You are on page 1of 258

‫بسم ال الرحمن الرحيم‬

‫الموسوعة الفقهية ‪ /‬الجزء الثامن عشر‬

‫حقد *‬
‫التّعريف ‪:‬‬
‫‪ - 1‬الحقد من معانيه ‪ :‬الضّغن والنطواء على البغضاء ‪ ،‬وإمساك العداوة في القلب ‪،‬‬
‫والتّربّص لفرصتها ‪ ،‬أو سوء الظّنّ في القلب على الخلئق لجل العداوة ‪ ،‬أو طلب النتقام ‪.‬‬
‫وتحقيق معناه ‪ :‬أنّ الغضب إذا لزم كظمه لعجز عن التّشفّي في الحال رجع إلى الباطن‬
‫واحتقن فيه فصار حقدا ‪.‬‬
‫اللفاظ ذات الصّلة ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬الحسد ‪:‬‬
‫‪ - 2‬الحسد أحد ثمار الحقد ومعناه في اللّغة ‪ :‬تمنّي الحاسد أن تزول إليه نعمة المحسود ‪ ،‬أو‬
‫أن ُيسَْلبَها ‪ .‬وهذا معناه في الصطلح ‪.‬‬
‫ويقول ابن جزيّ ‪ :‬معناه تألّم القلب بنعمة اللّه تعالى على عباده وتمنّي زوالها عن المنعم عليه‬
‫ن زوالها عن غيره فذلك غبطة جائزة ‪.‬‬
‫‪ .‬فإن تمنّى مثلها لنفسه ولم يتم ّ‬
‫ب ‪ -‬الغضب ‪:‬‬
‫‪ - 3‬الغضب ضدّ الرّضا ‪ .‬وحقيقته ‪ :‬تغيّر يحصل عند غليان دم القلب ليحصل عنه التّشفّي‬
‫ن الغضب إذا لزم كظمه لعجز عن التّشفّي في الحال رجع إلى‬
‫للصّدر ‪ ،‬وهو يثمر الحقد ل ّ‬
‫الباطن واحتقن فيه فصار حقا ‪.‬‬
‫الحكم التكليفي ‪:‬‬
‫‪ – 4‬يختلف حكم الحقد بحسب باعثه ‪ ،‬فإن كان لحسد وضغن دون حق فهو مذموم شرعا ‪،‬‬
‫لنه يثير العداوة والبغضاء والضرار بالناس لغير ما ذنب جنوه ‪.‬‬
‫وقد ورد ذمه في الشرع فمن ذلك قوله تعالى في ذم المنافقين الذين ساءهم ائتلف المؤمنين‬
‫واجتماع كلمتهم بحيث أصبح أعداؤهم عاجزين عن التشفي منهم ‪ { :‬وَِإذَا لَقُو ُكمْ قَالُواْ آ َمنّا‬
‫ن ا ْل َغيْظِ } ‪ .‬فقد ذكر ال سبحانه وتعالى في هذه الية أن‬
‫لنَامِلَ مِ َ‬
‫عضّواْ عََل ْي ُكمُ ا َ‬
‫وَِإذَا خَلَوْاْ َ‬
‫هؤلء المنافقين يظهرون اليمان عند ملقاتهم للمؤمنين ‪ ،‬وإذا خل بعضهم إلى بعض فإنهم‬
‫يعضون أطراف أصابعهم لجل الغضب والحنق ‪ ،‬لما يرون من ائتلف المؤمنين واجتماع‬
‫كلمتهم ‪ ،‬ونصرة ال تعالى إياهم ‪ ،‬بحيث عجز أعداؤهم عن أن يجدوا سبيلً إلى التشفي‬
‫واضطروا إلى مداراتهم ‪ ،‬وعض النامل عادة النادم السيف العاجز ‪.‬‬
‫وأيضا فإن النبي صلى ال عليه وسلم قد ذم الحقد ونفاه عن المؤمن في قوله صلى ال عليه‬
‫وسلم ‪ « :‬المؤمن ليس بحقود » ‪.‬‬
‫هذا ومما ورد في ذم الحقد والتحذير منه ما روي عن ابن عباس رضي ال عنهما قال ‪ :‬قال‬
‫فإنس ال يغفسر له‬
‫رسسول ال صسلى ال عليسه وسسلم ‪ « :‬ثلث مسن لم يكسن فيسه واحدة منهسن ّ‬
‫ماسوى ذلك لمن يشاء من مات ل يشرك بال شيئا ‪ ،‬ولم يكن ساحرا يتبع السحرة ‪ ،‬ولم يحقد‬
‫على أخيه » ‪ « .‬وعن عائشة رضي ال عنها قالت ‪ :‬قام رسول ال صلى ال عليه وسلم من‬
‫الليل فصلى فأطال السجود حتى ظننت أنّه قد قبض فلما رأيت ذلك قمت حتى حركت إبهامه‬
‫فتحرك فرجع فلما رفع رأسه من السجود وفرغ من صلته قال ‪ - :‬يا عائشة أو يا حميراء‬
‫ن النبي صلى ال عليه وسلم قد خاس بك ؟ قلت ل وال يا رسول ال ولكني ظننت‬
‫‪ -‬أظننت أ ّ‬
‫أنّك قبضت لطول سجودك فقال ‪ :‬أتدرين أي ليلة هذه ؟ قلت ال ورسوله أعلم ‪ .‬قال هذه ليلة‬
‫إنس ال عسز وجسل يطلع على عباده فسي ليلة النصسف مسن شعبان فيغفسر‬
‫النصسف مسن شعبان ّ‬
‫للمستغفرين ‪ ،‬ويرحم المسترحمين ويؤخر أهل الحقد كما هم » ‪.‬‬
‫ن الحقد كما ذكر المناوي من البليا التي ابتلي بها المناظرون قال الغزالي ‪ :‬ل‬
‫‪ - 5‬وأيضا فإ ّ‬
‫يكاد المناظر ينفك عنه ‪ ،‬إذ ل تكاد ترى مناظرا يقدر على أن ل يضمر حقدا على من يحرك‬
‫رأسه عند كلم خصمه ويتوقف في كلمه فل يقابله بحسن الصغاء ‪ ،‬بل يضمر الحقد‬
‫ويرتبه في النفس ‪ ،‬وغاية تماسكه الخفاء بالنفاق ‪.‬‬
‫‪ - 6‬ومما يذهب الحقد الهداء والمصافحة كما قال النبي صلى ال عليه وسلم « تهادوا فإنّ‬
‫الهدية تذهب وحر الصدر ‪ .‬وفي رواية ‪ « :‬تهادوا تحابوا » ‪.‬‬
‫‪ - 7‬أما إن كان الحقد على ظالم ل يمكن دفع ظلمه أو استيفاء الحق منه ‪ ،‬أو على كافر‬
‫يؤذي المسلمين ول يمكنهم دفع أذاه ‪ ،‬فإنّ ذلك غير مذموم شرعا ‪ ،‬ثمّ إذا تمكن ممن ظلمه ‪،‬‬
‫فإمّا أن يعفو عنه فذلك من الحسان والعفو عمن ظلمه عند المقدرة ‪.‬‬
‫ن ان َتصَرَ َب ْعدَ ظُ ْلمِ ِه َفأُوَْل ِئكَ مَا عََل ْيهِم‬
‫وإمّا أن يأخذ حقه منه فل حرج فيه لقوله تعالى ‪ { :‬وََلمَ ِ‬
‫ن النّاسَ } الية ‪ ،‬وقال تعالى ‪ { :‬قَاتِلُو ُه ْم ُي َعذّ ْب ُهمُ اللّهُ‬
‫ن َيظِْلمُو َ‬
‫سبِيلُ عَلَى اّلذِي َ‬
‫سبِيلٍ ‪ِ ،‬إ ّنمَا ال ّ‬
‫مّن َ‬
‫غ ْيظَ قُلُو ِب ِهمْ } ‪.‬‬
‫شفِ صُدُو َر قَ ْومٍ مّ ْؤ ِمنِينَ ‪َ ،‬و ُيذْهِبْ َ‬
‫صرْ ُكمْ عََل ْيهِمْ َو َي ْ‬
‫خزِ ِهمْ َويَن ُ‬
‫ِبَأيْدِي ُكمْ َو ُي ْ‬

‫حقّ *‬
‫التّعريف ‪:‬‬
‫ق إذا ثبت ووجب ‪.‬‬
‫ق الشّيء يح ّ‬
‫‪ - 1‬الحقّ في اللّغة خلف الباطل ‪ ،‬وهو مصدر ح ّ‬
‫وجاء في القاموس أنّ الحقّ يطلق على المال والملك والموجود الثّابت ‪ .‬ومعنى حقّ المر‬
‫وجب ووقع بل شكّ ‪ ،‬وعرّفه الجرجانيّ بأنّه الثّابت الّذي ل يسوغ إنكاره ‪.‬‬
‫والحقّ اسم من أسماء اللّه تعالى ‪ ،‬وقيل من صفاته ‪.‬‬
‫ومن معاني الحقّ في اللّغة ‪ :‬النّصيب ‪ ،‬والواجب ‪ ،‬واليقين ‪ ،‬وحقوق العقار مرافقه ‪.‬‬
‫والحقّ في الصطلح يأتي بمعنيين ‪ :‬الوّل ‪ :‬هو الحكم المطابق للواقع ‪ ،‬ويطلق على‬
‫القوال والعقائد والديان والمذاهب باعتبار اشتمالها على ذلك ويقابله الباطل ‪.‬‬
‫والخر ‪ :‬أن يكون بمعنى الواجب الثّابت ‪ .‬وهو قسمان ‪ :‬حقّ اللّه وحقّ العباد ‪.‬‬
‫فأمّا حقّ اللّه ‪ ،‬فقد عرّفه التّفتازانيّ ‪ :‬بأنّه ما يتعلّق به النّفع العامّ للعالم من غير اختصاص‬
‫بأحد ‪ ،‬فينسب إلى اللّه تعالى ‪ ،‬لعظم خطره ‪ ،‬وشمول نفعه ‪ ،‬أو كما قال ابن القيّم ‪ :‬حقّ اللّه‬
‫ما ل مدخل للصّلح فيه ‪ ،‬كالحدود والزّكوات والكفّارات وغيرها ‪.‬‬
‫وأمّا حقّ العبد فهو ما يتعلّق به مصلحة خاصّة له ‪ ،‬كحرمة ماله ‪ ،‬أو كما قال ابن القيّم ‪:‬‬
‫وأمّا حقوق العباد ‪ ،‬فهي الّتي تقبل الصّلح والسقاط والمعاوضة عليها ‪.‬‬
‫اللفاظ ذات الصّلة ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬الحكم ‪:‬‬
‫‪ - 2‬الحكم هو خطاب اللّه المتعلّق بأفعال المكلّفين بالقتضاء ‪ ،‬أو التّخيير ‪ ،‬أو الوضع ‪،‬‬
‫ن الحقّ يثبت بالشّرع ‪ .‬فبين الحقّ والحكم علقة المسبّب بالسّبب ‪.‬‬
‫والحقّ أثر للحكم ل ّ‬
‫الحقّ عند علماء الصول ‪:‬‬
‫‪ - 3‬المراد بالحقّ عند علماء أصول الفقه ‪:‬‬
‫اتّجه علماء الصول الّذين ذكروا الحقّ اتّجاهين ‪:‬‬
‫ن الحقّ هو الحكم ‪ ،‬وهو خطاب اللّه تعالى المتعلّق بأفعال المكلّفين‬
‫التّجاه الوّل ‪ :‬أ ّ‬
‫بالقتضاء أو التّخيير أو الوضع ‪.‬‬
‫ل خالصة ‪.‬‬
‫قال فخر السلم البزدويّ ‪ :‬أمّا الحكام فأنواع ‪ :‬الوّل ‪ :‬حقوق اللّه عزّ وج ّ‬
‫ق اللّه تعالى غالب ‪.‬‬
‫والثّاني ‪ :‬حقوق العباد خالصة ‪ .‬والثّالث ‪ :‬ما اجتمع فيه الحقّان ‪ ،‬وح ّ‬
‫والرّابع ‪ :‬ما اجتمعا معًا وحقّ العبد فيه غالب ‪ .‬ثمّ قال علء الدّين البخاريّ في شرحه ‪ :‬قال‬
‫أبو القاسم ‪ -‬رحمه ال ‪ -‬في أصول الفقه ‪ :‬الحقّ ‪ :‬الموجود من كلّ وجه الّذي ل ريب في‬
‫وجوده ‪ ،‬ومنه ‪ « :‬السّحر حقّ ‪ ،‬والعين حقّ » ‪ ،‬أي موجود بأثره ‪ ،‬وهذا الدّين حقّ ‪ ،‬أي‬
‫موجود صورةً ومعنًى ‪ ،‬ولفلن حقّ في ذمّة فلن ‪ ،‬أي شيء موجود من كلّ وجه ‪.‬‬
‫وقال أيضا ‪ :‬حقّ اللّه تعالى ‪ :‬ما يتعلّق به النّفع العامّ للعالم ‪ ،‬فل يختصّ به أحد ‪ .‬وينسب‬
‫ص به أحد من الجبابرة ‪ ،‬مثل ‪ :‬حرمة البيت الّذي يتعلّق‬
‫إلى اللّه تعالى تعظيما ‪ ،‬أو لئلّ يخت ّ‬
‫به مصلحة العالم ‪ ،‬باتّخاذه قبلةً لصلواتهم ‪ ،‬ومثاب ًة لهم ‪ .‬وكحرمة الزّنى لما يتعلّق بها من‬
‫عموم النّفع في سلمة النساب ‪ ،‬وصيانة الفراش ‪ ،‬وإنّما الحقّ ينسب إليه تعالى تعظيمًا ‪،‬‬
‫لنّه يتعالى عن أن ينتفع بشيء ‪ ،‬فل يجوز أن يكون شيء حقّا له بهذا الوجه ‪ .‬ول يجوز أن‬
‫ل سواء في ذلك ‪ .‬بل الضافة إليه لتشريف ما عظم‬
‫يكون حقّا له بجهة التّخليق ‪ ،‬لنّ الك ّ‬
‫خطره ‪ ،‬وقوي نفعه ‪ ،‬وشاع فضله ‪ ،‬بأن ينتفع به النّاس كافّةً ‪.‬‬
‫وحقّ العبد ‪ :‬ما يتعلّق به مصلحة خاصّة له ‪ ،‬مثل ‪ :‬حرمة ماله ‪ ،‬فإنّها حقّ العبد ‪ ،‬ليتعلّق‬
‫صيانة ماله بها ‪ .‬فلهذا يباح مال الغير بإباحة المالك ‪ ،‬ول يباح الزّنى بإباحة المرأة ‪ ،‬ول‬
‫بإباحة أهلها ‪.‬‬
‫ج ‪ ،‬والحقّ أن يقال ‪ :‬يعني‬
‫وقال صاحب تيسير التّحرير ‪ :‬ويرد عليه الصّلة والصّوم والح ّ‬
‫ق هو العبد ‪.‬‬
‫ق اللّه ما يكون المستحقّ هو اللّه ‪ ،‬وبحقّ العبد ما يكون المستح ّ‬
‫بح ّ‬
‫وقال الكنديّ ‪ :‬الحقّ ‪ :‬الموجود ‪ ،‬والمراد به هنا ‪ :‬حكم يثبت ‪.‬‬
‫وقال القرافيّ ‪ :‬حقّ اللّه ‪ :‬أمره ونهيه ‪ .‬وحقّ العبد ‪ :‬مصالحه ‪ .‬والتّكاليف على ثلثة أقسام‪:‬‬
‫الوّل ‪ :‬حقّ اللّه تعالى فقط ‪ ،‬كاليمان وتحريم الكفر ‪.‬‬
‫والثّاني ‪ :‬حقّ العباد فقط ‪ ،‬كالدّيون والثمان ‪ .‬والثّالث ‪ :‬قسم اختلف فيه ‪ ،‬هل يغلب فيه حقّ‬
‫اللّه ‪ ،‬أو يغلب فيه حقّ العبد ‪ ،‬كح ّد القذف ‪ ،‬ونعني بحقّ العبد المحض ‪ :‬أنّه لو أسقطه‬
‫ق للّه تعالى ‪ ،‬وهو أمره بإيصال ذلك الحقّ إلى‬
‫ل وفيه ح ّ‬
‫ل فما من حقّ للعبد إ ّ‬
‫لسقط ‪ ،‬وإ ّ‬
‫مستحقّه ‪ .‬ثمّ قال ‪ :‬ما تقدّم من أنّ حقّ اللّه تعالى أمره ونهيه ‪ ،‬مشكل بما في الحديث‬
‫الصّحيح عن رسول اللّه صلى ال عليه وسلم أنّه قال ‪ « :‬فإنّ حقّ اللّه على العباد أن يعبدوه‬
‫ول يشركوا به شيئا » فيقتضي أنّ حقّ اللّه تعالى على العباد نفس الفعل ‪ ،‬ل المر به ‪ ،‬وهو‬
‫خلف ما نقلته قبل هذا ‪ .‬والظّاهر أنّ الحديث مؤوّل ‪ ،‬وأنّه من باب إطلق المر على‬
‫متعلّقه الّذي هو الفعل ‪ ،‬فظاهره معارض لما حرّره العلماء من حقّ اللّه تعالى ‪ ،‬ول يفهم من‬
‫ل أمره بها ‪ ،‬إذ لو فرضنا أنّه غير مأمور بها لم يصدق أنّها‬
‫قولنا ‪ :‬الصّلة حقّ اللّه تعالى إ ّ‬
‫حقّ اللّه تعالى ‪ ،‬فنجزم بأنّ الحقّ هو نفس المر ‪ ،‬ل الفعل ‪ ،‬وما وقع من ذلك مؤوّل ‪.‬‬
‫التّجاه الثّاني ‪:‬‬
‫ن الحقّ هو الفعل فقال ‪ :‬المحكوم به ‪ -‬وهو ما‬
‫‪ - 4‬الحقّ هو الفعل ‪ :‬ذكر سعد التّفتازانيّ أ ّ‬
‫يسمّيه بعضهم المحكوم فيه ‪ -‬هو الفعل الّذي تعلّق به خطاب الشّارع ‪ .‬فل بدّ من تحقّقه حسّا‬
‫س أو بالعقل ‪ ،‬إذ الخطاب ل يتعلّق بما ل‬
‫‪ ،‬أي من وجوده في الواقع ‪ ،‬بحيث يدرك بالح ّ‬
‫يكون له وجود أصلً ‪ .‬وأكّد صاحب تهذيب الفروق أنّ الحقّ هو الفعل ‪ ،‬فقال ‪ :‬حقّ اللّه‬
‫تعالى ‪ :‬هو متعلّق أمره ونهيه ‪ ،‬الّذي هو عين عبادته ‪ ،‬ل نفس أمره ونهيه المتعلّق بها ‪،‬‬
‫جنّ وَا ْلإِنسَ إِلّا ِل َي ْع ُبدُونِ } ‪ ،‬وقول الرّسول‬
‫لمرين ‪ :‬الوّل ‪ :‬قوله تعالى ‪َ { :‬ومَا خَلَقْتُ ا ْل ِ‬
‫صلى ال عليه وسلم ‪ « :‬حقّ اللّه على العباد أن يعبدوه ول يشركوا به شيئا » ‪.‬‬
‫الثّاني ‪ :‬أنّ الحقّ معناه ‪ :‬اللّازم له على عباده ‪ ،‬واللّازم على العباد ل بدّ أن يكون مكتسبا لهم‬
‫‪ ،‬وكيف يصحّ أن يتعلّق الكسب بأمره ونهيه ‪ ،‬وهو كلمه ‪ ،‬وكلمه صفته القديمة ‪ .‬وحقّ‬
‫العبد ثلثة أقسام ‪ :‬الوّل ‪ :‬حقّه على اللّه ‪ ،‬وهو ملزوم عبادته إيّاه بوعده ‪ ،‬وهو أن يدخله‬
‫الجنّة ‪ ،‬ويخلّصه من النّار ‪.‬‬
‫والثّاني ‪ :‬حقّه في الجملة ‪ ،‬وهو المر الّذي تستقيم به أوله وأخراه من مصالحه ‪.‬‬
‫والثّالث ‪ :‬حقّه على غيره من العباد ‪ ،‬وهو ما له عليهم من الذّمم والمظالم ‪.‬‬
‫وفي هذا تأييد لبن الشّاطّ من المالكيّة حيث قال ‪ :‬الحقّ والصّواب ما اقتضاه ظاهر الحديث ‪،‬‬
‫ن الحقّ هو عين العبادة ‪ .‬ل المر المتعلّق بها ‪.‬‬
‫من أ ّ‬
‫‪ -5‬وقسّم ابن رجب حقوق العباد إلى خمسة أقسام ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬حقّ الملك ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬حقّ التّملّك كحقّ الوالد في مال ولده وحقّ الشّفيع في الشّفعة ‪.‬‬
‫ج ‪ -‬حقّ النتفاع كوضع الجار خشبةً على جدار جاره إذا لم يضرّه ‪.‬‬
‫د ‪ -‬حقّ الختصاص وهو عبارة عمّا يختصّ مستحقّه بالنتفاع به ول يملك أحد مزاحمته فيه‬
‫‪ ،‬وهو غير قابل للشّمول والمعاوضات مثل مرافق السواق ‪ ،‬والجلوس في المساجد ‪.‬‬
‫هس ‪ -‬حقّ التّعلّق لستيفاء الحقّ مثل تعلّق حقّ المرتهن بالرّهن ‪.‬‬
‫المراد بالحقّ عند الفقهاء ‪:‬‬
‫‪ - 6‬المراد بالحقّ غالبًا عند الفقهاء ‪ :‬ما يستحقّه الرّجل ‪.‬‬
‫وإطلقات الفقهاء للحقّ كانت مختلف ًة ومتعدّدةً ‪ ،‬منها ‪:‬‬
‫‪ - 1‬إطلق الحقّ على ما يشمل الحقوق الماليّة وغير الماليّة ‪ ،‬مثل قولهم ‪ :‬من باع بثمن‬
‫حالّ ثمّ أجّله صحّ ‪ ،‬لنّه حقّه ‪ ،‬أل ترى أنّه يملك إسقاطه ‪ ،‬فيملك تأجيله ‪.‬‬
‫‪ - 2‬اللتزامات الّتي تترتّب على العقد ‪ -‬غير حكمه ‪ -‬وتتّصل بتنفيذ أحكامه ‪.‬‬
‫مثل ‪ :‬تسليم الثّمن الحالّ أ ّولً ث ّم تسليم المبيع ‪ ،‬وذلك في قولهم ‪ :‬ومن باع سلع ًة بثمن سلّمه‬
‫ن المبيع يتعيّن بالتّعيين ‪ ،‬والثّمن ل يتعيّن إلّ‬
‫ل ‪ ،‬تحقيقًا للمساواة بين المتعاقدين ‪ ،‬ل ّ‬
‫أ ّو ً‬
‫ل أن يكون الثّمن مؤجّلً ‪ ،‬لنّه أسقط حقّه بالتّأجيل ‪ ،‬فل‬
‫بالقبض ‪ ،‬فلهذا اشترط تسليمه إ ّ‬
‫يسقط حقّ الخر ‪.‬‬
‫‪ - 3‬الرزاق الّتي تمنح للقضاة والفقهاء وغيرهم من بيت مال المسلمين ‪ ،‬مثل قول ابن نجيم‬
‫ق في ديوان الخراج كالمقاتلة والعلماء وطلبتهم والمفتين والفقهاء يفرض لولدهم‬
‫‪ :‬من له ح ّ‬
‫تبعًا ‪ ،‬ول يسقط بموت الصل ترغيبا ‪.‬‬
‫ق الشّرب ‪.‬‬
‫‪ - 4‬مرافق العقار ‪ ،‬مثل ‪ :‬حقّ الطّريق ‪ ،‬وحقّ المسيل ‪ ،‬وح ّ‬
‫‪ -5‬الحقوق المجرّدة ‪ ،‬وهي المباحات ‪ ،‬مثل ‪ :‬حقّ التّملّك ‪ ،‬وحقّ الخيار للبائع أو للمشتري ‪،‬‬
‫وحقّ الطّلق للزّوج ‪.‬‬
‫مصدر الحقّ ‪:‬‬
‫ق هو اللّه تعالى لتنظيم حياة الخلق ‪ ،‬حتّى يكونوا سعداء في الدّنيا والخرة‪.‬‬
‫‪ - 7‬مصدر الح ّ‬
‫ل يجعل اللّه للعبد حقّا أصلً ‪ ،‬ولكنّه تفضّل على عباده فجعل للشّخص حقوقا‬
‫وكان يمكن أ ّ‬
‫تؤدّى له ‪ ،‬وكلّفه بأداء حقوق للّه تعالى وللخرين ‪ ،‬ثمّ أعلمه وبلّغه ما له من حقوق ‪ ،‬وما‬
‫عليه من واجبات عن طريق الشّرائع السّماويّة الّتي ختمت بالشّريعة السلميّة فكانت ناسخةً‬
‫لما قبلها وعا ّمةً لجميع الخلق ‪.‬‬
‫فما أثبتته الشّريعة السلميّة حقّا فهو حقّ ‪ ،‬وما عداه فليس بحقّ ‪ ،‬فالحاكم هو اللّه تعالى قال‬
‫ح ْكمُ إلّ لِلّهِ } وعلى ذلك إجماع المسلمين ‪ ،‬والحقوق هي أثر خطاب‬
‫اللّه عزّ وجلّ ‪ { :‬إن ال ُ‬
‫ل حكم شرعيّ ليس بخال عن حقّ اللّه تعالى ‪،‬‬
‫الشّرع على ما تقدّم ‪ ،‬قال الشّاطبيّ ‪ :‬إنّ ك ّ‬
‫وهو جهة التّعبّد ‪ ،‬فإنّ حقّ اللّه على العباد أن يعبدوه ول يشركوا به شيئا ‪ ،‬وعبادته امتثال‬
‫أوامره ‪ ،‬واجتناب نواهيه بإطلق ‪.‬‬
‫فإن جاء ما ظاهره أنّه حقّ للعبد مجرّدا فليس كذلك بإطلق ‪ ،‬بل جاء على تغليب حقّ العبد‬
‫ل ‪ ،‬بناءً‬
‫ن كلّ حكم شرعيّ ففيه حقّ للعباد ‪ ،‬إمّا عاجلً وإمّا آج ً‬
‫في الحكام الدّنيويّة ‪ .‬كما أ ّ‬
‫على أنّ الشّريعة إنّما وضعت لمصالح العباد ‪ ،‬روي عن معاذ ‪ -‬رضي ال عنه ‪ -‬قال ‪« :‬‬
‫فقال رسول اللّه صلى ال عليه وسلم ‪ :‬يا معاذ ‪ ،‬هل تدري حقّ اللّه على عباده ‪ ،‬وما حقّ‬
‫العباد على اللّه ؟ قلت ‪ :‬اللّه ورسوله أعلم ‪ ،‬قال ‪ :‬فإنّ حقّ اللّه على العباد أن يعبدوه ول‬
‫ل يعذّب من ل يشرك به شيئا » ‪.‬‬
‫يشركوا به شيئا ‪ ،‬وحقّ العباد على اللّه أ ّ‬
‫ن كلّ الحقوق حتّى حقّ العبد هو حقّ للّه وحده بادئ ذي بدء ‪ ،‬فقال ‪ :‬كلّ‬
‫ثمّ ذكر الشّاطبيّ أ ّ‬
‫ن ما هو للّه فهو للّه ‪ ،‬وما كان للعبد فراجع إلى اللّه من وجهين ‪:‬‬
‫تكليف حقّ اللّه ‪ ،‬فإ ّ‬
‫أ ‪ -‬من جهة حقّ اللّه فيه ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬ومن جهة كون حقّ العبد من حقوق اللّه ‪ ،‬إذ كان للّه ألّ يجعل للعبد حقّا أصلً ‪ ،‬إذ‬
‫الشياء كلّها بالنّسبة إلى وضعها الوّل متساوية ‪ ،‬ل قضاء للعقل فيها بحسن ول قبح ‪ ،‬فإذن‬
‫كون المصلحة مصلحةً هو من قبل الشّارع ‪ ،‬بحيث يصدّقه العقل ‪ ،‬وتطمئنّ إليه النّفس ‪.‬‬
‫أركان الحقّ هي ‪:‬‬
‫‪ -‬أ ‪ -‬صاحب الح قّ ‪ ،‬و هو في حقوق العباد الشّ خص الّذي ث بت له الح قّ ‪ ،‬كالزّوج‬ ‫‪8‬‬

‫باعتباره صاحب حقّ على الزّوجة بالنّسبة لطاعته ‪.‬‬


‫أمّا في حقوق اللّه تعالى كال صّلة وال صّوم فإ نّ صاحب الح قّ في ها هو اللّه تعالى وحده ول‬
‫يشاركه في هذا الحقّ أحد غيره ‪ ،‬ولذا ل يملك أحد إسقاط حقّه تعالى ‪.‬‬
‫ق هو اللّه تعالى ‪،‬‬
‫ب ‪ -‬من عليه الحقّ ‪ ،‬وهو الشّخص المكلّف بالداء ‪ ،‬فإذا كان صاحب الح ّ‬
‫فيكون المكلّف بأداء الحقّ هو من عليه هذا الحقّ ‪ ،‬سواء أكان فردا كما في فرض العين ‪ ،‬أم‬
‫جماع ًة كما في فرض الكفاية مثلً ‪.‬‬
‫ل الحقّ أي الشّيء المستحقّ ‪ ،‬كالفرائض الخمس في حقّ اللّه تعالى ‪ .‬والمال‬
‫ج ‪ -‬مح ّ‬
‫حقيقة ‪ ،‬كالقدر المقبوض من المهر ‪ ،‬وهو معجّل الصّداق أو حكما ‪ ،‬كالقدر المؤخّر من‬
‫ل الستمتاع بعقد الزّواج ‪.‬‬
‫المهر لقرب الجلين ‪ ،‬وكذا سائر الدّيون ‪ .‬والنتفاع ‪ ،‬كح ّ‬
‫والعمل ‪ ،‬مثل ‪ :‬ما تقوم به الزّوجة من أعمال ‪ ،‬وتمكين الزّوج من نفسها ‪ .‬والمتناع عن‬
‫عمل ‪ ،‬مثل ‪ :‬عدم فعل الزّوجة ما يغضب اللّه أو يغضب الزّوج ‪.‬‬
‫ق لصاحب الحقّ أن يكون غير ممنوع شرعا ‪ ،‬لنّ الصل في‬
‫ويشترط في الشّيء المستح ّ‬
‫ل ما نهى الشّرع عنه ‪ ،‬فإذا كان الشّيء غير مشروع فل يكون حقّا ‪،‬‬
‫الشياء الباحة شرعا إ ّ‬
‫ق المطالبة بما هو غير مشروع ‪ ،‬مثل ‪ :‬تمكين الزّوج من الستمتاع‬
‫وليس لصاحب الح ّ‬
‫ل وقت ‪ ،‬لنّه ليس مشروعًا في‬
‫بزوجته فإنّه حقّ مشروع ‪ ،‬ولكنّه ليس مشروعا دائما في ك ّ‬
‫ع َتزِلُو ْا ال ّنسَاء فِي‬
‫ن ا ْل َمحِيضِ قُلْ ُهوَ َأذًى فَا ْ‬
‫سأَلُو َنكَ عَ ِ‬
‫حال الحيض ‪ ،‬قال اللّه تعالى ‪َ { :‬و َي ْ‬
‫ن اللّ َه ُيحِبّ‬
‫حيْثُ َأ َم َر ُكمُ اللّ ُه إِ ّ‬
‫ن َ‬
‫ن مِ ْ‬
‫ط ّهرْنَ َف ْأتُوهُ ّ‬
‫ن َفإِذَا َت َ‬
‫طهُرْ َ‬
‫حّتىَ َي ْ‬
‫ن َ‬
‫ا ْل َمحِيضِ َولَ تَ ْق َربُوهُ ّ‬
‫ط ّهرِينَ } ‪.‬‬
‫ب ا ْل ُمتَ َ‬
‫التّوّابِينَ َو ُيحِ ّ‬
‫أقسام الحقّ ‪:‬‬
‫‪ - 9‬يقسّم الحقّ إلى تقسيمات عدّة باعتبارات مختلفة ‪.‬‬
‫باعتبار اللّزوم وعدمه ‪ ،‬باعتبار عموم النّفع وخصوصه ‪ ،‬وباعتبار وجود حقّ العبد وعدمه ‪،‬‬
‫باعتبار إسقاط العبد للحقّ وعدم قدرته على إسقاط الحقّ ‪ ،‬وباعتبار إسقاط السلم للحقّ‬
‫وعدم إسقاطه له ‪ ،‬وباعتبار معقوليّة المعنى وعدم معقوليّته ‪ ،‬وباعتبار عدم خل ّو كلّ حقّ من‬
‫حقّ للّه تعالى وحقّ للعبد ‪ ،‬وباعتبار العبادات والعادات ‪ ،‬وباعتبار الحقّ التّامّ والحقّ المخفّف‬
‫‪ ،‬وباعتبار الحقّ المحدّد وغير المحدّد ‪ ،‬وباعتبار الحقّ المعيّن والمخيّر ‪ ،‬وباعتبار الحقّ‬
‫المطلق والمقيّد ‪ ،‬وباعتبار الحقّ العينيّ والكفائيّ ‪ ،‬وباعتبار ما يورث من الحقوق وما ل‬
‫ق الماليّ وغير الماليّ ‪ ،‬وباعتبار الحقّ الدّيانيّ والقضائيّ ‪ ،‬أو الدّنيويّ‬
‫يورث ‪ ،‬وباعتبار الح ّ‬
‫والخرويّ ‪ ،‬وغير ذلك ‪.‬‬
‫ومرجع هذه التّقسيمات ‪ ،‬إمّا بالنّظر إلى صاحب الحقّ ‪ ،‬أو بالنّظر إلى من عليه الحقّ ‪ ،‬أو‬
‫بالنّظر إلى الشّيء المستحقّ ‪ ،‬أو بالنّظر إلى ما يتعلّق به الحقّ ‪.‬‬
‫أوّلً ‪ :‬باعتبار اللّزوم وعدمه ‪:‬‬
‫‪ - 10‬يقسّم الحقّ في الشّريعة السلميّة إلى قسمين ‪ :‬لزم ‪ ،‬وجائز بمعنى أنّه غير لزم ‪.‬‬
‫ق الّذي يقرّره الشّرع على جهة الحتم ‪ ،‬فإذا قرّره‬
‫النّوع الوّل ‪ :‬الحقّ اللّازم ‪ ،‬وهو الح ّ‬
‫الشّرع أوجد في مقابله واجبا ‪ ،‬وقرّر هذا الواجب على الخرين في نفس الوقت ‪ ،‬فالحقّ‬
‫والواجب في المقابل قد وجدا في وقت واحد ‪ ،‬دون تخلّف أحدهما عن الخر ‪ ،‬فهما متلزمان‬
‫وإن اختلف معنى كلّ واحد منهما عن الخر ‪ ،‬كحقّ الملك فإنّه يجب ‪ ،‬فمثلً ‪ :‬حقّ الحياة‬
‫حقّ لكلّ شخص ‪ ،‬ويجب على الخرين ‪ -‬أفرادا ومجتمعا ‪ -‬أن يحترموا هذا الحقّ ‪ ،‬ول‬
‫يجوز لهم العتداء عليه ‪ ،‬أو حرمانه منه ‪ ،‬وكذلك حقّ الح ّريّة فل يستعبد الحرّ ‪ ،‬وكذلك حقّ‬
‫الملك وغيره من الحقوق ‪.‬‬
‫وإذا كان لصحاب هذه الحقوق حقّ ‪ ،‬ويجب على الخرين عدم العتداء عليه ‪ ،‬فإنّ لهؤلء‬
‫الخرين حقّا في عدم الضرار بهم عند استعمال هذه الحقوق والتّمتّع بها ‪.‬‬
‫النّوع الثّاني ‪ :‬الحقّ الجائز ‪ ،‬وهو الحقّ الّذي يقرّره الشّرع من غير حتم ‪ ،‬وإنّما يقرّره على‬
‫جهة النّدب أو الباحة ‪ .‬مثاله أمر المحتسب بصلة العيد ‪ ،‬قال الماورديّ ‪ :‬هل يكون المر‬
‫بها من الحقوق اللّازمة أو من الحقوق الجائزة ؟ على وجهين من اختلف أصحاب الشّافعيّ‬
‫فيها ‪ ،‬هل هي مسنونة أو من فروض الكفاية ‪ ،‬فإن قيل ‪ :‬إنّها مسنونة كان المر بها ندبا ‪،‬‬
‫وإن قيل إنّها من فروض الكفاية كان المر بها حتما ‪.‬‬
‫ثانيا ‪ :‬تقسيم الحقوق باعتبار عموم النّفع وخصوصه ‪:‬‬
‫‪ -11‬قسّم فقهاء الحنفيّة الحقوق باعتبار عموم النّفع وخصوصه إلى أربعة أقسام ‪:‬‬
‫حقوق اللّه الخالصة ‪ ،‬حقوق العباد الخالصة ‪ ،‬ما اجتمع فيه حقّ اللّه وحقّ العبد لكن حقّ اللّه‬
‫غالب ‪ ،‬وما اجتمع فيه الحقّان لكن حقّ العبد غالب ‪.‬‬
‫القسم الوّل ‪ :‬حقوق اللّه تعالى الخالصة ‪:‬‬
‫ص به أحد ‪ ،‬وإنّما هو عائد‬
‫‪ - 12‬حقّ اللّه تعالى ‪ :‬ما يتعلّق به النّفع العامّ للعالم ‪ ،‬فل يخت ّ‬
‫على مجموع الفراد والجماعات ‪ ،‬وإنّما ينسب هذا الحقّ إلى اللّه تعالى تعظيما ‪ ،‬أو لئلّ‬
‫يختصّ به أحد من الجبابرة ‪ ،‬كحرمة البيت الحرام الّذي يتعلّق به مصلحة العالم ‪ ،‬وذلك‬
‫باتّخاذه قبلةً لصلواتهم ‪ ،‬ومثاب ًة لهم ‪ ،‬وكحرمة الزّنى لما يتعلّق بها من عموم النّفع في سلمة‬
‫النساب ‪ ،‬وصيانة الفراش ‪ .‬وإنّما ينسب الحقّ إلى اللّه تعالى تعظيما ‪ ،‬لنّ اللّه عزّ وجلّ‬
‫يتعالى عن أن ينتفع بشيء ‪ ،‬فل يجوز أن يكون شيء حقّا له بهذا الوجه ‪ ،‬لنّه باعتبار‬
‫ل‪.‬‬
‫التّضرّر أو النتفاع هو متعال عن الك ّ‬
‫ن الكلّ سواء في ذلك ‪ ،‬بل الضافة إليه لتشريف‬
‫ول يجوز أن يكون حقّا له بجهة التّخليق ‪ ،‬ل ّ‬
‫ما عظم خطره ‪ ،‬وقوي نفعه ‪ ،‬وشاع فضله ‪ ،‬بأن ينتفع به النّاس كافّ ًة ‪ ،‬فباعتبار التّخليق‬
‫سمَاوَاتِ َومَا فِي‬
‫الكلّ سواء في الضافة إلى اللّه تعالى ‪ ،‬قال عزّ وجلّ ‪ { :‬وَلِلّهِ مَا فِي ال ّ‬
‫ا ْلَأرْضِ } ‪.‬‬
‫أنواع حقوق اللّه الخالصة ‪:‬‬
‫‪ - 13‬حقوق اللّه تعالى الخالصة عند الحنفيّة أيضا ثمانية أنواع ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬عبادة خالصة ‪ ،‬مثل ‪ :‬اليمان ‪ ،‬والصّلة ‪ ،‬وصوم رمضان ‪ ،‬وهي واجبة على المكلّف‬
‫البالغ العاقل ‪ .‬وكذلك زكاة المال عند الحنفيّة ‪ -‬عبادة خالصة ‪ ،‬لنّها قرنت بالصّلة والصّوم‬
‫وعدّت من أركان السلم ‪ ،‬قال صلى ال عليه وسلم ‪ « :‬بني السلم على خمس ‪ :‬شهادة أن‬
‫ل اللّه وأنّ محمّدا رسول اللّه ‪ ،‬وإقام الصّلة ‪ ،‬وإيتاء الزّكاة ‪ ،‬والحجّ ‪ ،‬وصوم‬
‫ل إله إ ّ‬
‫رمضان » ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬عبادة فيها معنى المئونة ‪ ،‬مثل ‪ :‬صدقة الفطر ‪ ،‬وكذلك زكاة المال ‪ -‬عند جمهور‬
‫الفقهاء ‪ .‬والمئونة هي الوظيفة الّتي تعود بالنّفع العا ّم على الفقراء والمساكين وغيرهم من‬
‫صدَقَاتُ لِلْ ُف َقرَاء وَا ْل َمسَاكِينِ وَا ْلعَامِلِينَ عََل ْيهَا وَا ْل ُمؤَلّفَةِ‬
‫المستحقّين في قوله عزّ وجلّ ‪ِ { :‬إ ّنمَا ال ّ‬
‫ل}‪.‬‬
‫سبِي ِ‬
‫ن ال ّ‬
‫سبِيلِ الّلهِ وَابْ ِ‬
‫قُلُو ُب ُهمْ َوفِي الرّقَابِ وَا ْلغَا ِرمِينَ َوفِي َ‬
‫وإنّما كانت صدقة الفطر فيها معنى المئونة ‪ ،‬لنّها وجبت على النسان بسبب نفسه وبسبب‬
‫غيره ‪ ،‬وهم الشخاص الّذين يمونهم ويلي عليهم ‪.‬‬
‫ولكونها وجبت على المخرج بسبب الغير لم تكن عباد ًة خالصةً ‪ ،‬وإنّما كان فيها معنى المئونة‬
‫‪ ،‬لنّ العبادة الخالصة ل تجب بسبب الغير ‪.‬‬
‫أمّا زكاة المال ‪ -‬عند جمهور الفقهاء ‪ -‬ففيها معنى المئونة ‪ ،‬لنّها وجبت على الشّخص‬
‫بسبب خارج عن ذاته ‪ ،‬وهو ملكيّته للمال المستوفي لشروط الزّكاة ‪ ،‬وشكرًا للّه على بقائه‬
‫ن كلّا من زكاة المال وصدقة الفطر مساعدة للفقراء‬
‫زائدًا عن حاجته ‪ ،‬وعدم هلكه ‪ .‬كما أ ّ‬
‫والمساكين وغيرهم من مصارف الزّكاة ‪.‬‬
‫ج ‪ -‬مئونة فيها معنى العبادة ‪ ،‬مثل ‪ :‬زكاة الزّروع والثّمار المقدّرة بالعشر أو نصف العشر‬
‫على الزّارع حسب شروطها ‪ .‬وإنّما كانت مئون ًة ‪ ،‬لنّها وظيفة مقدّرة شرعا على نماء‬
‫الرض من الزّروع والثّمار ‪ ،‬وتجب بسبب ما يخرج منها ‪ ،‬اعترافا بفضل اللّه تعالى ‪ ،‬لنّ‬
‫سمَاوَاتِ وَا ْلَأرْضَ وَأَنزَلَ َلكُم‬
‫ن خََلقَ ال ّ‬
‫ل ‪َ { :‬أمّ ْ‬
‫اللّه هو المنبت والرّازق ‪ ،‬حيث قال عزّ وج ّ‬
‫جرَهَا } ‪.‬‬
‫شَ‬‫ن َل ُكمْ أَن تُن ِبتُوا َ‬
‫حدَا ِئقَ ذَاتَ َب ْهجَ ٍة مّا كَا َ‬
‫سمَاء مَاء َفأَن َبتْنَا ِبهِ َ‬
‫ن ال ّ‬
‫مّ َ‬
‫وإنّما كان فيها معنى العبادة لمور ‪ :‬منها ‪:‬‬
‫‪ - 1‬أنّها وجبت ابتدا ًء على المسلم فقط ‪ ،‬ولم تجب ابتداءً على غير المسلم من ال ّزرّاع ‪،‬‬
‫والعبادة ل يكلّف بها غير المسلم ‪.‬‬
‫‪ - 2‬أنّها تعطى لفئات معيّنة ممّن تستحقّ الخذ من الصّدقات ‪ ،‬ول يجوز للسّلطان أن يعطيها‬
‫للغنياء ‪.‬‬
‫د ‪ -‬مئونة فيها معنى العقوبة ‪ ،‬مثل ‪ :‬الخراج على الرض الزّراعيّة ‪.‬‬
‫وهو الوظيفة المبيّنة الموضوعة على الرض بسبب التّمكّن من زراعة الرض ‪ ،‬وبقائها‬
‫تحت أيدي أصحابها من غير المسلمين ‪.‬‬
‫أمّا المئونة فلتعلّق بقاء الرض لهل السلم بالمقاتلين الّذين هم مصارف الخراج ‪ .‬والعقوبة‬
‫ن الخراج يتعلّق بالرض بصفة التّمكّن من الزّراعة ‪،‬‬
‫للنقطاع بالزّراعة عند الجهاد ‪ ،‬ل ّ‬
‫والشتغال بها عمار ًة للدّنيا ‪ ،‬وإعراض عن الجهاد ‪ .‬وهو سبب الذّلّ شرعا ‪ ،‬فكان الخراج‬
‫في الصل صغارا ‪.‬‬
‫هس – حقوق دائرة بين العبادة والعقوبة وهي الكفّارات ‪ ،‬مثل ‪ :‬كفّارة الظّهار ‪ ،‬وكفّارة الفطر‬
‫في رمضان عمدا ‪ ،‬وكفّارة الحنث في اليمين ‪ ،‬والكفّارة عقوبة لنّها وجبت جزا ًء على الفعل‬
‫المحظور شرعًا ‪ ،‬فالعقوبة في الكفّارة من جهة الوجوب ‪.‬‬
‫وأمّا العبادة في الكفّارات فهي من جهة الداء ‪ ،‬لنّها تؤدّى ببعض أنواع العبادات ‪ ،‬مثل ‪:‬‬
‫الصّوم والطعام والعتق ‪.‬‬
‫أمّا كفّارة الفطر في رمضان عمدا فإنّ جهة العقوبة فيها غالبة ‪ ،‬لنّه ليس في الفطار عمدا‬
‫شبهة الباحة بوجه ما ‪ ،‬ولمّا كانت جناية المفطر عمدا كاملةً ‪ ،‬كان المفروض أن يترتّب‬
‫ن المفطر ليس‬
‫على ذلك عقوبة محضة ‪ ،‬ولكنّه عدل عن ذلك لقصور الجناية من حيث إ ّ‬
‫مبطلًا لحقّ اللّه الثّابت ‪ ،‬وإنّما هو مانع من تسليم الحقّ إلى مستحقّه ‪.‬‬
‫ن تقصيره كان لضعفه وعدم قدرته على أداء ما‬
‫ولذلك لم يكن الزّجر عقوب ًة محضةً ‪ ،‬ل ّ‬
‫وجب عليه ‪ ،‬وذلك مع التّسليم بخطئه وقبح فعله ‪ .‬أمّا بقيّة الكفّارات فإنّ العقوبة فيها تبع ‪.‬‬
‫و ‪ -‬عقوبة خالصة وهي الحدود ‪ ،‬مثل ‪ :‬ح ّد السّرقة ‪ ،‬وحدّ شرب الخمر ‪ ،‬وحدّ الزّنى ‪.‬‬
‫ز ‪ -‬عقوبة قاصرة وهي حرمان القاتل من الرث ‪ ،‬إذا قتل الوارث البالغ مورثه ‪.‬‬
‫وإنّما كانت قاصر ًة لنّه لم يلحق القاتل ألم في بدنه ول نقصان في ماله ‪ ،‬بل هو مجرّد منع‬
‫لثبوت ملكه في التّركة ‪ ،‬فهي ليست عقوبةً كامل ًة أصليّةً ‪ ،‬وإنّما هي عقوبة إضافيّة للعقوبة‬
‫الصليّة للقتل سواء أكان عمدًا أم غير عمد ‪ ،‬لنّه قصد حرمان هذا القاتل من تحقيق هدفه ‪،‬‬
‫ن من‬
‫وهو تعجّل الميراث ‪ ،‬ولذلك حرم من الميراث الّذي يأتي إليه عن طريق المقتول ‪ ،‬ل ّ‬
‫استعجل الشّيء قبل أوانه عوقب بحرمانه ‪.‬‬
‫ح ‪ -‬حقّ قائم بنفسه ثبت للّه تعالى ابتداءً ‪ ،‬مثل ‪ :‬الخمس في الغنائم ‪ ،‬قال عزّ وجلّ ‪{ :‬‬
‫خ ُمسَهُ وَلِل ّرسُولِ وَِلذِي الْ ُق ْربَى وَا ْل َيتَامَى وَا ْل َمسَاكِينِ وَابْنِ‬
‫غ ِن ْمتُم مّن شَيْ ٍء َفأَنّ لِّلهِ ُ‬
‫وَاعَْلمُو ْا َأ ّنمَا َ‬
‫ج ْمعَانِ وَاللّهُ عَلَى كُلّ‬
‫ع ْب ِدنَا َي ْومَ الْ ُف ْرقَانِ َي ْومَ ا ْلتَقَى ا ْل َ‬
‫سبِيلِ إِن كُنتُمْ آمَن ُتمْ بِالّلهِ َومَا أَنزَ ْلنَا عَلَى َ‬
‫ال ّ‬
‫شيْءٍ َقدِيرٌ } ‪.‬‬
‫َ‬
‫ومثل ‪ :‬خمس ما يستخرج من الرض والبحار من معادن ونفط وفحم حجريّ وغير ذلك ‪.‬‬
‫وإنّما كان هذا الحقّ قائما بنفسه ‪ ،‬لنّه لم يتعلّق بذمّة شخص ‪ ،‬ولم يدخل في ملك شخص ثمّ‬
‫ق للّه تعالى ‪ ،‬لنّه‬
‫ن الجهاد والقتال في سبيل اللّه ح ّ‬
‫أخرجه زكاةً أو صدقةً تبرّعا ‪ ،‬وذلك ل ّ‬
‫إعلء لكلمة اللّه ‪ ،‬ونشر لدينه ‪ ،‬وذلك بإزالة العوائق أيّا كانت أمام الدّعوة السلميّة ‪ ،‬ولمّا‬
‫ل ‪ { :‬يَا َأ ّيهَا اّلذِينَ آ َمنُوا إِن تَنصُرُوا‬
‫كان النّاصر للمسلمين هو اللّه تعالى ‪ ،‬حيث قال عزّ وج ّ‬
‫ص ْر ُكمْ َو ُي َثبّتْ َأ ْقدَا َمكُ ْم } ‪ ،‬فالغنائم كلّها حقّ للّه تعالى ‪ ،‬ولكنّ اللّه هو الّذي جعل‬
‫اللّ َه يَن ُ‬
‫للمحاربين حقّا في الغنيمة ‪ ،‬حيث منحهم أربعة أخماس الغنيمة ‪ ،‬وبقي الخمس على ملك‬
‫اللّه ‪ ،‬حقّا له ‪ ،‬فيكون طاهرا في ذاته ‪ ،‬لنّه لم يكن أداةً للتّطهير والتّزكية ‪ ،‬فل يحمل في‬
‫طيّاته دنسا أو وزرا ‪ ،‬ولذلك جاز للرّسول صلى ال عليه وسلم وآله أن يأكلوا من خمس‬
‫ل لهم ‪.‬‬
‫الغنيمة ‪ ،‬بخلف أموال الزّكاة والصّدقة فل تح ّ‬
‫ولذلك يجوز للحاكم إعطاء المعدن والنّفط للّذي وجده واستخرجه من الرض إذا كان محتاجا‬
‫ومستحقّا للصّدقة كما أنّه يجوز إعطاء الخمس لغير الفقراء والمساكين ‪ ،‬لنّه ليس صدقةً ول‬
‫عبادةً ول مئونةً ول عقوب ًة ‪ ،‬لنّه لم يخرج من أموال النّاس حتّى يأخذ صفةً من هذه الصّفات‬
‫‪ ،‬وإنّما هو باق على حكم ملك اللّه تعالى ظاهرًا وباطنا ‪ ،‬حقيق ًة وحكما ‪.‬‬
‫القسم الثّاني ‪ :‬حقّ العبد الخالص‬
‫‪ - 14‬حقّ العبد الخالص هو ‪ :‬ما كان نفعه مختصّا بشخص معيّن ‪ ،‬مثل ‪ :‬حقوق الشخاص‬
‫الماليّة أو المتعلّقة بالمال ‪ ،‬كحقّ الدّية ‪ ،‬وحقّ استيفاء الدّين ‪ ،‬وحقّ استرداد المغصوب إن‬
‫كان موجودًا ‪ ،‬أو حقّ استرداد مثله أو قيمته إن كان المغصوب هالكا ‪.‬‬
‫فتحريم مال الشّخص على غيره حقّ لهذا الشّخص ‪ .‬حتّى يتمكّن من حماية ماله وصيانته ‪،‬‬
‫ل ماله لغيره بالباحة والتّمليك ‪.‬‬
‫ولهذا يملك أن يح ّ‬
‫ق اللّه غالب ‪:‬‬
‫ق العبد ولكن ح ّ‬
‫ق اللّه وح ّ‬
‫القسم الثّالث ‪ :‬ما اجتمع فيه ح ّ‬
‫‪ - 15‬مثاله ‪ :‬حدّ القذف بعد تبليغ المقذوف ‪ ،‬وثبوت الحدّ على القاذف ‪.‬‬
‫ن المقذوف بالزّنى قد اتّهم في عرضه ودينه ‪ ،‬وللّه فيه حقّ ‪،‬‬
‫فللعبد في حدّ القذف حقّ ‪ ،‬ل ّ‬
‫ن القذف بالزّنى مساس بالعراض علنا ‪ ،‬ممّا يؤدّي إلى شيوع الفاحشة ‪ ،‬وانتشار اللفاظ‬
‫لّ‬
‫المخلّة بالداب ‪ .‬وغلب حقّ اللّه تعالى لكي يتحتّم إقامة الحدّ على القاذف ‪ ،‬لعتدائه على‬
‫المجتمع وعلى المقذوف ‪ ،‬ولكي يمنع المقذوف من التّنازل عن حقّه ‪ ،‬أو الصّلح عليه ‪ ،‬أو‬
‫تولّي تنفيذ الح ّد بنفسه ‪ ،‬ويترتّب على تغليب حقّ اللّه ما يأتي ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬تداخل العقوبة ‪ ،‬بمعنى أنّه لو قذف جماع ًة بكلمة أو كلمات متفرّقة ‪ ،‬ل يقام عليه إلّ حدّ‬
‫واحد فقط ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬ل يجري فيه الرث ‪.‬‬
‫ج ‪ -‬ل يسقط بعفو المقذوف ‪.‬‬
‫ن ا ْل َعذَابِ }‪.‬‬
‫ت مِ َ‬
‫صنَا ِ‬
‫ح َ‬
‫ن ِنصْفُ مَا عَلَى ا ْل ُم ْ‬
‫د ‪ -‬تتنصّف العقوبة بال ّرقّ ‪،‬قال اللّه تعالى‪َ {:‬فعَلَ ْيهِ ّ‬
‫هس ‪ -‬يفوّض تنفيذ الح ّد للمام ‪.‬‬
‫ق اللّه وحقّ العبد لكن حقّ العبد غالب ‪:‬‬
‫القسم الرّابع ‪ :‬ما اجتمع فيه ح ّ‬
‫‪ - 16‬مثل ‪ :‬القصاص من القاتل عمدا عدوانا ‪ .‬فللّه فيه حقّ ‪ ،‬لنّه اعتداء على المجتمع ‪،‬‬
‫واعتداء على مخلوق اللّه وعبده الّذي حرّم دمه إلّ بحقّ ‪ ،‬وللّه في نفس العبد حقّ الستعباد ‪،‬‬
‫ت ا ْلجِنّ وَا ْلإِنسَ إِلّا ِل َي ْع ُبدُونِ }‬
‫ل ‪َ { :‬ومَا خَلَقْ ُ‬
‫حيث قال عزّ وج ّ‬
‫وللعبد في القصاص حقّ ‪ ،‬لنّ القتل العمد اعتداء على شخصه ‪ ،‬لنّ للعبد المقتول في نفسه‬
‫حقّ الحياة ‪ ،‬وحقّ الستمتاع بها فحرمه القاتل من حقّه ‪ ،‬وهو اعتداء على أولياء المقتول ‪،‬‬
‫لنّه حرمهم من رعاية مورثهم ‪ ،‬واستمتاعهم بحياته ‪ .‬فكان القتل العمد اعتداءً على حقّ اللّه‬
‫وحقّ العبد ‪ ،‬ولذلك كان في شرعيّة القصاص إبقاء للحقّين ‪ ،‬وإخلء للعالم من الفساد ‪.‬‬
‫حيَا ٌة َياْ أُوِليْ الَ ْلبَابِ َلعَّل ُكمْ َتتّقُونَ } ‪.‬‬
‫تصديقًا لقول اللّه تعالى ‪ { :‬وََل ُكمْ فِي الْ ِقصَاصِ َ‬
‫وغلب حقّ العبد ‪ ،‬لنّ وليّ المقتول يملك رفع دعوى القصاص أو عدم رفعها ‪ ،‬وبعد‬
‫المطالبة بالقصاص والحكم على الجاني القاتل يملك التّنازل عنه والصّلح على مال أو الصّلح‬
‫بغير عوض ‪ ،‬كما يملك تنفيذ حكم القصاص على القاتل إن أراد ذلك وكان يتقن التّنفيذ ‪ ،‬ول‬
‫ق التّعزير‪.‬‬
‫ل بإذن الحاكم ‪ ،‬لئلّ يفتات عليه ‪،‬فلو فعل وقع القصاص موقعه واستح ّ‬
‫يجوز ذلك إ ّ‬
‫تقسيم الحقوق باعتبار وجود حقّ للعبد ‪:‬‬
‫‪ - 17‬قسّم فقهاء المالكيّة الحقوق باعتبار وجود حقّ للعبد وعدم وجود حقّ له إلى قسمين‬
‫رئيسيّين ‪ ،‬وهما ‪:‬‬
‫‪ - 1‬حقّ اللّه فقط ‪ ،‬مثل ‪ :‬اليمان ‪ ،‬وتحريم الكفر ‪.‬‬
‫‪ - 2‬حقّ العبد ‪ .‬ثمّ قسّموا حقّ العبد إلى ثلثة أقسام ‪:‬‬
‫الوّل ‪ :‬حقّ العبد على اللّه ‪ ،‬وملزوم عبادته إيّاه ‪ ،‬وهو أن يدخله الجنّة ‪،‬ويخلّصه من النّار‪.‬‬
‫الثّاني ‪ :‬حقّ العبد في الجملة ‪ ،‬وهو المر الّذي يستقيم به أوله وأخراه من مصالحه ‪ ،‬مثل ‪:‬‬
‫تحريم الخمر ‪.‬‬
‫الثّالث ‪ :‬حقّ العبد على غيره من العباد ‪ ،‬وهو ما له عليهم من الذّمم والمظالم ‪ ،‬مثل ‪:‬‬
‫الدّين ‪ ،‬وثمن المبيع ‪.‬‬
‫ق للعبد ‪:‬‬
‫الحقوق كلّها فيها حقّ للّه وح ّ‬
‫ن حقّ اللّه على العباد أن‬
‫ي ليس بخال عن حقّ اللّه وهو جهة التّعبّد ‪ ،‬فإ ّ‬
‫ل حكم شرع ّ‬
‫‪ - 18‬ك ّ‬
‫يعبدوه ول يشركوا به شيئا ‪ ،‬وعبادته امتثال أوامره واجتناب نواهيه بإطلق ‪.‬‬
‫فإن جاء ما ظاهره أنّه حقّ مجرّد للعبد فليس كذلك بإطلق ‪ ،‬بل جاء على تغليب حقّ العبد‬
‫ن كلّ حكم شرعيّ فيه حقّ للعباد إمّا عاجلً وإمّا آجلً ‪ ،‬بنا ًء على‬
‫في الحكام الدّنيويّة ‪ .‬كما أ ّ‬
‫ن الشّريعة إنّما وضعت لمصالح العباد ‪ ،‬ولذلك قال في الحديث ‪ « :‬حقّ العباد على اللّه إذا‬
‫أّ‬
‫عبدوه ولم يشركوا به شيئا أن ل يعذّبهم » ‪.‬‬
‫وعادتهم في تفسير حقّ اللّه أنّه ما فهم من الشّرع أنّه ل خيرة فيه للمكلّف ‪ ،‬كان له معنًى‬
‫معقول أو غير معقول ‪.‬‬
‫وحقّ العبد ‪ :‬ما كان راجعا إلى مصالحه في الدّنيا ‪ .‬فإن كان من المصالح الخرويّة فهو من‬
‫ق للّه ‪.‬‬
‫جملة ما يطلق عليه أنّه ح ّ‬
‫ومعنى التّعبّد عندهم ‪ :‬أنّه ما ل يعقل معناه على الخصوص ‪.‬‬
‫وأصل العبادات راجعة إلى حقّ اللّه ‪ ،‬وأصل العادات راجعة إلى حقوق العباد ‪.‬‬
‫وقال العزّ بن عبد السّلم ‪ :‬حقوق اللّه ثلثة أقسام ‪ :‬أحدها ما هو خالص للّه كالمعارف‬
‫والحوال المبنيّة عليها ‪ ،‬واليمان بما يجب اليمان به ‪ ،‬كاليمان بإرسال الرّسل وإنزال‬
‫الكتب وبما تضمّنته الشّرائع من الحكام ‪ ،‬وبالحشر والنّشر والثّواب والعقاب ‪.‬‬
‫الثّاني ‪ :‬ما يتركّب من حقوق اللّه وحقوق عباده كالزّكاة والصّدقات والكفّارات والموال‬
‫المندوبات والضّحايا والهدايا والوصايا والوقاف ‪ ،‬فهذه قربة إلى اللّه من وجه ‪ ،‬ونفع لعباده‬
‫من وجه ‪ ،‬والغرض الظهر منها نفع عباده وإصلحهم بما وجب من ذلك أو ندب إليه ‪ ،‬فإنّه‬
‫قربة لباذليه ورفق لخذيه ‪.‬‬
‫الثّالث ‪ :‬ما يتركّب من حقوق اللّه وحقوق رسوله صلى ال عليه وسلم وحقوق المكلّف والعباد‬
‫أو يشتمل على الحقوق الثّلثة ‪.‬‬
‫ق اللّه تعالى فالتّكبيرات والشّهادة‬
‫ولذلك أمثلة ‪ :‬أحدها الذان ‪ ،‬فيه الحقوق الثّلثة ‪ :‬أمّا ح ّ‬
‫بالوحدانيّة ‪ ،‬وأمّا حقّ الرّسول صلى ال عليه وسلم فالشّهادة له بالرّسالة ‪ ،‬وأمّا حقّ العباد‬
‫ق النّساء والمنفردين ‪ ،‬والدّعاء إلى الجماعات في‬
‫فبالرشاد إلى تعريف دخول الوقات في ح ّ‬
‫حقّ المقتدي ‪.‬‬
‫تقديم الحقوق بعضها على بعض عند تيسّره وتعذّر الجمع ‪:‬‬
‫‪ - 19‬قال المام الزّركشيّ ‪ :‬حقوق اللّه إذا اجتمعت فهي على أقسام ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬ما يتعارض فيقدّم آكده ‪ .‬فمنه ‪ :‬تقديم الصّلة آخر وقتها على رواتبها وكذلك على‬
‫ل ما يسع الحاضرة فإن كان يسع المؤدّاة والمقضيّة فالفائتة‬
‫المقضيّة إذا لم يبق من الوقت إ ّ‬
‫أولى بالتّقديم مراعا ًة للتّرتيب ‪ .‬ومنها ‪ :‬تقديم النّوافل المشروع فيها الجماعة كالعيدين على‬
‫الرّواتب ‪ .‬نعم تقدّم الرّواتب على التّراويح في الصحّ ‪ ،‬وتقديم الرّواتب على النّوافل‬
‫المطلقة ‪ ،‬وتقديم الوتر على ركعتي الفجر في الصحّ ‪ ،‬وتقديم الزّكاة على صدقة التّطوّع ‪،‬‬
‫والصّيام الواجب على نفله ‪ ،‬والنّسك الواجب على غيره ‪.‬‬
‫وإذا تيقّن المسافر وجود الماء آخر الوقت فتأخير الصّلة لنتظاره أفضل من التّقديم بالتّيمّم ‪.‬‬
‫ولو أوصى بماء لولى النّاس به قدّم غسل الميّت على غيره ‪ ،‬وغسل النّجاسة على الحدث ‪،‬‬
‫لنّه ل بدل له ‪ ،‬وفي غسل الجنابة والحيض ثلثة أوجه ‪ :‬الوّل تقديم غسل الجنابة ‪ ،‬والثّاني‬
‫تقديم غسل الحيض ‪ ،‬وثالثها أنّهما سواء فيقرع ‪ .‬ويقدّم الغسل من غسل الميّت وغسل الجمعة‬
‫على غيرهما من الغسال ‪ ،‬وأيّهما يقدّم قولن ‪ :‬فصحّح العراقيّون تقديم الغسل من غسل‬
‫ن الشّافعيّ علّق القول بوجوبه على صحّة الحديث ‪ ،‬وصحّح‬
‫الميّت على غسل الجمعة ‪ ،‬ل ّ‬
‫الخراسانيّون وتابعهم النّوويّ تقديم غسل الجمعة ‪ ،‬لصحّة أحاديثه ‪ .‬ومنها ‪ ،‬قاعدة المحافظة‬
‫على فضيلة تتعلّق بنفس العبادة أولى من المحافظة على فضيلة تتعلّق بمكانها ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬ما يتساوى لعدم المرجّح ‪ ،‬كمن عليه فائت من رمضانين ‪ ،‬فإنّه يبدأ بأيّهما شاء ‪،‬‬
‫وكذلك الشّيخ الّذي عليه فدية أيّام من رمضانين ‪ ،‬ومن عليه شاتان منذورتان فلم يقدر إلّ‬
‫على إحداهما ‪ ،‬نذر حجّا أو عمر ًة بنذر واحد أو بنذور مختلفة ‪ ،‬فإنّه يبدأ بأيّهما شاء ‪.‬‬
‫ج ‪ -‬ما تفاوتت ‪ ،‬فيقدّم المرجّح ‪ ،‬كالدّم الواجب في الحرام ‪ ،‬والزّكاة الواجبة ‪ ،‬فإذا اجتمعا‬
‫في شاة ‪ ،‬فالزّكاة أولى ‪ ،‬ومثله زكاة التّجارة والفطرة ‪ ،‬إذا اجتمعا في مال يقصر عنهما ‪،‬‬
‫فالفطرة أولى ‪ ،‬لتعلّقهما بالعين ‪.‬‬
‫ولو وجبت عليه كفّارة الظّهار والقتل ‪ ،‬ووجد الطعام لحداهما وهو من أهله ‪ ،‬وقلنا‬
‫بالطعام في القتل ‪ ،‬فالظّهار أولى ‪.‬‬
‫د ‪ -‬ما اختلف فيه كالعاري هل يصلّي قائما ؟ ويتمّ الرّكوع والسّجود محافظةً على الركان ‪،‬‬
‫أو يصلّي قاعدا موميا محافظ ًة على ستر العورة ‪ ،‬أو يتخيّر بينهما ؟ والصحّ الوّل ‪ ،‬وكذا‬
‫ح أنّه ل يسجد ول يجلس ‪ ،‬بل ينحني للسّجود إلى القدر الّذي‬
‫المحبوس بمكان نجس ‪ ،‬والص ّ‬
‫لو زاد عليه لقى النّجاسة ‪ .‬ولو كان في موضع نجس ومعه ثوب ‪ ،‬فهل يبسطه ويصلّي‬
‫عريانًا أو يصلّي فيه أو يتخيّر بينهما ؟ فيه الوجه الثّلثة ‪ ،‬ولو لم يجد إلّ ثوب حرير ‪،‬‬
‫فالصحّ أنّه تجب الصّلة فيه ‪ .‬ولو اجتمع عراة فهل يستحبّ أن يصلّوا فرادى أو جماعةً أو‬
‫يتخيّروا أو هما سواء ؟ فيه ثلثة أوجه ‪.‬‬
‫ي أيضا ‪ :‬فتار ًة تستوي كالقسم والنّفقة بين‬
‫وفي حقوق الدميّين إذا اجتمعت ‪ :‬قال الزّركش ّ‬
‫الزّوجات ‪ ،‬وتساوي أولياء النّكاح في درجة ‪ ،‬وتسوية الحكّام بين الخصوم في المحاكمات ‪،‬‬
‫وتساوي الشّركاء في القسمة والجبار عليها ‪ ،‬والتّسوية بين السّابقين إلى مباح ‪.‬‬
‫وتار ًة يترجّح أحدهما كنفقة نفسه على نفقة زوجته وقريبه ‪ ،‬وتقديم نفقة زوجته على نفقة‬
‫قريبه ‪ ،‬وتقديم غرمائه عليه في بيع ماله ‪ ،‬وقضاء دينه ‪ ،‬وتقديمه على غرمائه بنفقته ونفقة‬
‫عياله وكسوتهم في مدّة الحجر ‪ ،‬وتقديم المضطرّ على غير المحتاج إليه ‪ ،‬وتقديم ذوي‬
‫الضّرورات على ذوي الحاجات ‪ ،‬والتّقديم بالسّبق إلى المساجد ومقاعد السواق ‪ ،‬وتقديم حقّ‬
‫البائع على حقّ المشتري ‪ ،‬والتّقديم في الرث بالعصوبة وقرب الدّرجة وفي ولية النّكاح‬
‫بالبوّة والجدودة ‪ ،‬ثمّ بالعصوبة ‪ ،‬والحقّ الثّابت لمعيّن أقوى من الحقّ الثّابت لغير معيّن ‪،‬‬
‫ولهذا تجب زكاة المال الموقوف على معيّن ‪ ،‬بخلف غير المعيّن ‪ ،‬والحقّ المتعلّق بالعين‬
‫أقوى من المتعلّق بال ّذمّة ‪ ،‬ولهذا قدّم البائع على المفلس بالسّلعة على الغرماء ‪ ،‬وكذلك‬
‫المرتهن يقدّم بالمرهون ‪ ،‬ويقدّم ما له متعلّق واحد على ما له متعلّقان ‪ ،‬كما لو جنى المرهون‬
‫ي عليه على المرتهن ‪ ،‬لنّه ل متعلّق له سوى الرّقبة ‪ ،‬وحقّ المرتهن ثابت في‬
‫يقدّم المجن ّ‬
‫ال ّذمّة ‪.‬‬
‫وفي اجتماع حقّ اللّه وحقّ الدميّ قال الزّركشيّ ‪ :‬هو ثلثة أقسام ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬ما قطع فيه بتقديم حقّ اللّه تعالى ‪ ،‬كالصّلة والزّكاة ‪ ،‬والصّوم والحجّ ‪ ،‬فإنّها تقدّم عند‬
‫القدرة عليها على سائر أنواع التّرفّه والملذّ تحصيلً لمصلحة العبد في الخرة ‪ ،‬وكذلك‬
‫ل صلة ‪.‬‬
‫تحريم وطء المتحيّرة ‪ ،‬وإيجاب الغسل عليها لك ّ‬
‫ق الدميّ كجواز التّلفّظ بكلمة الكفر عند الكراه ولبس الحرير عند‬
‫ب ‪ -‬ما قطع فيه بتقديم ح ّ‬
‫الحكّة ‪ ،‬وكتجويز التّيمّم بالخوف من المرض وغيره من العذار ‪ ،‬وكذلك العذار المجوّزة‬
‫لترك الجمعة والجماعات ‪ ،‬والفطر في رمضان ‪ ،‬والحجّ والجهاد وغيرها ‪ ،‬والتّداوي‬
‫بالنّجاسات غير الخمر ‪ ،‬وإذا اجتمع عليه قتل قصاص وقتل ردّة قدّم قتل القصاص ‪ ،‬وجواز‬
‫التّحلّل بإحصار العدوّ ‪.‬‬
‫ج ‪ -‬ما فيه خلف بحقّه ‪ .‬فمنها ‪ ،‬إذا مات وعليه زكاة ودين آدميّ وفيه أقوال ثلثة ‪ :‬قيل‬
‫ح تقديم حقّ اللّه تعالى ‪.‬‬
‫تقدّم الزّكاة ‪ ،‬وقيل يقدّم الدّين ‪ ،‬وقيل إنّهما يتساويان والص ّ‬
‫ح تقديم الحجّ والكفّارة ‪ ،‬قال الرّافعيّ في كتاب اليمان ‪ :‬ول‬
‫ومنها ‪ ،‬الحجّ والكفّارة ‪ ،‬والص ّ‬
‫ق الدميّ ويؤخّر حقّ اللّه تعالى ما دام‬
‫تجري هذه القوال في حقّ المحجور ‪ ،‬بل يقدّم ح ّ‬
‫حيّا ‪ ،‬ومراده الحقوق المسترسلة في ال ّذمّة دون ما يتعلّق بالعين ‪ ،‬فإنّه يقدّم حيّا وميّتا ‪ ،‬ولهذا‬
‫الزّكاة الواجبة في المرهون تقدّم على حقّ المرتهن ‪ ،‬وإذا اجتمع على التّركة دين آدميّ‬
‫وجزية ‪ ،‬فالصّحيح تساويهما ‪ ،‬والفرق بينها وبين الزّكاة أنّ المغلّب في الجزية حقّ الدميّ ‪،‬‬
‫فإنّها عوض عن سكنى الدّار ‪ ،‬فأشبهت غيرها من ديون الدميّين ‪ ،‬ولهذا ‪ ،‬لو أسلم أو مات‬
‫في أثناء السّنة ل تسقط الجزية ‪ ،‬ولو مات في أثناء الحول لم تجب الزّكاة ‪ ،‬وأيضا ‪ ،‬فإنّ‬
‫سعًا ‪ ،‬والزّكاة ل تجب ‪ ،‬إلّ بآخر الحول ‪.‬‬
‫الجزية تجب في أوّل الوجوب وجوبًا مو ّ‬
‫ومنها إذا وجد المضطرّ ميت ًة وطعام الغير ‪ ،‬فأقوال ‪ ،‬قيل ‪ :‬تقدّم الميتة ‪ ،‬وقيل طعام الغير ‪،‬‬
‫والثّالث أنّه يتخيّر ‪.‬‬
‫ومنها ‪ ،‬لو بذل الولد لوالده الطّاعة في أن يحجّ عنه وجب على الب قبوله ‪ ،‬وكذا لو بذل له‬
‫الجرة على وجه ولم نوجب عليه القبول في دين الدميّ ‪ ،‬بل خلف ‪.‬‬
‫تقسيم الحقوق باعتبار قابليّتها للسقاط وعدمه ‪:‬‬
‫‪ - 20‬الحقّ إمّا أن يكون خالصًا للّه سبحانه وتعالى ‪ ،‬وإمّا أن يكون حقّا خالصا للعبد ‪ ،‬وإمّا‬
‫ق العبد مع الختلف في تغليب أحدهما ‪ ،‬وقد تقدّم بيان ذلك ‪.‬‬
‫أن يجتمع فيه حقّ اللّه وح ّ‬
‫وحقوق اللّه في الجملة إمّا عبادات محضة ماليّةً كانت كالزّكاة ‪ ،‬أو بدنيّ ًة كالصّلة ‪ ،‬أو جامعةً‬
‫للبدن والمال كالحجّ ‪ .‬وإمّا عقوبات محضة كالحدود ‪ ،‬وإمّا كفّارات وهي متردّدة بين العقوبة‬
‫ن الحقّ للّه سبحانه وتعالى ‪ ،‬لنّه ما من حقّ للعبد إلّ وفيه حقّ اللّه‬
‫والعبادة ‪ .‬والصل أ ّ‬
‫تعالى وهو أمره بإيصال ذلك الحقّ إلى مستحقّه ‪ ،‬وإفراد نوع من الحقوق بجعله حقّا للعبد‬
‫فقط إنّما هو بحسب تسليط العبد على التّصرّف فيه بحيث لو أسقطه لسقط ‪.‬‬
‫وفيما يلي بيان ما يسقط من هذه الحقوق وما ل يسقط ‪:‬‬
‫ق اللّه سبحانه وتعالى ‪:‬‬
‫أوّلً ‪ :‬ح ّ‬
‫‪ - 21‬الصل أنّ حقوق اللّه سبحانه وتعالى ‪ -‬سواء أكانت عبادات كالصّلة والزّكاة ‪ ،‬أم‬
‫كانت عقوبات كالحدود ‪ ،‬أم كانت متردّدةً بين العقوبة والعبادة كالكفّارات ‪ ،‬أم غير ذلك من‬
‫الحقوق الّتي تثبت للعبد بصفة ذاتيّة بمقتضى الشّريعة كحقّ الولية على الصّغير ‪ ،‬وحقّ‬
‫البوّة ‪ ،‬والمومة ‪ ،‬وحقّ البن في البوّة والنّسب ‪ -‬هذه الحقوق ل تقبل السقاط من أحد من‬
‫العباد ‪ ،‬لنّه ل يملك الحقّ في ذلك ‪.‬‬
‫ومن حاول إسقاط حقّ من حقوق اللّه تعالى فإنّه يقاتل كما فعل أبو بكر رضي ال عنه‬
‫ن السّنن الّتي فيها إظهار الدّين وتعتبر من شعائره كالذان لو اتّفق أهل‬
‫بمانعي الزّكاة ‪ .‬بل إ ّ‬
‫بلدة على تركه وجب قتالهم ‪.‬‬
‫ج فوهبه كي ل يجب‬
‫ول يجوز التّحيّل على إسقاط العبادات كمن كان له مال يقدر به على الح ّ‬
‫ج ‪ ،‬وكمن دخل عليه وقت صلة فشرب دواءً منوّما حتّى يخرج وقتها وهو فاقد‬
‫عليه الح ّ‬
‫لعقله كالمغمى عليه ‪.‬‬
‫ن الحدّ حقّ اللّه تعالى لقول النّبيّ‬
‫كما تحرم الشّفاعة لسقاط الحدود الخالصة للّه تعالى ‪ ،‬ل ّ‬
‫صلى ال عليه وسلم وقد غضب حين شفع أسامة في المخزوميّة الّتي سرقت ‪ « :‬أتشفع في‬
‫حدّ من حدود اللّه تعالى ؟ » أمّا ما اجتمع فيه حقّ اللّه وحقّ العبد كالقذف مع الختلف في‬
‫تغليب أحدهما ‪ ،‬فإنّ من غلّب فيه جانب العبد أجاز العفو فيه قبل الرّفع للحاكم وبعده وهم‬
‫الشّافعيّة والحنابلة ‪.‬‬
‫وعند الحنفيّة ل يجوز العفو فيه بعد الرّفع وفي رواية عن أبي يوسف أنّه يجوز ‪.‬‬
‫وقيّد المالكيّة العفو بعد الرّفع للحاكم بما إذا كان المقذوف يريد السّتر على نفسه ‪ ،‬ول يشترط‬
‫هذا القيد بين البن وأبيه ‪.‬‬
‫وهذا بالنّسبة للحدود ‪ ،‬أمّا التّعزير فما كان منه حقّا للدميّ جاز العفو عنه وما كان منه حقّا‬
‫للّه فهو موكول إلى المام بحسب ما يراه من المصلحة وهذا في الجملة ‪.‬‬
‫وينظر تفصيل ذلك في مواضعه من أبواب الفقه ‪.‬‬
‫كما أنّ من حقوق اللّه تعالى ما شرع أصلًا لمصلحة العباد ‪ ،‬ولذلك ل يسقط بالسقاط لمنافاة‬
‫السقاط لما هو مشروع ‪ ،‬ومن ذلك ولية الب على الصّغير ‪ ،‬فهي من الحقوق الّتي‬
‫اعتبرها الشّارع وصفا ذاتيّا لصاحبها فهي لزمة له ول تنفكّ عنه ‪ ،‬فحقّه ثابت بإثبات الشّرع‬
‫‪ ،‬فيعتبر حقّا للّه تعالى ‪ ،‬ولذلك ل يسقط بإسقاط العبد ‪.‬‬
‫ومن ذلك السّكنى في بيت العدّة ‪ ،‬فعلى المعتدّة أن تعتدّ في المنزل الّذي يضاف إليها بالسّكنى‬
‫ن مِن ُبيُو ِتهِنّ } هو‬
‫خ ِرجُوهُ ّ‬
‫حال وقوع الفرقة ‪ ،‬والبيت المضاف إليها في قوله تعالى ‪ { :‬لَا ُت ْ‬
‫البيت الّذي تسكنه ‪ ،‬ول يجوز للزّوج ول لغيره إخراج المعتدّة من مسكنها ‪ ،‬وليس لها أن‬
‫تخرج وإن رضي الزّوج بذلك ‪ ،‬لنّ في العدّة حقّا للّه تعالى وإخراجها أو خروجها من‬
‫مسكن العدّة مناف للمشروع ‪ ،‬فل يجوز لحد إسقاطه ‪ .‬وهذا في الجملة وينظر ‪ ( :‬سكنى ‪-‬‬
‫عدّة )‪ .‬ومن ذلك أيضًا خيار الرّؤية ‪ ،‬فبيع الشّيء قبل رؤيته يثبت للمشتري خيار الرّؤية ‪،‬‬
‫ي صلى ال عليه وسلم ‪ « :‬من اشترى شيئًا لم يره فله‬
‫فله الخذ وله ال ّردّ عند رؤيته لقول النّب ّ‬
‫الخيار إذا رآه » ‪ .‬فالخيار هنا ليس باشتراط العاقدين ‪ ،‬وإنّما هو ثابت شرعًا فكان حقّ اللّه‬
‫تعالى ‪ ،‬ولهذا ل يجوز إسقاطه ول يسقط بالسقاط ‪ .‬وهذا متّفق عليه عند من يجيزون بيع‬
‫الشّيء الغائب مع مراعاة شرائط ثبوت الخيار ‪ .‬وينظر تفصيل ذلك في ( خيار الرّؤية ) ‪.‬‬
‫ل ما كان حقّا للّه تعالى ممّا شرع لمصلحة العباد ل يجوز إسقاطه ‪.‬‬
‫وهكذا في ك ّ‬
‫وما دامت حقوق اللّه تعالى ل تقبل السقاط من العباد فل يجوز العتياض عن إسقاطها ‪ ،‬فل‬
‫ح أخذ‬
‫يصحّ أن يصالح أحد سارقا أو شاربا للخمر ليطلقه ول يرفعه للسّلطان لنّه ل يص ّ‬
‫ق للّه أو لدميّ‬
‫ح أن يصالح شاهدا على أن ل يشهد عليه بح ّ‬
‫العوض في مقابلته ‪ ،‬وكذا ل يص ّ‬
‫شهَادَ َة لِلّ ِه }‬
‫‪ ،‬لنّ الشّاهد في إقامة الشّهادة محتسب حقّا للّه تعالى ‪ ،‬لقوله تعالى ‪ { :‬وََأقِيمُوا ال ّ‬
‫والصّلح عن حقوق اللّه تعالى باطل ‪ ،‬ويجب على من أخذ عوضا ردّه لنّه أخذه بغير حقّ ‪.‬‬
‫وإذا كانت حقوق اللّه سبحانه وتعالى ل تقبل السقاط من جهة العباد ‪ ،‬فإنّها تقبل السقاط من‬
‫قبل صاحب الشّرع رحم ًة بالعباد وتخفيفا عنهم ‪ ،‬ولذلك يقول الفقهاء ‪ :‬إنّ حقوق اللّه مبنيّة‬
‫على المسامحة بمعنى أنّه سبحانه وتعالى لن يلحقه ضرر في شيء ‪ ،‬ومن ثمّ قبل الرّجوع‬
‫عن القرار بالزّنى فيسقط الحدّ بخلف حقوق الدميّين فإنّهم يتضرّرون ‪ ،‬ولذلك كان من‬
‫أسباب سقوط الح ّد الشّبهة المعتبرة ‪ ،‬لقول النّبيّ صلى ال عليه وسلم ‪ « :‬ادرءوا الحدود‬
‫بالشّبهات » ‪.‬‬
‫والحرج والمشقّة الّتي تلحق المكلّف تكون سببا لسقاط بعض التّكاليف عمّن تلحقهم المشقّة‬
‫وذلك تفضّلًا من اللّه تعالى ورحم ًة بهم ‪ ،‬وذلك كإسقاط العبادات والعقوبات عن المجنون ‪،‬‬
‫وإسقاط بعض العبادات بالنّسبة لصحاب العذار كالمرضى والمسافرين لما ينالهم من مشقّة‬
‫‪ .‬وقد فصّل الفقهاء المشاقّ وأنواعها ‪ ،‬وبيّنوا لكلّ عبادة مرتبةً معيّن ًة من مشاقّها المؤثّرة في‬
‫إسقاطها ‪ ،‬وأدرجوا ذلك تحت قاعدة ‪ :‬المشقّة تجلب التّيسير ‪ ،‬أخذا من قوله تعالى ‪ُ { :‬يرِيدُ‬
‫حرَجٍ }‬
‫ن َ‬
‫ن مِ ْ‬
‫جعَلَ عََل ْي ُكمْ فِي الدّي ِ‬
‫اللّ ُه ِب ُكمُ ا ْل ُيسْرَ َولَ ُيرِيدُ ِب ُكمُ ا ْل ُعسْرَ } ‪ ،‬وقوله تعالى ‪َ { :‬ومَا َ‬
‫‪ .‬وراجع مصطلح ( تيسير ) ‪.‬‬
‫والحكم المبنيّ على العذار يسمّى رخصةً ‪ ،‬ومن أقسام الرّخصة ما يسمّى رخصة إسقاط‬
‫كإسقاط الصّلة عن الحائض والنّفساء ‪ ،‬وإسقاط الصّوم عن الشّيخ الكبير الّذي ل يقوى على‬
‫الصّوم ‪ .‬بل إنّ صلة المسافر قصرا فرض عند الحنفيّة وتعتبر رخصة إسقاط لقول النّبيّ‬
‫صلى ال عليه وسلم ‪ « :‬صدقة تصدّق اللّه بها عليكم فاقبلوا صدقته » ‪.‬‬
‫ووجه الستدلل أنّ التّصدّق بما ل يحتمل التّمليك إسقاط ل يحتمل ال ّردّ ‪ ،‬وإن كان ممّن ل‬
‫ي القصاص ‪ ،‬فهو من اللّه الّذي تلزم طاعته أولى ‪.‬‬
‫يلزم طاعته كول ّ‬
‫ومن ذلك أيضا إسقاط الحرمة في تناول المحرّم للضّرورة كأكل المضطرّ للميّتة وإساغة‬
‫اللّقمة بالخمر لمن غصّ بها ‪ ،‬وإباحة نظر العورة للطّبيب ‪.‬‬
‫ويسري هذا الحكم على المعاملت ‪ ،‬فمن الرّخصة ما سقط مع كونه مشروعا في الجملة ‪،‬‬
‫وذلك كما في السّلم لقول الرّاوي ‪ « :‬نهى النّبيّ صلى ال عليه وسلم عن بيع ما ليس عند‬
‫النسان ورخّص في السّلم » والصل في البيع أن يلقي عينًا وهذا مشروع لكنّه سقط في‬
‫السّلم ‪.‬‬
‫وينظر تفصيل ذلك في بحث ‪ ( :‬تيسير ‪ -‬رخصة ‪ -‬وإسقاط ) ومواضعه من كتب الفقه ‪.‬‬
‫حقوق العباد ‪:‬‬
‫‪ - 22‬حقّ العبد بالنّسبة للسقاط وعدمه يشمل العيان والمنافع والدّيون والحقوق المطلقة‬
‫وهي الّتي ليست عينا ول دينا ول منفع ًة ‪.‬‬
‫ل صاحب حقّ ل يمنع من إسقاط حقّه إذا كان جائز التّصرّف ‪ -‬بأن لم يكن‬
‫والصل أنّ ك ّ‬
‫ل قابلً للسقاط ‪ -‬بأن لم يكن عينا أو شيئا محرّما ‪ -‬ولم يكن‬
‫محجورًا عليه ‪ -‬وكان المح ّ‬
‫هناك مانع كتعلّق حقّ الغير به ‪ .‬وبيان ذلك فيما يأتي ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬العين ‪:‬‬
‫‪ - 23‬العين ما تحتمل التّعيين مطلقا جنسا ونوعا وقدرا وصفةً كالعروض من الثّياب ‪،‬‬
‫والعقار من الرضين والدّور ‪ ،‬والحيوان من الدّوابّ ‪ ،‬والمكيل والموزون ‪.‬‬
‫ومالك العين يجوز له التّصرّف فيها بالنّقل على الوجه المشروع من بيع أو هبة أو غير ذلك‪.‬‬
‫أمّا التّصرّف فيها بالسقاط بأن يقول الشّخص ‪ :‬أسقطت ملكي في هذه الدّار لفلن ‪ ،‬يريد‬
‫بذلك زوال ملكه وثبوته لغيره فقد قال الفقهاء ‪ :‬إنّ ذلك باطل ‪ ،‬لنّ العيان ل تقبل السقاط‬
‫وهذا في الجملة ‪ ،‬إذ أنّ العتق يعتبر إسقاطا لملك الرّقبة وهي عين ‪ ،‬والوقف كذلك يعتبر‬
‫إسقاطًا للملك عند بعض الفقهاء ‪ .‬وينظر تفصيل ذلك في بحثي ‪ ( :‬إبراء ‪ -‬إسقاط ) ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬الدّين ‪:‬‬
‫‪ - 24‬الدّين يجوز إسقاطه والعتياض عنه باتّفاق سواء أكان الدّين ثمن مبيع ‪ ،‬أم كان مسلمًا‬
‫فيه ‪ ،‬أم كان نفقةً مفروضةً ماضيةً للزّوجة ‪ ،‬أم غير ذلك ‪.‬‬
‫وكما يجوز إسقاط كلّ الدّين يجوز إسقاط بعضه وتختلف الكيفيّة الّتي يتمّ بها العتياض فقد‬
‫يكون في صورة صلح ‪ ،‬أو خلع ‪ ،‬أو تعليق على حصول شيء وغير ذلك ‪.‬‬
‫ومن أمثلة ذلك ما جاء في ابن عابدين ‪ :‬إذا أبرأت الزّوجة زوجها من المهر والنّفقة ليطلّقها ‪،‬‬
‫صحّ البراء ويكون بعوض وهو ملكها نفسها ‪.‬‬
‫ويقول الشّافعيّة ‪ :‬إذا أعطى المدين الدّائن ثوبًا في مقابلة إبرائه ممّا عليه من الدّين ‪ ،‬فيملك‬
‫ي من أقسام السقاط‬
‫الدّائن العوض المبذول له نظير البراء ويبرأ المدين ‪ .‬وقد جعل القراف ّ‬
‫بعوض ‪ :‬الصّلح عن الدّين ‪ .‬وينظر تفصيل ذلك في ‪ ( :‬إبراء ‪ -‬إسقاط ) ‪.‬‬
‫ج ‪ -‬المنافع ‪:‬‬
‫‪ - 25‬المنافع كذلك يجوز إسقاطها ‪ ،‬سواء أكان المسقط مالكًا للرّقبة والمنفعة ‪ ،‬أم كان مالكًا‬
‫للمنفعة فقط بمقتضى عقد ‪ ،‬كالجارة والعاريّة والوصيّة بالمنفعة ‪ ،‬أم بغير عقد كتحجير‬
‫الموات لحيائه ‪ ،‬ومن ذلك الختصاص بمقاعد السواق وما شابه ذلك ‪ ،‬فالمنافع تقبل‬
‫السقاط بإسقاط مستحقّ المنفعة ما لم يكن هناك مانع ‪.‬‬
‫ن من أوصى لرجل بسكنى داره فمات الموصي وباع الوارث الدّار ورضي‬
‫ومن أمثلة ذلك أ ّ‬
‫الموصى له جاز البيع وبطلت سكناه ‪ ،‬وكذا لو لم يبع الوارث الدّار ولكن قال الموصى له‬
‫بالمنفعة أسقطت حقّي سقط حقّه بالسقاط ‪.‬‬
‫وأماكن الجلوس في المساجد والسواق يجوز للمنتفع بها إسقاط الحقّ فيها ‪ .‬هذا بالنّسبة‬
‫لسقاطها بدون عوض ‪ ،‬أمّا بالنّسبة لسقاطها بعوض فإنّه يرجع إلى قاعدة التّفريق بين ملك‬
‫المنفعة وملك النتفاع ‪ ،‬فمن ملك المنفعة ملك المعاوضة عليها ‪ ،‬ومن ملك النتفاع فقط فإنّه‬
‫يملك السقاط ولكن ل يجوز المعاوضة عليه ‪ ،‬وهذا عند الجمهور ‪ -‬المالكيّة والشّافعيّة‬
‫والحنابلة ‪ -‬أمّا الحنفيّة فلهم بعض القيود فإنّ العتياض عن المنافع عندهم ل يجوز إلّ لمالك‬
‫الرّقبة والمنفعة ‪ ،‬أو لمالك المنفعة بعوض ‪ ،‬أمّا مالك المنفعة بدون عوض فل يجوز‬
‫العتياض عنها ‪ .‬والمنافع عندهم ليست بأموال ‪.‬‬
‫كما ل يجوز عندهم إفراد حقوق الرتفاق بعقد معاوضة على الصحّ وإنّما يجوز تبعًا ‪.‬‬
‫ومن أمثلة المعاوضة على المنفعة ما لو أوصى شخص لرجلين أحدهما بعين الدّار والثّاني‬
‫بسكناها ‪ ،‬وصالح الوّل الثّاني لنّ الموصى له بعين الدّار صالح الموصى له بسكناها بدراهم‬
‫أو بمنفعة عين أخرى لتسلم الدّار له جاز ‪.‬‬
‫وينظر تفصيل ذلك في ( إجارة ‪ -‬إعارة ‪ -‬وصيّة ‪ -‬وقف ‪ -‬ارتفاق ) ‪.‬‬
‫ق المطلق ‪:‬‬
‫د ‪ -‬الح ّ‬
‫‪ - 26‬المراد بحقّ العبد المطلق هنا ما ليس بعين ول دين ول منفعة كما سبق ‪ ،‬وذلك كحقّ‬
‫الشّفعة ‪ ،‬وحقّ الخيار ‪ ،‬وحقّ الزّوجة في القسم ‪ ،‬وحقّ القصاص ‪ ،‬وحقّ الجل ‪ ،‬وما شابه‬
‫ل صاحب حقّ ل يمنع من إسقاط حقّه‬
‫ذلك فهذه الحقوق وما شابهها يجوز إسقاطها ‪ ،‬لنّ ك ّ‬
‫ما لم يكن هناك مانع ‪.‬‬
‫ومن الموانع الّتي تمنع إسقاط مثل هذه الحقوق ما هو متّفق عليه ‪ ،‬ومنها ما هو مختلف فيه ‪.‬‬
‫فممّا هو متّفق على منع إسقاطه ما تعلّق به حقّ الغير ‪ ،‬كحقّ الصّغير في النّسب ‪ .‬فإذا ثبت‬
‫هذا الحقّ فإنّه ل يجوز لمن لحق به الصّغير إسقاط النّسب ‪ ،‬فمن أقرّ بابن ‪ ،‬أو هنّئ به‬
‫فسكت فقد التحق به ‪ ،‬ول يصحّ له إسقاط نسبه بعد ذلك ‪.‬‬
‫ومن ذلك تصرّف المفلس المحجور عليه للفلس ‪ ،‬فإنّه يمنع من حقّ التّصرّف في ماله تصرّفا‬
‫مستأنفا ‪ ،‬كوقف وعتق وإبراء وعفو مجّانًا ‪ ،‬وذلك لتعلّق حقّ الغرماء بماله ‪.‬‬
‫ومن أمثلة ما هو مختلف فيه صفات الحقوق كالجل والجودة ‪ ،‬فعند الشّافعيّة ‪ :‬صفات‬
‫الحقوق ل تفرد بالسقاط في الصحّ فل يسقط الجل ‪ ،‬ومثله الجودة بالسقاط في حين أنّه‬
‫يجوز ذلك عند الحنفيّة ‪.‬‬
‫وغير ذلك كإسقاط المجهول ‪ ،‬وإسقاط الحقّ قبل وجوبه ‪ ،‬وبعد وجود سبب الوجوب ‪.‬‬
‫وينظر تفصيل ذلك في ‪ ( :‬إبراء ‪ -‬إسقاط ) ‪.‬‬
‫ن الحقّ إذا كان مجرّدا عن‬
‫وأمّا العتياض عن الحقوق فالقاعدة عند بعض فقهاء الحنفيّة أ ّ‬
‫الملك فإنّه ل يجوز العتياض عنه ‪ ،‬كحقّ الشّفعة ‪ ،‬فلو صالح عنه بمال بطل حقّه في الشّفعة‬
‫ويرجع به ‪ .‬إلخ ‪.‬‬
‫وحقّ القسم للزّوجة ‪ ،‬وحقّ الخيار في النّكاح للمخيّرة ‪ ،‬وإن كان حقّا منفردا في المحلّ الّذي‬
‫ح العتياض عنه ‪ ،‬كحقّ القصاص ‪ ،‬وملك النّكاح ‪ ،‬وحقّ ال ّرقّ ‪ ،‬وقال آخرون‬
‫تعلّق به ص ّ‬
‫منهم ‪ :‬إنّ الحقّ إذا كان شرع لدفع الضّرر فل يجوز العتياض عنه ‪ ،‬وإن كان ثبوته على‬
‫وجه البرّ والصّلة فيكون ثابتًا لصاحبه أصالةً فيصحّ العتياض عنه ‪.‬‬
‫أمّا غير الحنفيّة فلم يشيروا إلى قاعدة يمكن الستناد إليها في معرفة ذلك ‪ ،‬لكن بعد التّتبّع‬
‫ن الحقّ الّذي ل‬
‫ن الشّافعيّة والحنابلة يعتبرون أ ّ‬
‫لبعض المسائل يمكن أن يقال في الجملة ‪ :‬إ ّ‬
‫يئول إلى المال ‪ ،‬أو ما ليس عينًا ول منفع ًة كحقّ الشّفعة ‪ ،‬وحقّ خيار الشّرط ‪ ،‬وهبة‬
‫الزّوجة يومها لضرّتها ‪ ،‬فهذا ل يجوز العتياض عنه ‪ ،‬أمّا ما كان يئول إلى مال كحقّ‬
‫القصاص والرّ ّد بالعيب ‪ ،‬فإنّه يجوز العتياض عنه ‪.‬‬
‫وهذا في الجملة إذ أنّ ابن تيميّة أجاز للزّوجة أخذ العوض عن هبتها يومها لضرّتها وعن‬
‫سائر حقوقها من القسم ‪ ،‬كما أنّه في رواية عن المام أحمد جواز العتياض عن حقّ الشّفعة‬
‫من المشتري ل من غيره ‪ ،‬ويؤخذ من المسائل الّتي وردت عند المالكيّة أنّهم يجيزون أخذ‬
‫ل حقّ ثبت للنسان فيجوز عندهم العتياض عن الشّفعة وعن هبة الزّوجة‬
‫العوض عن ك ّ‬
‫يومها لضرّتها وغير ذلك ‪ .‬وينظر ذلك في مواضعه من كتب الفقه ‪.‬‬
‫تقسيم الحقوق باعتبار معقوليّة المعنى ‪:‬‬
‫‪ - 27‬قسّم الشّاطبيّ الحقوق باعتبار معقوليّة المعنى وعدم معقوليّة المعنى " التّعبّديّ " إلى‬
‫ثلثة أقسام ‪ :‬القسم الوّل ‪ :‬ما هو حقّ اللّه خالصا ‪.‬‬
‫ق اللّه هو التّعبّد ‪.‬‬
‫ن الصل في تنفيذ ح ّ‬
‫مثل ‪ :‬العبادات ‪ ،‬ل ّ‬
‫حكمه ‪ :‬إذا طابق الفعل المر صحّ الفعل ‪ ،‬وإذا لم يطابق الفعل المر ل يصحّ الفعل ‪،‬‬
‫والدّليل على ذلك ‪ :‬أنّ الصل في التّعبّد رجوعه إلى عدم معقوليّة المعنى ‪ ،‬بحيث ل يصحّ‬
‫ن قصد الشّارع فيه هو الوقوف عند ما حدّه‬
‫فيه إجراء القياس ‪ ،‬وإذا لم يعقل معناه دلّ على أ ّ‬
‫الشّارع ‪ ،‬بحيث ل يتعدّاه ‪ .‬مثل بعض أفعال الصّلة والحجّ ‪ .‬وانظر مصطلح ( تعبّديّ ) ‪.‬‬
‫القسم الثّاني ‪ :‬ما هو مشتمل على حقّ اللّه وحقّ العبد ‪ ،‬والمغلّب فيه حقّ اللّه ‪ ،‬والصل في‬
‫حقّ اللّه عدم معقوليّة المعنى ‪ .‬مثل ‪ :‬قتل النّفس ‪ ،‬لنّه ليس للشّخص خيرة أو حقّ في أن‬
‫يسلم نفسه للقتل لغير ضرورة شرعيّة كالفتن ونحوها ‪ ،‬كما أنّه ل يملك العتداء على نفسه‬
‫بالقتل ‪ ،‬لحقّ اللّه أو العتداء على عضو من أعضائه ‪ .‬وحقّ اللّه هو المعتبر والمغلّب ‪.‬‬
‫ن المعتبر في‬
‫ن الصل فيه عدم معقوليّة المعنى ‪ ،‬ل ّ‬
‫حكمه ‪ :‬مثل القسم الوّل وراجع له في أ ّ‬
‫ن حقّ العبد لو‬
‫الحقّين هو حقّ اللّه ‪ ،‬فصار حقّ العبد مطّرحًا شرعًا ‪ ،‬فكأنّه غير معتبر ‪ ،‬ل ّ‬
‫ن حقّ اللّه هو المغلّب ‪.‬‬
‫كان معتبرًا تغلّب حقّه ‪ ،‬والمفروض ‪ :‬أ ّ‬
‫القسم الثّالث ‪ :‬ما اشترك فيه الحقّان وحقّ العبد هو المغلّب ‪ .‬وأصله معقوليّة المعنى ‪.‬‬
‫صحّة ‪ ،‬لحصول مصلحة العبد بذلك عاجلً‬
‫فإذا طابق مقتضى المر والنّهي فل إشكال في ال ّ‬
‫أو آجلًا حسبما يتهيّأ له ‪ .‬وإن وقعت المخالفة فهنا نظر ‪ ،‬أصله المحافظة على تحصيل‬
‫مصلحة العبد ‪ .‬فإمّا أن يحصل مع ذلك حقّ العبد ولو بعد الوقوع ‪ ،‬على حدّ ما كان يحصل‬
‫عند المطابقة أو أبلغ ‪ ،‬أو ل ‪ .‬فإن فرض غير حاصل فالعمل باطل ‪ ،‬لنّ مقصود الشّارع لم‬
‫يحصل ‪ .‬وإن حصل ‪ -‬ول يكون حصوله إلّ مسبّبا عن سبب آخر غير السّبب المخالف ‪-‬‬
‫صحّ وارتفع مقتضى النّهي بالنّسبة إلى حقّ العبد ‪ .‬ولذلك يصحّح مالك بيع المدبّر إذا أعتقه‬
‫ن النّهي لجل فوت العتق ‪ .‬فإذا حصل فل معنى للفسخ عنده بالنّسبة إلى حقّ‬
‫المشتري ‪ ،‬ل ّ‬
‫ن النّهي قد‬
‫المملوك ‪ .‬وكذلك يصحّح العقد فيما تعلّق به حقّ الغير إذا أسقط ذو الحقّ حقّه ‪ ،‬ل ّ‬
‫فرضناه لحقّ العبد ‪ ،‬فإذا رضي بإسقاطه فله ذلك ‪ .‬وأمثلة هذا القسم كثيرة ‪.‬‬
‫فإذا رأيت من يصحّح العمل المخالف بعد الوقوع ‪ ،‬فذلك لحد المور الثّلثة ‪.‬‬
‫أمّا العبادات فمن حقّ اللّه تعالى الّذي ل يحتمل الشّركة ‪ ،‬فهي مصروفة إليه ‪.‬‬
‫وأمّا العادات فهي أيضًا من حقّ اللّه تعالى على النّظر الكّليّ ‪ ،‬ولذلك ل يجوز تحريم ما أحلّ‬
‫ت مِنَ‬
‫ط ّيبَا ِ‬
‫خرَجَ ِل ِعبَادِهِ وَا ْل ّ‬
‫حرّمَ زِينَ َة اللّ ِه اّل ِتيَ َأ ْ‬
‫ن َ‬
‫طيّبات ‪ ،‬فقد قال تعالى ‪ { :‬قُلْ مَ ْ‬
‫اللّه من ال ّ‬
‫ل اللّ ُه َل ُكمْ } ‪.‬‬
‫ط ّيبَاتِ مَا َأحَ ّ‬
‫ح ّرمُواْ َ‬
‫ن آ َمنُو ْا لَ ُت َ‬
‫الرّ ْزقِ } وقال تعالى ‪ { :‬يَا َأ ّيهَا اّلذِي َ‬
‫فنهى عن التّحريم وجعله تعدّيا على حقّ اللّه تعالى ‪ .‬ولمّا همّ بعض أصحابه بتحريم بعض‬
‫المحلّلت قال عليه الصلة والسلم ‪ « :‬من رغب عن سنّتي فليس منّي » ‪.‬‬
‫ل اللّهُ‬
‫جعَ َ‬
‫طيّبات بقوله تعالى ‪ { :‬مَا َ‬
‫وذمّ اللّه تعالى من حرّم على نفسه شيئًا ممّا وضعه من ال ّ‬
‫ل حَامٍ } ‪.‬‬
‫ل سَآ ِئبَةٍ َولَ َوصِيلَةٍ َو َ‬
‫مِن َبحِيرَةٍ َو َ‬
‫ع ِم ِهمْ } ‪.‬‬
‫ل مَن ّنشَاء بِزَ ْ‬
‫طعَ ُمهَا ِإ ّ‬
‫ل َي ْ‬
‫حجْرٌ ّ‬
‫ث ِ‬
‫حرْ ٌ‬
‫وقوله ‪َ { :‬وقَالُو ْا هَسذِهِ َأ ْنعَامٌ َو َ‬
‫فذمّهم على أشياء في النعام والحرث اخترعوها ‪ ،‬منها التّحريم ‪ .‬وهو المقصود هاهنا ‪.‬‬
‫ن حقّ الغير‬
‫وأيضا ففي العادات حقّ للّه تعالى من جهة وجه الكسب ووجه النتفاع ‪ ،‬ل ّ‬
‫ق الغير ‪،‬‬
‫محافظ عليه شرعا أيضا ‪ ،‬ول خيرة فيه للعبد ‪ ،‬فهو حقّ للّه تعالى صرفًا في ح ّ‬
‫حتّى يسقط حقّه باختياره في بعض الجزئيّات ‪ ،‬ل في المر الكّليّ ‪ .‬ونفس المكلّف أيضا‬
‫داخلة في هذا الحقّ ‪ ،‬إذ ليس له التّسليط على نفسه ول على عضو من أعضائه بالتلف ‪.‬‬
‫فإذًا العاديّات يتعلّق بها حقّ اللّه من وجهين ‪:‬‬
‫أحدهما ‪ :‬من جهة الوضع الوّل الكّليّ الدّاخل تحت الضّروريّات ‪.‬‬
‫الثّاني ‪ :‬من جهة الوضع التّفصيليّ الّذي يقتضيه العدل بين الخلق ‪ ،‬وإجراء المصلحة على‬
‫وفق الحكمة البالغة ‪ ،‬فصار الجميع ثلثة أقسام ‪ ،‬وفي العاديّات أيضا حقّ للعبد من وجهين ‪:‬‬
‫أحدهما ‪ :‬جهة الدّار الخرة ‪ ،‬وهو كونه مجازًى عليه بالنّعيم ‪ ،‬موقّى بسببه عذاب الجحيم ‪.‬‬
‫والثّاني ‪ :‬جهة أخذه للنّعمة على أقصى كمالها فيما يليق بالدّنيا لكن بحسبه في خاصّة نفسه ‪،‬‬
‫حيَا ِة ال ّد ْنيَا خَالِصَ ًة يَ ْو َم الْ ِقيَامَةِ } ‪.‬‬
‫ن آ َمنُو ْا فِي ا ْل َ‬
‫كما قال تعالى ‪ { :‬قُلْ هِي لِّلذِي َ‬

‫الحقّ المحدود المقدار والحقّ غير المحدود ‪:‬‬


‫‪ - 28‬تنقسم الحقوق باعتبار التّحديد والتّقدير وعدمه إلى ثلثة أقسام ‪ :‬حقّ محدود ‪ ،‬وحقّ‬
‫غير محدود ‪ ،‬وحقّ مختلف فيه ‪.‬‬
‫القسم الوّل ‪ :‬الحقّ المحدود وهو الحقّ الّذي بيّن الشّرع أو اللتزام أنّه مقدّر ‪.‬‬
‫مثل ‪ :‬الفرائض الخمس في الصّلة ‪ ،‬وصوم رمضان ‪ ،‬والمقادير الواجب إخراجها في الزّكاة‬
‫حسب أنواعها ‪ ،‬وذلك في العبادات ‪.‬‬
‫أمّا في المعاوضات الماليّة ‪ ،‬فمثل ‪ :‬أثمان المشتريات في العقود ‪ ،‬وقيم المتلفات ‪.‬‬
‫حكم الحقّ المحدود ‪:‬‬
‫‪ - 29‬للحقّ المحدود المقدار أحكام منها ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬أنّه مطلوب الداء ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬يتعلّق بذمّة من عليه أداء الحقّ ‪ ،‬وذلك بمجرّد وجود سببه ‪ ،‬ويصير دينا في ذمّته ‪.‬‬
‫ل بأداء المقدار المحدّد ‪ ،‬على الوجه الّذي عيّنه الشّرع أو اللتزام‬
‫ج ‪ -‬ل تبرأ ال ّذمّة منه إ ّ‬
‫ن التّحديد مشعر بقصد الشّارع أو اللتزام ‪.‬‬
‫وبيّنه ‪ ،‬ل ّ‬
‫د ‪ -‬ل يسقط عند عدم الداء بالسّكوت أو بمضيّ المدّة الطّويلة ‪.‬‬
‫هس ‪ -‬يؤدّى عن المدّة السّابقة ‪.‬‬
‫و ‪ -‬ل يتوقّف ثبوته على الرّضا أو حكم القاضي أو المصالحة ‪ ،‬لنّه محدّد من قبل من جهة‬
‫الشّرع أو اللتزام ‪.‬‬
‫ز ‪ -‬حكم القاضي به مظهر للحقّ ل مثبت له ‪ ،‬لنّه ثابت من وقت تحديده على المكلّف ‪.‬‬
‫ح ‪ -‬ل يسقط هذا الحقّ عند عدم الداء إلّ بدليل شرعيّ في حقّ اللّه ‪ ،‬مثل ‪ :‬سقوط الصّلة‬
‫عن الحائض ‪ ،‬أمّا في حقّ الشّخص فيسقط بإبراء ال ّذمّة ‪ .‬وحقّ اللّه المحدود لحق‬
‫بضروريّات الدّين ‪.‬‬
‫القسم الثّاني ‪ :‬الحقّ غير المحدود ‪:‬‬
‫‪ 29‬م ‪ -‬هو الحقّ الّذي لم يعيّن الشّرع أو اللتزام مقداره ‪ ،‬مع وجود التّكليف به ‪ .‬مثل ‪:‬‬
‫الصّدقات ‪ ،‬والنفاق في سبيل اللّه ‪ ،‬والنفاق على القارب ‪ ،‬وإغاثة الملهوف ‪ ،‬وسدّ حاجة‬
‫المحتاجين ‪ ،‬وغير ذلك من الحقوق الّتي لم تحدّد ‪ ،‬وذلك لتعذّر تحديد هذه الحقوق بالنّسبة‬
‫لظروف كلّ حقّ ‪ ،‬حيث تختلف المقادير المطلوبة حسب الزمنة والمكنة المختلفة ‪ ،‬وكذلك‬
‫ن المطلوب أداء الحقّ على‬
‫الحال بالنّسبة للشخاص ‪ -‬المؤدّى له الحقّ والمؤدّي ‪ -‬وذلك ل ّ‬
‫ل حقّ ‪ ،‬فترك التّحديد بادئ ذي بدء ليتحدّد قدر المطلوب‬
‫أكمل وجه ‪ ،‬وهو يختلف باختلف ك ّ‬
‫حسب كلّ حالة على حدة ‪.‬‬
‫حكم الحقّ غير المحدود ‪:‬‬
‫‪ - 30‬للحقّ غير المحدود أحكام منها ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬أنّه مطلوب الداء ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬ل يتعلّق بذمّة من عليه الداء بمجرّد وجود السّبب ‪ ،‬ولذلك ل يصير دينا في ال ّذمّة ‪،‬‬
‫ن الذّمم ل يتعلّق بها غير المحدود من الحقوق ‪ ،‬وإنّما يتعلّق بال ّذمّة الحقّ المحدود‬
‫لّ‬
‫والمقدّر ‪ ،‬ليتيسّر على المكلّف الداء ‪.‬‬
‫ج ‪ -‬الحقّ غير المحدود ل يتعلّق بال ّذمّة إلّ بعد التّحديد ‪ ،‬والتّحديد يكون بالتّراضي ‪ ،‬أو‬
‫بالصّلح ‪ ،‬أو بحكم القاضي ‪ ،‬لنّ التّكليف بقدر الحاجة ولذلك ل يتعلّق بال ّذمّة إلّ من وقت‬
‫التّحديد ‪.‬‬
‫د ‪ -‬ل يجوز المطالبة بالحقّ غير المحدود عن المدّة السّابقة للتّحديد ‪ ،‬لنّ ال ّذمّة لم تكن‬
‫مشغولةً به ‪.‬‬
‫هس ‪ -‬يسقط الحقّ غير المحدود بمضيّ المدّة والسّكوت عن المطالبة به ‪.‬‬
‫و ‪ -‬حقّ اللّه غير المحدود لحق بقاعدة التّحسين والتّزيين ‪ ،‬ولذلك ترك تحديده إلى المكلّفين‬
‫ل حالة حسب الحاجة ‪.‬‬
‫ونظر القاضي ‪ ،‬لتقدير ك ّ‬
‫القسم الثّالث ‪ :‬الحقّ المختلف فيه ‪:‬‬
‫‪ - 31‬هو الحقّ الّذي أخذ بشبه من الحقّ المحدود ‪ ،‬وبشبه من الحقّ غير المحدود ‪ .‬مثل ‪:‬‬
‫نفقة الزّوجة ‪ ،‬حيث اختلف الفقهاء في هذا الحقّ ‪ ،‬فذهب المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة على‬
‫الظهر عندهم ‪ -‬إلى أنّها تثبت في ال ّذمّة فل تسقط بالعسار ‪.‬‬
‫ن نفقة الزّوجة ل تثبت في ال ّذمّة لنّها‬
‫وذهب الحنفيّة وهو رواية عن الحنابلة وغيرهم إلى أ ّ‬
‫تجب صلةً ومودّةً ما لم يفرضها الحاكم ‪ ،‬وإذا فرضها الحاكم تكون محدّد ًة فتثبت في ال ّذمّة ‪.‬‬
‫أنواع التّحديد وعدم التّحديد ‪:‬‬
‫‪ - 32‬تحديد الحقّ وعدم تحديده قد يكون بالنّسبة لصاحب الحقّ ‪ ،‬وقد يكون بالنّسبة لمن عليه‬
‫الحقّ ‪ ،‬وقد يكون في الشّيء المستحقّ ‪ ،‬وقد يكون في القدر المستحقّ ‪ ،‬وقد يكون في المكان‬
‫‪ ،‬أو الزّمان ‪ ،‬أو التّجاه وغير ذلك ‪.‬‬
‫أ ‪ -‬الحقّ المحدود صاحبه ‪ :‬كالبائع في ثمن ما باعه ‪ ،‬والمشتري في المبيع ‪ ،‬والزّوجة في‬
‫النّفقة ‪ .‬أمّا الحقّ غير المحدود صاحبه ‪ ،‬فمثل ‪ :‬المنتفع بالمباحات والمنافع العامّة ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬الحقّ المحدود من عليه الداء ‪ -‬المكلّف ‪ -‬مثل ‪ :‬الصّلوات الخمس على البالغ العاقل ‪،‬‬
‫والزّكاة على مالك النّصاب ‪ ،‬ونفقة الزّوجة على الزّوج ‪ ،‬ونفقة الولد الصّغار الفقراء على‬
‫الب ‪ ،‬والثّمن على المشتري ‪.‬‬
‫أمّا الحقّ غير المحدود من عليه الداء ‪ -‬المكلّف ‪ -‬فمثل ‪ :‬صلة الجنازة ‪ ،‬ور ّد السّلم ‪،‬‬
‫وتعلّم الفقه والطّبّ وغير ذلك من فروض الكفاية وسننها ‪.‬‬
‫ج ‪ -‬الحقّ المحدود في الشّيء المطلوب ‪ ،‬مثل ‪ :‬اليمان باللّه تعالى وملئكته وكتبه ورسله‬
‫واليوم الخر ‪ ،‬والجنّة والنّار والحساب ‪ ،‬وملكيّة المبيع للمشتري وخروجه من ملك البائع‬
‫بمجرّد انعقاد العقد الصّحيح النّافذ ‪ ،‬وحلّ الزّوجة بعقد النّكاح ‪.‬‬
‫أمّا الحقّ غير المحدود في الشّيء المطلوب ‪ ،‬فمثل ‪ :‬دفع الذى عن الطّريق ‪.‬‬
‫د ‪ -‬الحقّ المحدود القدر ‪ ،‬مثل ‪ :‬القدر المحدود في الزّكاة ‪ ،‬والثّمن في المبيع ‪ .‬أمّا الحقّ‬
‫غير المحدود القدر ‪ ،‬فمثل ‪ :‬الصّدقات ‪ ،‬والجهاد في سبيل اللّه ‪ ،‬ومساعدة المحتاجين ‪.‬‬
‫هس ‪ -‬الحقّ المحدود المكان ‪ ،‬مثل ‪ :‬الوقوف بجبل عرفات في الحجّ ‪ ،‬ومكان تسليم المبيع أو‬
‫المسلم فيه المشروط في العقد ‪ .‬أمّا الحقّ غير المحدود المكان ‪ ،‬فمثل ‪ :‬الصّلة ‪ ،‬والتّعاقد في‬
‫البيع والزّواج ‪ ،‬وغير ذلك من العقود ‪.‬‬
‫و ‪ -‬الحقّ المحدود الزّمن والوقت ‪ ،‬مثل ‪ :‬الصّلوات الخمس والحجّ ‪ .‬أمّا الحقّ غير المحدود‬
‫الزّمن والوقت ‪ ،‬فمثل ‪ :‬السّنة الّتي يؤدّي فيها الشّخص فريضة الحجّ عند من يرى من الفقهاء‬
‫وجوب الحجّ على التّراخي ‪ ،‬وسداد الدّيون الّتي لم يحدّد لها وقت للداء ‪.‬‬
‫ز ‪ -‬الحقّ المحدود التّجاه ‪ ،‬مثل ‪ :‬عين الكعبة لمن يصلّي في المسجد الحرام ‪.‬‬
‫أمّا الحقّ غير المحدود التّجاه ‪ ،‬فمثل ‪ :‬الوقوف بعرفة ‪.‬‬
‫ح ‪ -‬الحقّ المحدود العدد ‪ ،‬مثل ‪ :‬أركان السلم الخمسة ‪ ،‬وفرائض الصّلة الخمس ‪،‬‬
‫والجمع بين أربع زوجات ‪ ،‬وطرفي العقد وهما ‪ :‬الموجب والقابل ‪.‬‬
‫أمّا الحقّ غير المحدود العدد ‪ ،‬فمثل عدد أيّام شهر رمضان فقد يتمّ الشّهر وقد يكون تسعةً‬
‫وعشرين ‪ ،‬وأيّام السّفر الشّرعيّ بالنّسبة لقصر الصّلة ‪.‬‬
‫الحقّ التّامّ والمخفّف ‪:‬‬
‫‪ - 33‬تنقسم الحقوق باعتبار حال التّكليف من حيث وجود أعذار معتبرة تقتضي التّخفيف أو‬
‫عدم وجودها إلى قسمين ‪ :‬تامّ ومخفّف ‪.‬‬
‫الحقّ التّامّ ‪ :‬هو ما وجب أصلً في الحالة الطّبيعيّة مع عدم وجود عذر شرعيّ ‪.‬‬
‫مثل ‪ :‬أداء الصّلة كامل ًة للمقيم الصّحيح ‪ ،‬وأداء الدّين كاملً وغير ذلك ‪.‬‬
‫والحقّ المخفّف ‪ :‬هو ما شرع على خلف الصل ‪ ،‬بسبب عذر شرعيّ لتيسير الداء على‬
‫المكلّف بها ‪ .‬والتّخفيف قد يكون في حقوق اللّه تعالى ‪ ،‬وقد يكون في حقوق العباد ‪ ،‬وهو‬
‫أنواع ‪ :‬تخفيف إسقاط ‪ ،‬وتخفيف نقص ‪ ،‬وتخفيف تقديم ‪ ،‬وتخفيف تأخير ‪ ،‬وتخفيف ترخيص‬
‫‪ ،‬وتخفيف تغيير ‪ .‬وانظر مصطلح ( تيسير ) ‪.‬‬
‫تقسيم الحقوق باعتبار انتقالها للورثة وعدم انتقالها ‪:‬‬
‫‪ - 34‬تنقسم الحقوق باعتبار انتقالها للورثة عن طريق الخلفة أو الوراثة ‪ ،‬وعدم انتقالها‬
‫أصلً إلى ثلثة أقسام ‪.‬‬
‫أوّلً ‪ :‬الحقوق الّتي تورث ‪ ،‬وهي ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬الحقوق الماليّة ‪ ،‬مثل ‪ :‬العقار ‪ ،‬والمنقول والنّقدين ‪ ،‬والدّيون ‪ ،‬والدّية ‪ ،‬والغرّة ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬الحقوق المقرّرة على عقار ‪ ،‬مثل ‪ :‬حقّ الشّرب ‪ ،‬وحقّ المجرى ‪ ،‬وحقّ المسيل ‪،‬‬
‫وحقّ المرور ‪.‬‬
‫ج ‪ -‬بعض ما يتعلّق بالمال من حقوق ‪ ،‬مثل ‪ :‬حقّ حبس الرّهن إلى سداد الدّين ‪ ،‬وحبس‬
‫المبيع حتّى دفع الثّمن ‪.‬‬
‫ثانيا ‪ :‬الحقوق الّتي تثبت بالخلفة ول تورث ‪:‬‬
‫‪ - 35‬هي الحقوق الّتي تثبت للخلف ابتداءً ‪ ،‬ول تنتقل إليه عن طريق الرث ‪ ،‬وهذه الحقوق‬
‫قد تثبت لجميع الورثة ‪ ،‬كما في بعض الحقوق المتعلّقة بالمال عند الحنفيّة ‪ ،‬مثل ‪ :‬خيار‬
‫التّعيين ‪ ،‬وقد ثبت لبعض الورثة دون البعض الخر ‪ ،‬مثل أن تثبت لمن صلته عن طريق‬
‫النّسب كالولد ‪ ،‬ول تثبت لمن صلته عن طريق السّبب كأحد الزّوجين ‪ ،‬وذلك في الحقوق‬
‫غير الماليّة كالقصاص عند أبي حنيفة ومالك والشّافعيّ ‪ ،‬فهو حقّ عندهم لولياء المقتول‬
‫بالنّسب فقط ‪ ،‬وثبت لهم ابتدا ًء ‪ .‬وقد تثبت الحقوق لمن قرابته عن طريق العصبة الذّكور ‪،‬‬
‫ول تثبت لمن عداهم ‪ ،‬مثل ‪ :‬ولء العتاقة ‪.‬‬
‫وقد تثبت الحقوق لبعض الورثة دون البعض الخر ولمدّة محدودة ‪ ،‬وذلك حسب النّظام الّذي‬
‫يضعه الموصي أو الواقف في شروط صرف غلّة الوقف والوصيّة ‪ ،‬أو الّذي يضعه المام‬
‫لصرف هذه الحقوق ‪ ،‬وذلك كالحقّ الثّابت في ديوان الخراج للمقاتلين والعلماء والفقهاء‬
‫وغيرهم ‪ ،‬فإنّه بعد موتهم ينتقل إلى ورثتهم كلّهم أو بعضهم حسب النّظام الموضوع لذلك‬
‫ن هذا الحقّ ل‬
‫فمن مات وله حقّ في بيت المال عن طريق الستحقاق والمنح كالعطاء ‪ ،‬فإ ّ‬
‫ل ‪ ،‬ل باعتبارهم ورثةً ‪،‬‬
‫يورث عنه ‪ ،‬ول يثبت لجميع الورثة ‪ ،‬وإنّما يثبت للبعض أو الك ّ‬
‫وإنّما باعتبارهم خلفا عن الميّت ‪ ،‬فكان حقّ الورثة في العطاء عن طريق الخلفة ‪ ،‬ومنح‬
‫المام لهم ذلك العطاء ‪ ،‬وليس للمام أو الحاكم منع هذا الحقّ ‪ ،‬أو حرمانهم منه ‪ ،‬وإذا منعهم‬
‫فقد ظلم ‪.‬‬
‫ثالثا ‪ :‬الحقوق الّتي ل تورث ول تنقل بالخلفة ‪:‬‬
‫‪ - 36‬هي كلّ ما كان متعلّقًا بنفس المورث ‪ ،‬وينتهي بموته ‪ ،‬ول يبقى له فيه حقّ بعد موته ‪،‬‬
‫وذلك لنّ الورثة ل يرثون فكر مورثهم ول شهوته وغير ذلك ‪ ،‬ولذلك ل يرثون ما يتعلّق‬
‫ن ما ل يورث بذاته ل يورث ما يتعلّق به ‪.‬‬
‫بهذه المور ‪ ،‬ضرورة أ ّ‬
‫والحقوق الّتي ل تورث هي حقوق شخصيّة ‪ ،‬ارتبطت بالشّخص وحده دون غيره لصفات‬
‫معيّنة فيه ‪ ،‬مثل ‪ :‬الوليات العامّة والخاصّة ‪ ،‬والولية على النّفس ‪ ،‬والولية على المال ‪،‬‬
‫والمناصب والوظائف ‪ .‬مثل ‪ :‬المانة والوكالة ‪ ،‬واختيار إحدى الختين ‪ ،‬وكذلك اختيار‬
‫الربع من زوجاته ‪ ،‬وذلك إذا أسلم وهو متزوّج أختين أو أكثر من أربع ‪ ،‬فإذا مات قبل‬
‫الختيار ل ينتقل هذا الحقّ إلى الورثة ‪.‬‬
‫‪ - 37‬وهناك حقوق اختلف الفقهاء فيها ‪ ،‬فذهب البعض إلى أنّها تورث ‪ ،‬وقال البعض ‪ :‬إنّها‬
‫تنتقل بالخلفة ‪ ،‬وقال البعض الخر ‪ :‬إنّها ل تورث ‪ ،‬ويرجع اختلفهم إلى عدّة أسباب ‪،‬‬
‫وهي أنواع ‪ ،‬منها ما يأتي ‪ :‬بعض ما يتعلّق بالمال من حقوق ‪ ،‬مثل ‪ :‬خيار الشّرط ‪ ،‬وخيار‬
‫التّعيين ‪ ،‬وخيار العيب ‪ ،‬وخيار القبول ‪.‬‬
‫ومنها ‪ :‬المنافع ‪ ،‬مثل ‪ :‬السّكنى ‪ ،‬والمنفعة بالوصيّة ‪.‬‬
‫ومنها ‪ :‬القصاص في النّفس ‪ ،‬وحدّ القذف ‪ .‬فإذا نظرنا إلى السباب الّتي بنوا عليها أحكامهم‬
‫ممّا يترتّب عليه اختلفهم ‪ ،‬نجد أنّها تتنوّع ‪ ،‬إلى ما يلي ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬خيار الشّرط ‪:‬‬
‫‪ - 38‬ذهب مالك والشّافعيّ إلى انتقاله للورثة ‪ ،‬لنّ خيار الشّرط صفة للعقد ‪ ،‬وأثر من آثاره‬
‫‪ ،‬فيورث ‪.‬‬
‫وذهب أبو حنيفة وأحمد بن حنبل إلى عدم انتقال خيار الشّرط للورثة ‪ ،‬لنّه يبطل بموت من‬
‫له الخيار ويتمّ البيع ‪ ،‬وذلك لثلثة وجوه ‪:‬‬
‫ن الخيار مشيئته واختياره ‪ ،‬فتبطل بموته ‪ ،‬كسائر‬
‫ن خيار الشّرط صفة للعاقد ‪ ،‬ل ّ‬
‫الوّل ‪ :‬أ ّ‬
‫صفاته ‪.‬‬
‫الثّاني ‪ :‬أنّ الجل في الثّمن ل يورث ‪ ،‬فكذلك في الخيار ‪.‬‬
‫ن البائع رضي بخيار واحد معيّن ‪ ،‬فكيف يثبت لشخاص آخرين لم يشرط لهم ‪،‬‬
‫الثّالث ‪ :‬أ ّ‬
‫ص عليهم في العقد ‪ ،‬وهم الورثة ‪ ،‬والواجب عدم تعدّي الخيار من اشترط له ‪ ،‬كما ل‬
‫ولم ين ّ‬
‫يتعدّى الجل من اشترط له ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬خيار التّعيين ‪:‬‬
‫‪ - 39‬هو أن يقع البيع على واحد ل بعينه مثل ‪ :‬أن يشتري شخص ثوبين على أن يكون له‬
‫الخيار ثلثة أيّام في تعيينه وأخذ أيّهما شاء ‪ ،‬ولكن المشتري مات قبل أن يختار ويعيّن أحد‬
‫الثّوبين ‪ .‬فخيار التّعيين وإن ثبت حقّا للوارث عند الجميع ‪ ،‬لكنّهم اختلفوا في التّعليل ‪ :‬فذهب‬
‫مالك والشّافعيّ إلى أنّه انتقل للوارث عن طريق الميراث ‪ ،‬لنّه صفة للعقد كخيار الشّرط ‪.‬‬
‫أمّا الحنفيّة فقالوا ‪ :‬خيار التّعيين ل يورث ‪ ،‬وإنّما ينتقل للورثة عن طريق الخلفة ‪ ،‬لنّه‬
‫ن الوارث انتقل إليه الملك مختلطا بملك الغير ‪ ،‬وهو يحتاج إلى‬
‫يثبت للوارث ابتداءً ‪ ،‬ل ّ‬
‫قبضه وتعيينه ‪ ،‬فثبت له خيار التّعيين ابتداءً ‪ -‬عن طريق الخلفة ‪ -‬لنهاء هذا الختلط ‪.‬‬
‫ولم يثبت له بالميراث ‪.‬‬
‫وهذا الخيار الّذي ثبت للورثة ابتداءً خلف خيار التّعيين الّذي كان ثابتا للمورث المتعاقد ‪،‬‬
‫حيث كان خيار التّعيين ثابتا للمورث عن طريق العقد ‪ ،‬أمّا خيار التّعيين الثّابت للورثة ابتداءً‬
‫فهو لنهاء اختلط ملكهم بملك الغير ‪ ،‬حتّى يتمكّن الورثة من تسلّم ملكهم والنتفاع به ‪.‬‬
‫ج ‪ -‬خيار العيب ‪:‬‬
‫‪ - 40‬المشتري استحقّ المبيع سليما من العيب ‪ ،‬فكذلك الوارث يستحقّه سليما ‪ ،‬فينتقل إليه‬
‫حقّ السّلمة ابتداءً عن طريق الخلفة ‪.‬‬
‫وقد ذكر بعض الفقهاء من الحنفيّة أنّه ينتقل عن طريق الرث ‪.‬‬
‫د ‪ -‬خيار القبول ‪:‬‬
‫‪ - 41‬هو حقّ يثبت للطّرف الثّاني عند التّعاقد ‪ ،‬وذلك بعد صدور اليجاب من الطّرف‬
‫الوّل‪ .‬وقد اختلف الفقهاء في انتقاله إلى الورثة ‪ :‬فذهب أكثر المالكيّة إلى أنّه حقّ يورث ‪،‬‬
‫لنّه ل يجوز للموجب الرّجوع عن إيجابه ‪ ،‬لنّه ألزم نفسه به ‪.‬‬
‫أمّا الحنفيّة فقالوا ‪ :‬إنّ خيار القبول ل يورث ‪ ،‬لنّ اليجاب غير ملزم للموجب ‪ ،‬وله خيار‬
‫الرّجوع ‪ ،‬ويبطل اليجاب بانفضاض مجلس العقد ‪ ،‬وموت أحد المتعاقدين ينهي المجلس‬
‫فينحلّ اليجاب ‪ ،‬فل يكون بعده خيار القبول قائما ‪ ،‬وما دام خيار القبول أصبح غير موجود‬
‫فل ينتقل إلى الورثة لبطلنه تبعا لبطلن اليجاب بانفضاض المجلس بتفرّق الرواح ‪.‬‬
‫وانظر مصطلحات الخيار المتعدّدة ‪.‬‬
‫هس ‪ -‬المنافع ‪:‬‬
‫‪ - 42‬اختلف الفقهاء في ماليّتها ‪ ،‬فذهب الحنفيّة إلى أنّها ليست مالً ‪ ،‬ولذلك ل تنتقل إلى‬
‫الورثة عن طريق الميراث ‪ .‬وذهب غيرهم إلى أنّ المنافع أموال ‪ ،‬ولذلك قالوا ‪ :‬إنّها تورث‬
‫مثل بقيّة الموال المملوكة للمورث ‪.‬‬
‫و ‪ -‬القصاص في النّفس ‪:‬‬
‫‪ - 43‬هذا الحقّ ثابت لولياء المقتول ‪ ،‬ولكن الفقهاء اختلفوا في سبب ثبوته لهم ‪ :‬فقال أبو‬
‫ن القصاص‬
‫ن القصاص طريقة الخلفة دون الوراثة ‪ ،‬أل ترى أ ّ‬
‫حنيفة ومالك والشّافعيّ ‪ :‬إ ّ‬
‫يثبت بعد الموت ‪ ،‬والميّت ليس صالحا للمطالبة بالقصاص لفقده الحياة ‪ ،‬وذلك بخلف الدّين‬
‫ن الميّت من أهل الملك في الموال ‪ ،‬ويتجاوز في الموال ما‬
‫والهبة وما يتعلّق بالموال ‪ ،‬ل ّ‬
‫ل يتجاوز في غيرها ‪ ،‬ولذلك إذا نصب شخص مصيدةً فوقع بها الصّيد بعد موته ‪ ،‬فإنّ‬
‫الميّت يملكه ‪ ،‬ثمّ ينتقل إلى الورثة عن طريق الرث ‪ .‬أمّا القصاص فيثبت لولياء المقتول‬
‫ابتداءً ل عن طريق الميراث ‪ ،‬ولذلك ل يثبت القصاص لحد الزّوجين لنّ الخلفة بالنّسب‬
‫فقط ‪ ،‬دون السّبب وهو الزّوجيّة ‪ ،‬لنقطاع الزّوجيّة بالموت ‪.‬‬
‫ي عليه قبل موته قصاص النّفس ‪ ،‬وإنّما يثبت القصاص للوارث‬
‫وقالوا أيضا ‪ :‬لم يثبت للمجن ّ‬
‫ن استحقاق القصاص فرع زهوق الرّوح ‪ ،‬ومرتّب على خروج الرّوح ‪ ،‬فلم يكن‬
‫ابتداءً ‪ ،‬ل ّ‬
‫ن حقّ‬
‫قصاص النّفس ثابتًا للمقتول قبل موته ‪ ،‬حتّى يكون القصاص ممّا ينتقل للوارث ‪ ،‬ل ّ‬
‫القصاص ل يثبت إلّ بعد الموت ‪ ،‬فل يقع إلّ للوارث ‪.‬‬
‫تقسيم الحقوق باعتبار الماليّة وعدمها ‪:‬‬
‫‪ - 44‬تنقسم الحقوق باعتبار الماليّة والتّعلّق بالموال وعدم الماليّة إلى ما يأتي ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬حقّ ماليّ ‪ ،‬يتعلّق بالموال ‪ ،‬ويستعاض عنه بمال ‪ ،‬مثل ‪ :‬العيان الماليّة حيث يمكن‬
‫بيعها والستعاضة عنها بمال ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬حقّ ماليّ ‪ ،‬ليس في مقابلة مال ‪ ،‬مثل ‪ :‬المهر والنّفقة ‪ ،‬حيث يتعلّق المهر بالزّواج‬
‫والدّخول ‪ ،‬وكلهما ليس مالًا ‪ ،‬وكذلك النّفقة تستحقّها الزّوجة مقابل احتباسها لحقّ الزّوج ‪.‬‬
‫ج ‪ -‬حقّ غير ماليّ ‪ ،‬يتعلّق بالموال ‪ ،‬ولكن ل يجوز الستعاضة عنه بمال ‪ ،‬مثل ‪:‬‬
‫ن حقّ الشّفعة قبل بيع الشّريك حقّ مجرّد ‪ ،‬وبعد البيع حقّ ثابت ‪ ،‬وهو أيضًا‬
‫الشّفعة ‪ ،‬حيث إ ّ‬
‫ح الستعاضة عنه بمال ‪ .‬إلّ أنّ الشّفعة حقّ يتعلّق‬
‫حقّ مجرّد ‪ ،‬وهو حقّ ضعيف ل يص ّ‬
‫بالعقار ‪ ،‬وهو مال بالجماع ‪.‬‬
‫د ‪ -‬حقّ غير ماليّ ‪ ،‬ل يتعلّق بالموال ‪ ،‬ولكن يجوز الستعاضة عنه بمال ‪ ،‬مثل ‪:‬‬
‫القصاص ‪ ،‬لنّه حقّ غير ماليّ ‪ ،‬ول يتعلّق بالموال ‪ ،‬لنّه عقوبة القتل العمد ‪ ،‬وهذا ليس‬
‫مالًا ‪ ،‬ولكن يجوز الستعاضة عن القصاص بمال ‪ ،‬وذلك عند الصّلح على مال ‪.‬‬
‫هس ‪ -‬حقّ غير ماليّ ‪ ،‬ول يتعلّق بالموال ‪ ،‬ول يجوز الستعاضة عنه بمال ‪ ،‬ولكن قد‬
‫يترتّب عليه حقوق ماليّة ‪ ،‬مثل ‪ :‬البوّة ‪ ،‬والمومة ‪ ،‬والبنوّة ‪.‬‬
‫ز ‪ -‬حقّ مختلف في ماليّته ‪ ،‬مثل ‪ :‬المنافع ‪.‬‬
‫ن المنافع مال ‪ ،‬وذهب الحنفيّة إلى أنّها ليست مالً ‪ ،‬وذكر الخطيب‬
‫حيث ذهب الجمهور إلى أ ّ‬
‫ن المنافع يطلق عليها المال مجازا ‪.‬‬
‫الشّربينيّ أ ّ‬
‫الحقّ الواجب ديانةً ‪ ،‬والحقّ الواجب قضاءً ‪:‬‬
‫‪ - 45‬الحقّ الواجب ديان ًة ‪ :‬هو ما كان واجب الداء في ال ّذمّة بحكم شرعيّ أو باللتزام ‪،‬‬
‫وليس هناك دليل يثبته عند التّقاضي ‪ ،‬مثل ‪ :‬الطّلق بغير شهود أو بطريق غير رسميّ ‪ ،‬وقد‬
‫يكون حقّا ليس له مطالب من جهة العباد ‪ ،‬ول يدخل تحت ولية القضاء ‪ ،‬كالحجّ والوفاء‬
‫ق الواجب قضاءً ‪ :‬هو ما كان واجب الداء وأمكن إثباته بالدّليل ‪ ،‬مثل ‪:‬‬
‫بالنّذر ‪ .‬والح ّ‬
‫الطّلق أمام الشّهود أو بوثيقة رسميّة ‪ ،‬فإن راجعها الزّوج بطريق غير رسميّ أو ل دليل‬
‫عليه فحكم الطّلق ما زال قائما قضا ًء فقط ل ديانةً ‪.‬‬
‫والحقّ الواجب ديان ًة وقضا ًء ‪ :‬هو ما كان واجب الداء في ال ّذمّة بحكم شرعيّ أو التزام ‪،‬‬
‫ويمكن إثباته بالدّليل ‪ ،‬مثل ‪ :‬الطّلق بوثيقة رسميّة أو أمام الشّهود ‪ ،‬ولم يراجعها الزّوج فهي‬
‫مطلّقة ديان ًة وقضاءً ‪.‬‬
‫حقّ التّملّك والحقّ المباح ‪:‬‬
‫‪ - 46‬حقّ التّملّك ‪ :‬هو مجرّد المكان والصّلحيّة للملك شرعا ‪.‬‬
‫والمباح ‪ :‬هو ما خيّر فيه الشّخص بين الفعل والتّرك ‪ ،‬وكان فعله وتركه سواءً شرعا ‪.‬‬
‫فالحقّ المباح وحقّ التّملّك كلهما حقّ ليس له مح ّل معيّن ‪ -‬ولو في الجملة ‪ -‬يتعلّق به ‪،‬‬
‫وذلك لعدم وجود سبب من أسباب الملك بمحلّ معيّن يوجبه ويثبته فيه ‪ .‬وفي الوقت نفسه هو‬
‫صالح لنتقاله وتركه إلى حقّ آخر أقوى منه عند وجود سبب من أسباب الملك ‪.‬‬
‫وحقّ التّملّك والحقّ المباح كلهما من الحقوق المجرّدة الضّعيفة ‪ ،‬الّتي ل تترقّى ول تنتقل‬
‫إلى غيرها من الحقوق بالقول الصّادر من صاحبه تعبيرا عن إرادته وحده ‪.‬‬
‫والحقّ المباح يثبت بالصل ‪ ،‬لنّ الصل في الشياء الباحة عند الجمهور ويظهر ذلك في‬
‫ل اللّه في كتابه فهو حلل ‪،‬‬
‫المسكوت عنه ‪ ،‬واستدلّ بقوله صلى ال عليه وسلم ‪ « :‬ما أح ّ‬
‫ن اللّه لم يكن‬
‫وما حرّمه فهو حرام ‪ ،‬وما سكت عنه فهو عفو ‪ ،‬فاقبلوا من اللّه عافيته ‪ ،‬فإ ّ‬
‫لينسى شيئا » ‪ .‬فإذا كان نقل الملك عن طريق التّراضي كما في العقود ‪ ،‬فمن له حقّ التّملّك‬
‫للعقار أو المنقول المملوك للغير ‪ -‬قبل التّعاقد ‪ -‬فإنّ حقّه حقّ تملّك فقط ‪ ،‬وهو حقّ مباح ‪،‬‬
‫ق التّملّك مع حقّ‬
‫ق ل يفيد ملكا مطلقا ‪ ،‬ول ملكا في الجملة ‪ .‬ولذلك ل يتعارض ح ّ‬
‫وهذا الح ّ‬
‫ق المباح في التّملّك إلى أن يصدر من المالك للعقار أو المنقول إيجاب‬
‫المالك ‪ ،‬ويستم ّر الح ّ‬
‫ق التّملّك ‪ .‬فإذا أوجب صاحب المال على نفسه بيع المنقول لصاحب حقّ‬
‫بالبيع لصاحب ح ّ‬
‫التّملّك ‪ ،‬بأن صدر منه إيجاب بالبيع ‪ ،‬ترقّى هذا الحقّ ‪ -‬حقّ التّملّك ‪ -‬إلى مرحلة وسط بين‬
‫حقّ التّملّك والملك ‪ ،‬وهو حقّ واحد يسمّى ‪ :‬الحقّ الثّابت أو الحقّ الواجب ‪.‬‬
‫أمّا إذا كان الوصول إلى الملك عن طريق آخر غير التّراضي ‪ ،‬بأن كان عن طريق‬
‫ق التّملّك موجود أيضا إذا وجد سبب استحقاقه ‪ ،‬وقد‬
‫الجبار ‪ ،‬مثل ‪ :‬الشّفعة والغنيمة ‪ ،‬فح ّ‬
‫ق التّملّك أو المباح ل يعتبر ملكا مطلقا ‪ .‬هذا كلّه في الموال المملوكة‬
‫نحّ‬
‫أكّد الفقهاء على أ ّ‬
‫للغير ‪:‬‬
‫‪ - 47‬أمّا غير المملوك للغير ‪ ،‬مثل ‪ :‬الطّير في الهواء ‪ ،‬والسّمك في مياه النهار والبحار ‪،‬‬
‫والنّبات والشجار في الصّحاري والغابات ‪ ،‬وكذلك الحيوانات البرّيّة ‪ ،‬فإنّه يجوز لكلّ‬
‫ن الجميع لهم حقّ تملّك هذه الشياء‬
‫شخص أن يسعى لتملّكها ‪ ،‬وذلك بالوسائل المشروعة ‪ ،‬ل ّ‬
‫ل واحد صالح لن يكون مالكا لها ‪ ،‬فحقّ تملّكها مستم ّر إلى أن يوجد أحد‬
‫وأمثالها ‪ ،‬وك ّ‬
‫الشخاص سببا من أسباب الملك ‪.‬‬
‫الحقّ الثّابت أو الحقّ الواجب ‪:‬‬
‫‪ - 48‬الحقّ الثّابت ‪ -‬ويسمّى الحقّ الواجب عند بعض الفقهاء ‪ : -‬هو حقّ الشّخص في أن‬
‫يتملّك شيئا محدّدا ‪ -‬ولو في الجملة ‪ -‬بإرادته وحده ‪ ،‬بعد وجود سبب من أسباب الملك ‪،‬‬
‫وقبل ثبوت الملك ‪ .‬وهذا الحقّ لم يصل إلى درجة حقّ الملك ‪ ،‬لنّه أدنى منه ‪ ،‬ول يفيد ملكًا‬
‫ن الحقّ الثّابت يعطي حقوقا أكثر من‬
‫كما أنّه أعلى درج ًة من المباح وحقّ التّملّك ‪ ،‬حيث إ ّ‬
‫ن صاحب حقّ التّملّك إذا تحقّق له سبب من أسباب الملك‬
‫حقّ التّملّك ‪ ،‬وله آثار أقوى ‪ ،‬ل ّ‬
‫ق ثابت ‪ ،‬ولكنّه مجرّد عن الملك ‪.‬‬
‫كاليجاب في البيع والشّراء ‪ ،‬ترقّى حقّه إلى ح ّ‬
‫ويمكن لصاحب الحقّ الثّابت ‪ -‬بإرادته وحده ‪ -‬أن يترقّى بهذا الحقّ الثّابت إلى حقّ الملك ‪،‬‬
‫لنّه أصبح بالخيار بين قبول اليجاب في مجلس العقد فيصبح مالكا ‪ ،‬أو رفض اليجاب ‪،‬‬
‫ق التّملّك ‪ ،‬وهو أهمّ فرق بين هذين الحقّين ‪.‬‬
‫وهذا المر ل يتوفّر لصاحب ح ّ‬
‫وهذا في التّملّك الختياريّ بإرادة المالك وإيجابه ‪ ،‬فالحقّ الوسط هو الحقّ الثّابت فقط ‪،‬‬
‫ويسمّى الحقّ الواجب ‪.‬‬
‫أمّا في التّملّك الجبريّ بغير إرادة المالك ‪ ،‬مثل ‪ :‬الغنيمة والشّفعة ‪.‬‬
‫قال ابن عابدين في شأن الغنيمة ‪ :‬والحاصل كما في الفتح عن المبسوط ‪ :‬أنّ الحقّ يثبت‬
‫عندنا بنفس الخذ ‪ ،‬ويتأكّد بالحراز ‪ ،‬ويملك بالقسمة ‪ ،‬وما دام الحقّ ضعيفا ل تجوز القسمة‬
‫‪ .‬قلت ‪ :‬وهذا كلّه إذا لم يظهر عسكرنا على البلد ‪ ،‬فلو ظهروا عليها ‪ ،‬وصارت بلد إسلم ‪،‬‬
‫وصارت الغنيمة محرزةً بدارنا ‪ ،‬ويتأكّد الحقّ ‪ ،‬فتصحّ القسمة ‪.‬‬
‫ويستوي الحقّ المباح _ أي حقّ التّملّك _ والحقّ الثّابت فيما يلي ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬أنّ كلّا منهما حقّ مجرّد عن الملك ‪ ،‬ومعنىً مجرّد عن الملك ‪ ،‬أنّها ليست ملكا ‪ ،‬وسمّيت‬
‫في البدائع الحقوق المفردة ‪ ،‬وهي ل تملك ول تضمن بالتلف ‪ ،‬ول يستعاض عنها بمال ‪،‬‬
‫لنّه مجرّد حقّ فقط ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬أنّ كلّا منهما حقّ ضعيف ‪ ،‬ولذلك ل تجوز قسمته أو الصّلح عنه ‪.‬‬
‫ج ‪ -‬أنّ كلّا منهما ل يباع ‪ ،‬ول يورث عند الحنفيّة ‪.‬‬
‫ن كلّا منهما ليس حقّ ملك ‪ ،‬ول نوع ملك كالحقّ المؤكّد ‪.‬‬
‫هس ‪ -‬أ ّ‬
‫ز‪ -‬أنّ كلّا منهما ل يضمن عند التلف ‪.‬‬
‫ويفترق الحقّ المباح ‪ -‬حقّ التّملّك ‪ -‬عن الحقّ الثّابت فيم يأتي ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬أنّ الحقّ الثّابت تعلّق بشيء معيّن ولو في الجملة ‪.‬‬
‫أمّا الحقّ المباح فلم يتعلّق بشيء معيّن ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬أنّ الحقّ الثّابت تحقّق له شيء من أسباب الملك ‪.‬‬
‫أمّا الحقّ المباح فلم يتحقّق له شيء من أسباب الملك ‪.‬‬
‫ج ‪ -‬أنّ الحقّ الثّابت في مقدور صاحبه وسلطته أن يرتقي بهذا الحقّ ويجعله حقّا مؤكّدا ‪ ،‬أو‬
‫حقّ ملك ‪ ،‬وذلك بإرادته وقبوله وحده ‪ ،‬أمّا الحقّ المباح فصاحبه ل يقدر أن يترقّى به‬
‫ويحوّله إلى حقّ مؤكّد ‪ ،‬أو حقّ ملك ‪ ،‬بقبوله وعبارته وحده ‪.‬‬
‫ن الحقّ الثّابت ينتقل إلى الورثة عند المالكيّة ‪ ،‬كما في خيار القبول ‪ ،‬أمّا الحقّ المباح‬
‫د‪-‬أّ‬
‫فل ينتقل إلى الورثة ‪.‬‬
‫ق المؤكّد ‪:‬‬
‫الح ّ‬
‫‪ - 49‬الحقّ المؤكّد حقّ استقرّ في عين معيّنة لم تملك بعد ‪ ،‬وإن كانت لصاحبه نوع ملك في‬
‫الجملة ‪ ،‬وله حقّ المطالبة بالقسمة ‪.‬‬
‫ن من عليه الحقّ ل يقدر على إبطال الحقّ المؤكّد من جانبه ‪،‬‬
‫ويسمّى ‪ :‬الحقّ المستمرّ ‪ ،‬ل ّ‬
‫ويجب عليه التّسليم بالحقّ المؤكّد لصاحبه ‪ ،‬وإذا امتنع أجبره القاضي على ذلك ‪.‬‬
‫مثاله في الغنيمة ‪ :‬الحقّ المؤكّد فيها يكون بعد إحراز المسلمين للغنيمة في دار السلم ‪ ،‬لنّ‬
‫ن الغنيمة في أرض الحرب والمعارك قبل‬
‫الحقّ فيها قد تأكّد واستقرّ بعد هذا الحراز ‪ ،‬ل ّ‬
‫الحراز كانت مجرّد حقّ لم يتأكّد بعد ‪ ،‬حيث كان هذا الحقّ مه ّددًا باسترداد العداء لموالهم‬
‫‪ ،‬وبعد الحراز للغنائم في بلد السلم زال الخطر ‪ ،‬وتأكّد الحقّ ‪ ،‬ولم يبق مجرّد حقّ ‪ ،‬أو‬
‫حقّا مجرّدا ‪ .‬قال في ال ّدرّ المنتقى ‪ :‬والّذي قرّره في المنح كغيره ‪ :‬أنّه ل ملك بعد الحراز‬
‫بدارنا أيضا إلّ بالقسمة ‪ ،‬فل يثبت بالحراز ملك لحد ‪ ،‬بل يتأكّد الحقّ ‪ ،‬ولهذا لو أعتق‬
‫واحد من الغانمين عبدا بعد الحراز ل يعتق ‪ ،‬ولو كان له ملك ولو بشركة لعتق ‪.‬‬
‫ح عتق أحدهم للشّركة الخاصّة‬
‫نعم لو قسمت الغنيمة على الرّايات فوقع عبد بين أهل راية ص ّ‬
‫‪ ،‬حيث كانوا قليلً كمائة فأقلّ ‪ ،‬وقيل ‪ :‬أربعين ‪.‬‬
‫ول يجوز بيع أحد الغانمين شيئا من الغنيمة قبل القسمة ‪ ،‬سواء أكان في دار الحرب أم بعد‬
‫الحراز في دارنا ‪ ،‬لنّها ل تملك قبل القسمة كما علمت ‪ ،‬قال في الفتح ‪ :‬وهذا ظاهر في بيع‬
‫الغزاة ‪ ،‬وأمّا بيع المام لها فذكر الطّحاويّ ‪ :‬أنّه يصحّ ‪ ،‬لنّه مجتهد فيه ‪ ،‬يعني أنّه ل بدّ أن‬
‫يكون المام رأى المصلحة في ذلك ‪.‬‬
‫ق المؤكّد ‪:‬‬
‫حكم الح ّ‬
‫‪ - 50‬أ ‪ -‬يضمن عند التلف ‪ ،‬قال ابن عابدين ‪ :‬إذا فوّت حقّا مؤكّدا فإنّه يلحق بتفويت‬
‫ق المرتهن ‪ ،‬ولذا ل يضمن بإتلف شيء من الغنيمة قبل‬
‫حقيقة الملك في حقّ الضّمان كح ّ‬
‫ن الفائت مجرّد الحقّ ‪ ،‬وأنّه غير مضمون ‪ ،‬وبعد الحراز بدار السلم ‪ -‬ولو‬
‫الحراز ‪ ،‬ل ّ‬
‫قبل القسمة ‪ -‬يضمن ‪ ،‬لتفويت حقيقة الملك ‪ ،‬ويجب عليه القيمة في " إتلفه شيئا " من‬
‫الغنيمة بعد الحراز ‪ ،‬وأراد بقوله ‪ :‬لتفويت حقيقة الملك الحقّ المؤكّد ‪ ،‬إذ ل تحصل حقيقة‬
‫الملك إلّ بعد القسمة كما مرّ ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬ل يعتبر داخلًا في ملك صاحب الحقّ وليس له بيعه ‪ ،‬قال في الجوهرة ‪ :‬ول يجوز بيع‬
‫الغنائم قبل القسمة ‪ ،‬لنّه ل ملك لحد فيها قبل ذلك ‪.‬‬
‫ج ‪ -‬يورث الحقّ المؤكّد إذا مات صاحبه بعد التّأكّد وقبل الملك ‪ ،‬مثل ‪ :‬التّحجير ‪.‬‬
‫والغنيمة إذا أحرزت في دار السلم قبل القسمة ‪ ،‬قال ابن عابدين ‪ :‬بعد الحراز بدارنا‬
‫يورث نصيب الغازي إذا مات في دارنا قبل القسمة ‪ ،‬للتّأكّد ل الملك ‪ ،‬لنّه ل ملك قبل‬
‫القسمة ‪ ،‬وهذا لنّ الحقّ المتأكّد يورث ‪ ،‬كحقّ الرّهن وال ّردّ بالعيب ‪ ،‬بخلف الحقّ الضّعيف‬
‫كالشّفعة وخيار الشّرط ‪.‬‬
‫ل أنّه انعقد‬
‫ق المؤكّد مملوكًا لصاحبه في الجملة وإن لم يدخل في ملكه بعد ‪ ،‬إ ّ‬
‫د ‪ -‬يعتبر الح ّ‬
‫له سبب يرتّب له حقّا في الجملة ‪ ،‬وذلك لما يأتي ‪.‬‬
‫ل نقل الملكيّة ‪ ،‬ويتمّ ذلك‬
‫‪ - 1‬أنّ هذا الحقّ قد استقرّ وتحدّد وتعيّن المستحقّون له ‪ ،‬ولم يبق إ ّ‬
‫في الغنيمة المحرزة بقسمتها ‪.‬‬
‫ق الغانمين به ‪ ،‬وتحقّق خروجه من ملك العداء ‪،‬‬
‫‪ - 2‬أنّه يضمن بالتلف ‪ ،‬لتعلّق ح ّ‬
‫وانتهاء الباحة الّتي لحقت بالغنيمة وقت المعركة إلى قبيل الحراز ‪.‬‬
‫قال ابن عابدين ‪ :‬وبعد الخروج من دار الحرب ل ينتفع بشيء ممّا يجوز للغانمين النتفاع به‬
‫ن حقّهم قد تأكّد حتّى يورث نصيبهم ‪.‬‬
‫في دار الحرب ‪ ،‬لزوال المبيح ‪ ،‬ول ّ‬
‫‪ - 3‬أنّ صاحب الحقّ المؤكّد في الغنيمة له الحقّ في المطالبة بقسمتها وتمليكها ‪ ،‬حتّى يتحقّق‬
‫دخول نصيبه من الغنيمة في ملكه ولو لم يكن صاحب الحقّ المؤكّد صاحب اختصاص أو له‬
‫نوع ملك لمّا كان له الحقّ في المطالبة بالقسمة والتّمليك ‪.‬‬
‫قال القرافيّ ‪ :‬إذا حيزت الغنيمة فقد انعقد للمجاهدين سبب المطالبة بالقسمة والتّمليك ‪ ،‬فهل‬
‫يعدّون مالكين لذلك أم ل ؟ قولن ‪ :‬فقيل ‪ :‬يملكون بالحوز والخذ ‪ ،‬وهو مذهب الشّافعيّ ‪،‬‬
‫وقيل ‪ :‬ل يملكون إلّ بالقسمة ‪ ،‬وهو مذهب مالك وأبي حنيفة – وهو الصّحيح عند الشّافعيّة‬
‫‪ -‬كما قاله الخطيب الشّربينيّ ‪.‬‬
‫ثمّ قال القرافيّ ‪ :‬إذا قلنا انعقد له سبب يقتضي المطالبة بالتّمليك ‪ ،‬فهو مناسب لن يعدّ مالكا‬
‫من حيث الجملة ‪ ،‬تنزيلً لسبب السّبب منزلة السّبب ‪ ،‬وإقام ًة للسّبب البعيد مقام السّبب‬
‫القريب ‪ ،‬فهذا يمكن أن يتخيّل وقوعه قاعد ًة في الشّريعة ‪ ،‬ويجري فيها الخلف في بعض‬
‫فروعها ل في كلّها ‪.‬‬
‫‪ - 4‬أنّ الحقّ المؤكّد إذا مات صاحبه انتقل إلى ورثته كما في الغنيمة إذا حيزت بإجماع‬
‫الفقهاء ‪ ،‬ولو لم يكن لصاحبه نوع ملك لما انتقل إلى الورثة ‪ ،‬كالحقّ الثّابت حيث إنّه لمّا كان‬
‫خاليا عن الملك أصلً ‪ ،‬وليس فيه نوع من أنواع الملك ‪ ،‬ولم ينتقل إلى الورثة عند الحنفيّة ‪،‬‬
‫ل ذلك على أنّ الحقّ المؤكّد فيه نوع ملك في الجملة ‪ ،‬ولذلك انتقل إلى‬
‫خلفا للمالكيّة ‪ ،‬فد ّ‬
‫الورثة ‪.‬‬
‫‪ - 51‬ويفترق الحقّ المؤكّد عن الحقّ الثّابت ‪ -‬وكلهما حقّ وسط بين التّملّك والملك ‪ -‬فيما‬
‫يأتي ‪:‬‬
‫‪ - 1‬أنّ الحقّ المؤكّد يضمن عند التلف ‪ .‬أمّا الحقّ الثّابت فل يضمن عند التلف ‪.‬‬
‫‪ - 2‬أنّ الحقّ المؤكّد يورث بالجماع أمّا الحقّ الثّابت فل يورث عند الحنفيّة خلفا للمالكيّة‪.‬‬
‫‪ - 3‬أنّ الحقّ المؤكّد يعتبر مملوكًا في الجملة ‪ ،‬فل يجوز النتفاع به على سبيل الباحة ‪ .‬أمّا‬
‫الحقّ الثّابت فل يعتبر مملوكا ‪.‬‬
‫‪ - 4‬أنّ الحقّ المؤكّد أقرب ما يكون إلى حقّ الملك ‪ ،‬لوجود الشّبه في بعض المور ‪.‬‬
‫أمّا الحقّ الثّابت فأبعد ما يكون عن حقّ الملك ‪ ،‬لعدم وجود الشّبه في أكثر المور ‪ ،‬إن لم‬
‫يكن في كلّها ‪.‬‬
‫ن الحقّ المؤكّد أبعد ما يكون عن حقّ التّملّك ‪.‬‬
‫‪ -5‬أ ّ‬
‫أمّا الحقّ الثّابت فهو قريب من حقّ التّملّك ‪ ،‬لوجود الشّبه في بعض المور ‪.‬‬
‫ويختلف الحقّ المؤكّد عن الملك فيما يأتي ‪ :‬أنّ الحقّ المؤكّد ل يجوز بيعه والتّصرّف فيه من‬
‫ن لصاحبه حقّ المبيع والتّصرّف فيه والنتفاع ‪،‬‬
‫صاحب الحقّ المؤكّد ‪ .‬أمّا حقّ الملك ‪ ،‬فإ ّ‬
‫وغير ذلك من حقوق الملك ‪.‬‬
‫استيفاء الحقّ ‪:‬‬
‫‪ - 52‬تنقسم الحقوق من حيث استيفاؤها إلى ثلثة أقسام ‪:‬‬
‫الوّل ‪ :‬ما ل بدّ فيه من الرّفع إلى القضاء ‪ ،‬باتّفاق الفقهاء ‪ ،‬كتحصيل العقوبات وما يخاف‬
‫من استيفائه الفتنة ‪ ،‬كالحقوق المتعلّقة بالنّكاح واللّعان والطّلق بالعسار والضرار وذلك‬
‫لخطرها وكذلك ما كان من الحقوق مختلفًا في أصل ثبوته ‪.‬‬
‫الثّاني ‪ :‬ما ل يحتاج إلى القضاء باتّفاق الفقهاء ‪ ،‬لتحصيل العيان المستحقّة ‪ ،‬وتحصيل نفقة‬
‫الزّوجة والولد ‪.‬‬
‫الثّالث ‪ :‬ما اختلف في جواز تحصيله من غير قضاء ‪ ،‬كاستيفاء الدّيون ‪.‬‬
‫وانظر مصطلح ( استيفاء ) ‪.‬‬

‫حُقّة *‬
‫التّعريف ‪:‬‬
‫‪ - 1‬الحقّة والحقّ من البل لغ ًة ‪ :‬ما طعن في السّنة الرّابعة ‪ ،‬والجمع حقاق وحقق ‪ .‬وأحقّ‬
‫البعير إحقاقا صار حقّا ‪ .‬وإنّما سمّيت بذلك لنّها استحقّت أن تركب ويحمل عليها ‪ ،‬ولنّها‬
‫استحقّت أن يطرقها الفحل ‪ ،‬واستحقّ الفحل أن يطرق ‪.‬‬
‫ول يخرج استعمال الفقهاء لهذه الكلمة عن هذا المعنى ‪.‬‬
‫اللفاظ ذات الصّلة ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬ابن المخاض وبنت المخاض ‪:‬‬
‫‪ - 2‬ولد النّاقة إذا طعن في السّنة الثّانية سمّي ابن مخاض ‪ ،‬والنثى بنت مخاض ‪ ،‬سمّيت‬
‫به ‪ ،‬لنّ أمّها غالبا تكون مخاضا أي حاملً ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬ابن اللّبون وبنت اللّبون ‪:‬‬
‫‪ - 3‬ابن اللّبون من البل هو ما طعن في الثّالثة ‪ ،‬والنثى بنت لبون ‪ ،‬لنّ أمّهما آن لها أن‬
‫تلد فتصير لبونا أي ذات لبن لخرى غالبا ‪.‬‬
‫ج ‪ -‬الجذع والجذعة ‪:‬‬
‫‪ - 4‬الجذع من البل ما طعن في الخامسة ‪ ،‬والنثى جذعة ‪ .‬وذلك آخر أسنان البل في‬
‫الزّكاة ‪.‬‬
‫الحكم الجماليّ ومواطن البحث ‪:‬‬
‫ت وأربعين من البل إلى ستّين ‪ ،‬وفي إحدى‬
‫‪ - 5‬أجمع الفقهاء على أنّه تجب حقّة في س ّ‬
‫وتسعين حقّتان إلى مائة وعشرين ‪ .‬لما رواه البخاريّ في صحيحه عن أنس ‪ « :‬أنّ أبا بكر‬
‫الصّدّيق رضي ال تعالى عنه أرسل إليه كتاب صدقات النّبيّ صلى ال عليه وسلم وفيه ‪ :‬فإذا‬
‫بلغت ستّا وأربعين إلى ستّين ففيها حقّة طروقة الجمل ‪ .‬فإذا بلغت إحدى وتسعين إلى عشرين‬
‫ومائة ففيها حقّتان طروقتا الجمل » وتفصيل ذلك في كتاب الزّكاة عند الكلم عن زكاة‬
‫البل ‪ ،‬كما تبحث في الدّيات في تغليظ الدّية أو تخفيفها ‪.‬‬

‫حقن *‬
‫انظر ‪ :‬احتقان ‪.‬‬

‫حقنة *‬
‫انظر ‪ :‬احتقان ‪.‬‬

‫حقيقة *‬
‫التّعريف ‪:‬‬
‫‪ - 1‬الحقيقة على وزن فعيلة مشتقّة من الحقّ ‪ ،‬ومن معانيه لغةً الثّبوت ‪ ،‬قال تعالى ‪ { :‬لقد‬
‫حقّ القَولُ على أَك َثرِهمْ } أي ثبت ووجب ‪ .‬وحقيقة الشّيء منتهاه وأصله المشتمل عليه ‪ .‬وفي‬
‫َ‬
‫الصطلح عرّفها أكثر الصوليّين وعلماء البيان ‪ :‬بأنّها الكلمة المستعملة فيما وضعت له في‬
‫اصطلح يقع به التّخاطب بالكلم المشتمل على تلك الكلمة ‪.‬‬
‫ل عليه بغير قرينة ‪.‬‬
‫وعرّفها بعضهم ‪ :‬بأنّها لفظ أريد به ما وضع له ابتداءً بحيث يد ّ‬
‫ل عليه بنفسها ‪.‬‬
‫والمراد من الوضع تعيين اللّفظة بإزاء معنىً تد ّ‬
‫اللفاظ ذات الصّلة ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬المجاز ‪:‬‬
‫‪ - 2‬المجاز اسم لما أريد به غير ما وضع له لمناسبة بينهما ‪ ،‬كتسمية الشّجاع أسدا ‪ ،‬سمّي‬
‫مجازا لنّه جاوز وتعدّى محلّه ومعناه الموضوع له إلى غيره لمناسبة بينهما ‪ ،‬فالمجاز خلف‬
‫ن اللّفظ المستعمل في المعنى المجازيّ خلف لنفس اللّفظ المستعمل في‬
‫عن الحقيقة ‪ ،‬أي أ ّ‬
‫المعنى الحقيقيّ ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬الستعارة ‪:‬‬
‫‪ - 3‬الستعارة عند علماء البلغة ‪ :‬هي ذكر أحد طرفي التّشبيه وإرادة الطّرف الخر بادّعاء‬
‫ص المشبّه به للمشبّه ‪ ،‬كما تقول‬
‫دخول المشبّه في جنس المشبّه به دالّا على ذلك بإثبات ما يخ ّ‬
‫‪ :‬في الحمّام أسد ‪ ،‬وأنت تريد الشّجاع مدّعيا أنّه من جنس السود فيثبت للشّجاع ما يخصّ‬
‫المشبّه به ‪ .‬والستعارة في اصطلح الفقهاء ‪ :‬طلب العارة وهي تمليك المنفعة بل عوض ‪.‬‬
‫( ر ‪ :‬استعارة ) ‪.‬‬
‫ج ‪ -‬الكناية ‪:‬‬
‫‪ - 4‬الكناية في اللّغة بمعنى السّتر ‪ ،‬يقال ‪ :‬كنوت الشّيء وكنّيته أي سترته ‪ ،‬وفي الصطلح‬
‫‪ :‬كلم استتر المراد منه بالستعمال ‪ ،‬وإن كان معناه ظاهرا في اللّغة ‪ ،‬سواء أكان المراد‬
‫منه الحقيقة أم المجاز ‪ .‬فيكون تردّد فيما أريد به ‪ ،‬فل بدّ من ال ّنيّة ‪ ،‬أو ما يقوم مقامها من‬
‫دللة الحال ‪ ،‬كحال مذاكرة الطّلق مثلً في كنايات الطّلق ليزول التّردّد ويتعيّن ما أريد منه‬
‫‪ .‬فبين المجاز والحقيقة عموم وخصوص وجهيّ ‪.‬‬
‫أقسام الحقيقة ‪:‬‬
‫‪ - 5‬الحقيقة ل بدّ لها من وضع ‪ :‬والوضع يأتي من الواضع ‪ ،‬فمتى تعيّن نسبت إليه‬
‫الحقيقة ‪ ،‬فتكون لغويّ ًة إذا كان واضعها أهل اللّغة كلفظ النسان المستعمل في الحيوان النّاطق‬
‫‪ .‬وتكون شرعيّ ًة إذا كان واضعها الشّارع كالصّلة المستعملة في العبادة المخصوصة ‪،‬‬
‫وتكون عرفيّ ًة إذا كان واضعها العرف سواءً أكان عرفا عامّا كالدّابّة لذوات الربع وهي في‬
‫أصل اللّغة لكلّ ما يدبّ على الرض من إنسان أو حيوان ‪ ،‬أم خاصّا ‪ .‬كما لكلّ طائفة‬
‫اصطلحات تخصّهم ‪.‬‬
‫ن استعمال اللّفظ في معنىً قد يكون حقيق ًة باعتبار ‪ ،‬ومجازا باعتبار آخر ‪.‬‬
‫ويظهر من هذا أ ّ‬
‫فلفظ " الصّلة " إذا استعمله أهل الشّرع في العبادة المخصوصة فهو حقيقة فيها ‪ ،‬وهو مجاز‬
‫في الدّعاء ‪ ،‬وإذا استعمله أهل اللّغة فهي حقيقة في الدّعاء ‪،‬ومجاز في الركان المخصوصة‪.‬‬
‫الحكم الجماليّ ‪:‬‬
‫ن الصل في الكلم الحقيقة ‪ ،‬ولمّا كانت الحقيقة‬
‫‪ - 6‬أ ّولً ‪ :‬من القواعد العامّة عند الفقهاء أ ّ‬
‫هي الصل ‪ ،‬والمجاز خلف عنها فل يصرف اللّفظ عن معناه الحقيقيّ إلى المجازيّ إلّ عند‬
‫عدم إمكان المعنى الحقيقيّ بأن كان متعذّرا أو متعسّرا أو مهجورا عادةً ‪.‬‬
‫ولهذه القاعدة فروع منها ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬إذا وقف على أولده ل يدخل فيه ولد ولده إن كان له ولد لصلبه عند الحنفيّة ‪ ،‬وهو‬
‫الصحّ عند الشّافعيّة ورواية عند الحنابلة ‪ ،‬فإن لم يكن له ولد لصلبه استحقّ ولد البن عند‬
‫ل يصار‬
‫الحنفيّة ‪ ،‬لنّ اسم الولد حقيقة في ولد الصّلب ‪ ،‬فإذا أمكن حمله على الحقيقة فبها وإ ّ‬
‫إلى المجاز ‪ .‬وعند المالكيّة ‪ -‬وهو قول عند الحنابلة ‪ -‬يدخل فيه ابن البن ‪ ،‬وعند الشّافعيّة‬
‫يدخل ولد الولد مطلقا حملً على الجمع بين الحقيقة والمجاز ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬لو حلف ل يبيع ‪ ،‬أو ل يشتري ‪ ،‬أو ل يؤجّر أو ل يضرب ولده يحنث بالمباشرة اتّفاقًا‬
‫‪ ،‬وإذا وكّل غيره بهذه العمال فباشرها الوكيل ل يحنث عند جمهور الفقهاء " الحنفيّة‬
‫ل أن يكون مثله ل يباشر ذلك الفعل ‪،‬‬
‫والمالكيّة والشّافعيّة " حملً للّفظ على حقيقته ‪ ،‬إ ّ‬
‫كالسّلطان والقاضي مثلً ‪ ،‬فيحنث بالمباشرة والتّوكيل كليهما ‪.‬‬
‫ن الفعل ينسب إلى‬
‫وعند الحنابلة يحنث ولو فعله بالتّوكيل إلّ أن ينوي مباشرته بنفسه ل ّ‬
‫الموكّل فيه والمر به ‪ ،‬كما لو كان ممّن ل يتولّاه بنفسه ‪.‬‬
‫ج ‪ -‬لو حلف ل يأكل من هذه الشّاة حنث بالكل من لحمها ‪ ،‬لنّه الحقيقة دون لبنها ونتاجها‬
‫لنّه مجاز ‪ ،‬وهذا عند الحنفيّة والشّافعيّة ‪.‬‬
‫وقال المالكيّة ‪ :‬يحنث بكلّ فرع نشأ عن الصل إذا حلف بالمتناع عن الكل منه ‪ ،‬سواء‬
‫تقدّم فرع المحلوف عليه عن اليمين أو تأخّر عنها ‪ ( .‬ر ‪ :‬أيمان ) ‪.‬‬
‫‪ - 7‬ثانيا ‪ :‬تكميلً للقاعدة السّابقة توجد قاعدتان أخريان ‪:‬‬
‫الولى ‪ :‬إذا تعذّرت الحقيقة يصار إلى المجاز ‪ .‬ولهذه القاعدة أيضا فروع منها ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬لو أقرّ من ل وارث له لمن ليس من نسبه وأكبر منه سنّا بأنّه ابنه ووارثه ثمّ توفّي المقرّ‬
‫فبما أنّه ل يمكن حمل كلمه هذا على معناه الحقيقيّ فيصار إلى المجاز ‪ ،‬وهو معنى الوصيّة‬
‫‪ ،‬ويأخذ المقرّ له جميع التّركة ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬إذا حلف ل يأكل من هذه الشّجرة ‪ ،‬وكانت ممّا ل يؤكل عينها حنث بأكل ثمرها إذا‬
‫كان لها ثمر ‪ ،‬وإلّ فبالكل من ثمنها " أو أيّ عوض عنها " ‪ ،‬وذلك لتعذّر الحقيقة ‪ ،‬كما‬
‫صرّح به الفقهاء ‪.‬‬
‫الثّانية ‪ :‬الحقيقة تترك بدللة العادة ‪ ،‬ومن فروعها ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬لو حلف ل يدخل قدمه في دار فلن فإنّه صار مجازا عن الدّخول مطلقا حافيا أو‬
‫منتعلً ‪ ،‬أو راكبا ‪ ،‬حتّى لو وضع قدمه في الدّار وهو خارج البيت ولم يدخل ل يحنث ‪ ،‬ولو‬
‫ن المعنى الحقيقيّ مهجور بدللة العادة ‪.‬‬
‫دخل راكبا ولم يضع قدمه يحنث ‪ ،‬وذلك ل ّ‬
‫ب ‪ -‬من حلف ل يأكل هذه القدر تنعقد اليمين على ما يوجد في القدر ل على عين القدر فإنّ‬
‫المعنى الحقيقيّ أي أكل عين القدر محال في العادة فتترك الحقيقة ويراد المجاز بعلقة ذكر‬
‫المحلّ وإرادة الحال ‪ .‬هذا ‪ ،‬وقد يتعذّر المعنى الحقيقيّ والمجازيّ معا فل يمكن إعمال الكلم‬
‫فيهمل ‪ ،‬كما لو أقرّ لزوجته الّتي هي من نسب آخر معروف وأكبر منه سنّا بأنّها ابنته فل‬
‫يمكن حمل كلمه هذا على معنًى حقيقيّ لنّها معروفة النّسب وأكبر منه سنّا ‪ ،‬ول على‬
‫المعنى المجازيّ أي معنى الوصيّة لكونها وارثةً له ول وصيّته لوارثها فيهمل كلمه ‪.‬‬
‫‪ - 8‬ثالثا ‪ :‬ل يجوز الجمع في لفظ واحد بين المعنى الحقيقيّ والمجازيّ في الرادة عند‬
‫جمهور الصوليّين ‪ ،‬كما في قولك ‪ :‬رأيت أسدا وتريد الحيوان المفترس والرّجل الشّجاع معًا‬
‫‪ ،‬وذلك لما فيه من الجمع بين المتنافيين حيث أريد باللّفظ كلّ من الموضوع له وغير‬
‫ن المجاز خلف للحقيقة ‪.‬‬
‫الموضوع له معا ‪ .‬ولهذا صرّحوا بأ ّ‬
‫وأجاز الشّافعيّة الجمع بين الحقيقة والمجاز بأن يراد من اللّفظ في إطلق واحد هذا وذاك ‪،‬‬
‫إلّ إذا لم يمكن الجمع بينهما عقلً ‪.‬‬
‫ي شامل للحقيقيّ وغيره ‪.‬‬
‫ول خلف في جواز عموم المجاز وهو إرادة معنًى مجاز ّ‬
‫وتفصيله في الملحق الصوليّ ‪ .‬هذا ولهذه القواعد فروع كثيرة في الوصايا واليمان والنّذور‬
‫والوقف تنظر أحكامها في مظانّها من كتب الفقه ‪.‬‬

‫حكر *‬
‫التّعريف ‪:‬‬
‫‪ - 1‬الحكر لغ ًة ‪ :‬السم من الحكر بفتح الحاء وسكون الكاف ‪ ،‬وهو في الصل الظّلم‬
‫والتّنقّص ‪ ،‬والعسر ‪ ،‬واللتواء ‪ .‬ومنه رجل حكر وهو من يدخل على غيره المشقّة في‬
‫ل فيغلو ‪ .‬والسم منه الحكر‬
‫معاشرته ومعايشته ‪ ،‬والحتكار ‪ :‬أن يشتري الطّعام ويحبسه ليق ّ‬
‫والحكرة ‪ .‬وفي القاموس وشرحه ‪ :‬الحكر اللّجاجة والعسر ‪ ،‬والستبداد بالشّيء ‪ ،‬أي‬
‫الستقلل وأصل الحكرة الجمع والمساك ‪.‬‬
‫ي مستدركا له على القاموس ‪ ،‬فقال ‪ :‬الحكر بالكسر‬
‫أمّا الحِكر بالكسر فقد انفرد بذكره الزّبيد ّ‬
‫ما يجعل على العقارات ‪ ،‬ويحبس ‪ ،‬مولّدة ‪.‬‬
‫وفي اصطلح الفقهاء يطلق على ثلثة معان ‪:‬‬
‫الوّل ‪ :‬الجرة المقرّرة على عقار محبوس في الجارة الطّويلة ونحوها ‪ .‬ومن هذا‬
‫الستعمال ما قال ابن نجيم ‪ :‬من بنى في الرض الموقوفة المستأجرة مسجدا وقفه للّه تعالى‬
‫فإنّه يجوز ‪ ،‬وإذا جاز فعلى من يكون حكره ؟ الظّاهر أنّه يكون على المستأجر ما دامت‬
‫المدّة باقيةً فإذا انقضت ينبغي أن يكون في بيت المال ‪.‬‬
‫وفي فتاوى عليش " من استولى على الخلوّ يكون عليه لجهة الوقف أجرة للّذي يئول إليه‬
‫الوقف يسمّى عندنا بمصر حكرًا لئلّ يذهب الوقف باطلً ‪.‬‬
‫الثّاني ‪ :‬أن يطلق على العقار المحتكر نفسه فيقال ‪ :‬هذا حكر فلن ‪.‬‬
‫الثّالث ‪ :‬أن يطلق على الجارة الطّويلة والغالب أن يسمّى هذا النّوع الحتكار ‪.‬‬
‫والستحكار بمعنى الستئجار إجارةً طويلةً ‪ ،‬ويسمّى " التّحكير أو الحكار " بمعنى اليجار‬
‫أو التّأجير ‪ .‬قال ابن عابدين ‪ :‬الحتكار إجارة يقصد بها منع الغير واستبقاء النتفاع بالرض‬
‫‪ .‬وفي الفتاوى الخيريّة ‪ :‬الستحكار عقد إجارة يقصد به استبقاء الرض للبناء ‪ ،‬أو‬
‫الغرس ‪ ،‬أو لحدهما ‪ .‬ويكون في الدّار والحانوت أيضا ‪.‬‬
‫ومراد ابن عابدين بقوله يقصد بها منع الغير أي منع الغير من المنافسة فيما لو أوجرت‬
‫الرض أجارةً قصير ًة وانتهت المدّة ‪ .‬فمن يستأجرها إجارةً طويل ًة يأمن من المنافسة ويمنعها‬
‫‪ ،‬ومن هنا أخذ هذا الصطلح وهو الحتكار لنّه يئول في معانيه اللّغويّة إلى المنع‪.‬‬
‫اللفاظ ذات الصّلة ‪:‬‬
‫‪ - 2‬أ ‪ -‬الخلوّ ‪ :‬هو المنفعة الّتي يملكها المستأجر لعقار الوقف مقابل مال يدفعه لناظر‬
‫الوقف لتعميره إذا تخرّب ولم يوجد ما يعمّره به ‪ ،‬ويكون عليه لجهة الوقف أجرة معلومة‬
‫عن باقي المنفعة تسمّى حكرا ‪.‬‬
‫‪ - 3‬ب ‪ -‬الجرة ‪ :‬وهي أع ّم من الحكر ‪.‬‬
‫‪ - 4‬ج ‪ -‬الجارة الطّويلة ‪ :‬وهو اصطلح عند الحنفيّة وغيرهم وهو أعمّ من الحتكار إذ‬
‫الحتكار يقصد به استئجار الرض المدّة الطّويلة للبناء ‪ ،‬أو الغرس ‪ ،‬أو أحدهما كما تقدّم في‬
‫كلم ابن عابدين ‪ ،‬والجارة الطّويلة ل يشترط فيها أن تكون لهما ‪ ،‬بل قد تكون للزّرع‬
‫ولسائر أنواع استعمالت الرض ‪ .‬وتكون في غير الرض أيضًا كالمساكن واللت وغيرها‬
‫‪.‬‬
‫أقسام الحكر ‪:‬‬
‫‪ - 5‬الحكر يكون في الوقاف وهو الغلب وفي غيرها وهي الملك الخاصّة ‪ ،‬وهو ما‬
‫يجري عليه كلم الرّمليّ وابن عابدين ‪ ،‬إذ أطلقا تعريف الحتكار عن قيد الوقف كما تقدّم ‪.‬‬
‫وصرّح بذلك ابن عابدين في منحة الخالق حيث قال ‪ :‬الرض المقرّرة للحتكار أعمّ من أن‬
‫ن أكثر كلم الفقهاء في شأن الحكر ينصبّ على الحكر في الوقاف‬
‫تكون ملكا أو وقفا ‪ .‬إلّ أ ّ‬
‫ل نادرا ‪ ،‬ولذا عرّفه صاحب قانون العدل والنصاف بأنّه‬
‫ول يتعرّضون للحكر في الملك إ ّ‬
‫استبقاء الرض الموقوفة مقرّرةً للبناء أو الغراس أو أحدهما ‪.‬‬
‫ومن أجل ذلك سيقتصر الكلم فيما يلي على الحكر في الوقاف ‪ ،‬لنّ الحكر في الملك‬
‫تجري أحكامه بحسب صيغة التّعاقد من حيث مقدار المدّة والجرة وغير ذلك كما سترد‬
‫الشارة إليه ‪.‬‬
‫حكم الجارة الطّويلة في الوقاف ‪:‬‬
‫ن المالك يصنع في ملكه ما يشاء ‪.‬‬
‫‪ - 6‬الصل في الجارة الطّويلة في الملك أنّها جائزة ل ّ‬
‫ونقل الحنفيّة التّصريح بذلك عن محمّد بن الحسن ‪ .‬أمّا في الوقاف فقد اختلف فيها ‪:‬‬
‫فذهب الحنفيّة والمالكيّة إلى عدم جوازها فيما زاد على ثلث عند الحنفيّة وأربع عند المالكيّة‬
‫في الجملة ‪ ،‬وذهب الشّافعيّة والحنابلة إلى جوازها على التّفصيل التّالي ‪:‬‬
‫‪ - 7‬فذهب الحنفيّة إلى أنّه إن كان الواقف شرط أن يؤجّر أكثر من سنة يجوز شرطه ل‬
‫محالة ‪ ،‬وإن كان شرط أن ل يؤجّر أكثر من سنة يجب مراعاة شرطه ل محالة ‪.‬‬
‫وإن كان لم يشترط شيئا فالمنقول عن مشايخ الحنفيّة أنّه ل تجوز أكثر من سنة واحدة ‪ ،‬وقال‬
‫الفقيه أبو جعفر ‪ :‬أنا أجوّز في ثلث سنين ول أجوّز فيما زاد على ذلك ‪ ،‬والصّدر الشّهيد‬
‫حسام الدّين كان يقول ‪ :‬في الضّياع " أي الراضي الزّراعيّة " نفتي بالجواز في ثلث سنين‬
‫إلّ إذا كانت المصلحة في عدم الجواز ‪ ،‬وفي غير الضّياع نفتي بعدم الجواز فيما زاد عن‬
‫ل إذا كانت المصلحة في الجواز ‪ ،‬وهذا أمر يختلف باختلف الزّمان والموضع ‪.‬‬
‫سنة واحدة إ ّ‬
‫ح الجارة وتفسخ ‪ .‬وأطلق بعض‬
‫قال صاحب الدّرّ ‪ :‬فلو آجرها المتولّي أكثر من ذلك لم تص ّ‬
‫الحنفيّة المنع فيما زاد على ثلث سنين في الرض وسنة في غيرها كما صنع صاحب تنوير‬
‫البصار ‪.‬‬
‫ل سنة ل يؤجّرها أكثر من سنة وإن كانت‬
‫وقال الخصّاف ‪ :‬إن كانت الرض تزرع في ك ّ‬
‫ل ثلث ل تؤجر أكثر من ثلث‬
‫تزرع في كلّ سنتين مرّ ًة ل تؤجّر أكثر من سنتين ‪ ،‬أو في ك ّ‬
‫‪.‬‬
‫وإنّما جرت الفتيا عند الحنفيّة بذلك صيانةً للوقاف عن دعوى الملكيّة بطول المدّة قالوا ‪ :‬لنّ‬
‫المدّة إذا طالت تؤدّي إلى إبطال الوقف ‪ ،‬فإنّ من رآه يتصرّف فيها تصرّف الملّاك على‬
‫طول الزّمان متواليًا ول مالك يعارض ويزاحم ‪ -‬ومال الوقف مال ضائع لعدم المطالب‬
‫المهتمّ ‪ -‬يظنّه الرّائي بتصرّفه الدّائم مالكًا ‪ ،‬ويشهد له بالملك إذا ادّعاه ‪ .‬ول مصلحة للوقف‬
‫في أمر يدعو إلى هذا الضّرر ‪ .‬ومن أجل ذلك جرت الفتيا عند الحنفيّة على إلحاق أرض‬
‫اليتيم بأرض الوقف في هذا الحكم ‪ ،‬فل تؤجّر أكثر من ثلث سنين ‪ .‬وألحق بعضهم بذلك‬
‫أيضا أراضي بيت المال ‪ ،‬نقله ابن عابدين عن حاشية الرّمليّ ووافقه صاحب الفتاوى‬
‫الحامديّة ‪ .‬وفي قول متقدّمي الحنفيّة ‪ :‬يجوز إجارة الوقف للمدد الطّويلة ‪.‬‬
‫غير أنّ المفتى به عند الحنفيّة قول المتأخّرين المذكور أ ّولً وهو التّوقيت ‪.‬‬
‫قال ابن عابدين ‪ :‬وإنّما عدل المتأخّرون عن قول المتقدّمين بسبب الخوف على الوقف ‪.‬‬
‫ثمّ إن آجر النّاظر الوقف أكثر من ثلث سنين فقد اختلف قول الحنفيّة ‪ :‬فقال بعضهم ل يجوز‬
‫‪ ،‬وقال بعضهم يرفع إلى القاضي حتّى يبطله ‪ ،‬وبه أخذ الفقيه أبو اللّيث ‪.‬‬
‫ورأى بعض الحنفيّة أنّه مع ذلك إن احتاج القيّم أن يؤجّر الوقف إجارةً طويلةً فالحيلة له في‬
‫ذلك أن يعقد عقودا ‪ ،‬فيكتب ‪ :‬استأجر فلن بن فلن ثلثين عقدا مثلً ‪ ،‬كلّ عقد على سنة ‪،‬‬
‫من غير أن يكون بعضها شرطا في بعض ‪ ،‬فيكون العقد الوّل لزما لنّه ناجز ‪ ،‬وما بعده‬
‫ل يلزم ‪ ،‬لنّه مضاف ‪ ،‬وإنّما تلزم كلّ سنة إذا دخلت ‪.‬‬
‫‪ -8‬وعند المالكيّة كذلك ل يجوز كراء الوقف المدّة الطّويلة ‪ ،‬قال الحطّاب ‪ :‬الحبس إن كان‬
‫على معيّنين كبني فلن ‪ ،‬فللنّاظر أن يكريه سنتين أو ثلث سنين ‪ ،‬ول يكريه أكثر من ذلك ‪،‬‬
‫فإن وقع الكراء في السّنين الكثيرة فعثر على ذلك وقد مضى بعضها فإن كان الّذي بقي يسيرًا‬
‫كالشّهر والشّهرين لم يفسخ ‪ ،‬وإن كان أكثر من ذلك فسخ ‪.‬‬
‫ونقل الحطّاب عن البرزليّ عن نوازل ابن رشد في وقف أكري خمسين عاما ‪ ،‬إن وقع‬
‫الكراء لهذه المدّة على النّقد " أي تعجيل الجرة " فسخ ‪ ،‬وفي جوازه على غير النّقد قولن ‪:‬‬
‫الصّحيح منهما عندي المنع ‪ .‬ا هس ‪.‬‬
‫ثمّ قال الحطّاب ‪ :‬أمّا الحبس على المساجد والمساكين وشبهها فل يكريها النّاظر لكثر من‬
‫أربعة أعوام إن كانت أرضا ‪ ،‬ول أكثر من عام إن كانت دارًا ‪ ،‬وهو عمل النّاس ‪ ،‬ومضى‬
‫عليه عمل القضاة ‪ ،‬فإن أكرى أكثر من ذلك مضى إن كان نظرا ( أي مصلحةً ) ‪ ،‬ول‬
‫يفسخ‪ .‬وعلّلوا لمنع الجارة الطّويلة في الوقف بمثل ما علّل به الحنفيّة ‪ ،‬قالوا ‪ :‬لخوف‬
‫اندراسه إذا طال مكثه بيد مكتريه ‪.‬‬
‫‪ -9‬وعند الشّافعيّة يجوز أن تؤجّر العين إلى مدّة تبقى إليها غالبا ‪ -‬ما لم يخالف شرط‬
‫الواقف ‪ -‬فتؤجّر الرض مائة سنة أو أكثر ‪ -‬قال القليوبيّ ‪ :‬سواء الملك والوقف ‪ -‬وتؤجّر‬
‫الدّار ثلثين سنةً ‪ ،‬والثّوب سن ًة أو سنتين ‪ .‬وفي قول ‪ :‬ل يزاد على سنة ‪.‬‬
‫وقال ابن حجر الهيتميّ ‪ :‬إنّما يجري ذلك ‪ -‬أي الجارة الطّويلة ‪ -‬في الوقف إن وقع على‬
‫وفق الحاجة والمصلحة لعين الوقف ‪ ،‬واصطلح الحكّام على أنّه ل يؤجّر أكثر من ثلث‬
‫سنين ‪ ،‬لئلّ يندرس استحسان منهم ‪ .‬قال ‪ :‬وإنّما اشترطنا ذلك لفساد الزّمان بغلبة الستيلء‬
‫ن شرط إجارة الوقف أن يكون بأجرة المثل ‪ ،‬وتقويم المدّة‬
‫على الوقف عند طول المدّة ‪ ،‬ول ّ‬
‫المستقبلة البعيدة صعب ‪ -‬أي لتغيّر السعار وطروء الرّغبات غالبًا ‪ -‬قال ‪ :‬وأيضا ففيها منع‬
‫النتقال إلى البطن الثّاني ‪ ،‬وضياع الجرة عليهم إذا كانت معجّلةً ‪ .‬وأطال في بيان ذلك في‬
‫فتاواه الكبرى الفقهيّة ‪ ،‬وبيّن أنّ قضاة الشّافعيّة مالوا في ذلك إلى مذهب أبي حنيفة لنّه‬
‫ن مجرّد زيادة الجرة على أجرة المثل ل‬
‫أحوط ‪ .‬ونقله عن السّبكيّ وغيره ‪ .‬وبيّن أيضا أ ّ‬
‫يسوّغ الجارة الطّويلة في الوقف ‪ .‬وقال ‪ :‬وألحقوا بأرض الوقف في ذلك أرض اليتيم ‪.‬‬
‫‪ - 10‬ومذهب الحنابلة ‪ ،‬أنّ الجارة الطّويلة جائزة ‪ ،‬على الصل في الجارة إذا كانت في‬
‫المدّة الّتي تبقى إليها العين غالبا وإن كثرت ‪.‬‬
‫حدَى ا ْب َن َتيّ هَا َتيْنِ‬
‫ن أُن ِكحَكَ ِإ ْ‬
‫واستدلّ ابن قدامة لهذا الصل بقول اللّه تعالى ‪ { :‬قَالَ ِإنّي ُأرِي ُد أَ ْ‬
‫حجَجٍ } قال ‪ :‬وشرع من قبلنا شرع لنا ما لم يقم على نسخه دليل ‪.‬‬
‫ج َرنِي َثمَا ِنيَ ِ‬
‫عَلَى أَن َت ْأ ُ‬
‫قال ابن قدامة ‪ :‬لنّ ما جاز لسنة جاز لكثر منها ‪،‬والتّقدير بسنة أو ثلث تحكّم ل دليل‬
‫ن ذلك يجري في الوقف ‪ ،‬قال ‪ :‬إن كان الوقف على‬
‫عليه‪ .‬وقد صرّح ابن تيميّة في فتاويه بأ ّ‬
‫جهة عامّة جازت إجارته بحسب المصلحة ول يتوقّف ذلك بعدد ‪ .‬وكذلك قال صاحب مطالب‬
‫أولي النّهى ونسبه إلى الرّعاية والمغني ‪،‬وأنّهم قالوا ‪ :‬بل الوقف أولى أي بجواز الجارة‬
‫الطّويلة‪ .‬وابن القيّم من الحنابلة بيّن مفاسد الجارة الطّويلة في الوقف كما بيّنها أصحاب‬
‫المذاهب الخرى ‪ ،‬لكن لم يصرّح ببطلنها حيث لم يشترط الواقف امتناعها ‪.‬‬
‫امتناع الجارة الطّويلة في الوقف إذا اشترط الواقف ذلك ‪:‬‬
‫‪ - 11‬إذا شرط الواقف منع تأجير الوقف أكثر من مدّة معيّنة وجب التّقيّد بشرطه اتّفاقا ‪ ،‬لكن‬
‫إذا اقتضت ضرورة إبقاء عين الوقف إلى إجارته م ّدةً أكثر ممّا شرطه جاز كما يأتي ‪.‬‬
‫وأجاز بعض الحنفيّة والشّافعيّة أن يحتال النّاظر على هذا الشّرط ‪ ،‬والحيلة الّتي ذكروها أن‬
‫يؤجّره النّاظر ويكتب في عقد اليجار أنّه آجره عقودا متلحق ًة ‪ ،‬ستّين عقدا مثلً ‪ ،‬كلّ عقد‬
‫ل سنة كذا وكذا ‪.‬‬
‫لسنة ‪ ،‬وأجرة ك ّ‬
‫وقد أفتى بعض الحنفيّة والشّافعيّة بجواز هذه الحيلة أخذا بأنّها ل تخالف لفظ الواقف ‪ ،‬ومن‬
‫هؤلء قاضي خان من الحنفيّة ‪ ،‬والشّيخ زكريّا النصاريّ ‪ ،‬وابن الستاذ ‪ ،‬وصاحب النوار‬
‫من الشّافعيّة ‪ .‬وأفتى بعضهم بأنّها ل تفيد ‪ ،‬نظرا إلى المعنى وأنّ هذه العقود المتلحقة هي‬
‫بمعنى عقد واحد ‪ .‬ومن هؤلء الفقيه أبو جعفر من الحنفيّة وابن الصّلح من الشّافعيّة قال في‬
‫الفتاوى الهنديّة ‪ :‬والفتوى على قول أبي جعفر قال ابن حجر ‪ :‬والمرجّح صحّة هذه الحيلة‬
‫ن من تأمّل كلم أهل المذهب وتفاريعهم وجدهم في الغالب يرجّحون ما كان أقرب إلى لفظ‬
‫لّ‬
‫الواقف على ما هو أقرب إلى غرضه دون لفظه قال ‪ :‬ولذا اعتمده المحقّقون ‪.‬‬
‫ل هذا ما لم ينصّ الواقف على امتناع هذه الحيلة ‪ ،‬فإن منعها امتنعت اتّفاقا ‪.‬‬
‫وك ّ‬
‫حكم التّحكير في الوقف وشروط جوازه ‪:‬‬
‫ن التّحكير في الوقف مختلف فيه بين الفقهاء على أقوال ‪:‬‬
‫‪ - 12‬يتبيّن ممّا تقدّم أ ّ‬
‫القول الوّل وعليه الكثرون ‪ :‬إنّه جائز ‪ ،‬سواء اشترط الواقف منعه أم لم يشترط ‪ ،‬ولكن لمّا‬
‫كان فيه ضرر على أرض الوقف لنّه يغلّ يد الواقف أو النّاظر في التّصرّف في الرض ‪،‬‬
‫واستغللها لم يجيزوه إلّ بشروط ‪:‬‬
‫أ ّولً ‪ :‬أن يكون الوقف قد تخرّب وتعطّل انتفاع الموقوف عليهم به بالكّليّة ‪.‬‬
‫ثانيا ‪ :‬أن ل يكون للوقف حاصل يعمّر به ‪.‬‬
‫ثالثا ‪ :‬أن ل يوجد من يقرض الوقف القدر المحتاج إليه بأقلّ من أجر تلك المدّة ‪.‬‬
‫واشترط الحنفيّة أيضًا أن ل يمكن استبدال الوقف بعقار ذي ريع ‪.‬‬
‫فإذا وجدت هذه الشّروط جاز إيجار الوقف مدّةً طويلةً لمن يبنيه ‪ ،‬أو يغرس الرض ‪ ،‬لنّه‬
‫تعيّن طريقًا للنتفاع بالوقف ‪ ،‬ولم ينظر أصحاب هذا القول إلى احتمال تملّك الوقف لنّه‬
‫موهوم فل ينظر إليه عند وجود الضّرر المتحقّق ‪.‬‬
‫ل أنّه إن كان الواقف‬
‫القول الثّاني ‪ :‬إنّه جائز مطلقا ‪ ،‬وهو قول الحنابلة وجمهور الشّافعيّة ‪ ،‬إ ّ‬
‫قد منع الجارة الطّويلة امتنع إلّ إذا حصلت الشّروط المذكورة في القول الوّل ‪ .‬القول‬
‫ي والزّركشيّ ‪.‬‬
‫الثّالث ‪ :‬قول بعض الشّافعيّة إنّه ممنوع مطلقا ‪ ،‬ومن هؤلء الذرع ّ‬
‫الحكر على الوقف الّذي فيه الخلوّ ‪:‬‬
‫‪ - 13‬إذا أنشأ النّاظر خلوّا على وقف بمال أخذه من إنسان ليعمّر به الوقف حيث ل مال‬
‫يعمّر به ‪ ،‬على أن يكون جزء من منفعة الوقف مملوكا لدافع المال ‪ ،‬فذلك الجزء الّذي باعه‬
‫ن ذلك يؤدّي إلى بطلن‬
‫يملكه دافع المال ‪ ،‬ويسمّى الخلوّ ‪ ،‬ول يجوز بيع كلّ المنفعة ل ّ‬
‫الوقف ‪ .‬ويجعل على مالك الخلوّ حكر دائم عن الجزء الّذي لم يملكه من المنفعة ‪ ،‬يدفع‬
‫للنّاظر حقّا ‪ .‬للجهة المستحقّة في الوقف ‪ ،‬قال الشّيخ عليش ‪ :‬من استولى على الخلوّ يكون‬
‫ل يذهب الوقف‬
‫عليه لجهة الوقف أجرة للّذي يئول إليه الوقف يسمّى عندنا بمصر حكرا لئ ّ‬
‫باطلً ‪ .‬ويراجع التّفصيل في مصطلح ‪ ( :‬خلوّ ) ‪.‬‬
‫من يجوز منه التّحكير ‪:‬‬
‫‪ - 14‬التّحكير إذا تمّت شروطه يجوز ممّن له ولية إجارة الوقف وهو النّاظر فل يملكها‬
‫الموقوف عليه إلّ إن كان موّلىً على ذلك من قبل الواقف ‪ ،‬أو مأذونا ممّن له ولية الجارة‬
‫من ناظر أو قاض ‪ ،‬وكذلك ولية قبض الجرة للنّاظر ل للموقوف عليه ما لم يأذن له النّاظر‬
‫بقبضها ‪.‬‬
‫المدّة في التّحكير ‪:‬‬
‫‪ - 15‬التّحكير نوع من الجارة ‪ ،‬والشّرط في الجارة من حيث الصل العلم بالمدّة ابتداءً‬
‫وانتهاءً ‪.‬‬
‫ن الحكار‬
‫ي من المالكيّة ‪ :‬جرى العرف عندنا بمصر أ ّ‬
‫أمّا في التّحكير ‪ :‬فقد قال العدو ّ‬
‫مستمرّة للبد وإن عيّن فيها وقت الجارة مدّةً ‪ ،‬فهم ل يقصدون خصوص تلك المدّة ‪،‬‬
‫والعرف عندنا كالشّرط ‪ ،‬فمن احتكر أرضا مدّةً ومضت فله أن يبقى وليس للمتولّي أمر‬
‫الوقف إخراجه ‪.‬‬
‫نعم إن حصل ما يدلّ على قصد الخراج بعد المدّة وأنّها ليست على البد فإنّه يعمل بذلك ‪.‬‬
‫وكذلك عند الحنفيّة فإنّه يثبت للمحتكر حقّ القرار إذا وضع بناءه في الرض ويستمرّ ما دام‬
‫أسّ بنائه قائمًا فيها ‪ ،‬فل يكلّف برفع بنائه ‪ ،‬ول بقلع غراسه ما دام يدفع أجرة المثل المقرّرة‬
‫على ساحة الرض المحتكرة ‪.‬‬
‫ويشترط أيضا لبقاء المحتكر بأجرة المثل أن ل يكون فيه ضرر على الوقف ‪ ،‬فإن كان فيه‬
‫ضرر بأن يخاف منه على رقبة الرض يفسخ القاضي الجارة ‪ ،‬ويخرجه من يده ‪ ،‬وكذا إن‬
‫كان هو أو وارثه مفلسا ‪ ،‬أو سيّئ المعاملة ‪ ،‬أو متغلّبا يخشى على الوقف منه أو غير ذلك‬
‫من أنواع الضّرر ‪.‬‬
‫مقدار الجرة في الستحكار للوقف ‪:‬‬
‫‪ - 16‬اتّفق الفقهاء على أنّ العين الموقوفة إذا رغب في إجارتها ‪ ،‬فإنّها تؤجّر بأجرة المثل‪.‬‬
‫ثمّ اختلفوا في تحكير الوقف بأقلّ من أجرة المثل ‪.‬‬
‫قال الحنفيّة ‪ :‬إنّه ل يجوز لمن له حقّ إجارة الوقف أن يؤجّره بأقلّ من أجرة المثل حتّى لو‬
‫كان المؤجّر هو النّاظر في حال كونه المستحقّ وحده للجرة كلّها ‪.‬‬
‫ن النّاظر إذا كان عالمًا بأجرة المثل ‪ ،‬وآجر الموقوف بأقلّ منها فإنّ ذلك يعدّ‬
‫وفي البحر ‪ :‬أ ّ‬
‫خيانةً ‪ .‬وأمّا إذا كان النّقصان يسيرا بما يتغابن النّاس بمثله جاز ‪ ،‬لنّه ممّا يتسامح به ‪ ،‬وتنفذ‬
‫الجارة معه ‪ ،‬سواء أكان المستأجر هو المستحقّ في الوقف ‪ ،‬أم كان أجنبيّا ‪.‬‬
‫ويفرّق الشّافعيّة والحنابلة بين أن يؤجّر المتولّي العين الموقوفة على غيره ‪ ،‬والعين الموقوفة‬
‫عليه ‪.‬‬
‫ففي الحالة الولى ‪ :‬ل يجوز له أن يؤجّرها بأقلّ من أجرة المثل ‪.‬‬
‫أمّا في الحالة الثّانية ‪ :‬فإنّ ذلك له ‪ ،‬قياسا أولويّا على صحّة العارة منه ‪ ،‬كما هو عند‬
‫الشّافعيّة ‪ ،‬وباعتبار انتقال ملكيّة المنافع للموقوف عليه عند الشّافعيّة والحنابلة ‪.‬‬
‫ما يترتّب على التّحكير بغبن فاحش ‪:‬‬
‫ن ناظر الوقف إذا آجر الوقف بأقلّ من أجرة المثل وبغبن فاحش‬
‫‪ - 17‬ذهب الحنفيّة إلى أ ّ‬
‫يترتّب عليه فساد عقد الجارة ‪ .‬هذا ‪ ،‬وإذا كانوا قد اتّفقوا على فساد العقد ‪ ،‬فإنّهم اختلفوا في‬
‫النّتائج الّتي تترتّب على ذلك ‪ ،‬فقال الخصّاف ‪ :‬إن استغلّها فعليه أجر المثل ‪ ،‬لنّ المتولّي‬
‫أبطل بالتّسمية ما زاد على المسمّى إلى تمام أجر المثل ‪ ،‬وهو ل يملكه ‪ ،‬فيجب أجر المثل ‪،‬‬
‫كما لو آجر من غير تسمية أجر ‪ .‬أمّا إذا لم يستغلّها ‪ ،‬كالدّار يقبضها ول يسكنها ‪ ،‬فهو يرى‬
‫أنّه ل أجر عليه ‪ ،‬لنّ أجر المثل ل يلزمه في الجارة الفاسدة ‪ ،‬بل ل بدّ من استعمال العين‬
‫الموقوفة المؤجّرة ‪ ،‬كي يجب أجر المثل عليه ‪.‬‬
‫ل حال ‪.‬‬
‫وقال صاحب السعاف وابن عابدين ‪ :‬إنّ الفتوى على أنّه يجب أجر المثل على ك ّ‬
‫ويرى المالكيّة أنّ النّاظر إذا أكرى العين الموقوفة بأقلّ من أجرة المثل ضمن تمام أجرة‬
‫ل رجع على المستأجر ‪ ،‬لنّه مباشر ‪.‬‬
‫المثل إن كان مليّا ‪ ،‬وإ ّ‬
‫وقال الحنابلة بصحّة عقد الجارة إذا آجر النّاظر العين الموقوفة بأقلّ من أجر المثل ‪ ،‬حتّى‬
‫إذا صاحب هذه الجارة غبن فاحش ‪ ،‬فعلى النّاظر ضمان النّقص في الجرة فيما ل يتغابن‬
‫به في العادة ‪ ،‬إذا كان النّاظر غير المستحقّ في الوقف ‪ ،‬أمّا إذا كان النّاظر هو المستحقّ‬
‫الوحيد في الوقف فالظّاهر أنّه ل يضمن ‪.‬‬
‫زيادة أجرة المثل في أثناء المدّة أو بعدها ‪:‬‬
‫‪ - 18‬يرى فقهاء الحنفيّة أنّه إذا زادت أجرة مثل عقار الوقف المستحكر زيادةً فاحشةً ‪ ،‬فإن‬
‫كانت الزّيادة بسبب البناء والعمارة الّتي أقامها المستحكر فيها فل تلزمه الزّيادة ‪ ،‬وإن كانت‬
‫زيادة أجرة الرض من نفسها لكثرة رغبات النّاس في الصّقع ( أي الموقع ) تلزمه الزّيادة‬
‫إتمامًا لجر المثل ‪ .‬فإن أبى استئجارها بذلك ينظر ‪ ،‬فإن كانت الرض لو رفعت منها‬
‫العمارة ل تستأجر بأكثر من الجرة المقرّرة تترك في يد المحتكر بذلك الجر لعدم الضّرر‬
‫على الجانبين ‪ .‬وإن كانت تستأجر بأكثر منها ولم يرض بالزّيادة يجبر على رفع بنائه ‪ .‬على‬
‫ما يأتي ‪ :‬وهذا إن كانت زيادة المثل في أثناء مدّة الجارة ‪ ،‬قال ابن عابدين ‪ :‬لنّه قد عرض‬
‫في أثناء المدّة ما يسوّغ الفسخ وهو الزّيادة العارضة في الجرة ‪.‬‬
‫أمّا إن فرغت المدّة فإن لم يكن للمستأجر في الرض غراس أو بناء قائم فعلً ‪ ،‬فليس هو‬
‫ق القرار ‪ .‬وإن كان له فيها بناء أو غراس فهو أولى من غيره‬
‫أحقّ بالجارة إذ ل يكون له ح ّ‬
‫بأجرة المثل ‪ ،‬فإن لم يرض أن يدفع أجرة المثل يؤمر برفع البناء ‪.‬‬
‫ل هذا إذا كان الحكر في أرض الوقف ‪ ،‬أمّا في الراضي غير الموقوفة إذا زاد أجر المثل‬
‫وك ّ‬
‫في مدّة العقد فللمستحكر أن يتمسّك بالعقد ويرفض الزّيادة ‪ .‬ثمّ إنّ المالك أحقّ بعقاره بعد‬
‫ن المالك قد يرغب في سكنى عقاره أو بيعه أو هبته بخلف الوقف ‪،‬‬
‫انتهاء المدّة والفرق أ ّ‬
‫فإنّ سبيله التّأجير فالمستأجر الوّل أولى ‪.‬‬
‫والزّيادة المعتبرة في الفسخ هي ما كانت من غير متعنّت ‪ ،‬بل يشترط أن يكون له رغبة‬
‫صحيحة في الستئجار بالزّيادة ‪ .‬أمّا إن زاد المتعنّت فل تقبل زيادته ‪ ،‬قال في قانون العدل‬
‫والنصاف ‪ :‬عملًا بالمر السّلطانيّ المطاع ‪.‬‬
‫ح في الثّاني إلّ‬
‫وإذا كان العقد بصيغة ‪ ( :‬كلّ شهر بكذا ) صحّ في الشّهر الوّل ول يص ّ‬
‫بالتّلبّس به ‪ ،‬ويكون للنّاظر إذا انتهى كلّ شهر فسخ الجارة إذا زاد أحد على المستأجر ولم‬
‫يرض المستأجر بالزّيادة ‪.‬‬
‫ن أجرة المثل قد زادت ‪ ،‬وقال المستحكر ‪ :‬لم‬
‫وإذا اختلف المستحكر والنّاظر فقال النّاظر ‪ :‬إ ّ‬
‫تزد فالقول للمستحكر ‪ ،‬وعلى النّاظر إثبات الزّيادة بالبرهان ‪.‬‬
‫ويؤخذ في ذلك عند محمّد بقول رجلين من أهل الخبرة والمانة ‪ .‬ويكفي واحد عند أبي حنيفة‬
‫وأبي يوسف ‪ .‬ول تفسخ إجارة الوقف بصفة عامّة بزيادة أجرة المثل في المدّة الولى عند‬
‫ح عند الشّافعيّة وهو مذهب الحنابلة ‪.‬‬
‫المالكيّة ‪ ،‬وهو الص ّ‬
‫نقص أجرة المثل أثناء مدّة الحتكار ‪:‬‬
‫‪ - 19‬إذا نقصت أجرة المثل أثناء مدّة الحتكار لم يجز فسخ العقد لمصلحة المحتكر حتّى عند‬
‫ن العقد عقد إجارة لزم وفي الفسخ ضرر على المستحقّين‬
‫الحنفيّة القائلين بفسخه للزّيادة ‪ .‬ل ّ‬
‫‪ .‬وذكر الذرعيّ من فقهاء الشّافعيّة في معرض ردّه على ابن الصّلح فيما لو طرأ تغيير‬
‫ن الّذي يقع في النّفس أنّا ننظر إلى أجرة‬
‫على أجرة المثل في أثناء المدّة بسبب تغيّر الحوال أ ّ‬
‫المثل الّتي تنتهي إليها الرّغبات حالة العقد في جميع المدّة المعقود عليها مع قطع النّظر عمّا‬
‫عساه يتجدّد ‪.‬‬
‫ملكيّة الغراس والبناء الّذي يضعه المحتكر والتّصرّف فيها ‪:‬‬
‫‪ - 20‬البناء الّذي يبنيه المحتكر والغراس الّذي يغرسه بإذن القاضي أو النّاظر في الرض‬
‫المحتكرة يكون ملكا خالصا له فيصحّ بيعه للشّريك وغيره ‪ ،‬وله هبته والوصيّة به ويورث‬
‫عنه ‪ .‬أمّا الرض نفسها فرقبتها للوقف ‪.‬‬
‫وعلى هذا لو أنّ الرض المحكّرة استملكت للمصلحة العامّة فليس للمحتكر إلّ التّعويض عن‬
‫بنائه أو غراسه ‪ ،‬أمّا ما يقابل رقبة الرض فإنّه يكون للجهة الموقوف عليها ‪.‬‬
‫ن ما يبنيه المحتكر يكون ملكًا يباع ويورث لكنّهم قالوا هذا إذا بيّن‬
‫وعند المالكيّة ما يفيد أ ّ‬
‫الملكيّة ‪ ،‬أمّا إن بيّن التّحبيس أو لم يبيّن شيئًا فالبناء والغرس وقف على المشهور ل حقّ‬
‫فيهما لورثة الباني والغراس ‪.‬‬
‫ن البناء والغراس ملك‬
‫ويفهم ممّا ذكره الشّافعيّة في استئجار الرض للبناء أو الغراس ‪ ،‬أ ّ‬
‫للمستأجر ‪ ،‬والرض ملك لصاحبها ‪ .‬وفي المسألة تفصيل ‪.‬‬
‫ن الحكر ‪ -‬إذا بيعت الرض ‪ -‬يبقى للمحتكر ‪ ،‬قال عثمان النّجديّ‬
‫ويفهم من كلم الحنابلة أ ّ‬
‫‪ :‬إذا بيعت الرض المحتكرة أو ورثت فالحكر على من انتقلت إليه في الصحّ ‪.‬‬
‫الشّفعة فيما بني في الرض المحتكرة ‪:‬‬
‫‪ - 21‬ل شفعة عند الحنفيّة والشّافعيّة في الكردار الّذي في أرض الوقف المحتكرة لنّه ل‬
‫شفعة عندهم في البناء بدون الرض ‪ ،‬ول في الشّجر بدون الرض ‪.‬‬
‫وعند المالكيّة يكون لمن اشترك في البناء في أرض الوقف المحتكرة الخذ بالشّفعة ‪.‬‬
‫وقف البناء من مالكه في أرض الوقف المحتكرة ‪:‬‬
‫‪ - 22‬الصل عند الحنفيّة عدم جواز وقف البناء بدون وقف الرض ‪ ،‬كما لو كانت الرض‬
‫مملوك ًة له ولم يقفها ‪ ،‬أو مملوكةً للغير ‪.‬‬
‫ولو كانت الرض موقوف ًة فوقف البناء الّذي بناه فيها على جهة أخرى غير الموقوفة عليها‬
‫ن الرض إن كانت مقرّر ًة للحتكار جاز وقف ما‬
‫الرض اختلفوا فيه ‪ ،‬ورجّح ابن عابدين أ ّ‬
‫ص على ذلك الخصّاف ‪.‬‬
‫يبنيه المحتكر بها ‪ ،‬لنّه ل مطالب بنقضه بخلف المملوكة ن ّ‬
‫وقال صاحب ال ّدرّ المختار ‪ :‬الصّحيح الصّحّة أي لكون ذلك أصبح متعارفا ‪ .‬وإذا بنى في‬
‫الرض المحتكرة مسجدا جاز عند الحنفيّة أيضا ‪ ،‬قال ابن نجيم ‪ :‬والظّاهر أنّ الحكر على‬
‫الواقف طيلة مدّة الحتكار ‪ ،‬فإذا انقضت المدّة ينبغي أن يكون الحكر على بيت المال ‪.‬‬
‫ح عند المالكيّة والشّافعيّة وقف البناء الّذي يبنيه المحتكر والغراس الّذي يغرسه ‪ .‬فقد‬
‫ويص ّ‬
‫ي في الرّوضة أنّه لو استأجر أرضًا ليبني فيها أو يغرس ‪ ،‬ففعل ‪ ،‬ثمّ وقف البناء‬
‫ذكر النّوو ّ‬
‫ح على الصحّ ‪ ،‬ولو وقف هذا أرضه ‪ ،‬وهذا بناءه ‪،‬صحّ بل خلف كما لو‬
‫والغرس ص ّ‬
‫باعاه‪.‬‬
‫موت المستحكر قبل أن يبني أو يغرس ‪:‬‬
‫‪ - 23‬يرى الحنفيّة أنّه إذا مات المستحكر قبل أن يبني أو يغرس في الرض المستحكرة‬
‫انفسخت الجارة ‪ ،‬وليس لورثته البناء في الرض أو الغرس فيها إلّ بإذن النّاظر ‪.‬‬
‫ولم نجد لغير الحنفيّة تصريحًا بحكم الحكر خاصّةً ‪.‬‬
‫انقضاء الحكر بهلك البناء أو الشجار ‪:‬‬
‫‪ - 24‬إذا خرب البناء الّذي بناه المحتكر في أرض الوقف وزال عنها بالكّليّة ‪ ،‬ينقضي حقّ‬
‫المحتكر في القرار فيها ‪ .‬وهذا إن كان بعد انقضاء مدّة الجارة ‪ ،‬ل في المدّة ‪ .‬وكذلك إن‬
‫فنيت الشجار الّتي في الرض الزّراعيّة وذهب كردارها ل يكون للمحتكر حقّ في‬
‫الستمرار في شغلها ‪ ،‬إن حصل ذلك بعد انقضاء مدّة الجارة ‪.‬‬

‫حكم *‬
‫التّعريف ‪:‬‬
‫‪ - 1‬الحكم لغةً ‪ :‬القضاء ‪ .‬وأصل معناه ‪ :‬المنع ‪ ،‬يقال ‪ :‬حكمت عليه بكذا إذا منعته من‬
‫خلفه فلم يقدر على الخروج من ذلك ‪ ،‬ويقال حكم اللّه أي قضاؤه بأمر والمنع من مخالفته ‪.‬‬
‫ي وغيرهما ‪ ،‬فالحكم‬
‫ولتعريف الحكم اصطلحا يقيّد بالشّرعيّ ‪ ،‬تفريقا له عن العقليّ والعاد ّ‬
‫ي عند جمهور الصوليّين هو ‪ :‬خطاب الشّارع المتعلّق بأفعال المكلّفين اقتضاءً أو‬
‫الشّرع ّ‬
‫تخييرا أو وضعا ‪.‬‬
‫أمّا عند الفقهاء فهو ‪ :‬أثر خطاب اللّه المتعلّق بأفعال المكلّفين اقتضاءً أو تخييرا أو وضعا ‪،‬‬
‫فالحكم عندهم هو الثر أي الوجوب ونحوه ‪ ،‬وليس الخطاب نفسه ‪.‬‬
‫أنواع الحكم ‪:‬‬
‫ل تعريف الحكم‬
‫‪ - 2‬ينقسم الحكم هنا إلى التّكليفيّ والوضعيّ ‪ ،‬وبعضهم زاد التّخييريّ ‪ ،‬ويد ّ‬
‫على هذه النواع ‪ ،‬فالمراد بالقتضاء في تعريف الحكم هو الطّلب ‪ ،‬ويسمّى هذا النّوع من‬
‫أنواع الحكم ‪ :‬الحكم التّكليفيّ لما فيه من إلزام كلفة ‪.‬‬
‫ويتناول كلّا من طلب الفعل جازما ‪ ،‬وهو الوجوب ‪ ،‬أو غير جازم ‪ ،‬وهو النّدب ‪ ،‬كما يتناول‬
‫طلب التّرك جازما ‪ ،‬وهو التّحريم ‪ ،‬أو غير جازم ‪ ،‬وهو الكراهة ‪.‬‬
‫والمراد بالتّخيير ‪ -‬في التّعريف ‪ -‬الباحة ‪،‬وهي أن ل يكون الشّيء مطلوب الفعل أو التّرك‪.‬‬
‫وبأحكام القتضاء والتّخيير تستكمل أقسام الحكام التّكليفيّة الخمسة أو السّبعة ‪ -‬على ما‬
‫سيأتي ‪ -‬وقصرها بعض الصوليّين ‪ -‬كالمديّ ‪ -‬على ما يتعلّق بطريق القتضاء ‪ ،‬وأفرد‬
‫ن بعض الصوليّين يخرجون المندوب من الحكم‬
‫الباحة باسم " الحكم التّخييريّ " في حين أ ّ‬
‫التّكليفيّ لنّه ليس فيه إلزام بمشقّة ‪ ،‬قال المديّ ‪ :‬وهو أولى من المباح بالخروج من الحكم‬
‫التّكليفيّ ‪ .‬وينظر مصطلح ‪ ( :‬إباحة ) ‪.‬‬
‫والمراد بالوضع ‪ -‬في تعريف الحكم ‪ -‬خطاب اللّه تعالى المتعلّق بجعل الشّيء سببا ‪ ،‬أو‬
‫شرطًا ‪ ،‬أو مانعًا ‪ ،‬أو صحيحا ‪ ،‬أو فاسدا " أو باطلً على ما ذهب إليه الحنفيّة من التّفرقة‬
‫بين الفاسد والباطل " ‪ .‬وتفصيله في مصطلحي ‪ ( :‬باطل ‪ ،‬وبطلن ) ‪.‬‬
‫أقسام الحكم التّكليفيّ ‪:‬‬
‫‪ - 3‬ينقسم الحكم التّكليفيّ عند الجمهور إلى خمسة أقسام هي ‪ :‬الفرض ‪ ،‬والنّدب ‪،‬‬
‫والباحة ‪ ،‬والحرمة ‪ ،‬والكراهة ‪ ،‬وتزيد القسام عند الحنفيّة قسمين آخرين هما الوجوب ‪:‬‬
‫وهو بين الفرض والنّدب ‪ .‬و الكراهة التّحريميّة ‪ :‬وهي بين الحرمة والكراهة التّنزيهيّة ‪،‬‬
‫فالفرض غير الواجب عند الحنفيّة ‪ ،‬أمّا الجمهور فيسوّون بين الفرض والواجب ‪.‬‬
‫هذا ‪ ،‬ولبعض أقسام الحكم التّكليفيّ كالواجب تقسيمات كثيرة باعتبارات مختلفة ‪ ،‬أهمّها‬
‫تقسيمه بحسب وقت أدائه إلى مؤقّت ‪ ،‬ومطلق ‪ ،‬وبحسب المطالب بأدائه إلى عينيّ ‪،‬‬
‫وكفائيّ ‪ ،‬وبحسب المقدار المطلوب منه إلى محدّد ‪ ،‬وغير محدّد ‪ ،‬وبحسب تعيين المطلوب‬
‫إلى معيّن ومخيّر ‪ .‬وتفصيل ذلك كلّه سبق في مصطلح ‪ ( :‬حقّ ) ‪ .‬وكذلك تقسيمات البقيّة‬
‫كالمندوب والمكروه والمحرّم وتنظر في مصطلحاتها ‪ ،‬وفي الملحق الصوليّ ‪.‬‬
‫أقسام الحكم الوضعيّ ‪:‬‬
‫‪ - 4‬ينقسم الحكم الوضعيّ إلى أقسام كثيرة أهمّها ‪ :‬السّبب ‪ ،‬والشّرط ‪ ،‬والمانع ‪،‬‬
‫صحّة ‪ ،‬أو البطلن ‪.‬‬
‫والرّخصة ‪ ،‬أو العزيمة ‪ ،‬وال ّ‬
‫وينظر تفصيلها في مصطلحاتها ‪ ،‬وفي الملحق الصوليّ ‪.‬‬

‫حُكمان *‬
‫انظر ‪ :‬تحكيم ‪.‬‬

‫حكمة *‬
‫التّعريف ‪:‬‬
‫‪ - 1‬الحكمة في اللّغة ‪ :‬العلم بحقائق الشياء على ما هي عليه في الوجود والعمل بمقتضاها ‪،‬‬
‫وهي إذا أضيفت إلى اللّه يراد بها العلم بالشياء وإيجادها على غاية الحكام ‪ ،‬وإذا أضيفت‬
‫إلى النسان يراد بها معرفة الحقّ ‪ ،‬وفعل الخيرات ‪.‬‬
‫وتطلق على العلم ‪ ،‬والفقه ‪ ،‬ورد في الثر الصّحيح ‪ « :‬ل حسد إلّ في اثنتين ‪ :‬رجل آتاه‬
‫اللّه مالً فسلّطه على هلكته في الحقّ ‪ ،‬ورجل آتاه اللّه الحكمة فهو يقضي بها ويعلّمها » ‪.‬‬
‫وجاءت الحكمة في القرآن بمعنى النّبوّة ‪ ،‬قال تعالى ‪ :‬في معرض المتنان على نبيّه داود‬
‫ح ْكمَةَ َوفَصْلَ‬
‫ح ْكمَةَ } { وَآ َت ْينَا ُه ا ْل ِ‬
‫عليه وعلى نبينا الصلة والسلم ‪ { :‬وَآتَا ُه اللّ ُه ا ْلمُ ْلكَ وَا ْل ِ‬
‫خطَابِ }‬
‫ا ْل ِ‬
‫الحكمة عند الصوليّين ‪:‬‬
‫‪ - 2‬الحكمة عند الصوليّين ما يترتّب على ربط الحكم بعلّته ‪ ،‬أو بسببه من جلب مصلحة أو‬
‫دفع مضرّة ‪ ،‬أو تقليلها ‪ ،‬وتطلق أيضا على الوصف المناسب لشرع الحكم ‪.‬‬
‫اللفاظ ذات الصّلة ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬السّبب ‪:‬‬
‫‪ - 3‬السّبب هو الوصف الظّاهر المنضبط المعرّف للحكم ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬المانع ‪:‬‬
‫‪ - 4‬المانع هو ما يلزم من وجوده عدم السّبب أو الحكم ‪ ،‬ول يلزم من وجوده الوجود ‪.‬‬
‫والتّفصيل في الملحق الصوليّ ‪.‬‬
‫الحكم الجماليّ ‪:‬‬
‫يتّضح الحكم الجماليّ للحكمة من المقارنة بينها وبين العلّة ‪ .‬فالفرق بين الحكمة والعلّة أنّ‬
‫العلّة هي الوصف الّذي جعله الشّارع مناطا لثبوت الحكم حيث ربط الشّارع به الحكم وجودا‬
‫وعدما على أنّه مظنّة لتحقيق المصلحة المقصودة للشّارع من شرع الحكم ‪.‬‬
‫أمّا الحكمة ‪ ،‬فهي المصلحة نفسها ‪ ،‬لذلك قد تتفاوت درجاتها في النضباط ‪ ،‬وقد تخفى فل‬
‫تكون معلوم ًة لنا أصلً ‪ .‬لهذا اختلف الصوليّون في جواز ( ربط الحكم ) بالحكمة ‪ ،‬فقال‬
‫بعضهم ‪ :‬إذا وجدت الحكمة ظاهر ًة منضبطةً جاز ربط الحكم بها لعدم المانع لنّها المناسب‬
‫المؤثّر حقيقةً ‪ .‬وذهب البعض إلى أنّه ل يجوز ربط الحكم بها ‪ ،‬وإن كانت ظاهرةً‬
‫منضبطةً ‪ ،‬وينظر مصطلح ( تعبّديّ ) ‪ ،‬والتّفصيل في الملحق الصوليّ ‪.‬‬

‫حكومة عدل *‬
‫التّعريف ‪:‬‬
‫‪ -‬الحكومة في اللّغة ‪ :‬مصدر الثّلث يّ ( حكم ) واسم مصدر من ( غير الثّلث يّ ) ‪ ،‬ومن‬ ‫‪1‬‬

‫معاني ها ر ّد الظّالم عن الظّلم قال الزهر يّ فسي تعلي قه على حديسث ‪ « :‬فسي أرش الجراحات‬
‫الحكومسة » ‪ .‬معنسى الحكومسة فسي أرش الجراحات الّتسي ليسس فيهسا ديسة معلومسة أن يجرح‬
‫النسان في بدنه ممّا يبقى شينه ول يبطل العضو فيقتاس ( يقدّر ) الحاكم أرشه ‪.‬‬
‫ي ‪ ،‬فقد أطلقوه على الواجب الّذي‬
‫ول يخرج استعمال الفقهاء لهذا اللّفظ عن المعنى اللّغو ّ‬
‫يقدّره عدل في جناية ليس فيها مقدار معيّن من المال ‪ .‬قال ابن عاشر ‪ :‬اتّفقت النقال على‬
‫ن المراد بالحكومة الجتهاد وإعمال الفكر فيما يستحقّه المجنيّ عليه من الجاني ‪.‬‬
‫أّ‬
‫ن استقرار الحكومة يتوقّف على حكم حاكم أو محكّم معتبر ‪ ،‬ومن ثمّ لو‬
‫وسبب التّسمية أ ّ‬
‫اجتهد فيه غيره لم يكن له أثر ‪ .‬قال ابن عرفة ‪ :‬ألفاظ المدوّنة يأتي فيها تار ًة لفظ الحكومة ‪،‬‬
‫وتار ًة لفظ الجتهاد فيحتمل أن يكونا مترادفين ‪.‬‬
‫اللفاظ ذات الصّلة ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬الرش ‪:‬‬
‫‪ - 2‬الرش هو المال الواجب في الجناية على ما دون النّفس ‪ ،‬وقد يطلق على بدل النّفس‬
‫وهو الدّية ‪.‬‬
‫ص بسهم معيّن ‪،‬‬
‫والرش أعمّ من حكومة العدل لنّه يشمل الواجب في جناية جاء فيها ن ّ‬
‫والواجب في جناية ليس فيها نصّ مقدّر من الشّارع ‪ ،‬فحكومة العدل هي نوع من الرش ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬الدّية ‪:‬‬
‫‪ - 3‬الدّية ‪ :‬هي بدل النّفس لسقوط القصاص بأسبابه ‪ ،‬وقد يسمّى أرش ما دون النّفس بالدّية‬
‫‪ .‬والفرق بين الدّية وحكومة العدل ‪ ،‬أنّ الدّية تجب في الغالب بالجناية على النّفس ‪ ،‬أمّا‬
‫حكومة العدل فتجب بالعتداء على ما دون النّفس ‪ ،‬كما أنّ الدّية مقدّرة شرعا ‪ ،‬وحكومة‬
‫العدل غير مقدّرة في الشّرع ويترك أمر تقديرها للحاكم ‪.‬‬
‫الحكام المتعلّقة بحكومة العدل ‪:‬‬
‫ما يجب فيه حكومة العدل ‪:‬‬
‫‪ - 4‬الصل أنّ ما ل قصاص فيه من الجنايات على ما دون النّفس وليس له أرش مقدّر‬
‫ل معصوم اعتبارها‬
‫ن الصل في الجناية الواردة على مح ّ‬
‫بنصّ أو قياس ففيه الحكومة ‪ ،‬ل ّ‬
‫بإيجاب الجابر أو الزّاجر ما أمكن ‪.‬‬
‫قال الزّيلعيّ عند الستدلل على وجوب حكومة العدل في الجنايات الّتي ليس فيها مقدار معيّن‬
‫ن هذه ( الجنايات ) ليس فيها أرش مقدّر من جهة الشّرع ول يمكن إهدارها‬
‫من المال ‪ :‬ل ّ‬
‫فتجب فيها حكومة العدل وهو مأثور عن إبراهيم النّخعيّ وعمر بن عبد العزيز ‪.‬‬
‫هذا وقد أخرج الشّافعيّة من الحكومة ما عرفت نسبة أرشه إلى أرش مقدّر في الشّرع كأن‬
‫كان بقربه موضحة ‪ ،‬أو جائفة فعندئذ وجب الكثر من قسطه والحكومة ‪.‬‬
‫ويخرج من الحكومة ما كان في معنى الجرح الّذي فيه أرش مقدّر مقيسًا عليه كالليتين‬
‫والثّديين والحاجبين ‪.‬‬
‫وللتّفصيل في الجنايات الّتي تجب فيها حكومة العدل ( ر ‪ :‬جناية على ما دون النّفس ) ‪.‬‬
‫شروط حكومة العدل ‪:‬‬
‫‪ - 5‬لم يذكر الفقهاء شروطا محدودةً لوجوب حكومة العدل إلّ أنّه أمكن بتتبّع عباراتهم‬
‫استخلص الشّروط التية ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬ألّ يكون للجناية أرش مقدّر ‪:‬‬
‫‪ - 6‬يشترط ألّ يكون للجناية المراد تقديرها أرش مقدّر من قبل الشّارع بناءً عليه ل يجوز‬
‫الجتهاد في تقدير أرش شجّة ‪ ،‬أو جراحة ‪ ،‬أو إزالة منفعة عضو لها أرش مقدّر في الشّرع‪.‬‬
‫ل تبلغ الحكومة أرش العضو ‪:‬‬
‫ب‪-‬أّ‬
‫‪ - 7‬الحكومة الّتي تجب في جرح أصاب عضوا له أرش مقدّر كاليد والرّجل ل يبلغ بها ذلك‬
‫الرش المقدّر ‪ ،‬وهو قول أكثر أهل العلم ‪.‬‬
‫وعلّة ذلك ألّ تكون الجناية على العضو مع بقائه مضمون ًة بما يضمن به العضو نفسه ‪.‬‬
‫قال النّوويّ ‪ :‬إن كانت الجناية على عضو له أرش مقدّر نظر ‪ :‬إن لم تبلغ الحكومة أرش‬
‫ذلك العضو وجبت بكمالها ‪ ،‬وإن بلغته نقص الحاكم شيئًا منه بالجتهاد ‪.‬‬
‫وبهذا يقول القاضي من الحنابلة ‪.‬‬
‫ن حكومة النملة العليا يجرحها ‪ ،‬أو يقلع ظفرها ينقص عن أرش النملة ‪.‬‬
‫بناءً على هذا أ ّ‬
‫والجناية على الصبع وعلى الرّأس ل تبلغ حكومتها أرش الموضحة ‪ ،‬وعلى البطن ل تبلغ‬
‫أرش الجائفة ‪ ،‬وحكومة جرح الكفّ ل تبلغ دية الصابع الخمس ‪ ،‬وكذا حكومة قطع الكفّ‬
‫الّتي ل أصبع عليها وكذا حكم القدم ‪.‬‬
‫أمّا إذا كانت الجراحة على عضو ليس له أرش مقدّر كالظّهر والكتف والفخذ فيجوز أن تبلغ‬
‫حكومتها دية عضو مقدّر كاليد والرّجل وأن تزيد عليه وإنّما تنقص عن دية النّفس ‪.‬‬
‫ج ‪ -‬أن يكون التّقويم بعد اندمال الجرح ‪:‬‬
‫‪ - 8‬يشترط أن يقوّم المجنيّ عليه لمعرفة الحكومة بعد اندمال الجرح وبرئه ل قبله ‪ ،‬لنّ‬
‫الجرح قد يسري إلى النّفس أو إلى ما يكون واجبه مقدّرا ‪ ،‬فيكون ذلك هو الواجب ل‬
‫الحكومة ‪ .‬وصرّح الحنفيّة والحنابلة بأنّه يشترط أن يقوّم بتقدير أرش الجراحة ذوا عدل من‬
‫أهل الخبرة لنّه يفتقر إلى فرض الحرّ رقيقًا بصفاته ‪ ،‬وتعتبر قيمته ‪ ،‬ثمّ ينظر لمقدار النّقص‬
‫ويؤخذ بنسبته من الدّية ‪ ،‬وهذا إنّما يستقرّ بعد معرفة القيمة من المقوّمين ‪.‬‬
‫قال الكاسانيّ عند الكلم عن طريقة الكرخيّ لتقدير حكومة العدل ‪ :‬تقرّب هذه الجناية إلى‬
‫أقرب جناية لها أرش مقدّر فينظر ذوا عدل من أطبّاء الجراحات كم مقدار هذه هاهنا في قلّة‬
‫ن فيأخذ القاضي بقولهما ‪ ،‬ويحكم من الرش بمقداره من‬
‫الجراحات وكثرتها بالحزر والظّ ّ‬
‫أرش الجراحة المقدّرة ‪.‬‬
‫د ‪ -‬أن يحكم القاضي أو المحكّم بالحكومة ‪:‬‬
‫‪ - 9‬يشترط أن يحكم بالحكومة القاضي أو المحكّم بشرطه ‪ -‬وهو كونه مجتهدا أو مقلّدا عند‬
‫الضّرورة ‪ -‬بناءً على تقدير ذوي عدل من أطبّاء الجراحات ‪ ،‬حتّى لو وقعت الحكومة‬
‫باجتهاد غير القاضي أو المحكّم لم تعتبر ‪.‬‬
‫كيفيّة تقدير حكومة العدل ‪:‬‬
‫‪ - 10‬يرى جمهور الفقهاء أنّه ل ب ّد لمعرفة حكومة العدل أن يتمّ تقويم المجنيّ عليه بتقويم‬
‫العبيد كما في تقويم سائر المتلفات ‪ ،‬فيقوّم المجنيّ عليه بصفاته الّتي هو عليها لو كان عبدًا‬
‫وينظر كم نقصت الجناية من قيمته ‪ ،‬فإن قوّم بعشرة دون الجناية وبتسعة بعد الجناية‬
‫فالتّفاوت العشر فيجب له على الجاني عشر دية النّفس ‪.‬‬
‫وذهب الشّافعيّة في قول والكرخيّ من الحنفيّة إلى تقريب هذه الجناية إلى أقرب الجنايات الّتي‬
‫لها أرش مقدّر ‪ ،‬فينظر ذوا عدل من أطبّاء الجراحات كم مقدار هذه هاهنا في قلّة الجراحات‬
‫ن ‪ ،‬فيأخذ القاضي بقولهما ويحكم من الرش بمقداره من أرش الجراحة‬
‫وكثرتها بالحزر والظّ ّ‬
‫المقدّرة ‪.‬‬
‫ن رجلً قطع‬
‫واستدلّ لهذه الطّريقة بالثر المنقول عن عليّ رضي ال عنه وهو ما روي أ ّ‬
‫طرف لسانه في زمن عليّ رضي ال عنه فأمره أن يقرأ ( ألف ‪ ،‬ب ‪ ،‬ت ‪ ،‬ث ‪ ) .‬فكلّما قرأ‬
‫حرفا أسقط من الدّية بقدر ذلك وما لم يقرأه أوجب الدّية بحساب ذلك ‪.‬‬
‫فإنّه اعتبر حكومة العدل في الّذي قطع طرف لسانه بهذا العتبار ولم يعتبر بالعبيد ‪.‬‬
‫ونقل عن عمر بن عبد العزيز ومجاهد مثل ذلك ‪ .‬ونقل الحصكفيّ عن الخلصة ‪ :‬إنّما‬
‫ي لو كانت الجناية في وجه ورأس فحينئذ يفتى به ‪ ،‬ولو في غيرهما أو‬
‫يستقيم قول الكرخ ّ‬
‫تعسّر على المفتي يفتي بقول الطّحاويّ ‪ -‬وهو قول الجمهور ‪ -‬مطلقا لنّه أيسر ‪.‬‬
‫وقال الصّدر الشّهيد ‪ :‬ينظر المفتي في هذا ‪ ،‬إن أمكنه الفتوى بالثّاني ‪ -‬وهو قول الكرخيّ ‪-‬‬
‫بأن كانت الجناية في الرّأس والوجه يفتي بالثّاني ‪ .‬وإن لم يتيسّر عليه ذلك يفتي بالقول الوّل‬
‫‪ -‬وهو قول الجمهور ‪ -‬لنّه أيسر ‪ .‬وكان المرغينانيّ يفتي به ‪.‬‬
‫ل الخلف بين الفريقين إذا كانت الجناية على عضو له أرش مقدّر فإن كانت على‬
‫ومح ّ‬
‫الصّدر أو الفخذ أو نحو ذلك ممّا ل مقدّر فيه اعتبرت الحكومة من دية النّفس قطعا ‪.‬‬
‫ل ثالثا في كيفيّة تقدير الحكومة ‪ ،‬فقد قال في المحيط ‪ :‬والصحّ أنّه‬
‫وذكر بعض الحنفيّة قو ً‬
‫ل شجّة لها أرش مقدّر ‪ ،‬فإن كان مقداره مثل نصف شجّة‬
‫شجّة من أق ّ‬
‫ينظر كم مقدار هذه ال ّ‬
‫شجّة ‪ ،‬وإن كان ربعًا فربع ‪.‬‬
‫لها أرش ‪ ،‬أو ثلثها ‪ ،‬وجب نصف أو ثلث أرش تلك ال ّ‬
‫ل ثالثا ‪ ،‬والشبه أن يكون هذا تفسيرًا لقول الكرخيّ‪.‬‬
‫ن هذا القول ليس قو ً‬
‫ويرى الشّرنبلليّ أ ّ‬
‫وقيل ‪ :‬تقدّر الجناية بمقدار ما يحتاج إليه المجنيّ عليه من النّفقة وأجرة الطّبيب إلى أن يبرأ ‪،‬‬
‫وبهذا قال الفقهاء السّبعة ‪.‬‬
‫قال القهستانيّ ‪ :‬هذا كلّه إذا بقي للجراحة أثر وإلّ فعندهما ل شيء عليه ‪ ،‬وعند محمّد يلزمه‬
‫قدر ما أنفق إلى أن يبرأ ‪ ،‬وعن أبي يوسف حكومة العدل في اللم ‪.‬‬
‫ويرى جمهور المالكيّة أنّ ما برئ من الجراحات على غير شين ‪ -‬ممّا دون الموضحة ممّا‬
‫لم يقدّر فيه الشّارع شيئا ‪ -‬فإنّه ل شيء فيه على الجاني من عقل وتعزير وأجرة طبيب ‪.‬‬
‫ن على الجاني أجرة‬
‫واستحسن ابن عرفة ‪ -‬فيما إذا لم يكن في الجرح شيء مقدّر ‪ -‬القول بأ ّ‬
‫الطّبيب وثمن الدّواء سواء أبرئ على شين أم ل مع الحكومة في الوّل ‪.‬‬
‫أمّا ما قدّر الشّارع فيه شيئًا فالواجب المقدّر ‪ ،‬برئ على شين أم ل ‪ .‬إلّ موضحة الوجه‬
‫والرّأس فإنّها إذا برئت على شين فقد اختلفوا في الواجب فيها على ثلثة اتّجاهات ‪:‬‬
‫الوّل ‪ :‬دفع ديتها وما حصل بالشّين ‪ ،‬وهذا هو المشهور عند المالكيّة ‪.‬‬
‫الثّاني ‪ :‬دفع ديتها ول يزاد عليها مطلقًا ‪ ،‬وهذا ما يقول به أشهب ‪ ،‬وهو مقابل المشهور ‪.‬‬
‫الثّالث ‪ :‬الزّيادة على الدّية إذا كان أمرا منكرا ‪ ،‬أمّا إذا كان شيئا يسيرا فل يزاد عليها ‪ .‬وهذا‬
‫ما رواه نافع عن مالك ‪.‬‬

‫حلل *‬
‫التّعريف ‪:‬‬
‫ل حلّا ‪.‬‬
‫‪ - 1‬الحلل لغةً ‪ :‬نقيض الحرام ومثله الحلّ والحلل والحليل ‪ ،‬وهو من حلّ يح ّ‬
‫ويتعدّى بالهمز والتّضعيف فيقال أحلّه اللّه وحلّله ‪ .‬كما يقال هذا لك حلّ وحلل ‪ ،‬ويقال‬
‫لضدّه حرم وحرام أي محرّم ‪ .‬والحلل اصطلحا ‪ :‬هو الجائز المأذون به شرعا ‪ .‬وبهذا‬
‫يشمل المندوب والمباح والمكروه مطلقا عند الجمهور ‪ ،‬وتنزيها عند الحنفيّة ‪ ،‬من حيث جواز‬
‫التيان بها وعدم امتناعه شرعا ‪ ،‬مع رجحان الفعل في المندوب ‪ ،‬وتساوي الفعل والتّرك في‬
‫المباح ‪ ،‬ورجحان التّرك في المكروه ‪.‬‬
‫ن الواجب مركّب من جواز الفعل بمعنى رفع الحرج‬
‫والحلل متضمّن في الواجب من حيث إ ّ‬
‫ل تضمّنا على الجواز ‪ .‬فيكون الحلل في‬
‫مع المنع من التّرك ‪ ،‬فاللّفظ الدّالّ على الوجوب يد ّ‬
‫مقابلة الحرام من حيث الذن في الوّل وعدم امتناعه شرعا ‪ ،‬وعدم الذن في الحرام‬
‫ن المكلّف مأمور شرعا‬
‫وامتناعه شرعا ‪ .‬والوجوب متعلّق بالحلل من حيث الجملة ‪ ،‬ل ّ‬
‫ل اللّه ومجانبة ما حرّمه في شأنه كلّه ‪.‬‬
‫بالتزام ما أح ّ‬
‫ج فِيمَا‬
‫ن حَرَ ٍ‬
‫ل لغةً ‪ ،‬ومنه قوله تعالى ‪ { :‬مّا كَانَ عَلَى ال ّن ِبيّ مِ ْ‬
‫وقد يطلق الفرض ويراد به الح ّ‬
‫ض اللّ ُه لَهُ } أي أحلّ له ‪.‬‬
‫فَرَ َ‬
‫وممّا فرّق به الحنفيّة بين المكروه تنزيهًا والمكروه تحريما ‪ ،‬أنّ الوّل ما كان للحلّ أقرب ‪،‬‬
‫والثّاني ما كان إلى الحرام أقرب ‪ ،‬أو ما ثبت تحريمه بدليل ظ ّنيّ ‪.‬‬
‫من المسائل الصوليّة المتعلّقة بالحلل ‪:‬‬
‫يتعلّق بمصطلح حلل جملة من المسائل الصوليّة ‪:‬‬
‫المسألة الولى ‪ :‬هل الصل في الشياء ‪ -‬الّتي ل نصّ فيها ‪ -‬الحلّ أو الحرمة ؟‬
‫‪ - 2‬وهذه المسألة ممّا اختلف فيه ‪ :‬فمختار أكثر الحنفيّة والشّافعيّة أنّ الصل الحلّ ‪ ،‬وعند‬
‫ن الصل التّوقّف ‪ ،‬وينسب لبي حنيفة ‪ ،‬وهو قول بعض أصحاب الحديث أنّ‬
‫بعض الحنفيّة أ ّ‬
‫الصل الحرمة ‪.‬‬
‫وسبب اختلفهم هو اختلفهم في حدّ الحلل ‪ :‬فعند الشّافعيّ ما ل دليل على تحريمه ‪ ،‬وعند‬
‫ح ّرمًا‬
‫حيَ إَِليّ ُم َ‬
‫جدُ فِي مَا ُأ ْو ِ‬
‫أبي حنيفة ما دلّ دليل على حلّه ‪ .‬دليل قول الجمهور ‪ { :‬قُل لّ َأ ِ‬
‫جمِيعا } ‪.‬‬
‫ض َ‬
‫لرْ ِ‬
‫ط َعمُهُ } وقوله تعالى ‪ { :‬خََلقَ َلكُم مّا فِي ا َ‬
‫عمٍ َي ْ‬
‫عَلَى طَا ِ‬
‫ومن الحاديث ‪ :‬قوله صلى ال عليه وسلم ‪ « :‬ما أحلّ اللّه في كتابه فهو حلل وما حرّم فهو‬
‫حرام وما سكت عنه فهو عافية فاقبلوا من اللّه عافيته فإنّ اللّه لم يكن نسيّا » ‪.‬‬
‫وقوله صلى ال عليه وسلم ‪ « :‬إنّ اللّه فرض فرائض فل تضيّعوها وحرّم حرمات فل‬
‫تنتهكوها ‪ ،‬وحدّ حدودًا فل تعتدوها ‪ ،‬وسكت عن أشياء من غير نسيان فل تبحثوا عنها » ‪.‬‬
‫ودليل قول بعض أصحاب الحديث وما نسب لبي حنيفة أن التّصرّف في ملك الغير بغير‬
‫إذنه ل يجوز ‪ ،‬فيبقى الصل على الحرمة حتّى يرد دليل الحلّ ‪.‬‬
‫ن طريق ثبوت الحكام سمعيّ وعقليّ ‪ ،‬والوّل غير موجود ‪ ،‬وكذا‬
‫ودليل من قال بالتّوقّف أ ّ‬
‫الثّاني ‪ ،‬فل يقطع بأحد الحكمين وهذا يوجب التّوقّف ‪.‬‬
‫ويظهر أثر الخلف في الكثير من الفروع الفقهيّة منها ‪ :‬الحيوان المشكل أمره كالزّرافة ‪،‬‬
‫والنّبات المجهول تسميته ‪ ،‬ومنها ما إذا لم يعرف حال النّهر هل هو مباح أو مملوك ‪ ،‬ومنها‬
‫ضبّة من‬
‫ما لو دخل برجه حمام وشكّ هل هو مباح أو مملوك ‪ .‬وكذلك لو شكّ في كبر ال ّ‬
‫الذّهب أو الفضّة ‪ .‬ويراجع تفصيل هذه الفروع في مصطلحي ( أطعمة ‪ ،‬وآنية ) ‪.‬‬
‫المسألة الثّانية ‪ :‬إذا اجتمع الحلل والحرام غلّب الحرام ‪:‬‬
‫ص الشّافعيّة الحلل في هذه القاعدة بالمباح ‪ ،‬أمّا الحنفيّة فهو عندهم شامل للمباح‬
‫‪-3‬خ ّ‬
‫والواجب ‪ .‬وعند الشّافعيّة لو اختلط الواجب بالمحرّم روعي مقتضى الواجب ومن أمثلته‬
‫عندهم اختلط موتى المسلمين بالكفّار يجب غسل الجميع والصّلة عليهم ‪ ،‬وكذلك الهجرة‬
‫على المرأة من بلد الكفّار واجبة وإن كان سفرها وحدها حرامًا ‪ ،‬ونحوها ‪.‬‬
‫وقد خرّج الحنفيّة هذه الفروع على قاعدة إذا تعارض المانع والمقتضي قدّم المانع ‪.‬‬
‫ن في تغليب الحرام تقليلً للتّغيير‬
‫ودليل قاعدة ‪ -‬إذا اجتمع الحلل والحرام غلّب الحرام ‪ -‬أ ّ‬
‫ن المكلّف إذا انتفع بشيء قبل ورود الشّرع بما يحرّمه أو يبيحه فإنّه ل‬
‫في الحكام ‪ ،‬وبيانه أ ّ‬
‫حتّى َن ْبعَثَ َرسُولً } ‪.‬‬
‫يعاقب بالنتفاع به لقوله تعالى ‪َ { :‬ومَا ُكنّا ُم َع ّذبِينَ َ‬
‫جمِيعا } ‪ .‬فإذا ورد ما يفيد التّحريم فقد غيّر المر‬
‫لرْضِ َ‬
‫وقوله سبحانه ‪ { :‬خََلقَ َلكُم مّا فِي ا َ‬
‫وهو عدم العقاب على النتفاع ‪ ،‬ثمّ إذا ورد ما يفيد الباحة فقد نسخ ذلك المحرّم فيلزم هنا‬
‫تغييران ‪ .‬وأمّا إذا جعلنا المبيح هو المتقدّم فيكون مؤكّدا للباحة الصليّة ل مغيّرا لها ‪ ،‬فإذا‬
‫جاء المحرّم كان ناسخًا للباحة ومغ ّيرًا لها ‪ ،‬فيلزم منه تغيير واحد ففيه تقليل للتّغيير ‪.‬‬
‫وهذا الدّليل يوافق الحنفيّة من أنّ الحلل شامل للمباح وللواجب ‪.‬‬
‫ن فيه ترك مباح لجتناب‬
‫ن ترجيح التّحريم أحبّ ‪ ،‬ل ّ‬
‫أمّا الشّافعيّة فقد استدلّوا لهذه القاعدة بأ ّ‬
‫محرّم وذلك أولى وأحوط ‪ .‬ومن أمثلة هذه القاعدة وتطبيقاتها ‪ :‬تعارض حديث ‪ « :‬لك من‬
‫الحائض ما فوق الزار » مع حديث ‪ « :‬اصنعوا ك ّل شيء إلّ النّكاح » فإنّ الوّل يقتضي‬
‫سرّة والرّكبة ‪ ،‬والثّاني يقتضي إباحة ما عدا الوطء فيرجّح التّحريم احتياطا ‪.‬‬
‫تحريم ما بين ال ّ‬
‫وكذلك لو اشتبهت محرم بأجنبيّات محصورات لم تحلّ ‪.‬‬
‫وكذلك لو كانت الشّجرة بعضها في الحلّ وبعضها في الحرم حرم قطعها ‪.‬وغيرها من‬
‫المثلة‪ .‬ويستثنى من هذه القاعدة صور منها ‪ :‬إذا رمى سهما إلى طائر فجرحه ووقع على‬
‫ن ذلك ل بدّ‬
‫الرض فمات فإنّه يحلّ ‪ ،‬وإن أمكن إحالة الموت على الوقوع على الرض ‪ ،‬ل ّ‬
‫منه فعفي عنه ‪.‬‬
‫ن ‪ :‬معاملة من أكثر ماله حرام إذا لم يعرف عينه ل تحرم ‪،‬‬
‫ومنها ما ذكر السّيوطيّ من أ ّ‬
‫ولكن تكره ‪.‬‬
‫ومنها ‪ :‬لو اعتلفت الشّاة علفا حراما لم يحرم لبنها ولحمها وإن كان تركه أورع ‪ .‬وغيرها‬
‫من المثلة ‪.‬‬
‫المسألة الثّالثة ‪ :‬أسباب التّحليل وأنواعه ‪:‬‬
‫‪ - 4‬يحكم بالحلّ لسببين ‪ :‬الوّل ‪ :‬ذاتيّ ‪ ،‬كالنتفاع بالبرّ والشّعير وسائر الشياء المباحة ‪.‬‬
‫الثّاني ‪ :‬عرضيّ ‪ ،‬كالبيع الصّحيح والجارة والهبة وسائر السباب المبيحة ‪.‬‬
‫والحلل بوصفه القائم به قد يعرض له ما يقتضي تحريمه من السباب المحرّمة ‪ .‬أو يعرض‬
‫له ما ل يوصف معه بالحلّ كالشّبه ‪ .‬ولهذا كان الحلل درجات أعلها ما كان خالصًا من‬
‫جميع الشّبه كالغتراف من النهار العظام الخالية عن الختصاص ‪ ،‬وأدناها ما قربت درجته‬
‫الخيرة من الحرام المحض ‪ ،‬كمال من ل كسب له إلّ المكوس المحرّمة ‪ ،‬وإن كان يحتمل‬
‫أن يكون بعض ما في يده حصل له من جهة حلل ‪.‬‬
‫ي في المصطلحات ( حرام ‪ ،‬ومباح ) ‪ .‬وكما تقدّم‬
‫وينظر تفصيل ما تقدّم في الملحق الصول ّ‬
‫جانب منه في مصطلح ( تحليل ‪ ،‬واشتباه ) ‪.‬‬

‫حلِف *‬
‫َ‬
‫التّعريف ‪:‬‬
‫‪ - 1‬الحلف لغةً اليمين ‪ :‬وأصلها العقد بالعزم وال ّنيّة ‪.‬‬
‫قال أبو هلل العسكريّ ‪ :‬والحلف من قولك ‪ :‬سيف حليف أي ‪ :‬قاطع ماض ‪ .‬فإذا قلت ‪:‬‬
‫حلف باللّه ‪ ،‬فكأنّك قلت ‪ :‬قطع المخاصمة باللّه ‪ .‬وقال ابن فارس ‪ :‬الحلف بمعنى اليمين‬
‫ن النسان يلزمه الثّبات على اليمين ‪.‬‬
‫أصله من الحلف بمعنى الملزمة ‪ .‬وذلك أ ّ‬
‫واصطلحا ‪ :‬توكيد حكم بذكر معظّم على وجه مخصوص ‪.‬‬
‫حكمة التّحليف ومشروعيّته ‪:‬‬
‫‪ - 2‬التّحليف تكليف أحد الخصمين اليمين ويجري التّحليف للفصل في الخصومات وإنهاء‬
‫النّزاع في الدّعاوى ‪ ،‬وثبت بفعل النّبيّ صلى ال عليه وسلم بقوله ‪ :‬للمدّعى عليه ‪ « :‬احلف‬
‫باللّه الّذي ل إله إلّ هو ‪ ،‬ما له عندك شيء » ‪.‬‬
‫ل فيمينه » ‪.‬‬
‫« وقوله صلى ال عليه وسلم للشعث بن قيس ‪ :‬بيّنتك وإ ّ‬
‫صفة التّحليف ‪:‬‬
‫‪ - 3‬الحلف المنعقد هو القسم باللّه تعالى أو بصفاته ‪ ،‬مثل ‪ :‬ل ‪ ،‬ومقلّب القلوب ‪ ،‬وبالّذي‬
‫سمَاء‬
‫لرْضَ ِفرَاشا وَال ّ‬
‫جعَلَ َل ُكمُ ا َ‬
‫رفع سبعًا وبسط سبعا ‪ ،‬وهذا مصداقًا لقوله تعالى ‪ { :‬اّلذِي َ‬
‫جعَلُواْ لِّلهِ أَندَادا وَأَنتُمْ‬
‫ل َت ْ‬
‫ج بِ ِه مِنَ ال ّث َمرَاتِ ِرزْقا ّل ُك ْم فَ َ‬
‫سمَاء مَاء َفَأخْرَ َ‬
‫ل مِنَ ال ّ‬
‫ِبنَاء وَأَنزَ َ‬
‫ن}‪.‬‬
‫َتعَْلمُو َ‬
‫ن اللّه ينهاكم أن‬
‫وقد نهى النّبيّ صلى ال عليه وسلم عن الحلف بغير اللّه بقوله ‪ « :‬أل إ ّ‬
‫تحلفوا بآبائكم ‪ ،‬من كان حالفا ‪ ،‬فليحلف باللّه أو ليصمت » وزاد في رواية أخرى « فقال‬
‫عمر ‪ :‬فواللّه ما حلفت بها منذ سمعت رسول اللّه صلى ال عليه وسلم نهى عنها ذاكرًا ول‬
‫آثرا » ‪ ( .‬ر ‪ :‬أيمان ‪ -‬فقرة ‪ ، 17 /‬وإثبات ‪ -‬فقرة ‪ ، 23 /‬وإيلء ‪ -‬فقرة ‪. ) 1 /‬‬
‫الحقوق الّتي يجري فيها التّحليف ‪:‬‬
‫‪ - 4‬الحقوق على ضربين ‪ :‬أحدهما ‪ :‬حقّ للّه تعالى ‪ .‬والثّاني ‪ :‬حقّ للعباد ‪ .‬وحقّ اللّه على‬
‫ن المقصود من اليمين النّكول ‪ ،‬وهو‬
‫قسمين ‪ :‬فالوّل ‪ :‬الحدود ول يجري التّحليف فيها ‪ ،‬ل ّ‬
‫ل يعدو أن يكون بذلً أو إقرارا فيه شبهة ‪ ،‬والحدود ل بذل فيها ول تقام بحجّة فيها شبهة ‪.‬‬
‫ولنّه لو رجع عن إقراره قبل منه وخلّي سبيله من غير يمين فلن ل يستحلف مع القرار‬
‫ب ستره ‪ ،‬لقوله صلى ال عليه وسلم لهزال في قصّة ماعز ‪ « :‬لو سترته‬
‫أولى ولنّه يستح ّ‬
‫بثوبك لكان خيرا لك » ‪.‬‬
‫ن ذلك عبادة فل يستحلف‬
‫الثّاني ‪ :‬الحقوق الماليّة كدعوى السّاعي الزّكاة على ربّ المال ‪ ،‬ل ّ‬
‫عليها كالصّلة ‪ ،‬ولو ادّعى عليه كفّارة يمين أو ظهار أو نذر صدقة أو غيرها فالقول قوله‬
‫في نفي ذلك من غير يمين ‪ ،‬لنّه ل حقّ للمدّعي فيه ول ولية عليه ‪ ،‬فإن تضمّنت الدّعوى‬
‫حقّا لدميّ مثل سرقة يحلف المدّعى عليه لحقّ الدميّ دون حقّ اللّه عزّ وجلّ ‪ ،‬ويضمن ‪.‬‬
‫وحقوق العباد تنقسم إلى قسمين ‪:‬‬
‫أحدهما ‪ :‬ما هو مال أو المقصود منه مال ‪ ،‬فهذا تشرع فيه اليمين بل خلف بين أهل العلم ‪.‬‬
‫فإذا لم تكن بيّنة للمدّعي حلف المدّعى عليه وبرئ ‪ ،‬وقد ثبت هذا في قصّة الحضرميّ‬
‫والكنديّ اللّذين اختلفا في الرض ‪.‬‬
‫الثّاني ‪ :‬ما ليس بمال ول المقصود منه مال كحدّ قذف ‪ ،‬وقود ‪ ،‬وما يطّلع عليه الرّجال غالبًا‬
‫كنكاح ‪ ،‬وطلق ‪ ،‬ورجعة ‪ ،‬وعتق ‪ ،‬وإسلم ‪ ،‬وردّة ‪ ،‬وجرح ‪ ،‬وتعديل ‪.‬‬
‫فعند أبي حنيفة والمالكيّة ل يستحلف فيها لنّ النّكول عند أبي حنيفة بذل ‪ ،‬وهذه المسائل ل‬
‫ح فيها البذل ‪ ،‬وعند الصّاحبين النّكول إقرار فيه شبهة ‪ ،‬وعليه يجري التّحليف فيها‬
‫يص ّ‬
‫عندهما ‪.‬‬
‫ل بشهادة رجلين عدلين‬
‫ق فيها شيء إ ّ‬
‫أمّا عند المالكيّة فكلّ دعوى ل تثبت إلّ بعدلين ل يستح ّ‬
‫إذ ل فائدة في ردّ اليمين أو إثباتها ‪ ،‬لنّه إن حلفها ل يثبت المدّعى به لتوقّف ثبوتها على‬
‫العدلين إلّ القسامة وجراح العمد ‪ ،‬وفي بعضها خلف وهي المسمّاة عندهم بأحكام تثبت في‬
‫البدن ليست بمال ويطّلع عليها الرّجال غالبا ‪.‬‬
‫وعند الشّافعيّة ‪ ،‬الحنابلة على أحد القولين وهو المتّبع عندهم ‪ ،‬أنّه يجري التّحليف لنّه عند‬
‫الشّافعيّة الدّعاوى الّتي تثبت برجلين أو رجل وامرأتين تثبت برجل ويمين ‪.‬‬
‫واستدلّوا « بأنّ النّبيّ صلى ال عليه وسلم قضى بهما في الحقوق والموال » ثمّ الئمّة من‬
‫بعده ‪ .‬والحنابلة على قولين ‪ :‬أحدهما ‪ :‬ل يستحلف المدّعى عليه ول تعرض عليه اليمين قال‬
‫ل في الموال والعروض خاصّةً‬
‫أحمد ‪ -‬رحمه ال ‪ : -‬لم أسمع من مضى جوّزوا اليمان إ ّ‬
‫كما سلف ‪.‬‬
‫الثّاني ‪ :‬يستحلف في الطّلق والقصاص والقذف ‪.‬‬
‫وقال الخرقيّ ‪ :‬إذا قال ارتجعتك فقالت ‪ :‬انقضت عدّتي قبل رجعتك فالقول قولها مع يمينها ‪.‬‬
‫ي صلى ال عليه‬
‫ل حقّ لدميّ ‪ ،‬لقول النّب ّ‬
‫قال ابن قدامة ‪ :‬فيتخرّج من هذا أنّه يستحلف في ك ّ‬
‫ن اليمين على المدّعى‬
‫وسلم ‪ « :‬لو يعطى النّاس بدعواهم لدّعى قوم دماء قوم وأموالهم ولك ّ‬
‫عليه » ‪ .‬وهذا عامّ في كلّ مدّعًى عليه ‪ ،‬وهو ظاهر في دعوى الدّماء بذكرها في الدّعوى‬
‫ق لدميّ ‪ ،‬فجاز أن يحلف فيها المدّعى‬
‫مع عموم الحاديث ‪ ،‬ولنّها دعوى صحيحة في ح ّ‬
‫عليه ‪ ،‬كدعوى المال ‪.‬‬
‫أثر التّحليف في الخصومة ‪:‬‬
‫‪ - 5‬الجمهور على أنّ اليمين تفيد قطع الخصومة في الحال ل البراءة من الحقّ ‪.‬‬
‫والمالكيّة اعتدّوا بالحلف وقالوا ‪ :‬تكون اليمين كافي ًة في إسقاط الخصومة وفي منع إقامة البيّنة‬
‫بعد ذلك ‪ ،‬إلّ إذا كان للمدّعي عذر في عدم التيان بالبيّنة وذلك كنسيان حين تحليفه خصمه ‪.‬‬
‫وللتّفصيل ( ر ‪ :‬إثبات ‪ -‬فقرة ‪. ) 28 /‬‬
‫صفة المحلوف عليه ‪:‬‬
‫‪ - 6‬يحلف على البتّ في فعله ‪ ،‬وكذا فعل غيره إن كان إثباتا ‪،‬وإن كان نفيا فعلى نفي العلم‪.‬‬
‫ل على نفي فعل الغير ‪ ،‬فإنّها على نفي العلم‬
‫ن اليمان كلّها على البتّ والقطع إ ّ‬
‫وجملة المر أ ّ‬
‫‪ .‬وعلى هذا أبو حنيفة ومالك والشّافعيّ ‪.‬‬
‫وقال الشّعبيّ والنّخعيّ ‪ :‬كلّها على العلم ‪ .‬وذكر ابن أبي موسى روايةً عن أحمد وذكر أحمد‬
‫ي صلى ال عليه وسلم « ل تضطرّوا‬
‫حديث الشّيبانيّ عن القاسم بن عبد الرّحمن عن النّب ّ‬
‫النّاس في أيمانهم أن يحلفوا على ما ل يعلمون » ولنّه ل يكلّف ما ل علم له به ‪ ،‬وحمل ابن‬
‫قدامة حديث القاسم بن عبد الرّحمن على اليمين على نفي فعل الغير ‪.‬‬
‫مثال البتّ ‪ :‬ادّعى عليه أنّه ضرب فلنًا واعتدى عليه ‪ ،‬فيحلف على البتات لنّه فعل النّفس ‪.‬‬
‫مثال العلم ‪ :‬ادّعى أحد دينًا على ميّت في مواجهة وارثه بسبب فيحلف الوارث على نفي العلم‬
‫‪ :‬واللّه ل أعلم أنّ أبي فعل ذلك لكونه فعل للغير ‪.‬‬
‫وتفرّد الحنفيّة بتقسيم الحلف إلى حلف على السّبب أو على الحاصل ‪.‬‬
‫والمقصود بالسّبب ‪ :‬وقوع سبب الحقّ المدّعى أو عدم وقوعه ‪.‬‬
‫ن العقد يحتمل الرتفاع‬
‫والمقصود بالحاصل ‪ :‬بقاء العقد المثبت للحقّ أو عدم بقائه ‪ :‬أ ّ‬
‫كالنّكاح يرتفع بالطّلق ‪ ،‬والبيع بالقالة ‪ .‬مثال الحلف على السّبب ‪ :‬دعوى عقد بيع موجب‬
‫ب على نفس السّبب‬
‫لتملّك عين والكفالة لشتغال ال ّذمّة وتوجّه المطالبة ‪ ،‬فهو يمين منص ّ‬
‫المؤدّي إلى حصول مسبّبه هل هو واقع أو ل ؟ ‪.‬‬
‫والحلف على الحاصل ‪ :‬يكون في الشياء الّتي تقع ثمّ قد ترتفع برافع كالنّكاح والطّلق‬
‫والغصب ‪ ،‬فيحلف على الحاصل باللّه ما بينكما نكاح قائم ‪ ،‬وما هي بائن منك الن ‪ ،‬وما‬
‫يجب عليه ردّه ‪ .‬أي إلى الن لم يزل حاصلً باقيا أم ل ‪.‬‬
‫قال صاحب معين الحكّام ‪ :‬الستحلف على قسمين ‪:‬‬
‫سيّة ‪.‬‬
‫أحدهما ‪ :‬على العقود الشّرعيّة ‪ ،‬والخر على الفعال الح ّ‬
‫أمّا الوّل فهو أنّ القاضي يحلّفه على الحاصل بالعقد باللّه ما له قبلك ما ادّعى من الحقّ ‪ ،‬ول‬
‫يحلّفه على السّبب وهو البيع والجارة والكفالة ونحوها ‪ ،‬وروي عن أبي يوسف يحلّفه على‬
‫السّبب باللّه ما اشتريت ‪ ،‬ول استأجرت ‪ ،‬ول كفلت ونحوها ‪ ،‬إلّ أن يعرض للقاضي فيقول‬
‫‪ :‬كم من مشتر أو مستأجر يفسخ العقد فيحلّفه على الحاصل ‪ ،‬لنّ اليمين تجب على حسب‬
‫الدّعوى ودفعه ‪ ،‬والدّعوى وقع في العقد ل في الحاصل به ‪.‬‬
‫وأمّا القسم الثّاني وهو الستحلف على الفعال الحسّيّة وهي نوعان ‪:‬‬
‫نوع يستحلف على الحاصل ل على السّبب كالغصب والسّرقة إن كان المغصوب والمسروق‬
‫قائما ‪ ،‬يحلّفه باللّه ما هذا الثّوب لهذا ول عليك تسليمه ول تسليمه شيء منه إلى المدّعي ‪،‬‬
‫وإن كان مستهلكًا يستحلف على القيمة ل غير ‪.‬‬
‫وأمّا النّوع الثّاني وهو ما إذا ادّعى على رجل أنّه وضع على حائطه خشب ًة ‪ ،‬أو بنى عليه‬
‫بناءً ‪ ،‬أو أجرى على سطحه ‪ ،‬أو في داره ميزابًا أو فتح عليه في حقّه بابا ‪ ،‬أو رمى ترابا‬
‫في أرضه أو ميتةً أو نحو ذلك ‪ ،‬ممّا يجب على صاحبه نقله وأراد استحلفه على ذلك ‪ ،‬فإنّه‬
‫يحلّفه على السّبب باللّه ما فعلت هذا ‪ ،‬لنّه ليس في التّحليف هنا ضرر بالمدّعى عليه ‪ ،‬إذ‬
‫بعدما ثبت هذا الحقّ للمدّعي وهو استحقاق رفع هذه الشياء عن أرضه ‪ ،‬ل يتضرّر بسقوطه‬
‫بسبب من السباب ‪ ،‬فإنّه لو أذن له في البتداء أن يضع الخشبة على حائطه أو يلقي الميتة‬
‫في أرضه ‪ ،‬كان ذلك إعارةً منه ‪ ،‬فمتى بدا له كان له أن يطالبه برفعه ‪ ،‬وإن باع منه ذلك ل‬
‫ن هذا بيع الحقّ وبيع الحقّ ل يجوز ‪ .‬أ ‪ .‬هس ‪ .‬أي فهذه الفعال الحسّيّة كالسباب‬
‫يجوز ‪ ،‬ل ّ‬
‫الّتي ل ترتفع برافع نحو دعوى العبد المسلم العتق على موله ‪ ،‬فالتّحليف على السّبب ل‬
‫يضرّ المدّعى عليه ‪.‬‬
‫حقّ التّحليف ‪:‬‬
‫‪ - 7‬إذا حلف المدّعى عليه بطلب الخصم قبل أن يكلّفه الحاكم فل تعتبر يمينه ‪ ،‬ويلزم أن‬
‫يحلف من قبل الحاكم مرّ ًة أخرى ‪ .‬والجمهور على أنّه ل يجوز للقاضي استحلف المدّعى‬
‫عليه إلّ بعد طلب اليمين من المدّعي لنّه حقّ له ‪ ،‬فل يستوفيه من غير إذنه ‪ .‬ول يعتدّ‬
‫بتحليف قاض قبل مطالبة المدّعي ‪ ،‬لنّها يمين قبل وقتها ‪ ،‬للمدّعي أن يطالب بإعادتها ‪.‬‬
‫واستثنى الحنفيّة خمسة مواطن ‪ :‬الوّل ‪ :‬إذا ادّعى أحد من التّركة حقّا بالجماع ‪.‬‬
‫الثّاني ‪ :‬إذا استحقّ أحد المال ‪ .‬الثّالث ‪ :‬لو أراد مشتر ردّ مبيع لعيبه ‪.‬‬
‫الرّابع ‪ :‬تحليف الحاكم الشّفيع عند الحكم له بالشّفعة بأنّه لم يبطل شفعته ‪.‬‬
‫والخامس ‪ :‬المرأة ‪ ،‬إذا طلبت فرض نفقة على زوجها الغائب ‪.‬‬
‫( ر ‪ :‬إثبات ‪ -‬فقرة ‪. ) 22 / 17 /‬‬
‫ال ّنيّة في التّحليف ‪:‬‬
‫ن اليمين على نيّة الحالف إذا كان‬
‫‪ - 8‬ذهب الجمهور " الحنفيّة والشّافعيّة والحنابلة إلى أ ّ‬
‫مظلوما ‪ ،‬وإن كان ظالما فعلى نيّة المستحلف ‪ ،‬لحديث أبي هريرة رضي ال عنه قال ‪ :‬قال‬
‫رسول اللّه صلى ال عليه وسلم ‪ « :‬يمينك على ما يصدّقك به صاحبك » ‪.‬‬
‫إذ المقصود هو التّرهيب وردع الحالف عن جحوده خوفا من اليمين الغموس ‪.‬‬
‫ح تورية الحالف ول‬
‫وقال الغزاليّ ‪ :‬وينظر في اليمين إلى نيّة القاضي وعقيدته ‪ ،‬فل يص ّ‬
‫قوله إن شاء اللّه بحيث ل يسمع القاضي ‪.‬‬
‫وأتى ابن قدامة بمثال للحالف مظلوما وهي واقعة حصلت للصّحابيّ سويد بن حنظلة رضي‬
‫ال عنه ‪ .‬قال سويد ‪ « :‬خرجنا نريد رسول اللّه صلى ال عليه وسلم ومعنا وائل بن حجر‬
‫فأخذه عد ّو له فتحرّج القوم أن يحلفوا ‪ ،‬فحلفت أنّه أخي ‪ .‬فخلّى سبيله ‪ ،‬فأتينا رسول اللّه‬
‫صلى ال عليه وسلم فذكرت ذلك له فقال ‪ :‬أنت أبرّهم وأصدقهم المسلم أخو المسلم » ‪.‬‬
‫قال ابن قدامة والحال الثّالثة ‪ :‬لم يكن ظالما ول مظلوما قال ‪ :‬فظاهر كلم أحمد أنّه له تأويله‬
‫وأورد عن أنس رضي ال عنه « أنّ رجلً جاء إلى النّبيّ صلى ال عليه وسلم فقال يا رسول‬
‫اللّه احملني فقال ‪ :‬إنّي حاملك على ولد النّاقة فقال ‪ :‬يا رسول اللّه ما أصنع بولد النّاقة فقال‬
‫رسول اللّه صلى ال عليه وسلم وهل تلد البل إلّ النّوق » ‪.‬‬
‫وقال المالكيّة ‪ -‬عدا ابن القاسم ‪ : -‬اليمين على نيّة المستحلف ‪ ،‬وقال ابن القاسم ‪ :‬هي على‬
‫نيّة الحالف فينفعه الستثناء فل تلزمه كفّارة ولكن يحرم ذلك عليه ‪.‬‬
‫وانظر التّفصيل في بحث ( أيمان ف ‪ 153 /‬فما بعدها ) ‪.‬‬
‫وقد توسّع ابن قدامة في ذلك فلينظر في موضعه ‪.‬‬

‫حلْف *‬
‫ِ‬
‫التّعريف ‪:‬‬
‫‪ - 1‬الحلف لغةً العهد ‪ ،‬وقد حالف فلن فلنا إذا عاهده وعاقده ‪ .‬فهو حليفه ‪ ،‬وتحالفوا أي‬
‫تعاهدوا ‪ ،‬وفي حديث أنس ‪ « :‬حالف رسول اللّه صلى ال عليه وسلم بين قريش والنصار‬
‫في داري أي آخى بينهم » ‪.‬‬
‫وقال ابن الثير ‪ :‬أصل الحلف المعاقدة والمعاهدة على التّناصر والتّساعد والتّفاق ‪ ،‬وقال‬
‫ل بالحلف ‪ ،‬أي يؤكّد باليمان ‪.‬‬
‫ابن سيده ‪ :‬سمّي الحلف حلفًا لنّه ل يعقد إ ّ‬
‫اللفاظ ذات الصّلة ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬المؤاخاة والموالة ‪:‬‬
‫‪ - 2‬قال القرطبيّ ‪ :‬معنى المؤاخاة أن يتعاقد الرّجلن على التّناصر والمواساة والتّوارث‬
‫حتّى يصيرا كالخوين نسبا ‪ ،‬وقد يسمّى ذلك حلفا ‪.‬‬
‫وإذا تحالفا على ذلك كان ك ّل منهما مولىً للخر بالموالة ( وانظر ‪ :‬ولء ) ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬المهادنة ‪:‬‬
‫‪ - 3‬المهادنة ‪ :‬المصالحة بعد الحرب ‪.‬‬
‫ج ‪ -‬المان ‪:‬‬
‫‪ - 4‬المان لغ ًة السّلمة ‪ ،‬واصطلحا ‪ :‬رفع استباحة دم الحربيّ ورقّه وماله حين قتاله ‪ ،‬أو‬
‫العزم عليه مع استقراره تحت حكم السلم ‪.‬‬
‫الحلف في الجاهليّة ‪:‬‬
‫‪ - 5‬كانت الحلف تعقد في الجاهليّة بين فرد وقبيلة ‪ ،‬أو بين فرد وفرد ‪ ،‬أو بين قبيلة وقبيلة‬
‫‪ .‬فممّا كان بين القبائل حلف المطيّبين من قريش ‪ .‬قال ابن إسحاق وغيره ‪ :‬وهم عبد مناف ‪،‬‬
‫وأسد ‪ ،‬وزهرة ‪ ،‬وتيم رهط أبي بكر رضي ال عنه ‪ .‬سمّوا بذلك لمّا أرادت بنو عبد مناف‬
‫أخذ ما في يدي عبد الدّار من الحجابة والرّفادة واللّواء والسّقاية ‪ ،‬وأبت بنو عبد الدّار ‪،‬‬
‫فأخرجت بنو عبد مناف جفن ًة مملوء ًة طيبا فوضعوها لحلفهم المذكورين في المسجد الحرام‬
‫عند الكعبة ‪ ،‬ثمّ غمسوا أيديهم فيها وتعاقدوا ثمّ مسحوا الكعبة بأيديهم توكيدًا لليمين فسمّوا‬
‫المطيّبين ‪ .‬وتعاقدت بنو عبد الدّار وحلفاؤها وهم جمح وسهم ومخزوم وعديّ بن كعب رهط‬
‫عمر بن الخطّاب رضي ال عنه على ما أرادوا من ذلك المر ‪ ،‬فسمّوا الحلف ‪ .‬فكان يقال‬
‫لبي بكر أنّه " مطيّبيّ " ولعمر أنّه " أحلفيّ " ‪.‬‬
‫وذكر ابن إسحاق أيضا أنّه كان في قريش حلف آخر هو حلف الفضول ‪ ،‬وقد شهده رسول‬
‫اللّه صلى ال عليه وسلم بنفسه قبل البعثة ‪ ،‬وكان سنّه إذ ذاك قريبا من عشرين عاما ‪ ،‬وقد‬
‫ن لي به حمر‬
‫قال فيه بعد ذلك ‪ « :‬لقد شهدت في دار عبد اللّه بن جدعان حلفا ما أحبّ أ ّ‬
‫النّعم ‪ ،‬ولو أدعى به في السلم لجبت » ‪ .‬زاد في بعض الرّوايات ‪ « :‬تحالفوا أن تردّ‬
‫الفضول على أهلها ‪ ،‬وألّ يعزّ ظالم مظلوما » ومعنى لجبت أي لنصرت المظلوم إذا دعا‬
‫به‪ .‬والبطون الّتي تحالفت هذا الحلف من قريش هم بنو هاشم ‪ ،‬وبنو المطّلب ‪ ،‬وبنو أسد بن‬
‫عبد العزّى ‪ ،‬وبنو زهرة ‪ ،‬وبنو تيم بن مرّة ‪ ،‬ومن بني تيم عبد اللّه بن جدعان الّذي عقد‬
‫الحلف في داره ‪ ،‬تعاقدوا وتعاهدوا على أن ل يجدوا بمكّة مظلوما من أهلها وغيرهم ممّن‬
‫ل قاموا معه على من ظلمه حتّى تردّ عليه مظلمته ‪.‬‬
‫دخلها من سائر النّاس إ ّ‬
‫وأمّا بين الفراد فقد كان أهل الجاهليّة يعاقد الرّجل منهم الخر فيقول ‪ :‬دمي دمك ‪ ،‬وهدمي‬
‫هدمك ‪ ،‬وثأري ثأرك ‪ ،‬وحربي حربك ‪ ،‬وسلمي سلمك ‪ ،‬وترثني وأرثك ‪ ،‬وتطلب بي‬
‫وأطلب بك ‪ ،‬وتعقل عنّي وأعقل عنك " فإذا قبل الخر نفذ بينهما هذا التّحالف ‪.‬‬
‫ل شيء ‪ ،‬فيمنع الرّجل حليفه وإن كان ظالما ‪ ،‬ويقوم دونه ‪،‬‬
‫وكان المتحالفان يتناصران في ك ّ‬
‫ويدفع عنه بك ّل ممكن ‪ ،‬حتّى يمنع الحقوق وينتصر به الظّالم في الظّلم والفساد والعناد ‪.‬‬
‫والتّحالف بين الفراد على نوعين ‪ :‬فقد يكون اللتزام من طرف واحد ‪ ،‬بأن يلتجئ رجل قد‬
‫ترك عشيرته ‪ ،‬أو ل عشيرة له ‪ ،‬إلى رجل ذي منعة فيحالفه ليحميه ويتحمّل عنه جرائره ‪،‬‬
‫دون التزام من قبل الضّعيف بالنّصرة أو العقل ( الدّية ) ‪ ،‬وقد كان هذا في الجاهليّة واستمرّ‬
‫في السلم ‪ ،‬فكان العجميّ يوالي في العرب ‪ ،‬وقد يكون اللتزام من الطّرفين بأن ينصر‬
‫كلّ منهما الخر ويرثه ويعقل عنه ‪.‬‬
‫الحكام المتعلّقة بالحلف ‪:‬‬
‫أوّلً ‪ :‬التّحالف بين مسلم ومسلم ‪:‬‬
‫‪ - 6‬ل يعرف خلف بين الفقهاء في أنّ التّحالف بين أفراد المسلمين إذا كان على أن ينصر‬
‫شرّ ‪ ،‬وعلى الحقّ والباطل ‪ ،‬أو على أن يرث كلّ‬
‫كلّ من الطّرفين الخر على الخير وال ّ‬
‫منهما الخر دون ذوي قرابته ‪ ،‬فإنّ ذلك الحلف يكون باطلً ‪ ،‬ووجه ذلك أنّه ل يجوز‬
‫التّناصر على الباطل ‪ ،‬ول على ما حرّمه اللّه تعالى ‪ ،‬لقول اللّه تعالى ‪َ { :‬و َتعَا َونُواْ عَلَى الْبرّ‬
‫لثْمِ وَا ْل ُعدْوَانِ } ولقول النّبيّ صلى ال عليه وسلم ‪ « :‬انصر أخاك‬
‫وَالتّ ْقوَى َولَ َتعَا َونُواْ عَلَى ا ِ‬
‫ظالما أو مظلوما قالوا يا رسول اللّه ‪ ،‬هذا ننصره مظلوما ‪ ،‬فكيف ننصره ظالما ‪ ،‬قال ‪:‬‬
‫تأخذ فوق يديه » قال الجصّاص ‪ :‬كان حلف الجاهليّة أن يعاقده فيقول ‪ :‬دمي دمك وهدمي‬
‫هدمك وترثني وأرثك ‪ ،‬وكان في هذا الحلف أشياء قد حظرها السلم ‪ ،‬وهو أنّه يشرط أن‬
‫يحامي عنه ويبذل دمه دونه ويهدم ما يهدمه فينصره على الحقّ والباطل ‪ ،‬وقد أبطلت‬
‫الشّريعة هذا الحلف ‪ ،‬وأوجبت معونة المظلوم على الظّالم حتّى ينتصف منه ‪.‬‬
‫وكذا ورد في الميراث اليات الكريمة الّتي حدّدت نصيب كلّ وارث ‪ ،‬وقد قال تعالى في‬
‫حكِيما } فمن جعل ميراثه لمن واله‬
‫ن اللّ َه كَانَ عَلِيمَا َ‬
‫ن اللّ ِه إِ ّ‬
‫آيات المواريث ‪َ { :‬فرِيضَ ًة مّ َ‬
‫وعاقده دون من جعل اللّه تعالى لهم الميراث ‪ ،‬ناقض حكم اللّه تعالى بذلك ‪ ،‬فبطل عقده ‪،‬‬
‫وحكم اللّه تعالى نافذ ‪.‬‬
‫‪ -7‬أمّا التّحالف على الخير والنّصرة على الحقّ وعلى العقل والتّوارث لمن ل وارث له ‪ .‬فقد‬
‫ورد أنّ النّبيّ صلى ال عليه وسلم قال في غزوة الفتح ‪ « :‬ل حلف في السلم وأيّما حلف‬
‫كان في الجاهليّة لم يزده السلم إلّ شدّ ًة » وفي رواية « ولكن تمسّكوا بحلف الجاهليّة »‬
‫وفي رواية « ل حلف في السلم وحلف الجاهليّة مشدود » وفي رواية الطّبريّ ‪ « :‬فوا‬
‫بحلف فإنّه ل يزيده السلم إلّ شدّ ًة ول تحدثوا حلفا في السلم » ‪.‬‬
‫وقد اختلف العلماء في ذلك ‪.‬‬
‫‪ -8‬أ ‪ -‬فذهب الحنفيّة إلى أنّه ل بأس أن يحالف مسلم مسلما حتّى بعد ورود هذا الحديث‬
‫على العقل والميراث ‪ -‬ول يرث إلّ على الوجه الّذي يأتي بيانه ‪ -‬وعلى النّصرة والنّصيحة‬
‫والرّفادة وغير ذلك من أنواع التّعاون ‪.‬‬
‫ن المراد بالحديث المذكور ‪ :‬نفي الحلف على المور الّتي كانوا يتعاقدون عليها في‬
‫وقالوا إ ّ‬
‫الجاهليّة وحظرها السلم ‪ ،‬وهي أن ينصره على الحقّ والباطل ويرثه دون ذوي رحمه‬
‫واستدلّوا لذلك بالدلّة المتقدّمة وبقول النّبيّ صلى ال عليه وسلم ‪ « :‬مولى القوم منهم وابن‬
‫أختهم منهم وحليفهم منهم » ‪.‬‬
‫ن ذلك مذهب عمر ‪ ،‬وعليّ ‪ ،‬وابن مسعود رضي ال عنهم ‪.‬‬
‫وقالوا ‪ :‬إ ّ‬
‫ثمّ عند الحنفيّة قد تكون الموالة من الجانبين أو من جانب واحد ‪ ،‬ولو والى صبيّ عاقل بإذن‬
‫ح كذلك ‪ ،‬ويكون وكيلً عن سيّده بعقد‬
‫وليّه صحّ ‪ ،‬أو والى العبد بإذن سيّده آخر يص ّ‬
‫الموالة ‪ ،‬ولمن والى رجلً أن ينقل ولءه إلى غيره إن لم يعقل عنه أو عن ولده ‪ ،‬ولو عقل‬
‫عنه بيت المال فولؤه للمسلمين فل ينتقل عن ولئهم إلى ولء خاصّ ‪ ،‬ول بدّ في عقد‬
‫الموالة أن يشترط العقل ‪ -‬أي تحمّل الدّية ‪ -‬والرث ‪.‬‬
‫وفي شرح السّراجيّة ‪ :‬بل مجرّد العقد كاف بأن يقول واليتك ‪ ،‬ويقول الخر قبلت ‪ ،‬فينعقد‬
‫العقد ويرث القابل ‪ ،‬وهذا إجمال ينظر تفصيله في مصطلح ‪ ( :‬ولء ) ‪.‬‬
‫وقد أورد الطّحاويّ في " شروطه " صيغ ًة لعقد الموالة مستوفيةً للشّروط المعتبرة فيه عند‬
‫الحنفيّة ‪.‬‬
‫ن أحلف الجاهليّة يستمرّ‬
‫‪ -9‬ب ‪ -‬وذهب جمهور الفقهاء إلى الخذ بظاهر هذا الحديث من أ ّ‬
‫التّناصر بها حتّى بعد هذا الحديث ‪ ،‬لكن ل يكون إلّ تناصرا على الحقّ والتّعاون على الخير‬
‫‪ ،‬ول تقتضي ميراثا لكون التّوارث بها منسوخا ‪ ،‬لكن الحلف الّتي عقدت في السلم ‪ ،‬أو‬
‫تعقد من بعد ورود الحديث منقوضة ‪ ،‬لكون هذا الحديث ناسخا لجازة التّحالف الّتي عمل بها‬
‫في أوّل السلم فقد أمروا أن ل ينشئوا بعد ذلك معاقد ًة كما عبّر ابن كثير ‪.‬‬
‫ل المسلمين يقتضي‬
‫ووجهه أنّ السلم وحّد بين المسلمين ‪ ،‬فهو بمعنى تحالف شامل لك ّ‬
‫خوَةٌ }‬
‫التّناصر والتّعاون بينهم على من قصد بعضهم بظلم ‪ ،‬لقوله تعالى ‪ِ { :‬إ ّنمَا ا ْلمُ ْؤ ِمنُونَ ِإ ْ‬
‫ض ُهمْ َأوِْليَاء َبعْضٍ } ‪.‬‬
‫وقوله ‪ { :‬وَا ْل ُم ْؤ ِمنُونَ وَا ْل ُم ْؤ ِمنَاتُ َبعْ ُ‬
‫وقول النّبيّ صلى ال عليه وسلم ‪ « :‬المؤمن للمؤمن كالبنيان يشدّ بعضه بعضا » ‪.‬‬
‫ب لخيه ما يحبّ لنفسه » ‪.‬‬
‫وقوله ‪ « :‬ل يؤمن أحدكم حتّى يح ّ‬
‫وقوله ‪ « :‬المسلم أخو الم سلم ل يظل مه ول يخذله ول يحقره » ‪ .‬وقوله ‪ « :‬الم سلمون تتكافأ‬
‫دماؤهم ‪ ،‬يسعى بذمّتهم أدناهم ‪ ،‬ويجير عليهم أقصاهم ‪ ،‬وهم يد على من سواهم » ‪.‬‬
‫ل مؤمن أن يقوم بحقوقه ‪،‬‬
‫ل مؤمن ‪ ،‬ووجب على ك ّ‬
‫فمن كان قائما بواجب اليمان كان أخًا لك ّ‬
‫وإن لم يجر بينهما عقد خا صّ ‪ ،‬فإ ّن اللّه ورسوله قد عقدا الخوّة بينهما بقوله تعالى ‪ِ { :‬إ ّنمَا‬
‫خ َوةٌ } وقول النّبيّ صلى ال عليه وسلم ‪ « :‬وددت أنّي قد رأيت إخواني » ومن‬
‫ا ْل ُم ْؤمِنُو نَ إِ ْ‬
‫لم ي كن خارجا عن حقوق اليمان و جب أن يعامل بمو جب ذلك ‪ ،‬فيح مد على ح سناته ويوالى‬
‫عليها وينهى عن سيّئاته ويعاقب عليها ‪ .‬كف سّاق أهل الملّة إذ هم مستحقّون للثّواب والعقاب ‪،‬‬
‫وللموالة والمعاداة ‪.‬‬
‫قالوا ‪ :‬وأمّا استمرار العمل بأحلف الجاهليّة في التّناصر فيؤيّده في الحديث ال سّابق ذكره أ نّ‬
‫ن لي‬
‫النّبيّ صلى ال عليه وسلم قال ‪ « :‬لقد شهدت في دار عبد اللّه بن جدعان حلفا ما أحبّ أ ّ‬
‫به حمر النّعم ولو أدعى به في السلم لجبت » أي لنصرت المستنصر به ‪ ،‬وفي رواية‬
‫« شهدت حلف المطيّبين وأنا غلم مع عمومتي فما أحبّ أنّ لي حمر النّعم وأنّي أنكثه » ‪.‬‬
‫واختلف أصحاب هذا القول في الوقت الّذي هو الحدّ الفاصل بين ما هو من أحلف الجاهليّة ‪،‬‬
‫فيبطل منه ما يخالف حكم السلم ‪ ،‬ويبقى ما عداه على حاله ‪ ،‬فيستمرّ حكمه في السلم ‪،‬‬
‫وبين ما هو من أحلف السلم فينقض ‪ .‬فقال ابن عبّاس ‪ :‬ما كان قبل نزول الية ‪ -‬يعني {‬
‫ضهُ مْ َأ ْولَى ِب َبعْ ضٍ } ‪ -‬فهو جاهل يّ ‪ ،‬وما بعدها إسلميّ ‪ ،‬وعن عل يّ ‪:‬‬
‫َوُأ ْولُو الَْأرْحَا مِ َب ْع ُ‬
‫ما كان قبل نزول { ليلفِ ُقرَيشٍ } جاهليّ ‪ ،‬وما بعدها إسلميّ ‪ ،‬وعن عثمان ‪ :‬ما كان قبل‬
‫ل حلف كان قبل الحديبية فهو مشدود‬
‫الهجرة فهو جاهل يّ وما بعدها إسلميّ ‪ .‬وعن عمر ‪ :‬ك ّ‬
‫ل حلف بعد ها منقوض ‪ .‬قال ا بن ح جر ‪ :‬وأظ نّ قول ع مر أقوا ها ‪ .‬أي ل ما ث بت أ نّ النّبيّ‬
‫وك ّ‬
‫صلى ال عليه وسلم آخى بينهم في المدينة وذلك ينفي القولين الثّاني والثّالث ‪.‬‬
‫‪ - 10‬وذهب آخرون إلى أنّه ل بأس أن يعقد حلف بين مسلم ومسلم على التّناصر على الحقّ‬
‫والنّصيحة والتّعاون على الخير حتّى وإن كان ذلك بعد ورود الحديث المتقدّم ‪ ،‬ول توارث به‬
‫‪ .‬قال النّوويّ ‪ :‬المؤاخاة في السلم ‪ ،‬والمحالفة على طاعة اللّه ‪ ،‬والتّناصر في الدّين ‪،‬‬
‫والتّعاون على البرّ والتّقوى وإقامة الحقّ ‪ ،‬هذا باق لم ينسخ ‪ ،‬قال وهذا معنى قوله صلى ال‬
‫ل شدّةً » وأمّا‬
‫عليه وسلم في هذه الحاديث ‪ « :‬وأيّما حلف كان في الجاهليّة لم يزده السلم إ ّ‬
‫قوله صلى ال عليه وسلم ‪ « :‬ل حلف في السلم » فالمراد به حلف التّوارث والحلف على‬
‫ما منع الشّرع منه ‪.‬‬
‫أطوار التّوارث بالحلف في السلم ‪:‬‬
‫ل به‬
‫‪ - 11‬ل تختلف كلمة المفسّرين وغيرهم من العلماء في أنّ التّوارث بالحلف كان معمو ً‬
‫ل في السلم ‪ ،‬وقد آخى النّبيّ صلى ال عليه وسلم بين المهاجرين والنصار فكان لكلّ‬
‫أ ّو ً‬
‫رجل من المهاجرين أخ من النصار ‪ ،‬وتوارثوا بذلك ‪ ،‬فكان النصاريّ إذا مات يرثه أخوه‬
‫المهاجريّ ‪ ،‬وقد ورد في ذلك أحاديث منها ‪:‬‬
‫جعَ ْلنَا مَوَاِليَ }‬
‫ل َ‬
‫‪ - 1‬ما روى البخاريّ والطّبريّ عن ابن عبّاس قال في قوله تعالى ‪ { :‬وَِلكُ ّ‬
‫قال ‪ :‬ورث ًة { وَاّلذِينَ عَ َقدَتْ َأ ْيمَا ُن ُكمْ } ‪ .‬قال ‪ :‬كان المهاجرون لمّا قدموا على النّبيّ صلى ال‬
‫عليه وسلم ورث المهاجر النصاريّ دون ذوي رحمه للخوة الّتي آخى النّبيّ صلى ال عليه‬
‫ت َأ ْيمَا ُنكُمْ } إلّ‬
‫جعَ ْلنَا مَوَاِليَ } نسخت ‪ .‬ثمّ قال { وَاّلذِينَ عَ َقدَ ْ‬
‫وسلم بينهم ‪ ،‬فلمّا نزلت { وَِلكُلّ َ‬
‫النّصر والرّفادة والنّصيحة ‪ ،‬وقد ذهب الميراث ‪.‬‬
‫ونقل الطّبريّ عن الحسن وعكرمة " كان الرّجل يحالف الرّجل ليس بينهما نسب فيرث‬
‫أحدهما الخر ‪ ،‬فنسخ ذلك " وعاقد أبو بكر رضي ال عنه مولًى فورثه ‪.‬‬
‫ول تختلف كلمة العلماء في أنّ التّوارث على هذه الصّفة منسوخ ‪ ،‬واختلفوا في النّاسخ ‪ ،‬فقال‬
‫ض ُهمْ أَوْلَى ِب َبعْضٍ فِي ِكتَابِ اللّهِ } وقيل ‪:‬‬
‫ل ْرحَامِ َبعْ ُ‬
‫بعضهم ‪ :‬النّاسخ قوله تعالى ‪ { :‬وَأُوْلُواْ ا َ‬
‫بل الّتي في آخر النفال ‪.‬‬
‫لقْ َربُونَ } أي يرثون كلّ‬
‫جعَ ْلنَا مَوَاِليَ ِممّا َت َركَ ا ْلوَاِلدَانِ وَا َ‬
‫ل َ‬
‫وقيل ‪ :‬بل قوله تعالى ‪ { :‬وَِلكُ ّ‬
‫ت َأ ْيمَا ُنكُمْ فَآتُو ُهمْ َنصِي َبهُمْ } أي من النّصيحة والنّصر ‪ ،‬دون‬
‫المال ‪ ،‬وقوله ‪ { :‬وَاّلذِينَ عَ َقدَ ْ‬
‫الميراث ‪ ،‬وهذا قول الطّبريّ ‪ .‬وقيل ‪ :‬حصل النّسخ على مرحلتين ‪ ،‬فنسخ الوّل بقوله‬
‫جعَ ْلنَا مَوَاِليَ } أي ورثةً يرثون ‪ ،‬والمولى هنا هو القريب كالخ وابن‬
‫ل َ‬
‫تبارك وتعالى ‪ { :‬وَِلكُ ّ‬
‫العمّ ‪ ،‬ممّا ترك الوالدان والقربون ‪ ،‬والّذين عقدت أيمانكم ‪.‬‬
‫شهِيدا ) فقد نسخت‬
‫شيْءٍ َ‬
‫ل َ‬
‫ن اللّ َه كَانَ عَلَى كُ ّ‬
‫وقرئ ‪ ( :‬عاقدت َأ ْيمَا ُن ُكمْ فَآتُو ُهمْ َنصِي َب ُهمْ إِ ّ‬
‫انفراد الحليف لكلّ المال ‪ ،‬وجمعت بين الفريقين ‪ ،‬فجعلت المال للقارب ‪ ،‬وأمرت بإعطاء‬
‫شهِيدًا} أي قد‬
‫شيْءٍ َ‬
‫الحليف نصيبًا ‪ ،‬فكانوا يعطونه السّدس ‪ ،‬قوله ‪ِ { :‬إنّ الّلهَ كَانَ عَلَى كُلّ َ‬
‫شهد معاقدتكم إيّاهم واللّه يحبّ الوفاء ‪ .‬قاله القرطبيّ ‪.‬‬
‫قال قتادة ‪ :‬كان الرّجل يعاقد الرّجل في الجاهليّة ‪ ،‬فلمّا جاء السلم أمروا أن يؤتوهم نصيبهم‬
‫ض ُهمْ أَوْلَى ِب َبعْضٍ } ‪.‬‬
‫ل ْرحَامِ َبعْ ُ‬
‫وهو السّدس ‪ ،‬ثمّ نسخ بالميراث ‪ ،‬فقال ‪ { :‬وَأُوْلُواْ ا َ‬
‫قال ابن حجر ‪ :‬وروي من طرق شتّى عن جماعة من العلماء مثل ذلك ‪ ،‬وهذا هو المعتمد ‪.‬‬
‫ص الميراث‬
‫قال ‪ :‬وينزّل حديث ابن عبّاس على هذا ‪ .‬ثمّ نسخ هذا بآية سورة الحزاب ‪ .‬وخ ّ‬
‫بالعصبة ‪ ،‬وبقي للمعاقد النّصر والرفاد وغيرهما ‪.‬‬
‫قال وعلى هذا يتنزّل بقيّة الثار ‪ ،‬لكنّ ابن عبّاس لم يتعرّض لذكر النّاسخ الثّاني ‪.‬‬
‫التّوارث بالحلف ‪:‬‬
‫‪ - 12‬اختلف الفقهاء في إرث الحليف من حليفه فذهب الجمهور " المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة‬
‫" إلى أنّ ميراث الحليف منسوخ أصلً ‪ ،‬فل توارث بالحلف ‪ ،‬وإنّما الميراث برحم أو نكاح‬
‫أو ولء ‪ .‬فإن لم يكن أحد من هؤلء فتركته للمسلمين أي فتكون لبيت المال ‪ .‬وذهب الحنفيّة‬
‫ن إرث الحليف باق ‪ ،‬قالوا ‪ :‬يرث الحليف كلّ‬
‫والحكم وحمّاد وهو رواية عن أحمد ‪ :‬إلى أ ّ‬
‫المال ‪ ،‬لكن بعد سائر الورثة ‪ ،‬فإن لم يكن له قريب ول وارث بنكاح ول مولى عتاقة‬
‫فميراثه لحليفه ‪ ،‬فإن لم يكن فلبيت المال ‪.‬‬
‫ونقل الجصّاص نحو ذلك عن عمر بن الخطّاب وابن مسعود رضي ال عنهما وعن الحسن‬
‫البصريّ وإبراهيم والزّهريّ ‪ .‬واستدلّوا على ذلك بأمور منها ‪:‬‬
‫ضهُمْ َأوْلَى ِب َبعْضٍ } فإنّ " أولى " صيغة تفضيل تثبت‬
‫ل ْرحَامِ َب ْع ُ‬
‫أ ‪ -‬قوله تعالى ‪ { :‬وَُأوْلُو ْا ا َ‬
‫أصل الميراث للحليف ‪ ،‬لكن تجعل القريب أولى منه ‪.‬‬
‫قال الجصّاص ‪ :‬جعلت الية ذوي الرحام أولى من موالي المعاقدة ‪ ،‬فنسخ ميراثهم في حال‬
‫وجود القرابات ‪ ،‬وهو باق لهم إذا فقد القرباء ‪ ،‬على الصل الّذي كان عليه ‪ ،‬فمتى فقدوا‬
‫وجب ميراث الحليف بقضيّة الية ‪ ،‬إذ كانت إنّما نقلت ما كان للحلفاء إلى ذوي الرحام إذا‬
‫سنّة ما يوجب نسخها ‪ .‬ا ‪ .‬هس ‪.‬‬
‫وجدوا ‪ ،‬فإذا لم يوجدوا فليس في القرآن ول في ال ّ‬
‫ب ‪ -‬روى مسلم من حديث جابر بن عبد اللّه أنّه قال ‪ « :‬كتب النّبيّ صلى ال عليه وسلم‬
‫ل لمسلم أن يتوالى مولى رجل مسلم بغير إذنه » ‪.‬‬
‫ل بطن عقوله ‪ .‬ث ّم كتب ‪ :‬أنّه ل يح ّ‬
‫على ك ّ‬
‫فأجازت أن يتحوّل الرّجل عن موالة قوم إلى موالة غيرهم بإذنهم ‪ ،‬فهذا في مولى التّعاقد ‪،‬‬
‫ن ولء العتاقة ل يتحوّل ‪ ،‬لما في الحديث ‪ « :‬الولء لحمة كلحمة النّسب » ‪.‬‬
‫لّ‬
‫سنّة في‬
‫ج ‪ -‬ما روى تميم الدّاريّ أنّه قال ‪ « :‬سألت رسول اللّه صلى ال عليه وسلم ‪ :‬ما ال ّ‬
‫الرّجل من أهل الشّرك يسلم على يدي رجل من المسلمين ؟ فقال رسول اللّه صلى ال عليه‬
‫وسلم ‪ :‬هو أولى النّاس بمحياه ومماته » يعني محياه في تحمّل العقل عنه ومماته في الرث‬
‫عنه ولمعرفة كيفيّة التّوارث بالحلف ينظر مصطلح ( إرث ) ‪.‬‬
‫ن معاوية رضي ال عنه كان قد عاقد رجلً يسمّى زيد بن الحتّات ‪ ،‬فمات‬
‫د ‪ -‬ما روي أ ّ‬
‫فحاز معاوية رضي ال عنه ميراثه ‪.‬‬
‫هس ‪ -‬واستدلّوا بالقياس على الوصيّة لغير وارث ‪ ،‬قالوا ‪ :‬إن وصّى لغير وارث بجميع ماله‬
‫‪ ،‬فمات ولم يكن له وارث ‪ ،‬جازت الوصيّة ‪ ،‬فكذا هذا ‪.‬‬
‫وانظر لتمام القول في حكم التّوارث بالحلف مصطلح ( إرث ‪. ) 52 /‬‬
‫أحكام الحليف في غير التّوارث ‪:‬‬
‫ن للحليف تزويج المرأة فهو أحد أوليائها ‪.‬‬
‫‪ - 13‬ذهب أبو حنيفة إلى أ ّ‬
‫لكن ترتيبه في ذلك بعد جميع العصبات وذوي الرحام ‪ ،‬وهو أولى من القاضي والسّلطان ‪.‬‬
‫وقال محمّد بن الحسن ‪ :‬ل ولية في التّزويج لذوي الرحام ول لمولى الموالة وهو الحليف‪.‬‬
‫واختلف النّقل عن أبي يوسف فقيل ‪ :‬قوله كقول أبي حنيفة ‪ ،‬وقيل ‪ :‬كقول محمّد ‪.‬‬
‫وليس للحليف عند غير الحنفيّة في ولية التّزويج مدخل ‪.‬‬
‫وقال الحنفيّة في أولويّة الصّلة على الميّت ‪ :‬إنّ الولياء فيها على التّرتيب المذكور في‬
‫النّكاح ‪ ،‬وهذا يقتضي أنّ للحليف وليةً فيها على ما ذكر في النّكاح من التّرتيب ‪.‬‬
‫ن الرّجل وعشيرته يعقلون عن‬
‫وقال الجمهور ‪ :‬ل عقل بالحلف ‪ .‬وأمّا الحنفيّة فقد قالوا ‪ :‬إ ّ‬
‫موله بالولء ‪ ،‬وإذا عقل عنه لزمه الولء فل ينتقل عنه بعد إلّ برضاه ‪.‬‬
‫ولزوم العقل عن مولى الموالة منقول أيضًا عن مجاهد ‪ ( .‬وانظر ‪ :‬عاقلة ) ‪.‬‬
‫ثانيا ‪ :‬التّحالف بين طائفتين من المسلمين ‪:‬‬
‫‪ - 14‬يرد هنا الخلف المتقدّم في محالفة الفرد للفرد ‪ ،‬غير أن ل توارث هنا ول تعاقل ‪،‬‬
‫وإنّما يثبت بالحلف عند من أجازه مجرّد التّناصر على الحقّ ودفع الظّلم ‪.‬‬
‫ويستدلّ المجيزون لمثل هذا التّحالف بما ورد في حديث أنس عند البخاريّ ‪ « :‬حالف النّبيّ‬
‫صلى ال عليه وسلم بين قريش والنصار في داري مرّتين » ‪.‬‬
‫ن قول النّبيّ صلى ال عليه وسلم « ل حلف في السلم » المراد به ما كان على‬
‫وقالوا ‪ :‬إ ّ‬
‫ق والباطل ‪ .‬قال ابن الثير ‪ :‬أصل الحلف‬
‫طريقة أهل الجاهليّة من العانة بالحلف في الح ّ‬
‫المعاقدة والمعاهدة على التّساعد والتّعاضد والتّفاق ‪ ،‬فما كان منه في الجاهليّة على الفتن‬
‫والقتال والغارات ‪ ،‬فذلك الّذي ورد النّهي عنه في السلم ‪ ،‬وما كان منه في الجاهليّة على‬
‫نصر المظلوم وصلة الرحام ‪ ،‬كحلف المطيّبين وما جرى مجراه فذلك الّذي قال فيه النّبيّ‬
‫صلى ال عليه وسلم ‪ « :‬وأيّما حلف كان في الجاهليّة لم يزده السلم إلّ شدّ ًة » يريد ‪ :‬من‬
‫المعاقدة على الخير ونصرة الحقّ ‪ .‬وبذلك يجتمع الحديثان ‪ .‬وهذا هو الحلف الّذي يقتضيه‬
‫السلم ‪ .‬وتقدّم النّقل عن النّوويّ بمثل ذلك ( ف ‪. ) 10/‬‬
‫وأمّا الّذين خالفوا في جواز ذلك وهم الكثرون فقد احتجّوا بظاهر الحديث « ل حلف في‬
‫ل مسلم نصرة أخيه المسلم ‪،‬‬
‫السلم » وبأنّ السلم جعل المسلمين يدًا واحدةً وأوجب على ك ّ‬
‫والقيام على الباغي حتّى يرجع إلى الحقّ ‪ ،‬كما تقدّم توجيهه عن ابن تيميّة ( ف ‪. ) 9 /‬‬

‫حلق *‬
‫التّعريف ‪:‬‬
‫‪ - 1‬الحلق في اللّغة إزالة الشّعر ‪ .‬يقال حلق رأسه ‪ ،‬أي ‪ :‬أزال شعره ‪.‬‬
‫ومن معانيه أيضا ‪ :‬الحلقوم وهو مساغ الطّعام والشّراب في المريء ‪.‬‬
‫ول يخرج استعمال الفقهاء لكلمة الحلق عن هذين المعنيين ‪.‬‬
‫اللفاظ ذات الصّلة ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬الستحداد ‪:‬‬
‫‪ - 2‬الستحداد حلق العانة ‪ .‬وسمّي استحدادا لستعمال الحديدة وهي الموسى ‪.‬‬
‫فالستحداد نوع من الحلق ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬النّتف ‪:‬‬
‫‪ - 3‬النّتف لغ ًة نزع الشّعر والرّيش ونحوه ‪.‬‬
‫ول يخرج استعمال الفقهاء لكلمة النّتف عن هذا المعنى اللّغويّ ‪.‬‬
‫ن الحلق بالموسى ونحوه‬
‫ن كلّا منهما إزالة للشّعر إلّ أ ّ‬
‫والوجه المشترك بين الحلق والنّتف ‪ :‬أ ّ‬
‫‪ ،‬والنّتف بنزعه من جذوره ‪.‬‬
‫أحكام الحلق بالمعنى الوّل " حلق الشّعر " ‪:‬‬
‫حلق الرّأس ‪:‬‬
‫سنّة في شعر الرّأس بالنّسبة‬
‫ن ال ّ‬
‫‪ - 4‬اختلف الفقهاء في حلق الرّأس ‪ :‬فذهب الحنفيّة إلى أ ّ‬
‫للرّجل إمّا الفرق أو الحلق ‪ ،‬وذكر الطّحاويّ أنّ الحلق سنّة ‪.‬‬
‫ن حلق شعر الرّأس بدعة غير محرّمة ‪،‬‬
‫وذهب المالكيّة كما جاء في الفواكه الدّواني إلى أ ّ‬
‫ج » ‪ ،‬قال القرطبيّ ‪ :‬كره‬
‫لنّه صلى ال عليه وسلم « لم يحلق رأسه إلّ في التّحلّل من الح ّ‬
‫مالك حلق الرّأس لغير المتحلّل من الحرام ‪ ،‬وقال الجهوريّ ‪ :‬إنّ القول بجواز حلقه ولو‬
‫لغير المتعمّم أولى بالتّباع فهو من البدع الحسنة حيث لم يفعله لهوى نفسه وإلّ كره أوحرم‪.‬‬
‫وصرّح ابن العربيّ من المالكيّة بأنّ الشّعر على الرّأس زينة ‪ ،‬وحلقه بدعة ‪ ،‬ويجوز أن يتّخذ‬
‫جمّةً وهي ما أحاط بمنابت الشّعر ‪ ،‬ووفرةً وهو ما زاد على ذلك إلى شحمة الذنين ‪ ،‬وأن‬
‫يكون أطول من ذلك ‪.‬‬
‫ويرى الشّافعيّة أنّه ل بأس بحلق جميع الرّأس لمن أراد التّنظيف ‪.‬‬
‫واختلفت الرّواية عن أحمد في حلق الرّأس ‪ :‬فعنه أنّه مكروه ‪ ،‬لما روي عن النّبيّ صلى ال‬
‫عليه وسلم أنّه قال في الخوارج ‪ « :‬سيماهم التّحليق » فجعله علمةً لهم ‪.‬‬
‫وروي عنه أنّه ل يكره ذلك ‪ ،‬لكن تركه أفضل ‪ ،‬قال حنبل ‪ :‬كنت أنا وأبي نحلق رءوسنا في‬
‫حياة أبي عبد اللّه ‪ ،‬فيرانا ونحن نحلق فل ينهانا ‪.‬‬
‫واتّفق الفقهاء على أنّه يكره القزع ‪ ،‬وهو أن يحلق بعض الرّأس دون بعض ‪.‬‬
‫وقيل ‪ :‬أن يحلق مواضع متفرّقةً منه ‪ .‬لما روى ابن عمر رضي ال تعالى عنهما « أنّ‬
‫رسول اللّه صلى ال عليه وسلم رأى غلما قد حلق بعض رأسه ‪ ،‬وترك بعضه فنهى عن‬
‫ذلك » ‪ .‬وفي لفظ قال ‪ « :‬احلقه كلّه أو دعه كلّه » ‪.‬‬
‫وفي رواية عنه أنّ النّبيّ صلى ال عليه وسلم « نهى عن القزع » ‪.‬‬
‫هذا بالنّسبة للرّجل ‪ ،‬أمّا المرأة فل يجوز لها حلق رأسها من غير ضرورة عند الحنفيّة‬
‫والمالكيّة لقول أبي موسى ‪ « :‬برئ رسول اللّه صلى ال عليه وسلم من الصّالقة ‪ ،‬والحالقة‬
‫ي صلى ال عليه وسلم نهى أن تحلق المرأة رأسها » ‪ ،‬قال الحسن ‪ :‬هي‬
‫ن النّب ّ‬
‫» وروي « أ ّ‬
‫مثلة ‪.‬‬
‫وأمّا إذا كان حلق المرأة شعر رأسها لعذر أو وجع فل بأس به عند الحنفيّة والحنابلة ‪ .‬ويرى‬
‫الشّافعيّة والحنابلة الكراهة ‪ .‬قال الثرم ‪ :‬سمعت أبا عبد اللّه يسأل عن المرأة تعجز عن‬
‫ب ‪ ،‬قال ‪ :‬إذا كان لضرورة فأرجو أن ل يكون به‬
‫شعرها وعن معالجته ‪ ،‬وتقع فيه الدّوا ّ‬
‫بأس ‪ .‬وأمّا حلق القفا ‪ -‬وهو مؤخّر العنق ‪ -‬فقد صرّح الحنابلة بأنّه يكره لمن لم يحلق رأسه‬
‫‪ ،‬ولم يحتج إليه لحجامة أو غيرها ‪.‬‬
‫قال المروزيّ ‪ :‬سألت أبا عبد اللّه عن حلق القفا فقال ‪ :‬هو من فعل المجوس ‪ ،‬ومن تشبّه‬
‫بقوم فهو منهم ‪ ،‬وقال ‪ :‬ل بأس أن يحلق قفاه وقت الحجامة ‪.‬‬
‫حلق رأس المولود ‪:‬‬
‫‪ - 5‬ذهب جمهور الفقهاء إلى أنّه يستحبّ حلق رأس المولود في اليوم السّابع ‪ ،‬ويتصدّق‬
‫بوزن الشّعر ورقًا ( فضّةً ) ثمّ اختلفوا في حلق شعر المولود النثى ‪ ،‬فذهب المالكيّة‬
‫ن فاطمة بنت رسول اللّه‬
‫والشّافعيّة إلى أنّه ل فرق في ذلك بين الذّكر والنثى ‪ ،‬لما روي ‪ ،‬أ ّ‬
‫صلى ال عليه وسلم وزنت شعر الحسن والحسين وزينب وأمّ كلثوم ‪ ،‬وتصدّقت بزنة ذلك‬
‫ن هذا حلق فيه مصلحة من حيث التّصدّق ‪ ،‬ومن حيث حسن الشّعر بعده ‪ ،‬وعلّة‬
‫فضّ ًة ‪ .‬ول ّ‬
‫الكراهة من تشويه الخلق غير موجودة هنا ‪.‬‬
‫وأمّا الحنابلة فيرون عدم حلق شعر المولود النثى لحديث سمرة بن جندب مرفوعا ‪ « :‬كلّ‬
‫غلم رهينة بعقيقته تذبح عنه يوم السّابع ‪ ،‬ويحلق رأسه » وعن أبي هريرة مثله ‪.‬‬
‫ي صلى ال عليه وسلم لفاطمة لمّا ولدت الحسن ‪ « :‬احلقي رأسه ‪ ،‬وتصدّقي بوزن‬
‫ولقول النّب ّ‬
‫شعره فضّ ًة على المساكين والوفاض » يعني أهل الصّفّة ‪.‬‬
‫أمّا الحنفيّة فذهبوا إلى أنّ حلق شعر المولود في سابع الولدة مباح ل سنّة ول واجب ‪.‬‬
‫حلق الشّارب ‪:‬‬
‫ن حلق الشّارب سنّة وقصّه أحسن ‪ ،‬وقال الطّحاويّ ‪ :‬حلقه أحسن من‬
‫‪ - 6‬ذهب الحنفيّة إلى أ ّ‬
‫القصّ ‪ ،‬لقوله صلى ال عليه وسلم ‪ « :‬أحفوا الشّوارب ‪ ،‬وأعفوا اللّحى » ‪.‬‬
‫والحفاء ‪ :‬الستئصال ‪ ،‬وهو قول لدى الشّافعيّة ‪.‬‬
‫ي من الشّافعيّة أنّه بدعة ‪ .‬وهو رواية عند الحنفيّة أيضا ‪.‬‬
‫ويرى الغزال ّ‬
‫ص‪.‬‬
‫ويرى المالكيّة أنّ الشّارب ل يحلق ‪ ،‬بل يق ّ‬
‫وذهب الشّافعيّة إلى كراهة حلق الشّارب واستحباب قصّه عند الحاجة حتّى يبين طرف الشّفة‬
‫بيانا ظاهرا ‪.‬‬
‫ن حفّ الشّارب أو قصّ طرفه ‪ ،‬والحفّ أولى نصّا ‪ ،‬وفسّروا الحفّ‬
‫وعند الحنابلة يس ّ‬
‫ص ‪ .‬وتفصيله في مصطلح ( شارب ) ‪.‬‬
‫بالستقصاء أي المبالغة في الق ّ‬
‫وأمّا حلق اللّحية فمنهيّ عنه ‪ ،‬وفيه خلف ينظر في مصطلح ( لحية ) ‪.‬‬
‫حلق شعر المحرم ‪:‬‬
‫‪ - 7‬يحظر على المحرم حلق رأسه أو رأس محرم غيره ‪ ،‬ما لم يفرغ الحالق والمحلوق له‬
‫من أداء نسكهما ‪ .‬وكذا لو حلق له غيره حللً أو محرما يحظر عليه تمكينه من ذلك ‪.‬‬
‫وفي الموضوع خلف وتفصيل ينظر في مصطلح ( إحرام ) ‪.‬‬
‫الحلق للتّحلّل من الحرام ‪:‬‬
‫‪ - 8‬يرى الحنفيّة والمالكيّة والشّافعيّة في أظهر القولين والحنابلة على ظاهر المذهب أنّ‬
‫ج والعمرة ‪ ،‬فل يحصل التّحلّل في العمرة والتّحلّل الكبر في‬
‫الحلق أو التّقصير نسك في الح ّ‬
‫ج إلّ مع الحلق ‪.‬‬
‫الح ّ‬
‫وقال الشّافعيّة في أحد القولين ‪ -‬وهو خلف الظهر ‪ -‬وأحمد في قول ‪ :‬إنّ الحلق أو‬
‫التّقصير ليس بنسك ‪ ،‬وإنّما هو إطلق من محظور كان محرّما عليه بالحرام فأطلق فيه عند‬
‫الحلّ ‪ ،‬كاللّباس والطّيّب وسائر محظورات الحرام ‪ ،‬وهذا ما حكاه القاضي عياض عن‬
‫عطاء وأبي ثور وأبي يوسف أيضا ‪.‬‬
‫فعلى هذا التّجاه ل شيء على تارك الحلق ويحصل التّحلّل بدونه ‪.‬‬
‫هذا ول تؤمر المرأة بالحلق بل تقصّر لما ورد عن النّبيّ صلى ال عليه وسلم أنّه قال ‪« :‬‬
‫ي صلى‬
‫ن النّب ّ‬
‫ي رضي ال عنه « أ ّ‬
‫ن التّقصير » ‪ .‬وروى عل ّ‬
‫ليس على النّساء حلق وإنّما عليه ّ‬
‫ن الحلق للتّحلّل في حقّ النّساء بدعة وفيه‬
‫ال عليه وسلم نهى المرأة أن تحلق رأسها » ول ّ‬
‫مثلة ‪ ،‬ولهذا لم تفعله واحدة من نساء رسول اللّه صلى ال عليه وسلم ‪.‬‬
‫مقدار الواجب حلقه للتّحلّل ‪:‬‬
‫ل‪{:‬‬
‫‪ - 9‬ل خلف بين الفقهاء في أفضليّة حلق جميع الرّأس على التّقصير لقوله عزّ وج ّ‬
‫صرِينَ } والرّأس اسم للجميع ‪ ،‬وكذا روي « أنّ رسول اللّه صلى ال‬
‫س ُكمْ َومُ َق ّ‬
‫ُمحَلّقِينَ ُرؤُو َ‬
‫عليه وسلم حلق جميع رأسه » ‪.‬‬
‫وإنّما اختلفوا في أقلّ ما يجزئ من الحلق ‪ :‬فذهب المالكيّة والحنابلة إلى أنّه ل يجزئ حلق‬
‫ن النّبيّ صلى ال عليه وسلم حلق جميع رأسه » فكان تفسيرا لمطلق‬
‫بعض الرّأس ‪ « ،‬ل ّ‬
‫المر بالحلق ‪ .‬فوجب الرّجوع إليه ‪.‬‬
‫ن من حلق أقلّ من ربع الرّأس لم يجزه ‪ ،‬وإن حلق ربع الرّأس أجزأه ويكره‪.‬‬
‫ويرى الحنفيّة أ ّ‬
‫ن ربع الرّأس يقوم مقام كلّه في القرب المتعلّقة بالرّأس كمسح ربع الرّأس في‬
‫أمّا الجواز فل ّ‬
‫باب الوضوء ‪ .‬وأمّا الكراهة فلنّ المسنون هو حلق جميع الرّأس وترك المسنون مكروه ‪.‬‬
‫وقال الشّافعيّة ‪ :‬أقلّ ما يجزئ ثلث شعرات حلقا أو تقصيرا من شعر الرّأس ‪.‬‬
‫وقال النّوويّ ‪ :‬فتجزئ الثّلث بل خلف عندنا ول يجزئ أقلّ منها ‪.‬‬
‫وحكى إمام الحرمين ومن تابعه وجها أنّه يجزئ شعرة واحدة ‪ .‬قال النّوويّ وهو غلط ‪.‬‬
‫المفاضلة بين الحلق والتّقصير للتّحلّل ‪:‬‬
‫‪ - 10‬قال ابن المنذر ‪ :‬أجمع أهل العلم على أنّ التّقصير يجزئ في حقّ من لم يوجد منه‬
‫معنًى يقتضي وجوب الحلق عليه ‪ .‬كما أجمعوا على أنّ الحلق أفضل من التّقصير في حقّ‬
‫ن النّبيّ صلى ال عليه وسلم قال ‪ « :‬اللّهمّ ارحم المحلّقين ‪ .‬قالوا ‪ :‬والمقصّرين يا‬
‫الرّجل ‪ ،‬ل ّ‬
‫رسول اللّه ‪ .‬قال ‪ :‬اللّهمّ ارحم المحلّقين ‪ .‬قالوا ‪ :‬والمقصّرين يا رسول اللّه ‪ .‬قال ‪ :‬اللّهمّ‬
‫ارحم المحلّقين والمقصّرين » ‪ .‬فقد دعا النّبيّ صلى ال عليه وسلم للمحلّقين ثلثا وللمقصّرين‬
‫ن الحلق أكمل في قضاء التّفث ‪،‬‬
‫مرّةً ‪ ،‬ولنّ ذكر المحلّقين في القرآن قبل المقصّرين ‪ ،‬ول ّ‬
‫وفي التّقصير بعض تقصير فأشبه الغتسال مع الوضوء ‪.‬‬
‫ن التّقصير كما تقدّم ‪.‬‬
‫ن الحلق بالجماع وإنّما عليه ّ‬
‫وأمّا النّساء فليس عليه ّ‬
‫هذا وللتّفصيل في آداب الحلق للتّحلّل وزمانه ومكانه ‪ ،‬وحكم تأخيره عن زمانه ومكانه ‪،‬‬
‫ج من كتب الفقه ومصطلحات ( إحرام ‪ ،‬إحصار ‪ ،‬تحلّل ‪ ،‬وتحليق ) ‪.‬‬
‫تنظر أبواب الح ّ‬
‫حلق العانة والبط ‪:‬‬
‫‪ - 11‬ل خلف بين الفقهاء في أنّه يستحبّ حلق العانة بالنّسبة للرّجل ‪ ،‬لنّه من الفطرة ‪ ،‬كما‬
‫جاء في الحديث ‪ « :‬الفطرة خمس » ‪ ،‬وذكر منها الستحداد وهو حلق العانة ‪.‬‬
‫وأمّا المرأة فيستحبّ لها النّتف عند الجمهور ‪ .‬وتفصيل ذلك في مصطلح ( استحداد ) ‪.‬‬
‫وأمّا حلق شعر البط فجائز لمن شقّ عليه النّتف ‪ ،‬والفضل فيه النّتف ‪.‬‬
‫حلق شعر سائر الجسد ‪:‬‬
‫‪ - 12‬يرى جمهور الفقهاء أنّه لو نبتت للمرأة لحية أو شارب أو عنفقة كان لها إزالتها بالحلق‬
‫‪ .‬وذهب المالكيّة إلى أنّه يجب عليها إزالتها ‪.‬‬
‫وقال ابن جرير ‪ :‬ل يجوز للمرأة حلق لحيتها ول عنفقتها ول شاربها ‪ ،‬ول تغيير شيء من‬
‫خلقتها بزيادة ول نقص منه ‪ ،‬قصدت به التّزيّن لزوج أو غيره ‪ ،‬لنّها في جميع ذلك مغيّرة‬
‫خلق اللّه ومتعدّية على ما نهى عنه ‪.‬‬
‫وأمّا حلق شعر سائر الجسد كشعر اليدين والرّجلين فقد صرّح المالكيّة بوجوبه في حقّ النّساء‬
‫وقالوا ‪ :‬يجب عليها إزالة ما في إزالته جمال لها ولو شعر اللّحية إن نبتت لها لحية ‪ ،‬ويجب‬
‫ن إبقاء ما في إبقائه جمال لها فيحرم عليها حلق شعرها ‪.‬‬
‫عليه ّ‬
‫وأمّا حلق شعر الجسد في حقّ الرّجال فمباح عند المالكيّة ‪ ،‬وقيل ‪ :‬سنّة ‪ ،‬والمراد بالجسد ما‬
‫عدا الرّأس ‪.‬‬
‫وذهب الحنفيّة إلى أنّه ل يحلق الرّجل شعر حلقه ‪ ،‬وعن أبي يوسف ل بأس بذلك ‪ .‬وفي حلق‬
‫شعر الصّدر والظّهر ترك الدب ‪.‬‬
‫ص للشّافعيّة والحنابلة في المسألة ‪.‬‬
‫ولم يستدلّ على ن ّ‬
‫هذا وللفقهاء خلف وتفصيل في حلق شعر الحاجبين ينظر في ( تنمّص ) ‪.‬‬
‫حلق شعر الكافر إذا أسلم ‪:‬‬
‫‪ - 13‬ذهب جمهور الفقهاء إلى أنّ الكافر إذا أسلم يسنّ حلق رأسه ‪ ،‬لما روي « عن عثيم بن‬
‫كليب عن أبيه عن جدّه أنّ النّبيّ صلى ال عليه وسلم قال له ‪ :‬ألق عنك شعر الكفر » ‪ .‬قال‬
‫الرّمليّ ‪ :‬وظاهر إطلقهم أي الشّافعيّة عدم الفرق هنا في استحباب الحلق بين الذّكر وغيره‬
‫وهو محتمل ‪.‬‬
‫سنّة للمرأة والخنثى التّقصير كما في التّحلّل في الحجّ ‪.‬‬
‫ل ندبه الذّكر ‪ ،‬وأنّ ال ّ‬
‫ويحتمل أنّ مح ّ‬
‫ي العرب ‪ -‬أي‬
‫وقيّد المالكيّة المر بحلق شعر من أسلم بما إذا كان شعره على غير ز ّ‬
‫المسلمين ‪ -‬كالقزعة وشبهها ‪ ،‬لما روي في سنن أبي داود عن عثيم بن كليب عن أبيه عن‬
‫جدّه أنّه « جاء إلى النّبيّ صلى ال عليه وسلم فقال ‪ :‬قد أسلمت ‪ ،‬فقال له النّبيّ صلى ال‬
‫ن النّبيّ صلى ال‬
‫عليه وسلم ‪ :‬ألق عنك شعر الكفر » يقول ‪ :‬احلق قال ‪ :‬وأخبرني آخر أ ّ‬
‫عليه وسلم قال لخر معه ‪ « :‬ألق عنك شعر الكفر واختتن » ‪.‬‬
‫وقوله صلى ال عليه وسلم « شعر الكفر » أي الشّعر الّذي من زيّ الكفر ‪.‬‬
‫وقد كانت العرب تدخل في دين اللّه أفواجا ‪ ،‬ولم يروا في ذلك أنّهم كانوا يحلقون ‪.‬‬
‫واستحبّ مالك أن يحلق على عموم الحوال ‪.‬‬
‫واشترط الحنابلة في حلق الرّأس أن يكون رجلً ‪ ،‬وأطلقوا في حلق العانة والبطين ‪.‬‬
‫حلق شعر الميّت ‪:‬‬
‫‪ - 14‬ذهب الحنفيّة والحنابلة إلى أنّه يحرم حلق شعر رأس الميّت ‪ ،‬لنّ ذلك إنّما يكون لزينة‬
‫أو نسك ‪ ،‬والميّت ل نسك عليه ول يزيّن ‪.‬‬
‫وكذلك يحرم حلق عانته لما فيه من لمس عورته ‪ ،‬وربّما احتاج إلى نظرها وهو محرّم ‪ ،‬فل‬
‫يرتكب من أجل مندوب أي في حال الحياة ‪.‬‬
‫ويرى المالكيّة أنّه يكره حلق شعر الميّت الّذي ل يحرم على الحيّ حلقه وإلّ حرم حلقه من‬
‫ميّت ‪.‬‬
‫وصرّح الشّافعيّة بأنّه ل يحلق شعر رأس الميّت ‪ ،‬وقيل إن كان له عادة بحلقه ففيه الخلف ‪،‬‬
‫ح والمختار ‪ ،‬لنّه لم ينقل عن النّبيّ‬
‫وكذلك ل يحلق شعر عانته وإبطيه في القديم وهو الص ّ‬
‫صلى ال عليه وسلم والصّحابة رضي ال عنهم فيه شيء معتمد ‪ ،‬وأجزاء الميّت محترمة ‪،‬‬
‫ل كراهة إزالة شعره ما لم تدع حاجة إليه ‪ ،‬وإلّ كأن لبّد شعر رأسه‬
‫فل تنتهك بذلك ‪ .‬ثمّ مح ّ‬
‫أو لحيته بصبغ أو نحوه ‪ ،‬أو كان به قروح وجمد دمها ‪ ،‬بحيث ل يصل الماء إلى أصوله إلّ‬
‫بإزالته وجب كما صرّح به الذرعيّ ‪.‬‬
‫أحكام الحلق " بمعنى مساغ الطّعام والشّراب " ‪:‬‬
‫‪ - 15‬يتعلّق بالحلق أحكام كذهاب بعض حروف الحلق لجناية ووصول اللّبن إلى جوف‬
‫الرّضيع من الحلق ‪ ،‬ووصول شيء لحلق الصّائم من عين أو أذن ووصول غير متحلّل‬
‫للحلق في الصّيام ‪ ،‬وغير ذلك من الحكام ينظر تفصيلها في مواطنها ‪ ،‬وفي مصطلح‬
‫( بلعوم ) ‪.‬‬

‫حلّ *‬
‫التّعريف ‪:‬‬
‫ل ما عدا الحرم ‪ ،‬والحلّ أيضا‬
‫ل لغ ًة وصف ‪ ،‬أو تسمية بالمصدر من قولك ‪ :‬الح ّ‬
‫‪ - 1‬الح ّ‬
‫الرّجل الحلل الّذي خرج من إحرامه ‪ ،‬والحلّ مقابل الحرام ‪ .‬وورد أنّ عبد المطّلب لمّا حفر‬
‫زمزم قال ‪ :‬ل أحلّها لمغتسل وهي لشارب حلّ وبلّ ‪ ،‬وروي من كلم العبّاس وابن عبّاس‬
‫أيضا ‪ :‬ومعنى بل ‪ :‬مباح في لغة حمير ‪ .‬ول يخرج معناه الصطلحيّ عن ذلك ‪.‬‬
‫الحكم الجماليّ ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬الح ّل ضدّ الحرمة ‪:‬‬
‫‪ - 2‬الح ّل بمعنى الحلل ‪ ،‬وهو ما أطلق الشّرع فعله ‪ ،‬وكلّ شيء ل يعاقب عليه باستعماله ‪.‬‬
‫ل ‪ ،‬وقد اشتهر قول الصوليّين الصل في الشياء الباحة ‪ ،‬وهذا قبل ورود‬
‫والصل هو الح ّ‬
‫الشّرع ‪ ،‬أمّا بعد وروده فالحلل ما أحلّه الشّرع ‪ ،‬والحرام ما حرّمه الشّرع ‪ ،‬وما سكت عنه‬
‫الشّرع فهو عفو ‪ ،‬وانظر مصطلح ( حلل ) ‪.‬‬
‫ل المقابل للحرم الم ّكيّ ‪:‬‬
‫ب ‪ -‬الح ّ‬
‫ل صيده ول يقطع‬
‫‪ - 3‬هو ما وراء أعلم الحرم ‪ ،‬فما كان دون العلم فهو حرم ل يح ّ‬
‫ل يحلّ صيده إذا لم يكن صائده محرما ‪.‬‬
‫شجره وما كان وراء المنار ( العلم ) فهو من الح ّ‬
‫فكلّ الدّنيا حلّ ما عدا الحرم ‪.‬‬
‫وأعلم الحرم وتسمّى أيضا المنار هي الّتي ضربها إبراهيم الخليل على نبيّنا وعليه الصّلة‬
‫والسّلم على أقطار الحرم ونواحيه وبها تعرف حدود الحرم من الحلّ ‪ ( .‬ر ‪ :‬أعلم‬
‫الحرم )‪.‬‬
‫ل للحرام بالعمرة ‪:‬‬
‫ج ‪ -‬أفضل بقاع الح ّ‬
‫‪ - 4‬من كان في الحرم من م ّكيّ وغيره وأراد العمرة خرج إلى الحلّ فيحرم من أدناه ‪،‬‬
‫وإحرامه من التّنعيم أفضل ‪ « ،‬لنّ النّبيّ صلى ال عليه وسلم أمر عبد الرّحمن بن أبي بكر‬
‫أن يعمر عائشة من التّنعيم » ‪.‬‬
‫وقال ابن سيرين ‪ « :‬وقّت رسول اللّه صلى ال عليه وسلم لهل مكّة التّنعيم » ‪ ،‬وإنّما لزم‬
‫ل ليجمع في النّسك بين الحلّ والحرم ‪ ،‬ولذلك ل يجب على الم ّكيّ والمتمتّع‬
‫الحرام من الح ّ‬
‫ل‪.‬‬
‫الخروج إلى الحلّ لجل الحرام بالحجّ ‪ ،‬لنّه سيذهب إلى عرفة ‪ ،‬وهي من الح ّ‬
‫واختلف الفقهاء في أفضل البقاع للحلّ على قولين ‪ ،‬فذهب الحنفيّة والحنابلة إلى تفضيل‬
‫التّنعيم ‪ ،‬وهو الموضع الّذي عنده المسجد المعروف الن بمسجد عائشة بينه وبين مكّة فرسخ‬
‫ن على يمينه جبلً يقال له نعيم ‪ ،‬وعلى شماله حبلًا‬
‫‪ ،‬فهو أقرب الحلّ إلى مكّة ‪ ،‬سمّي بذلك ل ّ‬
‫يقال له ناعم ‪ ،‬والوادي نعمان ‪.‬‬
‫ثمّ الجعرانة بكسر الجيم وإسكان العين ‪ -‬وقد تكسر العين وتشدّد الرّاء ‪. -‬‬
‫وقال الشّافعيّ ‪ :‬التّشديد خطأ ‪ .‬وهي موضع بين مكّة والطّائف ‪.‬‬
‫ثمّ الحديبية ( مصغّرة وقد تشدّد ) ‪ ،‬وهي بئر قرب مكّة ‪ ،‬بين مكّة وجدّة ‪ ،‬حدث عندها صلح‬
‫الحديبية المشهور ‪.‬‬
‫وذهب المالكيّة والشّافعيّة ‪ ،‬إلى تفضيل الجعرانة ‪ ،‬ثمّ التّنعيم ‪ ،‬ثمّ الحديبية « لعتماره صلى‬
‫ال عليه وسلم منها في ذي القعدة عام الفتح حين قسم غنائم حنين » ‪.‬‬
‫وأصل الخلف في التّفضيل كما وضّحه ابن عابدين بقوله ‪ :‬التّنعيم موضع قريب من مكّة‬
‫ل ‪ ،‬الحرام منه للعمرة أفضل من الحرام لها‬
‫عند مسجد عائشة وهو أقرب موضع من الح ّ‬
‫ل عندنا ‪ ،‬وإن كان صلى ال عليه وسلم لم يحرم منها « لمره‬
‫من الجعرانة وغيرها من الح ّ‬
‫عليه الصلة والسلم عبد الرّحمن بأن يذهب بأخته عائشة إلى التّنعيم لتحرم منه » والدّليل‬
‫ي مقدّم عندنا على الفعليّ ‪.‬‬
‫القول ّ‬
‫قال ابن حجر ‪ :‬ولكن ل يلزم من ذلك ‪ -‬أي إذنه لعائشة بالعتمار من التّنعيم ‪ -‬تعيّن التّنعيم‬
‫للفضل لما دلّ عليه حديث إبراهيم عن السود قال ‪ « :‬قالت عائشة رضي ال عنها ‪ :‬يا‬
‫رسول اللّه يصدر النّاس بنسكين وأصدر بنسك فقيل لها ‪ :‬انتظري ‪ :‬فإذا طهرت فاخرجي‬
‫إلى التّنعيم فأهلّي ‪ ،‬ثمّ ائتينا بمكان كذا ‪ ،‬ولكنّها على قدر نفقتك أو نصبك » ‪.‬‬
‫ن الفضل في زيادة التّعب والنّفقة ‪ ،‬وإنّما يكون التّنعيم أفضل من جهة أخرى تساويه إلى‬
‫أي أ ّ‬
‫الحلّ ل من جهة أبعد منه ‪ ،‬واللّه أعلم ‪.‬‬
‫د ‪ -‬الحكام المتعلّقة بالحلّ ‪:‬‬
‫ج والعمرة ففيه المواقيت المكانيّة للحرام ‪ ،‬والّتي جاء ذكرها في‬
‫ل أحكام تتعلّق بالح ّ‬
‫‪ - 5‬للح ّ‬
‫حديث ابن عبّاس ‪ ( .‬ر ‪ :‬إحرام ‪ -‬ف ‪ ) 55/‬والصل في صيد البرّ الحلّ ‪ ،‬فحرم صيد‬
‫الحرم ‪ ،‬لقوله صلى ال عليه وسلم في مكّة ‪ « :‬ل ينفّر صيدها » وبالجماع ‪ ،‬فبقي ما عداه‬
‫على الصل ‪ .‬ثمّ هل العبرة بمكان الصّيد أم بمكان الصّائد ؟ خلف ‪ ،‬الجمهور على أنّ‬
‫العبرة بمكان الصّيد ‪ ،‬إلّ ما روي عن المام أحمد أنّ العبرة بمكان الصّائد ‪ ( .‬ر ‪ :‬مصطلح‬
‫حرم ) ‪.‬‬
‫هس ‪ -‬الحلّ المقابل لحرم المدينة ‪:‬‬
‫ل أو حرم كمكّة يحرم فيه ما يحرم في حرم مكّة ‪.‬‬
‫‪ - 6‬اختلف الفقهاء في المدينة هل هي ح ّ‬
‫فذهب الجمهور من المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة إلى تحريم صيدها لقوله صلى ال عليه وسلم‬
‫في حديث أبي هريرة ‪ « :‬ما بين لبتيها حرام » وقوله صلى ال عليه وسلم ‪ « :‬إنّ إبراهيم‬
‫حرّم مكّة ‪ ،‬وإنّي حرّمت المدينة ما بين لبتيها ل يقطع عضاهها ‪ ،‬ول يصاد صيدها » ‪.‬‬
‫وحديث عليّ مرفوعا ‪ « :‬المدينة حرم ما بين عير إلى ثور » ‪.‬‬
‫ول جزاء على من صاد فيها بل يستغفر اللّه ‪ .‬ول يضمن القيمة ‪.‬‬
‫ي في الجديد والرّواية المعتمدة عن أحمد ‪ ،‬وقال الشّافعيّ في القديم‬
‫وهذا مذهب مالك والشّافع ّ‬
‫وابن المنذر وهو رواية أخرى عن أحمد ‪ :‬يجب فيه الجزاء ‪ ،‬وجزاؤه إباحة سلب الصّائد‬
‫وعاضد الشّجر لمن أخذه ‪ .‬لحديث سعد رضي ال عنه أنّ رسول اللّه صلى ال عليه وسلم‬
‫قال ‪ « :‬من أخذ أحدا يصيد فيه فليسلبه » ‪.‬‬
‫وعند الحنفيّة ل حرم للمدينة فل يحرم فيها الصّيد ول قطع الشّجر لحديث ‪ « :‬يا أبا عمير ما‬
‫فعل النّغير » وقالوا ‪ :‬لو حرم لما جاز صيده ‪ .‬وعلى مذهب الجمهور ينتهي حرم المدينة‬
‫المنوّرة ‪ ،‬ويبدأ الحلّ من خارج الحدود الّتي حدّها رسول اللّه صلى ال عليه وسلم والّتي هي‬
‫جبل عير وثور ‪ ،‬أو اللّابتان ‪ ،‬كما في الحديثين المتقدّمين ‪ ،‬وانظر ( المدينة المنوّرة ) ‪.‬‬
‫و ‪ -‬أشهر الحلّ ‪:‬‬
‫‪ - 7‬الشهر الحرم أربعة وهي ذو القعدة وذو الحجّة ‪ ،‬والمحرّم ‪ ،‬ورجب مضر ‪ ،‬لقوله عزّ‬
‫لرْضَ‬
‫سمَاوَات وَا َ‬
‫شهْرًا فِي ِكتَابِ الّلهِ َي ْومَ خََلقَ ال ّ‬
‫شرَ َ‬
‫عَ‬‫شهُورِ عِندَ الّلهِ ا ْثنَا َ‬
‫عدّةَ ال ّ‬
‫ل ‪ِ { :‬إنّ ِ‬
‫وج ّ‬
‫ن كَآفّ ًة َكمَا يُقَاتِلُو َن ُكمْ‬
‫س ُكمْ َوقَاتِلُو ْا ا ْل ُمشْ ِركِي َ‬
‫ح ُرمٌ ذَِلكَ الدّينُ ا ْل َق ّيمُ فَلَ َتظْلِمُو ْا فِيهِنّ أَن ُف َ‬
‫ِم ْنهَا َأ ْربَعَ ٌة ُ‬
‫ن اللّ َه مَعَ ا ْل ُمتّقِينَ } ‪.‬‬
‫كَآفّةً وَاعَْلمُو ْا أَ ّ‬
‫وعن أبي بكرة رضي ال عنه قال ‪ « :‬خطبنا رسول اللّه صلى ال عليه وسلم يوم النّحر‬
‫ن الزّمان قد استدار كهيئته يوم خلق اللّه السّموات والرض ‪ ،‬السّنة اثنا عشر‬
‫بمنًى فقال ‪ :‬إ ّ‬
‫شهرًا منها أربعة حرم ثلث متواليات ذو القعدة ‪ ،‬وذو الحجّة ‪ ،‬والمحرّم ‪ ،‬ورجب مضر‬
‫الّذي بين جمادى وشعبان » ‪ .‬وعليه فالثّمانية الشهر الباقية هي ما يطلق عليها أشهر الحلّ ‪.‬‬
‫وقد كان القتال محرّما في الشهر الحرم مباحا في أشهر الحلّ في الجاهليّة واستمرّ في صدر‬
‫السلم ‪ ،‬وقد أحدث الجاهليّون فيها النّسيء وهو إبدال موضع شهر حرام مكان آخر حلل ‪،‬‬
‫ن كَ َفرُو ْا ُيحِلّونَهُ‬
‫وقد أبطله السلم بقوله تعالى ‪ِ { :‬إ ّنمَا ال ّنسِيءُ ِزيَادَةٌ فِي ا ْلكُ ْفرِ ُيضَلّ ِبهِ اّلذِي َ‬
‫عَامًا َو ُيحَ ّرمُو َنهُ عَاما } ( ر ‪ :‬مصطلح ‪ :‬إحرام ‪ .‬نسيء ‪ .‬الشهر الحرم ) ‪.‬‬
‫ز ‪ -‬الحلّ مقابل الحرام ‪:‬‬
‫ل بفعل النسان ما يخرج به من الحرام فيحلّ له ما كان محظورا على‬
‫‪ - 8‬يكون الح ّ‬
‫ج أو العمرة ‪ ( .‬ر ‪ :‬مصطلح تحلّل ) ‪.‬‬
‫المحرم بالح ّ‬

‫حلم *‬
‫ر ‪ :‬رؤيا ‪.‬‬
‫حلوان *‬
‫التّعريف ‪:‬‬
‫‪ - 1‬الحلوان بضمّ الحاء وسكون اللّام مثل غفران ‪ :‬العطاء ‪ ،‬وهو اسم من حلوته أحلوه ومنه‬
‫حلوان الكاهن ‪ .‬والحلوان أيضا أن يأخذ الرّجل من مهر ابنته شيئا ‪ ،‬وحلوان المرأة مهرها ‪.‬‬
‫ن رسول اللّه صلى ال عليه وسلم نهى عن ثمن الكلب ‪ ،‬ومهر البغيّ وحلوان‬
‫وورد « أ ّ‬
‫الكاهن » ‪.‬‬
‫وقال شرّاح الحديث ‪ :‬إنّ المراد بحلوان الكاهن ما يعطاه من الجر على كهانته ‪.‬‬
‫اللفاظ ذات الصّلة ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬الجعل ‪:‬‬
‫‪ - 2‬الجعل هو المال الملتزم في مقابلة عمل ل على وجه الجارة ‪.‬‬
‫ص من الحلوان ‪.‬‬
‫ن الجعل أخ ّ‬
‫فالفرق بينهما أ ّ‬
‫ب ‪ -‬الحباء ‪:‬‬
‫‪ - 3‬الحباء بكسر الحاء مصدر حبا يحبو ومعناه في اللّغة ‪ :‬العطيّة والعطاء بغير عوض ‪.‬‬
‫والفقهاء يقصدون به ‪ :‬أخذ الرّجل من مهر ابنته لنفسه ‪.‬‬
‫والصّلة بين الحلوان بمعناه العامّ ‪ ،‬وبين الحباء بمعناه عند الفقهاء ‪ ،‬صلة العموم والخصوص‬
‫‪.‬‬
‫ج ‪ -‬الرّشوة ‪:‬‬
‫‪ - 4‬الرّشوة بكسر الرّاء ‪ -‬والضّمّ فيها لغة ‪ -‬وسكون الشّين ‪ :‬مصدر رشا يرشو ‪ .‬وهي لغةً‬
‫العطاء ‪ .‬وفي الصطلح ‪ :‬ما يعطيه الشّخص لخر ليحكم له ‪ ،‬أو يحمله على ما يريد ‪.‬‬
‫الحكم الجماليّ ‪:‬‬
‫‪ - 1‬الحلوان الّذي يعطى للكاهن حرام فقد نقل النّوويّ عن البغويّ والقاضي عياض إجماع‬
‫المسلمين على تحريمه لحديث ‪ « :‬نهى النّبيّ صلى ال عليه وسلم عن ثمن الكلب ومهر‬
‫البغيّ وحلوان الكاهن » ‪ .‬ولنّه عوض عن محرّم ‪ ،‬ولنّه أكل المال بالباطل ‪.‬‬
‫‪ - 2‬والحُلوان بمعنى الحباء ‪ ،‬وهو أخذ الرّجل من مهر ابنته ‪ ،‬لنفسه ‪ ،‬اختلف الفقهاء في‬
‫حكمه ‪ ،‬وفي حكم من اشترط عليه في الصّداق حباءً يحابى به الب على ثلثة أقوال ‪ :‬فقال‬
‫أبو حنيفة وأصحابه ( وهو مذهب الحنابلة ) ‪ :‬الشّرط لزم والصّداق صحيح ‪.‬‬
‫وقال مالك ‪ :‬إذا كان الشّرط عند النّكاح فهو لبنته ‪ ،‬وإن كان بعد النّكاح فهو له ‪ ،‬وسبب‬
‫اختلفهم تشبيه النّكاح في ذلك بالبيع ‪.‬‬
‫وقال الشّافعيّ ‪ :‬المهر فاسد ‪ ،‬ولها صداق المثل ‪.‬‬
‫‪ - 3‬وأمّا الحلوان بمعنى المهر ‪ ،‬فتراجع أحكامه في مصطلح ( مهر ) ‪.‬‬

‫حلول *‬
‫ر ‪ :‬أجل ‪.‬‬

‫حليف *‬
‫ر ‪ :‬حلف ‪.‬‬

‫حليّ *‬
‫التّعريف ‪:‬‬
‫‪ -‬الحل يّ لغةً ‪ :‬جمع الحلي وهو ما يتزيّن به من مصوغ المعدنيّات أو الحجار الكريمة ‪.‬‬ ‫‪1‬‬

‫ي أي تزيّن ‪.‬‬
‫وحليت المرأة حليا لبست الحليّ ‪ ،‬فهي حال وحالية ‪ .‬وتحلّى بالحل ّ‬
‫ول يخرج المعنى الصطلحيّ عند الفقهاء عن المعنى اللّغويّ ‪.‬‬
‫اللفاظ ذات الصّلة ‪:‬‬
‫الزّينة ‪:‬‬
‫‪ - 2‬الزّينة اسم جامع لكلّ ما يتزيّن به ‪.‬‬
‫ي أيضا‪.‬‬
‫والزّينة أعمّ من الحليّ لنّها تكون بغير الحل ّ‬
‫الحكام المتعلّقة بالحليّ ‪:‬‬
‫أوّلً ‪ :‬حلية الذّهب ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬حلية الذّهب للرّجال ‪:‬‬
‫‪ - 3‬يحرم على الرّجل اتّخاذ حليّ الذّهب بجميع أشكالها ‪ .‬وذلك لعموم قوله صلى ال عليه‬
‫ل الذّهب والحرير لناث أمّتي وحرم على ذكورها » ‪.‬‬
‫وسلم ‪ « :‬أح ّ‬
‫ويستثنى من التّحريم حالتان ‪:‬‬
‫ن من الذّهب‬
‫الحالة الولى ‪ :‬اتّخاذه للحاجة ‪ .‬ذهب الجمهور إلى جواز اتّخاذ أنف أو س ّ‬
‫للحاجة إليه ‪ .‬لحديث « عرفجة بن أسعد الّذي قلع أنفه يوم الكلب ‪ ،‬فاتّخذ أنفا من ورق‬
‫فأنتن عليه ‪ ،‬فأمره النّبيّ صلى ال عليه وسلم فاتّخذ أنفًا من ذهب » ‪.‬‬
‫ن أو شدّه بالذّ هب للرّجال‬
‫وذ هب أ بو حني فة و هو قول ل بي يو سف إلى عدم جواز اتّخاذ ال سّ ّ‬
‫ن النّصّ ورد في النف دون غيره ولضرورة النّتن بالفضّة ‪.‬‬
‫دون الفضّة ‪ ،‬ل ّ‬
‫الحالة الثّانية ‪ :‬تحلية آلت القتال بالذّهب ‪ .‬ذهب الشّافعيّة والحنفيّة إلى عدم جواز تحلية آلت‬
‫القتال بالذّ هب ‪ ،‬ل نّ ال صل أ نّ التّحلّي بالذّ هب حرام على الرّجال إلّ ما خ صّه الدّل يل ولم‬
‫ن فيه زيادة إسراف وخيلء ‪.‬‬
‫يثبت ما يدلّ على الجواز ‪ .‬ول ّ‬
‫وذهسب المالكيّة والحنابلة ‪ :‬إلى جواز تحليسة السسّيف بالذّهسب سسواء مسا اتّصسل بسه كالقبيعسة‬
‫والمقبسض ‪ ،‬أو مسا انفصسل عنسه كالغمسد ‪ ،‬وقصسر الحنابلة الجواز على القبيعسة لنّس عمسر ‪-‬‬
‫رضي ال عنه ‪ -‬كان له سيف فيه سبائك من ذهب ‪ ،‬وعثمان بن حنيف كان في سيفه مسمار‬
‫من ذهب ‪ « .‬وكانت قبيعة سيف النّبيّ صلى ال عليه وسلم من فضّة » ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬حلية الفضّة للرّجال ‪:‬‬
‫‪ - 5‬اتّفق الفقهاء من حيث الجملة على جواز لبس الرّجل خاتما من فضّة ‪ ،‬وعلى جواز‬
‫اتّخاذ سنّ أو أنف من فضّة ‪ ،‬وعلى جواز تحلية آلت الحرب بالفضّة ‪.‬‬
‫وللمذاهب تفصيل في ذلك ينظر في مصطلح ( تختّم من الموسوعة ‪ ،‬ج ‪. ) 11/‬‬
‫وقيّد المالكيّة الخاتم بأن ل يزيد على درهمين شرعيّين ‪.‬‬
‫وقيّده الشّافعيّة والحنابلة بأن ل يبلغ به حدّ السراف فل يتجاوز به عاد ًة أمثال اللّابس ‪.‬‬
‫وللحنابلة ثلثة أقوال في تحلّي الرّجال بالفضّة فيما عدا الخاتم وحلية السّلح أحدها ‪ :‬الحرمة‬
‫‪ .‬والثّاني ‪ :‬الكراهة ‪ ،‬والثّالث ما قاله صاحب الفروع ‪ :‬ل أعرف على تحريم لبس الفضّة‬
‫نصّا عن أحمد وكلم شيخنا ( يعني ابن تيميّة ) يدلّ على إباحة لبسها للرّجال إلّ ما دلّ‬
‫الشّرع على تحريمه ‪ ،‬أي ممّا فيه تشبّه أو إسراف أو ما كان على شكل صليب ونحوه ‪.‬‬
‫ل على إباحة ما هو في معناه ‪ ،‬وما هو أولى‬
‫واستدلّوا لذلك بالقياس على خاتم الفضّة فإنّه يد ّ‬
‫منه ‪ ،‬والتّحريم يفتقر إلى دليل والصل عدمه ‪.‬‬
‫وذهب المالكيّة إلى تحريم حليّ الفضّة للرّجال عدا الخاتم وحلية السّيف والمصحف ولم نجد‬
‫للحنفيّة تصريحا في هذه المسألة ‪.‬‬
‫وذهب الحنفيّة وهو المرجّح عند الحنابلة إلى إباحة يسير الذّهب في خاتم الفضّة للرّجال‬
‫شريطة أن يقلّ الذّهب عن الفضّة وأن يكون تابعا للفضّة ‪ ،‬وذلك كالمسمار يجعل في حجر‬
‫ص ‪ .‬والمعتمد عند المالكيّة أنّه يكره ‪.‬‬
‫الف ّ‬
‫أمّا فيما عدا خاتم الفضّة من الحليّ للرّجال كالدّملج ‪ ،‬والسّوار ‪ ،‬والطّوق ‪ ،‬والتّاج ‪ ،‬فللشّافعيّة‬
‫فيه وجهان ‪ :‬الوّل التّحريم ‪ ،‬والثّاني الجواز ما لم يتشبّه بالنّساء ‪ .‬لنّه لم يثبت في الفضّة‬
‫إلّ تحريم الواني ‪ ،‬وتحريم الحليّ على وجه يتضمّن التّشبّه بالنّساء ‪.‬‬
‫واتّفق الفقهاء على جواز اتّخاذ أنف أو سنّ من فضّة ‪.‬‬
‫وذهب الشّافعيّة والحنابلة إلى جواز تحلية آلت الحرب بالفضّة عدا السّرج واللّجام والثّغر‬
‫للدّابّة فهو حرام ‪ ،‬لنّه حلية للدّابّة ل للرّجل ‪.‬‬
‫واستدلّوا بالحديث السّابق ‪ ،‬وقصر الحنفيّة والمالكيّة الجواز على حلية السّيف فقط ‪.‬‬
‫حلية الذّهب والفضّة للنّساء ‪:‬‬
‫‪ - 6‬أجمع الفقهاء على جواز اتّخاذ المرأة أنواع حليّ الذّهب والفضّة جميعًا كالطّوق ‪ ،‬والعقد‬
‫‪ ،‬والخاتم ‪ ،‬والسّوار ‪ ،‬والخلخال ‪ ،‬والتّعاويذ ‪ ،‬والدّملج ‪ ،‬والقلئد ‪ ،‬والمخانق ‪ ،‬وكلّ ما يتّخذ‬
‫في العنق ‪ ،‬وكلّ ما يعتدن لبسه ولم يبلغ حدّ السراف أو التّشبّه بالرّجال ‪.‬‬
‫وفي لبس المرأة نعال الذّهب والفضّة وجهان للشّافعيّة ‪ :‬أحدهما التّحريم وهو مذهب الحنابلة‬
‫لما فيه من السّرف الظّاهر ‪ ،‬وأصحّهما الباحة كسائر الملبوسات ‪.‬‬
‫وذهب المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة إلى عدم جواز تحلية المرأة آلت الحرب بالذّهب أو‬
‫بالفضّة لما فيه من التّشبّه بالرّجال ‪ .‬وجاء في الحديث الصّحيح عن ابن عبّاس قال ‪ « :‬لعن‬
‫رسول اللّه صلى ال عليه وسلم المتشبّهين من الرّجال بالنّساء ‪ ،‬والمتشبّهات من النّساء‬
‫بالرّجال » ‪ .‬وخالف في هذا الشّاشيّ والرّافعيّ من الشّافعيّة فقال ‪ :‬بجواز التّحلية بناءً على‬
‫ن التّحلية للنّساء‬
‫جواز لبس آلة الحرب واستعمالها للنّساء غير محلّاة فتجوز مع التّحلية ‪ ،‬ل ّ‬
‫ص للحنفيّة في هذه المسألة ‪.‬‬
‫أولى بالجواز من الرّجال ‪ .‬ولم نقف على ن ّ‬
‫حكم المموّه بذهب أو فضّة ‪:‬‬
‫ح إلى جواز استعمال الرّجل ما موّه بذهب أو‬
‫‪ - 7‬ذهب الحنفيّة والمالكيّة والشّافعيّة في الص ّ‬
‫فضّة ممّا يجوز له استعماله من الحليّ كالخاتم ‪ ،‬إذا لم يخلص منه شيء بالذابة والعرض‬
‫ن الذّهب والفضّة على هذه الصّفة مستهلك فصار كالعدم وهو تابع للمموّه ‪.‬‬
‫على النّار ‪ ،‬ل ّ‬
‫وذهب الحنابلة وهو مقابل الصحّ عند الشّافعيّة إلى عدم جواز استعمال الواني المموّهة‬
‫بذهب أو فضّة وإلى حرمة التّمويه بهما ‪.‬‬
‫ويجوز عند الحنابلة تمويه غير الواني بالذّهب أو الفضّة بحيث يتغيّر اللّون ول يحصل من‬
‫الذّهب أو الفضّة شيء إن عرض على النّار ‪.‬‬
‫الحليّ من غير الذّهب والفضّة ‪:‬‬
‫‪ - 8‬اتّفق الفقهاء على جواز تحلّي المرأة بأنواع الجواهر النّفيسة كالياقوت والعقيق واللّؤلؤ‪.‬‬
‫كما ذهب الئمّة الثّلثة إلى جوازه للرّجال ‪.‬‬
‫وكرهه الشّافعيّة وبعض الحنابلة من جهة الدب ‪ ،‬لنّه من زيّ النّساء أو من جهة السّرف ‪.‬‬
‫واختلف الحنفيّة في حكم تحلّي الرّجل بالحجار الكريمة ‪.‬‬
‫واختار شمس الئمّة وقاضي خان من الحنفيّة الح ّل قياسًا على العقيق ‪.‬‬
‫واتّفق الفقهاء على كراهة خاتم الحديد والصّفر والشّبه " وهو ضرب من النّحاس " والقصدير‬
‫للرّجل والمرأة ‪ .‬وورد النّهي عن ذلك في حديث بريدة رضي ال عنه قال ‪ « :‬إنّ رجلً جاء‬
‫إلى النّبيّ صلى ال عليه وسلم وعليه خاتم من شبه ‪ ،‬فقال له ‪ :‬ما لي أجد منك ريح‬
‫الصنام ؟ فطرحه ثمّ جاء وعليه خاتم من حديد فقال ‪ :‬ما لي أرى عليك حلية أهل النّار ‪.‬‬
‫فطرحه ‪ ،‬فقال ‪ :‬يا رسول اللّه ‪ ،‬من أيّ شيء أتّخذه ؟ قال ‪ :‬اتّخذه من ورق ول تتمّه مثقالً‬
‫» ‪ .‬واختار النّوويّ في المجموع عدم الكراهة مستدلّا بأنّ الرّسول صلى ال عليه وسلم قال‬
‫للّذي خطب الواهبة نفسها « اذهب فالتمس ولو خاتما من حديد » ولو كان مكروهًا لم يأذن‬
‫فيه ‪ .‬كما استدلّ بحديث معيقيب رضي ال عنه وكان على خاتم النّبيّ صلى ال عليه وسلم‬
‫قال ‪:‬‬
‫« كان خاتم النّبيّ صلى ال عليه وسلم من حديد ملويّ عليه فضّة » ‪.‬‬
‫ثمّ قال النّوويّ ‪ " :‬والمختار أنّه ل يكره لهذين الحديثين " ‪.‬‬
‫زكاة الحليّ ‪:‬‬
‫‪ - 9‬اتّفق الفقهاء على وجوب الزّكاة في الحلي المستعمل استعمالً محرّما ‪ ،‬كأن يتّخذ الرّجل‬
‫حلي الذّهب للستعمال ‪ ،‬لنّه عدل به عن أصله بفعل غير مباح فسقط حكم فعله وهو‬
‫صياغته صياغ ًة محرّمةً ‪ ،‬وبقي على حكم الصل من وجوب الزّكاة فيه ‪.‬‬
‫كما اتّفقوا على وجوبها في الحلي المكنوز المقتنى الّذي لم يقصد به مقتنيه استعمالً محرما‬
‫ول مكروها ول مباحا ‪ ،‬لنّه مرصد للنّماء فصار كغير المصوغ ‪ ،‬ول يخرج عن التّنمية إلّ‬
‫بالصّياغة المباحة ونيّة اللّبس ‪.‬‬
‫واختلفوا في الحلي المستعمل استعمالً مباحا كحلي الذّهب للمرأة وخاتم الفضّة للرّجل ‪.‬‬
‫فذهب المالكيّة والحنابلة والشّافعيّ في القديم وأحد القولين في الجديد وهو المفتى به في‬
‫المذهب إلى عدم وجوب الزّكاة في الحلي المباح المستعمل ‪.‬‬
‫وروي هذا القول عن ابن عمر وجابر وعائشة وابن عبّاس وأنس بن مالك وأسماء ‪ -‬رضي‬
‫ال عنهم ‪ -‬والقاسم والشّعبيّ وقتادة ومحمّد بن عليّ وعمرة وأبي عبيد وإسحاق وأبي ثور‪.‬‬
‫واستدلّوا بما ورد من آثار عن عائشة وابن عمر وأسماء وجابر رضي ال عنهم ‪ ،‬فقد روي‬
‫ن الحليّ فل تخرج منه‬
‫عن عائشة رضي ال عنها أنّها كانت تلي بنات أخيها في حجرها له ّ‬
‫الزّكاة ‪ .‬وروي عن ابن عمر رضي ال عنهما أنّه كان يحلّي بناته وجواريه الذّهب ثمّ ل‬
‫يخرج من حليّهنّ الزّكاة ‪ .‬وروي عن أسماء بنت أبي بكر رضي ال عنهما أنّها كانت تحلّي‬
‫ن رجلً سأل جابرا رضي ال عنه‬
‫ثيابها الذّهب ‪ ،‬ول تزكّيه نحوًا من خمسين ألفا ‪ .‬وروي أ ّ‬
‫عن الحلي أفيه زكاة ؟ فقال جابر ل ‪ ،‬فقال ‪ :‬وإن كان يبلغ ألف دينار فقال جابر كثير ‪.‬‬
‫والمأثور عن عائشة رضي ال عنها يخالف ما روته عن الرّسول صلى ال عليه وسلم فيحمل‬
‫على أنّها لم تخالفه إلّ فيما علمته منسوخا ‪ ،‬فإنّها زوجه وأعلم النّاس به ‪ ،‬وكذلك ابن عمر‬
‫فإنّ أخته حفصة كانت زوج النّبيّ صلى ال عليه وسلم وحكم حليّها ل يخفى عليه ول يخفى‬
‫عنها حكمه فيه ‪ .‬كما استدلّوا بقياس الحلي المباح على ثياب البدن والثاث وعوامل البقر في‬
‫أنّها مرصدة في استعمال مباح فسقط وجوب الزّكاة فيها ‪.‬‬
‫وذهب الحنفيّة والشّافعيّ في القول الخر في الجديد إلى وجوب الزّكاة في الحلي المباح‬
‫المستعمل ‪ ،‬وهو مرويّ عن عمر بن الخطّاب وابن عمر ‪ ،‬وابن عبّاس ‪ ،‬وعبد اللّه بن‬
‫عمرو بن العاص ‪ ،‬وأبي موسى الشعريّ ‪ ،‬وسعيد بن جبير وعطاء ‪ ،‬وطاوس ‪ ،‬وابن‬
‫مهران ومجاهد ‪ ،‬وجابر بن زيد ‪ ،‬وعمر بن عبد العزيز ‪ ،‬والزّهريّ ‪ ،‬وابن حبيب ‪.‬‬
‫ن امرأةً أتت النّبيّ صلى ال عليه وسلم ومعها ابنة لها‬
‫واستدلّوا بحديث عبد اللّه بن عمرو « أ ّ‬
‫وفي يد ابنتها مسكتان غليظتان من ذهب فقال لها ‪ :‬أتعطين زكاة هذا ؟ قالت ‪ :‬ل ‪ .‬قال ‪:‬‬
‫أيسرّك أن يسوّرك اللّه بهما سوارين من نار ؟ قال ‪ :‬فخلعتهما فألقتهما إلى النّبيّ صلى ال‬
‫عليه وسلم وقالت ‪ :‬هما للّه ورسوله » ‪.‬‬
‫كما استدلّوا بحديث عائشة رضي ال عنها قالت « دخل عليّ رسول اللّه صلى ال عليه وسلم‬
‫فرأى في يدي فتخات من ورق ‪ ،‬فقال ‪ :‬ما هذا يا عائشة ‪ ،‬فقلت ‪ :‬صنعتهنّ أتزيّن لك يا‬
‫ن ؟ قلت ‪ :‬ل ‪ ،‬أو ما شاء اللّه قال ‪ :‬هذا حسبك من النّار »‬
‫رسول اللّه ‪ .‬قال ‪ :‬أتؤتين زكاته ّ‬
‫‪ .‬والحلي مال نام ودليل النّماء العداد للتّجارة خلقةً ‪.‬‬
‫حكم انكسار الحلي ‪:‬‬
‫‪ - 10‬فصّل القائلون بعدم وجوب الزّكاة في الحلي ما إذا انكسر الحلي ‪ ،‬فله حينئذ أحوال ‪:‬‬
‫الوّل ‪ :‬أن ل يمنع النكسار استعماله ولبسه فل أثر للنكسار ول زكاة فيه ‪.‬‬
‫وهو مذهب الشّافعيّة والحنابلة ‪ .‬وقيّده الحنابلة بأن ل ينوي ترك لبسه ‪.‬‬
‫الثّاني ‪ :‬أن يمنع النكسار استعماله فيحتاج إلى سبك وصوغ ‪.‬‬
‫فتجب زكاته ‪ ،‬وأوّل الحول وقت النكسار ‪ ،‬وهو مذهب المالكيّة والشّافعيّة ‪.‬‬
‫الثّالث ‪ :‬أن يمنع النكسار الستعمال ولكن ل يحتاج إلى سبك وصوغ ويقبل الصلح‬
‫باللحام وهذا على أحوال ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬إن قصد جعله تبرًا أو دراهم ‪ ،‬أو كنزه وجبت زكاته وانعقد حوله من يوم النكسار ‪.‬‬
‫وهو مذهب المالكيّة والشّافعيّة ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬أن يقصد إصلحه فل زكاة فيه وهو مذهب المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة ‪.‬‬
‫ج ‪ -‬إن لم يقصد شيئا وجبت زكاته عند الشّافعيّة ول تجب عند المالكيّة ‪.‬‬
‫ن النكسار إذا منع الستعمال مطلقًا فل زكاة في الحلي ‪.‬‬
‫والمذهب عند الحنابلة أ ّ‬
‫إجارة الحلي ‪:‬‬
‫‪ - 11‬ذهب الشّافعيّة والحنابلة إلى جواز إجارة الحلي بأجرة من جنسه أو من غير جنسه ‪.‬‬
‫لنّه عين ينتفع بها منفع ًة مباحةً مقصودةً مع بقائها فجازت إجارتها كالراضي ‪.‬‬
‫وكره المالكيّة إجارة الحلي لنّه ليس من شأن النّاس ‪ ،‬والولى إعارته لنّها من المعروف ‪.‬‬
‫ولم نقف على رأي الحنفيّة في المسألة ‪.‬‬
‫وقف الحلي ‪:‬‬
‫‪ - 12‬ذهب الشّافعيّة والحنابلة إلى صحّة وقف الحلي لما روى نافع أنّ حفصة ابتاعت حليّا‬
‫بعشرين ألفا حبسته على نساء آل الخطّاب فكانت ل تخرج زكاته ‪.‬‬
‫وظاهر مذهب المالكيّة الجواز بناءً على جواز وقف المملوك مطلقا ‪ :‬العقار والمقوّم والمثليّ‬
‫والحيوان ‪ .‬ول يجوز وقف الحليّ عند الحنفيّة بنا ًء على أنّ الصل عندهم عدم جواز الوقف‬
‫ن حكم الوقف الشّرعيّ التّأبيد ‪ ،‬ول يتأبّد غير العقار ‪.‬‬
‫في غير العقار ل ّ‬
‫وللتّفصيل ينظر مصطلح ( وقف ) ‪.‬‬

‫حمى *‬
‫التّعريف ‪:‬‬
‫‪ - 1‬الحمى في اللّغة ‪ :‬الموضع فيه كل يحمى من النّاس أن يرعى ‪ ،‬والشّيء المحميّ ‪،‬‬
‫وحمى اللّه ‪ :‬محارمه ‪ ،‬وهو مصدر يراد به اسم المفعول ‪ ،‬ويثنّى فيقال حميان ‪ ،‬وسمع‬
‫حموان ‪ .‬يقال ‪ :‬حميت المكان من النّاس حمىً وحميا مثل رميا ‪ ،‬وحميةً بالكسر وحمايةً ‪،‬‬
‫أي جعلته ممنوعا من النّاس ل يقربونه ‪ ،‬ول يجترئون عليه ‪.‬‬
‫واصطلحا ‪ :‬موضع من الموات يحميه المام لمواشي مخصوصة ‪.‬‬
‫قال الشّافعيّ ‪ :‬وأصل الحمى أنّه كان الرّجل العزيز من العرب إذا استنجع بلدا مخصّبا أوفى‬
‫بكلب على حبل إن كان ‪ ،‬أو على نشز إن لم يكن جبل ثمّ استعواه ‪ ،‬ووقف له من يسمع‬
‫منتهى صوته ‪ ،‬فحيث بلغ صوته حماه من كلّ ناحية ‪ ،‬ويرعى مع العامّة فيما سواه ‪ ،‬ويمنع‬
‫غيره من أن يشاركه في حماه ‪.‬‬
‫اللفاظ ذات الصّلة ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬إحياء الموات ‪:‬‬
‫‪ - 2‬إحياء الموات هو عمارة أرض لم يجر عليها ملك لحد ‪ ،‬ولم يوجد فيها أثر عمارة ‪.‬‬
‫ن كليهما تخصيص أرض لمصلحة معيّنة ‪ ،‬ويكون‬
‫والعلقة بين الحمى وإحياء الموات أ ّ‬
‫الحمى تخصيص الرض للمصلحة العامّة ‪ ،‬في حين يحصل بالحياء اختصاص إنسان معيّن‬
‫‪ ،‬هو محيي الرض ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬القطاع ‪:‬‬
‫‪ - 3‬القطاع لغةً التّمليك ‪ .‬واصطلحًا ‪ :‬ما يعطيه المام من الراضي رقب ًة أو منفع ًة لمن‬
‫ن الحمى يكون لمصلحة عامّة ‪ ،‬بخلف‬
‫ينتفع به فهذا تمليك ‪ ،‬والحمى ليس فيه تمليك ‪ ،‬كما أ ّ‬
‫القطاع ‪ ،‬فإنّه قد يكون لمصلحة خاصّة ‪.‬‬
‫ج ‪ -‬الرفاق ‪:‬‬
‫‪ - 4‬الرفاق ‪ :‬منح المنفعة ‪ ،‬وجعل موضع ما مرفقا ( محلّا لخدمات النّاس ) كمقاعد‬
‫السواق ‪ ،‬وأفنية الشّوارع ‪ ،‬وحريم المصار ‪ ،‬ومنازل السفار ( الستراحات ) ‪.‬‬
‫فالرفاق يكون في كلّ ما فيه نفع عام ‪ ،‬أمّا الحمى فهو في المراعي ‪.‬‬
‫د ‪ -‬الرصاد ‪:‬‬
‫‪ - 5‬الرصاد لغةً ‪ :‬التّخصيص والعداد والتّهيئة ‪.‬‬
‫وفي الصطلح ‪ :‬تخصيص المام غلّة بعض أراضي بيت المال لبعض مصارفه ‪.‬‬
‫ن الرصاد تخصيص الغلّة ‪ ،‬أمّا الحمى فهو تخصيص العين‬
‫والفرق بينه وبين الحمى ‪ ،‬أ ّ‬
‫لمصلحة عامّة ‪.‬‬
‫الحكم التّكليفيّ ‪:‬‬
‫ن فيه تضييقا على النّاس ‪ ،‬ومنعا لهم من النتفاع بشيء لهم‬
‫‪ - 6‬الصل في الحمى المنع ‪ ،‬ل ّ‬
‫فيه حقّ مشاع ‪ ،‬لما رواه الصّعب بن جثّامة قال ‪ :‬سمعت رسول اللّه صلى ال عليه وسلم‬
‫يقول ‪ « :‬ل حمى إلّ للّه ولرسوله » ‪.‬‬
‫وقال رسول اللّه صلى ال عليه وسلم ‪ «:‬المسلمون شركاء في ثلث ‪ :‬الماء والنّار والكل »‪.‬‬
‫ولكن أباح جمهور الفقهاء للمام أن يحمي لخيل المجاهدين ‪ ،‬ونعم الجزية وإبل الصّدقة‬
‫والماشية الضّعيفة ‪ ،‬وذلك بشروط معيّنة ‪ ،‬لما ورد « أنّ رسول اللّه صلى ال عليه وسلم‬
‫حمى النّقيع لخيل المسلمين » ‪ .‬وعن ابن عمر رضي ال عنهما قال ‪ « :‬حمى النّبيّ صلى‬
‫ال عليه وسلم الرّبذة لبل الصّدقة » ‪.‬‬
‫وحمى عمر رضي ال عنه بعده ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪ -‬الشّرف ‪ ،‬قيل ‪ :‬والرّبذة ‪.‬‬
‫وقد أورد البخاريّ في صحيحه حديث حمى عمر رضي ال عنه عن زيد بن أسلم عن أبيه «‬
‫ن عمر بن الخطّاب رضي ال عنه استعمل مولىً له يدعى هنيّا على الحمى ‪ ،‬فقال ‪ :‬يا هنيّ‬
‫أّ‬
‫اضمم جناحك عن المسلمين واتّق دعوة المسلمين ( وفي رواية ‪ :‬المظلوم ) ‪ ،‬فإنّ دعوة‬
‫ب الصّريمة وربّ الغنيمة ‪ ،‬وإيّاي ونعم ابن عوف ‪ ،‬ونعم ابن‬
‫المظلوم مستجابة ‪ ،‬وأدخل ر ّ‬
‫ب الغنيمة‬
‫ن ربّ الصّريمة ور ّ‬
‫عفّان ‪ ،‬فإنّهما إن تهلك ماشيتهما يرجعان إلى نخل وزرع ‪ ،‬وإ ّ‬
‫إن تهلك ماشيتهما يأتني ببنيه ‪ ،‬فيقول يا أمير المؤمنين ‪ ،‬يا أمير المؤمنين ‪ ،‬أفتاركهم أنا ل‬
‫أبا لك ‪ ،‬فالماء والكل أيسر عليّ من الذّهب والورق ‪ .‬وايم اللّه ‪ ،‬إنّهم ليرون أنّي قد‬
‫ظلمتهم ‪ ،‬إنّها لبلدهم ‪ ،‬فقاتلوا عليها في الجاهليّة ‪ ،‬وأسلموا عليها في السلم ‪ .‬والّذي نفسي‬
‫بيده ‪ ،‬لول المال الّذي أحمل عليه في سبيل اللّه ما حميت عليهم من بلدهم شبرا » ‪.‬‬
‫وكذلك حمى عثمان رضي ال عنه ‪ .‬وذهب الشّافعيّة ‪ -‬في قول ‪ -‬إلى أنّ الحمى كان خاصّا‬
‫بالرّسول صلى ال عليه وسلم وليس لغيره أن يحمي أخذا بظاهر قوله صلى ال عليه وسلم ‪:‬‬
‫« ل حمى إلّ للّه ولرسوله » ‪ .‬والظهر عندهم القول الوّل الموافق للجمهور ‪.‬‬
‫شروط الحمى ‪:‬‬
‫‪ - 7‬أ ‪ -‬أن تقع الحماية من المام أو نائبه ‪ ،‬ولنائب المام الحماية ‪ ،‬ولو لم يستأذن المام ‪،‬‬
‫ن الحماية ليست من قبيل التّمليك أو القطاع ‪ ،‬فل تجري عليها أحكامهما ‪ ،‬وليس لحد‬
‫لّ‬
‫غير المام أو نائبه الحقّ في الحماية ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬أن يكون الحمى لمصلحة المسلمين ‪ ،‬بأن يكون لخيل المجاهدين ونعم الجزية ‪ ،‬والبل‬
‫ل النّاس الّتي يقوم المام بحفظها ‪،‬‬
‫الّتي يحمل عليها في سبيل اللّه ‪ ،‬وإبل الزّكاة ‪ ،‬وضوا ّ‬
‫وماشية ضعاف المسلمين ‪ .‬وخصّه الشّافعيّة للضّعفاء من المسلمين دون الغنياء ‪.‬‬
‫وقال الحطّاب من المالكيّة ‪ :‬والظّاهر أنّ هذا جار على مذهبنا ‪ .‬ول يجوز للمام أن يخصّ‬
‫ن في تخصيص نفسه بالحمى تضييقا على النّاس وإضرارا بهم ‪ ،‬وليس له‬
‫نفسه بالحمى ‪ ،‬ل ّ‬
‫ص به أغنياء المسلمين ‪ ،‬أو‬
‫إدخاله مواشيه ما حماه للمسلمين ‪ ،‬إن كان غنيّا ول يجوز أن يخ ّ‬
‫أهل ال ّذمّة ‪ ،‬ويجوز أن يخصّ به فقراء المسلمين ‪ ،‬لما ورد في حديث عمر المتقدّم ‪.‬‬
‫ج ‪ -‬أن ل يكون الحمى ملكا لحد ‪ ،‬مثل بطون الودية والجبال والموات ‪ ،‬وإن كان ينتفع‬
‫المسلمون بتلك المواضع ‪ ،‬فمنفعتهم في حماية المام أكثر ‪.‬‬
‫قال سحنون ‪ :‬الحمية إنّما تكون في بلد العراب العفاء ‪ ،‬الّتي ل عمارة فيها بغرس ول‬
‫بناء ‪ ،‬وإنّما تكون الحمية فيها في الطراف ‪ ،‬حتّى ل تضيق على ساكن ‪ ،‬وكذلك الودية‬
‫العفاء ‪ ،‬الّتي ل مساكن بها ‪ ،‬إلّ ما فضل عن منافع أهلها من المسارح والمرعى ‪.‬‬
‫ول يجوز حماية الماء العدّ ‪ -‬وهو الّذي له مادّة ل تنقطع ‪ -‬كماء عين أو بئر ‪.‬‬
‫د ‪ -‬أن يكون الحمى قليلً ‪ ،‬ل يضيّق على النّاس ‪ ،‬بل يكون فاضلً عن منافع أهل ذلك‬
‫الموضع ‪.‬‬
‫أخذ العوض ممّن ينتفع بالحمى ‪:‬‬
‫‪ - 8‬ل يجوز لحد من الولة أن يأخذ من أصحاب المواشي عوضا عن مراعي موات أو‬
‫حمىً ‪ ،‬لقول رسول اللّه صلى ال عليه وسلم « المسلمون شركاء في ثلث الماء والنّار‬
‫والكل » ‪.‬‬
‫نصب أمين على الحمى ‪:‬‬
‫ب القوياء ‪.‬‬
‫‪ - 9‬يندب للمام نصب أمين يدخل دوابّ الضّعفاء ويمنع دوا ّ‬
‫عقوبة التّعدّي على حمى المام ‪:‬‬
‫‪ - 10‬إذا خصّ المام الحمى بالضّعفاء ‪ ،‬ودخله أحد من أهل القوّة منع ‪ ،‬ول غرم عليه ول‬
‫تعزير إن لم يبلغه نهي المام ‪ ،‬فإن كان قد بلغه النّهي ‪ ،‬وتعدّى بعد ذلك ورعى في الحمى ‪،‬‬
‫فللمام أن يعزّره بالزّجر أو التّهديد ‪ ،‬فإن تكرّرت المخالفة فيعزّره بالضّرب‬
‫نقض الحمى ‪:‬‬
‫‪ - 11‬حمى النّبيّ صلى ال عليه وسلم ‪ -‬كالمنصوص عليه ‪ -‬ل ينقض ول يغيّر ‪ ،‬ولو مع‬
‫عدم بقاء الحاجة إليه ‪ ،‬ومن أحياه لم يملكه ‪ ،‬وقال الحطّاب ‪ :‬الظهر جواز نقضه ‪ ،‬إن لم‬
‫يقم دليل على إرادة استمراره ‪ .‬أمّا إذا حمى إمام بعد النّبيّ صلى ال عليه وسلم ثمّ نقضه‬
‫المام نفسه ‪ ،‬أو نقضه من يأتي بعده ‪ ،‬وفقا لمصالح المسلمين جاز له ذلك ‪.‬‬
‫قال الرّمليّ ‪ :‬ما حماه عليه الصلة والسلم ل ينقض بحال ول يغيّر بحال ‪ ،‬لنّه نصّ ‪،‬‬
‫بخلف حمى غيره ‪ ،‬ولو الخلفاء الرّاشدين رضي ال عنهم ‪.‬‬
‫قال البهوتيّ ‪ :‬وليس هذا من نقض الجتهاد بالجتهاد ‪ ،‬بل عمل بكلّ من الجتهادين في محلّه‬
‫‪ ،‬كالحادثة إذا حكم فيها قاض بحكم ‪ ،‬ثمّ وقعت مرّةً أخرى ‪ ،‬وتغيّر اجتهاده ‪ ،‬كقضاء عمر‬
‫في المشرّكة ‪.‬‬
‫إحياء الحمى ‪:‬‬
‫‪ - 12‬إذا استق ّر حكم الحمى على أرض فأقدم عليها من أحياها مخلّا بحقّ الحمى ‪ ،‬روعي‬
‫الحمى ‪ .‬فإن كانت ممّا حماه رسول اللّه صلى ال عليه وسلم كان الحمى ثابتا ‪ ،‬والحياء‬
‫باطلً ‪ ،‬والمتعرّض لحيائه مردود مزجور ‪ ،‬ل سيّما إذا كان سبب الحمى باقيا ‪ ،‬وإن كانت‬
‫ممّا حماه الئمّة بعده ‪ ،‬ففي إقرار إحيائه قولن عند الشّافعيّة ‪ ،‬ووجهان عند الحنابلة ‪.‬‬
‫ن ملكيّتها بالحياء قد ورد فيها نصّ ‪ ،‬وهو قوله صلى ال عليه‬
‫أحدهما ‪ :‬يملكها باعتبار أ ّ‬
‫ص مقدّم على اجتهاد المام عندما حماها ‪.‬‬
‫وسلم ‪ « :‬من أحيا أرضا ميّتةً فهي له » والنّ ّ‬
‫والثّاني ‪ :‬ل يملكها ‪ ،‬ول يقرّ عليها ‪ ،‬ويجري عليه حكم الحمى ‪ ،‬كالّذي حماه الرّسول صلى‬
‫ال عليه وسلم لنّه حكم نفذ بحقّ ‪ .‬والوّل هو المعتمد عند الحنابلة ‪.‬‬
‫حمالة *‬
‫التّعريف ‪:‬‬
‫‪ - 1‬الحمالة بفتح الحاء هي الدّية والغرامة الّتي يتحمّلها النسان عن غيره ‪ ،‬ويقال ‪ :‬حمال‬
‫أيضا وجمعها حمالت وحمل ‪.‬‬
‫وفي الصطلح ‪ :‬ما يتحمّله النسان ‪ ،‬ويلتزمه في ذمّته بالستدانة ليدفعه في إصلح ذات‬
‫البين ‪ ،‬مثل أن تقع حرب بين فريقين تسفك فيها الدّماء ‪ ،‬ويتلف فيها نفس أو مال ‪ ،‬فيسعى‬
‫إنسان في الصلح بينهم ‪ ،‬ويتحمّل الدّماء الّتي بينهم والموال ‪.‬‬
‫اللفاظ ذات الصّلة ‪:‬‬
‫الكفالة ‪:‬‬
‫ضمّ ‪ ،‬ومنه قوله تعالى { َوكَفَّلهَا َز َكرِيّا } أي ضمّها إليه‬
‫‪ - 2‬الكفالة في اللّغة ‪ :‬بمعنى ال ّ‬
‫وألزمه كفالتها ‪ .‬وقوله صلى ال عليه وسلم ‪ « :‬أنا وكافل اليتيم في الجنّة هكذا وأشار‬
‫سبّابة والوسطى » أي الّذي يضمّه إليه في التّربية ‪ .‬ويسمّى النّصيب كفلً ‪ ،‬لنّ‬
‫بأصبعيه ال ّ‬
‫صاحبه يضمّه إليه ‪ .‬وأمّا في الصطلح فالكفالة عند الحنفيّة ‪ :‬ضمّ ذمّة الكفيل إلى ذمّة‬
‫الصيل في المطالبة مطلقا أي ‪ :‬سواء كان بنفس أو بدين أو عين كالمغصوب ونحوه ‪.‬‬
‫فالكفيل والضّمين ‪ ،‬والقبيل ‪ ،‬والحميل ‪ ،‬والغريم بمعنًى واحد ‪.‬‬
‫ن الكفالة هي أن يلتزم الرّشيد بإحضار‬
‫ويرى المالكيّة ‪ ،‬والشّافعيّة في المشهور ‪ ،‬والحنابلة أ ّ‬
‫بدن من يلزم حضوره في مجلس الحكم ‪.‬‬
‫فالحنفيّة يطلقون الكفالة على كفالة المال والوجه ‪ ،‬والمالكيّة والشّافعيّة يقسمون الضّمان إلى‬
‫ضمان المال وضمان الوجه ‪.‬‬
‫ويطلق الشّافعيّة الكفالة على ضمان العيان البدنيّة ‪.‬‬
‫وأمّا عند الحنابلة ‪ :‬فالضّمان يكون التزام حقّ في ذمّة شخص آخر ‪ ،‬والكفالة التزام بحضور‬
‫بدنه إلى مجلس الحكم ‪.‬‬
‫الضّمان ‪:‬‬
‫‪ - 3‬الضّمان في اللّغة ‪ :‬من ضمن المال وبه ضمانًا أي التزمه ‪.‬‬
‫وفي الصطلح ‪ :‬هو ضمّ ذمّة الضّامن إلى ذمّة المضمون عنه في التزام الحقّ ‪.‬‬
‫والفرق بين الضّمان والحمالة ‪ ،‬هو أنّ الحمالة ضمان الدّية وغيرها لصلح ذات البين ‪،‬‬
‫والضّمان يكون في ذلك وفي غيره ‪ ،‬فالضّمان أع ّم من الحمالة ‪.‬‬
‫مشروعيّة الحمالة ‪:‬‬
‫ن الحمالة أمر مشروع ‪ ،‬وهي من مكارم الخلق ‪.‬‬
‫‪ - 4‬ل خلف بين الفقهاء في أ ّ‬
‫وكانت العرب تعرف الحمالة ‪ ،‬فإذا وقعت بينهم فتنة اقتضت غرامةً في دية أو غيرها ‪ ،‬قام‬
‫أحدهم فتبرّع بالتزام ذلك حتّى ترتفع تلك الفتنة الثّائرة ‪.‬‬
‫وكانوا إذا علموا أنّ أحدهم تحمّل حمال ًة بادروا إلى معونته ‪ ،‬وأعطوه ما تبرأ به ذمّته ‪.‬‬
‫وإذا سأل لذلك لم يعدّ نقصا في قدره ‪ ،‬بل فخرا ‪ .‬وسمّي قتادة بن أبي أوفى رضي ال عنه‬
‫صاحب الحمالة ‪ ،‬لنّه تحمّل بحمالت كثيرة ‪ ،‬فسأل فيها وأدّاها ‪.‬‬
‫والصل في ذلك قوله تعالى ‪ { :‬فَاتّقُوا اللّهَ وَأصِْلحُوا ذَاتَ بَين ُكمْ } ‪.‬‬
‫وما روي عن قبيصة بن مخارق الهلليّ قال ‪ « :‬تحمّلت حمالةً فأتيت رسول اللّه صلى ال‬
‫عليه وسلم أسأله فيها ‪ .‬فقال ‪ :‬أقم حتّى تأتينا الصّدقة فنأمر لك بها ‪ .‬قال ‪ :‬ثمّ قال يا قبيصة ‪:‬‬
‫ن المسألة ل تحلّ إلّ لحد ثلثة ‪ :‬رجل تحمّل حمال ًة فحلّت له المسألة حتّى يصيبها قواما‬
‫إّ‬
‫من عيش أو قال سدادا من عيش ورجل أصابته فاقة حتّى يقوم ثلثة من ذوي الحجا من‬
‫قومه ‪ :‬لقد أصابت فلنا فاقة فحلّت له المسألة ‪ ،‬حتّى يصيب قواما من عيش أو قال سدادا‬
‫من عيش فما سواهنّ من المسألة يا قبيصة سحتا يأكلها صاحبها سحتا » ‪.‬‬
‫أحكام الحمالة ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬دفع الزّكاة للحميل ‪:‬‬
‫‪ - 5‬ذهب الفقهاء إلى جواز دفع الزّكاة للحميل إذا استدان لصلح ذات البين بسبب إتلف‬
‫نفس ‪ ،‬أو مال ‪ ،‬أو نهب بشرط أن يكون فقيرا ‪ ،‬قال الحنابلة ‪ :‬ولو كان الصلح بين أهل‬
‫ال ّذمّة ‪ .‬واختلفوا فيما إذا كان غنيّا ‪:‬‬
‫فذهب المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة إلى أنّه يعطى من سهم الغارمين وإن كان غنيّا ‪ ،‬وبهذا قال‬
‫إسحاق ‪ ،‬وأبو ثور ‪ ،‬وأبو عبيد ‪ ،‬وابن المنذر ‪.‬‬
‫واستدلّوا بما رواه أبو سعيد الخدريّ رضي ال عنه عن النّبيّ صلى ال عليه وسلم « ل تحلّ‬
‫ل لخمسة ‪ :‬لغاز في سبيل اللّه ‪ ،‬أو لعامل عليها ‪ ،‬أو لغارم ‪ ،‬أو لرجل‬
‫الصّدقة لغنيّ إ ّ‬
‫اشتراها بماله ‪ ،‬أو لرجل كان له جار مسكين فتصدّق على المسكين فأهداها المسكين للغنيّ»‬
‫فيجوز للمتحمّل في صلح وبرّ إذا استدان مالًا لتسكين الثّائرة بين شخصين أو قبيلتين أن‬
‫يقضي ذلك ممّا يأخذه من الزّكاة وإن كان غنيّا إذا كان يجحف بماله كالغريم ‪.‬‬
‫ن الحميل قد يلتزم بمثل ذلك المال الكثير ‪ ،‬وقد أتى معروفا عظيما ‪ ،‬وابتغى صلحا عامّا‬
‫ول ّ‬
‫‪ ،‬فكان من المعروف حمله عنه من الزّكاة وتوفير ماله عليه ‪ ،‬لئلّ يجحف بمال المصلحين ‪،‬‬
‫أو يوهن عزائمهم عن تسكين الفتن ‪ ،‬وكفّ المفاسد ‪ ،‬فيدفع إليه ما يؤدّي حمالته وإن كان‬
‫غنيّا ‪ .‬وأمّا إن استدان الحمالة وأدّاها جاز له الخذ من الزّكاة ‪ ،‬لنّ الغرم باق ‪ ،‬والمطالبة‬
‫قائمة ‪ ،‬فلم يخرج عن كونه مدينًا بسبب الحمالة ‪.‬‬
‫وإن أدّى الحمالة من ماله لم يكن له أن يأخذ ‪ ،‬لنّه قد سقط الغرم ‪ ،‬فخرج عن كونه مدينا ‪.‬‬
‫ول تعتبر الغرامة لمصلحة نفسه حمالةً ‪ ،‬ول تأخذ حكمها ‪ ،‬لنّ الغارم لمصلحة نفسه يأخذ‬
‫لحاجة نفسه ‪ ،‬فاعتبرت حاجته كالفقير والمسكين ‪ ،‬وأمّا الغارم في الحمالة فيأخذ لخماد الفتنة‬
‫فجاز له الخذ مع الغنى كالغازي والعامل ‪.‬‬
‫ل له كسائر‬
‫ويرى الحنفيّة أنّه ل تدفع الزّكاة إلّ لحميل فقير ‪ ،‬لنّ من تجب عليه الزّكاة ل تح ّ‬
‫ن النّبيّ صلى ال عليه وسلم قال لمعاذ رضي ال عنه ‪« :‬‬
‫أصناف مصارف الزّكاة ‪ .‬ول ّ‬
‫ن اللّه افترض عليهم صدق ًة في أموالهم تؤخذ من أغنيائهم وتردّ في فقرائهم » ‪.‬‬
‫وأعلمهم أ ّ‬
‫إباحة السّؤال لجل الحمالة ‪:‬‬
‫‪ -‬ذهب جمهور الفقهاء إلى أ نّ من تحمّل بسبب إتلف نفس أو مال ‪ ،‬دي ًة أو مالً لتسكين‬ ‫‪6‬‬

‫فتنة وقعت بين طائفتين يجوز له أن يسأل حتّى يؤدّي ‪.‬‬


‫واستدلّوا على ذلك بحديث قبيصة بن المخارق السّابق ‪.‬‬
‫ي صلى ال عليه وسلم قال ‪ « :‬إنّ المسألة ل تحلّ إلّ‬
‫ن النّب ّ‬
‫وبحديث أنس رضي ال عنه أ ّ‬
‫لثلثة ‪ :‬لذي فقر مدقع ‪ ،‬أو لذي غرم مفظع ‪ ،‬أو لذي دم موجع » ‪.‬‬

‫حمد *‬
‫التّعريف ‪:‬‬
‫‪ - 1‬الحمد لغةً ‪ :‬نقيض ال ّذمّ ‪ ،‬ومنه المحمدة خلف المذمّة ‪.‬‬
‫وهو الشّكر والرّضا والجزاء وقضاء الحقّ ‪ ،‬أو ‪ :‬الثّناء الكامل ‪ ،‬أو ‪ :‬الثّناء بالكلم أو‬
‫باللّسان على جميل اختياريّ على جهة التّعظيم ‪ ،‬كان نعم ًة كالعطايا أو ل ‪ ،‬كالعبادات ‪ ،‬أو‬
‫هو ‪ :‬الثّناء على المحمود بجمال صفاته وأفعاله ‪.‬‬
‫قال الجرجانيّ ‪ :‬الحمد هو الثّناء على الجميل من جهة التّعظيم من نعمة وغيرها وقسّمه ‪-‬‬
‫كما فعل أبو البقاء وغيره ‪ -‬خمسة أقسام ‪.‬‬
‫‪ - 1 -‬الحمد اللّغويّ ‪ :‬وهو الوصف بالجميل على جهة التّعظيم والتّبجيل باللّسان وحده ‪.‬‬
‫‪ - 2 -‬الحمد العرفيّ ‪ :‬وهو فعل يشعر بتعظيم المنعم بسبب كونه منعما ‪ ،‬وهو أع ّم من أن‬
‫يكون فعل اللّسان أو الركان أو الجنان ‪.‬‬
‫ق بما أثنى به على نفسه على لسان‬
‫‪ - 3 -‬الحمد القوليّ ‪ :‬وهو حمد اللّسان وثناؤه على الح ّ‬
‫أنبيائه ‪.‬‬
‫‪ - 4 -‬الحمد الفعليّ ‪ :‬وهو التيان بالعمال البدنيّة ابتغاء وجه اللّه تعالى ‪.‬‬
‫‪ - 5 -‬الحمد الحاليّ ‪ :‬وهو الّذي يكون بحسب الرّوح والقلب ‪ ،‬كالتّصاف بالكمالت العلميّة‬
‫والعمليّة والتّخلّق بالخلق اللهيّة ‪.‬‬
‫‪ - 2‬والحمد على الطلق يكون للّه تعالى فهو سبحانه يستحقّ الحمد بأجمعه ‪ ،‬إذ له السماء‬
‫ن كلّ إحسان هو‬
‫الحسنى والصّفات العل ‪ ،‬ول يجوز الحمد على الطلق إلّ للّه تعالى ‪ ،‬ل ّ‬
‫منه في الفعل أو التّسبّب ‪.‬‬
‫وحمد اللّه تعالى عبارة عن تعريفه وتوصيفه بنعوت جلله وصفات جماله وسمات كماله‬
‫الجامع لها ‪ ،‬سواء كان بالحال أو بالمقال ‪ ،‬وهو معنًى يعمّ الثّناء بأسمائه فهي جليلة ‪ ،‬والشّكر‬
‫على نعمائه فهي جزيلة ‪ ،‬والرّضا بأقضيته فهي حميدة ‪ ،‬والمدح بأفعاله فهي جميلة‪ .‬والتّحميد‬
‫‪ :‬حمد اللّه تعالى مرّ ًة بعد مرّة ‪ ،‬أو كما قال الزهريّ ‪ :‬كثرة حمد اللّه سبحانه بالمحامد‬
‫الحسنة ‪ ،‬والتّحميد أبلغ من الحمد ‪.‬‬
‫‪ - 3‬والمقام المحمود الّذي ورد في حديث ‪ « :‬اللّهمّ آت محمّدا الوسيلة والفضيلة وابعثه مقاما‬
‫محمودا » هو المقام الّذي يحمده فيه جميع الخلق لشفاعته لتعجيل الحساب والراحة من طول‬
‫الوقوف ‪.‬‬
‫ولواء الحمد الّذي ورد في حديث ‪ « :‬إنّي لوّل النّاس تنشقّ الرض عن جمجمتي يوم‬
‫القيامة ول فخر ‪ ،‬وأعطى لواء الحمد ول فخر » المراد به انفراده صلى ال عليه وسلم‬
‫بالحمد على رؤوس الخلق يوم القيامة وشهرته به ‪ ،‬والعرب تضع اللّواء في موضع الشّهرة ‪،‬‬
‫وقال الطّيبيّ ‪ :‬ويحتمل أن يكون لحمده يوم القيامة لواء حقيق ًة يسمّى لواء الحمد ‪.‬‬
‫ول يخرج المعنى الصطلحيّ عن المعنى اللّغويّ أو العرفيّ ‪.‬‬
‫اللفاظ ذات الصّلة ‪:‬‬
‫الثّناء ‪:‬‬
‫ص بعضهم به المدح ‪ ،‬وقال‬
‫‪ - 4‬هو ما يوصف به النسان من مدح أو ذمّ ‪ ،‬وخ ّ‬
‫الفيروزآبادي ‪ :‬هو وصف بمدح أو ذمّ ‪ ،‬أو خاصّ بالمدح ‪ ،‬وقال أبو البقاء ‪ :‬هو الكلم‬
‫الجميل ‪ ،‬وقيل ‪ :‬هو الذّكر بالخير ‪ ،‬وقيل ‪ .‬يستعمل في الخير والشّرّ على سبيل الحقيقة ‪،‬‬
‫شرّ ‪ .‬وقيل ‪ :‬هو التيان بما يشعر‬
‫وهو في عرف الجمهور حقيقة في الخير ومجاز في ال ّ‬
‫التّعظيم مطلقًا ‪ ،‬سواء كان باللّسان أو بالجنان أو بالركان ‪ ،‬وسواء أكان في مقابلة شيء أم‬
‫ل فيشمل الحمد والشّكر والمدح وهو المشهور بين الجمهور ‪.‬‬
‫الشّكر ‪:‬‬
‫‪ - 5‬هو في اللّغة ‪ :‬عرفان الحسان ونشره ‪ ،‬أو هو ‪ :‬العتراف بالنّعمة على جهة التّعظيم‬
‫للمنعم ‪ ،‬أو هو ‪ :‬الثّناء على المحسن بما قدّم من المعروف ‪ ،‬أو هو ‪ :‬العتراف بالنّعمة‬
‫وفعل ما يجب لها ‪ ،‬يقال ‪ :‬شكرت للّه أي اعترفت بنعمته وفعلت ما يجب من الطّاعة وترك‬
‫المعصية ‪ ،‬أو هو ‪ :‬مقابلة النّعمة بالقول والفعل وال ّنيّة ‪ ،‬فيثني على المنعم بلسانه ‪ ،‬وينيب‬
‫نفسه في طاعته ‪ ،‬ويعتقد أنّه مولّيها ‪ .‬ول يخرج المعنى الصطلحيّ عن ذلك ‪.‬‬
‫ن الشّكر أعمّ من‬
‫واختلف في الصّلة بين الشّكر والحمد ‪ ،‬فقيل ‪ :‬إنّهما بمعنًى واحد ‪ ،‬وقيل ‪ :‬إ ّ‬
‫الحمد ‪ ،‬لنّه باللّسان وبالجوارح وبالقلب ‪ ،‬والحمد إنّما يكون باللّسان خاصّ ًة ‪ ،‬وقيل ‪ :‬الحمد‬
‫ن الحمد ثناء على الممدوح بصفاته من غير سبق إحسان ‪،‬‬
‫أعمّ ‪ .‬قال القرطبيّ ‪ :‬الصّحيح أ ّ‬
‫والشّكر ثناء على المشكور بما أولى من الحسان ‪ ،‬وعلى هذا الحدّ قال علماؤنا ‪ :‬الحمد أعمّ‬
‫من الشّكر ‪.‬‬
‫المدح ‪:‬‬
‫‪ - 6‬هو في اللّغة ‪ :‬الثّناء الحسن ‪ ،‬أو الثّناء على الممدوح بما فيه من الصّفات الجميلة خلقيّةً‬
‫كانت أو اختياريّ ًة ‪ .‬وفي الصطلح ‪ :‬هو الثّناء باللّسان على الجميل الختياريّ قصدا‪ .‬قال‬
‫ن المدح يقال فيما يكون من النسان‬
‫ص من المدح وأعمّ من الشّكر ‪ ،‬فإ ّ‬
‫الرّاغب ‪ :‬والحمد أخ ّ‬
‫باختياره ‪ ،‬وممّا يقال منه وفيه بالتّسخير فقد يمدح النسان بطول قامة وصباحة وجهه كما‬
‫يمدح ببذل ماله وسخائه وعلمه ‪ .‬و‬
‫الحمد يكون في الثّاني دون الوّل ‪ ،‬والشّكر ل يقال إلّ في مقابلة نعمة ‪ .‬فكلّ شكر حمد ‪،‬‬
‫ل حمد مدح وليس كلّ مدح حمدا ‪.‬‬
‫وليس كلّ حمد شكرًا ‪ ،‬وك ّ‬
‫الحكم التّكليفيّ ‪:‬‬
‫‪ - 7‬الحمد يكون للّه عزّ وجلّ ‪ ،‬وهو كلّه وبإطلق له سبحانه ‪ ،‬لنّه تعالى المستحقّ للحمد‬
‫ذاتًا وصفات ول شيء منه لغيره في الحقيقة ‪.‬‬
‫وقد يحمد النسان نفسه فيثني عليها ويزكّيها ‪ ،‬وقد يحمد غيره فيثني عليه ويمدحه ‪.‬‬
‫حمد النسان نفسه ‪:‬‬
‫س ُكمْ هُ َو أَعَْل ُم ِبمَنِ‬
‫‪ - 8‬نهى اللّه تعالى أن يحمد النسان نفسه في قوله تعالى ‪ { :‬فَل ُتزَكّوا أَن ُف َ‬
‫ل اللّ ُه ُي َزكّي مَن َيشَاء َولَ‬
‫سهُمْ بَ ِ‬
‫ن أَن ُف َ‬
‫ن ُي َزكّو َ‬
‫اتّقَى } وقوله عزّ وجلّ ‪ { :‬أََلمْ َترَ إِلَى اّلذِي َ‬
‫ُيظْلَمُونَ َفتِيلً } وقال النّبيّ صلى ال عليه وسلم ‪ « :‬ل تزكّوا أنفسكم ‪ ،‬اللّه أعلم بأهل البرّ‬
‫منكم » ‪ .‬لكن إن احتاج النسان إلى بيان فضله والتّعريف بما عنده من القدرات فل بأس‬
‫لرْضِ ِإنّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ } ‪.‬‬
‫خزَآئِنِ ا َ‬
‫جعَ ْلنِي عَلَى َ‬
‫بذلك ‪ .‬كما قال يوسف عليه السلم ‪ { :‬ا ْ‬
‫وانظر مصطلح ( مدح ‪ -‬تزكية ) ‪.‬‬
‫حمد النسان غيره ‪:‬‬
‫حمد النسان غيره وثناؤه عليه ومدحه إيّاه منهيّ عنه شرعا من حيث الجملة ‪ ،‬وبخاصّة إذا‬
‫ن رجلًا ذكر عند النّبيّ صلى ال‬
‫ي من حديث أبي بكرة « أ ّ‬
‫كان بما ليس فيه ‪ ،‬ففي البخار ّ‬
‫عليه وسلم فأثنى عليه رجل خيرا ‪ ،‬فقال النّبيّ صلى ال عليه وسلم ‪ :‬ويحك قطعت عنق‬
‫صاحبك ‪ -‬يقوله مرارا ‪ -‬إن كان أحدكم مادحا أخاه ل محالة فليقل ‪ :‬أحسب فلنا كذا وكذا‬
‫إن كان يرى أنّه كذلك ‪ ،‬ول أزكّي على اللّه أحدا » ‪ .‬وللتّفصيل ينظر مصطلح ( مدح ) ‪.‬‬
‫حمد اللّه تعالى ‪:‬‬
‫سنّة ‪ ،‬ومنه قول اللّه تعالى ‪ :‬للنّبيّ‬
‫‪ - 9‬حمد اللّه تعالى مطلوب شرعا ‪ ،‬ورد بذلك الكتاب وال ّ‬
‫صلى ال عليه وسلم ‪ { :‬قُل الحَمدُ لِلّهِ } وقوله صلى ال عليه وسلم ‪ « :‬كلّ أمر ذي بال ل‬
‫ل‪{:‬‬
‫يبدأ فيه بالحمد فهو أقطع » ‪ .‬وقد حمد اللّه تعالى نفسه وافتتح كتابه بحمده فقال عزّ وج ّ‬
‫ح ْمدُ لِلّ ِه رَبّ العَاَلمِينَ } ‪ .‬وحكم حمد اللّه تعالى يتعدّد بتعدّد مواطنه على النّحو التّالي ‪:‬‬
‫ال َ‬
‫أوّلً ‪ :‬البتداء بالحمد ‪:‬‬
‫‪ - 10‬ذهب جمهور الفقهاء إلى أنّ البتداء بحمد اللّه تعالى في المور المهمّة مندوب اقتداءً‬
‫ل بحديث أبي هريرة رضي ال تعالى عنه عن النّبيّ صلى ال عليه‬
‫بكتاب اللّه تعالى ‪ ،‬وعم ً‬
‫ب البداءة بالحمد‬
‫ل أمر ذي بال ل يبدأ فيه بحمد اللّه تعالى فهو أقطع » فيستح ّ‬
‫وسلم قال ‪ « :‬ك ّ‬
‫لكلّ مصنّف ‪ ،‬ودارس ‪ ،‬ومدرّس ‪ ،‬وخطيب ‪ ،‬وخاطب ‪ ،‬وبين يدي سائر المور المهمّة ‪،‬‬
‫قال الشّافعيّ ‪ :‬أحبّ أن يقدّم المرء بين يدي خطبته وكلّ أمر طلبه حمد اللّه تعالى والثّناء‬
‫عليه سبحانه وتعالى والصّلة على رسوله صلى ال عليه وسلم ‪.‬‬
‫قال ابن عابدين ‪ :‬الحمدلة تجب في الصّلة ‪ ،‬وتسنّ في الخطب ‪ ،‬وقبل الدّعاء ‪ ،‬وبعد‬
‫الكل ‪ ،‬وتباح بل سبب ‪ ،‬وتكره في الماكن المستقذرة ‪ ،‬وتحرم بعد أكل الحرام ‪.‬‬
‫ن البسملة للكتب والوثائق والرّسائل ‪ ،‬كما في كتب النّبيّ صلى ال عليه‬
‫وفي فتح الباري أ ّ‬
‫وسلم إلى الملوك وما كتبه في صلح الحديبية ‪ ،‬وأنّ الحمد للخطب ‪.‬‬
‫ثانيا ‪ :‬الحمد في دعاء الستفتاح ‪:‬‬
‫‪ - 11‬ورد الحمد في دعاء الستفتاح الّذي جاءت فيه ‪ -‬كما قال النّوويّ ‪ -‬أحاديث كثيرة‬
‫يقتضي مجموعها أن يقول المصلّي في استفتاح الصّلة ‪ « :‬اللّه أكبر كبيرا ‪ ،‬والحمد للّه‬
‫كثيرا ‪ ،‬وسبحان اللّه بكرةً وأصيلً ‪ . . .‬الخ » ‪.‬‬
‫ل هذا ثابت في الصّحيح عن رسول اللّه صلى ال عليه وسلم ‪.‬‬
‫وك ّ‬
‫ح ما روي فيه عن عمر بن الخطّاب رضي ال تعالى عنه ‪ :‬أنّه كبّر ثمّ‬
‫وقال البيهقيّ ‪ :‬أص ّ‬
‫قال ‪ :‬سبحانك اللّهمّ وبحمدك ‪ ،‬تبارك اسمك ‪ ،‬وتعالى جدّك ‪ ،‬ول إله غيرك ‪.‬‬
‫وروي مرفوعا بأسانيد ضعيفة ‪ .‬وتفصيل المأثور في دعاء الستفتاح ‪ ،‬وحكمه ‪ ،‬وموضعه‬
‫من الصّلوات ينظر في ( استفتاح ‪ ،‬وتحميد ) ‪.‬‬
‫ثالثا ‪ :‬قراءة سورة الحمد في الصّلة ‪:‬‬
‫‪ - 12‬سورة الحمد ‪ -‬كما تقدّم ‪ -‬هي سورة الفاتحة ‪ ،‬وقد ذهب جمهور الفقهاء إلى أنّ‬
‫قراءتها في الصّلة فرض ‪ ،‬وقال أبو حنيفة ‪ :‬ل تتعيّن قراءة الفاتحة بل تستحبّ ‪ ،‬وفي‬
‫رواية عنه تجب ولو قرأ غيرها من القرآن أجزأه ‪.‬‬
‫وفي المسألة تفصيل ينظر في ( صلة ‪ ،‬وفاتحة ) ‪.‬‬
‫رابعا ‪ :‬الحمد في الرّكوع والسّجود ‪:‬‬
‫ن الولى أن يقول المصلّي في التّسبيح المندوب في‬
‫‪ - 13‬ذهب المالكيّة والشّافعيّة إلى أ ّ‬
‫الرّكوع ‪ :‬سبحان ربّي العظيم وبحمده ‪ ،‬وفي السّجود ‪ ،‬سبحان ربّي العلى وبحمده ‪.‬‬
‫وفي الصّحيحين عن عائشة رضي ال تعالى عنها قالت ‪ « :‬كان النّبيّ صلى ال عليه وسلم‬
‫يكثر أن يقول في ركوعه وسجوده ‪ :‬سبحانك اللّه ّم ربّنا وبحمدك اللّهمّ اغفر لي » ‪.‬‬
‫والفضل عند الحنابلة القتصار على " سبحان ربّي العظيم " في الرّكوع وعلى " سبحان ربّي‬
‫العلى " في السّجود من غير زيادة وبحمده ‪.‬‬
‫ولم يتعرّض الحنفيّة لزيادة لفظ ( وبحمده ) في أيّ من الرّكوع أو السّجود ‪.‬‬
‫وفي تفصيل مذاهب الفقهاء في حكم التّسبيح في الرّكوع والسّجود ينظر مصطلح ( تسبيح )‪.‬‬
‫خامسا ‪ :‬الحمد في الرّفع بعد الرّكوع ‪:‬‬
‫‪ -‬ذهب المالكيّة وأبو حنيفة إلى من كان إماما يقول في الرّفع بعد الرّكوع ‪ :‬سمع اللّه لمن‬ ‫‪14‬‬

‫حمده ول يقول ربّنا لك الحمد ‪.‬‬


‫وقال أبو يوسف ومحمّد ‪ :‬يجمع بين التّسميع والتّحميد ‪ ،‬وروي عن أبي حنيفة مثل قولهما ‪.‬‬
‫ج أبو حنيفة بما روى أبو هريرة رضي ال تعالى عنه عن النّبيّ صلى ال عليه وسلم أنّه‬
‫احت ّ‬
‫ليؤتمس بسه ‪ ،‬فإذا كبّر فكبّروا ‪ ،‬وإذا قرأ فأنصستوا ‪ ،‬وإذا قال ‪ :‬ول‬
‫ّ‬ ‫قال ‪ « :‬إنّمسا جعسل المام‬
‫الضّالّين فقولوا ‪ :‬آمين ‪ ،‬وإذا ركع فاركعوا ‪ ،‬وإذا قال ‪ :‬سمع اللّه لمن حمده فقولوا ‪ :‬ربّنا لك‬
‫الحمد » قسم التّحميد والتّسميع بين المام والقوم فجعل التّحميد لهم والتّسميع له ‪ ،‬وفي الجمع‬
‫ن إتيان المام بالح مد يؤدّي إلى ج عل‬
‫ب ين الذّكر ين من أ حد الجانبين إبطال هذه الق سمة ‪ ،‬ول ّ‬
‫أنس الذّكسر يقارن النتقال ‪ ،‬فإذا قال المام ‪:‬‬
‫التّابسع متبوعا تابعا ‪ ،‬وهذا ل يجوز ‪ ،‬بيان ذلك ّ‬
‫سسمع اللّه لمسن حمده ‪ ،‬يقول المقتدي مقارنا له ‪ :‬ربّنسا لك الحمسد ‪ ،‬فلو قالهسا المام بعسد ذلك‬
‫لوقع قوله بعد قول المقتدي ‪ ،‬فينقلب المتبوع تابعا والتّابع متبوعا ‪ ،‬ومراعاة التّبعيّة في جميع‬
‫أجزاء الصّلة واجبة بقدر المكان ‪.‬‬
‫وإن كان المصلّي مقتديا يأتي بالحمد ل غير ‪ .‬وإن كان منفردًا يجمع بينهما على المعتمد من‬
‫أقوال ثلثة مصحّحة ‪ ،‬أحدها هذا ‪ ،‬والثّاني أنّه كالمؤتمّ ‪ ،‬والثّالث أنّه كالمام ‪.‬‬
‫‪ - 15‬واختلف في المختار من ألفاظ الحمد عند الحنفيّة ‪ :‬قال الحصكفيّ ‪ :‬أفضله ‪ :‬اللّهمّ ربّنا‬
‫ولك الحمد ‪ ،‬ثمّ حذف الواو ‪ ،‬ثمّ حذف اللّهمّ فقط ‪ ،‬وأضاف ابن عابدين ‪ :‬وبقي رابعة هي ‪:‬‬
‫حذف اللّهمّ والواو ‪ ،‬ثمّ قال ‪ :‬الربعة في الفضليّة على هذا التّرتيب كما أفاده بالعطف بثمّ ‪.‬‬
‫قال الكاسانيّ ‪ :‬والشهر ربّنا لك الحمد ‪.‬‬
‫‪ - 16‬وأمّا المقتدي فيندب له أن يقول ‪ :‬ربّنا ولك الحمد بعد قول المام ‪ :‬سمع اللّه لمن حمده‬
‫ب على‬
‫‪ .‬والف ّذ ( المنفرد ) يجمع بينهما ‪ ،‬فهو مخاطب بسنّة ومندوب والتّرتيب بينهما مستح ّ‬
‫الظّاهر ‪ ،‬فيسنّ له أن يقول ‪ :‬سمع اللّه لمن حمده ‪ ،‬ويندب له أن يقول بعد ذلك ‪ :‬ربّنا ولك‬
‫الحمد ‪.‬‬
‫ب له أن يقول ‪ :‬ربّنا لك‬
‫ن المصلّي إذا استوى قائما من ركوعه استح ّ‬
‫وذهب الشّافعيّة إلى أ ّ‬
‫الحمد حمدا كثيرا طيّبا مباركا فيه ملء السّموات وملء الرض وملء ما شئت من شيء‬
‫بعد ‪ ،‬أهل الثّناء والمجد ‪ ،‬أحقّ ما قال العبد وكلّنا لك عبد ل مانع لما أعطيت ول معطي لما‬
‫منعت ول ينفع ذا الجدّ منك الجدّ ‪ ،‬قال الشّافعيّ والصحاب ‪ :‬يستوي في استحباب هذه‬
‫ل واحد منهم بين قوله بسمع اللّه لمن حمده‬
‫الذكار كلّها المام والمأموم والمنفرد ‪ ،‬يجمع ك ّ‬
‫وربّنا لك الحمد إلى آخره ‪ .‬والجمع بين التّسميع والتّحميد للمام والمنفرد هو قول لبي‬
‫يوسف ومحمّد ‪ ،‬واحتجّ أبو يوسف ومحمّد بما ورد « أنّ رسول اللّه صلى ال عليه وسلم‬
‫كان إذا رفع رأسه من الرّكوع قال ‪ :‬سمع اللّه لمن حمده ‪ ،‬ربّنا لك الحمد » وغالب أحواله‬
‫صلى ال عليه وسلم أنّه كان هو المام ‪ ،‬ولنّ المام منفرد في حقّ نفسه ‪ ،‬والمنفرد يجمع‬
‫ن التّسميع تحريض على الحمد فل ينبغي أن يأمر غيره‬
‫بين هذين الذّكرين فكذا المام ‪ ،‬ول ّ‬
‫سكُمْ }‬
‫ن َأنْ ُف َ‬
‫س بالبِرّ َو َت ْنسَو َ‬
‫بالبرّ وينسى نفسه كي ل يدخل تحت قوله تعالى ‪َ { :‬أ َت ْأمُرُونَ النّا َ‬
‫قال ابن عابدين ‪ :‬لكن المتون على قول المام ‪.‬‬
‫وقال النّوويّ ‪ :‬وهذا ل خلف فيه عندنا ‪ ،‬لكن قال الصحاب ‪ :‬إنّما يأتي المام بهذا كلّه إذا‬
‫رضي المأمومون بالتّطويل وكانوا محصورين ‪ ،‬فإن لم يكن كذلك اقتصر على قوله ‪ :‬سمع‬
‫اللّه لمن حمده ربّنا لك الحمد ‪.‬‬
‫قال الشّافعيّ والصحاب ‪ :‬ولو قال ‪ :‬ولك الحمد ربّنا أجزأه ‪ ،‬لنّه أتى باللّفظ والمعنى ‪،‬‬
‫سنّة ‪.‬‬
‫ولكن الفضل قوله ‪ :‬ربّنا لك الحمد على التّرتيب الّذي وردت به ال ّ‬
‫وقال صاحب الحاوي وغيره ‪ :‬يستحبّ للمام أن يجهر بقوله سمع اللّه لمن حمده ليسمع‬
‫المأمومون ويعلموا انتقاله كما يجهر بالتّكبير ‪ ،‬ويسرّ بقوله ربّنا لك الحمد لنّه يفعله في‬
‫العتدال فيسرّ به كالتّسبيح في الرّكوع والسّجود ‪ ،‬وأمّا المأموم فيسرّ بهما كما يسرّ‬
‫بالتّكبير ‪ ،‬فإن أراد تبليغ غيره انتقال المام كما يبلّغ التّكبير جهر بقوله سمع اللّه لمن حمده ‪،‬‬
‫لنّه المشروع في حال الرتفاع ‪.‬‬
‫ول يجهر بقوله ربّنا لك الحمد ‪ ،‬لنّه إنّما يشرع في حال العتدال ‪.‬‬
‫وقال الحنابلة ‪ :‬إذا استتمّ المصلّي قائمًا من ركوعه قال ‪ :‬ربّنا ولك الحمد ملء السّموات‬
‫والرض وملء ما شئت من شيء بعد ‪ ،‬لما روى أبو هريرة رضي ال تعالى عنه « أنّ‬
‫النّبيّ صلى ال عليه وسلم كان يقول ‪ :‬سمع اللّه لمن حمده حين يرفع صلبه من الرّكوع ثمّ‬
‫يقول وهو قائم ‪ :‬ربّنا ولك الحمد » متّفق عليه ‪ ،‬ولما روى عليّ رضي ال تعالى عنه قال ‪:‬‬
‫« كان النّبيّ صلى ال عليه وسلم إذا رفع رأسه من الرّكوع قال ‪ :‬اللّه ّم ربّنا لك الحمد ملء‬
‫السّموات وملء الرض وملء ما بينهما وملء ما شئت من شيء بعد » ‪.‬‬
‫ق ما قال‬
‫ونقل عن أحمد أنّ المصلّي إن شاء زاد على ذلك قوله ‪ « :‬أهل الثّناء والمجد ‪ ،‬أح ّ‬
‫العبد ‪ ،‬وكلّنا لك عبد ‪ ،‬اللّهمّ ل مانع لما أعطيت ‪ ،‬ول معطي لما منعت ‪ ،‬ول ينفع ذا الجدّ‬
‫ي صلى ال‬
‫ن النّب ّ‬
‫منك الجدّ » رواه مسلم من حديث أبي سعيد الخدريّ رضي ال تعالى عنه أ ّ‬
‫عليه وسلم كان يقوله ‪ ،‬أو يقول المصلّي غير ذلك ممّا ورد ‪.‬‬
‫ن النّبيّ صلى ال عليه‬
‫والصّحيح ‪ -‬عند الحنابلة ‪ -‬أنّ المنفرد يقول كما يقول المام ‪ ،‬ل ّ‬
‫وسلم روي عنه أنّه قال لبريدة ‪ « :‬إذا رفعت رأسك في الرّكوع فقل ‪ :‬سمع اللّه لمن حمده ‪،‬‬
‫اللّهمّ ربّنا ولك الحمد ‪ ،‬ملء السّماء وملء الرض وملء ما شئت بعد » وهذا عا ّم في جميع‬
‫ن النّبيّ صلى ال عليه وسلم كان يقول ذلك ولم تفرّق الرّواية بين كونه‬
‫أحواله ‪ ،‬وقد روي أ ّ‬
‫إماما ومنفردا ‪ ،‬ولنّ ما شرع من القراءة والذّكر في حقّ المام شرع في حقّ المنفرد ‪،‬‬
‫كسائر الذكار ‪ .‬والمأموم يحمد ‪ -‬أي يقول ‪ :‬ربّنا ولك الحمد ‪ -‬فقط في حال رفعه من‬
‫الرّكوع ‪ ،‬لما روى أنس وأبو هريرة رضي ال تعالى عنهما « أنّ النّبيّ صلى ال عليه وسلم‬
‫‪ :‬إذا قال المام ‪ :‬سمع اللّه لمن حمده فقولوا ‪ :‬ربّنا ولك الحمد » ‪.‬‬
‫ي صلى ال عليه وسلم‬
‫ن النّب ّ‬
‫ن للمأموم ل ّ‬
‫فأمّا قول « ملء السّموات ‪ » . . .‬وما بعده فل يس ّ‬
‫اقتصر على أمرهم بقول ‪ « :‬ربّنا ولك الحمد » فدلّ على أنّه ل يشرع لهم سواه ‪.‬‬
‫وللمصلّي ‪ -‬إماما كان أو مأموما أو منفردا ‪ -‬قول " ربّنا لك الحمد " بل واو لورود الخبر‬
‫بذلك ‪ ،‬وبالواو أفضل للتّفاق عليه من حديث ابن عمر وأنس وأبي هريرة رضي ال عنهم ‪،‬‬
‫ن التّقدير ربّنا حمدناك ولك الحمد ‪،‬‬
‫ولكونه أكثر حروفا ‪ ،‬ويتضمّن الحمد مقدّرا ومظهرا ‪ ،‬فإ ّ‬
‫ن في الكلم مقدّرا ‪.‬‬
‫لنّ الواو للعطف ‪ ،‬ولمّا لم يكن في الظّاهر ما يعطف عليه دلّ على أ ّ‬
‫وإن شاء المصلّي قال ‪ " :‬اللّهمّ ربّنا لك الحمد " بل واو ‪ ،‬وهو أفضل منه مع الواو وإن شاء‬
‫قاله بواو ‪ .‬وذلك بحسب الرّوايات صحّةً وكثر ًة وضدّهما ‪.‬‬
‫وإذا رفع المصلّي رأسه من الرّكوع فعطس فقال ‪ :‬ربّنا ولك الحمد ‪ ،‬ينوي بذلك لما عطس‬
‫وللرّفع ‪ ،‬فروي عن أحمد أنّه ل يجزئه ‪ ،‬لنّه لم يخلصه للرّفع من الرّكوع ‪ .‬وقال ابن قدامة‬
‫‪ :‬والصّحيح أنّ هذا يجزئه ‪ ،‬لنّه ذكر ل تعتبر له ال ّنيّة وقد أتى به فأجزأه ‪ ،‬كما لو قاله ذاهلًا‬
‫وقلبه غير حاضر ‪ ،‬وقول أحمد يحمل على الستحباب ل على نفي الجزاء حقيق ًة ‪.‬‬
‫ن جهر المام بالتّحميد ‪ ،‬لنّه ل‬
‫ن جهر المام بالتّسميع ليحمد المأموم عقبه ‪ ،‬ول يس ّ‬
‫ويس ّ‬
‫يعقبه من المأموم شيء فل فائدة في الجهر به ‪ ( .‬ر ‪ :‬مصطلح تحميد ) ‪.‬‬
‫سادسا ‪ :‬الحمد بعد الصّلة ‪:‬‬
‫‪ - 17‬اتّفق الفقهاء على استحباب الحمد بعد الصّلة ‪ ،‬وجاءت فيه أحاديث كثيرة صحيحة‬
‫ن رسول اللّه صلى‬
‫منها ‪ :‬ما رواه الشّيخان عن المغيرة بن شعبة رضي ال تعالى عنه « أ ّ‬
‫ل اللّه وحده ل شريك له ‪ ،‬له‬
‫ال عليه وسلم كان إذا فرغ من الصّلة وسلّم قال ‪ :‬ل إله إ ّ‬
‫الملك وله الحمد ‪ ،‬وهو على كلّ شيء قدير ‪ ،‬اللّهمّ ل مانع لما أعطيت ‪ ،‬ول معطي لما‬
‫منعت ‪ ،‬ول ينفع ذا الجدّ منك الجدّ » وما رواه الشّيخان وغيرهما عن أبي هريرة رضي ال‬
‫ن فقراء المهاجرين أتوا رسول اللّه صلى ال عليه وسلم فقالوا ‪ :‬ذهب‬
‫تعالى عنه ‪ « :‬أ ّ‬
‫أصحاب الدّثور بالدّرجات العلى والنّعيم المقيم ‪ ،‬يصلّون كما نصلّي ‪ ،‬ويصومون كما‬
‫نصوم ‪ ،‬ولهم فضل من أموال يحجّون بها ويعتمرون ويجاهدون ويتصدّقون ‪ ،‬قال صلى ال‬
‫عليه وسلم ‪ :‬أل أعلّمكم شيئا تدركون به من سبقكم ‪ ،‬وتسبقون به من بعدكم ‪ ،‬ول يكون أحد‬
‫ل من صنع ما صنعتم ؟ قالوا ‪ :‬بلى يا رسول اللّه ‪ ،‬قال ‪ :‬تسبّحون وتحمدون‬
‫أفضل منكم إ ّ‬
‫وتكبّرون خلف كلّ صلة ثلثا وثلثين » ‪ .‬وتفصيل هذا في مصطلح ( تحميد ) ‪.‬‬
‫سابعا ‪ :‬الحمد في الخطب المشروعة ‪:‬‬
‫‪ - 18‬الحمد مطلوب في الخطب المشروعة ‪ ،‬وهي عشر أو ثمان أو أدنى من ذلك أو أكثر ‪،‬‬
‫على تفصيل يذكر في موطنه ‪ ،‬ومن ذلك ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬الحمد في خطبتي الجمعة ‪:‬‬
‫ن لفظ الحمد ل يشترط في خطبة الجمعة ‪ ،‬فلو ذكر الخطيب اللّه‬
‫‪ - 19‬ذهب الحنفيّة إلى أ ّ‬
‫ل اللّه جاز عنده في‬
‫تعالى على قصد الخطبة بقوله ‪ :‬الحمد للّه أو سبحان اللّه أو ل إله إ ّ‬
‫أركان الخطبة ‪ ،‬أمّا إذا قال ذلك لعطاس أو تعجّب فل يجوز ‪ ،‬واستدلّ بقوله تعالى ‪ { :‬يَا َأ ّيهَا‬
‫سعَوْا إِلَى ِذ ْكرِ اللّهِ } ‪ .‬من غير فصل ‪ ،‬فكان‬
‫ج ُمعَةِ فَا ْ‬
‫اّلذِينَ آ َمنُوا ِإذَا نُودِي لِلصّلَاةِ مِن يَ ْو ِم ا ْل ُ‬
‫ن الحمد في خطبة الجمعة مندوب ‪.‬‬
‫الشّرط الذّكر العمّ ‪ .‬وذهب المالكيّة إلى أ ّ‬
‫وقال الشّافعيّة والحنابلة ‪ :‬من أركان خطبتي الجمعة حمد اللّه تعالى للتّباع ‪ ،‬روى مسلم عن‬
‫جابر رضي ال تعالى عنه قال ‪ « :‬كانت خطبة النّبيّ صلى ال عليه وسلم يوم الجمعة يحمد‬
‫اللّه ويثني عليه » ‪ .‬الحديث ‪ ،‬ولفظ الحمد متعيّن للتّعبّد به ‪ ،‬فل يكفي نحو ‪ :‬ل إله إلّ اللّه‬
‫ول نحو ‪ :‬الشّكر للّه ‪ ،‬ول غير لفظ اللّه كالرّحمن ‪ ،‬ويكفي مصدر الحمد وما اشتقّ منه وإن‬
‫تأخّر كس " للّه الحمد " ‪ .‬والتّفصيل في صلة الجمعة ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬الحمد في خطبتي العيدين ‪:‬‬
‫‪ - 20‬خطبتا العيدين كخطبتي الجمعة ‪ ،‬لكنّهما بعد الصّلة في العيدين ‪ ،‬ويبدأ فيهما‬
‫بالتّكبير ‪ ،‬وحكم الحمد فيهما كحكمه في خطبتي الجمعة على الخلف والتّفصيل السّابقين ‪.‬‬
‫وتفصيله في صلة العيد ‪.‬‬
‫ج ‪ -‬الحمد في خطبتي الستسقاء ‪:‬‬
‫‪ - 21‬اختلف الحنفيّة في خطبتي الستسقاء ‪ ،‬فذهب أبو حنيفة إلى أنّه ل خطبة في الستسقاء‬
‫ن فيه خطبتين ‪ ،‬وذهب محمّد إلى أنّ فيه خطب ًة واحدةً ‪ .‬وعندهما‬
‫‪ ،‬وذهب أبو يوسف إلى أ ّ‬
‫أنّه يبدأ بالتّحميد في الخطبة ‪.‬‬
‫والحمد في خطبتي الستسقاء عند المالكيّة كالحمد في خطبتي العيد ‪.‬‬
‫ن الحمد ركن من أركان خطبتي الستسقاء ‪.‬‬
‫وقال الشّافعيّة ‪ :‬إ ّ‬
‫ن في صلة‬
‫وعند الحنابلة ‪ :‬اختلفت الرّواية في الخطبة للستسقاء وفي وقتها ‪ ،‬والمشهور أ ّ‬
‫الستسقاء خطبةً واحدةً بعد الصّلة كالعيدين لقول ابن عبّاس في وصف صلة الستسقاء ‪:‬‬
‫« صلّى رسول اللّه صلى ال عليه وسلم ركعتين كما كان يصلّي في العيد » ‪ .‬وعلى ذلك‬
‫يكون الحمد في خطبة الستسقاء عندهم كالحمد في خطبة العيدين ‪ .‬والتّفصيل في استسقاء ‪.‬‬
‫د ‪ -‬الحمد في خطبتي الكسوف ‪:‬‬
‫‪ - 22‬خطبة الكسوف مستحبّة عند الشّافعيّة والحمد فيها ركن عندهم لفعله صلى ال عليه‬
‫وسلم خلفا لجمهور الفقهاء الّذين يقولون ‪ :‬إنّه ل خطبة في كسوف الشّمس ‪ ،‬ول في خسوف‬
‫القمر بل صلة ودعاء وتكبير وصدقة ‪ .‬كما ورد في حديث عائشة رضي ال تعالى عنها ‪:‬‬
‫ن الشّمس والقمر آيتان من آيات اللّه ‪ ،‬ل ينخسفان لموت أحد ول لحياته ‪ ،‬فإذا رأيتم ذلك‬
‫«إّ‬
‫فادعوا اللّه ‪ ،‬وكبّروا ‪ ،‬وصلّوا ‪ ،‬وتصدّقوا » ‪.‬‬
‫هس ‪ -‬الحمد في خطب النّكاح ‪:‬‬
‫‪ - 23‬اتّفق الفقهاء على ندب الحمد في خطب النّكاح " عند التماس الخطبة ‪ ،‬وعند الجابة‬
‫إليها ‪ ،‬وعند اليجاب في عقد النّكاح ‪ ،‬وعند القبول فيه " لحديث ‪ « :‬كلّ أمر ذي بال ل يبدأ‬
‫ص بعضهم لخطبة النّكاح لفظ خطبة ابن مسعود الّذي‬
‫فيه بحمد اللّه تعالى فهو أقطع » وخ ّ‬
‫ن الحمد للّه ‪ ،‬نحمده ونستعينه ونستغفره ‪.‬‬
‫فيه ‪ :‬إ ّ‬
‫و ‪ -‬الحمد في خطب الحجّ ‪:‬‬
‫‪ - 24‬اتّفق جمهور الفقهاء على ندب الحمد في خطب الحجّ " وهي ‪ :‬يوم السّابع بمكّة ‪ ،‬ويوم‬
‫عرفة ‪ ،‬ويوم العيد بمنًى ‪ ،‬وثاني أيّام التّشريق بمنىً " ‪.‬‬
‫ن الحمد في هذه الخطب ركن من أركانها يأتي به الخطيب وجوبا ‪.‬‬
‫وذهب الشّافعيّة إلى أ ّ‬
‫ثامنا ‪ :‬الحمد في بدء الدّعاء وختمه ‪:‬‬
‫‪ - 25‬قال النّوويّ ‪ :‬أجمع العلماء على استحباب ابتداء الدّعاء بالحمد للّه تعالى والثّناء عليه ‪،‬‬
‫ثمّ الصّلة على رسول اللّه صلى ال عليه وسلم ‪ ،‬وكذلك يختم الدّعاء بهما ‪ ،‬والثار في هذا‬
‫الباب كثيرة معروفة ‪ ،‬منها ما روي عن فضالة بن عبيد رضي ال تعالى عنه قال ‪ « :‬سمع‬
‫رسول اللّه صلى ال عليه وسلم رجلً يدعو في صلته لم يمجّد اللّه تعالى ولم يصلّ على‬
‫النّبيّ صلى ال عليه وسلم فقال رسول اللّه صلى ال عليه وسلم ‪ :‬عجّل هذا ثمّ دعاه فقال له‬
‫أو لغيره ‪ :‬إذا صلّى أحدكم فليبدأ بتمجيد ربّه عزّ وجلّ والثّناء عليه ‪ ،‬ثمّ يصلّي على النّبيّ‬
‫صلى ال عليه وسلم ثمّ يدعو بعد بما شاء » ‪.‬‬
‫خرُ‬
‫ب للدّاعي أن يقول في آخر دعائه كما قال أهل الجنّة ‪ { :‬وَآ ِ‬
‫وقال القرطبيّ ‪ :‬يستح ّ‬
‫ح ْمدُ لِلّ ِه رَبّ ا ْلعَاَلمِينَ } ‪.‬‬
‫ن ا ْل َ‬
‫دَعْوَا ُه ْم أَ ِ‬
‫تاسعا ‪ :‬الحمد عند حصول نعمة أو اندفاع مكروه ‪:‬‬
‫‪ - 26‬قال النّوويّ ‪ :‬يستحبّ لمن تجدّدت له نعمة ظاهرة ‪ ،‬أو اندفعت عنه نقمة ظاهرة ‪ ،‬أن‬
‫يسجد شكرا للّه تعالى ‪ ،‬وأن يحمد اللّه تعالى أو يثني عليه بما هو أهله ‪ ،‬والحاديث والثار‬
‫في هذا كثيرة مشهورة ‪ ،‬منها « ما روي عن عمرو بن ميمون في مقتل عمر بن الخطّاب‬
‫ن عمر أرسل ابنه عبد اللّه إلى عائشة رضي ال عنهما يستأذنها أن يدفن مع‬
‫رضي ال عنه أ ّ‬
‫ب يا أمير المؤمنين ‪ ،‬أذنت‬
‫صاحبيه ‪ ،‬فلمّا أقبل عبد اللّه قال عمر ‪ :‬ما لديك ؟ قال ‪ :‬الّذي تح ّ‬
‫‪ ،‬قال ‪ :‬الحمد للّه ‪ ،‬ما كان من شيء أه ّم إليّ من ذلك » ‪.‬‬
‫وعن أبي هريرة رضي ال تعالى عنه عن النّبيّ صلى ال عليه وسلم قال ‪ « :‬من رأى مبتلىً‬
‫فقال ‪ :‬الحمد للّه الّذي عافاني ممّا ابتلك به وفضّلني على كثير ممّن خلق تفضيلً ‪ ،‬لم يصبه‬
‫ذلك البلء » قال النّوويّ ‪ :‬قال العلماء من أصحابنا وغيرهم ‪ :‬ينبغي أن يقول هذا الذّكر‬
‫ل يتألّم قلبه بذلك إلّ أن تكون بليّته معصيةً‬
‫( سرّا ) بحيث يسمع نفسه ول يسمعه المبتلى لئ ّ‬
‫فل بأس أن يسمعه ذلك إن لم يخف من ذلك مفسدةً ‪.‬‬
‫عاشرا ‪ :‬الحمد بعد العطاس ‪:‬‬
‫‪ - 27‬قال النّوويّ ‪ :‬اتّفق العلماء على أنّه يستحبّ للعاطس أن يقول عقب عطاسه ‪ :‬الحمد للّه‬
‫ب العالمين كان أحسن ‪ ،‬ولو قال ‪ :‬الحمد للّه على‬
‫‪ ،‬ثمّ قال النّوويّ ‪ :‬فلو قال ‪ :‬الحمد للّه ر ّ‬
‫كلّ حال كان أفضل ‪ .‬لما روي عن عبد اللّه بن عمر رضي ال تعالى عنهما « أنّ رجلً‬
‫عطس إلى جنبه فقال ‪ :‬الحمد للّه والسّلم على رسول اللّه صلى ال عليه وسلم فقال ابن عمر‬
‫‪ :‬وأنا أقول ‪ :‬الحمد للّه والسّلم على رسول اللّه صلى ال عليه وسلم وليس هكذا علّمنا‬
‫ل حال » ‪.‬‬
‫رسول اللّه صلى ال عليه وسلم علّمنا أن نقول ‪ :‬الحمد للّه على ك ّ‬
‫ويستحبّ لمن سمعه أن يشمّته ‪ .‬وأقلّ الحمد والتّشميت وجوابه أن يرفع صوته بحيث يسمعه‬
‫صاحبه ‪ ،‬وإذا قال العاطس لفظا آخر غير الحمد للّه لم يستحقّ التّشميت ‪.‬‬
‫هذا في العاطس غير المصلّي ‪.‬‬
‫أمّا العاطس أثناء الصّلة ففي حمده تفصيل ينظر في ( تحميد ‪ ،‬و تشميت ) ‪.‬‬
‫حادي عشر ‪ :‬الحمد عند الصّباح والمساء‬
‫‪ - 28‬الحمد عند الصّباح وعند المساء مطلوب ومرغّب فيه شرعا ‪ ،‬لقول اللّه عزّ وجلّ ‪:‬‬
‫ح ْمدِ‬
‫سبّحْ ِب َ‬
‫غرُو ِبهَا } وقوله سبحانه وتعالى ‪َ { :‬و َ‬
‫شمْسِ َو َقبْلَ ُ‬
‫ح ْمدِ َر ّبكَ َقبْلَ طُلُوعِ ال ّ‬
‫سبّحْ ِب َ‬
‫{ َو َ‬
‫شيّ وَا ْلِإ ْبكَارِ } ولقول النّبيّ صلى ال عليه وسلم ‪ « :‬من قال حين يصبح وحين‬
‫ك بِا ْلعَ ِ‬
‫َربّ َ‬
‫ل أحد قال‬
‫يمسي ‪ :‬سبحان اللّه وبحمده مائة مرّة لم يأت أحد يوم القيامة بأفضل ممّا جاء به إ ّ‬
‫مثل ما قال أو زاد عليه » رواه مسلم ‪ ،‬وقوله صلى ال عليه وسلم ‪ « :‬من قال حين يصبح ‪:‬‬
‫اللّهمّ ما أصبح بي من نعمة فمنك وحدك ل شريك لك ‪ ،‬فلك الحمد ولك الشّكر ‪ ،‬فقد أدّى‬
‫شكر يومه ‪ ،‬ومن قال مثل ذلك حين يمسي فقد أدّى شكر ليلته » ‪.‬‬
‫وقوله صلى ال عليه وسلم ‪ « :‬من قال إذا أصبح ‪ :‬ل إله إلّ اللّه وحده ل شريك له ‪ ،‬له‬
‫الملك وله الحمد وهو على كلّ شيء قدير ‪ ،‬كان له عدل رقبة من ولد إسماعيل ‪ ،‬وكتب له‬
‫عشر حسنات ‪ ،‬وحطّ عنه عشر سيّئات ‪ ،‬ورفع له عشر درجات ‪ ،‬وكان في حرز من‬
‫الشّيطان حتّى يمسي ‪ ،‬وإن قالها إذا أمسى كان له مثل ذلك حتّى يصبح » ‪.‬‬
‫ثاني عشر ‪ :‬الحمد عند موت الولد ‪:‬‬
‫‪ - 29‬الحمد عند فقد الولد مطلوب ومرغّب فيه شرعًا لما ورد عن أبي موسى الشعريّ‬
‫رضي ال تعالى عنه أنّ رسول اللّه صلى ال عليه وسلم قال ‪ « :‬إذا مات ولد العبد قال اللّه‬
‫تعالى لملئكته ‪ :‬قبضتم ولد عبدي ؟ فيقولون ‪ :‬نعم ‪ ،‬فيقول ‪ :‬قبضتم ثمرة فؤاده ؟ فيقولون ‪:‬‬
‫نعم ‪ ،‬فيقول ‪ :‬ماذا قال عبدي ؟ فيقولون ‪ :‬حمدك واسترجع ‪ ،‬فيقول اللّه تعالى ‪ :‬ابنوا لعبدي‬
‫بيتا في الجنّة وسمّوه بيت الحمد » ‪.‬‬
‫ثالث عشر ‪ :‬الحمد إذا رأى ما يحبّ وما يكره ‪:‬‬
‫‪ -‬إذا رأى الشّخص شيئا يحبّه أو شيئا يكرهه حمد بما ورد في الحديث عن عائشة رضي‬ ‫‪30‬‬

‫ال تعالى عنها قالت ‪ « :‬كان رسول اللّه صلى ال عليه وسلم إذا رأى ما يح بّ قال ‪ :‬الحمد‬
‫للّه الّذي بنعمته تتمّ الصّالحات وإذا رأى ما يكره قال ‪ :‬الحمد للّه على كلّ حال » ‪.‬‬
‫رابع عشر ‪ :‬الحمد إذا دخل السّوق ‪:‬‬
‫‪ - 31‬عن عمر بن الخطّاب رضي ال تعالى عنه قال رسول اللّه صلى ال عليه وسلم ‪« :‬‬
‫من دخل السّوق فقال ‪ :‬ل إله إلّ اللّه وحده ل شريك له ‪ ،‬له الملك وله الحمد ‪ ،‬يحيي ويميت‬
‫وهو حيّ ل يموت ‪ ،‬بيده الخير وهو على ك ّل شيء قدير ‪ ،‬كتب اللّه له ألف ألف حسنة ‪،‬‬
‫ومحا عنه ألف ألف سيّئة ‪ ،‬ورفع له ألف ألف درجة » رواه التّرمذيّ ‪ ،‬ورواه الحاكم من‬
‫طرق كثيرة ‪ ،‬وزاد فيه في رواية التّرمذيّ « وبنى له بيتًا في الجنّة » وفيه من الزّيادة ‪ :‬قال‬
‫الرّاوي ‪ :‬فقدمت خراسان ‪ ،‬فأتيت قتيبة بن مسلم فقلت له ‪ :‬أتيتك بهديّة فحدّثته بالحديث فكان‬
‫قتيبة يركب في موكبه حتّى يأتي السّوق فيقولها ثمّ ينصرف ‪.‬‬
‫خامس عشر ‪ :‬الحمد إذا نظر في المرآة ‪:‬‬
‫‪ - 32‬يشرع لمن نظر في المرآة أن يحمد اللّه تعالى ‪ ،‬فعن عليّ رضي ال تعالى عنه « أنّ‬
‫النّبيّ صلى ال عليه وسلم كان إذا نظر وجهه في المرآة قال ‪ :‬الحمد للّه ‪ ،‬اللّهمّ كما حسّنت‬
‫خلقي فحسّن خلقي » وفي حديث أنس ‪ « :‬الحمد للّه الّذي سوّى خلقي فعدله ‪ ،‬وكرّم صورة‬
‫وجهي فحسّنها ‪ ،‬وجعلني من المسلمين » ‪.‬‬
‫سادس عشر ‪ :‬الحمد إذا ركب دابّته ونحوها ‪:‬‬
‫ل َلكُم‬
‫جعَ َ‬
‫‪ - 33‬حمد اللّه تعالى عند ركوب الدّابّة ونحوها مطلوب شرعا ‪ ،‬لقوله تعالى ‪َ { :‬و َ‬
‫ستَ َو ْي ُتمْ عََل ْيهِ‬
‫ظهُورِهِ ُث ّم َتذْ ُكرُوا ِن ْعمَةَ َر ّب ُكمْ ِإذَا ا ْ‬
‫ستَوُوا عَلَى ُ‬
‫ن الْفُ ْلكِ وَا ْلَأ ْنعَامِ مَا تَ ْر َكبُونَ ‪ِ ،‬ل َت ْ‬
‫مّ َ‬
‫خرَ َلنَا َهذَا َومَا ُكنّا َلهُ مُ ْق ِرنِينَ ‪ ،‬وَِإنّا إِلَى َر ّبنَا َلمُنقَِلبُونَ } ولما روي‬
‫سّ‬‫سبْحانَ اّلذِي َ‬
‫َوتَقُولُوا ُ‬
‫عن عليّ بن ربيعة قال ‪ « :‬شهدت عليّا أتي بدابّة ليركبها ‪ ،‬فلمّا وضع رجله في الرّكاب قال‬
‫سخّ َر َلنَا‬
‫ن اّلذِي َ‬
‫سبْحا َ‬
‫‪ :‬بسم اللّه ثلثا ‪ ،‬فلمّا استوى على ظهرها قال ‪ :‬الحمد للّه ‪ ،‬ثمّ قال ‪ُ { :‬‬
‫َهذَا َومَا ُكنّا لَ ُه مُ ْق ِرنِينَ ‪ ،‬وَِإنّا إِلَى َر ّبنَا َلمُنقَِلبُونَ } ثمّ قال ‪ :‬الحمد للّه ثلث مرّات ‪ ،‬ث ّم قال ‪:‬‬
‫اللّه أكبر ثلث مرّات ‪ ،‬ثمّ قال ‪ :‬سبحانك إنّي ظلمت نفسي فاغفر لي فإنّه ل يغفر الذّنوب إلّ‬
‫أنت ‪ .‬ثمّ ضحك ‪ ،‬فقيل ‪ :‬يا أمير المؤمنين من أيّ شيء ضحكت ؟ قال ‪ :‬رأيت النّبيّ صلى‬
‫ال عليه وسلم فعل كما فعلت ثمّ ضحك ‪ ،‬فقلت ‪ :‬يا رسول اللّه من أيّ شيء ضحكت ؟ قال ‪:‬‬
‫ن ربّك يعجب من عبده إذا قال اغفر لي ذنوبي يعلم أنّه ل يغفر الذّنوب غيري » ‪.‬‬
‫إّ‬
‫سابع عشر ‪ :‬الحمد لمن أكل أو شرب ‪ ،‬أو لبس جديدًا ‪ ،‬أو قام من المجلس ‪ ،‬أو‬
‫خرج من الخلء ‪ ،‬أو استيقظ من نومه ‪ ،‬أو أوى إلى فراشه ‪ ،‬أو سئل عن حاله‬
‫أو حال غيره ‪:‬‬
‫ل واحد من هؤلء ‪ .‬وقد سبق بيان ذلك في ( تحميد ) ‪.‬‬
‫‪ - 34‬الحمد مشروع لك ّ‬
‫ثامن عشر ‪ :‬فضل الحمد وأفضل ألفاظه ‪:‬‬
‫ل أمر ذي‬
‫‪ - 35‬حمد اللّه تعالى مشروع في المواطن الّتي سبق ذكرها ‪ ،‬ومستحبّ في ك ّ‬
‫بال ‪ ،‬والحمد ل تكاد تحصى مواطنه فهو مطلوب على كلّ حال وفي كلّ موطن ‪ .‬إلّ‬
‫المواطن الّتي ينزّه الذّكر عنها ‪ .‬وقد وردت أحاديث كثيرة في فضل الحمد منها ما روى أبو‬
‫هريرة وأبو سعيد الخدريّ رضي ال تعالى عنهما عن النّبيّ صلى ال عليه وسلم قال ‪ « :‬إذا‬
‫ل اللّه ‪ ،‬الحمد للّه ‪ ،‬قال ‪ :‬صدق عبدي ‪ ،‬الحمد لي » ‪.‬‬
‫قال العبد ل إله إ ّ‬
‫ومنها ما روى جابر رضي ال عنه عن النّبيّ صلى ال عليه وسلم قال ‪ « :‬من قال سبحان‬
‫اللّه وبحمده غرست له نخلة في الجنّة » ‪ .‬وعن ابن مسعود رضي ال عنه قال ‪ « :‬قال‬
‫رسول اللّه صلى ال عليه وسلم ‪ :‬لقيت إبراهيم عليه السلم ليلة أسري بي ‪ ،‬فقال ‪ :‬يا محمّد‬
‫ن الجنّة طيّبة التّربة عذبة الماء ‪ ،‬وأنّها قيعان ‪ ،‬وأنّ‬
‫أقرئ أمّتك منّي السّلم ‪ ،‬وأخبرهم أ ّ‬
‫ل اللّه ‪ ،‬واللّه أكبر » ‪.‬‬
‫غرسها ‪ :‬سبحان اللّه ‪ ،‬والحمد للّه ‪ ،‬ول إله إ ّ‬
‫ومنها ما روى أبو هريرة رضي ال تعالى عنه قال ‪ :‬قال رسول اللّه صلى ال عليه وسلم ‪:‬‬
‫« كلمتان حبيبتان إلى الرّحمن خفيفتان على اللّسان ثقيلتان في الميزان ‪ :‬سبحان اللّه وبحمده ‪،‬‬
‫سبحان اللّه العظيم » ومنها ما روى أبو مالك الشعريّ رضي ال تعالى عنه قال ‪ :‬قال‬
‫رسول اللّه صلى ال عليه وسلم ‪ « :‬الطّهور شطر اليمان ‪ ،‬والحمد للّه تمل الميزان ‪،‬‬
‫وسبحان اللّه والحمد للّه تملن ‪ -‬أو تمل ‪ -‬ما بين السّموات والرض » ‪.‬‬
‫ومنها ما روى أبو هريرة رضي ال تعالى عنه قال ‪ :‬قال رسول اللّه صلى ال عليه وسلم ‪:‬‬
‫ب إليّ ممّا طلعت‬
‫« لن أقول ‪ :‬سبحان اللّه ‪ ،‬والحمد للّه ‪ ،‬ول إله إلّ اللّه ‪ ،‬واللّه أكبر ‪ ،‬أح ّ‬
‫عليه الشّمس » ‪ .‬ومنها ما روى أبو ذ ّر رضي ال تعالى عنه أنّ رسول اللّه صلى ال عليه‬
‫ب الكلم إلى اللّه ‪ :‬سبحان اللّه وبحمده » ‪.‬‬
‫وسلم قال ‪ « :‬إنّ أح ّ‬
‫‪ - 36‬وأحسن العبارات في الحمد ‪ :‬الحمد للّه ربّ العالمين ‪ ،‬إذ هي فاتحة الكتاب العزيز ‪،‬‬
‫وآخر دعوى أهل الجنّة ‪ ،‬وهي لكونها جمل ًة اسميّ ًة دالّ ًة على ثبوت ذلك للّه تعالى والدّوام له‬
‫سبحانه وتعالى ‪ ،‬وهذا أبلغ من الجملة الفعليّة الدّالّة على التّجدّد والحدوث ‪ ،‬وهذا من حكم‬
‫افتتاح الكتاب العزيز بذلك ‪ ،‬أي الشارة إلى أنّه المحمود في الزل وفيما ل يزال ‪ ،‬وفي‬
‫قوله ‪ :‬ربّ العالمين ‪ -‬أي مربّيهم بنعمة اليجاد ثمّ بنعمة التّنمية والمداد ‪ -‬تحريض وحثّ‬
‫على القيام بحمده وشكره في كلّ وقت وحين ‪.‬‬
‫‪ - 37‬ومجامع الحمد ‪ :‬الحمد للّه حمدا يوافي نعمه ويكافئ مزيده ‪ ،‬قال النّوويّ ‪ :‬قال‬
‫المتأخّرون من أصحابنا الخراسانيّين ‪ :‬لو حلف إنسان ليحمدن اللّه تعالى بمجامع الحمد ‪،‬‬
‫ومنهم من قال بأجلّ التّحاميد ‪ ،‬فطريقه في برّ يمينه أن يقول ‪ :‬الحمد للّه حمدًا يوافي نعمه‬
‫ويكافئ مزيده ‪ " .‬واحتجّوا لهذه المسألة بحديث منقطع ولذلك قال النّوويّ في الرّوضة ‪ :‬ليس‬
‫لهذه المسألة دليل معتمد " وفي التّحفة ‪ :‬لو قيل ‪ :‬يبرّ بقوله " ربّنا لك الحمد كما ينبغي لجلل‬
‫وجهك وعظيم سلطانك " لكان أقرب بل ينبغي أن يتعيّن لنّه أبلغ معنًى وصحّ به الخبر » ‪.‬‬
‫قالوا ‪ :‬ولو حلف ليثنين على اللّه تعالى أحسن الثّناء فطريق البرّ أن يقول ‪ :‬ل أحصي ثناءً‬
‫عليك أنت كما أثنيت على نفسك ‪ ،‬وزاد بعضهم في آخره ‪ :‬فلك الحمد حتّى ترضى ‪ ،‬وصوّر‬
‫أبو سعد المتولّي المسألة فيمن حلف ليثنين على اللّه تعالى بأجلّ الثّناء وأعظمه ‪.‬‬

‫حمدلة *‬
‫انظر ‪ :‬حمد ‪.‬‬

‫حمل *‬
‫التّعريف ‪:‬‬
‫‪ - 1‬من معاني الحمل في اللّغة الرّفع والعلوق ‪ ،‬يقال ‪ :‬حمل الشّيء على ظهره استقلّه‬
‫ورفعه ‪ ،‬فهو حامل وهي حاملة ‪ .‬والحمل بالكسر ما يحمل ‪ .‬وحملت المرأة حملً علقت‬
‫حمَالِ َأجَُلهُنّ‬
‫ت ا ْلَأ ْ‬
‫بالحمل فهي حامل وحاملة ‪ .‬وجمعه أحمال وحمال ‪ .‬قال تعالى ‪ { :‬وَأُوْلَا ُ‬
‫حمَْلهُنّ } وحملت الشّجرة ‪ :‬أخرجت ثمرتها ‪ .‬ويطلق الحمل في اصطلح الفقهاء‬
‫ن َ‬
‫أَن َيضَعْ َ‬
‫على هذين المعنيين أيضا أي حمل المتاع وما في بطن النثى من الولد ‪.‬‬
‫اللفاظ ذات الصّلة ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬الحبل ‪:‬‬
‫‪ - 2‬الحبل بفتحتين المتلء ‪ ،‬ومنه حبل المرأة وهو امتلء رحمها ‪ ،‬فهي حبلى ‪ .‬والحبل‬
‫الحمل ‪ .‬ويكون الحبل مصدرا واسما من حبلت المرأة حبلً ‪ .‬ومنه حديث ‪ « :‬نهى عن بيع‬
‫حبل الحبلة » ‪ .‬وهو أن يباع ما في بطن النّاقة ‪ .‬وقيل ولد الولد الّذي في البطن ‪.‬‬
‫وقال بعضهم ‪ :‬الحبل مخصوص بالدميّات ‪ ،‬أمّا الحمل فيشمل الدميّات والبهائم والشّجر ‪،‬‬
‫ص من الحمل ‪. .‬‬
‫فهو بهذا المعنى أخ ّ‬
‫ب ‪ -‬الجنين ‪:‬‬
‫‪ - 3‬الجنين في اللّغة مأخوذ من جنّ الشّيء بمعنى ستر ‪ ،‬ويطلق على الولد ما دام في بطن‬
‫أمّه ‪ ،‬لستتاره فيه ‪ ،‬وجمعه أجنّة ‪.‬‬
‫أمّا الحمل فيطلق على حمل المتاع ‪ ،‬وعلى ثمرة الشّجر ‪ ،‬وعلى ما في بطن النثى ‪.‬‬
‫ل ما في بطنها ولو كان أكثر من جنين‪.‬‬
‫ل ولد في بطن المّ فهو جنين ‪،‬أمّا الحمل فيشمل ك ّ‬
‫وك ّ‬
‫أحكام الحمل ‪:‬‬
‫‪ - 4‬تقدّم أنّ لفظ الحمل يطلق على ما يرفع باليد ‪ ،‬أو على الظّهر من المتاع ‪ ،‬وما تحمله‬
‫النثى في رحمها من الجنين ‪ .‬وفيما يلي الحكام المتعلّقة بكل القسمين ‪:‬‬
‫أوّلً ‪ :‬الحمل بمعنى ما تحمله النثى من ولد ‪:‬‬
‫‪ - 5‬يمرّ الحمل في تكوينه ونموّه بمراحل مختلفة من النّطفة إلى العلقة ‪ ،‬ومنها إلى المضغة‬
‫فإلى العظام ‪ ،‬فتكسى العظام لحما ‪ ،‬ثمّ تنشّأ خلقا آخر ‪ ،‬فتبارك اللّه أحسن الخالقين ‪.‬‬
‫وقد سبق بيان بعض هذه الدوار في مصطلح ‪ ( :‬جنين ) وفيما يلي الحكام الفقهيّة الّتي‬
‫تتعلّق بمدّة الحمل ‪ ،‬وما يترتّب عليها من الثار ‪ ،‬وما يثبت للحمل من حقوق كالنّسب‬
‫والرث والوصيّة ‪ ،‬وما ينشأ عنه وعن وضعه من الحكام المتعلّقة بأمّه في العبادات‬
‫والمعاملت والنّكاح وغيرها ‪ ،‬مع إحالة بعض هذه الحكام إلى مصطلحاتها الصليّة ‪.‬‬
‫مدّة الحمل وأثرها في ثبوت النّسب ‪:‬‬
‫أقلّ مدّة الحمل ‪:‬‬
‫ن رجلً تزوّج امرأ ًة فجاءت بولد‬
‫‪ - 6‬أقلّ مدّة الحمل ستّة أشهر باتّفاق الفقهاء ‪ ،‬لما روي أ ّ‬
‫لستّة أشهر فهمّ عثمان رضي ال عنه برجمها ‪ ،‬فقال ابن عبّاس ‪ :‬لو خاصمتكم بكتاب اللّه‬
‫شهْرا } ‪ ،‬وقال ‪ { :‬وَا ْلوَاِلدَاتُ‬
‫حمْلُهُ َو ِفصَالُهُ ثَلَاثُونَ َ‬
‫لخصمتكم ‪ ،‬فإنّ اللّه تعالى يقول ‪َ { :‬و َ‬
‫ن كَامَِليْنِ } فالية الولى حدّدت مدّة الحمل والفصال أي الفطام بثلثين‬
‫ن حَوَْليْ ِ‬
‫لدَهُ ّ‬
‫ضعْنَ أَ ْو َ‬
‫ُيرْ ِ‬
‫شهرًا ‪ ،‬والثّانية تدلّ على أنّ مدّة الفطام عامان فبقي لمدّة الحمل ستّة أشهر ‪.‬‬
‫وهذه المدّة تحسب من وقت الزّواج وإمكان الوطء عند الجمهور ‪ ،‬ومن وقت عقد الزّواج عند‬
‫الحنفيّة ‪ ،‬ومن وقت الخلوة بعد العقد عند الشّافعيّة ‪.‬‬
‫ولتعيين أقلّ مدّة الحمل آثار فقهيّة ‪ ،‬منها ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬إذا ولدت اثنين فأكثر وكان بين وضعهما أقلّ من ستّة أشهر يعتبر الولدان توأمين ‪،‬‬
‫فتنقضي العدّة بوضع الثّاني ل بالوّل ‪.‬‬
‫وهل يعتبر الدّم بينهما حيضا أو نفاسا ؟ فيه خلف وتفصيل ينظر في مصطلحيهما ‪.‬‬
‫وأمّا لو كان بين وضعهما ستّة أشهر فأكثر كانا بطنين تنقضي عدّتهما بوضع الوّل ‪.‬‬
‫ل من ستّة أشهر ثبت نسبه اتّفاقا ‪ .‬لنّه ظهر‬
‫ب ‪ -‬إذا أقرّت بانقضاء العدّة ثمّ جاءت بولد لق ّ‬
‫عكسه بتعيين ‪ ،‬فصارت كأنّها لم تقربه ‪ .‬وإن جاءت به لستّة أشهر فأكثر ل يثبت نسبه عند‬
‫الحنفيّة والحنابلة ‪ ،‬لنّه لم يظهر عكسه فيكون من حمل حادث بعده كما يقول الحنفيّة ‪ ،‬ولنّها‬
‫ل النّكاح لها بمدّة الحمل فلم يلحق به ‪ ،‬كما لو أتت به بعد‬
‫أتت به بعد الحكم بقضاء عدّتها وح ّ‬
‫انقضاء عدّتها بوضع حملها لمدّة الحمل ‪ ،‬كما يعلّله الحنابلة ‪.‬‬
‫وقال المالكيّة والشّافعيّة ‪ :‬يثبت نسبه ما لم ‪ .‬تتزوّج أو يبلغ أربع سنين ‪ ،‬لنّه ولد يمكن كونه‬
‫منه في هذه المدّة وهي أقصى مدّة الحمل ‪ ،‬وليس معه من هو أولى منه ‪.‬‬
‫هذا ‪ ،‬ولتحديد أقلّ مدّة الحمل آثار أخرى في اللّعان ‪ ،‬والستلحاق والنّسب ‪ ،‬والحيض‬
‫والنّفاس والعدّة تنظر في مصطلحاتها ‪.‬‬
‫أكثر مدّة الحمل ‪:‬‬
‫‪ - 7‬اختلف الفقهاء في تحديد أكثر مدّة الحمل ‪ ،‬فقال الشّافعيّة وهو ظاهر المذهب عند‬
‫الحنابلة وقول عند المالكيّة ‪ :‬إنّ أكثر مدّة الحمل أربع سنين ‪ ،‬لقول مالك بن أنس ‪ :‬هذه‬
‫جارتنا امرأة محمّد بن عجلن امرأة صدق ‪ ،‬وزوجها رجل صدق حملت ثلثة أبطن في‬
‫اثنتي عشرة سن ًة كلّ بطن في أربع سنين " وما ليس فيه نصّ يرجع فيه إلى الوجود ‪ ،‬وقد‬
‫ن محمّد بن عبد اللّه بن الحسن بن الحسن بن عليّ بقيّ في بطن أمّه أربع‬
‫حكى أبو الخطّاب أ ّ‬
‫سنين وهكذا إبراهيم بن نجيح العقيليّ ‪ ،‬وإذا تقرّر وجوده وجب أن يحكم به ‪.‬‬
‫ن عمر ضرب لمرأة المفقود أربع سنين ولم يكن ذلك إلّ لنّه غاية الحمل ‪.‬‬
‫ول ّ‬
‫وقد روي ذلك عن عثمان وعليّ وغيرهما ‪.‬‬
‫ن أقصى مدّة الحمل سنتان ‪ ،‬وروي ذلك عن عائشة‬
‫وقال الحنفيّة ‪ ،‬وهو رواية عن أحمد ‪ :‬إ ّ‬
‫وهو مذهب الثّوريّ ‪ ،‬لما روي عن عائشة رضي ال عنها قالت ‪ « :‬ما تزيد المرأة في‬
‫الحمل على سنتين ول قدر ما يتحوّل ظلّ عود المغزل » وذلك ل يعرف إلّ توقيفا ‪ ،‬إذ ليس‬
‫ي صلى ال عليه وسلم ‪ .‬والمشهور عن مالك أنّ‬
‫للعقل فيه مجال ‪ ،‬فكأنّها روته عن النّب ّ‬
‫ن أقصى الحمل تسعة أشهر ‪.‬‬
‫أقصى مدّة الحمل خمس سنين ‪ .‬وقال محمّد بن عبد الحكم ‪ :‬إ ّ‬
‫‪ -8‬وثمرة هذا الخلف تظهر فيما يأتي ‪ :‬المطلّقة طلقا بائنا والمتوفّى عنها زوجها إذا جاءت‬
‫ن الوضع تمّ ضمن أقصى مدّة الحمل عند‬
‫كلّ منهما بولد لسنتين فأقلّ ثبت نسبه اتّفاقا ‪ ،‬ل ّ‬
‫الجميع ‪ .‬أمّا إذا جاءت بولد لكثر من ذلك إلى أربع سنين ‪ ،‬فالجمهور على أنّه يثبت نسبه‬
‫ن الوضع ضمن أقصى مدّة الحمل عندهم ‪ ،‬ول يثبت عند الحنفيّة‬
‫وانقضت عدّتها بناءً على أ ّ‬
‫لنّها وضعت بعد أقصى مدّة الحمل ‪.‬‬
‫وفي المطلّقة الرّجعيّة ذكر الحنفيّة أنّه يثبت نسب ولدها وإن جاءت به لكثر من سنتين ما لم‬
‫تقرّ بانقضاء العدّة لحتمال الوطء والعلوق في العدّة لجواز أن تكون ممتدّة الطّهر ‪.‬‬
‫وفي الموضوع فروع أخرى تنظر أحكامها في مصطلح ‪ ( :‬نسب ) ‪.‬‬
‫أثر الحمل في تصرّفات الحامل ‪:‬‬
‫‪ - 9‬الحمل ل يؤثّر في تصرّفات الحامل قبل ستّة أشهر باتّفاق الفقهاء ‪ ،‬وكذلك بعد ستّة‬
‫أشهر ما لم يأت لها الطّلق ( وجع الولدة ) عند جمهور الفقهاء ‪ :‬الحنفيّة والشّافعيّة‬
‫والحنابلة ‪ ،‬فتصحّ تبرّعاتها كسائر المعاملت ‪.‬‬
‫وفي حالة الطّلق تعتبر الحامل كالمريضة مرض الموت ‪.‬‬
‫ويرى المالكيّة أنّ الحمل من المراض المخوفة بعد ستّة أشهر ‪ ،‬لنّ الحامل تتوقّع الولدة‬
‫بعدها كلّ ساعة ‪ ،‬تنطبق عليها أحكام مرض الموت ‪ ( .‬ر ‪ :‬حامل ‪ ،‬ومرض الموت ) ‪.‬‬
‫أهليّة الحمل ‪:‬‬
‫‪ - 10‬الحمل له أهليّة وجوب ناقصة فتثبت له الحقوق الّتي ل تحتاج إلى القبول كالرث‬
‫والوصيّة والنّسب ‪ ،‬ول يجب عليه شيء كالنّفقة وثمن المبيع ونحوهما ‪ ،‬وذلك لنّ الحمل من‬
‫جهة جزء من أمّه حسّا ‪ ،‬لقراره بقرارها وانتقاله بانتقالها ‪ ،‬وحكما ‪ ،‬لعتقه ورقّه ودخوله في‬
‫البيع بعتقها ورقّها وبيعها ‪ .‬ومن جهة أخرى هو نفس تنفرد بالحياة وهو معدّ للنفصال ‪ ،‬فلم‬
‫يكن له ذمّة كاملة بل ناقصة ‪ ،‬فهي ثابتة له من جهة الوجوب له ل عليه ‪ ،‬كما يقول الفقهاء‬
‫والصوليّون وفيما يلي الحقوق الّتي تثبت للحمل ‪.‬‬
‫أ ‪ -‬النّسب ‪:‬‬
‫‪ - 11‬اتّفق الفقهاء على أنّه يثبت نسب الحمل للفراش إذا كان في مدّة يحتملها ‪ ،‬إلى ستّة‬
‫أشهر فصاعدا من وقت النّكاح ‪ ،‬أو وقت إمكان الدّخول إلى سنتين ‪ ،‬أو أربع سنين من وفاة‬
‫الزّوج أو طلق الحامل بائنا حسب ما ذكر في مدّة الحمل ‪ ،‬وعلى تفصيل يذكر في مصطلح‬
‫‪ ( :‬نسب ) ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬الرث ‪:‬‬
‫ن الحمل يرث ‪ ،‬وله نصيب في مال مورثه قبل أن يولد ‪،‬‬
‫‪ - 12‬ل خلف بين الفقهاء في أ ّ‬
‫لكنّهم اختلفوا في كيفيّة توريثه ‪.‬‬
‫فقال الحنفيّة والحنابلة وهو قول عند الشّافعيّة ‪ :‬تقسم التّركة بين سائر الورثة إذا طالبوا بذلك‬
‫من غير انتظار للولدة ‪ ،‬ويدفع إلى من ل ينقصه الحمل كمال ميراثه ‪ ،‬وإلى من ينقصه أقلّ‬
‫ما يصيبه ‪ ،‬ول يدفع شيء من الميراث إلى من يسقطه الحمل ويوقف للحمل نصيب ‪ .‬ويقدّر‬
‫عدد الحمل واحدًا عند الحنفيّة ‪ ،‬لنّه هو الغالب المعتاد ‪ ،‬فيوقف له نصيب ذكر أو أنثى أيّهما‬
‫كان أكثر ‪ .‬وعند الحنابلة يوقف له نصيب اثنين ‪.‬‬
‫ن الحمل سبب لتأخير تقسيم التّركة ‪،‬‬
‫وذهب المالكيّة وهو قول آخر عند الشّافعيّة ‪ :‬إلى أ ّ‬
‫فيوقف التّقسيم كلّه حتّى تضع الحامل ‪ ،‬أو يظهر عدم حملها بانتفاء عدّة الوفاة وليس بها حمل‬
‫ظاهر ‪ .‬وإن قالت ‪ :‬ل أدري أخّر الرث حتّى يتبيّن أن ل حمل فيها بأن تحيض حيضةً ‪ ،‬أو‬
‫يمضي أمد العدّة ول ريبة حمل بها ‪.‬‬
‫هذا ‪ ،‬واشترط الجميع لرث الحمل أن يعلم أنّه كان موجودا حال وفاة مورثه وأن تضعه حيّا‬
‫بأن يستهلّ صارخًا فيرث ويورث ‪،‬لقوله صلى ال عليه وسلم ‪ « :‬إذا استهلّ المولود ورث»‪.‬‬
‫وفيما سوى الستهلل تفصيل وخلف ينظر في مصطلح ‪ ( :‬إرث ) ‪.‬‬
‫ج ‪ -‬الوصيّة للحمل ‪:‬‬
‫ن الموصي‬
‫ح الوصيّة للحمل عند عامّة الفقهاء ‪ ،‬لنّها استخلف من وجه ‪ ،‬ل ّ‬
‫‪ - 13‬تص ّ‬
‫يجعله خليفةً في بعض ماله ‪ ،‬والجنين يصلح خليف ًة في الرث فكذا في الوصيّة ‪ ،‬وقيّد الحنفيّة‬
‫والشّافعيّة والحنابلة صحّة الوصيّة للحمل بالعلم بوجوده حين الوصيّة ‪ ،‬بأن ينفصل حيّا لقلّ‬
‫من ستّة أشهر ‪ ،‬إذ لو ولد لكثر من ستّة أشهر احتمل وجوده وعدمه حين الوصيّة فل تصحّ‬
‫ح للمعدوم ‪.‬‬
‫الوصيّة ‪ ،‬وهي تمليك ل يص ّ‬
‫ح الوصيّة لحمل ثابت أو ما سيوجد ‪ ،‬فيوقف إلى وضعه ‪ ،‬فيستحقّ إن‬
‫وقال المالكيّة ‪ :‬تص ّ‬
‫استهلّ عقب ولدته ‪ ،‬فإن نزل ميّتا أو حيّا حياةً غير قارّة فل يستحقّها ‪ ،‬وتردّ الوصيّة لورثة‬
‫الموصي ‪ .‬وتفصيله في مصطلح ‪ ( :‬وصيّة ) ‪.‬‬
‫د ‪ -‬الوقف على الحمل ‪:‬‬
‫‪ - 14‬قال الحنفيّة وهو الصّحيح المعوّل عليه عند المالكيّة ‪ :‬إنّه يصحّ الوقف على من‬
‫سيولد ‪ ،‬أي الحمل ‪ ،‬لنّ الوقف ل يحتاج إلى القبول فيصحّ الوقف للحمل استقللً كما يصحّ‬
‫تبعا ‪.‬‬
‫وقال الشّافعيّة ‪ :‬يشترط لصحّة الوقف إمكان تمليكه بأن يكون موجودا حال الوقف في‬
‫ح تبعا كأن يقول ‪ :‬وقفت‬
‫ح على جنين استقللً ‪ ،‬كما ل يص ّ‬
‫الخارج أهلً للملك ‪ ،‬فل يص ّ‬
‫على ولدي وحمل زوجتي ‪ .‬لكنّه يدخل في الوقف على ال ّذ ّريّة والنّسل والعقب ‪ ،‬ول يدخل‬
‫فيما لو قال وقفت على الولد ‪ ،‬لنّه ل يسمّى ولدًا قبل انفصاله ‪.‬‬
‫وقال الحنابلة ‪ :‬ل يصحّ الوقف على حمل أصال ًة ‪ ،‬كوقفت داري على ما في بطن هذه المرأة‬
‫ح تمليكه بغير الرث والوصيّة ‪.‬‬
‫‪ ،‬لنّه تمليك إذن ‪ ،‬والحمل ل يص ّ‬
‫ح الوقف على الحمل تبعا ‪ ،‬كأن يقول ‪ :‬وقفت على أولدي وأولد فلن وفيهم حمل ‪،‬‬
‫ويص ّ‬
‫فيشمل الحمل ‪ ( .‬ر ‪ :‬وقف ) ‪.‬‬
‫هس ‪ -‬القرار للحمل والهبة له ‪:‬‬
‫ح القرار للحمل إن بيّن المقرّ سببا صالحا يتصوّر للحمل ‪ ،‬كالرث والوصيّة ‪،‬‬
‫‪ - 15‬يص ّ‬
‫كأن يقول ‪ :‬عليّ كذا أو عندي كذا لهذا الحمل بإرث ووصيّة ‪.‬‬
‫وهذا باتّفاق الفقهاء إذا كان الحمل محتمل الوجود وقت القرار ‪ ،‬بأن ل يولد لكثر من سنتين‬
‫عند الحنفيّة أو أربع سنين عند غيرهم ‪ .‬وفي صحّة القرار للحمل في حالة الطلق وعدم‬
‫بيان السّبب تفصيل وخلف ينظر في مصطلح ‪ ( :‬إقرار ) ‪.‬‬
‫هذا ‪ .‬ول تصحّ الهبة للحمل ‪ ،‬لنّها تمليك يحتاج إلى القبض ‪ ،‬والحمل ليس من أهل القبض‬
‫وتفصيله في مصطلح ( هبة ) ‪.‬‬
‫أثر نقصان أهليّة الحمل ‪:‬‬
‫‪ - 16‬تقدّم القول بأنّ الحمل له أهليّة وجوب ناقصة ‪ ،‬ل يجب عليه شيء من الحقوق‬
‫الماليّة ‪ ،‬وقد صرّح الفقهاء بأنّه ل يجب في مال الحمل نفقة القارب ‪ ،‬ول يجب ثمن المبيع‬
‫الّذي اشترى له وليّه ‪ ،‬ونحوهما من الواجبات الماليّة ‪ ( .‬ر ‪ :‬جنين ) ‪.‬‬
‫نفي الحمل ‪:‬‬
‫‪ - 17‬لو قال الرّجل لمرأته وهي حامل ليس هذا الحمل ‪ -‬الجنين ‪ -‬منّي لم يجب اللّعان في‬
‫ن الحمل غير متيقّن الوجود فقد يكون انتفاخا ‪.‬‬
‫قول أبي حنيفة ‪ ،‬ل ّ‬
‫وقال الصّاحبان ‪ :‬إن جاءت بولد لقلّ من ستّة أشهر ‪ -‬الّتي هي أقلّ مدّة الحمل ‪ -‬من وقت‬
‫القذف وجب اللّعان للتّأكّد من وجود الحمل فكان محتملً للنّفي إذ الحمل تتعلّق به الحكام ‪.‬‬
‫ويقول الكاسانيّ ‪ :‬ول يقطع نسب حمل قبل الولدة بل خلف بين أصحابنا ‪ ،‬أمّا عند أبي‬
‫حنيفة فظاهر ‪ ،‬لنّه ل يجيز نفيه قبل الوضع ‪ .‬وأمّا عند الصّاحبين ‪ ،‬فلنّ الحكام إنّما تثبت‬
‫ن القذف إذا لم ينعقد‬
‫للولد ل للحمل والجنين ‪ ،‬إنّما يستحقّ اسم الولد بالولدة ‪ .‬ويقول ‪ :‬إ ّ‬
‫ن النّسب قد ثبت ‪،‬‬
‫موجبًا للّعان ل ينقطع نسب الولد ويكون ابنهما ول يصدّقان على نفيه ‪ ،‬ل ّ‬
‫ل باللّعان واللّعان لم يوجد ‪.‬‬
‫والنّسب الثّابت بالنّكاح ل ينقطع إ ّ‬
‫ويصرّح التّمرتاشيّ وشارحه ‪ :‬إن قال الرّجل لمرأته زنيت وهذا الحمل ‪ -‬الجنين ‪ -‬من‬
‫الزّنى تلعنا ‪ ،‬لوجود القذف الصّريح ولكن ل ينتفي الحمل لعدم الحكم عليه قبل الولدة ‪.‬‬
‫ويصرّح ابن مودود بأنّه ل ينتفي نسب الحمل قبل الولدة ‪.‬‬
‫ويجيز مالك في قول نسب إليه اللّعان أثناء الحمل لنفيه والحكم بنفيه بناءً على ذلك ‪ ،‬لما‬
‫روي عن رسول اللّه صلى ال عليه وسلم أنّه « لعن بين هلل بن أميّة وبين امرأته وهي‬
‫حامل » ونفى النّسب عن الزّوج ‪ :‬يقول ابن رشد ‪ :‬والمشهور عن مالك في نفي الحمل أنّه ل‬
‫يجب به اللّعان ‪ .‬ويقول الخطيب الشّافعيّ ‪ :‬إن كان هناك ولد ينفيه ما دام يعلم أنّه ليس منه ‪،‬‬
‫ن ترك النّفي يتضمّن الستلحاق ‪ ،‬واستلحاق من ليس منه حرام ‪.‬‬
‫لّ‬
‫وإنّما يعلم إذا لم يطأ أو وطئها ولكن ولدته لقلّ من ستّة أشهر من وطئه ‪ ،‬أو لزيادة على‬
‫أربع سنين ‪ -‬الّتي هي أقصى مدّة الحمل عندهم ‪ -‬فلو علم زناها واحتمل كون الولد منه ومن‬
‫الزّنى ‪ .‬حرم النّفي لرعاية الفراش ‪.‬‬
‫ن الحمل‬
‫وفي مذهب أحمد ينقل ابن قدامة خلفًا في هذه المسألة ‪ ،‬فنقل عن الخرقيّ وجماعة أ ّ‬
‫ل ينتفي بنفيه قبل الوضع ول ينتفي حتّى يلعنها بعد الوضع ‪.‬‬
‫وقال أبو بكر ‪ :‬ينتفي الولد بزوال الفراش باللّعان ‪ ،‬ول يحتاج إلى نفي الحمل في اللّعان وقيل‬
‫ح لعنه قبل وضعه ‪ ،‬واختاره ابن قدامة وغيره ‪.‬‬
‫‪ :‬يص ّ‬
‫ونقل ابن قدامة عن ابن عبد البرّ القول بجواز نفي الحمل ‪ ،‬وأنّه ينفى بذلك ‪ ،‬وأنّ الثار الّتي‬
‫تدلّ على صحّة هذا القول كثيرة ‪ .‬ولنّ الحمل مظنون بإمارات تدلّ عليه ‪.‬‬
‫وصحّح ابن قدامة هذا القول ‪ .‬وتفصيل القول في ذلك موضعه مصطلح ( لعان ) ‪.‬‬
‫الستلحاق ‪:‬‬
‫ن أمته حامل منه فجاءت به لستّة‬
‫سيّد أ ّ‬
‫‪ - 18‬قال ابن عابدين في باب الستيلد ‪ :‬لو أقرّ ال ّ‬
‫أشهر من وقت القرار ثبت نسبه منه ‪ ،‬للتّيقّن بوجوده وقت القرار ‪.‬‬
‫ن الحمل ‪ -‬الجنين ‪ -‬عبارة عن الولد ‪ ،‬وإن جاءت به لكثر من ستّة‬
‫ويعلّل الكاسانيّ ذلك بأ ّ‬
‫أشهر لم يلزمه النّسب ‪ ،‬لنّه لم يتيقّن بوجوده وقت الدّعوى ‪.‬‬
‫لكنّه إن قال في إقراره ‪ :‬ما في بطنها من حمل أو ولد منّي لم يقبل قوله إنّها لم تكن حاملً‬
‫وإنّما كان ريحا ولو صدّقته ‪ .‬وفي الفتاوى الهنديّة ‪ :‬إذا كان لرجل جارية حامل فأقرّ أنّ‬
‫حملها من زوج قد مات ‪ ،‬ث ّم ادّعى أنّه منه فولدت لقلّ من ستّة أشهر ‪ ،‬فإنّه يعتق ول يثبت‬
‫نسبه ولو مكث المولى بعد إقراره الوّل سن ًة ثمّ قال ‪ :‬هي حامل منّي فولدت ولدا لقلّ من‬
‫ستّة أشهر من وقت القرار فهو ابن للمولى ثابت النّسب منه ‪.‬‬
‫وصرّح المالكيّة بأنّه يصحّ استلحاق الحمل ‪ -‬الجنين ‪ -‬ول يتوقّف ذلك على الولدة في‬
‫ن الزّوج إن لعن لرؤية الزّنى وقال ‪ :‬وطأتها‬
‫الظّاهر ‪ .‬وفي متن خليل وحاشية الدّسوقيّ إ ّ‬
‫قبل هذه الرّؤية في يومها ‪ ،‬أو قبل ذلك ولم استبرئها بعد ذلك ثمّ ظهر بها حمل يمكن أن‬
‫يكون من زنى الرّؤية وأن يكون منه ‪ ،‬بأن كان لستّة أشهر فأكثر ‪ ،‬فللمام مالك في إلزام‬
‫الزّوج بالولد والحمل وعدمه أقوال ‪ :‬قيل ‪ :‬بأنّه يلزمه الولد ول ينتفي عنه أصلًا بناءً على أنّ‬
‫اللّعان إنّما شرع لنفي الح ّد فقط ‪ ،‬وإنّ عدوله عن دعوى الستبراء رضا منه بالستلحاق ‪.‬‬
‫وقيل ‪ :‬بعدم اللزام فهو لحق به ويتوارثان ما لم ينفه بلعان آخر ‪ .‬وقيل ‪ :‬ينفى باللّعان‬
‫الوّل ‪ .‬فإن استلحقه بعد ذلك لحق به وحدّ ‪ ،‬قال ‪ :‬والقول الثّالث هو الرّاجح ‪.‬‬
‫ن من استلحق حملًا تعذّر عليه نفيه ‪ .‬ويقول‬
‫كما يصرّح الشّافعيّة كما في أسنى المطالب أ ّ‬
‫الرّمليّ ‪ :‬إنّ من سكت على حمل يعلم أنّه ليس منه يكون بسكوته مستلحقًا لمن ليس منه ‪.‬‬
‫ويقول ابن قدامة ‪ :‬إنّ الزّوج إن استلحق الحمل فمن قال ل يصحّ نفيه قال ‪ :‬ل يصحّ‬
‫ح استلحاقه ‪ ،‬وإذا استلحقه‬
‫استلحاقه ‪ ،‬وهو المنصوص عن أحمد ‪ ،‬ومن أجاز نفيه قال ‪ :‬يص ّ‬
‫لم يملك نفيه بعد ذلك ‪ ،‬ومن قال ‪ :‬ل يصحّ استلحاقه قال ‪ :‬لو صحّ استلحاقه لزمه بترك نفيه‬
‫‪ .‬ول يلزمه ذلك بالجماع ‪.‬‬
‫انقضاء العدّة بوضع الحمل ‪:‬‬
‫ن الحامل تنقضي عدّتها بوضع الحمل سواء أكانت عن‬
‫‪ - 19‬اتّفق فقهاء المذاهب على أ ّ‬
‫حمَالِ َأجَُلهُنّ أَن‬
‫ت ا ْلَأ ْ‬
‫طلق ‪ ،‬أم وفاة ‪ ،‬أم متاركة ‪ ،‬أم وطء شبهة لقوله تعالى ‪ { :‬وَأُوْلَا ُ‬
‫حمَْلهُنّ } ولنّ القصد من العدّة براءة الرّحم وهي تحصل بوضع الحمل ‪.‬‬
‫ن َ‬
‫َيضَعْ َ‬
‫ل من ستّة أشهر فالعدّة تنقضي‬
‫ن الحمل إذا كان اثنين أو أكثر وكان بينهما أق ّ‬
‫كما اتّفقوا على أ ّ‬
‫بوضع الخير لحصول البراءة به ‪ .‬وتفصيله في مصطلحي ( عدّة ‪ -‬حامل ) ‪.‬‬
‫إخراج الحمل من الحامل الميّت ‪:‬‬
‫‪ - 20‬إذا ماتت الحامل وفي بطنها جنين حيّ ‪ ،‬فإن أمكن أن تسطو عليه القوابل وجب ذلك‬
‫ق بطنها عند الحنفيّة والشّافعيّة وبعض المالكيّة استبقاءً لحياة الحمل ‪،‬‬
‫اتّفاقا ‪ ،‬وإن لم يمكن ش ّ‬
‫خلفا للحنابلة والمشهور عند المالكيّة ‪ ،‬حيث قالوا بعدم جواز هتك حرمة الميّت المتيقّنة لمر‬
‫ن هذا الولد ل يعيش ول يتحقّق أن يحيا ‪ ،‬كما علّلوها ‪ ،‬وتفصيله في مصطلح ‪( :‬‬
‫موهوم ‪ ،‬ل ّ‬
‫حامل ) ‪.‬‬
‫العتداء على الحمل ‪:‬‬
‫‪ -‬العتداء على الحمل إذا تسبّب في إسقاطه م ّيتًا ففيه غرّة باتّفاق الفقهاء ‪ ،‬وكذلك إذا‬ ‫‪21‬‬

‫أسقطته الحامل بدواء أو فعل كضرب ‪ ( :‬ر ‪ :‬غرّة ) ‪.‬‬


‫أمّا إذا ألقته حيّا حياةً مستقرّ ًة ث مّ مات بسبب العتداء فد ية كاملة خطأً كان العتداء أو عمدا‪.‬‬
‫وفي رواية عند المالكيّة فيه القصاص إذا كان عمدا ‪ ( .‬ر ‪ :‬إجهاض ‪ ،‬حامل ) ‪.‬‬
‫ذكاة حمل الحيوان ‪:‬‬
‫‪ - 22‬إنّ خرج الحمل بعد تذكية الحيوان الحامل وكان كامل الخلقة وغلب على الظّنّ أنّ‬
‫موته بسبب تذكية أمّه فجمهور الفقهاء على أنّه يحلّ أكله لقوله صلى ال عليه وسلم ‪« :‬‬
‫ذكاة الجنين ذكاة أمّه » ‪.‬‬
‫ولنّه متّصل يتغذّى بغذائها ويباع ببيعها فتكون ذكاته بذكاتها كأعضائها ‪.‬‬
‫ل حتّى يخرج حيّا فيذكّى ‪ ،‬لنّه حيوان ينفرد بحياة ‪ ( .‬ر ‪ :‬أطعمة ‪،‬‬
‫وقال أبو حنيفة ‪ :‬ل يح ّ‬
‫تذكية ) ‪.‬‬
‫بيع الحمل واستثناؤه في بيع الحامل ‪:‬‬
‫ن من شروط‬
‫‪ - 23‬اتّفق الفقهاء على عدم جواز بيع الحمل وحده أو استثنائه من بيع أمّه ‪ ،‬ل ّ‬
‫البيع أن يكون المعقود عليه موجودا مقدور التّسليم فل يجوز بيع المضامين ‪ ،‬والملقيح أي‬
‫ما في أصلب الفحول ‪ ،‬وباقي أرحام النعام والخيل من أجنّةً ‪ ،‬كما ل يجوز بيع حبل الحبلة‬
‫ي صلى ال عليه‬
‫ن النّب ّ‬
‫أي نتاج النّتاج ‪ ،‬لما ورد عن سعيد بن المسيّب عن أبي هريرة « أ ّ‬
‫وسلم نهى عن بيع المضامين والملقيح وحبل الحبلة » ‪.‬‬
‫ن الحمل مجهول ‪ ،‬وباستثناء المجهول من المعلوم‬
‫وأمّا عدم صحّة استثنائه في البيع فل ّ‬
‫ل مجهولً ‪ ( .‬ر ‪ :‬بيع منهيّ عنه ) ‪.‬‬
‫يصير الك ّ‬
‫ثانيا ‪ :‬الحمل بمعنى الرّفع ‪:‬‬
‫‪ - 24‬الحمل بمعنى الرّفع له أحكام فقهيّة في البيع والجارة من حمل المبيع إلى المشتري‬
‫وحمل المأجور إلى المستأجر ثمّ منه إلى المؤجّر بعد انتهاء العقد ‪ ،‬وأجرة الحمل وضمان‬
‫الحمل ( المحمول ) ‪ ،‬وكذلك حمل المصحف وكتب التّفسير وما إلى ذلك ‪ ،‬وتفصيلها في‬
‫مصطلحاتها ‪ ،‬وفيما يلي الكلم عنها إجمالً ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬حمل المبيع والمأجور ‪:‬‬
‫ل إذا‬
‫ن مطلق البيع يقتضي تسليم المبيع في المحلّ الّذي يوجد فيه ‪ ،‬إ ّ‬
‫‪ - 25‬ذكر الفقهاء أ ّ‬
‫اشترط أن يسلّم في مح ّل معيّن ‪ ،‬وفي هذه الحالة يلزم البائع بحمل المبيع وتسليمه في ذلك‬
‫ن ما يباع محمولًا على الحيوان كالحطب والفحم‬
‫المحلّ ‪ .‬وذكر في مجلّة الحكام العدليّة أ ّ‬
‫تكون أجرة حمله ونقله إلى بيت المشتري جاري ًة حسب عرف البلدة وعادتها ‪.‬‬
‫وبالنّسبة لحمل المأجور ذكروا أنّه إن احتاج ردّ المأجور إعادته إلى الحمل والمؤنة فأجرة‬
‫نقله على الجر ‪.‬‬
‫وجاء في المجلّة ‪ :‬يلزم الحمّال إدخال الحمل إلى الدّار لكنّه ل يلزمه وضعه في محلّه ‪.‬‬
‫مثلً ليس على الحمّال إخراج الحمل إلى فوق الدّار ول وضعه في النبار ‪ .‬أي المخازن ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬ضمان الحمّال ‪:‬‬
‫ل إذا تعمّد ذلك ‪.‬‬
‫‪ - 26‬ما يحمله الحمّال بإذن المالك يكون أمان ًة فل يضمن بعيبه أو تلفه إ ّ‬
‫فمن استأجر أجيرا يحمل له شيئا فحمل له إناءً أو وعاءً فخرّ منه الناء أو انفلت منه الوعاء‬
‫فذهب ما فيه ل يكون ضامنا ‪.‬‬
‫وهذه هي القاعدة في ضمان المانات في الجملة ‪ ،‬وتفصيله في مصطلح ‪ ( :‬ضمان ) ‪.‬‬
‫ج ‪ -‬حمل المصحف ‪:‬‬
‫‪ - 27‬ل يجوز مسّ المصحف وحمله بغير غلف متجاف أي غير مشرّز للمحدث حدثا أكبر‬
‫أو أصغر عند جميع الفقهاء من المذاهب الربعة ‪.‬‬
‫واختلفوا فيما إذا حمله بغلف ‪ :‬فقال الحنفيّة والحنابلة يجوز ‪ ،‬ومنعه المالكيّة والشّافعيّة ‪.‬‬
‫ونهينا عن حمل المصحف وما يجب تعظيمه في القتال ‪ ،‬لنّ ذلك قد يؤدّي إلى وقوعه في يد‬
‫العدوّ ‪ ،‬وفي ذلك تعريضه لستخفافهم به ‪ ،‬إلّ في جيش يؤمن عليه فل كراهة ‪.‬‬
‫ويجوز حمل المصحف إلى بلد الكفّار إذا دخل إليهم مسلم بأمان إذا كانوا يوفون بالعهد ‪ ،‬لنّ‬
‫الظّاهر عدم تعرّضهم له في هذه الحالة ‪.‬‬

‫حمّام *‬
‫التّعريف ‪:‬‬
‫‪ - 1‬الحمّام مشدّدا والمستح ّم في الصل الموضع الّذي يغتسل فيه بالحميم وهو الماء الحارّ ‪،‬‬
‫ثمّ قيل للغتسال بأيّ ماء كان " استحمام " ‪.‬‬
‫والعرب تذكّر الحمّام وتؤنّثه ‪ ،‬والحمّاميّ صاحبه ‪ ،‬واستحمّ فلن ‪ :‬دخل الحمّام ‪.‬‬
‫وفي الحديث ‪ « :‬ل يبولن أحدكم في مستحمّه ‪ ،‬ثمّ يتوضّأ فيه » ‪.‬‬
‫ول يخرج استعمال الفقهاء له عن المعنى اللّغويّ ‪.‬‬
‫أحكام تتعلّق بالحمّام ‪:‬‬
‫بناء الحمّام ‪ ،‬وبيعه ‪ ،‬وإجارته والكسب الحاصل منه ‪:‬‬
‫‪ - 2‬ذهب الحنفيّة في الصّحيح من المذهب والمالكيّة والشّافعيّة إلى جواز بناء الحمّام للرّجال‬
‫والنّساء ‪ ،‬إذا لم يكن فيه كشف العورة ‪ ،‬ويكره إذا كان فيه ذلك ‪.‬‬
‫ويجوز أيضا بيعه وشراؤه ‪ ،‬وإجارته وذلك لحاجة النّاس إليه ‪ .‬ويجوز أخذ أجرة الحمّام ‪،‬‬
‫ولم تعتبر الجهالة في قدر المكث وغيره ‪ ،‬لتعارف النّاس ‪ ،‬وإجماع المسلمين من لدن‬
‫الصّحابة والتّابعين ‪ ،‬لما ورد ‪ « :‬ما رأى المسلمون حسنًا فهو عند اللّه حسن » ‪.‬‬
‫ول فرق بين اتّخاذ الحمّام للرّجال والنّساء ‪ ،‬إذ الحاجة في حقّ النّساء أظهر ‪ ،‬لنّهنّ يحتجن‬
‫إلى الغتسال عن الجنابة والحيض والنّفاس ‪ ،‬ول يتمكّن من ذلك في النهار والحياض تمكّن‬
‫الرّجال ‪ .‬وقال اللّخميّ من المالكيّة ‪ :‬إجارة الحمّام للنّساء على ثلثة أوجه ‪ :‬جائزة إن كانت‬
‫عادتهنّ ستر جميع الجسد ‪ ،‬وغير جائزة إذا كانت عادتهنّ عدم السّتر ‪ ،‬واختلف إذا كانت‬
‫عادتهنّ الدّخول بالمآزر ‪.‬‬
‫ن إجارة الحمّام وبيعه وشراءه مكروه ‪.‬‬
‫ويرى الحنابلة وهو قول بعض الحنفيّة ‪ :‬أ ّ‬
‫قال أبو داود ‪ :‬سألت أحمد عن كري الحمّام ؟ قال ‪ :‬أخشى ‪ ،‬كأنّه كرهه ‪ .‬وقيل له ‪ :‬فإن‬
‫اشترط على المكتري أن ل يدخله أحد بغير إزار ‪ ،‬فقال ‪ :‬ويضبط هذا ؟ وكأنّه لم يعجبه ‪،‬‬
‫لما فيه من فعل المنكرات من كشف العورة ‪ ،‬والنّظر إليها ‪ ،‬ودخول النّساء إليه ‪.‬‬
‫ولما روي عن عمارة بن عقبة أنّه قال ‪ :‬قدمت على عثمان بن عفّان فسألني عن مالي‬
‫فأخبرته أنّ لي غلمانا وحمّاما له غلّة ‪ :‬فكره له غلّة الحجّامين ‪ ،‬وغلّة الحمّام ‪ ،‬وقال ‪ :‬إنّه‬
‫بيت الشّياطين ‪ « ،‬وسمّاه رسول اللّه صلى ال عليه وسلم شرّ بيت » ‪.‬‬
‫وكسب الحمّاميّ مكروه ‪ ،‬وحمّاميّة النّساء أشدّ كراهةً ‪ .‬قال أحمد في الّذي يبني حمّاما للنّساء‬
‫‪ :‬ليس بعدل ‪ ،‬وحمله ابن تيميّة على غير البلد الباردة ‪ ،‬كما ذكر ابن عابدين نقلً عن‬
‫الزّيلعيّ ‪ :‬أنّ من العلماء من فصّل بين حمّام الرّجل وحمّام النّساء ‪.‬‬
‫الشّفعة في الحمّام ‪:‬‬
‫ن من أصلهم ‪:‬‬
‫‪ - 3‬ل تثبت الشّفعة في الحمّام الّذي ل يقبل القسمة عند جمهور الفقهاء ‪ ،‬ل ّ‬
‫ن الخذ بالشّفعة لدفع ضرر القسمة ‪ ،‬وهذا ل يتحقّق فيما ل يحتملها وتثبت في الكبير الّذي‬
‫أّ‬
‫يقبل القسمة بشرط أن يتأتّى النتفاع بالمأخوذ بالشّفعة ‪.‬‬
‫قال المحّليّ ‪ :‬كلّ ما لو قسم بطلب منفعته المقصودة كحمّام ورحىً صغيرين ل شفعة فيه في‬
‫ن العلّة دفع‬
‫الصحّ ‪ .‬ومقابله عند الشّافعيّة ‪ -‬ومثله عند المالكيّة ‪ -‬ثبوت الشّفعة بناءً على أ ّ‬
‫ل من الضّررين حاصل قبل البيع ‪ ،‬ومن حقّ الرّاغب فيه من‬
‫ضرر الشّركة فيما يدوم ‪ ،‬وك ّ‬
‫الشّريكين أن يخلّص صاحبه بالبيع له ‪ ،‬فإذا باع لغيره سلّطه الشّرع على أخذه منه ‪.‬‬
‫ن الخذ بالشّفعة عندهم‬
‫ن الشّفعة تثبت في الحمّام فيأخذه الشّفيع بقدره ‪ ،‬ل ّ‬
‫وذهب الحنفيّة إلى أ ّ‬
‫لدفع ضرر التّأذّي بسوء المجاورة على الدّوام ‪.‬‬
‫وتفصيل ذلك في مصطلح ‪ ( :‬شفعة ) ‪.‬‬
‫قسمة الحمّام ‪:‬‬
‫‪ - 4‬ذهب جمهور الفقهاء إلى أنّ من شروط القسمة جبرا عدم فوت المنفعة المقصودة‬
‫بالقسمة ‪ ،‬ولذا ل يقسم حمّام ونحوه عند عدم الرّضا ‪ ،‬أمّا عند رضا الجميع فتجوز قسمته ‪،‬‬
‫لوجود التّراضي منهم بالتزام الضّرر ‪ ،‬فكلّ واحد ينتفع بنصيبه فيما شاء كأن يجعله بيتا ‪.‬‬
‫وقيّد بعض الفقهاء عدم جواز قسمة الحمّام بأن يكون صغيرا ‪.‬‬
‫ولتفصيل ذلك يرجع إلى مصطلح ( قسمة ) ‪.‬‬
‫دخول الحمّام ‪:‬‬
‫‪ - 5‬ذهب جمهور الفقهاء إلى أنّ دخول الحمّام مشروع للرّجال والنّساء ‪.‬‬
‫وقد دخل خالد بن الوليد حمّام حمص ‪ ،‬ودخل ابن عبّاس حمّام الجحفة ‪ .‬وكان الحسن وابن‬
‫سيرين يدخلن الحمّام ‪ .‬ولكنّه مقيّد بما إذا لم يكن فيه كشف العورة ‪ ،‬مع مراعاة ما يلي ‪:‬‬
‫‪ - 6‬إذا كان الدّاخل رجلًا فيباح له دخوله إذا أمن وقوع محرّم ‪ :‬بأن يسلم من النّظر إلى‬
‫عورات النّاس ومسّها ‪ ،‬ويسلم من نظرهم إلى عورته ومسّها ‪ ،‬وإن خشي أن ل يسلم من‬
‫ذلك كره له ذلك ‪ ،‬لنّه ل يأمن وقوعه في المحظور ‪ ،‬فإنّ كشف العورة ومشاهدتها حرام ‪،‬‬
‫لما روى بهز بن حكيم عن أبيه عن جدّه قال « ‪ :‬قلت ‪ :‬يا رسول اللّه ‪ ،‬عوراتنا ما نأتي‬
‫منها وما نذر ؟ قال ‪ :‬احفظ عورتك إلّ من زوجتك أو ما ملكت يمينك ‪ .‬قال ‪ :‬قلت ‪ :‬يا‬
‫رسول اللّه ‪ ،‬إذا كان القوم بعضهم في بعض ؟ قال ‪ :‬إن استطعت أن ل يرينّها أحد فل‬
‫يرينّها ‪ .‬قال ‪ :‬قلت ‪ :‬يا رسول اللّه ‪ .‬إذا كان أحدنا خاليا ‪ .‬قال ‪ :‬اللّه أحقّ أن يستحيا منه من‬
‫ل من في‬
‫ن كلّ من في الحمّام عليه إزار ‪ ،‬قال أحمد ‪ :‬إن علمت أنّ ك ّ‬
‫النّاس » ‪ .‬وأن يعلم أ ّ‬
‫الحمّام عليه إزار فادخله ‪ ،‬وإلّ فل تدخل ‪.‬‬
‫ن النّبيّ‬
‫وقال سعيد بن جبير ‪ :‬دخول الحمّام بغير إزار حرام ‪ .‬لحديث جابر بن عبد اللّه ‪ :‬أ ّ‬
‫صلى ال عليه وسلم قال ‪ « :‬من كان يؤمن باللّه واليوم الخر فل يدخل الحمّام بغير إزار ‪،‬‬
‫ومن كان يؤمن باللّه واليوم الخر فل يدخل حليلته الحمّام » ‪.‬‬
‫وأيضا روي « من دخل الحمّام بغير مئزر لعنه الملكان » قال ابن ناجي من المالكيّة ‪ :‬دخول‬
‫الرّجل الحمّام على ثلثة أوجه ‪ :‬الوّل ‪ :‬دخوله مع زوجته ‪ ،‬أو وحده فمباح ‪ ،‬الثّاني ‪:‬‬
‫دخوله مع قوم ل يستترون فممنوع ‪ ،‬الثّالث ‪ :‬دخوله مع قوم مستترين فمكروه ‪ ،‬إذ ل يؤمن‬
‫أن ينكشف بعضهم فيقع بصره على ما ل يحلّ ‪ .‬وقيل في هذا الوجه ‪ :‬إنّه جائز ‪.‬‬
‫‪ -7‬إذا كان الدّاخل امرأةً فيباح لها دخوله مع مراعاة ما سبق ‪ ،‬وبوجود عذر من حيض أو‬
‫نفاس ‪ ،‬أو جنابة أو مرض ‪ ،‬أو حاجة إلى الغسل ‪ ،‬وأن ل يمكنها أن تغتسل في بيتها لخوفها‬
‫ي صلى‬
‫ن النّب ّ‬
‫من مرض أو ضرر ‪ ،‬لما روى أبو داود عن ابن عمر رضي ال عنهما « أ ّ‬
‫ال عليه وسلم قال ‪ :‬إنّها ستفتح لكم أرض العجم وستجدون فيها بيوتًا يقال لها الحمّامات ‪،‬‬
‫ل بالزر ‪ ،‬وامنعوها النّساء إلّ مريض ًة أو نفساء » ‪.‬‬
‫فل يدخلنها الرّجال إ ّ‬
‫ولخبر « ما من امرأة تضع أثيابها في غير بيت زوجها إلّ هتكت السّتر بينها وبين ربّها » ‪.‬‬
‫ن من الفتنة ‪.‬‬
‫ن أمر النّساء مبنيّ على المبالغة في السّتر ‪ ،‬ولما في خروجهنّ واجتماعه ّ‬
‫ول ّ‬
‫فإن لم يكن لها عذر كره لها دخول الحمّام ‪.‬‬
‫ن المعتمد أن ل كراهة مطلقا ‪ ،‬ثمّ قال ابن‬
‫وذكر ابن عابدين نقلً عن إحكامات الشباه ‪ :‬أ ّ‬
‫عابدين ‪ :‬وفي زماننا ل شكّ في الكراهة لتحقّق كشف العورة ‪.‬‬
‫ن حين لم يكن لهنّ حمّامات منفردة ‪ ،‬فأمّا مع‬
‫وفي قول عند المالكيّة ‪ :‬إنّما منع دخوله ّ‬
‫ن المرأة إذا اعتادت‬
‫انفرادهنّ عن الرّجال فل بأس ‪ ،‬وقال ابن الجوزيّ ‪ ،‬وابن تيميّة ‪ :‬إ ّ‬
‫ل لعذر أنّه يجوز لها دخوله ‪.‬‬
‫الحمّام وشقّ عليها تركت دخوله إ ّ‬
‫دخول ال ّذ ّميّة الحمّام مع المسلمات ‪:‬‬
‫ن للمرأة المسلمة إذا كانت في الحمّام مع‬
‫‪ - 8‬يرى جمهور الفقهاء خلفًا للحنابلة في المعتمد أ ّ‬
‫النّساء المسلمات أن تكشف عن بدنها ما ليس بعورة بالنّسبة إلى النّساء المسلمات ‪ ،‬وهو ما‬
‫سرّة والرّكبة ‪.‬‬
‫عدا ما بين ال ّ‬
‫وعند بعض الفقهاء يجب عليها في الحمّام أن تستر جميع بدنها لقول النّبيّ صلى ال عليه‬
‫وسلم ‪ « :‬أيّما امرأة وضعت ثيابها في غير بيت زوجها هتكت ستر ما بينها وبين اللّه » ‪.‬‬
‫أمّا ال ّذ ّميّة فليس لها عند الجمهور أن تنظر من المسلمة إلّ ما يراه الرّجل الجنبيّ منها ‪،‬‬
‫ص الشّافعيّة على أنّ المرأة ال ّذ ّميّة تمنع من دخول الحمّام مع النّساء ‪ ،‬وقد كتب عمر‬
‫ولهذا ن ّ‬
‫ن نساء أهل ال ّذمّة يدخلن الحمّامات مع‬
‫رضي ال عنه إلى أبي عبيدة بن الجرّاح أنّه بلغني أ ّ‬
‫نساء المسلمين فامنع من ذلك ‪ .‬وحل دونه فإنّه ل يجوز أن ترى ال ّذ ّميّة عريّة المسلمة ‪ .‬وقال‬
‫ابن عبّاس ‪ :‬ل يحلّ للمسلمة أن تراها يهوديّة أو نصرانيّة لئلّ تصفها لزوجها ‪.‬‬
‫آداب الدّخول إلى الحمّام والخروج منه ‪:‬‬
‫‪ - 9‬من آدابه ‪ - :‬أن يسلّم الجرة أوّلًا أي قبل دخوله ‪ ،‬ذكر هذا الشّافعيّة ‪.‬‬
‫‪ -‬وأن يقصد بدخوله التّنظيف والتّطهير ل التّرفّه والتّنعّم ‪.‬‬
‫‪ -‬وأن يقدّم رجله اليسرى في دخوله ‪ ،‬واليمنى في خروجه ‪.‬‬
‫‪ -‬ويقصد موضعًا خاليًا ‪ ،‬لنّه أبعد من أن يقع في محظور ‪.‬‬
‫‪ -‬ويقلّل اللتفات تج ّنبًا لرؤية عورة ‪.‬‬
‫‪ -‬ول يكثر الكلم ‪ ،‬ويتحيّن بدخوله وقت الفراغ أو الخلوة إن قدر على ذلك ‪.‬‬
‫‪ -‬ول يطيل المقام ‪ ،‬ويمكث فيه مكثا متعارفا ‪ ،‬وأن يصبّ صبّا متعارفا من غير إسراف ‪.‬‬
‫طهارة ماء الحمّام ‪:‬‬
‫‪ - 10‬ذهب الحنفيّة والحنابلة إلى أنّه يجزئ الغسل والوضوء بماء الحمّام ‪ ،‬ويجعل بمنزلة‬
‫شكّ ‪.‬‬
‫الماء الجاري ‪ ،‬لنّ الصل الطّهارة فل تزول بال ّ‬
‫ن من أدخل يده في حوض الحمّام وعليها نجاسة ‪ ،‬فإن كان الماء ساكنا ل‬
‫وصرّح الحنفيّة بأ ّ‬
‫يدخل فيه شيء من النبوب ‪ ،‬ول يغترف النّاس بالقصعة ‪ ،‬يتنجّس ماء الحوض ‪ ،‬وإن كانوا‬
‫يغترفون من الحوض ‪ ،‬بقصاعهم ‪ ،‬ول يدخل من النبوب ماء أو على العكس اختلفوا فيه ‪،‬‬
‫وأكثرهم على أنّه ينجّس ماء الحوض ‪.‬‬
‫وإن كان النّاس يغترفون بقصاعهم ‪ ،‬ويدخل الماء من النبوب ‪ ،‬اختلفوا فيه ‪ :‬وأكثرهم على‬
‫ب على وجه الحمّام ( أي أرضه ) فالصحّ أنّ ذلك الماء‬
‫أنّه ل ينجّس ‪ .‬وأمّا الماء الّذي ص ّ‬
‫ن فيه خبثا ‪ ،‬حتّى لو خرج إنسان من الحمّام وقد أدخل رجليه في ذلك‬
‫طاهر ما لم يعلم أ ّ‬
‫الماء ‪ ،‬ولم يغسلهما بعد الخروج وصلّى جاز ‪.‬‬
‫وإذا تنجّس حوض الحمّام فدخل فيه الماء فقد صرّح الحنفيّة أنّه ل يطهر ما لم يخرج منه‬
‫مثل ما كان فيه ثلث مرّات ‪ ،‬وقال بعضهم ‪ :‬إذا خرج منه مثل ما كان فيه مرّ ًة واحدةً يطهر‬
‫‪ ،‬لغلبة الماء الجاري عليه ‪ ،‬والوّل أحوط ‪.‬‬
‫السّلم في الحمّام ‪:‬‬
‫‪ - 11‬ل يستحبّ أن يسلّم على من في الحمّام لنّ أحواله ل تناسب ذلك ‪ ،‬وإذا سلّم عليه فل‬
‫يجب ال ّردّ ‪ ،‬وقيل ‪ :‬ل يردّ ‪ .‬وقال أحمد ‪ :‬ل أعلم أنّني سمعت فيه شيئا ‪ ،‬ويرى بعض‬
‫الحنابلة أنّ الولى جوازه من غير كراهة ‪ ،‬لدخوله في عموم قوله صلى ال عليه وسلم ‪« :‬‬
‫ص ‪ ،‬والصل في الشياء الباحة ‪.‬‬
‫أفشوا السّلم بينكم » ولنّه لم يرد فيه ن ّ‬
‫قراءة القرآن والذكر في الحمّام ‪:‬‬
‫ن قراءة القرآن في الحمّام تكره ‪ ،‬لنه محل لكشف‬
‫‪ - 12‬ذهب الحنفيّة ‪ ،‬والحنابلة إلى أ ّ‬
‫العورة ‪ ،‬ويفعل فيه مال يحسن في غيره ‪ ،‬فيصان القرآن عنه ‪.‬‬
‫إل أن ّس الحنفيّة قيدوا الكراهسة برفسع الصسّوت ‪ ،‬فإن لم يرفسع ل يكره وهسو المختار عندهسم ‪،‬‬
‫وحكى ابن عقيل الكراهية عن علي وابن عمر رضي ال تعالى عنهم ‪ ،‬وبه قال أبو وائل ‪،‬‬
‫والش عبي ومكحول ‪ ،‬وقبي صة بن ذؤ يب ‪ ،‬وأ ما إذا قرأ القرآن خارج الحمّام في مو ضع ل يس‬
‫فيه غسالة الناس نحو مجلس الحمّامي والثيابي فقال أبو حنيفة ‪ :‬ل يكره‪ .‬ويكره عند محمد‪.‬‬
‫ويرى المالكية والشّافعية عدم كراهية قراءة القرآن في الحمّام وبه قال النخعي ‪.‬‬
‫ل مكان‬
‫‪ - 13‬وأمّا الذّكر والتّسبيح في الحمّام فل بأس للمستتر فيه ‪ ،‬فإنّ ذكر اللّه حسن في ك ّ‬
‫ن أبا هريرة رضي ال عنه دخل الحمّام فقال ‪ :‬ل إله إلّ‬
‫ما لم يرد المنع منه ‪ ،‬ولما روي أ ّ‬
‫اللّه ‪ .‬وروي عن النّبيّ « أنّه كان يذكر اللّه على كلّ أحيانه » ‪.‬‬
‫الصّلة في الحمّام وعليه وإليه ‪:‬‬
‫ن الصّلة في الحمّام‬
‫‪ - 14‬ذهب الحنفيّة والمالكيّة ‪ ،‬والشّافعيّة ‪ ،‬والحنابلة في رواية إلى أ ّ‬
‫صحيحة ما لم يكن نجسا ‪ ،‬لقوله عليه الصلة والسلم ‪ « :‬جعلت لي الرض مسجدا‬
‫ل فهو مسجد » ‪.‬‬
‫وطهورا» وفي لفظ ‪ « :‬أينما أدركتك الصّلة فص ّ‬
‫ولنّه موضع طاهر فصحّت الصّلة فيه كالصّحراء ‪.‬‬
‫ويرى الحنابلة في رواية أخرى وهي المعتمد عندهم أنّ الصّلة في الحمّام ل تصحّ بحال ‪،‬‬
‫ل الحمّام والمقبرة » ‪ ،‬ولنّه‬
‫لقول الرّسول صلى ال عليه وسلم ‪ « :‬الرض كلّها مسجد إ ّ‬
‫مظنّة النّجاسات ‪ ،‬فعلّق الحكم عليه دون حقيقته ‪ .‬ويصلّى فيه لعذر ‪ ،‬كأن حبس فيه ‪ ،‬ولم‬
‫يمكنه الخروج ‪ ،‬ثمّ ل يعيد صلته ولو زال العذر في الوقت وخرج منها ‪ ،‬لصحّة صلته ‪.‬‬
‫ب الماء وبين البيت الّذي تنزع فيه الثّياب‬
‫ول فرق عندهم في الحمّام بين مكان الغسل وص ّ‬
‫والتون ‪ ،‬وكلّ ما يغلق عليه باب الحمّام ‪ ،‬لتناول السم له ‪.‬‬
‫وعلى هذا الخلف الصّلة على سطح الحمّام ‪ ،‬لنّ الهواء تابع للقرار فيثبت فيه حكمه ‪.‬‬
‫‪ - 15‬وفي الصّلة إلى الحمّام قال محمّد ‪ :‬أكره أن تكون قبلة المسجد إلى الحمّام ‪ ،‬ث ّم تكلّم‬
‫فقهاء الحنفيّة في معنى قول محمّد هذا فقال بعضهم ‪ :‬ليس المراد به حائط الحمّام ‪ ،‬وإنّما‬
‫المراد به المحمّ وهو الموضع الّذي يصبّ فيه الحميم ‪ ،‬وهو الماء الحارّ ‪ ،‬لنّ ذلك موضع‬
‫النجاس ‪ .‬واستقبال النجاس في الصّلة مكروه ‪.‬‬
‫وأمّا إن استقبل حائط الحمّام فلم يستقبل النجاس وإنّما استقبل الحجر والمدر ‪ ،‬فل يكره ‪.‬‬
‫قطع من سرق من حمّام ‪:‬‬
‫‪ - 16‬فرّق الحنفيّة بين اللّيل والنّهار ‪ :‬فإذا سرق من الحمّام ليلًا قطع ‪ ،‬لنّه بني للحرز ‪ ،‬وإذا‬
‫سرق منه نهارا ل يقطع ‪ ،‬وإن كان صاحبه عنده ‪ ،‬لنّه مأذون بالدّخول فيه نهارًا ‪ ،‬فاختلّ‬
‫الحرز ‪ ،‬وما اعتاد النّاس من دخول الحمّام بعض اللّيل فهو كالنّهار ‪.‬‬
‫ن من سرق من حمّام نصابًا من آلته أو من ثياب الدّاخلين‬
‫وذهب المالكيّة والشّافعيّة إلى أ ّ‬
‫يقطع ‪ :‬إن كان دخله للسّرقة ل للستحمام ‪ ،‬أو نقب حائطه ودخل من النّقب أو تسوّر وسرق‬
‫منه سواء كان للحمّام حارس أم ل ‪.‬‬
‫أمّا إن سرق الحمّام من بابه أو دخله مغتسلً فسرق لم يقطع لنّه خائن ‪.‬‬
‫وعند الحنابلة يقطع سارق الحمّام إن كان للمتاع حافظ ‪ ،‬سواء كان صاحب الثّياب المسروقة‬
‫أو غيره ‪ .‬فإن لم يكن لها حافظ فل يقطع ‪ ،‬لنّه مأذون للنّاس في دخوله ‪ ،‬فجرى مجرى‬
‫سرقة الضّيف من البيت المأذون له في دخوله ‪ .‬وإليه ذهب إسحاق ‪ ،‬وأبو ثور ‪ ،‬وابن المنذر‬
‫لنّه متاع له حافظ ‪ .‬وتفصيل ذلك في مصطلح ‪ ( :‬سرقة ) ‪.‬‬

‫حمو *‬
‫التّعريف ‪:‬‬
‫‪ - 1‬حمو المرأة وحموها وحمها وحماها ‪ ،‬أبو زوجها أو أخو زوجها ‪ ،‬وكذلك من كان من‬
‫قبل الزّوج من ذوي قرابته فهم أحماء المرأة ‪ ،‬وحماة المرأة أمّ زوجها ‪ ،‬وحكى النّوويّ‬
‫إجماع أهل اللّغة على ذلك ‪.‬‬
‫وقال ابن فارس ‪ :‬الحمء ‪ :‬أبو الزّوج ‪ ،‬وأبو امرأة الرّجل ‪.‬‬
‫وقال المحكم ‪ :‬وحمء الرّجل أبو زوجته أو أخوها أو عمّها ‪.‬‬
‫فحصل من هذا أنّ الحمء يكون من الجانبين كالصّهر ‪ ،‬وهكذا نقله الخليل عن بعض العرب ‪.‬‬
‫وقالوا كلّ شيء من قبل المرأة فهم الختان وقال ابن العرابيّ ‪ :‬الحماة أ ّم الزّوج ‪ ،‬والختنة‬
‫أمّ المرأة ‪ ،‬ومن العرب من يبدّل مكان الختين الصهار ‪ -‬والعكس ‪ -‬ومن العرب من‬
‫يجعلهم كلّهم أصهارا ‪ ،‬وهذا على سبيل الغلبة ‪.‬‬
‫والمعنى الصطلحيّ ل يعدو المعنى اللّغويّ ‪.‬‬
‫الحكم الجماليّ ‪:‬‬
‫‪ - 2‬النّظر والخلوة بالنّسبة للحمو يختلف باختلف أحوال الحمو ‪.‬‬
‫فالحمو المحرم ‪ :‬كأبي الزّوج وإن عل ‪ ،‬وابن الزّوج وإن نزل ‪ ،‬يجوز له النّظر إلى المرأة‬
‫ن زِينَ َتهُنّ‬
‫والخلوة بها ‪ ،‬وكذلك أمّ الزّوجة بالنّسبة إلى الزّوج وابنتها ‪ ،‬لقوله تعالى ‪ { :‬وَلَا ُي ْبدِي َ‬
‫ن أَ ْو آبَاء ُبعُوَل ِت ِهنّ َأوْ َأ ْبنَا ِئهِنّ َأوْ َأ ْبنَاء ُبعُوَل ِتهِنّ }إلى آخر الية‪ .‬ولقوله‬
‫ن أَ ْو آبَا ِئهِ ّ‬
‫إِلّا ِل ُبعُوَل ِتهِ ّ‬
‫ل أن يكون ناكحا أو ذا محرم »‬
‫صلى ال عليه وسلم « أل ل يبيتن رجل عند امرأة ثيّب إ ّ‬
‫ص فيه ال ّثيّب بالذّكر لنّها يدخل عليها غالبا ‪ ،‬وأمّا البكر فمصونة في العادة ‪ ،‬فهي‬
‫وإنّما خ ّ‬
‫أولى بذلك ‪.‬‬
‫وقد حكى النّوويّ وغيره الجماع على تحريم الخلوة بالجنبيّة ‪ ،‬وإباحة الخلوة بالمحارم ‪.‬‬
‫والمحرم ‪ :‬هي كلّ من حرم عليه نكاحها على التّأبيد بسبب مباح ‪ .‬انظر ( محرم ) ‪.‬‬
‫ل من يمتّ بقرابة إلى الزّوج ‪ ،‬ما عدا المذكورين‬
‫‪ - 3‬الحمو غير المحرم كأخي الزّوج وك ّ‬
‫ي في النّظر والخلوة ‪ ،‬والسّكن ‪ ،‬واستماع الصّوت ‪ ،‬وقال في‬
‫في السّابق فحكمهم حكم الجنب ّ‬
‫النصاف ‪ :‬وحرم نظر بشهوة أو مع خوف ثورانها لحد ممّن ذكرنا ‪.‬‬
‫س ‪ ،‬لنّه أبلغ منه في الّلذّة وإثارة‬
‫س فالقاعدة في ذلك أنّه متى حرم النّظر حرم الم ّ‬
‫وأمّا الم ّ‬
‫الشّهوة ‪ .‬ول يلزم عند الجمهور من حلّ النّظر حلّ المسّ والخلوة كالشّاهد ونحوه ‪.‬‬
‫خلفا للحنفيّة فمسّ المحرم لما يحلّ له نظره بغير شهوة جائز كالنّظر ‪.‬‬
‫والخلوة كذلك سواء في الدّخول على النّساء أو السّكنى لحديث ‪ « :‬إيّاكم والدّخول على النّساء‬
‫‪ .‬فقال رجل من النصار ‪ :‬يا رسول اللّه أفرأيت الحمو قال ‪ :‬الحمو الموت » ‪ .‬والحديث‬
‫محمول على من ليس بمحرم من الحماء ‪ ،‬وقد خرج هذا الكلم مخرج التّغليظ ‪ ،‬لنّه صلى‬
‫ال عليه وسلم فهم من السّائل طلب التّرخيص بدخول مثل هؤلء الّذين ليسوا بمحارم ‪.‬‬
‫ولتفصيل ذلك راجع بحث ‪ ( :‬أجنبيّ ‪ ،‬قرابة ‪ ،‬استمتاع ‪ ،‬اشتهاء ‪ ،‬ومحرم ) ‪.‬‬
‫حميل *‬
‫ر ‪ :‬حمالة ‪ ،‬كفالة ‪.‬‬

‫حمية *‬
‫التّعريف ‪:‬‬
‫‪ - 1‬الحمية ‪ -‬والحموة أيضا ‪ -‬في اللّغة المنع ‪ ،‬وحمى المريض ما يضرّه ‪ :‬أي منعه إيّاه‬
‫فاحتمى هو ‪ .‬ول يخرج اصطلح الفقهاء في الجملة عن هذا المعنى ‪.‬‬
‫الحكم التّكليفيّ ‪:‬‬
‫‪ - 2‬الحمية نوع من التّداوي وهو مشروع ‪ .‬لحديث أسامة بن شريك ‪ « :‬قالت العراب ‪ :‬يا‬
‫رسول اللّه أل نتداوى ؟ قال ‪ :‬نعم عباد اللّه ‪ ،‬تداووا فإنّ اللّه لم يضع دا ًء إلّ وضع له دواءً‬
‫إلّ دا ًء واحدًا ‪ .‬قالوا ‪ :‬يا رسول اللّه ‪ ،‬وما هو ؟ قال ‪ :‬الهرم » ‪.‬‬
‫وقال ابن القيّم ‪ :‬الصل في الحمية ‪ :‬قوله تعالى ‪ { :‬وَإِن كُنتُم ّمرْضَى َأوْ عَلَى سَ َفرٍ أَ ْو جَاء‬
‫طيّبا } ‪ ،‬فحمى المريض‬
‫صعِيدا َ‬
‫س ُتمُ ال ّنسَاء فَلَ ْم َتجِدُو ْا مَاء فَ َت َي ّممُواْ َ‬
‫ل َم ْ‬
‫حدٌ مّنكُم مّنَ ا ْلغَا ِئطِ َأوْ َ‬
‫َأ َ‬
‫من استعمال الماء لنّه يضرّه ‪ .‬وعن أ ّم المنذر سلمى بنت قيس النصاريّة رضي ال عنها‬
‫ي بن أبي طالب ‪ ،‬وعليّ ناقه‬
‫قالت ‪ « :‬دخل علينا رسول اللّه صلى ال عليه وسلم ومعه عل ّ‬
‫من مرض ‪ ،‬ولنا دوال معلّقة ‪ ،‬فقام رسول اللّه صلى ال عليه وسلم يأكل منها وقام عليّ‬
‫يأكل منها فطفق رسول اللّه صلى ال عليه وسلم يقول لعليّ ‪ :‬إنّك ناقه حتّى كفّ ‪ ،‬قالت‬
‫وصنعت شعيرا وسلقا فجئت به فقال النّبيّ صلى ال عليه وسلم لعليّ ‪ :‬من هذا أصب ‪ ،‬فإنّه‬
‫أوفق لك » ‪ .‬وقال زيد بن أسلم ‪ :‬حمى عمر رضي ال عنه مريضا حتّى أنّه من شدّة ما‬
‫حماه كان يمتصّ النّوى ‪ .‬قال ابن القيّم ‪ :‬وبالجملة ‪ :‬فالحمية من أنفع الدوية قبل الدّاء فتمنع‬
‫حصوله ‪ ،‬وإذا حصل فتمنع تزايده ‪ ،‬وانتشاره ‪.‬‬
‫ن الحمية يراعى فيها أصول الطّبّ أو التّجربة الصّحيحة ليعرف المريض ما‬
‫ول يخفى أ ّ‬
‫يحتمي منه من الطعمة وما يحتمي لجله من المراض ‪ .‬وينظر مصطلح ‪ ( :‬تداوي ) ‪.‬‬

‫حنتم *‬
‫انظر ‪ :‬آنية ‪ :‬أشربة ‪.‬‬

‫حنث *‬
‫التّعريف ‪:‬‬
‫‪ - 1‬الحنث بالكسر في اللّغة ‪ :‬الذّنب العظيم ‪ ،‬والثم ‪ .‬يقال ‪ :‬بلغ الغلم الحنث أي جرى‬
‫عليه القلم بالطّاعة والمعصية ‪ ،‬بالبلوغ ‪ .‬وجاء في القرآن الكريم ‪َ { :‬وكَانُوا ُيصِرّونَ عَلَى‬
‫ا ْلحِنثِ ا ْل َعظِيمِ } ‪ .‬والحنث والخلف في اليمين ‪ ،‬ففي الثر ‪ « :‬في اليمين حنث أو مندمة » ‪.‬‬
‫والمعنى أن يندم الحالف على ما حلف عليه ‪ ،‬أو يحنث في يمينه فتلزمه الكفّارة ‪.‬‬
‫ول يخرج المعنى الصطلحيّ عن ذلك ‪.‬‬
‫اللفاظ ذات الصّلة ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬النّقض ‪:‬‬
‫‪ - 2‬النّقض ضدّ البرام ‪ ،‬يقال ‪ :‬نقض العهد ‪ ،‬واليمين ‪ ،‬والبناء والحبل ‪ :‬أبطله ‪ ،‬وفي‬
‫المحكم ‪ :‬النّقص هو ‪ :‬إفساد ما أبرم من عهد أو يمين أو عقد أو بناء ‪.‬‬
‫ل ْيمَانَ َب ْعدَ َت ْوكِيدِهَا } ‪.‬‬
‫ل تَن ُقضُواْ ا َ‬
‫قال اللّه تعالى ‪َ { :‬و َ‬
‫غزَْلهَا مِن َب ْعدِ قُوّ ٍة أَنكَاثا } ‪.‬‬
‫ل َتكُونُو ْا كَاّلتِي َن َقضَتْ َ‬
‫ل شأنه ‪َ { :‬و َ‬
‫وقال ج ّ‬
‫ب ‪ -‬النّكث ‪:‬‬
‫‪ - 3‬هو من نكث اليمين ‪ ،‬والعهد نكثًا ‪ :‬إذا نقضه ‪ ،‬ونبذه ‪ ،‬وفي التّنزيل ‪ { :‬وَإِن ّن َكثُواْ‬
‫ن َل ُهمْ } ‪.‬‬
‫طعَنُو ْا فِي دِي ِنكُمْ فَقَاتِلُو ْا َأ ِئمّ َة ا ْلكُ ْفرِ ِإ ّن ُهمْ لَ َأ ْيمَا َ‬
‫ع ْهدِ ِهمْ َو َ‬
‫َأ ْيمَانَهُم مّن َب ْعدِ َ‬
‫ج ‪ -‬البرّ ‪:‬‬
‫‪ - 4‬هو في اللّغة ‪ :‬الخير والفضل ‪ ،‬يقال ‪ :‬برّ الرّجل يبرّ برّا فهو برّ وبارّ ‪ :‬أي صادق ‪،‬‬
‫وتقيّ ‪ ،‬وفي الصطلح ‪ :‬الموافقة لما حلف عليه ‪ ،‬وبرّ في القول واليمين صدق فيهما ‪.‬‬
‫د ‪ -‬الخلف ‪:‬‬
‫‪ - 5‬هو من أخلف الرّجل وعده ‪ :‬لم يعرف به ‪ ،‬وفي الثر « آية المنافق ثلث ‪ :‬إذا حدّث‬
‫كذب ‪ ،‬وإذا وعد أخلف ‪ ،‬وإذا اؤتمن خان » ‪.‬‬
‫الحكم التّكليفيّ ‪:‬‬
‫‪ - 6‬ل يغيّر اليمين حال المحلوف عليه عمّا كان عليه قبل اليمين ‪ :‬وجوبا ‪ ،‬وتحريما ‪ ،‬وندبا‬
‫‪ ،‬وكراهةً ‪ ،‬وإباحةً ‪ ،‬وبناءً على ذلك ‪ :‬إن حلف على فعل واجب ‪ ،‬أو ترك حرام فيمينه‬
‫طاعة ‪ ،‬والقامة عليها واجبة ‪ ،‬والحنث معصية ‪ ،‬وتجب به الكفّارة ‪.‬‬
‫وإن حلف على ترك واجب ‪ ،‬أو فعل حرام ‪ ،‬فيمينه معصية ويجب عليه أن يحنث ويكفّر عن‬
‫يمينه عند الجمهور ‪ ،‬وتفصيله في ( أيمان ف ‪ ) 122 /‬وإن حلف على فعل نفل ‪ ،‬فالقامة‬
‫على ذلك طاعة ‪ ،‬والمخالفة مكروهة ‪ ،‬وعليه كفّارة بالحنث لخبر ‪ « :‬إذا حلفت على يمين‬
‫فرأيت غيرها خيرا منها فكفّر عن يمينك وأت الّذي هو خير » ‪.‬‬
‫وإن حلف على ترك نفل ‪ ،‬فاليمين مكروهة والقامة عليها مكروهة ‪.‬‬
‫وإن حلف على مباح كدخول دار ‪ ،‬ولبس ثوب أو تركهما فله أن يقيم على اليمين وله أن‬
‫يحنث ‪ ،‬والفضل ‪ -‬عند الجمهور وفي الصّحيح عند الشّافعيّة ‪ -‬القامة على اليمين لقوله‬
‫ل ْيمَانَ َب ْعدَ َت ْوكِيدِهَا }‪ .‬وفي الجملة إذا حلف على يمين فرأى غيرها‬
‫ل تَن ُقضُواْ ا َ‬
‫تعالى ‪َ { :‬و َ‬
‫ب له الحنث والتّكفير لقوله صلى ال عليه وسلم ‪ « :‬من حلف على يمين‬
‫خيرًا منها استح ّ‬
‫فرأى غيرها خيرا منها ‪ ،‬فليكفّر عن يمينه وليفعل » ولما فيه من تعظيم اسم اللّه تعالى ‪.‬‬
‫ما يقع فيه الحنث من اليمان ‪:‬‬
‫‪ -7‬ل خلف بين الفقهاء في أنّ الحنث ل يقع إلّ في اليمين المنعقدة ‪ ،‬ثمّ اختلفوا فيما تنعقد‬
‫ن اليمين تنعقد على المستقبل كواللّه ‪ :‬ل أفعل كذا ‪ ،‬أو‬
‫عليه اليمين ‪ ،‬فاتّفق الفقهاء على أ ّ‬
‫لفعلن كذا ونحو ذلك فيحنث في هذه اليمين بمخالفتها في المستقبل ‪ ،‬أمّا على الماضي ‪ ،‬كأن‬
‫يقول كاذبًا ‪ ،‬وهو عالم ‪ :‬واللّه ما فعلت كذا فذهب الجمهور إلى عدم انعقادها ‪ ،‬لنّ اليمين‬
‫المنعقدة هي الّتي يمكن فيها البرّ ‪ ،‬والحنث ول يتصوّر البرّ في اليمين على الماضي ‪ ،‬لنّ‬
‫ث ‪ ،‬ول منع على ماض ‪.‬‬
‫ث والمنع ‪ ،‬ول يتصوّر ح ّ‬
‫اليمين للح ّ‬
‫ل في اليمين الّتي قصد عقدها على المستقبل ‪.‬‬
‫فل يكون الحنث إ ّ‬
‫أمّا يمين الماضي ‪ ،‬وهي ما يسمّى اليمين الغموس فيستغفر اللّه ول كفّارة فيها ‪ ،‬وقال‬
‫الشّافعيّة ‪ :‬تنعقد على الماضي ويحنث في الحال ‪ ،‬وتجب عليه الكفّارة لنّه حلف باللّه وهو‬
‫مختار كاذب ‪ ،‬فصار كما لو حلف على مستقبل ‪.‬‬
‫أمّا يمين اللّغو ‪ :‬فل خلف بين الفقهاء في أنّه ل حنث فيها ‪ :‬ولكنّهم اختلفوا في صورتها ‪:‬‬
‫فقيل هي ‪ :‬ما يسبق على لسان الرّجل من غير قصد ‪ ،‬كأن يقول ‪ :‬ل ‪ ،‬واللّه ‪ ،‬بلى ‪ ،‬واللّه ‪.‬‬
‫وينظر التّفصيل في مصطلح ( أيمان ) ‪.‬‬
‫سبب وجوب الكفّارة ‪:‬‬
‫ن الكفّارة تجب على من حنث في اليمين المنعقدة ‪ ،‬ولكنّهم‬
‫‪ - 8‬ل خلف بين الفقهاء في أ ّ‬
‫اختلفوا في سبب الوجوب ‪ .‬فذهب الحنفيّة والمالكيّة والحنابلة وهو وجه عند الشّافعيّة إلى أنّ‬
‫سبب وجوب الكفّارة هو اليمين ‪ ،‬وأمّا الحنث فيها فليس سببًا في وجوب الكفّارة إنّما هو‬
‫شرط فيه ‪ ،‬وذهب الشّافعيّة إلى أنّ سبب وجوب الكفّارة هو اليمين ‪ ،‬والحنث جميعا ‪.‬‬
‫والتّفصيل في مصطلح ‪ ( :‬أيمان ‪ -‬كفّارة ) ‪.‬‬
‫الكفّارة قبل الحنث ‪:‬‬
‫‪ - 9‬اختلف الفقهاء في جواز الكفّارة قبل الحنث ‪ ،‬فقال المالكيّة في المعتمد والشّافعيّة ‪:‬‬
‫ب تأخير التّكفير عن الحنث ‪ ،‬ويجوز التّكفير قبل الحنث ‪ ،‬وقيّد الشّافعيّة ذلك بما لو كفّر‬
‫يستح ّ‬
‫بغير الصّوم ولم يكن الحنث معصيةً ‪.‬‬
‫وقال الحنابلة ‪ :‬يجوز التّقديم ‪ ،‬وإن كانت الكفّارة صومًا ‪ ،‬ويستوي التّقديم والتّأخير في‬
‫الفضيلة ‪ ،‬وقال ابن أبي موسى ‪ :‬التّأخير أفضل ‪ ،‬وعند الحنفيّة وهو غير المعتمد للمالكيّة ل‬
‫يجوز تقديم الكفّارة على الحنث ‪ .‬والتّفصيل في مصطلحي ( أيمان ‪ ،‬وكفّارة ) ‪.‬‬
‫ما يقع فيه الحنث ‪:‬‬
‫‪ - 10‬الصل المرجوع إليه ‪ ،‬في البرّ والحنث هو اتّباع مقتضى اللّفظ الّذي تعلّمت به‬
‫ص أو قرينة ‪.‬‬
‫اليمين ‪ ،‬وقد يقيّد بنيّة تقترن به ‪ ،‬أو باصطلح خا ّ‬
‫وتفصيل ذلك في مصطلح ‪ ( :‬أيمان ) ‪.‬‬
‫وقت وقوع الحنث ‪:‬‬
‫‪ - 11‬ل يقع الحنث في اليمين المطلقة إذا كانت على الثبات ‪ ،‬إلّ بعد اليأس من البرّ بها ‪،‬‬
‫وأمّا الّتي على النّفي فيحنث بمجرّد الفعل عند الجمهور ‪ ،‬أمّا عند المالكيّة فيحنث بمجرّد‬
‫ضدّ ‪ .‬أمّا المؤقّتة ‪ ،‬فيقع الحنث بآخر وقتها ‪ ،‬والتّفصيل في ( أيمان ) ‪.‬‬
‫العزم على ال ّ‬
‫حنث النّاسي ‪ ،‬والمكره ‪ ،‬والجاهل ‪:‬‬
‫‪ - 12‬ذهب جمهور الفقهاء إلى أنّ الحالف إن فعل المحلوف عليه ناسيًا فل حنث ‪ ،‬إذا كانت‬
‫اليمين بغير الطّلق ‪ ،‬والعتاق ‪ ،‬والجاهل عندهم كالنّاسي فل يحنث بفعله ‪ ،‬أمّا المكره فيحنث‬
‫في الكراه غير الملجئ ول يحنث في الكراه الملجئ ‪.‬‬
‫وذهب الشّافعيّة في الظهر إلى أنّه إذا وجد القول ‪ ،‬أو الفعل المحلوف عليه على وجه‬
‫الكراه أو النّسيان ‪ ،‬أو الجهل فل يحنث سواء أكانت اليمين باللّه ‪ ،‬أم بالطّلق لخبر «‬
‫تجاوز اللّه عن أمّتي الخطأ ‪ ،‬والنّسيان ‪ ،‬وما استكرهوا عليه » ‪.‬‬
‫والتّفصيل في ( إكراه وأيمان ) ‪ .‬وذهب الحنفيّة إلى أنّه يحنث بالمخالفة مع النّسيان ولو مع‬
‫الكراه ‪ ،‬أو الغماء ‪ ،‬أو الجنون ونحوها ‪.‬‬
‫وذهب المالكيّة إلى أنّه يحنث بالمخالفة مع النّسيان ‪.‬‬

‫حوالة *‬
‫التّعريف ‪:‬‬
‫‪ - 1‬الحوالة في اللّغة ‪ :‬من حال الشّيء حولً وحؤولً ‪ :‬تحوّل ‪ .‬وتحوّل من مكانه انتقل عنه‬
‫وحوّلته تحويلً نقلته من موضع إلى موضع ‪.‬‬
‫والحوالة بالفتح مأخوذة من هذا ‪ ،‬فإذا أحلت شخصا بدينك فقد نقلته إلى ذمّة غير ذمّتك ‪.‬‬
‫‪ - 2‬والحوالة في الصطلح ‪ :‬نقل الدّين من ذمّة إلى ذمّة ‪ .‬فمتى تمّ اليجاب والقبول تحميلًا‬
‫وتحمّلًا لداء الدّين من المحتمل إلى الدّائن ‪ ،‬بين اثنين من الثّلثة الطراف المعنيّة ‪ ،‬الدّائن‬
‫والمدين والملتزم بالداء ‪ ،‬مع الستيفاء لسائر الشّرائط الّتي ستأتي ‪ ،‬فقد تمّ هذا النّقل من‬
‫الوجهة الشّرعيّة ‪ .‬مثال ذلك أن يقول للدّائن قائل ‪ :‬لك على فلن دين مقداره كذا فاقبل‬
‫ي ‪ ،‬فيقول الدّائن ‪ :‬قبلت أو يبتدئ الدّائن فيقول لصاحبه ‪ :‬لي على فلن كذا ‪ ،‬فاقبل‬
‫حوالته عل ّ‬
‫دينه عليك حوالةً ‪ ،‬فيجيب ‪ :‬قد فعلت ‪.‬‬
‫‪ - 3‬بعد هذا التّعريف يتبيّن ما يلي ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬أنّ المحيل هو المدين ‪ ،‬وقد يكون دائنا أيضا باعتبار آخر ‪ -‬كما سنرى ‪ ، -‬وهو طرف‬
‫في العقد إذا باشره بنفسه أو أجازه ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬وأمّا المحال ‪ ،‬فهو الدّائن ‪ ،‬وهو أبدا طرف في العقد ‪ ،‬إمّا بمباشرته ‪ ،‬وأمّا بإجازته ‪.‬‬
‫ويقال له أيضا ‪ :‬حويل ‪ ،‬ومحتال " بصيغة اسم الفاعل " ‪.‬‬
‫ول يقال ‪ :‬محال له ‪ ،‬أو محتال له ‪ ،‬لنّ هذه الصّلة لغو ‪ -‬كما قال في المغرب ‪ -‬وإن أثبتها‬
‫البعض ‪ ،‬وتكلّف ابن عابدين تصحيحها ‪.‬‬
‫ج ‪ -‬وأمّا المحال عليه ‪ -‬ويقال له أيضا ‪ :‬حويل ‪ ،‬بزنة " كفيل " ‪ ،‬ومحتال عليه ‪ -‬فهو الّذي‬
‫التزم لحد الخرين بديته على ثانيهما ‪ ،‬وهو أيضا أبدا طرف في العقد ‪ ،‬على نحو ما ذكر‬
‫في المحال ‪.‬‬
‫د ‪ -‬وأمّا المحال به ‪ " ،‬ويقال ‪ :‬المحتال به " فهو الدّين نفسه الّذي للمحتال على المحيل ‪،‬‬
‫وهو هنا محلّ عقد الحوالة ‪.‬‬
‫ألفاظ ذات صلة ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬الكفالة أو الضّمان ‪:‬‬
‫‪ - 4‬الكفالة أو الضّمان لغةً ‪ :‬اللتزام بالشّيء ‪.‬‬
‫وفي الصطلح ‪ :‬ضمّ ذمّة الضّامن إلى ذمّة المضمون عنه في التزام الحقّ ‪.‬‬
‫والفرق بين الحوالة والكفالة أو الضّمان ‪ :‬أنّ الحوالة نقل للدّين من ذمّة إلى ذمّة أخرى ‪ ،‬أمّا‬
‫ن بالحوالة تبرأ‬
‫الكفالة أو الضّمان فهو ضمّ ذمّة إلى ذمّة في اللتزام بالحقّ فهما متباينان ‪ ،‬ل ّ‬
‫ذمّة المحيل ‪ ،‬وفي الكفالة ل تبرأ ذمّة المكفول ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬البراء ‪:‬‬
‫‪ - 5‬البراء لغةً ‪ :‬التّنزيه والتّخليص والمباعدة عن الشّيء ‪.‬‬
‫واصطلحا ‪ :‬إسقاط الشّخص حقّا له في ذمّة آخر أو قبله ‪ .‬والفرق بين الحوالة والبراء ‪ ،‬أنّ‬
‫الحوالة نقل للحقّ من ذمّة إلى ذمّة ‪ ،‬والبراء إسقاط للحقّ ‪.‬‬
‫الحكم التّكليفيّ ‪:‬‬
‫‪ - 6‬الحوالة بالدّين مشروعة يدلّ لذلك ما يأتي ‪:‬‬
‫سنّة ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬ال ّ‬
‫ن رسول اللّه صلى ال عليه وسلم قال ‪ « :‬مطل‬
‫‪ - 7‬روى أبو هريرة رضي ال عنه أ ّ‬
‫ي في الوسط ‪« :‬‬
‫الغنيّ ظلم ‪ ،‬فإذا أتبع أحدكم على مليء فليتبع » ‪ ،‬وفي لفظ عند الطّبران ّ‬
‫ومن أحيل على مليء فليتبع » وفي آخر عند أحمد وابن أبي شيبة ‪ « :‬ومن أحيل على مليء‬
‫فليحتل » وقد يروى بفاء التّفريع ‪ « :‬وإذا أحلت على مليء فاتبعه » ‪ ،‬فيفيد أنّ ما قبله‬
‫علّته ‪ ،‬أي أنّ مطل أهل الملءة واليسار ظلم محرّم في السلم ‪ ،‬فل يخشينه مسلم فيأبى من‬
‫خشيته قبول الحوالة على مليء بل إنّه لمأمور بقبولها ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬الجماع ‪:‬‬
‫‪ - 8‬انعقد الجماع على مشروعيّة الحوالة ‪.‬‬
‫ج ‪ -‬القياس ‪:‬‬
‫ن كلّا من المحال عليه والكفيل قد التزم ما هو أهل‬
‫‪ - 9‬الحوالة مقيسة على الكفالة ‪ ،‬بجامع أ ّ‬
‫للتزامه وقادر على تسليمه ‪ ،‬وكلهما طريق لتيسير استيفاء الدّين ‪ ،‬فل تمتنع هذه كما لم‬
‫تمتنع تلك ‪ .‬والحاجة تدعو إلى الحوالة ‪ ،‬والدّين يسر ‪.‬‬
‫واستدلّ الحنفيّة بقياس المجموع على آحاده ‪ :‬ذلك أنّ كلّا من نوعي الحوالة ( المطلقة أو‬
‫المقيّدة ) يتضمّن تبرّع المحال عليه باللتزام واليفاء ‪ ،‬وأمره بالتّسليم إلى المحال ‪ ،‬وتوكيل‬
‫ل وهي جائزة على النفراد ‪ ،‬فلتكن كذلك عند‬
‫المحال بالقبض منه ‪ .‬وما منها خصلة إ ّ‬
‫الجتماع ‪ ،‬بجامع عدم الفرق ‪.‬‬
‫‪ - 10‬واختلفوا في قبول المحال للحوالة المأمور به في الحديث ‪ ،‬هل هو أمر إيجاب ‪ ،‬أم‬
‫ندب أم إباحة ؟ قال بالوّل أحمد وأبو ثور وابن جرير ‪.‬‬
‫لنّه الصل في صيغة المر ‪ ،‬وقال بالثّاني ‪ :‬أكثر أهل العلم ‪ ،‬ومنهم من يصرّح بتقييده بأن‬
‫يكون المليء ليس في ماله شبهة حرام ‪ .‬وإنّما صرفوا الكلم عن ظاهره إلحاقا للحوالة‬
‫بسائر المعاوضات ‪ ،‬لنّها ل تخلو من شوب معاوضة ‪.‬‬
‫واستظهر الكمال بن الهمام أنّه أمر إباحة ‪ ،‬لنّ أهل الملءة قد يكون فيهم اللّدد في الخصومة‬
‫والمطل بالحقوق ‪ ،‬وهو ضرر ل يأمر الشّارع بتحمّله ‪ ،‬بل بالتّباعد عنه واجتنابه ‪ .‬فمن‬
‫عرف منهم بحسن القضاء استحبّ اتّباعه ‪ ،‬تفاديا للمساس بمشاعره ‪ ،‬وتنفيسا عن المدين‬
‫نفسه ‪ ،‬ومن جهل حاله فعلى الباحة ‪ ،‬إذ ل ترجيح بل مرجّح ‪.‬‬
‫وبعض الشّافعيّة يجعل الملءة شيئا ‪ ،‬وكلّا من القرار بالدّين وعدم المماطلة شيئا آخر ‪.‬‬
‫وذلك إذ يقول ‪ :‬يسنّ قبولها على مليء ‪ ،‬مق ّر ‪ ،‬باذل ‪ ،‬ل شبهة في ماله ‪.‬‬
‫حقيقة عقد الحوالة وحكمة مشروعيّتها ‪:‬‬
‫‪ - 11‬يرى الحنفيّة والحنابلة وهو الصحّ عند الشّافعيّة ‪ ،‬أنّ الحوالة مستثناة من بيع الدّين‬
‫ن كلّ واحد ملك بها ما لم يكن يملك ‪ ،‬فكأنّما‬
‫بالدّين ‪ ،‬ونسب النّصّ عليه إلى الشّافعيّ نفسه ل ّ‬
‫المحال قد باع ما له في ذمّة المحيل بما لهذا في ذمّة مدينه ‪.‬‬
‫ن المحتال يبيع ما له في‬
‫وعبارة صاحب المهذّب من الشّافعيّة ‪ :‬الحوالة بيع في الحقيقة ‪ :‬ل ّ‬
‫ن المحيل يبيع ما له في ذمّة المحال عليه‬
‫ذمّة المحيل بما للمحيل في ذمّة المحال عليه ‪ ،‬أو أ ّ‬
‫بما عليه من الدّين ‪ .‬وجزم به ابن رشد الحفيد من المالكيّة أوّل كلمه ‪ ،‬إذ يقول بإطلق ‪:‬‬
‫والحوالة معاملة صحيحة مستثناة من الدّين بالدّين ‪.‬‬
‫فالحوالة ‪ ،‬على هذا ‪ ،‬بيع دين بدين ‪ ،‬أو كما يقول في الحاوي الزّاهديّ ‪ " :‬هي تمليك الدّين‬
‫من غير من هو عليه " ‪ ،‬والقياس امتناعه ‪ ،‬ولكنّه جوّز للحاجة ‪ ،‬رخصةً من الشّارع‬
‫وتيسيرا ‪ .‬فكثيرا ما يكون المدين مماطلً ‪ ،‬يؤذي دائنيه بتسويفه وكذوب وعوده ‪ ،‬أو‬
‫بمشاغباته وضيق ذات يده ‪ ،‬وربّما كان له دين على آخر هو ألين عريكةً ‪ ،‬وأحسن معاملةً ‪،‬‬
‫وأوفر رزقا ‪ ،‬فيرغب دائنو الوّل في التّحوّل إلى هذا توفيرا للجهد والوقت ‪ ،‬واتّقاءً لخطار‬
‫الخصومات ‪ ،‬وتحصيلً لجزء من المال عاطل ‪ ،‬يمكن أن تنمّى به ثروة ‪ ،‬أو تسدّ به خلّة ‪.‬‬
‫فرخّص في الحوالة من أجل هذا وما شاكله ‪ ،‬إذ لو لم تشرع لفاتت كلّ هذه الغراض‬
‫الصّحيحة ‪ ،‬ولحاقت بالدّائنين أضرار جمّة ‪ ،‬ول ضرر ول ضرار في السلم ‪.‬‬
‫والعكس صحيح أيضا ‪ :‬فربّما كان المحال عليه مماطلً ‪ ،‬وكان المحال أقدر من المحيل‬
‫على استخلص الحقّ منه ‪ ،‬ولول الحوالة لطال عناء الدّائن الضّعيف ‪ ،‬أو لضاع ماله ‪.‬‬
‫ل وقت يتاح الوكيل الصّالح ‪ ،‬وإن أتيح فقلّما يكون بغير أجر ‪.‬‬
‫وليس في ك ّ‬
‫على أنّ الوكالة ل تغني في الحالة الولى ‪ ،‬لنّها عقد غير لزم ‪ :‬فقد يوكّل المدين المماطل‬
‫دائنه في استيفاء الدّين ‪ ،‬ويسلّطه على تملّكه بعد قبضه ‪ ،‬تحت ضغط ظروف خاصّة ‪ ،‬ثمّ ل‬
‫يلبث أن يعزله قبل قبضه ‪ ،‬فيعود كما بدأ ‪.‬‬
‫‪ - 12‬ول يبعد كثيرًا عن هذا المذهب من الرّأي رأي الذّاهبين إلى أنّ الحوالة بيع عين بعين‬
‫ن المقصود بالدّين هو الماصدق الخارجيّ له ‪ ،‬إذ المعاني الكّليّة القائمة‬
‫تقديرا ‪ .‬وقد يوضّحه أ ّ‬
‫بالذّمّة ‪ ،‬كمائة ثوب أو دينار ‪ ،‬ل تعني لذاتها ‪ -‬وكذا ل يبعد عنهم الرّأي القائل بأنّها بيع‬
‫عين بدين ‪ -‬وهذا قد يقرب من مذهب الحنفيّة إذا كانت الحوالة مقيّدةً على ما قرّره‬
‫الزّاهديّ ‪ ،‬إذ المقصود عندهم بالمبيع عينه ‪ ،‬لتعلّق الحاجة بمنفعتها الذّاتيّة ‪ ،‬أمّا المقصود‬
‫بالثّمن فماليّته ‪ .‬ولذا يكون للمشتري تسليم مثله مع بقائه ‪ ،‬ولو تلف أو استحقّ ل يبطل‬
‫العقد ‪ ،‬ويسلّم المثل ‪ ،‬نعم في الحوالة المطلّقة الّتي تفرّد بها الحنفيّة ل يتصوّر معنى البيع‬
‫على حال ‪ ،‬وهي بالحمالة ( الكفالة ) أشبه ‪.‬‬
‫ن ابن تيميّة وتلميذه ابن القيّم ل يسلّمان بأنّ الحوالة واردة على خلف القياس‬
‫‪ - 13‬على أ ّ‬
‫ن امتناع بيع الدّين‬
‫وإن كان فيها بيع دين بدين ‪ .‬وفي ذلك يقرّر ابن القيّم في إعلم الموقّعين أ ّ‬
‫بالدّين ليس فيه نصّ عامّ ‪ ،‬ول إجماع ‪ .‬وإنّما ورد النّهي عن بيع الكالئ بالكالئ ‪ ،‬والكالئ‬
‫هو الشّيء المؤخّر الّذي لم يقبض ‪ ،‬كما لو أسلم شيئا في شيء في ال ّذمّة ‪ ،‬وكلهما مؤخّر ‪،‬‬
‫فهذا ل يجوز بالتّفاق ‪ ،‬وهو بيع كالئ بكالئ ‪.‬‬
‫وأمّا بيع الدّين بالدّين فهو على أربعة وجوه ‪ :‬إمّا أن يكون بيع واجب بواجب كالصّورة الّتي‬
‫ذكرنا ‪ ،‬وهو الممنوع ‪ ،‬أو يكون بيع ساقط بساقط " كما في صور المقاصّة " ‪ ،‬أو يكون بيع‬
‫ساقط بواجب " كما لو باعه دينا له في ذمّته ‪ ،‬بدين آخر من غير جنسه " ‪ ،‬فقد سقط الدّين‬
‫المبيع ووجب عوضه ‪ ،‬أو يكون بيع واجب بساقط " كما لو اشترى من مديونه قمحا على‬
‫سبيل السّلم بالدّين الّذي له عليه فقد وجب له عليه دين ‪ ،‬وسقط عنه غيره " ‪.‬‬
‫وقد حكى بعضهم الجماع على امتناع هذا شرعا ‪ ،‬ول إجماع فيه ‪.‬‬
‫ونقل تلميذه ابن القيّم عنه اختيار جوازه ‪ ،‬ثمّ قال ‪ :‬وهو الصّواب ‪ ،‬إذ ل محذور فيه ‪ ،‬وليس‬
‫بيع كالئ بكالئ فيتناوله النّهي بلفظه ‪ ،‬ول في معناه فيتناوله بعموم المعنى ‪ .‬فإنّ المنهيّ عنه‬
‫قد شغلت فيه ال ّذمّتان بغير فائدة ‪ :‬فإنّه لم يتعجّل أحدهما ما يأخذه فينتفع بتعجيله ‪ ،‬وينتفع‬
‫صاحب المؤخّر بربحه ‪ ،‬بل كلهما شغلت ذمّته بغير فائدة ‪.‬‬
‫وأمّا ما عداه من الصّور الثّلث فلكلّ منها غرض صحيح ‪ ،‬ومنفعة مطلوبة ‪ ،‬وذلك ظاهر‬
‫ن ذمّتهما تبرأ من أسرها ‪ ،‬وبراءه ال ّذمّة مطلوب لهما وللشّارع ‪.‬‬
‫ص ‪ :‬فإ ّ‬
‫في مسألة التّقا ّ‬
‫وأمّا في الصّورتين الخرتين ‪ :‬فأحدهما يعجّل براءة ذمّته والخر ينتفع بربحه ‪ ،‬يعني فثمّ‬
‫نفع في مقابلة نفع ‪ ،‬فتجوز ‪ ،‬كما في بيع العين بالدّين سواء اتّحدت ال ّذمّة أم اختلفت ‪.‬‬
‫‪ - 14‬وهناك أقوال أخر أجملها السّيوطيّ في ستّة ‪:‬‬
‫‪ - 1 -‬بيع ‪.‬‬
‫‪ - 2 -‬استيفاء ‪.‬‬
‫‪ - 3 -‬بيع مشتمل على استيفاء ‪.‬‬
‫‪ - 4 -‬استيفاء مشتمل على بيع ‪.‬‬
‫‪ - 5 -‬إسقاط بعوض ‪.‬‬
‫‪ - 6 -‬ضمان بإبراء ‪.‬‬
‫‪ - 15‬والصّحيح عند الحنابلة أنّ الحوالة عقد إرفاق منفرد بنفسه ليس بمحمول على غيره‬
‫وليست الحوالة بيعا ‪ ،‬لنّها لو كانت بيعًا لكانت بيع دين بدين ولمّا جاز التّفرّق قبل القبض ‪،‬‬
‫وليست في معنى البيع لعدم العين فيها ‪ ،‬وهذا موافق للمعتمد عند الحنفيّة ‪ ،‬إذ يقولون ‪" :‬‬
‫الحوالة ما وضعت للتّمليك ‪ ،‬وإنّما وضعت للنّقل " ‪.‬‬
‫أو لقول بعض الشّافعيّة ‪ ،‬كما يفهم من عبارة صاحب المهذّب ‪ :‬إذا أحال بالدّين انتقل الحقّ‬
‫إلى المحال عليه ‪ ،‬وبرئت ذمّة المحيل ‪ ،‬لنّ الحوالة إمّا أن تكون تحويل حقّ ‪ ،‬أو بيع حقّ ‪،‬‬
‫وأيّهما كان وجب أن تبرأ به ذمّة المحيل ‪.‬‬
‫وهو عند المالكيّة صريح كلمهم في تعليل شريطة تساوي الدّينين قدرا وصف ًة ‪ :‬هذا ابن رشد‬
‫الحفيد نفسه ‪ -‬على خلف ما تقدّم له ‪ -‬يعود فيقول ‪ " :‬لنّه إن اختلفا في أحدهما كان بيعا‬
‫ولم يكن حوال ًة " فخرج من باب الرّخصة إلى باب البيع ‪ ،‬وإذا خرج إلى باب البيع دخله‬
‫الدّين بالدّين ‪.‬‬
‫إلّ أن يكون تأويل كلمه ما قاله بعض المالكيّة ‪ " :‬إنّ الحوالة من أصلها مستثناة من بيع‬
‫صحّة كان ذلك هو محلّ الرّخصة‬
‫الدّين بالدّين ‪ ،‬فهو لزم لها ‪ ،‬إلّ أنّه إذا استوفيت شرائط ال ّ‬
‫" وإذن يظلّ المالكيّة ‪ -‬قولً واحدا ‪ -‬مع القائلين بأنّ الحوالة مستثناة من بيع الدّين ‪.‬‬
‫ن أكثرهم على أنّها مستثناة من بيع الدّين بالدّين‪.‬‬
‫ن الخلف ثابت عندهم ‪،‬غير أ ّ‬
‫ولكن الواقع أ ّ‬
‫‪ - 16‬وإليك ما قاله ابن تيميّة ‪ :‬الوجه الثّاني ‪ - :‬يعني ممّا يبيّن أنّ الحوالة على وفق القياس‬
‫ن صاحب الحقّ إذا استوفى من‬
‫‪ -‬أنّ الحوالة من جنس إيفاء الحقّ ‪ ،‬ل من جنس البيع ‪ ،‬فإ ّ‬
‫المدين ماله كان هذا استيفاءً ‪ ،‬فإذا أحاله على غيره كان قد استوفى ذلك الدّين عن الدّين الّذي‬
‫ي صلى ال عليه وسلم الحوالة في معرض الوفاء ‪ ،‬فقال في‬
‫في ذمّة المحيل ‪ ،‬ولهذا ذكر النّب ّ‬
‫الحديث الصّحيح ‪ « :‬مطل الغنيّ ظلم ‪ ،‬وإذا أتبع أحدكم على مليء فليتبع »‬
‫‪ :‬فأمر المدين بالوفاء ‪ ،‬ونهاه عن المطل ‪ ،‬وبيّن أنّه ظالم إذا مطل ‪ ،‬وأمر الغريم بقبول‬
‫الوفاء إذا أحيل على مليء ‪ .‬وهذا كقوله تعالى ‪ { :‬فَا ّتبَاعٌ بِا ْل َمعْرُوفِ وََأدَاء إَِليْ ِه ِبِإحْسَانٍ } ‪.‬‬
‫أمر المستحقّ أن يطالب بالمعروف ‪ ،‬وأمر المدين أن يؤدّي بإحسان ‪.‬‬
‫ووفاء المدين ليس هو البيع الخاصّ ‪ ،‬وإن كان فيه شوب معاوضة ‪.‬‬
‫تقسيم الحوالة وبيان أنواعها ‪:‬‬
‫‪ - 17‬تتنوّع الحوالة عند الحنفيّة ‪ ،‬إلى نوعين أصليّين ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬حوالة مقيّدة ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬وحوالة مطلقة ‪.‬‬
‫ثمّ تتنوّع الحوالة المطلقة ‪ ،‬بدورها ‪ ،‬إلى نوعين فرعيّين ‪:‬‬
‫‪ - 1 -‬حوالة حالّة ‪.‬‬
‫‪ - 2 -‬وحوالة مؤجّلة ‪.‬‬
‫ويمكن أيضا أن تتنوّع الحوالة المقيّدة إلى أنواع فرعيّة ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬حوالة مقيّدة بدين خاصّ ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬حوالة مقيّدة بعين هي أمانة ‪ ،‬كالوديعة ‪.‬‬
‫ج ‪ -‬حوالة مقيّدة بعين مضمونة ‪ ،‬كالمغصوبة ‪ .‬هذا ‪ ،‬وتوجد حالة خاصّة للحوالة ل تخرج‬
‫عن هذين النّوعين ‪ ،‬هي السّفتجة في بعض صورها ‪.‬‬
‫والسّفتجة ورقة تكتب للمقرض في بلد ليستوفي نظير قرضه في بلد آخر اتّقا ًء لخطر الطّريق‬
‫ن صاحب المال سافر بماله إلى البلد الّذي يقصده ‪ ،‬فيلتمس من يحتاج إلى‬
‫المحتمل ‪ ،‬لو أ ّ‬
‫المال هنا وله مال أو دين في البلد الخر ‪ ،‬فيقرضه المال هنا على أن يستوفيه هناك من‬
‫وكيل المقترض ‪ ،‬أو من مدينه في ذاك البلد ‪.‬‬
‫ن بعض صور السّفتجة قرض محض مشروط الوفاء في بلد آخر ‪ ،‬وبعضها يتوافر‬
‫ونظرا ل ّ‬
‫فيها معنى الحوالة ‪ ،‬فقد أفرد لها بحث في آخر موضوع الحوالة ‪.‬‬
‫أوّلً ‪ -‬النّوعان الصليّان للحوالة ‪:‬‬
‫‪ - 18‬قد يقيّد قضاء دين الحوالة بأن يكون من مال المحيل الّذي عند المحال عليه أو في ذمّته‬
‫‪ .‬وقد ل يقيّد بذلك ‪.‬‬
‫ففي الحالة الولى ‪ ،‬تكون الحوالة مقيّدةً ‪ ،‬وفي الحالة الثّانية ‪ ،‬تكون حوالةً مطلق ًة ‪.‬‬
‫وفي الحوالة المطلقة قد ل يكون للمحيل عند المحال عليه عين ‪ -‬بغصب أو إيداع أو نحوهما‬
‫‪ -‬أو ل يكون له في ذمّته دين بسبب ما ‪ -‬كمعاوضة أو إتلف أو غيرهما ‪ -‬فيقبل الحوالة‬
‫متبرّع لم تتوجّه عليه للمحيل أيّة حقوق ‪.‬‬
‫وقد يكون شيء من ذلك لكن الحوالة أرسلت إرسالً ‪ ،‬ولم تقيّد بشيء من ذلك ‪.‬‬
‫وإذن يمكن تفسير كلّ من الحوالة المطلقة والمقيّدة كما يلي ‪:‬‬
‫‪ - 19‬الحوالة المقيّدة ‪ :‬هي الّتي تقيّد بدين للمحيل على المحال عليه ‪ ،‬أو بعين له عنده ‪،‬‬
‫أمانةً كانت أم مضمونةً ‪ .‬مثال ذلك ‪ :‬أن يقول المدين لخر ‪ :‬أحلت فلنا عليك باللف الّتي‬
‫لي في ذمّتك ‪ ،‬فيقبل المحال عليه ‪ ،‬أو يقول له ‪ :‬أحلت فلنا عليك باللف الّتي له عليّ ‪،‬‬
‫على أن تؤدّيها إليه من الدّنانير الّتي أودعتكها ‪ .‬أو على أن تؤدّيها إليه من الدّنانير الّتي‬
‫اغتصبتها منّي ‪ ،‬فيقبل المحال عليه ‪ ،‬ويجيز المحال في الحوال كلّها ‪.‬‬
‫‪ - 20‬والحوالة المطلقة ‪ :‬هي الّتي لم تقيّد بشيء من ذلك ‪ ،‬ولو كان للمحيل لدى المحال عليه‬
‫شيء تمكن التّأدية منه ‪.‬‬
‫مثال ذلك ‪ :‬أن يرى رجل خير دائنا ومدينه يتشاجران فيقول للدّائن ‪ :‬دينك عليّ ‪ ،‬ول شأن‬
‫لك بهذا وإن لم يكن له عليّ شيء ‪ ،‬فيقبل الدّائن ‪ .‬أو يقول المدين لغاصبه ‪ -‬سواء أكانت‬
‫ي " ولم يقل ‪ :‬على أن‬
‫العين المغصوبة باقي ًة أم تالفةً ‪ -‬أحلت فلنًا عليك باللف الّتي له عل ّ‬
‫تقتضيه ممّا أستحقّه عليك " فيقبل الغاصب ‪ ،‬ويجيز المحال ‪.‬‬
‫ومن المثلة ذات اله ّميّة العلميّة ‪ :‬أنّه إذا باع المدين الرّاهن العين المرهونة دون إذن من‬
‫ل أن يجيز هذا البيع‬
‫المرتهن ‪ ،‬فإنّ هذا البيع ل يسلب حقّ المرتهن في حبس المرهون إ ّ‬
‫فيكون عندئذ قد تنازل عن حقّه في حبسه بمقتضى الرّهن ‪ ،‬أمّا إذا تمسّك المرتهن بحقّه ولم‬
‫يجز البيع ‪ ،‬فإنّ المشتري يتخيّر بين أن يصبر حتّى يفكّ الرّهن ‪ ،‬أو يرفع المر إلى القاضي‬
‫ليفسخ له البيع ‪ ،‬بسبب العجز عن التّسليم ‪.‬‬
‫ن خير وسيلة لحلّ المشكلة أن ينقل‬
‫فإذا آثر النتظار فقد يطول أمده وحينئذ ربّما بدا له أ ّ‬
‫ك الرّهن بقضاء الدّين عن الرّاهن ويتسلّم المبيع‬
‫الدّين على نفسه بطريق الحوالة ‪ ،‬ثمّ يف ّ‬
‫المرهون ‪ ،‬وبعد ذلك يرجع على الرّاهن بما دفع عن ذمّته إلى المرتهن ‪.‬‬
‫ثانيا ‪ -‬النواع الفرعيّة للحوالة ‪:‬‬
‫أنواع الحوالة المقيّدة ‪:‬‬
‫‪ - 21‬تبيّن ممّا سلف في الحوالة المقيّدة ‪ ،‬أنّها عند الحنفيّة ‪ -‬بالتّفصيل ‪ -‬أنواع ثلثة ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬حوالة مقيّدة بدين خاصّ ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬حوالة مقيّدة بعين هي أمانة ‪ :‬كالعاريّة الوديعة والعين الموهوبة ‪ -‬إذا تراضيا على‬
‫ردّها ‪ ،‬أو قضى القاضي به ‪ -‬أو المأجور بعد انقضاء مدّة الجارة ‪.‬‬
‫ج ‪ -‬حوالة مقيّدة بعين مضمونة ‪.‬‬
‫والعين المضمونة عند الطلق ‪ -‬كما هنا ‪ -‬إنّما تنصرف إلى المضمونة بنفسها ‪ ،‬أي الّتي‬
‫إذا هلكت وجب مثلها ‪ ،‬إن كانت مثليّةً ‪ ،‬وقيمتها إن كانت قيميّةً ‪ -‬كالمغصوب ‪ ،‬وبدل الخلع‬
‫‪ ،‬والمهر ‪ ،‬وبدل الصّلح عن دم العمد ‪ ،‬والمبيع بيعا فاسدا ‪ ،‬والمقبوض على سوم الشّراء‬
‫" والعين المضمونة بنفسها هذه ملحقة بالدّيون فتكفل " ‪.‬‬
‫أمّا العين المضمونة بغيرها ‪ ،‬فإنّها ل يجري ضمانها على قواعد الضّمان العامّة ‪ ،‬بل يكون‬
‫ص ‪ :‬وذلك كالمبيع في يد البائع ‪ -‬ولو بعد امتناعه من تسليمه إلى المشتري ‪،‬‬
‫لها ضمان خا ّ‬
‫إذ ل يصير بذلك غاصبا ‪ -‬وكالرّهن في يد المرتهن ‪ ،‬فإنّه إذا هلك غير مضمون بمثل ول‬
‫قيمة ‪ ،‬لكن هلك المبيع في يد البائع يسقط الثّمن عن المشتري ‪ ،‬وبهلك الرّهن يسقط ما‬
‫يقابله من الدّين عن الرّاهن ‪ .‬وما زاد من قيمته على الدّين يهلك عند الحنفيّة على حكم‬
‫المانة ‪ ،‬ولذا سمّي مضمونا بغيره ‪.‬‬
‫أنواع الحوالة المطلقة ‪:‬‬
‫‪ - 22‬الحوالة المطلقة نوعان ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬حوالة حالّة ‪:‬‬
‫‪ - 23‬وهي حوالة الطّالب بدين حالّ على المحيل ‪ :‬إذ يكون الدّين حالّا كذلك على المحال‬
‫ن الكفيل‬
‫ن الدّين يتحوّل في الحوالة ‪ ،‬بالصّفة الّتي كان عليها لدى المحيل ‪ ،‬كما أ ّ‬
‫عليه ‪ .‬ل ّ‬
‫يتحمّل ما على الصيل ‪ ،‬بأيّ صفة كان ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬حوالة مؤجّلة ‪:‬‬
‫‪ - 24‬وهي حوالة اشترط فيها أجل معيّن ‪ ،‬أو كانت بدين مؤجّل على المحيل ‪ ،‬أو المحال‬
‫عليه وإن لم يصرّح فيها بالجل كشرط ‪ .‬إذ يكون المال على المحال عليه ‪ ،‬إلى ذلك الجل‬
‫ن الفرض في حالة الشّرط ‪ ،‬أو العلم بالتّأجيل على‬
‫السّابق ‪ ،‬أو الّذي استحدث بالشّرط ‪ ،‬ل ّ‬
‫المحال عليه أنّ الحوالة كذلك قبلت ‪ .‬وفي حالة سبق الجل في جانب المحيل إنّما يتحوّل‬
‫الدّين بالوصف الّذي كان عليه ‪ ،‬اعتبارا بالكفالة ‪.‬‬
‫على أنّهما قد تفترقان في بعض جوانب الجل ‪ :‬ففي الكفالة ‪ ،‬إذا أجّل الطّالب الدّين ‪ ،‬ولم‬
‫يضف الجل إلى الكفيل ‪ ،‬يصير الجل مشروطا للصيل ‪ -‬حتّى لو مات الكفيل ‪ ،‬يبقى‬
‫الدّين على الصيل مؤجّلًا ‪ .‬ولو وقع ذلك في الحوالة ‪ ،‬ولم يضف الجل إلى المحال عليه ‪-‬‬
‫وبالولى إذا أضافه ‪ -‬ل يصير الجل مشروطا في حقّ الصيل ‪ -‬فلو مات المحال عليه‬
‫مفلسًا عاد الدّين على الصيل حالّا ‪.‬‬
‫ثمّ تغتفر في الجل الجهالة اليسيرة ‪ .‬فقد نصّوا على أنّه لو قبل الحوالة إلى الحصاد ‪ ،‬ل‬
‫يجبر على الداء قبله ‪ .‬وسواء هنا في لزوم التّأجيل دين القرض وغيره ‪ -‬وإن كان الصل‬
‫في دين القرض عدم لزوم التّأجيل فيه ‪ ،‬إذ المقرض متبرّع ‪ ،‬فل يجبر على عدم المطالبة ‪-‬‬
‫فقد جاء في الكافي للحاكم الشّهيد ما خلصته ‪ :‬رجل مدين بألف قرضا ‪ ،‬ودائن بمثلها ‪ ،‬له‬
‫أن يحيل دائنه على مدينه إلى أجل معيّن كسنة ‪ .‬ثمّ ليس له بعد ذلك ‪ ،‬أن يأخذ مدينه بدينه ‪،‬‬
‫أو أن يبرّئه منه ‪ ،‬أو يهبه له ‪.‬‬
‫ن حقّ الطّالب تعلّق بالمال المحال‬
‫ومن جملة ما علّله به شارحه السّرخسيّ في مبسوطه ‪ :‬إ ّ‬
‫ل بطل حقّ الطّالب ‪ :‬لنّ‬
‫به ‪ ،‬وذلك يوجب الحجر على المحيل عن التّصرّف فيه ‪ ،‬وإ ّ‬
‫المحال عليه ما التزم الحوالة مطلقةً ‪ ،‬وإنّما مقيّد ًة بذلك المال ‪ ،‬فإذا سقط لم تبق عليه مطالبة‬
‫بشيء ‪ .‬أل ترى أنّ الحوالة لو كانت مقيّدةً بوديعة ‪ ،‬فهلكت تلك الوديعة ‪ ،‬بطلت الحوالة ‪.‬‬
‫ولذا نقل عنه في جامع الفصولين ‪ :‬إنّ الحيلة في تأجيل القرض أن يحال به الدّائن على ثالث‬
‫ل يطالب المحيل ‪ ،‬لنّ‬
‫‪ ،‬فيؤجّل ذلك الثّالث مدّةً معلومةً ‪ .‬إذ هذا صحيح ‪ ،‬ومن لوازمه أ ّ‬
‫الحوالة مبرّئة من مطالبته ‪ ،‬ول المحال عليه قبل حلول أجله بسبب ما ‪ ،‬ولو بموته أو‬
‫إسقاطه ‪.‬‬
‫ثالثا ‪ :‬أقسام الحوالة عند جمهور الفقهاء ‪:‬‬
‫‪ - 25‬ل يوجد عند الجمهور هذا التّنويع للحوالة إلى مطلقة ومقيّدة ‪ .‬وإن كان من الجائز ‪-‬‬
‫على المرجوح عند المالكيّة والشّافعيّة ‪ -‬حوالة على غير مدين ‪ -‬بشرط رضاه ‪ -‬تترتّب‬
‫عليها أحكامها عندهم وفي مقدّمتها سقوط دين المحيل وبراءة ذمّته " بصورة نهائيّة غير‬
‫موقوتة " ‪ ،‬فيصدق عليها أنّها حوالة مطلقة ‪ ،‬وإن لم يسمّوها هم بهذا السم ‪.‬‬
‫على أنّ ابن الماجشون ‪ -‬وهو صاحب هذا القول المرجوح عند المالكيّة ‪ -‬قد اشترط أن تقع‬
‫الحوالة بلفظها وإلّ فهي حمالة ‪ ،‬أي ضمان ( كفالة ) ‪.‬‬
‫ن هذا من قبيل الضّمان ‪ ،‬وليس من الحوالة في‬
‫والّذي رجّحه المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة ‪ ،‬أ ّ‬
‫شيء ‪ ،‬ولو استعمل لفظها ‪.‬‬
‫ويفرّع المالكيّة على هذا الّذي رجّحوه قائلين ‪ :‬لو أعدم ‪ -‬أي أفلس ‪ -‬المحال عليه لرجع‬
‫المحال على المحيل ‪ -‬إلّ أن يعلم المحال أنّه ل شيء للمحيل على المحال عليه ‪ -‬ويشترط‬
‫المحيل براءته من الدّين ‪ ،‬فل رجوع له عليه ‪.‬‬
‫وليس العدام ‪ ،‬أي الفقر ‪ ،‬شريطةً حتميّ ًة عندهم ليثبت حقّ الرّجوع ‪ ،‬بل مثله الموت وكلّ‬
‫ق من المحال عليه ‪ ،‬كامتناع ذي سطوة ‪ .‬وهذه طريقة أشهب ‪،‬‬
‫سبب يتعذّر به استيفاء الح ّ‬
‫وعليها تعويلهم في هذا الحكم خلفا لبن القاسم ‪ ،‬فإنّه يرى عدم الرّجوع مطلقا ‪.‬‬
‫الحوالة على عين ‪:‬‬
‫‪ - 26‬والحوالة على عين ‪ -‬أيّا كان نوع العين ‪ -‬ل تعرف عند جمهور الفقهاء ‪ .‬إذ هم‬
‫جميعًا شارطون في المال المحال عليه أن يكون دينا ‪.‬‬
‫كما أطبق الحنفيّة وغيرهم على هذه الشّريطة في جانب المال المحال به ‪.‬‬
‫على أنّ التّحقيق عند الحنفيّة أنفسهم يردّهم إلى وفاق الخرين ‪ .‬فقد قال السّرخسيّ ‪ :‬حقيقة‬
‫الحوالة هي المطلقة ‪ ،‬فأمّا المقيّدة من وجه فتوكيل بالداء والقبض ‪.‬‬
‫حلول الحوالة وتأجيلها ‪:‬‬
‫‪ - 27‬فيما يتعلّق بحلول الحوالة وتأجيلها عند جمهور الفقهاء سيأتي بيانه ‪.‬‬
‫أركان الحوالة وشروطها ‪:‬‬
‫‪ - 28‬ذهب الفقهاء إلى أنّه ل بدّ لوجود الحوالة من التي ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬الصّيغة ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬المحيل ‪.‬‬
‫ج ‪ -‬المحال ‪.‬‬
‫د ‪ -‬المحال عليه ‪.‬‬
‫هس ‪ -‬المحال به " دين المحال على المحيل " ‪.‬‬
‫كما ذهب جمهور الفقهاء المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة ‪ :‬إلى أنّه ل بدّ لوجود الحوالة من وجود‬
‫دين للمحيل على المحال عليه في الجملة ‪.‬‬
‫ولم يعتبر الحنفيّة لوجود الحوالة وجود هذا الدّين ‪.‬‬
‫ولكن الفقهاء اختلفوا في اعتبار ما سبق أركانًا فذهب الجمهور إلى اعتبارها كلّها أركانا ‪.‬‬
‫وذهب الحنفيّة إلى اعتبار الصّيغة وحدها ركنا ‪ ،‬أمّا المحيل والمحال والمحال عليه فهم‬
‫أطراف الحوالة ‪ .‬والمحال به هو محلّها ‪.‬‬
‫المراد بالصّيغة ‪:‬‬
‫‪ - 29‬الصّيغة تتألّف في الجملة من إيجاب وقبول ‪.‬‬
‫المراد باليجاب عند الجمهور ‪ :‬كلّ ما يدلّ على النّقل والتّحويل كأحلتك ‪ ،‬وأتبعتك ‪،‬‬
‫ل ما يدلّ على الرّضا بهذا النّقل والتّحويل ‪ ،‬نحو رضيت ‪ ،‬وقبلت ‪ ،‬وفعلت ‪.‬‬
‫وبالقبول ‪ :‬ك ّ‬
‫ح من خلف فقهيّ عامّ ‪،‬‬
‫ومن القبول ‪ :‬أحلني ‪ ،‬أو لتحلني ( فاللّام المر ) ‪ ،‬على الص ّ‬
‫لدللته على الرّضا ‪ ،‬ويغني عن إعادته مرّةً أخرى بعد اليجاب ‪.‬‬
‫واليجاب عند الحنفيّة ‪ :‬هو قول الطّرف البادئ بالعقد ‪ ،‬والقبول هو القول المتمّم له من‬
‫ل ما يدلّ دللتها ‪،‬‬
‫الطّرف الخر بأيّة ألفاظ تدلّ على معنى الحوالة ‪ .‬ويقوم مقام اللفاظ ك ّ‬
‫كالكتابة ‪ ،‬وإشارة الخرس المفهمة ‪ ،‬ولو كان الخرس قادرا على الكتابة فيما اعتمدوه ‪.‬‬
‫ل واحد منهما ‪ :‬قبلت ‪ ،‬أو رضيت ‪ ،‬أو نحو ذلك ممّا يدلّ على الرّضا ‪.‬‬
‫فاليجاب أن يقول ك ّ‬
‫ويكفي عند الحنفيّة أن يجري اليجاب والقبول بين اثنين فحسب أيّا كانا من الطراف الثّلثة‬
‫لتنعقد الحوالة ‪ ،‬لكنّها عندئذ قد تنعقد ناجزةً أو موقوفةً على رضا الثّالث بحسب كون الثّالث‬
‫أيّ الثّلثة هو ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬فإن جرى اليجاب والقبول بين المحال والمحال عليه وكان الثّالث هو المحيل ‪ ،‬انعقدت‬
‫الحوالة ناجزةً دون توقّف على إجازته ‪ ،‬بنا ًء على رواية الزّيادات وهي الصّحيحة ‪ ،‬وخلفا‬
‫لرواية القدوريّ الّتي اشترطت رضاه ‪ ،‬ولو خارج مجلس العقد ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬وإن كان الثّالث هو المحال عليه انعقدت موقوف ًة على إجازته ولو خارج مجلس العقد ‪.‬‬
‫ج ‪ -‬وإن كان الثّالث هو المحال ‪ ،‬انعقدت موقوف ًة أيضًا على إجازته ولو خارج مجلس‬
‫العقد ‪ ،‬أخذًا بمذهب أبي يوسف الّذي اعتمدته المجلّة ( م ‪ ) 683 /‬تيسيرا على النّاس في‬
‫معاملتهم ‪ ،‬وإن شرط أبو حنيفة ومحمّد قبوله في مجلس العقد ‪ ،‬واعتبره شيوخ الحنفيّة‬
‫المصحّح في المذهب ‪.‬‬
‫تغيّر الحوالة بألفاظ معيّنة ‪:‬‬
‫‪ - 30‬ذهب الحنفيّة والشّافعيّة والحنابلة وأكثر المالكيّة إلى أنّه ل تقيّد بألفاظ معيّنة في عقد‬
‫الحوالة ‪ ،‬شأنها في ذلك كسائر العقود ‪ ،‬إذ العبرة في العقود بالمعاني ل باللفاظ ‪.‬‬
‫ل يبرأ كفالة فيتبع‬
‫ن الكفالة بشرط أن يبرأ الصيل ‪ ،‬حوالة ‪ ،‬والحوالة بشرط أ ّ‬
‫ولذا قالوا ‪ :‬إ ّ‬
‫المعنى جريان أحكام الحوالة أو الكفالة ‪ ،‬كما نصّ عليه في البحر ‪.‬‬
‫فإذا اختلفت الطراف المعنيّة ول بيّنة ‪ :‬أهي كفالة بشرط براءة الصيل ‪ -‬أي حوالة معنىً‬
‫ن الصل بقاء حقّه في مطالبة‬
‫‪ -‬أم بدون شرط البراءة ؟ فالمصدّق هو الدّائن الطّالب ‪ ،‬ل ّ‬
‫ل ما يفيد معناها ‪ ،‬كنقلت حقّك إلى فلن ‪،‬‬
‫الصيل ‪ ،‬فل ينتقل إلّ بإقراره ‪ .‬فتنعقد عندهم بك ّ‬
‫ي ‪ ،‬أو ملّكتك الدّين الّذي عليه بحقّك عليّ ‪ ،‬أو‬
‫أو جعلت ما أستحقّه على فلن لك بحقّك عل ّ‬
‫أتبعتك ديناك على فلن ‪ ،‬أو اقبض ديني عليه لنفسك ‪ ،‬أو خذ ‪ -‬أو اطلب ‪ -‬دينك منه ‪.‬‬
‫وذهب بعض المالكيّة إلى أنّه يشترط في الصّيغة لفظ الحوالة ‪ ،‬واعتمده خليل في مختصره ‪،‬‬
‫واشترط لفظه الحوالة دون بديل ‪ ،‬وهو الّذي جرى عليه أبو الحسن من أئمّة المالكيّة ‪.‬‬
‫‪ - 31‬ول تنعقد الحوالة عند الشّافعيّة بلفظ البيع مراعاةً للّفظ ‪ ،‬وقيل ‪ :‬تنعقد مراعا ًة للمعنى ‪،‬‬
‫كالبيع بلفظ السّلم ‪.‬‬
‫والمالكيّة يتوسّعون ما ل يتوسّع غيرهم ‪ ،‬وهم بصدد صيغة الحوالة فيقولون ‪ :‬إنّها تحصل‬
‫( ولو بإشارة أو كتابة ) ويطلقون ذلك إطلقا يتناول القادر ‪ -‬على النّطق ‪ -‬والعاجز ‪ ،‬ثمّ‬
‫يعقّبون بمقابل ضعيف عندهم ‪ -‬وإن اعتمده بعض متأخّريهم ‪ -‬قائلين ‪ :‬وقيل ‪ :‬ل تكفي‬
‫الشارة والكتابة إلّ من الخرس ‪.‬‬
‫الصّيغة ‪:‬‬
‫‪ - 32‬الصّيغة تدلّ على التّراضي ويتناول بحث التّراضي العناصر الثّلثة التّالية ‪:‬‬
‫‪ - 1‬رضا المحيل ‪.‬‬
‫‪ - 2‬رضا المحال ‪.‬‬
‫‪ - 3‬رضا المحال عليه ‪.‬‬
‫ن رضا المحال والمحال عليه مختلف في اعتبارهما من شرائط النعقاد أو من‬
‫ويلحظ أ ّ‬
‫شرائط النّفاذ ‪.‬‬
‫أوّلً ‪ :‬رضا المحيل ‪:‬‬
‫‪ - 33‬ذهب المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة إلى اشتراط رضا المحيل ‪ ،‬وعلّلوه بأنّه مخيّر في‬
‫جهات قضاء الدّين ‪ ،‬فل تتعيّن عليه جهة قهرا ‪ ،‬كجهة الدّين الّذي له على المحال عليه ‪34 .‬‬
‫‪ -‬واشترط الحنفيّة أن تقع الحوالة عن رضا من المحيل لنّها إبراء فيه معنى التّمليك ‪،‬‬
‫فيفسدها الكراه كسائر التّمليكات ‪.‬‬
‫وفي اشتراط رضاه اختلف بين روايتي القدوريّ والزّيادات ‪ :‬ووجه رواية القدوريّ الموجبة‬
‫ن ذوي المروءات قد يأنفون من أن يحمل عنهم أحد شيئا من ديونهم ‪ ،‬فل بدّ من‬
‫‪:‬أّ‬
‫رضاهم ‪ ،‬ثمّ يطّرد الباب كلّه على وتيرة واحدة ‪ .‬ووجه الرّواية الصّحيحة النّافية ‪ :‬أنّ التزام‬
‫الدّين من المحال عليه تصرّف في حقّ نفسه ‪ ،‬والمحيل ل يلحقه به ضرر ‪ ،‬بل فيه نفعه‬
‫ل فلنّ المحال‬
‫عاجلً وآجلً ‪ :‬أمّا عاجلً فلنّه سيكفي المطالبة بدينه في الحال ‪ ،‬وأمّا آج ً‬
‫عليه ل يرجع عليه إن لم يكن بأمره قد قبل حوالة دينه ‪ ،‬فلم يبق معنىً لشتراط رضاه ‪.‬‬
‫لكن كثيرا من محقّقي المذهب ل يرون أنّ هناك في الحقيقة خلفا ‪ :‬فإنّ القدوريّ لم يوجب‬
‫رضا المحيل لنفاذ عقد الحوالة ‪ ،‬بل ليسقط بالوفاء دين المحيل في ذمّة المحال عليه ‪ -‬إن‬
‫كان ‪ -‬وليرجع هذا إلى المحيل بما أدّى عنه إن لم يكن مدينا له ‪ .‬فإنّه ل رجوع على المحيل‬
‫ول سقوط لدينه ما لم يرض ‪.‬‬
‫ثانيا ‪ :‬رضا المحال ‪:‬‬
‫‪ - 35‬ذهب الحنفيّة والمالكيّة والشّافعيّة إلى وجوب رضا المحال للمعنى نفسه النف في رضا‬
‫المحيل ‪ ،‬ولنّ الدّين حقّه ‪ ،‬فل ينتقل من ذمّة إلى ذمّة إلّ برضاه ‪ ،‬إذ الذّمم تتفاوت يسارا‬
‫وإعسارا ‪ ،‬وبذلً ومطلً ‪ ،‬وتتأثّر بذلك قيمة الدّين نفسه ‪ ،‬ول سبيل إلى إلزامه بتحمّل ضرر‬
‫لم يلتزمه ‪.‬‬
‫واشترط أبو حنيفة ومحمّد أن يكون هذا الرّضا في مجلس العقد ‪ ،‬حتّى إذا كان غائبا عن‬
‫المجلس ثمّ بلغه خبر الحوالة فأجازها ‪ ،‬لم تنفذ الحوالة ‪ ،‬لنّها لم تنعقد أصلً إذ أنّ رضا‬
‫المحال عندهما ركن في انعقادها ‪ .‬أمّا عند أبي يوسف فيكتفى منه بمجرّد الرّضا ‪ ،‬أينما كان‬
‫ولو خارج مجلس العقد ‪ ،‬فيكون شريطة نفاذ ‪.‬‬
‫وأمّا الحنابلة فل يوجبون رضا المحال ‪ ،‬إلّ على احتمال ضعيف عندهم ‪ .‬بل يجبر المحال‬
‫على القبول ‪ ،‬إذا كان المحال عليه مليئا غير جاحد ول مماطل ‪.‬‬
‫وقال بعض الحنابلة ‪ :‬يستغنى بتاتا عن قبول المحال ‪ ،‬فإن قبل فذاك ‪ ،‬وإن لم يقبل فل بأس ‪،‬‬
‫والحوالة نافذة برغمه ‪.‬‬
‫قال صاحب النصاف ‪ :‬في رواية عن المام أحمد ‪ :‬ل يبرأ المحيل إلّ برضا المحال ‪.‬‬
‫فإن أبى أجبره الحاكم ‪ ،‬لكن تنقطع المطالبة بمجرّد الحوالة ‪ .‬وقيل ‪ :‬يتوجّه أنّ للمحال‬
‫مطالبة المحيل قبل إجبار الحاكم ‪ .‬ومبنى الرّوايتين ‪ :‬أنّ الحوالة هل هي نقل للحقّ أو تقبيض‬
‫؟ فإن قلنا ‪ :‬هي نقل للحقّ ‪ ،‬لم يعتبر لها قبول ‪ .‬وإن قلنا ‪ :‬هي تقبيض ‪ ،‬فل بدّ من القبض‬
‫بالقول ‪ ،‬وهو قبولها ‪ .‬فيجبر عليه المحال ‪ .‬ا هس ‪.‬‬
‫واستدلّ الحنابلة بظاهر حديث أبي هريرة عند الجماعة ‪ :‬قال صلى ال عليه وسلم ‪ « :‬مطل‬
‫الغنيّ ظلم ‪ ،‬وإذا أتبع أحدكم على مليء فليتبع » ‪ .‬ويفسّره لفظ أحمد وابن أبي شيبة ‪ « :‬ومن‬
‫أحيل على مليء فليحتل » ‪ .‬فقد أمر صلوات ال عليه الدّائن بقبول الحوالة أو اللتزام‬
‫بمقتضاها ‪ ،‬والمر بأصل وضعه للوجوب ‪ ،‬وليس هنا ما يصرفه عن هذا الصل ‪.‬‬
‫كما استدلّوا بالمعقول ‪ :‬فإنّ الدّائن الّذي يهيّئ له مدينه مثل دينه عدّا ونقدا من يد أخرى فيأبى‬
‫ل متعنّتا معاندا ‪.‬‬
‫أن يأخذه ‪ ،‬ويصرّ على أن ينقده إيّاه مدينه بالذّات ‪ ،‬ل يكون إ ّ‬
‫ثالثا ‪ :‬رضا المحال عليه ‪:‬‬
‫ح إلى‬
‫‪ - 36‬ذهب جمهور الفقهاء الحنابلة والمالكيّة في المشهور عندهم والشّافعيّة في الص ّ‬
‫أنّه ل يشترط رضا المحال عليه لقول الرّسول صلى ال عليه وسلم « من أحيل على مليء‬
‫فليتبع » ولم يقل على مليء راض ‪.‬‬
‫ن الحقّ للمحيل فله أن يستوفيه بغيره كما لو وكّل غيره بالستيفاء ‪.‬‬
‫ول ّ‬
‫وذهب الحنفيّة في المشهور عندهم إلى اشتراط رضا المحال عليه سواء أكان مدينا أم ل ‪،‬‬
‫ن النّاس يتفاوتون في تقاضي ديونهم رفقا وعنفا ‪ ،‬ويسرا‬
‫وسواء أتساوى الدّينان أم ل ‪ ،‬ل ّ‬
‫وعسرا ‪ ،‬فل يلزم من ذلك بما لم يلتزمه ‪.‬‬
‫ن المحال عليه مثله في أنّه طرف في الحوالة ل تمام لها بدونه فليكن‬
‫وقياسا على المحال فإ ّ‬
‫مثله في اشتراط رضاه ‪.‬‬
‫ن المقصود بالحوالة وكالة ‪:‬‬
‫اختلف المتعاقدين في أ ّ‬
‫‪ - 37‬قد يختلف المحيل والمحال في حقيقة العقد الواقع بينهما ‪ :‬هل كان حوالةً أو وكالةً عن‬
‫المحيل بقبض الدّين من المحال عليه ‪.‬‬
‫‪ - 38‬وفي هذه المسألة عند الحنفيّة احتمالن ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬إمّا أن يختلفا في اللّفظ المستعمل بينهما نفسه ‪ :‬هل كان لفظ الحوالة أو الوكالة ؟‬
‫ب ‪ -‬وإمّا أن يتّفقا على أنّ اللّفظ المستعمل بينهما كان لفظ الحوالة ولكن المحيل يقول ‪ :‬إنّه‬
‫ن المقصود بالحوالة‬
‫إنّما أراد بذلك وكال ًة بقبض دين له على الثّالث ‪ ،‬أمّا المحال فيدّعي أ ّ‬
‫معناها الظّاهر المتبادر الحقيقيّ وليس الوكالة ‪.‬‬
‫ن القول للمحيل في عدم الحوالة لنّها عقد ملزم ‪ ،‬فل‬
‫ففي الحالة الولى ‪ :‬يكون من الواضح أ ّ‬
‫ل ببيّنة ‪ ،‬إذ الصل عدمه وعلى مدّعيه إثباته ‪.‬‬
‫يثبت عليه إ ّ‬
‫وفي الحالة الثّانية ‪ :‬يقبل في القضاء زعم المحيل بيمينه أنّه إنّما أراد الوكالة ‪ ،‬لنّ لفظ‬
‫الحوالة صالح لمعنى الوكالة أيضًا بطريق المجاز ومستعمل بمعناها في العرف الفقهيّ ‪ ،‬كما‬
‫وقع في كلم محمّد بن الحسن وغيره ‪ ،‬ول سيّما أنّ الصل عدم الحوالة وبقاء حقّ المحيل‬
‫دينا ‪ ،‬فإذا أنكر المحيل ول بيّنة ‪ ،‬لم يكن عليه إلّ اليمين ‪ ،‬لنصّ الحديث المشهور ‪ « :‬البيّنة‬
‫على المدّعي واليمين على من أنكر » ‪ .‬ول يكون استعمال لفظ الحوالة بمثابة إقرار من‬
‫المحيل بدين عليه للمحال ما دام لفظها صالحا لمعنى الوكالة ‪.‬‬
‫وبهذا الصل يتمسّك لقول محمّد ‪ -‬في رواية ابن سماعة ‪ -‬أنّ للمحيل أن يقبض المال في‬
‫غيبة المحال ‪ ،‬وأن ينهى عن دفعه إليه بدعوى أنّه حين أحاله إنّما أراد توكيله ‪.‬‬
‫وإن كان الّذي رواه بشر ‪ -‬واعتمدوه ويعزى إلى أبي يوسف ‪ -‬خلف ذلك ‪ ،‬بناءً على أنّ‬
‫تصديقه في دعواه هذه هو من قبيل القضاء على الغائب ‪.‬‬
‫نعم إذا كان في صيغة التّعاقل نفسها ‪ -‬وراء ظاهر اللّفظ ‪ -‬ما يكذّب هذا الدّعاء ‪ ،‬فل سبيل‬
‫إلى قبوله ‪ ،‬ولذا ينصّون على أنّه إذا وقعت الحوالة بصيغة ‪ :‬اضمن عنّي كذا من المال لفلن‬
‫ن الصّيغة ل تحتملها ‪.‬‬
‫‪ ،‬كانت دعوى الوكالة كذبا مرفوضا ‪ ،‬ل ّ‬
‫ن قبول قول المحيل بأنّ الحوالة كان المقصود بها‬
‫‪ - 39‬وقد ذهب بعض الحنفيّة إلى أ ّ‬
‫ن كلمة الحوالة مستعملة في الوكالة ‪ ،‬فل يكون إقرارا بدين المحال ‪ ،‬ل‬
‫وكالةً ‪ ،‬وتعليله بأ ّ‬
‫ن كلمة الحوالة مستعملة في المعنيين " معنى الحوالة ‪ ،‬ومعنى الوكالة "‬
‫ل بناءً على أ ّ‬
‫يستقيم إ ّ‬
‫على سواء ‪ ،‬لتكون من قبيل اللّفظ المشترك ‪ ،‬ول يكفي أن يكون استعمالها في الوكالة من‬
‫ن الحقيقة مقدّمة على المجاز عند المام ‪،‬‬
‫ل عند الصّاحبين ‪ -‬ل ّ‬
‫قبيل المجاز المتعارف ‪ -‬إ ّ‬
‫ن ما على‬
‫ولذا تكلّف شمس الئمّة السّرخسيّ فحمل المسألة على ‪ :‬ما إذا ادّعى المحال أ ّ‬
‫ن المحيل كان وكيلً عنه في بيعه ‪.‬‬
‫المحال عليه ليس إلّ ثمن مال له هو ‪ ،‬وأ ّ‬
‫ن أصل المنازعة وقع‬
‫فالدّين دينه هو ‪ ،‬وقد وصل إليه حقّه ‪ .‬وإذن يكون القول للمحيل ‪ ،‬ل ّ‬
‫بينهما في ملك ذلك المال ‪ ،‬واليد كانت للمحيل فالظّاهر أنّه له ‪.‬‬
‫وعلّق عليه الكمال بن الهمام بقوله ‪ " :‬ظاهره تخصيص المسألة بنحو هذه الصّورة " ‪ ،‬وليس‬
‫كذلك بل جواب المسألة مطلق في سائر المّهات ‪ ،‬والحقّ أن ل حاجة إلى ذلك بعد تجويز‬
‫ن ثبوت الدّين على النسان ل يمكن‬
‫كون اللّفظ ‪ " :‬أحلتك بألف " يراد به ألف للمحيل ‪ ،‬ل ّ‬
‫بمثل هذه الدّللة ‪ ،‬بل ل بدّ من القطع بها من جهة اللّفظ أو دللته ‪ ،‬مثل ‪ :‬له عليّ أو في‬
‫ل بمثله من اللّفظ ‪،‬‬
‫ذمّتي ‪ ،‬لنّ فراغ ال ّذمّة كان ثابتًا بيقين فل يلزم فيه ضرر شغل ذمّته إ ّ‬
‫ومنه قوله ‪ :‬اتّزنها ‪ ،‬في جواب ‪ :‬لي عليك ألف " للتّيقّن بعود الضّمير في اتّزنها على اللف‬
‫المدّعاة بخلف مجرّد ( قوله ‪ :‬أحلتك ) ‪.‬‬
‫‪ - 40‬ويترتّب على ذلك ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬أنّه إذا كان المحال قد قبض بالفعل دين الحوالة ‪ ،‬الّتي أنكر المحيل حقيقتها ‪ ،‬بدعوى أنّها‬
‫وكالة ‪ ،‬فإنّه يؤمر بردّ ما قبضه إلى المحيل ‪ ،‬إذ قد سقط ‪ -‬بسقوط دعواه ‪ -‬حقّه فيه ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬إذا كان المحيل صادقا في دعواه ‪ -‬وليس كاذبًا يريد الحيلة ‪ -‬فإنّ الحوالة ل يكون قد‬
‫طرأ عليها أيّ تغيير ‪ ،‬إلّ بحسب ظاهر الحال ‪ ،‬وهي إذن لم تنعقد من الصل حوالةً‬
‫حقيقيّ ًة ‪ ،‬بل وكالة ‪.‬‬
‫‪ - 41‬رأي غير الحنفيّة ‪ :‬الّذي قرّره الحنفيّة في هذه الحالة ‪ ،‬هو قول المزنيّ عند الشّافعيّة ‪،‬‬
‫وقد اعتمدوه ‪ ،‬لنّ الصل بقاء الدّين في محلّه ‪ ،‬ولكن أبا العبّاس بن سريج منهم ينازع فيه ‪،‬‬
‫وعنده أنّ مدّعي الحوالة هو الّذي يصدّق بيمينه ‪ ،‬لنّ استعمال صيغة الحوالة بلفظها يؤيّده ‪،‬‬
‫فالظّاهر معه ‪ ،‬كما لو تنازع اثنان على ملك دار ‪ ،‬وهي في يد أحدهما ‪ ،‬وسيأتي الفصل في‬
‫الموضوع وفق القواعد المقرّرة ( ر ‪ :‬ف ‪. ) 42 /‬‬
‫وواضح أنّ حكم المسألة يبقى كما هو ‪ ،‬إذا كان النّزاع منصبّا على اللّفظ الّذي استعمل ‪:‬‬
‫أكان لفظ الحوالة أم لفظ الوكالة ‪.‬‬
‫والفرض أن ل بيّنة لحدهما ‪ ،‬وإلّ عمل بها في هذه الصّورة الخيرة لمكانها ‪ ،‬وهذا ممّا‬
‫ن منكر الحوالة هو في معتمدهم الصّدق على كلّ حال‬
‫نصّ عليه الشّافعيّة ‪ ،‬كما نصّوا على أ ّ‬
‫ن الصل معه ‪ -‬ولو كان منكرها وزاعم الوكالة هو المحال نفسه لمر ما ‪ ،‬كما لو تبيّن‬
‫‪-‬لّ‬
‫ن محلّ الخلف إنّما هو فيما إذا كان‬
‫له إفلس المحال عليه ‪ .‬ومن أهمّ ما صرّحوا به أيضا أ ّ‬
‫ل فل يتّجه سوى تصديق المحيل ‪ ،‬وللمحال تحليفه على نفي‬
‫المحيل مقرّا بدين المحال ‪ ،‬وإ ّ‬
‫ل بعد‬
‫دينه ‪ ،‬لنّه ‪ ،‬أي المحيل ‪ ،‬متمسّك عندئذ بنفس الصل الوّل الّذي ل تتحقّق حوالة إ ّ‬
‫تحقّقه وهو كونه مدينا للمحال ‪.‬‬
‫وكما وافق الشّافعيّة ‪ -‬في المعتمد لديهم ‪ -‬الحنفيّة في الصل ‪ ،‬وافقوهم في الستثناء أيضًا‬
‫‪ -‬إذ هو ممّا ل يقبل النّزاع ‪ ،‬فذكروا أنّه إذا كان في صيغة التّعاقد ما يكذّب المحيل ‪ -‬كما‬
‫لو قال ‪ :‬أحلتك بالمائة الّتي لك في ذمّتي على فلن مديني ‪ -‬فالقول قول المحال عندئذ ‪ ،‬لنّ‬
‫هذا ل يحتمل غير الحوالة وكلّ ما قرّره الشّافعيّة ‪ ،‬أصلً واستثناءً ووفاقا وخلفا وترجيحا ‪،‬‬
‫ذكره الحنابلة حذو القذّة بالقذّة ‪.‬‬
‫‪ - 42‬والقولن اللّذان ذكرهما الشّافعيّة يوجدان أيضا عند المالكيّة ‪.‬‬
‫فابن القاسم يرى رأي المزنيّ ‪ ،‬وابن عبد الملك يرى رأي أبي العبّاس ‪ ،‬وإن كان الّذي يوجد‬
‫لكلّ منها إنّما هو نصوص جزئيّة قام أصحابهما بتخريج نظائرها عليها ‪ ،‬وقد جرى خليل‬
‫على الثّاني ‪ ،‬ولكنّهم نقدوه وآثروا الوّل ‪.‬‬
‫ومن آثار هذا الخلف ‪ :‬فيما نصّ عليه الشّافعيّة والحنابلة حالت واحتمالت تختلف في‬
‫الحكام تبعًا لما إذا كان منكر الحوالة ومدّعي الوكالة هو المحيل أو المحال ‪.‬‬
‫وتفصيل ذلك كما يلي ‪:‬‬
‫‪ - 43‬الحالة الولى ‪ -‬حين يكون المحيل هو منكر الحوالة ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬فعند من يقولون بترجيح زعم مثبتها ( وهو المحال ) تثبت الحوالة بيمينه وتترتّب عليها‬
‫آثارها ‪ ،‬وفي طليعة هذه الثار براءة المحيل ‪ ،‬ومطالبة المحال عليه ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬وعند من يقولون بترجيح زعم منكرها ( وهو المحيل ) تنتفي الحوالة وتثبت الوكالة‬
‫ن المحال إمّا أن يكون قد قبض المال من‬
‫بيمينه ‪ ،‬ثمّ تبرز بعد ذلك احتمالت ثلثة ‪ :‬ل ّ‬
‫المحال عليه ‪ ،‬أو لم يقبضه ‪ ،‬وفي الحالة الولى ‪ :‬إمّا أن يكون المال باقيا عنده أو هالكا ‪.‬‬
‫ن المحال لم يقبض المال ‪:‬‬
‫‪ - 44‬الحتمال الوّل ‪ :‬أ ّ‬
‫في هذه الحالة ينعزل الوك يل من الوكالة بإنكاره إيّا ها ‪ ،‬فل يكون له الح قّ في الق بض من‬
‫المحال عليه ‪ ،‬وهل يرجع بدينه على المحيل ؟ ال صّواب ‪ :‬نعم ‪ ،‬ل نّ المحيل ينكر الحوالة ‪،‬‬
‫وق يل ‪ :‬ل ير جع ‪ ،‬مؤاخذةً له بقول نف سه ل نّ مقت ضى الحوالة الّ تي يدّعي ها براءة المح يل ‪،‬‬
‫وثبوت حقّه على المحال عل يه ‪ -‬ولو قب ضه المح يل م نه ‪ -‬لنّه في نظره وزع مه ل يس إلّ‬
‫قبض ظالم ما ليس له بحقّ ‪.‬‬
‫ن المحال قبض المال ‪ ،‬وما زال عنده ‪:‬‬
‫‪ - 45‬الحتمال الثّاني ‪ :‬أ ّ‬
‫فسي هذه الحالة يكون على المحال ردّ مسا قبضسه إلى المحيسل ‪ ،‬وللمحيسل اسسترداده منسه ‪ ،‬ثم ّس‬
‫ل فقد استردّ منه المحيل ما قبضه على أساس‬
‫يرجع هو على المحيل بدينه ‪ ،‬لنّه إن كان محا ً‬
‫الحوالة فعلى المحيل أن يفيه دينه ‪ ،‬وإن كان وكيلً فحقّه باق في ذمّة المحيل ‪.‬‬
‫هكذا قالوا ‪ ،‬مع تسليمهم بأنّه دائن ‪ ،‬ولم يقولوا بالمقاصّة ‪ ،‬لنّ الّذي بيده عين والّذي له‬
‫دين ‪ ،‬والمقاصّة عندهم إنّما تكون بين دينين متساويين جنسا وقدرا وصف ًة ‪ :‬فليس لها هنا‬
‫موضع ‪ .‬نعم إن خشي ضياع حقّه كان له ‪ ،‬بينه وبين اللّه ‪ ،‬أخذ ما معه على سبيل الظّفر‬
‫بالحقّ ‪ .‬وهناك من يقول ‪ :‬ليس للمحال حقّ الرّجوع بدينه ‪ ،‬مؤاخذ ًة له بمقتضى قوله ‪ ،‬لنّه‬
‫بإقراره بالحوالة مقرّ ببراءة ذمّة المحيل من هذا الدّين ‪.‬‬
‫‪ - 46‬الحتمال الثّالث ‪ :‬أنّ المحال قبض المال ‪ ،‬ولكنّه هلك عنده ‪:‬‬
‫حقس للمحيسل على المحال ‪ ،‬ول للمحال على المحيسل ‪ ،‬سسواء أكان التّلف بتفريسط منسه أم‬
‫فل ّ‬
‫بدون تفريط ‪ .‬فإن كان بتفريط ‪ ،‬فلنّه إمّا ماله قد تلف بيده ‪ ،‬وذلك إذا كان في الواقع صادقًا‬
‫في زعمه الحوالة ‪ ،‬وإمّا مال لزمه ضمانه ‪ ،‬فيثبت عليه مثل ما له عند المحيل ويتقا صّان ‪.‬‬
‫ن المال إنّ ما تلف في يد أمي نه ‪ ،‬أي وكيله‬
‫ن المح يل مقرّ بأ ّ‬
‫وأمّا أن كان بغ ير تفر يط ‪ ،‬فل ّ‬
‫ي من كبار الشّافعيّة ‪ ،‬ينازع في هذا‬
‫بمقتضى دعواه ‪ ،‬والفرض أن ل تعدّي ‪ .‬وإن كان البغو ّ‬
‫‪ ،‬بناءً على أنّ أخذ الوكيل لنفسه يوجب ضمانه ويقول ‪ :‬إنّه يضمن لثبوت وكالته ‪ ،‬كما أنّه ‪،‬‬
‫أي المحال ‪ ،‬مقرّ بأنّه قد استوفى حقّه ‪ ،‬وتلف عنده ‪.‬‬
‫‪ - 47‬الحالة الثّانية ‪ :‬حين يكون المحال هو منكر الحوالة ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬فع ند من يقولون بترج يح ز عم مثبت ها " و هو المح يل " ‪ :‬تث بت الحوالة بيمي نه ‪ ،‬وتترتّب‬
‫عليها أحكامها ‪ ،‬فيبرأ المحيل ‪ ،‬ويطالب المحال عليه ‪ ،‬ث مّ ما قبض منه يكون للمحال ‪ ،‬لنّا‬
‫إذا نظر نا إلى جا نب المح يل ‪ ،‬فهذا هو مقت ضى الحوالة الّ تي أقرّ هو ب ها ‪ ،‬وإذا نظر نا إلى‬
‫جانب المحال ‪ ،‬فإنّه ظافر بجنس حقّه الّذي يأبى المحيل تسليمه إليه ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬أمّا عند من يقولون بترجيح زعم نافيها " وهو المحال " فتثبت الوكالة بيمينه ويعتبر‬
‫وكيلًا بالقبض ‪ ،‬عن المحيل ‪ ،‬كما أنّ المحيل في تمسّكه بأنّ العقد كان حوال ًة يكون معترفا‬
‫بدين المحال في ذمّته ‪.‬‬
‫ثمّ الحتمالت بعد ذلك ثلثة ‪ :‬لنّ المحال إمّا أن يكون قد قبض المال من المحال عليه ‪ ،‬أو‬
‫لم يقبضه ‪ ،‬وفي الحالة الولى ‪ :‬إمّا أن يكون المال باقيًا عنده أو هالكا ‪.‬‬
‫ن المحال لم يقبض المال ‪:‬‬
‫‪ - 48‬الحتمال الوّل ‪ :‬أ ّ‬
‫وفي هذه الحالة يأخذ المحال حقّه من المحيل ‪ ،‬ث مّ يكون للمحيل مطالبة المحال عليه بدينه ‪،‬‬
‫ل نّ الواقع إن كان وكال ًة ‪ -‬كما ثبت ظاهرا ‪ -‬فدينه ما زال في ذمّة مدينه لم يقبضه الوكيل‬
‫ن المحال لم يعمل بمقتضاها لنّ ها اع تبرت في الظّا هر‬
‫ب عد ‪ ،‬وإن كان في الواقع حوال ًة ‪ ،‬فإ ّ‬
‫وكال ًة ‪ ،‬وبدلً من أن يأ خذ المحال حقّه من المحال عل يه ‪ ،‬أخذه من المح يل ظلما وعدوانا ‪،‬‬
‫فيكون له ‪ -‬رغم إقراره بأ نّ ما في ذمّة المحال عليه هو للمحيل ‪ -‬أن يأخذه لنفسه وفا ًء بما‬
‫أخذه المحال منسه ‪ ،‬كالظّافسر بجنسس حقّه ‪ ،‬وهذا هسو الّذي رجّحسه ابسن المقري مسن متأخّري‬
‫الشّافعيّة والقاضي من الحنابلة ‪.‬‬
‫وإن كان ثمّ من يمنعه من أخذه ‪ ،‬وقوفا عند مؤاخذته بإقراره هذا ‪.‬‬
‫ن المحال قبض المال ‪ ،‬وما زال عنده ‪:‬‬
‫‪ - 49‬الحتمال الثّاني ‪ :‬أ ّ‬
‫في هذه الحالة يكون له الح قّ في تملّك ما قبض ‪ .‬لنّه مع ثبوت الوكالة يعتبر ظافرا بجنس‬
‫سكًا بالحوالة الّتي تتضمّن إقرار المحيل له بدينه ‪.‬‬
‫حقّه الّذي يأبى المحيل تسليمه إليه تم ّ‬
‫‪ - 50‬الحتمال الثّالث ‪ :‬المحال قبض المال ‪ ،‬ولكنّه هلك عنده ‪:‬‬
‫وفي هذه الحالة ‪ -‬تفريعا على الوكالة الّتي ثبتت ‪ -‬إن كان قد تلف بتفريط منه لزمه‬
‫ضمانه ‪ ،‬وثبت عليه مثل ما له في ذمّة المحيل ‪ ،‬فيتقاصّان ‪ ،‬وإن كان من غير تفريط ‪ ،‬فقد‬
‫هلك على صاحبه وهو المحيل ‪ ،‬ويرجع هو بدينه عليه ‪ ،‬وعلى كلّ حال يبرأ المحال عليه ‪،‬‬
‫بالدّفع إلى المحال ‪ ،‬لنّه إن كان محالً ‪ ،‬فذاك حقّه ‪ ،‬وإن كان وكيلً ‪ ،‬فقد دفع إليه بمقتضى‬
‫عقد الوكالة ‪.‬‬
‫‪ - 51‬تنبيه ‪ :‬عدم تضمين المحال في هذه الحالة الخيرة عندما يتلف المال بيده دون تفريط‬
‫‪ -‬ولها نظائر ‪ -‬مبنيّ على أنّه إذا انتفت الحوالة في هذا التّنازع المشروع ثبتت الوكالة ‪،‬‬
‫ق من‬
‫وقد عبّر الشّيخ أبو إسحاق الشّيرازيّ في المهذّب بذلك فعلً ‪ :‬فهو يقول في هذا الشّ ّ‬
‫ي في‬
‫القضيّة " وإن قلنا بقول المزنيّ ‪ ،‬وحلف المحال ثبت أنّه وكيل " ‪ ،‬كما عبّر به البغو ّ‬
‫خلفيّته النفة الذّكر ( ر ‪ :‬ف ‪. ) 42 /‬‬
‫ن الصل فيما يتلف في يد إنسان‬
‫ولكن الجوينيّ يحكي وجهًا آخر بتضمين المحال ‪ ،‬ويعلّله بأ ّ‬
‫من ملك غيره هو الضّمان ‪ ،‬ول يلزم من تصديقه في نفي الحوالة ‪ ،‬ليبقى حقّه ‪ ،‬تصديقه في‬
‫إثبات الوكالة ليسسقط عنسه الضّمان ‪ .‬كمسا إذا اختلف المتبايعان فسي قدم العيسب وحدوثسه ‪،‬‬
‫و صدّقنا البائع بيمي نه في م نع الرّدّ بذا الع يب ‪ ،‬ث مّ و قع الف سخ ‪ ،‬بتحالف أو غيره ‪ ،‬فإنّه ل‬
‫يمكّن من المطالبة بأرش ذلك العيب ‪ ،‬ذهابا إلى أنّه حادث بمقتضى يمينه ‪.‬‬
‫[ ولعلّ م ثل هذا المل حظ هو الّذي حدا بالمتأخّر ين من الشّافعيّة إلى العدول عن عبار تي‬
‫ي إلى م ثل قول هم ‪ " :‬وبالحلف تند فع الحوالة " ‪ ،‬ولكنّ هم لم يعوّلوا على هذا‬
‫الشّيراز يّ والبغو ّ‬
‫ح ‪ -‬أنّ ها مق صودة ومضوا في‬
‫الو جه ‪ ،‬بل ولم يلتفتوا إل يه بأك ثر من هذه الشارة ‪ -‬إن ص ّ‬
‫التّفريع على أساس ثبوت الوكالة ] ‪.‬‬
‫مجلس العقد ‪:‬‬
‫ح إلى أنّ الحوالة تنعقد‬
‫‪ 51‬م ‪ -‬ذهب المالكيّة في المشهور عندهم والشّافعيّة في الص ّ‬
‫باليجاب من المحيل ‪ ،‬والقبول من المحال ‪.‬‬
‫ل في مجلس العقد وهو‬
‫ول يكون قبولً بمعناه المتبادر عند الطلق ‪ ،‬بل قرينة صارفة إ ّ‬
‫مجلس علم المحال باليجاب غير المرجوع عنه بكتابة أو غيرها ‪.‬‬
‫ويجبر المحال على القبول عند الحنابلة إذا أحيل على مليء ‪.‬‬
‫أمّا المحال عليه فل يشترط رضاه ‪ ،‬ل في العقد ول خارجه ‪ ،‬لنّه مدين للمحيل ‪ ،‬فل شأن‬
‫له بمن هو مكلّف بالتّأدية إليه أو إلى من يختاره ‪ .‬لكن اليجاب من المحيل كاف وحده عند‬
‫الحنابلة ‪ ،‬فهم يكتفون في مجلس العقد بإيجاب المحيل فقط ‪.‬‬
‫ويشترط بعض المالكيّة حضور المحال عليه وإقراره ‪ ،‬أو حضوره وعلمه ‪.‬‬
‫واشترط ابن القاسم من المالكيّة حضور المحال عليه وإقراره أو حضوره وعلمه ‪ ،‬ووافقه من‬
‫المالكيّة طائفة كبيرة كابن يونس وابن عرفة وأبي الحسن ‪ ،‬حتّى لقد استنبط ابن سودة في‬
‫ن هذا الرّأي هو المعتمد ‪ ،‬وبناءً عليه تفسخ الحوالة على‬
‫شرح التّحفة من اجتماع كلّ هؤلء أ ّ‬
‫الغائب ‪ .‬وبالرّغم من ذلك فالّذي جرى عليه خليل والقرافيّ وابن سلمون ‪ -‬واشتهر عند‬
‫المالكيّة ‪ -‬عدم اشتراط هذه الشّريطة وهو في الصل قول ابن الماجشون وينسب إلى مالك‬
‫نفسه ‪ ،‬وعليه عامّة الموثّقين والندلسيّين ‪ .‬وهو قول من عدا المالكيّة من الفقهاء ‪- 52 .‬‬
‫ن شريطة اليجاب والقبول أن يكونا بمجلس واحد هو مجلس العقد ‪ ،‬وقد‬
‫وذهب الحنفيّة إلى أ ّ‬
‫ل واحد‬
‫ن كلّا من البتداء والتّعقيب يمكن أن يكون من ك ّ‬
‫ل اليجاب ‪ ،‬وقد عرفنا أ ّ‬
‫يسمّى ‪ :‬مح ّ‬
‫ل أنّها تكون ناجز ًة أو موقوفةً ‪ ،‬نحو‬
‫من الطراف الثّلثة لكلّ حوالة ‪ ،‬وبذلك تنعقد الحوالة إ ّ‬
‫ما أسلفناه ( ر ‪ :‬ف ‪. ) 29 /‬‬
‫وقد لخّصه صاحب النّهر من الحنفيّة ‪ -‬على طريقة أبي حنيفة ومحمّد ‪ -‬بقوله ‪ :‬الشّرط قبول‬
‫المحتال في المجلس ‪ ،‬ورضا المحال عليه ولو غائبا ‪.‬‬
‫الشّروط الّتي يشترطها الطراف ‪:‬‬
‫) في صيغة الحوالة عدم وجود شرط غير‬ ‫‪24‬‬ ‫‪ -‬يشترط الحنفيّة كما سبق ( ر ‪ :‬ف ‪/‬‬ ‫‪53‬‬

‫جائز ‪ ،‬من مب طل ‪ ،‬كالتّعل يق والتّأق يت ‪ ،‬أو مف سد كالتّأج يل إلى أ جل مجهول جهالةً فاحشةً ‪.‬‬
‫ن تعليق التّمليكات والتّقييدات ل يجوز ‪ ،‬فالتّمليك ‪ ،‬كبيع وهبة وإجارة‬
‫ففي جامع الفصولين ‪ :‬إ ّ‬
‫‪ ،‬وأمّا التّقييد فكعزل الوكيل وحجر المأذون ‪.‬‬
‫ل من‬
‫وهذا النّصّ ينطبق على الحوالة ‪ ،‬لما فيها من معنى المعاوضة والتّقييد أيضا ‪ ،‬إذ ك ّ‬
‫المحال والمحال عليه يلتزم بها التزامات جديدةً ‪.‬‬
‫ن التّأقيت ينافي طبيعة‬
‫‪ - 54‬أمّا التّأقيت ‪ ،‬والتّأجيل إلى الجل المجهول جهال ًة فاحشةً ‪ :‬فل ّ‬
‫الحوالة ‪ -‬أعني نقل الدّين ‪ -‬فلو قيل الحوالة قابل لمدّة سنة واحدة ‪ ،‬مثلً ‪ ،‬فل حوالة أصلً ‪،‬‬
‫ن التّأجيل بالجل المجهول جهالةً فاحشةً يفضي إلى النّزاع المشكل ‪ ،‬مثال ذلك ‪ :‬أن يقول‬
‫ول ّ‬
‫الملتزم ‪ :‬قبلت حوالة الدّين الّذي لك على فلن ‪ ،‬على أن أوديه إليك عند هطول المطر ‪ ،‬أو‬
‫عند هبوب الرّيح ‪ ،‬وهذا شرط ل منفعة فيه لحد فيلغو ‪ ،‬وتكون الحوالة حالّ ًة بخلف التّأجيل‬
‫بالجل المعلوم كغاية شهر كذا ‪ ،‬أو المجهول جهال ًة محتمل ًة كموسم حصاد القمح هذا العام ‪،‬‬
‫فإنّه تأجيل بأجل متعارف ‪ ،‬ول غرر فيه أصلًا ‪ ،‬أو ل غرر يذكر ‪.‬‬
‫ن تأجيل عقدها ل يصحّ ‪ ،‬ولكن تأجيل الدّين فيها يصحّ ‪،‬‬
‫وصرّح فقهاء الحنفيّة في الحوالة بأ ّ‬
‫فلو قال لخر ‪ :‬ضمنت بما لك على فلن على أن أحيلك به على فلن إلى شهر ‪ ،‬انصرف‬
‫ح‪.‬‬
‫التّأجيل إلى الدّين لنّ تأجيل عقدها ل يص ّ‬
‫‪ - 55‬ومقتضى قواعد المالكيّة الحكم بصحّة أن يشترط البائع على المشتري أن يحيل عليه‬
‫دائنه ‪ ،‬وهذا على ما قرّره أبو إسحاق التّونسيّ المالكيّ من الكتفاء بأن يكون الدّين في‬
‫الحوالة مقارنًا لثبوتها ول يشترط أن يكون سابقًا عليها ‪.‬‬
‫وعند الشّافعيّة أنّه لو شرط العاقد في الحوالة رهنا أو ضمينا فالمعتمد أنّه ل يجوز ‪ ،‬وقالوا‬
‫في خيار الشّرط ‪ :‬أنّه ل يثبت في عقدها لنّه لم يبن على المغابنة ‪.‬‬
‫ويرى الحنابلة أنّ الحوالة ل يدخلها خيار وتلزم بمجرّد العقد ‪ ،‬ويرون كذلك أنّه لو شرط‬
‫على المحتال أن يؤخّر حقّه أو يؤخّر بعضه إلى أجل ولو معلوما لم تصحّ الحوالة ‪ ،‬لنّ‬
‫الحالّ ل يتأجّل بالتّأجيل ‪.‬‬
‫أطراف الحوالة ‪:‬‬
‫أوّلً ‪ -‬المحيل وشرائطه ‪:‬‬
‫‪ - 56‬يشترط في المحيل عدّة شرائط لصحّة العقد ‪ ،‬وشريطة واحدة لنفاذه ( ر ‪ :‬ف ‪.) 94/‬‬
‫فشرائط صحّة الحوالة في المحيل نوعان ‪:‬‬
‫النّوع الوّل ‪ :‬شرائط تتعلّق بأهليّة المحيل ‪:‬‬
‫‪ - 57‬أ ‪ -‬العقل ‪ :‬يشترط في المحيل أن يكون عاقلً ‪ ،‬فل تنعقد حوالة المجنون والصّبيّ‬
‫اللّذين ل تمييز لديهما ‪ .‬إذ العقل من شرائط أهليّة التّصرّفات كلّها ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬نفاذ التّصرّفات الماليّة ‪ :‬ذهب بعض الفقهاء إلى أنّ الحوالة تصحّ من المحجور عليه‬
‫لفلس بشريطتين ‪ :‬إذن القاضي ‪ ،‬وعدم ظهور دائن آخر ‪ .‬وعليه بعض الشّافعيّة ‪ .‬ولكنّهم‬
‫ن الحجر لحقّ الغرماء بعامّة ‪ ،‬وقد يكون ثمّ دائن آخر في الواقع ونفس المر ‪.‬‬
‫ضعّفوه ‪ ،‬ل ّ‬
‫ن القول بالجواز هنا في حالة الحجر للسّفه‬
‫والرّأيان يردان في حوالة السّفيه بإذن وليّه ‪ ،‬إلّ أ ّ‬
‫أقوى ‪ ،‬حتّى لقد قطع به إمام الحرمين ‪.‬‬
‫ويرى كثير من الفقهاء أنّ الجازة اللّاحقة لتصرّف السّفيه كالذن السّابق ‪.‬‬
‫ومن هؤلء الحنفيّة والمالكيّة ‪ .‬فإذا كان الدّين على اثنين فأحال به ‪ ،‬وأحدهما نافذ التّصرّف‬
‫والخر بخلفه ‪ -‬أو كانا هما المحال عليهما معا ‪ ،‬وأحدهما غير نافذ التّصرّف ‪ -‬فيجري فيه‬
‫الخلف المعروف في نتيجة تفريق الصّفقة ‪.‬‬
‫النّوع الثّاني ‪ :‬مديونيّة المحيل للمحال ‪:‬‬
‫‪ - 58‬صرّح المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة بأنّ من شروط الحوالة ‪ ،‬أن يكون المحيل مدينا‬
‫للمحال ولو بدين حوالة سابقة ‪ ،‬أو دين كفالة ‪ ،‬أو بدين مركّب من هذا كلّه أو بعضه ‪.‬‬
‫وعلّلوه بأن ليس من المتصوّر حوالة دين ل وجود له ‪.‬‬
‫ص المالكيّة على الكتفاء بإقرار المحال بثبوته‪.‬‬
‫ويثبت الدّين بطرق الثبات المقرّرة فقها ‪،‬وين ّ‬
‫واشترط الحنفيّة أن يكون المحيل مدينا للمحال ‪ .‬وإلّ كانت الحوالة على مدين وكالةً‬
‫بالقبض ‪ ،‬أو هبة دين ‪ ،‬أو بيع دين من غير من هو عليه ‪ ،‬وهذه الهبة وهذا البيع باطلن‬
‫عندهم ‪.‬‬
‫ثانيًا ‪ :‬المحال وشرائطه ‪:‬‬
‫‪ - 59‬يشترط جمهور الفقهاء " الحنفيّة والمالكيّة والشّافعيّة " في المحال لنعقاد الحوالة أن‬
‫يكون عاقلً ‪ ،‬لنّ قبوله الحوالة شريطة أو ركن فيها ‪ ،‬وغير العاقل ليس من أهل القبول ‪،‬‬
‫ي غير مميّز ‪.‬‬
‫فل يصحّ احتيال مجنون ول صب ّ‬
‫ل على احتمال‬
‫ولم يتعرّض الحنابلة لهذا الشّرط ‪ ،‬لنّهم ل يشترطون رضا المحال ‪ -‬إ ّ‬
‫ضعيف لهم ‪ -‬بل المحال عندهم يجبر على القبول إذا أحيل على مليء ‪.‬‬
‫ثالثًا ‪ :‬المحال عليه وشرائطه ‪:‬‬
‫ي على الصحّ ‪ -‬عن عقد الحوالة عند أكثر منكري الحوالة‬
‫‪ - 60‬أنّ المحال عليه أجنب ّ‬
‫المطلقة ‪ -‬وإذن فليس يشترط فيه شيء من هذه الشّرائط الّتي يذكرها الحنفيّة سوى مراعاة‬
‫ل استيفاء الحقّ كالدّار يكون فيها المتاع ‪ ،‬أو‬
‫مصلحة القاصر ‪ ،‬لنّه عندهم ليس إلّ مح ّ‬
‫الكيس تكون فيه النّقود ‪ .‬ويشترط في المحال عليه عند الحنفيّة أن يكون متمتّعًا بأهليّة الداء‬
‫الكاملة ‪ ،‬وذلك بأن تتوافر فيه الصّفتان التّاليتان ‪:‬‬
‫الولى ‪ :‬الهليّة ‪:‬‬
‫‪ - 61‬أن يكون عاقلً ‪ ،‬لما قدّمناه في المحال ‪ ،‬فل تصحّ الحوالة على مجنون أو صبيّ ل‬
‫ح من الصّبيّ قبولها بحال ‪ ،‬قياسا على الكفالة‬
‫تمييز له ‪ .‬كما يشترط أن يكون بالغا ‪ ،‬فل يص ّ‬
‫ن قبول هذه الحوالة‬
‫‪ ،‬وما دام ليس في ذمّته ول عنده للمحيل ما يفي بالدّين المحال به ‪ ،‬ل ّ‬
‫حينئذ تبرّع ابتداءً ‪ ،‬إن كانت الحوالة بأمر المحيل ‪ ،‬وتبرّع ابتداءً وانتها ًء إن لم تكن بأمره ‪،‬‬
‫ق الرّجوع عليه في هذه الحالة الخيرة ‪ ،‬سواء بعد ذلك أكان الصّبيّ مأذونا في‬
‫إذ ل يملك ح ّ‬
‫التّجارة أم غير مأذون ‪ ،‬بل وسواء قبوله بنفسه وقبول وليّه له ‪ ،‬لنّه من التّصرّفات‬
‫الضّارّة ‪ ،‬فل يملكه الوليّ ‪ .‬والتّقييد ‪ -‬بكونه ليس في ذمّته ول عنده للمحيل ما يكفي ‪ -‬ليس‬
‫في كلم الحنفيّة ‪ .‬ولكن ابن عابدين استظهره في حاشيته على البحر فإذا اختلّ هذا القيد ‪-‬‬
‫ل يشترط بلوغه لصل انعقاد‬
‫بأن كان في ذمّته أو عنده للمحيل ما يكفي سداد دينه ‪ -‬فينبغي أ ّ‬
‫الحوالة ‪ ،‬بل لنفاذها ‪ ،‬فتنعقد موقوف ًة على إجازة وليّه إن كان دون البلوغ ‪.‬‬
‫وعندئذ ينبغي أن تكون شريطة البلوغ هذه شريطة نفاذ مطلوبةً في المحال عليه بالنّسبة إلى‬
‫الحوالة المقيّدة بالدّين الّذي عليه ‪ ،‬لنّ فيها معنى المعاوضة انتهاءً ‪ ،‬حيث يقضى فيها دين‬
‫ص ‪ ،‬فتحتاج إلى إذن الوليّ أو إجازته ‪.‬‬
‫بدين بطريق التّقا ّ‬
‫أمّا إذا كانت الحوالة مطلق ًة فإنّ بلوغ المحال عليه عندئذ شريطة انعقاد ل بدّ منها ‪ ،‬لنّها كما‬
‫قال صاحب البحر هنا ‪ :‬إن كانت بأمر المحيل كانت تبرّعا ابتداءً ‪ ،‬معاوض ًة انتهاءً ‪ ،‬وإن‬
‫كانت بدون أمره كانت تبرّعا ابتداءً وانتها ًء فهي من المضا ّر الّتي ل يملكها على الصّغير‬
‫ح من غير البالغ ولو بإذن وليّه أو إجازته ‪.‬‬
‫وليّه كسائر التّبرّعات ‪ ،‬فل تص ّ‬
‫وكون المحال عليه مدينًا للمحيل أو عنده مال له ل يمنع إطلق الحوالة دون ارتباطها بالدّين‬
‫أو المال الّذي للمحيل عنده ‪ ،‬إلّ أن يقال ‪ :‬إنّها عندئذ تعقد مقيّدةً حكما بهذا المال أو الدّين‬
‫ولو صدرت بصيغة مطلقة ‪ ،‬وتكون موقوفةً على إجازة الوليّ ‪ ،‬فليتأمّل ‪.‬‬
‫الثّانية ‪ :‬قدرة المحال عليه على الوفاء بما التزم به ‪:‬‬
‫‪ - 62‬يشترط الحنفيّة في المحال عليه أن يكون قادرا على تنفيذ الحوالة ‪ ،‬فلو قبل الحوالة‬
‫مقيّدةً بشرط العطاء من ثمن دار المحيل ‪ ،‬فهي حوالة فاسدة ‪ ،‬لنّه ل يقدر على بيع دار‬
‫ليست له ‪ .‬فإن كان ثمّ إذن سابق من صاحب الدّار ببيعها صحّت الحوالة ‪ ،‬لنتفاء المانع ‪،‬‬
‫لكنّه ل يجبر على البيع ‪ ،‬وإن كان وجوب الداء في الحوالة متوقّفا عليه ‪ ،‬فإذا باع الدّار‬
‫مختارا يجبر على الداء ‪ ،‬كما لو قبل الحوالة إلى الحصاد ‪ ،‬فإنّه ل يجبر على الداء قبله ‪.‬‬
‫وكذا لو قبل الحوالة على أن يؤدّي من ثمن داره هو ‪ ،‬فإنّه ل يجبر على الداء حتّى يبيع‬
‫مختارا ‪ ،‬لكن إن شرط قيامه بهذا البيع في صلب عقد الحوالة أجبر عليه ‪ ،‬قياسا على الرّهن‬
‫‪ ،‬إذا شرط فيه بيع المرهون عند عدم الوفاء ‪ ،‬فإنّه يكون شرطا ملزما ‪ ،‬ل يملك الرّاهن‬
‫الرّجوع فيه ‪ .‬هكذا جمع صاحب الظّهيريّة بين قولين ‪ :‬أحدهما ‪ :‬إطلق الجبار ‪ ،‬والثّاني ‪:‬‬
‫إطلق عدمه ‪ ،‬فحمل الوّل على حالة الشتراط ‪ ،‬والثّاني على عدمه ‪.‬‬
‫ملءة المحال عليه ‪:‬‬
‫‪ - 63‬لم يشترط الحنفيّة ‪ ،‬ول الشّافعيّة ‪ ،‬ملءة المحال عليه ‪.‬‬
‫ويرى المالكيّة أنّ حقّ المحتال يتحوّل على المحال ‪ ،‬بمجرّد عقد الحوالة ‪ ،‬وإن أفلس المحال‬
‫عليه ‪ ،‬أو جحد الدّين الّذي عليه بعد تمام الحوالة وسواء كان الفلس سابقا على عقد الحوالة ‪،‬‬
‫ن حقّ المحال ل يتحوّل‬
‫أو طارئا عليها إلّ أن يعلم المحيل وحده بإفلس المحال عليه ‪ ،‬فإ ّ‬
‫على ذمّة المحال عليه ول تبرأ ذمّة المحيل بذلك ‪.‬‬
‫ي اشتراط ملءة المحال عليه للّزوم الحوالة إذا لم يرض المحال بالحوالة ‪.‬‬
‫ويرى الرّهون ّ‬
‫ويرى الخرشيّ بطلن الحوالة في حالة جهل المحال عدم ملءة المحال عليه وعلم المحيل‬
‫ذلك ‪.‬‬
‫أمّا الحنابلة فيشترطون ملءة المحال عليه للزوم الحوالة إذا لم يرض المحال بالحوالة ‪ ،‬على‬
‫ن من‬
‫معتمد الحنابلة ‪ ،‬أو إذا جهل حال المحال عليه ‪ ،‬على رواية عندهم ‪ ،‬وينصّون على أ ّ‬
‫قبل الحوالة على مليء بعدما أفلس كان رضاه معيبًا فل يعتبر ‪ ،‬بل يحقّ له فسخ الحوالة ‪.‬‬
‫وقد اعتبر أحمد في المليء الّذي يجب قبول الحوالة عليه ملءته بماله ‪ ،‬وبقوله ‪ ،‬وببدنه ‪،‬‬
‫أي أن يكون قادرًا على الوفاء ‪ ،‬غير جاحد ‪ ،‬ول مماطل ‪ ،‬كما هو المتبادر ‪ ،‬وكما فهم ابن‬
‫ن الملءة بالقول تعني عدم الجحد وعدم‬
‫قدامة في المغني ‪ .‬ولكن متأخّري الحنابلة على أ ّ‬
‫المماطلة ‪ ،‬ويفسّرون الملءة بالبدن بإمكان إحضار المحال عليه إلى مجلس الحكم ‪ .‬ولذا ل‬
‫يجب عندهم على المحال قبول الحوالة على أبيه ‪ ،‬دون رضاه ‪ ،‬ول على من في غير بلده ‪،‬‬
‫لنّه ل يمكن إحضارهما إلى مجلس الحكم ‪ ،‬وبالتّالي ل يجبر المحال على هذا القبول ‪ .‬ولم‬
‫يعتبروا في القدرة على الوفاء أن تكون ناجز ًة ‪ ،‬فذو المال الّذي ل تصل إليه يده الن لمر‬
‫ما ‪ ،‬هو مليء ما دام على ما سبق وصفه ‪.‬‬
‫ي قاصر كوصيّ يتيم ‪ ،‬أو كان صغيرا مميّزا ‪ ،‬أجاز‬
‫‪ - 64‬وقال الحنفيّة إذا كان المحال ول ّ‬
‫وليّه الحالة ‪ ،‬فإنّه يشترط أن يكون المحال عليه حينئذ أمل من المدين الوّل صيان ًة لحقّ‬
‫حسَنُ } والصّغير بمثابة اليتيم‪.‬‬
‫ي َأ ْ‬
‫ل بِاّلتِي ِه َ‬
‫ل ا ْل َيتِيمِ ِإ ّ‬
‫ل تَ ْق َربُواْ مَا َ‬
‫الصّغير ‪ ،‬لقوله تعالى ‪َ { :‬و َ‬
‫لكن ابن عابدين في حواشيه على البحر نقل نصوصا مذهبيّ ًة تنافيه ‪ :‬وذلك إذ يقول ‪ -‬نقلً‬
‫عن كتاب أحكام الصّغار ‪ " -‬ذكر فخر الدّين في بيوع فتاواه ‪ :‬الب والوصيّ إذ قبل الحوالة‬
‫على شخص دون المحيل في الملءة " ‪ -‬إن وجب ‪ -‬أي الدّين ‪ -‬بعقدهما جاز عند أبي‬
‫حنيفة ومحمّد ‪ ،‬ول يجوز عند أبي يوسف ‪ ،‬وإن لم يكن واجبا بعقدهما ( كالرث ) ل يصحّ‬
‫في قولهم ‪ .‬وذكر صدر السلم أبو اليسر في باب الخلع من المبسوط ‪ -‬في حيلة هبة صداق‬
‫ن الب يحتال على نفسه شيئا ‪ ،‬فتبرأ ذمّة الزّوج من ذلك القدر ‪ ،‬ولو كان الب‬
‫الصّغيرة ‪ -‬أ ّ‬
‫مثل الزّوج في الملءة فينبغي أن تصحّ أيضا ‪ ،‬وقد اكتفى ابن نجيم في البحر بحكاية القولين‬
‫عند التّساوي في الملءة ‪.‬‬
‫وصرّح الشّافعيّة بصحّة احتيال وليّ القاصر بشريطة واحدة ‪ :‬أن تقتضي ذلك مصلحة‬
‫خيْرٌ }‬
‫ح ّل ُهمْ َ‬
‫ن ا ْل َيتَامَى قُلْ ِإصْلَ ٌ‬
‫سأَلُو َنكَ عَ ِ‬
‫ص التّنزيل الحكيم ‪َ { :‬و َي ْ‬
‫القاصر نفسه ‪ ،‬أخذًا من ن ّ‬
‫دون تقييد بأيّ قيد آخر ‪ .‬ولذا أبطلوا احتياله على مفلس ‪ ،‬علم إفلسه أم جهل ‪ ،‬واحتياله‬
‫بدين موثّق عليه برهن أو ضمان ‪ ،‬لما في انفكاك الوثيقة من الضّرر البيّن ‪.‬‬
‫وقد سئل السّيوطيّ عن رجل له على رجل دين ‪ ،‬فمات الدّائن وله ورثة ‪ ،‬فأخذ الوصياء من‬
‫المدين بعض الدّين ‪ ،‬وأحالهم على آخر بالباقي ‪ ،‬فقبلوا الحوالة وضمن لهم آخر فمات‬
‫المحال عليه ‪ ،‬فهل لهم الرّجوع على المحيل أم ل ؟ فأجاب ‪ -‬يطالبون الضّامن وتركة‬
‫المحال عليه ‪ -‬فإن تبيّن إفلسهما تبيّن فساد الحوالة ‪ ،‬لنّها لم تقع على وفق المصلحة لليتام‬
‫‪ ،‬فيرجعون على المحيل ‪.‬‬
‫ومن أمثلة المصلحة أن يكون المحيل بمال اليتيم فقيرا ‪ ،‬أو مماطلً ‪ ،‬أو مخوف المتناع‬
‫بسطوة ‪ ،‬أو هرب أو سيّئ القضاء على أيّة صورة ‪ ،‬والمحال عليه بعكس ذلك كلّه ‪ ،‬فتكون‬
‫الحوالة من مصلحة القاصر ‪.‬‬
‫إمكان إحضار المحال عليه مجلس الحكم ‪:‬‬
‫‪ - 65‬تفرّد بهذه الشّريطة الحنابلة ‪ ،‬وقد فسّر الزّركشيّ ( في شرح الخرقيّ ) القدرة بالبدن ‪-‬‬
‫في صدد بحث المليء الّذي يجبر المحال على إتباعه ‪ -‬بإمكان حضوره لمجلس الحكم ‪:‬‬
‫ل برضا الب ‪ ،‬لنّه ل يملك طلب أبيه ‪.‬‬
‫ح عندهم أن يحيل ولد على أبيه إ ّ‬
‫أ ‪ -‬فل يص ّ‬
‫قال ابن نصر اللّه ‪ :‬هذه المسألة لم يذكرها أحد ممّن تقدّم من الصحاب ‪.‬‬
‫وظاهره صحّة الحوالة على أمّه ولو بغير رضاها ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬كما ل يلزم بقبول الحوالة على أبيه ( أي أب المحال ) ‪.‬‬
‫ج ‪ -‬ول يلزم المحال بقبول الحوالة على من في غير بلده ‪.‬‬
‫د ‪ -‬ول يلزم المحال كذلك بقبول الحوالة على ذي شوكة ‪.‬‬
‫مديونيّة المحال عليه للمحيل عند من ل يجيز الحوالة المطلقة ‪:‬‬
‫‪ - 66‬ل يشترط الحنفيّة هذه الشّريطة ‪ ،‬لجازتهم الحوالة المطلقة ‪ ،‬ومن فروع هذا الصل‬
‫ن مسلما باع من مسلم خمرا بألف درهم ‪ ،‬ثمّ إنّ‬
‫ما نقلوه في الهنديّة عن المحيط ونصّه ‪ :‬لو أ ّ‬
‫البائع أحال مسلما على المشتري حوالةً مقيّد ًة ‪ -‬بأن قال ‪ :‬أحلت فلنا عليك باللف الّتي لي‬
‫عليك ‪ -‬ثمّ اختلفوا ‪ :‬فقال المحال عليه ( وهو المشتري ) ‪ :‬اللف كان من ثمن خمر ‪ ،‬وقال‬
‫المحيل ( وهو البائع ) ‪ :‬كان من ثمن متاع ‪ ،‬فالقول قول البائع المحيل ‪ ،‬فإن أقام المحال‬
‫عليه بيّن ًة على المحيل بذلك قبلت بيّنته ‪ .‬وإن لم تكن الحوالة مقيّدةً بل كانت مطلق ًة ‪ -‬بأن قال‬
‫البائع للمشتري ‪ :‬أحلت فلنا عليك بألف درهم ‪ -‬ل تبطل الحوالة ‪ ،‬وإن أثبت المشترى على‬
‫ن اللف الّتي عليه كانت ثمن خمر ‪.‬‬
‫المحيل أ ّ‬
‫أمّا غير القائلين بالحوالة المطلقة فيشترطون في المحال عليه أن يكون مدينا للمحيل بدين‬
‫الحوالة ‪.‬‬
‫‪ - 67‬والّذي يموت وهو مدين تظلّ ذمّته مشغولةً بدينه حتّى يؤدّى عنه ‪ ،‬فإن لم تكن له تركة‬
‫ل يسقط دينه من ذمّته ما لم يتبرّع متبرّع بقضاء دينه ‪ ،‬وعلى هذا يكون لدائنه بعد موته أن‬
‫يحيل بدينه عليه ‪ ،‬ل على تركته ‪ ،‬لنّها من ناحية ليست شخصا ‪ ،‬ول تحقّق للحوالة إلّ على‬
‫شخص يسمّى محالً عليه ‪ ،‬ومن ناحية أخرى هي إمّا عين ‪ ،‬ول تصحّ الحوالة على عين‬
‫عند غير الحنفيّة ‪ ،‬وإمّا دين له وهذا ينتقل للوارث ‪ ،‬وعليه الوفاء ممّا ورث أو من غيره ‪.‬‬
‫ن ذمّة الميّت تخرب بموته ‪ -‬أو بعبارة أخرى ‪ :‬إنّ الميّت ل ذمّة له‬
‫أمّا الصل المقرّر من أ ّ‬
‫‪ -‬فإنّما هو بالنّسبة إلى المستقبل ‪ ،‬ل الماضي ‪ .‬هكذا نصّ الشّافعيّة ‪.‬‬
‫وهو ظاهر مذهب الحنفيّة والمالكيّة والحنابلة ‪ .‬ودين المحيل أعمّ من أن يكون دين حوالة ‪،‬‬
‫أو ضمان ‪ ،‬أو غيرهما ( ر ‪ :‬ف ‪. ) 58 /‬‬
‫ومثله في هذا التّعميم الدّين الّذي يحال عليه في الحوالة المقيّدة ‪.‬‬
‫ومن المسائل الواردة تفريعا على هذا الصل ‪ :‬ما إذا أقرض شخص اثنين مائة دينار ‪ -‬على‬
‫كلّ منهما خمسون ‪ -‬وتضامنا ‪ ،‬ث ّم أحال على أحدهما بخمسين دينارا ‪ ،‬هل تنصرف الحوالة‬
‫ك رهنها إن كان فيها رهن ‪ -‬أم توزّع عليها‬
‫إلى الخمسين الصليّة الّتي عليه ‪ -‬حتّى ينف ّ‬
‫وعلى الخمسين الخرى الّتي ضمنها عن رفيقه ‪ ،‬أم يرجع إلى إرادة المحيل ؟ رجّحوا‬
‫الرّجوع إلى إرادة المحيل ‪ ،‬فإن لم تكن له إرادة ‪ ،‬كان بالخيار يصرفها إلى ما شاء من ذلك‬
‫بإرادة جديدة محدثة ‪ ،‬هكذا نصّ الشّافعيّة ‪.‬‬
‫محلّ الحوالة وشرائطه " المال المحال به والمال المحال عليه " ‪:‬‬
‫يتفرّع الكلم في نوعيّة المال المحال به والمال المحال عليه على النّحو التّالي ‪:‬‬
‫‪ - 1‬حوالة الدّين ‪.‬‬
‫‪ - 2‬حوالة العين ‪.‬‬
‫‪ - 3‬حوالة المنفعة ‪.‬‬
‫‪ - 4‬حوالة الحقّ ‪.‬‬
‫أوّلً ‪ :‬حوالة الدّين ‪:‬‬
‫‪ - 68‬ل خلف في جواز أن يكون المال المحال به دينا ‪.‬‬
‫وكذلك المال المحال عليه ‪ -‬عند من يشترط وجوده ‪ -‬فل خلف في جواز أن يكون دينا ‪.‬‬
‫ثانيا ‪ :‬حوالة العين ‪:‬‬
‫ح ‪ ،‬إذ ل يتصوّر فيها النّقل الحكميّ ‪.‬‬
‫‪ - 69‬الحوالة بعين ‪ -‬مطلق ًة كانت أو مقيّد ًة ‪ -‬ل تص ّ‬
‫أمّا الحوالة على العين ‪ -‬أي في الحوالة المقيّدة ‪ -‬أيّا كان نوع العين ‪ ،‬فل تعرف عند غير‬
‫الحنفيّة ‪ .‬إذ غير الحنفيّة جميعا شارطون في المال المحال عليه أن يكون دينا ‪.‬‬
‫فالعين ل تصحّ الحوالة عليها ‪ ،‬سواء أكانت أمانةً أم مضمونةً ‪ ،‬كوديعة ‪ ،‬ومال مضاربةً أو‬
‫شرك ًة ‪ ،‬ومرهون بعد فكاكه ‪ ،‬وموروث ‪ ،‬وباق في يد وليّ بعد رفع الحجر عن قاصره ‪،‬‬
‫وعاريّة ‪ ،‬ومغصوب ‪ ،‬ومأخوذ على سوم الشّراء ‪ ،‬ومقبوض بعقد فاسد ‪.‬‬
‫ثالثا ‪ :‬حوالة المنفعة ‪:‬‬
‫‪ - 70‬ل تصحّ كذلك ‪ ،‬إذ المنفعة كالعين ‪ ،‬ل يتصوّر فيها النّقل الحكميّ ‪.‬‬
‫ل عليه‪.‬‬
‫أمّا الحوالة على المنفعة فلم نجد في نصوص الفقهاء ما يشعر بجواز كونها مالً محا ً‬
‫ن ذلك لكون المنافع الّتي يستحقّها إنسان بسبب ما ‪ ،‬إنّما تستوفى شخصيّا من قبل‬
‫والظّاهر أ ّ‬
‫صاحبها ‪ ،‬وهي دائما من غير جنس الدّين المحال به ‪.‬‬
‫رابعا ‪ :‬حوالة الحقّ ‪:‬‬
‫ل تصحّ كذلك حوالة الحقّ ‪ .‬وقد نصّ الفقهاء على أنّ الحوالة إنّما تكون بدين ‪.‬‬
‫شرائط المال المحال به والمحال عليه ‪:‬‬
‫أوّلً ‪ :‬كون المال المحال به لزما ‪:‬‬
‫‪ - 71‬يشترط في المال المحال به عند الحنفيّة أن يكون دينا لزما ‪.‬‬
‫قياسا على الكفالة ‪ :‬بجامع أنّ كلً من الكفالة والحوالة عقد التزام بما على مدين ‪.‬‬
‫ل دين تصحّ به الكفالة تصحّ به الحوالة وما ل فل ‪.‬‬
‫نكّ‬
‫فالصل أ ّ‬
‫ومقتضى ذلك ألّ تصحّ حوالة الزّوجة بنفقتها المفروضة ‪ -‬بالقضاء أو بالتّراضي ‪ -‬غير‬
‫المستدانة ‪ ،‬لنّها دين ضعيف يسقط بالطّلق وبموت أحد الزّوجين ‪ .‬لكنّهم نصّوا على صحّة‬
‫ح كفالته تصحّ حوالته ‪ ،‬ما لم يكن‬
‫ن كلّ دين تص ّ‬
‫الكفالة بها استحسانا ‪ .‬ومن قواعدهم أ ّ‬
‫ح بالنّفقة غير المفروضة ‪ -‬رغم أنّها‬
‫مجهولًا ‪ .‬وإذن فتصحّ حوالة دين النّفقة هذا ‪ ،‬بل تص ّ‬
‫تسقط بمضيّ شهر ‪ -‬إذا تمّت الحوالة قبل سقوطها ‪ ،‬وإلّ فل تصحّ ‪ ،‬لنّهم كذلك قالوا في‬
‫الكفالة بها ‪ ،‬وأوّلوا به قول من نفى صحّة الكفالة بها ‪ ،‬معلّلً بأنّها ليست دينا أصلً ‪.‬‬
‫ل بالداء أو‬
‫أمّا مهر الزّوجة فدين قويّ صحيح يصدق عليه أنّه ل ينقطع استمرار وجوبه إ ّ‬
‫البراء ‪ ،‬وإن أمكن أن يعرض له ما يبطل حكم العقد نفسه ‪ ،‬كالطّلق المنصّف للمهر قبل‬
‫الدّخول فتصحّ الحوالة بالمهر بل نزاع ‪.‬‬
‫وأمّا دين الزّكاة فليس دينًا حقيقةً بالمعنى الخاصّ من كلّ وجه ‪ -‬ولذا ل يستوفى من تركة‬
‫المتوفّى ‪ -‬فل تصحّ الحوالة به ‪ .‬وهذا كلّه عند الحنفيّة ‪ ،‬أمّا غيرهم فل يشترطون اللّزوم‬
‫بإطلق الفقهاء عدا المالكيّة ‪ ،‬وبعض الشّافعيّة ‪ ،‬وبعض الحنابلة ‪.‬‬
‫ح بالدّين الّذي يستدينه صبيّ أو‬
‫وممّا فرّعه المالكيّة على اشتراط اللّزوم أنّ الحوالة ل تص ّ‬
‫ي ل يقرّه ‪.‬‬
‫ن الول ّ‬
‫سفيه ويصرفه فيما له عنه غنًى ‪ ،‬ل ّ‬
‫ن الشّرط هو أن يكون الدّين لزما ‪ ،‬أو آيلً إلى اللّزوم بنفسه ‪:‬‬
‫والّذي اعتمده الشّافعيّة ‪ ،‬أ ّ‬
‫ن الصل في‬
‫فاللّازم هو الّذي ل خيار فيه ‪ ،‬واليل إلى اللّزوم كالثّمن في مدّة الخيار ‪ ،‬ل ّ‬
‫البيع لزوم الثّمن ‪ ،‬وأنّ الخيار عارض في طريق اللّزوم ‪ ،‬وبزوال العارض يعود الصل‬
‫ن تراضيهما‬
‫تلقائيّا ‪ .‬ثمّ بمجرّد الحوالة بالثّمن في مدّة الخيار يبطل خيار الطّرفين ‪ ،‬ل ّ‬
‫ن بقاء الخيار في الثّمن ينافي اللّزوم الّذي في طبيعة‬
‫بالحوالة إجازة للعقد الّذي بنيت عليه ‪،‬ول ّ‬
‫عقد الحوالة‪ .‬وعلى هذا فإنّ الجعل المشروط للعامل في الجعالة ‪ ،‬ل تصحّ الحوالة به عند‬
‫الشّافعيّة قبل تمام العمل ‪ ،‬لنّه لم يلزم بعد ‪ ،‬وقد ل يلزم قطّ ‪ ،‬ثمّ هو إذا لزم فليس لزومه‬
‫بنفسه ‪ ،‬بل بواسطة العمل ‪.‬‬
‫أمّا الكثرة الغالبة من الحنابلة فقد جروا على عدم اعتبار هذه الشّريطة أصلً ‪ .‬ولذا فهم‬
‫مصرّحون بصحّة الحوالة بمال الكتابة ‪ ،‬وبجعل العامل في الجعالة حتّى قبل الشّروع في‬
‫العمل ‪ .‬ومنهم من يضيف إيضاحا لوجهة نظرهم أنّ الحوالة بمنزلة الوفاء ‪.‬‬
‫وكذلك يجيزون الحوالة بالثّمن في مدّة الخيار ‪ ،‬بل هذا أولى لنّه آيل إلى اللّزوم ‪.‬‬
‫ثانيا ‪ :‬كون المال المحال به أو عليه يصحّ العتياض عنه ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬المال المحال به ‪:‬‬
‫‪ - 72‬اشترط الشّافعيّة صحّة العتياض عن المال المحال به ‪ ،‬ورأوا أنّها تغني عن شريطة‬
‫اللّزوم أو اليلولة إليه ‪ .‬فما ل يصحّ العتياض عنه ‪ -‬كالمسلم فيه ‪ ،‬وكلّ مبيع قبل قبضه ‪،‬‬
‫ودين الزّكاة ‪ -‬ل تصحّ الحوالة به برغم لزومه ‪.‬‬
‫والمالكيّة ‪ ،‬وجماهير الحنابلة ‪ ،‬يصرّحون بهذه الموافقة ‪ ،‬كلّ على طريقته ‪.‬‬
‫وممّا يستدلّ به لعدم صحّة العتياض عن المسلم فيه حديث أبي سعيد أنّه صلى ال عليه‬
‫ن في إسناده عطيّة بن‬
‫وسلم قال ‪ « :‬من أسلف في شيء فل يصرفه إلى غيره » لكن قالوا إ ّ‬
‫ج بحديثه ‪ ،‬ويغني عنه النّهي الثّابت عن بيع ما لم يقبض‬
‫سعد العوفيّ ‪ ،‬قال المنذريّ ‪ :‬ل يحت ّ‬
‫‪.‬‬
‫ص بعض الحنفيّة على صحّة ضمان المسلم فيه ‪ ،‬ومعنى ذلك صحّة الحوالة به أيضا ‪،‬‬
‫وقد ن ّ‬
‫ل‪.‬‬
‫ح ضمانه صحّت حوالته ما لم يكن مجهو ً‬
‫ل دين ص ّ‬
‫إذ من قواعدهم أنّ ك ّ‬
‫وصرّح به السّرخسيّ في المبسوط ‪ ،‬كما صرّح به بعض الحنابلة تنزيلً له منزلة الموجود‬
‫لصحّة البراء منه ‪.‬‬
‫لكن الشّافعيّة وموافقيهم يفرّقون في دين السّلم من حيث تصحيحهم ضمانه دون الحوالة به بأنّ‬
‫دين السّلم ل يصحّ العتياض عنه ‪ ،‬وأنّ الحوالة اعتياض ‪ ،‬لنّها بيع بخلف الضّمان ‪.‬‬
‫ن كلّ من يجيز أخذ القيمة عن الزّكاة ‪ ،‬ل يسلّم بهذا التّعليل " عدم صحّة العتياض‬
‫وظاهر أ ّ‬
‫" لمنع الحوالة بدين الزّكاة ‪ ،‬فالّذي ل يرى عّلةً مانع ًة أخرى يصرّح بجواز الحوالة به ‪.‬‬
‫ومن الشّافعيّة أنفسهم من يصرّح أيضا بصحّة الحوالة بدين الزّكاة ‪،‬على أنّها استيفاء ل بيع‪.‬‬
‫وقد تقدّم أنّ الثّمن في مدّة الخيار تصحّ الحوالة به عند كثيرين ‪ ،‬كالشّافعيّة والحنابلة ‪ ،‬لنّ‬
‫الحوالة متسامح فيها استثناء لنّها إرفاق كما تقدّم ‪.‬‬
‫ص المالكيّة ‪ -‬خلفا لشهب ‪ -‬على امتناع أن يكون الدّينان‬
‫‪ - 73‬ولعتبار هذه الشّريطة ن ّ‬
‫المحال به والمحال عليه طعامين من بيع ( سلم ) ‪.‬‬
‫ن الّذي يمتنع عندهم بيعه قبل‬
‫بل هم يقتصرون على هذا القدر في صياغة هذه الشّريطة ‪ ،‬ل ّ‬
‫قبضه إنّما هو طعام المعاوضة ل غير ‪.‬‬
‫ومقتضى هذه العلّة أن تمتنع عندهم أيضا الحوالة بدين على دين ‪ ،‬وأحدهما طعام من بيع‬
‫والخر من قرض ‪ .‬وهذا هو الّذي قرّره أبو الوليد بن رشد ‪.‬‬
‫وقد جرى عليه خليل في البيوع ‪ ،‬ولكنّه جرى هنا في الحوالة على عدم امتناع هذه‬
‫الصّورة ‪ ،‬متى كان أحد الدّينين حالّا ‪ -‬كما حكي عن مالك نفسه ‪ ،‬وعليه عامّة أصحابه عدا‬
‫ابن القاسم ‪ -‬ركونا إلى قول ابن يونس ‪ :‬إنّ هذا هو الصوب ‪ ،‬تغليبا لجانب الدّين الخر‬
‫الّذي ليس بطعام معاوض ًة ‪ .‬أمّا ابن القاسم فلم يصحّحها إلّ بشريطة حلول الدّينين كليهما فهو‬
‫تنزيل للحلول منزلة القبض ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬المال المحال عليه ‪:‬‬
‫‪ - 74‬الّذين اشترطوا صحّة العتياض عن المال المحال عليه هم الّذين اشترطوا مثلها في‬
‫المحال به ‪ ،‬فعلى ما هناك ل تصحّ الحوالة برأس مال السّلم ‪ ،‬وعلى ما هنا ل تصحّ الحوالة‬
‫ل من‬
‫عليه وكذا المسلم فيه ‪ ،‬وك ّل مبيع قبل قبضه ‪ ،‬ودين الزّكاة وإن كان عند الحنابلة في ك ّ‬
‫دين السّلم المسلم فيه ‪ ،‬ورأس ماله وجه بصحّة الحوالة عليه وبه ‪.‬‬
‫وواضح بناء هذه الشّريطة على أنّ الحوالة بيع وقد فرغنا من ذلك قبلً ( ر ‪ :‬ف ‪. ) 11 /‬‬
‫ثالثا ‪ :‬كون المال المحال به أو عليه مستقرّا ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬المال المحال به ‪:‬‬
‫‪ - 75‬الدّين المستقرّ هو الّذي ل يتطرّق إليه انفساخ بتلف مقابله ‪ ،‬أو فواته بأيّ سبب كان‬
‫كتعذّر المال المسلم فيه في عقد السّلم ‪.‬‬
‫فالمهر قبل الدّخول وقبل الموت ‪ ،‬والجرة قبل استيفاء المنفعة ‪ ،‬أو قبل مضيّ المدّة ‪ ،‬والثّمن‬
‫قبل قبض المبيع ‪ ،‬وما شاكل ذلك ‪ ،‬كلّها ديون لزمة يصحّ العتياض عنها ‪ ،‬ولكنّها غير‬
‫مستقرّة لنّها عرضة للسّقوط بفوات مقابلها ‪ ،‬كردّة الزّوجة ‪ ،‬وموت الجير أو المستأجر ‪،‬‬
‫ح الحوالة بها ‪ ،‬وبالولى إذا اختلت شريطة أخرى ‪ ،‬كالثّمن في مدّة‬
‫وتلف المبيع فل تص ّ‬
‫الخيار ‪ ،‬لنتفاء لزومه ‪ .‬وهذه الشّريطة يجزم بها كثير من الحنابلة وإن لم يكونوا‬
‫جمهورهم ‪ ،‬على أنّ بعضهم يدّعي أنّه الشهر عندهم ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬المال المحال عليه ‪:‬‬
‫‪ - 76‬لم يصرّح باشتراط استقراره سوى الحنابلة أيضا نقلً عن نصّ أحمد ‪ ،‬وفي التّفريع‬
‫على ذلك يقول ابن قدامة ‪ :‬دين السّلم ليس بمستقرّ ‪ ،‬لكونه بعرض الفسخ ‪ ،‬لنقطاع المسلم‬
‫ح ‪ ،‬لنّه غير‬
‫فيه ‪ .‬ثمّ يقول ‪ :‬وإن أحالت المرأة على زوجها بصداقها قبل الدّخول لم يص ّ‬
‫ن له تسليمه إليها ‪ ،‬وحوالته به تقوم مقام تسليمه ‪،‬‬
‫مستقرّ ‪ ،‬وإن أحالها الزّوج به صحّ ‪ ،‬ل ّ‬
‫ح لنّه مستقرّ ‪ ،‬وإن أحال البائع بالثّمن على المشتري في مدّة‬
‫وإن أحالت به بعد الدّخول ص ّ‬
‫ح في قياس ما ذكر ‪ ،‬وإن أحاله المشتري به صحّ ‪ ،‬لنّه بمنزلة الوفاء ‪ ،‬وله‬
‫الخيار لم يص ّ‬
‫الوفاء قبل الستقرار ‪.‬‬
‫ويلحظ هنا أنّ ابن قدامة في كلمه هذا يجري على عدم التّفريق بين الدّين غير اللّازم كمال‬
‫الكتابة ‪ ،‬والثّمن في مدّة الخيار ‪ ،‬وبين الدّين اللّازم غير المستقرّ كدين السّلم ‪ ،‬والمهر قبل‬
‫الدّخول ‪ ،‬كما أنّه جرى على عدم اشتراط الستقرار إلّ في الدّين المحال عليه دون المحال‬
‫به ‪ ،‬فصحّح إحالة الزّوج لزوجته بمهرها قبل الدّخول ‪ ،‬ومنع الحالة منها عليه ‪ ،‬لنّ له‬
‫ح منه التّسليم ‪ .‬ومع ذلك ففي الحنابلة من ينازع في اعتبار هذه الشّريطة‬
‫الحالة به حيث يص ّ‬
‫‪ ،‬فالمجد بن تيميّة في " المحرّر " لم يستثن من الدّيون الّتي تصحّ الحوالة بها وعليها سوى‬
‫دين السّلم ‪ -‬فمنع الحوالة به وعليه ‪ -‬وهذا الّذي استثناه منازع في منعه عندهم ‪ :‬فقد حكى‬
‫صاحب النصاف صحّة الحوالة بدين السّلم وعليه مطلقا ‪.‬‬
‫رابعا ‪ :‬كون المال المحال عليه ناشئا عن معاوضة ماليّة ‪:‬‬
‫‪ - 77‬وهذه الشّريطة شريطة لزوم ‪ .‬فالّذي يخالع زوجته على مال ‪ ،‬ثمّ يحيل على هذا‬
‫المال ‪ ،‬فتموت الزّوجة ولو موسر ًة قبل أن يقبضه المحال ‪ ،‬أو تفلس ‪ -‬كما استظهروه ‪-‬‬
‫يكون للمحال الرّجوع عليه بدينه ‪ .‬هذه حوالة صحيحة ولزمة ابتداءً ‪ ،‬ولكنّها قد تتحوّل عن‬
‫هذا اللّزوم كم رأينا ‪ .‬هكذا قرّره ابن الموّاز من المالكيّة ‪.‬‬
‫خامسا ‪ :‬كون المال المحال به أو عليه معلوما ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬المال المحال به ‪:‬‬
‫ل معاوضة ‪،‬‬
‫‪ - 78‬اشترط الفقهاء هذه المعلوميّة وذلك لما في الجهالة من الغرر المفسد لك ّ‬
‫والحوالة ل تخلو من معنى المعاوضة ‪ ،‬كما سلف ‪ ،‬فل تصحّ الحوالة بمجهول ‪ ،‬كالحوالة بما‬
‫سيثبت على فلن ‪ .‬ول نزاع في هذه الشّريطة ‪ ،‬سواء أقلنا ‪ :‬إنّ الحوالة اعتياض ‪ ،‬أم قلنا‬
‫ن المجهول يمتنع العتياض عنه لما فيه من الغرر ‪ ،‬كما يتعذّر استيفاؤه‬
‫إنّها استيفاء ‪ ،‬ل ّ‬
‫وإيفاؤه لما يثيره من نزاع مشكل يحتجّ فيه كلّ من الخصمين بالجهالة احتجاجا متعادلً حتّى‬
‫ل ما‬
‫لو كانت على شخص ما ديون كثيرة ل يعلم مقدارها ‪ ،‬فقال لدائنه ‪ :‬أحلتك على فلن بك ّ‬
‫لك عليّ ‪ ،‬لم تصحّ الحوالة ‪.‬‬
‫‪ - 79‬وكثيرون يحدّدون بوضوح كيف يكون المال معلوما هنا ‪.‬‬
‫ح السّلم فيه ل تصحّ الحوالة به ‪ :‬فهم‬
‫ل ما ل يص ّ‬
‫ومن هؤلء الشّافعيّة والحنابلة إذ يقولون ‪ :‬ك ّ‬
‫إذن يشرطون معلوميّة قدره كمائة ثوب ‪ ،‬ومعلوميّة جنسه ‪ ،‬كقطن أو صوف ‪ ،‬ومعلوميّة‬
‫صفاته الّتي تختلف باختلفها الغراض أختلفا بيّنا ‪ ،‬أي صفاته الضّابطة ‪ ،‬أو كما قالوا ‪" :‬‬
‫صفاته المعتبرة في السّلم " كالطّول والعرض ‪ ،‬والرّقّة ‪ ،‬والصّفاقة ‪ ،‬والنّعومة والخشونة ‪،‬‬
‫واللّون ‪ ،‬وما إلى ذلك ‪.‬‬
‫ل بالسّنّ والعدد وهذا ل يكفي‬
‫وذلك يعني عدم صحّة الحوالة بإبل الدّية ‪ ،‬لنّها ل تعلم إ ّ‬
‫لضبطها المعتبر في السّلم ‪ ،‬وهذا هو الّذي اعتمده فيها الشّافعيّة وأبو الخطّاب من الحنابلة ‪،‬‬
‫وإن كان هنالك من يقول بصحّة الحوالة بها وعليها ‪ ،‬كما لو كان لرجل ‪ ،‬وعليه ‪ ،‬خمس من‬
‫البل أرش موضحة ‪ ،‬فيحيل بهذه على تلك ‪ ،‬وإلى هذا ذهب القاضي من الحنابلة ‪ ،‬وهو قول‬
‫للشّافعيّ نفسه ‪ ،‬اكتفاءً بالعلم بسنّها وعددها ‪ ،‬فليس الضّبط بالصّفات المطلوبة في السّلم إذن‬
‫بحتم ليتحقّق معنى العلم بالمحال به ‪ ،‬ولحسم ما عساه ينشأ من نزاع يعتبر أقلّ ما يقع عليه‬
‫السم في السّنّ والقيمة وسائر الصّفات ‪ ،‬كما قرّره القاضي من الحنابلة " وإن كان قياس كلم‬
‫ن والعدد حال غالب إبل البلد " ‪.‬‬
‫الشّافعيّة في الضّمان أن يراعى فيما وراء السّ ّ‬
‫ب ‪ -‬المال المحال عليه ‪:‬‬
‫‪ - 80‬يصرّح الشّافعيّة والحنابلة باشتراط معلوميّة الدّينين " المحال به ‪ ،‬والمحال عليه " لدى‬
‫المتعاقدين المحيل والمحال ‪ .‬ولم نجد في كلم فقهاء الحنفيّة والمالكيّة تصريحًا باشتراط‬
‫معلوميّة المال المحال عليه في الحوالة المقيّدة ‪ ،‬كما هو موجود في المال المحال به ‪ ،‬ولكن‬
‫يستنتج من قواعد الحنفيّة هذا الشتراط ‪.‬‬
‫سادسا ‪ :‬كون المال المحال به أو عليه ثابتا قبل الحوالة ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬المال المحال به ‪:‬‬
‫‪ - 81‬صرّح المالكيّة باشتراط ثبوت المال المحال به في ال ّذمّة قبل الحوالة ‪.‬‬
‫ح أن يسلف ( يقرض ) شخص آخر نقودا أو طعاما مثلً ‪ ،‬على أن‬
‫وفرّعوا عليه أنّه ل يص ّ‬
‫يستوفي المسلف ممّن هو مدين للمستلف بمثل ذلك ‪ ،‬إذ من الواضح في هذه الحالة أنّ الدّين‬
‫ل مع الحوالة في وقت واحد ‪.‬‬
‫المحال به لم يثبت إ ّ‬
‫وبعض المالكيّة يصرّحون ‪ ،‬بأن ل بأس أن تكتري من رجل داره بدين لك حالّ أو مؤجّل‬
‫على رجل آخر ‪ ،‬وتحيله عليه في الوقت نفسه ‪.‬‬
‫وعند الحنابلة أنّ المحيل إذا أحال شخصا غير مدين له على من عليه دين للمحيل فهي وكالة‬
‫جرت بلفظ الحوالة ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬المال المحال عليه ‪:‬‬
‫‪ - 82‬اشترط المالكيّة والحنابلة ‪ ،‬ثبوت المال المحال عليه قبل الحوالة ‪ ،‬وفرّع الباجيّ من‬
‫المالكيّة على هذه الشّريطة أنّ المدين لو أحال على غير مدينه ثمّ أعطى المحال عليه ما‬
‫يقضي به دين الحوالة ‪ ،‬فأفلس هذا أو مات قبل أن يقضي الدّين يكون للمحال الحقّ في‬
‫الرّجوع على المحيل بدينه ‪ ،‬ثمّ يرجع هذا بدوره على المحال عليه بما كان أعطاه ‪ ،‬لكن هذا‬
‫هو حكم الحمالة عندهم ‪ ،‬وهذه الواقعة هي من الحمالة وإعطاؤه بعد ذلك ما يقضي به ل‬
‫تتحوّل به هذه الحمالة إلى حوالة ‪.‬‬
‫ن صحّة الحوالة ‪-‬‬
‫ولكن الشّافعيّة ينصّون على خلف هذا ‪ .‬فقد قال الخطيب ‪ " :‬فإن قيل ‪ :‬إ ّ‬
‫أي بالثّمن على المشتري ‪ -‬زمن الخيار مشكل ‪ ،‬إذا كان الخيار للبائع أو لهما " يعني البائع‬
‫ن البائع إذا أحال فقد أجاز ‪،‬‬
‫والمشتري " ‪ ،‬لنّ الثّمن لم ينتقل عن ملك المشتري ‪ ،‬أجيب بأ ّ‬
‫فوقعت الحوالة مقارن ًة للملك وذلك كاف " ‪.‬‬
‫سابعا ‪ :‬كون المال المحال به أو عليه حالّا ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬المال المحال به ‪:‬‬
‫ل إذا كان الدّين المحال عليه قد حلّ ‪ ،‬إذ لو‬
‫‪ - 83‬ل تصحّ الحوالة بدين لم يحلّ أجله بعد ‪ ،‬إ ّ‬
‫لم يحلّ هو أيضا فل أقلّ من أن يلزم بيع الكالئ بالكالئ ‪ ،‬وينضاف إليه محذور آخر هو ربا‬
‫النّساء ‪ ،‬إن جمعت الدّينين علّة ربويّة واحدة ‪.‬‬
‫هكذا قرّر المالكيّة هذه الشّريطة بإطلقها هذا ‪ ،‬على طريقة ابن القاسم ‪.‬‬
‫واشترط الحنفيّة أن يستمرّ حلول المال المحال به إن كان حالّا ‪ ،‬في الحوالة بمال القاصر وما‬
‫ل من تجب فيه رعاية الصلح لصاحبه ‪ ،‬لنّ الحوالة به إلى أجل إبراء مؤقّت‬
‫شاكلها من ك ّ‬
‫فل يجوز اعتبارا بالبراء المؤبّد الّذي ل يملكه الوليّ في مال القاصر ‪ ،‬وقد أطلق أبو يوسف‬
‫هنا ‪ ،‬ولم يفصّل تفصيل أبي حنيفة ومحمّد بين الدّين الواجب بعقد الب أو الوصيّ ‪ ،‬فيجوز‬
‫تأجيله ‪ ،‬والدّين الواجب بغير عقدهما ‪ -‬كالرث والتلف ‪ -‬فل يجوز ‪.‬‬
‫نقله في البحر عن المحيط ‪ ،‬ث ّم قال ‪ :‬وكذا قبول الحوالة من المتولّي أي " ناظر الوقف " فهي‬
‫على هذا التّفصيل ‪.‬‬
‫وهذه الشّريطة ليست إلّ تطبيقا جزئيّا للصل العامّ ‪ ،‬الّذي ل يختلف عليه ‪ ،‬في تصرّفات‬
‫الوليّ من أنّها منوطة بالمصلحة ( ر ‪ :‬ف ‪. ) 96 /‬‬
‫ب ‪ -‬المال المحال عليه ‪:‬‬
‫‪ - 84‬اشترط المالكيّة حلول المال المحال عليه ‪ ،‬ولو لم يكن الدّين المحال به حالّا ‪.‬‬
‫ثامنا ‪ :‬كون المال المحال به أو عليه مثليّا ‪:‬‬
‫‪ - 85‬ل خلف بين الفقهاء في صحّة الحوالة بالدّين أو الحوالة عليه إن كان المال مثليّا ‪،‬‬
‫ح عند الشّافعيّة ‪ -‬إلى صحّة الحوالة بالدّين القيميّ أو‬
‫وذهب جمهور الفقهاء ‪ -‬وهو الص ّ‬
‫الحوالة عليه ‪ ،‬لنّ ما له صفات ضابطة ففي ضبطه بها بلغ ‪ ،‬كما ل يجادل في ذلك أحد‬
‫في باب السّلم ‪ ،‬فيقاس القيميّ المنضبط على المثليّ ما دام كلهما دينا في ال ّذمّة له صفات‬
‫ب ‪ -‬على ما فيها من الخلف‬
‫تضبطه تضاف إلى معرفة النّوع والقدر ‪ :‬كالثّياب ‪ ،‬والدّوا ّ‬
‫المعروف ‪ -‬والصّوف ‪ ،‬والقطن ‪ ،‬والشّعر ‪ ،‬والخشاب ‪ ،‬والحجار ‪ ،‬والحديد ‪ ،‬والرّصاص‬
‫‪ ،‬والبلّور ‪ ،‬والزّجاج ‪ ،‬والفخّار ‪ ،‬والورق ‪ ،‬والكتب واللت ما دامت ذات صفات ضابطة‬
‫كإنتاج مصنع بعينه ‪.‬‬
‫بل لمجتهد أن يعتبر هذه الشياء الخيرة حينئذ من قبيل المثليّ الّذي ل تفاوت فيه يذكر ‪.‬‬
‫وذهب قلّة من الشّافعيّة والحنابلة إلى اشتراط كون المال المحال به أو عليه مثليّا ‪ ،‬بل من‬
‫الشّافعيّة وغيرهم من يشترط خصوص الثّمنيّة ول يكتفي بمطلق المثليّة ‪ ،‬فل حوالة على هذا‬
‫ل بالذّهب أو الفضّة ‪ ،‬أو ما يجري مجراهما في التّعامل النّقديّ ‪.‬‬
‫القول إ ّ‬
‫والمراد عند هؤلء جميعا بالمثليّة أن يكون الدّين من جنس ما يكال أو يوزن ويضبطه‬
‫الوصف ‪ ،‬كالنّقود والحبوب والدهان ‪ ،‬فل تصحّ الحوالة بالقيميّ ‪ ،‬وهو ما خرج عن هذا‬
‫النّمط كالثّياب المتفاوتة ‪ ،‬والحيوان ‪ ،‬فقد يثبت شيء من غير المثليّ في ال ّذمّة ‪ ،‬كما لو بيع‬
‫ن المقصود بالحوالة الوصول‬
‫بوصف ‪ ،‬أو التزم صداقا ‪ ،‬أو بدل خلع ‪ ،‬ولكن ل يحال به ‪ ،‬ل ّ‬
‫إلى الحقّ دون تفاوت ‪ ،‬وهذا ل يكون إلّ في المثليّات ‪.‬‬
‫تاسعا ‪ :‬كون المالين المحال به أو عليه متساويين جنسا وقدرا وصفةً ‪:‬‬
‫‪ - 86‬لم يشترط الحنفيّة التّساوي بين المالين المحال به والمحال عليه في الحوالة المقيّدة‬
‫جنسا أو قدرا أو صفةً ‪ ،‬وإنّما الكلم في اشتراط ذلك يجري على غير مذهبهم ‪.‬‬
‫وتفصيل ذلك فيما يلي ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬المال المحال به ‪:‬‬
‫‪ - 87‬المراد بالصّفة ما يشمل الجودة والرّداءة ‪ ،‬والحلول والتّأجيل ‪ ،‬وقدر الجل ‪ ،‬ل صفة‬
‫التّوثّق برهن أو ضمان ‪ ،‬بل هذه تسقط عن كل الدّينين بمجرّد الحوالة ‪ ،‬لنّها بمثابة‬
‫ضيّة ‪ ،‬ول بقمح على‬
‫القبض ‪ ،‬فل تصحّ الحوالة بنقود فضّيّة على ذهبيّة ‪ ،‬أو ذهبيّة على ف ّ‬
‫شعير ‪ ،‬ول بضأن على معز ‪ ،‬ول عكسه ‪ ،‬ول بخمسة أثواب ‪ ،‬مثلً على عشرة ‪ ،‬ول‬
‫بعشرة على خمسة " نعم إذا كان له عشرة على آخر ‪ ،‬فأحال على خمسة منها بخمسة صحّت‬
‫الحوالة لتحقّق الشّريطة " ‪ ،‬ول بالمغشوش على الخالص ول بالخالص على المغشوش ‪ ،‬ول‬
‫بحالّ على مؤجّل ‪ ،‬ول بمؤجّل على حالّ ‪ ،‬ول بمؤجّل إلى شهر على مؤجّل إلى شهرين ول‬
‫ح بمائة دينار ذهبيّة من نقود بلد بعينه ‪ ،‬أو مائة إردبّ من القمح الهنديّ ‪،‬‬
‫عكسه‪ .‬ولكنّها تص ّ‬
‫أو مائة شاة من الضّأن التّركيّ مضبوطة الوصف سنّا ولونا ‪ -‬وما إليها ‪ -‬على مائة مثلها ‪،‬‬
‫والدّينان حالّان ‪ ،‬أو مؤجّلن إلى أجل واحد كسنة مثلً ‪.‬‬
‫والحكمة في اشتراط هذه الشّريطة ‪ ،‬أنّ الحوالة ‪ -‬سواء جرينا على أنّها معاوضة أو ليست‬
‫بمعاوضة ‪ -‬عقد إرفاق يقصد به اليفاء والستيفاء ‪ ،‬ل السترباح والستكثار ‪ ،‬فلو أذن‬
‫ل يريد أن يغبن الخر ‪ ،‬ويصيب منه أكثر ممّا يترك‬
‫بالتّفاوت فيها لتبارى المتعاملون بها ‪ ،‬ك ّ‬
‫له ‪ ،‬وهذا خلف موضوعها ‪ .‬ثمّ بالنّسبة إلى من ل يشترطون رضا المحال ‪ ،‬كيف يعقل‬
‫إجباره مع اختلف الدّينين ؟‬
‫طيّب من الشّافعيّة صحّة الحوالة بألف على‬
‫ومبالغ ًة في اتّقاء التّفاوت منع القاضي أبو ال ّ‬
‫شخصين ‪ ،‬ك ّل منهما مدين للمحيل بألف على التّضامن ‪ ،‬على أن يطالب المحال أيّهما شاء ‪،‬‬
‫وعلّل المنع بأنّ المحال يستفيد زيادةً في المطالبة ‪ ،‬إذ كان قبل الحوالة يطالب واحدا ‪ ،‬فصار‬
‫بعدها يطالب اثنين ‪ .‬وإن كان الشّيخ أبو إسحاق من الشّافعيّة أيضا يخالفه ‪ ،‬ويصحّح هذه‬
‫ل قدر حقّه ‪ ،‬وما يزال‬
‫ن المحال ‪ ،‬مهما استفاد من زيادة مطالبة ‪ ،‬فلن يأخذ إ ّ‬
‫الحوالة ‪ ،‬ل ّ‬
‫المتأخّرون من الشّافعيّة متأرجحين بين هذين الرّأيين ‪ :‬فبينا يصحّح البلقينيّ والسّبكيّ الوّل ‪،‬‬
‫يأخذ الرّمليّ الكبير بالثّاني ‪.‬‬
‫هكذا قرّر الشّافعيّة هذه الشّريطة ‪ ،‬وفق ما استقرّ عليه المذهب ‪ ،‬وإن كان منهم من ينازع في‬
‫ن المحيل إذن متبرّع‬
‫شريطة التّساوي في الصّفة إذا كان التّفاوت لمصلحة المحال ‪ ،‬ل ّ‬
‫بالزّيادة على سبيل إحسان القضاء ‪.‬‬
‫‪ - 88‬وهذه الشّريطة يقرّرها أيضًا المالكيّة والحنابلة ‪ ( ،‬ر ‪ :‬ف ‪ ، ) 83 /‬باستثناء ما تفرّد‬
‫ن محلّ المنع عند الختلف بالجودة والرّداءة ‪ ،‬أو القلّة ‪ ،‬والكثرة إذا لم‬
‫به المالكيّة من أ ّ‬
‫يقبض المحال من المحال عليه قبل تفرّقهما ‪.‬‬
‫ن الخلف فيما إذا كان‬
‫وهؤلء جميعا يحاذون الشّافعيّة في تقريراتهم النفة الذّكر ‪ ،‬حتّى إ ّ‬
‫ص الحنابلة على بقائه كما هو ‪ ،‬وإن كان المالكيّة يعكسون‬
‫التّفاوت لمصلحة المحال ين ّ‬
‫الموقف ‪ :‬فيمنعون التّحوّل على العلى صف ًة أو الكثر قدرا ‪ ،‬قولً واحدا ‪ ،‬ويتردّدون‬
‫ويختلفون في التّحوّل على الدنى أو القلّ ‪.‬‬
‫ص المالكيّة على أن ل خلف في صحّة الحوالة مع التّفاوت في القدر ‪ ،‬إذا وقعت بلفظ‬
‫وين ّ‬
‫البراء من الزّيادة والحوالة بالباقي ‪ ،‬كما لو قال الدّائن بألف ‪ :‬أبرأتك من ثلثمائة ‪ ،‬وأحلني‬
‫على مدينك فلن بالباقي ‪ ،‬فيقول ‪ :‬أحلتك وهذا واضح جدّا ‪.‬‬
‫الستعاضة في الحوالة ‪:‬‬
‫‪ - 89‬المراد بالستعاضة أن يتراضى المحال والمحال عليه بعد صحّة الحوالة بدفع عوض‬
‫عن المحال به ‪ .‬والستعاضة جائزة عند الحنفيّة وهو المذهب عند الحنابلة ‪.‬‬
‫ول نصّ فيها عن الشّافعيّ ول عن قدماء أصحابه ‪ .‬ولم نطّلع على مذهب المالكيّة في ذلك ‪.‬‬
‫وقيّد الحنفيّة والحنابلة الجواز بأن ل يكون العوضان ربويّين ‪ ،‬فإن كانا كذلك وجب التّقابض‬
‫في المجلس ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬المال المحال عليه ‪:‬‬
‫‪ - 90‬سلف الكلم في هذه الشّريطة بالنّسبة للدّين المحال به ‪ ،‬وهو بعينه الكلم هنا فل حاجة‬
‫ن هذه الشّريطة تفسّر في كلم بعض الشّافعيّة‬
‫إلى إعادته ‪ ،‬بيد أنّه ينبغي التّنبيه هنا على أ ّ‬
‫بالمساواة في الواقع ‪ ،‬وفي اعتبار المتعاقدين المحيل والمحال ‪ -‬أي في رأيهما ومبلغ علمهما‬
‫‪ -‬ومعنى ذلك أنّه إذا تساوى الدّينان في الواقع ونفس المر ‪ ،‬ولكنّهما جهل هذا التّساوي أو‬
‫جهله أحدهما فالحوالة باطلة ‪ ،‬وكذلك تكون الحوالة باطل ًة إذا اعتقد التّساوي ‪ ،‬ول تساوي ‪،‬‬
‫في الحقيقة ‪.‬‬
‫عاشرا ‪ :‬قبض المال المحال عليه " إن كان رأس مال سلم أو ربويّا يوافق المحال‬
‫به في علّة الرّبا " ‪.‬‬
‫‪ - 91‬صرّح الحنفيّة باشتراط قبض المال المحال عليه إن كان رأس مال سلم أو ربويّا يوافق‬
‫ص عبارة السّرخسيّ في مبسوطه ‪ " :‬ولنّه ‪ -‬أي دين الحوالة‬
‫المحال به في علّة الرّبا ‪ ،‬ون ّ‬
‫‪ -‬يثبت في ذمّة المحال عليه على الوجه الّذي كان في ذمّة المحيل ‪ ،‬حتّى لو كان بدل‬
‫صرف أو سلم ل يجوز الستبدال به مع المحال عليه " كما ل يجوز مع المحيل ‪ ،‬ويبطل عقد‬
‫الصّرف والسّلم بافتراق المتعاقدين قبل القبض من المحال عليه ‪.‬‬
‫ولم يذكر المالكيّة القبض هنا في حوالة الطّعام على الطّعام ‪ ،‬لكنّهم نصّوا على ضرورته في‬
‫حالة الصّرف خاصّةً وعبارتهم في عقد حوالته ‪ " :‬ل بدّ من القبض قبل افتراق كلمهم ‪،‬‬
‫وقبل طول مجلسهم ‪ ،‬وإلّ فسد " ‪.‬‬
‫ولم يتردّد الشّافعيّة في رفض هذه الشّريطة ولو في الرّبويّات ‪ ،‬لنّ المعاوضة في الحوالة ‪-‬‬
‫بعد القول بها ‪ -‬ليس على سنن سائر المعاوضات ‪.‬‬
‫ص عبارة الشّافعيّة كما يلي ‪ :‬هي ‪ -‬أي الحوالة ‪ -‬بيع دين بدين جوّز للحاجة ‪ ،‬ولهذا لم‬
‫ون ّ‬
‫يعتبر التّقابض في المجلس ‪ ،‬وإن كان الدّينان ربويّين ‪.‬‬
‫أمّا في رأس مال السّلم ‪ ،‬فيقول البجيرميّ فيما كتبه على شرح المنهاج من كتب الشّافعيّة‬
‫ح الحوالة بما ل يعتاض عنه ‪ ،‬ول تصحّ الحوالة عليه ‪ ،‬كدين السّلم ‪ ،‬أي‬
‫المعتمدة ‪ :‬ل تص ّ‬
‫مسلما فيه ورأس مال ( أيّهما كان ) ‪.‬‬
‫ما ل يشترط في الحوالة ‪:‬‬
‫‪ - 92‬ل يشترط أن يكون سبب الدّينين في الحوالة من نوع واحد ‪ ،‬بأن يكون كلهما من‬
‫قرض ‪ ،‬أو بيع ‪ ،‬أو ضمان مثلً ‪ ،‬فل مانع أن يكون أحد ديني الحوالة من عقد معاوضة ‪،‬‬
‫والخر دين إتلف مثلً ‪ .‬أو أحدهما صداقا ‪ ،‬والخر بدل خلع ‪ ،‬أو بدل قرض ‪ ،‬أو أجرة ‪.‬‬
‫كما ل يشترط أيضا أن يكون الدّين المحال به ثابتا على المحيل ثبوتا أصليّا ‪.‬‬
‫فالدّين الّذي يكون في غير محلّه الصيل ‪ ،‬كما لو كان من حوالة أو كفالة ‪ ،‬تصحّ الحوالة به‬
‫‪ ،‬بأن يحيل المحال عليه أو الكفيل على مدين له هو ‪ .‬بل يجوز أيضا للمحال أن يحيل دائنه‬
‫على المحال عليه ‪ ،‬وللمكفول له أن يحيل دائنه على الكفيل ‪.‬‬
‫وهذا في الصل موجود في كتب الشّافعيّة ‪ ،‬مع زيادة تعدّد المحالين مع بقاء المحال عليه‬
‫واحدا ‪ .‬ونصّ عبارة الرّافعيّ في الشّرح الكبير هكذا ‪ :‬إذا أحلت زيدا على عمرو ‪ ،‬ثمّ أحال‬
‫عمرو زيدا على بكر ‪ ،‬ثمّ أحال بكر على آخر ‪ ،‬جاز ‪ .‬وقد تعدّد المحال عليهم وزيد المحال‬
‫واحد ‪ .‬ولو أحلت زيدا على عمرو ‪ ،‬ثمّ أحال زيد بكرا على عمرو ‪ ،‬ثمّ أحال بكر آخر على‬
‫عمرو جاز ‪ ،‬والتّعدّد هاهنا في المحتالين ‪ ،‬وعمرو المحال عليه واحد ‪ .‬ولو أحلت زيدا على‬
‫عمرو ‪ ،‬ثمّ ثبت لعمرو عليك مثل ذلك الدّين فأحال زيدا عليك جاز ‪.‬‬
‫الجزاء على تخلّف إحدى شرائط النعقاد " بطلن الحوالة " ‪:‬‬
‫‪ - 93‬إذا عدمت شرائط انعقاد الحوالة كلّا أو بعضا فالنّتيجة المقرّرة فقهًا هي بطلنها ‪ ،‬أي‬
‫عدم انعقادها ‪ ،‬جزاءً لمخالفة تلك الشّرائط ‪.‬‬
‫وهذا مبدأ متّفق عليه بين فقهاء الشّريعة ول مجال للخلف فيه ‪ ،‬وإلّ لم يبق أيّة ثمرة لشرائط‬
‫النعقاد " وهذا معروف في الحكام العامّة للتّعاقد ممّا يسمّى اليوم ‪ :‬نظريّة العقد " ‪ .‬ولكن قد‬
‫يختلف الفقهاء في اشتراط بعض الشّرائط لنعقاد الحوالة ‪ ،‬فمن يشترط لنعقاد شريطة ما ‪،‬‬
‫يحكم ببطلن الحوالة عند فقد هذه الشّريطة ‪ ،‬ويخالفه في ذلك من ل يشترطها ‪ .‬ومن المقرّر‬
‫في القواعد أنّه يستوي في النّتيجة تخلّف جميع المقوّمات وشرائط النعقاد وتخلّف بعضها فقط‬
‫ن تخلّف بعض العناصر الساسيّة ‪ ،‬كتخلّف الكلّ من حيث النّتيجة وهي البطلن ‪.‬‬
‫‪ ،‬فإ ّ‬
‫ومن الواضح أنّه حيثما يتقرّر بطلن الحوالة فإنّ هذا البطلن يستتبع آثارا ‪ ،‬إذ يجب فيه‬
‫عندئذ نقض ما قد تمّ تنفيذه من العقد قبل تقرير بطلنه ‪ ،‬ثمّ ردّ ما يستلزم هذا النّقض ردّه‬
‫ممّا قبض دون حقّ ‪ ،‬كما هو معلوم من الحكام العامّة في التّعاقد ‪.‬‬
‫وسيأتي في آثار الحوالة والحكام المترتّبة عليها أنّ الحوالة الصّحيحة الّتي نفذت بدفع المحال‬
‫عليه إلى المحال دين الحوالة يترتّب فيها للمحال عليه حقّ الرّجوع على المحيل ‪ .‬غير أنّهم‬
‫في الحوالة الباطلة أو الفاسدة قد أعطوا المحال عليه الخيار في الرّجوع على المحيل أو على‬
‫ق نظرا لبطلن الحوالة ‪.‬‬
‫المحال القابض ‪ ،‬لنّه قبض ما ليس له بح ّ‬
‫شرائط النّفاذ ‪:‬‬
‫أوّلً ‪ :‬بلوغ المحيل والمحال ‪ ،‬والمحال عليه بحسب الحوال ‪:‬‬
‫‪ - 94‬أ ‪ -‬يشترط الحنفيّة لنفاذ الحوالة أن يكون المحيل بالغا ‪ ،‬لنّ في الحوالة معنى‬
‫المعاوضة ‪ ،‬ومعاوضات الصّبيّ المميّز ل تنفذ إلّ بإجازة وليّه ‪ .‬فحوالته منعقدة موقوفة على‬
‫الجازة ‪ .‬والبلوغ شرط صحّة عند الجمهور ‪.‬‬
‫فإذا كان المحيل مم ّيزًا غير بالغ ففيه الخلف المشهور بين الفقهاء في تصرّفات الصّغير‬
‫المميّز إذا باشرها بنفسه ‪ :‬أتكون باطلةً ‪ ،‬أم موقوفةً على إجازة وليّه ‪ ،‬إن رآها وفق مصلحته‬
‫؟ وتفصيل ذلك في مصطلح ( أهليّة و صغر ) ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬ويشترط الحنفيّة لنفاذ الحوالة أن يكون المحال بالغا ‪ ،‬لما قلناه في المحيل ‪ ،‬ولذا ينعقد‬
‫احتيال الصّبيّ المميّز ‪ ،‬ولكنّه ل ينفذ إلّ بإجازة وليّه ‪ ،‬وهذه الجازة مشروطة بأن يكون‬
‫المحال عليه أمل من المحيل ‪ .‬وهذه الشّريطة يوافق عليها المالكيّة والشّافعيّة ‪ ،‬ويخالف فيها‬
‫الحنابلة ‪ ،‬لنّهم ل يشترطون رضا المحال ‪ ،‬إلّ على احتمال ضعيف للحنابلة ‪.‬‬
‫ج ‪ -‬أمّا شريطة بلوغ المحال عليه ‪ ،‬فسبق بحثها كشريطة انعقاد أثناء بحث المحال عليه‬
‫وشرائطه ( ر ‪ :‬ف ‪. ) 62 /‬‬
‫ثانيا ‪ :‬ولية المحال على المال المحال به ‪:‬‬
‫‪ - 95‬يشترط لنفاذ الحوالة أن تكون للمحال على المال المحال به ولية ‪.‬‬
‫ي ل يكون محالً إلّ بإجازة من له الولية ‪ ،‬أمّا الوكيل فإن كان وكيلً بالقبض فليس‬
‫فالفضول ّ‬
‫ن المقصود من وكالته الستيفاء ل البراء ‪ ،‬وإن كان وكيلً في العقد‬
‫له أن يحتال أصلً ‪ ،‬ل ّ‬
‫ففي قبوله حوالة الثّمن خلف مشهور ‪ :‬جوّزها منه الطّرفان أبو حنيفة ومحمّد ‪ ،‬على المل‬
‫والفلس مطلقا ‪ -‬ويضمن للموكّل لنّ الحوالة إبراء مؤقّت فتعتبر بالمطلق ‪ -‬ومنعها أبو‬
‫يوسف ‪ .‬وقد أجرى الخلف في البدائع بين أبي حنيفة مجوّزا ‪ ،‬والصّاحبين مانعين ‪.‬‬
‫ن هذه الحوالة هي تصرّف في ملك الموكّل من غير إذنه ‪ ،‬فل ينفذ عليه‬
‫واستدلّ لهما ‪ :‬بأ ّ‬
‫كتصرّف الجنبيّ ‪.‬‬
‫واستدلّ لبي حنيفة ‪ :‬بأنّ الوكيل بقبوله الحوالة إنّما تصرّف بالبراء في حقّ نفسه " وهو‬
‫قبض الثّمن " بمقتضى عقد الوكالة لنّ قبض الثّمن من حقوق العبد الّتي تعود للوكيل بالبيع ‪،‬‬
‫فإبراؤه المشتري عن الثّمن أو قبوله الحوالة به إسقاط لحقّ نفسه وهو القبض فينفذ عليه ‪،‬‬
‫لنّ الحوالة كالبراء تمنع مطالبة المحيل ‪ ،‬ويسقط بذلك الثّمن من ذمّة المشتري تبعا لسقوط‬
‫حقّ القبض ‪ ،‬ولكن ل يسقط حقّ الموكّل في الثّمن الّذي هو عوض ملكه ‪.‬‬
‫وإنّما يسقط الثّمن من ذمّة المشتري تبعا ‪ ،‬لنّه لو لم يسقط مع سقوط حقّ الوكيل في قبضه‬
‫لبقي دينًا غير قابل للقبض ‪ ،‬وهذا ل نظير له في الشّرع ‪ ،‬كما أنّه غير مفيد ‪ .‬فلذا يسقط‬
‫الثّمن من ذمّة المشتري تبعا لسقوط حقّ الوكيل في قبضه ‪ ،‬ولكن يضمنه الوكيل للبائع‬
‫الموكّل ‪ ،‬لنّ الوكيل بتصرّفه هذا قد تجاوز إلى حقّ غيره وهو الثّمن نفسه حيث أتلفه على‬
‫صاحبه بالبراء أو قبول الحوالة به ‪.‬‬
‫وقد لخصّه في مجمع النهر بأنّ حقوق العقد للعاقد ‪ ،‬والحوالة من هذه الحقوق ‪ .‬واحتيال‬
‫الوكيل في البيع ‪ ،‬بثمن المبيع بالصّورة المشروحة لم نجد حكمه منصوصا عند غير الحنفيّة‪.‬‬
‫أمّا النّائب الشّرعيّ عن الصّغير ‪ ،‬وليّا كان كالب أو وصيّا ‪ ،‬فل يملك عند الحنفيّة حقّ‬
‫الحتيال بمال هذا الصّغير على ما قرّره السّرخسيّ في المبسوط بإطلقه ‪ ،‬على خلف عامّة‬
‫الكتب ‪ .‬ونصّ عبارته ‪ :‬لو احتال بمال ابنه الصّغير ‪ ،‬أو اليتيم الّذي تحت وصايته ‪ ،‬لم‬
‫يجز ‪ ،‬لنّ الحوالة إبراء الصيل ‪ ،‬وهو ل يملكه في مال القاصرين ‪.‬‬
‫‪ - 96‬وأمّا احتيال وليّ القاصر ‪ ،‬كأبيه أو وصيّه بدينه ‪ ،‬فلم نر في المذاهب الخرى إطلق‬
‫عدم جوازه ‪ ،‬كما فعل السّرخسيّ من الحنفيّة ‪.‬‬
‫بل في كلم بعضهم ‪ -‬كما هو مقتضى إطلق حديث الحوالة ‪ -‬التّصريح بصحّتها بشريطة‬
‫سأَلُو َنكَ عَنِ‬
‫ص التّنزيل الحكيم ‪َ { :‬و َي ْ‬
‫واحدة ‪ :‬أن تقتضيها مصلحة القاصر نفسه ‪ -‬أخذًا من ن ّ‬
‫خيْرٌ } ‪ -‬دون تقيّد بأيّ قيد آخر ‪.‬‬
‫ح ّل ُهمْ َ‬
‫ا ْل َيتَامَى قُلْ ِإصْلَ ٌ‬
‫ولذا أبطلوا احتياله على مفلس سسواء أعلم إفلسسه أم جهسل ‪ ،‬وكذا احتياله بديسن موثّق عليسه‬
‫برهن أو ضمان ‪ ،‬لما في انفكاك الوثيقة من الضّرر البيّن بالقاصر ‪.‬‬
‫وقد سئل السّيوطيّ عن رجل له على رجل دين ‪ ،‬فمات الدّائن وله ورثة فأخذ الوصياء من‬
‫المدين بعض الدّين ‪ ،‬وأحالهم على آخر بالباقي فقبلوا الحوالة وضمنها لهم آخر ‪ ،‬فمات‬
‫المحال عليه ‪ ،‬فهل لهم الرّجوع على المحيل أم ل فأجاب ‪ :‬يطالبون الضّامن وتركة المحال‬
‫عليه ‪ ،‬فإن تبيّن إفلسهما فقد بان فساد الحوالة ‪ ،‬لنّها لم تقع على وفق المصلحة لليتام ‪،‬‬
‫فيرجعون على المحيل ‪.‬‬
‫ومن أمثلة المصلحة أن يكون المحيل بمال اليتيم فقيرا أو مماطلً ‪ ،‬أو مخوف المتناع‬
‫بسطوة أو هرب ‪ ،‬أو سيّئ القضاء على أيّة صورة ‪ ،‬والمحال عليه بعكس ذلك كلّه فتصحّ‬
‫الحوالة حينئذ ‪ ،‬لنّها أصلح للقاصر ‪.‬‬
‫ي موقوفا على إجازة من له الولية على دين الحوالة ‪ ،‬هو اتّجاه‬
‫‪ -‬وكون احتيال الفضول ّ‬ ‫‪97‬‬

‫ي في القد يم ‪ ،‬وأح مد في‬


‫فقه يّ يو جد أيضًا ع ند كثير ين غ ير الحنفيّة ‪ ،‬كالمالكيّة ‪ ،‬والشّافع ّ‬
‫رواية ‪ .‬ولكن الّذي عند الشّافعيّة في الجديد ‪ ،‬وهو المعتمد عند الحنابلة أ نّ حوالة الفضول يّ‬
‫كسائر تصرّفاته باطلة من أصلها ‪ ،‬فل تعود بالجازة صحيحةً ‪.‬‬
‫وهذه قاعدة عامّة ‪ ،‬أخذت من حديث ثابت في بياعات الفضوليّ عند أبي داود والتّرمذيّ "‬
‫الّذي اعتبره حسنا " ونصّه ‪ « :‬ل بيع إلّ فيما تملك » ‪.‬‬
‫وطردوا هذا فيما عدا البيع فأصبح قاعدةً ‪ .‬ومثله حديث حكيم بن حزام « أنّه صلى ال عليه‬
‫وسلم قال ‪ :‬ل تبع ما ليس عندك » ‪.‬‬
‫ثالثا ‪ :‬قبول المحال والمحال عليه ‪:‬‬
‫‪ - 98‬أ ‪ -‬قبول المحال ‪ -‬إذا لم يكن هو أحد الطّرفين المنشئين للعقد ‪ -‬ليس شريطة انعقاد‬
‫إلّ عند أبي حنيفة ومحمّد ‪.‬‬
‫أمّا أبو يوسف فيكتفي برضا المحال ‪ ،‬ولو خارج مجلس العقد ‪ ،‬على أن يكون إذن شريطة‬
‫نفاذ ‪ .‬وهذا هو الّذي أخذت به مجلّة الحكام العدليّة في المادّة ( ‪. ) 683‬‬
‫ب ‪ -‬ورضا المحال عليه كذلك ‪ -‬ولو خارج مجلس العقد ‪ -‬شريطة نفاذ باتّفاق أئمّة المذهب‬
‫الحنفيّ الثّلثة ‪ .‬هذا ‪ ،‬وقد سبق الكلم بالتّفصيل على فقه هذه المسألة والخلف الجتهاديّ‬
‫فيها بين المذاهب بما فيه الكفاية ‪.‬‬
‫آثار الحوالة ‪:‬‬
‫‪ - 99‬إذا تمّت الحوالة بأركانها وشرائطها ترتّبت عليها آثارها الّتي من أجلها شرعت ‪،‬‬
‫واعترتها على الجملة أحكام عدّة وهي ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬لزوم الحوالة ‪:‬‬
‫‪ - 100‬الحوالة عقد لزم دون خلف ‪ ،‬ولكن قبولها للخيارات محلّ اختلف بين الفقهاء ‪،‬‬
‫فالشّافعيّة والحنابلة يقرّون أنّها ل تقبل الخيارات إلّ أنّ من أهل المذهبين من أجاز فيها خيار‬
‫المجلس ‪ -‬وفي ذلك يقول صاحب " المهذّب " من الشّافعيّة ‪ " :‬ل يجوز خيار الشّرط فيه ‪-‬‬
‫أي عقد الحوالة " ‪ -‬لنّه لم يبن على المغابنة ‪ ،‬فل يثبت فيه خيار الشّرط ‪.‬‬
‫وفي خيار المجلس وجهان ‪ :‬أحدهما يثبت ‪ ،‬لنّه بيع ‪ ،‬فيثبت فيه خيار المجلس كالصّلح ‪.‬‬
‫الثّاني ‪ ( :‬وهو الصحّ ) ل يثبت ‪ ،‬لنّه يجري مجرى البراء ‪ ،‬ولهذا ل يجوز بلفظ البيع ‪،‬‬
‫فلم يثبت فيه خيار المجلس فهو جازم ‪ -‬كما يظهر من كلمه ‪ -‬بعدم قبول الحوالة خيار‬
‫الشّرط عند الشّافعيّة ‪.‬‬
‫والمالكيّة يشترطون للزوم الحوالة أن يكون الدّين المحال عليه عن عوض ماليّ ‪ ،‬فإذا اختلّت‬
‫الشّريطة لم تكن الحوالة لزمةً ‪ ،‬وعنهم في بعض تفسيرات المذهب ‪ ،‬أنّ يسار المحال عليه‬
‫كذلك من شرائط لزوم العقد ‪.‬‬
‫‪ - 101‬وصرّح الحنفيّة بأنّ الحوالة من العقود اللّازمة الّتي ل يمكن فسخها أو إبطالها من‬
‫جانب واحد ما لم يشرط له الخيار ‪.‬‬
‫ومدّة خيار الشّرط ثلثة أيّام عند أبي حنيفة وأيّة مدّة تعلم نهايتها عند الصّاحبين ‪.‬‬
‫وقد صرّحوا بجواز اشتراط الخيار لمن يجب رضاه في الحوالة ‪ ،‬وهو على الصّحيح المحال‬
‫والمحال عليه فحسب ‪ ،‬كما يتبادر من كلم بعضهم ‪.‬‬
‫ثمّ قال الحنفيّة ‪ :‬إذا شرط الخيار للمحال أو المحال عليه أو كليهما ‪ ،‬فبدا لهذا أو ذاك في مدّة‬
‫ن أحد الشّخصين أو كليهما قد يجهل صاحبه بعض‬
‫الخيار أن يعدل عن العقد فذلك له ‪ ،‬ل ّ‬
‫جهالة ‪ ،‬ثمّ بعد تقصّي أحواله يبدو له أنّ هذه الحوالة ليست في مصلحته فيراجع نفسه قبل‬
‫فوات الوان ‪.‬‬
‫وقد ل يجهل ‪ ،‬ولكن تتغيّر حتّى في هذه الفترة القصيرة ‪ ،‬ظروف المحال عليه إلى أسوأ ‪ ،‬أو‬
‫المحيل إلى أفضل ‪ ،‬أو يقع التّغيّران كلهما ‪ ،‬فيؤثر المحال أن يعود من حيث بدأ ‪.‬‬
‫أمّا المحيل فشرط الخيار له أصالةً بيّن جدّا ‪ ،‬على القول بأنّه طرف في العقد ‪ ،‬فقد يأنف‬
‫بعد شيء من الرّويّة ‪ -‬أن يتحمّل عنه فلن دينه ‪ ،‬وقد يكون ذا صلة خاصّة بالمحال عليه ‪،‬‬
‫ن مكان المحال سيثقل عليه فتأخذه به رأفة ‪ ،‬ويعيد الدّين إلى نفسه‬
‫ويعلم أنّ فيه ضعفا ‪ ،‬وأ ّ‬
‫كرّةً أخرى ‪ ،‬ثق ًة بأنّه أقدر على معالجة صاحبه ‪.‬‬
‫وانفساخ الحوالة عند الحنفيّة لمر عارض كالتّوى وموت المحيل في الحوالة المقيّدة أو مطلقا‬
‫‪ -‬على الخلف عندهم ‪ -‬لم يمنع من الحكم عليها بأنّها عقد لزم ( ر ‪ :‬ف ‪، 138 /‬‬
‫‪. ) 141 /‬‬
‫‪ - 102‬وقد أفاد ابن نجيم في البحر نقلً عن الخلصة والبزّازيّة أنّ الحوالة على ثلثة أوجه‬
‫‪ :‬لزمة وجائزة وفاسدة ‪.‬‬
‫فاللّازمة ‪ :‬أن يحيل المدين دائنه على آخر ويقبل الحوالة ‪ ،‬سواء أكانت مقيّد ًة أم مطلقةً ‪.‬‬
‫والجائزة ‪ :‬أن يقيّدها بأن يعطي المحال عليه الحوالة من ثمن دار نفسه ‪ ،‬فل يجبر المحال‬
‫عليه على البيع ‪ ،‬وهو بمنزلة ما لو قبل الحوالة على أن يعطي عند الحصاد ‪ ،‬فإنّه ل يجبر‬
‫على أداء المال قبل الجل ‪.‬‬
‫والفاسدة ‪ :‬أن يقيّد فيها المحال عليه بالداء من ثمن دار المحيل ‪ ،‬لنّها حوالة بما ل يقدر‬
‫على الوفاء به ‪ ،‬وهو بيع دار غيره ‪ ،‬فإنّ الحوالة بهذا الشّرط ل تكون توكيلً ببيع دار‬
‫المحيل ‪ .‬أي لكي يكون بحكم الوكالة قادرا على الوفاء ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬الشّروط اللّاحقة ‪:‬‬
‫‪ - 103‬اختلف الفقهاء في الشّروط الواقعة بعد العقد ‪ -‬أيّا كان هذا العقد ‪-‬هل تلحقه أم ل؟‬
‫فشرط الشّافعيّة والحنابلة للحاق الشّروط الّتي لم تشرط في صلب العقد وقوعها قبل لزوم‬
‫العقد ‪.‬‬
‫وللحنفيّة في ذلك قولن ‪ :‬قول باللّحاق ‪ ،‬ويعزى إلى أبي حنيفة ‪ ،‬وقول بعدمه ويعزى إلى‬
‫الصّاحبين ‪ ،‬وعلى القول باللّحاق ‪:‬‬
‫‪ - 1‬ل فرق بين أن يقع الشّرط في مجلس العقد ‪ ،‬وأن يقع خارجه ‪ ،‬خلفا لمن شرط اتّحاد‬
‫المجلس ‪.‬‬
‫‪ - 2‬إذا كان الشّرط فاسدا يفسد العقد لحاقه إلّ أنّه إذا خرج مخرج الوعد " ولنسمّه شرطا‬
‫وعديّا " ل يفسده ‪ ،‬بل ل بأس حينئذ بأن يكون في صلب العقد ‪.‬‬
‫ثمّ هل يكون هذا الشّرط الوعديّ ملزمًا أو غير ملزم ؟ في ذلك قولن مصحّحان في‬
‫المذهب ‪ ،‬بعد أن يكون الشّرط الوعديّ في ذاته ليس من المحظورات الشّرعيّة ‪.‬‬
‫ن الوعد ل يجب الوفاء به قضاءً ‪.‬‬
‫فالقائل بعدم اللّزوم جار على المشهور من أ ّ‬
‫والقائل باللّزوم ملحظه أنّ المواعيد قد تلزم ‪ ،‬فتجعل هنا لزم ًة لحاجة النّاس إلى لزومها ‪.‬‬
‫هذا تقرير القاعدة في ذاتها عند الحنفيّة على صعيد العقد بوجه عامّ أيّا كان نوعه ‪.‬‬
‫ص يجب أن يفرّق عند الحنفيّة ‪ -‬كما هو‬
‫فإذا أريد تطبيقها هنا على عقد الحوالة ‪ -‬بوجه خا ّ‬
‫واضح بين نوعين من الشّروط ‪ ،‬ونوعين من العبارات الّتي تصاغ بها ‪.‬‬
‫النّوع الوّل من الشّروط الملحقة ‪ :‬شروط فاسدة ‪:‬‬
‫‪ - 104‬أ ‪ -‬كما لو اشترط أحد الطراف شرطا ملحقا بعد العقد أن تكون الحوالة عقدا غير‬
‫لزم ‪ :‬بمعنى أن يكون لمن شاء من أطرافها ‪ ،‬أو لطرف معيّن أن ينقضها متى شاء ‪ ،‬دون‬
‫تقيّد بمدّة معيّنة ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬أو يشترط المحيل أنّ الحوالة ماضيةً قطعيّةً قطعت كلّ علقة بينه وبين المحال عليه ل‬
‫تتأثّر بموت محيل ‪ ،‬ول بموت محال عليه أو إفلسه ‪ ،‬ول رجوع عليه للمحال سواء وفّيت‬
‫الحوالة أم ل ‪.‬‬
‫ج ‪ -‬أو يشترط ما يشبه المقامرة من نوع آخر ‪ ،‬كما لو شرط في الحوالة المقيّدة أن ل‬
‫رجوع عليه فيها ‪ ،‬ولو تلف المال الّذي قيّدت به أو استحقّ ‪.‬‬
‫وواضح أنّ هذا النّوع من الشّروط مناف لمقتضى العقد في قواعد الحنفيّة فهي شروط فاسدة‬
‫في نفسها ‪ .‬ثمّ إن قلنا بلحاقها بعقد الحوالة إذا شرطت بعد العقد فإنّها تفسده أيضا ‪ ،‬وإن لم‬
‫نقل يلحقاها اقتصر فسادها عليها بذواتها ‪ ،‬ولم يتعدّ إلى العقد نفسه ‪.‬‬
‫على أنّه حين يصاغ الشّرط من هذه الشّروط وأمثالها بصيغة الوعد " كأن يقول المحال بعد‬
‫العقد ‪ :‬إنّي ملتزم بهذه الحوالة أبدًا ولن أرجع عليك بحال من الحوال ‪ ،‬أو يقول المحيل ‪:‬‬
‫إنّنا ملتزمان بهذه الحوالة ‪ ،‬ولكنّني سأذعن لرادتك إن بدا لك أن تفسخها أنت " فالّذي يبدو‬
‫ن هذا ل يغيّر شيئا من مقتضى العقد ‪ .‬أمّا جعله أمرا جائزا بطريق العدة ‪ ،‬فهذا وما إليه‬
‫أّ‬
‫ممّا يجيء فيه الخلف في لزوم الوعد وعدم لزومه ‪.‬‬
‫النّوع الثّاني من الشّروط الملحقة ‪ :‬شروط صحيحة ‪:‬‬
‫‪ - 105‬أ ‪ -‬وذلك كاشتراط المحال أن يعطيه المحال عليه بالدّين رهنا أو أن يكون موسرا ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬أو اشتراط المحال عليه أن يكون الدّين المحال على الصيل مؤجّلً عليه هو ‪.‬‬
‫ج ‪ -‬أو أن يشترط لحد الطراف الخيار ثلثة أيّام ‪ ،‬أو مدّ ًة ما معلوم ًة على ما سلف ( ر ‪:‬‬
‫ف ‪. ) 101 /‬‬
‫ن هذه مصالح ل ريب فيها ‪ ،‬وليس في شيء منها حظر شرعيّ ‪ -‬إذا كانت المعاملة في‬
‫فإ ّ‬
‫المثالين الخيرين ليست من قبيل الصّرف ‪ -‬فهذا النّوع من الشّروط لو أنّ العاقد شرطها في‬
‫أثناء العقد لصحّت وتمّ العقد على وفق أغراضه الصّحيحة تلك ‪ ،‬إذ هي بين شرط ملئم لعقد‬
‫الحوالة ‪ ،‬أو مأذون فيه بترخيص الشّارع ‪ -‬وإن لم يكن من مقتضى العقد نفسه ‪ -‬فلو نسي‬
‫اشتراط شيء منها في أثناء العقد فاتّفقا على إلحاقه جاز إلحاقا ‪ ،‬كما يجوز ابتدا ًء على أنّه قد‬
‫يعتبر اشتراط يسار المحال عليه من مقتضيات العقد ‪ ،‬بدليل الرّجوع على المحيل إذا توي‬
‫الدّين ‪ .‬حتّى إنّه لو فاته اشتراط ذلك في العقد لم يكن من بأس في أن يتدارك ‪ ،‬ولو بعد مدّة‬
‫ص عبارتهم ‪" :‬‬
‫مديدة ‪ ،‬وهم قد صرّحوا بمثل ذلك في خيار الشّرط المتعلّق بعقد البيع ‪ ،‬ون ّ‬
‫لو قال أحدهما بعد البيع ‪ ،‬ولو بأيّام ‪ :‬جعلتك بالخيار ثلثة أيّام صحّ إجماعا " ‪ ،‬ومجال‬
‫التّيسير في الحوالة أوسع منه في البيع ‪.‬‬
‫ول خفاء في هذا بنا ًء على قول اللّحاق بالعقد في الشّروط المتراخية عنه ‪ ،‬أمّا على القول‬
‫المقابل ‪ ،‬فل يستقيم ‪.‬‬
‫‪ 105‬م ‪ -‬أمّا الشّرط الفاسد أو الصّحيح في نفسه ‪ ،‬من تلك الشّروط عند الجمهور ففيها‬
‫التّفصيل التّالي ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬إنّ اشتراط عدم الرّجوع على المحيل ‪ ،‬إذا توي المال على المحال عليه ‪ ،‬ليس مخالفا‬
‫لمقتضى العقد عند أحد من غير الحنفيّة ‪ ،‬حتّى يكون فاسدًا ‪ ،‬بل هو اشتراط مقتضى العقد‬
‫وأحد لوازمه غير المنفكّة عند كثيرين ‪ ،‬بحيث لو شرط خلفه في صلب العقد لخرج العقد‬
‫عن أن يكون حوال ًة حقيقيّ ًة أو لبطل ‪ ،‬والبطلن حينئذ هو مختار الشّافعيّة ‪ ( .‬ر ‪ :‬ف ‪ 31 /‬و‬
‫‪ ) 156 /‬وإن كان الّذي حكاه الباجيّ من المالكيّة عن سحنون صحّة الشّرط ‪ ،‬ولعلّه أحد‬
‫الوجه الّتي أشار إليها الخطيب عند الشّافعيّة ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬إذا شرط في الحوالة تقديم رهن بالدّين أو كفيل فقد اختلف الشّافعيّة في صحّة هذا‬
‫الشّرط ‪ ،‬وقد سبق ذلك ( ر ‪ :‬ف ‪. ) 55 / ، 54 /‬‬
‫ن هذا من مصالح العقد ‪ ،‬ومع ذلك فهناك من‬
‫ج ‪ -‬اشتراط يسار المحال عليه ل ينازع أحد أ ّ‬
‫ح عندهم ‪ ،‬ذلك أنّهم يقولون إنّ إعسار‬
‫يرى مانعا من لزومه لو شرط ‪ ،‬كالشّافعيّة في الص ّ‬
‫المحال عليه نقص كالعيب في المبيع ‪ -‬على أساس أنّ الحوالة عند الشّافعيّة من قبيل بيع‬
‫ل كان الخيار المحال ‪ -‬في فسخ الحوالة‬
‫الدّين ‪ -‬فلو لزم شرط انتفاء العسار بحيث إذا اخت ّ‬
‫والبقاء عليها ‪ -‬لوجب أن يكون له الخيار بمجرّد وجود العسار عند العقد من غير شرط ‪،‬‬
‫على قاعدة خيار العيب ‪ ،‬وليس المر كذلك ‪.‬‬
‫وهناك من يرى أنّه شرط لزم ‪ ،‬ويثبت الخيار عند انتفاء الشّرط ‪ ،‬وعلى هذا الحنابلة وأبو‬
‫العبّاس بن سريج من الشّافعيّة وموافقوه ‪ ،‬أمّا العسار فعيب ‪ ،‬واشتراط انتفائه غير مجد‬
‫على ما تبيّن ‪.‬‬
‫ولذا يقول ابن قدامة ‪ :‬قد يثبت بالشّرط ما ل يثبت بإطلق العقد بدليل اشتراط في المبيع ‪.‬‬
‫ومن ثمّ لجأ السّيوطيّ ‪ ،‬أو من نقل عنهم في الشباه ‪ ،‬إلى بناء القول بعدم لزوم شرط اليسار‬
‫على أنّ الحوالة استيفاء والقول بلزومه على أنّها بيع ‪.‬‬
‫د ‪ -‬وأمّا شرط المحال عليه تأجيل الدّين بالنّسبة إليه بعد ما كان حالّا على المحيل ‪ ،‬فإنّ‬
‫ل ل يتأجّل " أي ل يعتبر تأجيله‬
‫الشّافعيّة والحنابلة يمنعون تأجيل الحالّ ‪ ،‬ويقولون ‪ " :‬الحا ّ‬
‫ملزما ‪ .‬ولكن المالكيّة يتوسّعون في قابليّة الدّين للتّأجيل ما ل يتوسّع غيرهم حتّى إنّهم‬
‫ليجيزون تأجيل دين القرض ‪ ،‬وينفّذون شرطه ‪ ( .‬ر ‪ :‬ف ‪. ) 24 /‬‬
‫أحكام الحوالة ‪:‬‬
‫‪ - 106‬لعقد الحوالة أثران رئيسيّان هما براءة ذمّة المحيل من الدّين الّذي أحال به ‪ ،‬واشتغال‬
‫ذمّة المحال عليه بالدّين ‪ ،‬وفيما يلي بيان لهذين الثرين وما يتبعهما بالنّسبة إلى ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬أثر الحوالة في علقة المحيل والمحال ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬أثر الحوالة في علقة المحال والمحال عليه ‪.‬‬
‫ج ‪ -‬أثر الحوالة في علقة المحيل والمحال عليه ‪.‬‬
‫أولً ‪ -‬أثر الحوالة في علقة المحيل والمحال ‪:‬‬
‫ويظهر ذلك الثر فيما يلي ‪:‬‬
‫براءة المحيل من دين المحال ثمّ من مطالبته ‪:‬‬
‫‪ - 107‬اتّفق الفقهاء على أنّه متى صحّت الحوالة فقد فرغت ذمّة المحيل ممّا كان عليه لدائنه‬
‫الّذي قبل الحتيال به ‪ ،‬وبالتّالي ل يكون لهذا الدّائن حقّ المطالبة ‪.‬‬
‫لكن الحنفيّة قيّدوا براءة ذمّة المحيل وسقوط حقّ المطالب بعدم التوى ‪ -‬على اختلف في‬
‫تفسير التوى ‪ -‬إلّ في حالت استثنوها ونصّوا عليها ‪.‬‬
‫كون الحوالة تنقل الدّين والمطالبة ‪:‬‬
‫‪ - 108‬ويترتّب على كون الحوالة تنقل الدّين والمطالبة معًا النّتائج التّالية ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬متى برئ المحيل وكان له كفيل ‪ ،‬برئ كفيله تبعا ‪،‬إذ ل معنى لمطالبته بدين ل وجود له‪.‬‬
‫ب ‪ -‬لو أحال الكفيل المكفول له على غير المدين المكفول ( الصل ) برئ الكفيل المحيل‬
‫والمدين الصيل معا ‪ ،‬لنّ الحوالة بإطلقها تنصرف إلى الدّين ‪ ،‬وهو على الصل ‪ ،‬فيبرأ‬
‫الصيل أ ّولً ‪ ،‬ثمّ الكفيل المحيل تبعا ‪ ،‬هذا ما لم ينصّ في الحوالة على براءة الكفيل المحيل‬
‫وحده فحسب ‪ ،‬وإلّ برئ هو وحده ‪ ،‬قياسا على صلح الكفيل مع الطّالب في الموضعين ‪ ،‬ثمّ‬
‫إذا توي المال عاد الدّائن المحال على أيّهما شاء وفقا للحكم العامّ في الحوالة عند الحنفيّة ‪.‬‬
‫وبراءة المكفول والكفيل معا أصال ًة وتبعا إذا أحال أحدهما الدّائن ل ينازع فيها الشّافعيّة ول‬
‫الحنابلة ‪.‬‬
‫ن الكفيل تبع له ‪ ،‬لكنّهم ينازعون في‬
‫أمّا المالكيّة فيوافقون على براءتهما بإحالة الصيل ‪ ،‬ل ّ‬
‫ن الصل ل يتبع‬
‫العكس ‪ :‬إذ ل يبرأ الصيل عندهم بحالة الكفيل ‪ ،‬وإنّما يبرأ الكفيل وحده ل ّ‬
‫الفرع ‪ .‬وممّا يتّصل بهذه المسألة ما يقوله الحنفيّة ‪:‬‬
‫ج ‪ -‬إنّ الكفالة متى انعقدت بأمر المكفول عنه فإنّها توجب دينين ‪ :‬دينًا للطّالب على الكفيل ‪،‬‬
‫ن هذا الخير مؤجّل إلى وقت الداء ‪.‬‬
‫ودينًا للكفيل على المكفول عنه ‪ ،‬إلّ أ ّ‬
‫ومعنى هذا أنّه يتسنّى للكفيل أن يحيل المكفول له على الصيل حوالة مقيّدة بدينه هذا عليه ‪،‬‬
‫فإذا قبل الصيل والمكفول له برئ الكفيل ‪ ،‬لكن براءة مؤقّتة بعدم التّوى ‪ -‬على قاعدة براءة‬
‫المحيل ‪ -‬وهي من وقائع الفتوى ‪ ،‬بخلف ما إذا أحال المحال عليه الطّالب على المحيل ‪،‬‬
‫فإنّه يبرأ بهذه الحوالة براءةً مؤبّدةً ل رجوع بعدها عليه ‪ ،‬وإن توي المال الّذي على الصيل‬
‫‪ ،‬لنّه هو المحيل الوّل فالقرار عليه ‪ ( .‬ر ‪ :‬ف ‪. ) 171 /‬‬
‫ن الكفيل الضّامن ‪ ،‬ولو بالمر ‪ ،‬ل يثبت له في ذمّة المضمون عنه‬
‫أمّا الشّافعيّة فعندهم أ ّ‬
‫شيء بمجرّد الضّمان ‪ ،‬فل مجال للقول بأنّه تصحّ حوالة الكفيل أو غير حوالته ‪ ،‬ولذا يقول‬
‫الخطيب في شرح المنهاج ‪ :‬لو أبرأ الضّامن الصيل ‪ ،‬أو صالحه ‪ ،‬عمّا سيغرم في ماله ‪ ،‬أو‬
‫رهنه الصيل شيئًا بما ضمنه ‪ ،‬أو قام به كفيلًا لم يصحّ ‪ ،‬ل يثبت له حقّ بمجرّد الضّمان ‪.‬‬
‫ن هبة الدّين ‪ ،‬أو البراء منه ‪ ،‬أو أخذ رهن به ‪ ،‬كان قبل الحوالة حقّا للدّائن تجاه‬
‫د‪-‬إّ‬
‫المدين دون غيره ‪ ،‬أمّا بعد الحوالة فبالعكس ‪ ،‬إذ يصبح حقّا للدّائن تجاه المحال عليه دون‬
‫المحيل ‪.‬‬
‫هس ‪ -‬لو مات المحيل حوال ًة مطلق ًة ‪ ،‬ل يأخذ المحال الدّين من تركته ‪ ،‬لنّ الحوالة باقية‬
‫ل من ورثته أو الغرماء ‪ ،‬لئلّ يتوى حقّه ‪.‬‬
‫ومقتضاها براءة ذمّته ‪ ،‬ولكنّه يأخذ كفي ً‬
‫المحيل ضامن لدين الحوالة ‪:‬‬
‫‪ - 109‬هذا الحكم انفرد به الحنفيّة لما هو مقرّر عندهم من أنّه إذا عجز المحال عن الوصول‬
‫إلى حقّه من طريق المحال عليه ‪ ،‬فإنّه يرجع على المحيل بدينه ‪ ،‬كما كان أ ّولً ‪ .‬ولول هذا‬
‫الضّمان لما استقام ذلك ‪ ،‬لكنّه ضمان باعتبار المال ل باعتبار الحال ‪ ،‬ولو شرط ضمانه في‬
‫الحال لصارت كفال ًة ‪.‬‬
‫ثانيا ‪ -‬أثر الحوالة في علقة المحال والمحال عليه ‪:‬‬
‫‪ - 110‬اتّفق الفقهاء على أنّ الحوالة تشغل ذمّة المحال عليه بحقّ أنشأته الحوالة للمحال ‪،‬‬
‫وإن اختلفوا في حقيقة هذا الشتغال ‪ :‬هل هو انتفاء الدّين ‪ ،‬أو المطالبة به ‪ ،‬أو مجرّد اشتغال‬
‫ذمّة جديدة دون انتقال " كما في الكفالة " ‪.‬‬
‫فالمهمّ أنّ الحوالة كما أحدثت براءةً في ذمّة المحيل على اختلف في نوع هذه البراءة‬
‫ودرجتها ‪ ،‬قد أحدثت شغلًا في ذمّة المحال عليه ‪ .‬ويتفرّع عن هذا الشّغل ما يلي ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬ثبوت ولية للمحال في مطالبة المحال عليه ‪:‬‬
‫‪ - 111‬وهي مطالبة بدين ثابت في ذمّة المحال عليه ‪ -‬على المصحّح في مذهب الحنفيّة من‬
‫أنّ الحوالة تنقل الدّين أيضًا ‪ ،‬ل المطالبة وحدها ‪ -‬أو هي مطالبة بدين ثابت في ذمّة المحيل‬
‫بناءً على أنّها وثيقة بالدّين ول تنقل الدّين ‪ ،‬سواء أنقلت المطالبة أم ل ‪.‬‬
‫وعلى كلّ حال فهذه الولية ليست أثرا مباشرا لصحّة الحوالة بل بواسطة الثر السّابق ‪:‬‬
‫أعني اشتغال ذمّة المحال عليه بحقّ المحال ‪ " .‬ومعلوم أنّه حين يكون له حقّ مطالبة المحيل‬
‫أيضًا ‪ ،‬بسبب اشتراط عدم براءته ‪ ،‬تكون الحوالة قد تجاوزت نطاقها وصارت كفال ًة " ‪.‬‬
‫ثمّ قد تسقط هذه الولية قبل اليفاء ‪ -‬إمّا باختيار المحال ‪ ،‬وإمّا بغير اختياره ‪.‬‬
‫فمن الحالة الولى ‪ -‬أن يبرّئ المحال المحال عليه إبراء إسقاط ‪ ،‬أو إبراء استيفاء ‪ ،‬وتعتبر‬
‫هذه الخيرة إقرارا بالوفاء ‪.‬‬
‫ومن الحالة الثّانية ‪ -‬أن يقدّم المحيل وفاء دينه ‪ ،‬إذ المحال يجبر حينئذ على قبول هذا الوفاء‬
‫‪.‬‬
‫وأمّا إجبار المحال على قبول إيفاء دينه من المحيل ‪ ،‬فلم نجد أحدًا عدا المالكيّة ‪ ،‬يوافق عليه‬
‫ل إذا كان بسؤال من المحال عليه ‪ ،‬لنّه حينئذ نائب‬
‫بصريح العبارة أو ما يشبه صريحها ‪ ،‬إ ّ‬
‫ن المحيل يكون بها متبرّعا ‪ ،‬حتّى إنّه ل‬
‫عنه في إقباض الطّالب ‪ ،‬أمّا المبادرة التّلقائيّة ‪ ،‬فإ ّ‬
‫يستحقّ الرّجوع على أحد ‪ -‬خلفا للحنفيّة ‪ -‬فهي منه منّة ‪ ،‬ول يوجب أحد قبول المنن إذا‬
‫استثنينا المالكيّة عند اللّجوء إلى القضاء ‪ :‬فهم عندئذ فقط يوافقون الحنفيّة على هذا الجبار ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬ثبوت حقّ للمحال في ملزمة المحال عليه ‪:‬‬
‫‪ - 112‬ل خلف في هذا الحقّ نفسه ‪ ،‬وإن كان قد يعرض الخلف في بعض النّتائج المترتّبة‬
‫عليه ‪ .‬فمن المقرّر ‪ -‬مثلً ‪ -‬أنّه إذا كان بالدّين أكثر من ضامن ‪ ،‬وأحيل عليهم جميعًا ‪ ،‬فإنّ‬
‫ص عليه الشّافعيّة والحنابلة ‪ -‬أن يطالب كلّ واحد منهم ‪ :‬إن شاء بجميع‬
‫للمحال ‪ -‬كما ن ّ‬
‫الدّين ‪ ،‬وإن شاء ببعض منه ‪.‬‬
‫وإذن يتوجّه السّؤال التّالي ‪ :‬إذا أحال الدّائن بدينه على اثنين كفله له معًا ‪ ،‬كما لو قال‬
‫أحدهما ‪ :‬ضمنت لك أنا ‪ ،‬وهذا ‪ ،‬ما لك على فلن ‪ ،‬وقال الخر ‪ :‬نعم ‪ .‬ففي المسألة‬
‫وجهان‪ :‬أحدهما ‪ :‬أنّه يطالب كلّا منهما بجميع الدّين ‪ -‬ولنفرض أنّه ألف ‪ -‬قياسا على ما لو‬
‫ل منهما تكون رهنا بجميع اللف ‪.‬‬
‫ن حصّة ك ّ‬
‫رهنا به بيتهما المشترك ‪ ،‬فإ ّ‬
‫والثّاني ‪ :‬أنّه يطالب كلّا منهما بخمسمائة ل غير ‪ ،‬قياسا على ما لو اشتريا بيتا بألف ‪ ،‬فإنّ‬
‫الثّمن يكون بينهما مناصفةً ‪.‬‬
‫ج ‪ -‬عدم جواز امتناع المحال عليه عن الدّفع ‪:‬‬
‫‪ - 113‬يلوم المحال عليه بالداء إلى المحال بمقتضى عقد الحوالة ‪ ،‬وليس له المتناع سواء‬
‫أوقع التزام الدّفع في الحوالة بلفظ الحوالة أم بما في معناها ‪.‬‬
‫ويرى الحنفيّة أنّه إذا تعلّل المحال عليه بعلّة توجب براءة المحيل ‪ ،‬ليبرأ هو بذلك عن الدّفع ‪،‬‬
‫فإنّه يفرّق بين حالتين ‪:‬‬
‫الحالة الولى ‪ :‬حالة ادّعائه أمرا مستنكرا ‪ ،‬أو وقوفه موقف المتناقض ‪.‬‬
‫ن دين الحوالة ل وجود له أصلً‬
‫وفي هذه الحالة ل تسمع دعواه ‪ ،‬مثال ذلك ‪ :‬أن يزعم أ ّ‬
‫على التّحقيق ‪ ،‬لنّه ثمن خمر باعها مسلم ‪ ،‬أو لنّه صداق امرأة نكاحها فاسد لكذا وكذا ‪ ،‬فل‬
‫تسمع دعواه ‪ ،‬وإن كان معه بيّنة ل تقبل ‪ ،‬لنّه أ ّولً يدّعي أمرا نكرا ليس بالظّاهر من شأن‬
‫المسلمين ‪ ،‬ولنّه ثانيا متناقض مع نفسه ‪ :‬إذ قبوله الحوالة يكذّب دعواه ‪.‬‬
‫والحالة الثّانية ‪ :‬حالة عدم النّكارة والتّناقض كليهما ‪.‬‬
‫وفي هذه الحالة تسمع دعواه ‪ ،‬وتقبل بيّنته ‪ ،‬لنّه يدّعي مشبّها ‪ ،‬ويبرهن عليه ‪ ،‬مثال ذلك ‪،‬‬
‫ن دين الحوالة صداق امرأة كانت أبرأت منه زوجها المحيل ‪ ،‬أو أنّ الزّوج قد‬
‫أن يدّعي أ ّ‬
‫نقدها إيّاه بعد ‪ ،‬أو باعها به شيئا وأقبضها ‪.‬‬
‫ل ‪ ،‬ث ّم يبرأ المحال عليه‬
‫وهكذا إذا كان المحيل نفسه حاضرا ‪ ،‬وادّعى مبرّئا ‪ ،‬ليبرأ هو أ ّو ً‬
‫تبعا ‪ ،‬أعني أنّه يكون على النّحوين النفين ‪ :‬إمّا مرفوض الدّعوى ‪ ،‬أو مقبول البيّنة ‪.‬‬
‫د ‪ -‬الضّمانات والدّفوع ‪:‬‬
‫‪ - 114‬الحقّ الّذي اشتغلت به ذمّة المحال عليه هو الدّين الّذي كان في ذمّة المحيل وما يتبعه‬
‫من حقوق ‪ ،‬لكن الفقهاء اختلفوا ‪ :‬هل ينتقل الدّين بضماناته الّتي كانت له في ذمّة المحيل ‪،‬‬
‫أم ل ؟‬
‫‪ - 115‬ذهب جمهور الفقهاء إلى بقاء الضّمانات الّتي هي لمصلحة المدين ‪ -‬كالجل ‪،‬‬
‫وأسباب سقوط الدّين المحال به أصالةً أو إيفا ًء ‪ -‬وإلى سقوط الضّمانات الّتي هي لمصلحة‬
‫الدّائن كالرّهن ‪ ،‬والكفالة ‪ ،‬بمجرّد الحوالة بالدّين الموثّق عليه ‪ ،‬لنّها كالقبض ‪ ،‬ويستدلّون‬
‫على أنّها كالقبض ‪ ،‬بسقوط حبس البائع المبيع إذا أحاله المشتري بالثّمن ‪ ،‬وسقوط حبس‬
‫الزّوجة نفسها إذا أحالها الزّوج بالصّداق ‪.‬‬
‫ص الشّافعيّة على أنّه إذا شرط في عقد الحوالة بقاء الرّهن بطلت ‪ ،‬إن كان هذا الشّرط‬
‫بل ن ّ‬
‫في صلب العقد ‪ ،‬لنّه شرط فاسد ‪ ،‬ووثيقة بغير دين ‪.‬‬
‫‪ - 116‬وفي كلم فقهاء الحنفيّة ما قد يشعر بأنّ الدّين ينتقل بضماناته ‪ ،‬لنّهم يستعملون في‬
‫التّعبير عن انتقاله صيغ عموم تشمل تلك الضّمانات ‪ :‬فهم مثلً حين يعلّلون لماذا تكون‬
‫الحوالة بدين حالّ على المحال حالّةً ‪ ،‬كذلك على المحال عليه ‪ ،‬وبدين مؤجّل مؤجّلةً ؟‬
‫يقولون ‪ :‬لنّ الحوالة لتحويل الدّين من الصيل ‪ ،‬وإنّما يتحوّل بالصّفة الّتي كانت على‬
‫الصيل ‪ .‬ولكن يبدو أنّ هذا التّعميم غير مقصود إلّ فيما يشبه الجل من وجوه الدّفع‬
‫والتّبرّي الّتي كانت للمدين ‪ .‬ولذا حين يعالجون مسائل التّأمينات والضّمانات ‪ ،‬نجدهم قاطعين‬
‫بنفي انتقالها ‪ ،‬بل بانقضائها بمجرّد إبرام عقد الحوالة ‪.‬‬
‫والتّجاه الغالب عند الحنفيّة هو التّفريق بين نوعين من الضّمانات ‪.‬‬
‫النّوع الوّل ‪ :‬ضمانات لمصلحة الدّائن ‪:‬‬
‫‪ - 117‬كالكفالة والرّهن ‪ ،‬وحقّ البائع في حبس المبيع بالثّمن ‪ ،‬وحقّ المرأة في حبس نفسها‬
‫حتّى تقبض معجّل مهرها وثيقةً به ‪ .‬وهذه ل تنتقل مع الدّين بمعنى أنّها ل تستمرّ ضمانًا به‬
‫ن انتقال الدّين عن ذمّة المدين المحيل هو براءة‬
‫محلّه الجديد ‪ ،‬بل تنقضي بمجرّد الحوالة ‪ ،‬ل ّ‬
‫لذمّته ‪ ،‬فل مساغ للتّوثّق عليها بعد براءتها ‪ ،‬وإذن فالدّين بانتقاله يتجرّد من ضماناته تلك ‪،‬‬
‫ويكون في محلّه الجديد غير مضمون بها ‪.‬‬
‫وللدّائن أن يطالب المحال عليه بوثيقة جديدة ينشئانها معا ‪ -‬فإن وافق فذاك ‪ ،‬وإن أبي فل‬
‫سبيل عليه ‪ ،‬ولذا جاء في تلخيص الجامع ‪ :‬جاز للمحال أن يسترهن منه ‪ ،‬أي المحال عليه‪.‬‬
‫النّوع الثّاني ‪ :‬ضمانات لمصلحة المدين ‪:‬‬
‫‪ - 118‬وهي السباب والحجج الّتي تكون للمدين التّعلّق بها ‪ ،‬لدفع دعاوى دائنيه ‪ ،‬ولذا تسمّى‬
‫في العرف الحاضر بالدّفوع ‪ ،‬كالجل يتعلّق به لدفع المطالبة قبل حلول الدّين ‪ ،‬واستحقاق‬
‫ص ‪ ،‬لدفع دعوى بقاء‬
‫المبيع ‪ ،‬أو عدم تقوّمه ‪ ،‬لدفع المطالبة بثمنه ‪ ،‬وسبق الوفاء أو التّقا ّ‬
‫ال ّذمّة مشغولةً ‪ ،‬وهذه حيث ل مانع تنسحب على الدّين في محلّه الجديد ‪ .‬ول ينتقل مجرّدا‬
‫عنها ‪ ،‬إذ يكون للمحال عليه التّمسّك بها ‪ ،‬كما كان هذا التّمسّك للمحيل ‪ ،‬وما يزال ‪ ،‬فيمكن‬
‫ن الدّين ينتقل بهذا النّوع من الضّمانات ‪ ،‬لنّها تسند إلى مديونيّة المحيل الّتي هي‬
‫القول ‪ :‬إ ّ‬
‫أساس الحوالة ‪ ،‬وإن بقيت أيضًا في محلّه الوّل ‪ ،‬فهي من الحقوق المشتركة ‪ .‬إلّ أنّ‬
‫ن المحال عليه ل يتولّى الدّفع بغير الجل ممّا ذكر إلّ نيابةً عن‬
‫الظّاهر من كلم الحنفيّة أ ّ‬
‫الصيل ‪ ،‬فما لم تثبت تلك النّيابة ‪ ،‬بوجه شرعيّ ‪ ،‬ل يكون له ذلك ‪ .‬لكن في حالة غيبة‬
‫الصيل له التّعلّق بهذه الدّفوع دون نيابة ‪ ،‬ولذا جاء في البحر الرّائق ‪ ":‬غاب المحيل ‪،‬‬
‫ن مال المحال على المحيل كان ثمن خمر " ل تصحّ دعواه ‪ ،‬وإن برهن‬
‫وزعم المحال عليه أ ّ‬
‫على ذلك ‪ ،‬كما في الكفالة ‪ .‬ولو أحال امرأته بصداقها على رجل ‪ ،‬وقبل الحوالة ‪ ،‬ثمّ غاب‬
‫الزّوج ‪ ،‬فأقام المحال عليه بيّنةً أنّ نكاحها كان فاسدا ‪ ،‬وبيّن لذلك وجها ‪ ،‬ل تقبل بيّنته ‪ ،‬ولو‬
‫ادّعى أنّها كانت أبرأت زوجها عن صداقها ‪ ،‬أو أنّ الزّوج أعطاها المهر ‪ ،‬أو باع بصداقها‬
‫منها شيئا وقبضته ‪ ،‬قبلت بيّنته ‪ ،‬وإن كان البيع غير مقبوض ل تقبل بيّنته ‪ .‬والفرق أنّ‬
‫مدّعي فساد النّكاح متناقض ‪ ،‬أو لنّه يدّعي أمرا مستنكرا فل تسمع دعواه ‪ ،‬بخلف دعوى‬
‫البراء أو البيع ‪ -‬أي بيع الزّوج لمرأته شيئا بصداقها ‪ -‬لنّه غير مستنكر ‪ ،‬وكذا في‬
‫الكفالة ‪ .‬فعلى هذا لو ادّعى المحيل أنّه أوفاه الدّين بعدها تسمع وتقبل بيّنته أنّه غير مستنكر ‪.‬‬
‫والتّفريق بين النّوعيّة من الضّمان في الحكم هو التّجاه الغالب عند الحنفيّة ‪ ،‬وخالف محمّد‬
‫ن الصّحيح أنّه قائل كأبي يوسف بانتقال الدّين إلى ذمّة المحال‬
‫بن الحسن ‪ -‬على الرّغم من أ ّ‬
‫ن النّوع الوّل من الضّمانات ينتقل أيضا مع الدّين ‪،‬‬
‫عليه ل المطالبة فقط ‪ -‬لنّه يرى أ ّ‬
‫ك إلّ بسقوطه وبراءة ال ّذمّة منه ‪.‬‬
‫ويكون وثيق ًة به في محلّه الجديد ‪ ،‬ل تنف ّ‬
‫ثالثا ‪ -‬أثر الحوالة في علقة المحيل والمحال عليه ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬حقّ المحال عليه في ملزمة المحيل ‪:‬‬
‫‪ - 119‬يرى الحنفيّة أنّ ملزمة المحال عليه للمحيل خاصّة بالحوالة المطلقة ‪.‬‬
‫أمّا ملزمة المحال للمحال عليه فهي حكم عامّ يثبت في كلّ حوالة ‪ .‬وهذان الحقّان في‬
‫اللّازمة أحدهما ‪ -‬وهو حقّ المحال عليه ‪ -‬تبع للخر ‪ -‬وهو حقّ المحال ‪ -‬ما دام الوفاء لم‬
‫ن المحال إذا لزم المحال عليه ‪ ،‬كان للمحال عليه أن يلزم المحيل ‪ ،‬ليخلّصه‬
‫يتمّ بعد ‪ .‬فإ ّ‬
‫وإذا حبسه المحال ‪ ،‬كان له أن يحبس المحيل ‪ ،‬لهذا الغرض نفسه ‪ ،‬لكن بشريطتين أخريين‪:‬‬
‫أ ‪ -‬أن تكون الحوالة بإذن المحيل ‪ ،‬أعني المدين الصليّ ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬وأن تكون الحوالة مطلقةً غير مقيّدة ‪ ،‬لنّه عند توافر هذه الشّرائط ‪ ،‬يكون المحيل هو‬
‫الّذي جرّ على المحال عليه هذه التّبعة ‪ ،‬فعهدة تخليصه عليه جزاءً وفاقا ‪.‬‬
‫أمّا إذا لم يلزمه المحال أو يحبسه ‪ ،‬فبأيّ حقّ يلزم هو المحيل أو يحبسه ‪ ،‬والفرض أن‬
‫ليس له عليه دين ؟ فإذا لم تكن الحوالة بإذن المحيل يكون المحال عليه متبرّعا بالتزامها ‪،‬‬
‫فل يتوجّه له على المحيل حقّ ‪ ،‬وإذا كانت الحوالة مقيّد ًة لم تكن ملزمته للمحيل ‪ ،‬أو حبسه‬
‫بأولى من العكس ‪ ،‬فيمتنعان إذ لو استعمل هو حقّه في ذلك لعامله المحيل بالمثل ‪ ،‬فل تكون‬
‫ثمّ جدوى ‪.‬‬
‫ن الشّرائط الّتي شرطها الحنفيّة لملزمة المحال عليه المحيل ‪ ،‬يستغني غير‬
‫‪ - 120‬وواضح أ ّ‬
‫الحنفيّة منها عن شريطة رضا المحيل ‪ ،‬إذ الحوالة عندهم ل تكون إلّ برضاه ( ر ‪ :‬ف ‪33 /‬‬
‫) كما يستغنون ‪ -‬باستثناء مثبتي الحوالة المطلقة منهم ‪ -‬عن شريطة الحوالة المقيّدة ‪ ،‬لنّ‬
‫الحوالة عندهم ل تكون إلّ مقيّدةً ( ر ‪ :‬ف ‪. ) 25 /‬‬
‫ب ‪ -‬حقّ المحال عليه في الرّجوع ‪:‬‬
‫أوّلً ‪ -‬حالة الداء الفعليّ ‪:‬‬
‫‪ - 121‬ذهب جمهور الفقهاء إلى أنّ استحقاق رجوع المحال عليه بعد أدائه دين الحوالة ‪ ،‬ل‬
‫يتصوّر في حوالة صحيحة عند غير الحنفيّة من نفاة الحوالة المطلقة ‪ ،‬لنّ المحال عليه‬
‫عندهم هو مدين للمحيل ‪ ،‬فما يؤدّيه بحكم الحوالة إنّما يوفّي به ذمّته المحال عليها ‪ ،‬فل‬
‫رجوع له ( ر ‪ :‬ف ‪ ، 25 /‬و ‪. ) 66 /‬‬
‫ق الرّجوع على المحيل إذا‬
‫‪ - 122‬ويرى الحنفيّة أنّه متى أدّى المحال عليه إلى المحال استح ّ‬
‫توافرت شرائط الرّجوع التّالية ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬أن تكون الحوالة برضا المحيل ‪:‬‬
‫ن المحال عليه حينئذ إذا أدّى ل يكون متبرّعا ‪ ،‬بل يكون في حقيقة المر قد اشترى من‬
‫لّ‬
‫المحال الدّين الّذي له في ذمّته بما أدّاه هو إليه ‪ ،‬وحيث ملك الدّين استحقّ الرّجوع به على‬
‫المدين ‪ ،‬كما لو ورثه أو وهب منه ‪ ،‬أمّا إذا كانت الحوالة بغير رضا المدين ‪ ،‬كما لو قال‬
‫ي فقبل الطّالب ‪ ،‬فإنّ الحوالة حينئذ صحيحة‬
‫قائل للطّالب ‪ :‬لك على فلن ألف فاحتل بها عل ّ‬
‫على المعتمد ‪ ،‬ولكن ل تثبت للمحال عليه ولية الرّجوع على المدين إذا أدّى ‪ ،‬لنّه يكون‬
‫متبرّعًا بالداء ‪ ،‬ل مالكا للدّين بطريق الشّراء حذرا من تمليك الدّين من غير من عليه الدّين‪.‬‬
‫وإنّ الرّجوع في الحوالة يكون بحكم الملك ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬أن يؤدّي المحال عليه مال الحوالة إلى المحال ‪:‬‬
‫لنّه إذا لم يؤ ّد لم يملك الدّين ‪ ،‬وهو إنّما يرجع بحكم ملكه ‪.‬‬
‫ج ‪ -‬أن ل يكون المحال عليه مدينا للمحيل بمثل دينه ‪:‬‬
‫لنّه لو كان مدينا للتقى الدّينان ووقع التّقاصّ ‪ ،‬ومن ثمّ يمتنع الرّجوع ‪ ،‬لنّه لو رجع على‬
‫المحيل ‪ ،‬لرجع المحيل عليه ‪ ،‬فيكون عبثا ‪.‬‬
‫‪ - 123‬ويرجع المحال عليه بالمحال به ‪ ،‬إلّ في حالة واحدة ‪ ،‬هي ما إذا صالح المحال عليه‬
‫المحال عن حقّه بأقلّ منه من جنسه فإنّه يرجع بما أدّى ‪.‬‬
‫فمثلً لو كان حقّه مائة دينار فصالحه عنها بثمانين ‪ ،‬لم يكن له حقّ الرّجوع إلّ بالثّمانين الّتي‬
‫أدّاها ‪.‬‬
‫والمحال عليه بعين للمحيل عنده ‪ ،‬كوديعة إذا لم يعط المحال تلك العين نفسها ‪ ،‬وإنّما قضى‬
‫الدّين من ماله هو ‪ ،‬يعدّ متبرّعا ل رجوع له على المحيل قياسا ‪ ،‬لكنّهم استبعدوا ذلك‬
‫استحسانا ‪ ،‬ومنحوه حقّ الرّجوع بما أدّى ‪ ،‬فإن كان هناك غرماء فإنّه يحاصّهم ‪.‬‬
‫ثانيًا ‪ :‬حالة الداء الحكميّ ‪:‬‬
‫‪ - 124‬يقوم مقام الداء الفعليّ الداء الحكميّ عند الحنفيّة ‪.‬‬
‫وفي حالة الداء الحكميّ بطريق الحوالة ‪ ،‬أي إذا أحال المحال عليه الطّالب على غير المحيل‬
‫‪ ،‬ل يملك المحال عليه الوّل حقّ الرّجوع على المحيل ‪ ،‬إلّ بعد قبض الطّالب فعلً من‬
‫المحال عليه الثّاني ‪ ،‬وعلّله السّرخسيّ بقوله ‪ :‬لنّه بعرضة العود على الصيل ‪ ،‬لنّ الحوالة‬
‫تنفسخ بموت المحال عليه مفلسا ‪.‬‬
‫ج ‪ -‬حقّ المحيل في مطالبة المحال عليه ‪:‬‬
‫ن المحال عليه في الحوالة المطلقة ‪ ،‬إمّا أن يكون مدينا للمحيل أو عنده‬
‫‪ - 125‬يقرّر الحنفيّة أ ّ‬
‫له عين ‪ ،‬وإمّا أن ل يكون ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬فإن كان ‪ :‬طولب بعد الحوالة بدينين ‪ ،‬أو دين وعين ‪.‬‬
‫‪ - 1‬دين الحوالة الّذي التزمه بمقتضاها ونشأ معه للمحال حقّ مطالبة لم تكن ‪.‬‬
‫‪ - 2‬ودين المحيل القائم بذمّته من قبل ‪ ،‬أو ماله الّذي عنده ‪ ،‬مقترنًا بحقّ مطالبة قديمة ‪ ،‬فإنّ‬
‫هذا الحقّ القديم ل ينقطع بسبب الحوالة ‪ ،‬لنّها لم تقيّد بالدّين السّابق ول بالعين فبقيا كما كانا‬
‫بحقوقهما كاملةً ‪ ،‬ومنها حقّ المحيل في مطالبته والقبض منه ‪.‬‬
‫ويظلّ المحال عليه كذلك إلى أن يؤدّي إلى المحال ‪ ،‬فإذا أدّى سقط ما عليه بطريق المقاصّة‬
‫لكنّها مقاصّة دين للمحال عليه بعين للمحيل فتتوقّف على التّراضي ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬وإذا لم يكن للمحيل عنده شيء ‪ ،‬فإنّما يطالب بدين واحد ‪ ،‬وهو دين الحوالة ل غيره ‪،‬‬
‫ثمّ إذا أدّاه ثبت له حقّ الرّجوع على المحيل إن كانت الحوالة برضاه ‪ ،‬وإلّ فل رجوع عليه‬
‫‪ .‬والطّالب في هذه الحالة هو المحال وحده ‪ ،‬إلّ أنّه في الحوالة المؤجّلة ل تستحقّ مطالبته‬
‫أثناء الجل ‪ ،‬فهي إذن ل تحلّ عليه إلّ بموته هو ‪ ،‬ل بموت المحيل ‪ -‬وإن كان تأجيله تابعا‬
‫ن حلول الجل في حقّ الصيل ‪ ،‬إنّما هو لستغنائه عن الجل بموته ‪،‬‬
‫لتأجيل المحيل ‪ -‬ل ّ‬
‫فإذا مات هو فإنّ المحال عليه ما زال على قيد الحياة ‪ ،‬وفي حاجة إلى الجل ‪ ،‬فل وجه‬
‫ن الصيل برئ عن الدّين في أحكام الدّنيا والتحق‬
‫لحلوله عليه بحلوله على الصيل ‪ ،‬ل ّ‬
‫بالجانب ‪ .‬وبقاء المحيل على قيد الحياة ل يؤثّر في حلول الجل على المحال عليه بموته هو‬
‫‪ ،‬لنّه استغنى عن الجل بموته ‪ ،‬ثمّ إن لم يكن في تركته وفاء بدين الحوالة ‪ ،‬استحقّ الطّالب‬
‫الرّجوع على المحيل إلى أجله الصليّ ‪ ،‬لنّ هذا الجل لم يكن سقط حقيقةً ‪ ،‬وإنّما سقط في‬
‫ضمن الحوالة حكما ‪ ،‬وقد انتقضت الحوالة بموت المحال عليه مفلسًا فينتقض ما تضمّنته ‪،‬‬
‫أعني سقوط الجل ‪ .‬نظيره ‪ :‬ما لو أنّ المدين بدين مؤجّل باع به سلعةً من دائنه ثمّ استحقّت‬
‫ن الجل يعود ‪ ،‬لنّ سقوطه إنّما كان بحكم البيع ‪ ،‬وقد انتقض البيع ‪ .‬نعم إن كان‬
‫السّلعة ‪ ،‬فإ ّ‬
‫الجل باقيا لكن المحال عليه نزل عنه فذاك ‪ ،‬إذ الجل حقّه فيسقط بإسقاطه ‪ " .‬نظيره ما لو‬
‫أسقط الصيل الجل قبل الحوالة " ثمّ إن أدّى قبل الموعد الصليّ لحلول الجل فليس له أن‬
‫ل ذاك الموعد ‪ ،‬إذ إسقاط الجل صحيح في حقّه ‪ ،‬ل في حقّ‬
‫يرجع على المحيل حتّى يح ّ‬
‫المحيل ‪.‬‬
‫‪ - 126‬ويقرّر الحنفيّة كذلك في الحوالة المقيّدة أنّ المحيل ل يملك مطالبة المحال عليه بالمال‬
‫الّذي قيّد وفاؤها به ‪ ،‬لنّه قد تعلّق به حقّ المحال ‪ ،‬فإنّه إنّما رضي بنقل حقّه إلى المحال‬
‫عليه على أن يوفّيه حقّه ممّا للمحيل عنده ‪ ،‬فتعلّق به حقّ استيفائه ‪ ،‬فلو أخذه المحيل لبطل‬
‫ل فات الرّضا ‪ ،‬وبطلت الحوالة ‪.‬‬
‫هذا الحقّ ‪ ،‬فل يسلّط على أخذه ‪ ،‬وإ ّ‬
‫وبعبارة أوجز ‪ :‬لمّا قيّدت الحوالة بشيء تعلّق حقّ الستيفاء به كالرّهن ‪ ،‬فل يزاحم فيه‬
‫ن المحال عليه دفعه إلى المحيل وجب عليه‬
‫المستحقّ ‪ ،‬ول يدفع إلى غيره ‪ .‬فإذا اتّفق أ ّ‬
‫ضمانه للمحال ‪ ،‬لنّه فوّت عليه ما تعلّق به حقّه ‪ ،‬كما لو استهلك الرّهن أحد ‪ ،‬فإنّه يضمنه‬
‫لصاحب حقّ الستيفاء منه وهو المرتهن ‪.‬‬
‫‪ - 127‬وهذان الثران ليسا عند جماهير الفقهاء من غير الحنفيّة مجرّد سقوط مطالبة المحيل‬
‫ن حقّه صار كالمرهون ‪ ،‬بل عند الجماهير يبرأ المحال عليه من دين‬
‫ومنع الدّفع إليه ‪ ،‬ل ّ‬
‫ن حقّه صار ملكًا للمحال ‪ ،‬ولذا إذا توي فإنّما يتوى‬
‫المحيل ‪ ،‬ومن ثمّ يمتنع الدّفع إليه ‪ ،‬ل ّ‬
‫على المحال نفسه ‪.‬‬
‫انتهاء الحوالة ‪:‬‬
‫‪ - 128‬انتهاء الحوالة قد يكون بأداء مالها إلى المحال ‪ ،‬وقد يكون بما يساوي هذا الداء ‪،‬‬
‫وقد يكون بدون هذا وذاك ‪ ،‬ويمكن ترتيب ذلك ‪ .‬في فرعين ‪:‬‬
‫أوّلً ‪ -‬انتهاء الحوالة بالتّنفيذ ‪:‬‬
‫‪ - 129‬إذا أدّى المحال عليه مال الحوالة ‪ -‬بعينه إن كان عينا ‪ ،‬وبمثله إن كان دينا ‪ -‬إلى‬
‫المحال أو من ينوب منابه فهذه هي غايتها المنشودة ‪.‬‬
‫ومتى انتهت إلى غايتها فل بقاء لها ‪ .‬بل لو تحقّقت هذه الغاية ل عن طريق المحال عليه‬
‫ل متبرّعًا عن المحال عليه ‪ ،‬ما لم‬
‫مباشرةً ‪ ،‬بل عن طريق متبرّع بالوفاء ‪ -‬وهو ل يكون إ ّ‬
‫ن هذا الوفاء والّذي قبله سواء ‪ ،‬من حيث إنهاء الحوالة ‪.‬‬
‫يصرّح بخلفه ‪ -‬فإ ّ‬
‫وقد ل يؤدّي المحال عليه العين نفسها الّتي قيّدت بها الحوالة ‪ ،‬ول مثل دينها ‪ -‬مطلق ًة كانت‬
‫أو مقيّدةً ‪ -‬ومع ذلك تنتهي الحوالة ‪ ،‬لنّه قد وقع ما يساوي هذا الداء ‪ ،‬كما في الحالتين‬
‫التّاليتين ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬أن يؤدّي المحال عليه شيئا آخر عن تراض بينه وبين المحال ‪ :‬كما لو كانت الحوالة‬
‫مقيّدةً بوديعة ‪ -‬ككتاب أو أكثر ‪ -‬فيؤثّر المحال عليه الحتفاظ لنفسه الوديعة لرغبته فيها‬
‫ويعيض المحال منها قيمتها نقدا ‪ ،‬أو كان المحال به دينا على المحيل ‪ ،‬مقداره ألف دينار مثلًا‬
‫‪ ،‬فيرغب المحال عليه وهو تاجر أن يبايع بها المحال فيعرض عليه أن يعيضه من دنانيره ‪،‬‬
‫بضائع كثياب أو غيرها ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬أن يموت المحال ‪ ،‬ويرث المحال عليه مال الحوالة ‪ :‬لنّ الرث من أسباب الملك‬
‫فيملك المحال عليه الدّين في هذه الحال ‪.‬‬
‫وهذا يعادل تماما ما لو كان قد وفّاه دينه قبل وفاته ‪ ،‬ثمّ عاد إليه المال بطريق الميراث ‪.‬‬
‫وفي معنى الرث أن يهب المحال المحال عليه دين الحوالة أو يتصدّق به عليه فيقبل أو ل‬
‫يردّ ‪.‬‬
‫ثانيا ‪ :‬انتهاء الحوالة دون تنفيذ ‪:‬‬
‫‪ - 130‬تنتهي الحوالة دون تنفيذ في حالتين ‪:‬‬
‫الولى ‪ :‬النتهاء الرّضائيّ ‪.‬‬
‫الثّانية ‪ :‬النتهاء غير الرّضائيّ ‪.‬‬
‫الولى النتهاء الرّضائيّ ‪:‬‬
‫وذلك بطريقين ‪:‬‬
‫الوّل ‪ :‬النتهاء بطريق التّقايل " التّراضي على الفسخ " ‪.‬‬
‫الثّاني ‪ :‬النتهاء بطريق البراء ‪.‬‬
‫أ ‪ -‬النتهاء بطريق التّقايل " التّراضي على الفسخ " ‪.‬‬
‫‪ -‬الفسخ في اصطلح الفقهاء هو إنهاء العقد قبل أن يبلغ غايته ‪ ،‬وعبارة ابن نجيم ‪" :‬‬ ‫‪131‬‬

‫الفسخ حلّ ارتباط العقد " ‪.‬‬


‫فإذا أراد واحد أو أكثر من أطراف الحوالة ‪ -‬دون أن يكون له خيار الشّرط ‪ -‬أن يرجع في‬
‫الحوالة ‪ ،‬فقد قال الحنفيّة ‪ " :‬إنّ المحيل والمحال يملكان النّقض " أي نقض الحوالة ‪.‬‬
‫وظا هر أنّ هم يعنون أن يكون ذلك عن تراض بينه ما ‪ ،‬ل أن يكون بطر يق الرادة المنفردة ‪.‬‬
‫وعلى ذلك فإنّ المحيل ل يملك إبطال الحوالة بعد ثبوت صحّتها ‪.‬‬
‫أمّا المحال عليه ‪ ،‬فإذا تراضى مع بقيّة أطراف العقد على نقضه فذاك ‪.‬‬
‫وإذا تراضى الطّرفان الخران واعترض هو ‪ ،‬فل قيمة لعتراضه هذا ‪ ،‬ل نّ العقد حقّهما ‪،‬‬
‫ولصاحب العقد إسقاطه ‪ .‬أمّا أن يستبدّ هو بفسخ العقد فهذا ما ل سبيل إليه ‪.‬‬
‫‪ -‬ومفاد ما تقدّم ‪ :‬أ نّ الحوالة عند الحنفيّة تقبل التّفاسخ والتّقايل برضا الطّرفين الوّلين‬ ‫‪132‬‬

‫فيه والمحيل والمحال فقط ‪ ،‬ول يتوقّف ذلك على رضا المحال عليه ‪.‬‬
‫ن المتولّي مصرّح بأ نّ‬
‫وقد نقل الخطيب عن الرّافع يّ ‪ :‬عدم صحّة التّقايل في الحوالة ‪ ،‬كما أ ّ‬
‫الحوالة من العقود اللّازمة ‪ ،‬وأنّها لو فسخت ل تنفسخ ‪.‬‬
‫البلقينيس حكسى فسي صسحّة إقالتهسا خلفا ‪ ،‬نقلً عسن‬
‫ّ‬ ‫أنس‬
‫والّذي ذكره السسّيوطيّ فسي فتاويسه ّ‬
‫صحّة لما مرّ من أنّها بيع ‪ ،‬كما أنّه يوجد بإزاء ن صّ‬
‫ل ما فعله أنّه رجّح ال ّ‬
‫الخوارزم يّ ‪ ،‬وك ّ‬
‫المتولّي العا مّ ن صّ عا مّ يقابله ‪ ،‬وهو قولهم ‪ " :‬فسخ الحوالة انقطاع من حينه " وإذن فالخلف‬
‫ثابت في المذهب ‪.‬‬
‫‪ - 133‬ويستوي عند الحنفيّة أن يكون التّراضي على الفسخ إلى غير بديل ‪ ،‬أو إلى بديل ‪.‬‬
‫ن " الحوالة إذا تعدّدت على رجلين كانت الثّانية نقضا للولى "‬
‫ومن النّوع الثّاني تصريحهم بأ ّ‬
‫فهذه كأنّها استعاضة عن حوالة بحوالة ‪.‬‬
‫فإذا كان الرّجلن المحال عليهما بمثابة رجل واحد ‪ ،‬لنّهما أصيل وكفيله ‪ ،‬وإنّما التّعدّد‬
‫ن الثّانية ل تكون نقضًا للولى ‪ ،‬بل إمّا أن تصحّ الحوالتان ‪،‬‬
‫الحقيقيّ في جانب المحال ‪ ،‬فإ ّ‬
‫ح الولى ‪ ،‬وتلغو الثّانية ‪.‬‬
‫وإمّا أن تص ّ‬
‫سرّ في ذلك أنّ الحوالة على الكفيل ل تقتضي براءة الصيل من حقّ المحيل ‪ ،‬فيتسنّى‬
‫وال ّ‬
‫للمحيل أن يحيل عليه بعد أن أحال على الكفيل ‪ ،‬بخلف العكس ‪ ،‬إذ إنّ الحوالة على الصيل‬
‫تقتضي براءته وبراءة الكفيل كليهما من حقّ المحيل براءة مراعاة ‪ -‬وسمّاها بعضهم ‪ :‬تأخير‬
‫المطالبة ‪ -‬فل يسعه بعد أن أحال على الوّل أن يحيل على الثّاني ‪ ،‬وقد أصبح بريئا ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬النتهاء بطريق البراء ‪:‬‬
‫‪ - 134‬إبراء المحال للمحال عليه من دين الحوالة يقع تحت احتمالين فهو إمّا أن يكون إبراء‬
‫استيفاء ‪ ،‬أو إبراء إسقاط ‪.‬‬
‫‪ - 135‬أ ‪ -‬فإذا كان إبراء استيفاء فإنّه في معنى القرار بالقبض ‪ .‬وعندئذ تنتهي الحوالة بما‬
‫دلّ عليه هذا البراء من وقوع الوفاء فعلً ‪ .‬وتصبح المسألة من قبيل النّهاية بطريق الداء ‪،‬‬
‫ويترتّب فيها ما يترتّب على أداء الحوالة من حقّ المحال عليه في الرّجوع بدين الحوالة على‬
‫المحيل إن لم يكن مدينا له بمثله ‪ .‬فإن كان مدينا له وقع التّقاصّ بينهما ‪.‬‬
‫‪ - 136‬ب ‪ -‬وأمّا إذا كان إبراء المحال للمحال عليه إبراء إسقاط قبل الوفاء ‪ ،‬فإنّه يخرج به‬
‫المحال عليه من الحوالة كما صرّح به صاحب البدائع وغيره ‪.‬‬
‫وعندئذ يسقط حقّ المحال في دين الحوالة سقوطًا نهائيّا ‪ ،‬ولو كانت الحوالة على كفيل المدين‬
‫ومقيّد ًة بدين الكفالة ‪ .‬ذلك لنّ حقّ المحال قد تحوّل عن المحيل بمقتضى الحوالة نفسها حيث‬
‫ل محلّه المحال عليه في التزام الداء ‪.‬‬
‫يبرأ بها المحيل ويح ّ‬
‫فإذا أبرئ المحال عليه لم يبق للمحال حقّ تجاه أحد ‪ ،‬سواء أكان المحال عليه مدينا أصليّا‬
‫ل أم غير مدين أصلً ‪ ،‬بأن كانت الحوالة مطلق ًة عند الحنفيّة ‪.‬‬
‫للمحيل أم كفي ً‬
‫‪ - 137‬ج ‪ -‬وقد يقع هذا البراء ‪ -‬إبراء السقاط ‪ -‬من المحال للمحال عليه بعد أن أدّى هذا‬
‫إليه دين الحوالة ‪ ،‬ويكون هذا عند الحنفيّة إبراءً صحيحا ‪ ،‬بناءً على نظريّتهم في أنّ إيفاء‬
‫ن الدّين قبل‬
‫الدّيون ل يسقطها من الذّمم ‪ ،‬وإنّما يؤدّي إلى المقاصّة وامتناع المطالبة ‪ :‬فإ ّ‬
‫الوفاء يكون قائما بذمّة المدين ‪ ،‬وبالداء يقوم دين نظيره في ذمّة الدّائن المستوفي ‪ ،‬أي‬
‫يصبح المدين دائنا أيضا لدائنه فيصير ك ّل منهما دائنا ومدينا للخر ‪ ،‬فتمتنع المطالبة من‬
‫الجانبين لعدم فائدتها ‪ ،‬وهذه هي المقاصّة ‪.‬‬
‫فالبراء بعد الداء الصل فيه أن يكون إبراء استيفاء ‪ ،‬لكن إذا صرّح المبرّئ أو دلّت‬
‫القرائن على أنّه أريد به السقاط فإنّه يصادف دينا قائما فيسقطه ‪ ،‬ولكن هذا ل يؤثّر في‬
‫الحوالة الّتي تنتهي بمجرّد الداء ‪ ،‬وإنّما يقتصر أثره على أن يصبح للّذي أبرئ ‪ -‬أي المحال‬
‫عليه ‪ -‬حقّ مطالبة المحال الّذي أبرأه بما كان قد أدّاه إليه ‪ ،‬لنّه بعد البراء أصبح المقبوض‬
‫بل مقابل ‪ ،‬فتنتقض المقاصّة السّابقة التّقدير ‪.‬‬
‫هذا ‪ ،‬ول نعلم أحدا من أهل العلم والجتهاد يقول بما يقول به الحنفيّة في هذا الشّأن ‪ ،‬أي‬
‫بصحّة البراء بعد الوفاء ‪ ،‬بناءً على نظريّتهم النفة الذّكر ‪.‬‬
‫الثّانية ‪ :‬النتهاء غير الرّضائيّ ‪:‬‬
‫وذلك في أربع حالت ‪:‬‬
‫أولً ‪ -‬النتهاء بموت المحيل ‪:‬‬
‫‪ -‬يرى جمهور الفقهاء عدم انفساخ الحوالة بموت المحيل ‪ ،‬لنّ المال قد تحوّل من ملك‬ ‫‪138‬‬

‫) و ما تأث ير موت المح يل في الحوالة ب عد صحّتها‬ ‫‪127‬‬ ‫المح يل إلى ملك المحال ( ر ‪ :‬ف ‪/‬‬
‫ل كتأثير موت بائع ال سّلعة بعد صحّة الب يع ولزو مه ‪ ،‬بل بعد إقبا ضه إيّاها فضلً‬
‫ولزومها إ ّ‬
‫صحّة واللّزوم ‪ ،‬لنّ الحوالة عندهم بمثابة القباض والتّسليم ‪.‬‬
‫عن ال ّ‬
‫ل به دينها المؤجّل ‪ ،‬وفي ذلك يقول صاحب‬
‫نعم تتأثّر الحوالة بموت المحال عليه ‪ ،‬إذ يح ّ‬
‫نهاية المحتاج ‪ :‬لو أحال بمؤجّل على مثله حلّت الحوالة بموت المحال عليه ‪ ،‬ول تحلّ بموت‬
‫المحيل ‪ ،‬لبراءته بالحوالة ‪.‬‬
‫ص المالكيّة في الضّمان ‪ ،‬وفي الشّرح الكبير للحنابلة ‪ :‬فإن مات المحيل أو‬
‫ويؤخذ مثله من ن ّ‬
‫المحال فالجل باق بحاله ‪ ،‬وإن مات المحال عليه انبنى على " قاعدة حلول الدّين بالموت ‪-‬‬
‫أي بموت المدين " ‪ -‬وفيه روايتان ‪ ،‬ول يعلم في حلول الدّين بموت المدين خلف لحد من‬
‫أرباب المذاهب المدوّنة سوى أحمد في إحدى هاتين الرّوايتين ‪.‬‬
‫ن ما قبضه المحال من المحال عليه ‪ -‬قبل موت المحيل أو‬
‫ويترتّب على ذلك عند الجمهور أ ّ‬
‫ل ذلك هو له خاصّةً ل يشركه فيه أحد من غرماء المحيل ‪،‬‬
‫بعده ‪ ،‬في صحّته أو مرضه ‪ -‬ك ّ‬
‫صحّة ‪.‬‬
‫كما ل يشركونه في سلعة كان اشتراها في حال ال ّ‬
‫ويرى الحنفيّة أنّه إذا مات المحيل حوال ًة مطلق ًة ل تنفسخ هذه الحوالة ‪.‬‬
‫ثمّ إن كان له على المحال عليه مال " بالمعنى الشّامل للدّين توسّعا ‪ ،‬فإنّه مال حكميّ عند‬
‫الحنفيّة " فل شأن للمحال بهذا المال ول تعلّق لنّ حقّه في ذمّة المحال عليه ‪ ،‬وهذا المال‬
‫تركة للمحيل ‪ ،‬فيئول إلى ورثته ‪ ،‬بعد أن تقضى منه الحقوق المقدّمة ‪ ،‬كالدّيون الخرى غير‬
‫دين المحال ‪ ،‬لنّه ل يعود على المحيل ما دامت الحوالة قائمةً ‪ ،‬وموت المحيل ل يبطل‬
‫الحوالة المطلقة ‪.‬‬
‫‪ - 139‬وأمّا في الحوالة المقيّدة ‪ ،‬فقد يموت المحيل قبل استيفاء دينها ‪ ،‬وفي هذه الحالة تنفسخ‬
‫ن المال الّذي قيّدت به قد استحقّ من المحال عليه ‪ ،‬ودخل في تركة المحيل ‪،‬‬
‫الحوالة ‪ ،‬ل ّ‬
‫وعلى هذه التّركة يعود المحال بدينه ‪ ،‬ويكون أسوة الغرماء ‪ ،‬هكذا علّل صاحب ‪ -‬البدائع ‪-‬‬
‫ن المرتهن اختصّ بغرم الرّهن من بين سائر الغرماء ‪ ،‬لنّه‬
‫ثمّ فرّق بين الحوالة والرّهن ‪ ،‬بأ ّ‬
‫إذا هلك سقط دينه خاصّةً ‪ ،‬ولمّا اختصّ بغرمه اختصّ بغنمه ‪ ،‬لنّ الخراج بالضّمان ‪ .‬وأمّا‬
‫المحال في الحوالة المقيّدة فلم يختصّ بغرم ذلك المال ‪ ،‬لنّه لو توي ل يسقط دينه عن‬
‫المحيل ‪ .‬فلمّا لم يختصّ بغرمه لم يختصّ بغنمه ‪ ،‬ويكون أسوة الغرماء ‪.‬‬
‫‪ - 140‬ومن نتائج القول بالنفساخ عند الحنفيّة ‪:‬‬
‫‪ -‬أ ‪ -‬إنّ المحال إذا رجع إلى تركة المحيل وعرف نصيبه في القسمة بين الغرماء ‪ ،‬فأراد‬
‫ن ما على المحال‬
‫أن يستوفي نصيبه هذا من المحال عليه بدلًا من التّركة لم يجز له ذلك ‪ ،‬ل ّ‬
‫عليه صار مشتركًا بين المستحقّين ‪.‬‬
‫‪ -‬ب ‪ -‬لو نقصت حصّة المحال في المقاسمة عن الوفاء بدينه ‪ ،‬ل يكون له حقّ الرّجوع بما‬
‫بقيّ له على المحال عليه ‪ ،‬لنّه صار تاويا فل يرجع به على أحد ‪.‬‬
‫‪ -‬ج ‪ -‬إن كان المحال قد قبض شيئًا من دين الحوالة قبل موت المحيل ‪ -‬ولو في أثناء‬
‫ص الغرماء في الباقي ‪ .‬لكن في حالة القبض ‪ ،‬والمحيل‬
‫مرضه ‪ -‬فله ما قبضه ‪ ،‬ثمّ يحا ّ‬
‫مريض مرض الموت ‪ ،‬يوجد في كلم بعضهم تفرقة بين قبض الدّين وقبض العين ‪.‬‬
‫‪ - 1‬ففي قبض الدّين يسلّم للمحال ما أخذه ‪ ،‬ول سبيل للغرماء عليه ‪ ،‬لكن يكون المحال عليه‬
‫‪ -‬بأدائه الدّين ‪ -‬غريمًا للمحيل يستحقّ الرّجوع عليه كسائر الغرماء ‪ ،‬ول يملك الستئثار‬
‫ل حصّته في‬
‫بما كان في ذمّته ليقع التّقاصّ ‪ ،‬بل يشاركه فيه الغرماء ‪ ،‬ول يسلّم له منه إ ّ‬
‫المحاصّة ‪.‬‬
‫‪ - 2‬أمّا في قبض العين ‪ -‬كالوديعة والمغصوب ‪ -‬فبالعكس ‪ :‬أي ل سبيل حينئذ لغرماء‬
‫المحيل على المحال عليه ‪ ،‬لكن ل تسلّم العين المأخوذة للمحال ‪ ،‬بل يحاصّه فيها الغرماء ‪.‬‬
‫ثانيا ‪ -‬النتهاء بموت المحال عليه ‪:‬‬
‫ص بعض الحنفيّة على أنّ الحوالة تنتهي بموت المحال عليه ‪ ،‬وذهب آخرون منهم‬
‫‪ - 141‬ن ّ‬
‫إلى أنّ الحوالة ل تنتهي بموت المحال عليه سواء مات مدينًا أم غير مدين ‪ .‬إلّ أن يكون قد‬
‫ن الحوالة حينئذ تنتهي في الدّين كلّه ‪ -‬إن لم يترك وفا ًء بشيء منه ‪ -‬أو‬
‫مات مفلسا ‪ ،‬فإ ّ‬
‫تنتهي في باقيه ‪ ،‬إن ترك وفا ًء ببعضه ‪ ،‬ويرجع الباقي إن مات المحال عليه مفلسا ‪،‬‬
‫ن التّركة خلف عن صاحبها في قضاء دينه ‪،‬‬
‫وسيجيء في التّوى ( ر ‪ :‬ف ‪ : ) 164 /‬ذلك أ ّ‬
‫ي في المبسوط ‪.‬‬
‫كما صرّح به السّرخس ّ‬
‫ثالثا ‪ :‬النتهاء بفوات المحلّ ‪:‬‬
‫‪ -‬أ ‪ -‬ارتفاع المال المحال به أصالةً ‪:‬‬
‫‪ - 142‬اتّفق الفقهاء على أنّه إذا أحال المشتري البائع بالثّمن على ثالث ‪ ،‬ثمّ استحقّ المبيع ‪،‬‬
‫تبطل الحوالة ‪ ،‬لنّه تبيّن أنّ المحيل ‪ -‬وهو المشتري ‪ -‬غير مدين للمحال ‪ -‬البائع ‪-‬‬
‫ومديونيّة المحيل للمحال شريطة لنعقاد الحوالة ل تقوم بدونها كما تقدّم بيانه ( ف ‪.) 59 /‬‬
‫‪ -‬ب ‪ -‬ارتفاع المال المحال عليه أصالةً ‪:‬‬
‫‪ - 143‬في الحوالة المطلقة ‪ :‬لو كان للمحيل على المحال عليه دين أو عين هي أمانة أو‬
‫مضمونة ‪ ،‬فاستحقّت أو تبيّن أنّ الدّين لم يجب أصلً في حقيقة المر ‪ ،‬كما لو كان ثمن مبيع‬
‫ق المبيع ‪ ،‬فإنّ الحوالة تبقى كما هي صحيح ًة نافذ ًة ‪ ،‬ل يتطرّق إليها بطلن أو‬
‫فاستح ّ‬
‫ن دين الحوالة المطلقة إنّما يتعلّق بذمّة المحال عليه ‪ -‬كما سبق بيانه ‪ -‬وفي‬
‫انفساخ ‪ ،‬ل ّ‬
‫ال ّذمّة سعة ‪ ،‬فل يتأثّر بمثل هذه العوارض ‪ ،‬وقد سبق بحث ذلك ( ر ‪ :‬ف ‪. ) 66 /‬‬
‫‪ - 144‬أمّا في الحوالة المقيّدة ‪ :‬فيقرّر الفقهاء في الجملة أنّ المال الّذي تقيّد الحوالة بإيفاء‬
‫دينها به أو منه ‪ ،‬إذا كان عينا ‪ -‬أمانةً كانت أو مضمون ًة كالمغصوبة ‪ -‬ثمّ تبيّن استحقاقها‬
‫لغير المحيل ‪ ،‬أو كان دينا ثمّ تبيّن انعدامه من الصل ل بسبب عارض ‪ ،‬أي إنّ ال ّذمّة لم‬
‫تشغل به أصلً ‪ ،‬ل أنّها شغلت ثمّ فرغت بسبب طارئ ‪ :‬فهنا يتبيّن بطلن الحوالة ‪ ،‬بمعنى‬
‫عدم انعقادها بتاتا ‪.‬‬
‫مثال ذلك في العيان ‪ :‬رجل له عند رجل ألف دينار ‪ .‬بطريق الوديعة أو الغصب ‪ ،‬فأحال‬
‫ن هذه الدّنانير ليست ملكا للمحيل ‪ ،‬ول له عليها ولية ‪،‬‬
‫عليه بها دائنا له ‪ ،‬ثمّ بعد ذلك تبيّن أ ّ‬
‫كما لو كانت في يده بطريق السّرقة ‪ ،‬أو ظهرت مستحقّ ًة لغيره ‪ ،‬فإنّ الحوالة تبطل لنّها‬
‫علقت بمعدوم حكما ‪.‬‬
‫ل أو خلّا ‪ ،‬فأحال عليه بالثّمن دائنا له ‪ ،‬ثمّ بعد ذلك‬
‫ومثاله في الدّيون ‪ :‬رجل باع آخر منز ً‬
‫ن الخلّ خمر ‪ ،‬فتبطل الحوالة ‪،‬لنّها قيّدت بدين لم يكن له وجود قطّ‪.‬‬
‫استحقّ المبيع أو تبيّن أ ّ‬
‫ن الدّين يعود على المدين الصليّ ‪ ،‬وهو المحيل‬
‫وفي جميع الحوال متى بطلت الحوالة ‪ ،‬فإ ّ‬
‫‪.‬‬
‫ومن أمثلتهم ‪ :‬ما لو باع منزلً ‪ ،‬وأحال على ثمنه ‪ ،‬أو أحيل هو به ‪ ،‬ثمّ تبيّن أنّ المنزل‬
‫موقوف ‪ ،‬إمّا ببيّنة ‪ ،‬وإمّا بإقرار الطراف الثّلثة ‪ -‬المحيل والمحال والمحال عليه ‪ -‬وكذا‬
‫عند الشّافعيّة ما لو أحال على أجرة شهر لدار له ‪ ،‬فمات المستأجر خلله ‪ ،‬إذ قالوا ‪ :‬تبطل‬
‫الحوالة في مقابل ما بقي من المدّة ‪ ،‬لبطلن الجارة فيها ‪.‬‬
‫قال الباجيّ في تعليل القول ‪ :‬بأنّ الحوالة باطلة ‪ ،‬والدّين كما كان ‪ ،‬ولو دفع المحال عليه إلى‬
‫المحال لرجع عليه به ‪ ،‬فهو أنّ المحال عليه ليس طرفًا في عقد الحوالة ‪ ،‬وإنّما يلزمه أن‬
‫يدفع الثّمن للبائع المحيل ‪ -‬مباشرةً ‪ ،‬أو بواسطة كالمحال ‪ -‬لنّه مستحقّ عليه للبائع بعقد‬
‫آخر ‪ ،‬فإذا سقط استحقاقه بهلك المبيع مثلً قبل التّسليم برئت ذمّته من الثّمن فل يكلّف‬
‫أداءه ‪ ،‬وإن كان قد دفعه حقّ له استرداده ‪ ،‬ومعلوم أنّ من شرائط الحوالة أن يكون على‬
‫المحال عليه مثل ما على المحيل فإذا انتفى الشّرط انتفى المشروط ‪.‬‬
‫ب إليّ ‪ ،‬وهو قول أصحاب مالك كلّهم ‪.‬‬
‫قال ابن الموّاز ‪ :‬هذا أح ّ‬
‫يرى ابن القاسم من المالكيّة أنّ الحوالة معروف ‪ ،‬وأنّها ل تبطل بتبيّن أن ل دين على المحال‬
‫عليه ‪ ،‬ويرجع بعد أدائه على المحيل ‪ .‬وعلّل الباجيّ تعليل كل الوجهين عندهم ‪.‬‬
‫أمّا تعليل قول ابن القاسم بعدم البطلن فهو أنّ الحوالة عقد لزم ‪ ،‬فل ينتقص في حقّ المحال‬
‫باستحقاق سلعة لم يعاوض هو عليها بدين الحوالة سواء قبضه أم لم يقبضه بعد ‪.‬‬
‫ج ‪ -‬ارتفاع المال المحال به عروضا ‪:‬‬
‫‪ - 145‬يرى الحنفيّة أنّه إذا أحال المشتري البائع بالثّمن على ثالث ‪ ،‬حوالةً مقيّدةً " أو مطلقةً "‬
‫‪ ،‬ثمّ هلك المبيع عند البائع قبل تسليمه إلى المشتري أو ر ّد عليه بعيب بعد التّسليم ‪ ،‬تبطل‬
‫الحوالة ‪ ،‬لنّه قد تبيّن أنّ المحيل وهو المشتري غير مدين ‪.‬‬
‫د ‪ -‬ارتفاع المال المحال عليه عروضا ‪:‬‬
‫ن المال المحال عليه إذا كان ثابتًا ث ّم طرأ عليه الرتفاع له ثلث‬
‫‪ - 146‬ذهب الحنفيّة إلى أ ّ‬
‫حالت ‪.‬‬
‫الحالة الولى ‪ :‬ارتفاع المحال عليه عروضا في الحوالة المطلقة ‪:‬‬
‫‪ - 147‬إذا كان للمحيل مال عند المحال عليه ولكن الحوالة صدرت مطلق ًة لم يقيّد فيها الوفاء‬
‫بذلك المال ‪ ،‬فإنّ هذه الحوالة المطلقة ل تبطل بفوات المال الّذي للمحيل عند المحال عليه‬
‫سواء أكان بخلوّ يده من العين الّتي كانت له عنده بهلك ‪ ،‬أم كان باسترداد المحيل ماله من‬
‫المحال عليه ‪ ،‬إذ أنّ حقّ الطّالب إنّما تعلّق بذمّة المحال عليه ‪ ،‬ل بشيء ‪ ،‬عنده أو عليه ‪،‬‬
‫ن للمحال أن يطالبه‬
‫وفي ال ّذمّة سعة ‪ .‬فللمحيل أن يطالب المحال عليه بما له عنده ‪ ،‬كما أ ّ‬
‫بدين الحوالة ‪ .‬فإذا أدّى هذا الدّين الخير ‪ ،‬سقط عنه الدّين الوّل بطريق المقاصّة بين دين‬
‫الحوالة الّذي أدّاه ودين المحيل ‪.‬‬
‫وقد سئل ابن نجيم عن مدين باع دائنه شيئا بمثل دينه ‪ ،‬ثمّ أحال عليه بالثّمن أو بنظيره ‪ ،‬هل‬
‫تصحّ الحوالة ؟ فأجاب ‪ :‬إن وقعت بنظير الثّمن صحّت ‪ ،‬لنّها لم تقيّد بالثّمن – ول يشترط‬
‫لصحّتها دين على المحال عليه – وإن وقعت بالثّمن فهي مقيّدة بالدّين ‪ ،‬وهو مستحقّ للمحال‬
‫ن الدّين إذا استحقّ للغير فإنّها تبطل‪.‬‬
‫عليه ‪ ،‬لوقوع المقاصّة بنفس الشّراء ‪ ،‬وقدّمنا أ ّ‬
‫الحالة الثّانية ‪ :‬ارتفاع المال المحال عليه عروضا في الحوالة المقيّدة بعين ‪:‬‬
‫‪ - 148‬ل تبطل الحوالة المقيّدة إذا كان المال الّذي قيّدت به الحوالة عينا مضمونةً ‪ ،‬ثمّ لحقها‬
‫ل ‪ ،‬فإنّ الحوالة تبقى‬
‫الهلك بسبب طارئ ‪ ،‬كما لو ضاعت أو سرقت أو تلفت في حريق مث ً‬
‫كما هي ‪ ،‬ومطالبة المحال عليه متوجّهة ‪ ،‬كما كانت قبل التّلف لنّ الحوالة قيّدت حين عقدت‬
‫ن العين المضمونة كالمغصوب مثلًا إذا‬
‫بشيء موجود فعلًا ‪ ،‬فل يضير ارتفاعه الطّارئ ‪ ،‬ل ّ‬
‫هلكت وجب على ضامنها مثلها ‪ ،‬إن كانت مثليّ ًة ‪ ،‬وقيمتها إن كانت قيميّ ًة ‪ ،‬فيكون فواتها‬
‫إلى خلف ‪.‬‬
‫ن الخلف قائم مقام الصل ‪ ،‬فيتعلّق به حقّ المحال ‪.‬‬
‫والفوات إلى خلف كالبقاء حكما ‪ ،‬ل ّ‬
‫وهذا منطبق تماما على المانات الّتي تفوت بتعدّي من هي عنده ‪ ،‬إذ هي إذ ذاك تدخل في‬
‫عداد العيان المضمونة بخلف الفوات بطريق استحقاق العين للغير ‪ ،‬ولو كانت مغصوبةً ‪،‬‬
‫فإنّ ال ّذمّة تبرأ فيه من ضمانات الفائت بعوده إلى مالكه ‪ ،‬فيفوت إلى غير خلف ‪ ،‬ولذا تبطل‬
‫الحوالة به ‪ ،‬كما تقدّم ( ر ‪ :‬ف ‪ ) 143 /‬أمّا فوات المانات بغير تعدّي من هي عنده ‪،‬‬
‫كالوديعة إذا احترقت أو سرقت ‪ ،‬فإنّه ينهي الحوالة ‪ ،‬وتبرأ ذمّة المحال عليه ويعود الدّين‬
‫على المحيل ‪ .‬وإذا استردّ المحيل من المحال عليه العين الّتي قيّدت الحوالة بالداء منها ‪ ،‬ل‬
‫تبطل الحوالة ول تتأثّر بذلك ‪ ،‬لنّ المحال عليه متع ّد بدفع ما تعلّق به حقّ المحال إلى من‬
‫ليس له حقّ أخذه ‪ ،‬وربّما كان هذا كيدًا يكيده للمحال ‪ ،‬فيضمن المحال عليه للمحال ‪ ،‬ويرجع‬
‫هو على المحيل بما أخذه ‪.‬‬
‫الحالة الثّالثة ‪ :‬ارتفاع المال المحال عليه عروضا في الحوالة المقيّدة بدين ‪:‬‬
‫‪ - 149‬إذا استوفى المحيل من المحال عليه دينه الّذي قيّدت به الحوالة ‪ ،‬ل تبطل الحوالة‬
‫بذلك ول تتأثّر به في شيء للسّبب المذكور في حالة استرداد المحيل العين الّتي قيّدت بها‬
‫الحوالة ‪.‬‬
‫‪ - 150‬ل تبطل الحوالة المقيّدة إذا كان المال الّذي قيّدت به الحوالة دينا فات بأمر عارض‬
‫بعد الحوالة كذلك ‪ .‬مثاله ‪ :‬رجل باع بضاعةً بألف دينار ‪ ،‬وأحال على المشتري بثمنها ‪ ،‬ثمّ‬
‫احترقت البضاعة مثلً أو غرقت قبل تسليمها إلى المشتري ‪ ،‬أو ردّت بعيب ‪ ،‬أو خيار ما ‪-‬‬
‫ن الثّمن يسقط عن المشتري ‪ ،‬ولكن ل تبطل الحوالة ‪،‬‬
‫ولو بعد التّسليم ‪ -‬أو تقايل البيع ‪ ،‬فإ ّ‬
‫ن الدّين الّذي قيّدت به كان قائمًا عند عقدها ‪ ،‬فليس يضرّ سقوطه بعد ‪.‬‬
‫لّ‬
‫ثمّ إذا أدّى المحال عليه استحقّ الرّجوع على المحيل ‪ ،‬لنّه قضى دينه بأمره ‪.‬‬
‫فإذا كان المشتري في المثال النف هو المحيل للبائع بالثّمن ‪ ،‬فقد تقدّم في الفقرة ( ‪) 145‬‬
‫حكمهم ببطلن الحوالة ‪.‬‬
‫‪ - 151‬والشّافعيّة يوافقون الحنفيّة على هذه التّفرقة تمام الموافقة ‪ ،‬فيما اعتمدوه ‪ ،‬وكذلك‬
‫الحنابلة ‪ ،‬فيما عليه القاضي وأصحابه ‪ ،‬وإن كانوا كسائر الحنابلة ل يبطلون الحوالة بعد‬
‫قبض دينها ‪ ،‬ويقولون ‪ :‬يتبع صاحب المال ماله حيث كان ‪.‬‬
‫ن الدّين‬
‫وهو وجه لبعض الشّافعيّة ( ر ‪ :‬ف ‪ ) 150/‬وقد علّل الشّافعيّة وموافقوهم بقولهم ‪ :‬إ ّ‬
‫سقط في الحالين بعد ثبوت ‪ ،‬فصار كأن لم يكن ‪ ،‬نظير ما لو تبيّن أنّه ثمن خمر موقوف ‪،‬‬
‫ل أنّه منع من ذلك مانع في حالة الحوالة عليه ‪ ،‬وهو‬
‫ومقتضى ذلك بطلن الحوالة فيهما ‪ ،‬إ ّ‬
‫ق الغير به ‪ ،‬وهذا الغير هو المحال ‪.‬‬
‫تعلّق ح ّ‬
‫وقد استنبط بعض متأخّري الشّافعيّة من هذا التّعليل أنّه في حالة الحوالة به ‪ -‬أي بالثّمن من‬
‫ل مكانه دائنا له ‪ ،‬بطريق الحوالة ‪،‬‬
‫ن المحال ‪ -‬وهو البائع ‪ -‬كان قد أح ّ‬
‫قبل المشتري ‪ -‬لو أ ّ‬
‫قبل سقوط الدّين ‪ ،‬لم تبطل الحوالة أيضا لتعلّق حقّ الغير ‪.‬‬
‫ح أنّه ل فرق عند الشّافعيّة ‪ -‬في حالتي البطلن وعدمه ‪ -‬بين أن يكون‬
‫‪ - 152‬ثمّ الص ّ‬
‫طروء الطّارئ المسقط للدّين قد وقع بعد قبض دين الحوالة أو قبله ‪.‬‬
‫ويترتّب على بطلنه بعد القبض ‪ ،‬أن يرجع صاحب المال " المحيل " على المحال الّذي‬
‫قبضه ‪ -‬إمّا بعينه إن كان باقيًا ‪ ،‬أو ببدله إن كان تالفًا ‪ -‬ولو ردّه المحال على المحال عليه ‪،‬‬
‫لنّه ل يملك الحقّ في هذا ال ّردّ ‪ ،‬فقد قبض بإذن ‪ ،‬فإن لم يقع القبض عن نفسه ‪ ،‬وقع عن‬
‫الذن ‪ ،‬ويتعيّن حقّه فيما قبضه ‪.‬‬
‫ن المحال عليه ل يملك الرّجوع على المحيل إلّ بعد‬
‫ويترتّب على بقاء صحّتها قبل القبض أ ّ‬
‫الدّفع ‪ .‬ويفرّق الحنابلة وبعض الشّافعيّة في ذلك بين ما قبل القبض وبعده ‪ :‬فبعد القبض ل‬
‫تبطل الحوالة عندهم جزما ‪ ،‬بل يتبع صاحب المال ماله حيث كان ‪ .‬أمّا قبل القبض فعندهم‬
‫قولن ‪ :‬بالبطلن وبعدمه ‪.‬‬
‫أمّا أشهب ‪ -‬وهو الّذي اعتمد متأخّرو المالكيّة طريقته في المسألة ‪ -‬فيطلق القول هنا بعدم‬
‫ل أنّه يبطل الحوالة بالثّمن أو عليه ‪ ،‬إذا ردّ المبيع بعيب ‪.‬‬
‫البطلن ‪ ،‬لنّ الفسخ عارض ‪ -‬إ ّ‬
‫‪ - 153‬والتّفرقة بين الحوالة بالدّين والحوالة عليه ‪ ،‬جارية على المعتمد عند الشّافعيّة ‪ ،‬وعلى‬
‫قول القاضي وأصحابه عند الحنابلة ‪ ،‬ومن هؤلء وهؤلء مخالفون ‪ :‬يسوّون بين الحوالة‬
‫بالدّين والحوالة عليه في البطلن ‪ ،‬لما قدّمناه هناك ‪ ،‬ول يأبهون لتعلّق حقّ الغير ‪ ،‬لعدم‬
‫فائدة الحوالة ‪.‬‬
‫صحّة ‪ -‬منهم أبو عليّ الطّبريّ من الشّافعيّة ‪ -‬فهم ل‬
‫وآخرون ‪ :‬يسوّون بينهما في ال ّ‬
‫ن الدّين كان قائما عند عقد الحوالة على أيّة حال‬
‫ينظرون إلى تعلّق حقّ أجنبيّ ‪ ،‬بل إلى أ ّ‬
‫وصحّت الحوالة وبرئت بها ذمّة المحيل ‪ ،‬فل يض ّر سقوطه بعد ثبوته ‪ ،‬لنّه يغتفر في البقاء‬
‫ما ل يغتفر في البتداء ‪.‬‬
‫ن الحوالة بالدّين وعليه ‪ ،‬إذا طرأ‬
‫والقياس الّذي كان أبو عليّ الطّبريّ نفسه يتعلّق به ‪ :‬هو أ ّ‬
‫فاسخ لسبب وجوبه ‪ ،‬تقاس على التّصرّف في أحد عوضي البيع ‪ ،‬إذا طرأ ما يفسخه ‪ ،‬كما‬
‫لو اشترى زيد بثوبه شيئًا ما من عمرو ‪ ،‬وباع زيد هذا الشّيء ث ّم ردّ عليه الثّوب بعيب ‪ ،‬فإنّ‬
‫الصّفقة الثّانية ماضية ‪ .‬والجامع في هذا القياس أنّ كلّا منهما صفقة سبقتها أخرى ‪ ،‬فل يؤثّر‬
‫في ‪ .‬الثّانية طروء انفساخ الولى ‪.‬‬
‫رابعا ‪ :‬النتهاء بالتّوى ‪:‬‬
‫‪ - 154‬التّوى في اللّغة ‪ :‬وزان الهوى ‪ -‬وقد يمدّ ‪ -‬التّلف والهلك ‪.‬‬
‫هكذا عمّم في ‪ -‬المصباح ‪ -‬وقصره صاحب ‪ -‬الصّحاح ‪ -‬على هلك المال ‪.‬‬
‫ويشتقّ منه فيقال ‪ :‬توي المال ‪ -‬من باب فرح ‪ -‬يتوى ‪ ،‬فهو تو وتاو ‪.‬‬
‫أمّا في اصطلح الفقهاء هنا ‪ :‬فالتّوى هو العجز عن الوصول إلى الحقّ ‪ ،‬أي عجز المحال‬
‫عن الوصول إلى حقّه من طريق المحال عليه ‪.‬‬
‫‪ - 155‬الرّجوع على المحيل إذا توي المال على المحال عليه ‪ ،‬لم يقل به سوى الحنفيّة ‪.‬‬
‫والّذين وافقوا على الرّجوع بسبب العجز عن الوصول إلى الحقّ في حالت الغرور خاصّةً ‪،‬‬
‫لم يعتبروه فاسخا للحوالة ‪ -‬إن صحّحوا انعقادها ‪ -‬بل سببا من أسباب الخيار في البقاء‬
‫على عقدة الحوالة أو فسخها ‪.‬‬
‫لكن المالكيّة قالوا ‪ :‬إنّه بمجرّد الحوالة ‪ ،‬يتحوّل الدّين إلى ذمّة المحال عليه نتيج ًة لعتبارها‬
‫كالقبض ‪ ،‬وتبرأ ذمّة المحيل نهائيّا ‪ ،‬فل رجوع عليه بسبب فلس المحال عليه ‪ ،‬ولو كان هذا‬
‫الفلس قائمًا عند الحوالة ‪ ،‬ول بجحده للدّين بعد الحوالة ‪ ،‬إلّ أن غرّه المحيل ‪ ،‬بأن علم أو‬
‫ظنّ ظنّا قويّا فقر المحال عليه أو جحده ‪ ،‬فكتمه عن المحال ‪ ،‬فإن ثبت هذا العلم أو الظّنّ ‪،‬‬
‫ببيّنة أو إقرار ‪ ،‬لم يتحوّل الدّين ولم تبرأ ذمّة المحيل ‪ .‬ومعنى ذلك ‪ :‬أنّ الحوالة باطلة ‪.‬‬
‫‪ - 156‬نعم إذا شرط المحال الرّجوع عند العجز عن الوصول إلى الحقّ من قبل المحال عليه‬
‫بسبب معين أو أكثر ‪ ،‬فهنا يختلف نفاة الرّجوع بالتّوى ‪ :‬فالمالكيّة ‪ ،‬وبعض الشّافعيّة ‪،‬‬
‫ن له شرطه ‪ .‬ويعلّله الباجيّ قائلً ‪ :‬ووجه ذلك أنّ الحوالة صحيحة ‪ ،‬وقد شرط فيها‬
‫يقولون إ ّ‬
‫سلمة ذمّته ‪ ،‬فله شرطه ‪.‬‬
‫ن شرط الرّجوع عند العجز شرط مناف لمقتضى العقد فيبطل ‪،‬‬
‫أمّا جماهير الشّافعيّة فيرون أ ّ‬
‫ثمّ الصحّ عندهم أنّه يبطل العقد نفسه أيضا ‪.‬‬
‫‪ - 157‬يعتبر الحنفيّة التّوى نهاي ًة للحوالة على التّفصيل الّذي سيأتي ‪ .‬يخالفهم أئمّة المذاهب‬
‫الثّلثة الخرى وغيرهم ‪:‬‬
‫فالشّافعيّة واللّيث وأبو عبيد على أنّ التّوى ل يعتبر نهايةً للحوالة ‪ ،‬وبالتّالي ل رجوع به‬
‫للمحال على المحيل ‪ .‬وكذلك يقول أحمد إلّ أنّه استثنى في رواية عنه ما إذا كان المحال‬
‫عليه مفلسا عند الحوالة ‪ ،‬ولم يعلم المحال بإفلسه ‪ ،‬فإنّه حينئذ يكون له الرّجوع على المحيل‬
‫‪ -‬إلّ أن يثبت علم المحال بذلك ورضاه به ‪ -‬وهذه الرّواية عن أحمد تتّفق مع مذهب المالكيّة‬
‫ن اشتراط الرّجوع في حالة التّوى مقبول ويعمل به ‪ ،‬ولكن بشريطة علم‬
‫الّذين يقولون أيضًا بأ ّ‬
‫المحيل بهذا الفلس ‪ .‬وألحقوا به علمه بجحده كما ب ّينّاه آنفا ( ف ‪. ) 155 /‬‬
‫ن المذاهب في الرّجوع بالتّوى ثلثة ‪:‬‬
‫‪ - 158‬وبهذا يتحرّر ‪ :‬أ ّ‬
‫‪ - 1 -‬إطلق القول به ‪ :‬على خلف في تحديد أسبابه أو إطلقها ‪.‬‬
‫وهذا هو مذهب الحنفيّة " ما عدا زفر " ‪ ،‬ورأي بعض السّلف ‪.‬‬
‫‪ - 2 -‬إطلق رفضه ‪ :‬وهذا هو مذهب جماهير الشّافعيّة ‪.‬‬
‫‪ - 3 -‬وجوب استحقاق الرّجوع إذا شرط ‪ ،‬وإلّ فل رجوع إلّ في حالت الغرور ‪ -‬وعليه‬
‫المالكيّة ‪.‬‬
‫أدلّة الحنفيّة ‪:‬‬
‫يستدلّ الحنفيّة لقولهم بالرّجوع في حالة التّوى بما يلي ‪:‬‬
‫‪ -‬أ ‪ -‬إجماع الصّحابة ‪:‬‬
‫‪ - 159‬فقد جاء عن عثمان ‪ -‬رضي ال عنه ‪ -‬في المحال عليه إذا مات مفلسا أنّه يعود‬
‫الدّين إلى ذمّة المحيل ‪ ،‬وقال ‪ « :‬ليس على مال امرئ مسلم توًى » ولم ينقل عن أحد من‬
‫الصّحابة خلفه ‪ ،‬فكان إجماعًا ‪ .‬وجاء عن شريح مثله ‪.‬‬
‫‪ -‬ب ‪ -‬المعقول ‪:‬‬
‫‪ - 160‬قالوا ‪ :‬لنّ المقصود بالحوالة أن ينوب الثّاني عن الوّل في اليفاء ‪ ،‬ل مجرّد نقل‬
‫الوجوب من ذمّة إلى ذمّة ‪ ،‬إذ الذّمم ل تتفاوت في أصل الوجوب ‪ ،‬هذا هو ما يتعارفه النّاس‬
‫‪ ،‬وما تعارفوه فهو كالمشروط ‪.‬‬
‫وعلى هذا ‪ ،‬فبراءة المحيل لم تثبت مطلق ًة ‪ ،‬بل مشروطةً بعوض ‪ .‬فإذا لم يسلّم هذا العوض‬
‫عاد الدّين إلى ذمّة المحيل فشغلها كما كان ‪.‬‬
‫نظيره أن يهلك المبيع قبل قبضه ‪ ،‬أو يخرج مستحقّا ‪ ،‬أو يتبيّن به عيب ‪ ،‬فإنّ المشتري‬
‫ل ليحصل على مبيع سليم ‪ ،‬فإذا فات هذا‬
‫يرجع بالثّمن ‪ ،‬إذ العرف قاض بأنّه ما بذل الثّمن إ ّ‬
‫المقصود الّذي هو في قوّة المشروط ‪ ،‬عاد بالثّمن الّذي بذله ‪ .‬هذا قياس ل شكّ في جلئه ‪.‬‬
‫أدلّة الشّافعيّة وموافقيهم ‪:‬‬
‫ويستدلّ الشّافعيّة وموافقوهم على عدم الرّجوع في حالة التّوى مطلقا بالدلّة التّالية ‪:‬‬
‫سنّة المطهّرة ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬ال ّ‬
‫ي في الوسط ‪ ،‬وأصله عند الجماعة‬
‫‪ - 161‬فقد جاء في قوله صلوات اللّه عليه عند الطّبران ّ‬
‫« من أحيل على مليء فليتبع » هذا من غير فصل بين توىً وغيره ‪ ،‬ول يوجد مخصّص‬
‫لهذا العموم ‪.‬‬
‫‪ -‬ب ‪ -‬آثار الصّحابة ‪:‬‬
‫ن حزنا جدّ سعيد بن المسيّب كان له على عليّ رضي ال عنه دين‬
‫‪ - 162‬من ذلك ‪ " :‬أ ّ‬
‫فأحاله به ‪ ،‬فمات المحال عليه فأخبره فقال ‪ :‬اخترت علينا ‪ ،‬أبعدك اللّه " وروى ابن حزم ‪،‬‬
‫عن سعيد بن المسيّب ‪ :‬أنّه كان لبيه المسيّب دين على إنسان ألفا درهم ‪ ،‬ولرجل آخر على‬
‫عليّ بن أبي طالب ألفا درهم ‪ :‬فقال ذلك الرّجل للمسيّب ‪ :‬أنا أحيلك على عليّ ‪ ،‬وأحلني أنت‬
‫على فلن ‪ ،‬ففعل ‪ .‬فانتصف المسيّب من عليّ ‪ ،‬وتلف مال الّذي أحاله المسيّب عليه ‪ .‬فأخبر‬
‫المسيّب بذلك عليّ بن أبي طالب ‪ ،‬فقال له عليّ ‪ :‬أبعده اللّه ‪.‬‬
‫أدلّة المالكيّة وموافقيهم ‪:‬‬
‫‪ 162‬م ‪ -‬المالكيّة في استدللهم على عدم الرّجوع في التّوى إلّ في حالتي الشّرط أو الغرور‬
‫ن أدلّة الشّافعيّة في رفض الرّجوع مطلقا مخصّصة بهذين الدّليلين التّاليين وليست‬
‫يقولون ‪ :‬إ ّ‬
‫على إطلقها ‪:‬‬
‫‪ -‬أ ‪ -‬المحال على مفلس يجهل إفلسه كمشتري السّلعة يجهل عيبها ‪ ،‬إذ الفلس عيب في‬
‫المحال عليه ‪ ،‬فيكون له الرّجوع ‪ ،‬كما أنّ للمشتري ال ّردّ بالعيب ‪ .‬وهكذا يقول الحنابلة‬
‫‪ -‬ب ‪ -‬المحيل الّذي يكتم إفلس المحال عليه كالبائع يدلّس عيب المبيع ‪ ،‬فيجب أن تقع‬
‫المسئوليّة على المدلّس ‪ ،‬ول تقتصر على المفلس ‪ .‬هكذا يقول المالكيّة ‪ ،‬وإنّما خصّوا بالذّكر‬
‫في قياسهم حالة التّدليس من حالت ال ّردّ بعيب المبيع ‪ ،‬مع أنّه عامّ سواء أدلّس البائع أم لم‬
‫ن للذّمم خفاءً وسريّ ًة ل تعلم ‪ ،‬فصارت أشبه بالمبيع الّذي يجهل باطنه ‪ ،‬وهذا ل‬
‫يدلّس ‪ ،‬ل ّ‬
‫ردّ بعيبه عندهم إلّ عن تدليس ‪.‬‬
‫أسباب التّوى ‪:‬‬
‫‪ - 163‬للتّوى ‪ -‬في الحوالة بنوعيها المطلقة والمقيّدة ‪ -‬سببان عند أبي حنيفة ‪ ،‬وثلثة أسباب‬
‫ل ‪ ،‬فيكون مجموع السباب أربعةً في‬
‫عند الصّاحبين ‪ .‬وتنفرد الحوالة المقيّدة بسبب مستق ّ‬
‫الجملة ‪.‬‬
‫ل ‪ :‬موت المحال عليه مفلسًا قبل الداء ‪.‬‬
‫أ ّو ً‬
‫ثانيا ‪ :‬جحد المحال عليه الحوالة ول بيّنة ‪.‬‬
‫ثالثا ‪ :‬تفليس القاضي للمحال عليه ‪.‬‬
‫رابعا ‪ :‬تلف المانة الّتي قيّدت بها الحوالة ‪ ،‬أو ضياعها ‪.‬‬
‫أوّلً ‪ -‬موت المحال عليه مفلسا قبل الداء ‪:‬‬
‫‪ - 164‬وذلك بأن ل يترك ما يقضي منه دين المحال ‪ ،‬ول كفيلًا به ‪.‬‬
‫أمّا إذا ترك ما يقضى منه دين المحال ‪ -‬مهما كان ما تركه ‪ ،‬ولو دينا في ذمّة أو أكثر ‪-‬‬
‫فإنّه ل يتحقّق إفلسه ‪ ،‬ول يمكن حينئذ الرّجوع على المحيل ‪ ،‬مهما تكن السباب والمعاذير‪.‬‬
‫حتّى إنّه لو مات المحال عليه إلى أجل مليئا وله دين سيفضي انتظار قسمته إلى تأخير أداء‬
‫الحوالة لما بعد الجل ل يكون للطّالب أن يتعلّل بذلك ليرجع على المحيل ‪ ،‬لبقاء الحوالة ‪ ،‬إذ‬
‫التّركة خلف عن صاحبها في المقصود هنا ‪ ،‬وهو قضاء الدّين ‪.‬‬
‫ل بالنّسبة‬
‫فإن كان ما تركه المحال عليه ل يفي إلّ ببعض دين المحال ‪ ،‬فل إفلس ول توى إ ّ‬
‫إلى باقيه ‪ .‬ولذا يقولون ‪ :‬إذا مات المحال عليه مديونا ‪ ،‬قسم ماله بين الغرماء وبين المحال‬
‫بالحصص ‪ ،‬وما بقي له يرجع به على المحيل ‪.‬‬
‫ن الكفيل قائم مقام‬
‫‪ - 165‬كذلك إذا ترك كفيلًا بدين الحوالة ‪ ،‬ل يعدّ مفلسا بالنّسبة إليه ‪ -‬ل ّ‬
‫ل أن يموت الكفيل أيضا مفلسا ‪ ،‬أو يبرّئه المحال ‪ -‬لنّ هذا‬
‫الصيل ‪ ،‬وخلف عنه ‪ -‬إ ّ‬
‫البراء كالفسخ للكفالة معنىً ‪ -‬وهذا وهو الّذي عناه صاحب الخلصة ‪ ،‬حين قال ‪ :‬إنّ‬
‫المحال لو أبرأ الكفيل بعد موت المحال عليه ‪ ،‬فله أن يرجع بدينه على المحيل ‪.‬‬
‫هذا ‪ ،‬وفي حالة الكفالة ببعض الدّين يكون التّوى بالنّسبة إلى باقيه ل غير ‪.‬‬
‫‪ - 166‬ولهذا وذاك يقول في " البزّازيّة " ‪ :‬أخذ المحال من المحال عليه بالمال كفيلً ‪ ،‬ثمّ‬
‫مات المحال عليه مفلسًا ‪ ،‬ل يعود الدّين إلى ذمّة المحيل ‪ ،‬سواء كفل بأمره أو بغير أمره ‪،‬‬
‫وسواء أكانت الكفالة حاّلةً أم مؤجّل ًة ‪ ،‬أم كفل حالّا ثمّ أجّله المكفول له ‪.‬‬
‫وإن لم يكن به ‪ -‬أي بالمال ‪ -‬كفيل ‪ ،‬ولكن تبرّع رجل ورهن به رهنا ‪ ،‬ثمّ مات المحال‬
‫عليه مفلسا ‪ ،‬عاد الدّين إلى ذمّة المحيل ‪ ،‬ولو كان المحال مسلّطا على بيع الرّهن فباعه ‪،‬‬
‫ولم يقبض الثّمن حتّى مات المحال عليه مفلسا ‪ ،‬بطلت الحوالة ‪ ،‬والثّمن لصاحب الرّهن ‪.‬‬
‫ثانيا ‪ -‬جحد المحال عليه الحوالة ‪ ،‬ول بيّنة ‪:‬‬
‫‪ - 167‬إذا جحد ا