والسلم ‪ ،‬وال ّردّة ‪،‬‬
‫ن المجنون عديم‬
‫والبيع ‪ ،‬والشّراء وغيرها من التّصرّفات القوليّة ‪ ،‬فبطلنها بالجنون أولى ‪ ،‬ل ّ‬
‫العقل والتّمييز والهليّة ‪ ،‬واستدلّوا لذلك بقوله عليه الصلة والسلم ‪ « :‬رفع القلم عن ثلثة ‪:‬‬
‫ي حتّى يحتلم ‪ ،‬وعن المجنون حتّى يعقل » ‪.‬‬
‫عن النّائم حتّى يستيقظ ‪ ،‬وعن الصّب ّ‬
‫ومثل ذلك كلّ تصرّف قوليّ لما فيه من الضّرر ‪.‬‬
‫ز ‪ -‬أثر الجنون في عقود المعاوضة ‪:‬‬
‫‪ -‬ل خلف بين الفقهاء في أنّ كلّ تصرّف قوليّ يصدر في حال الجنون فهو باطل ‪،‬‬ ‫‪16‬‬

‫فالمجنون ل تصحّ عقوده لرجحان جانب الضّرر نظرا إلى سفهه ‪ ،‬وقلّة مبالته ‪ ،‬وعدم قصده‬
‫المصالح ‪.‬‬
‫ح ‪ -‬أثر الجنون في التّبرّعات ‪:‬‬
‫ن بالجنون تسلب الوليات ‪،‬‬
‫‪ -‬سبق بيان أنّ التّصرّفات القوليّة ل تصحّ من المجنون ‪ ،‬ل ّ‬ ‫‪17‬‬

‫واعتبار القوال ‪ ،‬فل تصحّ هبته ول صدقته ‪ ،‬ول وقفه ‪ ،‬ول وصيّته ‪ ،‬وما إلى ذلك ‪ ،‬لنّ‬
‫التّصرّفات يشترط فيها كمال العقل ‪ ،‬والمجنون مسلوب العقل أو مختلّه ‪ ،‬وعديم التّمييز‬
‫والهليّة ‪ ،‬وهذا بإجماع الفقهاء ‪.‬‬
‫ط ‪ -‬أثر الجنون في الولية ‪:‬‬
‫‪ -‬ل خلف بين جمهور الفقهاء في أنّ الجنون يزيل الولية ‪ ،‬لعدم تمييزه ‪ ،‬ولنّ الولية‬ ‫‪18‬‬

‫إنّما ثبتت نظرا للمولى عليه عند عجزه عن النّظر لنفسه ‪ ،‬ومن ل عقل له ل يمكنه النّظر ‪،‬‬
‫وأيضا المجنون ل يلي نفسه ‪ ،‬فل يلي غيره بالولى ‪.‬‬
‫ي ‪ -‬جنون القاضي ‪:‬‬
‫‪ -‬أجمع الفقهاء على أنّ القاضي ل بدّ أن يكون عاقلً ‪ ،‬فل يصحّ قضاء المجنون ‪ ،‬لنّ‬ ‫‪19‬‬

‫القضاء ولية ‪ ،‬والمجنون ل ولية له ‪ ،‬ولنّ بالجنون تسلب الوليات واعتبار القوال ‪،‬‬
‫وكذلك إذا جنّ القاضي فينعزل ول ينفذ حكمه ‪.‬‬
‫ل في رواية للشّافعيّة تعود من غير استئناف توليته ‪.‬‬
‫وإذا زال الجنون ل تعود وليته ‪ ،‬إ ّ‬
‫ك ‪ -‬أثر الجنون في الجنايات ‪:‬‬
‫‪ -‬تقدّم أنّ الجنون عارض من عوارض الهليّة يطرأ على العقل فيذهب به ‪ ،‬ولذلك تسقط‬ ‫‪20‬‬

‫فيه المؤاخذة والخطاب لعدم وجود العقل الّذي هو وسيلة فهم دليل التّكليف ‪.‬‬
‫فالجنون سبب من أسباب عدم المؤاخذة بالنّسبة لحقوق اللّه تعالى حسب البيان السّابق ‪ ،‬ول‬
‫حدّ على المجنون ‪ ،‬لنّه إذا سقط عنه التّكليف في العبادات ‪ ،‬والثم في المعاصي فالحدّ المبنيّ‬
‫على الدّرء بالشّبهات أولى ‪ ،‬وأمّا بالنّسبة لحقوق العباد كالضّمان ونحوه فل يسقط ‪ ،‬لنّه ليس‬
‫ق الماليّ المستحقّ في مال المجنون ‪ ،‬فإذا وقعت منه‬
‫تكليفا له ‪ ،‬بل هو تكليف للوليّ بأداء الح ّ‬
‫جرائم ‪ ،‬أخذ بها ماليّا ل بدنيّا ‪ ،‬وإذا أتلف مال إنسان وهو مجنون وجب عليه الضّمان ‪ ،‬وإذا‬
‫قتل فل قصاص وتجب دية القتيل ‪ ،‬كذلك ل يتمّ إحصان الرّجم والقذف إلّ بالعقل ‪ ،‬فالمجنون‬
‫ل يكون محصنا لنّه ل خطاب بدون العقل ‪.‬‬
‫ل جزية على المجنون ‪:‬‬
‫‪ -‬ذهب الجمهور إلى أنّه ل جزية على المجنون ‪ ،‬لنّ الجزية شرعت جزاء عن الكفر‬ ‫‪21‬‬

‫وحمل للكافر على السلم ‪ ،‬فتجري مجرى القتل ‪ ،‬فمن ل يعاقب بالقتل ‪ ،‬ل يؤخذ بالجزية ‪،‬‬
‫والمجنون ل يجوز قتله ‪ ،‬فل جزية عليه ‪ .‬وفي ذلك خلف وتفصيل ينظر في ( جزية ) ‪.‬‬
‫هل يعتبر الجنون عيبا في النّكاح ؟ ‪:‬‬
‫‪ -‬اختلف الفقهاء في النّكاح ‪ ،‬فذهب المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة إلى أنّ الجنون في كلّ من‬ ‫‪22‬‬

‫الزّوجين يعتبر عيبا يفسخ به النّكاح مطبقا كان أو متقطّعا ‪ ،‬فإذا وجد أحد الزّوجين بالخر‬
‫جنونا ‪ ،‬يثبت الخيار في فسخ النّكاح لفوات الستمتاع المقصود منه ‪ ،‬ثمّ اشترط المالكيّة‬
‫لثبوت الخيار كون الجنون موجودا حين عقد النّكاح ‪ ،‬فإن حدث بعده فل خيار للزّوج إن‬
‫ابتليت به المرأة ‪ ،‬ولها الخيار إن ابتلي الزّوج به لدفع الضّرر الدّاخل على المرأة ‪.‬‬
‫وأمّا الشّافعيّة والحنابلة فقد صرّحوا باشتراط عدم العلم بالجنون حال العقد لثبوت الخيار ‪ ،‬أمّا‬
‫العالم به فل خيار له ‪.‬‬
‫وصرّح الحنفيّة بأنّه ل خيار للزّوج ‪ ،‬وكذلك الزّوجة ل خيار لها عند أبي حنيفة وأبي‬
‫يوسف ‪ ،‬وهو قول عطاء ‪ ،‬والنّخعيّ ‪ ،‬وعمر بن عبد العزيز ‪ ،‬وابن زياد ‪ ،‬وأبي قلبة ‪،‬‬
‫وابن أبي ليلى ‪ ،‬والوزاعيّ ‪ ،‬والثّوريّ ‪ ،‬والخطّابيّ ‪ ،‬وفي المبسوط ‪ ،‬أنّه مذهب عليّ ‪ ،‬وابن‬
‫ن لها الخيار ‪ ،‬لنّه ل تنتظم بينهما المصالح ‪ ،‬فيثبت‬
‫مسعود رضي ال عنهم ‪ ،‬ويرى محمّد أ ّ‬
‫لها الخيار دفعا للضّرر عنها بخلف الزّوج ‪ ،‬لنّه يقدر على دفعه بالطّلق ‪.‬‬
‫طروء الجنون على من صحّ تصرّفه ‪:‬‬
‫‪ -‬سبق بيان أنّ التّصرّفات القوليّة ل تصحّ من المجنون ‪ ،‬كما أنّ العقوبة البدنيّة تسقط عنه‬ ‫‪23‬‬

‫إذا ارتكب ما يوجب القصاص أو الحدّ ‪ .‬لكن إذا تصرّف وهو عاقل ثمّ طرأ عليه الجنون أثناء‬
‫سريان التّصرّف ومباشرته ‪ ،‬كما هو الحال في الوصيّة ‪ ،‬والوكالة ‪ ،‬والشّركة مثلً ‪ ،‬أو كان‬
‫ارتكب ما يوجب القصاص ‪ ،‬أو الحدّ وهو عاقل ثمّ جنّ قبل القصاص ‪ ،‬أو قبل إقامة الحدّ ‪،‬‬
‫فإنّ الحكم يختلف ‪ ،‬وفيما يلي بيان حكم بعض المسائل ‪.‬‬
‫أوّلً ‪ -‬في التّصرّفات القوليّة ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬الوصيّة ‪:‬‬
‫‪ -‬ل تصحّ الوصيّة من المجنون ابتداء وهذا باتّفاق ‪ .‬أمّا إذا أوصى العاقل ثمّ جنّ فقد قال‬ ‫‪24‬‬

‫الكاسانيّ ‪ :‬لو جنّ جنونا مطبقا بطلت وصيّته ‪ ،‬لنّ الوصيّة عقد جائز ( أي غير لزم )‬
‫ص ابن‬
‫كالوكالة فيكون لبقائه حكم النشاء كالوكالة ‪ ،‬فتعتبر أهليّة العقد إلى وقت الموت ‪ ،‬ون ّ‬
‫عابدين على أنّ من أوصى بوصيّة ثمّ جنّ ‪ ،‬فإن أطبق الجنون حتّى بلغ ستّة أشهر بطلت وإلّ‬
‫فل ‪ .‬وظاهر كلم الجمهور أنّ الوصيّة ل تبطل بجنون الموصي بعد الوصيّة ‪.‬‬
‫فقد قال المالكيّة ‪ :‬ل تصحّ الوصيّة من المجنون إلّ حال إفاقته ‪.‬‬
‫وفي قواعد الحكام ‪ :‬إذا جنّ الموجب بين اليجاب والقبول بطل إيجابه بخلف الوصيّة فإنّها‬
‫ل تبطل بالموت فالولى أن ل تبطل بما دونه ‪.‬‬
‫وفي شرح منتهى الرادات من كان يفيق أحيانا ووصّى في إفاقته صحّت وصيّته ‪.‬‬
‫هذا بالنّسبة للموصي ‪ .‬أمّا بالنّسبة للوصيّ فالصل أنّه يشترط فيه أن يكون عاقلً ‪ ،‬لنّ‬
‫المجنون ل يلي أمر نفسه فل يكون له التّصرّف في شؤون غيره بطريق الولى ‪.‬‬
‫فإن طرأ عليه الجنون فإنّ الفقهاء يختلفون في صحّة الوصيّة إليه ‪ ،‬تبعا لختلفهم في الوقت‬
‫المعتبر لتوافر العقل فيه ‪ ،‬وذلك على التّجاهات التّالية ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬يعتبر اشتراط توافر العقل عند اليصاء من الموصي وعند موته دون اعتبار ما بينهما‬
‫ن بعد الوصيّة وقبل الموت ثمّ عاد فكان عند‬
‫حتّى لو أوصى إلى العاقل ث ّم تغيّرت حاله فج ّ‬
‫موت الموصي عاقل صحّت الوصيّة إليه ‪ ،‬لنّ الشّرط موجود حال العقد وحال الموت‬
‫فصحّت الوصيّة كما لو لم تتغيّر حاله ‪ ،‬ولنّ حال العقد حال اليجاب ‪ ،‬وحال الموت حال‬
‫التّصرّف فاعتبر فيهما ‪.‬‬
‫وهذا هو الصل عند الحنابلة وهو ظاهر كلم الحنفيّة وفي قول عند الشّافعيّة ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬يعتبر اشتراط العقل في الموصى إليه عند اليصاء وما بعده إلى وقت الموت أي ابتداء‬
‫ن كلّ وقت من ذلك‬
‫ح وصيّته ‪ ،‬ل ّ‬
‫ن الموصي بعد اليصاء إليه لم تص ّ‬
‫ودواما وعلى ذلك لو ج ّ‬
‫يجوز أن يستحقّ فيه التّصرّف بأن يموت الموصي فاعتبرت الشّروط في الجميع ‪ ،‬وبهذا قال‬
‫المالكيّة وهو قول عند الشّافعيّة واحتمال للحنابلة ذكره صاحب المغني ‪.‬‬
‫ج ‪ -‬يعتبر اشتراط العقل عند موت الموصي فقط ‪ ،‬وعلى هذا لو أوصى إلى مجنون فأفاق‬
‫قبل وفاة الموصي صحّت الوصيّة ‪ ،‬لنّ التّصرّف بعد الموت فاعتبرت الشّروط عنده كما‬
‫تعتبر عدالة الشّهود عند الداء ‪ ،‬أو الحكم دون التّحمّل ‪ ،‬وهذا هو الصحّ والمعتمد عند‬
‫الشّافعيّة ‪ ،‬وهو ما صرّح به صاحب شرح منتهى الرادات من الحنابلة ‪.‬‬
‫وإذا طرأ الجنون على الوصيّ بعد انتقال الوصاية إليه بموت الموصي انعزل عن الوصاية‬
‫ل بعقد جديد كما يقول الشّافعيّة والحنابلة ‪.‬‬
‫فإذا أفاق فل تعود الوصاية إليه إ ّ‬
‫جاء في نهاية المحتاج ينعزل الوصيّ بالجنون ول تعود الولية بعد الفاقة إلّ بتولية جديدة ‪.‬‬
‫وفي المغني وكشّاف القناع ‪ :‬إن زالت الوصاية بعد الموت وانعزل ثمّ عادت الصّفات المعتبرة‬
‫لم تعد وصايته ‪ ،‬لنّها زالت فل تعود إلّ بعقد جديد ‪ ،‬قال في الكشّاف ‪ :‬إن أمكن بأن قال‬
‫الموصي مثلً ‪ :‬إن انعزلت لفقد صفة ثمّ عدت إليها فأنت وصيّي ‪.‬‬
‫ي إلى حاله بعد‬
‫لكن في منتهى الرادات وشرحه ما يخالف ذلك فقد جاء فيه ‪ :‬إن عاد الوص ّ‬
‫تغيّره عاد إلى عمله لزوال المانع ‪.‬‬
‫ن الوصيّ‬
‫وعند الحنفيّة ما يفيد بقاءه إن لم يعزل قال ابن عابدين نقلً عن الخانيّة ‪ :‬لو ج ّ‬
‫مطبقا ينبغي للقاضي أن يبدّله ‪ ،‬ولو لم يفعل حتّى أفاق فهو على وصايته ‪.‬‬
‫وعند المالكيّة ينعزل الوصيّ بالجنون ويقيم الحاكم غيره مقامه ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬طروء الجنون على الوليّ في النّكاح ‪:‬‬
‫‪ -‬يشترط في الوليّ أن يكون عاقلً والمجنون ليس من أهل الولية ‪ ،‬لنّه ل ولية له على‬ ‫‪25‬‬

‫نفسه فل يكون له ولية على غيره ‪.‬‬


‫وإذا طرأ الجنون على من له ولية النّكاح ‪ ،‬فإن كان جنونه مطبقا سلبت وليته وانتقلت لمن‬
‫بعده ‪ ،‬ول ينتظر إفاقته في تزويج مولّيته ‪ ،‬وإنّما يزوّجها من انتقلت إليه الولية من الولياء ‪،‬‬
‫وهذا عند الحنفيّة والشّافعيّة والحنابلة وبعض فقهاء المالكيّة ‪.‬‬
‫وإن كان الجنون غير مطبق تثبت له الولية في حال إفاقته لنّه ل يستديم زوال عقله فهو‬
‫كالغماء ‪ ،‬فل تزوّج مولّيته بل تنتظر إفاقته ‪ ،‬وهذا عند الحنفيّة والحنابلة والمالكيّة ‪ ،‬وهو ما‬
‫ي من الشّافعيّة ‪.‬‬
‫صحّحه الرّافع ّ‬
‫ن برأه مرجوّ ‪،‬‬
‫وعند بعض المالكيّة ل تسلب ولية المجنون ولو مطبقا ‪ ،‬ول تزوّج ابنته ل ّ‬
‫قاله الّتتّائيّ ‪.‬‬
‫وصحّح النّوويّ في الرّوضة أنّ الجنون سالب للولية ‪ ،‬سواء أكان مطبقا أم منقطعا ‪.‬‬
‫ولو زال الجنون عادت الولية لزوال المانع ‪ ،‬وإن زوّجها من انتقلت إليه الولية فقد قال‬
‫الشّافعيّة على ما جاء في مغني المحتاج ‪ :‬لو زوّج البعد فادّعى القرب أنّه زوّج بعد تأهّله ‪،‬‬
‫قال الماورديّ ‪ :‬فل اعتبار بهما ‪ ،‬والرّجوع فيه إلى قول الزّوجين ‪ ،‬لنّ العقد لهما فل يقبل‬
‫فيه قول غيرهما ‪ ،‬وجزم فيما لو زوّجها بعد تأهّل القرب أنّه ل يصحّ سواء أعلم بذلك أم لم‬
‫يعلمه ‪ .‬وفي المهذّب قال ‪ :‬إن زوّجها من انتقلت إليه الولية قبل أن يعلم بعودة ولية الوّل‬
‫ففيه وجهان بناء على القولين في الوكيل إذا باع ما وكّل في بيعه قبل أن يعلم بالعزل ‪.‬‬
‫وقال الحنابلة ‪ :‬إن زوّج من انتقلت إليه الولية وكان القرب قد صار أهلً بعد إفاقته ‪ ،‬ولكنّه‬
‫لم يعلم عند التّزويج أنّه صار أهلً وإنّما علم أنّه عاد أهلً بعد تزويجها لم يعد العقد ‪.‬‬
‫وكذا إن زال المانع وصار أهلً بعد العقد لم يعد العقد ‪.‬‬
‫ج ‪ -‬طروء الجنون على الحاضن ‪:‬‬
‫‪ -‬يشترط في الحاضن العقل فل حضانة لمجنون ‪ ،‬وإذا كان الحاضن عاقلً ثمّ طرأ عليه‬ ‫‪26‬‬

‫الجنون زالت ولية الحضانة وانتقلت لمن بعده من الولياء ‪.‬‬


‫وتعود الحضانة بزوال الجنون لزوال المانع ‪ .‬قال ابن عابدين ‪ :‬يعود الحقّ بزوال مانعه ‪،‬‬
‫وهذا ليس من قبيل عدد السّاقط ‪ ،‬وإنّما معناه منع منه مانع كقولهم ‪ :‬تسقط الولية بالجنون ثمّ‬
‫تعود بزوال ذلك ‪ ،‬وهذا باتّفاق‪ .‬وينظر تفصيل ذلك في ‪ ( :‬حضانة ) ‪.‬‬
‫د ‪ -‬طروء الجنون على ناظر الوقف ‪:‬‬
‫‪ -‬إذا طرأ الجنون على ناظر الوقف زالت وليته ‪ ،‬فإذا زال الجنون وأفاق عادت وليته‬ ‫‪27‬‬

‫على الوقف ‪ .‬وينظر تفصيل ذلك في ‪ ( :‬وقف ) ‪.‬‬


‫هـ – الوكالة ‪:‬‬
‫– طروء الجنون المطبق على الموكّل أو الوكيل يبطل عقد الوكالة ‪ ،‬لنّ الوكالة عقد جائز‬ ‫‪28‬‬

‫( غير لزم ) فيكون لبقائه حكم النشاء ‪ ،‬والوكالة تعتمد العقل في الموكّل والوكيل ‪ ،‬فإذا‬
‫انتفى العقل انتفت صحّة الوكالة لنتفاء ما تعتمد عليه وهو أهليّة التّصرّف ‪.‬‬
‫وهذا عند الحنفيّة والشّافعيّة والحنابلة ‪.‬‬
‫لكن الحنفيّة يقولون ‪ :‬إذا كانت الوكالة لزمة بحيث ل يملك الموكّل عزل الوكيل كالعدل إذا‬
‫سلّط على بيع الرّهن ‪ ،‬وكان التّسليط مشروطا في عقد الرّهن فل ينعزل الوكيل بجنون‬
‫الموكّل ‪ ،‬وإن كان الجنون مطبقا ‪ ،‬لنّ الوكالة متى كانت لزمة بحيث ل يقدر الموكّل على‬
‫عزل الوكيل ل يكون لبقاء الوكالة حكم النشاء ‪ ،‬وكان الوكيل في هذه الوكالة بمنزلة المالك‬
‫من حيث إنّه ل يملك الموكّل عزله ‪ ،‬ومن ملك شيئا من جهة أخرى ثمّ جنّ المملّك فإنّه ل‬
‫يبطل ملكه كما لو ملك عينا فكذا إذا ملك التّصرّف ‪.‬وفي ذلك تفصيلت تنظر في ‪:‬‬
‫( وكالة )‪.‬‬
‫وعند الحنفيّة أيضا ‪ :‬إذا أفاق الموكّل بعد جنونه تعود الوكالة ‪ ،‬ول تعود الوكالة بإفاقة الوكيل‬
‫بعد جنونه ‪ ،‬لنّ الجنون مبطل للهليّة على وجه ل يحتمل العود إلّ على سبيل النّدرة‪ .‬وعند‬
‫الشّافعيّة ل تعود الوكالة بإفاقة أحدهما ‪ ،‬فقد جاء في مغني المحتاج ينعزل الوكيل بخروج‬
‫الموكّل أو الوكيل عن أهليّة التّصرّف بجنون وإن زال عن قرب ‪ ،‬لنّه لو قارن منع النعقاد ‪،‬‬
‫فإذا طرأ قطعه ‪.‬‬
‫وعند المالكيّة قال الدّسوقيّ ‪ :‬ل ينعزل الوكيل بجنونه أو جنون موكّله ‪ ،‬إلّ أن يطول جنون‬
‫الموكّل جدّا ‪ ،‬فينظر له الحاكم ‪ .‬وفي منح الجليل قال ابن عرفة نقلً عن المازريّ ‪ :‬جنون‬
‫الوكيل ل يوجب عزله إن برأ ‪ ،‬فكذا جنون الموكّل وإن لم يبرأ ‪.‬‬
‫وفي الموضوع تفصيلت كثيرة تنظر في مصطلح ‪ ( :‬وكالة ) ‪.‬‬
‫والكلم في الوكالة يعتبر مثال للعقود الجائزة كالشّركة ‪ ،‬والمضاربة ‪ ،‬والجعالة ‪ ،‬وغيرها ‪،‬‬
‫وهي تبطل بجنون أحد العاقدين في الجملة ‪.‬‬
‫وعند الحنفيّة تبطل الشّركة بجنون أحد الشّريكين جنونا مطبقا ‪ ،‬فالشّركة قائمة إلى أن يتمّ‬
‫إطباق الجنون فتنفسخ ‪ ،‬فإذا عمل بعد ذلك فالرّبح كلّه للعامل والخسارة عليه ‪.‬‬
‫وعند الحنابلة بعد أن تكلّموا على بطلن الوكالة بجنون الموكّل أو الوكيل قالوا ‪ :‬وكذلك كلّ‬
‫عقد جائز من الطّرفين كشركة ‪ ،‬ومضاربة ‪ ،‬وجعالة ‪ ،‬يبطل بالجنون المطبق من أحدهما ‪.‬‬
‫وتنظر التّفصيلت في أبوابها ‪.‬‬
‫و ‪ -‬طروء الجنون على من له الخيار في البيع ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬في خيار المجلس ‪:‬‬
‫‪ -‬خيار المجلس يجعل العقد غير لزم إلى أن يتمّ التّفرّق من المجلس أو يت ّم التّخاير ‪،‬‬ ‫‪29‬‬

‫وهذا عند من يقول بخيار المجلس ‪ ،‬وهم الشّافعيّة والحنابلة ‪.‬‬


‫وإذا طرأ الجنون على أحد العاقدين في مجلس العقد قبل التّفرّق أو التّخاير ‪ ،‬فالصحّ عند‬
‫سيّد‬
‫الشّافعيّة انتقال الخيار إلى الوليّ من حاكم أو غيره ‪ ،‬كالموكّل عند موت الوكيل ‪ ،‬وإلى ال ّ‬
‫ن مفارقة العقل‬
‫عند موت المكاتب ‪ ،‬أو العبد المأذون ‪ ،‬ومقابل الصحّ أنّ الخيار يسقط ‪ ،‬ل ّ‬
‫ليست أولى من مفارقة المكان ‪.‬‬
‫ن الجنون الطّارئ ل يقطع‬
‫وعلى الصّحيح من مذهب الحنابلة ‪ ،‬كما في النصاف وغيره ‪ ،‬أ ّ‬
‫الخيار ‪ ،‬والمجنون على خياره إذا أفاق من جنونه ‪ ،‬ول يثبت الخيار لوليّه ‪ ،‬لنّ الرّغبة في‬
‫المبيع وعدمه ‪ ،‬ل تعلم إلّ من جهته ‪.‬‬
‫وقيل ‪ :‬وليّه أيضا يليه في حال جنونه ‪ .‬قاله في الرّعاية ‪.‬‬
‫ويتوجّه كما في مطالب أولي النّهى ‪ ،‬أنّ انتقال الخيار إلى الوليّ إنّما هو في حالة الجنون‬
‫المطبق ‪ ،‬لليأس من إفاقته ‪ ،‬قال ‪ :‬وهذا مبنيّ على قول مرجوح ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬في خيار الشّرط ‪:‬‬
‫‪ -‬في البيع بشرط الخيار إذا طرأ الجنون على من له الخيار ‪ ،‬فعند الشّافعيّة والحنابلة ل‬ ‫‪30‬‬

‫ينقطع خياره ‪ ،‬ويقوم وليّه أو الحاكم مقامه ‪ ،‬فيفعل ما فيه الحظّ من الفسخ أو الجازة ‪ .‬وقال‬
‫الشّافعيّة كما في المجموع للنّوويّ ‪ :‬إذا جنّ أحد العاقدين في مدّة الخيار وأقام القاضي قيّما‬
‫يقوم مقامه في الخيار ‪ ،‬ففسخ القيّم أو أجاز ‪ ،‬فأفاق العاقد وادّعى أنّ الغبطة خلف ما فعله‬
‫القيّم ‪ ،‬قال القاضي حسين وغيره ‪ :‬ينظر الحاكم في ذلك فإن وجد المر كما يقول المفيق‬
‫مكّنه من الفسخ والجازة ‪ ،‬ونقض فعل القيّم ‪ ،‬وإن لم يكن ما ادّعاه المفيق ظاهرا ‪ ،‬فالقول‬
‫قول القيّم مع يمينه ‪ ،‬لنّه أمين فيما فعله ‪ ،‬إلّ أن يقيم المفيق بيّنة بما ادّعاه ‪.‬‬
‫وقد فصّل المالكيّة في طروء الجنون على أحد العاقدين ‪ ،‬قالوا ‪ :‬إذا جنّ من له الخيار وعلم‬
‫أنّه ل يفيق أو يفيق بعد وقت طويل يضرّ النتظار إليه بالعاقد الخر ‪ ،‬فإنّ السّلطان أو نائبه‬
‫ينظر له في الصلح من إمضاء أو ردّ ‪.‬‬
‫أمّا إن كان يفيق بعد أيّام الخيار وما ألحق بها بقرب ‪ ،‬بحيث ل يض ّر الصّبر إليه على الخر‬
‫فإنّه تنتظر إفاقته ول ينظر السّلطان ‪ .‬ولو لم ينظر السّلطان حتّى مضى يوم أو يومان من أيّام‬
‫الخيار فزال الجنون احتسب ما مضى من المدّة على الظّاهر ‪ ،‬ولو لم ينظر السّلطان حتّى‬
‫أفاق بعد أمد الخيار ل يستأنف له أجل على الظّاهر والمبيع لزم لمن هو بيده ‪.‬‬
‫وإذا نظر السّلطان في الصلح من المضاء أو ال ّردّ ‪ ،‬وأفاق المجنون فل يعتبر اختياره بل ما‬
‫نظره السّلطان هو المعتبر ‪.‬‬
‫واعتبر الحنفيّة على ما جاء في فتح القدير والفتاوى الهنديّة أنّ الجنون الطّارئ على أحد‬
‫المتعاقدين في مدّة الخيار هو من المعاني الّتي ينفذ بها البيع إذا مضت أيّام الخيار وهو على‬
‫جنونه ‪ .‬ولو أفاق في مدّة الخيار فقد حكي عن الطّواويسيّ أنّه ل يكون على خياره ‪.‬‬
‫وقال السبيجابيّ وشمس الئمّة الحلوانيّ ‪ :‬الصحّ أنّه على خياره وهو منصوص في المأذون‬
‫‪ ،‬كذا في الذّخيرة ‪ .‬وقال في الفتاوى الهنديّة ‪ :‬التّحقيق أنّ الجنون ل يسقط الخيار ‪.‬‬
‫طروء الجنون على الموجب قبل القبول ‪:‬‬
‫‪ -‬تحدّث الفقهاء عمّا لو طرأ الجنون على الموجب في العقد قبل قبول الطّرف الخر ‪ .‬قال‬ ‫‪31‬‬

‫الشّافعيّة ‪ :‬لو جنّ الموجب بين اليجاب والقبول بطل إيجابه ‪.‬‬
‫وقال ابن قدامة ‪ :‬إن أوجب النّكاح ثمّ زال عقله بجنون بطل حكم اليجاب ولم ينعقد بالقبول‬
‫بعده ‪ .‬وتنظر تفصيلت ذلك في مواضعه ‪.‬‬
‫طروء الجنون على من وجب عليه قصاص أو حدّ ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬في القصاص ‪:‬‬
‫ي صلى ال‬
‫‪ -‬ل خلف أنّ من قتل غيره وهو مجنون فل قصاص عليه ‪ ،‬وذلك لقول النّب ّ‬ ‫‪32‬‬

‫عليه وسلم ‪ « :‬رفع القلم عن ثلثة ‪ :‬عن النّائم حتّى يستيقظ ‪ ،‬وعن الصّبيّ حتّى يبلغ ‪ ،‬وعن‬
‫المجنون حتّى يفيق » ولنّ المجنون ليس له قصد صحيح ‪.‬‬
‫أمّا من ارتكب جريمة القتل وهو عاقل ثمّ جنّ ‪ ،‬فعند الشّافعيّة والحنابلة ل يسقط عنه‬
‫القصاص ‪ ،‬ويقتصّ منه في حال جنونه سواء ثبتت عليه الجناية ببيّنة أو إقرار ‪ ،‬لنّ رجوعه‬
‫غير مقبول ‪.‬‬
‫أمّا الحنفيّة فلهم تفصيل آخر ‪ ،‬قالوا ‪ :‬إن جنّ القاتل قبل القضاء عليه أو جنّ بعد القضاء عليه‬
‫وقبل دفعه للوليّ سقط القصاص استحسانا ‪ ،‬وانقلب دية في ماله لتمكّن الخلل في الوجوب ‪،‬‬
‫ن شرط وجوب القصاص عليه كونه مخاطبا‬
‫ن بعد دفعه لولياء القتيل فلهم قتله ‪ ،‬ل ّ‬
‫وإن ج ّ‬
‫حال الوجوب ‪ ،‬وذلك بالقضاء ويت ّم بالدّفع إلى أولياء القتيل ‪ ،‬وهذا فيمن كان جنونه مطبقا ‪،‬‬
‫أمّا من كان يجنّ ويفيق فإنّه يقتصّ منه في إفاقته ‪.‬‬
‫واختلفت أقوال المالكيّة ‪ :‬فعند مالك ينتظر إفاقة المجنون فيقتصّ منه حال إفاقته ‪.‬‬
‫قال ابن الموّاز ‪ :‬فإن أيس من إفاقته كانت الدّية عليه في ماله ‪ ،‬ول يقتل وهو مجنون ‪ ،‬وقال‬
‫المغيرة ‪ :‬يسلّم إلى أولياء المقتول إن شاءوا قتلوه وإن شاءوا عفوا عنه وليس لهم أن يلزموه‬
‫الدّية ‪ ،‬وقال اللّخميّ ‪ :‬أرى أن يكون الخيار لولياء المقتول فإن شاءوا قتلوه وإن شاءوا أخذوا‬
‫ل اتّبعوه بها ‪.‬‬
‫الدّية من ماله إن كان له مال وإ ّ‬
‫ولو أشكل على البيّنة أقتل في حال عقله أو جنونه ‪ ،‬فقال بعض القرويّين ‪ :‬ل يلزمه شيء‬
‫ن القاضي ل يحكم عليه إلّ بعد أن تشهد‬
‫وهو الصّواب ‪ ،‬لنّه شكّ في المقضيّ عليه ‪ ،‬ل ّ‬
‫البيّنة عنده أنّه قتل حال كونه في عقله ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬في الحدود ‪:‬‬
‫ن من ارتدّ وهو عاقل ثمّ جنّ ‪ ،‬فل يقام عليه‬
‫‪ -‬اتّفق الفقهاء ‪ -‬بالنّسبة لحدّ الرّدّة ‪ -‬على أ ّ‬ ‫‪33‬‬

‫الحدّ حال جنونه ‪ ،‬بل ينتظر حتّى يفيق ويستتاب ‪ ،‬لنّه قد يعقل ويعود إلى السلم ‪ ،‬ولنّ‬
‫المرتدّ يقتل بالصرار على الرّدّة ‪ ،‬والمجنون ل يوصف بالصرار ول يمكن استتابته ‪ .‬هذا‬
‫وقد صرّح الشّافعيّة بأنّ من ارتدّ واستتيب فلم يتب ثمّ جنّ ‪ ،‬فإنّه يجوز قتله حال جنونه ‪ ،‬ولم‬
‫أعثر على مثل هذا الحكم عند غير الشّافعيّة ‪ ،‬وإن كانت قواعدهم ل تأباه ‪ ،‬لنّ الغاية من‬
‫انتظار إفاقته هي الستتابة وقد حصلت ‪.‬‬
‫أمّا بالنّسبة لبقيّة الحدود فهناك فرق بيّن في استيفاء الحدّ ‪ ،‬وبين ما يثبت بالقرار وما يثبت‬
‫بالبيّنة على ما صرّح به الشّافعيّة والحنابلة ‪.‬‬
‫جاء في مغني المحتاج ‪ :‬من أقرّ بما يوجب ح ّد اللّه تعالى ثمّ جنّ ل يقام عليه حينئذ احتياطا ‪،‬‬
‫لنّه قد يرجع عن القرار ‪ ،‬فلو استوفي منه حينئذ لم يجب فيه شيء ‪ ،‬بخلف ما لو ثبت‬
‫ببيّنة أو أقرّ بقذف ثمّ جنّ فإنّه يستوفى منه في جنونه لنّه ل يسقط برجوعه ‪.‬‬
‫وقال ابن قدامة ‪ :‬من ثبت عليه الحدّ بإقراره ثمّ جنّ لم يقم عليه الحدّ حال جنونه ‪ ،‬لنّ‬
‫رجوعه يقبل ‪ ،‬فيحتمل أنّه لو كان صحيحا رجع ‪.‬‬
‫ن من ارتكب ما يوجب حدّا ثمّ جنّ فل يقام عليه الحدّ حتّى يفيق‪.‬‬
‫وصرّح المالكيّة والحنفيّة بأ ّ‬
‫وينظر تفصيل ذلك في أبوابه من ‪ ( :‬زنى ‪ ،‬وقذف ‪ ،‬وسرقة ‪ ...‬إلخ ) ‪.‬‬

‫جنين *‬
‫التّعريف ‪:‬‬
‫‪ -‬الجنين لغة ‪ :‬الولد في البطن ‪ ،‬والجمع أجنّة وأجنن ‪.‬‬ ‫‪1‬‬

‫ن استتر ‪ ،‬وأجنّته الحامل سترته ‪.‬‬


‫والجنين كلّ مستور ‪ ،‬وجنّ في الرّحم يج ّ‬
‫والجنين هو المادّة الّتي تتكوّن في الرّحم من عنصري الحيوان المنويّ والبويضة ‪.‬‬
‫وهذا هو ما يؤيّد معنى مادّة جنين ‪ ،‬فإنّها راجعة إلى الستتار المتحقّق بهذا المعنى ‪ ،‬ومنه‬
‫المجنون لستتار عقله ‪ ،‬والجانّ لستتاره عن أعين النّاس ‪.‬‬
‫فالجنين في أصل اللّغة ‪ :‬المستور في رحم أمّه بين ظلمات ثلث ‪ .‬قال تعالى ‪َ { :‬يخْلُ ُق ُكمْ في‬
‫ث}‪.‬‬
‫ُبطُونِ ُأ ّمهَا ِتكُمْ خَلْقَا من َبعْدِ خَ ْلقٍ في ظُُلمَاتٍ ثَل ٍ‬
‫وفي الصطلح ل يخرج عن المعنى اللّغويّ ‪ .‬غير أنّ المزنيّ من فقهاء الشّافعيّة نقل عن‬
‫ي للجنين فيما يكون بعد مرحلة المضغة ‪ ،‬واستعماله فيما‬
‫المام الشّافعيّ ‪ :‬أنّ الستعمال الحقيق ّ‬
‫قبل ذلك يكون من باب المجاز ‪ .‬وعبارته ‪ :‬قال الشّافعيّ في الجنين ‪ :‬أقلّ ما يكون به جنينا‬
‫أن يفارق المضغة والعلقة حتّى يتبيّن منه شيء من خلق آدميّ ‪. "...‬‬
‫أطوار الجنين في الرّحم ‪:‬‬
‫‪ -‬للجنين أطوار جاء الّنصّ عليها في قوله تعالى ‪ { :‬وََل َقدْ خََل ْقنَا النْسانَ مِنْ سُللَةٍ مِنْ طِينٍ‬ ‫‪2‬‬

‫ضغَةَ‬
‫ضغَةً فَخََل ْقنَا ال ُم ْ‬
‫طفَةَ عَلَقَةً فَخََل ْقنَا العَلَقَةَ ُم ْ‬
‫جعَ ْلنَاه ُنطْفَةً في َقرَارٍ َمكِينٍ ‪ .‬ث ّم خَلَ ْقنَا النّ ْ‬
‫‪ .‬ث ّم َ‬
‫ن الخَاِلقِينَ } ‪ .‬فأصل الجنين‬
‫خرَ َف َتبَا َركَ اللّهُ َأحْسَ ُ‬
‫حمَا ثمّ أ ْنشَأنَاه خَ ْلقَا آ َ‬
‫عِظَامَا َفكَسَونَا ال ِعظَامَ َل ْ‬
‫النسانيّ من طين كما أفادت الية المذكورة ‪ .‬ولكلّ طور من أطوار الجنين حكم شرعيّ‬
‫متعلّق به ‪ .‬وفيما يلي بيان أطوار الجنين ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬النّطفة ‪:‬‬
‫ن النّطفة ماء الرّجل وحده ‪ ،‬لنّ اللّه تعالى بيّن أنّه خلق‬
‫‪ -‬ذهب بعض المفسّرين إلى أ ّ‬ ‫‪3‬‬

‫النسان من { مَاءٍ دَافِقٍ } والدّفق ل يكون إلّ من الرّجل كما هو ظاهر ‪ .‬وقيل إنّها نطفة من‬
‫ماء الرّجل والمرأة ‪ ،‬وجمعها نطف ‪ .‬وفيها كلّ القوى ‪ ،‬وهذا الّذي عليه جمهور العلماء‬
‫والمفسّرين ‪ ،‬وهو الواضح من قول الرّسول صلى ال عليه وسلم فيما روي عنه ‪ « :‬إذا سبق‬
‫ماء الرّجل ماء المرأة نزع الولد ‪ ،‬وإذا سبق ماء المرأة نزعت » وواضح من عبارة الحديث‬
‫ن الجنين يتكوّن من النّطفة الممتزجة من ماء الرّجل وماء المرأة ‪.‬‬
‫أّ‬
‫‪ -‬ويتعلّق بالنّطفة أحكام من حيث الطّهارة والنّجاسة ‪ ،‬فذهب الحنفيّة والمالكيّة وهي رواية‬ ‫‪4‬‬

‫عن أحمد ‪ -‬خلف المشهور ‪ -‬إلى أنّها نجسة ‪ ،‬ول فرق في النّجاسة بين ماء الرّجل وماء‬
‫المرأة ‪ ،‬ويرى الشّافعيّة وهو المشهور عن أحمد أنّها طاهرة ‪.‬‬
‫ي المرأة أيضا رطبا كان أو يابسا ‪،‬‬
‫والقائلون بالنّجاسة مطلقا ل بدّ عندهم من غسل من ّ‬
‫والقائلون بطهارته يستحبّ عندهم غسل المنيّ رطبا ويستحبّ فرك منيّ الرّجل ‪.‬‬
‫وبذا ترى أنّ الطّهارة أو النّجاسة ل يفترق فيها الخارج من الرّجل والخارج من المرأة ‪ .‬ونقل‬
‫ي المرأة لنّه رقيق ‪.‬‬
‫عن أحمد أنّ الفرك إنّما يكون في منيّ الرّجل دون من ّ‬
‫وتفصيله في مصطلح ‪ ( :‬طهارة ونجاسة ) ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬العلقة ‪:‬‬
‫‪ -‬الكثير من المفسّرين يفسّرون العلقة بنقطة الدّم الجامدة ‪ ،‬وذلك استنادا إلى ما ورد في‬ ‫‪5‬‬

‫بعض تفسيراتها اللّغويّة ‪ ،‬والنّطفة في هذه المرحلة تدخل في مرحلة مغايرة ‪ ،‬ولذلك استحقّت‬
‫أن توصف بوصف الخلق في قوله سبحانه وتعالى ‪ { :‬خََلقَ النْسانَ مِنْ عََلقٍ } ‪.‬‬
‫‪ -6‬وقد بيّن الفقهاء الحكم الشّرعيّ بالنّسبة للعلقة من ناحية الطّهارة والنّجاسة ‪ ،‬فقال الحنفيّة‬
‫وهو رواية عند الحنابلة ‪ ،‬بنجاستها ‪.‬‬
‫والصّحيح عندهم أنّها طاهرة ‪ ،‬لنّها بدء خلق الدميّ ‪ ،‬وقيل ‪ :‬إنّها نجسة لنّها دم ‪.‬‬
‫أمّا من ناحية حلّ السقاط وحرمته فتفصيل ذلك في ‪ ( :‬إجهاض ) ‪.‬‬
‫ج ‪ -‬المضغة ‪:‬‬
‫‪ -‬المضغة مقدار ما يمضغ ‪ ،‬والقصد هنا القطعة من اللّحم بمقدار ما يمضغ ‪ ،‬يقول المام‬ ‫‪7‬‬

‫ضغَةً } ‪ ...‬سمّى تحويل العلقة مضغة‬


‫الرّازيّ عند تفسيره قول اللّه تعالى ‪ { :‬فَخَلَ ْقنَا العََلقَةَ ُم ْ‬
‫خلقا ‪ ،‬لنّه سبحانه يفني بعض أعراضها ويخلق أعراضا غيرها ‪ ،‬فسمّى خلق العراض خلقا‬
‫لها وكأنّه سبحانه يخلق فيها أجزاء زائدة ‪.‬‬
‫‪ -8‬وتكلّم الفقهاء في حكمها من حيث النّجاسة والطّهارة ‪ ،‬فقال الحنفيّة ‪ :‬إنّها نجسة كالعلقة ‪،‬‬
‫ن العلقة إذا صارت مضغة تطهر ‪.‬‬
‫وذكر ابن الهمام أ ّ‬
‫وقال ابن عابدين ‪ :‬إنّ ذلك مشكل ‪ .‬والتّفصيل في مصطلح ‪ ( :‬مضغة ) ‪.‬‬
‫أمّا ما يتعلّق بإسقاطها فسيأتي بعد ‪ .‬وتفصيله في مصطلح ‪ ( :‬إجهاض وسقط ) ‪.‬‬
‫أهليّة الجنين ‪:‬‬
‫‪ -‬للجنين حقوق بيّنها الشّارع ‪ ،‬أساسها أهليّة الوجوب وال ّذمّة ‪.‬‬ ‫‪9‬‬

‫وأهليّة الوجوب بالنّسبة للجنين تكون ناقصة ‪ .‬قال البزدويّ ‪ :‬إنّ الجنين له ذمّة مطلقة ‪ ،‬وإن‬
‫كانت الهليّة بالنّسبة للجنين ناقصة ‪ ،‬لنّه يحتمل الحياة والموت ‪.‬‬
‫فتجب له الحقوق الّتي ل تحتاج إلى قبول ‪ ،‬كثبوت النّسب ‪ ،‬والرث ‪،‬والستحقاق في الوقف‪.‬‬
‫والشّارع وإن أجاز إقامة أمين ليحافظ على مال الجنين إلّ أنّ هذا المين ليس في حكم‬
‫الوصيّ ‪ ،‬ول يملك التّصرّف باسمه ‪ .‬وانظر تفصيل ذلك في مصطلح ( أهليّة ) ‪.‬‬
‫أثر الجنين في نفقة أمّه ‪:‬‬
‫‪ -‬ل خلف بين الفقهاء في أنّ الحامل المطلّقة تستحقّ النّفقة والسّكنى لقوله تعالى ‪ { :‬وإنْ‬ ‫‪10‬‬

‫حمَْلهُنّ } والنّفقة لها بسبب الجنين أو العدّة على‬


‫ضعْنَ َ‬
‫ل َفَأ ْن ِفقُوا عَلَيهِنّ حتّى َي َ‬
‫حمْ ٍ‬
‫ن أُولتِ َ‬
‫كُ ّ‬
‫خلف وتفصيل ينظر في مصطلحي ( حامل ‪ ،‬ونفقة ) ‪.‬‬
‫أثر الجنين في العدّة ‪:‬‬
‫ضعْنَ‬
‫ل َأجَُلهُنّ أنْ َي َ‬
‫حمَا ِ‬
‫لْ‬‫‪ -‬عدّة الحامل تكون بوضع الحمل لقوله تعالى ‪َ { :‬وأُولتُ ا َ‬ ‫‪11‬‬

‫حمَْلهُنّ }وأجمع أهل العلم في جميع المصار أنّ المطلّقة الحامل تنقضي عدّتها بوضع الحمل‪.‬‬
‫َ‬
‫والمتوفّى عنها زوجها إذا كانت حامل فعدّتها بوضع الحمل على خلف وتفصيل في ذلك‬
‫ينظر تحت عنوان ( عدّة ) ‪.‬‬
‫أثر الجنين في تصرّفات الحامل ‪:‬‬
‫‪ -‬للجنين أثر في تصرّفات الحامل في الشّهور الخيرة من الحمل ‪ ،‬على خلف وتفصيل‬ ‫‪12‬‬

‫ينظر في مصطلحي ‪ ( :‬حامل ‪ .‬ومرض الموت ) ‪.‬‬


‫موت الحامل وفي بطنها جنين حيّ ‪:‬‬
‫‪ -‬ذهب جمهور الفقهاء إلى أنّ الحامل إذا ماتت وفي بطنها جنين حيّ يشقّ بطنها ‪،‬‬ ‫‪13‬‬

‫ويخرج ولدها ‪ ،‬لنّه استبقاء حيّ بإتلف جزء من ميّت ‪.‬‬


‫وفي ذلك خلف وتفصيل ينظر في مصطلح ‪ ( :‬حامل ) ‪.‬‬
‫أثر الجنين في الطّلق ‪:‬‬
‫‪ -‬يقع طلق الحامل رجعيّا وبائنا باتّفاق الفقهاء ‪ ،‬على خلف وتفصيل ينظر في مصطلح‬ ‫‪14‬‬

‫‪ ( :‬حامل ‪ ،‬وطلق ) ‪.‬‬


‫أثر الجنين في عقوبة أمّه ‪:‬‬
‫‪ -‬اتّفق الفقهاء على أنّه ل يقام الح ّد أو القصاص على الحامل حتّى تضع ‪ ،‬سواء أكان‬ ‫‪15‬‬

‫الحمل من زنى أم من غيره ‪ ،‬على تفصيل ينظر في مصطلح ‪ ( :‬حامل ) ‪.‬‬


‫أثر الجنين في دفن أمّه ‪:‬‬
‫‪ -‬إذا ماتت كافرة في بطنها جنين من مسلم بنكاح أو وطء شبهة ‪ .‬فقد اختلف ‪ ،‬هل تدفن‬ ‫‪16‬‬

‫في مقابر المسلمين مراعاة لجنينها ‪ ،‬أو في مقابر الكفّار مراعاة لحالها على تفصيل ينظر في‬
‫مصطلح ‪ ( :‬حامل ) ‪.‬‬
‫استحقاق الجنين في تركة مورّثه ‪:‬‬
‫ن الحمل من جملة الورثة إذا تيقّن وجوده عند الوفاة وانفصل عن أمّه‬
‫‪ -‬نصّ الفقهاء على أ ّ‬ ‫‪17‬‬

‫حيّا وكان يتحقّق فيه سبب من أسباب الرث ‪ .‬ويحتمل أن يكون الجنين ذكرا ‪ ،‬كما يحتمل‬
‫أن يكون أنثى ‪ ،‬ويحتمل أن يكون متعدّدا ‪ ،‬كما يحتمل أن يكون واحدا ‪ ،‬ولكلّ حكمه الخاصّ‬
‫في الرث ‪ .‬وتفصيل ذلك في مصطلحي ‪ ( :‬إرث ‪ ،‬وحمل ) ‪.‬‬
‫أثر الجنين في الرث ‪:‬‬
‫‪ -‬يؤثّر الجنين في الميراث في بعض الحالت ‪ ،‬فإذا كان نصيب الوارث يتأثّر بالحمل ‪،‬‬ ‫‪18‬‬

‫عومل الوارث بأقلّ النصباء على فرض كون الجنين ذكرا أو أنثى ‪ ،‬وكونه متعدّدا أو‬
‫واحدا ‪ ،‬وكونه وارثا أو غير وارث ‪ ،‬على ما هو مبيّن في مصطلح ‪ ( :‬إرث ) ‪.‬‬
‫وعلى الجملة ‪ ،‬فإنّ الجنين قد يؤثّر على أنصباء كثير من الوارثين ‪ ،‬ومن صور ذلك ما إذا‬
‫توفّيت امرأة عن زوجها وابن أخيها الشّقيق ‪ ،‬وعن حمل لخ شقيق آخر متوفّى ‪ ،‬فإنّه لو‬
‫فرض الحمل ذكرا لستحقّ مع الخر نصف الباقي بعد الزّوج ‪ ،‬وإذا فرض الجنين أنثى فإنّها‬
‫ل تستحقّ شيئا ‪ ،‬ولو كان الحمل متعدّدا من الذّكور لشاركوا الموجود في الباقي ‪ ،‬وإن كنّ‬
‫إناثا لم يستحققن شيئا ‪ ،‬وإن كان ذكرا وأنثى يشارك الذّكر دون النثى ‪.‬‬
‫وعلى كلّ فتقسيم التّركة مع وجود الحمل يكون غير نهائيّ ‪ ،‬فتقسم التّركة إن طالب الورثة ‪،‬‬
‫ل نصيبه ‪ ،‬ومن‬
‫ويدفع إلى من ل ينقصه الحمل كلّ ميراثه ‪ ،‬ويدفع إلى من ينقصه الحمل أق ّ‬
‫يسقط الحمل ل يدفع إليه شيء ‪ .‬والتّفصيل في ( إرث ) ‪.‬‬
‫حكم الوصيّة للجنين ‪:‬‬
‫‪ -‬صرّح الفقهاء بأنّ الوصيّة تثبت للجنين استحسانا من غير حاجة إلى قبول ‪ ،‬باعتبار أنّها‬ ‫‪19‬‬

‫استخلف من وجه ‪ ،‬والجنين يصلح خليفة في الرث ‪ ،‬فكذا في الوصيّة ‪.‬‬


‫بل لعلّ الوصيّة في هذا أظهر ‪ ،‬يقول ابن قدامة ‪ :‬والحمل يرث فتصحّ الوصيّة له ‪ -‬فإذا‬
‫ورث الحمل فالوصيّة له أولى ‪.‬‬
‫والجنين يستحقّ غلّة العين الموصى بها من وقت وفاة الموصي عند الحنفيّة ‪ ،‬ولذا فإنّ‬
‫الوصيّة له توقف حتّى يت ّم الوضع وتتيقّن حياته ‪ .‬كما أنّه يملك الموصى به جميعه إن كان‬
‫ن الموصى به يكون لهما‬
‫واحدا ‪ ،‬وإذا كان أكثر من واحد وبين ولدتهم أقلّ من ستّة أشهر فإ ّ‬
‫أو لهم ‪ .‬وتفصيل ذلك في مصطلح ‪ ( :‬حمل ‪ ،‬وصيّة ) ‪.‬‬
‫الوقف على الجنين ‪:‬‬
‫‪ -‬أجاز الفقهاء الوقف على الولد وال ّذ ّريّة الموجود منهم ومن سيولد ‪ ،‬على خلف‬ ‫‪20‬‬

‫وتفصيل ينظر في مصطلحي ‪ ( :‬حمل ‪ ،‬ووقف ) ‪.‬‬


‫الجناية على الجنين ‪:‬‬
‫‪ -‬إذا وقع اعتداء على الجنين وتسبّب في إسقاطه ميّتا ففيه الغرّة عند جمهور الفقهاء‬ ‫‪21‬‬

‫واختلف في وجوب الكفّارة ‪ ،‬على خلف وتفصيل ينظر في مصطلح ‪ ( :‬إجهاض ) ‪.‬‬
‫تغسيل الجنين ‪ ،‬وتكفينه ‪ ،‬والصّلة عليه ‪ ،‬ودفنه ‪:‬‬
‫‪ -‬ذهب الحنفيّة إلى أنّه إذا انفصل الجنين ميّتا ولم يستهلّ بعد الولدة ‪ ،‬فإنّه يغسّل ‪،‬‬ ‫‪22‬‬

‫ويسمّى ‪ ،‬ويدرج في خرقة ‪ ،‬ويدفن ‪ ،‬ول يصلّى عليه ‪.‬‬


‫يقول ابن عابدين ‪ :‬وهذا الكلم يشمل ما ت ّم خلقه ‪ ،‬وما لم يت ّم خلقه ‪.‬‬
‫أمّا ما تمّ خلقه فل خلف في تغسيله ‪ ،‬وأمّا ما لم يتمّ ‪ ،‬ففيه خلف ‪.‬‬
‫والمختار أنّه يغسّل ويلفّ في خرقة ول يصلّى عليه ‪ .‬وجزم صاحب الهداية في هذا المقام بأنّ‬
‫من استهلّ بعد الولدة سمّي ‪ ،‬وغسّل ‪ ،‬وصلّي عليه ‪ .‬واستدلّ بما روي عن الرّسول صلى‬
‫ال عليه وسلم قال ‪ « :‬إذا استهلّ الصّبيّ صلّي عليه ‪ ،‬وورث » ‪ ،‬وبأنّ الستهلل دللة‬
‫الحياة ‪ ،‬فيتحقّق في حقّه سنّة الموتى ‪ ،‬ث ّم يقول ‪ :‬وإن لم يستهلّ أدرج في خرقة كرامة لبني‬
‫آدم ‪ ،‬ولم يصلّ عليه ‪ ،‬لما رويناه ‪ ،‬ويغسّل في غير الظّاهر من الرّواية ‪ ،‬لنّه نفس من وجه‬
‫وهو المختار ‪ .‬وأورد الكاسانيّ تفصيل الخلف في هذا بين أئمّة المذهب ‪.‬‬
‫ومن الواضح أنّ السّقط المسلم يدفن في مقابر المسلمين ‪.‬‬
‫ي في البدائع ‪ :‬لو كانت كتابيّة تحت مسلم ث ّم ماتت ‪ ،‬وفي بطنها ولد مسلم ‪،‬‬
‫يقول الكاسان ّ‬
‫اختلف الصّحابة في الدّفن ‪ ،‬فقال بعضهم ‪ :‬تدفن في مقابر المسلمين ترجيحا لجانب الولد ‪،‬‬
‫وقال بعضهم ‪ :‬تدفن في مقابر المشركين ‪ ،‬لنّ الولد في حكم جزء منها ما دام في البطن ‪.‬‬
‫وعند المالكيّة قال الدّردير ‪ :‬ل يغسّل سقط لم يستهلّ صارخا ولو تحرّك ‪ ،‬إذ الحركة ل تدلّ‬
‫على الحياة ‪ ...‬ويغسّل دم السّقط ‪ ،‬ويلفّ بخرقة ‪ ،‬ويوارى وجوبا في التّكفين والدّفن ‪.‬‬
‫وفي موضع آخر يقول ‪ :‬وتدفن غير المسلمة الّتي في بطنها جنين من مسلم بحضرة غير‬
‫المسلمين لعدم حرمة جنينها ‪.‬‬
‫وعند الشّافعيّة ‪ :‬إذا استهلّ الجنين أو تحرّك ‪ ،‬ثمّ مات ‪ ،‬غسّل وصلّي عليه ‪ ،‬وإن لم يستهلّ‬
‫ولم يتحرّك ‪ ،‬فإن لم يكن له أربعة أشهر ‪ ،‬كفّن بخرقة ودفن ‪.‬‬
‫وإن تمّ له أربعة أشهر ‪ ،‬ففي القديم يصلّى عليه ‪ ،‬لنّه قد نفخ فيه الرّوح ‪ ،‬وفي المّ ل يصلّى‬
‫عليه وهو الصحّ ‪.‬‬
‫ويقول الرّمليّ ‪ :‬إنّ الولد النّازل بعد تمام ستّة أشهر يجب فيه ما يجب في الكبير من صلة‬
‫ن للسّقط أحوالً حاصلها ‪:‬‬
‫وغيرها ‪ ،‬وإن نزل ميّتا ولم يعلم سبق حياته ‪ ...‬ثمّ قال بعد ذلك ‪ :‬إ ّ‬
‫أنّه إن لم يظهر فيه خلق آدميّ ل يجب فيه شيء ‪ .‬نعم يسنّ ستره بخرقة ودفنه ‪ ،‬وإن ظهر‬
‫فيه خلقة ولم تظهر فيه أمارة الحياة وجب فيه ما سوى الصّلة ‪.‬‬
‫وعند الحنابلة يقول ابن قدامة ‪ :‬إذا أكمل السّقط أربعة أشهر أو بان فيه خلق إنسان ‪ ،‬غسّل‬
‫وصلّي عليه ولو لم يستهلّ ‪ ،‬ويستحبّ تسميته ‪ ،‬ونقل جماعة أنّ ذلك بعد أربعة أشهر ‪ ،‬وفي‬
‫الفروع ‪ :‬ل يجوز أن يصلّى عليه كالعلقة ‪ ،‬وفي كلّ من الرّوض المربّع ‪ ،‬وكشّاف القناع ‪:‬‬
‫إذا ولد السّقط لكثر من أربعة أشهر غسّل ‪ « ،‬لقول الرّسول صلى ال عليه وسلم ‪ :‬والسّقط‬
‫يصلّى عليه ‪ ،‬والغسل واجب وإن لم يستهلّ » ‪.‬‬

‫جهاد *‬
‫التّعريف ‪:‬‬
‫‪ -‬الجهاد مصدر جاهد ‪ ،‬وهو من الجهد ‪ -‬بفتح الجيم وضمّها ‪ -‬أي الطّاقة والمشقّة ‪ ،‬وقيل‬ ‫‪1‬‬

‫‪ :‬الجهد ‪ -‬بفتح الجيم ‪ -‬هو المشقّة ‪ ،‬وبالضّمّ الطّاقة ‪.‬‬


‫جهَادِهِ } ‪.‬‬
‫ق ِ‬
‫حّ‬‫والجهاد القتال مع العدوّ كالمجاهدة ‪ ،‬قال تعالى ‪ { :‬وجَاهِدُوا في اللّهِ َ‬
‫وفي الحديث الشّريف ‪ « :‬ل هجرة بعد الفتح ‪ ،‬ولكن جهاد ونيّة » ‪ .‬يقال ‪ :‬جاهد العدوّ‬
‫مجاهدة وجهادا إذا قاتله ‪.‬‬
‫وحقيقة الجهاد كما قال الرّاغب ‪ :‬المبالغة واستفراغ الوسع في مدافعة العدوّ باليد أو اللّسان‪.‬‬
‫أو ما أطاق من شيء ‪ ،‬وهو ثلثة أضرب ‪ :‬مجاهدة العدوّ الظّاهر ‪ ،‬والشّيطان ‪ ،‬والنّفس ‪.‬‬
‫جهَا ِدهِ } ‪.‬‬
‫ق ِ‬
‫وتدخل الثّلثة في قوله تعالى ‪ { :‬وجَا ِهدُوا في اللّهِ حَ ّ‬
‫وقال ابن تيميّة ‪ :‬الجهاد إمّا أن يكون بالقلب كالعزم عليه ‪ ،‬أو بالدّعوة إلى السلم وشرائعه ‪،‬‬
‫أو بإقامة الحجّة على المبطل ‪ ،‬أو ببيان الحقّ وإزالة الشّبهة ‪ ،‬أو بالرّأي والتّدبير فيما فيه نفع‬
‫المسلمين ‪ ،‬أو بالقتال بنفسه ‪ .‬فيجب الجهاد بغاية ما يمكنه ‪ .‬قال البهوتيّ ‪ :‬ومنه هجو الكفّار ‪.‬‬
‫كما كان حسّان رضي ال عنه يهجو أعداء النّبيّ صلى ال عليه وسلم ‪.‬‬
‫والجهاد اصطلحا ‪ :‬قتال مسلم كافرا غير ذي عهد بعد دعوته للسلم وإبائه ‪ ،‬إعلء لكلمة‬
‫اللّه ‪.‬‬
‫اللفاظ ذات الصّلة ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬السّير ‪:‬‬
‫‪ -‬السّير جمع سيرة وهي فعلة بكسر الفاء من السّير ‪ .‬وقد غلبت في لسان الفقهاء على‬ ‫‪2‬‬

‫الطّرائق المأمور بها في غزو الكفّار ‪ ،‬وما يتعلّق بها ‪ ،‬كغلبة لفظ ( المناسك ) على أمور‬
‫الحجّ ‪ .‬وقد سمّيت المغازي سيرا ‪ ،‬لنّ أوّل أمورها السّير إلى العدوّ ‪ ،‬والمراد بها سير المام‬
‫ومعاملته مع الغزاة ‪ ،‬والنصار ‪ ،‬ومنع العداة والكفّار ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬الغزو ‪:‬‬
‫‪ -‬الغزو معناه الطّلب ‪ ،‬يقال ‪ :‬ما مغزاك من هذا المر أي ما مطلبك ‪ ،‬وسمّي الغازي ‪،‬‬ ‫‪3‬‬

‫غازيا لطلبه الغزو ‪ .‬ويعرف كتاب الجهاد في غير كتب الفقه بكتاب المغازي ‪ ،‬وهو أيضا‬
‫أعمّ ‪ ،‬لنّه جمع مغزاة مصدر لغزا ‪ ،‬إنزال على الوحدة ‪ ،‬والقياس غزو ‪ ،‬وغزوة للوحدة ‪،‬‬
‫كضربة وضرب ‪ ،‬وهم قصد العدوّ للقتال ‪ ،‬خصّ في عرف الشّارع بقتال الكفّار ‪.‬‬
‫ج ‪ -‬الرّباط ‪:‬‬
‫‪ -‬الرّباط هو القامة في مكان ليس وراءه إسلم ‪ ،‬ويتوقّع هجوم العدوّ منه لقصد دفعه للّه‬ ‫‪4‬‬

‫تعالى ‪ .‬والرّباط تأهّب للجهاد ‪ ،‬والحاديث في فضله كثيرة منها ‪ :‬ما في صحيح مسلم من‬
‫حديث سلمان رضي ال عنه قال ‪ :‬سمعت رسول اللّه صلى ال عليه وسلم يقول ‪ « :‬رباط‬
‫يوم وليلة خير من صيام شهر وقيامه ‪ ،‬وإن مات جرى عليه عمله الّذي كان يعمله ‪ ،‬وأجري‬
‫عليه رزقه ‪ ،‬وأمن الفتّان » ‪ .‬ولتفصيل ذلك يرجع إلى مصطلح ‪ ( :‬رباط ) ‪.‬‬
‫تدرّج مشروعيّة الجهاد ‪:‬‬
‫ب عَليكُم ال ِقتَالُ } إلى غير ذلك من اليات ‪،‬‬
‫‪ -‬الجهاد مشروع بالجماع ‪ ،‬لقوله تعالى ‪ُ { :‬ك ِت َ‬ ‫‪5‬‬

‫ولفعله صلى ال عليه وسلم وأمره به ‪.‬‬


‫وأخرج مسلم ‪ « :‬من مات ولم يغز ‪ ،‬ولم يحدّث به نفسه مات على شعبة من نفاق » ‪.‬‬
‫وقد كان الجهاد في عهد رسول اللّه صلى ال عليه وسلم قبل الهجرة غير مأذون فيه ‪ ،‬لنّ‬
‫الّذي أمر به صلى ال عليه وسلم أوّل المر هو التّبليغ والنذار ‪ ،‬والصّبر على أذى الكفّار ‪،‬‬
‫والصّفح والعراض عن المشركين ‪ ،‬وبدأ المر بالدّعوة سرّا ثمّ جهرا ‪.‬‬
‫ح ْكمَةِ‬
‫قال اللّه تعالى ‪ { :‬فَاصْفَحِ الصّفْحَ الجَمِيلَ } وقال أيضا ‪ { :‬ا ْدعُ إلى سَبيلِ َر ّبكَ بال ِ‬
‫عرِضْ عن‬
‫حسَنُ } وقال أيضا ‪ { :‬فَاصْدَعْ ِبمَا تُؤ َمرُ وأَ ْ‬
‫سنَةِ وجَادِ ْلهُمْ باّلتِي هي َأ ْ‬
‫حَ‬‫والمَوعِظَةِ ال َ‬
‫ش ِركِينَ } ثمّ أذن اللّه بعد ذلك للمسلمين في القتال إذا ابتدأهم الكفّار بالقتال ‪ ،‬وكان ذلك في‬
‫ال ُم ْ‬
‫السّنة الثّانية من الهجرة ‪ .‬وذلك في قوله تعالى ‪ُ { :‬أذِنَ لِّلذِينَ ُيقَاتَلُونَ بِأ ّنهُ ْم ظُِلمُوا } ‪ .‬ث ّم شرع‬
‫خفَافَا و ِثقَالً } وقوله ‪ { :‬وقَاتِلُوا‬
‫اللّه البتداء بالقتال على الطلق بقوله تعالى ‪ { :‬ا ْن ِفرُوا ِ‬
‫شرِكينَ حَيثُ‬
‫شرِكينَ كَافّةً } وتسمّى هذه آية السّيف ‪ ،‬وقيل ‪ :‬هي قوله تعالى ‪ { :‬فَا ْقتُلُوا ال ُم ْ‬
‫ال ُم ْ‬
‫َوجَدتمُو ُهمْ } ‪.‬‬
‫ل اللّه ‪،‬‬
‫وقال رسول اللّه صلى ال عليه وسلم ‪ « :‬أمرت أن أقاتل النّاس حتّى يقولوا ل إله إ ّ‬
‫فمن قالها فقد عصم منّي ماله ونفسه إلّ بحقّه وحسابه على اللّه » ‪.‬‬
‫والفقهاء على أنّه ينبغي أن ل يترك الجهاد كلّ سنة مرّة على القلّ ‪.‬‬
‫ل سنة طائفة ‪ ،‬ويزجّ بنفسه معها أو يخرج بدله من يثق به ‪،‬‬
‫ومعنى ذلك أن يوجّه المام ك ّ‬
‫ن في تعطيله أكثر من سنة ما‬
‫ليدعو الكفّار للسلم ‪ ،‬ويرغّبهم فيه ‪ ،‬ث ّم يقاتلهم إذا أبوا ‪ ،‬ل ّ‬
‫يطمّع العدوّ في المسلمين ‪ .‬فإن دعت الحاجة في السّنة إلى أكثر من مرّة وجب ‪ ،‬لنّه فرض‬
‫على الكفاية فوجب منه ما دعت الحاجة إليه ‪ ،‬فإن دعت الحاجة إلى تأخيره لضعف‬
‫المسلمين ‪ ،‬أو قلّة ما يحتاج إليه في قتالهم من العدّة ‪ ،‬أو المدد الّذي يستعين به ‪ ،‬أو يكون‬
‫الطّريق إليهم فيها مانع ‪ ،‬أو ليس هنا مؤن ‪ ،‬أو للطّمع في إسلمهم ونحو ذلك من العذار ‪،‬‬
‫جاز تأخيره ‪ « ،‬لنّ النّبيّ صلى ال عليه وسلم صالح قريشا عشر سنين » ‪ ،‬وأخّر قتالهم‬
‫حتّى نقضوا الهدنة ‪ ،‬وأخّر قتال غيرهم من القبائل بغير هدنة ‪ ،‬ولنّه إذا كان يرجى من النّفع‬
‫بتأخيره أكثر ممّا يرجى من النّفع بتقديمه وجب تأخيره ‪.‬‬
‫فإذا لم يوجد ما يدعو إلى تأخير الجهاد فإنّه يستحبّ الكثار منه ‪ ،‬لقوله صلى ال عليه وسلم ‪:‬‬
‫« والّذي نفسي بيده لوددت أن أقتل في سبيل اللّه ث ّم أحيا ‪ ،‬ثمّ أقتل ثمّ أحيا ‪ ،‬ث ّم أقتل » ‪.‬‬
‫وروي « أنّ النّبيّ صلى ال عليه وسلم غزا سبعا وعشرين غزوة ‪ ،‬وبعث خمسا وثلثين‬
‫سريّة » ‪.‬‬
‫فضل الجهاد ‪:‬‬
‫‪ -‬فضل الجهاد عظيم ‪ ،‬وحاصله بذل النسان نفسه ابتغاء مرضاة اللّه تعالى ‪ ،‬وتقرّبا بذلك‬ ‫‪6‬‬

‫إليه سبحانه وتعالى ‪ .‬ولقد فضّل اللّه المجاهدين على القاعدين في قوله عزّ وجلّ ‪{ :‬‬
‫سبِيلِ اللّهِ ِبَأمْوَاِلهِمْ‬
‫غيْ ُر أُوْلِي الضّ َررِ وَا ْلمُجَا ِهدُونَ فِي َ‬
‫ن مِنَ ا ْلمُ ْؤ ِمنِينَ َ‬
‫س َتوِي الْقَاعِدُو َ‬
‫لّ َي ْ‬
‫سنَى‬
‫حْ‬‫سهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ َد َرجَةً َوكُـلّ َوعَ َد اللّهُ ا ْل ُ‬
‫ن بَِأمْوَاِلهِ ْم وَأَن ُف ِ‬
‫سهِمْ َفضّلَ الّل ُه ا ْل ُمجَاهِدِي َ‬
‫َوأَن ُف ِ‬
‫جرًا عَظِيما } ‪.‬‬
‫عدِينَ َأ ْ‬
‫َو َفضّلَ اللّهُ ا ْل ُمجَاهِدِينَ عَلَى الْقَا ِ‬
‫سنِينَ } ‪.‬‬
‫حِ‬‫ن اللّهَ َلمَعَ ا ْل ُم ْ‬
‫سبَُلنَا وَإِ ّ‬
‫ن جَا َهدُوا فِينَا َل َنهْ ِد َيّنهُمْ ُ‬
‫وقوله تعالى ‪ { :‬وَالّذِي َ‬
‫سبِيلِ‬
‫جنّ َة يُقَاتِلُونَ فِي َ‬
‫ن َل ُهمُ ال َ‬
‫سهُمْ َوَأمْوَاَلهُم ِبأَ ّ‬
‫ش َترَى مِنَ ا ْل ُم ْؤ ِمنِينَ أَن ُف َ‬
‫وقوله تعالى ‪ { :‬إِنّ الّل َه ا ْ‬
‫عدًا عََليْهِ حَقّا فِي التّ ْورَاةِ وَالِنجِيلِ وَا ْل ُقرْآنِ َومَنْ َأوْفَى ِب َعهْ ِد ِه مِنَ اللّهِ‬
‫ن وَيُ ْقتَلُونَ وَ ْ‬
‫الّل ِه َفيَ ْقتُلُو َ‬
‫شرُواْ ِب َب ْي ِعكُمُ الّذِي بَا َي ْعتُم بِهِ َوذَِلكَ ُه َو الْفَوْ ُز ا ْلعَظِيمُ } ‪.‬‬
‫س َت ْب ِ‬
‫فَا ْ‬
‫حيَاء عِندَ َرّبهِمْ ُيرْزَقُونَ } ‪.‬‬
‫ل اللّهِ َأ ْموَاتًا َبلْ َأ ْ‬
‫سبِي ِ‬
‫سبَنّ اّلذِينَ ُقتِلُواْ فِي َ‬
‫وقوله تعالى ‪َ { :‬ولَ َتحْ َ‬
‫وقد جاء أنّه صلى ال عليه وسلم جعله أفضل العمال بعد اليمان في حديث أبي هريرة قال‬
‫‪ « :‬سئل رسول اللّه صلى ال عليه وسلم ‪ :‬أيّ العمل أفضل ؟ قال ‪ :‬إيمان باللّه ورسوله ‪.‬‬
‫قيل ‪ :‬ث ّم ماذا ؟ قال ‪ :‬الجهاد في سبيل اللّه » ‪.‬‬
‫وأفضل ما يتطوّع به الجهاد ‪ ،‬وقد قال أحمد بن حنبل ‪ :‬ل أعلم شيئا بعد الفرائض أفضل من‬
‫الجهاد ‪ ،‬و قد روى هذه الم سألة عن أح مد جما عة من أ صحابه ‪ .‬قال أح مد ‪ :‬الّذ ين يقاتلون‬
‫العدوّ هم الّذين يدفعون عن السلم وعن حريمهم ‪ ،‬فأ يّ عمل أفضل منه ؟ النّاس آمنون وهم‬
‫خائفون ‪ ،‬قد بذلوا مهج أنفسهم ‪.‬‬
‫ن رجلً جاء إلى النّبيّ صلى ال عليه وسلم‬
‫والحاديث متظاهرة بذلك ‪ :‬فعن أبي هريرة « أ ّ‬
‫فقال ‪ :‬دلّني على عمل يعدل الجهاد ‪ ،‬قال ‪ :‬ل أجده ‪ ،‬ث ّم قال ‪ :‬هل تستطيع إذا خرج المجاهد‬
‫أن تدخل مسجدك فتقوم ول تفتر ‪ ،‬وتصوم ول تفطر ؟ قال ‪ :‬ومن يستطيع ذلك ؟ » ‪.‬‬
‫وعن أبي هريرة أيضا قال ‪ :‬سمعت رسول اللّه صلى ال عليه وسلم يقول ‪ « :‬مثل المجاهد‬
‫في سبيل اللّه ‪ -‬واللّه أعلم بمن يجاهد في سبيله ‪ -‬كمثل الصّائم القائم ‪ ،‬وتوكّل اللّه للمجاهد‬
‫في سبيله ‪ ،‬بأن يتوفّاه أن يدخله الجنّة ‪ ،‬أو يرجعه سالما مع أجر أو غنيمة » ‪ .‬وعن أنس بن‬
‫ي صلى ال عليه وسلم قال ‪ « :‬ما من عبد يموت له عند اللّه خير يسرّه أن يرجع‬
‫مالك أنّ النّب ّ‬
‫إلى الدّنيا ‪ ،‬وأنّ له الدّنيا وما فيها إلّ الشّهيد لما يرى من فضل الشّهادة ‪ ،‬فإنّه يسرّه أن يرجع‬
‫إلى الدّنيا فيقتل مرّة أخرى » ‪.‬‬
‫وعن بسر بن سعيد قال ‪ :‬حدّثني زيد بن خالد أنّ رسول اللّه صلى ال عليه وسلم قال ‪:‬‬
‫« من جهّز غازيا في سبيل اللّه فقد غزا ‪ ،‬ومن خلف غازيا بخير فقد غزا » ‪.‬‬
‫وهذه الحاديث وغيرها تتضافر على بيان فضل الجهاد ‪.‬‬
‫وقد صرّح الحنابلة ‪ :‬بأنّ الجهاد في البحر أفضل من الجهاد في البرّ ‪ « ،‬لحديث أمّ حرام أنّ‬
‫النّبيّ صلى ال عليه وسلم نام عندها ‪ ،‬ثمّ استيقظ وهو يضحك ‪ ،‬قالت ‪ :‬فقلت ‪ :‬ما أضحكك يا‬
‫رسول اللّه ؟ قال ‪ :‬ناس من أمّتي عرضوا عليّ غزاة في سبيل اللّه يركبون ثبج هذا البحر‬
‫ملوكا على السرّة أو مثل الملوك على السرّة » ‪ .‬ولنّ البحر أعظم خطرا ومشقّة ‪ ،‬فإنّه بين‬
‫العدوّ ‪ ،‬وفيه خطر الغرق ‪ ،‬ول يتمكّن من الفرار إلّ مع أصحابه ‪ ،‬فكان أفضل من غيره ‪.‬‬
‫وكذلك القتال مع أهل الكتاب أفضل من قتال غيرهم ‪ ،‬لنّهم يقاتلون عن دين ‪ ،‬ويؤيّده حديث‬
‫أمّ خلّاد من قوله صلى ال عليه وسلم ‪ « :‬ابنك له أجر شهيدين ‪ ،‬قالت ‪ :‬ولم ذاك يا رسول‬
‫اللّه ؟ قال ‪ :‬لنّه قتله أهل الكتاب » ‪.‬‬
‫الحكم التّكليفيّ للجهاد ‪:‬‬
‫‪ -‬الجهاد فرض في الجملة ‪ ،‬والدّليل على فرضيّته قوله عزّ وجلّ ‪ُ { :‬ك ِتبَ عََل ْيكُمُ ا ْل ِقتَا ُل‬ ‫‪7‬‬

‫سبِيلِ‬
‫خفَافًا َوِثقَالً َوجَاهِدُواْ ِبَأ ْموَاِل ُكمْ َوأَن ُفسِكُمْ فِي َ‬
‫َو ُهوَ ُك ْرهٌ ّل ُكمْ } ‪ ،‬وقوله تعالى ‪ { :‬ا ْن ِفرُواْ ِ‬
‫الّلهِ } ‪ ،‬وقوله صلى ال عليه وسلم ‪ « :‬الجهاد ماض منذ بعثني اللّه إلى أن يقاتل آخر أمّتي‬
‫ن المضيّ معناه النّفاذ ‪ ،‬والنّفاذ إنّما هو‬
‫الدّجّال » ‪ .‬والمراد ‪ -‬واللّه أعلم ‪ -‬أنّه فرض باق ‪ ،‬ل ّ‬
‫في الفرض من الحكام ‪ ،‬فإنّ النّدب والباحة ل يجب فيهما المتثال والنّفاذ ‪.‬‬
‫وقد نقل عن ابن عبد البرّ أنّ الجهاد فرض كفاية مع الخوف ‪ ،‬ونافلة مع المن ‪.‬‬
‫‪ -8‬ثمّ اختلف القائلون بالفرضيّة ‪ :‬فذهب الجمهور إلى أنّه فرض على الكفاية إذا قام به‬
‫البعض سقط عن الباقين لحصول المقصود وهو كسر شوكة المشركين ‪ ،‬وإعزاز الدّين ‪.‬‬
‫ومعنى الكفاية في الجهاد أن ينهض إليه قوم يكفون في جهادهم ‪ ،‬إمّا أن يكونوا جندا لهم‬
‫دواوين من أجل ذلك ‪ ،‬أو يكونوا أعدّوا أنفسهم له تطوّعا بحيث إذا قصدهم العدوّ حصلت‬
‫المنعة بهم ‪ ،‬ويكون في الثّغور من يدفع العدوّ عنها ‪ ،‬ويبعث في كلّ سنة جيشا يغيرون على‬
‫العدوّ في بلدهم ‪.‬‬
‫وفرض الكفاية ‪ :‬ما قصد حصوله من غير شخص معيّن ‪ ،‬فإن لم يوجد إلّ واحد تعيّن عليه ‪،‬‬
‫كردّ السّلم ‪ ،‬والصّلة على الجنازة ‪ .‬فإذا لم يقم بالواجب من يكفي ‪ ،‬أثم النّاس كلّهم ‪.‬‬
‫ل ِفرْقَ ٍة مّ ْنهُمْ طَآئِفَةٌ‬
‫ن ِليَن ِفرُواْ كَآفّ ًة فَلَ ْولَ نَ َفرَ مِن ُك ّ‬
‫واستدلّوا بقوله تعالى ‪َ { :‬ومَا كَانَ ا ْل ُم ْؤ ِمنُو َ‬
‫جعُواْ إَِل ْيهِمْ َلعَّل ُهمْ } ‪.‬‬
‫ّل َيتَفَ ّقهُواْ فِي الدّينِ َوِليُن ِذرُو ْا قَ ْو َمهُ ْم إِذَا َر َ‬
‫ن َد َرجَةً‬
‫سهِمْ عَلَى ا ْلقَاعِدِي َ‬
‫ل اللّهُ ا ْل ُمجَا ِهدِينَ ِبَأ ْموَاِل ِهمْ وَأَن ُف ِ‬
‫واستدلّوا كذلك بقوله تعالى ‪َ { :‬فضّ َ‬
‫جرًا عَظِيما } ‪.‬‬
‫عدِينَ َأ ْ‬
‫سنَى َو َفضّلَ اللّهُ ا ْل ُمجَاهِدِينَ عَلَى الْقَا ِ‬
‫حْ‬‫عدَ اللّهُ ا ْل ُ‬
‫َوكُـلّ وَ َ‬
‫شرّ عن‬
‫واستدلّوا لذلك بأنّ الجهاد ما فرض لعينه ‪ ،‬وإنّما فرض لعزاز دين اللّه ‪ ،‬ودفع ال ّ‬
‫العباد ‪ .‬والمقصود أن يأمن المسلمون ‪ ،‬ويتمكّنوا من القيام بمصالح دينهم ودنياهم ‪ .‬فإذا‬
‫ل بالجهاد لم يتفرّغوا للقيام بمصالح دنياهم ‪.‬‬
‫اشتغل الك ّ‬
‫وقد كان رسول اللّه صلى ال عليه وسلم تارة يخرج ‪ ،‬وتارة يبعث غيره ‪ ،‬حتّى قال ‪« :‬‬
‫والّذي نفسي بيده ‪ ،‬لول أنّ رجال من المؤمنين ل تطيب أنفسهم أن يتخلّفوا عنّي ‪ ،‬ول أجد ما‬
‫أحملهم عليهم ‪ ،‬ما تخلّفت عن سريّة تغدو في سبيل اللّه » ‪.‬‬
‫ن القاعدين غير آثمين مع جهاد غيرهم ‪ ،‬فقد وعد اللّه كلّا الحسنى ‪ ،‬والعاصي‬
‫فهذا يدلّ على أ ّ‬
‫ل يوعد بها ‪ ،‬ول تفاضل بين مأجور ومأزور ‪ .‬وروى أبو سعيد الخدريّ رضي ال عنه «‬
‫ن رسول اللّه صلى ال عليه وسلم بعث إلى بني لحيان ‪ ،‬وقال ‪ :‬ليخرج من كلّ رجلين رجل‬
‫أّ‬
‫‪ ،‬ثمّ قال للقاعدين ‪ :‬أيّكم خلف الخارج في أهله وماله بخير كان له مثل نصف أجر الخارج »‬
‫ن الجهاد من فروض العيان ‪.‬‬
‫‪ .‬وقال سعيد بن المسيّب ‪ :‬إ ّ‬
‫سبِيلِ اللّهِ } ‪.‬‬
‫خفَافًا َوِثقَالً َوجَاهِدُواْ ِبَأ ْموَاِل ُكمْ َوأَن ُفسِكُمْ فِي َ‬
‫لقوله تعالى ‪ { :‬ا ْن ِفرُواْ ِ‬
‫وقوله ‪ { :‬إِلّ تَن ِفرُو ْا ُيعَ ّذ ْبكُمْ عَذَابا أَلِيما } ‪ .‬وقول الرّسول صلى ال عليه وسلم ‪ « :‬من مات‬
‫ولم يغز ‪ ،‬ولم يحدّث نفسه بالغزو ‪ ،‬مات على شعبة من نفاق » ‪.‬‬
‫ن القاعدين الموعودين بالحسنى كانوا حرّاسا ‪ ،‬أي كانوا من هذين كذلك ‪.‬‬
‫وأ ّ‬
‫متى يصير الجهاد فرض عين ؟‬
‫‪ -‬ذهب جمهور الفقهاء إلى أنّه يصير الجهاد فرض عين في كلّ من الحالت التية ‪:‬‬ ‫‪9‬‬

‫صفّان ‪ ،‬حرّم على من حضر النصراف ‪ ،‬وتعيّن عليه المقام‬


‫أ ‪ -‬إذا التقى الزّحفان ‪ ،‬وتقابل ال ّ‬
‫ن اللّهَ‬
‫صبِرُواْ إِ ّ‬
‫‪ ،‬لقوله تعالى ‪ { :‬يَا َأ ّيهَا اّلذِينَ آ َمنُواْ إِذَا لَقِيتُمْ ِفئَةً فَا ْثُبتُواْ } ‪ ...‬إلى قوله ‪ { :‬وَا ْ‬
‫مَعَ الصّابِرِينَ } ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬إذا هجم العدوّ على قوم بغتة ‪ ،‬فيتعيّن عليهم الدّفع ولو كان امرأة أو صبيّا ‪ ،‬أو هجم‬
‫على من بقربهم ‪ ،‬وليس لهم قدرة على دفعه ‪ ،‬فيتعيّن على من كان بمكان مقارب لهم أن‬
‫يقاتلوا معهم إن عجز من فجأهم العدوّ عن الدّفع عن أنفسهم ‪ ،‬ومحلّ التّعيّن على من بقربهم‬
‫إن لم يخشوا على نسائهم وبيوتهم من عدوّ بتشاغلهم بمعاونة من فجأهم العدوّ ‪ ،‬وإلّ تركوا‬
‫إعانتهم ‪.‬‬
‫وعند الشّافعيّة يعتبر من كان دون مسافة القصر من البلدة كأهلها ‪ ،‬ومن على المسافة يلزمه‬
‫الموافقة بقدر الكفاية إن لم يكف أهلها ‪ ،‬ومن يليهم ‪.‬‬
‫وأمّا من لم يفجأهم العدوّ فل يتعيّن عليهم ‪ ،‬يستوي في ذلك المقلّ منهم والمكثر ‪.‬‬
‫ومعناه ‪ :‬أنّ النّفير يعمّ جميع النّاس ممّن كان من أهل القتال حين الحاجة لمجيء العدوّ إليهم ‪،‬‬
‫ول يجوز لحد التّخلّف إلّ من يحتاج إلى تخلّفه لحفظ المكان والهل والمال ‪ ،‬ومن يمنعه‬
‫المير من الخروج ‪ ،‬أو من ل قدرة له على الخروج أو القتال ‪.‬‬
‫ن َفرِيقٌ‬
‫س َتأْذِ ُ‬
‫وقد ذمّ اللّه تعالى الّذين أرادوا الرّجوع إلى منازلهم يوم الحزاب فقال ‪َ { :‬و َي ْ‬
‫ّم ْنهُمُ النّ ِبيّ َيقُولُونَ إِنّ ُبيُو َتنَا عَ ْو َرةٌ َومَا ِهيَ ِب َعوْ َرةٍ إِن ُيرِيدُونَ إِلّا ِفرَارا } ‪.‬‬
‫ج ‪ -‬إذا استنفر المام قوما لزمهم النّفير معه إلّ من له عذر قاطع ‪ ،‬لقول اللّه تعالى ‪ { :‬يَا‬
‫حيَا ِة‬
‫لرْضِ أَ َرضِيتُم بِا ْل َ‬
‫سبِيلِ الّل ِه اثّاقَ ْلتُمْ إِلَى ا َ‬
‫َأ ّيهَا اّلذِينَ آ َمنُواْ مَا َلكُمْ إِذَا قِيلَ َل ُكمُ ان ِفرُو ْا فِي َ‬
‫خ َر ِة إِلّ قَلِيلٌ } ‪ .‬وقال النّبيّ صلى ال عليه وسلم‬
‫حيَا ِة ال ّد ْنيَا فِي ال ِ‬
‫خ َرةِ َفمَا َمتَاعُ ا ْل َ‬
‫ال ّد ْنيَا مِنَ ال ِ‬
‫‪ « :‬ل هجرة بعد الفتح ولكن جهاد ونيّة ‪ ،‬وإذا استنفرتم فانفروا » ‪.‬‬
‫ن أمر الجهاد موكول إلى المام واجتهاده ‪ ،‬ويلزم الرّعيّة طاعته فيما يراه من ذلك ‪.‬‬
‫وذلك ل ّ‬
‫ص المالكيّة على أنّه يتعيّن الجهاد بتعيين المام ولو لصبيّ مطيق للقتال أو امرأة ‪ ،‬وتعيين‬
‫ون ّ‬
‫المام إلجاؤه إليه وجبره عليه ‪ ،‬كما يلزم بما فيه صلح حاله ‪ ،‬ل بمعنى عقابه على تركه ‪،‬‬
‫ن توجّه الوجوب للصّبيّ خرق للجماع ‪.‬‬
‫فل يقال ‪ :‬إ ّ‬
‫حكمة تشريع الجهاد ‪:‬‬
‫‪ -‬القصد من الجهاد دعوة غير المسلمين إلى السلم ‪ ،‬أو الدّخول في ذمّة المسلمين ودفع‬ ‫‪10‬‬

‫الجزية ‪ ،‬وجريان أحكام السلم عليهم ‪ ،‬وبذلك ينتهي تعرّضهم للمسلمين ‪ ،‬واعتداؤهم على‬
‫بلدهم ‪ ،‬ووقوفهم في طريق نشر الدّعوة السلميّة ‪ ،‬وينقطع دابر الفساد ‪ ،‬قال تعالى ‪{ :‬‬
‫ن ان َتهَواْ فَلَ عُدْوَانَ ِإلّ عَلَى الظّاِلمِينَ } ‪ .‬وقال‬
‫ل َتكُونَ ِف ْت َن ٌة وَ َيكُونَ الدّينُ ِللّهِ َفإِ ِ‬
‫حتّى َ‬
‫َوقَاتِلُو ُهمْ َ‬
‫ن كُلّ ِه وَلَ ْو َك ِر َه‬
‫ق ِلُيظْ ِه َرهُ عَلَى الدّي ِ‬
‫حّ‬‫ل َرسُولَهُ بِا ْل ُهدَى َودِينِ ا ْل َ‬
‫عزّ وجلّ ‪ُ { :‬هوَ الّذِي أَ ْرسَ َ‬
‫ش ِركُونَ } ‪.‬‬
‫ا ْل ُم ْ‬
‫وقد مضت سنّة رسول اللّه صلى ال عليه وسلم وسيرته ‪ ،‬وسيرة الخلفاء الرّاشدين من بعده‬
‫على جهاد الكفّار ‪ ،‬وتخييرهم بين ثلثة أمور مرتّبة وهي ‪ :‬قبول الدّخول في السلم ‪ ،‬أو‬
‫البقاء على دينهم مع أداء الجزية ‪ ،‬وعقد ال ّذمّة ‪ .‬فإن لم يقبلوا ‪ ،‬فالقتال ‪ .‬ول ينطبق هذا على‬
‫مشركي العرب ‪ ،‬على تفصيل وخلف ينظر في مصطلحي ‪ ( :‬جزية ‪ ،‬وأهل ال ّذمّة ) ‪.‬‬
‫الستئذان في الجهاد ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬إذن الوالدين ‪:‬‬
‫‪ -‬ل يجوز الجهاد إلّ بإذن البوين المسلمين ‪ ،‬أو بإذن أحدهما إن كان الخر كافرا ‪ ،‬إلّ‬ ‫‪11‬‬

‫إذا تعيّن ‪ ،‬كأن ينزل العدوّ بقوم من المسلمين ‪ ،‬ففرض على كلّ من يمكنه إعانتهم أن‬
‫يقصدهم مغيثا لهم ‪ ،‬أذن البوان أم لم يأذنا ‪ ،‬إلّ أن يضيعا ‪ ،‬أو أحدهما بعده ‪ ،‬فل يحلّ له‬
‫ترك من يضيع منهما ‪ ،‬لما روى عبد اللّه بن عمرو بن العاص قال ‪ « :‬جاء رجل إلى رسول‬
‫اللّه صلى ال عليه وسلم فاستأذنه في الجهاد ‪ ،‬فقال عليه الصلة والسلم ‪ :‬أحيّ والداك ؟ قال‬
‫‪ :‬نعم ‪ ،‬قال ‪ :‬ففيهما فجاهد » ‪ .‬فدلّ على أنّ برّ الوالدين مقدّم على الجهاد ‪ .‬ولنّ الصل في‬
‫الجهاد أنّه فرض على الكفاية ينوب عنه غيره فيه ‪ ،‬وب ّر الوالدين فرض يتعيّن عليه ‪ ،‬لنّه ل‬
‫ينوب عنه فيه غيره ‪ ،‬ولهذا قال رجل لبن عبّاس رضي ال عنه ‪ :‬إنّي نذرت أن أغزو الرّوم‬
‫‪ ،‬وإنّ أبويّ منعاني ‪ ،‬فقال ‪ " :‬أطع أبويك فإنّ الرّوم ستجد من يغزوها غيرك " ‪ .‬وروي نحو‬
‫هذا عن عمر وعثمان رضي ال عنهما ‪ ،‬وبه قال الوزاعيّ والثّوريّ ‪ ،‬وسائر أهل العلم ‪.‬‬
‫وأمّا إن كان البوان كافرين أو أحدهما ‪ ،‬فيرى جمهور الفقهاء أنّه يجوز أن يجاهد من غير‬
‫ن أصحاب رسول اللّه صلى ال عليه وسلم كانوا يجاهدون ‪ ،‬وفيهم من له أبوان‬
‫إذنهما ‪ ،‬ل ّ‬
‫كافران من غير استئذانهما ‪ ،‬منهم أبو بكر الصّدّيق وأبو حذيفة بن عتبة بن ربيعة كان مع‬
‫النّبيّ صلى ال عليه وسلم وأبوه رئيس المشركين ‪.‬‬
‫ن الكافر متّهم في الدّين بالمنع من الجهاد لمظنّته قصد توهين السلم ‪.‬‬
‫ول ّ‬
‫ل بإذن البوين‬
‫وقال الحنفيّة ‪ ،‬وهو ما صرّح باستثنائه بعض المالكيّة ‪ :‬إنّه ل يخرج إ ّ‬
‫الكافرين أو أحدهما إذا كره خروجه مخافة ومشقّة ‪ ،‬وأمّا إذا كان لكراهة قتال أهل دينه فل‬
‫يطيعه ما لم يخف عليه الضّيعة ‪ .‬إذ لو كان معسرا محتاجا إلى خدمته فرضت عليه ولو‬
‫كافرا ‪ ،‬وليس من الصّواب ترك فرض عين ليتوصّل إلى فرض كفاية ‪ ،‬وبهذا قال الثّوريّ‬
‫لعموم الخبار ‪ .‬وإن لم يكن له أبوان وله جدّ أو جدّة لم يجز أن يجاهد من غير إذنهما ‪،‬‬
‫لنّهما كأبوين في البرّ ‪ ،‬ولو أذن له جدّه لبيه وجدّته لمّه ‪ ،‬ولم يأذن له أبو المّ وأمّ الب ‪،‬‬
‫فصرّح الحنفيّة بأنّه ل بأس بخروجه ‪ ،‬لقيام أبي الب وأمّ المّ مقام الب وال ّم عند فقدهما ‪،‬‬
‫والخران كباقي الجانب إلّ إذا عدم الوّلن ‪.‬‬
‫وإن كان له أب وجدّ ‪ ،‬أو أمّ وجدّة ‪ ،‬فذهب الشّافعيّة في الصحّ وهو رأي عند الحنابلة ‪ ،‬إلى‬
‫أنّه يلزمه استئذان الجدّ مع الب ‪ ،‬واستئذان الجدّة مع المّ ‪ ،‬لنّ وجود البوين ل يسقط برّ‬
‫الجدّين ‪ ،‬ول ينقص شفقتهما عليه ‪.‬‬
‫والمذهب عند الحنابلة وهو قول لدى الشّافعيّة أنّه ل يلزمه ‪ ،‬لنّ الب والمّ يحجبان الجدّ‬
‫والجدّة عن الولية والحضانة ‪ .‬وإنّما يجب استئذان البوين في الجهاد إذا لم يكن متعيّنا ‪،‬‬
‫ولكن إذا تعيّن عليه الجهاد فل إذن لهما من غير خلف بين الفقهاء ‪ ،‬لنّه صار فرض عين ‪،‬‬
‫وتركه معصية ‪ ،‬ول طاعة لحد في معصية اللّه ‪.‬‬
‫قال الوزاعيّ ‪ :‬ل طاعة للوالدين في ترك الفرائض ‪ ،‬والجمع ‪ ،‬والحجّ ‪ ،‬والقتال ‪ ،‬لنّها‬
‫عبادة تعيّنت عليه فلم يعتبر إذن البوين فيها كالصّلة ‪.‬‬
‫الرّجوع عن الذن ‪:‬‬
‫‪ -‬من خرج للجهاد بإذن الوالدين ‪ ،‬ثمّ رجعا عن الذن ‪ ،‬أو كان البوان كافرين ‪ ،‬فأسلما‬ ‫‪12‬‬

‫بعد الخروج ولم يأذنا ‪ ،‬وعلم المجاهد الحال ‪ ،‬يلزمه النصراف إن لم يشرع في القتال ‪ ،‬ولم‬
‫يحضر الوقعة عند الشّافعيّة في المشهور ‪ ،‬والحنابلة ‪ ،‬إلّ أن يخاف على نفسه أو ماله ‪ ،‬أو‬
‫يخاف انكسار قلوب المسلمين ‪ ،‬فل يلزمه ‪.‬‬
‫فإن لم يمكنه النصراف للخوف ‪ ،‬وأمكنه أن يقيم في قرية في الطّريق حتّى يرجع الجيش ‪،‬‬
‫لزمه أن يقيم ‪ .‬وعند الشّافعيّة قول آخر ‪ :‬وهو أنّه ل يلزمه النصراف ‪.‬‬
‫وإن علم بعد الشّروع في القتال ‪ ،‬قال الشّافعيّة في الصحّ ‪ :‬يحرم النصراف ‪ ،‬وتجب‬
‫المصابرة ‪ ،‬لعموم المر بالثّبات ‪ ،‬ولنكسار القلوب بانصرافه ‪ ،‬والثّاني ‪ :‬ل يحرم ‪ ،‬بل يجب‬
‫النصراف ‪ ،‬والثّالث ‪ :‬يخيّر بين النصراف والمصابرة ‪.‬‬
‫ن ترك الجهاد في هذه‬
‫وإن أحاط العدوّ بالمسلمين تعيّن فرض الجهاد ‪ ،‬وسقط الذن ‪ ،‬ل ّ‬
‫الحالة يؤدّي إلى الهلك ‪ ،‬فقدّم على حقّ البوين ‪.‬‬
‫وإن أذن له والداه في الغزو وشرطا عليه أن ل يقاتل ‪ ،‬فحضر القتال ‪ ،‬تعيّن عليه القتال‬
‫وسقط شرطهما ‪ .‬وبذلك قال الوزاعيّ وابن المنذر ‪ ،‬لنّه صار واجبا عليه ‪ ،‬فلم يبق لهما في‬
‫تركه طاعة ‪ ،‬ولو خرج بغير إذنهما فحضر القتال ‪ ،‬ثمّ بدا له الرّجوع لم يجز له ذلك ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬إذن الدّائن ‪:‬‬
‫‪ -‬اتّفق الفقهاء على أنّه ل يخرج المدين للجهاد إذا كان الدّين حالّا ‪ ،‬واختلفوا فيما وراء‬ ‫‪13‬‬

‫ذلك على أقوال ‪ :‬فذهب الحنفيّة إلى أنّه ل يخرج المدين بغير إذن غريمه ولو لم يكن له‬
‫ق الغريم وهو الملزمة ‪ ،‬فلو أذن له الدّائن ‪ ،‬ولم يبرّئه ‪ ،‬فالمستحبّ‬
‫وفاء ‪ ،‬لنّه يتعلّق به ح ّ‬
‫القامة لقضاء الدّين ‪ ،‬لنّ البدء بالوجب أولى ‪ ،‬فإن خرج فل بأس ‪ ،‬وكذلك حكم الكفيل إذا‬
‫كان بأمر الدّائن ‪ ،‬ويستوي في وجوب الستئذان ‪ ،‬الكفيل بالمال والكفيل بالنّفس ‪ .‬وأمّا إذا‬
‫كان الدّين مؤجّلً فله الخروج بل إذن إن علم برجوعه قبل حلوله ‪ ،‬لعدم توجّه المطالبة‬
‫بقضاء الدّين ‪ ،‬لكن الفضل القامة لقضائه ‪.‬‬
‫وعند المالكيّة يشترط الذن في الدّين الحالّ إذا كان يقدر على وفائه ببيع ما عنده ‪ ،‬وإن لم‬
‫يكن قادرا على ذلك ‪ ،‬أو كان مؤجّلً ول يحلّ في غيبته خرج بغير إذن الدّائن ‪ ،‬فإن حلّ في‬
‫غيبته ‪ ،‬وعنده ما يوفّي منه ‪ ،‬وكلّ من يقضيه عنه ‪.‬‬
‫وقال الشّافعيّة ‪ :‬إنّه ل يخرج المدين في الدّين إذا كان حالّا إن لم يكن معسرا ‪ ،‬أي كان له‬
‫وفاء ‪ ،‬وكذلك إن لم يكن له وفاء في قول ‪.‬‬
‫والصّحيح أنّه ليس له منعه إذا كان معسرا إذ ل مطالبة في الحالّ ‪.‬‬
‫ح أنّه ل يجوز المنع ‪ ،‬والثّاني ‪ :‬يجوز إلّ أن يقيم كفيل بالدّين‪.‬‬
‫وإن كان الدّين مؤجّلً ‪ ،‬فالص ّ‬
‫والثّالث ‪ :‬له المنع إن لم يخلّف وفاء ‪ ،‬وقيل ‪ :‬يجوز للدّائن أن يمنع إن كان الدّين يح ّل قبل‬
‫رجوعه ‪.‬‬
‫وعند الحنابلة ل يجوز الخروج سواء أكان الدّين حالّا أم مؤجّل بغير إذن غريمه إلّ أن يترك‬
‫وفاء ‪ ،‬أو يقيم به كفيلً أو يوثّقه برهن ‪ ،‬لما روي « أنّ رجلً جاء إلى رسول اللّه صلى ال‬
‫عليه وسلم فقال يا رسول اللّه ‪ :‬أرأيت إن قتلت في سبيل اللّه أتكفّر عنّي خطاياي ؟ قال ‪ :‬نعم‬
‫ل الدّين ‪ ،‬فإنّ جبريل عليه السلم قال لي‬
‫إن قتلت وأنت صابر محتسب ‪ ،‬مقبل غير مدبر ‪ ،‬إ ّ‬
‫ذلك » ‪.‬‬
‫ن « عبد اللّه بن حرام والد جابر الصّحابيّ المعروف خرج إلى أحد وعليه دين كثير‬
‫ول ّ‬
‫فاستشهد ‪ ،‬وقضاه عنه ابنه مع علم النّبيّ صلى ال عليه وسلم من غير نكير ‪ ،‬بل مدحه ‪،‬‬
‫وقال ‪ :‬ما زالت الملئكة تظلّه بأجنحتها حتّى رفعتموه ‪ .‬وقال لبنه جابر ‪ :‬أفل أبشّرك بما‬
‫لقي اللّه به أباك ؟ ما كلّم اللّه أحدا قطّ ‪ ،‬إلّ من وراء حجاب ‪ ،‬وأحيا أباك وكلّمه كفاحا »‬
‫ق بفواتها ‪.‬‬
‫ن الجهاد تقصد منه الشّهادة الّتي تفوت بها النّفس ‪ ،‬فيفوت الح ّ‬
‫ول ّ‬
‫وأمّا إذا تعيّن الجهاد فل خلف بين الفقهاء في أنّه ل إذن لغريمه ‪ ،‬لنّه تعلّق بعينه ‪ ،‬فكان‬
‫مقدّما على ما في ذمّته كسائر فروض العيان ‪.‬‬
‫ن القتل من المبارزة ‪ ،‬والوقوف في أوّل‬
‫ب له أن ل يتعرّض لمظا ّ‬
‫وصرّح الحنابلة بأنّه يستح ّ‬
‫صفّ أو حاشيته حفظا للدّين ‪.‬‬
‫المقاتلة ‪ ،‬لنّ فيه تغريرا بتفويت الحقّ ‪ ،‬بل يقف وسط ال ّ‬
‫ج ‪ -‬إذن المام ‪:‬‬
‫‪ -‬صرّح الشّافعيّة والحنابلة بأنّه يكره الغزو من غير إذن المام أو المير المولّى من‬ ‫‪14‬‬

‫قبله ‪ ،‬لنّ الغزو على حسب حال الحاجة ‪ ،‬والمام أو المير أعرف بذلك ‪ ،‬ول يحرم ‪ ،‬لنّه‬
‫ليس فيه أكثر من التّغرير بالنّفس ‪ ،‬والتّغرير بالنّفس يجوز في الجهاد ‪.‬‬
‫ن أمر الحرب موكول إلى المير ‪ ،‬وهو أعلم بكثرة العدوّ وقلّتهم ‪ ،‬ومكامن العدوّ‬
‫ول ّ‬
‫وكيدهم ‪ ،‬فينبغي أن يرجع إلى رأيه ‪ ،‬لنّه أحوط للمسلمين ‪ ،‬ولنّه إذا لم تجز المبارزة إلّ‬
‫بإذنه فالغزو أولى ‪ ،‬إلّ أن يفجأهم عدوّ يخافون تمكّنه ‪ ،‬فل يمكنهم الستئذان ‪ ،‬فيسقط الذن‬
‫باقتضاء قتالهم ‪ ،‬والخروج إليهم لحصول الفساد بتركهم انتظارا للذن ‪.‬‬
‫ودليل ذلك أنّه « لمّا أغار الكفّار على لقاح النّبيّ صلى ال عليه وسلم صادفهم سلمة بن‬
‫الكوع خارجا من المدينة فتبعهم وقاتلهم من غير إذن ‪ ،‬فمدحه النّبيّ صلى ال عليه وسلم‬
‫وقال ‪ :‬خير رجالتنا سلمة بن الكوع ‪ ،‬وأعطاه سهم فارس وراجل » ‪.‬‬
‫الجهاد مع الئمّة ‪:‬‬
‫‪ -‬صرّح جمهور الفقهاء بأنّه يغزى مع أمير جيش ولو كان جائرا ارتكابا لخفّ الضّررين‬ ‫‪15‬‬

‫‪ ،‬ولنّ ترك الجهاد معه سوف يفضي إلى قطع الجهاد ‪ ،‬وظهور الكفّار على المسلمين ‪،‬‬
‫واستئصالهم وظهور كلمة الكفر ‪ ،‬ونصرة الدّين واجبة ‪.‬‬
‫وكذا مع ظالم في أحكامه ‪ ،‬أو فاسق بجارحة ‪ ،‬ل مع غادر ينقض العهد‬
‫شروط وجوب الجهاد ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬السلم ‪:‬‬
‫‪ -‬اتّفق الفقهاء على أنّ من شروط وجوب الجهاد ‪ :‬السلم ‪ ،‬لنّه من شروط وجوب سائر‬ ‫‪16‬‬

‫ن الكافر غير مأمون في الجهاد ‪ ،‬ول يأذن له المام بالخروج مع جيش المسلمين‬
‫الفروع ; ول ّ‬
‫; لما روت عائشة رضي ال عنها « أنّ رسول اللّه صلى ال عليه وسلم خرج إلى بدر فتبعه‬
‫رجل من المشركين فقال له ‪ :‬تؤمن باللّه ورسوله ؟ قال ‪ :‬ل ‪ ،‬قال ‪ :‬فارجع فلن أستعين‬
‫بمشرك » ‪.‬‬
‫ن ما يخاف من الضّرر بحضوره أكثر ممّا يرجى من المنفعة ‪ ،‬وهو ل يؤمن مكره‬
‫ول ّ‬
‫وغائلته ‪ ،‬لخبث طويّته ‪ ،‬والحرب تقتضي المناصحة ‪ ،‬والكافر ليس من أهلها ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬العقل ‪:‬‬
‫‪ -‬المجنون غير مكلّف فل يجب عليه الجهاد ‪ ،‬ول يتأتّى منه ‪.‬‬ ‫‪17‬‬

‫ج ‪ -‬البلوغ ‪:‬‬
‫‪ -‬ل يجب الجهاد على الصّبيّ غير البالغ ضعيف البنية وهو غير مكلّف ‪.‬‬ ‫‪18‬‬

‫ففي الصّحيحين عن « ابن عمر قال ‪ :‬عرضت على رسول اللّه صلى ال عليه وسلم يوم أحد‬
‫وأنا ابن أربع عشرة فلم يجزني في المقاتلة » ‪.‬‬
‫وقد « ردّ رسول اللّه صلى ال عليه وسلم يوم بدر أسامة بن زيد والبراء بن عازب ‪ ،‬وزيد‬
‫بن ثابت ‪ ،‬وزيد بن أرقم ‪ ،‬وعرّابة بن أوس ‪ ،‬فجعلهم حرسا للذّراريّ والنّساء » ‪.‬‬
‫ي والمجنون ‪ ،‬كالصّوم والصّلة والحجّ ‪.‬‬
‫ن الجهاد عبادة تتعلّق بالبدن فل يجب على الصّب ّ‬
‫ول ّ‬
‫د ‪ -‬الذّكورة ‪:‬‬
‫‪ -‬تشترط الذّكورة لوجوب الجهاد ‪ ،‬لما روت « عائشة قالت ‪ :‬يا رسول اللّه ‪ ،‬هل على‬ ‫‪19‬‬

‫النّساء جهاد ؟ فقال ‪ :‬جهاد ل قتال فيه ‪ :‬الحجّ والعمرة » ‪.‬‬


‫وعلى ذلك فل يجب عليهنّ الجهاد ما لم يتعيّن في الحوال الثّلثة المتقدّمة ‪.‬‬
‫أمّا إخراج النّساء مع المجاهدين فيكره في سريّة ل يؤمن عليها ‪ ،‬لنّ فيه تعريضهنّ‬
‫للضّياع ‪ ،‬ويمنعهنّ المام من الخروج للفتتان بهنّ ‪ ،‬ولسن من أهل القتال لستيلء الخور‬
‫والجبن عليهنّ ‪ ،‬ولنّه ل يؤمن ظفر العد ّو بهنّ ‪ ،‬فيستحلّون منهنّ ما حرّم اللّه تعالى ‪.‬‬
‫وصرّح الحنابلة باستثناء امرأة المير لحاجته ‪ ،‬أو امرأة طاعنة في السّنّ لمصلحة فقط ‪ ،‬فإنّه‬
‫يؤذن لمثلهما ‪ ،‬لما روت الرّبيّع بنت معوّذ قالت ‪ « :‬كنّا نغزو مع رسول اللّه صلى ال عليه‬
‫وسلم فنسقي القوم ونخدمهم الماء ‪ ،‬ونردّ الجرحى والقتلى إلى المدينة » ‪.‬‬
‫ولكن ل بأس بإخراج النّساء مع المسلمين إذا كانوا عسكرا عظيما يؤمن عليه ‪ ،‬لنّ الغالب‬
‫السّلمة ‪ ،‬والغالب كالمتحقّق ‪.‬‬
‫ك في شرطه ‪.‬‬
‫شّ‬‫ول يجب الجهاد على خنثى مشكل ‪ ،‬لنّه ل يعلم كونه ذكرا ‪ ،‬فل يجب مع ال ّ‬
‫هـ – القدرة على مؤنة الجهاد ‪:‬‬
‫– يشترط لوجوب الجهاد القدرة على تحصيل السّلح ‪.‬‬ ‫‪20‬‬

‫وكذلك ل يجب على الفقير الّذي ل يجد ما ينفق في طريقه فاضلً عن نفقة عياله ‪ ،‬لقوله عزّ‬
‫حرَجٌ } ‪.‬‬
‫ن مَا يُنفِقُونَ َ‬
‫وجلّ ‪َ { :‬ولَ عَلَى اّلذِينَ لَ َيجِدُو َ‬
‫فإن كان القتال على باب البلد أو حواليه وجب عليه ‪ ،‬لنّه ل يحتاج إلى نفقة الطّريق ‪ ،‬وإن‬
‫كان على مسافة تقصر فيها الصّلة ولم يقدر على وسيلة تنقله لم يجب عليه ‪ ،‬لقوله تعالى ‪{ :‬‬
‫ض مِنَ ال ّدمْعِ‬
‫عُيُنهُ ْم تَفِي ُ‬
‫حمُِلكُمْ عََليْهِ تَوَلّواْ وّأَ ْ‬
‫َولَ عَلَى اّلذِينَ ِإذَا مَا َأ َت ْوكَ ِل َتحْمَِلهُمْ قُ ْلتَ لَ َأجِدُ مَا َأ ْ‬
‫ل َيجِدُو ْا مَا يُنفِقُونَ } ‪.‬‬
‫ح َزنًا َأ ّ‬
‫َ‬
‫وإن بذل له المام ما يحتاج إليه من وسيلة نقل وجب عليه أن يقبل ويجاهد ‪ ،‬لنّ ما يعطيه‬
‫ق له ‪ ،‬وإن بذل له غير المام لم يلزمه قبوله ‪.‬‬
‫المام ح ّ‬
‫و ‪ -‬السّلمة من الضّرر ‪:‬‬
‫‪ -‬ل يجب الجهاد على العاجز غير المستطيع ‪ ،‬لنّ العجز ينفي الوجوب ‪ ،‬والمستطيع‬ ‫‪21‬‬

‫هو الصّحيح في بدنه من المرض ‪ .‬ومن ثمّ فل يخرج المريض الدّنف الّذي يمنعه مرضه من‬
‫الرّكوب أو القتال ‪ ،‬بأن تحصل له مشقّة ل تحتمل عادة ‪.‬‬
‫ول يسقط وجوب الجهاد بالمرض إن كان يسيرا ل يمنعه ‪ ،‬كوجع ضرس ‪ ،‬وصداع خفيف ‪،‬‬
‫ونحوهما ‪ ،‬لنّه ل يتعذّر معهما الجهاد ‪ .‬وإن قدر على الخروج دون القتال فينبغي أن يخرج‬
‫لتكثير السّواد إرهابا ‪ .‬وكالمريض من له مريض ل متعهّد له غيره ‪.‬‬
‫ول يخرج العمى ‪ ،‬ول العرج ‪ ،‬ول المقعد ‪ ،‬ول القطع ‪ ،‬لنّ هذه العذار تمنعهم من‬
‫حرَجٌ َولَا عَلَى‬
‫عرَجِ َ‬
‫حرَجٌ َولَا عَلَى الْأَ ْ‬
‫عمَى َ‬
‫الجهاد ‪ ،‬وقد قال اللّه تعالى ‪َ { :‬ليْسَ عَلَى ا ْلأَ ْ‬
‫ض َعفَاء َولَ عَلَى ا ْل َم ْرضَى َولَ عَلَى اّلذِينَ لَ َيجِدُونَ‬
‫حرَجٌ } ‪ .‬وقال ‪ { :‬لّيْسَ عَلَى ال ّ‬
‫ض َ‬
‫ا ْل َمرِي ِ‬
‫صحُواْ لِّل ِه َو َرسُولِهِ } ‪.‬‬
‫ج إِذَا َن َ‬
‫حرَ ٌ‬
‫ن َ‬
‫مَا يُنفِقُو َ‬
‫فأمّا العمى فمعروف أنّه ل يصلح للقتال فلم يجب عليه ‪ ،‬وكالعمى ذو رمد ‪ ،‬وضعيف‬
‫بصر ل يمكنه اتّقاء السّلح ‪ ،‬فإن كان يدرك الشّخص وما يتّقيه من السّلح وجب عليه ‪ ،‬لنّه‬
‫يقدر على القتال ‪ ،‬وإن لم يدرك ذلك لم يجب عليه ‪ ،‬لنّه ل يقدر على القتال ‪.‬‬
‫ويجب على العور والعشى ‪ ،‬وهو الّذي يبصر في النّهار دون اللّيل ‪ ،‬لنّه كالبصير في‬
‫القتال ‪ .‬وأمّا العرج فالمقصود به العرج الفاحش الّذي يمنع المشي الجيّد والرّكوب كالزّمانة‬
‫ونحوها ‪ ،‬وهو عرج بيّن ‪ ،‬ولو كان في رجل واحدة ‪ ،‬فإذا كان يسيرا يتمكّن معه من الرّكوب‬
‫والمشي ‪ ،‬وإن تعذّر عليه شدّة العدوّ ‪ ،‬فل يمنع ذلك وجوب الجهاد ‪ ،‬لنّه ممكن فشابه العور‬
‫‪ .‬ومثل العرج القطع والشلّ ولو لمعظم أصابع يد واحدة ‪ ،‬إذ ل بطش لهما ول نكاية ‪،‬‬
‫ومثلهما فاقد النامل ‪.‬‬
‫ول تأثير لقطع أصابع الرّجلين إذا أمكن معه المشي من غير عرج بيّن ‪.‬‬
‫من يمنعه المام من الخروج في الجهاد ‪:‬‬
‫‪ -‬صرّح الشّافعيّة والحنابلة بأنّه يسنّ للمام أو نائبه منع مخذّل ومرجف من الخروج‬ ‫‪22‬‬

‫صفّ وإخراجه منه ما لم يخش فتنة ‪ ،‬بل يتّجه وجوب ذلك عليه حيث غلب على‬
‫وحضور ال ّ‬
‫ظنّه حصول ذلك منه وأنّ بقاءه مض ّر بغيره ‪.‬‬
‫والمخذّل من يصدّ غيره عن الغزو ويزهّدهم في الخروج إليه مثل أن يقول ‪ :‬الحرّ أو البرد‬
‫شديد ‪ ،‬والمشقّة شديدة ‪ ،‬ول تؤمن هزيمة الجيش وأشباه هذا ‪ .‬يقول اللّه عزّ وجلّ ‪ { :‬لَوْ‬
‫ضعُواْ خِلََلكُمْ َي ْبغُو َنكُمُ ا ْل ِف ْتنَةَ } ‪.‬‬
‫ل ولَ ْو َ‬
‫خبَا ً‬
‫خ َرجُواْ فِيكُم مّا زَادُوكُ ْم إِلّ َ‬
‫َ‬
‫قيل في التّفسير ‪ :‬لوقعوا بينكم الختلف ‪ ،‬وقيل ‪ :‬لسرعوا في تفريق جمعكم ‪.‬‬
‫والمرجف هو الّذي يقول ‪ :‬هلكت سريّة المسلمين وما لهم مدد ول طاقة لهم بالكفّار ونحو هذا‬
‫طهُمْ َوقِيلَ ا ْقعُدُواْ مَعَ ا ْلقَاعِدِينَ } ‪.‬‬
‫‪ ،‬لقوله تعالى ‪َ { :‬ولَـكِن َك ِر َه اللّهُ ان ِبعَا َثهُمْ َف َثّب َ‬
‫ول يأذن لمـن يعيـن على المسـلمين بالتّجسـّس للكفّار ‪ ،‬وإطلعهـم على عورات المسـلمين ‪،‬‬
‫ومكاتبتهم بأخبارهم ‪ ،‬ودللتهم على عوراتهم ‪ ،‬أو إيواء جواسيسهم ‪ ،‬ول من يوقع العداوة بين‬
‫المسلمين ويسعى بالفساد ‪ { :‬وَلَـكِن َك ِر هَ الّل هُ ان ِبعَا َثهُ مْ } ‪ ،‬ول نّ هؤلء مضرّة على المسلمين‬
‫فيلزمه منعهم ‪.‬‬
‫وإن خرج معه أحد هؤلء لم يسهم له ‪ ،‬ولم يرضخ ‪ ،‬وإن أظهر عون المسلمين ‪ ،‬لنّه يحتمل‬
‫أن يكون أظهره نفاقا و قد ظ هر دليله ‪ ،‬فيكون مجرّد ضرر فل ي ستحقّ ممّا غنموا شيئا ‪ ،‬وإن‬
‫ب الخروج م عه ‪ ،‬لنّه إذا م نع خروج المخذّل ‪ ،‬والمر جف ‪،‬‬
‫كان الم ير أ حد هؤلء لم ي ستح ّ‬
‫والجاسوس ونحوهم ‪ ،‬تبعا فمتبوعا أولى ‪ ،‬ولنّه ل تؤمن المضرّة على من صحبه ‪.‬‬
‫ل خوف طر يق من كفّار ‪ ،‬فإنّه وإن‬
‫هذا ‪ ،‬وكلّ عذر م نع وجوب الح جّ م نع وجوب الجهاد إ ّ‬
‫منع وجوب الحجّ ل يمنع وجوب الجهاد ‪ ،‬لنّ مبنى الجهاد على ركوب المخاوف ‪.‬‬
‫القتال على جعل ‪:‬‬
‫‪ -‬ذهب الحنفيّة والمالكيّة إلى أنّه يكره أخذ الجعل على الجهاد ‪ ،‬ما دام للمسلمين فيء ;‬ ‫‪23‬‬

‫لنّه ل ضرورة إليه ‪ ،‬ومال بيت المال مع ّد لنوائب المسلمين ‪ ،‬والظّاهر أنّ الكراهة‬
‫تحريميّة ‪ ،‬لنّ حقيقة الجر على الطّاعة حرام ‪ ،‬فما يشبهه مكروه ‪.‬‬
‫وقد نقل عن مالك كراهيته الشّديدة للقتال على جعل ‪.‬‬
‫وإن لم يوجد شيء في بيت المال ل يكره الجعل للضّرورة ‪ ،‬وهو دفع الضّرر العلى ‪ -‬أي‬
‫تعدّي شرّ الكفّار إلى المسلمين ‪ -‬بالدنى وهو الجعل قال ابن عابدين ‪ :‬فيلتزم الضّرر الخاصّ‬
‫لدفع الضّرر العامّ ‪.‬‬
‫إلّ أنّ المالكيّة يشترطون في جواز الجعل أن تكون الخرجة واحدة ‪ ،‬كأن يقول الجاعل‬
‫للخارج عنه ‪ :‬أجاعلك بكذا على أن تخرج بدل عنّي في هذه السّنة ‪ ،‬أمّا لو تعاقد معه على‬
‫أنّه كلّما حصل الخروج للجهاد خرج نائبا عنه فل يجوز لقوّة الغرر ‪ ،‬فالمراد بالخرجة المرّة‬
‫من الخروج ‪ .‬وكذلك من قدر على الجهاد بنفسه وماله لزمه ‪ ،‬ول ينبغي له أخذ الجعل ‪.‬‬
‫وإذا قال القاعد للغازي ‪ ،‬خذ هذا المال لتغزو به عنّي ل يجوز ‪ ،‬لنّه استئجار على الجهاد ‪،‬‬
‫بخلف قوله ‪ :‬فاغز به ‪.‬‬
‫ويرى الشّافعيّة أنّه ل يجاهد أحد عن أحد بعوض ‪ ،‬أو غير عوض ‪ ،‬لنّه إذا حضر القتال‬
‫تعيّن عليه الفرض في حقّ نفسه فل يؤدّيه عن غيره ‪.‬‬
‫ول يصحّ من المام أو غيره استئجار مسلم للجهاد ‪ ،‬لنّه يقع عن المباشر عن نفسه دون‬
‫غيره ‪ .‬وما يأخذه المجاهدون من الدّيوان من الفيء ‪ ،‬وما يأخذه المتطوّع من الزّكاة إعانة ل‬
‫أجرة ‪ .‬ومن أكره على الغزو ل أجرة له إن تعيّن عليه ‪ ،‬وإلّ استحقّها من خروجه إلى‬
‫حضوره الواقعة ‪.‬‬
‫أمّا الحنابلة فقد قال الخرقيّ ‪ :‬إذا استأجر المير قوما يغزون مع المسلمين لمنافعهم لم يسهم‬
‫لهم وأعطوا ما استؤجروا به ‪.‬‬
‫قال ابن قدامة ‪ :‬نصّ أحمد على هذا في رواية جماعة ‪ ،‬فقال في رواية عبد اللّه وحنبل ‪ :‬في‬
‫المام يستأجر قوما يدخل بهم بلد العد ّو ل يسهم لهم ‪ ،‬ويوفّي لهم بما استؤجروا عليه ‪ ،‬وقال‬
‫القاضي ‪ :‬هذا محمول على استئجار من ل يجب عليه الجهاد كالعبيد والكفّار ‪.‬‬
‫أمّا الرّجال المسلمون الحرار فل يصحّ استئجارهم على الجهاد ‪ ،‬لنّ الغزو يتعيّن بحضور‬
‫الغزو على من كان من أهله ‪ ،‬فإذا تعيّن عليه الفرض لم يجز أن يفعله عن غيره ‪ ،‬كمن عليه‬
‫حجّة السلم ل يجوز أن يحجّ عن غيره ‪.‬‬
‫ثمّ قال ابن قدامة ‪ :‬ويحتمل أن يحمل كلم أحمد والخرقيّ على ظاهره في صحّة الستئجار‬
‫على الغزو لمن لم يتعيّن عليه ‪ ،‬لما روى أبو داود بإسناده عن عبد اللّه بن عمرو أنّ رسول‬
‫اللّه صلى ال عليه وسلم قال ‪ « :‬للغازي أجره وللجاعل أجره » ‪.‬‬
‫وروى سعيد بن منصور عن جبير بن نفير قال ‪ :‬قال رسول اللّه صلى ال عليه وسلم « مثل‬
‫الّذين يغزون من أمّتي ويأخذون الجعل ‪ ،‬ويتقوّون به على عدوّهم ‪ ،‬مثل أمّ موسى ترضع‬
‫ولدها وتأخذ أجرها » ولنّه أمر ل يختصّ فاعله أن يكون من أهل القربة فصحّ الستئجار‬
‫عليه كبناء المساجد ‪ ،‬أو لم يتعيّن عليه الجهاد فصحّ أن يؤجّر نفسه عليه كالعبد ‪ ،‬ويفارق‬
‫الحجّ حيث إنّه ليس بفرض عين ‪ ،‬وأنّ الحاجة داعية إليه ‪ ،‬وفي المنع من أخذ الجعل عليه‬
‫تعطيل له ومنع له ممّا فيه للمسلمين نفع وبهم إليه حاجة ‪ ،‬فينبغي أن يجوز بخلف الحجّ ‪.‬‬
‫وأمّا الستفادة من الجعل عند من قال به في غير الجهاد ‪ ،‬فقد صرّح الحنفيّة بأنّه يجوز‬
‫للغازي أن يترك بعض الجعل لنفقة عياله ‪ ،‬لنّه ل يتهيّأ له الخروج إلّ به ‪.‬‬
‫وقال الحنابلة ‪ :‬ل يترك لهله منه شيئا ‪ ،‬لنّه ليس بملكه إلّ أن يصل إلى رأس مغزاه فيكون‬
‫كماله ‪ ،‬فيبعث إلى عياله منه ‪ ،‬ول يتصرّف فيه قبل الخروج لئلّ يتخلّف عن الغزو ‪ ،‬فل‬
‫يكون مستحقّا لما أنفقه ‪ ،‬إلّ أن يشتري منه سلحا أو آلة للغزو ‪.‬‬
‫ومن أعطي شيئا من المال يستعين به في غزوة بعينها فما فضل بعدها فهو له ‪ ،‬كما صرّح به‬
‫الحنابلة ‪ ،‬وإليه ذهب عطاء ومجاهد ‪ ،‬وسعيد بن المسيّب ‪ ،‬وكان ابن عمر إذا أعطى شيئا في‬
‫الغزو يقول لصاحبه ‪ :‬إذا بلغت وادي القرى فشأنك به ‪ .‬ولنّه أعطاه على سبيل المعاونة‬
‫والنّفقة ‪ ،‬ل على سبيل الجارة ‪ ،‬فكان الفاضل له ‪ ،‬وإن أعطاه شيئا لينفقه في الغزو مطلقا ‪،‬‬
‫ففضل منه فضل ‪ ،‬أنفقه في غزوة أخرى ‪ ،‬لنّه أعطاه الجميع لينفقه في جهة قربة فلزمه‬
‫إنفاق الجميع فيها ‪.‬‬
‫الدّعوة قبل القتال ‪:‬‬
‫‪ -‬اتّفق الفقهاء على أنّه إذا دخل المسلمون دار الحرب فحاصروا مدينة أو حصنا دعوا‬ ‫‪24‬‬

‫الكفّار إلى السلم ‪ ،‬لقول ابن عبّاس رضي ال عنه « ما قاتل النّبيّ صلى ال عليه وسلم قوما‬
‫حتّى دعاهم إلى السلم » فإن أجابوا كفّوا عن قتالهم لحصول المقصود ‪ ،‬وقد قال صلى ال‬
‫عليه وسلم ‪ « :‬أمرت أن أقاتل النّاس حتّى يشهدوا أن ل إله إلّ اللّه ‪ ،‬وأنّ محمّدا رسول‬
‫اللّه ‪ ،‬ويقيموا الصّلة ‪ ،‬ويؤتوا الزّكاة ‪ ،‬فإذا فعلوا ذلك عصموا منّي دماءهم وأموالهم إلّ بحقّ‬
‫السلم ‪ ،‬وحسابهم على اللّه » ‪.‬‬
‫وإن امتنعوا دعوهم إلى أداء الجزية ‪ ،‬وهذا في حقّ من تقبل منه الجزية ‪ ،‬وأمّا من ل تقبل‬
‫منه كالمرتدّين وعبدة الوثان من العرب فل فائدة في دعوتهم إلى قبول الجزية ‪.‬‬
‫وهذا في حقّ من لم تبلغه الرّسالة لقطع حجّتهم ‪ ،‬لنّه ل يلزمهم السلم قبل العلم ‪ ،‬والدّليل‬
‫حتّى َن ْب َعثَ َرسُولً } ‪ ،‬ول يجوز قتالهم على ما ل‬
‫عليه قوله عزّ وجلّ ‪َ { :‬ومَا ُكنّا ُمعَ ّذبِينَ َ‬
‫يلزمهم ‪ ،‬ولحديث بريدة ‪ « :‬كان النّبيّ صلى ال عليه وسلم إذا بعث أميرا على جيش أو‬
‫سريّة أمره بتقوى اللّه تعالى في خاصّة نفسه وبمن معه من المسلمين ‪ ،‬وقال ‪ :‬إذا لقيت‬
‫عدوّك من المشركين فادعهم إلى ثلث خصال فأيّتهنّ ما أجابوك فاقبل منهم وكفّ عنهم ‪:‬‬
‫ادعهم إلى السلم فإن أجابوك فاقبل منهم وكفّ عنهم ‪ ،‬ثمّ ادعهم إلى التّحوّل من دارهم إلى‬
‫دار المهاجرين ‪ ،‬وأخبرهم أنّهم إن فعلوا ذلك فلهم ما للمهاجرين وعليهم ما على المهاجرين ‪،‬‬
‫فإن أبوا أن يتحوّلوا منها ‪ ،‬فأخبرهم أنّهم يكونون كأعراب المسلمين يجري عليهم حكم اللّه‬
‫الّذي يجري على المؤمنين ‪ ،‬ول يكون لهم في الغنيمة والفيء شيء ‪ ،‬إلّ أن يجاهدوا مع‬
‫ف عنهم ‪ ،‬فإن هم أبوا‬
‫المسلمين ‪ ،‬فإن هم أبوا فسلهم الجزية ‪ ،‬فإن هم أجابوك فاقبل منهم وك ّ‬
‫فاستعن باللّه وقاتلهم ‪ ،‬وإذا حاصرت أهل حصن ‪ ،‬فأرادوك أن تجعل لهم ذمّة اللّه وذمّة‬
‫نبيّه ‪ ،‬فل تجعل لهم ذمّة اللّه ول ذمّة نبيّه ‪ ،‬ولكن اجعل لهم ذمّتك وذمّة أصحابك ‪ ،‬فإنّكم إن‬
‫تخفروا ذممكم وذمم أصحابكم ‪ ،‬أهون من أن تخفروا ذمّة اللّه وذمّة رسوله ‪ ،‬وإذا حاصرت‬
‫أهل حصن ‪ ،‬فأرادوك أن تنزلهم على حكم اللّه ‪ ،‬فل تنزلهم على حكم اللّه ‪ ،‬ولكن أنزلهم‬
‫على حكمك ‪ ،‬فإنّك ل تدري أتصيب حكم اللّه فيهم » ‪.‬‬
‫ولقوله صلى ال عليه وسلم في وصيّة أمراء الجناد ‪ « :‬فادعهم إلى شهادة أن ل إله إلّ‬
‫اللّه ‪ ،‬ولنّهم بالدّعوة يعلمون أنّا نقاتلهم على الدّين ل على سلب الموال وسبي الذّراريّ ‪،‬‬
‫فلعلّهم يجيبون فنكفى مؤنة القتال » ‪.‬‬
‫قال المالكيّة ‪ :‬ودعوة الكفّار وجوبا إلى السلم تستم ّر ثلثة أيّام في كلّ يوم مرّة ‪ ،‬فإذا دعوا‬
‫أوّل الثّالث قوتلوا في أوّل الرّابع بعد دعوتهم فيه لداء الجزية وامتناعهم ‪ ،‬ول تجب دعوتهم‬
‫للسلم ل في بقيّة الثّالث ‪ ،‬ول في أوّل الرّابع ‪ .‬ثمّ إن أبوا قبول السلم دعوا إلى أداء‬
‫ل يؤمن فيه‬
‫الجزية مرّة واحدة في أوّل اليوم الرّابع إجمالً ‪ ،‬إلّ أن يسألوا عن تفصيلها بمح ّ‬
‫ل ل تنالهم أحكامنا‬
‫غدرهم لكونهم تنالهم فيه أحكامنا ‪ ،‬وإلّ بأن لم يجيبوا أو أجابوا ولكن بمح ّ‬
‫فيه ‪ ،‬ولم يرتحلوا لبلدنا قوتلوا وقتلوا ‪.‬‬
‫ولو قاتلهم المسلمون قبل الدّعوة أثموا للنّهي ‪ ،‬ول يضمن المسلمون شيئا ممّا أتلفوه من الدّماء‬
‫والموال عند الحنفيّة مع الثم ‪ ،‬وهذا لعدم العاصم وهو الدّين ‪ ،‬أو الحراز بالدّار ‪ ،‬فصار‬
‫كقتل النّسوان والصّبيان ‪.‬‬
‫هذا في حقّ من لم تبلغه الدّعوة من عبدة الوثان وغيرهم ‪ ،‬وكذلك إن وجد من أهل الكتاب‬
‫من لم تبلغه الدّعوة دعوا قبل القتال ‪.‬‬
‫أمّا من بلغته الدّعوة من أهل الكتاب والمجوس ‪ ،‬فإنّه ل تجب دعوتهم ‪ ،‬لنّ الدّعوة قد‬
‫انتشرت وعمّت ‪ ،‬فلم يبق منهم من لم تبلغه الدّعوة إلّ نادر بعيد ‪.‬‬
‫ن بأنّ هؤلء لم تبلغهم الدّعوة ‪ .‬قال‬
‫ذكر ابن عابدين نقل عن الفتح ‪ :‬أنّ المدار على غلبة الظّ ّ‬
‫أحمد ‪ :‬إنّ الدّعوة قد بلغت وانتشرت ‪ ،‬ولكن إن جاز أن يكون قوم خلف الرّوم وخلف التّرك‬
‫على هذه الصّفة لم يجز قتالهم قبل الدّعوة ‪ ،‬وذلك لما روى بريدة أنّ رسول اللّه صلى ال‬
‫عليه وسلم قال ‪ « :‬إذا لقيت عدوّك من المشركين فادعهم إلى إحدى ثلث خصال ‪» ...‬‬
‫الحديث ‪ .‬وقال مالك ‪ :‬أمّا من قارب الدّروب فالدّعوة مطروحة لعلمهم بما يدعون إليه ‪ ،‬وما‬
‫هم عليه من البغض والعداوة للدّين وأهله ‪ ،‬ومن طول معارضتهم للجيوش ومحاربتهم لهم ‪،‬‬
‫ل تحذيرا وأخذ عدّة لمحاربة المسلمين ‪ ،‬ومنعا لما‬
‫فلتطلب غرّتهم ‪ .‬ول تحدث لهم الدّعوة إ ّ‬
‫رجاه المسلمون من الظّهور عليهم ‪.‬‬
‫قال مالك ‪ :‬إذا عاجلك أهل الحرب عن أن تدعوهم فقاتلهم ‪ ،‬وسئل عن قوم أتوا إلى قوم في‬
‫ديارهم فأرادوا قتلهم وأخذ أموالهم ‪ .‬قال مالك ‪ :‬ناشدوهم باللّه فإن أبوا وإلّ فالسّيف ‪.‬‬
‫ل ونهارا ‪ ،‬لنّ دعوة السلم قد بلغتهم ‪،‬‬
‫وقال يحيى بن سعيد ‪ :‬ل بأس بابتغاء عورة العدوّ لي ً‬
‫وقد كان رسول اللّه صلى ال عليه وسلم بعث إلى خيبر فقتلوا أميرهم ابن أبي الحقيق غيلة ‪،‬‬
‫وكذلك يفعل بقوم إن جلست بأرضك أتوك ‪ ،‬وإن سرت إليهم قاتلوك ‪.‬‬
‫وروى ابن وهب عن ربيعة أنّه قال ‪ :‬إن كان عد ّو لم تبلغه الدّعوة ول أمر النّبوّة ‪ ،‬فإنّهم‬
‫يدعون ويعرض عليهم السلم ‪ ،‬وتسير إليهم المثال ‪ ،‬وتضرب لهم العبر ‪ ،‬ويتلى عليهم‬
‫القرآن ‪ ،‬حتّى إذا بلغ العذر في دعائهم وأبوا طلبت عورتهم ‪ ،‬والتمست غفلتهم ‪ ،‬وكان الدّعاء‬
‫فيمن أعذر إليهم في ذلك بعد العذار تحذيرا لهم ‪ ،‬وفي هذا ضرر على المسلمين ‪ .‬قال ابن‬
‫قدامة من الحنابلة ‪ :‬إنّ وجوب الدّعوة قبل القتال يحتمل أنّه كان في بدء المر قبل انتشار‬
‫الدّعوة وظهور السلم ‪ ،‬فأمّا اليوم فقد انتشرت الدّعوة ‪ ،‬فاستغني بذلك عن الدّعاء عند القتال‬
‫‪ .‬قال أحمد ‪ :‬كان النّبيّ صلى ال عليه وسلم يدعو إلى السلم قبل أن يحارب ‪ ،‬حتّى أظهر‬
‫ل أحد ‪ ،‬فالرّوم قد‬
‫اللّه الدّين وعل السلم ‪ ،‬ول أعرف اليوم أحدا يدعى ‪ ،‬قد بلغت الدّعوة ك ّ‬
‫بلغتهم الدّعوة وعلموا ما يراد منهم ‪ ،‬وإنّما كانت الدّعوة في أوّل السلم ‪ .‬ولكن إذا دعي من‬
‫بلغتهم الدّعوة فل بأس ‪.‬‬
‫ويستحبّ ذلك مبالغة في النذار لما روى سهل بن سعد قال ‪ « :‬قال رسول اللّه صلى ال‬
‫عليه وسلم لعليّ يوم خيبر ‪ :‬انفذ على رسلك حتّى تنزل بساحتهم ‪ ،‬ثمّ ادعهم إلى السلم » ‪،‬‬
‫إلّ إذا تضمّنت دعوتهم ضررا ولو بغلبة الظّنّ كأن يستعدّوا أو يتحصّنوا فل يفعل ‪.‬‬
‫ولكن دعوتهم ليست واجبة ‪ ،‬لنّه صحّ « أنّ النّبيّ صلى ال عليه وسلم أغار على بني‬
‫المصطلق وهم غارّون » ‪ ،‬والغارة ل تكون بدعوة ‪ .‬وقيّد ابن القيّم وجوب الدّعوة لمن لم‬
‫تبلغه ‪ ،‬واستحبابها لمن بلغته بما إذا قصدهم المسلمون ‪ ،‬أمّا إذا كان الكفّار قاصدين المسلمين‬
‫بالقتال فللمسلمين قتالهم من غير دعوة دفعا عن نفوسهم وحريمهم ‪.‬‬
‫المان في حال القتال ‪:‬‬
‫‪ -‬الصل أنّ إعطاء المان للكفّار من المام أو آحاد المسلمين أو طلبه مباح ‪ ،‬وقد يكون‬ ‫‪25‬‬

‫حراما أو مكروها إذا كان يؤدّي إلى ضرر أو إخلل بواجب أو مندوب ‪.‬‬
‫وحكم المان ثبوت المن للكفرة عن القتل والسّبي ‪ ،‬وغنم أموالهم ‪ ،‬فيحرم بوجود المان قتل‬
‫رجالهم ‪ ،‬وسبي نسائهم وذراريّهم ‪ ،‬واغتنام أموالهم ‪.‬‬
‫وتفصيل ذلك في مصطلحي ‪ ( :‬أمان ‪ ،‬ومستأمن ) ‪.‬‬
‫الستعانة بغير المسلمين على قتال العدوّ ‪:‬‬
‫‪ -‬اختلف الفقهاء في جواز الستعانة بغير المسلمين على قتال العدوّ ‪ :‬فذهب الحنفيّة‬ ‫‪26‬‬

‫والحنابلة في الصّحيح من المذهب والشّافعيّة ما عدا ابن المنذر ‪ ،‬وابن حبيب من المالكيّة ‪،‬‬
‫وهو رواية عن المام مالك إلى جواز الستعانة بغير المسلم عند الحاجة ‪.‬‬
‫وصرّح الشّافعيّة والحنابلة بأنّه يشترط أن يعرف المام حسن رأيهم من المسلمين ‪ ،‬ويأمن‬
‫خيانتهم ‪ ،‬وصرّح الشّافعيّة أن يكثر المسلمون بحيث لو خان المستعان بهم وانضمّوا إلى الّذين‬
‫يغزونهم ‪ ،‬أمكنهم مقاومتهم جميعا ‪ .‬وشرط الماورديّ ‪ :‬أن يخالفوا معتقد العدوّ ‪ .‬وعند‬
‫المالكيّة ‪ -‬ما عدا ابن حبيب ‪ -‬وجماعة من أهل العلم منهم ابن المنذر ‪ ،‬والجوزجانيّ ‪ :‬ل‬
‫تجوز الستعانة بمشرك ‪.‬‬
‫وتفصيل الستعانة بغير المسلمين قد سبق ذكره في ‪ ( :‬استعانة ) وفي ‪ ( :‬أهل الكتاب ) ‪.‬‬
‫أمّا استئجار الكافر للجهاد فقد صرّح الشّافعيّة بأنّه يصحّ استئجار ذ ّميّ ‪ ،‬ومستأمن ‪،‬‬
‫ي للجهاد من قبل المام ‪ ،‬حيث تجوز الستعانة به من خمس الخمس دون‬
‫ومعاهد ‪ ،‬بل حرب ّ‬
‫غيره أي من الغنيمة ‪ ،‬لنّ الجهاد ل يقع عنه فل يأخذ من الغنيمة ‪ ،‬ولنّه يحتمل في معاقدة‬
‫الكفّار ما ل يحتمل في معاقدة المسلمين ‪ ،‬وليس لغير المام ذلك ‪ ،‬لحتياج الجهاد إلى مزيد‬
‫من نظر واجتهاد ‪.‬‬
‫محرّمات الجهاد ومكروهاته ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬القتال في الشهر الحرم ‪:‬‬
‫‪ -‬الشهر الحرم هي رجب ‪ ،‬وذو القعدة ‪ ،‬وذو الحجّة ‪ ،‬ومحرّم ‪ .‬وكان البدء بالقتال في‬ ‫‪27‬‬

‫شرَ شَ ْهرًا‬
‫شهُورِ عِندَ اللّهِ ا ْثنَا عَ َ‬
‫هذه الشهر في أوّل السلم محرّما بقوله تعالى ‪ { :‬إِنّ عِدّ َة ال ّ‬
‫ل فِي ِه َكبِيرٌ } ‪.‬‬
‫ل ِقتَا ٌ‬
‫حرَامِ ِقتَالٍ فِيهِ ُق ْ‬
‫ش ْهرِ ا ْل َ‬
‫ن ال ّ‬
‫سأَلُو َنكَ عَ ِ‬
‫فِي ِكتَابِ اللّهِ } ‪ ،‬وقوله تعالى ‪َ { :‬ي ْ‬
‫وأمّا بعد ذلك فذهب جمهور الفقهاء إلى أنّ بدء القتال في الشهر الحرم منسوخ كما نصّ عليه‬
‫ث َوجَدّتمُوهُمْ } وبغزوه صلى ال عليه‬
‫ح ْي ُ‬
‫ش ِركِينَ َ‬
‫أحمد ‪ ،‬وناسخه قوله تعالى ‪ { :‬فَا ْقتُلُواْ ا ْل ُم ْ‬
‫وسلم الطّائف في ذي القعدة ‪.‬‬
‫والقول الخر ‪ :‬أنّه ل يزال محرّما ‪ ،‬ودليله حديث جابر « كان النّبيّ صلى ال عليه وسلم ل‬
‫يغزو في الشّهر الحرام إلّ أن يغزى ‪ ،‬فإذا حضره أقام حتّى ينسلخ » ‪.‬‬
‫وأمّا القتال في الشّهر الحرام دفعا فيجوز إجماعا من غير خلف ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬منع إخراج المصحف وكتب الشّرع في الجهاد ‪:‬‬
‫‪ -‬ذهب جمهور الفقهاء إلى أنّه ل يجوز السّفر بالمصحف إلى دار الحرب ‪ ،‬والغزو به ‪،‬‬ ‫‪28‬‬

‫كما روى ابن عمر ‪ ،‬قال ‪ :‬قال رسول اللّه صلى ال عليه وسلم ‪ « :‬ل تسافروا بالقرآن فإنّي‬
‫ن إخراج ذلك يؤدّي إلى وقوعه في يد العدوّ ‪ ،‬وفي ذلك‬
‫ل آمن أن يناله العدوّ » ‪ ،‬ول ّ‬
‫تعريض لستخفافهم به وهو حرام ‪ ،‬فما أدّى إليه فهو حرام ‪.‬‬
‫ولكن ل يكره عند الحنفيّة إخراج المصحف في جيش يؤمن عليه ‪ ،‬وأقلّه عند المام‬
‫أربعمائة ‪ ،‬وقال ابن الهمام ‪ :‬ينبغي أن يكون العسكر العظيم اثني عشر ألفا ‪ ،‬لقوله صلى ال‬
‫عليه وسلم ‪ « :‬لن تغلب اثنا عشر ألفا من قلّة » ‪.‬‬
‫وصرّح المالكيّة بأنّه يحرم السّفر بالمصحف لرضهم ولو مع جيش كبير ‪ ،‬وقاس بعض‬
‫الفقهاء على المصحف كتب الفقه والحديث ‪.‬‬
‫وإذا دخل مسلم إليهم بأمان جاز حمل المصحف معه إذا كانوا يوفون بالعهد ‪ ،‬لنّ الظّاهر‬
‫عدم تعرّضهم له ‪ .‬فإذا لم يكن أمان ‪ ،‬فإنّه يحرم إرسال المصحف إليهم ولو طلبوه ليتدبّروه‬
‫خشية إهانتهم له ‪ ،‬ول ينطبق هذا على الكتاب الّذي فيه الية ونحوها ‪.‬‬
‫ج ‪ -‬من ل يجوز قتله في الجهاد ‪:‬‬
‫‪ -‬اتّفق الفقهاء على أنّه ل يجوز في الجهاد قتل النّساء ‪ ،‬والصّبيان ‪ ،‬والمجانين ‪ ،‬والخنثى‬ ‫‪29‬‬

‫المشكل ‪ ،‬لما روي عن ابن عمر رضي ال عنه ‪ « :‬أنّ امرأة وجدت في بعض مغازي‬
‫رسول اللّه صلى ال عليه وسلم مقتولة ‪ ،‬فنهى عن قتل النّساء والصّبيان » ‪.‬‬
‫وكذلك ل يجوز قتل الشّيوخ عند جمهور الفقهاء ‪ ،‬وبه قال مجاهد ‪ ،‬لما روي أنّ النّبيّ صلى‬
‫ال عليه وسلم قال ‪ « :‬ل تقتلوا شيخا فانيا ‪ ،‬ول طفلً ‪ ،‬ول امرأة » ‪ ،‬ولما روي عن ابن‬
‫عبّاس في قوله تعالى ‪ { :‬ول َت ْعتَدُوا } يقول ‪ ":‬ل تقتلوا النّساء والصّبيان ‪ ،‬والشّيخ الكبير "‬
‫وروي مثله عن أبي بكر وعمر رضي ال عنهما ‪.‬‬
‫ولنّه ليس من أهل القتال فل يقتل كالمرأة ‪ ،‬وقد أومأ النّبيّ صلى ال عليه وسلم إلى هذه العلّة‬
‫في المرأة الّتي وجدت مقتولة في بعض مغازيه ‪ « ،‬فقال ‪ :‬ما كانت هذه لتقاتل » ‪.‬‬
‫وقال الشّافعيّة في الظهر وابن المنذر ‪ :‬يجوز قتل الشّيوخ ‪ ،‬لعموم قوله تعالى ‪ { :‬فا ْقتُلُوا‬
‫شرِكينَ } ولقول النّبيّ صلى ال عليه وسلم ‪ « :‬اقتلوا شيوخ المشركين واستحيوا شرخهم »‬
‫ال ُم ْ‬
‫‪ .‬ولنّهم أحرار مكلّفون فجاز قتلهم كغيرهم ‪ .‬والخلف في قتل الزّمن والعمى ومن في‬
‫معناهما كيابس الشّقّ ‪ ،‬ومقطوع اليمنى ‪ ،‬أو المقطوع من خلف ‪ ،‬كالخلف في الشّيخ ‪.‬‬
‫ول يقتل الرّاهب في صومعته ‪ ،‬ول أهل الكنائس الّذين ل يخالطون النّاس ‪ ،‬فإن خالطوا قتلوا‬
‫كالقسّيس ‪ ،‬ول سائح في الجبال ل يخالط النّاس ‪.‬‬
‫والّذي يجنّ ويفيق ‪ ،‬يقتل في حال إفاقته وإن لم يقاتل ‪.‬‬
‫وصرّح الحنابلة بأنّ المريض يقتل إذا كان ممّن لو كان صحيحا قاتل ‪ ،‬لنّه بمنزلة الجهاز‬
‫على الجريح ‪ ،‬إلّ أن يكون مأيوسا من برئه ‪ ،‬فيكون بمنزلة الزّمن ل يقتل ‪ ،‬لنّه ل يخاف‬
‫ي لقول ابن‬
‫منه أن يصير إلى حال يقاتل فيها ‪ .‬وكذلك الفلّاح الّذي ل يقاتل ‪ ،‬وبه قال الوزاع ّ‬
‫عمر رضي ال عنهما ‪ " :‬اتّقوا اللّه في الفلّاحين الّذين ل ينصبون لكم الحرب " ‪.‬‬
‫وعند الشّافعيّة يقتل ‪ ،‬لدخوله في عموم المشركين ‪.‬‬
‫وصرّح بعض الفقهاء بأنّه ل يجوز قتل رسول الكفّار ‪.‬‬
‫ن النّبيّ صلى ال عليه وسلم قتل يوم قريظة‬
‫ويجوز قتل من قاتل ممّن ذكرنا ولو امرأة ‪ « ،‬ل ّ‬
‫امرأة طرحت الرّحا على خلّاد بن سويد فقتلته » ‪.‬‬
‫قال ابن قدامة ‪ :‬ول نعلم في ذلك خلفا ‪ ،‬وبه قال الوزاعيّ ‪ ،‬والثّوريّ واللّيث ‪ ،‬لقول ابن‬
‫عبّاس ‪ « :‬مرّ النّبيّ صلى ال عليه وسلم بامرأة مقتولة يوم الخندق ‪ ،‬فقال ‪ :‬من قتل هذه ؟‬
‫قال رجل ‪ :‬أنا يا رسول اللّه ‪ .‬قال ‪ :‬ولم ؟ قال ‪ :‬نازعتني قائم سيفي ‪ .‬قال ‪ :‬فسكت » ‪.‬‬
‫ن « النّبيّ صلى ال عليه وسلم وقف على امرأة مقتولة فقال ‪ :‬ما كانت هذه لتقاتل » وهذا‬
‫ول ّ‬
‫يدلّ على أنّه إنّما نهى عن قتل المرأة إذا لم تقاتل ‪.‬‬
‫صمّة‬
‫ن دريد بن ال ّ‬
‫وكذلك يقتل كلّ من هؤلء إذا كان ملكا ‪ ،‬أو ذا رأي يعين في الحرب ‪ ،‬ل ّ‬
‫قتل يوم حنين وهو شيخ ل قتال فيه ‪ ،‬وكانوا خرجوا به يتيمّنون به ويستعينون برأيه ‪ ،‬فلم‬
‫ي صلى ال عليه وسلم قتله ‪ ،‬ولنّ الرّأي من أعظم المعونة في الحرب ‪.‬‬
‫ينكر النّب ّ‬
‫أمّا الخرس والصمّ ‪ ،‬وأقطع اليد اليسرى ‪ ،‬أو إحدى الرّجلين فيقتل ‪ ،‬لنّه يمكن أن يقاتل‬
‫ل قتله ممّن ذكر ‪ ،‬فعليه التّوبة والستغفار فقط كسائر المعاصي ‪،‬‬
‫راكبا ‪ .‬ولو قتل من ل يح ّ‬
‫ن دم الكافر ل يتقوّم إلّ بالمان ‪ ،‬ولم يوجد ‪.‬‬
‫ول شيء عليه من دية ول كفّارة ‪ ،‬ل ّ‬
‫وينظر تفصيل ذلك في ‪ ( :‬جزية ) ‪.‬‬
‫د ‪ -‬قتل القريب ‪:‬‬
‫‪ -‬اختلفت آراء الفقهاء في قتل القريب أثناء المحاربة مع الكفّار ‪:‬‬ ‫‪30‬‬

‫فذهب الحنفيّة إلى أنّه ل يحلّ للفرع أن يبدأ بقتل أصله المشرك ‪ ،‬بل يشغله بالمحاربة ‪ ،‬لقوله‬
‫تعالى ‪ { :‬وَصَاحِبهما في الدّنيا َم ْعرُوفَا } ‪ ،‬ولنّه يجب عليه إحياؤه بالنفاق عليه فيناقضه‬
‫ن المقصود يحصل بغيره من‬
‫الطلق في إفنائه ‪ ،‬فإن أدركه امتنع عليه حتّى يقتله غيره ‪ ،‬ل ّ‬
‫غير اقتحامه المأثم ‪ .‬وأمّا إن قصد الب قتله بحيث ل يمكنه دفعه إلّ بقتله فل بأس به ‪ ،‬لنّ‬
‫مقصوده الدّفع وهو يجوز مطلقا ‪ ،‬ولنّه لو شهر الب المسلم سيفه على ابنه ‪ ،‬ول يمكنه دفعه‬
‫إلّ بقتله ‪ ،‬يقتله ‪ ،‬فهذا أولى ‪.‬‬
‫وصرّح الشّافعيّة بأنّه يكره تنزيها لغاز أن يقتل قريبه ‪ ،‬لنّ فيه نوعا من قطع الرّحم ‪ ،‬وقتل‬
‫قريب محرم أشدّ كراهة ‪ « ،‬لنّه صلى ال عليه وسلم منع أبا بكر من قتل ابنه عبد الرّحمن‬
‫يوم أحد » ‪ .‬إلّ أن يسمعه يسبّ اللّه تعالى ‪ ،‬أو يذكره أو يذكر رسول اللّه صلى ال عليه‬
‫وسلم أو نبيّا من النبياء بسوء ‪ ،‬فإذا سمع ذلك أو علمه منه فل كراهة حينئذ في قتله تقديما‬
‫لحقّ اللّه تعالى وحقّ أنبيائه ‪ ،‬وإليه مال الحنفيّة أيضا ‪ ،‬لنّ أبا عبيدة قتل أباه ‪ ،‬وقال لرسول‬
‫اللّه صلى ال عليه وسلم ‪ :‬سمعته يسبّك ولم ينكره عليه ‪.‬‬
‫هـ – الغدر ‪ ،‬والغلول ‪ ،‬والمثلة ‪:‬‬
‫‪ -‬صرّح جمهور الفقهاء بأنّه يحرم في الجهاد الغدر والغلول ‪ ،‬والتّمثيل بالقتلى ‪ ،‬لقوله‬ ‫‪31‬‬

‫صلى ال عليه وسلم ‪ « :‬ل تغلّوا ‪ ،‬ول تغدروا ‪ ،‬ول تمثّلوا » ‪.‬‬
‫والغلول في الجهاد الخيانة في المغنم بأن يخفي ما وقع في يده ‪ ،‬فل يحلّ لحد أن يأخذ لنفسه‬
‫ممّا غنم شيئا ‪ ،‬خيطا فما فوقه ‪ ،‬بل يضمّه إلى المغانم ‪.‬‬
‫وأمّا ما يحتاج إليه من الطّعام وعلف الدّوابّ والسّلح ‪ ،‬فهو جائز عند الحاجة ‪.‬‬
‫وفي المسألة تفصيل ينظر في ( غنيمة ) ( وغلول ) ‪ .‬والغدر ‪ :‬الخيانة ونقض العهد ‪.‬‬
‫ل الّذِينَ‬
‫وكلّ ذلك محرّم لقوله تعالى ‪ { :‬يَا َأ ّيهَا اّلذِينَ آ َمنُواْ أَوْفُو ْا بِا ْلعُقُودِ } ‪ ،‬وقوله تعالى ‪ِ { :‬إ ّ‬
‫عهْدَهُمْ إِلَى‬
‫ش ْيئًا وَلَ ْم ُيظَا ِهرُواْ عََل ْيكُمْ َأحَدًا َفَأ ِتمّواْ إَِل ْي ِهمْ َ‬
‫ن ثُمّ لَمْ يَن ُقصُوكُ ْم َ‬
‫ش ِركِي َ‬
‫عَاهَدتّم مّنَ ا ْلمُ ْ‬
‫حبّ ا ْل ُمتّقِينَ } ‪ ،‬لكن إن نقض الكفّار العهد جاز قتالهم من غير نبذ إليهم ‪ ،‬أمّا‬
‫ن اللّهَ ُي ِ‬
‫مُ ّد ِتهِمْ إِ ّ‬
‫إن بدت من الكفّار أمارات نقض العهد جاز نبذ العهد إليهم لقوله تعالى ‪ { :‬وَِإمّا َتخَافَنّ مِن قَ ْومٍ‬
‫حبّ الخَا ِئنِينَ }‬
‫ن اللّهَ لَ ُي ِ‬
‫سوَاء إِ ّ‬
‫خيَانَةً فَان ِبذْ إَِل ْيهِمْ عَلَى َ‬
‫ِ‬
‫وفي المسألة تفصيل ينظر في مصطلحات ‪ ( :‬عهد ) و ( معاهدة ) و ( أمان ) ‪.‬‬
‫أمّا المثلة فهي العقوبة الشّنيعة من مثل قطع النف ‪ ،‬والذن ‪ ،‬ونحو ذلك ‪ ،‬وهي ما كانت‬
‫ابتداء على غير جزاء ‪ ،‬ولكن لو أنّ شخصا جنى على قوم جنايات في أعضاء متعدّدة ‪،‬‬
‫ص منه ‪ ،‬لما كان التّشويه الّذي حصل له من المثلة ‪.‬‬
‫فاقت ّ‬
‫وحاصل هذا أنّ المثلة بمن مثّل جزاء ‪ ،‬ثابت وفيه خلف وتفصيل ‪ ،‬والمثلة بمن استحقّ القتل‬
‫ل عن مثلة ل تحلّ ‪ .‬وتأسيسا على ذلك فإنّه ل بأس بحمل رأس المشرك لو فيه غيظهم وفيه‬
‫فراغ قلوبنا باندفاع شرّه ‪.‬‬
‫واختلف الفقهاء في حمل رءوس قتلى الكفّار من بلد إلى آخر بين مجيز ومحرّم ‪ ،‬ينظر‬
‫تفصيله في مصطلح ‪ ( :‬مثلة ) ‪.‬‬
‫و ‪ -‬تحريق العدوّ بالنّار ‪ ،‬وتغريقه بالماء ‪ ،‬ورميه بالمنجنيق ‪:‬‬
‫‪ -‬قال ابن قدامة ‪ :‬إذا قدر على العدوّ فل يجوز تحريقه بالنّار بغير خلف ‪ ،‬لحديث أبي‬ ‫‪32‬‬

‫هريرة أنّه قال ‪ « :‬بعثنا رسول اللّه صلى ال عليه وسلم في بعث فقال ‪ :‬إن وجدتم فلنا‬
‫وفلنا فأحرقوهما بالنّار ‪ .‬ث ّم قال رسول اللّه صلى ال عليه وسلم حين أردنا الخروج ‪ :‬إنّي‬
‫ل اللّه ‪،‬فإن وجدتموهما فاقتلوهما »‪.‬‬
‫أمرتكم أن تحرّقوا فلنا وفلنا ‪ ،‬وإنّ النّار ل يعذّب بها إ ّ‬
‫فأمّا رميهم قبل أخذهم بالنّار ‪ ،‬فإن أمكن أخذهم بدونها لم يجز رميهم بها ‪ ،‬لنّهم في معنى‬
‫المقدور عليه ‪ ،‬وأمّا عند العجز عنهم بغيرها فجائز في قول أكثر أهل العلم ‪ ،‬وبه قال الثّوريّ‬
‫‪ ،‬والوزاعيّ ‪ ،‬والحنابلة ‪ ،‬وكذلك ل يجوز عندهم تغريق العدوّ بالماء ‪ ،‬إذا قدر عليهم بغيره‬
‫‪.‬‬
‫‪ -‬وأمّا حصار القلع ‪ :‬فقال الحنفيّة والشّافعيّة ‪ :‬يجوز حصار الكفّار في البلد والقلع ‪،‬‬ ‫‪33‬‬

‫وإرسال الماء عليهم ‪ ،‬وقطعه عنهم ‪ ،‬ورميهم بنار ومنجنيق وغيرهما ‪ ،‬لقوله تعالى ‪:‬‬
‫حصُرُوهم } « ولنّه صلى ال عليه وسلم حاصر أهل الطّائف ‪ ،‬ورماهم‬
‫خذُوهم وا ْ‬
‫{وُ‬
‫بالمنجنيق » ‪ .‬وقيس به ما في معناه ممّا يعمّ به الهلك ‪ ،‬ووافق أحمد الحنفيّة والشّافعيّة في‬
‫ي وابن المنذر ‪.‬‬
‫جواز رميهم بالمنجنيق مع الحاجة وعدمها ‪ ،‬وبه قال الثّوريّ والوزاع ّ‬
‫وفصّل المالكيّة القول فقالوا ‪ :‬يقاتل العدوّ بالحصن بغير تحريق وتغريق إذا كانوا مع‬
‫مسلمين ‪ ،‬أو ذ ّريّة أو نساء ‪ ،‬ولم يخف على المسلمين ‪ ،‬ويرمون بالمنجنيق ‪ ،‬ولو مع ذ ّريّة ‪،‬‬
‫أو نساء ‪ ،‬أو مسلمين ‪.‬‬
‫وذهب الحنابلة إلى أنّه إن قدر عليهم بغير الغرق لم يجز إذا تضمّن ذلك إتلف النّساء وال ّذ ّريّة‬
‫الّذين يحرم إتلفهم قصدا ‪ ،‬وإن لم يقدر عليهم إلّ به جاز ‪.‬‬
‫وإذا حاصر المام حصنا لزمته مصابرته ‪ ،‬ول ينصرف عنه إلّ في إحدى الحالت التية ‪:‬‬
‫ي صلى ال عليه وسلم « أمرت‬
‫‪ -‬أن يسلّموا فيحرزوا بالسلم دماءهم وأموالهم ‪ ،‬لقول النّب ّ‬ ‫‪1‬‬

‫أن أقاتل النّاس حتّى يقولوا ل إله إلّ اللّه ‪ ،‬فإذا قالوها عصموا منّي دماءهم وأموالهم إلّ بحقّها‬
‫»‪.‬‬
‫‪ -‬أن يبذلوا مال على الموادعة ‪ ،‬فيجوز قبوله منهم ‪ ،‬سواء أعطوه جملة ‪ ،‬أو جعلوه‬ ‫‪2‬‬

‫خراجا مستمرّا يؤخذ منهم كلّ عام ‪ ،‬فإن كانوا ممّن تقبل منهم الجزية فبذلوها لزمه قبولها ;‬
‫غرُونَ } ‪ .‬وإن بذلوا مال على غير وجه‬
‫ج ْزيَةَ عَن َيدٍ َوهُ ْم صَا ِ‬
‫حتّى ُي ْعطُواْ ا ْل ِ‬
‫لقوله تعالى ‪َ { :‬‬
‫الجزية فرأى المصلحة في قبوله قبله ‪ ،‬ول يلزمه قبوله إذا لم ير المصلحة في ذلك ‪.‬‬
‫‪ -‬أن يفتحه ‪.‬‬ ‫‪3‬‬

‫‪ -‬أن يرى المصلحة في النصراف عنه ‪ ،‬إمّا لضرر القامة ‪ ،‬وإمّا لليأس منه ‪ ،‬وإمّا‬ ‫‪4‬‬

‫لمصلحة ينتهزها ‪ ،‬تفوت بإقامته ‪ ،‬فينصرف عنه ‪ ،‬لما روي أنّ « النّبيّ صلى ال عليه وسلم‬
‫حاصر أهل الطّائف فلم ينل منهم شيئا ‪،‬فقال ‪ :‬إنّا قافلون إن شاء اللّه تعالى غدا ‪.»...‬‬
‫‪ -5‬أن ينزلوا على حكم حاكم ‪ ،‬فيجوز ‪ ،‬لما روي عن « النّبيّ صلى ال عليه وسلم أنّه لمّا‬
‫حاصر بني قريظة رضوا بأن ينزلوا على حكم سعد بن معاذ فأجابهم إلى ذلك » ‪.‬‬
‫ل فقيها كما يشترط‬
‫ل بالغا ذكرا عد ً‬
‫قال ابن قدامة ‪ :‬ويشترط أن يكون الحاكم حرّا مسلما عاق ً‬
‫في حاكم المسلمين ‪ ،‬ويجوز أن يكون أعمى ‪ ،‬لنّ عدم البصر ل يض ّر هنا ‪ ،‬لنّ المقصود‬
‫رأيه ومعرفة المصلحة ‪ ،‬ول يضرّ عدم البصر فيه ‪ ،‬بخلف القضاء ‪ ،‬فإنّه ل يستغني عن‬
‫البصر ليعرف المدّعي من المدّعى عليه ‪ ،‬والشّاهد من المشهود له والمشهود عليه ‪ ،‬والمقرّ‬
‫له من المقرّ ‪ ،‬ويعتبر من الفقه هاهنا ما يتعلّق بهذا الحكم ممّا يجوز فيه ويعتبر له ونحو‬
‫ذلك ‪ ،‬ول يعتبر فقهه في جميع الحكام الّتي ل تعلّق لها بهذا ‪ .‬ولهذا حكم سعد بن معاذ ولم‬
‫يثبت أنّه كان عالما بجميع الحكام ‪ .‬وإذا حكّموا رجلين جاز ‪ ،‬ويكون الحكم ما اتّفقا عليه ‪،‬‬
‫ل من يصلح ‪ ،‬وإن نزلوا على‬
‫وإن جعلوا الحكم إلى رجل يعيّنه المام جاز ‪ ،‬لنّه ل يختار إ ّ‬
‫حكم رجل منهم أو جعلوا التّعيين إليهم لم يجز ‪ ،‬لنّهم ربّما اختاروا من ل يصلح ‪ ،‬وإن‬
‫عيّنوا رجل يصلح فرضيه المام جاز ‪ ،‬لنّ « بني قريظة رضوا بحكم سعد بن معاذ وعيّنوه‬
‫ي صلى ال عليه وسلم وأجاز حكمه وقال ‪ :‬لقد حكمت فيهم بحكم اللّه » ‪.‬‬
‫فرضيه النّب ّ‬
‫وإن مات من اتّفقوا عليه فاتّفقوا على غيره ممّن يصلح قام مقامه ‪ ،‬وإن لم يتّفقوا على من‬
‫يقوم مقامه ‪ ،‬أو طلبوا حكما ل يصلح ‪ ،‬ردّوا إلى مأمنهم ‪ ،‬وكانوا على الحصار حتّى يتّفقوا ‪،‬‬
‫وكذلك إن رضوا باثنين فمات أحدهما فاتّفقوا على من يقوم مقامه جاز ‪ ،‬وإلّ ردّوا إلى مأمنهم‬
‫‪ ،‬وكذلك إن رضوا بتحكيم من لم تجتمع الشّرائط فيه ووافقهم المام عليه ‪ .‬ثمّ بان أنّه ل‬
‫يصلح لم يحكم ‪ ،‬ويردّون إلى مأمنهم كما كانوا ‪.‬‬
‫ن « سعد‬
‫‪ -‬وأمّا صفة الحكم ‪ :‬فإن حكم أن تقتل مقاتلتهم ‪ ،‬وتسبى ذراريّهم نفذ حكمه ‪ ،‬ل ّ‬ ‫‪34‬‬

‫بن معاذ حكم في بني قريظة بذلك ‪ ،‬فقال النّبيّ صلى ال عليه وسلم ‪ :‬لقد حكمت فيهم بحكم‬
‫اللّه تعالى من فوق سبعة أرقعة » وإن حكم بالمنّ على المقاتلة وسبي ال ّذ ّريّة ‪ ،‬فقال القاضي‬
‫يلزم حكمه ‪ ،‬وهو مذهب الشّافعيّ ‪ ،‬لنّ الحكم إليه فيما يرى المصلحة فيه ‪ ،‬فكان له المنّ‬
‫كالمام في السير ‪.‬‬
‫واختار أبو الخطّاب أنّ حكمه ل يلزم ‪ ،‬لنّ عليه أن يحكم بما فيه الحظّ ‪ ،‬ول حظّ للمسلمين‬
‫ن المام ل يملك المنّ على‬
‫في المنّ ‪ ،‬وإن حكم بالمنّ على ال ّذ ّريّة ‪ ،‬فينبغي أن ل يجوز ‪ ،‬ل ّ‬
‫ن هؤلء لم يتعيّن السّبي فيهم بخلف من‬
‫ال ّذ ّريّة إذا سبوا فكذلك الحاكم ‪ ،‬ويحتمل الجواز ل ّ‬
‫ن المام يخيّر في‬
‫سبي فإنّه يصير رقيقا بنفس السّبي ‪ ،‬وإن حكم عليهم بالفداء جاز ‪ ،‬ل ّ‬
‫السرى بين القتل ‪ ،‬والفداء ‪ ،‬والسترقاق ‪ ،‬والمنّ ‪ ،‬فكذلك الحاكم ‪ ،‬وإن حكم عليهم بإعطاء‬
‫الجزية لم يلزم حكمه ‪ ،‬لنّ عقد ال ّذمّة عقد معاوضة فل يثبت إلّ بالتّراضي ‪ ،‬ولذلك ل يملك‬
‫المام إجبار السير على إعطاء الجزية ‪ ،‬وإن حكم بالقتل والسّبي جاز للمام المنّ على‬
‫بعضهم ‪ ،‬لنّ « ثابت بن قيس سأل في الزّبير بن باطا من قريظة وماله رسول اللّه صلى ال‬
‫عليه وسلم فأجابه » ‪ .‬ويخالف مال الغنيمة إذا حازه المسلمون ‪ ،‬لنّ ملكهم استقرّ عليه ‪ ،‬وإن‬
‫أسلموا قبل الحكم عليهم عصموا دماءهم وأموالهم ‪ ،‬لنّهم أسلموا وهم أحرار ‪ ،‬وأموالهم لهم‬
‫فلم يجز استرقاقهم ‪ ،‬بخلف السير ‪ ،‬فإنّ السير قد ثبتت اليد عليه كما تثبت على ال ّذ ّريّة ‪،‬‬
‫ولذلك جاز استرقاقه ‪.‬‬
‫ن من أسلم فقد‬
‫وإن أسلموا بعد الحكم عليهم نظرت ‪ ،‬فإن كان قد حكم عليهم بالقتل سقط ل ّ‬
‫عصم دمه ولم يجز استرقاقهم ‪ ،‬لنّهم أسلموا قبل استرقاقهم ‪ ،‬قال أبو الخطّاب ‪ :‬ويحتمل‬
‫جواز استرقاقهم ‪ .‬كما لو أسلموا بعد السر ‪ ،‬ويكون المال على ما حكم فيه ‪ ،‬وإن حكم بأنّ‬
‫المال للمسلمين كان غنيمة ‪ ،‬لنّهم أخذوه بالقهر والحصر ‪.‬‬
‫ز ‪ -‬إتلف الموال ‪:‬‬
‫‪ -‬إذا استعدّ الكفّار أو تحصّنوا لقتال المسلمين ‪ ،‬فإنّنا نستعين باللّه ونحاربهم لنظفر بهم ‪،‬‬ ‫‪35‬‬

‫وإن أدّى ذلك إلى إتلف أموالهم ‪ ،‬إلّ إذا غلب على الظّنّ الظّفر بهم من غير إتلف لموالهم‬
‫فيكره فعل ذلك ‪ ،‬لنّه إفساد في غير محلّ الحاجة ‪ ،‬وما أبيح إلّ لها ‪ ،‬لنّ المقصود كسر‬
‫شوكتهم ‪ ،‬وإلحاق الغيظ بهم ‪ ،‬فإذا غلب على الظّنّ حصول ذلك بدون إتلف ‪ ،‬وأنّه يصير لنا‬
‫ل نتلفه ‪ .‬وأمّا قطع شجرهم وزرعهم ‪ ،‬فإنّ الشّجر والزّرع ينقسم ثلثة أقسام ‪ :‬أحدها ‪ :‬ما‬
‫تدعو الحاجة إلى إتلفه كالّذي يقرب من حصونهم ويمنع من قتالهم ‪ ،‬أو يستترون به من‬
‫المسلمين ‪ ،‬أو يحتاج إلى قطعه لتوسعة طريق أو غيره ‪ ،‬أو يكونون يفعلون ذلك بنا فيفعل بهم‬
‫ذلك ‪ ،‬لينتهوا ‪ ،‬فهذا يجوز بغير خلف ‪.‬‬
‫الثّاني ‪ :‬ما يتضرّر المسلمون بقطعه لكونهم ينتفعون ببقائه لعلوفتهم ‪ ،‬أو يستظلّون به ‪ ،‬أو‬
‫يأكلون من ثمره ‪ ،‬فهذا يحرم قطعه ‪ ،‬لما فيه من الضرار بالمسلمين ‪.‬‬
‫الثّالث ‪ :‬ما عدا هذين القسمين ممّا ل ضرر فيه بالمسلمين ‪ ،‬ول نفع سوى غيظ الكفّار‬
‫والضرار بهم ‪ ،‬ففيه روايتان عند الحنابلة ‪:‬‬
‫إحداهما ‪ :‬يجوز ‪ ،‬وبهذا قال مالك والشّافعيّ وغيرهما ‪ ،‬وقد روى ابن عمر رضي ال عنهما‬
‫ن رسول اللّه صلى ال عليه وسلم حرق نخل بني النّضير » ‪ ،‬وقد قال اللّه تعالى ‪ { :‬مَا‬
‫«أّ‬
‫خ ِزيَ ا ْلفَاسِقِينَ } ‪.‬‬
‫ن اللّهِ َوِلُي ْ‬
‫ط ْعتُم مّن لّينَةٍ َأوْ َت َر ْك ُتمُوهَا قَا ِئمَةً عَلَى ُأصُوِلهَا َف ِبإِذْ ِ‬
‫قَ َ‬
‫والثّانية ‪ :‬ل يجوز ‪ " .‬لما روي عن ابن مسعود رضي ال عنه أنّه قدم عليه ابن أخيه من‬
‫غزوة غزاها ‪ ،‬فقال ‪ :‬لعلّك حرقت حرثا ؟ قال ‪ :‬نعم ‪ ،‬قال ‪ :‬لعلّك غرّقت نخلً ؟ قال ‪ :‬نعم ‪،‬‬
‫قال ‪ :‬لعلّك قتلت صبيّا ؟ قال ‪ :‬نعم ‪ ،‬قال ‪ :‬لتكن غزوتك كفافا " ‪.‬‬
‫ن في ذلك إتلفا محضا ‪ ،‬فلم يجز كعقر الحيوان ‪ ،‬وبهذا قال الوزاعيّ واللّيث ‪،‬وأبو ثور‪.‬‬
‫ول ّ‬
‫وأمّا الحيوانات فل خلف في أنّه يجوز قتلها حالة الحرب ‪ ،‬لنّ قتل بهائمهم يتوصّل به إلى‬
‫قتلهم وهزيمتهم ‪ ،‬وصرّح المالكيّة بأنّ الرجح وجوب حرق الحيوانات بعد قتلها إن استحلّوا‬
‫ل لم‬
‫أكل الميتة في دينهم ‪ ،‬وقيل ‪ :‬إن كانوا يرجعون إليها قبل فسادها ‪ ،‬وجب التّحريق ‪ ،‬وإ ّ‬
‫يجب ; لنّ المقصود عدم انتفاعهم به وقد حصل ‪.‬‬
‫وأمّا في غير حالة الحرب ‪ :‬فذهب الحنفيّة والمالكيّة إلى أنّه يجوز عقر دوابّهم ‪ ،‬لنّ فيه‬
‫غيظا لهم وإضعافا لقوّتهم ‪ ،‬فأشبه قتلها حال قتالهم ‪.‬‬
‫ويرى الشّافعيّة والحنابلة أنّه ل يجوز ذلك مطلقا ‪ « ،‬لنهيه صلى ال عليه وسلم عن قتل‬
‫الحيوان صبرا » ‪ ،‬ولقول الصّدّيق ليزيد بن أبي سفيان وهو يوصيه ‪ :‬ول تعقرنّ شجرا مثمرا‬
‫‪ ،‬ول دابّة عجماء ول شاة إلّ لمأكلة ‪ .‬ولنّه إفساد يدخل في عموم قوله تعالى ‪:‬‬
‫حبّ ال َفسَادَ } ‪.‬‬
‫سلَ وَاللّهُ لَ ُي ِ‬
‫ث وَال ّن ْ‬
‫ح ْر َ‬
‫ل ْرضِ ِلُي ْفسِدَ ِف ِيهَا َوُيهِْلكَ ا ْل َ‬
‫سعَى فِي ا َ‬
‫{ َوإِذَا َت َولّى َ‬
‫ويجوز عقر الحيوانات للكل إن كانت الحاجة داعية إلى ذلك ‪ ،‬لنّ الحاجة تبيح مال‬
‫المعصوم ‪ ،‬فمال الكافر أولى ‪ ،‬وإن لم تكن الحاجة داعية إليه نظرنا ‪ :‬فإن كان الحيوان ل‬
‫يراد إلّ للكل كالدّجاج ‪ ،‬والحمام ‪ ،‬وسائر الطّير ‪ ،‬والصّيد ‪ ،‬فحكمه حكم الطّعام ‪ ،‬لنّه ل‬
‫يراد لغير الكل ‪ ،‬وتقلّ قيمته ‪ ،‬فأشبه الطّعام ‪ ،‬وإن كان ممّا يحتاج إليه في القتال لم يبح ذبحه‬
‫إلّ للكل ‪.‬‬
‫‪ -‬وفي تغريق النّحل وتحريقه اختلف الفقهاء على أقوال ‪:‬‬ ‫‪36‬‬

‫ذهب الشّافعيّة والحنابلة وعامّة أهل العلم منهم الوزاعيّ واللّيث ‪ ،‬إلى أنّه ل يجوز تغريق‬
‫النّحل وتحريقه ‪ ،‬لما روي عن أبي بكر الصّدّيق رضي ال عنه أنّه قال ليزيد بن أبي سفيان‬
‫ل ول تغرقنّه ‪.‬‬
‫وهو يوصيه ‪ :‬ول تحرّق نح ً‬
‫ل ْرضِ ِلُي ْفسِدَ ِف ِيهَا َوُيهِْلكَ‬
‫سعَى فِي ا َ‬
‫ولنّه إفساد فيدخل في عموم قوله تعالى ‪َ { :‬وإِذَا َت َولّى َ‬
‫ح ْرثَ وَال ّنسْلَ وَاللّهُ لَ ُيحِبّ ال َفسَادَ } ‪.‬‬
‫ا ْل َ‬
‫ولنّه حيوان ذو روح ‪ ،‬فلم يجز قتله لغيظ المشركين ‪.‬‬
‫ومقتضى مذهب الحنفيّة إباحته ‪،‬لنّ فيه غيظا لهم ‪،‬وإضعافا فأشبه قتل بهائمهم حال قتالهم‪.‬‬
‫وفصّل المالكيّة القول فيه ‪ ،‬فقالوا ‪ :‬إن قصد بإتلفها أخذ عسلها كان إتلفها جائزا قلّت أو‬
‫كثرت اتّفاقا ‪ ،‬وإن لم يقصد أخذ عسلها ‪ ،‬فإن قلّت كره إتلفها ‪ ،‬وإن كثر فيجوز في رواية‬
‫مع الكراهة ‪ ،‬وفي رواية ل يجوز ‪ ،‬وإنّما جاز في حال الكثرة لما فيه من النّكاية لهم ‪.‬‬
‫ح ‪ -‬الفرار من الزّحف ‪:‬‬
‫‪ -‬ل خلف بين الفقهاء في أنّه يجب الثّبات في الجهاد ‪ ،‬ويحرم الفرار منه ‪ ،‬لقوله تعالى ‪:‬‬ ‫‪37‬‬

‫{ يَا َأ ّيهَا اّلذِينَ آ َمنُواْ إِذَا لَقِيتُمُ الّذِينَ كَ َفرُو ْا َزحْفا فَلَ ُتوَلّوهُمُ الَ ْدبَارَ } وقال اللّه تعالى ‪ { :‬يَا َأ ّيهَا‬
‫ن}‪.‬‬
‫اّلذِينَ آ َمنُواْ إِذَا لَقِيتُمْ ِفئَةً فَا ْثُبتُواْ وَا ْذ ُكرُواْ اللّهَ َكثِيرا ّلعَّلكُمْ ُتفَْلحُو َ‬
‫وقد عدّ رسول اللّه الفرار من الزّحف من السّبع الموبقات بقوله ‪ « :‬اجتنبوا السّبع الموبقات »‬
‫ثمّ ذكر منها ‪ « :‬التّولّي يوم الزّحف » ‪ .‬ث ّم اختلفوا في تفصيل ذلك ‪:‬‬
‫‪ -‬فذهب المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة إلى أنّه يحرم الفرار ‪ ،‬ويجب الثّبات بشرطين أحدهما‬ ‫‪38‬‬

‫‪ : :‬أن يكون الكفّار ل يزيدون على ضعف المسلمين ‪ ،‬فإن زادوا عليه جاز الفرار ‪ ،‬لقوله‬
‫ض ْعفًا َفإِن َيكُن مّنكُم ّمئَةٌ صَابِ َرةٌ َيغِْلبُواْ ِم َئ َتيْنِ‬
‫ن فِيكُمْ َ‬
‫خ ّففَ اللّهُ عَنكُمْ وَعَِلمَ أَ ّ‬
‫تعالى ‪ { :‬النَ َ‬
‫َوإِن َيكُن مّنكُمْ أَ ْلفٌ َيغِْلبُو ْا أَلْ َفيْنِ بِإِذْنِ اللّهِ وَالّل ُه َمعَ الصّا ِبرِينَ } ‪ .‬والية وإن كانت بلفظ الخبر‬
‫خ ّففَ اللّهُ عَنكُمْ } ولو كان خبرا على حقيقته لم يكن ردّنا‬
‫فهو أمر ‪ ،‬بدليل قوله تعالى ‪ { :‬النَ َ‬
‫من غلبة الواحد للعشرة إلى غلبة الثنين تخفيفا ‪ ،‬ولنّ خبر اللّه تعالى صدق ل يقع بخلف‬
‫مخبره ‪ ،‬وقد علم أنّ الظّفر والغلبة ل يحصل للمسلمين في كلّ موطن يكون العدوّ فيه ضعف‬
‫المسلمين فما دون ‪ ،‬فعلم أنّه أمر وفرض ‪ ،‬ولم يأت شيء ينسخ هذه الية ل في كتاب ول‬
‫سنّة ‪ ،‬فوجب الحكم بها ‪.‬‬
‫شرُونَ صَابِرُونَ َيغِْلبُواْ ِم َئ َتيْنِ } فشقّ ذلك على‬
‫قال ابن عبّاس ‪ :‬نزلت { إِن َيكُن مّنكُمْ عِ ْ‬
‫المسلمين حين فرض اللّه عليهم ألّ يفرّ واحد من عشرة ‪ ،‬ثمّ جاء تخفيف فقال ‪ { :‬النَ خَ ّففَ‬
‫الّلهُ عَن ُكمْ ‪ ، }...‬فلمّا خفّف اللّه عنهم من العدد نقص من الصّبر بقدر ما خفّف من العدد ‪ .‬وقد‬
‫قال ابن عبّاس ‪ :‬من ف ّر من اثنين فقد فرّ ‪ ،‬ومن فرّ من ثلثة فما فرّ ‪ ،‬ويلزم المسلمين الثّبات‬
‫وإن ظنّوا التّلف ‪ ،‬لقوله تعالى ‪ { :‬يَا َأ ّيهَا اّلذِينَ آ َمنُواْ إِذَا لَقِيتُمُ الّذِينَ كَ َفرُو ْا َزحْفا فَلَ ُتوَلّوهُمُ‬
‫الَ ْدبَارَ‪َ ،‬ومَن يُوَّلهِمْ َي ْو َم ِئذٍ ُد ُب َرهُ ‪}...‬‬
‫قال المالكيّة ‪ :‬وهو ما ذكره ابن عابدين نقل عن الخانيّة ‪ :‬إن بلغ المسلمون اثني عشر ألفا‬
‫حرم الفرار ولو كثر الكفّار جدّا ما لم تختلف كلمتهم ‪ ،‬فإنّه إذا اختلفت كلمتهم جاز الفرار‬
‫مطلقا ولو بلغوا اثني عشر ألفا ‪.‬‬
‫واستدلّوا بقوله صلى ال عليه وسلم ‪ « :‬لن يغلب اثنا عشر ألفا من قلّة » ‪.‬‬
‫الشّرط الثّاني لوجوب الثّبات أن ل يقصد بفراره التّحيّز إلى فئة ول التّحرّف لقتال ‪ ،‬فإن قصد‬
‫حيّزا إِلَى ِفئَةٍ } ‪.‬‬
‫حرّفا لّ ِقتَا ٍل أَ ْو ُم َت َ‬
‫ل ُم َت َ‬
‫أحد هذين فالفرار مباح له ‪ ،‬لقوله تعالى ‪ِ ... { :‬إ ّ‬
‫ومعنى التّحرّف للقتال أن ينحاز إلى موضع يكون القتال فيه أمكن مثل أن ينحاز من مواجهة‬
‫الشّمس أو الرّيح إلى استدبارهما ‪ ،‬أو من نزلة إلى علوّ ‪ ،‬أو من معطشة إلى موضع ماء ‪ ،‬أو‬
‫يفرّ بين أيديهم لتنتقض صفوفهم ‪ ،‬أو تنفرد خيلهم من رجّالتهم ‪ ،‬أو ليجد فيهم فرصة ‪ ،‬أو‬
‫ليستند إلى جبل ونحو ذلك ممّا جرت به عادة أهل الحرب ‪.‬‬
‫وأمّا التّحيّز إلى فئة فهو أن يصير إلى فئة من المسلمين ليكون معهم فيقوى بهم على عدوّهم ‪،‬‬
‫وسواء أبعدت المسافة أم قربت ‪ ،‬فإن كانت الحرب بخراسان والفئة بالحجاز جاز التّحيّز‬
‫ن النّبيّ صلى ال عليه وسلم قال للّذين فرّوا إلى المدينة وهو‬
‫إليها ‪ ،‬لنّ ابن عمر روى « أ ّ‬
‫فيها ‪ :‬أنتم العكّارون ‪ ،‬أنا فئة المسلمين » وكانوا بمكان بعيد عنه ‪.‬‬
‫وفيه دليل على أنّ المتحيّز إلى فئة عكّار ‪ ،‬وليس بفرّار من الزّحف ‪ ،‬فل يلحقه الوعيد ‪.‬‬
‫ن التّحيّز إلى فئة يكون إذا قرب المنحاز إليه بأن يكون انحيازه إلى‬
‫قال الدّسوقيّ ‪ :‬وقيل ‪ :‬إ ّ‬
‫فئة خرج معها ‪ ،‬أمّا لو خرجوا من بلد والمير مقيم في بلدة فل يجوز لحد الفرار حتّى‬
‫ينحاز إليه ‪ ،‬وأمير الجيش ل يجوز له الفرار ولو على سبيل التّحيّز ولو أدّى لهلك نفسه‬
‫ن جميع الجيش يفرّ عند هلكه ‪.‬‬
‫وبقاء الجيش من غير أمير ‪ ،‬ما لم يعلم أ ّ‬
‫قلّة العدد مع احتمال الظّفر ‪:‬‬
‫ن المسلمين الظّفر ‪ ،‬فالولى لهم‬
‫‪ -‬إذا كان العدوّ أكثر من ضعف المسلمين فغلب على ظ ّ‬ ‫‪39‬‬

‫الثّبات لما في ذلك من المصلحة ‪ ،‬وإن انصرفوا جاز ‪ ،‬لنّهم ل يأمنون العطب والحكم معلّق‬
‫على مظنّته ‪ ،‬وهو كونهم أقلّ من نصف عددهم ‪ ،‬ولذلك لزمهم الثّبات إذا كانوا أكثر من‬
‫النّصف وإن غلب على ظنّهم الهلك فيه ‪.‬‬
‫ويحتمل أن يلزمهم الثّبات إن غلب على ظنّهم الظّفر لما فيه من المصلحة ‪.‬‬
‫فإن غلب على ظنّهم أنّهم إن ثبتوا لمثليهم هلكوا ففيه وجهان ‪:‬‬
‫ن لهم أن يولّوا لقوله عزّ وجلّ ‪َ { :‬ولَ تُ ْلقُو ْا بَِأيْدِي ُكمْ إِلَى ال ّتهُْلكَةِ } ‪.‬‬
‫أحدهما ‪ :‬أ ّ‬
‫والثّاني ‪ :‬أنّه ليس لهم أن يولّوا وهو الصّحيح لقوله عزّ وجلّ ‪ِ { :‬إذَا لَقِي ُتمْ ِفئَةً فَا ْثُبتُواْ } ولنّ‬
‫المجاهد إنّما يقاتل على إحدى الحسنيين الشّهادة أو الفوز بالغنيمة مع الجر ‪.‬‬
‫سبِيلِ‬
‫جنّةَ ُيقَاتِلُونَ فِي َ‬
‫سهُمْ وََأ ْموَاَلهُم ِبأَنّ َلهُمُ ال َ‬
‫ن أَن ُف َ‬
‫ش َترَى مِنَ ا ْلمُ ْؤ ِمنِي َ‬
‫ن اللّهَ ا ْ‬
‫قال تعالى ‪ { :‬إِ ّ‬
‫ن وَيُ ْقتَلُونَ } ‪ .‬وقد قال محمّد بن الحسن ‪ :‬ل بأس بالنهزام إذا أتى المسلم من العدوّ‬
‫الّل ِه َفيَ ْقتُلُو َ‬
‫ما ل يطيقه ‪ ،‬ول بأس بالصّبر أيضا بخلف ما يقوله بعض النّاس من أنّه إلقاء بالنّفس إلى‬
‫التّهلكة ‪ ،‬بل في هذا تحقيق بذل النّفس في سبيل اللّه ‪.‬‬
‫وقال الحصكفيّ ‪ :‬فإن علم أنّه إذا حارب قتل وإن لم يحارب أسر لم يلزمه القتال ‪.‬‬
‫فإذا غلب على ظنّهم الهلك في القامة والنصراف ‪ ،‬فالولى لهم الثّبات ‪ ،‬لينالوا درجة‬
‫الشّهداء المقبلين على القتال محتسبين فيكونون أفضل من المولّين ‪ ،‬ولنّه يجوز أن يغلبوا‬
‫ن اللّهِ وَاللّهُ مَعَ الصّابِرِينَ } ‪.‬‬
‫أيضا فإنّ اللّه تعالى يقول ‪ {:‬كَم مّن ِفئَةٍ قَلِيَلةٍ غََلَبتْ ِفئَةً َكثِي َرةً ِبِإذْ ِ‬
‫ل أنّه يحرم النصراف لمائة بطل عن مائتين وواحد ضعفاء ‪ ،‬ويجوز‬
‫قال الشّافعيّة ‪ :‬إ ّ‬
‫انصراف مائة ضعفاء عن مائة وتسعة وتسعين أبطال في الصحّ اعتبارا بالمعنى ‪ ،‬بناء على‬
‫ف معنى يخصّصه ‪ ،‬لنّهم‬
‫ص ّ‬
‫أنّه يجوز أن يستنبط من النّصّ على حرمة النصراف من ال ّ‬
‫يقاومونهم لو ثبتوا لهم ‪ ،‬وإنّما يراعى العدد عند تقارب الوصاف ‪ ،‬ومن ثمّ لم يختصّ‬
‫الخلف بزيادة الواحد ونقصه ‪ ،‬ول براكب وماش ‪ ،‬بل الضّابط أن يكون في المسلمين من‬
‫القوّة ما يغلب على الظّنّ أنّهم يقاومون الزّائد على مثليهم ويرجون الظّفر بهم ‪ ،‬أو من‬
‫الضّعف ما ل يقاومونهم ‪ ،‬وحيث جاز النصراف فإن غلب الهلك بل نكاية للكفّار وجب‬
‫النصراف ‪ ،‬وإن غلب الهلك على حصول النّكاية لهم يستحبّ النصراف ‪.‬‬
‫وذهب الحنفيّة إلى أنّ الحكم في هذا الباب لغالب الرّأي ‪ ،‬وأكبر الظّنّ دون العدد ‪.‬‬
‫فإن غلب على ظنّ الغزاة أنّهم يقاومونهم يلزمهم الثّبات ‪ ،‬وإن كانوا أقلّ عددا منهم ‪ ،‬وإن كان‬
‫غالب ظنّهم أنّهم يغلبون فل بأس أن ينحازوا إلى المسلمين ليستعينوا بهم ‪ ،‬وإن كانوا أكثر‬
‫عددا من الكفرة ‪ .‬وكذا الواحد من الغزاة ‪ ،‬ليس معه سلح مع اثنين منهم معهما سلح أو مع‬
‫واحد منهم من الكفرة ومعه سلح ‪ ،‬ل بأس أن يولّي دبره متحيّزا إلى فئة ‪.‬‬
‫قال محمّد بن الحسن ‪ :‬ويكره للواحد القويّ أن يفرّ من الكافرين ‪ ،‬ويكره للمائة الفرار من‬
‫المائتين ‪ ،‬ول بأس أن يفرّ الواحد من الثّلثة ‪ ،‬والمائة من ثلثمائة ‪.‬‬
‫تحصّن أهل البلد من العدوّ ‪:‬‬
‫‪ -‬إن جاء العدوّ بلدا فقد صرّح الشّافعيّة والحنابلة بأنّ لهله التّحصّن منهم ‪ ،‬وإن كانوا‬ ‫‪40‬‬

‫أكثر من نصفهم ليلحقهم مدد أو قوّة ‪ ،‬ول يكون ذلك تولّيا ول فرارا ‪ ،‬إنّما التّولّي بعد لقاء‬
‫العدوّ ‪ ،‬وإن لقوهم خارج الحصن فلهم التّحيّز إلى الحصن ‪ ،‬لنّه بمنزلة التّحرّف للقتال أو‬
‫التّحيّز إلى فئة ‪ .‬وإن غزوا فذهبت دوابّهم ‪ ،‬فليس ذلك عذرا في الفرار ‪ ،‬لنّ القتال ممكن‬
‫لل ّرجّالة ‪ ،‬وإن تحيّزوا إلى جبل ليقاتلوا فيه رجّالة فل بأس ‪ ،‬لنّه تحرّف للقتال ‪ ،‬وإن ذهب‬
‫سلحهم فتحيّزوا إلى مكان يمكنهم القتال فيه بالحجارة والتّستّر بالشّجر ونحوه ‪ ،‬أو لهم في‬
‫التّحيّز إليه فائدة ‪ ،‬جاز ‪.‬‬
‫الفرار وإحراز الغنيمة ‪:‬‬
‫‪ -‬فإن ولّى قوم قبل إحراز الغنيمة وأحرزها الباقون ‪ ،‬فقد صرّح الحنابلة بأنّه ل نصيب‬ ‫‪41‬‬

‫ن إحرازها حصل بغيرهم فكان ملكها لمن أحرزها ‪ ،‬وإن ذكروا أنّهم فرّوا‬
‫للفارّين ‪ ،‬ل ّ‬
‫متحيّزين إلى فئة أو متحرّفين للقتال ‪ ،‬فل شيء لهم أيضا لذلك ‪ ،‬وإن فرّوا بعد إحراز الغنيمة‬
‫لم يسقط حقّهم منها ‪ ،‬لنّهم ملكوا الغنيمة لحيازتها فلم يزل ملكهم عنها بفرارهم ‪ .‬وتفصيل‬
‫ذلك في مصطلح ‪ ( :‬غنيمة ) ‪.‬‬
‫حكم التّبييت في القتال ‪:‬‬
‫‪ -‬صرّح جمهور الفقهاء بأنّه يجوز تبييت الكفّار وهو كبسهم ليل وقتلهم على غفلة ‪ ،‬ولو‬ ‫‪42‬‬

‫قتل في هذا التّبييت من ل يجوز قتله من امرأة وصبيّ ‪ ،‬وغيرهما كمجنون ‪ ،‬وشيخ فان إذا لم‬
‫يقصدوا ‪ ،‬لحديث الصّعب بن جثّامة قال ‪ « :‬سمعت النّبيّ صلى ال عليه وسلم يسأل عن ديار‬
‫المشركين يبيّتون فيصاب من نسائهم وذراريّهم فقال ‪ :‬هم منهم » وسبق تفصيل أحكام التّبييت‬
‫في القتال في مصطلح ( تبييت ) ‪.‬‬
‫وكذا يجوز قتل الكفّار في مطمورة إذا لم يقصد النّساء ‪ ،‬والصّبيان ونحوهم ‪ ،‬ويجوز قطع‬
‫المياه عنهم وقطع السّابلة وإن تضمّن ذلك قتل الصّبيان والنّساء ‪ ،‬لنّه في معنى التّبييت‬
‫السّابق فيه حديث الصّعب بن جثّامة ولنّ القصد إضعافهم وإرهابهم ليجيبوا داعي اللّه ‪،‬‬
‫ويجوز الغارة على علّافيهم وحطّابيهم ونحوهم ‪.‬‬
‫تترّس الكفّار بالذّ ّريّة والنّساء ‪:‬‬
‫‪ -‬التّرس ‪ :‬بضمّ التّاء ‪ .‬ما يتوقّى به في الحرب ‪ .‬والتّرس كذلك خشبة أو حديدة توضع‬ ‫‪43‬‬

‫خلف الباب لحكام إغلقه ‪ ،‬وقد أشير إلى التّترّس في الحرب في قوله تعالى ‪ { :‬وََل ْولَا ِرجَالٌ‬
‫ل اللّهُ فِي‬
‫ت لّ ْم َتعَْلمُو ُهمْ أَن َتطَؤُوهُمْ َفُتصِي َبكُم ّم ْنهُم ّم َعرّةٌ ِب َغيْرِ عِ ْلمٍ ِليُ ْدخِ َ‬
‫مّ ْؤ ِمنُونَ وَ ِنسَاء مّ ْؤ ِمنَا ٌ‬
‫ح َم ِت ِه مَن َيشَاء لَوْ تَ َزيّلُوا َلعَ ّذ ْبنَا اّلذِينَ كَفَرُوا ِم ْنهُمْ عَذَابًا َألِيمًا } ‪ ،‬فقد نزلت فيمن احتجز من‬
‫َر ْ‬
‫المسلمين بمكّة بعد صلح الحديبية ‪ ،‬ومنهم الوليد بن الوليد ‪ ،‬وسلمة بن هشام ‪ ،‬وعيّاش بن‬
‫أبي ربيعة ‪ ،‬وأبو جندل بن سهيل ‪ ،‬ولو تميّز الكفّار عن المؤمنين بمكّة لعذّب اللّه الكفّار عذابا‬
‫أليما بأيدي المؤمنين الّذين هم خارج مكّة بالرّمي والقتال الشّديد ‪.‬‬
‫وأمّا حكم التّترّس ‪ :‬فل خلف بين الفقهاء في أنّه يجوز رمي الكفّار إذا تترّسوا بالمسلمين‬
‫وأساراهم أثناء القتال ‪ ،‬أو حصارهم من قبل المسلمين إذا دعت الضّرورة إلى ذلك بأن كان‬
‫في الكفّ عن قتالهم انهزام للمسلمين والخوف على استئصال قاعدة السلم ‪ ،‬ويقصد بالرّمي‬
‫الكفّار ‪ .‬ولكن إذا لم تدع ضرورة إلى رميهم ‪ ،‬لكون الحرب غير قائمة ‪ ،‬أو لمكان القدرة‬
‫عليهم بدونه ‪ ،‬فقد اختلف الفقهاء على أقوال سبق ذكرها في مصطلح " تترّس " ‪.‬‬
‫ما ينتهي به القتال ‪:‬‬
‫‪ -‬يقاتل أهل الكتاب والمجوس حتّى يسلموا أو يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون ‪ ،‬لنّه‬ ‫‪44‬‬

‫ن بِاللّهِ َولَ بِا ْليَوْمِ‬


‫ل يُ ْؤ ِمنُو َ‬
‫ن َ‬
‫يجوز إقرارهم على دينهم بالجزية ‪ ،‬ولقوله تعالى ‪ { :‬قَاتِلُواْ الّذِي َ‬
‫حتّى‬
‫ب َ‬
‫ح ّرمَ اللّهُ َو َرسُولُهُ َولَ يَدِينُونَ دِينَ ا ْلحَقّ مِنَ اّلذِينَ أُوتُواْ ا ْل ِكتَا َ‬
‫ن مَا َ‬
‫ح ّرمُو َ‬
‫ل ُي َ‬
‫خ ِر َو َ‬
‫ال ِ‬
‫غرُونَ } فإن بذلوا الجزية عقدت لهم ال ّذمّة ‪ ،‬وكان لهم بذلك‬
‫ج ْزيَةَ عَن يَدٍ َو ُهمْ صَا ِ‬
‫ُي ْعطُو ْا ا ْل ِ‬
‫المان والعصمة لدمائهم وأموالهم إلّ بحقّها ‪ .‬ويقاتل من سواهم من الكفّار حتّى يسلموا ‪ ،‬لنّه‬
‫ل يجوز إقرارهم على الكفر ‪ ،‬ولقوله صلى ال عليه وسلم ‪ « :‬أمرت أن أقاتل النّاس حتّى‬
‫يقولوا ل إله إلّ اللّه ‪ » ...‬الحديث " والكفّار ثلثة أقسام ‪:‬‬
‫قسم ‪ :‬أهل كتاب وهم اليهود والنّصارى ‪ ،‬ومن اتّخذ التّوراة والنجيل كتابا كالسّامرة والفرنجة‬
‫ونحوهم ‪ ،‬فهؤلء تقبل منهم الجزية ويقرّون على دينهم إذا بذلوها ‪.‬‬
‫و قسم ‪ :‬لهم شبهة كتاب وهم المجوس فحكمهم حكم أهل الكتاب في قبول الجزية منهم‬
‫وإقرارهم بها ‪ ،‬فعن الحسن بن محمّد بن عليّ قال ‪ « :‬كتب رسول اللّه صلى ال عليه وسلم‬
‫إلى مجوس هجر يعرض عليهم السلم ‪ ،‬فمن أسلم قبل منه ‪ ،‬ومن أبى ضربت عليه‬
‫الجزية ‪ ،‬على أن ل تؤكل لهم ذبيحة ‪ ،‬ول تنكح لهم امرأة » ‪.‬‬
‫وقسم ‪ :‬ل كتاب لهم ول شبهة كتاب ‪ ،‬وهم من عدا هذين القسمين من عبدة الوثان وسائر‬
‫الكفّار ‪ ،‬فل تقبل منهم الجزية ‪ ،‬ول يقبل منهم سوى السلم ‪.‬‬
‫هذا مذهب الشّافعيّ ‪ ،‬وهو ظاهر المذهب عند الحنابلة ‪.‬‬
‫ن الجزية تقبل من جميع الكفّار إلّ عبدة الوثان‬
‫أمّا مذهب أبي حنيفة وهو رواية عن أحمد فإ ّ‬
‫من العرب ‪ ،‬لنّهم يقرّون على دينهم بالسترقاق ‪ ،‬فيقرّون ببذل الجزية كالمجوس ‪ ،‬وحكي‬
‫عن مالك أنّها تقبل من جميع الكفّار إلّ كفّار قريش ‪ .‬وتفصيله في ‪ ( :‬جزية ) ‪.‬‬
‫وينتهي القتال كذلك بالهدنة ‪ ،‬إذ هي لغة المصالحة ‪ ،‬وشرعا هي عقد يتضمّن مصالحة أهل‬
‫الحرب على ترك القتال مدّة بعوض أو غيره ‪ ،‬وتسمّى موادعة ‪ ،‬ومسالمة ‪ ،‬ومعاهدة ومهادنة‬
‫ش ِركِينَ ُث ّم َلمْ‬
‫ل اّلذِينَ عَاهَدتّم مّنَ ا ْل ُم ْ‬
‫‪ ،‬والصل فيها قبل الجماع أوّل سورة " براءة " { ِإ ّ‬
‫عهْدَ ُهمْ إِلَى مُ ّد ِتهِمْ } ‪ ،‬ومهادنته صلى ال‬
‫ش ْيئًا َولَمْ ُيظَاهِرُواْ عََل ْيكُ ْم َأحَدًا َفَأ ِتمّواْ إَِل ْيهِمْ َ‬
‫يَن ُقصُوكُمْ َ‬
‫عليه وسلم قريشا عام الحديبية ‪.‬‬
‫وعند الحنفيّة والمالكيّة وهو رواية عن أحمد تجوز الهدنة للمدّة الّتي يرى المام فيها المصلحة‬
‫وإن زادت عن عشر سنين ‪ ،‬قال المالكيّة ‪ :‬وندب أن ل تزيد عن أربعة أشهر ‪ .‬وعند‬
‫الشّافعيّة ل يجوز مهادنة الكفّار سنة فما زاد ‪ ،‬لنّها مدّة تجب فيها الجزية ‪ ،‬فل يجوز‬
‫إقرارهم فيها من غير جزية ‪ ،‬وفي جواز مهادنتهم فيما زاد على أربعة أشهر وما دون سنة‬
‫قولن وهذا في حال قوّة المسلمين ‪ .‬أمّا في حال ضعفهم فيجوز عقدها إلى عشر سنين ‪.‬‬
‫وظاهر كلم أحمد أنّها ل تجوز أكثر من عشر سنين ‪ ،‬وهو اختيار أبي بكر ومذهب الشّافعيّ‬
‫لمصالحة النّبيّ صلى ال عليه وسلم قريشا يوم الحديبية عشرا ‪.‬‬
‫ل للنّظر للمسلمين إمّا أن يكون بهم ضعف عن قتال الكفّار ‪ ،‬وإمّا أن‬
‫كما ل تجوز الهدنة إ ّ‬
‫يطمع في إسلم الكفّار بهدنتهم ‪ ،‬أو في أدائهم الجزية والتزامهم أحكام الملّة أو غير ذلك من‬
‫المصالح ‪ ،‬فإذا ثبت هذا فإنّه ل تجوز المهادنة مطلقا من غير تقدير مدّة ‪ ،‬لنّه يفضي إلى‬
‫ترك الجهاد بالكّليّة ‪ .‬وتفصيل ذلك في مصطلح ‪ ( :‬هدنة ) ‪.‬‬
‫استعمال أموال العدوّ وسلحه وأحكام الغنائم ‪:‬‬
‫‪ -‬يجوز أن يذبح من الغنائم للكل ما يؤكل لحمه وذلك لنّه كسائر الطّعام ‪ ،‬ول يجوز أن‬ ‫‪45‬‬

‫يعمل من أهبها حذاء ‪ ،‬ول سقاء ‪ ،‬ول دلء ‪ ،‬ول فراء ‪ ،‬فإن اتّخذ منه شيئا من ذلك وجب‬
‫ردّه في المغنم ‪ .‬وإن أصابوا كلبا ‪ ،‬فإن كان عقورا قتل لما فيه من الضّرر ‪ ،‬وإن كان فيه‬
‫منفعة دفع إلى من ينتفع به من الغانمين أو من أهل الخمس ‪ ،‬وإن لم يكن فيهم من يحتاج إليه‬
‫ن اقتناءه لغير حاجة محرّم ‪.‬‬
‫خلّي ل ّ‬
‫وما أصاب المسلمون من مال الكفّار وخيف أن يرجع إليهم ينظر فيه ‪ ،‬فإن كان غير الحيوان‬
‫أتلف حتّى ل ينتفعوا به ويتقوّوا به على المسلمين ‪ ،‬وإن كان حيوانا لم يجز إتلفه من غير‬
‫ضرورة ‪.‬‬
‫ل له عليه بيّنة فله سلبه كما ورد في الحديث إذا قتله حال الحرب ل قبلها ول‬
‫ومن قتل قتي ً‬
‫بعدها ‪ ،‬والسّلب ما كان على الكافر من ثياب وحليّ ‪ ،‬وعمامة ‪ ،‬وقلنسوة ‪ ،‬وما كان عليه من‬
‫سلح وسيف ‪ ،‬ورمح ‪ ،‬وقوس ‪ ،‬وهو أولى بالخذ من الثّياب ‪ ،‬لنّه يستعين به في حربه ‪،‬‬
‫والدّابّة أيضا يستعان بها في الحرب كالسّلح ‪ ،‬وآلتها كالسّرج واللّجام تبع لها ‪.‬‬

‫جهاز *‬
‫التّعريف ‪:‬‬
‫‪ -‬الجهاز بالفتح ‪ ،‬والكسر لغة قليلة ‪ ،‬وهو اسم لما يحتاج إليه الغازي في غزوه أو المسافر‬ ‫‪1‬‬

‫في سفره ‪ ،‬وما تزفّ به المرأة إلى زوجها من متاع ‪ .‬يقال ‪ :‬جهّز الجيش إذا أعدّ له ما يحتاج‬
‫إليه في غزوه ‪ .‬وجهّزت فلنا ‪ :‬هيّأت له جهاز سفره ‪ ،‬وجهّز بنته هيّأ ما تزفّ به إلى زوجها‬
‫‪ .‬ويطلق أيضا على ما على الدّابّة من سرج وإكاف ‪ ،‬ونحوه ‪.‬‬
‫ول يخرج في الصطلح عن هذا المعنى ‪.‬‬
‫الحكم التّكليفيّ ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬تجهيز الغازي ‪:‬‬
‫‪ -‬تجهيز المثبتين في ديوان الجند من الغزاة في سبيل اللّه واجب باتّفاق الفقهاء ‪ ،‬ومحلّه في‬ ‫‪2‬‬

‫بيت مال المسلمين ‪ ،‬فإن لم يوجد فعلى أفراد المسلمين وأغنيائهم ‪.‬‬
‫خ ْيلِ }‬
‫ط ْعتُم مّن قُوّةٍ َومِن ّربَاطِ ا ْل َ‬
‫س َت َ‬
‫قال اللّه تعالى ‪َ { :‬وأَعِدّواْ َلهُم مّا ا ْ‬
‫وفي الثر المتّفق عليه ‪ « :‬من جهّز غازيا في سبيل اللّه فقد غزا ‪ ،‬ومن خلفه في أهله خيرا‬
‫فقد غزا » والتّفصيل في مصطلح ‪ ( :‬جهاد ) ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬تجهيز الميّت ‪:‬‬
‫‪ -‬جهاز الميّت واجب ‪ -‬وهو ما يلزم ‪ -‬من كفن وغيره ‪ ،‬ومحلّه ‪ :‬تركته ‪ ،‬ويقدّم التّجهيز‬ ‫‪3‬‬

‫على سائر الحقوق المتعلّقة بالتّركة ‪ ،‬فإن لم توجد فعلى من تجب عليه نفقته في حياته من‬
‫قرابته ‪ ،‬فإن لم يوجد فبيت مال المسلمين ‪ ،‬ثمّ على أغنياء المسلمين ‪.‬‬
‫والتّفصيل في مصطلح ‪ ( :‬تجهيز ) ‪.‬‬
‫ج ‪ -‬جهاز السّفر في الحجّ ‪:‬‬
‫‪ - 4‬ل خلف بين الفقهاء في أنّ وجود جهاز السّفر من زاد وراحلة من شروط وجوب الحجّ‬
‫ي صلى‬
‫سبِيلً } ‪ « .‬وسئل النّب ّ‬
‫س َتطَاعَ إَِل ْي ِه َ‬
‫ج ا ْل َب ْيتِ مَنِ ا ْ‬
‫س حِ ّ‬
‫‪ .‬لقوله تعالى ‪َ { :‬ولِلّهِ عَلَى النّا ِ‬
‫ال عليه وسلم ما السّبيل فقال ‪ :‬الزّاد والرّاحلة » ‪ .‬والتّفصيل في مصطلح ‪ ( :‬حجّ ) ‪.‬‬
‫د ‪ -‬جهاز الزّوجة ‪:‬‬
‫‪ -‬ذهب جمهور الفقهاء إلى أنّه ل يجب على المرأة أن تتجهّز بمهرها أو بشيء منه ‪ ،‬وعلى‬ ‫‪5‬‬

‫الزّوج أن يعدّ لها المنزل بكلّ ما يحتاج إليه ليكون سكنا شرعيّا لئقا بهما ‪.‬‬
‫وإذا تجهّزت بنفسها أو جهّزها ذووها فالجهاز ملك لها خاصّ بها ‪ .‬حتّى لو كان الزّوج قد دفع‬
‫أكثر من مهر مثلها رجاء جهاز فاخر ‪ ،‬لنّ المهر في مقابل المتعة ‪ ،‬والشّيء ل يقابله‬
‫عوضان ‪ .‬وتفصيل ذلك في مصطلح ‪ ( :‬تجهيز ) ‪.‬‬
‫تملّك المرأة الجهاز ‪:‬‬
‫‪ -‬إذا جهّز الب ابنته بأمتعة من غير تمليك بصيغة فهل تملك بتسلّمه والتّسليم لها ؟ اختلف‬ ‫‪6‬‬

‫الفقهاء في ذلك ‪.‬‬


‫فذهب الشّافعيّة إلى أنّها ل تملك الجهاز إلّ بتمليك لها بصيغة ‪ ،‬كأن يقول ‪ :‬هذا جهاز بنتي‬
‫فيكون إقرارا بالملك لها ‪ ،‬وإلّ فهو عاريّة ‪.‬‬
‫ويصدق بيمينه إذا ادّعاه في حياتها أو بعد موتها ‪.‬‬
‫وقال الحنابلة ‪ :‬إنّ تجهيز الب ابنته أو أخته بجهاز إلى بيت زوجها تمليك ‪.‬‬
‫وقال الحنفيّة ‪ :‬إذا جهّز الب ابنته من ماله دون أن يصرّح أنّ هذا منه هبة لها أو عاريّة منه‬
‫لها ‪ ،‬وادّعى بعد نقل الجهاز إلى دار الزّوج أنّه كان عاريّة ‪ .‬وادّعت أنّه كان تمليكا بالهبة‬
‫فالقول قولها إذا كان العرف يشهد بأنّ هذا الجهاز المتنازع عليه يقدّمه الب لبنته هبة منه ‪.‬‬
‫وإن كان العرف جاريا بأنّ الب يقدّمه عاريّة فالقول قول الب ‪.‬‬
‫وإن كان العرف متضاربا فالقول قول الب إذا كان الجهاز من ماله ‪.‬‬
‫أمّا إذا كان ممّا قب ضه من مهر ها فالقول قول ها ‪ ،‬ل نّ الشّراء و قع ل ها ح يث كا نت راض ية‬
‫بذلك ‪ ،‬وهو بمنزلة الذن منها ‪ .‬وانظر أيضا مصطلح ‪ ( :‬مهر ) ‪.‬‬

‫جهالة *‬
‫التّعريف ‪:‬‬
‫‪ -‬الجهالة لغة ‪ :‬من جهلت الشّيء خلف علمته ومثلها الجهل ‪ ،‬والجهالة أن تفعل فعلً بغير‬ ‫‪1‬‬

‫العلم ‪.‬‬
‫وأمّا في الصطلح ‪ :‬فإنّ استعمال الفقهاء لهذين اللّفظين يشعر بالتّفريق بينهما ‪،‬فيستعملون‬
‫الجهل ‪ -‬غالبا ‪ -‬في حالة ما إذا كان النسان موصوفا به في اعتقاده أو قوله أو فعله ‪.‬‬
‫أمّا إذا كان الجهل متعلّقا بخارج عن النسان كمبيع ومشترى وإجارة وإعارة وغيرها ‪ ،‬وكذا‬
‫أركانها وشروطها ‪ ،‬فإنّهم في هذه الحالة غلّبوا جانب الخارج ‪ ،‬وهو الشّيء المجهول ‪،‬‬
‫فوصفوه بالجهالة ‪ ،‬وإن كان النسان متّصفا بالجهالة أيضا ‪.‬‬
‫وهذا البحث مراعى فيه المعنى الثّاني ‪ :‬أمّا المعنى الوّل فينظر في مصطلح ‪ ( :‬جهل ) ‪.‬‬
‫اللفاظ ذات الصّلة ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬الغرر ‪:‬‬
‫‪ -‬الغرر لغة الخطر والتّعريض للهلكة ‪ ،‬أو هو ما له ظاهر محبوب وباطن مكروه ‪ ،‬وغرّ‬ ‫‪2‬‬

‫يغرّ غرارة وغرّة فهو غارّ ‪ ،‬وغرّ ‪ :‬أي ‪ :‬جاهل بالمور غافل عنها ‪.‬‬
‫وغرّ الرّجل غيره يغرّه غرّا وغرورا فهو غا ّر والخر مغرور أي خدعه وأطمعه بالباطل ‪.‬‬
‫وأمّا في الصطلح فقد قال الرّمليّ ‪ :‬الغرر ما احتمل أمرين أغلبهما أخوفهما ‪ ،‬وقيل ما‬
‫انطوت عنّا عاقبته ‪.‬‬
‫‪ -‬قال القرافيّ ‪ :‬اعلم أنّ العلماء قد يتوسّعون في عبارتي الغرر والجهالة فيستعملون‬ ‫‪3‬‬

‫إحداهما موضع الخرى ‪ .‬ثمّ يفرّق القرافيّ بين قاعدة المجهول وقاعدة الغرر بقوله ‪ :‬وأصل‬
‫الغرر هو الّذي ل يدري هل يحصل أم ل ؟ كالطّير في الهواء والسّمك في الماء ‪.‬‬
‫وأمّا ما علم حصوله وجهلت صفته فهو المجهول كبيعه ما في كمّه فهو يحصل قطعا ‪ ،‬لكن ل‬
‫يدري أيّ شيء هو ‪ .‬فالغرر والمجهول كلّ واحد منهما أعمّ من الخر من وجه وأخصّ من‬
‫وجه فيوجد كلّ واحد منهما مع الخر وبدونه ‪.‬‬
‫أمّا وجود الغرر بدون الجهالة ‪ ،‬فكشراء العبد البق المعلوم قبل الباق ل جهالة فيه وهو‬
‫غرر لنّه ل يدري هل يحصل أم ل ؟ ‪.‬‬
‫والجهالة بدون الغرر كشراء حجر ل يدري أزجاج هو أم ياقوت ؟ مشاهدته تقتضي القطع‬
‫بحصوله فل غرر ‪ ،‬وعدم معرفته تقتضي الجهالة به ‪.‬‬
‫وأمّا اجتماع الغرر والجهالة فكالعبد البق المجهول الصّفة قبل الباق ‪.‬‬
‫‪ -‬ثمّ الغرر والجهالة يقعان في سبعة أشياء ‪:‬‬ ‫‪4‬‬

‫‪ - 1 -‬في الوجود ‪ ،‬كالبق قبل الباق ‪.‬‬


‫‪ - 2 -‬والحصول إن علم الوجود كالطّير في الهواء ‪.‬‬
‫‪ - 3 -‬وفي الجنس كسلعة لم يسمّها ‪.‬‬
‫‪ - 4 -‬وفي النّوع كعبد لم يسمّه ‪.‬‬
‫‪ - 5 -‬وفي المقدار كالبيع إلى مبلغ رمي الحصاة ‪.‬‬
‫‪ - 6 -‬وفي التّعيين ‪ ،‬كثوب من ثوبين مختلفين ‪.‬‬
‫‪ - 7 -‬وفي البقاء كالثّمار قبل بد ّو صلحها ‪ ،‬فهذه سبعة موارد للغرر والجهالة ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬القمار ‪:‬‬
‫‪ -‬القمار لغة ‪ :‬الرّهان ‪ :‬يقال ‪ :‬قامر الرّجل غيره مقامرة وقمارا ‪ :‬راهنه ‪ ،‬وقامرته قمارا‬ ‫‪5‬‬

‫فقمرته ‪ :‬غلبته في القمار ‪ .‬والميسر ‪ :‬قمار أهل الجاهليّة بالزلم ‪.‬‬


‫قال أبو حيّان ‪ :‬وأمّا في الشّريعة فاسم الميسر يطلق على سائر ضروب القمار ‪.‬‬
‫فالقمار عقد يقوم على المراهنة وهو أخصّ من الجهالة ‪ ،‬لنّ كلّ قمار فيه جهالة ‪ ،‬وليس كلّ‬
‫ي ثوب وقعت عليه‬
‫ما فيه جهالة قمارا فمثلً بيع الحصاة ‪ -‬وهو أن يقول المشتري ‪ :‬أ ّ‬
‫الحصاة الّتي أرمي بها فهو لي ‪ -‬قمار كما يقول ابن رشد ‪ ،‬وهو في الوقت نفسه فيه جهالة‬
‫فاحشة ‪.‬‬
‫ج ‪ -‬إبهام ‪:‬‬
‫‪ -‬من معاني البهام أن يبقى الشّيء ل يعرف الطّريق إليه ‪ ( .‬ر ‪ :‬إبهام ) ‪.‬‬ ‫‪6‬‬

‫د ‪ -‬شبهة ‪:‬‬
‫‪ -‬الشّبهة ‪ :‬ما يشبه بالثّابت وليس بثابت ‪.‬‬ ‫‪7‬‬

‫ويقال ‪ :‬اشتبهت المور وتشابهت ‪ :‬التبست ولم تتميّز ‪ ،‬وتقول ‪ :‬شبّهت عليّ يا فلن ‪ :‬إذا‬
‫خلط عليك ‪ ،‬واشتبه المر إذا اختلط ‪ ( .‬ر ‪ :‬شبهة ) ‪.‬‬
‫أقسام الجهالة ‪:‬‬
‫الجهالة على ثلث مراتب ‪:‬‬
‫‪ -‬الولى ‪ :‬الجهالة الفاحشة ‪:‬‬ ‫‪8‬‬

‫وهي الجهالة الّتي تفضي إلى النّزاع وهي تمنع صحّة العقد ‪ ،‬ومن شرط صحّة العقد أن يكون‬
‫المعقود عليه معلوما علما يمنع من المنازعة ‪.‬‬
‫ومن الجهالة الفاحشة بيوع الغرر الّتي نهى عنها رسول اللّه صلى ال عليه وسلم كبيع حبل‬
‫الحبلة ‪ ،‬وبيع الملمسة ‪ ،‬والمنابذة ‪ ،‬والحصاة ‪ ،‬وبيع المضامين ‪ ،‬والملقيح ‪ ،‬فهذه ونحوها‬
‫بيوع جاهليّة متّفق على تحريمها ‪ ،‬وهي محرّمة لكثرة الغرر والجهالة الفاحشة فيها ‪.‬‬
‫وينظر كلّ منها في موطنه ‪.‬‬
‫‪ -9‬الثّانية ‪ :‬الجهالة اليسيرة ‪:‬‬
‫وهي الجهالة الّتي ل تؤدّي إلى المنازعة ‪ ،‬وهي جائزة اتّفاقا وتصحّ معها العقود وذلك كأساس‬
‫الدّار وحشوة الجبّة ونحو ذلك ‪.‬‬
‫‪ -‬الثّالثة ‪ :‬الجهالة المتوسّطة ‪:‬‬ ‫‪10‬‬

‫وهي ما كانت دون الفاحشة وفوق اليسيرة ‪.‬‬


‫وقد اختلف فيها الفقهاء هل تلحق بالمرتبة الولى أو الثّانية ؟‬
‫وسبب اختلفهم فيها أنّها لرتفاعها عن الجهالة اليسيرة ألحقت بالجهالة الفاحشة ولنحطاطها‬
‫عن الكثيرة ألحقت باليسيرة ‪.‬‬
‫ومن البيوع الّتي توجد فيها هذه الضّروب من الغرر والجهالة بيوع منصوص على تحريمها‬
‫شرعا ‪ ،‬منطوق بها ‪ ،‬وبيوع مسكوت عنها ‪ ،‬والمنطوق به أكثره متّفق على تحريمه ‪،‬‬
‫وبعضه اختلفوا فيه ‪ ،‬ومنه ما جاء عنه عليه الصلة والسلم من النّهي عن بيع السّنبل حتّى‬
‫يبيضّ ‪ .‬ونهيه عن بيع العنب حتّى يسودّ ‪ .‬وانظر مصطلح ‪ ( :‬بيع فاسد ‪ ،‬ف ‪. ) 9/‬‬
‫أحكام الجهالة ‪:‬‬
‫تبيّن ممّا سبق مراتب الجهالة إجمال عند الفقهاء من حيث فحشها وقلّتها ‪ ،‬وما تردّد بينهما ‪،‬‬
‫وفيما يأتي توضيح لثر ذلك في أبواب الفقه المختلفة ‪:‬‬
‫الجهالة في البيع ‪:‬‬
‫‪ -‬تقدّم في مصطلح ‪ ( :‬بيع ) أنّ من شروط صحّة البيع أن يكون المبيع والثّمن معلومين‬ ‫‪11‬‬

‫علما يمنع المنازعة ‪ ،‬فإن كان أحدهما مجهولً جهالة فاحشة وهي الّتي تفضي إلى المنازعة‬
‫فسد البيع ‪ ،‬والفساد عند غير الحنفيّة هنا بمعنى البطلن ‪ ،‬فل يقبل التّصحيح ‪ .‬وأمّا عند‬
‫الحنفيّة ‪ ،‬فإن تعلّقت الجهالة بمحلّ العقد ‪ ،‬كبيع المعدوم والمضامين والملقيح كان العقد باطل‬
‫عندهم ‪ .‬وإن تعلّقت ببعض أوصاف المبيع أو كانت في الثّمن فالبيع فاسد ‪ ،‬لكنّه يقبل‬
‫التّصحيح بالقبض أو التّعيين إذا وقع في المجلس ‪.‬‬
‫وكذلك يفسد البيع إذا كانت جهالة الجل فاحشة ‪ ،‬كقدوم زيد مثلً أو موته ‪ ،‬لنّها على خطر‬
‫)‪.‬‬ ‫‪12‬‬ ‫الوجود والعدم ( وانظر ‪ :‬بيع ‪ ،‬وبيع فاسد ‪ /‬ف ‪/ 9‬‬
‫ومن شروط صحّة البيع أيضا أن يكون المعقود عليه موجودا حين العقد ‪ ،‬أمّا إذا كان معدوما‬
‫ح العقد للجهالة الفاحشة ‪.‬‬
‫فل يص ّ‬

‫وفيما يلي بيان ما يفسد من البيع بسبب الجهالة إجمالً ‪.‬‬


‫والجهالة في عقد البيع قد تكون في صيغة العقد ‪ ،‬أو في المبيع ‪ ،‬أو في الثّمن ‪،‬أو غير ذلك‪.‬‬
‫أ ‪ -‬الجهالة في صيغة العقد ‪:‬‬
‫الجهالة في صيغة العقد تكون بإجراء العقد على صفة ل تفيد العلم الّذي يقطع النّزاع ‪.‬‬
‫وهي تتحقّق في مواضع منها ما يلي ‪:‬‬
‫البيعتان في بيعة ‪:‬‬
‫‪ -‬اختلف الفقهاء في تعريف البيعتين في بيعة مع التّفصيل ‪.‬‬ ‫‪12‬‬

‫وأحد هذه التّعريفات ‪ :‬أن يقول البائع ‪ :‬بعتك بكذا حالّا ‪ ،‬وبأعلى منه مؤجّلً ويوافق المشتري‬
‫ويت ّم العقد على البهام ويفترقان على ذلك ‪ .‬وقد ورد النّهي عن هذا البيع بما رواه أبو هريرة‬
‫عن النّبيّ صلى ال عليه وسلم أنّه قال ‪ « :‬من باع بيعتين في بيعة فله أوكسهما أو الرّبا » ‪،‬‬
‫وتفصيل ذلك في مصطلح ‪ ( :‬بيعتان في بيعة ) ‪.‬‬
‫بيع الحصاة ‪:‬‬
‫‪ -‬بيع الحصاة من بيوع الجاهليّة وهو البيع بإلقاء الحجر ‪.‬‬ ‫‪13‬‬

‫وقد ورد « نهي رسول اللّه صلى ال عليه وسلم عن بيع الحصاة وعن بيع الغرر » ‪.‬‬
‫وقد تقدّم في مصطلح ‪ ( :‬بيع الحصاة ) اختلف الفقهاء في تعريفه ‪ ،‬وأنّ علّة النّهي الجهالة‬
‫وتعليق التّمليك بالخطر ‪.‬‬
‫بيع الملمسة والمنابذة ‪:‬‬
‫‪ -‬بيع الملمسة والمنابذة من بيوع الجاهليّة وقد « نهى رسول اللّه صلى ال عليه وسلم‬ ‫‪14‬‬

‫عنهما » ‪.‬‬
‫وعلّل الحنابلة فساد بيع الملمسة بعلّتين ‪ :‬الجهالة ‪ ،‬وكونه معلّقا على شرط ‪.‬‬
‫وعلّل الشّوكانيّ بالغرر والجهالة وإبطال خيار المجلس ‪ .‬وأمّا بيع المنابذة فقد علّل الفقهاء من‬
‫الحنفيّة والحنابلة فساده بالحاديث الواردة بالنّهي عنه ‪ ،‬وبالجهالة وبتعليق التّمليك بالخطر ‪.‬‬
‫وقد سبق تفصيل الكلم عليهما في مصطلح ‪ ( :‬بيع منهيّ عنه ) ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬الجهل بالمبيع ‪:‬‬
‫‪ -‬يتحقّق الجهل بذات المحلّ كما لو باع قطيعا إلّ شاة غير معيّنة ‪ ،‬أو شاة من هذا القطيع‬ ‫‪15‬‬

‫ل شجرة غير معيّنة فإنّ البيع غير صحيح للجهالة المفضية إلى‬
‫‪ .‬ومثله ما لو باع بستانا إ ّ‬
‫المنازعة ‪ .‬أمّا لو عيّن المستثنى فإنّ البيع صحيح لزوال الجهالة ‪.‬‬
‫وقد تقدّم ذلك في مصطلح ‪ ( :‬بيع ) مع التّفصيل واختلف الفقهاء ‪.‬‬
‫‪ -‬ول يصحّ بيع مجهول الصّفة عند جمهور الفقهاء إذ ل بدّ من ذكر جميع الوصاف‬ ‫‪16‬‬

‫قطعا للمنازعة النّاشئة عن الجهالة ‪ ،‬وذهب بعض الحنفيّة وبعض الشّافعيّة إلى صحّة بيع‬
‫مجهول الصّفة ‪ ،‬لنّ للمشتري خيار الرّؤية الثّابت له فله أن يردّ المبيع عند رؤيته وبذلك‬
‫تنتفي الجهالة ‪.‬‬
‫بيع ما يكمن في الرض ‪:‬‬
‫‪ -‬ذهب الشّافعيّة والحنابلة إلى عدم جواز بيع ما يكمن في الرض قبل قلعه ‪ ،‬كالبصل‬ ‫‪17‬‬

‫والثّوم والفجل والجزر ونحوها ‪ ،‬لنّه بيع مجهول لم ير ‪ ،‬ولم يوصف ‪ ،‬فهو من الغرر‬
‫المنهيّ عنه في حديث النّهي عن بيع الغرر ‪ ،‬فأشبه بيع الحمل ‪.‬‬
‫وذهب الحنفيّة والمالكيّة إلى جواز بيعه ‪.‬‬
‫أمّا الحنفيّة فأثبتوا للمشتري الخيار عند قلعه ‪.‬‬
‫وأمّا المالكيّة فقد قيّدوا صحّة البيع بشروط ثلثة ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬أن يرى المشتري ظاهره ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬أن يقلع منه شيء ويرى ‪.‬‬
‫ج ‪ -‬أن يحزر إجمالً ‪ ،‬ول يجوز بيعه من غير حزر بالقيراط أو الفدّان ‪.‬‬
‫فإذا تحقّقت هذه الشّروط ل يكون المبيع مجهولً ‪ ،‬لنّ هذه طريق معرفته ‪.‬‬
‫بيع ضربة الغائص ‪:‬‬
‫‪ -‬اتّفق الفقهاء على فساد هذا البيع « لنهي رسول اللّه صلى ال عليه وسلم عن ضربة‬ ‫‪18‬‬

‫الغائص » ‪ .‬لنّه بيع معدوم ‪ ،‬ولجهالة ما يخرج ‪ ،‬ومثله بيع ضربة القانص ‪.‬‬
‫وقد سبق الكلم عليه في مصطلح ‪ ( :‬بيع منهيّ عنه ) ‪.‬‬
‫بيع اللّبن في الضّرع ‪:‬‬
‫‪ -‬ل يجوز بيع اللّبن في الضّرع قبل انفصاله عند جمهور الفقهاء لورود النّهي عنه ‪،‬‬ ‫‪19‬‬

‫ولنّه مجهول الصّفة والمقدار ‪ .‬ومثله بيع السّمن في اللّبن ‪ ،‬وبيع النّوى في التّمر ‪.‬‬
‫وقد سبق الكلم عليه في مصطلح ‪ ( :‬بيع منهيّ عنه ) ‪.‬‬
‫بيع السّمك في الماء ‪:‬‬
‫‪ -‬ل يجوز عند جمهور الفقهاء بيع السّمك في الماء « لنهي النّبيّ صلى ال عليه وسلم عنه‬ ‫‪20‬‬

‫» ‪ ،‬ولنّه غير مملوك ‪ ،‬ول يقدر على تسليمه ‪ ،‬ولنّه مجهول فل يصحّ بيعه ‪.‬‬
‫وقد تقدّم الكلم عليه في مصطلح ‪ ( :‬بيع منهيّ عنه ) ‪.‬‬
‫بيع المعدوم ‪:‬‬
‫‪ -‬اتّفق الفقهاء على أنّه ل يصحّ بيع المعدوم كبيع ما لم يخلق ‪ ،‬وبيع المضامين ‪ ،‬وبيع‬ ‫‪21‬‬

‫الملقيح ‪ ،‬وحبل الحبلة للّنصّ ‪ ،‬ولجل الجهالة ‪.‬‬


‫وقد سبق الكلم عليه في مصطلح ‪ ( :‬بيع منهيّ عنه ) ‪.‬‬
‫بيع الجزاف ‪:‬‬
‫‪ -‬بيع الجزاف هو البيع بل كيل ول وزن ول عدّ ‪ ،‬وقد اتّفق الفقهاء على جوازه من حيث‬ ‫‪22‬‬

‫الجملة مع ما فيه من الجهالة لحاجة النّاس واضطرارهم إليه ‪ ( .‬ر ‪ :‬بيع الجزاف ) ‪.‬‬
‫ج ‪ -‬الجهالة في الثّمن ‪:‬‬
‫‪ -‬إذا اختلفت أنواع الثمان المتعامل بها في البلد وليس أحدها غالبا فل يصحّ البيع حينئذ‬ ‫‪23‬‬

‫للجهالة المفضية إلى المنازعة ‪ .‬وتفصيله في مصطلحي ( ثمن ‪ ،‬بيع ) ‪.‬‬


‫الجهالة في السّلم ‪:‬‬
‫‪ -‬الجهالة في السّلم إمّا أن تكون في رأس المال " الثّمن " وإمّا أن تكون في المسلم فيه ‪،‬‬ ‫‪24‬‬

‫وإمّا أن تكون في الجل ‪ ،‬فأمّا الثّمن فيشترط فيه بيان جنسه ‪ ،‬ونوعه ‪ ،‬وصفته ‪ ،‬وقدره ‪.‬‬
‫وأمّا المسلم فيه فيشترط فيه أيضا أن يكون معلوم الجنس ‪ ،‬والنّوع ‪ ،‬والصّفة ‪ ،‬والقدر ‪ ،‬كيلً‬
‫أو وزنا أو عدّا أو ذرعا ‪.‬‬
‫ل منها تفضي إلى المنازعة ‪ ،‬ومن‬
‫وعلّة اشتراط هذه المور إزالة الجهالة ‪ ،‬لنّ الجهالة في ك ّ‬
‫ثمّ تكون مفسدة للعقد ‪ .‬قال صلى ال عليه وسلم ‪ « :‬من أسلف فليسلف في كيل معلوم ‪،‬‬
‫ووزن معلوم ‪ ،‬إلى أجل معلوم » وتفصيله في مصطلح ( سلم ) ‪.‬‬
‫الجهالة برأس مال المضاربة ‪:‬‬
‫‪ -‬من شروط صحّة عقد المضاربة أن يكون رأس المال فيه معلوما ‪ ،‬ول يجوز أن يكون‬ ‫‪25‬‬

‫مجهول القدر دفعا لجهالة الرّبح ‪ .‬وتفصيله في مصطلح ‪ ( :‬مضاربة ) ‪.‬‬


‫الجهالة في الجارة ‪:‬‬
‫‪ -‬يشترط لصحّة الجارة أن تكون المنفعة والجرة معلومتين علما ينفي الجهالة المفضية‬ ‫‪26‬‬

‫للنّزاع ‪ ،‬وإلّ فل تنعقد الجارة ‪ ( .‬ر ‪ :‬إجارة ) ‪.‬‬


‫الجهالة في الجل ‪:‬‬
‫‪ -‬ل خلف بين الفقهاء في صحّة التّأجيل في المور الّتي يقبلها التّأجيل بشرط أن يكون‬ ‫‪27‬‬

‫سمّى فَا ْكُتبُوهُ }‪.‬‬


‫جلٍ ّم َ‬
‫الجل معلوما ‪،‬لقوله تعالى ‪ { :‬يَا َأ ّيهَا اّلذِينَ آ َمنُواْ إِذَا َتدَايَنتُم بِ َديْنٍ إِلَى َأ َ‬
‫أمّا إذا كان الجل مجهول فإنّه ل يصحّ ‪ ،‬لنّه يفضي إلى المنازعة ‪.‬‬
‫)‪.‬‬ ‫‪81/‬‬ ‫و‬ ‫‪71/‬‬ ‫‪،‬ف‬ ‫‪37‬‬ ‫‪،‬‬ ‫‪33‬‬ ‫وتفصيل ذلك في مصطلح ‪ ( :‬أجل ‪/ 2‬‬
‫إبراء المجهول ‪:‬‬
‫ح البراء لمجهول ‪ .‬وعلى هذا فلو‬
‫‪ -‬قرّر الفقهاء اشتراط العلم بالمبرّأ ‪ ،‬ومن ثمّ فل يص ّ‬ ‫‪28‬‬

‫أبرأ أحد مدينيه على التّردّد لم يصحّ ‪ -‬خلفا لبعض الحنابلة ‪ -‬فيجب تعيين المبرّأ بما تزول‬
‫)‪.‬‬ ‫‪30/‬‬ ‫به الجهالة عنه ‪ ( .‬ر ‪ :‬إبراء ‪ :‬ف‬
‫الصّلح عن المجهول ‪:‬‬
‫‪ -‬ذهب الحنفيّة والحنابلة إلى أنّه يصحّ الصّلح عن المجهول عينا كان أو دينا ‪.‬‬ ‫‪29‬‬

‫ح الصّلح عن المجهول إذا كان ل سبيل إلى معرفته ‪ ،‬فأمّا ما يمكن‬


‫إلّ أنّ الحنابلة قالوا ‪ :‬يص ّ‬
‫معرفته فل يصحّ الصّلح عليه مع الجهل ‪.‬‬
‫قال الكاسانيّ ‪ :‬وأمّا كون المصالح عنه معلوما فليس بشرط لجواز الصّلح حتّى أنّ من ادّعى‬
‫على آخر حقّا في عين فأق ّر به المدّعى عليه أو أنكر فصالح على مال معلوم جاز ‪ ،‬لنّ‬
‫الصّلح كما يصحّ بطريق المعاوضة يصحّ بطريق السقاط ‪ ،‬ول يمكن تصحيحه هنا بطريق‬
‫المعاوضة لجهالة أحد البدلين فيصحّ بطريق السقاط فل يؤدّي إلى المنازعة المانعة من‬
‫التّسليم والتّسلّم والقبض ‪ ،‬لنّ السّاقط ل يحتمل ذلك ‪ ،‬وأنّ الجهالة فيما ل يحتمل التّسلّم‬
‫والقبض ل تمنع جواز الصّلح ‪.‬‬
‫وذهب المالكيّة والشّافعيّة إلى أنّ الصّلح عن المجهول ل يصحّ ‪ ،‬لنّه كالجهالة في البيع ‪،‬‬
‫ومعلوم أنّ بيع المجهول ل يصحّ ‪ .‬وتفصيله في مصطلحي ‪ ( :‬صلح وإبراء ) ‪.‬‬
‫زوال الجهالة في مجلس العقد ‪:‬‬
‫‪ -‬ذهب أكثر الحنفيّة إلى أنّ زوال الجهالة في مجلس العقد يصحّح العقد بعد انعقاده فاسدا‬ ‫‪30‬‬

‫إذا كان الفساد فيه ضعيفا ‪.‬‬


‫ن سائر البياعات الفاسدة تنقلب جائزة بحذف‬
‫قال الموصليّ ‪ :‬وروى الكرخيّ عن أصحابنا ‪ :‬أ ّ‬
‫المفسد ‪ .‬أمّا إذا كان الفساد قويّا بأن يكون في صلب العقد فل ينقلب صحيحا باتّفاق الحنفيّة‪.‬‬
‫)‪.‬‬ ‫‪113/ 9‬‬ ‫‪،‬ج‬ ‫‪37/‬‬ ‫وينظر التّفصيل في مصطلح ‪ ( :‬بيع فاسد ف‬
‫وقال ابن رشد ‪ :‬اتّفق الفقهاء على أنّه ‪ -‬أي ‪ :‬البيع بشرط السّلف ‪ -‬من البيوع الفاسدة ‪.‬‬
‫واختلفوا إذا ترك الشّرط قبل القبض ‪ ،‬فمنعه أبو حنيفة والشّافعيّ وسائر الفقهاء ‪ ،‬وأجازه مالك‬
‫ل محمّد بن عبد الحكم ‪ ،‬وقد روي عن مالك مثل قول الجمهور ‪.‬‬
‫وأصحابه إ ّ‬
‫وحجّة الجمهور أنّ النّهي يتضمّن فساد المنهيّ عنه مع أنّ الثّمن يكون في المبيع مجهول ‪،‬‬
‫لقتران السّلف به ‪.‬‬
‫ثمّ قال ‪ :‬ونكتة المسألة هل إذا لحق الفساد بالبيع من قبل الشّرط يرتفع الفساد إذا ارتفع الشّرط‬
‫أم ل يرتفع ‪ ،‬كما ل يرتفع الفساد اللّاحق للبيع الحلل من أجل اقتران المحرّم العين به ؟ وهذا‬
‫أيضا ينبني على أصل آخر ‪ :‬هو هل هذا الفساد حكميّ أو معقول ؟‬
‫فإن قلنا ‪ :‬حكميّ لم يرتفع بارتفاع الشّرط ‪ ،‬وإن قلنا ‪ :‬معقول ارتفع بارتفاع الشّرط ‪ .‬فمالك‬
‫رآه معقول ‪ ،‬والجمهور رأوه غير معقول ‪.‬‬
‫والفساد الّذي يوجد في بيوع الرّبا والغرر حكميّ ‪ ،‬ولذلك ليس ينعقد عندهم أصلً وإن ترك‬
‫الرّبا بعد البيع أو ارتفع الغرر ‪.‬‬
‫وقال النّوويّ ‪ :‬إذا فسد العقد بشرط فاسد ثمّ حذف الشّرط لم ينقلب العقد صحيحا ‪ ،‬سواء أكان‬
‫الحذف في المجلس أو بعده ‪ ،‬وفي وجه ‪ :‬ينقلب صحيحا إن حذف في المجلس وهو شاذّ‬
‫ضعيف ‪ .‬وفي حاشية الجمل لو زادا أو نقصا في الثّمن أو المثمّن ولو في السّلم ‪ ،‬أو أحدثا‬
‫أجل أو خيارا ابتداء أو زيادة ‪ ،‬أو شرطا فاسدا ‪ ،‬أو صحيحا في مدّة الخيار ‪ -‬أي خيار‬
‫ط بعض ما‬
‫المجلس أو خيار الشّرط ‪ -‬التحق كلّ منها بالعقد ‪ -‬أي ‪ :‬بالمقترن به ‪ -‬وكذا ح ّ‬
‫ذكر ‪ ،‬إذ مجلس العقد كنفس العقد ‪ ،‬ولهذا صلح لتعيين رأس مال السّلم وعوض الصّرف ‪.‬‬
‫وقيس بخيار المجلس خيار الشّرط بجامع عدم الستقرار ‪.‬‬
‫ل لوجبت‬
‫أمّا بعد اللّزوم ‪ -‬أي ‪ :‬بعد انتهاء مدّة الخيار ‪ -‬فل يلتحق بالعقد شيء من ذلك وإ ّ‬
‫الزّيادة بعده على الشّفيع كما تجب عليه قبله ‪.‬‬
‫الصّلح على بدل القصاص ‪:‬‬
‫‪ -‬يجوز الصّلح على بدل القصاص سواء أكان ذلك البدل معلوما أم مجهولً ‪ ،‬بشرط أن‬ ‫‪31‬‬

‫تكون الجهالة غير فاحشة ‪ ،‬وإلّ فإن كانت فاحشة كما إذا صالح على ثوب أو دار أو دابّة‬
‫غير معيّنة ‪ ،‬فسدت التّسمية في الصّلح ‪ ،‬ووجبت الدّية لنّها متفاوتة والجهالة فيها فاحشة ‪.‬‬
‫وتفصيله في مصطلح ‪ ( :‬صلح ‪ ،‬وقتل عمد ) ‪.‬‬
‫جهالة المكفول له ‪:‬‬
‫‪ -‬ذهب الحنفيّة والمالكيّة والشّافعيّة ‪ -‬في الصحّ ‪ -‬والقاضي من الحنابلة إلى وجوب‬ ‫‪32‬‬

‫معرفة الكفيل المكفول له " وهو الدّائن " لنّه إذا كان مجهولً ل يحصل ما شرعت له الكفالة‬
‫وهو التّوثّق ‪ ،‬وكذلك لتفاوت النّاس في استيفاء الدّين تشديدا وتسهيلً ‪.‬‬
‫وذهب الحنابلة والشّافعيّة ‪ -‬في مقابل الصحّ ‪ -‬إلى جواز الكفالة مع جهالة المكفول له‬
‫لحديث جابر رضي ال عنه قال ‪ « :‬مات رجل فغسّلناه وك ّفنّاه وحنّطناه ووضعناه لرسول اللّه‬
‫صلى ال عليه وسلم حيث توضع الجنائز عند مقام جبريل ‪ ،‬ثمّ آذنّا رسول اللّه صلى ال عليه‬
‫وسلم بالصّلة عليه ‪ ،‬فجاء معنا خطى ثمّ قال ‪ :‬لعلّ على صاحبكم دينا قالوا ‪ :‬نعم ديناران ‪،‬‬
‫فتخلّف ‪ ،‬فقال له رجل منّا يقال له أبو قتادة ‪ :‬يا رسول اللّه هما عليّ فجعل رسول اللّه صلى‬
‫ال عليه وسلم يقول ‪ :‬هما عليك وفي مالك والميّت منهما بريء ؟ فقال ‪ :‬نعم ‪ ،‬فصلّى عليه ‪،‬‬
‫فجعل رسول اللّه صلى ال عليه وسلم إذا لقي أبا قتادة يقول ‪ :‬ما صنعت الدّيناران حتّى كان‬
‫آخر ذلك قال ‪ :‬قد قضيتهما يا رسول اللّه ‪ ،‬قال ‪ :‬الن حين بردت عليه جلده » ‪.‬‬
‫ضمان الحقّ المجهول ‪:‬‬
‫‪ -‬ذهب الجمهور ‪ -‬الحنفيّة والمالكيّة والحنابلة ‪ -‬إلى صحّة ضمان الحقّ المجهول كقوله ‪:‬‬ ‫‪33‬‬

‫ما أعطيته فهو عليّ ‪ .‬وهذا مجهول ‪.‬‬


‫وقال الثّوريّ واللّيث وابن أبي ليلى والشّافعيّ وابن المنذر ‪ :‬ل يصحّ ‪.‬‬
‫وتفصيل ذلك في مصطلح ‪ ( :‬ضمان ‪ ،‬كفالة ) ‪.‬‬
‫جهالة الرّهن والمرهون به ‪:‬‬
‫‪ -‬يشترط في الرّهن أن يكون معلوما ‪ ،‬ويشترط لصحّة الرّهن أيضا أن يكون الدّين‬ ‫‪34‬‬

‫ح الرّهن ‪ ،‬كما في الضّمان صرّح بذلك‬


‫معلوما للعاقدين فلو جهله أو جهله أحدهما لم يص ّ‬
‫الشّافعيّة ‪ ،‬ولم نجد عند غيرهم تعرّضا لذلك ‪ .‬وتفصيله في مصطلح ‪ ( :‬رهن ) ‪.‬‬
‫الجهالة في الوكالة ‪:‬‬
‫‪ -‬يشترط في الوكالة العلم بالموكّل به علما تنتفي معه الجهالة ‪ ،‬ولهذا تصحّ الوكالة‬ ‫‪35‬‬

‫الخاصّة على تفصيل يذكر في مصطلح ‪ ( :‬وكالة ) ‪.‬‬


‫أمّا الوكالة العامّة فقد اختلف الفقهاء فيها بين مجيز ومانع ‪ ،‬فمن منع نظر إلى كثرة الغرر‬
‫والجهالة في الموكّل به ‪ .‬وتفصيل الخلف في ذلك يذكره الفقهاء في باب ( وكالة ) ‪.‬‬
‫الجهل في الجعالة ‪:‬‬
‫‪ -‬الجعالة جائزة عند جمهور الفقهاء مع ما فيها من جهالة العمل للحاجة إليها ‪ ،‬لقوله‬ ‫‪36‬‬

‫حمْلُ َبعِي ٍر وََأ َناْ بِهِ زَعِيمٌ } ‪ .‬هذا إذا كان الجعل معلوما ‪ .‬أمّا إذا كان‬
‫تعالى ‪ { :‬وَِلمَن جَاء بِهِ ِ‬
‫الجعل مجهول فإنّ الجعالة ل تصحّ ‪ ،‬على خلف وتفصيل ينظر في مصطلح ‪ ( :‬جعالة ) ‪.‬‬
‫الجهالة في الشّركة ‪:‬‬
‫‪ -‬اختلف الفقهاء في جواز شركة البدان ‪ ،‬وشركة الوجوه ‪ ،‬وشركة المفاوضة ‪ ،‬من حيث‬ ‫‪37‬‬

‫ل منها ‪.‬‬
‫الجواز وعدمه ‪ ،‬ومن منعها نظر إلى الجهالة في ك ّ‬
‫وتفصيل ذلك في مصطلح ‪ ( :‬شركة ) ‪.‬‬
‫الجهالة في الهبة ‪:‬‬
‫‪ -‬تصحّ هبة المعلوم والمجهول ‪.‬‬ ‫‪38‬‬

‫على خلف وتفصيل يذكره الفقهاء في مصطلح ‪ ( :‬هبة ) ‪.‬‬


‫الجهالة في الوصيّة ‪:‬‬
‫‪ -‬تصحّ الوصيّة بالمعلوم والمجهول ‪.‬‬ ‫‪39‬‬

‫على تفصيل يذكره الفقهاء في مصطلح ‪ ( :‬وصيّة ) ‪.‬‬


‫الجهالة في الوقف ‪:‬‬
‫‪ -‬يصحّ وقف المعلوم والمجهول ‪ .‬على تفصيل يذكره الفقهاء في مصطلح ‪ ( :‬وقف ) ‪.‬‬ ‫‪40‬‬

‫الجهالة في القرار ‪:‬‬


‫‪ -‬يشترط في المقرّ أن يكون معلوما ‪.‬‬ ‫‪41‬‬

‫وأجمع الفقهاء على أنّ الجهالة بالمقرّ له ل يصحّ معها القرار ‪ ،‬لنّ المجهول ل يصلح‬
‫مستحقّا ‪ .‬وأمّا المق ّر به فإنّ الجهالة به ل تمنع صحّة القرار بغير خلف بين الفقهاء ‪ ،‬ويجبر‬
‫المقرّ على البيان ‪ ،‬لنّه هو المجمل ‪.‬‬
‫)‪.‬‬ ‫‪35‬‬ ‫‪/‬‬ ‫‪27‬‬ ‫‪/‬‬ ‫‪12/‬‬ ‫وللتّفصيل انظر مصطلح ‪ ( :‬إقرار ‪ ،‬ف‬
‫الجهالة في النّسب ‪:‬‬
‫‪ -‬من شروط صحّة القرار بالنّسب على المقرّ نفسه أن يكون المقرّ به مجهول النّسب ‪( .‬‬ ‫‪42‬‬

‫)‪.‬‬ ‫‪63‬‬ ‫ر ‪ :‬إقرار ف ‪/‬‬


‫الجهالة في المهر ‪:‬‬
‫ح تسمية مهر مجهول ‪ ،‬فإن غفل وجب مهر‬
‫‪ -‬يشترط في المهر أن يكون معلوما ول تص ّ‬ ‫‪43‬‬

‫المثل ‪ .‬وتفصيله في مصطلح ‪ ( :‬نكاح ومهر ) ‪.‬‬


‫الجهالة في الخلع ‪:‬‬
‫‪ -‬يصحّ الخلع بعوض مجهول عند الحنفيّة والمالكيّة والحنابلة ‪ ،‬كالخلع على ما بيدها من‬ ‫‪44‬‬

‫دراهم أو متاع ‪ ،‬فإن لم يكن شيء ‪ ،‬فله ثلثة دراهم أو ما يسمّى متاعا ‪.‬‬
‫و يصح الخلع أيضا بشيء معدوم كالخلع على ما حملت غنمها ‪.‬‬
‫ويرى الشّافعيّة عدم صحّة الخلع على بدل مجهول ‪.‬‬
‫جهالة المقذوف ‪:‬‬
‫‪ -‬يشترط لقامة حدّ القذف على القاذف العلم بالمقذوف ‪ ،‬فإذا لم يعلم فل حدّ على القاذف‬ ‫‪45‬‬

‫‪ .‬على تفصيل يذكر في ‪ ( :‬حدّ ‪ ،‬قذف ) ‪.‬‬


‫جهالة وليّ القتيل ‪:‬‬
‫‪ -‬ذهب جمهور الفقهاء إلى أنّ جهالة وليّ القتيل ل تمنع من القصاص ‪.‬‬ ‫‪46‬‬

‫وذهب الحنفيّة إلى أنّها تمنع منه ‪ ،‬لنّ وجوب القصاص وجوب للستيفاء ‪ ،‬والستيفاء من‬
‫المجهول متعذّر ‪ ،‬فتعذّر اليجاب له ‪ .‬وتفصيله في مصطلح ‪ ( :‬قصاص ) ‪.‬‬
‫جهالة المدّعى به ‪:‬‬
‫‪ -‬من شروط صحّة إقامة الدّعوى العلم بالمدّعي لتعذّر الشّهادة والقضاء بالمجهول ‪،‬‬ ‫‪47‬‬

‫والعلم بالمدّعي إنّما يحصل بأحد أمرين ‪ ،‬إمّا الشارة ‪ ،‬وإمّا التّسمية ‪.‬‬
‫على تفصيل يذكر في مصطلح ‪ ( :‬دعوى ) ‪.‬‬
‫جهالة المشهود به ‪:‬‬
‫‪ -‬يشترط العلم بما يشهد به لتصحّ الشّهادة ‪ ،‬وإلّ فإنّ جهالته تمنع صحّة الشّهادة والقضاء‬ ‫‪48‬‬

‫‪ .‬على تفصيل يذكره الفقهاء في مصطلح ‪ ( :‬شهادة ) ‪.‬‬

‫جهر *‬
‫التّعريف ‪:‬‬
‫‪ -‬الجهر لغة ‪ :‬إعلن الشّيء وعلوّه ‪ .‬ويقال جهرت بالكلم أعلنت به ‪ ،‬ورجل جهير‬ ‫‪1‬‬

‫الصّوت ‪ ،‬أي عاليه ‪ .‬قال أبو هلل العسكريّ ‪ :‬وأصله رفع الصّوت ‪ ،‬يقال جهر بالقراءة إذا‬
‫ت ِبهَا } أي بقراءتك في صلتك ‪.‬‬
‫ل ِتكَ َولَ ُتخَافِ ْ‬
‫ج َهرْ ِبصَ َ‬
‫رفع صوته بها ‪ .‬وفي القرآن { َولَ َت ْ‬
‫ول يخرج المعنى الصطلحيّ عن المعنى اللّغويّ الوّل وهو العلن ‪.‬‬
‫اللفاظ ذات الصّلة ‪:‬‬
‫‪ -‬منها ‪ :‬السرار ‪ ،‬والمخافتة ‪ ،‬والكتمان ‪ ،‬وقد تقدّم الكلم فيها تحت عنوان ( إسرار ) ‪.‬‬ ‫‪2‬‬

‫ومنها الظهار ‪ ،‬والفشاء ‪ ،‬والعلن ‪ ،‬وتقدّم الكلم فيها تحت عنوان ( إظهار ) ‪.‬‬
‫حدّ الجهر والسرار ‪:‬‬
‫‪ -‬اختلف الفقهاء في تقدير الح ّد العلى والدنى لكلّ من الجهر والسرار ‪.‬‬ ‫‪3‬‬

‫فقال ابن عابدين ‪ :‬أدنى المخافتة إسماع نفسه أو من بقربه من رجل أو رجلين مثلً ‪ ،‬وأعلها‬
‫مجرّد تصحيح الحروف ‪.‬‬
‫صفّ الوّل ‪ ،‬وأعله ل ح ّد له ‪.‬‬
‫وأدنى الجهر إسماع غيره ممّن ليس بقربه كأهل ال ّ‬
‫سرّ حركة اللّسان فقط ‪ ،‬وأدناه سماع نفسه ‪.‬‬
‫وعند المالكيّة ‪ :‬أعلى ال ّ‬
‫وأمّا الجهر فأقلّه أن يسمع نفسه ومن يليه ‪ ،‬وأعله ل حدّ له ‪.‬‬
‫ي من الحنفيّة ‪ .‬وجهر المرأة إسماعها نفسها فقط ‪.‬‬
‫ي وأبو بكر البلخ ّ‬
‫وبهذا قال الكرخ ّ‬
‫سرّ إسماع نفسه حيث ل مانع ‪ ،‬والجهر أن يسمع من يليه ‪.‬‬
‫وعند الشّافعيّة ‪ :‬ال ّ‬
‫وعند الحنابلة ‪ :‬أدنى الجهر أن يسمع نفسه ‪ ،‬وأدنى الجهر للمام سماع غيره ولو واحدا ممّن‬
‫وراءه ‪.‬‬
‫الحكام المتعلّقة بالجهر ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬الجهر بأقوال الصّلة ‪:‬‬
‫‪ -‬الجهر بالتّكبير ‪ :‬ذهب جمهور الفقهاء إلى استحباب السرار بالتّكبيرات في حقّ المأموم‬ ‫‪4‬‬

‫والمنفرد ‪ .‬ومحلّ السرار في حقّ المأموم إن لم يكن مبلّغا وإلّ جهر بقدر الحاجة ‪ .‬وقال‬
‫المالكيّة ‪ :‬يندب الجهر بتكبيرة الحرام لكلّ مصلّ ‪.‬‬
‫أمّا غيرها من التّكبير فالفضل فيه السرار في حقّ غير المام ‪.‬‬
‫أمّا المام فيسنّ جهره بالتّكبير اتّفاقا ليتمكّن المأموم من متابعته فيه لقوله صلى ال عليه وسلم‬
‫« فإذا كبّر فكبّروا » ‪.‬‬
‫الجهر بالتّعوّذ ‪:‬‬
‫‪ -‬ذهب الحنفيّة والحنابلة والشّافعيّة على الظهر إلى سّنيّة السرار بالتّعوّذ في الصّلة ولو‬ ‫‪5‬‬

‫كانت جهريّة ‪ .‬لنّ الجهر به لم ينقل عن النّبيّ صلى ال عليه وسلم ‪.‬‬
‫وعن عليّ وابن مسعود رضي ال عنهما أنّهما قال ‪ :‬أربع يخفيهنّ المام وذكر منها التّعوّذ ‪،‬‬
‫ضرّعا َوخِيفَةً }‬
‫ك َت َ‬
‫سَ‬‫ن الصل في الذكار هو الخفاء لقوله تعالى ‪ { :‬وَا ْذكُر ّرّبكَ فِي َن ْف ِ‬
‫ول ّ‬
‫فل يترك إلّ لضرورة ‪.‬‬
‫ويرى الشّافعيّة ‪ -‬على القول الثّاني مقابل الظهر ‪ -‬استحباب الجهر بالتّعوّذ في الصّلة ‪،‬‬
‫وروي عن أبي هريرة رضي ال عنه أنّه كان يجهر به ‪.‬‬
‫وقال ابن أبي ليلى ‪ -‬وهو القول الثّالث للشّافعيّة ‪ -‬الجهر والسرار سواء ول ترجيح وهما‬
‫حسنان ‪ .‬ويكره التّعوّذ عند المالكيّة قبل الفاتحة والسّورة بفرض أصليّ أسرّ به أو جهر ‪،‬‬
‫وجاز بنفل ‪ .‬واختار موفّق الدّين ابن قدامة الجهر بالتّعوّذ في الجنازة ‪.‬‬
‫سنّة ‪.‬‬
‫قال في الفروع ‪ :‬إنّه المنصوص عن أحمد تعليما لل ّ‬
‫وللتّفصيل في صفة التّعوّذ ومحلّه وسائر الحكام المتعلّقة به ( ر ‪ :‬استعاذة ) ‪.‬‬
‫الجهر بالبسملة ‪:‬‬
‫س ّريّة والجهريّة ‪.‬‬
‫‪ -‬ذهب الحنفيّة والحنابلة إلى أنّه تسنّ قراءة البسملة سرّا في الصّلة ال ّ‬ ‫‪6‬‬

‫ي صلى ال عليه وسلم ومن‬


‫قال التّرمذيّ ‪ :‬وعليه العمل عند أكثر أهل العلم من أصحاب النّب ّ‬
‫بعدهم من التّابعين ‪ ،‬ومنهم أبو بكر وعمر وعثمان وعليّ ‪ .‬وهذا ما حكاه ابن المنذر عن ابن‬
‫مسعود وعمّار بن ياسر وابن الزّبير ‪ ،‬والحكم ‪ ،‬وحمّاد ‪ ،‬والوزاعيّ ‪ ،‬والثّوريّ ‪ ،‬وابن‬
‫المبارك ‪ .‬وروي عن أنس رضي ال عنه أنّه قال ‪ « :‬صلّيت مع رسول اللّه صلى ال عليه‬
‫وسلم وأبي بكر وعمر وعثمان فلم أسمع أحدا منهم يقرأ بسم اللّه الرّحمن الرّحيم » ‪.‬‬
‫وقال أبو هريرة « كان النّبيّ صلى ال عليه وسلم ل يجهر بها » ‪.‬‬
‫سنّة الجهر بالتّسمية في الصّلة الجهريّة في الفاتحة وفي السّورة‬
‫وذهب الشّافعيّة إلى أنّ ال ّ‬
‫بعدها ‪ .‬فقد روى ابن عبّاس رضي ال عنهما « أنّ النّبيّ صلى ال عليه وسلم جهر ببسم اللّه‬
‫الرّحمن الرّحيم » ‪ ،‬ولنّها تقرأ على أنّها آية من القرآن بدليل أنّها تقرأ بعد التّعوّذ فكان سنّتها‬
‫الجهر كسائر الفاتحة ‪.‬‬
‫قال النّوويّ ‪ :‬الجهر بالتّسمية قول أكثر العلماء من الصّحابة والتّابعين ومن بعدهم من الفقهاء‬
‫والقرّاء ‪ ،‬ثمّ ذكر الصّحابة الّذين قالوا به منهم أبو بكر ‪ ،‬وعمر ‪ ،‬وعثمان ‪ ،‬وعليّ ‪ ،‬وعمّار‬
‫بن ياسر ‪ ،‬وأبيّ بن كعب ‪ ،‬وابن عمر ‪ ،‬وابن عبّاس ‪.‬‬
‫ن الجهر والسرار سواء ‪.‬‬
‫طيّب وغيره عن ابن أبي ليلى والحكم أ ّ‬
‫وحكى القاضي أبو ال ّ‬
‫ويرى المالكيّة على المشهور كراهة استفتاح القراءة في الصّلة ببسم اللّه الرّحمن الرّحيم‬
‫مطلقا في أمّ القرآن وفي السّورة الّتي بعدها سرّا وجهرا ‪.‬‬
‫قال القرافيّ من المالكيّة ‪ :‬الورع البسملة أوّل الفاتحة خروجا من الخلف إلّ أنّه يأتي بها سرّا‬
‫ويكره الجهر بها ‪ .‬ولتفصيل ذلك ينظر مصطلح ‪ ( :‬ر ‪ :‬بسملة ) ‪.‬‬
‫الجهر بالقراءة ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬جهر المام ‪:‬‬
‫‪ -‬ذهب المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة إلى أنّه يسنّ للمام أن يجهر بالقراءة في الصّلة‬ ‫‪7‬‬

‫الجهريّة كالصّبح ‪ ،‬والجمعة ‪ ،‬والوليين من المغرب والعشاء ‪.‬‬


‫ويرى الحنفيّة أنّه يجب على المام مراعاة الجهر فيما يجهر به ‪ -‬وهو الفجر ‪ ،‬والمغرب‬
‫والعشاء في الوليين ‪ ،‬وكذا كلّ صلة من شرطها الجماعة ‪ ،‬كالجمعة ‪ ،‬والعيدين ‪،‬‬
‫والتّرويحات ‪ -‬ويجب عليه المخافتة فيما يخافت به ‪ ،‬لنّ « النّبيّ صلى ال عليه وسلم واظب‬
‫على الجهر فيما يجهر به والمخافتة فيما يخافت به » ‪.‬‬
‫وذلك دليل الوجوب ‪ ،‬وعلى هذا عمل المّة ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬جهر المأموم ‪:‬‬
‫‪ -‬ذهب القائلون بقراءة المأموم وراء المام إلى س ّنيّة السرار ‪ ،‬ويكره له الجهر سواء‬ ‫‪8‬‬

‫أسمع قراءة المام أم ل ‪ .‬ودليل كراهة الجهر حديث عمران بن حصين رضي ال عنهما‬
‫سبّح اسْمَ‬
‫ن رسول اللّه صلى ال عليه وسلم صلّى الظّهر ‪ ،‬فجعل رجل يقرأ خلفه بـ { َ‬
‫«أّ‬
‫َرّبكَ العْلَى } فلمّا انصرف قال ‪ :‬أيّكم قرأ أو أيّكم القارئ ؟ فقال رجل ‪ :‬أنا ‪ ،‬فقال ‪ :‬قد‬
‫ظننت أنّ بعضكم خالجنيها » ومعنى خالجنيها جادلنيها ونازعنيها ‪.‬‬
‫ج ‪ -‬جهر المنفرد ‪:‬‬
‫‪ -‬يسنّ للمنفرد الجهر في الصّبح ‪ ،‬والوليين من المغرب والعشاء عند المالكيّة والشّافعيّة ‪،‬‬ ‫‪9‬‬

‫وهو رواية عن أحمد ‪.‬‬


‫ن المنفرد يخيّر فيما يجهر به إن شاء جهر وإن شاء‬
‫ويرى الحنفيّة والحنابلة على المذهب أ ّ‬
‫خافت ‪ .‬وذكر الكرخيّ من الحنفيّة إن شاء جهر بقدر ما يسمع أذنيه ول يزيد على ذلك ‪.‬‬
‫وذكر في عامّة الرّوايات مفسّرا أنّه بين خيارات ثلثة ‪ :‬إن شاء جهر وأسمع غيره ‪ ،‬وإن شاء‬
‫جهر وأسمع نفسه ‪ ،‬وإن شاء أسرّ القراءة ‪.‬‬
‫قال الزّيلعيّ ‪ :‬ولكن ل يبالغ في الجهر مثل المام لنّه ل يسمع غيره ‪.‬‬
‫ونقل الثرم وغيره أنّ ترك الجهر للمنفرد أفضل ‪.‬‬
‫الجهر بالتّأمين ‪:‬‬
‫‪ -‬ل خلف بين الفقهاء في أنّ الصّلة إن كانت س ّريّة فالسرار بالتّأمين سنّة في حقّ‬ ‫‪10‬‬

‫المام والمأموم والمنفرد ‪.‬‬


‫وأمّا إن كانت جهريّة فقد اختلفوا في الجهر والسرار بالتّأمين حسب التّجاهات التّالية ‪ :‬ذهب‬
‫الحنفيّة وابن حبيب من المالكيّة والطّبريّ إلى أنّه يسنّ السرار بالتّأمين للمنفرد والمام‬
‫والمأموم جميعا ‪ .‬فقد روى أحمد وأبو داود والدارقطني من حديث وائل « أنّه عليه الصلة‬
‫والسلم قال ‪ :‬آمين وخفض بها صوته » ‪ .‬وقال عمر بن الخطّاب رضي ال عنه ‪ :‬يخفي‬
‫المام أربعا ‪ :‬التّعوّذ ‪ ،‬والبسملة ‪ ،‬وآمين ‪ ،‬وربّنا لك الحمد ‪ .‬ويروى مثل قوله عن جماعة‬
‫من الصّحابة بعضهم يقول ‪ :‬أربع يخفيهنّ المام ‪ ،‬وبعضهم يقول خمسة ‪ ،‬وبعضهم يقول‬
‫ثلثة ‪ ،‬وكلّهم يع ّد التّأمين منها ‪ .‬ولنّه دعاء فيكون مبناه على الخفاء ‪ ،‬ولنّه لو جهر بها‬
‫عقيب الجهر بالقرآن لوهم أنّها من القرآن فيمنع منه دفعا لليهام ‪.‬‬
‫وبمثل ما ذهب إليه هذا الفريق يقول المالكيّة في حقّ المنفرد والمأموم ‪ .‬أمّا المام فل يؤمّن‬
‫أصلً على المشهور من المذهب عندهم ‪.‬‬
‫ق المام والمأموم والمنفرد جميعا فيما يجهر فيه‬
‫ويرى الحنابلة س ّنيّة الجهر بالتّأمين في ح ّ‬
‫بالقراءة ‪.‬‬
‫ق المام والمنفرد ‪ .‬أمّا المأموم فالمذهب عندهم أنّه يجهر ‪.‬‬
‫وبهذا قال الشّافعيّة اتّفاقا في ح ّ‬
‫وتفصيل ذلك في مصطلح ‪ ( :‬آمين ) ‪.‬‬
‫الجهر بالتّسميع ‪:‬‬
‫‪ -‬اتّفق الفقهاء على أنّه يسنّ جهر المام بالتّسميع " سمع اللّه لمن حمده " ليسمع المأمومون‬ ‫‪11‬‬

‫ويعلموا انتقاله كما يجهر بالتّكبير ‪.‬‬


‫أمّا المؤتمّ والمنفرد فيسمع نفسه ‪ .‬وتفصيل ذلك في مصطلح ( صلة ) ‪.‬‬
‫الجهر بالتّشهّد ‪:‬‬
‫‪ -‬أجمع العلماء على السرار بالتّشهّد وكراهة الجهر به ‪ ،‬واحتجّوا بحديث عبد اللّه بن‬ ‫‪12‬‬

‫مسعود رضي ال عنه قال ‪ « :‬من سنّة الصّلة أن يخفي التّشهّد » ‪ .‬قال النّوويّ ‪ :‬إذا قال‬
‫سنّة كذا كان بمعنى قوله قال رسول اللّه صلى ال عليه وسلم ‪.‬‬
‫الصّحابيّ ‪ :‬من ال ّ‬
‫هذا هو المذهب الصّحيح المختار الّذي عليه جمهور العلماء من الفقهاء والمحدّثين وأصحاب‬
‫)‪.‬‬ ‫‪38/‬‬ ‫ص‬ ‫‪12/‬‬ ‫الصول المتكلّمين ‪ .‬وللتّفصيل انظر مصطلح ( تشهّد ‪ ،‬ف ‪ 7/‬ج‬
‫الجهر بالقنوت ‪:‬‬
‫‪ -‬اختلف الفقهاء في صفة دعاء القنوت من الجهر والمخافتة ‪.‬‬ ‫‪13‬‬

‫فذهب المالكيّة ‪ -‬وهو المختار عند الحنفيّة ‪ -‬إلى استحباب الخفاء في دعاء القنوت في حقّ‬
‫المام والمأموم والمنفرد جميعا ‪ ،‬لنّه دعاء ‪ ،‬والمسنون في الدّعاء الخفاء ‪ ،‬قال اللّه تعالى{‬
‫ي »‪ .‬وذكر‬
‫ضرّعًا َوخُ ْفيَةً } وقال النّبيّ صلى ال عليه وسلم ‪ «:‬خير الذّكر الخف ّ‬
‫ادْعُواْ َرّبكُ ْم َت َ‬
‫القاضي في شرحه مختصر الطّحاويّ ‪ :‬أنّه إن كان منفردا فهو بالخيار إن شاء جهر وأسمع‬
‫غيره ‪ ،‬وإن شاء جهر وأسمع نفسه ‪ ،‬وإن شاء أسرّ كما في القراءة ‪ ،‬وإن كان إماما يجهر‬
‫ن عذابك‬
‫بالقنوت لكن دون الجهر بالقراءة في الصّلة والقوم يتابعونه هكذا إلى قوله ( إ ّ‬
‫بالكفّار ملحق ) وإذا دعا المام بعد ذلك قال أبو يوسف ‪ :‬يتابعونه ويقرءون ‪.‬‬
‫وفي قول محمّد ل يقرءون ولكن يؤمّنون ‪ .‬وقال بعضهم ‪ :‬إن شاء القوم سكتوا ‪.‬‬
‫ويرى الشّافعيّة أنّ المام يجهر بالقنوت ‪ .‬وقال الماورديّ ‪ :‬وليكن جهره به دون الجهر‬
‫بالقراءة ‪ ،‬فإن أس ّر المام بالدّعاء حصّل سنّة القنوت وفاته سنّة الجهر ‪ .‬أمّا المنفرد فيسرّ به ‪،‬‬
‫وأمّا المأموم فيؤمّن خلف المام جهرا للدّعاء ‪ ،‬ويقول الثّناء سرّا أو يستمع لمامه ‪ .‬ويوافق‬
‫الحنابلة الشّافعيّة في استحباب جهر المام بالقنوت ‪ ،‬وتأمين المأموم للدّعاء ‪.‬‬
‫أمّا المنفرد فيجهر بالقنوت كالمام على الصّحيح من المذهب عند الحنابلة ‪.‬‬
‫قال ابن قيّم الجوزيّة ‪ ،‬والنصاف الّذي يرتضيه العالم المنصف أنّه صلى ال عليه وسلم جهر‬
‫وأسرّ وقنت وترك ‪ ،‬وكان إسراره أكثر من جهره ‪ ،‬وتركه القنوت أكثر من فعله ‪ .‬وللتّفصيل‬
‫في صفة القنوت ومحلّ أدائه ومقداره ودعائه ( ر ‪ :‬قنوت ‪ ،‬وتر ) ‪.‬‬
‫الجهر بالتّسليم للخروج من الصّلة ‪:‬‬
‫‪ -‬ل خلف بين الفقهاء في سّنيّة الجهر بالتّسليمة الولى في حقّ المام ‪ ،‬واختلفوا فيما‬ ‫‪14‬‬

‫سوى ذلك ‪ .‬فيرى الحنابلة ‪ -‬وهو ما يؤخذ من عبارات فقهاء الحنفيّة والشّافعيّة ‪ -‬أنّه يسنّ‬
‫جهر المام بالتّسليمتين ‪ .‬فقد عدّ أبو السّعود جهر المام بالسّلم مطلقا من سنن الصّلة ‪.‬‬
‫ن للمأموم كما في التّحقيق أن ل يسلّم إلّ بعد فراغ المام من‬
‫وقال الشّربينيّ الخطيب ‪ :‬يس ّ‬
‫تسليمتيه ‪.‬‬
‫وصرّح البجيرميّ بكراهة مقارنة المأموم مع المام في السّلم ‪.‬‬
‫فيسنّ جهر المام بالسّلم ليسمع المأمومين فيعلموا فراغه من تسليمتيه ويتابعوه ‪.‬‬
‫سنّة في السّلم أن يكون جهر المام بالتّسليمة الثّانية أخفض من الولى وقد روي عن‬
‫وال ّ‬
‫أحمد أنّه يجهر بالتّسليمة الولى وتكون الثّانية أخفى من الولى ‪ .‬لنّ الجهر في غير القراءة‬
‫إنّما شرع للعلم بالنتقال من ركن إلى ركن وقد حصل العلم بالجهر بالتّسليمة الولى فل‬
‫يشرع الجهر بغيرها ‪ .‬وكان ابن حامد يخفي الولى ويجهر بالثّانية لئلّ يسبقه المأمومون‬
‫بالسّلم ‪ .‬وللتّفصيل ( ر ‪ :‬تسليم وصلة ‪ ،‬وأبواب صفة الصّلة من كتب الفقه ) ‪.‬‬
‫الجهر بالتّبليغ ‪:‬‬
‫ن للمام الجهر بتكبيرات الصّلة كلّها وبقوله ‪ " :‬سمع اللّه لمن حمده " حتّى بزوائد‬
‫‪ -‬يس ّ‬ ‫‪15‬‬

‫العيدين ليعلم المأمومون انتقالته من ركن إلى ركن ويتابعوه في تكبيرات العيدين ‪ ،‬فإن كان‬
‫المام ضعيف الصّوت لمرض أو غيره فلم يصل جهره إلى جميع المقتدين فيجهر المؤذّن أو‬
‫غيره ‪ .‬من المأمومين جهرا يسمع النّاس ‪ ،‬فقد أخرج مسلم من حديث جابر رضي ال عنه‬
‫قال ‪ « :‬اشتكى رسول اللّه صلى ال عليه وسلم فصلّينا وراءه وهو قاعد وأبو بكر رضي ال‬
‫عنه يسمع النّاس تكبيره » ‪ ،‬وفي رواية لمسلم أيضا « صلّى بنا رسول اللّه صلى ال عليه‬
‫وسلم وأبو بكر رضي ال عنه خلفه فإذا كبّر كبّر أبو بكر ليسمعنا » ‪.‬‬
‫وللتّفصيل ( ر ‪ :‬تبليغ ) ‪.‬‬
‫الجهر في الصّلة المقضيّة ‪:‬‬
‫‪ -‬يرى المالكيّة والشّافعيّة في قول إيقاع المقضيّة على حسب ما كانت الصّلة وقت أدائها‬ ‫‪16‬‬

‫من جهر وإسرار ‪ ،‬فالعتبار عندهم بوقت الفائتة ‪.‬‬


‫وذهب الحنفيّة إلى أنّ من فاتته العشاء فصلّاها بعد طلوع الشّمس إن أمّ فيها جهر كما فعل‬
‫رسول اللّه صلى ال عليه وسلم حين قضى الفجر غداة ليلة التّعريس بجماعة ‪.‬‬
‫وإن أ ّم ليلً في صلة النّهار يخافت ول يجهر فإن جهر ساهيا كان عليه سجود السّهو ‪.‬‬
‫والمنفرد إذا قضى الصّلوات الّتي يجهر بها فهو مخيّر بين الجهر والسرار ‪ ،‬ويرى بعض‬
‫علماء الحنفيّة أنّ الجهر أفضل من السرار ‪.‬‬
‫وذهب الشّافعيّة على الصحّ إلى أنّ العتبار بوقت القضاء ‪.‬‬
‫فالمقضيّة يجهر فيها من مغيب الشّمس إلى طلوعها ‪ ،‬ويسرّ من طلوعها إلى غروبها ‪ .‬ويرى‬
‫الحنابلة أنّ المصلّي يسرّ في قضاء صلة جهريّة إذا قضاها في نهار ‪ -‬ولو جماعة ‪ -‬اعتبارا‬
‫ل اعتبارا بالمقضيّة ‪.‬‬
‫بزمن القضاء ‪ ،‬كصلة سرّ قضاها ولو لي ً‬
‫ويجهر بالقراءة في صلة جهريّة قضاها ليلً في جماعة اعتبارا بزمن القضاء وشبّهها بالداء‬
‫لكونها في جماعة ‪ ،‬فإن قضاها منفردا أسرّها لفوات شبهها بالداء ‪.‬‬
‫الجهر في موضع السرار والعكس ‪:‬‬
‫‪ -‬يرى جمهور الفقهاء أنّ الجهر فيما يجهر به والخفات فيما يخافت فيه سنّة من سنن‬ ‫‪17‬‬

‫الصّلة ‪ .‬وذهب الحنفيّة إلى أنّه يجب الجهر فيما يجهر به والمخافتة فيما يخافت فيه ‪.‬‬
‫ثمّ اختلفوا فيما يوجبه الجهر في موضع السرار أو العكس ‪:‬‬
‫ن من جهر في موضع السرار أو أسرّ في موضع الجهر لم‬
‫فذهب الشّافعيّة والوزاعيّ إلى أ ّ‬
‫تبطل صلته ول سجود سهو عليه ‪ ،‬ولكنّه ارتكب مكروها ‪.‬‬
‫وبهذا يقول الحنابلة إن ترك الجهر والخفات في موضعهما عمدا ‪.‬‬
‫وإن ترك سهوا ففي مشروعيّة السّجود من أجله روايتان عن أحمد ‪:‬‬
‫إحداهما ‪ :‬ل يشرع كما هو مذهب الشّافعيّ والوزاعيّ ‪ .‬والثّانية ‪ :‬يشرع ‪.‬‬
‫ويرى الحنفيّة أنّه لو جهر المام فيما يخافت فيه أو خافت فيما يجهر به تلزمه سجدة السّهو ‪،‬‬
‫ن الجهر في موضعه والمخافتة في موضعها من الواجبات ‪ ،‬لمواظبة النّبيّ صلى ال عليه‬
‫لّ‬
‫وسلم عليهما ‪ ،‬فبتركهما يلزم سجود السّهو ‪.‬‬
‫هذا في حقّ المام ‪ ،‬أمّا المنفرد فل سهو عليه ‪،‬لنّ الجهر والمخافتة من خصائص الجماعة‪.‬‬
‫وعدّ المالكيّة الجهر فيما يجهر فيه والسّ ّر فيما يس ّر فيه من السّنن المؤكّدة الّتي تنجبر بالسّجود‬
‫‪ .‬وقالوا ‪ :‬ل سجود في يسير جهر في س ّريّة بأن أسمع نفسه ومن يليه فقط ‪ ،‬أو يسير سرّ في‬
‫ل سرّ أو جهر ‪.‬‬
‫جهريّة ‪ ،‬ول في إعلن أو إسرار في مثل آية في مح ّ‬
‫وعبّر الدّردير عن حاصل المذهب المالكيّ في المسألة بقوله ‪ :‬إنّ من ترك الجهر فيما يجهر‬
‫سرّ فقد حصل منه نقص ‪ ،‬لكن ل سجود عليه إلّ إذا اقتصر على حركة‬
‫فيه وأتى بدله بال ّ‬
‫سرّ فيما يسرّ فيه وأتى بدله بالجهر فقد حصل منه زيادة ‪ ،‬لكن ل‬
‫اللّسان ‪ .‬وإنّ من ترك ال ّ‬
‫سجود عليه بعد السّلم ‪ ،‬إلّ إذا رفع صوته فوق سماع نفسه ومن يلصقه ‪ ،‬بأن كان يسمعه‬
‫من بعد عنه بنحو صفّ فأكثر ‪.‬‬
‫الجهر في النّوافل ‪:‬‬
‫‪ -‬ل خلف بين الفقهاء في سّنيّة السرار في نوافل النّهار المطلقة ‪.‬‬ ‫‪18‬‬

‫أمّا نوافل اللّيل فيرى المالكيّة وصاحب التّتمّة من الشّافعيّة سّنيّة الجهر فيها ‪.‬‬
‫ن النّوافل تبع للفرائض لكونها‬
‫وذهب الحنفيّة إلى أنّ المنفرد يخيّر بين الجهر والخفاء ‪ ،‬ل ّ‬
‫مكمّلت لها فيخيّر فيها المنفرد كما يخيّر في الفرائض ‪ .‬وإن كان إماما جهر لما ذكر من أنّها‬
‫اتّباع الفرائض ‪ ،‬ولهذا يخفي في نوافل النّهار ولو كان إماما ‪.‬‬
‫ويقول الحنابلة ‪ :‬إنّ المتنفّل ليل يراعي المصلحة ‪ ،‬فإن كان بحضرته أو قريبا منه من يتأذّى‬
‫بجهره أسرّ ‪ ،‬وإن كان من ينتفع بجهره جهر ‪.‬‬
‫وقال صاحب التّهذيب من الشّافعيّة ‪ :‬يتوسّط ( المتنفّل ليلً ) بين الجهر والسرار ‪.‬‬
‫سنّة السرار ‪.‬‬
‫ل أو نحوه وإلّ فال ّ‬
‫هذا إن لم يشوّش على نائم أو مص ّ‬
‫ن النّهار هنا من طلوع الشّمس ل من طلوع‬
‫قال المحبّ بن نصر اللّه الكتّانيّ ‪ :‬والظهر أ ّ‬
‫الفجر ‪ ،‬واللّيل من غروب الشّمس إلى طلوعها ‪.‬‬
‫وأمّا أحكام الجهر بالقراءة في النّوافل غير المطلقة ‪ ،‬كصلة العيدين ‪ ،‬والكسوف ‪،‬‬
‫والستسقاء ‪ ،‬والتّراويح ‪ ،‬والوتر ‪ ،‬فتنظر في مصطلحاتها وفي أبوابها من كتب الفقه ‪.‬‬
‫إسرار المرأة وجهرها في الصّلة ‪:‬‬
‫‪ -‬ذهب أكثر الشّافعيّة والحنابلة في قول إلى أنّ المرأة إن كانت خالية أو بحضرة نساء أو‬ ‫‪19‬‬

‫رجال محارم جهرت بالقراءة ‪ ،‬وإن صلّت بحضرة أجنبيّ أسرّت ‪.‬‬
‫ويرى المالكيّة كراهة الجهر بالقراءة للمرأة في الصّلة ‪ .‬وصرّحوا بأنّه يجب عليها إن كانت‬
‫بحضرة أجانب يخشون من علوّ صوتها الفتنة إسماعها نفسها فقط ‪ .‬ويؤخذ من عبارات فقهاء‬
‫ن المرأة تسرّ مطلقا ‪ .‬قال ابن‬
‫الحنفيّة ‪ -‬وهو وجه عند الشّافعيّة وقول آخر عند الحنابلة ‪ -‬أ ّ‬
‫الهمام ‪ :‬لو قيل إذا جهرت بالقراءة في الصّلة فسدت كان متّجها ‪.‬‬
‫وهذا هو أحد الوجهين عند الشّافعيّة ‪.‬‬
‫وقال النّوويّ ‪ :‬حيث قلنا ‪ :‬تس ّر فجهرت ل تبطل صلتها على الصّحيح ‪.‬‬
‫قال المرداويّ ‪ :‬يحتمل أن يكون الخلف هنا مبنيّا على الخلف في كون صوتها عورة أم ل‬
‫‪ .‬وللتّفصيل ( ر ‪ :‬عورة ‪ ،‬قراءة ‪ ،‬صلة ) ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬الجهر خارج الصّلة ‪:‬‬
‫الجهر بال ّنيّة ‪:‬‬
‫‪ -‬يرى جمهور الفقهاء ‪ ،‬أنّه لو نوى بقلبه ولم يتكلّم بنيّة فإنّه يجوز ‪.‬‬ ‫‪20‬‬

‫وذهب الشّافعيّة في وجه شاذّ إلى أنّه يشترط نطق اللّسان ‪ .‬وقال النّوويّ ‪ :‬وهو غلط ‪.‬‬
‫ثمّ اختلف الجمهور في المفاضلة بين النّطق بال ّنيّة وتركه ‪.‬‬
‫فذهب أكثرهم إلى أولويّة النّطق بالّنيّة ما لم يجهر بها ‪ ،‬لنّه أتى بال ّنيّة في محلّها وهو القلب‬
‫ونطق بها اللّسان ‪ .‬وذلك زيادة كمال ‪.‬‬
‫وقال بعضهم إنّ النّطق باللّسان مكروه ولو سرّا ويحتمل ذلك وجهين ‪ :‬أحدهما أنّه قد يكون‬
‫صاحب هذا القول يرى أنّ النّطق بها بدعة إذ لم يأت في كتاب ول سنّة ‪.‬‬
‫ويحتمل أن يكون ذلك لما يخشى أنّه إذا نطق بها بلسانه قد يسهو عنها بقلبه وإذا كان ذلك‬
‫كذلك فتبطل صلته لنّه أتى بالنّيه في غير محلّها ‪.‬‬
‫قال ابن قيّم الجوزيّة ‪ « :‬كان صلى ال عليه وسلم إذا قام إلى الصّلة قال ‪ :‬اللّه أكبر ‪ ،‬ولم‬
‫يقل شيئا قبلها ‪ ،‬ول تلفّظ بال ّنيّة ألبتّة ول قال ‪ :‬أصلّي للّه صلة كذا مستقبل القبلة أربع ركعات‬
‫إماما أو مأموما ول قال ‪ :‬أداء ‪ ،‬ول قضاء ‪ ،‬ول فرض الوقت » ‪.‬‬
‫ونقل الشّيخ تقيّ الدّين ابن تيميّة اتّفاق الئمّة على عدم مشروعيّة الجهر بال ّنيّة وتكريرها وقال‬
‫ق للتّعزير بعد تعريفه ل سيّما إذا أذى به أو كرّره ‪.‬‬
‫‪ :‬الجاهر بها مستح ّ‬
‫وللتّفصيل ‪ ( :‬ر ‪ :‬نيّة ) ‪.‬‬
‫الجهر بالتّعوّذ عند قراءة القرآن خارج الصّلة ‪:‬‬
‫ب التّعوّذ للقارئ خارج الصّلة بالجماع ‪ .‬أمّا حكم الجهر بالتّعوّذ أو السرار به‬
‫‪ -‬يستح ّ‬ ‫‪21‬‬

‫‪7‬‬ ‫عند قراءة القرآن ففيه خلف وتفصيل ينظر في مصطلح ‪ ( :‬استعاذة ‪ ،‬ف ‪ / 8‬ج ‪ / 4‬ص‬
‫)‪.‬‬ ‫‪253‬‬ ‫‪-‬‬ ‫‪252/‬‬ ‫ص‬ ‫‪13/‬‬ ‫‪ ، 8 -‬وتلوة ‪ ،‬ف ‪ 6/‬ج‬
‫الجهر بالبسملة عند قراءة القرآن ‪:‬‬
‫ل سورة سوى براءة فإنّ أكثر العلماء قالوا ‪ :‬إنّها آية‬
‫ب قراءة البسملة في أوّل ك ّ‬
‫‪ -‬تستح ّ‬ ‫‪22‬‬

‫حيث تكتب في المصحف وقد كتبت في أوائل السّور سوى براءة ‪ ،‬فإذا قرأها كان متيقّنا‬
‫قراءة الختمة أو السّورة ‪ ،‬فإذا أخلّ بالبسملة كان تاركا لبعض القرآن عند الكثرين ‪.‬‬
‫قال ابن مفلح ‪ :‬فإن قرأها في غير صلة فإن شاء جهر بالبسملة وإن شاء لم يجهر نصّ عليه‬
‫أحمد في رواية أبي داود ومهنّا ‪ .‬تفصيل ذلك ينظر مصطلح ‪ ( :‬بسملة ) ‪.‬‬
‫الجهر بالتّسمية على الطّعام ‪:‬‬
‫‪ -‬أجمع العلماء على استحباب التّسمية على الطّعام في أوّله ‪.‬‬ ‫‪23‬‬

‫وقالوا ‪ :‬يستحبّ أن يجهر بالتّسمية ليكون فيه تنبيه لغيره على التّسمية وليقتدى به في ذلك‪.‬‬
‫وللتّفصيل ‪ ( :‬ر ‪ :‬أكل ‪ ،‬وبسملة ) ‪.‬‬
‫الجهر بقراءة القرآن خارج الصّلة ‪:‬‬
‫‪ -‬جاءت آثار بفضيلة الجهر ورفع الصّوت بالقرآن ‪ ،‬وآثار بفضيلة السرار وخفض‬ ‫‪24‬‬

‫ي حسن الصّوت يتغنّى بالقرآن‬


‫الصّوت ‪ .‬فمن الوّل حديث ‪ « :‬ما أذن اللّه لشيء ما أذن لنب ّ‬
‫يجهر به » ‪ .‬ومن الثّاني حديث ‪ « :‬الجاهر بالقرآن كالجاهر بالصّدقة ‪ ،‬والمسرّ بالقرآن‬
‫كالمسرّ بالصّدقة » ‪.‬‬
‫قال النّوويّ ‪ :‬والجمع بينهما أنّ الخفاء أفضل حيث خاف الرّياء أو تأذّى مصلّون أو نيام‬
‫بجهره ‪ ،‬والجهر أفضل في غير ذلك ‪ ،‬لنّ العمل فيه أكبر ولنّه يتعدّى نفعه إلى غيره ‪،‬‬
‫ولنّه يوقظ قلب القارئ ‪ ،‬ويجمع همّه إلى الفكر ويصرف سمعه إليه ‪ ،‬ويطرد النّوم ويزيد‬
‫النّشاط ‪ .‬ويدلّ لهذا الجمع ما ورد عن أبي سعيد أنّه قال ‪ « :‬اعتكف رسول اللّه صلى ال‬
‫عليه وسلم في المسجد فسمعهم يجهرون بالقراءة فكشف السّتر وقال ‪ :‬أل إنّ كلّكم مناج‬
‫لربّه ‪ ،‬فل يؤذينّ بعضكم بعضا ‪ ،‬ول يرفع بعضكم على بعضكم في القراءة » ‪.‬‬
‫ن المسرّ قد يملّ فيأنس‬
‫وقال بعضهم ‪ :‬يستحبّ الجهر ببعض القراءة والسرار ببعضها ‪ ،‬ل ّ‬
‫ن من قرأ باللّيل جهر بالكثر ‪ ،‬وإن قرأ‬
‫بالجهر ‪ ،‬والجاهر قد يكلّ فيستريح بالسرار ‪ ،‬إلّ أ ّ‬
‫بالنّهار أسرّ بالكثر ‪ ،‬إلّ أن يكون بالنّهار في موضع ل لغو فيه ول صخب ولم يكن في‬
‫صلة فيرفع صوته بالقرآن ‪.‬‬
‫هذا وصرّح العلماء أنّ من جملة الداب ألّ يجهر بين مصلّين أو نيام أو تالين جهرا ‪،‬‬
‫وبحضرة من يطالع أو يدرس أو يصنّف ‪.‬‬
‫وفي الفتح عن الخلصة ‪ :‬رجل يكتب الفقه وبجنبه رجل يقرأ القرآن فل يمكنه استماع القرآن‬
‫فالثم على القارئ ‪ .‬وعلى هذا لو قرأ على السّطح والنّاس نيام يأثم ‪ ،‬لنّه يكون سببا‬
‫لعراضهم عن استماعه ‪ ،‬أو لنّه يؤذيهم بإيقاظهم ‪.‬‬
‫الجهر بالذان والقامة ‪:‬‬
‫ن المقصود وهو العلم يحصل به ‪،‬‬
‫سنّة أن يجهر بالذان فيرفع به صوته ‪ ،‬ل ّ‬
‫‪ -‬من ال ّ‬ ‫‪25‬‬

‫ولهذا كان الفضل أن يؤذّن في موضع يكون أسمع للجيران كالمئذنة ونحوها ‪ ،‬ول ينبغي أن‬
‫ن المطلوب من العلم بها دون‬
‫يجهد نفسه ‪ .‬وكذا يجهر بالقامة لكن دون الجهر بالذان ‪ ،‬ل ّ‬
‫المقصود من الذان ‪ .‬وللتّفصيل ( ر ‪ :‬أذان ‪ :‬وإقامة ) ‪.‬‬
‫الجهر بالخطبة ‪:‬‬
‫ب للخطيب أن يرفع صوته بالخطبة زيادة على أصل الجهر الواجب ‪.‬‬
‫‪ -‬يستح ّ‬ ‫‪26‬‬

‫قال جابر ‪ « :‬كان رسول اللّه صلى ال عليه وسلم إذا خطب احمرّت عيناه ‪ ،‬وعل صوته ‪،‬‬
‫واشتدّ غضبه ‪ ،‬حتّى كأنّه منذر جيش يقول ‪ :‬صبّحكم ومسّاكم ‪» ...‬‬
‫قال النّوويّ بعد أن ذكر الحديث ‪ :‬يستدلّ به على أنّه يستحبّ للخطيب أن يفخّم أمر الخطبة‬
‫ويرفع صوته ويجزل كلمه ويكون مطابقا للفصل الّذي يتكلّم فيه من ترغيب أو ترهيب ‪.‬‬
‫هذا ويكون الجهر في الخطبة الثّانية أخفض من الولى عند الحنفيّة ‪.‬‬
‫ولم نعثر في المذاهب الخرى على تفرقة بين الخطبة الولى والثّانية من حيث الجهر‬
‫والخفاء ‪ .‬وللتّفصيل ( ر ‪ :‬خطبة ) ‪.‬‬
‫الجهر والسرار بالذكار ‪:‬‬
‫‪ -‬نقل ابن بطّال وآخرون أنّ جمهور الفقهاء متّفقون على عدم استحباب رفع الصّوت‬ ‫‪27‬‬

‫ضرّعًا َوخُ ْفيَةً }‪ .‬وبما روي عن « أبي‬


‫بالذّكر والتّكبير ‪ .‬ويؤيّد ذلك قوله تعالى { ادْعُواْ َرّبكُ ْم َت َ‬
‫موسى الشعريّ رضي ال عنه قال ‪ :‬كنّا مع النّبيّ صلى ال عليه وسلم وكنّا إذا أشرفنا على‬
‫واد هلّلنا وكبّرنا ارتفعت أصواتنا فقال النّبيّ صلى ال عليه وسلم ‪ :‬يا أيّها النّاس أربعوا على‬
‫أنفسكم فإنّكم ل تدعون أصمّ ول غائبا إنّه معكم سميع قريب » ‪.‬‬
‫وحمل الشّافعيّ الحاديث الّتي تفيد رفع الصّوت بالذّكر على أنّه صلى ال عليه وسلم جهر‬
‫وقتا يسيرا حتّى يعلّمهم ( الصّحابة ) صفة الذّكر ل أنّهم جهروا دائما ‪ ،‬وقال ‪ :‬فأختار للمام‬
‫والمأموم أن يذكرا اللّه تعالى بعد الفراغ من الصّلة ويخفيان ذلك ‪ ،‬إلّ أن يكون إماما يريد أن‬
‫يتعلّم منه فيجهر حتّى يعلم أنّه تعلّم منه ثمّ يسرّ ‪.‬‬
‫قال ابن علّان ‪ :‬يسنّ السرار في سائر الذكار ‪ ،‬إلّ في القنوت للمام ‪ ،‬والتّلبية ‪ ،‬وتكبير‬
‫ليلتي العيد ‪ ،‬وعند رؤية النعام في عشر ذي الحجّة ‪ ،‬وبين كلّ سورتين من الضّحى إلى آخر‬
‫القرآن ‪ ،‬وذكر السّوق ‪ ،‬وعند صعود الهضبات ‪ ،‬والنّزول من الشّرفات ‪.‬‬
‫ب رفع الصّوت بالتّكبير والذّكر عقيب المكتوبة ‪ ،‬واستدلّوا‬
‫وذهب بعض السّلف إلى أنّه يستح ّ‬
‫ن « رفع الصّوت بالذّكر حين ينصرف النّاس من المكتوبة كان‬
‫بما رواه مسلم عن ابن عبّاس أ ّ‬
‫ي صلى ال عليه وسلم وقال ابن عبّاس ‪ :‬كنت أعلم ‪ -‬إذا انصرفوا ‪ -‬بذلك إذا‬
‫على عهد النّب ّ‬
‫ل وأبلغ في التّدبّر ‪ ،‬ونفعه متع ّد ليقاظ قلوب الغافلين ‪ .‬وخير ما يقال‬
‫سمعته » ولنّه أكثر عم ً‬
‫في هذا المقام ‪ ،‬ما قاله صاحب مراقي الفلح في الجمع بين الحاديث وأقوال العلماء الّذين‬
‫ن ذلك يختلف بحسب‬
‫اختلفوا في المفاضلة بين السرار بالذّكر والدّعاء والجهر بهما " أ ّ‬
‫الشخاص والحوال والوقات والغراض ‪ ،‬فمتى خاف الرّياء أو تأذّى به أحد كان السرار‬
‫أفضل ‪ ،‬ومتى فقد ما ذكر ‪ ،‬كان الجهر أفضل " ‪.‬‬
‫وللتّفصيل ( ر ‪ :‬إسرار ‪ ،‬وذكر ) ‪.‬‬
‫الجهر بالدّعاء ‪:‬‬
‫ضرّعًا َوخُ ْفيَةً }‬
‫‪ -‬الدّعاء سرّا أفضل منه جهرا في الجملة لقوله تعالى { ادْعُواْ َرّبكُ ْم َت َ‬ ‫‪28‬‬

‫ولنّه أقرب إلى الخلص وبذلك أثنى اللّه تعالى على نبيّه زكريّا إذ قال مخبرا عنه { إِذْ نَادَى‬
‫سرّ فيما لم يعترض من أعمال البرّ أعظم أجرا من‬
‫َربّهُ ِندَاء خَ ِفيّا } والشّريعة مقرّرة أنّ ال ّ‬
‫ل بما‬
‫ي خفض الصّوت بين المخافتة والجهر من آداب الدّعاء ‪ ،‬واستد ّ‬
‫الجهر ‪ .‬وعدّ الغزال ّ‬
‫روي أنّ أبا موسى الشعريّ قال ‪ « :‬قدمنا مع رسول اللّه صلى ال عليه وسلم فلمّا دنونا من‬
‫المدينة كبّر ‪ ،‬وكبّر النّاس ورفعوا أصواتهم ‪ ،‬فقال النّبيّ صلى ال عليه وسلم ‪ :‬يا أيّها النّاس ‪:‬‬
‫ن الّذي تدعون ليس بأصمّ ول غائب إنّ الّذي تدعون بينكم وبين أعناق رقابكم » وقالت‬
‫إّ‬
‫ت ِبهَا } أي بدعائك ‪.‬‬
‫ل ِتكَ َولَ ُتخَافِ ْ‬
‫ج َهرْ ِبصَ َ‬
‫عائشة رضي ال عنها في قوله ع ّز وجلّ { َولَ َت ْ‬
‫وقال الخطّابيّ ‪ :‬يكره فيه الجهر الشّديد بالصّوت ‪ .‬وللتّفصيل ( ر ‪ :‬دعاء ) ‪.‬‬
‫الجهر بالتّكبير في طريق مصلّى العيد ‪:‬‬
‫‪ -‬ل خلف بين الفقهاء في جواز التّكبير جهرا في طريق المصلّى في عيد الضحى ‪.‬‬ ‫‪29‬‬

‫أمّا التّكبير في عيد الفطر فيرى جمهور الفقهاء أنّه يكبّر فيه جهرا ‪ ،‬ويرى أبو حنيفة عدم‬
‫الجهر بالتّكبير في عيد الفطر ‪.‬‬
‫وصلة العيدين ‪ ،‬وعيد ) ‪.‬‬ ‫‪213/‬‬ ‫‪،‬ص‬ ‫‪13/‬‬ ‫‪،‬ج‬ ‫‪14/‬‬ ‫وللتّفصيل ( ر ‪ :‬تكبير ‪ ،‬ف‬
‫الجهر بالتّكبير في ليلتي العيدين ‪:‬‬
‫‪ -‬صرّح الشّافعيّة والحنابلة والمالكيّة على القول المقابل للمشهور بأنّه يستحبّ للنّاس رفع‬ ‫‪30‬‬

‫الصّوت بالتّكبير في ليلتي العيدين في مساجدهم ومنازلهم وطرقهم وأسواقهم ‪ ،‬وكان ابن عمر‬
‫في فتية بمنى يسمعه أهل المسجد فيكبّرون ‪ ،‬ويكبّر أهل السواق حتّى ترتجّ منى تكبيرا ‪ .‬قال‬
‫أحمد ‪ :‬كان ابن عمر يكبّر في العيدين جميعا ويعجبنا ذلك ‪ .‬ويستثنى من طلب رفع الصّوت‬
‫المرأة ‪ ،‬وظاهر أنّ محلّه إذا حضرت مع الجماعة ولم يكونوا محارم لها ‪ ،‬ومثلها الخنثى ‪.‬‬
‫وحكى ابن المنذر عن أكثر العلماء أنّه ل يكبّر ليلة العيد وإنّما يكبّر عند الغدوّ إلى صلة العيد‬
‫‪ .‬قال ‪ :‬وبه أقول ‪ .‬وللتّفصيل في أنواع تكبيرات العيدين ‪ ،‬وصفتها ‪ ،‬وحكمها ‪ ،‬ووقتها ‪،‬‬
‫وسائر الحكام المتعلّقة بها ‪ ،‬ينظر ( عيد ) و ( صلة العيد ) ويرجع أيضا إلى مصطلحي‬
‫( أيّام التّشريق ) ( وتكبير ) ‪.‬‬

‫الجهر بالتّلبية ‪:‬‬


‫‪ -‬يرى جمهور الفقهاء أنّه يستحبّ للمحرم أن يرفع صوته بالتّلبية ‪.‬‬ ‫‪31‬‬

‫وذهب المالكيّة إلى أنّه يندب له التّوسّط في تصويته بها فل يبالغ في رفعه ‪ ،‬ول في خفض‪.‬‬
‫)‪.‬‬ ‫‪263‬‬ ‫ص‬ ‫‪13‬‬ ‫وللتّفصيل ‪ ( :‬ر ‪ :‬تلبية ف ‪ 5‬ج‬
‫الجهر بالسّوء من القول ‪:‬‬
‫‪ -‬يجب النكار على من تكلّم بسوء فيمن كان ظاهره السّتر والصّلح ولم يظهر ظلمه ;‬ ‫‪32‬‬

‫ل مَن ظُلِمَ } أي أنّه ل‬


‫ج ْهرَ بِالسّوَءِ مِنَ ا ْل َق ْولِ ِإ ّ‬
‫ل ُيحِبّ اللّهُ ا ْل َ‬
‫ن اللّه تعالى قد أخبر بقوله { ّ‬
‫لّ‬
‫يحبّ ذلك ‪ ،‬وما ل يحبّه يكون محظورا ‪ ،‬فعلينا أن نكرهه وننكره ‪.‬‬

‫جهل *‬
‫التّعريف ‪:‬‬
‫‪ -‬الجهل لغة ‪ :‬نقيض العلم ‪ .‬يقال جهلت الشّيء جهل وجهالة بخلف علمته ‪ ،‬وجهل على‬ ‫‪1‬‬

‫غيره سفه أو خطأ ‪.‬‬


‫وجهل الحقّ أضاعه ‪ ،‬فهو جاهل وجهل ‪ .‬وجهّلته ‪ -‬بالتّثقيل ‪ -‬نسبته إلى الجهل ‪.‬‬
‫وفي الصطلح ‪ :‬هو اعتقاد الشّيء على خلف ما هو عليه ‪ ،‬وهو قسمان ‪ :‬بسيط ومركّب ‪.‬‬
‫أ ‪ -‬الجهل البسيط ‪ :‬هو عدم العلم ممّن شأنه أن يكون عالما ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬الجهل المركّب ‪ :‬عبارة عن اعتقاد جازم غير مطابق للواقع ‪.‬‬
‫وقد سبق في مصطلح " جهالة " التّفرقة بين مصطلحي ( جهل وجهالة ) في استعمال الفقهاء‬
‫لهما حيث يستعملون الجهل في حالة اتّصاف النسان به في اعتقاده أو قوله أو فعله ‪،‬‬
‫ويستعملون الجهالة في حالة اتّصاف الشّيء المجهول بها ( ر ‪ :‬جهالة ) ‪.‬‬
‫اللفاظ ذات الصّلة ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬النّسيان ‪:‬‬
‫‪ -‬النّسيان لغة لفظ مشترك بين معنيين ‪:‬‬ ‫‪2‬‬

‫أحدهما ‪ :‬ترك الشّيء عن ذهول وغفلة ‪ ،‬وذلك خلف الذّكر له ‪.‬‬


‫ضلَ بَي َن ُكمْ } أي ‪ :‬ل تقصدوا‬
‫والثّاني ‪ :‬التّرك عن تعمّد ومنه قوله تعالى ‪ { :‬ول َت ْنسَوا ال َف ْ‬
‫التّرك والهمال ‪ .‬ونسيت ركعة أهملتها ذهول ‪ ،‬وقال الزّمخشريّ ‪ :‬من المجاز نسيت الشّيء‬
‫سنّة ‪ ،‬فل ينافي الوجوب أي ‪:‬‬
‫تركته ‪ .‬وفي الصطلح ‪ :‬هو الغفلة عن معلوم في غير حال ال ّ‬
‫نفس الوجوب ‪ ،‬ل وجوب الداء ‪.‬‬
‫قال القرافيّ ‪ :‬النّسيان ل إثم فيه من حيث الجملة ‪ ،‬بخلف الجهل بما يتعيّن على النسان‬
‫تعلّمه ‪ .‬والنّسيان أيضا يهجم على العبد قهرا ل حيلة له في دفعه عنه ‪ ،‬والجهل له حيلة في‬
‫دفعه بالتّعلّم ‪ .‬قال التّهانويّ ‪ :‬وكذا الغفلة والذّهول والجهل البسيط بعد العلم يسمّى نسيانا ‪ .‬قال‬
‫المديّ ‪ :‬إنّ الذّهول والغفلة والنّسيان عبارات مختلفة ‪ ،‬لكن يقرب أن تكون معانيها متّحدة ‪،‬‬
‫وكلّها مضادّة للعلم ‪ ،‬بمعنى أنّه يستحيل اجتماعها معه ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬السّهو ‪:‬‬
‫‪ -‬السّهو في اللّغة من سها يسهو سهوا ‪ :‬أي غفل ‪ ،‬والسّهوة ‪ :‬الغفلة ‪.‬‬ ‫‪3‬‬

‫وفرّقوا بين السّاهي والنّاسي بأنّ النّاسي ‪ ،‬إذا ذكّرته تذكّر ‪ ،‬والسّاهي بخلفه ‪.‬‬
‫وفي الصطلح قال التّهانويّ ‪ :‬ويقرب منه أي من ( الجهل ) السّهو وكأنّه جهل بسيط سببه‬
‫عدم استثبات التّصوّر حتّى إذا نبّه السّاهي أدنى تنبيه تنبّه ‪.‬‬
‫أقسام الجهل ‪:‬‬
‫ينقسم الجهل إلى قسمين ‪:‬‬
‫أوّلً ‪ -‬الجهل الباطل الّذي ل يصلح عذرا ‪:‬‬
‫‪ -‬وهذا القسم ل يصلح أن يكون عذرا في الخرة وإن كان قد يصلح عذرا في أحكام الدّنيا‬ ‫‪4‬‬

‫ي حتّى ل يقتل ‪ ،‬ولكن ل يكون عذرا في الخرة حتّى أنّه يعاقب‬


‫كقبول عقد ال ّذمّة من ال ّذ ّم ّ‬
‫فيها ‪ .‬ومن أمثلة ذلك جهل الكفّار بصفات اللّه تعالى وأحكام الخرة ‪ ،‬فإنّه ل يصلح عذرا‬
‫أصلً ‪ ،‬لنّه مكابرة وعناد بعد وضوح الدّلئل على وحدانيّة اللّه تعالى وربوبيّته ‪ ،‬بحيث ل‬
‫يخفى على أحد من حدوث العالم المحسوس ‪ ،‬وكذا على ح ّقيّة الرّسول من القرآن وغيره من‬
‫المعجزات ‪ .‬وكذا جهل صاحب الهوى الّذي يقول بحدوث صفات اللّه تعالى ‪ ،‬أو يقول بعدم‬
‫إثبات صفة له سبحانه ‪.‬‬
‫هذا ما قاله الحمويّ ‪ ،‬وقال الزّركشيّ ‪ :‬الجهل بالصّفة هل هو جهل بالموصوف مطلقا أو من‬
‫بعض الوجوه ؟ المرجّح الثّاني ‪ ،‬لنّه جاهل بالذّات من حيث صفاتها ل مطلقا ‪ ،‬ومن ث ّم ل‬
‫نكفّر أحدا من أهل القبلة ‪.‬‬
‫سنّة المشهورة أو الجماع ‪ ،‬أو‬
‫ومن هذا القسم أيضا جهل من خالف في اجتهاده الكتاب أو ال ّ‬
‫سنّة المشهورة فإنّه ليس بعذر أصلً ‪.‬‬
‫عمل بالغريب على خلف الكتاب أو ال ّ‬
‫ثانيا ‪ -‬الجهل الّذي يصلح عذرا ‪:‬‬
‫‪ -‬الجهل الّذي يصلح أن يكون عذرا هو الجهل الّذي يكون في موضع الجتهاد الصّحيح ‪،‬‬ ‫‪5‬‬

‫سنّة أو الجماع ‪ ،‬وذلك كالمحتجم إذا أفطر على ظنّ أنّ‬


‫بأن ل يكون مخالفا للكتاب أو ال ّ‬
‫الحجامة مفطرة ل تلزمه الكفّارة ‪ ،‬لنّ جهله في موضع الجتهاد الصّحيح ‪.‬‬
‫وتفصيله في مصطلح ‪ ( :‬حجامة ) ‪.‬‬
‫ومن الجهل الّذي يصلح عذرا ‪ ،‬الجهل بالشّرائع في دار الحرب يكون عذرا من مسلم أسلم‬
‫فيها ولم يهاجر ‪ ،‬حتّى لو مكث فيها ولم يعلم أنّ عليه الصّلة والزّكاة وغيرهما ولم يؤدّها ل‬
‫يلزمه قضاؤها خلفا لزفر لخفاء الدّليل في حقّه ‪ ،‬وهو الخطاب لعدم بلوغه إليه حقيقة‬
‫بالسّماع وتقديرا بالشّهرة ‪ ،‬فيصير جهله بالخطاب عذرا ‪.‬‬
‫بخلف ال ّذ ّميّ إذا أسلم في دار السلم لشيوع الحكام والتّمكّن من السّؤال ‪.‬‬
‫قال السّيوطيّ ‪ :‬كلّ من جهل تحريم شيء ممّا يشترك فيه غالب النّاس لم يقبل منه دعوى‬
‫الجهل إلّ أن يكون قريب عهد بالسلم ‪ ،‬أو نشأ ببادية بعيدة يخفى فيها مثل ذلك ‪ ،‬كتحريم‬
‫الزّنى ‪ ،‬والقتل ‪ ،‬والسّرقة ‪ ،‬والخمر ‪ ،‬والكلم في الصّلة ‪ ،‬والكل في الصّوم ‪.‬‬
‫وقال الزّركشيّ ‪ :‬لو شهدا بقتل ثمّ رجعا وقال تعمّدنا ‪ ،‬لكن ما عرفنا أنّه يقتل بشهادتنا فل‬
‫يجب القصاص في الصحّ ‪ ،‬إذ لم يظهر تعمّدهما للقتل ‪ ،‬لنّ ذلك ممّا يخفى على العوّام ‪.‬‬
‫ومن هذا القبيل أعني الّذي يقبل فيه دعوى الجهل مطلقا لخفائه كون التّنحنح مبطلً للصّلة ‪،‬‬
‫أو كون القدر الّذي أتى به من الكلم محرّما ‪ ،‬أو النّوع الّذي تناوله مفطرا ‪ ،‬فالصحّ في‬
‫الصّور الثّلث عدم البطلن ‪ .‬ول تقبل دعوى الجهل في المور المشتهرة بين النّاس كثبوت‬
‫الرّدّ بالعيب ‪ ،‬والخذ بالشّفعة من رجل قديم السلم ‪ ،‬بخلف ما ل يعرفه إلّ الخواصّ ‪.‬‬
‫‪ -6‬هذا ويعقد الصوليّون من الحنفيّة بابا لعوارض الهليّة ‪ ،‬ويجعلون الجهل من العوارض‬
‫المكتسبة ‪ ،‬وقد قسّم صاحب مسلّم الثّبوت الجهل إلى أنواع هي ‪:‬‬
‫الوّل ‪ :‬الجهل الّذي يكون من مكابرة العقل وترك البرهان القاطع وهو جهل الكافر ‪ ،‬ل يكون‬
‫عذرا بحال ‪ ،‬بل يؤاخذ به في الدّنيا والخرة ‪.‬‬
‫الثّاني ‪ :‬الجهل الّذي يكون عن مكابرة العقل وترك الحجّة الجليّة أيضا ‪ ،‬لكن المكابرة فيه أقلّ‬
‫سنّة ‪.‬‬
‫منها في الوّل ‪ ،‬لكون هذا الجهل ناشئا عن شبهة منسوبة إلى الكتاب أو ال ّ‬
‫وهذا الجهل للفرق الضّالّة من أهل الهواء ‪ ،‬وهذا الجهل ل يكون عذرا ‪ ،‬ول نتركهم على‬
‫جهلهم ‪ ،‬فإنّ لنا أن نأخذهم بالحجّة لقبولهم التّديّن بالسلم ‪.‬‬
‫الثّالث ‪ :‬جهل نشأ عن اجتهاد ودليل شرعيّ لكن فيما ل يجوز فيه الجتهاد بأن يخالف الكتاب‬
‫سنّة المشهورة أو الجماع ‪.‬‬
‫أو ال ّ‬
‫وحكمه ‪:‬أنّه وإن كان عذرا في حقّ الثم لكن ل يكون عذرا في الحكم حتّى ل ينفذ القضاءبه‪.‬‬
‫الرّابع ‪ :‬جهل نشأ عن اجتهاد فيه مساغ كالمجتهدات وهو عذر ألبتّة وينفذ القضاء على حسبه‬
‫‪.‬‬
‫الخامس ‪ :‬جهل نشأ عن شبهة وخطأ كمن وطئ أجنبيّة يظنّ أنّها زوجته ‪ ،‬وهذا عذر يسقط‬
‫الحدّ ‪.‬‬
‫السّادس ‪ :‬جهل لزمه ضرورة بعذر وهو أيضا عذر يسقط به الحدّ ‪ ،‬كجهل المسلم في دار‬
‫الحرب أحكام السلم فل يحدّ بالشّرب ‪ .‬وتفصيله في الملحق الصوليّ ‪.‬‬
‫الجهل بالتّحريم مسقط للثم والحكم في الظّاهر ‪:‬‬
‫‪ -‬الجهل بالتّحريم مسقط للثم والحكم في الظّاهر لمن يخفى عليه لقرب عهده بالسلم‬ ‫‪7‬‬

‫ونحوه ‪ ،‬فإن علمه وجهل المرتّب عليه لم يعذر ‪.‬‬


‫ولهذا لو جهل تحريم الكلم في الصّلة عذر ‪ ،‬ولو علم التّحريم وجهل البطال بطلت ‪.‬‬
‫وإن علم أنّ جنس الكلم يحرم ولم يعلم أنّ التّنحنح والمقدار الّذي نطق به محرّم فمعذور في‬
‫الصحّ ‪ .‬وقد ذكر الزّركشيّ هنا تنبيهين ‪:‬‬
‫ن هذا ل يختصّ بحقوق اللّه تعالى ‪ ،‬بل يجري في حقوق الدميّين ‪ ،‬ففي تعليق‬
‫أحدهما ‪ :‬أ ّ‬
‫ن رجلً قتل رجلً وادّعى الجهل بتحريم القتل وكان مثله يخفى عليه ذلك‬
‫القاضي حسين ‪ :‬لو أ ّ‬
‫يقبل قوله في إسقاط القصاص وعليه الدّية مغلّظة ‪ ،‬قال الزّركشيّ ‪ :‬وفيما قاله القاضي نظر‬
‫قويّ ‪.‬‬
‫الثّاني ‪ :‬أنّ إعذار الجاهل من باب التّخفيف ل من حيث جهله ‪.‬‬
‫ولهذا قال الشّافعيّ ‪ :‬لو عذر الجاهل لجل جهله لكان الجهل خيرا من العلم ‪ ،‬إذ كان يحطّ‬
‫عن العبد أعباء التّكليف ‪ ،‬ويريح قلبه من ضروب التّعنيف ‪ ،‬فل حجّة للعبد في جهله بالحكم‬
‫سلِ } ‪.‬‬
‫حجّةٌ َبعْدَ ال ّر ُ‬
‫بعد التّبليغ والتّمكين ‪ِ { ،‬لئَلّ َيكُونَ لِلنّاسِ عَلَى اللّهِ ُ‬
‫ي ؟ وجهان ‪:‬‬
‫ق ويغمض معرفتها هل يعذر فيها العا ّم ّ‬
‫ل مسألة تد ّ‬
‫قال القاضي حسين ‪ :‬ك ّ‬
‫أصحّهما ‪ :‬نعم ‪.‬‬
‫الجهل بمعنى اللّفظ مسقط لحكمه ‪:‬‬
‫‪ -‬إذا نطق العجميّ بكلمة كفر ‪ ،‬أو إيمان أو طلق أو إعتاق أو بيع أو شراء أو نحوه ‪،‬‬ ‫‪8‬‬

‫ول يعرف معناه ل يؤاخذ بشيء منه ‪ ،‬لنّه لم يلتزم بمقتضاه ‪ ،‬ولم يقصد إليه ‪.‬‬
‫ي بما يدلّ على هذه العبارة بلفظ أعجميّ ل يعرف معناه ‪ ،‬فإنّه ل يؤاخذ‬
‫وكذلك إذا نطق العرب ّ‬
‫‪ .‬نعم ‪ .‬لو قال العجميّ ‪ :‬أردت به ما يراد عند أهله فوجهان ‪ :‬أصحّهما ‪ :‬كذلك ‪ ،‬لنّه لم‬
‫ن الرادة ل تتوجّه إلّ إلى معلوم أو مظنون ‪ ،‬لنّه إذا لم يعرف معنى اللّفظ لم يصحّ‬
‫يرده ‪ ،‬فإ ّ‬
‫قصده ‪ .‬ولو نطق العربيّ بكلمات عربيّة لكنّه ل يعرف معانيها في الشّرع ‪ ،‬مثل قوله لزوجته‬
‫سنّة أو للبدعة ‪ ،‬وهو جاهل بمعنى اللّفظ ‪ ،‬أو نطق بلفظ الخلع أو النّكاح ‪ ،‬ففي‬
‫‪ :‬أنت طالق لل ّ‬
‫القواعد للشّيخ عزّ الدّين بن عبد السّلم أنّه ل يؤاخذ بشيء ‪ ،‬إذ ل شعور له بمدلوله حتّى‬
‫يقصده باللّفظ ‪ .‬قال ‪ :‬وكثيرا ما يخالع الجهّال من الّذين ل يعرفون مدلول لفظ الخلع‬
‫ويحكمون بصحّته للجهل بهذه القاعدة ‪.‬‬
‫من علم تحريم شيء وجهل ما يترتّب عليه ‪:‬‬
‫ل من علم تحر يم شيء وجهل ما يترتّب عل يه لم يفده ذلك ‪ ،‬ك من علم تحر يم الزّنى‬
‫‪-‬كّ‬ ‫‪9‬‬

‫والخ مر وج هل وجوب الحدّ يح ّد بالتّفاق ‪ ،‬لنّه كان حقّه المتناع ‪ ،‬وكذا لو علم تحر يم الق تل‬
‫وج هل وجوب الق صاص ي جب الق صاص ‪ ،‬أو علم تحر يم الكلم في ال صّلة ‪ ،‬وج هل كو نه‬
‫مبطل يبطل ‪ ،‬أو علم تحريم الطّيب على المحرم وجهل وجوب الفدية تجب ‪.‬‬
‫الجهل عذر في المنهيّات في حقوق اللّه تعالى ‪:‬‬
‫‪ -‬الجهل عذر في حقّ اللّه تعالى في المنهيّات دون المأمورات ‪ ،‬والصل فيه حديث «‬ ‫‪10‬‬

‫معاوية بن الحكم لمّا تكلّم في الصّلة ‪ ،‬ولم يؤمر بالعادة لجهله بالنّهي » ‪.‬‬
‫وحديث يعلى بن أميّة ‪ :‬حيث « أمر صلى ال عليه وسلم أعرابيّا بنزع الجبّة عنه وهو‬
‫محرم ‪ ،‬ولم يأمره بالفدية لجهله » ‪.‬‬
‫ج به الشّافعيّ على أنّ من وطئ في الحرام جاهلً فل فدية عليه ‪ .‬والفرق بينهما من‬
‫واحت ّ‬
‫ن المقصود من المأمورات إقامة مصالحها ‪ .‬وذلك ل يحصل إلّ بفعلها ‪،‬‬
‫جهة المعنى أ ّ‬
‫والمنهيّات مزجور عنها بسبب مفاسدها امتحانا للمكلّف بالنكفاف عنها ‪ ،‬وذلك إنّما يكون‬
‫بالتّعمّد لرتكابها ‪ ،‬ومع الجهل لم يقصد المكلّف ارتكاب المنهيّ ‪ ،‬فعذر بالجهل فيه ‪.‬‬
‫أمّا في حقوق الدميّين فقد ل يعذر ‪ ،‬كما لو ضرب مريضا جهل مرضه ضربا يقتل المريض‬
‫يجب القصاص في الصحّ ‪ .‬بخلف ما لو حبس من به جوع وعطش ولم يعلم بحاله مدّة ل‬
‫يموت فيها الشّبعان عند الحبس فل قصاص ‪.‬‬
‫وكأنّ الفرق أنّ أمارات المرض ل تخفى بخلف الجوع ‪.‬‬
‫أحكام الجهل ‪:‬‬
‫للجهل أحكام خاصّة في الفقه السلميّ نجملها فيما يلي ‪:‬‬
‫جهل المرأة عادتها ‪:‬‬
‫‪ -‬المرأة إذا جهلت عادتها لنسيان أو جنون ونحوهما " وهي المتحيّرة " سمّيت بذلك‬ ‫‪11‬‬

‫لتحيّرها في أمرها ‪ ،‬وهي المستحاضة غير المميّزة ‪ .‬لها ثلثة أحوال ‪ ،‬لنّها إمّا أن تكون‬
‫ناسية للقدر والوقت ‪ ،‬أو للقدر دون الوقت ‪ ،‬أو بالعكس ‪.‬‬
‫وفي ذلك خلف وتفصيل يذكره الفقهاء في ( حيض ) ‪.‬‬
‫الجهل بوقت الصّلة ‪:‬‬
‫‪ -‬من جهل الوقت لعارض كغيم ‪ ،‬أو حبس وعدم ثقة يخبره به عن علم ‪ ،‬اجتهد جوازا إن‬ ‫‪12‬‬

‫قدر على اليقين بالصّبر أو الخروج ورؤية الشّمس مثل ‪ ،‬وإلّ فوجوبا بورد من قرآن ‪،‬‬
‫ودرس ‪ ،‬ومطالعة وصلة وغير ذلك ‪ .‬وتفصيله في ‪ ( :‬صلة ) ‪.‬‬
‫الجهل بالنّجاسة في الصّلة ‪:‬‬
‫ن من صلّى حامل نجاسة غير معفوّ عنها ول يعلمها تبطل صلته‬
‫‪ -‬ذهب الجمهور إلى أ ّ‬ ‫‪13‬‬

‫طهّر } ‪.‬‬
‫وعليه قضاؤها لقوله تعالى ‪َ { :‬وِثيَا َبكَ فَ َ‬
‫ل حال الذّكر والقدرة على‬
‫صحّة إ ّ‬
‫ن الطّهارة من الخبث ليست شرطا في ال ّ‬
‫وذهب المالكيّة إلى أ ّ‬
‫المشهور ‪ .‬وتفصيله في مصطلح ‪ ( :‬صلة ) ‪.‬‬
‫الجهل بالمطهّر وساتر العورة ‪:‬‬
‫‪ -‬إذا اختلط ماء طاهر بآخر نجس ‪ ،‬ولم يعلم الطّاهر منهما ‪ ،‬هل يجتهد ويتحرّى ويتطهّر‬ ‫‪14‬‬

‫ويصلّي أم يصلّي بالتّيمّم ؟ في ذلك خلف وتفصيل ينظر في مصطلحي ‪ ( :‬ماء وصلة ) ‪.‬‬
‫ومثله إذا اشتب هت عل يه ثياب طاهرة بأخرى نج سة لم ي جد غير ها ‪ ،‬ولن ي جد ما يطهّر ها به‬
‫واحتاج إلى ال صّلة فيجب عليه الجتهاد والتّحرّي عند الجمهور ‪ ،‬ويصلّي بما غلب على ظنّه‬
‫طهارته ‪ .‬وتفصيله في مصطلح ‪ ( :‬صلة ) ‪.‬‬
‫)‪.‬‬ ‫‪294/‬‬ ‫ج ‪ 4/‬ص‬ ‫‪13‬‬ ‫وينظر مصطلح اشتباه من الموسوعة ( ف ‪/‬‬
‫الجهل بالقبلة ‪:‬‬
‫‪ -‬ل خلف بين الفقهاء في أنّ استقبال القبلة من شروط صحّة الصّلة لقوله تعالى ‪:‬‬ ‫‪15‬‬

‫ط َر ُه }‬
‫ش ْ‬
‫ح ْيثُ مَا كُنتُمْ فَوَلّو ْا ُوجُو َهكُمْ َ‬
‫حرَا ِم َو َ‬
‫ط َر ا ْل َمسْجِدِ ا ْل َ‬
‫ج َهكَ شَ ْ‬
‫{ فَ َولّ َو ْ‬
‫ومن جهل القبلة يسأل من يعلمها ‪ ،‬فإذا تعذّر السّؤال اجتهد ‪.‬‬
‫على تفصيل ينظر في مصطلحي ‪ ( :‬استقبال ‪ ،‬واشتباه ) ‪.‬‬
‫الجهل بالفاتحة ‪:‬‬
‫‪ -‬من جهل الفاتحة بأن لم يمكنه معرفتها لعدم معلّم أو مصحف أو نحو ذلك ‪ ،‬أتى في‬ ‫‪16‬‬

‫الصّلة ببدلها من القرآن الكريم ‪ ،‬فإن لم يعلم شيئا من القرآن ‪ ،‬أتى بالذّكر بلسان عربيّ ‪ ،‬لما‬
‫روى أبو داود وغيره « أنّ رجلً قال ‪ :‬يا رسول اللّه ‪ :‬إنّي ل أستطيع أن آخذ من القرآن‬
‫ل اللّه ‪ ،‬واللّه‬
‫شيئا فعلّمني ما يجزيني عنه ‪ .‬فقال ‪ :‬قل ‪ :‬سبحان اللّه ‪ ،‬والحمد للّه ‪ ،‬ول إله إ ّ‬
‫أكبر ‪ ،‬ول حول ول قوّة إلّ باللّه » ‪ .‬ول يجزئ بالعجميّة عند الجمهور ‪ ،‬ويجزئ عند أبي‬
‫حنيفة ‪ ،‬وتفصيله في مصطلح ‪ ( :‬صلة ) ‪.‬‬
‫الجهل بوجوب الصّلة ‪:‬‬
‫‪ -‬ل خلف بين الفقهاء في أنّ تارك الصّلة إن جحدها وهو عالم بوجوبها يكفر ‪ ،‬إلّ إذا‬ ‫‪17‬‬

‫كان جاهل بوجوبها كأن كان قريب عهد بالسلم ‪ ،‬أو نشأ في بادية ‪ ،‬أو جزيرة بعيدة عن‬
‫العلماء ‪ .‬وتفصيله في ‪ ( :‬ردّة ‪ ،‬صلة ) ‪.‬‬
‫الجهل بمبطلت الصّلة ‪:‬‬
‫‪ -‬اختلف الفقهاء هل يعذر من يجهل مبطلت الصّلة ‪ ،‬فذهب الحنفيّة والمالكيّة إلى أنّ‬ ‫‪18‬‬

‫التّكلّم في الصّلة يبطلها عالما كان المتكلّم أو جاهلً ‪.‬‬


‫وذهب الشّافعيّة إلى أنّه إذا تكلّم قليلًا جاهلً بتحريم الكلم في الصّلة ل تبطل صلته إن قرب‬
‫عهده بالسلم ‪ ،‬أو نشأ بعيدا عن العلماء ‪ ،‬بخلف من بعد إسلمه وقرب من العلماء لتقصيره‬
‫بترك العلم ‪ .‬وتفصيله في مصطلح ‪ ( :‬صلة ) ‪.‬‬
‫قضاء الفوائت المجهولة ‪:‬‬
‫‪ -‬ذهب جمهور الفقهاء إلى أنّ من عليه فوائت ل يدري عددها وتركها لعذر وجب عليه‬ ‫‪19‬‬

‫أن يقضي حتّى يتّقين براءة ذمّته من الفروض ‪.‬‬


‫وذهب الحنفيّة إلى أنّه يعمل بأكبر رأيه ‪ ،‬فإن لم يكن له رأي يقضي حتّى يتيقّن أنّه لم يبق‬
‫عليه شيء ‪.‬‬
‫وأمّا من ترك لغير عذر ففيه خلف وتفصيل ينظر في مصطلح ( قضاء الفوائت ) ‪.‬‬
‫الجهل بوقت الصّوم ‪:‬‬
‫‪ -‬لو اشتبه رمضان على أسير ومحبوس ونحوهما ‪ ،‬صام وجوبا شهرا بالجتهاد ‪ ،‬كما في‬ ‫‪20‬‬

‫اجتهاده للصّلة في القبلة ونحوها ‪ ،‬وذلك بأمارة كخريف ‪ ،‬أو حرّ ‪ ،‬أو برد ‪ ،‬فلو صام بغير‬
‫ج ‪ 4/‬ص ‪/‬‬ ‫‪15/‬‬ ‫اجتهاد فوافق رمضان لم يجزئه لتردّده في ال ّنيّة ‪ ( ،‬انظر ‪ :‬اشتباه ‪ ،‬ف‬
‫‪ ،‬وصوم ) ‪.‬‬ ‫‪296‬‬

‫جماع الصّائم في رمضان جاهل بالتّحريم ‪:‬‬


‫‪ -‬ل كفّارة على الصّائم الجاهل بتحريم الجماع في نهار رمضان إذا جامع على خلف بين‬ ‫‪21‬‬

‫الفقهاء ‪ .‬وتفصيله في مصطلح ( صوم ‪ ،‬كفّارة ) ‪.‬‬


‫جماع محرم جاهل بالتّحريم ‪:‬‬
‫‪ -‬ذهب جمهور الفقهاء ‪ -‬الحنفيّة والمالكيّة والحنابلة ‪ -‬إلى أنّ الجماع في حالة الحرام‬ ‫‪22‬‬

‫جناية يجب فيها الجزاء ‪ ،‬سواء في ذلك العالم والجاهل وغيرهما ‪.‬‬
‫وذهب الشّافعيّة إلى أنّ الجاهل إذا كان قريب عهد بالسلم ‪ ،‬أو نشأ في بادية بعيدة عن‬
‫العلماء ل يفسد إحرامه بالجماع ونحو ذلك ‪.‬‬
‫)‪.‬‬ ‫‪190/‬‬ ‫ج ‪ 2/‬ص‬ ‫‪170/‬‬ ‫وقد سبق ذلك في مصطلح ( إحرام ‪ ،‬ف‬
‫الجهل ل يعفي من ضمان المتلفات ‪:‬‬
‫‪ -‬اتّفق الفقهاء على أنّ الجهل بكون المال المتلف مال الغير ل يعفيه من الضّمان ‪.‬‬ ‫‪23‬‬

‫وتفصيله في مصطلح ( ضمان ) ‪.‬‬


‫الحجر على الطّبيب الجاهل ‪:‬‬
‫‪ -‬صرّح الحنفيّة بالحجر على المفتي الماجن والطّبيب الجاهل ‪ ،‬والمكاري المفلس ‪.‬‬ ‫‪24‬‬

‫والطّبيب الجاهل ‪ :‬هو من يسقي النّاس دواء مهلكا ‪ ،‬وإذا قوي عليهم المرض ل يقدر على‬
‫إزالة ضرره ‪ .‬وتفصيله في مصطلح ‪ ( :‬حجر ) ‪.‬‬
‫طلق من جهل معنى الطّلق ‪:‬‬
‫‪ -‬ل يقع طلق من يجهل معنى اللّفظ الدّالّ على الطّلق ‪.‬‬ ‫‪25‬‬

‫قال في المغني ‪ :‬إن قال العجميّ لمرأته أنت طالق ول يفهم معناه لم تطلق ‪ ،‬لنّه ليس‬
‫بمختار للطّلق فلم يقع طلقه كالمكره ‪ .‬وتفصيله في ‪ ( :‬طلق ) ‪.‬‬
‫الجهل بتحريم الزّنى ‪:‬‬
‫‪ -‬يعذر الجاهل بتحريم الزّنى إن كان قريب عهد بالسلم ‪ ،‬أو نشأ في بادية بعيدة عن‬ ‫‪26‬‬

‫العلماء أو كان مجنونا فأفاق وزنى قبل أن يعلم الحكام ‪ ،‬وعند المالكيّة قولن ‪.‬‬
‫وتفصيله في مصطلح ‪ ( :‬حدود ‪ ،‬زنى ) ‪.‬‬
‫الجهل بتحريم السّرقة ‪:‬‬
‫‪ -‬ذهب جمهور الفقهاء إلى أنّ يد السّارق تقطع ‪ -‬بشرطه ‪ -‬سواء كان عالما بالتّحريم أم‬ ‫‪27‬‬

‫ن يد السّارق الجاهل ل تقطع ‪ .‬وتفصيله في ‪ ( :‬سرقة ) ‪.‬‬


‫جاهلً وذهب الشّافعيّة إلى أ ّ‬
‫الجهل بتحريم الخمر ‪:‬‬
‫‪ -‬اتّفق الفقهاء على أنّ من شرب الخمر وهو يجهل أنّها خمر ل يحدّ ‪ ،‬أمّا إذا شرب‬ ‫‪28‬‬

‫الخمر وهو يعلم أنّها خمر لكنّه ادّعى الجهل بالتّحريم ففيه خلف بين الفقهاء ‪.‬‬
‫ينظر تفصيله في ( حدود ‪ ،‬سكر ) ‪.‬‬
‫تولية الجاهل بالحكام الشّرعيّة القضاء ‪:‬‬
‫‪ -‬الصل فيمن يولّى القضاء أن يكون عالما بالحكام الشّرعيّة ‪ ،‬ويجوز تولية غيره‬ ‫‪29‬‬

‫القضاء عند الضّرورة بأن لم يوجد العالم ‪ .‬وهناك تفصيل ينظر في مصطلح ‪ ( :‬قضاء ) ‪.‬‬
‫الجهل بالبيعة للمام الوّل ‪:‬‬
‫‪ -‬إذا عقدت البيعة لمامين وجهل السّابق منهما بطل العقد فيهما عند الشّافعيّة ‪ .‬وللمام‬ ‫‪30‬‬

‫أحمد روايتان ‪ .‬وقد سبق في مصطلح ( المامة الكبرى ‪ ،‬وبيعة ) ‪.‬‬


‫التّلفّظ بكلمة الكفر مع الجهل ‪:‬‬
‫‪ -‬قال الحمويّ ‪ :‬إنّ من تلفّظ بلفظ الكفر عن اعتقاد ل شكّ أنّه يكفر ‪ ،‬وإن لم يعتقد أنّها‬ ‫‪31‬‬

‫لفظ الكفر إلّ أنّه أتى به عن اختيار فيكفر عند عامّة العلماء ‪ ،‬ول يعذر بالجهل ‪.‬‬
‫وقال بعضهم ‪ :‬ل يكفر ‪ ،‬والجهل عذر وبه يفتى ‪ ،‬لنّ المفتي مأمور أن يميل إلى القول الّذي‬
‫ل يوجب التّكفير ‪ ،‬ولو لم يكن الجهل عذرا لحكم على الجهّال أنّهم كفّار ‪ ،‬لنّهم ل يعرفون‬
‫ألفاظ الكفر ‪ ،‬ولو عرفوا لم يتكلّموا ‪ ،‬قال بعض الفضلء ‪ :‬وهو حسن لطيف ‪.‬‬
‫وروي أنّ امرأة في زمن محمّد بن الحسن قيل لها ‪ :‬إنّ اللّه يعذّب اليهود والنّصارى يوم‬
‫القيامة ‪ ،‬قالت ‪ :‬ل يفعل اللّه بهم ذلك فإنّهم عباده ‪ ،‬فسئل محمّد بن الحسن عن ذلك فقال ‪ :‬ما‬
‫كفرت فإنّها جاهلة ‪ ،‬فعلّموها حتّى علمت ‪.‬‬
‫وقال في مغني المحتاج ‪ :‬يكفر من نسب المّة إلى الضّلل ‪ ،‬أو الصّحابة إلى الكفر ‪ ،‬أو أنكر‬
‫إعجاز القرآن أو غيّر شيئا منه ‪ ،‬أو أنكر الدّللة على اللّه في خلق السّماوات والرض بأن‬
‫قال ‪ :‬ليس في خلقهما دللة عليه تعالى ‪ ،‬أو أنكر بعث اللّه الموتى من قبورهم بأن يجمع‬
‫أجزاءهم الصليّة ويعيد الرواح إليها ‪ ،‬أو أنكر الجنّة أو النّار ‪ ،‬أو الحساب أو الثّواب أو‬
‫العقاب أو أقرّ بها لكن قال ‪ :‬المراد بها غير معانيها ‪ ،‬أو قال ‪ :‬إنّي دخلت الجنّة وأكلت من‬
‫ثمارها وعانقت حورها ‪ ،‬أو قال ‪ :‬الئمّة أفضل من النبياء ‪ ،‬هذا إن علم ما قاله ل إن جهل‬
‫ذلك لقرب إسلمه ‪ ،‬أو بعده عن المسلمين فل يكفر لعذره ‪ .‬وتفصيله في مصطلح ‪ ( :‬ردّة )‪.‬‬
‫جهة *‬
‫التّعريف ‪:‬‬
‫‪ -‬الجهة والوجهة لغة ‪ ،‬واصطلحا ‪ :‬الموضع الّذي تتوجّه إليه وتقصده ‪ .‬ومن ذلك قولهم‬ ‫‪1‬‬

‫ض ّل وجهة أمره ‪ ،‬أي قصده ‪ ،‬وقلت كذا على جهة الوجوب وفعلت ذلك على جهة العدل ‪،‬‬
‫ل مكان استقبلته وأخذت فيه ‪.‬‬
‫والقبلة جهة ‪ ،‬فالجهة ك ّ‬
‫اللفاظ ذات الصّلة ‪:‬‬
‫الحيّز ‪:‬‬
‫‪ -‬معنى الحيّز في اللّغة ‪ -‬كما جاء في المصباح ‪ -‬النّاحية كالحوز ويجمع على أحياز‬ ‫‪2‬‬

‫والقياس أحواز ‪ ،‬وأحياز الدّار نواحيها ومرافقها ‪ .‬وجاء في المغرب أنّ الحوز معناه الجمع‬
‫ومراد الفقهاء به بعض النّواحي كالبيت من الدّار مثلً ‪.‬‬
‫الحكم الجماليّ ومواطن البحث ‪:‬‬
‫ذكر الفقهاء لفظ الجهة وما يتعلّق به من الحكام في عدد من المواطن نجملها فيما يلي ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬استقبال القبلة في الصّلة ‪:‬‬
‫‪ -‬من شروط صحّة الصّلة استقبال القبلة عند أداء الصّلة للقادر على ذلك ‪ ،‬لقوله تعالى ‪:‬‬ ‫‪3‬‬

‫حرَامِ‬
‫طرَ ا ْل َمسْجِدِ ا ْل َ‬
‫ج َهكَ شَ ْ‬
‫سمَاء فََلُن َوّل َي ّنكَ ِقبْلَ ًة تَ ْرضَاهَا َفوَلّ َو ْ‬
‫ج ِهكَ فِي ال ّ‬
‫ب َو ْ‬
‫{ قَدْ َنرَى تَقَلّ َ‬
‫ط َرهُ } ‪.‬‬
‫ج ِو َهكُمْ شَ ْ‬
‫ح ْيثُ مَا كُن ُتمْ َفوَلّواْ ُو ُ‬
‫َو َ‬
‫وتفصيل القول في ذلك ينظر في بحث ( استقبال ‪ ،‬قبلة ) ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬ترك استقبال واستدبار القبلة عند قضاء الحاجة ‪:‬‬
‫‪ -‬ذهب الحنفيّة إلى كراهة استقبال القبلة واستدبارها عند قضاء الحاجة سواء أكان ذلك في‬ ‫‪4‬‬

‫المباني أم في الصّحراء ; لنّ جهة القبلة أشرف الجهات ‪ ،‬إلّ أنّ أبا حنيفة قال ‪ :‬إنّ الستدبار‬
‫ل بأس به ; لنّه غير مستقبل للقبلة ‪.‬‬
‫وذهب المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة إلى جواز ذلك في المباني إلّ أنّ الشّافعيّة ذكروا أنّ على‬
‫الشّخص أن يترك ذلك أدبا إلّ أنّه ل يحرم ‪ .‬وألحق المالكيّة بالمباني مراحيض السّطوح ‪،‬‬
‫وفضاء المنازل ‪ ،‬وفضاء المدن عند وجود السّاتر ‪.‬‬
‫وأمّا الستقبال والستدبار في الصّحراء بل ساتر فهو حرام اتّفاقا ‪ ،‬وأمّا عند وجود السّاتر‬
‫فذهب الحنابلة والمالكيّة في قول إلى الجواز ‪ ،‬وذهب المالكيّة في قول آخر إلى عدمه ‪.‬‬
‫وانظر للتّفصيل بحث ‪ ( :‬قضاء الحاجة ) ‪.‬‬
‫ج ‪ -‬اختلف القابض والدّافع في الجهة ‪:‬‬
‫‪ -‬يرجع الحكم في هذه المسألة إلى قاعدة فقهيّة ذكرها الزّركشيّ في المنثور وهي إذا‬ ‫‪5‬‬

‫اختلف القابض والدّافع في الجهة أي سبب الدّفع فالقول قول الدّافع ‪ ،‬ومن فروعها أنّه لو كان‬
‫عليه دينان بأحدهما رهن ثمّ دفع المداين دراهم وقال أقبضتها عن الدّين الّذي به الرّهن وأنكره‬
‫القابض فالقول قول الدّافع ‪ ،‬وسواء اختلفا في نيّته أو في لفظه ‪.‬‬
‫ق أنّه يودعه عنده ونوى من هو‬
‫ن المستح ّ‬
‫والعتبار في أداء الدّين بقصد المؤدّي حتّى لو ظ ّ‬
‫عليه الدّين برئت ذمّته وصار المدفوع ملكا للقابض ‪.‬‬
‫‪ -6‬ومن الفروع الّتي ذكرها الحنفيّة في اختلف القابض والدّافع في الجهة أنّه لو بعث لمرأته‬
‫شيئا فقالت هو هديّة ‪ ،‬وقال ‪ :‬هو من المهر ‪ ،‬فالقول له في غير المهيّإ للكل ‪ ،‬لنّه المملّك‬
‫فكان أعرف بجهة التّمليك ‪ ،‬كما إذا قال أودعتك هذا الشّيء فقالت بل وهبته لي ‪ ،‬وكذا‬
‫ل في الطّعام المهيّإ للكل كالشّواء ‪،‬‬
‫الظّاهر يشهد له ‪ ،‬لنّه يسعى في إسقاط ما في ذمّته إ ّ‬
‫واللّحم المطبوخ ‪ ،‬والفواكه الّتي ل تبقى ‪ ،‬فإنّ القول قولها فيه استحسانا لجريان العادة بإهدائها‬
‫فكان الظّاهر شاهدا لها بخلف ما إذا لم يكن مهيّأ للكل كالعسل ‪ ،‬والسّمن ‪ ،‬والجوز واللّوز ‪.‬‬
‫وذكر المالكيّة في مسائل الرّهن أنّ المرهون إذا وجد في يد الرّاهن وادّعى الرّاهن أنّه دفع‬
‫الدّين المرهون فيه واستلم الرّهن من مرتهنه وأنكر ذلك المرتهن وادّعى سقوطه منه فإنّه‬
‫ل فالقول‬
‫يقضى للرّاهن بدفع الدّين المرهون فيه للمرتهن إن طال الزّمان كعشرة أيّام وإ ّ‬
‫للمرتهن ‪.‬‬
‫وذكر الحنابلة في اختلف الزّوجين في قدر الصّداق ‪ ،‬أو عينه ‪ ،‬أو صفته ‪ ،‬أو جنسه ‪ ،‬أنّه لو‬
‫دفع الزّوج إليها ألفا ‪ ،‬أو دفع إليها عرضا ‪ ،‬واختلفا في نيّته ‪ ،‬فقال ‪ :‬دفعته صداقا ‪ ،‬وقالت ‪:‬‬
‫هبة ‪ ،‬فالقول قوله بل يمين لنّه أعلم بنيّته ‪ .‬وإن اختلفا في لفظه فقالت ‪ :‬قد قلت لي ‪ :‬خذي‬
‫هذا هبة أو هديّة ‪ ،‬فأنكر ذلك وادّعى أنّه من المهر فالقول قوله بيمينه ‪ ،‬لنّها تدّعي عليه‬
‫عقدا على ملكه وهو ينكره فأشبه ما لو ادّعت عليه بيع ملكه لها ‪.‬‬
‫د ‪ -‬الوقف على جهة ‪:‬‬
‫‪ -‬يجوز الوقف على جهة ل تنقطع اتّفاقا ‪ ،‬كالوقف على الفقراء ‪ ،‬وكلفظ صدقة موقوفة ‪،‬‬ ‫‪7‬‬

‫وكموقوفة للّه تعالى ‪ ،‬وكموقوفة على وجوه البرّ ‪ ،‬لنّه عبارة عن الصّدقة ‪ ،‬وأمّا الجهة الّتي‬
‫تنقطع فل يجوز الوقف عليها عند أبي حنيفة ومحمّد ‪ ،‬لنّ حكم الوقف زوال الملك بغير‬
‫تمليك ‪ ،‬وأنّه بالتّأبيد كالعتق ‪ ،‬ولهذا كان التّوقيت مبطل له كالتّوقيت في البيع ‪.‬‬
‫وقال من عداهما من الفقهاء ‪ :‬إذا سمّى فيه جهة تنقطع جاز ‪.‬‬
‫واختلفوا في ماله إذا انقطعت الجهة على تفصيل يذكر في مصطلح ‪ ( :‬وقف ) ‪.‬‬
‫هـ ‪ -‬الجهة في الميراث ‪:‬‬
‫‪ -‬تطلق الجهة في الميراث ويراد بها السّبب من أسباب الرث ‪ ،‬وهي القرابة ‪ ،‬أو النّكاح ‪،‬‬ ‫‪8‬‬

‫أو الولء ‪ ،‬واختلف في التّوريث بجهة السلم ‪ .‬وتطلق الجهة ويراد بها النتساب إلى نوع‬
‫من أنواع الرث ‪ ،‬كجهة الفرض ‪ ،‬أو جهة التّعصيب ‪.‬‬
‫وتطلق الجهة ويراد بها النتساب إلى جهة من جهات العصوبة ‪ ،‬وهي عند الحنابلة‬
‫والصّاحبين من الحنفيّة ستّ ‪ :‬وهي البنوّة ‪ ،‬ثمّ البوّة ‪ ،‬ثمّ الخوّة ‪ ،‬ثمّ بنو الخوّة ‪ ،‬ثمّ‬
‫العمومة ‪ ،‬ثمّ الولء ‪ .‬وعند أبي حنيفة خمس بعدم العتداد بجهة بني الخوّة ‪ .‬وتطلق الجهة‬
‫ويراد بها النتساب إلى جهة الب أو جهة المّ ‪ .‬وفي ذلك تفصيل ينظر في ( إرث ) ‪.‬‬
‫و ‪ -‬الوصيّة لجهة ‪:‬‬
‫‪ -‬تجوز الوصيّة لجهة مشروعة ‪ ،‬كجهة القربى ‪ ،‬أو عمران المساجد مثلً ‪ ،‬وأمّا جهة‬ ‫‪9‬‬

‫المعصية فل تجوز الوصيّة لها ‪.‬‬


‫ز ‪ -‬جهات التّبعيّة في السلم ‪:‬‬
‫‪ -‬جهات التّبعيّة في السلم اثنتان ‪ :‬أن يسلم أحد أبوي الصّغير ‪ ،‬وتبعيّته للدّار بأن سبي‬ ‫‪10‬‬

‫ولم يكن معه أحد من أبويه إذا أدخله السّابي إلى دار السلم ‪ ،‬وكذلك اللّقيط في دار السلم‬
‫يكون مسلما ولو كان ملتقطه ذ ّميّا ‪ .‬وعند ابن القيّم ‪ :‬اليتيم الّذي مات أبواه وكفله أحد‬
‫المسلمين يتبع كافله وحاضنته في الدّين ( ر ‪ :‬إسلم ) ‪.‬‬

‫جواب *‬
‫التّعريف ‪:‬‬
‫‪ -‬الجواب ‪ :‬رديد الكلم ‪ ،‬والفعل ‪ :‬أجاب يجيب ‪.‬‬ ‫‪1‬‬

‫والجابة رجع الكلم ‪ ،‬تقول ‪ :‬أجابه عن سؤاله ‪ ،‬وقد أجابه إجابة وإجابا وجوابا ‪.‬‬
‫والجابة والستجابة بمعنى ‪ ،‬يقال ‪ :‬استجاب اللّه دعاءه والسم الجواب ‪.‬‬
‫والجواب ما يكون ردّا على سؤال ‪ ،‬أو دعاء ‪ ،‬أو دعوى ‪ ،‬أو رسالة ‪ ،‬أو اعتراض ونحو‬
‫ذلك ‪ ،‬والجمع أجوبة وجوابات ‪ .‬وجواب القول قد يتضمّن تقريره نحو ‪ :‬نعم ‪ ،‬إذا كان جوابا‬
‫لقوله ‪ :‬هل كان كذا ونحوه ‪ ،‬وقد يتضمّن إبطاله ‪ ،‬ول يسمّى جوابا إلّ بعد طلب ‪.‬‬
‫ول يخرج معناه في الصطلح عن المعنى اللّغويّ ‪.‬‬
‫اللفاظ ذات الصّلة ‪:‬‬
‫القرار ‪:‬‬
‫‪ -‬القرار ‪ :‬العتراف بالشّيء ‪ ،‬والخبار بحقّ لخر ‪ ،‬وإخبار عمّا سبق ‪.‬‬ ‫‪2‬‬

‫فالقرار قد يكون جوابا إذا كان بعد طلب ‪ ،‬فبينهما عموم وخصوص وجهيّ ‪.‬‬
‫الرّدّ ‪:‬‬
‫‪ -‬الرّدّ ‪ :‬صرف الشّيء ورجعه ‪ ،‬يقال ردّه عن المر إذا صرفه عنه ‪ ،‬ويقال سلّم فردّ عليه‬ ‫‪3‬‬

‫‪ ،‬ورددت إليه جوابه ‪ ،‬ورددت عليه الوديعة ‪.‬‬


‫فال ّردّ يكون جوابا إذا كان بعد طلب ‪ ،‬فال ّردّ أعمّ من الجواب ‪.‬‬
‫القبول ‪:‬‬
‫‪ -‬قبول الشّيء ‪ :‬أخذه ‪ ،‬ويقال قبلت الشّيء إذا رضيته ‪ ،‬وقبلت الخبر إذا صدّقته ‪ .‬ويأتي‬ ‫‪4‬‬

‫القبول في العقود جوابا على اليجاب كقول المشتري ‪ :‬اشتريت ‪ ،‬جوابا لقول البائع ‪ :‬بعتك ‪.‬‬
‫الحكم التّكليفيّ ‪:‬‬
‫‪ -‬يختلف حكم الجواب باختلف موضعه ‪ .‬فقد يكون واجبا عينيّا كجواب المدّعى عليه عن‬ ‫‪5‬‬

‫الدّعوى الصّحيحة ‪ .‬أو واجبا كفائيّا كجواب السّلم على جماعة ‪.‬‬
‫وقد يكون حراما كجواب المفتي إذا أفتى بما ل يعرف ‪.‬‬
‫وقد يكون مكروها كجواب قاضي الحاجة على من سلّم عليه ‪ .‬ويجوز التّوقّف عن الجابة إن‬
‫ل عام»‪.‬‬
‫ي صلى ال عليه وسلم مع من سأله عن الحجّ ‪ :‬أك ّ‬
‫كان في الجواب حرج « كفعل النّب ّ‬
‫أنواع الجواب ‪:‬‬
‫‪ -‬الجواب يكون بالقول ك ( نعم ) أو ( ل ) أو بجملة تفيد المطلوب ‪.‬‬ ‫‪6‬‬

‫وقد يكون بالكتابة ‪ ،‬وبالشارة من الخرس ‪ ،‬وقد يكون بالفعل ‪.‬‬


‫ما يتعلّق بالجواب من أحكام ‪:‬‬
‫أوّلً ‪ :‬عند الصوليّين ‪:‬‬
‫دللة الجواب على العموم أو الخصوص ‪:‬‬
‫‪ -‬الجواب عن السّؤال إمّا أن يستقلّ بنفسه ‪ ،‬أو ل يستق ّل ‪.‬‬ ‫‪7‬‬

‫فإن كان ل يستقلّ بنفسه بحيث ل يحصل البتداء به كـ ( نعم ) فهو تابع للسّؤال في عمومه‬
‫وخصوصه ‪ .‬وإن كان الجواب يستقلّ بنفسه بحيث لو ورد مبتدأ كان كلما تامّا ففي إفادته‬
‫للعموم تفصيل وخلف يذكر في الملحق الصوليّ ‪.‬‬
‫ثانيا ‪ :‬عند الفقهاء ‪:‬‬
‫الثر المترتّب على الجواب ‪:‬‬
‫‪ -‬قد يترتّب على الجواب التزام بما تضمّنه الكلم السّابق _ أي السّؤال _ إذا تعيّن أنّه‬ ‫‪8‬‬

‫الجواب ووقع تصديقا للكلم السّابق ‪ ،‬لنّه حينئذ يعتبر إقرارا واعترافا بما تضمّنه الكلم‬
‫ن ما قيل في السّؤال‬
‫السّابق ‪ ،‬وذلك بناء على قاعدة _ السّؤال معاد في الجواب _ يعني أ ّ‬
‫المصدّق كأنّ المجيب المصدّق قد أقرّ به ‪.‬‬
‫ويتّفق الفقهاء على أنّ ألفاظ " نعم ‪ -‬أجل ‪ -‬بلى ‪ " ..‬تتعيّن جوابا وتصديقا لما تضمّنه‬
‫السّؤال ‪ ،‬وتكون الجابة بهذه اللفاظ إقرارا واعترافا بما جاء فيه ‪ ،‬لنّ هذه اللفاظ من صيغ‬
‫القرار الصّريحة ‪ ،‬ولنّ الجواب بها ل يستقلّ بنفسه ‪.‬‬
‫أمّا إذا كان الجواب غير ذلك بأن كان ممّا يستقلّ بنفسه ففيه احتمالت الخبار أو النشاء ‪،‬‬
‫ويرجع غالبا إلى ال ّنيّة أو إلى القرائن ‪.‬‬
‫ومن هنا يختلف الفقهاء في اعتباره جوابا ملزما بما تضمّنه الكلم السّابق أو غير ملزم ‪.‬‬
‫ومن تطبيقات ذلك ما يأتي ‪:‬‬
‫‪ -‬في القرار ‪:‬‬ ‫‪1‬‬

‫‪ -‬أ ‪ -‬إذا قال رجل لخر ‪ :‬لي عليك ألف درهم ثمن مبيع ‪ ،‬فقال ‪ :‬نعم يكون الجواب بنعم‬ ‫‪9‬‬

‫تصديقا لما ادّعى عليه ‪ ،‬فهو إخبار بجميع ما ادّعاه المدّعي ‪ ،‬لنّ كلمة نعم من صيغ القرار‬
‫الصّريحة ‪ ،‬وقد خرجت جوابا ‪ ،‬وجواب الكلم إعادة له لغة ‪ ،‬كأنّه قال ‪ :‬لك عليّ ألف درهم‬
‫ثمن مبيع ‪.‬‬
‫ن بلى جواب عن سؤال‬
‫ب ‪ -‬ومثل ذلك ما لو قال ‪ :‬أليس لي عندك ألف ؟ فقال ‪ :‬بلى ‪ ،‬ل ّ‬
‫بأداة النّفي ‪.‬‬
‫ج ‪ -‬ومن ذلك أيضا ما لو كان في يد رجل دابّة فقال له رجل ‪ :‬استأجرها منّي ‪ ،‬أو ادفع‬
‫إليّ غلّتها ‪ ،‬فقال نعم ‪.‬‬
‫وإن كان الجواب مستقلّا ‪ ،‬كما لو قال رجل لخر ‪ :‬لي عليك ألف فقال ‪ :‬اتّزن ‪ ،‬أو خذ ‪ ،‬فعند‬
‫الحنفيّة والشّافعيّة والحنابلة وابن عبد الحكم من المالكيّة ل يعتبر إقرارا ‪ ،‬لنّه يحتمل خذ‬
‫الجواب منّي ‪ ،‬أو اتّزن إن كان ذلك على غيري ‪ ،‬وهو إقرار عند سحنون من المالكيّة ‪.‬‬
‫وإن قال في جوابه ‪ :‬هي صحاح أو قال خذها ‪ :‬أو اتّزنها ‪ ،‬فعند الحنفيّة وهو أحد وجهين عند‬
‫الشّافعيّة والحنابلة يكون إقرارا ‪ ،‬لنّ الهاء كناية عن المذكور في الدّعوى ‪ ،‬وفي الوجه الثّاني‬
‫عند الشّافعيّة _ وهو قول عامّة الصحاب عندهم _ والحنابلة ل يكون إقرارا ‪ ،‬لنّ الصّفة‬
‫ترجع إلى المدّعى ولم يقرّ بوجوبه ‪ ،‬ولنّه يجوز أن يعطيه ما يدّعيه من غير أن يكون واجبا‬
‫عليه فأمره بأخذها أولى أن ل يلزم منه الوجوب ‪ .‬وانظر مصطلح ( إقرار ) ‪.‬‬
‫‪ -‬في الطّلق ‪:‬‬ ‫‪2‬‬

‫‪ -‬أ ‪ -‬جاء في أشباه ابن نجيم ‪ :‬من قال ‪ :‬امرأة زيد طالق وعبده حرّ وعليه المشي إلى‬ ‫‪10‬‬

‫بيت اللّه الحرام إن دخل هذه الدّار ‪ ،‬فقال زيد ‪ :‬نعم ‪ ،‬كان زيد حالفا بكلّه ‪ ،‬لنّ الجواب‬
‫يتضمّن إعادة ما في السّؤال ‪ .‬ومن قيل له ‪ :‬أطلّقت امرأتك ؟ فقال ‪ :‬نعم ‪ ،‬طلقت امرأته وإن‬
‫لم ينو ‪ ،‬لنّ نعم صريح في الجواب ‪ ،‬والجواب الصّريح للّفظ الصّريح صريح ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬وإن كان الجواب مستقلّا كمن طلّق امرأته فقيل له ‪ :‬ما فعلت ؟ فقال هي طالق ‪ ،‬قال‬
‫الحنفيّة ‪ :‬تطلق واحدة في القضاء ‪ ،‬لنّ كلمه انصرف إلى الخبار بقرينة الستخبار ‪،‬‬
‫فالكلم السّابق معاد على وجه الخبار عنه ‪.‬‬
‫وقال المالكيّة ‪ :‬إن نوى الخبار يلزمه طلقة واحدة اتّفاقا ( أي في المذهب ) وإن نوى إنشاء‬
‫الطّلق فيلزمه طلقتان اتّفاقا ‪ ،‬وإن لم ينو إخبارا ول إنشاء فقولن في لزوم الطّلقة الثّانية ‪.‬‬
‫ج ‪ -‬وإن كان الجواب إنشاء غير خارج عن الكلم الوّل ‪ ،‬كان الوّل معادا فيه ‪ ،‬كما لو قال‬
‫لمرأته ‪ :‬أمرك بيدك ونوى الثّلث فطلّقت نفسها ثلثا ‪ ،‬أو قالت ‪ :‬طلّقت نفسي ‪ ،‬أو اخترت‬
‫نفسي ولم تذكر الثّلث فعند المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة يرجع إلى نيّتها في بيان عدد الطّلقات‬
‫إذا لم تبيّن العدد في قولها طلّقت نفسي ‪.‬‬
‫أمّا عند الحنفيّة فيكون ثلثا ; لنّه جواب تفويض الثّلث فيكون ثلثا ‪.‬‬
‫د ‪ -‬وقد ل يعتبر الكلم الثّاني جوابا وإنّما يعتبر ابتداء ‪.‬‬
‫ومثال ذلك لو قالت ‪ :‬طلّقني واحدة بألف فقال ‪ :‬أنت طالق ثلثا ‪ ،‬فعند المالكيّة والشّافعيّة‬
‫ن في الثّلث ما يصلح جوابا للواحدة ‪،‬‬
‫والحنابلة وصاحبي أبي حنيفة ‪ :‬هذا جواب وزيادة ‪ ،‬ل ّ‬
‫ن الواحدة توجد في الثّلث فقد أتى بما سألته وزيادة فيلزمها اللف ‪ ،‬كأنّه قال ‪ :‬أنت طالق‬
‫لّ‬
‫واحدة وواحدة وواحدة ‪.‬‬
‫وقال أبو حنيفة ‪ :‬تقع الثّلث مجّانا بغير شيء ‪ ،‬ووجهه أنّ الثّلث ل تصلح جوابا للواحدة ‪،‬‬
‫فإذا قال ثلثا فقد عدل عمّا سألته ‪ ،‬فصار مبتدئا بالطّلق ‪ ،‬فتقع الثّلث بغير شيء ‪.‬‬
‫وقال الزّركشيّ من الشّافعيّة ‪ :‬لو قالت ‪ :‬طلّقني على ألف فأجابها ‪ ،‬وأعاد ذكر المال لزم‬
‫المال ‪ .‬وكذا إن اقتصر على قوله ‪ :‬طلّقتك في الصحّ ‪ ،‬كذا ينصرف إلى السّؤال ‪ .‬وقيل ‪:‬‬
‫يقع رجعيّا ول مال ‪ .‬ويرجع في تفصيل ذلك إلى أبوابه في كتب الفقه ( طلق وإقرار ) ‪.‬‬
‫المتناع عن الجواب ‪:‬‬
‫‪ -‬الجواب واجب على المدّعى عليه في الدّعوى الصّحيحة بشروطها عند طلب القاضي‬ ‫‪11‬‬

‫ذلك منه ‪.‬‬


‫فإن أقرّ لزمه ما أقرّ به ‪ ،‬وإن أنكر طولب المدّعي بالبيّنة ‪ ،‬وإن امتنع عن الجواب ‪ ،‬فقال ‪:‬‬
‫ل أقرّ ول أنكر ‪ ،‬أو سكت عن الجواب ‪ ،‬فعند المالكيّة وأبي حنيفة والقاضي من الحنابلة‬
‫يحبس حتّى يقرّ أو ينكر ‪ ،‬فإن استمرّ حكم عليه لنّ امتناعه عن الجواب يعدّ إقرارا ‪.‬‬
‫وعند الشّافعيّة وأبي الخطّاب من الحنابلة وأحد أقوال المالكيّة يقول له القاضي إن أجبت وإلّ‬
‫جعلتك ناكل وحكمت عليك ‪ ،‬ويكرّر ذلك عليه ‪ ،‬فإن أجاب وإلّ جعله ناكل وحكم عليه ‪ ،‬لنّه‬
‫ناكل عمّا توجّه عليه الجواب فيه ‪.‬‬
‫ي من الحنفيّة ‪ :‬الشبه أنّه إنكار ‪ ،‬وكذلك جاء في الختيار من كتب الحنفيّة ‪.‬‬
‫وقال الكاسان ّ‬
‫وممّا يتّصل بذلك الثم المترتّب على المتناع عن الجواب الواجب كجواب المفتي والشّاهد ‪،‬‬
‫شهَادَةَ‬
‫فمن كتم ذلك ألجمه اللّه يوم القيامة بلجام من نار ‪ ،‬واللّه تعالى يقول ‪َ { :‬ولَ َت ْك ُتمُواْ ال ّ‬
‫َومَن َي ْكُت ْمهَا َفِإنّهُ آ ِثمٌ قَ ْل ُبهُ } ‪ .‬وفي ذلك تفصيل انظر ‪ ( :‬فتوى ‪ ،‬شهادة ) ‪.‬‬

‫جوار *‬
‫التّعريف ‪:‬‬
‫‪ -‬الجوار ‪ -‬بكسر الجيم ‪ -‬مصدر جاور ‪ ،‬يقال جاور جوارا ومجاورة أيضا ‪.‬‬ ‫‪1‬‬

‫ومن معاني الجوار المساكنة والملصقة ‪ ،‬والعتكاف في المسجد ‪ ،‬والعهد والمان ‪.‬‬
‫ومن الجوار الجار ‪ ،‬ويطلق على معان ‪ ،‬منها ‪ :‬المجاور في المسكن ‪ ،‬والشّريك في العقار أو‬
‫التّجارة ‪ ،‬والزّوج والزّوجة ‪ ،‬والحليف ‪ ،‬والنّاصر ‪.‬‬
‫وقال الشّافعيّ ‪ :‬كلّ من قارب بدنه بدن صاحبه قيل له جار ‪.‬‬
‫وقال الرّا غب ‪ :‬الجار ‪ :‬من يقرب مسكنه منك ‪ ،‬وهو من ال سماء المتضايفة ‪ ،‬فإ نّ الجار ل‬
‫يكون جارا لغيره إلّ وذلك الغ ير جار له ‪ ،‬كالخ وال صّديق ‪ .‬ول يخرج المع نى ال صطلحيّ‬
‫عن المعنى اللّغويّ ‪ :‬وهو الملصقة في السّكن أو نحوه كالبستان والحانوت ‪.‬‬
‫الحكام المتعلّقة بالجوار ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬حدّ الجوار ‪:‬‬
‫‪ -‬ذهب الشّافعيّة والحنابلة إلى أنّ ح ّد الجوار أربعون دارا من كلّ جانب ‪.‬‬ ‫‪2‬‬

‫مستدلّين بحديث أبي هريرة رضي ال عنه أنّ النّبيّ صلى ال عليه وسلم قال ‪ « :‬حقّ الجار‬
‫أربعون دارا هكذا وهكذا وهكذا » ‪.‬‬
‫ن الجار هو الملصق من جهة من الجهات أو المقابل له بينهما شارع‬
‫وذهب المالكيّة إلى أ ّ‬
‫ضيّق ل يفصلهما فاصل كبير كسوق أو نهر متّسع ‪ ،‬أو من يجمعهما مسجد أو مسجدان‬
‫لطيفان متقاربان ‪ ،‬إلّ إذا دلّ العرف على غير هذا الحدّ ‪.‬‬
‫وحملوا حديث ‪ « :‬أل إنّ أربعين دارا جار » على التّكرمة والحترام ‪ ،‬ككفّ الذى ‪ ،‬ودفع‬
‫الضّرر ‪ ،‬والبشر في الوجه والهداء ‪.‬‬
‫وذهب أبو حنيفة وزفر إلى أنّ الجار هو الملصق فقط ‪ ،‬لنّ الجار من المجاورة وهي‬
‫الملصقة حقيقة ‪ .‬وقول أبي حنيفة وزفر هو القياس ‪.‬‬
‫وذ هب ال صّاحبان " أ بو يو سف ومحمّد " إلى أ نّ الجار هو المل صق وغيره ممّن يجمع هم‬
‫المسجد ‪ ،‬لنّهم يسمّون جيرانا عرفا وشرعا ‪ ،‬وقولهما استحسان ‪.‬‬
‫ويؤيّده قوله صلى ال عليه وسلم ‪ « :‬ل صلة لجار المسجد إلّ في المسجد » وجاء تفسيره‬
‫عن عليّ بن أبي طالب رضي ال عنه موقوفا بمن سمع النّداء ‪ ،‬وإذا كان المقصود برّ‬
‫الجيران فاستحبابه شامل للملصق وغيره ‪ ،‬ولمّا كان ل بدّ من الختلط لتحقّق معنى‬
‫المجاورة كان ل بدّ من اتّحاد المسجد لتحقّق الختلط ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬حقوق الجوار ‪:‬‬
‫ق الجار ‪ .‬قال اللّه عزّ‬
‫‪ -‬جاءت النّصوص الشّرعيّة تحضّ على احترام الجوار ‪ ،‬ورعاية ح ّ‬ ‫‪3‬‬

‫حسَانًا وَبِذِي ا ْل ُق ْربَى وَا ْل َيتَامَى وَا ْل َمسَاكِينِ‬


‫ش ْيئًا َوبِالْوَاِل َديْنِ ِإ ْ‬
‫ش ِركُواْ بِهِ َ‬
‫عبُدُواْ اللّهَ َولَ ُت ْ‬
‫وجلّ ‪ { :‬وَا ْ‬
‫ن اللّهَ لَ‬
‫سبِيلِ َومَا مََل َكتْ َأ ْيمَا ُنكُ ْم إِ ّ‬
‫حبِ بِالجَنبِ وَابْنِ ال ّ‬
‫جُنبِ وَالصّا ِ‬
‫وَا ْلجَارِ ذِي الْ ُق ْربَى وَا ْلجَا ِر ا ْل ُ‬
‫ختَالً َفخُورًا } ‪ .‬فالجار ذو القربى ‪ ،‬هو الّذي بينك وبينه قرابة ‪ .‬والجار‬
‫ن ُم ْ‬
‫حبّ مَن كَا َ‬
‫ُي ِ‬
‫الجنب ‪ :‬هو الّذي ل قرابة بينك وبينه ‪.‬‬
‫سنّة فمنها قوله صلى ال عليه وسلم ‪ « :‬ما زال جبريل يوصيني بالجار حتّى ظننت أنّه‬
‫أمّا ال ّ‬
‫سيورّثه » ‪ .‬وقوله صلوات ال وسلمه عليه ‪ « :‬واللّه ل يؤمن ‪ .‬واللّه ل يؤمن ‪ .‬واللّه ل‬
‫يؤمن ‪ .‬قيل ‪ :‬من يا رسول اللّه ؟ قال ‪ :‬من ل يأمن جاره بوائقه » ‪.‬‬
‫قال ابن بطّال ‪ :‬في هذا الحديث تأكيد حقّ الجار لقسمه صلى ال عليه وسلم على ذلك ‪،‬‬
‫وتكريره اليمين ثلث مرّات ‪ ،‬وفيه نفي اليمان عمّن يؤذي جاره بالقول ‪ ،‬أو بالفعل ‪ ،‬ومراده‬
‫اليمان الكامل ‪ .‬ول شكّ أنّ العاصي غير كامل اليمان ‪ .‬وقوله عليه الصلة والسلم ‪« :‬‬
‫من كان يؤمن باللّه واليوم الخر فل يؤذ جاره » ‪ .‬وقوله صلى ال عليه وسلم ‪ « :‬من كان‬
‫يؤمن باللّه واليوم الخر فليكرم جاره » هذا واسم ( الجار ) جاء في هذا المقام يشمل المسلم ‪،‬‬
‫وغير المسلم ‪ ،‬والعابد والفاسق ‪ ،‬والغريب والبلديّ ‪ ،‬والنّافع والضّارّ ‪ ،‬والقريب والجنبيّ ‪،‬‬
‫والقرب دارا والبعد ‪ ،‬وله مراتب بعضها أعلى من بعض ‪.‬‬
‫قال أحمد ‪ :‬الجيران ثلثة ‪ :‬جار له حقّ ‪ ،‬وهو ال ّذ ّميّ الجنبيّ له حقّ الجوار ‪ .‬وجار له حقّان‬
‫‪ :‬وهو المسلم الجنبيّ له حقّ الجوار ‪ ،‬وحقّ السلم ‪ .‬وجار له ثلثة حقوق ‪ :‬وهو المسلم‬
‫ق السلم وحقّ القرابة ‪.‬‬
‫القريب له حقّ الجوار وح ّ‬
‫وأولى الجوار بالرّعاية من كان أقربهم بابا ‪ .‬وإلى هذا أشار البخاريّ حين قال ‪ :‬باب ‪ :‬حقّ‬
‫الجوار في قرب البواب ‪ .‬وأدرج تحته حديث « عائشة رضي ال عنها ‪ .‬قالت ‪ :‬يا رسول‬
‫اللّه ‪ :‬إنّ لي جارين فإلى أيّهما أهدي ؟ قال ‪ :‬إلى أقربهما منك بابا »‬
‫ف الذى فقط ‪ ،‬بل احتمال‬
‫ق الجوار ك ّ‬
‫ومن حقوق الجوار ما ذكره الغزاليّ في قوله ‪ :‬ليس ح ّ‬
‫الذى ‪ ،‬فإنّ الجار أيضا قد كفّ أذاه ‪ ،‬فليس في ذلك قضاء حقّ ول يكفي احتمال الذى بل ل‬
‫بدّ من الرّفق ‪ ،‬وإسداء الخير والمعروف ‪ ..‬ومنها ‪ :‬أن يبدأ جاره بالسّلم ‪ ،‬ويعوده في‬
‫المرض ‪ ،‬ويعزّيه عند المصيبة ‪ ،‬ويهنّئه عند الفرح ‪ ،‬ويشاركه السّرور بالنّعمة ‪ ،‬ويتجاوز‬
‫عن زلّاته ‪ ،‬ويغضّ بصره عن محارمه ‪ ،‬ويحفظ عليه داره إن غاب ‪ ،‬ويتلطّف بولده ‪،‬‬
‫ويرشده إلى ما يجهله من أمر دينه ودنياه ‪ ..‬هذا إلى جملة الحقوق الثّابتة لعامّة المسلمين ‪.‬‬
‫وقال ابن تيميّة ‪ :‬إنّ المجاورة توجب لكلّ من الحقّ ما ل يجب لجنبيّ ‪ ،‬وتحرم عليه ما ل‬
‫يحرم على الجنبيّ ‪ .‬فيبيح الجوار النتفاع بملك الجار الخالي من ضرر الجار ‪ ،‬ويحرم‬
‫النتفاع بملك الجار إذا كان فيه إضرار ‪.‬‬
‫حفظ حرمة الجار ‪:‬‬
‫ق حفظ حرمة الجار ‪ ،‬وستر عياله ‪ ..‬وذلك يكون بالجدار السّاتر‬
‫‪ -‬المراد من هذا الح ّ‬ ‫‪4‬‬

‫ل منها الجار على حريم جاره ‪.‬‬


‫وبالنّافذة الّتي ل يط ّ‬
‫أمّا الجدار السّاتر ‪ ،‬فإن لم يكن قائما بين الملكين من قديم ‪ ،‬وأراد أحدهما أن يبنيه بالشتراك‬
‫مع الخر ليحجز بين ملكيهما ‪ ،‬فامتنع الخر لم يجبر عليه ‪ .‬وإن أراد البناء وحده لم يكن له‬
‫البناء إلّ في ملكه خاصّة ‪ ،‬لنّه ل يملك التّصرّف في ملك جاره المختصّ به ‪ .‬وهذا كلّه ل‬
‫ن ابن تيميّة سئل عن بستان مشترك حصلت فيه القسمة ‪ ،‬فأراد أحد‬
‫يعلم فيه خلف ‪ .‬غير أ ّ‬
‫الشّريكين أن يبني بينه وبين جاره جدارا ‪ ،‬فامتنع أن يدعه يبني ‪ ،‬أو يقوم معه على البناء ‪.‬‬
‫ل منهما بقدر حقّه ‪.‬‬
‫فأجاب ‪ :‬يجبر على ذلك ‪ ،‬ويؤخذ الجدار من أرض ك ّ‬
‫فإن كان الجدار قديما ‪ ،‬فهدم ‪ ،‬وأراد أحدهما أن يبنيه ‪ ،‬وأبى الخر ‪ ،‬فعند الحنفيّة أقوال ‪..‬‬
‫قال بعضهم ‪ :‬ل يجبر ‪ .‬وقال أبو اللّيث ‪ :‬في زماننا يجبر ‪ .‬لنّه ل بدّ أن يكون بينهما سترة ‪.‬‬
‫وقيل ‪ :‬ينبغي أن يكون الجواب على تفصيل ‪ :‬إن كان أصل الجدار يحتمل القسمة ‪ ،‬ويمكن‬
‫لكلّ واحد منهما أن يبني في نصيبه سترة ‪ ..‬ل يجبر البي على البناء ‪.‬‬
‫وإن كان أصل الحائط ل يحتمل القسمة على هذا الوجه يؤمر البي بالبناء ‪.‬‬
‫وعن مالك في ذلك روايتان ‪ :‬إحداهما ‪ :‬ل يجبر الّذي أبى منهما على البنيان ‪ ،‬ويقال لطالب‬
‫البناء ‪ :‬استر على نفسك ‪ ،‬وابن إن شئت ‪.‬‬
‫وله أن يقسم معه عرصة الحائط ‪ ،‬ويبني فيها لنفسه ‪.‬‬
‫والرّواية الثّانية ‪ :‬يؤمر بالبنيان ‪ ،‬ويجبر عليه ‪ .‬قال ابن عبد الحكم ‪ :‬وذلك أحبّ إلينا ‪.‬‬
‫وإذا كان الجدار لحدهما وهدمه إضرارا بجاره ‪ ،‬فإنّه يقضى عليه بإعادته على ما كان‬
‫عليه ‪ ،‬لجل أن يستر على جاره ‪ .‬وإذا هدم الجدار لصلحه أو انهدم بنفسه فل يقضى على‬
‫صاحبه أن يعيده ‪ ،‬ويقال للجار استر على نفسك إن شئت ‪.‬‬
‫ويرى الشّافعيّة ‪ -‬في الجديد ‪ -‬أنّه ليس للشّريك إجبار شريكه على عمارة الجدار ولو بهدم‬
‫الشّريكين ‪ ،‬للمشترك لستهدام أو غيره ‪ ،‬لنّ الممتنع يتضرّر بتكليفه العمارة ‪ ،‬والضّرر ل‬
‫ن المتناع‬
‫يزال بالضّرر ‪ .‬وقيل ‪ :‬إنّ القاضي يلحظ أحوال المتخاصمين فإن ظهر له أ ّ‬
‫لغرض صحيح أو شكّ في أمره لم يجبره ‪ ،‬وإن علم أنّه عناد أجبره ‪.‬‬
‫قال في الرّوضة ‪ :‬ويجري ذلك في النّهر ‪ ،‬والقناة ‪ ،‬والبئر المشتركة ‪ ،‬واتّخاذ سترة بين‬
‫سطحيهما ‪ .‬ولو هدم الجدار المشترك أحد الشّريكين بغير إذن الخر لزمه أرش النّقص ل‬
‫ص في غيره‬
‫إعادة البناء ‪ ،‬لنّ الجدار ليس مثليّا ‪ ،‬وعليه نصّ الشّافعيّ في البويطيّ وإن ن ّ‬
‫على لزوم العادة ‪.‬‬
‫وذهب الحنابلة إلى أنّه إن كان الجدار الّذي انهدم مشتركا وطالب أحدهما شريكه الموسر‬
‫ن من‬
‫ببنائه معه أجبر المطلوب على البناء معه ‪ .‬وأمّا في السّطح ‪ ،‬فإنّ الحنفيّة قد ذهبوا إلى أ ّ‬
‫كان سطحه ‪ ،‬وسطح جاره سواء ‪ ،‬وفي صعوده السّطح يقع بصره في دار جاره ‪ ،‬فللجار أن‬
‫يمنعه من الصّعود ما لم يتّخذ سترة ‪ .‬وإن كان بصره ل يقع في دار جاره ‪ ،‬ولكن يقع على‬
‫جيرانه إذا كانوا على السّطح ل يمنع من ذلك ‪.‬‬
‫قال المام ناصر الدّين ‪ :‬هذا نوع استحسان ‪ ،‬والقياس أن يمنع ‪.‬‬
‫وقال الصّدر الشّهيد ‪ :‬إنّ المرتقي يخبرهم وقت الرتقاء مرّة أو مرّتين حتّى يستروا أنفسهم‪.‬‬
‫وعند المالكيّة يجبر صاحب السّطح على أن يتّخذ سترة تحجبه عن جاره ‪ ،‬وعند الشّافعيّة ل‬
‫يجبر على ذلك ‪.‬‬
‫وعند الحنابلة يمنع الجار من صعود سطحه إذا كان ينظر حراما على جاره ‪ ،‬ولذلك فإنّه يلزم‬
‫باتّخاذ سترة إذا كان سطحه أعلى من سطح جاره ‪.‬‬
‫فإن استويا في العلوّ اشتركا في بنائها ‪ ،‬إذ ليس أحدهما أولى من الخر بالسّترة فلزمتهما ‪.‬‬
‫‪ -5‬وأمّا النّافذة ‪ :‬فذهب الحنفيّة إلى أنّه ل يمنع صاحب العلوّ من فتح باب ‪ ،‬أو كوّة تطلّ على‬
‫ساحة الجار ‪ .‬وليس للجار حقّ المنع من ذلك ‪.‬‬
‫وإنّما عليه أن يبني ما يستر جهته ‪ ،‬وهو ظاهر الرّواية ‪ .‬وقال أبو السّعود ‪ :‬وبه يفتى ‪ .‬وقيل‬
‫‪ :‬إن كانت الكوّة للنّظر ‪ ،‬وكانت السّاحة محلّ الجلوس للنّساء يمنع ‪ .‬وذكر ابن عابدين أنّ‬
‫عليه الفتوى ‪ .‬وإن كان ارتفاع النّافذة عن أرض الغرفة مقدار قامة النسان ‪ ،‬فليس للجار أن‬
‫يكلّفه سدّها ‪.‬‬
‫وذهب المالكيّة إلى منع فتح نافذة يشرف منها الجار على دار جاره ‪ ،‬فإن فتح شيئا من ذلك‬
‫تعيّن سدّه ‪ .‬وح ّد الشراف هو ما روي أنّ عمر بن الخطّاب رضي ال عنه كتب في رجل‬
‫أحدث غرفة على جاره ‪ ،‬ففتح كوّة ‪ :‬أن يوضع وراء تلك الكوّة سرير ‪ ،‬ويقوم عليه رجل فإن‬
‫كان ينظر إلى ما في دار الرّجل منع من ذلك وإن كان ل ينظر لم يمنع من ذلك ‪.‬‬
‫أمّا النّافذة القديمة ‪ ،‬فإنّه ل يقضى بسدّها ‪ .‬في قول الحنفيّة والمالكيّة ‪.‬‬
‫وذهب الشّافعيّة إلى أنّه ل يمنع المالك من فتح نافذة ونحوها ولو كان يشرف بذلك على حريم‬
‫جاره ‪ ،‬لتمكّن الجار من دفع الضّرر عن نفسه ببناء سترة تستره ‪.‬‬
‫وذهب الحنابلة إلى أنّ النّافذة والباب ‪ ،‬ونحوهما ممّا يشرف الجار منه على حريم جاره يقضى‬
‫بسدّه ‪ .‬وإلّ فل ‪.‬‬
‫أثر الجوار في تقييد التّصرّف في الملك ‪:‬‬
‫‪ -‬من أحكام الملك التّا ّم أنّه يعطي المالك ولية التّصرّف في المملوك على الوجه الّذي‬ ‫‪6‬‬

‫يختار ‪ ،‬كما يمنع غيره من التّصرّف فيه من غير إذنه ورضاه ‪ ،‬وهذا ل يكون إلّ عندما‬
‫ي حقّ عليه للخرين ‪.‬‬
‫يخلو الملك من أ ّ‬
‫ولكن هذا الحكم قد يقيّد بسبب الجوار لتجنّب الضرار بالجار ‪.‬‬
‫وقد اختلف الفقهاء في تقييد الملك لتجنّب الضرار بالجار ‪.‬‬
‫ن المالك ل يمنع من التّصرّف‬
‫فذهب المالكيّة والحنابلة والحنفيّة فيما عليه الفتوى عندهم إلى أ ّ‬
‫في ملكه إلّ إذا نتج عنه إضرار بالجار ‪ ،‬فإنّه يمنع عندئذ مع الضّمان لما قد ينتج من الضّرر‬
‫‪ .‬وقيّد الحنفيّة والمالكيّة الضّرر بأن يكون بيّنا ‪ ،‬وحدّ هذا الضّرر عندهم أنّه ‪ :‬كلّ ما يمنع‬
‫الحوائج الصليّة يعني المنفعة الصليّة المقصودة من البناء كالسّكنى ‪ ،‬أو يضرّ بالبناء أي‬
‫يجلب له وهنا ويكون سبب انهدامه ‪.‬‬
‫وذهب الشّافعيّة إلى أنّ كلّ واحد من الملّاك له أن يتصرّف في ملكه على العادة في‬
‫التّصرّف ‪ ،‬وإن تضرّر به جاره أو أدّى إلى إتلف ماله ‪ ،‬كمن حفر بئر ماء أو حشّ فاختلّ‬
‫به جدار جاره أو تغيّر بما في الحشّ ماء بئره ‪ ،‬لنّ في منع المالك من التّصرّف في ملكه‬
‫ممّا يض ّر جاره ضررا ل جابر له فإن تعدّى بأن جاوز العادة في التّصرّف ضمن ما تعدّى‬
‫فيه لفتياته‪ .‬والصحّ ‪ :‬أنّه يجوز للشّخص أن يتّخذ داره المحفوفة بمساكن حمّاما وطاحونة‬
‫ومدبغة وإصطبل وفرنا ‪ ،‬وحانوته في البزّازين حانوت حدّاد وقصّار ونحو ذلك كأن يجعله‬
‫مدبغة ‪ ،‬إذا احتاط وأحكم الجدران إحكاما يليق بما يقصده لنّه يتصرّف في خالص ملكه وفي‬
‫منعه إضرار به ‪ .‬والثّاني ‪ :‬المنع للضرار به ‪.‬‬
‫ولمزيد من التّفصيل ينظر مصطلح ‪ ( :‬تعلّي ‪ ،‬وحائط ) ‪.‬‬
‫حكم النتفاع بالجدار بين جارين ‪:‬‬
‫‪ -‬ذهب جمهور الفقهاء إلى أنّ الشّريك في الجدار المشترك ينتفع بمقدار نفع شريكه ‪ ،‬وليس‬ ‫‪7‬‬

‫له أزيد من ذلك إلّ برضاء شريكه ‪.‬‬


‫أمّا الجدار المملوك لحد الجارين فذهب المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة إلى أنّه ل يجوز للجار أن‬
‫ينتفع بجدار جاره إلّ بإذنه ول يجبر عليه ‪ ،‬وهو شامل لجميع صور النتفاع كالبناء وفتح كوّة‬
‫وغرز خشبة ونحوه ‪ .‬لحديث ‪ « :‬ل يحلّ لمرئ من مال أخيه إلّ ما أعطاه عن طيب نفس »‬
‫ولنّه انتفاع بملك غيره بغير إذنه ‪.‬‬
‫ولكن يندب لصاحب الجدار تمكين جاره من النتفاع به لحديث أبي هريرة رضي ال عنه أنّ‬
‫رسول اللّه صلى ال عليه وسلم قال ‪ « :‬ل يمنع أحدكم جاره أن يغرز خشبة في جداره » ‪.‬‬
‫والمفتى به عند الحنفيّة ومذهب الشّافعيّ في القديم ورواية عن أحمد وقول القاضي أبي يعلى‬
‫وأبي الخطّاب وابن قدامة من الحنابلة أنّه يجوز للجار أن ينتفع بجدار جاره ويجبر مالكه على‬
‫تمكينه من ذلك بشرط عدم الضرار بالجدار وبشرط قيام الحاجة إليه لحديث أبي هريرة‬
‫المتقدّم ‪ .‬وللشّافعيّة في القديم تفصيل في الشّروط وهي ‪ :‬أن يستغني صاحب الجدار عنه ‪،‬‬
‫وأن ل يزيد الجار في ارتفاع الجدران ‪ ،‬وأن ل يبني عليه سقفا ‪ ،‬وأن تكون الرض له وأن‬
‫ل يملك شيئا من جدران البقعة الّتي يريد تسقيفها ‪ ،‬أو ل يملك إلّ جدارا واحدا ‪.‬‬
‫وينظر مصطلح ‪ ( :‬ارتفاق ) ( وحائط ) ‪.‬‬
‫أثر الجوار في ثبوت حقّ الشّفعة ‪:‬‬
‫ن الشّفعة ل تثبت إلّ للشّريك غير المقاسم فل‬
‫‪ -‬ذهب المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة إلى أ ّ‬ ‫‪8‬‬

‫يستحقّ الجار الشّفعة ; لنّ الحدود في حقّه قد قسمت ‪ ،‬والطّرق قد صرفت ‪ ،‬وما شرعت‬
‫الشّفعة إلّ لدفع ضرر الشّركة ‪ ،‬وهو معنى منتف في الجار ‪.‬‬
‫واستدلّوا بحديث جابر رضي ال عنه « أنّ النّبيّ صلى ال عليه وسلم قضى بالشّفعة في كلّ‬
‫ما لم يقسم ‪ ،‬فإذا وقعت الحدود وصرفت الطّرق فل شفعة » ‪.‬‬
‫ي صلى ال عليه‬
‫وذهب الحنفيّة إلى أنّ الشّفعة تثبت للجار الملصق ‪ .‬لحديث قتادة أنّ النّب ّ‬
‫ن رجلً قال ‪:‬‬
‫ق بالدّار » ولحديث عمرو بن الشّريد عن أبيه « أ ّ‬
‫وسلم قال ‪ « :‬جار الدّار أح ّ‬
‫يا رسول اللّه أرضي ليس لحد فيها شرك ول قسم إلّ الجوار فقال صلى ال عليه وسلم ‪:‬‬
‫الجار أحقّ بسقبه ما كان » ‪ .‬وهذا اللّفظ صريح في إثبات الشّفعة لجوار ل شركة فيه ‪.‬‬
‫ي صلى ال عليه وسلم ‪ « :‬الجار أحقّ‬
‫كما استدلّوا بحديث أبي رافع رضي ال عنه عن النّب ّ‬
‫بصقبه » والصّقب هو القرب ‪ .‬واستدلّوا من المعقول بأنّ الجوار في معنى الشّركة ‪ ،‬لنّ ملك‬
‫الجار متّصل بملك جاره اتّصال تأبيد وقرار ‪ ،‬والضّرر المتوقّع في الشّركة متوقّع في‬
‫الجوار ‪ ،‬فيثبت حقّ الشّفعة للجار دفعا لضرر الجوار قياسا على الشّركة ‪.‬‬
‫حقّ الجوار في المسيل ‪:‬‬
‫‪ -‬ذهب الفقهاء إلى أنّه إذا كان لجار حقّ المسيل على ملك جاره فليس لمن عليه حقّ‬ ‫‪9‬‬

‫المسيل أن يمنع جاره من هذا الحقّ ‪ .‬وفي ذلك تفصيل ينظر في ‪ ( :‬ارتفاق ‪ ،‬ومسيل ) ‪.‬‬
‫حقّ الجوار في الطّريق ‪:‬‬
‫‪ -‬المراد من هذا الحقّ معرفة ما لجوار الطّريق عليه ‪ ،‬ويقسّم الفقهاء الطّريق إلى نوعين‬ ‫‪10‬‬

‫‪ :‬طريق نافذة وطريق غير نافذة ‪ ،‬وحقّ الجوار في كلّ منهما مغاير للخر ‪ .‬والتّفصيل في‬
‫مصطلح ‪ ( :‬طريق ) ‪.‬‬
‫حقّ الجوار في النّهر ‪:‬‬
‫‪ -‬المراد به ما ينشأ للجوار على النّهر ‪ ،‬وما للنّهر على الجوار ‪ ،‬بسبب الجوار ‪.‬‬ ‫‪11‬‬

‫ن مدار هذا الحقّ مبنيّ على نوعي النهار العامّة والمملوكة ‪.‬‬
‫وإ ّ‬
‫ولجار النّهر العظيم ‪ ،‬كدجلة ‪ ،‬والفرات ‪ ،‬أن يسقي أرضه ‪ ،‬ودوابّه ‪ ،‬وينصب على النّهر‬
‫دولبا ويشقّ نهرا إلى أرضه لسقايتها ‪ ،‬لنّ هذه النهار ليست ملكا لحد ‪.‬‬
‫ويجوز له غرس شطّه على وجه ل يضرّ بالمارّة ولمن شاء من المسلمين أن يطلب رفع ذلك‬
‫‪ .‬وعلى الجار أن يمكّن النّاس من حقّ المرور على شطّ النّهر العامّ للسّقي ‪ ،‬وإصلح النّهر ‪.‬‬
‫ل من هذه الرض ‪.‬‬
‫وليس له أن يمنعهم إذا لم يكن لهم طريق إ ّ‬
‫أمّا النّهر المملوك ‪ ،‬وكذلك البار والحياض المملوكة ‪ ،‬فإنّ للجار أن يشرب من الماء ‪،‬‬
‫ويسقي دوابّه وهو ما يسمّى حقّ الشّفة ‪ ،‬كما أنّ له أن يتوضّأ منه ‪ ،‬ويغتسل ‪ ،‬ويغسل ثيابه ‪،‬‬
‫ونحو ذلك ‪ .‬وليس له أن يسقي أرضه ‪ ،‬وشجره ‪ .‬وبهذا قال الحنفيّة والشّافعيّة والحنابلة‪.‬‬
‫ويجبر عند المالكيّة على البذل إن كان لجاره زرع أنشأه على أصل الماء ‪ ،‬وانهدمت بئر‬
‫زرعه وخيف عليه الهلك من العطش ‪ ،‬وشرع في إصلح بئره ‪ ،‬فإن تخلّف شرط من هذه‬
‫الشّروط لم يجبر ‪ ،‬وفي قبض ثمن الماء قولن ‪ ،‬والمعتمد عندهم أنّه يجبر على بذل الماء‬
‫مجّانا ‪ ،‬ولو وجد مع الجار الثّمن ‪ .‬ولمزيد من التّفصيل ينظر مصطلح ‪ ( :‬نهر ) ‪.‬‬
‫جوار المسكن الشّرعيّ ‪:‬‬
‫‪ -‬ذهب الحنفيّة والمالكيّة والشّافعيّة إلى أنّ من شروط شرعيّة المسكن الزّوجيّ أن يقع بين‬ ‫‪12‬‬

‫جيران صالحين ‪ ،‬وتأمن فيه الزّوجة على نفسها ‪ .‬والتّفصيل في ‪ ( :‬بيت الزّوجيّة ) ‪.‬‬
‫مجاورة ال ّذ ّميّ للمسلم ‪:‬‬
‫ي من مجاورة المسلم لما فيه من تمكينه من التّعرّف على محاسن السلم‬
‫‪ -‬ل يمنع ال ّذمّ ّ‬ ‫‪13‬‬

‫وهو أدعى لسلمه طواعية ‪.‬‬


‫ويمنع من التّعلّي بالبناء على بناء المسلم ‪ ،‬وهو ليس من حقوق الجوار وإنّما من حقّ‬
‫السلم ‪ ،‬ولذا يمنع منه وإن رضي المسلم به لقوله صلى ال عليه وسلم ‪ « :‬السلم يعلو ول‬
‫يعلى » ‪ ،‬ولما في التّعلّي من الشراف على عورات المسلمين ‪.‬‬
‫وقيّده الشّافعيّة ‪ -‬في الصحّ ‪ -‬بما إذا لم يكونوا مستقلّين بمحلّة منفصلة عن عمارة المسلمين‬
‫بحيث ل يقع منهم إشراف على عوراتهم ول مجاورة عرفا ‪.‬‬
‫وقيّد الحلوانيّ من الحنفيّة جواز المجاورة بأن يقلّ عددهم بحيث ل تتعطّل جماعات‬
‫المسلمين ‪ ،‬ول تقلّ جماعتهم بسكناهم بينهم في محلّة واحدة ‪.‬‬
‫وينظر في التّفصيل مصطلح ‪ ( :‬أهل الذّمّة ) ومصطلح ‪ ( :‬تعلّي ) ‪.‬‬

‫جواز *‬
‫التّعريف ‪:‬‬
‫صحّة والنّفاذ ‪ ،‬ومنه أجزت العقد ‪ :‬جعلته جائزا نافذا ‪.‬‬
‫‪ -‬من معاني الجواز في اللّغة ‪ :‬ال ّ‬ ‫‪1‬‬

‫والجواز عند الصوليّين يطلق على أمور ‪:‬‬


‫أ ‪ -‬على المباح ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬على ما ل يمتنع شرعا ‪.‬‬
‫ج ‪ -‬على ما ليس بممتنع عقلً ‪.‬‬
‫د ‪ -‬على ما استوى فيه المران عقلً ‪.‬‬
‫هـ ‪ -‬على المشكوك في حكمه عقلً أو شرعا كسؤر الحمار ‪.‬‬
‫والجواز عند الفقهاء يطلق على ما ليس بلزم ‪ ،‬فيقولون ‪ :‬الوكالة والشّركة والقراض عقود‬
‫جائزة ‪ ،‬ويعنون بالجائز ما للعاقد فسخه بكلّ حال إلّ أن يؤول إلى اللّزوم ‪.‬‬
‫كما يستعملون الجواز فيما قابل الحرام فيكون لرفع الحرج ‪ ،‬فيشمل الواجب والمستحبّ‬
‫والمباح والمكروه ‪ .‬قال الزّركشيّ ‪ :‬وقد يجري في كلم الصحاب ( أي الشّافعيّة ) ‪ :‬جائز‬
‫كذا وللوليّ أن يفعل كذا ‪ ،‬ويريدون به الوجوب وذلك ظاهر فيما إذا كان الفعل دائرا بين‬
‫الحرمة والوجوب فيستفاد من قولهم يجوز رفع الحرمة فيبقى الوجوب ‪.‬‬
‫صحّة وهي موافقة الفعل ذي الوجهين للشّرع ‪.‬‬
‫ويأتي الجواز في كلم الفقهاء أيضا بمعنى ال ّ‬
‫الجواز واللّزوم في التّصرّفات ‪:‬‬
‫‪ -‬قال الشّيخ عزّ الدّين بن عبد السّلم ‪ :‬تنقسم التّصرّفات من حيث جوازها ولزومها إلى‬ ‫‪2‬‬

‫أقسام ‪:‬‬
‫القسم الوّل ‪ :‬ما ل تت ّم مصالحه ومقاصده إلّ بلزومه من طرفيه ‪ ،‬كالبيع والجارة والنكحة‬
‫والوقاف والضّمان ‪.‬‬
‫أمّا البيع والجارة فلو كانا جائزين لما وثق واحد من المتعاقدين بالنتفاع بما صار إليه‬
‫ولبطلت فائدة شرعيّتهما إذ ل يأمن كلّ منهما من فسخ صاحبه ‪.‬‬
‫وأمّا النّكاح فل تحصل مقاصده إلّ بلزومه ول يثبت فيه خيار مجلس ول خيار شرط ‪ ،‬لما في‬
‫ذلك من الضّرر على الزّوجين في أن يرد كلّ منهما ردّ السّلع ‪.‬‬
‫ل بلزومها‬
‫وأمّا الوقاف فل يحصل مقصودها الّذي هو جريان أجرها في الحياة وبعد الممات إ ّ‬
‫‪ .‬وأمّا الضّمان فل يحصل مقصوده إلّ بلزومه ول خيار فيه ول في الوقت بحال ‪.‬‬
‫‪ -‬ثمّ قال ‪ :‬القسم الثّاني من التّصرّفات ‪ ،‬ما تكون المصلحة في كونه جائزا من الطّرفين‬ ‫‪3‬‬

‫كالشّركة والوكالة والجعالة والوصيّة والقراض والعاريّة الوديعة ‪.‬‬


‫أمّا الوكالة فلو لزمت من جانب الوكيل لدّى ذلك إلى أن يزهد الوكلء في الوكالة خوف‬
‫لزومها فيتعطّل عليهم هذا النّوع من النّفع ‪ ،‬ولو لزمت من جانب الموكّل لتضرّر ‪ ،‬لنّه قد‬
‫يحتاج إلى النتفاع بما وكّل فيه لجهات أخر كالكل والشّرب واللّبس ‪ ،‬أو العتق أو السّكنى أو‬
‫الوقف ‪ ،‬وغير ذلك من أنواع الب ّر المتعلّقة بالموات ‪.‬‬
‫والشّركة وكالة ‪ ،‬لنّها إن كانت من أحد الجانبين فالتّعليل ما ذكر ‪ ،‬وإن كانت من الجانبين‬
‫فإن لزمت فقد فات على واحد منهما المقصودان المذكوران ‪.‬‬
‫وأمّا الجعالة فلو لزمت لكان في لزومها من الضّرر ما ذكر في الوكالة ‪.‬‬
‫وأمّا الوصيّة فلو لزمت لزهد النّاس في الوصايا ‪.‬‬
‫وأمّا القراض فلو لزم على التّأبيد عظم الضّرر فيه من الجانبين وفاتت الغراض الّتي ذكرت‬
‫في الوكالة ‪ ،‬وإن لزم إلى مدّة ل يحصل فيها الرّبح في مثل تلك المدّة فل يحصل مقصود‬
‫العقد ‪ .‬وإن لزم إلى مدّة يحصل فيها الرّبح غالبا فليس لتلك المدّة ضابط ‪.‬‬
‫ن المعير قد يحتاج إليها لما ذكر من الغراض‬
‫وأمّا العواريّ فلو لزمت لزهد النّاس فيها ‪ ،‬فإ ّ‬
‫والمستعير قد يزهد فيها دفعا لمنّة الغير ‪.‬‬
‫وأمّا الودائع فلو لزمت لتضرّر المودع والمستودع ‪ ،‬لزهد المستودعين في قبول الودائع ‪.‬‬
‫‪ -‬القسم الثّالث من التّصرّفات ‪ :‬ما تكون مصلحته في جوازه من أحد طرفيه ولزومه من‬ ‫‪4‬‬

‫الطّرف الخر ‪ ،‬كالرّهن والكتابة وعقد الجزية وإجارة المشرك المستجير لسماع كلم اللّه‬
‫تعالى ‪ .‬فأمّا الرّهن فإنّ مقصوده التّوثّق ول يحصل إلّ بلزومه على الرّاهن ‪ ،‬وهو حقّ من‬
‫حقوق المرتهن فله إسقاط توثّقه به ‪ ،‬كما تسقط وثيقة الضّمان بإبراء الضّامن وهما محسنان‬
‫بإسقاطهما ‪.‬‬
‫وأمّا عقد الجزية فإنّه جائز من جهة الكافرين لزم من جهة المسلمين تحصيل لمصالحه ‪ ،‬ولو‬
‫جاز من جهة المسلمين لمتنع الكافرون منه لعدم الثّقة به ‪ ،‬لكن يجوز فسخه بأسباب تطرأ‬
‫منهم وذلك غير منفّر من الدّخول فيه ‪.‬‬
‫وأمّا إجارة المشرك المستجير لسماع كلم اللّه تعالى فإنّها جائزة من جهة المستجيرين لزمة‬
‫من جهة المسلمين ‪ ،‬إذ ل تتمّ مصلحتها إلّ بلزومها من قبل المسلمين ‪ ،‬فإنّها لو لم تلزم لفات‬
‫مقصودها ‪ ،‬وهو معرفة المستجير لدعوة السلم والدّخول فيه بعد الطّلع عليه ‪ .‬وللتّفصيل‬
‫في أحكام هذه التّصرّفات تنظر المصطلحات الخاصّة بها ‪.‬‬
‫وللتّفصيل في أحكام الجواز ينظر أيضا ‪ ( :‬إلزام ‪ ،‬التزام ‪ ،‬إجازة ) ‪.‬‬

‫جودة *‬
‫التّعريف ‪:‬‬
‫ضمّ والفتح‬
‫‪ -‬الجودة في اللّغة ضدّ الرّداءة مصدر جاد ‪ ،‬يقال جاد الشّيء جودة وجودة ‪ -‬بال ّ‬ ‫‪1‬‬

‫‪ -‬أي صار جيّدا ‪ .‬ويكون جاد من الجود بمعنى الكرم يقال ‪ :‬الرّجل يجود جودا فهو جوّاد‬
‫والجمع أجواد ويقال ‪ :‬أجاد الرّجل إجادة إذا أتى بالجيّد من قول أو فعل ‪.‬‬
‫ول يخرج استعمال الفقهاء لهذا اللّفظ عن المعنى اللّغويّ ‪.‬‬
‫الحكام المتعلّقة بالجودة ‪:‬‬
‫اعتبار الجودة في الرّبويّات ‪:‬‬
‫‪ -‬الجودة عند مبادلة الشّيء بجنسه فيما يثبت فيه الرّبا ل اعتبار لها شرعا ‪ ،‬لنّ في اعتبار‬ ‫‪2‬‬

‫الجودة سدّا لباب البياعات في الرّبويّات ‪ ،‬لنّه قلّما يخلو عوضان من جنس عن تفاوت ما ‪،‬‬
‫فلم يعتبر ‪ .‬فبيع الرّبويّ بجنسه عند التّساوي في الوزن أو الكيل ‪ ،‬والتّفاضل في النّوع‬
‫والصّفة كالمصوغ بالتّبر ‪ ،‬والجيّد بالرّديء جائز ‪ ،‬وهذا قول أكثر أهل العلم ‪ .‬واحتجّوا بقول‬
‫النّبيّ صلى ال عليه وسلم ‪ « :‬جيّدها ورديئها سواء » ‪.‬‬
‫وهناك خلف وتفصيل في بعض الصّور عند بعض الفقهاء وينظر ذلك في مصطلح ‪:‬‬
‫( ربا )‪.‬‬
‫إظهار جودة ما ليس بجيّد ‪:‬‬
‫‪ - 3‬ل خلف بين الفقهاء في حصول الغشّ والتّدليس بإظهار جودة ما ليس بجيّد ‪ ،‬إلّ أنّهم‬
‫اختلفوا في تطبيقات هذا المبدأ ‪ .‬فالشّيء الواحد يعتبره بعض الفقهاء غشّا ول يعتبره كذلك‬
‫بعض آخر ‪ .‬ومن أمثلة الغشّ بإظهار جودة ما ليس بجيّد ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬نفخ اللّحم بعد السّلخ ودقّ الثّياب ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬جمع ماء الرّحى وإرساله عند عرضها للبيع أو الجارة حتّى يتوهّم المشتري أو‬
‫المستأجر كثرته فيزيد في عوضه ‪.‬‬
‫ج ‪ -‬تصرية اللّبن في الضّرع ‪ .‬وللتّفصيل في الحكام المتعلّقة بالتّدليس في المعقود عليه ‪:‬‬
‫( ر ‪ :‬بيع منهيّ عنه ‪ ،‬تدليس ‪ ،‬غرور ‪ ،‬وغشّ ) ‪.‬‬
‫ذكر الجودة في المسلم فيه ‪:‬‬
‫‪ -‬يشترط الحنفيّة والمالكيّة والحنابلة والشّافعيّة في وجه ذكر الجودة والرّداءة في المسلم فيه‬ ‫‪4‬‬

‫لختلف الغرض بهما فيفضي تركهما إلى النّزاع ‪.‬‬


‫ويرى الشّافعيّة على الصحّ عدم اشتراط ذكر الجودة والرّداءة فيما يسلم فيه ‪ ،‬ويحمل المطلق‬
‫على الجيّد للعرف ‪ .‬وللتّفصيل ‪ ( :‬ر ‪ :‬سلم ) ‪.‬‬
‫ذكر الجودة في الحوالة ‪:‬‬
‫‪ -‬يرى الحنابلة والشّافعيّة على الصحّ وجوب تساوي الدّينين ‪ -‬المحال به والمحال عليه ‪-‬‬ ‫‪5‬‬

‫في الصّفة ; لنّ الحوالة تحويل الحقّ فيعتبر تحوّله على صفته ‪ ،‬والمراد بالصّفة ما يشمل‬
‫صحّة والتّكسّر ‪ ،‬والحلول والتّأجيل ‪.‬‬
‫الجودة والرّداءة ‪ ،‬وال ّ‬
‫وقال المالكيّة ‪ :‬وفي جواز تحوّله بالعلى على الدنى صفة أو قدرا ‪ ،‬ومنعه تردّد ‪ ،‬وعلّل‬
‫الجواز بأنّه من المعروف الّذي هو الصل في الحوالة ‪.‬‬
‫وعلّل المنع بأنّه يؤدّي إلى التّفاضل بين العينين ‪.‬‬
‫وقال الشّافعيّة في وجه ‪ :‬تجوز الحوالة بالقليل على الكثير ‪ ،‬وبالصّحيح على المكسّر ‪،‬‬
‫وبالجيّد على الرّديء ‪ ،‬وبالمؤجّل على الحالّ ‪ ،‬وبالبعد أجل على القرب ‪.‬‬
‫وأمّا الحنفيّة فل يشترطون لصحّة الحوالة أن يكون المحال عليه مديونا للمحيل ‪ ،‬ومن ثمّ ل‬
‫يشترط عندهم التّساوي بين المالين المحال به والمحال عليه جنسا ‪ ،‬أو قدرا ‪ ،‬أو صفة ‪.‬‬
‫وللتّفصيل ‪ ( :‬ر ‪ :‬حوالة ) ‪.‬‬

‫جورب *‬
‫انظر مسح الخفّين ‪.‬‬

‫حائط *‬
‫التّعريف ‪:‬‬
‫‪ -‬الحائط في اللّغة الجدار ‪ ،‬والبستان ‪ ،‬وجمعه حيطان وحوائط ‪.‬‬ ‫‪1‬‬

‫والفقهاء أيضا يطلقون ‪ " :‬الحائط " بهذين المعنيين ‪.‬‬


‫الحكام المتعلّقة بالحائط ‪:‬‬
‫أوّلً ‪ -‬الحائط بمعنى الجدار ‪:‬‬
‫‪ -‬الجدار قسمان ‪ :‬خاصّ ومشترك ‪.‬‬ ‫‪2‬‬

‫أمّا الجدار الخاصّ ‪ :‬فذهب الحنفيّة والمالكيّة والشّافعيّة في الجديد " وهو الظهر عندهم "‬
‫والحنابلة في وجه إلى أنّه ل يجوز للجار وضع الجذوع على جدار جاره بغير إذن مالكه ‪،‬‬
‫ول يجبر المالك عليه ولكن يندب له لخبر « ل ضرر ول ضرار » ‪.‬‬
‫ولقول النّبيّ عليه الصلة والسلم ‪ « :‬ل يحلّ مال امرئ مسلم إلّ بطيب نفسه » ‪.‬‬
‫والمذهب عند الحنابلة وهو المذهب القديم للشّافعيّ أنّه يجبر على ذلك ‪.‬‬
‫واستدلّوا بحديث الصّحيحين ‪ « :‬ل يمنعنّ أحدكم جاره أن يغرز خشبة في جداره » ‪.‬‬
‫وإذا انهدم الجدار الخاصّ فإنّه ل يجبر مالكه على بنائه ‪ ،‬ويقال للخر ‪ :‬استر على نفسك إن‬
‫شئت ‪ .‬وتفصيل ذلك في كتب الفقه في باب الصّلح والحقوق المشتركة ‪.‬‬
‫وأمّا الحائط المشترك فالكلم فيه في ثلثة مواضع ‪:‬‬
‫الموضع الوّل ‪ :‬النتفاع به ‪:‬‬
‫ل واحد من الشّريكين ممّا يغيّر الجدار المشترك كغرز وتد ‪ ،‬وفتح‬
‫‪ -‬يرى الفقهاء أنّه يمنع ك ّ‬ ‫‪3‬‬

‫كوّة ‪ ،‬أو وضع خشبة ل يتحمّلها إلّ بإذن شريكه كسائر الموال المشتركة ‪ ،‬لنّ ذلك انتفاع‬
‫بملك غيره ‪ ،‬وتصرّف فيه بما يضرّ به ‪ ،‬فل يستقلّ أحد الشّريكين بالنتفاع ‪.‬‬
‫وأمّا الستناد إليه وإسناد شيء إليه ل يضرّه فل بأس به ‪.‬‬
‫ويرجع لتفصيل ذلك إلى مواطنه في أبواب الصّلح والحقوق المشتركة ‪.‬‬
‫الموضع الثّاني ‪ :‬قسمة الجدار ‪:‬‬
‫‪ - 4‬ل خلف بين الفقهاء في أنّ الجدار المشترك إذا كان ممّا يحتمل القسمة بل ضرر فأراد‬
‫الشّركاء قسمته جاز ‪ .‬وأمّا إذا أراد القسمة أحد الشّركاء وأباها الخر ‪ ،‬فاختلفوا فيه على‬
‫أقوال وآراء يرجع لتفصيلها إلى مصطلح ‪ ( :‬قسمة ) ‪.‬‬
‫الموضع الثّالث ‪ :‬العمارة ‪:‬‬
‫‪ -‬إذا تهدّم الحائط المشترك فطلب أحد الشّريكين تعميره ‪ ،‬فيرى الحنفيّة أنّه يجبر الشّريك‬ ‫‪5‬‬

‫الخر على الشتراك في عمارته إذا تعذّر قسمة أساسه ‪ ،‬وأمّا إن كان الحائط المشترك يحتمل‬
‫أساسه القسمة بأن كان عريضا جاز ‪.‬‬
‫والمذهب عند الحنابلة وهو القديم لدى الشّافعيّ ‪ ،‬ورواية عن مالك أنّه يجبر على ذلك ‪ ،‬لنّ‬
‫في ترك بنائه إضرارا ‪.‬‬
‫وذهب المالكيّة ‪ ،‬والشّافعيّ في الجديد ‪ ،‬وهو رواية عن أحمد إلى أنّه ل يجبر ‪ ،‬لنّه بناء‬
‫حائط فلم يجبر عليه كالبتداء ‪.‬‬
‫التّلف بسقوط الحائط ‪:‬‬
‫‪ -‬إذا مال الحائط إلى طريق المسلمين فطولب صاحبه بنقضه وأشهد عليه فلم ينقضه في‬ ‫‪6‬‬

‫ن الحائط لمّا مال‬


‫مدّة يقدر على نقضه فيها حتّى سقط ضمن ما تلف به من نفس أو مال ‪ ،‬ل ّ‬
‫إلى الطّريق فقد اشتغل هواء طريق المسلمين بملكه ‪ ،‬ودفعه في يده ‪ ،‬فإذا تقدّم إليه وطولب‬
‫بتفريغه يجب عليه فإذا امتنع صار متعدّيا ‪.‬‬
‫ي وسفيان‬
‫بهذا قال الحنفيّة والمالكيّة وبعض الشّافعيّة وجماعة من الحنابلة وإبراهيم النّخع ّ‬
‫ي وشريح والشّعبيّ وروي ذلك عن عليّ رضي ال عنه ‪.‬‬
‫الثّور ّ‬
‫وذهب جمهور الشّافعيّة والحنابلة إلى أنّ من بنى حائطا ث ّم مال إلى غير ملكه سواء كان‬
‫مختصّا كهواء جاره ‪ ،‬أو مشتركا كالطّريق فلم يهدمه حتّى أتلف شيئا لم يضمنه ‪ ،‬ولو أمكنه‬
‫وطولب به ‪ ،‬لعدم تعدّيه بذلك ‪ ،‬لنّه بناه في ملكه ولم يسقط بفعله فهو كما لو سقط من غير‬
‫ميلن ‪ .‬وتنظر التّفاصيل في أبواب الضّمان والدّيات من كتب الفقه عند الكلم عن أحكام‬
‫الحائط المائل ‪.‬‬
‫تنقيش حائط القبلة ‪:‬‬
‫ن ذلك يشغل قلب‬
‫‪ -‬يرى جمهور الفقهاء كراهة النّقوش على المحراب وحائط القبلة ‪ ،‬ل ّ‬ ‫‪7‬‬

‫المصلّي ‪ ،‬كما أنّه إخراج للمال في غير وجهه ‪.‬‬


‫وقيل ل بأس بتنقيش المسجد لما فيه من تعظيم شعائر السلم ‪.‬‬
‫هذا إذا فعله من مال نفسه ‪ ،‬أمّا تنقيش المسجد من مال الوقف فغير جائز ‪ ،‬ويغرم الّذي‬
‫يخرجه سواء أكان ناظرا أم غيره ‪ .‬وللتّفصيل ‪ ( :‬ر ‪ :‬مسجد ) ‪.‬‬
‫كتابة القرآن على الحائط ‪:‬‬
‫‪ -‬ذهب الشّافعيّة وبعض الحنفيّة إلى كراهة نقش الحيطان بالقرآن مخافة السّقوط تحت أقدام‬ ‫‪8‬‬

‫النّاس ‪ ،‬ويرى المالكيّة حرمة نقش القرآن واسم اللّه تعالى على الحيطان لتأديته إلى المتهان‬
‫‪ .‬وذهب بعض الحنفيّة إلى جواز ذلك ‪ .‬وللتّفصيل ‪ ( :‬ر ‪ :‬قرآن ) ‪.‬‬
‫إجارة الحائط ‪:‬‬
‫‪ -‬يرى جمهور الفقهاء " المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة " جواز إجارة حائط لحمل خشب عليه‬ ‫‪9‬‬

‫ن في ذلك نفعا مباحا ‪ ،‬إلّ أنّ الحنابلة والشّافعيّة في قول يشترطون لصحّة إجارة الحائط أن‬
‫لّ‬
‫تكون لحمل خشب معلوم ولمدّة معلومة ‪.‬‬
‫أمّا الشّافعيّة في الصحّ عندهم فل يشترطون فيها بيان المدّة ‪ ،‬لنّه عقد يرد على المنفعة‬
‫وتدعو الحاجة إلى دوامه فلم يشترط فيه التّأقيت كالنّكاح ‪.‬‬
‫وذهب الحنفيّة إلى عدم جواز إجارة الحائط ليبني عليه المستأجر بناء أو يضع عليه خشبا ‪،‬‬
‫ن وضع الجذع وبناء السّترة يختلف باختلف الثّقل والخفّة ‪ ،‬والثّقيل منه يض ّر بالحائط‬
‫لّ‬
‫والضّرر مستثنى من العقد دللة ‪.‬‬
‫ل المعقود عليه مجهول ‪.‬‬
‫وليس لذلك المض ّر حدّ معلوم فيصير مح ّ‬
‫قال ابن قدامة ‪ :‬لو كان له وضع خشبة على جدار غيره لم يملك إعارته ول إجارته ‪ ،‬لنّه‬
‫إنّما كان له ذلك لحاجته الماسّة إلى وضع خشبه ‪ ،‬ول حاجة إلى وضع خشب غيره فلم‬
‫يملكه ‪ ،‬وكذلك ل يملك بيع حقّه من وضع خشبه ‪ ،‬ول المصالحة عنه للمالك ول لغيره ‪.‬‬
‫ولو أراد صاحب الحائط إعارة الحائط أو إجارته على وجه يمنع هذا المستحقّ من وضع‬
‫خشبه لم يملك ذلك لنّه وسيلة إلى منع ذي الحقّ من حقّه فلم يملكه كمنعه ‪.‬‬
‫ومن ملك وضع خشبه على حائط فزال بسقوطه أو قلعه أو سقوط الحائط ‪ ،‬ثمّ أعيد فله إعادة‬
‫خشبه ‪ ،‬لنّ السّبب المجوّز لوضعه مستمرّ فاستمرّ استحقاق ذلك ‪.‬‬
‫وإن زال السّبب مثل أن يخشى على الحائط من وضعه عليه ‪ .‬أو استغنى عن وضعه لم تجز‬
‫إعادته لزوال السّبب المبيح ‪.‬‬
‫الدّعوى في الحائط ‪:‬‬
‫‪ -‬ل خلف بين الفقهاء في أنّ الرّجلين إذا تداعيا حائطا بين ملكيهما وتساويا في كونه‬ ‫‪10‬‬

‫متّصلً ببنائهما اتّصالً ل يمكن إحداثه بعد بناء الحائط ‪ ،‬مثل اتّصال البناء بالطّين ‪ ،‬أو تساويا‬
‫في كونه محلول من بنائهما ‪ ،‬فهما سواء في الدّعوى ‪ ،‬فإن لم يكن لواحد منهما بيّنة تحالفا‬
‫ويجعل بينهما نصفين ‪ ،‬وبه قال أبو ثور وابن المنذر أيضا ‪.‬‬
‫وإن كان الحائط متّصلً ببناء أحدهما دون الخر فهو له مع يمينه عند جمهور الفقهاء ‪.‬‬
‫وإن كان لحدهما خشب موضوع ‪ ،‬فذهب الشّافعيّة والحنابلة ومحمّد من الحنفيّة إلى أنّه ل‬
‫ن ذلك ممّا يسمح به الجار ‪ ،‬وقد ورد الخبر بالنّهي عن المنع منه ‪.‬‬
‫ترجّح دعواه بذلك ‪ ،‬ل ّ‬
‫ويرى الحنفيّة ما عدا محمّدا أنّه ل ترجّح الدّعوى بالجذع الواحد ‪ ،‬لنّ الحائط ل يبنى له ‪،‬‬
‫ويرجّح بالجذعين لنّ الحائط يبنى بهما ‪.‬‬
‫وعند المالكيّة ترجّح به الدّعوى ‪ ،‬لنّه منتفع به بوضع ماله عليه ‪ ،‬فأشبه الباني عليه ‪،‬‬
‫والزّارع في الرض ‪ .‬وكذا ل ترجّح الدّعوى بكون الدّواخل إلى أحدهما ‪ ،‬ول بكون الجرّ‬
‫الصّحيح ممّا يلي ملك أحدهما ‪ ،‬وإقطاع الج ّر إلى ملك الخر عند جمهور الفقهاء ‪ ،‬لعموم‬
‫قوله صلى ال عليه وسلم ‪ « :‬البيّنة على المدّعي واليمين على من أنكر » ‪.‬‬
‫وقال أبو يوسف ومحمّد يحكم به لمن إليه وجه الحائط ومعاقد القمط ‪ ،‬لما روى نمران بن‬
‫ن قوما اختصموا إلى النّبيّ صلى ال عليه وسلم في خصّ فبعث‬
‫جارية التّميميّ عن أبيه ‪ « :‬أ ّ‬
‫حذيفة بن اليمان ليحكم بينهم فحكم به لمن تليه معاقد القمط ‪ ،‬ثمّ رجع إلى النّبيّ صلى ال عليه‬
‫وسلم فأخبره ‪ ،‬فقال ‪ :‬أصبت وأحسنت » وروي نحوه عن عليّ رضي ال عنه ‪ .‬ولنّ‬
‫العرف جار بأنّ من بنى حائطا جعل وجه الحائط إليه ‪.‬‬
‫هدم الحائط ‪:‬‬
‫‪ -‬متى هدم أحد الشّريكين الحائط المشترك بينهما ‪ :‬فإن خيف سقوطه ووجب هدمه فل‬ ‫‪11‬‬

‫شيء على هادمه ‪ ،‬ويكون كما لو انهدم بنفسه ‪ ،‬لنّه فعل الواجب وأزال الضّرر الّذي قد‬
‫يحصل بسقوطه ‪ .‬وإن هدمه لغير ذلك فعليه إعادته سواء هدمه لحاجة أو غيرها ‪.‬‬
‫وسواء التزم إعادته أو لم يلتزم ‪ ،‬لنّ الضّرر حصل بفعله فلزم إعادته ‪.‬‬
‫ومن هدم حائط غيره ضمن نقصانه ‪ ،‬وليس له أن يجبره على البناء كما كان ‪ ،‬لنّ الحائط‬
‫ليس من ذوات المثال ‪ .‬واستثنى بعض فقهاء الحنفيّة حائط المسجد ‪.‬‬
‫بناء الحائط الجديد ‪:‬‬
‫‪ -‬إن لم يكن بين ملكي الشّريكين حائط قديم فطلب أحدهما من الخر مباناته حائطا يحجز‬ ‫‪12‬‬

‫بين ملكيهما فامتنع لم يجبر عليه ‪ ،‬وإن أراد البناء وحده لم يكن له البناء إلّ في ملكه خاصّة ‪،‬‬
‫لنّه ل يملك التّصرّف في ملك جاره المختصّ به ‪ ،‬ول في الملك المشترك بغير ما له فيه‬
‫رسم وهذا ل رسم له ‪ .‬قال ابن قدامة ‪ :‬ول أعلم في هذا خلفا ‪.‬‬
‫وضع الخشب على جدار المسجد ‪:‬‬
‫‪ -‬صرّح الحنفيّة والحنابلة في رواية بأنّه ل يجوز وضع الجذوع على جدار المسجد وإن‬ ‫‪13‬‬

‫ق الكلّ ‪ ،‬لكنّه ترك في حقّ‬


‫كان من أوقافه ولو دفع الجرة ‪ ،‬لنّ القياس يقتضي المنع في ح ّ‬
‫الجار للخبر الوارد فيه ‪ ،‬فوجب البقاء في غيره على مقتضى القياس ‪.‬‬
‫والمذهب عند الحنابلة أنّه يجوز ; لنّه إذا جاز في ملك الجار مع أنّ حقّه مبنيّ على الشّحّ‬
‫والضّيق ‪ ،‬ففي حقوق اللّه تعالى المبنيّة على المسامحة والمساهلة أولى ‪.‬‬
‫الحياء بتحويط الرض ‪:‬‬
‫‪ -‬يعتبر تحويط الحائط على الرض ‪ ،‬ممّا يحصل به إحياء الموات ‪ ،‬ويملك بذلك ‪ ،‬على‬ ‫‪14‬‬

‫ج ‪. ) 2/‬‬ ‫‪248/‬‬ ‫ص‬ ‫‪24/‬‬ ‫خلف وتفصيل في ذلك ينظر في مصطلح ‪ ( :‬إحياء الموات ‪ ،‬ف‬
‫ثانيا ‪ -‬الحائط " البستان " ‪:‬‬
‫معلوميّة الحائط في المساقاة ‪:‬‬
‫‪ -‬يشترط لصحّة المساقاة في الحائط ‪ -‬عند من يقول بجوازها ‪ -‬أن يكون شجر الحائط‬ ‫‪15‬‬

‫معلوما إمّا بالرّؤية أو بالوصف ‪ ،‬فإن ساقاه على بستان لم يره ولم يوصف له ‪ ،‬أو على أحد‬
‫هذين الحائطين لم تصحّ المساقاة ‪ ،‬لنّها معاوضة يختلف الغرض فيها باختلف العيان فلم‬
‫تجز على غير معيّن كالبيع ‪ .‬بهذا قال جمهور من يرى جواز المساقاة ‪.‬‬
‫وقال الشّافعيّة ‪ :‬يشترط لصحّة المساقاة ورودها على معيّن مرئيّ للمالك والعامل ‪ ،‬فإن ساقاه‬
‫على مبهم لم يصحّ أو على غير المرئيّ لم يصحّ على المذهب ‪.‬‬
‫والمساقاة بجزء من الثّمر باطلة عند أبي حنيفة ‪ .‬وللتّفصيل ‪ ( :‬ر ‪ :‬مساقاة ) ‪.‬‬

‫حائل *‬
‫التّعريف ‪:‬‬
‫‪ -‬الحائل في اللّغة اسم فاعل من حالت المرأة حيال إذا لم تحمل ‪.‬‬ ‫‪1‬‬

‫ويستعمل وصفا لكلّ أنثى لم تحمل من الحيوان والنّبات ‪ .‬وض ّد الحائل ‪ :‬الحامل ‪.‬‬
‫والحائل أيضا ‪ :‬السّاتر والحاجز ‪ ،‬والحاجب من حال يحول حيلولة بمعنى حجز ومنع‬
‫التّصال ‪ ،‬يقال ‪ :‬حال النّهر بيننا حيلولة أي حجز ‪.‬‬
‫ول يخرج الستعمال الفقهيّ عن المعنيين السّابقين ‪.‬‬
‫اللفاظ ذات الصّلة ‪:‬‬
‫السّترة ‪:‬‬
‫‪ -‬السّترة هي ما ينصبه المصلّي قدّامه علمة للصّلة من عصا أو تسنيم تراب أو غيره ‪،‬‬ ‫‪1‬‬

‫ص من الحائل بمعنى الحاجز‪.‬‬


‫وسمّيت سترة لنّها تستر المارّ من المرور أي تحجبه فهي أخ ّ‬
‫الحكم الجماليّ ‪:‬‬
‫أوّلً ‪ -‬حكم الحائل " بمعنى غير الحامل ‪:‬‬
‫‪ -‬الحوائل من النّساء يجوز نكاحهنّ إذا لم يكن هناك مانع شرعيّ ‪ ،‬كالعدّة من الطّلق أو‬ ‫‪3‬‬

‫ن ثلثة قروء ‪ -‬حيض أو أطهار ‪ -‬على خلف في ذلك عند‬


‫الوفاة ‪ ،‬وإذا طلّقن فعدّته ّ‬
‫الفقهاء ‪ ،‬أو ثلثة أشهر لمن لم يحضن لصغر أو كبر ‪ ( .‬ر ‪ :‬نكاح ‪ ،‬وعدّة ) ‪.‬‬
‫وتختلف الحامل عن الحائل بأحكام مبيّنة في مصطلحي ‪ ( :‬حمل ‪ ،‬وحامل ) ‪.‬‬
‫ثانيا ‪ -‬حكم الحائل بمعنى الحاجز ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬في الوضوء ‪:‬‬
‫‪ -‬من نواقض الوضوء عند جمهور الفقهاء " المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة " لمس الرّجل‬ ‫‪4‬‬

‫ستُم ال ّنسَاءَ } ‪.‬‬


‫المرأة وعكسه دون حائل ‪ .‬لقوله تعالى ‪ { :‬أو ل َم ْ‬
‫وكذلك مسّ قبل الدميّ ينتقض به الوضوء عند الجمهور إذا كان بغير حائل لما ورد في‬
‫س فرجه وليس بينهما ستر ول حجاب فليتوضّأ » ‪.‬‬
‫الحديث ‪ « :‬من م ّ‬
‫وينتقض الوضوء بمسّ حلقة الدّبر على الجديد عند الشّافعيّة وهي رواية عن أحمد ‪.‬‬
‫وقال الحنفيّة ‪ :‬ل ينتقض الوضوء بمسّ المرأة ولو بغير حائل ‪ ،‬لما روي عن عائشة رضي‬
‫ن النّبيّ صلى ال عليه وسلم قبّل بعض نسائه ثمّ خرج إلى الصّلة ولم يتوضّأ »‬
‫ال عنها « أ ّ‬
‫ن المراد من اللّمس في الية الجماع ‪ ،‬كما فسّرها ابن عبّاس رضي ال عنه ‪.‬‬
‫‪ .‬وقالوا ‪ :‬إ ّ‬
‫كذلك ل ينتقض الوضوء بمسّ الفرج عند الحنفيّة ولو بغير حائل ‪ « ،‬لقوله صلى ال عليه‬
‫وسلم لطلق بن عليّ حين سأله هل في مسّ الذّكر وضوء ؟ قال ‪ :‬ل هل هو إلّ مضغة منك‬
‫أو بضعة منك » ‪ .‬وتفصيله في مصطلح ‪ ( :‬وضوء ‪ ،‬ولمس ) ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬في الغسل ‪:‬‬
‫‪ -‬من موجبات الغسل إيلج الحشفة أو قدرها في قبل أو دبر على الفاعل والمفعول به ‪،‬‬ ‫‪5‬‬

‫لقوله صلى ال عليه وسلم ‪ « :‬إذا التقى الختانان وتوارت الحشفة وجب الغسل » ‪.‬‬
‫فإذا كان اليلج بغير حائل وجب الغسل اتّفاقا ‪ .‬أنزل أو لم ينزل ‪.‬‬
‫أمّا إذا كان بحائل ففيه خلف ينظر في مصطلح ‪ ( :‬غسل ‪ ،‬وجنابة ) ‪.‬‬
‫ج ‪ -‬في استقبال القبلة ‪:‬‬
‫‪ -‬الفرض في استقبال القبلة في الصّلة على من يعاين الكعبة إصابة عينها ‪ ،‬أي مقابلة ذات‬ ‫‪6‬‬

‫بناء الكعبة يقينا ‪ ،‬وهذا بالتّفاق ‪ .‬أمّا غير المعاين الّذي بينه وبين الكعبة حائل فهو كالغائب‬
‫على الصحّ عند الحنفيّة ‪ ،‬فيكفيه استقبال الجهة ‪.‬‬
‫وذهب المالكيّة والحنابلة إلى أنّ الفرض لمن قرب منها إصابة العين ‪ ،‬ثمّ فصّل الحنابلة فقالوا‬
‫‪ :‬إن تعذّرت إصابة العين بحائل أصليّ ‪ ،‬كجبل ونحوه اجتهد إلى عينها ‪ ،‬ومع حائل غير‬
‫أصليّ كالمنازل ل بدّ من تيقّنه محاذاة القبلة بنظر أو خبر ثقة ‪.‬‬
‫ولم يفرّق الشّافعيّة بين الحائل الخلقيّ والحادث فقالوا ‪ :‬لو كان حاضرا بمكّة وحال بينه وبين‬
‫الكعبة حائل خلقيّ كجبل ‪ ،‬أو حادث كبناء جاز له الجتهاد إذا فقد ثقة يخبره ‪ ،‬لما في تكليفه‬
‫المعاينة من المشقّة ‪.‬‬
‫)‪.‬‬ ‫‪65‬‬ ‫‪/‬‬ ‫‪64‬‬ ‫وتفصيله في مصطلح ‪ ( :‬استقبال القبلة ‪ ،‬ج ‪ /4‬ص‬
‫س المصحف ‪:‬‬
‫د‪-‬م ّ‬
‫س المصحف بل حائل ‪ .‬قال تعالى ‪ { :‬ل َي َمسّهُ إلّ‬
‫‪ -‬اتّفق الفقهاء على أنّه يحرم بالحدث م ّ‬ ‫‪7‬‬

‫ن } ‪ .‬وفي كتابه صلى ال عليه وسلم لعمرو بن حزم « أن ل يمسّ القرآن إلّ طاهر‬
‫ط ّهرُو َ‬
‫ال ُم َ‬
‫» ‪ .‬واختلفوا في مسّه بحائل ‪ ،‬كغلف أو كمّ أو نحوهما ‪.‬‬
‫فالمالكيّة والشّافعيّة يقولون بالتّحريم مطلقا ولو كان بحائل ‪.‬‬
‫وقال الشّافعيّة ‪ :‬ولو كان الحائل ثخينا ‪ ،‬حيث يعدّ ماسّا عرفا ‪.‬‬
‫وصرّح المالكيّة بحرمة مسّ المصحف وإن مسّه بقضيب ونحوه وكذلك مسّ جلد المصحف‬
‫وحمله وإن بعلّاقة أو وسادة إلّ بأمتعة قصد حملها ‪.‬‬
‫س المصحف للمحدث بحائل ممّا ل يتبعه في البيع ككيس وكمّ‬
‫والصّحيح عند الحنابلة جواز م ّ‬
‫‪ .‬لنّ النّهي إنّما ورد عن مسّه ‪ ،‬ومع الحائل إنّما يكون المسّ للحائل دون المصحف ‪.‬‬
‫س المصحف‬
‫ومثله ما عند الحنفيّة حيث فرّقوا بين الحائل المنفصل والمتّصل فقالوا ‪ :‬يحرم م ّ‬
‫للمحدث إلّ بغلف متجاف ‪ -‬أي غير مخيط ‪ -‬أو بصرّة ‪ .‬والمراد بالغلف ما كان منفصلً‬
‫كالخريطة ونحوها ‪ ،‬لنّ المتّصل بالمصحف منه ‪ ،‬وعلى ذلك الفتوى ‪.‬‬
‫وتفصيله في بحث ‪ ( :‬مصحف ) ‪.‬‬
‫هـ – القتداء من وراء حائل ‪:‬‬
‫– جمهور الفقهاء " الحنفيّة والشّافعيّة ورواية عند الحنابلة " على أنّه ل يصحّ القتداء إذا‬ ‫‪8‬‬

‫حال بين المام والمقتدي جدار كبير أو باب مغلق يمنع المقتدي من الوصول إلى إمامه لو‬
‫قصد الوصول إليه ‪ .‬ويصحّ إذا كان الحائل صغيرا ل يمنع ذلك ‪.‬‬
‫وذهب المالكيّة وهو رواية عند الحنابلة إلى عدم التّفريق بين ما إذا كان الجدار كبيرا أو‬
‫صغيرا فقالوا بجواز القتداء إذا لم يمنع من سماع المام أو بعض المأمومين أو رؤية فعل‬
‫أحدهما ‪ .‬واتّفقوا على عدم صحّة القتداء إذا حال بين المام والمقتدي نهر كبير تجري فيه‬
‫السّفن ‪ ،‬ومثله الطّريق الّذي يمكن أن تجري فيه عجلة عند أكثر الفقهاء ‪.‬‬
‫)‪.‬‬ ‫‪24‬‬ ‫‪،‬‬ ‫‪23/‬‬ ‫وتفصيله في مصطلح ‪ ( :‬اقتداء ‪ ،‬ج ‪ ، 6/‬ص‬

‫حاجب *‬
‫التّعريف ‪:‬‬
‫‪ -‬الحاجب في اللّغة ‪ :‬من الحجب أي ‪ :‬المنع ‪ ،‬يقال ‪ :‬حجبه أي ‪ :‬منعه عن الدّخول أو‬ ‫‪1‬‬

‫الوصول ‪ ،‬وكلّ شيء منع شيئا فقد حجبه ‪ ،‬ومنه حجب الخوة المّ عن الثّلث إلى السّدس ‪،‬‬
‫وحجب البن الخ ‪.‬‬
‫وقيل للبوّاب ‪ :‬حاجب لنّه يمنع من الدّخول ‪ ،‬ومنه حاجب المير والقاضي وغيرهما ‪.‬‬
‫والحاجبان ‪ :‬العظمان اللّذان فوق العينين بلحمهما وشعرهما ‪ ،‬سمّيا بذلك لكونهما كالحاجبين‬
‫ب عنهما ‪.‬‬
‫للعين في ال ّذ ّ‬
‫وقيل ‪ :‬الحاجب ‪ :‬الشّعر النّابت على العظم ‪،‬سمّي بذلك لنّه يحجب عن العين شعاع الشّمس‪.‬‬
‫ول يخرج المعنى الصطلحيّ عن المعنى اللّغويّ ‪.‬‬
‫اللفاظ ذات الصّلة ‪:‬‬
‫البوّاب والنّقيب ‪:‬‬
‫ل من البوّاب‬
‫‪ -‬عقد الشّيخ أبو يحيى زكريّا النصاريّ صلة ومقارنة بين الحاجب وبين ك ّ‬ ‫‪2‬‬

‫والنّقيب فقال ‪ :‬الحاجب ‪ :‬من يدخل على القاضي للستئذان ‪ .‬والبوّاب ‪ :‬من يقعد بالباب‬
‫للحراز ‪ .‬والنّقيب ‪ :‬من وظيفته ترتيب الخصوم والعلم بمنازل النّاس ‪.‬‬
‫الحكم التّكليفيّ ‪:‬‬
‫بحث الفقهاء حكم الحاجب في مواطن منها ‪:‬‬
‫أوّلً ‪ :‬غسل الحاجب في الوضوء ‪:‬‬
‫‪ -‬اتّفق الفقهاء على أنّه يجب في الوضوء غسل الحاجب الخفيف ‪ ..‬شعرا ومنبتا بإيصال‬ ‫‪3‬‬

‫الماء إلى البشرة إن كانت تظهر تحت الشّعر عند المواجهة ‪ ،‬لنّ الّذي ل يستره شعر يشبه ما‬
‫ل شعر عليه ‪ ،‬ويجب غسل الشّعر تبعا للمحلّ ‪ ،‬ولنّه ل حرج في غسل منبت شعر الحاجب‬
‫في هذه الحالة لخفّة الشّعر ‪.‬‬
‫‪ -‬واختلفوا فيما يجب غسله في الوضوء من الحاجب الكثيف ‪:‬‬ ‫‪4‬‬

‫فذهب الجمهور " الحنفيّة والمالكيّة والحنابلة " إلى أنّه ل يجب في الوضوء غسل أصول شعر‬
‫الحاجبين إذا كانا كثيفين ويكتفى بغسل ظاهر الشّعر ‪ ،‬لنّهما وإن كانا داخلين في ح ّد الوجه‬
‫إلّ أنّ في إيجاب غسل أصول شعرهما حرجا ‪ ،‬ولنّ محلّ الفرض استتر بحائل وصار بحال‬
‫ل يواجه النّاظر إليه فسقط الفرض عنه وتحوّل إلى الحائل ‪.‬‬
‫لكن جمهور الفقهاء اختلفوا في حكم تخليل شعر الحاجبين أو غسل باطنه في هذه الحالة ‪:‬‬
‫فقال الحنفيّة ‪ :‬يسنّ تخليل الشّعر الكثيف بالحاجبين في الوضوء لغير المحرم ‪ ،‬أمّا المحرم‬
‫ل يسقط الشّعر ‪.‬‬
‫فيكره له ذلك لئ ّ‬
‫وقال المالكيّة ‪ -‬في المعتمد عندهم ‪ -‬يكره التّخليل ‪.‬‬
‫وقال الحنابلة ‪ :‬يسنّ غسل باطن شعر الحاجبين إذا كان كثيفا في الوضوء ‪ .‬خروجا من‬
‫خلف من أوجبه ‪.‬‬
‫وذهب الشّافعيّة إلى أنّه يجب في الوضوء غسل الحاجبين شعرا وبشرا ‪ ،‬أي ظاهرا وباطنا ‪،‬‬
‫وإن كان كثيفا لندرة كثافته فألحق بالغالب وهو الشّعر الخفيف ‪.‬‬
‫ثانيا ‪ -‬صلة العاجز إيماء بالحاجب ‪:‬‬
‫‪ -‬اتّفق الفقهاء على أنّ من أركان الصّلة القيام والرّكوع والسّجود ‪ ،‬وأنّه ل تصحّ الصّلة‬ ‫‪5‬‬

‫ل بهذه الركان ‪ -‬وغيرها ‪ -‬للقادر عليها ‪ ،‬وأنّه إذا عجز المصلّي عن القيام‬
‫المفروضة إ ّ‬
‫يصلّي قاعدا بركوع وسجود ‪ .‬فإن عجز عن الرّكوع والسّجود يصلّي قاعدا باليماء ‪ ،‬فإن‬
‫عجز عن القعود يستلقي ويومئ إيماء ‪ ،‬لنّ سقوط أيّ من الركان لمكان العذر فيتقدّر بقدر‬
‫العذر ‪ ،‬واليماء المتّفق عليه بين الفقهاء هو تحريك الرّأس ‪.‬‬
‫‪ -6‬وقد اختلفوا فيمن عجز عن اليماء بتحريك رأسه ‪ ،‬واختلفهم هنا يحسن معه إيراد كلّ‬
‫مذهب على حدة ‪.‬‬
‫المعتمد عند الحنفيّة أنّ المصلّي لو عجز عن اليماء وهو تحريك الرّأس فل شيء عليه ‪ ،‬لما‬
‫ي صلى ال عليه وسلم قال ‪ « :‬يصلّي المريض قائما ‪ ،‬فإن نالته‬
‫روي عن ابن عبّاس عن النّب ّ‬
‫مشقّة صلّى جالسا ‪ ،‬فإن نالته مشقّة صلّى نائما يومئ برأسه ‪ ،‬فإن نالته مشقّة سبّح » ‪ .‬أخبر‬
‫النّبيّ صلى ال عليه وسلم أنّه معذور عند اللّه تعالى في هذه الحالة ‪ ،‬فلو كان عليه اليماء‬
‫بغير تحريك الرّأس كالحاجب لما كان معذورا ‪ ،‬ولنّ اليماء ليس بصلة حقيقيّة ‪ ،‬ولهذا ل‬
‫ل أنّه أقيم مقام‬
‫يجوز التّنفّل به في حالة الختيار ‪ ،‬ولو كان صلة لجاز كما لو تنفّل قاعدا إ ّ‬
‫الصّلة بالشّرع ‪ ،‬والشّرع ورد باليماء بالرّأس فل يقام غيره مقامه ‪.‬‬
‫وقال زفر ‪ :‬لو عجز عن اليماء بتحريك الرّأس يومئ بالحاجبين أوّل ‪ ،‬فإن عجز فبالعينين ‪،‬‬
‫ل بالعجز ‪ ،‬فما عجز عنه يسقط وما قدر‬
‫فإن عجز فبقلبه ‪ ،‬لنّ الصّلة فرض دائم ل يسقط إ ّ‬
‫عليه يلزمه بقدره ‪ ،‬فإذا قدر بالحاجبين كان اليماء بهما أولى لنّهما أقرب إلى الرّأس ‪ ،‬فإن‬
‫ظ من هذه العبادة فكذا‬
‫عجز يومئ بعينيه لنّهما من العضاء الظّاهرة ‪ ،‬وجميع البدن ذو ح ّ‬
‫العينان ‪ ،‬فإن عجز فبالقلب ‪ ،‬لنّه في الجملة ذو حظّ من هذه العبادة وهو ال ّنيّة ‪ ،‬أل ترى أنّ‬
‫ال ّنيّة شرط صحّتها ‪ ،‬فعند العجز تنتقل إليه ‪.‬‬
‫وقال الحسن بن زياد ‪ :‬يومئ بعينيه وحاجبيه ول يومئ بقلبه ‪ ،‬لنّ أركان الصّلة تؤدّى‬
‫بالعضاء الظّاهرة ‪ ،‬أمّا الباطنة فل حظّ لها من أركانها بل لها حظّ من الشّرط وهو ال ّنيّة ‪،‬‬
‫وهي قائمة أيضا عند اليماء فل يؤدّى به الركان والشّرط جميعا ‪.‬‬
‫وقال المازريّ من المالكيّة ‪ :‬مقتضى المذهب أنّه إن لم يقدر إلّ على ال ّنيّة مع قدرته على‬
‫اليماء بطرفه أو حاجبه فإنّه يفعل ما يقدر عليه وجوبا ويكون مصلّيا بذلك ‪ ،‬وإن لم يقدر إلّ‬
‫على ال ّنيّة وجبت ‪.‬‬
‫وقال الشّافعيّة ‪ :‬إن عجز المكلّف عن أركان الصّلة بهيئتها الصليّة أومأ برأسه ‪ ،‬والسّجود‬
‫أخفض من الرّكوع ‪ ،‬فإن عجز عن اليماء برأسه فبطرفه ‪ ،‬ومن لزمه اليماء بجفنه‬
‫وحاجبه ‪ ،‬وظاهر كلمهم أنّه ل يجب هنا إيماء للسّجود أخفض وهو متّجه ‪.‬‬
‫وقال الحنابلة ‪ :‬إن عجز عن الرّكوع والسّجود أومأ بهما برأسه ما أمكنه ‪ ،‬ويكون سجوده‬
‫أخفض من ركوعه ‪ ،‬فإن عجز أومأ بطرفه ونوى بقلبه ‪ ،‬وظاهر كلم جماعة ل يلزمه ‪،‬‬
‫وصوّبه في الفروع ‪ .‬ولم نقف على نصّ لهم في اليماء بالحاجب ‪.‬‬
‫ثالثا ‪ :‬الخذ من شعر الحاجب ‪:‬‬
‫‪ -‬اختلف الفقهاء في حكم الخذ من شعر الحاجبين للرّجل والمرأة وينظر الخلف في ذلك‬ ‫‪7‬‬

‫وتفصيله في مصطلح ‪ ( :‬تنمّص ) ‪.‬‬


‫رابعا ‪ :‬الجناية على الحاجب ‪:‬‬
‫‪ -‬ذهب الحنفيّة والحنابلة إلى أنّ في الجناية على شعر الحاجب إذا لم ينبت الدّية ‪ ،‬وفي أحد‬ ‫‪8‬‬

‫الحاجبين نصف الدّية ‪ ،‬قالوا ‪ :‬لنّ في هذه الجناية إتلفا للجمال على الكمال وإتلفا للمنفعة‬
‫أيضا ‪ ،‬لنّ الحاجب يردّ العرق عن العين ويفرّقه ‪.‬‬
‫ول فرق عندهم في هذا الحكم بين كون الحاجب كثيفا أو خفيفا ‪ ،‬جميلً أو قبيحا ‪ ،‬أو كونه‬
‫من صغير أو كبير ‪ ،‬لنّ سائر ما فيه الدّية من العضاء ل يفترق فيه الحال بذلك ‪ .‬وقالوا ‪:‬‬
‫إنّما تجب الدّية في الحاجبين بذهابهما على وجه ل يرجى عودهما بإتلف منبت الشّعر ‪ ،‬فإن‬
‫رجي عودهما في مدّة انتظر إليها ‪ ،‬فإن عاد الشّعر قبل أخذ الدّية لم تجب ‪ ،‬وإن عاد بعد‬
‫أخذها ردّت ‪ .‬ول قصاص عندهم في شعر الحاجب ‪ ،‬لنّ إتلفه يكون بالجناية على محلّه ‪-‬‬
‫منبته ‪ -‬وهو غير معلوم المقدار فل تمكن المساواة فيه ‪ ،‬فل يجب فيه القصاص ‪.‬‬
‫وذهب المالكيّة والشّافعيّة إلى أنّ في الجناية على شعر الحاجب إن لم ينبت حكومة ‪ ،‬وأنّ‬
‫الشّعور ل قود فيها قطعا ‪ ،‬وتجب الحكومة فيما شأنه الزّينة منها ‪ ،‬فإن نبت الشّعر وعاد‬
‫لهيئته فل شيء فيه إلّ الدب في العمد ‪.‬‬
‫خامسا ‪ :‬اتّخاذ القاضي أو المير حاجبا ‪:‬‬
‫‪ -‬ذهب الحنفيّة والمالكيّة إلى أنّه يجوز للمير والقاضي اتّخاذ حاجب ‪ ،‬والمرجع في ذلك‬ ‫‪9‬‬

‫الشّرع ‪ ،‬فقد حجب للنّبيّ صلى ال عليه وسلم أنس بن مالك رضي ال عنه ‪ ،‬وكان لبي بكر‬
‫الصّدّيق رضي ال عنه حاجب هو سديف موله ‪ ،‬وكان لعثمان بن عفّان رضي ال عنه‬
‫حمران ‪ ،‬وكان لعليّ بن أبي طالب رضي ال عنه قنبر موله ‪ ،‬وقد قال النّبيّ صلى ال عليه‬
‫وسلم ‪ « :‬عليكم بسنّتي وسنّة الخلفاء الرّاشدين المهديّين من بعدي عضّوا عليها بالنّواجذ »‪.‬‬
‫وقال ابن عرفة ‪ :‬يسوغ للقاضي اتّخاذ من يقوم بين يديه لصرف أمره ونهيه ‪ ،‬وكفّ أذى‬
‫ف بعضهم عن بعض ‪.‬‬
‫النّاس عنه ‪ ،‬وك ّ‬
‫وقال أصبغ ‪ :‬حقّ على المام أن يوسّع على القاضي في رزقه ‪ ،‬ويجعل له قوما يقومون‬
‫بأمره ‪ ،‬ويدفعون النّاس عنه ‪ ،‬إذ ل بدّ له من أعوان يكونون حوله يزجرون من ينبغي زجره‬
‫من المتخاصمين ‪.‬‬
‫وقال الشّافعيّة والحنابلة ‪ :‬ينبغي للحاكم والقاضي أن ل يتّخذ حاجبا يحجب النّاس عن الوصول‬
‫إليه ‪ ،‬لما روى أبو مريم رضي ال عنه قال ‪ :‬سمعت رسول اللّه صلى ال عليه وسلم يقول ‪:‬‬
‫« من ولّاه اللّه عزّ وجلّ شيئا من أمر المسلمين فاحتجب دون حاجتهم وخلّتهم وفقرهم احتجب‬
‫اللّه عنه دون حاجته وخلّته وفقره » ‪.‬‬
‫ن حاجب القاضي ربّما قدّم المتأخّر وأخّر المتقدّم لغرض له ‪ ،‬وربّما كسرهم بحجبهم‬
‫ول ّ‬
‫والستئذان لهم ‪ ،‬ول بأس عندهم باتّخاذ حاجب في غير مجلس القضاء ‪ ،‬وفي حال الزّحمة‬
‫وكثرة النّاس ‪.‬‬
‫طيّب الطّبريّ من الشّافعيّة ‪ :‬يستحبّ للقاضي أن يتّخذ حاجبا يقوم على‬
‫وقال القاضي أبو ال ّ‬
‫رأسه إذا قعد للقضاء ليقدّم الخصوم ويؤخّرهم ‪ ،‬وأضاف ابن أبي الدّم الحمويّ الشّافعيّ ‪:‬‬
‫وهذا هو الصّحيح ول سيّما في زمننا هذا ‪ ،‬مع فساد العوّام ‪ ،‬فإنّه متى كان للحاكم حاجب‬
‫رتّب الخصوم ‪ ،‬وقدّم من حضر أ ّولً على من تأخّر ‪ ،‬ومنعهم من المخاصمة على التّقدّم‬
‫والتّأخّر ‪ ،‬وزجر الظّالم منهم ‪ ،‬وأخذ بيد المظلوم ‪ ،‬وفيه أبّهة عظيمة للحاكم ‪ ...‬وكلم‬
‫الشّافعيّ رضي ال عنه ‪ -‬وغيره ‪ :‬أنّه ل ينبغي أن يتّخذ حاجبا ‪ -‬محمول على ما إذا قصد‬
‫بالحاجب الحتجاب عن النّاس والكتفاء به ‪ ،‬أو حالة الخوف من ارتشاء الحاجب ‪.‬‬
‫شروط الحاجب وآدابه ‪:‬‬
‫‪ -‬قال القاضي الماورديّ ‪ :‬يشترط في الحاجب ثلثة شروط مستحقّة ‪ ،‬وهي ‪ :‬العدالة‬ ‫‪10‬‬

‫والعفّة والمانة ‪ ،‬وخمسة مستحبّة وهي ‪ :‬أن يكون حسن المنظر ‪ ،‬وجميل المخبر ‪ ،‬وعارفا‬
‫بمقادير النّاس ‪ ،‬وبعيدا عن الهوى ‪ ،‬ومعتدل الخلق بين الشّراسة واللّين ‪.‬‬
‫وفصّل السّمنانيّ فقال ‪ :‬ينبغي أن يختار القاضي من الحجبة من ل يتجهّم الخصوم ول يختصّ‬
‫بعضهم دون بعض بالوصول ‪ ،‬وتكون له معرفة بأوقات ما يجوز أن يستأذن فيها بالحضور‬
‫لمن يقصد القاضي ‪ ،‬ويعرف من جاء خصما ‪ ،‬أو زائرا ‪ ،‬أو طالبا لرفده ‪ ،‬أو سائل ‪ ،‬أو‬
‫مستفتيا له في الحكم والشّرع ‪ ،‬ويوعز إليه القاضي في بسط الوجه ولين الكنف ورفع المئونة‬
‫وحسن اللّفظ ‪ ،‬وكفّ الذيّة والسّرعة في أمره بإدخال كلّ إنسان مع خصمه إذا أذن بدخوله‬
‫من غير تأخير لحد منهما عن صاحبه بأوجز بيان ‪ ،‬ويسهّل لهما السّبيل ‪ ،‬وإذا كان الدّاخل‬
‫رجل له قدر ول خصومة له مع أحد ‪ ،‬وإنّما أتى لزيارة القاضي ‪ ،‬فينبغي للحاجب أن يتقدّم‬
‫بين يديه ويستقبله قبل دخوله على القاضي ويدخل بين يديه ينبّه على موضعه ومكانه ‪.‬‬
‫وينبغي أن يكون دخول الحاجب على القاضي قبل جميع النّاس ليعرف من حضر على الباب‬
‫ثمّ يأذن لمن يريد الدّخول عليه والحديث معه ‪.‬‬
‫وأضاف السّمنانيّ ‪ :‬وينبغي أن يتفقّد القاضي من على بابه من أصحابه وأعوانه ومن يجري‬
‫مجراهم ‪ ،‬ويمنعهم من المآكل الرّديّة ‪ ،‬ويقوّم منهم من يجب تقويمه ‪ ،‬ويبعد منهم من كان‬
‫معروفا بالفساد والخيانة ‪ ،‬لنّ عيبهم راجع إليه وفعلهم عار عليه ‪ ،‬وإذا اطّلع منهم على‬
‫الفساد والخيانة ولم ينكر ذلك شاركهم في الثم ‪ ،‬وربّما كان ذلك ممّا يوجب فسقه إذا أقرّهم‬
‫عليه مع قدرته على إنكاره وإزالته ‪ ،‬لنّهم أعوان الشّرع والدّين ‪ ،‬فيجب عليهم أن يكونوا‬
‫أعرف بالشّرع وأقوم بالدّين ‪.‬‬
‫سادسا ‪ :‬الحاجب في الميراث ‪:‬‬
‫‪ -‬الحاجب في الميراث ‪ :‬هو المانع لمن تأهّل للميراث _ بأن قام به سببه _ من الرث‬ ‫‪11‬‬

‫بالكّليّة أو من أوفر حظّيه لوجوده _ أي المانع _ ‪ ،‬وانظر مصطلح ‪ ( :‬حجب ) ‪.‬‬

‫حاجة *‬
‫التّعريف ‪:‬‬
‫‪ -‬الحاجة تطلق على الفتقار ‪ ،‬وعلى ما يفتقر إليه ‪.‬‬ ‫‪1‬‬
‫واصطلحا هي ‪ -‬كما عرّفها الشّاطبيّ ‪ -‬ما يفتقر إليها من حيث التّوسعة ورفع الضّيق‬
‫المؤدّي في الغالب إلى الحرج والمشقّة اللّاحقة بفوت المصلحة ‪ ،‬فإذا لم تراع دخل على‬
‫المكلّفين ‪ -‬على الجملة ‪ -‬الحرج والمشقّة ‪.‬‬
‫ويعتبرها الصوليّون مرتبة من مراتب المصلحة ‪ ،‬وهي وسط بين الضّروريّ والتّحسينيّ ‪.‬‬
‫والفقهاء كثيرا ما يستعملون الحاجة بالمعنى العمّ وهو ما يشمل الضّرورة ‪ ،‬ويطلقون‬
‫الضّرورة مرادا بها الحاجة الّتي هي أدنى من الضّرورة ‪.‬‬
‫اللفاظ ذات الصّلة ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬الضّرورة ‪:‬‬
‫ضرّ خلف النّفع ‪ ،‬قال الزهريّ ‪ :‬كلّ ما كان سوء حال وفقر وشدّة‬
‫‪ -‬الضّرورة لغة من ال ّ‬ ‫‪2‬‬

‫ضمّ ‪ ،‬وما كان ضدّ النّفع فهو بفتحها ‪.‬‬


‫في بدن فهو ضرّ بال ّ‬
‫وعرّفها الجرجانيّ بأنّها النّازل ممّا ل مدفع له ‪.‬‬
‫وهي عند الصوليّين ‪ :‬المور الّتي ل بدّ منها في قيام مصالح الدّين والدّنيا وهي حفظ الدّين‬
‫والعقل والنّفس والنّسل والمال ‪ .‬بحيث إذا فقدت لم تجر مصالح الدّنيا على استقامة ‪ ،‬بل على‬
‫فساد وتهارج وفوت حياة ‪،‬وفي الخرى فوت النّجاة والنّعيم والرّجوع بالخسران المبين‪.‬‬
‫ن الحاجة وإن كانت حالة جهد ومشقّة فهي دون‬
‫والفرق بين الحاجة والضّرورة ‪ ،‬أ ّ‬
‫الضّرورة ‪ ،‬ومرتبتها أدنى منها ول يتأتّى بفقدها الهلك ‪.‬‬
‫ب _ التّحسين ‪:‬‬
‫‪ -‬التّحسين لغة ‪ :‬التّزيين ‪ .‬والتّحسين باعتبار ملءمة الطّبع كقولنا ‪ :‬ريح الورد حسن ‪ ،‬أو‬ ‫‪3‬‬

‫باعتباره صفة كمال ‪ ،‬كقولنا ‪ :‬العلم حسن ‪ ،‬فمصدره العقل بل خلف ‪.‬‬
‫ن العقل يستق ّل بإدراك‬
‫والتّحسين باعتبار الثّواب الشّرعيّ فيه خلف بين المعتزلة القائلين بأ ّ‬
‫الحسن والقبح ‪ ،‬والشاعرة القائلين بأنّ مصدره الشّرع ‪ ،‬والماتريديّة القائلين بأنّ العقل يستق ّل‬
‫بإدراك حسن وقبح بعض الفعال ‪ ،‬ول يلزم أن يأتي الشّرع على وفق إدراكنا كحالة خفيت‬
‫على عقولنا ‪.‬‬
‫والتّحسينات كمقصد من مقاصد الشّريعة هي الخذ بما يليق من محاسن العادات وتجنّب‬
‫الحوال المدنّسات الّتي تأنفها العقول الرّاجحات ويجمع ذلك قسم مكارم الخلق والصّفات ‪.‬‬
‫أو هي ما ل تدعو إليها ضرورة ول حاجة ولكن تقع موقع التّحسين والتّيسير ورعاية أحسن‬
‫المناهج في العادات والمعاملت ‪ .‬وعلى ذلك تكون التّحسينات رتبة أدنى من رتبة الحاجيّات‪.‬‬
‫وينظر تفصيل هذا في مصطلح ( تحسين ) وفي الملحق الصوليّ ‪.‬‬
‫ج ‪ -‬الستصلح ‪:‬‬
‫‪ -‬المصالح المرسلة ما ل يشهد لها أصل من الشّارع ل بالعتبار ول باللغاء ‪.‬‬ ‫‪4‬‬

‫وتنقسم إلى ضروريّ وحاجيّ وتحسينيّ ‪ .‬وهي بذلك أع ّم من الحاجة ‪.‬‬


‫د ‪ -‬الرّخصة ‪:‬‬
‫‪ -‬الرّخصة هي ما استبيح بعذر مع قيام الدّليل المحرّم ‪ ،‬أو هي ما بني على أعذار العباد‪.‬‬ ‫‪5‬‬

‫وبذلك يظهر أنّ الرّخصة أثر للحاجة ‪.‬‬


‫الحتجاج بها ‪:‬‬
‫‪ -‬الحاجة مرتبة وسط بين مراتب المصلحة ‪ ،‬وفي الحتجاج بها خلف بين الصوليّين ‪.‬‬ ‫‪6‬‬

‫قال الغزاليّ في المستصفى ‪ :‬إن وقعت المصلحة في محلّ الحاجة فل يجوز الحكم بمجرّدها‬
‫ل أنّها تجري مجرى الضّرورات ‪ ،‬فل بعد أن يؤدّي إليها اجتهاد‬
‫إن لم تعتضد بأصل ‪ ،‬إ ّ‬
‫مجتهد ‪ .‬ومثل ذلك في روضة النّاظر ‪.‬‬
‫ن الحاجة قد تنزل منزلة الضّرورة إذا عمّت ‪.‬‬
‫ومن هنا قول بعض الحنفيّة ‪ :‬إ ّ‬
‫وما مشى عليه الغزاليّ هو أحد أقوال ذكرها أبو إسحاق الشّاطبيّ في العتصام ‪ ،‬وعزا هذا‬
‫القول إلى القاضي وطائفة من الصوليّين ‪.‬‬
‫والقول الثّاني ‪ :‬هو اعتبار ذلك ‪ ،‬وبناء الحكام عليه على الطلق ‪ ،‬وهو للمام مالك ‪ ،‬قال‬
‫القرافيّ في الذّخيرة ‪ :‬هي حجّة عند المام مالك بدليل أنّ اللّه تعالى بعث الرّسل لتحصيل‬
‫مصالح العباد عمل بالستقراء فمهما وجدت مصلحة غلب على الظّنّ أنّها مطلوبة للشّرع ‪.‬‬
‫ي ومعظم‬
‫والقول الثّالث ‪ :‬هو اعتبار ذلك بشرط قربه من معاني الصول الثّابتة وهو للشّافع ّ‬
‫الحنفيّة ‪ ،‬وهذا ما حكاه المام الجوينيّ ‪ .‬والتّفصيل في الملحق الصوليّ ‪.‬‬
‫مراعاة الحاجة مقصد من مقاصد الشّريعة ‪:‬‬
‫‪ -‬الحاجة مفتقر إليها من حيث التّوسعة والتّيسير ورفع الضّيق المؤدّي إلى الحرج ‪ .‬واليسر‬ ‫‪7‬‬

‫ودفع المشقّة والحرج في الحكام الشّرعيّة من مبادئ الشّريعة ‪.‬‬


‫يقول الشّاطبيّ ‪ :‬إنّ الشّارع لم يقصد إلى التّكليف بالمشاقّ والعنات فيه ‪.‬‬
‫والتّكاليف كلّها راجعة إلى مصالح العباد في دنياهم وأخراهم ‪.‬‬
‫ومصالح الدّنيا والخرة ثلثة أقسام كلّ قسم منها في منازل متفاوتة ‪.‬‬
‫ل المجزئ من‬
‫أمّا مصالح الدّنيا فتنقسم إلى الضّرورات والحاجات والتّتمّات والتّكميلت فأق ّ‬
‫المآكل والمشارب والملبس والمساكن والمناكح وغيرها ضروريّ ‪.‬‬
‫طيّبات والملبس النّاعمات والقصور الواسعات‬
‫وما كان من ذلك في أعلى المراتب كالمآكل ال ّ‬
‫فهو من التّتمّات والتّكميلت ‪ ،‬وما توسّط بينهما فهو من الحاجات ‪.‬‬
‫وأمّا مصالح الخرة ففعل الواجبات واجتناب المحرومات ضروريّ ‪ ،‬وفعل السّنن المؤكّدات‬
‫من الحاجات ‪ ،‬وما عدا ذلك من المندوبات فهي من التّتمّات والتّكميلت ‪.‬‬
‫والحاجيّات وإن كانت أدنى رتبة من الضّروريّات باعتبار أنّ الضّروريّات هي الصل إلّ أنّ‬
‫الحاجيّات مكمّلة لها ‪ ،‬والمحافظة عليها وسيلة للمحافظة على الضّروريّات ‪ .‬كما أنّ ترك‬
‫الحاجيّات يؤدّي في النّهاية إلى ترك الضّروريّات ‪ ،‬لنّ المتجرّئ على الخلل بالخفّ‬
‫معرّض للتّجرّؤ على ما سواه ‪ ،‬فالمتجرّئ على الخلل بالحاجيّات يتجرّأ على الخلل‬
‫بالضّروريّات ‪ .‬ولذلك قصد الشّارع المحافظة على هذه القواعد الثّلث " الضّروريّة ‪،‬‬
‫والحاجيّة ‪ ،‬والتّحسينيّة وهي مسألة ل يرتاب في ثبوتها شرعا أحد ممّن ينتمي إلى الجتهاد‬
‫ن اعتبارها مقصود للشّرع ‪ ،‬ودليل ذلك استقراء الشّريعة ‪ ،‬والنّظر في‬
‫من أهل الشّرع وأ ّ‬
‫أدلّتها الكّليّة والجزئيّة ‪ ،‬وما انطوت عليه من هذه المور العامّة ‪.‬‬
‫ما تجري فيه الحاجة ‪:‬‬
‫‪ -‬الحاجة تراعى في العبادات ‪ ،‬والعادات ‪ ،‬والمعاملت ‪ ،‬والجنايات ‪.‬‬ ‫‪8‬‬

‫ففي العبادات كالرّخص المخفّفة بالنّسبة إلى لحوق المشقّة بالمرض والسّفر ‪ .‬وفي العادات‬
‫طيّبات ممّا هو حلل مأكلً ومشربا ومسكنا ومركبا وما أشبه ذلك ‪.‬‬
‫كإباحة الصّيد والتّمتّع بال ّ‬
‫وفي المعاملت كالقراض ‪ ،‬والمساقاة ‪ ،‬والسّلم ‪ ،‬وإلغاء التّوابع في العقد على المتبوعات ‪،‬‬
‫كثمرة الشّجر ومال العبد ‪.‬‬
‫وفي الجنايات كالحكم باللّوث ‪ ،‬والتّدمية ‪ ،‬والقسامة ‪ ،‬وضرب الدّية على العاقلة ‪ ،‬وتضمين‬
‫صنّاع وما أشبه ذلك ‪.‬‬
‫ال ّ‬
‫تنوّع الحاجة ‪:‬‬
‫تتنوّع الحاجة باعتبارات مختلفة ومن ذلك ‪:‬‬
‫اعتبار العموم والخصوص ‪:‬‬
‫‪ -‬الحاجة قد تكون عامّة بمعنى أنّ النّاس جميعا يحتاجون إليها فيما يمسّ مصالحهم العامّة‬ ‫‪9‬‬

‫كالحاجة إلى الزّراعة والصّناعة والتّجارة والسّياسة العادلة والحكم الصّالح ‪.‬‬
‫ومن أجل ذلك شرعت عقود البيع والجارة والمضاربة والمساقاة والكفالة والحوالة والصّلح‬
‫وغيرها من العقود ‪ .‬وهي في الغالب ما شرع في الصل لعذر ثمّ صار مباحا ولو لم تكن‬
‫هناك حاجة ‪ ،‬ففي القرض مثلً يجوز للنسان أن يقترض وإن لم تكن به حاجة إلى القتراض‬
‫‪ ،‬وفي المساقاة يجوز له أن يساقي على حائطه وإن كان قادرا على عمله بنفسه أو بالستئجار‬
‫عليه وهكذا ‪.‬‬
‫كما أنّ تخلّف القليل من جزئيّات بعض العقود ل يخرج كّليّات العقود عن الحاجيّة ‪.‬‬
‫ففي فواتح الرّحموت مثّل للحاجيّات بعقود البيع والجارة والمضاربة والمساقاة ‪ ،‬ثمّ قال ‪ :‬إلّ‬
‫قليلً من جزئيّات بعض العقود فإنّها تكون من الضّروريّة مثل استئجار المرضعة للطّفل مثل‬
‫إذ لو لم يشرع تلف نفس الولد فوصل إلى ضرورة حفظ النّفس ‪ ،‬وكذا شراء مقدار القوت‬
‫واللّباس يتّقى به من الح ّر والبرد ‪ ،‬لكن لقلّتها ل تخرج كّليّات العقود عن الحاجيّة ‪.‬‬
‫وقد تكون الحاجة خاصّة بمعنى أن يحتاج إليها فرد أو أفراد محصورون ‪ ،‬وذلك مثل الحاجة‬
‫إلى تضبيب الناء بالفضّة ‪ ،‬ومثل الحاجة إلى الكل من الغنيمة في دار الحرب ‪ ،‬والحاجة‬
‫إلى لبس الحرير للرّجل لمرض كالجرب والحكّة ‪ ،‬وإباحة تحلية آلت الحرب غيظا للمشركين‬
‫والتّبختر بين الصّفّين في الحرب ‪.‬‬
‫‪ -‬وتختلف الحاجة من شخص إلى شخص فما يكون حاجة لشخص قد ل يكون حاجة‬ ‫‪10‬‬

‫لغيره ‪ ،‬فالخادم قد يكون حاجة لشخص فقير كأن يكون من أهل البيوتات ل يتعاطى خدمة‬
‫نفسه بيده فيفرض على من عليه نفقته أن يأتي له بخادم أمّا الشّخص العادي الّذي يخدم نفسه‬
‫فليس في حاجة إلى الخادم ‪.‬‬
‫باعتبار العصار والمصار والقرون والحوال ‪:‬‬
‫‪ -‬قال القرافيّ في الفرق الثّاني والخمسين والمائتين ‪ :‬يندب إقامة هيئات للئمّة والقضاة‬ ‫‪11‬‬

‫ل بعظمة الولة في نفوس‬


‫وولة المور بسبب أنّ المصالح والمقاصد الشّرعيّة ل تحصل إ ّ‬
‫النّاس ‪ ،‬وكان النّاس في زمان الصّحابة رضي ال عنهم معظم تعظيمهم إنّما هو بالدّين وسابق‬
‫ل بالهيئة وال ّزيّ‬
‫الهجرة ‪ ،‬ثمّ اختلّ النّظام وذهب ذلك القرن وحدث قرن آخر ل يعظّمون إ ّ‬
‫فيتعيّن تفخيم الصّور حتّى تحصل المصالح ‪.‬‬
‫وقد كان عمر رضي ال عنه يأكل خبز الشّعير والملح ‪ ،‬ويفرض لعامله نصف شاة كلّ يوم‬
‫ن الحالة الّتي هو عليها لو عملها غيره لهان في نفوس النّاس ولم يحترموه وتجاسروا‬
‫لعلمه بأ ّ‬
‫عليه بالمخالفة ‪ ،‬فاحتاج إلى أن يضع غيره في صورة أخرى لحفظ النّظام ‪ ،‬ولذلك لمّا قدم‬
‫الشّام ووجد معاوية بن أبي سفيان رضي ال عنهما قد اتّخذ الحجّاب وأرخى الحجاب واتّخذ‬
‫المراكب النّفيسة والثّياب الهائلة العليّة وسلك ما يسلكه الملوك فسأله عن ذلك فقال ‪ :‬إنّا بأرض‬
‫نحن فيها محتاجون لهذا ‪ ،‬فقال له ‪ :‬ل آمرك ول أنهاك ‪ ،‬ومعناه أنت أعلم بحالك هل أنت‬
‫محتاج إلى هذا فيكون حسنا أو غير محتاج إليه ‪.‬‬
‫فدلّ ذلك من عمر وغيره على أنّ أحوال الئمّة وولة المور تختلف باختلف العصار‬
‫والمصار والقرون والحوال ‪ ،‬فلذلك يحتاجون إلى تجديد زخارف وسياسات لم تكن قديما ‪،‬‬
‫وربّما وجبت في بعض الحوال ‪.‬‬
‫باعتبار الحكم الشّرعيّ ‪:‬‬
‫‪ -‬من المعلوم أنّ الحكام الشّرعيّة شرعت للتّسهيل على العباد إلّ أنّ منها ما شرع من‬ ‫‪12‬‬

‫الصل مراعى فيه المصلحة وحاجة النّاس فيباح ولو لغير حاجة ‪ ،‬وذلك كالقرض والحوالة‬
‫والوصيّة والشّركة والعاريّة وغيرها ‪.‬‬
‫ومنها ما شرع لما يوجد من العذار ولذلك ل يباح إلّ عند وجود السّبب كالفطر في الصّيام‬
‫ل إذا كان هناك سبب آخر وهكذا ‪.‬‬
‫بسبب السّفر ‪ ،‬فل يباح الفطر لغير المسافر إ ّ‬
‫شروط الحاجة ‪:‬‬
‫للعمل بمقتضى الحاجة شروط تتلخّص فيما يلي ‪:‬‬
‫‪ -‬ألّ يعود اعتبارها على الصل بالبطال ‪:‬‬ ‫‪1‬‬

‫‪ -‬الضّروريّات أعلى رتب المقاصد ‪ ،‬وتعتبر أصلً لما عداها من الحاجيّات ‪ ،‬والتحسينيات‬ ‫‪13‬‬

‫الّتي تعتبر مكمّلة للصل ‪.‬‬


‫ومن شرط اعتبار الدنى ألّ يعود على الصل بالبطال ‪ .‬يقول الشّاطبيّ ‪ :‬كلّ تكملة فلها ‪-‬‬
‫من حيث هي تكملة ‪ -‬شرط ‪ ،‬وهو أن ل يعود اعتبارها على الصل بالبطال ‪ ،‬وذلك أنّ كلّ‬
‫تكملة يفضي اعتبارها إلى رفض أصلها ل يصحّ اشتراطها عند ذلك لوجهين ‪:‬‬
‫ن في إبطال الصل إبطال التّكملة ‪ ،‬لنّ التّكملة مع ما كمّلته كالصّفة مع‬
‫أحدهما ‪ :‬أ ّ‬
‫الموصوف ‪ ،‬فإذا كان اعتبار الصّفة يؤدّي إلى ارتفاع الموصوف لزم من ذلك ارتفاع الصّفة‬
‫أيضا ‪ ،‬فاعتبار هذه التّكملة على هذا الوجه مؤدّ إلى عدم اعتبارها ‪ ،‬وهذا محال ل يتصوّر ‪،‬‬
‫وإذا لم يتصوّر لم تعتبر التّكملة ‪ ،‬واعتبر الصل من غير مزيد ‪.‬‬
‫والثّاني ‪ :‬أنّا لو قدّرنا تقديرا أنّ المصلحة التّكميليّة تحصل مع فوات المصلحة الصليّة لكان‬
‫ن حفظ المصلحة يكون‬
‫تحصيل الصليّة أولى بالعتبار فيجب أن تترجّح على التّكميليّة ‪ ،‬ل ّ‬
‫بالصل ‪ ،‬وغاية التّكميليّة أنّها كالمساعد لما كمّلته فإذا عارضته فل تعتبر ‪.‬‬
‫ن حفظ المهجة مهمّ كّليّ ‪ ،‬وحفظ المروءات مستحسن ‪ ،‬فحرّمت النّجاسات حفظا‬
‫وبيان ذلك أ ّ‬
‫للمروآت ‪ ،‬فإن دعت الضّرورة إلى إحياء المهجة بتناول النّجس كان تناوله أولى ‪.‬‬
‫وكذلك أصل البيع ضروريّ ‪ ،‬ومنع الغرر والجهالة مكمّل ‪ ،‬فلو اشترط نفي الغرر جملة‬
‫لنحسم باب البيع ‪ ،‬وكذلك الجارة ضروريّة أو حاجيّة ‪ ،‬واشتراط وجود العوضين في‬
‫المعاوضات من باب التّكميلت ‪ ،‬ولمّا كان ذلك ممكنا في بيع العيان من غير عسر منع من‬
‫بيع المعدوم إلّ في السّلم ‪ .‬وذلك في الجارات ممتنع ‪ ،‬فاشتراط وجود المنافع فيها‬
‫وحضورها يسدّ باب المعاملة بها ‪ ،‬والجارة محتاج إليها فجازت وإن لم يحضر العوض أو لم‬
‫يوجد ‪ ،‬ومثله جار في الطّلع على العورات للمداواة وغيرها ‪.‬‬
‫وكذلك الجهاد مع ولة الجور قال العلماء بجوازه ‪ ،‬قال مالك ‪ :‬لو ترك ذلك لكان ضررا‬
‫على المسلمين ‪ ،‬فالجهاد ضروريّ ‪ ،‬والوالي فيه ضروريّ ‪ ،‬والعدالة فيه ( أي في الوالي )‬
‫مكمّلة للضّرورة ‪ ،‬والمكمّل إذا عاد على الصل بالبطال لم يعتبر ‪ ،‬ولذلك جاء المر بالجهاد‬
‫ل أمير‬
‫مع ولة الجور عن النّبيّ صلى ال عليه وسلم حيث قال ‪ « :‬الجهاد واجب عليكم مع ك ّ‬
‫‪ ،‬برّا كان أو فاجرا » ‪ .‬وكذلك الصّلة خلف ولة السّوء ‪ .‬قال الشّاطبيّ ‪ :‬وأشياء كثيرة من‬
‫هذا القبيل في الشّريعة تفوق الحصر كلّها جاء على هذا السلوب ‪.‬‬
‫‪ -‬أن تكون الحاجة قائمة ل منتظرة ‪:‬‬ ‫‪2‬‬

‫‪ -‬للخذ بمقتضى الحاجة من التّرخّص يشترط أن يكون سبب الحاجة موجودا فعلً وليس‬ ‫‪14‬‬

‫منتظرا ‪ ،‬واعتبار وجود الحاجة شرطا للخذ بمقتضاها إنّما هو فيما شرع من الرّخص لما‬
‫يوجد من أعذار ‪ ،‬أمّا ما شرع أصل للتّيسير والتّسهيل على العباد مراعاة لحاجاتهم كعقود‬
‫الجارة والقراض والقرض والمساقاة فل ينطبق عليها هذا الشّرط ‪.‬‬
‫وتظهر هذه القاعدة بوضوح في الفروع الفقهيّة المبنيّة على الرّخص ومن أمثلة ذلك ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬السّفر من العذار الّتي تبيح قصر الصّلة والفطر للصّائم ‪ .‬إلّ أنّه ل يجوز قصر الصّلة‬
‫إلّ إذا بدأ المسافر بالسّفر فعلً ‪.‬‬
‫يقول ابن قدامة ‪ :‬ليس لمن نوى السّفر القصر حتّى يخرج من بيوت قريته ويجعلها وراء‬
‫ي وأبو ثور وحكي ذلك عن جماعة من التّابعين‬
‫ظهره ‪ ،‬وبهذا قال مالك والشّافعيّ والوزاع ّ‬
‫لةِ } ول‬
‫ح أَن َت ْقصُرُواْ مِنَ الصّ َ‬
‫جنَا ٌ‬
‫ض فََليْسَ عََل ْي ُكمْ ُ‬
‫ل ْر ِ‬
‫لقول اللّه تعالى ‪ { :‬وَِإذَا ضَ َر ْب ُتمْ فِي ا َ‬
‫يكون ضاربا في الرض حتّى يخرج ‪ ،‬وقد روي عن النّبيّ صلى ال عليه وسلم « أنّه كان‬
‫يبتدئ القصر إذا خرج من المدينة ‪ ،‬قال أنس ‪ :‬صلّيت مع النّبيّ صلى ال عليه وسلم الظّهر‬
‫بالمدينة أربعا أي مقيما وبذي الحليفة ركعتين أي مسافرا » ‪ ،‬متّفق عليه ‪.‬‬
‫وقال ابن قدامة أيضا ‪ :‬من نوى السّفر في رمضان ل يباح له الفطر حتّى يخلّف البيوت وراء‬
‫ظهره يعني أ