You are on page 1of 231

‫الجزء التاسع عشر من الموسوعة الفقهية‬

‫خاتم *‬
‫انظر تختّم ‪.‬‬

‫خادم *‬
‫انظر خدمة ‪.‬‬

‫خارج *‬
‫انظر خروج ‪.‬‬

‫خارجيّ *‬
‫انظر فرق ‪.‬‬

‫خاصّ *‬
‫التّعريف ‪:‬‬
‫ص من باب قعد ‪ :‬ضدّ‬
‫ص الشّيء يخصّه خصوصا فهو خا ّ‬
‫ص في اللّغة ‪ :‬من خ ّ‬
‫‪ - 1‬الخا ّ‬
‫ص مثله ‪ ،‬والخاصّة خلف العامّة ‪.‬‬
‫عمّ‪ ،‬واخت ّ‬
‫وفي اصطلح الصوليّين ‪ :‬هو ما وضع لواحد منفرد أو كثير محصور ‪ ،‬سواء أكان الواحد‬
‫باعتبار الشّخص كزيد ‪ ،‬أو باعتبار النّوع كرجل وفرس ‪.‬‬
‫اللفاظ ذات الصّلة ‪:‬‬
‫العامّ ‪:‬‬
‫‪ - 2‬العامّ في اللّغة ‪ :‬المر الشّامل المتعدّد ‪ ،‬سواء أكان المر لفظا أم غير لفظ ‪ ،‬يقال عمّهم‬
‫الخير أو المطر ‪ :‬إذا شملهم ‪ ،‬وأحاط بهم ‪.‬‬
‫وفي الصطلح ‪ :‬هو اللّفظ المستغرق لجميع ما يصلح له ‪ ،‬بوضع واحد من غير حصر ‪.‬‬
‫الحكم الجماليّ ‪:‬‬
‫‪ - 3‬إذا ورد في النّصّ لفظ خاصّ ثبت الحكم لمدلوله ‪ ،‬ما لم يقم دليل على تأويله ‪ ،‬وإرادة‬
‫ل كلّ منهما على خلف ما يدلّ عليه‬
‫معنىً آخر منه ‪ .‬وإن تعارض الخاصّ مع العا ّم بأن د ّ‬
‫ص متأخّر عن‬
‫ص يخصّص العامّ ‪ ،‬سواء علم أنّ الخا ّ‬
‫الخر ‪ ،‬فذهب الشّافعيّة إلى أنّ الخا ّ‬
‫العامّ ‪ ،‬أم تقارنا ‪ ،‬أم علم تأخّره عن الخاصّ ‪ ،‬أم جهل التّاريخ ‪.‬‬
‫وقال الحنفيّة ‪ :‬إن تأخّر الخاصّ نسخ من العامّ بقدر ما يدلّ عليه ‪ ،‬وإن تأخّر العامّ نسخ‬
‫ل أن يترجّح أحدهما على الخر بمرجّح ‪،‬‬
‫الخاصّ ‪ ،‬وإن جهل المتقدّم يجب التّوقّف ‪ .‬إ ّ‬
‫والتّفصيل في الملحق الصوليّ للموسوعة ‪.‬‬
‫الجير الخاصّ ‪:‬‬
‫‪ - 4‬هو من يعمل لواحد عملًا مؤ ّقتًا بالتّخصيص ‪ ،‬كأن استؤجر لخدمة ‪ ،‬أو خياطة ‪ ،‬يوما أو‬
‫ص أن يقوم بالعمل في الوقت المحدّد كلّه ‪ ،‬سوى‬
‫أسبوعا ونحوه ‪ .‬ويجب على الجير الخا ّ‬
‫زمن التّطهّر للصّلوات الخمس ‪ ،‬وزمن فعلها بسننها المؤكّدة ‪ ،‬وصلة جمعة ‪ ،‬وعيد ‪ ،‬فهي‬
‫مستثناة شرعا ‪ ،‬ول ينقص من الجرة ‪ ،‬ول يصلّي النّوافل ‪ ،‬فإن صلّاها نقص من أجرته ‪.‬‬
‫ول يلزم المستأجر أن يمكّن الجير الخاصّ من الذّهاب إلى المسجد للجماعة ‪ ،‬إن كان‬
‫المسجد بعيدا ‪ ،‬وإن كان قريبا ففيه احتمال ‪ ،‬إلّ أن يكون المام ممّن يطيل الصّلة ‪ ،‬فل‬
‫يلزمه قطعا ‪.‬‬
‫ص يمنع من شهود الجماعة إلّ بشرط في العقد أو إذن ‪.‬‬
‫وقال المجد من الحنابلة ‪ :‬ظاهر النّ ّ‬
‫وسبت اليهود ‪ ،‬ويوم الحد للنّصارى مستثنىً منه كذلك شرعا ‪ ،‬وقال الزّركشيّ ‪ :‬هل يلحق‬
‫بذلك بقيّة أعيادهم ؟ فقال ‪ :‬فيه نظر ‪ ،‬ل سيّما الّتي تدوم أيّاما ‪ ،‬والقرب المنع ‪ ،‬لعدم‬
‫اشتهارها في عرف المسلمين وجهل النّاس لها ‪ ،‬وتقصير ال ّذ ّميّ في عدم اشتراطه في العقد‪.‬‬
‫ول يجوز للجير الخاصّ أن يعمل لغير مستأجره ‪ ،‬فإن عمل لغيره فأضرّه بذلك فللمستأجر‬
‫على الجير ما فوّته عليه من منفعة ‪ .‬والتّفصيل في مصطلح ‪ ( :‬إجارة )‬
‫الطّريق الخاصّ ‪:‬‬
‫ص هو الممرّ غير النّافذ المحصور بدور قوم محصورين ‪ ،‬وهذا في الغالب‬
‫‪ - 5‬الطّريق الخا ّ‬
‫فقد قال ابن عابدين ‪ :‬المراد بالطّريق غير النّافذ المملوك ‪ ،‬وليس ذلك " أي كونه غير نافذ "‬
‫ن ذلك " أي عدم النّفوذ‬
‫لعلّة الملك فقد ينفذ الطّريق وهو مملوك ‪ ،‬وقد يسدّ منفذه هو للعامّة لك ّ‬
‫" دليل على الملك غالبا ‪ ،‬فأقيم مقامه ووجب العمل به حتّى يدلّ الدّليل على خلفه ‪ .‬وقد اتّفق‬
‫الفقهاء على أنّه ل يجوز لغير أهله ‪ -‬وهم من نفذ باب داره إليه ‪ -‬أن يحدث فيه شيئا بغير‬
‫ل بإذن الخرين ‪ .‬ويفصّل‬
‫إذنهم ‪ ،‬وليس لحدهم أن يشرع إليه جناحا ‪ ،‬أو أن يبني دكّةً إ ّ‬
‫الفقهاء أحكام الطّريق الخاصّ في ‪ :‬باب الصّلح ‪ ،‬وأحكام الجوار ‪ ،‬وباب الشّركة عند‬
‫المالكيّة فقط ‪ ،‬ويذكره الشّافعيّة في فصل الحقوق المشتركة من باب الصّلح ‪ ،‬وينظر مصطلح‬
‫( طريق ) ‪.‬‬
‫المال الخاصّ ‪:‬‬
‫‪ - 6‬المال الخاصّ هو المال الّذي يملكه شخص معيّن ‪ ،‬أو أشخاص محصورون ‪ ،‬ومن‬
‫أحكامه ‪ :‬جواز التّصرّف فيه بأصالة أو بوكالة أو بولية ‪ ،‬ويقطع سارقه بشروطه ‪ ،‬ويقابله‬
‫المال العامّ ‪ :‬كبيت مال المسلمين ‪ ،‬والموقوف على المسلمين عامّةً ‪ ،‬وكلّ ما كان نفعه‬
‫للمسلمين عامّ ًة ‪ .‬حيث ل قطع فيه عند الجمهور ‪ ،‬ويذكره الفقهاء ‪ :‬في باب البيع ‪ ،‬والرّهن‪،‬‬
‫والجارة ‪ ،‬وفي جميع أبواب المعاملت ‪ ،‬وفي باب السّرقة ‪.‬‬

‫خال *‬
‫التّعريف ‪:‬‬
‫‪ - 1‬الخال في اللّغة ‪ :‬أخو المّ وإن علت ‪ ،‬وجمعه أخوال ‪ ،‬وأخت المّ خالة ‪ ،‬والجمع‬
‫خالت‪ ،‬يقال ‪ :‬أخول الرّجل ‪ ،‬فهو مخول ‪ :‬أي كريم الخوال ‪ ،‬ويقال أيضا ‪ :‬أخول بالبناء‬
‫للمجهول‪.‬‬
‫اللفاظ ذات الصّلة ‪:‬‬
‫العمّ ‪:‬‬
‫‪ - 2‬العمّ في اللّغة أخو الب ‪ ،‬أو أخو الجدّ ‪ ،‬وإن عل ‪ ،‬وجمعه أعمام والمصدر عمومة ‪،‬‬
‫يقال ‪ :‬أعمّ الرّجل ‪ ،‬إذا كرم أعمامه ‪ ،‬يستعمل مبنيّا للفاعل وللمفعول ‪.‬‬
‫توريث الخال ‪:‬‬
‫‪ - 3‬الخال من ذوي الرحام ‪ ،‬باتّفاق الفقهاء ‪ ،‬وذو الرّحم ‪ ،‬هو كلّ قريب ليس بذي فرض ‪،‬‬
‫ول عصبة ‪.‬‬
‫وقد اختلف الفقهاء في توريث الخال كسائر ذوي الرحام ‪ ،‬فذهب الحنفيّة والحنابلة إلى أنّ‬
‫الخال يورّث عند فقد العصبة وذوي الفرض غير الزّوجين ‪ ،‬فيأخذ المنفرد من ذوي الرحام‬
‫جميع المال ‪ ،‬بالقرابة إذا لم يوجد عصبة ‪ ،‬ول ذو فرض مطلقا ‪ ،‬ويأخذ ما بقي بعد فرض‬
‫أحد الزّوجين ‪ ،‬إن وجد لعدم ال ّردّ عليهما ‪.‬‬
‫ض ُهمْ أَوْلَى ِب َبعْضٍ فِي ِكتَابِ اللّهِ } أي أحقّ‬
‫ل ْرحَامِ َبعْ ُ‬
‫واستدلّوا بقوله تعالى ‪ { :‬وَأُوْلُواْ ا َ‬
‫بالتّوارث في حكم اللّه تعالى ‪ ،‬ولحديث ‪ « :‬الخال وارث من ل وارث له » وقالوا ‪ :‬روي‬
‫هذا القول عن جمع من الصّحابة ‪ ،‬منهم ‪ :‬عمر ‪ ،‬وعليّ ‪ ،‬وأبو عبيدة بن الجرّاح ‪ ،‬وغيرهم‬
‫‪.‬‬
‫والصل عند المالكيّة والشّافعيّة ‪ :‬أنّ الخال ل يرث كسائر ذوي الرحام ‪ ،‬بل يكون المال‬
‫لبيت المال وقالوا ‪ « :‬إنّ النّبيّ صلى ال عليه وسلم لمّا نزلت آيات المواريث ‪ :‬قال ‪ :‬إنّ اللّه‬
‫أعطى كلّ ذي حقّ حقّه » وليس في اليات ذكر للخال ‪ ،‬واستدلّوا أيضا بخبر ‪ « :‬أنّ‬
‫رسول اللّه صلى ال عليه وسلم ‪ :‬ركب إلى قباء يستخير اللّه في ميراث العمّة ‪ ،‬والخالة ‪،‬‬
‫فأنزل عليه ل ميراث لهما » وقالوا ‪ :‬ولنّه لو كان وارثا بالقرابة ‪ ،‬لقدّم على المعتق ‪ ،‬لنّ‬
‫القرابة مقدّمة على الرث بالولء ‪ .‬ولكنّ المتأخّرين من فقهاء المذهبين أفتوا ‪ :‬بأنّه إذا لم‬
‫ينتظم أمر بيت المال ‪ ،‬ردّ الباقي من المال على أهل الفرض غير الزّوجين إرثا ‪ ،‬فإن فقدوا‬
‫صرف لذوي الرحام ‪ .‬التّفصيل في ( إرث ف ‪. ) 15 /‬‬
‫ولية الخال على الصّغيرة ‪:‬‬
‫‪ - 4‬اختلف الفقهاء في ولية الخال على الصّغيرة بالتّزويج ‪:‬‬
‫فذهب جمهور الفقهاء ‪ :‬إلى أنّه ليس للخال ولية التّزويج على الصّغيرة ‪ ،‬لنّه ليس عصبة‪،‬‬
‫فهو شبيه بالجنبيّ والتّفصيل في مصطلح ‪ ( :‬ولية ) ‪.‬‬
‫ن الخال يزوّج الصّغيرة عند فقد العصبة وفقد ذي الرّحم القرب منه ‪ ،‬وأنّه‬
‫وقال الحنفيّة ‪ :‬إ ّ‬
‫يقدّم على السّلطان في الولية عليها ‪.‬‬
‫نفقة الخال ‪:‬‬
‫‪ - 5‬اختلف الفقهاء في وجوب نفقة الخال ‪.‬‬
‫فذهب الشّافعيّة ‪ ،‬والمالكيّة والحنابلة إلى أنّ الخال ل تجب له نفقة ‪ .‬وقال الحنفيّة ‪ :‬تجب نفقة‬
‫الخال ككلّ ذي رحم محرم ‪ ،‬وكذلك الحكم في إنفاق الخال على ولد أخته ‪.‬‬
‫حضانة الخال ‪:‬‬
‫‪ - 6‬جمهور الفقهاء على أن ل حضانة للخال ‪ ،‬لنّه ليس محرما وارثا عند بعضهم ‪ ،‬وليس‬
‫ح عند الشّافعيّة والوجه المقدّم للحنابلة أنّ الخال له حقّ‬
‫عصبة عند آخرين ‪ .‬ومقابل الص ّ‬
‫الحضانة ‪ .‬والتّفصيل في ‪ ( :‬حضانة ) ‪.‬‬
‫تحريم نكاح الخال ‪:‬‬
‫‪ - 7‬الخال قريب محرم ‪ ،‬ول يجوز له نكاح ابنة أخته باتّفاق أهل الملّة ‪ ،‬لقوله تعالى في‬
‫لخْتِ } ‪.‬‬
‫المحرّمات ‪َ { :‬و َبنَاتُ ا ُ‬
‫ولية الخال على مال الصّغير ‪:‬‬
‫‪ - 8‬ليس للخال ولية على مال الصّغير ‪ ،‬ولم نقف على خلف بين الفقهاء في ذلك ‪.‬‬
‫والتّفصيل في ‪ ( :‬ولية ) ‪.‬‬

‫خالة *‬
‫التّعريف ‪:‬‬
‫ل من انتسبت إليها بولدة ‪ ،‬سواء وقع عليها اسم المّ حقيقةً‬
‫‪ - 1‬الخالة أخت المّ ‪ ،‬والمّ ك ّ‬
‫وهي الّتي ولدتك ‪ ،‬أو مجازا ‪ ،‬وهي الّتي ولدت من ولدك وإن علت ‪.‬‬
‫من ذلك جدّتك أمّ أمّك وأمّ أبيك ‪ ،‬وجدّتا أمّك ‪ ،‬وجدّتا أبيك ‪ ،‬وجدّات أجدادك ‪ ،‬وجدّات‬
‫جدّاتك وإن علون ‪ .‬والجميع جدّات ‪.‬‬
‫الحكام الّتي تتعلّق بالخالة ‪:‬‬
‫تحريم الخالة ‪:‬‬
‫‪ - 2‬الخالة بالنّسب أو الرّضاع من المحارم المحرّم نكاحهنّ باتّفاق المسلمين ‪ ،‬وقد ثبت‬
‫حرّمَتْ عََل ْي ُكمْ ُأ ّمهَا ُتكُمْ َو َبنَا ُتكُمْ وََأخَوَا ُت ُكمْ‬
‫سنّة ‪ :‬قال اللّه تعالى ‪ُ { :‬‬
‫تحريمهنّ بالكتاب وال ّ‬
‫لتُ ُكمْ } ‪ .‬وخبر ‪ « :‬يحرم من الرّضاع ما يحرم من النّسب » ‪ .‬وتفصيله في‬
‫عمّاتُ ُكمْ َوخَا َ‬
‫َو َ‬
‫محرّمات النّكاح ‪.‬‬
‫ميراث الخالة ‪:‬‬
‫ل خلف بين الفقهاء ‪.‬‬
‫‪ - 3‬الخالة بالنّسب من ذوي الرحام باتّفاق الفقهاء ‪ ،‬وتوريثهم مح ّ‬
‫ن ذوي الرحام ل يرثون ‪.‬‬
‫فقال الشّافعيّة والمالكيّة في أصل المذهبين ‪ :‬إ ّ‬
‫ن ذوي الرحام يرثون عند فقد العصبة ‪ ،‬وذوي الفروض‬
‫وذهب الحنفيّة والحنابلة ‪ :‬إلى أ ّ‬
‫غير الزّوجين ‪ .‬وتفصيل ذلك في مصطلح ‪ ( :‬إرث ‪ ،‬وخال ) ‪.‬‬
‫حقّ الحضانة للخالة ‪:‬‬
‫ن في الحضانة فيرجع فيه إلى مصطلح ‪:‬‬
‫ق الحضانة ‪ ،‬أمّا ترتيبه ّ‬
‫نحّ‬
‫‪ - 4‬الخالة ممّن له ّ‬
‫( حضانة ) ‪.‬‬
‫نفقة الخالة ‪:‬‬
‫‪ - 5‬ل تجب النّفقة للخالة عند جمهور الفقهاء ‪ ،‬وقال الحنفيّة ‪ :‬تجب النّفقة للخالة بالنّسب‬
‫ككلّ ذي رحم محرم ‪ .‬وتفصيل ذلك في مصطلحي ‪ ( :‬خال ‪ ،‬ونفقة ) ‪.‬‬
‫أمّا الخالة بالرّضاع ‪ :‬فليس لها حقّ الحضانة ‪ ،‬ول النّفقة باتّفاق الفقهاء وتفصيل ذلك في‬
‫المصطلحات ‪ :‬ر ‪ ( :‬نفقة ‪ ،‬رضاع ‪ ،‬حضانة ) ‪.‬‬

‫خبَث *‬
‫َ‬
‫التّعريف ‪:‬‬
‫ل ما يكره رداءةً وخسّةً محسوسا كان أو معقولً ‪ ،‬ويتناول من‬
‫‪ - 1‬الخبث في اللّغة هو ك ّ‬
‫العتقاد الكفر ‪ ،‬ومن القول ‪ :‬الكذب ‪ ،‬ومن الفعال القبيح قال ابن العرابيّ ‪ :‬الخبث في كلم‬
‫العرب ‪ :‬المكروه ‪ ،‬فإن كان من الكلم فهو الشّتم ‪ ،‬وإن كان من الملل ‪ :‬فهو الكفر ‪ ،‬وإن‬
‫كان من الطّعام ‪ :‬فهو الحرام وإن كان من الشّراب فهو الضّارّ ‪ ،‬والخبث في المعادن ما نفاه‬
‫الكير ممّا ل خير فيه ‪ .‬وفي اصطلح الفقهاء ‪ :‬هو عين النّجاسة ‪.‬‬
‫اللفاظ ذات الصّلة ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬الرّجس ‪:‬‬
‫ل شيء يستقذر فهو رجس ‪ ،‬وقيل‬
‫‪ - 2‬الرّجس ‪ :‬هو النّتن والقذر ‪ ،‬قال الفارابيّ ‪ :‬ك ّ‬
‫الرّجس ‪ :‬النّجس ‪ .‬قال الزهريّ ‪ :‬الرّجس هو النّجس القذر الخارج من بدن النسان ‪ ،‬وعلى‬
‫هذا فقد يكون الرّجس ‪ ،‬والقذر ‪ ،‬والنّجاسة بمعنى ‪ ،‬وقد يكون الرّجس ‪ ،‬والقذر بمعنى غير‬
‫النّجاسة ‪ .‬وقال النّقّاش ‪ :‬الرّجس النّجس ‪ ،‬ومثل الرّجس ‪ :‬الرّكس والرّجز ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬الدّنس ‪:‬‬
‫‪ - 3‬ال ّدنَس ( بفتحتين ) الوسخ ‪ .‬يقال ‪ :‬دنس الثّوب أي توسّخ ‪ ،‬وأيضا تدنّس ‪ ،‬ودنّسه غيره‬
‫‪.‬‬
‫الحكم الجماليّ ‪:‬‬
‫‪ - 4‬اتّفق الفقهاء على أنّ إزالة الخبث مأمور بها في الشّرع ‪ ،‬واختلفوا هل ذلك على‬
‫الوجوب ‪ ،‬أو على النّدب ؟‬
‫فصرّح بعض الفقهاء بوجوب إزالة الخبث مطلقا ‪ ،‬وأكثر الفقهاء على جواز لبس الثّوب‬
‫النّجس ‪ ،‬في خارج الصّلة ‪ ،‬وكرهه بعضهم ‪ .‬واستدلّ القائلون بالوجوب بقوله تعالى ‪{ :‬‬
‫َو ِثيَا َبكَ َفطَ ّهرْ } وبحديث ‪ « :‬وكان الخر ل يستنزه من البول » ‪.‬‬
‫أمّا إزالة الخبث لمريد الصّلة ‪ ،‬فقد ذهب الحنفيّة والشّافعيّة والحنابلة إلى أنّه شرط لصحّة‬
‫ل ما كان معفوّا عنه ر ‪ ( :‬شروط الصّلة ) ‪.‬‬
‫الصّلة إ ّ‬
‫وللمالكيّة في حكم إزالة النّجاسات عن ثوب المصلّي ‪ ،‬وبدنه ‪ ،‬ومكانه ‪ ،‬قولن مشهوران ‪:‬‬
‫ل حال ‪ ،‬سواء ذكرها أم لم‬
‫ن إزالة الخبث عمّا ذكر سنّة من سنن الصّلة على ك ّ‬
‫أحدهما أ ّ‬
‫يذكرها ‪ ،‬وسواء قدر على إزالتها أم لم يقدر ‪ ،‬والقول الثّاني ‪ :‬إنّها واجبة إذا كان ذاكرًا‬
‫وجودها ‪ ،‬وقدر على إزالتها بوجود ماء مطلق يزيلها به أو وجود ثوب طاهر ‪ ،‬أو القدرة‬
‫على النتقال من المكان الّذي فيه الخبث إلى مكان طاهر ‪.‬‬
‫ن من صلّى بالنّجاسة متعمّدا عالما بحكمها أو جاهلً‬
‫وقال الحطّاب ‪ :‬إنّ المعتمد في المذهب أ ّ‬
‫وهو قادر على إزالتها يعيد صلته أبدا ‪ ،‬ومن صلّى بها ناسيا لها ‪ ،‬أو غير عالم بها ‪ ،‬أو‬
‫عاجزا عن إزالتها يعيد في الوقت على قول من قال إنّها سنّة ‪ ،‬وقول ‪ :‬من قال ‪ :‬إنّها واجبة‬
‫مع الذّكر والقدرة ‪ .‬ر ‪ :‬التّفصيل في شروط الصّلة وباب ‪ ( :‬النّجاسة ) ‪.‬‬
‫‪ - 5‬أمّا أنواع الخبث فإنّ العلماء اتّفقوا من أعيانه على أربعة ‪ :‬ميتة الحيوان ذي الدّم الّذي‬
‫ليس بمائيّ ‪ ،‬ولحم الخنزير مطلقا ‪ ،‬والدّم المسفوح ‪ ،‬وبول ابن آدم ورجيعه ‪ ،‬واختلفوا في‬
‫غير ذلك ‪ .‬وللتّفصيل يرجع إلى مصطلح ‪ ( :‬نجاسة ) ‪.‬‬

‫خبر *‬
‫التّعريف ‪:‬‬
‫‪ - 1‬الخبر لغ ًة ‪ :‬اسم لما ينقل ويتحدّث به ‪ ،‬وجمعه أخبار ‪ ،‬واستخبره ‪ :‬سأله عن الخبر‬
‫وطلب أن يخبره ‪ ،‬والخبير ‪ ،‬العالم بكنه الخير ‪ ،‬وخبرت المر أي علمته والخبير من أسماء‬
‫اللّه تعالى معناه ‪ :‬العالم بكنه الشّيء المطّلع على حقيقته ‪.‬‬
‫ن " مصطلح‬
‫أمّا عند علماء الحديث فقد قال ابن حجر العسقلنيّ ‪ :‬الخبر عند علماء الف ّ‬
‫الحديث " مرادف للحديث ‪ ،‬فيطلقان على المرفوع وعلى الموقوف ‪ ،‬والمقطوع ‪ ،‬وقيل ‪:‬‬
‫الحديث ما جاء عن النّبيّ صلى ال عليه وسلم والخبر ما جاء عن غيره ‪ ،‬ومن ث ّم قيل لمن‬
‫سنّة محدّث ‪ ،‬وبالتّواريخ ونحوها أخباريّ ‪ ،‬وقيل بينهما عموم وخصوص مطلق ‪،‬‬
‫يشتغل بال ّ‬
‫ل بشرط التّقييد ‪،‬‬
‫فكلّ حديث خير ول عكس ‪ ،‬وقيل ‪ :‬ل يطلق الحديث على غير المرفوع إ ّ‬
‫ن فقهاء خراسان يسمّون‬
‫ن المحدّثين يسمّون المرفوع والموقوف بالثر ‪ ،‬وأ ّ‬
‫وقد ذكر النّوويّ أ ّ‬
‫الموقوف بالثر ‪ ،‬والمرفوع بالخبر وتفصيله في علوم الحديث ‪ ،‬وفي الملحق الصوليّ ‪.‬‬
‫اللفاظ ذات الصّلة ‪:‬‬
‫الثر ‪:‬‬
‫‪ - 2‬الثر لغ ًة بتحريك الثّاء ما بقي من الشّيء أو هو الخبر ‪ ،‬والجمع آثار ‪ ،‬وحديث مأثور‪:‬‬
‫أي منقول ‪ ،‬يخبر النّاس به بعضهم بعضا أي ينقله خلف عن سلف وعند الفقهاء والصوليّين‬
‫يطلق الثر على بقيّة الشّيء ‪ ،‬كأثر النّجاسة ‪ ،‬وعلى الحديث مرفوعا كان أو موقوفا أو‬
‫مقطوعا ‪ ،‬وبعض الفقهاء يقصرونه على الموقوف ‪ ،‬وقد يطلق عندهم على ما يترتّب على‬
‫التّصرّف ‪ ،‬فيقولون ‪ :‬أثر العقد ‪ ،‬وأثر الفسخ ‪ ،‬وأثر النّكاح ‪ ،‬ونحوه ‪.‬‬
‫ن الثر أعمّ في إطلقاته من الخبر ‪.‬‬
‫وبذلك يتبيّن أ ّ‬
‫النّبأ ‪:‬‬
‫‪ - 3‬النّبأ لغةً الخبر ‪ ،‬وقال الرّاغب ‪ :‬النّبأ خبر ذو فائدة عظيمة يحصل به علم أو غلبة‬
‫ق الخبر الّذي يقال فيه نبأ‬
‫ظنّ ‪ ،‬ول يقال للخبر في الصل نبأ حتّى يتضمّن هذه الشياء ‪ ،‬وح ّ‬
‫‪ :‬أن يتعرّى عن الكذب كالمتواتر ‪ ،‬وخبر اللّه وخبر رسول اللّه صلى ال عليه وسلم‬
‫ولتضمّن النّبأ معنى الخبر يقال أنبأته بكذا ‪ ،‬ولتضمّنه معنى العلم ‪ ،‬قيل ‪ :‬أنبأته كذا ‪ ،‬وجمعه‬
‫ن لفلن نبأً ‪ :‬أي خبرا ‪ ،‬واستنبأ النّبأ بحث عنه ‪ .‬والنّبيّ صلى ال عليه‬
‫أنباء ‪ ،‬ويقال ‪ :‬إ ّ‬
‫وسلم المخبر عن اللّه والجمع أنبياء ‪ .‬ويقال تنبّأ الكذّاب إذا ادّعى النّبوّة ‪.‬‬
‫تقسيم الخبر ‪:‬‬
‫‪ - 4‬الخبر إمّا أن يكون عن خاصّ أو عامّ ‪ .‬فالخبر عن خاصّ منحصر في ثلثة ‪ :‬القرار ‪،‬‬
‫والبيّنة ‪ ،‬والدّعوى ; لنّه إن كان بحقّ على المخبر فهو القرار ‪ ،‬أو على غيره فهو الدّعوى‪،‬‬
‫أو لغيره فهو الشّهادة ‪.‬‬
‫وضبطها العزّ بن عبد السّلم بضابط آخر ‪ ،‬وهو أنّ القول إن كان ضارّا لقائله فهو القرار ‪،‬‬
‫وإن لم يكن ضارّا به ‪ ،‬فإمّا أن يكون نافعا له أو ل ‪ ،‬والوّل هو الدّعوى ‪ ،‬والثّاني الشّهادة ‪.‬‬
‫والخبر عن عامّ هو أن يكون المخبر عنه عامّا ‪ ،‬ل يختصّ بمعيّن ‪ ،‬وينحصر أيضا في‬
‫ثلثة‪ :‬الرّواية ‪ ،‬والحكم ‪ ،‬والفتوى ‪ ،‬لنّه إن كان خبرًا عن محسوس فهو الرّواية ‪ ،‬وإن لم‬
‫ل واحد من هذه‬
‫ل فالفتوى ‪ ،‬وعلم من هذا ضابط ك ّ‬
‫يكن ‪ ،‬فإن كان فيه إلزام فهو الحكم ‪ ،‬وإ ّ‬
‫ل نوع من أنواع الخبر في مصطلحاتها ‪.‬‬
‫ستّة ‪ .‬وينظر شروط ك ّ‬
‫ال ّ‬
‫انظر ( شهادة ‪ ،‬وإقرار ‪ ،‬ودعوى ‪ ،‬وقضاء ‪ ،‬وفتوى ) ‪.‬‬
‫أحكام الخبر ‪:‬‬
‫الخبر عن النّجاسة ‪:‬‬
‫‪ - 5‬اتّفق الفقهاء على أنّه إذا أخبر الثّقة بنجاسة ماء ‪ ،‬أو ثوب ‪ ،‬أو طعام ‪ ،‬أو غيره ‪ ،‬وبيّن‬
‫سبب النّجاسة وكان ذلك السّبب يقتضي النّجاسة حكم بنجاسته ‪ ،‬لنّ خبر الواحد العدل في‬
‫مثل هذه الشياء مقبول ‪ ،‬وليس هذا من باب الشّهادة ‪ ،‬وإنّما هو من باب الخبر ‪ ،‬وكذا لو‬
‫أخبر عن دخول وقت الصّلة ‪ ،‬وعن حرمة الطّعام أو حلّه ‪ ،‬ول فرق في هذا بين الرّجل‬
‫والمرأة ‪ ،‬ول بين العمى البصير بخلف الكافر والفاسق فل يقبل خبرهما في النّجاسة‬
‫والطّهارة ‪ ،‬وكذا المجنون والصّبيّ الّذي ل يميّز فل يقبل خبرهما في مثل هذه الشياء بل‬
‫خلف ‪ .‬أمّا الصّبيّ المميّز فقد اختلفوا في قبول خبره ‪.‬‬
‫ن العدل يشترط‬
‫فذهب الجمهور إلى عدم قبول خبره ‪ ،‬لنّه ل يوصف بالعدالة لصغره ‪ ،‬ل ّ‬
‫فيه أن يكون مسلما عاقلً بالغا ‪.‬‬
‫وذهب بعض الشّافعيّة في مقابل الصحّ إلى قبول خبر الصّبيّ المميّز ‪.‬‬
‫أمّا إذا لم يبيّن المخبر سبب النّجاسة ‪ ،‬ولم يتّفق مذهب المخبَر " بفتح الباء " والمخبِر "‬
‫بكسرها " فل يلزمه قبول خبره لحتمال اعتقاده نجاسة الماء بما ل ينجّسه أصلً ‪ ،‬أو بسبب‬
‫ل يعتقده المخبَر " بالفتح " ‪ .‬والتّفاصيل في مصطلح ‪ ( :‬نجاسة ‪ ،‬وصلة ) ‪.‬‬
‫ويجوز للمخبَر " بفتح الباء " أن يحكّم رأيه في خبر الفاسق ‪ ،‬والصّبيّ ‪ ،‬المميّز ‪ ،‬والكافر ‪،‬‬
‫فإن غلب على ظنّه أنّه صادق عمل به ‪ ،‬وإن لم يغلب فل يعمل به ‪.‬‬
‫ويقبل خبر الفاسق والصّبيّ المميّز والكافر في الذن في دخول الدّور ونحوها وكذلك في‬
‫ي يحملها ‪ .‬لثبوت ذلك عن النّبيّ صلى ال عليه وسلم ‪.‬‬
‫الخبار عن الهديّة من صب ّ‬
‫والتّفصيل في ( دعوى ‪ ،‬شهادة ) ‪.‬‬
‫الخبر عن القبلة ونحوها من المور ‪:‬‬
‫‪ - 6‬اتّفق الفقهاء على قبول قول من يعتمد خبره عن القبلة ‪ ،‬كأن يكون مسلما ‪ ،‬عاقلً ‪،‬‬
‫بالغا عدلً ‪ ،‬سواء أكان رجلً أم امرأةً ‪ .‬ول يقبل خبر الكافر في شأن القبلة ‪ ،‬ول خبر‬
‫المجنون والصّبيّ الّذي لم يميّز ‪ ،‬واختلفوا في الصّبيّ المميّز والفاسق ‪.‬‬
‫ن الصّبيّ ل‬
‫فذهب الجمهور إلى عدم قبول خبرهما ‪ ،‬لنّ روايتهما وشهادتهما ل تقبل ‪ ،‬ول ّ‬
‫يلحقه مأثم بكذبه ‪ ،‬فتحرّزه عن الكذب غير موثوق به ‪ ،‬أمّا الفاسق فلقلّة دينه ‪ ،‬وتطرّق‬
‫التّهمة إليه ‪ .‬وذهب الشّافعيّة في وجه ‪ ،‬وبعض الحنابلة إلى قبول خبرهما ‪ .‬والتّفصيل في‬
‫مصطلح ‪ ( :‬استقبال ) ‪.‬‬
‫الخبر عن رؤية هلل رمضان ‪:‬‬
‫‪ - 7‬اختلف الفقهاء في قبول خبر الواحد عن رؤية هلل شهر رمضان بسبب اختلفهم في‬
‫كون هذه الرّؤية من باب الخبار ‪ ،‬أو من باب الشّهادة ‪.‬‬
‫فذهب الشّافعيّة والحنابلة وأبو حنيفة في رواية عنه إلى قبول خبر ثقة واحد عن رؤية هلل‬
‫ل ‪ ،‬سواء أكانت السّماء مصحيةً أم‬
‫شهر رمضان بشرط أن يكون مسلما ‪ ،‬عاقلً ‪ ،‬بالغا ‪ ،‬عد ً‬
‫ل ‪ .‬لحديث ابن عمر رضي ال عنهما قال « تراءى النّاس الهلل فأخبرت رسول اللّه صلى‬
‫ال عليه وسلم أنّي رأيته فصامه وأمر النّاس بصيامه » ‪ .‬ولما روى ابن عبّاس رضي ال‬
‫عنهما قال ‪ « :‬جاء أعرابيّ إلى رسول اللّه صلى ال عليه وسلم فقال ‪ :‬إنّي رأيت هلل‬
‫رمضان فقال ‪ :‬أتشهد أن ل إله إلّ اللّه ؟ قال ‪ :‬نعم ‪ .‬قال ‪ :‬أتشهد أنّ محمّدا رسول اللّه ؟‬
‫ي يشترك فيه المخبر‬
‫قال ‪ :‬نعم قال ‪ :‬يا بلل أذّن في النّاس فليصوموا غدا » ولنّه خبر دين ّ‬
‫والمخبر فقبل من واحد ‪ ،‬ول فرق عند هؤلء بين الرّجل والمرأة ‪.‬‬
‫وعند الشّافعيّة وفي قول مرجوح لدى الحنابلة ل يثبت برؤية امرأة ‪.‬‬
‫وذهب الحنفيّة إلى أنّه إن كانت السّماء مصحيةً ‪ ،‬فيشترط لثبوت هلل رمضان رؤية عدد‬
‫ي للقاضي بشهادتهم لتساوي النّاس في السباب الموصلة إلى‬
‫من الشّهود يقع العلم القطع ّ‬
‫الرّؤية ‪ ،‬وتفرّد واحد بالرّؤية مع مساواة غيره دليل الكذب أو الغلط في الرّؤية ‪ ،‬أمّا إذا كانت‬
‫السّماء غير مصحية أو بها علّة ‪ ،‬فيقبل خبر الواحد العدل في رؤية هلل رمضان ‪ ،‬سواء‬
‫كان رجلً أم امرأ ًة غير محدود في قذف أو محدودًا تائبًا بشرط أن يكون مسلما ‪ ،‬عاقلً‪،‬‬
‫ن هذه العلّة تمنع التّساوي في الرّؤية‬
‫بالغا ‪ ،‬عدلً ‪ ،‬لحديث ابن عبّاس الّذي سبق ذكره ‪ ،‬ول ّ‬
‫لجواز أنّ قطعةً من الغيم انشقّت فظهر الهلل فرآه واحد فاستتر بالغيم من ساعته قبل أن‬
‫يراه غيره ‪.‬‬
‫أمّا المالكيّة فيرون أنّه ل بدّ لثبوت هلل رمضان من إتمام شعبان ثلثين يوما ‪ ،‬أو رؤية‬
‫عدلين أو أكثر ‪ ،‬وهو قول لدى الشّافعيّة ‪ ،‬ورواية عن أحمد ‪ ،‬لما روى عبد الرّحمن بن زيد‬
‫بن الخطّاب ‪ :‬أنّه خطب النّاس في اليوم الّذي يشكّ فيه فقال ‪ :‬أل إنّي جالست أصحاب رسول‬
‫ن رسول اللّه صلى ال عليه وسلم قال‪« :‬‬
‫اللّه صلى ال عليه وسلم وسألتهم ‪ ،‬وأنّهم حدّثوني أ ّ‬
‫صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته وانسكوا لها ‪ .‬فإن غ ّم عليكم فأكملوا ثلثين ‪ ،‬فإن شهد‬
‫شاهدان فصوموا وافطروا » ‪ .‬وتنظر التّفاصيل في مصطلح ‪ ( :‬صوم ‪ ،‬شهادة ) ‪.‬‬

‫خبرة *‬
‫التّعريف ‪:‬‬
‫‪ - 1‬الخبرة في اللّغة ‪ -‬بكسر الخاء وضمّها ‪ -‬العلم بالشّيء ‪ ،‬ومعرفته على حقيقته ‪ ،‬من‬
‫قولك ‪ :‬خبرت بالشّيء إذا عرفت حقيقة خبره ‪ .‬ومثله الخبر والخبر ‪ ،‬والمخبرة ‪ .‬والمخبرة‪.‬‬
‫والخبير بالشّيء ‪ ،‬العالم به صيغة مبالغة ‪ ،‬مثل عليم ‪ ،‬وقدير ‪ ،‬وأهل الخبرة ذووها واستعمل‬
‫خبِيرَا } ‪ ،‬والخبير اسم من‬
‫في معرفة كنه الشّيء وحقيقته ‪ ،‬قال اللّه تعالى ‪ { :‬فَاسْألْ ِبهِ َ‬
‫أسماء اللّه تعالى ‪ .‬وهو العالم بكنه الشّيء المطّلع على حقيقته ‪ .‬هذا في الصل ‪ .‬وعلم اللّه‬
‫تعالى سواء فيما غمض من الشياء ولطف ‪ ،‬وفيما تجلّى منه وظهر ‪.‬‬
‫ول يخرج المعنى الصطلحيّ عن المعنى اللّغويّ ‪.‬‬
‫وقد عبّر بعض الفقهاء عن الخبرة بلفظ البصيرة ‪ ،‬كما عبّروا عنها بلفظ المعرفة ‪.‬‬
‫اللفاظ ذات الصّلة ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬العلم والمعرفة ‪:‬‬
‫أوّلً ‪ :‬العلم ‪:‬‬
‫‪ - 2‬العلم يطلق على معان ‪ :‬منها ما يصير به الشّيء منكشفا ‪ ،‬ومنها الصّورة الحاصلة من‬
‫الشّيء عند العقل ‪ ،‬ومنها الدراك ‪ ،‬ومنها العتقاد الجازم المطابق للواقع ‪.‬‬
‫ثانيا ‪ :‬المعرفة ‪:‬‬
‫‪ - 3‬أمّا المعرفة فهي إدراك الشّيء على ما هو عليه ‪ ،‬وهي مسبوقة بجهل ‪ ،‬بخلف العلم ‪.‬‬
‫والفرق بينهما وبين الخبرة ‪ ،‬أنّ الخبرة العلم بكنه المعلومات على حقائقها ‪ ،‬ففيها معنىً زائد‬
‫على العلم والمعرفة ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬التّجربة ‪:‬‬
‫‪ - 4‬التّجربة مصدر جرّب ‪ ،‬ومعناه الختبار مرّ ًة بعد أخرى ‪ ،‬وعلى ذلك فالتّجربة اسم‬
‫للختبار مع التّكرار ‪ ،‬لنّها من التّجريب الّذي هو تكرير الختبار والكثار منه ‪ ،‬ول يلزم‬
‫في الخبرة التّكرار ‪.‬‬
‫ح ‪ -‬البصر أو البصيرة ‪:‬‬
‫‪ - 5‬البصيرة لغ ًة ‪ :‬العلم والخبرة ‪ ،‬يقال ‪ :‬هو ذو بصر وبصيرة ‪ ،‬أي ذو علم وخبرة ‪.‬‬
‫ن القاضي يرجع في تقدير القيمة إلى‬
‫ويعرف المعنى الصطلحيّ ممّا أورد ابن عابدين في أ ّ‬
‫أهل البصيرة وهم أهل النّظر والمعرفة في قيمة الشّيء ‪.‬‬
‫د ‪ -‬القيافة ‪:‬‬
‫‪ - 6‬القيافة مصدر قاف الثر قيافةً إذا تتبّعه ‪.‬‬
‫والقائف هو من يعرف الثار ويتتبّعها ‪ ،‬ويعرف شبه الرّجل بأخيه ‪ ،‬وأبيه ‪ ،‬والجمع القافة ‪.‬‬
‫وتستعمل في اصطلح الفقهاء في نفس المعنى ‪.‬‬
‫قال في المغني ‪ :‬القافة قوم يعرفون النسان بالشّبه ‪.‬‬
‫هـ ‪ -‬الحذق ‪:‬‬
‫‪ -‬الحذق المهارة ‪ ،‬يقال ‪ :‬حذق ال صّبيّ القرآن والعمل يحذقه حذقا وحذقا إذا مهر فيه ‪،‬‬ ‫‪7‬‬

‫وحذق الرّجل في صنعته أي مهر فيها ‪ ،‬وعرف غوامضها ووقائعها ‪.‬‬


‫فالحذق يستعمل في المهارة في الصّنعة غالبا ‪ ،‬وهو لهذا العتبار أخصّ من الخبرة ‪.‬‬
‫و‪ -‬الفراسة ‪:‬‬
‫‪ - 8‬الفراسة بكسر الفاء هي التّثبّت والتّأمّل للشّيء والبصر به ‪ ،‬يقال ‪ :‬إنّه لفارس بهذا المر‬
‫إذا كان عالمًا به ‪ .‬وفي الحديث ‪ « :‬اتّقوا فراسة المؤمن » ‪.‬‬
‫ويقول ابن الثير ‪ :‬الفراسة إمّا أن تكون بإلهام من اللّه تعالى ‪ ،‬أو تتعلّم بالدّلئل والتّجارب‬
‫والخلق والخلق فتعرف به أحوال النّاس ‪ .‬يقول ابن فرحون ‪ :‬الفراسة ناشئة عن جودة‬
‫القريحة وحدّة النّظر وصفاء الفكر ‪ .‬فهي بهذا المعنى قريبة لمعنى الخبرة ‪.‬‬
‫حكم الخبرة ‪:‬‬
‫‪ - 9‬تكلّم الفقهاء عن الخبرة واعتمدوا على قول أهل الخبرة في كثير من الحكام الفقهيّة‬
‫ويختلف حكمها تبعا لموطنها ‪ .‬وفيما يلي بيانها ‪:‬‬
‫الخبرة في التّزكية ‪:‬‬
‫‪ - 10‬ذهب جمهور الفقهاء إلى أنّ القاضي إذا لم يعرف حال الشّهود يجب أن يطلب من‬
‫شهَدَاءِ } ‪.‬‬
‫ن مِن ال ّ‬
‫يزكّيهم عنده ليعلم عدالتهم ‪ ،‬لقوله تعالى ‪ِ { :‬ممّنْ َت ْرضَو َ‬
‫سرّ ضروريّة في هذه الحالة ‪ .‬ويرى بعضهم تزكية الشّاهد ‪،‬‬
‫ن تزكية ال ّ‬
‫وأكثر الفقهاء على أ ّ‬
‫التّزكية العلنية أيضا ‪.‬‬
‫وتزكية الشّهود تكون باختيار القاضي من هم أوثق النّاس عنده ‪ ،‬وأورعهم ديانةً ‪ ،‬وأدراهم‬
‫بالمسألة وأكثرهم خبرةً ‪ ،‬وأعلمهم بالتّمييز فطن ًة ‪ ،‬فيكتب لهم أسماءً وأوصاف الشّهود ‪،‬‬
‫ويكلّفهم تعرّف أحوالهم ممّن يعرفهم من أهل الثّقة والمانة ‪ ،‬وجيرانهم ومؤتمني أهالي‬
‫محلّتهم ‪ ،‬وأهل الخبرة بهم ‪ ،‬وممّن ينسبون إليه من معتمدي أهل صنعتهم " أي نقيب الحرفة‬
‫مثلً " ‪ .‬فإذا كتبوا تحت اسم كلّ منهم ‪ :‬عدل ‪ ،‬ومقبول الشّهادة " يحكم بشهادتهم وإلّ فل‪.‬‬
‫ن المزكّي يشترط فيه معرفة أسباب الجرح والتّعديل ‪ ،‬ومعرفة خبرة‬
‫وذهب أكثر الفقهاء إلى أ ّ‬
‫باطن من يعدّله ‪ ،‬لخبرة ‪ ،‬أو جوار ‪ ،‬أو معاملة ليكون على بصيرة بما يشهد ‪.‬‬
‫ولنّ عادة النّاس إظهار الصّالحات وإسرار المعاصي ‪ ،‬فإذا لم يكن ذا خبرة باطنة ‪ ،‬ربّما‬
‫اغترّ بحسن ظاهره وهو فاسق في الباطن ‪.‬‬
‫سرّ ‪ ،‬أمّا تزكية العلنية فتحصل في حضور الحاكم والخصمين ‪ .‬وبما أنّ‬
‫هذا في تزكية ال ّ‬
‫تزكية العلنية تعتبر شهاد ًة ‪ ،‬فيشترط فيها ما يشترط في الشّهادة من التّعدّد والعدالة وغيرهما‬
‫سرّ ففيها خلف وتفصيل ينظر في مصطلحي ‪ ( :‬تزكية ‪ ،‬وشهادة ) ‪.‬‬
‫‪ .‬أمّا تزكية ال ّ‬
‫الخبرة في القسمة ‪:‬‬
‫‪ - 11‬القسمة تحتاج إلى قاسم ‪ ،‬وقد يتولّى القسمة الشّركاء أنفسهم إذا كانوا ذوي أهليّة وملك‬
‫وولية ‪ ،‬فيقسمون المال بينهم بالتّراضي ‪ ،‬وقد يتولّى القسمة غير الشّركاء ممّن يعيّنونه أو‬
‫ينصّبه الحاكم ‪.‬‬
‫واتّفق الفقهاء على أنّه يشترط في القاسم بجانب سائر الشّروط أن يكون أمينا ‪ ،‬عالما‬
‫ق حقّه ‪ ،‬لنّها من جنس عمل‬
‫ل ذي ح ّ‬
‫بالقسمة ‪ ،‬عارفا بالحساب والمساحة ‪ ،‬ليوصل إلى ك ّ‬
‫القضاء ‪ ،‬ول بدّ من العتماد على قوله ‪ ،‬والقدرة على القسمة ‪ ،‬وذلك بالمانة والعلم ‪.‬‬
‫ول فرق في هذا الشّرط بين القاسم الّذي عيّنه الشّركاء ‪ ،‬والّذي نصبه المام عند جمهور‬
‫الفقهاء ‪ ،‬خلفا للشّافعيّة حيث قالوا ل يشترط ذلك في منصوب الشّركاء لنّه وكيل عنهم ‪.‬‬
‫ول يشترط أن يكون القاسم متعدّدا ‪ ،‬فيكفي أن يكون شخصًا واحدًا ذا معرفة وخبرة عند‬
‫ن طريقه الخبر عن علم يختصّ به قليل من النّاس ‪ ،‬كالقائف والمفتي‬
‫جمهور الفقهاء ‪ ،‬ل ّ‬
‫ن التّقويم‬
‫ل إذا كان في القسمة تقويم للسّلعة فيجب أن يقوم بذلك قاسمان ‪ ،‬ل ّ‬
‫والطّبيب ‪ ،‬إ ّ‬
‫شهادة بالقيمة فيشترط فيه التّعدّد ‪ .‬وجاء في فتح العليّ المالك ‪ :‬إذا اطّلع أحد المتقاسمين على‬
‫عيب فيما خصّه ‪ ،‬ولم يعلما به قبل القسمة ‪ ،‬وهو خفيّ ثبت بقول أهل المعرفة ‪ ،‬فإن كان‬
‫العيب في أكثر نصيبه ‪ ،‬خيّر بين إمساك النّصيب ول شيء له ‪ ،‬وبين ردّ القسمة فإن كان‬
‫النّصيبان قائمين رجعا شائعين بينهما كما كانا قبل القسمة ‪ .‬وإن فات أحد النّصيبين بنحو‬
‫صدقة أو بناء ‪ ،‬أو هدم ‪ ،‬ردّ آخذه قيمة نصفه ‪ ،‬وكان النّصيب القائم بينهما ‪ ،‬وإن فاتا تقاصّا‬
‫‪ .‬وتفصيل هذه المسائل في مصطلحي ‪ ( :‬قسمة ‪ ،‬وخيار العيب ) ‪.‬‬
‫الخبرة في الخارص ‪:‬‬
‫‪ - 12‬الخرص ‪ :‬الحزر والتّحرّي ‪ ،‬وهو اجتهاد في معرفة قدر الشّيء من التّمر والعنب‬
‫لمعرفة قدر الزّكاة فيه ‪.‬‬
‫فإذا بدا صلح الثّمار من التّمر والعنب وح ّل بيعهما ينبغي أن يبعث المام من يخرصها ‪،‬‬
‫ويعرف قدر الزّكاة فيها ‪ ،‬وهذا عند جمهور الفقهاء ‪ :‬المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة ‪.‬‬
‫ويشترط في الخارص أن يكون عالما بالخرص لنّه اجتهاد في معرفة مقدار الثّمر والزّكاة‬
‫الواجبة فيه ‪ ،‬والجاهل بالشّيء ليس من أهل الجتهاد فيه ‪ ،‬ويجزئ خارص واحد إن كان‬
‫عدلً عارفا ‪ ،‬وفي قول عند الشّافعيّة ‪ :‬ويشترط اثنان كالتّقويم والشّهادة ‪.‬‬
‫وإذا اختلف الخارصون فيعمل بتخريص العرف منهم ‪ .‬واستدلّ الجمهور لمشروعيّة‬
‫الخرص بأحاديث منها ‪ ،‬ما ثبت « أنّ النّبيّ صلى ال عليه وسلم كان يبعث عبد اللّه بن‬
‫رواحة إلى يهود ‪ ،‬فيخرص النّخل حتّى يطيب قبل أن يؤكل منه » ‪.‬‬
‫ن وتخمين فل يلزم به حكم ‪ .‬واستدلّوا بما روى الطّحاويّ من‬
‫وقال الحنفيّة ‪ :‬الخرص ظ ّ‬
‫ن رسول اللّه صلى ال عليه وسلم « نهى عن الخرص » ‪.‬‬
‫حديث جابر أ ّ‬
‫ن الخرص الوارد في بعض الحاديث المراد به أن يعلم مقدار ما في نخلهم ‪ ،‬ثمّ‬
‫وقالوا ‪ :‬إ ّ‬
‫تؤخذ منهم الزّكاة وقت الصّرام على حسب ما يجب فيها ‪ .‬وإنّما كان يفعل تخويفًا للمزارعين‬
‫لئلّ يخونوا ل ليلزم به حكم ‪ ( .‬ر ‪ :‬خرص ) ‪.‬‬
‫خبرة القائف ‪:‬‬
‫‪ - 13‬القائف من يعرف الثار ويتتبّعها ‪ ،‬ويعرف شبه الرّجل بأخيه وأبيه ‪.‬‬
‫وذهب الجمهور خلفا للحنفيّة إلى أنّه يعمل بقول القائف في ثبوت النّسب إذا كان خبيرا‬
‫مجرّبا ‪ ،‬ولم توجد لثبات نسب الطّفل بيّنة ‪ ،‬أو تساوت بيّنة الطّرفين ‪.‬‬
‫وقد ورد في الخذ بقول القائف أحاديث منها ‪ :‬حديث عائشة رضي ال عنها قالت ‪ « :‬دخل‬
‫ي ذات يوم وهو مسرور فقال ‪ :‬يا عائشة ألم تري أنّ‬
‫رسول اللّه صلى ال عليه وسلم عل ّ‬
‫ي فرأى أسامة وزيدا وعليهما قطيفة قد غطّيا رءوسهما وبدت‬
‫مجزّزا المدلجيّ دخل عل ّ‬
‫ن هذه القدام بعضها من بعض » ‪.‬‬
‫أقدامهما فقال ‪ :‬إ ّ‬
‫ويكفي قائف واحد في إلحاق النّسب لنّه كحاكم ‪ ،‬فيكفي مجرّد خبره ‪ .‬ويشترط فيه بجانب‬
‫سائر الشّروط أن يكون عالمًا مجرّبًا في الصابة ‪ ،‬لقوله صلى ال عليه وسلم ‪ « :‬ل حكيم‬
‫ي فل بدّ من العلم بعلمه له وذلك ل يعرف بغير التّجربة فيه ‪.‬‬
‫إلّ ذو تجربة » ولنّه أمر علم ّ‬
‫ومن طرق تجربته أن يعرض عليه ولد في نسوة ليس فيهنّ أمّه ثلث مرّات ‪ ،‬ثمّ في نسوة‬
‫هي فيهنّ ‪ ،‬فإذا أصاب في كلّ فهو مجرّب ‪ .‬وتفصيله في مصطلح ‪ ( :‬قيافة ) ‪.‬‬
‫الخبرة في التّقويم ‪:‬‬
‫‪ - 14‬اتّفق الفقهاء على الخذ بقول أهل الخبرة من ال ّتجّار ‪ ،‬وأهل الصّنعة في قيمة المتلفات‬
‫وأروش الجنايات ‪ ،‬وقيمة العرض المسروق ‪ ،‬وقيم السّلع المبيعة ‪ ،‬أو المأجورة لثبات‬
‫العيب ‪ ،‬أو الجور ‪ ،‬أو الغرر ونحوها ‪.‬‬
‫قال في ال ّدرّ ‪ :‬لو باع الوصيّ شيئا من مال اليتيم ثمّ طلب منه بأكثر من ذلك رجع فيه‬
‫القاضي إلى أهل البصيرة ‪ ،‬أي أهل النّظر والمعرفة في قيمة ذلك الشّيء ‪.‬‬
‫ن نقصان الثّمن‬
‫ونصوص الفقهاء في هذه المور كثيرة ‪ ،‬منها ‪ :‬ما ذكر في مجلّة الحكام أ ّ‬
‫يكون معلوما بإخبار أهل الخبرة الخالين عن الغرض ‪ ،‬وذلك بأن يقوّم الثّوب سالما ثمّ يقوّم‬
‫معيبا ‪ ،‬فما كان بين القيمتين من التّفاوت يرجع به المشتري على البائع ‪.‬‬
‫ل أن يتعلّق‬
‫ويقول ابن فرحون ‪ :‬يرجع إلى قول التّاجر في قيم المتلفات ‪ ،‬ويقبل قول الواحد إ ّ‬
‫بالقيمة ح ّد من حدود اللّه ‪ ،‬كتقويم العرض المسروق ‪ ،‬هل بلغت قيمته النّصاب أو ل ؟‬
‫فهاهنا ل بدّ من اثنين ‪.‬‬
‫لنّ المقوّم له ثلثة أشباه ‪ :‬شبه الشّهادة ‪ ،‬لنّه إلزام لمعيّن وهو ظاهر ‪ ،‬وشبه الرّواية ‪ ،‬لنّ‬
‫ن الشّاهد كذلك ‪ ،‬وشبه الحاكم ‪ ،‬لنّ حكمه ينفذ‬
‫المقوّم متصدّ لجميع النّاس ‪ ،‬وهو ضعيف ل ّ‬
‫في القيمة ‪ .‬فإن تعلّق بإخباره ح ّد تعيّن مراعاة الشّهادة ‪.‬‬
‫وقال أيضا ‪ :‬يقبل قول المقوّم الواحد لرش الجنايات ‪ .‬وقال الخرشيّ ‪ :‬المقوّم الّذي يترتّب‬
‫ل فيكفي فيه الواحد ‪.‬‬
‫على تقويمه قطع ‪ ،‬أو غرم فل بدّ فيه من التّعدّد وإ ّ‬
‫وقال ابن فرحون ‪ :‬ويرجع إلى أهل المعرفة من التّجارة في تقويم المتلفات وعيوب الثّياب ‪.‬‬
‫ومثله ما ورد في كتب الشّافعيّة والحنابلة من أنّ المرجع في معرفة العيب ونقص الثّمن إلى‬
‫العادة والعرف ‪ ،‬وتقويم أهل الخبرة من ال ّتجّار وأهل الصّنعة ‪ .‬لكنّهم قالوا ‪ :‬إنّ التّقويم ل‬
‫يكون بالواحد بل يحتاج إلى اثنين ‪ ،‬لنّه شهادة بالقيمة فل بدّ فيه من التّعدّد ‪.‬‬
‫وتفصيل هذه المسائل في أبوابها من الضّمان ‪ ،‬وخيار العيب ‪ ،‬والشّهادة والغرر ونحوها ‪.‬‬
‫الخبرة في معرفة العيوب الموجبة للخيار ‪:‬‬
‫‪ - 15‬اتّفق الفقهاء على أنّه إذا وجد في المبيع عيب قديم ل يمكن إزالته فللمشتري أن يفسخ‬
‫البيع ويستردّ الثّمن ‪.‬‬
‫ومع تفصيلهم وخلفهم في وضع ضابط للعيب الموجب لل ّردّ ‪ ،‬فإنّ جمهور الفقهاء على أنّ‬
‫المرجع في معرفة العيب وقدمه قول أهل الخبرة ‪ ،‬فقد جاء في المجلّة ‪ :‬العيب هو ما ينقص‬
‫ثمن المبيع عند ال ّتجّار وأرباب الخبرة ‪ .‬ونقصان الثّمن يكون معلوما بإخبار أهل المعرفة ‪.‬‬
‫ومثله ما ذكره ابن عابدين والزّيلعيّ من الحنفيّة ‪.‬‬
‫ونحوه ما جاء في كتب المالكيّة مع اختلف في العبارة حيث قالوا ‪ :‬القول في نفي العيب أو‬
‫ل بشهادة العادة أي شهادة أهل المعرفة للمشتري ‪ .‬وقال ابن فرحون ‪ :‬يجب‬
‫نفي قدمه للبائع إ ّ‬
‫الرّجوع إلى قول أهل البصر والمعرفة من ال ّنخّاسين في معرفة عيوب الحيوانات ‪.‬‬
‫كما نصّ الشّافعيّة والحنابلة على أنّه لو اختلف الطّرفان في الموجود هل هو عيب أو ل ؟ أو‬
‫اختلفا في معرفة العيب القديم ‪ ،‬رجع فيه لهل الخبرة ‪ ،‬فإن قال أهل الخبرة هو عيب فله‬
‫الفسخ ‪ ،‬وإلّ فل ‪ .‬ينظر مصطلح ( خيار العيب ) ‪.‬‬
‫خبرة الطّبيب والبيطار ‪:‬‬
‫‪ - 16‬اتّفق الفقهاء على أنّه يرجع إلى الطبّاء ممّن لهم خبرة في معرفة العيوب المتعلّقة‬
‫بالرّجال والنّساء ‪ ،‬وفي معرفة الشّجاج والجراح وتحديد أسمائها من الموضحة ‪ ،‬والدّامية ‪،‬‬
‫والدّامغة ونحوها ‪ .‬كما اتّفقوا على الخذ بقول البياطرة ممّن له خبرة في عيوب الدّوابّ ‪.‬‬
‫وفيما يأتي بعض النّصوص من كلم الفقهاء في هذا المجال ‪ :‬قال ابن فرحون ‪ :‬يرجع إلى‬
‫ب والمعرفة بالجراح في معرفة طول الجرح ‪ ،‬وعمقه ‪ ،‬وعرضه ‪ ،‬وهم الّذين‬
‫أهل الطّ ّ‬
‫يتولّون القصاص فيشقّون في رأس الجاني أو في بدنه مثل ذلك ول يتولّى ذلك المجنيّ عليه ‪.‬‬
‫شجّة هل هي موضحة أو ل ‪ ،‬أو فيما كان أكثر من ذلك‬
‫وجاء في المغني ‪ :‬إذا اختلف في ال ّ‬
‫كالهاشمة ‪ ،‬والمنقّلة ‪ ،‬والمّة ‪ ،‬والدّامغة ‪ ،‬أو أصغر منها كالباضعة ‪ ،‬والمتلحمة ‪،‬‬
‫ل الطبّاء ‪ ،‬أو اختلفا في داء‬
‫والسّمحاق ‪ ،‬أو في الجائفة وغيرها من الجراح الّتي ل يعرفها إ ّ‬
‫يختصّ بمعرفته الطبّاء أو في داء الدّابّة ‪ ،‬يؤخذ بقول طبيبين أو بيطارين إذا وجدا ‪ ،‬فإن لم‬
‫ص به أهل الخبرة من أهل الصّنعة ‪.‬‬
‫يقدر على اثنين أجزأ واحد ‪ ،‬لنّه ممّا يخت ّ‬
‫وتفصيل هذه المسائل في مواضعها ( ر ‪ :‬شهادة ‪ ،‬شجاج ‪ ،‬خيار العيب ) ‪.‬‬
‫عدد أهل الخبرة ‪:‬‬
‫‪ - 17‬الصل أنّ قول أهل الخبرة إن كان على جهة الشّهادة يجب فيه اثنان عند جمهور‬
‫الفقهاء ‪ ،‬إلّ إذا لم يقدر على اثنين ‪ .‬وإن كان على جهة الخبار والرّواية فل يجب فيه التّعدّد‬
‫ويكفي فيه المخبر الواحد ولو كان غير مسلم ‪ ،‬ومن هذا القبيل أهل المعرفة في العيوب ‪،‬‬
‫ومنهم الطّبيب والبيطار ‪ ،‬والخارص ‪ ،‬والقائف ‪ ،‬والقسّام ‪ ،‬وقائس الشّجاج ونحوهم ‪ .‬واتّفقوا‬
‫على أنّه ل يعتبر قول الواحد فيما يتعلّق بحدّ من حدود اللّه تعالى ‪.‬‬
‫قال ابن فرحون ‪ :‬القيمة الّتي يتعلّق بها حدّ كتقويم العرض المسروق ‪ ،‬هل بلغت قيمته‬
‫النّصاب أم ل ؟ فهاهنا ل بدّ من اثنين ‪.‬‬
‫وقال نقلً عن المدوّنة ‪ :‬إذا اجتمع عدلن من أهل البصر على أنّ قيمتها ثلثة دراهم قطع ‪.‬‬
‫وقال ‪ :‬ويكفي الواحد فيما يتعلّق بالسّؤال ‪ ،‬وفيما كان علما يؤدّيه ‪.‬‬
‫ومثله ما قال في قائس الجراح من الكتفاء بقول الواحد ‪ ،‬لنّه ليس على جهة الشّهادة ‪.‬‬
‫وجاء في معين الحكّام ‪ :‬ما بطن من العيوب في حيوان ‪ -‬فالطّريق هو الرّجوع إلى أهل‬
‫البصر إن أخبر واحد عدلًا يثبت العيب في الخصومة ‪ .‬والمشهور عن مالك الكتفاء بقول‬
‫القائف الواحد في النّسب ‪ ،‬والتّاجر الواحد في قيمة المتلفات ‪ ،‬كما ذكر ابن فرحون ‪.‬‬
‫ن طريقه عن علم يختصّ به القليل من النّاس كالقائف‬
‫وقال الخرشيّ ‪ :‬القاسم الواحد يكفي ; ل ّ‬
‫‪ ،‬والمفتي ‪ ،‬والطّبيب ولو كافرًا ‪ ،‬إلّ أن يكون وجّهه القاضي فيشترط فيه العدالة ‪ .‬ومثله في‬
‫كتب الشّافعيّة والحنابلة وتفصيل هذه المسائل في مصطلح ‪ ( :‬شهادة ) ‪.‬‬
‫اختلف أهل الخبرة ‪:‬‬
‫‪ - 18‬إذا اختلف أهل الخبرة في التّقويم ‪ ،‬أو الخرص ‪ ،‬أو العيب في المبيع ‪ ،‬أو نحو ذلك‬
‫فللفقهاء في كلّ مسألة آراء تنظر في مواضعها ‪ ،‬وفيما يلي أمثلة منها ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬ذكر الحنفيّة أنّه إذا اختلف ال ّتجّار ‪ ،‬أو أهل الخبرة في وجود العيب في المبيع ‪ ،‬فقال‬
‫بعضهم إنّه عيب ‪ ،‬وقال الخرون ل ‪ ،‬فليس للمشتري ال ّردّ ‪ ،‬إذ لم يكن عيبا بيّنا عند الكلّ ‪.‬‬
‫وعند المالكيّة في اختلف شهود البائع والمشتري في تعيّب السّلعة وقدم العيب فيها رأيان ‪:‬‬
‫الخذ بأعدل البيّنتين ‪ ،‬وترجيح بيّنة المبتاع ‪.‬‬
‫ل عن المتيطيّة ‪ :‬إذا أثبت مبتاع الدّار تشقّق الحيطان ‪ ،‬وتعيّبها ‪ ،‬وأنّها‬
‫قال ابن فرحون نق ً‬
‫ن ذلك عيب يحطّ من ثمنها كثيرا ‪ ،‬وأنّه أقدم من أمد التّبايع ‪ ،‬وأنّه إنّما‬
‫متهيّئة للسّقوط ‪ ،‬وإ ّ‬
‫ن الدّار سالمة ممّا ادّعى المبتاع ‪،‬‬
‫يظهر من خارج الدّار ل من داخلها ‪ ،‬وشهد للبائع شهود أ ّ‬
‫مأمونة السّقوط لعتدال حيطانها وسلمتها من الميل الّذي هو سبب التّهدّم ‪ ،‬وأنّ التّشقّق ل‬
‫يضرّها مع أنّه ل يخفى على من نظر إليها ‪ ،‬وثبت جميع ذلك عند الحاكم ‪ ،‬فقال عبد اللّه بن‬
‫عتّاب ‪ :‬يقضى بأعدل البيّنتين ممّن له بصر بعيوب الدّور ‪ .‬وقال ابن القطّان ‪ :‬بيّنة المبتاع‬
‫ن البيّنة الّتي توجب الحكم إذا قبلت أعمل من الّتي تنفيه ‪.‬‬
‫أولى ; ل ّ‬
‫وذهب الشّافعيّة إلى الخذ بقول أهل الخبرة فيما يختلف فيه البائع والمشتري في معرفة العيب‬
‫شكّ في‬
‫وقدمه ‪ .‬فلو فقد أهل الخبرة أو اختلفوا ‪ ،‬صدّق المشتري لتحقّق العيب القديم ‪ ،‬وال ّ‬
‫مسقط الرّدّ ‪.‬‬
‫ومثله ما في كتب الحنابلة في باب الجارات ‪ .‬وتفصيله في ( خيار العيب ) ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬إذا اختلف المقوّمون للسّرقة فقال بعضهم ‪ :‬ل تبلغ قيمتها ثلثة دراهم ‪ ،‬وقال غيرهم ‪:‬‬
‫ن قيمتها ثلثة‬
‫قيمتها ثلثة دراهم ‪ ،‬قال في المدوّنة ‪ :‬إذا اجتمع عدلن من أهل البصر على أ ّ‬
‫دراهم قطع وكذا قال مالك في سماع عيسى ‪ :‬إذا اجتمع على السّرقة رجلن ‪ ،‬لم يلتفت إلى‬
‫من خالفهما ‪ ،‬ث ّم قال في آخر المسألة نقلً عن مالك ‪ :‬إن دعي أربعة فاجتمع رجلن على‬
‫قيمة قال ‪ :‬ينظر القاضي إلى أقرب التّقويم إلى السّداد ‪ ،‬بأن يسأل من سواهم حتّى يتبيّن له‬
‫السّداد من ذلك ‪.‬‬
‫ج ‪ -‬إن اختلف الخارصون في قدر التّمر الّذي خرصوه في وقت واحد يعمل بتخريص‬
‫العرف منهم ‪ ،‬ويلغى تخريص ما سواه ‪ ،‬وإن لم يكن فيهم أعرف ‪ ،‬فيؤخذ من كلّ قول‬
‫جزء كما ذكره المالكيّة ‪ ( .‬ر ‪ :‬خرص ) ‪.‬‬

‫ختان *‬
‫التّعريف ‪:‬‬
‫‪ - 1‬الختان والختانة لغ ًة السم من الختن ‪ ،‬وهو قطع القلفة من الذّكر ‪ ،‬والنّواة من النثى ‪،‬‬
‫كما يطلق الختان على موضع القطع ‪ .‬يقال ختن الغلم والجارية يختنهما ويختنهما ختنا ‪.‬‬
‫ويقال غلم مختون وجارية مختونة وغلم وجارية ختين ‪ ،‬كما يطلق عليه الخفض‬
‫والعذار ‪ ،‬وخصّ بعضهم الختن بالذّكر ‪ ،‬والخفض بالنثى ‪ ،‬والعذار مشترك بينهما ‪.‬‬
‫والعذرة ‪ :‬الختان ‪ ،‬وهي كذلك الجلدة يقطعها الخاتن ‪ .‬وعذر الغلم والجارية يعذرهما ‪،‬‬
‫عذرًا وأعذرهما ختنهما ‪ .‬والعذار والعذار والعذيرة والعذير طعام الختان ‪.‬‬
‫ي‪.‬‬
‫ول يخرج استعمال الفقهاء للمصطلح عن معناه اللّغو ّ‬
‫حكم الختان ‪:‬‬
‫اختلف الفقهاء في حكم الختان على أقوال ‪:‬‬
‫القول الوّل ‪:‬‬
‫ن الختان‬
‫‪ - 2‬ذهب الحنفيّة والمالكيّة وهو وجه شاذّ عند الشّافعيّة ‪ ،‬وروايةً عن أحمد ‪ :‬إلى أ ّ‬
‫سنّة في حقّ الرّجال وليس بواجب ‪ .‬وهو من الفطرة ومن شعائر السلم ‪ ،‬فلو اجتمع أهل‬
‫بلدة على تركه حاربهم المام ‪ ،‬كما لو تركوا الذان ‪.‬‬
‫وهو مندوب في حقّ المرأة عند المالكيّة ‪ ،‬وعند الحنفيّة والحنابلة في رواية يعتبر ختانها‬
‫ن كذلك ‪ ،‬وفي ثالث ‪ :‬إنّه‬
‫مكرم ًة وليس بسنّة ‪ ،‬وفي قول عند الحنفيّة ‪ :‬إنّه سنّة في حقّه ّ‬
‫ب‪.‬‬
‫مستح ّ‬
‫سنّيّة بحديث ابن عبّاس رضي ال عنهما مرفوعا ‪ « :‬الختان سنّة للرّجال مكرمة‬
‫واستدلّوا لل ّ‬
‫للنّساء » وبحديث أبي هريرة مرفوعا « خمس من الفطرة الختان ‪ ،‬والستحداد ‪ ،‬ونتف البط‬
‫ص الشّارب » ‪.‬‬
‫‪ ،‬وتقليم الظفار ‪ ،‬وق ّ‬
‫وقد قرن الختان في الحديث بقصّ الشّارب وغيره وليس ذلك واجبا ‪.‬‬
‫ل على عدم الوجوب كذلك أنّ الختان قطع جزء من الجسد ابتدا ًء فلم يكن واجبا‬
‫وممّا يد ّ‬
‫بالشّرع قياسا على قصّ الظفار ‪.‬‬
‫القول الثّاني ‪:‬‬
‫ن الختان واجب‬
‫‪ -‬ذهب الشّافعيّة والحنابلة ‪ ،‬وهو مقتضى قول سحنون من المالكيّة ‪ :‬إلى أ ّ‬ ‫‪3‬‬

‫على الرّجال والنّساء ‪.‬‬


‫حنِيفا } قد جاء في‬
‫ح ْينَا إَِل ْيكَ َأنِ ا ّتبِ ْع مِلّ َة ِإ ْبرَاهِيمَ َ‬
‫واستدلّوا للوجوب بقوله تعالى ‪ُ { :‬ثمّ أَ ْو َ‬
‫حديث أبي هريرة ‪ -‬رضي ال عنه ‪ -‬قال ‪ :‬قال رسول اللّه صلى ال عليه وسلم ‪ « :‬اختتن‬
‫إبراهيم النّبيّ صلى ال عليه وسلم وهو ابن ثمانين سنةً بالقدوم » وأمرنا باتّباع إبراهيم صلى‬
‫ال عليه وسلم أمر لنا بفعل تلك المور الّتي كان يفعلها فكانت من شرعنا ‪.‬‬
‫وورد في الحديث كذلك ‪ « :‬ألق عنك شعر الكفر واختتن » قالوا ‪ :‬ولنّ الختان لو لم يكن‬
‫واجبا لما جاز كشف العورة من أجله ‪ ،‬ولمّا جاز نظر الخاتن إليها وكلهما حرام ‪ ،‬ومن أدلّة‬
‫الوجوب كذلك أنّ الختان من شعار المسلمين فكان واجبًا كسائر شعارهم ‪.‬‬
‫ن النّساء كنّ‬
‫وفي قوله صلى ال عليه وسلم ‪ « :‬إذا التقى الختانان وجب الغسل » دليل على أ ّ‬
‫يختتنّ ‪ ،‬ولنّ هناك فضلةً فوجب إزالتها كالرّجل ‪ .‬ومن الدلّة على الوجوب أنّ بقاء القلفة‬
‫يحبس النّجاسة ويمنع صحّة الصّلة فتجب إزالتها ‪.‬‬
‫القول الثّالث ‪:‬‬
‫ن الختان واجب على الرّجال ‪،‬‬
‫ص عليه ابن قدامة في المغني ‪ ،‬وهو أ ّ‬
‫‪ - 4‬هذا القول ن ّ‬
‫ومكرمة في حقّ النّساء وليس بواجب عليهنّ ‪.‬‬
‫مقدار ما يقطع في الختان ‪:‬‬
‫‪ - 5‬يكون ختان الذّكور بقطع الجلدة الّتي تغطّي الحشفة ‪ ،‬وتسمّى القلفة ‪ ،‬والغرلة ‪ ،‬بحيث‬
‫تنكشف الحشفة كلّها ‪ .‬وفي قول عند الحنابلة ‪ :‬إنّه إذا اقتصر على أخذ أكثرها جاز ‪.‬‬
‫وفي قول ابن كجّ من الشّافعيّة ‪ :‬إنّه يكفي قطع شيء من القلفة وإن قلّ بشرط أن يستوعب‬
‫القطع تدوير رأسها ‪ .‬ويكون ختان النثى بقطع ما ينطلق عليه السم من الجلدة الّتي كعرف‬
‫سنّة فيه أن ل تقطع كلّها بل جزء منها ‪.‬‬
‫الدّيك فوق مخرج البول ‪ .‬وال ّ‬
‫ن امرأةً كانت تختن بالمدينة فقال لها النّبيّ‬
‫وذلك لحديث أمّ عطيّة ‪ -‬رضي ال عنها ‪ « -‬أ ّ‬
‫ن ذلك أحظى للمرأة وأحبّ إلى البعل » ‪.‬‬
‫صلى ال عليه وسلم ‪ :‬ل تنهكي فإ ّ‬
‫وقت الختان ‪:‬‬
‫ن الوقت الّذي يصير فيه الختان واجبا هو ما بعد البلوغ‪،‬‬
‫‪ - 6‬ذهب الشّافعيّة والحنابلة إلى أ ّ‬
‫ن الختان من أجل الطّهارة ‪ ،‬وهي ل تجب عليه قبله ‪.‬‬
‫لّ‬
‫ن التّمييز لنّه أرفق به ‪ ،‬ولنّه أسرع برءا فينشأ على أكمل‬
‫ويستحبّ ختانه في الصّغر إلى س ّ‬
‫الحوال ‪.‬‬
‫وللشّافعيّة في تعيين وقت الستحباب وجهان ‪ :‬الصّحيح المفتى به أنّه يوم السّابع ويحتسب‬
‫يوم الولدة معه لحديث جابر ‪ « :‬عقّ رسول اللّه صلى ال عليه وسلم عن الحسن والحسين‬
‫وختنهما لسبعة أيّام » ‪ ،‬وفي مقابله وهو ما عليه الكثرون أنّه اليوم السّابع بعد يوم الولدة‪.‬‬
‫ن المستحبّ ما بين العام السّابع إلى العاشر من عمره ‪ ،‬لنّها‬
‫وفي قول للحنابلة والمالكيّة ‪ :‬إ ّ‬
‫السّنّ الّتي يؤمر فيها بالصّلة ‪ ،‬وفي رواية عن مالك أنّه وقت الثغار ‪ ،‬إذا سقطت أسنانه ‪،‬‬
‫ن العبرة بطاقة الصّبيّ إذ ل تقدير فيه فيترك تقديره إلى الرّأي ‪ ،‬وفي‬
‫والشبه عند الحنفيّة أ ّ‬
‫قول ‪ :‬إنّه إذا بلغ العاشرة لزيادة المر بالصّلة إذا بلغها ‪.‬‬
‫وكره الحنفيّة والمالكيّة والحنابلة الختان يوم السّابع لنّ فيه تشبّها باليهود ‪.‬‬
‫ختان من ل يقوى على الختان ‪:‬‬
‫‪ - 7‬من كان ضعيف الخلقة بحيث لو ختن خيف عليه ‪ ،‬لم يجز أن يختن حتّى عند القائلين‬
‫ن سلمته ‪ ،‬لنّه ل تعبّد فيما يفضي إلى‬
‫بوجوبه ‪ ،‬بل يؤجّل حتّى يصير بحيث يغلب على الظّ ّ‬
‫سنّة أحرى ‪ ،‬وهذا عند من يقول إنّ‬
‫ن بعض الواجبات يسقط بخوف الهلك فال ّ‬
‫التّلف ‪ ،‬ول ّ‬
‫الختان سنّة ‪ .‬وللحنابلة تفصيل في مذهبهم ‪ ،‬ملخّصه أنّ وجوب الختان يسقط عمّن خاف تلفا‪،‬‬
‫ول يحرم مع خوف التّلف لنّه غير متيقّن ‪ ،‬أمّا من يعلم أنّه يتلف به وجزم بذلك فإنّه يحرم‬
‫ل تُلْقُو ْا ِبَأ ْيدِي ُكمْ إِلَى ال ّتهُْلكَ ِة } ‪.‬‬
‫عليه الختان لقوله تعالى ‪َ { :‬و َ‬
‫من مات غير مختون ‪:‬‬
‫ن الختان كان تكليفا ‪ ،‬وقد زال‬
‫‪ - 8‬ل يختن الميّت القلف الّذي مات غير مختون ‪ .‬ل ّ‬
‫ن المقصود من الختان التّطهير من النّجاسة ‪ ،‬وقد زالت الحاجة بموته ‪ .‬ولنّه‬
‫بالموت ‪ ،‬ول ّ‬
‫جزء من الميّت فل يقطع ‪ ،‬كيده المستحقّة في قطع السّرقة ‪ ،‬أو القصاص وهي ل تقطع من‬
‫الميّت ‪ ،‬وخالف الختان قصّ الشّعر والظّفر ‪ ،‬لنّهما يزالن في الحياة للزّينة ‪ ،‬والميّت‬
‫يشارك الحيّ في ذلك ‪ ،‬وأمّا الختان فإنّه يفعل للتّكليف به ‪ ،‬وقد زال بالموت ‪.‬‬
‫وفي قول ثان للشّافعيّة ‪:‬إنّه يختن الكبير والصّغير لنّه كالشّعر والظّفر وهي تزال من الميّت‪.‬‬
‫والقول الثّالث عندهم ‪ :‬إنّه يختن الكبير دون الصّغير ‪ ،‬لنّه وجب على البالغ دون الصّغير ‪.‬‬
‫من ولد مختونا بل قلفة ‪:‬‬
‫‪ - 9‬من ولد مختونا بل قلفة فل ختان عليه ل إيجابا ول استحبابا ‪ ،‬فإن وجد من القلفة شيء‬
‫يغطّي الحشفة أو بعضها ‪ ،‬وجب قطعه كما لو ختن ختانا غير كامل ‪ ،‬فإنّه يجب تكميله ثانيًا‬
‫حتّى يبين جميع القلفة الّتي جرت العادة بإزالتها في الختان ‪.‬‬
‫وفي قول عند المالكيّة ‪ :‬إنّه تجرى عليه الموسى ‪ ،‬فإن كان فيه ما يقطع قطع ‪.‬‬
‫تضمين الخاتن ‪:‬‬
‫‪ - 10‬اتّفق الفقهاء على تضمين الخاتن إذا مات المختون بسبب سراية جرح الختان ‪ ،‬أو إذا‬
‫جاوز القطع إلى الحشفة أو بعضها أو قطع في غير محلّ القطع ‪ .‬وحكمه في الضّمان حكم‬
‫الطّبيب أي أنّه يضمن مع التّفريط أو التّعدّي وإذا لم يكن من أهل المعرفة بالختان ‪ .‬وللفقهاء‬
‫تفصيل في هذه المسألة ‪:‬‬
‫ن الخاتن إذا ختن صبيّا فقطع حشفته ومات الصّبيّ ‪ ،‬فعلى عاقلة الخاتن‬
‫فذهب الحنفيّة إلى أ ّ‬
‫نصف ديته ‪ ،‬وإن لم يمت فعلى عاقلته الدّية كلّها ‪ ،‬وذلك لنّ الموت حصل بفعلين ‪:‬‬
‫أحدهما مأذون فيه وهو قطع القلفة ‪ ،‬والخر غير مأذون فيه وهو قطع الحشفة ‪ ،‬فيجب‬
‫نصف الضّمان ‪ .‬أمّا إذا برئ فيجعل قطع الجلدة وهو المأذون فيه كأن لم يكن ‪ ،‬وقطع‬
‫الحشفة غير مأذون فيه فوجب ضمان الحشفة كاملً وهو الدّية ‪ ،‬لنّ الحشفة عضو مقصود‬
‫ل ثاني له في النّفس فيقدّر بدله ببدل النّفس كما في قطع اللّسان ‪.‬‬
‫وذهب المالكيّة إلى أنّه ل ضمان على الخاتن إذا كان عارفا متقنا لمهنته ولم يخطئ في فعله‬
‫كالطّبيب ‪ ،‬لنّ الختان فيه تغرير فكأنّ المختون عرّض نفسه لما أصابه ‪.‬‬
‫فإن كان الخاتن من أهل المعرفة بالختان وأخطأ في فعله فالدّية على عاقلته ‪ ،‬فإن لم يكن من‬
‫أهل المعرفة عوقب ‪ ،‬وفي كون الدّية على عاقلته أو في ماله قولن ‪ :‬فلبن القاسم إنّها على‬
‫العاقلة ‪ ،‬وعن مالك وهو الرّاجح إنّها في ماله ‪ .‬لنّ فعله عمد والعاقلة ل تحمل عمدا ‪.‬‬
‫ن ل يحتمله لضعف‬
‫ن الخاتن إذا تعدّى بالجرح المهلك ‪ ،‬كأن ختنه في س ّ‬
‫وذهب الشّافعيّة إلى أ ّ‬
‫ن كونه محتملًا فالمتّجه عدم القود‬
‫ونحوه أو شدّة حرّ أو برد فمات لزمه القصاص ‪ ،‬فإن ظ ّ‬
‫لنتفاء التّعدّي ‪ .‬ويستثنى من حكم القود الوالد وإن عل ‪ ،‬لنّه ل يقتل بولده ‪ ،‬وتلزمه دية‬
‫مغلّظة في ماله لنّه عمد محض ‪ .‬فإن احتمل الختان وختنه وليّ ‪ ،‬أو وصيّ ‪ ،‬أو قيّم فمات ‪،‬‬
‫ح لحسانه بالختان ‪ ،‬إذ هو أسهل عليه ما دام صغيرا بخلف الجنبيّ‬
‫فل ضمان في الص ّ‬
‫لتعدّيه ولو مع قصد إقامة الشّعار ‪.‬‬
‫ي أيضا لنّه ظنّ أنّه يقيم شعيرةً ‪.‬‬
‫ولم ير الزّركشيّ القود في هذه الحالة على الجنب ّ‬
‫وذهب الحنابلة إلى أنّه ل ضمان على الخاتن إذا عرف منه حذق الصّنعة ‪ ،‬ولم تجن يده ‪،‬‬
‫لنّه فعل فعلً مباحا فلم يضمن سرايته كما في الحدود ‪ ،‬وكذلك ل ضمان إذا كان الختان‬
‫بإذن وليّه ‪ ،‬أو وليّ غيره أو الحاكم ‪ .‬فإن لم يكن له حذق في الصّنعة ضمن ‪ ،‬لنّه ل يحلّ‬
‫له مباشرة القطع ‪ ،‬فإن قطع فقد فعل محرّما غير مأذون فيه ‪ ،‬لقوله صلى ال عليه وسلم ‪« :‬‬
‫من تطبّب ول يعلم منه طبّ فهو ضامن » وكذلك يضمن إذا أذن له الوليّ وكان حاذقا ولكن‬
‫جنت يده ولو خطأً ‪ ،‬مثل أن جاوز قطع الختان فقطع الحشفة أو بعضها ‪ ،‬أو غير محلّ‬
‫القطع‪ ،‬أو قطع بآلة يكثر ألمها ‪ ،‬أو في وقت ل يصلح القطع فيه ‪ .‬وكذلك يضمن إذا قطع‬
‫بغير إذن الوليّ ‪.‬‬
‫آداب الختان ‪:‬‬
‫‪ - 11‬تشرع الوليمة للختان وتسمّى العذار والعذار ‪ ،‬والعذرة ‪ ،‬والعذير ‪.‬‬
‫ب في الذّكر‬
‫سنّة إظهار ختان الذّكر ‪ ،‬وإخفاء ختان النثى ‪ .‬وصرّح الشّافعيّة بأنّها تستح ّ‬
‫وال ّ‬
‫ول بأس بها في النثى للنّساء فيما بينهنّ ‪ ،‬والتّفصيل في ( وليمة ‪ ،‬ودعوة ) ‪.‬‬

‫خديعة *‬
‫التّعريف ‪:‬‬
‫‪ - 1‬الخديعة والخدعة مصدر خدع يخدع إظهار النسان خلف ما يخفيه ‪ .‬أو هو بمعنى‬
‫ضمّ ‪ -‬ما‬
‫الختل وإرادة المكروه ‪ .‬والفاعل ‪ :‬الخادع ‪ ،‬وخدّاع وخدوع مبالغة ‪ ،‬والخدعة ‪ -‬بال ّ‬
‫يخدع به النسان مثل اللّعبة لما يلعب به والحرب خدعة ‪ -‬مثلّثة الخاء ‪ -‬والفتح أفصح ‪ .‬قال‬
‫ثعلب ‪ :‬بلغنا أنّها لغة النّبيّ صلى ال عليه وسلم ‪ .‬ول يخرج المعنى الصطلحيّ عن هذا‬
‫اللفاظ ذات الصّلة ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬الغدر ‪:‬‬
‫‪ - 2‬الغدر ‪ ،‬هو ترك الوفاء بالعهد ‪ ،‬أو نقضه ‪ .‬قال ‪ :‬غدره وغدر به غدرا ‪ :‬أي خانه ‪،‬‬
‫ونقض عهده ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬الغبن ‪:‬‬
‫‪ - 3‬هو من غبنه يغبنه غبْنا ‪ -‬بتسكين الباء ‪ -‬في البيع أي ‪ :‬خدعه ‪ ،‬وغبن الرّأي وغبن فيه‬
‫غبنا وغبَنا ‪ -‬بفتح الباء ‪ -‬غلط فيه ونسيه وأغفله ‪.‬‬
‫ص من الخديعة ‪.‬‬
‫والغبن عند الفقهاء يكون في البيع خاصّ ًة ‪ .‬فهو أخ ّ‬
‫ج ‪ -‬الخيانة ‪:‬‬
‫‪ - 4‬الخيانة ‪ :‬التّفريط في العهد والمانة وترك النّصح فيها ‪.‬‬
‫والخديعة قد تكون مع خيانة المانة وقد ل تكون ‪.‬‬
‫د ‪ -‬الغرور ‪ ،‬والتّغرير ‪:‬‬
‫‪ - 5‬الغرور مصدر غرّه يغرّه غرورا ‪ ،‬إذا خدعه وأطمعه بالباطل ‪ .‬والتّغرير إيقاع‬
‫الشّخص في الغرر ‪ .‬والغرر ما انطوت عنك عاقبته ‪ ،‬أو ما تردّد بين أمرين أغلبهما‬
‫أخوفهما ‪.‬‬
‫هـ – الغشّ ‪:‬‬
‫ضمّ ‪ -‬غشّا لم يمحّضه النّصح ‪ ،‬أو أظهر له خلف ما‬
‫‪ - 6‬وهو مصدر غشّه يغشّه ‪ -‬بال ّ‬
‫يبطنه ‪ ،‬يقال ‪ :‬شيء مغشوش ‪.‬‬
‫و ‪ -‬التّدليس ‪:‬‬
‫‪ - 7‬التّدليس ‪ ،‬كتمان عيب الشّيء وأكثر ما يكون في البيع ‪ .‬فالتّدليس نوع من الخديعة ‪.‬‬
‫ز ‪ -‬التّورية ‪:‬‬
‫‪ - 8‬وهي من ورّى الخبر توري ًة ‪ :‬أي ستره ‪ ،‬وأظهر غيره فهي أيضا نوع من الخديعة ‪ .‬ح‬
‫ح ‪ -‬التّزوير ‪:‬‬
‫‪ - 9‬هو تحسين الشّيء ‪ ،‬ووصفه بخلف صفته حتّى يخيّل إلى من يسمعه أو يراه أنّه‬
‫بخلف ما هو عليه في الحقيقة ‪ ،‬فهو تمويه الباطل بما يوهم أنّه حقّ ‪ .‬وأكثر ما يكون في‬
‫المستندات من الوثائق والشّهادات ‪.‬‬
‫ط ‪ -‬الحيلة ‪:‬‬
‫‪ - 10‬هي في اللّغة الحذق وجودة النّظر والقدرة على التّصرّف في تدبير المور ‪.‬‬
‫وقد ذكر ابن القيّم أنّه غلب في العرف على الحيلة استعمالها في سلوك الطّرق الخفيّة الّتي‬
‫يتوصّل بها الرّجل إلى حصول غرضه ‪ ،‬بحيث ل يتفطّن له إلّ بنوع من الذّكاء والفطنة ‪.‬‬
‫وقال الرّاغب ‪ :‬وأكثر استعمالها فيما في تعاطيه خبث ‪،‬وقد يستعمل فيما في استعماله حكمة‪.‬‬
‫الحكم التّكليفيّ ‪:‬‬
‫‪ - 11‬الخديعة بمعنى ‪ -‬إظهار النسان خلف ما يخفيه ‪ -‬حرام إذا كان فيها خيانة أمانة ‪ ،‬أو‬
‫سنّة‬
‫نقض عهد ‪ .‬وهذا ل يعلم فيه خلف بين علماء المّة ‪ ،‬وتواترت نصوص الكتاب وال ّ‬
‫ن آ َمنُو ْا أَ ْوفُو ْا بِا ْلعُقُودِ } ‪.‬‬
‫المطهّرة في النّهي عنها ‪ .‬قال اللّه تعالى ‪ { :‬يَا َأ ّيهَا اّلذِي َ‬
‫ع ْهدَ ُهمْ إِلَى ُم ّد ِت ِهمْ } ‪.‬‬
‫وقوله ‪َ { :‬فأَ ِتمّو ْا إَِل ْي ِهمْ َ‬
‫وجاء في الحديث ‪ « :‬يطبع المؤمن على الخلل كلّها إلّ الخيانة والكذب » ‪.‬‬
‫وقال النّبيّ صلى ال عليه وسلم ‪ « :‬إنّه ل ينبغي لنبيّ أن تكون له خائنة العين » ‪.‬‬
‫وعدّها النّبيّ صلى ال عليه وسلم من علمات النّفاق فقال ‪ « :‬آية المنافق ثلث ‪ :‬إذا حدّث‬
‫كذب ‪ ،‬وإذا وعد أخلف ‪ ،‬وإذا ائتمن خان » ‪.‬‬
‫وقال النّبيّ عليه الصلة والسلم ‪ « :‬إنّي ل أخيس بالعهد ول أحبس البرد » ‪.‬‬
‫قال الصّنعانيّ في سبل السّلم ‪ :‬في الحديث دليل على حفظ العهد ‪ ،‬والوفاء به ‪.‬‬
‫ونهى النّبيّ صلى ال عليه وسلم ‪ :‬عن عقود معيّنة تدخل فيها الخديعة من النّجش ‪،‬‬
‫ق خيار الفسخ ‪ ،‬وعن‬
‫ن للمخدوع فيها ح ّ‬
‫والتّصرية ‪ ،‬وتلقّي الرّكبان ‪ .‬ونصّ الفقهاء على أ ّ‬
‫ل ذكر للنّبيّ صلى ال عليه وسلم أنّه يخدع في‬
‫ن رج ً‬
‫ابن عمر رضي ال عنهما ‪ :‬قال ‪ « :‬إ ّ‬
‫البيوع ‪ ،‬فقال ‪ :‬إذا بايعت فقل ل خلبة » أي ل خديعة ‪ ( .‬ر ‪ :‬نجش ‪ ،‬وتصرية ‪،‬‬
‫وتدليس )‪.‬‬
‫الخديعة في حقّ غير المسلمين ‪:‬‬
‫‪ - 12‬أمّا الخديعة في حقّ غير المسلمين في الحرب ‪ ،‬فإن كان بينهم وبين المسلمين عهد ‪،‬‬
‫فل يجوز الخدع ‪ ،‬ول التّبييت بالهجوم الغادر ‪ ،‬وهم آمنون مطمئنّون إلى عهد لم ينقض ‪،‬‬
‫ن آ َمنُو ْا أَ ْوفُواْ‬
‫ولم ينبذ ‪ ،‬حتّى لو كنّا نخشى الخيانة من جانبهم ‪ .‬قال تعالى ‪ { :‬يَا َأ ّيهَا اّلذِي َ‬
‫ستَقِيمُواْ َل ُهمْ }‬
‫ستَقَامُواْ َل ُك ْم فَا ْ‬
‫ع ْهدَ ُهمْ إِلَى ُم ّد ِت ِهمْ } وقال ‪َ { :‬فمَا ا ْ‬
‫بِا ْلعُقُودِ } وقال ‪َ { :‬فأَ ِتمّو ْا إَِل ْي ِهمْ َ‬
‫ل عليها ل بمجرّد توهّم ‪ ،‬لم ينتقض‬
‫وأمّا إذا استشعر المام عزمهم على الخيانة بأمارات تد ّ‬
‫عهدهم ‪ ،‬ول يجوز خدعهم ول تبييتهم بهجوم غادر ‪ ،‬وهم آمنون مطمئنّون إلى عهد لم‬
‫ن مِن قَ ْومٍ‬
‫ينقض ‪ ،‬ولم ينبذ ‪ .‬بل ينبذ إليهم العهد ثمّ يقاتلهم ‪ .‬قال اللّه تعالى ‪ { :‬وَِإمّا َتخَافَ ّ‬
‫ل ُيحِبّ الخَا ِئنِينَ } ‪.‬‬
‫ن الّلهَ َ‬
‫خيَانَةً فَانبِذْ إَِل ْي ِهمْ عَلَى سَوَاء إِ ّ‬
‫ِ‬
‫قال الشّوكانيّ في تفسير الية ‪ :‬إمّا تخافنّ من قوم خيانةً ‪ :‬أي غشّا ‪ ،‬ونقضًا للعهد من القوم‬
‫المعاهدين فاطرح إليهم العهد الّذي بينك وبينهم ‪ ،‬على سواء أي أخبرهم إخبارا ظاهرا‬
‫مكشوفا بالنّقض ‪ ،‬ول تناجزهم الحرب بغتةً ‪.‬‬
‫‪ - 13‬فأمّا بعد أن نبذ إليهم عهدهم ‪ ،‬وصار علمهم وعلم المسلمين بنقضه على سواء ‪ ،‬وبعد‬
‫ل وسائل الخدعة مباحة ‪ ،‬لنّها ليست غادرةً ‪ ،‬فمن جازت‬
‫أن أخذ كلّ خصم حذره ‪ ،‬فإنّ ك ّ‬
‫عليه الخدعة والحالة هذه ‪ ،‬فهو غافل وليس بمغدور به ‪ .‬قال رسول اللّه صلى ال عليه وسلم‬
‫‪ « :‬الحرب خدعة » ‪.‬‬
‫وجاء في فتح الباري في الحديث ‪ :‬المر باستعمال الحيلة في الحرب مهما أمكن ‪ ،‬والنّدب‬
‫إلى خداع الكفّار ‪ ،‬قال النّوويّ ‪ :‬اتّفقوا على جواز خداع الكفّار في الحرب كلّما أمكن ‪ ،‬إلّ‬
‫أن يكون فيه نقض عهد ‪ ،‬أو أمان فل يجوز ‪ ( .‬ر ‪ :‬أمان ‪ ،‬عهد ‪ ،‬هدنة ) ‪.‬‬
‫وفيه الشارة إلى استعمال الرّأي في الحرب بل الحتياج إليه أكثر من الشّجاعة ‪ .‬وقال ابن‬
‫المنير ‪ :‬معنى « الحرب خدعة » الحرب الجيّدة لصاحبها الكاملة في مقصودها إنّما هي‬
‫المخادعة ‪ ،‬ل المواجهة ‪ ،‬وذلك لخطر المواجهة وحصول الظّفر مع المخادعة بغير خطر ‪.‬‬
‫قال النّوويّ ‪ :‬قال العلماء ‪ :‬إذا دعت مصلحة شرعيّة راجحة إلى خداع المخاطب ‪ ،‬أو حاجة‬
‫ل بالكذب ‪ ،‬فل بأس بالتّورية ‪ ،‬والتّعريض ‪.‬‬
‫ل مندوحة عنها إ ّ‬
‫وإن لم يكن شيء من ذلك فهو مكروه ‪ ،‬وليس بحرام إلّ أن يتوصّل به إلى أخذ باطل ‪ ،‬أو‬
‫ق فيصير عندئذ حراما ‪.‬‬
‫دفع ح ّ‬
‫وفي التّورية قول محمّد بن مسلمة ‪ ،‬في قصّة كعب بن الشرف بعد أن استأذن النّبيّ صلى‬
‫ي صلى ال عليه‬
‫ال عليه وسلم أن يقول ‪ :‬كما جاء في حديث جابر ‪ « :‬إنّ هذا أي ‪ :‬النّب ّ‬
‫ل هذه الكلمات تورية ‪:‬‬
‫وسلم قد عنّانا ‪ ،‬وسألنا الصّدقة ‪ ،‬فإنّا اتّبعناه فنكره أن ندعه » وك ّ‬
‫وقصد بها إلى معنىً غير المعنى المتبادر منها ‪ .‬ومعنى عنّانا ‪ :‬كلّفنا بالوامر والنّواهي ‪.‬‬
‫ومعنى سألنا الصّدقة ‪ :‬طلبها ليضعها في مكانها الصّحيح ‪.‬ونكره أن ندعه ‪ :‬نكره أن نفارقه‪.‬‬
‫وكان النّبيّ صلى ال عليه وسلم إذا أراد أن يغزو غزو ًة ورّى بغيرها ‪.‬‬
‫والمراد أنّه إذا كان يريد غزو جهة فل يظهرها ويظهر غيرها ‪ ،‬كأن يريد أن يغزو جهة‬
‫ن من يراه ‪ ،‬ويسمعه أنّه يريد‬
‫الشّرق ‪ ،‬فيسأل عن أمر في جهة الغرب ‪ ،‬فيتجهّز للسّفر فيظ ّ‬
‫جهة الغرب ‪ .‬وهذا في الغالب فقد صرّح بجهة غزوة تبوك للتّأهّب لها ‪.‬‬

‫خدمة *‬
‫التّعريف ‪:‬‬
‫‪ -‬الخد مة م صدر خدم و هي المه نة ‪ ،‬وق يل ‪ :‬و هي بالك سر ال سم ‪ ،‬وبالف تح الم صدر ‪.‬‬ ‫‪1‬‬

‫والخدم والخدّام جمع خادم ‪ ،‬والخادم يصدق على الذّكر والنثى ‪ ،‬لنّه يجري مجرى السماء‬
‫غير المأخوذة من الفعال ‪ .‬ويقال للنثى في لغة قليلة خادمة ‪.‬‬
‫واستخدمه واختدمه جعله خادما ‪ ،‬أو سأله أن يخدمه ‪ ،‬وأخدمت فلنا ‪ :‬أي أعطيته خادما‬
‫ي عن المعنى اللّغويّ ‪.‬‬
‫يخدمه ‪ .‬ول يخرج المعنى الصطلح ّ‬
‫اللفاظ ذات الصّلة ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬المهنة ‪:‬‬
‫‪ - 2‬المهنة ‪ -‬بفتح الميم وكسرها ‪ -‬الحذق في الخدمة والعمل ‪ ،‬ومهن يمهن مهنا إذا عمل‬
‫في صنعة ‪ ،‬ومهنهم خدمهم وامتهنته أي ‪ :‬استخدمته وابتذلته ‪ .‬والماهن الخادم ‪ ،‬والنثى‬
‫ماهنة ‪ ،‬والجمع مهان ‪ ،‬ويقال ‪ :‬للنثى بالخرقاء ل تحسن المهنة ‪ ،‬أي ل تحسن الخدمة ‪.‬‬
‫والمهنة الخدمة والبتذال ‪ ،‬والمهين الضّعيف ومنه قوله تعالى ‪ { :‬أََلمْ َنخْلُقكّم مّن مّاء ّمهِينٍ }‬
‫وخرج في ثياب مهنته أي ‪ :‬في ثياب خدمته الّتي يلبسها في أشغاله وتصرّفاته ‪.‬‬
‫ن فيها الحذق ‪ ،‬وتطلق على الصّنعة ‪.‬‬
‫فالمهنة أخصّ ‪ ،‬ل ّ‬
‫ب ‪ -‬العمل ‪:‬‬
‫‪ - 3‬والعمل هو المهنة والفعل ‪ ،‬والجمع أعمال ‪.‬‬
‫والعامل هو الّذي يتولّى أمور الرّجل في ماله ‪ ،‬أو ملكه ‪ ،‬أو عمله ‪ ،‬والجمع عمّال وعاملون‪.‬‬
‫والعملة والعمالة ‪ ،‬أجر ما عمل ‪ ،‬أو رزق العامل الّذي جعل له على ما قلّد من العمل ‪،‬‬
‫والعملة هم القوم يعملون بأيديهم ضروبا من العمل في طين أو حفر أو غيره ‪.‬‬
‫ن العمل أع ّم من الخدمة ‪.‬‬
‫والعلقة بين العمل والخدمة أ ّ‬
‫الحكام المتعلّقة بالخدمة ‪:‬‬
‫خدمة المرأة للرّجل وعكسه ‪:‬‬
‫‪ - 4‬ذهب جمهور الفقهاء إلى أنّه ل يجوز استئجار الرّجل العزب المرأة الجنبيّة البالغة‬
‫ن الخلوة بها معصية إلّ‬
‫للخدمة في بيته ‪ ،‬مأمونا كان أو غير مأمون وذلك اتّقاء للفتنة ‪ ،‬ول ّ‬
‫إذا كان الرّجل محرما لها ‪ ،‬أو صغيرا ‪ ،‬أو شيخا هرما ‪ ،‬أو ممسوحا أو مجبوبا ‪ ،‬أو كانت‬
‫المرأة الخادمة صغيرةً ل تشتهى ‪.‬‬
‫ول فرق عند الجمهور بين المرأة الحرّة وبين المة ‪ ،‬ول بين الجميلة وبين غيرها ‪.‬‬
‫وفي وجه عند الشّافعيّة ‪ ،‬أو كانت قبيح ًة يؤمن من الرّجل الجنبيّ عليها ‪ ،‬فحينئذ ل تحرم‬
‫خدمتها له في بيته لنتفاء خوف الفتنة ‪.‬‬
‫والحرمة ‪ -‬عند الجمهور ‪ -‬إذا كانت الخدمة تتطلّب الخلوة ‪ ،‬أمّا إذا لم تكن تتطلّب الخلوة‬
‫فيجوز ‪ ،‬وكذا إذا كان الرّجل مريضًا ولم يجد من يخدمه ‪.‬‬
‫وذهب بعض الفقهاء إلى جواز استخدام المرأة الجنبيّة الرّجل جميل ًة كانت أو غير جميلة‬
‫متجالّةً أو غير متجالّة ‪ ،‬إلّ أنّ بعض الفقهاء فرّق بين المتجالّة وغير المتجالّة ‪ ،‬كما فرّقوا‬
‫بين الرّجل العزب الّذي ل نساء عنده من قرابات وزوجات ‪ ،‬وبين غيره ممّن لديه زوجة أو‬
‫قريبة ‪ .‬قال أحمد ‪ :‬يجوز للرّجل أن يستأجر المة والحرّة للخدمة ‪ ،‬ولكن يصرف وجهه عن‬
‫النّظر ليست المة مثل الحرّة ول يخلو معها في بيت ول ينظر إليها متجرّدةً ول إلى شعرها‬
‫‪ .‬وقال أبو حنيفة ‪ :‬أكره أن يستأجر الرّجل امرأ ًة حرّ ًة يستخدمها ويخلو بها وكذلك المة ‪.‬‬
‫قال الكاسانيّ ‪ :‬وهو قول أبي يوسف ومحمّد ‪ :‬أمّا الخلوة ‪ ،‬فلنّ الخلوة بالمرأة الجنبيّة‬
‫معصية ‪ .‬وأمّا الستخدام فلنّه ل يؤمن معه الطّلع عليها والوقوع في المعصية ‪.‬‬
‫ن رجلً استأجر امرأ ًة حرّ ًة أو أم ًة تخدمه وهو‬
‫وفي المدوّنة قيل لبن القاسم ‪ :‬أرأيت لو أ ّ‬
‫عزب أيجوز هذا أم ل ؟ قال ‪ :‬سمعت مالكا وسئل عن امرأة تعادل الرّجل في المحمل وليس‬
‫بينهما محرم فكره ذلك ‪ ،‬فالّذي يستأجر المرأة تخدمه وليس بينهما محرم ‪ ،‬وليس له أهل ‪،‬‬
‫وهو يخلو معها أشدّ عندي كراهي ًة من الّذي تعادله المرأة في المحمل ‪.‬‬
‫ن الخادم يلزم‬
‫ل له النّظر إليها ‪ ،‬ل ّ‬
‫أمّا خادم المرأة فل يجوز أن يكون رجلًا كبيرًا ممّن ل يح ّ‬
‫ل إذا كان الخادم صبيّا لم‬
‫المخدوم في غالب أحواله ‪ ،‬فل يسلم من النّظر والخلوة المحرّمة إ ّ‬
‫يبلغ الحلم ‪ ،‬أو محرما للمرأة المخدومة ‪ ،‬أو عبدا مملوكها ‪ ،‬أو ممسوحا ‪ ،‬أو نحوه فيجوز أن‬
‫يخدمها ‪ .‬وهذا في الخدمة الباطنة ‪ ،‬أمّا الخدمة الظّاهرة مثل قضاء الحوائج من السّوق‪،‬‬
‫فيجوز أن يتولّاها الرّجل الجنبيّ ‪.‬‬
‫قال الحطّاب ‪ :‬وسئل عن المرأة العزبة الكبيرة تلجأ إلى الرّجل ‪ ،‬فيقوم لها بحوائجها ويناولها‬
‫الحاجة ‪ ،‬هل ترى له ذلك جائزا ؟ قال ‪ :‬ل بأس به وليدخل معه غيره أحبّ إليّ ‪ ،‬ولو تركها‬
‫النّاس لضاعت ‪ ،‬وهذا على ما قال إنّه جائز للرّجل أن يقوم للمرأة الجنبيّة بحوائجها ويناولها‬
‫ض بصره عمّا ل يحلّ له النّظر إليه ‪ ،‬ممّا ل يظهر من زينتها ‪ ،‬لقوله تعالى ‪:‬‬
‫الحاجة إذا غ ّ‬
‫ظهَ َر ِم ْنهَا } وذلك الوجه والكفّان على ما قاله أهل التّأويل ‪ ،‬فجائز‬
‫{ وَلَا ُي ْبدِينَ زِي َن َتهُنّ إِلّا مَا َ‬
‫للرّجل أن ينظر إلى ذلك من المرأة عند الحاجة والضّرورة ‪ ،‬فإن اضطرّ إلى الدّخول عليها‬
‫ن عن نفسه ‪.‬‬
‫أدخل غيره معه ليبعد سوء الظّ ّ‬
‫خدمة المسلم للكافر ‪:‬‬
‫‪ - 5‬اتّفق الفقهاء على أنّه يحرم على المسلم حرّا كان أو عبدا أن يخدم الكافر ‪ ،‬سواء أكان‬
‫ن في ذلك إهانةً للمسلم‬
‫ذلك بإجارة أو إعارة ‪ ،‬ول تصحّ الجارة ول العارة لذلك ‪ ،‬ل ّ‬
‫جعَلَ اللّ ُه لِ ْلكَافِرِينَ عَلَى ا ْل ُم ْؤ ِمنِينَ‬
‫وإذللًا له ‪ ،‬وتعظيما للكافر ‪ ،‬واحتجّوا بقوله تعالى ‪ { :‬وَلَن َي ْ‬
‫سبِيلً} وأمّا إذا أجّر المسلم نفسه للكافر لعمل معيّن في ال ّذمّة ‪ ،‬كخياطة ثوب أو قصارته‬
‫َ‬
‫جاز‪ ،‬لنّه عقد معاوضة ل يتضمّن إذللً ول استخداما ‪ .‬قال ابن قدامة ‪ :‬بغير خلف‬
‫ل دلو بتمرة ‪.‬‬
‫ي يستقي له ك ّ‬
‫ن عليّا رضي ال عنه أجّر نفسه من يهود ّ‬
‫نعلمه ‪ ،‬ل ّ‬
‫وكذا إن أجّر نفسه منه لعمل غير الخدمة مدّةً معلوم ًة جاز أيضا ‪.‬‬
‫وكذا إعارة عبد مسلم لكافر لعمل معيّن ل يقتضي الخدمة فهو جائز أيضا ‪.‬‬
‫ويشترط فيما جاز من الجارة والعارة أن ل يكون العمل ممّا ل يحرم على المسلم ‪ ،‬كرعي‬
‫الخنازير أو حمل الخمر ‪.‬‬
‫خدمة الوالد للولد وعكسه ‪:‬‬
‫‪ - 6‬إذا قام الوالد بنفسه بخدمة ولده فل كراهة في ذلك ‪ ،‬وتجب عليه الخدمة أو الخدام لولده‬
‫الصّغير أو المريض ‪ ،‬أو العاجز ‪ ،‬إذا كان فقيرا ‪.‬‬
‫واختلف الفقهاء في حكم استخدام الفرع لصله ‪ .‬فذهب الحنفيّة والمالكيّة وبعض الشّافعيّة إلى‬
‫عدم جواز ذلك لما فيه من الهانة والذلل والستخفاف الّذي ل يليق بمكانة البوّة ‪ .‬وعليه‬
‫فل يجوز للولد أن يستأجر والده للستخدام وإن عل ‪ ،‬وكذلك والدته سواء أكان هذا الوالد‬
‫مسلما أم كافرا ‪ ،‬لنّه مأمور بتعظيم والده وإن اختلف الدّين ‪ ،‬وفي الستخدام استخفاف به‬
‫ح ْبهُمَا فِي ال ّد ْنيَا َم ْعرُوفا } وهذا المر ورد في حقّ‬
‫فكان حراما ‪ ،‬قال اللّه تعالى ‪َ { :‬وصَا ِ‬
‫البوين الكافرين ‪ ،‬لنّه معطوف على قوله تعالى ‪ { :‬وَإِن جَا َهدَاكَ عَلى أَن ُتشْ ِركَ بِي مَا َليْسَ‬
‫َلكَ بِهِ عِ ْل ٌم فَلَا ُتطِ ْع ُهمَا } الية ‪.‬‬
‫وذهب الحنابلة والشّافعيّة في المعتمد إلى أنّه يكره للولد تنزيهًا استخدام أحد أصوله وإن عل‬
‫لصيانتهم عن الذلل ‪ .‬أمّا خدمة الولد لوالده ‪ ،‬أو استخدام الب لولده فجائز بل خلف ‪ ،‬بل‬
‫ن ذلك من البرّ المأمور به شرعا ‪ ،‬ويكون واجبا على الولد خدمة أو إخدام والده عند الحاجة‬
‫إّ‬
‫‪ ،‬ولهذا فل يجوز له أن يأخذ أجر ًة عليها ‪ ،‬لنّها مستحقّة عليه ومن قضى حقّا مستحقّا عليه‬
‫لغيره ل يجوز له أخذ الجرة عليه ‪.‬‬
‫ما يتعلّق بالخادم من أحكام ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬إخدام الزّوجة ‪:‬‬
‫‪ - 7‬ذهب جمهور الفقهاء إلى أنّه يجب على الزّوج إخدام زوجته الّتي ل يليق بها خدمة‬
‫نفسها بأن كانت تخدم في بيت أبيها ‪ ،‬أو كانت من ذوي القدار ‪ ،‬لكون هذا من حقّها في‬
‫ن بِا ْل َمعْرُوفِ } ولنّ هذا من‬
‫شرُوهُ ّ‬
‫المعاشرة بالمعروف المأمور بها في قوله تعالى ‪ { :‬وَعَا ِ‬
‫كفايتها وممّا يحتاج إليه في الدّوام فأشبه النّفقة ‪.‬‬
‫ن الخدام يجب على الزّوج للزّوجة المريضة ‪ ،‬والمصابة بعاهة ل تستطيع‬
‫كما اتّفقوا على أ ّ‬
‫معها خدمة نفسها ‪ ،‬وإن كانت ممّن ل يخدم مثلها ‪ ،‬لنّ مثل هذه ل تستغني عن الخدمة ‪.‬‬
‫والمالكيّة أيضا يرون وجوب إخدام الزّوج زوجته ‪ ،‬لكن قالوا ‪ :‬يجب عليه ذلك إن كان‬
‫الزّوج ذا سعة وهي ذات قدر ليس شأنها الخدمة ‪،‬أو كان هو ذا قدر تزري خدمة زوجته به‪.‬‬
‫وقال الحنفيّة ‪ :‬إذا امتنعت المرأة عن الطّحن والخبز ‪ ،‬إن كانت ممّن ل يخدم ‪ ،‬أو كان بها‬
‫علّة فعليه أن يأتيها بطعام مهيّأ ‪ ،‬وإلّ بأن كانت ممّن تخدم نفسها وتقدر على ذلك ل يجب‬
‫عليه ‪ ،‬ول يجوز لها أخذ الجرة على ذلك ‪ ،‬لوجوبه عليها ديانةً ولو شريفةً ‪ ،‬لنّه عليه‬
‫الصلة والسلم « قسّم العمال بين عليّ وفاطمة ‪ ،‬فجعل أعمال الخارج على عليّ رضي ال‬
‫عنه والدّاخل على فاطمة رضي ال عنها » مع أنّها سيّدة نساء العالمين فإن كان لها خادم‬
‫فعلى الزّوج نفقته ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬الخدام بأكثر من خادم ‪:‬‬
‫‪ - 8‬اختلف الفقهاء في إلزام الزّوج بأكثر من خادم ‪.‬‬
‫فذهب جمهور العلماء من الحنفيّة والشّافعيّة والحنابلة إلى أنّه ل يلزمه أكثر من خادم واحد‪،‬‬
‫ن المستحقّ خدمتها في نفسها ويحصل ذلك بخادم واحد ‪.‬‬
‫لّ‬
‫وذهب المالكيّة وأبو يوسف من الحنفيّة إلى أنّه إذا كان حالها ومنصبها يقتضي ‪ ،‬خادمين أو‬
‫أكثر فلها ذلك ‪.‬‬
‫قال أبو يوسف من الحنفيّة ‪ :‬إنّ المرأة إذا كانت غنيّ ًة وزفّت إليه بخدم كثير استحقّت نفقة‬
‫ل مقدارها عن خدمة خادم واحد ‪ ،‬فعلى الزّوج أن ينفق‬
‫الجميع ‪ ،‬وكذلك إذا كانت ممّن يج ّ‬
‫على من ل بدّ منه من الخدم ممّن هو أكثر من الخادم الواحد ‪ ،‬أو الثنين أو أكثر من ذلك ‪.‬‬
‫ن المذهب القتصار على الواحد مطلقا ‪ ،‬والمأخوذ به عند‬
‫قال ابن عابدين ‪ :‬الحاصل ‪ :‬أ ّ‬
‫المشايخ قول أبي يوسف ‪.‬‬
‫فإن كانت المرأة ل يخدم في بيت أبيها مثلً ‪ ،‬فل يجب عليه الخدام ‪ ،‬بل يلزمها أن تقوم‬
‫بخدمة نفسها الباطنة " أي في داخل المنزل " من عجن وطبخ ‪ ،‬وكنس ‪ ،‬وفرش ‪ ،‬واستقاء‬
‫ماء إذا كان معها في البيت ‪ ،‬وليس عليها غزل ‪ ،‬ول نسج ‪ ،‬وعليه أن يشتري لها من السّوق‬
‫ن هذا من تمّام الكفاية ‪.‬‬
‫ما تحتاجه ‪ ،‬ل ّ‬
‫ج ‪ -‬تبديل الخادم ‪:‬‬
‫‪ - 9‬اختلف الفقهاء في جواز تبديل الزّوج خادمها الّذي حملته معها ‪ ،‬أو أخدمها إيّاه هو "‬
‫وألفته " ‪.‬‬
‫فذهب جمهور الفقهاء من المالكيّة والحنفيّة والشّافعيّة إلى عدم جواز ذلك له لتضرّرها بقطع‬
‫المألوف ‪ ،‬ولنّها قد ل تتهيّأ لها الخدمة بالخادم الّذي يجيء به الزّوج بدل خادمها إلّ إن‬
‫ظهرت منه ريبة ‪ ،‬أو خيانة ‪ ،‬أو تضرّر بوجوده ‪.‬‬
‫أمّا إذا ظهرت منه ريبة ‪ ،‬أو خيانة ‪ ،‬أو تضرّر منه بأن كان يختلس من ثمن ما يشتريه أو‬
‫ن الحنفيّة‬
‫أمتعة بيته فله البدال ‪ ،‬والتيان بخادم أمين ‪ ،‬ول يتوقّف هذا على رضاها إلّ أ ّ‬
‫ن هذا إذا لم تستبدل غيره به ‪.‬‬
‫يرون أ ّ‬
‫ن للزّوج إبدال خادم آخر بخادمها إذا أتاها بمن يصلح للخدمة لنّ‬
‫أمّا الحنابلة فذهبوا إلى أ ّ‬
‫تعيين الخادم إليه وليس إليها ‪.‬‬
‫د ‪ -‬إخراج الخادم من البيت ‪:‬‬
‫‪ - 10‬اختلف الفقهاء في جواز إخراج الزّوج لخدم المرأة الزّائد عن الواحد ‪ ،‬أو الزّائد عن‬
‫الحاجة من بيته ‪.‬‬
‫ن له إخراج الزّائد عن الحاجة ومنعه من دخول البيت‬
‫فذهب الحنفيّة والشّافعيّة والحنابلة إلى أ ّ‬
‫‪ .‬وخالفهم في ذلك أبو يوسف من الحنفيّة وقال ‪ :‬ل يجوز له ذلك ‪.‬‬
‫هـ ‪ -‬إخدام المعسر ‪:‬‬
‫‪ -‬اختلف الفقهاء في وجوب الخدام على المعسر للزّوجة الّتي تستحقّ الخدمة ‪ ،‬فذهب‬ ‫‪11‬‬

‫جمهور الفقهاء من الحنفيّة والمالكيّة والحنابلة إلى أنّ وجوب الخدام على الزّوج الموسر فقط‬
‫‪ .‬أمّا إذا كان الزّوج معسرا فل يجب عليه الخدام لنّ الضّرر ل يزال بالضّرر ‪.‬‬
‫ويجب على الزّوجة في هذه الحالة أن تخدم نفسها الخدمة الدّاخليّة ‪ ،‬وعلى الزّوج أن يكفيها‬
‫ي رضي‬
‫ي صلى ال عليه وسلم قسّم العمال بين عل ّ‬
‫ن النّب ّ‬
‫العمال الخارجيّة ‪ ،‬لما روي « أ ّ‬
‫ال عنه ‪ ،‬وبين فاطمة رضي ال عنهما ‪ ،‬فجعل أعمال الخارج على عليّ رضي ال عنه ‪،‬‬
‫وأعمال الدّاخل على فاطمة رضي ال عنها » إلّ أنّ محمّدا من الحنفيّة ‪ ،‬يرى أنّه إن كان‬
‫للزّوجة خادم فعليه نفقته ‪ ،‬وإن كان معسرا ‪ ،‬لنّه لمّا كان لها خادم علم أنّها ل ترضى‬
‫بالخدمة بنفسها فكان على الزّوج نفقة خادمها ‪ ،‬وإن لم يكن لها خادم ‪ ،‬فل يجب عليه ذلك ‪.‬‬
‫ويرى الشّافعيّة أنّ وجوب الخدام للزّوجة يستوي فيه الموسر ‪ ،‬والمتوسّط ‪ ،‬والمعسر ‪،‬‬
‫والحرّ ‪ ،‬والعبد ‪ ،‬لنّ ذلك من المعاشرة بالمعروف المأمور بها ولنّ الخدمة واجب من‬
‫الواجبات كسائر المؤن ‪.‬‬
‫و ‪ -‬صفة الخادم ‪:‬‬
‫‪ - 12‬ذهب الفقهاء إلى أنّه يجب أن يكون الخادم إمّا امرأة مسلمة حرّ ًة كانت أو أمةً ‪ ،‬أو‬
‫صبيّا مميّزا لم يبلغ الحلم ‪ ،‬أو محرما للزّوجة المخدومة ‪ ،‬أو ممسوحا فل يجوز أن يكون‬
‫ل له النّظر إليها ‪ ،‬لنّ الخادم يلزم المخدوم في غالب أحواله فل يسلم‬
‫رجلً كبيرا ممّن ل يح ّ‬
‫من النّظر ‪.‬‬
‫الخادمة ال ّذ ّميّة ‪:‬‬
‫‪ - 13‬اختلف الفقهاء في المرأة ال ّذ ّميّة هل يجوز أن تكون خادما لمرأة مسلمة ؟‬
‫فذهب الحنفيّة والشّافعيّة والحنابلة في أحد الوجهين إلى عدم جواز ذلك ‪ ،‬لنّه ل تؤمن‬
‫ن نظر ال ّذ ّميّة إلى المسلمة حرام ‪ ،‬لقوله تعالى ‪ { :‬وَلَا ُي ْبدِينَ زِي َن َتهُنّ إِلّا‬
‫عداوتها الدّينيّة ‪ ،‬ول ّ‬
‫ن } إلى أن قال ‪ { :‬أَ ْو ِنسَا ِئهِنّ } وصحّ عن عمر رضي ال‬
‫ن أَ ْو آبَا ِئهِنّ َأوْ آبَاء ُبعُوَل ِتهِ ّ‬
‫ِل ُبعُوَل ِتهِ ّ‬
‫عنه ‪ :‬أنّه منع الكتابيّات دخول الحمّام مع المسلمات ‪ ،‬لنّها ربّما تحكيها للكافر ‪.‬‬
‫وأيضا فإنّ ال ّذ ّميّة ل تتعفّف من النّجاسة ‪ .‬والوجه الخر عند الحنابلة ‪ ،‬يجيز أن تخدم ال ّذ ّميّة‬
‫المرأة المسلمة ‪ ،‬لنّ نظرها إلى المسلمة عندهم جائزا ‪ .‬وهذا في الخدمة الباطنة ‪.‬‬
‫أمّا الظّاهرة مثل قضاء الحوائج من السّوق فيجوز أن يتولّاها الرّجال وغيرهم ‪.‬‬
‫ويفهم من قول المالكيّة ويخدم المرأة بأنثى أو بذكر ل يتأتّى منه الستمتاع ‪ :‬أنّهم يجيزون‬
‫إخدام المسلمة بذ ّميّة حيث أطلقوا النثى ولم يقيّدوها بمسلمة ‪:‬‬
‫ن نظر الكافرة إلى المسلمة جائز عندهم ‪.‬‬
‫ول سيّما وأ ّ‬
‫ز ‪ -‬نفقة الخادم ‪:‬‬
‫‪ - 14‬نفقة الخادم تشمل عند جمهور الفقهاء من الحنفيّة والشّافعيّة والحنابلة الطّعام والمسكن‬
‫ن نفقة الخادم ل تقدّر بالدّراهم كنفقة المرأة بل يفرض له ما‬
‫ن الحنفيّة يرون أ ّ‬
‫والملبس إلّ أ ّ‬
‫يكفيه بالمعروف ‪ ،‬على أن ل تبلغ نفقته نفقة المرأة لنّه تبع لها ‪.‬‬
‫ن جنس طعام الخادم هو جنس طعام المخدومة ‪ ،‬وكذلك للخادمة كسوة تليق‬
‫ويرى الشّافعيّة أ ّ‬
‫بحالها صيفا وشتاءً ‪.‬‬
‫ويرى الحنابلة أنّ نفقة الخادم ‪ ،‬ومؤنته ‪ ،‬وكسوته تكون مثل ما لمرأة المعسر ‪.‬‬
‫ح ‪ -‬طلب الزّوجة أجرة الخادم ‪:‬‬
‫‪ - 15‬لو قالت المرأة لزوجها أنا أخدم نفسي وطلبت الجرة أو نفقة الخادم ل يلزمه قبول‬
‫ن في إخدامها توفيرها على حقوقه وترفيهها ‪ ،‬وذلك يفوت‬
‫ذلك عند الشّافعيّة والحنابلة ‪ ،‬ل ّ‬
‫بخدمتها لنفسها ‪ .‬ويرى الحنفيّة أنّه ل يجوز لها أخذ الجرة على خدمتها لزوجها أو لنفسها‪،‬‬
‫لنّها لو أخذت الجرة على ذلك لخذتها على عمل واجب عليها فكان في معنى الرّشوة ‪.‬‬
‫ن هذا إذا كان بها علّة ل تقدر على الطّبخ والخبز ‪ ،‬أو كانت من بنات‬
‫وذكر الفقيه أبو اللّيث أ ّ‬
‫الشراف ‪ .‬فأمّا إذا كانت تقدر على ذلك وهي ممّن تخدم نفسها تجبر على ذلك ‪.‬‬
‫واختلفوا فيما لو قال الزّوج أنا أخدمك بنفسي ليسقط مؤنة الخادم ‪ :‬فذهب الحنفيّة والشّافعيّة‬
‫ح عندهم والحنابلة في الرّاجح عندهم إلى أنّه ليس له ذلك ولم يلزمها قبول ذلك ‪.‬‬
‫في الص ّ‬
‫ن في هذا غضاض ًة عليها لكون زوجها خادما لها وتعيّر به ‪.‬‬
‫لّ‬
‫ن للرّجل أن يخدم‬
‫وذهب المالكيّة وهو أحد القوال المرجوحة عند الشّافعيّة والحنابلة إلى أ ّ‬
‫زوجته بنفسه ويلزمها الرّضا به ‪ ،‬لنّ الكفاية تحصل بهذا ‪.‬‬
‫ن للزّوج أن يخدم زوجته فيما ل يستحي منه ‪،‬‬
‫ويرى بعض فقهاء الشّافعيّة ومنهم القفّال أ ّ‬
‫كغسل الثّوب ‪ ،‬واستقاء الماء ‪ ،‬وكنس البيت والطّبخ دون ما يرجع إلى خدمة نفسها كصبّ‬
‫الماء على يدها ‪ ،‬وحمله إلى المستحمّ ونحوهما ‪.‬‬
‫ط ‪ -‬إعسار الزّوج بنفقة الخادمة ‪:‬‬
‫‪ - 16‬ذهب الفقهاء إلى أنّه ل تطلق الزّوجة على زوجها بسبب إعساره بنفقة الخادم لنّه‬
‫ن هذه النّفقة تثبت في ذمّته عند الشّافعيّة والحنابلة ‪ ،‬لنّها نفقة تجب‬
‫يمكنها الصّبر عنها ‪ .‬ولك ّ‬
‫على سبيل العوض ‪ ،‬فتثبت في ال ّذمّة كالنّفقة الواجبة للمرأة ‪.‬‬
‫إلّ أنّ الذرعيّ من الشّافعيّة يرى أنّ هذا إذا كانت المرأة استحقّت الخدمة لرتبتها وقدرها ‪،‬‬
‫أمّا إذا كانت قد استحقّت الخدمة لمرضها ونحوه فالوجه عدم ثبوت النّفقة في ال ّذمّة وتسقط‬
‫سعَةٍ مّن‬
‫نفقة الخادم عن الزّوج بإعساره عند الحنفيّة والمالكيّة ‪ ،‬لقوله تعالى ‪ِ { :‬ليُن ِفقْ ذُو َ‬
‫ق ِممّا آتَا ُه اللّ ُه لَا ُيكَّلفُ اللّ ُه نَ ْفسًا إِلّا مَا آتَاهَا } وهذا معسر لم‬
‫س َعتِهِ َومَن ُق ِدرَ عََل ْيهِ ِرزْقُ ُه فَ ْليُنفِ ْ‬
‫َ‬
‫يؤته شيئا فل يكلّف بشيء ‪.‬‬
‫ي ‪ -‬زكاة فطر الخادم ‪:‬‬
‫‪ - 17‬ذهب المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة إلى أنّه إن كان لمرأته من يخدمها بأجرة فليس‬
‫ن الجارة ل تقتضي النّفقة ‪ ،‬والفطرة تابعة للنّفقة ول فرق في هذا‬
‫على الزّوج فطرته ‪ ،‬ل ّ‬
‫بين الحرّ وغيره ‪ .‬وإن كان الخادم مملوكًا لها نظر ‪ ،‬فإن كانت ممّن ل يجب لها خادم فليس‬
‫على الزّوج فطرته كذلك ‪.‬‬
‫ن الفطرة تابعة‬
‫وإن كانت ممّن يخدم مثلها واتّفقا على أن يخدمها بخادمها فعليه فطرته ‪ ،‬ل ّ‬
‫ن إمام الحرمين من الشّافعيّة يرى وجوبها على الزّوجة ‪ .‬أمّا إن أخدمها بعبده أو‬
‫للنّفقة إلّ أ ّ‬
‫أمته فيجب عليه إخراج زكاة الفطر عنه بسبب ملكه له ل بسبب خدمته للزّوجة ‪.‬‬
‫وقد اختلفت أقوال الشّافعيّة في حكم زكاة الفطر عن المرأة الّتي صحبت الزّوجة لتخدمها‬
‫بنفقتها بإذنه ‪ ،‬فالرّاجح عندهم عدم لزوم فطرتها عليه ‪ ،‬لنّها في معنى المستأجرة ‪.‬‬
‫وذهب المام الرّافعيّ إلى وجوب فطرتها ‪ ،‬لنّها تابعة للنّفقة ‪.‬‬
‫خدمة الزّوجة لزوجها وعكسه ‪:‬‬
‫ن الزّوجة يجوز لها أن تخدم زوجها في البيت ‪ ،‬سواء أكانت‬
‫‪ - 18‬ل خلف بين الفقهاء في أ ّ‬
‫ممّن تخدم نفسها أو ممّن ل تخدم نفسها ‪ .‬إلّ أنّهم اختلفوا في وجوب هذه الخدمة ‪ .‬فذهب‬
‫ن الولى‬
‫ن خدمة الزّوج ل تجب عليها لك ّ‬
‫الجمهور الشّافعيّة والحنابلة وبعض المالكيّة " إلى أ ّ‬
‫لها فعل ما جرت العادة به ‪.‬‬
‫ي صلى ال عليه‬
‫ن « النّب ّ‬
‫وذهب الحنفيّة إلى وجوب خدمة المرأة لزوجها ديان ًة ل قضاءً ‪ ،‬ل ّ‬
‫وسلم قسّم العمال بين عليّ وفاطمة رضي ال عنهما ‪ ،‬فجعل عمل الدّاخل على فاطمة ‪،‬‬
‫وعمل الخارج على عليّ » ‪.‬‬
‫ولهذا فل يجوز للزّوجة ‪ -‬عندهم ‪ -‬أن تأخذ من زوجها أجرا من أجل خدمتها له ‪.‬‬
‫وذهب جمهور المالكيّة وأبو ثور ‪ ،‬وأبو بكر بن أبي شيبة وأبو إسحاق الجوزجانيّ ‪ ،‬إلى أنّ‬
‫على المرأة خدمة زوجها في العمال الباطنة الّتي جرت العادة بقيام الزّوجة بمثلها ‪ ،‬لقصّة‬
‫عليّ وفاطمة رضي ال عنها ‪ ،‬حيث « إنّ النّبيّ صلى ال عليه وسلم قضى على ابنته فاطمة‬
‫بخدمة البيت ‪ ،‬وعلى عليّ بما كان خارج البيت من العمال » ولحديث ‪ « :‬لو أمرت أحدا‬
‫أن يسجد لحد لمرت المرأة أن تسجد لزوجها ‪ ،‬ولو أنّ رجلً أمر امرأته أن تنقل من جبل‬
‫أحمر إلى جبل أسود ‪ ،‬ومن جبل أسود إلى جبل أحمر لكان نولها أن تفعل » ‪.‬‬
‫قال الجوزجانيّ ‪ :‬فهذه طاعته فيما ل منفعة فيه فكيف بمؤنة معاشه ؟‬
‫ن النّبيّ صلى ال عليه وسلم « كان يأمر نساءه بخدمته فيقول ‪ :‬يا عائشة أطعمينا ‪ ،‬يا‬
‫ول ّ‬
‫عائشة هلمّي المدية واشحذيها بحجر » ‪.‬‬
‫ل من كانت لها طاقة من النّساء على خدمة بيتها في خبز ‪ ،‬أو طحن ‪،‬‬
‫وقال الطّبريّ ‪ :‬إنّ ك ّ‬
‫ن مثلها يلي ذلك بنفسه ‪.‬‬
‫أو غير ذلك أنّ ذلك ل يلزم الزّوج ‪ ،‬إذا كان معروفا أ ّ‬
‫‪ - 19‬وبالنّسبة لخدمة الزّوج زوجته ‪ ،‬فقد ذهب جمهور الفقهاء من المالكيّة والشّافعيّة‬
‫والحنابلة إلى جواز خدمة الرّجل الحرّ لزوجته ولها أن تقبل منه ذلك ‪.‬‬
‫وذهب الحنفيّة إلى أنّه يحرم على الزّوجة استخدام زوجها الحرّ بجعله خدمته لها مهرا ‪ ،‬أمّا‬
‫لو تزوّجها على أن يرعى غنمها سنةً أو يزرع أرضها فتسمية المهر صحيحة ‪.‬‬
‫وتجوز خدمته لها تطوّعا ‪ :‬وقال الكاسانيّ ‪ :‬لو استأجرت المرأة زوجها ليخدمها في البيت‬
‫ن خدمة البيت غير واجبة على الزّوج ‪ ،‬فكان هذا استئجارا على‬
‫بأجر مس ّمىً فهو جائز ‪ ،‬ل ّ‬
‫أمر غير واجب على الجير ‪.‬‬
‫خدمة الكافر للمسلم ‪:‬‬
‫‪ - 20‬اتّفق الفقهاء على جواز خدمة الكافر للمسلم ‪.‬‬
‫واتّفقوا كذلك على جواز أن يؤجّر المسلم نفسه للكافر في عمل معيّن في ال ّذمّة ‪ ،‬كخياطة‬
‫ن عليّا رضي ال عنه أجّر نفسه من يهوديّ‬
‫ثوب وبناء دار ‪ ،‬وزراعة أرض وغير ذلك ‪ ،‬ل ّ‬
‫يسقي له كلّ دلو بتمرة ‪ ،‬وأخبر النّبيّ صلى ال عليه وسلم بذلك فلم ينكره ‪.‬‬
‫ن الجير في ال ّذمّة يمكنه تحصيل العمل بغيره ‪.‬‬
‫ول ّ‬
‫كما اتّفقوا على أنّه ل يجوز للمسلم أن يؤجّر نفسه للكافر لعمل ل يجوز له فعله ‪ ،‬كعصر‬
‫الخمر ورعي الخنازير وما أشبه ذلك ‪.‬‬
‫واختلفوا في حكم خدمة المسلم للكافر بإجارة ‪ ،‬أو إعارة أو غير ذلك ‪.‬‬
‫فذهب الحنفيّة إلى جواز ذلك ‪ ،‬لنّه عقد معاوضة فيجوز كالبيع ‪ ،‬ولكن يكره للمسلم خدمة‬
‫ن الستخدام استذلل ‪ ،‬فكان إجارة المسلم نفسه منه إذللً لنفسه ‪ ،‬وليس للمسلم أن‬
‫الكافر ‪ ،‬ل ّ‬
‫يذلّ نفسه بخدمة الكافر ‪.‬‬
‫ن إجارة المسلم نفسه من النّصرانيّ واليهوديّ على أربعة‬
‫وأمّا المالكيّة فقد ذكر ابن رشد ‪ :‬أ ّ‬
‫أقسام ‪ :‬جائزة ‪ ،‬ومكروهة ‪ ،‬ومحظورة ‪ ،‬وحرام ‪.‬‬
‫فالجائزة ‪ -‬هي ‪ -‬أن يعمل المسلم للكافر عملً في بيت نفسه ‪ ،‬كالصّانع الّذي يصنع للنّاس ‪.‬‬
‫والمكروهة ‪ :‬أن يستبدّ الكافر بجميع عمل المسلم من غير أن يكون تحت يده مثل أن يكون‬
‫مقارضا له ‪ ،‬أو مساقيا ‪ ،‬والمحظورة ‪ :‬أن يؤجّر المسلم نفسه للكافر في عمل يكون فيه تحت‬
‫يده كأجير الخدمة في بيته ‪ ،‬وإجارة المرأة لترضع له ابنه وما أشبه ذلك ‪ ،‬فهذه تفسخ إن عثر‬
‫عليها ‪ ،‬فإن فاتت مضت ‪ ،‬وكان له الجرة ‪.‬‬
‫والحرام ‪ :‬أن يؤجّر نفسه منه فيما ل يحلّ من عمل الخمر ‪ ،‬أو رعي الخنازير ‪ ،‬فهذه تفسخ‬
‫قبل العمل ‪ ،‬فإن فاتت تصدق بالجرة على المساكين ‪.‬‬
‫وذهب الشّافعيّة إلى حرمة خدمة المسلم للكافر خدمةً مباشر ًة ‪ ،‬كصبّ الماء على يديه ‪،‬‬
‫وتقديم نعل له ‪ ،‬وإزالة قاذوراته أو غير مباشرة كإرساله في حوائجه ‪ ،‬سواء كان ذلك بعقد‬
‫سبِيلً } ولصيانة المسلم‬
‫جعَلَ اللّ ُه لِ ْلكَافِرِينَ عَلَى ا ْل ُم ْؤ ِمنِينَ َ‬
‫أو بغير عقد ‪ ،‬لقوله تعالى ‪ { :‬وَلَن َي ْ‬
‫عن الذلل والمتهان ‪ .‬ولكن يجوز إعارة المسلم أو إجارته للكافر مع الكراهة ‪.‬‬
‫وفي إجارة المسلم للكافر يؤمر بإزالة يده عنه بأن يؤجّره لغيره ول يمكّن من استخدامه وقيل‬
‫‪ :‬بحرمة إجارة المسلم ‪ ،‬أو إعارته للكافر واختاره السّبكيّ ‪.‬‬
‫وذهب الحنابلة على الرّواية الصّحيحة إلى حرمة إجارة المسلم ‪ ،‬أو إعارته للكافر لجل‬
‫سبِيلً } ‪.‬‬
‫جعَلَ اللّ ُه لِ ْلكَافِرِينَ عَلَى ا ْل ُم ْؤ ِمنِينَ َ‬
‫الخدمة ‪ ،‬لقوله تعالى ‪ { :‬وَلَن َي ْ‬
‫ولنّه عقد يتضمّن حبس المسلم عند الكافر وإذلله له ‪.‬‬
‫وفي الرّواية الخرى يجوز ذلك قيل ‪ :‬مع الكراهة وقيل ‪ :‬بدونها ‪.‬‬

‫خذف *‬
‫التّعريف‬
‫‪ - 1‬الخذف لغ ًة ‪ :‬رميك بحصاة ‪ ،‬أو نواة تأخذها بين سبّابتيك ‪ ،‬أو تجعل مخذف ًة من خشب‬
‫سبّابة ‪.‬‬
‫ترمي بها بين البهام وال ّ‬
‫قال الزهريّ ‪ :‬الخذف ‪ :‬الرّمي بالحصى الصّغار بأطراف الصابع ‪ ،‬وقال مثله الجوهريّ ‪،‬‬
‫ص بعضهم به‬
‫سبّابة ‪ .‬وخ ّ‬
‫وقال المطرّزيّ ‪ ،‬وقيل ‪ :‬أن تضع طرف البهام على طرف ال ّ‬
‫الحصى ‪ ،‬ويطلق على المقلع أيضا ‪ ،‬وقال ابن سيده ‪ :‬خذف الشّيء يخذف ‪ ،‬فارسيّ ‪.‬‬
‫ورمي الجمار يكون بمثل حصى الخذف ‪ ،‬وهي صغار ‪ ،‬وفي حديث رمي الجمار ‪ « :‬عليكم‬
‫بمثل حصى الخذف » ‪ ،‬وحصى الخذف الصّغار مثل النّوى ‪.‬‬
‫ول يخرج استعمال الفقهاء له عن المعنى اللّغويّ ‪.‬‬
‫اللفاظ ذات الصّلة ‪:‬‬
‫الحذف ‪ -‬الطّرح ‪ -‬القذف ‪ -‬اللقاء ‪:‬‬
‫‪ - 2‬من معاني هذه اللفاظ الرّمي فهي تلتقي مع الخذف في هذا المعنى ‪ ،‬إلّ أنّ الخذف رمي‬
‫بكيفيّة خاصّة ‪.‬‬
‫الحكم التّكليفيّ ‪:‬‬
‫‪ - 3‬الصل في بيان حكم الخذف ‪ ،‬ما روي عن عبد اللّه بن مغفّل المزنيّ قال ‪ « :‬نهى‬
‫النّبيّ صلى ال عليه وسلم عن الخذف ‪ ،‬قال ‪ :‬إنّه ل يقتل الصّيد ‪ ،‬ول ينكأ العدوّ ‪ ،‬وإنّه يفقأ‬
‫ن»‪.‬‬
‫العين ويكسر السّ ّ‬
‫وقد اختلف الفقهاء في حكم الخذف فمنهم من ذهب إلى أنّ الخذف محرّم على الطلق ‪ ،‬قال‬
‫القاضي عياض ‪ :‬نهى عن الخذف ‪ ،‬لنّه ليس من آلت الحرب الّتي يتحرّز بها ‪ ،‬ول من‬
‫آلت الصّيد لنّها ترضّ ‪ ،‬وقتيلها وقيذ ‪ ،‬ول ممّا يجوز اللّهو به مع ما فيه من فقء العين‬
‫وكسر السّنّ ‪ .‬ومنهم من نظر إلى ما يمكن أن يكون فيه من مصلحة ‪ -‬قال النّوويّ ‪ : -‬في‬
‫ل ما‬
‫هذا الحديث النّهي عن الخذف ‪ ،‬لنّه ل مصلحة فيه ‪ ،‬ويخاف مفسدته ‪ ،‬ويلتحق به ك ّ‬
‫ن ما كان فيه مصلحة أو حاجة في قتال العدوّ ‪ ،‬وتحصيل‬
‫شاركه في هذا ‪ ،‬ثمّ قال ‪ :‬وفيه أ ّ‬
‫الصّيد فهو جائز ‪ ،‬ومن ذلك رمي الطّيور الكبار بالبندق إذا كان ل يقتلها غالبا بل تدرك حيّةً‬
‫وتذكّى فهو جائز ‪.‬‬
‫وقال ابن حجر ‪ :‬صرّح مجلّي في الذّخائر بمنع الرّمي بالبندقيّة ‪ ،‬وبه أفتى ابن عبد السّلم ‪،‬‬
‫وجزم النّوويّ بحلّه ‪ ،‬لنّه طريق إلى الصطياد ‪ ،‬قال ابن حجر ‪ :‬والتّحقيق التّفضيل ‪ ،‬فإن‬
‫كان الغلب من حال الرّمي ما ذكر من الحديث امتنع ‪ ،‬وإن كان عكسه جاز ‪ ،‬ول سيّما إن‬
‫ل بذلك ثمّ ل يقتله غالبا ‪.‬‬
‫كان الرّمي ممّا ل يصل إليه الرّمي إ ّ‬
‫ي الدّين الرّمي ببندق مطلقا لنهي عثمان ‪ ،‬قال ابن‬
‫وفي شرح منتهى الرادات ‪ :‬كره الشّيخ تق ّ‬
‫منصور وغيره ‪ :‬ل بأس ببيع البندق يرمى بها الصّيد ل للّعب ‪.‬‬
‫ل على جواز الرّمي بالحجار في حال القتال ‪ ،‬أو في حال‬
‫هذا وقد ذكر الفقهاء ما يد ّ‬
‫التّدريب‪ ،‬أو المسابقة بغير عوض ‪.‬‬
‫الحكام المتعلّقة بالخذف ‪:‬‬
‫أوّلً ‪ :‬في رمي الجمار ‪:‬‬
‫ج ‪ .‬والصل في ذلك ما روي من قوله صلى ال‬
‫‪ - 4‬رمي الجمار بالحصى من شعائر الح ّ‬
‫عليه وسلم من حديث الفضل بن عبّاس رضي ال عنهما ‪ « :‬عليكم بحصى الخذف الّذي‬
‫يرمى به الجمرة » « وقوله لعبد اللّه بن العبّاس غداة العقبة وهو على راحلته ‪ :‬هات القط لي‬
‫فلقطت له حصيات هي حصى الخذف ‪ ،‬فلمّا وضعتهنّ في يده قال ‪ :‬بأمثال هؤلء ‪ ،‬وإيّاكم‬
‫والغلوّ في الدّين ‪ ،‬فإنّما أهلك من كان قبلكم الغل ّو في الدّين » ‪.‬‬
‫وعن عبد الرّحمن بن معاذ رضي ال تعالى عنه أنّه قال ‪ « :‬خطبنا رسول اللّه صلى ال‬
‫عليه وسلم ونحن بمنىً ففتحت أسماعنا ‪ ،‬حتّى كنّا نسمع ما يقول ونحن في منازلنا ‪ ،‬فطفق‬
‫سبّابتين ‪ ،‬ثمّ قال ‪ :‬بحصى الخذف » ‪.‬‬
‫يعلّمهم مناسكهم حتّى بلغ الجمار فوضع أصبعيه ال ّ‬
‫وقد اختلف الفقهاء في المقصود بالخذف في هذه الحاديث ‪ .‬هل هو بيان قدر الحصاة ‪ ،‬أو‬
‫هو بيان كيفيّة الرّمي ‪ ،‬أو هما معا ؟ ‪.‬‬
‫‪ - 5‬أمّا بالنّسبة لبيان الكيفيّة فقد ذهب الفقهاء في الجملة إلى أنّ الرّمي يصحّ بطريقة الخذف‬
‫سبّابة والبهام من اليد اليمنى ويرمي ‪.‬‬
‫ح واليسر أن يضع الحصاة بين طرفي ال ّ‬
‫ن الص ّ‬
‫لك ّ‬
‫وأورد الحنفيّة الكيفيّات التّالية ‪:‬‬
‫سبّابة ‪ ،‬ويضع الحصاة على ظهر‬
‫أ ‪ -‬أن يضع النسان طرف إبهامه اليمنى على وسط ال ّ‬
‫البهام كأنّه عاقد سبعين فيرمي الجمرة ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬أن يحلّق سبّابته ويضعها على مفصل إبهامه كأنّه عاقد عشر ًة ‪.‬‬
‫ن هذه الصّورة ‪ :‬وهذا في التّمكّن من الرّمي به مع الزّحمة عسر ‪.‬‬
‫قال في فتح القدير إ ّ‬
‫ج ‪ -‬أن يأخذ الحصاة بطرفي إبهامه وسبّابته ‪.‬‬
‫ح واليسر المعتاد ‪ ،‬قالوا ‪ :‬ولم‬
‫قال الحنفيّة عن هذه الصّورة الخيرة ‪ :‬هذا هو الصل والص ّ‬
‫يقم دليل على أولويّة تلك الكيفيّة " أي الّتي فيها خذف " سوى قوله عليه الصلة والسلم ‪:‬‬
‫« ارموا الجمرة بمثل حصى الخذف »‬
‫وهذا ل يدلّ ول يستلزم كون كيفيّة الرّمي المطلوبة كيفيّة الخذف ‪ ،‬وإنّما الحديث يدلّ على‬
‫تعيين ضابط مقدار الحصاة إذ كان مقدار ما يخذف به معلوما لهم ‪ ،‬وأمّا ما زاد في رواية‬
‫صحيح مسلم بعد قوله ‪ :‬عليكم بحصى الخذف من قوله ‪ :‬ويشير بيده كما يخذف النسان ‪،‬‬
‫يعني عندما نطق بقوله ‪ :‬عليكم بحصى الخذف أشار بصورة الخذف بيده ‪ ،‬فليس يستلزم‬
‫طلب كون الرّمي بصورة الخذف ‪ ،‬لجواز كونه يؤكّد كون المطلوب حصى الخذف ‪ ،‬كأنّه‬
‫قال ‪ :‬خذوا حصى الخذف الّذي هو هكذا ‪ ،‬ليشير أنّه ل تجوز في كونه حصى الخذف ‪،‬‬
‫وهذا لنّه ل يعقل في خصوص وضع الحصاة في اليد على هذه الهيئة وجه قربة ‪ ،‬فالظّاهر‬
‫أنّه ل يتعلّق به غرض شرعيّ ‪ ،‬بل بمجرّد صغر الحصاة ‪ ،‬ولو أمكن أن يقال ‪ :‬فيه إشارة‬
‫إلى كون الرّمي خذفا ‪ ،‬عارضه كونه وضعًا غير متمكّن ‪ ،‬واليوم يوم زحمة يوجب نفي غير‬
‫المتمكّن ‪.‬‬
‫ي للخذف ‪ ،‬وهو كما قالوا ‪ :‬كانت العرب ترمي‬
‫أمّا المالكيّة فقد ذكروا التّعريف اللّغو ّ‬
‫سبّابة والبهام من اليسرى ثمّ تقذفها بسبّابة‬
‫بالحصى في الصّغر على وجه اللّعب تجعلها بين ال ّ‬
‫اليمنى أو تجعلها بين سبّابتيها ‪.‬‬
‫ثمّ قال الصّاويّ ‪ :‬وليست هذه الهيئة مطلوب ًة في الرّمي ‪ ،‬وإنّما المطلوب أخذ الحصاة‬
‫بسبّابته وإبهامه من اليد اليمنى ورميها ‪ .‬وهم بذلك يوافقون الحنفيّة في الكيفيّة ‪.‬‬
‫واختلفت القوال عند الشّافعيّة ‪ ،‬فقد ذكروا هيئة الخذف وهي ‪ :‬وضع الحصى على بطن‬
‫سبّابة ‪ ،‬ثمّ قالوا ‪ :‬إنّها مكروهة وهذا ما جاء في نهاية المحتاج ‪،‬‬
‫البهام ورميه برأس ال ّ‬
‫وحاشية الجمل ‪ ،‬وحواشي تحفة المحتاج ‪ ،‬ومغني المحتاج ‪ ،‬واستدلّوا للكراهة بالنّهي‬
‫الصّحيح عن الخذف ‪ ،‬وهذا يشمل الحجّ وغيره ‪ ،‬قالوا ‪ :‬والصحّ كما في الرّوضة‬
‫والمجموع أن يرمي الحصى على غير هيئة الخذف ‪ .‬لكن يظهر أنّ مقابل الصحّ هو ما‬
‫ذكروه عن الرّافعيّ ‪ ،‬فقد قالوا ‪ :‬وصحّح الرّافعيّ ندب هيئة الخذف ‪.‬‬
‫أمّا الحنابلة فلم يذكروا للرّمي كيفيّ ًة خاصّ ًة ‪ .‬هذا بالنّسبة للكيفيّة ‪:‬‬
‫‪ - 6‬أمّا بالنّسبة لمقدار الحصاة الّتي ترمى بها الجمار ‪ ،‬فقد اتّفق الفقهاء على أنّ حديث ‪:‬‬
‫« ارموا الجمرة بمثل حصى الخذف » ‪ .‬ونحوه من الحاديث بيّنت قدر الحصاة بأن تكون‬
‫صغير ًة كالّتي يخذفها بها ‪ ،‬ولكنّهم اختلفوا في تقدير الصّغر ‪ ،‬والمختار عند الحنفيّة أنّها‬
‫مقدار الباقلّ ‪ ،‬أي قدر الفولة ‪ ،‬وقيل ‪ :‬قدر الحمّصة ‪ ،‬أو النّواة ‪ ،‬أو النملة ‪.‬‬
‫قال في النّهر‪ :‬وهذا بيان المندوب ‪ ،‬وأمّا الجواز فيكون ولو بالكبر مع الكراهة ‪.‬‬
‫وقال المالكيّة ‪ :‬قدر الفول ‪ ،‬أو النّواة ‪ ،‬أو دون النملة ‪ ،‬ول يجزئ الصّغير جدّا كالحمّصة ‪،‬‬
‫سنّة ‪.‬‬
‫ويكره الكبير خوف الذيّة ولمخالفته ال ّ‬
‫وقال الشّافعيّة ‪ :‬حصاة الرّمي دون النملة طولً وعرضا في قدر حبّة الباقلّ ‪ -‬ويجزئ‬
‫عندهم الرّمي بأصغر أو أكبر مع الكراهة ‪.‬‬
‫وقال الحنابلة ‪ :‬ما كان أكبر من الحمّص ودون البندق ‪ ،‬وإن رمى بحجر أكبر ‪ ،‬فقد روي‬
‫عن أحمد أنّه قال ‪ :‬ل يجزئه حتّى يأتي بالحصى على ما فعل النّبيّ صلى ال عليه وسلم‬
‫وذلك لنّ النّبيّ صلى ال عليه وسلم أمر بهذا المقدار في قوله ‪ « :‬بأمثال هؤلء ‪ » ...‬ونهى‬
‫ن الرّمي‬
‫عن تجاوزه ‪ ،‬والمر يقتضي الوجوب ‪ ،‬والنّهي يقتضي فساد المنهيّ عنه ‪ ،‬ول ّ‬
‫بالكبير من الحصى ربّما آذى من يصيبه ‪ .‬قال في المغني ‪ .‬وقال بعض أصحابنا ‪ :‬تجزئه‬
‫سنّة ‪ ،‬لنّه قد رمى بالحجر ‪ .‬وكذلك الحكم في الصّغير ‪ .‬وفي كشّاف القناع‬
‫مع تركه لل ّ‬
‫وشرح منتهى الرادات ‪ :‬ل تجزئ حصاة صغيرة جدّا ‪ ،‬أو كبيرة لظاهر الخبر ‪.‬‬
‫كما اختلف الفقهاء في نوع الحصى وفي ذلك تفصيل ينظر في ‪ ( :‬رمي ‪ -‬جمار ‪ -‬حجّ ) ‪.‬‬
‫ثانيا ‪ :‬في الصّيد ‪:‬‬
‫‪ - 7‬ل يحلّ الصّيد بحصى الخذف لنّه وقيذ ‪ ،‬وفي رمي الصّيد بغيره خلف ينظر في‬
‫مصطلح ‪ ( :‬صيد ) ‪.‬‬

‫خراج *‬
‫التّعريف ‪:‬‬
‫‪ - 1‬الخراج لغةً ‪ ،‬من خرج يخرج خروجا أي برز والسم الخراج ‪ ،‬وأصله ما يخرج من‬
‫الرض ‪ .‬والجمع أخراج ‪ ،‬وأخاريج ‪ ،‬وأخرجة ‪.‬‬
‫ويطلق الخراج على الغلّة الحاصلة من الشّيء كغلّة الدّار ‪ ،‬والدّابّة ‪ ،‬ومنه قول النّبيّ صلى‬
‫ال عليه وسلم ‪ « :‬الخراج بالضّمان » ‪.‬‬
‫خرْجا‬
‫ك َ‬
‫جعَلُ َل َ‬
‫ويطلق الخراج أيضا على الجرة ‪ ،‬أو الكراء ‪ ،‬ومنه قوله تعالى ‪َ { :‬فهَلْ َن ْ‬
‫خيْرٌ } ‪.‬‬
‫ك َ‬
‫ج َربّ َ‬
‫خرْجا َفخَرَا ُ‬
‫سأَُلهُمْ َ‬
‫سدّا } وقوله تعالى ‪َ { :‬أمْ َت ْ‬
‫ل َب ْينَنَا َو َب ْي َنهُمْ َ‬
‫جعَ َ‬
‫عَلَى أَن َت ْ‬
‫والخرج والخراج بمعنًى واحد عند أبي عبيدة واللّيث وهو الجرة ‪ .‬وفرّق أبو عمرو بن‬
‫العلء بينهما ‪ ،‬فقال الخرج ما تبرّعت به أو تصدّقت به ‪ ،‬والخراج ما لزمك أداؤه ‪.‬‬
‫ويطلق الخراج أيضا على التاوة ‪ ،‬أو الضّريبة الّتي تؤخذ من أموال النّاس ‪ ،‬فيقال خارج‬
‫ل سنة ‪.‬‬
‫السّلطان أهل ال ّذمّة ‪ ،‬إذا فرض عليهم ضريبةً يؤدّونها له ك ّ‬
‫الخراج في الصطلح ‪:‬‬
‫ص‪.‬‬
‫‪ - 2‬للخراج في اصطلح الفقهاء معنيان عامّ وخا ّ‬
‫فالخراج ‪ -‬بالمعنى العامّ ‪-‬هو الموال الّتي تتولّى الدّولة أمر جبايتها وصرفها في مصارفها‪.‬‬
‫ص ‪ -‬فهو الوظيفة أو " الضّريبة " الّتي يفرضها المام على‬
‫وأمّا الخراج ‪ -‬بالمعنى الخا ّ‬
‫الرض الخراجيّة النّامية ‪.‬‬
‫وعرّفه كلّ من الماورديّ وأبي يعلى بأنّه ما وضع على رقاب الرض من حقوق تؤدّى‬
‫عنها‪.‬‬
‫اللفاظ الّتي تطلق على الخراج ‪:‬‬
‫أطلق الفقهاء على الخراج ‪ -‬بالمعنى الخاصّ ‪ -‬عدّة ألفاظ ومصطلحات منها ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬جزية الرض ‪:‬‬
‫‪ - 3‬يطلق على الخراج جزية الرض كما يطلق على الجزية خراج الرّأس ‪ ،‬وذلك لنّ‬
‫ن كلّا منهما مال يؤخذ من ال ّذمّيّ ‪.‬‬
‫اللّفظين يشتركان في معنًى ‪ ،‬وهو أ ّ‬
‫ب ‪ -‬أجرة الرض ‪:‬‬
‫ن الخراج‬
‫‪ - 4‬أطلق أبو عبيد وغيره من العلماء على الخراج " أجرة الرض " وذلك ل ّ‬
‫المفروض على الرض الخراجيّة النّامية بمثابة الجرة لها ‪ .‬فالمام يقف الرض المفتوحة‬
‫عنو ًة على جميع المسلمين ‪ ،‬ويتركها في أيدي أهلها يزرعونها بخراج معلوم ‪.‬‬
‫ج ‪ -‬الطّسق ‪:‬‬
‫‪ - 5‬أوّل من استعمل هذه اللّفظة في السلم المام عمر بن الخطّاب رضي ال عنه حيث‬
‫كتب إلى عثمان بن حنيف رضي ال عنه في رجلين من أهل ال ّذمّة أسلما ‪ ،‬كتابا جاء فيه ‪" :‬‬
‫ارفع الجزية عن رءوسهما وخذ الطّسق عن أرضيهما " وبوّب أبو عبيد في كتاب الموال‬
‫بابًا باسم " أرض العنوة تقرّ في يد أهلها ويوضع عليها الطّسق وهو الخراج )" ‪.‬‬
‫والطّسق كلمة فارسيّة معرّبة يراد بها الوظيفة المقرّرة على الرض ‪.‬‬
‫اللفاظ ذات الصّلة ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬الغنيمة ‪:‬‬
‫‪ - 6‬الغنيمة في الصطلح ‪ :‬اسم للمأخوذ من أهل الحرب على سبيل القهر والغلبة ‪،‬‬
‫والخراج كما تقدّم ‪ ،‬الوظيفة الّتي يفرضها المام على الرض الخراجيّة ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬الفيء ‪:‬‬
‫ل مال صار للمسلمين من الكفّار من غير قتال ‪.‬‬
‫‪ - 7‬الفيء في الصطلح ‪ :‬هو ك ّ‬
‫والفيء ضربان ‪ :‬أحدهما ‪ :‬ما انجلوا عنه أي هربوا عنه ‪ :‬خوفا من المسلمين ‪ ،‬أو بذلوه‬
‫للكفّ عنهم ‪ .‬والثّاني ‪ :‬ما أخذ من غير خوف كالجزية ‪ ،‬والخراج الصّلحيّ ‪ ،‬والعشور ‪.‬‬
‫والفيء أع ّم من الخراج ‪.‬‬
‫ج ‪ -‬الجزية ‪:‬‬
‫‪ - 8‬الجزية مال يوضع على الرّؤوس ل على الرض ‪ ،‬والخراج يوضع على رقبة الرض‬
‫‪.‬‬
‫د ‪ -‬الخمس ‪:‬‬
‫‪ - 9‬الخمس في الصطلح ‪ :‬هو اسم للمأخوذ من الغنيمة ‪ ،‬والرّكاز وغيرهما ممّا يخمّس ‪.‬‬
‫هـ ‪ -‬العشر ‪:‬‬
‫‪ - 10‬العشر في الصطلح ‪ :‬هو اسم للمأخوذ من المسلم في زكاة الرض العشريّة ‪.‬‬
‫والعشر يتّفق مع خراج المقاسمة في أنّهما يجبان في الخارج من الرض الزّراعيّة ‪.‬‬
‫ويختلفان في محلّهما ‪ ،‬فمحلّ العشر الرض العشريّة الّتي يملكها مسلم ‪ ،‬ومحلّ الخراج‬
‫الرض الخراجيّة ‪.‬‬
‫الخراج في السلم ‪:‬‬
‫‪ - 11‬لمّا آلت الخلفة إلى عمر بن الخطّاب رضي ال عنه ‪ ،‬وازدادت الفتوحات السلميّة ‪،‬‬
‫واتّسعت رقعة الدّولة ‪ ،‬وزادت نفقاتها ‪ ،‬رأى عمر رضي ال عنه أن ل يقسم الرض‬
‫المفتوحة عنو ًة بين الفاتحين ‪ ،‬بل يجعلها وقفا على جميع المسلمين ويضرب على من يقوم‬
‫بزراعتها خراجا معلوما ‪ .‬فوافقه بعض الصّحابة ‪ ،‬وخالفه آخرون في بداية المر ‪.‬‬
‫قال أبو يوسف ‪ :‬وشاورهم في قسمة الرضين الّتي أفاء اللّه على المسلمين من أرض العراق‬
‫والشّام فتكلّم قوم فيها ‪ ،‬وأرادوا أن يقسم لهم حقوقهم وما فتحوا ‪ .‬فقال عمر رضي ال عنه ‪:‬‬
‫فكيف بمن يأتي من المسلمين فيجدون الرض بعلوجها قد اقتسمت وورثت عن الباء‬
‫وحيزت ‪ ،‬ما هذا برأي ‪ .‬فقال له عبد الرّحمن بن عوف رضي ال عنه ‪ :‬فما الرّأي ؟ ما‬
‫ل كما تقول ‪ ،‬ولست أرى ذلك‬
‫الرض والعلوج إلّ ممّا أفاء اللّه عليهم ‪ .‬فقال عمر ‪ :‬ما هو إ ّ‬
‫‪ ،‬واللّه ل يفتح بعدي بلد فيكون فيه كبير نيل ‪ ،‬بل عسى أن يكون كلّا على المسلمين ‪ .‬فإذا‬
‫قسمت أرض العراق بعلوجها ‪ ،‬وأرض الشّام بعلوجها ‪ ،‬فما يسدّ به الثّغور ‪ ،‬وما يكون‬
‫لل ّذرّيّة والرامل بهذا وبغيره من أرض الشّام والعراق ؟ فأكثروا على عمر رضي ال عنه ‪،‬‬
‫وقالوا ‪ :‬أتقف ما أفاء اللّه بأسيافنا على قوم لم يحضروا ولم يشهدوا ‪ ،‬ولبناء القوم ولباء‬
‫أبنائهم ولم يحضروا ؟ ‪ .‬وقد ذكر أبو يوسف رحمه ال أنّ بلل بن رباح كان من أشدّ‬
‫الصّحابة وأكثرهم تمسّكا بالرّأي المخالف ‪ ،‬حتّى قال عمر رضي ال عنه ‪ :‬اللّهمّ اكفني بللًا‬
‫وأصحابه " ومكثوا في ذلك يومين أو ثلثةً أو دون ذلك وعمر رضي ال عنه يحاجّهم إلى أن‬
‫وجد ما يؤيّد رأيه في كتاب اللّه تعالى ‪ ،‬فقال ‪ :‬قد وجدت حجّ ًة ‪ ،‬قال تعالى في كتابه ‪َ { :‬ومَا‬
‫خيْلٍ وَلَا ِركَابٍ وََلكِنّ اللّهَ ُيسَّلطُ ُرسُلَهُ عَلَى مَن‬
‫ن َ‬
‫ج ْف ُتمْ عََليْ ِه مِ ْ‬
‫َأفَاء اللّهُ عَلَى رَسُوِلهِ ِم ْن ُهمْ َفمَا أَ ْو َ‬
‫ل شَيْ ٍء َقدِيرٌ } حتّى فرغ من شأن بني النّضير فهذه عامّة في القرى كلّها ‪.‬‬
‫َيشَاء وَاللّهُ عَلَى كُ ّ‬
‫ن أَهْلِ الْ ُقرَى فَلِلّهِ وَلِل ّرسُولِ وَِلذِي ا ْل ُقرْبَى وَا ْل َيتَامَى‬
‫ثمّ قال تعالى ‪ { :‬مّا َأفَاء اللّهُ عَلَى َرسُولِ ِه مِ ْ‬
‫خذُوهُ َومَا‬
‫ل فَ ُ‬
‫غ ِنيَاء مِنكُمْ َومَا آتَا ُكمُ ال ّرسُو ُ‬
‫ل َكيْ لَا َيكُونَ دُوَل ًة َبيْنَ ا ْلأَ ْ‬
‫سبِي ِ‬
‫ن ال ّ‬
‫وَا ْل َمسَاكِينِ وَابْ ِ‬
‫خ ِرجُوا‬
‫ن ُأ ْ‬
‫جرِينَ اّلذِي َ‬
‫شدِيدُ ا ْلعِقَابِ } ثمّ قال { لِلْفُ َقرَاء ا ْل ُمهَا ِ‬
‫عنْ ُه فَان َتهُوا وَاتّقُوا اللّهَ ِإنّ اللّهَ َ‬
‫َنهَاكُمْ َ‬
‫ن اللّهَ َورَسُوَلهُ ُأوَْل ِئكَ ُهمُ‬
‫صرُو َ‬
‫ن اللّهِ َو ِرضْوَانا َويَن ُ‬
‫ن فَضْلً مّ َ‬
‫مِن دِيارِ ِهمْ وََأ ْموَاِل ِهمْ َي ْب َتغُو َ‬
‫ن مِن‬
‫الصّا ِدقُونَ } ‪ .‬ثمّ لم يرض حتّى خلط بهم غيرهم فقال ‪ { :‬وَاّلذِينَ َتبَوّؤُوا الدّارَ وَا ْلإِيمَا َ‬
‫س ِهمْ‬
‫صدُورِ ِهمْ حَاجَةً ّممّا أُوتُوا َو ُي ْؤ ِثرُونَ عَلَى أَن ُف ِ‬
‫ن فِي ُ‬
‫جدُو َ‬
‫جرَ إَِل ْي ِهمْ وَلَا َي ِ‬
‫ن هَا َ‬
‫حبّونَ مَ ْ‬
‫َقبْلِ ِهمْ ُي ِ‬
‫شحّ نَ ْفسِ ِه َفأُوَْل ِئكَ ُهمُ ا ْلمُفِْلحُونَ } فهذا فيما بلغنا ‪ -‬واللّه أعلم‬
‫خصَاصَةٌ َومَن يُوقَ ُ‬
‫ن ِب ِهمْ َ‬
‫وََلوْ كَا َ‬
‫‪ -‬للنصار خاصّةً ‪ ،‬ثمّ لم يرض حتّى خلط بهم غيرهم فقال ‪ { :‬وَاّلذِينَ جَاؤُوا مِن َب ْعدِ ِهمْ‬
‫ن آ َمنُوا َربّنَا‬
‫جعَلْ فِي قُلُو ِبنَا غِلّا لّّلذِي َ‬
‫سبَقُونَا بِا ْلإِيمَانِ وَلَا َت ْ‬
‫ن َ‬
‫ن َر ّبنَا اغْ ِفرْ َلنَا وَِلِإخْوَا ِننَا اّلذِي َ‬
‫يَقُولُو َ‬
‫ِإ ّنكَ رَؤُوفٌ ّرحِيمٌ } فكانت هذه عامّ ًة لمن جاء بعدهم ‪ ،‬فقد صار الفيء بين هؤلء جميعًا‬
‫فكيف نقسمه لهؤلء ‪ ،‬وندع من تخلّف بعدهم بغير قسم ؟ ‪ .‬قالوا ‪ :‬فاستشر ‪ .‬فاستشار‬
‫المهاجرين الوّلين فاختلفوا ‪ ،‬فأمّا عبد الرّحمن بن عوف رضي ال عنه فكان رأيه أن يقسم‬
‫لهم حقوقهم ‪ .‬ورأي عثمان وعليّ وطلحة وابن عمر رضي ال عنهم رأي عمر ‪ .‬فأرسل إلى‬
‫عشرة من النصار ‪ :‬خمسة من الوس ‪ ،‬وخمسة من الخزرج من كبرائهم وأشرافهم فلمّا‬
‫ل لن تشتركوا في‬
‫اجتمعوا حمد اللّه وأثنى عليه بما هو أهله ثمّ قال ‪ :‬إنّي لم أزعجكم إ ّ‬
‫أمانتي فيما حمّلت من أموركم ‪ ،‬فإنّي واحد كأحدكم ‪ ،‬وأنتم اليوم تقرّون بالحقّ ‪ ،‬خالفني من‬
‫خالفني ‪ ،‬ووافقني من وافقني ‪ ،‬ولست أريد أن تتّبعوا هذا الّذي هو هواي ‪ ،‬معكم من اللّه‬
‫كتاب ينطق بالحقّ فواللّه لئن كنت نطقت بأمر أريده ما أريد به إلّ الحقّ ‪ .‬قالوا ‪ :‬نسمع يا‬
‫أمير المؤمنين ‪ .‬قال ‪ :‬قد سمعتم كلم هؤلء القوم الّذين زعموا أنّي أظلمهم حقوقهم ‪ .‬وإنّي‬
‫أعوذ باللّه أن أركب ظلما ‪ ،‬لئن كنت ظلمتهم شيئًا هو لهم وأعطيته غيرهم لقد شقيت ولكن‬
‫رأيت أنّه لم يبق شيء يفتح بعد كسرى ‪ ،‬وقد غنّمنا اللّه أموالهم ‪ ،‬وأرضهم ‪ ،‬وعلوجهم ‪،‬‬
‫فقسمت ما غنموا من أموال بين أهله وأخرجت الخمس فوجّهته على وجهه وأنا في توجيهه ‪،‬‬
‫وقد رأيت أن أحبس الرضين بعلوجها ‪ ،‬وأضع عليهم فيها الخراج‪ ،‬وفي رقابهم الجزية‬
‫يؤدّونها فتكون فيئًا للمسلمين ‪ ،‬المقاتلة وال ّذ ّريّة ولمن يأتي من بعدهم ‪ .‬أرأيتم هذه الثّغور ل‬
‫بدّ لها من رجال يلزمونها ‪ ،‬أرأيتم هذه المدن العظام ‪ -‬كالشّامّ ‪ ،‬والجزيرة والكوفة ‪،‬‬
‫والبصرة ‪ ،‬ومصر ‪ -‬ل بدّ لها من أن تشحن بالجيوش ‪ ،‬وإدرار العطاء عليهم ‪ ،‬فمن أين‬
‫يعطى هؤلء إذا قسمت الرضون والعلوج ؟ فقالوا جميعا ‪ :‬الرّأي رأيك فنعم ما قلت وما‬
‫رأيت إن لم تشحن هذه الثّغور وهذه المدن بالرّجال وتجري عليهم ما يتقوّون به رجع أهل‬
‫الكفر إلى مدنهم فقال ‪ :‬قد بان لي المر ‪ ،‬فمن رجل له جزالة ‪ ،‬وعقل ‪ ،‬يضع الرض‬
‫مواضعها ‪ ،‬ويضع على العلوج ما يحتملون ؟ فاجتمعوا على عثمان بن حنيف وقالوا ‪ :‬تبعثه‬
‫ل وتجربةً فأسرع إليه عمر فولّاه مساحة أرض السّواد ‪.‬‬
‫إلى أهمّ من ذلك ‪ ،‬فإنّ له بصرا وعق ً‬
‫الحكم التّكليفيّ للخراج ‪:‬‬
‫ل من بيده أرض خراجيّة نامية سواء أكان مسلما ‪ ،‬أم كافرا ‪،‬‬
‫‪ - 12‬الخراج واجب على ك ّ‬
‫صغيرا أم كبيرا ‪ ،‬عاقلً ‪ ،‬أم مجنونا ‪ ،‬رجلً ‪ ،‬أم امرأةً ‪ ،‬وذلك لنّ الخراج مئونة الرض‬
‫النّامية ‪ ،‬وهم في حصول النّماء سواء ‪.‬‬
‫أدلّة مشروعيّة الخراج ‪:‬‬
‫‪ - 13‬يستند اجتهاد المام عمر بن الخطّاب رضي ال عنه في تشريع الخراج إلى القرآن‬
‫سنّة النّبويّة والمصلحة ‪.‬‬
‫الكريم وال ّ‬
‫أ ‪ -‬القرآن الكريم ‪:‬‬
‫ج بها المام عمر بن الخطّاب رضي ال عنه ‪ ،‬حكم مسألة وقف‬
‫بيّنت اليات السّابقة الّتي احت ّ‬
‫أرض السّواد على جميع المسلمين ‪.‬‬
‫سنّة النّبويّة ‪:‬‬
‫ب ‪ -‬ال ّ‬
‫أ ‪ -‬روى مسلم عن أبي هريرة رضي ال عنه قال ‪ :‬قال رسول اللّه صلى ال عليه وسلم «‬
‫منعت العراق درهمها وقفيزها ‪ ،‬ومنعت الشّام مديها ودينارها ‪ ،‬ومنعت مصر إردبّها‬
‫ودينارها ‪ ،‬وعدتم من حيث بدأتم ‪ ،‬وعدتم من حيث بدأتم ‪ ،‬وعدتم من حيث بدأتم » شهد على‬
‫ذلك لحم أبي هريرة ودمه ‪ .‬وهذا الحديث من أعلم النّبوّة لخباره بما سيكون من ملك‬
‫المسلمين هذه القاليم ووضعهم الجزية والخراج ‪ ،‬ثمّ بطلن ذلك ‪.‬‬
‫ن الصّحابة رضوان ال‬
‫ووجه الستدلل بهذا الحديث أنّ النّبيّ صلى ال عليه وسلم قد علم أ ّ‬
‫عليهم سيضعون الخراج على الرض ولم يرشدهم إلى خلف ذلك ‪ ،‬بل قرّره وحكاه لهم ‪،‬‬
‫ن رسول اللّه صلى ال عليه وسلم ذكر‬
‫ولذلك قال يحيى بن آدم ‪ :‬يريد من هذا الحديث أ ّ‬
‫القفيز والدّرهم قبل أن يضعه عمر على الرض ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬روى أبو داود عن سهل بن أبي حثمة قال ‪ « :‬قسم رسول اللّه صلى ال عليه وسلم‬
‫خيبر نصفين ‪ ،‬نصفا لنوائبه وحاجته ‪ ،‬ونصفا بين المسلمين قسمها بينهم على ثمانية عشر‬
‫سهما » ‪ .‬فالحديث فيه تصريح بما وقع من النّبيّ صلى ال عليه وسلم في شأن خيبر حيث‬
‫وقف نصفها لمصلحة المسلمين ‪ .‬وكذلك الحكم بالنّسبة للرض المفتوحة عنو ًة ‪.‬‬
‫المصلحة ‪:‬‬
‫ن من المصلحة عدم تقسيم‬
‫‪ - 3‬رأى أمير المؤمنين عمر بن الخطّاب رضي ال عنه أ ّ‬
‫الراضي المفتوحة عنوةً ‪ ،‬ووقفها على جميع المسلمين وضرب الخراج عليها ‪.‬‬
‫وأهمّ ما تقضي به المصلحة في ذلك ‪.‬‬
‫أ ‪ -‬تأمين مورد ماليّ ثابت للمّة السلميّة بأجيالها المتعاقبة ومؤسّساتها المختلفة ‪:‬‬
‫نظر عمر بن الخطّاب رضي ال عنه إلى مستقبل المّة السلميّة وأجيالها القادمة ‪ ،‬فرأى أنّ‬
‫كثيرا منها سيقع في شظف العيش والحرمان ‪ ،‬إذا ما قسمت تلك الراضي المفتوحة عنوةً‬
‫ووزّعت على الفاتحين ‪ .‬ولهذا رأى عدم التّقسيم ‪ ،‬ووقف الرضين ‪ ،‬وضرب الخراج عليها‬
‫ليكون موردا ماليّا ثابتا للجيال القادمة ‪.‬‬
‫ل قسمتها كما‬
‫وقال ‪ :‬لول أن أترك آخر النّاس ببّانا ليس لهم من شيء ما فتحت عليّ قرية إ ّ‬
‫قسم رسول اللّه صلى ال عليه وسلم خيبر ‪ ،‬ولكن أتركها خزانةً لهم ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬توزيع الثّروة وعدم حصرها في فئة معيّنة ‪:‬‬
‫غ ِنيَاء مِن ُكمْ } وقد أشار معاذ بن جبل‬
‫كما أشار إليه قوله تعالى ‪َ { :‬كيْ لَا َيكُونَ دُولَ ًة َبيْنَ ا ْلَأ ْ‬
‫رضي ال عنه على عمر رضي ال عنه ‪ ،‬لمّا رأى إصرار بعض الصّحابة على التّقسيم‬
‫بقوله ‪ :‬واللّه إذا ليكوننّ ما تكره ‪ .‬إنّك إن قسمتها صار الرّيع العظيم في أيدي القوم يبيدونه‬
‫فيصير ذلك إلى الرّجل الواحد ‪ ،‬أو المرأة الواحدة ‪ ،‬ثمّ يأتي من بعدهم قوم يسدّون من‬
‫السلم مسدّا ‪ ،‬فل يجدون شيئا ‪ ،‬فانظر أمرا يسع أوّلهم وآخرهم فرضي عمر قول معاذ ‪،‬‬
‫فوقف الرض على المسلمين وضرب عليها الخراج ‪ ،‬وأصبح ينفق منه على مصالح‬
‫المسلمين جميعًا بما فيهم الفقراء والغنياء ‪.‬‬
‫ج ‪ -‬عمارة الرض بالزّراعة وعدم تعطيلها ‪:‬‬
‫إنّ عمارة الرض بالزّراعة والنتفاع بما في باطنها من معادن مطلوب من النّاس عامّةً ‪،‬‬
‫ومن المسلمين خاصّةً ‪ ،‬فهو من مقتضيات الستخلف العامّ للنّاس في الرض { وَِإذْ قَالَ‬
‫لرْضِ خَلِيفَ ًة } ‪.‬‬
‫ل فِي ا َ‬
‫لئِكَ ِة ِإنّي جَاعِ ٌ‬
‫ك لِ ْلمَ َ‬
‫َربّ َ‬
‫وكان قصد عمر بن الخطّاب رضي ال عنه من ضرب الخراج أن تبقى الرض عامرةً‬
‫بالزّراعة فأهلها أقدر من الغانمين على ذلك لتوفّر الخبرة والقدرة على الزّراعة ‪ ،‬ولذلك قال‬
‫في أهلها ‪ :‬يكونون عمّار الرض فهم أعلم بها وأقوى عليها ‪.‬‬
‫وقد سلك عمر رضي ال عنه في ذلك مسلك النّبيّ صلى ال عليه وسلم فلمّا فتحت خيبر‬
‫وصارت الرض والموال المغنومة تحت يده ولم يكن له من العمّال ما يكفون عمارة‬
‫الرض وزراعتها ‪ ،‬دفعها إلى أهلها على أن يزرعوها ولهم نصف ثمرتها ‪.‬‬
‫وبقيت على ذلك طيلة حياة النّبيّ صلى ال عليه وسلم وحياة أبي بكر الصّدّيق رضي ال‬
‫عنه‪ .‬حتّى أجلهم عمر رضي ال عنه إلى الشّام ‪.‬‬
‫أنواع الخراج ‪:‬‬
‫قسّم الفقهاء الخراج ‪ -‬باعتبارات مختلفة ‪ -‬إلى أنواع ‪:‬‬
‫فقسموه ‪ -‬باعتبار المأخوذ من الرض ‪ -‬إلى خراج وظيفة ‪ ،‬ومقاسمة ‪ .‬وقسموه ‪ -‬باعتبار‬
‫الرض الّتي تخضع للخراج إلى خراج عنويّ ‪ ،‬وصلحيّ وفيما يلي هذه النواع ‪.‬‬
‫أولً ‪ -‬خراج الوظيفة والمقاسمة ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬خراج الوظيفة ‪:‬‬
‫ن المام ينظر إلى مساحة‬
‫‪ - 14‬يسمّى هذا النّوع أيضا خراج المقاطعة وخراج المساحة ‪ ،‬ل ّ‬
‫الرض ونوع ما يزرع عند توظيف الخراج عليها ‪.‬‬
‫وهو أن يكون الواجب شيئا في ال ّذمّة يتعلّق بالتّمكّن من الزّراعة ‪ ،‬حتّى لو لم يقع الزّرع‬
‫ن التّمكّن من النتفاع قائم وهو الّذي قصّر في‬
‫بالفعل فيجب الخراج على مالك الرض ‪ ،‬ل ّ‬
‫تحصيله ‪ .‬فيتحمّل نتيجة تقصيره ‪ .‬وهذا النّوع من الخراج هو الّذي وظّفه أمير المؤمنين‬
‫عمر بن الخطّاب رضي ال عنه على أرض السّواد ‪ ،‬ومصر ‪ ،‬والشّام ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬خراج المقاسمة ‪:‬‬
‫‪ - 15‬هو ‪ :‬أن يكون الواجب جزءا شائعا من الخارج من الرض ‪ ،‬كالرّبع والخمس وما‬
‫أشبه ذلك ‪ .‬وهذا النّوع من الخراج يتعلّق بالخارج من الرض ل بالتّمكّن ‪ ،‬فلو عطّل المالك‬
‫الرض ل يجب الخراج ‪.‬‬
‫وقد حدث هذا النّوع في عهد المهديّ بن المنصور العبّاسيّ ‪ /‬عام ‪ 169‬هـ‪ /‬حيث قرّره بدلً‬
‫من خراج الوظيفة الّذي كان معمولً به منذ زمن عمر بن الخطّاب رضي ال عنه ‪.‬‬
‫قال يحيى بن آدم في كتاب الخراج ‪ :‬أمّا مقاسمة السّواد فإنّ النّاس سألوها السّلطان في آخر‬
‫ي بها فقوسموا فيها‬
‫خلفة المنصور ‪ /‬عام ‪ 158‬هـ ‪ /‬فقبض قبل أن يقاسموا ‪ ،‬ثمّ أمر المهد ّ‬
‫دون عقبة حلوان ‪.‬‬
‫أمّا الماورديّ وأبو يعلى الفرّاء فقد ذكرا وجها آخر في سبب تغيير خراج الوظيفة الّذي‬
‫فرضه عمر بن الخطّاب رضي ال عنه إلى خراج مقاسمة حيث قال ‪ :‬ولم يزل السّواد على‬
‫المساحة والخراج إلى أن عدل بهم الخليفة المنصور في الدّولة العبّاسيّة عن الخراج إلى‬
‫ن السّعر نقص ‪ ،‬فلم تف الغلّات بخراجها ‪ ،‬وخرب السّواد ‪ ،‬فجعله مقاسمةً ‪،‬‬
‫المقاسمة ‪ ،‬ل ّ‬
‫وأشار وزير المهديّ أن يجعل أرض الخراج مقاسم ًة ‪.‬‬
‫ن خراج الوظيفة يؤخذ مرّةً واحد ًة في‬
‫والفرق بين خراج الوظيفة ‪ ،‬وخراج المقاسمة أيضا ‪ ،‬أ ّ‬
‫السّنة ‪ ،‬ول يتكرّر بتكرّر الخارج من الرض ‪.‬‬
‫أمّا خراج المقاسمة فيتكرّر أخذه بتكرّر الخارج من الرض ‪.‬‬
‫ثانيا ‪ -‬الخراج الصّلحيّ والعنويّ ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬الخراج الصّلحيّ ‪:‬‬
‫‪ - 6 1‬هو ‪ :‬الخراج الّذي يوضع على الرض الّتي صولح عليها أهلها على أن تكون‬
‫الرض لهم ‪ ،‬ويقرّون عليها بخراج معلوم ‪ .‬قال الباجيّ ‪ :‬فما صالحوا على بقائه بأيديهم‬
‫من أموالهم فهو مال صلح ‪ ،‬أرضا كان أو غيره ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬الخراج العنويّ ‪:‬‬
‫‪ - 7 1‬هو الخراج الّذي يوضع على الرض الّتي افتتحت عنو ًة بعد أن وقفها المام على‬
‫جميع المسلمين ‪ .‬ويدخل في هذا النّوع الخراج الّذي يوضع على الرض الّتي جل عنها‬
‫أهلها خوفا وفزعا من المسلمين ‪ .‬وكذا الخراج الّذي يوضع على الرض الّتي صولح أهلها‬
‫على أن تكون للمسلمين ويقرّون عليها بخراج معلوم ‪.‬‬
‫قال الباجيّ ‪ :‬وما صالحوا به أو أعطوه على إقرارهم في بلدهم وتأمينهم كان أرضا أو‬
‫غيره فإنّه ليس بمال صلح ‪ ،‬ولو أنّ أهل حرب قوتلوا حتّى صالحوا على أن ل يكون لهم في‬
‫الرض حقّ ويؤمّنون على الخروج من البلد أو المقام به على ال ّذمّة ‪ ،‬لمّا كانت تلك أرض‬
‫صلح ‪ ،‬وإنّما تكون أرض صلح ما صولحوا على بقائها بأيديهم سواء تقدّم ذلك حرب ‪ ،‬أو لم‬
‫يتقدّمه حرب ‪.‬‬
‫وأمّا العنوة فهي الغلبة ‪ ،‬فكلّ مال صار للمسلمين على وجه الغلبة من أرض أو عين دون‬
‫اختيار من غلب عليه من الكفّار فهو أرض عنوة سواء دخلنا الدّار غلبةً ‪ ،‬أم أجلوا عنها‬
‫مخافة المسلمين ‪ ،‬تقدّمت في ذلك حرب ‪ ،‬أم لم تتقدّم ‪ ،‬أقرّ أهلها فيها أم نقلوا عنها ‪..‬‬
‫ن الرض آل حالها إلى أن استقرّت بأيدي أربابها‬
‫وقال أيضا ‪ :‬ومرادنا بالصّلح والعنوة أ ّ‬
‫بصلح صالحوا عليها أو زال عنها ملكهم بالعنوة والغلبة ‪.‬‬
‫أنواع الرض الخراجيّة ‪:‬‬
‫‪ - 18‬النّوع الوّل ‪ :‬الرض الّتي صالح المسلمون أهلها عليها وهي نوعان ‪:‬‬
‫الوّل ‪ :‬أن يقع الصّلح على أنّ الرض لهلها ‪ ،‬وللمسلمين الخراج ‪ ،‬فهي مملوكة لهلها‬
‫وتعتبر أرضا خراجيّةً ‪.‬‬
‫ن الرض للمسلمين ويقرّ أهلها عليها بخراج معلوم ‪.‬‬
‫والثّاني ‪ :‬أن يقع الصّلح على أ ّ‬
‫‪ - 19‬النّوع الثّاني ‪ :‬الرض الّتي جل عنها أهلها خوفا وفزعا وبدون قتال ‪.‬‬
‫فهي أرض خراجيّة وتصير وقفا على جميع المسلمين بمجرّد الستيلء عليها عند جمهور‬
‫الفقهاء من الحنفيّة والمالكيّة والشّافعيّة وأحمد في رواية ‪ ،‬وذلك لنّها فيء وليست غنيمةً‪.‬‬
‫وذهب أحمد في رواية ثانية إلى أنّ حكمها حكم الرض المفتوحة عنوةً فل تصير وقفا على‬
‫المسلمين إلّ بوقف المام لها ‪ ،‬لنّها مال ظهر عليه المسلمون بقوّتهم فل يكون وقفا بنفس‬
‫الستيلء كالمنقول ‪ .‬أمّا أرض العرب فكلّها أرض عشريّة ‪ ،‬لنّ النّبيّ عليه الصلة والسلم‬
‫والخلفاء الرّاشدين لم يأخذوا الخراج من أرض العرب ‪ ،‬ولنّه بمنزلة الفيء فل يثبت في‬
‫أراضيهم ‪ ،‬كما ل تثبت الجزية في رقابهم ‪ ،‬وانظر مصطلح ‪ ( :‬أرض ‪ ،‬وأرض العرب ) ‪.‬‬
‫النّوع الثّالث ‪ :‬الرض الّتي افتتحها المسلمون عنوةً ‪:‬‬
‫‪ - 20‬اختلف الفقهاء في تقسيم الرض الّتي افتتحت عنو ًة بين الفاتحين ‪ .‬فيرى بعضهم‬
‫وجوب تقسيمها ‪ ،‬ويرى آخرون وقفها ‪ ،‬ويرى بعضهم تخيير المام بين هذين المرين ‪.‬‬
‫راجع مصطلح ‪ ( :‬أرض ) ‪.‬‬
‫شروط الرض الّتي تخضع للخراج ‪:‬‬
‫الشّرط الوّل ‪ :‬أن تكون الرض خراجيّةً ‪.‬‬
‫‪ - 21‬اتّفق الفقهاء على أنّ الرض الّتي تخضع لوظيفة الخراج ‪ ،‬ل بدّ أن تكون خراجيّةً ‪،‬‬
‫ولذا فل تجب وظيفة الخراج على الرض العشريّة ‪ ،‬كالرض الّتي أسلم عليها أهلها طوعا ‪.‬‬
‫والرض الخراجيّة ‪ :‬هي الرض الّتي صولح عليها أهلها ‪ ،‬وكذا الرض الّتي جل عنها‬
‫أهلها خوفًا وفزعًا من المسلمين ‪ ،‬والرض الّتي فتحت عنوةً وتركها المام في أيدي أهلها‬
‫يزرعونها وينتفعون بها بخراج معلوم ‪ ،‬سواء أسلم أهلها بعد فتحها أو لم يسلموا ‪.‬‬
‫الشّرط الثّاني ‪ :‬أن تكون الرض الخراجيّة ناميةً ‪.‬‬
‫‪ - 22‬اتّفق الفقهاء على اشتراط هذا الشّرط ‪ ،‬فل تخضع الرض الخراجيّة لوظيفة الخراج‬
‫إلّ إذا كانت ناميةً ‪ .‬والنّماء إمّا أن يكون حقيقيّا ‪ ،‬بأن تكون الرض مغلّةً بالفعل ‪ ،‬كأن تكون‬
‫مزروع ًة بالشجار المثمرة كالنّخيل والعنب وغيرهما ‪.‬‬
‫وإمّا أن يكون النّماء تقديريّا ‪ ،‬بأن تكون الرض بيضاء صالح ًة للزّراعة ‪ .‬وصلحيّتها‬
‫للزّراعة بأن تكون تربتها قابل ًة للزّراعة ‪ ،‬وأن ينالها الماء ‪.‬‬
‫ولذا فل يجب الخراج في الرض المبنيّة مساكن ودورًا ‪ ،‬ول في الرض الموات الّتي ل‬
‫تصلح للزّراعة ‪ ،‬كأن تكون نزّ ًة ‪ -‬ل تمسك الماء ‪ -‬أو سبخةً ‪ ،‬لعدم النتفاع بها في الزّراعة‬
‫ن عمر رضي ال عنه لم يدخلها في الوقف ‪ ،‬ولم يفرض عليها الخراج ‪.‬‬
‫‪ ،‬ول ّ‬
‫روى أبو عبيد عن عبد اللّه الثّقفيّ قال ‪ :‬وضع عمر بن الخطّاب رضي ال عنه على أهل‬
‫السّواد على كلّ جريب عامر أو غامر درهما وقفيزا ‪ ،‬وعلى جريب الرّطبة خمسة دراهم‬
‫وخمسة أقفزة ‪ ،‬وعلى جريب الشّجرة عشرة دراهم وعشرة أقفزة ‪.‬‬
‫وقد علّق أبو عبيد على هذا الحديث بقوله ‪ :‬وفي تأويل حديث عمر من العلم أنّه جعل الخراج‬
‫ل من ذوات الحبّ والثّمار ‪ ،‬والّتي تصلح للغلّة من العامر والغامر ‪،‬‬
‫على الرضين الّتي تغ ّ‬
‫وعطّل من ذلك المساكن والدّور الّتي هي منازلهم فلم يجعل عليها فيها شيئا ‪.‬‬
‫ن الخراج بمثابة أجرة الرض وما ل منفعة فيه ل أجر له ‪.‬‬
‫ول ّ‬
‫انتقال الرض العشريّة إلى ال ّذمّيّ ‪ ،‬وما يجب فيها ‪:‬‬
‫‪ - 23‬ذهب جمهور الفقهاء من الحنفيّة والشّافعيّة والحنابلة إلى جواز بيع الرض العشريّة‬
‫ن الحنابلة قالوا بالجواز مع الكراهة لفضائه إلى إسقاط عشر الخارج منها‪.‬‬
‫من ال ّذمّيّ ‪ ،‬إلّ أ ّ‬
‫واستدلّوا لما ذهبوا إليه من جواز بيع الرض العشريّة لل ّذ ّميّ ‪ ،‬بأنّها مال مملوك للمسلم‬
‫كسائر أملكه فل يمنع من بيعه لل ّذ ّميّ أو غيره ‪.‬‬
‫ن بانتقالها إلى ال ّذمّيّ‬
‫وذهب مالك وأحمد في رواية إلى منع المسلم من بيعها إلى ال ّذ ّميّ ‪ ،‬ل ّ‬
‫يسقط العشر فيتضرّر الفقراء ‪.‬‬
‫وأمّا بالنّسبة إلى الوظيفة المفروضة على أهل ال ّذمّة إذا تملّكوا الرض العشريّة ‪ ،‬فقد اختلف‬
‫الفقهاء فيها على النّحو التّالي ‪:‬‬
‫ذهب الشّافعيّة والحنابلة في الرّواية الرّاجحة عندهم ‪ ،‬والثّوريّ ‪ ،‬وشريك وأبو عبيد إلى أنّ‬
‫الرض ل تصير خراجيّ ًة بمجرّد انتقالها إلى ال ّذ ّميّ ول يفرض عليها عشر ‪ ،‬ول خراج لفقد‬
‫موجبهما ‪ .‬فالخراج يجب على الرض الّتي خضعت للمسلمين بالغلبة ‪ ،‬أو الصّلح ول يجب‬
‫بالبيع ول بمجرّد انتقالها إلى ذ ّميّ ‪.‬‬
‫والعشر يجب في الخارج من الرض العشريّة على المسلم ‪ ،‬ول يجب على ال ّذ ّميّ ‪ ،‬لنّ‬
‫ي ليس من أهلها ‪.‬‬
‫العشر عبادة ‪ ،‬وال ّذمّ ّ‬
‫ي فكما تسقط زكاة‬
‫كما قاسوا هذه المسألة على مسألة انتقال الحيوانات السّائمة إلى ال ّذمّ ّ‬
‫السّائمة بانتقالها إلى ال ّذ ّميّ ‪ ،‬يسقط العشر عن الرض العشريّة بانتقالها إلى ال ّذ ّميّ ‪.‬‬
‫وذهب أبو حنيفة وزفر إلى أنّها تصير خراجيّةً ‪ ،‬ويؤخذ من ال ّذ ّميّ الّذي انتقلت إليه الخراج‬
‫ن العشر في معنى العبادة ‪ ،‬وال ّذ ّميّ ليس من أهلها فل يجب عليه العشر كما ل‬
‫ل العشر ‪ ،‬ل ّ‬
‫تجب عليه الزّكاة المعهودة ‪ ،‬ولهذا ل تجب عليه ابتدا ًء ‪.‬‬
‫وإذا تعذّر إيجاب العشر وجب الخراج إذ ل بدّ من فرض وظيفة على الرض في دار‬
‫السلم‪.‬‬
‫واختلفت الرّواية عن أبي حنيفة في وقت صيرورتها خراجيّ ًة ‪ ،‬ففي رواية تصير خراجيّةً‬
‫بالشّراء ‪ .‬وفي رواية أخرى ل تصير خراجيّةً ما لم يوضع عليها الخراج ‪ ،‬وإنّما يؤخذ‬
‫الخراج إذا مضت من وقت الشّراء مدّة يمكنه أن يزرع فيها ‪ ،‬سواء زرع أم لم يزرع ‪.‬‬
‫وذهب مالك وأحمد في رواية وأبو يوسف إلى أنّها تعتبر خراجيّةً ويؤخذ من ال ّذ ّميّ العشر‬
‫ي يؤدّي‬
‫مضاعفا ‪ ،‬كما فعل عمر رضي ال عنه مع نصارى تغلب ‪ .‬ولنّ انتقالها إلى ال ّذمّ ّ‬
‫إلى إسقاط العشر ‪ ،‬وهذا يؤدّي إلى الضرار بالفقراء ‪ ،‬فإذا تعرّض أهل ال ّذمّة لذلك ضوعف‬
‫عليهم العشر كما لو اتّجروا بأموالهم إلى غير بلدهم ضوعفت عليهم الزّكاة فأخذ منهم نصف‬
‫العشر ‪ .‬ويوضع المأخوذ منهم موضع الخراج ‪.‬‬
‫وذهب محمّد بن الحسن الشّيبانيّ إلى أنّها تبقى عشريّةً ‪ ،‬ول يؤخذ منهم سوى العشر ‪ ،‬وذلك‬
‫ن كلّ أرض ابتدأت بضرب حقّ عليها ل يتبدّل الحقّ بتبدّل المالك ‪ ،‬كالخراج ‪،‬‬
‫ن الصل أ ّ‬
‫لّ‬
‫ن كلّ واحد منهما مئونة الرض ل تعلّق له بالمالك ‪ ،‬حتّى يجب في أرض‬
‫والجامع بينهما أ ّ‬
‫غير مملوكة ‪ ،‬فل يختلف باختلف المالك ‪.‬‬
‫واختلفت الرّواية عن محمّد بن الحسن في موضع المأخوذ ومصرفه ‪ ،‬فقيل ‪ :‬يوضع موضع‬
‫الصّدقة لنّه قدر الواجب لم يتغيّر عنده ‪ ،‬فلم تتغيّر صفته أيضا ‪.‬‬
‫ن مال الصّدقة ل يؤخذ منه لكونه مالً مأخوذا من‬
‫وروي عنه أنّه يوضع موضع الخراج ‪ ،‬ل ّ‬
‫كافر ‪ ،‬فيوضع موضع الخراج ‪ .‬وذهب ابن أبي ليلى إلى وجوب العشر والخراج معا ‪ ،‬فأمّا‬
‫العشر فاستصحابا ‪ ،‬وأمّا الخراج فغرم يلحقه بمصيرها إليه ‪.‬‬
‫إحياء الرض الموات ‪:‬‬
‫‪ - 24‬إذا كان المحيي للرض الموات ذ ّميّا ‪ ،‬فيرى بعض الفقهاء جواز ذلك ‪ -‬بإذن المام ‪-‬‬
‫سواء أكانت هذه الرض ضمن دار السلم ‪ ،‬أم دار العهد ‪ ،‬ول فرق بينه وبين المسلم في‬
‫ذلك إلّ في وظيفة الرض ‪ ،‬فالمسلم يجب عليه في بعض الحالت العشر ‪ ،‬أمّا ال ّذمّيّ فل‬
‫يجب عليه سوى الخراج لنّه أليق بحاله ‪.‬‬
‫ويرى آخرون عدم جواز إحياء ال ّذ ّميّ أرض الموات في بلد العرب ‪ .‬ويرى بعضهم عدم‬
‫جواز إحياء ال ّذمّيّ أرض الموات في دار السلم ‪ .‬انظر ‪ ( :‬إحياء الموات ف ‪ 22/‬و ‪.) 23/‬‬
‫مقدار الخراج ‪:‬‬
‫‪ - 25‬ذهب الحنفيّة إلى أنّه يجب في كلّ جريب يصلح للزّراعة قفيز ودرهم ‪ ،‬وفي جريب‬
‫الرّطبة ( الفصفصة ) خمسة دراهم ‪ ،‬وفي جريب الكرم ( العنب ) عشرة دراهم ‪ .‬وما سوى‬
‫ذلك من الصناف كالزّعفران ‪ ،‬والقطن وغيرها ‪ ،‬يوضع عليها بحسب الطّاقة ‪ .‬ونهاية‬
‫الطّاقة أن يبلغ الواجب نصف الخارج ‪ ،‬ول يزاد عليه ‪ ،‬لنّ التّنصيف عين النصاف ‪.‬‬
‫واستدلّوا برواية أبي عبيد عن محمّد بن عبد اللّه الثّقفيّ قال ‪ :‬وضع عمر على أهل السّواد‬
‫على ك ّل جريب عامر أو غامر درهما وقفيزا ‪ ،‬وعلى جريب الحنطة خمسة دراهم وخمسة‬
‫أقفزة ‪ ،‬وعلى جريب الشّجرة عشرة دراهم وعشرة أقفزة ‪ ،‬وعلى جريب الكرم عشرة دراهم‬
‫وعشرة أقفزة ‪ -‬قال ولم يذكر النّخل ‪ -‬وعلى رءوس الرّجال ثمانيةً وأربعين ‪ ،‬وأربعةً‬
‫وعشرين ‪ ،‬واثني عشر ‪.‬‬
‫‪ - 26‬وذهب مالك إلى عدم التّقيّد بتقدير إمام من الئمّة السّابقين ‪ ،‬فلم يأخذ بأيّ رواية من‬
‫الرّوايات السّابقة ‪ ،‬وإنّما قال ‪ :‬المرجع فيه إلى قدر ما تحتمله الرض من ذلك لختلفها في‬
‫حواصلها ‪ ،‬ويجتهد المام في تقدير ذلك مستعينًا عليه بأهل الخبرة ‪.‬‬
‫ن عمر بعث ابن حنيف إلى السّواد‬
‫واستدلّوا برواية أبي عبيد أيضًا من حديث الشّعبيّ أ ّ‬
‫فطرّز الخراج فوضع على جريب القصب ستّة دراهم ‪ ،‬وعلى جريب النّخل ثمانية دراهم ‪،‬‬
‫وعلى جريب الكرم عشرة دراهم ‪ ،‬وعلى جريب الزّيتون اثني عشر ‪ .‬ووضع على الرّجل‬
‫الدّرهم والدّرهمين في الشّهر ‪.‬‬
‫‪ - 27‬وذهب الشّافعيّة إلى أنّ قدر الخراج في كلّ سنة ‪ ،‬ما فرضه عثمان بن حنيف لمّا بعثه‬
‫ل جريب حنطة أربعة دراهم ‪.‬‬
‫عمر ماسحا وهو على كلّ جريب شعير درهمان ‪ ،‬وعلى ك ّ‬
‫ل جريب نخل ثمانية دراهم ‪،‬‬
‫وعلى كلّ جريب شجر ‪ ،‬وقصب سكّر ستّة دراهم ‪ ،‬وعلى ك ّ‬
‫وعلى كلّ جريب كرم عشرة دراهم ‪ ،‬وعلى ك ّل جريب زيتون اثنا عشر درهما ‪.‬‬
‫ل جريب درهم وقفيز ‪ ،‬وعلى جريب النّخل ثمانية‬
‫‪ - 28‬وذهب الحنابلة إلى أنّه يجب في ك ّ‬
‫دراهم ‪ ،‬وعلى جريب الرّطبة ستّة دراهم ‪.‬‬
‫واحتجّوا بما رواه عمرو بن ميمون حيث قال ‪ :‬شهدت عمر بن الخطّاب رضي ال عنه ‪-‬‬
‫وأتاه ابن حنيف ‪ -‬فجعل يكلّمه ‪ ،‬فسمعته يقول ‪ :‬وضعت على كلّ جريب من الرض درهما‬
‫وقفيزا من طعام ل يشقّ ذلك عليهم ول يجهدهم ‪.‬‬
‫الزّيادة والنّقصان على ما وظّفه عمر رضي ال عنه ‪:‬‬
‫‪ - 29‬اختلف الفقهاء الّذين أخذوا بتقديرات عمر رضي ال عنه للخراج في جواز الزّيادة‬
‫والنّقصان على ما وظّفه عمر ‪.‬‬
‫فذهب الشّافعيّة والمام أحمد في رواية ‪ ،‬ومحمّد بن الحسن‪ ،‬وأبو يوسف في رواية إلى جواز‬
‫الزّيادة والنّقصان ‪ ،‬لنّ الخراج مبنيّ على طاقة الرض وقدرتها على التّحمّل ‪ .‬واستدلّوا‬
‫لذلك بما روي عن عمر رضي ال عنه حيث قال لعثمان بن حنيف ‪ ،‬وحذيفة بن اليمان ‪" :‬‬
‫لعلّكما حمّلتما الرض ما ل تطيق " فإذا كانت الرض تطيق الزّيادة يزاد بقدر الطّاقة ‪ ،‬كما‬
‫إذا كانت ل تطيق تلك الوظيفة لقلّة ريعها فتنقص ‪.‬‬
‫وذهب أبو حنيفة وأبو يوسف في رواية ثانية إلى جواز النّقصان دون الزّيادة ‪ ،‬لقول عثمان‬
‫بن حنيف ‪ ،‬وحذيفة لعمر بن الخطّاب ‪ " :‬ولو زدنا لطاقت " فلم يزد عمر مع أنّه أخبر بأنّ‬
‫الرض تطيق الزّيادة ‪.‬‬
‫وذهب أحمد في رواية ثانية إلى جواز الزّيادة دون النّقصان ‪ ،‬لقول عثمان بن حنيف لعمر ‪:‬‬
‫واللّه لو زدت عليهم لجهدتهم فدلّ على إباحة الزّيادة ما لم يجهدهم ‪ ،‬ولنّ المام ناظر في‬
‫مصالح المسلمين كافّةً ‪ ،‬فجاز له الزّيادة فيه دون النّقصان ‪.‬‬
‫ن اجتهاد عمر رضي ال‬
‫وذهب أحمد في رواية ثالثة ‪ ،‬إلى عدم جواز الزّيادة والنّقصان ل ّ‬
‫عنه أولى من غيره ‪ ،‬إذ هو كالجماع لعدم إنكار الصّحابة عليه ‪.‬‬
‫ما يراعى عند تقدير الخراج ‪:‬‬
‫‪ - 30‬ينبغي لواضع الخراج أن ينظر إلى تربة الرض ‪ ،‬ومدى إنتاجيّتها وخصوبتها ‪ ،‬فما‬
‫يوضع على الرض الجيّدة يختلف عمّا يوضع على الرض الرّديئة ‪.‬‬
‫وما يوضع على الرض الّتي تزرع في كلّ عام ‪ ،‬يختلف عمّا يوضع على الرض الّتي‬
‫تزرع في عام ‪ ،‬وتراح في عام ‪.‬‬
‫ل عام حالها ‪ ،‬واعتبر‬
‫فيراعى عند ابتداء وضع الخراج على الرض الّتي ل تزرع في ك ّ‬
‫العلماء أصلح المور لرباب هذه الرض ‪ ،‬وأهل الفيء يكون في خصلة من ثلث ‪.‬‬
‫أ ‪ -‬إمّا أن يجعل خراجها على الشّطر من خراج ما يزرع ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬وإمّا أن يمسح كلّ جريبين منها بجريب ليكون أحدهما للمزروع والخر للمتروك ‪.‬‬
‫ج ‪ -‬وإمّا أن يضعه بكماله على مساحة المزروع والمتروك ‪ ،‬ويستوفي من أربابه الشّطر‬
‫من مساحة أرضهم ‪.‬‬
‫خفّة مئونة السّقي وكثرتها ‪:‬‬
‫‪ - 31‬من المور الّتي تراعى أيضا عند تحديد وظيفة الرض العشريّة خفّة مئونة السّقي‬
‫ي صلى ال عليه وسلم العشر في الخارج من الرض العشريّة الّتي‬
‫وكثرتها ‪ .‬فقد أوجب النّب ّ‬
‫تسقى بماء السّماء والنهار ‪ ،‬وأوجب نصف العشر في الخارج من الرض العشريّة الّتي‬
‫تسقى بماء البار الّذي يحتاج في إخراجه إلى مئونة ‪.‬‬
‫وكذلك المر بالنّسبة للرض الخراجيّة ‪ ،‬فما يوضع على الرض الّتي تسقى بماء المطار ‪،‬‬
‫أو العيون ‪ ،‬أو النهار يزيد عمّا يوضع على الرض الخراجيّة الّتي تسقى بماء البار ‪.‬‬
‫نوعيّة الزّروع والثّمار المزروعة في الرض الخراجيّة ‪:‬‬
‫‪ - 32‬الخراج الّذي يوضع على الرض الّتي تزرع بالقمح ‪ ،‬أو الشّعير ‪ ،‬يختلف عمّا يوضع‬
‫ل نوع‬
‫على الرض الّتي تزرع بالشجار المثمرة كالعنب ‪ ،‬والنّخيل ‪ ،‬وذلك لختلف قيمة ك ّ‬
‫عن الخر ‪.‬‬
‫‪ - 33‬قرب الرض الخراجيّة من المدن والسواق وبعدها عنها ‪:‬‬
‫فما يوضع على الرض القريبة من المدن والسواق يختلف عمّا يوضع على الرض البعيدة‬
‫عن المدن والسواق لنّ بعدها عن المدن والسواق يزيد من المئونة والكلفة ‪.‬‬
‫ما ينزل بأرباب الرض الخراجيّة من نوائب وملمّات ‪.‬‬
‫‪ - 34‬ينبغي لواضع الخراج أن يحسب حساب النّوائب ‪ ،‬والملمّات الّتي قد تنزل بأرباب‬
‫الرض فيترك لهم من غاية ما تحتمله الرض نسب ًة معيّن ًة لمواجهة تلك النّوائب ‪ ،‬والملمّات‪.‬‬
‫كما أمر النّبيّ صلى ال عليه وسلم في خرص الثّمار المزكّاة حيث قال ‪ « :‬إذا خرصتم‬
‫فجذّوا ودعوا الثّلث فإن لم تدعوا أو تجذّوا الثّلث فدعوا الرّبع » ‪.‬‬
‫ن في المال العريّة والوطيّة » ‪.‬‬
‫وقد علّل النّبيّ صلى ال عليه وسلم ذلك بقوله ‪ « :‬فإ ّ‬
‫وقال عمر رضي ال عنه ‪ :‬خفّفوا على النّاس في الخرص فإنّ في المال العريّة والكلة ‪.‬‬
‫وقد راعى عثمان بن حنيف ذلك التّخفيف عندما وضع الخراج على أرض السّواد فقال ‪:‬‬
‫حمّلناها أمرا هي مطيقة له ‪ ،‬ما فيها كثير فضل فدلّ ذلك على أنّه قد كان فيها فضل وإن‬
‫كان يسيرا فقد تركه لهم ‪ .‬وقال أيضا ‪ :‬ولو زدنا لطاقت ‪ .‬وقد نبّه الماورديّ على ذلك بقوله‬
‫‪ :‬ول يستقصي في وضع الخراج غاية ما يحتمله ‪ ،‬وليجعل منه لرباب الرض بقيّ ًة يجبرون‬
‫بها النّوائب والحوائج ‪ ،‬حكي أنّ الحجّاج كتب إلى عبد الملك بن مروان يستأذنه في أخذ‬
‫الفضل من أموال السّواد ‪ ،‬فمنعه من ذلك ‪ ،‬وكتب إليه ل تكن على درهمك المأخوذ أحرص‬
‫منك على درهمك المتروك ‪ ،‬وأبق لهم لحومًا يعقدون بها شحوما ‪.‬‬
‫استيفاء الخراج ‪:‬‬
‫إذا وضع الخراج على أرض خراجيّة فل بدّ من استيفائه بعد حلول وقت الوجوب ليصرف‬
‫أي مصارفه الشّرعيّة من سدّ المصالح العامّة ‪.‬‬
‫وقت استيفاء الخراج ‪:‬‬
‫‪ - 35‬لمعرفة وقت استيفاء الخراج ل بدّ من بيان وقت الوجوب ‪ ،‬لنّ الستيفاء ‪ -‬غالبا ‪ -‬ما‬
‫يكون بعد حلول وقت الوجوب ‪.‬‬
‫أ ‪ -‬وقت وجوب الخراج‬
‫‪ 35‬م ‪ -‬وقت وجوب الخراج يختلف تبعا لنوع الخراج المفروض على رقبة الرض ‪.‬‬
‫فإذا كان المفروض خراج مقاسمة ‪ ،‬يكون وقت الوجوب عند كمال الزّرع وتصفيته ‪ ،‬ويتكرّر‬
‫ن الخراج يتعلّق بالخارج من الرض ‪.‬‬
‫الواجب بتكرّر الخارج من الرض ‪ ،‬ل ّ‬
‫أمّا إذا كان المفروض خراج وظيفة ‪ ،‬فل يؤخذ إلّ مرّةً واحد ًة في السّنة ‪ ،‬ول يتكرّر ‪ ،‬ولو‬
‫ن عمر رضي ال عنه لم يأخذ الخراج من‬
‫استغلّها صاحبها في السّنة عدّة مرّات ‪ ،‬وذلك ل ّ‬
‫ن ريع عامّة الراضي يكون في السّنة مرّ ًة واحدةً ‪،‬‬
‫أهل ال ّذمّة إلّ مرّةً واحدةً في السّنة ‪ ،‬ول ّ‬
‫وإنّما يبنى الحكم على العا ّم الغالب ‪.‬‬
‫والوظيفة المفروضة ‪ ،‬إمّا أن تكون على مساحة الرض ‪ ،‬وإمّا أن تكون على مساحة‬
‫الزّرع‪ .‬فإذا كانت على مساحة الرض ‪ ،‬فيجب الخراج عند نهاية السّنة القمريّة ‪ ،‬لنّها السّنة‬
‫المعتبرة شرعا ‪ .‬وإذا كانت على مساحة الزّرع فيجب الخراج عند نهاية السّنة الشّمسيّة ‪،‬‬
‫لنّها السّنة الّتي تكون عليها المطار ويزرع الزّرع ‪.‬‬
‫ن خراج الوظيفة يجب عند نهاية السّنة ‪ ،‬المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة ‪.‬‬
‫وممّن ذهب إلى أ ّ‬
‫ن الخراج يجب في أوّل السّنة ‪ ،‬ولكن بشرط بقاء الرض النّامية في‬
‫وذهب أبو حنيفة إلى أ ّ‬
‫يده سن ًة ‪ ،‬إمّا حقيقةً ‪ ،‬وإمّا تقديرا ‪ ،‬ويأخذه المام عند بلوغ الغلّة ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬تعجيل الخراج ‪:‬‬
‫‪ - 36‬المقصود بتعجيل الخراج استيفاؤه ممّن وجب عليه قبل حلول وقت وجوبه ‪.‬‬
‫فهل يجوز للمام مطالبة أهل ال ّذمّة بالخراج قبل حلول وقته ؟‬
‫ن سببه الرض النّامية ‪ ،‬وهو بمثابة‬
‫أجاز الحنفيّة والحنابلة تعجيل الخراج لسنة أو سنتين ‪ ،‬ل ّ‬
‫الجرة على الرض ‪ ،‬ولنّه حقّ ماليّ عجّل رفقا فجاز تقديمه على أجله كالدّين ‪ .‬ومقتضى‬
‫ن الخراج عندهم أجرة ‪ ،‬والجرة‬
‫قياس المالكيّة والشّافعيّة جواز تعجيله لسنة أو سنتين ‪ ،‬ل ّ‬
‫يجوز تقديمها قبل استيفاء المنفعة ‪ .‬ولو تعجّل المام الخراج قبل وجوبه ثمّ انقطع وجوبه فهل‬
‫يردّ المام ما أخذه إلى صاحب الرض ؟‬
‫فرّق الحنفيّة بين ما إذا كان المأخوذ قد صرف ‪ ،‬وبين ما إذا كان باقيا ‪.‬‬
‫فإن كان باقيا ردّه المام عليه ‪ .‬وإن كان قد صرف فل شيء له ‪ ،‬كالزّكاة المعجّلة لنّ‬
‫مذهبهم في الخراج أنّه صلة واجبة باعتبار الرض ‪.‬‬
‫وذهب الحنابلة إلى ردّه على صاحب الرض مطلقًا ‪ -‬أي سواء كان المأخوذ باقيا أو قد‬
‫صرف ‪ -‬لنّه أجرة محضة ‪ ،‬وليس بقربة ليقع نفلً ‪.‬‬
‫أمّا بالنّسبة للمالكيّة والشّافعيّة فالظّاهر أنّهم يرون ال ّردّ على صاحب الرض مطلقا ‪ ،‬لنّ‬
‫الخراج عندهم أجرة ‪ .‬ولم نجد نصّا لهم بذلك ‪.‬‬
‫ج ‪ -‬تأخير الخراج ‪:‬‬
‫‪ - 37‬إذا تأخّر صاحب الرض الخراجيّة عن أداء ما وجب عليه ‪ ،‬فإمّا أن يكون موسرا ‪،‬‬
‫وإمّا أن يكون معسرا ‪.‬‬
‫فإن كان موسرا ومطل حبس به ‪ ،‬إلّ أن يوجد له مال فيباع في خراجه كالمديون ‪.‬‬
‫وإذا لم يوجد له غير أرض الخراج فيترك المر للمام ‪ ،‬إمّا أن يبيع منها بقدر الخراج ‪،‬‬
‫وإمّا أن يؤجّرها عليه ‪ ،‬ويستوفي الخراج من أجرتها ويردّ الباقي إلى صاحب الرض ‪.‬‬
‫وإن نقصت الجرة عن الخراج كان على صاحب الرض نقصانها ‪.‬‬
‫وإذا كان صاحب الرض معسرا وجب إنظاره ويكون دينا في ذمّته ‪ ،‬ول يسقط عنه الخراج‬
‫سرَةٍ‬
‫عْ‬‫ن ذُو ُ‬
‫عند الشّافعيّة ‪ ،‬والحنابلة ‪ ،‬والصّاحبين من الحنفيّة ‪ ،‬لقوله تعالى ‪ { :‬وَإِن كَا َ‬
‫سرَ ٍة } ‪ ،‬ولنّ الخراج أجرة للرض ‪ ،‬والجرة ل تسقط بالعسار كأجرة الدّار‬
‫ظرَةٌ إِلَى َميْ َ‬
‫َفنَ ِ‬
‫والحوانيت ‪.‬‬
‫ن الخراج يسقط بالعسار كما تسقط الجزية ‪ ،‬لنّه صلة واجبة باعتبار‬
‫وذهب أبو حنيفة إلى أ ّ‬
‫ن رأيهم موافق لرأي‬
‫الرض ‪ -‬أي ليس بدلً عن شيء ‪ -‬وبالنّسبة للمالكيّة ‪ ،‬فالظّاهر أ ّ‬
‫ن خراج الرض أجرة ‪ ،‬ولم نجد لهم نصّا في ذلك ‪.‬‬
‫الشّافعيّة والحنابلة بنا ًء على أصلهم في أ ّ‬
‫الشّخص الّذي يستوفي منه الخراج ‪:‬‬
‫‪ -‬المطالب بالخراج هو من بيده الرض الخراجيّة سواء أكانت بيده ابتداءً أم انتقلت إليه ‪.‬‬ ‫‪38‬‬

‫واشترط الحنفيّة لمطالبـة المشتري بالخراج ‪ ،‬أن تبقـى الرض فـي يده مدّ ًة يتمكّن فيهـا مـن‬
‫النتفاع بالزّراعة أو غيرها ‪ .‬وقدّروا هذه المدّة بثلثة أشهر ‪.‬‬
‫ولذلك قالوا ‪ :‬إذا باع رجل أرضا خراجيّةً من غيره ‪ ،‬فباعها المشتري من غيره بعد شهر ‪،‬‬
‫ث مّ باعها المشتري الثّاني من غيره كذلك حتّى مضت ال سّنة ‪ ،‬ولم تكن هذه الرض في ملك‬
‫أحدهم ثلثة أشهر ‪ ،‬ل خراج على أحد ‪.‬‬
‫وإذا آ جر من بيده الرض الخراجيّة أر ضه ‪ ،‬أو أعار ها ‪ ،‬أو أعطا ها مزارع ًة ‪ ،‬فخراج ها‬
‫على المؤجّر أو المعيـر ‪ ،‬ل على المسـتأجر أو المسـتعير عنـد جمهور الفقهاء مـن الحنفيّة‬
‫ن الخراج يتعلّق بنماء الرض و هو للمالك ‪ ،‬و ما‬
‫والمالكيّة والشّافعيّة وأح مد في روا ية ‪ ،‬ل ّ‬
‫يأخذه المالك أو المؤجّر من الجرة عوض عن ذلك النّماء ‪ ،‬أو المنفعة الحاصلة من الرض‬
‫‪.‬‬
‫فل يكون النّفـع له والخراج على غيره ‪ .‬وكذلك المسـتعير إنّمـا دخـل على أن ينتفـع بالرض‬
‫مجّانا فل يؤخذ منه الخراج ‪.‬‬
‫وذ هب أح مد في روا ية ثان ية إلى أ نّ الخراج ي جب على الم ستأجر أو الم ستعير قيا سا على‬
‫ن الخراج من تمام تربة الرض فهو بمنزلة ال سّقي والحرث ‪ ،‬وتهيئتها للزّراعة‪،‬‬
‫العشر ‪ ،‬ول ّ‬
‫ن المستأجر هو المنتفع بالرض حقيق ًة ‪.‬‬
‫ول ّ‬
‫وإذا غ صب الرض الخراجيّة غا صب ‪ ،‬فإمّا أن يعطّل ها عن الزّرا عة ‪ ،‬وإمّا أن يزرع ها‬
‫ويستغلّها ‪ .‬فإذا عطّل ها عن الزّرا عة فل خراج على أحد ‪ ،‬وإذا زرعها الغا صب واستغلّها ‪،‬‬
‫فإمّا أن تنقصها الزّراعة ‪ ،‬وإمّا أن ل تنقصها ‪ ،‬فإذا لم تنقصها الزّراعة فيجب خراجها على‬
‫ن الغاصب ضامن‬
‫الغاصب ‪ .‬وإذا نقصتها الزّراعة ‪ ،‬يكون الخراج على صاحب الرض ‪ ،‬ل ّ‬
‫للنّقص ‪ ،‬ولمّا كان ضامنًا للنّقص صار كالمستأجر ‪.‬‬
‫هذا ما ذ هب إل يه أ بو حني فة ‪ ،‬وأ بو يو سف ‪ .‬وقال محمّد بن الح سن الشّيبان يّ ‪ :‬ين ظر إلى‬
‫ضمان نق صان الرض وإلى الخراج ‪ .‬فإن كان ضمان النّق صان أك ثر من الخراج ‪ ،‬فالخراج‬
‫ربـ الرض ‪ .‬فيأخـذ مـن الغاصـب غرامـة النّقصـان ويؤدّي الخراج منـه ‪ .‬وإن كان‬
‫ّ‬ ‫على‬
‫ضمان النّقصان أقلّ من الخراج ‪ ،‬فالخراج على الغاصب ويسقط عنه ضمان النّقصان ‪.‬‬
‫ويؤخذ من نصوص المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة في تضمين الغاصب أجرة الرض المؤجّرة‪،‬‬
‫لنـ‬
‫أنـ غاصـب الرض الخراجيّة يضمـن الخراج ‪ّ ،‬‬
‫ومـن قواعدهـم فـي ضمان المنافـع ‪ّ ،‬‬
‫الخراج بمنزلة الجرة ‪.‬‬
‫من له حقّ استيفاء الخراج ‪:‬‬
‫ن الخارج من الموال العامّة الّتي يتولّى أمرها الئمّة والسّلطين ‪.‬‬
‫‪ - 39‬قرّر الفقهاء أ ّ‬
‫فالمام هو الّذي يقدّر الخراج ابتداءً ‪ ،‬ويطالب به ‪ ،‬ويقرّر صرفه وفق ما تقتضيه المصلحة‬
‫ن المام وكيل عن المّة في استيفاء حقوقها ممّن وجبت عليهم ‪ ،‬وفي تدبير‬
‫العامّة ‪ ،‬وذلك ل ّ‬
‫شؤونها ‪ .‬قال القرطبيّ ‪ :‬الموال الّتي للئمّة والولة فيها مدخل ثلثة أضرب ‪:‬‬
‫ما أخذ من المسلمين على طريق التّطهير لهم كالصّدقات والزّكوات ‪.‬‬
‫والثّاني ‪ :‬الغنائم وما يحصل في أيدي المسلمين من أموال الكافرين بالحرب ‪ ،‬والقهر ‪،‬‬
‫والغلبة ‪.‬‬
‫والثّالث ‪ :‬الفيء وهو ما رجع للمسلمين من أموال الكفّار عفوا صفوا من غير قتال ‪ ،‬ول‬
‫إيجاف ‪ ،‬كالصّلح ‪ ،‬والجزية ‪ ،‬والخراج ‪ ،‬والعشور المأخوذة من تجّار الكفّار ‪.‬‬
‫وبنا ًء على ذلك فالمطالب بالخراج هو المام ‪ ،‬ويجب على أرباب الرض الدّفع إليه ‪ ،‬لنّ‬
‫مصرف الخراج غير معيّن فيفتقر إلى اجتهاد المام ‪.‬‬
‫دفع الخراج إلى أئمّة العدل ‪:‬‬
‫‪ - 40‬المام العادل ‪ :‬هو الّذي اتّفق المسلمون على إمامته وبيعته ‪ ،‬وقام بتدبير شؤون المّة‬
‫ل بحقّ ‪ ،‬وإذا قسم‬
‫وفق شرع اللّه عزّ وجلّ ‪ ،‬فإذا طلب من ذوي الموال مالً ل يطلبه إ ّ‬
‫أموالًا عامّ ًة قسمها وفق شرع اللّه ‪ ،‬وحسب ما تقتضيه المصلحة العامّة ‪ ،‬كما قال رسول اللّه‬
‫صلى ال عليه وسلم ‪ « :‬ما أعطيكم ول أمنعكم إنّما أنا قاسم أضع حيث أمرت » ‪.‬‬
‫وقال أمير المؤمنين عمر بن الخطّاب رضي ال عنه ‪ :‬إنّي أنزلت نفسي وإيّاكم من هذا المال‬
‫ن اللّه تبارك وتعالى قال ‪ « :‬ومن كان غنيّا فليستعفف ومن كان فقيرا‬
‫بمنزلة والي اليتيم فإ ّ‬
‫فليأكل بالمعروف » ‪.‬‬
‫فإذا طلب المام العادل الخراج من أرباب الرض الخراجيّة ‪ ،‬وجب عليهم الدّفع إليه ‪ ،‬ول‬
‫يجوز لحد توزيع خراج نفسه بنفسه ‪ ،‬وإذا أدّى شخص الخراج إلى مستحقّه بنفسه فللمام‬
‫ن حقّ الخذ له ‪ .‬أمّا إذا تعذّر الدّفع إليه فعلى الشّخص أن يتصدّق به ‪.‬‬
‫أخذه منه ثانيا ‪ ،‬ل ّ‬
‫دفع الخراج إلى أئمّة الجور والظّلم ‪:‬‬
‫‪ - 41‬المام الجائر ‪ :‬هو الّذي يقوم بتدبير شؤون المّة وفق هواه ‪ ،‬فيقع منه الجور والظّلم‬
‫على النّاس ‪.‬‬
‫فإذا طلب المام الجائر الخراج من أرباب الرض الخراجيّة ‪ ،‬وجب عليهم دفعه إليه عند‬
‫جماهير الفقهاء ‪ ،‬وإذا أدّوا إليه الخراج سقط عنهم ول يطالبون به من قبل أئمّة العدل ‪.‬‬
‫قال الكاسانيّ ‪ :‬وأمّا سلطين زماننا الّذين أخذوا الصّدقات ‪ ،‬والعشور ‪ ،‬والخراج ‪ ،‬ل‬
‫يضعونها مواضعها فهل تسقط هذه الحقوق عن أربابها ؟ ‪.‬‬
‫اختلف المشايخ فيه ‪ ،‬ذكر الفقيه أبو جعفر الهندوانيّ ‪ :‬أنّه يسقط ذلك كلّه وإن كانوا ل‬
‫يضعونها في أهلها ‪ ،‬لنّ حقّ الخذ لهم فيسقط عنهم بأخذهم ‪ ،‬ث ّم إنّهم لم يضعوها مواضعها‬
‫فالوبال عليهم ‪.‬‬
‫ن الخراج‬
‫ن الخراج يسقط ‪ ،‬ول تسقط الصّدقات ‪ ،‬ل ّ‬
‫وقال الشّيخ أبو بكر بن سعيد ‪ :‬إ ّ‬
‫يصرف إلى المقاتلة ‪ ،‬وهم يصرفون إلى المقاتلة ويقاتلون العد ّو ‪ ،‬أل ترى أنّه لو ظهر العدوّ‬
‫‪ ،‬فإنّهم يقاتلون ويذبّون عن حريم المسلمين ‪ ،‬فأمّا الزّكوات والصّدقات فإنّهم ل يضعونها في‬
‫أهلها " واستدلّوا لوجوب طاعة المام الجائر ‪ ،‬فيما يجوز من أمره كطلب الخراج ‪ ،‬بقول‬
‫النّبيّ صلى ال عليه وسلم ‪ « :‬كانت بنو إسرائيل تسوسهم النبياء كلّما هلك نبيّ خلفه نبيّ ‪،‬‬
‫وإنّه ل نبيّ بعدي ‪ .‬وسيكون خلفاء فيكثرون قالوا ‪ :‬فما تأمرنا ؟ فقال ‪ :‬أوفوا ببيعة الوّل‬
‫فالوّل ‪ ،‬أعطوهم حقّهم ‪ ،‬فإنّ اللّه سائلهم عمّا استرعاهم » ‪.‬‬
‫قال الشّوكانيّ ‪ -‬في بيان معنى " ثمّ أعطوهم حقّهم " ‪ - :‬أي ادفعوا إلى المراء حقّهم الّذي‬
‫لهم المطالبة به وقبضه ‪ ،‬سواء كان يختصّ بهم أم يعمّ ‪ ،‬وذلك من الحقوق الواجبة ‪،‬‬
‫كالزّكاة ‪ ،‬وفي النفس كالخروج إلى الجهاد ‪.‬‬
‫واستدلّوا أيضا بقوله صلى ال عليه وسلم ‪ « :‬إنّها ستكون بعدي أثرة وأمور تنكرونها ‪ ،‬قالوا‬
‫‪ :‬يا رسول اللّه كيف تأمر من أدرك منّا ذلك ؟ قال ‪ :‬تؤدّون الحقّ الّذي عليكم وتسألون اللّه‬
‫الّذي لكم » ‪.‬‬
‫دفع الخراج إلى البغاة ‪:‬‬
‫‪ - 42‬البغاة ‪ :‬هم الّذين يقاتلون المام متأوّلين كالخوارج وغيرهم ‪ ،‬والّذين يخرجون على‬
‫المام ‪ ،‬أو يمتنعون عن الدّخول في طاعته ‪ ،‬أو يمنعون حقّا وجب عليهم كالزّكاة وشبهها‬
‫فيدعون إلى الرّجوع للحقّ ‪ .‬فإذا غلب أهل البغي على بلد ‪ ،‬ونصبوا إماما فجبى الخراج من‬
‫أرباب الرض الخراجيّة ‪ ،‬فقد وقع ذلك موقعه ‪ ،‬وسقط عنهم ولم يطالبهم به إمام أهل العدل‬
‫مرّةً ثاني ًة ‪ ،‬عند جماهير الفقهاء ‪ ،‬من الحنفيّة والشّافعيّة والحنابلة وابن الماجشون من المالكيّة‬
‫‪ ،‬وذلك لنّ عليّا رضي ال عنه لمّا ظهر على أهل البصرة لم يطالبهم بشيء ممّا جبي منهم‬
‫ن البغاة قد يغلبون على البلد‬
‫ن في ترك احتسابه ضررا عظيما ‪ ،‬ومش ّقةً كبيرةً فإ ّ‬
‫‪ .‬ول ّ‬
‫السّنين الكثيرة فلو لم يحتسب ذلك لدّى إلى ثني الواجب في تلك المدّة ‪ ،‬ولنّ حقّ المام في‬
‫الجباية مرهون بالحماية ‪ ،‬وهي غير موجودة عند تغلّب البغاة على بلد معيّن ‪ .‬وقال المالكيّة‬
‫‪ :‬يجب على من أخذوا منه الخراج العادة ‪ ،‬لنّه أعطاه إلى من ل ولية له صحيحة فأشبه‬
‫ما لو أخذها آحاد الرّعيّة غصبا ‪.‬‬
‫دفع الخراج إلى المحاربين " قطّاع الطّريق " ‪:‬‬
‫‪ - 43‬المحاربون ‪ :‬هم الّذين يعرضون للنّاس بالسّلح ‪ ،‬فيغصبون المال مجاهرةً ‪ ،‬أو يقتلون‬
‫‪ ،‬أو يخيفون الطّريق ‪ .‬فإذا أخذ المحاربون الخراج من أهله لم يقع ذلك موقعه ‪ ،‬ولم يسقط‬
‫عنهم الخراج بأدائه إلى المحاربين ‪ ،‬لنّه كالمأخوذ غصبا ‪.‬‬
‫طرق استيفاء الخراج ‪:‬‬
‫الطّريقة الولى ‪ :‬العمالة على الخراج ‪:‬‬
‫‪ - 44‬تعيين عامل الخراج من اختصاصات المام أو نائبه ‪ ،‬ويكون هذا العامل بهذا التّعيين‬
‫وكيلً عن المام في استيفاء الخراج وقبضه ‪ ،‬فتكون جبايته للخراج محدّدةً بما رسمه له‬
‫ل بإذن المام ‪ ،‬لنّ هذه الموال ل‬
‫المام ‪ ،‬ول يجوز له تقسيم ما جباه من أموال الخراج إ ّ‬
‫تصرف إلّ باجتهاد المام ‪ .‬وعامل الخراج ‪ -‬باعتبار أنّه وكيل ‪ -‬أمين إذا أدّى المانة فل‬
‫يضمن النّقصان ول يملك الزّيادة ‪.‬‬
‫شروط تعيين عامل الخراج ‪:‬‬
‫يشترط في عامل الخراج ‪ :‬السلم ‪ ،‬والح ّريّة ‪ ،‬والمانة ‪ ،‬والكفاية ‪ ،‬والعلم والفقه ‪.‬‬
‫وبيان ذلك فيما يأتي ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬السلم ‪:‬‬
‫‪ - 45‬عامل الخراج قد يكون مختصّا بتقدير الخراج ووضعه ‪ ،‬وقد يكون مختصّا بجبايته‬
‫ونقله من أرض الخراج إلى بيت المال ‪.‬‬
‫فإذا كان مختصّا بوضع الخراج وتقديره فيشترط فيه السلم ‪ ،‬لنّ هذا العمل ولية شرعيّة ‪،‬‬
‫ويحتاج إلى المانة ‪ .‬ولذا فل يولّى ال ّذ ّميّ تقدير الخراج ‪ ،‬ووضعه ‪ ،‬عند جمهور الفقهاء ‪.‬‬
‫قال أبو طالب ‪ :‬سألت أبا عبد اللّه يعني أحمد بن حنبل ‪ -‬يستعمل اليهوديّ والنّصرانيّ في‬
‫أعمال المسلمين مثل الخراج ؟ قال ‪ :‬ل يستعان بهم في شيء ‪.‬‬
‫خبَالً‬
‫ل َيأْلُو َن ُكمْ َ‬
‫خذُواْ ِبطَانَةً مّن دُو ِنكُمْ َ‬
‫ن آ َمنُو ْا لَ َت ّت ِ‬
‫واستدلّوا لذلك بقوله تعالى ‪ { :‬يَا َأ ّيهَا اّلذِي َ‬
‫صدُورُ ُهمْ َأ ْك َبرُ َقدْ َب ّينّا َل ُكمُ اليَاتِ إِن‬
‫ت ا ْل َبغْضَاء مِنْ َأفْوَا ِه ِهمْ َومَا ُتخْفِي ُ‬
‫ع ِنّتمْ قَدْ َبدَ ِ‬
‫َودّو ْا مَا َ‬
‫ن }‪.‬‬
‫كُنتُمْ َتعْقِلُو َ‬
‫ل المؤمنين بهذه الية أن يتّخذوا من الكفّار ‪ ،‬واليهود ‪ ،‬وأهل‬
‫قال القرطبيّ ‪ :‬نهى اللّه عزّ وج ّ‬
‫الهواء دخلء ‪ ،‬وولجاء ‪ ،‬يفاوضونهم في الراء ‪ ،‬ويسندون إليهم أمورهم ‪.‬‬
‫وقال إلكيا الهرّاسيّ ‪ :‬في الية دللة على أنّه ل يجوز الستعانة بأهل ال ّذمّة في شيء من‬
‫أمور المسلمين ‪.‬‬
‫ن هاهنا غلمًا من أهل‬
‫وذكر ابن كثير في تفسيره ‪ :‬قيل لعمر بن الخطّاب رضي ال عنه ‪ :‬إ ّ‬
‫الحيرة نصرانيّا كاتبا ‪ ،‬فلو اتّخذته كاتبا ‪ ،‬فقال ‪ :‬قد اتّخذت إذًا بطانةً من دون المؤمنين ‪.‬‬
‫عقّب ابن كثير على هذا الثر بقوله ‪ :‬ففي هذا الثر مع هذه الية دليل على أنّ أهل ال ّذمّة ل‬
‫يجوز استعمالهم في الكتابة الّتي فيها استطالة على المسلمين ‪ ،‬واطّلع على دواخل أمورهم‬
‫خبَالً }‪.‬‬
‫الّتي يخشى أن يفشوها إلى العداء من أهل الحرب ‪ ،‬ولهذا قال تعالى ‪ { :‬لَ َيأْلُو َن ُكمْ َ‬
‫واستدلّوا لذلك أيضا بقوله صلى ال عليه وسلم ‪ « :‬ل تستضيئوا بنار المشركين » أي ل‬
‫تستنصحوهم ‪ ،‬ول تستضيئوا برأيهم ‪.‬‬
‫وروي عن معاوية رضي ال عنه أنّه أرسل إلى أمير المؤمنين عمر رضي ال عنه خطابا‬
‫ل به فكرهت‬
‫ن في عملي كاتبا نصرانيّا ل يتمّ أمر الخراج إ ّ‬
‫جاء فيه ‪ :‬يا أمير المؤمنين ‪ ،‬فإ ّ‬
‫أن أقلّده دون أمرك ‪ .‬فكتب إليه عافانا اللّه وإيّاك ‪ ،‬قرأت كتابك في أمر النّصرانيّ ‪ ،‬أمّا بعد‪،‬‬
‫فإنّ النّصرانيّ قد مات والسّلم ‪.‬‬
‫وقد سار الخلفاء الّذين لهم ثناء حسن في المّة على نهج عمر رضي ال عنه في استبعاد أهل‬
‫ال ّذمّة عن الوظائف الّتي فيها اطّلع على دواخل المسلمين ‪.‬‬
‫فقد كتب عمر بن عبد العزيز إلى أحد عمّاله ‪ :‬أمّا بعد ‪ ،‬فإنّه بلغني أنّ في عملك كاتبا‬
‫خذُواْ‬
‫ن آ َمنُو ْا لَ َت ّت ِ‬
‫نصرانيّا يتصرّف في مصالح المسلمين واللّه تعالى يقول ‪ { :‬يَا َأ ّيهَا اّلذِي َ‬
‫ب مِن َقبِْل ُكمْ وَا ْلكُفّارَ َأوِْليَاء وَاتّقُواْ الّلهَ إِن‬
‫ن أُوتُواْ ا ْل ِكتَا َ‬
‫خذُو ْا دِي َنكُمْ ُهزُوًا وََل ِعبًا مّنَ اّلذِي َ‬
‫اّلذِينَ ا ّت َ‬
‫كُنتُم مّ ْؤ ِمنِينَ } فإذا أتاك كتابي هذا فادع حسّانا ‪ -‬يعني ذلك الكاتب ‪ -‬إلى السلم ‪ ،‬فإن أسلم‬
‫فهو منّا ‪ ،‬ونحن منه ‪ ،‬وإن أبى فل تستعن به ‪ ،‬ول تتّخذ أحدا على غير دين السلم في‬
‫شيء من مصالح المسلمين ‪ .‬فأسلم حسّان وحسن إسلمه ‪.‬‬
‫ن من شروط متولّي هذا العمل المانة والنّصح للمسلمين ‪ ،‬والحرص على مصالحهم ‪.‬‬
‫ول ّ‬
‫وهذه الشّروط غير متحقّقة في المشركين ‪ ،‬وقد نبّه اللّه المسلمين على صفاتهم فهم ل يحبّون‬
‫ن أَهْلِ‬
‫الخير للمسلمين ‪ ،‬ويغشّون ‪ ،‬ول ينصحون ‪ ،‬قال تعالى فيهم ‪ { :‬مّا يَ َو ّد اّلذِينَ كَ َفرُو ْا مِ ْ‬
‫خيْ ٍر مّن ّر ّب ُكمْ } ‪ .‬وقال تعالى ‪ { :‬إِن َيثْقَفُو ُكمْ َيكُونُوا‬
‫ن َ‬
‫ن أَن ُينَزّلَ عََل ْيكُم مّ ْ‬
‫ل ا ْل ُمشْ ِركِي َ‬
‫ا ْل ِكتَابِ َو َ‬
‫س َن َتهُم بِالسّوءِ وَ َودّوا َلوْ َتكْ ُفرُونَ } ‪ .‬ولهذا ولغيره منع‬
‫سطُوا إَِل ْي ُكمْ َأ ْي ِد َي ُهمْ وَأَ ْل ِ‬
‫عدَاء َو َي ْب ُ‬
‫َل ُكمْ أَ ْ‬
‫الفقهاء أن يستعمل ال ّذ ّميّ في عمل يختصّ بوضع الخراج وتقديره ‪.‬‬
‫أمّا إذا كان مختصّا بجبايته ونقله ‪ ،‬فيختلف الحكم ‪.‬‬
‫فإذا كان يجبيه من ال ّذ ّميّين جاز أن يكون ذمّيّا ‪ ،‬وإن كانت معاملته مع المسلمين الّذين بأيديهم‬
‫ح عدم الجواز كما قال النّوويّ ‪.‬‬
‫الرض الخراجيّة ففي جواز ذلك وجهان ‪ .‬والص ّ‬
‫ب ‪ :‬الح ّريّة ‪:‬‬
‫‪ - 46‬تشترط في عامل الخراج المختصّ بتقدير الخراج ووضعه الحرّيّة ‪.‬‬
‫ولذا فل يولّى العبد تقدير الخراج ووضعه ‪ ،‬لنّ هذا العمل ولية شرعيّة ‪.‬‬
‫أمّا إذا كان العامل جابيا فتشترط الح ّريّة إن لم يستقرّ في هذا العمل إلّ عن استنابة ‪ ،‬ول‬
‫تشترط إن استغنى عن الستنابة ‪ ،‬لنّه يكون في هذه الحالة كالرّسول للمأمور ‪.‬‬
‫ج ‪ -‬المانة ‪:‬‬
‫ل يخون فيما‬
‫‪ - 47‬تشترط في عامل الخراج المانة ‪ .‬ولذا فل يولّى الخائن وغير الثّقة ‪ ،‬لئ ّ‬
‫ش فيما قد استنصح فيه ‪ ،‬قال تعالى ‪ { :‬يَا َأ ّيهَا اّلذِينَ آ َمنُو ْا لَ َتخُونُو ْا اللّهَ‬
‫ائتمن عليه ‪ ،‬ول يغ ّ‬
‫ن َب ْعضُكُم َب ْعضًا فَ ْليُ َؤدّ اّلذِي‬
‫وَال ّرسُولَ َو َتخُونُواْ َأمَانَا ِتكُمْ وَأَن ُتمْ َتعَْلمُونَ } وقال تعالى ‪َ { :‬فإِنْ َأمِ َ‬
‫ن َأمَا َنتَهُ وَ ْل َيّتقِ اللّ َه َربّهُ } ‪.‬‬
‫ا ْؤ ُتمِ َ‬
‫قال أبو يوسف في كتاب الخراج الّذي وجّهه إلى أمير المؤمنين هارون الرّشيد ‪ :‬ورأيت أن‬
‫تتّخذ قومًا من أهل الصّلح ‪ ،‬والدّين ‪ ،‬والمانة فتولّيهم الخراج ‪.‬‬
‫د ‪ -‬الكفاية ‪:‬‬
‫‪ - 48‬تشترط في عامل الخراج الكفاية بحيث يكون مضطلعا بالحساب ‪ ،‬والمساحة ‪ ،‬وكيفيّة‬
‫ن عمر رضي ال عنه قال ‪ :‬فمن رجل له جزالة وعقل يضع‬
‫خرص الثّمار ‪ ،‬وذلك ل ّ‬
‫الرض مواضعها ‪ ،‬ويضع على العلوج ما يحتملون ‪ .‬فأخبر بعثمان بن حنيف فعيّنه ‪ ،‬لنّه‬
‫كان ذا بصر وعقل ‪ ،‬وتجربة ‪.‬‬
‫قال ابن أبي الرّبيع ‪ -‬في بيان ما تتحقّق به كفاية عامل الخراج ‪: -‬‬
‫ينبغي أن يكون خبيرا بحفر النهار ‪ ،‬ومجاري المياه ‪ ،‬وأن يكون عارفا بالمساحات ‪،‬‬
‫وتخمين الغلّات ‪ ،‬وأن يكون عالما بفصول السّنة ‪ ،‬ومجاري الشّمس ‪ ،‬وأن يكون بصيرا‬
‫بالحساب وكسوره وترتيبه ‪ ،‬وأن يكون له دربة بعقد الجسور ‪ ،‬والقناطر والمصالح ‪ ،‬وأن‬
‫يكون له خبرة بما يدفع عن الزّرع في الراضي ‪ ،‬وأن يكون خبيرا بأوقات الزّرع وأحوال‬
‫السعار ‪ ،‬وأن يكون عالما بحقوق بيت المال وما يجب له ‪ .‬هذا إن تولّى وضع الخراج‬
‫وتقديره ‪ ،‬أمّا إن اقتصرت مهمّته على طلب جبايته فل يشترط فيه ذلك ‪.‬‬
‫هـ ‪ -‬العلم والفقه ‪:‬‬
‫‪ - 49‬إن تولّى وضع الخراج اعتبر فيه أن يكون فقيهًا من أهل الجتهاد ‪ ،‬وإن ولّي جباية‬
‫الخراج صحّت وليته ‪ ،‬وإن لم يكن فقيها مجتهدا ‪.‬‬
‫آداب عامل الخراج ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬الرّفق بأهل الخراج ‪:‬‬
‫‪ - 50‬ينبغي لعامل الخراج أن يكون رفيقا بأهل الخراج ‪.‬‬
‫ومن مظاهر الرّفق في استيفاء الخراج أيضا أن يأخذهم بالخراج كلّما خرجت غلّة ‪ ،‬فيأخذهم‬
‫بقدر ذلك حتّى يستوفي تمام الخراج في آخر الغلّة ‪ ،‬ومعنى ذلك أن يوزّع الخراج على قدر‬
‫الغلّة ‪ ،‬حتّى إنّ الرض إذا كانت تزرع في الرّبيع والخريف قسم الخراج نصفين ‪ ،‬فيأخذ‬
‫نصف الخراج من غلّة الرّبيع ‪ ،‬ويؤخّر النّصف الثّاني إلى غلّة الخريف ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬العدل والنصاف ‪:‬‬
‫‪ - 51‬يجب على عامل الخراج أن يكون عادلً في وضع الخراج ‪ ،‬وتقديره ‪ ،‬فيساوي بين‬
‫النّاس في هذه المعاملة ‪ ،‬ول يحابي القريب على البعيد ‪ ،‬ول الشّريف على الوضيع ‪ ،‬ويأخذ‬
‫منهم القدر الواجب عليهم بل زيادة ول نقصان ‪.‬‬
‫ج ‪ -‬العفّة ‪:‬‬
‫‪ - 52‬يجب على عامل الخراج أن يكون عفيف النّفس ‪ ،‬فل يطلب رشو ًة من أحد ‪ ،‬ول يقبل‬
‫هديّةً من أهل الخراج ‪ ،‬لما روى عبد اللّه بن عمرو قال ‪ « :‬لعن رسول اللّه صلى ال عليه‬
‫وسلم الرّاشي والمرتشي » ‪.‬‬
‫قال الخطّابيّ ‪ :‬الرّاشي المعطي ‪ ،‬والمرتشي الخذ ‪ .‬وإنّما يلحقهما العقوبة معا إذا استويا في‬
‫القصد والرادة ‪ .‬فرشا المعطي لينال به باطلً ويتوصّل به إلى ظلم ‪ .‬فأمّا إذا أعطى‬
‫ليتوصّل به إلى حقّ أو يدفع عن نفسه ظلما ‪ ،‬فإنّه غير داخل في هذا الوعيد ‪.‬‬
‫ن ابن مسعود أخذ في شيء وهو بأرض الحبشة ‪ ،‬فأعطى دينارين حتّى خلّي سبيله ‪.‬‬
‫وروي أ ّ‬
‫ي وجابر بن زيد وعطاء أنّهم قالوا ‪ :‬ل بأس أن يصانع الرّجل عن‬
‫وروي عن الحسن والشّعب ّ‬
‫نفسه ‪ ،‬وماله ‪ ،‬إذا خاف الظّلم ‪ .‬وروى البخاريّ ومسلم عن أبي حميد السّاعديّ رضي ال‬
‫عنه قال ‪ « :‬استعمل النّبيّ صلى ال عليه وسلم رجلً من الزد يقال له ابن اللّتبيّة على‬
‫الصّدقة فلمّا قدم قال ‪ :‬هذا لكم وهذا أهدي لي ‪ .‬فقال ‪ :‬فهلّ جلس في بيت أبيه ‪ ،‬أو بيت أمّه‬
‫ل جاء يوم القيامة يحمله على‬
‫فينظر أيهدى له أم ل ؟ والّذي نفسي بيده ل يأخذ أحدكم شيئا إ ّ‬
‫رقبته إن كان بعيرًا له رغاء ‪ ،‬أو بقرةً لها خوار ‪ ،‬أو شا ًة تيعر ‪ .‬ثمّ رفع بيده حتّى رأينا‬
‫عفرة إبطيه ‪ .‬اللّهمّ هل بلّغت ‪ .‬اللّهمّ هل بلّغت ‪ .‬ثلثا » ‪.‬‬
‫فهذا الحديث يدلّ على أنّ الهدايا الّتي يقدّمها أهل الخراج إلى العمّال حرام ‪.‬‬
‫ن هدايا العمّال سحت ‪ ،‬وأنّه ليس سبيلها سبيل سائر الهدايا‬
‫قال الخطّابيّ ‪ :‬في هذا بيان أ ّ‬
‫المباحات ‪ ،‬وإنّما يهدى إليه للمحاباة ‪ ،‬وليخفّف عن المهدي ‪ ،‬ويسوّغ له بعض الواجب عليه‪،‬‬
‫وهو خيانة منه ‪ ،‬وبخس للحقّ الواجب عليه استيفاؤه لهله ‪.‬‬
‫واجب المام تجاه عمّال الخراج ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬الرّقابة الفعّالة على عمّال الخراج ‪:‬‬
‫‪ - 53‬لضمان تحقيق العدل بين النّاس ل بدّ أن تكون هناك رقابة فعّالة على عمّال الخراج ‪.‬‬
‫وقد نصح أبو يوسف أمير المؤمنين هارون الرّشيد بذلك حيث قال ‪ :‬وأنا أرى أن تبعث قوما‬
‫من أهل الصّلح والعفاف ممّن يوثق بدينه وأمانته يسألون عن سيرة العمّال وما عملوا به في‬
‫البلد وكيف جبوا الخراج على ما أمروا به ‪ ،‬وعلى ما وظّف على أهل الخراج واستقرّ ‪،‬‬
‫فإذا ثبت ذلك عندك وصحّ ‪ ،‬أخذوا بما استفضلوا من ذلك أشدّ الخذ حتّى يؤدّوه بعد العقوبة‬
‫ن كلّ ما عمل به والي‬
‫الموجعة والنّكال حتّى ل يتعدّوا ما أمروا به وما عهد إليهم فيه ‪ .‬فإ ّ‬
‫الخراج من الظّلم والعسف فإنّما يحمل على أنّه قد أمر به ‪ ،‬وقد أمر بغيره ‪ ،‬وإن أحللت‬
‫بواحد منهم العقوبة الموجعة انتهى غيره واتّقى وخاف ‪ ،‬وإن لم تفعل هذا بهم تعدّوا على أهل‬
‫الخراج واجترءوا على ظلمهم وتعسّفهم وأخذهم بما ل يجب عليهم ‪ .‬وإذا صحّ عندك من‬
‫العامل والوالي تعدّ بظلم وعسف وخيانة لك في رعيّتك واحتجاز شيء من الفيء ‪ ،‬أو خبث‬
‫طعمته ‪ ،‬أو سوء سيرته فحرام عليك استعماله ‪ ،‬والستعانة به ‪ ،‬وأن تقلّده شيئا من أمور‬
‫رعيّتك ‪ ،‬أو تشركه في شيء من أمرك ‪ .‬بل عاقبه على ذلك عقوبةً تردع غيره من أن‬
‫يتعرّض لمثل ما تعرّض له ‪ ،‬وإيّاك ودعوة المظلوم فإنّها دعوة مجابة ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬ضرورة منح عمّال الخراج رواتب تكفيهم ‪:‬‬
‫‪ - 54‬لجتناب وقوع عمّال الخراج في الرّشوة وأكل أموال النّاس بالباطل ‪ ،‬ل بدّ أن تصرف‬
‫لهم أجور " رواتب " مجزية تفي بحاجاتهم وتكفي نفقاتهم ‪ ،‬وقد ذكر أبو يوسف في كتاب‬
‫ن أبا عبيدة بن الجرّاح قال لعمر بن الخطّاب رضي ال عنهما ‪ :‬دنّست أصحاب‬
‫الخراج ‪ :‬أ ّ‬
‫رسول اللّه صلى ال عليه وسلم فقال له عمر ‪ :‬يا أبا عبيدة إذا لم أستعن بأهل الدّين على‬
‫سلمة ديني فبمن أستعين ؟ قال ‪ :‬أما إن فعلت فأغنهم بالعمالة عن الخيانة ‪.‬‬
‫يقول ‪ :‬إذا استعملتهم على شيء فأجزل لهم في العطاء والرّزق ‪ ،‬ل يحتاجون ‪.‬‬
‫الطّريقة الثّانية ‪ :‬نظام التّقبيل " التّضمين " ‪:‬‬
‫‪ - 55‬نشأ عن تطبيق الخراج بعض الظّواهر القتصاديّة ‪ ،‬كنظام التّقبيل " التّضمين " حيث‬
‫بدأ وجود هذا النّظام في العصر المويّ ‪ ،‬وانتشر في العصر العبّاسيّ ‪.‬‬
‫ن أبا جعفر المنصور كتب إلى نوفل‬
‫ومن المثلة على تطبيق هذا النّظام في ذلك العصر ‪ ،‬أ ّ‬
‫بن الفرات ‪ -‬عامل خراج مصر ‪ -‬سنة ‪ 141 /‬هـ ‪ /‬أن اعرض على محمّد بن الشعث‬
‫ي " وإن أبى‬
‫ي " أي عد أنت إل ّ‬
‫ضمان خراج مصر ‪ .‬فإن ضمنه فأشهد عليه ‪ ،‬واشخص إل ّ‬
‫فاعمل على الخراج ‪ .‬فعرض عليه ذلك فأبى ‪.‬‬
‫والتّقبيل في اللّغة ‪ :‬مصدر قبّل أي كفل ‪ ،‬يقال قبل " بالفتح " إذا كفل أو قبل " بالضّمّ " إذا‬
‫صار قبيلً أي كفيلً ‪.‬‬
‫والتّقبيل في الصطلح ‪ :‬أن يتكفّل شخص بتحصيل الخراج ‪ ،‬وأخذه لنفسه مقابل قدر محدّد‬
‫يدفعه ‪ .‬وهو ما يعرف باسم نظام اللتزام ‪ .‬وقد عرّفه أبو عبيد بقوله ‪ :‬أن يتقبّل الرّجل‬
‫النّخل والشّجر ‪ ،‬والزّرع النّابت ‪ ،‬قبل أن يستحصد ويدرك ‪.‬‬
‫حكم التّقبيل " التّضمين " ‪:‬‬
‫‪ - 56‬لم يرتض كثير من العلماء هذا النّظام واعتبروه باطلً غير مشروع ‪.‬‬
‫وممّن ذهب إلى ذلك أحمد ‪ ،‬وأبو يوسف ‪ ،‬وأبو عبيد ‪ ،‬والماورديّ وغيرهم ‪ .‬قال الماورديّ‬
‫‪ :‬فأمّا تضمين العمّال لموال العشر ‪ ،‬والخراج ‪ ،‬فباطل ل يتعلّق به في الشّرع حكم ‪.‬‬
‫واستدلّوا لذلك بما روى أبو عبيد ‪ -‬بسنده ‪ -‬إلى جبلة بن سحيم قال ‪ :‬سمعت ابن عمر‬
‫رضي ال عنه يقول ‪ :‬القبالت ربا وروي عن ابن عبّاس رضي ال عنهما أنّه قال ‪ :‬القبالت‬
‫حرام قال أحمد ‪ :‬هو أن يتقبّل بالقرية وفيها العلوج والنّخل ‪ ،‬ومعناه حكمه حكم الرّبا وقالوا ‪:‬‬
‫يترتّب على هذا النّظام الظّلم والعسف ‪ ،‬وخراب الدّيار ‪.‬‬
‫وقد كتب أبو يوسف إلى هارون الرّشيد يحذّره من تطبيق هذا النّظام ما نصّه ‪ :‬ورأيت أن ل‬
‫تقبل شيئًا من السّواد ول غير السّواد من البلد ‪ ،‬فإنّ المتقبّل إذا كان في قبالته فضل عن‬
‫الخراج ‪ ،‬عسف بأهل الخراج وحمّل عليهم ما ل يجب عليهم ‪ ،‬وظلمهم ‪ ،‬وأخذهم بما يجحف‬
‫بهم ليسلم ممّا دخل فيه ‪ ،‬وفي ذلك وأمثاله خراب البلد وهلك الرّعيّة ‪.‬‬
‫والمتقبّل ل يبالي بهلكهم بصلح أمره في قبالته ‪ ،‬ولعلّه أن يستفضل بعد أن يتقبّل به فضلً‬
‫كثيرا ‪ ،‬وليس يمكنه ذلك إلّ بشدّة منه على الرّعيّة وضرب لهم شديد ‪ ،‬وإقامته لهم في‬
‫الشّمس وتعليق الحجارة في العناق ‪ ،‬وعذاب عظيم ينال أهل الخراج ممّا ليس يجب عليهم‬
‫من الفساد الّذي نهى اللّه عنه ‪ ،‬وإنّما أكره القبالة ‪ ،‬لنّي ل آمن أن يحمل هذا المتقبّل على‬
‫أهل الخراج ما ليس يجب عليهم ‪ ،‬فيعاملهم بما وصفت لك فيضرّ ذلك بهم فيخرّبوا ما‬
‫عمّروا‪ ،‬ويدعوه فينكسر الخراج ‪.‬‬
‫والصل في كراهته هذا أنّه بيع ثمر لم يبد صلحه ‪ ،‬ولم يخلق بشيء معلوم ‪ ،‬فأمّا المعاملة‬
‫على الثّلث ‪ ،‬والرّبع ‪ ،‬وكراء الرض البيضاء ‪ ،‬فليستا من القبالت ول يدخلن فيهما ‪ ،‬وقد‬
‫رخّص في هذين ‪ ،‬ول نعلم المسلمين اختلفوا في كراهة القبالة ‪.‬‬
‫فإذا أمن المام عدم الظّلم ‪ ،‬والجور ‪ ،‬والعسف ورضي أهل الخراج بهذا النّظام ‪ ،‬فقد قال أبو‬
‫يوسف ‪ :‬ل بأس به ‪ ،‬وإن جاء أهل طسوج ‪ -‬ناحية ‪ -‬أو مصر من المصار ومعهم رجل‬
‫من البلد المعروف موسر ‪ ،‬فقالوا ‪ :‬هذا أخفّ علينا ‪ ،‬نظر في ذلك ‪ :‬فإن كان صلحا لهل‬
‫هذا البلد والطّسّوج ‪ ،‬قبل وضمن وأشهد عليه وصير معه أمير من قبل المام يوثق بدينه ‪،‬‬
‫وأمانته ‪ ،‬ويجري عليه من بيت المال ‪ ،‬فإن أراد ظلم أحد من أهل الخراج ‪ ،‬أو الزّيادة عليه‬
‫أو تحميله شيئا ل يجب عليه ‪ ،‬منعه المير من ذلك أشدّ المنع ‪.‬‬
‫وأمير المؤمنين أعلى عينا بما رأى من ذلك ‪ ،‬وما رأى أنّه أصلح لهل الخراج ‪ ،‬وأوفر على‬
‫بيت المال عمل عليه من القبالة ‪ ،‬والولية بعد العذار والتّقدّم إلى المتقبّل ‪ ،‬والوالي يرفع‬
‫الظّلم عن الرّعيّة ‪ ،‬والوعيد له إن حمّلهم ما ل طاقة لهم به ‪ ،‬أو بما ليس بواجب عليهم ‪ ،‬فإن‬
‫فعل ففوا له بما أوعد به ‪ ،‬ليكون ذلك زاجرا وناهيا لغيره إن شاء اللّه ‪.‬‬
‫وسيأتي التّفصيل في مصطلح ‪ :‬قبالة ‪.‬‬
‫مسقطات الخراج ‪:‬‬
‫أوّلً ‪ :‬انعدام صلحيّة الرض للزّراعة ‪:‬‬
‫‪ - 57‬المقصود بانعدام صلحيّة الرض للزّراعة هو أن يطرأ على الرض الخراجيّة طارئ‬
‫خارج عن فعل النسان ‪ ،‬يمنع صاحبها من النتفاع بها كانقطاع الماء عنها ‪ ،‬أو غلبته عليها‬
‫بحيث تصبح غير صالحة للزّراعة ‪ .‬فإذا تعرّضت الرض الخراجيّة لذلك سقط عنها الخراج‬
‫عند جماهير الفقهاء ‪ ،‬سواء أكان الخراج الواجب مقاسمةً ‪ ،‬أم وظيفةً ‪ ،‬فيسقط خراج‬
‫المقاسمة ‪ ،‬لنّ الوجوب متعلّق بالخارج من الرض حقيقةً وهو غير موجود ‪.‬‬
‫ويسقط خراج الوظيفة ‪ ،‬لنّ الوجوب متعلّق بالتّمكّن من النتفاع بالرض وهو غير موجود‬
‫‪.‬‬
‫هذا في حالة عدم إمكانيّة إصلحها وإعمارها ‪ ،‬أمّا إذا أمكن إصلحها وإعمارها فيجب على‬
‫المام أن يعمر الرض ويصلحها من بيت مال المسلمين من سهم المصالح ‪ ،‬ول يجوز إلزام‬
‫أهلها بعمارتها من أموالهم ‪ .‬فإن سألهم أن يعمّروها من أموالهم ويعتدّ لهم بما أنفقوا عليها‬
‫من خراجها فرضوا بذلك جاز ‪.‬‬
‫وإذا كان سهم المصالح عاجزا عن سدّ نفقات إصلح هذه الرض أجبر أهلها عليه ‪ ،‬لنّ في‬
‫ذلك مصلحةً لهم ولصحاب الفيء ‪ ،‬وإن أمكن النتفاع بتلك الرض بعد أن بارت في غير‬
‫الزّراعة كالرّعي والصّيد وغير ذلك ‪ ،‬يوضع عليها خراج جديد بحسب ما تحتمله ‪.‬‬
‫وهذه الرض تختلف عن أرض الموات ‪ ،‬فإنّ أرض الموات مباحة ‪.‬‬
‫ثانيا ‪ :‬تعطيل الرض عن الزّراعة ‪:‬‬
‫‪ - 58‬إن كان التّعطيل من غير جهة صاحب الرض ‪ ،‬كأن يدهم البلد عد ّو يمنع أهل‬
‫الرض من زراعتها والنتفاع بها ‪ ،‬أو يلحقهم جور من الولة لم تمكنهم القامة عليه ‪.‬‬
‫فهذا يسقط الخراج عنهم حتّى تعود الرض كما كانت ويتمكّنوا من النتفاع بها ‪.‬‬
‫وإن كان التّعطيل من جهة صاحب الرض فإمّا أن يكون ذلك بتفريط منه ‪ ،‬أو بغير تفريط ‪.‬‬
‫فإذا عطّلها بتفريط منه كأن يتركها بل زراعة واستغلل وهو متمكّن من النتفاع بها ‪ ،‬وقادر‬
‫على زراعتها سقط عنه خراج المقاسمة اتّفاقا ‪ ،‬وذلك لنّ خراج المقاسمة يتعلّق بالخارج من‬
‫الرض حقيقةً وهو غير موجود ‪.‬‬
‫ول يقرّ المفرّط على عدم استغلله للرض الخراجيّة ‪ ،‬بل يؤمر بزراعتها واستغللها لئلّ‬
‫يتضرّر أصحاب الفيء ‪.‬‬
‫وأمّا خراج الوظيفة فل يسقط عند جمهور الفقهاء من الحنفيّة والشّافعيّة والحنابلة ‪ ،‬لنّه يتعلّق‬
‫بالتّمكّن من النتفاع بالرض وهو موجود ‪ ،‬ولنّ الخراج بمنزلة الجارة فإذا عطّل المستأجر‬
‫النتفاع بالمؤجّر لم تسقط الجرة ‪.‬‬
‫وذهب المالكيّة إلى سقوط خراج الوظيفة بتعطيل الرض عن الزّراعة ‪ ،‬سواء عطّلها مختارا‬
‫أم معذورا ‪ ،‬لعدم تحقّق النتفاع بالرض ‪.‬‬
‫وإذا عطّلها بل تفريط منه كأن ترك زراعتها لعدم قوّتها وقدرته الجسميّة ‪ ،‬أو لعدم قدرته‬
‫على تحمّل تكاليف الزّراعة ونفقاتها يسقط خراج المقاسمة اتّفاقا ‪ ،‬لنّه يتعلّق بالخارج من‬
‫الرض حقيقةً ‪ .‬وأمّا خراج الوظيفة فيسقط عند المالكيّة لعدم تحقّق النتفاع بالرض ‪.‬‬
‫وذهب جمهور الفقهاء من الحنفيّة والشّافعيّة والحنابلة إلى عدم سقوط الخراج ‪.‬‬
‫وعلى المام أن يتصرّف في الرض تصرّفًا يحقّق المصلحة لهل الفيء ‪ ،‬ولصاحب‬
‫ص عليها الفقهاء ‪ :‬ما قاله الشّافعيّة والحنابلة ‪ :‬من أنّ للمام‬
‫الرض ‪ .‬ومن التّصرّفات الّتي ن ّ‬
‫أن يأمر صاحب الرض بتأجيرها لمن يقوم بزراعتها وإلّ رفع يده عنها ‪ ،‬ول تترك بيده‬
‫خرابا وإن دفع خراجها ‪ ،‬لئلّ تصير بالخراب مواتًا ‪ ،‬فيتضرّر أهل الفيء بتعطيلها ‪.‬‬
‫وقال الحنفيّة ‪ :‬المام بالخيار إن شاء دفع الرض لغير صاحبها مزارع ًة ‪ ،‬ويأخذ الخراج من‬
‫نصيبه ويمسك الباقي له ‪ ،‬وإن شاء آجرها وأخذ الخراج من الجرة ‪ ،‬وإن شاء زرعها من‬
‫ل الرض ‪.‬‬
‫بيت المال فإذا حصلت الغلّة أخذ قدر الخراج وما أنفق ‪ ،‬ويحفظ الباقي لمستغ ّ‬
‫وقال أبو يوسف ‪ :‬للمام أن يدفع للعاجز كفايته من بيت المال قرضًا ليعمل ويستغلّ أرضه ‪.‬‬
‫فإذا لم يجد المام من يعمل في تلك الرض مزارعةً أو بالجرة أو غير ذلك ‪ ،‬فيرى أبو‬
‫يوسف ومحمّد بيعها وأخذ الخراج من ثمنها ‪ ،‬ويحفظ الباقي لمستغلّ الرض ‪.‬‬
‫ويرى أبو حنيفة عدم جواز بيعها ‪ ،‬وإنّما يحجرها للمصلحة العامّة ‪ ،‬مع أنّه ل يرى جواز‬
‫الحجر على الكبير إلّ أنّ هذا الحجر يعود نفعه على العامّة ‪.‬‬
‫ثالثًا ‪ :‬هلك الزّرع بآفة سماويّة ‪:‬‬
‫‪ - 59‬إذا زرع صاحب الرض الخراجيّة أرضه بزرع ما ‪ ،‬فأصابته آفة سماويّة ل يمكن‬
‫الحتراز عنها ‪ ،‬كغرق ‪ ،‬أو حرق ‪ ،‬أو شدّة برد ‪ ،‬أو جراد أو غير ذلك ‪ ،‬فإمّا أن يكون‬
‫الهلك قبل الحصاد ‪ ،‬وإمّا أن يكون بعده ‪.‬‬
‫أ ‪ -‬فإذا هلك الزّرع بآفة سماويّة قبل الحصاد يسقط خراج المقاسمة إذا أدّت تلك الفة إلى‬
‫هلك جميع الزّرع ; لنّ خراج المقاسمة يتعلّق بالخارج من الرض حقيقةً ‪.‬‬
‫وأمّا خراج الوظيفة فيسقط عن صاحب الرض عند الحنفيّة ; لنّه مصاب ويستحقّ المعونة ;‬
‫ن الخراج صلة واجبة باعتبار الراضي ‪ ،‬فل يمكن إيجابها بعد هلك الزّرع بآفة‬
‫ول ّ‬
‫سماويّة‪ ،‬لنّه ظهر أنّه لم يتمكّن من استغلل الرض ‪.‬‬
‫واشترط الحنفيّة لسقوط الخراج بهذا السّبب شرطين ‪:‬‬
‫الوّل ‪ :‬أن ل تبقى من السّنة مدّة يتمكّن فيها من زراعة الرض مرّةً أخرى ‪ ،‬فإن بقيت من‬
‫السّنة مدّة يتمكّن فيها من أن يزرع الرض ثاني ًة لم يسقط الخراج لتحقّق النتفاع بالرض ‪،‬‬
‫وقدّروا المدّة بثلثة أشهر ‪.‬‬
‫والثّاني ‪ :‬أن ل يبقى من الزّرع ضعف الخراج الموظّف على الرض ‪ ،‬فإن بقي من الزّرع‬
‫ضعف الخراج الموظّف على الرض لم يسقط الخراج ويؤخذ من الزّارع ‪ ،‬لنّه ل يزيد‬
‫على النّصف ‪ .‬وإن بقي أقلّ من ضعف الخراج الموظّف على الرض ل يؤخذ منه الخراج‬
‫الموظّف‪ ،‬ويكتفى في هذه الحالة بأخذ نصف الخارج من الرض بعد خصم نفقات الزّراعة ‪.‬‬
‫هذا ما جاء في كتب الحنفيّة ‪ ،‬أمّا المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة فلم نجد لهم نصّا في هذه‬
‫المسألة ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬إذا هلك الخارج من الرض بآفة سماويّة ل يمكن الحتراز عنها ‪ ،‬كغرق ‪ ،‬وحرق‬
‫يسقط خراج المقاسمة ‪ ،‬لتعلّقه بالخارج من الرض حقيقةً ‪.‬‬
‫جاء في حاشية ابن عابدين ‪ :‬ولو هلك الخارج في خراج المقاسمة قبل الحصاد أو بعده فل‬
‫ل بالتّعدّي ‪.‬‬
‫شيء عليه لتعلّقه بالخارج حقيقةً ‪ ،‬وحكمه حكم الشّريك شركة الملك فل يضمن إ ّ‬
‫وأمّا خراج الوظيفة فل يسقط بهلك الخارج بعد الحصاد عند الحنفيّة ‪ ،‬لنّ خراج الوظيفة‬
‫يجب في ال ّذمّة ‪ ،‬ويتعلّق بالتّمكّن من النتفاع بالرض وزراعتها ‪ ،‬وبالحصاد قد تحقّق‬
‫النتفاع بالرض ‪ ،‬وحصلت الزّراعة بالفعل فل يسقط الخراج الموظّف بهلك الخارج بعد‬
‫الحصاد ‪ .‬جاء في الفتاوى الهنديّة ‪ :‬ذكر شيخ السلم خواهر زاده أنّ هلك الخارج قبل‬
‫الحصاد يسقط الخراج ‪ ،‬وهلكه بعد الحصاد ل يسقطه ‪.‬‬
‫وبالنّسبة للمذاهب الخرى كالمالكيّة والشّافعيّة والحنابلة فلم نقف لهم على نصوص في هذه‬
‫المسألة ‪.‬‬
‫رابعا ‪ :‬إسقاط المام للخراج عمّن وجب عليه‬
‫‪ - 60‬إذا رأى المام إسقاط الخراج عمّن بيده أرض خراجيّة لمصلحة ‪ ،‬أو لكون من بيده‬
‫تلك الرض يقوم بعمل من العمال الّتي يحتاجها المسلمون ‪ ،‬كالقضاء ‪ ،‬أو التّدريس ‪ ،‬أو‬
‫حماية الثّغور السلميّة ‪ ،‬أو التّجسّس على العداء لمعرفة ما عندهم من وسائل القوّة الما ّديّة‬
‫والمعنويّة أو غير ذلك ‪ .‬فهل يجوز هذا التّصرّف من المام أو ل ؟‬
‫ن المام له حقّ النّظر في مصالح‬
‫ذهب الحنابلة وأبو يوسف من الحنفيّة إلى جواز ذلك ‪ ،‬ل ّ‬
‫المسلمين ‪ ،‬وفعل ما فيه مصلحة لهم ‪ ،‬ومن القواعد الفقهيّة الّتي قرّرها الفقهاء في ذلك أنّ‪:‬‬
‫تصرّف المام على الرّعيّة منوط بالمصلحة ‪ ،‬وقالوا ‪ :‬لو صار الخراج في يده جاز له أن‬
‫ن صاحب الخراج‬
‫يخصّ به شخصًا إذا رأى المصلحة فيه فجاز له تركه بطريق الولى ‪ ،‬ول ّ‬
‫ح تركه عليه ‪.‬‬
‫له حقّ في الخراج فص ّ‬
‫وقد قيّد بعض علماء الحنفيّة والحنابلة ذلك بأن يكون الشّخص الّذي ينوي المام إسقاط‬
‫الخراج عنه ‪ ،‬ممّن يستحقّون الخراج كالفقيه والجنديّ ‪ ،‬والقاضي ‪ ،‬والمؤذّن وغير ذلك ‪.‬‬
‫وذهب محمّد بن الحسن إلى أنّه ل يجوز للمام إسقاط الخراج عمّن وجب عليه ‪ ،‬لنّ الخراج‬
‫حقّ من حقوق المسلمين فل يجوز للمام إسقاطه كالعشر ‪.‬‬
‫وبالنّسبة للمالكيّة والشّافعيّة فلم نقف لهم على نصوص في هذه المسألة ‪.‬‬
‫خامسًا ‪ :‬البناء على الرض الخراجيّة ‪:‬‬
‫‪ - 61‬اختلف الفقهاء في استمرار وظيفة الخراج على الرض الخراجيّة بعد أن يبنى عليها‬
‫أبنية وحوانيت ‪.‬‬
‫أ ‪ -‬فذهب جمهور الفقهاء من المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة إلى استمرار وجوب الخراج وعدم‬
‫سقوطه عن تلك الرض ‪ ،‬لنّ الخراج ل يتوقّف على الزّرع والغرس ‪.‬‬
‫روى يعقوب بن بختان أنّه سأل أحمد بن حنبل ‪ ،‬ترى أن يخرج الرّجل عمّا في يده من دار ‪،‬‬
‫أو ضيعة على ما وظّف عمر رضي ال عنه على ك ّل جريب فيتصدّق به ؟ فقال ما أجود‬
‫هذا‪ .‬فقال يعقوب ‪ :‬بلغني عنك أنّك تعطي من دارك الخراج فتتصدّق به ‪ .‬فقال ‪ :‬نعم ‪.‬‬
‫وقد علّل علماء الحنابلة فعل أحمد بقولهم ‪ :‬إنّما كان أحمد يفعل ذلك لنّ بغداد من أرض‬
‫السّواد الّتي وضع عليها عمر الخراج ‪ ،‬فلمّا بنيت مساكن ‪ ،‬راعى أحمد حالها الولى الّتي‬
‫كانت عليها في عهد عمر رضي ال عنه ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬وذهب الحنفيّة إلى سقوط الخراج عن الرض الخراجيّة بعد أن يبني عليها من هي بيده‬
‫أبنيةً وحوانيت ‪ ،‬ول يجب الخراج على الرض إلّ إذا جعلها بستانا ‪ ،‬أو مزرعةً ‪ ،‬لنّ‬
‫الخراج يتعلّق بنماء الرض وغلّتها ‪.‬‬
‫ج ‪ -‬ويرى الماورديّ أنّ الخراج يسقط عن الرض الخراجيّة الّتي بنى عليها من هي بيده‬
‫أبنيةً ضروريّةً ل غنى له عنها ‪ .‬كأن يبني له بيتا يسكنه ‪.‬‬
‫وأمّا البنية الزّائدة على قدر حاجته فل تكون سببا في سقوط الخراج عن الرض الخراجيّة‬
‫كأن يبني عليها أبنيةً للستغلل والنّماء ‪.‬‬
‫سادسًا ‪ :‬إسلم مالك الرض الخراجيّة أو انتقالها إلى مسلم ‪:‬‬
‫‪ -‬اتّفق الفقهاء على أ نّ الخراج العنو يّ ل يسقط عن الرض الخراجيّة بإسلم صاحبها‬ ‫‪62‬‬

‫ن الرض المفتوحة عنوةً موقوفة على جميع المسلمين ‪ ،‬والخراج‬


‫ول بانتقالها إلى مسلم ‪ ،‬ل ّ‬
‫المضروب عليها بمثابة الجرة فل يسقط بإسلم من بيده هذه الرض ول بانتقالها إلى مسلم‪.‬‬
‫واختلفوا في الخراج ال صّلحيّ " المضروب على الرض الّتي صالح المسلمون أهلها على أ نّ‬
‫لهم الرض وللمسلمين الخراج " هل يسقط بعد إسلم صاحبها ‪ ،‬أو انتقالها إلى مسلم ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬فذهب جمهور الفقهاء من المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة إلى سقوط الخراج الصّلحيّ إذا‬
‫أسلم صاحب الرض ‪ ،‬أو انتقلت إلى مسلم ‪ ،‬لما روى « العلء بن الحضرميّ قال ‪ :‬بعثني‬
‫رسول اللّه صلى ال عليه وسلم إلى البحرين ‪ ،‬أو إلى هجر ‪ ،‬فكنت آتي الحائط يكون بين‬
‫الخوة يسلم أحدهم ‪ ،‬فآخذ من المسلم العشر ‪ ،‬ومن المشرك الخراج » ‪ .‬ولنّ الخراج‬
‫الصّلحيّ بمثابة الجزية الّتي تتعلّق بالكفر ‪ ،‬فإذا زال الكفر سقط الخراج كما تسقط الجزية ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬وذهب الحنفيّة إلى عدم سقوط الخراج الصّلحيّ قياسا على الخراج العنويّ ‪ ،‬ولنّ‬
‫ل لضرورة ‪ ،‬فإذا أسلم‬
‫الخراج مؤنة الرض ‪ ،‬والصل فيها أنّها ل تتغيّر بتبدّل المالك إ ّ‬
‫ن المسلم من أهل‬
‫صاحب الرض الخراجيّة أو باعها من مسلم فل ضرورة لتغيّر المؤنة ‪ ،‬ل ّ‬
‫وجوب الخراج ‪ -‬أي في الجملة ‪. -‬‬
‫اجتماع العشر والخراج على المسلم ‪:‬‬
‫‪ - 63‬اختلف الفقهاء في هذه المسألة ‪ ،‬فذهب جمهور الفقهاء من المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة‬
‫ن المسلم الّذي يملك الرض الخراجيّة يطالب بالزّكاة " العشر " والخراج معا إذا زرعها‬
‫إلى أ ّ‬
‫أو انتفع بها ‪.‬‬
‫ط ّيبَاتِ مَا‬
‫واستدلّوا لجتماع العشر والخراج ‪ ،‬بقوله تعالى ‪ { :‬يَا َأ ّيهَا اّلذِينَ آ َمنُو ْا أَنفِقُواْ مِن َ‬
‫لرْضِ } ‪ .‬فالية عامّة في كلّ أرض ينتفع بها وتزرع سواء‬
‫جنَا َلكُم مّنَ ا َ‬
‫خرَ ْ‬
‫سبْ ُتمْ َو ِممّا َأ ْ‬
‫َك َ‬
‫أكانت خراجيّةً ‪ ،‬أو عشريّ ًة ‪ ،‬كما استدلّوا بعموم قوله ‪ « :‬فيما سقت السّماء والعيون أو كان‬
‫عثريّا العشر ‪ ،‬وما سقي بالنّضح نصف العشر » ‪.‬‬
‫ل ‪ :‬أمّا اختلفهما ذاتا‬
‫ن العشر والخراج حقّان مختلفان ذاتا ‪ ،‬وسببا ‪ ،‬ومصرفا ‪ ،‬ودلي ً‬
‫ول ّ‬
‫فلنّ العشر فيه معنى العبادة ‪ ،‬والخراج فيه معنى العقوبة ‪.‬‬
‫ن العشر يجب في الخارج من الرض ‪ ،‬والخراج يجب في الرض‬
‫وأمّا اختلفهما سببا فل ّ‬
‫النّامية ‪ ،‬سواء أكان النّماء حقيقيّا أم تقديريّا بأن يتمكّن من النتفاع بالرض ‪.‬‬
‫ن مصرف العشر ‪ :‬الصناف الثّمانية ‪ ،‬المحدّد في آية‬
‫وأمّا اختلفهما مصرفا ‪ ،‬فل ّ‬
‫ن دليل العشر ‪:‬‬
‫الصّدقات ‪ ،‬ومصرف الخراج ‪ :‬المصالح العامّة ‪ .‬وأمّا اختلفهما دليلً ‪ ،‬فل ّ‬
‫النّصّ ‪ ،‬ودليل الخراج الجتهاد المبنيّ على مراعاة المصالح ‪.‬‬
‫وإذا ثبت اختلفهما من هذه الوجوه فل مانع من اجتماعهما ‪ ،‬ووجوب أحدهما ل يمنع وجوب‬
‫الخر ‪ ،‬كاجتماع الجزاء والقيمة عند قتل المحرم للصّيد المملوك ‪.‬‬
‫وذهب الحنفيّة إلى عدم اجتماع العشر والخراج في الرض الخراجيّة الّتي يملكها مسلم ‪ ،‬ول‬
‫يجب في هذه الرض سوى الخراج ‪ .‬واستدلّوا لذلك بما روى ابن مسعود رضي ال عنه عن‬
‫النّبيّ صلى ال عليه وسلم أنّه قال ‪ « :‬ل يجتمع على المسلم خراج وعشر » ‪.‬‬
‫وبما روى طارق بن شهاب قال كتب إليّ عمر بن الخطّاب في دهقانة نهر الملك ‪ -‬كورة‬
‫واسعة من الرض الّتي بنيت بها بغداد ‪ -‬أسلمت فكتب ‪ :‬أن ادفعوا إليها أرضها تؤدّي عنها‬
‫الخراج ‪ .‬فأمر عمر رضي ال عنه بأخذ الخراج ‪ ،‬ولم يأمر بأخذ العشر ‪ ،‬ولو كان واجبا‬
‫لمر به ‪ .‬ولنّه لم يأخذ أحد من أئمّة العدل ‪ ،‬وولة الجور من أرض السّواد عشرا ‪ ،‬ولنّ‬
‫سبب وجوبهما واحد وهو الرض النّامية ‪ ،‬فل يجتمعان في أرض واحدة كما ل يجتمع‬
‫زكاتان في مال واحد كزكاة السّائمة والتّجارة في الحيوانات ‪.‬‬
‫مصارف الخراج ‪:‬‬
‫‪ - 64‬لم يفرّق الفقهاء بين الخراج والفيء في الصّرف ‪ ،‬كما فرّقوا بين الفيء والزّكاة من‬
‫جهة ‪ ،‬ومن جهة ثانية بين الفيء والغنيمة ‪.‬‬
‫فالفيء يتوقّف صرفه على اجتهاد المام في تقدير المصالح ‪ ،‬وتقديم اله ّم على المهمّ ‪،‬‬
‫والزّكاة تصرف في المصارف الثّمانية الّتي حدّدتها آية الصّدقات ‪.‬‬
‫والغنيمة تخمّس ‪ ،‬وتقسم الربعة الخماس بين الغانمين كما حدّدت آية الغنائم ‪.‬‬
‫قال ابن رشد ‪ :‬يصرف خراجها ‪ -‬أي خراج الرض المفتوحة عنوةً ‪ -‬في مصالح المسلمين‬
‫من أرزاق المقاتلة وبناء القناطر ‪ ،‬والمساجد وغير ذلك من سبل الخير ‪.‬‬
‫وقال البهوتيّ ‪ :‬ومصرف الخراج كفيء لنّه منه ‪.‬‬
‫وقال الكاسانيّ ‪ :‬وأمّا مصرف النّوع الثّالث من الخراج وأخواته فعمارة الدّين ‪ ،‬وإصلح‬
‫مصالح المسلمين وهو رزق الولة ‪ ،‬والقضاة وأهل الفتوى من العلماء ‪ ،‬والمقاتلة ‪ ،‬ورصف‬
‫الطّرق وعمارة المساجد ‪ ،‬والرّباطات ‪ ،‬والقناطر ‪ ،‬والجسور وس ّد الثّغور ‪ ،‬وإصلح النهار‬
‫الّتي ل ملك لحد فيها ‪.‬‬
‫وقال النّوويّ في الرّوضة ‪ :‬ما يؤخذ من خراج هذه الرض يصرفه المام في مصالح‬
‫المسلمين الهمّ فالهمّ ‪ ،‬ويجوز صرفه إلى الفقراء والغنياء من أهل الفيء وغيرهم ‪.‬‬
‫ن الخراج من جملة الفيء المصروف في مصالح المسلمين ‪.‬‬
‫هذا ما قرّره الفقهاء ‪ ،‬ل ّ‬
‫وانظر أيضا مصطلح ‪ :‬بيت المال ‪ ،‬وفيء ‪.‬‬
‫حكم تخميس الخراج ‪:‬‬
‫ن الفيء ل يخمّس ‪ ،‬بل‬
‫‪ - 65‬ذهب جمهور الفقهاء من الحنفيّة والمالكيّة والحنابلة إلى أ ّ‬
‫يصرف في مصالح المسلمين ‪ ،‬وأنّ المام يعطي منه للمقاتلين ‪ ،‬والولة ‪ ،‬والقضاة ‪ ،‬والعمّال‬
‫‪ ،‬والئمّة والمؤذّنين ‪ ،‬والفقهاء ‪ ،‬وكلّ من يحتاج إليه المسلمون ‪ ،‬ويصرف على بناء القناطر‬
‫‪ ،‬والمساجد ‪ ،‬وشقّ الطّرق وغير ذلك ‪ ،‬ويبدأ المام بالهمّ فالمهمّ ‪ ،‬فإن بقي بعد ذلك منه‬
‫شيء قسمه بين المسلمين ‪ ،‬ول فرق بين الغنياء والفقراء ‪.‬‬
‫خيْلٍ وَلَا‬
‫ن َ‬
‫واستدلّوا لذلك بقوله تعالى ‪َ { :‬ومَا َأفَاء اللّهُ عَلَى َرسُوِلهِ ِم ْن ُهمْ َفمَا أَ ْوجَ ْف ُتمْ عََليْ ِه مِ ْ‬
‫ل شَيْ ٍء قَدِيرٌ } ‪.‬‬
‫ن اللّهَ ُيسَّلطُ ُرسُلَهُ عَلَى مَن َيشَاء وَاللّهُ عَلَى كُ ّ‬
‫ِركَابٍ وََلكِ ّ‬
‫قال المفسّرون ‪ :‬طلب المسلمون من رسول اللّه صلى ال عليه وسلم أن يخمّس أموال بني‬
‫النّضير لمّا أجلوا عنها فنزلت هذه الية تبيّن أنّها فيء لم تحصل لهم بمحاربتهم ‪ ،‬وإنّما هو‬
‫بتسليط رسول اللّه صلى ال عليه وسلم فهو له خاصّةً يفعل منه ما يشاء ‪.‬‬
‫ويؤيّد ذلك ما روي عن عمر رضي ال عنه أنّه قال ‪ « :‬كانت أموال بني النّضير ممّا أفاء‬
‫اللّه عزّ وجلّ على رسوله ممّا لم يوجف المسلمون عليه بخيل ول ركاب فكانت لرسول اللّه‬
‫صلى ال عليه وسلم خاصّ ًة ‪ ،‬ينفق على أهله نفقة سنة ثمّ يجعل ما بقي في الكراع والسّلح‬
‫عدّ ًة للمسلمين » ‪ .‬هذا ما كان يفعل بالفيء في حياة النّبيّ صلى ال عليه وسلم أمّا بعد وفاته‬
‫فقد أصبح لجميع المسلمين ‪ ،‬وليس للمام خاصّةً ‪ ،‬يصرفه في مصالح المسلمين ‪ ،‬ويقدّم‬
‫الهمّ على المهمّ ‪ ،‬ويؤيّد ذلك ما روي عن المامين أبي بكر وعمر رضي ال عنهما أنّهما‬
‫كانا يجعلنه في مصالح المسلمين عا ّمةً ‪.‬‬
‫ن المام ينصر بسبب قومه ل بسببه خاصّةً‬
‫ولذا ل يجوز للمام أن يختصّ بالفيء لنفسه ل ّ‬
‫فكانت أموال الفيء للمسلمين كلّهم ‪.‬‬
‫ن أَهْلِ الْ ُقرَى‬
‫ن الفيء يخمّس لقوله تعالى ‪ { :‬مّا َأفَاء اللّهُ عَلَى َرسُولِ ِه مِ ْ‬
‫وذهب الشّافعيّة إلى أ ّ‬
‫سبِيلِ } ‪.‬‬
‫ن ال ّ‬
‫فَلِلّهِ وَلِل ّرسُولِ وَِلذِي الْ ُق ْربَى وَا ْل َيتَامَى وَا ْل َمسَاكِينِ وَابْ ِ‬
‫فذكر الصناف في هذه الية من باب التّعديد للصناف الّذين يستحقّون هذا المال ومن ثمّ فل‬
‫يتعدّى به هؤلء ‪ .‬انظر ‪ ( :‬خمس ‪ ،‬وفيء ) ‪.‬‬

‫خرس *‬
‫التّعريف ‪:‬‬
‫‪ - 1‬الخرس مصدر خرس ‪ ،‬يقال ‪ :‬خرس النسان خرسا ‪ ،‬إذا منع الكلم خلقةً ‪ ،‬أي خلق‬
‫ول نطق له ‪ .‬أو ذهب كلمه عيّا ‪ .‬ول يخرج استعمال الفقهاء له عن هذا المعنى ‪.‬‬
‫اللفاظ ذات الصّلة ‪:‬‬
‫اعتقال اللّسان ‪:‬‬
‫‪ - 2‬العتقال ‪ :‬الحبس ‪ ،‬واعتقل لسانه ‪ :‬إذا حبس ومنع الكلم ‪.‬‬
‫والمعتقل اللّسان وسط بين الخرس والنّاطق ‪.‬‬
‫الحكام المتعلّقة بالخرس ‪:‬‬
‫إسلم الخرس ‪:‬‬
‫‪ - 3‬يصير الكافر مسلما بالذعان بالقلب والنّطق بالشّهادتين إن كان قادرا على النّطق ‪ ،‬فإن‬
‫كان عاجزًا عن النّطق لخرس ‪ ،‬فإنّه يكتفى في إسلمه بالشارة مع قيام القرائن على أنّه‬
‫أذعن بقلبه ‪ .‬وهذا مذهب المالكيّة والصّحيح عند الشّافعيّة ‪ .‬وهو ما استظهره ابن نجيم من‬
‫الحنفيّة ‪ ،‬قال ‪ :‬والظّاهر صحّة إسلم الخرس بالشارة ‪ ،‬ولم أر الن فيها نقلً صريحا ‪.‬‬
‫ومقابل الصّحيح عند الشّافعيّة اشتراط صلة الخرس بعد إسلمه بالشارة ‪.‬‬
‫ح إسلم الخرس بالشارة المفهمة ‪ ،‬وقيل ‪ :‬ل يحكم بإسلمه‬
‫جاء في روضة الطّالبين ‪ :‬يص ّ‬
‫إلّ إذا صلّى بعد الشارة ‪ ،‬وهو ظاهر نصّه في المّ ‪ ،‬والصّحيح المعروف الوّل ‪ ،‬وحمل‬
‫النّصّ على ما إذا لم تكن الشارة مفهمةً ‪.‬‬
‫تكبير الخرس وقراءته في الصّلة ‪:‬‬
‫‪ - 4‬تشتمل الصّلة على أقوال وأفعال ‪ ،‬ومن القوال ما هو فرض ‪ ،‬كتكبيرة الحرام‬
‫والقراءة ‪ ،‬ومنها ما هو سنّة كالتّكبيرات الخرى ‪.‬‬
‫فمن كان عاجزا عن النّطق لخرس تسقط عنه القوال ‪ ،‬وهذا باتّفاق الفقهاء ‪.‬‬
‫واختلفوا في وجوب تحريك لسانه بالتّكبير والقراءة ‪ .‬فعند المالكيّة والحنابلة ‪ -‬عدا القاضي‬
‫‪ -‬وهو الصّحيح عند الحنفيّة ‪ ،‬ل يجب على الخرس تحريك لسانه ‪ ،‬وإنّما يحرم للصّلة‬
‫بقلبه ‪ ،‬لنّ تحريك اللّسان عبث ‪ ،‬ولم يرد الشّرع به ‪.‬‬
‫وعند الشّافعيّة يجب على الخرس تحريك لسانه ‪ ،‬وشفتيه ‪ ،‬ولهاته بالتّكبير قدر إمكانه ‪ ،‬قال‬
‫في المجموع ‪ :‬وهكذا حكم تشهّده ‪ ،‬وسلمه ‪ ،‬وسائر أذكاره ‪ ،‬قال ابن الرّفعة ‪ :‬وإن عجز‬
‫عن ذلك نواه بقلبه كالمريض ‪.‬‬
‫ن هذا عند الشّافعيّة بالنّسبة للخرس الطّارئ ‪ ،‬أمّا الخرس الخلقيّ فل يجب معه‬
‫لكن يظهر أ ّ‬
‫تحريك شيء ‪ .‬ونحو ذلك قال القاضي من الحنابلة ‪.‬‬
‫ن تحريك لسان الخرس في تكبيرة الفتتاح والتّلبية لزم على القول به ‪،‬‬
‫وقال ابن نجيم ‪ :‬إ ّ‬
‫أو على المفتى به ‪ ،‬وأمّا بالقراءة فل على المختار ‪.‬‬
‫القتداء بالخرس ‪:‬‬
‫‪ - 5‬ل يجوز اقتداء النّاطق بالخرس ولو كان النّاطق أ ّميّا ‪ ،‬لنّ الخرس أسوأ حالً من‬
‫ال ّميّ لقدرة ال ّميّ على التّحريمة ‪ ،‬وعجز الخرس عن التيان بالتّحريمة والقراءة ‪ ،‬وهذا‬
‫باتّفاق الفقهاء ‪ .‬لكنّهم اختلفوا في اقتداء الخرس بأخرس مثله ‪.‬‬
‫فعند الحنفيّة والمالكيّة يجوز اقتداء الخرس بأخرس مثله لتساويهما في العجز ‪.‬‬
‫وعند الشّافعيّة والحنابلة ل يجوز اقتداء الخرس بأخرس مثله لجواز أن يحسن أحدهما ما ل‬
‫يحسنه الخر ‪ ،‬أو أنّه قد يكون لحدهما قوّة بحيث لو كان ناطقًا أحسن ما ل يحسنه الخر ‪.‬‬
‫إشارة الخرس في الصّلة ‪:‬‬
‫ن الكلم في الصّلة يبطلها ‪ ،‬فهل تعتبر إشارة الخرس في الصّلة مثل‬
‫‪ - 6‬من المقرّر أ ّ‬
‫كلم النّاطق ؟ في قول عند المالكيّة وهو الصّحيح عند الشّافعيّة ‪ :‬أنّها ل تبطل بإشارة‬
‫الخرس ‪ ،‬لنّ الشارة في الصّلة جائزة من النّاطق ‪.‬‬
‫واعتبر الحنابلة الشارة فعلً ل قولً ‪ ،‬فل تبطل الصّلة بها إلّ إذا كثرت عرفًا وتوالت ‪.‬‬
‫ن الصّلة تبطل بإشارة‬
‫وفي القول الثّاني عند المالكيّة وهو مقابل الصّحيح عند الشّافعيّة ‪ :‬إ ّ‬
‫الخرس ‪ ،‬لنّ إشارته كالكلم ‪ .‬وفي قول ثالث عند المالكيّة ‪ :‬إن قصد الكلم تبطل‬
‫صلته ‪ ،‬وإن لم يقصد لم تبطل ‪ .‬والّذي يظهر من كلم الحنفيّة أنّ الصّلة ل تبطل عندهم‬
‫بالشارة ‪ .‬كما قال الحصكفيّ ‪ :‬ل بأس بتكليم المصلّي وإجابته برأسه ‪ ،‬كما لو طلب منه‬
‫شيء أو أري درهما ‪ ،‬وقيل ‪ :‬أجيّد ؟ فأومأ بنعم أو ل ‪ ،‬أو قيل كم صلّيتم ؟ فأشار بيده أنّهم‬
‫صلّوا ركعتين‪.‬‬
‫ذبح الخرس وصيده ‪:‬‬
‫‪ - 7‬يختلف الفقهاء في كون التّسمية عند الذّبح والصّيد واجب ًة أو سنّةً ‪.‬‬
‫ل ذبيحة الخرس وصيده مع عدم تسميته لعدم قدرته على النّطق ‪.‬‬
‫ولكنّهم يتّفقون على ح ّ‬
‫إلّ أنّ الحنابلة قالوا ‪ :‬إن كان المذكّي أخرس أومأ برأسه إلى السّماء ‪ ،‬ولو أشار إشار ًة تدلّ‬
‫على التّسمية ‪ ،‬وعلم أنّه أراد التّسمية ‪ ،‬كان فعله كافيًا لقيام إشارته مقام نطقه ‪.‬‬
‫وقالوا في الصّيد ‪ :‬ل تعتبر التّسمية من الخرس عند إرسال السّهم والجارحة لتعذّرها منه ‪،‬‬
‫والظّاهر أنّه ل بدّ من إشارته بها ‪ ،‬كما تقدّم في الذّكاة لقيام إشارته مقام نطقه ‪.‬‬
‫وما قاله الحنابلة هو رأي عند الشّافعيّة ‪.‬‬
‫جاء في المجموع ‪ :‬الخرس إن كانت له إشارة مفهومة حلّت ذبيحته بالتّفاق ‪ ،‬وإن لم تكن‬
‫ل أيضا ‪ ،‬وبه قطع الكثرون ‪ ،‬والرّأي الثّاني أنّه‬
‫له إشارة مفهومة فطريقان ‪ :‬المذهب الح ّ‬
‫يعتبر كالمجنون ‪ ،‬وبهذا الرّأي قطع البغويّ والرّافعيّ ‪.‬‬
‫تصرّفات الخرس ‪:‬‬
‫‪ - 8‬إذا كان للخرس إشارة معلومة مفهومة ‪ ،‬فإنّها تقوم مقام عبارته في تصرّفاته العقديّة‬
‫كالبيع والجارة ‪ ،‬والهبة ‪ ،‬والرّهن ‪ ،‬والضّمان ‪ ،‬والنّكاح ‪ ،‬وغير ذلك ‪ .‬وكذلك في الحلول‬
‫ن الشّارع تعبّد‬
‫كالطّلق والعتاق والبراء ‪ .‬فالشارة تعتبر حجّةً في حقّ الخرس ‪ ،‬ل ّ‬
‫النّاطقين بالعبارة ‪ ،‬فإذا عجز الخرس عن العبارة أقامت الشّريعة إشارته مقام عبارته ‪.‬‬
‫وكذلك تقوم الكتابة المستبينة المرسومة ‪ -‬أي الّتي تكتب على النّحو الّذي تعارفه النّاس ‪-‬‬
‫ن الكتابة زيادة بيان ‪.‬‬
‫مقام عبارته في هذه التّصرّفات ‪ ،‬ل ّ‬
‫وهذا قدر متّفق عليه بين الفقهاء إلّ أنّ هناك تقييدات تنظر في مصطلح ( إشارة ) ‪.‬‬
‫طلق الخرس ‪:‬‬
‫ن طلق الخرس بإشارته المفهمة يقع ‪ ،‬وفصّل الشّافعيّة والحنابلة‬
‫‪ - 9‬ذهب الفقهاء إلى أ ّ‬
‫ل أحد ‪ ،‬فصريحة ‪ ،‬وإن اختصّ بفهم‬
‫فقالوا ‪ :‬إنّ إشارة الخرس بالطّلق إن فهم طلقه بها ك ّ‬
‫الطّلق منها بعض النّاس دون بعض فهي كناية تحتاج إلى نيّة ‪.‬‬
‫لعان الخرس ‪:‬‬
‫‪ - 10‬يختلف الفقهاء في اعتبار إشارة الخرس أو كتابته في اللّعان ‪ ،‬وقيامها مقام عبارة‬
‫النّاطق ‪ .‬فعند جمهور الفقهاء ‪ -‬المالكيّة والشّافعيّة وهو المعتمد في المذهب عند الحنابلة ‪-‬‬
‫ح لعانه بالشارة ‪ ،‬كما يصحّ‬
‫إن كان للخرس " زوجا أو زوج ًة " إشارة مفهومة ص ّ‬
‫بالكتابة ‪ ،‬ويكرّر الشارة أو الكتابة كالنّاطق الّذي يكرّر اللّفظ ‪.‬‬
‫ويترتّب على لعان الخرس أو الخرساء عند الجمهور ‪ ،‬ما يترتّب على لعان النّاطق من‬
‫أحكام ‪ ،‬كسقوط الحدّ ‪ ،‬ونفي النّسب وغير ذلك ‪ .‬ولو لعن الخرس بالشارة ‪ ،‬أو الكتابة ثمّ‬
‫انطلق لسانه فتكلّم فأنكر اللّعان ‪ ،‬أو قال ‪ :‬لم أرده فعند الشّافعيّة والحنابلة يقبل قوله فيما عليه‬
‫فيطالب بالحدّ ‪ ،‬ويلحقه النّسب ‪ ،‬ول يقبل قوله فيما له ‪ ،‬فل ترتفع الفرقة والتّحريم المؤبّد ‪،‬‬
‫وله أن يلعن في الحال لسقاط الحدّ ‪ ،‬ولنفي الولد إن لم يفت زمن النّفي ‪.‬‬
‫وعند المالكيّة ل يقبل إنكاره مطلقا ‪.‬‬
‫ح اللّعان من الخرس أو الخرساء ‪ ،‬ل بالشارة‬
‫وذهب الحنفيّة وبعض الحنابلة إلى أنّه ل يص ّ‬
‫ول بالكتابة ‪ ،‬لنّ اللّعان لفظ يفتقر إلى الشّهادة فلم يصحّ من الخرس ‪ ،‬لنّه ل يتأتّى منه لفظ‬
‫الشّهادة ‪ ،‬وسواء أكانا أخرسين أم أحدهما ‪.‬‬
‫وقال الحنفيّة ‪ :‬لو تلعن الزّوجان وهما ناطقان ‪ ،‬ثمّ زالت أهليّة اللّعان قبل التّفريق بخرسهما‬
‫‪ ،‬أو خرس أحدهما بطل اللّعان ‪ ،‬ول تفريق ‪ ،‬ول حدّ لدرئه بالشّبهة ‪.‬‬
‫إقرار الخرس ‪:‬‬
‫‪ - 11‬تعتبر الشارة من الخرس إذا كانت مفهوم ًة قائم ًة مقام العبارة في إقراره ‪ ،‬وكذا‬
‫الكتابة منه ‪ ،‬ويؤخذ بذلك في كلّ ما أقرّ به من حقوق العباد بما في ذلك القصاص ‪.‬‬
‫ل في قول عند الحنفيّة ‪ :‬إنّ القصاص ل يثبت بإقرار الخرس ‪.‬‬
‫وهذا باتّفاق الفقهاء إ ّ‬
‫واختلف في إقرار الخرس بما يوجب الحدّ كالقذف والزّنى والسّرقة ‪.‬‬
‫فذهب المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة وأبو ثور وابن المنذر إلى أنّ الخرس يؤخذ بإقراره بما‬
‫ح إقراره بغير ما يوجب الح ّد صحّ إقراره بما يوجبه كالنّاطق ‪.‬‬
‫ن من ص ّ‬
‫يوجب الحدّ ‪ ،‬ل ّ‬
‫وذهب الحنفيّة ‪ -‬وهو احتمال لكلم الخرقيّ من الحنابلة ذكره صاحب المغني ‪ -‬إلى أنّ‬
‫ن الحدود تدرأ بالشّبهات‬
‫الخرس ل تعتبر إشارته أو كتابته في إقراره بما يوجب الحدّ ‪ ،‬ل ّ‬
‫لكونها حقّ اللّه تعالى ‪.‬‬
‫وينظر التّفصيل في مصطلح ( إقرار ف ‪ ، 58 / 54 /‬وحدّ ‪ ،‬وقصاص ) ‪.‬‬
‫شهادة الخرس ‪:‬‬
‫ن شهادة الخرس ل تقبل‪،‬‬
‫‪ - 12‬ذهب الحنفيّة والحنابلة ‪ -‬وهو الصحّ عند الشّافعيّة ‪ -‬إلى أ ّ‬
‫ن مراعاة لفظ الشّهادة شرط صحّة أدائها ‪ ،‬ول عبارة للخرس أصلً ‪ ،‬فل تقبل شهادته‬
‫لّ‬
‫ن الشّهادة يعتبر فيها اليقين ‪ ،‬ولذلك ل يكتفى بإشارة النّاطق‪ .‬لكن قال‬
‫ولو فهمت إشارته ‪ ،‬ل ّ‬
‫الحنابلة ‪ :‬إذا أدّى الخرس الشّهادة بخطّه فإنّها تقبل ‪.‬‬
‫وعند المالكيّة ومقابل الصحّ عند الشّافعيّة تقبل شهادة الخرس ويؤدّيها بإشارة مفهمة أو‬
‫ن الشّهادة علم يؤدّيه الشّاهد‬
‫كتابة ‪ ،‬فإذا قطع الحاكم بفهم مقصوده من إشارته حكم بها ‪ ،‬ل ّ‬
‫إلى الحاكم ‪ ،‬فإذا فهم عنه بطريق يفهم عن مثله قبلت منه ‪ ،‬كالنّطق إذا أدّاها بالصّوت ‪.‬‬
‫قضاء الخرس وفتياه ‪:‬‬
‫‪ - 13‬النّطق من الصّفات الّتي يجب توافرها فيمن يتولّى القضاء ‪ ،‬لنّ الخرس ل يمكنه‬
‫النّطق بالحكم ‪ ،‬ول يفهم جميع النّاس إشارته وهذا باتّفاق عدا وجه مقابل للصّحيح عند‬
‫الشّافعيّة ‪.‬‬
‫ن صفة النّطق شرط فل يجوز تولية‬
‫ويرى الحنفيّة والحنابلة وهو الصّحيح عند الشّافعيّة أ ّ‬
‫الخرس القضاء ول يصحّ قضاؤه ‪.‬‬
‫واعتبر المالكيّة صفة النّطق واجبا غير شرط في البتداء والدّوام ‪ ،‬ولذا يجب عزله ‪ .‬لكن إن‬
‫وقع وحكم نفذ حكمه ‪.‬‬
‫ن في ولية الخرس على القضاء قولًا آخر للشّافعيّة بصحّتها إذا فهمت‬
‫وذكر ابن أبي الدّم أ ّ‬
‫إشارته ‪ .‬أمّا بالنّسبة للفتاء فإنّه تصحّ فتوى الخرس وذلك حيث فهمت إشارته ‪.‬‬
‫يمين الخرس ‪:‬‬
‫‪ - 14‬اختلف الفقهاء في اعتبار إشارة الخرس في اليمين ‪.‬‬
‫فذهب الحنفيّة والمالكيّة إلى صحّة اليمان من الخرس بالشارة إذا كان يفهم ويفهم عنه ‪.‬‬
‫قال الحنفيّة ‪ :‬يستحلف الخرس فيقول له القاضي ‪ :‬عليك عهد اللّه إن كان لهذا عليك هذا‬
‫الحقّ ؟ ‪ ،‬ويشير الخرس برأسه ‪ :‬أي نعم ‪.‬‬
‫واختلفت أقوال فقهاء الشّافعيّة بين انعقاد اليمين بالشارة وعدم انعقادها ‪.‬‬
‫فالقول بعدم انعقاد اليمين بالشارة ذكره السّيوطيّ ‪ ،‬قال ‪ :‬تعتبر إشارة الخرس في الدّعاوى‬
‫ل اللّعان ‪.‬‬
‫ول ينعقد بها اليمان إ ّ‬
‫وصرّح الزّركشيّ في قواعده بذلك فقال ‪ :‬إشارة الخرس كنطقه إلّ في مسائل ‪ ،‬ومنها ‪:‬‬
‫حلف بالشارة ل تنعقد يمينه ‪.‬‬
‫وأمّا القول بانعقاد يمين الخرس إذا فهمت إشارته فقد ذكره الزّركشيّ عقب كلمه بعدم‬
‫النعقاد فقال ‪ :‬وفي البيان في كتاب القضية قال الشّافعيّ رحمه ال في المّ ‪ :‬إن كان قد‬
‫وجب عليه يمين وهو أخرس ل تفهم إشارته وقف اليمين إلى أن تفهم إشارته ‪ ،‬وإن سأل‬
‫المدّعي أن تردّ عليه اليمين لم تردّ ‪ ،‬لنّه لم يتحقّق نكوله ‪.‬‬
‫وفي حاشية الجمل قال ‪ :‬وقع للزّركشيّ في القواعد عدم انعقاد يمين الخرس بالشارة ‪،‬‬
‫والّذي يظهر خلفه أخذا ممّا صرّحوا به في انعقاد لعانه بالشارة ‪ ،‬ومن قولهم ‪ :‬إنّ إشارته‬
‫ل في ثلثة مواضع ‪ :‬بطلن الصّلة فل تبطل بالشارة ‪ ،‬والحنث ‪ ،‬والشّهادة ‪.‬‬
‫مثل العبارة إ ّ‬
‫قال الجمل ‪ :‬ثمّ رأيت محمّدا الرّمليّ اعتمد انعقاد يمينه بالشارة ‪.‬‬
‫واختلفت أيضا أقوال فقهاء الحنابلة ‪ .‬ففي مطالب أولي النّهى الحلف بألفاظ مخصوصة ‪.‬‬
‫ل على عدم انعقاد يمين الخرس ثمّ قال ‪ :‬لكن صرّح في الفروع في باب صلة الجمعة‬
‫فد ّ‬
‫بانعقاد اليمين منه كال ّنيّة ‪.‬‬
‫وصرّح ابن قدامة في المغني بانعقاد يمين الخرس فقال ‪ :‬إن توجّهت يمين على ورثة وفيهم‬
‫أخرس مفهوم الشارة حلف وأعطي حصّته ‪ ،‬وإن لم تفهم إشارته وقف حقّه ‪.‬‬
‫الخرس بسبب الجناية ‪:‬‬
‫‪ - 15‬اللّسان آلة الكلم ‪ ،‬والعتداء على النسان بما يفقده النّطق ويجعله أخرس ‪ ،‬إمّا أن‬
‫يكون بقطع اللّسان ‪ ،‬أو بضرب يؤدّي إلى ذهاب الكلم مع بقاء اللّسان ‪.‬‬
‫وذلك إمّا أن يكون عمدًا أو خطأً ‪ ،‬وفي موجب ذلك من قصاص أو دية خلف وتفصيل‬
‫يرجع إليه في ( جناية على ما دون النّفس ‪ ،‬ودية ) ‪.‬‬
‫الجناية على لسان الخرس ‪:‬‬
‫‪ - 16‬ذهب الحنفيّة والمالكيّة والشّافعيّة وهو قول عند الحنابلة ‪ :‬إلى أنّ في لسان الخرس‬
‫حكومة عدل ‪ ،‬لنّه ل قصاص فيه وليس له أرش مقدّر لعدم فوات المنفعة ‪ ،‬وإنّما وجبت‬
‫ن اللّسان جزء منه ‪.‬‬
‫حكومة عدل تشريفا للدميّ ‪ ،‬ل ّ‬
‫وقيّد الشّافعيّة ذلك بأن ل يذهب بقطعه الذّوق ‪ ،‬وإلّ ففيه الدّية ‪.‬‬
‫وفي القول الثّاني للحنابلة ‪ :‬إنّ فيه ثلث الدّية لحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جدّه « أنّ‬
‫رسول اللّه صلى ال عليه وسلم قضى في العين العوراء السّادّة لمكانها إذا طمست بثلث ديتها‬
‫‪ ،‬وفي اليد الشّلّاء إذا قطعت بثلث ديتها ‪ ،‬وفي السّنّ السّوداء إذا نزعت بثلث ديتها »‪ .‬وهذا‬
‫إذا كانت الجناية خطًأ أو كانت عمدا من ناطق ‪.‬‬
‫فإن كانت الجناية من أخرس على أخرس عمدًا ‪ ،‬فقد نصّ المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة إذا‬
‫أمنت السّراية على وجوب القصاص للمماثلة والتّكافؤ ‪ ،‬وقواعد الشّافعيّة ل تأبى ذلك ‪ ،‬أمّا‬
‫الحنفيّة فل قصاص عندهم أصلً في اللّسان ‪.‬‬

‫خرص *‬
‫التّعريف ‪:‬‬
‫‪ - 1‬الخرص لغةً ‪ :‬القول بالظّنّ ‪ ،‬ويطلق على الكذب ‪ :‬ومنه قول الحقّ تبارك وتعالى ‪{ :‬‬
‫خرّاصُونَ } ‪ ،‬ويطلق على حزر ما على النّخل والكرم من الثّمار تمرا أو زبيبا ‪.‬‬
‫ُقتِلَ ال َ‬
‫ن النّبيّ صلى ال عليه وسلم « أمر بالخرص في النّخل والكرم خاصّ ًة » ‪.‬‬
‫وروي أ ّ‬
‫والصطلح الشّرعيّ ل يختلف عن ذلك ‪.‬‬
‫اللفاظ ذات الصّلة ‪:‬‬
‫‪ - 2‬التّخمين ‪ ،‬والحدس ‪ ،‬والتّحرّي متقاربة المعنى ‪ ،‬وهي تحديد الشّيء بالظّنّ والتّقدير ‪،‬‬
‫فهي كالخرص في بعض إطلقاته ‪.‬‬
‫الحكم التّكليفيّ ‪:‬‬
‫أوّلً ‪ :‬الخرص فيما تجب فيه الزّكاة ‪:‬‬
‫‪ - 3‬ذهب المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة إلى أنّه يستحبّ للمام خرص الثّمار على رءوس‬
‫النّخل والكرم خاصّةً بعد بدوّ صلحها ‪ ،‬لتحديد قدرها وقدر الزّكاة فيها ‪.‬‬
‫فيبعث ساعيه ليخرص الثّمار على رؤوس النّخل والكرم بعد بد ّو صلحها ‪ ،‬ليعلم بالخرص‬
‫والتّقدير نصاب الزّكاة ‪ ،‬والقدر الواجب إخراجه ‪.‬‬
‫ويشترط المالكيّة لذلك ‪ :‬أن يحتاج أصحاب الثّمار إلى التّصرّف فيها ‪ ،‬أمّا إذا لم يحتاجوا إلى‬
‫التّصرّف فيها ‪ ،‬فينتظر جفاف ما يجفّ من الثّمار وتخرج زكاته تمرا أو زبيبا ‪ ،‬وما ل يجفّ‬
‫ينتظر جذّه ثمّ يكال البلح ‪ ،‬ويوزن العنب ‪ ،‬ثمّ يقدّر جفافهما إذا شكّ في بلوغهما النّصاب ‪.‬‬
‫ن النّبيّ صلى ال عليه‬
‫واستدلّ جمهور الفقهاء لمشروعيّة الخرص ‪ :‬بما روى التّرمذيّ أ ّ‬
‫وسلم ‪ « :‬أمر أن يخرص العنب كما يخرص النّخل ‪ ،‬وتؤخذ زكاته زبيبا كما تؤخذ صدقة‬
‫النّخل تمرا » ‪.‬‬
‫وعند الشّافعيّة قول بوجوب الخرص لظاهر الحديث ‪.‬‬
‫وقال الخطّابيّ ‪ :‬أثبت الحديث النّبويّ الخرص والعمل به ‪ ،‬وهو قول عامّة أهل العلم إلّ ما‬
‫روي عن الشّعبيّ أنّه قال ‪ :‬الخرص بدعة ‪ ،‬وأنكر أصحاب الرّأي ‪ -‬يعني الحنفيّة ‪-‬‬
‫الخرص‪ ،‬وقال بعضهم ‪ :‬إنّما كان ذلك الخرص تخويفًا للكرة لئلّ يخونوا ‪ ،‬فأمّا أن يلزم به‬
‫حكم فل ‪ ،‬وذلك أنّه ظنّ وتخمين وفيه غرر ‪ ،‬وإنّما كان جوازه قبل تحريم الرّبا والقمار ‪.‬‬
‫وقت الخرص ‪:‬‬
‫‪ - 4‬ل خلف بين من يرى مشروعيّة الخرص في أنّه يكون حين يطيب الثّمر ويبدو صلحه‬
‫ن الرّسول صلى ال عليه وسلم كان يبعث عبد اللّه بن‬
‫‪ ،‬لقول عائشة رضي ال عنها ‪ « :‬إ ّ‬
‫رواحة إلى يهود خيبر فيخرص عليهم النّخل حين يطيب قبل أن يؤكل منه » ‪.‬‬
‫ن المقصود من الخرص معرفة قدر الزّكاة ‪ ،‬وإطلق تصرّف أرباب الثّمار في التّصرّف‬
‫ول ّ‬
‫فيها ‪ ،‬ممّا تدعو إليه الحاجة ‪.‬‬
‫ما شرع فيه الخرص ‪:‬‬
‫‪ - 5‬ذهب جمهور الفقهاء إلى أنّ الخرص ل يكون في غير النّخل والكرم ‪ ،‬لورود الثر‬
‫ب في سنبله ‪ ،‬ول الزّيتون لنّه لم يرد فيهما أثر ‪ ،‬وليسا في معنى‬
‫فيهما ‪ ،‬فل يخرص الح ّ‬
‫ب الزّيتون متفرّق في شجره ل‬
‫المنصوص حتّى يقاسا عليه ‪ ،‬والحبّ مستور في سنبله ‪ ،‬وح ّ‬
‫يجمعه عنقود فيصعب خرصه ‪ ،‬ول حاجة بأهله إلى أكله غالبا ‪ ،‬بخلف التّمر والعنب ‪،‬‬
‫فإنّهما يؤكلن رطبا ‪ ،‬فيخرص على أهله للتّوسعة عليهم ليخلّى بينهم ‪ ،‬وبين أكل الثّمرة ‪،‬‬
‫والتّصرّف فيه ‪ ،‬ثمّ يؤدّون الزّكاة منها على ما خرص ‪.‬‬
‫ن ثمرة الكرم ‪ ،‬والنّخل ظاهرة مجتمعة ‪ ،‬فخرصها أسهل ‪ ،‬من خرص غيرها ‪.‬‬
‫ول ّ‬
‫وعند المالكيّة قول ‪ :‬بجواز خرص غير التّمر ‪ ،‬والعنب إذا احتاج أهله ‪ ،‬أو كانوا غير أمناء‪.‬‬
‫وقال الزّهريّ والوزاعيّ واللّيث ‪ :‬يخرص الزّيتون ونحوه ‪ ،‬لنّه ثمر تجب فيه الزّكاة‬
‫فيخرص كالرّطب والعنب ‪.‬‬
‫حكم التّصرّف في الثّمار قبل الخرص ‪ ،‬وبعده ‪:‬‬
‫‪ - 6‬ذهب الشّافعيّة إلى أنّه يحرم التّصرّف بالكل أو البيع ‪ ،‬أو الهبة في شيء من الثّمار قبل‬
‫الخرص ‪ ،‬أو التّضمين والقبول لتعلّق حقّ الفقراء بها ‪ ،‬ولكن إن تصرّف في الكلّ ‪ ،‬أو‬
‫البعض شائعا صحّ فيما عدا نصيب المستحقّين ‪ .‬أمّا بعد الخرص والتّضمين ‪ ،‬وقبول المالك‬
‫التّضمين فل تحريم ‪ ،‬لنتقال الحقّ من العين إلى ال ّذمّة ‪.‬‬
‫وذهب الحنابلة إلى جواز التّصرّف في الثّمار قبل الخرص وبعده بالبيع ‪ ،‬والهبة وغيرهما ‪،‬‬
‫ل أن يشترطها على‬
‫فإن باع ‪ ،‬أو وهب بعد بد ّو الصّلح ‪ ،‬فالزّكاة على البائع والواهب إ ّ‬
‫المبتاع ‪ ،‬وإنّما وجبت على البائع ‪ ،‬لنّها كانت واجبةً عليه قبل البيع ‪ ،‬فبقي على ما كان‬
‫عليه ‪ ،‬ويفهم من كلم المالكيّة نحو كلم الحنابلة ‪.‬‬
‫شروط الخارص ‪:‬‬
‫‪ - 7‬يكفي في الخرص خارص واحد باتّفاق من يرى مشروعيّة الخرص وهم الشّافعيّة‬
‫والمالكيّة ‪ ،‬والحنابلة ‪ .‬لنّ « النّبيّ صلى ال عليه وسلم كان يبعث عبد اللّه بن رواحة‬
‫خارصًا أوّل ما تطيب الثّمار » ولنّه كالحاكم ‪ ،‬ويعمل باجتهاده ‪.‬‬
‫ن الخرص كالتّقويم والشّهادة ‪ ،‬وكلهما‬
‫وعند الشّافعيّة قول ‪ :‬باشتراط تعدّد الخارص ‪ ،‬ل ّ‬
‫يشترط فيه التّعدّد ‪.‬‬
‫ويشترط أن يكون الخارص أمينا غير متّهم ‪ ،‬عدلً ‪ ،‬عارفا بالخرص ‪ ،‬وتشترط الذّكورة‬
‫ن الخرص ولية ‪ ،‬وليس الرّقيق ‪ ،‬والمرأة من أهلها‪.‬‬
‫والح ّريّة عند الشّافعيّة ‪ ،‬في الصحّ ‪ ،‬ل ّ‬
‫صفة الخرص ‪:‬‬
‫‪ - 8‬تختلف صفة الخرص باختلف الثّمر ‪ ،‬فإن كان نوعا واحدا ‪ ،‬فإنّ الخارص يشاهد كلّ‬
‫واحدة من الشجار وينظر ‪ ،‬كم في الجميع رطبا أو عنبا ‪ ،‬ثمّ يقدّر ما يجيء منها تمرا‬
‫ن النواع تختلف ‪ ،‬ولنّه يحتاج إلى‬
‫ل نوع على حدة ‪ ،‬ل ّ‬
‫وزبيبا ‪ ،‬وإن كان أنواعا خرص ك ّ‬
‫معرفة قدر كلّ نوع حتّى يخرج عشره ‪.‬‬
‫هل يترك الخارص شيئًا للمالك عند الخرص ؟‬
‫‪ - 9‬ذهب الحنابلة إلى أنّه يجب على الخارص أن يترك في الخرص الثّلث ‪ ،‬أو الرّبع على‬
‫حسب الحاجة ‪ ،‬توسعةً على أرباب الموال ‪ ،‬لنّهم يحتاجون إلى الكل ‪ ،‬هم ‪ ،‬وضيوفهم ‪،‬‬
‫ويطعمون جيرانهم ‪ ،‬ونحوه للشّافعيّة بأنّه يترك للمالك ثمر نخلة أو نخلت ‪ ،‬وقال ابن حبيب‬
‫من المالكيّة ‪ :‬يخفّف عن أهل الشّجر في الخرص ‪ .‬واستدلّوا بحديث ‪ « :‬إذا خرصتم فجذّوا‬
‫ودعوا الثّلث ‪ ،‬فإن لم تدعوا أو تجذّوا الثّلث فدعوا الرّبع » ولنّه صلى ال عليه وسلم « كان‬
‫يأمر بالتّخفيف للواطئة والسّاقطة واللّاقطة وما ينال العيال » ‪.‬‬
‫ومذهب المالكيّة وهو المشهور عند الشّافعيّة عدم ترك شيء في الخرص لعموم الدلّة ‪،‬‬
‫المقتضية لوجوب العشر ‪ ،‬أو نصفه من غير استثناء ‪.‬‬
‫وذهب المالكيّة إلى أنّه ل يجمع الخارص الحائط " البستان " في الحزر ‪ ،‬ول يجزئه أرباعا‬
‫أو أثلثا ‪ ،‬وكذا ل يجمع ما زاد على شجرة كالثّنتين والثّلث ولو علم ما بها جملةً ‪ ،‬هذا إذا‬
‫اختلفت في الجفاف ولو كانت من صنف واحد ‪ .‬فإن اتّحدت في الجفاف ‪ ،‬جاز جمعها في‬
‫الخرص ‪ .‬وحملوا الحديث على الزّكاة ‪ ،‬فيترك للمالك منها ذلك ليفرّقه على فقراء أهله ‪،‬‬
‫وجيرانه ‪ ،‬ل من المخروص ‪.‬‬
‫ق الفقراء بعد الخرص ‪:‬‬
‫حّ‬
‫‪ - 10‬ذهب جمهور الفقهاء إلى أنّ حقّ الفقراء ينتقل من عين الثّمار إلى ذمّة المالك بعد‬
‫الخرص ‪ ،‬فيجوز للمالك التّصرّف في جميع الثّمار ‪ ،‬ويكون حقّ الفقراء في ذمّته ‪ ،‬فيخرجه‬
‫في وقته تمرا أو زبيبا ‪ ،‬ويشترط الشّافعيّة على المذهب عندهم لنتقال حقّ الفقراء إلى ذمّة‬
‫المالك تضمين السّاعي عليه ‪ ،‬وقبول المالك ‪ ،‬كأن يقول له بعد الخرص ‪ :‬ضمّنتك نصيب‬
‫المستحقّين من الرّطب أو العنب بكذا تمرا أو زبيبا ‪.‬‬
‫ن الحقّ ينتقل من العين إلى ال ّذمّة ‪ ،‬فل ب ّد من رضاهما ‪ ،‬كالبائع ‪،‬‬
‫ويقبل المالك التّضمين ‪ ،‬ل ّ‬
‫والمشتري ‪ ،‬فإن لم يضمّنه أو ضمّنه ولم يقبل المالك ‪ ،‬بقي حقّ الفقراء كما كان ‪ ،‬متعلّقا‬
‫ن التّضمين لم يرد في‬
‫بعين الثّمار ‪ ،‬وعندهم قول ‪ :‬بانقطاع حقّ الفقراء ‪ ،‬بنفس الخرص ‪ .‬ل ّ‬
‫الحديث ‪ ،‬وليس على حقيقة الضّمان ‪ ،‬بدليل أنّه لو تلف بآفة سماويّة ‪ ،‬أو سرق قبل الجفاف‬
‫بل تفريط من المالك ‪ ،‬فل شيء عليه قطعا ‪ ،‬وهو مذهب مالك وأحمد ‪.‬‬
‫وذهب إمام الحرمين من الشّافعيّة إلى أنّه يكفي تضمين الخارص ‪ ،‬ول حاجة إلى قبول‬
‫المالك ‪.‬‬
‫تلف المخروص قبل إخراج الزّكاة ‪:‬‬
‫‪ - 11‬ذهب الفقهاء القائلون بالخرص إلى أنّه إذا هلك المخروص بل تفريط من المالك ‪ ،‬قبل‬
‫إخراج الزّكاة فل شيء عليه إن لم يتمكّن من إخراجها ‪ ،‬أمّا إذا تمكّن من الخراج ‪ ،‬وأخّره‬
‫بدون عذر أو قصّر في الحفظ ‪ ،‬فإنّه يضمن نصيب الفقراء بالخرص ‪.‬‬
‫ادّعاء تلف المخروص ‪:‬‬
‫‪ - 12‬إن ادّعى المالك تلف المخروص بغير تفريطه فالقول قوله ‪ ،‬بغير يمين ‪ ،‬سواء أكان‬
‫قبل الخرص أم بعده ‪ ،‬لنّه من حقّ اللّه تعالى فل يستحلف فيه كالصّلة ‪ ،‬والحدّ ‪ ،‬هذا رأي‬
‫مالك وأحمد ‪.‬‬
‫وذهب الشّافعيّة إلى أنّه إن ادّعى هلك المخروص بسبب خفيّ ‪ ،‬كسرقة ‪ ،‬أو بسبب ظاهر‬
‫عرف حدوثه كحريق صدّق بيمينه ‪ ،‬فإن لم يعلم حدوث السّبب الظّاهر طولب ببيّنة على‬
‫القول الصّحيح عندهم ‪ ،‬ث ّم يحلف على أنّها هلكت فيه لحتمال سلمة ماله ‪ .‬أمّا إذا ادّعى‬
‫غلط الخارص أو حيفه وكان ما ادّعاه محتملً قبل قوله ‪ ،‬وإن لم يكن محتملًا لم يقبل منه ‪.‬‬
‫ثانيا ‪ :‬فرز أنصبة الشّركاء من الثّمار على الشّجر بالخرص ‪:‬‬
‫‪ - 13‬ذهب المالكيّة ‪ -‬وهو الرّاجح عند الشّافعيّة إلى أنّه يجوز قسمة الثّمار على رءوس‬
‫أشجار النّخيل ‪ ،‬والكرم بالخرص ‪ ،‬إذا طابت الثّمار وحلّ بيعها ‪ ،‬واختلفت حاجة أهلها بأن‬
‫احتاج بعضهم للكل ‪ ،‬والبعض الخر للبيع ‪ ،‬وذلك للضّرورة وسهولة حزرهما بخلف‬
‫غيرهما من الزّرع والثّمار ‪ ،‬فل يجوز الفرز بالخرص ‪ ،‬كما تقدّم ‪.‬‬
‫واستدلّوا بحديث عبد اللّه بن رواحة في الخرص على يهود خيبر المتقدّم ( ف ‪. ) 4 /‬‬
‫ثالثا ‪ :‬البيع بالمجازفة ‪:‬‬
‫‪ - 14‬ل خلف بين الفقهاء في الجملة في جواز بيع الصّبرة جزافًا ‪ ،‬وهو البيع بل كيل ول‬
‫وزن ‪ ،‬بالحدس والظّنّ ‪ ،‬والتّخمين ‪ ،‬اكتفا ًء بالمشاهدة عن الكيل أو الوزن ‪.‬‬
‫وشروط ذلك وتفصيله في مصطلح ‪ ( :‬جزاف ‪ ،‬وعرايا ‪ ،‬ومزابنة ) ‪.‬‬

‫خروج *‬
‫التّعريف ‪:‬‬
‫‪ - 1‬الخروج في اللّغة مصدر خرج يخرج خروجا ومخرجا ‪ ،‬نقيض الدّخول ‪.‬‬
‫والفقهاء يستعملون الخروج بمعناه اللّغويّ ‪ ،‬ويستعملونه أيضا بمعنى البغي ‪ ،‬أي الخروج‬
‫على الئمّة ‪.‬‬
‫الحكام المتعلّقة بالخروج ‪:‬‬
‫للخروج أحكام تختلف باختلف الخارج ‪ ،‬وباختلف ما يتعلّق به الخروج ‪ ،‬أهمّها ما يلي ‪:‬‬
‫الخارج من السّبيلين وغيرهما ‪:‬‬
‫ن الخارج من السّبيلين إذا كان منيّا خرج على وجه الدّفق‬
‫‪ - 2‬ل خلف بين الفقهاء في أ ّ‬
‫ن غير المنيّ إذا كان معتادا‬
‫والشّهوة ‪ ،‬أو دم حيض أو نفاس ‪ ،‬فإنّه موجب للغسل ‪ ،‬وعلى أ ّ‬
‫كالبول ‪ ،‬أو الغائط ‪ ،‬والرّيح ‪ ،‬ينقض الوضوء ‪ ،‬واختلفوا في غير المعتاد ‪ ،‬فذهب جمهور‬
‫الفقهاء الحنفيّة والشّافعيّة والحنابلة وابن عبد الحكم من المالكيّة " إلى أنّه ينقض الوضوء ‪.‬‬
‫ويرى جمهور المالكيّة أنّ غير المعتاد كالدّود والحصى ل ينقض الوضوء ‪.‬‬
‫وفي الخارج من غير السّبيلين خلف وتفصيل ينظر في مواطنه من كتب الفقه ‪.‬‬
‫وانظر مصطلح ‪ ( :‬وضوء ) ‪.‬‬
‫خروج القدم أو بعضها من الخفّ ‪:‬‬
‫‪ - 3‬صرّح جمهور الفقهاء بأنّه يثبت حكم نزع الخفّ ‪ -‬وهو بطلن الوضوء أو المسح على‬
‫خلف فيه ‪ -‬بخروج القدم إلى ساق الخفّ ‪ ،‬وكذا بخروج أكثر القدم في الصّحيح من مذهب‬
‫الحنفيّة ‪ ،‬والمالكيّة ‪ ،‬لنّ الحتراز عن خروج القليل متعذّر ‪ ،‬لنّه ربّما يحصل بدون‬
‫القصد ‪ ،‬بخلف الكثير ‪ ،‬فإنّ الحتراز عنه ليس بمتعذّر ‪.‬‬
‫ويرى الشّافعيّة أنّه لو أخرجها من قدم الخفّ إلى السّاق لم يؤثّر إلّ إذا كان الخفّ طويلً‬
‫خارجا عن العادة ‪ ،‬فأخرج رجله إلى موضع لو كان الخفّ معتادا لظهر شيء من محلّ‬
‫الفرض بطل مسحه بل خلف ‪.‬‬
‫وعند الحنابلة للبعض حكم الكلّ فيبطل الوضوء بخروج القدم ‪ ،‬أو بعضها إلى ساق خفّه ‪.‬‬
‫وينظر التّفصيل في مصطلح ‪ ( :‬مسح الخفّ ) ‪.‬‬
‫الخروج من المسجد بعد الذان ‪:‬‬
‫‪ - 4‬ذهب جمهور الفقهاء إلى أنّه يكره الخروج من المسجد بعد الذان بل عذر ‪ ،‬أو نيّة‬
‫رجوع إلى المسجد ‪ ،‬إلّ أن يكون التّأذين للفجر قبل الوقت ‪ ،‬فل يكره الخروج ‪.‬‬
‫وذهب الحنابلة إلى أنّه يحرم ‪ ،‬قال أبو الشّعثاء ‪ « :‬كنّا قعودا في المسجد مع أبي هريرة ‪،‬‬
‫فأذّن المؤذّن ‪،‬فقام رجل في المسجد يمشي ‪ ،‬فأتبعه أبو هريرة بصره حتّى خرج من المسجد‪،‬‬
‫فقال أبو هريرة ‪ :‬أمّا هذا فقد عصى أبا القاسم صلى ال عليه وسلم » ‪ ،‬والموقوف في مثله‬
‫كالمرفوع ‪ .‬وتفصيل ذلك في كتب الفقه و ر ‪ :‬مصطلح ( مسجد ) ‪.‬‬
‫خروج المام للخطبة ‪:‬‬
‫‪ - 5‬إذا خرج المام وقام للخطبة استقبله النّاس ‪ ،‬لنّه به جرى التّوارث ‪ ،‬ويحرم الكلم‬
‫والمام يخطب عند جمهور الفقهاء ‪.‬‬
‫وأمّا الكلم بمجرّد خروجه وقبل أن يبدأ بالخطبة ‪ ،‬فإنّه ل بأس به عند جمهور الفقهاء ‪ ،‬وبه‬
‫ن المنع للخلل‬
‫قال عطاء وطاوس والزّهريّ ‪ ،‬والنّخعيّ ‪ ،‬وروي ذلك عن ابن عمر ‪ ،‬ل ّ‬
‫بغرض الستماع ‪ ،‬ول استماع هنا ‪ ،‬وكرهه الحكم ‪ ،‬وقال ابن عبد البرّ ‪ :‬إنّ عمر وابن‬
‫عبّاس كانا يكرهان الكلم ‪ ،‬والصّلة بعد خروج المام ‪ ،‬ويحرم الكلم عند أبي حنيفة بمجرّد‬
‫خروج المام ‪.‬‬
‫وأمّا ترك الصّلة فذهب الحنفيّة ‪ ،‬والمالكيّة إلى أنّه ل تطوّع بعد خروج المام للخطبة ‪ ،‬وبه‬
‫ن النّبيّ صلى ال عليه وسلم‬
‫قال شريح ‪ ،‬وابن سيرين ‪ ،‬والنّخعيّ ‪ ،‬وقتادة ‪ ،‬والثّوريّ ‪ ،‬ل ّ‬
‫« قال للّذي يتخطّى رقاب النّاس ‪ :‬اجلس ‪ ،‬فقد آذيت وآنيت » ‪.‬‬
‫ن الصّلة تشغله عن استماع الخطبة فكره ‪ ،‬كصلة الدّاخل ‪.‬‬
‫ول ّ‬
‫ويرى الشّافعيّة والحنابلة أنّه ينقطع التّطوّع بجلوس المام على المنبر ‪ ،‬فل يصلّي أحد غير‬
‫الدّاخل ‪ ،‬فمن دخل أثناء الخطبة استحبّ له أن يصلّي التّحيّة يخفّفها ‪ ،‬إلّ إذا كان المام في‬
‫آخرها ‪ ،‬فل يصلّي لئلّ يفوته أوّل الجمعة مع المام ‪.‬‬
‫خروج المعتكف من المسجد ‪:‬‬
‫ل لحاجة النسان‬
‫‪ - 6‬ل خلف بين الفقهاء في أنّه ل يجوز للمعتكف الخروج من المسجد إ ّ‬
‫أو الجمعة ‪ ،‬والدّليل على جواز ذلك حديث عائشة رضي ال تعالى عنها قالت ‪ « :‬كان النّبيّ‬
‫ل لحاجة النسان » ‪ .‬وقالت رضي ال عنها ‪« :‬‬
‫صلى ال عليه وسلم ل يخرج من معتكفه إ ّ‬
‫ل لما ل بدّ منه » ‪.‬‬
‫سنّة للمعتكف ألّ يخرج إ ّ‬
‫ال ّ‬
‫إلّ أنّ الشّافعيّة قالوا ‪ :‬يجب الخروج للجمعة ولكنّه يبطل به العتكاف ‪ ،‬لمكان العتكاف‬
‫في الجامع ‪ ،‬وتفصيل ذلك في مصطلح ( اعتكاف ) ‪.‬‬
‫الخروج للستسقاء ‪:‬‬
‫‪ - 7‬اتّفق الفقهاء على أنّه يخرج الشّباب والشّيوخ والضّعفاء ‪ ،‬والعجزة ‪ ،‬وغير ذات الهيئة‬
‫من النّساء ‪ ،‬ويستحبّ أن يخرجوا مشا ًة بتواضع وخشوع في ثياب خلقان ‪ ،‬وأن يقدّموا‬
‫الصّدقة كلّ يوم ‪ ،‬وأن يكون ذلك بعد التّوبة إلى اللّه تعالى ‪.‬‬
‫واختلفوا في خروج الكفّار وأهل ال ّذمّة على أقوال ينظر تفصيلها في مصطلح ( استسقاء ) ‪.‬‬
‫خروج المرأة من المنزل ‪:‬‬
‫‪ - 8‬الصل أنّ النّساء مأمورات بلزوم البيت منهيّات عن الخروج ‪.‬‬
‫ن منها ‪ :‬ملك الحتباس وهو‬
‫ذكر الكاسانيّ عند الكلم عن أحكام النّكاح الصّحيح ‪ :‬أ ّ‬
‫ن } ‪ ،‬والمر‬
‫س ِكنُوهُ ّ‬
‫صيرورتها ( الزّوجة ) ممنوعةً من الخروج والبروز لقوله تعالى ‪َ { :‬أ ْ‬
‫بالسكان نهي عن الخروج ‪ ،‬والبروز ‪ ،‬والخراج ‪ ،‬إذ المر بالفعل نهي عن ضدّه ‪ ،‬وقوله‬
‫خ ُرجْنَ }‬
‫ن مِن ُبيُو ِتهِنّ وَلَا َي ْ‬
‫خ ِرجُوهُ ّ‬
‫عزّ وجلّ ‪َ { :‬و َقرْنَ فِي ُبيُو ِتكُنّ } وقوله عزّ وجلّ ‪ { :‬لَا ُت ْ‬
‫ولنّها لو لم تكن ممنوعةً عن الخروج والبروز لختلّ السّكن والنّسب ‪ ،‬لنّ ذلك ممّا يريب‬
‫الزّوج ويحمله على نفي النّسب ‪.‬‬
‫ن َت َبرّجَ ا ْلجَاهِِليّةِ ا ْلأُولَى }‬
‫قال القرطبيّ عند تفسير قوله تعالى ‪َ { :‬و َقرْنَ فِي ُبيُو ِتكُنّ وَلَا َت َبرّجْ َ‬
‫معنى هذه الية المر بلزوم البيت ‪ ،‬وإن كان الخطاب لنساء النّبيّ صلى ال عليه وسلم فقد‬
‫ص جميع النّساء ‪ ،‬فكيف والشّريعة طافحة‬
‫دخل فيه غيرهنّ بالمعنى ‪ .‬هذا لو لم يرد دليل يخ ّ‬
‫ل لضرورة ‪.‬‬
‫ن والنكفاف عن الخروج منها إ ّ‬
‫بلزوم النّساء بيوته ّ‬
‫فقد أخرج البزّار من حديث أبي الحوص عن عبد اللّه بن مسعود رضي ال عنه أنّ النّبيّ‬
‫صلى ال عليه وسلم قال ‪ « :‬المرأة عورة فإذا خرجت استشرفها الشّيطان ‪ ،‬وأقرب ما تكون‬
‫بروحة ربّها وهي في قعر بيتها » ‪.‬‬
‫كما أخرج من حديث أنس رضي ال عنه أنّه قال ‪ « :‬جئن النّساء إلى رسول اللّه صلى ال‬
‫عليه وسلم فقلن ‪ :‬يا رسول اللّه ‪ :‬ذهب الرّجال بالفضل والجهاد في سبيل اللّه تعالى فما لنا‬
‫عمل ندرك به عمل المجاهدين في سبيل اللّه ؟ فقال رسول اللّه صلى ال عليه وسلم ‪ :‬من‬
‫قعدت ‪ -‬أو كلمةً نحوها ‪ -‬منكنّ في بيتها ‪ ،‬فإنّها تدرك عمل المجاهدين في سبيل اللّه » ‪.‬‬
‫وعند الحاجة كزيارة الباء ‪ ،‬والمّهات ‪ ،‬وذوي المحارم ‪ ،‬وشهود موت من ذكر ‪ ،‬وحضور‬
‫عرسه وقضاء حاجة ل غناء للمرأة عنها ول تجد من يقوم بها يجوز لها الخروج ‪.‬‬
‫إلّ أنّ الفقهاء يقيّدون جواز خروج المرأة في هذه الحالت بقيود أهمّها ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬أن تكون المرأة غير مخشيّة الفتنة ‪ ،‬أمّا الّتي يخشى الفتتان بها فل تخرج أصلً ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬أن تكون الطّريق مأمون ًة من توقّع المفسدة وإلّ حرم خروجها ‪.‬‬
‫ن تمكين‬
‫ج ‪ -‬أن يكون خروجها في زمن أمن الرّجال ول يفضي إلى اختلطها بهم ‪ ،‬ل ّ‬
‫ل بليّة وشرّ ‪ ،‬وهو من أعظم أسباب نزول العقوبات‬
‫ن بالرّجال أصل ك ّ‬
‫النّساء من اختلطه ّ‬
‫العامّة ‪ ،‬كما أنّه من أسباب فساد أمور العامّة والخاصّة ‪ ،‬واختلط الرّجال بالنّساء سبب‬
‫لكثرة الفواحش والزّنى ‪ ،‬وهو من أسباب الموت العامّ ‪ ،‬فيجب على وليّ المر أن يمنع من‬
‫اختلط الرّجال بالنّساء في السواق ‪ ،‬والفرج ‪ ،‬ومجامع الرّجال ‪ ،‬وإقرار النّساء على ذلك‬
‫ن على الثم والمعصية ‪ ،‬وقد منع أمير المؤمنين عمر بن الخطّاب رضي ال عنه‬
‫إعانة له ّ‬
‫النّساء من المشي في طريق الرّجال والختلط بهم في الطّريق ‪.‬‬
‫د ‪ -‬أن يكون خروجها على تبذّل وتستّر تامّ ‪ .‬قال العينيّ ‪ :‬يجوز الخروج لما تحتاج إليه‬
‫المرأة من أمورها الجائزة بشرط أن تكون بذّة الهيئة ‪ ،‬خشنة الملبس ‪ ،‬تفلة الرّيح ‪ ،‬مستورة‬
‫العضاء غير متبرّجة بزينة ول رافع ًة صوتها ‪.‬‬
‫ي المر منع النّساء من الخروج متزيّنات متجمّلت ‪،‬‬
‫قال ابن قيّم الجوزيّة ‪ :‬يجب على ول ّ‬
‫ن من الثّياب الّتي يكنّ بها كاسيات عاريّات ‪ ،‬كالثّياب الواسعة والرّقاق ‪ ،‬وإن رأى وليّ‬
‫ومنعه ّ‬
‫المر أن يفسد على المرأة ‪ -‬إذا تجمّلت وخرجت ‪ -‬ثيابها بحبر ونحوه ‪ ،‬فقد رخّص في ذلك‬
‫ن الماليّة ‪.‬‬
‫بعض الفقهاء وأصاب ‪ .‬وهذا من أدنى عقوبته ّ‬
‫ي صلى ال عليه وسلم « أنّ المرأة إذا تطيّبت وخرجت من بيتها فهي زانية »‪.‬‬
‫فقد أخبر النّب ّ‬
‫ل بإذنه ‪.‬‬
‫هـ ‪ -‬أن يكون الخروج بإذن الزّوج ‪ ،‬فل يجوز لها الخروج إ ّ‬
‫قال ابن حجر الهيتميّ ‪ :‬وإذا اضطرّت امرأة للخروج لزيارة والد خرجت بإذن زوجها غير‬
‫متبرّجة ‪ .‬ونقل ابن حجر العسقلنيّ عن النّوويّ عند التّعليق على حديث ‪ « :‬إذا استأذنكم‬
‫ن المرأة ل تخرج من بيت‬
‫ن » أنّه قال ‪ :‬استدلّ به على أ ّ‬
‫نساؤكم باللّيل إلى المسجد فأذنوا له ّ‬
‫زوجها إلّ بإذنه لتوجّه المر إلى الزواج بالذن ‪.‬‬
‫وللزّوج منع زوجته من الخروج من منزله إلى ما لها منه بدّ ‪ ،‬سواء أرادت زيارة والديها أو‬
‫عيادتهما أو حضور جنازة أحدهما ‪ .‬قال أحمد في امرأة لها زوج وأ ّم مريضة ‪ :‬طاعة‬
‫ل أن يأذن لها ‪ ،‬وقد روى ابن بطّة في أحكام النّساء عن أنس‬
‫زوجها أوجب عليها من أمّها إ ّ‬
‫ل سافر ومنع زوجته من الخروج فمرض أبوها ‪ ،‬فاستأذنت رسول اللّه صلى ال‬
‫ن رج ً‬
‫«أّ‬
‫عليه وسلم في عيادة أبيها فقال لها رسول اللّه صلى ال عليه وسلم اتّقي اللّه ول تخالفي‬
‫زوجك فأوحى اللّه إلى النّبيّ صلى ال عليه وسلم ‪ :‬إنّي قد غفرت لها بطاعة زوجها »‬
‫ن طاعة الزّوج واجبة ‪ ،‬والعيادة غير واجبة فل يجوز ترك الواجب لما ليس بواجب ‪.‬‬
‫ول ّ‬
‫ول ينبغي للزّوج منع زوجته من عيادة والديها ‪ ،‬وزيارتهما لنّ في منعها من ذلك قطيعةً‬
‫لهما ‪ ،‬وحملً لزوجته على مخالفته ‪ ،‬وقد أمر اللّه تعالى بالمعاشرة بالمعروف ‪ ،‬وليس هذا‬
‫من المعاشرة بالمعروف ‪.‬‬
‫ل جمعة بإذن الزّوج‬
‫وينبغي التّنويه إلى أنّ المفتى به عند الحنفيّة أنّها تخرج للوالدين في ك ّ‬
‫وبدونه ‪ ،‬وللمحارم في كلّ سنة مرّةً بإذنه وبدونه ‪.‬‬
‫وفي مجمع النّوازل ‪ ،‬فإن كانت الزّوجة قابلةً ‪ ،‬أو غسّالةً ‪ ،‬أو كان لها حقّ على آخر أو‬
‫ج على هذا ‪.‬‬
‫لخر عليه حقّ ‪ ،‬تخرج بالذن وبغير الذن ‪ ،‬والح ّ‬
‫وقال ابن عابدين بعد أن نقل ما في النّوازل ‪ :‬وفي البحر عن الخانيّة تقييد خروجها بإذن‬
‫الزّوج ‪ .‬هذا ويجوز للزّوجة الخروج بغير إذن الزّوج لما ل غناء لها عنه ‪ ،‬كإتيان بنحو‬
‫مأكل والذّهاب إلى القاضي لطلب الحقّ ‪ ،‬واكتساب النّفقة إذا أعسر بها الزّوج ‪ ،‬والستفتاء‬
‫إذا لم يكن زوجها فقيها ‪.‬وكذلك لها أن تخرج إذا كان المنزل الّذي تسكنه مشرفا على انهدام‪.‬‬
‫ن للزّوجة اعتماد العرف الدّالّ على رضا أمثال‬
‫وأخذ الرّافعيّ وغيره من كلم إمام الحرمين أ ّ‬
‫الزّوج بمثل الخروج الّذي تريده ‪ ،‬نعم لو علم مخالفته لمثاله في ذلك فل تخرج ‪.‬‬
‫خروج النّساء إلى المسجد ‪:‬‬
‫ن المرأة إذا أرادت حضور المسجد للصّلة ‪ ،‬إن‬
‫‪ - 9‬ذهب الشّافعيّة وصاحبا أبي حنيفة إلى أ ّ‬
‫كانت شابّةً أو كبير ًة تشتهى كره لها ‪ ،‬وكره لزوجها ووليّها تمكينها منه ‪ ،‬وإن كانت عجوزًا‬
‫ل تشتهى فلها الخروج بإذن الزّوج إلى الجماعات في جميع الصّلوات دون كراهة ‪.‬‬
‫ومثله مذهب أبي حنيفة بالنّسبة للشّابّة ‪ ،‬أمّا العجوز فإنّها تخرج عنده في العيدين والعشاء‬
‫والفجر فقط ‪ ،‬ول تخرج في الجمعة والظّهر والعصر والمغرب ‪.‬‬
‫وكره متأخّرو الحنفيّة خروجها مطلقًا لفساد الزّمن ‪.‬‬
‫أمّا المالكيّة فالنّساء عندهم على أربعة أقسام ‪ :‬عجوز انقطعت حاجة الرّجال عنها ‪ ،‬فهذه‬
‫تخرج للمسجد ‪ ،‬وللفرض ‪ ،‬ولمجالس العلم والذّكر ‪ ،‬وتخرج للصّحراء في العيد والستسقاء‪،‬‬
‫ولجنازة أهلها وأقاربها ‪ ،‬ولقضاء حوائجها ‪ ،‬ومتجالّة ( مسنّة ) لم تنقطع حاجة الرّجال منها‬
‫بالجملة ‪ ،‬فهذه تخرج للمسجد للفرائض ‪ ،‬ومجالس العلم والذّكر ‪ ،‬ول تكثر التّردّد في قضاء‬
‫حوائجها أي يكره لها ذلك ‪ ،‬وشابّة غير فارهة في الشّباب والنّجابة ‪ ،‬تخرج للمسجد لصلة‬
‫الفرض جماعةً ‪ ،‬وفي جنائز أهلها وأقاربها ‪ ،‬ول تخرج لعيد ول استسقاء ول لمجالس ذكر‬
‫أو علم ‪ .‬وشابّة فارهة في الشّباب والنّجابة ‪ ،‬فهذه الختيار لها أن ل تخرج أصلً ‪.‬‬
‫ن كنّ يصلّين مع رسول‬
‫وذهب الحنابلة إلى أنّه يباح للنّساء حضور الجماعة مع الرّجال لنّه ّ‬
‫اللّه صلى ال عليه وسلم ‪ ،‬قالت عائشة رضي ال عنها ‪ « :‬كان النّساء يصلّين مع رسول‬
‫اللّه صلى ال عليه وسلم ثمّ ينصرفن متلفّعات بمروطهنّ ما يعرفن من الغلس » ‪.‬‬
‫وقال النّبيّ صلى ال عليه وسلم ‪ « :‬ل تمنعوا إماء اللّه مساجد اللّه وليخرجن تفلت » يعني‬
‫ن جواز خروج النّساء إلى المسجد ‪ -‬عند من يجيزه ‪-‬‬
‫غير متطيّبات ‪ .‬وتجدر الشارة إلى أ ّ‬
‫مقيّد بالقيود السّابقة ‪ .‬ول يقضى على زوج الشّابّة ومن في حكمها بالخروج لنحو صلة‬
‫الفرض ولو شرط لها في صلب عقدها ‪.‬‬
‫ب للزّوج أن يأذن لها إذا استأذنته إلى المسجد للصّلة إذا كانت عجوزا ل‬
‫قال النّوويّ ‪ :‬يستح ّ‬
‫تشتهى ‪ ،‬وأمن المفسدة عليها وعلى غيرها ‪ ،‬فإن منعها لم يحرم عليه ‪ ،‬هذا مذهبنا ‪ .‬قال‬
‫البيهقيّ ‪ :‬وبه قال عامّة العلماء ‪.‬‬
‫خروج المرأة في السّفر بغير محرم ‪:‬‬
‫‪ - 10‬قال النّوويّ نقلً عن القاضي ‪ :‬اتّفق العلماء على أنّه ليس للمرأة أن تخرج في غير‬
‫ن عليها أن تهاجر‬
‫ل مع ذي محرم إلّ الهجرة من دار الحرب ‪ ،‬فاتّفقوا على أ ّ‬
‫الحجّ والعمرة إ ّ‬
‫منها إلى دار السلم وإن لم يكن معها محرم ‪.‬‬
‫ج والعمرة وسفر الزّيارات والتّجارة ونحو ذلك في‬
‫وللتّفصيل في أحكام خروج المرأة للح ّ‬
‫ج ‪ ،‬سفر ‪ ،‬عمرة ‪ ،‬هجرة ) ‪.‬‬
‫السفار ينظر مصطلحات ‪ ( :‬ح ّ‬
‫الخروج من المسجد ‪:‬‬
‫‪ - 11‬صرّح الفقهاء بأنّه يستحبّ عند الخروج من المسجد أن يقدّم رجله اليسرى ‪ ،‬ويستحبّ‬
‫أن يقال عند الخروج ‪ " :‬اللّهمّ إنّي أسألك من فضلك " أو يقول ‪ " :‬ربّ اغفر لي ‪ ،‬وافتح لي‬
‫أبواب فضلك " ‪ ،‬وذلك بعد الصّلة على النّبيّ صلى ال عليه وسلم ‪.‬‬
‫الخروج من البيت ‪:‬‬
‫‪ - 12‬يستحبّ في الخروج من البيت أن يقول ما كان يقوله النّبيّ صلى ال عليه وسلم حين‬
‫خروجه من بيته وذلك فيما روته أمّ سلمة رضي ال عنها ‪ « :‬أنّ النّبيّ صلى ال عليه وسلم‬
‫كان إذا خرج من بيته قال ‪ :‬بسم اللّه توكّلت على اللّه ‪ ،‬اللّهمّ إنّي أعوذ بك من أن أضلّ أو‬
‫أضلّ ‪ ،‬أو أزلّ أو أزلّ ‪ ،‬أو أظلم أو أظلم ‪ ،‬أو أجهل أو يجهل عليّ » ‪.‬‬
‫وعن أنس رضي ال عنه قال ‪ :‬قال رسول اللّه صلى ال عليه وسلم ‪ « :‬من قال ‪ -‬يعني إذا‬
‫خرج من بيته ‪ -‬بسم اللّه توكّلت على اللّه ‪ ،‬ول حول ول قوّة إلّ باللّه يقال له ‪ :‬كفيت‬
‫ووقيت وهديت وتنحّى عنه الشّيطان » ‪.‬‬
‫الخروج من الخلء ‪:‬‬
‫‪ - 13‬يستحبّ عند الخروج من الخلء أن يقدّم رجله اليمنى ويقول ‪ :‬غفرانك ‪ ،‬أو ‪ :‬الحمد‬
‫ي صلى ال‬
‫ن النّب ّ‬
‫للّه الّذي أذهب عنّي الذى وعافاني ‪ .‬لما روى أنس رضي ال عنه ‪ « :‬أ ّ‬
‫عليه وسلم كان إذا خرج من الخلء قال ‪ :‬الحمد للّه الّذي أذهب عنّي الذى وعافاني » ‪.‬‬
‫وتفصيل ذلك في مصطلح ‪ ( :‬قضاء الحاجة ) ‪.‬‬
‫خروج المعتدّة من البيت ‪:‬‬
‫‪ - 14‬ذهب جمهور الفقهاء إلى أنّه يجب على المعتدّة ملزمة السّكن ‪ ،‬فل تخرج إلّ لحاجة‬
‫أو عذر ‪ ،‬فإن خرجت أثمت ‪ ،‬وللزّوج منعها ‪ ،‬وكذا لوارثه عند موته ‪.‬‬
‫وتعذر في الخروج في مواضع تنظر في مصطلح ‪ ( :‬عدّة ) ‪.‬‬
‫من ل يجوز خروجه مع الجيش في الجهاد ‪:‬‬
‫‪ - 15‬ل يستصحب أمير الجيش معه مخ ّذلً ‪ ،‬ول مرجفا ‪ ،‬ول جاسوسا ‪ ،‬ول من يوقع‬
‫ط ُهمْ‬
‫العداوة بين المسلمين ‪ ،‬ويسعى بالفساد ‪ ،‬لقوله تعالى ‪ { :‬وَلَـكِن َكرِ َه اللّ ُه ان ِبعَا َث ُهمْ َف َثبّ َ‬
‫ضعُواْ خِلََل ُكمْ َي ْبغُو َن ُكمُ‬
‫ل ْو َ‬
‫خبَالً و َ‬
‫خ َرجُواْ فِيكُم مّا زَادُو ُكمْ ِإلّ َ‬
‫ن ‪ ،‬لَ ْو َ‬
‫عدِي َ‬
‫َوقِيلَ ا ْق ُعدُواْ مَ َع الْقَا ِ‬
‫الْ ِف ْتنَةَ ‪ } ...‬وإن خرج هؤلء فل يسهم لهم ول يرضخ ‪ ،‬وإن أظهروا عون المسلمين ‪.‬‬
‫والتّفصيل في ( جهاد ‪ ،‬وغنيمة ) ‪.‬‬
‫الخروج على المام ‪:‬‬
‫ل تجب طاعته ‪ ،‬ومحرّم الخروج عليه ‪ ،‬لقوله‬
‫ن المام إذا كان عد ً‬
‫‪ - 16‬أجمع العلماء على أ ّ‬
‫لمْرِ مِن ُكمْ } وأمّا الخروج على المام الجائر‬
‫تعالى ‪َ { :‬أطِيعُو ْا الّلهَ وََأطِيعُو ْا ال ّرسُولَ وَأُوْلِي ا َ‬
‫فقد اختلف الفقهاء فيه على أقوال ينظر تفصيلها في مصطلحي ‪ ( :‬المامة الكبرى ‪ ،‬وبغاة )‪.‬‬
‫خروج المحبوس ‪:‬‬
‫ن المحبوس لجل قضاء الدّين يمنع عن الخروج إلى أشغاله‬
‫‪ - 17‬صرّح جمهور الفقهاء بأ ّ‬
‫ومهمّاته ‪ ،‬وإلى الجمع والعياد ‪ ،‬وتشييع الجنازة ‪ ،‬وعيادة المرضى والزّيارة ‪ ،‬والضّيافة ‪،‬‬
‫وأمثال ذلك ‪ .‬لنّ الحبس للتّوصّل إلى قضاء الدّين ‪،‬فإذا منع عن ذلك سارع إلى قضاء‬
‫الدّين‪ ( .‬ر ‪ :‬حبس ) ‪.‬‬

‫خزّ *‬
‫التّعريف ‪:‬‬
‫‪ - 1‬الخزّ من الثّياب ما ينسج من صوف وإبريسم ( حرير ) أو إبريسم وحده ‪.‬‬
‫وهو في الصل من الخزز وهو ولد الرنب أو الرنب الذّكر ‪ ،‬لنعومة وبره ‪.‬‬
‫وأطلقه الفقهاء على ما سداه حرير ولحمته من غيره أو عكسه ‪.‬‬
‫اللفاظ ذات الصّلة ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬القزّ ‪:‬‬
‫‪ - 2‬القزّ معرّب ‪ ،‬وهو ما يعمل منه البريسم ( الحرير ) ولهذا قالوا ‪ :‬القزّ والبريسم مثل‬
‫ن القزّ أصل الحرير ‪ ،‬والخزّ يكون مر ّكبًا‬
‫الحنطة والدّقيق ‪ .‬فالفرق بينه وبين الخزّ ‪ ،‬هو أ ّ‬
‫من الحرير وغيره ‪ ،‬كالصّوف ‪ ،‬والقطن ونحوهما ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬الدّيباج ‪:‬‬
‫‪ - 3‬الدّيباج هو ما سداه إبريسم ولحمته إبريسم ‪ ،‬فيحرم لبسه للرّجال من غير ضرورة اتّفاقًا‬
‫‪ .‬ول بأس باستعماله بسائر الوجوه غير اللّبس عند بعض الفقهاء كالحنفيّة ‪ ،‬وفيه عند غيرهم‬
‫تفصيل وينظر أحكامه في مصطلح ‪ ( :‬حرير ‪ ،‬ألبسة ) ‪.‬‬
‫الحكام الّتي تتعلّق بالخزّ ‪:‬‬
‫‪ - 4‬الخزّ إذا كان سداه ولحمته كلهما من الحرير فل يجوز لبسه للرّجال في غير حالة‬
‫الحرب بغير ضرورة اتّفاقا ‪ ،‬ويجوز للنّساء مطلقا ‪ ،‬لما روى حذيفة رضي ال عنه عن‬
‫النّبيّ صلى ال عليه وسلم قال ‪ « :‬ل تلبسوا الحرير ول الدّيباج » وقوله عليه الصلة‬
‫والسلم ‪ « :‬أحلّ الذّهب والحرير لناث أمّتي وحرّم على ذكورها » ( ر ‪ :‬حرير ) ‪.‬‬
‫أمّا إذا كان منسوجا من الحرير وغيره ‪ ،‬كما إذا كان سداه من إبريسم ولحمته من الصّوف أو‬
‫القطن فجمهور الفقهاء من الحنفيّة والشّافعيّة والحنابلة ‪ ،‬وهو قول عند المالكيّة على جواز‬
‫لبسه للرّجال ‪ .‬قال الشّافعيّة ‪ :‬ولو كانت نفيسةً وغالي ًة ‪ .‬وقال أحمد ‪ :‬أمّا الخ ّز فقد لبسه‬
‫أصحاب رسول اللّه صلى ال عليه وسلم ‪ .‬وروي عن عبد الرّحمن بن عوف والحسين بن‬
‫عليّ وعبد اللّه بن الحارث بن أبي ربيعة ‪ ،‬والقاسم بن محمّد أنّهم لبسوا جباب الخزّ ‪ .‬وروي‬
‫عن معتمر قال سمعت أبي قال ‪ " :‬رأيت على أنس برنسا أصفر من خزّ " كما روي عن‬
‫عمران بن حصين ‪ ،‬وأبي هريرة ‪ ،‬وابن عبّاس ‪ ،‬وأبي قتادة أنّهم كانوا يلبسون الخزّ ‪ .‬وعند‬
‫المالكيّة لبسه مكروه يؤجر على تركه ول يأثم في فعله ‪ ،‬لنّه من المشتبهات المتكافئة أدلّة‬
‫حلّها وحرمتها الّتي قال فيها رسول اللّه صلى ال عليه وسلم ‪ « :‬فمن اتّقى الشّبهات فقد‬
‫استبرأ لدينه وعرضه » ‪.‬‬
‫‪ - 5‬وقد فصّل الشّافعيّة في الصحّ وهو قول عند الحنفيّة وروايةً عند الحنابلة بين القليل‬
‫والكثير من الحرير في النّسيج ‪ ،‬فقالوا ‪ :‬المركّب من الحرير وغيره ‪ ،‬إن زاد وزن الحرير‬
‫ل إذا كان الكثر غير الحرير ‪ ،‬وكذا إن استويا ‪ ،‬لما روي عن ابن عبّاس‬
‫يحرم لبسه ‪ ،‬ويح ّ‬
‫رضي ال عنهما قال ‪ « :‬إنّما نهى رسول اللّه صلى ال عليه وسلم عن الثّوب المصمت من‬
‫قزّ » ‪ .‬والمصمت الخالص ‪.‬‬
‫والقول الثّاني عند الشّافعيّة ووجه عند الحنابلة ‪ ،‬قال ابن عقيل هو الشبه ‪ :‬التّحريم إن استويا‬
‫‪ .‬والصّحيح عند الحنفيّة جواز لبسه إذا كانت لحمته غير الحرير ‪ ،‬سواء أكان مغلوبا‪ ،‬أم‬
‫غالبا ‪ ،‬أم مساويا ‪ ،‬لنّ الثّوب إنّما يصير ثوبا بالنّسج ‪ ،‬والنّسج باللّحمة فكانت هي المعتبرة ‪.‬‬
‫( ر ‪ :‬حرير ) ‪.‬‬
‫مواطن البحث ‪:‬‬
‫‪ - 6‬ذكر الفقهاء أحكام الخزّ في كتاب الحظر والباحة وباب اللّبس ‪ ،‬وبعضهم في بحث‬
‫العدّة ‪ ،‬وإحداد المرأة ‪ ،‬وفي تكفين الميّت وغيرها ‪ .‬ينظر مصطلح ‪ ( :‬حرير ) ‪.‬‬

‫خسوف *‬
‫انظر ‪ :‬صلة الكسوف ‪.‬‬
‫خشوع *‬
‫التّعريف ‪:‬‬
‫‪ - 1‬الخشوع لغ ًة من يخشع ‪ :‬يخشع السّكون والتّذلّل ‪.‬‬
‫وخشع في صلته ودعائه ‪ ،‬أقبل بقلبه على ذلك ‪ ،‬وهو مأخوذ من خشعت الرض إذا سكنت‬
‫واطمأنّت ‪ .‬وخشع بصره انكسر ومنه قوله تعالى ‪ { :‬خَاشِعَ ًة َأ ْبصَارُ ُهمْ } ‪.‬‬
‫قال الرّاغب الصفهانيّ ‪ :‬الخشوع الضّراعة ‪ ،‬وأكثر ما يستعمل الخشوع فيما يوجد على‬
‫الجوارح ‪ ،‬والضّراعة أكثر ما تستعمل فيما يوجد في القلب ‪ ،‬ولذلك قيل فيما روي ‪ :‬إذا‬
‫ضرع القلب خشعت الجوارح ‪.‬‬
‫وقال القرطبيّ ‪ :‬الخشوع هيئة في النّفس يظهر منها في الجوارح سكون وتواضع ‪.‬‬
‫والتّخشّع تكلّف الخشوع ‪ ،‬والتّخشّع للّه ‪ ،‬الخبات والتّذلّل له ‪ ،‬وقال قتادة ‪ :‬الخشوع في القلب‬
‫ض البصر في الصّلة ‪.‬‬
‫هو الخوف وغ ّ‬
‫والمعنى الشّرعيّ ل يختلف عن المعنى اللّغويّ‪.‬‬
‫اللفاظ ذات الصّلة ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬الخضوع ‪:‬‬
‫‪ - 2‬الخضوع لغةً ‪ :‬التّواضع ‪ ،‬وخضع يخضع خضوعا ‪ ،‬واختضع ذلّ واستكان ‪ ،‬وأخضعه‬
‫الفقر أذلّه ‪.‬‬
‫والخضوع ‪ :‬النقياد والمطاوعة ‪ ،‬وفي الحديث أنّه صلى ال عليه وسلم ‪ « :‬نهى أن يخضع‬
‫الرّجل لغير امرأته » ‪ .‬أي يلين لها في القول بما يطمعها منه ‪ .‬وخضع النسان خضعا ‪،‬‬
‫عنَا ُق ُهمْ َلهَا خَاضِعِينَ } ‪.‬‬
‫أمال رأسه إلى الرض ‪ ،‬أو دنا منها ‪ ،‬وفي التّنزيل ‪َ { :‬فظَلّتْ أَ ْ‬
‫ن الخضوع يكون في البدن ‪ ،‬والخشوع في البدن والصّوت‬
‫والخضوع قريب من الخشوع إلّ أ ّ‬
‫والبصر ‪ .‬وأكثر ما يستعمل الخشوع في الصّوت والخضوع في العناق ‪.‬‬
‫ن الخضوع قد يكون بتكلّف ‪ ،‬أمّا الخشوع فل يكون تكلّفا ‪ ،‬وإنّما‬
‫وذكر أبو هلل العسكريّ أ ّ‬
‫بخوف المخشوع له ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬الخبات ‪:‬‬
‫خ ِبتِينَ } ‪.‬‬
‫شرِ ا ْل ُم ْ‬
‫‪ - 3‬الخبات لغةً الخضوع والخشوع ‪ :‬قال اللّه تعالى ‪َ { :‬و َب ّ‬
‫قال الرّاغب ‪ :‬واستعمل الخبات استعمال اللّين والتّواضع وقال أبو هلل العسكريّ ‪:‬‬
‫الخبات ملزمة الطّاعة والسّكون ‪ ،‬فهو الخضوع المستمرّ على استواء ‪.‬‬
‫الحكم التّكليفيّ ‪:‬‬
‫‪ - 4‬اختلف الفقهاء في حكم الخشوع في الصّلة هل هو فرض من فرائض الصّلة ‪ ،‬أو من‬
‫فضائلها ومكمّلتها ؟‬
‫فذهب جمهور الفقهاء إلى أنّه سنّة من سنن الصّلة بدليل صحّة صلة من يفكّر بأمر دنيويّ‬
‫إذ لم يقولوا ببطلنها إذا كان ضابطا أفعالها ‪.‬‬
‫ن للمصلّي أن يخشع في كلّ صلته بقلبه وبجوارحه وذلك بمراعاة ما يلي ‪:‬‬
‫وعليه فيس ّ‬
‫أ ‪ -‬أن ل يحضر فيه غير ما هو فيه من الصّلة ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬وأن يخشع بجوارحه بأن ل يعبث بشيء من جسده كلحيته أو من غير جسده ‪ ،‬كتسوية‬
‫ردائه أو عمامته ‪ ،‬بحيث يتّصف ظاهره وباطنه بالخشوع ‪ ،‬ويستحضر أنّه واقف بين يدي‬
‫ن صلته معروضة عليه ‪.‬‬
‫ملك الملوك الّذي يعلم السّرّ وأخفى يناجيه ‪ .‬وأ ّ‬
‫ج ‪ -‬أن يتدبّر القراءة لنّه بذلك يكمل مقصود الخشوع ‪.‬‬
‫د ‪ -‬أن يفرغ قلبه عن الشّواغل الخرى ; لنّ هذا أعون على الخشوع ‪ ،‬ول يسترسل مع‬
‫حديث النّفس ‪.‬‬
‫قال ابن عابدين ‪ :‬واعلم أنّ حضور القلب فراغه من غير ما هو ملبس له ‪ .‬والصل في‬
‫شعُونَ }‪.‬‬
‫ن اّلذِينَ ُهمْ فِي صَلَا ِتهِمْ خَا ِ‬
‫طلب الخشوع في الصّلة قوله تعالى ‪ { :‬قَ ْد َأفْلَحَ ا ْلمُ ْؤ ِمنُو َ‬
‫ي رضي ال عنه الخشوع في الية ‪ :‬بلين القلب وكفّ الجوارح ‪.‬‬
‫فسّر عل ّ‬
‫وقول النّبيّ صلى ال عليه وسلم ‪ « :‬ما من مسلم يتوضّأ فيحسن وضوءه ثمّ يقوم فيصلّي‬
‫ل وجبت له الجنّة » ‪.‬‬
‫ركعتين مقبل عليهما بقلبه ووجهه إ ّ‬
‫ي صلى ال عليه وسلم رأى رجلً يعبث‬
‫ن النّب ّ‬
‫وما روى أبو هريرة رضي ال عنه ‪ « :‬أ ّ‬
‫بلحيته في الصّلة فقال ‪ :‬لو خشع قلب هذا لخشعت جوارحه » ‪.‬‬
‫ن النّبيّ صلى ال عليه وسلم قال ‪ « :‬إذا قام أحدكم إلى‬
‫وما روى أبو ذرّ رضي ال عنه ‪ :‬أ ّ‬
‫ن الرّحمة تواجهه فل يمسح الحصى » ‪.‬‬
‫الصّلة فإ ّ‬
‫‪ -5‬إذا ترك المصلّي الخشوع في صلته ‪ ،‬فإنّ صلته تكون صحيح ًة عند الجمهور ‪ ،‬لنّ‬
‫ن الحديث يدلّ على‬
‫النّبيّ صلى ال عليه وسلم ‪ :‬لم يأمر العابث بلحيته بإعادة الصّلة مع أ ّ‬
‫انتفاء خشوعه في صلته ‪ ،‬ولنّ الصّلة ل تبطل بعمل القلب ولو طال ‪ ،‬إلّ أنّه ارتكب‬
‫ل ما‬
‫مكروها ول يستحقّ الثّواب ‪ ،‬لقوله صلى ال عليه وسلم ‪ « :‬ليس للعبد من صلته إ ّ‬
‫ن الخشوع‬
‫ل من الحنفيّة والمالكيّة والشّافعيّة والحنابلة إلى أ ّ‬
‫عقل » ‪ .‬وذهب بعض فقهاء ك ّ‬
‫لزم من لوازم الصّلة ‪ ،‬إلّ أنّهم اختلفوا فيه ‪:‬‬
‫فقال بعضهم ‪ :‬إنّه فرض من فرائض الصّلة ولكن ل تبطل الصّلة بتركه لنّه معفوّ عنه ‪.‬‬
‫وقال آخرون ‪ :‬إنّه فرض تبطل الصّلة بتركه كسائر الفروض ‪ .‬وقال بعض آخر منهم ‪ :‬إنّ‬
‫الخشوع شرط لصحّة الصّلة لكنّه في جزء منها فيشترط في هذا القول حصول الخشوع في‬
‫جزء من الصّلة وإن انتفى في الباقي ‪ ،‬وبعض أصحاب هذا القول حدّد الجزء الّذي يجب أن‬
‫يقع فيه الخشوع من الصّلة ‪ ،‬فقال ‪ :‬ينبغي أن يكون عند تكبيرة الحرام ‪.‬‬
‫‪ -6‬وذكر القرطبيّ أنّه قد يكون الخشوع مذموما ‪ ،‬وهو المتكلّف أمام النّاس بمطأطأة الرّأس‬
‫والتّباكي كما يفعله الجهّال ‪ ،‬ليروا بعين البرّ والجلل ‪ ،‬وذلك خدع من الشّيطان وتسويل من‬
‫نفس النسان ‪.‬‬

‫خصاء *‬
‫التّعريف ‪:‬‬
‫ل الخصيين ‪ ،‬وخصيت الفرس أخصيه ‪ ،‬قطعت ذكره فهو مخصيّ وخصيّ‬
‫‪ - 1‬الخصاء ‪ :‬س ّ‬
‫‪ .‬فعيل بمعنى مفعول ‪ ،‬والجمع خصية وخصيان ‪.‬‬
‫والخصية ‪ :‬البيضة من أعضاء التّناسل ‪ ،‬وهما خصيتان ‪.‬‬
‫وفي الصطلح أطلق الفقهاء الخصاء على أخذ الخصيتين دون الذّكر أو معه ‪.‬‬
‫اللفاظ ذات الصّلة ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬الجبّ ‪:‬‬
‫‪ - 2‬يقال ‪ :‬جببته من باب قتل أي قطعته ‪ .‬فهو مجبوب بيّن الجباب ‪ -‬بالكسر ‪ -‬إذا‬
‫استؤصلت مذاكيره ‪.‬‬
‫وعند الفقهاء ‪ :‬المجبوب هو الّذي قطع ذكره ‪.‬‬
‫وذكر ابن قدامة المجبوب فقال ‪ :‬المتضمّن معنى العنّة في العجز عن الوطء ‪.‬‬
‫وقال المطرّزيّ ‪ :‬المجبوب ‪ :‬الخصيّ الّذي استؤصل ذكره وخصياه ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬العنّة ‪:‬‬
‫‪ - 3‬العنّة والتّعنين ‪ :‬العجز عن إتيان النّساء ‪ ،‬أو أن ل يشتهي النّساء فهو عنّين ‪ ،‬والمرأة‬
‫عنّينة ‪ :‬أي ‪ :‬ل تشتهي الرّجال ‪.‬‬
‫عنّن عن امرأته تعنينًا بالبناء للمفعول ‪ :‬إذا حكم عليه القاضي بذلك ‪،‬أو منع عنها بالسّحر‪.‬‬
‫وُ‬
‫ن لقبل المرأة عن يمين وشمال ‪ ،‬أي‬
‫ن ذكره يع ّ‬
‫والسم منه ‪ :‬ال ُعنّة ‪ ،‬وسمّي عنّينا ‪ :‬ل ّ‬
‫ن ‪ :‬أي يعترض الفم فل‬
‫يعترض إذا أراد إيلجه ‪ .‬وسمّي عنان اللّجام من ذلك ‪ ،‬لنّه يع ّ‬
‫يلجه‪ .‬فالفرق بين الخصيّ والعنّين وجود اللة في العنّين ‪.‬‬
‫ويجتمع الخصيّ مع العنّين في عدم النزال ‪ ،‬وعدم النزال عند الخصيّ لذهاب الخصية ‪،‬‬
‫أمّا عدم النزال عند العنّين فهو لعلّة في الظّهر أو غيره ‪.‬‬
‫ج ‪ -‬الوجاء ‪:‬‬
‫‪ - 4‬الوجاء اسم لوجأ ‪ ،‬ويطلق على رضّ عروق البيضتين حتّى تنفضخا من غير إخراج ‪،‬‬
‫فيكون شبيهًا بالخصاء ‪ ،‬لنّه يكسر الشّهوة ‪.‬‬
‫وقد ذكر الفقهاء هذا المعنى فقالوا ‪ :‬الموجوء هو الّذي رضّت بيضتاه ‪.‬‬
‫ن الموجوء هو منزوع النثيين ‪ ،‬وقيل ‪ :‬هو المشقوق عرق النثيين‬
‫وقيل في معنى الوجاء ‪ :‬إ ّ‬
‫والخصيتان بحالهما ‪.‬‬
‫الحكم التّكليفيّ ‪:‬‬
‫أوّلً ‪ :‬في الدميّ ‪:‬‬
‫‪ - 5‬إنّ خصاء الدميّ حرام صغيرا كان أو كبيرا لورود النّهي عنه على ما يأتي ‪:‬‬
‫وقال ابن حجر ‪ :‬هو نهي تحريم بل خلف في بني آدم ‪.‬‬
‫ومن النّهي الوارد في ذلك ما روى عبد اللّه بن مسعود قال ‪ « :‬كنّا نغزو مع رسول اللّه‬
‫صلى ال عليه وسلم وليس لنا شيء ‪ ،‬فقلنا ‪ :‬أل نستخصي ؟ فنهانا عن ذلك » ‪.‬‬
‫وحديث سعد بن أبي وقّاص ‪ « :‬ر ّد رسول اللّه صلى ال عليه وسلم على عثمان بن مظعون‬
‫التّبتّل ‪ ،‬ولو أذن له لختصينا » ‪ .‬وفي رواية أخرى أخرجها الطّبرانيّ من حديث عثمان بن‬
‫مظعون نفسه أنّه « قال ‪ :‬يا رسول اللّه إنّي رجل تشقّ عليّ هذه العزوبة في المغازي فتأذن‬
‫لي في الخصاء فأختصي ؟ قال ‪ :‬ل ‪ ،‬ولكن عليك بالصّيام » ‪.‬‬
‫ن عثمان رضي ال عنه قال ‪ « :‬يا رسول اللّه ائذن لي في الختصاء فقال ‪ :‬إنّ‬
‫وفي رواية أ ّ‬
‫اللّه قد أبدلنا بالرّهبانيّة الحنيفيّة السّمحة » ‪.‬‬
‫ويروى موقوفا على عمر بن الخطّاب ‪ « :‬ل كنيسة في السلم ول خصاء » ‪.‬‬
‫قال ابن حجر تعقيبا على هذه الحاديث ‪ :‬والحكمة في منع الخصاء أنّه خلف ما أراده‬
‫ل لو أذن في ذلك لوشك تواردهم عليه‬
‫الشّارع من تكثير النّسل ليستمرّ جهاد الكفّار ‪ ،‬وإ ّ‬
‫ل المسلمون بانقطاعه ويكثر الكفّار ‪ ،‬فهو خلف المقصود من بعثة النّبيّ‬
‫فينقطع النّسل فيق ّ‬
‫صلى ال عليه وسلم ‪.‬‬
‫ن فيه من المفاسد ‪ ،‬تعذيب النّفس والتّشويه مع إدخال الضّرر الّذي قد يفضي إلى الهلك‬
‫كما أ ّ‬
‫‪ .‬وفيه إبطال معنى الرّجوليّة الّتي أوجدها اللّه فيه ‪ ،‬وتغيير خلق اللّه ‪ ،‬وكفر النّعمة ‪ ،‬وفيه‬
‫تشبّه بالمرأة واختيار النّقص على الكمال ‪.‬‬
‫ثانيا ‪ :‬في غير الدميّ ‪:‬‬
‫‪ - 6‬قرّر الحنفيّة أنّه ل بأس بخصاء البهائم ‪ ،‬لنّ فيه منفعةً للبهيمة والنّاس ‪.‬‬
‫وعند المالكيّة ‪ :‬يجوز خصاء المأكول من غير كراهة ‪ ،‬لما فيه من صلح اللّحم ‪.‬‬
‫والشّافعيّة فرّقوا بين المأكول وغيره ‪ ،‬فقالوا ‪ :‬يجوز خصاء ما يؤكل لحمه في الصّغر ‪،‬‬
‫ويحرم في غيره ‪ .‬وشرطوا أن ل يحصل في الخصاء هلك ‪.‬‬
‫أمّا الحنابلة فيباح عندهم خصيّ الغنم لما فيه من إصلح لحمها ‪ ،‬وقيل ‪ :‬يكره كالخيل‬
‫ب ‪ .‬وقد قال المام أحمد ‪ :‬ل يعجبني للرّجل أن يخصي شيئا ‪،‬‬
‫وغيرها والشّدخ أهون من الج ّ‬
‫وإنّما كره ذلك للنّهي الوارد عن إيلم الحيوان ‪ .‬واستدلّوا بما روي عن ابن عبّاس قال ‪« :‬‬
‫نهى رسول اللّه صلى ال عليه وسلم عن إخصاء البهائم نهيا شديدا » ‪.‬‬
‫الحكام المترتّبة على الخصاء ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬في العيوب الّتي يفسخ بها النّكاح ‪:‬‬
‫ن الخصيّ يأخذ حكم العنّين فيؤجّل سنةً ‪ ،‬ول فرق عندهم بين سلّ‬
‫‪ - 7‬ذهب الحنفيّة إلى أ ّ‬
‫الخصيتين أو قطعهما ‪ ،‬وبين ما لو كان ذكره ل ينتشر ‪ ،‬لنّ آلته لو كانت تنتشر فل خيار‬
‫للزّوجة ‪ .‬وحكم ذلك التّأجيل كالعنّين لدخوله تحت اسم العنّين ‪ ،‬وعندهم أنّها إن كانت عالمةً‬
‫بحاله ل خيار لها ‪ ،‬وإن لم تكن عالمةً فلها المطالبة بالفرقة ‪.‬‬
‫وقال السّرخسيّ ‪ :‬الخصيّ بمنزلة العنّين ‪ ،‬لنّ الوصول في حقّه موجود لبقاء اللة ‪ .‬ولو‬
‫تزوّجت وهي تعلم بحاله فل خيار لها فيه ‪ ،‬لنّها صارت راضيةً به حين أقدمت على العقد‬
‫مع علمها بحاله ‪ ،‬ولو رضيت به بعد العقد بأن قالت ‪ :‬رضيت ‪ ،‬سقط خيارها ‪ ،‬فكذلك إذا‬
‫كانت عالمةً به ‪ ،‬ول فرق في قولها رضيت بالمقام معه بين أن يكون عند السّلطان أو غيره‪،‬‬
‫لنّه إسقاط لحقّها ‪.‬‬
‫ن الخيار إنّما هو‬
‫وعند المالكيّة ‪ :‬لها الخيار إذا كان ل يمني ‪ ،‬أمّا إن أمنى فل ردّ به ‪ ،‬ل ّ‬
‫لعدم تمّام الّلذّة ‪ ،‬وهي موجودة مع النزال ‪.‬‬
‫وللشّافعيّة إذا وجدت المرأة زوجها خصيّا قولن ‪ :‬أحدهما ‪ :‬لها الخيار في فسخ النّكاح ‪،‬‬
‫ن النّفس تعافه ‪ .‬والثّاني ‪ :‬أنّه ل خيار لها لنّها ‪ ،‬تقدر على الستمتاع به ‪.‬‬
‫لّ‬
‫وقال الحنابلة ‪ :‬الخصيّ إن وصل إليها فل خيار لها ‪ ،‬لنّ الوطء ممكن ‪ ،‬والستمتاع حاصل‬
‫بوطئه ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬حكم الخصاء في القصاص والدّية ‪:‬‬
‫ن الخصاء هو أخذ الخصيتين دون الذّكر أو معه ‪ ،‬وفيما يلي نذكر موجب‬
‫‪ - 8‬سبق أن ب ّينّا أ ّ‬
‫قطع الخصيتين دون الذّكر أو معه ‪:‬‬
‫ن القصاص يجري عند توافر شروطه في النثيين لقوله تعالى ‪:‬‬
‫ذهب جمهور الفقهاء إلى أ ّ‬
‫جرُوحَ ِقصَاصٌ } فيقطع النثيان بالنثيين ‪ ،‬لنّه ينتهي إلى حدّ فاصل يمكن القصاص‬
‫{ وال ُ‬
‫فيه فوجب فيه القصاص ‪.‬‬
‫وألحق الشّافعيّة إشلل النثيين ودقّهما بالقطع في وجوب القصاص ‪ .‬قال النّوويّ ‪ :‬وفي قطع‬
‫النثيين وإشللهما القصاص ‪ ،‬سواء أقطع الذّكر والنثيين معًا ‪ ،‬أم قدّم الذّكر أو النثيين ‪،‬‬
‫ص بمثله إن أمكن ‪ ،‬وإلّ وجبت الدّية ‪.‬‬
‫ولو دقّ خصييه ففي التّهذيب أنّه يقت ّ‬
‫ويرى المالكيّة أنّه ل يقتصّ في الرّضّ ‪ ،‬قال أشهب ‪ :‬إن قطعت النثيان أو أخرجتا ففيهما‬
‫القود ل في رضّهما ‪ ،‬لنّه قد يؤدّي إلى التّلف لعدم النضباط في القصاص ‪.‬‬
‫أمّا الحنفيّة فقد جاء في الفتاوى الهنديّة نقلً عن الفتاوى الظّهيريّة ‪ ،‬أنّه ليس في الكتب‬
‫ل على وجوب القصاص في قطع النثيين حالة العمد ‪ ،‬ويقول الكاسانيّ ‪:‬‬
‫الظّاهرة نصّ يد ّ‬
‫ينبغي أن ل يجب القصاص فيهما ‪ ،‬حيث ليس لهما مفصل معلوم فل يمكن استيفاء المثل ‪.‬‬
‫وإذا سقط القصاص لعدم توافر أيّ شرط من شروطه تجب الدّية في النثيين ‪ ،‬فقد ورد في‬
‫ن فيهما الجمال‬
‫كتاب النّبيّ صلى ال عليه وسلم لعمرو بن حزم « وفي البيضتين الدّية » ول ّ‬
‫والمنفعة ‪ ،‬فإنّ النّسل يكون بهما ‪ ،‬فكانت فيهما الدّية كاليدين ‪ ،‬وروى الزّهريّ عن سعيد بن‬
‫سنّة أنّ في الصّلب الدّية ‪ ،‬وفي النثيين الدّية ‪.‬‬
‫المسيّب أنّه قال ‪ :‬مضت ال ّ‬
‫ن ما وجب في اثنين منه الدّية ‪ ،‬وجب‬
‫وفي إحداهما نصف الدّية في قول أكثر أهل العلم ‪ ،‬ل ّ‬
‫في أحدهما نصفها ‪ ،‬كاليدين وسائر العضاء ‪ ،‬ولنّهما ذوا عدد تجب فيه الدّية فاستوت‬
‫ن في اليسرى ثلثي الدّية ‪ ،‬وفي اليمنى ثلثها‬
‫ديتهما كالصابع ‪ ،‬وحكي عن سعيد بن المسيّب أ ّ‬
‫; لنّ اليسرى أكثر لنّ النّسل يكون بها ‪.‬‬
‫ض أنثييه أو أشلّهما كملت ديتهما كما لو أشلّ يديه أو ذكره ‪ ،‬فإن قطع‬
‫قال ابن قدامة ‪ :‬وإن ر ّ‬
‫أنثييه فذهب نسله لم يجب أكثر من دية ‪ ،‬لنّ ذلك نفعهما فلم تزدد الدّية بذهابه معهما ‪،‬‬
‫كالبصر مع ذهاب العينين ‪ ،‬والبطش مع ذهاب اليدين ‪ ،‬وإن قطع إحداهما فذهب النّسل لم‬
‫ن ذهابه غير متحقّق ‪.‬‬
‫يجب أكثر من نصف الدّية ‪ ،‬ل ّ‬
‫هذا موجب قطع النثيين دون الذّكر ‪ ،‬أمّا إذا قطع النثيين مع الذّكر مرّةً واحد ًة ففيهما ديتان‬
‫ن الجاني فوّت منفعة الجماع بقطع الذّكر ومنفعة‬
‫باتّفاق الفقهاء ‪ ،‬دية للنثيين ودية للذّكر ‪ ،‬ل ّ‬
‫ل واحد‬
‫النزال بقطع النثيين ‪ ،‬فقد وجد تفويت منفعة الجنس في قطع ك ّل منهما فيجب في ك ّ‬
‫منهما دية كاملة ‪.‬‬
‫ل ث ّم قطع النثيين تجب ديتان ‪ ،‬فإن قطع‬
‫ويرى الحنفيّة والحنابلة أنّه إن قطع الذّكر أ ّو ً‬
‫النثيين ث ّم قطع الذّكر لم يلزمه إلّ دية واحدة في النثيين ‪ ،‬وفي الذّكر حكومة العدل ‪ ،‬لنّه‬
‫ذكر الخصيّ ول تكمل الدّية في ذكر الخصيّ ‪.‬‬
‫ن منفعة النثيين كانت كاملةً وقت قطعهما ‪ ،‬ومنفعة‬
‫وقال الكاسانيّ في تعليله لهذا الحكم ‪ :‬ل ّ‬
‫الذّكر تفوت بقطع النثيين إذ ل يتحقّق النزال بعد قطع النثيين فنقص أرشه ‪.‬‬
‫ويؤخذ من عبارات المالكيّة والشّافعيّة أنّه تجب في قطع النثيين مع الذّكر ديتان سواء أقطعتا‬
‫قبل الذّكر أم بعده ‪ .‬قال الموّاق ‪ :‬إن قطعت النثيان مع الذّكر ففي ذلك ديتان ‪ ،‬إن قطعتا قبل‬
‫الذّكر أو بعده ففيهما الدّية ‪ ،‬وإن قطع الذّكر قبلهما أو بعدهما ففيه الدّية ‪ ،‬ومن ل ذكر له ففي‬
‫أنثييه الدّية ‪ ،‬ومن ل أنثيين له ففي ذكره الدّية ‪.‬‬
‫ن الشّافعيّة يوجبون دي ًة كاملةً في النثيين ‪ ،‬وديةً كامل ًة في الذّكر سواء في ذلك ذكر‬
‫كما أ ّ‬
‫ي وغيرهم ‪.‬‬
‫الشّيخ ‪ ،‬والشّابّ ‪ ،‬والصّغير ‪ ،‬والعنّين ‪ ،‬والخص ّ‬
‫وللتّفصيل ( ر ‪ :‬جناية على ما دون النّفس ‪ ،‬دية ‪ ،‬قصاص ) ‪.‬‬
‫حكم الخصيّ من بهيمة النعام في الضحيّة والهدي ‪:‬‬
‫‪ - 9‬أصل ذلك ‪ :‬ما روى أبو رافع قال ‪ « :‬ضحّى رسول اللّه صلى ال عليه وسلم بكبشين‬
‫أملحين موجوءين خصيّين » ‪ .‬وما روى أبو سلمة عن عائشة رضي ال عنها أو عن أبي‬
‫ن رسول اللّه صلى ال عليه وسلم كان إذا أراد أن يضحّي‬
‫هريرة رضي ال عنه ‪ « :‬أ ّ‬
‫اشترى كبشين عظيمين سمينين أقرنين أملحين موجوءين فذبح أحدهما عن أمّته لمن شهد للّه‬
‫بالتّوحيد وشهد له بالبلغ ‪ ،‬وذبح الخر عن محمّد وعن آل محمّد » ‪.‬‬
‫والموجوء هو منزوع النثيين كما ذكره الجوهريّ وغيره ‪ ،‬وقيل ‪ :‬هو المشقوق عرق‬
‫النثيين ‪ ،‬والخصيتان بحالهما ‪.‬‬
‫قال الشّوكانيّ ‪ :‬هذه الحاديث دليل على استحباب التّضحية بالموجوء ‪ ،‬واتّفقوا على جواز‬
‫ذلك وعلى الصّفات الواردة في الحاديث ‪.‬‬
‫ن الظّاهر أنّه ل مقتضى للستحباب ‪ ،‬لنّه قد ثبت عنه صلى ال عليه وسلم‬
‫ثمّ قال ‪ :‬إ ّ‬
‫التّضحية بالفحيل ‪ ،‬فيكون الكلّ سواءً ‪.‬‬
‫ص الحنفيّة على ذلك بقولهم ‪ :‬أن يكون من الجناس الثّلثة ‪ ،‬الغنم ‪ ،‬أو البل أو البقر‪،‬‬
‫وقد ن ّ‬
‫ل جنس نوعه ‪ ،‬والذّكر والنثى منه ‪ ،‬والخصيّ والفحل لطلق اسم الجنس‬
‫ويدخل في ك ّ‬
‫على ذلك ‪.‬‬
‫أمّا المالكيّة فيفضّلون الفحيل في الضحيّة على الخصيّ ‪ ،‬إن لم يكن الخصيّ أسمن ‪ ،‬وإلّ‬
‫فهو أفضل ‪ ،‬وإن كان بخصية واحدة فيجزئ إن لم يحصل بها مرض ‪.‬‬
‫وإنّما أجزأ لنّه يعود بمنفعة في لحمها ‪ ،‬فيجبر ما نقص ‪.‬‬
‫وعندهم أيضا سواء كان فوات الجزء خلق ًة أو كان طارئا بقطع فجائز لما ذكروا ‪.‬‬
‫كما نصّ الشّافعيّة على جواز الهدي والضحيّة بالخصيّ بقولهم ‪ :‬ويجزئ الخصيّ ومكسور‬
‫القرن ‪ ،‬والخصيّ هو مقطوع النثيين ‪ ،‬والمذهب أنّه يجزئ ‪ ،‬لنّ نقصهما سبب لزيادة اللّحم‬
‫وطيبه ‪ ،‬وأغرب ابن كجّ فحكى فيه قولين ‪ ،‬ووجه عدم الجزاء ما فيه من فوات جزء مأكول‬
‫مستطاب ‪.‬‬
‫ن النّبيّ صلى ال عليه وسلم «‬
‫ن التّضحية بخصيّ بل جبّ تجزئ ‪ ،‬ل ّ‬
‫وعند الحنابلة أيضا ‪ :‬أ ّ‬
‫ضحّى بكبشين موجوءين » ‪ ،‬وعن عائشة رضي ال عنها نحوه ‪.‬‬
‫والموجوء ‪ :‬المرضوض الخصيتين سواء أقطعتا أم سلّتا ‪ ،‬ولنّه إذهاب عضو غير‬
‫مستطاب‪ ،‬بل يطيب اللّحم بزواله ويسمن ‪ ،‬أمّا الخصيّ المجبوب فعندهم أنّه ل يجزئ ‪.‬‬

‫خصوصيّة *‬
‫انظر ‪ :‬اختصاص ‪.‬‬

‫خصومة *‬
‫التّعريف ‪:‬‬
‫‪ - 1‬الخصومة لغ ًة ‪ :‬المنازعة ‪ ،‬والجدل ‪ ،‬والغلبة بالحجّة ‪ .‬والمعنى الصطلحيّ ل يخرج‬
‫عن المعنى اللّغويّ ‪ ،‬وقد استعمل الفقهاء هذه الكلمة في رفع الدّعوى أمام القضاء ‪.‬‬
‫اللفاظ ذات الصّلة ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬العداوة ‪:‬‬
‫‪ - 2‬العداوة ‪ ،‬هي ما يتمكّن في القلب من قصد الضرار والنتقام ‪ ،‬وأصله من تجاوز الحدّ‬
‫في الشّيء ‪ .‬قال الرّاغب ‪ :‬العدو التّجاوز ومنافاة اللتئام ‪ ،‬فتار ًة يعتبر بالقلب ‪ ،‬فيقال له ‪:‬‬
‫العداوة والمعاداة ‪ ،‬وتارةً بالمشي ‪ ،‬فيقال له العدو ‪ ،‬وتارةً في الخلل بالعدالة في المعاملة‪،‬‬
‫عدْوًا ِب َغ ْيرِ عِ ْلمٍ } ‪.‬‬
‫سبّواْ الّلهَ َ‬
‫فيقال له العدوان والعدوّ ‪ ،‬قال اللّه تعالى ‪َ { :‬ف َي ُ‬
‫قال أ بو هلل الع سكريّ ‪ :‬الفرق ب ين المعاداة والمخا صمة أ نّ المخا صمة ‪ ،‬من قب يل القول ‪،‬‬
‫والمعاداة من أفعال القلوب ‪ ،‬ويجوز أن يخا صم الن سان غيره من غ ير أن يعاد يه ‪ ،‬ويجوز‬
‫أن يعاديه ول يخاصمه ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬الدّعوى ‪:‬‬
‫‪ - 3‬عرّفها الحنفيّة بأنّها قول مقبول عند القاضي يقصد به طلب حقّ قبل غيره ‪ ،‬أو دفعه عن‬
‫حقّ نفسه ‪ .‬فالخصومة والدّعوى من حيث التّعريف متساويان عند الحنفيّة ‪.‬‬
‫وعرّفها الشّافعيّة ‪ ،‬بأنّها إخبار بحقّ له على غيره عند حاكم ‪ .‬فالدّعوى عند الشّافعيّة غلب‬
‫استعمالها على طلب الحقّ من المدّعي ‪ ،‬أمّا الخصومة فما يقع من الخصمين " المدّعي‬
‫والمدّعى عليه " أمام القاضي ‪.‬‬
‫أقسام الخصومة ‪:‬‬
‫‪ - 4‬تنقسم الخصومة إلى قسمين ‪:‬‬
‫الوّل ‪ :‬ما يكون الخصم فيه منفردا ‪ .‬وهو الّذي ل يحتاج إلى حضور آخر معه ‪ ،‬كمن‬
‫يترتّب على إقراره حكم ‪ ،‬فهو خصم في حالة إنكاره ‪ .‬ونظائر هذا في مصطلح ‪ ( :‬دعوى )‬
‫‪.‬‬
‫والقسم الثّاني ‪ :‬الخصومة الّتي تحتاج إلى حضور طرف آخر ‪ ،‬كمسائل الوديعة والعاريّة‬
‫والجارة والرّهن والغصب ونظائرها ‪ .‬وانظر تفصيلها في مظانّها من كتب الفقه‬
‫والمصطلحات الخاصّة بها في الموسوعة ‪ ،‬ومصطلحي ‪ ( :‬قضاء ودعوى ) ‪.‬‬
‫ضابط الخصومة ‪:‬‬
‫‪ - 5‬أ ‪ -‬في المدّعي ‪ :‬إذا ادّعى أحد شيئًا ‪ ،‬وكان يترتّب على إقراره حكم إذا أقرّ ‪ ،‬يكون‬
‫بإنكاره خصما في الدّعوى ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬في المدّعى عليه ‪ :‬إذا كان ل يصحّ إقرار المدّعى عليه ‪ ،‬أي في حالة إقراره ل يترتّب‬
‫حكم على إقراره ‪ ،‬فبإنكاره ل يكون خصمًا في الدّعوى ‪ .‬وذلك كما لو ادّعى شخص على‬
‫وليّ الصّغير بدين أو بحقّ فأقرّ به ‪ ،‬فإنّ إقراره ل يقبل لما فيه من الضرار بالحجور عليه‬
‫‪ .‬ويندرج تحت هذا الضّابط مسائل تنظر في مصطلح ‪ ( :‬دعوى ) ‪.‬‬

‫خصيّ *‬
‫انظر ‪ :‬خصاء ‪.‬‬

‫خضاب *‬
‫انظر ‪ :‬اختضاب ‪.‬‬

‫خطأ *‬
‫التّعريف ‪:‬‬
‫‪ - 1‬الخطأ لغ ًة نقيض الصّواب ‪ .‬قال في اللّسان ‪ :‬الخطأ والخطاء ضدّ الصّواب ‪ ،‬وفي‬
‫طأْتُم بِهِ } عدّاه بالباء لنّه في معنى عثرتم أو غلطتم ‪.‬‬
‫خَ‬‫جنَاحٌ فِيمَا َأ ْ‬
‫التّنزيل ‪ { :‬وََليْسَ عََل ْي ُكمْ ُ‬
‫وأخطأ الطّريق عدل عنه ‪ ،‬وأخطأ الرّامي الغرض لم يصبه ‪.‬‬
‫وخطّأه تخطئ ًة نسبه إلى الخطأ وقال له أخطأت ‪.‬‬
‫ي ‪ :‬المخطئ من أراد الصّواب فصار إلى غيره ‪ ،‬والخاطئ من تعمّد لما ل ينبغي‬
‫وقال المو ّ‬
‫‪ .‬والسم الخطيئة على فعيلة ‪ ،‬وذلك أن تشدّد الياء وتدغم فتقول خطيّة والجمع خطايا ‪.‬‬
‫وفي النّهاية والمصباح ‪ :‬يقال خطئ ‪ .‬في دينه خطأً إذا أثم فيه ‪ ،‬والخطء ‪ :‬الذّنب والثم ‪.‬‬
‫وأخطأ يخطئ إذا سلك سبيل الخطأ عمدا أو سهوا ‪ .‬ويقال ‪ :‬خطئ بمعنى أخطأ أيضا ‪.‬‬
‫وقيل ‪ :‬خطئ إذا تعمّد ‪ ،‬وأخطأ إذا لم يتعمّد ‪.‬‬
‫ويقال ‪ :‬لمن أراد شيئا ففعل غيره ‪ ،‬أو فعل غير الصّواب ‪ :‬أخطأ ‪.‬‬
‫معناه في الصطلح ‪:‬‬
‫‪ - 2‬قال في التّلويح ‪ :‬هو فعل يصدر من النسان بل قصد إليه عند مباشرة أمر مقصود‬
‫سواه ‪ .‬وعرّفه الكمال بن الهمام بقوله ‪ :‬هو أن يقصد بالفعل غير المحلّ الّذي يقصد به‬
‫ن المحلّ الّذي يقصد به الجناية على الصّوم‬
‫الجناية ‪ ،‬كالمضمضة تسري إلى حلق الصّائم ‪ ،‬فإ ّ‬
‫إنّما هو الحلق ولم يقصد بالمضمضة بل قصد بها الفم ‪ ،‬وكالرّمي إلى صيد فأصاب آدميّا ‪،‬‬
‫ي ولم يقصد بالرّمي بل قصد غيره وهو الصّيد ‪.‬‬
‫فإنّ محلّ الجناية هو الدم ّ‬
‫الغلط ‪:‬‬
‫‪ - 3‬الغلط في اصطلح جمهور الفقهاء يأتي مساويا للفظ الخطأ ‪ .‬فقد جاء في حاشية العدويّ‬
‫على الخرشيّ تعريف الغلط ‪ :‬بأنّه تصوّر الشّيء على خلف ما هو عليه ‪.‬‬
‫وقريب من هذا التّعريف ما قاله اللّيث ‪ :‬إنّه أي الغلط كلّ شيء يعيا النسان عن جهة صوابه‬
‫من غير تعمّد ‪ .‬وهذا هو معنى الخطأ بعينه ‪.‬‬
‫وذكر بعض المالكيّة ‪ :‬فرقا بين الخطأ والغلط وهو أنّ متعلّق الخطأ الجنان ‪ ،‬ومتعلّق الغلط‬
‫اللّسان ‪ .‬ولكنّهم قالوا يأتي الغلط بمعنى الخطأ ويأخذ حكمه ‪.‬‬
‫قال الدّسوقيّ في حاشيته ‪ :‬في الحنث بالغلط أي ‪ :‬اللّسانيّ نظر ‪ ،‬والصّواب عدم الحنث فيه ‪،‬‬
‫وما وقع في كلمهم من الحنث بالغلط ‪ ،‬فالمراد به الغلط الجنائيّ الّذي هو الخطأ ‪ ،‬كحلفه أن‬
‫ل يكلّم زيدا ‪ ،‬فكلّمه معتقدا أنّه عمرو ‪ ،‬وكحلفه ل أذكر فلنا فذكره ‪ ،‬لظنّه أنّه غير السم‬
‫المحلوف عليه ‪.‬‬
‫وفرّق أبو هلل العسكريّ بين الخطأ والغلط فقال ‪ :‬إنّ الغلط هو وضع الشّيء في غير‬
‫موضعه ‪ ،‬ويجوز أن يكون صوابا في نفسه ‪ ،‬والخطأ ل يكون صوابا على وجه ‪.‬‬
‫ثمّ قال ‪ :‬وقال بعضهم ‪ :‬الغلط أن يسهى ترتيب الشّيء وأحكامه ‪ ،‬والخطأ أن يسهى عن‬
‫فعله‪ ،‬أو أن يوقعه من غير قصد له ولكن لغيره ‪.‬‬
‫وهذا البحث يشمل مصطلحي ( خطأ ‪ ،‬وغلط ) باعتبارهما يردان على معنىً واحد كما هو‬
‫اصطلح جمهور الفقهاء فإنّهم يعبّرون عمّا يجري على اللّسان من غير قصد بلفظ الخطأ ‪،‬‬
‫كما في بيع المخطئ وطلقه ‪.‬‬
‫والمالكيّة يعبّرون عمّا يتعلّق بالعتقاد بلفظة الغلط ‪ ،‬كما في الغلط في المبيع ‪ ،‬وتأتي‬
‫تعبيراتهم مختلفةً أحيانا ‪ ،‬فمنهم من يعبّر بلفظة الخطأ ‪ ،‬ومنهم من يعبّر عن ذات المسألة‬
‫ج والوقوف بعرفة ‪ ،‬وفي كثير من المسائل كمسائل الشّهادة‬
‫بلفظة الغلط ‪ ،‬كما في الح ّ‬
‫والرّجوع عنها ‪.‬‬
‫اللفاظ ذات الصّلة ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬النّسيان والسّهو والغفلة والذّهول ‪:‬‬
‫‪ - 4‬هذه اللفاظ متقاربة في المعنى عند الفقهاء والصوليّين ‪.‬‬
‫فقد نقل ابن عابدين عن شرح التّحرير اتّفاقهم على عدم الفرق بين السّهو والنّسيان ‪.‬‬
‫وقال ابن نجيم ‪ :‬المعتمد أنّهما مترادفان ‪ .‬وصرّح البيجوريّ بأنّ السّهو مرادف للغفلة ‪ ،‬وأمّا‬
‫الذّهول فمن العلماء من جعله مساويًا للغفلة ‪ ،‬ومنهم من جعله أع ّم منها ‪ ،‬ومنهم من جعله‬
‫أخصّ ‪ ،‬وجميع هذه اللفاظ ترجع إلى عيوب في الرادة لمن فاتها العلم ‪ ،‬وما كان منافيا‬
‫للعلم كان منافيا للرادة ‪ ،‬وصلتها بالخطأ أنّها أسباب تؤدّي إليه والخطأ ينتج عنها ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬الكراه ‪:‬‬
‫‪ - 5‬الكراه هو حمل الغير على ما ل يرضاه من قول أو فعل ‪ ،‬ول يختار المكره مباشرته‬
‫لو خلّي ونفسه ‪ ،‬وينقسم إلى ملجئ وغير ملجئ وتفصيل أحكامه محلّه مصطلح ‪ ( :‬إكراه ) ‪.‬‬
‫قال المديّ وغيره ‪ :‬والحقّ أنّه إذا خرج بالكراه إلى حدّ الضطرار ‪ ،‬وصار نسبة ما‬
‫ن تكليفه به إيجادا وعدما غير جائز‬
‫يصدر عنه من الفعل إليه نسبة حركة المرتعش إليه ‪ ،‬أ ّ‬
‫إلّ على القول بتكليف ما ل يطاق ‪ ،‬وأمّا إن لم ينته إلى حدّ الضطرار فهو مختار ‪ ،‬وتكليفه‬
‫جائز عقلً وشرعا ‪ ،‬وأمّا المخطئ فهو غير مكلّف إجماعا فيما هو مخطئ فيه ‪.‬‬
‫ج ‪ -‬الهزل ‪:‬‬
‫‪ - 6‬الهزل ضدّ الجدّ وهو كلّ كلم ل تحصيل له مأخوذ من الهزال ‪.‬‬
‫وقال ابن الثير ‪ :‬الهزال واللّعب من باب واحد ‪ .‬ونحوهما المزاح ‪.‬‬
‫وفي الصطلح ‪ :‬أن ل يراد باللّفظ ودللته المعنى الحقيقيّ ول المجازيّ بأن ل يراد به‬
‫ح إرادته به ‪.‬‬
‫شيء أو يراد به ما ل يص ّ‬
‫ن المخطئ ل قصد له في خصوص اللّفظ‬
‫والهزل كالخطأ في أنّه من العوارض المكتسبة إلّ أ ّ‬
‫ول في حكمه ‪ ،‬والهازل مختار راض بخصوص اللّفظ غير راض بحكمه ‪.‬‬
‫د ‪ -‬الجهل ‪:‬‬
‫‪ - 7‬الجهل انتفاء العلم بالمقصود بأن لم يدرك أصلً ‪ ،‬ويسمّى الجهل البسيط ‪ ،‬أو أدرك على‬
‫خلف هيئته في الواقع ويسمّى الجهل المركّب ‪ ،‬لنّه جهل المدرك بما في الواقع ‪ ،‬مع الجهل‬
‫ن العالم قديم ‪.‬‬
‫بأنّه جاهل به كاعتقاد الفلسفة أ ّ‬
‫واعتبر الفقهاء الجهل عذرا من باب التّخفيف ‪ ،‬وعارضا من العوارض المكتسبة ‪ ،‬مثله مثل‬
‫الخطأ ‪ ،‬وأنّه مسقط للثم ويعتدّ به عذرا في حقوق اللّه تعالى المنهيّات دون المأمورات ‪ ،‬لنّ‬
‫المقصود من المأمورات إقامة مصالحها ‪ ،‬وذلك ل يحصل إلّ بفعلها ‪ ،‬والمنهيّات مزجور‬
‫عنها بسبب مفاسدها امتحانا للمكلّف بالنكفاف عنها ‪ ،‬وذلك إنّما يكون بالتّعمّد لرتكابها ‪،‬‬
‫ي فعذر بالجهل فيه ‪.‬‬
‫ومع الجهل لم يقصد المكلّف ارتكاب المنه ّ‬
‫ول يعتبر الجهل عذرا في حقوق الدميّين مثله في ذلك مثل الخطأ ‪ ،‬فيضمن الجاهل‬
‫والمخطئ ما يتلفانه من حقوق العباد ‪.‬‬
‫الحكم التّكليفيّ ‪:‬‬
‫‪ - 8‬اختلف علماء الصول في وصف المخطئ بالحلّ والحرمة ‪.‬‬
‫فقال السنويّ ‪ :‬بعد أن عرّف الحكم بأنّه خطاب اللّه المتعلّق بأفعال المكلّفين بالقتضاء أو‬
‫ن وطء الشّبهة القائمة‬
‫التّخيير ‪ :‬من فروع كون الحكم الشّرعيّ ل بدّ من تعلّقه بالمكلّفين ‪ ،‬أ ّ‬
‫ن أنّها زوجته مثلً ‪ ،‬هل يوصف وطؤه بالحلّ‬
‫بالفاعل ‪ ،‬وهو ما إذا وطئ أجنبيّةً على ظ ّ‬
‫والحرمة ‪ ،‬وإن انتفى عنه الثم ‪ ،‬أو ل يوصف بشيء منها ؟ فيه ثلثة أوجه ‪:‬‬
‫ن الحلّ والحرمة من‬
‫ي في كتاب النّكاح من فتاويه ‪ ،‬ل ّ‬
‫أصحّها الثّالث ‪ ،‬وبه أجاب النّوو ّ‬
‫الحكام الشّرعيّة ‪ ،‬والحكم الشّرعيّ هو الخطاب المتعلّق بأفعال المكلّفين ‪ ،‬والسّاهي‬
‫والمخطئ ونحوهما ليسوا مكلّفين ‪.‬‬
‫وجزم في المهذّب بالحرمة ‪ ،‬وقال به جماعة كثيرة من أصحابنا ‪ " :‬أي الشّافعيّة " والخلف‬
‫يجري في قتل الخطأ ‪ ،‬وفي أكل المضط ّر للميتة ‪.‬‬
‫ثمّ قال ‪ :‬ومن أطلق عليه التّحريم أو الباحة لم يقيّد التّعلّق بالمكلّفين بل بالعباد ‪ ،‬ليدخل فيه‬
‫أيضًا صحّة صلة الصّبيّ وغيرها من العبادات ووجوب الغرامة بإتلفه ‪ ،‬وإتلف المجنون‬
‫والبهيمة ‪ ،‬والسّاهي ونحو ذلك ممّا يندرج في خطاب الوضع ‪.‬‬
‫وقال الشّاطبيّ ‪ :‬إنّ بين الحلل والحرام مرتبة العفو فل يحكم عليه بأنّه واحد من الخمسة‬
‫المذكورة ‪ .‬ثمّ قال ‪ :‬ويظهر هذا المعنى في مواضع من الشّريعة ‪ ،‬منها ما يكون متّفقا عليه‪،‬‬
‫ل فعل‬
‫ومنها ما يختلف فيه ‪ ،‬فمنها الخطأ والنّسيان فإنّه متّفق على عدم المؤاخذة به ‪ ،‬فك ّ‬
‫صدر عن غافل ‪ ،‬أو ناس ‪ ،‬أو مخطئ ‪ ،‬فهو ممّا عفي عنه ‪ ،‬وسواء علينا أفرضنا تلك‬
‫الفعال مأمورا بها أو منهيّا عنها أم ل ‪ .‬لنّها إن لم تكن منهيّا عنها ول مأمورا بها ول‬
‫مخيّرا فيها فقد رجعت إلى قسم ما ل حكم له في الشّرع وهو معنى العفو ‪.‬‬
‫وإن تعلّق بها المر والنّهي ‪ ،‬فمن شرط المؤاخذة به ذكر المر والنّهي والقدرة على‬
‫المتثال‪ ،‬وذلك في المخطئ ‪ ،‬والنّاسي ‪ ،‬والفاعل محال ‪ ،‬ومثل ذلك النّائم ‪ ،‬والمجنون ‪،‬‬
‫والحائض وأشباه ذلك ‪ .‬ومنها الخطأ في الجتهاد وهو راجع إلى الوّل ‪،‬وقد جاء في القرآن‪:‬‬
‫ت َل ُهمْ } ‪.‬‬
‫{ عَفَا الّلهُ عَنكَ ِلمَ َأذِن َ‬
‫الثر المترتّب على الخطأ بالنّسبة للحقوق من حيث الصّحّة والفساد والجزاء‬
‫ونحوه ‪:‬‬
‫ن الخطأ عذر في إسقاط بعض حقوق اللّه تبارك وتعالى وليس فيها‬
‫‪ -‬جمهور الفقهاء على أ ّ‬ ‫‪9‬‬

‫كلّها ‪ ،‬فاعتبره الشّارع عذرا في سقوط الثم عن المجتهد لما ثبت في الصّحيحين ‪:‬‬
‫« إذا حكم الحاكم فاجتهد ثمّ أصاب فله أجران ‪ ،‬وإذا حكم فاجتهد ثمّ أخطأ فله أجر » ‪.‬‬
‫وجعله شبهةً دارئ ًة في العقوبات فل يؤاخذ بحدّ فيما لو زفّت إليه غير امرأته فوطئها على‬
‫ظنّ أنّها امرأته ‪ .‬وكذلك ل قصاص فيما لو رمى إلى إنسان على ظنّ أنّه صيد فقتله ‪.‬‬
‫وأمّا حقوق العباد فل تسقط بالخطأ فيجب ضمان المتلفات خطأً ‪ ،‬كما لو رمى إلى شاة‬
‫ن أنّه ملك نفسه ‪ ،‬لنّه ضمان مال ل‬
‫ن أنّها صيد ‪ ،‬أو أكل ما له على ظ ّ‬
‫وإنسان على ظ ّ‬
‫جزاء فعل فيعتمد عصمة المحلّ ‪ ،‬وكونه خاطئا ل ينافيها ‪.‬‬
‫قال ابن نجيم ‪ :‬قال الصوليّون ‪ ،‬أي في حديث ‪ « :‬إنّ اللّه وضع عن أمّتي الخطأ والنّسيان‬
‫ن عين الخطأ‬
‫ل الكلم ‪ ،‬ل ّ‬
‫وما استكرهوا عليه » ‪ :‬إنّه من باب ترك الحقيقة بدللة مح ّ‬
‫وأخويه غير مرفوع ‪ ،‬فالمراد حكمها وهو نوعان ‪ :‬أخرويّ وهو المأثم ‪ ،‬ودنيويّ وهو الفساد‬
‫‪ ،‬والحكمان مختلفان فصار الحكم بعد كونه مجازا مشتركا فل يعمّ ‪.‬‬
‫ن المشترك ل عموم له ‪ ،‬وأمّا عند الشّافعيّ فلنّ المجاز ل عموم له فإذا ثبت‬
‫أمّا عندنا فل ّ‬
‫ي إجماعا لم يثبت الخر ‪.‬‬
‫الخرو ّ‬
‫ي فإن وقع في ترك مأمور لم يسقط بل يجب تداركه ‪ ،‬ول يحصل الثّواب‬
‫وأمّا الحكم الدّنيو ّ‬
‫المترتّب عليه ‪ ،‬أو فعل منهيّ عنه ‪ ،‬فإن أوجب عقوبةً كان شبهةً في إسقاطها ‪ ،‬فمن نسي‬
‫صلةً أو صوما ‪ ،‬أو حجّا ‪ ،‬أو زكاةً ‪ ،‬أو كفّارةً ‪ ،‬أو نذرا ‪ ،‬وجب عليه قضاؤه بل خلف ‪،‬‬
‫وكذا الوقوف بغير عرفة غلطا يجب القضاء اتّفاقا ‪ ،‬ومنها من صلّى بنجاسة مانعة ناسيا ‪ ،‬أو‬
‫نسي ركنا من أركان الصّلة ‪ ،‬أو تيقّن الخطأ في الجتهاد في الماء والثّوب وقت الصّلة‬
‫والصّوم ‪.‬‬
‫وقال الزّركشيّ ‪ :‬المراد من قوله صلى ال عليه وسلم ‪ « :‬رفع عن أمّتي الخطأ والنّسيان »‬
‫ن حقوق الدميّين العامد والمخطئ فيها سواء ‪ ،‬وكذلك في بعض حقوق اللّه‬
‫أمّا في الحكم فإ ّ‬
‫تعالى كقتل الصّيد والخطأ في العبادة مرفوع غير موجب للقضاء إن لم يؤمن وقوع مثله في‬
‫المفعول ثانيا ‪ ،‬كما لو أخطأ الحجيج في الوقوف بعرفة ‪ ،‬فوقفوا العاشر ل يجب القضاء ‪،‬‬
‫ن الخطأ ل يؤمن في السّنين المستقبلة ‪ .‬أمّا إذا أمكن التّحرّز منه فل يكون الخطأ عذرا في‬
‫لّ‬
‫إسقاط القضاء كما إذا أخطأ الحجيج في الموقف فوقفوا في غير عرفة ‪ ،‬فيلزمهم القضاء‬
‫ن الخطأ في الموقف يؤمن مثله في القضاء ‪ ،‬وكالحاكم‬
‫سواء كانوا جمعا كثيرا أو قليلً ‪ ،‬ل ّ‬
‫يحكم بالجتهاد ثمّ يجد النّصّ بخلفه ل يعتدّ بحكمه ‪.‬‬
‫ولو صلّى بالجتهاد ثمّ تيقّن الخطأ بعد الصّلة وجب القضاء في الصحّ ‪ ،‬ولو اجتهد في‬
‫ن الّذي توضّأ به أو لبسه كان نجسا لزمته العادة ‪.‬‬
‫أوان‪ ،‬أو ثياب ‪ ،‬ثمّ بان أ ّ‬
‫وذهب جماعة من العلماء إلى أنّ الفعل الواقع خطأً أو نسيانا لغو في الحكام ‪ ،‬كما جعله اللّه‬
‫لغوًا في الثام ‪ .‬وبيّن النّبيّ صلى ال عليه وسلم ذلك بقوله ‪ « :‬رفع عن أمّتي الخطأ‬
‫والنّسيان ‪ ،‬وما استكرهوا عليه » ‪.‬‬
‫ط ْأنَا } المعنى ‪:‬‬
‫خَ‬‫خ ْذنَا إِن ّنسِينَا َأوْ َأ ْ‬
‫وقال القرطبيّ عند الكلم على قوله تعالى ‪َ { :‬ر ّبنَا لَ ُتؤَا ِ‬
‫ن الثم مرفوع‬
‫اعف عن إثم ما يقع منّا على هذين الوجهين أو أحدهما ‪ .‬وهذا لم يختلف فيه أ ّ‬
‫‪ ،‬وإنّما اختلف فيما يتعلّق على ذلك من الحكام هل ذلك مرفوع ل يلزم منه شيء ‪ ،‬أو يلزم‬
‫ن ذلك يختلف بحسب الوقائع ‪ ،‬فقسم ل يسقط باتّفاق‬
‫أحكام ذلك كلّه ؟ اختلف فيه ‪ :‬والصّحيح أ ّ‬
‫كالغرامات ‪ ،‬والدّيات ‪ ،‬والصّلوات المفروضات ‪ ،‬وقسم يسقط باتّفاق كالقصاص والنّطق‬
‫بكلمة الكفر ‪ ،‬وقسم ثالث يختلف فيه كمن أكل ناسيا في رمضان ‪ ،‬أو حنث ساهيا ‪ ،‬وما كان‬
‫مثله ممّا يقع خطأً ونسيانا ويعرف ذلك في الفروع ‪.‬‬
‫ي الّذي قال عند‬
‫ن الفعل الواقع خطأً غير مؤاخذ عليه مطلقًا إلكيا الهرّاس ّ‬
‫وممّن ذهب إلى أ ّ‬
‫خطَ ْأنَا } يقتضي رفع المؤاخذة‬
‫خ ْذنَا إِن ّنسِينَا أَ ْو َأ ْ‬
‫ل تُؤَا ِ‬
‫الكلم على قوله تعالى ‪َ { :‬ربّنَا َ‬
‫بالمنسيّ ‪ ،‬والمؤاخذة منقسمة إلى مؤاخذة في حكم الخرة وهو الثم والعقاب ‪ ،‬وإلى مؤاخذة‬
‫في حكم الدّنيا وهو إثبات التّبعات والغرامات ‪ .‬والظّاهر نفي حكم جميع ذلك ‪.‬‬
‫وقوله عليه الصلة والسلم ‪ « :‬رفع عن أمّتي الخطأ والنّسيان » ‪ .‬يقتضي رفع الخطأ مطلقًا‬
‫ورفع حكمه ‪.‬‬
‫ل ما يتعلّق بحقوق‬
‫ن ضمان المتلفات والدّيات وك ّ‬
‫‪ - 10‬والّذي عليه جمهور الئمّة والعلماء أ ّ‬
‫العباد ل يسقط بحال حتّى إنّهم أطبقوا على أنّ الخطأ والعمد في أموال النّاس سواء ‪.‬‬
‫ن خطاب الوضع ل يشترط فيه علم‬
‫لنّه من قبيل خطاب الوضع وقد تقرّر في علم الصول أ ّ‬
‫المكلّف وقدرته وهو الخطاب بكثير من السباب والشّروط والموانع ‪ ،‬فلذلك وجب الضّمان‬
‫على المجانين والغافلين بسبب التلف لكونه من باب الوضع الّذي معناه أنّ اللّه تعالى قال ‪:‬‬
‫إذا وقع هذا في الوجود فاعلموا أنّي حكمت بكذا ‪ ،‬ومن ذلك الطّلق بالضرار ‪ ،‬والعسار ‪،‬‬
‫والتّوريث بالنساب ‪.‬‬
‫ن الخطأ والنّسيان مرفوع فقد خالف كتاب اللّه وسنّة‬
‫ونقل الخلّال عن أحمد قال ‪ :‬من زعم أ ّ‬
‫رسول اللّه صلى ال عليه وسلم فإنّ اللّه أوجب في قتل النّفس الخطأ الدّية والكفّارة ‪ ،‬يعني‬
‫من زعم ارتفاعهما على العموم في خطاب الوضع والتّكليف ‪.‬‬
‫وقال البعليّ في القاعدة الثّانية ‪ :‬شروط التّكليف العقل وفهم الخطاب ‪ .‬فل تكليف على صبيّ‪،‬‬
‫ول مجنون ل عقل له ‪ .‬وقال أبو البركات في المسوّدة ‪ :‬واختار قوم تكليفهما ‪.‬‬
‫قلت ‪ :‬من اختار تكليفهما ‪ ،‬إن أراد ‪ :‬أنّه يترتّب على أفعالهما ما هو من خطاب الوضع فل‬
‫نزاع في ترتّبه ‪ .‬وإن أراد خطاب التّكليف فإنّه ل يلزمهما بل نزاع ‪ ،‬وإن اختلف في مسائل‬
‫‪ :‬هل هي من خطاب الوضع ‪ ،‬أم من خطاب التّكليف ؟ أو بعض مسائل من مسائل التّكليف ‪.‬‬
‫قواعد فقهيّة متعلّقة بالخطأ ‪:‬‬
‫ن البيّن خطؤه ‪:‬‬
‫قاعدة ‪ :‬ل عبرة بالظّ ّ‬
‫‪ - 11‬هذه القاعدة ذكرها الحنفيّة والشّافعيّة ‪.‬‬
‫ن وقت الفجر ضاق فصلّى‬
‫ن من فاتته صلة العشاء لو ظنّ أ ّ‬
‫ومن تطبيقاتها عند الحنفيّة ‪ :‬أ ّ‬
‫الفجر قبل الفائتة ‪ ،‬ثمّ تبيّن أنّه كان في الوقت سعة بطل الفجر ‪ ،‬فإذا بطل ينظر ‪ ،‬فإن كان‬
‫في الوقت سعة يصلّي العشاء ثمّ يعيد الفجر ‪ ،‬فإن لم يكن في الوقت سعة يعيد الفجر فقط ‪.‬‬
‫ن الماء نجسا فتوضّأ به ثمّ تبيّن أنّه طاهر جاز وضوءه ‪.‬‬
‫ومنها ما لو ظ ّ‬
‫ن المدفوع إليه غير مصرف للزّكاة فدفع له ‪ ،‬ثمّ تبيّن أنّه مصرف‬
‫ن المزكّي أ ّ‬
‫ومنها ما لو ظ ّ‬
‫أجزأه اتّفاقا ‪ .‬ولو رأوا سوادا فظنّوه عدوّا فصلّوا صلة الخوف ‪ ،‬فبان خلفه لم تصحّ ‪ ،‬لنّ‬
‫الشّرط حضور العد ّو ‪.‬‬
‫ج الفرض ظانّا أنّه ل يعيش ثمّ صحّ من المرض أدّاه بنفسه ‪ .‬ولو‬
‫ولو استناب المريض في ح ّ‬
‫ظنّ أنّ عليه دينا فأدّاه فبان خلفه رجع بما أدّى ‪.‬‬
‫ولو خاطب امرأته بالطّلق ظانّا أنّها أجنبيّة فبان أنّها زوجته طلقت ‪.‬‬
‫ومن تطبيقاتها عند الشّافعيّة ‪:‬‬
‫‪ - 12‬ما لو ظنّ المكلّف في الواجب الموسّع أنّه ل يعيش إلى آخر الوقت ‪ ،‬تضيّق عليه فلو‬
‫لم يفعله ثمّ عاش وفعله فأداء على الصّحيح ‪.‬‬
‫وما لو ظنّ أنّه متطهّر فصلّى ‪ ،‬ث ّم بان حدثه ‪ .‬وما لو ظنّ دخول الوقت ‪ ،‬فصلّى ‪ ،‬ثمّ بان‬
‫ن إمامه مسلم ‪ ،‬أو‬
‫ن طهارة الماء فتوضّأ به ‪ ،‬ثمّ بان نجاسته ‪ .‬أو ظنّ أ ّ‬
‫أنّه لم يدخل ‪ .‬أو ظ ّ‬
‫رجل قارئ فبان كافرا ‪ ،‬أو امرأ ًة أو أ ّميّا ‪ .‬أو بقاء اللّيل ‪ ،‬أو غروب الشّمس ‪ ،‬فأكل ث ّم بان‬
‫خلفه ‪ .‬أو دفع الزّكاة إلى من ظنّه من أهلها ‪ ،‬فبان خلفه ‪.‬‬
‫أو رأوا سوادا فظنّوه عدوّا فصلّوا صلة شدّة الخوف ‪ ،‬فبان خلفه ‪ ،‬أو بان أنّ هناك خندقًا ‪.‬‬
‫أو استناب على الحجّ ظانّا أنّه ل يرجى برؤه ‪ ،‬فبرئ ‪ :‬لم يجز في الصّور كلّها ‪.‬‬
‫ثمّ أورد السّيوطيّ وابن نجيم بعض المسائل المستثناة من هذه القاعدة ‪ ،‬منها ما لو صلّى خلف‬
‫من يظنّه متطهّرا فبان حدثه صحّت صلته ‪.‬‬
‫ولو أنفق على البائن ظانّا حملها فبانت حائلً ‪ :‬استردّ ‪ .‬وشبّهه الرّافعيّ ‪ :‬بما إذا ظنّ أنّ عليه‬
‫دينا فأدّاه ‪ ،‬ثمّ بان خلفه ‪ ،‬وما إذا أنفق على ظنّ إعساره ‪ ،‬ثمّ بان يساره ‪.‬‬
‫‪ - 13‬وقريب من القاعدة المشار إليها عند المالكيّة قاعدة الظّهور والنكشاف ذكرها‬
‫الونشريسيّ ‪ .‬ومن تطبيقاتها ‪ :‬استرجاع النّفقة المدفوعة إلى المرأة بناءً على ثبوت الحمل إذا‬
‫ظهر بعد ذلك أنّها لم تكن حاملً ‪ ،‬على المشهور عندهم ‪.‬‬
‫ووجوب ردّ قسمة ميراث المفقود في أرض السلم في الجل أو قبله ‪ -‬بعدما أنفق أولده‬
‫على أنفسهم من ماله ‪ .‬قال مالك فيها بوجوب ردّ النّفقة ‪.‬‬
‫‪ - 14‬وعند الحنابلة أورد ابن رجب عدّة قواعد في هذا المعنى منها ‪:‬‬
‫ن أنّه ل يملكه فتبيّن أنّه كان يملكه‬
‫ستّون ‪ :‬وهي من تصرّف في شيء يظ ّ‬
‫القاعدة الخامسة وال ّ‬
‫ففي صحّة تصرّفه خلف ‪ ،‬ومن تطبيقاتها ‪ :‬ما لو باع ملك أبيه بغير إذنه ثمّ تبيّن أنّ أباه‬
‫كان قد مات ول وارث له سواه ‪ ،‬ففي صحّة تصرّفه وجهان ويقال ‪ :‬روايتان ‪.‬‬
‫ومنها القاعدة الخامسة والتّسعون ‪ :‬من أتلف مال غيره وهو يظنّ أنّه ماله ‪ ،‬أو تصرّف فيه‬
‫يظنّ لنفسه وليةً عليه ثمّ يتبيّن خطأ ظنّه ‪ ،‬فإن كان مستندا إلى سبب ظاهر من غيره ثمّ تبيّن‬
‫خطأ ظنّه ‪ ،‬بأن كان مستندا إلى سبب ظاهر من غيره ‪ ،‬ثمّ تبيّن خطأ المتسبّب ‪ ،‬أو أقرّ‬
‫بتعمّده للجناية ضمن المتسبّب وإن كان مستندا إلى اجتهاد مجرّد ‪ ،‬كمن دفع مالً تحت يده‬
‫إلى من يظنّ أنّه مالكه أو أنّه يجب الدّفع إليه ‪ ،‬أو أنّه يجوز ذلك ‪ ،‬أو دفع ماله الّذي يجب‬
‫عليه إخراجه لحقّ اللّه إلى من يظنّه مستحقّا ثمّ تبيّن الخطأ ففي ضمانه قولن ‪.‬‬
‫الخطأ في العبادات ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬الطّهارة ‪:‬‬
‫أوّلً ‪ -‬الخطأ في الجتهاد في الواني والثّياب ‪:‬‬
‫‪ - 15‬من اجتهد في أوان أو ثياب ثمّ بان الّذي توضّأ به أو لبسه كان نجسا لزمته العادة ;‬
‫لنّه تبيّن له يقين الخطأ فهو كالحاكم إذا أخطأ النّصّ ‪.‬‬
‫وهذا مذهب الحنفيّة ‪ ،‬وقول عند المالكيّة ‪ ،‬ومذهب الشّافعيّة وقول ابن عقيل من الحنابلة ‪.‬‬
‫ومبنى هذه المسألة عند الحنفيّة والشّافعيّة على قاعدة " ل عبرة بالظّنّ البيّن خطؤه " ‪ .‬وبناها‬
‫ن أم ل ؟ ‪.‬‬
‫ن هل ينقض بالظّ ّ‬
‫المالكيّة على قاعدة ‪ .‬الظّ ّ‬
‫والقول الخر عندهم أنّه يعيد في الوقت استحبابا ‪.‬‬
‫ول ترد هذه المسألة على قواعد جمهور الحنابلة لنّه إذا شكّ في نجاسة الماء الطّاهر ‪ ،‬أو‬
‫طهارة الماء النّجس بنى على اليقين ‪ ،‬ول عبرة بغلبة الظّنّ ‪،‬فإن اشتبه عليه لم يتحرّ فيهما‪،‬‬
‫وهل يشترط لصحّة تيمّمه مزجهما أو إراقتهما ؟ على روايتين ‪.‬‬
‫وبنوا هذه المسألة على قاعدة ‪ :‬إذا تعارض الصل والظّاهر ‪ ،‬فإن كان الظّاهر حجّ ًة يجب‬
‫قبولها شرعا ‪ ،‬كالشّهادة والرّواية والخبار فهو مقدّم على الصل بغير خلف ‪ ،‬وإن لم يكن‬
‫كذلك بل كان مستنده العرف والعادة الغالبة والقرائن أو غلبة الظّنّ ونحو ذلك ‪ ،‬فتارةً يعمل‬
‫بالصل ول يلتفت إلى الظّاهر ‪ ،‬وتار ًة يعمل بالظّاهر ول يلتفت إلى الصل ‪ ،‬وتار ًة يخرج‬
‫في المسألة خلف ‪.‬‬
‫أمّا في الثّياب إذا اشتبهت عليه ثياب طاهرة بنجسة لم يجز التّحرّي وصلّى في كلّ ثوب بعدد‬
‫النّجس وزاد صل ًة وينوي بكلّ صلة الفرض ‪.‬‬
‫ثانيا ‪ -‬الخطأ في الوضوء ‪:‬‬
‫‪ - 16‬إذا غلط في نيّة الوضوء فنوى رفع حدث النّوم وكان حدثه غيره ‪.‬‬
‫قال المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة ‪ :‬إنّه إذا غلط في ال ّنيّة بأن كان عليه حدث نوم ‪ ،‬فغلط ونوى‬
‫رفع حدث بول ارتفع حدثه لتداخل الحداث ‪ ،‬أمّا إن نوى غير ما صدر منه عمدا لم يصحّ‬
‫وضوءه لتلعبه ‪.‬‬
‫ن الوضوء والغسل ل دخل‬
‫ومذهب الحنفيّة كما ذكره ابن نجيم في مبحث " إذا عيّن وأخطأ " أ ّ‬
‫لهما في هذا البحث لعدم اشتراط ال ّنيّة فيهما ‪ .‬وقالوا ‪ :‬إنّ من دخل الماء مدفوعا ‪ ،‬أو مختارا‬
‫لقصد التّبرّد ‪ ،‬أو لمجرّد إزالة الوسخ صحّ وضوءه ‪ .‬وأنّه إذا لم ينو وتوضّأ وصلّى فصلته‬
‫ن الشّرط مقصود التّحصيل لغيره ل لذاته ‪ ،‬فكيفما فعل حصل المقصود وصار‬
‫صحيحة ‪ ،‬ل ّ‬
‫كستر العورة وباقي شروط الصّلة ول يفتقر اعتبارها إلى أن تنوى ‪.‬‬
‫ثالثا ‪ -‬الخطأ في الغسل ‪:‬‬
‫‪ - 17‬إذا نوى المغتسل رفع جنابة الجماع وكانت جنابته من احتلم ‪ ،‬وإذا نوت المرأة رفع‬
‫الجنابة وكان حدثها من الحيض ‪.‬‬
‫ن ال ّنيّة ل تشترط في الوضوء ‪،‬‬
‫قال الشّافعيّة ‪ :‬إنّ ذلك ل يضرّ ‪ .‬وكذلك عند الحنفيّة ‪ ،‬ل ّ‬
‫والغسل ‪ ،‬ومسح الخفّين ‪ ،‬وإزالة النّجاسة الخفيفة عن الثّوب ‪ ،‬والبدن ‪ ،‬والمكان ‪.‬‬
‫وقال المالكيّة ‪ :‬إذا تساوت الطّهارتان في أنفسهما وفيما تتناولنه من الحداث والسباب وفيما‬
‫تمنعانه من العبادات فل خلف في أنّ نيّة إحدى الطّهارتين تنوب عن الخرى ‪.‬‬
‫ن الحيض‬
‫وإذا تساوت الطّهارتان عن حدث واختلفت موانعهما ‪ ،‬كالجنابة ‪ ،‬والحيض ‪ ،‬فإ ّ‬
‫يمنع الوطء ول تمنعه الجنابة ‪ ،‬فإن اغتسلت الحائض تنوي الجنابة دون الحيض ‪ ،‬ففي كتاب‬
‫ابن سحنون عن أبيه ل يجزئ الحائض ‪ ،‬وفي كتاب الحاوي للقاضي أبي الفرج يجزئ‪ .‬وقال‬
‫الزّرقانيّ ‪ :‬الغلط في ال ّنيّة ل يضرّ بخلف المتعمّد لنّه متلعب ‪.‬‬
‫وقال الدّسوقيّ في حاشيته ‪ :‬وإن نوت امرأة جنب وحائض بغسلها الحيض ‪ ،‬والجنابة معا ‪،‬‬
‫أو نوت أحدهما ناسي ًة أو ذاكرةً للخر ولم تخرجه حصل ‪.‬‬
‫وقال الحنابلة إذا اجتمعت أحداث متنوّعة ولو كانت متفرّق ًة في أوقات توجب وضوءا أو‬
‫غسلً ونوى بطهارته أحدها ارتفع هو ‪ ،‬أي ‪ :‬الّذي نوى رفعه ‪ ،‬وارتفع سائرها ‪ ،‬لنّ‬
‫الحداث تتداخل فإذا نوى بعضها غير مقيّد ارتفع جميعها ‪ ،‬وهذا ما لم يخرج شيئا منها بال ّنيّة‬
‫‪.‬‬
‫رابعا ‪ :‬الخطأ في التّيمّم ‪:‬‬
‫‪ - 18‬من أمثلة الخطأ في التّيمّم ما يأتي ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬قال الحنفيّة ‪ :‬ال ّنيّة في التّيمّم ل يجب فيها التّمييز بين الحدث والجنابة ‪ ،‬فلو تيمّم الجنب‬
‫يريد به الوضوء جاز ‪ ،‬لنّ الشّروط يراعى وجودها ل غير ‪ ،‬فإذا تيمّم للعصر جاز له أن‬
‫يصلّي به غيره ‪ .‬وقال الخصّاف ‪ :‬يجب التّمييز لكونه يقع لهما على صفة واحدة فيميّز بالنّيّة‬
‫كالصّلوات المفروضة ‪.‬‬
‫وأمّا مالك فقد روى عنه المنع ‪ ،‬وروى ابن مسلمة عنه الجواز ‪.‬‬
‫قال الباجيّ في المنتقى ‪ :‬اختلف قول مالك وأصحابه في الجنب يتيمّم ناسيا لجنابته ينوي من‬
‫الحدث الصغر فمنع منه مالك ‪ ،‬وجوّزه ابن مسلمة ‪ ،‬ورواه عن مالك ‪.‬‬
‫وقال الشّافعيّة ‪ :‬لو نوى المتيمّم استباحة الصّلة بسبب الحدث الصغر وكان جنبا ‪ ،‬أو بسبب‬
‫الجنابة وكان محدثا صحّ بالتّفاق إذا كان غالطا ‪.‬‬
‫س المصحف من حدث‬
‫وقال الحنابلة ‪ :‬يشترط تعيين ال ّنيّة لما تيمّم له كصلة ‪ ،‬وطواف ‪ ،‬وم ّ‬
‫أصغر أو أكبر ‪ ،‬أو نجاسة على بدنه ‪ ،‬لنّ التّيمّم ل يرفع الحدث وإنّما يبيح الصّلة ‪ ،‬فلم‬
‫يكن ب ّد من التّعيين تقويةً لضعفه ‪ ،‬وصفة التّعيين أن ينوي استباحة صلة الظّهر مثلً من‬
‫الجنابة إن كان جنبا ‪ ،‬أو من الحدث إن كان محدثا وما أشبه ذلك ‪.‬‬
‫ح تيمّمه وأجزأه لنّ‬
‫وإن نوى استباحة الصّلة من الحدث الكبر والصغر والنّجاسة ببدنه ص ّ‬
‫كلّ واحد يدخل في العموم ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬إن كان في رحله ماء فأخطأ رحله فطلبه فلم يجده فتيمّم وصلّى ‪ ،‬مذهب المالكيّة ووجه‬
‫عند الشّافعيّة ومذهب الحنابلة يجزئه التّيمّم ول إعادة عليه لعدم تقصيره ‪ ،‬ولنّه غير مفرّط‬
‫في الطّلب ‪ .‬والوجه الثّاني عند الشّافعيّة تلزمه العادة ‪ ،‬لنّه فرّط في حفظ الرّحل ‪.‬‬
‫ج ‪ -‬إذا كان عالما بالماء وظنّ أنّه قد نفذ فتيمّم وصلّى أعاد عند الحنفيّة اتّفاقا ‪ ،‬وكذلك عند‬
‫ن القدرة على الستعمال ثابتة بعلمه فل‬
‫ح عند الشّافعيّة وعند الحنابلة ‪ ،‬ل ّ‬
‫المالكيّة والص ّ‬
‫ينعدم بظنّه ‪ ،‬وعليه التّحرّي ‪ ،‬فإذا لم يفعل ل يجزئه التّيمّم ولنّه كان عالما به وظهر خطأ‬
‫ن ذلك عذر حال بينه وبين الماء فسقط الفرض‬
‫الظّنّ ‪ .‬ومقابل الصحّ أنّه ل إعادة عليه ‪ ،‬ل ّ‬
‫بالتّيمّم قاله الشّافعيّ في القديم ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬الصّلة ‪:‬‬
‫أوّلً ‪ :‬الخطأ في ال ّنيّة ‪:‬‬
‫ومن صوره ‪:‬‬
‫‪ - 19‬الصّورة الولى ‪ :‬الخطأ فيما ل يشترط له التّعيين ل يضرّ قاله ابن نجيم ‪.‬‬
‫وقال السّيوطيّ ‪ :‬ما ل يشترط له التّعرّض جملةً وتفصيلً إذا عيّنه وأخطأ لم يضرّ ومن‬
‫أمثلتها عندهما ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬تعيين مكان الصّلة وزمانها وعدد الرّكعات ‪ ،‬فلو عيّن عدد ركعات الظّهر ثلثا أو خمسا‬
‫ن التّعيين ليس بشرط ‪ ،‬فالخطأ فيه ل يضرّ وتلغو نيّة التّعيين ‪ .‬وهو قول المالكيّة ‪.‬‬
‫صحّ ‪ ،‬ل ّ‬
‫وقال الحنابلة ‪ :‬ل يشترط ذكر عدد الرّكعات ‪ ،‬لكن إن نوى الظّهر ثلثا أو خمسا لم تصحّ‬
‫لتلعبه ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬وإذا عيّن المام من يصلّي به فبان غيره ل يضرّ ‪ ،‬وقال الحنابلة في الرّواية المقابلة‬
‫ح ‪ :‬ل تضرّ ‪.‬‬
‫للصحّ تضرّ ‪ ،‬والرّواية الخرى وهي الص ّ‬
‫وقال المالكيّة ‪ :‬ل يجب على المام أن ينوي المامة ‪.‬‬
‫ج ‪ -‬وإذا عيّن الداء فبان أنّ الوقت قد خرج أو القضاء ‪ ،‬فبان أنّه باق فصلته صحيحة ‪،‬‬
‫وهو قول المالكيّة ‪.‬‬
‫ح مع العلم ‪.‬‬
‫ح قضا ًء بنيّة أداءً وعكسه إذا بان خلف ظنّه ‪ ،‬ول يص ّ‬
‫وقال الحنابلة يص ّ‬
‫‪ - 20‬الصّورة الثّانية ‪ :‬وعبّر عنها ابن نجيم بقوله ‪ :‬وأمّا ما يشترط فيه التّعيين فالخطأ فيه‬
‫يضرّ ‪ .‬وقال السّيوطيّ ‪ :‬ما يشترط فيه التّعيين فالخطأ فيه مبطل ‪ ،‬وما يجب التّعرّض له‬
‫جملةً ول يشترط تعيينه تفصيلً إذا عيّنه وأخطأ ضرّ ‪.‬‬
‫ومن أمثلتها عندهما ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬الخطأ من صلة الظّهر إلى العصر فإنّه يضرّ ‪ .‬وكذلك الحكم عند الحنابلة ‪.‬‬
‫وعند المالكيّة قال الخرشيّ ‪ :‬إن خالفت نيّته لفظه ‪ ،‬فالعبرة بال ّنيّة دون اللّفظ ‪ ،‬كناوي ظهر‬
‫تلفّظ بعصر مثلً ‪ ،‬وهذا إذا تخالفا سهوا ‪ ،‬وأمّا إن فعله متعمّدا فهو متلعب ‪ ،‬ونقل عن‬
‫ن الحوط العادة أي فيما إذا فعل ذلك سهوا ‪ ،‬قال الشّيخ زرّوق في شرحه ‪:‬‬
‫الرشاد أ ّ‬
‫للخلف في الشّبهة إذ يحتمل تعلّق ال ّنيّة بما سبق إليه لسانه ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬وكذلك إذا نوى القتداء بزيد فإذا هو عمرو لم تصحّ صلته ‪ .‬وهو قول الحنابلة ‪.‬‬
‫وقال المالكيّة ‪ :‬لو اقتدى شخص بمن يصلّي إمامًا بمسجد معيّن ول يدري من هو ‪ ،‬فإنّ‬
‫صلته صحيحة ‪ ،‬وكذا إن اعتقد أنّه زيد فتبيّن أنّه عمرو فيما يظهر ‪ ،‬إلّ أن تكون نيّته‬
‫ن صلته تبطل ‪ ،‬ولو تبيّن أنّه زيد لتردّده في‬
‫القتداء به إن كان زيدا ل إن كان عمرا ‪ ،‬فإ ّ‬
‫ال ّنيّة ‪.‬‬
‫ج ‪ -‬الخطأ في تعيين الميّت في صلة الجنازة بأن نوى الصّلة على زيد فبان غيره ‪ ،‬أو‬
‫نوى الصّلة على الميّت الذّكر فتبيّن أنّه أنثى ‪ ،‬أو عكسه ‪ ،‬فإنّه يضرّ ول تصحّ الصّلة ‪.‬‬
‫ووافقهما المالكيّة في الصّورتين ‪ ،‬والحنابلة في الصّورة الولى ‪ ،‬فقالوا ‪ :‬إن نوى الصّلة‬
‫صحّة‬
‫على معيّن من موتى يريد به زيدا فبان غيره جزم أبو المعالي أنّها ل تصحّ ‪ ،‬وقالوا بال ّ‬
‫في الصّورة الثّانية ‪ ،‬فلو نوى الصّلة على هذا الرّجل فبان امرأةً أو عكسه ‪ ،‬بأن نوى هذه‬
‫المرأة فبانت رجلً ‪،‬قالوا فالقياس الجزاء لقوّة التّعيين على الصّفة في باب اليمان وغيرها‪.‬‬
‫د ‪ -‬لو نوى قضاء ظهر يوم الثنين وكان عليه ظهر يوم الثّلثاء لم يجزئه عند الحنفيّة‬
‫والشّافعيّة ‪ .‬ول يضرّ عند المالكيّة لنّه ل ينوي اليّام اتّفاقًا ‪ ،‬وقالوا ‪ :‬إنّ المشهور عدم‬
‫وجوب نيّة القضاء والداء وكذا ذكر اليوم الّذي هو فيه ‪.‬‬
‫وقال الحنابلة ‪ :‬لو كان الظّهران فائتتين فنوى ظهرًا منهما ولم يعيّنها لم تجزه الظّهر الّتي‬
‫صلّاها عن إحداهما ‪ ،‬حتّى يعيّن السّابقة لجل اعتبار التّرتيب بين الفوائت ‪.‬‬
‫قالوا ‪ :‬لو كانت عليه صلوات فصلّى أربعا ينوي بها ممّا عليه ‪ ،‬فإنّه ل يجزئه إجماعا ‪ ،‬فلول‬
‫اشتراط التّعيين لجزأه ‪.‬‬
‫وقال ابن قدامة ‪ :‬وإن ظنّ أنّ عليه ظهرا فائتةً فقضاها في وقت ظهر اليوم ‪ ،‬ثمّ تبيّن أنّه ل‬
‫قضاء عليه فهل يجزئه عن ظهر اليوم ؟ يحتمل وجهين ‪:‬‬
‫ن الصّلة معيّنة ‪ ،‬وإنّما أخطأ في نيّة الوقت فلم يؤثّر ‪ ،‬كما إذا اعتقد أنّ‬
‫أحدهما يجزئه ل ّ‬
‫الوقت قد خرج فبان أنّه لم يخرج ‪ ،‬أو كما لو نوى ظهر أمس وعليه ظهر يوم قبله ‪.‬‬
‫والثّاني ‪ :‬ل يجزئه ‪ ،‬لنّه لم ينو عين الصّلة ‪ ،‬فأشبه ما لو نوى قضاء عصر لم يجزه عن‬
‫الظّهر ‪.‬‬
‫الصّورة الثّالثة ‪ :‬الخطأ في العتقاد دون التّعيين ‪:‬‬
‫‪ - 21‬ومثّل لها السّيوطيّ بجملة أمثلة منها ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬لو أدّى الظّهر في وقتها معتقدًا أنّه يوم الثنين فكان الثّلثاء صحّ ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬ولو غلط في الذان فظنّ أنّه يؤذّن للظّهر وكانت العصر ‪ ،‬قال ‪ :‬ل أعلم فيه نقلً‬
‫ن المقصود العلم ممّن هو أهله وقد حصل ‪.‬‬
‫وينبغي أن يصحّ ل ّ‬
‫وهذه المثلة أو بعضها مذكورة في المذاهب الخرى ‪.‬‬
‫فعند الحنفيّة قال ابن نجيم ‪ :‬لو نوى قضاء ما عليه من الصّوم وهو يظنّه يوم الخميس وهو‬
‫غيره جاز ‪.‬‬
‫وعند المالكيّة ‪ :‬قال الزّرقانيّ إن اعتقد أنّه زيد أي ‪ :‬المام فتبيّن أنّه عمرو ‪ ،‬فإنّ صلته‬
‫صحيحة ‪ .‬ونحوه عند الحنابلة ‪.‬‬
‫ثانيا ‪ :‬الخطأ في دخول الوقت ‪:‬‬
‫‪ -‬من صلّى قبل الوقت كلّ ال صّلة أو بعضها لم تجز صلته اتّفاقا ‪ ،‬سواء فعله عمدا أو‬ ‫‪22‬‬

‫خطأً ‪ ،‬لنّ الوقت كما هو سبب لوجوب الصّلة فهو شرط لصحّتها ‪.‬‬
‫ن ِكتَابًا مّ ْوقُوتًا } أي فرضا مؤقّتا حتّى ل‬
‫ن الصّلَةَ كَانَتْ عَلَى ا ْلمُ ْؤ ِمنِي َ‬
‫قال اللّه تعالى ‪ { :‬إِ ّ‬
‫يجوز أداء الفرض قبل وقته ‪ ،‬ولنّ الصّلة فرضت لوقاتها قال اللّه تعالى ‪َ { :‬أ ِقمِ الصّلَةَ‬
‫جدْ‬
‫ل فَ َت َه ّ‬
‫ن َمشْهُودًا ‪َ ،‬و ِمنَ الّليْ ِ‬
‫جرِ كَا َ‬
‫ن الْ َف ْ‬
‫جرِ ِإنّ ُقرْآ َ‬
‫سقِ الّليْلِ َو ُقرْآنَ الْ َف ْ‬
‫غَ‬‫شمْسِ إِلَى َ‬
‫ِلدُلُوكِ ال ّ‬
‫حمُودا } ولهذا تكرّر وجوبها بتكرّر الوقت ‪ ،‬وتؤدّى‬
‫عسَى أَن َي ْبعَ َثكَ َر ّبكَ مَقَامًا ّم ْ‬
‫بِ ِه نَافِلَ ًة ّلكَ َ‬
‫في مواقيتها ‪ .‬فلو شكّ في دخول وقت العبادة فأتى بها ‪ ،‬فبان أنّه فعلها قبل الوقت لم يجزه‪،‬‬
‫قال المالكيّة ‪ :‬ل يجزئه ‪ ،‬ولو تبيّن أنّها وقعت فيه لتردّد ال ّنيّة وعدم تيقّن براءة ال ّذمّة ‪.‬‬
‫واشترط الشّافعيّة معرفة دخول الوقت يقينًا بأن شاهد الشّمس غارب ًة ‪ ،‬أو ظنّا بأن اجتهد لغيم‬
‫ح صلته وإن وقعت في الوقت ‪.‬‬
‫أو نحوه ‪ ،‬فمن صلّى بدون ذلك لم تص ّ‬
‫ح صلته ‪ ،‬ول يشترط له أن‬
‫وقال الحنابلة ‪ :‬إذا غلب على ظنّه دخول وقت الصّلة تص ّ‬
‫ن بدخول الوقت ‪ ،‬ثمّ تبيّن أنّه صلّى‬
‫يتيقّن دخوله في ظاهر المذهب ‪ .‬فإن صلّى مع غلبة الظّ ّ‬
‫قبل الوقت أعاد اتّفاقا ‪.‬‬
‫ثالثا ‪ :‬الخطأ في القبلة ‪:‬‬
‫‪ - 23‬استقبال القبلة شرط لصحّة الصّلة ‪ .‬فإن صلّى ثمّ تيقّن الخطأ في القبلة ‪:‬‬
‫فقد قال الحنفيّة ‪ :‬يتحرّى المصلّي لشتباه القبلة وعدم المخبر بها ‪ ،‬ولم يعد الصّلة إن أخطأ‬
‫ن التّكليف بحسب الوسع ‪ ،‬ول وسع في إصابة الجهة حقيق ًة ‪ ،‬فصارت جهة التّحرّي هنا‬
‫لّ‬
‫جهُ الّلهِ } أي قبلة‬
‫كجهة الكعبة للغائب عنها ‪ ،‬وقد قيل في قوله تعالى ‪َ { :‬فأَ ْي َنمَا تُوَلّواْ َف َثمّ َو ْ‬
‫اللّه نزلت في الصّلة حال الشتباه ‪ ،‬ولو علم خطأه في الصّلة ‪ ،‬أو تحوّل رأيه بعد الشّروع‬
‫فيها بالتّحرّي استدار في الوّل إلى جهة الصّواب وفي الثّاني إلى جهة تحوّل رأيه إليها ‪24 .‬‬
‫‪ -‬وقال المالكيّة لو صلّى إلى جهة اجتهاده ثمّ تبيّن خطؤه ‪ ،‬فإن كان تحرّيه مع ظهور‬
‫العلمات أعاد في الوقت إن استدبر ‪ ،‬وكذا لو شرّق أو غرّب ‪ ،‬وإن كان مع عدم ظهورها‬
‫فل إعادة ‪.‬‬
‫‪ - 25‬وقال الشّافعيّة ‪ :‬إن صلّى ثمّ تيقّن الخطأ ففيه قولن ‪ :‬الوّل يلزمه أن يعيد ‪ ،‬لنّه تعيّن‬
‫له يقين الخطأ فيما يأمن مثله في القضاء فلم يعتدّ بما مضى ‪ ،‬كالحاكم إذا حكم ثمّ وجد النّصّ‬
‫بخلفه ‪ ،‬والثّاني ل يلزمه لنّه جهة تجوز الصّلة إليها بالجتهاد فأشبه إذا لم يتيقّن الخطأ ‪.‬‬
‫ن الخطأ في اليمين والشّمال‬
‫وإن صلّى إلى جهة ثمّ رأى القبلة في يمينها أو شمالها لم يعد ‪ ،‬ل ّ‬
‫ل يعلم قطعًا فل ينتقض بالجتهاد ‪.‬‬
‫‪ - 26‬وقال الحنابلة ‪ :‬إذا صلّى بالجتهاد إلى جهة ‪ ،‬ثمّ علم أنّه قد أخطأ القبلة لم يكن عليه‬
‫إعادة ‪ .‬وقالوا ‪ :‬إذا صلّى البصير في حضر فأخطأ ‪ ،‬أو صلّى العمى بل دليل بأن لم‬
‫يستخبر من يخبره ولم يلمس المحراب ونحوه ممّا يمكن أن يعرف به القبلة أعادا ولو‬
‫أصابا ‪ ،‬أو اجتهد البصير ‪ ،‬لنّ الحضر ليس بمحلّ اجتهاد لقدرة من فيه على الستدلل‬
‫بالمحاريب ونحوها ‪ ،‬ولوجود من يخبره عن يقين غالبا ‪ ،‬وإنّما وجبت العادة عليهما‬
‫لتفريطهما بعدم الستخبار أو الستدلل بالمحاريب ‪.‬‬
‫رابعا ‪ :‬الخطأ في القراءة ‪:‬‬
‫‪ - 27‬قال الحنفيّة ‪ :‬خطأ القارئ إمّا في العراب ‪ ،‬أو في الحروف ‪ ،‬أو في الكلمات ‪ ،‬أو‬
‫اليات ‪ ،‬وفي الحروف إمّا بوضع حرف مكان آخر أو تقديمه ‪ ،‬أو تأخيره ‪ ،‬أو زيادته ‪ ،‬أو‬
‫نقصه ‪.‬‬
‫أمّا العراب فإن لم يغيّر المعنى ل تفسد الصّلة ‪ ،‬لنّ تغييره خطأ ل يستطاع الحتراز عنه‬
‫فيعذر ‪ ،‬وإن غيّر المعنى تغييرا فاحشا ممّا اعتقاده كفر ‪ ،‬مثل{ البَارئ ال ُمصَوّر } ‪ -‬بفتح‬
‫عبَادِهِ ا ْلعَُلمَاء } برفع اسم الجللة ونصب العلماء ‪ -‬فسدت‬
‫خشَى اللّهَ ِمنْ ِ‬
‫الواو ‪ -‬و { ِإ ّنمَا َي ْ‬
‫في قول المتقدّمين ‪ ،‬واختلف المتأخّرون ‪ :‬فقال جماعة منهم ‪ :‬ل تفسد ‪.‬‬
‫وما قاله المتقدّمون أحوط ‪ ،‬لنّه لو تعمّد يكون كفرا ‪ ،‬وما يكون كفرا ل يكون من القرآن ‪،‬‬
‫فيكون متكلّما بكلم النّاس الكفّار غلطا وهو مفسد ‪ ،‬كما لو تكلّم بكلم النّاس ساهيا ممّا ليس‬
‫بكفر فكيف وهو كفر ‪ ،‬وقول المتأخّرين أوسع ‪ ،‬لنّ النّاس ل يميّزون بين وجوه العراب ‪.‬‬
‫ن ترك المدّ والتّشديد كالخطأ في‬
‫ويتّصل بهذا تخفيف المشدّد ‪ ،‬وعامّة المشايخ على أ ّ‬
‫العراب ‪ ،‬فلذا قال كثير بالفساد في تخفيف ‪ { -‬رَبّ العَاَلمِينَ } ‪ -‬و ‪ { -‬إيّاكَ َن ْع ُبدُ } ‪-‬‬
‫ح ل تفسد ‪.‬‬
‫والص ّ‬
‫وأمّا في الحروف فإذا وضع حرفا مكان غيره فإمّا أن يكون خطأً أو عجزا ‪ ،‬فالوّل إن لم‬
‫ن المسلمون ‪ -‬ل تفسد ‪ ،‬وإن لم يغيّر‬
‫يغيّر المعنى وكان مثله موجودا في القرآن نحو ‪ -‬إ ّ‬
‫وليس مثله في القرآن نحو ‪ -‬قيّامين بالقسط ‪ -‬وال ّتيّابين ‪ -‬والحيّ القيّام ‪ -‬لم تفسد عندهما‪،‬‬
‫وعند أبي يوسف تفسد ‪ .‬وإن غيّر المعنى فسدت عندهما وعند أبي يوسف إن لم يكن مثله في‬
‫القرآن ‪ .‬فلو قرأ أصحاب الشّعير ‪ -‬بشين معجمة فسدت اتّفاقا ‪ -‬فالعبرة في عدم الفساد‬
‫عندهما بعدم تغيّر المعنى ‪ -‬وعند أبي يوسف العبرة بوجود المثل في القرآن ‪ .‬وأمّا التّقديم‬
‫والتّأخير فإن غيّر ‪ ،‬نحو قوسرة في قسورة فسدت ‪ ،‬وإن لم يغيّر ل تفسد عند محمّد خلفًا‬
‫لبي يوسف ‪.‬‬
‫وأمّا الزّيادة ومنها فكّ المدغم ‪ ،‬فإن لم يغيّر نحو " وانها عن المنكر " باللف " وراددوه إليك"‬
‫ل تفسد عند عامّة المشايخ ‪ ،‬وعن أبي يوسف روايتان ‪ .‬وإن غيّر نحو " زرابيب " مكان "‬
‫ن سعيكم لشتّى " بزيادة الواو في‬
‫زرابيّ " " والقرآن الحكيم وإنّك لمن المرسلين " " وإ ّ‬
‫الموضعين تفسد ‪ .‬وكذا النّقصان إن لم يغيّر ل تفسد نحو " جاءهم " مكان " جاءتهم " وإن‬
‫غيّر فسد نحو " النّهار إذا تجلّى ما خلق الذّكر والنثى " بل واو ‪.‬‬
‫أمّا الكلمة مكان الكلمة فإن تقاربا معنًى ‪ ،‬ومثله في القرآن كالحكيم مكان العليم ‪ ،‬لم تفسد‬
‫اتّفاقًا ‪ ،‬وإن لم يوجد المثل كالفاجر مكان الثيم فكذلك عندهما ‪ ،‬وعن أبي يوسف روايتان ‪،‬‬
‫فلو لم يتقاربا ول مثل له فسدت اتّفاقا إذا لم يكن ذكرا ‪ ،‬وإن كان في القرآن وهو ممّا اعتقاده‬
‫كفر كغافلين في { إِن ُكنّا فَاعِلِينَ } فعامّة المشايخ على أنّها تفسد اتّفاقا ‪.‬‬
‫وأمّا التّقد يم والتّأخ ير فإن لم يغيّر لم تف سد ن حو " فأنبت نا في ها حبّا وعنبا وقضبا " ‪ ،‬وإن غيّر‬
‫فسدت نحو اليسر مكان العسر وعكسه ‪.‬‬
‫وأمّا الزّيادة فإن لم تغيّر وهي في القرآن نحو " وبالوالدين إحسانا وبرّا " ل تفسد في قولهم‪،‬‬
‫وإن غيّرت فسدت الصّلة لنّه لو تعمّده كفر ‪ ،‬فإذا أخطأ فيه أفسد ‪.‬‬
‫مذهب المالكيّة ‪:‬‬
‫‪ - 28‬بحث المالكيّة هذه المسألة في صلة المقتدي باللّاحن ‪.‬‬
‫فقال الخرشيّ ‪ :‬قيل ‪ :‬تبطل صلة المقتدي بلحن مطلقا ‪ ،‬أي في الفاتحة أو غيرها ‪ ،‬سواء‬
‫غيّر المعنى ككسر كاف { إيّاك } وضمّ تاء { أنعمت } أم ل ‪ ،‬وجد غيره أم ل ‪ ،‬إن لم تستو‬
‫حالتهما أو إن كان لحنه في الفاتحة دون غيرها ؟ قولن ‪ .‬ثمّ قال ‪ :‬ومحلّ الخلف فيمن‬
‫عجز عن تعلّم الصّواب لضيق الوقت أو لعدم من يعلّمه مع قبول التّعليم ‪ ،‬أو ائتمّ به من ليس‬
‫مثله لعدم وجود غيره ‪ .‬وأمّا من تعمّد اللّحن فصلته وصلة من اقتدى به باطلة بل نزاع ‪،‬‬
‫لنّه أتى بكلمة أجنبيّة في صلته ‪ ،‬ومن فعله ساهيا ل تبطل صلته ول صلة من اقتدى به‬
‫قطعا بمنزلة من سها عن كلمة فأكثر في الفاتحة أو غيرها ‪.‬‬
‫وإن فعل ذلك عجزا بأن ل يقبل التّعليم فصلته وصلة من اقتدى به صحيحة أيضا قطعا ‪،‬‬
‫لنّه بمنزلة اللكنة ‪ ،‬وسواء وجد من ائتمّ به أو ل ‪.‬‬
‫وإن كان عجزه لضيق الوقت أو لعدم من يعلّمه مع قبوله التّعليم ‪ ،‬فإن كان مع وجود من يأتمّ‬
‫ن صلته وصلة من ائتمّ به باطلة سواء أكان مثل المام في اللّحن أم ل ‪ ،‬وإن لم يجد‬
‫به ‪ ،‬فإ ّ‬
‫من يأتمّ به فصلته وصلة من اقتدى به صحيحة إن كان مثله ‪ ،‬وإن لم يكن مثله بأن كان‬
‫ل خلف ‪ .‬وهل‬
‫ل قراءته ‪ ،‬أو صوابه أكثر من صواب إمامه فإنّه مح ّ‬
‫ينطق بالصّواب في ك ّ‬
‫تبطل صلة المقتدي بغير مميّز بين ضاد وظاء ما لم تستو حالتهما ؟ قال بالبطلن ‪ :‬ابن أبي‬
‫زيد والقابسيّ وصحّحه ابن يونس وعبد الحقّ ‪.‬‬
‫ل أن يترك ذلك عمدًا مع القدرة عليه ‪ .‬ثمّ قال ‪ :‬وظاهره‬
‫وأمّا صلته هو فصحيحة ‪ ،‬إ ّ‬
‫جريان هذا الخلف فيمن لم يميّز بين الضّاد والظّاء في الفاتحة وغيرها ‪ ،‬وفي الموّاق تقييده‬
‫بمن لم يميّز بين الضّاد والظّاء بينهما في الفاتحة ‪ ،‬وذكر الحطّاب والنّاصر اللّقانيّ ما يفيد أنّ‬
‫الرّاجح صحّة القتداء بمن لم يميّز بينهما ‪ ،‬وحكى الموّاق التّفاق عليه ‪ ،‬وحكم من لم يميّز‬
‫بين الصّاد والسّين كمن لم يميّز بين الضّاد والظّاء ‪ ،‬وكذا بين الزّاي والسّين ‪.‬‬
‫ح القتداء بلحن بما ل يغيّر المعنى كضمّ الهاء في { للّهِ } فإن‬
‫‪ - 29‬وقال الشّافعيّة ‪ :‬يص ّ‬
‫ي ل يصحّ اقتداء‬
‫غيّر معنًى في الفاتحة كأنعمت بضمّ أو كسر ولم يحسن اللّاحن الفاتحة فكأمّ ّ‬
‫القارئ به أمكنه التّعلّم أو ل ‪ ،‬ول صلته إن أمكنه التّعلّم وإلّ صحّت كاقتدائه بمثله ‪ ،‬فإن‬
‫أحسن اللّاحن الفاتحة وتعمّد اللّحن أو سبق لسانه إليه ولم يعد القراءة على الصّواب في الثّانية‬
‫لم تصحّ صلته مطلقا ول القتداء به عند العلم بحاله ‪ ،‬أو في غير الفاتحة كجرّ اللّام في قوله‬
‫شرِكِينَ َو َرسُوُلهُ } صحّت صلته وصلة المقتدي به حال كونه عاجزا‬
‫ن ا ْل ُم ْ‬
‫{ َأنّ الّلهَ َبرِيءٌ مّ َ‬
‫عن التّعلّم ‪ ،‬أو جاهلً بالتّحريم ‪ ،‬أو ناسيا كونه في الصّلة ‪.‬‬
‫ح إمامة ال ّميّ وهو من ل يحسن الفاتحة أو يدغم منها حرفا ل‬
‫‪ - 30‬وقال الحنابلة ‪ :‬ل تص ّ‬
‫يدغم ‪ ،‬أو يلحن فيها لحنا يحيل المعنى كفتح همزة اهدنا ‪ ،‬لنّه يصير بمعنى طلب الهديّة ل‬
‫الهداية ‪ ،‬وضمّ تاء أنعمت وكسرها وكسر كاف إيّاك ‪ ،‬فإن لم يحلّ المعنى كفتح دال نعبد‬
‫ونون نستعين فليس أ ّميّا وإن أتى باللّحن المحيل للمعنى مع القدرة على إصلحه لم تصحّ‬
‫صلته لنّه أخرجه عن كونه قرآنا فهو كسائر الكلم ‪ ،‬وحكمه حكم غيره من الكلم ‪ ،‬وإن‬
‫عجز عن إصلح اللّحن المحيل للمعنى قرأه في فرض القراءة لحديث ‪ « :‬إذا أمرتكم بشيء‬
‫فأتوا منه ما استطعتم » وما زاد عن الفاتحة تبطل الصّلة بعمده ‪.‬‬
‫خامسا ‪ :‬الكلم في الصّلة خطأ ‪:‬‬
‫‪ - 31‬إن أراد المصلّي قراءةً أو ذكرا فجرى على لسانه كلم النّاس قال في المبسوط ‪ :‬فإن‬
‫تكلّم في صلته ناسيا أو عامدا مخطئا أو قاصدا استقبل الصّلة لحديث « وليبن على صلته‬
‫ن هذه‬
‫ن بعد الكلم ل يجوز البناء قطّ ولحديث معاوية بن الحكم قال ‪ « :‬إ ّ‬
‫ما لم يتكلّم » فدلّ أ ّ‬
‫الصّلة ل يصلح فيها شيء من كلم النّاس » ‪.‬‬
‫هذا عند الحنفيّة ‪ ،‬أمّا عند غيرهم فإنّهم فرّقوا بين يسير الكلم وكثيره وقالوا ‪ :‬إنّ اليسير‬
‫منه خطأ ل يفسد الصّلة ويفسدها الكلم الكثير ‪ .‬وتفصيله يرجع إليه في مصطلح ( صلة )‪.‬‬
‫سادسا ‪ :‬شكّ المام في الصّلة ‪:‬‬
‫‪ - 32‬إن سها المام في صلته فسبّح اثنان يثق المام بقولهما لزمه قبوله والرّجوع إليه‬
‫سواء غلب على ظنّه صوابهما أو خطؤهما ‪ ،‬وهو قول الئمّة الثّلثة ‪.‬‬
‫واستدلّوا بأنّ النّبيّ صلى ال عليه وسلم رجع إلى قول أبي بكر وعمر رضي ال عنهما في‬
‫حديث ذي اليدين لمّا سألهما « أحقّ ما يقول ذو اليدين ‪ .‬فقال نعم » ‪ .‬مع أنّه كان شاكّا بدليل‬
‫أنّه أنكر ما قال ذو اليدين وسألهما عن صحّة قوله ‪.‬‬
‫ن من شكّ في فعل نفسه لم‬
‫وقال الشّافعيّ ‪ :‬إن غلب على ظنّه خطؤهما لم يعمل بقولهما ‪ .‬ل ّ‬
‫يرجع فيه إلى قول غيره ‪.‬‬
‫أمّا إذا تيقّن المام من صوابه وخطأ المأمومين لم يجز له متابعتهم ‪ ،‬وإلى هذا ذهب الحنفيّة‬
‫والمالكيّة والشّافعيّة في الصّحيح عندهم وجمهور الحنابلة ‪.‬‬
‫وذهب بعض الشّافعيّة وهو قول أبي عليّ الطّبريّ وصحّحه المتولّي وهو قول أبي الخطّاب‬
‫من الحنابلة ‪ :‬إلى أنّ المخبرين إذا كانوا كثيرين كثرةً ظاهرةً بحيث يبعد اجتماعهم على‬
‫الخطأ لزمه الرّجوع إلى قولهم كالحاكم يحكم بالشّاهدين ويترك يقين نفسه ‪.‬‬
‫سابعا ‪ :‬الخطأ في صلة الخوف ‪:‬‬
‫‪ - 33‬رأى المسلمون في حالة الخوف سوادا فظنّوه خطأً عدوّا وصلّوا صلة شدّة الخوف ‪،‬‬
‫ثمّ بان أنّه لم يكن عدوّا ‪ ،‬أو كان بينهم وبين العد ّو حائل ل يمكنه الوصول إليهم اختلفوا في‬
‫هذه المسألة على قولين ‪:‬‬
‫الوّل ‪ :‬تلزمهم إعادة الصّلة وهو مذهب الحنفيّة والحنابلة وقول عند الشّافعيّة وصحّحه‬
‫النّوويّ لنّه لم يوجد المبيح فأشبه من ظنّ الطّهارة ثمّ علم بحدثه ‪ ،‬سواء استند الظّنّ لخبر‬
‫ثقة أو غيره ‪ ،‬ولنّهم تيقّنوا الغلط في القبلة ‪.‬‬
‫الثّاني ‪ :‬ل يعيدون وتجزئهم صلتهم وهو مذهب المالكيّة ‪.‬‬
‫والقول الثّاني عند الشّافعيّة لوجود الخوف حال الصّلة ‪.‬‬
‫ج ‪ -‬الزّكاة ‪:‬‬
‫أوّلً ‪ :‬الخطأ في الخرص ‪:‬‬
‫‪ - 34‬قال المالكيّة ‪ :‬إذا خرص الثّمرة فوجدت أكثر ممّا خرص يأخذ زكاة الزّائد ‪ ،‬قيل ‪:‬‬
‫وجوبا ‪ ،‬وقيل ‪ :‬استحبابا ‪ ،‬ومن قال بالوجوب حمله على الحاكم يحكم ثمّ يظهر أنّه خطأ‬
‫صراح ‪ ،‬ومن قال بالستحباب حمله على التّعليل بقلّة إصابة الخراص ‪.‬‬
‫أمّا إذا ثبت نقص الثّمرة ‪ ،‬فإن ثبت النّقص بالبيّنة العادلة عمل بها ‪ ،‬وإلّ لم تنقص الزّكاة ‪،‬‬
‫ن النّقص من خطأ‬
‫ول يقبل قول ربّها في نقصها لحتمال كون النّقص منه ‪ .‬ولو تحقّق أ ّ‬
‫الخارص نقصت الزّكاة ‪ .‬وهذه المسألة مبنيّة على قاعدة ‪ -‬الواجب الجتهاد أو الصابة ‪.‬‬
‫ن الخارص أخطأ أو غلط فإن لم يبيّن القدر لم تسمع‬
‫‪ - 35‬وقال الشّافعيّة ‪ :‬إن ادّعى المالك أ ّ‬
‫دعواه بل خلف ‪ .‬وإن بيّنه ‪ ،‬وكان يحتمل الغلط في مثله كخمسة أوسق في مائة قبل قوله ‪،‬‬
‫وحطّ عنه ما ادّعاه ‪ ،‬فإن اتّهمه حلّفه ‪ ،‬وفي اليمين وجهان ‪ :‬أصحّهما مستحبّة ‪.‬‬
‫هذا إذا كان المدّعى فوق ما يقع بين الكيلين ‪ ،‬أمّا إذا ادّعى بعد الكيل غلطا يسيرا في‬
‫الخرص بقدر ما يقع بين الكيلين كصاع من مائة فهل يحطّ منه وجهان ‪:‬‬
‫أصحّهما ‪ :‬ل يقبل لنّه لم يتحقّق النّقص لحتمال أنّه وقع في الكيل ‪ ،‬ولو كيل ثانيا لوفّى ‪.‬‬
‫ن الكيل تعيّن والخرص تخمين فالحالة عليه أولى ‪.‬‬
‫والثّاني ‪ :‬يقبل ويحطّ عنه ‪ ،‬ل ّ‬
‫أمّا إذا ادّعى نقصا فاحشا ل يجوّز أهل الخبرة وقوع مثله غلطًا فل يقبل قوله في حطّ جميعه‬
‫بل خلف ‪ ،‬وهل يقبل في حطّ الممكن فيه وجهان ‪ ،‬أصحّهما يقبل ‪.‬‬
‫‪ - 36‬وقال الحنابلة ‪ :‬إن ادّعى ربّ المال غلط الخارص وكان ما ادّعاه محتملً قبل قوله‬
‫بغير يمين ‪ ،‬وإن لم يكن محتملً مثل أن يدّعي غلط النّصف أو نحوه لم يقبل منه ‪ ،‬لنّه ل‬
‫يحتمل فيعلم كذبه ‪ ،‬وإن قال لم يحصل في يدي غير هذا قبل منه بغير يمين ‪ ،‬لنّه قد يتلف‬
‫بعضها بآفة ل نعلمها ‪.‬‬
‫ثانيا ‪ :‬الخطأ في مصرف الزّكاة ‪:‬‬
‫‪ - 37‬إذا دفع الزّكاة لمن ظنّه من أهلها فبان خطؤه اختلف فيه على قولين ‪:‬‬
‫الوّل ‪ :‬يجزئه ول تجب عليه العادة وهو قول أبي حنيفة ومحمّد ومقابل الصّحيح عند‬
‫الشّافعيّة ومالك إذا كان الدّافع هو السّلطان أو الوصيّ أو مقدّم القاضي وتعذّر ردّها ‪.‬‬
‫واستدلّوا بحديث « معن بن يزيد قال ‪ :‬بايعت رسول اللّه صلى ال عليه وسلم أنا وأبي‬
‫وجدّي ‪ ،‬وخطب عليّ فأنكحني وخاصمت إليه ‪ ،‬وكان أبي يزيد أخرج دنانير يتصدّق بها‬
‫فوضعها عند رجل في المسجد فجئت فأخذتها فأتيته بها فقال ‪ :‬واللّه ما إيّاك أردت ‪،‬‬
‫فخاصمته إلى رسول اللّه صلى ال عليه وسلم فقال ‪ :‬لك ما نويت يا يزيد ‪ ،‬ولك ما أخذت يا‬
‫معن » فجوّز صلى ال عليه وسلم ذلك ولم يستفسر أنّ الصّدقة كانت فريض ًة أو تطوّعا ‪،‬‬
‫ن مطلق الصّدقة ينصرف إلى الفريضة ‪ ،‬ولنّ‬
‫ل على أنّ الحال ل تختلف ‪ ،‬أو ل ّ‬
‫وذلك يد ّ‬
‫الوقوف على هذه الشياء إنّما هو بالجتهاد ل القطع فيبنى المر على ما يقع عنده كما إذا‬
‫اشتبهت عليه القبلة ‪ ،‬ولو فرض تكرّر خطئه فتكرّرت العادة أفضى إلى الحرج لخراج كلّ‬
‫ماله وليس كذلك الزّكاة خصوصا مع كون الحرج مدفوعا عموما ‪.‬‬
‫ل أنّه قال ل يستردّه ‪.‬‬
‫والقول الخر ‪ :‬ل يجزئه وهو قول أبي يوسف إ ّ‬
‫وهو قول مالك أيضا إذا كان الدّافع هو ربّ المال ‪ .‬وهو الصّحيح عند الشّافعيّة إن كان‬
‫الدّافع هو المام ويسترجع من المدفوع إلّ أن يتعذّر السترجاع من القابض فل ضمان ‪ ،‬وإن‬
‫ب المال لم يجز عن الفرض ‪ ،‬فإن لم يكن بيّن أنّها زكاة لم يرجع ‪ ،‬وإن بيّن‬
‫كان الدّافع هو ر ّ‬
‫رجع في عينها فإن تلفت ففي بدلها ‪،‬فإن تعذّر السترجاع ففي الضّمان وإخراج بدلها قولن‪:‬‬
‫قال النّوويّ ‪ :‬المذهب أنّها ل تجزئه ويلزمه الخراج ‪.‬‬
‫وهو قول الحنابلة في غير من ظنّه فقيرا فبان غنيّا وقالوا ‪ :‬يستردّها ربّها بزيادتها مطلقا‬
‫سواء كانت متّصلةً أم منفصل ًة ‪.‬‬
‫واستدلّ أصحاب هذا القول ‪ :‬بأنّه ظهر خطؤه بيقين ‪ ،‬وكان بإمكانه الوقوف على مدى‬
‫استحقاقه أو عدمه فصار كالواني والثّياب ‪ ،‬فإذا تحرّى في الواني الطّاهرة المختلطة‬
‫بالنّجسة وتوضّأ ثمّ ظهر له الخطأ يعيد الوضوء ‪ ،‬وكذلك الثّياب إذا صلّى في ثوب منها‬
‫ص بخلفه‪.‬‬
‫بالتّحرّي ثمّ ظهر خطؤه أعاد الصّلة ‪،‬ومثله إذا قضى القاضي باجتهاده ث ّم ظهر ن ّ‬
‫ولنّه ظهر له أنّه ليس بمستحقّ وهو ل يخفى حاله غالبًا فلم يعذر كدين الدميّ ‪.‬‬
‫وفرّق الحنابلة بين دفعها خطأً إلى من ل يستحقّها لكفر أو شرف ‪ ،‬وبين دفعها لمن ظنّه فقيرا‬
‫فبان غنيّا ‪ ،‬فقالوا ‪ :‬ل تجزئ إذا دفعها للكافر أو لمن ل يستحقّها لكونه هاشميّا ‪ ،‬وله حقّ‬
‫ن المقصود إبراء ال ّذمّة بالزّكاة ولم يحصل لدفعها للكافر ‪ ،‬فيملك الرّجوع‬
‫استرداد ما دفع ‪ .‬ل ّ‬
‫بخلف دفعها للغنيّ فإنّ المقصود الثّواب ولم يفت ‪.‬‬
‫ن فساد جهة الزّكاة ل ينقض الداء ‪.‬‬
‫ووجه قول أبي يوسف في عدم السترداد أ ّ‬
‫د ‪ -‬الصّوم ‪:‬‬
‫أوّلً ‪ :‬الخطأ في صفة نيّة صوم رمضان ‪:‬‬
‫‪ - 38‬ذهب الحنفيّة ‪ ،‬وهو وجه عند المالكيّة ‪ ،‬وقول عند الشّافعيّة ‪ ،‬وقول عند الحنابلة إلى‬
‫أنّه إذا أطلق الصّائم نيّة الصّوم في أداء رمضان ‪ ،‬أو نوى النّفل أو وصفه وأخطأ الوصف‬
‫صحّ صومه ‪ .‬قال في الدّرر ‪ :‬وصحّ الصّوم بمطلقها أي ال ّنيّة ‪ ،‬وبنيّة النّفل ‪ ،‬وبخطأ‬
‫الوصف في أداء رمضان لما تقرّر في الصول من أنّ الوقت متعيّن لصوم رمضان ‪،‬‬
‫والطلق في المتعيّن تعيين ‪ ،‬والخطأ في الوصف لما بطل بقي أصل ال ّنيّة فكان في حكم‬
‫المطلق ‪ ،‬نظيره المتوحّد في الدّار إذا نودي بيا رجل أو باسم غير اسمه يراد به ذلك بخلف‬
‫قضاء رمضان حيث ل تعيين في وقته إلّ إذا وقعت ال ّنيّة من مريض أو مسافر حيث يحتاج‬
‫حينئذ إلى التّعيين ول يقع عن رمضان ‪ .‬وفي المسألة تفصيل ينظر في ( صوم ‪ ،‬نيّة ) ‪.‬‬
‫ثانيا ‪ :‬الخطأ في الفطار ‪:‬‬
‫‪ - 39‬من كان ذاكرا للصّوم فأفطر من غير قصد كما إذا تمضمض فدخل الماء في حلقه فعند‬
‫الحنفيّة والمالكيّة والشّافعيّة في قول ‪ :‬يبطل الصّوم ويلزم القضاء دون الكفّارة ‪ ،‬لنّ الخطأ‬
‫عذر ل يغلب وجوده بخلف النّسيان فإنّه عذر غالب ‪ ،‬ولنّ الوصول إلى الجوف مع التّذكّر‬
‫في الخطأ ليس إلّ لتقصير في الحتراز فيناسب الفساد ‪ ،‬إذ فيه نوع إضافة إليه بخلف‬
‫النّسيان ‪.‬‬
‫ومذهب الحنابلة وقول عند الشّافعيّة ‪ :‬عدم البطلن مطلقا ‪ ،‬لنّه وصل إلى جوفه بغير‬
‫اختياره فلم يبطل صومه كغبار الطّريق وغربلة الدّقيق والذّباب ‪.‬‬
‫ن النّبيّ صلى ال عليه وسلم قال للقيط‬
‫والصّحيح عند الشّافعيّة أنّه إن بالغ أفطر وإلّ فل ‪ ،‬ل ّ‬
‫ل أن تكون صائما » فنهاه عن المبالغة ‪ ،‬فلو لم يكن وصول‬
‫بن صبرة « بالغ في الستنشاق إ ّ‬
‫ن المبالغ منهيّ عنها في‬
‫الماء في المبالغة يبطل صومه لم يكن للنّهي عن المبالغة معنىً ‪ ،‬ول ّ‬
‫الصّوم ‪ ،‬وما تولّد من سبب منهيّ عنه فهو كالمباشرة ‪ ،‬والدّليل عليه أنّه إذا جرح إنسانا‬
‫فمات جعل كأنّه باشر قتله ‪.‬‬
‫ثالثا ‪ :‬الخطأ في تعيين رمضان للسير ‪:‬‬
‫‪ - 40‬إن اشتبهت الشّهور على أسير لزمه أن يتحرّى ويصوم ‪ ،‬فإن وافق صومه شهرا قبل‬
‫رمضان ‪ ،‬فقد ذهب الحنفيّة والمالكيّة والشّافعيّة في الصّحيح من القولين والحنابلة إلى عدم‬
‫الجزاء ‪ ،‬لنّه أدّى العبادة قبل وجود سبب وجوبها ‪ ،‬فلم تجزه كمن صلّى قبل الوقت ولنّه‬
‫تعيّن له يقين الخطأ فيما يأمن مثله في القضاء فلم يعتدّ له بما فعله ‪ ،‬كما لو تحرّى في وقت‬
‫الصّلة قبل الوقت ‪ .‬ويرى بعض الشّافعيّة أنّه يجزئه ‪ ،‬وقد ضعّفه النّوويّ ‪.‬‬
‫رابعا ‪ :‬الخطأ في الوقت ‪:‬‬
‫‪ - 41‬لو أكل الصّائم أو جامع باجتهاد يظنّ أو يعتقد أنّ الوقت ليل فبان خلف ذلك ‪ ،‬فقد‬
‫ذهب الحنفيّة والمالكيّة ‪ ،‬والشّافعيّة والحنابلة في غير الجماع على تفصيل سيأتي إلى أنّه لو‬
‫تسحّر على ظنّ أنّ الفجر لم يطلع فإذا هو طالع ‪ ،‬أو أفطر على ظنّ أنّ الشّمس قد غربت‬
‫فإذا هي لم تغرب ‪ ،‬وكذا لو جامع ظانّا بقاء اللّيل فبان خلف ظنّه وجب عليه القضاء ول‬
‫كفّارة عليه ‪ ،‬لنّه لم يفطر متعمّدا بل مخطئا ‪ ،‬ووجّهوا قولهم بأنّ القضاء يثبت بمطلق‬
‫الفساد سواء كان صورةً ومعنًى ‪ ،‬أو صورةً ل معنىً ‪ ،‬أو معنىً ل صورةً ‪ ،‬وسواء كان‬
‫ن القضاء يجب جبرا للفائت فيستدعي‬
‫عمدا أو خطأً ‪ ،‬وسواء كان بعذر أو بغير عذر ‪ ،‬ل ّ‬
‫فوات الصّوم ل غير ‪ ،‬والفوات يحصل بمطلق الفساد فتقع الحاجة إلى الجبر بالقضاء ليقوم‬
‫مقام الفائت فينجبر معنًى ‪ ،‬وأمّا الكفّارة فيتعلّق وجوبها بإفساد مخصوص وهو الفطار‬
‫الكامل بوجود الكل أو الشّرب أو الجماع صور ًة ومعنىً متعمّدا من غير عذر مبيح ول‬
‫مرخّص ول شبهة الباحة ‪.‬‬
‫أمّا الجماع بل عذر في نهار رمضان فقد قال الحنابلة ‪ :‬عليه القضاء والكفّارة عامدا كان أو‬
‫ساهيا أو جاهلً أو مخطئا ‪ ،‬مختارا أو مكرها ‪ ،‬لحديث أبي هريرة المتّفق عليه « أنّ رجلً‬
‫جاء إلى النّبيّ صلى ال عليه وسلم فقال يا رسول اللّه هلكت ‪ :‬قال ما لك ‪ :‬قال ‪ :‬وقعت على‬
‫امرأتي وأنا صائم » ‪ .‬قال البعليّ ‪ :‬وحكى صاحب الرّعاية روايةً ‪ :‬ل قضاء على من جامع‬
‫ل فبان نهارا واختاره ابن تيميّة ‪.‬‬
‫يعتقده لي ً‬
‫هـ ‪ -‬الحجّ ‪:‬‬
‫أوّلً ‪ -‬الخطأ في يوم عرفة ‪:‬‬
‫‪ - 42‬إذا أخطأ النّاس فوقفوا في اليوم العاشر من ذي الحجّة أجزأ وت ّم حجّهم ول قضاء ‪،‬‬
‫وهو مذهب الحنفيّة وقالوا ‪ :‬إنّ وقوفهم صحيح وحجّتهم تامّة استحسانا ‪ ،‬والقياس أنّه ل يصحّ‬
‫‪ .‬ووجه القياس أنّهم وقفوا في غير وقت الوقوف فل يجوز ‪ ،‬كما لو تبيّن أنّهم وقفوا يوم‬
‫التّروية ول فرق بين التّقديم والتّأخير ‪.‬‬
‫ومذهب المالكيّة أنّه إذا أخطأ في رؤية الهلل جماعة الموقف ل أكثرهم فوقفوا بعاشر ظنّا‬
‫منهم أنّه اليوم التّاسع وأنّ اللّيلة عقبه ليلة العاشر بأن غ ّم عليهم ليلة الثّلثين من ذي القعدة‬
‫فأكملوا العدّة فإذا هو العاشر ‪ ،‬واللّيلة عقبه ليلة الحادي عشر فيجزئهم ‪ ،‬وعليهم دم ‪ ،‬واحترز‬
‫ن غيره فل يجزئه ‪.‬‬
‫عن خطأ بعضهم ولو أكثرهم فوقف العاشر ظنّا أنّه التّاسع مخالفا لظ ّ‬
‫ونقل اللّخميّ عن ابن القاسم عدم الجزاء إذا وقفوا في العاشر ‪.‬‬
‫ومذهب الشّافعيّة أنّهم إن غلطوا بيوم واحد فوقفوا في اليوم العاشر من ذي الحجّة أجزأهم وتمّ‬
‫حجّهم ول قضاء ‪ ،‬هذا إذا كان الحجيج على العادة ‪ ،‬فإن قلّوا أو جاءت طائفة يسيرة فظنّت‬
‫أنّه يوم عرفة وأنّ النّاس قد أفاضوا فوجهان مشهوران حكاهما المتولّي والبغويّ ‪ ،‬وآخرون‬
‫أصحّهما ل يجزئهم ‪ ،‬لنّهم مفرطون ‪ ،‬ولنّه نادر يؤمن مثله في القضاء ‪ ،‬والثّاني يجزئهم‬
‫كالجمع الكثير ‪.‬‬
‫ومذهب الحنابلة أنّه يجزئ أيضا ‪ .‬واستدلّوا جميعا بحديث ‪ { :‬يوم عرفة اليوم الّذي يعرف‬
‫النّاس فيه } ‪ ،‬وحديث ‪ « :‬الصّوم يوم تصومون ‪ ،‬والفطر يوم تفطرون ‪ ،‬والضحى يوم‬
‫تضحّون » ‪.‬‬
‫أمّا لو وقفوا في الثّامن ظنّا منهم أنّه التّاسع فإنّ مذهب الحنفيّة ‪ ،‬والمعروف من مذهب‬
‫المالكيّة والصحّ من الوجهين عند الشّافعيّة أنّه ل يجزئهم ‪ .‬قالوا ‪ :‬والفرق بين عدم إجزاء‬
‫الوقوف فيه وبين إجزائه بالعاشر ‪ ،‬أنّ الّذين وقفوا فيه فعلوا ما تعبّدهم اللّه به على لسان نبيّه‬
‫عليه الصلة والسلم ‪ ،‬لمره بإكمال العدّة حيث حصل الغيم دون اجتهاد بخلفه بالثّامن فإنّه‬
‫اجتهادهم ‪ ،‬أو شهادة من شهد بالباطل ‪.‬‬
‫ولنّه نادر غاية النّدرة فكان ملحقا بالعدم ‪ ،‬ولنّه خطأ غير مبنيّ على دليل فلم يعذروا فيه ‪.‬‬
‫ومذهب الحنابلة وقول ابن القاسم من المالكيّة ووجه عند الشّافعيّة أنّه يجزئهم لحديث « يوم‬
‫عرفة اليوم الّذي يعرف النّاس فيه » قالوا ‪ :‬وهو نصّ في الجزاء ‪ ،‬وأنّه لو كان هنا خطأ‬
‫وصواب لستحبّ الوقوف مرّتين وهو بدعة لم يفعله السّلف فعلم أنّه ل خطأ ‪.‬‬
‫وفي مذهب مالك قول لبن القاسم بعدم الجزاء في الصّورتين ‪ ،‬قال الحطّاب ‪ :‬يعني إذا‬
‫ن وقوفهم يجزئهم‬
‫أخطأ جماعة أهل الموسم وهو المراد بالحجّ ‪ ،‬فوقفوا في اليوم العاشر ‪ ،‬فإ ّ‬
‫‪ ،‬واحترز بقوله فقط ممّا إذا أخطئوا ووقفوا في الثّامن ‪ ،‬فإنّ وقوفهم ل يجزئهم ‪ ،‬وهذا هو‬
‫المعروف من المذهب وقيل ‪ :‬يجزئهم في الصّورتين وقيل ‪ :‬ل يجزئ في الصّورتين ‪.‬‬
‫ثانيا ‪ :‬خطأ الحجيج في الموقف ‪:‬‬
‫‪ - 43‬إذا أخطأ الحجيج في الموقف فوقفوا في غير عرفة فيلزم القضاء ‪ ،‬سواء كانوا جمعا‬
‫ن الخطأ في الموقف يؤمن مثله في القضاء ‪.‬‬
‫كثيرا أو قليلً ‪ ،‬ل ّ‬
‫ثالثا ‪ :‬الخطأ في أشهر الحجّ ‪:‬‬
‫ج وأحرموا ثمّ بان الخطأ عامّا فهل ينعقد حجّا أو‬
‫‪ - 44‬لو اجتهد الحجيج في أشهر الح ّ‬
‫ج‪.‬‬
‫عمر ًة ؟ اختلفوا فيه على قولين ‪ :‬الوّل ‪ :‬يصحّ الحرام بالحجّ قبل أشهر الح ّ‬
‫والقول الثّاني ‪ :‬ل يجزئ ول ينعقد ‪ .‬وينظر تفصيل ذلك في ‪ ( :‬إحرام ‪ ،‬حجّ ) ‪.‬‬
‫رابعا ‪ :‬قتل صيد الحرم خطأً ‪:‬‬
‫ن قتل الصّيد في الحرم أو من المحرمين حرام يجب فيه الجزاء ‪،‬‬
‫‪ - 45‬ذهب الفقهاء إلى أ ّ‬
‫يستوي في ذلك العمد ‪ ،‬والخطأ ‪ ،‬والسّهو ‪ ،‬والنّسيان والجهل ‪ ،‬لقوله تعالى ‪ { :‬يَا َأ ّيهَا اّلذِينَ‬
‫ح ُرمٌ ‪ } ...‬إلى آخر الية ‪ .‬وينظر ‪ ( :‬إحرام ‪ ،‬حرم ) ‪.‬‬
‫ص ْيدَ وَأَن ُتمْ ُ‬
‫آ َمنُو ْا لَ تَ ْقتُلُو ْا ال ّ‬
‫خامسا ‪ -‬الخطأ في محظورات الحرام ‪:‬‬
‫ن محظورات الحرام جميعها يستوي فيها العمد والخطأ‬
‫‪ - 46‬ذهب الحنفيّة والمالكيّة إلى أ ّ‬
‫كقتل الصّيد ‪.‬‬
‫وفرّق الشّافعيّة والحنابلة بين ما كان إتلفًا كحلق الشّعر وقتل الصّيد ‪ ،‬وبين ما كان تمتّعا‬
‫كلبس وتطيّب ‪ .‬وفي الوطء خلف بين المذهبين ‪ ،‬وينظر التّفصيل في ‪ ( :‬إحرام ‪ ،‬حجّ ) ‪.‬‬
‫و ‪ -‬الضاحيّ ‪:‬‬
‫الخطأ في ذبح الضحيّة ‪:‬‬
‫‪ - 47‬إذا غلط رجلن فذبح كلّ واحد منهما أضحيّة الخر أجزأ عنهما ول ضمان عليهما‬
‫عند الحنفيّة والحنابلة ‪ ،‬قال الحنفيّة ‪ :‬وهذا استحسان ‪ ،‬وأصل هذا أنّ من ذبح أضحيّة غيره‬
‫ل له ذلك وهو ضامن لقيمتها ‪ .‬ول يجزئه عن الضحيّة في القياس وهو قول‬
‫بغير إذنه ل يح ّ‬
‫زفر ‪ .‬وفي الستحسان ‪ ،‬يجوز ول ضمان على الذّابح ‪ ،‬ووجهه أنّها تعيّنت للذّبح لتعيّنها‬
‫للضحيّة ‪ ،‬حتّى وجب عليه أن يضحّي بها بعينها في أيّام النّحر ‪ ،‬ويكره أن يبدّل بها غيرها‪،‬‬
‫ل للذّبح آذنا له دللةً ‪ ،‬لنّها تفوت بمضيّ هذه اليّام‬
‫فصار المالك مستعينا بكلّ من يكون أه ً‬
‫وعساه يعجز عن إقامتها بعوارض ‪ ،‬فصار كما إذا ذبح شا ًة شدّ القصّاب رجلها ‪.‬‬
‫ووجه القياس أنّه ذبح شاة غيره بغير أمره فيضمن ‪ ،‬كما إذا ذبح شاةً اشتراها القصّاب ‪.‬‬
‫وذكر القاضي وغيره من الحنابلة أنّها تجزئ ول ضمان استحسانا ‪ ،‬والقياس ضمانها ‪.‬‬
‫ونقل الثرم وغيره أنّهما يترادّان اللّحم إن كان موجودا ويجزئ ‪ ،‬ولو فرّق ك ّل منهما لحم ما‬
‫ذبحه أجزأ لذن الشّرع في ذلك ‪.‬‬
‫ل واحد لصاحبه القيمة ‪،‬‬
‫وذهب المالكيّة فيما نقلوه عن مالك إلى عدم الجزاء ‪ ،‬ويضمن ك ّ‬
‫ح في قول أشهب ومحمّد بن الموّاز أنّها تجزئ‬
‫فإذا غرم القيمة ولم يأخذها مذبوح ًة فالص ّ‬
‫أضحيّ ًة لذابحها ‪ .‬وروى عيسى عن ابن القاسم أنّها ل تجزئ ‪.‬‬
‫وقال الشّافعيّة ‪ :‬لو ذبح كلّ من رجلين أضحيّة الخر ضمن ما بين القيمتين أي قيمتها حيّةً‬
‫ن إراقة الدّم قربة مقصودة وقد فوّتها ‪ ،‬وأجزأ كلّ منها عن الضحيّة‬
‫وقيمتها مذبوحةً ‪ ،‬ل ّ‬
‫لكن بقيد كونها واجبةً بنذر فيفرّقها صاحبها ‪ ،‬لنّها مستحقّة الصّرف لجهة التّضحية ‪ ،‬ولنّ‬
‫ذبحها ل يفتقر إلى نيّة ‪ ،‬أمّا المتطوّع بها والواجبة بالجعل فل يجزئ ذبحها عن الصليّة‬
‫لفتقاره إلى نيّة ‪.‬‬
‫ز ‪ -‬البيوع ‪:‬‬
‫أوّلً ‪ -‬بيع المخطئ ‪:‬‬
‫‪ - 48‬قال الحنفيّة ‪ :‬بيع المخطئ ينعقد فاسدا ‪ ،‬وصورته أنّه أراد أن يقول ‪ :‬سبحان اللّه‬
‫ن البيع خطأ ‪.‬‬
‫فجرى على لسانه ‪ -‬بعت هذا منك بألف ‪ ،‬وقبل الخر ‪ -‬وصدّقه في أ ّ‬
‫أمّا وجه انعقاده فلختياره في الصل ‪ ،‬ووجه فساده لعدم الرّضا كبيع المكره ‪ ،‬فيملك البدل‬
‫بالقبض ‪.‬‬
‫وذهب المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة إلى أنّه غير منعقد ‪ ،‬لنّه يشترط في أسباب انتقال الملك‬
‫ن هذا اللّفظ أو هذا‬
‫كالبيع والهبة وغيرهما القدرة والعلم والقصد ‪ ،‬فمن باع وهو ل يعلم أ ّ‬
‫التّصرّف يوجب انتقال الملك ل يلزمه بيع ول نحوه ‪.‬‬
‫ثانيا ‪ -‬الغلط في المبيع ‪:‬‬
‫‪ - 49‬إذا وقع الغلط في جنس المبيع بأن اعتقد أحد العاقدين أنّ المعقود عليه من جنس معيّن‬
‫فإذا به من جنس آخر ‪ ،‬مثل أن يبيع ياقوتا أو ماسا فإذا هو زجاج ‪ ،‬أو يبيع حنط ًة فإذا هي‬
‫شعير ‪.‬‬
‫وكذا إذا اتّحد الجنس ولكنّ التّفاوت بين المعقود عليه وما أراده العاقد كان تفاوتا فاحشا فإنّ‬
‫الحنفيّة عدا الكرخيّ قالوا ‪ :‬إنّ الغلط يكون مانعا يمنع من انعقاد العقد ‪ ،‬فيكون العقد باطلً‬
‫ن البيع معدوم ‪ ،‬وقال الكرخيّ ‪ :‬هو فاسد ‪.‬‬
‫لّ‬
‫وقال المالكيّة ‪ :‬إذا وقع أحد العاقدين في الغلط ولم يبيّن للعاقد الخر فلم يعلم بهذا الغلط فل‬
‫يعت ّد بالغلط ‪ .‬جاء في مواهب الجليل ‪ :‬سئل مالك عمّن باع مصّلىً فقال المشتري ‪ :‬أتدري ما‬
‫هذا المصلّى ؟ هي واللّه خزّ فقال البائع ‪ :‬ما علمت أنّه خزّ ولو علمته ما بعته بهذا الثّمن ‪،‬‬
‫قال مالك ‪ :‬هو للمشتري ول شيء للبائع ‪.‬‬
‫وكذا من باع حجرا بثمن يسير ‪ ،‬ثمّ تبيّن أنّه ياقوتة أو زبرجدة تبلغ مالً كثيرا ‪.‬‬
‫أمّا إذا سمّى أحدهما الشّيء بغير اسمه ‪ ،‬مثل أن يقول البائع أبيعك هذه الياقوتة فيجدها غير‬
‫ياقوتة ‪ ،‬أو يقول المشتري ‪ :‬بع منّي هذه الزّجاجة ثمّ يعلم البائع أنّها ياقوتة فل خلف في أنّ‬
‫هذا الشّراء ل يلزم المشتري ‪ ،‬والبيع ل يلزم البائع ‪.‬‬
‫وكذلك إذا سمّى العاقد الشّيء باسم يصلح له كقول البائع ‪ :‬أبيعك هذا الحجر فإذا هو ياقوتة‬
‫فيلزم البائع البيع ‪ ،‬وإن علم المشتري أنّها ياقوتة ‪ ،‬وأمّا إذا سمّى أحدهما الشّيء بغير اسمه‬
‫مثل أن يقول البائع ‪ :‬أبيعك هذه الياقوتة فيجدها غير ياقوتة ‪ ،‬أو يقول المشتري ‪ :‬بع منّي‬
‫هذه الزّجاجة ثمّ يعلم البائع أنّها ياقوتة فل خلف في أنّ الشّراء ل يلزم المشتري ‪ ،‬والبيع ل‬
‫ن ذلك‬
‫يلزم البائع ‪ .‬وإذا أبهم أحدهما لصاحبه في التّسمية ولم يصرّح ‪ ،‬فقال ابن حبيب ‪ :‬إ ّ‬
‫يوجب الرّ ّد كالتّصريح ‪.‬‬
‫واختلف الشّافعيّة فمنهم من قال بالصّحّة ومنهم من قال بالبطلن ‪.‬‬
‫قال القليوبيّ ‪ :‬لو اشترى زجاج ًة يظنّها جوهرةً فالعقد صحيح إن لم يصرّح بلفظ الجوهرة‬
‫ل فالعقد باطل ‪ ،‬وحكى عن شيخه صحّة العقد وثبوت الخيار قال ‪ :‬وفيه نظر ‪.‬‬
‫وإ ّ‬
‫وقال الحنابلة ‪ :‬لو قال ‪ :‬البائع بعتك هذا البغل بكذا ‪ ،‬فقال اشتريته ‪ ،‬فبان المشار إليه فرسا‬
‫أو حمارا لم يصحّ البيع ‪ ،‬ومثله بعتك هذا الجمل فبان ناقةً ونحوه ‪ ،‬فل يصحّ البيع للجهل‬
‫بالمبيع ‪.‬‬
‫ثالثا ‪ -‬الجناية على المبيع خطأً ‪:‬‬
‫‪ - 50‬الجناية خطًأ على المبيع قبل القبض أو في زمن الخيار ‪ ،‬قد تكون من البائع ‪ ،‬أو‬
‫المشتري ‪ ،‬أو من غيرهما ‪ ،‬وفي لزوم البيع بهذه الجناية وسقوط الخيار ‪ ،‬وفي الضّمان ‪،‬‬
‫خلف وتفصيل ينظر في ‪ ( :‬خيار ‪ ،‬ضمان ) ‪.‬‬
‫ح ‪ -‬الجارة ‪:‬‬
‫أوّلً ‪ :‬خطأ النّقّاد والقبّان ونحوهما ‪:‬‬
‫ن النّقّاد إن أخطأ ل ضمان عليه ‪ ،‬لنّه مجتهد‬
‫‪ - 51‬ذهب الحنفيّة والشّافعيّة والحنابلة إلى أ ّ‬
‫أخطأ في اجتهاده ‪ ،‬ول أجرة له ‪ ،‬لنّه لم يعمل ما أمر به ‪.‬‬
‫وقيّد الحنابلة عدم الضّمان بكون النّقّاد حاذقا أمينا وإلّ ضمن ‪.‬‬
‫وقال الشّافعيّة ‪ :‬لو أخطأ القبّانيّ في الوزن ضمن ‪ ،‬كما لو غلط في النّقش الّذي على القبّان‪.‬‬
‫صنّاع ‪:‬‬
‫ثانيا ‪ :‬خطأ الجراء وال ّ‬
‫ص ل يضمن‬
‫‪ - 52‬مذهب الحنفيّة والمالكيّة والحنابلة وفريق من الشّافعيّة ‪ :‬أنّ الجير الخا ّ‬
‫ما هلك في يده بل صنعه ‪ ،‬أو هلك من عمله المأذون فيه إذا لم يتعمّد الفساد ‪.‬‬
‫ص كالجير المشترك في الضّمان وهو‬
‫وقالت طائفة من الشّافعيّة ‪ :‬إنّ الجير الخا ّ‬
‫المنصوص عن الشّافعيّ ‪ ،‬وقال ‪ :‬والجراء كلّهم سواء ‪.‬‬
‫ن الجير المشترك إذا تلف عنده المتاع بتعدّ ‪ ،‬أو تفريط جسيم يضمن‬
‫وقد اتّفق الفقهاء على أ ّ‬
‫‪.‬أمّا إذا تلف بغير هذين ‪،‬ففيه تفصيل في المذاهب يرجع إليه في مصطلح ‪ ( :‬إجارة)‪.‬‬
‫ثالثا ‪ -‬خطأ الكاتب ‪:‬‬
‫‪ - 53‬قال الحنفيّة ‪ :‬فيمن دفع إلى رجل ورقا ليكتب له مصحفا وينقطه ‪ ،‬ويعجمه ‪ ،‬ويعشره‬
‫بكذا من الجرة فأخطأ في بعض النّقط والعواشر ‪ .‬قال أبو جعفر ‪ :‬إن فعل ذلك في كلّ ورقة‬
‫كان المستأجر بالخيار ‪ ،‬إن شاء أخذه وأعطاه أجر مثله ل يجاوز به ما سمّى ‪ ،‬وإن شاء ردّه‬
‫عليه واستردّ منه ما أعطاه ‪ ،‬أي ضمّنه قيمة الورق ‪ ،‬وإن وافقه في البعض دون البعض‬
‫أعطاه حصّة ما وافق من المسمّى وبما خالف أعطاه أجر المثل ‪.‬‬
‫وقال الشّافعيّة ‪ :‬بصحّة الستئجار للنّساخة ويبيّن كيفيّة الخطّ ‪ ،‬ورقّته ‪ ،‬وغلظه ‪ ،‬وعدد‬
‫ل صفحة كذا ‪ ،‬وقدر القطع إن قدرنا بالمحلّ ‪ .‬وإذا غلط النّاسخ غلطا‬
‫الوراق وسطور ك ّ‬
‫فاحشا فعليه أرش الورق ول أجرة له ‪ ،‬وإلّ فله الجرة ول أرش عليه ويلزمه الصلح ‪.‬‬
‫رابعا ‪ :‬خطأ الطّبيب والخاتن ونحوهما ‪:‬‬
‫‪ - 54‬اتّفق الفقهاء على أنّه ل ضمان على الطّبيب والخاتن والحجّام إذا فعلوا ما أمروا به‬
‫بشرطين ‪ :‬أحدهما ‪ :‬أن يكونوا ذوي حذق في صناعتهم ولهم بها بصارة ومعرفة ‪ ،‬لنّه إذا‬
‫ل لواحد منهم مباشرة القطع ‪ ،‬وإذا قطع مع هذا كان فعلً محرّما‬
‫لم يكونوا كذلك لم يح ّ‬
‫فيضمن سرايته كالقطع ابتدا ًء ‪.‬‬
‫الثّاني ‪ :‬أن ل تجني أيديهم فيتجاوزوا ما ينبغي أن يقطع ‪ .‬فإذا وجد هذان الشّرطان لم‬
‫يضمنوا ‪ ،‬لنّهم قطعوا قطعا مأذونا فيه فلم يضمنوا سرايته ‪ ،‬كقطع المام يد السّارق ‪ ،‬أو‬
‫ل منهم حاذقا وخبت يده مثل أن يتجاوز‬
‫فعلوا فعلً مباحا مأذونا في فعله ‪ ،‬فأمّا إن كان ك ّ‬
‫ل القطع ‪ ،‬أو يقطع السّلعة من‬
‫قطع الختان إلى الحشفة ‪ ،‬أو إلى بعضها ‪ ،‬أو قطع في غير مح ّ‬
‫إنسان فيتجاوزها ‪ ،‬أو يقطع بآلة كآلة يكثر ألمها ‪ ،‬أو في وقت ل يصلح القطع فيه وأشباه‬
‫ذلك ضمن فيه كلّه ‪ ،‬لنّه إتلف ل يختلف ضمانه بين العمد والخطأ فأشبه إتلف المال ‪.‬‬
‫ط ‪ -‬الخطأ في وصف اللّقطة ‪:‬‬
‫ل إذا وصفها وصفا يشعر‬
‫‪ - 55‬إذا ادّعى شخص ملكيّة لقطة فإنّ الملتقط ل يسلّمها إليه إ ّ‬
‫بأنّها له ‪ .‬وقد اختلف الفقهاء فيما إذا أخطأ مدّعي ملكيّة اللّقطة في وصف من أوصافها ‪ .‬قال‬
‫ن الصابة في‬
‫الحنفيّة ‪ :‬إنّ الصابة في بعض علمات اللّقطة ل تكفي لدفعها إليه ‪ ،‬وإ ّ‬
‫العلمات كلّها شرط ‪.‬‬
‫وقال المالكيّة ‪ :‬إذا وصف واحدا من العفاص والوكاء ووقع الجهل في الخر أو الغلط ففي‬
‫ذلك خلف ‪ :‬قيل ‪ :‬ل شيء له فيهما ‪ ،‬وقيل ‪ :‬يستأني فيهما ‪ ،‬وقيل ‪ :‬يعطي بعد الستيناء مع‬
‫الجهل ول شيء له مع الغلط ‪.‬‬
‫ن المراد بالغلط تصوّر الشّيء على خلف ما‬
‫قال ابن رشد ‪ :‬وهذا أعدل القوال ‪ ،‬وقال ‪ :‬إ ّ‬
‫هو عليه ل المتعلّق باللّسان ‪ .‬وقال الخرشيّ ‪ :‬إذا غلط فإن قال ‪ :‬الوكاء مثلً كذا ‪ ،‬فإذا هو‬
‫بخلف ذلك فإنّه ل يكفي ول تدفع له ‪.‬‬
‫وإذا وصف العفاص والوكاء أو أحدهما وأصاب في ذلك وأخطأ في صفة الدّنانير ‪ ،‬بأن قال‬
‫محمّديّة فإذا هي يزيديّة فل شيء له بل خلف ‪.‬‬
‫وقالوا ‪ :‬إذا عرّف العفاص والوكاء وغلط في قدر الدّراهم بزيادة ‪ ،‬فإنّه ل يضرّ بأن قال ‪:‬‬
‫هي عشرة فإذا هي خمسة ‪ ،‬أمّا غلطه بالنّقص بأن قال ‪ :‬هي عشرون فإذا هي ثلثون ففيه‬
‫قولن ‪ .‬وينظر تفصيل ذلك في ( لقطة ) ‪.‬‬
‫ي ‪ -‬الغلط في الشّفعة ‪:‬‬
‫‪ - 56‬من صور الخطأ أو الغلط في الشّفعة أن يغلط الشّفيع في شخص المشتري ‪ ،‬أو في‬
‫غيره من الركان كالغلط في الثّمن ‪ .‬وفيما يأتي بيان مذاهب الفقهاء في هذه المسألة ‪.‬‬
‫قال الشّافعيّة والحنابلة ‪ :‬إن قال المشتري ‪ :‬اشتريت بمائة فعفا الشّفيع ثمّ بان أنّه اشترى‬
‫بخمسين فهو على شفعته ‪ ،‬لنّه عفا عن الشّفعة لقدر ‪ ،‬وهو أنّه ل يرضاه بمائة أو ليس معه‬
‫مائة ‪ .‬وإن قال ‪ :‬اشتريت نصفه بمائة فعفا ثمّ بان أنّه قد اشترى جميعه بمائة فهو على شفعته‬
‫‪ ،‬لنّه لم يرض بترك الجميع ‪.‬‬
‫وإن قال إنّه اشترى بأحد النّقدين فعفا ثمّ بان أنّه كان قد اشتراه بالنّقد الخر فهو على‬
‫شفعته ‪ ،‬لنّه يجوز أن يكون قد عفا لعواز أحد النّقدين عنده ‪ ،‬أو لحاجته إليه ‪.‬‬
‫وإن قال ‪ :‬اشتريت الشّقص فعفا ‪ ،‬ث ّم بان أنّه كان وكيلً فيه وإنّما المشتري غيره فهو على‬
‫شفعته ‪ ،‬لنّه قد يرضى مشاركة الوكيل ول يرضى مشاركة الموكّل ‪.‬‬
‫وقال الحنفيّة ‪ :‬لو أخبر الشّفيع أنّ المشتري فلن فقال ‪ :‬قد سلّمت له ‪ ،‬فإذا المشتري غيره‬
‫فهو على شفعته ‪ ،‬لنّ النّاس يتفاوتون في المجاورة ‪ ،‬فرضاه بمجاورة إنسان ل يكون رضا‬
‫منه بمجاورة غيره ‪ ،‬وهذا التّقييد منه مفيد ‪ ،‬كأنّه قال إن كان المشتري فلنا فقد سلّمت‬
‫ن المشتري غيره فهو على حقّه ‪ .‬وإن تبيّن أنّه اشتراه فلن وآخر معه‪،‬‬
‫الشّفعة ‪ ،‬فإذا تبيّن أ ّ‬
‫صحّ تسليمه في نصيب فلن وهو على شفعته في نصيب الخر ‪ ،‬لنّه رضي بمجاورة‬
‫ن الثّمن ألف درهم فسلّم الشّفعة‬
‫أحدهما فل يكون ذلك منه رضًا بمجاورة الخر ‪ .‬ولو أخبر أ ّ‬
‫ل فله الشّفعة ‪ ،‬لنّه إنّما أسقط حقّه‬
‫‪ ،‬فإن كان أكثر من ألف فتسليمه صحيح ‪ ،‬وإن كان أق ّ‬
‫بشرط أن يكون الثّمن ألف درهم ‪ ،‬لنّه بنى تسليمه على ما أخبر به ‪ ،‬والخطاب السّابق‬
‫كالمعاد فيما بنى عليه من الجواب ‪ ،‬فكأنّه قال سلّمت إن كان الثّمن ألفا ‪ ،‬وإنّما أقدم على هذا‬
‫التّسليم لغلء الثّمن ‪ ،‬أو لنّه لم يكن متمكّنا من تحصيل اللف ول يزول هذا المعنى إذا كان‬
‫الثّمن أكثر من اللف بل يزداد ‪ .‬فأمّا إذا كان الثّمن أقلّ من اللف فقد انعدم المعنى الّذي كان‬
‫لجله رضي بالتّسليم فيكون على حقّه ‪ ،‬وهذا لنّ الخذ بالشّفعة شراء ‪ ،‬وقد يرغب المرء‬
‫في شراء شيء عند قلّة الثّمن ول يرغب فيه عند كثرة الثّمن ‪.‬‬
‫وعند المالكيّة ‪ :‬الشّفيع إذا علم بالبيع فلمّا أخبر بالثّمن أسقط شفعته لكثرته ‪ ،‬ثمّ ظهر بعد ذلك‬
‫ل ممّا أخبر به فله شفعته ولو طال الزّمان قبل ذلك ‪ ،‬ويحلف أنّه إنّما أسقط لجل‬
‫ن الثّمن أق ّ‬
‫أّ‬
‫الكذب في الثّمن ‪.‬‬
‫وكذلك ل تسقط شفعته إذا أسقطها لجل الكذب في الشّقص المشترى ‪ ،‬بأن قيل له فلن‬
‫اشترى نصف نصيب شريكك ثمّ أخبر أنّه اشترى جميع نصيب شريكه فله القيام بالشّفعة‬
‫حينئذ ‪ ،‬لنّه يقول لم يكن لي غرض في أخذ النّصف ‪ ،‬لنّ الشّركة بعد قائمة ‪ ،‬فلمّا علمت‬
‫أنّه ابتاع الكلّ أخذت لرتفاع الشّركة وزوال الضّرر ‪ ،‬أو لجل الكذب في المشترِي ‪ -‬بكسر‬
‫الرّاء ‪ -‬قيل له فلن اشترى نصيب شريكك فأسقط لذلك ‪ ،‬ثمّ ظهر أنّه غير الّذي سمّي فإنّ‬
‫له أن يأخذ شفعته كائنا ما كان الشّخص ‪.‬‬
‫ن فلنا اشترى حصّة شريكك في الشّقص فرضي به وسلّم‬
‫وكذلك ل تسقط شفعته إذا قيل له إ ّ‬
‫ن الشّقص اشتراه هو وشخص آخر‬
‫شفعته لجل حسن سيرة هذا المشتري ثمّ علم بعد ذلك أ ّ‬
‫فله القيام بشفعته ‪ ،‬لنّه يقول إنّما رضيت بشركة فلن وحده ل بشركته مع غيره ‪.‬‬
‫ك ‪ -‬النّكاح ‪:‬‬
‫أوّلً ‪ -‬الخطأ في الصّيغة ‪:‬‬
‫‪ - 57‬يرى فريق من الحنفيّة أنّه ل يصحّ النّكاح بألفاظ مصحّفة ‪ ،‬والتّصحيف أن يقرأ الشّيء‬
‫على خلف ما أراده كاتبه ‪ ،‬أو على غير ما اصطلحوا عليه ‪ ،‬كتجوّزت بتقديم الجيم على‬
‫الزّاي ‪ ،‬لنّه صادر ل عن قصد صحيح ‪ ،‬بل عن تحريف وتصحيف فل يكون حقيقةً ول‬
‫مجازا لعدم العلقة ‪ ،‬بل غلطا فل اعتبار به أصلً بخلف ما لو اتّفق قوم على النّطق بهذه‬
‫الغلطة وصدرت عن قصد صحّ ‪ ،‬لنّ ذلك وضع جديد وبه أفتى أبو السّعود ‪.‬‬
‫والرّأي الخر للحنفيّة ومذهب الشّافعيّة ورأي تقيّ الدّين من الحنابلة ‪ :‬العقد بلفظ جوّزت‬
‫وزوّزت إذا نطق به العا ّميّ قاصدا به معنى النّكاح يصحّ ‪ ،‬لنّ لفظ جوّزت وزوّزت ل يفهم‬
‫ل أنّه عبارة عن التّزويج ول يقصد منه إلّ ذلك المعنى بحسب‬
‫منه العاقدان والشّهود إ ّ‬
‫العرف‪ ،‬وقد صرّحوا بأنّه يحمل كلم كلّ عاقد وحالف وواقف على عرفة ‪.‬‬
‫ل بالمعنى ينبغي أن يكون كالخطأ في العراب‬
‫وقال الغزاليّ ‪ :‬الخطأ في الصّيغة إذا لم يخ ّ‬
‫والتّذكير والتّأنيث ‪ .‬وينظر تفصيل ذلك في ‪ ( :‬نكاح ) ‪.‬‬
‫ثانيا ‪ -‬الغلط في اسم الزّوجة ‪:‬‬
‫‪ - 58‬قال الحنفيّة ‪ :‬الغلط في اسم الزّوجة يمنع من انعقاد النّكاح إلّ إذا كانت حاضر ًة في‬
‫سيّة أقوى من التّسمية ‪ ،‬لما في‬
‫ن تعريف الشارة الح ّ‬
‫مجلس العقد وأشار إليها ‪ ،‬فل يضرّ ‪ ،‬ل ّ‬
‫التّسمية من الشتراك لعارض فتلغو التّسمية عند الشارة ‪ ،‬كما لو قال ‪ :‬اقتديت بزيد هذا فإذا‬
‫هو عمرو فإنّه يصحّ ‪ .‬ولو كان له بنتان وأراد تزويج الكبرى فغلط فسمّاها باسم الصّغرى‬
‫صحّ للصّغرى بأن كان اسم الكبرى عائشة والصّغرى فاطمة ‪ ،‬فقال زوّجتك بنتي فاطمة‬
‫وهو يريد عائشة فقبل ‪ ،‬انعقد على فاطمة ‪ ،‬وهذا إذا لم يصفها بالكبرى ‪ ،‬فلو قال زوّجتك‬
‫بنتي الكبرى فاطمة قالوا ‪ :‬يجب أن ل ينعقد العقد على إحداهما ‪ ،‬لنّه ليس له ابنة كبرى‬
‫بهذا السم ‪ ،‬ول تنفع ال ّنيّة هنا ول معرفة الشّهود بعد صرف اللّفظ عن المراد ‪.‬‬
‫ن أو بنتي أو فاطمة‬
‫ي من الشّافعيّة ‪ :‬لو قال أبو بنات ‪ :‬زوّجتك إحداه ّ‬
‫وقال شمس الدّين الرّمل ّ‬
‫ي ثمّ مات ثمّ‬
‫ونويا معيّنةً ولو غير المسمّاة فإنّه يصحّ ‪ ،‬قال الشبراملسي ‪ :‬لو زوّجها الول ّ‬
‫اختلفت الزّوجة مع الزّوج فقالت ‪ :‬لست المسمّاة في العقد ‪ ،‬وقال الشّهود ‪ :‬بل أنت المقصودة‬
‫بالتّسمية ‪ ،‬وإنّما الوليّ سمّى غيرك في العقد غلطًا ووافقهما الزّوج على ذلك ‪ ،‬فهل العبرة‬
‫بقولها لنّ الصل عدم النّكاح ‪ ،‬أو العبرة بقول الشّهود ؟ فيه نظر والقرب الوّل ‪ ،‬لنّ‬
‫الصل عدم الغلط ‪.‬‬
‫ن عدم التّعيين‬
‫ح العقد ‪ ،‬ل ّ‬
‫وقال الحنابلة ‪ :‬لو سمّاها الوليّ بغير اسمها ولم يكن له غيرها ص ّ‬
‫إنّما جاء من التّعدّد ول تعدّد هنا ‪ ،‬وكذا لو سمّاها بغير اسمها وأشار إليها ‪ ،‬بأن قال زوّجتك‬
‫ن الشارة أقوى ‪ ،‬ولو‬
‫ح العقد على خديجة ‪ ،‬ل ّ‬
‫بنتي فاطمة هذه ‪ ،‬وأشار إلى خديجة فيص ّ‬
‫ح النّكاح ‪ .‬ولو كان له بنتان فاطمة وعائشة فقال‬
‫سمّاها بغير اسمها ولم يقل بنتي لم يص ّ‬
‫الوليّ ‪ :‬زوّجتك بنتي عائشة فقبل الزّوج ‪ ،‬ونويا في الباطن فاطمة فل يصحّ النّكاح ‪ ،‬لنّ‬
‫ن اسم أختها ل يميّزها بل يصرف العقد عنها ‪ ،‬ولنّهما لم‬
‫المرأة لم تذكر بما تتعيّن به ‪ ،‬فإ ّ‬
‫يتلفّظا بما يصحّ العقد بالشّهادة عليه فأشبه ما لو قال ‪ :‬زوّجتك عائشة فقط ‪ ،‬أو ما لو قال ‪:‬‬
‫زوّجتك ابنتي ولم يسمّها ‪ ،‬وإذا لم يصحّ فيما إذا لم يسمّها ففي ما سمّاها بغير اسمها أولى ‪.‬‬
‫ثالثا ‪ -‬الغلط في الزّوجة ‪:‬‬
‫‪ - 59‬إذا زفّت امرأة إلى غير زوجها ولم يكن رآها قبل ذلك فوطئها ‪ ،‬فقد اتّفق الفقهاء على‬
‫أنّه يجب على الواطئ مهر المثل ‪ ،‬ول حدّ عليه ‪ ،‬وإن أتت بولد ثبت نسبه ‪ .‬وينتشر التّحريم‬
‫بهذا الوطء ‪.‬‬
‫وقال المالكيّة ‪ :‬إن وطئها غلطا وهي في عدّة غيره تأبّد تحريمها ‪.‬‬
‫ومن صور الغلط الّتي ذكرها الشّافعيّة والحنابلة ‪ :‬أنّه لو عقد أب على امرأة وابنه على‬
‫ابنتها وزفّت كلّ لغير زوجها ووطئها غلطا ‪ :‬قال الشّافعيّة ‪ :‬انفسخ النّكاحان ولزم كلّا‬
‫لموطوءته مهر المثل ‪ ،‬وعلى السّابق منهما بالوطء لزوجته نصف المسمّى ‪ ،‬وفيما يلزم‬
‫الثّاني منهما وجوه ‪.‬‬
‫وقال الحنابلة ‪ :‬في الصّورة السّابقة ‪ :‬إنّ وطء الوّل يوجب عليه مهر مثلها ‪ ،‬لنّه وطء‬
‫شبهة ويفسخ نكاحها من زوجها ‪ ،‬لنّها صارت بالوطء حليلة ابنه أو أبيه ‪ ،‬ويسقط به مهر‬
‫الموطوءة عن زوجها ‪ ،‬لنّ الفسخ جاء من قبلها بتمكينها من وطئها ومطاوعتها عليه ‪ ،‬ول‬
‫شيء لزوجها على الواطئ ‪ ،‬لنّه لم يلزمه شيء يرجع به ‪ ،‬ولنّ المرأة مشاركة في إفساد‬
‫نكاحها بالمطاوعة فلم يجب على زوجها شيء لو انفردت به ‪.‬‬
‫رابعا ‪ -‬طلق المخطئ ‪:‬‬
‫‪ - 60‬من قال لزوجته اسقيني فجرى على لسانه أنت طالق ‪ ،‬فإنّ الطّلق ل يقع عند الشّافعيّة‬
‫والحنابلة ‪ ،‬لعدم القصد ول اعتبار للكلم بدون القصد ‪.‬‬
‫وقال الحنفيّة ‪ :‬يقع به الطّلق وإن لم يكن مختارا لحكمه لكونه مختارا في التّكلّم ‪ ،‬ولنّ‬
‫الغفلة عن معنى اللّفظ أمر خفيّ وفي الوقوف على قصده حرج ‪.‬‬
‫ل عليه في الصّريح والكناية الظّاهرة‬
‫وقال المالكيّة ‪ :‬المراد من القصد قصد النّطق باللّفظ الدّا ّ‬
‫ل العصمة ‪.‬‬
‫وإن لم يقصد مدلوله وهو ح ّ‬
‫وقالوا إن سبق لسانه بأن أراد أن يتكلّم بغير الطّلق ‪ ،‬فالتوى لسانه فتكلّم بالطّلق فل شيء‬
‫عليه إن ثبت سبق لسانه في الفتوى والقضاء ‪ ،‬وإن لم يثبت فل شيء عليه في الفتوى ويلزمه‬
‫في القضاء ‪.‬‬
‫ل ‪ -‬الخطأ في الجنايات ‪:‬‬
‫أوّلً ‪ -‬القتل الخطأ ‪:‬‬
‫‪ - 61‬الواجب في القتل الخطأ الدّية على عاقلة القاتل والكفّارة عليه ‪ ،‬والحرمان من الميراث‬
‫عند جمهور الفقهاء ‪ .‬ويرجع في تعريف القتل الخطأ وصوره وأنواعه وأحكامه وآراء الفقهاء‬
‫في ذلك إلى مصطلحات ( قتل ‪ ،‬دية ‪ ،‬كفّارة ‪ ،‬إرث ) ‪.‬‬
‫ثانيا ‪ -‬ما يجب فيما دون النّفس خطأً ‪:‬‬
‫‪ - 62‬الواجب فيما دون النّفس إمّا دية كاملة كما في ذهاب كلّ من الكلم ‪ ،‬والسّمع ‪ ،‬واللّسان‬
‫‪ ،‬والنف ‪ ،‬وفي اليدين والرّجلين ‪ ،‬أو نسبة من الدّية كما في الموضحة ‪ ،‬والمنقّلة ‪،‬‬
‫والمّة ‪ ،‬والجائفة ‪ ،‬وتفصيل ذلك يرجع إليه في مصطلح ( دية ) ‪.‬‬
‫ثالثا ‪ -‬جناية النسان على نفسه أو أطرافه خطأً ‪:‬‬
‫ن من قتل نفسه خطأً ل تجب‬
‫‪ - 63‬مذهب الحنفيّة والمالكيّة والشّافعيّة وهو رواية عن أحمد أ ّ‬
‫ن « عامر بن الكوع بارز مرحبا يوم خيبر فرجع سيفه‬
‫الدّية بقتله ول تحمل العاقلة ديته ‪ .‬ل ّ‬
‫على نفسه فمات ‪ ،‬ولم يقض فيه النّبيّ صلى ال عليه وسلم بدية ول غيرها » ‪ ،‬ولو وجبت‬
‫لبيّنه ‪ ،‬ولنّه جنى على نفسه فلم يضمنه غيره كالعمد ‪.‬‬
‫وقال الحنابلة في الظهر من الرّوايتين ‪ :‬إ نّ على عاقلته ديته لورثته إن قتل نفسه ‪ ،‬أو أرش‬
‫ن رجلً ساق حمارًا فضر به بع صا كا نت‬
‫جر حه لنف سه إذا كان أك ثر من الثّلث ‪ ،‬وا ستدلّوا بأ ّ‬
‫معه فطارت منها شظيّة ففقأت عينه فجعل عمر ‪ -‬رضي ال عنه ‪ -‬ديته على عاقلته ‪ ،‬ولم‬
‫يعرف له مخالف في عصره ‪.‬‬
‫وأمّا بالنّسبة للكفّارة فقد قال الشّافعيّ والحنابلة ‪ :‬تجب فيه الكفّارة ‪.‬‬
‫ن الكفّارة مشرو طة بعدم الق تل فإذا ح صل الق تل ب طل‬
‫وقال أ بو حني فة ومالك ‪ :‬ل ت جب ‪ ،‬ل ّ‬
‫الخطاب بها كما تسقط ديته عن العاقلة لورثته ‪.‬‬
‫رابعا ‪ -‬الخطأ في التّصادم ‪:‬‬
‫‪ - 64‬التّصادم قد يقع من فارسين ‪ ،‬أو من ماشيين ‪ ،‬أو من سفينتين ‪ ،‬وقد يقع عمدا أو شبه‬
‫ل واحد ما تلف من الخر من نفس أو‬
‫عمد أو خطأ ‪ ،‬والواجب في حال الخطأ هل يضمن ك ّ‬
‫ن الواجب هو بأن يضمن كلّ واحد منهما نصف قيمة ما تلف من الخر؟‬
‫دابّة أو مال ‪ ،‬أو أ ّ‬
‫خلف بين الفقهاء وتفصيل ذلك محلّه في مصطلح ( دية ‪ ،‬إتلف ‪ ،‬قتل ‪ ،‬ضمان ) ‪.‬‬
‫خامسا ‪ -‬في خرق السّفينة خطأً ‪:‬‬
‫‪ - 65‬قال الشّافعيّة ‪ :‬لو خرق شخص سفينته عامدا خرقا يهلك غالبا ‪ ،‬فالقصاص أو الدّية‬
‫على الخارق ‪ ،‬وخرقها للصلح شبه عمد ‪ ،‬فإن أصاب غير موضع الصلح فخرقه فخطأ‬
‫محض ‪.‬‬
‫وذكر ابن قدامة أنّه إذا خرق السّفينة خطأً فعليه ضمان ما تلف وعلى عاقلته الدّية ‪.‬‬
‫وإذا قام ليصلح موضعا فقلع لوحا ‪ ،‬أو يصلح مسمارا فثقب موضعا ‪ ،‬فقد اختلف في اعتبار‬
‫هذه الصّورة من قبيل عمد الخطأ ‪ ،‬أو من قبيل الخطأ المحض ؟‬
‫ذهب إلى الوّل القاضي أبو يعلى ‪ ،‬والثّاني هو الصّحيح ‪ ،‬لنّه قصد فعلً مباحا فأفضى إلى‬
‫التّلف ‪ ،‬فأشبه ما لو رمى صيدًا فأصاب آدميّا ‪ ،‬لكن إن قصد قلع اللّوح من موضع يغلب أنّه‬
‫ل يتلفها فأتلفها فهو عمد الخطأ وفيه ما فيه ‪.‬‬
‫وقال الحنفيّة في ضمان الملّاح ‪ :‬لو دخلها الماء فأفسد المتاع فلو بفعله وحده يضمن‬
‫بالتّفاق ‪ ،‬ولو بل فعله إن لم يمكن التّحرّز عنه ل يضمن إجماعا ‪ ،‬وإن كان بسبب يمكن‬
‫التّحرّز عنه ل يضمن عند أبي حنيفة وعندهما يضمن ‪.‬‬
‫ب المتاع أو وكيله في السّفينة ‪ ،‬فلو كان ل يضمن في جميع ما مرّ إذا‬
‫وهذا كلّه لو لم يكن ر ّ‬
‫لم يخالف بأن لم يجاوز المعتاد ‪ ،‬لنّ محلّ العمل غير مسلّم إليه ‪.‬‬
‫م ‪ -‬الخطأ في اليمان ‪:‬‬
‫أوّلً ‪ :‬الخطأ في حلف اليمين ‪:‬‬
‫‪ - 66‬معنى الخطأ في اليمين عند الحنفيّة سبق اللّسان إلى غير ما قصده الحالف وأراده بأن‬
‫أراد شيئا فسبق لسانه إلى غيره ‪ ،‬كما إذا أراد أن يقول ‪ :‬اسقني الماء فقال ‪ :‬واللّه ل أشرب‬
‫الماء ‪ .‬وأوجبوا فيه الكفّارة إن حنث لقوله تعالى ‪ { :‬وَاحْ َفظُوا أَيمَا َن ُكمْ } ولقوله صلى ال عليه‬
‫وسلم ‪ « :‬ثلث جدّهنّ جدّ وهزلهنّ جدّ ‪ :‬النّكاح ‪ ،‬والطّلق ‪ ،‬واليمين » ‪.‬‬
‫ن الكفّارة ترفع الثم وإن لم توجد منه التّوبة ‪ .‬وخالف الكمال بن الهمام في انعقاد‬
‫وقالوا ‪ :‬إ ّ‬
‫يمين المخطئ وقال ‪ :‬واعلم أنّه لو ثبت حديث اليمين لم يكن فيه دليل ‪ ،‬لنّ المذكور فيه‬
‫جعل الهزل باليمين جدّا ‪ ،‬والهازل قاصد لليمين غير راض بحكمه فل يعتبر عدم رضاه به‬
‫شرعا بعد مباشرته السّبب مختارا ‪ ،‬والنّاسي بالتّفسير المذكور لم يقصد شيئا أصلً ولم يدر‬
‫ما صنع ‪ ،‬وكذا المخطئ لم يقصد قطّ التّلفّظ به ‪ ،‬بل بشيء آخر فل يكون الوارد في الهازل‬
‫واردا في النّاسي الّذي لم يقصد قطّ مباشرة السّبب ‪ ،‬فل يثبت في حقّه نصّا ول قياسا ‪ .‬وفرّق‬
‫المالكيّة بين نوعين من الخطأ ‪ :‬الوّل ‪ -‬سبق اللّسان بمعنى غلبته وجريانه على لسانه نحو ‪:‬‬
‫ل واللّه ما فعلت كذا ‪ ،‬واللّه ما فعلت كذا ‪.‬‬
‫الثّاني ‪ -‬انتقاله من لفظ لخر والتفاته إليه عند إرادة النّطق بغيره ‪.‬‬
‫ن القسم الخير ل شيء عليه فيه ويدين أي يقبل قوله ديان ًة ‪ ،‬كسبق اللّسان في‬
‫وقالوا ‪ :‬إ ّ‬
‫الطّلق ‪ ،‬أمّا الوّل فيلزمه اليمين ‪.‬‬
‫وذهب الشّافعيّة إلى أنّه إن سبق لسانه إلى لفظ اليمين بل قصد في حال غضبه ‪ :‬كل واللّه‬
‫وبلى واللّه ‪ ،‬وكذا في حال عجلته ‪ ،‬أو صلة كلمه ‪ ،‬أو أراد اليمين على شيء فسبق لسانه‬
‫إلى غيره ‪ ،‬فهذا ل ينعقد يمينه ول تتعلّق به كفّارة ‪ .‬فإذا حلف وقال ‪ :‬لم أقصد اليمين صدّق‪،‬‬
‫أمّا الحلف بالطّلق والعتاق واليلء فل يصدّق في الظّاهر ‪ ،‬والفرق بينهما عندهم ‪ :‬أنّ‬
‫العادة جارية بإجراء لفظ اليمين بل قصد ‪ ،‬بخلف الطّلق والعتاق فدعواه فيهما بخلف‬
‫الظّاهر فل يقبل ‪ ،‬ولو اقترن باليمين ما يدلّ على القصد لم يقبل قوله على خلف الظّاهر ‪.‬‬
‫وذهب الحنابلة إلى أنّ من حلف على شيء يظنّه فيبيّن بخلفه ‪ ،‬ومن سبق اليمين على لسانه‬
‫من غير قصد فل إثم في هذا النّوع ول كفّارة ورووا ذلك عن أحمد وقالوا ‪ :‬إن عقدها ( أي‬
‫ن صدق نفسه كأن حلف ما فعل كذا يظنّه لم يفعله فبان‬
‫ص ماض يظ ّ‬
‫اليمين ) على زمن خا ّ‬
‫بخلفه حنث في طلق وعتاق فقط ‪ ،‬بخلف الحلف باللّه أو بنذر أو ظهار ‪ ،‬لنّه من لغو‬
‫اليمان ‪ .‬وكذا إذا عقدها على زمن مستقبل ظانّا صدقه فلم يكن كمن حلف على غيره يظنّ‬
‫أنّه يطيعه فلم يفعل ‪ ،‬أو ظنّ المحلوف عليه خلف نيّة الحالف ونحو ذلك ‪ .‬وينظر تفصيل‬
‫ذلك في مصطلح ‪ ( :‬أيمان ) ‪.‬‬
‫ثانيا ‪ -‬الخطأ في الحنث ‪:‬‬
‫‪ - 67‬قال الحنفيّة ‪ :‬تجب الكفّارة في اليمين المنعقدة سواء مع الكراه أو النّسيان في اليمين‬
‫ن الفعل الحقيقيّ ل يعدمه الكراه والنّسيان ‪ ،‬وكذا الغماء والجنون فتجب‬
‫أو الحنث ‪ ،‬ل ّ‬
‫الكفّارة ‪ ،‬كما لو فعله ذاكرا ليمينه مختارا ‪.‬‬
‫وقال المالكيّة ‪ :‬الحنث هو مخالفة ما حلف عليه من نفي أو إثبات ‪ ،‬فمن حنث مخطئا كأن‬
‫حلف ل يدخل دار فلن فدخلها معتقدا أنّها غيرها فإنّه يحنث ‪ ،‬ومن أمثلة الخطأ أيضا ما إذا‬
‫حلف أنّه ل يتناول منه دراهم فتناول منه ثوبا فتبيّن أنّ فيه دراهم فإنّه يحنث ‪ ،‬وقيل بعدم‬
‫ن فيه دراهم قياسًا على السّرقة وإلّ فل حنث ‪.‬‬
‫الحنث ‪ ،‬وقيل بالحنث إن كان يظنّ أ ّ‬
‫وفرّقوا بين الخطأ والغلط فقالوا ‪ :‬متعلّق الخطأ الجنان ‪ ،‬ومتعلّق الغلط اللّسان فحيث قالوا‬
‫بالحنث المراد به الغلط الّذي هو بمعنى الخطأ الّذي هو متعلّق الجنان ل الّذي يتعلّق بالغلط‬
‫اللّسانيّ فالصّواب عدم الحنث فيه ‪.‬‬
‫ومثّلوا للغلط الّذي هو بمعنى الخطأ ‪ :‬حلف أن ل يكلّم زيدا فكلّمه معتقدا أنّه عمرو ‪ ،‬أو حلف‬
‫ل يذكر فلنا فذكره لظنّه أنّه غير السم المحلوف عليه ‪.‬‬
‫وقال الشّافعيّة ‪ :‬إذا حلف ل يدخل هذه الدّار فدخلها ناسيا لليمين أو جاهلً أنّها الدّار المحلوفة‬
‫عليها هل يحنث ؟ فيه قولن ‪ :‬سواء كان الحلف باللّه تعالى أو بالطّلق أو غير ذلك ‪ ،‬ووجه‬
‫ل ْيمَانَ } وهي عامّة في جميع الحوال ‪.‬‬
‫خذُكُم ِبمَا عَقّدّتمُ ا َ‬
‫الحنث قوله تعالى ‪ { :‬وَلَـكِن ُيؤَا ِ‬
‫طأْتُم بِهِ } الية ‪،‬‬
‫خَ‬‫جنَاحٌ فِيمَا َأ ْ‬
‫ووجه عدم الحنث وهو الرّاجح قوله تعالى ‪ { :‬وََليْسَ عََل ْي ُكمْ ُ‬
‫وقوله صلى ال عليه وسلم ‪ « :‬إنّ اللّه وضع عن أمّتي الخطأ والنّسيان وما استكرهوا عليه »‬
‫واليمين داخلة في هذا العموم ‪.‬‬
‫وقال الحنابلة ‪ :‬الحنث في اليمين حال كونه مختارا ذاكرا إن فعله مكرها أو ناسيا فل كفّارة ‪،‬‬
‫ن اللّه وضع عن أمّتي الخطأ والنّسيان وما استكرهوا عليه » ‪.‬‬
‫لحديث ‪ « :‬إ ّ‬
‫ويقع الطّلق والعتاق إذا فعل المحلوف عليه بهما ناسيا والجاهل كالنّاسي فلو حلف ل يدخل‬
‫دار زيد فدخلها جاهلً بأنّها داره حنث في طلق وعتاق فقط ‪.‬‬
‫ن ‪ -‬الغلط في القسمة ‪:‬‬
‫‪ - 68‬قال الشّافعيّة والحنابلة ‪ :‬إذا تقاسما أرضا ثمّ ادّعى أحدهما غلطا ‪ ،‬فإن كان في قسمة‬
‫ن القاسم كالحاكم فلم تقبل دعوى الغلط عليه من غير‬
‫إجبار لم يقبل قوله من غير بيّنة ‪ ،‬ل ّ‬
‫بيّنة ‪ .‬فإن أقام البيّنة على الغلط نقضت القسمة ‪.‬‬
‫وإن كانت قسمة اختيار ‪ :‬فإن تقاسما بأنفسهما من غير قاسم لم يقبل قوله ‪ ،‬لنّه رضي بأخذ‬
‫حقّه ناقصا ‪ ،‬وإن أقام بيّن ًة لم تقبل ‪ ،‬لجواز أن يكون قد رضي دون حقّه ناقصا ‪ ،‬وإن قسم‬
‫بينهما قاسم نصّباه ‪ ،‬فإن قلنا إنّه يفتقر إلى التّراضي بعد خروج القرعة لم تقبل دعواه ‪ ،‬لنّه‬
‫رضي بأخذ حقّه ناقصا ‪ ،‬وإن قلنا إنّه ل يفتقر إلى التّراضي بعد خروج القرعة فهو كقسمة‬
‫الجبار فل يقبل قوله إلّ ببيّنة ‪.‬‬
‫ل الحوال ‪ -‬حتّى في صورة ما تمّت قسمته تراضيا ‪ -‬إنّه متى‬
‫وقال في المغني ‪ :‬إنّه في ك ّ‬
‫أقام البيّنة بالغلط نقضت القسمة ‪ ،‬لنّ ما ادّعاه محتمل ثبت ببيّنة عادلة فأشبه ما لو شهد على‬
‫نفسه بقبض الثّمن أو المسلم فيه ثمّ ادّعى غلطا في كيله ‪.‬‬
‫ن شيئا ممّا أصابه في يد‬
‫قال الحنفيّة ‪ :‬إذا ادّعى أحد المتقاسمين الغلط في القسمة وزعم أ ّ‬
‫ل ببيّنة ‪ ،‬لنّه يدّعي‬
‫صاحبه ‪ -‬وكان قد أشهد على نفسه بالستيفاء ‪ -‬لم يصدّق على ذلك إ ّ‬
‫ل بحجّة ‪ ،‬وإن لم يكن له بيّنة استحلف الشّركاء فمن‬
‫فسخ القسمة بعد وقوعها فل يصدّق إ ّ‬
‫نكل منهم جمع بين نصيب النّاكل والمدّعي فيقسم بينهما على قدر أنصبائهما ‪ ،‬لنّ النّكول‬
‫حجّة في حقّه خاصّ ًة فيعاملن على زعمهما ‪ ،‬وإن قال أصابني إلى موضع كذا فلم يسلّمه‬
‫ن الختلف في‬
‫إليّ ولم يشهد على نفسه بالستيفاء وكذّبه شريكه تحالفا وفسخت القسمة ‪ ،‬ل ّ‬
‫مقدار ما حصل له بالقسمة فصار نظير الختلف في مقدار المبيع ‪.‬‬
‫وقال المالكيّة ‪ :‬إن ادّعى أحد المتقاسمين الجور والغلط ‪ ،‬فإن تحقّق الحاكم عدمهما منع‬
‫مدّعيه من دعواه ‪ ،‬وإن أشكل المر بأن لم يكن متفاحشا ولم يثبت بقول أهل المعرفة حلف‬
‫المنكر لدعوى صاحبه أنّ القاسم لم يجر ‪ ،‬ولم يغلط ‪ ،‬فإن نكل المنكر لدعوى صاحبه قسم ما‬
‫ادّعى الخر أنّه حصل به الجور والغلط بينهما على قدر نصيب كلّ ‪ ،‬وأمّا إذا ثبت ما ذكر‬
‫بقول أهل المعرفة ‪ ،‬أو كان متفاحشا وهو ما يظهر لهل المعرفة وغيرهم فإنّها تنقض‬
‫القسمة ‪ .‬وقالوا ‪ :‬المراد بالجور ما كان عن عمد ‪ ،‬وبالغلط ما لم يكن عن عمد ‪.‬‬
‫س ‪ -‬الخطأ في القرار والغلط فيه ‪:‬‬
‫‪ - 69‬قال الشّافعيّة ‪ :‬إذا رجع المق ّر في حال تكذيب المقرّ له ‪ ،‬بأن يقول غلطت في القرار ‪،‬‬
‫ن المال المقرّ به يترك في يده ‪ ،‬والثّاني ‪ :‬ل ‪ ،‬بناءً على أنّ‬
‫ح بناءً على أ ّ‬
‫قبل قوله في الص ّ‬
‫الحاكم ينتزعه منه ‪ ،‬وهذه المسألة مبنيّة على مسألة أخرى هي أنّه إذا كذّب المقرّ له المقرّ‬
‫بمال كثوب هل يترك المال في يد المق ّر أو ينتزعه الحاكم ويحفظه إلى ظهور مالكه ؟‬
‫ن المال يترك في يده ‪ ،‬ومقابل الصحّ ينتزع منه فالمسألة الولى مبنيّة على‬
‫فالصحّ عندهم أ ّ‬
‫هذه ‪ .‬وينظر التّفصيل في مصطلح ‪ ( :‬إقرار ) ‪.‬‬
‫ع ‪ -‬الخطأ في الشّهادة ‪:‬‬
‫‪ - 70‬وفيها مسائل ‪:‬‬
‫أوّلً ‪ -‬إذا قال الشّاهدان بعد أداء الشّهادة وقبل الحكم بها وهمنا أو غلطنا في‬
‫شهادتنا بدم أو حقّ على زيد بل هو عمرو ‪.‬‬
‫قال الحنفيّة ‪ :‬لو شهد عدل فلم يبرح عن مجلس القاضي ولم يطل المجلس ولم يكذّبه المشهود‬
‫له حتّى قال ‪ :‬أخطأت بعض شهادتي ‪ ،‬ول مناقضة قبلت شهادته بجميع ما شهد به لو عدلً ‪،‬‬
‫ولو بعد القضاء ‪ ،‬وعليه الفتوى ‪ ،‬وقيل يقضى بما بقي إن تداركه بنقصان ‪ ،‬وإن بزيادة‬
‫ن ما حدث بعدها قبل القضاء يجعل كحدوثه عندها ‪ .‬قال‬
‫يقضى بها إن ادّعاها المدّعي ‪ ،‬ل ّ‬
‫ل ‪ ،‬حتّى لو شهد بألف ثمّ قال ‪ :‬غلطت في‬
‫الزّيلعيّ ‪ :‬ثمّ قيل ‪ :‬يقضى بجميع ما شهد به أ ّو ً‬
‫ن المشهود به أ ّولً صار حقّا للمدّعي ووجب على القاضي القضاء‬
‫خمسمائة يقضى بألف ‪ ،‬ل ّ‬
‫به فل يبطل برجوعه ‪ .‬وقيل ‪ :‬يقضى بما بقي لنّ ما حدث بعد الشّهادة قبل القضاء كحدوثه‬
‫ن الشّاهد إذا قال وهمت في الزّيادة أو في‬
‫عند الشّهادة ‪ .‬ثمّ قال ‪ :‬وذكر في النّهاية ‪ :‬أ ّ‬
‫النّقصان ‪ :‬يقبل قوله إذا كان عدلً ول يتفاوت بين أن يكون قبل القضاء أو بعده ‪.‬‬
‫وقال المالكيّة ‪ :‬سقطت الشّهادتان ‪ :‬الولى لعترافهما بأنّهما على وهم وشكّ ‪ ،‬والثّانية‬
‫لعترافهما بعدم عدالتهما حيث شهدا على شكّ ‪ ،‬وكذا بعد الحكم وقبل الستيفاء إن كانت في‬
‫دم ل في مال فل تسقط ‪ ،‬ويدفع لمن شهدا له به أ ّولً ثمّ يغرّمانه ‪ .‬وقال ابن القاسم والكثر‬
‫‪ :‬ل يغرمان إذا قال وهمنا ‪.‬‬
‫وفي القوانين الفقهيّة ‪ :‬إذا ادّعى الشّاهد الغلط فاختلف هل يلزمه ما لزم المتعمّد للكذب أم ل ؟‬
‫والصّحيح أنّه يلزمه في الموال لنّها تضمن في الخطأ ‪.‬‬
‫وقال الشّافعيّة ‪ :‬إذا رجع الشّهود قبل الحكم امتنع الحكم بالشّهادة ‪ ،‬لنّه ل يدري أصدقوا في‬
‫ن الصّدق في الشّهادة ‪ ،‬أو بعد الحكم وقبل استيفاء مال‬
‫الوّل أو في الثّاني فل يبقى ظ ّ‬
‫استوفي ‪ ،‬أو قبل عقوبة كالقصاص وحدّ القذف والزّنى والشّرب ‪ ،‬فل يستوفى لنّها تسقط‬
‫بالشّبهة ‪ ،‬والرّجوع شبهة ‪ ،‬والمال ل يسقط بها ‪.‬‬
‫فلو كان الرّجوع بعد الستيفاء لم ينقض الحكم ‪ ،‬فإن كان المستوفى قصاصا ‪ ،‬أو قتل ردّة ‪،‬‬
‫أو رجم زنًى أو جلده ومات المجلود ‪ ،‬وقالوا تعمّدنا فعليهم قصاص أو دية مغلّظة ‪ ،‬فإن قالوا‬
‫أخطأنا فل قصاص ‪ ،‬فإن قال بعضهم تعمّدت وقال بعضهم أخطأت فلكلّ حكمه ‪.‬‬
‫وقال الحنابلة ‪ :‬إذا رجع شهود الصل بعد الحكم وقالوا غلطنا ضمنوا لعترافهم بتعمّد‬
‫التلف بقولهم كذبنا ‪ ،‬أو بخطئهم بقولهم غلطنا ‪ .‬وإن رجع شهود قصاص أو شهود حدّ بعد‬
‫الحكم بشهادتهم وقبل الستيفاء لم يستوف القود ول الحدّ ‪ ،‬لنّ المحكوم به عقوبة ل سبيل‬
‫إلى جبرها إذا استوفيت بخلف المال ‪ ،‬ولنّ رجوع الشّهود شبهة لحتمال صدقهم ‪ ،‬والقود‬
‫والحدّ يدرآن بالشّبهة ‪ ،‬ووجبت دية قود للمشهود له ‪ ،‬لنّ الواجب بالعمد أحد شيئين وقد‬
‫سقط أحدهما فتعيّن الخر ‪ ،‬ويرجع المشهود عليه بما غرمه من الدّية على الشّهود ‪.‬‬
‫وإن كان رجوعهم بعد الستيفاء وقالوا أخطأنا فعليهم دية ما تلف مخفّفة ‪ ،‬لنّه خطأ ‪ ،‬وتكون‬
‫في أموالهم ‪ ،‬لنّه بإقرارهم ‪ ،‬والعاقلة ل تحمله ‪.‬‬
‫ثانيا ‪ -‬مسائل متفرّقة في الغلط في الشّهادة ‪:‬‬
‫‪ - 71‬الولى ‪ -‬إذا غلط الشّهود في الحدّ الرّابع من حدود الدّار فل تجوز شهادتهم ‪ ،‬لنّه‬
‫يختلف المدّعى بالغلط نظير ما إذا شهد شاهدان بالبيع وقبض الثّمن وتركا ذكر الثّمن جاز ‪،‬‬
‫ولو غلطا في الثّمن ل تجوز شهادتهما لنّه صار عقدا آخر بالغلط ‪.‬‬
‫الثّانية ‪ -‬إذا قال شهود الصل أشهدنا شهود الفرع وغلطنا ‪ ،‬قال محمّد بالضّمان ‪ ،‬وقال أبو‬
‫حنيفة وأبو يوسف بعدمه ‪.‬‬
‫الثّالثة ‪ -‬الشّهادة على الخطّ ‪ :‬قال بعضهم ‪ :‬ل تجوز الشّهادة على الخطّ في شيء من الشياء‬
‫ن الغلط نادر ‪.‬‬
‫‪ ،‬لنّه قد يحصل غلط للعقل بذلك وعزاه الباجيّ للمشهور ‪ .‬وقيل ‪ :‬إ ّ‬
‫ل يرعب الشّاهد‬
‫الرّابعة ‪ -‬قال المالكيّة ‪ :‬إن اتّهم القاضي الشّاهدين بالغلط فل يفرّق بينهما لئ ّ‬
‫ويختلط عقله ‪ .‬وعند الشّافعيّة يفرّق إن ارتاب في الشّهود ‪.‬‬
‫ن الثّقة ل تحصل بقوله‬
‫الخامسة ‪ -‬ل تقبل شهادة شخص معروف بكثرة غلط ونسيان ‪ ،‬ل ّ‬
‫لحتمال أن تكون شهادته ممّا غلط فيها وسها ‪.‬‬
‫ح ‪ :‬ل يكفي في التّعديل قول المدّعى عليه هو‬
‫السّادسة ‪ -‬قال الحنفيّة والشّافعيّة في الص ّ‬
‫عدل وقد غلط في شهادته عليّ ‪ ،‬ومقابل الصحّ الكتفاء بذلك في الحكم عليه ل في التّعديل ‪،‬‬
‫وقوله غلط ليس بشرط وإنّما هو بيان ‪ ،‬لنّ إنكاره مع اعترافه بعدالته مستلزم لنسبته للغلط‬
‫وإن لم يصرّح به ‪.‬‬
‫ثالثا ‪ -‬الشّهود إذا رجعوا عن الشّهادة بعد الحكم وقالوا أخطأنا هل يعزّرون ؟‬
‫قال المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة وطائفة من الحنفيّة ‪ :‬ل يعزّرون ‪ ،‬لنّ اللّه تعالى قال ‪{ :‬‬
‫ت قُلُو ُبكُمْ } هذا إن كان قولهم يحتمل الصّدق‬
‫طأْتُم بِ ِه وََلكِن مّا َت َعمّدَ ْ‬
‫خَ‬‫جنَاحٌ فِيمَا َأ ْ‬
‫وََليْسَ عََل ْي ُكمْ ُ‬
‫في الخطأ ‪ ،‬وإن لم يحتمله عزّروا ولم يقبل قولهم ‪.‬‬
‫قال العدويّ في حاشيته على شرح الخرشيّ ‪ :‬وإن أشكل فقولن ‪ ،‬وقال الرّمليّ ‪ :‬وإن ادّعوا‬
‫الغلط أي في استحقاقهم التّعزير ‪ .‬ونقل ابن عابدين عن الفتح قوله ‪ :‬يعزّر الشّهود سواء‬
‫رجعوا قبل القضاء أو بعده ‪ .‬قال ‪ :‬ول يخلو عن نظر ‪ :‬لنّ الرّجوع ظاهر في أنّه توبة عن‬
‫تعمّد الزّور إن تعمّده ‪ ،‬أو السّهو والعجلة إن كان أخطأ فيه ‪ ،‬ول تعزير على التّوبة ول على‬
‫ذنب ارتفع بها وليس فيه حدّ مقدّر ‪.‬‬
‫ف ‪ -‬الخطأ في القضاء ‪:‬‬
‫‪ - 72‬قال الزّركشيّ ‪ :‬مدار نقض الحكم على تبيّن الخطأ ‪ ،‬والخطأ إمّا في اجتهاد الحاكم في‬
‫ي حيث تبيّن الّنصّ أو الجماع أو القياس الجليّ بخلفه ‪ ،‬ويكون الحكم مرتّبا‬
‫الحكم الشّرع ّ‬
‫على سبب صحيح ‪ ،‬وإمّا في السّبب حيث يكون الحكم مرتّبا على سبب باطل ‪،‬كشهادة‬
‫الزّور‪ .‬وتفصيل ذلك في مصطلح ‪ ( :‬قضاء ) ‪.‬‬
‫الخطأ في تنفيذ الح ّد والتّعزير ‪:‬‬
‫ن اليسار يمينا مع اعتقاد وجوب‬
‫‪ - 73‬مذهب الحنفيّة ‪ :‬قال الكاسانيّ ‪ :‬إذا أخطأ المام فظ ّ‬
‫قطع اليمين فعند أبي حنيفة ل ضمان عليه ‪.‬‬
‫ونظيره لو قال الحاكم لمقيم الحدّ ‪ :‬اقطع يد السّارق ‪ ،‬فقطع اليسرى خطأً قال ‪ :‬ل ضمان‬
‫عليه عند أصحابنا ‪ ،‬وعند زفر يضمن لنّ الخطأ في حقوق العباد ليس بعذر ‪ .‬ودليلهم أنّ‬
‫سكًا بظاهر قوله سبحانه ‪{ :‬‬
‫هذا خطأ في الجتهاد ; لنّه أقام اليسار مقام اليمين باجتهاده متم ّ‬
‫فَا ْقطَعُو ْا َأ ْي ِد َي ُهمَا } من غير فصل بين اليمين واليسار ‪ ،‬فكان هذا خطأً من المجتهد في‬
‫الجتهاد ‪ ،‬وهو موضوع ‪.‬‬
‫ل ‪ ،‬فإنّ ذلك يجزئه عن‬
‫وقال المالكيّة ‪ :‬لو أخطأ المام أو غيره فقطع يد السّارق اليسرى أ ّو ً‬
‫ل الجزاء إذا حصل الخطأ بين متساويين ‪ ،‬وأمّا لو أخطأ فقطع الرّجل‬
‫قطع يده اليمنى ‪ ،‬ومح ّ‬
‫وقد وجب قطع اليد ‪ ،‬ونحوه ‪ ،‬فل يجزئ ‪ ،‬ويقطع العضو الّذي ترتّب عليه القطع ويؤدّي دية‬
‫الخر ‪.‬‬
‫وقال الشّافعيّة ‪ :‬ما وجب بخطأ إمام أو نوّابه في حدّ ‪ ،‬أو تعزير ‪ ،‬وحكم في نفس أو نحوهما‬
‫ن خطأه يكثر‬
‫‪ ،‬فعلى عاقلته كغيره ‪ ،‬وفي قول ‪ :‬في بيت المال إن لم يظهر منه تقصير ‪ ،‬ل ّ‬
‫بكثرة الوقائع بخلف غيره ‪ ،‬والكفّارة في ماله قطعا وكذا خطؤه في المال ‪.‬‬
‫وقال الحنابلة ‪ :‬إن زاد على الحدّ فتلف وجب الضّمان وفي مقداره قولن ‪:‬‬
‫أحدهما ‪ :‬كمال الدّية ‪.‬‬
‫والثّاني ‪ :‬نصف الضّمان ‪ ،‬وسواء زاد خطأً أو عمدا ‪ ،‬لنّ الضّمان يجب في الخطأ والعمد ‪.‬‬
‫وقالوا ‪ :‬إذا مات من التّعزير لم يجب ضمانه ‪ ،‬لنّها عقوبة مشروعة للرّدع والزّجر فلم‬
‫يضمن من تلف بها ‪.‬‬
‫ثمّ قالوا ‪ :‬وكلّ موضع قلنا يضمن المام فهل يلزم عاقلته أو بيت المال ‪ ،‬روايتان ‪ :‬إحداهما‪:‬‬
‫بيت المال ‪ ،‬لنّ خطأه يكثر ‪ ،‬فلو وجب ضمانه على عاقلته أجحف بهم وهذا أصحّ ‪.‬‬
‫والثّانية ‪ :‬على عاقلته ‪ ،‬لنّها وجبت بخطئه فكانت على عاقلته ‪.‬‬
‫الخطأ في القصاص ‪:‬‬
‫‪ - 74‬ذهب الحنفيّة إلى أنّه إذا قطع يد رجل عمدا حتّى وجب عليه القصاص ‪ ،‬فقطع الرّجل‬
‫يده فمات ضمن الدّية في قول أبي حنيفة ‪ ،‬لنّه استوفى غير حقّه ‪ ،‬لنّ حقّه القطع ‪ ،‬وهو‬
‫أتى بالقتل ‪ ،‬وفي قولهما ل شيء عليه ‪.‬‬
‫وذهب المالكيّة إلى أنّ المباشر للقصاص إذا زاد على القدر المطلوب المأذون فيه تعمّدا ‪،‬‬
‫ص منه بقدر ما زاد على القدر المطلوب بالمساحة ‪ ،‬فإن نقص عمدًا أو خطأً فإنّه ل‬
‫فإنّه يقت ّ‬
‫يقتصّ منه ثانيا لنّه قد اجتهد ‪.‬‬
‫وقال اللّخميّ ‪ :‬إذا قطع الطّبيب في الموضع المعتاد فمات لم يكن عليه شيء ‪ ،‬وإن زاد على‬
‫ذلك يسيرا ووقع القطع فيما قارب كان خطأً ‪ ،‬وإن زاد على ذلك فيما ل يشكّ فيه أنّ ذلك‬
‫عمد كان فيه القصاص ‪ ،‬وإن تردّد بين الخطأ والعمد كانت فيه دية مغلّظة ‪.‬‬
‫وذهب الشّافعيّة إلى أنّه إن وجب له القصاص بالسّيف فضربه فأصاب غير الموضع وادّعى‬
‫أنّه أخطأ ‪ ،‬فإن كان يجوز في مثله الخطأ فالقول قوله مع يمينه ‪ ،‬لنّ ما يدّعيه محتمل ‪ ،‬وإن‬
‫كان ل يجوز في مثله الخطأ لم يقبل قوله ول يسمع فيه يمينه ‪ ،‬لنّه ل يحتمل ما يدّعيه ‪،‬‬
‫ص فقد قال في موضع ل يمكن ‪ ،‬وقال في موضع يمكن ‪.‬‬
‫وإن أراد أن يعود ويقت ّ‬
‫وقال ‪ :‬ومن وجب له القصاص في موضحة فاستوفى أكثر من حقّه وجب عليه القود في‬
‫الزّيادة ‪ ،‬وإن كان خطأً وجب عليه الرش ‪.‬‬
‫وذهب الحنابلة إلى أنّه إن كانت الزّيادة خطأً مثل أن يستحقّ قطع أصبع فيقطع اثنتين ‪ ،‬أو‬
‫جرحًا ل يوجب القصاص ‪ ،‬مثل أن يستحقّ موضحةً فاستوفاها هاشم ًة فعليه أرش الزّيادة إلّ‬
‫ص مع يمينه ;‬
‫أن يكون ذلك بسبب من الجاني كاضطرابه حال الستيفاء فل شيء على المقت ّ‬
‫ن هذا ممّا يمكن الخطأ فيه وهو أعلم بقصده ‪.‬‬
‫لّ‬
‫حكم الخطأ في الفتوى من حيث الضّمان وعدمه ‪:‬‬
‫‪ - 75‬عند الحنفيّة في تضمين المفتي إذا أخطأ قولن ‪:‬‬
‫الوّل ‪ :‬تضمين المفتي إذا ترتّب على فتواه ضرر للمستفتي قياسا على خطأ القاضي ‪،‬‬
‫والثّاني ‪ :‬عدم تضمينه لنّه متسبّب وليس مباشرا ‪.‬‬
‫وذهب المالكيّة إلى أنّ المفتي إذا أتلف بفتواه شيئًا وتبيّن خطؤه فيها ‪ ،‬فإن كان مجتهدا لم‬
‫ل كانت فتواه غرورا‬
‫يضمن ‪ ،‬وإن كان مقلّدا ضمن إن انتصب وتولّى فعل ما أفتى فيه ‪ ،‬وإ ّ‬
‫قوليّا ‪ ،‬ل ضمان فيه ويزجر ‪ ،‬وإن لم يتقدّم له اشتغال بالعلم أدّب ‪.‬‬
‫وذهب الشّافعيّة إلى أنّه إذا عمل بفتواه في إتلف فبان خطؤه ‪ ،‬وأنّه خالف دليلً قاطعا فعن‬
‫أبي إسحاق أنّه يضمن إن كان أهلً للفتوى ‪ ،‬ول يضمن إن لم يكن أهلً للفتوى ‪ ،‬لنّ‬
‫المستفتي قصّر ‪ .‬حكاه أبو عمرو وسكت عليه ‪.‬‬
‫وقال النّوويّ ‪ :‬ينبغي أن يخرج الضّمان على قولي الغرور المعروفين في بابي الغصب‬
‫والنّكاح وغيرهما ‪ ،‬أو يقطع بعدم الضّمان ‪ ،‬إذ ليس في الفتوى إلزام ول إلجاء ‪.‬‬
‫وذهب الحنابلة إلى أنّه إن بان خطأ الحاكم في إتلف ‪ ،‬كقطع وقتل ‪ ،‬لمخالفة دليل قاطع ‪ ،‬أو‬
‫بان خطأ مفت ليس أهلًا للفتيا ضمنا ‪ ،‬أي الحاكم والمفتي ‪ ،‬لنّه إتلف حصل بفعلهما ‪ ،‬أشبه‬
‫ما لو باشراه ‪ ،‬وعلم منه أنّه لو أخطأ فيما ليس بقاطع ممّا يقبل الجتهاد ل ضمان ‪.‬‬

‫خطّ *‬
‫انظر ‪ :‬توثيق ‪.‬‬

‫خطاب اللّه *‬
‫انظر ‪ :‬حكم ‪.‬‬

‫خطّاف *‬
‫انظر ‪ :‬أطعمة ‪.‬‬

‫خُطبة *‬
‫التّعريف ‪:‬‬
‫‪ - 1‬الخطبة ‪ -‬بضمّ الخاء لغ ًة الكلم المنثور يخاطب به متكلّم فصيح جمعا من النّاس‬
‫لقناعهم ‪ .‬والخطيب ‪ :‬المتحدّث عن القوم ‪ ،‬ومن يقوم بالخطابة في المسجد وغيره ‪.‬‬
‫والخطبة في الصطلح هي الكلم المؤلّف الّذي يتضمّن وعظا وإبلغا على صفة‬
‫مخصوصة‪.‬‬
‫اللفاظ ذات الصّلة ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬الموعظة ‪:‬‬
‫‪ - 2‬الموعظة هي النّصح والتّذكير بالعواقب ‪ ،‬والمر بالطّاعة ‪.‬‬
‫قال الخليل ‪ :‬هي التّذكير بالخير فيما يرقّ له القلب ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬الوصيّة ‪:‬‬
‫‪ - 3‬الوصيّة هي لغة التّقدّم إلى الغير بما يعمل به مقترنا بوعظ ‪.‬‬
‫ج ‪ -‬النّصيحة ‪:‬‬
‫‪ - 4‬النّصيحة هي الدّعوة إلى ما فيه الصّلح ‪ ،‬والنّهي عمّا فيه الفساد ‪.‬‬
‫ومن آدابها أن تكون سرّا ‪ ،‬في حين يشترط في الخطبة أن يسمعها جماعة من النّاس ‪.‬‬
‫د ‪ -‬الكلمة ‪:‬‬
‫‪ - 5‬تستعمل الكلمة بمعنى الكلم المؤلّف المطوّل ‪ :‬خطب ًة كان أو غيرها كالقصيدة والمقالة‬
‫والرّسالة ‪.‬‬
‫أحكام الخطب المشروعة ‪:‬‬
‫‪ - 6‬الخطب المشروعة هي ‪ :‬خطبة الجمعة ‪ ،‬والعيدين ‪ ،‬والكسوفين ‪ ،‬والستسقاء ‪ ،‬وخطب‬
‫الحجّ ‪ ،‬وكلّها بعد الصّلة إلّ خطبة الجمعة ‪ ،‬وخطبة الحجّ يوم عرفة ‪.‬‬
‫ومن الخطب المشروعة أيضا الخطبة في خطبة النّكاح ‪.‬‬
‫أ ‪ -‬خطبة الجمعة ‪:‬‬
‫حكمها ‪:‬‬
‫‪ - 7‬هي شرط لصحّة الجمعة ‪ .‬واتّفقوا على أنّ الخطبتين شرط في انعقاد الجمعة ‪ ،‬إلّ‬
‫ن خطبتان ‪.‬‬
‫ن الشّرط خطبة واحدة ‪ ،‬وتس ّ‬
‫الحنفيّة فإنّهم يرون أ ّ‬
‫ودليل الجمهور فعله صلى ال عليه وسلم مع قوله ‪ « :‬صلّوا كما رأيتموني أصلّي » ولنّ‬
‫ل خطبة مكان ركعة ‪ ،‬فالخلل بإحداهما كالخلل‬
‫الخطبتين أقيمتا مقام الرّكعتين ‪ ،‬وك ّ‬
‫بإحدى الرّكعتين ‪.‬‬
‫أركانها ‪:‬‬
‫‪ - 8‬اختلف الفقهاء في أركان خطبة الجمعة ‪:‬‬
‫ن ركن الخطبة تحميدة أو تهليلة أو تسبيحة ‪ ،‬لنّ المأمور به في قوله‬
‫فذهب أبو حنيفة إلى أ ّ‬
‫سعَوْا إِلَى ِذ ْكرِ اللّهِ } مطلق الذّكر الشّامل للقليل والكثير ‪ ،‬والمأثور عنه صلى ال‬
‫تعالى ‪ { :‬فَا ْ‬
‫عليه وسلم ل يكون بيانًا لعدم الجمال في لفظ الذّكر ‪.‬‬
‫وقال الصّاحبان ‪ :‬ل ب ّد من ذكر طويل يسمّى خطب ًة ‪.‬‬
‫ل ما يسمّى خطب ًة عند العرب ولو سجعتين ‪ ،‬نحو ‪ :‬اتّقوا‬
‫ن ركنها هو أق ّ‬
‫أمّا المالكيّة فيرون أ ّ‬
‫اللّه فيما أمر ‪ ،‬وانتهوا عمّا عنه نهى وزجر ‪ .‬فإن سبّح أو هلّل أو كبّر لم يجزه ‪.‬‬
‫وجزم ابن العربيّ أنّ أقلّها حمد اللّه والصّلة على نبيّه صلى ال عليه وسلم وتحذير ‪،‬‬
‫وتبشير ‪ ،‬ويقرأ شيئا من القرآن ‪.‬‬
‫ن لها خمسة أركان وهي ‪:‬‬
‫وذهب الشّافعيّة إلى أ ّ‬
‫أ ‪ -‬حمد اللّه ‪ ،‬ويتعيّن لفظ " اللّه " ولفظ " الحمد " ‪.‬‬
‫ي صلى ال عليه وسلم ويتعيّن صيغة صلة ‪ ،‬وذكر النّبيّ صلى ال‬
‫ب ‪ -‬الصّلة على النّب ّ‬
‫عليه وسلم باسمه أو بصفته ‪ ،‬فل يكفي صلى ال عليه ‪.‬‬
‫ج ‪ -‬الوصيّة بالتّقوى ‪ ،‬ول يتعيّن لفظها ‪.‬‬
‫د ‪ -‬الدّعاء للمؤمنين في الخطبة الثّانية ‪.‬‬
‫هـ ‪ -‬قراءة آية مفهمة ‪ -‬ولو في إحداهما ‪ -‬فل يكتفى بنحو " ثمّ نظر " ‪ ،‬لعدم استقللها‬
‫بالفهام ‪ ،‬ول بمنسوخ التّلوة ‪ ،‬ويسنّ جعلها في الخطبة الولى ‪.‬‬
‫واستدلّوا على هذه الركان بفعل النّبيّ صلى ال عليه وسلم ‪.‬‬
‫أمّا أركانها عند الحنابلة فأربعة ‪ ،‬وهي ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬حمد اللّه تعالى ‪ ،‬بلفظ الحمد ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬الصّلة على رسول اللّه صلى ال عليه وسلم بصيغة الصّلة ‪.‬‬
‫ح ‪ -‬الموعظة ‪ ،‬وهي القصد من الخطبة ‪ ،‬فل يجوز الخلل بها ‪.‬‬
‫د ‪ -‬قراءة آية كاملة وزاد بعضهم ركنين آخرين ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬الموالة بين الخطبتين ‪ ،‬وبينهما وبين الصّلة ‪ .‬فل يفصل بين أجزاء الخطبتين ‪ ،‬ول بين‬
‫إحداهما وبين الخرى ‪ ،‬ول بين الخطبتين وبين الصّلة ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬الجهر بحيث يسمع العدد المعتبر للجمعة ‪ ،‬حيث ل مانع ‪ .‬وعدّهما الخرون في‬
‫الشّروط ‪ -‬وهو الليق ‪ -‬كما يعرف من الفرق بين الرّكن والشّرط في علم أصول الفقه ‪.‬‬
‫شروطها ‪:‬‬
‫‪ - 9‬اتّفق الفقهاء على بعض الشّروط لصحّة الخطبة وهي ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬أن تقع في وقت الجمعة ‪ .‬ووقتها عند الجمهور هو وقت الظّهر ‪ ،‬يبدأ من بعد الزّوال‬
‫إلى دخول وقت العصر ‪ ،‬للخبار في ذلك ‪ ،‬وجريان العمل عليه ‪.‬‬
‫ن وقتها يبدأ من أوّل وقت العيد ‪ ،‬وهو بعد ارتفاع الشّمس بمقدار رمح‪.‬‬
‫أمّا الحنابلة فيرون أ ّ‬
‫واستدلّ الحنابلة بحديث عبد اللّه بن سيلن قال " شهدت الجمعة مع أبي بكر رضي ال عنه‬
‫فكانت خطبته وصلته قبل نصف النّهار ‪ ،‬ثمّ شهدتها مع عمر رضي ال عنه فكانت خطبته‬
‫وصلته إلى أن أقول ‪ :‬قد انتصف النّهار ‪ ،‬ثمّ شهدتها مع عثمان رضي ال عنه فكانت‬
‫صلته وخطبته إلى أن أقول ‪ :‬قد زال النّهار ‪ ،‬فما رأيت أحدًا عاب ذلك ول أنكره " ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬أن تكون قبل الصّلة ‪ .‬فلو خطب بعدها أعاد الصّلة ‪ -‬فقط ‪ -‬إن قرب ‪ ،‬وإلّ استأنفها‬
‫‪ ،‬لنّ من شروطها وصل الصّلة بها ‪.‬‬
‫ح بهم ‪ ،‬فذهب الحنفيّة إلى أنّه‬
‫ج ‪ -‬حضور جماعة تنعقد بهم ‪ .‬واختلفوا في العدد الّذي تص ّ‬
‫يكفي حضور واحد من أهلها سوى المام ‪ -‬على الصّحيح ‪. -‬‬
‫أمّا المالكيّة فيرون وجوب حضور اثني عشر من أهلها الخطبتين ‪ ،‬فإن لم يحضروهما من‬
‫أوّلهما لم يكتف بذلك ‪ ،‬لنّهما منزّلتان منزلة ركعتين من الظّهر ‪.‬‬
‫وذهب الشّافعيّة والحنابلة إلى وجوب حضور أربعين من أهل وجوبها ‪.‬‬
‫فلو حضر العدد ‪ ،‬ثمّ انفضّوا كلّهم أو بعضهم ‪ ،‬وبقي ما دون الربعين ‪ ،‬فإن انفضّوا قبل‬
‫افتتاح الخطبة لم يبتدأ بها حتّى يجتمع أربعون ‪ ،‬وإن كان في أثنائها فإنّ الرّكن المأتيّ به في‬
‫غيبتهم غير محسوب ‪ ،‬فإن عادوا قبل طول الفصل بنى على خطبته ‪ ،‬وبعد طوله يستأنفها‬
‫لفوات شرطها وهو الموالة ‪ .‬هذا هو المعتمد وفي المذاهب أقوال أخرى ينظر في‬
‫المطوّلت‪ .‬د ‪ -‬رفع الصّوت بها ‪ ،‬بحيث يسمع العدد المعتبر ‪ ،‬إن لم يعرض مانع ‪.‬‬
‫واختلفوا فـي وجوب النصـات على المصـلّين ‪ ،‬فمذهـب الجمهور أنّه واجـب ‪ ،‬وأنّه يحرم‬
‫الكلم إلّ للخطيب أو لمن يكلّمه الخطيب ‪ ،‬وكذا لتحذير إنسان من مهلكة ‪.‬‬
‫صتُواْ } ‪ ،‬وقوله صلى ال عليه وسلم‬
‫س َتمِعُو ْا لَ ُه وَأَن ِ‬
‫ودليلهم قوله تعالى ‪ { :‬وَِإذَا ُقرِئَ ا ْل ُقرْآنُ فَا ْ‬
‫« إذا قلت لصاحبك يوم الجمعة ‪ :‬أنصت والمام يخطب فقد لغوت » ‪.‬‬
‫ومذهب الشّافعيّة في القديم متّفق مع مذهب الجمهور ‪ ،‬أمّا في الجديد فإنّه ل يجب النصات‬
‫ن أعرابيّا قال للنّبيّ صلى ال عليه وسلم وهو يخطب ‪ :‬يا‬
‫ح«أّ‬
‫ول يحرم الكلم ‪ ،‬لما ص ّ‬
‫رسول اللّه هلك المال وجاع العيال ‪ » ...‬وسأله آخر عن موعد السّاعة ‪ ،‬ولم ينكر عليهما ‪،‬‬
‫ولم يبيّن لهما وجوب السّكوت ‪ .‬وحملوا المر على النّدب ‪ ،‬والنّهي على الكراهة ‪.‬‬
‫هـ ‪ -‬الموالة بين أركان الخطبة ‪ ،‬وبين الخطبتين ‪ ،‬وبينهما وبين الصّلة ‪.‬‬
‫ويغتفر يسير الفصل ‪ ،‬هذا ما ذهب إليه الجمهور ‪ ،‬أمّا الحنفيّة فيشترطون أن ل يفصل بين‬
‫الخطبة والصّلة بأكل أو عمل قاطع ‪ ،‬أمّا إذا لم يكن قاطعا كما إذا تذكّر فائتةً وهو في‬
‫الجمعة فاشتغل بقضائها أو أفسد الجمعة فاحتاج إلى إعادتها ‪ ،‬أو افتتح التّطوّع بعد الخطبة‬
‫ن الولى إعادتها ‪ ،‬وإن تعمّد ذلك يصير‬
‫فل تبطل الخطبة بذلك ‪ ،‬لنّه ليس بعمل قاطع ‪ ،‬ولك ّ‬
‫مسيئا ‪.‬‬
‫ز ‪ -‬كونها بالعربيّة ‪ ،‬تعبّدا ‪ .‬للتّباع ‪ ،‬والمراد أن تكون أركانها بالعربيّة ‪ ،‬ولنّها ذكر‬
‫مفروض فاشترط فيه ذلك كتكبيرة الحرام ‪ ،‬ولو كان الجماعة عجما ل يعرفون العربيّة ‪.‬‬
‫وهذا ما ذهب إليه الجمهور ‪.‬‬
‫ح بغير العربيّة ‪ ،‬ولو كان الخطيب عارفا‬
‫وقال أبو حنيفة وهو المعتمد عند الحنفيّة ‪ :‬تص ّ‬
‫ل للعاجز عنها ‪.‬‬
‫بالعربيّة ‪ ،‬ووافق الصّاحبان الجمهور في اشتراط كونها بالعربيّة إ ّ‬
‫وذهب المالكيّة إلى أنّه عند العجز عن التيان بها بالعربيّة ل تلزمهم الجمعة ‪.‬‬
‫وذهب المالكيّة إلى أنّه يشترط في الخطيب أن يكون عارفا معنى ما يقول ‪ ،‬فل يكفي أعجميّ‬
‫لقّن من غير فهم ‪ -‬على الظّاهر ‪. -‬‬
‫وقال الشّافعيّة ‪ :‬عند عدم من يخطب بالعربيّة إن أمكن تعلّم العربيّة خوطب به الجميع فرض‬
‫كفاية وإن زادوا على الربعين ‪ ،‬فإن لم يفعلوا عصوا ول جمعة لهم بل يصلّون الظّهر ‪،‬‬
‫وأجاب القاضي عن سؤال ما فائدة الخطبة بالعربيّة إذا لم يعرفها القوم بأنّ فائدتها العلم‬
‫بالوعظ من حيث الجملة ‪ .‬ويوافقه قول الشّيخين فيما إذا سمعوا الخطبة ولم يعرفوا معناها‬
‫أنّها تصحّ ‪ .‬وإن لم يمكن تعلّمها خطب واحد بلغته ‪ ،‬وإن لم يعرفها القوم ‪ ،‬فإن لم يحسن‬
‫أحد منهم التّرجمة فل جمعة لهم لنتفاء شرطها ‪.‬‬
‫ح ‪ -‬ال ّنيّة ‪ :‬اشترط الحنفيّة والحنابلة ال ّنيّة لصحّة الخطبة ‪ ،‬لقوله صلى ال عليه وسلم ‪« :‬‬
‫إنّما العمال بال ّنيّات » ‪ .‬فلو حمد اللّه لعطاسه أو تعجّبا ‪ ،‬أو صعد المنبر وخطب بل نيّة فل‬
‫تصحّ ‪ .‬ولم يشترط المالكيّة والشّافعيّة ال ّنيّة لصحّة الخطبة ‪.‬‬
‫وهناك أمور شرطها بعض الفقهاء وذهب الجمهور إلى س ّنيّتها وتأتي في السّنن ‪.‬‬
‫سننها ‪:‬‬
‫‪ - 10‬تنقسم هذه السّنن إلى سنن متّفق عليها وأخرى مختلف فيها أمّا السّنن المتّفق عليها فهي‬
‫‪:‬‬
‫سنّة ‪ ،‬ويستحبّ أن يكون المنبر على‬
‫أ ‪ -‬أن تكون الخطبة على منبر للقاء الخطبة ‪ ،‬اتّباعا لل ّ‬
‫يمين المحراب " بالنّسبة للمصلّي " ‪ ،‬للتّباع ‪.‬‬
‫فإن لم يتيسّر المنبر فعلى موضع مرتفع ‪ ،‬لنّه أبلغ في العلم ‪.‬‬
‫سنّة ‪.‬‬
‫ل بال ّ‬
‫ب ‪ -‬الجلوس على المنبر قبل الشّروع في الخطبة ‪ ،‬عم ً‬
‫ج ‪ -‬استقبال الخطيب القوم بوجهه ‪ ،‬ويستحبّ للقوم القبال بوجههم عليه ‪ ،‬وجاءت فيه‬
‫أحاديث كثيرة ‪ ،‬منها حديث عديّ بن ثابت عن أبيه قال ‪ « :‬كان النّبيّ صلى ال عليه وسلم‬
‫إذا قام على المنبر استقبله أصحابه بوجوههم » ‪.‬‬
‫د ‪ -‬الذان بين يدي الخطيب ‪ ،‬إذا جلس على المنبر ‪.‬‬
‫وهذا الذان هو الّذي كان على عهد النّبيّ صلى ال عليه وسلم فعن السّائب بن يزيد رضي‬
‫ال عنه أنّه قال « إنّ الذان يوم الجمعة كان أوّله حين يجلس المام يوم الجمعة على‬
‫المنبر ‪ ،‬في عهد رسول اللّه صلى ال عليه وسلم وأبي بكر وعمر رضي ال عنهما ‪ ،‬فلمّا‬
‫كان في خلفة عثمان رضي ال عنه وكثروا أمر عثمان يوم الجمعة بالذان الثّالث فأذّن به‬
‫على الزّوراء ‪ ،‬فثبت المر على ذلك » ‪.‬‬
‫هـ ‪ -‬رفع الصّوت بالخطبة زيادةً على الجهر الواجب السّابق بيانه لنّه أبلغ في العلم ‪،‬‬
‫لقول جابر رضي ال عنه « كان رسول اللّه صلى ال عليه وسلم إذا خطب احمرّت عيناه ‪،‬‬
‫وعل صوته ‪ ،‬واشتدّ غضبه ‪ ،‬حتّى كأنّه منذر جيش يقول ‪ :‬صبّحكم ومسّاكم » ‪.‬‬
‫ز ‪ -‬تقصير الخطبتين ‪ ،‬وكون الثّانية أقصر من الولى ‪ ،‬لقوله صلى ال عليه وسلم ‪ « :‬إنّ‬
‫طول صلة الرّجل ‪ ،‬وقصر خطبته مئنّة من فقهه ‪ ،‬فأطيلوا الصّلة ‪ ،‬واقصروا الخطبة » ‪.‬‬
‫ويستحبّ أن تكون الخطبة فصيحةً بليغ ًة مرتّبةً مفهومةً بل تمطيط ول تقعير ‪ ،‬ول تكون‬
‫ألفاظا مبتذلةً ملفّقةً ‪ ،‬حتّى تقع في النّفوس موقعها ‪.‬‬
‫ح ‪ -‬أن يعتمد الخطيب على قوس أو سيف أو عصا ‪ ،‬لما روى الحكم بن حزن رضي ال‬
‫عنه قال ‪ « :‬وفدت إلى رسول اللّه صلى ال عليه وسلم ‪ ...‬فأقمنا أيّاما شهدنا فيها الجمعة‬
‫مع رسول اللّه صلى ال عليه وسلم فقام متوكّئا على عصا أو قوس فحمد اللّه وأثنى عليه‬
‫كلمات خفيفات طيّبات مباركات » ‪.‬‬
‫وللحنفيّة تفصيل في المسألة فقالوا ‪ :‬يتّكئ على السّيف في كلّ بلدة فتحت عنو ًة ‪ ،‬ليريهم قوّة‬
‫السلم والحزم ‪ ،‬ويخطب بدونه في كلّ بلدة فتحت صلحا ‪.‬‬
‫‪ - 11‬وأمّا السّنن المختلف فيها فهي ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬القيام في الخطبة مع القدرة ‪ ،‬للتّباع ‪ .‬وهو شرط عند الشّافعيّة وأكثر المالكيّة ‪.‬‬
‫ن القيام واجب غير شرط ‪ ،‬فإن جلس أثم وصحّت ‪.‬‬
‫وقال الدّردير ‪ :‬الظهر أ ّ‬
‫فإن عجز خطب قاعدا فإن لم يمكنه خطب مضطجعا كالصّلة ‪ ،‬ويجوز القتداء به سواء‬
‫ن الظّاهر أنّ ذلك لعذر ‪ .‬والولى للعاجز الستنابة ‪.‬‬
‫أقال ل أستطيع أم سكت ‪ ،‬ل ّ‬
‫وهو سنّة عند الحنفيّة والحنابلة ‪ ،‬ولو قعد فيهما أو في إحداهما أجزأ ‪ ،‬وكره من غير عذر ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬الجلوس بين الخطبتين مطمئنّا فيه ‪ ،‬للتّباع ‪.‬‬
‫وهو سنّة عند الجمهور ‪ .‬وشرط عند الشّافعيّة ‪.‬‬
‫ج ‪ -‬الطّهارة من الحدث والخبث غير المعفوّ عنه في الثّوب والبدن والمكان ‪.‬‬
‫وهي ليست شرطا عند الجمهور بل هي سنّة ‪ .‬وهي شرط عند الشّافعيّة وأبي يوسف ‪.‬‬
‫قال الشّافعيّة ‪ :‬فلو أحدث في أثناء الخطبة استأنفها ‪ ،‬وإن سبقه الحدث وقصر الفصل ‪ ،‬لنّها‬
‫عبادة واحدة فل تؤدّى بطهارتين كالصّلة ‪ ،‬ومن ثمّ لو أحدث بين الخطبة والصّلة وتطهّر‬
‫عن قرب لم يضرّ ‪.‬‬
‫ن تركها مكروه ‪.‬‬
‫ن الطّهارة ليست شرطا لصحّة الخطبتين ولك ّ‬
‫والمشهور من مذهب المالكيّة أ ّ‬
‫د ‪ -‬ستر العورة ‪ :‬ستر العورة سنّة عند الجمهور وهو شرط عند الشّافعيّة ‪.‬‬
‫هـ ‪ -‬ال سّلم على النّاس ‪ :‬ي سنّ عند الشّافعيّة والحنابلة أن يسلّم الخطيب على النّاس مرّتين‬
‫إحداهمـا حال خروجـه للخطبـة " أي مـن حجرتـه أو عنـد دخوله المسـجد إن كان قادما مـن‬
‫خارجه " والخرى ‪ ،‬إذا وصل أعلى المنبر وأقبل على النّاس بوجهه ‪.‬‬
‫وقال الحنفيّة والمالكيّة ‪ :‬يندب سلمه على النّاس عند خروجه للخطبة فقط ‪ ،‬ول يسلّم على‬
‫المصلّين عند انتهاء صعوده على المنبر واستوائه عليه ‪ ،‬ول يجب ردّه ‪ ،‬لنّه يلجئهم إلى ما‬
‫نهوا عنه ‪.‬‬
‫ز ‪ -‬البداءة بحمد اللّه والثّناء عليه ‪ ،‬ثمّ الشّهادتين ثمّ الصّلة على النّبيّ صلى ال عليه‬
‫وسلم ‪ ،‬والعظة والتّذكير ‪ ،‬وقراءة آية من القرآن ‪ ،‬والدّعاء فيها للمؤمنين سنّة عند الحنفيّة‪،‬‬
‫والمالكيّة ‪ ،‬كما يندب عند المالكيّة أيضًا ختمها بيغفر اللّه لنا ولكم ‪.‬‬
‫ب التّرتيب بأن يبدأ بالحمد ‪ ،‬ثمّ بالثّناء ‪ ،‬ث ّم بالصّلة ‪ ،‬ثمّ‬
‫وقال الشّافعيّة والحنابلة ‪ :‬يستح ّ‬
‫بالموعظة ‪ ،‬فإن نكس أجزأه لحصول المقصود ‪ .‬وهذا التّرتيب سنّة عندهم ‪.‬‬
‫ل الشّافعيّة فإنّه ركن عندهم ‪ .‬وقد تقدّم ‪.‬‬
‫والدّعاء للمؤمنين سنّة عند الجمهور إ ّ‬
‫ح ‪ -‬صرّح الشّافعيّة بس ّنيّة حضور الخطيب بعد دخول الوقت ‪ ،‬بحيث يشرع في الخطبة أوّل‬
‫ن هذا هو المنقول ‪ ،‬ول يصلّي تحيّة المسجد ‪.‬‬
‫وصوله إلى المنبر ل ّ‬
‫ط ‪ -‬أن يصعد الخطيب المنبر على تؤدة ‪ ،‬وأن ينزل مسرعا عند قول المؤذّن قد قامت‬
‫الصّلة ‪.‬‬
‫مكروهاتها ‪:‬‬
‫‪ - 12‬قال الحنفيّة ‪ :‬يكره التّطويل من غير قيد بزمن ‪ ،‬في الشّتاء لقصر الزّمان ‪ ،‬وفي‬
‫الصّيف للضّرر بالزّحام والحرّ ‪ ،‬ويكره ترك شيء من سنن الخطبة ‪ ،‬وإذا خرج المام فل‬
‫صلة ول كلم ‪ ،‬إلّ إذا تذكّر فائتةً ولو وترا ‪ ،‬وهو صاحب ترتيب فل يكره الشّروع فيها‬
‫حينئذ ‪ ،‬بل يجب لضرورة صحّة الجمعة ‪ ،‬ويكره التّسبيح وقراءة القرآن والصّلة على النّبيّ‬
‫صلى ال عليه وسلم إذا كان يسمع الخطبة ‪ ،‬إلّ إذا أمر الخطيب بالصّلة على النّبيّ صلى‬
‫ال عليه وسلم فإنّه يصلّي سرّا إحرازا للفضيلتين ‪ ،‬ويحمد في نفسه إذا عطس ‪ -‬على‬
‫الصّحيح ‪ -‬ويكره تشميت العاطس وردّ السّلم ‪ ،‬لشتغاله بسماع واجب ‪ ،‬ويجوز إنذار‬
‫أعمى وغيره إذا خشي تعرّضه للوقوع في هلك ‪ ،‬لنّ حقّ الدميّ مقدّم على النصات ‪-‬‬
‫حقّ اللّه‪ -‬ويكره لحاضر الخطبة الكل والشّرب ‪ ،‬وقال الكمال ‪ :‬يحرم الكلم وإن كان أمرا‬
‫بمعروف أو تسبيحا ‪ ،‬والكل والشّرب والكتابة ‪ .‬ويكره العبث واللتفات ‪ ،‬ويكره تخطّي‬
‫رقاب النّاس إذا أخذ الخطيب بالخطبة ‪ ،‬ول بأس به قبل ذلك ‪.‬‬
‫‪ - 13‬وقال المالكيّة ‪ :‬يكره تخطّي الرّقاب قبل جلوس الخطيب على المنبر لغير فرجة ‪ ،‬لنّه‬
‫يؤذي الجالسين ‪ ،‬وأن يخطب الخطيب على غير طهارة ‪ ،‬والتّنفّل عند الذان الوّل لجالس‬
‫في المسجد يقتدى به كعالم وأمير ‪ ،‬كما يكره التّنفّل بعد صلة الجمعة إلى أن ينصرف النّاس‬
‫ويحرم الكلم من الجالسين حال الخطبة وبين الخطبتين ‪ ،‬ولو لم يسمعوا الخطبة إلّ أن يلغو‬
‫الخطيب في خطبته ‪ ،‬بأن يأتي بكلم ساقط ‪ ،‬فيجوز الكلم حينئذ ‪ ،‬ويحرم السّلم من الدّاخل‬
‫أو الجالس على أحد ‪ ،‬وكذا ردّه ‪ ،‬ولو بالشارة ويحرم تشميت العاطس ‪ ،‬ونهي لغ ‪،‬‬
‫والشارة له ‪ ،‬والكل والشّرب ‪ ،‬وابتداء صلة نفل بعد خروج الخطيب للخطبة ‪ ،‬ولو لداخل‬
‫‪.‬‬
‫‪ - 14‬وقال الشّافعيّة ‪ :‬يكره في الخطبة أشياء منها ‪:‬‬
‫ما يفعله بعض جهلة الخطباء من ال ّدقّ على درج المنبر في صعوده ‪ ،‬والدّعاء إذا انتهى‬
‫صعوده قبل جلوسه ‪ ،‬واللتفات في الخطبة ‪ ،‬والمجازفة في أوصاف السّلطين في الدّعاء‬
‫لهم وكذبهم في كثير من ذلك ‪ ،‬والمبالغة في السراع في الخطبة الثّانية ‪ ،‬وخفض الصّوت‬
‫بها ‪ ،‬واستدبار الخطيب للمصلّين ‪ ،‬وهو قبيح خارج عن عرف الخطاب ‪ ،‬والتّقعير والتّمطيط‬
‫في الخطبة ‪ ،‬ويكره شرب الماء للمصلّين أثناء الخطبة للتّلذّذ ‪ ،‬ول بأس بشربه للعطش ‪،‬‬
‫ويكره للدّاخل أن يسلّم والمام يخطب ‪ ،‬ويجب الرّدّ عليه ‪ ،‬ويستحبّ للمستمع تشميت‬
‫العاطس لعموم الدلّة ‪ ،‬ويكره تحريما تنفّل من أحد من الحاضرين بعد صعود الخطيب على‬
‫المنبر وجلوسه عليه ‪ ،‬ويجب على من كان في صلة تخفيفها عند صعود الخطيب المنبر‬
‫وجلوسه ‪ ،‬ويكره الذان جماع ًة بين يدي الخطيب ‪.‬‬
‫ن له فعلها ‪ ،‬ويخفّفها وجوبا لقول‬
‫وتستثنى التّحيّة لداخل المسجد والخطيب على المنبر فيس ّ‬
‫النّبيّ صلى ال عليه وسلم ‪ « :‬إذا جاء أحدكم يوم الجمعة والمام يخطب فليركع ركعتين‬
‫وليتجوّز فيهما » ‪ ( .‬ر ‪ :‬تحيّة ف ‪. ) 5/‬‬
‫‪ - 15‬وقال الحنابلة ‪ :‬يكره اللتفات في الخطبة ‪ ،‬واستدبار النّاس ‪ ،‬ويكره للمام رفع يديه‬
‫حال الدّعاء في الخطبة ‪ ،‬ول بأس بأن يشير بأصبعه في دعائه ‪ ،‬ويكره الدّعاء عقب صعوده‬
‫المنبر ‪ ،‬ويكره للمصلّي أن يسند ظهره إلى القبلة ‪ ،‬ومدّ رجليه إلى القبلة ‪ ،‬ويكره رفع‬
‫الصّوت قدّام بعض الخطباء ‪ ،‬وابتداء تطوّع بخروج الخطيب خل تحيّة المسجد فل يمنع‬
‫الدّاخل منها ‪ ،‬ويكره العبث ‪ ،‬وشرب ماء عند سماع الخطبة ‪ ،‬ما لم يشتدّ عطشه ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬خطبة العيدين ‪:‬‬
‫حكمها ‪:‬‬
‫‪ - 16‬خطبتا العيد سنّة ل يجب حضورهما ول استماعهما ‪ ،‬لحديث عبد اللّه بن السّائب قال‪:‬‬
‫« شهدت مع رسول اللّه صلى ال عليه وسلم العيد فلمّا قضى الصّلة قال ‪ :‬إنّا نخطب ‪ ،‬فمن‬
‫أحبّ أن يجلس للخطبة فليجلس ‪ ،‬ومن أحبّ أن يذهب فليذهب » ‪.‬‬
‫وقال بعض المالكيّة ‪ :‬الخطبة من سنّة الصّلة ‪ ،‬فمن شهد الصّلة ممّن تلزمه أو ل تلزمه من‬
‫صبيّ أو امرأة لم يكن له أن يترك حضور سنّتها ‪ ،‬كطواف النّفل ليس له أن يترك ركوعه "‬
‫أي ركعتي الطّواف " لنّه من سنّته ‪.‬‬
‫وهي كخطبة الجمعة في صفتها وأحكامها ‪ ،‬إلّ فيما يلي ‪:‬‬
‫أ ولً‪ -‬أن تفعل بعد صلة العيد ‪ ،‬ل قبلها ‪ .‬قال ابن قدامة ‪ :‬وخطبتا العيد بعد الصّلة ل نعلم‬
‫فيه " أي في كونهما بعد الصّلة " خلفًا بين المسلمين ‪.‬‬
‫فإذا خطب قبل الصّلة ‪ ،‬فيرى الحنفيّة والمالكيّة أنّها صحيحة وقد أساء الخطيب بذلك ‪ ،‬أمّا‬
‫ح ‪ ،‬ويعيدها بعد الصّلة ‪.‬‬
‫الشّافعيّة والحنابلة فيرون أنّها ل تص ّ‬
‫ب أن يكبّر في أثنائها ‪ ،‬بخلف خطبة الجمعة ‪،‬‬
‫ثانيا ‪ -‬ويسنّ افتتاحها بالتّكبير ‪ ،‬كما يستح ّ‬
‫فإنّه يفتتحها بالحمد للّه ‪ .‬ويستحبّ عند الجمهور أن يفتتح الولى بتسع تكبيرات والثّانية بسبع‬
‫‪ ،‬ويرى المالكيّة أنّه ل حدّ لذلك ‪ ،‬فإن كبّر ثلثا أو سبعا أو غيرها ‪ ،‬فكلّ ذلك حسن ‪.‬‬
‫ويستحبّ أن يبيّن في خطبة الفطر أحكام زكاة الفطر ‪ ،‬وفي الضحى أحكام الضحيّة ‪.‬‬
‫ثالثا ‪ -‬أنّه ل يشترط في خطبة العيد ‪ -‬عند الشّافعيّة ‪ -‬القيام ‪ ،‬والطّهارة ‪ ،‬وستر العورة ‪،‬‬
‫والجلوس بين الخطبتين ‪.‬‬
‫د ‪ -‬خطبة الكسوف ‪:‬‬
‫ن النّبيّ صلى ال عليه‬
‫‪ - 17‬ذهب الحنفيّة والحنابلة إلى أنّه ل خطبة لصلة الكسوف ‪ ،‬ل ّ‬
‫وسلم أمر بالصّلة دون الخطبة ‪.‬‬
‫وقال المالكيّة ‪ :‬يندب وعظ بعدها ‪ ،‬يشتمل على الثّناء على اللّه ‪ ،‬والصّلة والسّلم على نبيّه‪،‬‬
‫لفعله عليه الصلة والسلم ‪.‬‬
‫ول يكون على طريقة الخطبة ‪ ،‬لنّه ل خطبة لصلة الكسوف ‪.‬‬
‫ويندب عند الشّافعيّة أن يخطب المام بعد صلة الكسوف خطبتين كخطبتي الجمعة في‬
‫أركانهما وسننهما ‪ ،‬ول تعتبر فيهما الشّروط كما في العيد ‪ ،‬واستدلّوا بفعله صلى ال عليه‬
‫وسلم ‪ .‬ول تصحّ الخطبة إن قدّمها على الصّلة ‪ .‬وينظر التّفصيل في ( كسوف ) ‪.‬‬
‫د ‪ -‬خطبة الستسقاء ‪:‬‬
‫‪ - 18‬يندب عند جمهور الفقهاء أن يخطب المام بعد صلة الستسقاء خطبة كخطبة العيد في‬
‫الركان ‪ ،‬والشّروط ‪ ،‬والسّنن ‪ ،‬يعظ المسلمين فيها ويخوّفهم من المعاصي ‪ ،‬ويأمرهم بالتّوبة‬
‫والنابة والصّدقة ‪.‬‬
‫وذهب أبو حنيفة ‪ -‬وهو المعتمد ‪ -‬إلى أنّه ل يصلّي جماع ًة ول يخطب ‪.‬‬
‫واختلف الفقهاء في عدد الخطب وكيفيّتها ‪ ،‬فذهب المالكيّة والشّافعيّة ومحمّد بن الحسن إلى‬
‫أنّهما خطبتان كخطبتي العيد ‪ ،‬لكن يستبدل بالتّكبير الستغفار ‪.‬‬
‫وذهب الحنابلة وأبو يوسف إلى أنّها خطبة واحدة ‪.‬‬
‫قال الحنابلة ‪ :‬يكبّر في أوّلها تسع تكبيرات ‪ ،‬والمشهور عن أبي يوسف أنّه ل يكبّر ‪.‬‬
‫وانظر التّفصيل في ( استسقاء ) ‪.‬‬
‫هـ ‪ -‬خطب الحجّ ‪:‬‬
‫ج ‪ ،‬يبيّن فيها مناسك الحجّ‬
‫ن للمام أو نائبه الخطبة في الح ّ‬
‫‪ - 19‬اتّفق الفقهاء على أنّه يس ّ‬
‫للنّاس ‪ ،‬وذلك اقتداء بالنّبيّ صلى ال عليه وسلم واختلفوا في عدد الخطب الّتي يخطبها ‪،‬‬
‫فذهب الجمهور إلى أنّها ثلث خطب ‪ ،‬وذهب الشّافعيّة إلى أنّها أربع ‪.‬‬
‫ل ‪ -‬الخطبة الولى ‪:‬‬
‫أو ً‬
‫يسنّ عند الجمهور عدا الحنابلة أن يخطب المام أو نائبه بمكّة في اليوم السّابع من ذي الحجّة‬
‫‪ ،‬ويسمّى بيوم الزّينة ‪ ،‬خطبةً واحد ًة ل يجلس فيها يعلّم فيها النّاس مناسك الحجّ ‪ ،‬اقتداءً‬
‫بالنّبيّ صلى ال عليه وسلم ‪.‬‬
‫ثانيا ‪ -‬الخطبة الثّانية ‪:‬‬
‫تسنّ هذه الخطبة يوم عرفة بنمرة ‪ ،‬قبل أن يصلّي الظّهر والعصر ‪ -‬جمع تقديم ‪ -‬اقتداءً‬
‫بالنّبيّ صلى ال عليه وسلم يعلّم فيها النّاس ما أمامهم من مناسك ‪ ،‬ويحثّهم على الجتهاد في‬
‫الدّعاء والعبادة ‪.‬‬
‫وهي خطبتان كخطبتي الجمعة عند الجمهور ‪ ،‬وقال الحنابلة هي خطبة واحدة ‪.‬‬
‫ثالثا ‪ -‬الخطبة الثّالثة ‪:‬‬
‫يسنّ عند الشّافعيّة والحنابلة أن يخطب المام يوم النّحر بمنًى ‪ ،‬خطبةً واحد ًة يعلّم النّاس فيها‬
‫ي صلى ال عليه وسلم‬
‫ن النّب ّ‬
‫مناسكهم من النّحر والفاضة والرّمي ‪ ،‬لما روى ابن عبّاس » أ ّ‬
‫خطب النّاس يوم النّحر ‪ ،‬يعني بمنىً » ‪.‬‬
‫ن هذه الخطبة تكون يوم الحادي عشر من ذي الحجّة ‪ ،‬ل يوم‬
‫وذهب الحنفيّة والمالكيّة إلى أ ّ‬
‫النّحر ‪ ،‬لنّه يوم اشتغال بالمناسك ‪ ،‬يعلّم فيها النّاس جواز الستعجال لمن أراد ‪ ،‬وهي‬
‫الخطبة الخيرة عندهم ‪.‬‬
‫رابعا ‪ -‬الخطبة الرّابعة ‪:‬‬
‫ى ثاني أيّام التّشريق خطبةً واحد ًة يعلّم فيها‬
‫يسنّ عند الشّافعيّة والحنابلة أن يخطب المام بمن ً‬
‫النّاس جواز النّفر وغير ذلك ويودّعهم ‪.‬‬
‫و ‪ -‬خطبة النّكاح ‪:‬‬
‫‪ - 20‬يستحبّ أن يخطب العاقد أو غيره من الحاضرين خطبةً واحد ًة ‪ ،‬بين يدي العقد ‪ ،‬وإن‬
‫خطب بما ورد عن النّبيّ صلى ال عليه وسلم فهو أحسن ‪.‬‬
‫وقال الشّافعيّة ‪ :‬يستحبّ تقديم خطبتين ‪ ،‬إحداهما قبل الخطبة ‪ ،‬والخرى قبل العقد ‪.‬‬

‫خطبة الجمعة *‬
‫انظر ‪ :‬خطبة ‪ ،‬صلة الجمعة ‪.‬‬

‫خطبة الحاجة *‬
‫انظر ‪ :‬خطبة ‪.‬‬

‫خطبة العيد *‬
‫انظر ‪ :‬خطبة ‪ ،‬صلة العيد ‪.‬‬

‫خطبة عرفة *‬
‫انظر ‪ :‬خطبة ‪.‬‬

‫خطبة منىً *‬
‫انظر ‪ :‬خطبة ‪.‬‬

‫خِطبة *‬
‫التّعريف ‪:‬‬
‫‪ - 1‬الخطبة ‪ -‬بكسر الخاء ‪ -‬مصدر خطب ‪ ،‬يقال ‪ :‬خطب المرأة خطبةً وخطبا ‪،‬‬
‫واختطبها‪ ،‬إذا طلب أن يتزوّجها ‪ ،‬واختطب القوم فلنا إذا دعوه إلى تزويج صاحبتهم ‪.‬‬
‫ول يخرج المعنى الصطلحيّ عن المعنى اللّغويّ ‪.‬‬
‫اللفاظ ذات الصّلة ‪:‬‬
‫النّكاح ‪:‬‬
‫‪ - 2‬النّكاح مصدر نكح ‪ ،‬يقال ‪ :‬نكح فلن امرأةً ينكحها إذا تزوّجها ‪ ،‬ونكحها ينكحها ‪:‬‬
‫وطئها أيضا ‪.‬‬
‫واصطلحا ‪ :‬عقد يفيد ملك المتعة قصدا ‪ ،‬بين رجل وامرأة من غير مانع شرعيّ ‪.‬‬
‫والخطبة مقدّمة للنّكاح ‪ ،‬ول يترتّب عليها ما يترتّب على النّكاح ‪ .‬وسيأتي تفصيل ذلك ‪.‬‬
‫الحكم التّكليفيّ ‪:‬‬
‫‪ - 3‬الخطبة في الغالب وسيلة للنّكاح ‪ ،‬إذ ل يخلو عنها في معظم الصّور ‪ ،‬وليست شرطا‬
‫لصحّة النّكاح فلو تمّ بدونها كان صحيحا ‪ ،‬وحكمها الباحة عند الجمهور ‪.‬‬
‫والمعتمد عند الشّافعيّة أنّ الخطبة مستحبّة لفعله صلى ال عليه وسلم حيث « خطب عائشة‬
‫بنت أبي بكر ‪ ،‬وخطب حفصة بنت عمر رضي ال عنهم » ‪.‬‬
‫أوّلً ‪ :‬اختلف حكم الخطبة بالنّظر إلى حال المرأة ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬خطبة الخليّة ‪:‬‬
‫‪ - 4‬اتّفق الفقهاء على أنّ المرأة الخليّة من النّكاح والعدّة والخطبة وموانع النّكاح تجوز‬
‫خطبتها تصريحا وتعريضا ‪ .‬وأمّا المنكوحة ‪ ،‬أو المعتدّة ‪ ،‬أو المخطوبة ‪ ،‬أو الّتي قام بها‬
‫مانع من موانع النّكاح ‪ ،‬فل تجوز خطبتها على التّفصيل التي ‪:‬‬
‫خطبة زوجة الغير ‪:‬‬
‫‪ - 5‬ل تجوز خطبة المنكوحة تصريحا أو تعريضا ‪ ،‬لنّ الخطبة مقدّمة للنّكاح ‪ ،‬ومن كانت‬
‫في نكاح صحيح ل يجوز للغير أن ينكحها فل تصحّ خطبتها ول تجوز بل تحرم ‪.‬‬
‫خطبة من قام بها مانع ‪:‬‬
‫ن الخطبة مقدّمة إلى النّكاح ‪ ،‬وما‬
‫‪ - 6‬ل تجوز خطبة من قام بها مانع من موانع النّكاح ‪ ،‬ل ّ‬
‫دام ممنوعا فتكون الخطبة كذلك على أنّه يحلّ خطبة نحو مجوسيّة لينكحها إذا أسلمت ‪.‬‬
‫خطبة المعتدّة ‪:‬‬
‫‪ - 7‬يختلف حكم خطبة المعتدّة باختلف لفظ الخطبة " تصريحا كان أو تعريضا " وباختلف‬
‫حالة المعتدّة " رجعيّةً كانت أو بائنًا بطلق ‪ ،‬أو فسخ ‪ ،‬أو انفساخ ‪ ،‬أو موت ‪ ،‬أو معتدّة من‬
‫شبهة " ‪.‬‬
‫التّصريح بالخطبة ‪:‬‬
‫‪ - 8‬هو ما يقطع بالرّغبة في النّكاح ول يحتمل غيره ‪ ،‬كقول الخاطب للمعتدّة ‪ :‬أريد أن‬
‫أتزوّجك ‪ ،‬أو ‪ :‬إذا انقضت عدّتك تزوّجتك ‪.‬‬
‫ن التّصريح بخطبة معتدّة الغير حرام سواء أكان من طلق رجعيّ أم‬
‫وقد اتّفق الفقهاء على أ ّ‬
‫جنَاحَ عََل ْي ُكمْ فِيمَا‬
‫ل ُ‬
‫بائن ‪ ،‬أم وفاة ‪ ،‬أم فسخ ‪ ،‬أم غير ذلك لمفهوم قول اللّه تعالى ‪َ { :‬و َ‬
‫س َت ْذ ُكرُو َنهُنّ وَلَـكِن لّ‬
‫س ُكمْ عَِلمَ الّل ُه َأ ّنكُمْ َ‬
‫طبَةِ ال ّنسَاء أَ ْو َأ ْكنَن ُتمْ فِي أَن ُف ِ‬
‫خ ْ‬
‫ن ِ‬
‫ضتُم ِبهِ مِ ْ‬
‫ع ّر ْ‬
‫َ‬
‫حتّىَ َيبْلُ َغ ا ْل ِكتَابُ َأجَلَهُ‬
‫ح َ‬
‫ل َتعْ ِزمُواْ عُ ْق َدةَ ال ّنكَا ِ‬
‫ن سِرّا ِإلّ أَن تَقُولُو ْا قَ ْولً ّم ْعرُوفا َو َ‬
‫عدُوهُ ّ‬
‫تُوَا ِ‬
‫حذَرُوهُ وَاعَْلمُواْ َأنّ الّلهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ } ‪.‬‬
‫سكُمْ فَا ْ‬
‫ن اللّ َه َيعْلَ ُم مَا فِي أَن ُف ِ‬
‫وَاعَْلمُو ْا أَ ّ‬
‫ن الخاطب إذا صرّح بالخطبة تحقّقت رغبته فيها فربّما تكذب في انقضاء العدّة ‪.‬‬
‫ول ّ‬
‫وحكى ابن عطيّة وغيره الجماع على ذلك ‪.‬‬
‫التّعريض بالخطبة ‪:‬‬
‫‪ - 9‬قال المالكيّة ‪ :‬التّعريض أن يضمّن كلمه ما يصلح للدّللة على المقصود وغيره إلّ أنّ‬
‫ن التّعريض ما ذكرناه ‪،‬‬
‫إشعاره بالمقصود أتمّ ‪ ،‬ويسمّى تلويحا ‪ ،‬والفرق بينه وبين الكناية أ ّ‬
‫والكناية هي التّعبير عن الشّيء بلزمه ‪ ،‬كقولنا في كرم الشّخص ‪ :‬هو طويل النّجاد كثير‬
‫الرّماد ‪.‬‬
‫وعرّف الشّافعيّة التّعريض بالخطبة بأنّه ‪ :‬ما يحتمل الرّغبة في النّكاح وغيرها كقوله ‪ :‬وربّ‬
‫راغب فيك ‪ ،‬ومن يجد مثلك ؟‬
‫وقالوا ‪ :‬ونحو الكناية وهي الدّللة على الشّيء بذكر لزمه قد يفيد ما يفيده التّصريح كأريد‬
‫أن أنفق عليك نفقة الزّوجات وتحلّين لي ‪ ،‬وقد ل يفيد ذلك فيكون تعريضا كذكر العبارة‬
‫السّابقة " أريد أن أنفق ‪ ...‬إلخ " ما عدا " وتحلّين لي " ‪.‬‬
‫جنَاحَ عََل ْي ُكمْ‬
‫وفسّر ابن عبّاس رضي ال تعالى عنهما التّعريض في قول اللّه تعالى ‪َ { :‬ولَ ُ‬
‫خطْبَ ِة ال ّنسَاء } بقوله ‪ :‬يقول ‪ :‬إنّي أريد التّزوّج ‪ ،‬ولوددت أنّه ييسّر لي‬
‫ن ِ‬
‫ضتُم بِ ِه مِ ْ‬
‫عرّ ْ‬
‫فِيمَا َ‬
‫امرأة صالحة ‪ .‬وليس حكم التّعريض بالخطبة واحدا بالنّسبة لجميع المعتدّات ‪ ،‬بل إنّه مختلف‬
‫بالنّظر إلى حالة كلّ معتدّة ‪ ،‬رجعيّ ًة كانت أو بائنا بطلق أو فسخ أو موت ‪.‬‬
‫التّعريض بخطبة المعتدّة الرّجعيّة ‪:‬‬
‫‪ - 10‬اتّفق الفقهاء على أنّه يحرم التّعريض بخطبة المعتدّة الرّجعيّة لنّها في معنى الزّوجيّة‬
‫ن نكاح الوّل قائم ‪ ،‬ولنّها‬
‫لعودها إلى النّكاح بالرّجعة ‪ ،‬فأشبهت الّتي في صلب النّكاح ‪ ،‬ول ّ‬
‫مجفوّة بالطّلق فقد تكذب انتقاما ‪.‬‬
‫التّعريض بخطبة المعتدّة المتوفّى عنها ‪:‬‬
‫‪ - 11‬اتّفق الفقهاء على أنّه يجوز التّعريض بخطبة المعتدّة المتوفّى عنها زوجها ‪ ،‬ليفهم مراد‬
‫ضتُم بِ ِه مِنْ‬
‫عرّ ْ‬
‫جنَاحَ عََل ْي ُكمْ فِيمَا َ‬
‫المعرّض بالخطبة ل ليجاب ‪ ،‬وذلك لقوله تعالى ‪َ { :‬ولَ ُ‬
‫خطْبَ ِة ال ّنسَاء ‪ } ...‬وهي واردة في عدّة الوفاة ‪ ،‬ولنّ « رسول اللّه صلى ال عليه وسلم دخل‬
‫ِ‬
‫على أ ّم سلمة رضي ال عنها وهي متأيّم من أبي سلمة رضي ال تعالى عنه فقال ‪ :‬لقد‬
‫علمت أنّي رسول اللّه وخيرته وموضعي من قومي » ‪.‬‬
‫ولنقطاع سلطنة الزّوج عليها مع ضعف التّعريض ‪.‬‬
‫التّعريض بخطبة المعتدّة البائن ‪:‬‬
‫‪ -‬ذهـب المالكيّة والشّافعيّة ‪ -‬فـي الظهـر عندهـم ‪ -‬والحنابلة إلى أنّه يجوز التّعريـض‬ ‫‪12‬‬

‫طبَةِ‬
‫خ ْ‬
‫ِنـ ِ‬
‫ِهـ م ْ‬
‫عرّضْت ُم ب ِ‬
‫ُمـ فِيم َا َ‬
‫َاحـ عََل ْيك ْ‬
‫جن َ‬ ‫ل ُ‬
‫بخطبـة المعتدّة البائن لعموم قوله تعالى ‪َ { :‬و َ‬
‫ن النّبيّ صلى ال عليه‬
‫النّسَاء‪ } ...‬ولما روي عن « فاطمة بنت قيس رضي ال تعالى عنها أ ّ‬
‫وسلم قال لها لمّا طلّقها زوجها ثلثا ‪ :‬إذا حللت فآذنيني » وفي لفظ « ل تسبقيني بنفسك »‪.‬‬
‫و في ل فظ « ل تفوتي نا بنف سك » وهذا تعر يض بخطبت ها في عدّت ها ‪ ،‬ولنقطاع سلطة الزّوج‬
‫عليها ‪.‬‬
‫وذ هب الحنفيّة و هو مقا بل الظ هر ع ند الشّافعيّة إلى أنّه ل يجوز التّعر يض بخط بة المعتدّة‬
‫البائن لفضائه إلى عداوة المطلّق ‪.‬‬
‫خطبة المعتدّة من نكاح فاسد أو فسخ ‪:‬‬
‫‪ - 13‬اختلف الفقهاء في حكم التّعريض بخطبة المعتدّة من نكاح فاسد وفسخ وشبههما ‪،‬‬
‫كالمعتدّة من لعان أو ردّة ‪ ،‬أو المستبرأة من الزّنى ‪ ،‬أو التّفريق لعيب أو عنّة ‪.‬‬
‫فذهب الجمهور المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة وجمهور الحنفيّة إلى جواز التّعريض لهنّ أخذا‬
‫بعموم الية وقياسا على المطلّقة ثلثا ‪ ،‬وأنّ سلطة الزّوج قد انقطعت ‪.‬‬
‫هذا كلّه في غير صاحب العدّة الّذي يحلّ له نكاحها فيها ‪ ،‬أمّا هو فيحلّ له التّعريض‬
‫والتّصريح ‪ ،‬وأمّا من ل يحلّ له نكاحه فيها كما لو طلّقها الثّالثة أو رجعيّا فوطئها أجنبيّ‬
‫بشبهة في العدّة فحملت منه ‪ ،‬فإنّ عدّة الحمل تقدّم ‪ ،‬فل يحلّ لصاحب عدّة الشّبهة أن يخطبها‬
‫; لنّه ل يجوز له العقد عليها حينئذ ‪.‬‬
‫وذهب بعض الحنفيّة إلى أنّ التّعريض يختلف حكمه بحسب ما يترتّب عليه ‪ ،‬فإن كان يؤدّي‬
‫إلى عداوة المطلّق فهو حرام ‪ ،‬وإلّ فل ‪.‬‬
‫جواب الخطبة ‪:‬‬
‫‪ - 14‬حكم جواب المرأة أو وليّها للخاطب كحكم خطبة هذا الخاطب حلّا وحرم ًة ‪ ،‬فيحلّ‬
‫للمتوفّى عنها زوجها المعتدّة أن تجيب من عرّض بخطبتها بتعريض أيضا ‪ ،‬ويحرم عليها‬
‫وعلى كلّ معتدّة التّصريح بالجواب ‪ -‬لغير صاحب العدّة الّذي يحلّ له نكاحها ‪ -‬وكذلك‬
‫الحكم في بقيّة المعتدّات في ضوء التّفصيل السّابق ‪.‬‬
‫خطبة المحرم ‪:‬‬
‫‪ - 15‬يكره للمحرم أن يخطب امرأةً ولو لم تكن محرمةً عند الجمهور ‪ ،‬كما يكره أن يخطب‬
‫غير المحرم المحرمة ‪ ،‬لما رواه مسلم عن عثمان رضي ال تعالى عنه مرفوعا ‪ « :‬ل ينكح‬
‫المحرم ول ينكح ول يخطب » ‪ ،‬والخطبة تراد لعقد النّكاح فإذا كان ممتنعا كره الشتغال‬
‫بأسبابه ‪ ،‬ولنّه سبب إلى الحرام ‪ .‬ويجوز عند الحنفيّة الخطبة حال الحرام ‪.‬‬
‫من تخطب إليه المرأة ‪:‬‬
‫‪ 15‬م ‪ -‬خطبة المرأة المجبرة تكون إلى وليّها ‪ ،‬وقد روي عن عروة « أنّ النّبيّ صلى ال‬
‫عليه وسلم خطب عائشة رضي ال تعالى عنها إلى أبي بكر رضي ال تعالى عنه فقال له أبو‬
‫بكر ‪:‬إنّما أنا أخوك‪ ،‬فقال صلى ال عليه وسلم له ‪ :‬أخي في دين اللّه وكتابه وهي لي حلل»‬
‫ويجوز أن تخطب المرأة الرّشيدة إلى نفسها ‪ ،‬لحديث « أمّ سلمة رضي ال تعالى عنها قالت‪:‬‬
‫لمّا مات أبو سلمة أرسل إليّ النّبيّ صلى ال عليه وسلم حاطب بن أبي بلتعة رضي ال تعالى‬
‫ن لي بنتا وأنا غيور ‪ ،‬فقال ‪ :‬أمّا ابنتها فندعو اللّه أن يغنيها‬
‫عنه يخطبني له ‪ ،‬فقلت له ‪ :‬إ ّ‬
‫عنها ‪ ،‬وأدعو اللّه أن يذهب بالغيرة » ‪.‬‬
‫وكذلك الرّواية الخرى ‪ « :‬إنّي امرأة غيرى وإنّي امرأة مصبية فقال ‪ :‬أمّا قولك ‪ :‬إنّي امرأة‬
‫غيرى فسأدعو اللّه لك فيذهب غيرتك ‪ ،‬وأمّا قولك ‪ :‬إنّي امرأة مصبية فستكفين صبيانك » ‪.‬‬
‫عرض الوليّ مولّيته على ذوي الصّلح ‪:‬‬
‫‪ - 16‬يستحبّ للوليّ عرض مولّيته على ذوي الصّلح والفضل ‪ ،‬كما عرض الرّجل الصّالح‬
‫إحدى ابنتيه على موسى عليه الصلة والسلم المشار إليه في قوله تعالى ‪ { :‬إنّي ُأرِيدُ أَنْ‬
‫حكَ ‪ ، } ...‬وكما فعل عمر رضي ال عنه حيث عرض ابنته حفصة رضي ال تعالى‬
‫ُأ ْن ِك َ‬
‫عنها على عثمان ‪ ،‬ثمّ على أبي بكر رضي ال تعالى عنهما ‪.‬‬
‫إخفاء الخطبة ‪:‬‬
‫‪ - 17‬ذهب المالكيّة إلى أنّه يندب إخفاء الخطبة خلفا لعقد النّكاح فيندب ‪ -‬عندهم وعند بقيّة‬
‫الفقهاء ‪ -‬إعلنه لقول النّبيّ صلى ال عليه وسلم ‪ « :‬أعلنوا هذا النّكاح » ‪.‬‬
‫ثانيا ‪ :‬الخطبة على الخطبة ‪:‬‬
‫‪ - 18‬ذهب جمهور الفقهاء إلى أنّ الخطبة على الخطبة حرام إذا حصل الرّكون إلى الخاطب‬
‫ن رسول اللّه صلى ال عليه‬
‫الوّل ‪ ،‬لما روى عبد اللّه بن عمر رضي ال تعالى عنهما أ ّ‬
‫وسلم قال ‪ «:‬ل يخطب الرّجل على خطبة الرّجل حتّى يترك الخاطب قبله أو يأذن له‬
‫الخاطب» ولنّ فيها إيذاءً وجفاءً وخيانةً وإفسادا على الخاطب الوّل ‪ ،‬وإيقاعا للعداوة بين‬
‫ن النّهي في الحديث للتّحريم ‪.‬‬
‫النّاس ‪ .‬وحكى النّوويّ الجماع على أ ّ‬
‫متى تحرم الخطبة على الخطبة ؟‬
‫‪ - 19‬ذهب الشّافعيّة والحنابلة إلى أنّه يشترط للتّحريم أن يكون الخاطب الوّل قد أجيب ولم‬
‫يترك ولم يعرض ولم يأذن للخاطب الثّاني ‪ ،‬وعلم الخاطب الثّاني بخطبة الوّل وإجابته ‪.‬‬
‫وزاد الشّافعيّة في شروط التّحريم ‪ ،‬أن تكون إجابة الخاطب الوّل صراحةً ‪ ،‬وخطبته جائزة‬
‫أي غير محرّمة ‪ ،‬وأن يكون الخاطب الثّاني عالما بحرمة الخطبة على الخطبة ‪.‬‬
‫ن إجابة الخاطب الوّل تعريضا تكفي لتحريم الخطبة على خطبته ول‬
‫وقال الحنابلة ‪ :‬إ ّ‬
‫يشترط التّصريح بالجابة ‪ .‬وهذا ظاهر كلم الخرقيّ وكلم أحمد ‪.‬‬
‫وقال المالكيّة ‪ :‬يشترط لتحريم الخطبة على الخطبة ركون المرأة المخطوبة أو وليّها ‪،‬‬
‫ووقوع الرّضا بخطبة الخاطب الوّل غير الفاسق ولو لم يقدّر صداق على المشهور ‪ ،‬ومقابله‬
‫لبن نافع ‪ :‬ل تحرم خطبة الرّاكنة قبل تقدير الصّداق ‪.‬‬
‫وسيأتي حكم خطبة المسلم على خطبة الفاسق ‪ ،‬أو خطبة الكافر لل ّذ ّميّة ‪.‬‬
‫من تعتبر إجابته أو ردّه ‪:‬‬
‫ن المعتبر ردّ الوليّ وإجابته إن كانت مجبرةً ‪ ،‬وإلّ فردّها‬
‫‪ - 20‬ذهب الشّافعيّة والحنابلة إلى أ ّ‬
‫وإجابتها ‪.‬‬
‫وقال المالكيّة ‪ :‬المعتبر ركون غير المجبرة إلى الخاطب الوّل ‪ ،‬وركون المجبرة معرّضا‬
‫مجبرها بالخاطب ولو بسكوته ‪ ،‬وعليه ل يعتبر ركون المجبرة مع ردّ مجبرها ‪ ،‬ول ردّها‬
‫مع ركونه ‪ ،‬ول يعتبر ركون أمّها أو وليّها غير المجبر مع ردّها ل مع عدمه فيعتبر ‪.‬‬
‫خطبة من ل تعلم خطبتها أو جوابها ‪:‬‬
‫‪ - 21‬المرأة الّتي ل يعلم أهي مخطوبة أم ل ‪ ،‬أجيب خاطبها أم ردّ ‪ ،‬يجوز لمن ل يعلم ذلك‬
‫ن الصل الباحة ‪ ،‬والخاطب معذور بالجهل ‪.‬‬
‫أن يخطبها ل ّ‬
‫الخطبة على خطبة الكافر والفاسق ‪:‬‬
‫ن الخطبة على خطبة الكافر المحترم " غير الحربيّ أو‬
‫‪ - 22‬ذهب المالكيّة والشّافعيّة إلى أ ّ‬
‫ي كتابيّ ًة ويجاب ثمّ يخطبها مسلم ‪ ،‬لما في‬
‫المرتدّ " حرام ‪ ،‬وصورة المسألة ‪ :‬أن يخطب ذمّ ّ‬
‫الخطبة الثّانية من اليذاء للخاطب الوّل ‪ ،‬وقالوا ‪ :‬إنّ ذكر لفظ الخ في بعض روايات‬
‫الحديث ‪ « :‬ل يخطب الرّجل على خطبة أخيه » ‪ .‬خرج مخرج الغالب فل مفهوم له ‪ ،‬ولنّه‬
‫أسرع امتثالً ‪.‬‬
‫وليس الحال في الفاسق كالكافر عند المالكيّة لنّ الفاسق ل يقرّ شرعا على فسقه ‪ ،‬فتجوز‬
‫الخطبة على خطبته بخلف ال ّذمّيّ فإنّه في حالة يقرّ عليها بالجزية ‪.‬‬
‫وقال الحنابلة ‪ :‬ل تحرم الخطبة على خطبة كافر لمفهوم قوله صلى ال عليه وسلم ‪ « :‬على‬
‫خطبة أخيه » ولنّ النّهي خاصّ ‪ ،‬بالمسلم وإلحاق غيره به إنّما يصحّ إذا كان مثله ‪ ،‬وليس‬
‫ي كالمسلم ‪ ،‬ول حرمته كحرمته ‪.‬‬
‫ال ّذمّ ّ‬
‫العقد بعد الخطبة المحرّمة ‪:‬‬
‫‪ - 23‬اختلف الفقهاء في حكم عقد النّكاح على امرأة تحرم خطبتها على العاقد كالخطبة على‬
‫الخطبة ‪ ،‬وكالخطبة المحرّمة في العدّة تصريحا أو تعريضا ‪.‬‬
‫فذهب الجمهور إلى أنّ عقد النّكاح على من تحرم خطبتها ‪ -‬كعقد الخاطب الثّاني على‬
‫المخطوبة ‪ ،‬وكعقد الخاطب في العدّة على المعتدّة بعد انقضاء عدّتها ‪ -‬يكون صحيحا مع‬
‫ن الخطبة المحرّمة ل تقارن العقد فلم تؤثّر فيه ‪ ،‬ولنّها ليست شرطا في صحّة‬
‫الحرمة ‪ ،‬ل ّ‬
‫النّكاح فل يفسخ النّكاح بوقوعها غير صحيحة ‪.‬‬
‫ن عقد الخاطب الثّاني على المخطوبة يفسخ حال خطبة الوّل‬
‫وذهب بعض المالكيّة إلى أ ّ‬
‫بطلق ‪ ،‬وجوبا لحقّ اللّه تعالى وإن لم يطلبه الخاطب الوّل ‪ ،‬وظاهره وإن لم يعلم الثّاني‬
‫بخطبة الوّل ‪ ،‬ما لم يبيّن الثّاني حيث استمرّ الرّكون أو كان الرّجوع لجل خطبة الثّاني ‪،‬‬
‫ل لم‬
‫فإن كان لغيرها لم يفسخ ‪ ،‬ومحلّه أيضا إن لم يحكم بصحّة نكاح الثّاني حاكم يراه وإ ّ‬
‫ن فسخ العقد حينئذ مستحبّ ل واجب ‪.‬‬
‫يفسخ ‪ .‬والمشهور عن مالك وأكثر أصحابه أ ّ‬
‫وقال المالكيّة ‪ :‬يكره لمن صرّح لمرأة في عدّتها بالخطبة أن يتزوّج تلك المرأة بعد انقضاء‬
‫عدّتها ‪ ،‬فإن تزوّجها يندب له فراقها ‪.‬‬
‫ثالثا ‪ :‬نظر الخاطب إلى المخطوبة ‪:‬‬
‫ن من أراد نكاح امرأة فله أن ينظر إليها ‪ ،‬قال ابن قدامة ‪ :‬ل نعلم‬
‫‪ - 24‬ذهب الفقهاء إلى أ ّ‬
‫بين أهل العلم خلفا في إباحة النّظر إلى المرأة لمن أراد نكاحها ‪ ،‬وقد روى جابر قال ‪ :‬قال‬
‫رسول اللّه صلى ال عليه وسلم ‪ « :‬إذا خطب أحدكم المرأة فإن استطاع أن ينظر إلى ما‬
‫يدعوه إلى نكاحها فليفعل » ‪.‬‬
‫قال ‪ :‬فخطبت امرأ ًة فكنت أتخبّأ لها حتّى رأيت منها ما دعاني إلى نكاحها فتزوّجتها ‪.‬‬
‫‪ - 25‬لكنّ الفقهاء بعد اتّفاقهم على مشروعيّة نظر الخاطب إلى المخطوبة اختلفوا في حكم‬
‫هذا النّظر فقال الحنفيّة والمالكيّة والشّافعيّة وبعض الحنابلة ‪ :‬يندب النّظر للمر به في‬
‫الحديث الصّحيح مع تعليله بأنّه « أحرى أن يؤدم بينهما » أي تدوم المودّة واللفة ‪.‬‬
‫فقد ورد عن المغيرة بن شعبة رضي ال تعالى عنه قال ‪ « :‬خطبت امرأةً فقال لي رسول‬
‫اللّه صلى ال عليه وسلم ‪ :‬أنظرت إليها ؟ قلت ‪ :‬ل ‪ ،‬قال ‪ :‬فانظر إليها فإنّه أحرى أن يؤدم‬
‫بينكما » ‪.‬‬
‫والمذهب عند الحنابلة أنّه يباح لمن أراد خطبة امرأة وغلب على ظنّه إجابته نظر ما يظهر‬
‫غالبا ‪ .‬قال في " النصاف " ‪ :‬ويجوز لمن أراد خطبة امرأة النّظر ‪ ،‬هذا هو المذهب ‪،‬‬
‫وذلك لورود المر بالنّظر بعد الحظر ‪ ،‬في حديث المغيرة بن شعبة ‪.‬‬
‫نظر المخطوبة إلى خاطبها ‪:‬‬
‫‪ - 26‬حكم نظر المرأة المخطوبة إلى خاطبها كحكم نظره إليها لنّه يعجبها منه ما يعجبه‬
‫منها ‪ ،‬بل هي ‪ -‬كما قال ابن عابدين ‪ -‬أولى منه في ذلك لنّه يمكنه مفارقة من ل يرضاها‬
‫بخلفها ‪.‬‬
‫واشترط جمهور الفقهاء " المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة " لمشروعيّة النّظر أن يكون النّاظر إلى‬
‫المرأة مريدا نكاحها ‪ ،‬وأن يرجو الجابة رجا ًء ظاهرا ‪ ،‬أو يعلم أنّه يجاب إلى نكاحها ‪ ،‬أو‬
‫يغلب على ظنّه الجابة ‪ .‬واكتفى الحنفيّة باشتراط إرادة نكاحها فقط ‪.‬‬
‫العلم بالنّظر والذن فيه ‪:‬‬
‫‪ - 27‬ذهب الجمهور إلى أنّه ل يشترط علم المخطوبة أو إذنها أو إذن وليّها بنظر الخاطب‬
‫إليها اكتفاءً بإذن الشّارع ولطلق الخبار ‪ ،‬بل قال بعضهم ‪ :‬إنّ عدم ذلك أولى لنّها قد‬
‫تتزيّن له بما يغرّه ‪ ،‬ولحديث جابر رضي ال تعالى عنه السّابق وفيه إطلق الذن ‪ ،‬وقد تخبّأ‬
‫جابر للمرأة الّتي خطبها حتّى رأى منها ما دعاه إلى نكاحها ‪.‬‬
‫وقال المالكيّة ‪ :‬محلّ ندب النّظر إن كان بعلم منها إن كانت رشيدةً ‪ ،‬وإلّ فمن وليّها ‪ ،‬وإلّ‬
‫ل يتطرّق الفسّاق للنّظر للنّساء ويقولون ‪ :‬نحن خطّاب ‪.‬‬
‫كره لئ ّ‬
‫أمن الفتنة والشّهوة ‪:‬‬
‫‪ - 28‬لم يشترط الحنفيّة والمالكيّة والشّافعيّة لمشروعيّة النّظر أمن الفتنة أو الشّهوة أي‬
‫ثورانها بالنّظر ‪ ،‬بل قالوا ‪ :‬ينظر لغرض التّزوّج وإن خاف أن يشتهيها ‪ ،‬أو خاف الفتنة ‪،‬‬
‫ن الحاديث بالمشروعيّة لم تقيّد النّظر بذلك ‪.‬‬
‫لّ‬
‫واشترط الحنابلة لباحة النّظر أمن الفتنة ‪ ،‬وأمّا النّظر بقصد التّلذّذ أو الشّهوة فهو على أصل‬
‫التّحريم ‪.‬‬
‫ما ينظر من المخطوبة ‪:‬‬
‫‪ - 29‬اتّفق الحنفيّة والمالكيّة والشّافعيّة على أنّ ما يباح للخاطب نظره من مخطوبته الحرّة‬
‫هو الوجه والكفّان ظاهرهما وباطنهما إلى كوعيهما لدللة الوجه على الجمال ‪ ،‬ودللة الكفّين‬
‫ن القدمين ليستا بعورة حتّى في غير الخطبة‪.‬‬
‫على خصب البدن ‪ ،‬وهناك رواية عند الحنفيّة أ ّ‬
‫واختلف الحنابلة فيما ينظر الخاطب من المخطوبة ‪ ،‬ففي " مطالب أولي النّهى " " وكشّاف‬
‫القناع " أنّه ينظر إلى ما يظهر منها غالبا كوجه ويد ورقبة وقدم ‪ ،‬لنّه صلى ال عليه وسلم‬
‫لمّا أذن في النّظر إليها من غير علمها ‪ ،‬علم أنّه أذن في النّظر إلى جميع ما يظهر غالبا ‪ ،‬إذ‬
‫ل يمكن إفراد الوجه بالنّظر مع مشاركة غيره في الظّهور ‪ ،‬ولنّه يظهر غالبا فأشبه الوجه ‪.‬‬
‫وفي المغني ‪ :‬ل خلف بين أهل العلم في إباحة النّظر إلى وجهها ‪ ،‬وذلك لنّه ليس بعورة ‪،‬‬
‫وهو مجمع المحاسن وموضع النّظر ‪ ،‬ول يباح النّظر إلى ما ل يظهر عادةً ‪.‬‬
‫أمّا ما يظهر غالبا سوى الوجه ‪ ،‬كالكفّين والقدمين ونحو ذلك ممّا تظهره المرأة في منزلها‬
‫ففيه روايتان للحنابلة ‪.‬‬
‫ن عبد اللّه‬
‫إحداهما ‪ :‬ل يباح النّظر إليه لنّه عورة ‪ ،‬فلم يبح النّظر إليه كالّذي ل يظهر ‪ ،‬فإ ّ‬
‫ن الحاجة تندفع‬
‫ن النّبيّ صلى ال عليه وسلم قال ‪ « :‬المرأة عورة » ‪ ،‬ول ّ‬
‫بن مسعود روى أ ّ‬
‫بالنّظر إلى الوجه فبقي ما عداه على التّحريم ‪.‬‬
‫والثّانية ‪ :‬وهي المذهب ‪ ،‬للخاطب النّظر إلى ذلك ‪ ،‬قال أحمد في رواية حنبل ‪ :‬ل بأس أن‬
‫ينظر إليها وإلى ما يدعوه إلى نكاحها من يد أو جسم ونحو ذلك ‪ ،‬قال أبو بكر ‪ :‬ل بأس أن‬
‫ن النّبيّ صلى ال عليه وسلم لمّا‬
‫ينظر إليها حاسرةً ‪ .‬ووجه جواز النّظر إلى ما يظهر غالبا أ ّ‬
‫أذن في النّظر إليها من غير علمها علم أنّه أذن في النّظر إلى جميع ما يظهر عادةً إذ ل‬
‫يمكن إفراد الوجه بالنّظر مع مشاركة غيره له في الظّهور ‪ ،‬ولنّه يظهر غالبا فأبيح النّظر‬
‫إليه كالوجه ‪ ،‬ولنّها امرأة أبيح النّظر إليها بأمر الشّارع فأبيح النّظر منها إلى ذلك كذوات‬
‫المحارم ‪ .‬وقال الوزاعيّ ‪ :‬ينظر الخاطب إلى مواضع اللّحم ‪.‬‬
‫تزيّن المرأة الخليّة وتعرّضها للخطّاب ‪:‬‬
‫ن تحلية البنات بالحليّ والحلل ليرغب فيهنّ الرّجال سنّة ‪.‬‬
‫‪ - 30‬ذهب الحنفيّة إلى أ ّ‬
‫وأمّا المالكيّة فقد نقل الحطّاب عن ابن القطّان قوله ‪ :‬ولها ‪ -‬أي للمرأة الخالية من الزواج‬
‫‪ -‬أن تتزيّن للنّاظرين " أي للخطّاب " ‪ ،‬بل لو قيل بأنّه مندوب ما كان بعيدا ‪ ،‬ولو قيل إنّه‬
‫يجوز لها التّعرّض لمن يخطبها إذا سلمت نيّتها في قصد النّكاح لم يبعد ‪ .‬انتهى ‪.‬‬
‫ثمّ قال الحطّاب ‪ :‬هل يستحبّ للمرأة نظر الرّجل ؟ لم أر فيه نصّا للمالكيّة ‪ ،‬والظّاهر‬
‫استحبابه وفاقا للشّافعيّة ‪ ،‬قالوا ‪ :‬يستحبّ لها أيضا أن تنظر إليه ‪ ،‬وقد قال ابن القطّان ‪ :‬إذا‬
‫خطب الرّجل امرأةً هل يجوز له أن يقصدها متعرّضا لها بمحاسنه الّتي ل يجوز إبداؤها إليها‬
‫إذا لم تكن مخطوب ًة ويتصنّع بلبسه ‪ ،‬وسواكه ‪ ،‬ومكحلته وخضابه ‪ ،‬ومشيه ‪ ،‬وركبته ‪ ،‬أم ل‬
‫ل امرأة ؟ هو موضع نظر ‪ ،‬والظّاهر جوازه ولم يتحقّق في‬
‫ل ما كان جائزا لك ّ‬
‫يجوز له إ ّ‬
‫المنع إجماع ‪ ،‬أمّا إذا لم يكن خطب ولكنّه يتعرّض لنفسه ذلك التّعرّض للنّساء فل يجوز ‪،‬‬
‫لنّه تعرّض للفتن وتعريض لها ‪ ،‬ولول الظّاهر ما أمكن أن يقال ذلك في المرأة الّتي لم‬
‫تخطب على أنّا لم نجزم فيه بالجواز ‪.‬‬
‫وقال ابن مفلح من الحنابلة ‪ :‬قد روى الحافظ أبو موسى المدينيّ في كتاب الستغناء في‬
‫معرفة استعمال الحنّاء عن جابر رضي ال عنه مرفوعا ‪ « :‬يا معشر النّساء اختضبن فإنّ‬
‫ن اليّم تختضب تعرّض للرّزق من اللّه عزّ وجلّ » ‪.‬‬
‫المرأة تختضب لزوجها ‪ ،‬وإ ّ‬
‫وقد ورد في صحيح مسلم من حديث سبيعة السلميّة « كانت تحت سعد بن خولة وهو في‬
‫بني عامر بن لؤيّ ‪ ،‬وكان ممّن شهد بدرا ‪ ،‬فتوفّي عنها في حجّة الوداع ‪ ،‬وهي حامل فلم‬
‫تنشب أن وضعت حملها بعد وفاته ‪ ،‬فلمّا تعلّت من نفاسها تجمّلت للخطّاب ‪ ،‬فدخل عليها أبو‬
‫السّنابل بن بعكك رضي ال عنه رجل من بني عبد الدّار فقال لها ‪ :‬ما لي أراك متجمّل ًة ؟‬
‫لعلّك ترجين النّكاح ‪ .‬إنّك واللّه ما أنت بناكح حتّى تمرّ عليك أربعة أشهر وعشر ‪ .‬قالت‬
‫سبيعة ‪ :‬فلمّا قال لي ذلك جمعت عليّ ثيابي حين أمسيت ‪ ،‬فأتيت رسول اللّه صلى ال عليه‬
‫وسلم فسألته عن ذلك ‪ ،‬فأفتاني بأنّي قد حللت حين وضعت حملي وأمرني بالتّزويج إن بدا لي‬
‫»‪.‬‬
‫تكرير النّظر ‪:‬‬
‫‪ - 31‬للخاطب أن يكرّر النّظر إلى المخطوبة حتّى يتبيّن له هيئتها فل يندم على نكاحها ‪،‬‬
‫ويتقيّد في ذلك بقدر الحاجة ‪ ،‬ومن ثمّ لو اكتفى بنظرة حرم ما زاد عليها ‪ ،‬لنّه نظر أبيح‬
‫لحاجة فيتقيّد بها ‪ .‬وسواء في ذلك ‪ -‬عند الشّافعيّة ‪ -‬أخاف الخاطب الفتنة أم ل ‪ ..‬كما قال‬
‫إمام الحرمين والرّويانيّ ‪.‬‬
‫أمّا الحنابلة فقالوا ‪ :‬يكرّر الخاطب النّظر ويتأمّل المحاسن ولو بل إذن ‪ ،‬ولعلّه أولى ‪ ،‬إن‬
‫أمن الشّهوة أي ثورانها ‪.‬‬
‫مسّ ما ينظر ‪:‬‬
‫‪ - 32‬ل يجوز للخاطب أن يمسّ وجه المخطوبة ول كفّيها وإن أمن الشّهوة ‪ ،‬لما في المسّ‬
‫من زيادة المباشرة ‪ ،‬ولوجود الحرمة وانعدام الضّرورة والبلوى ‪.‬‬
‫الخلوة بالمخطوبة ‪:‬‬
‫‪ - 33‬ل يجوز خلوة الخاطب بالمخطوبة للنّظر ول لغيره لنّها محرّمة ولم يرد الشّرع بغير‬
‫النّظر فبقيت على التّحريم ‪ ،‬ولنّه ل يؤمن من الخلوة الوقوع في المحظور ‪.‬‬
‫ن رجل بامرأة إلّ كان ثالثهما الشّيطان »‪.‬‬
‫فإنّ النّبيّ صلى ال عليه وسلم قال ‪ « :‬أل ل يخلو ّ‬
‫إرسال من ينظر المخطوبة ‪:‬‬
‫‪ - 34‬اتّفق الفقهاء على أنّ للخاطب أن يرسل امرأةً لتنظر المخطوبة ثمّ تصفها له ولو بما ل‬
‫يحلّ له نظره من غير الوجه والكفّين فيستفيد بالبعث ما ل يستفيد بنظره ‪ ،‬وهذا لمزيد الحاجة‬
‫إليه مستثنىً من حرمة وصف امرأة لرجل ‪ ،‬وقد روي « أنّ رسول اللّه صلى ال عليه وسلم‬
‫أرسل أمّ سليم تنظر إلى جارية فقال ‪ :‬شمّي عوارضها وانظري إلى عرقوبها » ‪ .‬والحنفيّة‬
‫ن من يرسل للنّظر يمكن أن يكون امرأةً أو نحوها ممّن يحلّ له نظرها‬
‫والشّافعيّة يرون أ ّ‬
‫رجلً كان أو امرأ ًة كأخيها ‪ ،‬أو مسموح يباح له النّظر ‪.‬‬
‫ويرى المالكيّة أنّ للخاطب أن يرسل رجلً ‪ .‬قال الحطّاب ‪ :‬والظّاهر جواز النّظر إلى‬
‫المخطوبة على حسب ما للخاطب ‪ ،‬وينزّل منزلته ما لم يخف مفسد ًة من النّظر إليها ‪.‬‬
‫ما يفعله الخاطب إن لم تعجبه المخطوبة ‪:‬‬
‫‪ - 35‬إذا نظر الخاطب إلى من يريد نكاحها فلم تعجبه فليسكت ‪ ،‬ول يقل ‪ ،‬ل أريدها ‪ ،‬لنّه‬
‫إيذاء ‪.‬‬
‫رابعا ‪ :‬ذكر عيوب الخاطب ‪:‬‬
‫‪ - 36‬من استشير في خاطب أو مخطوبة فعليه أن يذكر ما فيه من مساوئ شرعيّة أو عرفيّة‬
‫ول يكون غيب ًة محرّمةً إذا قصد به النّصيحة والتّحذير ل اليذاء ‪ « ،‬لقوله صلى ال عليه‬
‫وسلم لفاطمة بنت قيس رضي ال تعالى عنها لمّا أخبرته أنّ معاوية وأبا جهم رضي ال‬
‫عنهما خطباها ‪ :‬أمّا أبو جهم فل يضع عصاه عن عاتقه ‪ ،‬وأمّا معاوية فصعلوك ل مال له »‬
‫ولقوله صلى ال عليه وسلم ‪ « :‬إذا استنصح أحدكم أخاه فلينصحه » ‪ ،‬وعنه صلى ال عليه‬
‫وسلم أنّه قال ‪ « :‬المستشار مؤتمن » وقال ‪ « :‬الدّين النّصيحة » ‪ ،‬وقد روى الحاكم «أنّ‬
‫أخا لبلل رضي ال عنه خطب امرأ ًة فقالوا ‪ :‬إن يحضر بلل زوّجناك ‪ ،‬فحضر ‪ ،‬فقال ‪ :‬أنا‬
‫بلل وهذا أخي ‪ ،‬وهو امرؤ سيّئ الخلق والدّين » ‪ .‬قال الحاكم ‪ :‬صحيح السناد ‪.‬‬
‫ح ‪ ،‬وخلقي شديد ونحوهما ‪،‬‬
‫ومن استشير في أمر نفسه في النّكاح بيّنه ‪ ،‬كقوله ‪ :‬عندي ش ّ‬
‫لعموم ما سبق ‪ .‬وفصّل بعض الفقهاء في ذلك ‪ ،‬ومنه قول البارزيّ ‪ -‬من الشّافعيّة ‪ -‬لو‬
‫استشير في أمر نفسه في النّكاح ‪ ،‬فإن كان فيه ما يثبت الخيار فيه وجب ذكره ‪ ،‬وإن كان فيه‬
‫ح ‪ ،‬استحبّ ‪ ،‬وإن كان فيه شيء من‬
‫ما يقلّل الرّغبة فيه ول يثبت الخيار ‪ ،‬كسوء الخلق والشّ ّ‬
‫المعاصي وجب عليه التّوبة في الحال وستر نفسه ‪.‬‬
‫خامسا ‪ :‬الخُطبة قبل الخِطبة ‪:‬‬
‫ل أمر ذي بال ل يبدأ فيه‬
‫‪ - 37‬يندب للخاطب أو نائبه تقديم خطبة قبل الخطبة لخبر ‪ « :‬ك ّ‬
‫بحمد اللّه فهو أقطع » أي عن البركة ‪ ،‬فيبدأ بالحمد والثّناء على اللّه تعالى ‪ ،‬ثمّ بالصّلة على‬
‫رسول اللّه صلى ال عليه وسلم ثمّ يوصي بالتّقوى ‪ ،‬ثمّ يقول ‪ :‬جئتكم خاطبا كريمتكم ‪ ،‬وإن‬
‫كان وكيلً قال ‪ :‬جاءكم موكّلي خاطبا كريمتكم أو فتاتكم ‪ ،‬ويخطب الوليّ أو نائبه كذلك ثمّ‬
‫يقول ‪ :‬لست بمرغوب عنك أو نحوه ‪.‬‬
‫وتبرّك الئمّة بما جاء عن ابن مسعود رضي ال تعالى عنه « أنّ النّبيّ صلى ال عليه وسلم‬
‫ن الحمد للّه ‪ ،‬نحمده ونستعينه ونستغفره ‪ ،‬ونعوذ باللّه من شرور‬
‫علّمنا خطبة الحاجة ‪ :‬إ ّ‬
‫أنفسنا وسيّئات أعمالنا ‪ ،‬من يهده اللّه فل مضلّ له ومن يضلل فل هادي له ‪ ،‬وأشهد أن ل‬
‫حقّ‬
‫ن آ َمنُو ْا اتّقُو ْا اللّ َه َ‬
‫ن محمّدا عبده ورسوله ‪ { :‬يَا َأ ّيهَا اّلذِي َ‬
‫إله إلّ اللّه وحده ل شريك له وأ ّ‬
‫تُقَاتِهِ َولَ َتمُوتُنّ ِإلّ وَأَنتُم ّمسِْلمُونَ } { يا أيّها النّاس اتّقوا ربّكم الّذي خلقكم من نفس واحدة‬
‫سدِيدا } إلى قوله {‬
‫ل َ‬
‫ن آ َمنُوا اتّقُوا اللّهَ َوقُولُوا قَ ْو ً‬
‫‪ } ...‬إلى قوله ‪ { :‬رَقِيبا } { يَا َأ ّيهَا اّلذِي َ‬
‫ن المور كلّها بيد اللّه ‪ ،‬يقضي فيها ما يشاء‬
‫عظِيما } ‪ ،‬وكان القفّال يقول بعدها ‪ :‬أمّا بعد ‪ ،‬فإ ّ‬
‫َ‬
‫‪ ،‬ويحكم ما يريد ‪ ،‬ل مؤخّر لما قدّم ول مقدّم لما أخّر ‪ ،‬ول يجتمع اثنان ول يتفرّقان إلّ‬
‫ن ممّا قضى اللّه تعالى وقدّر أن خطب فلن بن فلن فلنة‬
‫بقضاء وقدر وكتاب قد سبق ‪ ،‬وإ ّ‬
‫بنت فلن ‪ ..‬أقول قولي هذا وأستغفر اللّه لي ولكم أجمعين ‪.‬‬
‫سادسا ‪ :‬الرّجوع عن الخطبة ‪:‬‬
‫ن الخطبة ليست بعقد شرعيّ بل هي وعد ‪ ،‬وإن تخيّل‬
‫‪ - 38‬ذهب الشّافعيّة والحنابلة إلى أ ّ‬
‫ي الرّجوع عن الجابة إذا رأى‬
‫كونها عقدا فليس بلزم بل جائز من الجانبين ‪ ،‬ول يكره للول ّ‬
‫المصلحة للمخطوبة في ذلك ‪ ،‬لنّ الحقّ لها وهو نائب عنها في النّظر لها ‪ ،‬فل يكره له‬
‫الرّجوع الّذي رأى المصلحة فيه ‪ ،‬كما لو ساوم في بيع دارها ثمّ تبيّن له المصلحة في تركها‪،‬‬
‫ن النّكاح عقد عمريّ يدوم الضّرر فيه ‪،‬‬
‫ول يكره لها أيضا الرّجوع إذا كرهت الخاطب ‪ ،‬ل ّ‬
‫فكان لها الحتياط لنفسها والنّظر في حظّها ‪ ،‬وإن رجعا عن ذلك لغير غرض كره لما فيه‬
‫من إخلف الوعد والرّجوع عن القول ‪ ،‬ولم يحرم لنّ الحقّ بعد لم يلزمهما ‪ ،‬كمن سام سلعةً‬
‫ثمّ بدا له ألّ يبيعها ‪.‬‬
‫وقال المالكيّة ‪ :‬يكره لمن ركنت له امرأة وانقطع عنها الخطّاب لركونها إليه أن يتركها ‪.‬‬
‫سابعا ‪ :‬الرّجوع بالهديّة إلى المخطوبة أو النّفقة عليها ‪:‬‬
‫‪ - 39‬إذا أهدى الخاطب إلى مخطوبته أو أنفق عليها ثمّ لم يتمّ الزّواج ‪ ،‬ففي الرّجوع بالهديّة‬
‫والنّفقة خلف وتفصيل ‪:‬‬
‫قال الحنفيّة ‪ :‬إذا خطب بنت رجل وبعث إليها أشياء ولم يزوّجها أبوها فما بعث للمهر يستردّ‬
‫عينه قائما وإن تغيّر بالستعمال ‪ ،‬أو بدله هالكا لنّه معاوضة ولم تتمّ فجاز السترداد ‪ ،‬وكذا‬
‫يستردّ ما بعث هديّةً وهو قائم دون الهالك والمستهلك ‪ ،‬لنّه في معنى الهبة ‪ ،‬والهلك أو‬
‫الستهلك مانع من الرّجوع بها ‪.‬‬
‫وقالوا ‪ :‬لو أنفق رجل على معتدّة الغير ‪ -‬قال ابن عابدين ‪ :‬ول شكّ أنّ المعتدّة مخطوبة‬
‫أيضا ‪ -‬يطمع أن يتزوّجها بعد عدّتها ‪ ،‬إن تزوّجته ل رجوع مطلقا ‪ ،‬وإن أبت فله الرّجوع‬
‫إن كان دفع لها ‪ ،‬وإن أكلت معه فل رجوع مطلقا ‪ ،‬لنّه إباحة ل تمليك ‪ ،‬أو لنّه مجهول ل‬
‫يعلم قدره ‪ .‬وفي المسألة عندهم أقوال أخرى ‪.‬‬
‫وقال المالكيّة ‪ :‬يجوز الهداء للمعتدّة من وفاة أو طلق غيره البائن ل النفاق عليها فيحرم‪،‬‬
‫فإن أهدى لها أو أنفق عليها ثمّ تزوّجت غيره فل يرجع عليها بشيء ‪.‬‬
‫وقال الشّافعيّة ‪ :‬من خطب امرأةً ثمّ أنفق عليها نفق ًة ليتزوّجها فله الرّجوع بما أنفقه على من‬
‫ل أم مشربا أم حلوى أم حليّا ‪ ،‬وسواء رجع هو أم مجيبه ‪ ،‬أم مات‬
‫دفعه له ‪ ،‬سواء أكان مأك ً‬
‫أحدهما ‪ ،‬لنّه إنّما أنفقه لجل تزوّجها فيرجع به إن بقي وببدله إن تلف ‪.‬‬
‫ولو كان ذلك بقصد الهديّة ل لجل تزوّجه بها لم يختلف في عدم الرّجوع ‪.‬‬
‫وقالوا ‪ :‬لو دفع الخاطب بنفسه أو وكيله أو وليّه شيئًا من مأكول ‪ ،‬أو مشروب ‪ ،‬أو ملبوس‬
‫لمخطوبته أو وليّها ‪ ،‬ثمّ حصل إعراض من الجانبين أو من أحدهما ‪ ،‬أو موت لهما ‪ ،‬أو‬
‫لحدهما رجع الدّافع أو وارثه بجميع ما دفعه إن كان قبل العقد مطلقا ‪ ،‬وكذا بعده إن طلّق‬
‫قبل الدّخول أو مات ‪ ،‬ل إن ماتت هي ‪ ،‬ول رجوع بعد الدّخول مطلقا ‪.‬‬
‫وقال الحنابلة ‪ :‬هديّة الزّوج ليست من المهر نصّا ‪ ،‬فما أهداه الزّوج من هديّة قبل عقد إن‬
‫وعدوه بأن يزوّجوه ولم يفوا رجع بها ‪ -‬قاله ابن تيميّة ‪ : -‬لنّه بذلها في نظير النّكاح ولم‬
‫يسلّم له ‪ ،‬وإن امتنع هو ل رجوع له ‪.‬‬
‫وما قبضه بعض أقارب المرأة كالّذي يسمّونه مأكل ًة بسبب نكاح ‪ ،‬فحكمه كمهر فيما يقرّره‬
‫ويسقطه وينصّفه ‪ ،‬ويكون لها ول يملك الوليّ منه شيئا إلّ أن تهبه له بشرطه إلّ الب فله‬
‫ل كون حكم المجعول مأكلةً كمهر حيث قبضه أولياء المرأة ‪ ،‬أمّا قبل القبض‬
‫أن يأخذ ‪ ..‬ومح ّ‬
‫فللخاطب الرّجوع بما شرطه لهم ‪ ،‬لنّه تبرّع لم يقبض فكان له الرّجوع به ‪.‬‬
‫ولو اتّفق الخاطب مع المرأة ووليّها على النّكاح من غير عقد فأعطى الخاطب أباها لجل‬
‫ن عدم التّمام ليس‬
‫ذلك شيئا من غير صداق فماتت قبل عقد لم يرجع به ‪ -‬قاله ابن تيميّة ‪ -‬ل ّ‬
‫من جهتهم ‪ ،‬وعلى قياس ذلك لو مات الخاطب ل رجوع لورثته ‪.‬‬
‫وتردّ الهديّة على الزّوج في كلّ فرقة اختياريّة مسقطة للمهر كفسخ الزّوجة العقد لفقد كفاءة‬
‫أو لعيب في الزّوج ‪ ،‬ونحوه قبل الدّخول لدللة الحال أنّه بشرط بقاء العقد ‪ ،‬فإذا زال ملك‬
‫الرّجوع ‪ ،‬كهبة الثّواب ‪.‬‬
‫قال صاحب مطالب أولي النّهى ‪ :‬ويتّجه أنّ ما كان من هديّة أهداها الخاطب بعد العقد فهو‬
‫الّذي يردّ بحصول الفرقة ‪ ،‬أمّا ما كان قد أهدي قبل العقد فل يردّ ‪ ،‬لنّه تقرّر بالعقد ‪.‬‬
‫وتثبت الهديّة للزّوجة مع فسخ للنّكاح مقرّر الصّداق أو لنصفه فل رجوع له ‪ ،‬لنّ زوال‬
‫العقد ليس من قبلها ‪.‬‬

‫خطر *‬
‫التّعريف ‪:‬‬
‫خطَر بفتحتين في اللّغة ‪ ،‬الشراف على الهلك وخوف التّلف ‪ .‬ويقال ‪ :‬هذا أمر خطر‬
‫‪ - 1‬ال َ‬
‫أي متردّد بين أن يوجد ‪ ،‬وأن ل يوجد ‪ ،‬ويطلق على السّبق الّذي يتراهن عليه ‪ .‬والمخاطرة‪،‬‬
‫المراهنة ‪ ،‬وخاطرته على مال راهنته عليه وزنا ومعنىً ‪ .‬وخطر الرّجل ‪ :‬قدره ‪ ،‬ومنزلته ‪،‬‬
‫فيقال ‪ :‬رجل خطير أي ذو شأن ‪ .‬والخاطر ‪ :‬هو اسم لما يتحرّك في القلب من رأي أو‬
‫معنىً‪ ،‬يقال ‪ :‬خطر ببالي كذا ‪ ،‬أي وقع فيه ‪ .‬ول يخرج الخطر في الصطلح عن المعنى‬
‫اللّغويّ ‪.‬‬
‫الحكم التّكليفيّ ‪:‬‬
‫ن حفظها من أهمّ‬
‫ن تعريض النّفس لخطر الهلك حرام ‪ ،‬ل ّ‬
‫‪ - 2‬ل خلف بين الفقهاء في أ ّ‬
‫ل تُلْقُو ْا ِبَأ ْيدِي ُكمْ إِلَى ال ّتهُْلكَةِ } ‪.‬‬
‫مقاصد الشّريعة ‪ .‬قال اللّه تعالى ‪َ { :‬و َ‬
‫قال الخازن ‪ :‬كلّ شيء في عاقبته هلك ‪ ،‬فهو تهلكة ‪ .‬وقال ع ّز من قائل ‪َ { :‬ولَ تَ ْقتُلُواْ‬
‫سكُ ْم } ‪.‬‬
‫أَن ُف َ‬
‫وعن « عمرو بن العاص رضي ال عنه قال ‪ :‬احتلمت في ليلة باردة في غزوة ذات‬
‫السّلسل فأشفقت إن اغتسلت أن أهلك ‪ ،‬فتيمّمت ث ّم صلّيت بأصحابي الصّبح ‪ ،‬فذكروا ذلك‬
‫للنّبيّ صلى ال عليه وسلم فقال ‪ :‬يا عمرو ‪ ،‬صلّيت بأصحابك الصّبح وأنت جنب ؟ فأخبرته‬
‫ن اللّ َه كَانَ‬
‫س ُكمْ إِ ّ‬
‫بالّذي منعني من الغتسال ‪ ،‬وقلت ‪ :‬إنّي سمعت اللّه يقول ‪َ { :‬ولَ تَ ْقتُلُواْ أَن ُف َ‬
‫ِب ُكمْ َرحِيما } فضحك رسول اللّه صلى ال عليه وسلم ولم يقل شيئا » ‪.‬‬
‫ويتعلّق بالخطر الرّخص الشّرعيّة ‪ ،‬فيباح بالخطر أكل الميتة للمضطرّ ‪ ،‬وأكل سائر‬
‫النّجاسات والخبائث اضطرارا ‪ ،‬وإساغة الغصّة بالخمر لدفع الخطر عن النّفس ‪ ،‬ويجب قطع‬
‫العضو المتآكل إذا كان في تركه خطر على النّفس ( ر ‪ :‬ضرر ‪ ،‬مشقّة ) ‪.‬‬
‫الخطر المؤثّر في إسقاط العبادات أو تخفيفها ‪:‬‬
‫ن المشقّة إذا بلغت حدّ‬
‫ن المشقّة تجلب التّيسير عموما ‪ ،‬وأ ّ‬
‫‪ - 3‬ل خلف بين الفقهاء في أ ّ‬
‫الخطر على النّفس والطراف ومنافعها توجب التّرخيص ‪ ،‬والتّخفيف ‪.‬‬
‫ن حفظ المهج والطراف لقامة مصالح الدّين أولى من تعريضها للفوات في عبادة‬
‫وقالوا ‪ :‬إ ّ‬
‫أو عبادات ‪ ،‬يفوت بها أمثالها ‪.‬‬
‫فيجب التّيمّم إذا كان في استعمال الماء في الوضوء والغتسال من الجنابة خطر على نفس ‪،‬‬
‫أو عضو أو منفعته ‪ ،‬أو حال بينه وبين الماء عدوّ ‪ ،‬أو سبع ‪ ،‬لنّ إلقاء النّفس في التّهلكة‬
‫حرام ‪ ( .‬ر ‪ :‬تيمّم ‪ ،‬مرض ) ‪.‬‬
‫ج إذا كان في السّفر خطر على نفس ‪ ،‬أو عضو ‪ ،‬أو عرض ‪ ،‬أو مال ‪،‬‬
‫ويسقط وجوب الح ّ‬
‫كما يحرم ركوب البحر لداء الحجّ إن غلب الهلك فيه ‪ ،‬أو تساوى الهلك والسّلمة لما فيه‬
‫ج)‬
‫من الخطر ( ر ‪ :‬ح ّ‬
‫ويسقط الصّوم عن المرضع والحامل ‪ ،‬والمريض ‪ ،‬إذا كان في الصّوم خطر على المرضع‬
‫والحامل ‪ ،‬أو على الرّضيع والجنين ‪ ،‬أو خاف المريض الموت ‪ ،‬أو زيادة المرض ( ر ‪:‬‬
‫صوم ) ‪.‬‬
‫حرَجٍ } وفي تعريض النّفس‬
‫ن َ‬
‫ن مِ ْ‬
‫جعَلَ عََل ْي ُكمْ فِي الدّي ِ‬
‫والصل في ذلك قوله تعالى { َومَا َ‬
‫ي حرج ‪.‬‬
‫والعضاء للخطر ‪ ،‬حرج أ ّ‬
‫وعن ابن عبّاس رضي ال عنهما ‪ :‬في قوله تعالى ‪ { :‬وَإِن كُنتُم ّم ْرضَى أَوْ عَلَى سَ َفرٍ } ‪،‬‬
‫قال ‪ :‬إذا كان بالرّجل الجراحة في سبيل اللّه ‪ ،‬والقروح ‪ ،‬فيخاف أن يموت إن اغتسل تيمّم ‪.‬‬
‫وعن جابر قال ‪ « :‬خرجنا في سفر فأصاب رجلً منّا حجر فشجّه في رأسه ‪ ،‬ثمّ احتلم فسأل‬
‫أصحابه فقال ‪ :‬هل تجدون لي رخص ًة في التّيمّم ؟ فقالوا ‪ :‬ما نجد لك رخصةً وأنت تقدر‬
‫على الماء ‪ .‬فاغتسل فمات ‪ .‬فلمّا قدمنا على النّبيّ صلى ال عليه وسلم أخبر بذلك ‪ ،‬فقال ‪:‬‬
‫قتلوه قتلهم اللّه ‪ ،‬أل سألوا إذ لم يعلموا ؟ فإنّما شفاء العيّ السّؤال ‪ .‬إنّما يكفيه أن يتيمّم ‪،‬‬
‫س ُكمْ }‪.‬‬
‫ويعصب » فاعتبر النّبيّ صلى ال عليه وسلم ذلك قتلً ‪ ،‬واللّه يقول ‪َ { :‬ولَ تَ ْقتُلُواْ أَن ُف َ‬
‫‪ - 4‬ويستثنى من قواعد درء الخطر ‪ ،‬الجهاد ‪ ،‬فيجوز المخاطرة بالنّفس فيه ‪ ،‬لنّه قرّر مع‬
‫المشقّة ‪ .‬وما الجهاد إلّ بذل الوسع ‪ ،‬والطّاقة بالقتال أو المبالغة في القتال ‪ ،‬لهذا حرم انهزام‬
‫مائة من المسلمين عن مائتين من الكفّار في قوله تعالى ‪َ { :‬فإِن َيكُن مّنكُم مّائَ ٌة صَابِرَ ٌة َيغِْلبُواْ‬
‫ِم َئ َتيْنِ } وجاء في الثر « عجب ربّنا من رجل غزا في سبيل اللّه ‪ ،‬فانهزم ‪ -‬يعني أصحابه‬
‫‪ -‬فعلم ما عليه ‪ ،‬فرجع حتّى أهريق دمه ‪ ،‬فيقول اللّه تعالى لملئكته ‪ :‬انظروا إلى عبدي‬
‫رجع رغب ًة فيما عندي ‪ ،‬وشفقةً ممّا عندي ‪ ،‬حتّى أهريق دمه » ‪ ( .‬ر ‪ :‬جهاد ) ‪ .‬ويستثنى‬
‫أيضا دفع الصّائل على النّفس أو المال أو العرض ( ر ‪ :‬صيال ) ‪.‬‬
‫التّعرّض للخطر بإزالة غدّة ‪ ،‬أو عضو متآكل ‪:‬‬
‫‪ - 5‬يحرم على الشّخص قطع غدّة أو عضو متآكل ‪ ،‬إذا كان في القطع خطر على النّفس ‪،‬‬
‫وليس في بقائهما خطر أو زاد خطر القطع ‪ ،‬وإن كانت تشينه ‪ ،‬لنّه قد يؤدّي إلى هلك نفسه‬
‫‪ .‬أمّا إذا لم يكن في إزالتها خطر فله إزالتها ‪ ،‬لزالة الشّين ‪.‬‬
‫ي بل إذن ‪ ،‬فمات‬
‫وإن تساوى الخطران ‪ ،‬أو زاد خطر التّرك فله قطعها ‪ .‬وإن قطعهما أجنب ّ‬
‫المقطوع منه لزمه القصاص ‪ ،‬وكذا السّلطان لتعدّي ك ّل منهما بذلك ‪.‬‬
‫وللب والج ّد قطع الغدّة والعضو المتآكل ‪ ،‬من الصّبيّ والمجنون مع الخطر في القطع إن زاد‬
‫خطر التّرك عليه ‪ ،‬لنّهما يليان صون مالهما عن الضّياع فبدنهما أولى ‪ .‬فإن تساوى الخطر‬
‫والسّلمة ‪ ،‬أو زاد خطر القطع ‪ ،‬ضمنا لعدم جواز القطع ‪ .‬ر ‪ ( :‬ضمان ‪ ،‬وإتلف ) ‪.‬‬
‫عقود المخاطرة ‪:‬‬
‫‪ - 6‬عقود المخاطرة هي ما يتردّد بين الوجود والعدم ‪ ،‬وحصول الرّبح أو عدمه عن طريق‬
‫ظهور رقم معيّن مثلً ‪ ،‬كالرّهان والقمار ‪ .‬ونحوهما السّبق لكنّه مشروع بشروط ‪ ،‬وتفصيل‬
‫ذلك في مصطلحاته ‪.‬‬

‫خفاء *‬
‫التّعريف ‪:‬‬
‫‪ - 1‬الخفاء في اللّغة من خفيت الشّيء أخفيه إذا كتمته أو أظهرته ‪ ،‬فهو من الضداد ‪،‬‬
‫ي ‪ :‬خاف ‪ ،‬ويجمع على خفايا ‪ ،‬وخفي عليه المر يخفى خفاءً ‪ ،‬وخفي الشّيء‬
‫وشيء خف ّ‬
‫يخفى خفاءً بالفتح والمدّ ‪.‬‬
‫وبعضهم يجعل حرف الصّلة فارقا فيقول ‪ :‬خفي عليه ‪ :‬إذا استتر ‪ ،‬وخفي له ‪ :‬إذا ظهر ‪.‬‬
‫والفقهاء يستعملونه بمعنى الستتار وعدم الظّهور ‪ ،‬وهو عند الصوليّين ‪ ،‬يكون في اللفاظ‬
‫الّتي يخفى المراد منها بسبب في الصّيغة أو خارج عنها على ما سيأتي ‪.‬‬
‫اللفاظ ذات الصّلة ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬الشتباه ‪:‬‬
‫‪ - 2‬الشتباه ‪ :‬اللتباس ‪ ،‬واشتبهت المور وتشابهت ‪ ،‬التبست فلم تتميّز ولم تظهر ‪،‬‬
‫والمتشابهات من المور ‪ :‬المشكلت ‪.‬‬
‫والخفاء قد يكون سببا من أسباب الشتباه إمّا لتعدّد المعاني المستعملة للّفظ ‪ ،‬أو لجمال اللّفظ‬
‫واحتياجه إلى البيان وغير ذلك ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬الجهل والجهالة ‪:‬‬
‫‪ - 3‬الجهل والجهالة ‪ :‬عدم العلم بالشّيء ‪.‬‬
‫قال الجرجانيّ ‪ :‬الجهل هو اعتقاد الشّيء على خلف ما هو عليه ‪.‬‬
‫وخفاء الشّيء يترتّب عليه إمّا الجهل بوجوده أصلً ‪ ،‬كمن ينكر وجوب الزّكاة جهلً منه‬
‫لحداثة عهده بالسلم ‪ ،‬وإمّا الجهل بمكان الشّيء ‪ ،‬كمن علم في ثوبه نجاسةً ‪ ،‬وخفي عليه‬
‫مكانها ‪.‬‬
‫ما يتعلّق بالخفاء من أحكام ‪:‬‬
‫أوّلً ‪ :‬عند الصوليّين ‪:‬‬
‫‪ - 4‬يقسّم الصوليّون اللّفظ باعتبار خفاء المعنى ومراتب الخفاء إلى أربعة أقسام ‪:‬‬
‫ي ) بعارض غير‬
‫الوّل ‪ :‬الخفيّ ‪ ،‬وهو ما اشتبه معناه وخفي مراده ( أي الحكم الشّرع ّ‬
‫الصّيغة ‪ ،‬فالخفاء ليس في اللّفظ ‪ ،‬ولكنّه بسبب عارض ‪ ،‬وذلك كقوله تعالى ‪ { :‬وَالسّارِقُ‬
‫طعُواْ َأ ْي ِد َي ُهمَا } فلفظ السّارق ظاهر في كلّ سارق لم يعرف باسم آخر ‪ ،‬لكنّه‬
‫وَالسّارِقَ ُة فَا ْق َ‬
‫بالنّسبة للطّرّار الّذي يسرق بشقّ الثّوب ‪ ،‬وال ّنبّاش فيه نوع من الخفاء ‪ ،‬لختصاص كلّ منهما‬
‫باسم غير السّارق ‪.‬‬
‫ن الخفاء قد يكون لزيادة في المعنى‬
‫وإزالة الخفاء تحتاج إلى نظر وتأمّل ‪ ،‬وبالتّأمّل يظهر أ ّ‬
‫طرّار ‪ ،‬فإنّه سارق كامل يأخذ من حضور المالك ‪ ،‬ويقظته فله‬
‫الّذي تعلّق به الحكم كما في ال ّ‬
‫طرّار حكم السّارق‬
‫ن السّارق يأخذ على سبيل الخفية ‪ ،‬ولذلك يأخذ ال ّ‬
‫مزيّة على السّارق ‪ ،‬ل ّ‬
‫فيقطع ‪ ،‬وهذا باتّفاق ‪.‬‬
‫وقد يكون الخفاء لنقص في المعنى الّذي تعلّق به الحكم كما في ال ّنبّاش الّذي يسرق أكفان‬
‫الموتى ‪ ،‬ففيه شبهة نقصان الحرز ‪ ،‬وعدم الحافظ له ‪ ،‬ولذا اختلف الفقهاء في حكمه فيقطع‬
‫عند الجمهورالمالكيّة والشّافعيّة والحنابلة وأبي يوسف ‪ ،‬ول يقطع عند أبي حنيفة ومحمّد ‪.‬‬
‫‪ -5‬الثّاني ‪ :‬المشكل ‪ :‬وهو اسم لمّا يشتبه المراد منه بدخوله في إشكاله على وجه ل يعرف‬
‫ل بدليل يتميّز به من سائر الشكال ‪.‬‬
‫المراد منه إ ّ‬
‫وقال القاضي أبو زيد ال ّدبّوسيّ ‪ :‬هو الّذي أشكل على السّامع طريق الوصول إلى ما فيه من‬
‫المعاني ‪ ،‬لدقّة المعنى في نفسه ل بعارض ‪.‬‬
‫ل بدليل من‬
‫فالخفاء في المشكل إنّما هو بسبب ذات اللّفظ ‪ ،‬ول يفهم المراد منه ابتداءً إ ّ‬
‫ح ْر َثكُمْ َأنّى‬
‫الخارج ‪ ،‬كاللّفظ المشترك بين معنيين ول معيّن لحدهما ‪ ،‬كقوله تعالى ‪َ { :‬فأْتُو ْا َ‬
‫ش ْئتُمْ } فلفظ { َأنّى } مشترك بين معنيين لستعماله كأين وكيف ‪ ،‬لكن بعد التّأمّل والطّلب‬
‫ِ‬
‫ظهر أنّ المراد ( كيف ) دون ( أين ) بقرينة الحرب ‪ ،‬ودللة تحريم القربان في الذى‬
‫العارض ‪ ،‬وهو الحيض ‪ ،‬فإنّه في الذى اللّازم أولى ‪.‬‬
‫ل ببيان المجمل‬
‫‪ -6‬الثّالث ‪ :‬المجمل ‪ :‬وهو ما خفي المراد منه بنفس اللّفظ خفاءً ل يدرك إ ّ‬
‫كلفظ الصّلة والزّكاة والرّبا ‪ .‬فالسّبيل إلى معرفة المراد منه هو بيان الشّارع ‪ ،‬كالصّلة مثلً‬
‫سنّة المراد بها في قوله صلى ال عليه وسلم ‪ « :‬صلّوا كما رأيتموني أصلّي » ‪.‬‬
‫فقد بيّنت ال ّ‬
‫‪ -7‬الرّابع ‪ :‬المتشابه ‪ :‬وهو ما خفي بنفس اللّفظ ول يرجى دركه أصلً ‪ ،‬كالمقطّعات في‬
‫سنّة ‪.‬‬
‫أوائل السّور وبعض صفات اللّه تعالى الّتي وردت في الكتاب وال ّ‬
‫هذا ‪ ،‬والخفيّ هو أدنى مراتب الخفاء ‪ ،‬وحكمه الطّلب ‪ ،‬أي الفكر القليل لنيل المراد ‪.‬‬
‫ويليه المشكل في الخفاء ‪ ،‬وحكمه التّكلّف والجتهاد في الفكر ‪.‬‬
‫ويليه المجمل ‪ ،‬وحكمه الستفسار وطلب البيان من المجمل ‪.‬‬
‫ويلي ذلك المتشابه ‪ ،‬وهو أشدّ خفا ًء وحكمه التّوقّف والتّسليم والتّفويض للّه ربّ العالمين ‪.‬‬
‫هذا حسب تفصيل الحنفيّة ‪ ،‬وأمّا غيرهم فيجعل ذلك كلّه من قبيل المجمل ‪.‬‬
‫وينظر ما يتعلّق بذلك في الملحق الصوليّ ‪.‬‬
‫ثانيا ‪ :‬عند الفقهاء ‪:‬‬
‫أثر الخفاء في سماع الدّعوى ‪:‬‬
‫‪ - 8‬يشترط في صحّة الدّعوى عدم وقوع التّناقض فيها ‪ ،‬لذلك ل تسمع الدّعوى الّتي يقع‬
‫فيها التّناقض ‪ ،‬إلّ أنّ التّناقض يغتفر فيما كان مبنيّا على الخفاء ‪ ،‬ففي المادّة ( ‪ ) 1655‬من‬
‫مجلّة الحكام العدليّة ‪ :‬يعفى التّناقض إذا ظهرت معذرة المدّعي وكان محلّ خفاء ‪.‬‬
‫ومن أمثلة ذلك ما أفتى به في الحامديّة من أنّه إذا مات زيد عن ورثة بالغين وخلّف حصّةً‬
‫ن مورّثهم المذكور‬
‫من دار وصدّق الورثة أنّ بقيّة الدّار لفلن وفلن ‪ ،‬ثمّ ظهر وتبيّن أ ّ‬
‫اشترى بقيّة الدّار من ورثة فلن وفلن في حال صغر المصدّقين وأنّه خفي عليهم ذلك ‪،‬‬
‫ن هذا تناقض في محلّ الخفاء فيكون عفوا ‪.‬‬
‫تسمع دعواهم ; ل ّ‬
‫ومن ذلك دعوى النّسب ‪ ،‬أو الح ّريّة ‪ ،‬أو الطّلق ‪ ،‬لنّ النّسب مبنيّ على أمر خفيّ وهو‬
‫العلوق من المدّعي ‪ ،‬إذ هو ممّا يغلب خفاؤه على النّاس ‪ ،‬فالتّناقض في مثله غير معتبر ‪،‬‬
‫والطّلق ينفرد به الزّوج ‪ ،‬والح ّريّة ينفرد بها المولى ‪.‬‬
‫ومن ذلك ‪ :‬المدين بعد قضاء الدّين لو برهن على إبراء الدّائن له ‪.‬‬
‫والمختلعة بعد أداء بدل الخلع لو برهنت على طلق الزّوج قبل الخلع وغير ذلك ‪.‬‬
‫ل ما كان مبنيّا على الخفاء فإنّه يعفى فيه عن التّناقض ‪.‬‬
‫وهكذا ك ّ‬
‫هذا هو الصّحيح من مذهب الحنفيّة كما أفتى به في الحامديّة ‪ ،‬وهو قول الكثرين من فقهاء‬
‫مذهب المالكيّة ‪ ،‬ومنهم من فرّق بين الصول والدّين فتقبل البيّنة في الصول ‪ ،‬ول تقبل في‬
‫الدّين ‪.‬‬
‫ح ل تقبل للمناقضة ‪.‬‬
‫ن البيّنة تقبل للعذر ‪ ،‬ومقابل الص ّ‬
‫ح عند الشّافعيّة أ ّ‬
‫والص ّ‬
‫أمّا الحنابلة فل تسمع البيّنة عندهم بعد النكار ‪ .‬أمّا إن قال ‪ :‬ما أعلم لي بيّنةً ‪ ،‬ثمّ أتى ببيّنة‪،‬‬
‫سمعت ‪ ،‬لنّه يجوز أن تكون له بيّنة لم يعلمها ثمّ علمها ‪.‬‬
‫وهذا في الجملة ‪ ،‬وينظر تفصيل ذلك في ( دعوى ) ‪.‬‬
‫خفاء النّجاسة ‪:‬‬
‫‪ - 9‬طهارة البدن والثّوب والمكان شرط لصحّة الصّلة ‪ ،‬وإذا أصابت النّجاسة شيئا من ذلك‬
‫وجب إزالتها بغسل الجزء الّذي أصابته النّجاسة ‪ ،‬وهذا إذا علم مكانه ‪.‬‬
‫أمّا إذا خفي موضع النّجاسة ولم يعلم في أيّ جزء هي ‪ ،‬فبالنّسبة للثّوب والبدن يجب غسل‬
‫الثّوب كلّه أو البدن كلّه ‪.‬‬
‫وهذا عند الجمهور ولهم أنّه متيقّن للمانع من الصّلة ‪ ،‬والنّضح ل يزيل النّجاسة ‪.‬‬
‫وفي قول عند الحنفيّة ‪ :‬إذا غسل موضعا من الثّوب يحكم بطهارة الباقي ‪ ،‬قال الكاسانيّ ‪:‬‬
‫وهذا غير سديد ‪ ،‬لنّ موضع النّجاسة غير معلوم ‪ ،‬وليس البعض أولى من البعض ‪ ،‬وهذا‬
‫القول " وهو غسل موضع من الثّوب " حكاه صاحب البيان وجها عن ابن سريج من الشّافعيّة‬
‫‪ ،‬وعلّله بأنّه يشكّ بعد ذلك في نجاسته والصل طهارته ‪ ،‬قال النّوويّ ‪ :‬وهذا ليس بشيء ‪،‬‬
‫لنّه تيقّن النّجاسة في هذا الثّوب وشكّ في زوالها ‪.‬‬
‫وقال عطاء والحكم وحمّاد ‪ :‬إذا خفيت النّجاسة في الثّوب ‪ ،‬نضحه كلّه ‪ ،‬وقال ابن شبرمة ‪:‬‬
‫يتحرّى مكان النّجاسة فيغسله ‪.‬‬
‫قال ابن قدامة ‪ :‬ولعلّهم يحتجّون بحديث سهل بن حنيف في المذي عن النّبيّ صلى ال عليه‬
‫وسلم قال ‪ « :‬قلت ‪ :‬يا رسول اللّه كيف بما يصيب ثوبي منه ؟ قال ‪ :‬يكفيك أن تأخذ كفّا من‬
‫ماء فتنضح به ثوبك حيث ترى أنّه أصاب منه » ‪ .‬فأمره بالتّحرّي والنّضح ‪.‬‬
‫‪ - 10‬وأمّا بالنّسبة للمكان فعند الشّافعيّة والحنابلة إن كانت النّجاسة في مكان صغير كمصلّى‬
‫صغير وبيت ‪ ،‬وخفي مكانها ‪ ،‬لم يجز أن يصلّي فيه حتّى يغسله كلّه ‪ ،‬إذ الصل بقاء‬
‫النّجاسة ما بقي جزء منها ‪ ،‬وإن كان المكان واسعا كالفضاء الواسع والصّحراء ل يجب‬
‫ن ذلك يشقّ عليه ‪ ،‬ويصلّي حيث شاء ‪ ،‬لنّه لو منع من الصّلة أفضى إلى أن ل‬
‫غسله ‪ ،‬ل ّ‬
‫ن كما قال الشّافعيّة ‪ ،‬قالوا ‪ :‬وله أن يصلّي‬
‫يجد موضعا يصلّي فيه ‪ ،‬ول يجب الجتهاد بل يس ّ‬
‫فيه بل اجتهاد ‪.‬‬
‫وللمالكيّة قولن في الرض الّتي أصابتها النّجاسة ولم يعلم مكانها ‪ :‬قول بالغسل حكاه ابن‬
‫عرفة اتّفاقا ‪ ،‬وقول بالنّضح وهو ظاهر المدوّنة ولم يفرّقوا بين المكان الضّيّق والرض‬
‫الواسعة ‪.‬‬
‫ولم نطّلع للحنفيّة على حكم في ذلك إلّ أنّهم يقولون ‪ :‬إنّ الرض تطهر بالجفاف وتجوز‬
‫الصّلة عليها ‪ ،‬واستدلّوا بما رواه أبو داود بسنده عن « ابن عمر رضي ال عنهما قال ‪:‬‬
‫كنت أبيت في المسجد في عهد رسول اللّه صلى ال عليه وسلم وكنت فتىً شابّا عزبا وكانت‬
‫الكلب تبول وتقبل وتدبر في المسجد فلم يكونوا يرشّون شيئا من ذلك » ‪.‬‬
‫قال ابن الهمام ‪ :‬فلول اعتبارها تطهر بالجفاف كان ذلك تبقيةً لها بوصف النّجاسة مع العلم‬
‫بأنّهم يقومون عليها في الصّلة إذ ل بدّ منه مع صغر المسجد وعدم من يتخلّف للصّلة في‬
‫بيته ‪ ،‬وكون ذلك يكون في بقاع كثيرة من المسجد ‪ ،‬ل في بقعة واحدة ‪ ،‬حيث كانت تقبل‬
‫وتدبر وتبول ‪ .‬ولو أصابت النّجاسة أحد الكمّين في الثّوب ولم يعلم في أيّ كمّ هي وجب‬
‫غسلهما جميعا ‪ ،‬وهذا عند الحنفيّة والحنابلة ‪ ،‬وهو المذهب عند المالكيّة ‪ ،‬وفي وجه عند‬
‫الشّافعيّة ‪ ،‬قاله أبو إسحاق ‪.‬‬
‫ي من المالكيّة ‪ :‬يتحرّى من الكمّين أحدهما فيغسله ‪ ،‬كالثّوبين إذا تنجّس‬
‫وقال ابن العرب ّ‬
‫ن محلّ الخلف عند المالكيّة إذا اتّسع الوقت لغسل الكمّين ووجد من‬
‫أحدهما ولم يعلمه ‪ ،‬لك ّ‬
‫الماء ما يغسلهما معا ‪ ،‬فإن لم يسع الوقت إلّ غسل واحد ‪ ،‬أو لم يجد من الماء إلّ ما يغسل‬
‫واحدا ‪ ،‬تحرّى واحدا يغسله فقط اتّفاقا ‪ ،‬ثمّ يغسل الثّاني بعد الصّلة إذا ضاق الوقت ‪ ،‬أو‬
‫عند وجود الماء ‪ ،‬فإن لم يسع الوقت غسل واحد أو لم يسع التّحرّي صلّى بدون غسل ‪ ،‬لنّ‬
‫المحافظة على الوقت أولى من المحافظة على الطّهارة من الخبث ‪.‬‬
‫والوجه الثّاني عند الشّافعيّة ‪ :‬يتحرّى لنّهما عينان متميّزتان فهما كالثّوبين ‪ .‬قاله أبو العبّاس‬
‫‪ .‬وما مضى من الحكم في خفاء النّجاسة في الثّوب أو البدن ‪ ،‬أو المكان ‪ ،‬هو مع العلم‬
‫بوجود النّجاسة وخفاء موضعها من الثّوب ‪ ،‬أو البدن ‪ ،‬أو المكان ‪ ،‬فإن شكّ في وجود‬
‫شكّ ل يرفع اليقين ‪ ،‬وهذا‬
‫النّجاسة مع تيقّن سبق الطّهارة جازت الصّلة دون غسل ‪ ،‬لنّ ال ّ‬
‫عند الحنفيّة والشّافعيّة والحنابلة ‪.‬‬
‫شكّ في نجاسة البدن ونجاسة غيره من ثوب ‪ ،‬أو حصير مثلً ‪،‬‬
‫أمّا المالكيّة فيفرّقون بين ال ّ‬
‫فيوجبون غسل البدن ‪ ،‬لنّه ل يفسد بذلك ويوجبون نضح الثّوب والحصير ‪ ،‬لنّه قد يفسد‬
‫بذلك ‪ ،‬وإن غسل فقد فعل الحوط ‪ .‬وهذا في الجملة ‪.‬‬
‫خفاء العيب في المبيع ‪:‬‬
‫‪ - 11‬من الخيارات المعروفة خيار العيب ‪ ،‬أو خيار النّقيصة كما يسمّيه بعض الفقهاء ‪ ،‬وهو‬
‫خيار يثبت للمشتري حقّ ال ّردّ عند ظهور عيب معتبر في المبيع إذا توافرت الشّروط الّتي‬
‫حدّدها الفقهاء ‪ ،‬لنّ سلمة المبيع شرط في العقد دلل ًة ‪.‬‬
‫ومن العيوب ما هو ظاهر كالعمى والصبع الزّائدة ‪ ،‬ومنها ما هو خفيّ كوجع الكبد والطّحال‬
‫والباق والسّرقة ‪ ،‬والعيوب الخفيّة كالظّاهرة في إثبات حقّ الخيار للمشتري بالشّروط الّتي‬
‫ذكرها الفقهاء ‪ ،‬كجهل المشتري بالعيب ‪ ،‬وألّ يكون البائع قد اشترط البراءة من العيب‬
‫وثبوت العيب عند المشتري ‪ .‬إلخ ‪ .‬مع مراعاة تفصيل المذاهب في هذه الشّروط ‪.‬‬
‫وممّا يعتبر من العيوب الخفيّة العيب الّذي يكون في جوف المأكول كالبطّيخ ‪ ،‬والجوز ‪،‬‬
‫والبيض ول يعرف إلّ بكسره ‪ ،‬فعند الحنفيّة من اشترى شيئا من ذلك فكسره فوجده فاسدا ‪،‬‬
‫فإن كان ينتفع به ‪ ،‬ولو علفا للدّوابّ ‪ ،‬فله أرش العيب ‪ ،‬إلّ إذا رضي البائع به ‪ ،‬وإن لم‬
‫ينتفع به أصلً رجع بكلّ الثّمن لبطلن البيع لنّه ليس بمال ‪ ،‬وإذا كان لقشره قيمة كبيض‬
‫النّعام رجع بنقصان العيب ‪.‬‬
‫وقال المالكيّة ‪ :‬ل يردّ البيع بظهور عيب باطن ل يطّلع عليه إلّ بتغيّر في ذاته حيوانا كان أو‬
‫غيره ‪ ،‬كغشّ بطن الحيوان ‪ ،‬وسوس الخشب ‪ ،‬وفساد بطن الجوز ‪ ،‬والبندق ‪ ،‬والتّين ‪،‬‬
‫ومرارة الخيار ‪ ،‬وبياض البطّيخ ‪ ،‬ول قيمة لما اشتراه ‪ ،‬ويردّ البيض لظهور عيبه لنّه يطّلع‬
‫عليه بدون كسره لنّه ممّا يعلم فساده قبل كسره ‪ ،‬فإن كسره المشتري ردّه مكسورا ورجع‬
‫بجميع ثمنه ‪ ،‬وهذا إذا كسره بحضرة بائعه ‪ ،‬فإن كسره بعد أيّام فل يردّه ‪ ،‬لنّه ل يدري‬
‫أفسد عند البائع أم عند المشتري ‪ ،‬وقال ابن حبيب فيما ل يردّ كعيب وجود السّوس في‬
‫الخشب وفساد بطن الجوز ‪ :‬ل يردّ إن كان من أصل الخلقة ‪ ،‬ويردّ إن كان طارئا ‪.‬‬
‫وقال الشّافعيّة ‪ :‬ما لقشره قيمة كبيض النّعام يردّ ول أرش في الظهر ‪ ،‬والثّاني يردّ ولكن‬
‫يردّ معه الرش ‪ ،‬والثّالث ل يردّ أصلًا كما في سائر العيوب الحادثة ويرجع المشتري بأرش‬
‫العيب أو يغرم أرش الحادثة ‪ ،‬أمّا ما ل قيمة له فيتعيّن فيه فساد البيع لوروده على غير متقوّم‬
‫‪.‬‬
‫وقال الحنابلة ‪ :‬إن كسر المشتري ما ليس لمكسوره قيمة ‪ ،‬كبيض الدّجاج ‪ ،‬رجع بثمنه لتبيّن‬
‫فساد العقد من أصله ‪ ،‬وإن وجد البعض فاسدا رجع بقسطه من الثّمن ‪ ،‬وإن كان لمكسوره‬
‫قيمة ‪ ،‬كبيض النّعام وجوز الهند ‪ ،‬خيّر المشتري بين إمساكه وأخذ أرش نقصه ‪ ،‬وبين ردّه‬
‫مع أرش كسره وأخذ ثمنه ‪.‬‬
‫ظهور دين خفيّ على التّركة ‪:‬‬
‫‪ - 12‬إذا اقتسم الورثة التّركة ثمّ ظهر دين على الميّت بعد القسمة ‪ ،‬فإن قضى الورثة الدّين‬
‫مضت القسمة ول تنقض ‪ ،‬وإن امتنعوا من الداء يطلب نقض القسمة ‪.‬‬
‫وهذا في الجملة ‪ ،‬وينظر التّفصيل في ( قسمة ‪ ،‬ودين ) ‪.‬‬

‫خفارة *‬
‫التّعريف ‪:‬‬
‫‪ - 1‬الخفارة في اللّغة من خفر الرّجل وخفر به وعليه يخفر خفرا ‪ :‬أجاره ومنعه وأمّنه ‪،‬‬
‫وكان له خفيرا يمنعه ‪ ،‬وخفرت الرّجل ‪ :‬أجرته وحفظته وخفرته ‪ :‬إذا كنت له خفيرا ‪ ،‬أي‬
‫ضمّ ‪ ،‬والخفارة ‪ :‬ال ّذمّة والعهد ‪ ،‬والمان ‪ ،‬والحراسة‬
‫حاميا وكفيلً ‪ ،‬والسم الخفارة بالفتح وال ّ‬
‫‪ ،‬والخفار ‪ :‬انتهاك ال ّذمّة ‪ ،‬يقال ‪ :‬أخفرت الرّجل إذا نقضت عهده وذمامه ‪ ،‬والهمزة فيه‬
‫للزالة ‪ ،‬أي أزلت خفارته كأشكيته إذا أزلت شكايته ‪ .‬والخَفارة والخُفارة والخِفارة أيضا ‪:‬‬
‫جعْل الخفير ‪ .‬والخفير ‪ :‬الحارس ‪ ،‬والخفارة حرفة الخفير ‪.‬‬
‫ُ‬
‫ول يخرج استعمال الفقهاء له عن المعنى اللّغويّ ‪.‬‬
‫ويستعمل الفقهاء أيضا لفظ ال َبذْرقة ‪ -‬بفتح الموحّدة وسكون الذّال المعجمة ‪ -‬قيل معرّبة ‪:‬‬
‫وقيل مولّدة ‪ :‬ومعناها الخفارة ‪ ،‬أي جعل الخفير ‪ ،‬وقال النّوويّ ‪ :‬هي الخفير الّذي يحفظ‬
‫الحجّاج ‪ .‬وفي المصباح ‪ :‬هي الجماعة الّتي تتقدّم القافلة للحراسة ‪.‬‬
‫الحكم التّكليفيّ ‪:‬‬
‫‪ - 2‬الخفارة بمعنى الحفظ والحراسة ‪ ،‬قد تكون واجب ًة كحراسة طائفة من الجيش للخرى‬
‫الّتي تصلّي صلة الخوف إذا أقيمت هذه الصّلة لقوله تعالى ‪ { :‬وَِإذَا كُنتَ فِيهِمْ َفَأ َقمْتَ َل ُهمُ‬
‫جدُو ْا فَ ْليَكُونُواْ مِن َورَآ ِئكُمْ وَ ْل َتأْتِ طَآئِفَةٌ‬
‫سَ‬‫ح َت ُهمْ َفإِذَا َ‬
‫خذُواْ َأسِْل َ‬
‫الصّلَةَ فَ ْلتَ ُقمْ طَآئِفَ ٌة ّم ْنهُم ّم َعكَ وَ ْل َي ْأ ُ‬
‫حتَ ُهمْ } ‪.‬‬
‫ح ْذرَهُمْ وََأسِْل َ‬
‫خرَى َل ْم يُصَلّو ْا فَ ْليُصَلّو ْا َم َعكَ وَ ْل َي ْأخُذُو ْا ِ‬
‫ُأ ْ‬
‫وقد تكون مستحبّةً ‪ ،‬كالحراسة والمرابطة في الثّغور ‪.‬‬
‫وقد تكون جائزةً ‪ ،‬كمن يؤجّر نفسه للحراسة في عمل غير محرّم ‪.‬‬
‫وينظر تفصيل ذلك في ‪ ( :‬حراسة ‪ ،‬إجارة ‪ ،‬جهاد ‪ ،‬صلة الخوف ) ‪.‬‬
‫أمّا الخفارة بمعنى المان وال ّذمّة فالصل أنّه يجوز عقد المان بين المسلمين والكفّار إذا كان‬
‫ذلك في مصلحة المسلمين ‪.‬‬
‫ويجب إعطاء المان لمن طلبه ممّن يريد التّعرّف على شرائع السلم ‪ ،‬قال ابن قدامة ‪ :‬ل‬
‫نعلم في هذا خلفا ‪ ،‬وكتب عمر بن عبد العزيز بذلك إلى النّاس ‪ ،‬وذلك لقوله تعالى ‪ { :‬وَِإنْ‬
‫لمَ الّلهِ ُثمّ َأبِْل ْغهُ َم ْأ َمنَ ُه } ‪.‬‬
‫سمَعَ كَ َ‬
‫حتّى َي ْ‬
‫جرْهُ َ‬
‫س َتجَا َركَ فََأ ِ‬
‫ن ا ْل ُمشْ ِركِينَ ا ْ‬
‫حدٌ مّ َ‬
‫َأ َ‬
‫وينظر تفصيل ذلك في ( أمان ‪ ،‬جهاد ) ‪.‬‬
‫أوّلً ‪ :‬الخفارة " بمعنى الجعُل ‪ ،‬أو الحراسة‬
‫يذكر الفقهاء الخفارة بمعنى الجعل ‪ ،‬أو الحراسة في بعض المواضع ‪ ،‬ومنها ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬في الحجّ ‪:‬‬
‫ج‪.‬‬
‫‪ - 3‬يقرّر الفقهاء أنّ أمن الطّريق من أنواع الستطاعة الّتي هي من شروط الح ّ‬
‫ص ‪ ،‬أو مكّاس ‪ ،‬أو غيرهم ممّن يطلب الموال من‬
‫فإذا كان في الطّريق عدوّ ‪ ،‬أو ل ّ‬
‫الحجّاج ‪ ،‬أو كان الطّريق غير آمن واحتاج الحجّاج إلى خفير يحرسهم بالجر ‪ ،‬فهل يعتبر‬
‫ج أم ل ؟‬
‫ذلك عذرا يسقط به الح ّ‬
‫أمّا الحكم بالنّسبة للخفارة الّتي يطلبها اللّصوص أو غيرهم فهو أنّه ل تعتبر عذرا يسقط به‬
‫الحجّ ‪ ،‬وذلك على القول المعتمد المفتى به عند الحنفيّة ‪ ،‬وهو مذهب المالكيّة وقول ابن حامد‬
‫والموفّق والمجد من الحنابلة ‪ ،‬لكن بشرط أن يكون ما يدفع يسيرا ل يجحف ‪ ،‬وبأن يأمن‬
‫ن ما‬
‫باذل الخفارة الغدر من المبذول له بأن يعلم بحكم العادة أنّه ل يعود إلى الخذ ثانيا ‪ ،‬ل ّ‬
‫ل يجحف مع المن بعدم الخذ ثانيًا يعتبر غرامة يقف إمكان الحجّ على بذلها ‪ ،‬فلم يمنع‬
‫وجوب الحجّ مع إمكان بذلها كثمن الماء وعلف البهائم ‪.‬‬
‫وعند الشّافعيّة وهو القول الثّاني للحنفيّة وجمهور الحنابلة ‪ :‬ل يجب الحجّ ولو كان ما يدفع‬
‫ن في الدّفع تحريضا على‬
‫يسيرا لنّه رشوة فل يلزم بذلها في العبادة كالكثير الّذي يدفع ‪ ،‬ول ّ‬
‫الطّلب ‪.‬‬
‫وأمّا الحكم بالنّسبة لستئجار خفير للحراسة بالجر فعلى القول المعتمد المفتى به عند الحنفيّة‬
‫ن ابن عرفة من‬
‫ح عند الشّافعيّة أنّه ل يسقط الحجّ بذلك ‪ ،‬لك ّ‬
‫وهو مذهب المالكيّة ‪ ،‬وهو الص ّ‬
‫المالكيّة اشترط أن تكون الجرة ل تجحف بالمال ‪ ،‬وقال الشّافعيّة ‪ :‬إن كان ذلك بأجرة المثل‬
‫لزمهم إخراجها ‪ ،‬لنّها من أهبة النّسك فيشترط في وجوبه القدرة عليها ‪ .‬وهو ظاهر مذهب‬
‫الحنابلة ‪.‬‬
‫ح عند الشّافعيّة ل يجب استئجار من يحرس ‪،‬‬
‫وعلى القول الثّاني عند الحنفيّة ومقابل الص ّ‬
‫ن أمن الطّريق‬
‫ن سبب الحاجة إلى ذلك خوف الطّريق وخروجها عن العتدال ‪ ،‬وقد ثبت أ ّ‬
‫لّ‬
‫شرط ‪ ،‬ولنّ لزوم أجرة الخفارة خسران لدفع الظّلم ‪ ،‬وهو بمنزلة ما زاد على ثمن المثل‬
‫وأجرته في الزّاد والرّاحلة ‪ ،‬وهو قول جماهير العراقيّين والخراسانيّن من الشّافعيّة ‪.‬‬
‫وينظر تفصيل ذلك في ‪ ( :‬حجّ ) ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬تضمين الخفراء ‪:‬‬
‫ل أن يتعدّى‬
‫‪ - 4‬يرى جمهور الفقهاء عدم تضمين الخفراء " الحرّاس " ‪ ،‬لنّ الخفير أمين إ ّ‬
‫أو يفرّط ‪.‬‬
‫قال الدّردير ‪ :‬حارس الدّار أو البستان أو الطّعام أو الثّياب ل ضمان عليه ‪ ،‬لنّه أمين إلّ أن‬
‫يتعدّى أو يفرّط ول عبرة بما شرط أو كتب على الخفراء في الحارات والسواق من‬
‫الضّمان‪.‬‬
‫ن أصل المذهب عدم تضمين الخفراء والحرّاس والرّعاة ‪ ،‬واستحسن‬
‫قال الدّسوقيّ ‪ :‬اعلم أ ّ‬
‫بعض المتأخّرين تضمينهم نظرا لكونه من المصالح العامّة ‪.‬‬
‫وهذا في الجملة وينظر التّفصيل في ‪ ( :‬إجارة ‪ ،‬حراسة ‪ ،‬ضمان ) ‪.‬‬
‫ثانيا ‪ -‬الخفارة " بمعنى ال ّذمّة والمان والعهد ‪:‬‬
‫ن المسلم‬
‫‪ - 5‬أ ‪ -‬الخفارة بمعنى ال ّذمّة والعهد والمان قد تكون بين اللّه وبين عباده ‪ ،‬وذلك أ ّ‬
‫يكون في خفارة اللّه ‪ ،‬أي أمانه وذمّته ما دام مطيعا فإذا عصى اللّه فقد غدر ‪ .‬يروي‬
‫البخاريّ في هذا المعنى قول النّبيّ صلى ال عليه وسلم ‪ « :‬من صلّى صلتنا واستقبل قبلتنا‬
‫وأكل ذبيحتنا فذلك المسلم الّذي له ذمّة اللّه وذمّة رسوله فل تخفروا اللّه في ذمّته » ‪،‬‬
‫والمعنى ‪ :‬ل تغدروا فمن غدر ترك اللّه حمايته ‪ ،‬قال ابن حجر ‪ :‬وقد أخذ بمفهوم الحديث‬
‫من ذهب إلى قتل تارك الصّلة ‪.‬‬
‫وروى مسلم في صحيحه قول النّبيّ صلى ال عليه وسلم ‪ « :‬من صلّى الصّبح فهو في ذمّة‬
‫اللّه ‪ ،‬فل يطلبنكم اللّه من ذمّته بشيء فيدركه فيكبّه في نار جهنّم » ‪.‬‬
‫قال القاضي عياض ‪ :‬المراد نهيهم عن التّعرّض لما يوجب المطالبة ‪ ،‬والمعنى ‪ :‬من صلّى‬
‫الصّبح فهو في ذمّة اللّه فل تتعرّضوا له بشيء فإن تعرّضتم فاللّه يدرككم ‪ ،‬وقيل ‪ :‬المعنى ل‬
‫تتركوا صلة الصّبح فينتقض العهد الّذي بينكم وبين اللّه عزّ وجلّ ويطلبكم به وخصّ الصّبح‬
‫بالذّكر لما فيه من المشقّة ‪.‬‬
‫‪ -6‬ب ‪ -‬الخفارة بمعنى المان والعهد الّذي يكون بين النّاس ‪ ،‬وقد ورد في هذا قول النّبيّ‬
‫صلى ال عليه وسلم ‪ « :‬ذمّة المسلمين واحدة يسعى بها أدناهم ‪ ،‬فمن أخفر مسلمًا فعليه لعنة‬
‫س َتجَا َركَ‬
‫ن ا ْل ُمشْ ِركِينَ ا ْ‬
‫حدٌ مّ َ‬
‫ن َأ َ‬
‫اللّه والملئكة والنّاس أجمعين » ‪ .‬وقال اللّه تعالى ‪ { :‬وَإِ ْ‬
‫لمَ الّلهِ ُث ّم َأبِْلغْهُ َم ْأ َمنَ ُه }‪.‬‬
‫سمَعَ كَ َ‬
‫حتّى َي ْ‬
‫جرْ ُه َ‬
‫َفأَ ِ‬
‫قال الفقهاء ‪ :‬إذا أعطي المان لهل الحرب حرم قتلهم ‪ ،‬وأخذ أموالهم ‪ ،‬والتّعرّض لهم ‪،‬‬
‫ن إخفار العهد حرام ‪ .‬ومن طلب المان ليسمع كلم اللّه ‪ ،‬ويعرف شرائع السلم وجب‬
‫لّ‬
‫أن يعطاه ث ّم يردّ إلى مأمنه ‪ .‬وفي ذلك تفصيل ينظر في ‪ ( :‬أمان ‪ ،‬جهاد ) ‪.‬‬

‫خفاض *‬
‫انظر ‪ :‬ختان ‪.‬‬

‫خفّ *‬
‫انظر ‪ :‬مسح على الخفّين ‪.‬‬

‫خفّاش *‬
‫انظر ‪ :‬أطعمة ‪.‬‬

‫خفية *‬
‫التّعريف ‪:‬‬
‫‪ - 1‬الخفية في اللّغة بض ّم الخاء وكسرها أصلها من خفيت الشّيء أخفيه أي سترته أو‬
‫أظهرته فهو من الضداد ‪ .‬وخفي الشّيء يخفى خفاءً إذا استتر ‪ .‬ويقال ‪ :‬فعلته خفيةً إذا‬
‫سترته ‪ ،‬قال اللّيث ‪ :‬الخفية من قولك ‪ :‬أخفيت الشّيء ‪ :‬أي سترته ‪ ،‬ولقيته خفيا أي سرّا وفي‬
‫ضرّعا َوخُ ْفيَةً } ‪.‬‬
‫التّنزيل ‪ { :‬ادْعُو ْا َر ّبكُمْ َت َ‬
‫وفي الصطلح تطلق على السّتر والكتمان دون الظهار ‪.‬‬
‫اللفاظ ذات الصّلة ‪:‬‬
‫الختلس ‪:‬‬
‫‪ - 2‬الختلس ‪ :‬السّلب بسرعة على غفلة ‪ ،‬ولهذا يقال ‪ :‬الفرصة خلسة ‪.‬‬
‫وخلست الشّيء خلسا إذا اختطفته بسرعة على غفلة ‪ .‬واختلسته كذلك ‪ .‬فالمختلس يأخذ المال‬
‫عيانا ويعتمد الهرب ‪ ،‬بخلف السّارق الّذي يأخذه خفي ًة ‪.‬‬
‫الحكم الجماليّ ومواطن البحث ‪:‬‬
‫أوّلً ‪ :‬الخفية في الدّعاء ‪:‬‬
‫‪ - 3‬ذهب جمهور الفقهاء إلى أنّ الدّعاء خفي ًة أفضل منه جهرًا ‪ ،‬لقوله تعالى ‪ { :‬ادْعُواْ َر ّب ُكمْ‬
‫َتضَرّعا َوخُ ْفيَةً } ‪ .‬قال القرطبيّ ‪ :‬تضرّعا ‪ :‬أن تظهروا التّذلّل ‪ ،‬وخفي ًة ‪ :‬أن تبطنوا مثل ذلك‬
‫ل عباده بالدّعاء ‪ ،‬وقرن بالمر صفات يحسن معها الدّعاء ‪ ،‬منها الخفية‬
‫‪ ،‬فأمر اللّه عزّ وج ّ‬
‫ومعنى خفي ًة ‪ :‬سرّا في النّفس ليبعد عن الرّياء ‪.‬‬
‫وبذلك أثنى على نبيّه زكريّا عليه السلم إذ قال ‪ { :‬إذْ نَادَى َربّهُ ِندَا ًء خَ ِفيّا } ونحوه قول النّبيّ‬
‫صلى ال عليه وسلم ‪ « :‬خير الذّكر الخفيّ ‪ ،‬وخير الرّزق ما يكفي » ‪.‬‬
‫س ّر فيما لم يفرض من أعمال البرّ أعظم أجرًا من الجهر ‪،‬‬
‫ومن المعلوم في الشّريعة أنّ ال ّ‬
‫وأنّ إخفاء عبادات التّطوّع أولى من الجهر بها لنفي الرّياء عنها ‪ ،‬بخلف الواجبات ‪ ،‬لنّ‬
‫الفرائض ل يدخلها الرّياء ‪ ،‬والنّوافل عرضة للرّياء ‪.‬‬
‫ن الجهر به أولى‬
‫واستثنى الفقهاء من ذلك أمورا منها ‪ :‬التّلبية يوم عرفة ‪ ،‬فقد نصّوا على أ ّ‬
‫من الخفية على أن ل يفرّط في الجهر به ‪.‬‬
‫ثانيا ‪ :‬الخفية في السّرقة ‪:‬‬
‫‪ - 4‬اتّفق الفقهاء على أنّ الخذ على سبيل الستخفاء ركن من أركان السّرقة الموجبة للحدّ‪.‬‬
‫فقد عرّفوا السّرقة بأنّها ‪ :‬أخذ العاقل البالغ نصابا محرّزا ملكا للغير ل شبهة فيه على وجه‬
‫الخفية ‪ .‬ومع اختلف عبارات الفقهاء في تعريف السّرقة وشروطها فإنّهم ل يختلفون في‬
‫اشتراط أن يكون الخذ على وجه الخفية ‪ ،‬وإلّ ل يعتبر الخذ سرق ًة ‪ ،‬فل قطع على‬
‫منتهب ‪ ،‬ول على مختلس ول على خائن ‪ ،‬كما ورد عن النّبيّ صلى ال عليه وسلم أنّه قال‬
‫‪ « :‬ليس على خائن ول منتهب ‪ ،‬ول مختلس قطع » ‪.‬‬
‫والمختلس والمنتهب يأخذان المال عيانا ويعتمد الوّل الهرب ‪ ،‬والثّاني القوّة والغلبة ‪ ،‬فيدفعان‬
‫بالسّلطان وغيره ‪ ،‬بخلف السّارق لخذه خفيةً فيشرع قطعه زجرا ‪.‬‬
‫وفي تحقّق هذا الرّكن من كون الخفية ابتداءً وانتهاءً معا ‪ ،‬أو ابتداءً فقط وكذلك في سائر‬
‫الركان والشّروط بيان وتفصيل ‪ ،‬وفي بعض الفروع خلف بين الفقهاء ينظر في مصطلح ‪:‬‬
‫( سرقة ) ‪.‬‬
‫خل *‬
‫انظر ‪ :‬كل ‪.‬‬

‫خلء *‬
‫التّعريف ‪:‬‬
‫‪ - 1‬الخلء لغ ًة من خل المنزل أو المكان من أهله يخلو خلوّا وخلءً إذا لم يكن فيه أحد ول‬
‫شيء فيه ‪ .‬ومكان خلء ل أحد به ول شيء فيه ‪.‬‬
‫والخلء بالمدّ مثل الفضاء والبراز من الرض ‪.‬‬
‫والخلء بالمدّ في الصل المكان الخالي ثمّ نقل إلى الباء المعدّ لقضاء الحاجة عرفا ‪ ،‬وجمعه‬
‫أخلية ‪ .‬ويسمّى أيضا الكنيف والمرفق والمرحاض ‪ .‬والتّخلّي هو قضاء الحاجة ‪.‬‬
‫وفي الحديث ‪ « :‬كان أناس ‪ -‬من الصّحابة ‪ -‬يستحيون أن يتخلّوا فيفضوا إلى السّماء » ‪،‬‬
‫أي يستحيون أن ينكشفوا عند قضاء الحاجة تحت السّماء ‪.‬‬
‫الحكم الجماليّ ‪:‬‬
‫‪ - 2‬ذكر الفقهاء للتّخلّي آدابا عديد ًة منها ‪:‬‬
‫ن الشّخص المتخلّي يقدّم ندبا رجله اليسرى عند دخول الخلء قائلً ‪ :‬بسم اللّه ‪ ،‬اللّهمّ إنّي‬
‫أّ‬
‫أعوذ بك من الخبث والخبائث لما روي عن أنس رضي ال عنه ‪ « :‬أنّ النّبيّ صلى ال عليه‬
‫وسلم كان إذا دخل الخلء قال ‪ :‬اللّهمّ إنّي أعوذ بك من الخبث والخبائث » ‪.‬‬
‫وتنظر الحكام المتعلّقة بالخلء تحت مصطلح ‪ ( :‬قضاء الحاجة ) ‪.‬‬

‫خلف *‬
‫انظر ‪ :‬اختلف ‪.‬‬

‫خلفة *‬
‫انظر ‪ :‬إمامة كبرى ‪.‬‬

‫خلط *‬
‫التّعريف ‪:‬‬
‫‪ - 1‬الخلط في اللّغة مصدر خلط الشّيء بغيره يخلطه خلطا إذا مزجه به وخلّطه تخليطا‬
‫فاختلط ‪ :‬امتزج ‪.‬‬
‫والخلط أعمّ من أن يكون في المائعات ونحوها ممّا ل يمكن تمييزه ‪ ،‬أو غيرها ممّا يمكن‬
‫ل ما خالط الشّيء ‪ ،‬فهو خلط ‪.‬‬
‫تمييزه بعد الخلط ‪ ،‬كالحيوانات ‪ ،‬وك ّ‬
‫وجاء في الكّليّات ‪ :‬الخلط ‪ :‬الجمع بين أجزاء شيئين فأكثر ‪ :‬مائعين ‪ ،‬أو جامدين ‪ ،‬أو‬
‫متخالفين ‪ .‬ول يخرج المعنى الصطلحيّ عن المعنى اللّغويّ ‪.‬‬
‫أحكام الخلط ‪:‬‬
‫يختلف حكم الخلط باختلف موضوعه كما سيأتي ‪.‬‬
‫خلط ما تجب فيه الزّكاة ‪:‬‬
‫‪ - 2‬إن خلط اثنان من أهل الزّكاة مالين لهما ممّا تجب فيه الزّكاة ‪ :‬خلطة شيوع ‪ ،‬أو جوار‬
‫فيزكّيان زكاة الواحد عند بعض الفقهاء ‪ ،‬والتّفصيل في مصطلح ‪ ( :‬خلطة ) ‪.‬‬
‫خلط المالين في عقد الشّركة ‪:‬‬
‫‪ - 3‬اختلف الفقهاء في اشتراط خلط المالين قبل العقد لنعقاد عقد الشّركة ‪.‬‬
‫فذهب جمهور الفقهاء " الحنفيّة والمالكيّة والحنابلة " إلى أنّ الشّركة تنعقد بمجرّد العقد وإن لم‬
‫يحصل الخلط بين المالين ‪.‬‬
‫ن العقد يسمّى شرك ًة فل بدّ من‬
‫ن الشّركة في الرّبح مستندة إلى العقد دون المال ‪ ،‬ل ّ‬
‫وقالوا ‪ :‬إ ّ‬
‫ن الدّراهم والدّنانير ل يتعيّنان ‪ ،‬فل‬
‫تحقّق معنى هذا السم فيه ‪ ،‬فلم يكن الخلط شرطا ‪ ،‬ول ّ‬
‫يستفاد الرّبح برأس المال وإنّما يستفاد بالتّصرّف ‪ ،‬لنّه في النّصف أصيل وفي النّصف وكيل‬
‫‪ ،‬وإذا تحقّقت الشّركة في التّصرّف بدون الخلط تحقّقت في المستفاد به ‪ ،‬ولنّه عقد يقصد به‬
‫الرّبح فلم يشترط فيه الخلط كالمضاربة ‪.‬‬
‫وقال الشّافعيّة ‪ :‬يشترط في صحّة عقد الشّركة خلط رأس مال الشّركة بعضه ببعضه قبل‬
‫العقد خلطا ل يمكن التّمييز بينها ‪ ،‬فلو حصل الخلط بعد العقد ‪ ،‬ولو في المجلس لم يكف على‬
‫الصحّ ‪ ،‬ويجب إعادة العقد ‪.‬‬
‫ن أسماء العقود المشتقّة من المعاني يجب تحقّق تلك المعاني فيها ‪ ،‬ومعنى الشّركة‪:‬‬
‫وقالوا ‪ :‬إ ّ‬
‫الختلط والمتزاج ‪.‬‬
‫وهو ل يحصل إلّ بالخلط قبل العقد ‪ ،‬وتفصيل ذلك في مصطلح ( شركة ) ‪.‬‬
‫الخلط تعدّيا ‪:‬‬
‫‪ - 4‬إذا خلط الغاصب المال المغصوب بغيره ‪ ،‬أو اختلط عنده ‪ ،‬أو خلط المين كالمودع‬
‫والوكيل ‪ ،‬وعامل القراض المال المؤتمن عليه بغيره ‪ ،‬فإن أمكن التّمييز لزمه ‪ ،‬وإن شقّ‬
‫ل فكالتّالف ‪ ،‬فينتقل الحقّ إلى ذمّة الغاصب أو المين ‪ ،‬سواء خلطه بمثله أم بأجود‬
‫عليه ‪ ،‬وإ ّ‬
‫منه ‪ ،‬أم بأردأ ‪ ،‬وللضّامن أن يدفع من المخلوط بمثله أو بأجود منه ‪ ،‬لنّه قدر على دفع‬
‫بعض ماله إليه مع ردّ المثل في الباقي ‪ ،‬فلم يجب عليه النتقال إلى بدله في الجميع ‪.‬‬
‫وتفصيل ذلك في ‪ ( :‬وديعة ‪ ،‬وكالة ‪ ،‬مضاربة ‪ ،‬غصب ) ‪.‬‬
‫خلط الوليّ مال الصّبيّ بماله ‪:‬‬
‫‪ - 5‬يجوز للوليّ خلط مال الصّبيّ بماله ‪ ،‬ومؤاكلته للرفاق إذا كان في الخلط حظّ للصّبيّ ‪،‬‬
‫ل منها في النفراد ‪ ،‬وله الضّيافة ‪ ،‬والطعام من المال المشترك ‪،‬‬
‫بأن كانت كلفة الجتماع أق ّ‬
‫إن فضل للمولى عليه قدر حقّه ‪ ،‬وكذا له خلط أطعمة أيتام بعضها ببعضها وبماله إن كانت‬
‫في ذلك مصلحة للجميع ‪.‬‬
‫ن ُتخَاِلطُو ُهمْ َفِإخْوَا ُنكُمْ وَاللّ ُه َيعَْلمُ‬
‫خيْرٌ وَإِ ْ‬
‫ح ّل ُهمْ َ‬
‫ن ا ْل َيتَامَى قُلْ ِإصْلَ ٌ‬
‫سأَلُو َنكَ عَ ِ‬
‫لقوله تعالى ‪َ { :‬و َي ْ‬
‫حكِيمٌ } ‪.‬‬
‫عزِيزٌ َ‬
‫ن اللّهَ َ‬
‫ع َن َت ُكمْ إِ ّ‬
‫ن ا ْلمُصْلِحِ وََل ْو شَاء اللّهُ ل ْ‬
‫سدَ مِ َ‬
‫ا ْلمُ ْف ِ‬
‫خلط الماء بطاهر ‪:‬‬
‫‪ - 6‬ل خلف بين الفقهاء في أنّه إذا خالط الماء ما ل يمكن التّحرّز منه كالطّحلب ‪ ،‬وسائر‬
‫ما ينبت في الماء ‪ ،‬وما في مقرّه ‪ ،‬وممرّه ‪ ،‬فغيّره فإنّه ل يسلبه الطّهوريّة ‪ ،‬أمّا إذا خلط‬
‫بقصد فغيّره فإنّه يسلبه الطّهوريّة ‪ .‬وتفصيل ذلك في مصطلح ‪ ( :‬طهارة ) ‪.‬‬

‫خُلطة *‬
‫التّعريف ‪:‬‬
‫‪ - 1‬الخُلطة ( بضمّ الخاء ) لغ ًة من الخلط ‪ ،‬وهو مزج الشّيء بالشّيء ‪ .‬يقال ‪ :‬خلط القمح‬
‫بالقمح يخلطه خلطًا ‪ ،‬وخلطه فاختلط ‪ .‬وخليطُ الرّجل مخالطُه ‪ ...‬والخليط ‪ ،‬الجار‬
‫ن َكثِيرا مّنْ ا ْلخَُلطَاء َل َي ْبغِي‬
‫ل في الشّركة ‪ .‬وفي التّنزيل { وَإِ ّ‬
‫والصّاحب‪ .‬وقيل ‪ :‬ل يكون إ ّ‬
‫ض ُهمْ عَلَى َبعْضٍ } ‪ .‬والخِلطة ال ِعشْرة ‪ .‬والخُلطة الشّركة ‪.‬‬
‫َبعْ ُ‬
‫والخُلطَة في الصطلح الفقهيّ نوعان ‪:‬‬
‫النّوع الوّل ‪ :‬خلطة العيان ‪ ،‬هكذا سمّاها الحنابلة ‪ ،‬وسمّاها الشّافعيّة أيضا خلطة الشتراك‬
‫وخلطة الشّيوع ‪ ،‬وهي أن يكون المال لرجلين أو أكثر هو بينهما على الشّيوع ‪ ،‬مثل أن‬
‫يشتريا قطيعا من الماشية شركةً بينهما لكلّ منهما فيه نصيب مشاع ‪ ،‬أو أن يرثاه أو يوهب‬
‫لهما فيبقياه بحاله غير متميّز ‪.‬‬
‫والثّاني ‪ :‬خلطة الوصاف ‪ ،‬وفي شرح المنهاج تسميتها خلطة الجوار أيضا ‪ .‬وهي أن يكون‬
‫ل من الخليطين معروفا لصاحبه بعينه فخلطاه في المرافق لجل الرّفق في المرعى ‪،‬‬
‫مال ك ّ‬
‫أو الحظيرة ‪ ،‬أو الشّرب ‪ .‬بحيث ل تتميّز في المرافق ‪.‬‬
‫الحكم التّكليفيّ ‪:‬‬
‫ل من الخليطين عن صاحبه أمر مباح في‬
‫‪ - 2‬الخلطة في الموال على وجه يتميّز به مال ك ّ‬
‫ص‪.‬‬
‫الصل ‪ ،‬لنّه نوع من التّصرّف المباح في المال الخا ّ‬
‫وقد يحصل به أنواع من الرّفق بأصحاب الموال كأن يكون لهل القرية غنم لكلّ منهم عدد‬
‫قليل منها فيجمعوها عند راع واحد يرعاها بأجر أو تبرّعا ‪ ،‬ويؤويها إلى حظيرة واحدة ‪،‬‬
‫وتجمع في سقيها أو حلبها أو غير ذلك ‪ ،‬فذلك أيسر عليهم من أن يقوم كلّ منهم على غنمه‬
‫وحده ‪ ،‬وكذا في خلطة المزارع الرتفاق باتّحاد النّاطور ‪ ،‬والماء ‪ ،‬والحراث ‪ ،‬والعامل ‪.‬‬
‫وفي خلطة ال ّتجّار باتّحاد الميزان ونحو ذلك ‪.‬‬
‫وأمّا خلطة العيان فهي الشّركة بعينها ‪ ،‬ويراجع حكمها تحت مصطلح ‪ ( :‬شركة ) والصل‬
‫فيها أيضا الباحة ‪.‬‬
‫وبما أنّ الخلطة قد تكون سببا في تقليل الزّكاة بشروطها فقد ورد النّهي عن إظهار صورة‬
‫الخلطة إذا لم تكن هناك خلطة في الحقيقة سعيا وراء تقليل الزّكاة الّتي قد وجبت فعلً ‪ ،‬وكذا‬
‫ورد النّهي عن إظهار صورة النفراد سعيا وراء تقليل الزّكاة الّتي وجبت فعلً في الموال‬
‫المختلطة ‪ ،‬وذلك بقول النّبيّ صلى ال عليه وسلم ‪ « :‬ل يجمع بين متفرّق ‪ ،‬ول يفرّق بين‬
‫مجتمع خشية الصّدقة » ‪ .‬ويأتي مط ّولً بيان معنى ذلك ‪.‬‬
‫أحكام الخلطة ‪:‬‬
‫‪ - 3‬اختلف الفقهاء في تأثير الخلطة في الزّكاة على قولين ‪:‬‬
‫ن لها تأثيرا في الزّكاة من حيث الجملة ‪ ،‬وهذا قول الجمهور على خلف بينهم في‬
‫الوّل ‪ :‬أ ّ‬
‫بعض الشّروط الّتي ل بدّ من توافرها ليتحقّق ذلك التّأثير ‪ .‬مع الخلف أيضا في الموال الّتي‬
‫تؤثّر الخلطة فيها على ما سيأتي ‪ .‬واستدلّوا بقول النّبيّ صلى ال عليه وسلم فيما رواه‬
‫البخاريّ من حديث أنس رضي ال عنه « ول يجمع بين متفرّق ‪ ،‬ول يفرّق بين مجتمع ‪،‬‬
‫خشية الصّدقة ‪ ،‬وما كان من خليطين فإنّهما يتراجعان بينهما بالسّويّة » ‪.‬‬
‫قال الزهريّ ‪ :‬جوّد تفسير هذا الحديث أبو عبيد في كتاب الموال ‪ ،‬وفسّره على نحو ما‬
‫فسّره الشّافعيّ ‪ .‬قال الشّافعيّ ‪ :‬الّذي ل أشكّ فيه أنّ " الخليطين " ‪ :‬الشّريكان لم يقتسما‬
‫الماشية ‪ " ،‬وتراجعهما بالسّويّة " ‪ :‬أن يكونا خليطين في البل تجب فيها الغنم ‪ ،‬فتوجد البل‬
‫في يد أحدهما ‪ ،‬فتأخذ منه صدقتها فيرجع على شريكه بالسّويّة ‪ .‬قال الشّافعيّ ‪ :‬وقد يكون "‬
‫الخليطان " الرّجلين يتخالطان بماشيتهما ‪ ،‬وإن عرف كلّ منهما ماشيته ‪ ،‬قال ‪ :‬ول يكونان‬
‫خليطين حتّى يريحا ويسرحا معا ‪ ،‬وتكون فحولتهما مختلط ًة ‪ ،‬فإذا كانا هكذا صدّقا صدقة‬
‫ل حال ‪.‬‬
‫الواحد بك ّ‬
‫قال ‪ :‬وإن تفرّقا في مراح ‪ ،‬أو سقي ‪ ،‬أو فحول ‪ ،‬صدّقا صدقة الثنين ‪ .‬ا ‪ .‬هـ ‪.‬‬
‫وأمّا قوله صلى ال عليه وسلم ‪ « :‬ل يجمع بين متفرّق خشية الصّدقة » فهو نهي عن أن‬
‫ق اللّه تعالى ويبخس‬
‫يخلط الرّجل إبله بإبل غيره ‪ ،‬أو غنمه بغنمه ‪ ،‬أو بقره ببقره ‪ ،‬ليمنع ح ّ‬
‫ل منهم أربعون شاةً ‪،‬‬
‫المصدّق " وهو جابي الزّكاة " ‪ ،‬وذلك كأن يكون ثلثة رجال ‪ ،‬لك ّ‬
‫ل منهم في غنمه شاة ‪ ،‬فإذا أحسّوا بقرب وصول المصدّق جمعوها ليكون عليهم‬
‫فيكون على ك ّ‬
‫فيها شاة واحدة ‪.‬‬
‫وقوله عليه الصلة والسلم ‪ « :‬ول يفرّق بين مجتمع خشية الصّدقة » مثل أن يكون نصاب‬
‫بين اثنين ‪ ،‬فإذا جاء المصدّق أفرد كلّ منهما إبله عن إبل صاحبه لئلّ يكون عليهما شيء ‪.‬‬
‫واحتجّوا أيضا بقول النّبيّ صلى ال عليه وسلم ‪ « :‬ل خلط ول وراط » ( الخديعة ) "‬
‫فالخلط المنهيّ عنه هو ما تقدّم في تفسير قوله صلى ال عليه وسلم « ل يجمع بين متفرّق‬
‫خشية الصّدقة » فلول أنّ للخلط تأثيرا في الزّكاة ما نهى عنه ‪.‬‬
‫ن الخلطة بنوعيها ل تأثير لها ‪ ،‬واستدلّوا بحديث أنس‬
‫القول الثّاني ‪ :‬وهو مذهب الحنفيّة أ ّ‬
‫نفسه ‪ ،‬قال ابن الهمام ‪ :‬لنا هذا الحديث ‪ ،‬إذ المراد الجمع والتّفريق في الملك ل في المكنة‬
‫ن النّصاب المفرّق في أمكنة مع وحدة المالك تجب فيه الزّكاة ‪ ،‬ومن ملك ثمانين‬
‫‪ ،‬أل ترى أ ّ‬
‫شاةً فليس للسّاعي أن يجعلها نصابين بأن يفرّقها في مكانين ‪.‬‬
‫قال ‪ « :‬فمعنى ل يفرّق بين مجتمع » ‪ ،‬أن ل يفرّق السّاعي بين الثّمانين أو المائة والعشرين‬
‫فيجعلها نصابين أو ثلثةً ‪ .‬ومعنى « ول يجمع بين متفرّق » ل يجمع الربعين المتفرّقة في‬
‫ل منهما عشرين ‪ .‬قال ‪« :‬‬
‫ن لك ّ‬
‫الملك بأن تكون مشترك ًة ليجعلها نصابا ‪ ،‬والحال أ ّ‬
‫وتراجعهما بالسّويّة » أن يرجع كلّ واحد من الشّريكين على شريكه بحصّة ما أخذ منه ‪.‬‬
‫واحتجّوا أيضا بقول النّبيّ صلى ال عليه وسلم « إذا كانت سائمة الرّجل ناقصةً من أربعين‬
‫شاةً واحدةً فليس فيها صدقة » قال الكاسانيّ ‪ :‬نفى الحديث وجوب الزّكاة في أقلّ من أربعين‬
‫مطلقًا عن حال الشّركة والنفراد ‪.‬‬
‫ل واحد منهما شرط الوجوب ‪.‬‬
‫ن كمال النّصاب في حقّ ك ّ‬
‫فدلّ أ ّ‬
‫أوجه تأثير الخلطة ‪:‬‬
‫‪ - 4‬الخلطة تؤثّر ‪ -‬عند من قال بها ‪ -‬في المالين المختلطين من أوجه ‪:‬‬
‫الوّل ‪ :‬تكميل النّصاب ‪ ،‬وهذا عند الشّافعيّة والحنابلة ‪ ،‬فلو كان لكلّ من الخليطين أقلّ من‬
‫نصاب ‪ ،‬ومجموع مالهما نصاب ‪ ،‬تجب فيه الزّكاة ‪ .‬وفي كتاب الفروع ‪ :‬لو تخالط أربعون‬
‫رجلً لكلّ منهم شاة واحدة ‪ ،‬فعليهم الزّكاة ‪ ،‬شاة واحدة ‪.‬‬
‫وقال المالكيّة ‪ :‬ل أثر للخلطة حتّى يكون لكلّ من الخليطين نصاب ‪.‬‬
‫الثّاني ‪ :‬القدر ‪ ،‬فلو كان ثلثة لك ّل منهم أربعون شا ًة تخالطوا بها ‪ ،‬فعليهم شاة واحدة ‪ ،‬ولول‬
‫الخلطة لكان على كلّ منهم شاة ‪ .‬وهذا تأثير بالنّقص ‪.‬‬
‫ل واحد منهما مائة شاة وشاة واحدة ‪ ،‬عليهما ثلث‬
‫وقد يكون التّأثير بالزّيادة ‪ ،‬كخليطين لك ّ‬
‫شياه ‪ ،‬ولول الخلطة لكان على ك ّل منهما شاة واحدة ‪ .‬وقد يكون التّأثير تخفيفا على أحدهما‬
‫وتثقيلً على الخر كخليطين لحدهما أربعون وللخر عشرون ‪.‬‬
‫ل واحد‬
‫ن ‪ :‬كاثنين لكلّ منهما ستّ وثلثون من البل فعليهم جذعة ‪ ،‬على ك ّ‬
‫الثّالث ‪ :‬السّ ّ‬
‫نصفها ‪ ،‬ولول الخلطة لكان على كلّ منهما بنت لبون ‪ ،‬فحصل بها تغيّر في السّنّ ‪.‬‬
‫الرّابع ‪ :‬الصّنف ‪ ،‬كاثنين لحدهما أربعون من الضّأن ‪ ،‬وللثّاني ثمانون من المعز ‪ ،‬فعليهما‬
‫ن المعز أكثر ‪ ،‬كالمالك الواحد ‪ ،‬فقد تغيّر الصّنف بالنّسبة لمالك الضّأن ‪.‬‬
‫شاة من المعز ‪ ،‬ل ّ‬
‫وقد ل توجب الخلطة تغييرا ‪ ،‬كاثنين لك ّل منهما عشر شياه فل زكاة عليهما مع الخلطة أو‬
‫عدمها ‪ .‬أو اثنين لك ّل منهما مائة شاة ‪ ،‬فعليهما شاتان سواء اختلطا أم انفردا ‪.‬‬
‫ن الخلطة تفيد جواز إخراج الخليط الزّكاة عن خليطه عند الشّافعيّة والحنابلة ‪.‬‬
‫الخامس ‪ :‬أ ّ‬
‫ل واحد منهما كالذن لخليطه في‬
‫قال صاحب المحرّر من الحنابلة ‪ :‬عقد الخلطة جعل ك ّ‬
‫الخراج عنه ‪ .‬وقال ابن حامد ‪ :‬يجزئ إخراج أحدهما بل إذن الخر ‪.‬‬
‫ل بإذن ‪.‬‬
‫واختار صاحب الرّعاية ‪ :‬ل يجزئ إ ّ‬
‫أنواع الموال الزّكويّة الّتي يظهر فيها تأثير الخلطة عند غير الحنفيّة ‪:‬‬
‫أوّلً ‪ :‬السّائمة ‪:‬‬
‫‪ - 5‬قد اتّفق من عدا الحنفيّة على أنّ الخلطة مؤثّرة فيها ‪ .‬سواء أكانت إبلً مع إبل ‪ ،‬أو غنما‬
‫مع غنم ‪ ،‬أو بقرا مع بقر ‪.‬‬
‫ثانيا ‪ :‬الزّرع والثّمر وعروض التّجارة والذّهب والفضّة ‪:‬‬
‫فالظهر عند الشّافعيّة أنّها تؤثّر أيضا ‪ ،‬فلو كان نصاب منها مشتركا بين اثنين ففيه الزّكاة ‪،‬‬
‫وكذا إن كان مختلطًا خلطة جوار ‪.‬‬
‫واحتجّوا بعموم الحديث « ل يفرّق بين مجتمع خشية الصّدقة » وهذا رواية عن أحمد‬
‫ن المئونة تخفّ فالملقّح واحد ‪،‬‬
‫اختارها الج ّريّ وصحّحها ابن عقيل ‪ ،‬ووجّهها القاضي بأ ّ‬
‫والحراث واحد ‪ ،‬والجرين واحد ‪ ،‬وكذا ال ّدكّان واحد ‪ ،‬والميزان والمخزن والبائع ‪.‬‬
‫ن الخلطة فيها ل تؤثّر‬
‫ومذهب مالك هو الرّواية الخرى عن أحمد وهو قول للشّافعيّة ‪ :‬إ ّ‬
‫ل شريك أو خليط وحده ‪ .‬قال ابن قدامة ‪ :‬وهذا قول أكثر أهل العلم‬
‫مطلقا ‪ ،‬بل يزكّي مال ك ّ‬
‫قال ‪ :‬وهو الصّحيح ‪ ،‬لقول النّبيّ صلى ال عليه وسلم ‪ « :‬الخليطان ما اجتمعا على الحوض‬
‫ل على أنّ‬
‫والرّاعي والفحل » فدلّ على أنّ ما لم يوجد فيه ذلك ل يكون خلط ًة مؤثّرةً ‪ ،‬ود ّ‬
‫حديث « ل يفرّق بين مجتمع » إنّما يكون في الماشية ‪.‬‬
‫ل بجمع الماشية تار ًة وتزيد أخرى ‪ ،‬وسائر الموال غير‬
‫ن الزّكاة تق ّ‬
‫ووجه الخصوصيّة أ ّ‬
‫الماشية تجب فيها فيما زاد على النّصاب بحسابه فل أثر لجمعها ‪ ،‬ولنّ الخلطة في الماشية‬
‫تؤثّر للمالك نفعا تار ًة وضررا تار ًة أخرى ‪ ،‬ولو اعتبرت في غير الماشية أثّرت ضررا‬
‫ل من الخليطين بأقلّ من النّصاب ‪ ،‬فل يجوز‬
‫محضا بربّ المال ‪ ،‬أي في حال انفراد ك ّ‬
‫اعتبارها ‪ .‬وفي قول ثالث عند الشّافعيّة ورواية عن أحمد ‪ :‬التّفريق بين خلطة الشتراك ‪،‬‬
‫فتؤثّر وبين خلطة الجوار فل تؤثّر مطلقا ‪.‬‬
‫وفي قول رابع للشّافعيّة ‪ :‬تؤثّر خلطة الجوار في الزّرع والثّمر دون النّقد وعروض التّجارة‬
‫‪ .‬وقد نقل هذا القول ابن قدامة عن الوزاعيّ وإسحاق ‪.‬‬
‫شروط تأثير الخلطة في الزّكاة عند القائلين بها ‪:‬‬
‫الّذين قالوا بتأثير الخلطة في الزّكاة اشترطوا لذلك شروطا كما يلي ‪:‬‬
‫الشّرط الوّل ‪:‬‬
‫ل من الخليطين نصاب تامّ ‪ ،‬وهذا اشترطه المالكيّة في المعتمد والثّوريّ‬
‫‪ - 6‬أن يكون لك ّ‬
‫وأبو ثور واختاره ابن المنذر ‪.‬‬
‫قال المالكيّة ‪ :‬وسواء خالط بنصابه التّامّ أو ببعضه ‪ .‬فلو كان له أربعون أو أكثر من الغنم‬
‫فخالط بها كلّها من له أربعون أو أكثر زكّي ما لهما زكاة مالك واحد ‪.‬‬
‫ولو أنّ أحدهما خالط بعشرين وله غيرها ممّا يت ّم به ما له نصابا فيضمّ ما لم يخالط به إلى‬
‫مال الخلطة وتزكّى غنمهما كلّها زكاة مالك واحد إذا كان ما تخالطا به نصابا أو أكثر ‪.‬‬
‫وقال الشّافعيّة ‪ :‬المشترط أن يكون مجموع المالين ل يقلّ عن نصاب ‪ ،‬فإن كان مجموعهما‬
‫أقلّ من نصاب فل أثر للخلطة ما لم يكن لحدهما مال آخر من جنس المال المختلط يكمل به‬
‫ل منهما منها عشر فل أثر‬
‫مع ماله المختلط نصاب ‪ ،‬كما لو اختلطا في عشرين شا ًة لك ّ‬
‫للخلطة ‪ ،‬فإن كان لحدهما ثلثون أخرى زكّيا زكاة الخلطة ‪.‬‬
‫ل من الخليطين نصابا ‪.‬‬
‫أمّا عند الحنابلة فالخلطة مؤثّرة ولو لم يبلغ مال ك ّ‬
‫الشّرط الثّاني ‪:‬‬
‫ل من الخليطين من أهل الزّكاة ‪ ،‬مسلما ‪ ،‬فإن كانا كافرين أو أحدهما ‪ ،‬لم‬
‫‪ - 7‬أن يكون ك ّ‬
‫تلزم الزّكاة الكافر ويزكّي المسلم زكاة منفرد ‪.‬‬
‫فإن كانوا ثلثة خلطاء أحدهم كافر زكّى الخران ماليهما زكاة خلطة ‪.‬‬
‫ن العبد ل زكاة عليه ‪.‬‬
‫ومن ذلك أنّ المالكيّة اشترطوا في كل الخليطين أن يكون حرّا ل ّ‬
‫واشترط الحنابلة أن ل يكون الخليط غاصبا لما هو مخالط به ‪.‬‬
‫وكذا لو كان أحد المالين موقوفا أو لبيت المال ‪.‬‬
‫الشّرط الثّالث ‪:‬‬
‫‪ - 8‬نيّة الخلطة ‪ .‬وهذا قد اشترطه المالكيّة ‪ ،‬وهو قول للشّافعيّة خلف الصحّ عندهم ‪،‬‬
‫ل واحد من‬
‫وقول القاضي من الحنابلة ‪ .‬قال الدّردير من المالكيّة ‪ :‬والمراد أن ينوي الخلطة ك ّ‬
‫الخليطين أو الخلطاء ‪ ،‬ل واحد فقط ‪ ،‬بأن ينويا حصول الرّفق بالختلط ل الفرار من‬
‫ن الخلطة تغيّر أمر الزّكاة بالتّكثير أو التّقليل ول ينبغي أن يكثر من‬
‫الزّكاة‪ .‬ووجّهه المحّليّ بأ ّ‬
‫غير قصده ورضاه ول أن يقلّل إذا لم يقصده محافظ ًة على حقّ الفقراء ‪.‬‬
‫ح عند الشّافعيّة وهو مذهب الحنابلة أنّه ل أثر لنيّة الخلطة ‪ ،‬قال المحّليّ ‪ :‬لنّ الخلطة‬
‫والص ّ‬
‫إنّما تؤثّر من جهة خفّة المؤنة باتّحاد المرافق وذلك ل يختلف بالقصد وعدمه ‪.‬‬
‫ن ال ّنيّة ل تؤثّر في الخلطة فل تؤثّر في حكمها ‪.‬‬
‫وقال ابن قدامة ‪ :‬ل ّ‬
‫ن المقصود بالخلطة الرتفاق وهو حاصل ولو بغير نيّة ‪ ،‬فلم يتغيّر وجودها معه كما ل‬
‫ول ّ‬
‫تتغيّر نيّة السّوم في السامة ‪ ،‬ول نيّة السّقي في الزّروع والثّمار ‪ ،‬ول نيّة مضيّ الحول فيما‬
‫الحول شرط فيه ‪.‬‬
‫الشّرط الرّابع ‪:‬‬
‫‪ - 9‬الشتراك في مرافق معيّنة ‪ ،‬والكلم على ذلك يتعلّق بالنعام وبغيرها ‪.‬‬
‫ل ‪ :‬الخلطة في النعام ‪ .‬وجملة ما يذكره الفقهاء من تلك المرافق ‪.‬‬
‫أ ّو ً‬
‫أ ‪ -‬المشرع ‪ ،‬أي موضع الماء الّذي تشرب منه سواء كان حوضا ‪ ،‬أو نهرا ‪ ،‬أو عينا ‪ ،‬أو‬
‫ص أحد المالين بماء دون الخر ‪.‬‬
‫بئرا ‪ ،‬فل يخت ّ‬
‫ب ‪ -‬المراح ‪ ،‬قال المالكيّة ‪ :‬هو المكان الّذي تقيل فيه أو تجتمع ‪ ،‬ثمّ تساق منه للمبيت أو‬
‫للسّروح ‪ .‬وقال الشّافعيّة والحنابلة ‪ :‬المراح مأواها ليلً ‪.‬‬
‫ج ‪ -‬المبيت ‪ :‬وهو المكان الّذي تقضي فيه اللّيل ‪.‬‬
‫د ‪ -‬موضع الحلب ‪ ،‬والنية الّتي يحلب فيها ‪ ،‬والحالب ‪.‬‬
‫هـ‪ -‬المسرح ‪ :‬وهو عند الشّافعيّة الموضع الّذي تسرح إليه لتجتمع وتساق إلى المرعى ‪.‬‬
‫ز ‪ -‬المرعى ‪ :‬وهو مكان الرّعي وهو المسرح نفسه عند الحنابلة ‪ ،‬وغيره عند الشّافعيّة ‪.‬‬
‫ح ‪ -‬الرّاعي ‪ :‬ولو كان لكلّ من المالين راع لكن لو تعاون الرّاعيان في حفظ المالين بإذن‬
‫صاحبيهما فذلك من اتّحاد الرّاعي أيضا ‪.‬‬
‫ط ‪ -‬الفحولة ‪ :‬بأن تضرب في الجميع دون تمييز ‪ .‬والصل في ذلك الحديث الّذي تقدّم نقله‬
‫« الخليطان ما اجتمعا على الحوض والفحل والرّاعي » ‪.‬‬
‫ن المالكيّة قالوا ‪ :‬تتمّ الخلطة بثلثة على القلّ من خمسة هي الماء ‪ ،‬والمراح ‪،‬والمبيت‪،‬‬
‫ثمّ إ ّ‬
‫والرّاعي ‪ ،‬والفحل ‪ ،‬فلو انفردا في اثنين من الخمسة أو واحد لم ينتف حكم الخلطة ‪ .‬ومذهب‬
‫الشّافعيّة أنّه ل بدّ من الشتراك في سبعة هي المشرع ‪ ،‬والمسرح ‪ ،‬والمراح ‪ ،‬وموضع‬
‫الحلب ‪ ،‬والرّاعي ‪ ،‬والفحل ‪ ،‬والمرعى ‪ .‬وزاد بعضهم غيرها ‪.‬‬
‫ومذهب الحنابلة ل ب ّد من الشتراك في خمسة ‪ :‬المسرح وهو المرعى ‪ ،‬والمبيت ‪،‬والمشرب‪،‬‬
‫والمحلب ‪ ،‬والفحل ‪ ،‬وبعضهم أضاف الرّاعي ‪ ،‬وبعضهم جعل الرّاعي والمرعى شرطا‬
‫واحدا‪ .‬واشترط بعضهم خلط اللّبن ‪.‬‬
‫ن كلّ منفعة من هذه المنافع يحصل الشتراك فيها إذا لم يختصّ بها أحد‬
‫وقد صرّح المالكيّة بأ ّ‬
‫المالين دون الخر سواء أكانت مملوك ًة لهما أم لحدهما وأذن للخر أو لغيرهما وأعاره لهما‬
‫أو كانت مباحةً للنّاس كما في المبيت والمراح والمشرب ‪.‬‬
‫‪ - 10‬ثانيا ‪ :‬الخلطة في الزّروع والثّمار ‪ ،‬فالّذين قالوا من الشّافعيّة إنّ الخلطة تؤثّر فيها‬
‫حتّى تؤخذ من النّصاب ولو كان مملوكا لكثر من واحد ‪ ،‬قالوا ‪ :‬يشترط أن ل يتميّز "‬
‫النّاطور " وهو حافظ النّخل والشّجر " والجرين " وهو موضع جمع الثّمر وتجفيفه ‪ ،‬قال‬
‫الرّمليّ ‪ :‬وزاد في شرح المهذّب اتّحاد الماء ‪ ،‬والحراث ‪ ،‬والعامل ‪ ،‬وجذاذ النّخل ‪ ،‬والملقّح‪،‬‬
‫واللّقّاط ‪ ،‬وما يسقى لهما به ‪.‬‬
‫وفي خلطة التّاجرين اشترطوا اتّحاد ال ّدكّان والحارس ومكان الحفظ ونحوها ‪ ،‬ولو كان مال‬
‫كلّ منهما متميّزا ‪ ،‬كأن تكون دراهم أحدهما في كيس ودراهم الخر في كيس إلّ أنّ‬
‫الصّندوق واحد ‪.‬‬
‫وفيما زاده في شرح المهذّب ‪ :‬اتّحاد الحمّال ‪ ،‬والكيّال ‪ ،‬والوزّان ‪ ،‬والميزان ‪.‬‬
‫وفيما علّل به الذّاهبون من الحنابلة إلى تأثير الخلطة في الزّروع والثّمار والعروض إيماءً‬
‫إلى اشتراط مثل ما قاله الشّافعيّة ‪ ،‬فقد جاء في المغني ‪ :‬خرّج القاضي وجها في الزّروع‬
‫ن المئونة تخفّ إذا كان الملقّح واحدا ‪ ،‬والصّعّاد والنّاطور‬
‫ن الخلطة تؤثّر ل ّ‬
‫والثّمار أ ّ‬
‫والجرين ‪ .‬وكذلك أموال التّجارة ‪ ،‬فالدّكّان والمخزن والميزان والبائع واحد ‪.‬‬
‫وعبّر في الفروع عن ذلك كلّه باتّحاد المؤن ومرافق الملك ‪.‬‬
‫الشّرط الخامس ‪ :‬الحول في الموال الحوليّة ‪ .‬وهذا الشّرط للشّافعيّة في الجديد ‪ ،‬والحنابلة ‪.‬‬
‫قال ابن قدامة ‪ :‬يعتبر اختلطهم في جميع الحول ‪ ،‬فإن ثبت لهم حكم النفراد في بعضه‬
‫ل منهما أربعين شا ًة في غرّة المحرّم ثمّ خلطا‬
‫زكّوا زكاة منفردين ‪ .‬وقال الشّافعيّة ‪ :‬لو ملك ك ّ‬
‫في غرّة صفر فل يثبت حكم الخلطة في هذه السّنة ‪ ،‬ويثبت في السّنة الثّانية ‪.‬‬
‫والمذهب القديم للشّافعيّة عدم اشتراط تمام الحول على الختلط ‪ .‬وعليه يكون على كلّ‬
‫منهما شاة كاملة في نهاية السّنة الولى على الجديد في المثال السّابق ‪ .‬وفي القديم نصف شاة‬
‫‪.‬‬
‫ن المشترط الختلط آخر حول الملك وقبله بنحو شهر ‪ ،‬ولو كانا قبل ذلك‬
‫ومذهب مالك أ ّ‬
‫منفردين ‪ ،‬فيكفي اختلطهما في أثناء السّنة من حين الملك ما لم يقرب آخر السّنة جدّا ‪.‬‬
‫فإن لم يكن المال حوليّا ‪ ،‬كالزّروع والثّمار عند من قال بتأثير الخلطة فيها ‪ ،‬قال الرّمليّ ‪:‬‬
‫ب في النّبات ‪.‬‬
‫المعتبر بقاء الخلطة إلى زهوّ الثّمار ‪ ،‬واشتداد الح ّ‬
‫كيفيّة إخراج زكاة المال المختلط ‪:‬‬
‫‪ - 12‬الخلطاء سواء أكانوا في خلطة اشتراك أم في خلطة جوار ‪ ،‬يعامل مالهم الّذي تخالطوا‬
‫ن السّاعي له أن يأخذ الفرض من مال أيّ‬
‫فيه معاملة مال رجل واحد ‪ ،‬وهذا يقتضي أ ّ‬
‫الخليطين شاء ‪ ،‬سواء دعت الحاجة إلى ذلك بأن تكون الفريضة عينا واحد ًة ل يمكن أخذها‬
‫ل في أحد المالين ‪ ،‬مثل أن يكون مال‬
‫من المالين جميعا ‪ ،‬أو كان ل يجد فرضهما جميعا إ ّ‬
‫أحدهما صغارا ‪ ،‬ومال الخر كبارا ‪ ،‬أو يكون مال أحدهما مراضا ‪ ،‬ومال الخر صحاحا‪،‬‬
‫فإنّه يأخذ صحيح ًة كبير ًة ‪ ،‬أو لم تدع الحاجة إلى ذلك ‪.‬‬
‫قال أحمد ‪ :‬إنّما يجيء المصدّق " أي الجابي " فيجد الماشية فيصدقها ‪ ،‬ليس يجيء فيقول ‪:‬‬
‫أيّ شيء لك ؟ وإنّما يصدق ما يجده ‪ .‬وقال الهيثم بن خارجة لحمد ‪ :‬أنا رأيت مسكينا كان‬
‫ن المالين قد صارا كالمال الواحد في‬
‫له في غنم شاتان ‪ ،‬فجاء المصدّق فأخذ إحداهما ‪ .‬ول ّ‬
‫وجوب الزّكاة ‪ ،‬فكذلك في إخراجها ‪.‬‬
‫التّرادّ فيما يأخذه السّاعي من زكاة المال المختلط ‪:‬‬
‫ن ما يأخذه السّاعي‬
‫‪ - 13‬إن كانت الخلطة خلطة اشتراك ‪ ،‬والمال مشاع بين الخليطين ‪ ،‬فإ ّ‬
‫هو من المشاع بين الخلطاء ‪ ،‬فل إشكال ‪ ،‬لنّه يكون بينهم بنسبة ملكهم في أصل المال ‪.‬‬
‫ق أو بباطل ‪.‬‬
‫وإن كانت خلطة جوار ‪ ،‬فإنّه إمّا أن يأخذ بح ّ‬
‫ل من‬
‫الحالة الولى ‪ :‬أن يأخذ بحقّ ‪ ،‬وحينئذ فما أخذه يتراجعان في قيمته بالنّسبة العدديّة لك ّ‬
‫ماليهما ‪ .‬فلو خلطا عشرين من الغنم بعشرين ‪ ،‬فأخذ السّاعي شا ًة من نصيب أحدهما رجع‬
‫ن الشّاة غير مثليّة ‪.‬‬
‫على صاحبه بنصف قيمة الشّاة الّتي أخذت منه ‪ ،‬ل بنصف شاة ‪ ،‬ل ّ‬
‫ولو كان لحدهما مائة وللخر خمسون فأخذ السّاعي الشّاتين الواجبتين من غنم صاحب‬
‫المائة ‪ ،‬رجع بثلث قيمتهما ‪ ،‬أو من صاحب الخمسين رجع على الخر بثلثي قيمتهما ‪ ،‬أو‬
‫أخذ من كلّ منهما شاةً ‪ ،‬رجع صاحب المائة بثلث قيمة شاته ‪ ،‬وصاحب الخمسين بثلثي قيمة‬
‫شاته ‪ ،‬ثمّ إنّه إذا لم تكن بيّنة وتنازعا في قيمة المأخوذ ‪ ،‬فالقول قول المرجوع عليه بيمينه إذا‬
‫احتمل قوله الصّدق لنّه غارم ‪.‬‬
‫والمعتبر في قيمة المرجوع به يوم الخذ في قول ابن القاسم ‪ ،‬لنّه بمعنى الستهلك ‪ ،‬وقال‬
‫أشهب ‪ :‬يوم التّراجع ‪ ،‬لنّه بمعنى السّلف ‪ ،‬والمتسلّف إذا عجز عن ردّ ما تسلّفه وأراد ردّ‬
‫قيمته تعتبر قيمته يوم القضاء ‪.‬‬
‫ل تأويلً سائغا‬
‫الحالة الثّانية ‪ :‬أن يأخذ بغير حقّ ‪ ،‬وهذا على نوعين ‪ ،‬لنّه إمّا أن يكون متأ ّو ً‬
‫أو ل ‪.‬‬
‫ل سائغا ‪ ،‬وهو أن يكون رأى جواز ذلك شرعا ‪ ،‬فحكمه حكم ما لو أخذ‬
‫فإن كان متأ ّولً تأوي ً‬
‫ل منهما عشرون شاةً ‪ ،‬فيتراجعا‬
‫بحقّ ‪ .‬ومثال ذلك عند المالكيّة ‪ ،‬أن يأخذ شا ًة من خليطين لك ّ‬
‫ن الخلطة ل تؤثّر تكميل النّصاب‬
‫كما تقدّم ‪ .‬والصل عند المالكيّة أنّ هذا الخذ بغير حقّ ‪ ،‬ل ّ‬
‫كما تقدّم ‪ ،‬بخلف مذهب الشّافعيّة والحنابلة ‪.‬‬
‫ومثاله عند المالكيّة أيضا لو أخذ شاتين من خليطين لحدهما مائة ‪،‬وللخر خمسة وعشرون‪،‬‬
‫ن أخذ السّاعي ينزّل منزلة‬
‫فعلى الوّل أربعة أخماس الشّاتين ‪ ،‬وعلى الخر خمسهما ‪ ،‬ل ّ‬
‫حكم الحاكم ‪ ،‬لنّه نائب المام ففعله كفعله ‪.‬‬
‫وإن كان غير متأوّل ‪ ،‬أو كان متأ ّولً ول وجه لتأوّله ‪ ،‬فل تراجع ‪ ،‬وهي مصيبة حلّت بمن‬
‫أخذت منه ‪ ،‬إذ المظلوم ليس له أن يرجع بمظلمته على غيره ‪.‬‬
‫ل من الخليطين ثلثون شاةً ‪ ،‬فيأخذ السّاعي من مال أحدهما شاتين ‪،‬‬
‫مثال ذلك ‪ ،‬أن يكون لك ّ‬
‫فيرجع على الخر بنصف إحدى الشّاتين ل غير ‪ ،‬أمّا الخرى فقد ذهبت من مال من أخذت‬
‫منه ‪ ،‬لنّها إمّا أن يكون السّاعي أخذها وهو يعلم أنّ ليس له أخذها ‪ ،‬فتكون غصبا ‪ ،‬وإمّا أن‬
‫ق شرعا ‪ ،‬فيكون أخذها جهلً محضا ل عبرة به ول ينزّل منزلة حكم‬
‫ن أخذها ح ّ‬
‫يكون يرى أ ّ‬
‫الحاكم ‪ ،‬إذ حكم الحاكم بخلف الجماع ينقض ‪.‬‬
‫وكذا إن أخذ ال سّاعي سنّا أكبر من الواجب يرجع المأخوذ منه على خليطه بقيمة ح صّته من‬
‫ال سّنّ الواجبة ‪ ،‬كما لو أخذ جذع ًة عن ثلثين من البل بين اثنين ‪ ،‬يرجع المأخوذ منه بقيمة‬
‫ن الزّيادة ظلم ‪.‬‬
‫نصف بنت مخاض ل ّ‬

‫خلع *‬
‫التّعريف ‪:‬‬
‫‪ - 1‬الخَلع " بالفتح " لغ ًة هو النّزع والتّجريد ‪ ،‬والخُلع " بالضّمّ " اسم من الخلع ‪.‬‬
‫وأمّا الخلع عند الفقهاء فقد عرّفوه بألفاظ مختلفة تبعًا لختلف مذاهبهم في كونه طلقا أو‬
‫فسخا ‪ ،‬فالحنفيّة يعرّفونه بأنّه عبارة عن ‪ :‬أخذ مال من المرأة بإزاء ملك النّكاح بلفظ الخلع‪.‬‬
‫وتعريفه عند الجمهور في الجملة هو ‪:‬فرقة بعوض مقصود لجهة الزّوج بلفظ طلق أو خلع‪.‬‬
‫اللفاظ ذات الصّلة ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬الصّلح ‪:‬‬
‫‪ - 2‬الصّلح في اللّغة اسم من المصالحة وهي التّوفيق والمسالمة بعد المنازعة ‪ ،‬ومعناه في‬
‫الشّرع عقد يرفع النّزاع ‪ ،‬والصّلح من اللفاظ الّتي يؤوّل إليها معنى الخلع الّذي هو بذل‬
‫المرأة العوض على طلقها ‪ ،‬والخلع يطلق غالبا على حالة بذلها له جميع ما أعطاها ‪،‬‬
‫والصّلح على حالة بذلها بعضه ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬الطّلق ‪:‬‬
‫‪ - 3‬الطّلق من ألفاظ الخلع عند الشّافعيّة والحنابلة كما سيأتي ‪ ،‬ومعناه في اللّغة اسم بمعنى‬
‫التّطليق ‪ ،‬كالسّلم بمعنى التّسليم وتركيب هذا اللّفظ يدلّ على الحلّ والنحلل ‪ ،‬ومنه إطلق‬
‫السير إذا حلّ إساره وخلّي عنه ‪.‬‬
‫وأمّا في الشّرع فمعناه ‪ :‬رفع قيد النّكاح من أهله في محلّه ‪ ،‬وأمّا صلته بالخلع ‪ ،‬سوى ما‬
‫ن الفقهاء اختلفوا في الخلع هل هو طلق بائن ‪ ،‬أو رجعيّ ‪ ،‬أو فسخ ‪ ،‬على أقوال‬
‫ذكر فهي أ ّ‬
‫سيأتي تفصيلها ‪.‬‬
‫ل واحد منهما طلق بعوض‬
‫والطّلق على مال هو في أحكامه كالخلع عند الحنفيّة ‪ ،‬لنّ ك ّ‬
‫فيعتبر في أحدهما ما يعتبر في الخر إلّ أنّهما يختلفان من ثلثة أوجه ‪:‬‬
‫أحدها ‪ :‬يسقط بالخلع في رأي أبي حنيفة كلّ الحقوق الواجبة لحد الزّوجين على الخر‬
‫بسبب الزّواج ‪ ،‬كالمهر ‪ ،‬والنّفقة الماضية المتجمّدة أثناء الزّواج ‪ ،‬لكن ل تسقط نفقة العدّة‬
‫لنّها لم تكن واجبة قبل الخلع فل يتصوّر إسقاطها به ‪ ،‬بخلف الطّلق على مال فإنّه ل‬
‫يسقط به شيء من حقوق الزّوجين ‪ ،‬ويجب به المال المتّفق عليه فقط ‪.‬‬
‫الثّاني ‪ :‬إذا بطل العوض في الخلع مثل أن يخالع المسلم على خمر أو خنزير أو ميتة فل‬
‫ن العوض إذا بطل فيه وقع رجعيّا في غير‬
‫شيء للزّوج ‪ ،‬والفرقة بائنة ‪ ،‬بخلف الطّلق فإ ّ‬
‫ن الخلع كناية ‪ ،‬أمّا الطّلق على مال فهو صريح ‪ ،‬والبينونة إنّما تثبت‬
‫الطّلقة الثّالثة ‪ ،‬ل ّ‬
‫ح التحقت بالعدم فبقي صريح الطّلق فيكون‬
‫بتسمية العوض إذا صحّت التّسمية ‪ ،‬فإذا لم تص ّ‬
‫رجعيّا ‪.‬‬
‫الثّالث ‪ :‬الطّلق على مال ‪ ،‬طلق بائن ‪ ،‬ينقص به عدد الطّلقات بل خلف ‪ ،‬وأمّا الخلع‬
‫فالفقهاء مختلفون في كونه طلقًا ينقص به عدد الطّلقات ‪ ،‬أو فسخا ل ينقص به عددها كما‬
‫سيأتي ‪.‬‬
‫ج ‪ -‬الفدية ‪:‬‬
‫ى وفديات ‪ ،‬وفاديته‬
‫‪ - 4‬الفدية في اللّغة اسم للمال الّذي يدفع لستنقاذ السير ‪ ،‬وجمعها فد ً‬
‫مفاداة ‪ ،‬وفدا ًء أطلقته وأخذت فديته ‪ .‬وفدت المرأة نفسها من زوجها تفدي ‪ ،‬وافتدت أعطته‬
‫مالً حتّى تخلّصت منه بالطّلق ‪ ،‬والفقهاء ل يخرجون في تعريفهم للفدية عمّا ورد في اللّغة‪.‬‬
‫والفدية والخلع معناهما واحد ‪ ،‬وهو بذل المرأة العوض على طلقها ‪ ،‬ولفظ المفاداة من‬
‫اللفاظ الصّريحة في الخلع عند الشّافعيّة وعند الحنابلة لوروده في القرآن ‪.‬‬
‫د ‪ -‬الفسخ ‪:‬‬
‫‪ - 5‬الفسخ مصدر فسخ ومن معانيه في اللّغة الزالة ‪ ،‬والرّفع ‪ ،‬والنّقض ‪ ،‬والتّفريق ‪.‬‬
‫وأمّا عند الفقهاء فقد ذكر السّيوطيّ وابن نجيم أنّ حقيقة الفسخ حلّ ارتباط العقد ‪ ،‬وذكر‬
‫ل واحد‬
‫ن الفسخ قلب كلّ واحد من العوضين إلى صاحبه ‪ ،‬والنفساخ انقلب ك ّ‬
‫الزّركشيّ أ ّ‬
‫ن الخلع فسخ على قول ‪.‬‬
‫من العوضين إلى دافعه ‪ ،‬وصلة الفسخ بالخلع هي أ ّ‬
‫والفسخ من اللفاظ الصّريحة في الخلع عند الحنابلة ‪.‬‬
‫هـ – المبارأة ‪:‬‬
‫‪ - 6‬المبارأة صيغة مفاعلة تقتضي المشاركة في البراءة ‪ ،‬وهي في الصطلح اسم من‬
‫أسماء الخلع والمعنى واحد وهو بذل المرأة العوض على طلقها لكنّها تختصّ بإسقاط المرأة‬
‫عن الزّوج حقّا لها عليه ‪.‬‬
‫ل حقّ لكلّ واحد من الزّوجين على الخر ممّا‬
‫وهي عند أبي حنيفة كالخلع كلهما يسقطان ك ّ‬
‫يتعلّق بالنّكاح كالمهر والنّفقة الماضية دون المستقبلة ‪ ،‬لنّ الخلع ينبئ عن الفصل ‪ ،‬ومنه‬
‫خلع النّعل وخلع العمل وهو مطلق كالمبارأة فيعمل بإطلقهما في النّكاح وأحكامه وحقوقه ‪.‬‬
‫ن هذه معاوضة ‪ ،‬وفي المعاوضات يعتبر‬
‫ل ما سمّياه ل ّ‬
‫وقال محمّد ‪ :‬ل يسقط بهما إ ّ‬
‫المشروط ل غيره ‪ ،‬وأمّا أبو يوسف فقد وافق محمّدا في الخلع وخالفه في المبارأة ‪ ،‬وخالف‬
‫أبا حنيفة في الخلع ‪ ،‬ووافقه في المبارأة ‪ ،‬لنّ المبارأة مفاعلة من البراءة فتقتضيها من‬
‫الجانبين ‪ ،‬وأنّه مطلق قيّدناه بحقوق النّكاح لدللة الغرض ‪ ،‬أمّا الخلع فمقتضاه النخلع ‪،‬‬
‫وقد حصل في نقض النّكاح ول ضرورة إلى انقطاع الحكام ‪.‬‬
‫حقيقة الخلع ‪:‬‬
‫ن الخلع إذا وقع بلفظ الطّلق أو نوى به الطّلق فهو طلق‬
‫‪ - 7‬ل خلف بين الفقهاء في أ ّ‬
‫وإنّما الخلف بينهم في وقوعه بغير لفظ الطّلق ولم ينو به صريح الطّلق أو كنايته ‪.‬‬
‫فذهب الحنفيّة في المفتى به والمالكيّة والشّافعيّ في الجديد والحنابلة في رواية عن أحمد إلى‬
‫ن الخلع طلق ‪.‬‬
‫أّ‬
‫وذهب الشّافعيّ في القديم والحنابلة في أشهر ما يروى عن أحمد إلى أنّه فسخ ‪.‬‬
‫ن الزّوج ملك‬
‫ن الّذي يقع به طلقة بائنة ‪ ،‬ل ّ‬
‫ن الخلع طلق متّفقون على أ ّ‬
‫هذا والقائلون بأ ّ‬
‫ن غرضها من التزام البدل أن تتخلّص من‬
‫البدل عليها فتصير هي بمقابلته أملك لنفسها ‪ ،‬ول ّ‬
‫ن الزّوج إن نوى بالخلع‬
‫ن الحنفيّة ذكروا أ ّ‬
‫الزّوج ول يحصل ذلك إلّ بوقوع البينونة ‪ .‬إلّ أ ّ‬
‫ثلث تطليقات فهي ثلث ‪ ،‬لنّه بمنزلة ألفاظ الكناية ‪ ،‬وإن نوى اثنتين فهي واحدة بائنة عند‬
‫غير زفر ‪ ،‬وعنده ثنتان ‪ ،‬كما في لفظ الحرمة والبينونة وبه قال مالك ‪.‬‬
‫والخلف في هذه المسألة إنّما يكون بعد تمام الخلع ل قبله ‪ ،‬وسبب الخلف في كون الخلع‬
‫ن اقتران العوض فيه هل يخرجه من نوع فرقة الطّلق إلى نوع فرقة‬
‫طلقا أو فسخا ‪ ،‬أ ّ‬
‫الفسخ ‪ ،‬أو ل يخرجه ‪.‬‬
‫ن ابن عبّاس رضي ال عنهما ‪ :‬احتجّ بقوله تعالى ‪{ :‬‬
‫احتجّ القائلون بأنّ الخلع فسخ بأ ّ‬
‫جنَاحَ عََل ْي ِهمَا فِيمَا ا ْف َتدَتْ ِبهِ } ثمّ قال ‪َ { :‬فإِن طَلّ َقهَا فَلَ َتحِلّ‬
‫الطّلَقُ َم ّرتَانِ } ثمّ قال ‪ { :‬فَلَ ُ‬
‫غ ْيرَهُ } ‪ ،‬فذكر تطليقتين ‪ ،‬والخلع ‪ ،‬وتطليق ًة بعدها ‪ ،‬فلو كان‬
‫ى تَنكِحَ زَ ْوجًا َ‬
‫حتّ َ‬
‫لَ ُه مِن َب ْعدُ َ‬
‫الخلع طلقا لكان أربعا ‪ ،‬ولنّها فرقة خلت عن صريح الطّلق ونيّته فكانت فسخا كسائر‬
‫الفسوخ ‪.‬‬
‫ن امرأة ثابت‬
‫واحتجّوا أيضا بما رواه أبو داود والتّرمذيّ عن ابن عبّاس رضي ال عنهما « أ ّ‬
‫بن قيس اختلعت من زوجها فأمرها النّبيّ صلى ال عليه وسلم أن تعتدّ بحيضة » ‪.‬‬
‫وبما رواه التّرمذيّ عن « الرّبيّع بنت معوّذ رضي ال عنهما أنّها اختلعت على عهد رسول‬
‫اللّه صلى ال عليه وسلم فأمرها النّبيّ صلى ال عليه وسلم أو أمرت أن تعتدّ بحيضة » ‪.‬‬
‫ن الخلع لو كان طلقا لم يقتصر صلى ال عليه وسلم على‬
‫ووجه الستدلل بهذين الحديثين أ ّ‬
‫المر بحيضة ‪.‬‬
‫ن الخلع طلق بأنّه لفظ ل يملكه إلّ الزّوج فكان طلقا ‪ ،‬ولو كان فسخا لما‬
‫ج القائلون بأ ّ‬
‫واحت ّ‬
‫ن الجمهور على جوازه بما قلّ وكثر فدلّ على أنّه طلق‬
‫جاز على غير الصّداق كالقالة ‪ ،‬لك ّ‬
‫ن المرأة إنّما بذلت العوض للفرقة ‪ ،‬والفرقة الّتي يملك الزّوج إيقاعها هي الطّلق دون‬
‫; ول ّ‬
‫الفسخ ‪ ،‬فوجب أن يكون طلقا ‪ ،‬ولنّه أتى بكناية الطّلق قاصدا فراقها ‪ ،‬فكان طلقا كغير‬
‫الخلع من كنايات الطّلق ‪.‬‬
‫واحتجّوا أيضا بما روي عن عمر وعليّ وابن مسعود رضي ال عنهم موقوفا عليهم ‪ :‬الخلع‬
‫تطليقة بائنة ‪ ،‬والمعنى فيه كما في المبسوط أنّ النّكاح ل يحتمل الفسخ بعد تمامه ‪.‬‬
‫والخلع يكون بعد تمام العقد فيجعل لفظ الخلع عبارةً عن رفع العقد في الحال مجازا ‪ ،‬وذلك‬
‫إنّما يكون بالطّلق ‪ ،‬وأمّا الية فقد ذكر اللّه تعالى التّطليقة الثّالثة بعوض وبغير عوض ‪،‬‬
‫وبهذا ل يصير الطّلق أربعا ‪ ،‬وأمّا ما روي عن ابن عبّاس رضي ال عنهما من خلف في‬
‫هذه المسألة فقد ثبت رجوعه عنه ‪.‬‬
‫ويتفرّع على كون الخلع طلقا أنّه إن نوى بالخلع أكثر من تطليقة عند المالكيّة والشّافعيّة‬
‫والحنابلة وزفر يقع ما نواه ‪.‬‬
‫وعند الحنفيّة إن نوى ثلث تطليقات فهي ثلث ‪ ،‬لنّه بمنزلة ألفاظ الكناية ‪ ،‬وإن نوى اثنتين‬
‫ن الخلع معناه الحرمة ‪ ،‬وهي ل تحتمل التّعدّد‬
‫فهي واحدة بائنة عند غير زفر من الحنفيّة ‪ ،‬ل ّ‬
‫ن نيّة الثّلث تدلّ على تغليظ الحرمة فتعتبر بينون ًة كبرى ‪.‬‬
‫لك ّ‬
‫ويتفرّع على كونه فسخا أنّه لو خالعها مرّتين ثمّ خالعها مرّ ًة أخرى ‪ ،‬أو خالعها بعد طلقتين‬
‫فله أن يتزوّجها حتّى وإن خالعها مائة مرّة ‪ ،‬لنّ الخلع على هذا القول ل يحتسب من‬
‫الطّلقات ‪.‬‬
‫واختلف الشّافعيّة فيما إذا نوى بالخلع الطّلق مع تفريعهم على أنّه فسخ هل يقع الطّلق أو ل‬
‫؟ فيه وجهان ‪.‬‬
‫‪ -8‬واختلف الفقهاء في كون الخلع معاوضةً من جانب الزّوجة دون الزّوج ‪ ،‬أو منهما معا ‪،‬‬
‫ن الخلع‬
‫وفي كونه يمينا من جانب الزّوج دون الزّوجة أو منهما معا ‪ ،‬فذهب أبو حنيفة إلى أ ّ‬
‫من جانب الزّوجة معاوضة ‪ ،‬ومن جانب الزّوج يمين وذهب الصّاحبان إلى أنّه يمين من‬
‫ح رجوعه عنه قبل‬
‫الجانبين ‪ ،‬ويترتّب على كون الخلع يمينا من جانب الزّوج أنّه ل يص ّ‬
‫ح شرط الخيار له ‪ ،‬ول يقتصر على مجلس الزّوج ‪ ،‬فل يبطل بقيامه ‪،‬‬
‫قبولها ‪ ،‬ول يص ّ‬
‫ويقتصر قبولها على مجلس علمها ‪ ،‬ويترتّب على كونه معاوض ًة من جانبها صحّة رجوعها‬
‫ح شرط الخيار لها ولو أكثر من ثلثة أيّام ‪ ،‬ويقتصر على المجلس كالبيع ‪،‬‬
‫قبل قبوله ‪ ،‬وص ّ‬
‫ويشترط في قبولها علمها بمعناه ‪ ،‬لنّه معاوضة بخلف الطّلق والعتاق ‪.‬‬
‫ن الشّافعيّة‬
‫ن الخلع معاوضة من الجانبين ‪ ،‬إلّ أ ّ‬
‫وذهب المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة إلى أ ّ‬
‫ن المعاوضة على القول بأنّ الخلع طلق معاوضة فيها شوب تعليق لتوقّف وقوع‬
‫ذكروا أ ّ‬
‫الطّلق فيه على قبول المال ‪ ،‬وأمّا على القول بأنّه فسخ فهي معاوضة محضة ل مدخل‬
‫للتّعليق فيها ‪ ،‬فيكون الخلع في هذه الحالة كابتداء البيع ‪،‬وللزّوج الرّجوع قبل قبول الزّوجة‪،‬‬
‫ن هذا شأن المعاوضات ‪.‬‬
‫لّ‬
‫وصرّح الحنابلة أنّ العوض في الخلع كالعوض في الصّداق ‪ ،‬والبيع إن كان مكيلً أو موزونا‬
‫لم يدخل في ضمان الزّوج ‪ ،‬ولم يملك التّصرّف فيه إلّ بقبضه ‪ ،‬وإن كان غيرهما دخل في‬
‫ح تصرّفه فيه ‪.‬‬
‫ضمانه بمجرّد الخلع وص ّ‬
‫الحكم التّكليفيّ ‪:‬‬
‫‪ - 9‬الخلع جائز في الجملة سواء في حالة الوفاق والشّقاق خلفًا لبن المنذر ‪.‬‬
‫وقال الشّافعيّة ‪ :‬يصحّ الخلع في حالتي الشّقاق والوفاق ‪ ،‬ث ّم ل كراهة فيه إن جرى في حال‬
‫الشّقاق ‪،‬أو كانت تكره صحبته لسوء خلقه ‪ ،‬أو دينه ‪ ،‬أو تحرّجت من الخلل ببعض حقوقه‪،‬‬
‫أو ضربها تأديبا فافتدت ‪ ،‬وألحق الشّيخ أبو حامد به ما إذا منعها نفق ًة أو غيرها فافتدت‬
‫لتتخلّص منه ‪ ،‬قال القليوبيّ ‪ :‬فإن منعها النّفقة لكي تختلع منه فهو من الكراه فتبين منه بل‬
‫مال إذا ثبت الكراه ‪ ،‬قال الرّمليّ ‪ :‬والمعتمد أنّه ليس بإكراه ‪.‬‬
‫وجاء في مغني المحتاج استثناء حالتين من الكراهة ‪:‬‬
‫إحداهما أن يخافا أو أحدهما أن ل يقيما حدود اللّه أي ما افترضه في النّكاح ‪.‬‬
‫والثّانية ‪ :‬أن يحلف بالطّلق الثّلث على فعل شيء ل ب ّد له منه كالكل والشّرب وقضاء‬
‫الحاجة ‪ ،‬فيخلعها ‪ ،‬ثمّ يفعل المر المحلوف عليه ‪ ،‬ث ّم يتزوّجها فل يحنث لنحلل اليمين‬
‫بالفعلة الولى ‪ ،‬إذ ل يتناول إلّ الفعلة الولى وقد حصلت ‪ ،‬فإن خالعها ولم يفعل المحلوف‬
‫عليه ففيه قولن ‪ :‬أصحّهما ‪ :‬أنّه يتخلّص من الحنث فإذا فعل المحلوف عليه بعد النّكاح لم‬
‫يحنث ‪ ،‬لنّه تعليق سبق هذا النّكاح فلم يؤثّر فيه ‪ ،‬كما إذا علّق الطّلق قبل النّكاح على صفة‬
‫وجدت بعده ‪.‬‬
‫والخلف في كون الخلع جائزا أو مكروها إنّما هو من حيث المعاوضة على العصمة ‪ ،‬كما‬
‫في حاشية الصّاويّ ‪ ،‬وأمّا من حيث كونه طلقا فهو مكروه بالنّظر لصله أو خلف‬
‫الولى ‪ ،‬لقوله عليه الصلة والسلم ‪ « :‬أبغض الحلل إلى اللّه الطّلق » ‪.‬‬
‫جنَاحَ عََل ْي ِهمَا فِيمَا‬
‫سنّة وإجماع المّة ‪ ،‬أمّا الكتاب فقوله تعالى ‪ { :‬فَلَ ُ‬
‫واستدلّوا بالكتاب وال ّ‬
‫شيْ ٍء ّمنْهُ نَ ْفسًا فَكُلُوهُ َهنِيئا ّمرِيئا } ‪.‬‬
‫ن َل ُكمْ عَن َ‬
‫ت بِهِ } ‪ ،‬وقوله تعالى ‪َ { :‬فإِن طِبْ َ‬
‫ا ْفتَدَ ْ‬
‫سنّة فما رواه البخاريّ في امرأة ثابت بن قيس بقوله صلى ال عليه وسلم له ‪ « :‬اقبل‬
‫وأمّا ال ّ‬
‫الحديقة وطلّقها تطليق ًة » وهو أوّل خلع وقع في السلم ‪.‬‬
‫وأمّا الجماع فهو إجماع الصّحابة والمّة على مشروعيّته وجوازه ‪.‬‬
‫واستدلّوا من المعقول بأنّ ملك النّكاح حقّ الزّوج فجاز له أخذ العوض عنه كالقصاص ‪.‬‬
‫ن الخلع على ثلثة أضرب ‪:‬‬
‫‪ - 10‬وأمّا الحنابلة فقد ذكروا أ ّ‬
‫ل تؤدّي‬
‫الوّل ‪ :‬مباح الخلع وهو أن تكره المرأة البقاء مع زوجها لبغضها إيّاه ‪ ،‬وتخاف أ ّ‬
‫ن خِ ْف ُتمْ َألّ‬
‫حقّه ‪ ،‬ول تقيم حدود اللّه في طاعته ‪ ،‬فلها أن تفتدي نفسها منه لقوله تعالى ‪َ { :‬فإِ ْ‬
‫جنَاحَ عََل ْي ِهمَا فِيمَا افْ َتدَتْ ِبهِ } ‪.‬‬
‫حدُودَ الّلهِ فَلَ ُ‬
‫يُقِيمَا ُ‬
‫ن للزّوج إجابتها ‪ ،‬لما رواه البخاريّ عن ابن عبّاس رضي ال عنهما قال ‪ « :‬جاءت‬
‫ويس ّ‬
‫امرأة ثابت بن قيس إلى النّبيّ صلى ال عليه وسلم فقالت يا رسول اللّه ‪ :‬ما أنقم على ثابت‬
‫في دين ول خلق إلّ أنّي أخاف الكفر فقال رسول اللّه صلى ال عليه وسلم ‪ :‬فتردّي عليه‬
‫حديقته فقالت ‪ :‬نعم ‪ .‬فردّت عليه ‪ ،‬وأمره ففارقها » ولنّ حاجتها داعية إلى فرقته ‪ ،‬ول‬
‫ل ببذل العوض فأبيح لها ذلك ‪ ،‬ويستثنى من ذلك ما لو كان الزّوج له إليها‬
‫تصل إلى الفرقة إ ّ‬
‫ميل ومحبّة فحينئذ يستحبّ صبرها وعدم افتدائها ‪ ،‬قال أحمد ‪ :‬ينبغي لها أن تصبر ‪.‬‬
‫قال القاضي ‪ :‬أي على سبيل الستحباب ‪ ،‬ول كراهة في ذلك ‪ ،‬لنصّهم على جوازه في غير‬
‫موضع ‪.‬‬
‫ن النّبيّ‬
‫الثّاني ‪ :‬مكروه ‪ :‬كما إذا خالعته من غير سبب مع استقامة الحال لحديث ثوبان أ ّ‬
‫صلى ال عليه وسلم قال ‪ « :‬أيّما امرأة سألت زوجها طلقًا في غير ما بأس فحرام عليها‬
‫ن َل ُكمْ عَن‬
‫رائحة الجنّة » ولنّه عبث فيكون مكروها ‪ ،‬ويقع الخلع ‪ ،‬لقوله تعالى ‪َ { :‬فإِن طِبْ َ‬
‫شيْءٍ ّمنْ ُه نَ ْفسًا َفكُلُو ُه َهنِيئا ّمرِيئا } ويحتمل كلم أحمد تحريمه وبطلنه ‪ ،‬لنّه قال الخلع مثل‬
‫َ‬
‫ل َيحِلّ َل ُكمْ أَن‬
‫حديث سهلة تكره الرّجل فتعطيه المهر فهذا الخلع ووجه ذلك قوله تعالى ‪َ { :‬و َ‬
‫حدُو َد اللّ ِه } ‪.‬‬
‫شيْئا ِإلّ أَن َيخَافَا َألّ يُقِيمَا ُ‬
‫َت ْأخُذُو ْا ِممّا آ َت ْي ُتمُو ُهنّ َ‬
‫الثّالث ‪ :‬محرّم ‪ :‬كما إذا عضل الرّجل زوجته بأذاه لها ومنعها حقّها ظلما لتفتدي نفسها منه‬
‫ل َتعْضُلُو ُهنّ ِل َتذْ َهبُو ْا ِب َبعْضِ مَا آ َت ْي ُتمُو ُهنّ } فإن طلّقها في هذه الحال بعوض‬
‫لقوله تعالى ‪َ { :‬و َ‬
‫لم يستحقّه ‪ ،‬لنّه عوض أكرهت على بذله بغير حقّ فلم يستحقّه ويقع الطّلق رجعيّا‪ .‬وإن‬
‫خالعها بغير لفظ الطّلق فعلى القول بأنّه طلق فحكمه ما ذكر ‪ ،‬وإلّ فالزّوجيّة بحالها ‪ ،‬فإن‬
‫أدّبها لتركها فرضًا أو نشوزها فخالعته لذلك لم يحرم ‪ ،‬لنّه ضربها بحقّ ‪ ،‬وإن زنت فعضلها‬
‫ض مَا‬
‫ن ِل َتذْ َهبُواْ ِب َبعْ ِ‬
‫لتفتدي نفسها منه جاز وصحّ الخلع لقول اللّه تعالى ‪َ { :‬ولَ َت ْعضُلُوهُ ّ‬
‫ن ِإلّ أَن َي ْأتِينَ ِبفَاحِشَ ٍة ّم َب ّينَةٍ } والستثناء من النّهي إباحة ‪.‬‬
‫آ َت ْي ُتمُوهُ ّ‬
‫وإن ضربها ظلما لغير قصد أخذ شيء منها فخالعته لذلك صحّ الخلع ‪ ،‬لنّه لم يعضلها ليأخذ‬
‫ممّا آتاها شيئا ‪.‬‬
‫ح ول يقع ‪ ،‬لنّ الحيل‬
‫وذكر الحنابلة أيضا أنّ الخلع يحرم حيل ًة لسقاط يمين طلق ‪ ،‬ول يص ّ‬
‫خداع ل تحلّ ما حرّم اللّه ‪.‬‬
‫هذا واختار ابن المنذر عدم جواز الخلع حتّى يقع الشّقاق منهما جميعا وتمسّك بظاهر قوله‬
‫حدُو َد اللّ ِه } ‪.‬‬
‫تعالى ‪ِ { :‬إلّ أَن َيخَافَا َألّ يُقِيمَا ُ‬
‫وبذلك قال طاوس والشّعبيّ وجماعة من التّابعين ‪.‬‬
‫ن المراد أنّها إذا لم تقم بحقوق الزّوج كان ذلك‬
‫وأجاب عن ذلك جماعة منهم الطّبريّ بأ ّ‬
‫مقتضيا لبغض الزّوج لها فنسبت المخافة إليهما لذلك ‪ ،‬ويؤيّد عدم اعتبار ذلك من جهة الزّوج‬
‫أنّه صلى ال عليه وسلم لم يستفسر ثابتا عن كراهته لها عند إعلنها بالكراهة له ‪ ،‬على أنّ‬
‫ن الغالب وقوع الخلع في حالة التّشاجر ‪ ،‬ولنّه‬
‫ذكر الخوف في الية جرى على الغالب ‪ ،‬ل ّ‬
‫إذا جاز حالة الخوف وهي مضطرّة إلى بذل المال ففي حالة الرّضا أولى ‪.‬‬
‫ن الزّوج يردّ‬
‫ح عندهم ‪ -‬بأنّها إذا خالعته درءا لضرره فإ ّ‬
‫‪ - 11‬وصرّح المالكيّة ‪ -‬على الص ّ‬
‫المال الّذي خالعها به ‪ ،‬ولو كانت قد أسقطت البيّنة الّتي أشهدتها بأنّها خالعته لدرء ضرره ‪.‬‬
‫جواز أخذ العوض من المرأة ‪:‬‬
‫‪ - 12‬ذهب المالكيّة والشّافعيّة إلى جواز أخذ الزّوج عوضا من امرأته في مقابل فراقه لها‬
‫سواء كان العوض مساويا لما أعطاها أو أقلّ أو أكثر منه ما دام الطّرفان قد تراضيا على‬
‫ذلك ‪ ،‬وسواء كان العوض منها أو من غيرها ‪ ،‬وسواء كان العوض نفس الصّداق أو مالً‬
‫آخر غيره أكثر أو أقلّ منه ‪.‬‬
‫ب له أن يأخذ منها أكثر ممّا أعطاها بل يحرم عليه‬
‫وذهب الحنابلة إلى أنّ الزّوج ل يستح ّ‬
‫الخذ إن عضلها ليضطرّها إلى الفداء ‪.‬‬
‫وفصّل الحنفيّة فقالوا ‪ :‬إن كان النّشوز من جهة الزّوج كره له كراهة تحريم أخذ شيء منها ‪،‬‬
‫خذُو ْا ِمنْهُ‬
‫ن قِنطَارا فَلَ َت ْأ ُ‬
‫حدَاهُ ّ‬
‫ن زَوْجٍ وَآ َت ْي ُتمْ ِإ ْ‬
‫ستِ ْبدَالَ زَ ْوجٍ ّمكَا َ‬
‫لقوله تعالى ‪ { :‬وَِإنْ َأرَدّتمُ ا ْ‬
‫شيْئا } ‪ .‬ولنّه أوحشها بالفراق فل يزيد إيحاشها بأخذ المال ‪ ،‬وإن كان النّشوز من قبل المرأة‬
‫َ‬
‫ل يكره له الخذ ‪ ،‬وهذا بإطلقه يتناول القليل والكثير ‪ ،‬وإن كان أكثر ممّا أعطاها وهو‬
‫ت بِهِ } ‪.‬‬
‫جنَاحَ عََل ْي ِهمَا فِيمَا ا ْفتَدَ ْ‬
‫المذكور في الجامع الصّغير ‪ ،‬لقوله تعالى ‪ { :‬فَلَ ُ‬
‫وقال القدوريّ ‪ :‬إن كان النّشوز منها كره له أن يأخذ منها أكثر ممّا أعطاها وهو المذكور في‬
‫الصل " من كتب ظاهر الرّواية " لقوله صلى ال عليه وسلم « في امرأة ثابت بن قيس ‪ :‬أمّا‬
‫الزّيادة فل » ‪ .‬وقد كان النّشوز منها ‪ ،‬ولو أخذ الزّيادة جاز في القضاء ‪ ،‬وكذلك إذا أخذ‬
‫ن مقتضى ما ذكر يتناول الجواز والباحة ‪ ،‬وقد ترك العمل في حقّ الباحة‬
‫والنّشوز منه ‪ ،‬ل ّ‬
‫ل في الباقي ‪.‬‬
‫لمعارض ‪ ،‬فبقي معمو ً‬
‫جوازه بحاكم وبل حاكم ‪:‬‬
‫‪ - 13‬ذهب جمهور الفقهاء إلى جواز الخلع بحاكم وبل حاكم ‪ ،‬وهو قول عمر رضي ال‬
‫عنه ‪ ،‬فقد روى ابن أبي شيبة عن طريق خيثمة بن عبد الرّحمن موصولً " أن بشر بن‬
‫مروان أتي في خلع كان بين رجل وامرأة فلم يجزه فقال له عبد اللّه بن شهاب الخولنيّ ‪ :‬قد‬
‫ن الطّلق من حيث النّظر جائز بل حاكم فكذلك الخلع ‪.‬‬
‫أتى عمر في خلع فأجازه " ول ّ‬
‫وذهب الحسن البصريّ كما ذكر الحافظ في الفتح إلى عدم جواز الخلع دون السّلطان بدليل‬
‫ن خِ ْف ُتمْ شِقَاقَ َب ْي ِنهِمَا‬
‫حدُودَ الّلهِ } ‪ ،‬وقوله تعالى ‪ { :‬وَإِ ْ‬
‫ل يُقِيمَا ُ‬
‫قوله تعالى ‪َ { :‬فإِنْ خِ ْف ُتمْ َأ ّ‬
‫ن أَهِْلهَا } ‪.‬‬
‫ح َكمًا مّ ْ‬
‫ح َكمًا مّنْ أَهِْلهِ َو َ‬
‫فَا ْب َعثُو ْا َ‬
‫قال ‪ :‬فجعل الخوف لغير الزّوجين ولم يقل فإن خافا ‪.‬‬
‫وقت الخلع ‪:‬‬
‫ن الخلع جائز في الحيض والطّهر الّذي أصابها فيه ‪ ،‬لنّ‬
‫‪ - 14‬صرّح الشّافعيّة والحنابلة أ ّ‬
‫المنع من الطّلق في الحيض للضّرر الّذي يلحقها بتطويل العدّة ‪ ،‬والخلع شرع لرفع الضّرر‬
‫الّذي يلحقها بسوء العشرة والتّقصير في حقّ الزّوج ‪ ،‬والضّرر بذلك أعظم من الضّرر‬
‫بتطويل العدّة ‪ ،‬فجاز دفع أعظم الضّررين بأخفّهما ‪ ،‬ولذلك لم يسأل النّبيّ صلى ال عليه‬
‫وسلم المختلعة عن حالها ‪ ،‬ولنّ ضرر تطويل العدّة عليها والخلع يحصل بسؤالها فيكون ذلك‬
‫رضاءً منها به ودليلً على رجحان مصلحتها فيه ‪.‬‬
‫أركانه وما قاله الفقهاء في شروطها ‪:‬‬
‫‪ - 15‬للخلع عند غير الحنفيّة خمسة أركان‬
‫وهي ‪ :‬الموجب ‪ -‬القابل ‪ -‬المعوّض ‪ -‬العوض ‪ -‬الصّيغة ‪.‬‬
‫فالموجب ‪ :‬الزّوج أو وليّه ‪ ،‬والقابل ‪ :‬الملتزم للعوض ‪ ،‬والمعوّض ‪ :‬الستمتاع بالزّوجة ‪،‬‬
‫والعوض ‪ :‬الشّيء المخالع به ‪ ،‬والصّيغة ‪ ،‬اليجاب والقبول واللفاظ الّتي يقع بها الخلع ‪.‬‬
‫وأمّا الحنفيّة فقد ذكروا له ركنين إن كان بعوض وهما ‪ :‬اليجاب والقبول ‪ ،‬لنّه عقد على‬
‫الطّلق بعوض ‪ ،‬فل تقع الفرقة ول يستحقّ العوض بدون القبول ‪ ،‬بخلف الخلع بغير‬
‫عوض فإنّه إذا قال خالعتك ولم يذكر العوض ونوى الطّلق فإنّه يقع الطّلق عليها ‪ ،‬سواء‬
‫قبلت أو لم تقبل ‪ ،‬لنّ ذلك طلق بغير عوض فل يفتقر إلى القبول ‪ ،‬وقد ذكر الفقهاء لكلّ‬
‫ركن من هذه الركان شروطا وأحكاما نذكرها فيما يلي ‪:‬‬
‫الرّكن الوّل ‪ :‬الموجب ‪:‬‬
‫‪ - 16‬اتّفق الفقهاء على أنّه يشترط في الموجب أن يكون ممّن يملك التّطليق ‪.‬‬
‫وتفصيل ذلك في مصطلح ‪ ( :‬طلق ) ‪.‬‬
‫فالمالكيّة والشّافعيّة والحنابلة يجيزون خلع المحجور عليه لفلس ‪ ،‬أو سفه ‪ ،‬أو رقّ قياسا على‬
‫الطّلق ‪ ،‬لنّهم يملكونه ‪ ،‬وجاز عند الحنابلة أيضا خلع الصّبيّ المميّز في وجه بناءً على‬
‫ن المختلع ل يجوز له تسليم المال إلى السّفيه بل‬
‫صحّة طلقه ‪ ،‬وذكر الشّافعيّة والحنابلة أ ّ‬
‫ي هو الّذي يقبض حقوقه وأمواله وهذا من حقوقه خلفا للقاضي‬
‫ن الول ّ‬
‫يسلّمه إلى الوليّ ‪ ،‬ل ّ‬
‫ح قبضه ‪ ،‬كالمحجور عليه‬
‫ح قبضه لعوض لصحّة خلعه فيص ّ‬
‫من الحنابلة حيث قال ‪ :‬يص ّ‬
‫لفلس ‪ ،‬والولى كما في المغني عدم جواز تسليم المال إلى المحجور عليه ‪ ،‬لنّ الحجر أفاد‬
‫منعه من التّصرّف ‪.‬‬
‫الرّكن الثّاني ‪ :‬القابل ‪:‬‬
‫‪ - 17‬يشترط في قابل الخلع من الزّوجة أو الجنبيّ أن يكون مطلق التّصرّف في المال‬
‫صحيح اللتزام ‪ .‬فلو خالع امرأته الصّغيرة على مهرها فقبلت أو قالت الصّغيرة لزوجها‬
‫اخلعني على مهري ففعل وقع الطّلق بغير بدل ‪ ،‬كما ذكر الحنفيّة والشّافعيّة في وجه ‪ ،‬وإن‬
‫كان باذل العوض غير رشيد ردّ الزّوج المال المبذول وبانت منه ‪ ،‬ما لم يعلّق بقوله ‪ :‬إن تمّ‬
‫لي هذا المال فأنت طالق ‪ ،‬أو إن صحّت براءتك فطالق كما ذكر المالكيّة ‪ ،‬فإذا ر ّد الوليّ أو‬
‫الحاكم المال من الزّوج في هذه الصّورة لم يقع طلق ‪ ،‬بخلف ما إذا قاله لرشيدة أو رشيد ‪،‬‬
‫أو قاله بعد صدور الطّلق فل ينفعه ‪.‬‬
‫ح حتّى لو أذن فيه‬
‫وذكر الحنابلة أنّ خلع المحجور عليها لصغر أو سفه ‪ ،‬أو جنون ل يص ّ‬
‫الوليّ ‪ ،‬لنّه تصرّف في المال وليست من أهله ‪ ،‬ول إذن للوليّ في التّبرّعات ‪.‬‬
‫ن لها‬
‫ح منها الخلع على مال في ذمّتها كما ذكر الحنابلة ‪ ،‬ل ّ‬
‫وأمّا المحجور عليها لفلس فيص ّ‬
‫ح تصرّفها فيها ‪ ،‬وليس له مطالبتها حال حجرها ‪ ،‬كما لو استدانت من إنسان في‬
‫ذمّةً يص ّ‬
‫ذمّتها أو باعها شيئا بثمن في ذمّتها ‪ ،‬ويكون ما خالعت عليه دينا في ذمّتها ‪ ،‬يؤخذ منها إذا‬
‫ح لتعلّق حقّ الغرماء به ‪.‬‬
‫انفكّ عنها الحجر وأيسرت ‪ .‬أمّا لو خالعت بمعيّن من مالها فل يص ّ‬
‫الخلع في مرض الموت أو المرض المخوف ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬مرض الزّوجة ‪:‬‬
‫‪ - 18‬يجوز للزّوجة المريضة مرضا مخوفا أن تخالع زوجها في مرضها باتّفاق الفقهاء في‬
‫الجملة ‪ ،‬لنّه معاوضة كالبيع ‪ ،‬وإنّما الخلف بينهم في القدر الّذي يأخذه الزّوج في مقابل‬
‫ذلك مخافة أن تكون الزّوجة راغب ًة في محاباته على حساب الورثة ‪.‬‬
‫ن خلع المريضة يعتبر من الثّلث لنّه تبرّع فله القلّ من إرثه ‪ ،‬وبدل الخلع‬
‫وقد ذكر الحنفيّة أ ّ‬
‫ل من إرثه ‪ ،‬والثّلث إن ماتت في العدّة ‪ ،‬أمّا لو ماتت بعدها أو‬
‫إن خرج من الثّلث وإلّ فالق ّ‬
‫قبل الدّخول فله البدل إن خرج من الثّلث ‪.‬‬
‫ن الخلع إن كان بمهر المثل نفذ دون اعتبار الثّلث ‪ ،‬وإن كان بأكثر فالزّيادة‬
‫وذكر الشّافعيّة أ ّ‬
‫كالوصيّة للزّوج ‪ ،‬وتعتبر الزّيادة الثّلث ول تكون كالوصيّة للوارث لخروجه " أي الزّوج "‬
‫بالخلع عن الرث ‪ ،‬ولو اختلعت بجمل قيمته مائة درهم ومهر مثلها خمسون " درهما " فقد‬
‫حابت بنصف الجمل ‪ ،‬فينظر إن خرجت المحاباة من الثّلث ‪ ،‬فالجمل كلّه للزّوج عوضا‬
‫ووصّيةً ‪.‬‬
‫وحكى الشّيخ أبو حامد وجها أنّه بالخيار بين أن يأخذ الجمل ‪ ،‬وبين أن يفسخ العقد ويرجع‬
‫إلى مهر المثل ‪ ،‬لنّه دخل في العقد على أن يكون الجمل عوضا ‪.‬‬
‫والصّحيح الوّل ‪ ،‬إذ ل نقص ول تشقيص ‪ ،‬وإن لم يخرج من الثّلث بأن كان عليها دين‬
‫مستغرق لم تصحّ المحاباة ‪ ،‬والزّوج بالخيار بين أن يمسك نصف الجمل وهو قدر مهر المثل‬
‫ويرضى بالتّشقيص ‪ ،‬وبين أن يفسخ المسمّى ويضارب الغرماء بمهر المثل ‪ ،‬وإن كان لها‬
‫وصايا أخر ‪ ،‬فإن شاء الزّوج أخذ نصف الجمل وضارب أصحاب الوصايا في النّصف‬
‫الخر ‪ ،‬وإن شاء فسخ المسمّى وتقدّم بمهر المثل على أصحاب الوصايا ول حقّ له في‬
‫الوصيّة ‪ ،‬لنّها كانت من ضمن المعاوضة وقد ارتفعت بالفسخ ‪ ،‬وإن لم يكن دين ‪ ،‬ول‬
‫وصيّة ‪ ،‬ول شيء لها سوى ذلك الجمل فالزّوج بالخيار ‪ ،‬إن شاء أخذ ثلثي الجمل ‪ ،‬نصفه‬
‫بمهر المثل ‪ ،‬وسدسه بالوصيّة ‪ ،‬وإن شاء فسخ ‪ ،‬وليس له إلّ مهر المثل ‪.‬‬
‫وذكر الحنابلة أنّ للزّوج ما خالعته عليه إن كان قدر ميراثه منها فما دون ‪ ،‬وإن كان بزيادة‬
‫ن ذلك ل تهمة فيه بخلف الكثر منها ‪،‬‬
‫فله القلّ من المسمّى في الخلع أو ميراثه منها ‪ ،‬ل ّ‬
‫فإنّ الخلع إن وقع بأكثر من الميراث تطرّقت إليه التّهمة من قصد إيصالها إليه شيئا من مالها‬
‫بغير عوض على وجه لم تكن قادرةً عليه أشبه ما لو أوصت أو أقرّت له ‪ ،‬وإن وقع بأقلّ من‬
‫الميراث فالباقي هو أسقط حقّه منه فلم يستحقّه ‪ ،‬فتعيّن استحقاقه القلّ منهما ‪ ،‬وإن شفيت من‬
‫صحّة ‪ ،‬لنّه ليس‬
‫مرضها ذاك الّذي خالعته فيه فله جميع ما خالعها به كما لو خالعها في ال ّ‬
‫من مرض موتها ‪.‬‬
‫وذهب المالكيّة إلى أنّه يجوز خلع الزّوجة المريضة مرضا مخوفا إن كان بدل الخلع بقدر‬
‫إرثه أو أقلّ لو ماتت ول يتوارثان قاله ابن القاسم ‪.‬‬
‫أمّا إن زاد بأن كان إرثه منها عشرةً وخالعته بخمسة عشر وأولى لو خالعته بجميع مالها‬
‫فيحرم عليه لعانته لها على الحرام ‪ ،‬وينفذ الطّلق ول توارث بينهما إن كان الزّوج صحيحًا‬
‫ولو ماتت في عدّتها ‪.‬‬
‫وقال مالك ‪ :‬إن اختلعت منه في مرضها وهو صحيح بجميع مالها لم يجز ول يرثها ‪،‬‬
‫ن قول ابن القاسم ل يخالفه ‪ ،‬كما قاله أكثر الشياخ ‪ ،‬وردّ الزّائد على إرثه منها ‪،‬‬
‫والظّاهر أ ّ‬
‫واعتبر الزّائد على إرثه يوم موتها ل يوم الخلع ‪ ،‬وحينئذ فيوقف جميع المال المخالع به إلى‬
‫ل به الزّوج ‪ ،‬وإن كان أكثر ‪ ،‬ردّ ما زاد على‬
‫يوم الموت ‪ ،‬فإن كان قدر إرثه فأقلّ ‪ ،‬استق ّ‬
‫إرثه ‪ ،‬فإن صحّت من مرضها تمّ الخلع وأخذ جميع ما خالعته به ولو أتى على جميع مالها ‪،‬‬
‫ول توارث بينهما على كلّ حال ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬مرض الزّوج ‪:‬‬
‫ن خلع الزّوج المريض مرض الموت جائز ونافذ بالمسمّى ‪،‬‬
‫‪ - 19‬ل خلف بين الفقهاء في أ ّ‬
‫ح ‪ ،‬فلن يصحّ بعوض‬
‫سواء أكان بمهر المثل أم أقلّ منه ‪ ،‬لنّه لو طلّق بغير عوض لص ّ‬
‫ن الورثة ل يفوتهم بخلعه شيء ‪ ،‬ومثل المريض في هذا الحكم من حضر صفّ‬
‫أولى ‪ ،‬ول ّ‬
‫القتال ‪ ،‬والمحبوس لقتل أو قطع كما ذكر المالكيّة ‪ ،‬وذكروا أيضا أنّ القدام عليه ل يجوز‬
‫لما فيه من إخراج وارث ول توارث بينهما سواء أمات في العدّة أم بعدها خلفا للمالكيّة ‪،‬‬
‫فإنّهم ذكروا أنّ زوجته المطلّقة في المرض ترثه إن مات من مرضه المخوف الّذي خالعها‬
‫فيه ‪ ،‬ولو خرجت من العدّة وتزوّجت غيره ولو أزواجا ‪ ،‬أمّا هو فل يرثها إن ماتت في‬
‫مرضه المخوف الّذي طلّقها فيه ولو كانت هي مريضة أيضا ‪ ،‬لنّه الّذي أسقط ما كان بيده ‪،‬‬
‫وترثه أيضا إذا تبرّع أجنبيّ بخلعها منه في مرضه الّذي مات منه وهي في العدّة ‪ ،‬كما ذكر‬
‫الحنفيّة ‪ ،‬لنّها لم ترض بهذا الطّلق فيعتبر الزّوج فارّا ‪ ،‬فلو أوصى الزّوج لها بمثل ميراثها‬
‫أو أقلّ صحّ كما ذكر الحنابلة ‪ ،‬لنّه ل تهمة في أنّه أبانها ليعطيها ذلك فإنّه لو لم يبنها لخذته‬
‫بميراثها ‪ ،‬وإن أوصى لها بزيادة عليه فللورثة منعها ذلك ‪ ،‬لنّه اتّهم في أنّه قصد إيصال‬
‫ذلك إليها ‪ ،‬لنّه لم يكن له سبيل إلى إيصاله إليها وهي في عصمته ‪ ،‬فطلّقها ليوصل ذلك‬
‫إليها فمنع منه كما لو أوصى لوارث ‪.‬‬
‫خلع الوليّ ‪:‬‬
‫‪ - 20‬يجوز عند المالكيّة لوليّ غير المكلّف من صبيّ أو مجنون أن يخالع عنهما ‪ ،‬سواء‬
‫أكان الوليّ أبا للزّوج أم وصيّا أم حاكما أم مقاما من جهته ‪ ،‬إذا كان الخلع منه لمصلحة ‪،‬‬
‫ي الصّبيّ والمجنون عند مالك وابن القاسم أن يطلّق عليهما بل عوض ‪ ،‬ونقل‬
‫ول يجوز لول ّ‬
‫ابن عرفة عن اللّخميّ جوازه لمصلحة ‪ ،‬إذ قد يكون في بقاء العصمة فساد لمر ظهر أو‬
‫حدث ‪.‬‬
‫ن الطّلق بيد الزّوج المكلّف ولو سفيهًا أو عبدا‬
‫وأمّا وليّ السّفيه فل يخالع عنه بغير إذنه ‪ ،‬ل ّ‬
‫ل بيد الب ‪ ،‬فأولى غيره من الولياء كالوصيّ والحاكم ‪.‬‬
‫ح طلقه بالملك ‪ ،‬أو الوكالة ‪ ،‬أو الولية كالحاكم في‬
‫ح ممّن يص ّ‬
‫والخلع عند الحنابلة يص ّ‬
‫الشّقاق ‪.‬‬
‫ول يجوز للب أن يخلع زوجة ابنه الصّغير أو يطلّق عليه بعوض أو بغير عوض عند‬
‫الحنفيّة والشّافعيّة وعلى الرّواية الشهر عند الحنابلة لقوله صلى ال عليه وسلم ‪ « :‬الطّلق‬
‫لمن أخذ بالسّاق » ‪.‬‬
‫ن الب يملك‬
‫وذهب أحمد في رواية أيّدها القاضي وأصحابه ورجّحها صاحب المبدع إلى أ ّ‬
‫ن ابن عمر رضي ال عنهما طلّق على ابن له معتوه ‪ ،‬