You are on page 1of 261

‫الموسوعة الفقهية ‪ /‬الجزء العشرون‬

‫خمار *‬
‫التّعريف ‪:‬‬
‫‪ -‬الخمار من الخمر ‪ ،‬وأصله السّتر ‪ ،‬يقال ‪ :‬خمر الشّيء يخمره خمرا ‪ ،‬وأخمره أي ستره‬ ‫‪1‬‬

‫طىً مخمّر يقال ‪ :‬خمّرت الناء أي غطّيته ‪ ،‬وروي عن النّبيّ صلى ال عليه وسلم‬
‫ل مغ ّ‬
‫‪ ،‬وك ّ‬
‫أنّه قال ‪ « :‬خمّروا آنيتكم » وفي رواية ‪ « :‬خمّروا النية وأوكئوا السقية » ‪.‬‬
‫ن الخمار غلب في التّعارف ا سما ل ما تغطّي به المرأة‬
‫ل ما ي ستر شيئا ف هو خماره ‪ .‬لك ّ‬
‫وك ّ‬
‫رأسها ‪ ،‬يقال ‪ :‬اختمرت المرأة وتخمّرت ‪ :‬أي لبست الخمار ‪ ،‬وجمع الخمار خمر ‪ ،‬قال اللّه‬
‫جيُو ِبهِنّ } ‪.‬‬
‫علَى ُ‬
‫خ ُمرِهِنّ َ‬
‫ض ِربْنَ بِ ُ‬
‫تعالى ‪َ { :‬و ْليَ ْ‬
‫ول يخرج المع نى ال صطلحيّ للخمار في الجملة عن المع نى اللّغو يّ ال سّابق ‪ ،‬ل نّ ب عض‬
‫الفقهاء يعرّفونه بأنّه ‪ :‬ما يستر الرّأس والصّدغين أو العنق ‪.‬‬
‫اللفاظ ذات الصّلة ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬الحجاب ‪:‬‬
‫‪ - 2‬الحجاب ‪ :‬السّتر ‪ ،‬يقال ‪ :‬حجب الشّيء يحجبه حجبا وحجابا ‪ ،‬وحجبه ‪ :‬ستره ‪ ،‬وامرأة‬
‫محجوبة ‪ :‬قد سترت بستر ‪ ،‬وحجاب الجوف ‪ :‬ما يحجب بين الفؤاد وسائره ‪ ،‬قال الزهريّ‬
‫‪ :‬هي جلدة بين الفؤاد وسائر البطن ‪.‬‬
‫والصل في الحجاب أنّه جسم حائل بين جسدين ‪ ،‬واستعمل في المعاني فقيل ‪ :‬العجز حجاب‬
‫والمعصية حجاب ‪ .‬فالحجاب أع ّم من الخمار ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬القناع ‪:‬‬
‫‪ - 3‬القناع ما تتقنّع به المرأة من ثوب تغطّي رأسها ومحاسنها ‪.‬‬
‫ونحوه المقنّعة وهي ما تقنع به المرأة رأسها ‪ .‬قال صاحب القاموس ‪ :‬القناع أوسع منها ‪.‬‬
‫ويطلق بعض الفقهاء القناع على الثّوب يلقيه الرّجل على كتفه ‪ ،‬ويغطّي به رأسه وير ّد طرفه‬
‫على كتفه الخر ‪.‬‬
‫والقناع أعمّ وأشمل في السّتر من الخمار ‪ ،‬أو هو يخالفه بإطلق بعض الفقهاء ‪.‬‬
‫ج ‪ -‬النّقاب ‪:‬‬
‫‪ - 4‬النّقاب ما تنتقب به المرأة ‪ ،‬يقال ‪ :‬انتقبت المرأة وتنقّبت ‪ :‬غطّت وجهها بالنّقاب ‪.‬‬
‫ويعرّف ابن منظور النّقاب بأنّه ‪ :‬القناع على مارن النف ‪ ،‬ثمّ يقول ‪ :‬والنّقاب على وجوه ‪.‬‬
‫قال الفرّاء ‪ :‬إذا أدنت المرأة النّقاب إلى عينها فتلك الوصوصة ‪ ،‬فإن أنزلته دون ذلك إلى‬
‫المحجر فهو النّقاب ‪ ،‬فإن كان على طرف النف فهو اللّفام ‪.‬‬
‫قال ابن منظور ‪ :‬الوصواص ‪ :‬البرقع الصّغير ‪.‬‬
‫ل من الخمار والنّقاب يغطّى به جزء من الجسم ‪ ،‬الخمار يغطّى به الرّأس ‪ ،‬والنّقاب‬
‫وك ّ‬
‫يغطّى به الوجه ‪.‬‬
‫د ‪ -‬البرقع ‪:‬‬
‫‪ - 5‬البرقع لغ ًة ‪ :‬ما تستر به المرأة وجهها ‪.‬‬
‫الحكام المتعلّقة بالخمار ‪:‬‬
‫أوّلً ‪ :‬ارتداء المرأة الخمار عموما ‪:‬‬
‫ن شعر رأسها عورة باتّفاق ‪،‬‬
‫‪ - 6‬ارتداء المرأة الحرّة الخمار بوجه عا ّم واجب شرعا ‪ ،‬ل ّ‬
‫خ ُمرِهِنّ عَلَى‬
‫وقد أمرت المرأة بضرب الخمار على جيبها في قوله تعالى ‪ { :‬وَ ْل َيضْ ِربْنَ ِب ُ‬
‫ن في ذلك الزّمان إذا غطّين رءوسهنّ‬
‫ن النّساء ك ّ‬
‫جيُو ِبهِنّ } قال القرطبيّ ‪ :‬سبب هذه الية أ ّ‬
‫ُ‬
‫بالخمرة ‪ ،‬وهي المقانع سدلنها من وراء الظّهر فيبقى النّحر والعنق والذنان ل ستر على‬
‫ذلك ‪ ،‬فأمر اللّه تعالى بليّ الخمار على الجيوب ‪ ،‬وهيئة ذلك أن تضرب المرأة بخمارها على‬
‫جيبها لتستر صدرها ‪ .‬قالت عائشة رضي ال عنها ‪ :‬إنّما يضرب بالخمار الكثيف الّذي يستر‬
‫ثانيا ‪ -‬المسح على الخمار في الوضوء ‪:‬‬
‫سنّة والجماع ‪.‬‬
‫‪ - 7‬مسح الرّأس في الوضوء فرض تواترت عليه الدلّة من الكتاب وال ّ‬
‫والفرض الّذي تواترت عليه الدلّة هو أصل المسح ‪ ،‬أمّا صفته ومقدار ما يمسح من الرّأس‬
‫ففيه خلف وتفصيل ينظران في مصطلحي ‪ ( :‬وضوء ‪ ،‬ومسح ) ‪.‬‬
‫وممّا اختلف فيه كذلك المسح على الخمار ‪:‬‬
‫فقال الحنفيّة والمالكيّة والشّافعيّة ‪ :‬ل يجزئ في الوضوء مسح المرأة خمارها وحده دون‬
‫مسح رأسها ‪ ،‬إلّ إذا كان الخمار رقيقا ينفذ منه الماء إلى شعرها ‪ ،‬فيجوز لوجود الصابة ‪،‬‬
‫لما روي عن « عائشة رضي ال عنها أنّها أدخلت يدها تحت الخمار ومسحت برأسها ‪،‬‬
‫وقالت ‪ :‬بهذا أمرني رسول اللّه صلى ال عليه وسلم » ‪.‬‬
‫سكُمْ}‬
‫سحُواْ ِبرُؤُو ِ‬
‫ن قوله تعالى ‪ { :‬وَا ْم َ‬
‫ولنّه ل حرج في نزعه ‪ ،‬والرّخصة لدفع الحرج ‪ ،‬ول ّ‬
‫يقتضي عدم جواز مسح غير الرّأس ‪.‬‬
‫قال نافع ‪ :‬رأيت صفيّة بنت أبي عبيد تتوضّأ وتنزع خمارها ثمّ تمسح برأسها ‪ ،‬قال نافع ‪:‬‬
‫وأنا يومئذ صغير ‪ ،‬قال محمّد بن الحسن ‪ :‬بهذا نأخذ ‪ ،‬ل نمسح على خمار ول على‬
‫ن المسح على العمامة كان فترك ‪.‬‬
‫عمامة ‪ ،‬بلغنا أ ّ‬
‫قال النّوويّ ‪ :‬قال الشّافعيّ في البويطيّ ‪ :‬وتدخل يدها تحت خمارها حتّى يقع المسح على‬
‫الشّعر ‪ ،‬فلو وضعت يدها المبتلّة على خمارها قال أصحابنا ‪ :‬إن لم يصل البلل إلى الشّعر لم‬
‫يجزئها ‪ ،‬وإن وصل فهي كالرّجل إذا وضع يده المبتلّة على رأسه إن أمرّها عليه أجزأه وإلّ‬
‫فوجهان ‪ ،‬الصّحيح الجزاء ‪.‬‬
‫وقال الشّافعيّة ‪ :‬يستحبّ لمن مسح ناصيته ولم يستوعب الرّأس بالمسح أن يتمّ المسح على‬
‫العمامة ‪ ،‬وقالوا ‪ :‬وهذا حكم ما على رأس المرأة ‪.‬‬
‫وعند الحنابلة قال ابن قدامة ‪ :‬في مسح الرّأس على مقنعتها روايتان ‪ :‬إحداهما ‪ :‬وهي‬
‫المعتمدة واقتصر عليها الحجّاويّ يجوز ‪ ،‬لنّ أمّ سلمة كانت تمسح على خمارها ‪ ،‬ذكره ابن‬
‫المنذر وقد روي عن النّبيّ صلى ال عليه وسلم « أنّه أمر بالمسح على الخفّين والخمار »‬
‫ولنّه ملبوس للرّأس معتاد يشقّ نزعه فأشبه العمامة ‪.‬‬
‫والثّانية ‪ :‬ل يجوز المسح عليه ‪ ،‬فإنّ أحمد سئل ‪ :‬كيف تمسح المرأة على رأسها ؟ قال ‪ :‬من‬
‫تحت الخمار ول تمسح على الخمار ‪،‬قال ‪ :‬وقد ذكروا أنّ أمّ سلمة كانت تمسح على خمارها‪.‬‬
‫ثالثا ‪ :‬لبس الخمار في الصّلة ‪:‬‬
‫‪ - 8‬اتّفق الفقهاء على أنّ من شروط الصّلة ستر العورة ‪ ،‬ومن العورة الّتي يشترط سترها‬
‫في الصّلة شعر المرأة ‪ ،‬فيجب على المرأة الحرّة البالغة أن تخمّر رأسها في الصّلة ‪ ،‬أي‬
‫تغطّيه بخمار كثيف ل يشفّ ‪ ،‬فإن لم تفعل كانت صلتها باطل ًة ‪ ،‬لما روي عن عائشة‬
‫ن رسول اللّه صلى ال عليه وسلم قال ‪ « :‬ل يقبل اللّه صلة حائض‬
‫رضي ال تعالى عنها أ ّ‬
‫ن الحائض فعلً أثناء حيضها ل صلة لها ‪ ،‬ل‬
‫إلّ بخمار » والمراد بالحائض البالغة ‪ ،‬ل ّ‬
‫ن الحيض يستلزم البلوغ ‪.‬‬
‫بخمار ول بغيره ‪ ،‬فكان التّعبير بلفظ الحائض مجازا عن البالغة ل ّ‬
‫ثمّ اختلف الفقهاء فيما وراء ذلك من الحكام ‪:‬‬
‫فقال الحنفيّة ‪:‬إن تركت الحرّة البالغة ستر ربع رأسها فأكثر قدر أداء ركن بل صنعها‬
‫أعادت‪ .‬وفي أحكام الصّغار للُسترُوشَني ‪ :‬وجواز صلة الصّغيرة بغير قناع استحسان ‪،‬‬
‫لنّه ل خطاب مع الصّبا ‪ ،‬والحسن أن تصلّي بقناع لنّها إنّما تؤمر بالصّلة للتّعوّد فتؤمر‬
‫على وجه يجوز أداؤها معه بعد البلوغ ‪.‬‬
‫ثمّ قال ‪ :‬المراهقة إذا صلّت بغير قناع ل تؤمر بالعادة استحسانا ‪ ،‬وإن صلّت بغير وضوء‬
‫تؤمر بذلك ‪.‬‬
‫وقال المالكيّة ‪ :‬يندب للمرأة الحرّة الصّغيرة المأمورة بالصّلة ستر للصّلة ‪ -‬وهو واجب‬
‫على الحرّة البالغة ‪ -‬وتعيد الصّلة ندبا إن راهقت ‪ -‬أي قاربت البلوغ ‪ -‬وتركت القناع ‪-‬‬
‫أي تغطية الرّأس ‪ -‬في الصّلة ‪ ...‬وقالوا ‪ :‬يكره القناع في الصّلة للرّجل إذا كان بصفة‬
‫معيّنة هي أن يلقي ثوبا على كتفه ويغطّي به رأسه ويردّ طرفه على كتفه الخر ‪ ،‬وهو‬
‫مكروه للرّجال لنّه من زيّ النّساء إلّ من ضرورة حرّ ‪ ،‬أو برد ‪ ،‬أو يكون شعار قوم فل‬
‫يكره ‪.‬‬
‫وقال الشّافعيّة ‪ :‬ل تقبل صلة الصّبيّة المميّزة إلّ بخمار ‪.‬‬
‫وقال الحنابلة ‪ :‬غير البالغة ل يلزمها ستر رأسها في الصّلة لمفهوم حديث عائشة السّابق ‪.‬‬
‫رابعا ‪ -‬لبس الخمار في الحرام ‪:‬‬
‫‪ - 9‬اتّفق الفقهاء على أنّ من محظورات الحرام بالنّسبة للرّجل تغطية الرّأس ‪ ،‬وعلى أنّ‬
‫المرأة الحرّة ل تكشف رأسها في الحرام ‪ -‬كما يفعل الرّجل ‪-‬لنّ رأسها عورة يجب‬
‫سترها‪ ،‬وعليها أن تخمّر رأسها بما يستره سترا كاملً ‪ ،‬ونقل ابن قدامة عن ابن المنذر قوله‬
‫ن للمحرمة لبس القمص والدّروع والسّراويلت والخمر والخفاف ‪.‬‬
‫‪ :‬أجمع أهل العلم على أ ّ‬
‫واتّفق الفقهاء على أنّه يحرم على المرأة حال إحرامها ستر وجهها ‪،‬أو بعضه بما يعدّ ساترا‪،‬‬
‫ن على المرأة الحرّة المحرمة بحجّ أو عمرة أن تستر من وجهها ما ل يتأتّى‬
‫لكنّهم قالوا ‪ :‬إ ّ‬
‫ستر جميع رأسها إلّ به ‪،‬ول يجوز لها أن تكشف من رأسها ما ل يتأتّى كشف وجهها إلّ به‪،‬‬
‫ن المحافظة على ستر الرّأس بكماله لكونه عور ًة أولى من المحافظة على كشف ذلك القدر‬
‫لّ‬
‫من الوجه الّذي ل يتأتّى تمام ستر الرّأس إلّ به ‪.‬‬
‫خامسا ‪ :‬الخمار في كفن المرأة ‪:‬‬
‫‪ - 10‬اتّفق الفقهاء على أنّ أقلّ الكفن الضّروريّ المقدور عليه ما يغطّي بدن الميّت رجلًا كان‬
‫ن الفضل في الكفن للمرأة خمسة أثواب‬
‫ل رأس المحرم ووجه المحرمة ‪ .‬وعلى أ ّ‬
‫أو امرأةً إ ّ‬
‫‪ :‬إزار تستر به العورة ‪ ،‬وخمار يغطّى به الرّأس ‪ ،‬وقميص ‪ ،‬ولفافتان ‪.‬‬
‫قال ابن المنذر ‪ :‬أكثر من نحفظ عنه من أهل العلم يرى أن تكفّن المرأة في خمسة أثواب ‪،‬‬
‫وإنّما استحبّ ذلك لنّ المرأة تزيد في حال حياتها على الرّجل في السّتر لزيادة عورتها على‬
‫عورته فكذلك بعد الموت ‪ ،‬وقد روى أبو داود بإسناده عن ليلى بنت قائف الثّقفيّة رضي ال‬
‫تعالى عنها قالت ‪ « :‬كنت فيمن غسّل أمّ كلثوم رضي ال تعالى عنها بنت رسول اللّه صلى‬
‫ال عليه وسلم عند وفاتها ‪ ،‬فكان أوّل ما أعطانا رسول اللّه صلى ال عليه وسلم الحقو ‪ ،‬ثمّ‬
‫الدّرع ‪ ،‬ثمّ الخمار ‪ ،‬ثمّ الملحفة ‪ ،‬ثمّ أدرجت بعد ذلك في الثّوب الخر » ‪.‬‬
‫وعند الحنابلة أنّ الجارية إذا لم تبلغ ل تخمّر عند تكفينها ‪ ،‬جاء في المغني ‪ :‬قال المروزيّ ‪:‬‬
‫سألت أبا عبد اللّه في كم تكفّن الجارية إذا لم تبلغ ؟ قال ‪ :‬في لفافتين ‪،‬وقميص ل خمار فيه‪،‬‬
‫ن غير البالغ ل يلزمها ستر‬
‫وكفّن ابن سيرين بنتا له قد أعصرت في قميص ولفافتين ‪ ،‬ول ّ‬
‫رأسها في الصّلة ‪.‬‬
‫واختلفت الرّواية عن أحمد في الحدّ الّذي تصير به في حكم المرأة في التّكفين ويكون في‬
‫كفنها الخمار ‪ ،‬فروي عنه ‪ ،‬إذا بلغت ‪ ،‬وهو ظاهر كلمه في رواية المروزيّ لقول النّبيّ‬
‫صلى ال عليه وسلم ‪ « :‬ل يقبل اللّه صلة حائض إلّ بخمار » ‪.‬‬
‫ن غيرها ل تحتاج إلى خمار في صلتها فكذلك في كفنها ‪.‬‬
‫مفهومه أ ّ‬
‫وروى عن أحمد أكثر أصحابه ‪ :‬إذا كانت بنت تسع سنين يصنع بها ما يصنع بالمرأة ‪،‬‬
‫ج « بحديث عائشة رضي ال تعالى عنها أنّ النّبيّ صلى ال عليه وسلم دخل بها وهي‬
‫واحت ّ‬
‫بنت تسع سنين » وعنها رضي ال تعالى عنها قالت ‪ :‬إذا بلغت الجارية تسعا فهي امرأة ‪.‬‬
‫وفي ترتيب أثواب الكفن وموضع الخمار بينها تفصيل ينظر في مصطلح ‪ ( :‬تكفين ) ‪.‬‬

‫خمر *‬
‫انظر ‪ :‬أشربة ‪.‬‬

‫خمس *‬
‫التّعريف ‪:‬‬
‫خمْس ‪-‬‬
‫خمْس ‪ -‬بضمّ الخاء وسكون الميم أو ضمّها ‪ -‬الجزء من خمسة أجزاء ‪ ،‬وال َ‬
‫‪ - 1‬ال ُ‬
‫بفتح الخاء وسكون الميم ‪ -‬أخذ واحد من خمسة ‪ ،‬يقال ‪ :‬خمستهم أخمُسهم ‪ -‬بضمّ الميم في‬
‫المضارع ‪ -‬أي أخذت خمس أموالهم ‪ ،‬وخمستهم أخمِسهم ‪ -‬بكسر الميم في المضارع ‪ -‬أي‬
‫كنت خامسهم أو كمّلتهم خمسةً بنفسي ‪ ،‬ويقال ‪ :‬خمّست الشّيء ‪ -‬بالتّثقيل ‪ -‬أي جعلته خمسة‬
‫أجزاء ‪ ،‬ويقال ‪ :‬أخمس القوم أي صاروا خمس ًة ‪.‬‬
‫والخمس ‪ :‬خمس الغنيمة أو الفيء ‪ ،‬والتّخميس ‪ :‬إخراج الخمس من الغنيمة ‪.‬‬
‫ول يخرج المعنى الصطلحيّ عن المعنى اللّغويّ ‪.‬‬
‫اللفاظ ذات الصّلة ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬المرباع ‪:‬‬
‫‪ - 2‬المرباع هو الرّبع ‪ :‬قال قطرب ‪ :‬المرباع الرّبع ‪ ،‬والمعشار العشر ولم يسمع في‬
‫ي صلى ال عليه وسلم لعديّ بن حاتم قبل إسلمه ‪ « :‬إنّك لتأكل‬
‫غيرهما ‪ ،‬ومنه قول النّب ّ‬
‫ل لك في دينك » كانوا في الجاهليّة إذا غزا بعضهم بعضا وغنموا أخذ‬
‫المرباع وهو ل يح ّ‬
‫الرّئيس ربع الغنيمة خالصا دون أصحابه وقال الشّاعر ‪:‬‬
‫وحكمك والنّشيطة والفضول‬ ‫لك المرباع منها والصّفايا‬
‫والفرق بين اللّفظين اختلف القدر بينهما ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬الصّفيّ ‪:‬‬
‫‪ - 3‬الصّفيّ ‪ :‬ما كان يصطفيه الرّئيس في الحرب قبل السلم لنفسه من الغنيمة دون‬
‫أصحابه ‪ ،‬وما ل يستقيم أن يقسم على الجيش ‪.‬‬
‫والصّفيّ في السلم شيء كان النّبيّ صلى ال عليه وسلم يصطفيه لنفسه قبل القسمة كسيف‬
‫أو فرس أو أمة ‪ ،‬وقد « اصطفى صلى ال عليه وسلم سيف منبّه بن أبي الحجّاج ‪ -‬وهو ذو‬
‫ي رضي ال عنها » ‪.‬‬
‫الفقار ‪ -‬يوم بدر ‪ ،‬واصطفى صفيّة بنت حي ّ‬
‫وقد انقطع ذلك بموته صلى ال عليه وسلم ‪.‬‬
‫ن الخمس الّذي شرعه اللّه تعالى في الغنائم وغيرها له‬
‫والفرق بين الخمس والصّفيّ أ ّ‬
‫مصارف معيّنة ‪ ،‬أمّا الصّفيّ فكان للنّبيّ صلى ال عليه وسلم وللرّئيس في الحرب قبل‬
‫السلم ‪.‬‬
‫ج ‪ -‬النّشيطة ‪:‬‬
‫ي الّذي يريدون الغارة‬
‫‪ - 4‬النّشيطة من الغنيمة ‪ :‬ما يصيبه القوم قبل أن يصلوا إلى الح ّ‬
‫عليه فينشطه الرّئيس من بين أيديهم ويأخذه قبل القسمة ‪.‬‬
‫ن النّشيطة كان يستأثر بها الرّئيس في الجاهليّة‪،‬‬
‫والفرق بين النّشيطة والخمس من الغنيمة أ ّ‬
‫أمّا الخمس فقد بيّن اللّه تعالى مصارفه ‪.‬‬
‫د ‪ -‬الفضول ‪:‬‬
‫‪ - 5‬الفضول من الغنيمة ‪ :‬بقايا تبقى منها ل تستقيم قسمتها على الجيش لقلّتها وكثرة الجيش‬
‫ص بها رئيس الجيش قبل السلم ‪.‬‬
‫فيخت ّ‬
‫ص بها رئيس الجيش في‬
‫والفرق بين الفضول من الغنيمة والخمس أنّ الفضول كان يخ ّ‬
‫الجاهليّة نفسه ويستأثر بها دون أصحابه ‪ ،‬أمّا الخمس فقد بيّن اللّه تعالى مصارفه ‪.‬‬
‫الحكم التّكليفيّ ‪:‬‬
‫شيْءٍ‬
‫غ ِن ْمتُم مّن َ‬
‫‪ - 6‬اتّفق الفقهاء على وجوب تخميس الغنيمة لقوله تعالى ‪ { :‬وَاعَْلمُو ْا َأ ّنمَا َ‬
‫سبِيلِ } ‪.‬‬
‫ن ال ّ‬
‫خ ُمسَهُ وَلِل ّرسُولِ وَِلذِي الْ ُق ْربَى وَا ْل َيتَامَى وَا ْل َمسَاكِينِ وَابْ ِ‬
‫َفأَنّ لِّلهِ ُ‬
‫واختلفوا في تخميس الفيء على ما سيأتي ‪.‬‬
‫الموال الّتي تخمّس ‪:‬‬
‫أوّلً ‪ :‬الغنيمة ‪:‬‬
‫‪ - 7‬وهي المال الّذي يأخذه المسلمون من الكفّار بالقوّة والقهر بإيجاف الخيل والرّكاب ‪ .‬ولم‬
‫تكن الغنائم تحلّ لمن مضى من المم ‪ ،‬وفي الحديث النّبويّ المتّفق عليه ‪ « :‬أعطيت خمسا‬
‫ن نبيّ قبلي ‪ ...‬وأحلّت لي الغنائم » وكانت الغنائم في أوّل السلم لرسول اللّه صلى‬
‫لم يعطه ّ‬
‫ل قُلِ الَنفَالُ لِّلهِ وَال ّرسُولِ } ثمّ صار أربعة‬
‫عنِ الَنفَا ِ‬
‫سأَلُو َنكَ َ‬
‫ال عليه وسلم لقوله تعالى ‪َ { :‬ي ْ‬
‫ن لِلّهِ‬
‫شيْءٍ َفأَ ّ‬
‫غ ِن ْمتُم مّن َ‬
‫أخماسها للغانمين ‪ ،‬والخمس لغيرهم لقوله تعالى ‪ { :‬وَاعَْلمُو ْا َأ ّنمَا َ‬
‫ن سائرها‬
‫ل ‪ } ...‬فأضاف الغنيمة إليهم وجعل الخمس لغيرهم فدلّ ذلك على أ ّ‬
‫خ ُمسَهُ وَلِلرّسُو ِ‬
‫ُ‬
‫طيّبا } فأحلّها اللّه لهم ‪ .‬والغنيمة إذا‬
‫للً َ‬
‫غ ِن ْم ُتمْ حَ َ‬
‫( البقيّة ) لهم ‪ ،‬وقوله تعالى ‪َ { :‬فكُلُو ْا ِممّا َ‬
‫كانت أرضا فتحت عنوةً ففي تخميسها خلف بين الفقهاء ينظر في ‪ ( :‬تخميس وغنيمة‬
‫وأرض وخراج ) ‪.‬‬
‫وإن كانت الغنيمة من الموال المنقولة وجب تخميسها وقسم أخماسها الربعة على الغانمين‪،‬‬
‫وصرف الخمس في مصارفه ‪.‬‬
‫ويبدأ المام أو المير في قسم الغنيمة بالسّلب فيعطيه للقاتل ‪ ،‬ثمّ يخرج المؤن اللّازمة كأجرة‬
‫حمّال وحافظ وغيرهما ‪ ،‬ثمّ يجعل الباقي خمسة أقسام متساوية ‪ ،‬خمس لهل الخمس ‪،‬‬
‫والربعة الخماس للغانمين ‪.‬‬
‫واختلف الفقهاء في كيفيّة قسم خمس الغنيمة على أقوال ‪:‬‬
‫القول الوّل ‪:‬‬
‫‪ - 8‬قال الشّافعيّة والحنابلة ‪ :‬يقسم خمس الغنيمة على خمسة أسهم ‪ ،‬لقوله تعالى ‪ { :‬وَاعَْلمُواْ‬
‫سبِيلِ }‬
‫ن ال ّ‬
‫خ ُمسَهُ وَلِل ّرسُولِ وَِلذِي الْ ُق ْربَى وَا ْل َيتَامَى وَا ْل َمسَاكِينِ وَابْ ِ‬
‫شيْءٍ َفأَنّ لِّلهِ ُ‬
‫غ ِن ْمتُم مّن َ‬
‫َأ ّنمَا َ‬
‫ولما روي عن ابن عبّاس رضي ال عنهما ‪ « :‬كان رسول اللّه صلى ال عليه وسلم يقسم‬
‫الخمس على خمسة »‬
‫ي وقتادة وابن جريج ‪ .‬وبيان هذه السهم كالتي ‪:‬‬
‫وبهذا قال عطاء ومجاهد والشّعبيّ والنّخع ّ‬
‫أ ‪ -‬سهم للّه تعالى ولرسوله صلى ال عليه وسلم ‪ :‬وكان هذا السّهم له صلى ال عليه وسلم‬
‫في حياته يضعه في مصارفه الّتي يراها ‪ ،‬ثمّ صار من بعده صلى ال عليه وسلم يصرف في‬
‫الكراع والسّلح ومصالح المسلمين ‪ ،‬كسدّ الثّغور ‪ ،‬وشحنها بالعدد ‪ ،‬والمقاتلة ‪ ،‬وكعمارة‬
‫المساجد ‪ ،‬والقناطر ‪ ،‬والحصون ‪ ،‬وأرزاق القضاة ‪ ،‬والئمّة ‪ ،‬والعلماء بعلوم تتعلّق بمصالح‬
‫ل يتعطّل من ذكر بالكتساب عن الشتغال بهذه‬
‫ن بالثّغور حفظ المسلمين ‪ ،‬ولئ ّ‬
‫المسلمين ‪ ،‬ل ّ‬
‫العلوم وعن تنفيذ الحكام وعن التّعليم والتّعلّم ‪ ،‬فيرزقون ما يكفيهم ليتفرّغوا لذلك ‪ .‬ويقدّم‬
‫الهمّ فالهمّ وجوبا ‪.‬‬
‫ن سهم اللّه تعالى والرّسول صلى ال عليه وسلم واحد ‪ ،‬لنّ ذكر اللّه تعالى في‬
‫وقالوا ‪ :‬إ ّ‬
‫خ ُمسَ ُه } لفتتاح الكلم باسمه تعالى تبرّكا به ل لفراده سبحانه‬
‫الية الكريمة بقوله { َفأَنّ لِّلهِ ُ‬
‫ن للّه تعالى الدّنيا والخرة ‪.‬‬
‫بسهم ‪ ،‬فإ ّ‬
‫ب ‪ -‬سهم لبني هاشم وبني المطّلب ابني عبد مناف ‪ :‬وهم المراد بقول اللّه تعالى ‪ { :‬وَِلذِي‬
‫الْ ُق ْربَى } دون غيرهم من بني عبد شمس وبني نوفل وإن كان الربعة أبناء عبد مناف ‪،‬‬
‫لقتصار النّبيّ صلى ال عليه وسلم في القسم على بني الوّلين مع سؤال ابن الخرين له ‪،‬‬
‫روي عن جبير بن مطعم رضي ال تعالى عنهما أنّه قال ‪ « :‬لمّا قسم رسول اللّه صلى ال‬
‫عليه وسلم سهم ذي القربى من خيبر بين بني هاشم وبني المطّلب أتيت أنا وعثمان بن عفّان‬
‫رسول اللّه صلى ال عليه وسلم فقلنا ‪ :‬يا رسول اللّه ‪ ،‬أمّا بنو هاشم فل ننكر فضلهم لمكانك‬
‫الّذي وضعك اللّه به منهم ‪ ،‬فما بال إخواننا من بني المطّلب أعطيتهم وتركتنا ‪ ،‬وإنّما نحن‬
‫وهم منك بمنزلة واحدة ؟ فقال صلى ال عليه وسلم ‪ :‬إنّهم لم يفارقوني في جاهليّة ول‬
‫إسلم ‪ ،‬وإنّما بنو هاشم وبنو المطّلب شيء واحد وشبّك بين أصابعه » ‪.‬‬
‫والعبرة في الستحقاق من هذا السّهم بالنتساب إلى الباء ‪ ،‬أي بكون الب من بني هاشم أو‬
‫ن النّبيّ صلى‬
‫ق شيئا ‪ ،‬ل ّ‬
‫بني المطّلب ‪ ،‬أمّا من كانت أمّه منهم وأبوه من غيرهم فإنّه ل يستح ّ‬
‫ال عليه وسلم لم يدفع إلى أقارب أمّه وهم بنو زهرة شيئا ‪ ،‬وإنّما دفع إلى أقارب أبيه‪ ،‬ولم‬
‫يدفع إلى بني عمّاته وهم الزّبير بن العوّام ‪ ،‬وعبد اللّه والمهاجر ابنا أبي أميّة ‪ ،‬وبنو جحش ‪.‬‬
‫ويشترك في الستحقاق من هذا السّهم الذّكور والناث ‪ ،‬لنّ القرابة تشملهم ‪ ،‬ولحديث جبير‬
‫السّابق ‪ ،‬ولما روي أنّ الزّبير رضي ال عنه كان يأخذ معهم أمّه صفيّة عمّة النّبيّ صلى ال‬
‫صدّيق‬
‫عليه وسلم وفي النّسائيّ «أنّه صلى ال عليه وسلم أسهم يوم خيبر لصفيّة » ‪ ،‬وكان ال ّ‬
‫سيّدة فاطمة رضي ال تعالى عنهما من هذا السّهم ‪ .‬والمذهب‬
‫رضي ال تعالى عنهما يدفع لل ّ‬
‫عند الشّافعيّة ورواية عن أحمد ‪ -‬وهي اختيار الخرقيّ ‪ -‬أنّه يقسم بين ذوي القربى للذّكر‬
‫مثل حظّ النثيين ‪ ،‬لنّه سهم استحقّ بقرابة الب شرعا ففضّل فيه الذّكر على النثى‬
‫كالميراث ‪ ،‬ويفارق الوصيّة وميراث ولد المّ ‪ ،‬فإنّ الوصيّة استحقّت بقول الموصي ‪،‬‬
‫وميراث ولد المّ استحقّ بقرابة المّ ‪.‬‬
‫والرّواية الثّانية عن أحمد وما نقل عن المزنيّ وأبي ثور وابن جرير أنّه يسوّى بين الذّكر‬
‫والنثى ‪ ،‬لنّهم أعطوا باسم القرابة والذّكر والنثى فيها سواء ‪ ،‬فأشبه ما لو وصّى لقرابة‬
‫ن الجدّ يأخذ مع الب ‪ ،‬وابن البن يأخذ من البن ‪ ،‬وهذا يدلّ على‬
‫فلن أو وقف عليهم ‪ ،‬فإ ّ‬
‫مخالفة المواريث ‪ ،‬ولنّه سهم من خمس الخمس لجماعة فيستوي فيه الذّكر والنثى كسائر‬
‫سهامه ‪ .‬ويستوي في الستحقاق ‪ -‬على الرّوايتين ‪ -‬الصّغير والكبير لستوائهم في القرابة‬
‫فأشبه الميراث ‪.‬‬
‫ي بني هاشم وبني المطّلب وفقيرهم في الستحقاق من هذا السّهم سواء ‪ ،‬لعموم قوله‬
‫وغن ّ‬
‫ن « النّبيّ صلى ال عليه‬
‫تعالى ‪ { :‬وَِلذِي الْ ُق ْربَى } ول يجوز التّخصيص بغير دليل ‪ ،‬ول ّ‬
‫وسلم كان يعطي أقاربه كلّهم وفيهم الغنياء كالعبّاس رضي ال عنه وكان من أغنياء قريش»‬
‫‪ ،‬ولم ينقل تخصيص الفقراء منهم ‪ ،‬وروى أحمد في مسنده « أنّ النّبيّ صلى ال عليه وسلم‬
‫أعطى الزّبير سهمًا ‪ ،‬وأمّه سهما ‪ ،‬وفرسه سهمين » ‪.‬‬
‫وإنّما أعطى أمّه من سهم ذي القربى وقد كانت موسرةً ولها موال وأموال ‪ ،‬ولنّه مال‬
‫مستحقّ بالقرابة فاستوى فيه الغنيّ والفقير كالميراث والوصيّة للقارب ‪ ،‬ولنّ عثمان‬
‫وجبيرا رضي ال تعالى عنهما طلبا حقّهما منه وسأل عن علّة منعهما ومنع قرابتهما وهما‬
‫موسران فعلّله النّبيّ صلى ال عليه وسلم بنصرة بني المطّلب دونهم وكونهم مع بني هاشم‬
‫كالشّيء الواحد ‪ ،‬ولو كان اليسار مانعا والفقر شرطا لم يطلبا مع عدمه ‪ ،‬ولعلّل النّبيّ صلى‬
‫ال عليه وسلم منعهما بيسارهما وانتفاء فقرهما ‪.‬‬
‫ق في هذا السّهم لغنيّ قياسا على بقيّة السّهام ‪.‬‬
‫وقيل ‪ :‬ل ح ّ‬
‫ج ‪ -‬سهم لليتامى ‪ :‬وهم الّذين مات آباؤهم ولم يبلغوا الحلم ‪ ،‬فإن بلغوا الحلم لم يكونوا يتامى‬
‫لحديث ‪ « :‬ل يتم بعد احتلم » ‪.‬‬
‫والمشهور عند الشّافعيّة وهو قول لبعض الحنابلة ‪ .‬إنّه يشترط لستحقاق اليتيم من هذا السّهم‬
‫ن اغتناءه بمال أبيه إذا منع استحقاقه‬
‫أن يكون فقيرا ‪ ،‬لنّ لفظ اليتيم يشعر بالحاجة ‪ ،‬ول ّ‬
‫فاغتناؤه بماله أولى بمنعه ‪.‬‬
‫ومقابل المشهور عند الشّافعيّة وهو ما رجّحه ابن قدامة من مذهب الحنابلة ‪ :‬أنّه ل يشترط‬
‫لستحقاق اليتيم من هذا السّهم أن يكون فقيرا لشمول لفظ اليتيم للغنيّ والفقير ‪ ،‬ولنّ عموم‬
‫الية يشمل الغنيّ والفقير ‪.‬‬
‫وصرّح الشّافعيّة والحنابلة بأنّه يشترط لستحقاق اليتيم السلم ‪ ،‬فل يعطى أيتام الكفّار من‬
‫هذا السّهم شيئا ‪ ،‬لنّه مال أخذ من الكفّار فل يرجع إليهم ‪ ،‬وصرّح الشّافعيّة بأنّه يندرج في‬
‫تفسير اليتيم ‪ :‬ولد الزّنى واللّقيط والمنفيّ باللّعان ‪.‬‬
‫د ‪ -‬سهم للمساكين ‪ :‬وهم أهل الحاجة ‪ ،‬ويدخل فيهم الفقراء ‪ ،‬فالمساكين والفقراء في‬
‫الستحقاق من هذا السّهم صنف واحد ‪ ،‬وفي الزّكاة صنفان لنّه جمع بين لفظيهما بواو‬
‫العطف في آية مصارف الزّكاة ‪ ،‬وفرّق فقهاء الشّافعيّة والحنابلة ‪ -‬في باب الزّكاة ‪ -‬بين‬
‫الفقير والمسكين فقالوا ‪ :‬الفقير ‪ :‬من ل مال له ول كسب يقع موقعا من كفايته ‪ ،‬والمسكين‪:‬‬
‫من له مال أو كسب يقع موقعًا من كفايته ول يكفيه ‪.‬‬
‫هـ ‪ -‬سهم لبن السّبيل ‪ :‬وقد اختلف الشّافعيّة والحنابلة في تعريف ابن السّبيل الّذي يستحقّ‬
‫من هذا السّهم ومن الزّكاة ‪ .‬وانظر تفصيل القول في ابن السّبيل مصطلح ‪ ( :‬زكاة )‪.‬‬
‫واختلف الرّأي عند الشّافعيّة والحنابلة في تعميم المستحقّين أصحاب السّهام الربعة المتأخّرة‬
‫بالعطاء ‪.‬‬
‫فذهب جمهور فقهاء الشّافعيّة وهو المذهب عند الحنابلة إلى أنّه يجب على المام أو نائبه أن‬
‫يعمّ المستحقّين من سهام ذي القربى واليتامى والمساكين وابن السّبيل بالعطاء إن وفّى المال‪،‬‬
‫نعم يجعل ما في كلّ إقليم لساكنيه ‪ ،‬فإن عدمه بعض القاليم بأن لم يكن في بعضها شيء ‪،‬‬
‫أو لم يستوعبهم بأن لم يف بمن فيه إن وزّع عليهم نقل إليهم بقدر ما يحتاج إليه في التّسوية‬
‫بين المنقول إليهم وغيرهم ‪ ،‬ول يجوز القتصار على ثلثة من كلّ صنف من أصناف هذه‬
‫السّهام الربعة كما يقول بعضهم ‪ ،‬ويجوز أن يفاضل بين اليتامى ‪ ،‬وبين المساكين ‪ ،‬وبين‬
‫أبناء السّبيل ‪ ،‬لنّهم يستحقّون بالحاجة فتراعى حاجتهم ‪ ،‬بخلف ذوي القربى فإنّهم يستحقّون‬
‫بالقرابة ‪ ،‬فإن كان الحاصل يسيرا ل يسدّ مسدا بالتّوزيع قدّم الحوج فالحوج ول يستوعب ‪،‬‬
‫للضّرورة ‪ ،‬وتصير الحاجة مرجّحةً وإن لم تكن معتبر ًة في الستحقاق ‪.‬‬
‫ل ناحية بخمس مغزاها ‪ ،‬لما يلحق في نقله من‬
‫ص أهل ك ّ‬
‫وقال بعض الشّافعيّة والحنابلة ‪ :‬يخ ّ‬
‫المشقّة ‪ ،‬ولنّه يتعذّر تعميم أصحاب السّهام به فلم يجب ‪ ،‬قال ابن قدامة ‪ :‬والصّحيح ‪ -‬إن‬
‫شاء اللّه ‪ -‬أنّه ل يجب التّعميم لنّه يتعذّر ‪.‬‬
‫ومن فقد من هذه الصناف أعطي الباقون نصيبه ‪.‬‬
‫واختلف الشّافعيّة والحنابلة فيمن اجتمع فيه أكثر من وصف ‪ ،‬أو سبب من أسباب الستحقاق‬
‫من الخمس ‪ :‬فقال الشّافعيّة ‪ :‬من اجتمع فيه وصفان أخذ بأحدهما باختياره ‪ ،‬فإن كان أحدهما‬
‫غزوا جاز الخذ بهما ‪.‬‬
‫وقال الحنابلة ‪ :‬إن اجتمع في واحد أسباب كالمسكين إذا كان يتيما وابن سبيل ‪ ،‬استحقّ بكلّ‬
‫واحد منهما لنّها أسباب لحكام ‪ ،‬فوجب أن نثبت أحكامها كما لو انفردت ‪ ،‬فلو أعطاه ليتمه‬
‫فزال فقره لم يعط لفقره شيئا ‪.‬‬
‫القول الثّاني ‪:‬‬
‫‪ -‬قال الحنفيّة ‪ :‬يقسم خمس الغنيمة ثلثة أسهم ‪ :‬لليتامى ‪ ،‬والمساكين " ويشملون الفقراء "‬ ‫‪9‬‬

‫وأبناء السّبيل ‪.‬‬


‫ل وَِلذِي‬
‫خ ُمسَهُ وَلِلرّسُو ِ‬
‫ن لِلّ ِه ُ‬
‫شيْءٍ َفأَ ّ‬
‫غ ِن ْمتُم مّن َ‬
‫واستدلّوا بقول اللّه تعالى ‪ { :‬وَاعَْلمُو ْا َأ ّنمَا َ‬
‫سبِيلِ } وقالوا ‪ :‬إنّ ذكر اسم اللّه تعالى للتّبرّك في افتتاح‬
‫ن ال ّ‬
‫الْ ُق ْربَى وَا ْل َيتَامَى وَا ْل َمسَاكِينِ وَابْ ِ‬
‫ن الخلفاء الرّاشدين لم يفردوا هذا السّهم ولم ينقل عنهم‬
‫الكلم إذ الدّنيا والخرة للّه تعالى ‪ ،‬ول ّ‬
‫‪ ،‬وأمّا سهم النّبيّ صلى ال عليه وسلم فكان يستحقّه بالرّسالة كما كان يستحقّ الصّفيّ من‬
‫المغنم ‪ ،‬فسقطا بموته جميعا ‪ ،‬وقد قال صلى ال عليه وسلم ‪ « :‬إنّه ل يحلّ لي ممّا أفاء اللّه‬
‫ل الخمس والخمس مردود عليكم » ‪ .‬وكذلك الئمّة المهديّون لم يفردوه بعده‬
‫عليكم قدر هذه إ ّ‬
‫عليه الصلة والسلم ‪ ،‬ولو بقي بعده أو استحقّه غيره لصرفوه إليه ‪.‬‬
‫وأمّا سهم ذوي القربى فإنّهم كانوا يستحقّونه في زمن النّبيّ صلى ال عليه وسلم بالنّصرة‬
‫وبعده بالفقر ‪ ،‬لحديث جبير بن مطعم وعثمان بن عفّان رضي ال تعالى عنه " الّذي سبق "‬
‫ن المراد قرب النّصرة ل قرب النّسب ‪،‬‬
‫ل على أنّ الستحقاق كان بالنّصرة ‪ ،‬فتبيّن أ ّ‬
‫وهو يد ّ‬
‫ن أبا بكر وعمر وعثمان وعليّا رضي ال تعالى عنهم قسموه على ثلثة كما تقدّم وكفى‬
‫ول ّ‬
‫بهم قدوةً ‪.‬‬
‫وقالوا ‪ :‬إنّما يعطى من الخمس من كان من ذوي القربى على صفة الصناف الثّلثة لقوله‬
‫عليه الصلة والسلم ‪ « :‬يا بني هاشم ‪ ،‬إنّ اللّه تعالى كره لكم أوساخ النّاس ‪ ،‬وعوّضكم‬
‫عنها بخمس الخمس » والصّدقة إنّما حرّمت على فقرائهم ‪ ،‬لنّها كانت محرّم ًة على أغنيائهم‬
‫وأغنياء غيرهم ‪ ،‬فيكون خمس الخمس لمن حرمت عليه الصّدقة ‪ ،‬وما روي أنّ عمر رضي‬
‫ال تعالى عنه كان ينكح منه أيّمهم ‪ ،‬ويقضي منه غارمهم ‪ ،‬ويخدم منه عائلهم ‪ ،‬وكان ذلك‬
‫بمحضر من الصّحابة من غير نكير ‪.‬‬
‫وقالوا ‪ :‬إذا ثبت أنّه ل سهم للّه تعالى ‪ ،‬وسهم النّبيّ صلى ال عليه وسلم سقط ‪ ،‬وسهم ذوي‬
‫القربى يستحقّونه بالفقر ‪ ،‬لم يبق إلّ الصناف الثّلثة اليتامى والمساكين وابن السّبيل فوجب‬
‫أن يقسم عليهم ‪ ،‬ويدخل ذوو القربى فيهم إذا كانوا بصفتهم ‪.‬‬
‫وقالوا ‪ :‬يشترط لستحقاق اليتيم أن يكون فقيرا ‪ ،‬لنّ سبب استحقاق الصناف الثّلثة في‬
‫الخمس احتياج بيتم ‪ ،‬أو مسكنة ‪ ،‬أو كونه ابن سبيل ‪ ،‬فل يجوز الصّرف لغنيّهم ‪ ،‬ثمّ إنّهم‬
‫مصارف ل مستحقّون حتّى إنّه لو صرف إلى صنف واحد منهم جاز ‪.‬‬
‫القول الثّالث ‪:‬‬
‫‪ - 10‬وقال المالكيّة ‪ :‬يضع المام الخمس إن شاء في بيت المال ‪ ،‬أو يصرفه في مصالح‬
‫المسلمين من شراء سلح وغيره ‪ ،‬وإن شاء قسمه فيدفعه لل النّبيّ صلى ال عليه وسلم أو‬
‫لغيرهم ‪ ،‬أو يجعل بعضه فيهم وبقيّته في غيرهم ‪.‬‬
‫فالخمس موكول إلى نظر المام واجتهاده ‪ ،‬فيأخذ منه من غير تقدير ‪ ،‬ويعطي القرابة‬
‫باجتهاده ويصرف الباقي في مصالح المسلمين ‪ ،‬وبه قال الخلفاء الربعة وبه عملوا ‪ ،‬وعليه‬
‫ل الخمس والخمس مردود فيكم‬
‫يدلّ قوله صلى ال عليه وسلم ‪ « :‬مالي ممّا أفاء اللّه عليكم إ ّ‬
‫» فإنّه لم يقسمه أخماسا ول أثلثا ‪ ،‬وإنّما ذكر في الية من ذكر على وجه التّنبيه عليهم لنّهم‬
‫ن قُلْ‬
‫سأَلُو َنكَ مَاذَا يُنفِقُو َ‬
‫ل ‪َ { :‬ي ْ‬
‫أهمّ من يدفع إليه ‪ ،‬قال ال ّزجّاج محتجّا لمالك ‪ :‬قال اللّه عزّ وج ّ‬
‫سبِيلِ } وجائز للرّجل‬
‫ن ال ّ‬
‫ل ْقرَبِينَ وَا ْل َيتَامَى وَا ْل َمسَاكِينِ وَابْ ِ‬
‫خ ْيرٍ فَلِلْوَاِل َديْنِ وَا َ‬
‫مَا أَنفَ ْقتُم مّنْ َ‬
‫بإجماع أن ينفق في غير هذه الصناف إذا رأى ذلك ‪.‬‬
‫وذكر النّسائيّ عن عطاء قال ‪ :‬خمس اللّه وخمس رسوله واحد ‪ « ،‬كان رسول اللّه صلى ال‬
‫عليه وسلم يحمل منه ويعطي منه ‪ ،‬ويضعه حيث شاء ‪ ،‬ويصنع به ما شاء » ‪.‬‬
‫القول الرّابع ‪:‬‬
‫‪ - 11‬قالت طائفة ‪ :‬يقسم الخمس على ستّة أسهم ‪ :‬سهم للّه تعالى ‪ ،‬وسهم لرسول اللّه صلى‬
‫ال عليه وسلم وسهم لذوي القربى ‪ ،‬وسهم لليتامى ‪ ،‬وسهم للمساكين ‪ ،‬وسهم لبن السّبيل ‪،‬‬
‫خ ُمسَهُ ‪ } ...‬الية ‪ ،‬فعدّ‬
‫غ ِن ْمتُم مّن شَيْ ٍء َفأَنّ لِّلهِ ُ‬
‫وذلك لظاهر قول اللّه تعالى ‪ { :‬وَاعَْلمُو ْا َأ ّنمَا َ‬
‫ستّةً ‪ ،‬وجعل تعالى لنفسه سهما سادسا وهو مردود على عباد اللّه أهل الحاجة ‪.‬‬
‫القول الخامس ‪:‬‬
‫‪ - 12‬قال أبو العالية ‪ :‬سهم اللّه عزّ وجلّ هو أنّ المام إذا عزل الخمس ضرب بيده عليه‬
‫فما قبض عليه من شيء جعله للكعبة ‪ ،‬ثمّ يقسم بقيّة السّهم على خمسة ‪ ،‬وروي عن أبي‬
‫العالية قوله ‪ « :‬كان رسول اللّه صلى ال عليه وسلم يؤتى بالغنيمة فيقسمها على خمسة ‪،‬‬
‫تكون أربعة أخماس لمن شهدها ‪ ،‬ثمّ يأخذ الخمس فيضرب بيده فيه ‪ ،‬فيأخذ منه الّذي قبض‬
‫كفّه فيجعله للكعبة ‪ ،‬وهو سهم اللّه ‪ ،‬ثمّ يقسم ما بقي على خمسة أسهم فيكون سهم للرّسول‪،‬‬
‫وسهم لذي القربى ‪ ،‬وسهم لليتامى ‪ ،‬وسهم للمساكين وسهم لبن السّبيل ‪ ،‬قال ‪ :‬والّذي جعله‬
‫للكعبة هو السّهم الّذي للّه » ‪.‬‬
‫ثانيا ‪ :‬الفيء ‪:‬‬
‫حتّى تَفِيءَ إلى َأ ْمرِ اللّهِ } أي ترجع ‪.‬‬
‫‪ - 13‬الفيء مصدر فاء إذا رجع ‪ ،‬قال اللّه تعالى ‪َ { :‬‬
‫والفيء في الصطلح ‪ :‬المال ‪ -‬ونحوه ممّا ينتفع به ‪ -‬الحاصل للمسلمين من الكفّار ممّا هو‬
‫لهم بل قتال ول إيجاف خيل ول ركاب ‪.‬‬
‫ويشمل الفيء ‪ :‬ما جل عنه الكفّار ‪ ،‬وما أخذه العاشر منهم ‪ ،‬والجزية ‪ ،‬والخراج ‪ ،‬وتركة‬
‫ذمّيّ أو نحوه مات بل وارث ‪ ،‬وتركة مرتدّ مات أو قتل على ال ّردّة ‪ -‬على تفصيل في‬
‫المذاهب ‪ -‬وما أخذ من مال تغلبيّ وتغلبيّة ‪ ،‬وهديّة الكفّار للمام عن بعضهم ‪.‬‬
‫وقد اختلف الفقهاء في الفيء ‪:‬‬
‫ن الفيء ل‬
‫فذهب الحنفيّة والمالكيّة ‪ -‬وهو ما رجّحه القاضي من روايتين عن أحمد إلى أ ّ‬
‫يخمّس ‪ ،‬ومحلّه بيت مال المسلمين ويصرفه المام باجتهاده في مصالح المسلمين كسدّ الثّغور‬
‫وبناء القناطر والجسور ‪ ،‬وكفاية العلماء والمتعلّمين والقضاة والعمّال ‪ ،‬ورزق المقاتلة‬
‫وذراريّهم وقال المالكيّة ‪ :‬يبدأ بآل النّبيّ صلى ال عليه وسلم ندبا ‪.‬‬
‫وقال الشّافعيّة وهو ما رجّحه الخرقيّ من روايتي أحمد ‪ :‬يخمّس الفيء ‪ ،‬وخمسه لصحاب‬
‫خمس الغنيمة ‪ -‬وقد تقدّم بيانهم ‪ -‬والخماس الربعة للمرتزقة ‪ ،‬وهم الجناد المرصدون‬
‫للجهاد ‪ ..‬في الظهر عند الشّافعيّة وما ذهب إليه الخرقيّ من الحنابلة ‪.‬‬
‫ص بها المرتزقة ‪.‬‬
‫ومقابل الظهر عند الشّافعيّة ‪ :‬أنّها تصرف في مصالح المسلمين ول يخت ّ‬
‫ولمزيد من التّفصيل ينظر ‪ ( :‬فيء ) ‪.‬‬
‫ثالثا ‪ :‬السّلب ‪:‬‬
‫‪ - 14‬السّلب ‪ :‬ثياب القتيل ‪ -‬من الكفّار ‪ -‬وسلحه ‪ ،‬ومركوبه وما عليه ومعه من قماش ‪،‬‬
‫ومال على تفصيل واختلف ‪.‬‬
‫ن السّلب ‪ -‬إن استحقّه القاتل‬
‫وقد ذهب جمهور الفقهاء ‪ -‬وهو المشهور عند الشّافعيّة ‪ -‬إلى أ ّ‬
‫ن رسول اللّه‬
‫‪ -‬ل يخمّس ‪ ،‬لما روى عوف بن مالك وخالد بن الوليد رضي ال عنهما « أ ّ‬
‫صلى ال عليه وسلم قضى بالسّلب للقاتل ولم يخمّس السّلب » ولقوله صلى ال عليه وسلم ‪:‬‬
‫« من قتل قتيلً له عليه بيّنة فله سلبه » فهو بعمومه يقتضي أنّ السّلب كلّه للقاتل ولو خمّس‬
‫لم يكن كلّه له ‪.‬‬
‫ومقابل المشهور عند الشّافعيّة ‪ -‬وهو ما حكاه ابن قدامة عن ابن عبّاس والوزاعيّ ومكحول‬
‫ن السّلب يخمّس فيدفع خمسه لهل الفيء ‪ ،‬والباقي للقاتل ‪ ،‬لعموم قول اللّه تعالى ‪{ :‬‬
‫‪-‬أّ‬
‫خ ُمسَهُ ‪. } ...‬‬
‫غ ِن ْمتُم مّن شَيْ ٍء َفأَنّ لِّلهِ ُ‬
‫وَاعَْلمُو ْا َأ ّنمَا َ‬
‫وقال الحنيفة ‪ :‬إذا لم ينفّل بالسّلب فهو من جملة الغنيمة يخمّس ‪ ،‬ول يستحقّه القاتل لقول‬
‫النّبيّ صلى ال عليه وسلم ‪ « :‬ليس للمرء إلّ ما طابت به نفس إمامه » فإذا جعل المام‬
‫السّلب للقاتل انقطع حقّ الباقين عنه ‪ ،‬ول يخمّس السّلب إلّ أن يقول ‪ :‬من قتل قتيلًا فله سلبه‬
‫بعد الخمس ‪ ،‬فإنّه يخمّس ‪.‬‬
‫وقال إسحاق ‪ :‬إن استكثر المام السّلب خمّسه وذلك إليه ‪ ،‬لما روى ابن سيرين أنّ البراء بن‬
‫مالك بارز مرزبان الزّارة بالبحرين فطعنه فدقّ صلبه وأخذ سواريه وسلبه ‪ ،‬فلمّا صلّى عمر‬
‫الظّهر أتى أبا طلحة في داره فقال ‪ :‬إنّا كنّا ل نخمّس السّلب ‪ ،‬وإنّ سلب البراء قد بلغ مالً‬
‫وأنا خامسه ‪ ،‬فكان أوّل سلب خمّس في السلم سلب البراء ‪ ،‬رواه سعيد في السّنن ‪ ،‬وفيها‬
‫ن سلب البراء بلغ ثلثين ألفا ‪.‬‬
‫أّ‬
‫رابعا ‪ :‬الرّكاز ‪:‬‬
‫‪ - 15‬الرّكاز ‪ :‬المدفون في الرض ‪ ،‬واشتقاقه من ركز إذا أخفى ‪ ،‬يقال ‪ :‬ركز الرّمح إذا‬
‫سمَعُ َل ُهمْ‬
‫غرز أسفله في الرض ‪ ،‬ومنه الرّكز وهو الصّوت الخفيّ قال اللّه تعالى ‪ { :‬أو َت ْ‬
‫ِركْزَا } والواجب في الرّكاز الخمس لما روى أبو هريرة رضي ال تعالى عنه أنّ رسول اللّه‬
‫صلى ال عليه وسلم قال ‪ . . . « :‬وفي الرّكاز الخمس » ‪.‬‬
‫ولبيان الواجب في الرّكاز وما في معناه من المعادن والكنوز ‪ ،‬والشّروط الّتي يتعلّق بها‬
‫الوجوب من حيث طبيعة الدّفن ‪ ،‬وصفته ‪ ،‬وموضعه ومصرف الخمس ‪ ،‬ومن يجب عليه ‪.‬‬
‫ينظر ‪ ( :‬زكاة ‪ ،‬ركاز ‪ ،‬معدن ‪ ،‬كنز ) ‪.‬‬

‫خنثى *‬
‫التّعريف ‪:‬‬
‫‪ - 1‬الخنثى في اللّغة ‪ :‬الّذي ل يخلص لذكر ول أنثى ‪ ،‬أو الّذي له ما للرّجال والنّساء جميعا‬
‫من الخنث ‪ ،‬وهو اللّين والتّكسّر ‪ ،‬يقال ‪ :‬خنّثت الشّيء فتخنّث ‪ ،‬أي ‪ :‬عطفته فتعطّف ‪،‬‬
‫والسم الخنث ‪.‬‬
‫وفي الصطلح ‪ :‬من له آلتا الرّجال والنّساء ‪ ،‬أو من ليس له شيء منهما أصلً ‪ ،‬وله ثقب‬
‫يخرج منه البول ‪.‬‬
‫اللفاظ ذات الصّلة ‪:‬‬
‫المخنّث ‪:‬‬
‫‪ - 2‬المخنّث بفتح النّون ‪ :‬هو الّذي يشبه المرأة في اللّين والكلم والنّظر والحركة ونحو‬
‫ذلك ‪ ،‬وهو ضربان ‪.‬‬
‫أحدهما ‪ :‬من خلق كذلك ‪ ،‬فهذا ل إثم عليه ‪.‬‬
‫ن ‪ ،‬فهذا هو الّذي‬
‫والثّاني ‪ :‬من لم يكن كذلك خلق ًة ‪ ،‬بل يتشبّه بالنّساء في حركاتهنّ وكلمه ّ‬
‫جاءت الحاديث الصّحيحة بلعنه ‪ .‬فالمخنّث ل خفاء في ذكوريّته بخلف الخنثى ‪.‬‬
‫أقسام الخنثى ‪:‬‬
‫ينقسم الخنثى إلى مشكل وغير مشكل ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬الخنثى غير المشكل ‪:‬‬
‫‪ - 3‬من يتبيّن فيه علمات الذّكورة أو النوثة ‪ ،‬فيعلم أنّه رجل ‪ ،‬أو امرأة ‪ ،‬فهذا ليس بمشكل‬
‫‪ ،‬وإنّما هو رجل فيه خلقة زائدة ‪ ،‬أو امرأة فيها خلقة زائدة ‪ ،‬وحكمه في إرثه وسائر أحكامه‬
‫حكم ما ظهرت علماته فيه ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬الخنثى المشكل ‪:‬‬
‫‪ - 4‬هو من ل يتبيّن فيه علمات الذّكورة أو النوثة ‪ ،‬ول يعلم أنّه رجل أو امرأة ‪ ،‬أو‬
‫ن المشكل نوعان ‪:‬‬
‫تعارضت فيه العلمات ‪ ،‬فتحصّل من هذا أ ّ‬
‫نوع له آلتان ‪ ،‬واستوت فيه العلمات ‪ ،‬ونوع ليس له واحدة من اللتين وإنّما له ثقب ‪.‬‬
‫ما يتحدّد به نوع الخنثى ‪:‬‬
‫‪ - 5‬يتبيّن أمر الخنثى قبل البلوغ بالمبال ‪ ،‬وذلك على التّفصيل التي ‪:‬‬
‫ن الخنثى قبل البلوغ إن بال من الذّكر فغلم ‪ ،‬وإن بال من الفرج‬
‫ذهب جمهور الفقهاء إلى أ ّ‬
‫فأنثى ‪ ،‬لما روي عن ابن عبّاس رضي ال تعالى عنهما « أنّ النّبيّ صلى ال عليه وسلم سئل‬
‫عن المولود له قبل وذكر ‪ ،‬من أين يورث ؟ قال يورث من حيث يبول » وروي عليه الصلة‬
‫والسلم « أتي بخنثى من النصار ‪ ،‬فقال ‪ :‬ورّثوه من أوّل ما يبول منه » ‪.‬‬
‫ن منفعة اللة عند النفصال من المّ خروج البول ‪ ،‬وما سواه من المنافع يحدث بعدها ‪،‬‬
‫ول ّ‬
‫وإن بال منهما جميعًا فالحكم للسبق ‪ ،‬وروي ذلك عن عليّ ومعاوية ‪ ،‬وسعيد بن المسيّب ‪،‬‬
‫وجابر بن زيد وسائر أهل العلم ‪.‬‬
‫وإن استويا فذهب المالكيّة والحنابلة وأبو يوسف ومحمّد من الحنفيّة إلى اعتبار الكثرة ‪،‬‬
‫وحكي هذا عن الوزاعيّ ‪ ،‬لنّ الكثرة مزيّة لحدى العلمتين ‪ ،‬فيعتبر بها كالسّبق ‪ ،‬فإن‬
‫استويا فهو حينئذ مشكل ‪ ،‬إلّ أنّ بعض المالكيّة قال ‪ :‬ليس المراد بالكثرة أن يكون أكثر كيلً‬
‫ل على أنّه أنثى ‪ ،‬ولو كان الّذي نزل‬
‫أو وزنا ‪ ،‬فإذا بال مرّتين من الفرج ومرّ ًة من الذّكر د ّ‬
‫من الذّكر أكثر كيلً أو وزنا ‪.‬‬
‫ن ذلك لتّساع‬
‫ن الكثرة ليست بدليل على القوّة ‪ ،‬ل ّ‬
‫ويرى بقيّة الفقهاء أنّه ل عبرة بالكثرة ‪ ،‬ل ّ‬
‫المخرج وضيقه ‪ ،‬ل لنّه هو العضو الصليّ ‪ ،‬ولنّ نفس الخروج دليل بنفسه ‪ ،‬فالكثير من‬
‫جنسه ل يقع به التّرجيح عند المعارضة كالشّاهدين والربعة ‪ ،‬وقد استقبح أبو حنيفة ذلك‬
‫فقال ‪ :‬وهل رأيت قاضيًا يكيل البول بالواقي ؟‬
‫‪ - 6‬وأمّا بعد البلوغ فيتبيّن أمره بأحد السباب التية ‪ :‬إن خرجت لحيته ‪ ،‬أو أمنى بالذّكر ‪،‬‬
‫أو أحبل امرأةً ‪ ،‬أو وصل إليها ‪ ،‬فرجل ‪ ،‬وكذلك ظهور الشّجاعة والفروسيّة ‪ ،‬ومصابرة‬
‫العدوّ دليل على رجوليّته كما ذكره السّيوطيّ نقلً عن السنويّ ‪.‬‬
‫وإن ظهر له ثدي ونزل منه لبن أو حاض ‪ ،‬أو أمكن وطؤه ‪ ،‬فامرأة ‪ ،‬وأمّا الولدة فهي تفيد‬
‫القطع بأنوثته ‪ ،‬وتقدّم على جميع العلمات المعارضة لها ‪.‬‬
‫وأمّا الميل ‪ ،‬فإنّه يستدلّ به عند العجز عن المارات السّابقة ‪ ،‬فإن مال إلى الرّجال فامرأة ‪،‬‬
‫وإن مال إلى النّساء فرجل ‪ ،‬وإن قال أميل إليهما ميلً واحدا ‪ ،‬أو ل أميل إلى واحد منهما‬
‫فمشكل ‪ .‬قال السّيوطيّ ‪ :‬وحيث أطلق الخنثى في الفقه ‪ ،‬فالمراد به المشكل ‪.‬‬
‫أحكام الخنثى المشكل ‪:‬‬
‫‪ - 7‬الضّابط العا ّم في بيان أحكام الخنثى المشكل أنّه يؤخذ فيه بالحوط والوثق في أمور‬
‫شكّ في ثبوته ‪.‬‬
‫الدّين ول يحكم بثبوت حكم وقع ال ّ‬
‫وفيما يلي تفصيل بعض الحكام المتعلّقة بالخنثى ‪.‬‬
‫عورته ‪:‬‬
‫ن عورة الخنثى كعورة المرأة حتّى شعرها النّازل عن الرّأس‬
‫‪ - 8‬يرى الحنفيّة والشّافعيّة أ ّ‬
‫خل الوجه والكفّين ‪ ،‬ول يكشف الخنثى للستنجاء ول للغسل عند أحد أصلً ‪ ،‬لنّها إن‬
‫كشفت عند رجل احتمل أنّها أنثى ‪ ،‬وإن كشفت عند أنثى ‪ ،‬احتمل أنّه ذكر ‪.‬‬
‫وأمّا ظهر الكفّ فقد صرّح الحنفيّة أنّها عورة على المذهب ‪ ،‬والقدمان على المعتمد ‪،‬‬
‫وصوتها على الرّاجح ‪ ،‬وذراعاها على المرجوح ‪.‬‬
‫ج بالحوط ‪ ،‬فيلبس ما تلبس المرأة‪.‬‬
‫وصرّح المالكيّة بأنّه يستتر ستر النّساء في الصّلة والح ّ‬
‫ن ستر ما زاد على عورة الرّجل محتمل ‪،‬‬
‫وأمّا الحنابلة فالخنثى عندهم كالرّجل في ذلك ‪ ،‬ل ّ‬
‫فل يوجب عليه أمر محتمل ومتردّد ‪.‬‬
‫نقض وضوئه بلمس فرجه ‪:‬‬
‫‪ - 9‬ذهب الحنفيّة والمالكيّة في رواية إلى عدم نقض الوضوء بلمس الفرج مطلقا ويرى‬
‫المالكيّة في المذهب أنّ الوضوء ينقض بلمس الخنثى فرجه ‪.‬‬
‫س فرجيه جميعا ‪.‬‬
‫وعند الشّافعيّة ينتقض الوضوء بم ّ‬
‫وأمّا الحنابلة فقد فصّلوا الكلم فيه وقالوا ‪ :‬إنّ الخنثى لو لمس أحد فرجيه لم ينتقض‬
‫وضوءه ‪ ،‬لنّه يحتمل أن يكون الملموس خلقةً زائدةً ‪ ،‬وإن لمسها جميعا فعلى قول عدم نقض‬
‫وضوء المرأة بمسّ فرجها ل ينتقض وضوءه لجواز أن يكون امرأ ًة مسّت فرجها ‪ ،‬أو خلقةً‬
‫زائد ًة ‪ ،‬وينقض على قول نقض وضوء المرأة بمسّ فرجها ‪ ،‬لنّه ل بدّ أن يكون أحدهما‬
‫فرجا ‪ .‬وفي الموضوع تفصيل يرجع فيه إلى مصطلح ‪ ( :‬حدث ‪ ،‬ووضوء ) ‪.‬‬
‫وجوب الغسل على الخنثى ‪:‬‬
‫‪ - 10‬ذهب الحنفيّة والشّافعيّة والحنابلة ‪ -‬خلفا للمالكيّة ‪ -‬إلى أنّه ل يجب الغسل على‬
‫الخنثى بإيلج بل إنزال لعدم تغييب الحشفة الصليّة بيقين ‪.‬‬
‫أذانه ‪:‬‬
‫‪ - 11‬ل خلف بين الفقهاء في أنّه ل يصحّ أذان الخنثى وأنّه ل يعتدّ به ‪ ،‬لنّه ل يعلم كونه‬
‫رجلً ‪ .‬ولنّه إن كان أنثى خرج الذان عن كونه قربةً ‪ ،‬ولم يصحّ ‪.‬‬
‫صفّ في صلة الجماعة ‪:‬‬
‫وقوفه في ال ّ‬
‫‪ - 12‬ل خلف بين الفقهاء في أنّه إذا اجتمع رجال ‪ ،‬وصبيان ‪ ،‬وخناثى ‪ ،‬ونساء ‪ ،‬في‬
‫صلة الجماعة ‪ ،‬تقدّم الرّجال ‪ ،‬ثمّ الصّبيان ‪ ،‬ثمّ الخناثى ‪ ،‬ثمّ النّساء ‪ ،‬ولو كان مع المام‬
‫ن المام يقفه عن يمينه ‪ ،‬لنّه إن كان رجلً ‪ ،‬فقد وقف في‬
‫خنثى وحده ‪ ،‬فصرّح الحنابلة بأ ّ‬
‫موقفه ‪ ،‬وإن كان امرأةً لم تبطل صلتها بوقوفها مع المام ‪،‬كما ل تبطل بوقوفها مع الرّجال‪.‬‬
‫ن محاذاته للرّجل مفسدة للصّلة ‪.‬‬
‫والمشهور عند الحنفيّة أ ّ‬
‫إمامته ‪:‬‬
‫ح إمامته لرجل ول لمثله ‪ ،‬لحتمال أنوثته ‪،‬‬
‫ن الخنثى ل تص ّ‬
‫‪ - 13‬ل خلف بين الفقهاء في أ ّ‬
‫ن مع الكراهة أو بدونها عند الحنفيّة‬
‫ح إمامة الخنثى له ّ‬
‫وذكورة المقتدي ‪ ،‬وأمّا النّساء فتص ّ‬
‫والشّافعيّة ‪ ،‬والحنابلة ‪ ،‬لنّ غايته أن يكون امرأةً ‪ ،‬وإمامتها بالنّساء صحيحة ‪.‬‬
‫ن الخنثى إذا‬
‫واختلفوا في كيفيّتها ‪ :‬فذهب الحنفيّة والشّافعيّة والحنابلة ما عدا ابن عقيل إلى أ ّ‬
‫أمّ النّساء قام أمامهنّ ل وسطهنّ ‪ ،‬لحتمال كونه رجلً ‪ ،‬فيؤدّي وقوفه وسطهنّ إلى محاذاة‬
‫الرّجل للمرأة ‪.‬‬
‫ثمّ يرى الحنفيّة أنّ الخنثى لو صلّى وسطهنّ فسدت صلته بمحاذاتهنّ على تقدير ذكورته ‪،‬‬
‫وتفسد صلتهنّ على هذا الساس ‪ ،‬والشّافعيّة على أنّ التّقدّم عليهنّ مستحبّ ‪ ،‬ومخالفته ل‬
‫ن ول يتقدّمهنّ ‪.‬‬
‫تبطل الصّلة ‪ .‬وقال ابن عقيل ‪ :‬يقوم وسطه ّ‬
‫وصرّح الحنابلة بأنّه ل فرق في ذلك بين الفرض والتّراويح وغيرها ‪.‬‬
‫ح في التّراويح إذا كان الخنثى قارئا والرّجال أ ّميّون ويقفون خلفه ‪.‬‬
‫وفي رواية عن أحمد تص ّ‬
‫ن الذّكورة شرط عندهم في صحّة المامة ‪ ،‬فل تجوز‬
‫وأمّا المالكيّة فل يتأتّى ذلك عندهم ‪ ،‬ل ّ‬
‫إمامة الخنثى ولو لمثله في نفل ‪ ،‬ولم يوجد رجل يؤت ّم به ‪.‬‬
‫ن الخنثى ل تصحّ صلته في جماعة ‪ ،‬لنّه إن قام مع‬
‫ولبي حفص البرمكيّ من الحنابلة أ ّ‬
‫الرّجال احتمل أن يكون امرأةً ‪ ،‬وإن قام مع النّساء أو وحده ‪ ،‬أو ائتمّ بامرأة احتمل أن يكون‬
‫رجلً ‪ ،‬وإن أمّ الرّجال احتمل أن يكون امرأةً ‪ ،‬وإن أ ّم النّساء فقام وسطهنّ احتمل أنّه رجل ‪،‬‬
‫إن قام بين أيديهنّ احتمل أنّه امرأة ‪ ،‬ويحتمل أن تصحّ صلته في هذه الصّورة ‪ ،‬وفي‬
‫صورة أخرى ‪ ،‬وهو أن يقوم في صفّ الرّجال مأموما ‪ ،‬فإنّ المرأة إذا قامت في صفّ‬
‫الرّجال لم تبطل صلتها ول صلة من يليها عند الحنابلة ‪.‬‬
‫حجّه وإحرامه ‪:‬‬
‫‪ - 14‬ذهب جمهور الفقهاء إلى أنّ الخنثى كالنثى في شروط وجوب الحجّ ‪ ،‬وفي لبس‬
‫المخيط ‪ ،‬والقرب من البيت ‪ ،‬والرّمل في الطّواف ‪ ،‬والضطباع ‪ ،‬والرّمل بين الميلين في‬
‫ج إلّ مع ذي محرم ل مع جماعة رجال‬
‫السّعي ‪ ،‬والوقوف ‪ ،‬والتّقديم من مزدلفة ‪ ،‬ول يح ّ‬
‫فقط ‪ ،‬ول مع نساء فقط ‪ ،‬إلّ أن يكونوا من محارمه ‪.‬‬
‫ويرى الحنابلة أنّ الخنثى إذا أحرم لم يلزمه اجتناب المخيط ‪ ،‬فل فدية عليه إن غطّى رأسه ‪،‬‬
‫لحتمال كونه امرأةً ‪ ،‬وكذلك لو غطّى وجهه من غير لبس للمخيط ‪ ،‬لحتمال كونه رجلً ‪،‬‬
‫فإن غطّى وجهه ورأسه معا فدى ‪ ،‬لنّه إن كان أنثى فقد غطّى وجهه ‪ ،‬وإن كان رجلً فقد‬
‫غطّى رأسه ‪ ،‬وكذلك لو غطّى وجهه ولبس المخيط ‪ ،‬لنّه إن كان أنثى فلتغطية وجهه ‪ ،‬وإن‬
‫كان ذكرا فللبسه المخيط ‪.‬‬
‫وقال أبو يوسف من الحنفيّة ‪ :‬ل علم لي في لباسه ‪ ،‬لنّه إن كان ذكرا يكره له لبس المخيط‪،‬‬
‫وإن كان أنثى يكره له تركه ‪ .‬وينظر ‪ ( :‬حجّ ) ‪.‬‬
‫النّظر والخلوة ‪:‬‬
‫ن الخنثى ل يخلو به غير محرم من رجل ول امرأة ‪ ،‬ول‬
‫‪ - 15‬صرّح جمهور الفقهاء بأ ّ‬
‫يسافر بغير محرم من الرّجال احتياطا ‪ ،‬وتوقّيا عن احتمال الحرام ‪ ،‬وكذلك ل يتكشّف الخنثى‬
‫المراهق للنّساء ‪ ،‬لحتمال كونه رجلً ‪ ،‬ول للرّجال لحتمال كونه امرأ ًة ‪ ،‬والمراد‬
‫ل لغير‬
‫ن ذلك ل يح ّ‬
‫بالنكشاف هو أن يكون في إزار واحد ‪ ،‬ل إبداء موضع العورة ‪ ،‬ل ّ‬
‫النثى أيضا ‪ .‬وقال القفّال من الشّافعيّة ‪ :‬بالجواز استصحابًا لحكم الصّغر ‪ ،‬وبه قطع بعض‬
‫الشّافعيّة ‪.‬‬
‫نكاحه ‪:‬‬
‫ن الخنثى إن زوّجه أبوه رجلً فوصل إليه جاز ‪ ،‬وكذلك إن زوّجه‬
‫‪ - 16‬ذهب الحنفيّة إلى أ ّ‬
‫امرأةً فوصل إليها ‪ ،‬وإلّ أجّل كالعنّين ‪.‬‬
‫ويرى المالكيّة ‪ ،‬وهو المذهب لدى الشّافعيّة أنّه يمتنع النّكاح في حقّه من الجهتين ‪ ،‬أي ل‬
‫ينكح ول ينكح ‪ ،‬وفي رواية ابن المنذر عن الشّافعيّ ينكح بأيّهما شاء ‪ ،‬ثمّ ل ينقل عمّا اختاره‬
‫‪ ،‬قال العقبانيّ ‪ :‬ولعلّه يريد ‪ :‬إذا اختار واحدا ‪ ،‬وفعله ‪ ،‬أمّا مجرّد الختيار دون فعل فل‬
‫ينبغي أن يمنعه من اختيار الطّرف الخر ‪.‬‬
‫واختلف الحنابلة في نكاحه ‪ :‬فذكر الخرقيّ ‪ :‬أنّه يرجع إلى قوله ‪ ،‬فإن ذكر أنّه رجل ‪ ،‬وأنّه‬
‫يميل طبعه إلى نكاح النّساء ‪ ،‬فله نكاحهنّ ‪ ،‬إن ذكر أنّه امرأة يميل طبعها إلى الرّجال زوّج‬
‫رجلً ‪ ،‬لنّه معنىً ل يتوصّل إليه إلّ من جهته ‪ ،‬وليس فيه إيجاب حقّ على غيره ‪ ،‬فيقبل‬
‫قوله فيه ‪ ،‬كما يقبل قول المرأة في حيضتها وعدّتها ‪ ،‬وقد يعرف نفسه بميل طبعه إلى أحد‬
‫الصّنفين وشهوته له ‪.‬‬
‫وقال أبو بكر ‪ :‬ل يجوز أن يتزوّج حتّى يبين أمره ‪ .‬وأورده نصّا عن أحمد ‪ ،‬وذلك لنّه لم‬
‫يتحقّق وجود ما يبيح له النّكاح ‪ ،‬فلم يبح له كما لو اشتبهت عليه أخته بنسوة ‪ ،‬ولنّه قد اشتبه‬
‫المباح بالمحظور في حقّه فحرم ‪ .‬وتفصيل ذلك في ( نكاح ) ‪.‬‬
‫رضاعه ‪:‬‬
‫‪ - 17‬يرى الحنفيّة وجمهور الحنابلة أنّه إن ثاب ( اجتمع ) لخنثى لبن لم يثبت به التّحريم ‪،‬‬
‫شكّ ‪.‬‬
‫لنّه لم يثبت كونه امرأ ًة ‪ ،‬فل يثبت التّحريم مع ال ّ‬
‫ص في لبن الخنثى ‪ ،‬ولكنّ الظّاهر كما قال بعض فقهائهم ‪ :‬إنّه‬
‫وأمّا عند المالكيّة فلم يرد ن ّ‬
‫ك في الحدث ‪ ،‬فتيقّن حصول لبنه بجوف‬
‫ينشر الحرمة قياسا على من تيقّن الطّهارة وش ّ‬
‫شكّ في الحدث ‪.‬‬
‫شكّ في كونه ذكرا أو أنثى كال ّ‬
‫رضيع كتيقّن الطّهارة ‪ ،‬وال ّ‬
‫وذهب الشّافعيّة وابن حامد من الحنابلة إلى أنّه يوقف المر حتّى ينكشف أمر الخنثى ‪ ،‬فإن‬
‫ل فل ‪ ،‬ولكن يحرم عليه نكاح من ارتضع بلبنه ‪.‬‬
‫بان أنثى حرم ‪ ،‬وإ ّ‬
‫إقرار الخنثى ‪:‬‬
‫‪ - 18‬ذهب جمهور الفقهاء إلى أنّه إن أقرّ على نفسه بما يقلّل ميراثه أو ديته قبل منه ‪ ،‬وإن‬
‫ادّعى ما يزيد ذلك لم يقبل لنّه متّهم فيه فل يقبل قوله على غيره ‪ ،‬وما كان من عباداته‬
‫وغير ذلك فينبغي أن يقبل قوله فيه ‪ ،‬لنّه حكم بينه وبين اللّه تعالى ‪ ،‬ول يقبل قوله في‬
‫سقوط المهر عنه ‪.‬‬
‫شهادة الخنثى وقضاؤه ‪:‬‬
‫‪ - 19‬ذهب جمهور الفقهاء إلى أنّ الخنثى كالنثى في الشّهادة ‪ ،‬فتقبل شهادته مع رجل‬
‫وامرأة في غير حدّ وقود ‪ ،‬ويعدّ في شهادته امرأةً ‪.‬‬
‫قال ابن حبيب من المالكيّة ‪ :‬ويحكم فيه بالحوط ‪ ،‬وسلوك الحوط في شهادته أن ل تقبل إلّ‬
‫في الموال ويعدّ في شهادته امرأ ًة ‪.‬‬
‫وأمّا قضاؤه ‪ ،‬فيرى المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة أنّه ل يصحّ تولية الخنثى ‪ ،‬ول ينفذ ‪ ،‬لنّه‬
‫ل يعلم كونه ذكرا ‪.‬‬
‫ن الخنثى كالنثى يصحّ قضاؤه في غير حدّ وقود بالولى ‪ ،‬وينبغي أن ل‬
‫ويرى الحنفيّة أ ّ‬
‫يصحّ في الحدود والقصاص لشبهة النوثة ‪.‬‬
‫القتصاص للخنثى ‪ ،‬والقتصاص منه ‪:‬‬
‫‪ - 20‬ل خلف بين الفقهاء في أنّه يقتل كلّ واحد من الرّجل والمرأة بالخنثى ‪ ،‬ويقتل بهما ‪،‬‬
‫لنّه ل يخلو من أن يكون ذكرا أو أنثى ‪ .‬واختلفوا في القصاص فيما دون النّفس ‪.‬‬
‫فذهب المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة إلى وجوب القصاص في الطراف سواء قطعها رجل أو‬
‫امرأة ‪.‬‬
‫وذهب الحنفيّة إلى أنّه ل ق صاص على قاطع يد الخنثى ولو عمدا ‪ ،‬ولو كان القاطع امرأةً ‪،‬‬
‫ول تقطع يده إذا قطع يد غيره عمدا لحتمال عدم التّكافؤ ‪ .‬وتفصيل ذلك في القصاص ‪.‬‬
‫دية الخنثى ‪:‬‬
‫ن فيه نصف دية ذكر‬
‫‪ - 21‬إن كان المقتول خنثى فذهب الحنفيّة والمالكيّة والحنابلة إلى أ ّ‬
‫ونصف دية أنثى ‪ ،‬لنّه يحتمل الذّكورة والنوثة احتمالً واحدا ‪ ،‬وقد يئس من احتمال‬
‫انكشاف حاله ‪ ،‬فيجب التّوسّط بينهما ‪ ،‬والعمل بكل الحتمالين ‪.‬‬
‫شكّ ‪.‬‬
‫ويرى الشّافعيّة أنّ الواجب دية أنثى ‪ ،‬لنّه اليقين ‪ ،‬فل يجب الزّائد بال ّ‬
‫وأمّا دية جراحه وأطرافه ‪ ،‬فذهب الحنفيّة والشّافعيّة إلى أنّها نصف ذلك من الرّجل ‪.‬‬
‫والمتبادر من كلم المالكيّة وهو المذهب لدى الحنابلة ‪ ،‬وقول للشّافعيّة ‪ :‬إنّه يساوي الرّجل‬
‫في الطراف إلى ثلث الدّية ‪ ،‬فإذا زاد على الثّلث صارت على النّصف عند المالكيّة‬
‫والشّافعيّة‪ ،‬وعلى ثلثة أرباع دية الذّكر عند الحنابلة ‪ ،‬وتفصيل ذلك في الدّيات ‪.‬‬
‫وجوب العقل " الدّية " على الخنثى ‪:‬‬
‫‪ - 22‬صرّح الشّافعيّة والحنابلة وهو مقتضى قواعد الحنفيّة والمالكيّة ‪ ،‬بأنّه ل تدخل الخنثى‬
‫في العاقلة ‪ ،‬لحتمال أن يكون امرأةً ‪ ،‬ثمّ إن بان ذكرا ‪ ،‬فالصحّ عند الشّافعيّة أن يغرم‬
‫حصّته الّتي أدّاها غيره ‪.‬‬
‫دخوله في القسامة ‪:‬‬
‫‪ - 23‬يرى الحنفيّة وهو قول للحنابلة ‪ :‬أنّ الخنثى ل يدخل في القسامة ‪ ،‬لنّه ل يدخل في‬
‫العاقلة ‪ ،‬ول يثبت القتل بشهادته أشبه المرأة ‪.‬‬
‫ن الخنثى يقسم ‪ ،‬لنّ‬
‫والمتبادر من كلم المالكيّة في القتل الخطأ وهو قول آخر للحنابلة ‪ :‬أ ّ‬
‫سبب القسامة وجد في حقّه ‪ ،‬وهو كونه مستحقّا للدّم ‪ ،‬ولم يتحقّق المانع من يمينه ‪.‬‬
‫شكّ ‪ ،‬ويوقف الباقي على المدّعى‬
‫ويرى الشّافعيّة أنّه يحلف الخنثى الكثر ‪ ،‬ويأخذ القلّ لل ّ‬
‫عليه إلى البيان أو الصّلح ‪ ،‬ول تعاد القسمة بعد البيان فيعطى الباقي لمن تبيّن أنّه له بل يمين‬
‫‪.‬‬
‫حدّ قاذفه ‪:‬‬
‫ن من قذف الخنثى بفعل يحدّ به‬
‫‪ - 24‬يرى المالكيّة والشّافعيّة وهو المتبادر من كلم الحنابلة أ ّ‬
‫الخنثى يجب فيه حدّ القذف ‪ ،‬فإذا رماه شخص بالزّنى بفرجه الذّكر ‪ ،‬أو في فرجه الّذي‬
‫للنّساء فل حدّ عليه ‪ ،‬لنّه إذا زنى بأحدهما ل حدّ عليه ‪.‬‬
‫وذهب الحنفيّة إلى أنّه ل يحدّ قاذف الخنثى ‪ ،‬لنّه إن كان رجلً فهو كالمجبوب ‪ ،‬وإن كان‬
‫ن الحدّ لنفي التّهمة ‪ ،‬وهي منتفية عنهما ‪ ،‬ولكن‬
‫امرأةً فهي كالرّتقاء ‪ ،‬ول يحدّ قاذفهما ‪ ،‬ل ّ‬
‫في ذلك التّعزير ‪.‬‬
‫ختانه ‪:‬‬
‫‪ - 25‬اختلف الفقهاء في جواز ختان الخنثى على أقوال ‪:‬‬
‫ن الخنثى الصّغير الّذي ل يشتهى يجوز أن يختنه الرّجل أو المرأة ‪.‬‬
‫فذهب الحنفيّة إلى أ ّ‬
‫وأمّا المالكيّة فقال بعض فقهائهم ‪ :‬ل يوجد نصّ في ذلك ‪،‬ويرى ابن ناجي كما نقله الخطّاب‪:‬‬
‫ن الخنثى ل يختتن تطبيقا لقاعدة ‪ :‬تغليب الحظر على الباحة ‪ .‬ومسائله تدلّ على ذلك ‪.‬‬
‫أّ‬
‫ن الخنثى ل يختن في صغره ‪ ،‬فإذا بلغ فوجهان ‪ :‬أحدهما ‪ :‬وهو المشهور‬
‫ويرى الشّافعيّة أ ّ‬
‫ن الجرح ل يجوز بالشّكّ ‪ ،‬فعلى‬
‫يجب ختان فرجيه ‪ .‬والثّاني ‪ :‬وهو الصحّ ‪ :‬أنّه ل يجوز ل ّ‬
‫الوّل ‪ ،‬إن أحسن الختان ‪ ،‬ختن نفسه ‪ ،‬فإن لم يمكن تولّاه الرّجال والنّساء للضّرورة ‪.‬‬
‫وقال الحنابلة ‪ :‬يختن فرجي الخنثى احتياطا ‪.‬‬
‫لبسه الفضّة والحرير ‪:‬‬
‫‪ - 26‬ذهب جمهور الفقهاء إلى أنّه يحرم على الخنثى في الجملة لبس الحرير والذّهب‬
‫ن الخنثى يكره له لبس الحرير والحليّ ‪ ،‬لنّه حرام على‬
‫والفضّة ‪ ،‬وذهب الحنفيّة إلى أ ّ‬
‫الرّجال دون النّساء وحاله لم يتبيّن بعد ‪ ،‬فيؤخذ بالحتياط ‪ ،‬فإنّ اجتناب الحرام فرض ‪،‬‬
‫والقدام على المباح مباح ‪ ،‬فيكره حذرا عن الوقوع في الحرام ‪.‬‬
‫غسله وتكفينه ودفنه ‪:‬‬
‫‪ - 27‬إذا مات الخنثى فاختلف الفقهاء في غسله على أقوال ‪:‬‬
‫ن غسل الرّجل المرأة ‪،‬‬
‫ن الخنثى إن مات لم يغسّله رجل ول امرأة ‪ ،‬ل ّ‬
‫فذهب الحنفيّة إلى أ ّ‬
‫ن النّظر إلى العورة حرام ‪ ،‬والحرمة لم تزل بالموت فييمّم‬
‫وعكسه غير ثابت في الشّرع ‪ ،‬فإ ّ‬
‫بالصّعيد ‪ ،‬لتعذّر الغسل ‪ ،‬وييمّمه بخرقة إن كان أجنبيّا ‪ ،‬ويصرف وجهه عن ذراعيه لجواز‬
‫كونه امرأةً ‪ ،‬وبغير خرقة إن يمّمه ذو رحم محرم منه ‪.‬‬
‫وفصّل الشّافعيّة القول فيه ‪ :‬فقالوا ‪ :‬إذا مات الخنثى وليس هناك محرم له من الرّجال أو‬
‫النّساء ‪ ،‬فإن كان صغيرا لم يبلغ حدّا يشتهى مثله جاز للرّجال والنّساء غسله ‪ ،‬وإن كان‬
‫كبيرا فوجهان ‪ :‬أحدهما ‪ :‬ييمّم ويدفن ‪ .‬والثّاني ‪ :‬يغسّل ‪ ،‬وفيمن يغسله أوجه ‪ :‬أصحّها وبه‬
‫قال أبو زيد ‪ :‬يجوز للرّجال والنّساء جميعا غسله للضّرورة واستصحابا بحكم الصّغر ‪،‬‬
‫ق الرّجال كالمرأة ‪ ،‬وفي حقّ النّساء كالرّجل أخذا بالحوط ‪.‬‬
‫والثّاني ‪ :‬أنّه في ح ّ‬
‫ن الخنثى إذا كان له سبع سنين فأكثر ييمّم بحائل من خرقة ونحوها ‪،‬‬
‫وقال الحنابلة ‪ :‬إ ّ‬
‫والرّجل أولى بتيميم الخنثى من المرأة ‪.‬‬
‫‪ - 28‬ويكفّن الخنثى كما تكفّن الجارية في خمسة أثواب بيض ‪ ،‬لنّه إن كان أنثى فقد أقيمت‬
‫سنّة ‪ ،‬وإن كان ذكرا فقد زادوا على الثّلث ‪ ،‬ول بأس بذلك ‪ .‬فإنّ للرّجل أن يلبس في‬
‫ال ّ‬
‫سنّة ‪.‬‬
‫حياته أزيد على الثّلثة ‪ .‬وأمّا إذا كان أنثى كان في القتصار على الثّلثة ترك ال ّ‬
‫وإذا صلّي عليه ‪ ،‬وعلى رجل ‪ ،‬وعلى امرأة ‪ ،‬وضع الخنثى بين الرّجل والمرأة اعتبارا‬
‫بحال الحياة ‪ ،‬لنّه يقوم بين صفّ الرّجال والنّساء في الصّلة ‪.‬‬
‫ولو دفن مع رجل في قبر واحد من عذر جعل الخنثى خلف الرّجل ‪ ،‬لحتمال أنّه امرأة ‪،‬‬
‫ويجعل بينهما حاجز من صعيد فيصير ذلك في حكم قبرين ‪ ،‬وإن كان مع امرأة قدّم الخنثى ‪،‬‬
‫لحتمال أنّه رجل ‪ .‬وتستحبّ تسجية قبره عند دفنه ‪ ،‬لنّه إن كان أنثى أقيم الواجب ‪ ،‬وإن‬
‫كان ذكرا فالتّسجية ل تضرّه ‪.‬‬
‫إرثه ‪:‬‬
‫‪ - 29‬ذهب المالكيّة في المشهور من المذهب ‪ ،‬والحنابلة وأبو يوسف ومحمّد من الحنفيّة إلى‬
‫ن الخنثى يرث نصف ميراث ذكر ‪ ،‬ونصف ميراث أنثى عملً بالشّبهين ‪ ،‬وهذا قول ابن‬
‫أّ‬
‫عبّاس والشّعبيّ ‪ ،‬وابن أبي ليلى ‪ ،‬وأهل المدينة ‪ ،‬ومكّة ‪ ،‬والثّوريّ وغيرهم ‪.‬‬
‫وورّثه أبو حنيفة أقلّ النّصيبين احتياطا ‪ ،‬ويعطيه الشّافعيّة اليقين ‪ ،‬ويوقف الباقي حتّى يتبيّن‬
‫ل الصّلح في القدر الموقوف "‬
‫المر أو يصطلحوا ‪ ،‬ولو مات الخنثى قبل اتّضاحه لم يبق إ ّ‬
‫المحجوز " ‪ ،‬وبه قال أبو ثور وداود وابن جرير ‪.‬‬
‫وفي كيفيّة إرثه خلف وتفصيل يرجع فيه إلى مصطلح ( إرث ) ‪.‬‬

‫خنزير *‬
‫التّعريف ‪:‬‬
‫‪ - 1‬الخنزير حيوان خبيث ‪ .‬قال الدّميريّ ‪ .‬الخنزير يشترك بين البهيميّة والسّبعيّة ‪ ،‬فالّذي‬
‫فيه من السّبع النّاب وأكل الجيف ‪ ،‬والّذي فيه من البهيميّة الظّلف وأكل العشب والعلف ‪.‬‬
‫أحكام الخنزير ‪:‬‬
‫‪ - 2‬تدور أحكام الخنزير على اعتبارات ‪:‬‬
‫الوّل ‪ :‬تحريم لحمه وسائر أجزائه ‪ .‬الثّاني ‪ :‬اعتبار نجاسة عينه ‪ .‬والثّالث ‪ :‬اعتبار ماليّته ‪.‬‬
‫وترتّب على كلّ من هذه العتبارات أو على جميعها جملة من الحكام الشّرعيّة ‪.‬‬
‫ل لضرورة ‪ .‬لقوله‬
‫‪ - 3‬أمّا العتبار الوّل فقد أجمعت المّة على حرمة أكل لحم الخنزير إ ّ‬
‫ن َم ْيتَةً‬
‫ل أَن َيكُو َ‬
‫ط َعمُهُ ِإ ّ‬
‫عمٍ َي ْ‬
‫حرّما عَلَى طَا ِ‬
‫ي إَِليّ ُم َ‬
‫حَ‬‫جدُ فِي مَا أُ ْو ِ‬
‫ل َأ ِ‬
‫سبحانه وتعالى ‪ { :‬قُل ّ‬
‫غ ْيرَ بَاغٍ َولَ‬
‫طرّ َ‬
‫ن اضْ ُ‬
‫ل ِل َغيْرِ الّلهِ ِبهِ َفمَ ِ‬
‫حمَ خِنزِيرٍ َفإِنّ ُه ِرجْسٌ أَ ْو ِفسْقا أُهِ ّ‬
‫أَ ْو َدمًا ّمسْفُوحا َأوْ َل ْ‬
‫ن َربّكَ غَفُورٌ ّرحِيمٌ } ‪.‬‬
‫عَادٍ َفإِ ّ‬
‫ص الحنابلة على تقديم أكل الكلب على الخنزير عند الضّرورة ‪ ،‬وذلك لقول بعض الفقهاء‬
‫ون ّ‬
‫بعدم تحريم أكل الكلب ‪ .‬كما يقدّم شحم الخنزير وكليته وكبده على لحمه ‪ ،‬لنّ اللّحم يحرم‬
‫تناوله بنصّ القرآن ‪ ،‬فل خلف فيه ‪.‬‬
‫ص المالكيّة على وجوب تقديم ميتة غير الخنزير على الخنزير عند اجتماعهما ‪ ،‬لنّ‬
‫ون ّ‬
‫الخنزير حرام لذاته ‪ ،‬وحرمة الميتة عارضة ‪.‬‬
‫وأمّا العتبار الثّاني ‪ :‬وهو اعتبار نجاسة عينه ‪:‬‬
‫‪ - 4‬فقد اتّفق الحنفيّة والشّافعيّة والحنابلة على نجاسة عين الخنزير ‪ ،‬وكذلك نجاسة جميع‬
‫حيَ‬
‫جدُ فِي مَا ُأ ْو ِ‬
‫أجزائه وما ينفصل عنه كعرقه ولعابه ومنيّه وذلك لقوله تعالى ‪ { :‬قُل لّ َأ ِ‬
‫حمَ خِنزِي ٍر فَِإنّ ُه ِرجْسٌ أَوْ‬
‫ن َم ْيتَ ًة أَ ْو دَما ّمسْفُوحا َأوْ َل ْ‬
‫ل أَن َيكُو َ‬
‫ط َعمُهُ ِإ ّ‬
‫عمٍ َي ْ‬
‫حرّما عَلَى طَا ِ‬
‫إَِليّ ُم َ‬
‫ن َر ّبكَ غَفُورٌ ّرحِيمٌ } ‪.‬‬
‫غ ْيرَ بَاغٍ َولَ عَا ٍد فَإِ ّ‬
‫طرّ َ‬
‫ضُ‬‫فِسْقا أُهِلّ ِل َغ ْيرِ الّلهِ بِ ِه َفمَنِ ا ْ‬
‫حمَ خِنزِيرٍ َفِإنّهُ ِرجْسٌ } راجع إلى الخنزير فيدلّ على تحريم‬
‫والضّمير في قوله تعالى ‪ { :‬أَ ْو َل ْ‬
‫ن الضّمير إذا صلح أن يعود إلى المضاف وهو "‬
‫عين الخنزير وجميع أجزائه ‪ .‬وذلك ل ّ‬
‫اللّحم " والمضاف إليه وهو " الخنزير " جاز أن يعود إليهما ‪.‬‬
‫وعوده إلى المضاف إليه أولى في هذا المقام لنّه مقام تحريم ‪ ،‬لنّه لو عاد إلى المضاف‬
‫وهو اللّحم لم يحرم غيره ‪ ،‬وإن عاد إلى المضاف إليه حرم اللّحم وجميع أجزاء الخنزير ‪.‬‬
‫فغير اللّحم دائر بين أن يحرم وأن ل يحرم فيحرم احتياطا وذلك بإرجاع الضّمير إليه طالما‬
‫ن تحريم لحمه داخل في عموم‬
‫أنّه صالح لذلك ‪ ،‬ويقوّي إرجاع الضّمير إلى " الخنزير " أ ّ‬
‫ن الخنزير ليس محلّا للتّذكية فينجس لحمه بالموت ‪.‬‬
‫تحريم الميتة ‪ ،‬وذلك ل ّ‬
‫وذهب المالكيّة إلى طهارة عين الخنزير حال الحياة ‪ ،‬وذلك لنّ الصل في كلّ حيّ‬
‫الطّهارة ‪ ،‬والنّجاسة عارضة ‪،‬فطهارة عينه بسبب الحياة ‪ ،‬وكذلك طهارة عرقه ولعابه ودمعه‬
‫ومخاطه‪ .‬وممّا يترتّب على الحكم بنجاسة عين الخنزير ‪: :‬‬
‫أوّلً ‪ :‬دباغ جلد الخنزير ‪:‬‬
‫‪ - 5‬اتّفق الفقهاء على أنّه ل يطهر جلد الخنزير بالدّباغ ول يجوز النتفاع به لنّه نجس‬
‫العين ‪ ،‬والدّباغ كالحياة ‪ ،‬فكما أنّ الحياة ل تدفع النّجاسة عنه ‪ ،‬فكذا الدّباغ ‪.‬‬
‫ووجّه المالكيّة قولهم بعدم طهارة جلد الخنزير بالدّباغ بأنّه ليس محلّا للتّذكية إجماعا فل تعمل‬
‫فيه فكان ميت ًة فل يطهر بالدّباغ ول يجوز النتفاع به ‪.‬‬
‫ويتّفق المذهب عند الحنابلة والمالكيّة في أنّ جلد الميتة من أيّ حيوان ل يطهر بالدّباغ ‪،‬‬
‫ولكنّهم يجوّزون النتفاع به بعد الدّباغ في غير المائعات عند الحنابلة ‪ ،‬وفي المائعات كذلك‬
‫مع اليابسات عند المالكيّة إلّ الخنزير فل تتناوله الرّخصة ‪.‬‬
‫وروي عن أبي يوسف أنّ جلد الخنزير يطهر بالدّباغ ‪.‬‬
‫ن جلد الخنزير‬
‫ويقابل الرّواية المشهورة عند المالكيّة ما شهره عبد المنعم بن الفرس من أ ّ‬
‫كجلد غيره في جواز استعماله في اليابسات والماء إذا دبغ سواء ذكّي أم ل ‪.‬‬
‫ثانيا ‪ :‬سؤر الخنزير ‪:‬‬
‫‪ - 6‬ذهب الشّافعيّة والحنفيّة والحنابلة إلى نجاسة سؤر الخنزير لكونه نجس العين ‪ ،‬وكذا‬
‫ن بالتّراب ‪-‬‬
‫لعابه لنّه متولّد عنه ‪ .‬ويكون تطهير الناء إذا ولغ فيه بأن يغسل سبعا إحداه ّ‬
‫عند الشّافعيّة والحنابلة ‪ -‬لحديث أبي هريرة رضي ال عنه ‪ « :‬إذا شرب الكلب في إناء‬
‫أحدكم فليغسله سبع مرّات » وفي رواية ‪ « :‬فليرقه ثمّ ليغسله سبع مرّات » وفي أخرى ‪:‬‬
‫« طهور إناء أحدكم إذا ولغ فيه الكلب أن يغسله سبع مرّات أولهنّ بالتّراب » ‪.‬‬
‫قالوا ‪ :‬فإذا ثبت هذا في الكلب فالخنزير أولى لنّه أسوأ حالً من الكلب وتحريمه أشدّ ‪ ،‬لنّ‬
‫الخنزير ل يقتنى بحال ‪ ،‬ولنّه مندوب إلى قتله من غير ضرر ‪ ،‬ولنّه منصوص على‬
‫حمَ خِنزِيرٍ َفِإنّهُ ِرجْسٌ } فثبت وجوب غسل ما ولغ فيه بطريق‬
‫تحريمه في قوله تعالى ‪ { :‬أَ ْو َل ْ‬
‫التّنبيه‪ .‬وعند الحنفيّة ‪ :‬يكون تطهير الناء إذا ولغ فيه خنزير بأن يغسل ثلثا ‪.‬‬
‫وذهب المالكيّة إلى عدم نجاسة سؤر الخنزير وذلك لطهارة لعابه عندهم ‪ ،‬وقد ثبت غسل‬
‫الناء إذا ولغ فيه الكلب تعبّدا فل يدخل فيه الخنزير ‪ ،‬وفي قول آخر للمالكيّة ‪ :‬يندب الغسل‬
‫‪.‬‬
‫ثالثا ‪ :‬حكم شعره ‪:‬‬
‫‪ - 7‬ذهب الجمهور إلى نجاسة شعر الخنزير فل يجوز استعماله لنّه استعمال للعين النّجسة‪.‬‬
‫وعند الشّافعيّة لو خرز خفّ بشعر الخنزير لم يطهر محلّ الخرز بالغسل أو بالتّراب لكنّه‬
‫معف ّو عنه ‪ ،‬فيصلّى فيه الفرائض والنّوافل لعموم البلوى ‪.‬‬
‫وعند الحنابلة يجب غسل ما خرز به رطبًا ويباح استعمال منخل من الشّعر النّجس في يابس‬
‫لعدم تعدّي نجاسته ‪ ،‬ول يجوز استعماله في الرّطب لنتقال النّجاسة بالرّطوبة ‪.‬‬
‫وأباح الحنفيّة استعمال شعره للخرّازين للضّرورة ‪.‬‬
‫ص بعد‬
‫ص جاز استعماله وإن وقع الق ّ‬
‫وذهب المالكيّة إلى طهارة شعر الخنزير فإذا قصّ بمق ّ‬
‫ن الشّعر ممّا ل تحلّه الحياة ‪ ،‬وما ل تحلّه الحياة ل ينجس بالموت ‪ ،‬إلّ أنّه‬
‫الموت ‪ ،‬ل ّ‬
‫شكّ في طهارته ونجاسته ‪ .‬أمّا إذا نتف فل يكون طاهرا ‪.‬‬
‫ب غسله لل ّ‬
‫يستح ّ‬
‫رابعا ‪ :‬حكم التّداوي بأجزائه ‪:‬‬
‫‪ - 8‬اتّفق الفقهاء على عدم جواز التّداوي بالنّجس والمحرّم " في الجملة " وهو شامل للخنزير‬
‫‪ .‬وتقدّم تفصيله في مصطلح ( تداوي ) ‪.‬‬
‫خامسا ‪ :‬تحوّل عين الخنزير ‪:‬‬
‫ن نجس العين يطهر باستحالته إلى‬
‫‪ - 9‬ذهب الحنفيّة والمالكيّة وهو رواية عن أحمد إلى أ ّ‬
‫عين أخرى ‪ ،‬فإذا استحالت عين الخنزير إلى ملح فإنّه يطهر ‪.‬‬
‫ن نجس العين ل يطهر بالستحالة ‪ ،‬واستثنوا من ذلك الخمر‬
‫وذهب الشّافعيّة والحنابلة إلى أ ّ‬
‫وجلد الميتة ‪ .‬وقد تقدّم تفصيله في مصطلح ( تحوّل ف ‪. ) 5 - 3 /‬‬
‫العتبار الثّالث ‪ :‬اعتبار ماليّة الخنزير ‪:‬‬
‫ن المال هو‬
‫‪ -‬اتّفق الفقهاء على عدم اعتبار الخنزير مالً متقوّما في حقّ المسلم ‪ .‬وذلك ل ّ‬ ‫‪10‬‬

‫ما يمكن النتفاع به شرعا في غير الضّرورات ‪ ،‬والخنزير ل يمكن النتفاع به لنجاسة عينه‬
‫ولنهي الشّارع عن بيعه كما يأتي ‪ .‬ويظهر أثر عدم اعتبار الخنزير مالً في التي ‪:‬‬
‫أوّلً ‪ :‬عدم صحّة بيعه وشرائه ‪:‬‬
‫ن اللّه‬
‫أجمع الفقهاء على عدم صحّة بيع الخنزير وشرائه ‪ ،‬ولحديث جابر بن عبد اللّه ‪ « :‬إ ّ‬
‫تعالى ورسوله حرّم بيع الخمر والميتة والخنزير والصنام ‪ ،‬فقيل ‪ :‬يا رسول اللّه ‪ ،‬أرأيت‬
‫شحوم الميتة فإنّه يطلى بها السّفن ويدهن بها الجلود ويستصبح بها النّاس ‪ ،‬فقال ‪ :‬ل ‪ ،‬هو‬
‫ن اللّه لمّا حرّم‬
‫حرام ‪ ،‬ثمّ قال رسول اللّه صلى ال عليه وسلم عند ذلك ‪ :‬قاتل اللّه اليهود إ ّ‬
‫ن من شرط المعقود عليه ‪ -‬سواء أكان ثمنا أم‬
‫شحومها جملوه ثمّ باعوه فأكلوا ثمنه » ول ّ‬
‫مثمّنا ‪ -‬أن يكون طاهرا وأن ينتفع به شرعا ‪.‬‬
‫ن بيع غير المنتفع به شرعا ل يتحقّق به‬
‫والصل في حلّ ما يباع أن يكون منتفعا به ل ّ‬
‫ن آ َمنُو ْا لَ‬
‫الرّضا ‪ ،‬فيكون من أكل المال بالباطل ‪ ،‬وهو منهيّ عنه لقوله تعالى { يَا َأ ّيهَا اّلذِي َ‬
‫ن اللّهَ‬
‫س ُكمْ إِ ّ‬
‫َت ْأكُلُواْ َأ ْموَاَل ُكمْ َب ْي َنكُمْ بِا ْلبَاطِلِ ِإلّ أَن َتكُونَ ِتجَارَةً عَن َترَاضٍ مّن ُكمْ َولَ تَ ْقتُلُو ْا أَن ُف َ‬
‫كَانَ ِب ُكمْ َرحِيما } ‪.‬‬
‫والخنزير إن كان فيه بعض المنافع إلّ أنّها محرّمة شرعا ‪ ،‬والمعدوم شرعًا كالمعدوم حسّا ‪.‬‬
‫وفصّل الحنفيّة في حكم بيع الخنزير فهو عندهم باطل إذا بيع بدراهم أو دنانير ‪ ،‬وفاسد إذا‬
‫بيع بعين ‪ ،‬على قولهم بالتّفريق بين البطلن والفساد ‪.‬‬
‫والفرق بين بيعه بدراهم أو دنانير وبين بيعه بعين ‪ ،‬أنّ الشّرع أمر بإهانة الخنزير وترك‬
‫إعزازه وفي شرائه بدراهم أو دنانير إعزاز له ‪ ،‬لنّها غير مقصودة في العقد لكونها وسيلةً‬
‫للتّملّك ‪ ،‬وإنّما المقصود الخنزير ‪ ،‬ولذا كان بيعه بهما باطلًا ويسقط التّقوّم ‪.‬‬
‫أمّا إذا بيع بعين كالثّياب ‪ ،‬فقد وجدت حقيقة البيع لنّه مبادلة مال بمال ‪ ،‬والخنزير يعتبر مالً‬
‫ل أنّه في هذه الصّورة يعتبر ك ّل منهما ثمنا‬
‫في بعض الحوال كما هو عند أهل الكتاب ‪ ،‬إ ّ‬
‫ومبيعا ‪ .‬ورجّح اعتبار الثّوب مبيعا تصحيحا لتصرّف العقلء الّذي يقضي بأن يكون العزاز‬
‫للثّوب وهو المقصود بالعقد ل الخنزير ‪ .‬فتكون تسمية الخنزير في العقد معتبر ًة في تملّك‬
‫الثّوب ل في نفس الخنزير ‪ ،‬فيفسد العقد لفساد الثّمن المسمّى وتجب قيمة الثّوب دون الخنزير‬
‫‪.‬‬
‫إقرار أهل ال ّذمّة على اقتناء الخنزير ‪:‬‬
‫ل أنّهم يمنعون من‬
‫ن أهل ال ّذمّة يقرّون على ما عندهم من خنازير إ ّ‬
‫‪ - 11‬اتّفق الفقهاء على أ ّ‬
‫إظهارها ‪ ،‬ويمنعون من إطعامها مسلما ‪ ،‬فإذا أظهروها أتلفت ول ضمان ‪.‬‬
‫وقيّد الشّافعيّة عدم تمكينهم من إظهارها بأن يكونوا بين أظهر المسلمين إذا انفردوا بمحلّة من‬
‫البلد ‪ ،‬أمّا إذا انفردوا ببلد بأن لم يخالطهم مسلم لم يتعرّض لهم ‪.‬‬
‫وذهب الشّافعيّة إلى إجبار الزّوجة الكتابيّة على ترك أكل الخنزير ‪،‬لنّه منفّر من كمال‬
‫التّمتّع‪ ،‬وخالفهم في هذا المالكيّة فليس للزّوج عندهم منعها منه ‪.‬‬
‫سرقة الخنزير أو إتلفه ‪:‬‬
‫‪ - 12‬أ ‪ -‬اتّفق الفقهاء على أنّه ل قطع ول ضمان على من سرق أو أتلف خنزير المسلم‬
‫لكونه غير محترم ‪ ،‬ول متقوّم ‪ ،‬لعدم جواز تملّكه وبيعه واقتنائه ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬وذهب الحنفيّة والمالكيّة إلى أنّ من أتلف خنزير ال ّذمّيّ فإنّه يضمنه ويلزمه ردّه إذا‬
‫سرقه ‪ .‬وذلك لقوله صلى ال عليه وسلم ‪ « :‬اتركوهم وما يدينون » وهم يدينون بماليّة‬
‫الخنزير وهو من أنفس الموال عندهم لنّه كالشّاة عندنا ‪.‬‬
‫وقال صلى ال عليه وسلم ‪ « :‬إذا قبلوها » يعني الجزية « أعلمهم أنّ لهم ما للمسلمين‬
‫وعليهم ما على المسلمين » وللمسلمين التّضمين بإتلف ما يعتقدونه مالً فكذا يكون ال ّذمّيّ ‪،‬‬
‫بخلف المسلم لنّه ليس مالً في حقّه أصلً ‪.‬‬
‫وذهب الشّافعيّة والحنابلة إلى أنّه إذا غصب مسلم لهل ال ّذمّة خنزيرا ردّ إليهم لعموم قوله‬
‫صلى ال عليه وسلم ‪ « :‬على اليد ما أخذت حتّى تؤدّيه » فإذا أتلفه لم يضمنه لنّه غير‬
‫متقوّم كسائر النّجاسات فليس له عوض شرعيّ ‪ ،‬سواء أظهروه أو لم يظهروه ‪.‬‬
‫إلّ أنّه يأثم إذا أتلفه في حال عدم إظهارهم له ‪.‬‬
‫‪ - 13‬الخنزير البحريّ ‪ :‬سئل مالك عنه فقال أنتم تسمّونه خنزيرا يعني أنّ العرب ل تسمّيه‬
‫بذلك لنّها ل تعرف في البحر خنزيرا والمشهور أنّه الدّلفين ‪.‬‬
‫قال الرّبيع سئل الشّافعيّ رضي ال عنه عن خنزير الماء فقال يؤكل وروى أنّه لمّا دخل‬
‫العراق قال فيه حرّمه أبو حنيفة وأحلّه ابن أبي ليلى وروى هذا القول عن عمر وعثمان وابن‬
‫عبّاس وأبي أيّوب النصاريّ وأبي هريرة رضي ال تعالى عنهم والحسن البصريّ‬
‫والوزاعيّ واللّيث ‪ ،‬وامتنع مالك أن يقول فيه شيئا وأبقاه مرّ ًة أخرى على جهة الورع وحكى‬
‫ابن أبي هريرة عن ابن خيران أنّ أكّارا صاد له خنزير ماء وحمله إليه فأكله ‪ ،‬وقال كان‬
‫طعمه موافقا لطعم الحوت سواءً ‪ ،‬وقال ابن وهب سألت اللّيث بن سعد عنه فقال إن سمّاه‬
‫النّاس خنزيرا لم يؤكل لنّ اللّه حرّم الخنزير ‪.‬‬

‫خنق *‬
‫التّعريف ‪:‬‬
‫‪ - 1‬الخنِق بكسر النّون والخنْق بسكونها مصدر خنق يَخنقُ إذا عصر حلقه حتّى يموت ‪،‬‬
‫والتّخنيق مصدر خنّق ومنه الخناق ‪ ،‬والخناق الحبل الّذي يخنق به ‪.‬‬
‫ويستعمل في الصطلح عند الفقهاء في نفس المعنى اللّغويّ ‪ ،‬بأيّ وسيلة كان الخنق بحبل‬
‫أو غيره ‪ ،‬كأن جعل في عنقه حبلً ثمّ علّقه في شيء عن الرض ‪ ،‬أو خنقه بيديه أو سدّ فمه‬
‫وأنفه أو نحو ذلك ‪.‬‬
‫الحكم الجماليّ ‪:‬‬
‫أوّلً ‪ :‬في الصّيد والذّبائح ‪:‬‬
‫‪ - 2‬اتّفق الفقهاء على أنّ الحيوان الّذي من شأنه أن يذبح فإنّه ل يحلّ بالخنق لقوله تعالى‪{ :‬‬
‫خنِقَةُ } كذلك يحرم الكل‬
‫خنْزِيرِ َومَا أُهِلّ ِل َغ ْيرِ الّلهِ ِبهِ وَا ْل ُم ْن َ‬
‫حمُ ا ْل ِ‬
‫حرّمَتْ عََل ْي ُكمُ ا ْل َم ْيتَةُ وَا ْل ّدمُ وََل ْ‬
‫ُ‬
‫من الصّيد الّذي مات بالخناق بحبل منصوب له ‪ ،‬أو الّذي خنقه الكلب المعلّم من غير جرح ‪،‬‬
‫خنِقَةُ } وتفصيله في مصطلح ‪ ( :‬صيد ‪ ،‬ذبائح ) ‪.‬‬
‫لعموم قوله تعالى ‪ { :‬وَا ْل ُم ْن َ‬
‫ثانيا ‪ :‬في القتل ‪:‬‬
‫‪ - 3‬ذهب جمهور الفقهاء وهم المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة والصّاحبان من الحنفيّة إلى أنّ‬
‫ن العمد قصد الفعل الّذي‬
‫القتل بالخنق قتل عمد يوجب القود ‪ ،‬فيقتل به الجاني قصاصا ‪ ،‬ل ّ‬
‫وقع به القتل بما يتلف غالبا جارحا أو ل ‪ ،‬كما يقول الشّافعيّة والحنابلة ‪ ،‬وهذا يشمل التّخنيق‬
‫ن قصد العدوان يكفي ليكون‬
‫والتّغريق ‪ ،‬كما يشمل اللقاء من شاهق ‪ ،‬والقتل بمثقل ‪ ،‬ول ّ‬
‫القتل عمدا موجبا للقصاص عند المالكيّة ‪ ،‬سواء أقصد الجاني قتل المجنيّ عليه أم قصد‬
‫مجرّد ضربه وتعذيبه فمات ‪.‬‬
‫وقال أبو حنيفة ‪ :‬ل قصاص في القتل بالخنق والتّغريق والقتل بالمثقّل ‪ ،‬لنّه ليس عمدا ‪ ،‬بل‬
‫سكّين والرّمح والخنجر وال ّنشّابة‬
‫شبه عمد ‪ ،‬وقال ‪ :‬العمد ما تعمّد قتله بالحديد كالسّيف وال ّ‬
‫والبرة والشفى ‪ .‬ونحوها ممّا يفرّق أجزاء البدن ‪ .‬وذلك لنّ العمد هو القصد وهو أمر‬
‫باطن ل يوقف عليه إلّ بدليله من استعمال آلة معدّة للقتل ‪ ،‬فل قود في القتل بالخنق ‪ ،‬لنّه لم‬
‫يقصد ضربه بآلة جارحة معدّة للقتل ‪.‬‬
‫هذا إذا لم يتكرّر القتل بالخنق ‪ ،‬أمّا إذا اعتاد الخنق وتكرّر منه ولو مرّتين قتل به بل خلف‪،‬‬
‫إلّ أنّ أبا حنيفة قال ‪ :‬من خنق أكثر من مرّة قتل سياس ًة لسعيه في الرض بالفساد ‪.‬‬
‫‪ - 4‬هذا ‪ ،‬وإذا حكم في الخنق بالقصاص فالحنفيّة والحنابلة في إحدى الرّوايتين على أنّ‬
‫ص منه إلّ بالسّيف ‪ ،‬لقوله صلى ال عليه وسلم ‪ « :‬ل قود إلّ‬
‫الجاني " الخانق " ل يقت ّ‬
‫بالسّيف » ولنّ القصد من القود إتلف جملته وقد أمكن بضرب عنقه فل يجوز تعذيبه ‪.‬‬
‫ن القاتل يقتل بمثل ما قتل إلّ في‬
‫وذهب المالكيّة والشّافعيّة وهو إحدى الرّوايتين للحنابلة إلى أ ّ‬
‫ل مَا‬
‫حالت خاصّة تذكر في مصطلح ( قصاص ) ‪ ،‬لقوله تعالى ‪ { :‬وَِإنْ عَا َق ْب ُتمْ َفعَا ِقبُواْ ِب ِمثْ ِ‬
‫ل إذا اختار‬
‫عُوقِ ْبتُم بِهِ } وعلى ذلك فيخنق الخانق حتّى يموت عند المالكيّة والشّافعيّة ‪ ،‬إ ّ‬
‫مستحقّ القود السّيف فيمكّن منه ‪ ،‬لنّه أخفّ من غيره غالبا ‪ ،‬ولنّه الصل في القصاص ‪.‬‬
‫وتفصيله في مصطلحي ‪ ( :‬جناية ‪ ،‬وقصاص ) ‪.‬‬
‫ثالثا ‪ :‬في اليمان ‪:‬‬
‫ن من حلف ل يضرب امرأته فخنقها أو مدّ شعرها أو عضّها‬
‫‪ - 5‬صرّح الحنفيّة والحنابلة بأ ّ‬
‫ن الضّرب اسم لفعل مؤلم فيدخل فيه الخنق ‪.‬‬
‫حنث ‪ ،‬ل ّ‬
‫وقال الشّافعيّة ‪ :‬ليس وضع السّوط عليه والعضّ ‪ ،‬والخنق ‪ ،‬أو نتف الشّعر ضربا ‪ ،‬لنتفاء‬
‫تسميته بذلك عرفا ‪ ،‬فل يحنث إن عضّها أو خنقها أو نتف شعرها ‪ ( .‬ر ‪ :‬أيمان ) ‪.‬‬
‫مواطن البحث ‪:‬‬
‫ذكر الفقهاء حكم الخنق في مباحث الصّيد والذّبائح ‪ ،‬وفي الجنايات والقصاص وشبه العمد ‪،‬‬
‫وفي باب اليمين ‪.‬‬

‫خوارج *‬
‫انظر ‪ :‬فرق ‪.‬‬

‫خوف *‬
‫انظر ‪ :‬صلة الخوف ‪.‬‬

‫خيار *‬
‫التّعريف ‪:‬‬
‫‪ - 1‬الخيار في اللّغة اسم مصدر من الختيار وهو الصطفاء والنتقاء ‪،‬والفعل منهما اختار‪.‬‬
‫وقول القائل ‪ :‬أنت بالخيار ‪ ،‬معناه ‪ :‬اختر ما شئت ‪.‬‬
‫وخيّره بين الشّيئين معناه ‪ :‬فوّض إليه اختيار أحدهما ‪.‬‬
‫والخيار في الصطلح له تعاريف كثيرة إلّ أنّها في الغالب تناولت هذا اللّفظ مقرونا بلفظ‬
‫آخر لنواع الخيارات دون أن يقصد بالتّعريف " الخيار " عموما ‪ ،‬على أنّه يمكن استخلص‬
‫تعريف للخيار من حيث هو من خلل تعاريف أنواع الخيار بأن يقال ‪ :‬هو حقّ العاقد في‬
‫فسخ العقد أو إمضائه ‪ ،‬لظهور مسوّغ شرعيّ أو بمقتضى اتّفاق عقديّ ‪.‬‬
‫اللفاظ ذات الصّلة ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬عدم اللّزوم ‪:‬‬
‫‪ - 2‬اللّزوم ‪ :‬معناه عدم إمكان رجوع العاقد عن العقد بإرادته المنفردة ‪ ،‬ويسمّى العقد الّذي‬
‫هذا شأنه العقد اللّازم بمعنى أنّ العاقد ل يحقّ له فسخ العقد إلّ برضا العاقد الخر ‪ ،‬فكما ل‬
‫ل بالتّراضي ل يفسخ إلّ بالتّراضي " وذلك بالقالة " ومن هذا يتّضح تعريف عدم‬
‫يعقد العقد إ ّ‬
‫اللّزوم فهو ‪ :‬إمكان رجوع العاقد عن العقد ونقضه بإرادته المنفردة دون الحاجة إلى‬
‫التّراضي على ذلك النّقض ‪.‬‬
‫ل من الطّرفين أو أحدهما أن يتحلّل من‬
‫فهذا اللّزوم قد يتخلّف في بعض العقود فيستطيع ك ّ‬
‫رابطة العقد ويفسخه بمجرّد إرادته دون توقّف على رضا الخر ‪.‬‬
‫ن طبيعة العقد وغايته تقتضي عدم اللّزوم ‪ ،‬والعقد عندئذ " عقد‬
‫وتخلّف اللّزوم هنا مبعثه أ ّ‬
‫غير لزم " إذ يكون عدم اللّزوم صفةً ملحوظ ًة في نوع العقد ‪.‬‬
‫ومن السّهل تبيّن الفرق بين التّخيير وبين طبيعة عدم اللّزوم في العقود غير اللّازمة ‪ ،‬فالتّخيير‬
‫ن الصل في العقد اللّزوم ‪ ،‬فالعقد المقترن بخيار هو قيد أو‬
‫حالة طارئة على العقد حيث إ ّ‬
‫استثناء على ذلك المبدأ ‪ ،‬ثمّ هو في جميع الخيارات ليس ممّا تقتضيه طبيعة العقود ‪ ،‬بل هو‬
‫ممّا اعتبر قيدًا على تلك الطّبيعة لصالة اللّزوم ‪.‬‬
‫أمّا في العقود غير اللّازمة بأنواعها فإنّه جزء من طبيعتها تقتضيه غاياتها ول ينفصل عنها‬
‫ص فيما لزومه ليس أصلً ‪.‬‬
‫إلّ لسبب خا ّ‬
‫ن القدام على العقد‬
‫والعقود اللّازمة تحتمل الفسخ فقط أمّا الجازة فل مجال لها ‪ ،‬ل ّ‬
‫والستمرار فيه يغني عنها ‪ ،‬في حين أنّ الخيارات تحتمل المرين ‪.‬‬
‫وهناك فارق آخر بين العقود غير اللّازمة وبين الخيارات يقوم على ملحظة نتيجة " الفسخ "‬
‫الّذي هو أمر مشترك ‪ ،‬فحكم الفسخ في العقود غير اللّازمة مختلف عنه في الخيارات ‪ ،‬حيث‬
‫يكون في الصّورة الولى مقتصرًا " ليس له تأثير رجعيّ " ل يمسّ التّصرّفات السّابقة ‪.‬‬
‫أمّا في الصّورة الثّانية " الخيارات " فالفسخ مستند " له انعطاف وتأثير رجعيّ " ينسحب فيه‬
‫النفساخ على الماضي فيجعل العقد كأنّه لم ينعقد من أصله ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬الفسخ للفساد ‪:‬‬
‫‪ - 3‬العقد الفاسد يشبه الخيار في فكرة عدم اللّزوم وفي احتماله الفسخ ‪ ،‬يقول الكاسانيّ ‪" :‬‬
‫حكم البيع نوعان ‪ ،‬نوع يرتفع بالفسخ ‪ ،‬وهو الّذي يقوم برفعه أحد العاقدين ‪ ،‬وهو حكم كلّ‬
‫بيع لزم كالبيع الّذي فيه أحد الخيارات الربعة والبيع الفاسد " كما أنّه يتأخّر أثره فل يثبت‬
‫ص من أنواع العقد ‪،‬‬
‫إلّ بالقبض ‪ ،‬لكنّه مفترق عن حالة التّخيير فكلّ منهما من نوع خا ّ‬
‫صحّة ‪ ،‬أمّا التّخيير فهو من باب اللّزوم ‪ ،‬ثمّ لهذا أثره في افتراق الحكام‪،‬‬
‫فالفاسد من باب ال ّ‬
‫ن الخيار " عدا خيار الرّؤية " يسقط بصريح السقاط ‪ ،‬أمّا حقّ الفسخ في البيع‬
‫من ذلك أ ّ‬
‫الفاسد فل يبطل بصريح البطال والسقاط ‪.‬‬
‫وهناك بعض العبارات الفقهيّة توضّح التّفرقة بين الخيار والفسخ منها تصريح بعض المالكيّة‬
‫بأنّ الخيار يتعلّق به حقّ لحد معيّن ‪.‬وكأنّه يشير إلى أنّ الفسخ للفساد يتعلّق به حقّ الشّرع‪.‬‬
‫ج ‪ -‬الفسخ للتّوقّف ‪:‬‬
‫‪ - 4‬التّفرقة بين التّخيير والتّوقّف تكون في المنشأ والحكام والنتهاء ‪.‬‬
‫فالخيار ينشأ لتعيّب الرادة " وذلك في الخيار الحكميّ غالبا " أو لتّجاه إرادة المتعاقدين لمنع‬
‫لزوم العقد " وذلك في الخيارات الراديّة " وكلهما مرحلة بعد انعقاد العقد وصلوحه لسريان‬
‫آثاره " النّفاذ " ‪ .‬أمّا الموقوف فهو ينشأ لنقص الهليّة في العاقد ‪ ،‬أو لتعلّق حقّ الغير ‪ .‬فلكلّ‬
‫منهما مجال مغاير للخر ‪ ،‬ليس مغايرة اختلف في السّبب فقط ‪ ،‬بل مع التّداعي والتّجانس‬
‫بين أسباب ك ّل منهما ومنافرتها ما للخر ‪.‬‬
‫ن العقد الموقوف تكون آثاره معلّقةً بسبب المانع الشّرعيّ‬
‫أمّا من حيث الطّبيعة والحكام فإ ّ‬
‫من نفاذها ‪ ،‬وهذا بالرّغم من انعقاده وصحّته لنّ ذلك المانع منع تمام العلّة ‪.‬‬
‫ن حكم العقد قد نفذ وترتّبت آثاره ولكن امتنع ثبوتها بسبب الخيار ‪ ،‬فأحيانا يمتنع‬
‫أمّا الخيار فإ ّ‬
‫ابتداء الحكم بعد انعقاد العلّة ‪ ،‬وذلك في خيار الشّرط ‪ ،‬وأحيانًا يمتنع تمام الحكم بعد ثبوته ‪،‬‬
‫كخيار الرّؤية ‪ ،‬وأحيانًا يمتنع لزوم العقد بعد أن سرت آثاره ‪ ،‬كخيار العيب ‪.‬‬
‫ن الموقوف لمّا كان غير تامّ العلّة لم تتمّ الصّفقة ‪ ،‬فيكفي في نقضه‬
‫وفي النقضاء نجد أ ّ‬
‫محض إرادة من له النّقض ‪ ،‬وهو لهذا الضّعف فيه ل يرد فيه إسقاط الخيار ‪ ،‬ول ينتقل‬
‫بالميراث ‪ ،‬بل يبطل العقد بموت من له حقّ إجازته ‪ ،‬في حين يجوز إسقاط الخيار ‪ -‬في‬
‫الجملة ‪ -‬وينتقل بالميراث وخاصّ ًة ما كان منه متّصلً بالعين على اختلف في المذاهب ‪،‬‬
‫وينقضي الخيار بإرادة من هو له دون حاجة إلى التّراضي أو التّقاضي إلّ حيث تتمّ الصّفقة‬
‫بحصول القبض في خيار العيب ‪.‬‬
‫د ‪ -‬الفسخ في القالة ‪:‬‬
‫‪ - 5‬تشبه القالة الخيار من حيث تأديتهما ‪ -‬في حال ما ‪ -‬إلى فسخ العقد ‪ ،‬وتشبهه أيضا من‬
‫جهة أنّهما ل يدخلن إلّ عقود المعاوضات الماليّة اللّازمة القابلة للفسخ ‪.‬‬
‫ن القالة تخالف الخيار في أنّ من له الخيار يمكنه فسخ العقد بمحض إرادته دون توقّف‬
‫ولك ّ‬
‫على رضا صاحبه ‪ ،‬بخلف القالة فل بدّ من التقاء الرادتين على فسخ العقد ‪.‬‬
‫ن هناك فرقا آخر هو أنّ الخيار يجعل العقد غير لزم في حقّ من هو له ‪.‬‬
‫كما أ ّ‬
‫وأمّا القالة فل تكون إلّ حيث يكون العقد لزما للطّرفين ‪.‬‬
‫تقسيمات الخيار أوّلً ‪:‬‬
‫التّقسيم بحسب طبيعة الخيار ‪:‬‬
‫‪ - 6‬ينقسم الخيار بحسب طبيعته إلى حكميّ وإراديّ ‪.‬‬
‫فالحكميّ ما ثبت بمجرّد حكم الشّارع فينشأ الخيار عند وجود السّبب الشّرعيّ وتحقّق الشّرائط‬
‫المطلوبة ‪ ،‬فهذه الخيارات ل تتوقّف على اتّفاق أو اشتراط لقيامها ‪ ،‬بل تنشأ لمجرّد وقوع‬
‫سببها الّذي ربط قيامها به ‪ .‬ومثاله ‪ :‬خيار العيب ‪.‬‬
‫أمّا الراديّ فهو الّذي ينشأ عن إرادة العاقد ‪.‬‬
‫والخيارات الحكميّة تستغرق معظم الخيارات ‪ ،‬بل هي كلّها ما عدا الخيارات الراديّة الثّلثة‬
‫‪ :‬خيار الشّرط ‪ ،‬خيار النّقد ‪ ،‬خيار التّعيين ‪ .‬فما وراء هذه الخيارات فإنّه حكميّ المنشأ أثبته‬
‫الشّارع رعاي ًة لمصلحة العاقد المحتاج إليه دون أن يسعى النسان للحصول عليه ‪.‬‬
‫ثانيا ‪ -‬التّقسيم بحسب غاية الخيار ‪:‬‬
‫‪ - 7‬يقوم هذا التّقسيم للخيارات على النّظر إليها من حيث الغاية ‪ ،‬هل هي التّروّي وجلب‬
‫المصلحة للعاقد ‪ ،‬أو تكملة النّقص ودرء الضّرر عنه ؟ ‪.‬‬
‫يقول الغزاليّ ‪ :‬ينقسم الخيار إلى خيار التّروّي ‪ .‬وإلى خيار النّقيصة ‪ .‬وخيار التّروّي ‪ :‬ما ل‬
‫يتوقّف على فوات وصف ‪ ،‬وله سببان ‪ .‬أحدهما ‪ :‬المجلس ‪ .‬والثّاني ‪ :‬الشّرط ‪.‬‬
‫وأمّا خيار النّقيصة ‪ ،‬وهو ‪ :‬ما يثبت بفوات أمر مظنون نشأ الظّنّ فيه من التزام شرعيّ ‪ ،‬أو‬
‫قضاء عرفيّ ‪ ،‬أو تغرير فعليّ ‪ .‬ث ّم فرّع الغزاليّ من خيار النّقيصة عدّة خيارات ‪.‬‬
‫ونحوه للمالكيّة فقد جرى خليل على البدء بخيار التّروّي ثمّ أتبعه بخيار النّقيصة ‪.‬‬
‫ثالثا ‪ :‬التّقسيم بحسب موضوع الخيار ‪:‬‬
‫ل ‪ -‬خيارات التّروّي ‪.‬‬
‫‪-8‬أوً‬
‫أ ‪ -‬خيار المجلس ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬خيار الرّجوع ‪.‬‬
‫ج ‪ -‬خيار القبول ‪.‬‬
‫د ‪ -‬خيار الشّرط ‪.‬‬
‫‪ -9‬ثانيا ‪ -‬خيارات النّقيصة ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬خيار العيب ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬خيار الستحقاق ‪.‬‬
‫ج ‪ -‬خيار تفرّق الصّفقة ‪.‬‬
‫د ‪ -‬خيار الهلك الجزئيّ ‪.‬‬
‫‪ - 10‬ثالثا ‪ -‬خيارات الجهالة ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬خيار الرّؤية ‪:‬‬
‫ب ‪ -‬خيار الك ّميّة ‪.‬‬
‫ج ‪ -‬خيار كشف الحال ‪.‬‬
‫د ‪ -‬خيار التّعيين ‪.‬‬
‫‪ - 11‬رابعا ‪ -‬خيارات التّغرير ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬خيار التّدليس الفعليّ ( بالتّصرية ونحوها ) والتّغرير القوليّ ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬خيار النّجش ‪.‬‬
‫ج ‪ -‬خيار تلقّي الرّكبان ‪.‬‬
‫‪ - 12‬خامسا ‪ -‬خيارات الغبن ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬خيار المسترسل ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬خيار غبن القاصر وشبهه ‪.‬‬
‫‪ - 13‬سادسا ‪ -‬خيارات المانة ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬خيار المرابحة ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬خيار التّولية ‪.‬‬
‫ج ‪ -‬خيار التّشريك ‪.‬‬
‫د ‪ -‬خيار المواضعة ‪.‬‬
‫‪ - 14‬سابعا ‪ -‬خيارات الخلف ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬خيار فوات الوصف المرغوب ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬خيار فوات الشّرط ‪.‬‬
‫ج ‪ -‬خيار اختلف المقدار ‪.‬‬
‫‪ - 15‬ثامنا ‪ -‬خيارات اختلل التّنفيذ ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬خيار التّأخير ‪.‬‬
‫‪ - 16‬تاسعا ‪ -‬خيارات امتناع التّسليم ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬خيار النّقد ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬خيار تعذّر التّسليم ‪.‬‬
‫ج ‪ -‬خيار تسارع الفساد ‪.‬‬
‫د ‪ -‬خيار التّفليس ‪.‬‬
‫حكمة تشريع الخيار ‪:‬‬
‫‪ - 17‬الغرض في الخيارات الحكميّة ‪ :‬بالرّغم من تعدّد أسبابها هو تلفي النّقص الحاصل بعد‬
‫صحّة والنّفاذ ‪ ،‬أي أنّ‬
‫تخلّف شريطة لزوم العقد ‪ .‬وذلك بعد أن تحقّقت شرائط النعقاد وال ّ‬
‫الخيارات الحكميّة لتخفيف مغبّة الخلل بالعقد في البداية لعدم المعلوميّة التّامّة ‪ ،‬أو لدخول‬
‫اللّبس والغبن ونحوه ممّا يؤدّي إلى الضرار بالعاقد ‪ ،‬أو في النّهاية كاختلل التّنفيذ ‪.‬‬
‫فالغاية من الخيارات الحكميّة تمحيص الرادتين وتنقية عنصر التّراضي من الشّوائب توصّلً‬
‫إلى دفع الضّرر عن العاقد ‪ .‬ومن هنا قسّم الفقهاء الخيارات إلى شطرين ‪ :‬خيارات التّروّي ‪،‬‬
‫وخيارات النّقيصة ‪ ،‬ومرادهم بخيارات النّقيصة الخيارات الّتي تهدف لدفع الضّرر عن العاقد‬
‫في حين تهدف خيارات التّروّي إلى جلب النّفع له ‪.‬‬
‫أمّا الغرض من الخيارات الراديّة فإنّه يختلف عن الغرض من الخيار في صعيد الخيارات‬
‫الحكميّة ‪ .‬ففي الخيارات الراديّة يكاد الباعث عليها يكون أمرا واحدا هو ما دعاه الفقهاء‬
‫بالتّروّي ‪ ،‬أي التّأمّل في صلوح الشّيء له وسدّ حاجته في الشّراء ‪ ،‬وذلك للتّرفيه عن المتعاقد‬
‫لتحصيل مصلحة يحرص عليها ‪ .‬والتّروّي سبيله أمران ‪ ( :‬المشورة ) للوصول إلى الرّأي‬
‫الحميد ‪ ،‬أو الختبار وهو تبيّن خبر الشّيء بالتّجربة أو الطّلع التّا ّم على كنهه ‪ ،‬قال ابن‬
‫رشد ‪ " :‬والخيار يكون لوجهين ‪ :‬لمشورة واختبار المبيع ‪ ،‬أو لحد الوجهين ‪ .‬ويقول بعدئذ ‪:‬‬
‫العلّة في إجازة البيع على الخيار وحاجة النّاس إلى المشورة فيه ‪ ،‬أو الختيار " ‪ .‬على أنّ‬
‫تعدّد الغرض ممكن بأن يقصد المشورة والختبار معا " وهذا كلّه في المشتري ‪ ،‬أمّا البائع‬
‫ن المبادلة منه تهدف إلى الثّمن ‪ ،‬والثّمن‬
‫ل كون الغرض المشورة ‪ ،‬ل ّ‬
‫فل يتصوّر في حقّه إ ّ‬
‫ل مجال لختباره غالبا ‪ ،‬إنّما يتصوّر أن يراجع البائع من يثق به في كون الثّمن متكافئا مع‬
‫المبيع فل غبن ول وكس ‪.‬‬
‫والتّروّي ‪ -‬كما يقول الحطّاب ‪ -‬ل يختصّ بالمبيع فقد يكون أيضا في الثّمن ‪ ،‬أو في أصل‬
‫العقد ‪ .‬وثمرة ذلك عند المالكيّة أنّه يجبر البائع على تسليم المبيع إذا كان الغرض من الخيار‬
‫الختبار ‪ ،‬فإذا بيّن الغرض من الخيار عومل حسب بيانه ‪ ،‬أمّا إن سكت عن البيان ‪ ،‬فقد‬
‫قرّر ابن رشد أنّ سكوته عن ذكر الغرض يحمل على أنّ غرضه المشورة فهي مفترضة‬
‫ن غرضه الختبار واشترط قبض السّلعة ‪.‬‬
‫ل إذا صرّح بأ ّ‬
‫دائما ‪ ،‬إ ّ‬
‫ص كلم ابن رشد في هذا ‪ " :‬اشترط المشتري الخيار ‪ .‬ولم يبيّن أنّه إنّما يشترط الخيار‬
‫ون ّ‬
‫للختبار ‪ ،‬وأراد قبض السّلعة ليختبرها ‪ ،‬وأبى البائع من دفعها إليه وقال ‪ :‬إنّما لك المشورة‬
‫إذا لم تشترط قبض السّلعة في أمد الخيار للختبار ‪ ،‬فالقول قول البائع ‪ ،‬ول يلزمه دفعها إليه‬
‫إلّ أن يشترط ذلك عليه " ‪ .‬بل ذكر أنّه ليست من القرينة الحاليّة في المشتري طول مدّة‬
‫الخيار إذ يحتمل أنّه فسخ في الجل للمشورة الدّقيقة ‪.‬‬
‫وهناك ثمرة عمليّة أخرى لتحديد الغرض من الخيار " دون تفرقة بين اقتصاره على المشورة‬
‫ن أمد الخيار ‪ -‬وهو عن المالكيّة ملحوظ فيه‬
‫أو الختبار ‪ ،‬أو الجمع بينهما " تلك هي أ ّ‬
‫العرف والعادة ‪ -‬شديد الرتباط بالغرض من الخيار فإذا كانت العلّة في إجازة المبيع على‬
‫الخيار حاجة النّاس إلى المشورة فيه ‪ ،‬أو الختبار ‪ ،‬فحدّه قدر ما يختبر فيه المبيع ‪ ،‬ويرتأى‬
‫فيه ويستشار ‪ ،‬على اختلف أجناسه وإسراع التّغيّر إليه وإبطائه عنه ‪ ..‬فأمد الخيار في البيع‬
‫إنّما هو بقدر ما يحتاج إليه في الختبار والرتياء مع مراعاة إسراع التّغيّر إلى المبيع‬
‫وإبطائه عنه خلفا للشّافعيّ وأبي حنيفة رحمهما ال في قولهما ‪ :‬أنّه ل يجوز الخيار في‬
‫شيء من الشياء فوق ثلث ‪.‬‬
‫الخيار سالب للّزوم ‪:‬‬
‫ن بعض الفقهاء المصنّفين الّذين‬
‫‪ - 18‬إنّ سلب الخيارات لزوم العقد من بدائه الفقه ‪ ،‬حتّى أ ّ‬
‫قسّموا العقد إلى لزم وجائز عبّروا عن ذلك بقولهم ‪ :‬لزم ‪ ،‬ومخيّر ‪ ،‬أو لزم وفيه خيار ‪.‬‬
‫ومفاد سلب الخيار لزوم العقد أن يجعل العقد المشتمل على خيار مستويا في الصّفة مع العقود‬
‫غير اللّازمة كالعاريّة الوديعة ومع هذا ل يعسر التّمييز بينهما ‪ ،‬لنّ عدم اللّزوم في تلك‬
‫العقود ناشئ عن طبيعتها الخاصّة ‪ ،‬أمّا في الخيارات فعدم اللّزوم طارئ بسببها ‪.‬‬
‫وهناك عبارات فقهيّة تدلّ على التّفاوت في منزلة الخيارات من حيث سلب اللّزوم نظرا إلى‬
‫أثر الخيار على علّة الحكم ‪ ،‬والمراد بالعلّة هنا العقد الّذي ل يتخلّف عنه الحكم في الصل ‪،‬‬
‫كالبيع هو علّة لحكمه من لزوم تعاكس الملكين في البدلين ‪ ،‬وفي البيع بخيار قد تخلّف عن‬
‫العلّة " أي البيع " مقتضاها الّذي هو حكم البيع ‪.‬‬
‫وبما أنّ الموانع متفاوتة في قوّة المنع ‪ ،‬فمنها ما يمنع انعقاد العلّة من البداية فل يدعها‬
‫تمضي لحداث الثر ‪ ،‬ومنها ما يمنع تمام العلّة ‪ ،‬أي نفاذ العقد ‪ ،‬بتخلّف إحدى شريطتي‬
‫النّفاذ " الملك أو الولية ‪ ،‬وانتفاء تعلّق حقّ الغير في المعقود عليه " ثمّ يأتي دور الخيارات‬
‫في المنع وهو منع مسلّط على " الحكم ل العلّة " فهي قد كتب لها النعقاد والنّفاذ كسهم‬
‫توفّرت وسائل تسديده ثمّ انطلق دون أن يحجزه شيء عن بلوغ الهدف " فخيار الشّرط يمنع‬
‫ابتداء الحكم بعد انعقاد ونفاذ العلّة " إذ يمتنع ثبوت حكم البيع وهو خروج المبيع عن ملك‬
‫البائع ‪ ،‬وشبّهه ابن الهمام باستتار المرميّ إليه بترس يمنع من إصابة الغرض منه ‪.‬‬
‫ويليه في قوّة المنع خيار الرّؤية ‪ ،‬لنّه يمنع تمام الحكم بعد ثبوته " وهو غير تمام العلّة "‬
‫وأخيرا خيار العيب يمنع لزوم الحكم ‪.‬‬
‫وفضلً عن التّفاوت في أثر الخيار على العقد اللّازم لسلب لزومه يلحظ فارق ‪ ،‬في نظر‬
‫الحنفيّة ‪ ،‬بين خيار العيب وبين خياري الرّؤية والشّرط في وضعهما الشّرعيّ من حيث سلب‬
‫اللّزوم بين أن يتّصف بالصالة أو الخلفيّة ‪ ،‬لهذا الفرق في الحكم باعتبار الفسخ في حقّ الكلّ‬
‫ق المتعاقدين فحسب ‪.‬‬
‫أو في ح ّ‬
‫ن حقّ الفسخ فيهما " ثبت أصلً لنّهما يسلبان اللّزوم في أصل‬
‫فخيار الرّؤية والشّرط ‪ ،‬لمّا أ ّ‬
‫العقد ‪ ،‬فكان بالفسخ مستوفيا حقّا له ‪ ،‬وولية استيفاء الحقّ تثبت على سبيل العموم ولذا ل‬
‫يتوقّف على القضاء " أمّا خيار العيب فإنّه يفرّق فيه بين القبض ‪ ،‬وعدمه لما أنّ " حقّ الفسخ‬
‫بالعيب ما ثبت " باعتباره " أصلً ‪.‬‬
‫ن الصّفقة تمّت بالقبض بل " ثبت " بغيره ‪ ،‬وهو استدراك حقّه في صفة السّلمة " ‪.‬‬
‫لّ‬

‫خيار اختلف المقدار *‬


‫انظر ‪ :‬بيع ‪.‬‬

‫خيار الستحقاق *‬
‫انظر ‪ :‬استحقاق ‪.‬‬

‫خيار التّأخير *‬
‫انظر ‪ :‬خيار النّقد ‪ ،‬بيع ‪.‬‬
‫خيار تسارع الفساد *‬
‫انظر ‪ :‬خيار الشّرط ‪.‬‬

‫خيار التّشريك *‬
‫انظر ‪ :‬بيع المانة ‪.‬‬

‫خيار التّصرية *‬
‫انظر ‪ :‬تصرية ‪.‬‬

‫خيار تعذّر التّسليم *‬


‫انظر ‪ :‬بيع فاسد ‪ ،‬بيع موقوف ‪.‬‬

‫خيار التّعيين *‬
‫التّعريف ‪:‬‬
‫ي للفعل‬
‫‪ - 1‬سبق في مصطلح " خيار " تعريف الخيار ‪ ،‬وأمّا التّعيين ‪ :‬فهو مصدر قياس ّ‬
‫المزيد " عيّن " يقال ‪ :‬عيّنت الشّيء ‪ ،‬وعيّنت عليه ‪ ،‬واستعمالهما واحد ‪ ،‬فمن الوّل ‪ -‬وهو‬
‫الليق بهذا الموضوع ‪ -‬ما جاء في المعاجم من أنّ تعيين الشّيء معناه تخصيصه من الجملة‪،‬‬
‫كما قال الجوهريّ ‪ .‬ومن الثّاني ‪ :‬عيّنت على السّارق ‪ :‬خصصته من بين المتّهمين ‪ ،‬مأخوذ‬
‫من " عين " الشّيء ‪ ،‬أي نفسه وذاته ‪.‬‬
‫أمّا في الصطلح فقد عرّف الحنفيّة البيع الّذي فيه خيار التّعيين بأنّه ‪ :‬شراء أحد الشّيئين أو‬
‫الثّلثة على أن يعيّن أيّا شاء ‪ .‬أمّا تعريف الخيار فيمكن استخلص التّعريف التّالي له وهو ‪:‬‬
‫أنّه "حقّ العاقد في تعيين أحد الشياء الّتي وقع العقد على أحدها شائعا ‪ ،‬خلل مدّة معيّنة "‪.‬‬
‫وصورته ‪ :‬أن يقول البائع للمشتري ‪ :‬بعتك أحد هذه الثواب الثّلثة ولك الخيار في أيّها‬
‫شئت ونحو ذلك من العبارات ‪ ،‬سواء وقع التّصريح به من البائع أو المشتري ‪.‬‬
‫تسميته ‪:‬‬
‫‪ - 2‬يسمّى " خيار التّعيين " باسم آخر هو " خيار التّمييز " وقد أطلقه عليه الطّحاويّ في‬
‫مناسبة مقارنته بخيار الشّرط قائلً عنه ‪ :‬وخيار التّمييز غير مؤقّت ‪.‬‬
‫وكثير من المصنّفين يعبّر عنه بالتّعبير المسهب دون تسميته ‪.‬‬
‫ويسمّي المالكيّة العقد المشتمل عليه ‪ :‬بيع الختيار ‪.‬‬
‫اللفاظ ذات الصّلة ‪:‬‬
‫خيار الشّرط ‪:‬‬
‫‪ - 3‬هناك صورة من خيار الشّرط يتوهّم أنّها من صور خيار التّعيين ‪ ،‬مع أنّها ليست منه‬
‫في شيء ‪ ،‬وهي ما إذا باعه ثلثة أثواب على أنّ له خيار الشّرط في واحد منها ل في‬
‫الجميع ‪ ،‬فهذه المسألة عبارة عن خيار شرط في أحد أفراد المبيع ‪ ،‬يتّضح ذلك من كون‬
‫المقصود بالبيع في خيار التّعيين واحدا ‪ ،‬وهنا البيع منصبّ على الثّلثة ‪ ،‬ولكن في المعقود‬
‫عليه المتعدّد خيار لم يعيّن محلّه ‪ ،‬وهي من الصّور الفاسدة ‪.‬‬
‫وهذه صورة أخرى من الختيار ل الخيار ‪ ،‬ما لو أسلم على أكثر من أربع زوجات وأسلمن‬
‫معه فعليه اختيار أربعة فقط ‪.‬‬
‫وقد ذكروا أنّه لو مات قبل الختيار فإنّ " الخيار " ل ينتقل إلى الوارث ‪ .‬وهو كما يبدو ليس‬
‫خيارا بين الفسخ والمضاء ‪ ،‬وإنّما هو قيام المكلّف بالختيار في غير معيّن ‪ ،‬فهو يشبه خيار‬
‫التّعيين لكنّه ثبت حكما ل بالشّرط ‪ ،‬كما أنّ الواقعة المولّدة للخيار غير عقديّة ‪.‬‬
‫خيار التّعيين في الثّمن ‪:‬‬
‫‪ - 4‬أكثر ما يذكر له خيار التّعيين ما يكون في المبيع ‪،‬ولكن هناك خيار يتّصل بتعيين الثّمن‪،‬‬
‫ل يكتفى بذكر الخيار فيه ‪ ،‬وهو ما إذا باع شيئا إلى أجلين ‪ ،‬أو باعه إلى أجل أو حالّا ‪،‬‬
‫بثمنين مختلفين ‪ ،‬وترك له أن يختار ‪.‬‬
‫فهنا ذكر ثمنين مختلفين وترك له الخيار في أحدهما مع ما ينشأ عنه من حلول أو تأجيل ‪.‬‬
‫وهذه الصّورة من التّعاقد مشهورة في المذاهب وهي ممنوعة إذا لم يفترقا على التّعيين في‬
‫المجلس ‪ .‬وينظر مصطلح ( بيعتين في بيعة ) ‪.‬‬
‫الحكم التّكليفيّ ‪:‬‬
‫ل من الحنفيّة والمالكيّة وبعض الحنابلة ‪ ،‬أمّا‬
‫‪ - 5‬ذهب إلى القول بمشروعيّة هذا الخيار ك ّ‬
‫الحنفيّة فقد سبق شيء من اهتمامهم به ‪ ،‬وقد عقدوا له فصلً من باب خيار الشّرط ‪ ،‬وأمّا‬
‫المالكيّة فقد ذهبوا إلى ثبوت العقد على أحد أشياء ل بعينه ‪ ،‬وتعريفه وصورته أنّه ‪ " :‬بيع‬
‫ت بدينار‬
‫جعل فيه البائع للمشتري التّعيين لما اشتراه ‪ ،‬كأبيعك أحد هذين الثّوبين على الب ّ‬
‫وجعلت لك يوما أو يومين تختار فيه واحدًا منهما " ولكنّهم صرّحوا بأنّ هذا العقد ل صلة له‬
‫بالخيار بين الخذ وال ّردّ ‪.‬‬
‫ن العقد فيه لزم وسمّوه " بيع الختيار " تمييزا له عن البيع بخيار الشّرط‬
‫وصرّحوا أيضا بأ ّ‬
‫الّذي يسمّى أحيانا " بيع الخيار " وجعلوا بينهما تقابلً ‪ ،‬لنّه ليس هناك خيار في العقد "‬
‫ل أحدهما " ‪.‬‬
‫أحدها لزم له ‪ ،‬وإنّما الخيار في التّعيين ول يردّ إ ّ‬
‫ن " الختيار " قد يجامع الخيار وقد ينفرد عنه فيكون هناك بيع خيار فقط‬
‫وأشار المالكيّة إلى أ ّ‬
‫" وهو خيار الشّرط المعروف " ‪ ،‬وبيع اختيار فقط " وهو المسمّى خيار التّعيين " وبيع خيار‬
‫واختيار وهو " بيع جعل فيه البائع للمشتري الختيار في التّعيين ‪ ،‬وبعده هو فيما يعيّنه‬
‫بالخيار في الخذ وال ّردّ " ‪.‬‬
‫ن المالكيّة انتبهوا إلى استبعاد اختيار التّعيين من صعيد " الخيار ط لشتراطهم‬
‫والظّاهر أ ّ‬
‫توقيته ‪ ،‬في حين فصّل الحنفيّة بأن جعلوا اشتراط التّوقيت قاصرا على حال تجرّد خيار‬
‫التّعيين من خيار الشّرط ‪ .‬يضاف لذلك أنّه ورد في كتبهم الولى ‪ -‬غالبا ‪ -‬ملبسا لخيار‬
‫الشّرط مقترنًا به ‪ ،‬لذا لم تحفل عباراتهم بالحتراز منه ‪.‬‬
‫وذكر ابن مفلح أنّه قال به أبو الوفاء بن عقيل من فقهاء الحنابلة وذكره في كتاب المفردات ‪-‬‬
‫وقوله مخالف لجمهورهم ‪ -‬وهو ظاهر كلم الشّريف وأبي الخطّاب ‪ ،‬ومثّلوا له بنحو ‪ ،‬بيع‬
‫شاة مبهمة في شياه إن تساوت القيمة ‪.‬‬
‫ح ‪ -‬في مثل‬
‫هؤلء مثبتوه ‪ ،‬وأمّا نفاته فهم الشّافعيّة ‪ -‬إلّ في قول قديم حكاه المتولّي أنّه يص ّ‬
‫الصّورة السّابقة لدى أبي حنيفة ‪ . -‬قال النّوويّ ‪ :‬وهذا شا ّذ مردود ‪ -‬والشّافعيّة حين منعوه‬
‫جعلوه من مسائل جهالة عين المبيع ‪ ،‬ونصّوا على بطلنه ‪ ،‬سواء وقع العقد على واحد من‬
‫متعدّد ‪ ،‬أو وقع على الكلّ إلّ واحدا ‪ ،‬ومذهب جمهور الحنابلة كذلك ‪ ،‬مع تنصيصهم على‬
‫أنّه باطل ولو تساوت قيمة الشياء المختار منها وفي ذلك نزاع " صلته بكفاية تعيين المبيع‬
‫ول صلة له بخيار التّعيين " ‪.‬‬
‫واستدلّ الحنابلة أيضا لمنعه بأنّه من باب البيع والثّنيا ‪ ،‬وقد « نهى صلى ال عليه وسلم عن‬
‫ن ذلك غرر ويفضي إلى التّنازع ‪.‬‬
‫الثّنيا إلّ أن تعلم » ‪ .‬ول ّ‬
‫دليل مشروعيّة خيار التّعيين ‪:‬‬
‫ج الحنفيّة لمشروعيّته بالقياس على خيار الشّرط لنّه في معنى ما ورد فيه الشّرع ‪،‬‬
‫‪ - 6‬احت ّ‬
‫ن خيار الشّرط شرع للحاجة إلى دفع الغبن ‪ ،‬والحاجة‬
‫وهو خيار الشّرط فجاز إلحاقًا به ‪ ،‬ل ّ‬
‫إلى هذا النّوع من البيع متحقّقة ‪ ،‬فكان باعتبار الحاجة في معنى ما ورد به الشّرع ‪ ،‬وبالرّغم‬
‫من قياسه على خيار الشّرط فقد ذكروا أنّه ثبت استحسانا على خلف القياس ‪ ،‬والمقصود‬
‫مبدأ القياس عموما ‪ ،‬أمّا دليله فهو القياس على خيار الشّرط ‪ ،‬لنّ خيار الشّرط نفسه ثبت‬
‫على خلف القياس الّذي هو اللّزوم ‪.‬‬
‫ن ما فيه من جهالة ل تفضي إلى المنازعة لستقلل المشتري بالتّعيين فلم يبق‬
‫وذكر الحنفيّة أ ّ‬
‫له منازع فيما يختار ‪.‬‬
‫شرائط قيام خيار التّعيين ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬ذكر شرط التّعيين في صلب العقد ‪:‬‬
‫‪ - 7‬ل بدّ من ذكر شرط التّعيين في اليجاب والقبول بنحو عبارة ‪ :‬على أنّك بالخيار في‬
‫أيّهما شئت ‪ ،‬أو على أن تأخذ أيّها شئت ‪ ،‬ليكون نصّا في خيار التّعيين وإلّ كان العقد فاسدا‬
‫للجهالة ‪ ،‬ول يشترط ذكر " الخيار " بل يكفي ما يؤدّي معناه بأيّ لفظ كان كقوله ‪ :‬على أن‬
‫تحتفظ بأحدها وتعيد الباقي ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬أن يكون محلّ الخيار من القيميّات ‪:‬‬
‫‪ - 8‬القيميّ هنا ما ليس له نظير ‪ ،‬أو ما ل يوجد له مثل في السواق ‪ ،‬أو يوجد لكن مع‬
‫التّفاوت المعتدّ به في القيمة ‪ ،‬أمّا المثليّات المختلفة الجنس فقد ألحقت بالقيميّ ‪ ،‬وأمّا المثليّ‬
‫المتّفق الجنس فل يصحّ ‪ .‬لنّ الحاجة " الّتي شرع لجلها " هي في التّفاوت ‪.‬‬
‫ن اشتراطه فيها ل فائدة فيه ‪ ،‬ومن قبيل العبث ‪ ،‬فيجب أن تكون متفاوتةً‬
‫بخلف المثليّات فإ ّ‬
‫فيما بينها ‪.‬‬
‫وقال الحنفيّة ‪ :‬سواء كان الثّمن متّفقا أو مختلفا ‪ ،‬في حين اشترط المالكيّة وبعض الحنابلة من‬
‫القائلين به تساوي تلك الشياء في القيمة ‪.‬‬
‫ج ‪ -‬أن تكون مدّة الخيار معلومةً ‪:‬‬
‫‪ - 9‬هذا على ما اعتمده الحنفيّة ‪ ،‬وذكر الزّيلعيّ أنّه ل يشترط لعدم الجدوى ‪.‬‬
‫وعند أبي حنيفة ل يجوز زيادتها عن ثلثة أيّام ‪ ،‬وأطلق الصّاحبان المدّة على أن تكون‬
‫معلوم ًة ‪ ،‬ورجّحه الزّيلعيّ وغيره ‪ .‬وقد فرّق البابرتيّ والزّيلعيّ بين الخذ برأي من استلزم‬
‫لخيار التّعيين خيار الشّرط ‪ ،‬فل بأس على هذا من عدم توقيته لغناء مدّة الخيار عنه ‪ ،‬وأمّا‬
‫على القول بجواز أن يعرى عن خيار الشّرط فل بدّ من التّوقيت ‪.‬‬
‫د ‪ -‬عدم زيادة الفراد المختار بينهما على ثلثة ‪:‬‬
‫‪ - 10‬فل يجوز ‪ -‬على هذه الشّريطة ‪ -‬أن يكون هذا الخيار في أكثر من ثلثة أشياء ‪،‬‬
‫لندفاع الحاجة بذلك ‪ ،‬لشتمال الثّلثة على الجيّد والوسط والرّديء ‪.‬‬
‫" ويجوز أن يكون الخيار في واحد من اثنين بطريق الولى " قالوا ‪ :‬والزّائد يقع مكرّرا غير‬
‫محتاج إليه ‪ ،‬وقد شرع للحاجة ‪.‬‬
‫هـ ‪ -‬العدد المختار من العاقد ‪:‬‬
‫‪ - 11‬هل يشترط أن ل يزيد العدد المختار من العاقد على واحد أي ما يقع عليه اختياره أم له‬
‫ن الصّور الّتي ذكروها قائمة على اختيار‬
‫ل " ؟ لم نر للحنفيّة فيه نصّا ‪ ،‬لك ّ‬
‫اختيار اثنين" مث ً‬
‫ل بواحد على ما قال الحطّاب ‪.‬‬
‫واحد ‪ ،‬وقد نصّ المالكيّة على أنّه ليس له أن يتمسّك إ ّ‬
‫و ‪ -‬اقترانه بخيار الشّرط ‪:‬‬
‫‪ - 12‬هذا الخيار وثيق الصّلة بخيار الشّرط ‪ ،‬بل هو متفرّع عنه من حيث مشروعيّته ومعظم‬
‫أحكامه ‪ ،‬كالمدّة والسّقوط ‪ ،‬ولذا يذكره الفقهاء في أثناء باب خيار الشّرط ‪.‬‬
‫وبالرّغم من هذا هو خيار مستقلّ ‪ ،‬وسبب ارتباطه بخيار الشّرط إمّا غلبة اشتراطه معه‬
‫ليكون العقد في أصله غير لزم بحيث يكون للمشتري ردّ الجميع ‪ ،‬وإمّا على القول باشتراط‬
‫اقترانه بخيار الشّرط ‪ .‬وهو المذكور في الجامع الصّغير لمحمّد ‪.‬‬
‫وهناك رأي آخر للحنفيّة بعد ترجيح اشتراطه ‪ ،‬وهو الّذي ذكره محمّد في الجامع الكبير ‪.‬‬
‫من يشترط له الخيار " صاحب الخيار " ‪:‬‬
‫‪ - 13‬يمكن اشتراط هذا الخيار ليّ من المتعاقدين ‪ .‬فهو للمشتري إذا كان العقد على أنّه‬
‫يأخذ أيّا شاء من الشياء المميّز بينها بالثّمن المبيّن له ‪ .‬فصاحب الخيار هنا هو المشتري‬
‫وإليه التّعيين ‪ ،‬ويكون للبائع إذا ذكرا في العقد أنّ البائع هو الّذي يختار أحد الشياء الّتي هي‬
‫موضوع التّعيين ‪ ،‬فالبائع هنا صاحب الخيار وهو الّذي يقوم بالتّعيين ‪.‬‬
‫ول عبرة بصدور الشتراط من البائع أو المشتري مثلًا بل النّظر لصيغته ‪ ،‬فلو قال‬
‫المشتري‪ :‬اشتريت منك أحد هذين الثّوبين على أن تعطيني أيّهما شئت بالثّمن المعيّن له‬
‫ن مشترط الخيار هو المشتري ‪ ،‬فل أثر‬
‫فالخيار هنا للبائع ‪ ،‬وهو المستفيد بالرّغم من أ ّ‬
‫لذلك ‪ ،‬فحكمه كما لو صدر الشتراط باتّفاق الطّرفين ‪ ،‬بل هو في الحقيقة معتبر منهما ‪،‬‬
‫لضرورة اتّفاق الرادتين عليه ‪ ،‬فالعبرة إذن بالمشترط له الخيار ل في ذاكر الشّرط ‪.‬‬
‫ول يسوغ أن يشترط للبائع والمشتري في آن واحد ‪ ،‬لنّ ذلك يؤدّي إلى الجهالة الفاحشة‬
‫الّتي تحدث التّنازع ‪ ،‬وقد اغتفرت خفّة الجهالة بسبب استبداد المشتري بالخيار ‪ ،‬أمّا لو كان‬
‫الختيار لهما فتختلف رغبتهما ويحدث التّنازع ‪.‬‬
‫أثر خيار التّعيين على العقد ‪:‬‬
‫أثره في حكم العقد ‪:‬‬
‫‪ - 14‬ذكر ملّ خسرو من الحنفيّة أنّ خيار التّعيين يمنع ابتداء حكم العقد ‪ ،‬وهو انتقال الملك‬
‫نظير خيار الشّرط ‪ ،‬ولكنّ الشرنبللي لم يسلّم له ذلك في الحاشية عليه ‪ ،‬وعلّل تلك المخالفة‬
‫بقوله ‪ :‬أحد ما فيه التّعيين غير ممنوع الحكم ‪ ،‬غايته أنّه مخيّر في بيان ذلك ‪ ،‬بناءً على‬
‫القول بأنّه ل يشترط في العقد خيار الشّرط ‪ ،‬كما في الجامع الكبير وصحّحه فخر السلم ‪.‬‬
‫وهذا واضح لنّ خيار التّعيين ل أثر له على لزوم العقد ما دام عاريّا عن خيار الشّرط ‪،‬‬
‫لنّه حقّ اختيار ‪ ،‬وليس تعليقا لحكم العقد ‪ .‬فخيار التّعيين يجعل ثبوت الملك بالعقد متعلّقا‬
‫بأحد الشياء الّتي هي محلّ الخيار دون تخصيص بأحدها ول مجاوزة إلى غيرها ‪ ،‬ولذلك لو‬
‫قبض الشياء المختار منها كان أحدها مبيعا مضمونا والباقي أمانةً في يده ‪.‬‬
‫وذكر المالكيّة في شأن اللزام بالختيار والضّمان ما يلي ‪ :‬إذا مضت مدّة الختيار ولم يختر‬
‫"وكان له اختيار التّعيين مجرّدا عن خيار الشّرط " يلزمه النّصف من كلّ من الثّوبين " مثلً‬
‫"‪ ،‬لنّ ثوبا قد لزمه ول يعلم ما هو منهما ‪ ،‬فوجب أن يكون فيهما شريكا ‪.‬‬
‫ومثل ذلك ما إذا ادّعى ضياعهما أو ضياع أحدهما يلزمه النّصف من كلّ من الثّوبين سواء‬
‫أكان الثّوبان آنئذ بيد البائع أو المشتري ‪ ،‬وسواء أكان المبيع ممّا يغاب عليه أم ل ‪ ،‬وسواء‬
‫ن البيع على اللّزوم وقد قبض الشّيئين على وجه اللزام ‪،‬‬
‫أقامت بيّنة على الضّياع أم ل ‪ ،‬ل ّ‬
‫أي إلزام أنّ له واحدا من الثنين من حين القبض ‪.‬‬
‫ل الثّمن الّذي وقع البيع به ‪.‬‬
‫ولزوم النّصف من كلّ من الثّوبين إنّما هو بك ّ‬
‫فالمالكيّة في حال مرور مدّة التّعيين والمتناع عنه ل يرون إجباره على التّعيين ‪ ،‬بل يطبّقون‬
‫ل العقد أو ثلثه ‪.‬‬
‫مقتضى شرط التّعيين وإرادته تملّك نصف مح ّ‬
‫تبعة الهلك في خيار التّعيين ‪:‬‬
‫‪ - 15‬إذا هلك أحد الشياء المخيّر بينها أو تعيّب لزم البيع فيه بثمنه ‪ ،‬وتعيّن الخر للمانة‬
‫"حتّى إذا هلك الخر بعد هلك الوّل أو تعيّب ل يلزم عليه من قيمته شيء " وهذا لنّ العيب‬
‫ممتنع الرّ ّد لعتبار التّعيّب اختيارا ضرورةً ‪ ،‬ولو هلك أحدها قبل القبض ل يبطل البيع ‪،‬‬
‫والمشتري بالخيار إن شاء أخذ الباقي بثمنه وإن شاء ترك ‪.‬‬
‫وإن هلك الكلّ قبل القبض بطل البيع ‪.‬‬
‫ل واحد منهما لشيوع البيع‬
‫ولو هلك الشّيئان معا بعد القبض لزم المشتري نصف ثمن ك ّ‬
‫والمانة ‪ ،‬فليس أحدهما أولى بكونه المبيع من الخر ‪.‬‬
‫وتقدّم كلم المالكيّة في المسألة السّابقة ‪.‬‬
‫توقيت خيار التّعيين ‪:‬‬
‫‪ - 16‬يشترط في الرجح توقيت هذا الخيار بمدّة معيّنة إن لم يتضمّن خيار الشّرط على‬
‫القول بصحّة وروده بدونه ‪ ،‬أمّا إن تضمّن خيار الشّرط فمدّة الخيار صالحة لهما ‪ ،‬وفائدة‬
‫التّوقيت أن يجبر من له الخيار على التّعيين بعد مضيّ المدّة دفعا للضّرر عن الخر إذا‬
‫ماطل من له الخيار في التّعيين ‪ .‬قال ابن قاضي سماونة ‪ " :‬وخيار التّعيين لم يجز إلّ مؤقّتا‬
‫بثلثة أيّام ‪ ،‬إلّ أن يكون مع ذلك خيار الشّرط " ‪.‬‬
‫وقد سبق في الشّرائط بيان ما يتّصل بمعلوميّة المدّة ‪ ،‬صلة هذا الخيار بخيار الشّرط ‪.‬‬
‫سقوط خيار التّعيين ‪:‬‬
‫ن خيار التّعيين يسقط بما يسقط به خيار الشّرط ‪ .‬وسيأتي‬
‫‪ - 17‬تواردت أقوال الفقهاء على أ ّ‬
‫بيان ما يسقط به خيار الشّرط في مصطلح ‪ ( :‬خيار الشّرط )‬
‫انتقال خيار التّعيين ‪:‬‬
‫‪ - 18‬خيار التّعيين ينتقل بالموت إلى وارث صاحب الخيار فيقوم مقامه في تعيين ما يختاره‬
‫ن لمورّثه مالً ثابتا ضمن الشياء الّتي هي محلّ الخيار‬
‫من محلّ الخيار ‪ ،‬والعلّة في ذلك أ ّ‬
‫فوجب على الوارث أن يعيّن ما يختاره ويردّ ما ليس له إلى مالكه ‪ .‬ويكون أداء الثّمن من‬
‫التّركة إن لم يكن قد أدّى حال الحياة ‪ ،‬ذلك أنّه انتقل إليه ملك المورّث ولم يكن متميّزا بل‬
‫مختلطا بملك غيره وهو البائع مثلً ‪ ،‬فثبت له الخيار لتعيين ملكه وإفرازه عن ملك غيره ‪.‬‬

‫خيار تفرّق الصّفقة *‬


‫التّعريف ‪:‬‬
‫‪ - 1‬الصّفقة في اللّغة ‪ :‬اسم المرّة من الصّفق وهو الضّرب باليد على يد أخرى أو على يد‬
‫آخر عند البيع أو البيعة ‪ .‬وكانت العرب إذا وجب البيع ضرب أحد المتبايعين يده على يد‬
‫صاحبه ‪ ،‬فمن هنا استعملت الصّفقة بمعنى عقد البيع نفسه ‪ ،‬يقال ‪ :‬بارك اللّه لك في صفقة‬
‫ت أو بيع بخيار ‪.‬‬
‫يمينك ‪ ،‬ومنه قول عمر رضي ال عنه ‪ :‬البيع صفقة أو خيار ‪ ،‬أي بيع با ّ‬
‫ن معناه ‪ -‬أو معانيه ‪ -‬كلّها‬
‫هذا عن الصّفقة ‪ ،‬أمّا التّفريق فل يحتاج إلى التّفسير اللّغويّ ل ّ‬
‫مستعملة مفهومة ويهمّنا منها المعنى النّاشئ عن إضافة لفظ " تفريق " إلى " الصّفقة " وهو‬
‫ي لهذا المركّب الضافيّ ‪.‬‬
‫متّحد مع المعنى الشّرع ّ‬
‫ومعنى تفريق الصّفقة في الصطلح أن ل يتناول حكم العقد جميع المعقود عليه ‪ ،‬أو يتناوله‬
‫ثمّ ينحسر عنه ‪ .‬فتكون الصّفقة الواحدة المجتمعة قد تفرّقت أو تبعّضت أو تجزّأت وبكلّ هذه‬
‫المترادفات يعبّر الفقهاء فيسمّونه " تفرّق الصّفقة " أو " تبعيضها " أو " تجزّؤها " ‪.‬‬
‫اللفاظ ذات الصّلة ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬تعدّد الصّفقة ‪:‬‬
‫ل في صفقة واحدة ‪ ،‬وتمييز الصّفقة عن الصّفقتين يستبهم أحيانا‬
‫‪ - 2‬التّفريق ل يتصوّر إ ّ‬
‫ل سيّما في حال الجمع بين سلعتين أو أكثر في عقد واحد ‪ ،‬إذ ليس التّعويل على الصّورة‬
‫الظّاهرة ‪ ،‬بل على حقيقة التّعدّد بالعتبار الشّرعيّ ‪ ،‬وقد اعتنى الشّافعيّة ببيان ضابط اتّحاد‬
‫الصّفقة أو تعدّدها ‪ .‬فالصّفقة تتعدّد بتفصيل الثّمن على شيئين بيعا معا ‪ ،‬عند اليجاب من‬
‫المبتدئ بالعقد ‪ ،‬ول يشترط أن يتكرّر التّفصيل في القبول ‪ ،‬على الصحّ ‪ ،‬وكذلك تتعدّد‬
‫الصّفقة بتعدّد العاقد مطلقا ‪ ،‬بائعا كان أو مشتريا ‪ ،‬ومثال تعدّدها بتعدّد البائع قول اثنين لواحد‬
‫‪ :‬بعناك هذا بكذا ‪ -‬والمبيع مشترك بينهما ‪ -‬فقبل المشتري فيهما ‪ ،‬فهما صفقتان ‪ ،‬وله ردّ‬
‫نصيب أحدهما بالعيب مثلً ‪ .‬ومثال تعدّدها بتعدّد المشتري أن يقول لثنين ‪ :‬بعتكما هذا بكذا‬
‫‪ .‬أو يقول اثنان لواحد ‪ :‬اشترينا منك هذا بكذا ‪.‬‬
‫فالتّفريق المستوجب خيارا هو ما يقع في صفقة واحدة أي في صفقة لم يتعدّد عاقدها من بائع‬
‫أو مشتر ‪ ،‬ول فصّل فيها الثّمن على المعقود عليه المتعدّد ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬البيعتان في بيعة ‪:‬‬
‫‪ - 3‬المراد بالبيعتين في بيعة ‪ :‬هو جمع بيعتين في عقد واحد ‪ ،‬وتسمية ذلك العقد بيعتين‬
‫باعتبار تعدّد الثّمن ‪ .‬وقد اختلف العلماء في صورتها وبيان أحكامها على أقوال تنظر في‬
‫مصطلح ‪ ( :‬بيعتان في بيعة ) ‪.‬‬
‫تقسيم وأحكام موجزة ‪:‬‬
‫‪ - 4‬تعرّض فقهاء الحنفيّة لتفرّق الصّفقة توصّلً لحالة هلك بعض المبيع فحسب ‪ ،‬حين‬
‫عدّدوا الخيارات ‪ ،‬فلم يفردوه باسم الخيار بل قرنوا التّفرّق بتلك الحالة ‪.‬‬
‫ثمّ استعرضوا أحكام تفرّق الصّفقة في ردّ المعيب باستقصاء دون أن يجعلوا منه خيارا ‪ ،‬بل‬
‫رأوه عيبا يلزم عن ردّ بعض المبيع المعيب ويجب حماية البائع من تحمّله ‪.‬‬
‫ن الحنفيّة اختلفوا بحالة الستحقاق وتناولوا أحكامه في كتاب البيوع ‪.‬‬
‫ولك ّ‬
‫وقد قسّم بعض فقهاء الشّافعيّة تعدّد الصّفقة إلى ثلثة أقسام ‪ :‬في البتداء ‪ ،‬أو في الدّوام ‪ ،‬أو‬
‫في اختلف الحكام ‪ .‬والّذي في البتداء كلّه ذو سبب شرعيّ ‪ ،‬وعكسه الّذي في الدّوام فسببه‬
‫حسّيّ ‪ .‬والتّقسيم بحسب السّبب أليق لقيام الخيارات بطريقين ‪ ،‬إراديّ وحكميّ ولكثرة تسمية‬
‫الخيارات بأسبابها ‪ .‬أمّا القسم الثّالث الّذي دعوه " الختلف في الحكام " ومثّلوا له بالجمع‬
‫بين عقدين ‪ :‬بيع وإجارة ‪ ،‬أو إجارة وسلم ‪ ،‬فالواقع أنّه ليس قسمًا برأسه بل هو تقسيم داخليّ‬
‫للتّفريق في البتداء ‪ .‬ولذا لم يبرزه ابن حجر كقسم ثالث بل أورده بصورة مسائل ‪ ،‬ولم‬
‫يدرك الشّروانيّ مراده فنبّه في حاشيته على أنّه ثالث القسام ‪.‬‬
‫ذكر الحنابلة صورا ثلثا للصّفقة بالنّظر إلى وحدة مشتملتها وتعدّدها ول صلة لتفرّق‬
‫الصّفقة بالصّورة الولى ‪ ،‬الّتي هي بيع معلوم ومجهول ‪ ،‬أمّا الصّورتان الخريان فهما ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬بيع الجميع فيما يملك بعضه ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬بيع المتقوّم مع غير متقوّم ‪ .‬وهاتان الصّورتان أحكامهما واحدة من حيث ثبوت الخيار‬
‫للمشتري ‪ ،‬ولذا لوحظ أحيانا جمعهما تحت عنوان واحد عند غير الحنابلة ‪ ،‬يعبّر عنه أحيانا‪:‬‬
‫" باشتمال الصّفقة على شيئين ممّا ل ينقسم الثّمن عليهما بالجزاء " ‪.‬‬
‫والمثالن المهمّان هما ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬بيع ملكه وملك غيره ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬بيع خلّ وخمر ‪ ،‬ونحوهما ‪.‬‬
‫ح العقد عليه فهو باطل أو موقوف على إجازة المالك ‪ ،‬وأمّا الباقي ففيه روايتان‬
‫أمّا ما ل يص ّ‬
‫لدى الحنابلة وقولن للشّافعيّ ‪ ،‬واختلف الشّافعيّة كم يلزم المشتري من الثّمن إن أجاز العقد ‪،‬‬
‫أصحّهما حصّة المملوك فقط إذا وزّع القيمتين وأثبتوا له الخيار إن صحّحوا العقد ‪ .‬وقال أبو‬
‫صحّة في ملكه ‪ ،‬والتّوقّف في الباقي على الجازة ‪.‬‬
‫حنيفة ومالك بال ّ‬
‫قال ابن قدامة ‪ :‬والقول بالفساد في هذا القسم إن شاء اللّه أظهر ‪ .‬والحكم في الرّهن والهبة‬
‫وسائر العقود إذا جمعت ما يجوز وما ل يجوز كالحكم في البيع ‪ ،‬إلّ أنّ الظّاهر فيها‬
‫صحّة‪ ،‬لنّها ليست عقود معاوضة ‪ ،‬فل توجد جهالة العوض فيها ‪.‬‬
‫ال ّ‬
‫صحّة ‪ ،‬إذا كان المشتري عالما بالحال فل خيار له ‪ ،‬وإن لم يعلم‬
‫ثمّ ذكر أنّه على القول بال ّ‬
‫فله الخيار بين الفسخ والمساك ‪ .‬وليس للبائع خيار لنّه رضي بزوال ملكه عمّا يجوز بيعه‬
‫ن المشتري دخل على بصيرة ‪ ،‬أمّا في حال‬
‫بقسطه ‪ .‬وجه انتفاء الخيار في حال العلم أ ّ‬
‫ن الصّفقة تبعّضت عليه " ‪.‬‬
‫الجهل فالسّبب للخيار قائم " ل ّ‬
‫ثمّ الخيار بين ال ّردّ ‪ ،‬أو المساك بل أرش ‪ ،‬إلّ إذا كان التّفريق ينقص القسم الباقي من‬
‫الصّفقة بأن تقلّ قيمته بالبيع منفردا كمصراعي باب وزوجي خفّ ‪.‬‬
‫وأحيانا أخرى باشتمال الصّفقة على شيئين ممّا ينقسم الثّمن عليهما بالجزاء ‪ ،‬كدابّة‬
‫صحّة في ملكه فقط بقسطه من الثّمن والفساد‬
‫مشتركة ‪ ،‬وفيه عند الحنابلة وجهان ‪ :‬أحدهما ال ّ‬
‫فيما ل يملكه ‪ ،‬وهو مذهب أبي حنيفة ومالك وقول للشّافعيّ ‪ .‬والثّاني ‪ -‬وهو قول آخر‬
‫صحّة فيهما ‪ .‬قال ابن قدامة ‪ :‬والولى أنّه يصحّ فيما يملكه ‪.‬‬
‫للشّافعيّ ‪ -‬عدم ال ّ‬
‫ن الصّفقة إذا لم‬
‫ومستند فساد الصّفقة كلّها ‪ :‬أنّها جمعت حللً وحراما فغلب التّحريم ‪ ،‬ل ّ‬
‫ل‪.‬‬
‫يمكن تصحيحها في جميع المعقود عليه بطلت في الك ّ‬
‫ل واحد منهما له حكم لو كان منفردا فإذا جمع بينهما ثبت‬
‫نكّ‬
‫صحّة في الجزء ‪ :‬أ ّ‬
‫ومستند ال ّ‬
‫لكلّ واحد منهما حكمه ‪ ،‬ولنّ جائز العقد عليه منهما قد صدر فيه البيع من أهله في محلّه‬
‫بشرطه فصحّ ‪ ،‬والبيع سبب اقتضى الحكم في محلّين وامتنع حكمه في أحدهما فيصحّ في‬
‫الخر ‪.‬‬
‫موجب خيارات تفريق الصّفقة ‪:‬‬
‫‪ - 5‬ينحصر استعمال الخيار في الجازة والفسخ ‪ ،‬فينظر اختياره ‪ ،‬فإن اختار الفسخ فل‬
‫إشكال في استرداده الثّمن كلّه ‪ ،‬أمّا إذا اختار إمضاء العقد في الباقي فكم يدفع ؟ هل كلّ‬
‫الثّمن ‪ -‬وفيه قول للشّافعيّة ‪ -‬بناءً على إلحاق الطّارئ بالمقارن ‪.‬‬
‫ن العوض‬
‫ح عندهم ‪ -‬ل ّ‬
‫أم يلزمه قسط الباقي من الثّمن ‪ -‬وهو القول الثّاني للشّافعيّة والص ّ‬
‫هنا قد قابل المبيعين " أو جملة المبيع الواحد " مقابل ًة صحيح ًة حال العقد وانقسم العوض‬
‫عليهما فل يتغيّر بهلك بعضه أو استحقاقه ‪.‬‬
‫وينشأ تفرّق الصّفقة المستوجب خيارا ‪ -‬في كثير من الحيان ‪ -‬عن خيار العيب ‪ ،‬وعندما‬
‫ن الشّارع يمنع ذلك تفاديا لتفرّق‬
‫يؤثر المشتري أن يردّ المعيب خاصّةً بحصّته من الثّمن ‪ .‬لك ّ‬
‫الصّفقة ‪ .‬وقد فصّل الكاسانيّ الحالت الّتي ينشأ عن ال ّردّ للمعيب فيها تفريق الصّفقة ‪ ،‬وبيّن‬
‫ن حكمها جميعها المنع باستثناء حالة واحدة هي ما لو كان المبيع أشياء حقيقةً وتقديرا فله أن‬
‫أّ‬
‫يردّ المعيب خاصّ ًة بحصّته من الثّمن عند الحنفيّة إلّ زفر ‪.‬‬
‫‪ -‬ولتفريق الصّفقة صور مختلفة ‪ ،‬لكنّ طابع الخيارات يبرز في صورتين ‪ ،‬هما ‪ :‬صورة‬ ‫‪6‬‬

‫الستحقاق الجزئ يّ للمعقود عليه " وفي حكمه ‪ :‬انفساخ العقد في أحد شيئين قبل القبض " ‪.‬‬
‫ي للمعقود عل يه ‪ " ،‬و من صوره انقطاع ب عض الم سلم ف يه ع ند محلّ‬
‫و صورة الهلك الجزئ ّ‬
‫الجل " ‪.‬‬
‫أوّلً ‪ :‬خيار الستحقاق الجزئيّ ‪:‬‬
‫‪ - 7‬الستحقاق في عقد البيع هو ظهور كون المبيع حقّا واجبا للغير ‪ ،‬وهو استحقاق كّليّ أو‬
‫جزئيّ ‪ .‬فالستحقاق الكّليّ " وهو الّذي يتعلّق بالمبيع كلّه " يجعل العقد موقوفا على إجازة‬
‫ل موقوفا إلى أن‬
‫المستحقّ ‪ ،‬ول ينفسخ العقد بظهور الستحقاق ول بالقضاء به ‪ ،‬بل يظ ّ‬
‫ق بعدما قضي له ‪ ،‬أو بعدما قبضه‬
‫يرجع المشتري على بائعه بالثّمن ‪ ،‬بحيث لو أجاز المستح ّ‬
‫قبل أن يرجع المشتري على بائعه يصحّ ‪ ،‬على ما حقّقه ابن الهمام ‪.‬‬
‫أمّا الستحقاق الجزئيّ فهو ما يقع على بعض المبيع ‪ ،‬سواء ظهر الستحقاق بعد القبض ‪ ،‬أو‬
‫قبله ‪ ،‬أو بعد قبض بعضه ‪ ،‬ول فرق في كون المستحقّ هو الجزء المقبوض أو غيره ‪ .‬ذهب‬
‫ق بعض‬
‫ن الستحقاق الجزئيّ إمّا أن يظهر قبل القبض ‪ ،‬وإمّا بعده ‪ :‬فإذا استح ّ‬
‫الحنفيّة إلى أ ّ‬
‫ل ‪ ،‬فل عبرة بقبض بعض المبيع فهو كما لو لم‬
‫المعقود عليه قبل القبض ‪ -‬والمراد قبض الك ّ‬
‫يقبض ‪ -‬فحكم ذلك البعض المستحقّ أنّه موقوف ‪ ،‬فإذا لم يجز المستحقّ فللمشتري الرّجوع‬
‫على البائع بثمنه ‪ ،‬وحينئذ يبطل العقد في ذلك البعض ‪ ،‬أمّا الباقي فللمشتري فيه الخيار ‪ :‬إن‬
‫شاء رضي به بحصّته من الثّمن ‪ .‬وإن شاء ردّه ‪ ،‬سواء كان استحقاق ما استحقّ يوجب‬
‫العيب في الباقي أو ل يوجب ‪.‬‬
‫ن ذلك القدر لم يكن ملك‬
‫والوجه في بطلن العقد في بعض السّلعة المستحقّة ‪ :‬التّبيّن من أ ّ‬
‫البائع ‪ ،‬ولمّا لم توجد الجازة من المالك ‪ -‬وتله استرجاع المشتري للثّمن ‪ -‬انفسخ العقد في‬
‫ذلك البعض ‪ .‬أمّا ثبوت الخيار في الباقي فلتفرّق الصّفقة على المشتري قبل التّمام ‪ ،‬وتمام‬
‫الصّفقة بعد الرّضا بالقبض ‪ -‬وهو لم يحصل ‪ -‬فكان ظهور الستحقاق قبل القبض مفرّقا‬
‫للصّفقة قبل تمامها فله خيار الرّدّ ‪.‬‬
‫وإذا ظهر الستحقاق الجزئيّ بعد القبض ‪ ،‬كان حكم الجزء المستحقّ مماثلً لما سبق ‪ ،‬وأمّا‬
‫الباقي فيفترق حكمه بحسب كون المبيع يتعيّب بالستحقاق أو ل ‪.‬‬
‫فإن كان المبيع من القيميّات ‪ ،‬وكان شيئا واحدا حقيق ًة وتقديرا ‪ ،‬كالدّار والكرم والثّوب‬
‫ونحوها ‪ ،‬أو كان شيئين من حيث الصّورة وهو واحد من حيث المعنى ‪ ،‬كمصراعي الباب‬
‫ن الستحقاق أوجب عيبا في‬
‫ن استحقاق البعض يقتضي الخيار في الباقي ‪ ،‬ل ّ‬
‫ونحوه ‪ ،‬فإ ّ‬
‫الباقي ‪ ،‬هو عيب الشّركة في العيان ‪.‬‬
‫أمّا إن كان المعقود عليه شيئين صور ًة ومعنىً كالدّارين أو الثّوبين ‪ ،‬أو كان من المكيلت أو‬
‫ن استحقاق البعض ل يوجب للمشتري خيارا‬
‫ي فإ ّ‬
‫الموزونات ‪ ،‬كصبرة قمح ‪ ،‬أو جملة وزن ّ‬
‫بل يلزمه أخذ الباقي بحصّته من الثّمن ‪ ،‬لنّه ل ضرر في التّبعيض ‪.‬‬
‫وهناك رواية عن أبي حنيفة بأنّ له ال ّردّ ‪ ،‬دفعا لضرر مؤنة القسمة ‪.‬‬
‫أمّا عند الشّافعيّة ‪ ،‬فقد ذكر ابن حجر صورتها في قوله ‪ " :‬إنسان اشترى من آخر أرضا‬
‫مشتمل ًة على نخل ‪ ،‬ثمّ تقايل ‪ ،‬ثمّ ادّعى البائع بطلن القالة ‪ ،‬وحكم له الحاكم الشّرعيّ بذلك‬
‫بشرطه ‪ ،‬ثمّ بعد ذلك ظهر أنّ من الرض المذكورة مغرس نخلة من النّخل المذكور مملوكا‬
‫لغير البائع حين البيع ‪ .‬فهل يتخيّر المشتري حينئذ بها ‪ ،‬وإذا قلتم نعم ‪ ،‬فهل يمنع خياره بملك‬
‫البائع المغرس المذكور وإعطائها له ‪ ،‬أو إعطاء مستحقّها إيّاها للمشتري ‪ ،‬أو ل ؟ " وذهب‬
‫ن المشتري يتخيّر بذلك ‪ ،‬لتفريق الصّفقة عليه ‪.‬‬
‫إلى أ ّ‬
‫ولو أراد مالك المغرس " غير البائع " هبته للمشتري ل يسقط بذلك خياره ‪ .‬وهو ظاهر ‪ ،‬أمّا‬
‫الخفيّ فهو ما إذا ملك البائع ذلك المغرس ‪ ،‬ولمّا علم ثبوت الخيار للمشتري وهبه له ‪ -‬أو‬
‫أعرض عنه ‪ -‬فهذا يتردّد فيه النّظر ‪ .‬وعلى هذا دللت من نصوص الفقهاء ‪.‬‬
‫ثانيا ‪ :‬خيار الهلك الجزئيّ ‪:‬‬
‫‪ - 8‬في الهلك الجزئيّ للمعقود عليه ‪ ،‬قبل القبض يثبت للمشتري الخيار بين المضاء وال ّردّ‬
‫‪ ،‬لتفرّق الصّفقة عليه ‪.‬‬
‫وهذا أمر مشترك بين حالت الهلك المتنوّعة بالنّظر إلى السّبب ‪ ،‬ثمّ تختلف كيفيّة المضاء‬
‫" بعد استبعاد حالة هلكه بفعل أجنبيّ حيث يستوي حكمها وحكم الهلك الكّليّ من التّخيير‬
‫ي والبائع " والتّفاوت في الحكم‬
‫بين المضاء وتضمين المتعدّي أو الفسخ والتّخلية بين الجنب ّ‬
‫ذو حالتين ‪ :‬الهلك بفعل البائع ‪ ،‬وفيها يسقط من الثّمن قدر النّقص ‪ ،‬سواء كان نقص قدر ‪،‬‬
‫أو نقصان وصف ‪ .‬والهلك بسبب سماويّ ‪ ،‬أو بفعل المعقود عليه حيث يتصوّر منه ذلك ‪.‬‬
‫فمع ثبوت الخيار ‪ ،‬يطرح من الثّمن حصّة الفائت إن كان النّقص في القدر ‪ .‬أمّا إن كان‬
‫نقصان وصف فل يسقط شيء من الثّمن " والمراد بالوصف ما يدخل تحت البيع بل ذكر‬
‫كالشجار والبناء في الرض ‪ ،‬والطراف في الحيوان ‪ ،‬والجودة في الكيليّ والوزنيّ " ‪.‬‬
‫أمّا الشّافعيّة فقد نصّوا على أنّه إذا تلف أحد الشّيئين المعقود عليهما صفقةً واحد ًة ‪ ،‬قبل‬
‫القبض ‪ ،‬يفسخ العقد في التّالف بل خلف ‪ .‬أمّا في الباقي فلهم فيه طريقان ‪ :‬أحدهما أنّه‬
‫ن ما يحدث قبل القبض كالموجود في حال العقد‬
‫على الخلف فيمن باع ملكه وملك غيره ‪ ،‬ل ّ‬
‫في إبطال العقد ‪ ،‬وأصحّهما القطع بأنّه ل ينفسخ لعدم علّتي الفساد هناك ‪.‬‬
‫فإذا قيل بعدم انفساخ العقد فللمشتري الخيار في الفسخ في الباقي ‪ ،‬لتفرّق الصّفقة عليه ‪،‬‬
‫ل قسط الباقي ‪ ،‬لنّ العوض هنا قابل المبيعين مقابلةً صحيحةً حال‬
‫ح أنّه ل يلزمه إ ّ‬
‫والص ّ‬
‫العقد وانقسم العوض عليهما فل يتغيّر بهلك بعضه ‪.‬‬
‫هذا إذا كان المقبوض باقيا في يد المشتري ‪ ،‬فإن تلف في يده ث ّم تلف الخر في يد البائع ففي‬
‫النفساخ في المقبوض خلف مرتّب على الصّورة السّابقة ‪ ،‬وأولى بعدم النفساخ لتلفه في‬
‫ضمان المشتري ‪ .‬وإذا قيل بعدم النفساخ ‪ ،‬فهل له الفسخ ؟ فيه وجهان ‪ :‬أحدهما نعم ‪ ،‬ويردّ‬
‫قيمته ويستر ّد الثّمن إن كان سلّمه ‪ ،‬وأصحّهما ل ‪ ،‬بل عليه حصّته من الثّمن ‪.‬‬
‫وقد علّل الشّافعيّة حجب الخيار عن البائع بأنّه لم يلحقه نقص فيما يخصّ ملكه ‪.‬‬
‫وممّا له حكم تلف بعض الصّفقة ‪ ،‬ما لو انقطع بعض المسلم فيه عند المحلّ ‪ ،‬وكان الباقي‬
‫مقبوضا أو غير مقبوض ‪ ،‬قال النّوويّ ‪ :‬فإذا قلنا ‪ :‬لو انقطع الجميع لم ينفسخ العقد كان‬
‫المسلم بالخيار ‪ :‬إن شاء فسخ العقد في الجميع وإن شاء أجازه في الجميع ‪ .‬وهل له الفسخ‬
‫في القدر المنقطع والجازة في الباقي ؟ فيه قولن ‪.‬‬

‫خيار التّفليس *‬
‫انظر ‪ :‬إفلس ‪.‬‬

‫خيار تلقّي الرّكبان *‬


‫انظر ‪ :‬بيع منهيّ عنه ‪.‬‬

‫خيار التّولية *‬
‫انظر ‪ :‬تولية ‪.‬‬

‫خيار الرّؤية *‬
‫التّعريف ‪:‬‬
‫‪ - 1‬سبق تعريف الخيار لغ ًة في مصطلح ‪ " :‬خيار " بوجه عامّ ‪.‬‬
‫أمّا لفظ " الرّؤية " من المركّب الضافيّ " خيار الرّؤية " فهو مصدر لفعل رأى يرى ومعناه‬
‫لغ ًة ‪ :‬النّظر بالعين وبالقلب ‪.‬‬
‫أمّا خيار الرّؤية اصطلحا ‪ :‬فهو حقّ يثبت به للمتملّك الفسخ ‪ ،‬أو المضاء عند رؤية محلّ‬
‫العقد المعيّن الّذي عقد عليه ولم يره ‪ ،‬والضافة في خيار الرّؤية من إضافة السّبب إلى‬
‫المسبّب أي خيار سببه الرّؤية ‪.‬‬
‫وخيار الرّؤية يثبت بحكم الشّرع نظرًا للعاقد الّذي أقدم على شراء ما لم يره ‪ ،‬فربّما ل يكون‬
‫موافقا له ‪ ،‬فقد أباح له الشّارع ممارسة حقّ الخيار بين فسخه أو الستمرار فيه ‪ ،‬وهكذا ل‬
‫ل المالكيّة فهو عندهم خيار إراديّ‬
‫يحتاج خيار الرّؤية إلى اشتراط عند جمهور القائلين به ‪ ،‬إ ّ‬
‫يشترط في بيع الغائب أحيانا تصحيحا له ‪.‬‬
‫وخيار الرّؤية ‪ -‬بالرّغم من سلكه في عداد خيارات الجهالة ‪ -‬هو من الخيارات الّتي يراد بها‬
‫إتاحة المجال للعاقد ليتروّى وينظر هل المبيع صالح لحاجته أم ل ؟‬
‫خيار الرّؤية والمذاهب فيه ‪:‬‬
‫‪ - 2‬القول بخيار الرّؤية إيجابًا أو نفيًا مرتبط كلّ الرتباط ببيع الشّيء الغائب صحّةً وفسادا‪.‬‬
‫ومن الضّروريّ التّعجيل ببيان المراد بالغيبة في قولهم " العين الغائبة " فالمراد خصوص‬
‫غيبتها عن البصر بحيث لم تجر رؤيتها عند العقد ‪ .‬سواء أكانت غائبةً أيضا عن مجلس العقد‬
‫أو حاضر ًة فيه لكنّها مستورةً عن عين العاقد ‪ ،‬فهي تسمّى غائب ًة في كلتا الحالين ‪ ،‬ويستوي‬
‫في غيابها عن المجلس أن تكون في البلد نفسه أو في بلد آخر من حيث مفهوم الغيبة وإن‬
‫اختلف الحكم أحيانا ‪.‬‬
‫فالغائب هنا هو غير المرئيّ ‪ ،‬إمّا لعدم حضوره ‪ ،‬وإمّا لنتفاء رؤيته بالرّغم من حضوره ‪،‬‬
‫فليس كلّ حاضر مرئيّا ‪ ،‬فقد يكون حاضرا غير مرئيّ ‪.‬‬
‫مشروعيّة بيع الغائب ‪:‬‬
‫‪ - 3‬بيع الغائب مع الوصف صحيح عند الجمهور في الجملة وينظر التّفصيل في مصطلح ‪:‬‬
‫( بيع ف ‪ 43 /‬و ‪ ، 44‬ج ‪. ) 23 / 9‬‬
‫مشروعيّة خيار الرّؤية ‪:‬‬
‫‪ - 4‬اختلف الفقهاء في مشروعيّة خيار الرّؤية على ثلثة أقوال ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬إثبات خيار الرّؤية ‪ ،‬بحكم الشّرع ‪ -‬دون حاجة إلى اتّفاق الرادتين عليه ‪ -‬وتمكين‬
‫العاقد بموجبه من الفسخ أو المضاء على سبيل التّروّي ‪ ،‬ولو كان ما اشتراه موافقا لما‬
‫وصف له عند العقد ‪ .‬وهذا ما ذهب إليه الحنفيّة ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬القول بخيار رؤية يشترطه المشتري في بيع ما لم يره ليصحّ عقده ‪ ،‬وهو ل يثبت بحكم‬
‫ي محض يجب على العاقد اشتراطه في بعض صور بيع الغائب وبدونه‬
‫الشّرع بل هو إراد ّ‬
‫يفسد العقد ‪ ،‬وهذا تحقيق ما ذهب إليه المالكيّة ‪.‬‬
‫ج ‪ -‬نفي خيار الرّؤية مطلقا ‪ ،‬وهو القول الجديد المعتبر في مذهب الشّافعيّة ‪ ،‬وأشهر‬
‫الرّوايتين في مذهب أحمد ‪.‬‬
‫أدلّة الحنفيّة ومن معهم ‪:‬‬
‫ج الحنفيّة بقوله تعالى ‪َ { :‬أحَلّ اللّهُ البَيعَ } ‪ .‬وهذا على عمومه ‪ ،‬فيشمل بيع العين‬
‫‪ - 5‬احت ّ‬
‫الغائبة ‪ ،‬ول يخرج منه إلّ بيع منعه كتاب أو سنّة أو إجماع ‪.‬‬
‫وبقوله صلى ال عليه وسلم ‪ « :‬من اشترى شيئا لم يره فهو بالخيار إذا رآه » ‪.‬‬
‫وقد جاء من رواية مكحول مرسلً بلفظه وزيادة ‪ « :‬إن شاء أخذه ‪ ،‬وإن شاء تركه » ‪.‬‬
‫ن طلحة‬
‫ومن الثار المرويّة عن الصّحابة ما أخرجه الطّحاويّ عن علقمة بن وقّاص اللّيثيّ أ ّ‬
‫بن عبيد اللّه اشترى من عثمان بن عفّان مالً ‪ ،‬فقيل لعثمان ‪ :‬إنّك قد غبنت ‪ -‬وكان المال‬
‫بالكوفة لم يره عثمان حين ملكه ‪ -‬فقال عثمان ‪ :‬لي الخيار لنّي بعت ما لم أر ‪ .‬فقال طلحة‬
‫‪ :‬لي الخيار ‪ ،‬لنّي اشتريت ما لم أر ‪ ،‬فحكّما بينهما جبير بن مطعم فقضى أنّ الخيار لطلحة‬
‫ول خيار لعثمان ‪.‬‬
‫واستدلّوا به من المعقول ‪ :‬بالقياس على النّكاح ‪ ،‬فإنّه ل يشترط رؤية الزّوجين بالجماع ‪،‬‬
‫والقياس على بيع ما له صواني كال ّرمّان والجوز ‪.‬‬
‫دليل المانعين ‪:‬‬
‫ح كما سبق ‪.‬‬
‫‪ - 6‬ودليل من لم يقل بخيار الرّؤية أنّ بيع الغائب أصلً ل يص ّ‬
‫وأمّا المالكيّة فخيار الرّؤية عندهم هو أشبه بخيار الشّرط ‪ ،‬لنّه يجب على العاقد اشتراطه‬
‫ليصحّ بيع الغائب ‪.‬‬
‫سبب ثبوت الخيار ‪:‬‬
‫‪ - 7‬إنّ سبب ثبوت هذا الخيار هو عدم الرّؤية ‪ ،‬كما يدلّ على ذلك الحديث ‪ ،‬واسمه ‪،‬‬
‫ن سببه هو الرّؤية نفسها ‪ ،‬فالضافة إلى الرّؤية هي من إضافة‬
‫وتعريفه ‪ ،‬وقال آخرون ‪ :‬إ ّ‬
‫ح أن تكون من إضافة الشّيء إلى شرطه كما ذهب إليه بعض‬
‫الشّيء إلى سببه " ويص ّ‬
‫المصنّفين " ‪ .‬ول ينبني على هذا الختلف كبير فائدة ‪.‬‬
‫المراد بالرّؤية ‪:‬‬
‫ل العقد ‪ ،‬سواء أكان‬
‫‪ - 8‬المراد بالرّؤية في هذا المجال ‪ :‬العلم بالمقصود الصليّ من مح ّ‬
‫ذلك العلم يحصل بالرّؤية البصريّة أو بأيّ حاسّة من الحواسّ ‪ ،‬كاللّمس ‪ ،‬والجسّ ‪ ،‬أو الذّوق‬
‫شمّ ‪ ،‬أو السّمع ‪ .‬فهو في كلّ شيء بحسبه ‪.‬‬
‫‪ ،‬أو ال ّ‬
‫وفي رؤية ما سبيل العلم به الرّؤية ل يشترط رؤية جميعه ‪ ،‬بل يكفي رؤية ما يدلّ على العلم‬
‫بالمقصود ‪ ،‬ويختلف ذلك بين كون المحلّ شيئا واحدا ‪،‬أو أشياء ل تتفاوت آحادها كالمثليّات‪.‬‬
‫ل على العلم بالمقصود ‪ ،‬وله أمثلة كثيرة في كتب الفقه‪.‬‬
‫ففي الشّيء الواحد يعتبر رؤية ما يد ّ‬
‫الرّؤية في المثليّات ‪:‬‬
‫ل المعقود عليه إمّا مثليّ وإمّا قيميّ ‪ ،‬وتختلف الرّؤية المعتبرة ‪ -‬أو الطّلع والعلم‬
‫‪ - 9‬المح ّ‬
‫‪ -‬في أحدهما عن الخر ‪.‬‬
‫ي هنا ما كان معيّنا من المثليّات ‪ ،‬لنّه بمنزلة العيان ‪ ،‬أمّا إذا كان موصوفا‬
‫والمراد بالمثل ّ‬
‫في ال ّذمّة فهو دين ول يجري في العقد عليه خيار الرّؤية لنّه مختصّ بالعيان ‪.‬‬
‫الرّؤية في القيميّات ‪:‬‬
‫‪ - 10‬القيميّات أو الشياء غير المثليّة ويطلق عليها ‪ :‬العدديّات المتفاوتة ‪ ،‬كالدّوابّ ‪،‬‬
‫والراضي ‪ ،‬والثّياب المتفاوتة ‪ ،‬ونحو ذلك ‪ ،‬ل ب ّد فيها من رؤية ما يدلّ على المقصود من‬
‫الشّيء الواحد ‪ ،‬أو رؤية ذلك من كلّ واحد منها إذا كان المبيع أكثر من واحد من تلك الشياء‬
‫المتفاوتة ‪ ،‬كعدّة دوابّ مثلً ‪ ،‬لنّ رؤية البعض ل تعرّف الباقي للتّفاوت في آحاده ‪.‬‬
‫صور خاصّة من الرّؤية ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬الرّؤية من خلف زجاج ‪ :‬ل تكفي عند أبي حنيفة حتّى يرى ما فيه أو ما خلفه دون حائل‬
‫‪ ،‬وعن محمّد أنّه يكفي ‪ ،‬لنّ الزّجاج ل يخفي صورة المرئيّ ‪ ،‬وروى هشام أنّ قول محمّد‬
‫موافق لقول أبي حنيفة ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬الرّؤية لما هو في الماء ‪ :‬كسمك " يمكن أخذه من غير اصطياد " قال بعضهم ‪ :‬يسقط‬
‫ن المبيع ل يرى‬
‫خياره ‪ ،‬لنّه رأى عين المبيع ‪ ،‬وقال بعضهم ‪ :‬ل يسقط ‪ ،‬وهو الصّحيح ‪ ،‬ل ّ‬
‫في الماء على حاله بل يرى أكبر ممّا هو ‪ ،‬فهذه الرّؤية ل تعرّف المبيع ‪.‬‬
‫ج ‪ -‬الرّؤية بوساطة المرآة ‪ :‬قالوا ‪ :‬ل يسقط خياره ‪ ،‬لنّه ما رأى عينه بل مثاله ‪.‬‬
‫د ‪ -‬الرّؤية من وراء ستر رقيق ‪ :‬تعتبر رؤي ًة ‪ ،‬على ما في فتاوى قاضي خان ‪.‬‬
‫هـ ‪ -‬الرّؤية في ضوء يستر لون الشّيء ‪ :‬كرؤية ورق أبيض أو قماش ‪ ،‬في ضوء يستر‬
‫معرفة بياضه كضوء النّار ‪ ،‬ليلً أو نهارا ‪ ،‬ل تعتبر رؤي ًة مسقطةً لقيام الخيار ‪.‬‬
‫و ‪ -‬الرّؤية بالنّسبة للعمى ‪ :‬ل يثور التّساؤل فيه إلّ فيما سبيل معرفته الرّؤية بالبصر ‪ ،‬أمّا‬
‫س ‪ ،‬فهو في ذلك كالبصير ‪ ،‬أمّا ما ل بدّ من رؤيته‬
‫شمّ ‪ ،‬أو الج ّ‬
‫ما يعرف بالذّوق ‪ ،‬أو ال ّ‬
‫كالدّار ونحوها والنّموذج في المثليّات فيغني عن الرّؤية الوصف بأبلغ ما يمكن ‪ ،‬فإذا قال ‪:‬‬
‫قد رضيت ‪ ،‬سقط خياره ‪ ،‬لنّ الوصف يقام مقام الرّؤية أحيانا ‪ ،‬كالسّلم ‪ ،‬والمقصود رفع‬
‫الغبن عنه ‪ ،‬وذلك يحصل بالوصف وإن كان بالرّؤية أتمّ ‪.‬‬
‫دور العرف في تحديد الرّؤية الجزئيّة الكافية ‪:‬‬
‫‪ - 11‬تناول الفقهاء بالبيان المسهب بعض تلك الشياء القيميّة " المتفاوتة الحاد " وخاصّ ًة ما‬
‫ل منها لعتبار الخيار حاصلً عقب‬
‫تكثر الحاجة إلى تداوله ‪ ،‬فذكروا ما تكفي رؤيته من ك ّ‬
‫تلك الرّؤية المقتضبة ‪ ،‬فيعتبر حينئذ الرّضا والفسخ بعدها ‪ .‬والخلف في الرّؤية الكافية‬
‫المثبتة للخيار قد نشأ بناءً على العرف المكانيّ أو الزّمانيّ ‪ ،‬وذلك يتيح المجال لوسم جميع ما‬
‫ذكروه بهذا الميسم ‪ ،‬أي أنّه تصوير للعرف في مكان أو زمان معيّن ‪ ،‬وأنّه ل ضير في‬
‫النعتاق عن تلك القيود إذا كان العرف قد تغيّر ‪ ،‬أمّا فيما كانت العلّة في الجتزاء برؤية‬
‫بعضه مستمدّ ًة من العقل أو الوضع اللّغويّ ‪ ،‬فذلك باق لبقاء عوامل اعتباره ‪.‬‬
‫شرائط قيام خيار الرّؤية ‪:‬‬
‫ل المعقود عليه عينا ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬كون المح ّ‬
‫‪ - 12‬المراد بالعين ما ينعقد العقد على عينه ‪ ،‬ل على مثله ‪ ،‬وهو مقابل الدّين " بمعنى ما‬
‫يعيّن بالوصف ويثبت في ال ّذمّة " ‪ .‬قال ابن الهمام ‪ :‬ل يتصوّر في النّقد وسائر الدّيون خيار‬
‫رؤية ‪ ،‬لنّ العقد ينعقد على مثلها ل على عينها ‪ .‬حتّى لو باعه هذا الدّينار بهذه الدّراهم ‪،‬‬
‫لصاحب الدّينار أن يدفع غيره ‪ ،‬وكذا لصاحب الدّراهم ‪ .‬بخلف الواني والحليّ ‪.‬‬
‫والوجه فيه أنّ المعقود عليه إذا كان ممّا ل يتعيّن بالتّعيين ل ينفسخ العقد بردّه ‪ ،‬لنّه إذا لم‬
‫يتعيّن للعقد ل يتعيّن للفسخ فيبقى العقد ‪ ،‬وقيام العقد يقتضي ثبوت حقّ المطالبة بمثله ‪ ،‬فإذا‬
‫ن العقد إنّما يرد على المملوك‬
‫قبض يردّه هكذا إلى ما ل نهاية له ‪ ،‬فلم يكن ال ّردّ مفيدا ‪ ،‬ل ّ‬
‫بالعقد ‪ ،‬وما ل يتعيّن بالتّعيين ل يملك بالعقد وإنّما يملك بالقبض فل يرد عليه الفسخ ‪ .‬وكذلك‬
‫ل حاجة لخيار الرّؤية في غير العيان لنّ المقصود من البيع تحقيق الرّضا ‪ ،‬ورضاه في‬
‫بيع الدّين موكول بالوصف ‪ ،‬فإذا تحقّق الوصف حصل الرّضا وانتفى ما يقتضي ثبوت‬
‫الخيار ‪ .‬فيشترط لثبوت خيار الرّؤية أن يكون محلّ العقد " المبيع مثلً " من العيان " أي‬
‫الموال العينيّة " وهي ما تتعيّن بالتّعيين ول يحقّ لدافعها تبديلها ‪.‬‬
‫ل ما لم يكن من المثليّات ‪.‬‬
‫ومثال العيان ‪ :‬الراضي والدّوابّ وك ّ‬
‫أمّا المثليّات فبعضها أعيان وبعضها ديون ‪ ،‬بحسب تعيين العاقد لها ‪ ،‬فإذا عقد على مكيل أو‬
‫موزون معيّن بالشارة أو أيّة وسيلة تجعل العقد ينصبّ عليها دون أمثالها فهي حينئذ عين ‪،‬‬
‫ويثبت فيها خيار الرّؤية ‪ ،‬أمّا إذا قال ‪ :‬بعتك كذا من الحنطة ‪ ،‬وبيّن أوصافها ‪ ،‬فهي قد ثبتت‬
‫في ال ّذمّة ولم تقع على معيّن ‪ ،‬بالرّغم من كونها عنده لكنّه لم يعيّنها للعقد ‪.‬‬
‫وعلى هذا قال قاضي خان في فتاويه ‪ " :‬المكيل والموزون إذا كان عينا فهو بمنزلة سائر‬
‫العيان ‪ ،‬وكذا التّبر من الذّهب والفضّة والواني ‪ ،‬ول يثبت خيار الرّؤية فيما ملك دينا في‬
‫ال ّذمّة كالسّلم " أي المسلم فيه ط ‪ ،‬والدّراهم والدّنانير عينا كان أو دينا ‪ ،‬والمكيل والموزون‬
‫إذا لم يكن مع ّينًا فهو بمنزلة الدّراهم والدّنانير " ‪.‬‬
‫قال ابن الهمام ‪ :‬ومنه ‪ -‬أي العيان ‪ -‬بيع إناء من فضّة أو ذهب لنّه ليس من الثمان‬
‫الخالصة ‪ .‬وكذا رأس مال السّلم إذا كان عينا يثبت فيه خيار الرّؤية للمسلم إليه ‪ ،‬أمّا الدّراهم‬
‫والدّنانير فقد تمحّضت ديونا فهي ل تقبل التّعيين ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬كون المعقود عليه في عقد يقبل الفسخ ‪ :‬أي ينفسخ بالرّدّ ‪:‬‬
‫‪ - 13‬وذلك كالبيع ‪ ،‬فإذا ردّ المبيع انفسخ العقد ‪ ،‬وكالجارة ‪ -‬إذا ردّ العين المأجورة ‪-‬‬
‫والصّلح عن دعوى المال بردّ المال المصالح عنه ‪ ،‬والقسمة بردّ النّصيب ‪ ،‬فإنّ هذه العقود‬
‫تنفسخ بردّ محلّها فيثبت فيها خيار الرّؤية ‪ ،‬أمّا مثل المهر في عقد النّكاح ‪ ،‬أو البدل في الخلع‬
‫ن تلك العقود المشتملة عليها ل‬
‫‪ ،‬وبدل الصّلح في عقد الصّلح عن دم العمد ونحوها ‪ ،‬فإ ّ‬
‫تنفسخ بردّ هذه الموال بالرّغم من أنّها أعيان ‪.‬‬
‫ن ال ّردّ لمّا لم يوجب النفساخ بقي العقد قائما ‪ ،‬وقيامه يوجب المطالبة بالعين ل بما‬
‫ذلك أ ّ‬
‫يقابلها من القيمة ‪ .‬فلو كان له أن يردّه كان له أن يردّه أبدا ‪.‬‬
‫إذ كلّما آلت إليه عين بديلة ثبت فيها خيار رؤية ور ّد وهكذا ‪ ،‬فل ب ّد من أن يكون العقد ممّا‬
‫ينفسخ بال ّردّ ليكون لثبوت خيار الرّؤية فيه جدوى ‪.‬‬
‫ج ‪ -‬عدم الرّؤية عند العقد ‪ ،‬أو قبله ‪ ،‬مع عدم التّغيّر ‪:‬‬
‫‪ - 14‬سبب ثبوت الخيار أنّ الرّؤية السّابقة تمنع ثبوت الخيار إذا توفّر فيها أمران ‪،‬أحدهما‪:‬‬
‫عدم التّغيّر ‪ ،‬فبالتّغيّر يصير شيئًا آخر فيكون مشتريا شيئا لم يره ‪.‬‬
‫والمر الثّاني ‪ :‬ل بدّ أن يكون عالما وقت العقد أنّ ما يعقد عليه هو مرئيّه السّابق ‪ ،‬فلو لم‬
‫يعلم به كأن رأى ثوبا ثمّ اشتراه ملفوفا بساتر وهو ل يعلم أنّه ذلك الّذي رآه فله الخيار ‪ .‬لعدم‬
‫ما يوجب الحكم عليه بالرّضا ‪.‬‬
‫وسواء في الرّؤية أن تكون للمعقود عليه كلّه ‪ ،‬أو لنموذج منه ‪ ،‬أو الجزء الدّال على الكلّ ‪.‬‬
‫واشترط بعضهم في الرّؤية السّابقة أن تحصل مع قصد الشّراء حينئذ ‪ ،‬فلو رآه ل لقصد‬
‫الشّراء ثمّ اشتراه يثبت له الخيار عند هؤلء ‪.‬‬
‫وهذا القيد جاء في الفتاوى الظّهيريّة وجامع الفصولين مصدّرا بلفظ " قيل " ‪ -‬وهي صيغة‬
‫تمريض ‪ -‬لكنّ ابن نجيم في البحر قال عقبه ‪ " :‬ووجهه ظاهر ‪ ،‬لنّه ل يتأمّل التّأمّل المفيد "‬
‫ن ذلك لم يرق‬
‫ثمّ قال الحصكفيّ صاحب ال ّدرّ المختار ‪ " :‬ولقوّة مدركه عوّلنا عليه " غير أ ّ‬
‫للخير الرّمليّ والمقدسيّ ‪ ،‬كما ذكر ابن عابدين ‪ ،‬بحجّة أنّه خلف الظّاهر من الرّواية ‪ ،‬وأنّه‬
‫مناف لطلقاتهم ‪ .‬واعتبار عدم رؤية المعقود عليه شرطا لقيام الخيار ‪ ،‬هو ما جرى عليه‬
‫الكاسانيّ ‪ -‬وهو شديد الوضوح في ظاهره ‪ -‬لكن للكمال بن الهمام عبارة توهم خلفه وهي‬
‫قوله في تحليل لفظ ‪ " :‬خيار الرّؤية " ‪ :‬الضافة من قبيل إضافة الشّيء إلى شرطه ‪ ،‬لنّ‬
‫الرّؤية شرط ثبوت الخيار ‪ ،‬وعدم الرّؤية هو السّبب لثبوت الخيار عند الرّؤية ‪.‬‬
‫فهو قد اعتبر الرّؤية شرطا ‪ ،‬وعند الكاسانيّ الشّرط عكسه ‪ :‬عدم الرّؤية ‪.‬‬
‫د ‪ -‬رؤية المعقود عليه ‪ ،‬أو ما هو بمنزلتها بعد العقد ‪:‬‬
‫ص على ذلك‬
‫ن الرّؤية شرط ثبوت الخيار كما رأينا ‪ ،‬ومن لم ين ّ‬
‫‪ - 15‬أشار ابن الهمام إلى أ ّ‬
‫في عداد الشّروط اكتفى بالبيان الصّريح بأنّ وقت ثبوته هو وقت الرّؤية ‪.‬‬
‫قال ابن عابدين ‪ :‬الرّؤية بعد الشّراء شرط ثبوت الخيار ‪.‬‬
‫من يثبت له الخيار ‪:‬‬
‫‪ - 16‬هناك اتّجاهات للفقهاء فيمن يثبت له الخيار ‪.‬‬
‫التّجاه الوّل ‪ :‬أنّه للمشتري فقط ‪ ،‬وليس للبائع خيار الرّؤية فيما باعه ولم يره ‪ ،‬كمن ورث‬
‫شيئا من العيان في بلد بعيد فباعه قبل رؤيته ‪ ،‬وهو ما استقرّ عليه مذهب الحنفيّة ‪ ،‬وهذا‬
‫ل بثبوته للبائع أيضا ثمّ رجع وقال ‪ :‬العقد في‬
‫آخر القولين عن أبي حنيفة ‪ ،‬فقد كان يقول أ ّو ً‬
‫ص الحديث المثبت لخيار الرّؤية ‪،‬‬
‫حقّ البائع لزم ‪ ،‬والخيار للمشتري فقط ‪ .‬واستدلّوا بن ّ‬
‫ن عدم الخيار ولزوم العقد هو الصل ‪.‬‬
‫وقالوا ‪ :‬إ ّ‬
‫ن كليهما يعتبر مشتريا ‪.‬‬
‫وفي بيع المقايضة يثبت خيار الرّؤية للطّرفين ‪ ،‬ل ّ‬
‫التّجاه الثّاني ‪ :‬يثبت خيار الرّؤية للبائع أيضًا ‪ ،‬وهو القول المرجوع عنه لبي حنيفة ‪،‬‬
‫والقول القديم للشّافعيّ ‪ ،‬ورواية مرجوحة عن أحمد ‪ ،‬وذلك على افتراض الخذ بالخيار عند‬
‫الشّافعيّة والحنابلة ‪ ،‬وقد صحّحوا عدم الخذ به ‪.‬‬
‫العقود الّتي يثبت فيها خيار الرّؤية ‪:‬‬
‫‪ - 17‬يثبت خيار الرّؤية في عقد البيع ‪ ،‬والمراد به هنا الشّراء ‪ ،‬لنّ الخيار يثبت فيه‬
‫للمشتري وحده دون البائع والعقد من وجهته شراء ‪.‬‬
‫أمّا في عقد السّلم فإذا كان رأس مال السّلم عينا يثبت خيار الرّؤية فيه للمسلم إليه ‪.‬‬
‫ن شرطه‬
‫ول يثبت في رأس مال السّلم إن كان دينا كما ل يثبت في المسلم فيه بتاتا ‪ ،‬ل ّ‬
‫الساسيّ أن يكون من الدّيون ‪.‬‬
‫ول مدخل لخيار الرّؤية في الصّرف عند الحنفيّة لنّه بيع دين بدين ‪.‬‬
‫ويثبت خيار الرّؤية في الستصناع للمستصنع المشتري ‪ ،‬ولو أتى به الصّانع على الصّفة‬
‫المشروطة ‪ ،‬لنّه غير لزم في حقّه ول يثبت للصّانع إذا أراه المستصنع ورضي به في‬
‫ظاهر الرّواية ‪ ،‬وروي عن أبي حنيفة الخيار لهما ‪ ،‬وروي عن أبي يوسف لزومه في حقّهما‬
‫‪.‬‬
‫أمّا الصّانع فليس له خيار الرّؤية في ظاهر الرّواية ‪.‬‬
‫وكذلك في عقد الجارة ل يثبت إلّ في إجارة العيان ‪ ،‬كإجارة دار بعينها ‪ ،‬أو سيّارة‬
‫بذاتها ‪ ،‬إذا كان المستأجر قد عقد الجارة دون أن يرى المأجور ‪.‬‬
‫وفي عقد القسمة يثبت في قسمة غير المثليّات ‪ ،‬أي في نوعين فقط من النواع الثّلثة للمال‬
‫المقسوم ‪ ،‬هما قسمة الجناس المختلفة جزما ‪ ،‬وقسمة القيميّات المتّحدة الجنس كالثّياب من‬
‫نوع واحد ‪ ،‬أو البقر والغنم ‪ ،‬أمّا في قسمة المثليّات المتّحدة الجنس كالمكيلت والموزونات‪،‬‬
‫فل يثبت خيار الرّؤية فيها ‪ ،‬لنّها ممّا ل تتعيّن بالتّعيين ‪.‬‬
‫وهذا إذا كان أحد المقتسمين لم ير نصيبه عند القسمة ‪ .‬وفي عقد الصّلح على ما سبق ‪.‬‬
‫وقت ثبوت الخيار ‪:‬‬
‫‪ - 18‬وقت ثبوت خيار الرّؤية هو وقت الرّؤية ‪ ،‬ل قبلها ‪ .‬ولذا لو أمضى العقد قبل رؤية‬
‫المعقود عليه ورضي به صريحا بأن قال ‪ :‬أجزت أو رضيت أو ما يجري هذا المجرى ‪ ،‬ثمّ‬
‫ن النّصّ أثبت الخيار بعد الرّؤية فلو ثبت له حقّ‬
‫رآه كان له أن يردّه بخيار الرّؤية ‪ .‬ل ّ‬
‫الجازة قبلها وأجاز لم يثبت له الخيار بعدها ‪ ،‬وهذا خلف النّصّ ‪ ،‬ولنّ المعقود عليه قبل‬
‫الرّؤية مجهول الوصف ‪.‬‬
‫والرّضا بالشّيء قبل العلم به وبوجود سببه محال ‪ ،‬فكان ملحقا بالعدم ‪.‬‬
‫ح إسقاط الخيار قبل الرّؤية أو التّنازل عنه بقوله ‪ :‬رضيت المبيع أو أمضيت‬
‫ولهذا لم يص ّ‬
‫ح إسقاط الخيار قبل ثبوته بالرّؤية ‪ ،‬وإسقاط الشّيء فرع لثبوته ‪ ،‬فل يمكن‬
‫العقد ‪ ،‬لنّه ل يص ّ‬
‫السقاط قبل الثّبوت ‪ .‬فلو أسقط المشتري خياره قبل الرّؤية لم يسقط ‪ ،‬وظلّ له حقّ ممارسته‬
‫عند الرّؤية ‪ .‬قال السّرخسيّ ‪ :‬إنّ في الرّضا قبل الرّؤية هنا إبطال حكم ثبت بالنّصّ وهو‬
‫الخيار للمشتري عند الرّؤية ‪.‬‬
‫إمكان الفسخ قبل الرّؤية ‪:‬‬
‫‪ - 19‬قول الحنفيّة بإمكان الفسخ قبل الرّؤية ليس بنا ًء على الخيار ‪ -‬لعدم ثبوته قبل الرّؤية ‪-‬‬
‫بل لما في العقد من صفة عدم اللّزوم للجهالة المصاحبة له عند العقد ‪ ،‬حيث اشتراه دون أن‬
‫يراه ‪ ،‬فهو كالعقود الخرى غير اللّازمة ‪ ،‬ففسخه ممكن لهذا السّبب ‪ ،‬ث ّم إذا رآه ثبت له خيار‬
‫الرّؤية ‪ ،‬فكان سببا آخر للفسخ ول مانع من اجتماع السباب على مسبّب واحد ‪.‬‬
‫أمد خيار الرّؤية ‪:‬‬
‫‪ - 20‬للفقهاء في بيان مدى الزّمن الصّالح للرّضا أو الفسخ بعد الرّؤية اتّجاهان ‪:‬‬
‫الوّل ‪ :‬على التّراخي ‪ ،‬فليس لخيار الرّؤية مدًى محدود ‪ ،‬بل هو مطلق غير مؤقّت بمدّة ‪.‬‬
‫فهو يبدأ بالرّؤية ويبقى إلى أن يوجد ما يبطله ‪ -‬ولو في جميع العمر ‪ -‬ول يتوقّت بإمكان‬
‫ح والمختار كما قال ابن‬
‫الفسخ ‪ .‬وهذا هو اختيار الكرخيّ من مشايخ الحنفيّة ‪ ،‬وهو الص ّ‬
‫الهمام وابن نجيم وغيرهما ‪.‬‬
‫ن سبب خيار الرّؤية اختلل الرّضا ‪ ،‬والحكم يبقى ما بقي سببه‬
‫ص مطلق ‪ ،‬ول ّ‬
‫وذلك لنّ النّ ّ‬
‫‪ .‬الثّاني ‪ :‬على الفور ‪ ،‬فهو مؤقّت بإمكان الفسخ بعد الرّؤية ‪ ،‬حتّى أنّه لو رآه وتمكّن من‬
‫الفسخ ولم يفسخ سقط خياره بذلك ولزم العقد ‪ ،‬وإن لم يوجد منه تصريح بالرّضا أو مسقط‬
‫آخر للخيار حيث يعتبر ذلك دللةً على الرّضا ‪ .‬وهذا قول لبعض فقهاء الحنفيّة ‪.‬‬
‫أثر الخيار في حكم العقد قبل الرّؤية ‪:‬‬
‫‪ - 21‬حكم العقد قبل الرّؤية حكم العقد الّذي ل خيار فيه ‪ ،‬وهو ثبوت الحلّ للمشتري في‬
‫المبيع للحالّ ‪ ،‬وثبوت الملك للبائع في الثّمن للحالّ ‪ ،‬لنّ ركن العقد في البيع ‪ ،‬أو الجارة ‪،‬‬
‫أو القسمة ‪ ،‬أو الصّلح صدر مطلقا عن شرطه ‪.‬‬
‫وكان ينبغي أن يلزم العقد لول أنّه ثبت الخيار " شرعا " احتياطا للمشتري ‪ ،‬بخلف خيار‬
‫ن الخيار ثمّة ثبت بإرادة العاقدين فأثّر في ركن العقد بالمنع من النعقاد في حقّ‬
‫الشّرط ‪ ،‬ل ّ‬
‫الحكم تحقيقا لرغبة العاقد في تعليق العقد ‪.‬‬
‫هذا على القول بصحّة الفسخ قبل الرّؤية ‪ ،‬فالعقد غير لزم عند هؤلء ‪ ،‬أمّا من منع الفسخ‬
‫ت ‪ ،‬فل يلحقه فسخ ول إجازة إلى أن تحصل الرّؤية ‪ ،‬وقد مال ابن‬
‫ن العقد با ّ‬
‫فهو يرى أ ّ‬
‫الهمام إلى هذا ‪.‬‬
‫أثر الخيار على حكم العقد بعد الرّؤية ‪:‬‬
‫‪ - 22‬منذ قيام خيار الرّؤية " بتحقّق شرطه ‪ ،‬وهو الرّؤية " يغدو العقد غير لزم بالتّفاق ‪،‬‬
‫ن سبب‬
‫ولكن ل يترتّب عليه أيّ أثر في حكم العقد ‪ ،‬فل يمنع انتقال الملك في البدلين ‪ ،‬ل ّ‬
‫العقد قد وجد خاليا من تعليق حكم العقد ‪ ،‬فيظلّ أثره كاملً كانتقال الملك وغيره ‪.‬‬
‫ن الملك مع خيار الرّؤية ل ينتقل لعدم استقرار العقد‬
‫وقد خالف في هذا المالكيّة ‪ ،‬فذهبوا إلى أ ّ‬
‫ن استقرار العقد ل يعوق‬
‫باحتمال الفسخ ‪ ،‬والملك إنّما هو في العقد المستقرّ ‪ .‬ول يخفى أ ّ‬
‫ترتّب الحكم ‪ ،‬وإنّما ينشأ عنه تمكّن صاحب الخيار من رفع العقد بالفسخ ‪.‬‬
‫سقوط الخيار ‪:‬‬
‫‪ - 23‬يسقط خيار الرّؤية بالمور التّالية ‪ ،‬سواء حصلت قبل الرّؤية أو بعدها ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬التّصرّفات في المبيع بما يوجب حقّا للغير ‪:‬‬
‫كما لو باع الشّيء الّذي اشتراه ولم يره لشخص آخر بيعا ل خيار فيه ‪ ،‬أو رهنه ‪ ،‬أو‬
‫ن هذه التّصرّفات ل تكون إلّ مع الملك ‪ ،‬وملك صاحب‬
‫آجره ‪ ،‬أو وهبه مع التّسليم ‪ ،‬ل ّ‬
‫الخيار ثابت فيها ‪ ،‬فصادفت المحلّ ونفذت ‪ ،‬وبعد نفوذها ل تقبل الفسخ والرّفع ‪ ،‬فبطل‬
‫ن إبطالها فيه ضياع لحقوق الغير الّتي ترتّبت لهم بهذه التّصرّفات ‪،‬‬
‫الخيار ضرور ًة ‪ ،‬كما أ ّ‬
‫ففسخ البيع أولى من إبطال حقوقهم ‪ .‬ويستثنى من ذلك ما ل يوجب حقّا للغير كالبيع بشرط‬
‫ن ذلك ل‬
‫الخيار للبائع ‪ ،‬أو المساومة بقصد العرض على البيع ‪ ،‬أو الهبة من غير تسليم ‪ ،‬ل ّ‬
‫يربو على صريح الرّضا ‪ ،‬وهو ل يبطله قبل الرّؤية ‪ .‬ثمّ إنّ التّصرّف الّذي تعلّق فيه حقّ‬
‫الغير لو عاد إلى ملكه بردّ قضائيّ ‪ ،‬أو بفكّ الرّهن ‪ ،‬أو فسخ الجارة قبل الرّؤية ثمّ رآه فله‬
‫الخيار ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬تغيّر المبيع بغير فعله ‪:‬‬
‫حصول التّغيّر إمّا بطروء الزّيادة عليه مطلقا " المنفصلة أو المتّصلة ‪ ،‬المتولّدة أو غيرها "‬
‫على أن تكون مانع ًة لل ّردّ ‪ ،‬وإمّا بالنّقص والتّعيّب ‪ -‬في قول أبي حنيفة ‪ -‬والنّقص المراد هنا‬
‫هو ما يحصل بآفة سماويّة ‪ ،‬أو بفعل أجنبيّ ‪ ،‬أو بفعل البائع على التّفصيل المذكور في‬
‫خياري الشّرط والعيب ‪ ،‬كما ذكر الكاسانيّ ‪.‬‬
‫ج ‪ -‬تعيّب المبيع في يد المشتري ‪:‬‬
‫لنّه بالتّعيّب ل يمكن إرجاع المبيع إلى البائع كما استلمه المشتري ‪ ،‬والفسخ يكون بالحالة‬
‫الّتي كان عليها المبيع عند العقد وقد استلمه سليمًا فل يردّه معيبا ‪ ،‬ولذا يسقط الخيار ‪.‬‬
‫د ‪ -‬إجازة أحد الشّريكين فيما اشترياه ولم يرياه دون صاحبه ‪ :‬وذلك عند أبي حنيفة ‪ ،‬حذرا‬
‫من تفريق الصّفقة على البائع ‪ ،‬كما مرّ في خيار العيب ‪.‬‬
‫هـ ‪ -‬الموت ‪ :‬واعتباره مسقطا موضع خلف ‪ .‬وسيأتي تفصيله ‪.‬‬
‫حكم صريح السقاط في خيار الرّؤية ‪:‬‬
‫ن كلّ ما يبطل خيار الشّرط والعيب يبطل خيار الرّؤية ‪ ،‬إلّ أنّ‬
‫ن الصل أ ّ‬
‫ذكر الكاسانيّ أ ّ‬
‫خيار الشّرط والعيب يسقط بصريح السقاط ‪ ،‬وخيار الرّؤية ل يسقط بصريح السقاط ل قبل‬
‫الرّؤية ول بعدها ‪ ،‬لنّ خيار الرّؤية ثبت شرعا حقّا للّه تعالى فل يسقط بإسقاط العبد ‪ ،‬وأمّا‬
‫خيار الشّرط والعيب فقد ثبتا بالشتراط حقيقةً ‪ ،‬أو دللةً ‪ ،‬وما ثبت حقّا للعبد يحتمل السّقوط‬
‫ن النسان يملك التّصرّف في حقّ نفسه مقصودا ‪ ،‬استيفاءً وإسقاطا ‪،‬‬
‫بإسقاطه مقصودا ‪ ،‬ل ّ‬
‫فأمّا ما ثبت حقّا للّه فالعبد ل يملك التّصرّف فيه إسقاطا مقصودا ‪ ،‬لنّه ل يملك التّصرّف في‬
‫حقّ غيره مقصودا ‪ ،‬لكنّه يحتمل السّقوط بطريق الضّرورة ‪ ،‬بأن يتصرّف في حقّ نفسه ‪،‬‬
‫ويتضمّن ذلك سقوط حقّ الشّرع ‪ ،‬فيسقط حقّ الشّرع في ضمن التّصرّف في حقّ نفسه ‪.‬‬
‫انتهاء الخيار ‪:‬‬
‫‪ - 24‬ينتهي الخيار بإجازة العقد إجازةً قولّيةً أو فعليّةً ‪ ،‬والجازة القوليّة هي الرّضا بالعقد‪،‬‬
‫صراح ًة أو بما يجري مجراها ‪.‬‬
‫أمّا الجازة الفعليّة فتكون بطريق الدّللة ‪ ،‬بأن يوجد من المشتري تصرّف يدلّ على الرّضا ‪.‬‬
‫أمّا الفسخ فمنه اختياريّ ‪ ،‬ومنه ضروريّ دون إرادة العاقد ‪.‬‬
‫انتهاؤه بالجازة ‪:‬‬
‫الجازة الصّريحة أو بما يجري مجراها ‪:‬‬
‫‪ - 25‬تتمّ الجازة الصّريحة بالتّعبير عن الرّضا ‪ ،‬وهو بكلّ عبارة تفيد إمضاء العقد ‪ ،‬أو‬
‫اختياره ‪ ،‬مثل ‪ :‬أجزته ‪ ،‬أو رضيته ‪ ،‬أو اخترته ‪ .‬وفي معنى الرّضا الصّريح ما شابهه‬
‫وجرى مجراه سواء أعلم البائع بالجازة أم ل ‪ ،‬لنّ الصل في البيع المطلق اللّزوم ‪.‬‬
‫الجازة بطريق الدّللة ‪:‬‬
‫‪ - 26‬هي أن يوجد من المشتري تصرّف في المبيع بعد الرّؤية يدلّ على الرّضا ‪ ،‬ومن هذه‬
‫التّصرّفات القبض بعد الرّؤية ‪.‬‬
‫ن إقدامه‬
‫والتّصرّف في المبيع تصرّف الملّاك بأن كان ثوبا فقطعه ‪ ،‬أو أرضا فبنى عليها ‪ ،‬ل ّ‬
‫على هذه التّصرّفات دليل الرّضا ‪ ،‬ولول هذا التّقدير لكان متصرّفا في ملك الغير وهو‬
‫حرام ‪ ،‬فجعل ذلك إجاز ًة ‪ ،‬صيانةً له عن ارتكابه ‪.‬‬
‫انتهاء الخيار بالفسخ ‪:‬‬
‫‪ - 27‬الفسخ إمّا أن يكون اختياريّا ‪ ،‬أو ضروريّا ‪ ،‬كما ذكر الكاسانيّ ‪ ،‬وصورة الفسخ‬
‫الختياريّ " الّذي ينتهي به الخيار تبعا " هي أن يقول ‪ :‬فسخت العقد ‪ ،‬أو نقضته ‪،‬أو رددته‪،‬‬
‫وما يجري هذا المجرى ‪.‬‬
‫وأمّا الفسخ الضّروريّ فله صورة واحدة ذكرها الكاسانيّ ‪،‬وهي أن يهلك المبيع قبل القبض‪،‬‬
‫فينفسخ العقد ضرورةً ‪ ،‬وينتهي معه خيار الرّؤية لذهاب المحلّ ‪.‬‬
‫شرائط الفسخ ‪:‬‬
‫‪ - 28‬يشترط للفسخ ما يأتي ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬قيام الخيار ‪ ،‬لنّ الخيار إذا سقط بأحد المسقطات لزم العقد ‪ ،‬والعقد اللّازم ل يحتمل‬
‫الفسخ ‪.‬‬
‫ن ردّ بعض المبيع دون بعضه لم‬
‫ب ‪ -‬أن ل يتضمّن الفسخ تفريق الصّفقة على البائع ‪ ،‬فإ ّ‬
‫يصحّ ‪ .‬وكذا إذا ردّ البعض وأجاز البيع في البعض لم يجز ‪.‬‬
‫ن خيار الرّؤية يمنع تمام الصّفقة ‪ ،‬ففي بقاء‬
‫سواء كان قبل قبضه المعقود عليه أو بعده ‪ ،‬ل ّ‬
‫خيار الرّؤية في البعض تفريق للصّفقة على البائع قبل تمامها وهو باطل ‪.‬‬
‫ج ‪ -‬علم البائع بالفسخ ‪ ،‬عند أبي حنيفة ومحمّد ‪.‬‬
‫وقال أبو يوسف ‪ :‬ليس بشرط ‪ ،‬وقد توسّع الكاسانيّ في دلئل هذا الخلف ‪.‬‬
‫انتقال خيار الرّؤية ‪:‬‬
‫‪ - 29‬خيار الرّؤية عند الحنفيّة ل ينتقل بالموت ‪ ،‬وذلك منسجم مع كونه عندهم لمطلق‬
‫التّروّي ‪ ،‬ل لتحاشي الضّرر أو الخلف في الوصف ‪ ،‬وغايته أن ينظر المشتري أيصلح له أم‬
‫ل ‪ ،‬ومع اعتبارهم إيّاه خيارا حكميّا من جهة الثّبوت فقد قالوا إنّه مرتبط بالرادة من حيث‬
‫الستعمال ‪.‬‬

‫خيار الرّجوع *‬
‫انظر ‪ :‬بيع ‪.‬‬

‫خيار الشّرط *‬
‫التّعريف ‪:‬‬
‫‪ - 1‬الخيار في اللّغة ‪ :‬اسم مصدر من الختيار ‪ ،‬ومعناه طلب خير المرين ‪ ،‬أو المور ‪.‬‬
‫أمّا الشّرط ‪ -‬بسكون الرّاء ‪ -‬فمعناه اللّغويّ ‪ :‬إلزام الشّيء والتزامه في البيع ونحوه ‪،‬‬
‫والجمع شروط ‪ ،‬وبفتحها ‪ :‬العلمة ‪ ،‬والجمع أشراط ‪ ،‬والشتراط ‪ :‬العلمة يجعلها النّاس‬
‫بينهم ‪.‬‬
‫ن خيار الشّرط مركّب إضافيّ صار علما في‬
‫‪ - 2‬أمّا في الصطلح فقد قال ابن عابدين ‪ " :‬إ ّ‬
‫اصطلح الفقهاء على ‪ :‬ما يثبت " بالشتراط " لحد المتعاقدين من الختيار بين المضاء‬
‫والفسخ ‪. " ...‬‬
‫وقد عرّفه من المالكيّة ابن عرفة ‪ -‬بملحظة الكلم عن بيع الخيار ‪ -‬بقوله ‪ " :‬بيع وقف بتّه‬
‫ل على إمضاء يتوقّع " ‪.‬‬
‫أ ّو ً‬
‫واحترز بعبارة وقف بتّه عن بيع البتّ ‪ ،‬وهو ما ليس فيه خيار ‪ .‬كما ذكروا أنّ قيد أ ّولً‬
‫لخراج خيار العيب ونحوه " خيارات النّقيصة " لنّ أمثال هذا الخيار لم تتوقّف أ ّولً ‪ ،‬بل آل‬
‫أمرها إلى الخيار ‪ ،‬أي لنّ التّخيير فيها يثبت فيما بعد ‪ ،‬حين ظهور العيب ‪.‬‬
‫‪ - 3‬ولخيار الشّرط أسماء أخرى دعاه بها بعض المصنّفين ‪ ،‬منها ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬الخيار الشّرطيّ " بالوصفيّة ل بالضافة " والسّبب في هذه التّسمية ظاهر ‪ ،‬والغرض من‬
‫وصفه بالشّرطيّ تمييزه عن الخيار " الحكميّ " الّذي يثبت بحكم الشّرع دون الحاجة إلى‬
‫اشتراط ‪ ،‬كخيار العيب ‪ .‬وهذه التّسمية متداولة كثيرا عند المالكيّة ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬خيار التّروّي ‪،‬لنّه شرع للتّروّي وهو النّظر والتّفكّر في المر والتّبصّر فيه قبل‬
‫إبرامه‪ .‬وهذه التّسمية يستعملها الشّافعيّة أكثر من غيرهم ‪.‬‬
‫ج ‪ -‬بيع الخيار ‪ ،‬وهذا السم واقع على العقد الّذي اقترن بخيار الشّرط ‪ ،‬ويعبّر به أصحاب‬
‫المذاهب كلّهم وبخاصّة المالكيّة ‪.‬‬
‫مشروعيّته ‪:‬‬
‫‪ - 4‬ذهب جمهور الفقهاء إلى الخذ بخيار الشّرط واعتباره مشروعا ل ينافي العقد ‪.‬‬
‫سنّة ‪ :‬فاستدلّوا بما رواه الدّارقطنيّ عن محمّد بن إسحاق ‪،‬‬
‫سنّة والجماع ‪ .‬فأمّا ال ّ‬
‫واستدلّوا بال ّ‬
‫ن عبد اللّه بن عمر حدّثه « أنّ رجلً من النصار كان بلسانه لوثة ‪،‬‬
‫قال ‪ :‬أخبرنا نافع ‪ ،‬أ ّ‬
‫وكان ل يزال يغبن في البيوع ‪ ،‬فأتى رسول اللّه صلى ال عليه وسلم فذكر ذلك له ‪ ،‬فقال ‪:‬‬
‫إذا بعت فقل ‪ :‬ل خلبة ‪ ،‬مرّتين » وقال محمّد بن إسحاق ‪ :‬وحدّثني محمّد بن يحيى بن‬
‫حبّان قال ‪ :‬هو جدّي منقذ بن عمرو ‪ ،‬وكان رجلً قد أصابته آمّة في رأسه ‪ ،‬فكسرت لسانه‬
‫ونازعته عقله ‪ ،‬وكان ل يدع التّجارة ول يزال يغبن ‪ ،‬فأتى رسول اللّه صلى ال عليه وسلم‬
‫فذكر له ذلك ‪ ،‬فقال ‪ « :‬إذا بعت فقل ‪ :‬ل خلبة ‪ ،‬ثمّ أنت في كلّ سلعة تبتاعها بالخيار ثلث‬
‫ليال ‪ ،‬فإن رضيت فأمسك ‪ ،‬وإن سخطت فارددها على صاحبها » ‪ « .‬وقد كان عمّر‬
‫طويلً ‪ ،‬عاش ثلثين ومائة سنة ‪ ،‬وكان في زمن عثمان بن عفّان رضي ال عنه حين فشا‬
‫النّاس وكثروا ‪ ،‬يتبايع البيع في السّوق ويرجع به إلى أهله وقد غبن غبنا قبيحا ‪ ،‬فيلومونه‬
‫ويقولون ‪ :‬لم تبتاع ؟ فيقول ‪ :‬أنا بالخيار إن رضيت أخذت ‪ ،‬وإن سخطت رددت ‪ ،‬قد كان‬
‫رسول اللّه صلى ال عليه وسلم جعلني بالخيار ثلثا ‪ ،‬فيردّ السّلعة على صاحبها من الغد‬
‫وبعد الغد فيقول ‪ :‬واللّه ل أقبلها ‪ ،‬قد أخذت سلعتي وأعطيتني دراهم ‪ ،‬قال يقول ‪ :‬إنّ رسول‬
‫اللّه صلى ال عليه وسلم قد جعلني بالخيار ثلثا ‪ .‬فكان يمرّ الرّجل من أصحاب رسول اللّه‬
‫ن رسول اللّه صلى ال عليه وسلم‬
‫صلى ال عليه وسلم فيقول للتّاجر ‪ :‬ويحك إنّه قد صدق ‪ ،‬إ ّ‬
‫قد كان جعله بالخيار ثلثا » ‪.‬‬
‫ج بعضهم بإحدى روايات حديث«المتبايعان كلّ منهما بالخيار على صاحبه ما لم يتفرّقا»‬
‫واحت ّ‬
‫الّتي فيها قوله عليه الصلة والسلم ‪ « :‬إلّ بيع الخيار » وفي رواية ‪ « :‬إلّ صفقة خيار » ‪.‬‬
‫فحمل هؤلء ذلك الستثناء على حالة اشتراط الخيار ‪ ،‬وقالوا في معناه ‪ :‬هو خيار كلّ من‬
‫المتعاقدين في القدام على العقد ‪ ،‬أو الحجام عنه قبل التّفرّق ‪ ،‬فيمكن أن يمتدّ فيكون له‬
‫الخيار أطول من تلك الفترة إذا كان البيع مشترطا فيه خيار ‪.‬‬
‫وأمّا الجماع ‪ :‬فاستدلّ به لخيار الشّرط كثيرون ‪ ،‬قال النّوويّ ‪ " :‬وقد نقلوا فيه الجماع "‬
‫وقال في موضع آخر ‪ " :‬وهو جائز بالجماع " ‪.‬‬
‫ن صحّته المجمع عليها هي فيما " إذا كانت مدّته معلومةً " ‪.‬‬
‫لكنّه أشار في موضع ثالث إلى أ ّ‬
‫وقال ابن الهمام ‪ " :‬وشرط الخيار مجمع عليه " ‪.‬‬
‫صيغة الخيار ‪:‬‬
‫‪ -‬ل يتطلّب ثبوت الخيار التعبير بصيغة معيّنة ‪ ،‬فكما يحصل بلفظ اشتراط الخيار يحصل‬ ‫‪5‬‬

‫بكل لفظ يدل على ذلك المراد ‪ ،‬مثل لفظ " الرضا أو المشيئة " بل يثبت ولو لم يتضمّن الكلم‬
‫لفظ الخيار أو ما هو بمعناه ‪ ،‬فيما إذا ورد عند التعاقد أو بعده ما هو كناية عن الخيار ‪ ،‬كما‬
‫يؤخذ من الفتاوى الهندية حيث جاء فيها ‪ " :‬إذا باع من آخر ثوبا بعشرة دراهم ‪ ،‬ثمّ إنّ البائع‬
‫قال للمشتري ‪ :‬لي عليـك الثوب أو عشرة دراهـم ‪ -‬وقبـل المشتري بذلك ‪ -‬قال محمـد ‪ :‬هذا‬
‫ل عن المعراج أنّه لو قال البائع ‪ :‬خذه‬
‫عند نا خيار ‪ ،‬كذا في المح يط " ‪ .‬وذ كر ا بن نج يم نق ً‬
‫وان ظر إل يه اليوم فإن رضي ته أخذ ته بكذا ‪ ،‬ف هو خيار ‪ .‬ون قل عن الذخيرة م ثل هذا العتبار‬
‫فيما لو قال ‪ :‬هو بيع لك إن شئت اليوم ‪.‬‬
‫و من ذلك اشتراط الخيار في الث من ‪،‬أو ال مبيع بدلً عن اشترا طه في الع قد ‪ ،‬فيكون بمثا بة‬
‫اشتراطه فيه ‪ ،‬فقد نصوا على أنّه لو قال المشتري على أني بالخيار في الثمن أو في المبيع‬
‫فهو كقوله ‪ :‬على أنّي بالخيار " في العقد " ‪.‬‬
‫ومـن ذلك ‪ :‬التواطـؤ على ألفاظ أو تعابيـر بأنّهـا يتولد عنهـا الخيار ‪ ،‬سـواء كان ارتباط هذه‬
‫التعابير بنشؤ الخيار منبعثا عن الستعمال الشرعي مباشرة أو العرف ‪.‬‬
‫فمما اعتبر من اللفاظ المتواطأ على أنّها يراد بها الخيار ‪ ،‬تبعا للستعمال الشرعي ‪ ،‬عبارة "‬
‫ل خلبة " شريطة علم العاقدين بمعناها ‪.‬‬
‫قال النوو يّ ‪ :‬اشتهر في الشرع أ نّ قوله ‪ " :‬ل خلبة "عبارة عن اشتراط الخيار ثلثة أيام ‪،‬‬
‫فإذا أطلق المتعاقدان هذه اللفظة ‪ ،‬وهما عالمان بمعناها كان كالتصريح بالشتراط ‪ ،‬وإن كانا‬
‫جاهليـن لم يثبـت الخيار قطعا ‪ ،‬فإن علمـه البائع دون المشتري فوجهان مشهوران ‪ ،‬حكاهمـا‬
‫المتولي وابـن القطان وآخرون أصـحهما ‪ :‬ل يثبـت ‪ ،‬والوجـه الثانـي ‪ :‬يثبـت ‪ ،‬وهذا شاذ‬
‫ضعيف ‪ ،‬بل غلط ‪ ،‬لن معظم الناس ل يعرفون ذلك والمشتري غير عارف به ‪.‬‬
‫و من ذلك الع قد مع شرط ال ستئمار خلل و قت محدد ‪ ،‬ك ما لو قال ‪ :‬بع تك على أن أ ستأمر‬
‫فلنا ‪ ،‬وحدد لذلك وقتا معلوما ‪ ،‬ف هو خيار صحيح لدى الحنابلة ‪ .‬وقالوا ‪ :‬إ نّ له الف سخ ق بل‬
‫أن يسـتأمره " لنّا جعلنـا ذلك كنايـة عـن الخيار " واختلف الشافعيـة فـي جواز الفسـخ قبـل‬
‫الستئمار ‪ ،‬والصح عندهم أنّه ليس له ذلك قبل أن يستأمره ‪.‬‬
‫هذا إذا ض بط شرط ال ستئمار بمدة معلو مة ‪ ،‬أما إذا لم يض بط ‪ ،‬فالشافع ية يرون في ال صح‬
‫أنّه غير سائغ ‪ .‬أما الحنابلة فحكمه عندهم حكم الخيار المجهول ‪ ،‬ل يصح على الراجح ‪.‬‬
‫وذهب المالكية إلى أنّ العادة تقوم مقام التصريح بالخيار ‪.‬‬
‫قال الزرقانـي مـن المالكيـة ‪ " :‬لو جرت العادة باشتراطـه " أي خيار الشرط " كان خيارا ‪،‬‬
‫لنّها ‪ -‬أي العادة ‪ -‬كالشرط صراحة " ‪.‬‬
‫فإذا تعارف الناس على ثبوت الخيار في بيع سلعة من السلع ثبت الخيار فيها بل شرط ‪.‬‬
‫ن أو أغ مي‬
‫ن الخرس تقوم إشار ته مقام ال صيغة ‪ ،‬فإن لم تف هم إشار ته أو ج ّ‬
‫و من المقرر أ ّ‬
‫عليه ‪ ،‬قام وليه من أب أو وصي أو حاكم مقامه ‪.‬‬
‫شرائط قيام الخيار‬ ‫‪:‬‬

‫‪ - 6‬ل يقوم خيار الشّرط بمجرّد حدوث الشتراط في العقد ‪ ،‬بل ل بدّ من وجود الشّرائط‬
‫الشّرعيّة له ‪ ،‬فإذا اكتملت تلك الشّرائط غدا خيار الشّرط قائما مرعيّ العتبار ‪ ،‬وإذا اختلّ‬
‫شيء منها اعتبر العقد لزما بالرّغم من اشتراط الخيار في العقد ‪ .‬غير أنّ تلك الشّرائط‬
‫ليست موضع اتّفاق بين المذاهب ‪ ،‬فهي متفاوتة العدد بين مذهب وآخر ‪ ،‬وفيما يأتي بيانها ‪:‬‬
‫أوّلً ‪ :‬شريطة المقارنة للعقد ‪:‬‬
‫‪ - 7‬المراد من المقارنة للعقد أن يحصل اشتراط الخيار مع انعقاد العقد أو لحقا به ‪ ،‬ل أن‬
‫ح اشتراط الخيار قبل إجراء العقد ‪ ،‬إذ الخيار كالصّفة للعقد‬
‫يسبق الشتراط العقد ‪ .‬فل يص ّ‬
‫فل يذكر قبل الموصوف ‪.‬‬
‫وبيان الصّورة المحترز منها ما جاء في الفتاوى الهنديّة عن العتّابيّة أنّه " لو قال ‪ :‬جعلتك‬
‫بالخيار في البيع الّذي نعقده ‪ ،‬ثمّ اشتراه مطلقا لم يثبت الخيار في البيع عند أبي حنيفة " ‪.‬‬
‫ويعتبر بمنزلة المقارنة للعقد ما لو ألحق اشتراط الخيار بالعقد بعدئذ ‪ ،‬بتراضي المتعاقدين ‪،‬‬
‫فذلك في حكم حصوله في أثناء العقد أو بمجلس العقد عند الملتزمين بمجلس العقد ‪.‬‬
‫ذهب إلى تلك التّسوية بين المقارنة واللّحاق الحنفيّة ‪ .‬ومن مستندهم القياس لهذا على ما في‬
‫النّكاح من جواز التّفاق بعد العقد على ما يتّصل به ‪ ،‬كالزّيادة في المهر أو الحطّ منه ‪،‬‬
‫ضيْتُم بِ ِه مِن‬
‫جنَاحَ عََل ْي ُكمْ فِيمَا َترَا َ‬
‫ل ‪َ { :‬ولَ ُ‬
‫ودليل هذا الحكم المقيس عليه قول اللّه عزّ وج ّ‬
‫َب ْعدِ الْ َفرِيضَةِ } ‪ .‬قال ابن الهمام ‪ :‬يجوز إلحاق خيار الشّرط بالبيع ‪ ،‬لو قال أحدهما بعد البيع‬
‫ولو بأيّام ‪ :‬جعلتك بالخيار ثلثة أيّام صحّ بالجماع ‪ -‬أي إجماع أئمّة الحنفيّة ‪ -‬ثمّ ذكر أنّ‬
‫إلحاق الخيار بعد العقد جار مجرى إدخاله في العقد تماما من حيث نوع الخيار المشروط‬
‫ومدّته وبقيّة أحكامه ‪.‬‬
‫وذهب الشّافعيّة والحنابلة إلى أنّه ل يلحق خيار الشّرط بالعقد بعده ‪ ،‬بل ل بدّ من وقوعه في‬
‫صلب العقد ‪ ،‬أو في مجلسه ‪.‬‬
‫ن العقد بعد انتهاء‬
‫واستدلّ ابن قدامة لمذهب الحنابلة المانع من تأخّر الخيار عن العقد بأ ّ‬
‫ن من أصول‬
‫المجلس أصبح لزما ‪ ،‬فلم يصر جائزا بقول المتعاقدين ‪ .‬وذكر ابن تيميّة أ ّ‬
‫الشّافعيّ وأحمد أنّ إلحاق الزّيادة " في الجرة " والشّروط بالعقود اللّازمة ل يصحّ ‪.‬‬
‫وبين هذين التّجاهين مذهب ثالث اشترك مع المذهب الوّل في النّتيجة واختلف عنه في‬
‫تحديد طبيعة هذا التّصرّف ‪ ،‬فقد أجاز المالكيّة إلحاق الخيار بالعقد بعد أن وقع على ال ّنيّات ‪،‬‬
‫ح الشتراط اللّاحق ‪ ،‬ويلزم من التزمه بعد‬
‫سواء كان إلحاقه من أحدهما أو من كليهما ‪ ،‬فيص ّ‬
‫صدور العقد خاليا منه ‪ ،‬لكنّه ‪ -‬وهذا هو الفارق عن المذهب الوّل ‪ -‬بمثابة بيع مؤتنف ‪،‬‬
‫بمنزلة بيع المشتري لها من غير البائع ‪ ..‬صار فيه المشتري بائعا ‪ ..‬كما ذكر المالكيّة أنّه لو‬
‫ن اللّاحق للعقود ليس كالواقع فيها ‪ ،‬فما‬
‫جعل البائع الخيار للمشتري ‪ ،‬بناءً على المذهب من أ ّ‬
‫أصاب السّلعة في أيّام الخيار فهو من المشتري ‪.‬‬
‫وأشار خليل وشرّاحه إلى أنّ القول بجواز إلحاق الخيار إنّما هو بعد انتقاد البائع الثّمن ‪ ،‬أمّا‬
‫إلحاقه قبل انتقاده فل يساويه في الجواز لما في الحالة الثّانية من " فسخ دين في دين " وأصل‬
‫ابن القاسم منعه ‪.‬‬
‫ن " جعل الخيار لحد‬
‫وقد ذكروا في خلل مناقشة هذين القولين وجها متّفقا عليه هو أ ّ‬
‫العاقدين ليس عقدا حقيقةً ‪ ،‬إذ المقصود منه تطييب نفس من جعل له الخيار ل حقيقة البيع"‪.‬‬
‫ن المرجّح الوّل وهو المعتمد ‪ ،‬أي اقتصار الجواز على ما لو‬
‫قال الخرشيّ والدّسوقيّ ‪ :‬لك ّ‬
‫نقد الثّمن ‪ ،‬وإن كان ظاهر المدوّنة التّسوية بينهما ‪.‬‬
‫ثانيا ‪ :‬شريطة التّوقيت أو معلوميّة المدّة ‪:‬‬
‫‪ - 8‬ذهب جمهور الفقهاء إلى أنّه ل بدّ من تقييد الخيار بمدّة معلومة مضبوطة من الزّيادة‬
‫ح اشتراط خيار غير مؤقّت أصلً ‪ ،‬وهو من الشّروط المفسدة عند‬
‫والنّقصان ‪ ،‬فل يص ّ‬
‫الجمهور ‪ ،‬وسيأتي الكلم فيه بالتّفصيل ‪.‬‬
‫ن شرط الخيار يمنع انعقاد العقد في حقّ الحكم للحال ‪ ،‬فكان‬
‫قال الكاسانيّ ‪ :‬والصل فيه أ ّ‬
‫ل أنّا عرفنا جوازه‬
‫شرطا مغيّرا مقتضى العقد ‪ ،‬وأنّه مفسد للعقد في الصل ‪ ،‬وهو القياس ‪ ،‬إ ّ‬
‫استحسانا " بخلف القياس " بالنّصّ ‪ ،‬فبقي ما وراء المنصوص عليه على أصل القياس ‪.‬‬
‫والحكمة في توقيت المدّة أن ل يكون الخيار سببا من أسباب الجهالة الفاحشة الّتي تؤدّي إلى‬
‫التّنازع ‪ ،‬وهو ممّا تتحاماه الشّريعة في أحكامها ‪.‬‬
‫‪ -9‬وللمدّة الجائز ذكرها حدّان ‪ :‬حدّ أدنى ‪ ،‬وحدّ أقصى ‪.‬‬
‫أمّا الحدّ الدنى فل توقيت له ‪ ،‬وليس له قدر محدود بحيث ل يقلّ عنه فيجوز مهما قلّ ‪ ،‬لنّ‬
‫ص بعض الحنفيّة وغيرهم على أنّه‬
‫جواز الكثر يدلّ بالولويّة على جواز القلّ ‪ ،‬ومن هنا ن ّ‬
‫يجوز " ولو لحظةً " ‪.‬‬
‫قال الكاسانيّ ‪ :‬أقلّ مدّة الخيار ليس بمقدّر ‪ .‬ونحوه نصوص غير الحنفيّة من غير خلف‬
‫يعرف ‪ .‬وأمّا الحدّ القصى للمدّة الجائزة فقد اختلفت فيه المذاهب اختلفا كثيرا ‪ ،‬يمكن‬
‫حصره في التّجاهات الفقهيّة التّالية ‪ :‬التّفويض للمتعاقدين مطلقا ‪ -‬التّفويض لهما في حدود‬
‫المعتاد ‪ -‬التّحديد بثلثة أيّام ‪.‬‬
‫التّجاه الوّل ‪ :‬التّفويض للمتعاقدين مطلقا ‪:‬‬
‫‪ - 10‬مقتضى هذا التّجاه جواز اتّفاق المتعاقدين في خيار الشّرط على أيّ مدّة مهما طالت ‪،‬‬
‫وهو مذهب أحمد ‪ ،‬ومحمّد بن الحسن وأبي يوسف ‪ ،‬وابن أبي ليلى وابن شبرمة والثّوريّ‬
‫وابن المنذر ‪ ،‬وإسحاق بن راهويه ‪ ،‬وأبي ثور ‪ ،‬وعبيد اللّه بن الحسن العنبريّ ‪ ،‬لكنّه قال ‪:‬‬
‫ل يعجبني الطّويل ‪.‬‬
‫فعند هؤلء الفقهاء تجوز الزّيادة عن ثلثة أيّام ‪ ،‬لما في النّصوص المثبتة للخيار من الطلق‬
‫ن الخيار حقّ يعتمد الشّرط من العاقد فرجع إليه في تقديره ‪.‬‬
‫وعدم التّفصيل ‪ ،‬ول ّ‬
‫أو يقال ‪ :‬هو مدّة ملحقة بالعقد فتقديرها إلى المتعاقدين ‪.‬‬
‫وهناك صورة نادرة تشبه ما سبق في الحدّ الدنى للمدّة لكنّها تستحقّ الشارة إليها ‪ ،‬لما في‬
‫بحثها من تقييد الخيار بأن ل ينافي العقد ويفقده غايته ‪ .‬تلك الصّورة ما لو شرط المتعاقدان‬
‫مدّةً طويلةً خارجةً عن العادة " كألف سنة ‪ ،‬ومائة سنة " فقد استوجه صاحب غاية المنتهى أن‬
‫ل يصحّ لفضائه ‪ -‬على هذه الصّيغة ونحوها ‪ -‬إلى المنع من التّصرّف في الثّمن والمثمّن ‪،‬‬
‫وهذا المنع مناف للعقد الّذي جعله الشّارع إرفاقا للمتعاقدين ‪ ،‬وقد وافقه الشّارح على ذلك ‪.‬‬
‫التّجاه الثّاني ‪ :‬التّفويض للمتعاقدين في حدود المعتاد ‪:‬‬
‫‪ - 11‬وهذا مذهب مالك وحده ‪ .‬فيتحدّد أقصى مدّة الخيار الجائزة بقدر الحاجة ‪ ،‬نظرا‬
‫لختلف المبيعات ‪،‬فللعاقد تعيين المدّة الّتي يشاء على أن ل يجاوز الحدّ المعتاد في كلّ نوع‪.‬‬
‫قال ابن رشد ‪ :‬وأمّا عمدة أصحاب مالك فهو أنّ المفهوم من الخيار هو اختبار المبيع ‪ ،‬وإذا‬
‫كان ذلك كذلك وجب أن يكون ذلك محدودا بزمان إمكان اختبار المبيع ‪ ،‬وذلك يختلف بحسب‬
‫ن لهذا التّجاه الفقهيّ تقديرات محدّدةً بحسب الحاجات المعقود عليها فقد‬
‫كلّ مبيع ‪ .‬وبما أ ّ‬
‫جرى تصنيفها لدى المالكيّة إلى زمر ‪:‬‬
‫العقار ‪:‬‬
‫‪ - 12‬وأقصى مدّته شهر ‪ ،‬وما ألحق به هو ستّة أيّام ‪ ،‬فأقصى المدّة الّتي يجوز مدّ الخيار‬
‫إليها في العقار ( ‪ ) 36‬يوما ‪ .‬وهناك اليومان الملحقان بزمن الخيار وهما للتّمكين من ردّ‬
‫ستّة " بيد المشتري وهو يريد الفسخ ‪،‬‬
‫المبيع إذا كان حين انتهاء المدّة " الشّهر واليّام ال ّ‬
‫والحكم عند المالكيّة أن يلزم المبيع على من هو بيده عند انتهاء المدّة دون فرق بين أن يكون‬
‫الخيار له أو للعاقد الخر ‪ .‬فاليومان الملحقان هما لهذا الغرض " دفع اللّزوم عن المشترى‬
‫دون إرادته " ‪ .‬أمّا زمن الخيار للعقار فهو شهر وستّة أيّام ‪.‬‬
‫الدّوابّ ‪:‬‬
‫‪ - 13‬وتختلف المدّة فيها بحسب المقصود من الخيار فيها ‪ ،‬فإن كان الخيار لمعرفة قوّتها‬
‫وأكلها وسعرها فأقصى مدّته ثلثة أيّام ‪.‬‬
‫وإن كان خيار الشّرط متضمّنا أنّها للختبار في البلد نفسه فالمدّة يوم واحد وشبهه ‪ ،‬أمّا إن‬
‫كان خارجه فأقصى المدّة بريد عند ابن القاسم ‪ ،‬وبريدان عند أشهب ‪.‬‬
‫وقد ألحق بالثّلثة اليّام يوم واحد لتمكين المشتري من ردّ المبيع ‪ ،‬كما سلف ‪.‬‬
‫بقيّة الشياء ‪:‬‬
‫‪ - 14‬وتشمل ‪ :‬الثّياب ‪ ،‬والعروض ‪ ،‬والمثليّات ‪ .‬وأقصى المدّة لها ثلثة أيّام ويلحق بها يوم‬
‫ب " وبالرّغم‬
‫‪ .‬وقد أطلق الخرشيّ لفظ " المثليّات " على كلّ ما عدا " الرّقيق والعقار والدّوا ّ‬
‫من شمول المثليّات للخضر والفواكه إلّ أنّ لهذين الصّنفين حكما خاصّا بهما من حيث المدّة‬
‫نظرا لطبيعتهما الخاصّة من تسارع التّلف إليهما ‪ ،‬فالخضر والفواكه بخاصّة أمد الخيار فيهما‬
‫بقدر الحاجة ‪ ،‬أو بعبارة أخرى المدّة الّتي ل تتغيّر فيها ‪.‬‬
‫التّجاه الثّالث ‪ :‬التّحديد بثلثة أيّام ‪:‬‬
‫‪ - 15‬وهذا التّحديد بثلثة أيّام بلياليها مهما كان المعقود عليه ‪ ،‬مع المنع من مجاوزتها ‪ .‬وهو‬
‫مذهب أبي حنيفة وصاحبه زفر ‪ ،‬والشّافعيّ في الوجه المشهور عنه ‪.‬‬
‫ج لهذا التّحديد بما جاء في حديث حبّان بن منقذ ال سّابق ذكره لثبات الخيار فيه على‬
‫وقد احت ّ‬
‫ثلثة أيّام ‪.‬‬
‫والبيان الدّقيق لمستند أبي حنيفة في تحديد الثّلثة اليّام هو ما ذكره صاحبه أبو يوسف ‪ ،‬فقد‬
‫قال في بيان مذهب المام ‪ :‬ل يكون الخيار فوق ثلثة أيّام ‪ ،‬بلغنا عن رسول اللّه صلى ال‬
‫عليه وسلم أنّه كان يقول ‪ « :‬من اشترى شا ًة محفّل ًة فهو بخير النّظرين ثلثة أيّام ‪ :‬إن شاء‬
‫ردّها وردّ معها صاعا من تمر أو صاعا من شعير » ‪.‬‬
‫فجعل أبو حنيفة الخيار كلّه على قول رسول اللّه صلى ال عليه وسلم ‪.‬‬
‫وكان ابن أبي ليلى يقول ‪ " :‬الخيار جائز شهرا كان أو سنةً وبه نأخذ " ‪.‬‬
‫ونحوه مستند الشّافعيّ ‪ ،‬كما رواه البيهقيّ في معرفة السّنن قال الشّافعيّ ‪ :‬الصل في البيع‬
‫بالخيار أن يكون فاسدا ‪ ،‬ولكن لمّا شرط رسول اللّه صلى ال عليه وسلم في المصرّاة خيار‬
‫ثلث في البيع ‪ ،‬وروي عنه أنّه جعل لحبّان بن منقذ خيار ثلث فيما ابتاع ‪ ،‬انتهينا إلى ما‬
‫قال صلى ال عليه وسلم ‪.‬‬
‫ن الخيار مناف لمقتضى العقد وقد جاز للحاجة ‪ ،‬فيقتصر على‬
‫كما احتجّوا له من المعقول بأ ّ‬
‫ج بمثل ذلك النّوويّ بعدما أشار إلى حديث حبّان ‪.‬‬
‫القليل منه ‪ ،‬وآخر القلّة ثلث ‪ ،‬واحت ّ‬
‫الزّيادة على الثّلث ‪:‬‬
‫‪ - 16‬إذا زادت مدّة خيار الشّرط على ثلثة أيّام بلياليها لدى هذا الفريق من الفقهاء القائل‬
‫بالتّحديد بها ‪ ،‬فالعقد فاسد عند أبي حنيفة وزفر ‪ ،‬وباطل عند الشّافعيّ ‪ ،‬ذهابا منه إلى أنّ‬
‫إسقاط الزّيادة ل يصحّح العقد بعد مفارقة المجلس فقط ‪،‬بل في المجلس أيضا على المشهور‪،‬‬
‫ن المجلس ثبت لعقد صحيح ‪ ،‬ل لفاسد ‪ ،‬لوقوعه على وجه ل يثبت دائما ‪.‬‬
‫لّ‬
‫غير أنّ أبا حنيفة وحده ذهب إلى أنّ إسقاط شرط الخيار الزّائد عن الثّلث ‪ -‬أو إسقاط‬
‫الزّيادة ‪ -‬يصحّح العقد ‪ ،‬ولو حصل ذلك السقاط بعد مفارقة مجلس العقد ‪ ،‬وذلك ما لم‬
‫ن إسقاط الزّائد ل يصحّح العقد لنّ‬
‫تمض اليّام الثّلثة ‪ .‬وخالفه صاحبه زفر فذهب إلى أ ّ‬
‫البقاء على حسب الثّبوت ‪.‬‬
‫وذهب المالكيّة إلى أنّ من الصّور المفسدة ‪:‬‬
‫‪ -‬اشتراط مشاورة من ل يعلم ما عنده إلّ بعد فراغ المدّة بأمد ‪ ،‬كما لو اشترط الخيار في‬
‫ن المدّة المحدّدة للعقار أقصاها ثمانية وثلثون يوما ‪.‬‬
‫العقار لمدّة أربعين يوما مع أ ّ‬
‫‪ -‬اشتراط مدّة زائدة على مدّة تلك السّلعة بكثير ‪ ،‬أمّا لو بزيادة يوم أو بعضه فل يضرّ ‪.‬‬
‫الخيار المطلق ‪:‬‬
‫‪ - 17‬في الخيار المطلق عن المدّة تتّجه المذاهب إلى أربعة اتّجاهات ‪ :‬بطلن العقد أو فساده‬
‫‪ -‬بطلن الشّرط دون العقد ‪ -‬صحّة العقد وتعديل الشّرط ‪ -‬صحّة العقد وبقاء الشّرط بحاله ‪.‬‬
‫أ ‪ -‬بطلن العقد أو فساده ‪ ،‬فالبطلن هو ما ذهب إليه من الفقهاء الشّافعيّة والحنابلة ‪ -‬في‬
‫إحدى الرّوايتين ‪ -‬وذهب الحنفيّة إلى فساده ولم يفرّقوا هنا بين الجهالة المتفاحشة أو المتقاربة‬
‫ن أبا حنيفة وصاحبيه ذهبوا إلى أنّ صاحب هذا‬
‫كالحصاد مثلً ‪ ،‬كما ذكر الكاسانيّ ‪ ،‬ثمّ إ ّ‬
‫الخيار المفسد لو أبطل خياره ‪ ،‬أو بيّنه ‪ ،‬أو سقط بسبب ما ولزم البيع في اليّام الثّلثة التّالية‬
‫للعقد عند الصّاحبين " خلفا لبي حنيفة المشترط حصول ذلك قبل مضيّ اليّام الثّلثة "‬
‫انقلب العقد صحيحا عند الجميع ‪ -‬بل لو بعد الثّلثة عند الصّاحبين ‪ -‬لحذف المفسد قبل‬
‫اتّصاله بالعقد لنّهما يجيزان الزّيادة عن الثّلثة ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬بطلن الشّرط دون العقد ‪ ،‬وهو رواية لحمد ومذهب ابن أبي ليلى ‪.‬‬
‫ج ‪ -‬صحّة العقد وتعديل الشّرط ‪ ،‬فالخيار المطلق أو المؤبّد هنا يخوّل القاضي تحديد المدّة‬
‫ن الخيار مقيّد في العادة ‪ ،‬فإذا‬
‫ل العقد ‪ ،‬ل ّ‬
‫المألوفة في العادة لختبار مثل السّلعة الّتي هي مح ّ‬
‫أطلقا حمل عليه ‪ .‬وهذا مذهب مالك ‪.‬‬
‫ن العاقدين إن أطلقا الخيار ولم يوقّتاه بمدّة توجّه أن يثبت ثلثا ‪ ،‬لخبر‬
‫وقد اختار ابن تيميّة أ ّ‬
‫حبّان بن منقذ ‪.‬‬
‫د ‪ -‬صحّة العقد وبقاء الشّرط بحاله ‪ :‬فيبقى الخيار مطلقا أبدا كما نشأ حتّى يصدر ما يسقطه‪.‬‬
‫وهذا مذهب ابن شبرمة ‪ ،‬وقول لحمد ‪.‬‬
‫تأبيد الخيار ‪:‬‬
‫‪ - 18‬من الشّروط المفسدة ‪ :‬شرط خيار مؤبّد في البيع بأن قال " أبدا أو أيّاما " ‪.‬‬
‫التّوقيت بوقت مجهول ‪:‬‬
‫‪ - 19‬من الشّروط المفسدة ‪ :‬شرط خيار مؤقّت بوقت مجهول سواء كانت جهالةً متفاحشةً ‪،‬‬
‫كهبوب الرّياح ‪ ،‬ومجيء المطر ‪ ،‬وقدوم فلن ‪ ،‬وموت فلن ‪ ،‬ووضع الحامل ونحوه ‪ .‬أو‬
‫جهالةً متقاربةً ‪ ،‬كالحصاد والدّياس ‪ ،‬وقدوم الحاجّ ‪.‬‬
‫ثالثا ‪ :‬شريطة التّصال ‪ ،‬والموالة ‪:‬‬
‫‪ - 20‬المراد بالتّصال أن تبدأ مدّة الخيار من فور إبرام العقد ‪ ،‬أي ل يتصوّر أن تتراخى‬
‫عنه ‪ ،‬فلو شرط المتعاقدان الخيار ثلثة أيّام مثلً من آخر الشّهر ‪ ،‬أو تبدأ من الغد ‪ ،‬أو تبدأ‬
‫متى شاء ‪ ..‬أو شرطا خيار الغد دون اليوم ‪ ،‬فسد العقد لمنافاته لمقتضاه ‪ ،‬والمراد بالمقتضى‬
‫ي‪":‬‬
‫هنا ‪ :‬حصول آثاره مباشر ًة ‪ .‬هذا ما ذهب إليه الحنفيّة والشّافعيّة والحنابلة ‪ ،‬قال النّوو ّ‬
‫ويشترط أن تكون المدّة متّصلةً بالعقد ‪ .‬ل يجوز أن يشترط خيارا متراخيا عن العقد " لكنّ‬
‫الحنفيّة ل يبطلون هذا العقد لنّه يمكن تصحيحه نظرا لذهابهم إلى التّفرقة بين البطلن‬
‫والفساد ‪ ،‬والفاسد من العقود منعقد ويحتمل بعضه التّصحيح ‪ ،‬وسبيل ذلك هنا اعتبار المدّة‬
‫ن اشتراط خيار أيّام‬
‫الفاصلة بين العقد وبين مبدأ المدّة المحدّدة مشمولةً بالشّرط ‪ ،‬فقد ذكروا أ ّ‬
‫غير متّصلة بالعقد ‪ ،‬مثل ما لو كان العقد في آخر رمضان واشترط خيار يومين بعد رمضان‬
‫فهو جائز ‪ ،‬وله ثلثة أيّام" اليوم الخر من رمضان واليومان ممّا بعده" ‪ .‬وهكذا يحمل كلمه‬
‫على إرادة المدّة المتّصلة وما بعدها ‪ .‬أمّا إذا كان الشتراط غير قابل للحمل على ذلك فهو‬
‫ل من العاقدين وبإرادة القاضي ‪ ،‬ومثاله في الصّورة السّابقة‬
‫عقد فاسد مستحقّ للفسخ بإرادة ك ّ‬
‫‪ -‬عند الشّافعيّة ‪ -‬ما لو ذكر أنّه ل خيار له في رمضان ‪ ،‬وله كذا يوما ممّا بعده فالعقد فاسد‬
‫‪.‬‬
‫‪ - 21‬ويتبع شريطة التّصال شريط ًة أخرى يمكن تسميتها " الموالة " لنّ المراد بها ‪ :‬تتابع‬
‫أجزاء مدّة الخيار ‪ .‬فلو شرطا الخيار لمدّة ثلثة أيّام على أنّه يوما يثبت ويوما ل يثبت ففيه‬
‫عند الحنابلة وجهان ‪:‬‬
‫صحّة في اليوم الوّل ‪ ،‬لمكانه ‪ ،‬والبطلن‬
‫أحدهما ‪ -‬وهو اختيار أبي الوفاء بن عقيل ‪ : -‬ال ّ‬
‫ن العقد إذا لزم في اليوم الثّاني لم يعد إلى عدم اللّزوم ‪.‬‬
‫فيما بعده ‪ ،‬ل ّ‬
‫والوجه الخر ‪ :‬احتمال بطلن الشّرط كلّه ‪ ،‬لنّه شرط واحد تناول الخيار في أيّام ‪ ،‬فإذا فسد‬
‫في بعضه فسد جميعه ‪.‬‬
‫رابعا ‪ :‬تعيين مستحقّ الخيار ‪:‬‬
‫‪ - 22‬مستحقّ الخيار أو صاحب الخيار ‪ :‬هو ذلك الشّخص الّذي يكون إليه استعمال الخيار‬
‫وممارسته سواء كان هو مشترطه أو خوّل إليه من العاقد الخر ‪ ،‬وسواء أكان طرفا في‬
‫العقد أم كان أجنبيّا عنه ‪ ،‬ول يصحّ تطرّق الجهالة إلى مستحقّ الخيار ‪ ،‬فلو اتّفق العاقدان‬
‫على أنّ الخيار لحدهما ل بعينه ‪ ،‬ولم يبيّنا هل هو البائع أم المشتري ‪ ،‬أو تعاقدا على أن‬
‫يكون الخيار لشخص ما يعيّنه أحدهما فيما بعد ‪ ،‬أو لمن يشاء أحدهما ‪ ،‬فهذا كلّه فيه جهالة‬
‫مفضية للنّزاع ‪.‬‬
‫ح ‪ ،‬لنّه مجهول ولنّه يفضي إلى التّنازع ‪ .‬لذا كان ل بدّ‬
‫ولذا صرّح ابن قدامة بأنّه ل يص ّ‬
‫من تعيين مستحقّ الخيار تعيينا مشخّصا أهو للبائع أو للمشتري ‪ ،‬وكذلك تعيينه بالذّات إن‬
‫كان أجنبيّا عن العقد ‪ ،‬وعدم الكتفاء بذكر الصّفة " مثلً " كقوله ‪ :‬على أن يكون الخيار لحد‬
‫ال ّتجّار أو الخبراء دون تحديد ‪ .‬وقال النّوويّ ‪ " :‬لو بشرط الخيار لحدهما دون الخر ففي‬
‫صحّة " ‪.‬‬
‫صحّة البيع قولن ‪ ،‬الصحّ ‪ :‬ال ّ‬
‫ما يثبت فيه خيار الشّرط ‪:‬‬
‫‪ - 23‬خيار الشّرط ل يثبت في غير العقود ‪ ،‬والعقود الّتي يمكن فيها وقوع خيار الشّرط هي‬
‫ن فائدته إنّما تظهر فيها فقط ‪.‬‬
‫العقود اللّازمة القابلة للفسخ ‪ ،‬ل ّ‬
‫أمّا العقود غير اللّازمة فهي بما تتّصف به من طبيعة عدم اللّزوم ل فائدة لشتراط خيار فيها‬
‫وأمّا العقود الّتي ل تقبل الفسخ فيتعذّر قيام الخيار فيها ‪ ،‬لنّه يناقض طبيعتها ‪.‬‬
‫والبيع هو المجال الساسيّ لخيار الشّرط ‪ ،‬وجريان الخيار في البيع اتّفاقيّ ‪ ،‬لنّه هو العقد‬
‫الّذي وردت فيه أخبار مشروعيّته ‪ ،‬والبيع عقد لزم قابل للفسخ " بطريق القالة " فهو يقبل‬
‫ص الهداية للمرغينانيّ ‪ ،‬كما‬
‫الفسخ بخيار الشّرط ‪ .‬بل يدخل الخيار في البيع الفاسد كما هو ن ّ‬
‫ل فرق بين كون البيع بيع مساومة ‪ ،‬أو بيع أمانة كالمرابحة وأخواتها ‪.‬‬
‫أمّا المستثنيات من البيع فهي ‪ :‬السّلم ‪ ،‬والصّرف ‪ ،‬وبيع الرّبويّ بجنسه ‪ ،‬وقد عبّر عنها‬
‫ل بيع قبض عوضه شرط لصحّة العقد ‪.‬‬
‫بعض الحنابلة بقوله ‪ :‬ك ّ‬
‫وهي عقود يبطلها خيار الشّرط إن لم يحصل إسقاطه في المجلس قبل التّفرّق ‪.‬‬
‫ل بالضّابط ‪ ،‬وهو ثبوته في العقد‬
‫ن استثناء السّلم والصّرف مخ ّ‬
‫وقد نبّه ابن عابدين على أ ّ‬
‫اللّازم المحتمل الفسخ ‪ ،‬فهما أي السّلم والصّرف كذلك ‪.‬‬
‫وقد ذهب المالكيّة إلى جوازه في السّلم إلى أجل قصير ‪ .‬وتفصيل ذلك في ( سلم ‪ ،‬صرف )‬
‫‪ .‬ويجري خيار الشّرط في الجارة مطلقا عند الحنفيّة والمالكيّة ‪ ،‬أمّا الشّافعيّة والحنابلة فقيّدوا‬
‫الخيار بالجارة الّتي في ال ّذمّة ‪ ،‬أمّا الجارة المعيّنة فيدخلها الخيار إذا كانت لمدّة غير تالية‬
‫ح شرط الخيار فيها ‪ ،‬لنّه يفضي إلى‬
‫للعقد ‪ .‬أمّا إن كانت لمدّة تبدأ من فور العقد فل يص ّ‬
‫فوات بعض المنافع ‪ ،‬أو إلى استيفائها في مدّة الخيار ‪ ،‬وكلهما غير جائز ‪ ،‬وفي وجه‬
‫للحنابلة ‪ :‬تجوز في المدّة التّالية للعقد أيضا ‪ ،‬فإن فسخ رجع بقيمة المنافع ‪.‬‬
‫والحوالة ‪ :‬اختلف في قبولها خيار الشّرط على رأيين ‪:‬‬
‫الوّل ‪ :‬تقبله ‪ ،‬وعليه الحنفيّة وهو احتمال للحنابلة ‪ -‬كما ذكر ابن قدامة ‪ -‬فيجوز عندهم‬
‫اشتراط الخيار في الحوالة لكلّ من المحال ‪ ،‬والمحال عليه ‪ -‬وهما اللّذان يجب رضاهما في‬
‫عقدها ‪ -‬أمّا المحيل ‪ -‬ورضاه غير واجب في الصحّ ‪ -‬فليس له اشتراط الخيار أصالةً أي‬
‫باعتباره طرفا في العقد ‪ ،‬أمّا إن اشترط له كما يشترط الجنبيّ من قبل أحد العاقدين ‪ ،‬بأن‬
‫اشترطه له المحال أو المحال عليه فيجوز ‪ ،‬ولكن تطبّق أحكام الشتراط لجنبيّ ‪ ،‬وهي‬
‫ثبوته له على وجه النّيابة فيكون له وللمشترط ‪.‬‬
‫وعلّل ابن قدامة قبول الحوالة لخيار الشّرط بأنّها معاوضة يقصد بها العوض ‪.‬‬
‫الثّاني ‪ :‬عدم قبول الحوالة لخيار الشّرط ‪ ،‬وهو مذهب الشّافعيّة والحنابلة ‪ ،‬لنّ عقد الحوالة‬
‫لم يبن على المغابنة ‪ .‬ولم نعثر للمالكيّة على رأي في هذه المسألة ‪.‬‬
‫وكذلك القسمة ‪ :‬اختلف الرّأي فيها بحسب النّظر إليها هل هي بيع كما قال الحنفيّة أم هي‬
‫تمييز حقوق كما يرى الشّافعيّة والحنابلة وهو مفاد مذهب المالكيّة ‪.‬‬
‫ن خيار الشّرط لم يشرع خاصّا بالبيع ‪ ،‬بل‬
‫ج بأ ّ‬
‫ومن أثبت خيار الشّرط فيها من الحنابلة احت ّ‬
‫هو للتّروّي وتبيّن أرشد المرين ‪ ،‬وهذا المعنى موجود في القسمة ‪.‬‬
‫والقسمة أنواع ‪ :‬قسمة الجناس المختلفة ‪ ،‬وهي قسمة تراض ل إجبار فيها ‪ -‬وقسمة الجنس‬
‫من المثليّات ‪ ،‬وهي تقبل الجبار ول يدخلها خيار الشّرط ‪ -‬وقسمة الجنس الواحد من‬
‫القيميّات ‪ ،‬كالبقر والغنم ‪ ،‬أو الثّياب من جنس واحد وهي تقبل الجبار ويدخلها خيار الشّرط‬
‫على الصّحيح المفتى به ‪.‬‬
‫والكفالة ‪ :‬يدخلها خيار الشّرط عند الحنفيّة خلفا للمالكيّة والشّافعيّة والحنابلة ‪ .‬وللكفالة‬
‫خصّيصة في باب خيار الشّرط من حيث التّوقيت إذ يجوز فيها أكثر من ثلثة أيّام عند أبي‬
‫حنيفة خلفا لمذهبه في اشتراط التّحديد بالثّلث ‪ ،‬لنّ الكفالة عقد مبنيّ على التّوسّع ‪.‬‬
‫والوقف ‪ :‬يجري فيه خيار الشّرط عند أبي يوسف ‪ ،‬فقد ذهب إلى أن الواقف إذا شرط في‬
‫الوقف الخيار لنفسه مدّ ًة معلومةً جاز الوقف والشّرط ‪ ،‬وأمّا عند محمّد ‪ ،‬فالوقف باطل ‪،‬‬
‫وشرط الخيار فاسد ‪ ،‬وهو قول الشّافعيّ وأحمد ‪ .‬وتفصيله في ( وقف ) ‪.‬‬
‫اشتراط الخيار للمتعاقدين ‪:‬‬
‫ن خيار الشّرط يصحّ اشتراطه ليّ واحد من المتعاقدين أو لكليهما " ففي‬
‫‪ - 24‬من المقرّر أ ّ‬
‫البيع مثلً ‪ :‬للبائع والمشتري " ‪ .‬وهو ما ذهب إليه جمهور الفقهاء ‪ ،‬ول يعرف في ذلك‬
‫خلف ‪ ،‬إلّ ما روي عن سفيان الثّوريّ وابن شبرمة من أنّه يختصّ بالمشتري ‪ ،‬وليس للبائع‬
‫ن مجال الخيار عندهما هو عقد البيع فقط "‬
‫أن يشترطه لنفسه ‪ " ،‬ومقتضى هذا النّقل عنهما أ ّ‬
‫وعند هذين إذا اشترطه البائع فسد العقد ‪.‬‬
‫وفي اشتراطه للعاقدين أو أحدهما ل فرق أن ينشأ الشتراط من العاقد لنفسه أو منه للعاقد‬
‫الخر ‪ ،‬وهو أمر يحصل كثيرا ‪ ،‬إذ يجعل البائع الخيار للمشتري ‪ ،‬كما لو قال البائع ‪ :‬بعت‬
‫لك ذا الشّيء على أنّك بالخيار ‪ ،‬فإذا صدر القبول من المشتري كان الخيار له ‪ ،‬ويثبت‬
‫الخيار لمن شرط له وحده دون العاقد المشترط ‪ ،‬إلّ إذا شرطه لنفسه أيضا ورضي الخر ‪.‬‬
‫اشتراط الخيار للجنبيّ عن العقد ‪:‬‬
‫ح اشتراط الخيار لجنبيّ عن العقد ‪ ،‬سواء وقع الشتراط من العاقدين أو من‬
‫‪ - 25‬يص ّ‬
‫أحدهما ‪ ،‬وسواء أكان الجنبيّ المشترط له الخيار شخصا واحدا معيّنا من العاقدين كليهما أو‬
‫ص عليه الشّافعيّة ‪ ،‬وهو غير‬
‫كان عن كلّ منهما شخص غير من اشترطه الخر ‪ ،‬على ما ن ّ‬
‫ن دلئل الجواز تشمله ‪.‬‬
‫محتاج إلى نصّ عن غيرهم ‪ ،‬ل ّ‬
‫وأصل هذا الحكم " صحّة الشتراط لجنبيّ " موضع اتّفاق بين الفقهاء ‪ ،‬على أن يكون‬
‫ل بطل الخيار ‪.‬‬
‫المجعول له الخيار ممّن يجوز قوله ‪ -‬ل كالطّفل غير المميّز ‪ -‬وإ ّ‬
‫ومستند هذا الحكم عند الحنفيّة الستحسان ‪ ،‬فهو على خلف القياس ‪ ،‬ولذا خالف فيه زفر‬
‫ن الخيار من مواجب العقد وأحكامه ‪ ،‬فل يجوز عنده اشتراطه لغير العاقدين ‪.‬‬
‫مستدلّا بأ ّ‬
‫ن فيه مصلح ًة ظاهرةً‬
‫واستدلّ القائلون بالجواز بأنّ ثبوته بالستحسان لمسيس الحاجة إليه ‪ ،‬ل ّ‬
‫حين يكون المتعاقد قليل الخبرة بالشياء يخشى الوقوع في الغبن فيلجأ إلى من هو أبصر منه‬
‫ن ثبوت الخيار للجنبيّ ليس أصال ًة بل هو بطريق‬
‫ويفوّض إليه الخيار ‪ .‬وفضلً عن هذا أ ّ‬
‫النّيابة عن العاقد الّذي جعله له ‪ -‬على ما ذهب إليه الفقهاء ‪ -‬فيقدّر الخيار للعاقد اقتضاءً ‪،‬‬
‫ي نائبا عنه ‪ ،‬تصحيحا لتصرّف العاقد ‪.‬‬
‫ثمّ يجعل الجنب ّ‬
‫فإذا جعل الخيار لجنبيّ ‪ ،‬فما هي صفة هذا الجعل ؟ وما أثره ؟‬
‫للفقهاء في هذه المسألة وجهتان ‪ :‬إحداهما ‪ :‬أنّه يعتبر بمثابة توكيل لغيره يقتضي ثبوت‬
‫الخيار لنفسه ‪ ،‬فالخيار للعاقد والجنبيّ معا ‪ .‬وهذا مذهب الحنفيّة والمالكيّة والحنابلة ‪.‬‬
‫بل إنّ الحنابلة جعلوا الخيار لهما أيضا فيما لو قصر العاقد الخيار على الجنبيّ وقال ‪ :‬هو‬
‫له دوني ‪ ،‬وذهب أبو يعلى منهم إلى أنّه حينئذ ل يصحّ ‪.‬‬
‫الوجهة الخرى ‪ :‬أنّه يثبت للجنبيّ وحده ‪ ،‬وهو الصحّ عند الشّافعيّة وقالوا ‪ :‬إنّ جعل‬
‫الخيار للجنبيّ تفويض ‪ -‬أو تحكيم ‪ -‬ل توكيل ‪ .‬وينظر تفصيله في كتب الشّافعيّة ‪.‬‬
‫شرط الستئمار " أو المؤامرة " أو المشورة ‪:‬‬
‫‪ - 26‬ممّا يتّصل بمعرفة صاحب الخيار قضيّة اشتراط مشورة فلن من النّاس ‪،‬أو استئماره‪:‬‬
‫ن لكلّ من المستأمر والمستأمر الستقلل في‬
‫أي معرفة أمره وامتثاله ‪ ،‬فذهب المالكيّة إلى أ ّ‬
‫ال ّردّ والمضاء " بخلف ما لو كان على خياره ورضاه ‪ ،‬فل استقلل له دون من شرط له ‪،‬‬
‫وهذا في المشورة المطلقة ‪ ،‬أمّا إذا قال على مشورته إن شاء أمضى وإن شاء ر ّد فهذا‬
‫بمنزلة الخيار " ‪.‬‬
‫وللمالكيّة هاهنا تفصيل بحسب صيغة جعل الخيار للجنبيّ ‪،‬فهي إمّا أن تكون بلفظ المشورة‪،‬‬
‫ن للعاقد ‪ -‬بائعا كان‬
‫وإمّا أن تكون بلفظ الخيار أو الرّضا ‪ .‬فإذا قال ‪ :‬على مشورة فلن ‪ ،‬فإ ّ‬
‫أو مشتريا ‪ -‬أن يستبدّ بإبرام العقد أو فسخه دون أن يفتقر ذلك إلى مشورته ‪.‬‬
‫لنّه ل يلزم من المشاورة الموافقة ‪ ،‬ومشترط المشورة اشترط ما يقوّي به نظره ‪.‬‬
‫أمّا إذا قال ‪ :‬على خيار فلن أو رضاه ‪ ،‬ففي ذلك أقوال أربعة ‪ ،‬والمعتمد منها أنّه تفويض‬
‫ن اشتراط‬
‫ل بإبرام العقد أو فسخه ‪ ،‬ذلك أ ّ‬
‫فليس للعاقد ‪ -‬بائعا كان أو مشتريا ‪ -‬أن يستق ّ‬
‫الخيار ‪ -‬أو الرّضا ‪ -‬للجنبيّ عندهم ليس توكيلً بل هو تفويض ‪ ،‬حيث إنّه باشتراط الخيار‬
‫لغيره معرض عن نظر نفسه ‪ ،‬وقد ألحقوا بلفظ الخيار أو الرّضا لفظ المشورة ‪ -‬السّابق‬
‫ذكره ‪ -‬إذا جاء مقيّدا بما يدنو به إلى هذين اللّفظين مثل أن يقول ‪ :‬على مشورة فلن إن شاء‬
‫أمضى وإن شاء ردّ ‪ ،‬فحكم هذا كالخيار والرّضا ‪ .‬ومن هنا يعلم أنّه يلحق باللّفظين ما في‬
‫معناهما من ألفاظ مستحدثة تؤدّي المعنى نفسه كالرّغبة والرّأي ‪.‬‬
‫وعند الشّافعيّة في هذا اتّجاهان ‪ :‬أحدهما ‪ :‬أنّه ليس له أن يفسخ حتّى يقول ‪ :‬استأمرته‬
‫فأمرني بالفسخ ‪ ،‬والتّجاه الخر ‪ -‬وعليه الحنابلة ‪ : -‬أنّه ل يشترط استئماره ‪ ،‬وأنّ نصّ‬
‫الشّافعيّ الّذي اعتمده المثبتون قد جاء بقصد الحتياط لئلّ يكون كاذبا ‪.‬‬
‫ونحوه ما ذكر ابن حزم عن ابن عمر أنّه فضّل " إن أخذت على إن رضيت " ‪ ،‬إذ قد يرضى‬
‫‪ ،‬ثمّ يدّعي أنّه لم يرض ‪ ،‬وقد صحّح النّوويّ الرّأي الوّل ‪.‬‬
‫ول بدّ من تعيين من سيشاوره ‪ .‬أمّا لو قال ‪ :‬على أن أشاور " كما يقع كثيرا " ‪ ،‬لم يكف ‪.‬‬
‫قال الذرعيّ ‪ :‬والظّاهر يكفي ‪ ،‬وهو في هذا شارط الخيار لنفسه ‪.‬‬
‫ولم نعثر للحنفيّة على نصّ في هذه المسألة ‪.‬‬
‫النّيابة في الخيار ‪:‬‬
‫‪ - 27‬الخيار يثبت للعاقد المشترط الخيار لنفسه مهما كانت صفة العاقد ‪ ،‬فسواء أكان مالكا‬
‫للمعقود عليه ‪ ،‬أم وصيّا يعقد لمصلحة الموصى عليه ‪ ،‬أم وليّا لمصلحة المولّى عليه ‪ ،‬أم كان‬
‫ن اشتراط الخيار في حال الولية أو الوصاية هو من باب النّظر‬
‫يعقد بالوكالة ‪ .‬ذلك أ ّ‬
‫والرّعاية للصّغير فذلك لهما ‪ .‬وأمّا في الوكالة ‪ ،‬فلنّ تصرّفه بأمر الموكّل وقد أمره بالعقد‬
‫أمرا مطلقا فيظلّ على إطلقه ‪ ،‬فيشمل العقد بخيار أو بدونه ‪.‬‬
‫وكذلك المضارب أو الشّريك شركة عنان أو مفاوضة ‪ ،‬يملك شرط الخيار في معاملت‬
‫الشّركة بمقتضى إطلق عقد الشّركة ‪ .‬وهذا شامل لما لو شرط الخيار لنفسه أو للعاقد الخر‬
‫الّذي يشاطره التّعاقد على ما ذكر الحنفيّة ‪.‬‬
‫ح الوجهين ‪ -‬إذا اشترطه الوكيل لنفسه أو‬
‫أمّا الشّافعيّة فقد قالوا بصحّته في الوكالة ‪ -‬في أص ّ‬
‫لموكّله ‪ ،‬لنّه ل ضرر فيه ‪ ،‬كما منعوا الوكيل بالبيع أن يشترط الخيار للمشتري ‪ ،‬وكذلك‬
‫العكس ‪ ،‬فليس للوكيل بالشّراء أن يشترط الخيار للبائع ‪ ،‬فإن فعل الوكيل ذلك بطل العقد ‪،‬‬
‫وهذا ما لم يأذن الموكّل في الصّورتين ‪ ،‬والصحّ عند الشّافعيّة أنّه ل يتجاوز الخيار من‬
‫ص عن‬
‫شرط له فل يثبت للموكّل إذا اشترطه الوكيل لنفسه ول العكس ‪ -‬وهو ظاهر النّ ّ‬
‫ن ثبوته بالشّرط فكان لمن شرطه خاصّ ًة ‪ .‬أمّا إذا أذن له الموكّل في شرط‬
‫الشّافعيّ ‪ -‬ل ّ‬
‫ن معظم‬
‫الخيار وأطلق ‪ ،‬فشرط الوكيل كذلك بإطلق ‪ ،‬ففيه أوجه ‪ ،‬أصحّها أنّه للوكيل ‪ ،‬ل ّ‬
‫ن الخيار منوط برضا وكيله ‪.‬‬
‫أحكام العقد متعلّقة به وحده ول يلزم العقد برضا الموكّل ‪ ،‬ل ّ‬
‫والحنابلة كالشّافعيّة في صحّة اشتراط الوكيل الخيار لنفسه ‪ ،‬ل للعاقد الخر مع احتمال‬
‫الجواز عندهم فيها بناءً على الرّواية الّتي تقول ‪ :‬للوكيل التّوكيل ‪.‬‬
‫ظ الموكّل ‪ ،‬لنّه مؤتمن ‪.‬‬
‫ن على الوكيل أن يفعل ما فيه ح ّ‬
‫ثمّ إ ّ‬
‫وكما يثبت الخيار لصاحبه على وجه النفراد إذا كان المشترى أو البائع واحدا ‪ ،‬يثبت للمتعدّد‬
‫أيضا إذا كان الطّرف المتعاقد متعدّدًا ‪ ،‬كما لو باع شريكان شيئا ‪ ،‬أو باع المالك سلع ًة لثنين‬
‫واشترطا الخيار لهما ‪.‬‬
‫آثار الخيار ‪:‬‬
‫أوّلً ‪ :‬أثر الخيار على حكم العقد ‪:‬‬
‫‪ - 28‬حكم الخيار أنّه يمنع ثبوت حكم العقد ‪ ،‬فل يترتّب عليه الحكم المعتاد للحال في حقّ‬
‫من له الخيار ‪ ،‬وذلك موضع اتّفاق بين أبي حنيفة وصاحبيه ‪ ،‬وهو عند أبي حنيفة في حقّ‬
‫العاقد الخر أيضا ‪ ،‬وقال صاحباه ‪ :‬الحكم نافذ في حقّ من ل خيار له ‪ ،‬لنّه ل مانع بالنّسبة‬
‫له ‪ -‬وسيترتّب على ذلك انتقال الملك عنه ‪ -‬ولذا قال الكاسانيّ ‪ " :‬هو للحال موقوف ‪ ،‬على‬
‫معنى أنّه ل يعرف حكمه للحال ‪ ،‬وإنّما يعرف عند سقوط الخيار " والعلّة في القول بأنّه‬
‫موقوف الحكم أنّه ل يدري أيتّصل به الفسخ أو الجازة ‪ .‬ثمّ قال بعدئذ ‪ " :‬فيتوقّف في‬
‫الجواب للحال ‪ ،‬وهذا تفسير التّوقّف عندنا ‪ ،‬وقال في موطن آخر ‪ :‬شرط الخيار يمنع انعقاد‬
‫العقد في حقّ الحكم للحال " ‪.‬‬
‫ل من المتعاقدين لم‬
‫وتبيّن من منع ثبوت الحكم في حقّ من له الخيار ‪ ،‬أنّه لو كان الخيار لك ّ‬
‫يترتّب على العقد حكمه في الحال ‪ ،‬فل يخرج المبيع من ملك البائع ‪ ،‬ول الثّمن من ملك‬
‫ت إلّ من حيث تعرّضه‬
‫المشتري اتّفاقا بين أئمّة الحنفيّة ‪ ،‬فل يفترق هذا العقد عن العقد البا ّ‬
‫للفسخ بموجب خيار الشّرط الّذي زلزل حكم العقد وجعله عرضةً للفسخ ‪.‬‬
‫ففي حال اشتراط الخيار للطّرفين ل يثبت حكم العقد أصلً ‪.‬‬
‫وإلى مثل ذلك ذهب الشّافعيّة في صورة اشتراط الخيار للطّرفين ‪ ،‬حيث نصّوا على أنّه‬
‫موقوف ‪ ،‬ل يحكم بانتقاله للمشتري ‪ ،‬ول أنّه للبائع خالصًا حتّى ينقضي الخيار ‪.‬‬
‫وعند المالكيّة ملكيّة محلّ الخيار باقية للبائع ‪ ،‬ولم تنتقل إلى المشتري ‪ ،‬فحكم العقد المشتمل‬
‫على خيار أنّه ممنوع عن نفاذه أيّا كان صاحب الخيار ‪.‬‬
‫ثانيا ‪ :‬أثر الخيار على انتقال الملك ‪:‬‬
‫يختلف أثر الخيار على انتقال الملك بين كون الخيار للمتعاقدين أو كونه لحدهما ‪.‬‬
‫أ ‪ -‬كون الخيار للمتعاقدين ‪:‬‬
‫ل من المتعاقدين فل تغيير يحصل في قضيّة الملك‬
‫‪ - 29‬إذا كان خيار الشّرط ثابتا لك ّ‬
‫للبدلين ‪ ،‬فمحلّ الخيار للبائع باق على ملكه ‪ ،‬والثّمن للمشتري أيضا ‪ .‬ذلك موقف الحنفيّة ‪،‬‬
‫يقول الكاسانيّ ‪ :‬فل ينعقد العقد في حقّ الحكم في البدلين جميعا ‪ ،‬فل يزول المبيع عن ملك‬
‫ن المانع من النعقاد في حقّ الحكم‬
‫البائع ول يدخل في ملك المشتري ‪ ،‬وكذا الثّمن ‪ ...‬ل ّ‬
‫موجود في الجانبين جميعًا وهو الخيار ‪ .‬ويقرب منه موقف الشّافعيّة بملحظة اختيارهم‬
‫وصف هذه الحالة بأنّ الملك موقوف بانتظار انقضاء مدّة الخيار لعدم أولويّة أحدهما ‪ ،‬فإنّ‬
‫ن الملك انتقل للمشتري منذ‬
‫ن الملك ما زال للبائع ‪ ،‬وإن تمّ ظهر أ ّ‬
‫فسخ العقد ظهر عنده أ ّ‬
‫العقد ‪ .‬والمذاهب الخرى ل تفرد هذه الحالة بالحكم ‪ ،‬بل ينصبّ نظرها إلى خيار البائع ‪،‬‬
‫فهو المؤثّر في القضيّة فيما إذا كان الخيار له وللمشتري ‪.‬‬
‫والرّأي الثّاني في المسألة على النّقيض ممّا سبق ‪ ،‬فالملك في العقد المقترن بخيار الشّرط‬
‫ينتقل إلى المشتري بالعقد نفسه ‪ ،‬سواء أكان الخيار لهما أم لحدهما أيّا كان ‪ ،‬وهذا هو ظاهر‬
‫ن العقد مع الخيار كالعقد المطلق عنه ‪.‬‬
‫المذهب عند الحنابلة ‪ ،‬وقد علّلوه بأ ّ‬
‫ب ‪ -‬كون الخيار لحدهما ‪:‬‬
‫‪ - 30‬تختلف مذاهب الفقهاء في تحديد المالك لمحلّ الخيار إذا كان الخيار لحد المتعاقدين‬
‫دون الخر ‪ ،‬وتنحصر الراء في ثلثة ‪ :‬بقاء الملك ‪ ،‬انتقاله ‪ ،‬التّفصيل بحسب صاحب‬
‫الخيار ‪.‬‬
‫ن الملك باق لصاحب المحلّ كما كان قبل حصول العقد‬
‫أ ‪ -‬ذهب الرّأي الوّل إلى القول بأ ّ‬
‫وهو البائع ‪ ،‬ول فرق بين أن يكون الخيار للمتعاقدين أو لحدهما ‪ .‬بهذا قال مالك وأصحابه‬
‫وهو مذهب اللّيث والوزاعيّ ‪.‬‬
‫وقد عبّر المالكيّة عن هذه المسألة بقولهم ‪ :‬إنّ بيع الخيار منحلّ ل منعقد ‪ ،‬بمعنى أنّه على‬
‫ملك البائع لم ينتقل ‪ ،‬فالمضاء اللّاحق بعدئذ ناقل للملك ل مقرّر ‪.‬‬
‫ل الخيار يد أمانة ‪ ،‬وأنّ البائع هو المالك " والضّامن‬
‫فقد اعتبر هؤلء يد المشتري على مح ّ‬
‫ن العقد الّذي وقع فيه الخيار عقد غير لزم ‪ ،‬فلم يترتّب عليه حكم ‪ ،‬أي‬
‫أيضا " واحتجّوا بأ ّ‬
‫هو عقد غير نافذ في الجملة ‪ :‬لم ينتقل الملك عن البائع ‪ ،‬كما لو لم يقع قبول من العاقد الخر‬
‫" المشتري مثلً " ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬الرّأي الثّاني وهو قول عند المالكيّة ‪ :‬إنّ الملك للمشتري ‪ ،‬فالمضاء تقرير ل نقل ‪.‬‬
‫وعن أحمد رواية أنّه موقوف في هذه الحالة أيضا حتّى ينقضي الخيار ‪.‬‬
‫ج ‪ -‬والرّأي الثّالث قائم على التّفصيل بحسب صاحب الخيار ‪.‬‬
‫ن اشتراط الخيار منه إبقاء على ملكه فل ينتقل إلى‬
‫فإذا كان الخيار للبائع فالملك باق له ‪ ،‬ل ّ‬
‫ن المشتري ‪ -‬بالرّغم من العقد ‪ -‬ل يملك التّصرّف‬
‫المشتري ‪ ،‬ولهذا نتائج عديدة أبرزها أ ّ‬
‫ل الخيار ‪ ،‬كما أنّ تصرّفات البائع تنفذ ‪ ،‬وتعتبر فسخا للعقد ‪ ،‬وإلى هذا ذهب أبو‬
‫في مح ّ‬
‫ي في أظهر القوال ‪.‬‬
‫حنيفة وصاحباه والشّافع ّ‬
‫وهذا القول للشّافعيّة قائم على التّفصيل بين كون الخيار للبائع أو المشتري ‪ -‬وهو الظهر ‪-‬‬
‫وهناك أقوال ثلثة أخرى " مطّردة في حال كون الخيار لهما أو لحدهما " ‪.‬‬
‫ن المبيع ملك للمشتري والثّمن ملك للبائع ‪.‬‬
‫أحدها ‪ :‬أ ّ‬
‫ل بعد انقضاء الخيار من غير‬
‫ن المبيع باق على ملك البائع ول يملكه المشتري إ ّ‬
‫والثّاني ‪ :‬أ ّ‬
‫فسخ ‪ ،‬والثّمن باق على ملك المشتري ‪.‬‬
‫ن الملك موقوف إلى تمام البيع للحكم بأنّ المبيع كان ملكا للمشتري منذ العقد ‪ ،‬أو‬
‫والثّالث ‪ :‬أ ّ‬
‫أنّه باق على ملك البائع ‪.‬‬
‫وأمّا إذا كان الخيار للمشتري فالملك زائل عن البائع عند هؤلء ‪ ،‬حيث ل مانع في حقّه ‪،‬‬
‫ن العقد لزم من جهة من ل خيار له وهو البائع ‪ .‬والتّصرّف في محلّ الخيار مقصور على‬
‫لّ‬
‫من له الخيار ‪ ،‬لنّه شرع نظرا له وحده ‪ ،‬وعلى هذا القدر اتّفق أبو حنيفة وصاحباه ‪ ،‬وهو‬
‫مذهب الشّافعيّة ‪ ،‬ويمكن التّعبير عنه بأنّ الملك منتقل عمّن ل خيار له ‪.‬‬
‫ثالثا ‪ :‬أثر الخيار على ضمان المحلّ ‪:‬‬
‫ل الخيار على النّحو التي ‪:‬‬
‫‪ - 31‬اختلف الفقهاء فيمن يتحمّل تبعة هلك مح ّ‬
‫فالحنفيّة فرّقوا في هذه المسألة بين عدّة صور ‪:‬‬
‫ل الخيار بيد البائع‬
‫أ ‪ -‬إذا كان الخيار للبائع ‪ -‬وبالولى إذا كان له وللمشتري ‪ -‬وهلك مح ّ‬
‫قبل القبض فالضّمان على البائع بالتّفاق بين أبي حنيفة وصاحبيه ‪ ،‬لنّه لم يخرج عن ملكه‬
‫اتّفاقا ‪ ،‬ولم ينضمّ إلى الخيار القبض ليكون له أثر في تعديل ارتباط تبعة الهلك بالملك ‪ ،‬ول‬
‫إشكال عند الحنفيّة في انفساخ العقد ‪ ،‬كما هو الحال في البيع المطلق عن الخيار ‪.‬‬
‫ل الخيار في يد المشتري بعد القبض وبعد انقضاء الخيار فالضّمان منه ‪،‬‬
‫ب ‪ -‬إذا هلك مح ّ‬
‫لنّه غدا بانقضاء الخيار بيعا مطلقا ‪.‬‬
‫والضّمان حينئذ بالثّمن لنّه هلك بعدما أبرم البيع ‪ ،‬وإبرامه إذا كان الخيار للبائع لعدم فسخ‬
‫ن هلكه بمثابة الجازة ‪.‬‬
‫البائع في المدّة ‪ ،‬وإن كان الخيار للمشتري فل ّ‬
‫ج ‪ -‬إذا كان الخيار للبائع وقد قبض المشتري محلّ الخيار فهلك في يد المشتري خلل مدّة‬
‫ل إذ كان موقوفا ‪ ،‬لجل‬
‫الخيار فالضّمان على المشتري ‪ ،‬لنّ البيع قد انفسخ بهلك المح ّ‬
‫خيار البائع ‪ ،‬ول نفاذ للموقوف إذا هلك المحلّ ‪ ،‬فبقي في يد المشتري مقبوضا على جهة‬
‫العقد " أي المعاوضة " ‪ ،‬ل على وجه المانة المحضة كاليداع والعارة ‪ ،‬لنّ البائع لم‬
‫يرض بقبض المشتري له إلّ على جهة العقد ‪ .‬وكذلك الشّافعيّة ‪ ،‬وسوّوا بين هذه الحالة وبين‬
‫إيداع المشتري إيّاه بعد القبض عند البائع ‪.‬‬
‫ن ضمانه حينئذ بالمثل " ‪-‬‬
‫أمّا كيفيّة ضمانه فهو أنّه يضمن بالقيمة ‪ -‬إن لم يكن مثليّا " ل ّ‬
‫والضّمان بالقيمة ‪ ،‬ل بالثّمن ‪ ،‬هو الشّأن فيما قبض على جهة العقد ‪ ،‬كالمقبوض على سوم‬
‫الشّراء ‪ .‬وقد جعل الكاسانيّ ضمانه أولى من ضمان المقبوض على سوم الشّراء ‪.‬‬
‫ل الخيار فهلك في يده ‪ ،‬فالضّمان منه أيضا ‪،‬‬
‫د ‪ -‬إذا كان الخيار للمشتري وقد قبض مح ّ‬
‫ن الضّمان هنا بالثّمن ‪.‬‬
‫ولك ّ‬
‫وبين هذه الحالة وسابقتها فرق من حيث كيفيّة الضّمان فهنا الضّمان بالثّمن ‪ ،‬وهناك الضّمان‬
‫شرّاح مفصّلين الوجه نفسه ‪،‬‬
‫بالقيمة ‪ ،‬وقد أشار صاحب الهداية إلى وجه الفرق ‪ ،‬وتابعه ال ّ‬
‫ن التّلف ل يعرى‬
‫بأنّه إذا كان الخيار للمشتري وهلك المبيع فإنّه بمثابة تعيّب آل إلى تلف ‪ ،‬ل ّ‬
‫عن مقدّمة عيب ‪ ،‬فبدخول العيب على محلّ الخيار ل يملك المشتري " صاحب الخيار " ال ّردّ‬
‫على البائع حال قيام العيب ‪ ،‬كائنا ما كان العيب ‪ ،‬فإذا اتّصل به الهلك لم يبق ال ّردّ سائغا ‪،‬‬
‫ل بعد أن انبرم العقد بمقدّمات الهلك ‪،‬وبلزوم العقد يجب الثّمن ل القيمة‪.‬‬
‫فيهلك المح ّ‬
‫أمّا في حالة كون الخيار للبائع وتلف المبيع عند المشتري بعد القبض ‪ ،‬فإنّ تعيّب المبيع‬
‫ن خيار البائع لم يسقط لنّه لم يعجز عن‬
‫وإشرافه على الهلك ل يمنع ال ّردّ حكما ‪ ،‬ل ّ‬
‫التّصرّف بحكم الخيار الّذي لو رضي به يتمكّن من السترداد ‪ ،‬فإذا هلك على ملكه فينفسخ‬
‫ل فيكون ضمانه كالمقبوض على سوم الشّراء ‪ ،‬أي بالقيمة ‪ ،‬ل‬
‫العقد ضرورةً لعدم المح ّ‬
‫بالثّمن لفقدان العقد ‪.‬‬
‫‪ - 32‬أمّا عند المالكيّة فالضّمان منسجم مع الملك الّذي جعلوه ثابتا مطلقا للبائع ‪ ،‬فالضّمان‬
‫عليه أيضا إلّ في استثناءات يدعو إليها إعواز المشتري الدّليل على حسن نيّته وعدم‬
‫ن ضمان البائع للتّلف خاصّ بما لو كان تلفا بحادث سماويّ ‪ ،‬أو ضياع ‪ ،‬ويتمثّل‬
‫تفريطه ‪ ،‬ل ّ‬
‫الصل في صورتين ‪:‬‬
‫الولى ‪ :‬إذا قبض المشتري محلّ الخيار ‪ ،‬فالضّمان على البائع ‪ ،‬إذ هو أقدم ملكا ‪ ،‬فل ينتقل‬
‫ل بتمام انتقال ملكه ‪.‬‬
‫الضّمان عنه إ ّ‬
‫ل الخيار ممّا ل يغاب عليه " أي ‪ :‬ممّا ل يمكن إخفاؤه " ‪،‬‬
‫وذلك الصل ثابت فيما إذا كان مح ّ‬
‫حيث لم يظهر كذب المشتري في دعواه التّلف دون صنعه ‪.‬‬
‫ن هلكه‬
‫الثّانية ‪ :‬إذا كان محلّ الخيار ممّا يغاب عليه ولكن ثبت تلفه أو ضياعه ببيّنة " ل ّ‬
‫ظاهر بغير صنعه ‪ ،‬وأنّه غير متعدّ في قبضه كالرّهن والعاريّة " ‪.‬‬
‫وفيما وراء هذا الصل ‪ ،‬أو بعبارة أخرى فيما كان محترزا عنه بقيود الصّورتين السّابقتين (‬
‫صورة ما ل يغاب عليه ولم يثبت كذب المشتري ‪ " ،‬وصورة ما يغاب عليه وثبت أنّ التّلف‬
‫ليس بصنع المشتري " يكون الضّمان على المشتري ‪.‬‬
‫‪ - 33‬أمّا الشّافعيّة فقد جاء في شرح الرّوض أنّه لو تلف المبيع بآفة سماويّة بعد القبض‬
‫والخيار للبائع وحده ‪ ،‬انفسخ البيع ‪ ،‬لنّه ينفسخ بذلك عند بقاء يده ‪ ،‬فعند بقاء ملكه أولى ‪،‬‬
‫ن البيع ينفسخ بتلفه‬
‫ن نقل الملك بعد التّلف ل يمكن ‪ ،‬وإن كان المبيع مودعا مع البائع فإ ّ‬
‫ول ّ‬
‫ن يده كيد المشتري ويردّ البائع عليه الثّمن وله في المسألتين على المشتري القيمة في‬
‫لّ‬
‫المتقوّم ‪ ،‬والمثل في المثليّ ولو كان الخيار للمشتري وحده أو لهما فتلف المبيع بعد قبضه لم‬
‫ينفسخ البيع لدخوله في ضمانه بالقبض ولم ينقطع الخيار كما ل يمتنع التّحالف بتلف المبيع‬
‫ولزم المشتري الثّمن إن تمّ العقد ‪ ،‬وإن فسخ فالقيمة أو المثل على المشتري واستردّ الثّمن ‪،‬‬
‫ولو أتلفه متلف ولو بعد قبضه والخيار للبائع وحده انفسخ البيع كما في صورة التّلف ‪ ،‬وإن‬
‫كان الخيار لهما أو للمشتري وحده وأتلفه أجنبيّ ولو قبل القبض لم ينفسخ ‪ ،‬أي البيع ‪ ،‬لقيام‬
‫البدل اللّازم له من قيمة أو مثل مقامه وتلزمه القيمة للمشتري لفوات عين المبيع والخيار‬
‫بحاله وإن أتلفه المشتري ولو قبل القبض ‪ ،‬والخيار له أو لهما استقرّ عليه الثّمن ‪ ،‬لنّه‬
‫بإتلفه المبيع قابض له أو أتلفه البائع ‪ ،‬ولو بعد القبض فكتلفه بآفة ‪.‬‬
‫ل الخيار على‬
‫ن ضمان مح ّ‬
‫‪ - 34‬وأمّا الحنابلة فقد جعلوا الملك للمشتري ‪ ،‬وذهبوا إلى أ ّ‬
‫المشتري لنّه ملكه ‪ ،‬وغلّته له فكان من ضمانه كما بعد انقضاء الخيار ‪ .‬ومئونته عليه ‪.‬‬
‫ل الخيار من غير المكيل أو الموزون‬
‫وهذا على إطلقه " قبل القبض أو بعده " إذا كان مح ّ‬
‫ونحوهما كالمعدود والمذروع ‪ ،‬شريطة أن ل يكون عدم القبض ناشئًا من منع البائع ‪.‬‬
‫أمّا إذا كان محلّ الخيار من المكيل أو الموزون ونحوهما فل ب ّد من القبض ليكون ضمانه‬
‫على المشتري ‪ ،‬فإن كان القبض لم يحصل فالضّمان حينئذ على البائع ‪.‬‬
‫ول يعتبر الحكم في المكيل والموزون استثنا ًء ‪ ،‬بل هو الّذي تقتضيه أصول الحنابلة من‬
‫اعتبارهم القبض ضميمةً ل بدّ منها في المكيل والموزون لينتقل ضمانه عن البائع إلى‬
‫المشتري ‪ ،‬وهو حكم يتّفق فيه البيع المقيّد بالخيار ‪ ،‬والبيع المطلق ‪.‬‬
‫وعلّله ابن قدامة بأنّه يتعلّق به حقّ توفية ‪ ،‬وجاء في كشّاف القناع أنّ المراد بالقبض في‬
‫الكيل والموزون هو اكتياله أو وزنه ‪ ،‬وليس مجرّد التّخلية كما هو عند الحنفيّة ‪ ،‬فبالكتيال‬
‫يعرف هل وصل إلى المشتري حقّه كاملً أم نقص منه أو زاد عنه ‪.‬‬
‫أثر الخيار على زيادة المبيع وغلّته ونفقته ‪.‬‬
‫‪ - 35‬قسّم الحنفيّة الزّوائد الّتي قد تطرأ على المبيع إلى القسام التّالية ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬الزّيادة المتّصلة المتولّدة ‪ ،‬كالسّمن في الحيوان وزيادة وزنه ‪ ،‬والبرء من داء كان فيه ‪،‬‬
‫والنّضج في الثّمر ‪ ،‬والحمل الّذي يحدث زمن الخيار " أمّا الموجود عند العقد فهو معقود‬
‫عليه ‪ ،‬كالمّ ‪ ،‬فيقابله قسط من الثّمن على ما قال الشّافعيّة " ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬الزّيادة المتّصلة غير المتولّدة من الصل ‪ ،‬ومثالها ‪ :‬الصّبغ والخياطة ‪ ،‬والبناء في‬
‫الرض ‪ ،‬والغرس فيها ‪ ،‬ولتّ السّويق بسمن ‪.‬‬
‫ج ‪ -‬الزّيادة المنفصلة المتولّدة من ‪ :‬الولد ‪ ،‬والثّمر ‪ ،‬واللّبن ‪ ،‬والبيض ‪ ،‬والصّوف ‪.‬‬
‫د ‪ -‬الزّيادة المنفصلة غير المتولّدة من الصل ‪ .‬ومثالها ‪ :‬غلّة المأجور ‪ ،‬وأرش الجناية على‬
‫عضو من الحيوان ‪ ،‬والعقر وهو ما يعتبر مهرا للوطء بشبهة ‪.‬‬
‫هذا تقسيم الحنفيّة للزّوائد ‪ ،‬وهم أكثر الفقهاء عنايةً بتنويعها ‪ ،‬نظرا لتفاوت أحكامها عندهم‬
‫بحسب تلك النواع ‪.‬‬
‫أمّا غير الحنفيّة فما بين موحّد النّظرة إلى الزّيادة ‪ ،‬أو مكتف بتقسيم الزّوائد إلى متّصلة أو‬
‫منفصلة وإدارة الحكم على ذلك فقط ‪.‬‬
‫ل الخيار أحكاما أهمّها اثنان ‪ :‬أحدهما ‪ :‬لمن يكون ملك الزّوائد ‪ ،‬والثّاني‬
‫وإنّ للزّوائد في مح ّ‬
‫كونها تمنع ال ّردّ ‪ ،‬أي تعدم الخيار بإلزام صاحبه بالجازة دون الفسخ ‪.‬‬
‫ذهب الحنفيّة إلى أنّ الصل في الزّيادة أنّها تمنع ال ّردّ ويسري امتناع ال ّردّ على جميع أنواعها‬
‫سـوى الزّيادة المنفصـلة غيـر المتولّدة اتّفاقا ‪ ،‬والزّيادة المتّصـلة المتولّدة على خلف‪ .‬فحيـث‬
‫يمتنع الرّ ّد ينبرم العقد ويلزم ‪ ،‬وتكون الزّوائد مطلقًا للمشتري الّذي صار إليه ملك الصل ‪.‬‬
‫أمّا في الزّيادة المنفصـلة غ ير المتولّدة حيـث ل يمتنـع ال ّردّ ‪ ،‬و في الزّيادة المتّصـلة المتولّدة‬
‫حيث اختلف في امتناعه ‪ ،‬فقد اختلفوا فيمن يملك تلك الزّوائد على النّحو التي ‪.‬‬
‫الزّيادة المنفصلة غير المتولّدة ‪:‬‬
‫‪ - 36‬إذا كانت زوائد محلّ الخيار من نوع المنفصلة غير المتولّدة من الصل ‪ ،‬ففيها يجري‬
‫الخلف بين أبي حنيفة وصاحبيه ‪ .‬وهذا الخلف ل مجال له إن اختار المشتري إمضاء العقد‬
‫لنّه حينئذ يتملّك الصل والزّوائد اتّفاقا ‪ ،‬لنّه بالمضاء تبيّن أنّ الزّوائد كسب ملكه فكانت‬
‫ل الخيار إلى البائع فهل يعيد معها الزّوائد‬
‫ملكا له ‪ ،‬أمّا إن اختار المشتري الفسخ وإعادة مح ّ‬
‫أم ل ؟ قال أبو حنيفة ‪ :‬يردّ الصل مع الزّوائد بناءً على أنّ ملك المبيع كان موقوفا ‪ ،‬فإذا‬
‫حصل الفسخ تبيّن أنّه لم يدخل في ملك المشتري فالزّيادة حصلت على ملك البائع فتردّ إليه‬
‫مع الصل ‪ .‬وعند الصّاحبين ‪ :‬المبيع دخل في ملك المشتري فكانت الزّوائد حاصل ًة على‬
‫ملكه ‪ ،‬فيظهر أثر الفسخ في الصل ل في الزّوائد لنّها بقيت على حكم ملك المشتري‬
‫فيأخذها هو وهذه المسألة مبنيّة على الخلف الكبير السّابق ‪.‬‬
‫الزّيادة المتّصلة المتولّدة ‪:‬‬
‫‪ - 37‬ذهب أبو حنيفة وأبو يوسف إلى أنّ الخيار يسقط بهذه الزّيادة ‪.‬‬
‫وقد عرفنا أنّه حيث يمتنع ال ّردّ يتملّك صاحب الخيار الصل والزّيادة ‪ ،‬لنّه تبيّن بإمضاء‬
‫العقد أنّه المالك لمحلّ الخيار فيملك زوائده مهما كان وصفها ‪.‬‬
‫وعند المام محمّد ل يبطل الخيار فله أن يختار بين المضاء والفسخ ‪.‬‬
‫ويكون مصير هذه الصّورة مماثلً للصّورة السّابقة " صورة الزّيادة المنفصلة غير المتولّدة "‬
‫حيث يظلّ صاحب الخيار متمكّنا من استعمال خياره ‪.‬‬
‫أحكام الزّوائد عند غير الحنفيّة ‪:‬‬
‫للمالكيّة منحىً آخر في شأن الزّوائد ‪ ،‬فهم لم ينظروا إلى التّصال والنفصال ‪ ،‬كما لم‬
‫يعتبروا التّولّد على إطلقه ‪ ،‬بل خصّوا ما يعتبر جزءا باقيا من المبيع فاعتبروه ل ينفصل‬
‫عنه في العقد ‪ ،‬ومثّلوا له بالولد والصّوف ‪ ،‬فالولد لنّه ليس بغلّة ‪ -‬ومثله الصّوف ‪ -‬تمّ أم ل‬
‫" لنّهما كجزء المبيع ‪ ،‬أي أنّ الولد كالجزء الباقي ‪ ،‬بخلف أرش الجناية فإنّه كجزء فات‬
‫ن الملك‬
‫وهو على ملك البائع " يكون مملوكًا للمشتري ‪ ،‬وما عداه فهو للبائع ‪ ،‬لنّهم قائلون بأ ّ‬
‫ل للبائع حتّى يستعمل صاحب الخيار خياره ‪.‬‬
‫في الصل ‪ -‬زمن الخيار ‪ -‬يظ ّ‬
‫ويترتّب على هذا أن تكون الزّوائد كلّها ‪ -‬عدا الولد والصّوف ‪ -‬للبائع ‪ .‬ومن ذلك ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬الغلّة الحادثة زمن الخيار من لبن وسمن وبيض ‪ ،‬للبائع أيضا ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬أرش الجناية على المبيع بالخيار للبائع أيضا ‪.‬‬
‫أمّا الشّافعيّة فقد صرّحوا بأنّه لو حصلت زوائد منفصلة في زمن الخيار ‪ ،‬كاللّبن والبيض‬
‫والثّمر ‪ ،‬فهي لمن له الملك وهو من انفرد بالخيار ‪ ،‬فإن كان الخيار لهما فهي موقوفة كحكم‬
‫البيع نفسه ‪ ،‬فإن فسخ البيع فهي للبائع وإلّ فللمشتري ‪ .‬أمّا الزّوائد المتّصلة فتابعة للصل‪.‬‬
‫والحمل الموجود عند البيع كالصل في أنّه مبيع لمقابلته بقسط من الثّمن ‪ ،‬كما لو بيع معه‬
‫بعد النفصال ل كالزّوائد ‪.‬‬
‫أمّا عند الحنابلة فالزّوائد للمشتري أيضا ‪ ،‬ويشتمل ذلك على المتّصلة والمنفصلة كالكسب‬
‫والجرة بل لو كانت نما ًء منفصلً متولّدا من عين المبيع كالثّمرة والولد واللّبن ‪ ،‬والحكم‬
‫كذلك ولو كان المبيع في يد البائع قبل القبض " وفي هذه الحال تعتبر الزّوائد أمان ًة عند البائع‬
‫فل يضمنها للمشتري إن تلفت بغير تعدّ ول تفريط خلفًا لحكم المبيع نفسه فهو مضمون قبل‬
‫قبضه " وسواء تمخّض الخيار عن إمضاء العقد أو فسخه ‪.‬‬
‫وقد استدلّ ابن قدامة للمذهب بحديث ‪ « :‬الخراج بالضّمان » ‪ .‬وهذا من ضمان المشتري ‪،‬‬
‫واستدلّ له أيضا بانتقال الملك إلى المشتري ‪ ،‬أي فهي تتبعه في النتقال ‪.‬‬
‫رابعا ‪ :‬أثر الخيار على تسليم البدلين‬
‫‪ - 38‬اتّفق الفقهاء على أنّه ل يجب تسليم البدلين في مدّة الخيار في حال الطلق وعدم‬
‫اشتراط التّسليم ‪ ،‬فليس بواجب على البائع تسليم المبيع ابتداءً ‪ ،‬ول يجب على المشتري تسليم‬
‫الثّمن ابتدا ًء لحتمال الفسخ ما لم تمض مدّة الخيار ‪ ،‬أو يسقط صاحب الخيار خياره ‪ .‬أمّا‬
‫التّسليم للثّمن أو المبيع اختيارا وطواعي ًة فل مانع منه عندهم أي ل يبطل الخيار ‪ ،‬فإذا بادر‬
‫أحدهما أو كلهما إلى تسليم ما بيده ‪ -‬في مدّة الخيار ‪ -‬فهو جائز ‪ ،‬ليّ منهما كان الخيار ‪،‬‬
‫ول أثر للتّسليم على الخيار فنقد الثّمن للبائع أو دفع المبيع للمشتري ل يبطل الخيار شريطة‬
‫أن يكون تسليم البائع المبيع للمشتري على وجه الختبار والنّظر في صلوحه أو عدمه ‪ ،‬أمّا‬
‫ن خياره يبطل ‪.‬‬
‫إن سلّمه المبيع على وجه التّمليك ‪ -‬والخيار للبائع ‪ -‬فإ ّ‬
‫وإذا سلّم أحدهما تطوّعا فامتنع الخر فقد اختلف فيه الفقهاء ‪ ،‬فأبو حنيفة ذهب إلى أنّه ل‬
‫يجبر الخر على التّسليم أيّا كان صاحب الخيار وله استرداده ‪.‬‬
‫ومذهب الشّافعيّة عدم إجبار الخر أيضا وهم يقولون ‪ :‬بأنّ لمن سلّم مؤمّلً التّسليم من‬
‫صاحبه فلم يحدث ‪ ،‬فله أن يستردّ ‪.‬‬
‫سقوط الخيار ‪:‬‬
‫‪ - 39‬يسقط الخيار قبل استعماله بعدد من السباب هي ‪ :‬البلوغ في حقّ الصّبيّ الّذي عقد‬
‫عنه وليّه أو وصيّه ‪ ،‬والجنون ونحوه ‪ ،‬وموت صاحب الخيار على خلف في هذا السّبب‬
‫الخير ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬بلوغ الصّبيّ مستحقّ الخيار ‪:‬‬
‫‪ - 40‬يرى المام أبو يوسف من الحنفيّة أنّ دخول الصّغير صاحب الخيار في طور البلوغ ‪،‬‬
‫في مدّة خيار الشّرط وغيره من الخيارات المحدّدة بوقت يسقط به الخيار للوليّ أو الوصيّ‬
‫سعيًا منهما لمصلحة الصّبيّ ‪ ،‬ويلزم به العقد ‪.‬‬
‫ن الخيار ل يسقط ‪ ،‬ثمّ تعدّدت الرّوايات عنه في مصير الخيار‬
‫أمّا المام محمّد ‪ ،‬فقد جزم بأ ّ‬
‫بعدئذ هل ينتقل إلى الصّغير في المدّة أو بدون تحديد مدّة ‪ ،‬أو يبقى للوصيّ أو الوليّ ؟‬
‫ولم نجد لغير الحنفيّة كلما في هذه المسألة ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬طروء الجنون ونحوه ‪:‬‬
‫‪ - 41‬قد يطرأ الجنون على العاقد صاحب الخيار ‪ ،‬ومثله " ما هو في حكمه من حيث ذهاب‬
‫العقل وعجز النسان عن إظهار موقفه ‪ ،‬كالغماء والنّوم أو السّكتة " فإذا بقي ذلك حتّى‬
‫ن سقوطه ليس لكون الجنون من أسباب‬
‫استغرق وقت الخيار من حالة توقيته سقط الخيار ‪ .‬لك ّ‬
‫سقوط الخيار ‪ ،‬بل لنقضاء المدّة دون صدور فسخ منه ‪ ،‬فالجنون نفسه ليس مسقطًا بل‬
‫استغراق الوقت كلّه دون فسخ ‪ ،‬ولذا لو أفاق خلل المدّة كان على خياره فيما بقي منها في‬
‫الصحّ لدى الحنفيّة ‪ .‬قال ابن نجيم ‪ :‬والتّحقيق أنّ الغماء والجنون ل يسقطان الخيار وإنّما‬
‫المسقط له مضيّ المدّة من غير اختيار ‪.‬‬
‫واختلف في السّكر هل هو في حكم الجنون أم يفرّق بين ما يحصل منه بالبنج ونحوه من‬
‫الوسائل المستخدمة في الطّبّ ‪ ،‬وبين السّكر بالمحرّم ‪ .‬وينظر في المطوّلت ‪.‬‬
‫وقال المالكيّة ‪ :‬إن جنّ من له الخيار وعلم أنّه ل يفيق أو يفيق بعد طول يضرّ الصّبر إليه‬
‫بالخر ‪ ،‬نظر السّلطان في الصلح له ‪ ،‬أي ل يسقط الخيار ‪.‬‬
‫وسيأتي تفصيله في انتقال الخيار ‪.‬‬
‫ج ‪ -‬تغيّر محلّ الخيار ‪:‬‬
‫‪ - 42‬إذا كان تغيّر محلّ الخيار بالهلك والتّعيّب أو النّقصان ‪ ،‬فإنّ الخيار يسقط بهلك‬
‫المبيع قبل القبض بل خلف بين الفقهاء أسوةً بالعقد الباتّ ‪ ،‬فهذا أولى ‪ ،‬لنّه أضعف منه‬
‫لوجود شرط الخيار ‪ .‬أمّا إن كان الهلك بعد القبض فقد اختلفت فيه المذاهب ‪ ،‬فهو مسقط‬
‫للخيار عند الحنابلة مطلقا ‪ .‬وهو بمثابة الفسخ للعقد وسقوط الخيار تبعا عند المالكيّة ‪.‬‬
‫أمّا الحنفيّة والشّافعيّة فيربطونه بمسألة انتقال الملك ‪ ،‬فهو عند الحنفيّة يفترق بين كون الخيار‬
‫للبائع وحده أو له وللمشتري ‪ -‬فالملك للبائع ‪ -‬فإذا هلك لم تمكن المبادلة عليه فينفسخ العقد‬
‫ويبطل الخيار ‪ .‬أمّا إن كان الخيار للمشتري فالهلك في عداد مسقطات الخيار الّتي يلزم بها‬
‫العقد لنّه عجز عن التّصرّف بحكم الخيار حين أشرفت السّلعة على الهلك ‪ .‬والشّافعيّة‬
‫ن الملك للبائع وتعذّر نقله ‪ ،‬أمّا إن كان‬
‫يقولون ‪ :‬إن كان الخيار للبائع وحده ينفسخ العقد ‪ ،‬ل ّ‬
‫الخيار للمشتري أو لهما معا ‪ ،‬فل أثر للهلك على العقد أو الخيار إنّما تتأثّر تصفية هذا العقد‬
‫‪ ،‬فإن اختار صاحب الخيار المضاء فالواجب هو الثّمن وإن اختار الفسخ فالواجب ردّ المثل‬
‫أو القيمة بدلًا من المبيع ‪.‬‬
‫ومثل الهلك النّقصان بالتّعيّب بما ل يحتمل الرتفاع أو ل يرجى زواله مهما كان قدره أو‬
‫فاعله ‪ ،‬لخلل النّقصان بشرط ردّ المبيع كما قبض ‪ .‬أمّا لو كان يرجى زواله كالمرض‬
‫فالخيار باق ول يردّ حتّى يبرأ في المدّة فإن مضت ولم يبرأ لزم البيع ‪.‬‬
‫‪ - 43‬وإن كان التّغيّر بالزّيادة ‪ :‬إن كان الخيار للبائع فل خلف أنّها ل أثر لها في سقوط‬
‫الخيار ‪ ،‬وإن كان الخيار للمشتري فل أثر لها أيضا عند الجمهور مهما كان نوعها وكذلك‬
‫الحنفيّة في الزّيادة المتّصلة ‪ ،‬أو المنفصلة غير المتولّدة ‪ ،‬أمّا المنفصلة المتولّدة من الصل‬
‫فإنّها تسقط الخيار لتعذّر ورود الفسخ عليها ‪ ،‬لنّها غير مبيع ‪ ،‬فال ّردّ بدونها مؤدّ لشبهة‬
‫الرّبا ‪ ،‬وإن ردّها مع الصل كان ربح ما لم يضمن ‪.‬‬
‫د ‪ -‬إمضاء أحد الشّريكين ‪:‬‬
‫‪ - 44‬إذا تعاقد شريكان مع آخر على أنّهما بالخيار فأجاز أحدهما دون الخر سقط الخيار‬
‫بالنّسبة لهما جميعا ولزم العقد ‪ ،‬وهذا عند أبي حنيفة ‪ ،‬بحيث ل يملك الشّريك الخر الفسخ ‪،‬‬
‫أمّا عند الصّاحبين فالخيار ل يسقط عمّن لم يجز العقد بل يبقى خياره على حاله ‪.‬‬
‫ولم نجد لغير الحنفيّة كلما في هذه المسألة ‪.‬‬
‫هـ ‪ -‬موت صاحب الخيار ‪:‬‬
‫‪ - 45‬ذهب الحنفيّة والحنابلة إلى سقوط الخيار بموت صاحبه ‪ ،‬سواء أكان الخيار للبائع أم‬
‫للمشتري ‪ ،‬وسواء أكان صاحب الخيار أصيلً أم نائبا " وكيلً ‪ ،‬أو وصيّا ‪ ،‬أو وليّا " فبموت‬
‫من له الخيار يسقط ‪ .‬أمّا المالكيّة والشّافعيّة ‪ ،‬فقد ذهبوا إلى بقاء الخيار للورثة ‪ ،‬فموت‬
‫صاحب الخيار عند هؤلء ليس مسقطا ‪ ،‬بل هو ناقل فقط ‪.‬‬
‫أمّا وفاة من عليه الخيار فل يسقط بها الخيار ‪ ،‬بل يبقى الخيار لصاحبه ويكون ردّه إن شاء‬
‫ال ّردّ في مواجهة الورثة ‪ ،‬قال السّرخسيّ ‪ :‬وأجمعوا " أي الحنفيّة " أنّه إذا مات من عليه‬
‫ن الخيار باق ‪.‬‬
‫الخيار فإ ّ‬
‫انتهاء الخيار ‪:‬‬
‫‪ - 46‬ينتهي خيار الشّرط بأحد سببين ‪:‬‬
‫الوّل ‪ :‬إمضاء العقد بإجازته أو بمضيّ مدّة الخيار دون فسخ ‪ ،‬والثّاني ‪ :‬فسخ العقد ‪.‬‬
‫السّبب الوّل ‪ :‬إمضاء العقد بالجازة أو بمضيّ مدّة الخيار دون فسخ ‪:‬‬
‫ي مدّة الخيار ‪.‬‬
‫‪ - 47‬ينتهي الخيار بإمضاء العقد ‪ ،‬ويكون ذلك إمّا بإجازته ‪ ،‬وإمّا بمض ّ‬
‫إمضاء العقد بالجازة ‪:‬‬
‫‪ - 48‬إمضاء العقد بالجازة ينهي الخيار بالتّفاق ‪ ،‬لنّ الصل في العقد اللّزوم والمتناع‬
‫يعارض الخيار وقد بطل بالجازة فيلزم العقد ‪.‬‬
‫أنواع الجازة ‪:‬‬
‫‪ - 49‬قسّم الحنفيّة الجازة إلى نوعين ‪ :‬صريح أو شبه الصّريح ‪ ،‬ودللة ‪.‬‬
‫فالصّريح ‪ ،‬بالنّسبة للبائع ‪ ،‬أن يقول ‪ :‬أجزت العقد ‪ -‬أو البيع مثلً ‪ -‬أو أمضيته أو أوجبته ‪،‬‬
‫أو ألزمته ‪ ،‬أو رضيته ‪ ،‬أو أسقطت الخيار ‪ ،‬أو أبطلته ‪ .‬وشبه الصّريح ما يجري مجرى‬
‫ذلك ‪ ،‬سواء أعلم المشتري الجازة أم لم يعلم ‪ .‬وذكر الحنفيّة أنّ صاحب الخيار لو قال ‪:‬‬
‫هويت أخذه ‪ ،‬أو أحببت ‪ ،‬أو أعجبني ‪ ،‬أو وافقني ل يبطل خياره ‪.‬‬
‫ل الخيار تصرّف الملّاك ‪ ،‬كالبيع ‪،‬‬
‫أمّا الدّللة فهي أن يتصرّف صاحب الخيار في مح ّ‬
‫والمساومة ‪ ،‬والجارة ‪ ،‬والهبة ‪ ،‬والرّهن ‪ ،‬سلّم أو لم يسلّم ‪ .‬لنّ جواز هذه التّصرّفات يعتمد‬
‫الملك ‪ ،‬فالقدام عليها يكون دليل قصد التّملّك ‪ ،‬أو تقرّر الملك ‪ -‬على اختلف الصلين ‪-‬‬
‫وذلك دليل المضاء ‪ .‬هذا إذا كان الخيار للمشتري فإذا كان للبائع فالدّللة على المضاء في‬
‫حقّه أن يتصرّف في الثّمن بعد قبضه بالبيع أو نحوه ‪ ،‬إذا كان الثّمن ممّا يتعيّن بالتّعيين‪ .‬هذا‬
‫ل للجازة ‪ ،‬ذلك أنّه في الجازة يثبت الحكم بطريق الظّهور المحض ‪،‬‬
‫ول يشترط بقاء المح ّ‬
‫ل كان‬
‫وليس النشاء ‪ ،‬فبالجازة يظهر أنّ العقد من وقت وجوده انعقد في حقّ الحكم ‪ ،‬والمح ّ‬
‫قابلً وقت العقد فهلكه بعد ذلك ل يمنع الجازة ‪.‬‬
‫كما ل يشترط علم العاقد الخر بالجازة ‪ .‬فلو أجاز العقد فإنّه لزم منذ الجازة سواء أبلغ‬
‫العاقد الخر ذلك أم ل ‪ .‬ونحو هذا التّقسيم جاء في المذاهب الخرى ‪.‬‬
‫إنهاء الخيار بعوض ‪:‬‬
‫‪ - 50‬جاء في فتاوى قاضي خان أنّه لو صالح المشتري البائع صاحب الخيار على دراهم‬
‫مسمّاة ‪ ،‬أو على عرض بعينه على أن يسقط الخيار ويمضي البيع جاز ذلك ويكون زياد ًة في‬
‫الثّمن ‪ .‬وكذا لو كان صاحب الخيار هو المشتري فصالحه البائع على أن يسقط الخيار فيحطّ‬
‫عنه من الثّمن كذا أو يزيده هذا العرض بعينه في البيع جاز ذلك أيضا ‪.‬‬
‫ثانيا ‪ -‬انتهاء الخيار بمضيّ المدّة ‪:‬‬
‫ن مضيّ المدّة ينتهي به خيار الشّرط ‪ ،‬ذلك لنّه‬
‫‪ - 51‬اتّفق الفقهاء ‪ -‬في الجملة ‪ -‬على أ ّ‬
‫خيار مؤقّت بمدّة " سواء أكانت بتحديد العاقد ‪ ،‬أم بتقدير الشّارع في حال الطلق " ‪ ،‬فإذا‬
‫انقضت المدّة الّتي وقّت بها الخيار فمن البدهيّ أن ينتهي بمضيّها " لنّ المؤقّت إلى غاية‬
‫ينتهي عند وجود الغاية " ‪.‬‬
‫واشتراط الخيار في مدّة معلومة منع من لزوم العقد تلك المدّة ‪ -‬والصل هو اللّزوم ‪-‬‬
‫فبانقضاء المدّة يثبت موجب العقد ‪ ،‬وترك صاحب الخيار الفسخ حتّى تنقضي المدّة رضا منه‬
‫بالعقد ‪.‬‬
‫على ذلك تواردت نصوص الحنفيّة والشّافعيّة والحنابلة ‪ ،‬خلفا للقاضي أبي يعلى منهم ‪.‬‬
‫أمّا المالكيّة فهم في الحقيقة قائلون بأنّ مضيّ المدّة ينهي الخيار ‪ ،‬غير أنّ لهم اتّجاها خاصّا‬
‫فيما ينتج عن مضيّ المدّة ‪ ،‬فإذا كان الحال عند غيرهم اعتباره إمضاءً للعقد من صاحب‬
‫الخيار كائنا من كان ‪ ،‬فمذهب المالكيّة أنّه انتهاء للخيار وليس إمضاءً للعقد إلّ حيث تنقضي‬
‫المدّة ‪ ،‬والمبيع بيد من له الخيار ‪ ،‬فإذا كان الخيار للمشتري " مثلً " كان ترك المبيع في يده‬
‫بمثابة المضاء ولزوم العقد عليه ‪ ،‬أمّا إذا كان الخيار للبائع وانقضى المد ‪ -‬والمبيع في يده‬
‫‪ -‬فذلك بمثابة الفسخ من البائع ‪ .‬هذا من حيث أداؤه إلى إمضاء العقد ‪.‬‬
‫أمّا اعتبار مضيّ المدّة فسخا أو إجازةً فينظر إلى من ينقضي زمن الخيار والمبيع بيده ‪،‬‬
‫سواء أكان صاحب الخيار أم غيره ‪ ،‬فإن كان بيد البائع آنئذ فهو فسخ ‪ ،‬وإن كان بيد‬
‫المشتري فهو إمضاء ‪ ،‬قال الدّسوقيّ ‪ " :‬يلزم المبيع بالخيار من هو بيده منهما كان صاحب‬
‫الخيار أو غيره بانقضاء زمن الخيار وما ألحق به وهو اليوم واليومان " ‪.‬‬
‫وللمالكيّة تفصيلت تنظر في كتبهم ‪.‬‬
‫السّبب الثّاني ‪ :‬انتهاء الخيار بفسخ العقد ‪:‬‬
‫‪ - 52‬ينقسم الفسخ إلى صريح ودللة ‪ ،‬أو بنظرة أخرى إلى فسخ قوليّ ‪ ،‬وفسخ فعليّ ‪،‬‬
‫فالفسخ القوليّ أو الصّريح يقع بمثل قوله ‪ :‬فسخت البيع ‪ ،‬أو استرجعت المبيع ‪ ،‬أو رددته ‪،‬‬
‫ل هذا فسخ صريح ‪ ،‬ومنه قول البائع في زمن الخيار ‪ :‬ل‬
‫أو رددت الثّمن ونحو ذلك ‪ ،‬فك ّ‬
‫أبيع حتّى تزيد في الثّمن ‪ ،‬مع قول المشتري ل أفعل ‪ ،‬وكذلك منه عكس هذه الصّورة بأن‬
‫يقول المشتري ‪ :‬ل أشتري حتّى ينقص عنّي من الثّمن ‪ ،‬على قول البائع ل أفعل ‪ .‬وكذا منه‬
‫ل هذا فسخ ‪.‬‬
‫ل فك ّ‬
‫طلب البائع حلول الثّمن المؤجّل ‪ ،‬وطلب المشتري تأجيل الثّمن الحا ّ‬
‫وصورة الفسخ دللةً ‪ -‬ويسمّى الفسخ الفعليّ ‪ " -‬أو الفسخ بالفعل كما سمّاه ابن الهمام " ‪:‬‬
‫أن يتصرّف صاحب الخيار تصرّف الملّاك في المبيع ‪ .‬هذا إذا كان صاحب الخيار هو‬
‫البائع ‪ ،‬فإن كان هو المشتري فبأن يتصرّف تصرّف الملّاك في الثّمن ‪ ،‬شريطة أن يكون‬
‫الثّمن عينا ‪ .‬أمّا إن كان دينا فل يتصوّر الفسخ دلل ًة في حقّ البائع ولذلك أغفله ابن الهمام‬
‫مقتصرا على تصويره في حقّ المشتري ‪ ،‬لنّه لو تصرّف البائع في الثّمن ‪ -‬وهو دين ‪-‬‬
‫ن الثمان ل تتعيّن بالتّعيين " ‪.‬‬
‫ص ل في الثّمن " ل ّ‬
‫يحمل على أنّه تصرّف في ماله الخا ّ‬
‫والسّبب في العتداد بالتّصرّف كالملّاك في إسقاط الخيار أنّ الخيار إذا كان للبائع فتصرّفه‬
‫في المبيع تصرّف الملّاك دليل استبقاء ملكه فيه ‪.‬‬
‫وإذا كان الخيار للمشتري فتصرّفه تصرّف الملّاك في الثّمن إذا كان عينا دليل أيضا على‬
‫ل منهما ل يكون إلّ بالفسخ ‪ ،‬فالقدام على التّصرّف‬
‫استبقاء ملكه فيه ‪ .‬واستبقاء ملك ك ّ‬
‫المذكور يكون فسخا للعقد دللةً ‪ ،‬قال ابن الهمام ‪ ،‬ومن قبله الكاسانيّ ‪:‬‬
‫" والحاصل أنّ ما وجد من البائع في المبيع لو وجد منه في الثّمن لكان إجاز ًة للبيع ‪ :‬يكون‬
‫فسخا للبيع دلل ًة " ‪.‬‬
‫والفسخ دلل ًة متّفق على عدم اشتراط علم الخر به ‪ ،‬أمّا في الفسخ الصّريح أو ما يجري‬
‫مجراه ففيه خلف بين الحنفيّة ‪ .‬ثمّ إنّ للفسخ دلل ًة بعد هذا الضّابط تفاريع منها ‪:‬‬
‫‪ -‬أكل المبيع وشربه ولبسه ‪ ،‬يسقط الخيار ‪ .‬وفي فتاوى قاضي خان ‪ :‬إذا لبسه مرّ ًة ل يبطل‬
‫خياره ‪.‬‬
‫‪ -‬النّسخ من الكتاب ‪ ،‬لنفسه أو غيره ‪ ،‬ل يسقط الخيار ‪ ،‬ولو درس فيه يسقط ‪.‬‬
‫‪ -‬ركوب الدّابّة ليسقيها ‪ ،‬أو يردّها ‪ ،‬ويعلفها ‪ ،‬إجازة ‪ .‬وقيل إن كان ل يمكنه ذلك بدون‬
‫الرّكوب ل يكون إجازةً ‪ .‬وأطلق قاضي خان في فتاويه أنّه ل يبطل خياره فقال ‪ :‬وركوبها‬
‫ليسقيها أو يردّها على البائع ل يبطل خياره استحسانًا ‪ ،‬فجعله من الستحسان ‪.‬‬
‫‪ -‬بيع محلّ الخيار من غيره ‪ ،‬أو هبته أو رهنه ‪ -‬مع التّسليم ‪ -‬مسقط للخيار ‪ ،‬أمّا لو وهبه‬
‫أو رهنه ولم يسلّم ل ينفسخ ‪.‬‬
‫ل الخيار فسخ ولو لم يسلّم ‪ ،‬وقيل ‪ :‬ليس فسخا ما لم يسلّم ‪.‬‬
‫‪ -‬إيجار مح ّ‬
‫ل الخيار إلى المشتري في مدّة الخيار ‪ ،‬وفرّق أبو بكر بن الفضل بين التّسليم‬
‫‪ -‬تسليم مح ّ‬
‫على وجه الختيار فل يبطل خياره ول يملكه المشتري ‪ ،‬والتّسليم على وجه التّمليك فيبطل‬
‫ل تصرّف ل ينفذ إلّ‬
‫ل في الملك ‪ ،‬وكذا ك ّ‬
‫خياره ‪ .‬قال الزّيلعيّ ‪ :‬وكذا كلّ تصرّف ل يحلّ إ ّ‬
‫في الملك كالبيع والجارة ‪.‬‬
‫شرائط الفسخ ‪:‬‬
‫‪ - 53‬يشترط لعتبار الفسخ نافذا الشّرائط التّالية ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬قيام الخيار ‪ ،‬لنّ الخيار إذا زال ‪ ،‬بالسّقوط مثلً ‪ ،‬يلزم العقد ‪ ،‬فل أثر للفسخ حينئذ ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬علم العاقد الخر بالفسخ ‪ ،‬ويعبّر عنه في بعض المراجع الفقهيّة بعبارة الفسخ بحضرة‬
‫العاقد ‪ ،‬وعكسه الفسخ في غيبته ‪ ،‬والمراد من الحضرة ‪ ،‬العلم ل الحضور ‪ ،‬وذلك عند أبي‬
‫حنيفة ومحمّد ‪ ،‬فإن جرى الفسخ من صاحب الخيار دون علم العاقد الخر فالفسخ موقوف ‪:‬‬
‫إن علم به في مدّة الخيار نفذ ‪ ،‬وإن لم يبلغه حتّى مضت المدّة لزم العقد لعدم اعتبار ذلك‬
‫الفسخ ‪ .‬وفي هذه الفترة ‪ -‬حيث يعتبر موقوفا ‪ -‬لو عاد العاقد عن فسخه فأمضى العقد قبل‬
‫علم الخر فذلك منه معتبر فيلزم العقد ويبطل فسخه السّابق ‪.‬‬
‫أمّا أبو يوسف فقد نقلت عنه أقوال ثلثة ‪ :‬الوّل مثل مذهب أبي حنيفة ومحمّد وقد رجع عنه‬
‫‪ ،‬وقول آخر له بعدم اشتراط علم العاقد الخر ‪ ،‬وقول ثالث بالنّظر إلى صاحب الخيار ‪ ،‬فإن‬
‫كان هو البائع فل يشترط بل يقتصر اشتراط العلم في خيار المشتري لكنّ القول المشهور‬
‫عنه عدم اشتراط علم العاقد الخر بالفسخ ورجّح ابن الهمام قول أبي يوسف هذا ‪ ،‬وبيّن أنّ‬
‫الفسخ بالقول هو الّذي وقع الخلف في جوازه بغير علم الخر ‪ ،‬وأمّا الفسخ بالفعل فيجوز‬
‫بغير علمه اتّفاقًا بين أئمّة الحنفيّة ‪.‬‬
‫وعدم اشتراط علم العاقد الخر بالفسخ هو مذهب الجمهور ‪ :‬المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة‬
‫والرّوايات السّابقة لبعض أئمّة الحنفيّة ‪ ،‬وهو مذهب الثّوريّ وأبي ثور ‪ ،‬على ما ذكر‬
‫الطّبريّ ‪.‬‬
‫واستدلّوا بأنّ الفاسخ منها مسلّط على الفسخ من جهة صاحبه الّذي ل خيار له فل يتوقّف‬
‫فسخه على علمه ‪ ،‬فهو كبيع الوكيل مع عدم علم الموكّل وهو جائز ‪ ،‬فل يشترط الرّضا هنا‬
‫ول هناك ‪ ،‬ولهذا نظائر ‪ ،‬منها ‪ :‬أنّ الفسخ كالجازة في هذا ‪ ،‬لنّهما شقيقان كلهما‬
‫ي ‪ -‬قياس لحد شطري العقد على الخر ‪.‬‬
‫لستعمال الخيار فهو ‪ -‬كما قال البابرت ّ‬
‫ج ‪ -‬أن ل ينشأ عن الفسخ تفريق الصّفقة ‪ ،‬أي أن يقع الفسخ على جميع الصّفقة ‪ ،‬فليس له‬
‫ن ذلك يؤدّي إلى تفرّق‬
‫أن يمضي العقد في بعض الصّفقة ويفسخ في بعضها الخر ‪ ،‬ل ّ‬
‫الصّفقة ‪ .‬ومثل ذلك يقال في الجازة في البعض ‪ ،‬فينشأ عنه تفريق الصّفقة في اللّزوم وهو‬
‫ل برضاهما ‪.‬‬
‫ل يجوز إ ّ‬
‫والمالكيّة يجبرون العاقد على ردّ الجميع إن أجاز العقد في البعض وردّ البعض حيث لم‬
‫يرض العاقد الشّركة ‪ ،‬وقال الشّافعيّة ‪ :‬لو أراد الفسخ في أحد الشّيئين اللّذين فيهما الخيار‬
‫فالصحّ ل يجوز لتفريق الصّفقة ‪ ،‬أمّا لو اشترى اثنان شيئًا من واحد صفقةً واحدةً بشرط‬
‫الخيار فلحدهما الفسخ في نصيبه ‪.‬‬
‫الدلّة ‪ :‬لكلّ من القائلين باشتراط علم العاقد الخر أو عدم اشتراطه أدلّة تدور بين وجوه من‬
‫المعقول والستشهاد بالنّظائر الفقهيّة ‪.‬‬
‫انتقال خيار الشّرط ‪:‬‬
‫أوّلً ‪ -‬انتقال الخيار بالموت ‪:‬‬
‫ن خيار الشّرط ينتقل إلى الوارث بموت الموروث ‪ ،‬وذكر‬
‫‪ - 54‬ذهب مالك والشّافعيّ إلى أ ّ‬
‫أبو الخطّاب من الحنابلة وجها بإرث خيار الشّرط مطلقا ‪.‬‬
‫وقد علّل القائلون بانتقال الخيار للوارث باعتبار الخيار من مشتملت التّركة ‪ ،‬لنّه حقّ ثابت‬
‫سنّة‬
‫لصلح المال ‪ ،‬كالرّهن وحبس المبيع على تحصيل الثّمن ‪ .‬واستدلّوا بأدلّة من ال ّ‬
‫سنّة قوله صلى ال عليه وسلم ‪ « :‬من ترك مالً أو حقّا فلورثته » ‪،‬‬
‫والمعقول ‪ .‬فمن ال ّ‬
‫وخيار الشّرط حقّ للموروث فينتقل إلى الوارث بموته كما يقضي الحديث ‪.‬‬
‫ثمّ قاسوا خيار الشّرط على خياري العيب والتّعيين المتّفق على انتقالهما للوارث بالموت ‪،‬‬
‫ن كلّا من تلك الخيارات يتعلّق بالعين فينتقل إلى الوارث بمجرّد انتقالها ‪.‬‬
‫بجامع أ ّ‬
‫ن خيار الشّرط ل يورث ‪ ،‬ومن عباراتهم في تقرير ذلك قول الزّيلعيّ ‪:‬‬
‫وذهب الحنفيّة إلى أ ّ‬
‫الخيار صفة للميّت ‪ ،‬لنّه ليس هو إلّ مشيئةً وإرادةً فل ينتقل عنه كسائر أوصافه ‪ .‬واستدلّوا‬
‫ن حقّ الفسخ بخيار الشّرط ل يصحّ العتياض عنه فلم يورث ‪ ،‬نظير حقّ الرّجوع‬
‫لمذهبهم بأ ّ‬
‫في الهبة قبل القبض إذا مات الواهب لم يورث عنه ‪.‬‬
‫وقالوا أيضا ‪ :‬خيار الشّرط ليس وصفا بالمبيع حتّى يورث بإرثه وإنّما هو مشيئة وإرادة ‪،‬‬
‫ن الرث يجري فيما يمكن نقله ‪،‬‬
‫فهو وصف قائم بشخص من ثبت له فل يورث عنه ‪ ،‬ل ّ‬
‫والوصف الشّخصيّ ل يقبل النّقل بحال ‪.‬‬
‫وذهب الحنابلة وحدهم إلى التّفصيل بين مطالبة الميّت بالخيار قبل موته أو عدم المطالبة ‪،‬‬
‫فإن مات صاحب الخيار دون أن يطالب بحقّه في الخيار ‪ ،‬بطل الخيار ولم يورث ‪ ،‬أمّا إن‬
‫ل بالمطالبة‬
‫ن خيار الشّرط غير موروث إ ّ‬
‫طالب بذلك قبل موته فإنّه يورث عنه ‪ .‬فالصل أ ّ‬
‫من المشترط ‪.‬‬
‫وقد صوّره بعض متأخّري الحنابلة بأنّه نقل ‪ ،‬وتوريث من المورّث لورثته بإراداته ‪ ،‬حيث‬
‫جاء في الفواكه العديدة قول الفقيه عبد اللّه بن ذهلن ‪ -‬شيخ المؤلّف ‪ " : -‬إذا مات وورث‬
‫خياره ورثته ‪ ،‬لشرطة لهم فأسقطه أحد الورثة سقط خيار الجميع " ‪.‬‬
‫ن خيار الشّرط‬
‫وقد جاءت تلك العبارة إيضاحا وتقييدا لعبارة أحد الكتب الّتي جاءت موهمةً أ ّ‬
‫ق الخيار ‪.‬‬
‫يورث مطلقا ‪ ،‬وليس المر كذلك بل يشترط لذلك مطالبة المورّث بح ّ‬
‫ن خيار الشّرط بالنّسبة للميّت منهما يبطل بموته ‪ ،‬ويبقى‬
‫وأمّا ابن قدامة فقال ‪ :‬المذهب أ ّ‬
‫خيار الخر بحاله ‪ ،‬إلّ أن يكون الميّت قد طالب بالفسخ قبل موته فيه فيكون لورثته ‪.‬‬
‫ثانيا ‪ :‬انتقال الخيار بالجنون وحالت الغيبوبة ‪:‬‬
‫‪ - 55‬سبق مذهب الحنفيّة في أنّ الجنون يسقط الخيار على تفصيل ينظر في فقرة ‪ . 41/‬وأمّا‬
‫الشّافعيّة فل فرق عندهم بين البائع والمشتري ‪ ،‬فقد ذهبوا إلى أنّه إذا طرأ الجنون ‪ -‬أو‬
‫الغماء ‪ -‬على صاحب الخيار لم ينقطع خياره ‪ ،‬بل يقوم وليّه أو الحاكم مقامه فيفعل ما فيه‬
‫ظ من الفسخ والجازة وكذلك إذا أصابه خرس ‪ -‬ولم تكن له إشارة مفهومة أو كتابة ‪-‬‬
‫الح ّ‬
‫نصّب الحاكم نائبا عنه ‪ .‬ولم نجد للحنابلة كلما في هذه المسألة ‪.‬‬
‫أمّا المالكيّة فقد فرّقوا بين الجنون والغماء ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬ففي الجنون إذا علم أنّه ل يفيق ‪ ،‬أو يفيق بعد وقت طويل يضرّ النتظار إليه بالعاقد‬
‫الخر ‪ ،‬ينظر السّلطان أو نوّابه في الصلح له من إمضاء أو ردّ ‪ ،‬ولو لم ينظر السّلطان‬
‫حتّى مضى جزء من المدّة فزال الجنون يحتسب ما مضى من المدّة على الظّاهر ‪ ،‬ولو لم‬
‫ينظر حتّى أفاق بعد أمد الخيار ل يستأنف له أجل على الظّاهر ‪ ،‬والمبيع لزم لمن هو بيده ‪.‬‬
‫ومثل المجنون ‪ -‬في الحكم ‪ -‬المفقود ‪ ،‬على الرّاجح ‪ ،‬وقيل ‪ :‬هو كالمغمى عليه ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬وفي الغماء ينتظر المغمى عليه لكي يفيق ويختار لنفسه ‪ ،‬إلّ إذا مضى زمن الخيار‬
‫ي المدّة بما يحصل به الضّرر للخر فيفسخ ‪ .‬ول ينظر له السّلطان ‪.‬‬
‫وطال إغماؤه بعد مض ّ‬
‫فإن لم يفسخ حتّى أفاق بعد أيّام الخيار استؤنف له الجل ‪ ،‬وهذا الحكم خلف ما مرّ في‬
‫المجنون ‪ .‬هذا وقد يزول الطّارئ الّذي نقل الخيار بسببه من صاحبه إلى غيره ‪ ،‬كالجنون‬
‫النّاقل للخيار إلى السّلطان ‪ ،‬لو أفاق بعده ل عبرة بما يختاره بل المعتبر بما نظره السّلطان ‪.‬‬
‫هذا ما ذهب إليه المالكيّة ‪ ،‬وخالفهم فيه الشّافعيّة ‪ ،‬ففي هذه الحال ‪ :‬لو أفاق العاقد وادّعى أنّ‬
‫الغبطة خلف ما فعله القيّم عنه ينظر الحاكم في ذلك ‪ ،‬فإن وجد المر كما يقول المفيق مكّنه‬
‫من الفسخ والجازة ونقص فعل القيّم ‪ ،‬وإن لم يكن ما ادّعاه المفيق ظاهرا ‪ ،‬فالقول قول القيّم‬
‫مع يمينه ‪ ،‬لنّه أمين فيما فعله إلّ أن يقيم المفيق بيّنةً بما ادّعاه ‪.‬‬

‫خيار العيب *‬
‫التّعريف ‪:‬‬
‫‪ - 1‬خيار العيب مركّب إضافيّ من الكلمتين " خيار وعيب " ‪ .‬أمّا كلمة " خيار " فقد سبق‬
‫عند تعريف الخيار بوجه عامّ بيان معناها اللّغويّ والصطلحيّ أيضا ‪.‬‬
‫أمّا كلمة عيب ‪ ،‬فهي في اللّغة مصدر الفعل عاب ‪ ،‬يقال ‪ :‬عاب المتاع يعيب عيبا ‪ :‬أي‬
‫صار ذا عيب ‪ ،‬وجمعه عيوب وأعياب ‪ .‬قال الفيّوميّ ‪ :‬استعمل العيب اسما وجمع على‬
‫عيوب ‪ .‬والمعيب مكان العيب وزمانه ‪.‬‬
‫وأمّا في الصطلح فللفقهاء تعاريف متعدّدة للعيب ‪ ،‬منها ‪ :‬ما عرّفه به ابن نجيم وابن الهمام‬
‫بأنّه ‪ :‬ما يخلو عنه أصل الفطرة السّليمة ممّا يعدّ به ناقصا ‪.‬‬
‫وعرّفه ابن رشد بأنّه ‪ :‬ما نقص عن الخلقة الطّبيعيّة أو عن الخلق الشّرعيّ نقصانا له تأثير‬
‫في ثمن المبيع ‪.‬‬
‫وعرّفه الغزاليّ بأنّه ‪ :‬كلّ وصف مذموم اقتضى العرف سلمة المبيع عنه غالبا ‪.‬‬
‫مشروعيّة خيار العيب ‪:‬‬
‫‪ - 2‬ل خلف بين الفقهاء في ال ّردّ بالعيب في الجملة ‪.‬‬
‫سنّة والقياس ‪ :‬فمن الكتاب ‪ :‬استدلّوا بعموم قوله تعالى ‪ِ { :‬إلّ‬
‫واستدلّوا بأدلّة من الكتاب وال ّ‬
‫ن العلم بالعيب في المبيع مناف‬
‫ض مّنكُمْ } والوجه في الستدلل أ ّ‬
‫ن ِتجَارَةً عَن َترَا ٍ‬
‫أَن َتكُو َ‬
‫للرّضا المشروط في العقود ‪ ،‬فالعقد الملتبس بالعيب تجارة عن غير تراض ‪.‬‬
‫ن العاقد ل يلزمه المعقود عليه المعيب ‪ ،‬بل له ردّه والعتراض ‪ ،‬بقطع‬
‫فالية تدلّ على أ ّ‬
‫النّظر عن طريقة ال ّردّ والصلح لذلك الخلل في تكافؤ المبادلة ‪.‬‬
‫ل ابتاع غلما ‪ ،‬فاستغلّه ‪ ،‬ثمّ وجد بهعيبا‬
‫ن رج ً‬
‫سنّة ‪ :‬عن عائشة رضي ال عنها « أ ّ‬
‫ومن ال ّ‬
‫فردّه بالعيب ‪ ،‬فقال البائع ‪ :‬غلّة عبدي ‪ ،‬فقال النّبيّ صلى ال عليه وسلم الغلّة بالضّمان »‬
‫ل الكاسانيّ بحديث المصرّاة على مشروعيّة خيار‬
‫وفي رواية ‪ « :‬الخراج بالضّمان » ‪ .‬واستد ّ‬
‫العيب ‪ .‬واستدلّوا بالقياس على الخيار في المصرّاة ‪ ،‬والجامع بينهما عدم حصول المبيع‬
‫السّليم ‪ ،‬لنّه بذل الثّمن ليسلّم له مبيع سليم ولم يسلّم له ذلك ‪.‬‬
‫قال ابن قدامة ‪ :‬إثبات النّبيّ الخيار بالتّصرية تنبيه على ثبوته بالعيب ‪.‬‬
‫وجوب العلم بالعيب ‪ ،‬وأدلّته ‪:‬‬
‫ن على البائع إعلم المشتري بالعيب الّذي في‬
‫‪ - 3‬وجوبه على العاقد ‪ :‬ذهب الفقهاء إلى أ ّ‬
‫مبيعه ‪ ،‬وذلك فيما يثبت فيه خيار ‪ ،‬أمّا إن لم يكن مسبّبا للخيار فترك التّعرّض له ليس من‬
‫التّدليس المحرّم كما قال إمام الحرمين ‪ ،‬وقد صرّح هؤلء بأنّ العلم بالعيب مطلوب على‬
‫سبيل الوجوب ‪ ،‬فإذا لم يبيّنه فهو آثم عاص ‪ ،‬ول خلف فيه بين العلماء ‪ -‬على ما ذكر ابن‬
‫قدامة والسّبكيّ وغيرهما ‪ -‬وجعله ابن رشد الجدّ من أكل المال بالباطل وتحريمه معروف ‪.‬‬
‫ل على هذا عدّة أحاديث ‪ ،‬منها ‪ :‬حديث عقبة بن عامر رضي ال عنه قال ‪ :‬سمعت النّبيّ‬
‫ود ّ‬
‫صلى ال عليه وسلم يقول ‪ « :‬المسلم أخو المسلم ‪ ،‬ول يحلّ لمسلم باع من أخيه بيعًا وفيه‬
‫عيب إلّ بيّنه له » ‪ .‬وعن واثلة بن السقع رضي ال عنه قال ‪ :‬قال رسول اللّه صلى ال‬
‫ل بيّنه » ‪.‬‬
‫عليه وسلم ‪ « :‬ل يحلّ لحد يبيع شيئا إلّ يبيّن ما فيه ‪ ،‬ول يحلّ لمن يعلم ذلك إ ّ‬
‫ش ‪ ،‬وكتمان العيب غشّ ‪-‬‬
‫وهناك أحاديث أخرى تشهد للمعنى السّابق لورودها بتحريم الغ ّ‬
‫كما صرّح السّبكيّ ‪ -‬وذلك كحديث أبي هريرة ‪ « :‬من غشّنا فليس منّا » أخرجه مسلم وهو‬
‫وارد في قصّة هي ‪ « :‬أنّه صلى ال عليه وسلم مرّ على صبرة طعام فأدخل يده فيها ‪ ،‬فنالت‬
‫أصابعه بللً ‪ ،‬فقال ‪ :‬ما هذا يا صاحب الطّعام ؟ قال ‪ :‬أصابته السّماء يا رسول اللّه يعني‬
‫ش فليس منّي » ‪.‬‬
‫المطر قال ‪ :‬أفل جعلته فوق الطّعام كي يراه النّاس ‪ ،‬من غ ّ‬
‫وهذا الحديث يشير إلى العلم بالعيب بالفعل المجزئ عن صريح القول ‪:‬‬
‫وهل يظلّ الثم لو رضي المشتري بالعيب بعد ظهوره ‪ ،‬ذلك ما جزم به الشّوكانيّ في الدّرر‬
‫البهيّة قائلً ‪ " :‬إن رضيه فقد أثم البائع ‪ ،‬وصحّ البيع " ‪.‬‬
‫حكم البيع مع الكتمان ‪:‬‬
‫‪ - 4‬البيع دون بيان العيب المسبّب للخيار صحيح مع المعصية عند جمهور الفقهاء ‪.‬‬
‫واستدلّوا بحديث المصرّاة المثبت الخيار للمشتري ‪ ،‬وذلك مبنيّ على صحّة البيع ‪ ،‬والتّصرية‬
‫ن النّهي لمعنىً في العقد ‪ ،‬فل يمنع‬
‫عيب ‪ ،‬وهاهنا التّدليس للعيب وكتمانه ل يبطل البيع ‪ ،‬ل ّ‬
‫ى فيه ‪ ،‬أو لستلزامه أمرا‬
‫صحّة العقد ‪ ،‬بخلف ما لو كان متوجّها إلى المعقود عليه لمعن ً‬
‫ممنوعا ‪ ،‬أمّا هنا فالعقد ليس منهيّا عنه أصلً " ل لمعنىً فيه ول لستلزامه ممنوعا " بل قد‬
‫ش ‪ ،‬وتلك أدنى مراتب النّهي الثّلث فل إثم‬
‫تحقّق بكتمان العيب ما هو منهيّ عنه وهو الغ ّ‬
‫ن النّهي عن الكتمان ل عن العقد ‪.‬‬
‫في العقد ‪ ،‬بل الثم في الكتمان ‪ ،‬ل ّ‬
‫وممّا هو صريح في الباب من فعل الصّحابة ما أخرجه البخاريّ أنّ ابن عمر اشترى إبلً‬
‫هيما‪ ،‬فلمّا أخبر بعيبها رضيها وأمضى العقد ‪.‬‬
‫وجوبه على غير العاقد ‪:‬‬
‫‪ - 5‬وجوب العلم بالعيب ل يقتصر على البائع ‪ ،‬بل يمتدّ إلى كلّ من علم بالعيب لحديث‬
‫واثلة ‪ -‬والقصّة المرويّة بأنّه فعل ذلك حين كتم البائع العيب ‪ -‬والحاديث الخرى العديدة‬
‫في وجوب النّصح ‪ ،‬وقد نصّ على هذا من الشّافعيّة الشّيرازيّ ‪ ،‬وابن أبي عصرون ‪،‬‬
‫ن فيه خلفا ‪.‬‬
‫والنّوويّ ‪ ،‬وقال السّبكيّ ‪ :‬وذلك ممّا ل أظ ّ‬
‫ويتأكّد الوجوب حيث ينفرد الجنبيّ بعلم العيب دون البائع نفسه ‪ ،‬أمّا إن كانا يعلمانه‬
‫ن البائع لم يعلمه به ‪ ،‬أمّا إن علم قيام البائع بذلك‬
‫فالوجوب حيث يعلم ‪ ،‬أو يظنّ ‪ ،‬أو يتوهّم أ ّ‬
‫‪ -‬أو غلب على ظنّه أنّه يقوم بذلك لتديّنه ‪ -‬فهناك احتمالن أحدهما ‪ :‬عدم الوجوب خشية‬
‫ن به ‪ ،‬والحتمال الثّاني ‪ :‬وجوب الستفسار من المشتري‬
‫إيغار صدر البائع لتوهّمه سوء الظّ ّ‬
‫هل أعلمه البائع بالعيب ‪.‬‬
‫ووقت العلم في حقّ البائع والجنبيّ قبل البيع ‪ ،‬ليكفّ عن الشّراء ‪ ،‬فإن لم يكن الجنبيّ‬
‫حاضرا ‪ ،‬أو لم يتيسّر له فبعده ‪ ،‬ليتمكّن المشتري من ال ّردّ بالعيب ‪.‬‬
‫حكمة تشريع خيار العيب ‪:‬‬
‫الحكمة في مشروعيّة خيار العيب دفع الضّرر عن العاقد " المشتري " لنّه رضي بالمبادلة‬
‫بطريق البيع ‪ ،‬والبيع يقتضي سلمة المبيع عن العيب ‪ ،‬ووصف السّلمة يفوت بوجود العيب‬
‫‪ ،‬فعند فواته يتخيّر ‪ ،‬لنّ الرّضا داخل في حقيقة البيع ‪ ،‬وعند فواته ينتفي الرّضا ‪ ،‬فيتضرّر‬
‫بلزوم ما ل يرضى به ‪.‬‬
‫شرائط خيار العيب ‪:‬‬
‫‪ - 6‬يثبت خيار العيب للمشتري بشرائط ثلث ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬ظهور عيب معتبر ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬أن يكون المشتري غير عالم بالعيب عند العقد ‪.‬‬
‫ج ‪ -‬أن ل يكون البائع قد اشترط البراءة من العيب ‪.‬‬
‫الشّريطة الولى ‪ :‬ظهور عيب معتبر ‪:‬‬
‫‪ - 7‬المراد بهذه الشّريطة بروز العيب وانكشافه بعدما كان خفيّا عن المشتري ‪ ،‬فل حكم‬
‫ن المبيع كان سالما ‪ -‬في‬
‫للعيب قبل ظهوره ‪ ،‬لنّ المفترض أنّه خفيّ ومجهول للمشتري فكأ ّ‬
‫نظره ‪ -‬حتّى وجد فيه عيبا ‪ .‬والمراد بكونه معتبرا أن يكون عيبا بالمعنى المصطلح عليه‬
‫ن ذلك ل يتمّ إلّ بأن يتحقّق فيه أمران هما ‪:‬‬
‫فقها ‪ -‬ل مطلق العيب لغ ًة ‪ -‬وأ ّ‬
‫أ ‪ -‬كون العيب مؤثّرا في نقص القيمة أو فوات غرض صحيح ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬كون الصل في جنس المعقود عليه السّلمة من العيب ‪.‬‬
‫المر الوّل ‪ :‬نقص القيمة ‪ ،‬أو فوات غرض صحيح ‪:‬‬
‫‪ - 8‬ذكر الحنفيّة هذا الضّابط للعيب ‪ :‬هو كلّ ما يوجب نقصانا في القيمة عند أهل الخبرة‬
‫سواء نقّص العين أم لم ينقّصها ‪.‬‬
‫وقد يعبّر بعض الحنفيّة ‪ -‬وغيرهم ‪ -‬بالثّمن بدل القيمة ‪ ،‬وهي المرادة ‪ ،‬قال ابن عابدين ‪:‬‬
‫لمّا كان الثّمن في الغالب مساويا للقيمة عبّروا به عنها ‪.‬‬
‫والعيب الفاحش في المهر كلّ ما يخرجه من الجيّد إلى الوسط ‪ ،‬ومن الوسط إلى الرّديء ‪.‬‬
‫وإنّما ل يردّ المهر بيسير العيب إذا لم يكن كيليّا أو وزنيّا ‪ ،‬وأمّا الكيليّ والوزنيّ فيردّ بيسيره‬
‫ل عيب يدخل تحت تقويم المقوّمين‬
‫أيضا ‪ .‬قال في " مختار الفتاوى " ‪ :‬والح ّد الفاصل فيه ‪ :‬ك ّ‬
‫‪ ،‬بأن يقوّمه مقوّم صحيحًا بألف ‪ ،‬ومع العيب بأقلّ ‪ ،‬ويقوّمه مقوّم آخر مع هذا العيب بألف‬
‫فهو يسير ‪ ،‬وما ل يدخل تحت تقويم المقوّمين بأن اتّفق المقوّمون في تقويمه صحيحا بألف ‪،‬‬
‫واتّفقوا في تقويمه مع هذا بأقلّ فهو فاحش ‪.‬‬
‫وذهب أبو حنيفة وأبو يوسف إلى أنّ خيار العيب ل يدخل في الزّواج ‪ ،‬وقال محمّد ‪ :‬للمرأة‬
‫ن المرأة ل تطيق المقام مع زوج‬
‫حقّ الفسخ بعيوب ثلثة ‪ :‬الجنون ‪ ،‬والجذام ‪ ،‬والبرص ‪ ،‬ل ّ‬
‫ن ذكر هذه الشياء على سبيل التّمثيل ‪ ،‬وأنّ كلّ‬
‫فيه أحدها ‪ ،‬وجاء في الزّيلعيّ والبدائع أ ّ‬
‫عيب تتضرّر به المرأة تستحقّ به فسخ العقد ‪.‬‬
‫ل بمقصد الزّواج‬
‫وذهب الئمّة الثّلثة إلى أنّ التّفريق بسبب العيب ‪ ،‬ولكن بعيوب تخ ّ‬
‫كالعيوب الثّلثة المذكورة ‪ .‬وتفصيل ذلك في مصطلح ‪ ( :‬نكاح ) ‪.‬‬
‫وضابطه عند الشّافعيّة ‪ :‬المنقص للقيمة أو العين نقصانا يفوت به غرض صحيح ‪ ،‬بشرط أن‬
‫يكون الغالب في أمثال المبيع عدمه ‪.‬‬
‫وقد اشتمل هذا الضّابط على العنصرين المقوّمين له في حين خل منه تعريف الحنفيّة ‪ ،‬وقال‬
‫السّبكيّ ‪ :‬إنّ هذا الضّابط يرجّح عن ضوابط كثيرة أحيل فيها على العرف دون ضبط‬
‫ن اشتراط‬
‫العيب ‪ ،‬ومجرّد الحالة على العرف قد يقع منها في بعض الوقات إلباس ‪ .‬وأ ّ‬
‫فوات غرض صحيح هو للحتراز عن النّقص اليسير في فخذ شاة أو ساقها بشكل ل يورث‬
‫شيئا ‪ ،‬ول يفوت به غرض صحّة الضحيّة ‪ ،‬بخلف ما لو قطع من أذنها ما يمنع التّضحية‬
‫بها ‪.‬‬
‫ويرى الحنابلة أنّ نقص العين وحده كاف ولو لم تنقص به القيمة ‪ ،‬بل زادت ‪ ،‬وبالمقابل إنّ‬
‫من العيب نقص القيمة " أو الماليّة بعبارة ابن قدامة " عادةً في عرف ال ّتجّار وإن لم تنقص‬
‫ن المبيع إنّما‬
‫عينه ‪ ،‬على أن تكون تلك نقيصةً يقتضي العرف سلمة المبيع عنها غالبا ‪ ،‬ل ّ‬
‫صار محلّا للعقد باعتبار صفة الماليّة فما يوجب نقصا فيها يكون عيبا ‪.‬‬
‫وقد ذكر المالكيّة أنّ ممّا يعدّ عيبا ‪ ،‬البيت الّذي قتل فيه إنسان وأصبح يوحش ساكنيه وتنفر‬
‫نفوسهم عنه ‪ ،‬ويأبى العيال والولد سكناه وتتراءى لهم بسبب تلك الوحشة خيالت شيطانيّة‬
‫ل الرّغبة فيه ‪ ،‬فيبخس ثمنه ‪ ،‬فهو من‬
‫مفزعة مقلقة ‪ .‬وقد جعلوه ممّا ينفر النّاس عنه ‪ ،‬وتق ّ‬
‫تطبيقات نقص القيمة ‪.‬‬
‫المر الثّاني ‪ :‬كون الصل سلمة أمثال المبيع من العيب ‪:‬‬
‫ن السّلمة من ذلك الوصف العارض هي الصل في نوع المبيع وأمثاله ‪ ،‬أمّا إن‬
‫‪ - 9‬المراد أ ّ‬
‫كان من المألوف وجوده في أمثاله ‪ ،‬فإنّه ل يعدّ عيبا معتبرا ‪.‬‬
‫وقد اختلفت تعابير الفقهاء عن هذا المر مع اتّفاقهم عليه ‪.‬‬
‫وقد استدركه ابن عابدين على ضابط الحنفيّة من الشّافعيّة قائلً ‪ :‬وقواعدنا ل تأباه ‪ .‬وضربوا‬
‫لذلك مثلً بوجود الثّفل في الزّيت بالح ّد المعتاد ‪ ،‬فمن تعابير الفقهاء في اعتماد هذا المر ‪،‬‬
‫ليكون العيب معتبرا ‪ ،‬التّعبير بكون الغالب في جنس المبيع عدمه ‪ ،‬أو اقتضاء العرف سلمة‬
‫المبيع عنه غالبا ‪ ،‬أو ما خالف الخلقة الصليّة ‪ ،‬أو أصل الخلقة ‪ ،‬أو الخروج عن المجرى‬
‫الطّبيعيّ ‪ ،‬أو ما نقص عن الخلقة الصليّة أو الخلق الشّرعيّ " كما يقول ابن رشد " ‪ ،‬أو ما‬
‫خالف المعتاد ‪ ،‬أو ما تخلو عنه أصل الفطرة السّليمة ‪.‬‬
‫الرّجوع للعرف في تحقّق ضابط العيب ‪:‬‬
‫ن المرجع في كون العيب مؤثّرا " أي مؤدّيا إلى نقصان‬
‫‪ - 10‬تواردت نصوص الفقهاء على أ ّ‬
‫القيمة ‪ ،‬وكون الصل في جنس المبيع عدمه " إلى أهل الخبرة بذلك ‪.‬‬
‫قال ابن الهمام ‪ :‬وهم ال ّتجّار ‪ ،‬أو أرباب الصّنائع إن كان الشّيء من المصنوعات ‪ ،‬وقال‬
‫الكاسانيّ ‪ :‬التّعويل في الباب على عرف ال ّتجّار ‪ ،‬فما نقّص الثّمن " أي القيمة " في عرفهم‬
‫فهو عيب يوجب الخيار ‪.‬‬
‫وقال الحطّاب ‪ :‬التّعويل في اعتبار الشّيء عيبا أو عدمه هو على عرف ال ّتجّار ‪ ..‬وإن كان‬
‫ن ذكر ال ّتجّار ليس تخصيصا ‪،‬‬
‫عامّة النّاس من غير ال ّتجّار يرونه ‪ ،‬أو ل يرونه ‪ .‬ول شكّ أ ّ‬
‫بل المراد أهل الخبرة في كلّ شيء بحسبه ‪.‬‬
‫وهل يشترط إجماع أهل الخبرة على الحكم بكون الشّيء عيبا ؟ هذا ما ذهب إليه الحنفيّة ‪،‬‬
‫فقد ذكر ابن عابدين أنّه إذا اختلف ال ّتجّار فقال بعضهم ‪ :‬إنّه عيب ‪ ،‬وقال بعضهم ‪ :‬ليس‬
‫بعيب لم يكن له ال ّردّ ‪ ،‬إذ لم يكن عيبا بيّنا عند الكلّ ‪.‬‬
‫وفي مذهب الشّافعيّة ل يطلب هذا الجماع بل التّعدّد غير مطلوب على ما نقل السّبكيّ عن‬
‫صاحبي التّهذيب والعدّة ‪ ،‬والكتفاء بقول واحد ‪ ،‬وعن صاحب التّتمّة ل بدّ من شهادة اثنين ‪.‬‬
‫ثمّ قال ‪ :‬لو اختلفا هل هو عيب وليس هناك من يرجع إليه فالقول قول البائع مع يمينه ‪.‬‬
‫شرائط تأثير العيب ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬أن يكون العيب في محلّ العقد نفسه ‪:‬‬
‫‪ - 11‬ففي البيع ل بدّ أن يكون في نفس المبيع ‪ ،‬وهذا طبيعيّ ‪ ،‬فالعيوب في غير المبيع ل‬
‫أثر لها كالعيوب في شخص العاقد الخر ‪ ،‬أو العيب في الرّهن المقدّم ‪ ،‬أو الكفيل ونحوه ‪..‬‬
‫وضرب له ابن عابدين مثلً بما إذا باع حقّ الكدك " من حقوق الرتفاق في العقار " في‬
‫حانوت لغيره فأخبر المشتري أنّ أجرة الحانوت كذا فظهر أنّها أكثر ‪ ،‬فليس له ال ّردّ بهذا‬
‫ن هذا ليس بعيب في المبيع ‪.‬‬
‫السّبب ‪ ،‬ل ّ‬
‫ب ‪ -‬أن يكون العيب قديما ‪:‬‬
‫‪ - 12‬والمراد بالقديم ما قارن العقد أو حدث قبل القبض ‪ .‬فالمقارن مجمع عليه ‪ ،‬ودليل ما‬
‫وجد قبل القبض ‪ ،‬أنّ المبيع من ضمان البائع فكذا جزؤه وصفته ‪.‬‬
‫أمّا إذا لم يكن العيب قديما بل حدث بعد التّسليم فل يثبت الخيار ‪ ،‬لنّه لفوات صفة السّلمة‬
‫المشروطة دلل ًة في العقد ‪ ،‬وقد حصل المعقود عليه سليما في يد المشتري ‪ ،‬إذ العيب لم‬
‫يحدث إلّ بعد التّسليم ‪.‬‬
‫قال المرغينانيّ ‪ :‬العيب قد يحدث بعد البيع قبل التّسليم وهو يوجب ال ّردّ ‪.‬‬
‫وقد خالف في هذا المالكيّة فأخذوا بقضيّة العهدة ‪ :‬وهي عهدتان ‪ ،‬الولى في عيوب الرّقيق‬
‫ويقولون فيها بعهدة الثّلث ‪ ،‬والثّانية في عيوب الجنون والجذام والبرص ‪ ،‬ويقولون فيها‬
‫سنّة ‪ ،‬وتفصيله في مصطلح ‪ ( :‬عهدة ) ‪.‬‬
‫بعهدة ال ّ‬
‫ويستثنى من هذه الشّريطة عقد الجارة ‪ ،‬عند الحنفيّة فقد نصّوا على أنّها تفسخ بعيب حادث‬
‫وذلك لنّها عقد على المنافع ‪ ،‬وهي تحدث شيئا فشيئا ‪ ،‬ووجود العيب يحول دون النتفاع‬
‫فيعتبر ولو كان حادثا ‪.‬‬
‫ج ‪ -‬أن ل يكون العيب بفعل المشتري قبل القبض ‪:‬‬
‫‪ - 13‬يعتبر في منزلة العيب الحادث عند المشتري ما لو كان العيب قديما " حصل قبل‬
‫القبض " ولكنّه وجد بفعل وقع على المبيع من المشتري قبل أن يقبضه ‪ .‬وهذا القيد كالستثناء‬
‫على ما قبله ‪ .‬ويدلّ عليه جملة من الفروع الّتي ذكرها الشّافعيّة ‪ -‬وقواعد غيرهم ل تأباه ‪-‬‬
‫وقد صرّح الشّيرازيّ بأنّه حينئذ يفقد العيب أثره ‪.‬‬
‫د ‪ -‬أن يكون العيب باقيا بعد التّسليم ومستمرّا حتّى الرّدّ ‪:‬‬
‫‪ - 14‬والمراد من بقائه أن يثبت عند المشتري بعد التّسليم ‪ ،‬إمّا بأن يظلّ موجودا في محلّ‬
‫العقد بعد القبض ‪ ،‬وإمّا بأن يخفى عند التّسليم ثمّ يظهر ثاني ًة فل يكتفى بثبوت قدمه عند البائع‬
‫وظهوره قبل العقد عنده فقط ‪ ،‬كما ل يكتفى بظهوره بعد العقد ثمّ خفائه بعد التّسليم ‪ ،‬بل ل بدّ‬
‫من أن يعود للظّهور ثاني ًة عند المشتري بعد التّسليم ويستمرّ باقيًا إلى حين ال ّردّ ‪ .‬ففي شريطة‬
‫البقاء ‪ -‬أو المعاودة ‪ -‬احتراز عن العيب القديم إذا ظهر عند المشتري بعد التّسليم ‪ ،‬وعزم‬
‫ن الرّ ّد إنّما هو للعيب ‪ -‬فهو سببه ‪ -‬والمعقود عليه‬
‫على ال ّردّ ‪ ،‬ثمّ زال العيب قبل ال ّردّ ‪ .‬ل ّ‬
‫أضحى سليما فل قيام للخيار مع سلمته ‪ .‬هكذا الحكم عند الحنفيّة والشّافعيّة حيث صرّح‬
‫ن العيب الثّابت عند البائع محتمل الزّوال قابل الرتفاع ‪ ،‬فل يثبت حقّ ال ّردّ‬
‫الكاسانيّ بأ ّ‬
‫بالحتمال ‪ ،‬فل بدّ في صفة العيب من ثبوتها عند المشتري ليعلم أنّها قائمة ‪ .‬وذكر الشّروانيّ‬
‫من الشّافعيّة أنّ العيب المعتبر هو ما قارن العقد ‪ ،‬أو حدث قبل القبض ‪ ،‬وقد بقي إلى الفسخ‬
‫‪.‬‬
‫هـ ‪ -‬أن ل تمكن إزالة العيب بل مشقّة ‪:‬‬
‫‪ - 15‬أمّا لو أمكن ذلك فل يقوم حقّ الخيار ‪ ،‬وذلك كما لو كان على القماش طابع المصنع‬
‫مثلً ‪ ،‬وكان ممّا ل يضرّه الغسل ‪ ،‬أو يمكن جعله من جهة البطانة ‪ ،‬وكما لو كان بالثّوب‬
‫نجاسة وهو ممّا ل يفسد بالغسل ول ينتقص ‪ ،‬للتّمكّن من غسله ‪.‬‬
‫ل قليلً لصلحه ثمّ‬
‫وكثيرا ما يهوّن البائع من شأن العيب وأنّه سهل الزالة ‪ ،‬أو ل يكلّف إ ّ‬
‫يظهر العكس فما مصير خيار العيب بعد الرّضا من المشتري ؟‬
‫نصّ المالكيّة على ثبوت خيار ال ّردّ للمشتري عندئذ ما لم يحدث لديه عيب فيتخيّر بين ال ّردّ‬
‫والرش ‪ ،‬جاء في نوازل الونشريسيّ أنّه سئل عمّن اشترى دابّ ًة وبها جرح رمح ‪ ،‬فرضي‬
‫بعدما قال البائع له هو جرح ل يضرّها ‪ ،‬جرح قد برىء ‪ ،‬فتغيّب هذا المشتري نحوا من‬
‫سنة ثمّ ظهر الجرح فادحا ‪ " .‬فأجاب " إن لم يحدث بها عنده عيب مفسد فهو مخيّر بين أن‬
‫يردّها أو يتماسك ول شيء له من قيمة العيب ‪ ،‬فإن حدث عند المشتري عيب بعد ‪ ،‬فإن شاء‬
‫صحّة والدّاء ‪.‬‬
‫ردّها وقيمة العيب الحادث عنده ‪ ،‬وإن شاء أمسكها وأخذ قيمة العيب بين ال ّ‬
‫طرق إثبات العيب ‪:‬‬
‫‪ - 16‬إثبات العيب يختلف باختلف العيب من حيث درجة الظّهور ‪ .‬والعيب أربعة أنواع ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬عيب ظاهر مشاهد ‪.‬‬
‫ل أهل الخبرة ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬عيب باطن خفيّ ‪ ،‬ل يعرفه إ ّ‬
‫ل النّساء ‪.‬‬
‫ج ‪ -‬عيب ل يطّلع عليه إ ّ‬
‫د ‪ -‬عيب ل يعرف بالمشاهدة المجرّدة بل يحتاج إلى التّجربة والمتحان عند الخصومة ‪.‬‬
‫أ ‪ -‬العيب المشاهد ‪ :‬ل حاجة لتكليف المشتري إقامة البيّنة على وجود العيب عنده ‪ ،‬لكونه‬
‫ثابتا بالعيان والمشاهدة ‪ ،‬وللمشتري حقّ خصومة البائع بسبب هذا العيب ‪ ،‬وللقاضي حينئذ‬
‫النّظر في المر ‪ .‬فإن كان العيب ل يحدث مثله عاد ًة في يد المشتري ‪ ،‬كالصبع الزّائدة‬
‫ونحوها ‪ ،‬فإنّه يردّ على البائع ‪ ،‬ول يكلّف المشتري بإقامة البيّنة على ثبوت العيب عند البائع‬
‫لتيقّن ثبوته عنده ‪ ،‬إلّ أن يدّعي البائع الرّضا به والبراء عنه ‪ ،‬فتطلب البيّنة منه ‪ .‬فإن أقام‬
‫ل استحلف المشتري على دعواه ‪ ،‬فإن نكل " أحجم عن اليمين "‬
‫البيّنة عليه قضي بذلك ‪ ،‬وإ ّ‬
‫لم يردّ المبيع المعيب على البائع ‪ ،‬وإن حلف ردّ على البائع ‪.‬‬
‫وأمّا إن كان العيب ممّا يجوز أن يحدث مثله في يد المشتري فإنّه يستحلف باللّه على البتات‪،‬‬
‫أي بشكل باتّ قاطع جازم ‪ ،‬ل على مجرّد نفي العلم ‪ " :‬لقد بعته وسلّمته ‪ ،‬وما به هذا‬
‫العيب‪ ،‬ل عند البيع ول عند التّسليم " ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬العيب إذا كان باطنًا خفيّا ل يعرفه إلّ المختصّون كالطبّاء والبياطرة مثل وجع الكبد‬
‫والطّحال ونحوه ‪ ،‬فإنّه يثبت لممارسة حقّ الخصومة بشهادة رجلين مسلمين ‪ ،‬أو رجل مسلم‬
‫عدل من أهل الخبرة ‪.‬‬
‫ج ‪ -‬العيب الّذي ل يطّلع عليه إلّ النّساء ‪ :‬يرجع القاضي فيه إلى قول النّساء بعد أن يرين‬
‫ن قول‬
‫العيب ‪ ،‬ول يشترط العدد فيهنّ ‪ ،‬بل يكفي قول امرأة واحدة عدل ‪ ،‬والثّنتان أحوط ‪ ،‬ل ّ‬
‫المرأة فيما ل يطّلع عليه الرّجال حجّة في الشّرع ‪ ،‬كشهادة القابلة في النّسب ‪.‬‬
‫ل واحد من صاحبي أبي حنيفة ‪،‬‬
‫فإذا شهدت المرأة على العيب ‪ ،‬فهناك روايات متعدّدة عن ك ّ‬
‫ن شهادة المرأة الواحدة أو الثّنتين يثبت بها العيب الّذي ل يطّلع عليه الرّجال في‬
‫ومحصّلها أ ّ‬
‫حقّ توجّه الخصومة ‪ ،‬ل في حقّ ال ّردّ ‪.‬‬
‫د ‪ -‬العيب الّذي ليس بمشاهد عند الخصومة ول يعرف إلّ بالتّجربة ‪ :‬كالباق ‪ :‬فل يثبت إلّ‬
‫بشهادة رجلين أو رجل وامرأتين ‪ .‬وإذا لم يستطع المشتري إثبات العيب عنده ‪ ،‬هل يستحلف‬
‫القاضي البائع على ذلك أم ل ؟ قال الصّاحبان ‪ :‬يستحلف ‪ .‬وقال أبو حنيفة ‪ :‬ل يستحلف ‪.‬‬
‫وكيفيّة استحلف البائع ‪ :‬هي أن يحلف على العلم ‪ ،‬ل على البتات أي الجزم والقطع فيقول ‪:‬‬
‫ن هذا العيب موجود في هذا الشّيء الن ‪ ،‬والسّبب في ذلك ‪ :‬هو أنّه يحلف‬
‫باللّه ما يعلم أ ّ‬
‫على غير فعله ‪ ،‬ومن حلف على غير فعله ‪ ،‬يحلف على العلم ‪ ،‬لنّه ل علم له بما ليس‬
‫ت والجزم " ‪ ،‬فإن‬
‫بفعله ‪ ،‬أمّا من حلف على فعل نفسه فيحلف على البتات " أي بصيغة الب ّ‬
‫ق الخصومة ‪ ،‬وإن حلف‬
‫نكل أي البائع عن اليمين ‪ ،‬ثبت العيب عند المشتري ‪ ،‬فيثبت له ح ّ‬
‫برّئ ‪.‬‬
‫الشّريطة الثّانية ‪ :‬الجهل بالعيب ‪:‬‬
‫‪ - 17‬فل بدّ أن يكون المشتري غير عالم بالعيب ‪ ،‬قال السّبكيّ ‪ " :‬عند العلم ل خيار " ‪.‬‬
‫وسواء في العلم المحترز عنه أن يكون عند العقد ‪ ،‬أو بعده عند القبض ‪ ،‬فلو اشترى شيئا‬
‫ل بعيبه ثمّ علم به عند القبض فقبضه عالما بعيبه‬
‫وهو عالم بعيبه عند العقد ‪ ،‬أو اشتراه جاه ً‬
‫لم يكن له حقّ الخيار ‪ ،‬لنّ إقدامه على الشّراء مع علمه بالعيب رضا به دلل ًة ‪ ،‬وكذلك‬
‫علمه عند القبض ‪ ،‬لنّ تمام الصّفقة متعلّق بالقبض ‪ ،‬فكان العلم عنده كالعلم عند العقد ‪،‬‬
‫فكان عليه لبقاء حقّه في الخيار أن يمتنع من القبض عند علمه بالعيب ‪ ،‬فلمّا لم يفعل كان‬
‫راضيًا به ‪ .‬قال ابن الهمام ‪ " :‬العلم بالعيب عند البيع أو القبض مسقط للرّ ّد والرش " ‪.‬‬
‫‪ - 18‬ومن المقرّر أنّ خيار العيب إنّما هو للعيوب الخفيّة الّتي ل تدرك بالنّظر ‪ ،‬أمّا لو كان‬
‫العيب بارزا ل يخفى عند الرّؤية غالبا فيعتبر المتعاقد عالمًا به ‪ .‬ومثله ما لو كان يحتاج إلى‬
‫مزيد تأمّل فدلّ البائع المشتري على موضع العيب أو صفته ‪ ،‬فإنّ ذلك يحول دون ثبوت‬
‫الخيار للمتعاقد الخر الّذي تعامى عن إبصار العيب الواضح ‪ .‬كما ل يقبل قوله لم أره ‪،‬‬
‫بخلف ما إذا كان العيب ل يعاين ‪ ،‬فهو على الصل من قيام الخيار بشرائطه ‪.‬‬
‫ن المتعاقد صرّح به وذكره على سبيل اشتراط أنّه‬
‫ومن ذلك ما لو كان العيب خفيّا ‪ ،‬لك ّ‬
‫موجود ظاهر ‪ .‬كما لو كان المبيع ثورا باعه على شرط أنّه يرقد في المحراث أو يعصي في‬
‫الطّاحون ‪ ،‬أو باع فرسا على شرط أنّها جموح ‪ ،‬ثمّ تبيّن كذلك ‪ ،‬فالبائع بريء ‪.‬‬
‫وليس من ذلك ما لو كان يحتاج إلى خبرة خاصّة ‪ ،‬ومثّلوا لذلك بما إذا أقبض المشتري الثّمن‬
‫ن فيه زيفا ‪ ،‬فقال ‪ :‬رضيت بزيفه فطلع فيه زيف ‪ ،‬ذكر ابن حجر‬
‫‪ ،‬وقال للبائع استنقذه فإ ّ‬
‫الهيتميّ ‪ :‬أنّ بعضهم أفتى بأنّه ل ردّ له به ‪ ،‬ولم يرتضه قائلً ‪ :‬ووجه ردّه أنّ الزّيف ل‬
‫يعرف قدره في الدّرهم بمجرّد مشاهدته فلم يؤثّر الرّضا به ‪.‬‬
‫ويفهم من هذا أنّ العلم بالعيب ‪ -‬الّذي ينتفي به الخيار ‪ -‬هو العلم المفيد ‪ ،‬وهنا لم‬
‫يستفد إلّ وجود زيف في الثّمن ‪ ،‬أمّا كم هو ؟ فلم يحدّد ‪.‬‬
‫‪ - 19‬وقد تعرّض الفقهاء إلى صورة ربّما كانت نادر ًة في السّابق ‪ ،‬إلّ أنّها أصبحت الن‬
‫محتملة الوقوع كثيرا لتنوّع خصائص الشياء وخفاء عللها ‪ ،‬بحيث يرى المرء المر الّذي‬
‫يلبسه العيب ولكنّه يظنّ أنّه ليس بعيب ‪ ،‬أو يعلمه عيبا ولكن يحسبه ل ينقص القيمة وهو‬
‫بخلف ذلك ‪ .‬فإذا علم المشتري بالمر المعتبر عيبا دون أن يدري أنّه عيب وقبضه ‪ ،‬ث ّم علم‬
‫بعد القبض أنّه عيب ‪ ،‬فالحكم هنا أن ينظر ‪ :‬إن كان عيبا بيّنا ل يخفى على النّاس لم يكن له‬
‫ال ّردّ ‪ ،‬وإن كان يخفى ول يعرفه إلّ ذوو الخبرة أو المختصّون بتلك الشياء فله ال ّردّ ‪.‬‬
‫الشّريطة الثّالثة ‪ :‬عدم البراءة ‪:‬‬
‫‪ - 20‬يشترط لقيام الخيار أن ل يكون البائع قد اشترط البراءة من العيب أو العيوب الّتي في‬
‫المبيع ‪ .‬ولهذه الشّريطة تفاصيل وافية ‪ ،‬بل اقترانها بالبيع يجعل منه نوعا خاصّا من أنواع‬
‫البيوع يدعى بيع البراءة ‪.‬‬
‫مسائل البراءة ‪:‬‬
‫‪ - 21‬حكمها ومجالها ‪ :‬اشتراط البراءة من العيب جائز عند الحنفيّة سواء أكان العيب معلوما‬
‫للمشترط أم مجهولً له ‪ ،‬ومهما كان محلّ العقد ‪ ،‬وأجازه مالك والشّافعيّ في الحيوان وحده ‪.‬‬
‫ي أو ظاهر فيحتاج فيه إلى شرط البراءة ليثق بلزوم البيع‬
‫ن الحيوان قلّما ينفكّ عن عيب خف ّ‬
‫لّ‬
‫فيما ل يعلمه من الخفيّ دون ما يعلمه ‪.‬‬
‫والصل في اعتبار البراءة من العيب أثر عبد اللّه بن عمر رضي ال عنهما حين باع غلما‬
‫له بثمانمائة درهم ‪ ،‬وباعه بالبراءة ‪ ،‬فقال الّذي ابتاعه لعبد اللّه بن عمر ‪ :‬بالغلم داء لم‬
‫تسمّه لي ‪ .‬فاختصما إلى عثمان بن عفّان ‪ ،‬فقال الرّجل ‪ :‬باعني عبدا وبه داء لم يسمّه ‪.‬‬
‫وقال عبد اللّه ‪ :‬بعته بالبراءة ‪ .‬فقضى عثمان بن عفّان على عبد اللّه بن عمر أن يحلف له ‪:‬‬
‫لقد باعه العبد وما به داء يعلمه ‪ .‬فأبى عبد اللّه أن يحلف ‪ ،‬وارتجع العبد ‪ ،‬فصحّ عنده ‪،‬‬
‫فباعه عبد اللّه بعد ذلك بألف وخمسمائة درهم ‪.‬‬
‫تلخيص مذاهب العلماء في اشتراط البراءة ‪:‬‬
‫‪ - 22‬التجاه الول ‪ :‬أن يبرأ من كل عيب ‪ ،‬علمه البائع أو لم يعلمه ‪ .‬وهو مذهب أبي‬
‫حنيفة وأبي ثور ‪ ،‬وروي عن ابن عمر وزيد ‪.‬‬
‫الثاني ‪ :‬ليبرأ من شيء من العيوب حتّى يسميه ‪ ،‬سواء أكان العيب مما يعاين أم ل ‪ ،‬وهو‬
‫مذهب ابن أبي ليلى وسفيان الثوري ‪.‬‬
‫الثالث ‪ :‬ليبرأ من شيء من العيوب حتّى يضع يده عليه ‪ ،‬والمراد بوضع اليد ‪ ،‬إمّا المعاينة‪،‬‬
‫وهو قول للشّافعية فيما يمكن رؤيته ‪ ،‬وإمّا حقيقة وضع اليد ‪ ،‬وهو ظاهر النقل عن شريح‬
‫وعطاء ورواية في مذهب أحمد ومذهب إسحاق ‪.‬‬
‫الرابع ‪ :‬ل يبرأ إل من العيب الباطن الذي لم يعلم به في الحيوان خاصة ‪ ،‬وهو مذهب مالك‬
‫الذي ذكره في الموطأ والقول الظاهر من مذهب الشّافعي ‪.‬‬
‫الخامس ‪ :‬أنّ البراءة إنّما هي في بيع السلطان للمغنم ‪ ،‬أو على مفلس ‪ ،‬أو في ديون الميّت‪،‬‬
‫كما قال بعضم ‪.‬‬
‫السادس ‪ :‬بطلن البيع أصلً وهو قول في مذهب الشّافعية ‪.‬‬
‫أقسام وأحكام البراءة ‪:‬‬
‫ل إلى نوعين ‪ :‬خاصّة ‪ ،‬من عيب معيّن مس ّمىً ‪ ،‬وعامّة من جميع‬
‫‪ - 23‬تنقسم البراءة أ ّو ً‬
‫العيوب ‪ -‬أو من كلّ عيب ‪ -‬ول أثر لهذا التّقسيم في الحكم غير أثر الشّمول لكلّ عيب أو‬
‫ن بعض الفقهاء منع العامّة لنّها تشمل العيب الّذي‬
‫الختصاص بالعيب المسمّى ‪ .‬على أ ّ‬
‫يحدث قبل التّسليم ولم يكن موجودا وقت العقد ‪ ،‬في حين أجازها الخرون وحملوها على ما‬
‫يرونه جائزا ‪ :‬دخول الحادث أو عدمه ‪.‬‬
‫‪ - 24‬لكنّ للبراءة تقسيما آخر ذا أثر كبير ‪ ،‬وهو أنّها ‪ :‬إمّا أن تكون مقيّد ًة بالعيب الموجود‬
‫عند العقد ‪ ،‬وإمّا أن تصدر مضافةً إلى العيب الحادث بعد العقد وقبل القبض مع الموجود عند‬
‫العقد ‪ ،‬وإمّا أن ترد مطلقةً ل مقيّدةً ول مضافةً ‪.‬‬
‫أ ‪ -‬فإذا كان اشتراط البراءة في صورة القيد بالعيب ‪ -‬أو العيوب ‪ -‬الموجودة عند العقد ‪،‬‬
‫ل عيب به " ‪ ،‬أو " من عيب كذا به " ‪ ،‬فل‬
‫وذلك يستفاد من عبارة ‪ " :‬على أنّي بريء من ك ّ‬
‫ل ما كان قائمًا وقت العقد ‪ ،‬دون‬
‫خلف في أنّ البراءة على هذه الصّورة ونحوها ل تتناول إ ّ‬
‫ما يحدث بعده إلى حين التّسلّم ‪ .‬ول فرق بين صدور البراءة على وجه العموم أو الخصوص‬
‫‪ ،‬وذلك لنّ اللّفظ المقيّد بوصف ل يتناول غير الموصوف بتلك الصّفّة ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬إذا كان اشتراط البراءة فيه إضافة للمستقبل ‪ ،‬بأن كانت صريح ًة بالتّنصيص على‬
‫ح هذا الشتراط ‪ ،‬والعقد معه فاسد ‪ ،‬أمّا عدم‬
‫العيب الحادث بعد العقد قبل القبض فل يص ّ‬
‫ن البراء ل يحتمل الضافة إلى زمن مستقبل " ول التّعليق بالشّرط " فهو ‪-‬‬
‫صحّة الشّرط فل ّ‬
‫وإن كان إسقاطا ‪ -‬فيه معنى التّمليك ‪ ،‬ولهذا ل يحتمل الرتداد بال ّردّ ‪ .‬وأمّا فساد العقد ‪،‬‬
‫فلنّه بيع أدخل فيه شرط فاسد فيفسد ‪ .‬وكذلك مذهب الشّافعيّة وهو شامل لما لو نصّ على‬
‫العيب الكائن والحادث ‪ ،‬أو أفرد الحادث بالذّكر ‪ ،‬والخير أولى بالفساد ‪.‬‬
‫ج ‪ -‬إذا كان اشتراط البراءة بصورة الطلق من غير بيان المراد أهو البراءة من العيب‬
‫الموجود أم منه ومن الحادث " ويستوي في هذه الصّورة أيضا أن تجيء عامّةً ‪ :‬على أنّي‬
‫ل عيب ‪ ،‬أو خاصّ ًة ‪ :‬من عيب كذا ‪ -‬وسمّاه – " فلئمّة الحنفيّة‬
‫بريء من العيوب ‪ ،‬أو من ك ّ‬
‫رأيان في المراد بها ‪:‬‬
‫أحدها ‪ :‬شمول البراءة لما هو قائم عند العقد ‪ ،‬وما يحدث بعده إلى القبض ‪ ،‬وهو ما ذهب‬
‫ي أيضا ‪.‬‬
‫إليه أبو حنيفة وأبو يوسف ‪ ،‬وهو مذهب الشّافع ّ‬
‫والرّأي الثّاني ‪ :‬اقتصار البراءة على العيوب الموجودة عند العقد ‪ ،‬وهو ما ذهب إليه مالك‬
‫ومحمّد بن الحسن وزفر والحسن بن زياد ‪ ،‬وهو قول لبي يوسف أيضا ‪.‬‬
‫العقود الّتي يثبت فيها خيار العيب ‪:‬‬
‫‪ - 25‬ذكر فقهاء الحنفيّة أنّ خيار العيب يثبت في العقود التّالية ‪ :‬البيع أو الشّراء ‪،‬‬
‫والجارة ‪ ،‬والقسمة ‪ ،‬والصّلح عن المال ‪ ،‬وبدل الصّلح عن دم العمد ‪ ،‬وفي المهر ‪ ،‬وبدل‬
‫الخلع ‪.‬‬
‫أ ‪ -‬أمّا ذكر البيع والشّراء معًا فلمراعاة ظهور العيب في المبيع أو الثّمن ‪ ،‬فيذكر ثبوته في‬
‫الشّراء إذا لوحظ كون العيب في المبيع ‪ ،‬وإذا لوحظ كون العيب في الثّمن ذكر ثبوته في‬
‫البيع ‪ ،‬لكنّهم يصوّرونه غالبًا في الشّراء ‪ ،‬وأنّ العيب في المبيع لنّ الغالب في الثّمن‬
‫النضباط فيقلّ ظهور العيب فيه ‪.‬‬
‫والمراد من البيع " أو الشّراء " الصّحيح ل الفاسد ‪ ،‬لوجوب فسخه بدون الخيار ‪.‬‬
‫ويشمل البيع عقد الصّرف ‪ ،‬لنّ السّلمة عن العيب مطلوبة عاد ًة فيه ‪ ،‬سواء ‪ -‬أكان بدل‬
‫ن بدل‬
‫الصّرف من الثمان كالتّبر والنّقرة ‪ ،‬أم الدّيون كالدّراهم والدّنانير المضروبة ‪ ،‬إلّ أ ّ‬
‫الصّرف إذا كان عينا فردّه بالعيب يفسخ العقد سواء ردّه في المجلس أم بعد الفتراق ‪،‬‬
‫ويرجع على البائع بما نقد ‪ ،‬وإن كان دينًا بأن وجد الدّراهم المقبوضة زيوفا فردّها في‬
‫المجلس ينفسخ العقد بالرّدّ ‪ ،‬حتّى لو استبدل مكانه مضى الصّرف ‪ ،‬وإن ردّها بعد الفتراق‬
‫بطل الصّرف عند أبي حنيفة وزفر خلفا لبي يوسف ومحمّد ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬الجارة ‪ :‬ولو حدث العيب بعد العقد والقبض ‪ ،‬بخلف البيع ‪ ،‬أي يثبت فيها الخيار‬
‫سواء أكان العيب قديما أم حادثا ‪ .‬كما أنّه ينفرد صاحب الخيار بال ّردّ فيها قبل القبض وبعده‪.‬‬
‫وفي البيع ينفرد قبله فقط ‪.‬‬
‫ج ‪ -‬القسمة ‪ :‬فإذا وجد بعض الشّركاء في نصيبه بعد القسمة عيبا قديما ‪ .‬كان له الخيار ‪.‬‬
‫د ‪ -‬الصّلح عن المال ‪.‬‬
‫هـ ‪ -‬المهر ‪.‬‬
‫ز ‪ -‬بدل الخلع ‪.‬‬
‫ن الرّدّ فيها‬
‫ح ‪ -‬بدل الصّلح عن دم العمد ‪ .‬وهي تفارق ما سبق من مجال خيار العيب ‪ ،‬بأ ّ‬
‫إنّما هو بفاحش العيب ل بيسيره ‪.‬‬
‫ن العقد بالنّسبة لكونه مجالً لخيار العيب ينقسم إلى ثلثة أنواع ‪:‬‬
‫‪ - 26‬وقد ذكر ابن رشد أ ّ‬
‫أ ‪ -‬ما هو مجال له بل خلف ‪ ،‬وهو العقود المقصود بها المعاوضة ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬ما ليس مجالً له بل خلف ‪ ،‬وهو العقود الّتي ليس المقصود بها المعاوضة ‪.‬‬
‫وذلك مثل الهبة لغير العوض ‪ ،‬والصّدقة ‪.‬‬
‫ج ‪ -‬ما فيه خلف ‪ ،‬والظهر أنّه ليس مجالً له ‪ ،‬وهو العقود الّتي جمعت قصد المكارمة‬
‫والمعاوضة مثل الهبة بقصد العوض ‪.‬‬
‫وهذا الضّابط لمجال خيار العيب تشهد له تفريعات المذاهب ولم نجد تعدادا للعقود الّتي يثبت‬
‫فيها عند غير الحنفيّة ‪.‬‬
‫توقيت خيار العيب ‪:‬‬
‫‪ - 27‬فيه ثلثة آراء ‪:‬‬
‫الرّأي الوّل ‪ :‬أنّه على الفور ‪:‬‬
‫فتجب المبادرة للفسخ وإلّ سقط ‪ .‬ومرادهم من الفوريّة ‪ :‬الزّمن الّذي يمكن فيه الفسخ بحسب‬
‫العادة ‪ .‬فلو علمه عند العقد أو بعده ولم يفسخ فهو من ضمانه ول يرجع بأرش العيب ‪.‬‬
‫وهذا مذهب الشّافعيّة ورواية في مذهب أحمد على ما ذكره القاضي أبو يعلى من تعدّد‬
‫الرّواية فيه ‪ .‬وهو رأي لدى الحنفيّة ذكره صاحب الحاوي ومفاده ‪ :‬أنّه إذا أمسك المعيب بعد‬
‫الطّلع على العيب مع قدرته على ال ّردّ كان رضا ‪.‬‬
‫وقال ابن نجيم عن هذا الرّأي ‪ :‬إنّه غريب ‪ ،‬والمعتمد أنّه على التّراخي ‪.‬‬
‫والمراد من المبادرة الّتي يسقط الخيار بتركها ‪ ،‬أن يبادر على العادة ‪.‬‬
‫ولو قال ‪ :‬لم أعلم أنّ ال ّردّ على الفور يقبل قوله إن كان ممّن يخفى عليه ‪.‬‬
‫وحيث بطل حقّ ال ّردّ بالتّقصير يبطل حقّ الرش أيضا ول ب ّد من يمينه ‪.‬‬
‫قال القاضي زكريّا ‪ :‬هذا في بيع العيان ‪ ،‬بخلف ما في ال ّذمّة فهو على التّراخي لنّه ل‬
‫ل بالرّضا ‪ -‬ولو قبضه ‪ -‬لنّه غير معقود عليه ‪.‬‬
‫يملكه ملكا مستقرّا إ ّ‬
‫وكذلك ل يجب الفور في طلب الرش ‪.‬‬
‫ن الصل في البيع اللّزوم ثمّ ثبت خيار العيب بالجماع‬
‫واستدلّ الشّافعيّة بدليلين ‪ :‬أحدهما أ ّ‬
‫ل عليه إجماع‬
‫وغيره ‪ ،‬والقدر المحقّق من الجماع ثبوته على الفور ‪ ،‬والزّائد على ذلك لم يد ّ‬
‫ول نصّ ‪ ،‬فيكون على مقتضى اللّزوم تقليلً لمخالفة الدّليل ما أمكن ‪ ،‬ولنّ الضّرر المشروع‬
‫لجل الخيار يندفع بالمبادرة ‪ ،‬فالتّأخير تقصير ‪ ،‬فيجري عليه حكم اللّزوم ‪.‬‬
‫ص فيها وكلهما خيار ثبت بالشّرع ل‬
‫والدّليل الثّاني ‪ :‬القياس على حقّ الشّفعة لورود النّ ّ‬
‫للتّروّي ‪ ،‬بل لدفع الضّرر ‪.‬‬
‫الرّأي الثّاني ‪ :‬أنّه على التّراخي ‪:‬‬
‫‪ - 28‬فل يسقط بالتّأخير ما لم يوجد منه ‪ -‬على المعتمد ‪ -‬ما يدلّ على الرّضا ‪.‬‬
‫وهو مذهب الحنفيّة ‪ -‬على المعتمد ‪ -‬والحنابلة على الرّواية المصحّحة من المذهب ‪ ،‬وصنيع‬
‫أبي الخطّاب منهم أنّه هو المذهب دون أن يشير إلى تعدّد الرّواية فيه ‪.‬‬
‫واستدلّ القائلون بأنّه على التّراخي بأنّه خيار لدفع ضرر متحقّق ‪ ،‬فكان على التّراخي ‪،‬‬
‫كالقصاص ‪ .‬ولم يسلّموا بدللة المساك على الرّضا به ‪.‬‬
‫الرّأي الثّالث ‪ :‬توقيته بيوم أو يومين ‪:‬‬
‫‪ - 29‬ويفترق الحكم بال ّردّ فإن حصل في يوم فأقلّ لم يحتج لردّه إلى اليمين ‪ ،‬بعدم حصول‬
‫رضاه ‪ ،‬وإن تأخّر إلى يومين ردّه مع اليمين بأنّه ما رضي بالمعقود عليه ‪ .‬وهو مذهب‬
‫ل أنّهم جعلوا من انقضاء اليوم أو اليومين بل ردّ‬
‫المالكيّة ‪ .‬ومستندهم كالمستند السّابق ‪ ،‬إ ّ‬
‫دليلً على الرّضا ‪.‬‬
‫أثر خيار العيب على حكم العقد ‪:‬‬
‫‪ - 30‬إنّ وجود خيار العيب في العقد ل أثر له على حكم العقد الّذي هو انتقال الملك ‪ ،‬فملك‬
‫المبيع يثبت للمشتري حالً ‪ ،‬وملك الثّمن ينتقل إلى البائع في الحال ‪ ،‬لنّ ركن البيع مطلق‬
‫عن الشّرط ‪ .‬والثّابت بدللة النّصّ شرط السّلمة ل شرط السّبب " كما في خيار الشّرط " ول‬
‫شرط الحكم " كما في خيار الرّؤية " وأثر شرط السّلمة يقتصر على منع لزوم العقد ول‬
‫سلطان له على منع أصل حكم العقد ‪.‬‬
‫صفة العقد مع خيار العيب ‪:‬‬
‫ن السّلمة شرط في العقد دلل ًة ‪ ،‬فما لم يسلّم‬
‫‪ - 31‬الملك مع خيار العيب غير لزم ‪ ،‬ل ّ‬
‫المبيع ‪ ،‬ل يلزم البيع فل يلزم حكمه ‪.‬‬
‫وقد استدلّ الكاسانيّ لكون السّلمة مشروطةً في العقد دللةً بأنّها في البيع مطلوبة المشتري‬
‫ن غرضه النتفاع بالمبيع ‪ ،‬ول يتكامل انتفاعه إلّ بقيد السّلمة ‪،‬‬
‫عاد ًة إلى آخر الوقت ‪ ،‬ل ّ‬
‫ولنّه لم يدفع جميع الثّمن إلّ ليسلّم له جميع المبيع ‪ ،‬فكانت السّلمة مشروطةً في العقد دللةً‬
‫" فكانت كالمشروطة نصّا " فإذا فاتت المساواة كان له الخيار ‪.‬‬
‫‪ - 32‬وللفقهاء اتّجاهات ثلثة في تحديد ما يثبت للمشتري عند قيام خيار العيب ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬التّخيير بين أمرين هما ال ّردّ ‪ ،‬أو المساك بجميع الثّمن ‪ .‬وبعبارة أوضح هي ‪ :‬التّخيير‬
‫بين أمرين اثنين ‪ :‬أن يفسخ العقد ويردّ المبيع المعيب ويستر ّد الثّمن ‪ ،‬أو أن يمضي العقد‬
‫ويمسك المعيب بجميع الثّمن دون أن يرجع على البائع بالرش " نقصان المعيب " فعلى هذا‬
‫ل في حال‬
‫التّجاه ليس للمشتري أن يمسك المعيب ويأخذ الرش وهو نقصان المعيب ‪ ،‬إ ّ‬
‫تعذّر ال ّردّ بأحد الموانع الّتي ستأتي ‪ ،‬فحينئذ له المساك مع الرش لكنّه على سبيل الخلف‬
‫عن ال ّردّ ول يثبت أصالةً ‪ .‬وهذا التّجاه هو مذهب الحنفيّة والشّافعيّة ‪.‬‬
‫قال الشّيرازيّ لنّه لم يرض إلّ بمبيع سليم بجميع الثّمن فلم يجبر على إمساك معيب ببعض‬
‫الثّمن ‪ .‬وقال الكاسانيّ ‪ :‬لو قال المشتري ‪ :‬أنا أمسك المعيب وآخذ النّقصان ليس له ذلك ‪،‬‬
‫ن قوله ‪ :‬أمسك المعيب دللة الرّضا بالعيب وأنّه يمنع الرّجوع بالنّقصان ‪ .‬وقال بعدئذ ‪:‬‬
‫لّ‬
‫ق الرّجوع بالنّقصان كالخلف عن ال ّردّ ‪ ،‬والقدرة على الصل تمنع المصير إلى الخلف‬
‫نحّ‬
‫لّ‬
‫‪.‬‬
‫ب ‪ -‬التّخيير بين أمرين اثنين أيضًا ‪ ،‬لكنّهما هنا ‪ :‬ال ّردّ ‪ -‬كما سبق ‪ -‬أو المساك مع‬
‫الرش ولو لم يتعذّر ال ّردّ وسواء رضي البائع بدفع الرش أو سخط به ‪.‬‬
‫ففي هذا التّجاه الفقهيّ ل مكان للمساك بدون أرش بل هو من لوازمه ‪.‬‬
‫وهو مذهب أحمد بن حنبل ‪ -‬وإسحاق بن راهويه ‪. -‬‬
‫واستثنى الحنابلة ما إذا كان المساك مع الرش يؤدّي إلى الرّبا ‪ ،‬فحينئذ يكون التّخيير بين‬
‫ال ّردّ أو المساك مجّانا ‪ ،‬ومثاله ‪ :‬شراء حليّ فضّة بزنته دراهم فضّ ًة ‪ ،‬وشراء قفيز ممّا‬
‫ن أخذ الرش يؤدّي إلى ربا‬
‫يجري فيه الرّبا ‪ ،‬إذا اشتراه بمثله ‪ ،‬ثمّ وجده معيبا ‪ ،‬وذلك ل ّ‬
‫عجْو ٍة ) ‪.‬‬
‫الفضل ‪ ،‬أو إلى مسألة ( ُمدّ َ‬
‫وسبب الخلف النّظر إلى نقص العيب ‪ ،‬هل هو نقص أصل أو نقص وصف ؟ فعند الحنفيّة‬
‫والشّافعيّة " والمالكيّة في العيب الكثير " هو نقص وصف ولذا يخيّر بين ال ّردّ والمساك بدون‬
‫شيء ‪ ،‬وعند الحنابلة هو نقص أصل ‪ ،‬ولذا يخيّر بين الرّدّ والمساك مع الرّجوع بالنّقصان ‪.‬‬
‫ج ‪ -‬التّفرقة بين العيب الكثير ‪ ،‬والعيب اليسير ‪ -‬ويسمّونه غالبا ‪ :‬القليل المتوسّط ‪ "-‬بعد‬
‫إخراج العيب القليل جدّا الّذي ل ينفكّ عنه المبيع لنّه ل حكم له كما قال ابن رشد الجدّ " ‪.‬‬
‫ففي العيب الكثير ‪ -‬وقد سبق بيان حدّه ‪ ،‬وأنّ الرّاجح في تقديره عند ابن رشد ‪ :‬عشرة في‬
‫المائة ‪ ،‬وعند غيره ‪ :‬الثّلث ‪ -‬ل يختلف مذهب المالكيّة عن مذهب الحنفيّة والشّافعيّة "‬
‫أصحاب التّجاه الوّل " يخيّر المشتري بين ال ّردّ والمساك مجّانا ‪ ،‬بل أرش ‪ ،‬وهذا الحكم‬
‫في العيب الكثير سمّاه ابن جزيّ ‪ " :‬عيب ردّ " ‪.‬‬
‫أمّا في العيب المتوسّط فالمشهور التّفريق بين الصول " العقارات من دور ونحوها " وبين‬
‫العروض " وهي ما عدا العقار " ‪ :‬ففي العقارات ل يكون للمشتري ال ّردّ بهذا العيب المتوسّط‬
‫بل له الرّجوع بالرش ‪ .‬أمّا في العروض ‪ ،‬فظاهر الرّوايات في المدوّنة أنّه يجب فيها ال ّردّ‬
‫سواء كان العيب متوسّطا أو كثيرا ‪.‬‬
‫وقيل ‪ :‬إنّ العروض كالصول ل يجب ال ّردّ في العيب المتوسّط وإنّما فيه الرّجوع بالقيمة ‪.‬‬
‫ن شيخه الفقيه أبا بكر بن رزق كان يحمل ظاهر الرّوايات على التّسوية‬
‫وذكر ابن رشد الجدّ أ ّ‬
‫ن حكمها الرّجوع بالقيمة إذا كان العيب متوسّطا ‪ ،‬وأشار ابن‬
‫بين العروض والصول في أ ّ‬
‫ن لتأويله هذا ما يؤيّده من رواية زياد عن مالك في الثّياب ‪ .‬ولعلّه استنادا لهذه‬
‫رشد إلى أ ّ‬
‫الرّواية كان بعض شيوخ ابن يونس يرون أنّ الثّياب في ذلك كالدّور ‪.‬‬
‫الرّدّ وشرائطه ‪:‬‬
‫‪ - 33‬يشترط لصحّة الفسخ أو ال ّردّ ما يلي ‪:‬‬
‫ن الفسخ في الخيار إنّما هو لنّ العقد غير لزم ‪،‬‬
‫أ ‪ -‬قيام الخيار ‪ ،‬وهذه الشّريطة يقتضيها أ ّ‬
‫فإذا سقط الخيار لزم العقد ‪ ،‬والعقد اللّازم ل يحتمل الفسخ ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬أن يكون المردود على الوصف الّذي كان مقبوضًا ‪ :‬والمراد أن ل يلحق بالمبيع عيب‬
‫زائد عن العيب القديم ‪ ،‬فكما قبض المشتري المبيع عليه أن يردّ غير معيب بعيب زائد كعيب‬
‫الشّركة النّاشئ عن تفرّق الصّفقة ‪ ،‬أو العيب الحادث ‪.‬‬
‫ج ‪ -‬أن ل يتضمّن الفسخ تفريق الصّفقة قبل التّمام ‪ :‬وهو ما قبل قبض المبيع كلّه ‪ ،‬لما‬
‫يترتّب على التّفريق من عيوب ‪ ،‬أحدها عيب الشّركة كما سيأتي ‪ .‬قال الكاسانيّ ‪ :‬وهذا المنع‬
‫فيما إذا لم يرض البائع ‪ ،‬إذ لو رضي لجاز ‪ ،‬لنّه حينئذ ضرر مرضيّ من جهته ل يجب‬
‫دفعه عنه وفي هذا يقول ابن حجر ‪ " :‬إذا اتّحد المبيع صفقةً ل يردّ المشتري بعضه بعيب‬
‫ل إذا كان البعض الخر للبائع فحينئذ يردّ عليه البعض قهرا ‪ ،‬وهو المعتمد من‬
‫قهرا ‪ ،‬إ ّ‬
‫القاضي ومن تبعه ‪ ،‬لنّ العلّة الصّحيحة في امتناع ردّ البعض إنّما هي الضّرر النّاشئ من‬
‫تبعيض الصّفقة عليه ‪ ..‬والتّعليل باتّحاد الصّفقة وتفريقها بمجرّده ل يصلح للتّعليل ‪ ،‬وإنّما‬
‫وجه العلّة ما فيه من الضّرر غالبا فآلت العلّتان إلى شيء واحد وهو انتفاء الضّرر " ‪.‬‬
‫‪ - 34‬وتفريق الصّفقة قبل قبض المبيع كلّه ل يجوز مهما كان المبيع ‪ ،‬سواء كان شيئا واحدا‬
‫كالثّوب ‪ ،‬والدّار ‪ ،‬أو المكيل والموزون في وعاء أو أوعية ‪ ،‬أو كان شيئين حقيقةً وتقديرا‬
‫كالثّوبين والدّارين ‪ ،‬أم شيئين حقيق ًة شيئا واحدا تقديرا كمصراعي باب ‪.‬‬
‫ودليل عدم جواز تفريق الصّفقة على البائع قبل تمامها ما يلحق بالبائع من ضرر يجب دفعه‬
‫ما أمكن ‪ ،‬والضّرر هو إلزام البائع بالشّركة ‪ ،‬والشّركة في العيان عيب ‪.‬‬
‫هذا في تفريق الشّيء الواحد ‪ ،‬أمّا إذا كان المبيع أشياء ففيه ضرر آخر وهو لزوم البيع في‬
‫ن ضمّ الرّديء إلى الجيّد والجمع بينهما في الصّفقة من عادة ال ّتجّار‬
‫الجيّد بثمن الرّديء ل ّ‬
‫ترويجا للرّديء بوساطة الجيّد ‪.‬‬
‫وأمّا اعتبار قبض البعض بمثابة عدم القبض فلنّ الصّفقة ل تتمّ إلّ بقبض جميع المعقود‬
‫عليه ‪ -‬وسواء وجد العيب في المقبوض أو في غيره ‪ -‬وروي عن أبي يوسف أنّه إذا كان‬
‫العيب في المقبوض فله ردّه خاصّةً بحصّته ‪.‬‬
‫وفي تفرّق الصّفقة يفصل المالكيّة بين بقاء السّالم " غير المعيب " وفواته ‪ ،‬فإن كان فائتا فله‬
‫ردّ المعيب مطلقا وأخذ حصّته من الثّمن ‪ ،‬لنّه لو ردّ الجميع هنا ردّ قيمة الهالك عينا ورجع‬
‫في عين وهو الثّمن للعين وقيمة العرض الّذي قد فات عند البائع ‪ ،‬ور ّد العين والرّجوع فيها‬
‫ل فائدة فيه ‪ .‬وأمّا إن كان باقيا فله ردّ البعض بحصّته بشريطتين ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬أن ل يكون المعيب هو الكثر من النّصف ولو بيسير ‪ ،‬فليس له ردّه بحصّته ‪ ،‬بل إمّا أن‬
‫يتماسك بالجميع أو يردّ الجميع ‪ ،‬أو يتماسك بالبعض بجميع الثّمن ‪.‬‬
‫ل ردّ الجميع أو الرّضا بالجميع ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬أن ل يكون المعيب وجه الصّفقة فليس للمبتاع إ ّ‬
‫ويستثنى من ذلك ما كان أحد مزدوجين ‪.‬‬
‫ولم يصوّر المالكيّة التّفرّق في الشّيء الواحد لعتبارهم ذلك من العيب الحادث " المتوسّط "‬
‫وحكمه التّخيير بين المساك وأخذ أرش القديم ‪ ،‬أو ال ّردّ ودفع أرش الحادث ما لم يقبله البائع‬
‫بالحادث ‪.‬‬
‫ن تفرّق الصّفقة مانع من ال ّردّ قطعا إذا كان في الشّيء الواحد ‪ ،‬وفي‬
‫‪ - 35‬ومذهب الحنابلة أ ّ‬
‫الشّيئين ممّا ينقصهما التّفريق ‪ ،‬أو ممّا ل يجوز التّفريق بينهما ‪ ،‬دفعا لضرر البائع ‪ .‬أمّا إذا‬
‫كانا شيئين ممّا ل ينقص بالتّفريق وما كان في وعاءين فهو كشيئين عندهم ووجدهما مبيعين‬
‫فليس له ردّ أحدهما على الصّحيح ‪ .‬قال المرداويّ ‪ :‬وهو الصّواب ‪.‬‬
‫فإن وجد بأحدها عيبا فليس له إلّ ردّ المعيب فقط على الرّواية المختارة من ثلث روايات ‪.‬‬
‫وكذلك قال الشّافعيّة ل يردّ المشتري بعض المبيع المعيب ‪ ،‬وإن زال الباقي عن ملكه وانتقل‬
‫ي ‪ ،‬لنّه وقت ال ّردّ لم يردّ كما تملّك ‪.‬‬
‫للبائع ‪ ،‬على ما جزم به المتولّي والسّبكيّ والبغو ّ‬
‫وقال القاضي حسين ‪ :‬إنّ له ال ّردّ إذ ليس فيه تبعيض على البائع ‪ ،‬ومثله ما لو كانا شيئين‬
‫تتّصل منفعة أحدهما بالخر ‪ .‬أمّا الشّيئان ممّا ليس كذلك ‪ -‬سواء كانا معيبين أو ظهر العيب‬
‫بأحدهما ‪ -‬فليس له ردّ أحدهما بل يردّهما ‪ .‬ويفرّق الشّافعيّة بين تعدّد الصّفقة وتفرّدها ‪ .‬فإن‬
‫تعدّدت الصّفقة " وذلك بتعدّد البائع أو تعدّد المشتري ‪ ،‬أو تفصيل الثّمن " فله ردّ أحدهما في‬
‫الظهر ‪ ،‬لنّه لم يحصل تفريق الصّفقة ‪.‬‬
‫أمّا إن تفرّدت " بعدم توافر شيء من أسباب تعدّدها " فليس له ردّ البعض ‪.‬‬
‫تفرّق الصّفقة بتعدّد العاقد ‪:‬‬
‫ل العقد ‪ ،‬بل قد ينشأ عن تعدّد العاقد ‪ .‬كما لو‬
‫‪ - 36‬تفرّق الصّفقة ل تنحصر صوره في مح ّ‬
‫كان المشتري رجلين اشتريا شيئا واحدا واطّلعا على عيب بالمبيع ‪ ،‬فإنّه ينفرد أحدهما بالفسخ‬
‫دون صاحبه في قول أبي حنيفة ‪ ،‬وعند أبي يوسف ومحمّد ينفرد ‪.‬‬
‫وحجّة الصّاحبين أنّه ردّ المشتري كما اشتراه ‪ ،‬فال ّردّ صالح في النّصف لنّه مشتر نصفه ‪،‬‬
‫ن ال ّردّ لم يوجد على الوصف الّذي كان مقبوضا لنّه قبضه غير معيب‬
‫وحجّة أبي حنيفة أ ّ‬
‫بعيب زائد ‪ -‬وهو هنا عيب الشّركة ‪ -‬فل يصحّ دفعا للضّرر عن البائع ‪.‬‬
‫وقد بيّن ابن قدامة مذهب الحنابلة وموافقته للشّافعيّة في ذلك فقال ‪ :‬لو اشترى رجل من‬
‫رجلين شيئا فوجده معيبا فله ردّه عليهما فإن كان أحدهما غائبا ر ّد على الحاضر حصّته‬
‫بقسطها من الثّمن ويبقى نصيب الغائب في يده حتّى يقدم ‪ ،‬ولو كان أحدهما باع العين كلّها‬
‫بوكالة الخر فالحكم كذلك سواء أكان الحاضر الوكيل أم الموكّل نصّ أحمد على قريب من‬
‫هذا ‪ ،‬فإن أراد نصيب أحدهما وإمساك نصيب الخر جاز لنّه يردّ على البائع جميع ما باعه‬
‫ن المبيع كان مشقّصا في البيع ‪.‬‬
‫ول يحصل بردّه تشقيص ‪ ،‬ل ّ‬
‫علم العاقد الخر بالفسخ ‪:‬‬
‫‪ - 37‬فلو فسخ بغير علمه لم يعتبر ‪ ،‬وكان له الرّجوع عن فسخه وكان ذلك الفسخ موقوفا‪.‬‬
‫إن علم به في مدّة الخيار نفذ ‪ ،‬وإن لم يعلم حتّى مضت المدّة كان ذلك إجازةً للعقد ‪.‬‬
‫ويعبّر بعض الفقهاء عن شريطة العلم هذه بقولهم ‪ :‬أن يجيز ‪ -‬أو يفسخ ‪ -‬في حضرة‬
‫صاحبه ‪ ،‬وهم مجمعون أنّ المراد من الحضرة العلم وليس الحضور ‪.‬‬
‫واشتراط العلم للفسخ في خيار العيب متّفق عليه بين أئمّة الحنفيّة ‪ .‬سواء أكان الرّدّ قبل‬
‫القبض أم بعده ‪ .‬وليس العلم بمشترط عند الشّافعيّة والحنابلة ‪.‬‬
‫فقد صرّحوا بأنّ ال ّردّ بالعيب ل يفتقر إلى رضا البائع وحضوره " ول حكم حاكم قبل القبض‬
‫ول بعده " ‪.‬‬
‫ولم نجد للمالكيّة كلما في هذا والحنفيّة ل يشترطون لل ّردّ قبل القبض القضاء أو التّراضي ‪،‬‬
‫أمّا إذا كان بعد القبض فل بدّ من أحدهما لنّه قبل القبض ممّا تقرّر أنّه ل اعتبار عند رفع‬
‫العقد لحضور من ل يعتبر رضاه فيه ‪ .‬وأمّا بعد القبض فهو رفع لعقد مستحقّ له بالعيب ‪،‬‬
‫فل يعتبر فيه رضا البائع نظير ما قبل القبض ‪.‬‬
‫كيفيّة الرّدّ ‪:‬‬
‫‪ - 38‬ال ّردّ إمّا أن يتمّ بمحض إرادة صاحب الخيار ‪ ،‬وإمّا أن يشترط لحصوله ‪ -‬عند الحنفيّة‬
‫‪ -‬وجود التّراضي بين العاقدين أو التّرافع للقضاء ‪ .‬وذلك يتبع حال الصّفقة من حيث التّمام‬
‫وعدمه ‪ .‬وتمامها كما هو معلوم بالقبض ‪ ،‬فإذا لم تتمّ الصّفقة ل يشترط التّراضي أو التّقاضي‬
‫ن الصّفقة قبل القبض ليست تامّةً بل تمامها بالقبض فكان بمنزلة القبول‬
‫‪ .‬قال الكاسانيّ ‪ :‬ل ّ‬
‫كأنّه لم يشتره ‪.‬‬
‫أمّا إذا كانت الصّفقة قد تمّت ‪ ،‬فال ّردّ ل يكون مجرّد نقض وانفساخ تكفي فيه إرادة صاحب‬
‫الخيار ‪ ،‬بل هو فسخ لصفقة تمّت فل بدّ فيه من التّراضي أو التّقاضي ‪ ،‬ويعلّل الكاسانيّ ذلك‬
‫بأنّ الصّفقة قد تمّت بالقبض فل تحتمل النفساخ بنفس ال ّردّ من غير قرينة القضاء أو الرّضا‬
‫‪ .‬وبعبارة السّرخسيّ ‪ " :‬الفسخ بعد تمام الصّفقة نظير القالة ‪ ،‬وهي ل تتمّ إلّ باتّفاق العاقدين‬
‫"‬
‫ول فرق في الرّ ّد بين وقوعه قبل القبض أو بعده ‪ ،‬عند الشّافعيّة والحنابلة ‪ ،‬لنّه نوع فسخ‬
‫فل تفتقر صحّته إلى القضاء ول للرّضا ‪ ،‬كالفسخ بخيار الشّرط " بالجماع " وكال ّردّ بالعيب‬
‫ن ال ّردّ بالعيب عندهم يرفع العقد من أصله ‪ ،‬فلم يتفاوت ال ّردّ ‪.‬‬
‫قبل القبض فكذا بعده ‪ .‬ول ّ‬
‫صيغة الفسخ وإجراءاته ‪:‬‬
‫‪ - 39‬ذهب الحنفيّة ‪ -‬كما ذكرنا ‪ -‬إلى أنّ الفسخ قبل القبض يحصل بالرادة المنفردة‬
‫والمراد قول المشتري رددت أو فسخت ونحو ذلك من العبارات ‪.‬‬
‫أمّا بعد القبض فل بدّ من التّفاق بأن يفسخ صاحب الخيار ويقبل العاقد الخر أو يتقاضيان ‪.‬‬
‫ن الفسخ يكون على حسب العقد لنّه يرفع العقد ‪ ،‬ثمّ العقد ل ينعقد بأحد‬
‫قال الكاسانيّ ‪ " :‬ل ّ‬
‫العاقدين فل ينفسخ بأحدهما دون رضا الخر ‪ .‬أمّا قبل القبض فالصّفقة لم تتمّ ‪ ،‬فكان من‬
‫السّهل ال ّردّ لنّه كالمتناع من القبض ‪ ،‬وهو تصرّف دفع وامتناع وذلك خالص حقّه " ‪.‬‬
‫أمّا عند الشّافعيّة والحنابلة فالفسخ يجوز للمشتري مهما كانت الكيفيّة ‪ :‬في حضور البائع أو‬
‫ن خيار‬
‫غيبته ‪ ،‬برضاه أو عدمه ‪ ،‬ول يفتقر إلى الحاكم ولكن نظرًا لذهاب الشّافعيّة إلى أ ّ‬
‫ل سقط ‪ ،‬فقد احتيج‬
‫العيب يثبت على الفور ‪ ،‬ل التّراخي ‪ ،‬وأنّه تجب المبادرة إلى الفسخ وإ ّ‬
‫إلى القيام ببعض الجراءات دون أن تختصّ صورة منها بالوجوب ‪ ،‬بل يجزئ عنها ما‬
‫يؤدّي المراد وهو إثبات مبادرته للفسخ ‪.‬‬
‫وخلصة هذه الجراءات عند الشّافعيّة أنّه إذا كان كلّ من الخصم والحاكم بالبلد وجب‬
‫الذّهاب إلى أحدهما ‪ ،‬فإن أخّر سقط حقّه وإن فسخ ‪ ،‬ولكن هناك صورة بديلة عن الذّهاب‬
‫إلى البائع أو الحاكم ‪ ،‬وهي أن يشهد على الفسخ فل يسقط حقّه ‪ ،‬ول يلزمه الذّهاب بعد ذلك‬
‫إلّ للتّسليم وفصل الخصومة ‪ ،‬على ما حقّقه السّبكيّ خلفا لما توهمه بعض عبارات المتون ‪.‬‬
‫طبيعة الرّدّ ‪ ،‬وآثارها في تعاقب البيع ‪:‬‬
‫‪ - 40‬ذهب الحنفيّة إلى أنّه إذا كان ال ّردّ بالتّراضي بين المتعاقدين فهو فسخ في حقّهما بيع في‬
‫حقّ غيرهما ‪ ،‬وذلك في ال ّردّ بعد القبض " أمّا قبل القبض فهو ردّ بإرادة منفردة " وإذا كان‬
‫ال ّردّ بالقضاء كان فسخا في حقّهما وفي حقّ غيرهما ‪.‬‬
‫أمّا عند غير الحنفيّة فالفسخ رفع للعقد من أصله مطلقا ‪.‬‬
‫ويظهر أثر هذه الطّبيعة في حال تعاقب بيعين على المعيب بعيب قديم ‪ ،‬حيث يفرّق بين أن‬
‫يكون قبول ال ّردّ من البائع الثّاني حصل بالتّراضي أو بالقضاء ‪ ،‬فإن تمّ بالقضاء بإقامة البيّنة‬
‫على أنّ العيب كان عنده بعدما أنكر العيب ‪ .‬أو بنكوله عن اليمين على العيب ‪ ،‬أو بإقراره‬
‫بالعيب أنّه كان عنده ‪ ،‬والمقصود صدور إقرار منه ثمّ إنكاره ‪ ،‬فيقيم المشتري البيّنة على‬
‫ذلك القرار " أمّا القرار المبتدأ فل حاجة معه إلى القضاء أصلً " ففي هذه الحال للبائع‬
‫الثّاني أن يردّه على بائعه الوّل فيخاصمه ويفعل الجراءات الواجبة لردّه عليه ‪.‬‬
‫وإن كان قبول المشتري الوّل للرّدّ بغير القضاء بل برضاه فليس له ال ّردّ على بائعه ‪ ،‬لنّ‬
‫ال ّردّ بالتّراضي بيع جديد في حقّ غير المتعاقدين ‪ -‬أو كما يعبّرون ‪ :‬في حقّ الثّالث ‪-‬‬
‫والبائع الوّل هنا غير المشتري الوّل والمشتري الثّاني ‪ ،‬كأنّ المشتري الوّل اشتراه من‬
‫المشتري الثّاني ‪ ،‬وفي هذه الحال ليس له أن يردّه على البائع الوّل ‪.‬‬
‫ولنّه إذا قبله بغير قضاء فقد رضي بالعيب فل يردّه على بائعه الوّل ‪ ،‬ول يقال إنّهما‬
‫ي في هذا هو المطالبة‬
‫ن الحكم الصل ّ‬
‫بالتّراضي على ال ّردّ فعل عين ما يفعله القاضي ‪ ،‬ل ّ‬
‫بالسّلمة من العيب ‪ ،‬وإنّما يصار إلى ال ّردّ للعجز ‪ ،‬فإذا نقله إلى ال ّردّ لم يصحّ في حقّ‬
‫ن ال ّردّ إذا امتنع وجب الرّجوع بحصّة العيب ‪.‬‬
‫غيرهما ‪ ،‬أل يرى أ ّ‬
‫‪ - 41‬هذا كلّه فيما إذا كان ال ّردّ بالعيب من المشتري الثّاني بعد قبضه ‪ ،‬أمّا إذا كان قبل‬
‫قبضه فللمشتري الوّل أن يردّه على البائع الوّل سواء كان بقضاء أم بغير قضاء ‪ -‬كما لو‬
‫باع المشتري الوّل للمشتري الثّاني بشرط الخيار له ‪ -‬أو بيعا فيه خيار رؤية فإنّه إذا فسخ‬
‫المشتري الثّاني بحكم الخيار كان للمشتري الوّل أن يردّه مطلقا ‪.‬‬
‫قال في اليضاح ‪ " :‬الفقه فيه أنّه قبل القبض له المتناع من القبض عند الطّلع على العيب‬
‫‪ ،‬فكان هذا تصرّف دفع وامتناع من القبض ‪ ،‬وولية الدّفع عامّة فظهر أثره في حقّ الكلّ‬
‫ولهذا ل يتوقّف على القضاء " ‪.‬‬
‫ن المشتري الوّل إن عاد المعيب إليه من المشتري‬
‫وتعرّض ابن قدامة لهذه المسألة فذكر أ ّ‬
‫الثّاني فأراد ردّه بالعيب القديم ينظر ‪ :‬فإن كان حين باعه عالما بالعيب ‪ ،‬أو وجد منه ما يدلّ‬
‫ن تصرّفه رضا بالعيب ‪ .‬وإلّ كان له ردّه ‪ ..‬سواء رجع إلى‬
‫على رضاه فليس له ردّه ‪ ،‬ل ّ‬
‫المشتري الوّل بالعيب القديم أو بإقالة ‪ ،‬أو هبة ‪ ،‬أو شراء ثان ‪ ،‬أو ميراث ‪.‬‬
‫المساك مع الرش " أو الرّجوع بنقصان الثّمن " ‪:‬‬
‫‪ - 42‬هناك أمور تطرأ على المبيع من زيادة أو نقصان أو تصرّف تمنع ردّ المبيع ‪ ،‬وحينئذ‬
‫ينتقل حقّ المشتري من ال ّردّ إلى الرّجوع بنقصان الثّمن ‪ ،‬على تفصيل بين المذاهب في هذا‬
‫الموجب ‪ ،‬ولمّا كان هذا الموجب بديلً عن الخيار بين ال ّردّ والمساك " الّذي هو الصل "‬
‫أمكن تسميته " الموجب الخلفيّ " وكما هو مقرّر ل يجتمع الخلف والصل بل يتعاقبان ‪ ،‬فإذا‬
‫تعذّر الصل يصار إلى ما هو خلف له ‪.‬‬
‫هذا مذهب الحنفيّة والشّافعيّة ‪ .‬وقد عرّف غيرهم هذا الموجب مع اختلف المجال ‪ ،‬فالمالكيّة‬
‫حين جعلوا العيوب أنواعا ثلث ًة ‪ :‬العيب اليسير " ليس فيه شيء " ‪ ،‬وعيب ال ّردّ " وهو‬
‫الفاحش الّذي يكون فيه المشتري بالخيار بين ال ّردّ والمساك بل أرش " ‪ ،‬وعيب القيمة ‪،‬‬
‫أرادوا بهذا الخير العيب المتوسّط الّذي ينقص من الثّمن ‪ ،‬وموجب عيب القيمة أن يحطّ عن‬
‫المشتري من الثّمن بقدر نقص العيب ‪ ،‬فمثل هذا النّوع نقصان الثّمن هو موجبه الصليّ ‪.‬‬
‫ن الحنابلة يثبتون الخيرة للمشتري بين المساك بنقصان الثّمن أو ال ّردّ ولو لم يتعذّر‬
‫كما أ ّ‬
‫ال ّردّ ‪ .‬فهذا هو الموجب الصليّ للخيار عندهم ‪ ،‬أمّا الموجب الخلفيّ عند تعذّر ال ّردّ بسبب‬
‫عيب حادث فهو التّخيير بين ال ّردّ وإعطاء أرش العيب الحادث وبين المساك وأخذ أرش‬
‫العيب القديم ‪ .‬وهو الحكم عند المالكيّة أيضا ‪.‬‬
‫طريقة معرفة الرش ‪:‬‬
‫‪ - 43‬هي أن يقوّم المبيع بل عيب ‪ ،‬ثمّ يقوّم مع العيب وينظر إلى التّفاوت وتؤخذ نسبته إلى‬
‫القيمة هل هو عشر أو ثمن أو ربع ‪ ..‬إلخ ‪ .‬فإن كان التّفاوت عشر القيمة رجع المشتري‬
‫بعشر الثّمن ‪ .‬وهكذا ‪.‬‬
‫قال صاحب الشباه ‪ :‬ولم يذكر قاضي خان ول الزّيلعيّ ول ابن الهمام هل القيمة الّتي ينسب‬
‫إليها النّقصان يوم العقد أو القبض ؟ وينبغي اعتبارها يوم العقد ‪.‬‬
‫ن الحسن البصريّ قال ‪ :‬يرجع بقيمة العيب في الثّمن يوم اشتراه قال أحمد ‪:‬‬
‫وفي المغني أ ّ‬
‫ل قيمتي وقت العقد والقبض " ‪.‬‬
‫هذا أحسن ما سمعت ‪ .‬وقال في شرح الرّوض " هو أق ّ‬
‫موانع الرّدّ ‪:‬‬
‫‪ - 44‬تنقسم موانع ال ّردّ إلى مانع طبيعيّ أو شرعيّ أو عقديّ ‪.‬‬
‫أوّلً ‪ :‬المانع الطّبيعيّ ‪:‬‬
‫‪ - 45‬ذكر الكاسانيّ أنّ هلك المبيع في يد البائع يمنع ال ّردّ ‪ ،‬لفوات محلّ ال ّردّ ‪ ،‬ول يرجع‬
‫البائع على المشتري بشيء من الثّمن ‪ ،‬لنّه يحمل تبعة الهلك قبل القبض ‪.‬‬
‫ن موت محلّ ال ّردّ بيد المشتري يمنع الرّ ّد ويجعل‬
‫أمّا بعد القبض فقد أفاد صاحب الهداية أ ّ‬
‫ن هلك المبيع بسبب سماويّ يمتنع معه‬
‫موجب الخيار الرّجوع بنقصان الثّمن ‪ ،‬والمراد أ ّ‬
‫ي " نقصان الثّمن " ‪.‬‬
‫ل محلّه الموجب الخلف ّ‬
‫الموجب الصليّ الّذي هو ال ّردّ ليح ّ‬
‫ي أو باستهلك المشتري له على سبيل الستعمال‬
‫ويستوي في الهلك أن يكون بسبب سماو ّ‬
‫والنتفاع المشروع ‪ ،‬ل التلف ‪ ،‬وذلك بأكل الطّعام أو لبس الثّوب حتّى يتخرّق ‪ ،‬وفي هذا‬
‫النّوع خلف بين أبي حنيفة وصاحبيه ‪ ،‬واعتباره في موانع ال ّردّ دون الرش هو مذهب‬
‫الصّاحبين ومالك وأحمد ‪ ،‬لنّ المشتري صنع بالمبيع ما يقصد بشرائه ويعتاد فعله فيه من‬
‫الكل واللّبس حتّى انتهى الملك به ‪ .‬ولبي حنيفة أنّه أتلفه بفعل مضمون منه لو وجد في‬
‫غير ملكه ‪ ،‬وقد انتفى الضّمان لملكه فكان كالمستفيد به عوضا ‪.‬‬
‫وإن اقتصر الستهلك على بعضه ‪ ،‬فعند الصّاحبين يرجع بنقصان الثّمن في الكل وفي‬
‫رواية ثانية يردّ ما بقي ويرجع بنقصان ما أكل ‪.‬‬
‫ومثل الهلك في امتناع ال ّردّ ‪ :‬انتهاء الملك عن الشّيء بالموت ‪ ،‬لنّه ينتهي به الملك ل بفعل‬
‫المشتري ‪ ،‬فيمتنع ال ّردّ حكما ويبقى له الرّجوع بالنّقصان ‪.‬‬
‫وقد سوّى الحنفيّة والشّافعيّة بين هلك المعيب بالعيب أو بغيره ‪ ،‬وفرّق المالكيّة بينهما ‪،‬‬
‫فوافقوهم في الرّجوع بنقصان الثّمن في الهلك بغير العيب المدلّس ‪ ،‬أمّا فيه فللمشتري‬
‫الرّجوع بالثّمن كلّه ‪.‬‬
‫أمّا الحنابلة فالتّفرقة عندهم ليست بحسب الهلك بالعيب أو غيره بل بحسب وقوع التّدليس‬
‫وعدمه ‪ ،‬فإن كان البائع سيّئ ال ّنيّة ودلّس العيب ثمّ هلك المبيع به أو بغيره فللمشتري الرّجوع‬
‫بالثّمن كلّه ‪ .‬أمّا إذا لم يدلّس البائع فرجوعه بنقصان الثّمن فقط ‪.‬‬
‫ل إذا كان العيب المدلّس هو‬
‫ويربط المالكيّة مقدار الجزاء بأثر العمل ‪ ،‬فل يرجع بالثّمن كلّه إ ّ‬
‫سيّ ‪ ،‬وفوت حكميّ‪.‬‬
‫الّذي أودى بالمبيع ‪ .‬ويسمّي المالكيّة ذلك بالفوت ويقسّمونه إلى فوت ح ّ‬
‫ثانيا ‪ :‬المانع الشّرعيّ ‪:‬‬
‫‪ - 46‬هذا المانع عبارة عن حصول زيادة في المبيع عند المشتري على أن تكون زيادةً‬
‫منفصلةً متولّدةً بعد القبض أو متّصلةً غير متولّدة " مطلقًا ‪ ،‬قبل القبض أو بعده " فظهور‬
‫ن المنع لحقّ الشّرع ‪.‬‬
‫الزّيادة بعدما ظهر عيب في المبيع يمتنع به ال ّردّ ولو قبل البائع ‪ ،‬ل ّ‬
‫وفيما يأتي تفصيل هاتين الصّورتين المانعتين من ال ّردّ والنّاقلتين الموجب إلى الرش ‪.‬‬
‫ل ‪ -‬الزّيادة المتّصلة غير المتولّدة " مطلقا ‪ :‬قبل القبض أو بعده " كالصّبغ والخياطة في‬
‫أ ّو ً‬
‫ن هذه الزّيادة ليست تابعةً ‪ ،‬بل هي أصل بنفسها‬
‫الثّوب ‪ ،‬والبناء والغرس في الرض ‪ ،‬ل ّ‬
‫فتعذّر معها ردّ المبيع ‪ ،‬إذ ل يمكن ردّه بدون الزّيادة لتعذّر الفصل ‪ ،‬ول يمكن ردّه مع‬
‫ل إن تراضيا على الفسخ فهو‬
‫الزّيادة‪ ،‬لنّها ليست تابع ًة في العقد فل تكون تابعةً في الفسخ " إ ّ‬
‫إقالة وكبيع جديد " ولو قال البائع ‪ :‬أنا أقبله كذلك ‪ ،‬ورضي المشتري ل يجوز أيضا ‪ ،‬لنّ‬
‫المنع لحقّ الشّرع لستلزامه الرّبا ‪.‬‬
‫ثانيا ‪ -‬الزّيادة المنفصلة المتولّدة ‪ ،‬بعد القبض خاصّةً ‪ ،‬كالولد والثّمرة واللّبن وأرش الجناية ‪.‬‬
‫وتلك الزّيادة تمنع الرّ ّد بالعيب أيضًا لنّ الزّيادة مبيعة تبعًا لثبوت حكم الصل وحصلت في‬
‫ضمان المشتري ‪ ،‬فإن ردّها مع الصل كانت للبائع ربح ما لم يضمن ‪ ،‬وإن استبقاها وردّ‬
‫الصل فإنّها تبقى في يده بل ثمن ‪ ،‬وهذا من صور الرّبا ‪.‬‬
‫وخالف الشّافعيّ في هذه الزّيادة ‪ ،‬فعدّها كالكسب ‪ ،‬لمكان الفصل عن الصل بدونها ‪،‬‬
‫والزّيادة للمشتري ‪ ،‬فهي ل تمنع ال ّردّ ‪.‬‬
‫‪ - 47‬أمّا صور الزّيادة الخرى فل تمنع ال ّردّ ‪ ،‬ولذا ل رجوع معها بالرش ‪ ،‬وهي ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬الزّيادة المتّصلة المتولّدة ‪ ،‬كالكبر والسّمن ‪ ،‬ومنها عند الحنابلة الجنين قبل الوضع‬
‫والثّمرة قبل التّأبير ‪ .‬وهي ل تمنع ال ّردّ بالعيب في ظاهر الرّواية عند الحنفيّة إن رضي‬
‫المشتري بردّها مع الصل وإن أبى المشتري الرّ ّد كان له الرّجوع بالرش خلفا لمحمّد ‪.‬‬
‫ن الزّيادة تمحّضت تابعةً للصل بتولّدها منه مع عدم انفصالها‬
‫والحكم كذلك عند الحنابلة ‪ ،‬ل ّ‬
‫ل ‪ -‬كما قال ابن الهمام ‪ -‬أو كما قال الكاسانيّ ‪ :‬كانت‬
‫ن الفسخ لم يرد على زيادة أص ً‬
‫فكأ ّ‬
‫الزّيادة مبيعةً تبعا ‪ ،‬وما كان تبعا في العقد يكون تبعا في الفسخ ‪.‬‬
‫ول فرق في هذه الزّيادة بين أن تحدث قبل القبض أو بعده ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬الزّيادة المنفصلة المتولّدة ‪ :‬قبل القبض كالولد واللّبن والثّمر في بيع الشّجر وهي ل‬
‫تمنع ال ّردّ بالعيب ‪ ،‬لكن ل يرد الصل وحده ‪ ،‬بل إن شاء المشتري ردّهما جميعًا وإن شاء‬
‫رضي بهما بجميع الثّمن ‪ .‬وقال الحنابلة ‪ :‬يردّ الصل دون الزّيادة ‪ ،‬فهي للمشتري ‪.‬‬
‫ج ‪ -‬الزّيادة المنفصلة غير المتولّدة ‪ ،‬كالغلّة والكسب ‪ ،‬وهي ل تمنع من ال ّردّ وهو الحكم‬
‫لدى الشّافعيّة والحنابلة ‪ .‬ويفسخ العقد في الصل دون الزّيادة ويسلّم الكسب للمشتري لنّه‬
‫ل غلمه فقال صلى ال‬
‫حصل في ضمانه ‪ ،‬ودليل ذلك الحديث الّذي فيه قول البائع ‪ :‬إنّه استغ ّ‬
‫عليه وسلم « الخراج بالضّمان » ولنّ هذه الزّيادة ليست بمبيعة وإنّما هي مملوكة بملك‬
‫الصل ‪ ،‬فبال ّردّ يفسخ العقد في الصل وتبقى الزّيادة مملوكةً للمشتري بغير ثمن عند أبي‬
‫حنيفة " لكنّها ل تطيب له ‪ ،‬لنّها وإن حدثت على ملكه هي ربح ما لم يضمن ‪ ،‬وعند‬
‫الصّاحبين ‪ :‬الزّيادة للبائع ول تطيب له " هذا إذا اختار ال ّردّ ‪ ،‬أمّا إن رضي بالعيب واختار‬
‫البيع فالزّيادة ل تطيب له بل خلف لنّها ربح ما لم يضمن وهو منهيّ عنه ‪ ،‬ولنّها زيادة ل‬
‫يقابلها عوض في العقد وهو ربا وقال الحنابلة ‪ :‬الكسب للمشتري بمقابلة ضمانه ‪ ،‬دون فرق‬
‫بين ما يقبل القبض أو بعده ‪.‬‬
‫‪ - 48‬هذا إن كانت الزّيادة قائم ًة فإن هلكت بآفة سماويّة لم يتغيّر الحكم ‪ ،‬وإن هلكت بفعل‬
‫المشتري فالبائع بالخيار بين القبول وردّ جميع الثّمن وبين الرّفض وردّ النّقصان ‪ ،‬وإن هلكت‬
‫بفعل أجنبيّ امتنع ال ّردّ ‪.‬‬
‫أمّا المالكيّة فقد قال الحطّاب عن ابن رشد في المقدّمات إنّ الزّيادة على خمسة أوجه ‪:‬‬
‫ل ‪ -‬زيادة لحوالة السواق ‪.‬‬
‫أو ً‬
‫ثانيا ‪ -‬وزيادة في حالة البيع وكلهما ل يعتبر ول يوجب للمبتاع خيارا ‪.‬‬
‫صرّح بذلك في كتاب العيوب من المدوّنة فقال في أوّله ول يفيت ال ّردّ بالعيب حوالة‬
‫السواق‪.‬‬
‫ثالثا ‪ -‬وزيادة في عين المبيع بنماء حادث فيه كالدّابّة تسمن أو بشيء من جنسه مضاف إليه‬
‫كالولد فاختلف أصحابنا في ذلك ‪.‬‬
‫رابعا ‪ -‬وزيادة مضافة للمبيع من غير جنسه مثل أن يشتري النّخل ول ثمر فيه فتثمر عنده‬
‫ن ذلك ل يوجب له خيارا ويكون مخيّرا بين أن يردّ النّخل‬
‫ثمّ يجد عيبا ‪ ،‬فهذا ل اختلف أ ّ‬
‫وثمرتها ما لم يطب ويرجع بالعلج على مذهب ابن القاسم أو يمسك ول شيء له في‬
‫الوجهين جميعا وقوله ما لم يطب أي ما لم تزه ‪.‬‬
‫خامسا ‪ -‬وزيادة أحدثها المشتري في المبيع من صنعة مضافة إليه كالصّبغ والخياطة وما‬
‫ن ذلك يوجب له الخيار بين أن يتمسّك‬
‫أشبههما ممّا ل ينفصل عنه إلّ بفساد ‪ ،‬فل اختلف أ ّ‬
‫ويرجع بقيمة العيب أو يردّ ويكون شريكا له ‪ ،‬ونحوه للباجيّ ‪ .‬في المنتقى وذكر الباجيّ‬
‫خمسة الوجه ‪.‬‬
‫‪ - 49‬قال الحطّاب ‪ :‬وأمّا كيفيّة التّقويم فقد تكلّم على ذلك ابن غازيّ ‪ ،‬وحاصله أنّه إذا حدثت‬
‫زيادة عند المشتري ولم يحدث عنده عيب فإنّه يخيّر ‪ ،‬فإن اختار المساك فيقوّم المبيع‬
‫تقويمين ‪ ،‬يقوّم سالما ‪ ،‬ثمّ معيبا ‪ ،‬ويأخذ من الثّمن بنسبة ذلك ‪ ،‬وإن اختار ال ّردّ قوّم تقويمين‬
‫أيضا فيقوّم بالعيب القديم غير مصبوغ ثمّ يقوّم مصبوغا ‪ ،‬فما زادت قيمته مصبوغا على‬
‫قيمته غير مصبوغ نسب إلى قيمته مصبوغا وكان المشتري شريكا في الثّوب بنسبته ‪ ،‬كما‬
‫إذا قوّم غير مصبوغ بثمانين ‪ ،‬وقوّم مصبوغا بتسعين ‪ ،‬فينسب العشرة الزّائدة إلى تسعين‬
‫فتكون تسعا فيكون المشتري شريكا في الثّوب بالتّسع ‪ ،‬وتعتبر قيمته مصبوغا وغير مصبوغ‬
‫يوم البيع عند ابن يونس ‪ ،‬ويوم الحكم عند ابن رشد ‪ ،‬وأمّا إذا حدث عند المشتري عيب‬
‫وزيادة فإن اختار المشتري المساك قوّم المبيع تقويمين كما تقدّم ‪ ،‬وإن اختار ال ّردّ فقال ابن‬
‫الحاجب ‪ :‬ل بدّ من أربع تقويمات ‪ ،‬يقوّم سالما ثمّ بالعيب القديم ‪ ،‬ثمّ بالحادث ‪ ،‬ثمّ بالزّيادة ‪،‬‬
‫وقال ابن عبد السّلم ‪ :‬ل حاجة إلى تقويمه سالما ول إلى تقويمه بالعيب الحادث وإنّما يقوّم‬
‫بالعيب القديم ثمّ بالزّيادة فيشارك في المبيع بقدر الزّيادة ‪.‬‬
‫ثالثا ‪ :‬المانع العقديّ ‪ " :‬العيب الحادث "‬
‫‪ - 50‬العقد المبرم بين العاقدين يقوم على اللتزام بما ألزم به ك ّل منهما نفسه من مبيع‬
‫وثمن ‪ ،‬بموجب العقد ‪ ،‬ولذا كان حقّ ال ّردّ للمعيب مقيّدا بأن ل يقع ما يخلّ باللتزامات‬
‫الموزّعة في العقد ‪ ،‬فإذا تعيّب المبيع عند المشتري بعيب حادث ‪ ،‬سواء كان بفعل المشتري‬
‫أو بآفة سماويّة أو بفعل المعقود عليه إن كان ذا حياة ‪ ،‬فإنّ ال ّردّ للمعيب ‪ -‬وهو الموجَب‬
‫الصليّ ‪ -‬يمتنع ‪ ،‬وينتقل إلى الموجب الخلفيّ وهو الرّجوع بالنّقصان لنّ شرط ال ّردّ أن‬
‫يكون المردود عند ال ّردّ على الصّفة الّتي كان عليها عند القبض ولم يوجد لخروجه معيبا‬
‫ن المبيع خرج‬
‫ن في الرّدّ إضرارا بالبائع وهو إخلل بطبيعة العقد ‪ ،‬ل ّ‬
‫بعيب واحد فقط ‪ ،‬ول ّ‬
‫عن ملكه سالما من العيب الحادث فلو ألزم به معيبا تضرّر ‪ ،‬لنّه إذا كان يضمن العيب‬
‫القديم ل يضمن الحادث لوقوعه بعد القبض والمبيع بيد المشتري فانعدم شرط الرّدّ ‪ ،‬وبما أنّه‬
‫ل بدّ من دفع الضّرر عن المشتري لمقابلة الجزء الفائت الّذي صار مستحقّا له بالعقد فقد‬
‫تعيّن الرّجوع بالنّقصان وردّ حصّة الجزء الفائت بالثّمن ‪.‬‬
‫ن المشتري هو السّبب بالعجز عن‬
‫ولم يجعل الحنفيّة والحنابلة في رواية للمشتري حقّ ال ّردّ ل ّ‬
‫ال ّردّ بما باشره في البيع ‪ -‬أو بما حصل فيه على ضمانه ‪ -‬وفي إلزام ال ّردّ بالعيب الحادث‬
‫إضرار بالبائع ل لفعل باشره " وتقصيره بعدم بيان العيب ل يمنع عصمة ماله " فكان النظر‬
‫للطّرفين هو دفع الرش للعيب القديم ‪.‬‬
‫وعند المالكيّة ‪ -‬وهي الرّواية الثّانية للحنابلة ‪ -‬يخيّر بين المساك وأخذ أرش العيب القديم‬
‫وبين ال ّردّ مع أرش العيب الحادث عنده ما لم يقبله البائع بالعيب الحادث ‪.‬‬
‫وصرّح الشّافعيّة بأنّه لو حدث عند المشتري عيب سقط الرّ ّد قهرا ثمّ إن رضي به البائع ردّه‬
‫المشتري أو قنع به ‪ ،‬فإن لم يرض به البائع معيبا ضمّ المشتري أرش الحادث إلى المبيع‬
‫ل فالصحّ إجابة من‬
‫وردّ ‪ ،‬أو غرم أرش القديم ول يردّ ‪ .‬فإن اتّفقا على أحد المرين فذاك وإ ّ‬
‫طلب المساك ‪ .‬ويجب أن يعلم المشتري البائع على الفور بالعيب الحادث ليختار ‪ ،‬فإن أخّر‬
‫إعلمه بل عذر فل ردّ ول أرش ‪.‬‬
‫أمّا الثّانية فهي أنّه يخيّر بين ال ّردّ مع أرش العيب الحادث وبين المساك وأخذ أرش العيب‬
‫القديم ‪.‬‬
‫سقوط الخيار وانتهاؤه ‪:‬‬
‫‪ - 51‬خيار العيب ينتهي بانتهاء العقد أي فسخه ‪ ،‬فيكون الخيار منتهيا تبعا له ‪ ،‬لكنّ ذلك‬
‫يستتبع آثاره أحيانا فيما إذا عاد المبيع المعيب إلى البائع وفيه عيب حادث لدى المشتري ‪.‬‬
‫كما ينتهي خيار العيب باختيار إمساك البيع المعيب وأخذ أرش العيب ‪ ،‬وهذا الختيار إمّا أن‬
‫ل على الرّضا ‪ " ،‬أمّا غير‬
‫يقع صراحةً بالقول المعبّر عن الرّضا ‪ ،‬وإمّا أن يقع بالتّصرّف الدّا ّ‬
‫الدّالّ على الرّضا فيسقط ال ّردّ دون الرش " ‪.‬‬
‫وقد ينتهي الخيار بزوال العيب قبيل استعمال حقّ ال ّردّ ‪ ،‬وفي بعض صور الولية عن‬
‫الصّغير وغيره ‪ ،‬أو الوكالة ‪ ،‬يتعيّن التّنازل عن الخيار لكون المساك للعقد أكثر حظوةً‬
‫وفائدةً ‪ ،‬ونظر الولية والنّيابة عن الغير مبنيّ على الصلح ‪.‬‬
‫ن بعض هذه السباب المسقطة إراديّ يصدر من العاقد ‪ ،‬وبعضها يجب عليه‬
‫ول يخفى أ ّ‬
‫شرعا أو يقع دون إرادته ‪ ،‬ولهذا تفرّقت المسقطات ‪ ،‬لجتذاب هذه العوامل لها إلى ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬زوال العيب قبل ال ّردّ ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬إسقاط الخيار بصريح السقاط والبراء عنه ‪ ،‬أو التّنازل بمقابل ‪.‬‬
‫ج ‪ -‬وجوب ترك ال ّردّ رعاي ًة للمصلحة ‪ ،‬بحكم الشّرع ‪.‬‬
‫د ‪ -‬الرّضا بالعيب صراحةً ‪.‬‬
‫هـ ‪ -‬التّصرّفات الدّالّة على الرّضا ‪.‬‬
‫أوّلً ‪ :‬زوال العيب قبل الرّدّ ‪:‬‬
‫‪ - 52‬يسقط خيار العيب ‪ -‬ال ّردّ والرش ‪ -‬إذا زال العيب قبل ال ّردّ ‪ ،‬لنّ الشّريطة الولى‬
‫لقيام الخيار قد تخلّفت ‪ ،‬ويستوي في ذلك أن يزول بنفسه أو بإزالة البائع ‪ ،‬على أن يتمّ ذلك‬
‫في زمن يسير ومن غير إضرار بالمشتري ‪ ..‬ولهذا الزّوال بعض الصّور العمليّة الّتي‬
‫تعرّض لها ابن حجر في فتاواه ‪ ،‬منها ‪:‬‬
‫تدارك العيب بزمن يسير يمنع الخيار ‪ ،‬وذلك فيما لو بيعت أرض وفي المبيع بذر تعهّد البائع‬
‫بتركه أو بالفراغ منه في زمن يسير ‪ ،‬ل يتخيّر المشتري ‪ ،‬كما لو اشترى دارا ثمّ رأى خللً‬
‫بسقفها أو بالوع ًة ‪ ..‬يلزم القبول ‪ ،‬ول نظر للمنّة اللّاحقة به ‪.‬‬
‫ونحوه شراء أرض فيها دفين من حجر أو خشب ‪ ..‬ل تدخل ‪ ،‬وتركها غير مضرّ وقلعها‬
‫مضرّ يسقط الخيار ‪ ،‬لكون النّقل ينقص قيمتها أو يحتاج لمدّة لها أجرة " ول نظر لما في‬
‫التّرك من المنّة لنّه ضمن عقد " وهذا التّرك إعراض ل تمليك ‪ ،‬فللبائع الرّجوع فيه ‪ ،‬فإذا‬
‫رجع عاد خيار المشتري ‪،‬فلو وهبها له بشروطه لزمه القبول وسقط خياره ول رجوع للبائع‪.‬‬
‫زوال العيب بالتّرك من غير لحوق منّة ‪ :‬فيما لو أنعل المشتري الدّابّة ثمّ بان عيبها ‪ ،‬فلو‬
‫نزع النّعل تعيّبت وامتنع الرّدّ ‪ ،‬وإن تركه فله ال ّردّ وليس للبائع المتناع عن القبول ‪.‬‬
‫وجه عدم المنّة في ذلك أنّ ما يقع في ضمن عقد يكون في مقابلة توفير غرض لباذله فلم‬
‫توجد فيه حقيقة المنّة ‪،‬ل سيّما وقد انضمّ إلى ذلك إجبار الشّرع له على القبول فهو كاره له‪،‬‬
‫والكاره للشّيء ل يتوهّم لحوق منّة إليه بوجه من الوجوه ‪.‬‬
‫ثانيا ‪ :‬وجوب ترك الرّدّ رعايةً للمصلحة ‪:‬‬
‫‪ - 53‬وذلك بأن تكون المصلحة في إمساك المعيب والعاقد مقيّد التّصرّف ‪ :‬وذلك ما إذا كان‬
‫في العقد غبطة ‪ ،‬أي كانت القيمة أكثر من الثّمن ‪ ،‬ولهذا صور ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬لو كان المشتري مفلسا ‪ ،‬لنّ في ال ّردّ والحالة هذه تفويت الفرق على الغرماء ‪.‬‬
‫ح فيها شراؤه له ‪ ،‬كما لو اشتراه سليما ثمّ تعيّب‬
‫ب ‪ -‬لو كان وليّا يشتري لمولّيه في حال يص ّ‬
‫ح‪.‬‬
‫قبل القبض ‪ .‬لنّ ال ّردّ تصرّف ضارّ بحقّ المولّى عليه فل يص ّ‬
‫ج ‪ -‬أو كان عامل قراض ولم يصرّح المالك بطلب الرّدّ ‪ ،‬للعلّة نفسها ‪.‬‬
‫ثالثا ‪ :‬إسقاط الخيار بصريح السقاط ‪ ،‬والبراء عنه ‪:‬‬
‫ن الخيار حقّ خالص‬
‫ن إسقاط المشتري خيار العيب إسقاط سائغ ‪ ،‬ل ّ‬
‫‪ - 54‬ذكر الحنفيّة أ ّ‬
‫للمشتري فله النّزول عنه ‪ .‬وهو في هذا يخالف خيار الرّؤية الّذي ل يصحّ إنهاؤه بصريح‬
‫السقاط لنّه خيار حكميّ ثبت بالشّرع بل يسقط تبعا وضمنا ‪.‬‬
‫هذا عن إسقاط خيار ال ّردّ ‪ ،‬وأمّا حقّ الرّجوع بالرش " نقصان الثّمن " فكذلك المر يجوز‬
‫أن يتناوله صريح البطال ‪ ،‬لنّه حقّه كخيار الرّ ّد بالعيب لثبوته بالشّرط " وهي السّلمة‬
‫المشروطة في العقد دلل ًة " والنسان بسبيل من التّصرّف في حقّه مقصودا استيفاءً وإسقاطا‪.‬‬
‫ومثل السقاط في الحكم البراء ‪ ،‬بأن يبرّئ المشتري البائع من العيب ‪ ،‬لنّ " البراء " في‬
‫حقيقته إسقاط ‪ ،‬وللمشتري هنا ولية السقاط لنّ الخيار حقّه والمحلّ قابل للسّقوط ‪.‬‬
‫هذا ول يسقط الخيار بعوض عند الشّافعيّة ‪ ،‬فقد سئل ابن حجر الهيتميّ عن بذل عوض لترك‬
‫ردّ العيب ‪ ،‬هل يجوز كعوض الخلع ؟ فأجاب ‪ " :‬ل يجوز بذل العوض في مقابلة ترك خيار‬
‫العيب ‪ ،‬ل من الجنبيّ ول من البائع ‪ ،‬لنّه خيار فسخ فأشبه خيار التّروّي في كونه غير‬
‫متقوّم " ‪ .‬وهذا غير الرش لنّه ليس عوضا لترك الخيار أصلً ‪ ،‬بل هو تقويم لنقصان الثّمن‬
‫اعترافا بالخيار وعملً بمضمونه ‪.‬‬
‫رابعا ‪ :‬الرّضا بالعيب صراحةً ‪:‬‬
‫‪ - 55‬رضا المشتري بالعيب بعد العلم به إذا عبّر عنه بصورة صريحة ‪ ،‬كلفظ ‪ :‬رضيت‬
‫بالعيب ‪ ،‬أسقطت خيار العيب ‪ ،‬أجزت العقد ‪ ،‬أمضيته ‪ ،‬ونحو ذلك من العبارات المفيدة‬
‫للرّضا ‪ ،‬فإنّ الخيار يسقط أصلً أي ينتهي حقّ ال ّردّ والرش معا ‪.‬‬
‫ن حقّ ال ّردّ إنّما هو لفوات السّلمة المشروطة دلل ًة في العقد ‪ ،‬وإذا رضي المشتري‬
‫ذلك ل ّ‬
‫بالعيب بعد العلم به فقد دلّ على أنّه نزل عن هذا الشّرط ‪ ،‬أو أنّه لم يشترطه ابتداءً وأنّه لم‬
‫يشترط السّلمة دلل ًة ‪ ،‬وقد ثبت الخيار نظرًا له فإذا لم ينظر لنفسه ورضي بالضّرر فذاك‬
‫ق الرّجوع بنقصان الثّمن ‪ ،‬كما لو انتقص المبيع‬
‫له‪ .‬وكذلك الحال إذا تناول الرّضا بالعيب ح ّ‬
‫ن المشتري حينئذ أظهر‬
‫في يد المشتري وامتنع ال ّردّ بسبب النّقصان ووجب الرش ‪ ،‬لك ّ‬
‫رضاه بالعيب فإنّ الخيار يسقط جملةً ‪.‬‬
‫خامسا ‪ :‬التّصرّفات الدّالّة على الرّضا ‪:‬‬
‫‪ - 56‬الرّضا بالعيب إمّا أن يكون صريحا وإمّا أن يكون بالدّللة ومجالها الفعال " أو‬
‫التّصرّفات " وذلك بأن يوجد من المشتري " بعد العلم بالعيب " تصرّف في المبيع يدلّ على‬
‫الرّضا بالعيب ‪ .‬قال الكاسانيّ ‪ " :‬كلّ تصرّف يوجد من المشتري في المشترى بعد العلم‬
‫بالعيب يدلّ على الرّضا بالعيب يسقط الخيار " والتّصرّفات بالنّسبة لهذا المسقط يمكن‬
‫تصنيفها إلى ثلثة أنواع ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬تصرّفات استعمال للمبيع واستغلل له وانتفاع منه ‪:‬‬
‫‪ - 57‬وذلك بأيّ وجه كان دون انتقاص لعينه أو إتلف له ‪ ،‬كلبس الثّوب وركوب الدّابّة "‬
‫لغير الرّدّ ‪ ،‬أو السّقي ‪ ،‬أو شراء العلف " وسقي الرض أو زرعها أو حصادها ‪ ،‬أو عرض‬
‫المبيع على البيع أو الجارة ‪ ،‬أو مداواته واستخدامه ولو مرّةً ‪ .‬فإذا تصرّف المشتري بذلك‬
‫في المبيع بعد علمه بالعيب فهو دللة على الرّضا ‪ ،‬وهو دليل قصده الستبقاء ‪.‬‬
‫ودليل الشّيء في المور الباطنة ‪ -‬كالرّضا ‪ -‬يقوم مقامها ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬تصرّفات إتلف للمبيع ‪:‬‬
‫‪ - 58‬والمراد ما كان على غير وجه الستعمال ‪ ،‬كالتّمزيق للثّوب ‪ ،‬وقتل الدّابّة ‪ ،‬فمثل هذا‬
‫التّصرّف لغير مصلحته ‪ ،‬ويسقط به الخيار ‪.‬‬
‫ج ‪ -‬تصرّفات إخراج عن ملكه ‪:‬‬
‫‪ - 59‬إذا أخرج المشتري المبيع عن ملكه بأن عقد عليه عقدا من عقود التّمليك كالبيع أو‬
‫الهبة " مع التّسليم " أو الصّلح ‪ ،‬ثمّ اطّلع على عيب قديم فيه ‪ ،‬سقط خياره لتعذّر ردّ المبيع‬
‫إلى البائع ‪ ،‬ففي هذه الحال ل سبيل إلى فسخ البيع بين المشتري الوّل وبين بائعه لتعلّق حقّ‬
‫المشترى الثّاني بالمبيع ‪ ،‬لنّه بالبيع صار حابسا له فكان مفوّتا لل ّردّ ‪ ،‬ولمّا كان امتناع ال ّردّ‬
‫هنا بسبب المشتري فل رجوع له بالنّقصان أيضًا لنّ من شرائطه أن ل يكون امتناع ال ّردّ‬
‫بسبب المشتري ‪ .‬والقدام على هذه التّصرّفات مع العلم بالعيب دليل الرّضا بالعيب وسقوط‬
‫الخيار من أساسه ‪.‬‬
‫ولكن لو فسخ التّصرّف ور ّد إليه البيع بخيار شرط أو رؤية " مثلً " فإن كان قبل القبض فله‬
‫أن يردّه على بائعه سواء كان ال ّردّ بقضاء القاضي أو بالتّراضي " بالجماع " وإن كان بعد‬
‫القبض ‪ ،‬فإن كان بقضاء القاضي فله أن يردّه على بائعه " بل خلف " ‪ ،‬وإن كان قبول‬
‫البائع له بعد القبض بغير قضاء فليس له أن يردّه ‪.‬‬
‫‪ - 60‬هذا مذهب الحنفيّة ‪ -‬الّذي عليه التّبويب ويندرج فيه الحنابلة ‪ -‬وقد اختلفت آراء‬
‫غيرهم ‪ ،‬فذهب المالكيّة إلى أنّ هذه التّصرّفات إن كانت بعوض فهي مسقطة للخيار ‪ :‬لل ّردّ‬
‫والرش معا ‪ ،‬وإن كانت بغير عوض فله نقصان الثّمن ‪.‬‬
‫ومستندهم فكرة استفادة عوض يستدرك به العيب الفائت ‪.‬‬
‫وذهب الشّافعيّة إلى التّفرقة بين تصرّف يحصل به اليأس من عود المبيع للمشتري ‪،‬كالوقف‪،‬‬
‫فهو مانع لل ّردّ ‪ ،‬وبين تصرّف يرجى معه العود لملكه ‪ ،‬كالبيع فهو مسقط للخيار ‪.‬‬
‫وذهب الحنابلة إلى إطلق الحكم في التّصرّفات كلّها ‪ -‬إذا تصرّف غير عالم بالعيب ‪ -‬فإنّه‬
‫ي " نقصان الثّمن " لتصرّفه في ملكه غير عالم بالعيب فلم‬
‫مانع لل ّردّ وناقل إلى الموجب الخلف ّ‬
‫يكن في تصرّفه دللة على الرّضا بالعيب فيقتصر أثره على منع ال ّردّ ‪.‬‬
‫إثبات خيار العيب ‪:‬‬
‫‪ - 61‬ذكر ابن رشد أنّه إذا اتّفق البائع والمشتري على حالة من أحوال خيار العيب وجب‬
‫الحكم الخاصّ بتلك الحال ‪ .‬فإن أنكر البائع دعوى العيب الموجود فإمّا أن ينكر وجود العيب‪،‬‬
‫أو ينكر قدمه ‪ .‬ففي إنكار العيب إمّا أن يستوي في إدراكه جميع النّاس وحينئذ يكفي شاهدان‬
‫ص بعلمه أهل صناعة ما ‪ ،‬فل بدّ من شهادة أهل‬
‫عدلن من أيّ النّاس كانوا ‪ ،‬وإمّا أن يخت ّ‬
‫تلك الصّناعة ‪ ،‬وفي مذهب المالكيّة خلف فيما يكفي من ذلك ‪ :‬قيل ‪ :‬ل ب ّد من عدلين ‪.‬‬
‫وقيل ‪ :‬ل يشترط في ذلك العدالة ول العدد ول السلم ‪.‬‬
‫وكذلك الحال إن اختلفوا في كونه مؤثّرا في القيمة ‪ ،‬وفي قدمه أو حدوثه ‪ ،‬ثمّ لم يتحدّث عن‬
‫أجوبة ذلك اكتفا ًء بانصياع أحوالها لصول الثبات المعروفة ‪.‬‬
‫إثبات العيب ‪ ،‬والختلف فيه ‪:‬‬
‫‪ - 62‬الدّعوى في العيب والخصومة فيه إمّا أن تحتاج إلى البرهنة ‪ ،‬وإمّا أن يعتورها النّزاع‬
‫من الخصم ‪ ،‬ويقع الختلف بين العاقدين في مسائل العيب بأنواعها من قدم وحدوث‪ ،‬وهل‬
‫ال ّردّ لعين المردود أو غيره ‪ ..‬إلخ ‪.‬‬
‫وفي مذهب المالكيّة والشّافعيّة تفصيلت في تنازع المتبايعين في العيب أو في سبب ال ّردّ به‬
‫معظمها تخضع لطرائق الثبات العامّة بعد شيء من التّصوّر للمدّعي المنكر ‪.‬‬
‫كما تعرّض الحنابلة للختلف في قدم العيب وحدوثه ‪ ،‬بما ل يخرج عن طرق الثبات‬
‫ص بموضوعنا أنّه في العيب الّذي ل يحتمل فيه إلّ قول‬
‫العامّة ‪ ،‬لكنّهم ذكروا ما يخت ّ‬
‫أحدهما ‪ ،‬وادّعى المشتري كونه قديما ‪ ،‬كالجرح الطّريّ ‪ ،‬فالقول قول من يدّعي ذلك بغير‬
‫يمين ‪ .‬وتفصيل ذلك في مصطلحي ‪ ( :‬قضاء ‪ ،‬ودعوى ) ‪.‬‬
‫انتقال خيار العيب ‪:‬‬
‫‪ - 63‬اتّفق الفقهاء على أنّ خيار العيب ينتقل إلى الوارث بموت مستحقّ الخيار ‪.‬‬

‫خيار الغبن *‬
‫التّعريف ‪:‬‬
‫‪ - 1‬الغبن في اللّغة ‪ :‬النّقص ‪ ،‬فعله ‪ :‬غبن ‪ -‬من باب ضرب ‪ -‬يقال غبنه فانغبن ‪ ،‬وغبن‬
‫" بالبناء للمفعول " فهو مغبون أي منقوص من الثّمن أو غيره ‪ .‬وغبنه في البيع والشّراء غبنا‬
‫‪ ،‬وغبينةً " وهي اسم المصدر " أي غلبه ‪ ،‬وفي القاموس ‪ :‬غبنه في البيع ‪ :‬خدعه ‪ .‬والمعنى‬
‫الصطلحيّ للغبن مستمدّ من المعنى اللّغويّ نفسه فهو ‪ -‬كما يقول ابن نجيم من الحنفيّة ‪: -‬‬
‫" النّقص في الثّمن في البيع والشّراء " ومثله النّقص في البدل في باقي عقود المعاوضات ‪.‬‬
‫ومعنى النّقص هنا إذا كان المغبون هو المشتري أن ل يقابل جزء من الثّمن بشيء من المبيع‬
‫لزيادة الثّمن عن أكثر تقويم للمبيع من أهل الخبرة ‪.‬‬
‫أمّا إذا كان المغبون هو البائع فالنّقص في الثّمن حقيقيّ ‪.‬‬
‫الخيارات المرتبطة بالغبن ‪:‬‬
‫‪ - 2‬للغبن تأثير في كثير من المواطن ‪ ،‬غير أنّه أحيانا يناط به الحكم صراحةً ‪ ،‬وأحيانا يناط‬
‫بسبب مادّيّ أشدّ منه وضوحا ‪ ،‬ويكون هو المؤثّر ‪ .‬الوحيد ‪ ،‬أو أحد المؤثّرات ‪.‬‬
‫فمن المواطن الّتي يؤثّر فيها ‪ :‬المبادلت الرّبويّة بين الجناس المتّحدة ‪ ،‬والحتكار ‪ ،‬وأنواع‬
‫من البيوع المنهيّ عنها ‪ ،‬كالنّجش ‪ ،‬وتلقّي الرّكبان ‪ ،‬وبيع الحاضر للبادي ‪ ،‬والمصرّاة‬
‫ونحوها من صور التّغرير الفعليّ ‪ ،‬والبيع على بيع غيره " أي دخول أجنبيّ بين المتبايعين‬
‫للستئثار بالبيع أو الشّراء " ‪ .‬وبيع المسترسل ‪ ،‬وبيوع المانة ‪ ،‬وحالة التّغرير القوليّ‬
‫المقترن بالغبن ‪ ،‬لذا كان من الضّروريّ استخلص أحكام عامّة في الغبن الّذي تنشأ بسببه‬
‫بضعة خيارات تختلف المذاهب تجاهها بين نفي وإثبات ‪.‬‬
‫وقد اتّخذ ابن قدامة من الغبن مدارا لثلثة خيارات هي ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬تلقّي الرّكبان ‪ ،‬إذا اشترى منهم ‪ -‬أو باعهم ‪ -‬بغبن ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬بيع النّجش ‪ ،‬بالزّيادة في السّلعة ممّن يعمل لمصلحة البائع دون إرادة الشّراء ليقع‬
‫المشتري في غبن ‪.‬‬
‫ج ‪ -‬المسترسل ‪ :‬ول ريب في أنّ خيار المسترسل من صميم خيارات الغبن ‪ ،‬لنّه ل تغرير‬
‫يوجّه إليه ‪ ،‬إنّما هي خيانة طارئة من البائع بعدما ركن إليه المشتري فترك المساومة في‬
‫الثّمن ‪ ،‬ولذ بالبائع ليجيره من الغبن فأوقعه فيه ‪ ،‬فهو خيار غبن حقّا ‪.‬‬
‫وتلخيص مواقف المذاهب من الغبن واستلزامه الخيار أو عدمه هو بالصّورة التّالية ‪ :‬الحنفيّة‬
‫‪ :‬ل يرون للمغبون خيارا إلّ إذا كان مغرّرا به على الرّاجح ‪ ،‬أو كان غبنا للقاصر ‪ .‬المالكيّة‬
‫‪ :‬يقولون " في رأي " بالخيار للمغبون مطلقا ‪ ،‬أو إذا كان مسترسلً لبائعه ‪ .‬الشّافعيّة ‪:‬‬
‫يقولون " في رأي " بالخيار ‪.‬‬
‫الحنابلة ‪ :‬يقتصرون على إثبات الخيار لمن كان مسترسلً وغبن ‪.‬‬
‫ضابط الغبن المعتبر ‪ ،‬وشرطه ‪:‬‬
‫‪ - 3‬الغبن الّذي يردّ به شرعًا هو الغبن الفاحش ‪ ،‬والطلق محمول عليه كلّما ذكر في‬
‫مجال ال ّردّ ‪.‬‬
‫ن العبرة في‬
‫والمراد بالغبن الفاحش عند الحنفيّة والمالكيّة في الرّاجح والحنابلة في قول أ ّ‬
‫تقدير الغبن على عادة ال ّتجّار ‪ .‬وإن اختلفت عباراتهم فإنّها كلّها تؤدّي إلى هذا المعنى ‪ .‬وإنّما‬
‫كانت العبرة بتقويم المقوّمين ‪ ،‬لنّهم هم الّذين يرجع إليهم في العيوب ونحوها من المور‬
‫الّتي تقتضي الخبرة في المعاملت ‪.‬‬
‫ن المعتبر في الغبن الثّلث ‪ ،‬والقول الثّالث للمالكيّة‬
‫والقول الثّاني لك ّل من المالكيّة والحنابلة أ ّ‬
‫ما زاد على الثّلث ‪.‬‬
‫شرط خيار الغبن ‪:‬‬
‫‪ - 4‬يشترط لقيام خيار الغبن أن يكون المغبون جاهلً بوقوعه في الغبن عند التّعاقد ‪ .‬وفي‬
‫ج به بعض القائلين بالخيار " وفيه أنّه هناك اشتراط‬
‫تلك الحال ورد حديث حبّان ‪ .‬الّذي احت ّ‬
‫عدم الخلبة أو الغبن " أمّا إذا كان عالما بالغبن وأقدم على التّعاقد فل خيار له ‪ ،‬لنّه أتي من‬
‫قبل نفسه فكأنّه أسقط حقّه راضيا ‪.‬‬
‫موجب الخيار ‪:‬‬
‫ن المغبون مسترسل ‪ ،‬وكان الغبن خارجا عن المعتاد فللمغبون الخيار بين‬
‫‪ - 5‬إذا تحقّق أ ّ‬
‫الفسخ والمضاء مجّانا ‪ ،‬فهذا هو الموجب ليس غير ‪ ،‬أي إن أمسك المغبون فيه لم يكن له‬
‫المطالبة بالرش ‪ ،‬وهو هنا مقدار الغبن ‪.‬‬
‫مسقطاته ‪:‬‬
‫‪ - 6‬يسقط خيار الغبن " مع التّغرير " عند الحنفيّة ‪ -‬على ما تضمّنته المجلّة العدليّة ‪ -‬بمايلي‬
‫‪:‬‬
‫أ ‪ -‬هلك المبيع ‪ ،‬أو استهلكه ‪ ،‬أو تغيّره ‪ ،‬أو تعيّبه ‪ :‬وفي حكم الستهلك تعلّق حقّ الغير‪.‬‬
‫وليس له أن يدّعي بشيء مقابل ًة لنقصان ثمن المبيع ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬السّكوت والتّصرّف بعد العلم بالغبن ‪ :‬فإذا تصرّف المغبون في المبيع بعد علمه بالغبن‬
‫تصرّف الملّاك بأن عرض المبيع للبيع مثلً ‪ ،‬سقط حقّ الفسخ ‪.‬‬
‫ج ‪ -‬موت المغبون ‪ :‬فل تنتقل دعوى " التّغرير مع الغبن " إلى الوارث ‪ ،‬أمّا موت الغابن‬
‫فل يمنع ‪.‬‬
‫خيار غبن المساومة ‪:‬‬
‫‪ - 7‬ل يرى الحنفيّة والشّافعيّة والحنابلة خيار الغبن في المساومة ‪ ،‬وكذلك المالكيّة في‬
‫الرّاجح ‪ ،‬وهم والحنابلة قد اقتصروا على خيار الغبن للمسترسل " كما سيأتي " ول ب ّد من‬
‫إفراد الحنفيّة والمالكيّة بالذّكر لتحقيق مذهبهم في خيار الغبن ‪.‬‬
‫خيار الغبن في مذهب المالكيّة ‪:‬‬
‫‪ - 8‬اختلف النّقل عن المالكيّة في كتب الخلف في شأن خيار الغبن المجرّد والرّاجح نفيهم له‬
‫ن الغبن لغير المسترسل ل خيار فيه مهما كان فاحشا ‪.‬‬
‫‪ ،‬والّذي رجّحه شرّاح خليل هو أ ّ‬
‫ج ابن عبد السّلم من المالكيّة للمذهب المشهور " لزوم العقد مع الغبن المجرّد " بحديث‬
‫واحت ّ‬
‫« شرائه صلى ال عليه وسلم جمل جابر ‪ ،‬فقد قال له مساوما ‪ :‬أتبيعه بدرهم ؟ فقال ‪ :‬ل ‪،‬‬
‫ن له ظهره إلى المدينة » ‪.‬‬
‫ثمّ ثبت أنّه باع بخمس أواق على أ ّ‬
‫فالثّمن الوّل بالنّسبة للخير غبن ‪ ،‬ولو كان معه خيار لما أقدم عليه النّبيّ صلى ال عليه‬
‫وسلم ‪.‬‬
‫حكم الغبن عند الحنفيّة ‪:‬‬
‫‪ - 9‬في مذهب الحنفيّة خلف حول الغبن المجرّد في بيع المساومة إذا تجرّد عن التّغرير‬
‫على ثلث روايات ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬ل يردّ بالغبن الفاحش مطلقا " صاحبه تغرير أو ل " ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬ثبوت حقّ ال ّردّ بالغبن الفاحش مطلقا " بقطع النّظر عن التّغرير " ‪.‬‬
‫ج ‪ -‬ثبوت ال ّردّ بالغبن الفاحش إن صاحبه تغرير ‪ ،‬أي ل يكون الخيار للمغبون مطلقا ‪ ،‬بل‬
‫للمغبون المغرور ‪ ،‬وهو الرّاجح عندهم ‪.‬‬
‫خيار غبن المسترسل ‪:‬‬
‫تعريف المسترسل ‪:‬‬
‫‪ - 10‬عرّف المالكيّة المسترسل بأنّه ‪ :‬المستسلم لبائعه ‪.‬‬
‫أمّا الحنابلة فهو عندهم ‪ :‬الجاهل بقيمة السّلعة ‪ ،‬ول يحسن المبايعة ‪.‬‬
‫ويلحظ هنا أنّ المعوّل على الوصف الخير وهو عدم الخبرة بالمبايعة ‪ ،‬أمّا جهل قيمة‬
‫السّلعة فيقع فيه كلّ مغبون ‪ ،‬إذ لو عرف القيمة لما رضي بالغبن إلّ مضطرّا ‪ ،‬أو باذلً لقاء‬
‫رغبة شديدة في السّلعة ‪ ،‬وسبق العلم بالغبن مسقط للخيار ‪.‬‬
‫وللحنابلة تعريف آخر للمسترسل من كلم المام أحمد بأنّه ‪ :‬الّذي ل يحسن أن يماكس ‪،‬‬
‫وبلفظ آخر ‪ :‬الّذي ل يماكس ‪ ،‬والفارق أنّ الوّل قليل الخبرة بالمجادلة في المبايعة للوصول‬
‫إلى ثمن المثل دون غبن ‪ ،‬أمّا الخير فهو الّذي ل يسلك طريق المماكسة بقطع النّظر عن‬
‫إتقانه لها أو جهله بها ‪ .‬قال ابن قدامة ‪ :‬فأمّا العالم بذلك والّذي لو توقّف لعرف ‪ ،‬إذا استعجل‬
‫ل فغبن ‪ ،‬فل خيار له ‪.‬‬
‫في الح ّ‬
‫خيار غبن المسترسل " عند المالكيّة " ‪:‬‬
‫‪ - 11‬صرّح خليل من المالكيّة بأنّه ل يردّ بالغبن ولو خالف العادة ‪.‬‬
‫ن هناك قولً بأنّه يردّ ‪ ،‬أمّا إن كان الغبن‬
‫ن ذلك هو المشهور من المذهب ‪ ،‬وأ ّ‬
‫وأفاد شرّاحه أ ّ‬
‫يسيرا فالتّفاق على لزوم العقد معه وعدم الرّدّ ‪.‬‬
‫وقد ذكر ابن رشد في المقدّمات أنّ حكم الغبن يختلف بحسب البيع ‪ ،‬ففي بيع المكايسة "‬
‫ص خلف " وبعد أن‬
‫المساومة " ل قيام بالغبن " قال " ‪ " :‬ول أعرف في المذهب في ذلك ن ّ‬
‫ردّ على من وهم في حمل مسألة سماع أشهب على الخلف ‪ ،‬عاد فأشار إلى حكاية بعض‬
‫البغداديّين وجوب ال ّردّ بالغبن إذا كان أكثر من الثّلث ‪ .‬وجعله موضع تأمّل ‪ ،‬وأمّا بيع‬
‫الستنامة والسترسال ‪ ..‬فالبيع والشّراء على هذا الوجه جائز ‪ ..‬والقيام بالغبن في البيع‬
‫والشّراء إذا كان على السترسال والستنامة واجب بإجماع ‪ ،‬لقول رسول اللّه صلى ال عليه‬
‫وسلم ‪ « :‬غبن المسترسل ظلم » ‪ .‬هذا ما استدلّ به ابن رشد ‪.‬‬
‫خيار المسترسل " عند الحنابلة " ‪:‬‬
‫‪ - 12‬الحنابلة يثبتون خيار الغبن للمسترسل فقط ‪ ،‬على الرّاجح في المذهب ‪ ،‬وهي من‬
‫ن الغبن لحقه لجهله‪.‬‬
‫المسائل الّتي اختارها ابن تيميّة من مسائل الخلف في مذهب أحمد ‪ ،‬ل ّ‬
‫بالمبيع ‪ ،‬خلفا لغير المسترسل فقد دخل على بصيرة فهو كالعالم بالعيب ‪ ،‬وهو مقيس على‬
‫النّجش وتلقّي الرّكبان ‪ ،‬وهناك رواية ذكرها ابن أبي موسى " بصيغة ‪ :‬قيل " مقتضاها أنّ‬
‫ن نقصان قيمة السّلعة مع سلمتها ل يمنع لزوم العقد ‪ ،‬كبيع‬
‫الغبن لزم للمسترسل أيضا ‪ ،‬ل ّ‬
‫غير المسترسل ‪ ،‬وكالغبن اليسير ‪.‬‬
‫خيار غبن القاصر " وشبهه " ‪:‬‬
‫‪ - 13‬أثبت هذا الخيار المالكيّة في حال غبن الوصيّ عن القاصر أو الوكيل عمّن وكّله درءا‬
‫للضّرر عن القاصر والموكّل ‪ ،‬وبعض المذاهب لجأت إلى إبطال العقد المشتمل على غبنهما‬
‫‪ .‬فإذا كان البائع ‪ -‬أو المشتري ‪ -‬بالغبن وكيلً أو وصيّا ‪ .‬فيردّ ما صدر منهما من بيع أو‬
‫شراء " أي يثبت حقّ الرّ ّد " ‪.‬‬
‫وخيار غبن القاصر يثبت في عقد الشّراء اتّفاقا بين فقهاء المالكيّة ‪ ،‬واقتصر عليه بعضهم ‪،‬‬
‫ن البيع إزالة ملك ‪ ،‬فل يتحقّق الغبن‬
‫ي أو للمتصرّف عن الغير ‪ ،‬ل ّ‬
‫فأجازوا البيع بالغبن للصّب ّ‬
‫فيه ‪ ،‬ومن ثمّة قيل ‪ :‬البيع مرتخص وغال ‪ .‬فإذا باع القاصر بغبن ل خيار له عند هؤلء ‪.‬‬
‫موجب خيار غبن القاصر ‪:‬‬
‫‪ - 14‬هل للقائم في الغبن في مسألة بيع الوصيّ والوكيل نقض البيع أو المطالبة بتكميل الثّمن‬
‫؟ وكيف لو تصرّف المبتاع في ذلك ببيع ؟‬
‫أفاض الحطّاب في المسألة ناقلً عن ابن رشد في فتوى له ث ّم قال ‪ :‬والرّاجح من القوال أنّ‬
‫ن القيام بالغبن يفوت‬
‫للقائم بالغبن نقض البيع في قيام السّلعة ‪ ،‬وأمّا في فواتها فل نقض ‪ ،‬وأ ّ‬
‫بالبيع " أي فيلجأ إلى تكميل الثّمن " ‪ ،‬أمّا مع إمكان ال ّردّ فهو الموجب ‪.‬‬
‫مسقطات خيار غبن القاصر ‪:‬‬
‫‪ - 15‬ذكر المالكيّة أنّ هذا الخيار يسقط بما يلي ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬التّصرّف في المبيع ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬التّلف ‪ ،‬أو ما يسمّيه المالكيّة " فوات المبيع " قال الحطّاب ‪ :‬فإن فات المبيع رجع‬
‫الموكّل والمحجور عليه على المشتري بما وقع الغبن والمحاباة به ‪ ،‬فإن تعذّر الرّجوع على‬
‫المشتري رجع على البائع ‪ -‬وهو الوكيل والوصيّ ‪ -‬بذلك ‪.‬‬
‫إن اشتريا بغبن ‪ ،‬وفات ذلك المشتري ‪ ،‬رجع الموكّل والمحجور عليه على البائع بما وقعت‬
‫المحاباة والغبن به ‪ ،‬فإن تعذّر الرّجوع على البائع رجعا على المشتري وهو الوكيل أو‬
‫الوصيّ ‪ .‬صرّح به ابن عتّاب وغيره ‪.‬‬
‫ول يتقيّد الرّجوع هنا بالثّلث ‪ ،‬فيرجع بكلّ ما نقص عن القيمة نقصا بيّنا ‪ ،‬أو زاد عليها زيادةً‬
‫بيّنةً وإن لم يكن الثّلث ‪ .‬وهو الصّواب على ما قال ابن عرفة ‪ ،‬وهو مقتضى الرّوايات في‬
‫المدوّنة ‪.‬‬

‫خيار فوات الشّرط *‬


‫التّعريف ‪:‬‬
‫‪ - 1‬سبق تعريف الخيار لغ ًة واصطلحا في مصطلح " خيار " وكذلك سبق تعريف الشّرط‬
‫في مصطلح " خيار الشّرط " وفوات الشّرط ‪ :‬هو عدم تحقيق الغرض منه ‪ ،‬وخيار فوات‬
‫الشّرط‪ :‬هو خيار يثبت بفوات الفعل المشروط من العاقد فوق مقتضى العقد ‪.‬‬
‫اللفاظ ذات الصّلة ‪:‬‬
‫‪ - 2‬لهذا الخيار صلة بأنواع الخيارات الخرى من حيث إنّها جميعا تسلب لزوم العقد مع‬
‫انفراد كلّ خيار بالضافة المثبتة له ‪ ،‬كالعيب أو الرّؤية ونحو ذلك ‪ ،‬وينظر ما يتّصل بكلّ‬
‫خيار في مصطلحه ‪.‬‬
‫الحكام المتعلّقة بخيار فوات الشّرط ‪:‬‬
‫‪ - 3‬من المبادئ المقرّرة عند الحنفيّة أنّ العاقد إذا امتنع عن الوفاء بشرط التزم به للعاقد‬
‫ن الصل أن يتوصّل المشترط إلى تنفيذه‬
‫الخر في العقد ‪ -‬وكان شرطا صحيحا ‪ -‬فإ ّ‬
‫بالرّجوع إلى القضاء ليوفّي المتخلّف عن الشّرط جبرا ‪.‬‬
‫وهذا في شرط يمكن الجبار عليه ‪ ،‬بخلف ما ل يمكن إجبار الممتنع على فعله ‪ .‬كالتزامه‬
‫بأن يقدّم رهنا بالثّمن ‪ .‬فهاهنا يثبتون خيار فوات الشّرط وإن كانوا ل يسمّونه بذلك ‪ ،‬بل‬
‫ن له حقّ فسخ العقد ‪ ،‬يقول الكاسانيّ ‪ :‬يقال له ‪ :‬إمّا أن تدفع الرّهن ‪ -‬أو قيمته ‪-‬‬
‫يعبّرون بأ ّ‬
‫ل " أو يفسخ البائع البيع ‪ ..‬ولو امتنع المشتري من هذه الوجوه فللبائع‬
‫أو تؤدّي الثّمن " عاج ً‬
‫أن يفسخ البيع لفوات الشّرط والغرض ‪.‬‬
‫ثمّ نصّ على أنّ منه البيع بشرط إعطاء الكفيل ‪ ،‬ولم يجعل منه شرط الحوالة والضّمان ‪.‬‬
‫أمّا الشّافعيّة فقد أخذوا بمبدأ النّهي عن بيع وشرط ‪ ،‬كما لو باعه بشرط أن يقرضه ‪ ،‬أو‬
‫اشترى ثوبا بشرط أن يخيطه البائع ‪ ،‬أو زرعا بشرط أن يحصده البائع ‪.‬‬
‫لكنّهم استثنوا من النّهي عن بيع وشرط صورا حكموا بصحّتها ‪ ،‬كالبيع بشرط الجل ‪ ،‬أو‬
‫الرّهن ‪ ،‬أو الكفيل ‪ -‬مع المعلوميّة والتّعيين في ذلك كلّه ‪ -‬أو بشرط الشهاد ‪.‬‬
‫فإن لم يوفّ الملتزم بالشّرط بأن لم يرهن أو لم يتكفّل الكفيل المعيّن ثبت الخيار للمشترط‬
‫لفوات الشّرط ‪.‬‬
‫ول يجبر من شرط عليه الشّرط على القيام بما شرط ‪ ،‬لزوال الضّرر بالفسخ ‪ ،‬كما ل يقوم‬
‫غير المعيّن مقامه إذا تلف ‪.‬‬
‫ونحو ذلك للحنابلة فقد نصّوا على أنّه في البيع بشرط الرّهن والكفيل إن وفّى الملتزم بالشّرط‬
‫لزم العقد ‪ ،‬وإن أبى فللمشترط الخيار بين الفسخ والمضاء بدون مقابل عن ترك الرّهن‬
‫والكفيل ‪.‬‬
‫والمذهب الحنبليّ هو أوسع المذاهب عنايةً بالشّروط وذلك باعتبار أنّ الصل في العقود رضا‬
‫المتعاقدين ونتيجتها هو ما أوجباه على أنفسهما بالتّعاقد ‪.‬‬
‫وقد اعتدّوا بمبدأ مقتضى العقد في اعتبار الشّروط بعدما وسّعوا من مفهومه ‪ ،‬على أساس‬
‫ن مصلحة العاقد هي من مقتضى العقد ولو لم يوجبها العقد فأباحوا أكثر من شرط الرّهن‬
‫أّ‬
‫والكفيل الّذي اقتصر عليه غيرهم ‪ ،‬على أن يكون ممّا ل يصادم نصّا شرعيّا أو أصلً من‬
‫أصول الشّريعة ‪.‬‬
‫وذهب الحنابلة إلى أنّ الشّرط قد يكون في ذاته غير ملزم شرعا للمشروط عليه ومع ذلك‬
‫ح اشتراطه وتكون ثمرة صحّة اشتراطه تمكين الشّروط له من فسخ العقد عند عدم وفاء‬
‫يص ّ‬
‫المشترط ‪.‬‬
‫ولم يذكر الحنابلة مع هذا خيار فوات الشّرط في عداد ما أوردوه من خيارات ‪.‬‬
‫إلّ أنّ صاحب " غاية المنتهى " استوجه أن يزيد على الخيارات الثّمانية المتداولة عند الحنابلة‬
‫" باستمرار " قسما تاسعا من أقسام الخيار وهو الخيار الّذي ثبت للمشتري لفقد شرط‬
‫صحيح ‪ ،‬أو فقد شرط فاسد ‪ ،‬سواء كان يبطل العقد أو ل يبطله ‪ ،‬وقد أقرّه الشّارح على ذلك‬
‫الستدراك ‪ ،‬وإن كانت فائدته شكليّ ًة فالخيار كما رأينا معتبر في المراجع الفقهيّة للحنابلة وإن‬
‫لم تبرزه استغنا ًء عنه بما يوردونه في خيار الشّرط من صوره وقيوده ‪.‬‬
‫انتقاله بالموت ‪:‬‬
‫ص الشّافعيّة على أنّ الخيار الثّابت للبائع عند عجز المشتري عن تسليم الرّهن‬
‫‪-4‬ن ّ‬
‫المشروط في البيع ينتقل إلى الوارث بل خلف ‪.‬‬
‫سقوطه وبقيّة أحكامه ‪:‬‬
‫‪ - 5‬يطبّق ما يجري في خيار العيب كما ذكر في الكلم عن خيار فوات الوصف ‪ ( . ،‬ر ‪:‬‬
‫خيار فوات الوصف ) ‪.‬‬

‫خيار فوات الوصف *‬


‫التّعريف ‪:‬‬
‫‪ - 1‬التّعريف المختار لخيار فوات الوصف مستمدّا من ماهيّة هذا الخيار ‪ ،‬هو ‪ :‬حقّ الفسخ‬
‫لتخلّف وصف مرغوب اشترطه العاقد في المعقود عليه " ‪.‬‬
‫ومثاله ‪ :‬أن يشتري إنسان شيئا ويشترط فيه وصفا مرغوبا له ‪ ،‬كمن اشترى حصانا على أنّه‬
‫عربيّ أصيل فإذا هو هجين ‪ ،‬أو اشترى جوادا على أنّه هملج " سريع المشي في سهولة "‬
‫فإذا هو بطيء ‪ ،‬أو سريع في اضطراب وعسر ‪ ،‬وكذلك شراء البقرة على أنّها حلوب "‬
‫كثيرة اللّبن زيادةً عن المعتاد في أمثالها " ‪.‬‬
‫ومن المثلة العمليّة ‪ :‬اشتراط كون الكلب صائدا ‪ ،‬وشرط كون الثّمن مكفولً به ‪.‬‬
‫تسميته ‪:‬‬
‫‪ - 2‬يسمّى هذا الخيار أيضا بخيار خلف الوصف المشروط ‪،‬وقد يقتصر على " خيار الخلف‬
‫" أو يدعى " تخلّف الصّفة " ‪ ،‬وأحيانًا يسمّيه بعض المصنّفين " خيار الوصف " لكنّ هذه‬
‫ن خيار الوصف يطلق عند الكثرين على مطابقة المبيع الغائب للوصف إذا‬
‫التّسمية موهمة ل ّ‬
‫بيع على الصّفة ‪ ،‬وهو ممّا ينتفي به خيار الرّؤية إلّ عند من يراه للتّروّي ولو طابق ‪ ،‬كما‬
‫ن بعضهم يبحثه مستقلّا ‪ ،‬وآخرون يلحقونه بخيار العيب أو خيار الشّرط ‪.‬‬
‫أّ‬
‫مشروعيّة اشتراط الوصف في البيع ‪:‬‬
‫ل بإثبات موضوعه وهو " اشتراط صفة‬
‫‪ - 3‬ل سبيل إلى إثبات مشروعيّة هذا الخيار إ ّ‬
‫مرغوبة في المعقود عليه لول الشتراط لم تثبت " ‪ ،‬ومستند صحّة هذا الشتراط هو تسويغ‬
‫الشّروط العقديّة ‪ ،‬وقد كان للفقهاء في هذه النّظريّة مواقف مختلفة مع صعيد مشترك بينهم هو‬
‫ل مذهب من شرائط ‪.‬‬
‫صحّة ‪ ،‬بعد توافر ما يتطلّبه ك ّ‬
‫ال ّ‬
‫وهذا الموضوع واقع في النّطاق الّذي ل خلف فيه بين الفقهاء ‪ ،‬وهو " الشّرط الّذي يعتبر‬
‫من مصالح العقد " كاشتراط الرّهن أو الكفيل ‪ ،‬أمّا اشتراط صفة زائدة فهو مقيس عليه ‪.‬‬
‫وسبب اعتبار الحنفيّة اشتراط الوصوف سائغا أنّهم أنزلوه منزلة الشّرط الّذي يقتضيه العقد‬
‫ن الوصف لو كان موجودا في البيع ‪ ،‬دون التفات إلى اشتراط‬
‫إذا كان ل غرر فيه ‪ ،‬ذلك أ ّ‬
‫المشتري له ‪ ،‬فإنّه يدخل في العقد ويكون من مقتضياته ‪ ،‬فكان اشتراطه صحيحا إذا لم يكن‬
‫فيه غرر ‪ .‬ثمّ إنّ الوصف المرغوب فيه يرجع إلى صفة الثّمن أو المثمّن ‪ ،‬فهو ملئم للعقد ‪.‬‬
‫‪ 3‬م ‪ -‬ولمّا كان المهمّ في تسويغ اشتراط الصّفة الثر المترتّب على الخلل بالشّرط هل هو‬
‫الفساد ‪ -‬كما هو الحال في الشتراط في غير الصّفات ‪ -‬أم التّخيير بين أمرين أحدهما ال ّردّ ؟‬
‫ن الثر هو التّخيير ‪ ،‬ولم يقولوا بفساد العقد حين تخلّف الوصف ;‬
‫ذهب جمهور الفقهاء إلى أ ّ‬
‫ن المبيع‬
‫ن تخلّفه ل يؤدّي إلى اختلف الجنس وذلك حيث يقع فيه العقد على جنس فيظهر أ ّ‬
‫لّ‬
‫ن فوات الوصف راجع إلى اختلف النّوع لقلّة‬
‫جنس آخر ‪ ،‬وإنّما لم يكن كذلك هنا ‪ ،‬ل ّ‬
‫التّفاوت في الغراض ‪ ،‬فل يفسد العقد بفواته ‪.‬‬
‫وصار كفوات وصف السّلمة الّذي فيه خيار العيب ‪ ،‬فيكون في هذا خيار الوصف بالقياس ‪.‬‬
‫مشروعيّة خيار فوات الوصف ‪:‬‬
‫‪ - 4‬ذهب إلى إثبات هذا الخيار الحنفيّة والمالكيّة والحنابلة والشّافعيّة في الصحّ ‪.‬‬
‫ن فوات الوصف المرغوب بعد أن حصل‬
‫ويستند ثبوته على ثبوت خيار العيب ‪ ،‬وبيان ذلك أ ّ‬
‫في العقد اللتزام من البائع به ‪ ،‬هو في معنى فوات وصف السّلمة في المبيع إذا ظهر فيه‬
‫عيب ‪ ،‬فكما يثبت في الصّورة الخيرة خيار العيب يثبت في الصّورة الولى خيار الوصف ‪.‬‬
‫ن الشّرط في خيار العيب ثابت دللةً ‪،‬‬
‫ل من الخيارين ثبت لتخلّف شرط في الحلّ ‪ ،‬غير أ ّ‬
‫وك ّ‬
‫كما يقول الكاسانيّ ‪ ،‬أمّا في خيار الوصف فهو ثابت نصّا ‪.‬‬
‫ولهذا أورد الشّافعيّة خيار فوات الوصف تاليًا لخيار العيب أو مختلطا به ‪ ،‬كما فعل‬
‫الشّيرازيّ ‪ ،‬وقد علّل حقّ الخيار فيه بأنّه ظهر أنقص ممّا شرط ‪ ،‬وأضاف السّبكيّ ‪ :‬فصار‬
‫كالمعيب الّذي يخرج أنقص ممّا اقتضاه العرف ‪.‬‬
‫شرائط قيام خيار فوات الوصف ‪:‬‬
‫‪ - 5‬هذه الشّرائط بعضها ينبغي وجوده في الوصف ليكون معتبرا اشتراطه ‪ ،‬وبعضها يتّصل‬
‫بتخلّف الوصف أو فواته لينشأ عن ذلك صحّة البيع مع الخيار بدلً من الفساد أو البطلن ‪.‬‬
‫شرائط الوصف المعتبر ‪:‬‬
‫‪ - 6‬يشترط لكون الوصف معتبرا ‪:‬‬
‫أولً ‪ -‬أن يكون المطلوب وجوده وصفا ‪ :‬أمّا لو كان ملكيّة عين أخرى أو منفعةً ونحو ذلك‬
‫ممّا هو ليس من قبيل الوصاف فليس من باب فوات الوصف وإنّما هو من باب الشّروط ‪.‬‬
‫ومن هنا ذهب الحنفيّة إلى فساد اشتراط كون الشّاة حاملً ‪ ،‬لنّ ذلك ليس بوصف بل اشتراط‬
‫ل ‪ ،‬وقد ذكر ابن‬
‫مقدار من المبيع مجهول ‪ ،‬وضمّ المعلوم إلى المجهول يجعل الكلّ مجهو ً‬
‫عابدين أنّ الوصف ‪ ،‬ما يدخل تحت المبيع بل ذكر ‪ ،‬كالجودة ‪ ،‬والشجار ‪ ،‬والبناء‬
‫والطراف ‪.‬‬
‫ثانيا ‪ -‬أن يكون الوصف المرغوب مباحا في الشّرع ‪ " ،‬أو مقرّرا منه " ‪ :‬فاشتراط المحظور‬
‫من الوصاف لغ ‪ ،‬كاشتراطه في الكبش كونه نطّاحا ‪ ،‬أو الدّيك صائلً " لستعماله في‬
‫صور من اللّهو محظورة " لنّ ما ل يقرّه الشّارع يمتنع اللتزام به ‪.‬‬
‫ثالثا ‪ -‬أن يكون الوصف منضبطا " ليس فيه غرر " ‪ :‬وذلك بحيث يمكن معرفته والحكم‬
‫بوجوده وعدمه ‪.‬‬
‫رابعا ‪ -‬أن يكون الوصف مرغوبا فيه ‪ :‬وذلك بحسب العادة ‪،‬فلو اشترط ما ليس بمرغوب‬
‫أصلً‪ ،‬كأن يكون معيبا فإذا هو سليم فل خيار له ‪ .‬ويتّصل بالكلم عن مرغوبيّة الوصف أن‬
‫يتحقّق في المبيع وصف أفضل من الوصف المرغوب ‪ ،‬فإذا تبيّن أنّ الوصف خير ممّا‬
‫اشترطه فالعقد لزم ول خيار له ‪ ،‬وذكروا من أمثلته أن يشترط في الجمل أنّه بعير فإذا هو‬
‫ناقة ‪ ،‬والمشتري من أهل البادية الّذين يرغبون ما فيه ال ّدرّ والنّسل ‪.‬‬
‫ولصحاب المذاهب تفصيل في ضبط الوصف المرغوب ‪ ،‬فالمالكيّة يرون أنّه ما فيه غرض‬
‫للعاقد سواء كان فيه ماليّة أم ل ‪ ،‬لنّ الغرض أعمّ من الماليّة ‪ ،‬والشّافعيّة يرون أنّه ما فيه‬
‫ماليّة لختلف القيم بوجوده وعدمه ‪ ،‬وأوجزه ابن حجر بقوله ‪ :‬الّذي يدلّ عليه كلمهم ‪ :‬أنّه‬
‫كلّ وصف مقصود منضبط فيه ماليّة ‪.‬‬
‫ي والرّافعيّ الصّفات المشروطة إلى ثلثة ‪:‬‬
‫ي تقسيم إمام الحرمين والغزال ّ‬
‫وذكر السّبك ّ‬
‫أ ‪ -‬أن يتعلّق بها زيادة ماليّة يصحّ التزامها ويثبت الخيار بتخلّفها ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬أن يتعلّق بها غرض صحيح غير المال وتخلّفها يثبت الخيار على خلف ‪.‬‬
‫ج ‪ -‬أن ل يتعلّق بها ماليّة ول غرض مقصود ‪ ،‬واشتراطها لغو ل خيار بفقده ‪ ،‬ثمّ استحسن‬
‫ي جعلها قسمين بالقتصار على الغرض المقصود أو عدمه ‪.‬‬
‫من النّوو ّ‬
‫خامسا‪ -‬أن يشترط المشتري الوصف المرغوب ‪ ،‬ويوافق على ذلك البائع في العقد ‪ ،‬فل‬
‫يعتبر حال المشتري قرين ًة كافيةً عن الشتراط ‪.‬‬
‫وذلك لنّ هذا الوصف يستحقّ في العقد بالشّرط ‪ -‬ل بمجرّد العقد ‪ -‬فلوله لما استحقّ ‪.‬‬
‫على أنّه تعتبر حال المشتري في تفسير الوصف فيما إذا حصل اشتراطه بصورة مقتضبة ‪.‬‬
‫وكذلك يؤخذ حال المشتري بالعتبار في الحكم على الوصف الموجود في البيع ‪ ،‬هل هو‬
‫أفضل من الوصف المشروط فيسقط خياره أم دونه ‪ .‬ولو اشترى كلبا معروفا بأنّه صائد ثمّ‬
‫تبيّن نسيانه ‪ ،‬يثبت للمشتري خيار الوصف ولو لم يشترط صراحةً ‪ ،‬ككون الكلب صائدًا ‪،‬‬
‫ن الظّاهر أنّه اشتراه رغبةً في هذه الصّفة ‪ ،‬فصارت مشروط ًة دللةً ‪.‬‬
‫لّ‬
‫وفي منزلة الشّرط الصّادر من المشتري ما يصدر من البائع من المناداة على السّلعة حال‬
‫البيع أنّها كذا وكذا ‪ ،‬فتردّ بعدم هذا الوصف ‪.‬‬
‫قال الدّسوقيّ ‪ :‬ول يعدّ ما يقع في المناداة من تلفيق السّمسار حيث كانت العادة أنّهم يلفّقون‬
‫مثل ذلك ‪ ،‬فل ردّ عند عدم ما ذكره في المناداة على الظّاهر لدخول المشتري على عدم ذلك‬
‫‪.‬‬
‫شرائط تخلّف الوصف " أو فواته " ‪:‬‬
‫‪ - 7‬يشترط في تخلّف الوصف " لبقاء العقد صحيحا واستلزامه الخيار " ‪:‬‬
‫ن الثّوب قطن فإذا هو كتّان‬
‫أ ‪ -‬أن يكون التّخلّف داخلً تحت جنس المبيع ‪ ،‬أمّا لو اشترط أ ّ‬
‫فالعقد غير صحيح لختلف الجنس ‪ .‬ولمّا كان فوات الوصف الّذي يؤدّي إلى اختلف حال‬
‫المبيع عن المعقود عليه غامضا ‪ ،‬وضع الفقهاء له ضابطا يراعى لعطاء كلّ حالة حكمها‬
‫صحّة وثبوت الخيار ‪ ،‬الصّحّة دون خيار ‪.‬‬
‫المناسب من بين الحكام التّالية ‪ :‬الفساد ‪ ،‬ال ّ‬
‫والضّابط هو فحش التّفاوت في الغراض وعدمه وذلك بأن يقارن المبيع بالمسمّى في العقد‬
‫ويرى مدى الختلف بينهما ‪ ،‬فإن كان المبيع من جنس المسمّى والختلف في النّوع فحسب‬
‫‪ ،‬ففيه الخيار ‪ ،‬أمّا إن كان التّفاوت في الجنس فحكمه الفساد ‪.‬‬
‫ولهذا تفصيل جيّد أورده ابن الهمام ‪ ،‬وهو مثال يحتذى للتّمييز في غير الذّوات الّتي اتّخذها‬
‫موضوعا للتّوضيح ‪ ،‬فقد ذكر أنّ ضابط اختلف الموجود عن المشروط هو إن كان المبيع‬
‫ن ما فحش التّفاوت بين أغراضه فهو أجناس ‪ ،‬وما لم‬
‫من جنس المسمّى ففيه الخيار وذكر أ ّ‬
‫ن الذّكر‬
‫يفحش فهو جنس واحد ‪ ،‬وأورد فيما يعتبر من الثّياب أجناسا كالكتّان ‪ ،‬والقطن ‪ .‬وأ ّ‬
‫مع النثى ‪ .‬وأمّا اختلف النّوع دون الجنس فمن أمثلته ‪ :‬شراء لحم على أنّه لحم معز فإذا‬
‫هو لحم ضأن ‪ ،‬وعكسه ‪.‬‬
‫حدّ الفوات ‪:‬‬
‫‪ - 8‬إذا وجد المشتري في المبيع بعد قبضه أدنى ما ينطلق عليه اسم الوصف المشترط فل‬
‫يكون له حقّ ال ّردّ ‪ ،‬أمّا إن لم يجد الوصف أصلً أو وجد منه شيئا يسيرا ناقصا بحيث ل‬
‫ينطلق السم عليه فله حقّ ال ّردّ ‪.‬‬
‫ومثاله أن يشترط في شراء الكلب أن يكون كلبا صائدا ‪ ،‬فوصف الصّيد له مفهوم وهو‬
‫الستجابة للدّعوة إلى النقضاض على الصّيد ‪ ،‬والئتمار بأمر مرسله بحيث يرجع إن‬
‫استدعاه أو ينطلق إن أغراه ‪ ،‬فمتى وجد هذا الوصف ولو لم يكن بالصّورة المثلى الّتي يندر‬
‫معها إفلت الفريسة منه ‪ ،‬لم يكن له حقّ ال ّردّ ‪ .‬أمّا إذا كان ل يصيد أصلً ‪ ،‬أو يصيد‬
‫بصورة ناقصة ل يستحقّ معها أن يسمّى " صائدا " فله حقّ ال ّردّ ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬أن يكون فوات الوصف المشترط ليس عيبا ‪:‬‬
‫ن الصّفة المقصودة ينبغي‬
‫‪ - 9‬وقد تواردت عبارات فقهاء المذاهب المثبتين لهذا الخيار على أ ّ‬
‫ل كانت القضيّة من باب خيار العيب ‪.‬‬
‫أن تكون ممّا ل يعدّ فقدها عيبا ‪ ،‬وإ ّ‬
‫موجب خيار فوات الوصف ‪:‬‬
‫‪ - 10‬إذا تحقّق فوات الوصف المشروط ‪ -‬كما سبق ‪ -‬وكان مستوفيا الشّرائط ثبت للمشتري‬
‫الخيار ‪ .‬وماهيّة هذا الخيار أن يكون له حقّ ر ّد المبيع ‪ ،‬أو أخذه بجميع الثّمن دون أرش‬
‫للوصف الفائت ‪.‬‬
‫هذا ‪ ،‬إذا لم يمتنع ال ّردّ ‪ ،‬فإن امتنع ال ّردّ بسبب من السباب رجع المشتري على البائع بحصّة‬
‫الوصف الفائت من الثّمن ‪ .‬وذلك بأن يقوّم المبيع موصوفا بذلك ‪ .‬الوصف وغير متّصف به‪،‬‬
‫ويرجع بالتّفاوت ‪.‬‬
‫وهناك رواية عن أبي حنيفة أنّه ل يرجع بشيء ‪ ،‬لنّ ثبوت الخيار للمشتري بالشّرط ل‬
‫بالعقد ‪ ،‬وتعذّر ال ّردّ في خيار الشّرط ل يوجب الرّجوع على البائع ‪ ،‬فكذا هذا ‪ ،‬والصّحيح‬
‫الرّواية السّابقة ‪ -‬وهي من ظاهر الرّواية ‪ .‬لنّ البائع عجز عن تسليمه وصف السّلمة ‪،‬‬
‫كما في العيب ‪.‬‬
‫أمّا انحصار الخيار في أمرين ‪ ،‬هما ال ّردّ أو الخذ بجميع الثّمن ‪ ،‬وعدم تخويل المشتري‬
‫ن الفائت وصف ‪ ،‬والوصاف ل يقابلها‬
‫الرّجوع بحصّة الفوات إلّ عند امتناع الرّدّ ‪ ،‬فهو أ ّ‬
‫شيء من الثّمن ‪ ،‬لكونها تابعةً في العقد تدخل من غير ذكر ‪ ،‬ولو فاتت بيد البائع قبل التّسليم‬
‫لم ينقص من الثّمن شيء ‪.‬‬
‫العقود الّتي يثبت فيها خيار فوات الوصف ‪:‬‬
‫ن مجال هذا الخيار هو مجال خيار العيب ‪ ،‬وهي أن يكون العقد على ما‬
‫‪ - 11‬ذكر الفقهاء أ ّ‬
‫يتعيّن ‪ ،‬فل يثبت في المبيع غير المعيّن بالتّعيين ‪ ،‬وهو المبيع الّذي يثبت في ال ّذمّة لنّه إذا لم‬
‫يظهر على طبق الوصف فهو غير المبيع ‪ :‬وكذلك ل يثبت في المبيع الغائب ‪ ،‬لنّ للمبيع‬
‫الغائب خيارا خاصّا به وهو خيار الرّؤية ‪.‬‬
‫توقيت خيار فوات الوصف ‪:‬‬
‫‪ - 12‬ذهب الحنفيّة والحنابلة إلى أنّه يثبت على التّراخي ول يتوقّت بزمن معيّن إلى أن يوجد‬
‫ل على الرّضا ‪.‬‬
‫ما يسقطه ممّا يد ّ‬
‫ويرى المالكيّة توقيته بيوم أو يومين ‪ ،‬أمّا الشّافعيّة فهو عندهم على الفور ‪.‬‬
‫وذلك كلّه منسجم مع اعتبار خيار فوات الوصف بخيار العيب وابتنائه عليه ‪.‬‬
‫انتقاله بالموت ‪:‬‬
‫‪ - 13‬هذا الخيار يورث بموت مستحقّة ‪ ،‬فينتقل إلى ورثته ‪ ،‬لنّه في ضمن ملك العين ‪،‬‬
‫هكذا صرّح الحنفيّة ‪ ،‬وأمّا غيرهم فالنتقال عندهم مقرّر فيه وفي أمثاله من الخيارات‬
‫المتّصلة بالعين ‪.‬‬
‫سقوطه ‪:‬‬
‫‪ - 14‬يسقط بما يسقط به خيار العيب ‪ ،‬وتفصيله في ( خيار العيب ) ‪.‬‬

‫خيار القبول *‬
‫انظر ‪ :‬بيع ‪.‬‬

‫خيار كشف الحال *‬


‫التّعريف ‪:‬‬
‫‪ - 1‬الكشف في اللّغة ‪ :‬هو الظهار ‪ ،‬ورفع شيء عمّا يواريه ويغطّيه ‪ ،‬يقال ‪ :‬كشفه‬
‫فانكشف ‪ .‬والتّكشّف من تكشّف أي ظهر ‪ ،‬كانكشف ‪ .‬والحال معروف المعنى ‪.‬‬
‫والتّعريف الصطلحيّ مستمدّ من هذا المعنى ‪ ،‬فخيار الكشف هو ‪ :‬حقّ الفسخ لمن ظهر له‬
‫مقدار المبيع على غير ما ظنّه ‪ .‬وسمّاه الحنفيّة بأسماء عديدة من نفس المادّة اللّغويّة ‪ ،‬فقد‬
‫دعوه ‪ :‬كشف الحال ‪ ،‬وانكشاف الحال ‪ ،‬والتّكشّف ‪.‬‬
‫والمراد من هذا الخيار يظهر من استعراض مجاله ‪ ،‬فهو يجري في المقاييس الشّخصيّة الّتي‬
‫يلجأ إليها المتعاقدان أحيانا بدلً من المقاييس المتعارف عليها ‪ ،‬سواء كان المقياس من وسائل‬
‫الكيل أو الوزن ‪ .‬ومثاله المتداول لدى الفقهاء ‪ .‬أن يبيع شخص شيئا ممّا يباع بالكيل أو‬
‫الوزن فل يستعمل لتقديره المكاييل أو الموازين المتعارف عليها ‪ ،‬بل يبيعه بإناء بعينه ل‬
‫يعرف مقداره ‪ ،‬كصندوق أو كيس ‪ .‬أو بوزن حجر بعينه كذلك ‪ .‬فالبيع صحيح بشروط‬
‫ن البيع غير لزم ‪.‬‬
‫خاصّة " سيأتي بيانها " ومستتبع حقّ الخيار للمشتري ‪ ،‬أي أ ّ‬
‫وفي صحّته خلف عنيت بذكره كتب الحنفيّة ‪.‬‬
‫مشروعيّته ‪:‬‬
‫‪ - 2‬أخذ الحنفيّة بهذا الخيار في رواية وذكروه في عداد الخيارات المسمّاة عندهم ‪.‬‬
‫وأثبت هذا الخيار أيضا الشّافعيّة ‪ ،‬وإن أطلقوا عليه غير هذه التّسمية ‪ ،‬وأحيانا لم يسمّوه بل‬
‫عبّروا عنه ‪.‬‬
‫فقد ذكر ابن حجر أنّه لو قال ‪ " :‬بعتك ملء هذا الكوز أو البيت من هذه الصّبرة ‪ ،‬أو زنة‬
‫هذه الحصاة من هذا الذّهب ‪ ،‬هو صحيح ‪ .‬لمكان الخذ من المعيّن قبل تلفه ‪ .‬والعلم بالقدر‬
‫المعيّن ل يشترط ‪ ،‬بخلف ما لو قال ‪ :‬في ذمّتي صفتها كذا " ‪.‬‬
‫وقد منعه المالكيّة وعدّوه من أنواع بيع الغرر المنهيّ عنها ‪.‬‬
‫والمنع رواية الحسن بن زياد عن أبي حنيفة ‪ .‬ووجه القول بالجواز أنّ الجهالة الثّابتة في هذا‬
‫العقد ل تفضي إلى المنازعة ‪ ،‬لنّه يتعجّل تسليمه في المجلس " وهو أحد الشّروط الخاصّة "‬
‫صحّة الجهالة المفضية للنّزاع ‪.‬‬
‫وإنّما يمنع ال ّ‬
‫قال ابن الهمام ‪ :‬الوجه يقتضي أن يثبت الخيار إذا كال به أو وزن للمشتري ‪ ،‬كما في الشّراء‬
‫بوزن هذا الحجر ذهبا ‪ ،‬نصّ في جميع النّوازل " أي كتب الفتاوى " على أنّ فيه الخيار إذا‬
‫علم به ‪ ،‬ومعلوم أنّ ذلك بالوزن ‪ .‬ثمّ لم يكتف ابن الهمام بما نقل ‪ ،‬بل أتى بنظير لهذا الحكم‬
‫فقال ‪ :‬وأقرب المور إلى ما نحن فيه قول أبي حنيفة فيما إذا باع صبر ًة كلّ قفيز بدرهم ‪:‬‬
‫ح ويثبت الخيار للمشتري كما إذا رآه ولم يكن‬
‫أنّه إذا كال في المجلس حتّى عرف المقدار ص ّ‬
‫ن الفرض أنّه رأى الصّبرة قبل الكيل ووقعت الشارة إليها ‪ .‬أمّا القول‬
‫رآه وقت البيع ‪ ،‬مع أ ّ‬
‫بالمنع فوجهه أنّ البيع في المكيلت والموزونات ‪ ،‬إمّا أن يكون مجازف ًة أو بذكر القدر ‪ ،‬ففي‬
‫المجازفة ‪ :‬المعقود عليه ما يشار إليه ‪ ،‬وعند ذكر القدر ‪ :‬المعقود عليه ما سمّي من القدر‬
‫ولم يوجد شيء منهما ‪ ،‬فإنّه ليس بمجازفة ‪ ،‬ول سمّي قدر معين إذ لم يكن المكيال معلوما ‪.‬‬
‫شرائط صحّة العقد مع خيار الكشف ‪:‬‬
‫‪ - 3‬يشترط لصحّة البيع المذكور المستلزم خيار كشف الحال ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬بقاء المكيال ‪ ،‬أو الميزان ‪ ،‬غير المعروف على حالهما ‪ :‬فلو تلفا قبل التّسليم فسد البيع‪،‬‬
‫لنّه ل يعلم مبلغ ما باعه إيّاه ‪ .‬وهذا الشّرط ذكره في البحر نقلً عن السّراج وأورده ابن‬
‫عابدين مقرّا له ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬تعجيل تسليم المبيع ‪ :‬أي تسليمه في مجلس العقد قال ابن الهمام ‪ " :‬كلّ العبارات تفيد‬
‫تقييد صحّة البيع في ذلك بالتّعجيل " ومن ذلك عبارة السّرخسيّ ‪:‬‬
‫ن في المعيّن البيع مجازف ًة يجوز ‪ ،‬فبمكيال‬
‫لو اشترى بهذا الناء يدا بيد فل بأس به ‪ ،‬ثمّ إ ّ‬
‫غير معروف أولى ‪ .‬وهذا لنّ التّسليم ‪ :‬عقيب البيع ‪.‬‬
‫ج ‪ -‬يشترط " في الكيل خاصّةً " أن ل يحتمل المكيال الشّخصيّ النّقصان ‪ ،‬بأن ل ينكبس ول‬
‫ينقبض ‪ ،‬كأن يكون من خشب أو حديد ‪ .‬أمّا إذا كان كالزّنبيل والجوالق فل يجوز ‪.‬‬
‫ن الماء‬
‫ومن ذلك القبيل بيع ملء قربة بعينها ‪ ،‬أو راوية ‪ ،‬فعن أبي حنيفة أنّه ل يجوز ‪ ،‬ل ّ‬
‫ليس عنده ول يعرف قدر القربة ‪ ،‬لكن أطلق في المجرّد جوازه ‪ .‬ول ب ّد من اعتبار القرب‬
‫المتعارفة في البلد مع غالب السّقّائين ‪ .‬وعن أبي يوسف إذا ملها ثمّ تراضيا جاز ‪.‬‬
‫قال ابن الهمام ‪ :‬ول شكّ أنّ القياس ما روي عن أبي حنيفة ‪.‬‬
‫وأمّا الستحسان الثّابت بالتّعامل فمقتضاه الجواز بعد أن يسمّي نوع القربة إذا لم تكن معيّنةً‪.‬‬
‫ثمّ بعد ذلك التّفاوت يسير أهدر في الماء ‪.‬‬

‫خيار الك ّميّة *‬


‫التّعريف ‪:‬‬
‫‪ " - 1‬الك ّميّة " ‪ ،‬مصدر صناعيّ من " كم " وهي الداة الموضوعة في اللّغة للسّؤال عن‬
‫المقدار ‪ .‬وخيار الك ّميّة في اصطلح الفقهاء ‪ ،‬على ما عرّفه صاحب الفتاوى السّراجيّة ‪:‬‬
‫خيار البائع في الثّمن ‪ .‬والمراد به " حقّ البائع في الفسخ لخفاء مقدار الثّمن عند التّعاقد " ‪.‬‬
‫ويسمّى هذا الخيار خيار الك ّميّة ‪ ،‬لنّه بسبب جهل ك ّميّة الثّمن ‪ ،‬لعدم رؤيته رؤي ًة مفيد ًة ‪ ،‬بل‬
‫يرى في وعاء بحيث ل يمكن معرفة مقداره ‪ .‬وهذا الخيار شديد الشّبه من حيث الغرض ‪،‬‬
‫ن خيار الرّؤية ل يثبت في النّقود ‪.‬‬
‫بخيار الرّؤية ‪ ،‬ولكنّه لم يندرج فيه لما تقرّر من أ ّ‬
‫ولهذا الخيار تطبيقاته ‪ -‬على قلّتها ‪ -‬لكنّه يقع في حال المساومات الو ّديّة ‪ ،‬وفي المصالحة‬
‫عن الحقوق ‪ ،‬فيلجأ المبادل إلى تقديم صرّة من المال أو ربطة من الوراق النّقديّة ‪.‬‬
‫بل في المبايعات العادية أحيانًا يشتري الشّخص شيئًا بما في جيبه أو حقيبته من النّقود دون‬
‫بيان المقدار ‪ ،‬وإثبات هذا الخيار للبائع عند معرفة المقدار ‪ ،‬يحقّق تمام التّراضي ‪.‬‬
‫مشروعيّته ‪:‬‬
‫‪ -‬ذهب الحنفيّة إلى إثبات هذا الخيار ‪ ،‬وأدرجوه في عداد الخيارات الّتي أحصوها ‪ ،‬ورأوا‬ ‫‪2‬‬

‫أنّه مكمّل لخيار الرّؤية ‪.‬‬


‫وا ستدلّوا لثبو ته بالقياس على خيار الع يب ‪ ،‬ف هو على هذا خيار نقي صة ‪ ،‬وربّ ما كان ثبو ته‬
‫علجا للجهالة ‪ -‬وهي الّتي ثبت لجلها خيار الرّؤية ‪ -‬درءا للجهالة وتخفيفًا للغرر ‪ .‬وصنيع‬
‫الحنفيّة فـي المقارنـة بينـه وبيـن خيار الرّؤيـة يدنـو بـه إلى خيار الرّؤيـة ‪ ،‬فكأنّه هـو ‪ ،‬لول‬
‫تخصيص خيار الرّؤية بالعيان ‪ ،‬وأمّا خيار الك ّميّة فهو للنّقود ‪.‬‬
‫أحكام خيار الك ّميّة ‪:‬‬
‫‪ - 3‬من شروط صحّة البيع معرفة مقدار الثّمن ووصفه ‪ ،‬وذلك إذا كان الثّمن من الزّمرة‬
‫الّتي تدعى ‪ :‬الثمان المطلقة ‪ ،‬وهي الّتي تثبت مطلقةً عن الشارة إليها ‪ .‬ولذا اشترط معرفة‬
‫المقدار والوصف لتنتفي الجهالة الفاحشة الّتي تمنع التّسليم والتّسلّم ‪ .‬بخلف المشار إليه ‪.‬‬
‫فالعلم بالمقدار ‪ :‬كأن يقول عشرة دراهم ‪ ،‬والعلم بالصّفة ‪ :‬أن يحدّد الدّراهم بأن ينسبها النّسبة‬
‫المميّزة لها عن غيرها إذا كان ثمّة دراهم مختلفة ‪ ،‬فالمشتري يريد دفع الدون ‪ ،‬والبائع‬
‫يطلب الرفع ‪ ،‬فل يحصل مقصود شرعيّة العقد ‪.‬‬
‫والعقد بثمن مجهول غير صحيح ‪ ،‬وذلك كما لو باع شيئا بقيمته أو بما حلّ به ‪ ،‬أو بما يريد‬
‫المشتري ‪ ،‬أو بما يحبّ ‪ ،‬أو أن يجعل الثّمن رأس المال أو ما اشتراه به أو بمثل ما اشترى‬
‫فلن ‪ ،‬ولم يعلم المشتري بقدر ذلك في مجلس العقد لم يجز ‪ .‬أمّا لو علم به فهو جائز ‪ .‬ومنه‬
‫ما لو باعه بمثل ما يبيع النّاس إلّ أن يكون شيئا ل يتفاوت ‪ .‬ومنه أن يبيع على قدر ما باع‬
‫به ‪ -‬وقد اختلف ما باع به ‪ -‬أو على ما يبيع به في المستقبل فهذا فاسد ‪.‬‬
‫‪ - 4‬وإذا لم يكن الثّمن مسمّىً بالعدد والنّوع بل كان مشارا إليه ‪ ،‬فإمّا أن تكون الشارة إلى‬
‫ذاته أو إلى وعائه ‪ ،‬ففي الشارة المباشرة إليه كما لو كانت الدّراهم في يده وهي مرئيّة له‪،‬‬
‫ن الباقي هي جهالة الوصف‬
‫ح ويلزم ‪ ،‬فل خيار له ‪ ،‬والوجه في هذا أ ّ‬
‫فإنّه بقبول العقد يص ّ‬
‫" يعني القدر " وهي ل تضرّ ‪ ،‬إذ ل تمنع من التّسليم والتّسلّم ‪ ،‬أمّا إذا كان مشارا إليه ولكنّه‬
‫في وعاء مانع من معرفة مقداره ‪ -‬ولو على سبيل التّقريب ‪ -‬كما لو كان في صندوق أو‬
‫خابية ‪ ،‬ثمّ رأى الثّمن بعدئذ باديا دون وعاء كان له الخيار ‪ ،‬لنّه لم يعرف قبل مقداره من‬
‫الخارج ‪ .‬كما لو كان في صرّة ‪ .‬فمذهب الحنفيّة عدم التّخيير ‪ ،‬لنّه عرف المقدار ‪.‬‬
‫أمّا صاحب ال ّدرّ من الحنفيّة فقد فصّل في العبرة على أساس معرفة ما فيها من خارج ‪ ،‬فإن‬
‫كانت تعرف فل خيار ‪ ،‬وإن كانت ل تعرف من الخارج فحينئذ تكون بمثابة الخابية ‪.‬‬
‫ل على ما فيه ‪ " .‬دلل ًة تقريبيّةً‬
‫ن الوعاء المشتمل على الثّمن إن كان يد ّ‬
‫والضّابط في هذا ‪ " :‬أ ّ‬
‫" فل يثبت معه خيار الك ّميّة ‪ ،‬وإلّ ثبت الخيار " ‪.‬‬
‫وقد تعرّض الشّافعيّة لما إذا كان الثّمن غير مس ّمىً ول محدّدا ‪ ،‬بل كان صرّ ًة من الدّراهم‬
‫ح البيع‬
‫تمّت المبادلة بها جزافا ل يعلم واحد من المتعاقدين قدرها ‪ ،‬لكنّها مشاهدةً منهما ‪ ،‬ص ّ‬
‫بل خلف ‪ .‬لكن هل يكره البيع بصرّة الدّراهم جزافا ؟ فيه لدى الشّافعيّة قولن حكاهما‬
‫الخراسانيّون ‪ ،‬أصحّهما ‪ :‬يكره ‪ ،‬وبه قطع الشّيرازيّ وآخرون ‪ ،‬لما فيه من الغرر ‪.‬‬
‫والثّاني ‪ :‬ل يكره ‪ ،‬لنّها مشاهدة ‪.‬‬

‫خيار المجلس *‬
‫التّعريف ‪:‬‬
‫‪ - 1‬سبق الكلم عن كلمة " خيار " في مصطلح خيار بوجه عامّ ‪ ،‬وأمّا كلمة " المجلِس " ‪-‬‬
‫بكسر اللّام ‪ -‬فهي ترد في اللّغة مصدرا ميميّا ‪ ،‬واسما للزّمان ‪ ،‬واسما للمكان ‪ ،‬من مادّة‬
‫الجلوس ‪ ،‬واستعماله المناسب هنا هو اسم للمكان ‪ ،‬أي موضع الجلوس ‪.‬‬
‫ن كلمة " المجلس " تحمل معنى " مجلس العقد " فهي ليست لمطلق مجلس ‪،‬‬
‫ومن الواضح أ ّ‬
‫بل لمجلس العقد خاصّةً ‪ ،‬وهذا التّقييد تشير إليه " أل " فهي للدّللة على المعهود في الذّهن‪.‬‬
‫والمراد مكان التّبايع أو التّعاقد ‪ .‬فما دام المكان الّذي يض ّم كل العاقدين واحدا ‪ ،‬فلهما الخيار‬
‫ل‪.‬‬
‫ل واحد منهما مجلسه المستق ّ‬
‫في إمضاء العقد أو فسخه ‪ ،‬إلى أن يتفرّقا ويكون لك ّ‬
‫ومجلس العقد ‪ :‬هو الوحدة الزّمنيّة الّتي تبدأ من وقت صدور اليجاب ‪ ،‬وتستمرّ طوال المدّة‬
‫الّتي يظلّ فيها العاقدان منصرفين إلى التّعاقد ‪ ،‬دون ظهور إعراض من أحدهما عن التّعاقد ‪،‬‬
‫وتنتهي بالتّفرّق ‪ ،‬وهو مغادرة أحد العاقدين للمكان الّذي حصل فيه العقد ‪.‬‬
‫وفي حكم التّفرّق حصول التّخاير ‪ .‬وهو أن يخيّر أحدهما الخر في إمضاء العقد أو ردّه ‪.‬‬
‫ن خيار المجلس ل يبدأ من صدور اليجاب بل من لحاق القبول به مطابقا له ‪ ،‬أمّا قبل‬
‫لك ّ‬
‫وقوع القبول فإنّ العاقدين يملكان خيارا في إجراء العقد أو عدمه ‪ ،‬لكنّه خيار يدعى خيار‬
‫القبول ‪ ،‬وهو يسبق تمام التّعاقد ‪.‬‬
‫هذا ‪ ،‬وإنّ حقيقة الجلوس ليست مقصود ًة في هذا الخيار المسمّى " بخيار المجلس " ‪ ،‬لنّ‬
‫المعتبر هو الفترة الزّمنيّة الّتي تعقب عمليّة التّعاقد دون طروء التّفرّق من مكان التّعاقد ‪.‬‬
‫فالجلوس ذاته ليس معتبرا في ثبوته ‪ ،‬ول ترك المجلس معتبر في انقضائه ‪ ،‬بل العبرة للحال‬
‫الّتي يتلبّس بها العاقدان ‪ ،‬وهي النهماك في التّعاقد ‪.‬‬
‫فخيار المجلس هو ‪ :‬حقّ العاقد في إمضاء العقد أو ردّه ‪ ،‬منذ التّعاقد إلى التّفرّق أو التّخاير‪.‬‬
‫ن بعضهم دعاه " خيار المتبايعين"‬
‫ومعظم المؤلّفين يدعون هذا الخيار " خيار المجلس " غير أ ّ‬
‫ل هذه التّسمية مأخوذة من الحديث المثبت لهذا الخيار ‪ ،‬وهو « البيّعان بالخيار ما لم‬
‫ولع ّ‬
‫يتفرّقا » ‪ .‬ففي بعض ألفاظه المرويّة ‪ « :‬المتبايعان بالخيار » ‪.‬‬
‫وبعض من ل يأخذون بخيار المجلس قد يستعملون هذه التّسمية أيضا لكنّهم ل يريدونه ‪ ،‬بل‬
‫يقصدون حالت تخيير أخرى ناشئةً بأسباب شرعيّة ‪ ،‬تتقيّد مدّتها بمجلس نشوء الخيار الّذي‬
‫ثبت لمدّة ل تجاوز زمن المجلس ‪ ،‬نحو تفويض الطّلق للزّوجة ‪ ،‬حيث لها أن تطلّق في‬
‫مجلس علمها ما لم تقم فتبدّل مجلسها ‪ ،‬أو تعمل ما يقطع المجلس ‪.‬‬
‫مشروعيّة خيار المجلس ‪:‬‬
‫‪ - 2‬اختلف الفقهاء في خيار المجلس ‪ ،‬فذهب معظمهم إلى القول به ‪ ،‬وذهب آخرون إلى‬
‫إنكاره واعتبار العقد لزمًا من فور انعقاده باليجاب والقبول ‪.‬‬
‫فجمهور الفقهاء من السّلف والخلف ‪ ،‬ومنهم الشّافعيّة والحنابلة ‪ ،‬ذهبوا إلى إثباته ‪ ،‬فل يلزم‬
‫العقد عند هؤلء إلّ بالتّفرّق عن المجلس أو التّخاير واختيار إمضاء العقد ‪.‬‬
‫وذهب الحنفيّة والمالكيّة وبعض فقهاء السّلف إلى نفي خيار المجلس ‪.‬‬
‫كما نفاه من الفقهاء الّذين لم تدوّن مذاهبهم ‪ ،‬الثّوريّ واللّيث والعنبريّ ‪.‬‬
‫ن رسول اللّه صلى ال‬
‫سنّة القوليّة بما رواه ابن عمر أ ّ‬
‫واستدلّ القائلون بخيار المجلس من ال ّ‬
‫عليه وسلم قال ‪ « :‬المتبايعان كلّ واحد منهما بالخيار على صاحبه ما لم يتفرّقا إلّ بيع الخيار‬
‫» ‪ .‬وفي رواية « ما لم يتفرّقا أو يكون البيع خيارا » ‪.‬‬
‫وفي رواية أخرى « أو يخيّر أحدهما الخر » ‪.‬‬
‫ووجه الستدلل إثبات الخيار من الشّرع للمتبايعين ‪ ،‬وهما متبايعان بعد تمام البيع باليجاب‬
‫والقبول ‪ .‬أمّا قبل ذلك فهما متساومان ‪ .‬والحديث وإن جاء بلفظ « المتبايعين » يشمل ما في‬
‫ن المتبايعين‬
‫سنّة أ ّ‬
‫معنى البيع من عقود المعاوضة ‪ .‬وورد عن ابن عمر قوله ‪ « :‬كانت ال ّ‬
‫ن قول الصّحابيّ‬
‫بالخيار حتّى يتفرّقا » ‪ .‬ومن المقرّر في أصول الحديث ‪ ،‬وأصول الفقه ‪ ،‬أ ّ‬
‫سنّة كذا ‪ ،‬له حكم الحديث المرفوع ‪.‬‬
‫من ال ّ‬
‫سنّة الفعليّة بأنّه « صلى ال عليه وسلم خيّر أعرابيّا بعد البيع ‪ ،‬أي قال له ‪:‬‬
‫واستدلّوا من ال ّ‬
‫اختر » ‪ ،‬لكي ينبرم العقد ‪ ،‬وذلك مصرّح به في الحديث بروايته الخرى ‪ « ،‬أنّه عليه‬
‫ل فلمّا بايعه قال له ‪ :‬اختر ‪ ،‬ث ّم قال ‪ :‬هكذا البيع » ‪.‬‬
‫الصلة والسلم بايع رج ً‬
‫وهناك آثار للصّحابة والتّابعين يرجع إليها في مظانّها ‪.‬‬
‫ن النسان بعد أن يبيع‬
‫واستدلّوا له أيضا بالمعقول ‪ ،‬كحاجة النّاس الدّاعية إلى مشروعيّته ‪ ،‬ل ّ‬
‫شيئا قد يبدو له فيندم ‪ ،‬فبالخيار الثّابت له في المجلس يمكنه التّدارك ‪.‬‬
‫سنّة والقياس ‪ :‬فمن الكتاب قوله تعالى ‪ { :‬لَ َت ْأكُلُو ْا َأمْوَاَل ُكمْ‬
‫ج النّفاة بدلئل من الكتاب وال ّ‬
‫واحت ّ‬
‫َب ْي َنكُمْ بِا ْلبَاطِلِ ِإلّ أَن َتكُونَ ِتجَارَةً عَن َترَاضٍ مّن ُكمْ } فهذه الية أباحت أكل المال بالتّجارة عن‬
‫تراض ‪ ،‬مطلقا عن قيد التّفرّق عن مكان العقد ‪.‬‬
‫ويترتّب عليه جواز الكل في المجلس قبل التّفرّق أو التّخاير ‪ ،‬وعند القائلين بخيار المجلس‪،‬‬
‫ص حجّ ًة عليهم ‪.‬‬
‫إذا فسخ أحدهما العقد في المجلس ل يباح له الكل ‪ ،‬فكان ظاهر النّ ّ‬
‫وقوله تعالى ‪َ { :‬أ ْوفُواْ بِا ْلعُقُودِ } فإذا لم يقع العقد لزمًا لم يتحقّق وجوب الوفاء به ‪ ،‬وهو ما‬
‫تقضي به الية ‪.‬‬
‫سنّة بقوله صلى ال عليه وسلم ‪ « :‬من ابتاع طعاما فل يبعه حتّى يستوفيه »‬
‫واحتجّوا من ال ّ‬
‫ل على أنّه ل تقييد بالتّفرّق ‪ ،‬فلو كان قيدا لذكره ‪ ،‬كما ذكر قيد الستيفاء في بيع الطّعام ‪.‬‬
‫فد ّ‬
‫كما أنّهم تمسّكوا بإحدى روايات حديث المتبايعين الّتي فيها ‪ « :‬فل يحلّ له أن يفارق صاحبه‬
‫ن صاحبه ل يملك الفسخ إلّ من جهة الستقالة ‪.‬‬
‫خشية أن يستقيله » ‪ ،‬حيث تدلّ على أ ّ‬
‫وحديث ‪ « :‬المسلمون على شروطهم » وفي رواية ‪ « :‬عند شروطهم » والقول بالخيار بعد‬
‫ن الحديث يعتبر الشّروط ‪.‬‬
‫العقد يفسد الشّرط ‪ ،‬مع أ ّ‬
‫وقاسوا البيع ونحوه من المعاملت الماليّة في هذا على النّكاح ‪ ،‬والخلع ‪ ،‬والعتق على مال ‪،‬‬
‫ل منها عقد معاوضة يتمّ بل خيار المجلس ‪ ،‬بمجرّد اللّفظ الدّالّ على الرّضا ‪،‬‬
‫والكتابة ‪ ،‬وك ّ‬
‫فكذلك البيع ‪ .‬كما قاسوا ما قبل التّفرّق على ما بعده ‪ ،‬وهو قياس جليّ ‪.‬‬
‫ومن طريق النّظر قالوا ‪ :‬إنّ خيار المجلس خيار بمجهول ‪ ،‬فإنّ مدّة المجلس مجهولة ‪ ،‬فأشبه‬
‫ما لو شرطا خيارا مجهولً ‪ ،‬وهذه جهالة فاحشة ممنوعة في الشّرع ‪.‬‬
‫ن البيع صدر من العاقدين مطلقا عن شرط ‪ ،‬والعقد المطلق يقتضي ثبوت‬
‫وكذلك قالوا ‪ :‬إ ّ‬
‫الملك في العوضين في الحال ‪ .‬فالفسخ من أحد العاقدين يكون تصرّفا في العقد الثّابت‬
‫بتراضيهما ‪ ،‬أو تصرّفا في حكمه بالرّفع والبطال من غير رضا الخر وهذا ل يجوز ‪ ،‬كما‬
‫لم تجز القالة أو الفسخ من أحدهما بعد الفتراق ‪.‬‬
‫زمن ثبوت الخيار ‪:‬‬
‫‪ - 3‬الزّمن الّذي يثبت فيه خيار المجلس ‪ ،‬هو الفترة الّتي أوّلها لحظة انبرام العقد ‪ ،‬أي بعد‬
‫صدور القبول موافقا لليجاب ‪.‬‬
‫أمد الخيار ‪:‬‬
‫‪ - 4‬أمد خيار المجلس ل يمكن تحديده ‪ ،‬لنّه موكول لرادة كلّ من المتعاقدين ‪ ،‬فيطول‬
‫برغبتهما في زيادة التّروّي ‪ ،‬ويقصر بإرادة المستعجل منهما حين يخاير صاحبه أو يفارقه ‪.‬‬
‫فهو يخالف في هذا خيار الشّرط القائم على تعيين المد بصورة محدّدة ‪.‬‬
‫فانتهاء الخيار على هذا غير منضبط لرتباطه بأحد أمرين ‪ :‬التّفرّق أو التّخاير ‪ .‬وكلهما‬
‫غير معروف زمن حصوله ‪.‬‬
‫ن لخيار‬
‫ن هناك وجها في المذهب الشّافعيّ ‪ ،‬وصفه النّوويّ بأنّه ضعيف ‪ ،‬مفاده ‪ :‬أ ّ‬
‫ولك ّ‬
‫المجلس أمدا أقصى هو ثلثة أيّام كي ل يزيد عن خيار الشّرط ‪.‬‬
‫وهناك وجه ثالث أنّ من مسقطاته شروع أحد المتعاقدين في أمر آخر ‪ ،‬وإعراضه عمّا يتعلّق‬
‫بالعقد مع طول الفصل ‪ .‬فهذا المسقط يقصّر من أجل الخيار أكثر من التّفرّق أو التّخاير ‪.‬‬
‫لنّه يحصره في حالة التّعاقد الجادّة وهي برهة يسيرة ‪.‬‬
‫والرّاجح لدى الشّافعيّة هو الوجه الوّل القائل بأنّه ثابت حتّى التّفرّق أو التّخاير ‪.‬‬
‫انتهاء الخيار ‪:‬‬
‫‪ - 5‬أسباب انتهاء الخيار منحصرة في التّفرّق ‪ ،‬والتّخاير " اختيار إمضاء العقد " ‪.‬‬
‫وهناك سبب ثالث ينتهي به الخيار تبعا لنتهاء العقد ‪ ،‬أصلً ‪ ،‬وهو فسخ العقد ‪ ،‬ذلك أنّ‬
‫الفسخ هو الّذي شرع خيار المجلس لتاحته ‪ ،‬لكنّه يأتي على العقد وما بني عليه ‪.‬‬
‫وكذلك يسقط الخيار بالتّصرّف في المبيع ‪ ،‬وبالموت ‪ ،‬على خلف بين المذاهب القائلة بخيار‬
‫المجلس ‪.‬‬
‫أوّلً ‪ :‬التّفرّق ‪:‬‬
‫‪ - 6‬ينتهي خيار المجلس بالتّفرّق ‪ ،‬وهو سبب متّفق عليه بين المثبتين له ‪ ،‬ويراعى فيه‬
‫عرف المتعاقدين ‪.‬‬
‫ثانيا ‪ :‬التّخاير ‪:‬‬
‫اختيار لزوم العقد ‪:‬‬
‫‪ - 7‬من أسباب انتهاء خيار المجلس اختيار لزوم العقد ‪ ،‬على أن يحصل ذلك من العاقدين‬
‫كليهما ‪ ،‬فيسقط به الخيار ‪ ،‬وسبيله أن يقول ‪ :‬اخترنا لزوم العقد ‪ ،‬أو أمضيناه ‪ ،‬أو ألزمناه‪،‬‬
‫أو أجزناه أو نحوه ‪.‬‬
‫واجتماعهما على اختيار اللّزوم يسمّى ‪ :‬التّخاير ‪ ،‬وله نظير الثر الّذي يحدث بالتّفرّق ‪.‬‬
‫الخلف في التّخاير ‪:‬‬
‫‪ - 8‬اختلف المثبتون لخيار المجلس في انتهائه بالتّخاير ‪ ،‬فذهب الشّافعيّة وأحمد في رواية‬
‫وصفها ابن قدامة بأنّها أصحّ إلى انتهاء خيار المجلس بالتّخاير ‪.‬‬
‫وذهب أحمد في رواية أخرى إلى عدم انتهاء خيار المجلس بالتّخاير ‪ ،‬وهو ظاهر كلم‬
‫الخرقيّ في مختصره ‪ .‬مستند الرّواية المقتصرة على التّفرّق أنّ أكثر الرّوايات عن النّبيّ‬
‫صلى ال عليه وسلم ‪ « :‬البيّعان بالخيار ما لم يتفرّقا » من غير تقييد ول تخصيص ‪ ،‬وهي‬
‫رواية حكيم بن حزام ‪ ،‬وأبي برزة ‪ ،‬وأكثر الرّوايات عن ابن عمر ‪.‬‬
‫أمّا مستند الرّواية المصحّحة الّتي تجعل المسقط أحد المرين ‪ :‬التّفرّق أو التّخاير ‪ ،‬فهو‬
‫الرّوايات الخرى المتضمّنة لذينك المرين ‪ ،‬كرواية ابن عمر المرفوعة ‪ « :‬فإن خيّر‬
‫أحدهما صاحبه فتبايعا على ذلك فقد وجب البيع » أي لزم ‪ ،‬وفي رواية أخرى متّفق عليها ‪:‬‬
‫« المتبايعان بالخيار ما لم يتفرّقا إلّ أن يكون البيع كان عن خيار فإن كان البيع عن خيار فقد‬
‫وجب البيع » قال ابن قدامة ‪ :‬والخذ بالزّيادة أولى ‪.‬‬
‫أحكام التّخاير ‪:‬‬
‫‪ - 9‬التّخاير إمّا أن يحصل صراح ًة بنحو عبارة ‪ :‬اخترنا إمضاء العقد ‪ ،‬وإمّا أن يقع ضمنا ‪،‬‬
‫ومثاله ‪ :‬أن يتبايع العاقدان العوضين " اللّذين جرى عليهما العقد الوّل " بعد قبضهما في‬
‫المجلس ‪ ،‬فإنّ ذلك متضمّن للرّضا بلزوم العقد الوّل ‪.‬‬
‫بل يكفي تصرّف أحد العاقدين مع الخر بالعوض الّذي له ‪ ،‬أي ل يشترط تبايع العوضين ‪،‬‬
‫بل هو مجرّد تصوير ‪ ،‬ويكفي بيع أحدهما لسقوط الخيار وإمضاء العقد ‪.‬‬
‫وانتهاء خيار المجلس بالتّخاير ‪ ،‬إنّما هو إذا وقع اختيار الفسخ أو المضاء من العاقدين ‪ ،‬أو‬
‫قال كلّ منهما للخر ‪ :‬اختر ‪ ،‬فيؤدّي ذلك لسقوط الخيار ‪ .‬أمّا إذا قال أحدهما للخر ‪:‬‬
‫اختر ‪ ،‬فسكت ولم يجب بشيء ‪ ،‬فما حكم خيار السّاكت ؟ وما حكم خيار القائل ؟ ‪.‬‬
‫خيار السّاكت بعد التّخيير ‪:‬‬
‫ذهب الشّافعيّة وهو الرّاجح عند الحنابلة إلى أنّ السّاكت ل ينقطع خياره ‪.‬‬
‫والقول الثّاني للحنابلة ‪ :‬سقوط خياره ‪.‬‬
‫واستدلّ للتّجاه الوّل بأنّه لم يوجد منه ما يبطل خياره فلم يحصل الرّضا ‪ ،‬إنّما سكت عن‬
‫الفسخ أو المضاء ‪ .‬فإسقاط خياره يتنافى مع حقّه في الخيار والختيار بنفسه ‪.‬‬
‫واستدلّ للتّجاه الثّاني بقياس السّقوط على الثّبوت ‪ ،‬فكما أنّ ثبوت خيار المجلس ل يتجزّأ فل‬
‫يثبت لحدهما دون الخر ‪ ،‬فكذلك سقوطه ‪ ،‬ليتساويا في انتهاء العقد ‪ ،‬كما تساويا في قيامه‬
‫ونشوئه ‪.‬‬
‫خيار المنفرد بالتّخيير ‪:‬‬
‫أمّا خيار الّذي بادر إلى تخيير صاحبه فلم يجبه هذا بشيء ‪ ،‬ففيه عند الشّافعيّة والحنابلة‬
‫رأيان ‪ :‬الوّل ‪ :‬سقوط خياره ‪ -‬وهو الصحّ ‪ -‬بدللة تعليق الحديث مصير خيار العاقد على‬
‫صدور التّخيير منه ‪ ،‬ولنّه جعل لصاحبه ما ملكه من الخيار فسقط خياره ‪.‬‬
‫ن إقدامه على‬
‫الرّأي الثّاني ‪ :‬ل يسقط خياره ‪ ،‬لنّه خيّر صاحبه فلم يختر ‪ ،‬فلم يؤثّر فيه ‪ ،‬ل ّ‬
‫التّخيير كان بقصد الجتماع على رأي واحد لهما ‪ ،‬فلمّا لم يحصل بقي له خياره ‪.‬‬
‫اختيار فسخ العقد ‪:‬‬
‫ن العقد ينفسخ‬
‫‪ - 10‬سواء حصل الفسخ للعقد من العاقدين جميعا ‪ ،‬أو من أحدهما ‪ ،‬فإ ّ‬
‫بصدوره من أحدهما ‪ ،‬ولو تمسّك الخر بإجازة العقد ‪ ،‬ذلك أنّ الفسخ مقدّم على الجازة حين‬
‫ن إثبات الخيار إنّما قصد به التّمكّن من الفسخ دون الجازة‬
‫اختلف رغبة المتعاقدين ‪ ،‬ل ّ‬
‫لصالتها ‪ .‬والفسخ ‪ -‬كما ذكر النّوويّ ‪ -‬مقصود الخيار ‪.‬‬
‫وفسخ العقد مسقط للخيار تبعا ‪ ،‬لنّ سقوطه كان لسقوط العقد أصلًا ‪ ،‬فيسقط الخيار أيضا‬
‫لبتنائه عليه ‪ ،‬وحسب القاعدة الشّرعيّة " إذا بطل الشّيء بطل ما في ضمنه " ‪.‬‬
‫ول فرق بين حصول الفسخ مباشرةً ‪ ،‬أو عقب تخيير أحدهما الخر ‪ ،‬فالثر للفسخ ‪ ،‬لنّه هو‬
‫مقصود الخيار ‪.‬‬
‫ثالثا ‪ :‬التّصرّف ‪:‬‬
‫‪ - 11‬يفترق الشّافعيّة عن الحنابلة في هذا المسقط ‪ ،‬ففي حين يأباه الوّلون ‪ ،‬ويصرّحون بأنّ‬
‫التّصرّف في المبيع أو الثّمن ل يسقط خيار المجلس في غير صورة البيع كما سبق ‪ ،‬يذهب‬
‫الحنابلة إلى التّفصيل ‪ ،‬ففي عدّة صور يسقط بالتّصرّف من المشتري ‪ -‬أو البائع ‪ -‬خيارهما‬
‫جميعا ‪ ،‬أو خيار أحدهما ‪.‬‬
‫ن أكثر فقهاء الشّافعيّة اكتفوا بالبيان دلل ًة دون التّصريح بعدم الثر‬
‫وتجدر الشارة إلى أ ّ‬
‫للتّصرّف في إسقاط خيار المجلس ‪ ،‬حيث نصّوا في باب خيار الشّرط على إسقاطه إيّاه ‪،‬‬
‫ن بعضهم عزّز هذا البيان بالتّصريح ‪ ،‬ففي‬
‫وسكتوا في خيار المجلس عن اعتباره مسقطا ‪ ،‬لك ّ‬
‫شرح القاضي زكريّا لمختصره " المنهج " عندما اقتصر على المسقطين ‪ :‬التّخاير والتّفرّق ‪،‬‬
‫أضاف محشّيه سليمان الجمل قائلً من طريق الحاشية على نهاية المحتاج عن شرح العباب ‪:‬‬
‫ن ركوب المشتري الدّابّة المبيعة ل يقطع ‪ ،‬وهو‬
‫إنّه يفهم من حصره لقاطع الخيار فيهما ‪ ،‬أ ّ‬
‫أحد وجهين لحتمال أن يكون لختبارها ‪ ،‬والثّاني يقطع ‪ ،‬لتصرّفه ‪ ،‬والّذي يتّجه ترجيحه‬
‫الوّل ‪ ،‬ول نسلّم أنّ مثل هذا التّصرّف يقطعه ‪ ،‬ويقاس بالمذكور ما في معناه ‪ ،‬ثمّ أكّد هذا‬
‫بأنّه من الفروق بين خيار المجلس وخيار الشّرط ‪.‬‬
‫أمّا الحنابلة ‪ ،‬فلديهم صور يسقط بها خيار المتعاقدين أهمّها ‪ :‬تصرّف المشتري بإذن البائع له‬
‫في ذلك التّصرّف ‪ ،‬فإنّه مسقط لخيارهما ‪ ،‬والتّصرّف صحيح ‪ ،‬وذلك لدللته على تراضيهما‬
‫بإمضائه ‪ ،‬فليس أقلّ أثرًا من التّخاير ‪.‬‬
‫أمّا تصرّف البائع بإذن المشتري ‪ ،‬فالرّاجح أنّه مماثل في الحكم لتصرّف المشتري ‪ ،‬وقد ذكر‬
‫في المغني أنّ فيه احتمالين ‪ ،‬وأنّ الوجه في احتمال عدم إسقاطه للخيار ‪ ،‬أنّه لمّا كان ل‬
‫يحتاج إلى الذن ‪ ،‬فتصرّفه كما لو كان بغير إذن ‪.‬‬
‫أمّا تصرّف أحدهما بتصرّف ناقل ‪ ،‬كالبيع أو الهبة ‪ ،‬أو الوقف ‪ ،‬أو بتصرّف شاغل‬
‫كالجارة‪ ،‬أو الرّهن ‪ ..‬فل يسقط الخيار ‪ ،‬لنّ البائع تصرّف في غير ملكه ‪ -‬بنا ًء على أنّ‬
‫ق البائع من الخيار ‪،‬‬
‫الملك في مدّة الخيار للمشتري عندهم ‪ -‬وأمّا المشتري فإنّه يسقط ح ّ‬
‫ق البائع به تعلّقا يمنع جواز التّصرّف فمنع صحّته أيضا ‪.‬‬
‫واسترجاع المبيع ‪ ،‬وقد تعلّق ح ّ‬
‫رابعا ‪ :‬إسقاط الخيار ابتداءً ‪:‬‬
‫‪ - 12‬المراد هنا بإسقاط الخيار ‪ :‬التّنازل عنه قبل استعماله ‪ ،‬وذلك قبل التّعاقد ‪ ،‬أو في بداية‬
‫العقد قبل إبرامه ‪ ،‬وتسمّى هذه المسألة ‪ :‬التّبايع بشرط نفي الخيار ‪ .‬وعلى هذا الصطلح ل‬
‫يعتبر منه التّخلّي عن الخيار بعد التّعاقد ‪ ،‬أثر استحقاق العاقدين له وسريان المجلس ‪،‬‬
‫فالتّخلّي عنه حينئذ بالتّخاير يستحقّ اسم " النتهاء " للخيار ‪ ،‬ل السقاط له ‪.‬‬
‫أمّا حكم هذا السقاط فقد اختلف فيه القائلون بخيار المجلس ‪ ،‬فكان لهم فيه الراء التّالية ‪:‬‬
‫الوّل ‪ :‬صحّة السقاط ‪ ،‬وهو مذهب الحنابلة ‪ ،‬ووجه ليس بالمصحّح عند الشّافعيّة ‪.‬‬
‫ح عند الشّافعيّة ‪ ،‬وهو المنصوص‬
‫الثّاني ‪ :‬امتناع السقاط وبطلن البيع أيضا ‪ ،‬وهو الص ّ‬
‫في البويطيّ ‪ ،‬وكتب المذهب القديم ‪.‬‬
‫الثّالث ‪ :‬امتناع السقاط وصحّة البيع ‪ ،‬وهو وجه عند الشّافعيّة غير مصحّح ‪.‬‬
‫وسواء في إسقاط الخيار في ابتداء العقد أن يسقطاه كلهما ‪ ،‬أو ينفرد أحدهما بإسقاط خياره‪،‬‬
‫أو يشترطا سقوط خيار أحدهما بمفرده ‪.‬‬
‫ففي إسقاط خياريهما يلزم العقد ‪ ،‬وفي إسقاط خيار أحدهما يبقى خيار الخر ‪.‬‬
‫ج من صحّح إسقاط الخيار قبل العقد بحديث الخيار نفسه ‪ ،‬حيث جاء في إحدى‬
‫وقد احت ّ‬
‫رواياته ‪ « :‬فإن خيّر أحدهما الخر فتبايعا على ذلك فقد وجب البيع » ‪.‬‬
‫وفي رواية ‪ « :‬إلّ أن يكون البيع كان عن خيار ‪ ،‬فإن كان البيع عن خيار فقد وجب البيع »‪.‬‬
‫وهذه الرّوايات ‪ ،‬وإن كان المراد بها التّخاير في المجلس ‪ ،‬فهي عامّة تشمله وتشمل التّخاير‬
‫في ابتداء العقد ‪ ،‬فهما في الحكم شيء واحد ‪ .‬ولنّ ما أثّر في الخيار في المجلس ‪ ،‬أثّر فيه‬
‫مقارنا للعقد ‪ ،‬فكما يكون للعاقد التّنازل عن الخيار بعد استحقاقه له ذلك قبيل التّعاقد ‪،‬‬
‫وتشبيهه بخيار الشّرط في جواز إخلء العقد عنه ‪ ،‬فكذلك خيار المجلس ‪.‬‬
‫ن الخيار‬
‫وممّا استدلّ به بعض أصحاب الشّافعيّ الّذين نحوا في هذه المسألة منحى الحنابلة ‪ ،‬أ ّ‬
‫ن الخيار غرر فجاز إسقاطه ‪.‬‬
‫جعل رفقا بالمتعاقدين ‪ ،‬فجاز لهما تركه ‪ .‬ول ّ‬
‫ي ‪ -‬فهو أنّه إسقاط للحقّ قبل ثبوت سببه ‪ ،‬إذ‬
‫أمّا دليل المنع ‪ -‬وهو الصحّ في مذهب الشّافع ّ‬
‫هو خيار يثبت بعد تمام البيع فلم يجز إسقاطه قبل تمامه ‪ ،‬وله نظير هو " خيار الشّفعة " فإنّ‬
‫حقّ الشّفيع في ذلك ل يمكن إسقاطه قبل ثبوته ‪.‬‬
‫ن إسقاط خيار المجلس ينافي مقتضى البيع لثبوته شرعا مصحوبا بالخيار ‪،‬‬
‫ج بعضهم بأ ّ‬
‫واحت ّ‬
‫فأشبه ما لو شرط أن ل يسلّم المبيع ‪.‬‬
‫أمّا دليل جواز إسقاط الشّرط فقط وصحّة البيع ‪ ،‬فهو ما في الشّرط من مخالفة مقتضى العقد‪،‬‬
‫لكنّه لمّا كان ل يؤدّي إلى جهالة في أحد العوضين ‪ ،‬يبطل وحده ول يبطل العقد ‪.‬‬
‫أسباب انتقال الخيار ‪:‬‬
‫أوّلً ‪ :‬الموت ‪:‬‬
‫‪ - 13‬اختلفت الراء في أثر الموت على خيار المجلس على الصّورة التّالية ‪:‬‬
‫الوّل ‪ :‬انتقال الخيار بالموت إلى الوارث ‪ ،‬وهو الصحّ من مذهب الشّافعيّة ‪.‬‬
‫الثّاني ‪ :‬سقوط الخيار بالموت ‪ ،‬وهو مذهب الحنابلة ‪.‬‬
‫الثّالث ‪ :‬التّفصيل بين وقوع المطالبة من الميّت به في وصيّته ‪ ،‬وعدم تلك المطالبة ‪ ،‬وهو‬
‫قول للحنابلة ‪ .‬استدلّ القائلون بانتقال الخيار ‪ -‬بالموت ‪ -‬إلى الورثة بظاهر القرآن ‪،‬‬
‫والحاديث ‪ ،‬في انتقال ما تركه الميّت من حقّ إلى الورثة ‪ ،‬ومن ذلك حديث ‪ « :‬من ترك‬
‫مالً فلورثته » ‪ .‬وخيار المجلس خيار ثابت لفسخ البيع فلم يبطل بالموت كخيار الشّرط ‪.‬‬
‫ق لزم ثابت في البيع بحكم‬
‫كما استدلّوا بقياس خيار المجلس على خيار العيب ‪ ،‬فكلهما ح ّ‬
‫الشّرع ‪ ،‬ول خلف في انتقال خيار العيب بالموت ‪ ،‬فكذلك خيار المجلس ‪.‬‬
‫ويقاس أيضا على خيار الشّرط ‪ ،‬وهم يقولون بأنّه ممّا يورث ‪.‬‬
‫واستدلّ القائلون بإبطال الخيار بموت صاحبه ‪ ،‬بأنّه إرادة ومشيئة ‪ ،‬تتّصل بشخص العاقد ‪،‬‬
‫وانتقال ذلك إلى الوارث ل يتصوّر ‪.‬‬
‫ثانيا ‪ :‬الجنون ونحوه ‪:‬‬
‫‪ - 14‬إذا أصيب أحد العاقدين في مجلس العقد بالجنون ‪ ،‬أو أغمي عليه ‪ ،‬انتقل الخيار ‪ -‬في‬
‫الصحّ ‪ -‬إلى الوليّ ‪ ،‬من حاكم أو غيره ‪ :‬كالموكّل عند موت الوكيل ‪ ،‬وقد ارتأى بعض‬
‫ن الرّاجح عدم النتظار مطلقا ‪.‬‬
‫ن ذلك حيث يئس من إفاقته أو طالت مدّته ‪ ،‬لك ّ‬
‫الفقهاء أ ّ‬
‫وكذلك إن خرس أحدهما ‪ ،‬ولم تفهم إشارته ‪ ،‬ول كتابة له ‪ ،‬نصّب الحاكم نائبا عنه ‪ ،‬وإن‬
‫أمكنت الجازة منه بالتّفرّق ‪ ،‬وليس هو محجورا عليه وإنّما الحاكم ناب عنه فيما تعذّر منه‬
‫بالقول ‪ ،‬أمّا إذا فهمت إشارته ‪ ،‬أو كان له كتابة فهو على خياره ‪.‬‬
‫وهناك قول آخر بسقوط الخيار في الجنون والغماء ‪ ،‬لنّ مفارقة العقل ليست أولى من‬
‫مفارقة المكان ‪.‬‬
‫وذهب الحنابلة إلى أنّ الجنون ل يبطله ‪ ،‬فهو على خياره إذا أفاق ‪ ،‬أمّا في مطبق الجنون‬
‫والغماء ‪ ،‬فيقوم أبوه أو وصيّه أو الحاكم مقامه ‪ ،‬بخلف الموت لنّه أعظم الفرقتين ‪.‬‬
‫آثار خيار المجلس ‪:‬‬
‫ن أحدها يعتبر الثر الصليّ للخيار ‪ ،‬في‬
‫‪ - 15‬لخيار المجلس آثار مختلفة في العقد ‪ ،‬لك ّ‬
‫حين تكون الخرى آثارا فرعيّةً ‪ ،‬هذا الثر الصليّ هو المقصود من الخيار من كلّ‬
‫الخيارات‪ .‬ولذا يمكن أن يسمّى " الثر العامّ " ‪ ،‬وهو منع لزوم العقد ‪ ،‬ويترتّب على امتناع‬
‫لزوم العقد آثار متفرّعة عنه تتّصل بانتقال الملك وغيره ‪.‬‬
‫أوّلً ‪ :‬الثر الصليّ ‪:‬‬
‫منع لزوم العقد ‪:‬‬
‫‪ - 16‬مفاد ذلك اعتبار العقد غير لزم إلى أن يحصل التّفرّق عن مجلس العقد ‪ ،‬أو اختيار‬
‫إمضاء العقد ‪ .‬فيكون لكلّ من العاقدين فسخه قبل ذلك ‪.‬‬
‫ن مقصود الخيار الفسخ ‪ ،‬ول‬
‫وهذا الثر متّفق عليه عند القائلين بخيار المجلس ‪ ،‬ذلك أ ّ‬
‫ل بتقاصر العقد عن مرتبة القوّة ‪ ،‬والستعصاء عن الفسخ ‪.‬‬
‫يتحقّق هذا المقصود إ ّ‬
‫ل العقد غير لزم إلى أن ينتهي الخيار ‪.‬‬
‫وهذا التّقاصر سبيله أن يظ ّ‬
‫ثانيا ‪ :‬الثار الفرعيّة ‪:‬‬
‫انتقال الملك ‪:‬‬
‫‪ - 17‬هذا الثر مختلف فيه بين الفقهاء القائلين بخيار المجلس على رأيين ‪:‬‬
‫الرّأي الوّل ‪ :‬فقدان الثر ‪:‬‬
‫ص الشّافعيّ في زكاة الفطر " ‪.‬‬
‫وهذا ما ذهب إليه الحنابلة ‪ -‬في ظاهر المذهب ‪ " -‬وهو ن ّ‬
‫وعلى هذا ينتقل الملك إلى المشتري مع وجود خيار المجلس ‪ .‬ول أثر له على نفاذ العقد ‪،‬‬
‫بمعنى أنّه ل يتوقّف ‪ ،‬كما ل أثر له على صحّة العقد ‪ ،‬فهو ينتج أحكامه كلّها ‪ -‬مع بقائه‬
‫قابلً للفسخ ‪ -‬خلل المجلس إلى حصول ما ينهي الخيار من تفرّق أو تخاير ‪.‬‬
‫الرّأي الثّاني ‪ :‬تقييد النّفاذ ‪:‬‬
‫ن للخيار أثرًا في نفاذ أحكام‬
‫وهو مذهب الشّافعيّة ‪ -‬في الظهر عندهم من ثلثة أقوال ‪ -‬أ ّ‬
‫العقد ‪ ،‬فهو يعتبر موقوفا مراعىً من حيث انتقال الملك ‪ ،‬فل يحكم بأنّه مملوك للمشتري ول‬
‫للبائع ‪ ،‬بل ينتظر ‪ ،‬فإن تمّ العقد ‪ ،‬حكم بأنّه كان ملكًا للمشتري بنفس العقد ‪ ،‬وإلّ فقد بان أنّه‬
‫ملك البائع لم يزل عن ملكه ‪ .‬وهكذا يكون الثّمن موقوفا ‪.‬‬
‫واستدلّ أصحاب الرّأي الوّل " القائل بانتقال الملك " بأدلّة كثيرة ‪ ،‬أهمّها الستدلل بالسّنّة ‪،‬‬
‫ل أن يشترطه‬
‫وهي قوله عليه الصلة والسلم ‪ « :‬من باع عبدا وله مال ‪ ،‬فماله للبائع ‪ ،‬إ ّ‬
‫المبتاع » وحديث ‪ « :‬من باع نخلً بعد أن تؤبّر ‪ ،‬فثمرتها للبائع إلّ أن يشترط المبتاع » ‪.‬‬
‫وجه الدّللة فيهما ‪ :‬أنّه جعل المال المصاحب للعبد ‪ ،‬والثّمرة للمبتاع بمجرّد اشتراطه ‪،‬‬
‫ن البيع مع وجود خيار المجلس بيع صحيح ‪ ،‬فينتقل الملك‬
‫واستدلّوا من وجوه المعقول ‪ ،‬بأ ّ‬
‫في أثره ‪ ،‬ولنّ البيع تمليك ‪ ،‬فيثبت به الملك ‪ ،‬وثبوت الخيار فيه ل ينافيه ‪.‬‬
‫ن الملك موقوف مراعىً إلى أن ينتهي الخيار ‪ ،‬فيعرف‬
‫أمّا أصحاب الرّأي الثّاني " القائل بأ ّ‬
‫ل " إذا ثبت‬
‫كيف كان عند العقد " وهو ظاهر مذهب الشّافعيّة بأنّ الخيار " كخيار الشّرط مث ً‬
‫للبائع وحده لم ينتقل الملك في العوضين ‪ ،‬وإذا ثبت للمشتري وحده انتقل الملك فيهما ‪ ،‬فإذا‬
‫ثبت الخيار للعاقدين " وذلك ما يحصل في خيار المجلس بحكم الشّرع " فإنّ مقتضى ثبوته‬
‫للبائع عدم انتقال الملك ‪ ،‬ومقتضى ثبوته للمشتري انتقاله ‪ ،‬فل بدّ من التّوقّف والمراعاة "‬
‫التّرقّب " إلى أن ينتهي الخيار بالتّفرّق ‪ ،‬أو التّخاير ‪ ،‬أو غيرهما ‪.‬‬
‫أثر خيار المجلس على العقد بخيار شرط ‪:‬‬
‫ن مدّة خيار الشّرط تحسب من حين العقد‬
‫‪ - 18‬ل أثر لخيار المجلس على خيار الشّرط ‪ ،‬فإ ّ‬
‫الواقع فيه الشّرط ‪ .‬هذا إذا كان خيار الشّرط قد اشترط في العقد ‪ ،‬أمّا إن اشترط في المجلس‬
‫فإنّ المدّة تحسب من حين الشّرط ‪.‬‬

‫خيار المرابحة *‬
‫انظر ‪ :‬بيع المانة ‪.‬‬

‫خيار المسترسل *‬
‫انظر ‪ :‬بيع المانة ‪.‬‬

‫خيار المواضعة *‬
‫انظر ‪ :‬بيع المانة ‪.‬‬

‫خيار النّجش *‬
‫انظر ‪ :‬بيع منهيّ عنه ‪.‬‬

‫خيار النّقد *‬
‫التّعريف ‪:‬‬
‫‪ - 1‬سبق تعريف الخيار ‪ .‬أمّا النّقد فمن معانيه لغةً ‪ :‬العطاء والقبض ‪ ،‬يقال نقدت الرّجل‬
‫الدّراهم ‪ ،‬فانتقدها بمعنى أعطيته إيّاها فقبضها ‪.‬‬
‫ق يشترطه العاقد للتّمكّن من الفسخ لعدم النّقد ‪.‬‬
‫وخيار النّقد اصطلحا هو ‪ :‬ح ّ‬
‫وله صورتان ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬التّعاقد واشتراط أنّ المشتري إذا لم ينقد الثّمن إلى مدّة معلومة فل عقد بينهما ‪ .‬ومستعمل‬
‫الخيار في هذه الصّورة هو المشتري ‪ ،‬وإن كانت فائدته الكبرى للبائع ‪.‬‬
‫وقد وصفوا هذه الصّورة أنّها بمنزلة اشتراط " خيار الشّرط " للمشتري ‪.‬‬
‫ن البائع إذا ردّ العوض في مدّة معلومة‬
‫ب ‪ -‬التّعاقد ثمّ قيام المشتري بالنّقد مع التّفاق على أ ّ‬
‫فل عقد بينهما ‪ .‬ومستعمل الخيار هنا هو البائع ‪ ،‬وهو وحده المنتفع بالخيار ‪ .‬وهذه الحالة‬
‫الثّانية ذات شبه تامّ ببيع الوفاء ممّا جعل بعضهم يدخل بيع الوفاء في خيار النّقد ‪ ،‬وهو قول‬
‫البائع للمشتري ‪ :‬بعتك هذه الدّار بكذا بشرط أنّي متى رددت إليك الثّمن في موعد كذا تردّ‬
‫إليّ المبيع ‪ ،‬وهذه الصّورة بمنزلة اشتراط " خيار الشّرط " للبائع ‪.‬‬
‫مشروعيّته ‪:‬‬
‫ل زفر بن الهذيل ‪ .‬وقال به الثّوريّ‬
‫‪ - 2‬أثبت هذا الخيار المالكيّة والحنابلة والحنفيّة ‪ ،‬إ ّ‬
‫وإسحاق وأبو ثور ‪ ،‬وحكي عن عمر وابن عمر ‪ ،‬وقال به من الشّافعيّة أبو إسحاق الشّيرازيّ‬
‫ل مثبتو‬
‫محتجّا بأثر عمر فيه ‪ .‬وخالف في هذا الخيار الشّافعيّة في الصّحيح ‪ ،‬وزفر ‪ .‬واستد ّ‬
‫هذا الخيار بالقياس وآثار الصّحابة ووجوه من المعقول ‪.‬‬
‫أمّا القياس فهو مقيس على خيار الشّرط لتّحاد العلّة بينهما ‪ ،‬وهي التّروّي ‪.‬‬
‫فهاهنا يتروّى البائع أيحصل له الثّمن أم ل ‪.‬‬
‫وكذلك يتروّى المشتري أيناسبه البيع أم ل ‪ ،‬فيستردّ ما نقد " باشتراط ذلك مع البائع " ‪.‬‬
‫وأمّا آثار الصّحابة في ذلك ‪ ،‬فقد روي الخذ به عن عمر وغيره ‪ ،‬وذكر عبد الرّزّاق في‬
‫ن المشتري جاء بالثّمن‬
‫ن عمرو بن دينار أثبته ‪ ،‬وقضى به شريح في واقعة ‪ ،‬وأ ّ‬
‫المصنّف أ ّ‬
‫من الغد فاختصما إلى شريح فقال ‪ :‬أنت أخلفته ‪.‬‬
‫واحتجّوا له من وجوه المعقول بداعي الحاجة إليه ‪ ،‬كالحاجة إلى خيار الشّرط ‪ ،‬للتّروّي من‬
‫المشتري في معرفة قدرته على النّقد ‪ ،‬ومن البائع ليتأمّل هل يصل إليه الثّمن في المدّة تحرّزا‬
‫عن المماطلة من العاقد الخر ‪.‬‬
‫واستدلّ من لم يثبت هذا الخيار بأنّه ليس بشرط خيار ‪ ،‬بل هو شرط فاسد مفسد للعقد ‪ ،‬لنّه‬
‫شرط في العقد شرطا مطلقا وعلّق فسخه على غرر ‪ ،‬فأشبه ما لو عقد بيعا مثلً بشرط أنّه‬
‫ج زفر لنفيه بقياس آخر هو أنّه بيع شرطت فيه إقالة‬
‫إن قدم زيد اليوم فل بيع بيننا ‪ .‬واحت ّ‬
‫فاسدة لتعلّقها بالشّرط ‪ ،‬واشتراط القالة الصّحيحة في البيع مفسد للعقد فكيف باشتراط الفاسدة‬
‫؟‬
‫ن ثبوت خيار النّقد على خلف القياس ‪ ،‬فهو‬
‫وما ذكره زفر هو القياس ‪ ،‬وقد ذكر الكاسانيّ أ ّ‬
‫جائز بالستحسان ‪ ،‬ووجه الستحسان أنّ البيع الّذي فيه خيار النّقد هو في معنى البيع الّذي‬
‫ل ما في المر اختلف المعلّق عليه بين كونه‬
‫فيه خيار الشّرط بجامع التّعليق في كليهما ‪ ،‬ك ّ‬
‫مرور المدّة دون فسخ أو مرورها دون نقد ‪ .‬ول يمنع ثبوته بالقياس " أو بالدّللة الّتي هي‬
‫أقوى منه " أنّه ثبت استحسانا على خلف القياس ‪ ،‬فالمراد قياسه على خيار الشّرط وكلهما‬
‫ثبتا على خلف القياس ‪ ،‬أي مخالفين للصول العامّة القاضية بلزوم العقد كأصل ثابت ‪.‬‬
‫صاحب الخيار ‪:‬‬
‫‪ - 3‬يمكن أن يكون صاحب الخيار المشتري أو البائع بحسب الصّورة الّتي اشترط فيها ‪ ،‬فإذا‬
‫ظهر بعبارة " على أنّ المشتري إذا نقد في المدّة ‪ ،‬وإلّ فل بيع " فصاحبه هو المشتري ‪ ،‬لنّه‬
‫هو المتمكّن من الفسخ بعدم النّقد ‪ .‬وأمّا إن ظهر بعبارة " إن ردّ البائع الثّمن خلل المدّة‬
‫المعيّنة فالبيع مفسوخ " فصاحب الخيار هو البائع ‪ ،‬وردّه الثّمن تصرّف منه بالفسخ ‪.‬‬
‫وفائدة البائع من هذا الخيار أكثر من المشتري لنّه يستفيد منه ‪ ،‬سواء أكان الخيار‬
‫للمشتري ‪ ،‬أم كان البائع صاحب الخيار ‪ ،‬لنتفاعه بحصول الفسخ إذا مطل المشتري ‪.‬‬
‫مدّة خيار النّقد ‪:‬‬
‫‪ - 4‬لم تتّفق الراء الفقهيّة في مدّته ‪ ،‬بل اختلفت ‪ ،‬أسو ًة بالخلف الواقع في خيار الشّرط ‪،‬‬
‫لنّه في معناه ‪ ،‬مع بعض المغايرة نظرًا لثبوت خيار الشّرط بالنّصّ وثبوت هذا الخيار‬
‫بالجتهاد ‪ ،‬والراء في مدّته هي ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬التّفويض للمتعاقدين ‪ :‬فلهما أن يحدّدا المد الّذي يريان فيه مصلحتهما ‪ ،‬ولو زاد عن‬
‫ثلثة أيّام ‪ .‬وهذا مذهب الحنابلة ومحمّد بن الحسن وحده من الحنفيّة ‪ ،‬وقد جرى على موجب‬
‫ي وإسحاق ‪.‬‬
‫قوله في خيار الشّرط ‪ ،‬وعليه الثّور ّ‬
‫ب ‪ -‬التّحديد بثلثة أيّام ‪ ،‬أو ما يقاربها ‪ :‬وليس للمتعاقدين أن يشترطا م ّدةً زائدةً ‪.‬‬
‫فالتّحديد بالثّلث قول أبي حنيفة وصاحبه أبي يوسف " وقد خالف صنيعه في خيار الشّرط‬
‫لتفريقه بينهما ‪ ،‬لورود آثار فيه بما فوق الثّلث ‪ ،‬وبقي خيار النّقد على أصل المنع " وهو‬
‫أيضا مذهب أبي ثور وحكي عن ابن عمر ‪ .‬وأمّا التّحديد بما يقارب الثّلث على أن ل‬
‫يجاوز العشرين يوما فهو قول مالك ‪.‬‬
‫هذا ‪ ،‬وإن اشترط ما يزيد عن الثّلث ‪ ،‬على قول أبي حنيفة وأبي يوسف ‪ ،‬ينظر إن نقد في‬
‫ل فسد البيع ولم ينفسخ ‪ ،‬كما حقّقه ظهير الدّين ‪ ،‬وأقرّ ذلك ابن الهمام وابن‬
‫الثّلث جاز ‪ ،‬وإ ّ‬
‫عابدين ‪ .‬وقد جعلوا ذلك قيدا موضّحا للمراد من عبارة " فل بيع بيننا " في صورتي خيار‬
‫النّقد ‪ ،‬فإنّها بظاهرها تقتضي النفساخ بعد النّقد أو بال ّردّ بعد النّقد ‪ ،‬لكنّهم حملوا المراد على‬
‫أنّه للفساد ‪ ،‬أي يستحقّ الفسخ ويمكن انقلبه صحيحا إذا لم يتمكّن فساده ‪ ،‬كما في النّقد قبل‬
‫انقضاء اليّام الثّلثة ‪.‬‬
‫سقوطه وانتقاله ‪:‬‬
‫‪ - 5‬خيار النّقد يماثل خيار الشّرط في أسباب السّقوط وأحكامه ‪ ،‬وكذلك انتقاله ‪ ،‬فهو ل‬
‫يورث عند الحنفيّة أسو ًة بخيار الشّرط " أصله " ‪.‬‬
‫وتفصيل ذلك في مصطلح ‪ ( :‬خيار الشّرط ) ‪.‬‬
‫صورة مشهورة من خيار النّقد " بيع الوفاء " ‪:‬‬
‫‪ -6‬جعل ابن نجيم من الحنفيّة المكان النسب لبحث بيع الوفاء هو خيار النّقد ‪ ،‬وعلّل ذلك‬
‫ن صاحب الحاشية على كتابه ابن عابدين لم‬
‫بأنّ بيع الوفاء من أفراد مسألة خيار النّقد ‪ .‬لك ّ‬
‫يرتض ذلك التّعليل حيث نقل عن " النّهر " أنّه إنّما يكون من أفراده بناءً على القول بفساد بيع‬
‫الوفاء إن زاد على الثّلث ‪ ،‬ل على القول بصحّته ‪ ،‬إذ خيار النّقد مقيّد بثلثة أيّام ‪ ،‬وبيع‬
‫الوفاء غير مقيّد بها ‪ ،‬فأنّى يكون من أفراده ؟ ‪ ،‬وتفصيل ذلك في مصطلح ‪ ( :‬بيع الوفاء ) ‪.‬‬

‫خيار الهلك *‬
‫انظر ‪ :‬بيع ‪.‬‬

‫خياطة *‬
‫انظر ‪ :‬ألبسة ‪.‬‬

‫خيط *‬
‫انظر ‪ :‬ألبسة ‪.‬‬

‫خيانة *‬
‫التّعريف ‪:‬‬
‫‪ - 1‬الخيانة والخون لغةً ‪ :‬أن يؤتمن النسان فل ينصح ‪ .‬قال اللّه تعالى ‪ { :‬وَِإمّا َتخَافَنّ مِن‬
‫خيَانَةً فَان ِبذْ إَِل ْي ِهمْ عَلَى سَوَاء } ونقيض الخيانة المانة ‪.‬‬
‫قَ ْومٍ ِ‬
‫ول يخرج استعمال الفقهاء لهذا اللّفظ عن المعنى اللّغويّ ‪.‬‬
‫اللفاظ ذات الصّلة ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬الغشّ ‪:‬‬
‫ش لغةً ‪ :‬نقيض النّصح ‪ ،‬وقد غشّه يغشّه غشّا ‪،‬ترك نصحه وزيّن له غير المصلحة‪.‬‬
‫‪ - 2‬الغ ّ‬
‫واصطلحا ‪ :‬هو تدليس يرجع لذات المبيع ‪ ،‬كتجعيد الشّعر ‪ ،‬ودقّ الثّوب ‪،‬والخيانة أعمّ منه‪.‬‬
‫إذ هي تدليس يرجع إلى ذات المبيع ‪ ،‬أو إلى صفته ‪ ،‬كأن يصفه بصفات كاذبة ‪ ،‬أو إلى أمر‬
‫خارج ‪ ،‬كأن يذكر ثمنا على وجه الكذب ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬النّفاق ‪:‬‬
‫‪ - 3‬النّفاق ‪ :‬الدّخول في السلم من وجه والخروج عنه من وجه آخر ‪.‬‬
‫والخيانة تقال في شأن العهد والمانة ‪ ،‬والنّفاق يقال في شأن الدّين ‪.‬‬
‫ج ‪ -‬الغصب والسّرقة ‪:‬‬
‫ن الخائن هو الّذي خان ما جعل عليه‬
‫‪ - 4‬فرّق العلماء بين الخائن والسّارق والغاصب ‪ ،‬بأ ّ‬
‫أمينا ‪ ،‬والسّارق من أخذ خفيةً من موضع كان ممنوعا من الوصول إليه ‪ ،‬وربّما قيل كلّ‬
‫سارق خائن دون عكس ‪ ،‬والغاصب من أخذ جهارا معتمدا على قوّته ‪.‬‬
‫الحكام المتعلّقة بالخيانة ‪:‬‬
‫ل َو َتخُونُواْ‬
‫ن آ َمنُو ْا لَ َتخُونُو ْا الّلهَ وَالرّسُو َ‬
‫‪ - 5‬خيانة المانة حرام لقوله تعالى ‪ { :‬يَا َأ ّيهَا اّلذِي َ‬
‫َأمَانَا ِت ُكمْ وَأَن ُتمْ َتعَْلمُونَ } ولقوله صلى ال عليه وسلم ‪ « :‬آية المنافق ثلث ‪ :‬إذا حدّث كذب ‪،‬‬
‫وإذا وعد أخلف ‪ ،‬وإذا اؤتمن خان » ‪.‬‬
‫وقد ع ّد الذّهبيّ وابن حجر الهيتميّ ‪ ،‬الخيانة من الكبائر ‪ ،‬ثمّ قال ‪ :‬الخيانة قبيحة في كلّ‬
‫ن بعضها أشدّ وأقبح من بعض ‪ ،‬إذ من خانك في فلس ليس كمن خانك في أهلك ‪.‬‬
‫شيء ‪ ،‬لك ّ‬
‫الخيانة في بيوع المانة ‪:‬‬
‫‪ - 6‬الصل في بيوع المانة أنّها مبنيّة على الثّقة والطمئنان في التّعامل بين الطّرفين ‪:‬‬
‫البائع والمشتري ‪ .‬فعلى البائع الصّدق في الخبار عمّا اشترى به وعمّا قام به عليه إن باع‬
‫ن المشتري ائتمن البائع في إخباره عن الثّمن الوّل من غير بيّنة ول‬
‫بلفظ القيام ‪ ،‬ل ّ‬
‫استحلف ‪ ،‬فتجب صيانة بيوع المانة عن الخيانة وعن سبب الخيانة والتّهمة ‪ ،‬لنّ التّحرّز‬
‫عن ذلك كلّه واجب ما أمكن ‪ ،‬قال اللّه تعالى ‪ { :‬يَا َأ ّيهَا اّلذِينَ آ َمنُو ْا لَ َتخُونُو ْا اللّهَ وَال ّرسُولَ‬
‫ن } وقال عليه الصلة والسلم ‪ « :‬من غشّنا فليس منّا » ‪.‬‬
‫َو َتخُونُواْ َأمَانَا ِتكُمْ وَأَن ُتمْ َتعَْلمُو َ‬
‫والحتراز عن الخيانة وعن شبهتها إنّما يحصل ببيان ما يجب بيانه ‪.‬‬
‫أمّا حكم الخيانة إذا ظهرت في بيوع المانة فللفقهاء فيه خلف ‪ ،‬وتفصيل ذلك في مصطلح‬
‫( بيع المانة ) ‪.‬‬
‫خيانة عامل المساقاة ‪:‬‬
‫‪ - 7‬العامل أمين والقول قوله فيما يدّعيه من هلك وما يدّعى عليه من خيانة ‪.‬‬
‫فإن ثبتت خيانة العامل بإقرار أو بيّنة ‪ ،‬أو يمين مردودة ‪ ،‬ضمّ إليه من يشرف عليه إلى أن‬
‫يتمّ العمل ول تزال يده ‪ ،‬لنّ العمل حقّ عليه ويمكن استيفاؤه منه بهذا الطّريق فتعيّن سلوكه‬
‫جمعًا بين الحقّين ‪ ،‬وأجرة المشرف على العامل ‪.‬‬
‫أمّا إذا لم تثبت الخيانة ولكن ارتاب المالك فيه فإنّه يضمّ إليه مشرف وأجرته حينئذ على‬
‫المالك ‪ .‬هذا عند الشّافعيّة والحنابلة ‪.‬‬
‫أمّا الحنفيّة فيعتبرون كون العامل سارقا يخاف عليه من سرقة السّعف والثّمر قبل الدراك ‪،‬‬
‫من المعاني الّتي هي عذر في فسخ المساقاة ‪ ،‬لنّه يلزم صاحب الرض ضررا لم يلتزمه‬
‫فتنفسخ به ‪.‬‬
‫ن المساقاة من العقود اللّازمة فليس لحد العاقدين فسخها بعد العقد دون‬
‫ويقول المالكيّة ‪ :‬إ ّ‬
‫الخر ما لم يتراضيا عليه ‪ ،‬وبناءً عليه إذا كان العامل لصّا أو ظالما ‪ ،‬لم ينفسخ العقد بذلك‪،‬‬
‫ن فسقه ل يمنع استيفاء المنافع المقصودة منه ‪ ،‬فأشبه‬
‫ول يقام غيره مقامه بل يحفظ منه ‪ ،‬ل ّ‬
‫ما لو فسق بغير الخيانة ‪.‬‬
‫أخذ اللّقطة بنيّة الخيانة ‪:‬‬
‫‪ - 8‬من أخذ اللّقطة بنيّة الخيانة والستيلء يكون ضامنا غاصبا لم يبرّأ من ضمانها حتّى‬
‫يؤدّيها إلى صاحبها ‪ ،‬وفي براءة الملتقط بدفع اللّقطة إلى الحاكم أو ردّها إلى الموضع الّذي‬
‫أخذها منه خلف وتفصيل ينظر في مصطلح ( لقطة ) ‪.‬‬
‫خيانة أهل الصّنائع ‪:‬‬
‫‪ - 9‬يراعي المحتسب أحوال أهل الصّنائع من حيث المانة والخيانة ‪ ،‬فيقرّ أهل الثّقة‬
‫والمانة منهم ‪ ،‬ويبعد من ظهرت خيانته ‪ ،‬ويشهر أمره لئلّ يغترّ به من ل يعرفه ‪.‬‬
‫ولمّا لم تدخل الحاطة بأفعال السّوقة تحت وسع المحتسب جاز له أن يجعل لهل كلّ صنعة‬
‫عرّيفا من صالح أهلها خبيرا بصناعتهم ‪ ،‬بصيرا بغشوشهم وتدليساتهم ‪ ،‬مشهورا بالثّقة‬
‫والمانة ‪ ،‬يكون مشرفا على أحوالهم ويطالعه بأخبارهم وما يجلب إلى سوقهم من السّلع‬
‫والبضائع ‪،‬وما تستقرّ عليه من السعار وغير ذلك من السباب الّتي يلزم المحتسب معرفتها‪.‬‬
‫ل صنعة بصالح أهلها » ‪.‬‬
‫فقد روي أنّ النّبيّ صلى ال عليه وسلم قال ‪ « :‬استعينوا على ك ّ‬
‫وتفصيل ذلك في مصطلح ‪ ( :‬حسبة ) ‪.‬‬
‫قطع يد الخائن ‪:‬‬
‫ن النّبيّ صلى ال عليه وسلم قال ‪« :‬‬
‫‪ - 10‬ل تقطع يد خائن ول خائنة ‪ .‬فقد روى جابر أ ّ‬
‫ليس على خائن ول منتهب ول مختلس قطع » ‪.‬‬
‫قال ابن الهمام ‪ :‬وقد حكي الجماع على هذه الجملة ‪.‬‬
‫ن الواجب قطع يد السّارق ‪ ،‬والخائن غير سارق لقصور في الحرز ‪ ،‬لنّ المال قد كان‬
‫ول ّ‬
‫ن حرزه وإن كان حرز المالك‬
‫في يد الخائن وحرزه ل حرز المالك على الخلوص ‪ ،‬وذلك ل ّ‬
‫فإنّه أحرزه بإيداعه عنده لكنّه حرز مأذون للخذ في دخوله ‪.‬‬
‫ن جاحد العاريّة ل قطع‬
‫وقد اختلف الفقهاء في قطع جاحد العاريّة ‪ :‬فذهب الجمهور إلى أ ّ‬
‫عليه لقول رسول اللّه صلى ال عليه وسلم ‪ « :‬ليس على خائن ول منتهب ول مختلس قطع‬
‫ن الواجب قطع السّارق ‪ ،‬والجاحد غير سارق وإنّما هو خائن فأشبه جاحد الوديعة ‪.‬‬
‫» ‪ ،‬ول ّ‬
‫ن جاحد العاريّة عليه القطع ‪ ،‬لما في الصّحيحين‬
‫وقال أحمد في رواية وإسحاق بن راهويه ‪ :‬إ ّ‬
‫ي صلى‬
‫ن امرأةً كانت تستعير المتاع وتجحده فأمر النّب ّ‬
‫من حديث عائشة رضي ال عنها « أ ّ‬
‫ال عليه وسلم بقطع يدها » ‪ .‬ووجه دللة الحديث على ذلك واضحة ‪ ،‬فإنّه صلى ال عليه‬
‫وسلم رتّب القطع على جحد العاريّة ‪.‬‬
‫وقال جمهور الفقهاء في حديث عائشة رضي ال عنها ‪ :‬إنّ القطع كان عن سرقة صدرت‬
‫منها بعد أن كانت أيضا مشهورةً بجحد العاريّة فعرفتها عائشة بوصفها المشهور ‪ ،‬فالمعنى‬
‫امرأة كان وصفها جحد العاريّة فسرقت فأمر بقطعها ‪.‬‬
‫قال ابن قدامة ‪ :‬أمّا جاحد الوديعة وغيرها من المانات فل نعلم أحدا يقول بوجوب القطع‬
‫عليه ‪ ( .‬ر ‪ :‬سرقة ‪ :‬عاريّة ) ‪.‬‬
‫خيانة المهادنين ‪:‬‬
‫‪ -‬ذهب الشّافعيّة والحنابلة إلى أنّه لو استشعر المام خيانة المهادنين بأمارات تدلّ عليها ‪،‬‬ ‫‪11‬‬

‫ل بمجرّد توهّم ‪ ،‬لم ينتقض عهدهم بل ينبذ إليهم العهد جوازا ‪ ،‬لقول اللّه تعالى ‪:‬‬
‫سوَاء } أي أعلمهم بنقض العهد حتّى تصير أنت‬
‫خيَانَةً فَان ِبذْ إَِل ْي ِهمْ عَلَى َ‬
‫ن مِن قَ ْومٍ ِ‬
‫{ وَِإمّا َتخَافَ ّ‬
‫وهم سواءً في العلم ‪ ،‬فيعلمهم بنقض عهدهم وجوبا قبل الغارة عليهم وقتالهم ‪ ،‬للية‪ .‬ومتى‬
‫نقض المام الهدنة وفي دارنا منهم أحد وجب ردّهم إلى مأمنهم ‪ ،‬لنّهم دخلوا بأمان فوجب‬
‫أن يردّوا آمنين ‪ ،‬وإن كان عليهم حقّ استوفي منهم كغيرهم للعموميّات ‪.‬‬
‫وقال المالكيّة ‪ :‬إن استشعر المام أي ظنّ خيانة أهل الحرب قبل المدّة بظهور أمارتها نبذ‬
‫العهد الواقع بينه وبينهم على المهادنة وترك الجهاد وجوبا ‪ ،‬لئلّ يوقع التّمادي عليه في الهلكة‬
‫‪ ،‬وإنّما سقط العهد المتيقّن بالظّنّ الّذي ظهرت علماته للضّرورة ‪.‬‬
‫وإنّما ينذرهم المام وجوبا بأنّه ل عهد لهم ‪ ،‬فإن تحقّق خيانتهم نبذه بل إنذار ‪.‬‬
‫أمّا الحنفيّة فيجيزون للمام نقض الصّلح بعد أن صالح أهل الحرب مدّةً ‪ ،‬والنّبذ إليهم ‪ ،‬إذا‬
‫رأى نقض الصّلح أنفع حتّى لو لم يستشعر خيانتهم لنّه « عليه الصلة والسلم نبذ الموادعة‬
‫ن المصلحة لمّا تبدّلت كان النّبذ جهادا ‪ .‬وإيفاء العهد‬
‫الّتي كانت بينه وبين أهل مكّة » ‪ ،‬ول ّ‬
‫ترك الجهاد صور ًة ومعنًى ‪ ،‬ول بدّ من النّبذ تحرّزا عن الغدر وهو محرّم بالعمومات ‪.‬‬
‫ن المهادنة في‬
‫ن نبذ الموادعة ل يتقيّد بخطور الخوف ‪ ،‬ل ّ‬
‫وينقل ابن الهمام الجماع على أ ّ‬
‫الوّل ما صحّت ‪ ،‬إلّ لنّها أنفع ‪ ،‬فلمّا تبدّل الحال عاد إلى المنع ‪.‬‬
‫وإن بدءوا بخيانة قاتلهم المام ولم ينبذ إليهم إذا كان نقص العهد باتّفاقهم ‪ ،‬لنّهم صاروا‬
‫ناقضين للعهد فل حاجة إلى نقضه ‪ .‬وتفصيل ذلك في مصطلح ( هدنة ) ‪.‬‬
‫خيانة أهل ال ّذمّة ‪:‬‬
‫‪ - 12‬صرّح الشّافعيّة والحنابلة بأنّ أهل ال ّذمّة إذا خيف منهم الخيانة لم ينبذ إليهم العهد ‪،‬‬
‫والفرق بينهم وبين أهل الهدنة أنّ عقد ال ّذمّة وجب لهم ‪ ،‬ولهذا إذا طلبوا عقد ال ّذمّة وجب‬
‫العقد لهم فلم ينقض لخوف الخيانة ‪ ،‬والنّظر في عقد الهدنة للمسلمين ‪ ،‬ولهذا لو طلب الكفّار‬
‫الهدنة كان النّظر فيها إلى المام ‪ ،‬إن رأى عقدها عقد ‪ ،‬وإن لم ير عقدها لم يعقد ‪ ،‬فكان‬
‫النّظر إليه في نقضها عند الخوف ‪ ،‬ولنّ أهل ال ّذمّة في قبضة المام وتحت وليته ‪ ،‬فإذا‬
‫ظهرت منهم خيانة أمكن استدراكها بخلف أهل الهدنة فإنّهم خارجون عن قبضة المام ‪ ،‬فإذا‬
‫ظهرت خيانتهم لم يمكن استدراكها فجاز نقضها بالخوف ‪.‬‬
‫خيانة المسلم أهل الحرب ‪:‬‬
‫‪ - 13‬من دخل من المسلمين إلى أرض العد ّو بأمان لم يخنهم في مالهم ‪ ،‬لنّهم إنّما أعطوه‬
‫المان مشروطا بتركه خيانتهم وتأمينه إيّاهم من نفسه ‪ ،‬وإن لم يكن ذلك مذكورا في اللّفظ‬
‫فهو معلوم في المعنى ‪ ،‬ولذلك من جاءنا منهم بأمان فخاننا كان ناقضا لعهده ‪ ،‬فإذا ثبت هذا‬
‫لم تحلّ له خيانتهم لنّه غدر ول يصلح في ديننا الغدر ‪ .‬وقد قال النّبيّ صلى ال عليه وسلم‪:‬‬
‫« المسلمون على شروطهم » ‪ .‬وتفصيل ذلك في مصطلح ‪ ( :‬أهل الحرب ) ‪.‬‬
‫خروج الخائن في الجيش ‪:‬‬
‫‪ - 14‬يمنع الخائن من الخروج في الجيش ‪ ،‬وهو الّذي يتجسّس للكفّار ويطلعهم على عورات‬
‫المسلمين بالمكاتبة والمراسلة ‪ .‬والتّفصيل في مصطلحي ‪ ( :‬جهاد ‪ ،‬وتجسّس ) ‪.‬‬
‫مواطن البحث ‪:‬‬
‫‪ - 15‬يأتي ذكر الخيانة في كثير من البواب الفقهيّة كالبيع ‪ ،‬والشّركة ‪ ،‬والمضاربة ‪،‬‬
‫الوديعة والعاريّة ‪ ،‬واللّقطة ‪ ،‬والوكالة ‪ ،‬والوصايا ‪ ،‬والحضانة والشّهادة ‪ ،‬والسّير ‪.‬‬

‫خيل *‬
‫التّعريف ‪:‬‬
‫‪ - 1‬الخيل جماعة الفراس ‪ .‬والخيل مؤنّثة ول واحد لها من لفظها ‪ ،‬أو واحدها خائل ‪،‬‬
‫ل لختيالها أي إعجابها بنفسها مرحا ‪.‬‬
‫والجمع خيول وأخيال ‪ ،‬وسمّيت خي ً‬
‫خيْلَ‬
‫قال بعضهم ‪ :‬وتطلق على العراب والبراذين ذكورهما وإناثهما ‪ ،‬ومنه قوله تعالى ‪ { :‬وَا ْل َ‬
‫حمِي َر ِلتَ ْر َكبُوهَا } ‪ .‬ويطلق أيضا على الفرسان ‪ ،‬ومنه قوله تعالى ‪ { :‬وََأجْلِبْ‬
‫وَا ْل ِبغَالَ وَا ْل َ‬
‫خيِْلكَ َو َرجِِلكَ } أي بفرسانك ورجّالتك ‪.‬‬
‫عََل ْيهِم ِب َ‬
‫ي بالطلق الوّل ‪.‬‬
‫ول يخرج استعمال الفقهاء لهذا اللّفظ عن المعنى اللّغو ّ‬
‫الحكم الجماليّ ‪:‬‬
‫ث الشّارع على اقتناء الخيل للجهاد وارتباطها في سبيل اللّه ‪.‬‬
‫‪-2‬ح ّ‬
‫خيْلِ } ‪.‬‬
‫ط ْعتُم مّن قُوّةٍ َومِن ّربَاطِ ا ْل َ‬
‫ستَ َ‬
‫عدّواْ َلهُم مّا ا ْ‬
‫قال اللّه تعالى ‪ { :‬وََأ ِ‬
‫وقال صلى ال عليه وسلم ‪ « :‬الخيل معقود في نواصيها الخير إلى يوم القيامة » ‪.‬‬
‫وتنظر الحكام المتعلّقة بذلك في مصطلح ‪ ( :‬فروسيّة ) ‪.‬‬
‫وتتعلّق بالخيل أحكام منها ‪:‬‬
‫زكاتها ‪:‬‬
‫‪ - 3‬ذهب جمهور الفقهاء وهو قول أبي يوسف ومحمّد وعليه الفتوى عند الحنفيّة ‪ :‬إلى أنّه ل‬
‫ن النّبيّ صلى ال عليه وسلم قال ‪ « :‬ليس‬
‫ل إذا كانت للتّجارة ‪ ،‬لما روي أ ّ‬
‫زكاة في الخيل إ ّ‬
‫على المسلم في فرسه وغلمه صدقة » ‪.‬‬
‫وعن عليّ رضي ال عنه أنّ النّبيّ صلى ال عليه وسلم قال ‪ « :‬قد عفوت عن صدقة الخيل‬
‫والرّقيق » ‪ .‬ولنّها ليست من بهيمة النعام فلم تجب زكاتها كالوحوش ‪.‬‬
‫ل إناثا‬
‫وقال أبو حنيفة ‪ :‬الخيل السّائمة إذا كانت ذكورا وإناثا تجب فيها الزّكاة ‪ ،‬وإن كان الك ّ‬
‫ل ذكورا ففي ظاهر الرّواية ل تجب ‪ ،‬وفي مسائل النّوادر أنّها‬
‫ففيه روايتان ‪ ،‬وإن كان الك ّ‬
‫تجب ‪ .‬ولتفصيل ذلك يرجع إلى ‪ ( :‬زكاة ) ‪.‬‬
‫أكلها ‪:‬‬
‫‪ - 4‬يرى جمهور الفقهاء الشّافعيّة والحنابلة وهو قول للمالكيّة أنّ الخيل مباح أكلها ‪.‬‬
‫ويرى الحنفيّة في الرّاجح عندهم وهو قول ثان للمالكيّة ‪ :‬إنّ أكلها حلل مع الكراهة التّنزيهيّة‬
‫‪ ،‬وبه قال الوزاعيّ وأبو عبيد ‪ ،‬وفي رواية عن أبي حنيفة مع الكراهة التّحريميّة ونحوه‬
‫قول للمالكيّة أيضا ‪ ،‬وينظر تفصيل ذلك في مصطلح ‪ ( :‬أطعمة ) ‪.‬‬
‫سهمها في الغنيمة ‪:‬‬
‫‪ - 5‬ذهب جمهور الفقهاء إلى أنّ الغنيمة يقسم منها للفارس ثلثة أسهم ‪ ،‬سهم له ‪ ،‬وسهمان‬
‫لفرسه ‪ ،‬وإليه ذهب عمر بن عبد العزيز والحسن وابن سيرين ‪ ،‬وحسين بن ثابت والثّوريّ ‪،‬‬
‫واللّيث بن سعد ‪ ،‬وإسحاق وأبو ثور ‪ .‬لما روى ابن عمر « أنّ رسول اللّه صلى ال عليه‬
‫وسلم أسهم يوم خيبر للفارس ثلثة أسهم ‪ ،‬سهمين لفرسه وسهما له » ‪.‬‬
‫وقال أبو حنيفة ‪ :‬للفرس سهم واحد ‪ ،‬لما روى مجمّع بن حارثة « أنّ رسول اللّه صلى ال‬
‫عليه وسلم ‪ :‬قسم خيبر على أهل الحديبية فأعطى الفارس سهمين وأعطى الرّاجل سهما » ‪،‬‬
‫ولنّه حيوان ذو سهم ‪ ،‬فلم يزد على سهم كالدميّ ‪.‬‬
‫ول يسهم لكثر من فرس واحد عند الحنفيّة ‪ -‬ما عدا أبا يوسف ‪ -‬والمالكيّة ‪ ،‬والشّافعيّة ‪،‬‬
‫لنّه ل يمكن أن يقاتل على أكثر منها ‪ ،‬فل يسهم لما زاد عليها ‪.‬‬
‫ويرى الحنابلة ‪ ،‬وهو قول أبي يوسف من الحنفيّة ‪ ،‬أنّه يسهم لفرسين ول يسهم لكثر من‬
‫ن رسول اللّه صلى ال عليه وسلم كان يسهم للخيل ‪ ،‬وكان ل‬
‫ذلك ‪ .‬لما روى الوزاعيّ « أ ّ‬
‫يسهم للرّجل فوق فرسين وإن كان معه عشرة أفراس » ‪.‬‬
‫ن إدامة ركوب واحد تضعفه ‪ ،‬وتمنع القتال عليه ‪ ،‬فيسهم له‬
‫ن به إلى الثّاني حاجةً ‪ ،‬فإ ّ‬
‫ول ّ‬
‫كالوّل بخلف الثّالث فإنّه مستغنًى عنه ‪ .‬وفي الموضوع تفصيل ينظر في ( غنائم ) ‪.‬‬
‫المسابقة بينها ‪:‬‬
‫‪ - 6‬ل خلف بين الفقهاء في جواز المسابقة بين الخيل سواء أكانت بعوض أم بغيره ‪ ،‬وفي‬
‫كيفيّة تحقّق السّبق بينها تفصيل ينظر في مصطلحي ‪ ( :‬رمي ‪ ،‬وسبق ) ‪.‬‬
‫‪ -7‬وبالضافة إلى ما سبق يتعلّق بالخيل مسائل أخرى بحثها الفقهاء في مواطنها ‪ ،‬فمسألة‬
‫إنزاء الحمير عليها تطرّق إليها الفقهاء في الزّكاة ‪ ،‬وطهارة بولها للمجاهد أصابه بأرض‬
‫حرب ‪ ،‬بحث في باب النّجاسات ‪ ،‬وركوب المرأة عليها بحث في مباحث الحظر والباحة ‪.‬‬
‫ومنع ال ّذ ّميّ من ركوبها بحث في الجزية عند الحديث عن تمييز أهل ال ّذمّة في الملبس ‪،‬‬
‫وغير ذلك من المور ‪.‬‬

‫خيلء *‬
‫انظر ‪ :‬اختيال ‪.‬‬

‫داتورة *‬
‫انظر ‪ :‬مخدّر ‪.‬‬

‫داخل *‬
‫التّعريف ‪:‬‬
‫‪ - 1‬الدّاخل في اللّغة ‪ :‬فاعل من دخل الشّيء دخولً ‪ ،‬وداخل الشّيء خلف خارجه ‪،‬‬
‫ل صرت داخلها ‪ ،‬فهي حاوية لك ‪.‬‬
‫ودخلت الدّار ونحوها دخو ً‬
‫والمراد بالدّاخل في عرف الفقهاء واضع اليد على العين ‪،‬ويعبّر عنه بعض الفقهاء بذي اليد‪،‬‬
‫وصاحب اليد ‪ ،‬والحائز ‪ .‬يقول البعليّ الحنبليّ ‪ :‬الدّاخل ‪ :‬من العين المتنازع فيها في يده ‪.‬‬
‫وجاء في المجلّة في تعريف ذي اليد ‪ " :‬هو الّذي وضع يده على عين بالفعل ‪ ،‬أو الّذي ثبت‬
‫تصرّفه تصرّف الملّاك " ‪.‬‬
‫ويستعمل الفقهاء " الدّاخل " بالمعاني اللّغويّة والعرفيّة المشار إليها ‪.‬‬
‫اللفاظ ذات الصّلة ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬الخارج ‪:‬‬
‫‪ - 2‬الخارج خلف الدّاخل ‪ .‬ويراد به في اصطلح الفقهاء من ل شيء في يده ‪ ،‬بل جاء من‬
‫الخارج ‪ ،‬وينازع الدّاخل " ذا اليد " ‪ .‬فهو البريء عن وضع اليد والتّصرّف بالوجه المذكور‪.‬‬
‫ويكثر استعمال كلمتي الدّاخل والخارج عند الفقهاء في مباحث الدّعوى والبيّنات ‪.‬‬
‫وإذا تميّز الدّاخل عن الخارج في دعوى الملك يتميّز المدّعي عن المدّعى عليه ‪ ،‬فالخارج هو‬
‫ن الدّاخل ل يحتاج‬
‫المدّعي ‪ ،‬والدّاخل هو المدّعى عليه ‪ ،‬وهذا هو الصل في الدّعوى ‪ ،‬ل ّ‬
‫إلى الدّعوى لوجود العين في يده ‪.‬‬
‫ي ومواطن البحث ‪:‬‬
‫الحكم الجمال ّ‬
‫‪ - 3‬ذكر الفقهاء في الدّعاوى وترجيح البيّنات صورا ترجّح فيها بيّنة الخارج على الدّاخل ‪،‬‬
‫وأخرى ترجّح فيها بيّنة الدّاخل على الخارج في دعوى الملك حال إقامة البيّنة من الطّرفين ‪،‬‬
‫نذكر منها الصّور المشهورة التّالية مع بيان أدلّتهم إجمالً تاركين التّفصيل إلى مواضعه من‬
‫مصطلحات ‪ ( :‬تعارض ‪ ،‬دعوى ‪ ،‬شهادة ) ‪.‬‬
‫أوّلً ‪ :‬البيّنة على دعوى الملك المطلق ‪:‬‬
‫‪ - 4‬إذا تداعى الرّجلن على ملك مطلق بأن ادّعيا ملك عين دون سبب الملكيّة من الرث أو‬
‫الشّراء أو غيرهما ‪ ،‬وأقام كلّ واحد منهما بيّنةً على ذلك ‪ ،‬فقال الحنفيّة وهو المشهور عند‬
‫الحنابلة وقول عبد الملك بن الماجشون من المالكيّة ‪ :‬يقضى ببيّنة الخارج ‪ ،‬ول تعتبر بيّنة‬
‫ن الخارج هو المدّعي ‪ ،‬وقد قال النّبيّ صلى ال‬
‫الدّاخل " ذي اليد " في ملك مطلق ‪ ،‬وذلك ل ّ‬
‫عليه وسلم ‪ « :‬البيّنة على المدّعي واليمين على المدّعى عليه » ‪ .‬فجعل جنس البيّنة في جنبة‬
‫ن بيّنة المدّعي أكثر فائدةً ‪ ،‬فوجب‬
‫المدّعي فل يبقى في جنبة المدّعى عليه بيّنة ‪ .‬ول ّ‬
‫تقديمها ‪ ،‬كتقديم بيّنة الجرح على التّعديل ‪ ،‬ودليل كثرة فائدتها أنّها تثبت سببًا لم يكن ‪ ،‬وبيّنة‬
‫ن الشّهادة بالملك يجوز أن يكون‬
‫ل عليه اليد ‪ ،‬فلم تكن مفيدةً ‪ ،‬ل ّ‬
‫المنكر إنّما تثبت ظاهرا تد ّ‬
‫مستندها رؤية اليد والتّصرّف ‪.‬‬
‫وقال الشّافعيّة وهو المشهور عند المالكيّة ورواية عند الحنابلة ‪ :‬إن كانت العين في يد أحدهما‬
‫‪ ،‬وأقام كلّ واحد منهما بيّنةً ‪ ،‬قدّمت بيّنة صاحب اليد " الدّاخل " ‪ ،‬لنّهما استويا في إقامة‬
‫البيّنة وترجّحت بيّنة الدّاخل بيده ‪ ،‬كالخبرين اللّذين مع أحدهما قياس ‪ ،‬فيقضى له بها‪ .‬قال‬
‫ابن فرحون ‪ :‬وهذا معنى قولهم ‪ :‬تقدّم بيّنة الدّاخل على بيّنة الخارج عند التّكافؤ ‪.‬‬
‫وهل يحكم للدّاخل ببيّنة مع اليمين أو بغير اليمين ؟ قال الشّافعيّة ‪ :‬ل يشترط أن يحلف مع‬
‫بيّنته في الصحّ ‪ ،‬وهذا ما ذكره الدّسوقيّ من المالكيّة ‪.‬‬
‫وذكر ابن فرحون أنّه يحكم للحائز مع اليمين ‪ ،‬وبه قال بعض الشّافعيّة ‪.‬‬
‫ثانيا ‪ :‬البيّنة على الملك المضاف إلى سبب ‪:‬‬
‫‪ - 5‬إذا كانت الدّعوى على ملك مستند إلى سبب من الرث ‪ ،‬أو الشّراء ‪ ،‬أو غيرهما‬
‫فجمهور الفقهاء على تقديم بيّنة ذي اليد في الجملة ‪ ،‬لكن اختلفت آراؤهم باختلف الصّور في‬
‫المسألة على الوجه التّالي ‪:‬‬
‫ن سبب الملك إذا كان قابلً للتّكرار ‪ ،‬كالشّراء ‪ ،‬ونسج ثوب الخزّ ‪ ،‬وزرع‬
‫أ ‪ -‬يرى الحنفيّة أ ّ‬
‫الحبوب ونحوها تقدّم بيّنة الخارج ‪ ،‬لكونها في حكم دعوى الملك المطلق ‪ .‬إلّ إذا ادّعى كلّ‬
‫ل واحد منهما ‪ :‬إنّه اشتراها من زيد مثلً ‪.‬‬
‫منهما تلقّي الملك من شخص واحد ‪ ،‬بأن قال ك ّ‬
‫ففي هذه الحالة تقدّم بيّنة الدّاخل ‪.‬‬
‫أمّا إذا كان سبب الملك غير قابل للتّكرار ‪ ،‬كالنّتاج ‪ ،‬أو نسج ثوب القطن مثلًا ‪ ،‬فتقدّم بيّنة‬
‫ن ما قامت عليه البيّنة أمر زائد ل تدلّ عليه اليد فتعارضتا ‪ ،‬فترجّحت بيّنة ذي‬
‫الدّاخل ‪ ،‬ل ّ‬
‫ي صلى ال عليه وسلم اختصم إليه رجلن‬
‫ن النّب ّ‬
‫اليد باليد ‪ .‬ولما روى جابر بن عبد اللّه « أ ّ‬
‫في دابّة أو بعير ‪ ،‬فأقام كلّ واحد منهما بيّنته بأنّها له أنتجها ‪ ،‬فقضى بها رسول اللّه صلى‬
‫ال عليه وسلم للّذي في يده » ‪.‬‬
‫والمشهور عند المالكيّة ترجيح بيّنة الدّاخل " ذي اليد " إذا تساوتا في العدالة ‪ ،‬سواء أكانت‬
‫الدّعوى في ملك مطلق أو في ملك مضاف إلى سبب يتكرّر أو ل يتكرّر ‪.‬‬
‫وقال ابن الماجشون ‪ :‬ل ينتفع الحائز " الدّاخل " ببيّنته ‪ ،‬وبيّنة المدّعي أولى ‪.‬‬
‫أمّا إذا ذكرت إحدى البيّنتين سبب الملك من نتاج أو زراعة ‪ ،‬والخرى لم تذكر سوى مجرّد‬
‫الملك فإنّه يرجّح من ذكر السّبب ‪.‬‬
‫ح إلى تقديم بيّنة ذي اليد " الدّاخل " في الملك المضاف إلى سبب‬
‫وذهب الشّافعيّة في الص ّ‬
‫ل إذا أطلق الدّاخل دعوى الملك ‪ ،‬وأقام بيّنةً ‪.‬‬
‫أيضا ‪ ،‬كما في البيّنة على الملك المطلق ‪ ،‬إ ّ‬
‫وقيّده الخارج بقوله ‪ " :‬اشتريته منك " ‪ ،‬وأقام بيّنةً على ذلك ففي هذه الحالة تقدّم بيّنة الخارج‬
‫‪ ،‬لزيادة علمها ‪ ،‬لكنّهم صرّحوا بأنّه ل تسمع بيّنة الدّاخل إلّ بعد بيّنة الخارج ‪ ،‬لنّ الصل‬
‫في جانبه اليمين فل يعدل عنها ما دامت كافي ًة ‪.‬‬
‫أمّا الحنابلة فلهم ثلث روايات ‪:‬‬
‫الولى ‪ :‬وهي المشهورة عندهم تقديم بيّنة المدّعي " الخارج " ‪ ،‬وعدم سماع بيّنة الدّاخل‬
‫ل إذا أقام كلّ‬
‫بحال ‪ ،‬سواء أشهدت بأنّ العين له نتجت في ملكه ‪ ،‬أو قطيعة المام أم ل ‪ ،‬إ ّ‬
‫واحد منهما بيّن ًة على أنّه اشتراها من الخر فتقدّم بيّنة الدّاخل ‪.‬‬
‫والثّانية ‪ :‬أنّه إذا شهدت بيّنة الدّاخل بسبب الملك فقالت ‪ :‬إنّ العين نتجت في ملكه ‪ ،‬أو‬
‫ل قدّمت بيّنة المدّعي " الخارج " ‪.‬‬
‫اشتراها ‪ ،‬أو نسجها ‪ ..‬قدّمت ‪ ،‬وإ ّ‬
‫ن بيّنة المدّعى عليه " الدّاخل " تقدّم بكلّ حال ‪ ،‬سواء أكانت مستند ًة إلى‬
‫والرّواية الثّالثة ‪ :‬أ ّ‬
‫ن الصل معه ويمينه تقدّم على‬
‫سبب أم على ملك مطلق ‪ ،‬لنّ جنبة المدّعى عليه أقوى ‪ ،‬ل ّ‬
‫يمين المدّعي ‪ ،‬فإذا تعارضت البيّنتان وجب إبقاء يده على ما فيها ‪ ،‬كما لو لم تكن بيّنة لواحد‬
‫منهما ‪ .‬وحديث جابر يدلّ على هذا ‪ ،‬فإنّه إنّما قدّمت بيّنته ليده ‪.‬‬
‫ثالثا ‪ :‬البيّنة على الملك المؤرّخ ‪:‬‬
‫ل من الدّاخل والخارج بيّن ًة على ملك عين وذكر التّاريخ ‪ ،‬فبيّنة من تاريخه‬
‫‪ - 6‬إذا أقام ك ّ‬
‫مقدّم أولى عند الحنفيّة والمالكيّة ‪ ،‬وهو رواية عند الحنابلة ‪ ،‬مثلً إذا ادّعى أحد أنّ العرصة‬
‫الّتي في يد غيره ملكها هو منذ سنة ‪ ،‬وقال ذو اليد " الدّاخل " ‪ :‬إنّه ملكها منذ سنتين ‪ ،‬ترجّح‬
‫بيّنة ذي اليد ‪.‬‬
‫وإن قال الدّاخل ‪ " :‬ملكتها منذ ستّة أشهر " ترجّح بيّنة الخارج ‪ ،‬وذلك لنّ بيّنة من يكون‬
‫تاريخه مقدّما تثبت الملك له وقت التّاريخ ‪ ،‬والخر ل يدّعيه في ذلك الوقت ‪ ،‬وإذا ثبت الملك‬
‫ل بالتّلقّي منه ‪ ،‬إذ الصل في الثّابت دوامه ‪.‬‬
‫له في ذلك الوقت ل يثبت لغيره إ ّ‬
‫واستثنى الحنفيّة من هذا الصل دعوى النّتاج ‪ ،‬فبيّنة ذي اليد فيها أولى من بيّنة الخارج‬
‫مطلقا ‪ ،‬دون اعتبار التّاريخ ‪ ،‬كما يدلّ عليه حديث جابر المتقدّم ‪.‬‬
‫وقال الشّافعيّة ‪ :‬لو كانت اليد لمتقدّم التّاريخ قدّمت قطعا ‪ ،‬وإذا كانت لمتأخّر التّاريخ فالمذهب‬
‫أنّها تقدّم أيضا ‪ ،‬لنّهما متساويتان في إثبات الملك في الحال فيتساقطان فيه ‪ ،‬وتبقى اليد فيه‬
‫مقابلة الملك السّابق ‪ ،‬وهي أقوى من الشّهادة على الملك السّابق بدليل أنّها ل تزال بها ‪ .‬وفي‬
‫القول الثّاني ‪ :‬يرجّح السّبق ‪ ،‬وفي قول ثالث ‪ :‬يتساويان ‪.‬‬
‫وفي الرّواية الخرى عند الحنابلة تقدّم بيّنة الخارج ول اعتبار للتّاريخ ‪ .‬وهناك صور‬
‫وفروع أخرى يرجع لحكمها وأدلّة الفقهاء فيها في مصطلحات ‪ ( :‬دعوى ‪ ،‬شهادة ) ‪.‬‬

‫دار *‬
‫التّعريف ‪:‬‬
‫‪ - 1‬الدّار لغةً اسم جامع للعرصة والبناء والمحلّة ‪.‬‬
‫وفي كّليّات أبي البقاء ‪ :‬الدّار اسم لما يشتمل على بيوت ومنازل وصحن غير مسقوف ‪.‬‬
‫وهي من دار يدور ‪ ،‬وسمّيت بذلك لكثرة حركات النّاس فيها واعتبارا بدورانها الّذي لها‬
‫بالحائط ‪ ،‬وجمعها أدور ‪ ،‬ودور ‪ ،‬والكثير ديار ‪ ،‬وهي المنازل المسكونة والمحالّ ‪.‬‬
‫ل به قوم فهو دارهم ‪ ،‬ومن هنا سمّيت البلدة دارا ‪ ،‬والصّقع دارا ‪.‬‬
‫ل موضع ح ّ‬
‫وك ّ‬
‫وقد تطلق الدّار على القبائل مجازًا ‪ .‬ومعناها الصطلحيّ ل يختلف عن معناها اللّغويّ ‪.‬‬
‫اللفاظ ذات الصّلة ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬البيت ‪:‬‬
‫‪ - 2‬أصل البيت لغ ًة مأوى النسان باللّيل ‪ ،‬لنّه يقال ‪ :‬بات ‪ :‬أي أقام باللّيل ‪ ،‬كما يقال ‪:‬‬
‫ظلّ بالنّهار ‪ ،‬ويقال ‪ :‬للمسكن بيت من غير اعتبار اللّيل فيه ‪.‬‬
‫ويقع اسم البيت على المتّخذ من حجر ‪ ،‬أو مدر ‪ ،‬أو صوف ‪ ،‬أو وبر ‪ ،‬أو غيرها ‪.‬‬
‫ت ا ْلعَنكَبُوتِ } وبيت‬
‫ن أَوْ َهنَ ا ْل ُبيُوتِ َل َبيْ ُ‬
‫ويعبّر عن مكان الشّيء بأنّه بيته ‪ ،‬وفي التّنزيل ‪ { :‬وَإِ ّ‬
‫اللّه محلّ عبادته ‪ .‬والبيت العتيق ‪ ،‬والبيت الحرام هو الكعبة أو المسجد الحرام كلّه ‪ .‬فبين‬
‫البيت والدّار عموم وخصوص وجهيّ ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬الحجرة ‪:‬‬
‫‪ - 3‬الحجرة هي الواحدة من حجر الدّار ‪ ،‬والجمع حجر ‪ ،‬وحجرات ‪ ،‬مثل غرف وغرفات ‪.‬‬
‫ح ‪ -‬الغرفة ‪:‬‬
‫‪ -‬الغر فة ‪ :‬العلّيّة ‪ ،‬و قد تطلق على الحجرة ‪ ،‬والج مع غرف ‪ ،‬ث مّ غرفات بض مّ الرّاء‬ ‫‪4‬‬

‫وفتحها ‪.‬‬
‫د ‪ -‬الخدر ‪:‬‬
‫‪ - 5‬الخدر ‪ :‬السّتر ‪ ،‬والجمع خدور ‪ ،‬ويطلق الخدر على البيت إن كان فيه امرأة وأولد ‪.‬‬
‫هـ ‪ -‬المنزل ‪:‬‬
‫‪ - 6‬المنزل ‪ :‬المنهل ‪ ،‬والدّار ‪ ،‬وموضع النّزول ‪ ،‬وقد تكون اسما لما يشتمل على بيوت ‪،‬‬
‫وصحن مسقّف ‪ ،‬ومطبخ ‪ ،‬يسكنه الرّجل لعياله ‪ ،‬وهو دون الدّار وفوق البيت ‪ .‬وأقلّه بيتان‬
‫أو ثلثة ‪.‬‬
‫و ‪ -‬المخدع ‪:‬‬
‫‪ - 7‬المخدع بضمّ الميم ‪ ،‬بيت صغير يحرز فيه الشّيء ‪ ،‬وكسر الميم وفتحها لغتان ‪ ،‬مأخوذ‬
‫من أخدعت الشّيء باللف إذا أخفيته ‪.‬‬
‫الحكام المتعلّقة بالدّار ‪:‬‬
‫‪ - 8‬أورد الفقهاء أحكام الدّار وما يتعلّق بها في عدّة أبواب منها ‪ :‬البيع ‪ ،‬والجارة ‪،‬‬
‫والوصيّة ‪ ،‬والوقف ‪.‬‬
‫وبحثوا فيما لو باع الشّخص الدّار ‪ ،‬أو آجرها أو أوصى بها ‪ ،‬أو وقفها ‪ ،‬ما يدخل في هذا‬
‫العقد وما ل يدخل فيه ‪.‬‬
‫ن العقد على الدّار عند الطلق‬
‫فاتّفق الفقهاء من الحنفيّة والمالكيّة والشّافعيّة والحنابلة على أ ّ‬
‫يدخل فيه الرض والبناء وكلّ ما هو مثبّت فيها كالجنحة والرّواشن ‪ ،‬والدّرج والمراقي‬
‫المعقودة ‪ ،‬والسّقف ‪ ،‬والجسور ‪ ،‬والبلط المفروش المثبّت في الرض ‪ ،‬والبواب المنصوبة‬
‫وغلقها المثبّت ‪ ،‬والخوابي ‪ ،‬ومعاجن الخبّازين وخشب القصّارين ‪ ،‬والجّانات المثبّتة " وهي‬
‫آنية تغسل فيها الثّياب " والرّفوف ‪ ،‬والسّللم ‪ ،‬والسّرر على أن تكون هذه الثّلثة مسمّرةً ‪.‬‬
‫كما يدخل في هذا العقد الشجار الرّطبة المغروسة في الدّار ‪ ،‬والبئر المحفورة ‪ ،‬والوتاد‬
‫المغروزة فيها ‪ ،‬لنّ اسم الدّار يقع على جميع هذه الشياء عرفا ‪ .‬وكذلك يدخل في هذا العقد‬
‫حجر الرّحى إذا كان السفل منهما مثبّتا ‪.‬‬
‫وفي قول لكلّ من الشّافعيّة والحنابلة ‪ :‬ل يدخل الحجر العلى إذا كان منفصلً ‪.‬‬
‫واتّفقوا على أنّ المنقولت المنفصلة وغير المثبّتة ل تدخل في العقد عند الطلق ‪ ،‬وذلك‬
‫كالسّرير ‪ ،‬والفرش ‪ ،‬والسّتائر ‪ ،‬والرّفوف الموضوعة بغير تسمير ول غرز في الحائط ‪،‬‬
‫وكذلك القفال والحبال ‪ ،‬والدّلو ‪ ،‬والبكرة إذا لم تكن مركّبةً بالبئر بأن كانت مشدودةً بحبل أو‬
‫موضوعةً ‪ .‬وكذلك السّللم الموضوعة غير المركّبة ‪ .‬وكلّ ما ل يكون من بناء الدّار ول‬
‫متّصلً بها من خشب وحجر ‪ ،‬وحيوان ‪ ،‬وغيرها من المنقولت الموجودة في الدّار ‪.‬‬
‫وهذا كلّه عند الطلق ‪ .‬أمّا إذا اتّفق الطّرفان على أن يشمل العقد جميع المنقولت الموجودة‬
‫في الدّار أو بعضها ‪ ،‬أو قال ‪ :‬وقفت الدّار بجميع ما فيها ‪ ،‬فإنّ المنقولت الموجودة تدخل‬
‫في العقد تبعا للدّار أو حسبما اتّفق عليه الطّرفان ‪ .‬والتّفاصيل في مصطلح ‪ ( :‬بيع ‪ ،‬وقف )‬
‫واختلف الفقهاء في وقف علو الدّار دون سفلها ‪ ،‬أو سفلها دون علوها ‪ ،‬أو جعل وسط داره‬
‫مسجدًا ولم يذكر الستطراق ‪.‬‬
‫فذهب الجمهور إلى صحّة هذا الوقف ‪ ،‬لنّه كما يصحّ بيعه فكذلك يصحّ وقفه ‪ ،‬كوقف الدّار‬
‫جميعا ‪ ،‬ولنّه تصرّف يزيل الملك إلى من يثبت له حقّ الستقرار والتّصرّف ‪.‬‬
‫وذهب الحنفيّة إلى عدم صحّة ذلك ‪ .‬والتّفاصيل في مصطلح ‪ ( :‬وقف ) ‪.‬‬

‫دار السلم *‬
‫التّعريف ‪:‬‬
‫ل بقعة تكون فيها أحكام السلم ظاهر ًة ‪.‬‬
‫‪ - 1‬دار السلم هي ‪ :‬ك ّ‬
‫ل أرض تظهر فيها أحكام السلم ‪ -‬ويراد بظهور أحكام السلم ‪ :‬كلّ‬
‫وقال الشّافعيّة ‪ :‬هي ك ّ‬
‫حكم من أحكامه غير نحو العبادات كتحريم الزّنى والسّرقة ‪ -‬أو يسكنها المسلمون وإن كان‬
‫معهم فيها أهل ذمّة ‪ ،‬أو فتحها المسلمون ‪ ،‬وأقرّوها بيد الكفّار ‪ ،‬أو كانوا يسكنونها ‪ ،‬ثمّ‬
‫أجلهم الكفّار عنها ‪.‬‬
‫اللفاظ ذات الصّلة ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬دار الحرب ‪:‬‬
‫‪ - 2‬دار الحرب هي ‪ :‬كلّ بقعة تكون فيها أحكام الكفر ظاهرةً ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬دار العهد ‪:‬‬
‫ل ناحية صالح المسلمون أهلها‬
‫‪ - 3‬دار العهد ‪ :‬وتسمّى دار الموادعة ودار الصّلح وهي ‪ :‬ك ّ‬
‫بترك القتال على أن تكون الرض لهلها ‪.‬‬
‫ج ‪ -‬دار البغي ‪:‬‬
‫‪ - 4‬دار البغي هي ‪ :‬ناحية من دار السلم تحيّز إليها مجموعة من المسلمين لهم شوكة‬
‫خرجت على طاعة المام بتأويل ‪.‬‬
‫الحكم التّكليفيّ ‪:‬‬
‫‪ - 5‬إذا استولى الكفّار على بقعة من دار السلم صار الجهاد فرض عين على جميع أفراد‬
‫النّاحية الّتي استولى عليها الكفّار ‪ ،‬رجالً ونساءً ‪ ،‬صغارا وكبارا ‪ ،‬أصحّاء ومرضى ‪ ،‬فإذا‬
‫لم يستطع أهل النّاحية دفع العد ّو عن دار السلم ‪ ،‬صار الجهاد فرض عين على من يليهم‬
‫من أهل النّواحي الخرى من دار السلم ‪ ،‬وهكذا حتّى يكون الجهاد فرض عين على جميع‬
‫المسلمين ‪ ،‬ول يجوز تمكين غير المسلمين من دار السلم ‪.‬‬
‫ويأثم جميع المسلمين إذا تركوا غيرهم يستولي على شيء من دار السلم ‪ ( .‬ر ‪ :‬جهاد ) ‪.‬‬
‫ويجب على أهل بلدان دار السلم ‪ ،‬وقراها من المسلمين إقامة شعائر السلم ‪ ،‬وإظهارها‬
‫فيها كالجمعة ‪ ،‬والجماعة ‪ ،‬وصلة العيدين ‪ ،‬والذان ‪ ،‬وغير ذلك من شعائر السلم ‪ ،‬فإن‬
‫ترك أهل بلد أو قرية إقامة هذه الشّعائر أو إظهارها قوتلوا وإن أقاموها سرّا ‪.‬‬
‫ل بإذن من المام أو أمان في مسلم ‪.‬‬
‫ول يجوز لغير المسلمين دخول دار السلم إ ّ‬
‫ول يجوز لهم إحداث دور عبادة لغير المسلمين ‪ :‬كالكنائس ‪ ،‬والصّوامع ‪ ،‬وبيت النّار ‪ ،‬على‬
‫تفصيل سيأتي ‪.‬‬
‫تحوّل دار السلم إلى دار كفر ‪:‬‬
‫‪ - 6‬اختلف الفقهاء في تحوّل دار السلم إلى دار للكفر ‪.‬‬
‫فقال الشّافعيّة ‪ :‬ل تصير دار السلم دار كفر بحال من الحوال ‪ ،‬وإن استولى عليها‬
‫الكفّار ‪ ،‬وأجلوا المسلمين عنها ‪ ،‬وأظهروا فيها أحكامهم ‪ .‬لخبر ‪ « :‬السلم يعلو ول يعلى‬
‫عليه » وقال المالكيّة ‪ ،‬والحنابلة ‪ ،‬وصاحبا أبي حنيفة " أبو يوسف ‪ ،‬ومحمّد " ‪ :‬تصير دار‬
‫السلم دار كفر بظهور أحكام الكفر فيها ‪.‬‬
‫وذهب أبو حنيفة إلى أنّه ل تصير دار كفر إلّ بثلث شرائط ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬ظهور أحكام الكفر فيها ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬أن تكون متاخم ًة لدار الكفر ‪.‬‬
‫ج ‪ -‬أن ل يبقى فيها مسلم ‪ ،‬ول ذ ّميّ آمنا بالمان الوّل ‪ ،‬وهو أمان المسلمين ‪.‬‬
‫ووجه قول الصّاحبين ومن معهما أنّ دار السلم ودار الكفر ‪ :‬أضيفتا إلى السلم وإلى‬
‫الكفر لظهور السلم أو الكفر فيهما ‪ ،‬كما تسمّى الجنّة دار السّلم ‪ ،‬والنّار دار البوار ‪،‬‬
‫لوجود السّلمة في الجنّة ‪ ،‬والبوار في النّار ‪ ،‬وظهور السلم والكفر إنّما هو بظهور‬
‫أحكامهما ‪ ،‬فإذا ظهرت أحكام الكفر في دار فقد صارت دار كفر ‪ ،‬فصحّت الضافة ‪ ،‬ولهذا‬
‫صارت الدّار دار إسلم بظهور أحكام السلم فيها من غير شريطة أخرى ‪ ،‬فكذا تصير دار‬
‫كفر بظهور أحكام الكفر فيها ‪.‬‬
‫ووجه قول أبي حنيفة ‪ :‬أنّ المقصود من إضافة الدّار إلى السلم والكفر ليس هو عين‬
‫السلم والكفر ‪ ،‬وإنّما المقصود هو ‪ :‬المن ‪ ،‬والخوف ‪ ،‬ومعناه ‪ :‬أنّ المن إن كان‬
‫للمسلمين في الدّار على الطلق والخوف لغيرهم على الطلق فهي دار إسلم ‪ ،‬وإن كان‬
‫المن فيها لغير المسلمين على الطلق والخوف للمسلمين على الطلق فهي دار كفر ‪،‬‬
‫فالحكام عنده مبنيّة على المان والخوف ‪ ،‬ل على السلم والكفر ‪ ،‬فكان اعتبار المن‬
‫والخوف أولى ‪ .‬وينظر التّفصيل في ( دار الحرب ) ‪.‬‬
‫دخول الحربيّ دار السلم ‪:‬‬
‫‪ - 7‬ليس للحربيّ دخول دار السلم إلّ بإذن من المام أو نائبه ‪ ،‬فإن استأذن في دخولها‬
‫فإن كان في دخوله مصلحة ‪ ،‬كإبلغ رسالة ‪ ،‬أو سماع كلم اللّه تعالى ‪ ،‬أو حمل ميرة أو‬
‫متاع يحتاج إليهما المسلمون ‪ ،‬جاز الذن له بدخول دار السلم إلّ الحرم ‪ ،‬ول يقيم في‬
‫الحجاز أكثر من ثلثة أيّام ‪ ،‬لنّ ما زاد على هذه المدّة في حكم القامة ‪ ،‬وهو غير جائز ‪.‬‬
‫وفي غير الحجاز يقيم قدر الحاجة ‪ .‬أمّا الحرم فل يجوز دخول كافر فيه وإن كان ذ ّميّا بحال‬
‫ن َنجَسٌ‬
‫ش ِركُو َ‬
‫من الحوال عند جمهور الفقهاء ‪ .‬لقوله تعالى ‪ { :‬يَا َأ ّيهَا اّلذِينَ آ َمنُو ْا ِإ ّنمَا ا ْل ُم ْ‬
‫حرَامَ َب ْعدَ عَا ِم ِهمْ هَـذَا } ‪ .‬وللتّفصيل ينظر ‪ ( :‬أرض العرب ‪ ،‬حرم ) ‪.‬‬
‫جدَ ا ْل َ‬
‫سِ‬‫فَلَ يَ ْق َربُواْ ا ْل َم ْ‬
‫مال المستأمن وأهله ‪:‬‬
‫‪ - 8‬إذا دخل الحربيّ دار السلم بأمان من المام كان ما معه من مال ‪ ،‬وزوجة ‪ ،‬وأولد‬
‫صغار في أمان ‪ ،‬أمّا ما خلّفه في دار الحرب فل يدخل في المان ‪،‬إلّ بالشّرط في عقد‬
‫المان‪ .‬وإن نقض العهد والتحق بدار الحرب بقي المان لما تركه في دار السلم ‪ ،‬وله أن‬
‫يدخل في دار السلم لتحصيل ما تركه من دين الوديعة ونحو ذلك ‪ ،‬وإن مات في دار‬
‫الحرب فتركته في دار السلم لورثته ‪ .‬وإن دخل لتجارة جاز للمام أن يشترط عليه عشر‬
‫ما معه من مال التّجارة ‪ ،‬وله أن يأذن لهم بغير شيء ‪.‬‬
‫استيطان غير المسلم دار السلم ‪:‬‬
‫‪ - 9‬قسّم الفقهاء دار السلم إلى قسمين ‪ :‬جزيرة العرب وغيرها ‪ :‬فجزيرة العرب ل يمكّن‬
‫غير المسلم من الستيطان فيها ‪ ،‬وهذا محلّ اتّفاق بين الفقهاء ‪.‬‬
‫واستدلّوا بخبر ‪ « :‬ل يترك بجزيرة العرب دينان » ‪.‬‬
‫وخبر ‪ « :‬أخرجوا المشركين من جزيرة العرب » ‪ .‬واختلفوا في المراد من حزيرة العرب ‪.‬‬
‫فقال الشّافعيّة والحنابلة ‪ :‬المراد بالجزيرة العربيّة الحجاز ‪ ،‬فتجوز إقامتهم في غير الحجاز‬
‫من الجزيرة ‪ ،‬لنّ أحدا من الخلفاء لم يخرج الكفّار من اليمن ‪ ،‬وتيماء ‪ ،‬ونجران ‪.‬‬
‫وقال غيرهم ‪ :‬المراد جزيرة العرب كلّها من عدن أبين إلى ريف العراق ‪.‬‬
‫والتّفصيل في مصطلح ‪ ( :‬أرض العرب ) ‪.‬‬
‫إحداث دور عبادة لغير المسلمين ‪:‬‬
‫‪ - 10‬ل يجوز إحداث كنيسة ‪ ،‬أو صومعة ‪ ،‬أو بيت نار للمجوس في دار السلم ‪ ،‬بتفصيل‬
‫يرجع ‪ :‬إلى مصطلح ‪ ( :‬معابد ) ‪.‬‬
‫اللّقيط وأثر الدّار في دينه ‪:‬‬
‫‪ - 11‬إذا وجد طفل منبوذ في دار السلم حكم بإسلمه وإن كان فيها مع المسلمين غير‬
‫مسلمين ( انظر ‪ :‬لقيط ) ‪.‬‬
‫إحياء غير المسلم موات دار السلم ‪ ،‬وحفر معادنه ‪:‬‬
‫‪ - 12‬ليس لغير المسلم إحياء موات في دار السلم ل يملكه بالحياء ‪ ،‬ول حفر معادنها ‪،‬‬
‫ول يمكّن من ذلك ‪ .‬وينظر التّفصيل في ( إحياء الموات ‪ ،‬وزكاة المعادن ) ‪.‬‬

‫دار البغي *‬
‫التّعريف ‪:‬‬
‫‪ - 1‬الدّار اسم جامع للعرصة والبناء والمحلّة ‪ ،‬وكلّ موضع حلّ به قوم فهو دارهم ‪.‬‬
‫والبغي لغ ًة ‪ :‬مصدر بغى يبغي بغيا إذا ظلم وتعدّى ‪ ،‬ويقال ‪ :‬بغيت الشّيء إذا طلبته ‪.‬‬
‫وأصل البغي الظّلم ومجاوزة الحدّ ‪ ،‬وبغى الجرح تجاوز الحدّ في فساده ‪ .‬وبغت المرأة بغيا ‪،‬‬
‫وباغت مباغا ًة ‪ ،‬وتبغي بغاءً فهي بغيّ ‪ ،‬إذا فجرت ‪ ،‬وذلك لتجاوزها إلى ما ليس لها ‪.‬‬
‫وبغت السّماء تجاوزت في المطر الح ّد المحتاج إليه ‪.‬‬
‫وبغى تكبّر واستطال وعدل عن الحقّ وقصد الفساد ‪.‬‬
‫والفئة الباغية هي الظّالمة الخارجة عن طاعة المام العادل ‪ ،‬ومنه قول الرّسول صلى ال‬
‫عليه وسلم لعمّار بن ياسر رضي ال عنه ‪ « :‬ويح عمّار تقتله الفئة الباغية » ‪.‬‬
‫وهذا هو معناه الشّرعيّ ‪ ،‬فالباغي هو المخالف لمام العدل الخارج عن طاعته بامتناعه من‬
‫أداء واجب عليه كزكاة وخراج أرض وغيرهما ‪.‬‬
‫‪ - 2‬ودار البغي في الصطلح ‪ :‬جزء من دار السلم تفرّد به جماعة من المسلمين خرجوا‬
‫على طاعة المام الحقّ بحجّة تأوّلوها مبرّرة لخروجهم ‪ ،‬وامتنعوا وتحصّنوا بتلك الرض‬
‫الّتي أصبحت في حوزتهم ‪ ،‬وأقاموا عليهم حاكمًا منهم ‪ ،‬وصار لهم جيش ومنعة ‪.‬‬
‫أحكام دار البغي ‪:‬‬
‫‪ - 3‬إذا استولى البغاة على بلد في دار السلم ‪ ،‬ونصّبوا لهم إماما ‪ ،‬وأحدث إمامهم‬
‫تصرّفات باعتباره حاكما كالجباية ‪ ،‬من جمع الزّكاة ‪ ،‬والعشور ‪ ،‬والجزية ‪ ،‬والخراج ‪،‬‬
‫واستيفاء الحدود ‪ ،‬والتّعازير ‪ ،‬وإقامة القضاة ‪ ،‬ففي نفاذ هذه التّصرّفات وترتّب آثارها عليها‬
‫في حقّ أهل العدل تفصيل وخلف ‪ ،‬ينظر في مصطلح ‪ ( :‬بغاة ) ‪.‬‬

‫دار الحرب *‬
‫التّعريف ‪:‬‬
‫‪ - 1‬دار الحرب ‪ :‬هي كلّ بقعة تكون أحكام الكفر فيها ظاهر ًة ‪.‬‬
‫الحكام المتعلّقة بدار الحرب ‪:‬‬
‫الهجرة ‪:‬‬
‫‪ - 2‬قسّم الفقهاء النّاس في شأن الهجرة من دار الحرب إلى ثلثة أضرب ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬من تجب عليه الهجرة ‪ ،‬وهو من يقدر عليها ‪ ،‬ول يمكنه إظهار دينه مع المقام في دار‬
‫الحرب ‪ ،‬وإن كانت أنثى ل تجد محرما ‪ ،‬إن كانت تأمن على نفسها في الطّريق ‪ ،‬أو كان‬
‫ن اّلذِينَ َت َوفّا ُهمُ‬
‫ل من خوف المقام في دار الحرب ‪ .‬لقوله تعالى ‪ { :‬إِ ّ‬
‫خوف الطّريق أق ّ‬
‫ن َأرْضُ‬
‫ض قَالْوَ ْا أََلمْ َتكُ ْ‬
‫لرْ ِ‬
‫ن فِي ا َ‬
‫ضعَفِي َ‬
‫ستَ ْ‬
‫سهِ ْم قَالُو ْا فِي َم كُنتُمْ قَالُو ْا ُكنّا ُم ْ‬
‫ا ْلمَل ِئكَةُ ظَاِلمِي َأنْ ُف ِ‬
‫ت َمصِيرا } ‪.‬‬
‫ج َه ّنمُ َوسَاء ْ‬
‫جرُواْ فِيهَا َفأُوْلَـ ِئكَ َمأْوَا ُهمْ َ‬
‫سعَ ًة َف ُتهَا ِ‬
‫اللّهِ وَا ِ‬
‫وفي الية وعيد شديد ‪ ،‬والوعيد الشّديد ل يكون إلّ في ارتكاب المحرّم وترك الواجب ‪.‬‬
‫ل مسلم يقيم بين أظهر المشركين ل تتراءى ناراهما »‬
‫ولحديث ‪ « :‬أنا بريء من ك ّ‬
‫وحديث ‪ « :‬ل تنقطع الهجرة ما دام العد ّو يقاتل » أمّا حديث ‪ « :‬ل هجرة بعد الفتح » فمعناه‬
‫ل هجرة من مكّة بعد فتحها ‪ ،‬لصيرورة مكّة دار إسلم إلى يوم القيامة إن شاء اللّه ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬من ل هجرة عليه ‪ :‬وهو من يعجز عنها ‪ ،‬إمّا لمرض ‪ ،‬أو إكراه على القامة في دار‬
‫ن ال ّرجَالِ وَال ّنسَاء‬
‫ن مِ َ‬
‫ضعَفِي َ‬
‫ستَ ْ‬
‫الكفر ‪ ،‬أو ضعف كالنّساء ‪ ،‬والولدان ‪ .‬لقوله تعالى ‪ِ { :‬إلّ ا ْل ُم ْ‬
‫سبِيلً } ‪.‬‬
‫ل َي ْهتَدُونَ َ‬
‫ن حِيلَةً َو َ‬
‫ستَطِيعُو َ‬
‫ل َي ْ‬
‫وَا ْلوِ ْلدَانِ َ‬
‫ج ‪ -‬من تستحبّ له الهجرة ‪ ،‬ول تجب عليه ‪ ،‬وهو ‪ :‬من يقدر على الهجرة ويتمكّن من‬
‫إظهار دينه في دار الحرب ‪ ،‬فهذا يستحبّ له الهجرة ليتمكّن من الجهاد ‪ ،‬وتكثير المسلمين ‪.‬‬
‫د ‪ -‬وزاد الشّافعيّة قسما رابعا ‪ :‬وهو من يقدر على إظهار دينه في دار الحرب ‪ ،‬ويقدر على‬
‫ص ‪ ،‬والمتناع من الكفّار ‪ ،‬فهذا تحرم عليه الهجرة ‪ ،‬لنّ مكان‬
‫العتزال في مكان خا ّ‬
‫اعتزاله صار دار إسلم بامتناعه ‪ ،‬فيعود بهجرته إلى حوزة الكفّار ‪ ،‬وهو أمر ل يجوز ‪،‬‬
‫ن كلّ محلّ قدر أهله على المتناع من الكفّار صار دار إسلم ‪.‬‬
‫لّ‬
‫وقال الحنفيّة ‪ :‬ل تجب الهجرة من دار الحرب لخبر ‪ « :‬ل هجرة بعد الفتح ولكن جهاد ونيّة‬
‫» ‪ .‬أمّا حديث ‪ « :‬ادعهم إلى التّحوّل من دارهم إلى دار المهاجرين » ‪ .‬فمنسوخ بحديث ‪:‬‬
‫« ل هجرة بعد الفتح » ‪.‬‬
‫التّزوّج في دار الحرب ‪:‬‬
‫‪ - 3‬اتّفق الفقهاء على كراهة التّزوّج في دار الحرب لمن دخل فيها من المسلمين بأمان ‪،‬‬
‫لتجارة ‪ ،‬أو لغيرها ‪ ،‬ولو بمسلمة ‪ ،‬وتشتدّ الكراهة إذا كانت من أهل الحرب ‪.‬‬
‫ن فيه‬
‫وعند الحنفيّة الكراهة تحريميّة في الحربيّة لفتتاح باب الفتنة ‪ ،‬وتنزيهيّة في غيرها ‪ ،‬ل ّ‬
‫تعريضا لل ّذرّيّة لفساد عظيم ‪ ،‬إذ أنّ الولد إذا نشأ في دارهم ل يؤمن أن ينشأ على دينهم‪ ،‬وإذا‬
‫كانت الزّوجة منهم فقد تغلب على ولدها فيتبعها على دينها ‪.‬‬
‫وقال الحنابلة ‪ :‬إذا كان المسلم أسيرا في دار الحرب ‪ ،‬فل يحلّ له التّزوّج ما دام أسيرا ‪،‬‬
‫لنّه إذا ولد له ولد كان لهم رقيقا ‪.‬‬
‫الرّبا في دار الحرب ‪:‬‬
‫‪ - 4‬ذهب جمهور الفقهاء ‪ :‬إلى أنّ الرّبا حرام في دار الحرب كحرمته في دار السلم ‪ ،‬فما‬
‫كان حراما في دار السلم ‪ ،‬كان حراما في دار الحرب ‪ ،‬سواء بين المسلمين وبين أهل‬
‫الحرب ‪ ،‬أو بين مسلمين لم يهاجرا من دار الحرب ‪ ،‬وبهذا قال الشّافعيّ ‪ ،‬ومالك ‪ ،‬وأبو‬
‫يوسف من الحنفيّة ‪ ،‬وقالوا ‪ :‬إنّ النّصوص في تحريم الرّبا عامّة ‪ ،‬ولم تفرّق بين دار ودار‪،‬‬
‫ول بين مسلم وغيره ‪ ( .‬راجع مصطلح ‪ :‬ربا ) ‪.‬‬
‫وقال أبو حنيفة ومحمّد ‪ :‬ل يحرم الرّبا في دار الحرب بين المسلم وأهل الحرب ‪ ،‬ول بين‬
‫مسلمين لم يهاجرا من دار الحرب ‪ .‬لحديث ‪ « :‬ل ربا بين المسلم والحربيّ في دار الحرب‬
‫» ولنّ مالهم مباح في دارهم ‪ ،‬فبأيّ طريق أخذه المسلم أخذ مالً مباحا إذا لم يكن فيه‬
‫غدر ‪ ،‬ولنّ مال أهل الحرب مباح بغير عقد ‪ ،‬فبالعقد الفاسد أولى ‪.‬‬
‫ن « أبا بكر رضي ال عنه خاطر قريشا قبل الهجرة حين أنزل اللّه تعالى ‪ { :‬الم غُِلبَتِ‬
‫ول ّ‬
‫ن الرّوم‬
‫س َيغْلِبُونَ } وقالت قريش ‪ :‬أترون أ ّ‬
‫الرّومُ فِي َأ ْدنَى ا ْلَأرْضِ وَهُم مّن َب ْعدِ غََل ِب ِهمْ َ‬
‫تغلب ؟ قال ‪ :‬نعم ‪ .‬فقالوا ‪ :‬هل لك أن تخاطرنا في ذلك ؟ فأخبر النّبيّ صلى ال عليه وسلم‬
‫فقال عليه الصلة والسلم ‪ :‬اذهب إليهم فزد في الخطر وزد في الجل ففعل ‪ ،‬وغلبت الرّوم‬
‫فارسًا فأخذ أبو بكر خطره ‪ ،‬فأقرّه النّبيّ صلى ال عليه وسلم وهو القمار بعينه » ‪.‬‬
‫وكا نت مكّة في ذلك الو قت دار حرب ‪ ،‬فدلّ ذلك على أ نّ للم سلم أ خذ مال الحرب يّ في دار‬
‫الحرب ما لم يكن غدرا ‪.‬‬
‫إقامة الحدّ على المسلم في دار الحرب ‪:‬‬
‫‪ - 5‬اختلف الفقهاء في إقامة الحدّ على من زنى من المسلمين أو سرق ‪ ،‬أو قذف مسلما ‪ ،‬أو‬
‫شرب خمرا في دار الحرب ‪.‬‬
‫ن إقامة الحدود فرض‬
‫فقال المالكيّة والشّافعيّة ‪ :‬يجب على المام إقامة الحدّ عليه ‪ ،‬ل ّ‬
‫كالصّلة ‪ ،‬والصّوم ‪ ،‬والزّكاة ‪ ،‬ول تسقط دار الحرب عنه شيئا من ذلك ‪ .‬وإذا قتل مسلم‬
‫مسلما في دار الحرب يستوفي منه القصاص ‪ ،‬ويكون الحكم كما لو كانوا في دار السلم ‪.‬‬
‫وذهب الحنفيّة إلى أنّه ل يقام عليه الحدّ ‪ ،‬ولو بعد رجوعه إلى دار السلم لقول النّبيّ صلى‬
‫ال عليه وسلم ‪ « :‬ل تقام الحدود في دار الحرب » ‪ .‬وقوله ‪ " :‬من زنى أو سرق في دار‬
‫الحرب وأصاب بها حدّا ثمّ هرب فخرج إلينا فإنّه ل يقام عليه الحدّ واللّه أعلم به " ولنّ‬
‫المام ل يقدر على إقامة الحدود في دار الحرب لعدم الولية ‪ ،‬ول يقام عليه بعد الرّجوع إلى‬
‫ن الفعل لم يقع موجبا أصلً ‪ ،‬وكذلك إذا قتل مسلما فيها ل يؤخذ بالقصاص‬
‫دار السلم ‪ ،‬ل ّ‬
‫وإن كان القتل عمدا لتعذّر الستيفاء ‪ ،‬ولنّ كونه في دار الحرب أورث شبهةً في الوجوب ‪،‬‬
‫ن الدّية‬
‫والقصاص ل يجب مع الشّبهة ‪ ،‬ويضمن الدّية وتكون في ماله ل على العاقلة ‪ ،‬ل ّ‬
‫تجب على القاتل ابتدا ًء ‪ ،‬ثمّ العاقلة تتحمّل عنه لما بينهم من التّناصر ‪ ،‬ول تناصر عند‬
‫اختلف الدّار ‪.‬‬
‫وقال الحنابلة أيضا ‪ :‬تجب الحدود والقصاص ‪ ،‬ولكنّها ل تقام في دار الحرب ‪ ،‬وتقام عليه‬
‫ن عمر رضي ال عنه‬
‫بعد رجوعه من دار الحرب ‪ .‬واستدلّوا بما رواه سعيد في سننه ‪ ،‬أ ّ‬
‫ل من المسلمين حدّا وهو غاز حتّى يقطع‬
‫كتب إلى النّاس ل يجلدنّ أمير جيش ول سريّة رج ً‬
‫الدّرب قافلً لئلّ يلحقه حميّة الشّيطان ‪ ،‬فيلحق ‪ ،‬بالكفّار ‪.‬‬
‫حدّ من أصاب حدّا من أفراد الجيش ‪:‬‬
‫‪ - 6‬قال الحنفيّة ‪ :‬إذا أصاب أحد أفراد الجيش حدّا ‪ ،‬أو قتل مسلما خطأً أو عمدا في دار‬
‫الحرب خارج المعسكر ل يقام عليه الحدّ أو القصاص ‪ ،‬أمّا إذا زنى أحدهم في معسكر‬
‫الجيش لم يأخذه أمير الجيش بشيء من ذلك إذا كان المام لم يفوّض إليه إقامة الحدود‬
‫والقصاص ‪ ،‬إلّ أنّه يضمّنه المسروق والدّية في القتل ‪ ،‬لنّه يقدر على استيفاء ضمان المال‬
‫‪.‬‬
‫أمّا إذا غزا من له ولية إقامة الحدود ‪ ،‬سواء غزا الخليفة بنفسه ‪ ،‬أو أمير مصر من‬
‫ص منه في العمد ‪،‬‬
‫المصار ‪ ،‬ففعل رجل من الجيش ذلك في معسكره أقام عليه الحدّ ‪ ،‬واقت ّ‬
‫ن إقامه الحدود إلى المام ‪ ،‬وبما له من الشّوكة ‪ ،‬وانقياد‬
‫وضمّنه الدّية في الخطأ في ماله ‪ ،‬ل ّ‬
‫الجيوش له يكون لعسكره حكم دار السلم ‪.‬‬
‫وقال المالكيّة والشّافعيّة ‪ :‬إذا أصاب الرّجل حدّا وهو محاصر للعد ّو أقيم عليه الحدّ ‪.‬‬
‫وقالوا ‪ :‬ول يمنعنا الخوف عليه من اللّحوق بالمشركين أن نقيم حدود اللّه ‪ .‬ولو فعلنا ذلك‬
‫توقّيا من أن يغضب ما أقمنا الح ّد أبدا ‪ ،‬لنّه يمكنه من أيّ موضع أن يلحق بدار الحرب‬
‫فيعطّل حكم اللّه ‪ ،‬ثمّ إنّ الرّسول صلى ال عليه وسلم قد أقام الحدود بالمدينة والشّرك قريب‬
‫منها ‪ ،‬وفيها مشركون موادعون ‪ .‬وضرب الشّارب بحنين والشّرك قريب منها ‪.‬‬
‫حصول الفرقة باختلف الدّار بين الزّوجين ‪:‬‬
‫‪ - 7‬اختلف الفقهاء في انقطاع عصمة الزّوجيّة باختلف الدّارين ‪.‬‬
‫فقال الجمهور ‪ :‬ل تقع الفرقة باختلف الدّار ‪ ،‬فإن أسلم زوج كتابيّة ‪ ،‬وهاجر إلى دار‬
‫ن نكاح الكتابيّة يجوز ابتداؤه‬
‫السلم ‪ ،‬وبقيت في دار الحرب فهما على نكاحهما ‪ ،‬ل ّ‬
‫فالستمرار أولى ‪ ،‬سواء كان قبل الدّخول ‪ ،‬أو بعده ‪ .‬وإن أسلمت كتابيّة تحت كتابيّ ‪ ،‬أو‬
‫غيره ‪ ،‬أو أسلم أحد الزّوجين غير الكتابيّين ‪ ،‬قبل الدّخول حصلت الفرقة ‪ ،‬لقوله تعالى ‪ { :‬لَا‬
‫ن َلهُنّ } وإن أسلم أحدهما بعد الدّخول ‪ ،‬وقف المر على انتهاء‬
‫ن حِلّ ّل ُهمْ وَلَا ُهمْ َيحِلّو َ‬
‫هُ ّ‬
‫ن سبب‬
‫العدّة ‪ ،‬فإن أسلم الخر في العدّة بقي نكاحهما ‪ ،‬وإلّ تب ّينّا فسخه منذ أسلم الوّل ‪ ،‬ل ّ‬
‫الفرقة اختلف الدّين ل اختلف الدّار ‪.‬‬
‫واستدلّوا بما رواه ابن شبرمة قال ‪ « :‬كان النّاس على عهد رسول اللّه صلى ال عليه وسلم‬
‫يسلم الرّجل قبل المرأة ‪ ،‬والمرأة قبله ‪ ،‬فأيّهما أسلم قبل انقضاء العدّة فهي امرأته ‪ ،‬وإن أسلم‬
‫بعد العدّة فل نكاح بينهما » ‪ ،‬ولم يذكر في الثر دار حرب ‪ ،‬ول دار إسلم ‪ ،‬فسبب الفرقة‬
‫إذا اختلف الدّين ‪ .‬فكون أحد الزّوجين في دار الحرب ل يوجب فرق ًة ‪.‬‬
‫ن الفرقة تحصل باختلف الدّارين ‪ ،‬فإن خرج أحد الزّوجين إلى دار‬
‫وذهب الحنفيّة إلى أ ّ‬
‫السلم مسلما أو ذ ّميّا ‪ ،‬وترك الخر في دار الحرب وقعت الفرقة بينهما ‪ ،‬لنّه باختلف‬
‫الدّارين يخرج الملك من أن يكون منتفعًا به ‪ ،‬لعدم التّمكّن من النتفاع عادةً ‪ ،‬فلم يكن في‬
‫بقائه فائدة ‪ .‬وانظر مصطلح ‪ ( :‬اختلف الدّار ) ‪.‬‬
‫قسمة الغنيمة في دار الحرب ‪:‬‬
‫‪ - 8‬اختلف الفقهاء في صحّة قسم الغنيمة في دار الحرب ‪.‬‬
‫فذهب المالكيّة ‪ ،‬والشّافعيّة ‪ ،‬والحنابلة إلى أنّه يجوز قسمتها في دار الحرب ‪ ،‬وتبايعها فيها‪،‬‬
‫واستدلّوا بما روى أبو إسحاق الفزاريّ قال ‪ :‬قلت للوزاعيّ ‪ :‬هل قسّم رسول اللّه صلى ال‬
‫عليه وسلم شيئا من الغنائم بالمدينة ؟ فقال ‪ :‬ل أعلمه ‪ ،‬إنّما كان النّاس يتّبعون غنائمهم ‪،‬‬
‫ويقسمونها في أرض عدوّهم ‪ ،‬ولم يغفل رسول اللّه صلى ال عليه وسلم عن غزاة قطّ أصاب‬
‫ل خمّسها وقسمها من قبل أن يغفل ‪ ،‬من ذلك غزاة بني المصطلق ‪ ،‬وهوازن ‪،‬‬
‫فيها غنيمةً إ ّ‬
‫وخيبر ‪ ،‬ولنّ الملك يثبت فيها بالقهر والستيلء فصحّت قسمته ‪ ،‬ولنّ قسمة أموالهم في‬
‫دارهم أنكى لهم ‪ ،‬وأطيب لقلوب المجاهدين ‪ ،‬وأحفظ للغنيمة ‪ ،‬وأرفق بهم في التّصرّف ‪.‬‬
‫وقال الحنفيّة ‪ :‬القسمة نوعان ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬قسمة حمل ونقل ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬وقسمة ملك ‪.‬‬
‫أمّا قسمة الحمل ‪ ،‬فهي إن عزّت الدّوابّ ‪ ،‬ولم يجد المام حمولةً يفرّق الغنائم على الغزاة‬
‫ل رجل على قدر نصيبه إلى دار السلم ‪ ،‬ثمّ يستردّها منهم ‪ ،‬فيقسمها قسمة ملك ‪.‬‬
‫فيحمل ك ّ‬
‫أمّا قسمة الملك فل تجوز في دار الحرب حتّى يخرجوها إلى دار السلم ‪ ،‬ويحرزوها ‪،‬‬
‫ق الشّفيع فإنّه‬
‫ق يثبت بنفس الخذ ‪ ،‬ويتأكّد بالحراز ‪ ،‬ويتمكّن بالقسمة كح ّ‬
‫ن الح ّ‬
‫وقالوا ‪ :‬إ ّ‬
‫يثبت بالبيع ‪ ،‬ويتأكّد بالطّلب ‪ ،‬ويتمّ الملك بالخذ ‪ ،‬وما دام الحقّ ضعيفا ل تجوز القسمة لنّه‬
‫ن السّبب هو القهر ‪ ،‬وقبل الحراز هم‬
‫دون الملك الضّعيف في المبيع قبل القبض ‪ ،‬ول ّ‬
‫قاهرون يدًا مقهورون دارا ‪ ،‬والثّابت من وجه دون وجه يكون ضعيفا ‪.‬‬
‫‪ -9‬وينبني على هذا الخلف بين الحنفيّة ‪ ،‬والجمهور أحكام ‪.‬‬
‫منها ‪ :‬أنّه إذا مات أحد الغانمين في دار الحرب ل يورث من الغنيمة عند الحنفيّة ‪ ،‬وعند‬
‫الجمهور يورث ‪.‬‬
‫ومنها ‪ :‬إذا لحق الجيش أحد بعد الحيازة في دار الحرب ل يشارك عند الجمهور ‪ ،‬وعند‬
‫الحنفيّة يشاركهم إذا لحق قبل الحيازة إلى دار السلم ‪.‬‬
‫وإذا أتلف أحد الغانمين شيئا من الغنيمة في دار الحرب يضمن عند الجمهور ‪ ،‬ول يضمن‬
‫عند الحنفيّة ‪.‬‬
‫استيلء الكفّار على أموال المسلمين ‪ ،‬وأثر الدّار في ذلك ‪:‬‬
‫‪ - 10‬اختلف الفقهاء في تملّك أهل الحرب أموال المسلمين بالستيلء عليها ‪ ،‬فذهب الشّافعيّة‬
‫إلى أنّهم ل يملكونها وإن أحرزوها بدارهم ‪،‬لنّه مال معصوم طرأت عليه يد عادية‪ ،‬فلم يملك‬
‫بها كالغصب ‪ .‬وإذا كان المسلم ل يملك مال المسلم بالستيلء عليه بغصب ‪ ،‬فالمشرك أولى‬
‫ألّ يملك ‪ .‬وخبر « عمران بن حصين في النصاريّة الّتي أسرت ‪ ،‬ثمّ امتطت ناقة رسول‬
‫اللّه صلى ال عليه وسلم ‪ ،‬وأعجزت من طلبها ‪ ،‬فنذرت النصاريّة إن نجّاها اللّه عليها‬
‫لتنحرنها ‪ ،‬فلمّا قدمت المدينة رآها النّاس ‪ ،‬فقالوا ‪ :‬العضباء ‪ ،‬ناقة رسول اللّه صلى ال عليه‬
‫وسلم ‪ .‬فقالت ‪ :‬إنّها نذرت إن نجّاها اللّه عليها لتنحرنها ‪ ،‬فأتوا رسول اللّه صلى ال عليه‬
‫وسلم فذكروا ذلك له ‪ ،‬فقال ‪ :‬سبحان اللّه ‪ ،‬بئسما جزتها ‪ ،‬نذرت للّه إن نجّاها اللّه عليها‬
‫لتنحرنها ‪ ،‬ل وفاء لنذر في معصية ‪ ،‬ول فيما ل يملك العبد » ‪.‬‬
‫ولو كان المشركون يملكون على المسلمين أموالهم لملكت النصاريّة النّاقة ‪ .‬لنّها تكون‬
‫ن الرّسول صلى ال عليه‬
‫أخذت مالً غير معصوم في دار حرب وأحرزوه بدارهم ‪ ،‬ولك ّ‬
‫وسلم أخبر أنّها نذرت فيما ل تملك وأخذ ناقته ‪ ،‬وبه قال أبو الخطّاب من الحنابلة ‪ ،‬قال ‪:‬‬
‫وهو ظاهر كلم أحمد ‪.‬‬
‫وقال الحنفيّة ‪ ،‬والقاضي أبو يعلى من الحنابلة ‪ :‬إنّ أهل دار الحرب إذا دخلوا دار السلم‬
‫واستولوا على أموال المسلمين ولم يحرزوها بدارهم ل يملكونها ‪ ،‬أمّا إذا أحرزوها بدارهم‬
‫ن ملك المسلم يزول بالحراز بدار الحرب ‪ ،‬فتزول العصمة ‪،‬‬
‫فإنّهم يملكونها ‪ .‬وقالوا ‪ :‬ل ّ‬
‫ن الملك هو ‪ :‬الختصاص بالمحلّ في حقّ‬
‫فكأنّهم استولوا على مال مباح غير مملوك ‪ ،‬ل ّ‬
‫التّصرّف ‪ ،‬أو شرع للتّمكّن من التّصرّف في المحلّ ‪ ،‬وقد زال بالحراز بالدّار ‪ .‬فإذا زال‬
‫معنى الملك أو ما شرع له الملك ‪ ،‬يزول الملك ضرور ًة ‪.‬‬
‫وقال المالكيّة والحنابلة في قول ‪ :‬يملكونها بالستيلء في دار السلم ‪.‬‬
‫وقالوا ‪ :‬لنّ القهر سبب يملك به المسلم مال الكافر ‪ ،‬فملك به الكافر مال المسلم كالبيع ‪،‬‬
‫ن الستيلء سبب الملك فيثبت قبل الحيازة إلى الدّار ‪ ،‬كاستيلء المسلمين على مال‬
‫ول ّ‬
‫الكفّار‪ ،‬ولنّ ما كان سببا للملك أثبت الملك حيث وجد ‪ ،‬كالهبة والبيع ‪.‬‬
‫وينبني على هذا الخلف ‪ ،‬اختلفهم في حكم ما استولى عليه أهل دار الحرب من أموال‬
‫المسلمين ثمّ استردّه المسلمون ‪ ،‬فمن رأى أنّهم يملكون أموال المسلمين ‪ :‬يرى أنّه إذا وجده‬
‫مالكه المسلم أو ال ّذ ّميّ قبل القسمة أخذه بدون ردّ قيمته ‪ ،‬أمّا إذا وجده بعد القسمة فإنّه يأخذه‬
‫بقيمته ‪ .‬ومن ذهب إلى أنّهم ل يملكونه ‪ :‬يرى أنّ المسلم إذا وجد ماله في الغنيمة أخذه قبل‬
‫القسمة وبعد القسمة بل ردّ شيء ‪.‬‬
‫قضاء القاضي المسلم في منازعات حدثت أسبابها في دار الحرب ‪:‬‬
‫ي في دار الحرب مضاربةً ‪ ،‬أو‬
‫‪ - 11‬إذا دخل مسلم دار الحرب بأمان ‪ ،‬وأخذ مالً من حرب ّ‬
‫وديع ًة ‪ ،‬أو بشراء أو ببيع في ال ّذمّة أو قرض ‪ ،‬فالثّمن في ذمّته ‪ ،‬عليه أداؤه إليه بمقتضى‬
‫ي إلى دار السلم مستأمنا قضى القاضي على المسلم بماله كما‬
‫العقد ‪ ،‬وإذا خرج الحرب ّ‬
‫ن الحكم جار على المسلم حيث كان ‪ ،‬ل نزيل‬
‫ي في دار السلم ‪ ،‬ل ّ‬
‫يقضي به للمسلم وال ّذمّ ّ‬
‫الحقّ عنه بأن يكون في موضع من المواضع ‪ .‬كما ل تزول الصّلة عنه بأن يكون في دار‬
‫ي من حربيّ أو مسلم مالً ثمّ دخل إلينا فأسلم ‪ ،‬فعليه البدل‬
‫الحرب ‪ ،‬وكذلك إن اقترض حرب ّ‬
‫ويقضى عليه للتزامه بعقد ‪.‬‬
‫أمّا إن أتلف عليه ماله أو غصبه منه في دار الحرب ‪ ،‬فقدما إلينا بإسلم ‪ ،‬أو أمان ‪ ،‬فل‬
‫ضمان عليه في الصحّ عند الشّافعيّة ‪ ،‬وهو مقتضى مذهب الحنابلة ‪ ،‬لنّه لم يلتزم شيئا ‪،‬‬
‫ن مال الحربيّ ل يزيد على مال المسلم ‪ ،‬وهو ل يوجب‬
‫والتلف ليس عقدا يستدام ‪ ،‬ول ّ‬
‫الضّمان على الحربيّ ‪ ،‬ومقابل الصحّ عند الشّافعيّة أن يضمن ‪.‬‬
‫وقال الحنفيّة ‪ :‬ليس للقاضي المسلم القضاء من حربيّين إذا خرجا إلينا مستأمنين ‪ ،‬لنّ‬
‫المداينة في دار الحرب وقعت هدرًا لنعدام وليتنا عليهم ‪ .‬أمّا لو خرجا إلينا مسلمين فإنّه‬
‫يقضى بينهما لثبوت الولية ‪ ،‬أمّا في الغصب والتلف فل يقضى ‪ ،‬وإن خرجا إلينا مسلمين‪.‬‬
‫عصمة النفس والموال في دار الحرب ‪:‬‬
‫‪ - 12‬الصل أنّ أموال أهل الحرب ودماءهم مباحة ل عصمة لهم في شيء من ذلك ‪،‬‬
‫وللمسلمين الستيلء على أنفسهم وأموالهم بشتّى الطّرق ‪ ،‬لنّهم يستبيحون دماءنا وأموالنا‪،‬‬
‫وهذا محلّ اتّفاق بين الفقهاء ‪ ،‬ولكن ذكروا حالت تثبت لنفسهم ولموالهم العصمة وهم في‬
‫دار الحرب ‪ ،‬منها ‪:‬‬
‫‪ - 13‬أ ‪ -‬إذا دخل المسلم دار الحرب بأمان أو بأسر ‪ ،‬وائتمنوه على نفس أو مال لم يحلّ له‬
‫خيانتهم في شيء ‪ ،‬لنّهم أعطوه المان مشروطًا بتركه خيانتهم ‪ ،‬وأمنه إيّاهم من نفسه ‪ ،‬وإن‬
‫لم يكن ذلك في اللّفظ ‪ ،‬فهو معلوم في المعنى ‪ ،‬فلم يحلّ له خيانتهم ‪ ،‬لنّه غدر ‪ ،‬ول يصلح‬
‫الغدر في السلم ‪ ،‬فإن سرق منهم شيئا أو غصب ‪ ،‬وجب ردّه إلى أربابه ‪ ،‬فإن جاء أربابه‬
‫إلى دار السلم بأمان ردّه إليهم ‪ ،‬وإلّ بعث به إليهم ‪ ،‬لنّه أخذه على وجه محرّم فلزمه‬
‫ردّه ‪ ،‬كما لو أخذ مال مسلم ‪.‬‬
‫وإذا أسلم الحربيّ في دار الحرب حقن دمه ‪ ،‬وأحرز ماله وأولده الصّغار من السّبي ‪ ،‬فإذا‬
‫ص منه عند الشّافعيّ ‪ ،‬وإن قتله خطأً فعليه الدّية والكفّارة عند الشّافعيّ‬
‫قتله مسلم عمدا اقت ّ‬
‫وأبي يوسف لعموم الدلّة في عصمة دم المسلم وماله أينما كان وحيث وجد ‪.‬‬
‫ل الكفّارة في‬
‫وقال الحنفيّة ‪ :‬إذا قتله مسلم عمدًا في دار الحرب ‪ ،‬أو خطأً فل شيء عليه إ ّ‬
‫حرِيرُ َر َقبَةٍ‬
‫عدُ ّو ّل ُكمْ وَ ُهوَ ْم ْؤمِنٌ َف َت ْ‬
‫الخطأ ‪ ،‬واستدلّوا بقوله تعالى ‪َ { :‬فإِن كَانَ مِن قَ ْومٍ َ‬
‫مّ ْؤ ِمنَةٍ } ولم يذكر الدّية ‪ .‬وينظر مصطلح ‪ ( :‬قتل عمد ) ‪.‬‬
‫أمّا أولده ال صّغار فأحرار مسلمون تبعا له أمّا ماله فما كان بيده من منقول ف هو له ‪ .‬وكذلك‬
‫ما كان بيد مسلم وديعةً ‪ ،‬أو بيد ذ ّميّ فهو له ‪ ،‬لنّ يد المودع كيد المالك فكان معصوما ‪.‬‬
‫أمّا العقار من ماله فإن ظهر المسلمون على دار الحرب فهي غنيمة ‪ ،‬لنّها بقعة من دار‬
‫الحرب فجاز اغتنامها ‪.‬‬
‫‪ - 14‬ب ‪ -‬وإذا أسلم الحربيّ في دار السلم ‪ ،‬أو خرج إليها ‪ ،‬وله أولد صغار في دار‬
‫الحرب صاروا مسلمين ‪ ،‬ولم يجز سبيهم ‪ ،‬وإلى هذا ذهب الشّافعيّة والحنابلة ‪ .‬وقالوا ‪ :‬إنّهم‬
‫ن ماله مال مسلم‬
‫أولد مسلم ‪ ،‬فيجب أن يتّبعوه في السلم كما لو كانوا معه في الدّار ‪ ،‬ول ّ‬
‫فل يجوز اغتنامه كما لو كان في دار السلم ‪.‬‬
‫وقال الحنفيّة ‪ :‬إن أسلم في دار الحرب ‪ ،‬وهاجر إلينا ثمّ ظهر المسلمون على الدّار ‪ ،‬فأمواله‬
‫فيء ‪ ،‬إلّ ما كان في يد مسلم أو ذمّيّ وديعةً ‪.‬‬
‫وإن أسلم في دار السلم ث ّم ظهر المسلمون على الدّار فجميع أمواله وأولده الصّغار فيء ‪،‬‬
‫ن اختلف الدّار يمنع التّبعيّة ‪ ،‬وإلى هذا ذهب المالكيّة أيضا ‪.‬‬
‫لّ‬
‫وقال الحنفيّة ‪ :‬إذا دخل المسلم دار الحرب فأصاب مالً ‪ ،‬ثمّ ظهر المسلمون على الدّار‬
‫فحكمه حكم الّذي أسلم في دار الحرب ولم يهاجر إلينا ‪.‬‬
‫التّجارة في دار الحرب ‪:‬‬
‫‪ - 15‬ل خلف بين الفقهاء في أنّه ليس للتّاجر أن يحمل إلى دار الحرب ما يستعين به أهل‬
‫ل ما من شأنه‬
‫الحرب على الحرب ‪ ،‬كالسّلح بأنواعه ‪ ،‬والسّروج ‪ ،‬والنّحاس ‪ ،‬والحديد ‪ ،‬وك ّ‬
‫ن في ذلك إمدادهم وإعانتهم على حرب المسلمين ‪ ،‬وليس للحربيّ إذا‬
‫تقويتهم في الحرب ‪ ،‬ل ّ‬
‫دخل دار السلم أن يشتري سلحا ‪ ،‬وإذا اشترى ل ُي َمكّن من إدخاله إلى دار الحرب ‪.‬‬
‫أمّا التّجار بغير السّلح ونحوه ممّا ل يستخدم في الحرب في دار الحرب ‪ ،‬فل بأس به ‪،‬‬
‫ل أن يحتاج المسلمون إلى‬
‫كالثّياب ‪ ،‬والطّعام ‪ ،‬ونحو ذلك لنعدام علّة المنع من البيع ‪ .‬إ ّ‬
‫السّلعة فل يحمل إليهم ‪ ،‬وجرت العادة على ذلك من ال ّتجّار ‪ ،‬وأنّهم كانوا يدخلون دار الحرب‬
‫ن الفضل أن يتركوا ذلك ‪ ،‬لنّهم‬
‫للتّجارة من غير ظهور المنع ول إنكار عليهم ‪ ،‬ولك ّ‬
‫يستخفّون بالمسلمين ‪ ،‬ويدعونهم إلى ما هم عليه ‪ ،‬فكان الكفّ والمساك عن الدّخول في‬
‫دارهم من باب صيانة النّفس عن الهوان ‪ ،‬والدّين عن الزّوال ‪.‬‬
‫وقال المالكيّة ‪ :‬يكره المتاجرة في دار الحرب كراهةً شديدةً ‪ ،‬ول ينبغي للمسلم أن يخرج إلى‬
‫بلدهم حيث تجري أحكام الكفر عليه ‪.‬‬
‫أثر اختلف الدّار في أحكام السرة والتّوارث ‪:‬‬
‫ن المسلم يرث المسلم وإن كان أحدهما في دار الحرب‬
‫‪ - 16‬ل خلف بين الفقهاء في أ ّ‬
‫والخر في دار السلم ‪ ،‬واختلفوا في توارث غير المسلمين إذا اختلفوا في الدّار ‪.‬‬
‫( ر ‪ :‬اختلف الدّار ) ‪.‬‬

‫دار العهد *‬
‫التّعريف ‪:‬‬
‫‪ - 1‬من معاني العهد في اللّغة ‪ :‬المان ‪ ،‬وال ّذمّة ‪ ،‬واليمين ‪ ،‬والحفاظ ‪ ،‬ورعاية الحرمة ‪،‬‬
‫ل ما بين العباد من المواثيق فهو عهد ‪.‬‬
‫وك ّ‬
‫ل بلد صالح المام أهلها على أن تكون تلك الرض لهم ‪ ،‬وللمسلمين‬
‫ودار العهد هي ‪ :‬ك ّ‬
‫الخراج عنها ‪ .‬وتسمّى دار الموادعة ‪ ،‬ودار الصّلح ‪ ،‬ودار المعاهدة ‪.‬‬
‫اللفاظ ذات الصّلة ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬دار الحرب ‪:‬‬
‫‪ - 2‬دار الحرب هي كلّ بقعة تكون أحكام الكفر فيها ظاهر ًة ‪.‬‬
‫ل مكان يسكنه غير المسلمين ‪ ،‬ولم يسبق فيه حكم إسلميّ ‪ ،‬أو لم‬
‫وقال الشّافعيّة ‪ :‬هي ك ّ‬
‫ص من دار الحرب لوجود المواثيق بين‬
‫تظهر فيه قطّ أحكام السلم ‪ .‬فدار العهد أخ ّ‬
‫المسلمين وبين أهلها ‪ ،‬فلذا اختصّت عن دار الحرب بأحكام سيأتي بيانها ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬دار السلم ‪:‬‬
‫ل بلد أو إقليم تظهر فيه أحكام السلم ‪.‬‬
‫‪ - 3‬دار السلم هي ك ّ‬
‫ج ‪ -‬دار البغي ‪:‬‬
‫‪ - 4‬دار البغي هي المكان الّذي ينحاز إليه قوم مسلمون خرجوا عن طاعة المام بتأويل ‪،‬‬
‫وغلبوا عليه ‪.‬‬
‫الحكام المتعلّقة بدار العهد ‪:‬‬
‫‪ - 5‬يجوز أن يعقد المام مع أهل الحرب عهدا للمصلحة يترك بموجبه القتال مدّةً بعوض أو‬
‫بغير عوض ‪ ،‬فتكون تلك الدّار دار عهد ‪ .‬وانظر مصطلح ‪ ( :‬هدنة ) ‪.‬‬
‫وقسّم الفقهاء عقد الصّلح مع أهل الحرب إلى قسمين ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬قسم يشترط في عقد الصّلح أن تكون تلك الراضي لنا ‪ ،‬ونقرّها بأيديهم بخراج يؤدّونه‬
‫لنا ‪ .‬فهذا الصّلح صحيح باتّفاق الفقهاء ‪ ،‬ويكون الخراج الّذي يؤدّونه أجر ًة ل يسقط بإسلمهم‬
‫‪ ،‬ويؤخذ خراجها إذا انتقلت إلى مسلم ‪ ،‬وهم يصيرون أهل عهد ‪ .‬والدّار دار إسلم ليس لهم‬
‫أن يتصرّفوا فيها بالبيع ‪ ،‬أو الرّهن ‪ ،‬فإن دفعوا الجزية عن رقابهم جاز إقرارهم على‬
‫التّأبيد ‪ ،‬وإن منعوا الجزية لم يجبروا عليها ‪ ،‬ولم يقرّوا فيها إلّ المدّة الّتي يق ّر فيها أهل‬
‫الهدنة ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬وقسم يشترط في عقد الصّلح معهم أن تكون الرض لهم ‪ ،‬فاختلف الفقهاء في جوازه ‪.‬‬
‫فذهب الشّافعيّة والحنابلة إلى أنّه عقد صحيح ‪ ،‬والخراج الّذي يؤدّونه في حكم الجزية متى‬
‫أسلموا يسقط عنهم ‪ ،‬ول تصير الدّار دار إسلم ‪ ،‬وتكون دار عهد ولهم بيعها ‪ ،‬ورهنها ‪،‬‬
‫وإذا انتقلت إلى مسلم لم يؤخذ خراجها ‪ ،‬ويقرّون فيها ما أقاموا على العهد ‪ ،‬ول تؤخذ جزية‬
‫رقابهم ‪ ،‬لنّهم في غير دار السلم ‪ ،‬ولهم إحداث كنيسة فيها ‪ ،‬لنّ الرض لهم وليست دار‬
‫إسلم فيتصرّفون فيها كيف شاءوا ‪ ،‬ول يمنعون من إظهار شعائرهم فيها كالخمر ‪،‬‬
‫والخنزير ‪ ،‬وضرب النّاقوس ‪ ،‬ول يمنعون إلّ ممّا يتضرّر به المسلمون كإيواء جاسوس ‪،‬‬
‫ونقل أخبار المسلمين إلى العداء ‪ ،‬وسائر ما يتضرّر به المسلمون ‪ .‬ويجب على المام أن‬
‫يمنع المسلمين وال ّذ ّميّين من التّعرّض لهم ‪.‬‬
‫وقال الحنفيّة ‪ :‬إذا عقد العهد مع الكفّار على أن تجرى في دارهم أحكام السلم صارت‬
‫دارهم بالصّلح دار إسلم ‪ ،‬وصاروا أهل ذمّة تؤخذ جزية رقابهم ‪ ،‬وإذا طلب قوم من أهل‬
‫الحرب الموادعة مع المسلمين سنين معلومةً على أن يؤدّوا الخراج للمسلمين على أن ل‬
‫تجري أحكام السلم عليهم في دارهم لم يقبل منهم ‪ ،‬إلّ أن تكون في ذلك مصلحة‬
‫للمسلمين ‪ ،‬فإذا رأى المام مصلحةً في عقد العهد معهم بهذا الشّرط جاز بشرط الضّرورة ‪،‬‬
‫وهي ضرورة الستعداد للقتال بأن كان بالمسلمين ضعف وبالكفرة قوّة المجاوزة إلى قوم‬
‫آخرين ‪ ،‬فل تجوز عند عدم الضّرورة ‪ ،‬لنّ الموادعة ترك القتال المفروض ‪ ،‬فل يجوز إلّ‬
‫في حال يقع وسيل ًة إلى القتال ‪ ،‬لنّها حينئذ تكون قتالً معنىً ‪ ،‬قال اللّه تبارك وتعالى ‪ { :‬فَلَا‬
‫َت ِهنُوا َو َتدْعُوا إِلَى السّ ْلمِ وَأَنتُمُ ا ْلَأعْلَ ْونَ وَاللّ ُه َم َعكُ ْم } وعند تحقّق الضّرورة ل بأس به ‪ ،‬لقول‬
‫ن رسول اللّه‬
‫ح َلهَا َو َت َوكّلْ عَلَى اللّهِ } وقد روي أ ّ‬
‫جنَ ْ‬
‫ج َنحُو ْا لِلسّ ْلمِ فَا ْ‬
‫اللّه تبارك وتعالى ‪ { :‬وَإِن َ‬
‫صلى ال عليه وسلم « وادع أهل مكّة عام الحديبية على أن توضع الحرب عشر سنين » ‪.‬‬
‫ول يشترط إذن المام بالموادعة ‪ ،‬حتّى لو وادعهم فريق من المسلمين من غير إذن المام‬
‫ن المعوّل عليه كون عقد الموادعة مصلحةً للمسلمين ‪.‬‬
‫جازت موادعتهم ‪ ،‬ل ّ‬
‫ولكنّهم ل يخرجون بهذه الموادعة من أن يكونوا أهل حرب ‪ ،‬فإذا صالحهم ‪ ،‬فإن كان قد‬
‫أحاط مع الجيش ببلدهم فما يأخذه منهم على الصّلح يكون غنيم ًة يخمّسها ‪ ،‬ويقسم الباقي‬
‫على الجيش ‪ ،‬لنّه توصّل إليه بقوّة السّيف ‪ ،‬فإن لم ينزل بساحتهم ‪ ،‬وأرسلوا إليه وطلبوا منه‬
‫الموادعة بالمال ‪ ،‬فما يأخذه منهم يكون بمنزلة الجزية ‪ ،‬ل خمس فيه ‪ ،‬بل يصرف في‬
‫مصارف الجزية ‪.‬‬
‫المان لهل دار العهد ‪:‬‬
‫‪ - 6‬يمنع المام المسلمين وال ّذ ّميّين من إيذاء أهل دار العهد والتّعرّض لهم ‪ ،‬لنّهم استفادوا‬
‫المان في أنفسهم ‪ ،‬وأموالهم بالموادعة ‪ ،‬أمّا إن أغار عليهم قوم من أهل الحرب ‪ ،‬فل يجب‬
‫على المسلمين الدّفاع عنهم ‪ ،‬لنّهم بهذا العهد " الموادعة " ما خرجوا من أن يكونوا أهل‬
‫حرب ‪ ،‬لنّهم لم ينقادوا لحكم السلم ‪ ،‬فل يجب على المسلمين نصرتهم ‪ .‬وهذا العهد أو‬
‫الموادعة ‪ :‬عقد غير لزم محتمل للنّقض ‪ ،‬فللمام أن ينبذ إليهم ‪ ،‬لقوله تعالى ‪ { :‬وَِإمّا َتخَافَنّ‬
‫خيَانَةً فَانبِ ْذ إَِل ْيهِمْ عَلَى سَوَاء } أمّا إذا وقع على أن تجري في دارهم أحكام السلم‬
‫مِن قَ ْومٍ ِ‬
‫ن العهد الواقع على هذا الوجه عقد ذمّة ‪ .‬والدّار‬
‫فهو عقد لزم ‪ ،‬ل يحتمل النّقض منّا ‪ ،‬ل ّ‬
‫دار إسلم يجري فيها حكم السلم ‪.‬‬
‫فإن نقضوا الصّلح بعد استقراره معهم فقد اختلف فيه ‪.‬‬
‫ن دارهم تصير دار حرب ‪ ،‬وقال أبو حنيفة ‪ :‬إن‬
‫فذهب الشّافعيّ وأبو يوسف ومحمّد إلى أ ّ‬
‫كان في دارهم مسلم أو كان بينهم وبين دار الحرب بلد للمسلمين ‪ ،‬فتبقى دارهم دار إسلم‬
‫يجري على أهلها حكم البغاة ‪ ،‬وإن لم يكن بينهم مسلم ول بين دار الحرب بلد للمسلمين ‪،‬‬
‫فتكون دار حرب ‪.‬‬
‫وإذا نقضوا العهد وكان أحد منهم بدارنا ُيبَلّغ مأمنه ‪ ،‬أي ما يأمنون فيه منّا ومن أهل العهد‪،‬‬
‫ثمّ كانوا حربا لنا ‪.‬‬

‫دالية *‬
‫التّعريف ‪:‬‬
‫‪ - 1‬من معاني الدّالية في اللّغة ‪ :‬الدّلو ونحوها ‪ ،‬وخشب يصنع كهيئة الصّليب ‪ ،‬ويشدّ برأس‬
‫الدّلو ‪ ،‬ث ّم يؤخذ حبل يربط طرفه بذلك ‪ ،‬وطرفه بجذع قائم على رأس البئر ويسقى بها ‪،‬‬
‫فهي فاعلة بمعنى مفعولة ‪ ،‬والجمع ‪ :‬الدّوالي ‪.‬‬
‫ويستعمل الفقهاء هذا اللّفظ بالمعنى نفسه ‪.‬‬
‫اللفاظ ذات الصّلة ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬السّانية ‪:‬‬
‫‪ - 2‬السّانية ‪ :‬الدّلو الكبيرة تنصب على المسنويّة ‪ ،‬ثمّ تجرّه الماشية ذاهبةً وراجعةً ‪ ،‬والسّانية‬
‫أيضا النّاضحة ‪ ،‬وهي النّاقة الّتي يستقى عليها ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬النّاعورة ‪:‬‬
‫‪ - 3‬النّاعورة واحدة النّواعير الّتي يستقى بها يديرها الماء ولها صوت ‪.‬‬
‫فالدّالية ‪ ،‬والسّانية ‪ ،‬والنّاعورة وسائل رفع الماء إلى الرض ‪.‬‬
‫الحكم الجماليّ ‪:‬‬
‫ل ما سقي بكلفة ومؤنة من دالية ‪ ،‬أو سانية ‪ ،‬أو دولب ‪ ،‬أو‬
‫‪ - 4‬زكاة ما سقي بالدّالية ‪ :‬ك ّ‬
‫ناعورة ‪ ،‬أو غير ذلك ففيه نصف العشر ‪ .‬لحديث معاذ رضي ال عنه قال ‪ « :‬بعثني رسول‬
‫اللّه صلى ال عليه وسلم إلى اليمن ‪ ،‬وأمرني أن آخذ ممّا سقت السّماء وما سقي بعلً العشر‪،‬‬
‫ن للكلفة تأثيرا في إسقاط الزّكاة جملةً بدليل‬
‫وما سقي بالدّوالي نصف العشر » ‪ .‬ول ّ‬
‫المعلوفة ‪ ،‬فلن يؤثّر في تخفيفها أولى ‪ ،‬ولنّ الزّكاة إنّما تجب في المال النّامي ‪ ،‬وللكلفة‬
‫تأثير في تقليل النّماء ‪ ،‬فأثّرت في تقليل الواجب فيها ‪.‬‬
‫وللتّفصيل في زكاة ما سقي سيحًا وبدالية ونحوها ‪ .‬ينظر مصطلح ‪ ( :‬زكاة ) ‪.‬‬
‫نصب الدّالية على النهار ‪:‬‬
‫‪ - 5‬يجوز لكلّ واحد من المسلمين نصب الدّالية على النهار العامّة ‪ ،‬كالنّيل ‪ ،‬ودجلة ‪،‬‬
‫ن هذه النهار لم تدخل تحت يد أحد فل يثبت‬
‫والفرات ‪ ،‬ونحوها ‪ .‬إذا لم يضرّ بالنّهر ‪ ،‬ل ّ‬
‫ل واحد الحقّ في‬
‫الختصاص بها لحد ‪ ،‬فكان النّاس كلّهم فيها على السّواء ‪ ،‬وكان لك ّ‬
‫النتفاع ‪ ،‬لكن بشرط عدم الضّرر بالنّهر ‪ ،‬كالنتفاع بطريق العامّة ‪ ،‬وإن أضرّ بالنّهر فلكلّ‬
‫واحد من المسلمين منعه ‪ ،‬لنّه حقّ لعامّة المسلمين ‪ ،‬وإباحة التّصرّف في حقّهم مشروطة‬
‫بانتفاء الضّرر ‪ ،‬كالتّصرّف في الطّريق العظم ‪.‬‬
‫أمّا النّهر المشترك إذا أراد أحد الشّركاء نصب دالية عليه فينظر فيه ‪ ،‬فإن كان ل يضرّ‬
‫ل فل ‪ ،‬لنّ رقبة النّهر‬
‫بالشّرب والنّهر ‪ ،‬وكان موضع البناء أرض صاحبه جاز ‪ ،‬وإ ّ‬
‫ل متعلّق بالماء ‪ ،‬ول سبيل إلى‬
‫وموضع البناء ملك بين الجماعة على الشّركة ‪ ،‬وحقّ الك ّ‬
‫التّصرّف في الملك المشترك والحقّ المشترك إلّ برضا الشّركاء ‪ .‬وتفصيل ذلك ينظر في ‪:‬‬
‫( مياه ‪ ،‬نهر )‪.‬‬

‫دامعة *‬
‫التّعريف ‪:‬‬
‫‪ - 1‬الدّامعة في اللّغة ‪ :‬من دمعت العين دمعا ‪ ،‬أي سال دمعها ‪ ،‬والدّمع ‪ :‬ماء العين ‪ ،‬وشجّة‬
‫دامعة ‪ :‬تسيل دما ‪ ،‬فالدّامعة من الشّجاج هي الّتي يسيل منها الدّم كدمع العين ‪ .‬ويختلف‬
‫الفقهاء في معنى الدّامعة ‪ :‬فالشّافعيّة ‪ ،‬والحنابلة ‪ ،‬والطّحاويّ ‪ ،‬وقاضي زاده من الحنفيّة‬
‫يسايرون المعنى اللّغويّ ‪ ،‬والحنابلة يسمّونها البازلة والدّامية أيضا ‪.‬‬
‫وهي عند الحنفيّة على ما جاء في أكثر كتبهم ‪ ،‬كالبدائع والكافي وابن عابدين وعامّة الشّروح‬
‫‪ :‬هي الّتي تظهر الدّم ول تسيله كالدّمع في العين ‪.‬‬
‫وعند المالكيّة الدّامعة والدّامية شيء واحد ‪ ،‬وهي الّتي تصعق الجلد فيرشح منه دم ‪ ،‬كالدّمع‬
‫من غير أن ينشقّ الجلد ‪.‬‬
‫الحكم الجماليّ ‪:‬‬
‫‪ - 2‬الدّامعة إمّا أن تكون عمدًا أو خطأً ‪ .‬فإن كانت عمدًا ففيها القصاص عند المالكيّة ‪ ،‬وهو‬
‫ظاهر المذهب عند الحنفيّة ‪ ،‬وهو قول عند الشّافعيّة ‪ .‬وإنّما يجب القصاص لمكان المماثلة‬
‫ص}‪.‬‬
‫ح قِصَا ٌ‬
‫جرُو َ‬
‫في الستيفاء ‪ ،‬ولظاهر قوله تعالى ‪ { :‬وال ُ‬
‫وذهـب الشّافعيّة والحنابلة ‪ ،‬وأبـو حنيفـة فـي روايـة ‪ ،‬إلى أنّه ل قصـاص فيهـا لعدم إمكان‬
‫السـتيفاء بصـفة المماثلة ‪ ،‬وإنّمـا فيهـا حكومـة عدل ‪ ،‬لنّه ليـس فيهـا أرش مقدّر ول يمكـن‬
‫إهدارها فتجب الحكومة ‪ ،‬وروي ذلك عن النّخعيّ وعمر بن عبد العزيز ‪.‬‬
‫وإن كا نت الدّام عة خطأً ففي ها حكو مة عدل ‪ ،‬لنّه لم يرد في ها ش يء مقدّر من الشّرع ‪ ،‬ول‬
‫يمكن إهدارها فوجب فيها حكومة عدل ‪.‬‬
‫شجّة ‪ ،‬أو برئت على شين ‪ ،‬فإذا برئت دون أثر فل شيء فيها عند المالكيّة‬
‫وهذا إذا لم تبرأ ال ّ‬
‫والحنابلة وأبي حنيفة ‪ ،‬ل نّ الرش إنّما يجب بالشّين الّذي يلحق المشجوج بالثر ‪ ،‬وقد زال‬
‫فسقط الرش ‪.‬‬
‫شجّة قد تحقّقت ول سبيل إلى إهدارها ‪ ،‬وقد تعذّر‬
‫ن ال ّ‬
‫وقال أبو يوسف ‪ :‬عليه حكومة اللم ل ّ‬
‫إيجاب أرش الشّجّة ‪ ،‬في جب أرش اللم ‪ ،‬وقال محمّد ‪ :‬ي جب قدر ما أن فق من أجرة الطّبيب‬
‫وثمن الدّواء ‪.‬‬
‫وقال الشّافعيّة ‪ :‬إذا برئت ولم تنقص شيئا فوجهان أحدهما ‪ :‬ل شيء عليه سوى التّعزير كما‬
‫لو لطمه أو ضربه بمثقل فزال اللم ‪.‬‬
‫والثّاني ‪ :‬يفرض القاضي شيئا باجتهاده ‪.‬‬
‫وتفصيل ذلك في ‪ ( :‬جناية على ما دون النّفس ‪ ،‬شجاج ‪ ،‬قصاص ‪ ،‬دية ) ‪.‬‬

‫دامغة *‬
‫التّعريف ‪:‬‬
‫شجّة الدّماغ ‪،‬‬
‫‪ - 1‬الدّامغة في اللّغة ‪ :‬من دمغه أي أصاب دماغه ‪ ،‬وشجّه حتّى بلغت ال ّ‬
‫والدّامغة من الشّجاج هي الّتي تهشّم الدّماغ ول حياة معها غالبا ‪.‬‬
‫وهي عند الفقهاء كذلك ‪ ،‬فقد قالوا ‪ :‬هي الّتي تخرق خريطة الدّماغ " الجلدة الرّقيقة السّاترة‬
‫خ " وتصل إليه ‪ .‬وهي مذفّفة غالبا ‪ .‬ولذلك لم يذكرها محمّد بن الحسن صاحب أبي حنيفة‬
‫للم ّ‬
‫في الشّجاج للموت بعدها عادةً ‪ ،‬فتكون عنده قتلً ل شجّا ‪.‬‬
‫الحكم الجماليّ ‪:‬‬
‫‪ - 2‬الدّامغة من الشّجاج إن كانت عمدا فل قصاص فيها إن لم تفض إلى الموت ‪ ،‬لنّه ل‬
‫يمكن استيفاء القصاص بالمثل لعظم خطرها وخشية السّراية إلى النّفس ‪ ،‬ولذلك يستوي في‬
‫الحكم فيها عمدها وخطؤها ‪ .‬وهذا باتّفاق ‪.‬‬
‫وفيها ثلث الدّية قياسا على المأمومة " المّة " لما روي في حديث عمرو بن حزم « أنّ‬
‫رسول اللّه صلى ال عليه وسلم كتب إلى أهل اليمن كتابا فيه الفرائض والسّنن والدّيات ‪،‬‬
‫وفيه ‪ :‬في المأمومة ثلث الدّية » ‪.‬‬
‫وقال الماورديّ من الشّافعيّة ‪ ،‬وهو قول عند الحنابلة ‪ :‬يجب على الجاني أرش مأمومة‬
‫ن خرق الجلد جناية بعد المأمومة فوجب لجلها حكومة ‪.‬‬
‫وحكومة عدل ‪ ،‬ل ّ‬
‫وفي قول عند الشّافعيّة ‪ :‬تجب دية كاملة ‪ .‬وقال الشّافعيّة والحنابلة ‪ :‬يجوز أن يقتصّ‬
‫ص بعض حقّه ‪ ،‬ولنّها داخلة في الجناية يمكن القصاص فيها ‪ ،‬ويأخذ‬
‫موضحةً ‪ ،‬لنّه يقت ّ‬
‫الرش في الباقي عند الشّافعيّة ‪ ،‬وهو وجه عند الحنابلة واختاره ابن حامد لنّه تعذّر‬
‫ل من واحدة ‪.‬‬
‫القصاص فيه فانتقل إلى البدل ‪ ،‬كما لو قطع أصبعيه ولم يمكن الستيفاء إ ّ‬
‫والوجه الثّاني عند الحنابلة ‪ :‬ليس له أرش الباقي ‪ ،‬وهو اختيار أبي بكر ‪ ،‬لنّه جرح واحد‬
‫فل يجمع فيه بين قصاص ودية ‪.‬‬
‫ن الحكم بثلث الدّية إنّما هو إذا عاش المشجوج ‪ ،‬أمّا إذا مات بها فإن كانت الجناية عمدا‬
‫ثمّ إ ّ‬
‫ففيها القصاص في النّفس ‪ ،‬وإن كانت خطأً ففيها دية نفس كاملةً ‪.‬‬

‫دامية *‬
‫التّعريف ‪:‬‬
‫شجّة الدّامية ‪:‬‬
‫‪ - 1‬الدّامية في اللّغة ‪ :‬من دمي الجرح يدمى دميا ودمىً ‪ :‬خرج منه الدّم وال ّ‬
‫هي الّتي يخرج دمها ول يسيل ‪ .‬ويختلف الفقهاء في معنى الدّامية ‪.‬‬
‫فالمالكيّة والشّافعيّة يسايرون المعنى اللّغويّ ‪ ،‬إذ يقول المالكيّة ‪ :‬هي الّتي تضعّف الجلد‬
‫فيرشح منه دم من غير أن ينشقّ الجلد ‪.‬‬
‫ويقول الشّافعيّة ‪ :‬هي الّتي تدمي من غير سيلن الدّم ‪.‬‬
‫ن الدّامية هي الّتي تخرج الدّم وتسيله ول توضح العظم ‪ ،‬وهو ما‬
‫وأكثر الحنفيّة يقولون ‪ :‬إ ّ‬
‫ذهب إليه الحنابلة الّذين يسمّونها أيضا البازلة والدّامغة ‪.‬‬
‫الحكم الجماليّ ‪:‬‬
‫ل تفاصيله سواء أكانت عمدا أم خطأً ‪ ( .‬ر ‪ :‬دامعة ) ‪.‬‬
‫‪ - 2‬حكم الدّامية هو حكم الدّامعة بك ّ‬

‫دباغة *‬
‫التّعريف ‪:‬‬
‫‪ - 1‬الدّباغة في اللّغة ‪ :‬مصدر دبغ الجلد يدبغه دبغا ودباغ ًة ‪ ،‬أي عالجه وليّنه بالقرط ونحوه‬
‫ليزول ما به من نتن وفساد ورطوبة ‪.‬‬
‫والدّباغة أيضا اسم يطلق على حرفة ال ّدبّاغ وهو صاحبها ‪.‬‬
‫أمّا الدّبغ والدّباغ بالكسر فهما ما يدبغ به الجلد ليصلح ‪ .‬والمدبغة موضع الدّبغ ‪.‬‬
‫وتطلق الدّباغة في اصطلح الفقهاء على المعنى اللّغويّ نفسه ‪.‬‬
‫قال الخطيب الشّربينيّ ‪ :‬الدّبغ نزع فضول الجلد ‪ ،‬وهي مائيّته ورطوباته الّتي يفسده بقاؤها‪،‬‬
‫ويطيّبه نزعها بحيث لو نقع في الماء لم يعد إليه النّتن والفساد ‪.‬‬
‫ويشترط عند بعض الفقهاء أن يكون الدّبغ بما يحرف الفم ‪ ،‬أي يلذع اللّسان بحرافته كالقرظ‬
‫والعفص ونحوهما ‪ ،‬كما سيأتي ‪ ( :‬ف ‪. ) 7 /‬‬
‫اللفاظ ذات الصّلة ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬الصّباغة ‪:‬‬
‫صبّاغ ‪ ،‬والصّبغ والصّبغة والصّباغ بالكسر كلّها بمعنىً ‪ ،‬وهو ما‬
‫‪ - 2‬الصّباغة حرفة ال ّ‬
‫يصبغ به ‪ ،‬والصّبغ بالفتح مصدر ‪ ،‬يقال ‪ :‬صبغ الثّوب صبغا ‪ :‬أي لوّنه بالصّباغ ‪ ،‬والصل‬
‫في معناه التّغيير ‪ ،‬ويعرض للجلد وغيره ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬التّشميس ‪:‬‬
‫‪ - 3‬التّشميس مصدر شمّست الشّيء إذا وضعته في الشّمس ‪ ،‬والمراد به أن يبسط الجلد في‬
‫الشّمس لتجفّ منه الرّطوبة ‪ ،‬وتزول عنه الرّائحة الكريهة ‪.‬‬
‫واعتبره الحنفيّة ومن معهم دباغا حكميّا كما سيأتي ‪.‬‬
‫ج ‪ -‬التّتريب ‪:‬‬
‫‪ - 4‬التّتريب مصدر ترّب ‪ ،‬يقال ‪ :‬ترّبت الهاب تتريبا ‪ ،‬إذا نثر عليه التّراب لزالة ما عليه‬
‫من رطوبة ورائحة كريهة ‪ ،‬ويقال أيضا ‪ :‬ترّبت الشّيء إذا وضعت عليه التّراب ‪.‬‬
‫وهو أيضا نوع من أنواع الدّباغ الحكميّ عند الحنفيّة ومن معهم ‪.‬‬
‫مشروعيّة الدّباغة ‪:‬‬
‫‪ - 5‬الدّباغة مباحة ‪ ،‬وهي من الحرف الّتي فيها مصلحة للنّاس ‪.‬‬
‫وقد استدلّوا لجواز الدّباغة بأحاديث منها ‪ :‬قوله صلى ال عليه وسلم ‪ « :‬أيّما إهاب دبغ فقد‬
‫ن الدّباغة وسيلة لتطهير الجلود بإزالة ما بها من نتن وفساد فينتفع بها ‪ ،‬كما ينتفع‬
‫طهر » ول ّ‬
‫من سائر الشياء الطّاهرة ‪.‬‬
‫ما يقبل الدّباغة ‪:‬‬
‫‪ - 6‬الجلود هي الّتي تدبغ غالبًا وتطهر بالدّباغ على تفصيل يأتي بيانه ‪.‬‬
‫ن المثانة والكرش ‪ ،‬مثل الهاب في قبول الدّباغ‬
‫وذكر بعض الفقهاء ‪ -‬منهم الحنفيّة ‪ -‬أ ّ‬
‫ل عن البحر ‪ :‬فلو دبغت المثانة وجعل‬
‫والطّهارة به ‪ ،‬وكذلك المعاء ‪ .‬قال ابن عابدين نق ً‬
‫فيها لبن جاز ‪ .‬وكذلك الكرش إن كان يقدر على إصلحه ‪.‬‬
‫وقال أبو يوسف ‪ :‬إنّه ل يطهر ‪ ،‬لنّه كاللّحم ‪ ،‬وإذا أصلح أمعاء شاة ميّتة فصلّى وهي معه‬
‫جاز ‪ ،‬لنّه يتّخذ منها الوتار وهو كالدّباغ ‪.‬‬
‫وقال البهوتيّ من الحنابلة ‪ :‬وجعل المصران وترا دباغ ‪ ،‬وكذا جعل الكرش ‪ ،‬لنّه هو‬
‫المعتاد فيه ‪.‬‬
‫ن جلد الميتة من الحيّة الصّغيرة الّتي لها دم ‪ ،‬وكذلك الفأرة ل يقبلن‬
‫وذكر الحنفيّة أيضا أ ّ‬
‫الدّباغ فل يطهران بالعلج ‪.‬‬
‫ما تحصل به الدّباغة ‪:‬‬
‫‪ - 7‬ما يحصل به الدّباغة يسمى دبغا ودباغا ‪ ،‬واتّفق الفقهاء على أنّه يشترط في الدّباغ أن‬
‫يكون منشّفا للرّطوبة منقيا للخبث ‪ ،‬مزيلً للريح ‪ ،‬ول يشترط أن تكون الدّباغة بفعل فاعل ‪،‬‬
‫فإن وقع الجلد في مدبغته بنحو ريح ‪ ،‬أو ألقي الدّبغ عليه كذلك فاندبغ به كفى ‪.‬‬
‫كما ليشترط أن يكون الدّابغ مسلما ‪.‬‬
‫وذهب فقهاء المالكيّة والشّافعية وهو قول عند الحنابلة ‪ :‬إلى أنّه ل يشترط أن يكون الدّباغ‬
‫ن حكمة الدّباغ إنّما هي بأن يزيل عفونة الجلد ويهيئه للنتفاع به على الدوام ‪ .‬فما‬
‫طاهرا ‪ ،‬فإ ّ‬
‫أفاد ذلك جاز به ‪ ،‬طاهرا كان كالقرظ والعفص ‪ ،‬أو نجسا كزرق الطّيور ‪.‬‬
‫وهل يشترط غسل الجلد أثناء أو بعد الدّباغة ؟ فيه تفصيل يأتي بيانه ‪.‬‬
‫والمذهب عند الحنابلة أنّه يشترط أن يكون الدّباغ طاهرا ‪ ،‬لنّها طهارة من نجاسة فلم تحصل‬
‫بنجس ‪ ،‬كالستجمار و الغسل ‪.‬‬
‫وصرّح جمهور الفقهاء " المالكيّة والشّافعية والحنابلة " بأنّه ليكفي في الدّباغة التشميس ‪ ،‬ول‬
‫التتريب ‪ .‬ث ّم اختلفوا فيما يدبغ به ‪ .‬فنقل عن يحيى بن سعيد من المالكيّة أنّ ما دبغ به جلد‬
‫الميتة من دقيق أو ملح أو قرظ فهو طهور ‪ ،‬ثمّ قال ‪ :‬وهو صحيح ‪ ،‬فإنّ حكمة الدّباغ إنّما‬
‫هي بأن يزيل عفونة الجلد ويهيئه للنتفاع به على الدّوام فما أفاد ذلك جاز به ‪.‬‬
‫وقال الشّافعية ‪ :‬الدّبغ نزع فضوله ‪ ،‬وذلك يحصل بما يحرّف الفم أي يلذع اللسان بحرافته ‪،‬‬
‫كالقرظ والعفص وقشور الرّمان ‪ ،‬والشث والشب ‪ .‬ولو بإلقائه على الدّبغ بنحو ريح ‪ ،‬أو‬
‫إلقاء الدّبغ عليه كذلك ‪ .‬ل شمس وتراب وتجميد وتمليح مما ل ينزع الفضول وإن جفّت‬
‫وطابت رائحته ‪ ،‬لنّ الفضلت لم تزل ‪ ،‬وإنّما جمّدت ‪ ،‬بدليل أنّه لو نقع في الماء عادت إليه‬
‫العفونة ‪.‬‬
‫وقال الحنابلة ‪ :‬ل يحصل الدّبغ بنجس ‪ ،‬ول بغير منشّف للرّطوبة منق للخبث بحيث لو نقع‬
‫الجلد بعده في الماء فسد ‪ ،‬ول بتشميس ول بتتريب ول بريح ‪.‬‬
‫أما الحنفيّة فتحصل الدّباغة عندهم بكل ما يمنع النتن و الفساد ‪ ،‬وقال ابن عابدين ‪ :‬وما يمنع‬
‫على نوعين حقيقي كالقرظ والشب والعفص ونحوه ‪ ،‬وحكمي كالتتريب و التشميس و اللقاء‬
‫في الريح ‪ .‬ولو جف ولم يستحل لم يطهر ‪.‬‬
‫ول فرق بين الدّباغ الحقيقي و الحكمي عند الحنفيّة إل في حكم واحد ‪ ،‬وهو أنّه لو أصاب‬
‫الماء جلد الميتة بعد الدّباغ الحقيقي ل يعود نجسا باتّفاق الروايات عندهم ‪ ،‬وفيما بعد الدباغ‬
‫الحكمي روايتان ‪.‬‬
‫أثر الدّباغة في تطهير الجلود ‪:‬‬
‫‪ - 8‬جمهور الفقهاء على أنّ جلد الدميّ طاهر حيّا أو ميّتا ‪ ،‬مسلما كان أو كافرا ‪ ،‬وأنّه ليس‬
‫محلّا للدّباغة أصلً ‪.‬‬
‫واتّفق الفقهاء على أنّ جلد الحيوان المأكول اللّحم كالبل والغنم والبقر والظّباء ونحوها طاهر‬
‫قبل الذّبح وبعده ‪ ،‬سواء أدبغ أم لم يدبغ ‪ .‬وكذلك ميتة السّمك والجراد ونحوهما ممّا ل نفس‬
‫له سائلةً ‪.‬‬
‫ول خلف بين الفقهاء في نجاسة جلود ميتة الحيوانات قبل الدّباغ ‪ ،‬وعرّفوا الميتة بأنّها‬
‫الميّت من الحيوان الب ّريّ الّذي له نفس سائلة ‪ ،‬مأكولة اللّحم أو غيره ‪ ،‬مات حتف أنفه أو‬
‫ي أو الكتابيّ لصنمه ‪ ،‬أو المحرم لصيد ‪ ،‬أو المرتدّ أو‬
‫بذكاة غير شرعيّة ‪ ،‬كمذكّى المجوس ّ‬
‫نحوه ‪ ( .‬ر ‪ :‬ميتة ) ‪.‬‬
‫‪ -9‬واختلفوا في طهارة جلود الميتة بالدّباغة على التّفصيل التّالي ‪:‬‬
‫ن الدّباغة‬
‫ذهب الحنفيّة والشّافعيّة ‪ -‬وهو رواية عن أحمد في جلد ميتة مأكول اللّحم ‪ -‬إلى أ ّ‬
‫وسيلة لتطهير جلود الميتة ‪ ،‬سواء أكانت مأكولة اللّحم أم غير مأكولة اللّحم ‪ ،‬فيطهر بالدّباغ‬
‫جلد ميتة سائر الحيوانات إلّ جلد الخنزير عند الجميع لنجاسة عينه ‪ ،‬وإلّ جلد الدميّ‬
‫لكرامته لقوله تعالى ‪ { :‬وَلَ َقدْ َك ّر ْمنَا َبنِي آ َدمَ } واستثنى الشّافعيّة أيضا جلد الكلب ‪ ،‬كما‬
‫استثنى محمّد من الحنفيّة جلد الفيل ‪.‬‬
‫واستدلّوا لطهارة جلود الميتة بالدّباغة بأحاديث ‪ ،‬منها ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬قوله صلى ال عليه وسلم ‪ « :‬أيّما إهاب دبغ فقد طهر » ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬وبما روى سلمة بن المحبّق « أنّ نبيّ اللّه صلى ال عليه وسلم في غزوة تبوك دعا‬
‫ل في قربة لي ميّتة ‪ .‬قال ‪ :‬أليس قد دبغتها ؟ قالت ‪:‬‬
‫بماء من عند امرأة ‪ ،‬قالت ‪ :‬ما عندي إ ّ‬
‫ن دباغها ذكاتها » ‪.‬‬
‫بلى ‪ .‬قال ‪ :‬فإ ّ‬
‫ج ‪ -‬وعن ابن عبّاس رضي ال عنهما قال ‪ « :‬تصدّق على مولة لميمونة بشاة فماتت ‪ ،‬فمرّ‬
‫ل أخذتم إهابها فدبغتموه فانتفعتم به ؟ فقالوا ‪:‬‬
‫بها رسول اللّه صلى ال عليه وسلم فقال ‪ :‬ه ّ‬
‫إنّها ميتة ‪ ،‬فقال ‪ :‬إنّما حرم أكلها » ‪.‬‬
‫ن الدّبغ يزيل سبب النّجاسة وهو الرّطوبة والدّم ‪ ،‬فصار‬
‫واستدلّوا بالمعقول أيضا ‪ ،‬وهو أ ّ‬
‫صحّة للجلد ويصلحه للنتفاع به كالحياة ‪ ،‬ثمّ‬
‫الدّبغ للجلد كالغسل للثّوب ‪ ،‬ولنّ الدّباغ يحفظ ال ّ‬
‫الحياة تدفع النّجاسة عن الجلود فكذلك الدّباغ ‪.‬‬
‫ن ذاته بجميع أجزائها نجسة حيّا وميّتا ‪،‬‬
‫أمّا استثناء جلد الخنزير فلنّه نجس العين ‪ ،‬أي أ ّ‬
‫فليست نجاسته لما فيه من الدّم أو الرّطوبة كنجاسة غيره من ميتة الحيوانات ‪ ،‬فلذا لم يقبل‬
‫التّطهير ‪.‬‬
‫واستدلّ الشّافعيّة لستثناء الكلب بأنّه ورد في الحديث الصّحيح أنّ النّبيّ صلى ال عليه وسلم‬
‫قال ‪ « :‬طهور إناء أحدكم إذا ولغ فيه الكلب أن يغسله سبع مرّات أولهنّ بالتّراب » ‪.‬‬
‫والطّهارة تكون لحدث أو خبث ‪ ،‬ول حدث على الناء فتعيّن أنّ الولوغ سبب للخبث بسبب‬
‫نجاسة فم الكلب ‪ ،‬فبقيّة أجزاء الكلب أولى بالنّجاسة ‪ ،‬وإذا كانت الحياة ل تدفع النّجاسة عن‬
‫ن الحياة أقوى من الدّباغ بدليل أنّها سبب لطهارة الجملة ‪ ،‬والدّباغ‬
‫الكلب فالدّباغ أولى ‪ ،‬ل ّ‬
‫وسيلة لطهارة الجلد فقط ‪.‬‬
‫واستدلّ الحنفيّة لطهارة جلد الكلب بالدّباغة بعموم الحاديث الّتي تقدّمت ‪.‬‬
‫والكلب ليس نجس العين عندهم في الصحّ ‪ ،‬وكذلك الفيل عند أبي حنيفة وأبي يوسف ‪ ،‬وقد‬
‫ن النّبيّ صلى ال عليه وسلم « كان يمتشط بمشط من عاج » ‪ ،‬وفسّره الجوهريّ‬
‫روي أ ّ‬
‫وغيره بعظم الفيل ‪.‬‬
‫‪ - 10‬وقال المالكيّة في المشهور المعتمد عندهم والحنابلة في المذهب بعدم طهارة جلد الميتة‬
‫بالدّباغة ‪ ،‬لما روى عبد اللّه بن عكيم قال ‪ « :‬أتانا كتاب رسول اللّه صلى ال عليه وسلم قبل‬
‫وفاته بشهر أو شهرين ‪ :‬ألّ تنتفعوا من الميتة بإهاب ول عصب » ‪.‬‬
‫وفي رواية أخرى عنه صلى ال عليه وسلم قال ‪ « :‬كنت رخّصت لكم في جلود الميتة ‪ ،‬فإذا‬
‫جاءكم كتابي هذا فل تنتفعوا من الميتة بإهاب ول عصب » ‪.‬‬
‫وأجاب المالكيّة عن الحاديث الواردة في طهارة الجلد بالدّباغ بأنّها محمولة على الطّهارة‬
‫اللّغويّة أي النّظافة ‪ ،‬ولذا جاز النتفاع به في حالت خاصّة كما سيأتي ‪ .‬وروي عن سحنون‬
‫وابن عبد الحكم من المالكيّة قولهما ‪ :‬بطهارة جلد جميع الحيوانات بالدّباغة حتّى الخنزير ‪.‬‬
‫‪ - 11‬وروي عن أحمد أنّه يطهر بالدّباغة جلد ميتة ما كان طاهرًا في الحياة ‪ ،‬من إبل وبقر‬
‫وظباء ونحوها ‪ ،‬ولو كان غير مأكول اللّحم ‪ ،‬لعموم قوله صلى ال عليه وسلم ‪ « :‬أيّما إهاب‬
‫دبغ فقد طهر » فيتناول المأكول وغيره ‪ ،‬وخرج منه ما كان نجسا في حال الحياة لكون الدّبغ‬
‫إنّما يؤثّر في دفع نجاسة حادثة بالموت فيبقى ما عداه على قضيّة العموم ‪.‬‬
‫كما روي عن أحمد قوله ‪ :‬بطهارة جلود ميتة مأكول اللّحم فقط ‪ ،‬لقوله صلى ال عليه وسلم‪:‬‬
‫« ذكاة الديم دباغه » والذّكاة إنّما تعمل فيما يؤكل لحمه ‪ ،‬فكذلك الدّباغ ‪.‬‬
‫غسل الجلد المدبوغ ‪:‬‬
‫‪ - 12‬لم يذكر الحنفيّة ضرورة غسل الجلد المدبوغ أثناء الدّباغة ول بعدها ‪ ،‬فالظّاهر من‬
‫كلمهم طهارة الجلد بمجرّد الدّبغ قبل الغسل ‪ ،‬كما هو وجه عند الحنابلة أيضا ‪ ،‬لعموم قوله‬
‫صلى ال عليه وسلم ‪ « :‬أيّما إهاب دبغ فقد طهر » ولنّه طهر بانقلبه ‪ ،‬فلم يفتقر إلى‬
‫استعمال الماء كالخمرة إذا انقلبت خلّا ‪.‬‬
‫والوجه الثّاني عند الحنابلة أنّ الطّهارة ل تحصل بمجرّد الدّبغ بل تحتاج إلى الغسل لقوله‬
‫صلى ال عليه وسلم في جلد الشّاة الميّتة ‪ « :‬يطهّرها الماء والقرظ » ‪.‬‬
‫ح عند الشّافعيّة عدم اشتراط غسل الجلد أثناء الدّباغة تغليبا لمعنى الحالة ‪ ،‬ولحديث‬
‫والص ّ‬
‫مسلم ‪ « .‬إذا دبغ الهاب فقد طهر » ولم يذكر فيه الغسل ‪.‬‬
‫ح يشترط غسله أثناء الدّباغة تغليبا لمعنى الزالة ‪ ،‬ولقوله صلى ال عليه وسلم‬
‫ومقابل الص ّ‬
‫في الحديث الخر ‪ « :‬يطهّرها الماء والقرظ » وحمل الوّل على النّدب ‪ ،‬أمّا بعد الدّباغة‬
‫فالصحّ عندهم وجوب غسله بالماء ‪ ،‬لنّ المدبوغ يصير كثوب نجس أي متنجّس لملقاته‬
‫للدوية النّجسة ‪ .‬أو الّتي تنجّست به قبل طهره فيجب غسله لذلك ‪.‬‬
‫طرق النتفاع بالجلد المدبوغ ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬أكل جلد الميتة المدبوغ ‪:‬‬
‫‪ - 13‬ل خلف بين الفقهاء في عدم جواز أكل جلد الميتة من الحيوان غير المأكول اللّحم‬
‫سواء أكان قبل الدّبغ أم بعده ‪ .‬وكذلك في جلد ميتة مأكول اللّحم قبل دبغه ‪ ،‬فإنّه يحرم أكله‬
‫ح المفتى به عند‬
‫اتّفاقا ‪ ،‬أمّا بعد دبغه فجمهور الفقهاء " الحنفيّة والمالكيّة والحنابلة وهو الص ّ‬
‫ح ّرمَتْ عَلَيكُم ال َم ْيتَةُ } والجلد جزء منها‬
‫الشّافعيّة " على عدم جواز أكله أيضا لقوله تعالى ‪ُ { :‬‬
‫‪ .‬ولقول النّبيّ صلى ال عليه وسلم عن الميتة ‪ « :‬إنّما حرم أكلها » ‪.‬‬
‫وحكي عن أبي حامد ‪ ،‬وهو وجه لصحاب الشّافعيّ جواز أكله بعد الدّبغ ‪ ،‬ولقوله صلى ال‬
‫عليه وسلم ‪ « :‬ذكاة الديم دباغه » ‪.‬ولنّه جلد طاهر من حيوان مأكول اللّحم فأشبه المذكّى‪.‬‬
‫ب ‪ -‬استعمال الجلد المدبوغ والتّعامل به ‪:‬‬
‫ح بيعه ‪ ،‬وإجارته ‪ ،‬واستعماله‬
‫‪ - 14‬إذا قلنا بطهارة الجلد المدبوغ ‪ -‬غير جلد السّباع ‪ -‬فيص ّ‬
‫‪ ،‬والنتفاع به في كلّ ما يمكن النتفاع به سوى الكل ‪.‬‬
‫وقيّد المالكيّة وهو رواية عن الحنابلة جواز استعماله في اليابسات فقط ‪ ،‬حيث قال المالكيّة ‪:‬‬
‫يجوز استعماله في اليابسات بأن يوعى فيه العدس والفول ونحوهما ‪ ،‬ويغربل عليها ‪ ،‬ول‬
‫يطحن لنّه يؤدّي إلى تحليل بعض أجزائه فتختلط بالدّقيق ‪ .‬ل في نحو عسل ولبن وسمن‬
‫وماء زهر ‪ .‬ويجوز لبسها في غير الصّلة ل فيها ‪.‬‬
‫ن له قوّة الدّفع عن نفسه لطهوريّته فل‬
‫كما يجوز استعماله عند المالكيّة في الماء أيضا ‪ ،‬ل ّ‬
‫يضرّه إلّ إذا تغيّر أحد أوصافه ‪.‬‬
‫أمّا جلود السّباع ففيها خلف وتفصيل ينظر في مصطلح ‪ ( :‬جلد ف ‪. ) 14 /‬‬

‫دبّاء *‬
‫التّعريف ‪:‬‬
‫‪ - 1‬ال ّدبّاء في اللّغة ‪ :‬القرع ‪ ،‬قيل ‪ :‬ال ّدبّاء المستدير منه وقيل ‪ :‬اليابس ‪ ،‬وواحده ال ّدبّاءة ‪.‬‬
‫والمراد بها عند الفقهاء في موضوع الشربة القرعة اليابسة المتّخذة وعا ًء للنتباذ فيه ‪.‬‬
‫اللفاظ ذات الصّلة ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬الحنتم ‪:‬‬
‫‪ - 2‬الحنتم جرار مدهونة خضر ‪ ،‬كانت تحمل الخمر فيها إلى المدينة قبل التّحريم ثمّ اتّسع‬
‫فيها فقيل للخزف كلّه ‪ :‬حنتم ‪ ،‬وواحدتها حنتمة ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬المزفّت ‪:‬‬
‫‪ - 3‬المزفّت هو الناء الّذي طلي بالزّفت ‪ ،‬وهو نوع من القار ‪ ،‬ويقال له أيضا ‪ :‬المقيّر ‪.‬‬
‫ج ‪ -‬النّقير ‪.‬‬
‫‪ - 4‬النّقير هو جذع النّخلة ينقر ويجعل ظرفا كالقصعة ‪.‬‬
‫ن ما يوضع من الشّراب قيها يسرع إليه التّخمّر ‪.‬‬
‫وهذه الوعية كلّها تشترك في أ ّ‬
‫الحكم الجماليّ ‪:‬‬
‫النتباذ في ال ّدبّاء ‪:‬‬
‫‪ - 5‬ذهب جمهور الفقهاء " الحنفيّة والشّافعيّة والحنابلة على الصّحيح عندهم " إلى جواز‬
‫ن ما ورد من النّهي عن النتباذ فيها إنّما كان أ ّولً ثمّ نسخ ‪،‬‬
‫النتباذ في ال ّدبّاء ‪ ،‬ويقولون ‪ :‬إ ّ‬
‫ن النّبيّ عليه الصلة والسلم قال ‪ « :‬كنت نهيتكم عن الشربة في‬
‫فقد روي عن بريدة أ ّ‬
‫ظروف الدم فاشربوا في كلّ وعاء غير أن ل تشربوا مسكرا » وفي رواية ‪ « :‬نهيتكم من‬
‫ل مسكر حرام » ‪.‬‬
‫ن الظّروف ‪ -‬أو ظرفًا ‪ -‬ل يح ّل شيئًا ول يحرّمه وك ّ‬
‫الظّروف وإ ّ‬
‫قال النّوويّ ‪ :‬كان النتباذ في المزفّت وال ّدبّاء والحنتم والنّقير منهيّا عنه في أوّل السلم خوفا‬
‫من أن يصير مسكرا فيها ‪ ،‬ول يعلم به لكثافتها فتتلف ماليّته ‪ ،‬وربّما شربه النسان ظانّا أنّه‬
‫لم يصر مسكرا ‪ ،‬فيصير شاربا للمسكر ‪ ،‬وكان العهد قريبا بإباحة المسكر فلمّا طال الزّمان‬
‫واشتهر تحريم المسكر ‪ ،‬وتقرّر ذلك في نفوسهم ‪ ،‬نسخ النّهي وأبيح لهم النتباذ في كلّ وعاء‬
‫بشرط أن ل يشربوا مسكرا ‪ ،‬وهذا صريح قوله صلى ال عليه وسلم كما ورد في حديث‬
‫بريدة ‪.‬‬
‫وذهب مالك وأحمد في رواية والثّوريّ وإسحاق إلى كراهة النتباذ في ال ّدبّاء ‪ ،‬وهو مرويّ‬
‫ن النّبيّ صلى ال عليه وسلم نهى عن‬
‫عن ابن عمر وابن عبّاس رضي ال عنهم ‪ « ،‬ل ّ‬
‫النتباذ في ال ّدبّاء والنّقير والمزفّت والحنتم » ‪.‬‬
‫ن النّهي المتقدّم الّذي نسخ إنّما كان نهيا عن النتباذ مطلقا ‪،‬‬
‫ويرى هذا الفريق من الفقهاء أ ّ‬
‫أمّا النّهي عن النتباذ في ال ّدبّاء وغيرها من الوعية المذكورة في الحديث فهو باق ‪ -‬عندهم‬
‫‪ -‬سدّا للذّرائع لنّ هذه الوعية تعجّل شدّة النّبيذ ‪ ( .‬ر ‪ :‬أشربة ف ‪ 18 /‬ج ‪ 5/‬ص ‪.) 21/‬‬
‫هذا وللتّفصيل في تطهير ال ّدبّاء وغيرها من الوعية إذا استعمل فيها الخمر ينظر مصطلح ‪:‬‬
‫( نجاسة ) ‪.‬‬

‫دبر *‬
‫التّعريف ‪:‬‬
‫‪ - 1‬ال ّدبُر بضمّتين خلف القبل ‪ .‬ودبر كلّ شيء عقبه ‪ .‬ومنه يقال لخر المر دبر ‪.‬‬
‫وأصله ما أدبر عنه النسان ‪ .‬والدّبر الفرج وجمعه أدبار ‪ .‬وولّاه دبره كناية عن الهزيمة ‪.‬‬
‫ن ال ّد ُبرَ } ‪.‬‬
‫جمْعُ َويُوَلّو َ‬
‫س ُي ْهزَمُ ا ْل َ‬
‫ومنه قوله تعالى { َ‬
‫والمراد به هنا خلف القبل من النسان والحيوان ‪.‬‬
‫اللفاظ ذات الصّلة ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬القبل ‪:‬‬
‫‪ - 2‬القبل بضمّتين وبسكون الباء ‪ ،‬ومن معانيه فرج النسان من الذّكر والنثى ‪ .‬وقيل هو‬
‫للنثى خاصّةً ‪ .‬والقبل من كلّ شيء خلف دبره ‪ .‬وعلى ذلك فالقبل مقابل الدّبر ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬الفرج ‪:‬‬
‫‪ - 3‬ال َفرْج بفتح الفاء وسكون الرّاء الخلل بين الشّيئين ‪ ،‬وجمعه فروج ‪ ،‬والفرجة كالفرج ‪،‬‬
‫والفرج العورة ‪ .‬والغالب استعمال الفرج في القبل من الذّكر والنثى ‪.‬‬
‫وقد يشمل القبل والدّبر معا في اصطلح الفقهاء ‪.‬‬
‫الحكام المتعلّقة بالدّبر ‪:‬‬
‫النّظر إلى الدّبر ومسّه ‪:‬‬
‫‪ - 4‬الدّبر من العورة المغلّظة عند جميع الفقهاء ‪ ،‬فل يجوز كشفه والنّظر إليه لغير الزّوج‬
‫والزّوجة ‪ ،‬بدون ضرورة ‪.‬‬
‫أمّا الزّوجان فجمهور الفقهاء على جواز نظر الزّوج لجميع أجزاء بدن الزّوجة ‪ ،‬كما يجوز‬
‫لها أن تنظر منه ما أبيح له النّظر إليه منها ‪.‬‬
‫وصرّح بعض الفقهاء منهم الشّافعيّة بكراهة النّظر إلى الفرج مطلقا ولو من نفسه بل حاجة‪،‬‬
‫لما روت عائشة رضي ال عنها أنّها قالت ‪ « :‬ما رأيت منه ول رأى منّي » ‪.‬‬
‫وتفصيل هذه المسائل في مصطلحي ‪ ( :‬عورة ‪ ،‬ونظر ) ‪.‬‬
‫نقض الوضوء بمسّ الدّبر ‪:‬‬
‫‪ - 5‬ذهب الحنفيّة ‪ -‬وهو القول القديم للشّافعيّ ورواية عند الحنابلة ‪ -‬إلى عدم نقض‬
‫الوضوء بمسّ الدّبر مطلقا سواء كان من نفسه أم من غيره ‪ ،‬وسواء أكان بحائل أم بغير‬
‫حائل ‪.‬‬
‫ف من غير حائل سواء‬
‫س حلقة الدّبر بباطن الك ّ‬
‫وقال الشّافعيّة في الجديد ‪ :‬ينتقض الوضوء بم ّ‬
‫س بتلذّذ عندهم ‪.‬‬
‫أكان من نفسه أم من غيره ‪ ،‬ول يشترط في نقض الوضوء أن يكون الم ّ‬
‫وكذا قال الحنابلة ‪ -‬في المعتمد ‪ -‬غير أنّهم لم يقيّدوه بباطن ‪ ،‬بل ينتقض بمسّه بظهر اليد أو‬
‫باطنها أو حرفها ‪.‬‬
‫س فرجه فليتوضّأ » ‪ ،‬وقوله صلى ال عليه‬
‫واستدلّوا بقوله صلى ال عليه وسلم ‪ « :‬من م ّ‬
‫وسلم ‪ « :‬إذا أفضى أحدكم بيده إلى فرجه وليس بينهما ستر أو حجاب فليتوضّأ » ‪.‬‬
‫س دبر الغير‬
‫أمّا المالكيّة فل ينتقض الوضوء عندهم بمسّ الدّبر إذا كان من نفسه ‪ .‬أمّا م ّ‬
‫فحكمه عندهم حكم اللّمس ‪ ،‬إذا التذّ به صاحبه أو قصد الّلذّة ينتقض ‪ ،‬وإلّ ل ينتقض ‪.‬‬
‫وتفصيله في مصطلح ‪ ( :‬حدث ) ‪.‬‬
‫الستنجاء ‪:‬‬
‫‪ - 6‬ذكر الفقهاء في آداب قضاء الحاجة والستنجاء أنّه يندب إزالة ما في المحلّ من أذىً‬
‫بماء أو حجر باليد اليسرى ‪ ،‬ويندب إعداد مزيل الذى من جامد طاهر أو مائع ‪ ،‬كما يندب‬
‫استعمال الجامد وترا ‪ ،‬وتقديم القبل على الدّبر احترازا من تنجّس يده بما على المخرج على‬
‫خلف للفقهاء في بعض المور ‪ .‬وتفصيله في مصطلحي ‪ ( :‬استنجاء واستجمار ) ‪.‬‬
‫أثر ما يخرج من الدّبر ‪:‬‬
‫‪ - 7‬الخارج المعتاد من الدّبر كالنّجاسة والرّيح ناقض للوضوء باتّفاق الفقهاء ‪.‬‬
‫أمّا الخارج غير المعتاد كالحصى والدّود والشّعر ففيه خلف بين المذاهب نجمله فيما يأتي ‪:‬‬
‫ذهب جمهور الفقهاء " الحنفيّة والشّافعيّة والحنابلة " إلى أنّه ناقض للوضوء ‪ ،‬سواء أكان جافّا‬
‫ل بنجاسة ‪.‬‬
‫أم مبلو ً‬
‫ن الخارج غير المعتاد كحصىً تولّد بالبطن ‪ ،‬ودود ‪ ،‬ل‬
‫وقال المالكيّة في المشهور عندهم ‪ :‬إ ّ‬
‫ينقض الوضوء ولو مبلولً بغائط غير متفاحش بحيث ينسب الخروج للحصى والدّود ل‬
‫للغائط ‪.‬‬
‫والقول الثّاني عندهم ‪ :‬أنّه ناقض للوضوء إذا كان غير نقيّ ‪ .‬وتفصيله في ‪ ( :‬حدث ) ‪.‬‬
‫أثر ما يدخل في دبر الصّائم ‪:‬‬
‫‪ - 8‬ذهب الشّافعيّة والحنابلة إلى أنّ وصول عين من العيان من الخارج إلى الجوف وإن‬
‫ن الصّوم‬
‫قلّت أو لم تكن ممّا يؤكل كسمسمة أو حصاة ‪ ،‬ولو بالحقنة مفطر للصّوم ‪ ،‬ل ّ‬
‫إمساك عن كلّ ما يصل إلى الجوف ‪ .‬وعلى ذلك فما دخل في دبر الصّائم من خشبة أو‬
‫حصاة ولو كانت صغير ًة وغير مبلولة يفطر ‪ .‬وكذلك لو أدخل أصبعه في دبر جافّةً كانت أم‬
‫مبلول ًة ‪ .‬وقال الحنفيّة ‪ :‬الصّوم يفسد بالدّخول ‪ ،‬والوضوء ينتقض بالخروج ‪ ،‬فإذا أدخل عودا‬
‫جافّا ولم يغيّبه ل يفسد الصّوم ‪ ،‬لنّه ليس بداخل من كلّ وجه ‪ .‬ومثله الصبع الجافّة ‪.‬‬
‫وإن غيّب العود أو نحوه فسد وإن كان جافّا لتحقّق الدّخول الكامل ‪.‬‬
‫وكذلك يفسد الصّوم إذا أدخل شيئا من العود أو الصبع في دبره مبتلّا ‪ ،‬كما في حالة‬
‫الستنجاء ‪ ،‬لستقرار البلّة في الجوف ‪ .‬وإذا أدخلهما يابسةً ل يفسد الصّوم على المختار‬
‫عندهم ‪ ،‬لنّها ليست آلة الجماع ول تعتبر داخلةً من كلّ وجه ولم تنقل البلّة إلى الدّاخل ‪.‬‬
‫وقال المالكيّة ‪ :‬ما وصل للمعدة من منفذ عال مفسد للصّوم مطلقا سواء أكان متحلّلً أم غير‬
‫متحلّل ‪ ،‬وسواء أكان عمدا أم سهوا ‪ .‬وهذا هو المختار عند اللّخميّ ‪ .‬وذهب ابن الماجشون‬
‫ن للحصاة حكم الطّعام يوجب في السّهو القضاء ‪ ،‬وفي العمد القضاء والكفّارة ‪.‬‬
‫إلى أ ّ‬
‫وإن كان من منفذ سافل ‪ -‬كالدّبر مثلً ‪ -‬فل يفسد إذا كان جامدا ‪ ،‬ويفسد إذا كان متحلّلً ‪،‬‬
‫والمراد بالمتحلّل المائع ‪ ،‬أي ما ينماع ولو في المعدة ‪ ،‬بخلف غير المتحلّل الّذي ل ينماع‬
‫في المعدة ‪ ،‬كدرهم وحصاة ‪.‬‬
‫وصرّح المالكيّة بأنّ الحقنة من مائع في الدّبر توجب القضاء على المشهور عندهم بخلف‬
‫الحقنة بالجامد فل قضاء ‪ ،‬كما ل قضاء في فتائل عليها دهن لخفّتها ‪.‬‬
‫وفي المسألة تفصيل ينظر في ‪ ( :‬صوم ) ‪.‬‬
‫الستمتاع بدبر الزّوجة ‪:‬‬
‫‪ - 9‬ذهب جمهور الفقهاء بجواز استمتاع الزّوج بظاهر دبر زوجته ولو بغير حائل ‪ ،‬بشرط‬
‫ل ما حرّم اللّه من اليلج ‪.‬‬
‫عدم اليلج ‪ ،‬لنّه كسائر جسدها ‪ ،‬وجميعه مباح ‪ ،‬إ ّ‬
‫وهذا في غير الحائض ‪ .‬أمّا في الحائض فقيّدوا جواز الستمتاع بما بين ركبتيها وسرّتها‬
‫دون اليلج بأن يكون بحائل ‪ .‬على خلف وتفصيل ينظر في مصطلح ‪ ( :‬حيض ) ‪.‬‬
‫الوطء في الدّبر ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬وطء الذّكور ‪:‬‬
‫‪ - 10‬اتّفق الفقهاء على تحريم التيان في دبر الرّجال ‪ ،‬وهو ما يسمّى باللّواط ‪ ،‬وقد ذمّ اللّه‬
‫حشَةَ مَا‬
‫ن الْفَا ِ‬
‫تعالى في كتابه المجيد ‪ ،‬وعاب من فعله ‪ ،‬فقال ‪ { :‬وَلُوطًا ِإذْ قَالَ لِ َق ْومِ ِه َأ َت ْأتُو َ‬
‫ن ال ّنسَاء بَلْ أَن ُتمْ قَ ْومٌ‬
‫شهْوَ ًة مّن دُو ِ‬
‫ل َ‬
‫ن ال ّرجَا َ‬
‫ن ‪ِ ،‬إ ّن ُكمْ َل َت ْأتُو َ‬
‫ح ٍد مّن ا ْلعَاَلمِي َ‬
‫سبَ َقكُم ِبهَا مِنْ َأ َ‬
‫َ‬
‫ّمسْ ِرفُونَ } ‪ .‬وقال النّبيّ صلى ال عليه وسلم ‪ « :‬لعن اللّه من عمل عمل قوم لوط ثلثا » ‪.‬‬
‫وفي عقوبة فاعله ‪ ،‬والحكام المترتّبة عليه تفصيل ينظر في ‪ ( :‬لواط ) ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬وطء الجنبيّة في دبرها ‪:‬‬
‫‪ - 11‬اتّفق الفقهاء على حرمة إتيان الجنبيّة في دبرها ‪ ،‬وألحقه أكثر الفقهاء بالزّنى في‬
‫الحكم ‪ .‬وفي ذلك تفصيل ينظر في ‪ ( :‬زنىً ‪ ،‬لواط ) ‪.‬‬
‫ج ‪ -‬وطء الزّوجة في دبرها ‪:‬‬
‫‪ - 12‬ل يحلّ وطء الزّوجة في الدّبر ‪ .‬وينظر تفصيل ذلك في ( وطء ) ‪.‬‬
‫د ‪ -‬وطء البهيمة والحيوان ‪:‬‬
‫‪ - 13‬ل خلف بين الفقهاء في حرمة وطء الحيوان في دبره أو قبله ‪.‬‬
‫وينظر تفصيل ذلك في ‪ ( :‬وطء ) ‪.‬‬

‫دخان *‬
‫التّعريف ‪:‬‬
‫‪ - 1‬دخان النّار معروف ‪ ،‬وجمعه أدخنة ‪ ،‬ودواخن ‪ ،‬ودواخين ‪ ،‬يقال ‪ :‬دخنت النّار ‪ :‬ارتفع‬
‫دخانها ‪ ،‬ودخنت ‪ :‬إذا فسدت بإلقاء الحطب عليها حتّى هاج دخانها ‪ ،‬وقد يضع العرب‬
‫الدّخان موضع الشّرّ إذا عل ‪ ،‬فيقولون ‪ :‬كان بيننا أمر ارتفع له دخان ‪ .‬وقد قيل ‪ :‬إنّ الدّخان‬
‫قد مضى ‪ .‬ومن إطلقاته أيضا ‪ :‬التّبغ والبخار ‪ ،‬وقد مرّ تفصيل أحكامهما في مصطلحي ‪( :‬‬
‫بخار‪ ،‬وتبغ) ‪.‬‬
‫الحكام المتعلّقة بالدّخان ‪:‬‬
‫دخان النّجاسة ‪:‬‬
‫‪ - 2‬اختلف الفقهاء في طهارة الدّخان المتصاعد من النّجاسة ‪ :‬فذهب الحنفيّة على المفتى‬
‫به ‪ ،‬والمالكيّة في المعتمد ‪ ،‬وبعض الحنابلة ‪ ،‬إلى أنّ دخان النّجاسة طاهر ‪.‬‬
‫قال الحنفيّة ‪ :‬إنّ ذلك على سبيل الستحسان دفعا للحرج ‪ ،‬وللضّرورة وتعذّر التّحرّز ‪.‬‬
‫ن دخان‬
‫وذهب الشّافعيّة في الصحّ والحنابلة في المذهب ‪ ،‬وأبو يوسف من الحنفيّة إلى أ ّ‬
‫ن قليله معفوّ عنه مطلقا ‪ ،‬وعلى هذا‬
‫النّجاسة كأصلها ‪ ،‬وظاهر كلم الرّمليّ من الشّافعيّة أ ّ‬
‫فمن استصبح بدهن نجس ‪ ،‬يعفى عمّا يصيبه من دخان المصباح لقلّته ‪ .‬وأمّا عند ابن حجر‬
‫ل كان أو كثيرا ‪.‬‬
‫الهيتميّ فيعفى عن قليله إن لم يكن من مغلّظ ‪ ،‬وإلّ فل يعفى عنه قلي ً‬
‫فساد الصّوم بالدّخان ‪:‬‬
‫ن الصّائم لو أدخل في حلقه الدّخان أفطر ‪ ،‬سواء كان دخان تبغ ‪ ،‬أو‬
‫‪ - 3‬ذهب الفقهاء إلى أ ّ‬
‫عود ‪ ،‬أو عنبر ‪ ،‬أو غير ذلك إذا كان ذاكرا للصّوم ‪ .‬إذ يمكن التّحرّز عنه ‪ .‬وأمّا إذا وصل‬
‫إلى حلقه دون قصد ‪ ،‬فل يفسد به الصّوم ‪ ،‬لعدم إمكان التّحرّز عنه ‪ ،‬لنّه إذا أطبق الفم ‪،‬‬
‫دخل من النف ‪ .‬وفي استنشاق الدّخان عمدا خلف وتفصيل ‪ ،‬ينظر مصطلح ‪ ( :‬صوم ) ‪.‬‬
‫القتل بالدّخان ‪:‬‬
‫‪ - 4‬من حبس شخصا في بيت وسدّ منافذه فاجتمع فيه الدّخان وضاق نفسه فمات ‪ ،‬ففيه‬
‫القصاص عند الشّافعيّة والحنابلة ‪ ،‬وهو مقتضى قواعد المالكيّة إن قصد بذلك موته ‪ ،‬أمّا إن‬
‫قصد مجرّد التّعذيب فالدّية ‪.‬‬
‫وأمّا الحنفيّة فقواعدهم تأبى وجوب القصاص ‪ ،‬وتفصيل ذلك في مصطلح ‪ ( :‬قصاص ‪،‬‬
‫ودية) ‪.‬‬
‫إيذاء الجار بالدّخان ‪:‬‬
‫ن من أراد أن يبني في داره تنّورا‬
‫‪ - 5‬ذهب الحنفيّة والمالكيّة وهو المذهب عند الحنابلة إلى أ ّ‬
‫للخبز الدّائم كما يكون في الدّكاكين ‪ ،‬يمنع ‪ ،‬لنّه يضرّ بجيرانه ضررا فاحشا ل يمكن‬
‫التّحرّز عنه ‪ ،‬إذ يأتي منه الدّخان الكثير ‪.‬‬
‫وذهب الشّافعيّة ‪ ،‬وهو رواية عن أحمد ‪ ،‬وبه قال بعض أصحاب أبي حنيفة ‪ :‬إلى أنّه ل‬
‫يمنع‪ ،‬لنّه تصرّف في خالص ملكه ‪ ،‬ولم يتعلّق به حقّ غيره ‪ ،‬فلم يمنع منه كما لو طبخ في‬
‫داره أو خبز فيها ‪.‬‬
‫أمّا دخان ال ّتنّور المعتاد في البيوت ‪ ،‬ودخان الخبز والطّبيخ فل خلف في أنّه ل يمنع ‪ ،‬لنّ‬
‫ضرره يسير ‪ ،‬ول يمكن التّحرّز عنه ‪ ،‬فتدخله المسامحة ‪.‬‬
‫وإذا طبخ الجار ما يصل دخانه أو رائحته إلى جاره استحبّ له أن يهديه من ذلك الطّعام‬
‫لحديث عبد اللّه بن عمرو بن العاص في ذكر حقوق الجار ‪ ،‬ذكر منها ‪ « :‬ول تؤذه بقتار‬
‫ل أن تغرف له منها » ‪.‬‬
‫ريح قدرك إ ّ‬

‫دخول *‬
‫التّعريف ‪:‬‬
‫‪ - 1‬الدّخول في اللّغة نقيض الخروج ‪.‬‬
‫وفي الصطلح ‪ :‬هو النفصال من الخارج إلى الدّاخل ‪ .‬ويطلق أيضا على الوطء على‬
‫سبيل الكناية ‪ .‬قال المطرّزيّ ‪ :‬سواء أكان الوطء مباحا أو محظورا ‪.‬‬
‫وقال الفيّوميّ ‪ ":‬دخل بامرأته دخولً ‪ ،‬كناية عن الجماع أوّل مرّة وغلب استعماله في الوطء‬
‫جنَاحَ‬
‫لتِي َدخَ ْلتُم ِب ِهنّ َفإِن ّل ْم َتكُونُو ْا َدخَ ْلتُم ِب ِهنّ فَلَ ُ‬
‫المباح " ومنه قوله تعالى ‪ { :‬مّن ّنسَآ ِئ ُكمُ ال ّ‬
‫عََل ْي ُكمْ } ‪.‬‬
‫اللفاظ ذات الصّلة ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬الخروج ‪:‬‬
‫‪ - 2‬الخروج في اللّغة نقيض الدّخول ‪ .‬والخروج أيضا ‪ :‬أوّل ما ينشأ من السّحاب ‪ ،‬قال‬
‫الخفش ‪ :‬يقال للماء الّذي يخرج من السّحاب ‪ :‬خروج ‪.‬‬
‫فالدّخول ‪ ،‬والخروج بالمعنى الوّل ضدّان ‪ ،‬وبالمعنى الثّاني متباينان ‪.‬‬
‫الحكم التّكليفيّ ‪:‬‬
‫‪ - 3‬للدّخول بإطلقيه أحكام تعتريه ‪ ،‬وهي تختلف باختلف مواطنها ‪ ،‬واختلف ما يتعلّق به‬
‫الدّخول ‪ .‬ونجمل أهمّها فيما يلي ‪:‬‬
‫أوّلً ‪ :‬أحكام الدّخول بالطلق الوّل ‪:‬‬
‫دخول المسجد ‪:‬‬
‫‪ - 4‬يستحبّ لمن أراد دخول المسجد أن يقدّم رجله اليمنى ‪ ،‬ويؤخّر اليسرى عند الدّخول ‪،‬‬
‫ويستحبّ أن يقول ‪ « :‬اللّهمّ افتح لي أبواب رحمتك » وقد ورد أنّه يقال ‪ « :‬أعوذ باللّه‬
‫العظيم ‪ ،‬وبوجهه الكريم ‪ ،‬وسلطانه القديم من الشّيطان الرّجيم » و « باسم اللّه ‪ ،‬اللّهمّ صلّ‬
‫على محمّد وعلى آل محمّد وسلّم ‪ ،‬اللّهمّ اغفر لي ذنوبي ‪ ،‬وافتح لي أبواب رحمتك » ‪.‬‬
‫ويستحبّ لمن دخل المسجد صلة ركعتين تحيّة المسجد ‪.‬‬
‫وتفصيل ذلك في مصطلح ‪ ( :‬مسجد ) ‪.‬‬
‫دخول مكّة ‪:‬‬
‫ل محرما ‪،‬‬
‫‪ - 5‬يختلف حكم دخول مكّة باختلف الدّاخل ‪ :‬فالفاقيّ ل يجوز له دخولها إ ّ‬
‫سواء أدخلها حاجّا أم معتمرا ‪ ،‬واختلف فيما إذا دخلها لغير النّسك ‪.‬‬
‫ومن كان داخل الميقات فله أن يدخل مكّة بغير إحرام لحاجته ‪ ،‬لنّه يتكرّر دخوله لحاجته ‪،‬‬
‫وأمّا للحجّ فل يجوز له دخولها من غير إحرام ‪ ،‬لنّه ل يتكرّر ‪ ،‬وكذا لداء العمرة ‪ ،‬لنّه‬
‫التزمها بنفسه ‪ .‬وتفصيل ذلك في مصطلح ‪ ( :‬إحرام ) ‪.‬‬
‫ل أو نهارا ‪ ،‬عند الحنفيّة والحنابلة ‪.‬‬
‫ول بأس بدخول مكّة لي ً‬
‫ب أن يكون نهارًا ‪.‬‬
‫وقال المالكيّة والشّافعيّة ‪ :‬يستح ّ‬
‫ويستحبّ الدّخول من باب بني شيبة عند دخول مكّة اقتداءً بفعله صلى ال عليه وسلم كما‬
‫يستحبّ أن يقول عند الدّخول الدعية المأثورة ‪ ،‬وتفصيلها في مصطلح ‪ ( :‬حجّ ‪ ،‬وإحرام ) ‪.‬‬
‫دخول الحائض والجنب المسجد ‪:‬‬
‫‪ - 6‬ل خلف بين الفقهاء في أنّه ل يجوز للحائض والنّفساء دخول المسجد ‪ ،‬والمكث فيه‬
‫ل أم امرأةً ‪ ،‬لما روي عن عائشة‬
‫ولو بوضوء ‪ .‬وكذلك الحكم في الجنب سواء أكان رج ً‬
‫رضي ال عنها قالت ‪ « :‬جاء رسول اللّه صلى ال عليه وسلم وبيوت أصحابه شارع ًة في‬
‫ل المسجد لحائض ول جنب » ‪.‬‬
‫المسجد ‪ ،‬فقال ‪ :‬وجّهوا هذه البيوت ‪ ،‬فإنّي ل أح ّ‬
‫واستثنى الفقهاء الدّخول في هذه الحالة إذا كان للضّرورة كالخوف على نفس أو مال ‪ ،‬أو‬
‫كأن يكون بابه إلى المسجد ول يمكنه تحويله ول السّكنى في غيره ‪.‬‬
‫واختلفوا في دخوله مارّا ‪ ،‬فذهب الحنفيّة والمالكيّة إلى أنّه ل يجوز دخوله للحائض والجنب‬
‫ولو مارّا من باب لباب ‪ .‬إلّ أن ل يجد بدّا فيتيمّم ويدخل ‪ .‬وبه قال الثّوريّ وإسحاق ‪.‬‬
‫وعند الشّافعيّة والحنابلة ل يمنع الجنب من العبور ‪ ،‬وإليه ذهب ابن مسعود وابن عبّاس وابن‬
‫ن الحائض إذا أرادت العبور في المسجد فإن خافت تلويثه حرم‬
‫المسيّب ‪ .‬وقال الشّافعيّة ‪ :‬إ ّ‬
‫العبور عليها ‪ ،‬وإن أمنت التّلويث جاز العبور على الصّحيح ‪.‬‬
‫وعند الحنابلة تمنع الحائض من المرور في المسجد إن خافت تلويثه ‪.‬‬
‫دخول الصّبيان والمجانين المسجد ‪:‬‬
‫‪ - 7‬قال النّوويّ ‪ :‬يجوز إدخال الصّبيّ المسجد وإن كان الولى تنزيه المسجد عمّن ل يؤمن‬
‫منه تنجيسه ‪.‬‬
‫وصرّح المالكيّة بعدم جواز إدخاله المسجد إن كان ل يكفّ عن العبث إذا نهي عنه ‪ ،‬وإلّ‬
‫فيكره ‪ .‬وكذلك المجانين ‪ ،‬لما ورد مرفوعا ‪ « :‬جنّبوا مساجدكم صبيانكم ومجانينكم ‪،‬‬
‫ل سيوفكم ‪،‬‬
‫وشراءكم وبيعكم ‪ ،‬وخصوماتكم ‪ ،‬ورفع أصواتكم ‪ ،‬وإقامة حدودكم ‪ ،‬وس ّ‬
‫واتّخذوا على أبوابها المطاهر وجمّروها في الجمع » ‪.‬‬
‫دخول الكافر المسجد ‪:‬‬
‫‪ - 8‬اختلف الفقهاء في جواز دخول الكافر المسجد ‪ ،‬فذهب الشّافعيّة والحنابلة ومحمّد بن‬
‫الحسن من الحنفيّة إلى أنّه يحرم دخوله المسجد الحرام ‪ ،‬ول يكره دخوله غيره ‪.‬‬
‫إلّ أنّ جواز الدّخول مقيّد بالذن على الصّحيح عند الشّافعيّة والحنابلة ‪ ،‬سواء أكان جنبا أم ل‬
‫‪ ،‬لنّه ل يعتقد حرمته ‪.‬‬
‫فلو جلس الحاكم فيه للحكم ‪ ،‬فلل ّذ ّميّ دخوله للمحاكمة ‪ ،‬وينزّل جلوسه منزلة إذنه ‪.‬‬
‫ويرى الحنفيّة جوازه مطلقا إلى المسجد الحرام وغيره ‪ ،‬لما روي « أنّه صلى ال عليه وسلم‬
‫أنزل وفد ثقيف في المسجد ‪ ،‬وكانوا كفّارا ‪ ،‬وقال ‪ :‬ليس على الرض من نجسهم شيء »‬
‫وكرهه المالكيّة وهو رواية عند الحنابلة مطلقا إلّ لضرورة ‪ ،‬كعمارة لم تمكن من مسلم ‪ ،‬أو‬
‫كانت من الكافر أتقن ‪.‬‬
‫دخول الحمّام ‪:‬‬
‫‪ - 9‬ذهب جمهور الفقهاء إلى أنّ دخول الحمّام مشروع للرّجال والنّساء ‪ ،‬لما روي ‪ « :‬أنّ‬
‫رسول اللّه صلى ال عليه وسلم دخل الحمّام وتنوّر » " استخدم النّورة " ‪ ،‬ودخل خالد بن‬
‫ن إباحة الدّخول مقيّدة‬
‫الوليد حمّام حمص ‪ ،‬وكان الحسن وابن سيرين يدخلن الحمّام ‪ ،‬ولك ّ‬
‫بما إذا لم يكن منه كشف العورة ‪ ،‬وبغير ذلك من الشّروط الّتي تختلف باختلف كون الدّاخل‬
‫رجلً أو امرأةً ‪ .‬وتفصيل ذلك في مصطلح ‪ ( :‬حمّام ) ‪.‬‬
‫دخول الخلء ‪:‬‬
‫ن لداخل الخلء تقديم رجله اليسرى ‪ ،‬ويقول عند الدّخول ‪ :‬باسم اللّه ‪ ،‬اللّهمّ إنّي‬
‫‪ - 10‬يس ّ‬
‫ن التّسمية يبدأ بها للتّبرّك ‪ ،‬ثمّ يستعيذ ‪.‬‬
‫أعوذ بك من الخبث والخبائث ‪ .‬ل ّ‬
‫وتفصيل ذلك في مصطلح ‪ ( :‬قضاء الحاجة ) ‪.‬‬
‫دخول مكان فيه منكر ‪:‬‬
‫‪ - 11‬ذهب جمهور الفقهاء إلى أنّه ل يجوز الدّخول بقصد المكث والجلوس إلى محلّ فيه‬
‫منكر ‪ .‬ويجب الدّخول إذا كان المنكر يزول بدخوله لنحو علم أو جاه ‪ ،‬لزالة المنكر ‪.‬‬
‫دخول المسلم الكنيسة والبيعة ‪:‬‬
‫‪ - 12‬يرى الحنفيّة أنّه يكره للمسلم دخول البيعة والكنيسة ‪ ،‬لنّه مجمع الشّياطين ‪ ،‬ل من‬
‫ق الدّخول ‪.‬‬
‫حيث إنّه ليس له ح ّ‬
‫ل بإذنهم ‪ ،‬وذهب البعض‬
‫وذهب بعض الشّافعيّة في رأي إلى أنّه ل يجوز للمسلم دخولها إ ّ‬
‫الخر في رأي آخر إلى أنّه ل يحرم دخولها بغير إذنهم ‪.‬‬
‫وذهب الحنابلة إلى أنّ للمسلم دخول بيعة وكنيسة ونحوهما والصّلة في ذلك ‪ ،‬وعن أحمد‬
‫يكره إن كان ثمّ صورة ‪ ،‬وقيل مطلقا ‪ ،‬ذكر ذلك في الرّعاية ‪ ،‬وقال في المستوعب ‪ :‬وتصحّ‬
‫صلة الفرض في الكنائس والبيع مع الكراهة ‪ ،‬وقال ابن تميم ‪ :‬ل بأس بدخول البيع‬
‫والكنائس الّتي ل صور فيها ‪ ،‬والصّلة فيها ‪.‬‬
‫وقال ابن عقيل ‪ :‬يكره كالّتي فيها صور ‪ ،‬وحكى في الكراهة روايتين ‪.‬‬
‫وقال في الشّرح ‪ .‬ل بأس بالصّلة في الكنيسة النّظيفة روي ذلك عن ابن عمر وأبي موسى‬
‫وحكاه عن جماعة ‪ ،‬وكره ابن عبّاس ومالك الصّلة في الكنائس لجل الصّور ‪ ،‬وقال ابن‬
‫عقيل ‪ :‬تكره الصّلة فيها لنّه كالتّعظيم والتّبجيل لها ‪ ،‬وقيل ‪ :‬لنّه يضرّ بهم ‪.‬‬
‫ويكره دخول كنائسهم يوم نيروزهم ومهرجانهم ‪ .‬قال عمر رضي ال عنه ‪ :‬ل تدخلوا على‬
‫المشركين في كنائسهم يوم عيدهم ‪ ،‬فإنّ السّخطة تنزل عليهم‬
‫دخول البيوت ‪:‬‬
‫ل بعد الستئذان‬
‫‪ - 13‬اتّفق الفقهاء على أنّه ل يجوز للمرء دخول بيت مسكون غير بيته إ ّ‬
‫والذن له بالدّخول ‪ ،‬وفي ذلك تفصيل ينظر في مصطلح ‪ ( :‬استئذان ) ‪.‬‬
‫ثانيًا ‪ :‬أحكام الدّخول بالطلق الثّاني " الوطء " ‪:‬‬
‫أثر الدّخول في المهر ‪:‬‬
‫ن من سمّى مهرا لزمه بالدّخول ‪ ،‬لنّه تحقّق به تسليم المبدل‬
‫‪ - 14‬ل خلف بين الفقهاء في أ ّ‬
‫ل أَن َتمَسّو ُهنّ‬
‫ن مِن قَبْ ِ‬
‫‪ ،‬وإن طلّقها قبل الدّخول لزمه نصفه ‪ ،‬لقوله تعالى ‪ { :‬وَإِن طَلّ ْق ُتمُوهُ ّ‬
‫ض ُتمْ } ‪.‬وتفصيل ذلك في مصطلح ‪ ( :‬مهر )‪.‬‬
‫صفُ مَا َفرَ ْ‬
‫ن فَرِيضَ ًة َفنِ ْ‬
‫ض ُتمْ َلهُ ّ‬
‫َو َقدْ َفرَ ْ‬
‫أثر الدّخول في العدّة ‪:‬‬
‫‪ - 15‬أجمع الفقهاء على أنّ الطّلق إذا كان بعد الدّخول ‪ ،‬فالعدّة لغير الحامل ثلثة قروء ‪،‬‬
‫لثَةَ‬
‫سهِنّ ثَ َ‬
‫أو ثلثة أشهر على حسب الحوال ‪ ،‬لقوله تعالى ‪ { :‬وَا ْل ُمطَلّقَاتُ َي َت َرّبصْنَ ِبأَن ُف ِ‬
‫ش ُهرٍ‬
‫ن ثَلَاثَةُ َأ ْ‬
‫ن ا ْرتَ ْب ُتمْ َف ِعدّ ُتهُ ّ‬
‫ض مِن ّنسَا ِئ ُكمْ إِ ِ‬
‫قُرُ َوءٍ } وقوله تعالى ‪ { :‬وَاللّائِي َي ِئسْنَ ِمنَ ا ْل َمحِي ِ‬
‫ن}‪.‬‬
‫حضْ َ‬
‫وَاللّائِي َلمْ َي ِ‬
‫حمَْلهُنّ } ‪.‬‬
‫ن َ‬
‫ضعْ َ‬
‫حمَالِ َأجَُلهُنّ أَن َي َ‬
‫ت ا ْلَأ ْ‬
‫وعدّة الحامل وضع حملها لقوله تعالى ‪ { :‬وَأُوْلَا ُ‬
‫وعدّة المتوفّى عنها زوجها أربعة أشهر وعشرة أيّام لقوله تعالى ‪ { :‬وَاّلذِينَ ُيتَ َوفّ ْونَ مِن ُكمْ‬
‫عشْرا } ‪.‬‬
‫ش ُهرٍ وَ َ‬
‫سهِنّ َأ ْر َبعَةَ َأ ْ‬
‫ن ِبأَن ُف ِ‬
‫ن َأزْوَاجا َي َت َربّصْ َ‬
‫َو َي َذرُو َ‬
‫حتُمُ ا ْل ُم ْؤ ِمنَاتِ‬
‫ن آ َمنُوا ِإذَا َن َك ْ‬
‫وإذا كان الطّلق قبل الدّخول فل عدّة لقوله تعالى ‪ { :‬يَا َأ ّيهَا اّلذِي َ‬
‫عدّةٍ َت ْع َتدّو َنهَا } ‪.‬‬
‫ل أَن َتمَسّو ُهنّ َفمَا َل ُكمْ عََل ْيهِنّ ِمنْ ِ‬
‫ن مِن قَبْ ِ‬
‫ُثمّ طَلّ ْق ُتمُوهُ ّ‬
‫وتفصيل ذلك في مصطلح ‪ ( :‬عدّة ) ‪.‬‬

‫درء الحدّ *‬
‫انظر ‪ :‬شبهة ‪ ،‬حدود ‪.‬‬

‫دراهم *‬
‫التّعريف ‪:‬‬
‫‪ - 1‬الدّراهم جمع درهم ‪ ،‬وهو لفظ معرّب ‪ ،‬وهو نوع من النّقد ضرب من الفضّة كوسيلة‬
‫للتّعامل ‪ ،‬وتختلف أنواعه وأوزانه باختلف البلد الّتي تتداوله وتتعامل به ‪.‬‬
‫اللفاظ ذات الصّلة ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬الدّنانير ‪:‬‬
‫‪ - 2‬الدّنانير جمع دينار ‪ ،‬وهو معرّب ‪ ،‬قال أبو منصور ‪ :‬دينار أصله أعجميّ غير أنّ‬
‫العرب تكلّمت به فصار عربيّا ‪ .‬والدّينار اسم للقطعة من الذّهب المضروبة المقدّرة بالمثقال ‪.‬‬
‫ن الدّراهم من الفضّة ‪.‬‬
‫فهي تختلف عن الدّراهم في أنّها من الذّهب في حين أ ّ‬
‫ب ‪ -‬النّقد ‪.‬‬
‫‪ - 3‬للنّقد ثلثة معان فيطلق على الحلول أي خلف النّسيئة ‪ ،‬وعلى إعطاء النّقد ‪ ،‬وعلى‬
‫تميّز الدّراهم وإخراج الزّيف منها ‪ ،‬ومطلق النّقد ويراد به ما ضرب من الدّراهم والدّنانير‬
‫الّتي يتعامل بها النّاس ‪.‬‬
‫ج ‪ -‬الفلوس ‪:‬‬
‫‪ - 4‬الفلوس جمع فلس ‪ ،‬وتطلق الفلوس ويراد بها ما ضرب من المعادن من غير الذّهب‬
‫والفضّة ‪ ،‬وصارت عرفا في التّعامل وثمنا باصطلح النّاس ‪.‬‬
‫د ‪ -‬سكّة ‪:‬‬
‫سكّ ‪ :‬تضبيب الباب أو الخشب بالحديد ‪.‬‬
‫‪ - 5‬ال ّ‬
‫سكّة ‪ :‬حديدة قد كتب عليها ‪ ،‬ويضرب عليها الدّراهم ‪ ،‬وهي المنقوشة ثمّ نقل إلى أثرها‬
‫وال ّ‬
‫وهي النّقوش الماثلة على الدّنانير والدّراهم ‪ ،‬ثمّ نقل إلى القيام على ذلك ‪ ،‬وهي الوظيفة‬
‫فصار علما عليها في عرف الدّول ‪ ،‬وتسمّى الدّراهم المضروبة سكّةً ‪.‬‬
‫الدّرهم السلميّ وكيفيّة تحديده وتقديره ‪:‬‬
‫‪ - 6‬كانت الدّراهم المضروبة قبل السلم متعدّدةً مختلفة الوزان ‪ ،‬وكانت ترد إلى العرب‬
‫من المم المجاورة فكانوا يتعاملون بها ‪ ،‬ل باعتبار العدد بل بأوزان اصطلحوا عليها ‪ ،‬وجاء‬
‫ي صلى ال عليه وسلم ‪ « :‬الوزن‬
‫السلم وأقرّهم على هذه الوزان كما جاء في قول النّب ّ‬
‫وزن أهل مكّة ‪ ،‬والمكيال مكيال أهل المدينة » ‪.‬‬
‫ولمّا احتاج المسلمون إلى تقدير الدّرهم في الزّكاة كان ل ب ّد من وزن محدّد للدّرهم يقدّر‬
‫النّصاب على أساسه ‪ ،‬فجمعت الدّراهم المختلفة الوزن وأخذ الوسط منها ‪ ،‬واعتبر هو الدّرهم‬
‫الشّرعيّ ‪ ،‬وهو الّذي تزن العشرة منه سبعة مثاقيل من الذّهب ‪ ،‬فضربت الدّراهم السلميّة‬
‫على هذا الساس ‪ ،‬وهذا أمر متّفق عليه بين علماء المسلمين ‪ ،‬فقهاء ومؤرّخين ‪ ،‬لكنّهم‬
‫ن ذلك تمّ في عهد عمر بن الخطّاب رضي‬
‫اختلفوا في العهد الّذي ت ّم فيه هذا التّحديد ‪ ،‬فقيل إ ّ‬
‫ن ذلك تمّ في عهد بني أميّة ‪ ،‬وسواء كان ذلك تمّ في عهد عمر أم في‬
‫ال تعالى عنه ‪ ،‬وقيل إ ّ‬
‫عهد بني أميّة فإنّ الدّرهم الشّرعيّ الّذي استقرّ المر عليه هو الّذي ضرب في عهد عبد‬
‫الملك بن مروان وكان هو أساس التّقادير الشّرعيّة ‪.‬‬
‫لكنّ الفقهاء والمؤرّخين أثبتوا أنّ الدّرهم الشّرعيّ لم يبق على الوضع الّذي استقرّ عليه‬
‫الجماع في عهد عبد الملك ‪ ،‬بل أصابه تغيير كبير في الوزن والعيار من بلد إلى بلد ‪،‬‬
‫ل بلد يستخرجون الحقوق الشّرعيّة من نقدهم بمعرفة النّسبة الّتي بينها وبين‬
‫وصار أهل ك ّ‬
‫مقاديرها الشّرعيّة إلى أن قيل ‪ :‬يفتى في كلّ بلد بوزنهم ‪.‬‬
‫ونشأ من ذلك اضطراب في معرفة النصبة ‪ ،‬وهل تقدّر بالوزن أو بالعدد ؟‬
‫وأصبح الوصول إلى معرفة الدّينار الشّرعيّ المجمع عليه غاي ًة تمنع هذا الضطراب ‪.‬‬
‫وإلى عهد قريب لم يصل الفقهاء إلى معرفة ذلك حتّى أثبت المؤرّخ عليّ باشا مبارك ‪-‬‬
‫بواسطة استقراء النّقود السلميّة المحفوظة في دور الثار بالدّول الجنبيّة ‪ -‬أنّ دينار عبد‬
‫الملك بن مروان يزن "‪" 25،4‬جرام من الذّهب ‪ ،‬وبذلك يكون وزن الدّرهم ‪"2، 975" .‬جراما‬
‫من الفضّة ‪ .‬وهذا هو الّذي يعتبر معيارا في استخراج الحقوق الشّرعيّة من زكاة ‪ ،‬ودية ‪،‬‬
‫وتحديد صداق ‪ ،‬ونصاب سرقة ‪ ،‬وغير ذلك ‪.‬‬
‫من يتولّى ضرب الدّراهم ‪:‬‬
‫‪ - 7‬ضرب الدّراهم وظيفة ضروريّة للدّولة ‪ ،‬إذ بها يتميّز الخالص من المغشوش بين النّاس‬
‫في النّقود عند المعاملت ‪ ،‬ويتّقى الغشّ بختم السّلطان عليها بالنّقوش المعروفة ‪.‬‬
‫ل في دار‬
‫وقد قال المام أحمد في رواية جعفر بن محمّد ‪ :‬ل يصلح ضرب الدّراهم إ ّ‬
‫ن النّاس إن رخّص لهم ركبوا العظائم ‪ ،‬فقد منع المام أحمد من‬
‫الضّرب بإذن السّلطان ‪ ،‬ل ّ‬
‫الضّرب بغير إذن السّلطان لما فيه من الفتيات عليه ‪.‬‬
‫ن ضرب الدّراهم‬
‫ي ‪ :‬يكره للرّعيّة ضرب الدّراهم وإن كانت خالصةً ‪ ،‬ل ّ‬
‫وفي الرّوضة للنّوو ّ‬
‫من شأن المام ‪ .‬وذكر البلذريّ أنّ عمر بن عبد العزيز أتي برجل يضرب على غير سكّة‬
‫ن عبد الملك بن‬
‫السّلطان فعاقبه وسجنه وأخذ حديده فطرحه في النّار ‪ ،‬وحكى البلذريّ أ ّ‬
‫مروان أخذ رجلً يضرب على غير سكّة المسلمين فأراد قطع يده ثمّ ترك ذلك وعاقبه ‪ ،‬قال‬
‫المطّلب بن عبد اللّه بن حنطب ‪ :‬فرأيت من بالمدينة من شيوخنا حسّنوا ذلك من فعله ‪.‬‬
‫حكم كسر الدّراهم وقطعها ‪:‬‬
‫‪ - 8‬اختلف الفقهاء في حكم كسر الدّراهم وقطعها ‪ ،‬فذهب مالك وأحمد وأكثر فقهاء المدينة‬
‫إلى كراهية ذلك مطلقا ‪ ،‬لحاجة ولغير حاجة ‪ ،‬لنّه من جملة الفساد في الرض وينكر على‬
‫فاعله ‪ ،‬وقد روي عن النّبيّ صلى ال عليه وسلم « أنّه نهى عن كسر سكّة المسلمين الجائزة‬
‫بينهم » ‪.‬‬
‫والكراهة عند المام أحمد للتّحريم على ما جاء في رواية جعفر بن محمّد ورواية المروزيّ‬
‫ورواية حرب ‪ -‬وقد سئل عن كسر الدّراهم ‪ -‬فقال ‪ :‬هو عندي من الفساد في الرض‬
‫وكرهه كراهةً شديدةً ‪ .‬لكنّه صرّح في رواية أبي طالب أنّها كراهة تنزيه ‪ ،‬قال أبو طالب ‪:‬‬
‫سألت أحمد عن الدّراهم تقطّع فقال ‪ :‬ل ‪ « ،‬نهى النّبيّ صلى ال عليه وسلم عن كسر سكّة‬
‫المسلمين » ‪ ،‬وقيل له ‪ :‬فمن كسره عليه شيء ؟ قال ‪ :‬ل ‪ ،‬ولكن قد فعل ما نهى عنه النّبيّ‬
‫صلى ال عليه وسلم قال أبو يعلى ‪ :‬وقوله ‪ :‬ل شيء عليه ‪ ،‬معناه ل مأثم عليه ‪.‬‬
‫ن كسرها غير مكروه ‪.‬‬
‫وذهب أبو حنيفة وفقهاء العراق إلى أ ّ‬
‫وفصّل قوم ‪ ،‬فقال الشّافعيّ ‪ :‬إن كسرها لحاجة لم يكره له ‪ ،‬وإن كسرها لغير حاجة كره له ‪،‬‬
‫ن إدخال النّقص على المال من غير حاجة سفه ‪.‬‬
‫لّ‬
‫ن كراهة القطع محمول عندي على بلد ل يجوز فيه‬
‫واعتبر ابن عبد البرّ حال البلد فقال ‪ :‬إ ّ‬
‫القطع ‪ ،‬ول ينفق المقطوع من الدّراهم نفاق الصّحيح ‪.‬‬
‫سكّة مانعا من الشّهادة ‪ ،‬وروى عنه ابن الموّاز ‪ :‬إلّ أن‬
‫واعتبر ابن القاسم من المالكيّة قطع ال ّ‬
‫يعذر بجهل ‪ ،‬وقال عنه العتبيّ ‪ :‬ل يجوز وإن كان جاهلً ‪.‬‬
‫وقال سحنون ‪ :‬ليس قطع الدّنانير والدّراهم بجرحة ‪.‬‬
‫قال بعض الشّيوخ ‪ :‬وهذا الختلف إنّما هو إذا قطعها وهي وازنة فردّها ناقص ًة والبلد ل‬
‫ل وازنة ‪ ،‬وهي تجري فيه عددًا بغير وزن ‪ ،‬فانتفع بما قطع منها ‪ ،‬وينفقها بغير‬
‫تجوز فيه إ ّ‬
‫ن ذلك جرحة ‪ ،‬ولو قطّعها وكان التّبايع بها‬
‫وزن فتجرى مجرى الوازنة ‪ ،‬فل خلف في أ ّ‬
‫ن التّبايع بها ليس بجرحة ‪ ،‬وإن كان عالما فذلك مكروه ‪.‬‬
‫بالميزان فل خلف أ ّ‬
‫أمّا قطع الدّراهم لصياغتها حليّا للنّساء ‪ ،‬فقد قال ابن القاسم وابن وهب ‪ :‬ل بأس أن يقطع‬
‫الرّجل الدّنانير والدّراهم حليّا لبناته ونسائه ‪.‬‬
‫وقد منع المام أحمد أن تقطع للصّياغة ‪ ،‬قال في رواية بكر بن محمّد ‪ -‬وقد سأله عن الرّجل‬
‫يقطع الدّنانير والدّراهم يصوغ منها ‪ -‬قال ‪ :‬ل تفعل ‪ ،‬في هذا ضرر على النّاس ‪ ،‬ولكن‬
‫يشتري تبرا مكسورا بالفضّة ‪.‬‬
‫إنفاق الدّراهم المغشوشة ‪:‬‬
‫‪ - 9‬اختلف الفقهاء في إنفاق الدّراهم المغشوشة ‪ .‬فأجاز الحنفيّة الشّراء بالدّراهم الزّائفة ول‬
‫يتعلّق العقد بعينها ‪ ،‬بل يتعلّق بجنس تلك الدّراهم الزّيوف إن كان البائع يعلم بحالها خاصّةً‬
‫لنّه رضي بجنس الزّيوف ‪ ،‬وإن كان البائع ل يعلم ل يتعلّق العقد بجنس المشار إليه‪ ،‬وإنّما‬
‫يتعلّق بالجيّد من نقد تلك البلد ‪ ،‬لنّه لم يرض إلّ به إذا كان ل يعلم بحالها ‪.‬‬
‫ويجيز المالكيّة ذلك بشرط أن تباع لمن ل يغشّ بها النّاس بل لمن يكسّرها ويجعلها حليّا أو‬
‫غيره ‪ .‬فإن باع لمن يغشّ به فسخ البيع ‪.‬‬
‫وفي مغني المحتاج إن علم معيار الفضّة في الدّراهم المغشوشة صحّت المعاملة بها معيّنةً ‪،‬‬
‫صحّة مطلقا ‪ ،‬لنّ المقصود‬
‫وفي ال ّذمّة اتّفاقا ‪ ،‬وإن كان مجهولً ففيه أربعة أوجه ‪ ،‬أصحّها ال ّ‬
‫رواجها وهي رائجة ‪ ،‬ولحاجة المعاملة بها ‪ ..‬ثمّ قال ‪ :‬ومن ملك دراهم مغشوشةً كره له‬
‫طيّب ‪ :‬إلّ إن كانت دراهم البلد مغشوش ًة فل‬
‫إمساكها بل يسبكها ويصفّيها ‪ ،‬قال القاضي أبو ال ّ‬
‫يكره إمساكها ‪.‬‬
‫وعند الحنابلة إن كان الغشّ يخفى لم يجز التّعامل بها روايةً واحدةً ‪ ،‬وإن كان ظاهرا فعلى‬
‫روايتين ‪ :‬المنع والجواز ‪ .‬وينظر تفصيل ذلك في ‪ ( :‬صرف ‪ ،‬ربا ‪ ،‬غشّ ) ‪.‬‬
‫مسّ المحدث للدّراهم الّتي عليها شيء من القرآن ‪:‬‬
‫‪ - 10‬اختلف الفقهاء في حكم مسّ المحدث ‪ -‬حدثا أصغر أو أكبر ‪ -‬الدّراهم الّتي عليها شيء‬
‫من القرآن ‪ .‬فأجاز ذلك المالكيّة وهو الصحّ عند الشّافعيّة ‪ ،‬وفي وجه عند الحنابلة ‪ .‬وسبب‬
‫ن في الحتراز من ذلك مشقّةً‬
‫الجواز أنّه ل يقع عليها اسم المصحف فأشبهت كتب الفقه ‪ ،‬ول ّ‬
‫‪ ،‬والحاجة تدعو إلى ذلك ‪ ،‬والبلوى تعمّ فعفي عنه ‪.‬‬
‫ن الدّراهم‬
‫ح عند الشّافعيّة والوجه الثّاني للحنابلة ‪ ،‬ل ّ‬
‫ومنع من ذلك الحنفيّة وهو مقابل الص ّ‬
‫الّ