You are on page 1of 220

‫الموسوعة الفقهية ‪ /‬الجزء الحادي والعشرون‬

‫التّعريف ‪ :‬دفع *‬

‫‪ - 1‬الدّفع ‪ :‬مصدر دفع ‪ .‬ومن معاني مادته في اللّغة ‪ :‬التنحية والمماطلة والمحاجّة عن‬
‫الغير والردّ ‪ ،‬ويشمل ردّ القول وردّ غيره ‪ ،‬كالوديعة مثلً ‪ ،‬والرتحال عن الموضع ‪،‬‬
‫والمجيء بمرة ‪ .‬وإذا بني فعله للمفعول كان بمعنى النتهاء إلى الشيء ‪.‬‬
‫وأما معناه في الصطلح ‪ :‬فهو كما جاء في الكلّيات ‪ :‬صرف الشيء قبل الورود ‪ ،‬وإذا‬
‫عدّي فعله بإلى كان معناه النالة نحو قوله تعالى ‪ { :‬فَادْ َفعُو ْا إَِل ْي ِهمْ َأمْوَاَل ُهمْ } وإذا عدّي بعن‬
‫ن آ َمنُوا } ‪.‬‬
‫عنِ اّلذِي َ‬
‫كان معناه الحماية كما في قوله تعالى ‪ِ { :‬إنّ اللّهَ ُيدَافِعُ َ‬
‫وأما الفقهاء فإنهم يستعملون الدّفع بمعنى العطاء ‪ ،‬أو الخراج ‪ ،‬أو الداء كما في الزكاة ‪.‬‬
‫ويستعملونه أيضا بمعنى الردّ كما في ردّ الوديعة إلى المودع ‪.‬‬
‫ويستعملونه أيضا بمعنى اتقاء الشر ومنعه كما في دفع الصائل ‪.‬‬
‫ويستعملونه أيضا بمعنى ردّ خصومة المدعي وإبطال دعواه ‪.‬‬
‫اللفاظ ذات الصّلة ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬درء ‪:‬‬
‫‪ - 2‬ومعناه في اللّغة ‪ :‬الدّفع ‪ .‬قال في المصباح ‪ :‬درأت الشيء بالهمزة ‪ -‬درءا من باب نفع‬
‫‪ ،‬دفعته ‪ ،‬ودارأته دافعته ‪ ،‬وتدارؤوا تدافعوا ‪.‬‬
‫في الصطلح ‪ :‬أيضا معناه الدّفع ‪.‬‬
‫والفقهاء يستعملونه بهذا المعنى كقولهم ‪ :‬الحدود تندرىء بالشّبهات ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬ردّ ‪:‬‬
‫‪ - 3‬ومن معانيه في اللّغة ‪ :‬المنع ‪ .‬والرجوع ‪ ،‬أو الرسال ‪ .‬قال في المصباح ‪ :‬رددت‬
‫الشيء ردّا منعته فهومردود ‪ ،‬وقد يوصف بالمصدر فيقال ‪ :‬فهو ردّ ‪ .‬ورددت عليه قوله ‪.‬‬
‫ورددت إليه جوابه أي رجعت وأرسلت ‪ .‬ومنه رددت عليه الوديعة أي دفعتها إليه ‪.‬‬
‫ج ‪ -‬رفع ‪:‬‬
‫‪ - 4‬وهو في اللّغة ‪ :‬خلف الخفض ‪ ،‬ومن معانيه في اللّغة أيضا إذاعة المر ‪ ،‬والشّرف في‬
‫النّسب ‪ ،‬والسراع في السير ‪ ،‬وقبول العمل ‪ ،‬وهو في الجسام حقيقة في الحركة والنتقال ‪.‬‬
‫وفي المعاني محمول على ما يقتضيه المقام ‪ ،‬ومعناه في الصطلح ‪ :‬يقابل معنى الدّفع إذ‬
‫معناه صرف الشّيء بعد وروده ‪ ،‬والدّفع صرفه قبل وروده ‪.‬‬
‫د ‪ -‬منع ‪:‬‬
‫‪ - 5‬ومن معانيه في اللّغة ‪ :‬الحرمان من المر ‪ ،‬والكفّ عنه ‪ ،‬ومنازعة الشّيء ‪ ،‬والتمنّع‬
‫بالقوم ‪ :‬التّقوي بهم ‪ .‬وفي الصطلح ‪ :‬خلف العطاء ‪ ،‬والصّلة بينه وبين الدّفع هي أن‬
‫الفقهاء يستعملون الدّفع ويريدون منه المنع كما في دفع الصائل ‪.‬‬
‫الحكام الجمالية ومواطن البحث ‪:‬‬
‫‪ - 5‬ذكر الفقهاء الحكام الخاصّة بمصطلح دفع في عدد من المواطن كما يلي ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬الزّكاة ‪:‬‬
‫‪ - 6‬ذكر الفقهاء لفظ دفع في الزّكاة في أكثر من موطن وأرادوا به أكثر من معنى ‪ ،‬فقد‬
‫استعملوه بمعنى العطاء أو الداء ‪ ،‬كقولهم من يجوز أن تدفع له الصدقة ومن ليجوز ‪،‬‬
‫واشتراط النيّة عند دفعها ‪ ،‬وبمعنى الخراج كقولهم وقت دفع الزّكاة ‪.‬‬
‫والتفصيل في مصطلح ‪ ( :‬زكاة ) ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬الوديعة ‪:‬‬
‫‪ - 7‬ذكر الفقهاء لفظ الدّفع أيضا في الوديعة ‪ ،‬وأرادوا به الردّ ‪ ،‬أي ردّها إلى المودع ودفعها‬
‫إليه ‪ ،‬أو إلى وكيله عند طلبها ‪ .‬فإن أخّرها حتّى تلفت ضمن ‪.‬‬
‫والتفصيل في مصطلح ‪ ( :‬وديعة ) ‪.‬‬
‫ج ‪ -‬الصّيال ‪:‬‬
‫‪ - 8‬يذكر الفقهاء الدّفع في الصّيال ويعنون به منع الصّائل من تحقيق غرضه واتقاء شرّه ‪.‬‬
‫والصّائل هو من قصد غيره بشرّ سواء أكان الصّائل مسلما أم ذميا أم عبدا أم حرّا أم صبيّا‬
‫أم مجنونا أم بهيمة ‪ ،‬فيجوز دفعه عن كل معصوم من نفس ‪ ،‬أو طرف ‪ ،‬أو منفعة ‪ ،‬وعن‬
‫البضّع ‪ ،‬ومقدماته ‪ ،‬وعن المال ‪ ،‬وإن قلّ ‪ ،‬مع رعاية التدريج في كيفية الدّفع بأن يبدأ‬
‫بالهون ‪ ،‬فإن لم يمكنه دفعه إل بقتله قتله ‪ .‬ول ضمان عليه بقصاص ‪ ،‬ول دية ‪ ،‬ول‬
‫كفّارة‪ ،‬ول قيمة ‪.‬‬
‫فإن قتل المدافع كان شهيدا لخبر ‪ « :‬ومن قتل دون ماله فهو شهيد » ولنّه قتل لدفع ظالم ‪،‬‬
‫فكان شهيدا كالعادل إذا قتله الباغي ‪ .‬والتّفصيل في مصطلح ‪ ( :‬صيال ) ‪.‬‬
‫د ‪ -‬دعوى ‪:‬‬
‫‪ - 9‬يذكر الفقهاء الدّفع في الدّعوى ويعنون به ردّ كلم المدعي وإبطال دعواه ‪.‬‬
‫ومما ذكروه في هذا الشّأن أن يقول المدعى عليه هذا الشّيء أودعنيه فلن الغائب أو رهنه‬
‫عندي ‪ ،‬أو غصبته منه ‪ ،‬أو أعارني ‪ ،‬أو آجرني ‪ .‬وأقام على ذلك بيّنة ‪ ،‬فحينئذ تندفع‬
‫الخصومة إل أن يكون المدّعى عليه محتالً كما ذكر الحنفيّة ‪.‬‬
‫ومما تندفع به دعوى من ادّعى على رجل بملكٍ إنكارُ المدّعى عليه لتلك الدعوى ‪ ،‬أو يُقر به‬
‫لغير المدّعي كما في التبصرة من كتب المالكية ‪.‬‬
‫وممّا تندفع به دعوى الديْن أن يقول المدّعى عليه ‪ :‬قضيت ‪ ،‬أو أبرأني ‪ ،‬كما ذكر الشّافعية‪.‬‬
‫وتندفع دعوى من ادّعى زوجية امرأة ول بيّنة له بإنكارها ‪ ،‬ول يستحلف كما ذكرالحنابلة ‪،‬‬
‫والتفصيل في مصطلح ‪ ( :‬دعوى ) ‪.‬‬
‫الدّفع أقوى من الرّفع ‪:‬‬
‫‪ - 10‬وهي قاعدة فقهية ذكرها الزركشي في المنثور ‪.‬‬
‫ومن فروعها أنّ الماء المستعمل إذا بلغ قلّتين ل يعود طهورا في وجه ‪ ،‬وفي وجه يعود ‪.‬‬
‫فأما إذا كان الماء قلّتين قبل الستعمال فإنّه ل يصير مستعملً به ‪ .‬والفرق أنّ الماء إذا‬
‫استعمل وهو قلّتان كان دافعا للستعمال ‪ ،‬وإذا جمع كان رافعا ‪ .‬والدّفع أقوى من الرّفع ‪.‬‬
‫ن السفر قبل الشروع في الصّيام يبيح الفطر ‪ .‬ويدفع الصّوم ‪.‬‬
‫ومن فروعها أيضا أ ّ‬
‫ولو سافر في أثناء يوم من رمضان ل يبيحه ‪ .‬ول يرفع الصّوم ‪ .‬والدّفع أقوى من الرّفع ‪.‬‬
‫هذا ويرد ذكر الدّفع في كلم الفقهاء في كثير من أبواب الفقه ومسائله ‪ ،‬كالصّلة ‪ ،‬والحرام‪،‬‬
‫والسّلم ‪ ،‬والحوالة ‪ ،‬والرهن ‪ ،‬والضّمان ‪ ،‬والكفالة ‪ ،‬والمضاربة ‪ ،‬والمزارعة ‪ ،‬والوكالة ‪،‬‬
‫والعارية ‪ ،‬واللّقطة ‪ ،‬والوقف ‪ ،‬والوصيّة ‪ ،‬والنّفقات ‪ ،‬والجنايات ‪ ،‬والحدود ‪ ،‬والجهاد ‪،‬‬
‫والجزية ‪ .‬والتّفصيل في المصطلحات الخاصّة بتلك البواب و المسائل ‪.‬‬

‫دفع الصّائل *‬
‫انظر ‪ :‬صيال ‪.‬‬

‫دفّ *‬
‫انظر ‪ :‬ملهي ‪.‬‬

‫دفن *‬
‫التّعريف ‪:‬‬
‫‪ - 1‬الدّفن في اللّغة بمعنى المواراة والسّتر ‪ .‬يقال ‪ :‬دفن الميّت واراه ‪ ،‬ودفن سرّه ‪ :‬أي كتمه‬
‫‪ .‬وفي الصطلح ‪ :‬مواراة الميّت في التّراب ‪.‬‬
‫الحكم الجماليّ ‪:‬‬
‫‪ - 2‬دفن المسلم فرض كفاي ٍة إجماعا إن أمكن ‪ .‬والدّليل على وجوبه ‪ :‬توارث النّاس من لدن‬
‫آدم عليه السّلم إلى يومنا هذا مع النّكير على تاركه ‪.‬‬
‫وأوّل من قام بالدّفن هو قابيل الّذي أرشده اللّه إلى دفن أخيه هابيل ‪ ،‬لمّا جاء في قوله تعالى‬
‫ت أَنْ‬
‫عجَزْ ُ‬
‫ض ِل ُيرِيَ ُه َك ْيفَ يُوَارِي سَوْء َة َأخِيهِ قَالَ يَا َويَْلتَا َأ َ‬
‫لرْ ِ‬
‫ث فِي ا َ‬
‫غرَابا َي ْبحَ ُ‬
‫{ َف َبعَثَ الّلهُ ُ‬
‫صبَحَ ِمنَ النّا ِدمِينَ } ‪.‬‬
‫ب فَأُوَا ِريَ سَوْء َة َأخِي َفأَ ْ‬
‫ن ِمثْلَ هَـذَا ا ْل ُغرَا ِ‬
‫َأكُو َ‬
‫وإذا لم يمكن ‪ :‬كما لو مات في سفينةٍ ‪ ،‬غسّل وكفّن وصلّي عليه ثمّ ألقي في البحر إن لم يكن‬
‫قريبا من البرّ ‪ .‬وتقدير القرب ‪ :‬بأن يكون بينه وبين البرّ مدّة ل يتغيّر فيها الميّت ‪ .‬وصرّح‬
‫بعض الفقهاء أنّه يثقّل بشي ٍء ليرسب ‪ ،‬وقال الشّافعيّ ‪ :‬يثقّل إن كان قريبا من دار الحرب ‪،‬‬
‫ل يربط بين لوحين ليحمله البحر إلى السّاحل ‪ ،‬فربّما وقع إلى قو ٍم يدفنونه ‪.‬‬
‫وإ ّ‬
‫أفضل مكان للدّفن ‪:‬‬
‫‪ - 3‬المقبرة أفضل مكان للدّفن ‪ ،‬وذلك للتّباع ‪ ،‬ولنيل دعاء الطّارقين ‪ ،‬وفي أفضل مقبرةٍ‬
‫ص النبياء أنّهم‬
‫بالبلد أولى ‪ .‬وإنّما دفن النّبيّ صلى ال عليه وسلم في بيته ‪ ،‬لنّ من خوا ّ‬
‫يدفنون حيث يموتون ‪.‬‬
‫ويكره الدّفن في الدّار ولو كان الميّت صغيرا ‪ .‬وقال ابن عابدين ‪ :‬وكذلك الدّفن في مدفنٍ‬
‫خاصّ كما يفعله من يبني مدرس ًة ونحوها ويبني له بقربه مدفنا ‪.‬‬
‫وأمّا الدّفن في المساجد ‪ ،‬فقد صرّح المالكيّة بأنّه يكره دفن الميّت في المسجد الّذي بني‬
‫للصّلة فيه ‪.‬‬
‫ويرى الحنابلة أنّه يحرم دفنه في مسجدٍ ونحوه كمدرس ٍة ‪ ،‬ورباطٍ لتعيين الواقف الجهة لغير‬
‫ذلك فينبش عندهم من دفن بمسجدٍ تداركا للعمل بشرط الواقف ‪.‬‬
‫كما يحرم دفنه في ملك غيره بل إذن ربّه للعدوان ‪ ،‬وللمالك إلزام دافنه بإخراجه ونقله ليفرغ‬
‫له ملكه عمّا شغله به بغير حقّ ‪ .‬والولى له تركه حتّى يبلى لما فيه من هتك حرمته ‪.‬‬
‫نقل الميّت من مكان إلى آخر ‪:‬‬
‫‪ - 4‬ذهب الحنفيّة والشّافعيّة والحنابلة إلى أنّه ل يجوز نقل الميّت من مكان إلى آخر بعد‬
‫الدّفن مطلقا ‪ .‬وأفتى بعض المتأخّرين من الحنفيّة بجوازه إلّ أنّ ابن عابدين ردّه فقال نقلً‬
‫عن الفتح ‪ :‬اتّفاق مشايخ الحنفيّة في امرأةٍ دفن ابنها وهي غائبة في غير بلدها فلم تصبر ‪،‬‬
‫وأرادت نقله على أنّه ل يسعها ذلك ‪ ،‬فتجويز بعض المتأخّرين ل يلتفت إليه ‪.‬‬
‫وأمّا نقل يعقوب ويوسف عليهما السلم من مصر إلى الشّام ‪ ،‬ليكونا مع آبائهما الكرام فهو‬
‫شرع من قبلنا ‪ ،‬ولم يتوفّر فيه شروط كونه شرعا لنا ‪.‬‬
‫وأمّا قبل دفنه فيرى الحنفيّة وهو رواية عن أحمد أنّه ل بأس بنقله مطلقا ‪ ،‬وقيل إلى ما دون‬
‫مدّة السّفر ‪ ،‬وقيّده محمّد بقدر ميلٍ أو ميلين ‪.‬‬
‫ل;‬
‫وذهب جمهور الشّافعيّة والحنابلة إلى أنّه ل يجوز نقل الميّت قبل الدّفن من بلدٍ إلى آخر إ ّ‬
‫لغرضٍ صحيحٍ ‪ .‬وبه قال الوزاعيّ وابن المنذر ‪.‬‬
‫قال عبد اللّه بن أبي مليكة ‪ « :‬توفّي عبد الرّحمن بن أبي بكرٍ بالحبشة ‪ ،‬فحمل إلى مكّة فدفن‬
‫‪ ،‬فلمّا قدمت عائشة رضي ال تعالى عنها أتت قبره ‪ ،‬ث ّم قالت ‪ :‬واللّه لو حضرتك ما دفنت‬
‫إلّ حيث متّ ‪ ،‬ولو شهدتك ما زرتك » ‪.‬‬
‫ن ذلك أخفّ لمؤنته ‪ ،‬وأسلم له من التّغيير ‪ ،‬وأمّا إن كان فيه غرض صحيح جاز ‪.‬‬
‫ول ّ‬
‫قال الشّافعيّ رحمه ال ‪ :‬ل أحبّه إلّ أن يكون بقرب مكّة ‪ ،‬أو المدينة ‪ ،‬أو بيت المقدس ‪.‬‬
‫فيختار أن ينقل إليها لفضل الدّفن فيها ‪ ،‬وقال بعض الشّافعيّة ‪ :‬يكره نقله ‪ ،‬وقال صاحب "‬
‫التّتمّة " وآخرون ‪ :‬يحرم نقله ‪.‬‬
‫وأمّا المالكيّة فيجوز عندهم نقل الميّت قبل الدّفن وكذا بعده من مكان إلى آخر بشروطٍ هي ‪:‬‬
‫‪ -‬أن ل ينفجر حال نقله‬
‫‪ -‬أن ل تنتهك حرمته‬
‫‪ -‬وأن يكون لمصلح ٍة ‪ :‬كأن يخاف عليه أن يأكله البحر ‪ ،‬أو تُرجى بركة الموضع المنقول‬
‫إليه ‪ ،‬أو ليدفن بين أهله ‪ ،‬أو لجل قرب زيارة أهله ‪ ،‬أو دفن من أسلم بمقبرة الكفّار ‪،‬‬
‫فيتدارك بإخراجه منها ‪ ،‬ودفنه في مقبرة المسلمين ‪.‬‬
‫فإن تخلّف شرط من هذه الشّروط الثّلثة كان النّقل حراما ‪.‬‬
‫ن الشّهيد يستحبّ دفنه حيث قتل ‪ .‬لما روي « أنّ النّبيّ صلى ال عليه‬
‫واتّفق الئمّة على أ ّ‬
‫وسلم أمر بقتلى أحدٍ أن يردّوا إلى مصارعهم » ‪ .‬وأنّه ينزع عنه الحديد والسّلح ‪ ،‬ويترك‬
‫ن رسول اللّه صلى ال عليه وسلم أمر‬
‫عليه خفّاه ‪ ،‬وقلنسوته ; لما روي عن ابن عبّاسٍ ‪ « :‬أ ّ‬
‫بقتلى أحدٍ أن ينزع عنهم الحديد والجلود ‪ ،‬وأن يدفنوا في ثيابهم بدمائهم » ‪.‬‬
‫ودفن الشّهيد بثيابه حتم عند الحنفيّة والمالكيّة عملً بظاهر الحديث ‪ ،‬وأولى عند الشّافعيّة‬
‫والحنابلة ‪ .‬فللوليّ أن ينزع عنه ثيابه ‪ ،‬ويكفّنه بغيرها ‪.‬‬
‫وتفصيل ذلك في مصطلح ‪ ( :‬شهيد ‪ ،‬وتكفين ) ‪.‬‬
‫وصرّح الشّافعيّة بأنّ الكافر إن مات في الحجاز ‪ ،‬وشقّ نقله منه لتقطّعه ‪ ،‬أو بُعد المسافة من‬
‫غير الحجاز أو نحو ذلك دفن َثمّ ‪ ،‬أمّا الحربيّ فل يجب دفنه ‪ ،‬وفي وج ٍه ل يجوز ‪ ،‬فإن دفن‬
‫فيترك ‪.‬‬
‫ل لذلك ‪ ،‬وإن كان بإذنٍ من‬
‫ن المحلّ غير قاب ٍ‬
‫وأمّا في حرم مكّة فينقل منه ولو دفن ‪ ،‬ل ّ‬
‫ل إذا‬
‫ن بقاء جيفته فيه أشدّ من دخوله حيّا إ ّ‬
‫ن إذن المام ل يؤثّر في ذلك ‪ .‬ول ّ‬
‫المام‪ ،‬ل ّ‬
‫تهرّى وتقطّع بعد دفنه ترك ‪ .‬وليس حرم المدينة كحرم مكّة فيما ذكر لختصاص حرم مكّة‬
‫بالنّسك ‪.‬‬
‫دفن القارب في مقبرةٍ واحدةٍ ‪:‬‬
‫‪ - 5‬صرّح جمهور الفقهاء بأنّه يجوز جمع القارب في الدّفن في مقبرةٍ واحدةٍ ‪ ،‬لقول النّبيّ‬
‫صلى ال عليه وسلم لمّا دفن عثمان بن مظعونٍ ‪ « :‬أدفن إليه من مات من أهلي » ‪.‬‬
‫ن ذلك أسهل لزيارتهم وأكثر للتّرحّم عليهم ‪ ،‬ويسنّ تقديم الب ‪ ،‬ثمّ من يليه في السّنّ‬
‫ول ّ‬
‫والفضيلة إن أمكن ‪.‬‬
‫الحقّ بالدّفن ‪:‬‬
‫‪ - 6‬ذهب جمهور الفقهاء إلى أنّ الولى بدفن المرأة محارمها الرّجال القرب فالقرب وهم‬
‫الّذين كان يحلّ لهم النّظر إليها في حياتها ولها السّفر معهم ‪ ،‬لما روي عن عمر رضي ال‬
‫عنه أنّه قام عند منبر رسول اللّه صلى ال عليه وسلم حين توفّيت زينب بنت جحشٍ رضي‬
‫ال عنها ‪ ،‬فقال ‪ :‬أل إنّي أرسلت إلى النّسوة من يدخلها قبرها ‪ ،‬فأرسلن ‪ :‬من كان يحلّ له‬
‫الدّخول عليها في حياتها ‪ ،‬فرأيت أن قد صدقن ‪.‬‬
‫ن امرأة عمر رضي ال تعالى عنهما لمّا توفّيت قال لهلها ‪:‬أنتم أحقّ بها ‪.‬‬
‫ول ّ‬
‫ولنّهم أولى النّاس بوليتها حال الحياة ‪ ،‬فكذا بعد الموت ‪ ،‬ثمّ زوجها ‪ ،‬لنّه أشبه بمحرمها‬
‫من النّسب من الجانب ‪ ،‬ولو لم يكن فيهم ذو رحمٍ فل بأس للجانب وضعها في قبرها ‪ ،‬ول‬
‫ن النّبيّ صلى ال عليه وسلم حين ماتت ابنته أمر أبا‬
‫يحتاج إلى إحضار النّساء للدّفن ‪« ،‬ل ّ‬
‫طلحة ‪ ،‬فنزل في قبر ابنته » ‪ .‬وهو أجنبيّ ‪ ،‬ومعلوم أنّ محارمها كنّ هناك ‪ ،‬كأختها فاطمة‬
‫ي صلى ال عليه وسلم وعصر‬
‫ولنّ تولّي النّساء ‪ ،‬لذلك لو كان مشروعا لفعل في عصر النّب ّ‬
‫خ ‪ ،‬ثمّ أفضل دينا ومعرف ًة ‪ .‬فإن لم يكن ‪ ،‬فقد‬
‫خلفائه ‪ ،‬ولم ينقل ‪ .‬ثمّ يقدّم خصيّ ‪ ،‬ثمّ شي ٌ‬
‫ن النّظر إليها وهنّ‬
‫ب إليّ أن يدخلها النّساء ‪ ،‬لنّه مباح له ّ‬
‫روي عن أحمد أنّه قال ‪ :‬إنّه أح ّ‬
‫أحقّ بغسلها ‪ ،‬القربى فالقربى كالرّجال ‪.‬‬
‫ن منظوره أكثر ‪.‬‬
‫واستثنى الشّافعيّة الزّوج ‪ ،‬فإنّه أحقّ من غيره ‪ ،‬ل ّ‬
‫ن الميّت إن كان رجلً فيضعه في قبره الرّجال ‪ ،‬وإن كانت امرأ ًة فيتولّى‬
‫ص المالكيّة بأ ّ‬
‫ون ّ‬
‫ذلك زوجها من أسفلها ومحارمها من أعلها ‪ ،‬فإن لم يكن فصالحوا المؤمنين ‪ ،‬فإن وجد من‬
‫النّساء من يتولّى ذلك فهو أولى من الجانب ‪.‬‬
‫ن الولى بدفن الرّجال أولهم بغسله والصّلة عليه ‪ ،‬فل ينزل‬
‫وقال الشّافعيّة والحنابلة ‪ :‬إ ّ‬
‫ن النّبيّ صلى ال عليه وسلم لحده العبّاس وعليّ وأسامة‬
‫القبر إلّ الرّجال متى وجدوا ‪ « ،‬ل ّ‬
‫رضي ال عنهم » ‪ ،‬وهم الّذين كانوا تولّوا غسله ‪ ،‬ولنّ المقدّم بغسله أقرب إلى ستر أحواله‬
‫‪ ،‬وقلّة الطّلع عليه ‪ ،‬ثمّ أقرب العصبة ‪ ،‬ثمّ ذوو أرحامه القرب فالقرب ‪ ،‬ثمّ الرّجال‬
‫الجانب ‪ ،‬ثمّ من محارمه من النّساء ‪ ،‬ثمّ الجنبيّات ‪ ،‬للحاجة إلى دفنه وعدم غيرهنّ ‪.‬‬
‫أمّا دفن القاتل للمقتول ‪ :‬فقد صرّح الحنابلة بأنّه ل حقّ له في دفنه ‪ ،‬لمبالغته في قطيعة‬
‫الرّحم ‪.‬‬
‫دفن المسلم للكافر ‪:‬‬
‫ل لضرورةٍ ‪،‬‬
‫‪ - 7‬ل خلف بين الفقهاء في أنّه ل يجوز للمسلم أن يدفن كافرا ولو قريبا إ ّ‬
‫بأن ل يجد من يواريه غيره فيواريه وجوبا ‪ « .‬لنّه صلى ال عليه وسلم لمّا أخبر بموت أبي‬
‫طالبٍ قال لعليّ رضي ال عنه ‪ :‬اذهب فواره » وكذلك قتلى بدرٍ أُلقوا في القليب ‪ ،‬أو لنّه‬
‫يتضرّر بتركه ويتغيّر ببقائه ‪ .‬ول يستقبل به قبلتنا لنّه ليس من أهلها ‪ ،‬ول قبلتهم لعدم‬
‫سنّة ‪.‬‬
‫اعتبارها ‪ ،‬فل يقصد جهةً مخصوصةً ‪ ،‬بل يكون دفنه من غير مراعاة ال ّ‬
‫وكذلك ل يُترك ميّت مسلم لوليّه الكافر فيما يتعلّق بتجهيزه ودفنه ‪ ،‬إذ ل يؤمن عليه من دفنه‬
‫في مقبرة الكفّار واستقباله قبلتهم ‪ ،‬وغير ذلك ‪.‬‬
‫كيفيّة الدّفن ‪:‬‬
‫ب أن يدخل الميّت من قِبل القبلة بأن يوضع من جهتها ‪ ،‬ثمّ‬
‫‪ - 8‬ذهب الحنفيّة إلى أنّه يستح ّ‬
‫يحمل فيلحد ‪ ،‬فيكون الخذ له مستقبل القبلة حال الخذ ‪.‬‬
‫وروي ذلك عن عليّ رضي ال عنه ‪ .‬وقال النّخعيّ ‪ :‬حدّثني من رأى أهل المدينة في الزّمن‬
‫ل شيء أحدثه أهل المدينة ‪.‬‬
‫الوّل يدخلون موتاهم من قبل القبلة ‪ ،‬وأنّ السّ ّ‬
‫وقال المالكيّة ‪ :‬إنّه ل بأس أن يدخل الميّت في قبره من أيّ ناحيةٍ كان والقبلة أولى ‪.‬‬
‫ويرى الشّافعيّة والحنابلة أنّه يستحبّ السّلّ ‪ ،‬بأن يوضع الميّت عند آخر القبر ثمّ يسلّ من قبل‬
‫رأسه منحدرا ‪.‬‬
‫وروي ذلك عن ابن عمر وأنسٍ ‪ ،‬وعبد اللّه بن يزيد النصاريّ ‪ ،‬والشّعبيّ ‪.‬‬
‫ي صلى ال عليه وسلم‬
‫ن النّب ّ‬
‫س رضي ال عنهم « أ ّ‬
‫واستدلّوا بما روي عن ابن عمر وابن عبّا ٍ‬
‫سلّ من قبل رأسه سلً » ‪.‬‬
‫والخلف بين الفقهاء هنا خلفٌ في الولى ‪ ،‬وعلى هذا فإن كان السهل عليهم أخذه من‬
‫القبلة أو من رأس القبر فل حرج ‪ ،‬لنّ استحباب أخذه من أسفل القبر إنّما كان طلبا للسّهولة‬
‫ل ل بأس‬
‫عليهم والرّفق بهم ‪ ،‬فإن كان السهل غيره كان مستحبّا ‪ ،‬قال أحمد رحمه ال ‪ :‬ك ّ‬
‫به ‪.‬‬
‫ثمّ يوضع على شقّه اليمن متوجّها إلى القبلة ‪ ،‬ويقول واضعه ‪ :‬بسم اللّه وعلى ملّة رسول‬
‫ي صلى ال عليه وسلم كان إذا أدخل الميّت في‬
‫ن النّب ّ‬
‫اللّه ‪ ،‬لما ورد عن عبد اللّه بن عمر « أ ّ‬
‫القبر ‪ ،‬قال مرّةً ‪ :‬بسم اللّه وباللّه وعلى ملّة رسول اللّه ‪ .‬وقال مرّ ًة ‪ :‬بسم اللّه وباللّه وعلى‬
‫سنّة رسول اللّه صلى ال عليه وسلم »‬
‫ومعنى بسم اللّه ‪ ،‬وعلى ملّة رسول اللّه ‪ :‬بسم اللّه وضعناك ‪،‬وعلى ملّة رسول اللّه سلّمناك‪.‬‬
‫وقال الماتريديّ ‪ :‬هذا ليس دعا ًء للميّت ‪ ،‬لنّه إن مات على ملّة رسول اللّه صلى ال عليه‬
‫وسلم لم يجز أن يبدّل حاله ‪ ،‬وإن مات على غير ذلك لم يبدّل أيضا ‪ ،‬ولكنّ المؤمنين شهداء‬
‫سنّة ‪.‬‬
‫اللّه في أرضه ‪ ،‬فيشهدون بوفاة الميّت على الملّة ‪ ،‬وعلى هذا جرت ال ّ‬
‫وفيها أقوال أخرى ذكرت في كتب الفقه ‪.‬‬
‫ثمّ تحلّ عقد الكفن للستغناء عنها ‪ ،‬ويسوّى اللّبن على اللّحد ‪ ،‬وتسدّ الفرج بالمدر والقصب‬
‫جرّ المطبوخ إلّ إذا كانت‬
‫أو غير ذلك كي ل ينزل التّراب منها على الميّت ‪ ،‬ويكره وضع ال ُ‬
‫الرض رخو ًة ‪ ،‬لنّها تستعمل للزّينة ‪ ،‬ول حاجة للميّت إليها ‪ ،‬ولنّه ممّا مسّته النّار ‪.‬‬
‫جرّ في بلدنا للحاجة إليه لضعف الراضي ‪ ،‬وكذلك الخشب‬
‫قال مشايخ بخارى ‪ :‬ل يكره ال ُ‬
‫‪.‬‬
‫ن رسول اللّه صلى ال‬
‫ويستحبّ حثيه من قبل رأسه ثلثا ‪ :‬لما روي عن أبي هريرة ‪ « :‬أ ّ‬
‫عليه وسلم صلّى على جناز ٍة ‪ ،‬ثمّ أتى القبر فحثى عليه من قبل رأسه ثلثا » ‪.‬‬
‫ويقول في الحثية الولى ‪ِ { :‬م ْنهَا خَلَ ْقنَاكُمْ } ‪ ،‬وفي الثّانية ‪َ { :‬وفِيهَا ُنعِيدُ ُكمْ } ‪ ،‬وفي الثّالثة ‪{ :‬‬
‫خرَى } ‪.‬‬
‫جكُمْ تَارَ ًة ُأ ْ‬
‫خ ِر ُ‬
‫َو ِم ْنهَا ُن ْ‬
‫وق يل ‪ :‬يقول في الولى ‪ :‬اللّه مّ جاف الرض عن ج نبيه ‪ ،‬و في الثّان ية ‪ :‬اللّه مّ اف تح أبواب‬
‫ال سّماء لرو حه ‪ ،‬و في الثّال ثة ‪ :‬اللّه مّ زوّ جه من الحور الع ين ‪ ،‬وللمرأة ‪ :‬اللّه ّم أدخل ها الجنّة‬
‫برحمتك ‪ .‬ثمّ يهال التّراب عليه ‪ ،‬وتكره الزّيادة عليه ‪ ،‬لنّه بمنزلة البناء ‪.‬‬
‫ل بل‬
‫ويحرم أن يوضع تحت الميّت عند الدّفن مخدّة أو حصير أو نحو ذلك ‪ ،‬لنّه إتلف ما ٍ‬
‫ضرور ٍة ‪ ،‬بل المطلوب كشف خدّه ‪ ،‬والفضاء إلى التّراب استكانةً وتواضعا ‪ ،‬ورجاءً‬
‫لرحمة اللّه ‪ .‬وما روي « أنّه جعل في قبره صلى ال عليه وسلم قطيفةً » ‪ ،‬قيل ‪ :‬لنّ‬
‫المدينة سبخة‪ ،‬وقيل ‪ :‬إنّ العبّاس وعليّا رضي ال عنهما تنازعا فبسطها شقران تحته لقطع‬
‫التّنازع‪ .‬وقيل ‪ :‬كان عليه الصلة والسلم يلبسها ويفترشها ‪ ،‬فقال شقران ‪ :‬واللّه ل يلبسك‬
‫أحد بعده أبدا فألقاها في القبر ‪ ،‬ولكنّه لم يشتهر ليكون إجماعا منهم ‪ ،‬بل ثبت عن غيره‬
‫ن ابن عبّاسٍ كره أن يلقى تحت الميّت شيء عند الدّفن ‪.‬‬
‫خلفه كما رواه التّرمذيّ أ ّ‬
‫وعن أبي موسى قال ‪ " :‬ل تجعلوا بيني وبين الرض شيئا " ‪.‬‬
‫ول تعيين في عدد من يدخل القبر عند جمهور الفقهاء ‪ ،‬فعلى هذا يكون عددهم على حسب‬
‫حال الميّت ‪ ،‬وحاجته ‪ ،‬وما هو أسهل في أمره ‪.‬‬
‫وذهب الشّافعيّة ‪ ،‬وهو قول القاضي من الحنابلة ‪ ،‬إلى أنّه يستحبّ أن يكون وترا ‪ ،‬لنّ النّبيّ‬
‫صلى ال عليه وسلم ألحده ثلثة ‪.‬‬
‫ل واحدٍ في قبرٍ ‪ ،‬بدأ بمن يخشى تغيّره‪،‬‬
‫ولو مات أقارب الشّخص دفعةً واحد ًة ‪ ،‬وأمكنه دفن ك ّ‬
‫ثمّ الّذي يليه في التّغيير ‪ ،‬فإن لم يخش تغيّر بدأ بأبيه ‪ ،‬ثمّ أمّه ‪ ،‬ثمّ القرب فالقرب ‪ ،‬فإن‬
‫كانا أخوين فأكبرهما ‪ ،‬وإن كانتا زوجتين أقرع بينهما ‪.‬‬
‫أقلّ ما يجزئ في الدّفن ‪:‬‬
‫ن أقلّ ما يجزئ في الدّفن حفرة تكتم رائحة الميّت ‪ ،‬وتحرسه‬
‫‪ - 9‬صرّح جمهور الفقهاء بأ ّ‬
‫عن السّباع ‪ ،‬لعسر نبش مثلها غالبا ‪ ،‬وقدّر القلّ بنصف القامة ‪ ،‬والكثر بالقامة ‪ ،‬ويندب‬
‫عدم تعميقه أكثر من ذلك ‪ ،‬وصرّح المالكيّة بأنّه ل حدّ لكثره وإن كان النّدب عدم عمقه ‪.‬‬
‫ويجوز الدّفن في الشّقّ واللّحد ‪ ،‬فاللّحد ‪ :‬أن يحفر حائط القبر مائلً عن استوائه من أسفله‬
‫شقّ ‪ :‬أن يحفر وسطه كالنّهر ‪ ،‬ويسقّف ‪.‬‬
‫قدر ما يوضع فيه الميّت من جهة القبلة ‪ .‬وال ّ‬
‫شقّ ‪ ،‬وتفصيل ذلك في مصطلح ‪ ( :‬قبر ) ‪.‬‬
‫فإن كانت الرض صلب ًة فاللّحد أفضل ‪ ،‬وإلّ فال ّ‬
‫تغطية القبر حين الدّفن ‪:‬‬
‫‪ - 10‬ل خلف بين الفقهاء في أنّه يستحبّ تغطية قبر المرأة حين الدّفن لنّها عورة ‪ ،‬ولنّه‬
‫ل يؤمن أن يبدو منها شيء فيراه الحاضرون ‪ ،‬وبناء أمرها على السّتر ‪ ،‬والخنثى في ذلك‬
‫كالنثى احتياطا ‪.‬‬
‫واختلفوا في تغطية قبر الرّجل ‪ ،‬فذهب جمهور الفقهاء إلى أنّه يكره تغطية قبر الرّجل إلّ‬
‫لعذرٍ من مطرٍ وغيره ‪ ،‬لما روي عن عليّ رضي ال عنه ‪ ،‬أنّه مرّ بقو ٍم وقد دفنوا ميّتا ‪،‬‬
‫وقد بسطوا على قبره الثّوب ‪ ،‬فجذبه وقال ‪ :‬إنّما يصنع هذا بالنّساء ‪ ،‬مع ما فيه من اتّباع‬
‫أصحاب رسول اللّه صلى ال عليه وسلم ‪.‬‬
‫ب ذلك ‪ ،‬سواء كان رجلً أو امرأةً ‪ ،‬والمرأة آكد ‪.‬‬
‫ويرى الشّافعيّة في المذهب أنّه يستح ّ‬
‫ل الشّداد ‪ ،‬فيظهر ما يستحبّ إخفاؤه ‪.‬‬
‫لنّه ربّما ينكشف عند الضطجاع وح ّ‬
‫اتّخاذ التّابوت ‪:‬‬
‫‪ - 11‬ل خلف بين الفقهاء في أنّه يكره الدّفن في التّابوت إلّ عند الحاجة كرخاوة الرض ‪،‬‬
‫وذلك ‪ ،‬لنّه لم ينقل عن النّبيّ صلى ال عليه وسلم ول عن أصحابه رضوان اللّه تعالى‬
‫ن فيه إضاعة المال ‪.‬‬
‫عليهم ‪ ،‬وفيه تشبّه بأهل الدّنيا ‪ ،‬والرض أنشف لفضلته ‪ .‬ول ّ‬
‫وفرّق الحنفيّة بين الرّجل والمرأة ‪ ،‬فقالوا ‪ :‬ل بأس باتّخاذ التّابوت لها مطلقا ‪ ،‬لنّه أقرب إلى‬
‫السّتر ‪ ،‬والتّحرّز عن مسّها عند الوضع في القبر ‪.‬‬
‫الدّفن ليلً وفي الوقات المكروهة ‪:‬‬
‫‪ - 12‬ذهب الحنفيّة والمالكيّة والشّافعيّة وهو المذهب لدى الحنابلة إلى أنّه ل يكره الدّفن ليلً ‪،‬‬
‫ن أبا بكرٍ رضي ال تعالى عنه دفن ليلً ‪ ،‬وعليّ دفن فاطمة رضي ال تعالى عنها ليلً ‪،‬‬
‫لّ‬
‫وممّن دفن ليلً عثمان بن عفّان ‪ ،‬وعائشة ‪ ،‬وابن مسعودٍ رضي ال تعالى عنهم ‪ .‬ورخّص‬
‫فيه عقبة بن عامرٍ ‪ ،‬وسعيد بن المسيّب ‪ ،‬وعطاء ‪ ،‬والثّوريّ ‪ ،‬وإسحاق ‪ ،‬ولكنّه يستحبّ أن‬
‫يكون نهارا إن أمكن ‪ ،‬لنّه أسهل على متّبعي الجنازة ‪ ،‬وأكثر للمصلّين عليها ‪ ،‬وأمكن‬
‫سنّة في دفنه ‪.‬‬
‫لتّباع ال ّ‬
‫ي صلى ال عليه وسلم خطب يوما ‪،‬‬
‫ن النّب ّ‬
‫وكرهه أحمد في روايةٍ ‪ ،‬والحسن ‪ ،‬لما ورد « أ ّ‬
‫فذكر رجلً من أصحابه قبض فكفّن في كفنٍ غير طائلٍ ‪ ،‬وقبر ليلً ‪ ،‬فزجر النّبيّ صلى ال‬
‫ل أن يضطرّ إنسان إلى ذلك » ‪.‬‬
‫عليه وسلم فيه أن يقبر الرّجل باللّيل إ ّ‬
‫أمّا الدّفن في الوقات المكروهة فصرّح المالكيّة والحنابلة بأنّه يكره الدّفن عند طلوع‬
‫الشّمس ‪ ،‬وعند غروبها ‪ ،‬وعند قيامها ‪ ،‬لقول عقبة بن عامرٍ الجهنيّ ‪ « :‬ثلث ساعاتٍ كان‬
‫ن موتانا ‪ :‬حين تطلع‬
‫رسول اللّه صلى ال عليه وسلم ينهانا أن نصلّي فيهنّ ‪ ،‬أو أن نقبر فيه ّ‬
‫الشّمس بازغ ًة حتّى ترتفع ‪ ،‬وحين يقوم قائم الظّهيرة ‪ ،‬وحين تضيّف الشّمس للغروب حتّى‬
‫تغرب » ‪.‬‬
‫ويرى الحنفيّة والشّافعيّة أنّه ل يكره الدّفن في الوقات الّتي نهي عن الصّلة فيها ‪ ،‬وإن كان‬
‫الدّفن في غيرها أفضل ‪.‬‬
‫الدّفن قبل الصّلة عليه ومن غير غسلٍ وبل كفنٍ ‪:‬‬
‫‪ - 13‬إن دفن الميّت من غير غس ٍل ‪ ،‬فذهب جمهور الفقهاء " المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة"‬
‫ل أن يخاف عليه أن يتفسّخ ‪ ،‬فيترك ‪ ،‬وبه قال أبو ثورٍ ‪.‬‬
‫إلى أنّه ينبش ويغسّل ‪ ،‬إ ّ‬
‫وقال الحنفيّة وهو قول لدى الشّافعيّة ‪ :‬إنّه ل ينبش ‪ ،‬لنّ النّبش مثلة وقد نهي عنها ‪.‬‬
‫وتفصيل ذلك في ( نبش ) ‪.‬‬
‫أمّا إن دفن قبل الصّلة عليه ‪ ،‬فذهب الحنفيّة والشّافعيّة ‪ ،‬وهو رواية عن الحنابلة اختارها‬
‫القاضي أنّه يصلّى على القبر ول ينبش ‪ « ،‬لنّ النّبيّ صلى ال عليه وسلم صلّى على قبر‬
‫المسكينة ‪ ،‬ولم ينبشها » ‪.‬‬
‫ب فينبش ‪،‬‬
‫ويرى المالكيّة ‪ ،‬وهو رواية عن أحمد أنّه ينبش ويصلّى عليه ‪ ،‬لنّه دفن قبل واج ٍ‬
‫ل‪.‬‬
‫ن تغيّر فل ينبش بحا ٍ‬
‫كما لو دفن من غير غسلٍ ‪ ،‬وهذا إذا لم يتغيّر ‪ ،‬أمّا إ ّ‬
‫ح عند الشّافعيّة وهو وجه عند الحنابلة ‪ ،‬أنّه يترك اكتفاءً بستر‬
‫وإن دفن بغير كفنٍ ‪ ،‬فالص ّ‬
‫ن القصد بالكفن السّتر وقد حصل ‪.‬‬
‫القبر ‪ ،‬وحفظا ‪ ،‬لحرمته ‪ ،‬ول ّ‬
‫ح عند الشّافعيّة وهو وجه آخر عند الحنابلة ينبش ‪ ،‬ث ّم يكفّن ‪ ،‬ثمّ يدفن ‪ ،‬لنّ‬
‫ومقابل الص ّ‬
‫التّكفين واجب فأشبه الغسل ‪ .‬وتفصيل ذلك في ( كفن ) ‪.‬‬
‫دفن أكثر من واحدٍ في قبرٍ واحدٍ ‪:‬‬
‫‪ - 14‬ل خلف بين الفقهاء في أنّه ل يدفن أكثر من واحدٍ في قبرٍ واحدٍ إلّ لضرورةٍ كضيق‬
‫ن النّبيّ صلى ال عليه وسلم كان يدفن كلّ‬
‫مكان ‪ ،‬أو تعذّر حافرٍ ‪ ،‬أو تربةٍ أخرى ‪ « ،‬ل ّ‬
‫ميّتٍ في قبرٍ واحدٍ » ‪ .‬وعلى هذا فعل الصّحابة ومن بعدهم ‪.‬‬
‫فإذا دفن جماعة في قبرٍ واحدٍ ‪ :‬قدّم الفضل منهم إلى القبلة ‪ ،‬ثمّ الّذي يليه في الفضيلة على‬
‫حسب تقديمهم إلى المامة في الصّلة ‪ ،‬لما روى هشام بن عامرٍ قال ‪ « :‬شكونا إلى رسول‬
‫اللّه صلى ال عليه وسلم يوم أحدٍ فقلنا ‪ :‬يا رسول اللّه ‪ :‬الحفر علينا ‪ ،‬لكلّ إنسانٍ شديد ‪.‬‬
‫فقال رسول اللّه صلى ال عليه وسلم ‪ :‬احفروا وأعمقوا ‪ ،‬وأحسنوا ‪ ،‬وادفنوا الثنين والثّلثة‬
‫في قبرٍ واح ٍد ‪ ،‬قالوا ‪ :‬فمن نقدّم يا رسول اللّه ؟ قال ‪ :‬قدّموا أكثرهم قرآنا » ‪.‬‬
‫ثمّ إن شاء سوّى بين رءوسهم ‪ ،‬إن شاء حفر قبرا طويلً ‪ ،‬وجعل رأس كلّ واحدٍ من الموتى‬
‫عند رجل الخر ‪ ،‬وبهذا صرّح أحمد ‪.‬‬
‫ويجعل بين ميّتٍ وآخر حاجز من ترابٍ ويقدّم الب على البن ‪ ،‬إن كان أفضل منه ‪ ،‬لحرمة‬
‫البوّة ‪ ،‬وكذا تقدّم المّ على البنت ‪.‬‬
‫ول يجمع بين النّساء والرّجال إلّ عند تأكّد الضّرورة ‪ ،‬ويقدّم الرّجل وإن كان ابنا ‪.‬‬
‫فإن اجتمع رجل وامرأة وخنثى وصبيّ ‪ ،‬قدّم الرّجل ‪ ،‬ثمّ الصّبيّ ‪ ،‬ثمّ الخنثى ‪ ،‬ثمّ المرأة ‪.‬‬
‫سنّة‬
‫ت معقودٍ بالبناء يسع لجماعةٍ قياما ‪ ،‬لمخالفتها ال ّ‬
‫ولذلك فيكره الدّفن في الفساقي ‪ ،‬وهي كبي ٍ‬
‫‪ ،‬والكراهة فيها من وجو ٍه وهي ‪:‬‬
‫عدم اللّحد ‪ ،‬ودفن الجماعة في قبرٍ واحدٍ بل ضرورةٍ ‪ ،‬واختلط الرّجال بالنّساء بل حاجزٍ ‪،‬‬
‫وتجصيصها والبناء عليها ‪ ،‬وخصوصا إذا كان فيها ميّت لم يبل ‪ ،‬وما يفعله جهلة الحفّارين‬
‫من نبش القبور الّتي لم تبل أربابها ‪ ،‬وإدخال أجانب عليهم ‪ ،‬فهو من المنكر الظّاهر ‪ ،‬وليس‬
‫من الضّرورة المبيحة لدفن ميّتين فأكثر في قبرٍ واحدٍ ‪.‬‬
‫ويرى بعض الفقهاء أنّه يكره ذلك حتّى إذا صار الميّت ترابا ‪ ،‬لنّ الحرمة باقية ‪.‬‬
‫دفن أجزاء الميّت بعد دفنه ‪:‬‬
‫‪ - 15‬إذا وجدت أطراف ميّتٍ ‪ ،‬أو بعض بدنه لم يغسّل ‪ ،‬ولم يصلّ عليه عند الحنفيّة ‪ ،‬بل‬
‫يدفن ‪.‬‬
‫ويرى الشّافعيّة أنّه لو وجد عضو مسلمٍ علم موته يجب مواراته بخرقةٍ ودفنه ‪ ،‬ولو لم يعلم‬
‫موت صاحب العضو لم يصلّ عليه ‪ ،‬لكن يندب دفنه ‪ ،‬ويجب في دفن الجزء ما يجب في‬
‫دفن الجملة ‪.‬‬
‫أمّا الحنابلة فقالوا ‪ :‬إن وجد جزء الميّت بعد دفنه غسّل ‪ ،‬وصلّي عليه ‪ ،‬ودفن إلى جانب‬
‫ن ضرر نبش الميّت‬
‫القبر ‪ ،‬أو نبش بعض القبر ودفن فيه ‪ ،‬ول حاجة إلى كشف الميّت ‪ ،‬ل ّ‬
‫وكشفه أعظم من الضّرر بتفرقة أجزائه ‪.‬‬
‫دفن المسلم في مقابر المشركين وعكسه ‪:‬‬
‫‪ - 16‬اتّفق الفقهاء على أنّه يحرم دفن مسلمٍ في مقبرة الكفّار وعكسه إلّ لضرورةٍ ‪.‬‬
‫أمّا لو جعلت مقبرة الكفّار المندرسة مقبرةً للمسلمين بعد نقل عظامها إن كانت جاز ‪ ،‬كجعلها‬
‫مسجدا ‪ ،‬لعدم احترامهم ‪ .‬والدّفن في غير مقبرة الكفّار المندرسة أولى إن أمكن ‪ ،‬تباعدا عن‬
‫مواضع العذاب ‪ .‬ول يجوز العكس ‪ ،‬بأن تجعل مقبرة المسلمين المندرسة مقبر ًة للكفّار ‪ ،‬ول‬
‫نقل عظام المسلمين ‪ ،‬لتدفن في موضعٍ آخر ‪ ،‬لحترامها ‪.‬‬
‫أمّا المرت ّد فقد ذكر السنويّ نقلً عن الماورديّ أنّه ل يدفن في مقابر المسلمين لخروجه‬
‫بال ّردّة عنهم ‪ ،‬ول في مقابر المشركين ‪ ،‬لما تقدّم له من حرمة السلم ‪.‬‬
‫وأمّا من قتل حدّا فيدفن في مقابر المسلمين ‪ ،‬وكذلك تارك الصّلة ‪.‬‬
‫دفن كافرةٍ حاملٍ من مسلمٍ ‪:‬‬
‫ل‪:‬‬
‫‪ - 17‬اختلف الفقهاء في دفن كافر ٍة حاملٍ من مسلمٍ على أقوا ٍ‬
‫فذهب الحنفيّة ‪ ،‬وهو الصحّ عند الشّافعيّة ‪ ،‬والمذهب لدى الحنابلة إلى أنّ الحوط دفنها على‬
‫ن وجه الولد لظهرها ‪.‬‬
‫حدةٍ ‪ ،‬ويجعل ظهرها إلى القبلة ‪ ،‬ل ّ‬
‫واستدلّ الحنابلة ‪ ،‬لذلك بأنّها كافرة ‪ ،‬فل تدفن في مقبرة المسلمين فيتأذّوا بعذابها ‪ ،‬ول في‬
‫مقبرة الكفّار ‪ ،‬لنّ ولدها مسلم ‪ ،‬في تأذّى بعذابهم ‪ ،‬وتدفن منفرد ًة ‪ ،‬وقد روي مثله عن واثلة‬
‫بن السقع ‪.‬‬
‫ل آخر للشّافعيّة ‪ :‬إنّها تدفن في مقابر المسلمين ‪ ،‬وتنزّل منزلة صندوق الولد ‪،‬وقيل‪:‬‬
‫وفي قو ٍ‬
‫في مقابر الكفّار ‪ ،‬وهناك وجه رابع قطع به صاحب " التّتمّة " بأنّها تدفن على طرف مقابر‬
‫المسلمين ‪ ،‬وحكي عن الشّافعيّ ‪ :‬أنّها تدفع إلى أهل دينها ‪ ،‬ليتولّوا غسلها ودفنها ‪.‬‬
‫واختلف الصّحابة في هذه المسألة على ثلثة أقوالٍ ‪ :‬قال بعضهم ‪ :‬تدفن في مقابرنا ترجيحا‬
‫لجانب الولد ‪ ،‬وقال بعضهم ‪ :‬تدفن في مقابر المشركين ‪ ،‬لنّ الولد في حكم جزءٍ منها ما دام‬
‫في بطنها ‪ ،‬وقال واثلة بن السقع ‪ :‬يتّخذ لها مقبرة على حدةٍ ‪ ،‬وهو ما أخذ به الجمهور كما‬
‫سبق ‪ ،‬وهو الحوط ‪ ،‬كما ذكره ابن عابدين نقلً عن الحلية ‪.‬‬
‫ل دفنت في‬
‫ن المسألة مصوّرة فيما إذا نفخ فيه الرّوح وإ ّ‬
‫والظّاهر كما أفصح به بعضهم ‪ :‬أ ّ‬
‫مقابر المشركين ‪.‬‬
‫الجلوس بعد الدّفن ‪:‬‬
‫‪ - 18‬صرّح جمهور الفقهاء بأنّه يستحبّ أن يجلس المشيّعون للميّت بعد دفنه ‪ ،‬لدعاءٍ وقراءةٍ‬
‫بقدر ما ينحر الجزور ‪ ،‬ويفرّق لحمه ‪ ،‬لما روي « أنّ النّبيّ صلى ال عليه وسلم كان إذا‬
‫فرغ من دفن الميّت وقف عليه ‪ ،‬فقال ‪ :‬استغفروا لخيكم وسلوا له التّثبيت ‪ ،‬فإنّه الن يسأل‬
‫» ‪ .‬وكان ابن عمر رضي ال عنهما يستحبّ أن يقرأ على القبر بعد الدّفن أوّل سورة البقرة‬
‫وخاتمتها ‪ ،‬ولما روي أنّ عمرو بن العاص رضي ال تعالى عنه لمّا حضرته الوفاة قال ‪:‬‬
‫اجلسوا عند قبري قدر ما ينحر جزور ويقسم ‪ ،‬فإنّي أستأنس بكم ‪.‬‬
‫أجرة الدّفن ‪:‬‬
‫‪ - 19‬ذهب جمهور الفقهاء " الحنفيّة والمالكيّة والشّافعيّة " إلى أنّه يجوز أخذ الجرة على‬
‫الدّفن ‪ ،‬ولكن الفضل أن يكون مجّانا ‪ ،‬وتدفع من مجموع التّركة ‪ ،‬وتقدّم على ما تعلّق بذمّة‬
‫الميّت من دينٍ ‪ .‬ويرى الحنابلة أنّه يكره أخذ الجرة على الدّفن ‪ ،‬لنّه يذهب بالجر ‪.‬‬
‫دفن السّقط ‪:‬‬
‫‪ - 20‬ل خلف بين جمهور الفقهاء في أنّ السّقط إذا استبان بعض خلقه يجب أن يدرج في‬
‫خرق ٍة ويدفن ‪.‬‬
‫دفن الشّعر والظافر والدّم ‪:‬‬
‫‪ - 21‬صرّح جمهور الفقهاء بأنّه يستحبّ أن يدفن ما يزيله الشّخص من ظفرٍ وشعرٍ ودمٍ ‪،‬‬
‫لما روي عن ميل بنت مشرحٍ الشعريّة ‪ ،‬قالت ‪ « :‬رأيت أبي يقلّم أظفاره ‪ ،‬ويدفنه ويقول ‪:‬‬
‫رأيت النّبيّ صلى ال عليه وسلم يفعل ذلك » ‪.‬‬
‫وعن ابن جريح عن النّبيّ صلى ال عليه وسلم قال ‪ « :‬كان يعجبه دفن الدّم » ‪.‬‬
‫وقال أحمد ‪ :‬كان ابن عمر يفعله ‪ .‬وكذلك تدفن العلقة والمضغة الّتي تلقيها المرأة ‪.‬‬
‫دفن المصحف ‪:‬‬
‫ن المصحف إذا صار بحالٍ ل يقرأ فيه ‪ ،‬يدفن كالمسلم ‪،‬‬
‫‪ - 22‬صرّح الحنفيّة والحنابلة بأ ّ‬
‫ن ل يوطأ ‪ ،‬وفي الذّخيرة ‪ :‬وينبغي أن‬
‫ل غير ممته ٍ‬
‫فيجعل في خرقةٍ طاهرةٍ ‪ ،‬ويدفن في مح ّ‬
‫يلحد له ول يشقّ له ‪ ،‬لنّه يحتاج إلى إهالة التّراب عليه ‪ ،‬وفي ذلك نوع تحقيرٍ إلّ إذا جعل‬
‫ن أبا الجوزاء بلي له‬
‫فوقه سقفا بحيث ل يصل التّراب إليه فهو حسن أيضا ‪ .‬ذكر أحمد أ ّ‬
‫مصحف ‪ ،‬فحفر له في مسجده ‪ ،‬فدفنه ‪ .‬ولما روي أنّ عثمان بن عفّان دفن المصاحف بين‬
‫القبر والمنبر ‪ .‬أمّا غيره من الكتب فالحسن كذلك أن تدفن ‪.‬‬
‫القتل بالدّفن ‪:‬‬
‫ن من‬
‫‪ - 23‬ذهب الشّافعيّة والحنابلة وهو مقتضى قواعد المالكيّة ومحمّد من الحنفيّة ‪ ،‬إلى أ ّ‬
‫ن فيه الدّية ‪.‬‬
‫دفن حيّا فمات أنّه يجب فيه القصاص ‪ .‬ويرى الحنفيّة ما عدا مح ّمدًا أ ّ‬

‫دليل *‬
‫التّعريف ‪:‬‬
‫‪ - 1‬الدّليل لغةً ‪ :‬هو المرشد والكاشف ‪ ،‬من دللت على الشّيء ودللت إليه ‪.‬‬
‫ل وصف للفاعل ‪.‬‬
‫والمصدر دلولة ودللة ‪ ،‬بكسر الدّال وفتحها وضمّها ‪ .‬والدّا ّ‬
‫ب خبريّ ولو ظنّا ‪ ،‬وقد يخصّه بعضهم‬
‫والدّليل ما يتوصّل بصحيح النّظر فيه إلى العلم بمطلو ٍ‬
‫بالقطعيّ ‪ .‬ولذلك كان تعريف أصول الفقه بأنّه " أدلّة الفقه " جاريا على الرّأي الوّل القائل‬
‫ن أصول الفقه الّتي هي أدلّة الفقه الجماليّة‬
‫ظّنيّ ‪ ،‬ل ّ‬
‫بالتّعميم في تعريف الدّليل بما يشمل ال ّ‬
‫سنّة المتواترة ‪ ،‬وما هو ظ ّنيّ كالعمومات وأخبار الحاد‬
‫تشمل ما هو قطعيّ ‪ ،‬كالكتاب وال ّ‬
‫والقياس والستصحاب ‪.‬‬
‫ظّنيّ ‪.‬‬
‫ومن هنا عرّفه في المحصول وفي المعتمد بأنّه ‪ " :‬طرق الفقه " ‪ ،‬ليشمل القطعيّ وال ّ‬
‫اللفاظ ذات الصّلة ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬المارة ‪:‬‬
‫‪ - 2‬المارة في اللّغة ‪ :‬العلمة وزنا ومعنىً ‪ -‬كما في المصباح ‪ -‬وهي عند الصوليّين ‪:‬‬
‫ب خبريّ ظ ّنيّ ‪.‬‬
‫ما أوصل إلى مطلو ٍ‬
‫ولم يفرّق الفقهاء بين المارة والدّليل ‪ .‬وعند المتكلّمين ‪ :‬المارة ما يؤدّي النّظر الصّحيح فيه‬
‫إلى الظّنّ ‪ ،‬سواء أكان عقليّا أم شرعيّا ‪ .‬أمّا الفقهاء فالمارات العقليّة عندهم أدلّة كذلك‪.‬‬
‫ب ‪ -‬البرهان ‪:‬‬
‫‪ - 3‬البرهان ‪ :‬الحجّة والدّللة ‪ ،‬ويطلق خاصّ ًة على ما يقتضي الصّدق ل محال ًة ‪.‬‬
‫وهو عند الصوليّين ما فصل الحقّ عن الباطل ‪ ،‬وميّز الصّحيح من الفاسد بالبيان الّذي فيه ‪.‬‬
‫ج ‪ -‬الحجّة ‪:‬‬
‫‪ - 4‬الحجّة ‪ :‬البرهان اليقينيّ ‪ ،‬وهو ما تثبت به الدّعوى من حيث الغلبة على الخصم ‪.‬‬
‫والحجّة القناعيّة ‪ ،‬هي الّتي تفيد القانعين القاصرين عن تحصيل المطالب بالبراهين القطعيّة‬
‫العقليّة وربّما تفضي إلى اليقين بالستكثار ‪.‬‬
‫الدلّة المثبتة للحكام ‪:‬‬
‫‪ - 5‬الدلّة المثبتة للحكام نوعان ‪ :‬متّفق عليه ومختلف فيه ‪.‬‬
‫سنّة والجماع والقياس ‪ ،‬الّتي ترجع إليها أدلّة الفقه‬
‫فالمتّفق عليه أربعة وهي ‪ :‬الكتاب وال ّ‬
‫الجماليّة ‪ ،‬والمختلف فيه كثير جمعها القرافيّ في مقدّمة الذّخيرة ‪ ،‬منها ‪ :‬الستحسان ‪،‬‬
‫والمصالح المرسلة ‪ ،‬وسدّ الذّريعة ‪ ،‬والعرف ‪ ،‬وقول الصّحابيّ ‪ ،‬وشرع من قبلنا ‪،‬‬
‫والستصحاب ‪ ،‬وإجماع أهل المدينة ‪ ،‬وغيرها ‪.‬‬
‫ويقصد بالحكام ‪ :‬الحكام التّكليفيّة الخمسة ‪ :‬الوجوب ‪ ،‬والنّدب ‪ ،‬والباحة ‪ ،‬والكراهة ‪،‬‬
‫والحرمة ‪ .‬والحكام الوضعيّة ‪ :‬كالشّرط ‪ ،‬والمانع ‪ ،‬والسّبب ونحوها ‪.‬‬
‫الدّليل الجماليّ والدّليل التّفصيليّ ‪:‬‬
‫‪ - 6‬عرّف الصوليّون أصول الفقه لقبا بأنّه " أدلّة الفقه الجماليّة " من حيث إنّ موضوعه‬
‫سنّة والجماع والقياس ‪ ،‬وهي الدلّة المتّفق عليها ‪ ،‬وما‬
‫الدلّة الجماليّة ‪ ،‬وهي الكتاب وال ّ‬
‫ل أنّها ترجع إلى الربعة المتّفق عليها ‪ ،‬وهي الستحسان ‪،‬‬
‫يتبعها من أدلّ ٍة مختلفٍ فيها إ ّ‬
‫والستصحاب ‪ ،‬وشرع من قبلنا ‪ ،‬وقول الصّحابيّ ‪ ،‬والستصلح ‪.‬‬
‫جيّة الدلّة وطرق دللتها على الحكام ‪.‬‬
‫وعلم أصول الفقه يبحث في إثبات ح ّ‬
‫والدّليل إن نظر إليه من حيث هو مع قطع النّظر عمّا يتعلّق به من الحكام كان دليلً إجماليّا‪،‬‬
‫وإن نظر إليه من حيث ما يتعلّق به من الحكام كان دليلً تفصيليّا ‪ .‬ومثال ذلك قوله تعالى ‪:‬‬
‫ن المر يفيد الوجوب ‪ ،‬كان دليلً إجماليّا ‪.‬‬
‫{ وََأقِيمُوا الصّلةَ } فمن حيث إنّه أمر ‪ ،‬وأ ّ‬
‫ومن حيث إنّه أمر يتعلّق بوجوب الصّلة على وجه الخصوص كان دليلًا تفصيليّا ‪.‬‬
‫ظ ّنيّ ‪:‬‬
‫الدّليل القطعيّ والدّليل ال ّ‬
‫‪ - 7‬تنقسم الدلّة السّمعيّة إلى أربعة أقسامٍ من حيث الثّبوت والدّللة ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬قطعيّ الثّبوت والدّللة ‪ ،‬كبعض النّصوص المتواترة الّتي لم يختلف فيها ‪ ،‬كقوله تعالى‬
‫شرَةٌ كَامِلَةٌ } ‪.‬‬
‫عَ‬‫{ تِ ْلكَ َ‬
‫ب ‪ -‬وقطعيّ الثّبوت ظ ّنيّ الدّللة ‪ ،‬كبعض النّصوص المتواترة الّتي يختلف في تأويلها ‪.‬‬
‫ج ‪ -‬وظ ّنيّ الثّبوت قطعيّ الدّللة ‪ ،‬كأخبار الحاد ذات المفهوم القطعيّ ‪.‬‬
‫د ‪ -‬وظ ّنيّ الثّبوت والدّللة ‪ ،‬كأخبار الحاد الّتي مفهومها ظ ّنيّ ‪.‬‬
‫ورتّب أصوليّو الحنفيّة على هذا التّقسيم ثبوت الحكم بقدر دليله ‪:‬‬
‫فبالقسم الوّل يثبت الفرض ‪ ،‬وبالقسم الثّاني والثّالث يثبت الوجوب ‪ ،‬وبالقسم الرّابع يثبت‬
‫س ّنيّة ‪.‬‬
‫الستحباب وال ّ‬
‫وهذا التّقسيم جارٍ على اصطلح الحنفيّة في التّفريق بين الفرض والواجب ‪ ،‬خلفا للجمهور‪.‬‬
‫ي في مواضعه ‪ .‬وكذلك مصطلح ‪ ( :‬استدلل ‪،‬‬
‫وينظر في تفصيل ما تقدّم ‪ :‬الملحق الصول ّ‬
‫وترجيح ) ‪.‬‬
‫دم *‬
‫التّعريف ‪:‬‬
‫‪ - 1‬الدّم بالتّخفيف ‪ ،‬هو ذلك السّائل الحمر الّذي يجري في عروق الحيوانات ‪ ،‬وعليه تقوم‬
‫الحياة ‪ .‬واستعمله الفقهاء بهذا المعنى ‪ ،‬وكذلك عبّروا به عن القصاص والهدي في قولهم ‪:‬‬
‫مستحقّ الدّم " يعني وليّ القصاص " وقولهم ‪ :‬يلزمه دم ‪ .‬كما أطلقوه على ما تراه المرأة في‬
‫الحيض ‪ ،‬والستحاضة ‪ ،‬والنّفاس أيضا ‪.‬‬
‫اللفاظ ذات الصّلة ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬الصّديد ‪:‬‬
‫‪ - 2‬صديد الجرح ‪ :‬ماؤه الرّقيق المختلط بالدّم ‪ .‬وقيل ‪ :‬هو القيح المختلط بالدّم ‪ ،‬والصّديد‬
‫في القرآن الكريم ‪ :‬معناه ‪ :‬ما يسيل من جلود أهل النّار من الدّم والقيح ‪ ،‬كما قال أبو إسحاق‬
‫جرّعُ ُه } ‪.‬‬
‫في تفسير قوله تعالى { َو ُيسْقَى مِن مّاء صَدِيدٍ‪َ ،‬ي َت َ‬
‫ب ‪ -‬القيح ‪:‬‬
‫‪ - 3‬القيح ‪ :‬المدّة الخالصة ل يخالطها دم ‪.‬‬
‫وقيل ‪ :‬هو الصّديد الّذي كأنّه الماء ‪ ،‬وفيه شكلة دمٍ ‪.‬‬
‫الحكم الجماليّ ‪:‬‬
‫‪ - 4‬اتّفق الفقهاء على أنّ الدّم حرام نجس ل يؤكل ول ينتفع به ‪ ،‬وقد حمل المطلق في سورة‬
‫البقرة على المقيّد في سورة النعام ‪ ،‬في ‪ { :‬أَ ْو دَما ّمسْفُوحا } ‪.‬‬
‫واختلفوا في يسيره على أقوالٍ ‪ .‬كما اختلفوا في تعريف اليسير ‪.‬‬
‫وتفصيل ذلك في كتب الفقه ‪ .‬ور ‪ :‬مصطلح ‪ ( :‬أطعمة ‪ ،‬ووضوء ‪ ،‬ونجاسة ) ‪.‬‬
‫مواطن البحث ‪:‬‬
‫‪ - 5‬تتعلّق بالدّم أمور كثيرة بحثها الفقهاء في مواضعها ‪:‬‬
‫فمسألة نقض الوضوء بخروج الدّم تطرّق إليه الفقهاء في الوضوء عند الحديث عن نواقض‬
‫الوضوء ‪ ،‬وكونه نجسًا تجب إزالته عن بدن المصلّي وثوبه ومكانه بحث في باب النّجاسات‬
‫عند الكلم عن إزالة النّجاسات ‪ .‬وفي باب الصّلة عند الحديث عن شروط صحّتها ‪،‬‬
‫واعتباره حيضا أو استحاضةً أو نفاسا ‪ ،‬فصّل الكلم عليه في أبواب الحيض والستحاضة‬
‫والنّفاس ‪ .‬وكونه من مفسدات الصّوم في باب الصّوم عند الحديث عن المفطرات ‪.‬‬
‫وانظر في الموسوعة المصطلحات التية ‪ ( :‬حدث ‪ ،‬ونجاسة ‪ ،‬وطهارة ‪ ،‬وحيض ‪،‬‬
‫واستحاضة ‪ ،‬ونفاس ‪ ،‬وحجامة ) ‪.‬‬
‫وكونه بمعنى الهدي الّذي يترتّب على ارتكاب محظورٍ من محظورات الحرام قد بحث في‬
‫ج عند الكلم عن محظورات الحرام ‪ ،‬ووجوب الهدي في التّمتّع ‪ ،‬والقران ‪ ،‬والحصار‬
‫الح ّ‬
‫وانظر مصطلح ‪ ( :‬إحرام ‪ ،‬وإحصار ‪ ،‬وهدي ‪ ،‬وقران ) ‪.‬‬
‫وكونه ممّا يحرم أكله أو يحلّ في الطعمة ‪.‬‬
‫كما تطرّق إليه الفقهاء في الذّكاة ‪ ،‬والعقيقة ‪ ،‬والقصاص ‪ ،‬وغير ذلك ‪.‬‬

‫دنانير *‬
‫التّعريف ‪:‬‬
‫ي معرّب ‪.‬‬
‫‪ - 1‬الدّنانير جمع دينارٍ ‪ ،‬وهو فارس ّ‬
‫والدّينار اسم القطعة من الذّهب المضروبة المقدّرة بالمثقال ‪ ،‬ويرادف الدّينار المثقال في‬
‫عرف الفقهاء ‪ ،‬فيقولون ‪ :‬نصاب الذّهب عشرون مثقالً ‪ ،‬ونقل ابن عابدين عن الفتح ‪ :‬أنّ‬
‫المثقال اسم للمقدار المقدّر به ‪ ،‬والدّينار اسم للمقدّر به بقيد كونه ذهبا ‪.‬‬
‫والدّنانير أصلً من ضرب العاجم ‪ .‬وكان وزنه عشرين قيراطا على ما ذكره البلذريّ‬
‫وابن خلدونٍ والماورديّ ‪.‬‬
‫اللفاظ ذات الصّلة ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬الدّراهم ‪:‬‬
‫‪ - 2‬الدّراهم جمع درهمٍ وهو فارسيّ معرّب ‪ ،‬وهو نوع من النّقد ضرب من الفضّة ‪ .‬انظر ‪:‬‬
‫( دراهم ) ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬النّقد‬
‫‪ - 3‬النّقد ما ضرب من الدّراهم والدّنانير والفلوس وهو أعمّ من الدّينار ‪.‬‬
‫ج ‪ -‬الفلوس ‪:‬‬
‫‪ - 4‬الفلوس ما ضرب من المعادن من غير الذّهب والفضّة ‪.‬‬
‫د ‪ -‬سكّة ‪:‬‬
‫سكّة ما يضرب بها النّقد ‪.‬‬
‫‪ - 5‬ال ّ‬
‫تعامل العرب بالدّينار وموقف السلم منه ‪:‬‬
‫‪ - 6‬ذكر البلذريّ في رواية عبد اللّه بن ثعلبة بن صعيرٍ أنّ دنانير هرقل كانت ترد على‬
‫ل على أنّها تبر ‪ ،‬وكان المثقال عندهم‬
‫أهل مكّة في الجاهليّة ‪ ،‬وكانوا ل يتبايعون بها إ ّ‬
‫معروف الوزن ‪ ،‬وزنه اثنان وعشرون قيراطا إلّ كسرا ‪ « ،‬وأنّ رسول اللّه صلى ال عليه‬
‫وسلم أقرّ أهل مكّة على هذا الوزن » ‪ .‬وأقرّه أبو بكرٍ وعمر وعثمان وعليّ ومعاوية ‪.‬‬
‫ن عبد الملك بن مروان لمّا أراد ضرب الدّنانير ‪،‬‬
‫ونقل النّوويّ عن أبي سليمان الخطّابيّ أ ّ‬
‫ن المثقال اثنان وعشرون قيراطا إلّ حّبةً‬
‫سأل عن أوزان الجاهليّة ‪ ،‬فأجمعوا له على أ ّ‬
‫بالشّاميّ فضربها كذلك ‪.‬‬
‫الدّينار الشّرعيّ ‪:‬‬
‫‪ - 7‬الدّينار الّذي ضربه عبد الملك بن مروان هو الدّينار الشّرعيّ ‪ ،‬لمطابقته للوزان الم ّكيّة‬
‫الّتي أقرّها رسول اللّه صلى ال عليه وسلم والصّحابة ‪ .‬ووزنه كما ذكرت الرّوايات اثنان‬
‫ل حبّةً بالشّاميّ ‪ ،‬وهو أيضا بزنة اثنتين وسبعين حبّة شعي ٍر من حبّات‬
‫وعشرون قيراطا إ ّ‬
‫الشّعير المتوسّطة الّتي لم تقشّر وقد قطع من طرفيها ما امتدّ ‪.‬‬
‫ن الدّرهم‬
‫وقال ابن خلدونٍ ‪ :‬الجماع منعقد منذ صدر السلم وعهد الصّحابة والتّابعين أ ّ‬
‫ي ‪ :‬هو الّذي تزن العشرة منه سبعة مثاقيل من الذّهب ‪ ،‬وهو على هذا سبعة أعشار‬
‫الشّرع ّ‬
‫الدّينار ‪ ،‬ووزن المثقال من الذّهب اثنتان وسبعون حبّ ًة من الشّعير ‪.‬‬
‫وبهذا قال جمهور الفقهاء " المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة " ‪.‬‬
‫وخالفهم في ذلك الحنيفة فهو عندهم مائة شعيرةٍ ‪ .‬والظّاهر أنّ منشأ هذا الختلف هو في‬
‫ن القيراط خمس‬
‫تقدير القيراط ‪ .‬فقد ذكر ابن عابدين أنّ وزن المثقال عشرون قيراطا ‪ ،‬وأ ّ‬
‫شعيراتٍ ‪ ،‬فالمثقال مائة شعير ٍة ‪.‬‬
‫ن القيراط‬
‫ن المثقال أربعة وعشرون قيراطا ‪ ،‬وأ ّ‬
‫وممّا يؤيّد هذا هو ما ذكره المالكيّة من أ ّ‬
‫ثلث حبّاتٍ من متوسّط الشّعير ‪ ،‬فيكون وزن المثقال اثنتين وسبعين حبّ ًة ‪.‬‬
‫وقد ذكر ابن عابدين أنّ المذكور في كتب الشّافعيّة والحنابلة أنّ المثقال اثنتان وسبعون شعيرةً‬
‫معتدل ًة لم تقشّر وقطع من طرفيها ما دقّ وطال ‪ ،‬وهو لم يتغيّر جاهليّةً ول إسلما ‪ .‬ثمّ قال‬
‫وقد ذكرت أقوال كثيرة في تحديد القيراط ‪.‬‬
‫تقدير الدّينار الشّرعيّ في العصر الحاضر ‪:‬‬
‫ن الدّينار الّذي ضربه عبد الملك بن مروان هو الدّينار الشّرعيّ ‪،‬‬
‫‪ - 8‬تبيّن ممّا سبق أ ّ‬
‫ي صلى ال عليه وسلم‬
‫لمطابقته لوزان العرب في الجاهليّة وهي الوزان الّتي أقرّها النّب ّ‬
‫ن السّلف الصّالح رأوا دينار عبد الملك وأقرّوه ولم ينكروه ‪ ،‬وتبايعوا به ‪ .‬إلّ‬
‫والصّحابة ‪ ،‬وأ ّ‬
‫سكّة في الدّول على مخالفة‬
‫ن السّكك اختلفت بعد ذلك ‪ ،‬يقول ابن خلدونٍ ‪ :‬وقع اختيار أهل ال ّ‬
‫أّ‬
‫ي في الدّينار والدّرهم ‪ ،‬واختلفت في كلّ القطار والفاق ‪.‬‬
‫المقدار الشّرع ّ‬
‫لذلك كان السّبيل الوحيد لتقدير الدّينار الشّرعيّ هو معرفة الدّينار الّذي ضرب في عهد عبد‬
‫الملك بن مروان ‪.‬‬
‫وقد توصّل إلى ذلك بعض الباحثين ‪ ،‬عن طريق الدّنانير المحفوظة في دور الثار الغربيّة‬
‫ن دينار عبد الملك بن مروان يزن "‪ " 4/ 25‬أربعة جراماتٍ وخمسةً وعشرين من‬
‫وثبت أ ّ‬
‫المائة من الجرام " من الذّهب ‪ .‬وبذلك يكون هذا الوزن هو الساس في تقدير الحقوق‬
‫الشّرعيّة من زكاةٍ ودياتٍ وغير ذلك ‪.‬‬
‫تقدير بعض الحقوق الشّرعيّة بالدّينار ‪:‬‬
‫حدّد السلم مقادير معيّنةً بالدّينار في بعض الحقوق الشّرعيّة ومن ذلك ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬الزّكاة ‪:‬‬
‫‪ - 9‬اتّفق الفقهاء على أنّ نصاب الذّهب الّذي يجب فيه الزّكاة عشرون دينارا ‪ ،‬فإذا تمّت‬
‫ي صلى ال عليه وسلم كان يأخذ من‬
‫ن النّب ّ‬
‫ففيها ربع العشر ‪ ،‬لما ورد عن عمر وعائشة « أ ّ‬
‫كلّ عشرين دينارا فصاعدا نصف دينارٍ ومن الربعين دينارا » ‪ .‬وروى سعيد والثرم عن‬
‫ل أربعين دينارًا دينار وفي كلّ عشرين دينارا نصف دينارٍ ‪.‬‬
‫عليّ ‪ :‬في ك ّ‬
‫ن الزّكاة تجب من غير اعتبار‬
‫هذا مع الختلف هل ل بدّ أن تكون قيمتها مائتي درهمٍ أو أ ّ‬
‫قيمتها بالدّراهم ‪ .‬وينظر تفصيل ذلك وغيره في مصطلح ‪ ( :‬زكاة ) ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬الدّية ‪:‬‬
‫‪ - 10‬اتّفق الفقهاء على أنّ الدّية إن كانت من الذّهب فإنّها تقدّر بألف مثقالٍ ‪ ،‬وذلك لما روى‬
‫ن في‬
‫عمرو بن حزمٍ في كتابه « أنّ رسول اللّه صلى ال عليه وسلم كتب إلى أهل اليمن وأ ّ‬
‫النّفس المؤمنة مائ ًة من البل وعلى أهل ال ّذمّة ألف دينارٍ » ‪.‬‬
‫وهذا بالنّسبة للرّجل الحرّ المسلم ‪ .‬وينظر التّفصيل في ‪ ( :‬ديات ) ‪.‬‬
‫ج ‪ -‬السّرقة ‪:‬‬
‫ن النّصاب الّذي يقطع به السّارق بالنّسبة ‪ ،‬للذّهب ربع دينارٍ‬
‫‪ - 11‬ذهب جمهور الفقهاء إلى أ ّ‬
‫ل في‬
‫‪ ،‬أو ما قيمته ربع دينارٍ ‪ ،‬لقول النّبيّ صلى ال عليه وسلم ‪ « :‬ل تقطع يد السّارق إ ّ‬
‫ربع دينارٍ فصاعدا » ‪ .‬وإجماع الصّحابة على ذلك ‪.‬‬
‫أمّا عند الحنفيّة فنصاب السّرقة دينار أو عشرة دراهم ‪ ،‬لقول النّبيّ صلى ال عليه وسلم ‪:‬‬
‫ل في دينارٍ أو في عشرة دراهم » ‪.‬‬
‫« ل تقطع اليد إ ّ‬
‫وفي الموضوع تفصيلت كثيرة تنظر في ‪ ( :‬سرقة ) ‪.‬‬
‫ما يتعلّق بالدّنانير من أحكامٍ ‪:‬‬
‫‪ - 12‬يتعلّق بالدّنانير بعض الحكام الشّرعيّة من حيث حكم كسرها وقطعها ‪ ،‬واتّخاذها حليةً‪،‬‬
‫س المحدث الدّنانير الّتي عليها شيء من القرآن ‪ ،‬أو حملها حين دخول الخلء‬
‫وكذلك حكم م ّ‬
‫‪ .‬وقد ذكرت هذه الحكام في مصطلح دراهم ‪ ،‬وهي نفس الحكام الّتي تتعلّق بالدّنانير ‪،‬‬
‫فتنظر في ‪ ( :‬دراهم ‪ ،‬ف ‪. ) 10 ، 9 ، 7/‬‬
‫أمّا ما يتعلّق بها من حيث الحكم في إجارتها ‪ ،‬أو رهنها ‪ ،‬أو وقفها ‪ ،‬أو غير ذلك فتنظر في‬
‫أبوابها ومصطلحاتها ‪.‬‬

‫دَهريّ *‬
‫التّعريف ‪:‬‬
‫‪ - 1‬الدّهريّ في اللّغة ‪ :‬منسوب إلى الدّهر ‪ ،‬والدّهر يطلق على البد والزّمان ‪ ،‬ويقال‬
‫للرّجل الّذي يقول بقدم الدّهر ول يؤمن بالبعث ‪ :‬دهريّ ‪ ،‬بالفتح على القياس ‪.‬‬
‫ضمّ على غير قياسٍ ‪.‬‬
‫وأمّا الرّجل المسنّ إذا نسب إلى الدّهر يقال له ‪ " :‬دُهريّ " بال ّ‬
‫والدّهريّون في الصلح فرقة من الكفّار ذهبوا إلى قدم الدّهر وإسناد الحوادث إليه ‪ ،‬منكرين‬
‫حيَا ُتنَا ال ّد ْنيَا‬
‫ي إِلّا َ‬
‫وجود الصّانع المختار سبحانه ‪ ،‬كما أخبر اللّه تعالى عنهم بقوله ‪ { :‬مَا ِه َ‬
‫حيَا َومَا ُيهِْل ُكنَا إِلّا الدّ ْهرُ } ‪.‬‬
‫َنمُوتُ َو َن ْ‬
‫يقول الرّازيّ في تفسير الية ‪ :‬يزعمون أنّ الموجب للحياة والموت تأثيرات الطّبائع ‪ ،‬ول‬
‫حاجة في هذا الباب إلى إثبات الفاعل المختار ‪.‬‬
‫وهذا إنكار منهم للخرة وتكذيب للبعث وإبطال للجزاء ‪ ،‬كما يقول القرطبيّ ‪.‬‬
‫اللفاظ ذات الصّلة ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬الزّنديق ‪:‬‬
‫‪ - 2‬عرّف أكثر الفقهاء الزّنديق بأنّه هو من يبطن الكفر ويظهر السلم ‪.‬‬
‫وهو بهذا المعنى قريب من المنافق ‪ .‬وقيل هو من ل ينتحل دينا ‪ ،‬أي ل يستقرّ عليه ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬الملحد ‪:‬‬
‫‪ - 3‬الملحد ‪ :‬هو من يطعن في الدّين مع ادّعاء السلم أو التّأويل في ضرورات الدّين ‪،‬‬
‫لجراء الهواء ‪.‬‬
‫وعرّفه ابن عابدين بأنّه من مال عن الشّرع القويم إلى جه ٍة من جهات الكفر ‪.‬‬
‫ج ‪ -‬المنافق ‪:‬‬
‫‪ - 4‬المنافق ‪ :‬هو من يضمر الكفر اعتقادا ‪ ،‬ويظهر السلم قولً ‪ .‬أو الّذي أظهر السلم‬
‫لهله ‪ ،‬وأضمر غير السلم ‪ .‬ومحلّ النّفاق القلب ‪.‬‬
‫د ‪ -‬المرتدّ ‪:‬‬
‫ل يتضمّنه‬
‫‪ - 5‬المرتدّ ‪ :‬هو الرّاجع عن دين السلم بإجراء كلمة الكفر على اللّسان ‪ ،‬أو فع ٍ‬
‫بعد اليمان ‪ ،‬فالرتداد كفر بعد السلم ‪ .‬وجميع هؤلء يشتركون مع الدّهريّ في الكفر ‪.‬‬
‫الحكم الجماليّ ومواطن البحث ‪:‬‬
‫‪ - 6‬الدّهريّ إذا كان كافر الصل ‪ ،‬أي لم يسبق له أن اعتنق السلم ‪ ،‬فإمّا أن يعيش في‬
‫دار الحرب ‪ ،‬فهو حربيّ ينظر حكمه في مصطلح ‪ ( :‬أهل الحرب ) ‪.‬‬
‫ن مؤقّتٍ فهو مستأمن‪،‬حكمه في مصطلحي ‪ ( :‬أمان ومستأمن)‪.‬‬
‫أو يعيش في دار السلم بأما ٍ‬
‫ن مؤ ّبدٍ ‪ ،‬أي بعقد ال ّذمّة فهو ذمّيّ ‪ ،‬وحكمه في مصطلح ‪:‬‬
‫أو يعيش في دار السلم بأما ٍ‬
‫( أهل ال ّذمّة ) ‪.‬‬
‫أمّا إذا كان مسلما ‪ ،‬ثمّ كفر بقوله بقدم الدّهر وإنكار إسناد الحوادث إلى الصّانع المختار‬
‫سبحانه وتعالى فهو مرتدّ ‪ .‬وحكمه في مصطلح ‪ ( :‬ردّة ) ‪.‬‬

‫دهن *‬
‫التّعريف ‪:‬‬
‫‪ - 1‬الدّهن ‪ -‬بالضّمّ ‪ -‬ما يدهن به من زيتٍ وغيره وجمعه دِهان بالكسر ‪ ،‬ول يخرج‬
‫استعمال الفقهاء ‪ ،‬لهذا اللّفظ عن المعنى اللّغويّ ‪.‬‬
‫اللفاظ ذات الصّلة ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬السّمن ‪:‬‬
‫‪ - 2‬السّمن ‪ :‬ما يكون من الحيوان ‪ .‬والدّهن أعمّ من السّمن ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬الشّحم ‪:‬‬
‫‪ - 3‬الشّحم ‪ :‬ما يذوب من الحيوان بالنّار ‪ .‬وبينهما عموم وخصوص مطلق ‪ ،‬فكلّ شحمٍ دهن‬
‫ن شحما ‪.‬‬
‫‪ ،‬وليس كلّ ده ٍ‬
‫الحكام المتعلّقة بالدّهن ‪:‬‬
‫تطهير الدّهن المتنجّس ‪:‬‬
‫ل من‬
‫‪ - 4‬ذهب جمهور الفقهاء " المالكيّة والشّافعيّة على الصحّ وهو قول القاضي وابن عقي ٍ‬
‫ن الدّهن المائع إذا تنجّس ل يقبل التّطهير ‪ ،‬لقوله صلى ال‬
‫الحنابلة ومح ّمدٍ من الحنفيّة " إلى أ ّ‬
‫عليه وسلم « لمّا سئل عن الفأرة تموت في السّمن ‪ :‬إن كان جامدا فألقوها وما حولها ‪ ،‬وإن‬
‫كان مائعا فل تقربوه » وفي رواي ٍة للخطّابيّ ‪ « :‬فأريقوه » ‪.‬‬
‫فلو أمكن تطهيره شرعًا لم يقل فيه ذلك ‪ ،‬لما فيه من إضاعة المال ‪ ،‬ولبيّنه لهم ‪ ،‬وقياسا على‬
‫الدّبس والخلّ وغيرهما من المائعات إذا تنجّست فإنّه ل طريق إلى تطهيرها بل خلفٍ ‪.‬‬
‫ن الدّهن‬
‫ويرى الشّافعيّة في وجهٍ ‪ ،‬وأبو يوسف من الحنفيّة وأبو الخطّاب من الحنابلة أ ّ‬
‫المتنجّس يطهر بالغسل ‪ ،‬وكيفيّة تطهيره أن يجعل الدّهن في إناءٍ ‪ ،‬ويصبّ عليه الماء ويكاثر‬
‫ن أنّه وصل إلى جميع أجزائه ‪ ،‬ثمّ يترك‬
‫به ‪ ،‬ويحرّك بخشب ٍة ونحوها تحريكا يغلب على الظّ ّ‬
‫حتّى يعلو الدّهن ‪ ،‬فيؤخذ ‪ .‬أو ينقب أسفل الناء حتّى يخرج الماء فيطهر الدّهن ‪.‬‬
‫هذا ويشترط التّثليث لتطهير الدّهن عند الحنفيّة كما جاء في الفتاوى نقلً عن الزّاهديّ ‪ .‬وقال‬
‫في الفتاوى الخيريّة ‪ :‬ظاهر كلم الخلصة عدم اشتراط التّثليث ‪ ،‬وهو مبنيّ على أنّ غلبة‬
‫الظّنّ مجزئة عن التّثليث ‪.‬‬
‫كما يرى صاحب الفتاوى الخيريّة أنّ شرط غليان الدّهن لتطهيره المذكور في بعض الكتب‬
‫إنّما هو من زيادة النّاسخ ‪ ،‬أو يحمل على ما إذا جمد الدّهن بعد تنجّسه ‪.‬‬
‫استعمال الدّهن للمحرم ‪:‬‬
‫ن فيه طيب ‪ ،‬لنّه يتّخذ للطّيب‬
‫‪ - 5‬اتّفق الفقهاء على أنّه ل يجوز للمحرم أن يدهن بده ٍ‬
‫وتقصد رائحته فكان طيبًا كماء الورد ‪.‬‬
‫وأمّا ما ل طيب فيه ‪ ،‬فقد اختلف الفقهاء في استعماله للمحرم ‪ ،‬فيرى الحنفيّة والمالكيّة حظر‬
‫استعمال الدّهن للمحرم في رأسه ولحيته وعامّة بدنه ‪ ،‬لغير عّلةٍ ‪ ،‬وإلّ جاز ‪.‬‬
‫ن الدهان المطيّبة كالزّيت ‪ ،‬والشّيرج ‪ ،‬والسّمن والزّبد ‪ ،‬ل يحرم على‬
‫وذهب الشّافعيّة إلى أ ّ‬
‫المحرم استعمالها في بدنه ‪ ،‬ويحرم عليه في شعر رأسه ولحيته واستدلّوا بما روي « أنّ‬
‫النّبيّ صلى ال عليه وسلم ادّهن بزيتٍ غير مقتّتٍ أي غير مطيّبٍ وهو محرم » ‪.‬‬
‫ويرى الحنابلة ‪ -‬على المعتمد عندهم ‪ -‬جواز الدّهان بدهنٍ غير مطيّبٍ في جميع البلدان ‪.‬‬
‫ولتفصيل ذلك انظر مصطلح ‪ ( :‬إحرام ف ‪ ، 73/‬ج ‪ ، 2/‬ص ‪. ) 159/‬‬
‫بيع الدّهن المتنجّس ‪:‬‬
‫ح من مذاهبهم‬
‫‪ - 6‬يرى جمهور الفقهاء " المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة " على المشهور والص ّ‬
‫عدم صحّة بيع الدّهن المتنجّس لنّ أكله حرام بل خلفٍ ‪ « ،‬فقد سئل النّبيّ صلى ال عليه‬
‫وسلم عن الفأرة تموت في السّمن فقال ‪ :‬إن كان مائعا فل تقربوه » ‪.‬‬
‫ن اللّه إذا حرّم على قومٍ‬
‫وإذا كان حرامًا لم يجز بيعه لقول النّبيّ صلى ال عليه وسلم ‪ « :‬إ ّ‬
‫أكل شيءٍ حرّم عليهم ثمنه » ‪ .‬ولنّه نجس ‪ ،‬فلم يجز بيعه قياسا على شحم الميتة ‪.‬‬
‫وذهب الحنفيّة والمالكيّة ‪ -‬على مقابل المشهور عندهم ‪ -‬والشّافعيّة في وجهٍ إلى صحّة بيع‬
‫الدّهن المتنجّس ‪ -‬وهو الّذي عرضت له النّجاسة ‪ -‬لنّ تنجيسه بسقوط النّجاسة فيه ل يسقط‬
‫ملك ربّه عنه ‪ ،‬ول يذهب جملة المنافع منه ‪ ،‬ول يجوز أن يتلف عليه فجاز له أن يبيعه ممّن‬
‫يصرفه فيما كان له هو أن يصرفه فيه ‪.‬‬
‫وروي عن المام أحمد جواز بيع الدّهن المتنجّس لكافرٍ يعلم نجاسته ‪ ،‬لنّه قد روي عن أبي‬
‫موسى ‪ :‬لتّوا به السّويق وبيعوه ول تبيعوه من مسلمٍ وبيّنوه ‪.‬‬
‫هذا وبعد أن نقل الدّسوقيّ الخلف في المذهب المالكيّ حول جواز وعدم جواز بيع الزّيت‬
‫المتنجّس قال ‪ :‬هذا في الزّيت على مذهب من ل يجيز غسله ‪ ،‬وأمّا على مذهب من يجيز‬
‫غسله ‪ -‬وروي ذلك عن مالكٍ ‪ -‬فسبيله في البيع سبيل الثّوب المتنجّس ‪.‬‬
‫أمّا الودك " دهن الميتة " فل يجوز بيعه اتّفاقا ‪ ،‬وكذا النتفاع به لحديث البخاريّ « إنّ اللّه‬
‫ورسوله حرّم بيع الخمر والميتة والخنزير والصنام ‪ ،‬فقيل ‪ :‬يا رسول اللّه أرأيت شحوم‬
‫الميتة فإنّه يطلى بها السّفن ويدهن بها الجلود ويستصبح بها النّاس ‪ ،‬قال ‪ :‬ل هو حرام » ‪.‬‬
‫وللتّفصيل ‪ :‬ر ‪ :‬بيع منهيّ عنه ( ف ‪ ، 11/‬ج ‪ ، 9/‬ص ‪. ) 150/‬‬
‫الستصباح بالدّهن المتنجّس ‪:‬‬
‫‪ - 7‬يرى جمهور الفقهاء جواز الستصباح بالدّهن المتنجّس في غير المسجد ‪ « ،‬لنّ النّبيّ‬
‫ن فقال ‪ :‬إن كان جامدا فألقوها وما حولها ‪،‬‬
‫صلى ال عليه وسلم سئل عن فأرةٍ وقعت في سم ٍ‬
‫وإن كان مائعًا فاستصبحوا به ‪ ،‬أو فانتفعوا به » ‪ .‬ولجواز النتفاع بالنّجاسة على وج ٍه ل‬
‫ل يؤدّي إلى تنجيسه ‪.‬‬
‫تتعدّى ‪ .‬أمّا الستصباح به في المسجد فل يجوز لئ ّ‬
‫ويميل السنويّ إلى جواز الستصباح بالدّهن المتنجّس في المسجد حيث قال ‪ :‬وإطلقهم‬
‫يقتضي الجواز ‪ ،‬وسببه قلّة الدّخان ‪ .‬وللتّفصيل ( ر ‪ :‬استصباح ومسجد ) ‪.‬‬

‫دواء *‬
‫انظر ‪ :‬تداوي ‪ ،‬تطبيب ‪.‬‬

‫دولة *‬
‫التّعريف ‪:‬‬
‫‪ - 1‬الدّولة في اللّغة حصول الشّيء في يد هذا تار ًة وفي يد هذا أخرى ‪ ،‬أو العُقْبة في المال‬
‫والحرب " أي التّعاقب " ‪ ،‬والدّولة والدّولة في المال والحرب سواء ‪ ،‬وقيل ‪ :‬الدّولة بالضّمّ‬
‫في المال ‪ ،‬والدّولة بالفتح في الحرب ‪.‬‬
‫والدالة معناها الغلبة ‪ ،‬يقال ‪ :‬أديل لنا على أعدائنا أي نصرنا عليهم ‪ .‬وفي حديث أبي سفيان‬
‫‪ « :‬يدال علينا المرّة وندال عليه الخرى » ‪ .‬أي نغلبه مرّ ًة ويغلبنا مرّةً ‪ ،‬من التّداول‪ ،‬ومن‬
‫غ ِنيَاء‬
‫ن ا ْلأَ ْ‬
‫ن دُوَلةً َبيْ َ‬
‫ن النّاسِ } وقوله ‪َ { :‬كيْ لَا َيكُو َ‬
‫ذلك قوله تعالى { َوتِ ْلكَ اليّامُ ُندَاوُِلهَا َبيْ َ‬
‫مِنكُمْ } أي يتداولون المال بينهم ول يجعلون للفقراء منه نصيبا ‪.‬‬
‫أمّا في الصطلح فلم يشع استعمال الفقهاء لهذا المصطلح ‪ ،‬وورد استعماله في بعض كتب‬
‫السّياسة الشّرعيّة والحكام السّلطانيّة ‪ .‬وسار الفقهاء في الكلم عن اختصاصات " الدّولة "‬
‫ن " الدّولة "‬
‫على إدراجها ضمن الكلم عن صلحيّات المام واختصاصاته حيث اعتبروا أ ّ‬
‫ممثّلة في شخص المام العظم ‪ ،‬أو الخليفة وما يتبعه من ولياتٍ وواجباتٍ وحقوقٍ ‪.‬‬
‫إلّ أنّ المعهود أنّ " الدّولة " هي مجموعة اليالت تجتمع لتحقيق السّيادة على أقاليم معيّنةٍ ‪،‬‬
‫لها حدودها ‪ ،‬ومستوطنوها ‪ ،‬فيكون الحاكم أو الخليفة ‪ ،‬أو أمير المؤمنين ‪ ،‬على رأس هذه‬
‫السّلطات ‪.‬‬
‫وهذا هو المقصود باستعمال مصطلح " دولة " عند من استعمله من فقهاء السّياسة الشّرعيّة أو‬
‫الحكام السّلطانيّة ‪.‬‬
‫ن الدّولة تقوم على ثلثة أركانٍ وهي ‪ :‬الدّار ‪ ،‬والرّعيّة ‪ ،‬والمنعة "‬
‫ونتيج ًة لذلك يمكن القول أ ّ‬
‫السّيادة " ‪.‬‬
‫‪ - 2‬ولقد بحث الفقهاء أركان الدّولة عند بحثهم عن أحكام دار السلم ‪ ،‬يتّضح هذا من‬
‫تعريفاتهم لدار السلم ‪:‬‬
‫التّعريف الوّل ‪ :‬كلّ دارٍ ظهرت فيها دعوة السلم من أهله بل خفيرٍ ‪ ،‬ول مجيرٍ ‪ ،‬ول بذل‬
‫جزي ٍة ‪ ،‬وقد نفذ فيها حكم المسلمين على أهل ال ّذمّة إن كان فيهم ذ ّميّ ‪ ،‬ولم يقهر أهل البدعة‬
‫سنّة ‪.‬‬
‫فيها أهل ال ّ‬
‫ض سكنها مسلمون وإن كان معهم فيها غيرهم ‪ ،‬أو تظهر فيها‬
‫ل أر ٍ‬
‫والتّعريف الثّاني ‪ :‬ك ّ‬
‫أحكام السلم ‪.‬‬
‫فالدّار هي البلد السلميّة وما تشمله من أقاليم داخل ٍة تحت حكم المسلمين ‪.‬‬
‫والرّعيّة هم المقيمون في حدود الدّولة من المسلمين وأهل ال ّذمّة ‪.‬‬
‫والسّيادة هي ظهور حكم السلم ونفاذه ‪ .‬وعدم الخروج عن طاعة وليّ المر ‪ ،‬وعدم‬
‫الفتيات عليه ‪ ،‬أو على أيّ وليةٍ من وليات الدّولة ‪ ،‬لنّ الفتيات عليها افتيات على المام‪.‬‬
‫ويكون الفتيات بالسّبق بفعل شيءٍ دون استئذان من يجب استئذانه ‪ ،‬والفتيات على المام‬
‫يوجب التّعزير ‪ ،‬فإذا أمّن أحد الرّعيّة كافرا دون إذن المام ‪ ،‬وكان في تأمينه مفسدة ‪ ،‬فإنّ‬
‫للمام أن ينبذ هذا المان ‪ ،‬وله أن يعزّر من افتات عليه ‪ ،‬وكذلك إذا باشر المستحقّ فأقام‬
‫الحدّ أو القصاص دون إذن المام عزّره المام لفتياته عليه ‪ .‬وينظر تفصيل ذلك في‬
‫مصطلحات ‪ ( :‬أمان ‪ ،‬وافتيات ‪ ،‬ودار السلم ) ‪.‬‬
‫‪ - 3‬وتتألّف الدّولة من مجموعةٍ من النّظم والوليات بحيث تؤدّي كلّ وليةٍ منها وظيفةً‬
‫خاصّ ًة من وظائف الدّولة ‪ ،‬وتعمل مجتمع ًة لتحقيق مقصدٍ عامّ ‪ ،‬وهو رعاية مصالح‬
‫المسلمين الدّينيّة والدّنيويّة ‪.‬‬
‫يقول الماورديّ ‪ " :‬المامة موضوعة لخلفة النّبوّة في حراسة الدّين وسياسة الدّنيا " والمام‬
‫هو من تصدر عنه جميع الوليات في الدّولة ‪.‬‬
‫ويقول ابن تيميّة ‪ " :‬فالمقصود الواجب بالوليات إصلح دين الخلق الّذي متى فاتهم خسروا‬
‫ل به من أمر‬
‫خسرانا مبينا ‪ ،‬ولم ينفعهم ما نعموا به في الدّنيا ‪ ،‬وإصلح ما ل يقوم الدّين إ ّ‬
‫دنياهم " ‪.‬‬
‫ن حقيقة هذا الوجوب الشّرعيّ ‪ -‬يعني وجوب نصب المام ‪-‬‬
‫ويقول ابن الزرق ‪ " :‬إ ّ‬
‫راجعة إلى النّيابة عن الشّارع في حفظ الدّين وسياسة الدّنيا به ‪ ،‬وسمّي باعتبار هذه النّيابة‬
‫ن الدّين هو المقصود في إيجاد الخلق ل الدّنيا فقط " ‪.‬‬
‫خلف ًة وإمامةً ‪ ،‬وذلك ل ّ‬
‫وبعد هذا نعرض إلى مجموع الوليات في الدّولة وما يخصّ كلّا منها من وظائف ‪:‬‬
‫أوّلً ‪ :‬الحاكم أو المام العظم ‪:‬‬
‫‪ - 4‬المام وكيل عن المّة في خلفة النّبوّة في حراسة الدّين وسياسة الدّنيا ‪ ،‬ويتولّى منصبه‬
‫بموجب عقد المامة ‪.‬‬
‫والصل في المام أن يباشر إدارة الدّولة بنفسه ‪ ،‬ولكن لمّا كان هذا متعذّرا مع اتّساع الدّولة‬
‫وكثرة وظائفها ‪ ،‬وتعدّد السّلطات فيها جاز له أن ينيب عنه من يقوم بهذه السّلطات من ولةٍ‪،‬‬
‫وأمراء ‪ ،‬ووزراء ‪ ،‬وقضاةٍ ‪ ،‬وغيرهم ‪ ،‬ويكونون الوكلء عنه في إدارة ما وكّل إليهم من‬
‫أعمالٍ ‪ .‬فإدارة المام للدّولة دائرة بين أن يكون وكيلً عن النّاس ونائبا عنهم ‪ ،‬وبين أن ينيب‬
‫هو ويوكّل من يقوم بأعباء الحكم شريطة ألّ ينصرف عن النّظر العامّ في شئون الدّولة‪،‬‬
‫ومطالعة كّليّات المور مع البحث عن أحوال من يولّيهم ليتحقّق من كفايتهم لمناصبهم ‪.‬‬
‫وتفصيل ذلك في مصطلح ‪ ( :‬إمامة كبرى ) ‪.‬‬
‫ثانيا ‪ :‬وليّ العهد ‪:‬‬
‫‪ - 5‬وهو من يولّيه المام عهد المامة بعد وفاته ‪ .‬ومن المعلوم أنّه ليس لوليّ العهد تصرّف‬
‫في شئون الدّولة ما دام المام حيّا ‪ ،‬ول يلي شيئا في حياة المام ‪ ،‬وإنّما تبدأ إمامته وسلطته‬
‫ي العهد ما لم يتغيّر‬
‫بموت المام ‪ ،‬فتصرّفه كالوكالة المعلّقة بشرطٍ ‪ ،‬وليس للمام عزل ول ّ‬
‫ق المسلمين ‪ ،‬فلم يكن له عزله ‪ ،‬قياسا على عدم جواز خلع أهل‬
‫حاله ‪ ،‬لنّه استخلفه في ح ّ‬
‫الحلّ والعقد لمن بايعوه إذا لم يتغيّر حاله ‪ .‬وتفصيله في مصطلح ‪ ( :‬إمامة كبرى ) ‪.‬‬
‫ثالثا ‪ :‬أهل الحلّ والعقد ‪:‬‬
‫ن لهم قدرة القيام بنوعٍ خاصّ من واجبات الدّولة وهي‪:‬‬
‫‪ - 6‬ووجه اعتبارهم سلطةً مستقلّةً أ ّ‬
‫أ ‪ -‬اختيار المام ومبايعته ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬استئناف بيعة وليّ العهد عند توليته إماما ‪ ،‬حيث تعتبر شروط المامة فيه من وقت‬
‫العهد إليه ‪ ،‬فإن كان صغيرا أو فاسقا وقت العهد وكان بالغا عدلً عند موت المولّي لم تصحّ‬
‫خلفته حتّى يستأنف أهل الختيار بيعته ‪.‬‬
‫ج ‪ -‬تعيين نائبٍ عن وليّ العهد في حال غيبته عند موت الخليفة ‪.‬‬
‫د ‪ -‬خلع المام إذا قام ما يوجب خلعه ‪ .‬وينظر التّفصيل في مصطلح ‪ ( :‬أهل الحلّ والعقد )‬
‫‪.‬‬
‫رابعا ‪ :‬المحتسب ‪:‬‬
‫‪ - 7‬هو من يولّيه المام أو نائبه للقيام بوظيفة المر بالمعروف والنّهي عن المنكر ‪ ،‬وللنّظر‬
‫في أحوال الرّعيّة والكشف عن أمورهم ومصالحهم ‪ ،‬وهو فرض في حقّه متعيّن عليه بحكم‬
‫الولية ‪ .‬وموضوع هذه الولية إلزام الحقوق والمعونة على استيفائها ‪ ،‬ومحلّ وليته كلّ‬
‫منكرٍ موجودٍ في الحال ‪ ،‬ظاهر للمحتسب بغير تجسّسٍ ‪ ،‬معلوم كونه منكرا بغير اجتهادٍ ‪،‬‬
‫وللمحتسب أن يتّخذ على إنكاره أعوانا ‪ ،‬لنّه منصوب ‪ ،‬لهذا العمل ‪ ،‬ومن صلحيّته أن‬
‫يجتهد رأيه فيما يتعلّق بالعرف دون الشّرع ‪ ،‬ولهذا يجب أن يكون المحتسب فقيها عارفا‬
‫بأحكام الشّريعة ‪ ،‬ليعلم ما يأمر به وينهى عنه ‪.‬‬
‫وعمل المحتسب واسطة بين عمل القاضي وعمل والي المظالم ‪.‬‬
‫فيتّفق المحتسب مع القاضي في أمورٍ منها ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬جواز الستعداء للمحتسب ‪ ،‬وسماعه دعوى المستعدي على المستعدى عليه في حقوق‬
‫الدميّين فيما يدخل تحت اختصاصه ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬له أن يلزم المدّعى عليه للخروج من الحقّ الّذي عليه ‪ ،‬فإذا وجب عليه الحقّ وبإقرارٍ‪،‬‬
‫ن تأخير الحقّ منكر ظاهر ‪ ،‬وهو منصوب‬
‫مع تمكّنه من الداء فيلزم بالدّفع إلى المستحقّ ‪ ،‬ل ّ‬
‫لزالته ‪.‬‬
‫ويفترق المحتسب عن القاضي في أمورٍ منها ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬جواز النّظر فيما يأمر به من معروفٍ أو ينهى عنه من منكرٍ دون التّوقّف على دعوى‬
‫أو استعدا ٍء ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬أنّ الحسبة موضوعة للرّهبة القائمة على قوّة السّلطنة المؤيّدة بالجند ‪.‬‬
‫وللتّفصيل في أحكام الحسبة ينظر مصطلح ‪ ( :‬حسبة ) ‪.‬‬
‫خامسا ‪ :‬القضاء ‪:‬‬
‫‪ - 8‬عرّف القضاء بأنّه ‪ .‬إنشاء إلزامٍ في مسائل الجتهاد المتقاربة فيما يقع فيه النّزاع‬
‫لمصالح الدّنيا وعرّف كذلك بأنّه ‪ :‬اللزام في الظّاهر على صيغ ٍة مختصّ ٍة بأم ٍر ظنّ لزومه‬
‫في الواقع ‪ .‬فالقضاء سلطة تمكّن من تولّاها من اللزام بالحكام الشّرعيّة ‪ ،‬وفصل‬
‫الخصومات ‪ ،‬وقطع المنازعات بين النّاس ‪ .‬وقضاء القاضي مظهر للحكم الشّرعيّ ل مثبت‬
‫له ‪.‬‬
‫ت من جهة المر‬
‫وتجتمع في القاضي صفات ثلثة ‪ :‬فهو شاهد من جهة الثبات ‪ ،‬ومف ٍ‬
‫والنّهي ‪ ،‬وذو سلطانٍ من جهة اللزام ‪ .‬ويدخل في ولية القضاء فصل الخصومات ‪،‬‬
‫واستيفاء الحقوق ‪ ،‬والنّظر في أموال اليتامى ‪ ،‬والمجانين ‪ ،‬والسّفهاء ‪ ،‬والحجر على السّفيه‪،‬‬
‫ن ‪ ،‬لقوله صلى‬
‫والمفلس ‪ ،‬والنّظر في الوقوف ‪ ،‬وتنفيذ الوصايا ‪ ،‬وتزويج اللّاتي ل وليّ له ّ‬
‫ال عليه وسلم ‪ « :‬فإن اشتجروا فالسّلطان وليّ من ل وليّ له » ‪ .‬والقاضي ينوب عن المام‬
‫في هذا ‪.‬‬
‫وليس هناك ضابط عا ّم لما يدخل في ولية القاضي وما ل يدخل ‪ ،‬فالصل فيه العرف‬
‫والعادة باختلف الزّمان والمكان ‪ ،‬فقد تتّسع صلحيّة القاضي لتشمل ولية الحرب ‪ ،‬والقيام‬
‫بأعمال بيت المال ‪ ،‬والعزل ‪ ،‬والولية ‪ ،‬وقد تقتصر على النّظر في الخصومات والمنازعات‬
‫‪ .‬والقضاء من المصالح العامّة الّتي ل يتولّاها إلّ المام ‪ ،‬كعقد ال ّذمّة ‪ ،‬والقاضي وكيل عن‬
‫المام في القيام بالقضاء ‪ ،‬ولذا ل تثبت وليته إلّ بتولية المام أو نائبه ‪ ،‬وهو عقد وليةٍ ‪،‬‬
‫فيشترط فيه اليجاب والقبول ‪ ،‬ول ب ّد فيه من معرفة المعقود عليه كالوكالة ‪ ،‬ويشترط‬
‫لصحّتها معرفة المام أو نائبه أهليّة من يتولّى القضاء ‪ ،‬وكذلك تعيين ما يدخل تحت وليته‬
‫من أعمالٍ ليعلم محلّها فل يحكم في غيرها ‪ .‬وللتّفصيل انظر مصطلح ‪ ( :‬قضاء ) ‪.‬‬
‫سادسا ‪ :‬بيت المال ‪:‬‬
‫‪ - 9‬بيت المال هو الجهة الّتي يسند إليها حفظ الموال العامّة للدّولة ‪ ،‬والمال العامّ هو كلّ‬
‫مالٍ استحقّه المسلمون ولم يتعيّن مالكه منهم ‪ ،‬وذلك كالزّكاة ‪ ،‬والفيء ‪ ،‬وخمس الغنائم‬
‫المنقولة ‪ ،‬وخمس الخارج من الرض ‪ ،‬والمعادن ‪ ،‬وخمس الرّكاز ‪ ،‬والهدايا الّتي تقدّم إلى‬
‫القضاة ‪ ،‬أو عمّال الدّولة ممّا يحمل شبهة الرّشوة أو المحاباة ‪ ،‬وكذلك الضّرائب الموظّفة‬
‫ث ‪ ،‬والغرامات‬
‫على الرّعيّة لمصلحتهم ‪ ،‬ومواريث من مات من المسلمين بل وار ٍ‬
‫ل بحسبه ‪ ،‬ول بدّ أن‬
‫والمصادرات ‪ .‬ويقوم بيت المال بصرف هذه الموال في مصارفها ك ّ‬
‫ل ‪ ،‬ولضبط‬
‫يكون له سجلّ هو ديوان بيت المال لضبط ما يرد إليه وما يصدر عنه من أموا ٍ‬
‫مصارفها كذلك ‪ .‬وللتّفصيل انظر مصطلح ‪ ( :‬بيت المال ) ‪.‬‬
‫سابعا ‪ :‬الوزراء ‪:‬‬
‫‪ - 10‬لمّا كان المتعذّر على المام القيام بنفسه بأعباء الحكم وتسيير شئون الدّولة مع كثرتها‬
‫كان ل بدّ له من أن يستنيب الوزراء ذوي الكفاية لذلك ‪.‬‬
‫ض ‪ ،‬أو وزير تنفيذٍ ‪ .‬أمّا وزير التّفويض فهو من يفوّض له‬
‫والوزير إمّا أن يكون وزير تفوي ٍ‬
‫المام تدبير أمور الدّولة وإمضاءها باجتهاده ‪ ،‬وله النّظر العامّ في شئون الدّولة ‪ ،‬وهو وكيل‬
‫عن المام فيما ولّي عليه ‪ ،‬وأسند إليه ‪ ،‬ويشترط في وزير التّفويض ما يشترط في المام‬
‫باستثناء كونه قرشيّا ‪ ،‬وكونه مجتهدًا على خلفٍ فيه ‪ ،‬وكما يجوز لوزير التّفويض أن يباشر‬
‫ح من الوزير‬
‫ح من المام ص ّ‬
‫ل ما ص ّ‬
‫شئون الدّولة ‪ ،‬يجوز له أن يستنيب من يباشرها ‪ ،‬وك ّ‬
‫إلّ أمورا ثلثةً ‪:‬‬
‫أحدها ‪ :‬ولية العهد ‪ ،‬فإنّ للمام أن يعهد ‪ ،‬وليس ذلك للوزير ‪.‬‬
‫ثانيها ‪ :‬أنّ للمام أن يطلب العفاء من المامة ‪ ،‬وليس ذلك للوزير ‪.‬‬
‫ثالثها ‪ :‬أنّ للمام أن يعزل من قلّده الوزير ‪ ،‬وليس للوزير عزل من قلّده المام ‪.‬‬
‫ح إلّ باللّفظ الصّريح المشتمل على شرطين ‪:‬‬
‫والوزارة ولية تفتقر إلى عقدٍ ‪ ،‬والعقود ل تص ّ‬
‫أحدهما ‪ :‬عموم النّظر ‪ ،‬والثّاني ‪ :‬النّيابة ‪.‬‬
‫ن نظره‬
‫فإذا اقتصر المام على عموم النّظر دون النّيابة كان اللّفظ خاصّا بولية العهد ‪ ،‬إذ أ ّ‬
‫ل أنّه ل ينوب عنه حال حياته ‪ ،‬وأمّا إذا اقتصر على النّيابة دون عموم‬
‫عامّ كنظر المام إ ّ‬
‫النّظر كانت نياب ًة مبهمةً لم تبيّن ما استنابه فيه ‪ ،‬فل بدّ أن يجمع له بين عموم النّظر والنّيابة‬
‫لتنعقد وزارة التّفويض ‪.‬‬
‫أمّا وزير التّنفيذ فل يستقلّ بالنّظر كوزير التّفويض ‪ ،‬فتقتصر مهمّته على تنفيذ أمر المام‬
‫فهو واسطة بين المام والرّعيّة يبلّغهم أوامره ويخبرهم بتقليد الولة ‪ ،‬ولذا ل يحتاج وزير‬
‫التّنفيذ إلى عقدٍ وتقليدٍ ‪ ،‬وإنّما يراعى فيها مجرّد الذن ‪ ،‬وتقصر في شروطها عن شروط‬
‫وزارة التّفويض ‪ .‬ولمّا قصرت مهمّته على تبليغ الخليفة والتّبليغ عنه ‪ ،‬اشترط فيه المانة‬
‫والصّدق ‪ ،‬وقلّة الطّمع ‪ ،‬وأن يسلم من عداوة النّاس فيما بينه وبينهم ‪ ،‬وأن يكون ضابطا لما‬
‫ينقل ‪ ،‬وأن ل يكون من أهل الهواء ‪ .‬وقد يشارك وزير التّنفيذ في المشورة والرّأي فل بدّ‬
‫من أن يكون صاحب حنك ٍة وتجربةٍ تؤدّيه إلى إصابة الرّأي وحسن المشورة ‪.‬‬
‫إمارة الحرب ‪:‬‬
‫‪ - 11‬تتولّى هذه المارة ولية الحرب وحماية الدّولة من العتداء عليها من الخارج ‪.‬‬
‫وهي إمّا أن تكون إمارةً خاصّةً مقصورةً على سياسة الجيش وإعداده ‪ ،‬وتدبير الحرب ‪.‬‬
‫أو أن تتّسع صلحيّتها فيما يفوّض إليها المام فتشمل قسم الغنائم ‪ ،‬وعقد الصّلح ‪.‬‬
‫ويلزم أمير الجيش في سياسته للجيش عشرة أشياء‬
‫أولً ‪ :‬حراستهم من غرّ ٍة يظفر بها العد ّو منهم ‪.‬‬
‫ثانيا ‪ :‬تخيّر موضع نزولهم لمحاربة العد ّو ‪.‬‬
‫ثالثا ‪ :‬إعداد ما يحتاج الجيش إليه ‪.‬‬
‫رابعا ‪ :‬أن يعرف أخبار عدوّه ‪.‬‬
‫خامسا ‪ :‬ترتيب الجيش في مصافّ الحرب ‪.‬‬
‫سادسا ‪ :‬أن يقوّي نفوسهم بما يشعرهم من الظّفر ‪.‬‬
‫سابعا ‪ :‬أن يعد أهل الصّبر والبلء منهم بثواب اللّه ‪.‬‬
‫ثامنا ‪ :‬أن يشاور ذوي الرّأي منهم ‪.‬‬
‫تاسعا ‪ :‬أن يأخذ جيشه بما أوجبه اللّه تعالى من حقوقه ‪.‬‬
‫عاشرا ‪ :‬أن ل يمكّن أحدا من جيشه أن يتشاغل بتجارةٍ أو زراع ٍة ‪ ،‬حتّى ل ينصرف عن‬
‫مصابرة العد ّو ‪.‬‬
‫وتجهيز المثبتين في ديوان الجند من الغزاة في سبيل اللّه واجب باتّفاق الفقهاء ‪ ،‬ومحلّه بيت‬
‫مال المسلمين ‪ ،‬فإن لم يوجد ‪ ،‬فعلى أفراد المسلمين وأغنيائهم ‪.‬‬
‫وللتّفصيل انظر مصطلح ‪ ( :‬جهاد ) ‪.‬‬
‫زوال الدّولة ‪:‬‬
‫‪ - 12‬تزول الدّولة بزوال أحد أركانها ‪ :‬الشّعب ‪ ،‬أو القليم ‪ ،‬أو المنعة " السّيادة " أو بتحوّلها‬
‫ب ‪ .‬وينظر تفصيل ذلك في مصطلح ‪ ( :‬دار السلم ) ‪.‬‬
‫من دار إسلمٍ إلى دار حر ٍ‬
‫تعدّد الدّول السلميّة ‪:‬‬
‫‪ - 13‬يتعلّق حكم تعدّد الدّول السلميّة بحكم تعدّد الئمّة حيث إنّ الدّولة السلميّة تمثّل‬
‫شخص المام ‪ ،‬لنّه مصدر السّلطة فيها ‪ ،‬وعنه تصدر جميع سلطات الدّولة وصلحيّاتها ‪.‬‬
‫وقد ذهب جمهور الفقهاء إلى أنّه ل يجوز كون إمامين في العالم في وقتٍ واحدٍ ‪ ،‬ول يجوز‬
‫إلّ إمام واحد ‪،‬ودليله قوله صلى ال عليه وسلم ‪ « :‬إذا بويع لخليفتين فاقتلوا الخر منهما»‪.‬‬
‫ن في تعدّد الدّول السلميّة مظنّة للنّزاع والفرقة ‪ ،‬وقد نهى اللّه سبحانه وتعالى عن ذلك‬
‫ول ّ‬
‫ح ُكمْ } ‪.‬‬
‫ب رِي ُ‬
‫ل َتنَازَعُواْ َفتَ ْفشَلُواْ َو َتذْهَ َ‬
‫بقوله ‪ { :‬وََأطِيعُو ْا اللّهَ َو َرسُولَهُ َو َ‬
‫وفي أحد أوجه التّفسير أنّ المراد بالرّيح في الية الكريمة هو الدّولة قاله أبو عبيدٍ ‪.‬‬
‫انظر التّفصيل في مصطلح ‪ ( :‬المامة الكبرى ) ‪.‬‬
‫واجبات الدّولة العامّة ‪:‬‬
‫‪ - 14‬يتعيّن على الدّولة ممثّلةً بمجموع سلطاتها أن ترعى المصالح العامّة للمسلمين الدّاخلين‬
‫تحت وليتها ‪ ،‬وجماع هذه المصالح يعود إلى ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬حفظ أصول الدّين وإقامة الشّريعة ‪ .‬وتنظر الحكام المتعلّقة بهذه المصلحة في‬
‫مصطلحات ‪ ( :‬إمامة كبرى ‪ ،‬ردّة ‪ ،‬بدعة ‪ ،‬ضروريّات ‪ ،‬وجهاد ) ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬إقامة الحدود ‪ ،‬وعقوبة المستحقّ وتعزيره ‪ .‬وتنظر أحكامها في مصطلحات ‪:‬‬
‫( قصاص‪ ،‬تعزير ) ‪.‬‬
‫ج ‪ -‬حفظ المال العامّ للدّولة ‪ ،‬ويراجع في هذا مصطلح بيت المال ‪.‬‬
‫د ‪ -‬إقامة العدل وتنفيذ الحكام وقطع الخصومات ‪ ،‬وينظر في ذلك مصطلح ‪ ( :‬قضاء ) ‪.‬‬
‫هـ ‪ -‬رعاية أهل ال ّذمّة ‪ ،‬ويراجع مصطلح ‪ ( :‬أهل ال ّذمّة ) ‪.‬‬
‫و ‪ -‬تكثير العمارة ‪ ،‬وينظر في مصطلح ‪ ( :‬عمارة ) ‪.‬‬
‫ز ‪ -‬إقامة السّياسة الشّرعيّة ‪ ،‬وينظر مصطلح ‪ ( :‬سياسة شرعيّة ) ‪.‬‬

‫ديات *‬
‫التّعريف ‪:‬‬
‫‪ - 1‬الدّيات جمع ديةٍ ‪ ،‬وهي في اللّغة مصدر ودى القاتل القتيل يديه دي ًة إذا أعطى وليّه‬
‫المال الّذي هو بدل النّفس ‪ ،‬وأصلها ودية ‪ ،‬فهي محذوفة الفاء كعد ٍة من الوعد وزن ٍة من‬
‫الوزن ‪ .‬وكذلك هبة من الوهب ‪ .‬والهاء في الصل بدل من فاء الكلمة الّتي هي الواو ‪ ،‬ثمّ‬
‫سمّي ذلك المال " دي ًة " تسمي ًة بالمصدر ‪.‬‬
‫وفي الصطلح عرّفها بعض الحنفيّة بأنّها اسم للمال الّذي هو بدل النّفس ‪ .‬ومثله ما ذكر في‬
‫كتب المالكيّة ‪ .‬حيث قالوا في تعريفها ‪ :‬هي مال يجب بقتل آدميّ حرّ عوضا عن دمه ‪.‬‬
‫لكن قال في تكملة الفتح ‪ :‬الظهر في تفسير الدّية ما ذكره صاحب الغاية آخرا من أنّ الدّية ‪:‬‬
‫ن ( مق ّدرٍ ) يجب بمقابلة الدميّ أو طرفٍ منه ‪ ،‬سمّي بذلك لنّها تؤدّى عاد ًة وقلّما‬
‫اسم لضما ٍ‬
‫يجري فيها العفو لعظم حرمة الدميّ ‪.‬‬
‫ن ما وجب في قطع‬
‫وهذا ما يؤيّده العدويّ من فقهاء المالكيّة حيث قال بعد تعريف الدّية ‪ :‬إ ّ‬
‫اليد مثلًا يقال له دية حقيقةً ‪ ،‬إذ قد وقع التّعبير به في كلمهم ‪.‬‬
‫أمّا الشّافعيّة والحنابلة فعمّموا تعريف الدّية ليشمل ما يجب في الجناية على النّفس وعلى ما‬
‫دون النّفس ‪.‬‬
‫قال الشّافعيّة ‪ :‬هي المال الواجب بالجناية على الحرّ في نفسٍ أو فيما دونها ‪.‬‬
‫وقال الحنابلة ‪ :‬إنّها المال المؤدّى إلى مجنيّ عليه ‪ ،‬أو وليّه ‪ ،‬أو وارثه بسبب جنايةٍ ‪.‬‬
‫ل أيضا ‪ ،‬وذلك لوجهين ‪ :‬أحدهما أنّها تعقل الدّماء أن تراق ‪ ،‬والثّاني أنّ‬
‫وتسمّى الدّية عق ً‬
‫ي الدّم ‪.‬‬
‫الدّية كانت إذا وجبت وأخذت من البل تجمع فتعقل ‪ ،‬ثمّ تساق إلى ول ّ‬
‫اللفاظ ذات الصّلة ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬القصاص ‪:‬‬
‫‪ - 2‬القصاص من القصّ ‪ ،‬وهو في اللّغة بمعنى القطع ‪ ،‬والقصاص في الشّرع هو القود ‪،‬‬
‫وهو أن يفعل بالجاني مثل ما فعل ‪.‬‬
‫فإذا قتل قتل مثله ‪ ،‬وإذا جرح جرح مثله ‪ ( .‬ر ‪ :‬قصاص ) ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬الغرّة ‪:‬‬
‫‪ - 3‬الغرّة من كلّ شيءٍ أوّله ‪ ،‬والغرّة ‪ :‬العبد أو المة ‪ ،‬ومن معانيها في الشّرع ‪ :‬ضمان‬
‫يجب في الجناية على الجنين ‪ ،‬وتبلغ قيمتها نصف عشر الدّية ‪ ،‬وهي خمس من البل أو‬
‫خمسمائة درهمٍ على تفصيلٍ يذكر في مصطلح ‪ ( :‬غرّة ) ‪ ،‬سمّيت غ ّرةً لنّها أوّل مقادير‬
‫الدّية ‪ ،‬وأقلّ ما قدّره الشّرع في الجنايات ‪.‬‬
‫ج ‪ -‬الرش ‪:‬‬
‫‪ - 4‬الرش يطلق غالبا على المال الواجب في الجناية على ما دون النّفس ‪ ،‬فهو أخصّ من‬
‫الدّية بهذا المعنى ‪ ،‬لنّها تشمل المال المؤدّى مقابل النّفس وما دون النّفس ‪.‬‬
‫وقد يطلق الرش على بدل النّفس أيضا ‪ ،‬فيكون بمعنى الدّية ‪.‬‬
‫د ‪ -‬حكومة عدلٍ ‪:‬‬
‫‪ - 5‬من معاني حكومة العدل ردّ الظّالم عن الظّلم ‪.‬‬
‫وتطلق عند الفقهاء على الواجب يقدّره عدل في جناي ٍة ليس فيها مقدار معيّن من المال ‪.‬‬
‫فهي تختلف عن الرش والدّية في أنّها غير مقدّرةٍ في الشّرع ‪ ،‬وتجب وتقدّر بحكم العدل ‪.‬‬
‫هـ ‪ -‬الضّمان ‪:‬‬
‫‪ - 6‬الضّمان لغةً ‪ :‬اللتزام ‪ ،‬وشرعا ‪ :‬يطلق على معنيين ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬المعنى الخاصّ ‪ :‬وهو دفع مثل الشّيء في المثليّات ‪ ،‬وقيمة الشّيء في القيميّات ‪.‬‬
‫فهو بهذا المعنى يطلق غالبا على ما يدفع مقابل إتلف الموال ‪ ،‬بخلف الدّية الّتي تدفع‬
‫مقابل التّعدّي على النفس ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬المعنى العامّ الشّامل للكفالة ‪ :‬وعرّفها جمهور الفقهاء بأنّه التزام دينٍ أو إحضار عينٍ أو‬
‫بدنٍ ‪ .‬ويقال للعقد المحصّل لذلك أيضا ‪ ،‬أو هو شغل ذمّةٍ أخرى بالحقّ ‪.‬‬
‫مشروعيّة الدّية ‪:‬‬
‫طئًا َف َتحْرِيرُ رَ َقبَ ٍة مّ ْؤ ِمنَةٍ‬
‫خَ‬‫‪ - 7‬الصل في مشروعيّة الدّية قوله تعالى ‪َ { :‬ومَن َقتَلَ مُ ْؤ ِمنًا َ‬
‫َو ِديَ ٌة ّمسَّلمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ } ‪ ،‬وسنّة نبيّه صلى ال عليه وسلم فقد روى أبو بكر بن محمّد بن‬
‫عمرو بن حزمٍ عن أبيه عن جدّه « أنّ رسول اللّه صلى ال عليه وسلم كتب إلى أهل اليمن‬
‫كتابًا فيه الفرائض والسّنن والدّيات وبعث به مع عمرو بن حزمٍ فقرئت على أهل اليمن هذه‬
‫نسختها ‪ :‬من محمّد النّبيّ صلى ال عليه وسلم إلى شرحبيل بن عبد كلّالٍ ‪ ،‬ونعيم بن عبد‬
‫ن ومعافر وهمدان أمّا بعد ‪ ،‬وكان في كتابه ‪ :‬إنّ‬
‫كلّالٍ ‪ ،‬والحارث بن عبد كلّالٍ قيل ذي رعي ٍ‬
‫ن في النّفس الدّية‬
‫من اعتبط مؤمنا قتلً عن بيّن ٍة فإنّه قود إلّ أن يرضى أولياء المقتول ‪ ،‬وأ ّ‬
‫مائةً من البل ‪ ،‬وفي النف إذا أوعب جدعه الدّية ‪ ،‬وفي اللّسان الدّية ‪ ،‬وفي الشّفتين الدّية ‪،‬‬
‫وفي البيضتين الدّية ‪ ،‬وفي الذّكر الدّية ‪ ،‬وفي الصّلب الدّية ‪ ،‬وفي العينين الدّية ‪ ،‬وفي الرّجل‬
‫الواحدة نصف الدّية ‪ ،‬وفي المأمومة ثلث الدّية ‪ ،‬وفي الجائفة ثلث الدّية ‪ ،‬وفي المنقّلة خمس‬
‫ن خمس‬
‫عشرة من البل ‪ ،‬وفي كلّ أصبعٍ من أصابع اليد والرّجل عشر من البل ‪ ،‬وفي السّ ّ‬
‫ن الرّجل يقتل بالمرأة ‪ ،‬وعلى أهل الذّهب‬
‫من البل ‪ ،‬وفي الموضحة خمس من البل ‪ ،‬وأ ّ‬
‫ألف دينارٍ » وفي رواي ٍة زيادة « وفي اليد الواحدة نصف الدّية » ‪.‬‬
‫وقد أجمع أهل العلم على وجوب الدّية في الجملة ‪ .‬والحكمة في وجوبها هي صون بنيان‬
‫الدميّ عن الهدم ‪ ،‬ودمه عن الهدر ‪.‬‬
‫أقسام الدّية ‪:‬‬
‫‪ - 8‬تختلف الدّية ومقدارها بحسب اختلف نوع الجناية وصفة المجنيّ عليه ‪.‬‬
‫ن هناك دية مغلّظة ودية غير مغلّظ ٍة ‪ ،‬فدية العمد إذا‬
‫فهناك دية النّفس ودية العضاء ‪ ،‬كما أ ّ‬
‫سقط القصاص بسببٍ من أسباب سقوطه كالعفو ‪ ،‬أو عدم توفّر شرطٍ من شروط القصاص أو‬
‫بوجود شبهةٍ دية مغلّظة ‪ ،‬كما أنّ دية شبه العمد مغلّطة ‪ ،‬ودية الخطأ وما يجري مجراه دية‬
‫غير مغلّظةٍ ‪.‬‬
‫وهذا في الجملة ‪ ،‬وسيأتي تفصيل هذه المسائل مع بيان معنى العمد وشبه العمد والخطأ ‪.‬‬
‫وأسباب التّغليظ والتّخفيف في الدّية ‪ ،‬واختلف الفقهاء في بعض الفروع فيما بعد ‪.‬‬
‫شروط وجوب الدّية ‪:‬‬
‫‪ - 9‬أ ‪ -‬يشترط لوجوب الدّية أن يكون المجنيّ عليه معصوم الدّم ‪ ،‬أي مصون الدّم ‪ ،‬وهذا‬
‫باتّفاق الفقهاء ‪.‬‬
‫فإذا كان مهدر الدّم ‪ ،‬كأن كان حربيّا ‪ ،‬أو مستحقّ القتل حدّا أو قصاصا فل تجب الدّية بقتله‬
‫لفقد العصمة ‪ .‬ولبيان معنى العصمة وشروطها ينظر مصطلح ‪ ( :‬عصمة ) ‪.‬‬
‫وأمّا السلم فليس من شرائط وجوب الدّية ل من جانب القاتل ول من جانب المقتول ‪ ،‬فتجب‬
‫الدّية سواء أكان القاتل أو المقتول مسلما ‪ ،‬أم ذ ّميّا ‪ ،‬أم مستأمنا ‪.‬‬
‫وكذلك ل يشترط العقل والبلوغ ‪ ،‬فتجب الدّية بقتل الصّبيّ والمجنون اتّفاقا ‪ ،‬كما تجب في‬
‫مال الصّبيّ والمجنون " مع خلفٍ وتفصيلٍ " ‪.‬‬
‫وذلك لنّ الدّية ضمان ماليّ فتجب في حقّهما ‪ ،‬وسيأتي تفصيله فيمن تجب عليه الدّية ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬وجود المجنيّ عليه بدار السلم ‪:‬‬
‫‪ - 10‬ويشترط لوجوب الدّية عند الحنفيّة أن يكون المجنيّ عليه بدار السلم ‪ ،‬قال الكاسانيّ‪:‬‬
‫ن الحربيّ إذا أسلم في دار الحرب فلم يهاجر إلينا فقتله مسلم أو ذ ّميّ خطأً ل‬
‫وعلى هذا فإ ّ‬
‫تجب الدّية عند أصحابنا ‪.‬‬
‫ن العصمة تحصل بالسلم أو المان ‪ ،‬فيدخل‬
‫ول يشترط جمهور الفقهاء هذا الشّرط فيرون أ ّ‬
‫فيها المسلم ‪ -‬ولو كان في دار الحرب ‪ -‬كما يدخل فيها ال ّذ ّميّ ‪ ،‬والمستأمن ‪ ،‬والمعقود معهم‬
‫عقد الموادعة ‪ ،‬والهدنة ‪.‬‬
‫أسباب وجوب الدّية ‪:‬‬
‫أوّلً ‪ :‬القتل ‪:‬‬
‫‪ - 11‬القتل هو لغةً ‪ :‬إزهاق الرّوح ‪ ،‬يقال ‪ :‬قتلته قتلً ‪ :‬إذا أزهقت روحه ‪.‬‬
‫وأطلقه الفقهاء أيضًا على الفعل المزهق ‪ ،‬أي القاتل للنّفس ‪ ،‬أو فعل ما يكون سببا لزهوق‬
‫النّفس ‪ ،‬والزّهوق هو مفارقة الرّوح البدن ‪.‬‬
‫وقسم الشّافعيّة والحنابلة القتل إلى عمدٍ ‪ ،‬وشبه عمدٍ ‪ ،‬وخطأٍ ‪.‬‬
‫وقسمه الحنفيّة إلى خمسة أقسامٍ ‪ :‬العمد ‪ ،‬وشبه العمد ‪ ،‬والخطأ ‪ ،‬وما يجري مجرى الخطأ ‪،‬‬
‫والقتل بالسّبب ‪.‬‬
‫وعند المالكيّة ليس هناك إلّ قتل العمد ‪ ،‬وقتل الخطأ ‪ .‬وتفصيله في مصطلح ‪ ( :‬قتل ) ‪.‬‬
‫أنواع القتل الّذي تجب فيه الدّية ‪:‬‬
‫الوّل ‪ :‬القتل الخطأ ‪:‬‬
‫‪ - 12‬اتّفق الفقهاء على أنّه ل قصاص في القتل الخطأ ‪ ،‬وإنّما تجب الدّية والكفّارة ‪ .‬فكلّ من‬
‫قتل إنسانا ذكرا أو أنثى ‪ ،‬مسلما أو ذ ّميّا ‪ ،‬مستأمنا أو مهادنا ‪ ،‬وجبت الدّية ‪ ،‬لقوله تعالى ‪{ :‬‬
‫صدّقُواْ } وقوله‬
‫طئًا َف َتحْرِيرُ رَ َقبَ ٍة مّ ْؤ ِمنَةٍ َو ِد َيةٌ ّمسَّلمَ ٌة إِلَى أَهْلِ ِه ِإلّ أَن َي ّ‬
‫خَ‬‫َومَن َقتَلَ مُ ْؤ ِمنًا َ‬
‫سبحانه ‪ { :‬وَإِن كَانَ مِن قَ ْومٍ َب ْي َن ُكمْ َو َب ْينَ ُهمْ مّيثَاقٌ فَ ِديَ ٌة ّمسَّلمَةٌ إِلَى أَهِْلهِ } ‪.‬‬
‫ودية الخطأ تجب على عاقلة الجاني مؤجّل ًة في ثلث سنين باتّفاق الفقهاء ‪ ،‬لحديث أبي هريرة‬
‫ر ضي ال ع نه قال ‪ « :‬اقتتلت امرأتان من هذيلٍ فر مت إحداه ما الخرى بحجرٍ فقتلت ها و ما‬
‫في بطنها ‪ ،‬فقضى رسول اللّه صلى ال عليه وسلم بدية المرأة على عاقلتها » أي على عاقلة‬
‫القاتلة ‪.‬‬
‫ودليل تأجيلها كما قال الكاسانيّ ‪ :‬إجماع ال صّحابة رضي ال عنهم على ذلك ‪ ،‬فإنّه روي أ نّ‬
‫عمـر رضـي ال عنـه قضـى بذلك بمحض ٍر مـن الصـّحابة ‪ ،‬ولم ينقـل أنّه خالفـه أحـد فيكون‬
‫إجماعا ‪.‬‬
‫حكمة وجوب دية الخطأ على العاقلة ‪:‬‬
‫ن سبب الوجوب هو القتل ‪ ،‬وأنّه وجد من‬
‫‪ - 13‬الصل وجوب الدّية على الجاني نفسه ‪ ،‬ل ّ‬
‫خرَى } ‪ ،‬ولهذا‬
‫ل َتزِرُ وَازِرَةٌ ِو ْزرَ ُأ ْ‬
‫القاتل ‪ ،‬ول يؤاخذ أحد بذنب غيره ‪ ،‬لقوله تعالى ‪َ { :‬و َ‬
‫لم تتحمّل العاقلة ضمان الموال ‪ ،‬ودية العمد ‪.‬‬
‫لكنّه ترك هذا الصل في دية الخطأ بنصّ الحديث السّابق ‪ ،‬وبفعل الصّحابة كما تقدّم ‪،‬‬
‫ن جنايات الخطأ تكثر ‪ ،‬ودية الدميّ كثيرة ‪ ،‬فإيجابها‬
‫والحكمة في ذلك كما قال البهوتيّ ‪ :‬إ ّ‬
‫على الجاني في ماله يجحف به ‪ ،‬فاقتضت الحكمة إيجابها على العاقلة على سبيل المواساة‬
‫للقاتل والعانة له تخفيفا ‪.‬‬
‫وقال الكاسانيّ ‪ :‬في حكمته ‪ :‬إنّ حفظ القاتل واجب على عاقلته ‪ ،‬فإذا لم يحفظوا فقد فرّطوا‪،‬‬
‫والتّفريط منهم ذنب ‪.‬‬
‫ويدخل القاتل في تحمّل دية الخطأ مع العاقلة عند الحنفيّة والمالكيّة فيكون فيما يؤدّي مثل‬
‫أحدهم خلفا للشّافعيّ والحنابلة كما سيأتي ‪.‬‬
‫وفي بيان المراد من العاقلة ‪ ،‬وتحديدها ‪ ،‬وكيفيّة تحميلها الدّية ‪ ،‬ومقدار ما تتحمّله العاقلة من‬
‫الدّية خلف وتفصيل ينظر في مصطلح ‪ ( :‬عاقلة ) ‪.‬‬
‫ي حالٍ عند الحنفيّة والمالكيّة ‪ ،‬خلفا‬
‫‪ - 14‬ودية القتل الخطأ دية مخفّفة ‪ ،‬ول تغلّظ في أ ّ‬
‫للشّافعيّة والحنابلة حيث قالوا بتغليظها في ثلث حالتٍ ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬إذا حدث القتل في حرم مكّة ‪ ،‬تحقيقا للمن ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬إذا حدث القتل في الشهر الحرم ‪ ،‬أي ذي القعدة وذي الحجّة والمحرّم ورجبٍ ‪.‬‬
‫ج ‪ -‬إذا قتل القاتل ذا رحمٍ محرمٍ له ‪ .‬ففي هذه الحالت تجب دية مغلّظة ‪ ،‬لما روى مجاهد‬
‫حرَما بالدّية‬
‫ن عمر رضي ال عنه قضى فيمن قتل في الحرم ‪ ،‬أو في الشهر الحرم ‪ ،‬أو َم ْ‬
‫أّ‬
‫وثلث الدّية ‪ .‬ول تغلّظ الدّية في القتل في المدينة عند جمهور الفقهاء ‪.‬‬
‫وفي وجهٍ عند الشّافعيّة تغلّظ ‪ ،‬لنّها كالحرم في تحريم الصّيد فكذلك في تغليظ الدّية ‪.‬‬
‫أمّا تغليظ الدّية في القتل العمد وشبه العمد فسيأتي تفصيله في موضعه ‪ ،‬مع بيان معنى‬
‫التّغليظ والتّخفيف في الدّية ‪.‬‬
‫وتجب الدّية من صنف المال الّذي يملكه من تجب عليه الدّية ‪ .‬فإن كانت من البل تؤدّى في‬
‫القتل الخطأ أخماسًا باتّفاق الفقهاء ‪ ،‬وهي عشرون بنت مخاضٍ ‪ ،‬وعشرون بنت لبونٍ ‪،‬‬
‫وعشرون ح ّقةً ‪ ،‬وعشرون جذعةً اتّفاقا ‪.‬‬
‫واختلفوا في العشرين الباقية ‪ :‬فقال الحنفيّة والحنابلة ‪ :‬هي من بني المخاض ‪ ،‬وهذا قول ابن‬
‫مسعودٍ ‪ ،‬والنّخعيّ ‪ ،‬وابن المنذر أيضا ‪.‬‬
‫لما ورد في حديث عبد اللّه بن مسعودٍ رضي ال عنه وقد رفعه إلى النّبيّ صلى ال عليه‬
‫وسلم أنّه قال ‪ « :‬في دية الخطأ ‪ :‬عشرون ح ّقةً ‪ ،‬وعشرون جذعةً ‪ ،‬وعشرون بنت مخاضٍ‪،‬‬
‫ض ذكرٍ » ‪ " .‬راجع بيان هذه النواع من البل في‬
‫وعشرون بنت لبونٍ ‪ ،‬وعشرون بني مخا ٍ‬
‫مصطلحاتها " ‪.‬‬
‫أمّا المالكيّة والشّافعيّة فقالوا في العشرين الباقية ‪ :‬هي من بني اللّبون ‪ ،‬وهذا قول عمر بن‬
‫ي صلى‬
‫ن النّب ّ‬
‫عبد العزيز ‪ ،‬وسليمان بن يسارٍ ‪ ،‬والزّهريّ ‪ ،‬واللّيث ‪ ،‬وربيعة ‪ ،‬لما روي « أ ّ‬
‫ض » ‪ .‬والدّية‬
‫ال عليه وسلم ودى الّذي قتل بخيبر بمائةٍ من إبل الصّدقة وليس فيها ابن مخا ٍ‬
‫من الذّهب ألف دينارٍ باتّفاق الفقهاء ‪ ،‬أمّا من الورق " الفضّة " فهي عشرة آلف درهمٍ عند‬
‫الحنفيّة ‪ ،‬واثنا عشر ألف درهمٍ عند جمهور الفقهاء ‪ ،‬وسيأتي تفصيله عند الكلم عن مقدار‬
‫الدّية ‪.‬‬
‫الثّاني ‪ :‬القتل شبه العمد ‪:‬‬
‫‪ - 15‬القتل شبه العمد هو القتل بما ل يقتل غالبا ‪ ،‬كما هو تعبير الشّافعيّة والحنابلة ‪ ،‬أو هو‬
‫القتل بما ل يفرّق الجزاء ‪ ،‬كما هو تعبير الحنفيّة ‪ .‬ول يقول به المالكيّة كما تقدّم ‪.‬‬
‫ول خلف بين الفقهاء ممّن يقولون بشبه العمد في أنّه موجب للدّية ‪.‬‬
‫والدّية في شبه العمد مغلّطة ‪ .‬ودليل وجوبها وتغليظها في القتل شبه العمد قوله صلى ال‬
‫ن قتيل الخطأ شبه العمد ما كان بالسّوط والعصا مائة من البل ‪،‬‬
‫عليه وسلم ‪ « :‬أل وإ ّ‬
‫أربعون في بطونها أولدها » ‪.‬‬
‫وتجب هذه الدّية على عاقلة الجاني عند جمهور القائلين بشبه العمد ‪ ،‬وبه قال الشّعبيّ‬
‫والنّخعيّ ‪ ،‬والحكم ‪ ،‬والثّوريّ ‪ ،‬وإسحاق ‪ ،‬وابن المنذر ‪ ،‬وذلك لشبهة عدم القصد لوقوع‬
‫القتل بما ل يقصد به القتل عاد ًة ‪ ،‬أو ل يقتل غالبا ‪.‬‬
‫ول يشترك فيها الجاني عند الشّافعيّة والحنابلة ‪ ،‬ويشترك فيها عند الحنفيّة كما في القتل‬
‫الخطأ ‪.‬‬
‫ودليل وجوبها على العاقلة ما روي عن أبي هريرة رضي ال عنه قال ‪ « :‬اقتتلت امرأتان‬
‫من هذيلٍ فرمت إحداهما الخرى بحجرٍ فقتلتها وما في بطنها ‪ ،‬فقضى رسول اللّه صلى ال‬
‫عليه وسلم بدية المرأة على عاقلتها » ‪.‬‬
‫وقال ابن سيرين والزّهريّ ‪ ،‬والحارث العكليّ وابن شبرمة وقتادة ‪ ،‬وأبو ثورٍ ‪ :‬إنّها تجب‬
‫على القاتل في ماله ‪ ،‬لنّها موجب فعلٍ قصده ‪ ،‬فلم تحمله العاقلة ‪ ،‬كالعمد المحض ‪.‬‬
‫وجوه تغليظ الدّية وتخفيفها في شبه العمد ‪:‬‬
‫ن القاتل قصد الفعل يشبه‬
‫‪ - 16‬إنّ القتل شبه العمد واسطة بين العمد والخطأ ‪ ،‬فمن جهة أ ّ‬
‫العمد ‪ ،‬ومن جهة أنّه لم يقصد القتل يشبه الخطأ ‪ ،‬ولهذا روعي في عقوبته التّغليظ والتّخفيف‬
‫معا ‪ ،‬فتغلّظ الدّية فيه من ناحية أسنان البل ‪ ،‬وتخفّف من ناحية وجوبها على العاقلة ‪ ،‬ومن‬
‫ناحية التّأجيل فتؤدّى من قبل العاقلة في ثلث سنين في آخر كلّ سن ٍة ثلثها ‪ .‬قال ابن قدامة ‪:‬‬
‫ل أعلم في أنّها تجب مؤجّلةً خلفا بين أهل العلم ‪ ،‬وروي ذلك عن عمر وعليّ وابن عبّاسٍ‬
‫رضي ال عنهم ‪.‬‬
‫ص في غير البل‬
‫ول تغلّظ الدّية في غير البل عند الفقهاء ‪ ،‬لنّها مقدّرة ‪ ،‬ولم يرد النّ ّ‬
‫فيقتصر على التّوقيف ‪.‬‬
‫واختلف الجمهور في أسنان البل الواجبة في دية القتل شبه العمد ‪:‬‬
‫فقال الشّافعيّة وهو رواية عند الحنابلة وقول مح ّمدٍ من الحنفيّة ‪ :‬إنّها مثلّثة ‪ ،‬ثلثون حقّةً ‪،‬‬
‫وثلثون جذعةً ‪ ،‬وأربعون خلف ًة في بطونها أولدها ‪.‬‬
‫وقال أبو حنيفة وأبو يوسف ‪ ،‬وهو المشهور عند الحنابلة ‪ :‬هي مائة من البل أرباعا ‪ :‬خمس‬
‫وعشرون بنت مخاضٍ ‪ ،‬وخمس وعشرون بنت لبونٍ ‪ ،‬وخمس وعشرون حقّةً ‪ ،‬وخمس‬
‫وعشرون جذعةً ‪.‬‬
‫وفي بيان مقدار ما تتحمّله العاقلة خلف وتفصيل ‪ ( :‬ر ‪ :‬عاقلة ) ‪.‬‬
‫الثّالث ‪ :‬القتل العمد ‪:‬‬
‫ن آ َمنُو ْا ُكتِبَ‬
‫‪ - 17‬الصل أنّ القتل العمد موجب للقصاص بدليل قوله تعالى ‪ { :‬يَا َأ ّيهَا اّلذِي َ‬
‫عََل ْي ُكمُ الْ ِقصَاصُ فِي الْ َقتْلَى ا ْلحُ ّر بِا ْلحُرّ وَا ْل َع ْبدُ بِا ْل َعبْدِ وَالُنثَى بِالُنثَى ‪ } . . .‬الية ‪.‬‬
‫فمن قتل شخصًا عمدًا عدوانًا يقتل قصاصًا باتّفاق الفقهاء ‪.‬‬
‫وذهب جمهور الفقهاء إلى أنّ الدّية ليست عقوبةً أصليّ ًة للقتل العمد ‪ ،‬وإنّما تجب بالصّلح "‬
‫برضا الجاني " ‪ ،‬كما هو رأي الحنفيّة والمالكيّة أو بدلً عن القصاص ‪ ،‬ولو بغير رضا‬
‫الجاني ‪ ،‬كما هو المعتمد عند الشّافعيّة ‪ .‬فإذا سقط القصاص لسببٍ ما وجبت الدّية عندهم ‪.‬‬
‫ن الدّية عقوبة أصليّة بجانب القصاص في القتل‬
‫وذهب الحنابلة وهو قول عند الشّافعيّة ‪ :‬إلى أ ّ‬
‫ي بينهما ولو‬
‫العمد ‪ .‬فالواجب عندهم في القتل العمد أحد شيئين ‪ :‬القود أو الدّية ‪ ،‬ويخيّر الول ّ‬
‫لم يرض الجاني ‪.‬‬
‫تغليظ الدّية في القتل العمد ‪:‬‬
‫‪ - 18‬الدّية في القتل العمد مغلّظة ‪ ،‬سواء أوجب فيه القصاص وسقط بالعفو ‪ ،‬أو لشبهةٍ أو‬
‫نحوهما ‪ ،‬أم لم يجب أصلً ‪ ،‬كقتل الوالد ولده ‪.‬‬
‫واختلفوا في كيفيّة تغليظ الدّية في القتل العمد ‪:‬‬
‫فقال المالكيّة والحنابلة ‪ :‬تجب أرباعا ‪ ،‬خمس وعشرون حقّةً ‪ ،‬وخمس وعشرون جذعةً ‪،‬‬
‫ن ‪ ،‬وتجب في مال الجاني حالّةً ‪،‬‬
‫وخمس وعشرون بنت مخاضٍ ‪ ،‬وخمس وعشرون بنت لبو ٍ‬
‫وذلك تغليظًا على القاتل ‪.‬‬
‫لكن المالكيّة قالوا ‪ :‬تثلّث الدّية في قتل الب ولده عمدا إذا لم يقتل به ‪.‬‬
‫ففي هذه الحالة يكون التّثليث بثلثين ح ّقةً ‪ ،‬وثلثين جذعةً ‪ ،‬وأربعين خلف ًة أي حاملً ‪.‬‬
‫وقال الشّافعيّة ‪ :‬دية العمد مثلّثة في مال الجاني حالّ ًة فهي مغلّظة من ثلثة أوجهٍ ‪ :‬كونها على‬
‫الجاني ‪ ،‬وحالّ ًة ‪ ،‬ومن جهة السّنّ ‪.‬‬
‫ول تؤجّل الدّية في القتل العمد عند جمهور الفقهاء ‪ ،‬لنّ الصل وجوب الدّية حاّلةً بسبب‬
‫القتل ‪ ،‬والتّأجيل في الخطأ ثبت معدولً به عن الصل ‪ ،‬لجماع الصّحابة رضي ال عنهم ‪،‬‬
‫أو معلولً بالتّخفيف على القاتل ‪ ،‬حتّى تحمل عنه العاقلة ‪ ،‬والعامد يستحقّ التّغليظ ‪ ،‬ولهذا‬
‫وجب في ماله ل على العاقلة ‪.‬‬
‫وقال الحنفيّة ‪ :‬التّغليظ في القتل العمد كالتّغليظ في شبه العمد من ناحية أسنان البل ‪ ،‬فتجب‬
‫أرباعا عند أبي حنيفة وأبي يوسف ‪ ،‬وأثلثا عند مح ّمدٍ ‪ ،‬كما تقدّم في شبه العمد ‪.‬‬
‫ل ارتكبه قصدا وقد قال‬
‫إلّ أنّها تجب في مال الجاني وحده ول تحملها العاقلة ‪ ،‬لنّها جزاء فع ٍ‬
‫خرَى } ‪ .‬وقال صلى ال عليه وسلم ‪ « :‬ول يجني جانٍ‬
‫ل َتزِرُ وَازِرَةٌ ِو ْزرَ ُأ ْ‬
‫اللّه تعالى ‪َ { :‬و َ‬
‫إلّ على نفسه » ‪.‬‬
‫وتجب الدّية في القتل العمد مؤجّل ًة أيضا في ثلث سنين عند الحنفيّة " خلفًا لجمهور الفقهاء"‬
‫ل ديةٍ وجبت بالنّصّ ‪ ،‬فدية القتل العمد مغلّظة من وجهين فقط ‪ :‬أحدهما‬
‫ن الجل وصف لك ّ‬
‫لّ‬
‫من ناحية السنان ‪ ،‬والثّاني أنّها تجب في مال الجاني ‪.‬‬
‫حالت وجوب الدّية في القتل العمد ‪:‬‬
‫أ ولً ‪ -‬العفو عن القصاص ‪:‬‬
‫ن آ َمنُو ْا ُكتِبَ‬
‫‪ - 19‬رغّب الشّارع في العفو عن القصاص فقال سبحانه وتعالى ‪ { :‬يَا َأ ّيهَا اّلذِي َ‬
‫ن َأخِي ِه شَيْ ٌء فَا ّتبَاعٌ بِا ْل َمعْرُوفِ وََأدَاء‬
‫ع ِفيَ لَ ُه مِ ْ‬
‫عََل ْي ُكمُ الْ ِقصَاصُ فِي الْ َقتْلَى } ثمّ قال ‪َ { :‬فمَنْ ُ‬
‫حمَ ٌة } ‪ ،‬وفي الحديث عن أبي هريرة رضي ال عنه أنّ‬
‫ن ذَِلكَ َتخْفِيفٌ مّن رّ ّب ُكمْ َورَ ْ‬
‫إَِليْ ِه ِبِإحْسَا ٍ‬
‫ل ‪ ،‬ول عفا رجل عن مظلمةٍ إلّ‬
‫النّبيّ صلى ال عليه وسلم قال ‪ « :‬ما نقصت صدقة من ما ٍ‬
‫زاده اللّه عزّا » ‪ .‬واتّفق الفقهاء على أنّه إن عفا عن القصاص مجّانا فهو أفضل‪ .‬وتجب‬
‫الدّية في العفو عن القصاص في الحالت التّالية ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬عفو جميع أولياء القتيل ‪:‬‬
‫‪ - 20‬إذا عفا جميع أولياء القتيل ولم يكن بينهم صغير ول مجنون يسقط القصاص عند جميع‬
‫ن موجب العمد هو‬
‫الفقهاء ‪ ،‬وتسقط الدّية أيضا عند الحنفيّة وهو الرّاجح عند المالكيّة ‪ ،‬ل ّ‬
‫القصاص ‪ ،‬وهو الواجب عينا أي متعيّنا عندهم ‪ ،‬فليس للولياء أن يجبروا الجاني على دفع‬
‫الدّية ‪ ،‬وإنّما لهم أن يعفوا مجّانا أو يقتصّوا منه ‪ ،‬فإذا سقط القصاص بالعفو فل بديل له من‬
‫الدّية ‪ ،‬إلّ عن طريق التّراضي والصّلح بين الولياء والجاني ‪ ،‬وإذا حصل الصّلح بينهم جاز‬
‫العفو على الدّية أو أكثر أو أقلّ منها برضا الجاني ‪ ،‬لنّ بدل الصّلح غير مق ّدرٍ ‪ .‬وقال‬
‫الشّافعيّة والحنابلة ‪ :‬للولياء أن يعفوا عن القود على الدّية بغير رضا الجاني ‪ .‬والمذهب عند‬
‫الشّافعيّة أنّه لو أطلق العفو ولم يتعرّض للدّية بنفيٍ أو إثباتٍ فل تجب الدّية بنا ًء على القول‬
‫ن القتل لم يوجب الدّية على هذا القول ‪،‬‬
‫ن موجب العمد القود ‪ ،‬ل ّ‬
‫الرّاجح عندهم ‪ ،‬وهو أ ّ‬
‫ت ‪ ،‬ل إثبات معدومٍ ‪.‬‬
‫والعفو إسقاط شيءٍ ثاب ٍ‬
‫ن الواجب أحدهما ‪ ،‬فإذا ترك أحدهما وهو القود‬
‫ل آخر عندهم ‪ :‬تجب الدّية ‪ ،‬ل ّ‬
‫وعلى قو ٍ‬
‫وجب الخر أي الدّية ‪.‬‬
‫وقال الحنابلة ‪ :‬يخيّر الولياء بين القود وأخذ الدّية ‪ ،‬لقوله صلى ال عليه وسلم ‪ « :‬من قتل‬
‫له قتيل فهو بخير النّظرين ‪ ،‬إمّا أن يودى وإمّا أن يقاد » ‪.‬‬
‫ن الدّية دون القصاص فللوليّ أن ينتقل إليها ولو سخط الجاني ‪ ،‬لنّها أقلّ من حقّه ‪.‬‬
‫وحيث إ ّ‬
‫وإن عفا مطلقا بأن لم يقيّده بقودٍ ول ديةٍ ‪ ،‬أو قال ‪ :‬عفوت عن القود ‪ ،‬فله الدّية ‪ ،‬لنصراف‬
‫العفو إلى القود في مقابلة النتقام ‪ ،‬والنتقام إنّما يكون بالقتل ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬عفو بعض الولياء ‪:‬‬
‫‪ - 21‬إذا عفا بعض الولياء عن القود دون البعض سقط القصاص عن القاتل ‪ ،‬لنّه سقط‬
‫نصيب العافي بالعفو ‪ ،‬فيسقط نصيب الخر في القود ضرور ًة ‪ ،‬لنّه ل يتجزّأ فل يتصوّر‬
‫ض‪.‬‬
‫استيفاء بعضه دون بع ٍ‬
‫وفي هذه الحالة يبقى للخرين نصيبهم من الدّية ‪ ،‬وذلك باتّفاق الفقهاء لجماع الصّحابة‬
‫رضي ال عنهم ‪ ،‬فإنّه روي عن عمر وعبد اللّه بن مسعودٍ وابن عبّاسٍ رضي ال عنهم أنّهم‬
‫أوجبوا في عفو بعض الولياء للّذين لم يعفوا نصيبهم من الدّية ‪ ،‬وذلك بمحضرٍ من الصّحابة‬
‫رضي ال عنهم ‪ ،‬ولم ينقل أنّه أنكر أحد عليهم ‪ ،‬فيكون إجماعا ‪.‬‬
‫ويستوي في هذه الحالة عفو أحد الولياء مجّانا أو إلى الدّية ‪.‬‬
‫ح العفو عن القصاص من قبل الصّغير والمجنون ‪ ،‬وإن كان الحقّ ثابتا لهما ‪ ،‬وهذا‬
‫ول يص ّ‬
‫باتّفاق الفقهاء ‪ ،‬لنّه من التّصرّفات المضرّة المحضة ‪ ،‬فل يملكانه كالطّلق والعتاق ونحوهما‬
‫‪.‬‬
‫ثانيا ‪ -‬موت الجاني " فوات محلّ القصاص ‪:‬‬
‫ن القاتل إذا مات أو قتل سقط القصاص بفوات محلّه ول‬
‫‪ - 22‬صرّح الحنفيّة والمالكيّة بأ ّ‬
‫ن القصاص في العمد هو الواجب عينًا ‪ ،‬لقوله تعالى ‪ { :‬يَا َأ ّيهَا اّلذِينَ آ َمنُواْ‬
‫تجب الدّية ‪ ،‬ل ّ‬
‫ُكتِبَ عََل ْيكُمُ ا ْل ِقصَاصُ فِي الْ َقتْلَى } ‪ .‬الية ‪ ،‬حتّى ل يملك الوليّ أن يأخذ الدّية من القاتل بغير‬
‫رضاه ‪.‬‬
‫ن الواجب بقتل العمد أحد‬
‫وقال الحنابلة ‪ :‬إن مات القاتل أو قتل وجبت الدّية في تركته ‪ ،‬ل ّ‬
‫شيئين ‪ :‬القود أو الدّية ‪ ،‬ويخيّر الوليّ بينهما ‪ ،‬ولو لم يرض الجاني ‪.‬‬
‫فإذا تعذّر استيفاء القصاص بموت الجاني بقي حقّه في استيفاء الدّية ‪.‬‬
‫ن موجب القتل العمد القود عينا ‪ ،‬وهذا‬
‫وللشّافعيّة في المسألة قولن ‪ :‬الوّل وهو المعتمد ‪ :‬أ ّ‬
‫متّفق مع قول الحنفيّة والمالكيّة ‪ ،‬إلّ أنّهم قالوا ‪ :‬إنّ الدّية بدل عند سقوط القصاص بعف ٍو أو‬
‫غيره كموت الجاني ‪ ،‬فتجب الدّية بغير رضا الجاني ‪.‬‬
‫ل آخر ‪ :‬موجب العمد أحد شيئين " القود أو الدّية " مبهما ل بعينه ‪ ،‬وعلى كل القولين‬
‫وفي قو ٍ‬
‫تجب الدّية عند سقوط القصاص بموت الجاني عند الشّافعيّة ‪.‬‬
‫ثالثا ‪ -‬الدّية في أحوال سقوط القصاص ‪:‬‬
‫‪ - 23‬إذا وجد ما يمنع القصاص ‪ ،‬فتجب الدّية بدلً عنه ‪ ،‬وقد ذكر الفقهاء لوجوب الدّية حال‬
‫سقوط القصاص بسبب الشّبهة أمثلة ‪ ،‬منها ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬قتل الوالد ولده ‪:‬‬
‫‪ - 24‬ذهب جمهور الفقهاء إلى أنّه إذا قتل الوالد ولده فل قصاص ‪ ،‬لحديث ‪ « :‬ل يقاد الب‬
‫من ابنه " وإنّما سقط القصاص عن الوالد لشبهة الجزئيّة وتجب عليه الدّية في ماله ‪ .‬وفي‬
‫حكم الوالد الجدّ والوالدة عند جمهور الفقهاء ‪ .‬وفي روايةٍ عند الحنابلة تقتل المّ بقتل ولدها ‪.‬‬
‫وهذا بخلف قتل الولد للوالد فيجب القصاص عند الجميع ‪ .‬وعلّل الفقهاء ذلك بأنّ القصاص‬
‫شرع لتحقيق حكمة الحياة بالزّجر والرّدع ‪ ،‬والحاجة إلى الزّجر في جانب الولد ل في جانب‬
‫ن الوالد كان سببا في حياة الولد فل يكون الولد سببا في موته ‪.‬‬
‫الوالد ‪ ،‬ول ّ‬
‫وقال المالكيّة ‪ :‬إذا قتل الرّجل ابنه متعمّدا ‪ ،‬واعترف بقصد قتله ‪ ،‬أو فعل به فعلً من شأنه‬
‫القتل مثل أن يذبحه أو يشقّ بطنه ‪ ،‬ول شبهة له في ادّعاء الخطأ يقتل به قصاصا ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬الشتراك مع من ل قصاص عليه ‪:‬‬
‫‪ - 25‬لو اشترك اثنان في قتل رجلٍ أحدهما عليه القصاص لو انفرد ‪ ،‬والخر ل يجب عليه‬
‫لو انفرد ‪ ،‬كالصّبيّ مع البالغ ‪ ،‬والمجنون مع العاقل ‪ ،‬والخاطئ مع العامد فإنّه ل قصاص‬
‫ي واحدٍ منهما ‪ ،‬وهذا مذهب الحنفيّة والشّافعيّة والحنابلة ‪ ،‬وهو مذهب المالكيّة في‬
‫على أ ّ‬
‫شريك المخطئ والمجنون ‪.‬‬
‫فتجب على المتعمّد نصف الدّية في ماله ونصفها على عاقلة المخطئ والمجنون ‪.‬‬
‫واستدلّوا لسقوط القصاص في هذه الحالت ‪ -‬كما قال الكاسانيّ ‪ -‬بتمكّن الشّبهة في فعل كلّ‬
‫واحدٍ منهما ‪ ،‬لنّه يحتمل أن يكون فعل من ل يجب عليه القصاص لو انفرد مستقلّا في‬
‫القتل ‪ ،‬فيكون فعل الخر فضلً ‪.‬‬
‫وفي شريك الصّبيّ قال المالكيّة ‪ :‬عليه القصاص إن تمال على قتله عمدا ‪ ،‬وعلى عاقلة‬
‫الصّبيّ نصف الدّية ‪ ،‬لنّ عمده كخطئه ‪ .‬وإن لم يتمال على قتله وتعمّدا قتله ‪ ،‬أو تعمّد‬
‫الكبير فعليه نصف الدّية في ماله ‪ ،‬وعلى عاقلة الصّبيّ نصفها ‪.‬‬
‫ي مع الب في قتل ولده فالجمهور ‪ " :‬المالكيّة والشّافعيّة وهو الرّاجح عند‬
‫أمّا إذا اشترك أجنب ّ‬
‫الحنابلة " على أنّه يقتل شريك الب ‪ ،‬وعلى الب نصف الدّية مغلّط ًة عند من يقول بعدم‬
‫القصاص عليه ‪.‬‬
‫وقال الحنفيّة ‪ ،‬وهو رواية عند الحنابلة ‪ :‬ل قصاص على واح ٍد منهما ‪ ،‬لتمكّن الشّبهة في‬
‫فعل كلّ واح ٍد منهما ‪ ،‬كشريك الخاطئ والصّبيّ والمجنون ‪ ،‬وعلى ذلك فعلى كلّ واح ٍد منهما‬
‫نصف الدّية ‪ .‬وتفصيله في ‪ ( :‬قصاص ) ‪.‬‬
‫ج ‪ -‬إرث الولد حقّ القتصاص من أصله ‪:‬‬
‫‪ - 26‬إذا ورث الولد القصاص من أحد البوين على الخر يسقط القصاص وتجب الدّية‬
‫وذلك لشبهة الوراثة ‪ .‬فلو قتل أحد البوين صاحبه ولهما ولد لم يجب القصاص ‪ ،‬لنّه لو‬
‫وجب لوجب لولده ‪ ،‬ول يجب للولد قصاص على والده ‪ .‬لنّه إذا لم يجب بالجناية عليه فلن‬
‫ل يجب له بالجناية على غيره أولى ‪ .‬وسواء أكان الولد ذكرا أم أنثى ‪ .‬أو كان للمقتول ولد‬
‫سواه أو من يشاركه في الميراث أم لم يكن ‪ ،‬لنّه لو ثبت القصاص لوجب له جزء منه ول‬
‫يمكن وجوبه ‪ .‬وإذا لم يثبت بعضه سقط كلّه ‪ ،‬لنّ القصاص ل يتبعّض ‪ ،‬وصار كما لو عفا‬
‫بعض مستحقّي القصاص عن نصيبه منه ‪ ،‬وهذا عند من يقول بعدم وجوب القصاص على‬
‫الوالد بسبب قتل ولده ‪ ،‬وهم الجمهور ‪.‬‬
‫وكذا لو قتل رجل أخاه أو أحدا يرث ابنه حقّ القصاص أو شيئا منه ‪.‬‬
‫وهناك أنواع أخرى تمنع القصاص ‪.‬‬
‫ينظر تفصيلها في مصطلحات ‪ ( :‬قصاص ‪ ،‬قتل ‪ ،‬شبهة ) ‪.‬‬
‫رابعا ‪ -‬القتل بالتّسبّب ‪:‬‬
‫‪ - 27‬ذهب الحنفيّة إلى عدم وجوب القصاص في القتل بالسّبب مطلقا ‪ ،‬بل تجب الدّية ‪،‬‬
‫لنّهم اشترطوا في القصاص أن يكون القتل مباشرةً ‪ ،‬ول يشترط ذلك عند سائر الفقهاء‬
‫فيقتصّ من القاتل في بعض حالت التّسبّب عندهم ‪.‬‬
‫وهذا في الجملة ‪ ،‬وإن اختلفوا في بعض الحالت ‪ ،‬ولم يقولوا بالقصاص في حالتٍ أخرى‬
‫بل قالوا بوجوب الدّية ‪ .‬وتفصيله في مصطلح ‪ ( :‬قتل بالتّسبّب ) ‪.‬‬
‫ما تجب منه الدّية ‪ " :‬أصول الدّية " ‪:‬‬
‫‪ - 28‬اتّفق الفقهاء على أنّ البل أصل في الدّية ‪ ،‬فتقبل إذا أدّيت منها عند جميع الفقهاء ‪.‬‬
‫واختلفوا فيما سوى البل ‪ :‬فذهب المالكيّة وأبو حنيفة إلى أنّ أصول الدّية أي ما تقضى منه‬
‫الدّية من الموال ثلثة أجناسٍ ‪ :‬البل والذّهب والفضّة ‪ ،‬لقول النّبيّ صلى ال عليه وسلم ‪:‬‬
‫ن في النّفس مائ ًة من البل » ‪ ،‬وقوله عليه الصلة والسلم ‪ « :‬على أهل الذّهب ألف‬
‫«إّ‬
‫دينارٍ وعلى أهل الورق اثنا عشر ألف درهمٍ » ‪.‬‬
‫فالدّية على أهل البل مائة من البل ‪ ،‬وعلى أهل الذّهب ألف دينارٍ من الذّهب وعلى أهل‬
‫الورق " الفضّة " اثنا عشر ألف درهمٍ ‪ ،‬عند المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة ‪ :‬لقوله صلى ال‬
‫عليه وسلم ‪ « :‬على أهل الذّهب ألف دينارٍ وعلى أهل الورق اثنا عشر ألف درهمٍ » ولما‬
‫ل قتل فجعل رسول اللّه صلى ال عليه وسلم ديته‬
‫ن رج ً‬
‫س رضي ال عنهما « أ ّ‬
‫روى ابن عبّا ٍ‬
‫اثني عشر ألفا » ‪.‬‬
‫قال النّفراويّ المالكيّ ‪ :‬صرف دينار الدّية اثنا عشر درهما ‪ ،‬كدينار السّرقة والنّكاح ‪،‬‬
‫بخلف دينار الجزية والزّكاة فصرفه عشرة دراهم ‪ ،‬وأمّا دينار الصّرف فل ينضبط ‪.‬‬
‫وقال الحنفيّة ‪ :‬الدّية من الورق عشرة آلف درهمٍ ‪ ،‬لقول عمر رضي ال عنه ‪ " :‬الدّية‬
‫عشرة آلف درهمٍ " ‪ ،‬وكان ذلك بمحضرٍ من الصّحابة رضي ال عنهم ولم ينقل أنّه أنكر‬
‫ن المقادير ل تعرف إلّ سماعا فالظّاهر أنّه سمعه من رسول‬
‫عليه أحد ‪ ،‬فيكون إجماعا مع أ ّ‬
‫ي صلى ال عليه‬
‫ن النّب ّ‬
‫اللّه صلى ال عليه وسلم ‪ ،‬ولما روى ابن عمر رضي ال عنهما « أ ّ‬
‫وسلم قضى بالدّية في قتيلٍ بعشرة آلف درهمٍ » ولنّ الدّينار مقوّم في الشّرع بعشرة دراهم‪،‬‬
‫كما في الزّكاة ‪ ،‬فإنّ نصاب الفضّة في الزّكاة مقدّر بمائتي درهمٍ ‪ ،‬ونصاب الذّهب فيها‬
‫بعشرين دينارا ‪.‬‬
‫قال الزّيلعيّ ‪ :‬يحمل ما رواه الشّافعيّ ومن معه على وزن خمس ٍة ‪ ،‬وما رويناه على وزن‬
‫ستّةٍ ‪ ،‬وهكذا كانت دراهمهم في زمان رسول اللّه صلى ال عليه وسلم إلى زمان عمر رضي‬
‫ن الختلف في مقدار الدّية يرجع إلى سعر صرف الدّينار ‪.‬‬
‫ال عنه فاستويا ‪ .‬وبهذا ظهر أ ّ‬
‫والمذهب عند الحنابلة ‪ ،‬وهو قول الصّاحبين من الحنفيّة أنّ أصول الدّية خمسة ‪ :‬البل‬
‫والذّهب والورق والبقر والغنم ‪ ،‬وهذا قول عمر وعطاءٍ وطاوسٍ وفقهاء المدينة السّبعة ‪،‬‬
‫وابن أبي ليلى ‪ .‬وزاد عليها أبو يوسف ومحمّد من الحنفيّة ‪ -‬وهو رواية عن أحمد ‪ -‬الحلل‪،‬‬
‫فتكون أصول الدّية ستّة أجناسٍ ‪.‬‬
‫ن عمر قام خطيبا فقال ‪ :‬أل إنّ‬
‫واستدلّوا بما روى عمرو بن شعيبٍ عن أبيه عن جدّه ‪ ،‬أ ّ‬
‫البل قد غلت ‪ ..‬ففرضها على أهل الذّهب ألف دينارٍ وعلى أهل الورق اثني عشر ألفًا وعلى‬
‫أهل البقر مائني بقرةٍ ‪ ،‬وعلى أهل الشّاء ألفي شاةٍ ‪ ،‬وعلى أهل الحلل مائتي حلّ ٍة ‪.‬‬
‫وعلى ذلك فأيّ شي ٍء أحضره من عليه الدّية من الجاني أو العاقلة من هذه الصول لزم الوليّ‬
‫أو المجنيّ عليه أخذه ‪ ،‬ولم يكن له المطالبة بغيره ‪ ،‬سواء أكان من أهل ذلك النّوع أم لم‬
‫يكن‪ ،‬لنّها أصول في قضاء الواجب يجزئ واحد منها‪ ،‬فكانت الخيرة إلى من وجبت عليه‪.‬‬
‫وقال الشّافعيّ ‪ :‬وهو رواية عن أحمد وظاهر كلم الخرقيّ من الحنابلة ‪ ،‬وقول طاوسٍ وابن‬
‫ن قتيل الخطأ شبه العمد ما كان‬
‫المنذر ‪ :‬إنّ الصل في الدّية البل ل غير ‪ ،‬لقوله ‪ « :‬أل إ ّ‬
‫بالسّوط والعصا مائة من البل » ‪.‬‬
‫ن النّبيّ صلى ال عليه وسلم فرّق بين دية العمد والخطأ فغلّظ بعضها وخفّف بعضها ‪،‬‬
‫ول ّ‬
‫ول يتحقّق هذا في غير البل ‪ ،‬ولنّه بدل متلفٍ " وجب " حقّا لدميّ ‪ ،‬فكان متعيّنا كعوض‬
‫الموال ‪.‬‬
‫وعلى ذلك فمن تجب عليه الدّية وله إبل تؤخذ الدّية منها سليمةً من العيوب ‪ ،‬وأيّهما أراد‬
‫المعدول عنها إلى غيرها فللخر منعه ‪ ،‬ول يعدل إلى نوعٍ آخر أو قيمته إلّ بتراضٍ من‬
‫ن الحقّ متعيّن في البل فاستحقّت كالمثل في المثليّات المتلفة ‪.‬‬
‫المودي والمستحقّ ‪ ،‬ل ّ‬
‫ولو عدمت إبل الدّية حسّا بأن لم توجد في موضعٍ يجب تحصيلها منه ‪ ،‬أو شرعا بأن وجدت‬
‫فيه بأكثر من ثمن مثلها ‪ ،‬فالواجب ألف دينارٍ على أهل الدّنانير أو اثنا عشر ألف درهمٍ فضّةً‬
‫على أهل الدّراهم ‪ ،‬وهذا قول الشّافعيّ في القديم لحديث ‪ « :‬على أهل الذّهب ألف دينارٍ‬
‫وعلى أهل الورق اثنا عشر ألف درهمٍ » وفي القول الجديد للشّافعيّ تجب قيمتها وقت وجوب‬
‫تسليمها بنقد بلده الغالب بالغ ًة ما بلغت ‪ ،‬لنّه بدل متلفٍ ‪ ،‬فيرجع إلى قيمتها عند إعواز‬
‫الصل ‪.‬‬
‫ل إقليمٍ من أهل البل فإن لم يوجد عندهم إلّ الخيل والبقر‬
‫وقال المالكيّة ‪ :‬أهل البوادي من ك ّ‬
‫فل نصّ ‪ ،‬والظّاهر تكليفهم بما يجب على حاضرتهم من ذهبٍ أو فضّةٍ ‪ ،‬وقيل ‪ :‬يكلّفون قيمة‬
‫البل ‪.‬‬
‫مقدار الدّية ‪:‬‬
‫أوّلً ‪ :‬مقدار الدّية في النّفس ‪:‬‬
‫دية الذّكر الحرّ ‪:‬‬
‫ن دية الذّكر الحرّ المسلم هي مائة من البل أو ما يقوم‬
‫‪ - 29‬ل خلف بين الفقهاء في أ ّ‬
‫مقامها على ما سبق تفصيله ‪.‬‬
‫كما أنّه ل خلف في مقدار الدّية من البقر والغنم والحلل عند من يقول بها ‪.‬‬
‫دية النثى ‪:‬‬
‫ن دية النثى الحرّة المسلمة هي نصف دية الذّكر الح ّر المسلم ‪ ،‬هكذا‬
‫‪ - 30‬ذهب الفقهاء إلى أ ّ‬
‫ت رضي ال‬
‫ي وابن مسعودٍ وزيد بن ثاب ٍ‬
‫روي عن النّبيّ صلى ال عليه وسلم وعن عمر وعل ّ‬
‫ن دية المرأة نصف دية‬
‫عنهم ‪ .‬قال ابن المنذر وابن عبد البرّ ‪ :‬أجمع أهل العلم على أ ّ‬
‫الرّجل ‪ ،‬لما روى معاذ عن النّبيّ صلى ال عليه وسلم قال ‪ « :‬دية المرأة على النّصف من‬
‫دية الرّجل » ‪ .‬ولنّها في الشّهادة والميراث على النّصف من الرّجل فكذلك في الدّية ‪ .‬وهذا‬
‫في دية النّفس ‪ ،‬أمّا في دية الطراف والجروح فاختلفوا ‪:‬‬
‫فقال الحنفيّة والشّافعيّة إنّها على النّصف من دية أطراف وجراح الرّجل أيضا ‪ ،‬لما روي عن‬
‫عليّ رضي ال عنه قال ‪ :‬عقل المرأة على النّصف من الرّجل في النّفس وفيما دونها ‪.‬‬
‫وروي ذلك عن ابن سيرين ‪ ،‬وبه قال الثّوريّ واللّيث وابن أبي ليلى وابن شبرمة وأبو ثورٍ ‪،‬‬
‫واختاره ابن المنذر ‪ :‬لنّهما شخصان تختلف ديتهما في النّفس فاختلفت في الطراف ‪.‬‬
‫وقال المالكيّة والحنابلة ‪ :‬تساوي المرأة الرّجل في دية الطراف إلى ثلث دية الرّجل ‪ .‬فإذا‬
‫بلغت الثّلث رجعت إلى عقلها ‪ ،‬فإذا قطع لها ثلث أصابع فلها ثلثون من البل كالرّجل ‪،‬‬
‫وإذا قطع لها أربع أصابع فإنّها تأخذ نصف ما يأخذه الرّجل ‪ :‬أي تأخذ عشرين من البل ‪،‬‬
‫ت رضي ال عنهم ‪ ،‬وبه قال سعيد بن المسيّب‬
‫وروي ذلك عن عمر وابن عمر وزيد بن ثاب ٍ‬
‫وعمر بن عبد العزيز ‪ ،‬وعروة والزّهريّ ‪ ،‬وهو قول فقهاء المدينة السّبعة ‪ ،‬وذلك لما روى‬
‫عمرو بن شعيبٍ عن أبيه عن جدّه قال ‪ :‬قال رسول اللّه صلى ال عليه وسلم ‪ « :‬عقل المرأة‬
‫ص يقدّم على ما سواه ‪.‬‬
‫مثل عقل الرّجل حتّى يبلغ الثّلث من ديتها » ‪ .‬وهو ن ّ‬
‫دية الخنثى ‪:‬‬
‫‪ - 31‬إذا كان المقتول خنثى مشكلً ففيه نصف دية ذك ٍر ونصف دية أنثى عند المالكيّة‬
‫والحنابلة ‪ ،‬لنّه يحتمل الذّكوريّة والنوثيّة ‪ ،‬وقد يئسنا من انكشاف حاله فيجب التّوسّط بينهما‬
‫بكل الحتمالين ‪.‬‬
‫وقال الحنفيّة ‪ :‬إذا قتل خطأً وجبت دية المرأة ويوقف الباقي إلى التّبيّن ‪.‬‬
‫ن زيادته عليها‬
‫وقال الشّافعيّة ‪ :‬الخنثى كالنثى في الدّية فيجب في قتلها نصف الدّية ‪ ،‬ل ّ‬
‫مشكوك فيها ‪.‬‬
‫دية الكافر ‪:‬‬
‫‪ - 32‬اتّفق الفقهاء على أنّه ل دية للحربيّ ‪ ،‬لنّه ل عصمة له ‪.‬‬
‫أمّا ال ّذ ّميّ والمستأمن فقد اختلفوا في مقدار الدّية فيهما ‪ :‬فذهب المالكيّة والحنابلة ‪ ،‬وهو‬
‫ن دية الكتابيّ ال ّذ ّميّ والمعاهد نصف‬
‫مذهب عمر بن عبد العزيز وعروة وعمرو بن شعيبٍ أ ّ‬
‫دية الحرّ المسلم ‪ ،‬لما روى عمرو بن شعيبٍ عن أبيه عن جدّه عن النّبيّ صلى ال عليه وسلم‬
‫قال ‪ « :‬دية المعاهد نصف دية الحرّ » ‪ ،‬وفي لفظٍ ‪ « :‬دية عقل الكافر نصف دية عقل‬
‫المؤمن » ‪ .‬وورد من حديث عبد اللّه بن عمر ‪ « :‬دية المعاهد نصف دية المسلم » ‪.‬‬
‫ي ثمانمائة درهمٍ عند المالكيّة والحنابلة ‪،‬‬
‫وأهل الكتاب هم اليهود والنّصارى ‪ ،‬ودية المجوس ّ‬
‫وبه قال عمر وعثمان وابن مسعودٍ رضي ال عنهم ‪ ،‬وكذلك المرتدّ عند المالكيّة ‪.‬‬
‫وهذا في دية النّفس ‪.‬‬
‫قال المالكيّة ‪ :‬ودية جراح أهل الكتاب كذلك على النّصف من دية جراح المسلمين ‪.‬‬
‫وقال الحنابلة ‪ :‬جراحات أهل الكتاب من دياتهم كجراح المسلمين من دياتهم ‪ .‬وتغلّظ دياتهم‬
‫باجتماع الحرمات عند من يرى تغليظ ديات المسلمين ‪.‬‬
‫ن ال ّذ ّميّ ‪ -‬كتابيّا كان أو غيره ‪ -‬والمستأمن والمسلم في الدّية سواء‬
‫والصّحيح عند الحنفيّة أ ّ‬
‫وهذا قول إبراهيم النّخعيّ والشّعبيّ ‪ ،‬وروي ذلك عن عمر وعثمان وابن مسعودٍ ومعاوية‬
‫رضي ال عنهم ‪.‬‬
‫فل يختلف قدر الدّية بالسلم والكفر عند الحنفيّة لتكافؤ الدّماء ‪ ،‬وذلك لقوله تعالى ‪ { :‬وَإِن‬
‫كَانَ مِن قَ ْومٍ َب ْي َن ُكمْ َو َب ْينَ ُهمْ مّيثَاقٌ فَ ِديَ ٌة ّمسَّلمَةٌ إِلَى أَهِْلهِ } ‪ .‬أطلق سبحانه وتعالى القول بالدّية‬
‫ل واحد ‪.‬‬
‫في جميع أنواع القتل من غير فصلٍ ‪ ،‬فدلّ على أنّ الواجب في الك ّ‬
‫وروي « أنّ عمرو بن أميّة الضّمريّ قتل مستأمنين فقضى رسول اللّه صلى ال عليه وسلم‬
‫فيهما بدية حرّين مسلمين » ‪.‬‬
‫ن أبا بكرٍ وعمر رضي ال عنهما قضيا في دية ال ّذمّيّ بمثل دية المسلم ‪،‬‬
‫وروى الزّهريّ أ ّ‬
‫ولنّ وجوب كمال الدّية يعتمد على كمال حال القتل فيما يرجع إلى أحكام الدّنيا وهي الذّكورة‬
‫والح ّريّة والعصمة وقد وجدت ‪ ،‬ونقل عن بعض الحنفيّة أنّه ل دية في المستأمن ‪.‬‬
‫ل مناكحته ثلث دية‬
‫وقال الشّافعيّة ‪ :‬دية كلّ من اليهوديّ أو النّصرانيّ إذا كان له أمان وتح ّ‬
‫المسلم نفسا وغيرها ‪ ،‬ودية الوثنيّ والمجوسيّ إذا كان لهما أمان ثلثا عشر دية المسلم ‪ ،‬ومثل‬
‫المجوسيّ عابد الشّمس والقمر والزّنديق ممّن له أمان ‪ ،‬وذلك لما روى سعيد بن المسيّب أنّ‬
‫عمر رضي ال عنه جعل دية اليهوديّ والنّصرانيّ أربعة آلف درهمٍ ودية المجوسيّ ثمانمائة‬
‫درهمٍ ‪ ،‬وهذا التّقدير ل يفعل بل توقيفٍ ‪ ،‬فأمّا غير المعصوم فدمه هدر ‪ .‬وهذا كلّه في‬
‫الذّكور ‪ ،‬أمّا الناث من الكفّار اللّواتي لهم أمان فديتهنّ نصف دية الذّكور منهم اتّفاقا ‪ .‬قال‬
‫ن دية المرأة‬
‫ابن قدامة ‪ :‬ل نعلم في هذا خلفا ‪ ،‬ونقل ابن المنذر إجماع أهل العلم على أ ّ‬
‫نصف دية الرّجل ‪.‬‬
‫دية الجنين ‪:‬‬
‫‪ - 33‬اتّفق الفقهاء على أنّ الواجب في الجناية الّتي ترتّب عليها انفصال الجنين عن أمّه ميّتا‬
‫هو غرّة ‪ ،‬سواء أكانت الجناية بالضّرب أم بالتّخويف أم الصّياح أم غير ذلك ‪ ،‬وسواء أكانت‬
‫الجناية عمدا أم خطأً ‪ ،‬ولو من الحامل نفسها أو من زوجها ‪ .‬لما ثبت عن النّبيّ صلى ال‬
‫ن امرأتين من هذيلٍ رمت إحداهما‬
‫عليه وسلم من حديث أبي هريرة رضي ال عنه ‪ « :‬أ ّ‬
‫الخرى فطرحت جنينها ‪ ،‬فقضى فيها رسول اللّه صلى ال عليه وسلم بغرّة عبدٍ أو وليد ٍة »‪.‬‬
‫والغرّة نصف عشر الدّية الكاملة ‪ ،‬وهي خمس من البل أو خمسون دينارا ‪ ،‬ول تختلف‬
‫الغرّة بذكورة الجنين وأنوثته ‪ ،‬فهي في كليهما سواء ( ر ‪ :‬غرّة ) ‪.‬‬
‫ن أمان إذا كان محكوما بكفره ففيه عشر دية أمّه ‪ ،‬لنّ‬
‫وأمّا جنين الكتابيّة والمجوسيّة ممّن له ّ‬
‫جنين الحرّة المسلمة مضمون بعشر دية أمّه فكذلك جنين الكافرة ‪.‬‬
‫وهذا إذا ألقته نتيجةً للجناية ميّتا في حياتها ‪.‬‬
‫أمّا إذا ألقته حيّا حياةً مستقرّةً ثمّ مات نتيجةً للجناية ‪ :‬كأن مات بعد خروجه مباشر ًة أو دام‬
‫ن حيّ ‪.‬‬
‫ألمه ثمّ مات ففيه دية كاملة اتّفاقا ‪ ،‬لنّه قتل إنسا ٍ‬
‫وإذا ألقته نتيجةً ‪ ،‬للجناية عليها م ّيتًا بعد موتها فاختلفوا فيه ‪:‬‬
‫فقال الحنفيّة والمالكيّة ‪ :‬في المّ الدّية ‪ ،‬ول شيء في الجنين ‪ ،‬لنّ موتها سبب لموته ‪ ،‬لنّه‬
‫شكّ ‪ .‬وقال‬
‫يختنق بموتها ‪ ،‬فإنّه إنّما يتنفّس بنفسها ‪ ،‬واحتمل موته بالضّربة فل تجب الغرّة بال ّ‬
‫الشّافعيّة والحنابلة ‪ :‬تجب فيه غرّة أيضا ‪ ،‬لنّه جنين تلف بحنايةٍ ‪ ،‬وعلم ذلك بخروجه فوجب‬
‫ضمانه ‪ ،‬كما لو سقط في حياتها ‪ ،‬ولنّه آدميّ موروث فل يدخل في ضمان أمّه كما لو خرج‬
‫حيّا ‪ .‬وإن ألقت جنينين ميّتين أو أكثر ففي كلّ واحدةٍ غرّة باتّفاق الفقهاء ‪ ،‬لنّه ضمان آدميّ‬
‫فتتعدّد الغرّة بتعدّده كالدّيات ‪.‬‬
‫ل واح ٍد دية كاملة ‪ ،‬وإن كان بعضهم حيّا فمات ‪ ،‬وبعضهم‬
‫وإن ألقتهم أحياء ثمّ ماتوا ففي ك ّ‬
‫م ّيتًا ‪ ،‬ففي الحيّ دية كاملة ‪ ،‬وفي الميّت غرّة ‪.‬‬
‫وإن ظهر بعض خلقه من بطن أمّه ميّتا ولم يخرج باقيه ففيه غرّة أيضا عند الحنابلة وهو‬
‫الصحّ عند الشّافعيّة ‪.‬‬
‫ح عند الشّافعيّة ‪ :‬ل تجب الغرّة حتّى تلقيه كاملً ‪.‬‬
‫وقال مالك ‪ ،‬وهو مقابل الص ّ‬
‫ن العلم قد حصل بوجود‬
‫قال الشّافعيّة ‪ :‬ولو ألقت يدا أو رجلً وماتت فتجب غرّة ‪ ،‬ل ّ‬
‫الجنين ‪ ،‬والغالب على الظّنّ أنّ اليد بانت بالجناية ‪ ،‬ولو عاشت ولم تلق جنينا فل يجب إلّ‬
‫ل نصف دي ٍة ول يضمن باقيه ‪ ،‬لنّا لم نتحقّق تلفه‬
‫ن يد الحيّ ل يجب فيها إ ّ‬
‫نصف غ ّرةٍ‪ ،‬كما أ ّ‬
‫‪.‬‬
‫وظاهره أنّه يجب للعضو الزّائد حكومة ‪ ،‬ولو ألقت يدا ثمّ جنينا ميّتا بل يدٍ قبل الندمال وزال‬
‫ن اليد مبانة منه بالجناية ‪ ،‬أو حيّا فمات من الجناية فدية‬
‫اللم من المّ فغرّة ‪ ،‬لنّ الظّاهر أ ّ‬
‫ودخل فيها أرش اليد ‪ ،‬فإن عاش وشهد القوابل أو علم أنّها يد من خلقت فيه الحياة فنصف‬
‫ل باليقين ‪ ،‬أو ألقته بعد‬
‫ديةٍ لليد ‪ ،‬وإن لم يشهد القوابل بذلك ولم يعلم فنصف غرّ ٍة لليد عم ً‬
‫الندمال وزال اللم أهدر الجنين لزوال اللم الحاصل بالجناية ‪ ،‬ووجب لليد الملقاة قبله إن‬
‫خرج ميّتا نصف غ ّرةٍ ‪ ،‬أو حيّا ومات أو عاش فنصف دي ٍة إن شهد القوابل أو علم أنّها يد من‬
‫خلقت فيه الحياة ‪ ،‬وإن انفصل بعد إلقاء اليد ميّتا كامل الطراف بعد الندمال فل شيء فيه ‪،‬‬
‫ن اليد الّتي ألقتها كانت زائد ًة ;‬
‫وفي اليد حكومة ‪ ،‬أو قبل الندمال ميّتا فغرّة فقط لحتمال أ ّ‬
‫لهذا الجنين وانمحق أثرها ‪ ،‬أو حيّا ومات فدية ل غرّة ‪ ،‬وإن عاش فحكومة ‪ ،‬وتأخّر اليد عن‬
‫الجنين إلقاء كتق ّدمٍ لذلك فيما ذكر ‪ ،‬وكذا لحم ألقته امرأة بحنايةٍ عليها يجب فيه غرّة إذا قال‬
‫ن فل يعرفها سواهنّ لحذقهنّ ‪ ،‬ونحوه‬
‫القوابل وهنّ أهل الخبرة فيه صورة خفيّة على غيره ّ‬
‫للحنابلة ‪.‬‬
‫ثانيا ‪ -‬العتداء على ما دون النّفس ‪:‬‬
‫موجبات الدّية في العتداء على ما دون النّفس ثلثة أقسامٍ ‪ ،‬وهي إبانة الطراف ‪ ،‬وإتلف‬
‫المعاني ‪ ،‬والشّجاج والجروح ‪.‬‬
‫القسم الوّل ‪ :‬إبانة الطراف ‪ " :‬قطع العضاء " ‪:‬‬
‫ن في قطع ما ل نظير له في بدن النسان كالنف‬
‫‪ - 34‬اتّفق الفقهاء في الجملة على أ ّ‬
‫واللّسان والذّكر والحشفة والصّلب إذا انقطع المنيّ ‪ ،‬ومسلك البول ‪ ،‬ومسلك الغائط دي ًة كاملةً‬
‫‪ .‬ومن أتلف ما في البدن منه شيئان كالعينين والذنين ‪ ،‬واليدين ‪ ،‬والرّجلين ‪ ،‬والشّفتين‬
‫والحاجيين إذا ذهب شعرهما نهائيّا ولم ينبت ‪ ،‬والثّديين ‪ ،‬والحلمتين ‪ ،‬والنثيين ‪ ،‬والشّفرين‬
‫واللّحيين ‪ ،‬والليتين إذا تلفتا معا ففيهما دية كاملة ‪ :‬وفي إحداهما نصف الدّية ‪ ،‬ومن أتلف ما‬
‫في النسان منه أربعة أشياء ‪ ،‬كأشفار العينين والجفان ففيها الدّية ‪ ،‬وفي كلّ واحدٍ منها ربع‬
‫الدّية ‪ ،‬وما فيه منه عشرة أشياء ‪ ،‬كأصابع اليدين ‪ ،‬وأصابع الرّجلين ففي جميعها الدّية‬
‫ل واح ٍد منها عشر الدّية ‪ ،‬وما في الصابع من المفاصل " السّلميّات " ففي‬
‫الكاملة ‪ ،‬وفي ك ّ‬
‫أحدها ثلث دية الصبع ‪ ،‬ونصف دية الصبع فيما فيها مفصلن وهي البهام خاصّةً ‪ ،‬وفي‬
‫ن خمس من البل ‪ .‬وهذا في الجملة ‪.‬‬
‫لسّ‬
‫جميع السنان دية كاملة ‪ ،‬وفي ك ّ‬
‫والصل فيه ما ورد في « الكتاب الّذي كتبه صلى ال عليه وسلم إلى أهل اليمن أنّ في‬
‫النّفس الدّية وفي اللّسان الدّية وفي النف إذا أوعب جدعه الدّية » ‪.‬‬
‫ص الوارد في البعض يكون واردا في الباقي دلل ًة ‪ ،‬لنّه في معناه ‪.‬‬
‫فالنّ ّ‬
‫والصل في العضاء أنّه إذا فوّت جنس منفعةٍ على الكمال ‪ ،‬أو أزال جمالً مقصودا في‬
‫ن فيه إتلف النّفس من وج ٍه ‪ ،‬إذ النّفس ل تبقى‬
‫الدميّ على الكمال يجب كلّ الدّية ‪ ،‬ل ّ‬
‫منتفعًا بها من ذلك الوجه ‪ ،‬وإتلف النّفس من وجهٍ ملحق بالتلف من كلّ وجهٍ في الدميّ‬
‫تعظيمًا له كما قال الزّيلعيّ ‪.‬‬
‫وفيما يلي تفصيل ذلك عند الفقهاء ‪:‬‬
‫أوّلً ‪ -‬دية ما ل نظير له في البدن من العضاء ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬دية النف ‪:‬‬
‫‪ - 35‬النف إذا قطع كلّه أو قطع المارن منه " وهو ما لن من النف وخل من العظم " ففيه‬
‫ن في‬
‫دية كاملة ‪ ،‬لما روي في كتاب رسول اللّه صلى ال عليه وسلم إلى أهل اليمن ‪ « :‬وإ ّ‬
‫ن فيه جمالً ومنفعةً زالتا بالقطع فوجبت الدّية الكاملة ‪.‬‬
‫النف إذا أوعب جدعه الدّية » ‪ .‬ول ّ‬
‫ل من طرفي المارن المسمّيين بالمنخرين ‪ ،‬وفي‬
‫ن الشّافعيّة والحنابلة قالوا ‪ :‬في قطع ك ّ‬
‫ثمّ إ ّ‬
‫الحاجز بينهما ثلث الدّية ‪ ،‬توزيعا للدّية عليها ‪.‬‬
‫ل عند الشّافعيّة وهو وجه عند الحنابلة في الحاجز حكومة عدلٍ ‪ ،‬وفيهما دية ‪ ،‬لنّ‬
‫وفي قو ٍ‬
‫الجمال وكمال المنفعة فيهما دون الحاجز ‪.‬‬
‫وقال المالكيّة ‪ :‬ما نقص من النف ففيه بحسابه من الدّية ‪ ،‬والنّقص يقاس من المارن ‪ ،‬ل من‬
‫الصل ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬دية اللّسان ‪:‬‬
‫‪ - 36‬اتّفق الفقهاء على أنّه تجب الدّية الكاملة في قطع اللّسان المتكلّم به إذا استوعب قطعا‪،‬‬
‫وروي ذلك عن أبي بكرٍ وعمر وعليّ رضي ال عنهم ‪ .‬وورد في كتاب النّبيّ صلى ال عليه‬
‫وسلم ‪ .‬إلى أهل اليمن ‪ « :‬وفي اللّسان الدّية » ولنّ فيه جمالً ومنفع ًة ‪.‬‬
‫ي صلى ال عليه وسلم سئل عن الجمال فقال ‪ :‬في اللّسان »‪.‬‬
‫ن النّب ّ‬
‫أمّا الجمال فقد روي « أ ّ‬
‫ن به تبلّغ الغراض وتستخلص الحقوق وتقضى الحاجات وتت ّم العبادات ‪،‬‬
‫وأمّا المنفعة فإ ّ‬
‫ن اللّه تعالى على النسان بقوله تعالى‪:‬‬
‫والنّطق يمتاز به الدميّ عن سائر الحيوانات ‪ ،‬وبه مَ ّ‬
‫ن الدّية‬
‫{ خََلقَ ا ْلإِنسَانَ ‪ ،‬عَّلمَ ُه ا ْل َبيَانَ } وكذا تجب الدّية بقطع بعضه إذا امتنع من الكلم ‪ ،‬ل ّ‬
‫تجب ; لتفويت المنفعة ‪ ،‬وقد حصل بالمتناع عن الكلم ‪.‬‬
‫ولو قدر على الكلم ببعض الحروف دون بعضٍ ‪ ،‬تقسم الدّية على عدد الحروف وهي ثمانية‬
‫وعشرون ‪ ،‬فما نقص من الحروف وجب من الدّية بقدره ‪ ،‬وقيل ‪ :‬تقسم الدّية على الحروف‬
‫الّتي تتعلّق باللّسان دون الشّفة والحلق ‪ ،‬فتستثنى منها الحروف الشّفويّة ‪ ،‬وهي أربعة ‪:‬‬
‫الباء ‪ ،‬والميم ‪ ،‬والفاء ‪ ،‬والواو ‪ ،‬وحروف الحلق وهي ستّة هي ‪ :‬الهمزة ‪ ،‬والهاء ‪ ،‬والعين ‪،‬‬
‫والحاء ‪ ،‬والغين ‪ ،‬والخاء ‪ ،‬فتبقى ثمانية عشر حرفًا تنقسم الدّية عليها ‪.‬‬
‫وقال المالكيّة ‪ :‬في اللّسان الدّية ‪ ،‬فإن قطع بعضه فإن منع جملة الكلم ففيه الدّية ‪.‬‬
‫وقالوا أيضا ‪ :‬الدّية في الكلم ل في اللّسان ‪ ،‬فإن قطع من لسانه ما ينقص من حروفه فعليه‬
‫بقدر ذلك ‪ ،‬ول يحتسب في الكلم على عدد الحروف ‪ ،‬فربّ حرفٍ أثقل من حرفٍ في‬
‫النّطق‪ ،‬ولكن بالجتهاد فيما نقص من الكلم ‪.‬‬
‫قطع لسان الخرس والصّغير ‪:‬‬
‫ن المقصود‬
‫‪ - 37‬ل دية في قطع لسان الخرس عند الفقهاء بل تجب فيه حكومة عدلٍ ‪ ،‬ل ّ‬
‫منه الكلم ‪ ،‬ول كلم فيه فصار كاليد الشّلّاء ‪.‬‬
‫وهذا إذا لم يذهب بقطعه الذّوق ‪ ،‬وإلّ تجب الدّية كما سيأتي عند الكلم عن إزالة المنافع ‪،‬‬
‫أمّا إذا قطع لسان الصّغير الّذي ل يتكلّم لصغره فقال الشّافعيّة والحنابلة ‪ :‬تجب فيه الدّية ‪،‬‬
‫ن ظاهره السّلمة ‪ ،‬وإنّما لم يتكلّم لنّه ل يحسن الكلم ‪ ،‬فوجبت به الدّية كالكبير ويخالف‬
‫لّ‬
‫ن الدّية تجب في سائر أعضاء الصّغير فكذلك في قطع‬
‫الخرس ‪ ،‬فإنّه علم أنّه أشلّ ‪ ،‬ول ّ‬
‫ن الظّاهر أنّه ل يقدر‬
‫لسانه ‪ ،‬وإن بلغ حدّا يتكلّم مثله فلم يتكلّم فقطع لسانه لم تجب الدّية ‪ ،‬ل ّ‬
‫على الكلم فيجب فيه ما يجب في لسان الخرس ‪.‬‬
‫ل عند الشّافعيّة ‪ :‬يشترط لوجوب الدّية في لسان الصّغير ظهور أثر نطق بتحريكه‬
‫وفي قو ٍ‬
‫لبكاءٍ ومصّ ثديٍ ونحوهما ‪ ،‬لنّها أمارات ظاهرة على سلمة اللّسان ‪ ،‬فإن لم يظهر‬
‫فحكومة‪ ،‬لنّ سلمته غير متيقّن ٍة ‪ ،‬والصل براءة ال ّذمّة ‪.‬‬
‫ص في هذه المسألة ‪.‬‬
‫ولم نعثر للمالكيّة على ن ّ‬
‫ج ‪ -‬دية الذّكر والحشفة ‪:‬‬
‫‪ - 38‬اتّفق الفقهاء على أنّه تجب الدّية الكاملة في قطع تمام الحشفة " رأس الذّكر " كما تجب‬
‫ن معظم منافع الذّكر من لذّة المباشرة ‪ ،‬وأحكام الوطء ‪ ،‬واليلد‬
‫في قطع الذّكر من أصله ‪ ،‬ل ّ‬
‫‪ ،‬واستمساك البول ونحوها تتعلّق بها ‪ ،‬والحشفة أصل في منفعة اليلج والدّفق ‪ ،‬والقصبة‬
‫كالتّابع لها ‪.‬‬
‫وإذا قطع بعض الحشفة ففيه بحسابه من الدّية ‪ ،‬ويقاس من الحشفة ل من أصل الذّكر ‪ ،‬وقال‬
‫ل الذّكر ‪ ،‬لنّه هو المقصود بكمال الدّية‬
‫الحنابلة وهو قول عند الشّافعيّة ‪ :‬يجب بقسطه من ك ّ‬
‫‪.‬‬
‫قال الشّافعيّة ‪ :‬وهذا إذا لم يختلّ مجرى البول ‪ ،‬فإن اختلّ ولم ينقطع البول فعليه أكثر‬
‫المرين من قسط الدّية وحكومة فساد المجرى ‪.‬‬
‫أمّا إذا انقطع البول وفسد مسلكه فسيأتي بيانه ‪.‬‬
‫وتجب الدّية في ذكر الصّغير والكبير والشّيخ والشّابّ على السّواء ‪ ،‬سواء أقدر على الجماع‬
‫أم لم يقدر عند جمهور الفقهاء ‪ ،‬لعموم ما ورد في كتاب النّبيّ صلى ال عليه وسلم لهل‬
‫اليمن « وفي الذّكر الدّية » ‪ ،‬وقال الحنفيّة في الصّغير ‪ :‬إن علمت صحّته بحركةٍ للبول‬
‫ونحوه ففيه الدّية ‪ ،‬وإن لم تعلم صحّته ففيه حكومة عدلٍ ‪.‬‬
‫أمّا ذكر العنّين والخصيّ فقال الشّافعيّة وهو رواية عند الحنابلة ‪ :‬إنّه تجب فيهما الدّية لعموم‬
‫ي سليم قادر على اليلج وإنّما الفائت اليلد ‪ ،‬والعنّة عيب في غير‬
‫الحديث ولنّ ذكر الخص ّ‬
‫الذّكر ‪ ،‬لنّ الشّهوة في القلب والمنيّ في الصّلب ‪.‬‬
‫ن منفعته النزال والحبال‬
‫وقال الحنفيّة وهو رواية أخرى عند الحنابلة ‪ :‬ل تكمل ديتهما ‪ ،‬ل ّ‬
‫والجماع وقد عدم ذلك فيهما على وجه الكمال ‪ ،‬فلم تكمل ديتهما ‪ ،‬وإذا لم تجب فيهما دية‬
‫ل‪.‬‬
‫كاملة تجب فيهما حكومة عد ٍ‬
‫وفصّل المالكيّة في العنّين والخصيّ فقالوا ‪ :‬إذا كان معترضا عن جميع النّساء ففيه قولن ‪:‬‬
‫لزوم الدّية ‪ ،‬وقيل حكومة عدلٍ‪ ،‬وإن كان معترضا عن بعض النّساء ففيه الدّية اتّفاقا عندهم‪.‬‬
‫د ‪ -‬دية الصّلب ‪:‬‬
‫‪ - 39‬صلب الرّجل إذا انكسر وذهب مشيه أو جماعه ففيه دية كاملة عند جميع الفقهاء ‪.‬‬
‫وكذلك إذا انكسر واحدودب وانقطع الماء ‪ ،‬فلم ينجبر وإن لم يذهب جماعه ول مشيه ‪ ،‬لما‬
‫ورد في كتاب النّبيّ صلى ال عليه وسلم ‪ « :‬وفي الصّلب الدّية » ‪ ،‬وعن سعيد بن المسيّب‬
‫سنّة أنّه في الصّلب الدّية » ‪ ،‬ولنّه عضو ليس في البدن مثله ‪ ،‬وفيه‬
‫أنّه قال ‪ « :‬مضت ال ّ‬
‫جمال ومنفعة ‪ ،‬فوجبت فيه دية كاملة كالنف ‪.‬‬
‫وأطلق الحنابلة القول بوجوب الدّية في كسر الصّلب وإن لم تذهب منافعه من المشي والقدرة‬
‫على الجماع ‪ ،‬ولم ينقطع الماء ‪.‬‬
‫هـ ‪ -‬دية إتلف مسلك البول ومسلك الغائط ‪:‬‬
‫‪ - 40‬تجب الدّية الكاملة في إتلف مسلك البول ومسلك الغائط ‪ ،‬وفي إفضاء المرأة من قبل‬
‫الزّوج أو غيره ‪ ،‬وهو رفع ما بين مدخل ذكرٍ ودبرٍ ‪ ،‬فيصير مسلك جماعها وغائطها واحدا‬
‫‪ .‬وقيل ‪ :‬الفضاء رفع ما بين مدخل ذكرٍ ومخرج بولٍ ‪ ،‬فيصير سبيل جماعها وبولها‬
‫واحدا ‪ ،‬وفي هذه الحالة تجب دية كاملة عند الحنفيّة والشّافعيّة وهو قول ابن القاسم من‬
‫المالكيّة إذ به تفوت المنفعة بالكلّيّة لنّه يمنعها من الّلذّة ‪ ،‬ول تمسك الولد ول البول إلى‬
‫ن مصيبتها أعظم من المصابة بالشّفرين ‪ ،‬كما علّله ابن شعبان من المالكيّة ‪.‬‬
‫الخلء ‪ ،‬ول ّ‬
‫ل آخر للمالكيّة ‪ ،‬وهو مذهب المدوّنة في الفضاء حكومة عدلٍ ‪.‬‬
‫وفي قو ٍ‬
‫وقال الحنابلة ‪ :‬في الفضاء ثلث الدّية ‪ ،‬كما روي عن عمر بن الخطّاب رضي ال عنه أنّه‬
‫قضى فيه بذلك ‪ ،‬وقالوا ‪ :‬إن استطلق بولها مع الفضاء ففيه دية كاملة ‪.‬‬
‫ثانيا ‪ -‬العضاء الّتي في البدن منها اثنان ‪:‬‬
‫الذنان ‪:‬‬
‫‪ - 41‬ذهب جمهور الفقهاء " الحنفيّة والحنابلة وهو المذهب عند الشّافعيّة ورواية عند المالكيّة‬
‫" إلى أنّ في استيصال الذنين قلعا أو قطعا كمال الدّية ‪ ،‬وفي قلع أو قطع إحداهما نصفها ‪.‬‬
‫ي رضي ال عنهما ‪ ،‬وبه قال عطاء ومجاهد والحسن وقتادة ‪،‬‬
‫وروي ذلك عن عمر وعل ّ‬
‫والثّوريّ والوزاعيّ ‪ ،‬وذلك لخبر عمرو بن حزمٍ ‪ « :‬في الذن خمسون من البل» ولنّهما‬
‫عضوان فيهما جمال ومنفعة ‪ ،‬وفي قلعهما أو قطعهما تفويت الجمال على الكمال ‪ ،‬فوجب أن‬
‫يكون فيهما الدّية الكاملة ‪.‬‬
‫ن الصّمم نقص في غير‬
‫وسواء أذهب السّمع أم لم يذهب ‪ ،‬وسواء أكان سميعا أم أصمّ ‪ ،‬ل ّ‬
‫الذن فلم يؤثّر في ديتهما ‪.‬‬
‫وفي وجهٍ أو قولٍ مخرّجٍ عند الشّافعيّة ورواية عند المالكيّة ‪ :‬تجب في الذنين حكومة عدلٍ‬
‫ن في الذنين حكومةً‬
‫إلّ إذا ذهب السّمع ففيه دية اتّفاقا ‪ .‬وثالث القوال عند المالكيّة ‪ :‬هو أ ّ‬
‫مطلقا ‪ .‬قال الموّاق ‪ :‬وهذا هو المشهور ‪.‬‬
‫العينان ‪:‬‬
‫‪ - 42‬ل خلف بين الفقهاء أنّ في قطع أو فقء العينين دي ًة كاملةً ‪ ،‬وفي إحداهما نصف الدّية‬
‫‪ ،‬سواء أكانت العين كبير ًة أم صغير ًة ‪ ،‬صحيح ًة أم مريض ًة ‪ ،‬سليمةً أم حولء ‪ ،‬وذلك لقول‬
‫النّبيّ صلى ال عليه وسلم ‪ « :‬وفي العينين الدّية » ‪.‬‬
‫ن في تفويت الثنين منهما تفويت جنس المنفعة أو الجمال على الكمال ‪ ،‬فيجب فيه كمال‬
‫ول ّ‬
‫الدّية ‪ ،‬وفي تفويت أحدهما تفويت النّصف ‪ ،‬فيجب نصف الدّية ‪.‬‬
‫هذا في العيون المبصرة ‪ ،‬أمّا العين العوراء فل دية في قلعها بل تجب حكومة عدلٍ ‪.‬‬
‫واختلفوا في قلع العين السّليمة من العور ‪.‬‬
‫فقال المالكيّة والحنابلة ‪ ،‬وهو قول ضعيف عند الشّافعيّة ‪ :‬تجب في قلع عين العور السّليمة‬
‫ن عمر وعثمان وعليّا وابن عمر‬
‫دية كاملة ‪ ،‬وبه قال الزّهريّ واللّيث وقتادة وإسحاق ‪ ،‬ل ّ‬
‫رضي ال عنهم قضوا في عين العور بالدّية ‪ ،‬ولم نعلم لهم في الصّحابة مخالفا ‪ ،‬فيكون‬
‫إجماعا ولنّ قلع عين العور يتضمّن إذهاب البصر كلّه ‪ ،‬فوجبت الدّية الكاملة ‪ ،‬كما لو‬
‫أذهبه من العينين ‪ ،‬لنّ السّليمة الّتي عطّلها بمنزلة عيني غيره ‪.‬‬
‫وقال الحنفيّة ‪ ،‬وهو المشهور في المذهب عند الشّافعيّة وقول مسروقٍ وعبد اللّه بن مغفّلٍ‬
‫والثّوريّ والنّخعيّ ‪ :‬إذا قلع عين العور الخرى ففيها نصف الدّية ‪ ،‬لقوله صلى ال عليه‬
‫وسلم ‪ « :‬وفي العين خمسون من البل » ‪.‬‬
‫وقول النّبيّ صلى ال عليه وسلم ‪ « :‬وفي العينين الدّية » يقتضي أن ل يكون فيهما أكثر من‬
‫ذلك ‪ ،‬فإذا قلعت عين شخصٍ ووجبت فيها نصف الدّية ثمّ قلعت الثّانية ‪ ،‬فقالع الثّانية قالع‬
‫عين أعور ‪ ،‬فلو وجبت فيه دية كاملة لوجب فيهما دية ونصف ديةٍ ‪.‬‬
‫اليدان ‪:‬‬
‫‪ - 43‬اتّفق الفقهاء على وجوب الدّية في قطع اليدين ووجوب نصفها في قطع إحداهما ‪ ،‬لما‬
‫روي من حديث عمرو بن حزمٍ ‪ « :‬وفي اليدين الدّية ‪ ،‬وفي اليد خمسون من البل » ولنّ‬
‫ل ظاهرا ومنفع ًة كاملةً ‪ ،‬وليس في البدن من جنسهما غيرهما ‪ ،‬فكان فيهما الدّية‬
‫فيهما جما ً‬
‫كالعينين ‪.‬‬
‫ويجب في قطع الكفّ تحت الرّسغ ما يجب في الصابع على ما يأتي تفصيله ‪ ،‬لما روي أنّ‬
‫النّبيّ صلى ال عليه وسلم قال في الصابع ‪ « :‬في ك ّل أصبعٍ عشر من البل » من غير‬
‫فصلٍ بين ما إذا قطعت الصابع وحدها أو قطعت الكفّ الّتي فيها الصابع ‪ .‬وهذا في اليد‬
‫السّليمة ‪ ،‬أمّا اليد الشّلّاء فذهب جمهور الفقهاء إلى أنّه ل دية في قطعها بل فيه حكومة عدلٍ ‪،‬‬
‫وهذا ما ذهب إليه الحنفيّة والمالكيّة والشّافعيّة وهو رواية عند الحنابلة ‪ ،‬لنّها قد ذهبت‬
‫منفعتها من قبل ‪ ،‬فلم تفت المنفعة بالقطع ‪ ،‬ول تقدير فيها ‪ ،‬فتجب فيها حكومة عدلٍ ‪.‬‬
‫ن في اليد الشّلّاء ثلث ديتها ‪ ،‬لما روى عمرو بن شعيبٍ عن أبيه‬
‫وفي رواي ٍة عند الحنابلة أ ّ‬
‫عن جدّه قال ‪ « :‬قضى رسول اللّه صلى ال عليه وسلم في اليد الشّلّاء إذا قطعت بثلث ديتها‬
‫» ‪ ،‬وحد اليد الّتي تجب فيها الدّية من الرّسغ أو الكوع ‪ ،‬لنّ اسم اليد عند الطلق ينصرف‬
‫ن اللّه تعالى قال ‪ { :‬وَالسّارِقُ وَالسّارِقَ ُة فَا ْقطَعُو ْا َأ ْي ِد َي ُهمَا } والواجب قطعهما من‬
‫إليه ‪ ،‬بدليل أ ّ‬
‫الكوع ‪.‬‬
‫واختلف الفقهاء فيما إذا قطع ما فوق الكوع أي من بعض السّاعد أو المرفق أو المنكب ‪ :‬فقال‬
‫الشّافعيّة والحنفيّة فيما رواه أبو يوسف ‪ :‬إن قطعها مع نصف السّاعد أو من المرفق أو‬
‫المنكب ففي الكفّ نصف الدّية ‪ ،‬وفي الزّيادة حكومة عدلٍ ‪ ،‬لنّها ليست بتابع ٍة للكفّ ‪.‬‬
‫وهو إحدى روايتين عن أبي يوسف ‪.‬‬
‫وقال الحنابلة ‪ ،‬وهو رواية أخرى عن أبي يوسف ‪ :‬إنّ ما زاد على أصابع اليد فهو تبع‬
‫للصابع إلى المنكب ‪ ،‬فإن قطع يده من فوق الكوع مثل أن يقطعها من المرفق أو نصف‬
‫ل دية واحدة ‪ ،‬لنّ اليد اسم للجميع إلى المنكب بدليل قوله تعالى ‪{ :‬‬
‫السّاعد فليس عليه إ ّ‬
‫وََأ ْي ِد َي ُكمْ إِلَى ا ْل َمرَافِق } ولمّا نزلت آية التّيمّم مسح الصّحابة إلى المناكب ‪ ،‬وقال ثعلب ‪ :‬اليد‬
‫ن جميع ذلك يسمّى يدا ‪ ،‬فإذا قطعها من فوق الكوع فما‬
‫إلى المنكب ‪ ،‬وفي عرف النّاس أ ّ‬
‫ل يدا واحدةً ‪ ،‬والشّرع أوجب في اليد الواحدة نصف الدّية فل يزاد على تقدير الشّرع ‪.‬‬
‫قطع إ ّ‬
‫وفصّل المالكيّة فقالوا ‪ :‬في اليدين سواء من المنكب أو المرفق أو الكوع دية ‪ ،‬وكذلك في‬
‫الصابع ‪ ،‬وأمّا إن قطع الصابع أو مع الكفّ فأخذت الدّية ثمّ حصلت جناية عليها بعد إزالة‬
‫الصابع فحكومة ‪ ،‬سواء أقطع اليد من الكوع ‪ ،‬أم المرفق ‪ ،‬أم المنكب ‪.‬‬
‫وسيأتي تفصيل دية الصابع في موضعها ‪.‬‬
‫النثيان ‪:‬‬
‫‪ - 44‬النثيان والبيضتان في قطعهما دية كاملة باتّفاق الفقهاء ‪ ،‬لما ورد في حديث عمرو بن‬
‫ن فيهما الجمال والمنفعة ‪ ،‬فإنّ النّسل يكون بهما بإرادة‬
‫حزمٍ ‪ « :‬وفي البيضتين الدّية » ‪ ،‬ول ّ‬
‫اللّه تعالى ‪ ،‬فكانت فيهما الدّية الكاملة ‪ ،‬وروى الزّهريّ عن سعيدٍ بن المسيّب أنّه قال‪« :‬‬
‫سنّة أنّ في الصّلب الدّية ‪ ،‬وفي النثيين الدّية ‪ ،‬وفي إحداهما نصف الدّية »‪.‬‬
‫مضت ال ّ‬
‫ول فرق بين اليسرى واليمنى فتجب في كلّ واحد ٍة منهما نصف الدّية ‪.‬‬
‫واتّفق الفقهاء على أنّه لو قطع النثيين والذّكر معا تجب ديتان ‪.‬‬
‫وكذا لو قطع الذّكر ث ّم قطع النثيين عند جمهور الفقهاء " الحنفيّة والشّافعيّة والحنابلة " ‪.‬‬
‫أمّا إذا قطع أنثييه ثمّ قطع ذكره ففيه دية للنثيين ‪ ،‬وحكومة للذّكر عند الحنفيّة ‪ ،‬وهو‬
‫المشهور عند الحنابلة ‪ ،‬لفوات منفعة الذّكر قبل قطعه ‪ ،‬فهو ذكر خصيّ ‪.‬‬
‫وعند الشّافعيّة وهو رواية أخرى عند الحنابلة تجب في هذه الصّورة ديتان بناءً على قولهم‬
‫ي والعنّين ‪.‬‬
‫بوجوب الدّية في قطع ذكر الخص ّ‬
‫أمّا المالكيّة فقالوا ‪ :‬إن قطعت النثيان مع الذّكر ففي ذلك ديتان ‪ ،‬وإن قطعتا قبل الذّكر أو‬
‫بعده ففيهما الدّية ‪ ،‬وإن قطع الذّكر قبلهما أو بعدهما ففيه الدّية ‪ ،‬ومن ل ذكر له ففي أنثييه‬
‫الدّية ‪ ،‬ومن ل أنثيين له ففي ذكره الدّية ‪.‬‬
‫اللّحيان ‪:‬‬
‫‪ - 45‬اللّحيان هما العظمان اللّذان تنبت عليهما السنان السّفلى ‪ ،‬وملتقاهما الذّقن ‪ ،‬وقد صرّح‬
‫فقهاء الشّافعيّة والحنابلة بأنّ في اللّحيين ديةً كامل ًة ‪ ،‬وفي إحداهما نصف الدّية كالذنين ‪.‬‬
‫ن فيهما جمالً ومنفع ًة ‪ ،‬وليس في البدن مثلهما فكانت فيهما الدّية‬
‫وعلّلوا وجوب الدّية فيهما بأ ّ‬
‫ن وجبت ديتهما ودية السنان‬
‫كسائر ما في البدن منه شيئان ‪ ،‬وإن قلعهما بما عليهما من أسنا ٍ‬
‫‪ ،‬ولم تدخل دية السنان في ديتهما ‪ ،‬بخلف دية الصابع فإنّها تدخل في دية اليد ‪ .‬ووجه‬
‫ن اللّحيين يوجدان قبل وجود السنان في الخلقة ويبقيان بعد ذهابها في حقّ الكبير ‪،‬‬
‫الفرق أ ّ‬
‫ل واحدٍ من اللّحيين والسنان ينفرد باسمه ‪ ،‬ول يدخل أحدهما في اسم الخر ‪ ،‬بخلف‬
‫وإنّ ك ّ‬
‫ن السنان مغروزة في اللّحيين ول تعتبر جزءا‬
‫الصابع والكفّ ‪ ،‬فإنّ اسم اليد يشملهما ‪ ،‬وأ ّ‬
‫منهما بخلف الكفّ مع الصابع ‪ ،‬لنّهما كالعضو الواحد ‪.‬‬
‫واستشكل المتولّي من الشّافعيّة إيجاب الدّية في اللّحيين بأنّه لم يرد فيهما خبر ‪ ،‬والقياس ل‬
‫يقتضيه ‪ ،‬لنّهما من العظام الدّاخلة فيشبهان التّرقوة والضّلع ‪ ،‬وأيضا فإنّه ل دية في السّاعد‬
‫والعضد والسّاق والفخذ ‪ ،‬وهي عظام فيها جمال ومنفعة ‪.‬‬
‫وقال الزّيلعيّ من الحنفيّة ‪ :‬إنّ اللّحيين من الوجه فيتحقّق الشّجاج فيهما ‪ ،‬فيجب فيهما موجبها‬
‫خلفا لما يقوله مالك أنّهما ليسا من الوجه ‪ ،‬لنّ المواجهة ل تقع بهما ‪.‬‬
‫ص في هذا الموضوع ‪.‬‬
‫ولم نعثر في كتب المالكيّة على ن ّ‬
‫الثّديان ‪:‬‬
‫ن في قطع ثديي المرأة ديةً كامل ًة ‪ ،‬وفي الواحد منهما نصف‬
‫‪ - 46‬ل خلف بين الفقهاء في أ ّ‬
‫ن في ثدي المرأة نصف‬
‫الدّية ‪ .‬قال ابن المنذر ‪ :‬أجمع كلّ من نحفظ عنه من أهل العلم على أ ّ‬
‫ن فيهما جمالً ومنفعةً فأشبها اليدين والرّجلين ‪.‬‬
‫الدّية ‪ ،‬وفي الثّديين الدّية ‪ ،‬ول ّ‬
‫كذلك تجب الدّية الكاملة في قطع حلمتي الثّديين عند جمهور الفقهاء " الحنفيّة والشّافعيّة‬
‫والحنابلة " وفي إحداهما نصف الدّية ‪ ،‬وروي نحو هذا عن الشّعبيّ والنّخعيّ ‪ ،‬لنّ المنفعة‬
‫الكاملة وجمال الثّدي بهما كمنفعة اليدين وجمالهما بالصابع ‪.‬‬
‫وقال المالكيّة ‪ :‬تجب الدّية في حلمتيهما إذا بطل اللّبن أو فسد ‪ ،‬وإلّ وجبت حكومة بقدر‬
‫الشّين ‪ .‬قالوا ‪ :‬وكذا تلزم الدّية كامل ًة إن بطل اللّبن أو فسد من غير قطع الحلمتين ‪ ،‬فالدّية‬
‫ن في قطع حلمتي العجوز‬
‫عندهم لفساد اللّبن ل لقطع الحلمتين ‪ ،‬ومن ثمّ استظهر ابن عرفة أ ّ‬
‫حكوم ًة كاليد الشّلّاء ‪.‬‬
‫وهذا في ثدي المرأة ‪ ،‬أمّا ثديا الرّجل ففيهما حكومة عدلٍ عند جمهور الفقهاء " الحنفيّة‬
‫والمالكيّة وهو المذهب عند الشّافعيّة " إذ ليس فيهما منفعة مقصودة ‪ ،‬بل مجرّد جمالٍ ‪ ،‬وعند‬
‫ل عند الشّافعيّة تجب فيهما الدّية كثديي المرأة ‪.‬‬
‫الحنابلة وفي قو ٍ‬
‫الليتان ‪:‬‬
‫‪ - 47‬الليتان هما ما عل وأشرف من أسفل الظّهر عند استواء الفخذين ‪ ،‬وفيهما الدّية الكاملة‬
‫إذا أخذتا إلى العظم الّذي تحتهما ‪ ،‬وفي كلّ واحدةٍ منهما نصف الدّية ‪ ،‬وهذا عند جمهور‬
‫الفقهاء ; لما فيهما من الجمال والمنفعة في الرّكوب والقعود ‪.‬‬
‫وهذا إذا أخذتا إلى العظم واستؤصل لحمهما حتّى ل يبقى على الورك لحم ‪.‬‬
‫ل فالحكومة كما صرّح به الشّافعيّة‬
‫أمّا بعض اللّحم فإذا عرف قدره فبقسطه من الدّية ‪ ،‬وإ ّ‬
‫والحنابلة ‪ ،‬وقالوا ‪ :‬ل فرق في ذلك بين الرّجل والمرأة ‪.‬‬
‫وقال المالكيّة ‪ :‬في أليتي الرّجل حكومة ‪ ،‬وكذلك في أليتي المرأة في المشهور عندهم ‪.‬‬
‫وقال أشهب ‪ :‬فيهما الدّية ‪ ،‬لنّهما أعظم عليها من ثدييها ‪.‬‬
‫الرّجلن ‪:‬‬
‫‪ - 48‬ل خلف بين الفقهاء في أنّه تجب الدّية الكاملة في قطع الرّجلين كلتيهما ‪ ،‬وأنّ في‬
‫إحداهما نصف الدّية وحدّ القطع هنا هو مفصل الكعبين ‪.‬‬
‫والخلف فيما إذا قطع أكثر من الكعبين إلى أصل الفخذ من الورك أو الرّكبة ‪ ،‬كالخلف في‬
‫ل مع الدّية أو عدم وجوبها عند الفقهاء ( ر ‪:‬‬
‫قطع اليدين فوق الكوعين في وجوب حكومة عد ٍ‬
‫ن يد العسم كيد الصّحيح ‪.‬‬
‫ف ‪ ، ) 43/‬ورجل العرج كرجل الصّحيح ‪ ،‬كما أ ّ‬
‫الشّفتان ‪:‬‬
‫‪ - 49‬اتّفق الفقهاء على أنّ في قطع الشّفتين دي ًة كاملةً ‪ ،‬لما ورد في حديث عمرو بن حزمٍ «‬
‫وفي الشّفتين الدّية » ولنّهما عضوان ليس في البدن مثلهما ‪ ،‬فيهما جمال ظاهر ومنفعة‬
‫مقصودة ‪ ،‬فإنّهما طبق على الفم تقيان ما يؤذيه ‪ ،‬ويستران السنان ‪ ،‬ويردّان الرّيق ‪ ،‬وينفخ‬
‫بهما ‪ ،‬ويتمّ بهما الكلم وغير ذلك من المنافع ‪ ،‬فتجب فيهما الدّية كاليدين والرّجلين ‪.‬‬
‫وجمهور الفقهاء على أنّه تجب في كلّ واحد ٍة منهما نصف الدّية من غير تفريقٍ ‪ ،‬وروي هذا‬
‫عن أبي بكرٍ وعليّ رضي ال عنهما ‪.‬‬
‫وفي رواي ٍة عند الحنابلة ‪ ،‬يجب في الشّفة العليا ثلث الدّية ‪ ،‬وفي السّفلى الثّلثان ‪ ،‬وبه قال‬
‫ن المنفعة بها أعظم ‪ ،‬لنّها هي الّتي تدور وتتحرّك ‪ ،‬وتحفظ‬
‫سعيد بن المسيّب والزّهريّ ‪ ،‬ل ّ‬
‫الرّيق ‪ ،‬والطّعام ‪ ،‬والعليا ساكنة ‪.‬‬
‫الحاجبان واللّحية وقرع الرّأس ‪:‬‬
‫ن في إتلف شعر الحاجبين إذا لم ينبتا الدّية ‪ ،‬وفي‬
‫‪ - 50‬ذهب الحنفيّة والحنابلة إلى أ ّ‬
‫أحدهما نصف الدّية ‪ ،‬وكذلك في شعر اللّحية إذا لم ينبت الدّية ‪ ،‬وهذا قول سعيد بن المسيّب‬
‫ن فيه‬
‫وشريحٍ والحسن وقتادة ‪ ،‬وروي ذلك عن عليّ وزيد بن ثابتٍ رضي ال عنهما ‪ ،‬ل ّ‬
‫إذهاب الجمال على الكمال ‪ ،‬وفيه إذهاب منفع ٍة ‪ ،‬فإنّ الحاجب يردّ العرق عن العين ويفرّقه ‪،‬‬
‫وهدب العين يردّ عنها ويصونها ‪.‬‬
‫ن ملئكة سماء الدّنيا‬
‫ن فيها جمالً كاملً ‪ ،‬لقوله عليه الصلة والسلم ‪ « :‬إ ّ‬
‫وأمّا اللّحية فل ّ‬
‫تقول ‪ :‬سبحان من زيّن الرّجال باللّحى والنّساء بالذّوائب » ‪.‬‬
‫وعن عليّ رضي ال عنه أنّه أوجب في شعر الرّأس إذا حلق فلم ينبت دي ًة كاملةً ‪.‬‬
‫ونقل الموصليّ عن أبي جعفرٍ الهندوانيّ قوله ‪ :‬إنّما تجب الدّية في اللّحية إذا كانت كاملةً‬
‫يتجمّل بها ‪ .‬أمّا إذا كانت طاقاتٍ متفرّقةً ل يتجمّل بها فل شيء فيها ‪ ،‬وإن كانت غير متفرّقةٍ‬
‫ل‪.‬‬
‫ول يتجمّل بها وليست الجناية عليها ممّا تشينها ففيها حكومة عد ٍ‬
‫وقال ابن قدامة ‪ :‬ول تجب الدّية في شيءٍ من هذه الشّعور إلّ بذهابه على وج ٍه ل يرجى‬
‫عوده مثل أن يقلب على رأسه ماءً حارّا فيتلف منبت الشّعر ‪ ،‬فينقلع بالكّليّة بحيث ل يعود ‪،‬‬
‫وإن رجي عوده إلى مدّ ٍة انتظر إليها ‪.‬‬
‫وقال الشّافعيّة والمالكيّة ‪ :‬ل يجب في إتلف الشّعور غير الحكومة ‪ ،‬لنّه إتلف جمالٍ من‬
‫غير المنفعة ‪ ،‬فلم يجب فيه غير الحكومة ‪ ،‬كإتلف العين القائمة واليد الشّلّاء ‪.‬‬
‫الشّفران ‪:‬‬
‫ضمّ هما اللّحمان المحيطان بفرج المرأة المغطّيان له ‪ ،‬وفي قطعهما أو‬
‫‪ - 51‬الشّفران بال ّ‬
‫إتلفهما إن بدا العظم من فرجها الدّية الكاملة ‪ ،‬وفي إتلف أو قطع أحدهما نصف الدّية عند‬
‫جمهور الفقهاء " المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة " والدّليل على ذلك ما رواه ابن وهبٍ عن عمر‬
‫بن الخطّاب رضي ال عنه أنّه قضى في شفري المرأة بالدّية ‪ .‬ولنّ فيهما جمالً ومنفعةً‬
‫مقصود ًة ‪ ،‬إذ بهما يقع اللتذاذ بالجماع ‪ .‬ول فرق في ذلك بين الرّتقاء والقرناء وغيرهما ‪،‬‬
‫ول بين البكر وال ّثيّب ‪ ،‬والكبيرة والصّغيرة ‪ ،‬كما صرّح به الشّافعيّة والحنابلة ‪ .‬ولم نجد فيما‬
‫اطّلعنا عليه من كتب الحنفيّة كلمًا في هذا الموضوع ‪.‬‬
‫العضاء الّتي في البدن منها أربعة ‪:‬‬
‫أشفار العينين وأهدابهما ‪:‬‬
‫‪ - 52‬الشفار هي حروف العين الّتي ينبت عليها الشّعر ‪ ،‬والشّعر النّابت عليها هو الهدب ‪.‬‬
‫وذهب جمهور الفقهاء إلى أنّ في قطع أو قلع أشفار العينين الربعة دي ًة كاملةً ‪ ،‬وفي أحدها‬
‫ربع الدّية ‪ ،‬وهذا إذا أتلفت بالكّليّة بحيث ل يرجى عودها عند الحنفيّة والشّافعيّة والحنابلة ‪،‬‬
‫وذلك ‪ ،‬لنّه يتعلّق بها الجمال على الكمال ‪ ،‬وتتعلّق بها المنفعة وهي دفع الذى والقذى عن‬
‫العين ‪ ،‬وتفويت ذلك ينقص البصر ‪ ،‬ويورث العمى ‪ ،‬فإذا وجب في الكلّ الدّية وهي أربعة‬
‫وجب في الواحد منها ربع الدّية ‪ ،‬وفي الثنين نصف الدّية ‪ ،‬وفي الثّلثة ثلثة أرباع الدّية ‪.‬‬
‫ن الشفار مع الجفون‬
‫ولو قطع أو قلع الجفون مع الهداب والشفار تجب دية واحدة ‪ ،‬ل ّ‬
‫كشي ٍء واحدٍ كالمارن مع القصبة ‪.‬‬
‫ولو قلع أو قطع الهداب وحدها دون الشفار ‪ ،‬قال الحنفيّة والحنابلة ‪ :‬تجب فيها دية مثل‬
‫ن فيها جمالً ونفعا ‪ ،‬فإنّها تقي العينين وتردّ عنهما ‪ ،‬وتجمّلهما تحسّنهما ‪،‬‬
‫قطع الشفار ‪ ،‬ل ّ‬
‫فوجبت فيها الدّية كما تجب في حلمتي الثّدي والصابع ‪.‬‬
‫ل كسائر الشّعور ‪ ،‬لنّ الفائت بقطعها‬
‫وقال الشّافعيّة ‪ :‬في قطع الهداب وحدها حكومة عد ٍ‬
‫الزّينة والجمال دون المقاصد الصليّة وهذا إذا فسد منبتها ‪ ،‬وإلّ فالتّعزير ‪.‬‬
‫أمّا المالكيّة فقالوا ‪ :‬ل دية في قلع أشفار العينين ‪ ،‬ول في أهدابهما ‪ ،‬بل تجب فيهما حكومة‬
‫ل مطلقا ‪ ،‬قال الموّاق نقلً عن المدوّنة ‪ :‬ليس في أشفار العين وجفونها إلّ الجتهاد ‪ .‬أي‬
‫عد ٍ‬
‫حكومة عدلٍ ‪.‬‬
‫ما في البدن منه عشرة ‪:‬‬
‫أصابع اليدين وأصابع الرّجلين ‪:‬‬
‫‪ - 53‬اتّفق الفقهاء على أنّ في قطع أو قلع أصابع اليدين العشرة دي ًة كاملةً ‪ ،‬وكذلك في قطع‬
‫أصابع الرّجلين ‪ ،‬وفي قطع كلّ أصبعٍ من أصابع اليدين أو الرّجلين عشر الدّية أي عشرة من‬
‫البل ‪ ،‬لحديث عمرو بن حزمٍ ‪ « :‬وفي ك ّل أصبعٍ من أصابع اليد والرّجل عشر من البل »‬
‫‪ .‬وروى ابن عبّاسٍ رضي ال عنهما قال ‪ :‬قال رسول اللّه صلى ال عليه وسلم ‪ « :‬دية‬
‫ل تفويت منفعة البطش‬
‫ن في قطع الك ّ‬
‫ل أصبعٍ » ول ّ‬
‫أصابع اليدين والرّجلين عشر من البل لك ّ‬
‫ل من اليدين والرّجلين عشر ‪ ،‬ففي كلّ أصبعٍ‬
‫أو المشي ‪ ،‬فتجب فيه دية كاملة ‪ ،‬وأصابع ك ّ‬
‫عشر الدّية ‪ ،‬ودية كلّ أصبعٍ مقسومة على أناملها " سلميّاتها " ‪ ،‬وفي كلّ أصبعٍ ثلث أنامل‬
‫إلّ البهام فإنّها أنملتان ‪ .‬وعلى ذلك ففي كلّ أنمل ٍة من الصابع غير البهام ثلث دية الصبع‬
‫وهو ثلثة أبعرةٍ وثلث ‪ ،‬وفي البهام في كلّ أنملةٍ نصف عشر الدّية وهو خمسة أبعرةٍ ‪،‬‬
‫والصابع كلّها سواء لطلق الحديث ‪.‬‬
‫ل عند جمهور الفقهاء " الحنفيّة والشّافعيّة وهو الصحّ‬
‫أمّا الصبع الزّائدة ففيها حكومة عد ٍ‬
‫عند الحنابلة " لعدم ورود النّصّ فيها ‪ ،‬والتّقدير ل يصار إليه إلّ بالتّوقيف ‪.‬‬
‫وقال المالكيّة ‪ :‬في إتلف الصبع الزّائدة في يدٍ أو رجلٍ إذا كانت قويّ ًة على التّصرّف قوّة‬
‫الصابع الصليّة عشر الدّية إن أفردت بالتلف ‪ ،‬وإن قطعت مع الصابع الصليّة فل شيء‬
‫فيها ‪ .‬وروي عن زيد بن ثابتٍ رضي ال عنه أنّ فيها ثلث دية الصبع ‪ ،‬وذكر القاضي أنّه‬
‫قياس المذهب عند الحنابلة على رواية إيجاب الثّلث في اليد الشّلّاء ‪.‬‬
‫ما في البدن منه أكثر من عشرةٍ ‪:‬‬
‫دية السنان ‪:‬‬
‫ل سنّ نصف عشر الدّية ‪ ،‬وهو خمس من‬
‫‪ - 54‬ل خلف بين الفقهاء في أنّه يجب في ك ّ‬
‫ن خمس من البل » ‪.‬‬
‫البل أو خمسون دينارا ‪ ،‬لقوله عليه الصلة والسلم ‪ « :‬وفي السّ ّ‬
‫والسنان كلّها سواء ‪ ،‬لطلق الحديث ‪ ،‬وقد روي في بعض طرق الحديث ‪ « :‬والسنان‬
‫كلّها سواء » ولنّ الكلّ في أصل المنفعة سواء ‪ ،‬فل يعتبر التّفاوت فيه ‪ ،‬كاليدي والصابع‬
‫‪ ،‬وإن كان في بعضها زيادة منفع ٍة ففي الخر زيادة جمالٍ ‪.‬‬
‫وعلى ذلك تزيد دية السنان كلّها على دية النّفس بثلثة أخماس الدّية عند جمهور الفقهاء ‪،‬‬
‫ن النسان له اثنان وثلثون سنّا ‪ ،‬فإذا وجب في الواحدة نصف عشر الدّية يجب في الكلّ‬
‫لّ‬
‫مائة وستّون من البل ‪.‬‬
‫ل عند الشّافعيّة ‪ :‬ل يزيد على ديةٍ إن اتّحد الجاني واتّحدت الجناية ‪ ،‬كأن أسقطها‬
‫وفي قو ٍ‬
‫بشرب دوا ٍء أو بضربٍ أو ضرباتٍ من غير تخلّل اندمالٍ ‪ ،‬لنّ السنان جنس متعدّد فأشبه‬
‫ل سنّ وأخرى أو تعدّد الجاني فإنّها تزيد قطعا ‪.‬‬
‫الصابع ‪ ،‬فإن تخلّل الندمال بين ك ّ‬
‫وهذا في قلع السنان الصليّة المثغورة " الدّائمة " ‪ ،‬ولو ضرب أسنان رجلٍ فتحرّكت أو‬
‫تغيّرت إلى السّواد أو الحمرة أو الخضرة أو نحوها ففيه عند الفقهاء تفصيل ‪:‬‬
‫فقال الحنفيّة ‪ :‬لو ضرب أسنان رجلٍ وتحرّكت ينتظر مضيّ حولٍ ‪ ،‬لنّه مدّة يظهر فيها‬
‫حقيقة حالها من السّقوط والتّغيّر والثّبوت ‪ ،‬سواء أكان المضروب صغيرا أم كبيرا ‪ ،‬فإن‬
‫تغيّرت إلى السّواد أو إلى الحمرة أو إلى الخضرة ففيها الرش تامّا ‪ ،‬لنّه ذهبت منفعتها ‪،‬‬
‫وذهاب منفعة العضو كذهاب العضو ‪ ،‬وإن كان التّغيّر إلى الصّفرة ففيها حكومة عدلٍ ‪.‬‬
‫وقال المالكيّة ‪ :‬تجب الدّية في السنان بقلعٍ أو اسودا ٍد أو بهما ‪ ،‬أو بحمر ٍة بعد بياضٍ ‪ ،‬أو‬
‫بصفر ٍة إن كانا عرفا كالسّواد في إذهاب الجمال ‪ ،‬وإلّ فعلى حساب ما نقص ‪ ،‬كما تجب‬
‫الدّية باضطرابها جدّا بحيث ل يرجى ثبوتها ‪ ،‬وفي الضطراب الخفيف الرش بقدره ‪.‬‬
‫ل سنّ أصليّ ٍة تامّةٍ مثغور ٍة غير متقلقلةٍ ‪.‬‬
‫وقال الشّافعيّة ‪ :‬تكمل دية السّنّ بقلع ك ّ‬
‫فل تجب الدّية في السّنّ الشّاغية ‪ ،‬وتجب فيها حكومة ‪ ،‬ولو سقطت سنّه فاتّخذ سنّا من ذهبٍ‬
‫أو حدي ٍد أو عظمٍ طاهرٍ فل دية في قلعها ‪ ،‬وإن قلعت قبل اللتحام لم تجب الحكومة لكن‬
‫يعزّر القالع ‪ ،‬وإن قلعت بعد تشبّث اللّحم بها واستعدادها للمضغ والقطع فل حكومة أيضا‬
‫ن بكسر ما ظهر منها وإن بقي السّنخ بحاله ‪.‬‬
‫على الظهر ‪ ،‬وتكمل دية السّ ّ‬
‫ن من السّنخ وجب أرش السّنّ فقط على المذهب ‪ ،‬وإن قلع سنّ صغيرٍ لم يثغر‬
‫ولو قلع السّ ّ‬
‫ينتظر عودها ‪ ،‬فإن عادت فل دية وتجب الحكومة إن بقي شين ‪ .‬وإن مضت المدّة الّتي‬
‫يتوقّع فيها العود ولم تعد وفسد المنبت تجب الدّية ‪ .‬وإن قلع سنّا وكانت متقلقل ًة " متحرّك ًة "‬
‫ض أو نحوهما وبطلت منفعتها ففيها الحكومة ‪ ،‬وإن‬
‫فإن كان بها اضطراب شديد بهرمٍ أو مر ٍ‬
‫كانت متحرّك ًة حركةً يسيرةً ل تنقص المنافع فل أثر لها وتجب الدّية ‪.‬‬
‫ن صحيحة بجناي ٍة ثمّ سقطت بعدها لزم الرش ‪ ،‬وإن ثبتت وعادت كما كانت‬
‫ولو تزلزلت س ّ‬
‫ففيها حكومة عدلٍ ‪.‬‬
‫ل سنّ ممّن قد أثغر خمس من البل سواء أقلعت بسخنها أو قطع الظّاهر‬
‫وقال الحنابلة ‪ :‬في ك ّ‬
‫منها فقط ‪ ،‬وسواء أقلعها في دفعةٍ أو دفعاتٍ ‪ ،‬وإن قلع منها السّنخ فقط ففيه حكومة ‪ ،‬ول‬
‫يجب بقلع سنّ الصّغير الّذي لم يثغر شيء في الحال ‪ ،‬لكن ينتظر عودها ‪ ،‬فإن مضت مدّة‬
‫يحصل بها اليأس من عودها وجبت ديتها ‪ ،‬وإن عادت فصير ًة أو شوهاء أو أطول من‬
‫أخواتها أو صفراء أو حمراء أو سوداء ‪ ،‬أو خضراء فحكومة ‪ ،‬لنّها لم تذهب بمنفعتها فلم‬
‫ن المقلوعة سنّا‬
‫تجب ديتها ‪ ،‬ووجبت الحكومة لنقصها ‪ ،‬وإن جعل المجنيّ عليه مكان السّ ّ‬
‫أخرى فثبتت لم يسقط دية المقلوعة ‪ ،‬كما لو لم يجعل مكانها شيئا ‪.‬‬
‫ن المجعولة ففيها حكومة للنّقص ‪ ،‬وإن قلع سنّه فردّه فالتحم فله أرش نقصه‬
‫ثمّ إن قلعت السّ ّ‬
‫فقط وهو حكومة ‪ ،‬ثمّ إن أبانها أجنبيّ بعد ذلك وجبت ديتها كما لو لم تتقدّم جناية عليها ‪.‬‬
‫دية المعاني والمنافع ‪:‬‬
‫ص ‪ -‬أنّه إذا فوّت‬
‫‪ - 55‬الصل في دية المعاني ‪ -‬فضلً عمّا ورد في بعضها من نصو ٍ‬
‫جنس منفع ٍة على الكمال ‪ ،‬أو أزال جمالً مقصودا في الدميّ على الكمال يجب كلّ الدّية ‪،‬‬
‫ن فيه إتلف النّفس من وج ٍه ‪ ،‬إذ النّفس ل تبقى منتفعا بها من هذا الوجه ‪ ،‬وإتلف النّفس‬
‫لّ‬
‫من وج ٍه ملحق بالتلف من كلّ وج ٍه في الدميّ تعظيمًا له ‪.‬‬
‫وهذا الصل كما هو معتبر في العضاء مطبّق كذلك في إذهاب المعاني والمنافع من‬
‫العضاء وإن كانت باقي ًة في الظّاهر ‪ .‬وممّا تجب فيه الدّية من المعاني العقل والنّطق وقوّة‬
‫شمّ والذّوق واللّمس ‪.‬‬
‫الجماع والمناء في الذّكر والحبل في المرأة ‪ ،‬والسّمع والبصر وال ّ‬
‫وهذا إذا أتلفت المعاني دون إتلف العضاء المشتملة عليها ‪ .‬فإن تلف العضو والمنفعة معا‬
‫ففي ذلك دية واحدة ‪ .‬وإن أتلفهما بجنايتين منفردتين تخلّلهما البرء فدية كلّ عضوٍ أو منفعةٍ‬
‫بحسب الحالة ‪ .‬وبيان ذلك فيما يلي ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬العقل ‪:‬‬
‫‪ - 56‬ل خلف بين الفقهاء في وجوب الدّية الكاملة في إذهاب العقل ‪ ،‬لنّه من أكبر المعاني‬
‫قدرا وأعظمها نفعا ‪ ،‬فإنّ به يتميّز النسان ويعرف حقائق الشياء ‪ ،‬ويهتدي إلى مصالحه ‪،‬‬
‫ويتّقي ما يضرّه ‪ ،‬ويدخل في التّكليف ‪.‬‬
‫وقد ورد في حديث عمرو بن حزمٍ ‪ « :‬وفي العقل الدّية » ‪.‬‬
‫قال ابن قدامة ‪ :‬فإن أذهب عقله تماما بالضّرب وغيره تجب الدّية الكاملة ‪ ،‬وإن نقص عقله‬
‫ن يوما ويفيق يوما فعليه من الدّية بقدر ذلك‪،‬‬
‫نقصا معلوما بالزّمان وغيره ‪ ،‬مثل إن صار يج ّ‬
‫وإن لم يعلم مثل أن صار مدهوشا ‪ ،‬أو يفزع ممّا ل يفزع منه ويستوحش إذا خل ‪ ،‬فهذا ل‬
‫يمكن تقديره ‪ ،‬فتجب فيه حكومة ‪ .‬ومثله ما في كتب الحنفيّة والمالكيّة والشّافعيّة ‪.‬‬
‫وتقدير الجناية يكون بتقدير القاضي مستعينا بقول أهل الخبرة ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬قوّة النّطق ‪:‬‬
‫ن في إذهاب قوّة النّطق ديةً فإذا فعل بلسانه ما يعجزه عن النّطق‬
‫‪ - 57‬ذهب الفقهاء إلى أ ّ‬
‫بالكمال تجب الدّية الكاملة ‪ ،‬وإن عجز عجزا جزئيّا بأن كان يقدر على نطق بعض الحروف‬
‫ي رضي ال‬
‫دون بعضها فالدّية تقسم بحساب الحروف عند جمهور الفقهاء ‪ ،‬لما روي عن عل ّ‬
‫عنه أنّه قسم الدّية على الحروف ‪ ،‬فما قدر عليه من الحروف أسقط بحسابه من الدّية ‪ ،‬وما لم‬
‫يقدر عليه ألزمه بحسابه منها ‪.‬‬
‫ستّة والحروف‬
‫وقيل ‪ :‬توزّع الدّية على الحروف المتعلّقة باللّسان دون حروف الحلق ال ّ‬
‫الشّفويّة الخمسة ‪ ،‬كما تقدّم في دية اللّسان ‪.‬‬
‫وقال المالكيّة يقدّر نقص النّطق بالكلم اجتهادًا من العارفين ‪ ،‬ل بقدر الحروف ‪ ،‬لختلفها‬
‫بالخفّة والثّقل ‪.‬‬
‫وتجب هذه الدّية بالجناية على النّطق ‪ ،‬وإن كان اللّسان باقيا ‪.‬‬
‫ج ‪ -‬قوّة الذّوق ‪:‬‬
‫‪ - 58‬الذّوق قوّة مثبّتة في العصب المفروش على جرم اللّسان ‪ ،‬تدرك به الطّعوم لمخالطة‬
‫الرّطوبة اللّعابيّة الّتي في الفم ‪ ،‬ووصولها إلى العصب ‪.‬‬
‫وقد ذهب الفقهاء إلى وجوب الدّية في إتلف حاسّة الذّوق ‪ ،‬ولو جنى عليه فأذهب كلمه‬
‫ل واح ٍد منهما منفعة مقصودة في النسان ‪.‬‬
‫وذوقه معا فعليه ديتان ‪ ،‬لنّ ك ّ‬
‫قال النّوويّ ‪ :‬يبطل الذّوق بالجناية على اللّسان أو الرّقبة أو نحوهما ‪ .‬والمدرك بالذّوق خمسة‬
‫أشياء ‪ :‬الحلوة والحموضة والمرارة والملوحة والعذوبة ‪ .‬والدّية تتوزّع عليها ‪.‬‬
‫فإذا أبطل إدراك واحدةٍ وجب خمس الدّية ‪ ،‬وإذا أبطل إدراك اثنتين وجب خمسا الدّية وهكذا‪.‬‬
‫ولو نقص الحساس فلم يدرك الطّعوم على كمالها فالواجب الحكومة ‪.‬‬
‫د ‪ -‬السّمع والبصر ‪:‬‬
‫‪ - 59‬تجب الدّية الكاملة في إذهاب قوّة السّمع أو قوّة البصر إذا ذهبت المنفعة بتمامها ‪ ،‬عند‬
‫جميع الفقهاء ‪.‬‬
‫ولو أذهب البصر من إحدى العينين أو السّمع من إحدى الذنين ففيه نصف الدّية ‪.‬‬
‫أمّا لو أذهب بعض البصر أو بعض السّمع من إحدى العينين أو الذنين أو كليهما ‪ ،‬فعليه‬
‫الدّية بحساب ما ذهب إن كان منضبطا ‪ ،‬كما يقول المالكيّة والشّافعيّة ‪ ،‬وقال الحنابلة ‪ :‬في‬
‫نقصان السّمع أو البصر حكومة مطلقا ‪.‬‬
‫ن محلّ السّمع غير‬
‫ولو أزال أذنيه وسمعه تجب ديتان كما صرّح به الشّافعيّة والحنابلة ‪ ،‬ل ّ‬
‫محلّ القطع ‪ ،‬فالسّمع قوّة أودعها اللّه تعالى في العصب المفروش في الصّماخ ‪ ،‬بخلف ما‬
‫لو فقأ عينيه فأذهب بصره فتجب دية واحدة ‪ ،‬لنّ البصر يكون بهما ‪.‬‬
‫هـ ‪ -‬قوّة الشّمّ ‪:‬‬
‫‪ - 60‬ذهب جمهور الفقهاء " الحنفيّة والمالكيّة والحنابلة وهو الصّحيح عند الشّافعيّة " إلى أنّه‬
‫شمّ كاملً ‪ ،‬لنّه حاسّة تختصّ بمنفع ٍة ‪ ،‬فكانت فيه الدّية كسائر‬
‫تجب الدّية الكاملة في إتلف ال ّ‬
‫س ‪ .‬وقد ورد في حديث عمرو بن حزمٍ ‪ « :‬وفي المشامّ الدّية » ‪.‬‬
‫الحوا ّ‬
‫شمّ بأن علم قدر الذّاهب وجب قسطه من الدّية ‪ ،‬وإن لم يعلم وجبت حكومة‬
‫وإن نقص ال ّ‬
‫شمّ بل فيه حكومة ‪.‬‬
‫يقدّرها الحاكم بالجتهاد ‪ .‬وفي قولٍ عند الشّافعيّة ‪ :‬ل تجب الدّية في ال ّ‬
‫و ‪ -‬اللّمس ‪:‬‬
‫‪ - 61‬اللّمس قوّة مثبتة على سطح البدن تدرك به الحرارة والبرودة والنّعومة والخشونة‬
‫ونحوها عند المماسّة ‪ .‬وقد ذكر فقهاء المالكيّة أنّ في إذهاب هذه القوّة دي ًة كاملةً قياسا على‬
‫شمّ ‪ .‬ولم نجد لبقيّة الفقهاء كلما في هذا الموضوع ‪.‬‬
‫ال ّ‬
‫ز ‪ -‬قوّة الجماع والمناء ‪:‬‬
‫‪ - 62‬صرّح الفقهاء بأنّه تجب الدّية الكاملة بالجناية على قوّة الجماع إذا عجز عنه كاملً‬
‫بإفساد إنعاظه ‪ ،‬ولو مع بقاء المنيّ وسلمة الصّلب والذّكر ‪ ،‬أو انقطع ماؤه ‪ ،‬سواء أكان‬
‫ن الجماع منفعة مقصودة تتعلّق به مصالح جمّة ‪ ،‬فإذا‬
‫بالضّرب على الصّلب أو غير ذلك ‪ .‬ل ّ‬
‫فات وجب به دية كاملة ‪ .‬وكذلك بانقطاع الماء يفوت جنس المنفعة من التّوالد والتّناسل ‪ .‬ول‬
‫تندرج في إتلف الجماع أو المناء دية الصّلب وإن كانت قوّة الجماع فيه كما قال المالكيّة ‪.‬‬
‫فلو ضرب صلبه فأبطله وأبطل جماعه فعليه ديتان ‪.‬‬
‫وذكر الشّافعيّة من هذا القبيل إتلف قوّة حبل المرأة فيكمل فيه ديتها لنقطاع النّسل ‪.‬‬
‫دية الشّجاج والجراح ‪:‬‬
‫‪ - 63‬الشّجاج ما يكون في الرّأس أو الوجه ‪ ،‬والجراح ما يكون في سائر البدن ‪.‬‬
‫وقد اتّفق الفقهاء على أنّه ل يجب أرش مقدّر في سائر جراح البدن ‪ ،‬باستثناء الجائفة ‪ ،‬وإنّما‬
‫تجب فيها الحكومة ‪ ،‬وذلك لنّه لم يرد فيها نصّ من الشّرع ويصعب ضبطها وتقديرها‪ .‬أمّا‬
‫الجائفة ‪ ،‬وهي ما وصل إلى الجوف من بطنٍ أو ظهرٍ أو صدرٍ أو ثغرة نح ٍر أو وركٍ أو‬
‫ن فيها ثلث الدّية ‪ ،‬سواء أكانت عمدا‬
‫جنبٍ أو خاصر ٍة أو مثان ٍة أو غيرها فاتّفق الفقهاء على أ ّ‬
‫أم خطأً ‪ ،‬وذلك لما ورد في حديث عمرو بن حزمٍ « وفي الجائفة ثلث الدّية » ‪.‬‬
‫ب لخر تعتبر جائفتين ‪ ،‬وفيهما ثلثا الدّية ‪.‬‬
‫ن الجائفة إذا نفذت من جان ٍ‬
‫كما اتّفقوا على أ ّ‬
‫أمّا الشّجاج وهي الجروح الواقعة في الرّأس والوجه فقد قسّمها أكثر الفقهاء إلى عشرة‬
‫أقسامٍ ‪ ،‬على اختلفٍ في تسميتها ‪ ،‬وينظر ذلك في مصطلح كلّ منها ‪.‬‬
‫جزاء هذه الشّجاج ‪:‬‬
‫‪ - 64‬ذهب جمهور الفقهاء " الحنفيّة والمالكيّة والحنابلة وهو وجه عند الشّافعيّة " إلى عدم‬
‫وجوب أرشٍ مقدّرٍ فيما يكون أقلّ من الموضحة ‪ ،‬أي قبل الموضحة ‪ ،‬وهي الحارصة ‪،‬‬
‫والدّامعة والدّامية والباضعة والمتلحمة والسّمحاق ‪ ،‬وإنّما يجب في كلّ من هذه الشّجاج‬
‫ل ‪ .‬لنّه ليس فيها أرش مقدّر ‪ ،‬ول يمكن إهدارها ‪ ،‬فتجب الحكومة ‪.‬‬
‫حكومة عد ٍ‬
‫والقول الثّاني عند الشّافعيّة أنّه إن لم يمكن معرفة قدرها من الموضحة فكذلك ‪.‬‬
‫ن المقطوع ثلث أو‬
‫وإن أمكن بأن كان على رأس موضح ٍة إذا قيس بها الباضعة مثلً عرف أ ّ‬
‫نصف في عمق اللّحم وجب قسطه من أرش الموضحة ‪ .‬قال النّوويّ ‪ :‬فإن شككنا في قدرها‬
‫من الموضحة أوجبنا اليقين ‪ ،‬قال الصحاب ‪ :‬وتعتبر مع ذلك الحكومة ‪ ،‬فيجب أكثر المرين‬
‫ل واحدٍ منهما ‪.‬‬
‫من الحكومة وما يقتضيه التّقسيط ‪ ،‬لنّه وجد سبب ك ّ‬
‫ل واحدٍ منها أرش مقدّر ‪ ،‬وبيانه‬
‫أمّا الموضحة والهاشمة والمنقّلة والمّة أو المأمومة ففي ك ّ‬
‫فيما يلي ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬الموضحة ‪:‬‬
‫‪ - 65‬الموضحة هي أقلّ شجّ ٍة فيها أرش مقدّر من الشّارع ‪ ،‬ولها أه ّميّة عند الفقهاء ‪ ،‬لنّه‬
‫يجب فيها القصاص إذا كانت عمدا ‪ ،‬وهي الفاصل بين وجوب المقدّر أي الرش وغير‬
‫المقدّر أي الحكومة ‪.‬‬
‫واتّفق الفقهاء على أنّه في الموضحة نصف عشر الدّية ‪ ،‬وهو خمس من البل في الحرّ الذّكر‬
‫المسلم ‪ .‬لما ورد في حديث عمرو بن حزمٍ « وفي الموضحة خمس من البل » ‪.‬‬
‫إلّ أنّ المالكيّة ل يعتبرون الجرح على النف واللّحي السفل موضحةً ‪ ،‬فل يقولون فيها‬
‫ل ‪ ،‬كسائر جراحات البدن ‪.‬‬
‫ش مقدّرٍ ‪ ،‬فتجب فيهما حكومة عد ٍ‬
‫بأر ٍ‬
‫ي عليه أصلعا ‪ ،‬وإلّ ففيها حكومة عدلٍ ‪ ،‬لنّ جلده أنقص‬
‫وقيّدها الحنفيّة بأن ل يكون المجن ّ‬
‫زين ًة من غيره ‪.‬‬
‫وقال الشّافعيّة وإنّما يجب في الموضحة خمس من البل في حقّ من تجب الدّية الكاملة بقتله‪،‬‬
‫وهو الحرّ المسلم الذّكر وهذا المبلع نصف عشر ديته ‪ ،‬فتراعى هذه النّسبة في حقّ غيره‬
‫فتجب في موضحة اليهوديّ نصف عشر ديته وهو بعير وثلثان ‪ ،‬وفي موضحة المرأة بعيران‬
‫ونصف ‪ ،‬وفي موضحة المجوسيّ ثلثا بعيرٍ ‪.‬‬
‫وذهب الحنابلة إلى التّسوية بين الذّكر والنثى في موضحتهما لما ورد في حديث عمرو بن‬
‫حزمٍ ‪ « :‬وفي الموضحة خمس من البل » ‪ ،‬وهو مطلق ‪ ،‬فالرّجل والمرأة ل يختلفان في‬
‫أرش الموضحة لنّه دون الثّلث ‪ ،‬وهما يستويان فيما دون الثّلث ويختلفان فيما زاد على الثّلث‬
‫‪.‬‬
‫ن موضحة الرّأس والوجه سواء ‪ ،‬وروي ذلك عن أبي بكرٍ وعمر‬
‫وذهب أكثر الفقهاء إلى أ ّ‬
‫رضي ال عنهما وبه قال شريح ومكحول والشّعبيّ والزّهريّ وربيعة ‪.‬‬
‫ن موضحة الوجه فيها عشر من البل‬
‫وروي عن سعيد بن المسيّب وهو رواية عن أحمد أ ّ‬
‫ن شينها أكثر ‪ ،‬وموضحة الرّأس يسترها الشّعر والعمامة ‪.‬‬
‫لّ‬
‫ب ‪ -‬الهاشمة ‪:‬‬
‫‪ - 66‬الهاشمة هي الّتي تتجاوز الموضحة وتهشم العظم أي تكسره ‪ ،‬كما تقدّم ‪ ،‬وذهب‬
‫جمهور الفقهاء إلى أنّ فيها عشر الدّية ‪ ،‬وهو عشرة أبعرةٍ ‪ ،‬وهذا عند الحنفيّة والحنابلة ‪،‬‬
‫ت رضي ال عنه ‪،‬‬
‫وهو قول الشّافعيّة إذا كانت مع اليضاح ‪ .‬وروي ذلك عن زيد بن ثاب ٍ‬
‫وهو ل يكون إلّ عن توقيفٍ ‪ ،‬وبه قال قتادة والثّوريّ ‪.‬‬
‫ح عند الشّافعيّة‪ ،‬وقيل ‪ :‬حكومة‪.‬‬
‫أمّا في الهاشمة دون اليضاح ففيها خمسة أبعر ٍة على الص ّ‬
‫وقال ابن المنذر ‪ :‬تجب في الهاشمة الحكومة ‪ ،‬إذ ل سنّة فيها ول إجماع ‪ ،‬فتجب فيها‬
‫الحكومة كما تجب فيما دون الموضحة ‪.‬‬
‫أمّا المالكيّة فقد اختلفت أقوالهم ‪ :‬فقد جاء في مختصر خليلٍ وشروحه أنّ الهاشمة أرشها‬
‫ن الهاشمة ل دية فيها بل حكومة ‪.‬‬
‫عشر الدّية ونصفه ‪ .‬ونقل الموّاق عن ابن شاسٍ أ ّ‬
‫ل عندهم فيها عشر الدّية مائة دينارٍ ‪.‬‬
‫وقال ابن رشدٍ ‪ :‬لم يعرفها مالك ‪ ،‬وفي قو ٍ‬
‫ي المالكيّ ‪ :‬المنقّلة ‪ ،‬ويقال لها ‪ :‬الهاشمة أيضا ‪ ،‬فيها عشر الدّية ونصف‬
‫وقال النّفراو ّ‬
‫عشرها وهي خمسة عشر بعيرا ‪.‬‬
‫ج ‪ -‬المنقّلة ‪:‬‬
‫‪ - 67‬المنقّلة هي الّتي تنقل العظام بعد كسرها وتزيلها عن مواضعها ‪.‬‬
‫ول خلف بين الفقهاء في أنّه يجب في المنقّلة عشر الدّية ونصفه ‪ -‬أي خمسة عشر بعيرا‪-‬‬
‫وذلك لما ورد في حديث عمرو بن حزمٍ ‪ « :‬وفي المنقّلة خمس عشرة من البل » ‪ .‬ومثله‬
‫ما ورد في حديث عمرو بن شعيبٍ عن أبيه عن جدّه مرفوعا ‪ ،‬وقد حكى ابن المنذر إجماع‬
‫ن المنقّلة يقال لها الهاشمة أيضا عندهم ‪.‬‬
‫أهل العلم عليه ‪ .‬وقد سبق كلم بعض المالكيّة أ ّ‬
‫د ‪ -‬المّة أو المأمومة ‪:‬‬
‫‪ - 68‬المّة والمأمومة شيء واحد ‪ .‬قال ابن قدامة نقلً عن ابن عبد البرّ ‪ :‬أهل العراق‬
‫يقولون لها المّة ‪ ،‬وأهل الحجاز يقولون لها المأمومة ‪ ،‬وهي الجراحة الواصلة إلى أمّ الدّماغ‬
‫‪ ،‬وهو الجلدة الّتي تجمع الدّماغ وتستره ‪.‬‬
‫ويجب في المأمومة ثلث الدّية عند جمهور الفقهاء " الحنفيّة والمالكيّة والحنابلة ‪ ،‬وفي‬
‫الصّحيح عند الشّافعيّة " لما ورد في حديث عمرو بن حزمٍ ‪ « :‬في المأمومة ثلث الدّية »‬
‫وعن ابن عمر رضي ال عنهما عن النّبيّ صلى ال عليه وسلم مثل ذلك ‪.‬‬
‫ونقل النّوويّ عن الماورديّ أنّ فيها ثلث الدّية وحكومةً ‪.‬‬
‫هـ ‪ -‬الدّامغة ‪:‬‬
‫شجّة الّتي تتجاوز عن المّة فتخرق الجلدة وتصل إلى الدّماغ وتخسفه ‪.‬‬
‫‪ - 69‬الدّامغة هي ال ّ‬
‫ولم يذكرها بعض الفقهاء في بحث الشّجاج ‪ ،‬لنّ المجنيّ عليه يموت بعدها عادةً ‪ ،‬فيكون‬
‫قتلً ‪ ،‬ل شجّا ‪ .‬فإن عاش المحنيّ عليه بعد الدّامغة ‪ ،‬فذهب جمهور الفقهاء " الحنفيّة‬
‫ح المنصوص عند الشّافعيّة " إلى أنّ‬
‫والمالكيّة في المعتمد وهو المذهب عند الحنابلة والص ّ‬
‫فيها ما في المّة ‪ ،‬وهو ثلث الدّية ‪.‬‬
‫ل عند الشّافعيّة والحنابلة تجب فيها مع الثّلث حكومة لخرق غشاء الدّماغ ‪.‬‬
‫وفي قو ٍ‬
‫ل عند المالكيّة تجب في الدّامغة حكومة عدلٍ ‪.‬‬
‫وفي قو ٍ‬
‫تداخل الدّيات وتعدّدها ‪:‬‬
‫‪ - 70‬الصل أنّ الدّية تتعدّد بتعدّد الجناية وإتلف العضاء أو المعاني المختلفة إذا لم تفض‬
‫إلى الموت ‪ .‬فإن قطع يديه ورجليه معًا ولم يمت المجنيّ عليه تجب ديتان ‪.‬‬
‫وإن جنى عليه فأذهب سمعه وبصره وعقله وجب ثلث دياتٍ ‪ ،‬وهكذا ‪ ،‬وقد روي عن عمر‬
‫بن الخطّاب رضي ال عنه في رجلٍ رمى آخر بحجرٍ فذهب عقله وبصره وسمعه وكلمه‬
‫فقضى فيه بأربع دياتٍ وهو حيّ ‪ ،‬لنّه أذهب منافع في كلّ واحدةٍ منها دية ‪ ،‬فوجب عليه‬
‫دياتها كما لو أذهبها بجناياتٍ مختلف ٍة ‪.‬‬
‫أمّا إذا أفضت الجناية إلى الموت فتتداخل ديات الطراف والمعاني في دية النّفس فل تجب‬
‫إلّ دية واحدة ‪.‬‬
‫ن الجناية على ما دون النّفس إذا‬
‫‪ - 71‬وبناءً على هذا الصل اتّفق الفقهاء في الجملة على أ ّ‬
‫ن واحدٍ تتداخل مع الجناية على النّفس ‪.‬‬
‫لم يطرأ عليها البرء والندمال وكانت من جا ٍ‬
‫ل دية واحدة ‪.‬‬
‫فإذا قطع يديه خطأً ثمّ قتله خطأً قبل البرء ل يجب على الجاني إ ّ‬
‫وكذلك إذا قطع سائر أعضائه خطأً ثمّ قتله خطأً ‪ ،‬أو سرت الجناية على الطراف إلى النّفس‬
‫فمات منها ‪.‬‬
‫كما اتّفقوا على أنّه تتداخل العضاء في منافعها ‪ ،‬والمنافع في العضاء إذا كانت الجناية‬
‫على نفس المحلّ ‪ ،‬سواء أكانت مرّ ًة واحدةً أم بدفعاتٍ مختلف ٍة ‪ ،‬إذا لم يطرأ عليها البرء ‪.‬‬
‫فإذا قطع أنفه وأذهب شمّه ل تجب إلّ دية واحدة ‪ ،‬وإذا أذهب بصره ثمّ فقأ عينيه ل تجب إلّ‬
‫دية واحدة وهكذا ‪ .‬وسواء أحصلت الجنايتان معا أم بالتّراخي بشرط أن ل يتخلّل بينهما برء‪.‬‬
‫وهذا إذا اتّفقت صفة الجناية على النّفس والطراف في العمد والخطأ ‪ ،‬وكانت الجناية في‬
‫الطراف بالقطع وإتلف المعاني في محلّ واحدٍ ‪ ،‬ولم يطرأ على الجنايتين اندمال ‪.‬‬
‫ى من نفس‬
‫وإذا طرأ البرء والندمال بين الجنايتين على الطراف ‪ ،‬أو على طرفٍ ومعن ً‬
‫الطّرف تتعدّد الدّيات ‪ .‬فإذا قطع أنفه واندمل ثمّ أتلف شمّه تجب عليه ديتان ‪.‬‬
‫وإذا قطع يديه ورجليه ولم يسر إلى النّفس واندملت تجب عليه ديتان ‪ ،‬وهكذا ‪.‬‬
‫أمّا إن اختلفت الجناية صفةً ‪ ،‬بأن كانت إحداهما عمدا والخرى خطأً ‪ ،‬أو لم يكن محلّ‬
‫ى لكنّها سرت‬
‫الجنايتين واحدا ‪ ،‬ولم يتخلّل بينهما برء ‪ ،‬أو كانت الجناية على طرفٍ أو معن ً‬
‫إلى طرفٍ أو معنىً آخر ففي هذه المسائل وفروعٍ أخرى من نوعها خلف وتفصيل ‪ ،‬بيان‬
‫ضوابطه فيما يلي ‪:‬‬
‫‪ - 72‬يقول الحنفيّة ‪ :‬من قطع يد رجلٍ خطأً ثمّ قتله عمدا قبل أن تبرأ ‪ ،‬أو قطع يده عمدا ثمّ‬
‫قتله خطأً أو قطع يده خطأً فبرئت يده ثمّ قتله خطأً ‪ ،‬أو قطع يده عمدا فبرأت ثمّ قتله عمدا‬
‫فإنّه يؤخذ بالمرين جميعا ‪.‬‬
‫ن الجمع بين الجراحات واجب ما أمكن تتميما‬
‫جاء في الهداية وفتح القدير ‪ :‬الصل فيه أ ّ‬
‫ت متعاقبةٍ وفي اعتبار كلّ ضربةٍ بنفسها بعض الحرج‬
‫ن القتل في الع ّم يقع بضربا ٍ‬
‫للوّل ل ّ‬
‫ل واحدٍ حكم نفسه وقد تعذّر الجمع في هذه الفصول في‬
‫إلّ أن ل يمكن الجمع فيعطى ك ّ‬
‫الوّلين لختلف حكم الفعلين وفي الخرين لتخلّل البرء ‪ ،‬وهو قاطع للسّراية حتّى لو لم‬
‫يتخلّل وقد تجانسا بأن كانا خطأين يجمع بالجماع لمكان الجمع واكتفي بديةٍ واحد ٍة ‪.‬‬
‫ج رجلًا فذهب عقله أو شعر رأسه دخل فيه أرش الموضحة ;‬
‫وقال الموصليّ الحنفيّ ‪ :‬من ش ّ‬
‫ن العقل إذا فات فاتت منفعة جميع العضاء فصار كما إذا شجّه فمات ‪ ،‬وأمّا الشّعر فلنّ‬
‫لّ‬
‫أرش الموضحة يجب لفوات بعض الشّعر حتّى لو نبت سقط الرش ‪ ،‬والدّية تجب بفوات‬
‫ل واحدٍ فيدخل الجزء في الكلّ كما لو قطع أصبعه فشلّت يده وإن‬
‫جميع الشّعر ‪ ،‬وقد تعلّقا بفع ٍ‬
‫ذهب سمعه أو بصره أو كلمه لم تدخل ‪ ،‬ويجب أرش الموضحة مع ذلك ‪ ،‬لما روينا عن‬
‫عمر رضي ال عنه أنّه قضى في ضرب ٍة واحدةٍ بأربع دياتٍ ‪ ،‬ولنّ منفعة كلّ عض ٍو من هذه‬
‫العضاء مختصّة به ل تتعدّى إلى غيره فأشبه العضاء المختلفة ‪ ،‬بخلف العقل فإنّ منفعته‬
‫شجّة تدخل في دية السّمع والكلم دون‬
‫ن ال ّ‬
‫تتعدّى إلى جميع العضاء ‪ .‬وعن أبي يوسف أ ّ‬
‫ن السّمع والكلم أمر باطن فاعتبره بالعقل ‪ ،‬أمّا البصر فأمر ظاهر فل يلتحق به‬
‫البصر ‪ ،‬ل ّ‬
‫‪ .‬وقال الزّيلعيّ ‪ :‬الجناية إذا وقعت على عض ٍو واحدٍ فأتلفت شيئين ‪ ،‬وأرش أحدهما أكثر ‪،‬‬
‫دخل القلّ فيه ‪ ،‬ول فرق في هذا بين أن تكون الجناية عمدا أو خطأً ‪ ،‬وإن وقعت على‬
‫ل واحدٍ منهما أرشه سواء كان عمدا أو خطأً عند أبي حنيفة‬
‫عضوين ل يدخل ‪ ،‬ويجب لك ّ‬
‫رحمه ال ‪ ،‬لسقوط القصاص به عنده ‪ ،‬وعندهما يجب للوّل القصاص إن كان عمدا وأمكن‬
‫ل فكما قال أبو حنيفة ‪ .‬وقال زفر ل يدخل أرش العضاء بعضه في بعضٍ ‪،‬‬
‫الستيفاء ‪ ،‬وإ ّ‬
‫ن كلّ واحدٍ منهما جناية فيما دون النّفس فل يتداخلن كسائر الجنايات ‪.‬‬
‫لّ‬
‫ل المنفعة بمحلّها ‪ ،‬فلو ضرب صلبه فبطل‬
‫‪ - 73‬يقول المالكيّة ‪ :‬تتعدّد الدّية بتعدّد الجناية إ ّ‬
‫ج رجلًا‬
‫ن من ش ّ‬
‫قيامه وقوّة ذكره حتّى ذهب منه أمر النّساء لم يندرج ‪ ،‬ووجبت ديتان ‪ ،‬كما أ ّ‬
‫موضحةً فذهب من ذلك سمعه وعقله فعلى عاقلته ديتان بجانب أرش الموضحة ‪.‬‬
‫أمّا إذا ذهبت المنفعة بمحلّها فتندرج الجنايتان ‪ ،‬فتجب دية واحدة ‪ ،‬على المنفعة ومحلّهامعا‪.‬‬
‫وكذا إذا جنى على لسانه فأذهب ذوقه ونطقه أو فعل به ما منع به واحدا منهما ‪ ،‬أو هما مع‬
‫بقاء اللّسان إذا ذهب كلّه بضرب ٍة أو بضرباتٍ في فورٍ ‪ .‬وأمّا بضرباتٍ بغير فورٍ فتتعدّد‬
‫ل به ‪.‬‬
‫بمحلّها الّذي ل توجد إ ّ‬
‫فإن وجدت بغيره وبه ولو أكثرها ‪ ،‬كأن كسر صلبه فأقعده وذهبت قوّة الجماع فعليه دية لمنع‬
‫قيامه ‪ ،‬ودية لعدم قوّة الجماع وإن كان أكثرها في الصّلب ‪.‬‬
‫ن في‬
‫واختلفت أقوال المالكيّة في الذن والنف ‪ ،‬فقد نقل أكثر شرّاح خليلٍ عن ابن القاسم أ ّ‬
‫شمّ ديةً ويندرج في النف كالبصر مع العين والسّمع مع الذن ‪.‬‬
‫ال ّ‬
‫ص خليلٍ ‪ " :‬وتعدّدت الدّية‬
‫ن المنفعة ل تتعدّد بمحلّها ‪ ،‬كما اقتضاه ن ّ‬
‫وهذا مطابق لقاعدة ‪ :‬إ ّ‬
‫ل المنفعة بمحلّها " ‪ ،‬وهذا هو الصّواب ‪ ،‬كما قال البنانيّ ‪.‬‬
‫بتعدّدها إ ّ‬
‫وقال الزّرقانيّ ‪ :‬ول يشمل قوله " بمحلّها " الذن والنف ‪ ،‬وإن اقتضاه كلم بعض الشّرّاح ‪،‬‬
‫ن السّمع ليس‬
‫شمّ ‪ ،‬ل ّ‬
‫بل في قطع الذن أو النف غير المارن حكومة ‪ ،‬والدّية في السّمع وال ّ‬
‫شمّ ليس محلّه النف بدليل تعريفيهما ‪.‬‬
‫محلّه الذن ‪ ،‬وال ّ‬
‫ي في شرحه على المنهاج ‪ :‬إذا أزال الجاني أطرافا تقتضي‬
‫‪ - 74‬أمّا الشّافعيّة فقال الشّربين ّ‬
‫دياتٍ كقطع أذنين ‪ ،‬ويدين ورجلين ‪ ،‬ولطائف " معاني " تقتضي دياتٍ ‪ ،‬كإبطال سمعٍ ‪،‬‬
‫وبصرٍ وشمّ ‪ ،‬فمات سرايةً منها ‪ ،‬وكذا من بعضها ولم يندمل البعض كما اقتضاه نصّ‬
‫الشّافعيّ ‪ ،‬واعتمده البلقينيّ إذا كان قبل الندمال للبعض الخر فدية واحدة ‪ ،‬وسقط بدل ما‬
‫ذكره ‪ ،‬لنّها صارت نفسا ‪ ،‬أمّا إذا مات بسراية بعضها بعد اندمال بعضٍ آخر منها لم يدخل‬
‫ما اندمل في دية النّفس قطعا ‪ ،‬وكذا لو جرحه جرحا خفيفا ل مدخل للسّراية فيه ثمّ أجافه‬
‫"أصابه بجائفةٍ" فمات بسراية الجائفة قبل اندمال ذلك الجرح فل يدخل أرشه في دية النّفس‬
‫كما هو مقتضى كلم الرّوضة وأصلها ‪ ،‬أمّا ما ل يقدّر بالدّية فيدخل أيضا كما فهم ممّا تقرّر‬
‫بالولى ‪ ،‬وكذا لو حزّه الجاني أي قطع عنق المجنيّ عليه قبل اندماله من الجراحة يلزمه‬
‫ن دية النّفس وجبت قبل استقرار ما عداها فيدخل‬
‫للنّفس دية واحدة في الصحّ المنصوص ‪ ،‬ل ّ‬
‫فيها بدله كالسّراية ‪ .‬والثّاني تجب ديات ما تقدّمها ‪ ،‬لنّ السّراية قد انقطعت بالقتل فأشبه‬
‫انقطاعها بالندمال ‪ .‬وما سبق هو عند اتّحاد الفعل المجنيّ به ‪ ،‬فإن كان مختلفًا كأن حزّ‬
‫الرّقبة عمدًا والجناية الحاصلة قبل الحزّ خطأً ‪ ،‬أو شبه عمدٍ أو عكسه كأن حزّه خطأً‬
‫ح ‪ ،‬بل يستحقّ‬
‫والجنايات عمدًا أو شبه عمدٍ فل تداخل لشيءٍ ممّا دون النّفس فيها في الص ّ‬
‫الطّرف والنّفس لختلفهما واختلف من تجب عليه ‪ ،‬فلو قطع يديه ورجليه خطأً أو شبه عمدٍ‬
‫ثمّ حزّ رقبته عمدًا ‪ ،‬أو قطع هذه الطراف عمدا ث ّم ح ّز الرّقبة خطأً أوشبه عمدٍ وعفا الوّل‬
‫في العمد على ديته وجبت في الولى دية خطأٍ أو شبه عمدٍ ودية عمدٍ ‪ ،‬وفي الثّانية ديتا عمدٍ‬
‫ح تسقط الدّيات فيهما ‪ ،‬ولو حزّ‬
‫ودية خطأٍ أو شبه عمدٍ ‪ ،‬والقول الثّاني وهو مقابل الص ّ‬
‫ن فعل النسان ل يدخل في فعل غيره‬
‫الرّقبة غيره أي الجاني المتقدّم تعدّدت ‪ ،‬أي الدّيات ‪ ،‬ل ّ‬
‫‪ ،‬فيلزم كلّا منهما ما أوجبته جنايته ‪.‬‬
‫‪ - 75‬وقال الحنابلة ‪ :‬إذا قطع يديه ورجليه ث ّم عاد فضرب عنقه قبل أن تندمل جراحه ‪،‬‬
‫وصار المر إلى الدّية بعفو الوليّ أو كون الفعل خطأً أو شبه عمدٍ أو غير ذلك فالواجب دية‬
‫واحدة ‪ ،‬لنّه قاتل قبل استقرار الجرح ‪ ،‬فدخل أرش الجراحة في أرش النّفس ‪ ،‬كما لو سرت‬
‫إلى النّفس ‪.‬‬
‫وقال بعضهم ‪ :‬تجب دية الطراف المقطوعة ودية النّفس ‪ ،‬لنّه لمّا قطع بسراية الجرح بقتله‬
‫صار كالمستقرّ ‪ ،‬فأشبه ما لو قتله غيره ‪.‬‬
‫وإن قطع الجاني بعض أعضائه ثمّ قتله بعد أن برئت الجراح ‪ ،‬مثل إن قطع الجاني يديه‬
‫ورجليه فبرئت جراحته ثمّ قتله فقد استقرّ حكم القطع بالبرء ولوليّ القتيل الخيار ‪ ،‬إن شاء‬
‫ل جنايةٍ‬
‫عفا وأخذ ثلث دياتٍ ‪ ،‬وإن شاء قتله وأخذ ديتين ‪ ،‬دي ًة لليدين وديةً للرّجلين ‪ ،‬لنّ ك ّ‬
‫من ذلك استقرّ حكمها ‪ ،‬كما قال البهوتيّ ‪.‬‬
‫وهذا يعني أنّه ل تداخل بعد الندمال عندهم ل في النّفس ول في العضاء ‪.‬‬
‫من تجب عليه الدّية ‪:‬‬
‫‪ - 76‬الصل أنّ الدّية إذا كان موجبها الفعل الخطأ أو شبه العمد ‪ ،‬ولم تكن أقلّ من الثّلث‬
‫ل دية العبد أو ما وجب بإقرار المجنيّ عليه أو الصّلح ‪ ،‬لقوله صلى ال‬
‫تتحمّلها العاقلة ‪ ،‬إ ّ‬
‫عليه وسلم ‪ « :‬ل تعقل العواقل عمدا ول عبدا ول صلحا ول اعترافا » ‪.‬‬
‫ويشترك مع العاقلة في تحمّل دية الخطأ الجاني نفسه عند الحنفيّة والمالكيّة ‪ ،‬خلفا للشّافعيّة‬
‫ومن معهم ‪ ،‬حيث قالوا ‪ :‬ليس على الجاني المخطئ شيء من الدّية ‪.‬‬
‫وقد تقدّم دليل وحكمة تحمّل العاقلة دية الخطأ وشبه العمد ‪.‬‬
‫وينظر تفصيل هذه المسائل في مصطلح ‪ ( :‬عاقلة ) ‪.‬‬
‫أمّا إذا كانت الجناية عمدا وسقط القصاص بشبهةٍ أو نحوها ‪ ،‬أو ثبتت باعتراف الجاني أو‬
‫ن الدّية تجب في مال الجاني نفسه ‪ ،‬لنّها دية مغلّظة ‪ ،‬ومن وجوه التّغليظ في العمد‬
‫الصّلح فإ ّ‬
‫وجوب الدّية على الجاني نفسه كما سبق ‪.‬‬
‫واختلفوا في عمد الصّبيّ والمجنون ‪ :‬فقال جمهور الفقهاء " الحنفيّة والمالكيّة والحنابلة وهو‬
‫مقابل الظهر عند الشّافعيّة " إنّ عمد الصّبيّ والمجنون خطأ تحمله العاقلة ‪ ،‬لنّه ل يتحقّق‬
‫منهما كمال القصد ‪ ،‬فديتهما على عاقلتهما كشبه العمد ‪.‬‬
‫ن مجنونا صال على رجلٍ بسيف فضربه ‪ ،‬فرفع ذلك إلى عليّ رضي ال عنه فجعل عقله‬
‫ول ّ‬
‫على عاقلته بمحضرٍ من الصّحابة رضي ال عنهم وقال ‪ :‬عمده وخطؤه سواء ‪.‬‬
‫ن الصّبيّ مظنّة المرحمة ‪ ،‬والعاقل المخطئ لمّا استحقّ التّخفيف حتّى وجبت الدّية على‬
‫ول ّ‬
‫عاقلته ‪ ،‬فهؤلء ‪ -‬وهم أغرار ‪ -‬أولى بهذا التّخفيف ‪.‬‬
‫ن عمد الصّبيّ والمجنون عمد إذا كان لهما نوع تمييزٍ ‪ ،‬إلّ أنّه‬
‫وقال الشّافعيّة في الظهر ‪ :‬إ ّ‬
‫ل يجب عليهما القصاص للشّبهة ‪ ،‬لنّهما ليسا من أهل العقوبة ‪ ،‬فيجب عليهما موجبه الخر‬
‫وهو الدّية ‪.‬‬
‫وجوب الدّية على أهل القرية ‪:‬‬
‫‪ - 77‬إذا وجد قتيل في قري ٍة أو مكان مملوكٍ لجماع ٍة ‪ ،‬ول يعرف قاتله ‪ ،‬وادّعى الولياء‬
‫القتل على أهل المحلّة ‪ ،‬وجبت الدّية بعد القسامة ‪ ،‬على خلفٍ وتفصيلٍ في شروط وأحكام‬
‫القسامة ‪ ،‬تنظر في مصطلح ‪ ( :‬قسامة ) ‪.‬‬
‫وجوب الدّية في بيت المال ‪:‬‬
‫يتحمّل بيت المال الدّية في الحالت التّالية ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬عدم وجود العاقلة أو عجزها عن أداء الدّية ‪:‬‬
‫ن من ل عاقلة له ‪ ،‬أو كان له عاقلة وعجزت عن جميع ما وجب‬
‫‪ - 78‬صرّح الفقهاء بأ ّ‬
‫بخطئه أو تتمّته تكون ديته في بيت المال ‪ ،‬لقوله صلى ال عليه وسلم ‪ « :‬أنا وارث من ل‬
‫وارث له أعقل عنه وأرثه » ‪.‬‬
‫وقال المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة ‪ :‬هذا إذا كان الجاني مسلما ‪ ،‬فإن كان مستأمنا أو ذ ّميّا‬
‫فديته في مال الجاني عند الحنابلة في الرّاجح ‪ ،‬وهو المذهب عند الشّافعيّة ‪ ،‬وقيل ‪ :‬عندهم‬
‫قولن ‪ ،‬كمسلمٍ ل عاقلة له ول بيت مالٍ ‪.‬‬
‫قال ابن قدامة ‪ :‬من ل عاقلة له هل يؤدّى عنه من بيت المال أو ل ؟ فيه روايتان ‪:‬‬
‫إحداهما ‪ :‬يؤدّى عنه منه ‪ ،‬وهو مذهب الزّهريّ والشّافعيّ ‪ « ،‬لنّ النّبيّ صلى ال عليه‬
‫ن المسلمين يرثون من ل‬
‫وسلم ودى النصاريّ الّذي قتل بخيبر من بيت المال » ‪ ،‬ول ّ‬
‫وارث له ‪ ،‬فيعقلون عنه عند عدم عاقلته ‪ ،‬كعصباته ومواليه ‪.‬‬
‫والثّانية ‪ :‬ل يجب ذلك ‪ ،‬لنّ بيت المال فيه حقّ للنّساء والصّبيّان والمجانين والفقراء ‪ ،‬ول‬
‫عمل عليهم ‪ ،‬فل يجوز صرفه فيما ل يجب عليهم ‪.‬‬
‫وقال المالكيّة ‪ :‬الكافر ال ّذ ّميّ يعقل عنه ذوو دينه الّذين يؤدّون معه الجزية ‪ ،‬والصّلحيّ يعقل‬
‫عنه أهل صلحه ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬خطأ المام أو الحاكم في حكمه ‪:‬‬
‫‪ - 79‬إذا أخطأ وليّ المر أو القاضي في حكمه فتلف بذلك نفس أو عضو ‪ ،‬فديته على بيت‬
‫المال عند جمهور الفقهاء وهم الحنفيّة ‪ ،‬وهو الصحّ عند الحنابلة وقول عند الشّافعيّة ‪،‬‬
‫ن ديته تجب في بيت‬
‫ومثاله من مات في التّعزير بسبب الزّيادة والتّجاوز بأمر المام ‪ ،‬فإ ّ‬
‫المال ‪ ،‬ل على العاقلة ‪.‬‬
‫واستدلّوا على وجوبها في بيت المال بأنّه خطأ يكثر وجوده ‪ ،‬فلو وجب ضمانه على عاقلة‬
‫المام أجحف بهم ‪.‬‬
‫وفي الظهر عند الشّافعيّة وهو الرّواية الثّانية عند الحنابلة ‪ :‬أنّها تجب على عاقلته ‪ ،‬لنّها‬
‫وجبت بخطئه ‪ ،‬كما لو رمى صيدًا فقتل آدميّا ‪.‬‬
‫وعند المالكيّة ‪ :‬إن زاد في التّعزير يظنّ السّلمة فخاب ظنّه فهدر ‪ ،‬وإن شكّ فالدّية على‬
‫العاقلة ‪ ،‬وهو كواحدٍ منهم ‪.‬‬
‫ج ‪ -‬وجود القتيل في الماكن العامّة ‪:‬‬
‫‪ - 80‬إذا وجد القتيل في مكان يكون التّصرّف فيه لعامّة المسلمين ‪ ،‬كالشّارع العظم النّافذ‪،‬‬
‫ل مكان ل يختصّ التّصرّف فيه لواحدٍ منهم ‪ ،‬ول لجماعةٍ‬
‫والجامع الكبير ‪ ،‬والسّجن وك ّ‬
‫ن الغرم بالغنم ‪ ،‬فلمّا كان عامّة المسلمين هم المنتفعين‬
‫يحصون ‪ ،‬فالدّية في بيت المال ‪ ،‬ل ّ‬
‫بهذه الماكن كان الغرم عليهم ‪ ،‬فيدفع من مالهم الموضوع لهم في بيت المال ‪.‬‬
‫وكذلك إذا قتل شخص في زحام طوافٍ أو مسجدٍ عا ّم أو الطّريق العظم ولم يعرف قاتله ‪،‬‬
‫ل دم امرئٍ مسلمٍ » ‪.‬‬
‫فديته في بيت المال ‪ ،‬لقول عليّ رضي ال عنه ‪ « :‬ل يط ّ‬
‫تعذّر حصول الدّية من بيت المال ‪:‬‬
‫‪ - 81‬إذا لم يكن للجاني عاقلة ‪ ،‬وتعذّر حصول الدّية من بيت المال ‪ ،‬لعدم وجوده أو عدم‬
‫ضبطه ‪ ،‬فهل يسقط الدّم أو تجب الدّية كاملةً على الجاني نفسه ؟‬
‫اختلف الفقهاء ‪ :‬فقال الحنفيّة والمالكيّة وهو الظهر عند الشّافعيّة واختاره ابن قدامة من‬
‫الحنابلة ‪ :‬أنّها تجب في مال الجاني ‪.‬‬
‫وذهب الحنابلة إلى أنّها تسقط بتعذّر أخذها من بيت المال حيث وجبت فيه ‪ ،‬ول شيء على‬
‫القاتل ‪ ،‬وهذا هو المذهب عندهم ‪ ،‬ول على العاقلة أيضًا لعجزها عن أداء ما وجب عليها من‬
‫ل يضيع دم المسلم هدرا ‪ ،‬قال‬
‫الدّية ‪ ،‬ولو أيسرت العاقلة بعد ذلك أخذت الدّية منها كامل ًة لئ ّ‬
‫الرّحيبانيّ ‪ :‬وهذا متّجه ‪ ،‬ويتّجه أنّه إذا تعذّر أخذ الدّية من بيت المال فتجب في مال القاتل ‪.‬‬
‫وفي وجهٍ عند الشّافعيّة ‪ :‬ل تؤخذ من الجاني بل تجب على جماعة المسلمين كنفقة الفقراء‬
‫كما ذكره النّوويّ في الرّوضة ‪ ،‬وقال ‪ :‬لو حدث في بيت المال مال هل يؤخذ منه الواجب ؟‬
‫وجهان ‪ :‬أحدهما ل ‪ ،‬كما ل يطالب فقير العاقلة لغناه بعد الحول ‪.‬‬
‫من يستحقّ الدّية ‪:‬‬
‫ن المستحقّ للدّية في الجناية على ما دون النّفس أي قطع‬
‫‪ - 82‬ل خلف بين الفقهاء في أ ّ‬
‫الطراف وإزالة المعاني هو المجنيّ عليه نفسه ‪ ،‬إذ هو المتضرّر ‪ ،‬فله أن يطالب بالدّية ‪،‬‬
‫وله حقّ البراء والعفو عنها ‪.‬‬
‫وإذا عفا عن الدّية فليس للولياء المطالبة بشي ٍء إذا لم تسر الجناية إلى النّفس ‪.‬‬
‫أمّا إذا سرت الجناية إلى النّفس ومات المجنيّ عليه بعد عفوه عن قطع الطراف والمعاني‬
‫ن العفو حصل عن القطع ل عن القتل ؟ أو ليس لهم‬
‫فهل للولياء المطالبة بدية النّفس ‪ ،‬ل ّ‬
‫المطالبة بالدّية الكاملة ‪ ،‬لنّ العفو عن موجب الجناية وهو القطع عفو عن الجناية نفسها ؟‬
‫في ذلك خلف وتفصيل ‪ ،‬ينظر في مصطلح ‪ ( :‬قصاص ‪ ،‬وعفو ‪ ،‬وسراية ) ‪.‬‬
‫أمّا دية النّفس فهي موروثة كسائر أموال الميّت حسب الفرائض المقدّرة شرعا في تركته‬
‫فيأخذ منها كلّ من الورثة الرّجال والنّساء نصيبه المقدّر له باستثناء القاتل ‪ ،‬وذلك لقوله تعالى‬
‫ن رسول اللّه قال ‪:‬‬
‫‪َ { :‬و ِديَةٌ ّمسَّلمَ ٌة إِلَى أَهِْلهِ } ولما رواه عمرو بن شعيبٍ عن أبيه عن جدّه أ ّ‬
‫« العقل ميراث بين ورثة القتيل على فرائضهم » ‪ .‬وهذا قول أكثر الفقهاء ‪.‬‬
‫ي رضي ال عنه قال ‪ :‬ل يرث الدّية إلّ عصبات‬
‫وذكر ابن قدامة رواي ًة أخرى عن عل ّ‬
‫المقتول الّذين يعقلون عنه ‪ ،‬وكان عمر رضي ال عنه يذهب إلى هذا ثمّ رجع عنه لمّا بلغه‬
‫عن النّبيّ صلى ال عليه وسلم توريث المرأة من دية زوجها ‪ .‬فقد ورد في حديث « الضّحّاك‬
‫ي قال ‪ :‬كتب إليّ رسول اللّه صلى ال عليه وسلم أن أورّث امرأة أشيم الضّبابيّ من‬
‫الكلب ّ‬
‫دية زوجها أشيم » ‪.‬‬
‫وإذا لم يوجد للمقتول وارث تؤدّى ديته لبيت المال ‪ ،‬لقوله صلى ال عليه وسلم ‪ « :‬أنا وارث‬
‫من ل وارث له ‪ ،‬أعقل عنه وأرثه » ‪.‬‬
‫العفو عن الدّية ‪:‬‬
‫ن الدّية تسقط بالعفو عنها ‪ .‬فإذا عفا المجنيّ عليه عن دية‬
‫‪ - 83‬ل خلف بين الفقهاء في أ ّ‬
‫الجناية على ما دون النّفس من القطع وإتلف المعاني تسقط ديتها ‪ ،‬لنّها من حقوق العباد‬
‫الّتي تسقط بعفو من له حقّ العفو ‪ ،‬والمجنيّ عليه هو المستحقّ الوحيد في دية الطراف‬
‫والمعاني ‪ .‬واتّفقوا على أنّ دية النّفس تسقط بعفو أو إبراء جميع الورثة المستحقّين لها ‪ .‬وإذا‬
‫عفا أو أبرأ بعضهم دون البعض يسقط حقّ من عفا وتبقى حصّة الخرين في مال الجاني إن‬
‫كانت الجناية عمدا ‪ ،‬وعلى العاقلة إن كانت خطأً ‪.‬‬
‫ن المجنيّ عليه له العفو عن دم نفسه بعد ما وجب له الدّم مثل أن‬
‫واتّفقوا في الجملة على أ ّ‬
‫يعفو بعد إنفاذ مقاتله عمدا كان القتل أو خطأً ‪.‬‬
‫وإذا صار المر إلى الدّية يكون العفو بمنزلة الوصيّة فينعقد في الثّلث ‪.‬‬
‫أمّا إذا عفا المجنيّ عليه عن دية قطع عضوٍ ‪ ،‬فسرت الجناية إلى عضوٍ آخر أو مات من‬
‫ذلك فهل يشمل العفو دية النّفس أو العضو الّذي سرت إليه الجناية ؟ ففيه ما يأتي من‬
‫التّفصيل ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬إذا عفا عن القطع بلفظ الجناية بأن قال ‪ :‬عفوت عن جنايتك ‪ ،‬أو قال ‪ :‬عفوت عن القطع‬
‫وما يحدث منه ‪ ،‬شمل العفو ما يحدث من القطع من إتلف عض ٍو آخر أو الموت ‪.‬‬
‫وإن عفا عن القطع مطلقا بأن لم يقيّده بقو ٍد ول ديةٍ ‪ ،‬ولم يكن بلفظ الجناية ‪ ،‬ولم يذكر ما‬
‫ص القطع ‪ ،‬ول يتناول ما يسري منه من إتلف أعضاءٍ أخرى أو‬
‫يحدث منه فهذا العفو يخ ّ‬
‫النّفس عند أكثر الفقهاء " المالكيّة والشّافعيّة ‪ ،‬وهو قول أبي حنيفة ورواية عند الحنابلة " ‪،‬‬
‫وعلى ذلك فالجاني ضامن للجناية وما تسري إليه من نفسٍ أو عضوٍ ‪.‬‬
‫ن المالكيّة قالوا بالقصاص بعد القسامة إن كانت الجناية عمدا من واحدٍ تعيّن لها ‪.‬‬
‫حتّى إ ّ‬
‫ن سبب‬
‫واستدلّ الفقهاء لعدم شمول العفو لما يسري منه من إتلف العضاء أو النّفس بأ ّ‬
‫الضّمان قد تحقّق وهو قتل النّفس المعصومة " أو إتلف العضو " ‪ ،‬والعفو لم يتناوله‬
‫بصريحه ‪ ،‬لنّه عفا عن القطع ‪ ،‬وهو غير القتل ‪ ،‬وبالسّراية تبيّن أنّ الواقع قتل ‪ ،‬فوجب‬
‫ضمانه ‪ ،‬وكان ينبغي أن يجب القصاص في العمد إلّ أنّه تجب الدّية ‪ ،‬لنّ صورة العفو‬
‫أورثت شبه ًة وهي دارئة للقود ‪ ،‬بخلف العفو عن القطع بلفظ الجناية ‪ ،‬لنّها اسم جنسٍ‬
‫وبخلف العفو عن القطع وما يحدث منه لنّه صريح في العفو عن السّراية والقتل ‪.‬‬
‫وفي رواي ٍة عند الحنابلة ‪ ،‬وهو قول أبي يوسف ومح ّمدٍ من الحنفيّة يصحّ العفو ‪ ،‬ويتناول ما‬
‫يسري عن القطع من إتلف عض ٍو آخر أو النّفس ‪ ،‬فل شيء على القاتل ‪ ،‬وذلك لنّ العفو‬
‫عن القطع عفو عن موجبه ‪ ،‬وموجبه القطع لو اقتصر ‪ ،‬أو القتل إذا سرى ‪ ،‬فكان العفو عنه‬
‫ن اسم القطع يتناول السّاري والمقتصر ‪ ،‬فيكون العفو عن‬
‫عفوا عن موجبه أيّهما كان ‪ .‬ول ّ‬
‫القطع عفوا عن نوعيه ‪ ،‬وصار كما إذا كان العفو عن الجناية ‪ ،‬فإنّه يتناول الجناية السّارية‬
‫والمقتصرة فكذا هذا ‪.‬‬
‫وعلى ذلك فتسقط بعفو المجنيّ عليه عن القطع ولو سرت الجناية إلى النّفس عندهم ‪.‬‬
‫وتفصيل هذه المسائل في مصطلحات ‪ ( :‬قتل ‪ ،‬قصاص ‪ ،‬سراية ) ‪.‬‬

‫دياثة *‬
‫التّعريف ‪:‬‬
‫‪ - 1‬الدّياثة لغةً ‪ :‬اللتواء في اللّسان ‪ ،‬ولعلّه من التّذليل والتّليين ‪ ،‬وهي مأخوذة من داث‬
‫الشّيء ديثا من باب باع لن وسهل ‪ ،‬ويعدّى بالتّثقيل فيقال ديّث غيره ‪ .‬ومنه اشتقاق‬
‫ال ّديّوث ‪ ،‬وهو الرّجل الّذي ل غيرة له على أهله ‪ ،‬والدّياثة بالكسر ‪ :‬فعله ‪.‬‬
‫وفي اصطلح الفقهاء عرّفت الدّياثة بألفاظٍ متقاربةٍ يجمعها معنىً واحد ل تخرج عن المعنى‬
‫اللّغويّ وهو عدم الغيرة على الهل والمحارم ‪.‬‬
‫ومثل ال ّديّوث عندهم ال َقرْطبان ‪ -‬بفتح القاف وسكون الرّاء ‪ -‬والقرنان ‪.‬‬
‫اللفاظ ذات الصّلة ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬قيادة ‪:‬‬
‫‪ - 2‬القيادة ذات الصّلة بالدّياثة هي ‪ :‬السّعي بين الرّحل والمرأة بالفجور ‪ ،‬وهي فعل القوّاد‪،‬‬
‫ن الدّياثة فعل ال ّديّوث ‪ ،‬وهما متقاربان في المعنى ‪.‬‬
‫كما أ ّ‬
‫الحكم التّكليفيّ ‪:‬‬
‫‪ - 3‬الدّياثة من الكبائر لقوله صلى ال عليه وسلم ‪ « :‬ثلثة ل يدخلون الجنّة ‪ :‬العاقّ‬
‫لوالديه ‪ ،‬وال ّديّوث ‪ ،‬ورجلة النّساء » ‪.‬‬
‫فإن كانت عامّةً يمكن احتسابها من الفساد في الرض ‪ .‬قال القاضي أبو بكر بن العربيّ ‪:‬‬
‫ن النّاس كلّهم ليرضون أن تذهب أموالهم‬
‫ن الحرابة في الفروج أفحش منها في الموال ‪ ،‬وإ ّ‬
‫إّ‬
‫وتحرب من بين أيديهم ول يحرب المرء من زوجته أو بنته ‪ ،‬ولو كان فوق ما قال اللّه‬
‫عقوبة ‪ ،‬لكانت لمن يسلب الفروج ) ‪.‬‬
‫ما يتعلّق بالدّياثة من أحكامٍ ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬الطّلق ‪:‬‬
‫ن الدّياثة من مقتضيات الطّلق وأسبابها ‪ ،‬على اختلفٍ في الحكم من‬
‫‪ - 4‬ذهب الفقهاء إلى أ ّ‬
‫حيث الوجوب أو النّدب ‪ .‬والتّفصيل في مصطلح ‪ ( :‬طلق ) ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬القذف والتّعزير ‪:‬‬
‫ن من شتم آخر بأن قال له ‪ :‬يا ديّوث ‪ ،‬فإنّه يعزّر ول يحدّ ‪ ،‬لنّه آذاه‬
‫‪ - 5‬ذهب الفقهاء إلى أ ّ‬
‫بإلحاق الشّين به ‪ ،‬ول مدخل للقياس في باب الحدود فوجب التّعزير ‪.‬‬
‫ج ‪ -‬الشّهادات ‪:‬‬
‫ن الدّياثة من المور المسقطة للعدالة ولتفصيل ذلك ينظر‬
‫‪ - 6‬ذكر الشّافعيّة والحنابلة أ ّ‬
‫مصطلح ‪ ( :‬شهادة ) ‪.‬‬

‫ديانة *‬
‫التّعريف ‪:‬‬
‫‪ - 1‬الدّيانة في اللّغة ‪ :‬مصدر دان يدين بالدّين ديانةً ‪ :‬إذا تعبّد به ‪ .‬وتديّن به كذلك ‪ ،‬فهو‬
‫ديّن ‪ ،‬مثل ساد فهو سيّد ‪ ،‬وديّنته " بالتّشديد " وكّلته إلى دينه ‪ ،‬وتركته وما يدين ‪ :‬لم‬
‫أعترض عليه فيما يراه سائغا في اعتقاده ‪.‬‬
‫وفي الصطلح الفقهيّ ‪ :‬هي قبول دعوى الحالف ‪ ،‬أو المطلّق ونحوهما بلفظٍ صريحٍ بال ّنيّة ‪،‬‬
‫ل قضاء إذا ادّعى أنّه قصد باللّفظ ما يخالف ما يقتضيه ظاهر اللّفظ عرفا ‪ ،‬ولكنّه يحتمله ‪،‬‬
‫احتمالً بعيدا ‪.‬‬
‫اللفاظ ذات الصّلة ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬القضاء ‪:‬‬
‫‪ - 2‬القضاء لغ ًة ‪ :‬الحكم ‪ ،‬واصطلحا ‪ :‬هو الخبار عن حكمٍ شرعيّ على سبيل اللزام ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬الفتاء ‪:‬‬
‫‪ - 3‬الفتاء لغ ًة ‪ :‬إبانة الحكم ‪ ،‬واصطلحا ‪ :‬هو إظهار الحكم الشّرعيّ في الواقعة ل على‬
‫سبيل اللزام ‪.‬‬
‫الحكم التّكليفيّ ‪:‬‬
‫ح بالطّلق كأن يقول مخاطبا زوجته ‪:‬‬
‫‪ - 4‬ل خلف بين الفقهاء في أنّه إذا تلفّظ بلفظٍ صري ٍ‬
‫ن كان عليها ‪،‬‬
‫سيّ أو من دي ٍ‬
‫أنت مطلّقة أو أنت طالق ‪ ،‬ثمّ يقول ‪ :‬أردت أنت مطلّقة من قيدٍ ح ّ‬
‫أو يقول ‪ :‬أردت أن أقول ‪ :‬أنت حائض مثلً فسبق لساني إلى أنت طالق ‪ ،‬ولم أقصد إليه ‪،‬‬
‫فإنّه ل يقبل قضا ًء لنّه خلف الظّاهر ‪ ،‬ويقبل ديانةً ‪ ،‬لنّه صرف اللّفظ إلى معنًى يحتمله ‪.‬‬
‫ويترك وشأنه فيما بينه وبين اللّه تعالى ‪.‬‬
‫وقال المالكيّة ‪ :‬إن سألته الطّلق وكانت موثّق ًة ‪ ،‬فقال ‪ :‬أنت طالق ‪ ،‬وادّعى أنّه لم يرد‬
‫الطّلق ‪ ،‬وإنّما أراد من الوثاق ‪ ،‬أو كانت موثق ًة لم تسأله ‪ ،‬فقال ‪ :‬أنت طالق ‪ ،‬أو لم تكن‬
‫موثقةً وقال لها ‪ :‬أنت طالق ‪ ،‬فالحكم في الوّل يديّن بل خلفٍ ‪ ،‬وفي الثّالث ل يديّن من‬
‫غير خلفٍ ‪ ،‬أمّا الثّاني فقيل ‪ :‬يديّن وقيل ‪ :‬ل يديّن ‪.‬‬
‫ومعنى الدّيانة هنا مع نفي القبول ظاهرًا ‪ ،‬أن يقال للمرأة ‪ :‬أنت حرام عليه ‪ ،‬ول يجوز لك‬
‫تمكينه من نفسك إلّ إذا غلب على ظنّك صدقه بقرين ٍة ‪ .‬ويقال للزّوج ‪ :‬ل نمكّنك من تتبّعها ‪،‬‬
‫ل لك إذا راجعتها ‪.‬‬
‫ولك أن تتبعها ‪ ،‬والطّلب فيما بينك وبين اللّه إن كنت صادقا ‪ ،‬وتح ّ‬
‫وقال الحنفيّة ‪ :‬معنى الدّيانة أنّه يجوز للمفتي أن يفتيه بعدم وقوع الطّلق ‪.‬‬
‫أمّا القاضي فل يجوز له تصديقه ‪ ،‬ويقضي عليه بالوقوع ‪ ،‬لنّه خلف الظّاهر ‪ ،‬بل قرينةٍ ‪،‬‬
‫والمرأة كالقاضي ‪ ،‬ل يحلّ لها تمكينه من نفسها ‪ ،‬وليس لها دفعه عنها بقتله ‪ ،‬بل تفدي نفسها‬
‫بمالٍ أو تهرب منه ‪.‬‬
‫ضابط ما يديّن فيه ‪ ،‬وما يقبل ظاهرا ‪:‬‬
‫‪ - 5‬قال القاضي حسين من الشّافعيّة ‪ :‬ما يدّعيه الشّخص من ال ّنيّة ‪ :‬أربع مراتب ‪:‬‬
‫أحدها ‪ :‬أن يرفع ما صرّح به بأن قال ‪ :‬أنت طالق ‪ ،‬ثمّ قال ‪ :‬أردت طلقا ل يقع عليك ‪ ،‬أو‬
‫لم أرد إيقاع الطّلق ‪ ،‬فل تؤثّر دعواه ظاهرا ‪ ،‬ول يديّن باطنا ‪ ،‬لنّه خلف الظّاهر ‪ ،‬ولم‬
‫يذكر معنىً يحتمله اللّفظ ‪.‬‬
‫ثانيها ‪ :‬أن يكون ما يدّعيه مقيّدا لما تلفّظ به مطلقا ‪ ،‬بأن يقول ‪ :‬أنت طالق ‪ ،‬ثمّ يقول ‪ :‬أردت‬
‫عند دخول الدّار ‪ ،‬فل يقبل ظاهرا ‪ ،‬وفي التّديين خلف ‪.‬‬
‫ثالثها ‪ :‬أن يرجع ما يدّعيه إلى تخصيص عمومٍ فيديّن ‪ ،‬وفي القبول ظاهرا خلف ‪.‬‬
‫ع وظهورٍ ‪ ،‬وفي هذه المرتبة تقع‬
‫ل للطّلق من غير شيو ٍ‬
‫رابعها ‪ :‬أن يكون اللّفظ محتم ً‬
‫الكنايات ‪ ،‬ويعمل فيها بال ّنيّة " أي قضاءً وديانةً " ‪.‬‬
‫وللشّافعيّة ضابط آخر ‪ :‬قالوا ‪ :‬ينظر في التّفسير بخلف الظّاهر ‪ ،‬فإن كان لو وصل باللّفظ‬
‫ل ينتظم الكلم ول يستقيم معناه لم يقبل قضاءً ‪ ،‬ول ديانةً ‪ ،‬كأن يقول ‪ :‬أردت طلقا ل‬
‫يقع ‪ ،‬وإن كان الكلم ينتظم ويستقيم معناه بالوصل ‪ ،‬فل يقبل ظاهرا ‪ ،‬ويقبل ديانةً ‪.‬‬
‫كأن يقول ‪ :‬أردت طلقا في وثاقٍ ‪ ،‬أو ‪ :‬أردت إن دخلت الدّار ‪ ،‬لنّ اللّفظ يحتمله ‪.‬‬
‫واستثنوا من هذا نيّة التّعليق بمشيئة اللّه تعالى فقالوا ‪ :‬ل يديّن فيه على المذهب ‪.‬‬
‫‪ -6‬واليمين ‪ ،‬واليلء ‪ ،‬والظّهار ‪ ،‬ونحو ذلك كالطّلق ‪ ،‬فل يقبل منه قضاءً إذا ادّعى أنّه‬
‫أراد باللّفظ الصّريح فيما ذكر ما يخالف ما يقتضيه ظاهر اللّفظ ‪ ،‬فإن حلف أنّه ل يأكل خبزا‬
‫أو ل يشرب لبنا ‪ ،‬ثمّ قال ‪ :‬أردت نوعا خاصّا من الخبز واللّبن ‪ ،‬فل يقبل منه قضا ًء لنّه‬
‫خلف الطّاهر ويقبل ديانةً ‪ ،‬لنّ تخصيص العامّ بال ّنيّة جائز والحتمال قائم ‪ ،‬فيوكّل إلى دينه‬
‫باطنا ‪ ،‬أمّا في الظّاهر فيحكم بحنثه ‪ ،‬لنّه يدّعي خلف الظّاهر ‪.‬‬
‫ونحن نحكّم الظّواهر واللّه يتولّى السّرائر ‪.‬‬
‫وفي اليلء ‪ :‬إن قال ‪ :‬واللّه ل وطئتك ‪ ،‬أو واللّه ل جامعتك ‪ ،‬أو ل أصبتك ‪ ،‬أو ل باشرتك‬
‫‪ ،‬ثمّ قال أردت بالوطء ‪ :‬بالقدم ‪ ،‬وبالجماع ‪ :‬اجتماع الجسام ‪ ،‬وبالصابة ‪ :‬الصابة باليد ‪،‬‬
‫لم يقبل منه في الحكم ‪ ،‬لنّه خلف الظّاهر والعرف ‪ ،‬ويقبل منه ديانةً لنّ اللّفظ يحتمله ‪.‬‬
‫وتنظر المثلة والتّطبيقات في أبواب الطّلق واليمان ‪ ،‬واليلء ‪ ،‬والظّهار وغيرها ‪.‬‬
‫ل على أنّ العبرة‬
‫وقد تعرّض المالكيّة لهذا في مسألة نفوذ حكم الحكم ظاهرا وباطنا بما يد ّ‬
‫لل ّنيّة ولعلم الشّخص ‪ ،‬ل للحكم الظّاهر فيما يلزم عليه في الباطن فعل الحرام ‪ ،‬وقال القرافيّ‬
‫يؤخذ النّاس بألفاظهم ول تنفعهم نيّتهم إلّ أن تكون قرينة مصدّقة ‪ .‬ونقل فيمن قال ‪ :‬أنت‬
‫طالق ‪ ،‬ونوى من وثاقٍ ‪ ،‬أنّه قيل ‪ :‬يديّن ‪ ،‬وقيل ‪ :‬ل إلّ أن يكون جوابا ‪.‬‬

‫ديباج *‬
‫التّعريف ‪:‬‬
‫‪ - 1‬الدّيباج ضرب من الثّياب سداه ولحمته من البريسم " الحرير الطّبيعيّ " ‪.‬‬
‫اللفاظ ذات الصّلة ‪:‬‬
‫‪ - 2‬يتّصل بلفظ ديباجٍ عدد من اللفاظ وهي ‪ :‬إبريسم ‪ -‬إستبرق ‪ -‬خزّ ‪ -‬دمقس ‪ -‬سندس‬
‫‪ -‬قزّ ‪ .‬وقد تقدّم الكلم فيها مفصّلً في مصطلح ‪ ( :‬حرير ) فليرجع إليه ‪.‬‬
‫الحكام الجماليّة ‪:‬‬
‫‪ - 3‬أحكام الدّيباج في الجملة هي الحكام الّتي ذكرت في مصطلح حريرٍ ‪ ،‬إذ الدّيباج ل‬
‫يخرج عن كونه حريرا ‪ ،‬ولم يذكر الفقهاء أحكاما خاصّ ًة بالدّيباج إلّ في بعض الفروع ‪.‬‬
‫أ ‪ -‬الستجمار به ‪:‬‬
‫‪ - 4‬ذكر الحنفيّة أنّه يكره الستجمار بخرقة الدّيباج لما فيه من إفساد المال من غير ضرورةٍ‬
‫‪.‬‬
‫وجوّز الشّافعيّة ذلك حتّى للرّجال ‪ ،‬لنّ الستجمار به ‪ ،‬ل يعدّ استعمالً له في العرف ‪.‬‬
‫ولمزيدٍ من التّفصيل ينظر ‪ ( :‬حرير ) ‪.‬‬

‫دير *‬
‫انظر ‪ :‬معابد ‪.‬‬

‫دين *‬
‫التّعريف ‪:‬‬
‫‪ - 1‬أ ‪ -‬الدّين في اللّغة ‪ :‬يقال دان الرّجل يدين دينا من المداينة ‪ .‬ويقال ‪ :‬داينت فلنا إذا‬
‫عاملته دينا ‪ ،‬إمّا أخذا أو عطاءً ‪ .‬من أدنت ‪ :‬أقرضت وأعطيت دينا ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬معنى الدّين في اصطلح الفقهاء ‪:‬‬
‫‪ - 2‬قيل في معناه أقوال متعدّدة أوضحها ما قاله ابن نجيمٍ ‪ " :‬الدّين لزوم حقّ في ال ّذمّة "‪.‬‬
‫فيشمل المال والحقوق غير الماليّة كصلةٍ فائتةٍ وزكا ٍة وصيامٍ وغير ذلك ‪ ،‬كما يشمل ما ثبت‬
‫ض أو بيعٍ أو إجارةٍ أو إتلفٍ أو جناي ٍة أو غير ذلك ‪.‬‬
‫بسبب قر ٍ‬
‫اللفاظ ذات الصّلة ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬العين ‪:‬‬
‫ن الدّين هو ما‬
‫‪ - 3‬يطلق الفقهاء في اصطلحهم كلمة " العين " في مقابل " الدّين " باعتبار أ ّ‬
‫يثبت في ال ّذمّة من غير أن يكون معيّنا مشخّصا ‪ ،‬سواء أكان نقدا أم غيره ‪.‬‬
‫ت"‪.‬‬
‫أمّا العين " فهي الشّيء المعيّن المشخّص ‪ ،‬كبي ٍ‬
‫ب ‪ -‬الكالئ ‪:‬‬
‫‪ - 4‬الكالئ في اللّغة معناه المؤخّر ‪.‬‬
‫وقد جاء في الحديث « أنّ النّبيّ صلى ال عليه وسلم نهى عن بيع الكالئ بالكالئ » ‪.‬‬
‫والمراد به عند الفقهاء بيع النّسيئة بالنّسيئة ‪ ،‬أو الدّين المؤخّر بالدّين المؤخّر ‪.‬‬
‫ج ‪ -‬القرض ‪:‬‬
‫‪ - 5‬القرض عقد مخصوص يرد على دفع مالٍ مثليّ لخر لير ّد مثله ‪ .‬ويطلق عليه أحيانا‬
‫اسم " دين " فيقال ‪ :‬دان فلن يدين دينا ‪ :‬استقرض ‪.‬‬
‫ص من الدّين ‪.‬‬
‫ودنت الرّجل ‪ :‬أقرضته ‪ .‬والقرض أخ ّ‬
‫ما يقبل الثّبوت في ال ّذمّة دينا من الموال ‪:‬‬
‫‪ - 6‬عرّف الحنفيّة الدّين بأنّه عبارة عن " ما يثبت في ال ّذمّة من مالٍ في معاوضةٍ ‪ ،‬أو إتلفٍ‬
‫ض"‬
‫‪ ،‬أو قر ٍ‬
‫وهو عند جمهور الفقهاء من الشّافعيّة والمالكيّة والحنابلة عبارة عن " ما يثبت في ال ّذمّة من‬
‫مالٍ بسببٍ يقتضي ثبوته " ‪ .‬وهذا الخلف في حقيقة الدّين ‪ -‬بالنّظر إلى سبب الوجوب في‬
‫ح أن تثبت دينا في ال ّذمّة ‪ ،‬وأيّها ل تقبل‬
‫ال ّذمّة ‪ -‬ليس له أثر على قضيّة ‪ :‬أيّ الموال يص ّ‬
‫ن المال ينقسم عند جمهور الفقهاء " المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة " إلى‬
‫ذلك ؟ وبيان ذلك أ ّ‬
‫ن ومنافع ‪.‬‬
‫قسمين ‪ :‬أعيا ٍ‬
‫ل ‪ :‬أمّا العيان فهي نوعان ‪ :‬مثليّ ‪ ،‬وقيميّ ‪.‬‬
‫أ ّو ً‬
‫أ ‪ -‬أمّا المثليّ ‪:‬‬
‫‪ - 7‬فل خلف بين الفقهاء في صحّة أن يكون دينا في ال ّذمّة ‪ ،‬ومن هنا جاز إقراضه والسّلم‬
‫فيه باتّفاق الفقهاء ‪ .‬فإذا وجب شيء منه في ال ّذمّة ‪ ،‬كانت المطالبة به متعلّق ًة بعينٍ موصوفةٍ‬
‫غير مشخّصةٍ ‪ ،‬وكلّ عينٍ تتحقّق فيها تلك الصّفات المعيّنة يصحّ للمدين أن يقضي بها دينه ‪،‬‬
‫وليس للدّائن أن يمتنع عن قبولها ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬وأمّا القيميّ ‪ :‬فله حالتان ‪:‬‬
‫‪ - 8‬الولى ‪ :‬أن يكون ممّا يضبط بالوصف ‪ .‬ول خلف بين الفقهاء في صحّة أن يكون دينا‬
‫ص على ذلك الحنفيّة في الستصناع والمالكيّة والشّافعيّة والحنابلة في‬
‫في ال ّذمّة ‪ .‬وقد ن ّ‬
‫ل يملك بالبيع‬
‫القرض والسّلم ‪ .‬وجاء في " المهذّب " للشّيرازيّ ‪ " :‬يجوز قرض كلّ ما ٍ‬
‫ويضبط بالوصف ‪ ،‬لنّه عقد تمليكٍ يثبت العوض فيه في ال ّذمّة ‪ ،‬فجاز فيما يملك ويضبط‬
‫بالوصف كالسّلم " ‪ .‬وقال ‪ " :‬ويجوز السّلم في كلّ مالٍ يجوز بيعه وتضبط صفاته كالثمان‬
‫والحبوب والثّمار والثّياب " ‪.‬‬
‫‪ -9‬والحالة الثّانية للقيميّ ‪ :‬أن يكون ممّا ل يضبط بالصّفة ‪ ،‬كالجواهر من لؤلؤٍ وعقيقٍ‬
‫وفيروز ونحوها ممّا تختلف آحاده وتتفاوت أفراده ول يقبل النضباط بالوصاف ‪.‬‬
‫وفي هذه الحالة اختلف الفقهاء في صحّة كون هذا المال دينا في ال ّذمّة على قولين ‪:‬‬
‫أحدهما ‪ :‬لجمهور الفقهاء من الحنفيّة والمالكيّة والحنابلة والشّافعيّة في الصحّ ‪ ،‬وهو أنّه ل‬
‫ح جعله دينا في ال ّذمّة ‪ ،‬لنّه لو صحّ انشغال ذمّة الملتزم بذلك المال لكان غير متعيّنٍ ‪،‬‬
‫يص ّ‬
‫ولوجب عندئذٍ أن تفرغ ال ّذمّة ويوفّى اللتزام بأداء أيّ فردٍ كان من أمثاله ‪ ،‬ول مثل له ‪.‬‬
‫وعلى هذا شرطوا في صحّة القرض والسّلم والستصناع أن يكون المال الثّابت في ال ّذمّة‬
‫ن ما ل تنضبط صفاته تختلف آحاده كثيرا ‪ ،‬وذلك يؤدّي‬
‫منضبطا بالصّفة بالقوّة والفعل ‪ ،‬ل ّ‬
‫في الغالب إلى المنازعة والخصومة عند الوفاء ‪ ،‬وعدمها مطلوب شرعا ‪.‬‬
‫وقد استثنى مالك والحنفيّة من هذا الصل دين المهر ‪ ،‬فأجازوا أن يكون قيميّا معلوم الجنس‪،‬‬
‫وإن كان مجهول الصّفة ‪ ،‬وجعل مالك لها الوسط ممّا سمّي إن وقع النّكاح على هذا النّحو ‪.‬‬
‫وقال الحنفيّة ‪ :‬للزّوج الخيار في أداء الوسط منه أو قيمته ‪.‬‬
‫ن الجهالة فيه ل تضرّ ‪ ،‬إذ المال غير مقصودٍ في الزّواج ‪ ،‬فيتسامح فيه بما ل‬
‫وعلّلوا ذلك بأ ّ‬
‫ن المعاوضات تبنى على المشاحّة‬
‫يتسامح به في عقود المعاوضات الماليّة الخرى ‪ ،‬ل ّ‬
‫والمكايسة ‪ ،‬فكان الجهل بأوصاف العوض فيها مخلّا بالمقصود منها ‪ ،‬بخلف النّكاح فإنّه‬
‫مبنيّ على المكارمة والمساهلة ‪ ،‬وليس المقصود من الصّداق أن يكون عوضا مماثلً ‪ ،‬ولذلك‬
‫سمّاه الشّارع نحلةً فهو كالهبة ‪ ،‬وعلى ذلك ل يضرّ الجهل به كما ل يضرّ بالهبة ‪.‬‬
‫والقول الثّاني ‪ :‬للشّافعيّة ‪ ،‬وهو غير الصحّ ‪ ،‬أنّه يصحّ كونه دينا في ال ّذمّة إذا كان معلوم‬
‫القدر ‪ .‬وفيما يكون به الوفاء في هذه الحالة وجهان ‪:‬‬
‫ص عينًا ماليّ ًة قيميّ ًة ‪ ،‬فإنّه يلزمه‬
‫أحدهما ‪ :‬أنّه يتحقّق بأداء القيمة الماليّة ‪ ،‬كما لو أتلف لشخ ٍ‬
‫ن ما ضمن بالمثل إذا كان له مثل ‪ ،‬ضمن بالقيمة إذا لم يكن له‬
‫قيمتها ‪ .‬قال الشّيرازيّ ‪ " :‬ل ّ‬
‫مثل كالمتلفات " ‪.‬‬
‫والوجه الثّاني ‪ :‬أنّه يتحقّق بردّ مثله من حيث الصّورة والخلقة مع التّغاضي عن التّفاوت‬
‫اليسير في القيمة ‪.‬‬
‫ثانيا ‪ :‬أمّا المنافع ‪ ،‬ومدى قبولها للثّبوت دينا في ال ّذمّة ‪:‬‬
‫ن جمهور الفقهاء من المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة ذهبوا إلى أنّ المنافع تعتبر أموالً‬
‫‪ - 10‬فإ ّ‬
‫بحدّ ذاتها ‪ ،‬وأنّها تحاز بحيازة أصولها ومصادرها ‪ ،‬وهي العيان المنتفع بها ‪ ،‬ولهذا جازت‬
‫المعاوضة عنها بالمال في الجارة بشتّى صورها ‪ .‬كما ذهبوا إلى أنّ المنافع تعتبر صالحةً‬
‫لن تثبت دينا في ال ّذمّة إذا كانت مثليّةً أو قابلةً لن تضبط بالوصف ‪ ،‬كما هو الشّأن في‬
‫ن أم منافع أشخاصٍ ‪.‬‬
‫العيان ول فرق ‪ ،‬وسواء ‪ ،‬أكانت منافع أعيا ٍ‬
‫وعلى هذا نصّوا في باب الجارة على جواز التّعاقد على منفعةٍ موصوف ٍة في ال ّذمّة غير‬
‫معيّنةٍ بالذّات ‪ ،‬وسمّوها " إجارة ال ّذمّة " نظرا لتعلّق المنفعة المعقود عليها بذمّة المؤجّر ‪ ،‬ل‬
‫بأشياء معيّن ٍة ‪ .‬كما إذا استأجر شخص دابّةً موصوف ًة لتحمله من مكان إلى مكان ‪ ،‬فإنّ‬
‫المنفعة المستحقّة بالعقد تثبت دينا في ذمّة المؤجّر أو المكاري ‪ ،‬وعليه أن يحمله من مكانه‬
‫إلى المكان المطلوب على أيّة دابّةٍ يحضرها إليه ‪ .‬ولهذا ل ينفسخ العقد إذا هلكت الدّابّة الّتي‬
‫عيّنها المؤجّر أو استحقّت ‪ ،‬بل يرجع المستأجر عليه فيطالبه بغيرها ‪ ،‬لنّ المعقود عليه غير‬
‫معيّنٍ ‪ ،‬بل متعلّق في ال ّذمّة ‪ ،‬وعلى المؤجّر الوفاء بتلك المنفعة بأيّة دابّ ٍة أخرى يحضرها له‬
‫‪.‬‬
‫وقد اعتبر المالكيّة والشّافعيّة " إجارة ال ّذمّة " سلما في المنافع ‪ ،‬ولهذا اشترطوا في صحّتها‬
‫تعجيل الجرة كما هو الشّأن في السّلم ‪ ،‬سواء عقدت بلفظ الجارة أو السّلم أو غير ذلك ‪.‬‬
‫ووافقهم على ذلك الشّرط الحنابلة إذا عقدت بلفظ السّلم ‪ ،‬أمّا إذا عقدت بغيره ‪ ،‬فلم يشترطوا‬
‫تعجيل الجرة ‪.‬‬
‫ن المال عندهم هو ‪ " :‬ما يميل إليه‬
‫ن المنافع ل تعتبر أموالً ‪ ،‬ل ّ‬
‫أمّا الحنفيّة ‪ ،‬فقد ذهبوا إلى أ ّ‬
‫طبع النسان ‪ ،‬ويمكن ادّخاره لوقت الحاجة " ‪ .‬والمنافع غير قابلةٍ للحراز والدّخار ‪ ،‬إذ‬
‫هي أعراض تحدث شيئا فشيئا ‪ ،‬وآنا فآنا ‪ ،‬وتنتهي بانتهاء وقتها وما يحدث منها غير ما‬
‫ن المنافع‬
‫ل ‪ ،‬وقصرهم الدّين على المال ‪ ،‬فإ ّ‬
‫ينتهي ‪ ...‬وبنا ًء على عدم اعتبارهم المنافع أموا ً‬
‫ل تقبل الثّبوت في ال ّذمّة دينًا وفق قواعد مذهبهم ‪ ،‬ومن أجل ذلك لم يجيزوا في باب الجارة‬
‫أن يرد العقد على منفعةٍ موصوفةٍ في ال ّذمّة ‪ ،‬وشرطوا لصحّة عقد الجارة كون المؤجّر‬
‫معيّنا ‪.‬‬
‫محلّ تعلّق الدّين واستثناءاته ‪:‬‬
‫ل في ال ّذمّة ‪ " ...‬وعلى ذلك‬
‫ن الدّين في اصطلح الفقهاء ‪ ،‬هو " ما وجب من ما ٍ‬
‫‪ - 11‬تقدّم أ ّ‬
‫فإنّه يكون تعلّقه بذمّة المدين ‪ ،‬ول يتعلّق بشي ٍء من أمواله ‪ ،‬سواء أكانت مملوك ًة له عند‬
‫ثبوت الدّين أم ملكها بعد ذلك ‪ ،‬وتكون جميع أمواله صالح ًة لوفاء أيّ دينٍ ثبت عليه‪ ،‬ول‬
‫يكون الدّين مانعا له من التّصرّف في أمواله بأيّ نوعٍ من أنواع التّصرّفات ‪.‬‬
‫ن بعض الدّيون‬
‫هذا هو الصل في جميع الدّيون ‪ ،‬ولكن لهذه القاعدة استثناءات ‪ ،‬حيث إ ّ‬
‫تتعلّق بأعيان المدين الماليّة تأكيدا لحقّ الدّائن وتوثيقا له ‪ ،‬ومن ذلك ‪:‬‬
‫‪ - 12‬أ ‪ -‬الدّين الّذي استوثق له صاحبه برهنٍ ‪ ،‬فإنّه يتعلّق بالعين المرهونة ‪ ..‬وعلى ذلك‬
‫فل يكون لصاحبها أن يتصرّف فيها إلّ بإذن المرتهن ‪ ،‬ويقدّم حقّ المرتهن في استيفاء دينه‬
‫منها على من عداه من الدّائنين ‪ ،‬ول خلف بين الفقهاء في ذلك ‪ ( .‬ر ‪ :‬رهن ‪ ،‬تركة ‪،‬‬
‫إفلس ) ‪.‬‬
‫‪ - 13‬ب ‪ -‬الدّين الّذي حجر على المدين بسببه ‪ ،‬فإنّه يتعلّق بأمواله باتّفاق العلماء ‪ ،‬لنّ‬
‫حجر المفلس يعني " خلع الرّجل من ماله لغرمائه " ‪ ،‬ولنّه لو لم يكن حقّ الغرماء متعلّقا‬
‫بماله لما كان في الحجر عليه فائدة " ولنّه يباع ماله في ديونهم ‪ ،‬فكانت حقوقهم متعلّقةً به‬
‫كالرّهن " ‪.‬‬
‫ن الدّين هاهنا إنّما يتعلّق بماليّة العيان المملوكة بذواتها ‪ ،‬بمعنى أنّ المدين ليس‬
‫ول يخفى أ ّ‬
‫له أن يتصرّف تصرّفا ينقص من قيمتها الماليّة ‪ ،‬فليس له أن يتبرّع بشيءٍ منها ‪ ،‬ول أن‬
‫ح فيه‬
‫يعاوض عليها بغبنٍ يلحقه ‪ ،‬لما في ذلك من الضرار بحقوق الدّائنين ‪ ...‬وتص ّ‬
‫المبادلت الماليّة الّتي ل غبن عليه فيها ; لنّها إذا أخرجت من ملكه شيئا ‪ ،‬فقد أدخلت فيه ما‬
‫يعادله ‪ ،‬فبقيت قيمة الموال ثابتةً ‪...‬‬
‫‪ - 14‬ج ‪ -‬حقوق الدّائنين والورثة في مال المريض مرض الموت ‪ ،‬حيث إنّها تتعلّق فيه‬
‫صحّة ‪.‬‬
‫بمال المريض بعد أن كانت متعلّق ًة بذمّته في حال ال ّ‬
‫ن مرض الموت مرحلة تتهيّأ فيها شخصيّة النسان وأهليّته للزّوال ‪ ،‬كما أنّه‬
‫وعلّة ذلك أ ّ‬
‫مقدّمة لثبوت الحقوق في أموال المريض لمن ستنتقل إليهم هذه الموال بعد موته من دائنين‬
‫وورثةٍ ‪ .‬فينتج عن ذلك أن تصبح الدّيون متعلّق ًة بمال المريض بعد أن كانت متعلّقةً بذمّته قبل‬
‫ن ال ّذمّة تضعف بالمرض لعجز صاحبها عن السّعي والكتساب ‪ ،‬فيتحوّل التّعلّق‬
‫المرض ‪ ،‬ل ّ‬
‫من ذمّته ‪ -‬مع بقائها ‪ -‬إلى ماله توثيقًا للدّين ‪ ،‬وتتقيّد تصرّفاته بما ل يضرّ بحقوق الدّائنين ‪.‬‬
‫كما ينشأ عن ذلك تعلّق حقّ الورثة بماله ليخلص لهم بعد وفاته تملّك الثّلثين ممّا يبقى بعد‬
‫سداد الدّيون إن كانت هناك ديون ‪ ،‬فتتقيّد تصرّفاته أيضا بما ل يضرّ بحقوق الورثة ‪ .‬أمّا‬
‫الثّلث فقد جعله الشّارع حقّا للمريض ينفقه فيما يرى من سبل الخير ونحوها ‪ ،‬سواء بالتّبرّع‬
‫المنجز حال المرض ‪ ،‬أو بالوصيّة ‪ ،‬أو غير ذلك ‪.‬‬
‫ق الدّائنين وتعلّق حقّ الورثة بمال المريض ‪ ،‬وهذا‬
‫ن هناك فرقًا بين تعلّق ح ّ‬
‫‪ - 15‬على أ ّ‬
‫الفرق يئول إلى أمرين ‪:‬‬
‫أحدهما ‪ :‬أنّ حقّ الدّائنين يتعلّق بمال المريض معنىً ل صورةً ‪ ،‬أي أنّه ل يتعلّق بذات‬
‫ن الغرض من تعلّق حقّهم بماله‬
‫الشياء الّتي يملكها ‪ ،‬وإنّما يتعلّق بمقدار ما فيها من ماليّةٍ ‪ ،‬ل ّ‬
‫هو التّمكّن من استيفاء ديونهم ‪.‬‬
‫أمّا تعلّق حقّ الورثة بمال المريض فقد اختلف الفقهاء فيه هل يتعلّق بماليّته أم بعينه ؟‬
‫على قولين ‪ - :‬فذهب المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة وابن أبي يعلى وأبو يوسف ومحمّد بن‬
‫ح بيع المريض‬
‫الحسن إلى أنّه كحقّ الغرماء يتعلّق بمال المريض معنىً ل صور ًة ‪ ،‬فيص ّ‬
‫بمثل القيمة للجنبيّ وللوارث ‪ ،‬لنّه ليس في تصرّفه إبطال لحقّ الورثة في شي ٍء ممّا يتعلّق‬
‫به حقّهم وهو الماليّة ‪ ،‬فكان الوارث والجنبيّ في ذلك سوا ًء ‪.‬‬
‫وذهب أبو حنيفة وأبو الخطّاب من الحنابلة إلى أنّه يتعلّق تارةً بالصّورة والمعنى ‪ ،‬وتارةً‬
‫ث كان تعلّق حقّ‬
‫أخرى بالمعنى دون الصّورة ‪ ،‬فإذا كان تصرّف المريض مع غير وار ٍ‬
‫ح بيعه للجنبيّ بمثل القيمة ل بأقلّ ‪.‬‬
‫الورثة بالماليّة ‪ ،‬فيص ّ‬
‫وإذا كان تصرّفه مع وارثٍ كان حقّهم متعلّقا بالعين والماليّة ‪ ،‬فليس للمريض أن يؤثر أحدا‬
‫ن من ماله ولو بالبيع له بمثل القيمة ‪ ،‬إذ اليثار كما يكون بالتّبرّع بغير عوضٍ‪،‬‬
‫من ورثته بعي ٍ‬
‫ن يختارها له من ماله ‪ ،‬ولو كان البدل مثل قيمتها ‪.‬‬
‫يكون بأن يخصّه بأعيا ٍ‬
‫ن حقّ الدّائنين في‬
‫والفرق الثّاني بين تعلّق حقّ الدّائنين بمال المريض وبين تعلّق حقّ الورثة أ ّ‬
‫التّعلّق بمال المريض مقدّم على حقّ الورثة ‪ ،‬لنّ وفاء الدّين مقدّم على توزيع الميراث ‪،‬‬
‫فيتعلّق حقّ الدّائنين بجميع ماله إن كانت ديونهم مستغرقةً ‪ ،‬في حين ل يتعلّق حقّ الورثة‬
‫ن للمريض حقّ التّصرّف في ثلث ماله بطريق‬
‫بأكثر من ثلثي التّركة بعد وفاء الدّيون ‪ ،‬ل ّ‬
‫التّبرّع ‪ ،‬سواء أكان منجزا أم مضافا إلى ما بعد الموت ‪ ،‬ويأخذ تبرّعه هذا حكم الوصيّة ‪.‬‬
‫‪ - 16‬د ‪ -‬ما ينفق في سبيل تسديد الدّيون المحيطة بأموال المدين المحجور عليه عند بيع‬
‫أمواله للوفاء بديونه ‪ ،‬كأجرة المنادي والكيّال والحمّال ونحوها من المؤن ‪ ،‬فإنّها تتعلّق‬
‫بأموال المدين ‪ ،‬ويقدّم الوفاء بها على سائر الدّيون المطلقة ‪.‬‬
‫‪ - 17‬هـ ‪ -‬دين مشتري المتاع الّذي باعه الحاكم من أموال المدين المفلس إذا ظهر مستحقّا‬
‫وتلف الثّمن المقبوض ‪ ،‬فإنّه يتعلّق بمال المدين ‪ ،‬ويقدّم بدل الثّمن الّذي دفعه على باقي‬
‫الغرماء ‪ ،‬ول يضارب به معهم لئلّ يرغب النّاس عن شراء مال المفلس ‪.‬‬
‫ط أجر ًة على عمله إذا أفلس‬
‫‪ - 18‬و ‪ -‬الدّين الّذي يستحقّه الصّانع كصائغٍ ونسّاجٍ وخيّا ٍ‬
‫صاحبه ‪ ،‬والعين بيد الصّانع ‪ ،‬فإنّه يتعلّق بما في يده من متاعه ‪ ،‬ويقدّم به على سائر الغرماء‬
‫‪ .‬جاء في " المدوّنة " ‪ :‬إذا أفلس الرّجل وله حليّ عند صائغٍ قد صاغه له ‪ ،‬كان هو أولى‬
‫بأجره ‪ ،‬ولم يحاصّه الغرماء ‪ ،‬بمنزلة الرّهن في يديه " ‪.‬‬
‫صبّاغ والصّائغ وما أشبههم منهم ‪ ،‬أحقّ بما في أيديهم من‬
‫ل ذي صنعةٍ مثل الخيّاط وال ّ‬
‫" وك ّ‬
‫الغرماء في الموت والتّفليس جميعا ‪ ،‬وكلّ من تكوري على حمل متاعٍ فحمله إلى بل ٍد من‬
‫البلدان ‪ ،‬فالمكري أحقّ بما في يديه من الغرماء في الموت والتّفليس جميعا ‪.‬‬
‫‪ - 19‬ز ‪ -‬دين الكراء الّذي يستحقّه صاحب الرض المؤجّرة إذا أفلس المستأجر بعدما‬
‫زرعها ‪ ،‬فإنّه يتعلّق بالزّرع ‪ ،‬ويقدّم به على سائر غرماء المستأجر ‪.‬‬
‫ن الزّرع كرهنٍ بيده في كرائها ‪ ،‬فيباع ويؤخذ الكراء من ثمنه " ‪.‬‬
‫قال التّسوّليّ ‪ " :‬ل ّ‬
‫ل أو أصلٍ يسقيه ‪ ،‬فسقاه ثمّ فلّس صاحبه ‪ ،‬فساقيه‬
‫وكذا " كلّ من استؤجر في زرعٍ أو نخ ٍ‬
‫أولى به من الغرماء حتّى يستوفي حقّه " ‪.‬‬
‫‪ - 20‬ح ‪ -‬الدّين الواجب على من توفّي وترك مالً ‪ ،‬فإنّه يتعلّق بتركته كتعلّق الدّين‬
‫ل يسلّط‬
‫بالمرهون ‪ .‬وقد أثبت الشّارع هذا التّعلّق لمصلحة الميّت كي تبرأ ذمّته " فاللّائق به أ ّ‬
‫الوارث عليه " ‪.‬‬
‫‪ - 21‬ط ‪ -‬الدّين الّذي يكون للمستأجر الّذي عجّل الجرة وتسلّم العين المؤجّرة ‪ ،‬إذا فسخت‬
‫الجارة قبل انتهاء مدّتها لموت المؤجّر ‪ ،‬فإنّ ما يقابل المدّة الباقية من الجرة يكون دينا‬
‫متعلّقا بالعين المؤجّرة ‪ ،‬فإذا بيعت الدّيون على مالكها المتوفّى كان دين المستأجر مقدّما على‬
‫ديون سائر الغرماء ‪ ،‬وهذا على مذهب الحنفيّة القائلين بانفساخ الجارة بموت أحد العاقدين ‪.‬‬
‫ل ثمّ مات الجر صارت الدّار هنا بالجرة " ‪.‬‬
‫قال ابن عابدين ‪ " :‬فإنّه إذا أعطى الجرة أ ّو ً‬
‫أسباب ثبوت الدّين ‪:‬‬
‫ن أو التزا ٍم أو مسئولّيةٍ ما لم يوجد سبب ينشئ‬
‫‪ - 22‬الصل براءة ذمّة النسان من كلّ دي ٍ‬
‫ذلك ويلزم به ‪ ،‬ومن هنا كان ل بدّ لثبوت أيّ دينٍ من سببٍ موجبٍ يقتضيه ‪...‬‬
‫والباحث في كتب الفقه يجد أنّ أسباب وجوب الدّين عديدة متنوّعة ‪ ،‬غير أنّه يمكن حصرها‬
‫في تسعة أسبابٍ ‪:‬‬
‫‪ - 23‬أحدها ‪ :‬اللتزام بالمال ‪ :‬سواء أكان في عقدٍ يتمّ بين طرفين كالبيع ‪ ،‬والسّلم ‪،‬‬
‫والقرض ‪ ،‬والجارة ‪ ،‬والزّواج ‪ ،‬والطّلق على مالٍ ‪ ،‬والحوالة ‪ ،‬والكفالة بالمال ‪،‬‬
‫والستصناع ونحوها ‪ ،‬أو كان في التزامٍ فرديّ يتمّ بإرادةٍ واحد ٍة كنذر المال عند جميع‬
‫الفقهاء ‪ ،‬والتزام المعروف عند المالكيّة ‪.‬‬
‫ل مثليّةٍ‬
‫ل يلتزم المقترض أن يردّ للمقرض مبلغا من النّقود ‪ ،‬أو قدرا من أموا ٍ‬
‫ففي القرض مث ً‬
‫يكون قد اقترضها منه ‪ ،‬وثبتت دينا في ذمّته ‪.‬‬
‫على أنّ جميع الدّيون الّتي تثبت في عقود المعاوضات الماليّة ل تستقرّ في ال ّذمّة بعد لزومها‬
‫إلّ بقبض البدل المقابل لها ‪ ،‬إذ به يحصل المن من فسخ العقد بسبب تعذّر تسليمه إلّ دينا‬
‫واحدا ‪ ،‬وهو دين السّلم ‪ ،‬فإنّه وإن كان لزما ‪ ،‬فهو غير مستقرّ ‪ ،‬لحتمال طروء انقطاع‬
‫المسلم فيه ‪ ،‬ممّا يؤدّي إلى انفساخ العقد وسقوط الدّين ‪.‬‬
‫ن استقرار الدّين في أيّ عق ٍد من عقود المعاوضات إنّما يعني المن من فسخ‬
‫وتعليل ذلك أ ّ‬
‫العقد بسبب تعذّر حصول الدّين المذكور ‪ ،‬لعدم وجود جنسه وامتناع العتياض عنه ‪ ..‬وذلك‬
‫مخصوص بدين السّلم دون بقيّة الدّيون ‪ ،‬لجواز العتياض عنها عند انقطاع جنسها ‪.‬‬
‫‪ - 24‬والثّاني ‪ :‬العمل غير المشروع المقتضي لثبوت دينٍ على الفاعل ‪ :‬كالقتل الموجب للدّية‬
‫والجنايات الموجبة للرش ‪ ،‬وإتلف مال الغير ‪ ،‬وكتعدّي يد المانة أو تفريطها في المحافظة‬
‫ص إتلف العيان الموجودة تحت يده أو‬
‫على ما بحوزته من أموالٍ ‪ ،‬كتعمّد الجير الخا ّ‬
‫إهماله في حفظها ‪ .‬ويعدّ من هذا القبيل ما لو " أتلف على شخصٍ وثيق ًة تتضمّن دينًا له على‬
‫إنسانٍ ‪ ،‬ولزم من إتلفها ضياع ذلك الدّين ‪ ،‬فيلزمه الدّين " ‪.‬‬
‫‪ - 25‬والثّالث ‪ :‬هلك المال في يد الحائز إذا كانت يد ضمانٍ ‪ ،‬مهما كان سبب الهلك ‪،‬‬
‫كتلف المغصوب في يد الغاصب وهلك المتاع في يد الجير المشترك أو القابض على سوم‬
‫الشّراء ونحو ذلك ‪.‬‬
‫‪ - 26‬والرّابع ‪ :‬تحقّق ما جعله الشّارع مناطا لثبوت حقّ ماليّ ‪ :‬كحولن الحول على‬
‫النّصاب في الزّكاة ‪ ،‬واحتباس المرأة في نفقة الزّوجيّة ‪ ،‬وحاجة القريب في نفقة القارب ‪،‬‬
‫ونحو ذلك ‪ .‬فإذا وجد سبب من ذلك وجب الدّين في ذمّة من قضى الشّارع بإلزامه به ‪.‬‬
‫‪ - 27‬والخامس ‪ :‬إيجاب المام لبعض التّكاليف الماليّة على القادرين عليها للوفاء بالمصالح‬
‫العامّة للمّة إذا عجز بيت المال عن الوفاء بها ‪ ،‬أو للمساهمة في إغاثة المنكوبين‪ ،‬وإعانة‬
‫ب مهلكةٍ ‪ ،‬ونحو ذلك ممّا يفجأ النّاس‬
‫ق شاملٍ ‪ ،‬أو حر ٍ‬
‫ل مد ّمرٍ ‪ ،‬أو حري ٍ‬
‫المتضرّرين بزلزا ٍ‬
‫ول يتّسع بيت المال لتحمّله أو التّعويض عنه ‪.‬‬
‫لكن ل يجوز هذا إلّ بشروطٍ ‪ :‬الشّرط الوّل ‪ :‬أن تتعيّن الحاجة ‪ .‬فلو كان في بيت المال ما‬
‫يقوم به لم يجز أن يفرض عليهم شيء ‪.‬‬
‫الشّرط الثّاني ‪ :‬أن يتصرّف فيه بالعدل ‪ .‬ول يجوز أن يستأثر به دون المسلمين ‪ ،‬ول أن‬
‫ينفقه في سرفٍ ‪ ،‬ول أن يعطي من ل يستحقّ ‪ ،‬ول يعطي أحدا أكثر ممّا يستحقّ ‪.‬‬
‫الشّرط الثّالث ‪ :‬أن يصرف مصرفه بحسب المصلحة والحاجة ل بحسب الغرض ‪.‬‬
‫الشّرط الرّابع ‪ :‬أن يكون الغرم على من كان قادرا من غير ضررٍ ول إجحافٍ ‪ ،‬ومن ل‬
‫شيء له ‪ ،‬أو له شيء قليل فل يغرم شيئا ‪.‬‬
‫ت ‪ ،‬فربّما جاء وقت ل يفتقر فيه لزياد ٍة على ما في‬
‫الشّرط الخامس ‪ :‬أن يتفقّد هذا في كلّ وق ٍ‬
‫بيت المال ‪ ،‬فل يوزّع ‪ .‬وكما يتعيّن المال في التّوزيع ‪ ،‬فكذلك إذا تعيّنت الضّرورة للمعونة‬
‫ن النّاس يجبرون على التّعاون على المر الدّاعي للمعونة بشرط‬
‫بالبدان ولم يكف المال ‪ ،‬فإ ّ‬
‫القدرة وتعيّن المصلحة والفتقار إلى ذلك ‪.‬‬
‫ن أنّه واجب عليه ‪ ،‬ثمّ يتبيّن براءة‬
‫‪ - 28‬السّبب السّادس من أسباب ثبوت الدّين ‪ :‬أداء ما يظ ّ‬
‫ل يظنّه دينا واجبا عليه ‪ ،‬وليس بدينٍ واجبٍ في الحقيقة‬
‫ذمّته منه ‪ :‬كمن دفع إلى شخصٍ ما ً‬
‫ونفس المر ‪ ،‬فله أن يرجع على القابض بما أخذه منه بغير حقّ ‪ ،‬ويكون ذلك دينا في‬
‫ن من أخذ من غيره ما ل حقّ له فيه ‪ ،‬فيجب عليه ردّه إليه ‪.‬‬
‫ذمّته ‪ ،‬وذلك ل ّ‬
‫وقد نصت ‪ /‬م ‪ / 207‬من مرشد الحيران " من دفع شيئا ظانّا أنّه واجب عليه ‪ ،‬فتبيّن عدم‬
‫وجوبه ‪ ،‬فله الرّجوع به على من قبضه منه بغير حقّ " ‪.‬‬
‫‪ - 29‬والسّابع ‪ :‬أداء واجبٍ ماليّ يلزم الغير عنه بناءً على طلبه ‪ :‬كما إذا أمر شخص غيره‬
‫ن ما دفعه يكون دينا في ذمّة المر للمأمور ‪،‬‬
‫بأداء دينه ‪ ،‬فأدّاه المأمور من ماله عنه ‪ ،‬فإ ّ‬
‫يرجع عليه به ‪ ،‬سواء شرط المر رجوعه ‪ -‬بأن قال له ‪ :‬أدّ ديني على أن أؤدّيه لك بعد ‪-‬‬
‫أو لم يشرط ذلك ‪ ،‬بأن قال له ‪ :‬أدّ ديني ‪ -‬فقط ‪ -‬فأدّاه ‪.‬‬
‫ومثل ذلك ما لو أمر شخص آخر بشراء شي ٍء له ‪ ،‬أو ببناء دارٍ ‪ ،‬أو دكّانٍ ‪ ،‬أو غير ذلك ‪،‬‬
‫ففعل المأمور ذلك ‪ ،‬فإنّه يرجع على المر بما دفعه ‪ ،‬سواء اشترط عليه الرّجوع أو لم‬
‫يشترط ‪ .‬وكذا لو أمر شخص آخر بأن يكفله بالمال فكفله ‪ ،‬ثمّ أدّى الكفيل ما كفل به ‪ ،‬فإنّه‬
‫يرجع على المكفول بما أدّى عنه ‪.‬‬
‫ن للمحيل‪ ،‬فرضي المحال عليه ‪ ،‬وأدّى عنه‬
‫وكذا إذا أحال مدين دائنه على شخصٍ غير مدي ٍ‬
‫الدّين المحال به بنا ًء على طلبه ‪ ،‬فإنّ المحال عليه يرجع على المحيل بما أدّى عنه ‪.‬‬
‫‪ - 30‬والثّامن ‪ :‬الفعل المشروع حالة الضّرورة إذا ترتّب عليه إتلف مال الغير ‪ :‬كمن أكل‬
‫طعام غيره بدون إذنه مضطرّا لدفع الهلك عن نفسه ‪ ،‬فإنّ ترخيص الشّارع وإباحته‬
‫استهلك مال الغير بدون إذنه لداعي الضّرورة ل يسقط عن الفاعل المسئوليّة الماليّة ‪ ،‬ول‬
‫يعفيه من ثبوت مثل ما أتلفه ‪ ،‬أو قيمته دينا في ذمّته لمالكه ‪ ،‬فالعذار الشّرعيّة ل تنافي‬
‫ن إذن الشّارع العامّ بالتّصرّف‬
‫عصمة المحلّ ‪ ،‬والباحة للضطرار ل تنافي الضّمان ‪ ،‬ول ّ‬
‫إنّما ينفي الثم والمؤاخذة بالعقاب ‪ ،‬ول يعفي من تحمّل تبعة التلف ‪ ،‬بخلف إذن المالك ‪،‬‬
‫وللقاعدة الفقهيّة الكّليّة " الضطرار ل يبطل حقّ الغير " ‪ /‬م ‪ / 33‬من المجلّة العدليّة ‪ ،‬وبهذا‬
‫قال جمهور الفقهاء من الحنفيّة والشّافعيّة والحنابلة والمالكيّة في المشهور عندهم ‪ ،‬وغيرهم ‪.‬‬
‫وخالف في ذلك بعض المالكيّة فقالوا ‪ :‬ل ضمان عليه في هذه الحالة ‪ ،‬لنّ دفع الهلك عنه‬
‫كان واجبا على المالك ‪ ،‬والواجب ل يؤخذ له عوض ‪.‬‬
‫ن المضطرّ إلى طعام الغير لدفع الهلك عن نفسه إنّما‬
‫وهناك رأي ثالث عند المالكيّة ‪ ،‬وهو أ ّ‬
‫يضمن قيمته لصاحبه إن كانت معه ‪ -‬أي بأن كان معه مال حاضر ‪ -‬وإلّ فل شيء عليه‬
‫لوجوب بذل ربّه له ‪.‬‬
‫‪ - 31‬والتّاسع ‪ :‬القيام بعملٍ نافعٍ للغير بدون إذنه ‪ :‬وهو نوعان ‪:‬‬
‫النّوع الوّل ‪ :‬أن يأتي بعملٍ يلزم الغير أو يحتاجه بدون إذنه ‪ ،‬كمن أنفق عن غيره نفقةً‬
‫واجبةً عليه ‪ ،‬أو قضى عنه دينا ثابتا في ذمّته ‪ ،‬ولم ينو المنفق بذلك التّبرّع ‪ ،‬فإنّ ما دفعه‬
‫يكون دينا في ذمّة المنفق عنه ‪ .‬وعلى ذلك نصّ المالكيّة والحنابلة ‪ .‬خلفا للشّافعيّة والحنفيّة‬
‫‪ .‬فقد جاء في مرشد الحيران ‪ /‬م ‪ " : / 205‬إذا قضى أحد دين غيره بل أمره سقط الدّين عن‬
‫المديون ‪ ،‬سواء أقبل أم لم يقبل ‪ ،‬ويكون الدّافع متبرّعا ل رجوع له على المديون بشيءٍ ممّا‬
‫دفعه بل أمره ‪ ،‬ول رجوع له على ربّ الدّين القابض لسترداد ما دفعه إليه " ‪ .‬وحجّتهم‬
‫ن أو نفقةٍ على قريبٍ أو زوج ٍة من غير‬
‫على ذلك ‪ :‬أنّ من أدّى عن غيره واجبا عليه من دي ٍ‬
‫إذنه ‪ ،‬فهو إمّا فضوليّ ‪ ،‬وهو جدير بأن يفوت عليه ما فوّته على نفسه ‪ ،‬أو متفضّل فعوضه‬
‫على اللّه دون من تفضّل عليه ‪ ،‬فل يستحقّ مطالبته ‪.‬‬
‫‪ - 32‬وقد ذكر عليّ حيدر في كتابه ‪ " :‬درر الحكّام شرح مجلّة الحكام " قاعدة الحنفيّة في‬
‫ن من أدّى مصروفا عائدا على غيره بدون أمره أو إذن الحاكم يكون‬
‫هذا النّوع وهي ‪ " :‬أ ّ‬
‫متبرّعا " ‪ .‬وحكى لهذه القاعدة فروعا كثير ًة منها ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬إذا وفّى شخص دين آخر بدون أمره يكون متبرّعا ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬إذا دفع الرّاهن أو المرتهن من تلقاء نفسه مصروفا على الرّهن يلزم الخر بدون أمره‬
‫أو إذن الحاكم يعتبر متبرّعا ‪ ،‬ول يحقّ له المطالبة به ‪ ،‬لنّه ليس مضطرّا لهذا النفاق طالما‬
‫أنّه مقتدر على استحصال أمرٍ من الحاكم به لتأمين حقّه بالرّجوع على المستفيد بما أدّى عنه‪.‬‬
‫وعلى ذلك نصّت المجلّة العدليّة في ‪ /‬م ‪. / 725‬‬
‫ج ‪ -‬إذا أدّى المستأجر المصاريف اللّازمة على المؤجّر بل أمره يكون متبرّعا ‪ /‬م ‪/ 529‬‬
‫من المجلّة العدليّة ‪.‬‬
‫وإذا أعطى المستأجر الحيوان المأجورعلفا بدون أمر المؤجّر يكون متبرّعا ‪.‬‬
‫د ‪ -‬إذا كفل شخص دين آخر بدون أمره يكون متبرّعا ‪.‬‬
‫هـ ‪ -‬إذا صرف المودع على الوديعة بل أمر صاحبها أو إذن الحاكم يعدّ متبرّعا ‪.‬‬
‫و ‪-‬إذا عمّر الشّريك الملك المشترك من تلقاء نفسه بدون إذن الشّريك أو الحاكم يعدّ متبرّعا‪.‬‬
‫ز ‪ -‬لو أنشأ أحد دارا أو عمّرها لصاحبها بدون أمره كان البناء أو العمارة لصاحب العرصة‬
‫أو الدّار ‪ ،‬ويكون المنشئ متبرّعا فيما أنفقه ‪.‬‬
‫ح ‪ -‬لو أنفق شخص على عرس آخر بل إذنه كان متبرّعا ‪.‬‬
‫‪ - 33‬والنّوع الثّاني من القيام بعملٍ نافعٍ للغير ‪ :‬أن يقوم بعملٍ يحتاجه لمصلحة نفسه ول‬
‫يتوصّل إليه إلّ بإسداء نف ٍع لغيره يحتاجه ولم يأذن له فيه ‪ .‬كما إذا أعار شخص لخر عينا‬
‫ليرهنها بدينٍ عليه ‪ ،‬ولمّا أراد المعير استردادها لم يتمكّن من ذلك إلّ بقضاء دين المرتهن‬
‫ففعل ‪ ،‬فإنّه يرجع على المستعير بالدّين ‪ .‬وبهذا قال جمهور الفقهاء من الحنفيّة والمالكيّة‬
‫والشّافعيّة والحنابلة ‪ ،‬وعليه نصّت مجلّة الحكام العدليّة في ( م ‪ ) 732‬منها ‪.‬‬
‫أقسام الدّين ‪:‬‬
‫‪ - 34‬ينقسم الدّين باعتبار التّعلّق إلى قسمين ‪:‬‬
‫ن مطلقٍ ‪ :‬وهو الدّين المرسل المتعلّق بال ّذمّة وحدها ‪.‬‬
‫أ ‪ -‬دي ٍ‬
‫ن ماليّةٍ لتكون وثيق ًة لجانب الستيفاء كدين الرّهن‬
‫ب ‪ -‬دين موثّق ‪ :‬وهو الدّين المتعلّق بعي ٍ‬
‫ونحوه ‪ .‬وثمرة هذا التّقسيم تئول إلى أمرين ‪:‬‬
‫أحدهما ‪ :‬تقديم حقّ صاحب الدّين الموثّق في استيفاء دينه من العين الّتي تعلّق حقّه بها على‬
‫سائر الدّائنين في حال حياة المدين باتّفاق الفقهاء ‪.‬‬
‫والثّاني ‪ :‬تقديم الدّيون الموثّقة المتعلّقة بأعيان التّركة في حال وفاة المدين على تجهيزه عند‬
‫جمهور الفقهاء من الحنفيّة والمالكيّة والشّافعيّة ‪ " .‬إيثارا للهمّ ‪ ،‬كما تقدّم تلك الحقوق على‬
‫حقّه في الحياة " ‪.‬‬
‫أمّا الدّيون المرسلة في ال ّذمّة فيقدّم التّجهيز عليها ‪ .‬قال ابن عابدين ‪ " :‬فإذا رهن شيئا‬
‫وسلّمه ‪ ،‬ولم يترك غيره ‪ ،‬فدين المرتهن مقدّم على التّجهيز ‪ ،‬فإن فضل بعده شيء صرف‬
‫إليه " ‪ .‬وإنّما قدّمت الدّيون الموثّقة على التّجهيز لتعلّقها بالمال قبل صيرورته تركةً ‪" ،‬‬
‫ل حقّ يقدّم في الحياة يقدّم في الوفاة " ‪.‬‬
‫والصل أنّ ك ّ‬
‫وخالف في ذلك الحنابلة وقالوا بتقديم حقّ الميّت في تجهيزه من تركته على حقوق الدّائنين‪،‬‬
‫ولو كانت ديونهم متعلّقةً بأعيان التّركة " كما يقدّم المفلس بنفقته على غرمائه ‪ ،‬ولنّ لباس‬
‫ن سترته واجبة في الحياة ‪ ،‬فكذلك‬
‫المفلس مقدّم على قضاء ديونه ‪ ،‬فكذلك كفن الميّت ‪ ،‬ول ّ‬
‫بعد الموت " ‪.‬‬
‫‪ - 35‬وينقسم الدّين باعتبار قوّته وضعفه إلى قسمين ‪:‬‬
‫صحّة ‪ :‬وهو الدّين الّذي شغلت به ذمّة النسان حال صحّته ‪ ،‬سواء ثبت بإقراره‬
‫أ ‪ -‬دين ال ّ‬
‫فيها أم بالبيّنة ‪ ،‬ويلحق به في الحكم الدّين الّذي لزمه وهو في مرض الموت ‪ ،‬وكان ثبوته‬
‫بالبيّنة ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬دين المرض ‪ :‬وهو الدّين الّذي لزم النسان بإقراره وهو في مرض الموت ‪ ،‬ولم يكن‬
‫طريق لثبوته غير ذلك ‪.‬‬
‫صحّة ودين المرض في الستيفاء من التّركة إذا كان في‬
‫وقد اتّفق الفقهاء على استواء دين ال ّ‬
‫التّركة سعة لهما ‪.‬‬
‫صحّة على دين‬
‫‪ - 36‬أمّا إذا كانت التّركة ل تفي بكليهما ‪ ،‬فقد اختلف الفقهاء في تقديم دين ال ّ‬
‫المرض في الستيفاء من التّركة على قولين ‪:‬‬
‫أحدهما ‪ :‬للمالكيّة والشّافعيّة في الصحّ وابن أبي ليلى والتّميميّ من الحنابلة ‪ :‬وهو أنّ ديون‬
‫صحّة تستوي مع ديون المرض في الستيفاء من التّركة ‪،‬وتقسم بينهم على قدر حصصهم‪.‬‬
‫ال ّ‬
‫صيّةٍ يُوصِي ِبهَا أَ ْو َديْنٍ } ‪ .‬حيث لم‬
‫واستدلّوا على ذلك بعموم قوله تعالى ‪ { :‬مِن َبعْدِ َو ِ‬
‫يفضّل أحد الدّينين على الخر ‪ ،‬فوجب أن يتساويا في الستيفاء ‪ ،‬ولنّهما حقّان يجب‬
‫قضاؤهما من رأس المال لستوائهما في سبب الوجوب وفي محلّه ‪.‬‬
‫‪ -‬أمّا السّبب ‪ :‬فهو القرار الصّادر عن عقلٍ ودينٍ ‪ ،‬من شأن العقل والدّين أن يمنعا من قاما‬
‫به عن الكذب في الخبار ‪ ،‬إذ القرار إخبار عن الواجب في ذمّة المقرّ ‪ ،‬وهذا المعنى ل‬
‫صحّة والمرض ‪ ،‬بل في حالة المرض يزداد رجحان جهة الصّدق ‪ ،‬لنّ‬
‫يختلف بين ال ّ‬
‫المرض سبب التّورّع عن المعاصي والنابة عمّا جرى في الماضي ‪ ،‬لكونه آخر عهده بالدّنيا‬
‫‪ ،‬وأوّل عهده بالخرة ‪ ،‬فيكون خوف المقرّ أكثر ‪ ،‬كما يكون أبعد عن الكذب ‪ ،‬فإذا لم يكن‬
‫القرار في حالة المرض أولى ‪ ،‬فل أقلّ من أن يكون مساويا ‪.‬‬
‫صحّة والمرض ول فرق ‪.‬‬
‫ل ‪ :‬فهو ال ّذمّة ‪ ،‬إذ هي محلّ الوجوب في ال ّ‬
‫‪ -‬وأمّا المح ّ‬
‫فلمّا استويا في سبب الوجوب ومحلّه لزم أن يستويا في الستيفاء ‪.‬‬
‫صحّة وما في حكمها‬
‫والثّاني ‪ :‬للحنفيّة والحنابلة والشّافعيّة في غير الصحّ ‪ :‬هو أنّ ديون ال ّ‬
‫صحّة‬
‫صحّة قسمت بين دائني ال ّ‬
‫مقدّمة على ديون المرض ‪ ،‬وإذا لم تف التّركة بديون ال ّ‬
‫بالحصص ‪ .‬وكذلك الحال إذا لم تكن ديون صحّ ٍة ‪ ،‬وكانت هناك ديون مرضٍ ‪ ،‬وضاقت‬
‫عنها التّركة ‪ ،‬فإنّها تقسم بين الدّائنين بالحصص ‪ ،‬ومثل ذلك في الحكم ما لو وفّيت ديون ‪،‬‬
‫ولم يف ما بقي من التّركة بديون المرض كلّها ‪.‬‬
‫ن الحقوق إذا اجتمعت في مال الميّت‬
‫ودليلهم على تقديم ديون الصّحّة على ديون المرض أ ّ‬
‫صحّة هنا‬
‫يقدّم القوى ‪ ،‬كالدّين يقدّم على الوصيّة ‪ ،‬والوصيّة تقدّم على الميراث ‪ ،‬ودين ال ّ‬
‫أقوى ‪ ،‬لنّه ظهر بإقراره في وقتٍ لم يتعلّق بماله حقّ أصلً ‪ ،‬ولم يرد عليه نوع حجرٍ ‪،‬‬
‫ح عتقه وهبته من جميع المال ‪ ،‬بخلف دين المرض الّذي ثبت في حالٍ تعلّق‬
‫ولهذا ص ّ‬
‫بأمواله دين صحّته ‪ ،‬وصارت هذه الموال محلّا للوفاء به ‪ ،‬وضمانا له ‪ ،‬وورد عليه فيه‬
‫ل من الثّلث ‪ ،‬فكان القوى أولى ‪.‬‬
‫نوع حجرٍ ‪ ،‬أل ترى أنّ تبرّعاته ل تنفذ إ ّ‬
‫صحّة في الحكم هو انتفاء‬
‫وسبب إلحاق الدّيون الّتي لزمته في حال مرضه بالبيّنة بديون ال ّ‬
‫التّهمة في ثبوتها ‪ ،‬إذ الثّابت بالبيّنة ل مردّ له ‪ ،‬فيقدّم على المقرّ به في حال المرض ‪.‬‬
‫‪ - 37‬وينقسم الدّين باعتبار الدّائن إلى قسمين ‪:‬‬
‫ن ليس له من العباد من يطالب به على أنّه حقّ له ‪ ،‬وهو نوعان‪:‬‬
‫ل دي ٍ‬
‫أ ‪ -‬دين اللّه ‪ :‬وهو ك ّ‬
‫نوع يظهر فيه وجه العبادة والتّقرّب إلى اللّه تعالى ‪ ،‬وهو ما ل مقابل له من المنافع الدّنيويّة‪،‬‬
‫كصدقة الفطر ‪ ،‬وفدية الصّيام ‪ ،‬وديون النّذور ‪ ،‬والكفّارات ونحو ذلك ‪ ،‬فإنّها عبادات يؤدّيها‬
‫المسلم امتثالً لمر اللّه تعالى وتقرّبا إليه ‪.‬‬
‫‪ -‬ونوع يفرض لتمكين الدّولة من القيام بأعباء المصالح العامّة للمّة ‪ ،‬وهو ما يقابل ‪ -‬في‬
‫الغالب ‪ -‬بمنفع ٍة دنيويّ ٍة للمكلّف ‪ ،‬كخمس الغنائم ‪ ،‬وما أفاء اللّه على المؤمنين من أعدائهم‬
‫من غير قتالٍ ‪ ،‬وما يفرضه المام على القادرين من أفراد المّة للوفاء بالمصالح الّتي يعجز‬
‫بيت المال عن الوفاء بها ‪ .‬وتفصيل ذلك في مصطلح ‪ ( :‬دين اللّه ) ‪.‬‬
‫ل دينٍ له من العباد من يطالب به على أنّه حقّ له ‪ ،‬كثمن مبيعٍ ‪،‬‬
‫ب ‪ -‬ودين العبد ‪ :‬وهو ك ّ‬
‫وأجرة دارٍ ‪ ،‬وبدل قرضٍ وإتلفٍ ‪ ،‬وأرش جنايةٍ ‪ ،‬ونحو ذلك ‪.‬‬
‫ولصاحب هذا الدّين أن يطالب به المدين ‪ ،‬وأن يرفع أمره إلى القاضي إذا امتنع عن الداء‬
‫ليجبره عليه بالطّرق المشروعة ‪ ( .‬ر ‪ :‬حبس ‪ ،‬حجر ) ‪.‬‬
‫‪ - 38‬وينقسم الدّين باعتبار السّقوط وعدمه إلى قسمين ‪ :‬صحيحٍ وغير صحيحٍ ‪.‬‬
‫أ ‪ -‬فالدّين الصّحيح ‪ :‬هو الدّين الثّابت الّذي ل يسقط إلّ بالداء أو البراء ‪ ،‬كدين القرض‬
‫ودين المهر ‪ ،‬ودين الستهلك ونحوها ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬والدّين غير الصّحيح ‪ :‬هو الدّين الّذي يسقط بالداء أو البراء وبغيرهما من السباب‬
‫المقتضية سقوطه ‪ ،‬مثل دين بدل الكتابة ‪ ،‬فإنّه يسقط بعجز العبد المكاتب عن أدائه ‪.‬‬
‫‪ - 39‬وينقسم الدّين باعتبار الشّركة فيه إلى قسمين ‪ :‬مشتركٍ وغير مشتركٍ ‪.‬‬
‫أ ‪ -‬فالدّين المشترك ‪ :‬هو ما كان سببه متّحدا ‪ ،‬سواء أكان ثمن مبيعٍ مشتركٍ بين اثنين أو‬
‫ل واحدٍ من الشّركاء ‪ ،‬أم دينًا‬
‫أكثر ‪ ،‬بيع صفقةٍ واحد ٍة ولم يذكر عند البيع مقدار ثمن حصّة ك ّ‬
‫ض من مالٍ‬
‫ض مستقر ٍ‬
‫آيلً بالرث إلى عدّة ورثةٍ ‪ ،‬أم قيمة مالٍ مستهلكٍ مشتركٍ ‪ ،‬أم بدل قر ٍ‬
‫مشتركٍ بين اثنين أو أكثر ‪.‬‬
‫ل منهما‬
‫ب ‪ -‬الدّين غير المشترك ‪ :‬هو ما كان سببه مختلفا ل متّحدا ‪ ،‬كأن أقرض اثنان ك ّ‬
‫على حدته ‪ ،‬مبلغا لشخصٍ ‪ ،‬أو باعاه مالً مشتركا بينهما ‪ ،‬وسمّى حين البيع كلّ واحدٍ منهما‬
‫لنصيبه ثمنا على حدته ‪.‬‬
‫‪ - 40‬وتبرز ثمرة هذا التّقسيم في المسائل التّالية ‪:‬‬
‫ل ‪ :‬إذا كانت الدّيون المطلوبة من المدين غير مشتركةٍ ‪ ،‬فلكلّ واحدٍ من أربابها استيفاء‬
‫أ ّو ً‬
‫دينه على حد ٍة من المدين ‪ ،‬وما يقبضه يحسب من دينه خاصّ ًة ‪ ،‬ل يشاركه فيه أحد من‬
‫الدّائنين الخر ‪ .‬أمّا إذا كان الدّين المطلوب من المدين مشتركا بين اثنين أو أكثر ‪ ،‬فلكلّ‬
‫واحدٍ من الشّركاء أن يطلب حصّته منه ‪ ،‬ول يختصّ القابض منهم بما قبضه ‪ ،‬بل يكون‬
‫ل واحدٍ منهم حقّ فيه بقدر حصّته ‪.‬‬
‫مشتركًا بين الشّركاء ‪ ،‬لك ّ‬
‫ثانيا ‪ :‬إذا قبض أحد الشّريكين حصّته من الدّين المشترك وأخرجها من يده بوج ٍه من الوجوه‬
‫كهبةٍ ‪ ،‬وقضاء دينٍ عليه ‪ ،‬أو استهلكها فلشريكه أن يضمّنه حصّته منها ‪.‬‬
‫فلو كان مبلغ ألف دينارٍ دينًا مشتركا بين اثنين مناصفةً ‪ ،‬فقبض أحدهما من المدين خمسمائةٍ‬
‫واستهلكها ‪ ،‬فللدّائن الخر أن يضمّنه مائتين وخمسين ‪ .‬أمّا الخمسمائة الخرى فتبقى بين‬
‫الثنين مشترك ًة ‪.‬‬
‫ثالثا ‪ :‬إذا قبض أحد الشّريكين حصّته من الدّين المشترك ‪ ،‬وتلفت في يده بدون تعدّ منه ول‬
‫تقصيرٍ ‪ ،‬فل يضمن حصّة شريكه في المقبوض ‪ ،‬ولكنّه يكون مستوفيا حصّة نفسه ‪ ،‬وما‬
‫بقي من الدّين في ذمّة المدين فيكون حقّا للشّريك الخر ‪.‬‬
‫ل بحصّته من الدّين المشترك ‪ ،‬أو أحاله‬
‫رابعا ‪ :‬إذا أخذ أحد الدّائنين ‪ -‬دينا مشتركا ‪ -‬كفي ً‬
‫المدين على آخر ‪ ،‬فلشريكه الخر أن يشاركه في المبلغ الّذي يأخذه من الكفيل أو المحال‬
‫عليه ‪.‬‬
‫‪ - 41‬وينقسم الدّين باعتبار وقت أدائه إلى قسمين ‪ :‬حالّ ومؤجّلٍ ‪.‬‬
‫أ ‪ -‬فالدّين الحالّ ‪ :‬هو ما يجب أداؤه عند طلب الدّائن ‪ ،‬فتجوز المطالبة بأدائه على الفور ‪،‬‬
‫والمخاصمة فيه باتّفاقٍ ‪ .‬ويقال له " الدّين المعجّل " أيضا ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬والدّين المؤجّل ‪ :‬هو ما ل يجب أداؤه قبل حلول الجل ‪ .‬لكن لو أدّى قبله يصحّ ‪،‬‬
‫ن من الدّيون ما ل يكون إلّ‬
‫ويسقط عن ذمّة المدين ‪ .‬وفي هذا المقام تجدر الشارة إلى أ ّ‬
‫حالّا ‪ ،‬بحيث ل يصحّ تأجيله‪ ،‬فإن تأجّل فسد العقد ‪ .‬مثل رأس مال السّلم ( ر ‪ :‬السّلم )‬
‫والبدلين في الصّرف ( ر ‪ :‬الصّرف ) باتّفاق الفقهاء ‪ ،‬ورأس مال المضاربة عند الحنفيّة‬
‫والمالكيّة والشّافعيّة ( ر ‪ :‬مضاربة ) والجرة في إجارة ال ّذمّة عند المالكيّة والشّافعيّة ( ر ‪:‬‬
‫إجارة ) ومصطلح ‪ ( :‬أجل ) ‪.‬‬
‫توثيق الدّين ‪:‬‬
‫معنى توثيق الدّين ‪:‬‬
‫‪ - 42‬التّوثيق في اللّغة معناه الحكام ‪ .‬ومن هنا سمّي العهد ميثاقا وموثقا لما فيه من الحكام‬
‫والثّبوت ‪.‬‬
‫ن الوثيقة هي "‬
‫أمّا في الصطلح الفقهيّ ‪ :‬فذكر إلكيا الهرّاسيّ في كتابه ‪ " :‬أحكام القرآن " أ ّ‬
‫ما يزداد بها الدّين وكادةً " ‪ .‬وبتتبّع استعمال الفقهاء لمصطلح ‪ " :‬توثيق الدّين " نجد أنّهم‬
‫يطلقونه على أمرين ‪ :‬أحدهما ‪ :‬تقوية وتأكيد حقّ الدّائن فيما يكون له في ذمّة المدين من مالٍ‬
‫بشي ٍء يعتمد عليه ‪ -‬كالكتابة والشّهادة ‪ -‬لمنع المدين من النكار ‪ ،‬وتذكيره عند النّسيان ‪،‬‬
‫وللحيلولة دون ادّعائه أقلّ من الدّين ‪ ،‬أو ادّعاء الدّائن أكثر منه ‪ ،‬أو حلوله أو انقضاء الجل‬
‫ونحو ذلك ‪ ،‬بحيث إذا حصل نزاع أو خلف بين المتداينين ‪ ،‬فيعتبر هذا التّوثيق وسيل ًة يحتجّ‬
‫بها لثبات الدّين المتنازع فيه أمام القضاء ‪.‬‬
‫والمر الثّاني ‪ :‬تثبيت حقّ الدّائن فيما يكون له في ذمّة المدين من مالٍ وإحكامه ‪ ،‬بحيث‬
‫يتمكّن عند امتناع المدين عن الوفاء ‪ -‬ليّ سببٍ من السباب ‪ -‬من استيفاء دينه من شخصٍ‬
‫ق الدّائن وتكون رهينةً بدينه‪.‬‬
‫ثالثٍ يكفل المدين بماله ‪،‬أو من عينٍ ماليّ ٍة يتعلّق بها ح ّ‬
‫طرق توثيق الدّين ‪:‬‬
‫ن طرق توثيق الدّين أربعة ‪:‬‬
‫اتّفق الفقهاء على أ ّ‬
‫أ ‪ -‬توثيق الدّين بالكتابة ‪:‬‬
‫سمّى‬
‫ل ّم َ‬
‫‪ - 43‬دلّت آية الدّين وهي قوله تعالى ‪ { :‬يَا َأ ّيهَا اّلذِينَ آ َمنُو ْا ِإذَا َتدَايَنتُم ِب َديْنٍ إِلَى َأجَ ٍ‬
‫فَا ْك ُتبُوهُ ‪ } ...‬إلى آخر الية على مشروعيّة توثيق الدّين بالكتابة المبيّنة له ‪ ،‬المعربة عنه ‪،‬‬
‫المعرّفة للحاكم بما يحكم عند التّرافع إليه ‪ ،‬وذلك في صكّ موضّحٍ للدّين بجميع صفاته ‪.‬‬
‫جيّة الكتابة في توثيق الدّين على قولين ‪:‬‬
‫غير أنّ الفقهاء اختلفوا في ح ّ‬
‫أ ‪ -‬فذهب الجمهور " الحنفيّة والمالكيّة والحنابلة " إلى صحّة توثيق الدّين بالكتابة ‪ ،‬وأنّها بيّنة‬
‫معتبرة في الثبات إذا كانت صحيحة النّسبة إلى كاتبها ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬وذهب مالك والشّافعيّ وأحمد في روايةٍ عنه وجماعة من الفقهاء إلى أنّه ل يعتمد على‬
‫ن الخطوط تشتبه والتّزوير فيها ممكن ‪ ،‬وقد تكتب للتّجربة‬
‫الخطّ المجرّد إذا لم يشهد عليه ‪ ،‬ل ّ‬
‫جيّة ‪ ،‬ول يصلح‬
‫أو اللّهو ‪ ..‬ومع قيام هذه الحتمالت والشّبهات ل يبقى للخطّ المجرّد ح ّ‬
‫للعتماد عليه وحده ‪.‬‬
‫شكّ وتزيل الحتمال ‪.‬‬
‫ن الشّهادة ترفع ال ّ‬
‫جةً ‪ ،‬ل ّ‬
‫أمّا إذا أشهد عليه فيعتبر وثيقةً وح ّ‬
‫ومن أهمّ صور التّوثيق بالكتابة ‪:‬‬
‫‪ - 44‬أ ّولً ‪ :‬إذا أمر شخص آخر بأن يكتب إقراره ‪ ،‬فيكون هذا المر إقرارا حكما ‪.‬‬
‫جاء في " ال ّدرّ المختار " ‪ " :‬المر بكتابة القرار إقرار حكما ‪ ،‬فإنّه كما يكون باللّسان يكون‬
‫ي ‪ ،‬أو اكتب بيع داري ‪ ،‬أو طلق‬
‫صكّاك ‪ :‬اكتب خطّ إقراري بألفٍ عل ّ‬
‫بالبنان ‪ ،‬فلو قال لل ّ‬
‫ح"‪.‬‬
‫امرأتي ص ّ‬
‫صرّاف والبيّاع والسّمسار ‪ -‬الّتي تكون في دفاترهم المعتدّ‬
‫ن قيود ال ّتجّار ‪ -‬كال ّ‬
‫‪ - 45‬ثانيا ‪ :‬إ ّ‬
‫بها ‪ ،‬وتبيّن ما عليهم من ديونٍ تعتبر حجّةً عليهم ‪ ،‬ولو لم تكن في شكل صكّ أو سندٍ‬
‫ن التّاجر يكتب دينه ومطلوبه في دفتره صيان ًة له من‬
‫ن العادة جرت أ ّ‬
‫رسميّ ‪ ،‬وذلك ل ّ‬
‫النّسيان ‪ ،‬ول يكتبه للّهو واللّعب ‪ .‬أمّا ما يكتب فيها من ديونٍ لهم على النّاس فل يعتبر وثيقةً‬
‫وحجّةً ‪ ،‬ويحتاج في إثباتها إلى وجهٍ آخر ‪.‬‬
‫‪ - 46‬ثالثا ‪ :‬السّندات والوصولت الرّسميّة تعتبر حججا معتمدةً في توثيق الدّين وإثباته ‪.‬‬
‫جاء في فتاوى قارئ الهداية ‪ " :‬إذا كتب على وجه الصّكوك يلزمه المال ‪ ،‬وهو أن يكتب ‪:‬‬
‫ن في ذمّتي لفلنٍ الفلنيّ كذا وكذا ‪ ،‬فهو إقرار يلزم " ‪.‬‬
‫يقول فلن الفلنيّ إ ّ‬
‫‪ - 47‬رابعا ‪ :‬إذا أنكر من كتب أو استكتب سندا رسميّا ممضيا بإمضائه أو مختوما بختمه‬
‫الدّين الّذي يحتويه ذلك السّند مع اعترافه بخطّه وختمه ‪ ،‬فل يعتبر إنكاره ‪ ،‬ويلزمه أداء ذلك‬
‫الدّين دون حاجةٍ إلى إثباتٍ بوج ٍه آخر ‪.‬‬
‫أمّا إذا أنكر خطّ السّند الّذي أعطاه مرسوما أيضا وقال ‪ :‬إنّه ليس خطّي ‪ ،‬فينظر ‪:‬‬
‫‪ -‬فإن كان خطّه مشهورا ومتعارفا بين الجار وأهل البلد وثبت أنّه خطّه ‪ ،‬فل يعتبر إنكاره ‪،‬‬
‫ويعمل بذلك السّند بدون حاج ٍة لثبات مضمونه ‪.‬‬
‫‪ -‬أمّا إذا لم يكن خطّه مشهورا ومتعارفا فيستكتب ‪ ،‬ويعرض خطّه على الخبراء ‪ ،‬فإذا أفادوا‬
‫ن الخطّين لشخصٍ واحدٍ ‪ ،‬فيؤمر ذلك الشّخص بأداء الدّين المذكور ‪ ،‬وإلّ فل ‪.‬‬
‫أّ‬
‫‪ - 48‬خامسا ‪ :‬إذا أعطى شخص لخر سندا رسميّا يفيد أنّه مدين له بمبلغٍ من المال ‪ ،‬ثمّ‬
‫توفّي ‪ ،‬فيلزم ورثته بإيفائه من التّركة إذا اعترفوا بكون السّند للمتوفّى ‪ ،‬ولو أنكروا الدّين ‪.‬‬
‫أمّا إذا أنكروا السّند ‪ ،‬فينظر ‪ :‬إن كان خطّ المتوفّى وختمه مشهورا ومتعارفا ‪ ،‬وثبت أنّ‬
‫الخطّ خطّه والختم ختمه ‪ ،‬فيجب عليهم أداء الدّين من التّركة ‪ ،‬ول عبرة لنكارهم ‪ ،‬وإن كان‬
‫خلف ذلك فل يعمل بالسّند لوجود شبهة التّزوير فيه ‪.‬‬
‫‪ - 49‬سادسا ‪ :‬إذا وجد الوارث خطّا لمورّثه يفيد أنّ عليه دينا قدره كذا وكذا لفلنٍ ‪ ،‬فيجب‬
‫على الوارث العمل بخطّ مورّثه ودفع الدّين إلى من هو مكتوب باسمه من التّركة ‪.‬‬
‫حكم التّوثيق بالكتابة ‪:‬‬
‫اختلف الفقهاء في حكم توثيق الدّين بالكتابة على قولين ‪:‬‬
‫ن كتابة الدّين مندوب إليها وليست واجبةً ‪.‬‬
‫‪ - 50‬أحدهما ‪ :‬لجمهور الفقهاء ‪ ،‬وهو أ ّ‬
‫إذ المر في قوله تعالى ‪ { :‬فَا ْك ُتبُوهُ } للرشاد لمن يخشى ضياع دينه بالنّسيان أو النكار ‪،‬‬
‫حيث ل يكون المدين موضع ثق ٍة كاملةٍ من دائنه ‪ ،‬يدلّ على ذلك قوله تعالى ‪َ { :‬فإِنْ َأمِنَ‬
‫ن الكتابة غير مطلوبةٍ إذا توافرت المانة‬
‫ن َأمَا َنتَهُ } وهو يفيد أ ّ‬
‫ضكُم َب ْعضًا فَلْيُ َؤ ّد اّلذِي ا ْؤ ُتمِ َ‬
‫َبعْ ُ‬
‫والثّقة بين المتعاملين ‪ ،‬وقد درج النّاس من عهد الصّحابة إلى يومنا هذا على عدم كتابة‬
‫الدّيون ما دامت الثّقة قائم ًة بين المتداينين ‪ ،‬ولم ينقل عن فقهائهم نكير مع اشتهار ذلك ‪51 .‬‬
‫ن كتابة الدّين واجبة لقوله تعالى‪{:‬‬
‫‪ -‬والثّاني ‪ :‬لبن جريرٍ الطّبريّ وبعض السّلف ‪ :‬وهو أ ّ‬
‫فَا ْك ُتبُوهُ } إذ الصل في المر إفادة الوجوب ‪.‬‬
‫وممّا يؤيّد دللة هذا المر على الوجوب اهتمام الية ببيان من له حقّ الملء ‪ ،‬وصفة‬
‫الكاتب ‪ ،‬وحثّه على الستجابة إذا طلب منه ذلك ‪ ،‬والحثّ على كتابة القليل والكثير ‪ ،‬ثمّ‬
‫التّعبير عن عدم وجوب الكتابة في المبادلت النّاجزة بنفي الجناح ‪ ،‬حيث إنّه يشعر بلوم من‬
‫ترك الكتابة عند تعامله بالدّين ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬توثيق الدّين بالشّهادة ‪:‬‬
‫ن من ّرجَالِ ُكمْ َفإِن ّل ْم َيكُونَا َرجَُليْنِ َف َرجُلٌ وَا ْمرََأتَانِ‬
‫شهِيدَيْ ِ‬
‫شهِدُو ْا َ‬
‫س َت ْ‬
‫ل قوله تعالى ‪ { :‬وَا ْ‬
‫‪ - 52‬د ّ‬
‫شهَدَاء ‪ }...‬إلى آخر الية على مشروعيّة توثيق الدّين بالشّهادة وأنّها‬
‫ن ال ّ‬
‫ن مِ َ‬
‫ِممّن َت ْرضَوْ َ‬
‫ن استشهاد الشّهود أنفى للرّيب ‪ ،‬وأبقى للحقّ ‪ ،‬وأدعى إلى رفع‬
‫وثيقة واحتياط للدّائن ‪ ،‬ل ّ‬
‫التّنازع والختلف ‪ ،‬وفي ذلك صلح الدّين والدّنيا معا ‪.‬‬
‫وبيّنت الية أنّ نصاب الشّهادة على الدّين هو ‪ :‬إمّا رجلن ‪ ،‬أو رجل وامرأتان ممّن يرتضى‬
‫جةً شرعيّ ًة في إثبات الدّين ‪ ،‬وبيّنةً‬
‫من العدول الثّقات ‪ ،‬فإذا تحقّق ذلك كان وثيق ًة معتبرةً وح ّ‬
‫قويّ ًة يعتمد عليها القاضي في الحكم به لطالبه ‪.‬‬
‫حكم التّوثيق بالشّهادة ‪:‬‬
‫اختلف الفقهاء في حكم توثيق الدّين بالشّهادة على قولين ‪:‬‬
‫‪ - 53‬أحدهما ‪ :‬لجمهور الفقهاء من الحنفيّة والمالكيّة والشّافعيّة والحنابلة ‪ :‬وهو أنّ الشهاد‬
‫ضكُم َبعْضا فَ ْليُ َؤدّ اّلذِي‬
‫ن َأمِنَ َب ْع ُ‬
‫على الدّين مندوب إليه وليس بواجبٍ لقوله تعالى ‪َ { :‬فإِ ْ‬
‫ن والتّوهّم‬
‫ن هذا المن ل يقع إلّ بحسب الظّ ّ‬
‫ن َأمَا َنتَهُ } وقال إلكيا الهرّاسيّ ‪ " :‬ومعلوم أ ّ‬
‫ا ْؤ ُتمِ َ‬
‫ن الشّهادة إنّما أمر بها لطمأنينة قلبه ل لحقّ الشّرع ‪،‬‬
‫ل على وجه الحقيقة ‪ ،‬وذلك يدلّ على أ ّ‬
‫ن َب ْعضُكُم َبعْضا } ول ثقة بأمن العباد‪ ،‬إنّما‬
‫فإنّها لو كانت لحقّ الشّرع لما قال ‪َ { :‬فإِنْ َأمِ َ‬
‫العتماد على ما يراه الشّرع مصلحةً ‪ ،‬فالشّهادة متى شرعت في النّكاح لم تسقط بتراضيهما‬
‫ن اللّه‬
‫ن الشّهادة " في غير النّكاح " شرعت للطّمأنينة ‪ ،‬ول ّ‬
‫وأمن بعضهم بعضا ‪ ،‬فدلّ ذلك أ ّ‬
‫تعالى جعل لتوثيق الدّيون طرقا منها ‪ :‬الكتاب ‪ ،‬ومنها الرّهن ‪ ،‬ومنها الشهاد ‪ ،‬ول خلف‬
‫بين علماء المصار أنّ الرّهن مشروع بطريق النّدب ل بطريق الوجوب ‪ ،‬فيعلم من ذلك مثله‬
‫في الشهاد " ‪.‬‬
‫‪ - 54‬والثّاني ‪ :‬لبعض السّلف ‪ :‬وهو أنّ الشهاد على الدّين واجب لقوله تعالى في آية الدّين‬
‫شهِي َديْنِ من ّرجَاِل ُكمْ } الية ‪.‬‬
‫ش ِهدُو ْا َ‬
‫ستَ ْ‬
‫‪ { :‬وَا ْ‬
‫ج ‪ -‬توثيق الدّين بالرّهن ‪:‬‬
‫‪ - 55‬المراد بالرّهن " المال الّذي يجعل وثيق ًة بالدّين ليستوفي من ثمنه إن تعذّر استيفاؤه ممّن‬
‫ق بالرّهن من سائر الغرماء ‪ ،‬فإذا كان على‬
‫هو عليه ‪ . " ..‬وبهذه الوثيقة يصير المرتهن أح ّ‬
‫الرّاهن ديون أخرى ل تفي بها أمواله ‪ ،‬وبيع الرّهن لسداد ما عليه ‪ ،‬كان للمرتهن أن يستوفي‬
‫دينه من ثمنه أ ّولً ‪ ،‬فإذا بقي شيء فهو لسائر الغرماء ‪.‬‬
‫حكم التّوثيق بالرّهن ‪:‬‬
‫ن توثيق الدّين بالرّهن غير واجبٍ ‪ ،‬وأنّ المر به في الية‬
‫‪ - 56‬ذهب جماهير الفقهاء إلى أ ّ‬
‫ب ‪ ،‬ل نعلم فيه مخالفا ‪ ،‬لنّه وثيقة بالدّين ‪ ،‬فلم‬
‫للرشاد ‪ .‬قال ابن قدامة ‪ " :‬والرّهن غير واج ٍ‬
‫يجب كالضّمان والكتابة ‪ ،‬وقول اللّه تعالى ‪َ { :‬فرِهَانٌ مّ ْقبُوضَةٌ } إرشاد لنا ‪ ،‬ل إيجاب‬
‫ن َأمَانَتَهُ }‪ ،‬ولنّه أمر به‬
‫ضكُم َبعْضا فَ ْليُ َؤدّ اّلذِي ا ْؤ ُتمِ َ‬
‫ن َأمِنَ َب ْع ُ‬
‫علينا ‪ ،‬بدليل قوله تعالى ‪َ { :‬فإِ ْ‬
‫عند إعواز الكتابة ‪ ،‬والكتابة غير واجبةٍ ‪ ،‬فكذا بدلها " ‪.‬‬
‫د ‪ -‬توثيق الدّين بالكفالة ‪:‬‬
‫‪ - 57‬اختلف الفقهاء في حقيقة كفالة الدّين على أربعة أقوالٍ ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬فذهب الشّافعيّة والحنابلة إلى أنّها " ضمّ ذمّة الكفيل إلى ذمّة المكفول في اللتزام بالدّين‪،‬‬
‫فيثبت في ذمّتهما جميعًا ‪ ،‬ولصاحب الحقّ مطالبة من شاء منهما " ‪.‬‬
‫وشغل الدّين الواحد ذمّتين على سبيل التّعلّق والستيثاق ‪ ،‬كتعلّق دين الرّهن به وبذمّة‬
‫الرّاهن ‪ ،‬وأنّه كفرض الكفاية ‪ ،‬يتعلّق بالكلّ ويسقط بفعل البعض ‪.‬‬
‫ل بالنّسبة لمن تعلّق بهم فقط‪.‬‬
‫وتعلّقه هذا ل يعني تعدّده ‪،‬لنّه في الحقيقة واحد ‪ .‬وما التّعدّد إ ّ‬
‫وعلى هذا فل زيادة في الدّين ‪ ،‬لنّ الستيفاء ل يكون إلّ من واح ٍد منهما ‪.‬‬
‫ل أنّهم‬
‫ب ‪ -‬وذهب المالكيّة إلى أنّها " ضمّ ذمّة الكفيل إلى ذمّة المكفول في اللتزام بالدّين " إ ّ‬
‫ل إذا تعذّر عليه الستيفاء من الصيل ‪ ،‬لنّ‬
‫قالوا ‪ :‬ليس للمكفول له أن يطالب الكفيل بالدّين إ ّ‬
‫الضّمان وثيقة ‪ ،‬فل يستوفى الحقّ منها إلّ عند العجز عن استيفائه من المدين ‪،‬كالرّهن‪ .‬ج ‪-‬‬
‫وذهب الحنفيّة إلى أنّها ضمّ ذمّة الكفيل إلى ذمّة الصيل في وجوب الداء ‪ ،‬ل في وجوب‬
‫ن ثبوت الدّين في ال ّذمّة اعتبار شرعيّ ل يكون إلّ بدليلٍ ‪ ،‬ول دليل على ثبوته في‬
‫الدّين ‪ ،‬ل ّ‬
‫ن التّوثيق يحصل بالمشاركة في وجوب الداء من غير حاج ٍة إلى إيجاب‬
‫ذمّة الكفيل ‪ ،‬ل ّ‬
‫الدّين في ال ّذمّة ‪ ،‬كالوكيل بالشّراء يطالب بالثّمن ‪ ،‬والثّمن في ذمّة الموكّل وحده ‪ ،‬وعلى هذا‬
‫عرّفوها بأنّها " ضمّ ذمّة الكفيل إلى ذمّة الصيل في المطالبة " ‪.‬‬
‫ن الدّين ينتقل‬
‫د ‪ -‬وذهب ابن أبي يعلى وابن شبرمة وأبو ثورٍ وأحمد في روايةٍ عنه إلى أ ّ‬
‫بالكفالة إلى ذمّة الكفيل ‪ -‬كما في الحوالة ‪ -‬فل يكون للدّائن أن يطالب الصيل ‪.‬‬
‫وعلى أيّة حالٍ ‪ ،‬فسواء أكانت كفالة الدّين معناها ضمّ ذمّة الكفيل إلى ذمّة المكفول في‬
‫اللتزام بالدّين ‪ ،‬أم في المطالبة فقط ‪ ،‬أم انتقال الدّين من ذمّة المكفول إلى ذمّة الكفيل فإنّها‬
‫تقتضي باتّفاق الفقهاء التزام الكفيل بأداء الدّين إلى الدّائن إذا تعذّر عليه استيفاؤه من‬
‫الصيل ‪ ،‬وذلك هو معنى التّوثيق ‪ ،‬وفائدته ‪ ،‬وثمرته ‪.‬‬
‫التّصرّف في الدّين ‪:‬‬
‫التّصرّف في الدّين إمّا أن يكون من الدّائن ‪ ،‬وإمّا أن يكون من المدين ‪.‬‬
‫تصرّف الدّائن ‪:‬‬
‫ينحصر تصرّف الدّائن في دينه بتمليكه للمدين أو لغيره بإحدى طرائق التّمليك المشروعة ‪،‬‬
‫ض أم بغير عوضٍ ‪.‬‬
‫سواء بعو ٍ‬
‫الحالة الولى ‪ :‬تمليك الدّين للمدين ‪:‬‬
‫يختلف حكم تمليك الدّين للمدين بحسب حال الدّين ومدى استقرار ملك الدّائن عليه ‪ ،‬وذلك‬
‫ن الدّيون نوعان ‪:‬‬
‫لّ‬
‫‪ - 58‬النّوع الوّل ‪ :‬ما يكون الملك عليه مستقرّا ‪ :‬كغرامة المتلف ‪ ،‬وبدل القرض ‪ ،‬وقيمة‬
‫المغصوب ‪ ،‬وعوض الخلع ‪ ،‬وثمن المبيع ‪ ،‬والجرة بعد استيفاء المنفعة ‪ ،‬والمهر بعد‬
‫الدّخول ‪ ،‬ونحو ذلك ‪ .‬وهذا النّوع من الدّيون ل خلف بين الفقهاء في جواز تمليكه لمن هو‬
‫ض أو بغير عوضٍ ‪.‬‬
‫عليه بعو ٍ‬
‫غير أنّ جمهور الفقهاء من الحنفيّة والشّافعيّة والحنابلة استثنوا من قاعدة جواز تمليك الدّين‬
‫ض بدل الصّرف ورأس مال السّلم ‪ ،‬فلم يجيزوا التّصرّف في أيّ منهما قبل‬
‫لمن عليه بعو ٍ‬
‫صحّة ‪ ،‬وهو القبض في بدلي الصّرف ورأس مال السّلم‬
‫قبضه ‪ ،‬لنّ في ذلك تفويتا لشرط ال ّ‬
‫قبل الفتراق ‪.‬‬
‫كما اشترط الشّافعيّة والحنابلة لصحّة تمليك الدّين لمن عليه أن يخلو العقد من ربا النّسيئة ‪،‬‬
‫ب بفضّةٍ أو حنط ٍة بشعيرٍ ونحو ذلك‬
‫فلو باع الدّائن دينه من المدين بما ل يباع به نسيئةً كذه ٍ‬
‫من الموال الرّبويّة ‪ ،‬فل يصحّ ذلك إلّ إذا قبض الدّائن العوض قبل التّفرّق من المجلس ‪،‬‬
‫وذلك لحديث « ابن عمر رضي ال عنهما قال ‪ :‬كنت أبيع البل بالبقيع ‪ ،‬فأبيع بالدّنانير وآخذ‬
‫الدّراهم ‪ ،‬وأبيع بالدّراهم وآخذ الدّنانير ‪ ،‬آخذ هذه من هذه ‪ ،‬وأعطي هذه من هذه ‪ ،‬فأتيت‬
‫رسول اللّه صلى ال عليه وسلم فسألته عن ذلك فقال ‪ :‬ل بأس أن تأخذها بسعر يومها ما لم‬
‫تفترقا وبينكما شيء » ‪ .‬فقد شرط صلى ال عليه وسلم القبض قبل التّفرّق ‪.‬‬
‫وعلى ذلك فإذا قبض الدّائن العوض في المجلس ‪ ،‬فإنّه يصحّ بيع الدّين وتمليكه لنتفاء المانع‬
‫‪ ،‬إذ يصدق على ما ذكر أنّه تقابض ‪ ،‬لوجود القبض الحقيقيّ في العوض المدفوع لصاحب‬
‫الدّين ‪ ،‬والحكميّ فيما في ذمّة المدين ‪ ،‬لنّه كأنّه قبضه منه وردّه إليه ‪.‬‬
‫وكذلك اشترط جمع من الفقهاء انتفاء بيع الدّين بالدّين لصحّة تمليك الدّين لمن هو عليه ‪،‬‬
‫ن بيع الدّين‬
‫حيث نقل أحمد وابن المنذر وابن رشدٍ والسّبكيّ وغيرهم إجماع أهل العلم على أ ّ‬
‫بالدّين غير جائزٍ ‪ .‬وعلى ذلك ‪:‬‬
‫ص الشّافعيّة والحنابلة على عدم جواز صرف ما في ال ّذمّة ‪ .‬فلو كان لرجلٍ في ذمّة‬
‫أ‪-‬ن ّ‬
‫رجلٍ دنانير ‪ ،‬والخر عليه دراهم ‪ ،‬فاصطرفا بما في ذمّتيهما ‪ ،‬فل يصحّ ذلك ‪.‬‬
‫قال الشّافعيّ في " المّ " ‪ " :‬ومن كانت عليه دراهم لرجلٍ ‪ ،‬وللرّجل عليه دنانير ‪ ،‬فحلّت أو‬
‫ن"‪.‬‬
‫ن ذلك دين بدي ٍ‬
‫لم تحلّ ‪ ،‬فتطارحاها صرفًا ‪ ،‬فل يجوز ‪ ،‬ل ّ‬
‫ي الدّين السّبكيّ من الشّافعيّة وتقيّ الدّين ابن تيميّة من‬
‫وخالف في ذلك الحنفيّة والمالكيّة وتق ّ‬
‫ن ال ّذمّة الحاضرة كالعين الحاضرة غير أنّ‬
‫الحنابلة وقالوا ‪ :‬بجواز صرف ما في ال ّذمّة ‪ ،‬ل ّ‬
‫المالكيّة اشترطوا أن يكون الدّينان قد حلّ معا ‪ ،‬فأقاموا حلول الجلين في ذلك مقام النّاجز‬
‫بالنّاجز ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬ذهب جمهور الفقهاء من الحنفيّة والشّافعيّة والحنابلة وغيرهم ‪ ،‬إلى أنّه ل يجوز جعل‬
‫الدّين الّذي على المسلم إليه رأس مال سلمٍ ‪ ،‬وذلك لنّه يؤدّي إلى بيع الدّين بالدّين ‪ ،‬وهو‬
‫غير جائزٍ ‪.‬‬
‫وخالف في ذلك تقيّ الدّين بن تيميّة وابن القيّم وقال ‪ :‬بجوازه لعدم تحقّق المنهيّ عنه ‪ -‬وهو‬
‫بيع الكالئ بالكالئ ‪ ،‬أي الدّين المؤخّر بالدّين المؤخّر ‪ -‬في هذه المسألة ‪.‬‬
‫ن الدّائن إذا باع الدّين ممّن هو عليه‬
‫ج ‪ -‬نصّ الحنفيّة والحنابلة والشّافعيّة في وجهٍ على أ ّ‬
‫بشي ٍء موصوفٍ في ال ّذمّة ‪ ،‬فيشترط لصحّة ذلك أن يقبض الدّائن العوض قبل التّفرّق من‬
‫المجلس ‪ ،‬كي ل يترتّب على ذلك بيع الدّين بالدّين ‪ ،‬وهو غير جائزٍ ‪.‬‬
‫أمّا إذا باع الدّين ممّن هو عليه بشيءٍ معيّنٍ ‪ ،‬فل يشترط في مذهب الحنفيّة قبض المشتري‪،‬‬
‫ن الدّين ل يخلو من أن يكون دراهم ‪ ،‬أو دنانير‪،‬‬
‫لنتفاء بيع الدّين بالدّين ‪ .‬قال الكاسانيّ ‪ " :‬إ ّ‬
‫أو فلوسا ‪ ،‬أو مكيلً ‪ ،‬أو موزونا ‪ ،‬أو قيمة المستهلك ‪ ،‬فإن كان دراهم أو دنانير فاشترى به‬
‫ن بدينٍ ‪،‬‬
‫شيئا بعينه جاز الشّراء ‪ ،‬وقبض المشتري ليس بشرطٍ ‪ ،‬لنّه يكون افتراقا عن عي ٍ‬
‫وأنّه جائز فيما ل يتضمّن ربا النّساء ‪ ،‬ول يتضمّن هاهنا ‪ .‬وكذلك إن كان الدّين مكيلً أو‬
‫موزونا أو قيمة المستهلك لما قلنا " ‪.‬‬
‫‪ - 59‬والنّوع الثّاني من الدّيون ‪ :‬ما ل يكون الملك عليه مستقرّا ‪ :‬كالمسلم فيه والجرة قبل‬
‫استيفاء المنفعة أو مضيّ زمانها ‪ ،‬والمهر قبل استيفاء المنفعة أو مضيّ زمانها والمهر قبل‬
‫الدّخول ونحو ذلك ‪ ،‬وهذا النّوع من الدّيون يجوز تمليكه ممّن هو عليه بغير عوضٍ ‪ ،‬لنّ‬
‫ذلك يعتبر إسقاطًا للدّين عن المدين ‪ ،‬ول دليل على منعه ‪.‬‬
‫أمّا تمليكه بعوضٍ ‪ ،‬فقد فرّق الفقهاء بين دين السّلم وبين غيره من الدّيون غير المستقرّة ‪.‬‬
‫وبيان ذلك فيما يلي ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬دين السّلم ‪:‬‬
‫‪ - 60‬اختلف الفقهاء في صحّة بيع المسلم الدّين المسلم فيه للمدين ‪ ،‬أو العتياض عنه على‬
‫قولين ‪:‬‬
‫ح بيع المسلم فيه‬
‫أحدهما ‪ :‬لجمهور الفقهاء من الحنفيّة والشّافعيّة والحنابلة ‪ ،‬وهو أنّه ل يص ّ‬
‫قبل قبضه لمن هو في ذمّته ‪ ،‬لنّه ل يؤمن من فسخ العقد بسبب انقطاع المسلم فيه وامتناع‬
‫العتياض عنه ‪ ،‬فكان كالمبيع قبل القبض ‪ ،‬ولقوله صلى ال عليه وسلم ‪ « :‬من أسلم في‬
‫شيءٍ فل يصرفه في غيره » ‪.‬‬
‫قالوا ‪ :‬وهذا يقتضي ألّ يبيع المسلم دين السّلم ل من صاحبه ول من غيره ‪.‬‬
‫والثّا ني ‪ :‬للمالكيّة وأح مد في روايةٍ ع نه ‪ ،‬و صحّحه تق يّ الدّ ين بن تيميّة وا بن القيّم ‪ ،‬و هو‬
‫جواز بيع العرض المسلم فيه قبل قبضه لمن هو في ذمّته بثمن المثل ‪ ،‬أو دونه ‪ ،‬ل أكثر منه‬
‫‪.‬‬
‫واستدلّوا على جواز بيعه من المدين والعتياض عنه إذا كان بسعر المثل أو دونه بعدم المانع‬
‫ي ‪ ،‬إذ الحديث الّذي استدلّ به المانعون « من أسلم في شيءٍ فل يصرفه إلى غيره »‬
‫الشّرع ّ‬
‫ن معنى « فل يصرفه إلى غيره » أن ل‬
‫ح ‪ ،‬فإ ّ‬
‫ضعيف عند علماء الحديث ‪ ،‬وحتّى لو ص ّ‬
‫ن مؤجّلٍ ‪ ،‬وذلك خارج عن محلّ النّزاع ‪.‬‬
‫يصرفه إلى سلمٍ آخر ‪ ،‬أو ل يبيعه بمعيّ ٍ‬
‫ن النّصّ والقياس‬
‫ص في التّحريم ول إجماع ول قياس ‪ ،‬وأ ّ‬
‫قال ابن القيّم ‪ " :‬فثبت أنّه ل ن ّ‬
‫يقتضيان الباحة " ‪.‬‬
‫ن دين السّلم مضمون على البائع ‪ ،‬ولم‬
‫أمّا عدم جواز العتياض عنه بأكثر من قيمته ‪ ،‬فل ّ‬
‫ب السّلم‬
‫ينتقل إلى ضمان المشتري ‪ ،‬فلو باعه المشتري من المسلم إليه بزياد ٍة ‪ ،‬فقد ربح ر ّ‬
‫فيما لم يضمن ‪،‬وقد صحّ عن النّبيّ صلى ال عليه وسلم أنّه « نهى عن ربح ما لم يضمن »‪.‬‬
‫‪ - 61‬ب ‪ -‬الدّيون الّتي لم يستقرّ ملك الدّائن عليها لعدم قبض المدين الشّيء المقابل لها ‪،‬‬
‫كالجرة قبل استيفاء المنفعة أو مضيّ زمانها ‪ ،‬وكالمهر قبل الدّخول ونحو ذلك ‪.‬‬
‫وهذه الدّيون اختلف الفقهاء في جواز تمليكها ممّن هي عليه بعوضٍ على قولين ‪:‬‬
‫ن ملكه عليها غير تامّ ‪.‬‬
‫أحدهما للحنابلة ‪ :‬وهو أنّه ل يجوز بيعها ممّن هي عليه ‪ ،‬ل ّ‬
‫والثّاني للحنفيّة والشّافعيّة ‪ :‬وهو جواز بيعها ممّن هي عليه ‪ ،‬كالدّيون الّتي استقرّ ملك الدّائن‬
‫عليها ‪ ،‬إذ ل فرق بينها ‪.‬‬
‫الحالة الثّانية ‪ :‬تمليك الدّيون لغير المدين ‪:‬‬
‫ل‪:‬‬
‫‪ - 62‬اختلف الفقهاء في حكم تمليك الدّين لغير من عليه على أربعة أقوا ٍ‬
‫أحدها ‪ :‬رواية عن أحمد ووجه عند الشّافعيّة ‪ :‬وهو أنّه يجوز تمليك الدّين من غير من عليه‬
‫الدّين بعوضٍ وبغير عوضٍ ‪.‬‬
‫والثّاني ‪ :‬للحنفيّة والحنابلة والشّافعيّة في الظهر ‪ :‬وهو أنّه ل يصحّ تمليك الدّين لغير من هو‬
‫ض أم بغير عوضٍ ‪.‬‬
‫عليه ‪ ،‬سواء أكان بعو ٍ‬
‫كأن يقول شخص لخر ‪ :‬وهبتك ما لي من دينٍ على فلنٍ ‪ ،‬فيقبل ‪ .‬أو يقول له ‪ :‬اشتريت‬
‫ن ‪ ،‬فيقبل أو يقول له ‪ :‬استأجرت منك كذا بالدّين الثّابت لي‬
‫ن على فل ٍ‬
‫منك كذا بما لي من دي ٍ‬
‫في ذمّة فلنٍ ‪ ،‬فيقبل ‪ .‬فهذا كلّه غير جائزٍ ‪ ،‬لنّ الواهب أو المشتري أو المستأجر يهب أو‬
‫يبيع ما ليس في يده ‪ ،‬ول له من السّلطة شرعا ما يمكّنه من قبضه منه ‪ ،‬فكان بيعا لشيءٍ ل‬
‫يقدر على تسليمه ‪ ،‬إذ ربّما منعه المدين أو جحده ‪ ،‬وذلك غرر ‪ ،‬فل يجوز ‪.‬‬
‫وقد استثنى الحنفيّة من قاعدة عدم جواز تمليك الدّين لغير من هو عليه ثلث حالتٍ ‪:‬‬
‫الولى ‪ :‬إذا وكّل الدّائن الشّخص الّذي ملّكه الدّائن في قبض ذلك الدّين من مدينه ‪ ،‬فيصحّ‬
‫ذلك ‪ ،‬ويقبض الدّين من المدين باعتباره وكيلً عن الدّائن ‪ ،‬وبمجرّد القبض يصير قابضا‬
‫لنفسه ‪ ،‬وتنتقل ملكيّة الدّين إليه ‪.‬‬
‫والثّانية ‪ :‬إذا أحال الدّائن الشّخص الّذي ملّكه الدّين على مدينه ‪ ،‬فيصحّ ذلك ‪ ،‬ويقبض الدّين‬
‫من المدين باعتباره محالً من الدّائن عليه ‪ ،‬وبمجرّد القبض تنتقل ملكيّة الدّين إليه ‪.‬‬
‫والثّالثة ‪ :‬الوصيّة ‪ ،‬فإنّها تصحّ بالدّين لغير من هو عليه ‪ ،‬لنّها تمليك مضاف إلى ما بعد‬
‫الموت ‪ ،‬فينتقل الملك فيه كما ينتقل بالرث ‪.‬‬
‫ل ‪ -‬صحّحه كثير من أئمّتهم كالشّيرازيّ في المهذّب والنّوويّ في‬
‫والثّالث ‪ :‬للشّافعيّة في قو ٍ‬
‫زوائد الرّوضة ‪ ،‬واختاره السّبكيّ وأفتى به زكريّا النصاريّ وغيره ‪ -‬وهو أنّه يجوز بيع‬
‫سائر الدّيون ‪ -‬عدا دين السّلم ‪ -‬لغير من عليه الدّين ‪ ،‬كما يجوز بيعها للمدين ول فرق ‪،‬‬
‫وذلك إذا كان الدّين حالّا والمدين مقرّا مليئا أو عليه بيّنة ل كلفة في إقامتها ‪.‬‬
‫وذلك لنتفاء الغرر النّاشئ عن عدم قدرة الدّائن على تسليم الدّين إليه ‪.‬‬
‫وكما اشترط التّقابض في المجلس في بيع الدّين للمدين إذا كان بما ل يباع به نسيئةً ‪-‬‬
‫كالرّبويّات ببعضها ‪ -‬فإنّه يشترط كذلك في بيع الدّين لغير من هو عليه ‪.‬‬
‫والرّابع ‪ :‬للمالكيّة ‪ ،‬وهو أنّه يجوز بيع الدّين لغير المدين بشروطٍ تباعد بينه وبين الغرر ‪،‬‬
‫وتنفي عنه سائر المحظورات الخرى ‪ ،‬وهذه الشّروط ثمانية ‪:‬‬
‫ل ‪ -‬أن يعجّل المشتري الثّمن ‪،‬لنّه إذا لم يعجّل في الحين فإنّه يكون من بيع الدّين بالدّين‪.‬‬
‫أو ً‬
‫ثانيا ‪ -‬أن يكون المدين حاضرا في البلد ‪ ،‬ليعلم من فقرٍ أو غنىً ‪ ،‬لنّ عوض الدّين يختلف‬
‫باختلف حال المدين ‪ ،‬والمبيع ل يصحّ أن يكون مجهولً ‪.‬‬
‫ثالثا ‪ -‬أن يكون المدين مقرّا بالدّين ‪ ،‬فإن كان منكرا له فل يجوز بيع دينه ولو كان ثابتا‬
‫بالبيّنة حسما للمنازعات ‪.‬‬
‫رابعا ‪ -‬أن يباع بغير جنسه ‪ ،‬أو بجنسه بشرط أن يكون مساويا له ‪.‬‬
‫ل يكون ذهبا بفضّةٍ ول عكسه ‪ ،‬لشتراط التّقابض في صحّة بيعها ‪.‬‬
‫خامسا ‪ -‬أ ّ‬
‫سادسا ‪ -‬ألّ يكون بين المشتري والمدين عداوة ‪.‬‬
‫سابعا ‪ -‬أن يكون الدّين ممّا يجوز بيعه قبل قبضه ‪ ،‬احترازا ممّا لو كان طعاما ‪ ،‬إذ ل يجوز‬
‫بيعه قبل قبضه ‪.‬‬
‫ل يقصد المشتري إعنات المدين والضرار به ‪.‬‬
‫ثامنا ‪ -‬أ ّ‬
‫تصرّف المدين ‪:‬‬
‫‪ - 63‬ينحصر تصرّف المدين في الدّين الثّابت في ذمّته في أمرين ‪ :‬الحوالة ‪ ،‬والسّفتجة ‪.‬‬
‫الحالة الولى ‪ :‬الحوالة ‪ ( .‬ر ‪ :‬حوالة ) ‪.‬‬
‫الحالة الثّانية ‪ :‬السّفتجة ‪ ( .‬ر ‪ :‬سفتجة ) ‪.‬‬
‫الدّين في ظلّ تغيّرات النّقود ‪:‬‬
‫‪ - 64‬يفرّق الفقهاء في أحكام الدّين من النّقود عند طروء التّغيّرات على النّقد بين ما إذا كان‬
‫الدّين الثّابت في ال ّذمّة نقدا بالخلقة " أي من الذّهب أو الفضّة " وما إذا كان ثابتا بالصطلح "‬
‫بأن كان من غير النّقدين وجرى الصطلح على استعماله استعمال النّقدين " كالفلوس‬
‫الرّائجة ونحوها من العملت ‪ .‬وبيان ذلك فيما يلي ‪:‬‬
‫تغيّر النّقود إذا كان الدّين نقدا بالخلقة ‪:‬‬
‫ضيّةً محدّد ًة مسمّا ًة ‪ ،‬فغلت أو‬
‫‪ - 65‬إنّ الدّين الثّابت في ال ّذمّة إذا كان عمل ًة ذهبيّةً أو ف ّ‬
‫رخصت عند حلول وقت الداء ‪ ،‬فل يلزم المدين أن يؤدّي غيرها ‪ ،‬لنّها نقد بالخلقة ‪ ،‬وهذا‬
‫التّغيّر في قيمتها ل تأثير له على الدّين ألبتّة ‪ .‬وقد جاء في ‪ /‬م ‪ / 805‬من مرشد الحيران ‪" .‬‬
‫وإن استقرض شيئا من المكيلت أو الموزونات أو المسكوكات من الذّهب والفضّة ‪،‬‬
‫فرخصت أسعارها أو غلت ‪ ،‬فعليه ر ّد مثلها ‪ ،‬ول عبرة برخصها وغلوّها " ‪.‬‬
‫ل ما جرى‬
‫وحتّى لو زادت الجهة المصدرة لهذه العملة سعرها أو نقصته ‪ ،‬فل يلزم المدين إ ّ‬
‫عليه العقد ‪ .‬يقول ابن عابدين ‪ " :‬ثمّ اعلم أنّه تعدّد في زماننا ورود المر السّلطانيّ بتغيير‬
‫ض من النّقود الرّائجة بالنّقص ‪ ،‬واختلف الفتاء فيه ‪ .‬والّذي استقرّ عليه الحال الن‬
‫سعر بع ٍ‬
‫دفع النّوع الّذي وقع عليه العقد لو كان معيّنا ‪ ،‬كما إذا اشترى سلعةً بمائة رٍ إفرنجيّ أو مائة‬
‫ذهبٍ عتيقٍ " ‪.‬‬
‫ولو أبطلت السّلطة المصدرة لهذه العملة التّعامل بها ‪ ،‬فإنّه ل يلزم المدين سواها وفا ًء بالعقد‪،‬‬
‫إذ هي المعقود عليها ‪ ،‬وهي الثّابتة في ال ّذمّة دون غيرها ‪.‬‬
‫ص الشّافعيّ في " المّ " والمالكيّة في المشهور عندهم ‪.‬‬
‫وعلى ذلك ن ّ‬
‫قال الشّافعيّ ‪ " :‬ومن سلّف فلوسا أو دراهم أو باع بها ‪ ،‬ثمّ أبطلها السّلطان ‪ ،‬فليس له إلّ‬
‫مثل فلوسه أو دراهمه الّتي سلّف أو باع بها " ‪.‬‬
‫وقال بعض المالكيّة ‪ :‬إذا أبطلت هذه العملة واستبدل بها غيرها ‪ ،‬فيرجع إلى قيمة العملة‬
‫الملغاة من الذّهب ‪ ،‬ويأخذ صاحب الدّين القيمة ذهبا ‪.‬‬
‫أمّا إذا عدمت تلك العملة أو انقطعت أو فقدت في بلد المتداينين ‪ ،‬فتجب عندئ ٍذ قيمتها ممّا‬
‫تجدّد وتوفّر التّعامل به من العملت ‪.‬‬
‫ولو قلّت أو عزّ وجودها في أيدي النّاس ‪ ،‬فإنّه ل يجب غيرها ‪ ،‬لمكان تحصيلها مع العزّة ‪،‬‬
‫بخلف انقطاعها وانعدامها وفقدها ‪.‬‬
‫قال الهيثميّ ‪ " :‬ولو باع بنقدٍ دراهم أو دنانير ‪ ،‬وعيّن شيئا موجودا ‪ ،‬اتّبع وإن ع ّز " ‪.‬‬
‫وتجدر الشارة في هذا المقام إلى أنّ الحنابلة قيّدوا القول بإلزام الدّائن بقبول مثل النّقد الّذي‬
‫ثبت في ذمّة المدين ‪ ،‬وإلزام المدين بأدائه إذا كان متوفّرا ‪ -‬في حالتي الغلء والرّخص ‪-‬‬
‫بأن يكون التّعامل بهذا النّقد مسموحًا به من قبل الدّولة ‪.‬‬
‫أمّا إذا منعت الدّولة النّاس من التّعامل به ‪ ،‬فل يجبر الدّائن على قبوله ‪ ،‬ويكون له القيمة‬
‫وقت ثبوت الدّين من غير جنسه من النّقود إن ترتّب على أخذ القيمة من جنسه ربا الفضل ‪،‬‬
‫سواء اتّفق النّاس على ترك التّعامل بهذا النّقد أم لم يتّفقوا ‪ ،‬أمّا إذا لم يترتّب على أداء القيمة‬
‫من جنسه ربا الفضل ‪ ،‬فل مانع من أن يكون الوفاء بقيمته من جنسه ‪.‬‬
‫تغيّر النّقود إذا كان الدّين نقدا بالصطلح ‪:‬‬
‫إذا كان الدّين الثّابت في ال ّذمّة نقدا بالصطلح ل بالخلقة ‪ ،‬كسائر العملت الخرى غير‬
‫ضيّة ‪ ،‬فطرأ عليه تغيّر عند حلوله ‪ ،‬فعندئ ٍذ يفرّق بين خمس حالتٍ ‪:‬‬
‫الذّهبيّة والف ّ‬
‫الحالة الولى ‪ :‬الكساد العا ّم للنّقد ‪:‬‬
‫‪ - 66‬وذلك بأن توقف الجهة المصدرة للنّقد التّعامل به ‪ ،‬فتترك المعاملة به في جميع البلد ‪،‬‬
‫وهو ما يسمّيه الفقهاء ب " كساد النّقد " ‪.‬‬
‫ففي هذه الحالة ‪ :‬لو اشترى شخص سلع ًة بنقدٍ محدّ ٍد معلومٍ ‪ ،‬ثمّ كسد ذلك النّقد قبل الوفاء ‪،‬‬
‫أو استدان نقدا معلوما ثمّ كسد قبل الداء ‪ ،‬أو وجب في ذمّته المهر المؤجّل نقدا محدّدا ‪ ،‬ثمّ‬
‫كسد قبل حلوله ‪ .‬فقد اختلف الفقهاء في ذلك على أربعة أقوالٍ ‪:‬‬
‫القول الوّل ‪ :‬لبي حنيفة ‪ ،‬وهو أنّ النّقد الّذي كسد إذا كان ثمنا في بيعٍ ‪ ،‬فإنّه يفسد العقد ‪،‬‬
‫ن ثمنيّته ثبتت‬
‫ويجب الفسخ ما دام ممكنا ‪ ،‬لنّه بالكساد خرج عن كونه ثمنا ‪ ،‬حيث إ ّ‬
‫بالصطلح ‪ ،‬فإذا ترك النّاس التّعامل به ‪ ،‬فإنّها تزول عنه صفة الثّمنيّة ‪ ،‬فيبقى المبيع بل‬
‫ثمنٍ ‪ ،‬فيفسد البيع ‪.‬‬
‫أمّا إذا كان دينا في قرضٍ أو مهرا مؤجّلً ‪ ،‬فيجب ردّ مثله ولو كان كاسدا ‪ ،‬لنّه هو الثّابت‬
‫في ال ّذمّة ل غيره ‪ .‬حيث " إنّ القرض إعارة ‪ ،‬وموجبها ردّ العين معنىً ‪ ،‬وذلك يتحقّق بردّ‬
‫ن صحّة القرض ل تعتمد الثّمنيّة ‪ ،‬بل‬
‫ن الثّمنيّة زيادة فيه ‪ ،‬حيث إ ّ‬
‫مثله ولو كان كاسدا ‪ -‬ل ّ‬
‫تعتمد المثليّة ‪ ،‬وبالكساد لم يخرج من أن يكون مثلً ‪ ،‬ولهذا صحّ استقراضه بعد الكساد ‪،‬‬
‫ح استقراض ما ليس بثمنٍ كالجوز والبيض والمكيل والموزون وإن لم يكن ثمنا ‪ ،‬ولول‬
‫وص ّ‬
‫ح ‪ ،‬لنّه يكون مبادلة الجنس بالجنس نسيئةً وأنّه حرام ‪ ،‬فصار‬
‫أنّه إعارة في المعنى لما ص ّ‬
‫المردود عين المقبوض حكما ‪ ،‬فل يشترط فيه الرّواج كردّ العين المغصوبة ‪ ،‬والقرض‬
‫كالغصب إذ هو مضمون بمثله " ‪.‬‬
‫والقول الثّاني ‪ :‬لبي يوسف والحنابلة على الرّاجح عندهم والمالكيّة في غير المشهور ‪ ،‬وهو‬
‫أنّه ل يجزئ ردّ المثل بعدما كسد ‪ ،‬ويجب على المدين ردّ قيمة النّقد الّذي وقع عليه العقد ‪-‬‬
‫يوم التّعامل ‪ -‬من نق ٍد آخر ‪ .‬وبهذا أخذت المادّة ‪ " 805 " :‬من مرشد الحيران حيث جاء فيها‬
‫ش ‪ ،‬فكسدت وبطل‬
‫‪ " :‬إذا استقرض مقدارا معيّنا من الفلوس الرّائجة والنّقود غالبة الغ ّ‬
‫التّعامل بها فعليه ردّ قيمتها يوم قبضها ل يوم ردّها " ‪.‬‬
‫واستدلّوا على ذلك ‪:‬‬
‫أ ّولً ‪ :‬بأنّ إيقاف التّعامل بها من قبل الجهة المصدرة لها منع لنفاقها وإبطال لماليّتها ‪ ،‬إذ هي‬
‫أثمان بالصطلح ل بالخلقة ‪ ،‬فصار ذلك إتلفا لها ‪ ،‬فيجب بدلها وهو القيمة بناءً على قاعدة‬
‫الجوابر ‪.‬‬
‫ن الدّائن قد دفع شيئا منتفعا به لخذ عوضٍ منتف ٍع به ‪ ،‬فل يظلم بإعطائه ما ل ينتفع‬
‫ثانيا ‪ :‬ول ّ‬
‫به ‪ .‬قالوا ‪ :‬وإنّما اعتبرت القيمة يوم التّعامل ‪ ،‬لنّه وقت الوجوب في ال ّذمّة ‪.‬‬
‫والقول الثّالث ‪ :‬لمحمّد بن الحسن الشّيبانيّ وبعض الحنابلة ‪ ،‬وهو أنّه يجب على المدين ردّ‬
‫قيمة النّقد الّذي وقع به التّعامل من النّقد الخر وقت الكساد ‪ ،‬أي في آخر نفاقها ‪ ،‬وهو آخر‬
‫ما تعامل النّاس بها ‪ ،‬لنّه وقت النتقال إلى القيمة ‪ ،‬إذ كان يلزمه ردّ مثلها ما دامت نافقةً ‪،‬‬
‫فإذا كسدت انتقل إلى قيمتها حينئذٍ ‪.‬‬
‫ن النّقد إذا كسد بعد ثبوته في‬
‫والقول الرّابع ‪ :‬للشّافعيّة والمالكيّة على المشهور عندهم ‪ ،‬وهو أ ّ‬
‫ال ّذمّة وقبل أدائه ‪ ،‬فليس للدّائن سواه ‪ .‬ويعتبر هذا الكساد كجائحةٍ نزلت بالدّائن ‪ ،‬ول فرق‬
‫في ذلك بين أن يكون الدّين قرضا أو ثمن مبيعٍ أو غير ذلك ‪.‬‬
‫الحالة الثّانية ‪ :‬الكساد المحّليّ للنّقد ‪:‬‬
‫‪ - 67‬وذلك بأن يبطل التّعامل بالنّقد في بعض البلد ل في جميعها ‪ .‬ومثله في عصرنا‬
‫الحاضر العملت الّتي تصدرها بعض الدّول وتمنع تداولها في خارج أراضيها ‪.‬‬
‫ففي هذه الحالة ‪ :‬إذا اشترى شخص بنقدٍ نافقٍ ثمّ كسد في البلد الّذي وقع فيه البيع قبل‬
‫الداء ‪ ،‬فإنّ البيع ل يفسد ‪ ،‬ويكون البائع بالخيار بين أن يطالبه بالنّقد الّذي وقع به البيع ‪،‬‬
‫وبين أخذ قيمة ذلك النّقد من عمل ٍة رائجةٍ ‪ .‬وهذا هو القول المعتمد في مذهب الحنفيّة ‪ .‬وحكي‬
‫عن أبي حنيفة وأبي يوسف أنّه إذا كسد النّقد في بلدةٍ واحد ٍة ‪ ،‬فيجري عليه فيها حكم الكساد‬
‫العامّ في جميع البلد اعتبارا لصطلح أهل تلك البلدة ‪.‬‬
‫الحالة الثّالثة ‪ :‬انقطاع النّقد ‪:‬‬
‫‪ - 68‬وذلك بأن يفقد النّقد من أيدي النّاس ‪ ،‬ول يتوفّر في السواق لمن يريده ‪.‬‬
‫ن ‪ ،‬ثمّ انقطع قبل أن يؤدّي الثّمن فقد‬
‫ففي هذه الحالة ‪ :‬لو اشترى شخص سلع ًة بنقدٍ معيّ ٍ‬
‫اختلف الفقهاء في ذلك على أربعة أقوالٍ ‪:‬‬
‫القول الوّل ‪ :‬للحنابلة ومحمّد بن الحسن الشّيبانيّ ‪ ،‬وهو المفتى به في مذهب الحنفيّة ‪ ،‬وهو‬
‫ن على المشتري أداء ما يساويه في القيمة في آخر يومٍ قبل النقطاع ‪ ،‬لتعذّر تسليم مثل النّقد‬
‫أّ‬
‫بعد انقطاعه ‪ ،‬فيصار إلى بدله وهو القيمة ‪ .‬ومثل ذلك يقال في دين القرض وغيره ‪ .‬وإنّما‬
‫اعتبرت القيمة قبيل النقطاع ‪ ،‬لنّه الوقت الّذي ينتقل الوجوب فيه من المثل إلى القيمة ‪.‬‬
‫والقول الثّاني ‪ :‬لبي يوسف ‪ ،‬وهو أنّه يجب على المدين أداء ما يساويه في القيمة يوم‬
‫التّعامل ‪ ،‬لنّه وقت الوجوب في ال ّذمّة ‪.‬‬
‫والقول الثّالث ‪ :‬لبي حنيفة ‪ ،‬وهو أنّ النقطاع كالكساد يوجب فساد البيع ‪.‬‬
‫والقول الرّابع ‪ :‬للمالكيّة والشّافعيّة ‪ ،‬وهو أنّه إن أمكن الحصول على ذلك النّقد مع فقده‬
‫ض أو ثمن مبيعٍ أو غير‬
‫وانقطاعه ‪ ،‬فيجب الوفاء به ‪ ،‬وإلّ فتجب قيمته ‪ ،‬سواء أكان دين قر ٍ‬
‫ذلك ‪ .‬لكن أصحاب هذا القول اختلفوا في الوقت الّذي تجب فيه القيمة عندما يصار إليها ‪:‬‬
‫فقال الشّافعيّة ‪ :‬تجب في وقت المطالبة ‪.‬‬
‫‪ -‬وقال المالكيّة في المشهور عندهم ‪ :‬تجب في أبعد الجلين من الستحقاق ‪ -‬وهو حلول‬
‫الجل ‪ -‬والعدم الّذي هو النقطاع ‪.‬‬
‫ن القيمة إنّما تقدّر وقت الحكم ‪.‬‬
‫وذهب بعض المالكيّة إلى أ ّ‬
‫الحالة الرّابعة ‪ :‬غلء النّقد ورخصه ‪:‬‬
‫‪ - 69‬وذلك بأن تزيد قيمة النّقد أو تنقص بالنّسبة إلى الذّهب والفضّة ‪ ،‬اللّذين يعتبران‬
‫المقياس الّذي تقدّر بالنّظر إليه أثمان الشياء وقيمها ‪ ،‬ويعدّان ثمنا ‪.‬‬
‫وهذا هو مراد الفقهاء ب " الغلء " " والرّخص " في هذا المقام ‪.‬‬
‫ل في‬
‫ففي هذه الحالة ‪ :‬إذا تغيّرت قيمة النّقد غلءً أو رخصا بعدما ثبت في ذمّة المدين بد ً‬
‫ض أو دين مهرٍ أو ثمن مبيعٍ أو غير ذلك وقبل أن يؤدّيه ‪ ،‬فقد اختلف الفقهاء في ما يلزم‬
‫قر ٍ‬
‫المدين أداؤه ‪ .‬على ثلثة أقوالٍ ‪:‬‬
‫القول الوّل ‪ :‬لبي حنيفة والشّافعيّة والحنابلة والمالكيّة على المشهور عندهم ‪ ،‬وهو أنّ‬
‫الواجب على المدين أداؤه هو نفس النّقد المحدّد في العقد والثّابت دينا في ال ّذمّة ‪ ،‬دون زيادةٍ‬
‫أو نقصانٍ ‪ ،‬وليس للدّائن سواه ‪.‬‬
‫وقد كان القاضي أبو يوسف يذهب إلى هذا الرّأي أ ّولً ثمّ رجع عنه ‪.‬‬
‫والقول الثّاني ‪ :‬لبي يوسف ‪ -‬وعليه الفتوى عند الحنفيّة ‪ -‬وهو أنّه يجب على المدين أن‬
‫يؤدّي قيمة النّقد الّذي طرأ عليه الغلء أو الرّخص يوم ثبوته في ال ّذمّة من نقدٍ رائجٍ ‪ .‬ففي‬
‫البيع تجب القيمة يوم العقد ‪ ،‬وفي القرض يوم القبض ‪.‬‬
‫ن التّغيّر إذا كان فاحشا ‪ ،‬فيجب أداء قيمة النّقد‬
‫والقول الثّالث ‪ :‬وجه عند المالكيّة ‪ ،‬وهو أ ّ‬
‫الّذي طرأ عليه الغلء أو الرّخص ‪ .‬أمّا إذا لم يكن فاحشا فالمثل ‪ .‬قال الرّهونيّ ‪ -‬معلّقا على‬
‫ص ‪ " : -‬قلت ‪ :‬وينبغي أن‬
‫قول المالكيّة المشهور بلزوم المثل ولو تغيّر النّقد بزيادةٍ أو نق ٍ‬
‫يقيّد ذلك بما إذا لم يكثر ذلك جدّا ‪ ،‬حتّى يصير القابض لها كالقابض لما ل كبير منفع ٍة فيه ‪،‬‬
‫لوجود العلّة الّتي علّل بها المخالف في الكساد ‪.‬‬
‫انقضاء الدّين ‪:‬‬
‫ل بحصول أحد أسباب‬
‫إذا ثبت الدّين في ذمّة المدين فإنّها تبقى مشغولةً بالدّين ‪ ،‬ول تبرأ إ ّ‬
‫انقضاء الدّين التّالية ‪:‬‬
‫أوّلً ‪ :‬الداء ‪:‬‬
‫‪ - 70‬إذا أدّى المدين أو نائبه أو كفيله أو غيرهم الدّين إلى الدّائن أو نائبه الّذي له ولية‬
‫قبض ديونه ‪ ،‬فإنّ ذمّة المدين تبرأ بالداء ‪ ،‬ويسقط عنه الدّين ‪ .‬أمّا إذا دفع الدّين إلى من ل‬
‫ولية له على قبض ديون الدّائن ‪ ،‬فل ينقضي الدّين ‪ ،‬ول تبرأ ذمّة المدين ‪ ( .‬ر ‪ :‬أداء ) ‪.‬‬
‫وولية قبض الدّيون بطريق النّيابة تثبت بأمرين ‪ :‬إمّا بتولية الدّائن ‪ ،‬وإمّا بتولية الشّارع ‪- :‬‬
‫ن من ملك التّصرّف في‬
‫أمّا الّتي تثبت بتولية الدّائن ‪ :‬فهي ولية الوكيل بقبض الدّين ‪ ،‬ل ّ‬
‫شيءٍ أصالةً ملك التّوكيل فيه ‪ ،‬ونفس القبض والستيفاء ممّا يقبل النّيابة ‪ ،‬فكان قبض الوكيل‬
‫بمنزلة قبض الموكّل ول فرق ‪ ..‬ول بدّ في ذلك أن يكون كلّ من الوكيل والموكّل أهلً‬
‫للقبض ‪ ( .‬ر ‪ :‬قبض ) ‪.‬‬
‫‪ -‬وأمّا الّتي تثبت بتولية الشّارع ‪ :‬فهي ولية من يلي مال المحجور ويتولّى قبض حقوقه ‪.‬‬
‫وهذه الولية ليست بتولية الدّائن ‪،‬لنتفاء أهليّته ‪ ،‬وإنّما هي بتولية الشّارع ‪ ( .‬ر ‪ :‬ولية )‪.‬‬
‫ويشترط لنفاذ وفاء الدّين والبراءة منه أن يكون الدّافع مالكا لما دفعه ‪ ،‬فإن استحقّ بالبيّنة‬
‫وأخذه صاحبه فللدّائن الرّجوع بدينه على غريمه ‪.‬‬
‫ثانيا ‪ :‬البراء ‪:‬‬
‫‪ - 71‬وذلك كما إذا كان لزيدٍ في ذمّة بكرٍ مائة دينا ٍر ثمن مبيعٍ أو بدل قرضٍ أو غير ذلك‬
‫فأبرأه من الدّين كلّه ‪ ،‬فينتهي بذلك التزام المدين لفراغ ذمّته بالبراء ‪ ،‬وينقضي الدّين ‪ .‬كما‬
‫تبرأ ذمّة الكفيل بالدّين تبعا لبراءة ذمّة الصيل إذا كان الدّين مضمونا ‪ .‬ولو أبرأه من بعض‬
‫ل مطالبته بالباقي ‪ .‬والبراء يتمّ بإيجابٍ من الدّائن ‪ ،‬ول يحتاج إلى قبولٍ‬
‫الدّين لم يبق له إ ّ‬
‫ن البراء عن الدّين إسقاط من وج ٍه وتمليك من وجهٍ‬
‫من المدين ‪ ،‬غير أنّه يرتدّ بردّه ‪ ،‬ل ّ‬
‫آخر ‪ ..‬فمن جهة كونه إسقاطا ل يتوقّف على القبول ‪ ،‬وباعتباره تمليكا يرتدّ بال ّردّ ‪ ،‬لنّ‬
‫المرء ل يجبر على إدخال شيءٍ في ملكه بغير رضاه ‪ .‬إلّ في الرث ‪ ( .‬ر ‪ :‬إبراء ) ‪.‬‬
‫ثالثا ‪ :‬المقاصّة ‪:‬‬
‫ب من ذلك الشّخص‬
‫ص من غريمه في مقابلة دينٍ مطلو ٍ‬
‫ن مطلوبٍ لشخ ٍ‬
‫‪ - 72‬وهي إسقاط دي ٍ‬
‫لغريمه ‪ ،‬وذلك بأن تشغل ذمّة الدّائن بمثل ما له على المدين في الجنس والصّفة ووقت الداء‬
‫‪ ،‬فعندئذٍ تقع المقاصّة ويسقط الدّينان إذا كانا متساويين في المقدار ‪ ،‬فإن تفاوتا في القدر سقط‬
‫من الكثر بقدر القلّ وبقيت الزّيادة ‪ ،‬فتكون المقاصّة في القدر المشترك ‪ ،‬ويبقى أحدهما‬
‫مدينًا للخر بما زاد ‪ ( .‬ر ‪ :‬مقاصّة ) ‪.‬‬
‫رابعا ‪ :‬اتّحاد ال ّذمّة ‪:‬‬
‫ل ‪ ،‬ثمّ مات بكر‬
‫‪ - 73‬وذلك كما إذا كان زيد مدينا لخيه الشّقيق بكرٍ بمبلغ ألف دينارٍ مث ً‬
‫الدّائن ‪ ،‬وليس له وارث إلّ أخوه زيد ‪ ،‬فيرث زيد من ضمن ما يرثه عن بكرٍ هذا الدّين ‪،‬‬
‫وبذلك يكون زيد مدينًا ودائنًا لحلوله محلّ الدّائن المورث ‪ ،‬فإذا طالب بالدّين ‪ ،‬فهو إنّما‬
‫يطالب نفسه ليأخذه لنفسه ‪ ،‬وذلك لتّحاد ال ّذمّة ‪ ،‬فيسقط الدّين وينقضي لعدم الفائدة في‬
‫المطالبة ‪ ( .‬ر ‪ :‬إرث ) ‪.‬‬
‫خامسا ‪ :‬التّقادم ‪:‬‬
‫ن الحقّ ثابت لصق بذمّة من عليه‬
‫‪ - 74‬ل يعتبر التّقادم من أسباب انقضاء الدّين شرعا ‪ ،‬ل ّ‬
‫الدّين لمن هو له ‪ ،‬ل يسقطه تقادم الزّمن مهما طال ‪ .‬ولكن تقادم الزّمن يؤثّر في منع سماع‬
‫الدّعوى إذا كان المدّعى عليه منكرا ‪ ،‬والمدّعي ل عذر له في ترك المطالبة ‪ ،‬على ما هو‬
‫مبيّن في موضعه بيانا مفصّلً ‪ ( .‬ر ‪ :‬تقادم ) ‪.‬‬
‫سادسا ‪ :‬انفساخ سبب الوجوب ‪:‬‬
‫‪ - 75‬وذلك كما إذا فسخ عقد المعاوضة الوارد على العيان الماليّة بخيارٍ من الخيارات ‪ ،‬أو‬
‫بسببٍ من السباب الموجبة لفسخه ‪ ،‬فإنّه ينقضي الدّين الّذي كان مترتّبا عليه ‪ ،‬وتبرأ ذمّة‬
‫المدين من البدل الّذي وجب عليه بالعقد ‪ .‬ومن أمثلة ذلك هلك العين المنتفع بها ‪ ،‬وفوات‬
‫المنفعة المقصودة منها في إجارة العيان ‪ ،‬حيث تسقط الجرة عن المدّة المتبقّية ‪ ،‬وتبرأ ذمّة‬
‫المستأجر منها ‪ ،‬وإن كان قد عجّل شيئًا منها ‪ ،‬فله استرداد ما عجّله زائدا على أجرة المدّة‬
‫السّابقة على هلك العين ‪ ( .‬ر ‪ :‬فسخ ‪ ،‬إجارة ‪ ،‬بيع ‪ ،‬خيار ) ‪.‬‬
‫سابعا ‪ :‬تجديد الدّين ‪:‬‬
‫ن جديدٍ بالدّين الصليّ ‪ ،‬حيث نصّ الفقهاء على جواز فسخ عقد‬
‫‪ - 76‬وذلك باستبدال دي ٍ‬
‫المداينة الولى وتجديدها في عقدٍ آخر بتراضي المتداينين ‪ ،‬كما إذا كان زيد مدينًا لبكرٍ بمبلغ‬
‫ك لبكرٍ استأجره زيد منه ‪ ،‬فيتّفق معه على أن يبقى ذلك‬
‫عشرين دينارا أجرة منزلٍ مملو ٍ‬
‫الدّين بذمّته على سبيل القرض ‪.‬‬
‫ول يخفى أنّه إذا فسخ عقد المداينة الولى وصار تجديده بعقدٍ آخر ‪ ،‬سقط الدّين الواجب‬
‫بالعقد الوّل ‪ ،‬وترتّب على المدين دين جديد بالعقد الثّاني ‪.‬‬
‫ومن آثار انقضاء الدّين وسقوطه في هذه الحالة أنّه إذا كان الدّين الوّل مكفولً ‪ ،‬وفسخ عقده‬
‫‪ ،‬وصار تجديده بعقدٍ آخر ‪ ،‬بطلت الكفالة وبرئ الكفيل ‪ ،‬فل يطالب بالدّين الحاصل بالعقد‬
‫ل إذا جدّدت الكفالة ‪.‬‬
‫الجديد إ ّ‬
‫ثامنا ‪ :‬الحوالة ‪:‬‬
‫ن المحال إذا قبل الحوالة ورضي المحال عليه بها برئ المحيل وكفيله ‪ -‬إن‬
‫‪ - 77‬وذلك أ ّ‬
‫كان له كفيل ‪ -‬من الدّين ومن المطالبة معا ‪ ،‬لنقضاء الدّين بالحوالة ‪ ،‬ويثبت للمحال حقّ‬
‫مطالبة المحال عليه ‪ ،‬غير أنّ براءة المحيل وكفيله المشار إليها مقيّدة بسلمة حقّ المحال‬
‫لدى المحال عليه عند الحنفيّة ‪ ( .‬ر ‪ :‬حوالة ) ‪.‬‬
‫تاسعا ‪ :‬موت المدين مفلسا ‪:‬‬
‫‪ - 78‬وذلك عند الحنفيّة الذّاهبين إلى سقوط الدّين في أحكام الدّنيا عن المدين إذا مات مفلسًا ‪،‬‬
‫ولم يكن هناك كفيل بالدّين ‪ ،‬أو رهن قبل الموت ‪ .‬قال ابن عابدين ‪ " :‬إنّ الدّين يسقط عن‬
‫الميّت المفلس ‪ ،‬إلّ إذا كان به كفيل حال حياته أو رهن " ‪.‬‬
‫س بعد وفاته ‪.‬‬
‫ح عندهم كفالة دين ميّتٍ مفل ٍ‬
‫ومن هنا لم تص ّ‬
‫وخالفهم في ذلك سائر الفقهاء للحاديث الدّالّة على بقاء الدّين عليه بعد موته ‪ ( .‬ر ‪ :‬إفلس‪،‬‬
‫كفالة ‪ ،‬تركة ) ‪.‬‬

‫دَين اللّه *‬
‫التّعريف ‪:‬‬
‫‪ - 1‬في اللّغة ‪ :‬دان يدين دينا ‪ ،‬وداينه مداينةً وديانا ‪ ،‬عامله بالدّين فأعطاه دينا وأخذ بدينٍ‪،‬‬
‫وادّان ‪ :‬اقترض فصار دينا ‪ .‬والدّين ‪ :‬القرض وثمن المبيع ‪ ،‬وكلّ ما ليس حاضرا ‪.‬‬
‫والدّين اصطلحا ‪ :‬عرّف بتعريفاتٍ كثير ٍة وأولى هذه التّعريفات هو " لزوم حقّ في ال ّذمّة " ‪.‬‬
‫وهذا التّعريف يشمل كلّ ما يشغل ذمّة النسان سواء أكان حقّا للعبد أم للّه سبحانه وتعالى ‪.‬‬
‫ودين اللّه تعالى هو حقوقه الّتي ثبتت في ال ّذمّة ول مطالب لها من جهة العباد ‪ ،‬كالنّذور‬
‫ج ‪ ،‬والصّوم الّذي لم يؤدّ ‪ ،‬والصّلة الّتي خرج وقتها ولم‬
‫والكفّارات ‪ ،‬وصدقة الفطر ‪ ،‬والح ّ‬
‫ن الزّكاة من حقّ المام المطالبة بها وكذا قال بعض الفقهاء بالنّسبة‬
‫تؤدّ ‪ ،‬وهذا في الجملة إذ أ ّ‬
‫للحقوق الماليّة كالكفّارة والهدي ‪.‬‬
‫اللفاظ ذات الصّلة ‪:‬‬
‫ق اللّه تعالى ‪:‬‬
‫حّ‬
‫‪ - 2‬الحقّ ضدّ الباطل ‪ ،‬وحقّ المر ‪ :‬أي ثبت ووجب ‪ .‬وحقّ اللّه سبحانه وتعالى ما يتعلّق‬
‫به النّفع العامّ للعالم فل يختصّ به أحد ‪ ،‬وينسب إلى اللّه تعالى تعظيما ‪.‬‬
‫قال القرافيّ ‪ :‬حقّ اللّه أمره ونهيه ‪ .‬وفي الحديث ‪ « :‬حقّ اللّه تعالى على عباده أن يعبدوه‬
‫ول يشركوا به شيئا » ‪.‬‬
‫وقد قسّم الفقهاء حقوق اللّه تعالى إلى عباداتٍ وعقوباتٍ وكفّاراتٍ ‪ ...‬إلخ ‪.‬‬
‫فحقّ اللّه تعالى أع ّم من دين اللّه تعالى لنّه يشمل كلّ ما وجب للّه تعالى سواء أكان دينا‬
‫ترتّب في ال ّذمّة أم ل ‪.‬‬
‫الحكم التّكليفيّ ‪:‬‬
‫ت بدنيّةً أم ماليّةً‬
‫‪ - 3‬دَين اللّه تعالى الّذي يترتّب في ذمّة المكلّف سواء أكان هذا الدّين عبادا ٍ‬
‫أم كان كفّاراتٍ أم نذورا يجب قضاؤه ‪ ،‬لما روى البخاريّ عن ابن عبّاسٍ رضي ال عنهما «‬
‫ج فلم‬
‫ن امرأةً من جهينة جاءت إلى النّبيّ صلى ال عليه وسلم فقالت ‪ :‬إنّ أ ّميّ نذرت أن تح ّ‬
‫أّ‬
‫ج عنها ؟ قال ‪ :‬نعم ‪ ،‬حجّي عنها ‪ ،‬أرأيت لو كان على أمّك دين أكنت‬
‫تحجّ حتّى ماتت أفأح ّ‬
‫قاضيته ؟ اقضوا اللّه ‪ ،‬فاللّه أحقّ بالوفاء » ‪.‬‬
‫ج كلّ حقّ ثبت في ال ّذمّة من كفّار ٍة أو نذ ٍر أو زكا ٍة أو غير ذلك‬
‫قال ابن حجرٍ ‪ :‬ويلتحق بالح ّ‬
‫س رضي ال عنهما قال ‪ « :‬جاء رجل إلى النّبيّ صلى‬
‫‪ .‬وروى البخاريّ كذلك عن ابن عبّا ٍ‬
‫ن أمّي ماتت وعليها صوم شهرٍ أفأقضيه عنها ؟ قال ‪:‬‬
‫ال عليه وسلم فقال ‪ :‬يا رسول اللّه إ ّ‬
‫نعم‪ ،‬فدين اللّه أحقّ أن يقضى » ‪ .‬وكذلك قال النّبيّ صلى ال عليه وسلم ‪ « :‬من نسي صلةً‬
‫ل ذلك » ‪.‬‬
‫فليصلّ إذا ذكرها ‪ ،‬ل كفّارة لها إ ّ‬
‫ل ما ذكر عن ابن بنت الشّافعيّ أنّ من ترك الصّلة لغير عذ ٍر ل‬
‫وقد اتّفق الفقهاء على ذلك إ ّ‬
‫يقضي لمفهوم قوله عليه الصلة والسلم ‪ « :‬من نسي صلةً أو نام عنها فكفّارتها أن يصلّيها‬
‫إذا ذكرها » ‪ .‬وحكمته التّغليظ عليه ‪ ،‬قال الشّربينيّ الخطيب ‪ :‬وهو مذهب جماع ٍة ‪ .‬هذا مع‬
‫اختلف الفقهاء فيما يجب على الفور أو التّراخي وفيما يقضى عن الميّت أو ل يقضى ‪.‬‬
‫ق اللّه تعالى دينا في ال ّذمّة ‪:‬‬
‫أسباب صيرورة ح ّ‬
‫ب متعدّدةٍ منها ‪:‬‬
‫يصير حقّ اللّه تعالى دينا في ال ّذمّة لسبا ٍ‬
‫أ ‪ -‬خروج الوقت قبل الداء ‪:‬‬
‫‪ - 4‬العبادة البدنيّة الّتي لها وقت محدّد كالصّلة والصّوم إذا فات الوقت المحدّد لها قبل الداء‬
‫استقرّت دينا في ذمّة المكلّف ووجب القضاء ‪ ،‬يقول القرافيّ ‪ :‬الصّلة ل ينتقل الداء فيها إلى‬
‫ل إذا خرج الوقت ‪ ،‬لنّها معيّنة بوقتها ‪ ،‬والقضاء ليس له وقت معيّن يتعيّن حدّه‬
‫ال ّذمّة إ ّ‬
‫بخروجه فهو في ال ّذمّة ‪ ،‬فالصّلة إن تعذّر فيها الداء بخروج وقتيها " أي الختياريّ‬
‫والضّروريّ " لعذرٍ ل يجب القضاء ‪ ،‬وإن خرج لغير عذرٍ ترتّبت في ال ّذمّة ووجب القضاء ‪.‬‬
‫وبمثل ذلك قال الكاسانيّ ‪.‬‬
‫ت كمن نذر صوم‬
‫ت بدنيّةٍ مقيّدةٍ بوق ٍ‬
‫ويدخل في ذلك ما أوجبه العبد على نفسه بالنّذر من عبادا ٍ‬
‫ب مثلً ومضى شهر رجبٍ دون أن يصومه فإنّه يصبح دينا في ذمّته ويجب عليه‬
‫شهر رج ٍ‬
‫القضاء ‪.‬‬
‫ولذلك يقسّم الحنفيّة صوم الفرض إلى قسمين ‪ :‬عينٍ ودَينٍ ‪ .‬فالعين ما له وقت معيّن إمّا‬
‫ت بعينه ‪ ،‬وأمّا‬
‫بتعيين اللّه تعالى كصوم رمضان وإمّا بتعيين العبد كالصّوم المنذور في وق ٍ‬
‫صوم الدّين فما ليس له وقت معيّن كصوم قضاء رمضان ‪ ...‬إلخ يقول الكاسانيّ ‪ :‬فمن قال ‪:‬‬
‫للّه على صوم رجبٍ فأفطر فيه قضى في شه ٍر آخر لنّه فوّت الواجب عن وقته فصار دينا‬
‫عليه والدّين مقضيّ على لسان رسول اللّه صلى ال عليه وسلم ‪.‬‬
‫ن كون الصّلة أو الصّيام تصبح دينًا في ال ّذمّة بخروج الوقت ل يناقض‬
‫وينبغي أن يراعى أ ّ‬
‫التّعلّق بال ّذمّة في وقت الداء ‪ ،‬وهذا مبنيّ على كلم الصوليّين في التّفرقة بين أصل‬
‫الوجوب ووجوب الداء ‪ ،‬وبين الواجب بالمر والواجب بالسّبب وينظر ذلك في الملحق‬
‫الصوليّ ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬إتلف المعيّن من الموال أو تلفه ‪:‬‬
‫ل أنّهم جميعا يتّفقون على أنّ‬
‫‪ - 5‬مع اختلف الفقهاء في تعلّق الزّكاة بالعين أو بال ّذمّة إ ّ‬
‫استهلك مال الزّكاة أو التّصرّف فيها بعد الوجوب يجعلها دينا ثابتا في ال ّذمّة ‪.‬‬
‫يقول القرافيّ ‪ :‬إنّ الزّكاة ما دامت معيّن ًة بوجود نصابها ل تكون في ال ّذمّة فإذا تلف النّصاب‬
‫بعذرٍ ل يضمن نصيب الفقراء ول ينتقل الواجب إلى ال ّذمّة ‪ ،‬ويقول الكاسانيّ ‪ :‬من أتلف‬
‫الثّمار أو الزّرع أو أكلها بعد وجوب الزّكاة فيها ضمنها وكانت دينا في ذمّته كما لو أتلف‬
‫مال الزّكاة بعد حولن الحول ‪ .‬وينظر تفصيل ذلك في ‪ ( :‬زكاة ) ‪.‬‬
‫ب ‪ .‬فمن عيّن هديا فعطب أو سرق أو‬
‫ويدخل في ذلك ما كان معيّنا من نذرٍ أو هديٍ واج ٍ‬
‫ضلّ عاد الوجوب إلى ذمّته ‪.‬‬
‫ج ‪ -‬العجز عن الداء حين الوجوب ‪:‬‬
‫‪ - 6‬قال النّوويّ والسّيوطيّ والزّركشيّ ‪ :‬الحقوق الماليّة الواجبة للّه تعالى ثلثة أضربٍ ‪:‬‬
‫ل ‪ -‬ضرب يجب ل بسبب مباشرةٍ من العبد كزكاة الفطر فإذا عجز عنه وقت الوجوب لم‬
‫أو ً‬
‫يثبت في ذمّته فلو أيسر بعد ذلك لم يجب ‪.‬‬
‫ثانيا ‪ -‬وضرب يجب بسببٍ من جهته على جهة البدل كجزاء الصّيد وفدية الحلق والطّيب‬
‫ج ‪ ،‬فإذا عجز عنه وقت وجوبه ثبت في ذمّته تغليبا لمعنى الغرامة لنّه إتلف‬
‫واللّباس في الح ّ‬
‫محض ‪.‬‬
‫ثالثا ‪ -‬وضرب يجب بسببه ل على جهة البدل ككفّارة الجماع في نهار رمضان وكفّارة‬
‫اليمين والظّهار والقتل ‪ ،‬ففيها قولن مشهوران أصحّهما أنّها تثبت في ال ّذمّة عند العجز لنّ‬
‫ب من جهته فلم يسقط بالعجز كجزاء الصّيد ‪.‬‬
‫حقّ اللّه تعالى وجب بسب ٍ‬
‫وتفصيل ذلك في ‪ ( :‬صوم ‪ ،‬وكفّارة ‪ ،‬وقتل ‪ ،‬وظهار ) ‪.‬‬
‫د ‪ -‬النّذور المطلقة ‪:‬‬
‫ت مبهمٍ كمن قال ‪:‬‬
‫‪ - 7‬وهي الّتي لم تعلّق على شرطٍ أو تقيّد بوقتٍ بل كانت مضاف ًة إلى وق ٍ‬
‫للّه عليّ أن أصوم شهرا ‪ ،‬فهي في ال ّذمّة إلى أن تؤدّى ‪ ،‬وجميع العمر وقت لها عند من‬
‫ن المر المطلق على التّراخي ‪.‬‬
‫يقول بأ ّ‬
‫ج عند من يقول بأنّه على التّراخي كالحنفيّة ‪.‬‬
‫ويدخل في ذلك الح ّ‬
‫ويقول الشّربينيّ الخطيب ‪ :‬يشترط في انعقاد نذر القربة الماليّة كالصّدقة والضحيّة اللتزام‬
‫ن يملكه ‪.‬‬
‫لها في ال ّذمّة أو الضافة إلى معيّ ٍ‬
‫ويقول القرافيّ ‪ :‬جميع العمر ظرف لوقوع التّكليف بإيقاع النّذور والكفّارات لوجود التّكليف‬
‫في جميع ذلك ‪.‬‬
‫النّيابة عن الغير في أداء دين اللّه ‪:‬‬
‫‪ - 8‬دَين اللّه الماليّ المحض كالزّكاة والصّدقات والكفّارات تجوز فيه النّيابة عن الغير سواء‬
‫ن الواجب فيها إخراج المال وهو‬
‫أكان من هو في ذمّته قادرا على ذلك بنفسه أم ل ‪ ،‬ل ّ‬
‫يحصل بفعل النّائب ‪ ،‬وسواء أكان الداء عن الحيّ أم عن الميّت ‪ ،‬إلّ أنّ الداء عن الحيّ‬
‫ل بإذنه باتّفاقٍ وذلك للفتقار في الداء إلى ال ّنيّة لنّها عبادة فل تسقط عن المكلّف‬
‫ل يجوز إ ّ‬
‫بدون إذنه ‪.‬‬
‫أمّا بالنّسبة للميّت فل يشترط الذن إذ يجوز التّبرّع بأداء الدّين عن الميّت ‪،‬وهذا في الجملة‪.‬‬
‫وأمّا العبادات البدنيّة المحضة كالصّلة والصّوم فل تجوز النّيابة فيها حال الحياة لقول اللّه‬
‫سعَى } وقول عبد اللّه بن عبّاسٍ رضي ال عنهما ‪ :‬ل‬
‫ن إِلّا مَا َ‬
‫س لِلِنسَا ِ‬
‫تعالى ‪ { :‬وَأَن ّليْ َ‬
‫يصلّي أحد عن أحدٍ ول يصوم أحد عن أحدٍ ‪.‬‬
‫قال الكاسانيّ ‪ :‬أي في حقّ الخروج عن العهدة ل في حقّ الثّواب ‪ ،‬وهذا باتّفاقٍ ‪ ،‬وكذلك‬
‫الحكم بعد الممات عند الحنفيّة والمالكيّة ‪.‬‬
‫وهذا الحكم إنّما هو بالنّسبة لقضاء العبادة نفسها عن الميّت ‪ .‬أمّا فدية الصّيام وكفّارة الفطار‬
‫فيجوز للورثة أن يتبرّعوا بها عن الميّت إذا لم يوص ‪ .‬أمّا إذا أوصى فقال الحنفيّة فتؤدّى من‬
‫ثلث ماله ‪ .‬ولغيرهم من الفقهاء تفصيل ينظر في مصطلح ‪ ( :‬وصيّة ) ‪.‬‬
‫أمّا عند الشّافعيّة فل يجوز القضاء عن الميّت عمّا ترتّب في ذمّته من صلةٍ فاتته ومات دون‬
‫قضائها ‪ .‬وأمّا الصّوم فما ترتّب في ذمّة الميّت منه ففي الجديد ل يصحّ الصّوم عنه لنّه‬
‫عبادة بدنيّة ل تدخلها النّيابة في حال الحياة فكذلك بعد الموت ‪ ،‬وإنّما يكفّر عنه بإخراج مدّ‬
‫ل يو ٍم فاته ‪ ،‬وفي القديم يجوز أن يصوم وليّه عنه لخبر الصّحيحين ‪ « :‬من‬
‫من طعامٍ عن ك ّ‬
‫ي ويتعيّن أن يكون هو‬
‫مات وعليه صيام صام عنه وليّه » ‪ ،‬وهذا هو الظهر ‪ ،‬قال السّبك ّ‬
‫المختار والمفتى به ‪ ،‬والقولن يجريان في الصّيام المنذور إذا لم يؤدّ ‪.‬‬
‫وأمّا الحنابلة فقد فصّلوا بين الواجب بأصل الشّرع من صل ٍة وصيا ٍم وبين ما أوجبه النسان‬
‫على نفسه من نذر صلةٍ وصيامٍ ‪ .‬فقالوا ‪ :‬من مات وفي ذمّته صلة مفروضة لم تؤدّ ‪ ،‬أو‬
‫ن هذه العبادات ل تدخلها‬
‫صيام رمضان لم يؤ ّد ‪ ،‬فل تجوز النّيابة عن الميّت في ذلك ‪ ،‬ل ّ‬
‫النّيابة حال الحياة فبعد الموت كذلك ‪.‬‬
‫أمّا ما أوجبه النسان على نفسه بالنّذر من صلةٍ وصو ٍم وتمكّن من الداء ولم يفعل حتّى‬
‫مات سنّ لوليّه فعل النّذر عنه لحديث ابن عبّاسٍ ‪ « :‬جاءت امرأة إلى رسول اللّه صلى ال‬
‫عليه وسلم فقالت ‪ :‬يا رسول اللّه إنّ أمّي ماتت وعليها صوم نذرٍ أفأصوم عنها ؟ قال ‪:‬‬
‫أرأيت لو كان على أمّك دين فقضيتيه أكان يؤدّي ذلك عنها ؟ قالت ‪ :‬نعم ‪ ،‬قال ‪ :‬فصومي‬
‫ن النّذر أخفّ حكما من الواجب بأصل الشّرع ‪.‬‬
‫عن أمّك » ‪ .‬ل ّ‬
‫ويجوز لغير الوليّ فعل ما على الميّت من نذرٍ بإذنه وبدون إذنه ‪.‬‬
‫ب ماليّ وجانبٍ بدنيّ ‪ ،‬فمن كان عاجزا بنفسه‬
‫ج لما فيه من جان ٍ‬
‫وقد اختلف الفقهاء بالنّسبة للح ّ‬
‫ج وأمكنه الداء بماله بإنابة غيره مناب نفسه لزمه النابة في الحجّ عنه‪ ،‬وهذا‬
‫عن أداء الح ّ‬
‫عند الحنفيّة والشّافعيّة والحنابلة وبعض فقهاء المالكيّة ‪ ،‬والمشهور عندهم عدم جواز النّيابة‬
‫في الحجّ ‪ .‬وهذا بالنّسبة للحيّ في الجملة ‪.‬‬
‫ج فعند الشّافعيّة والحنابلة يجب القضاء من رأس مال‬
‫أمّا من مات وكان مستطيعا ولم يح ّ‬
‫تركته ‪ ،‬لما روى بريدة قال ‪ « :‬أتت النّبيّ صلى ال عليه وسلم امرأة فقالت ‪ :‬يا رسول اللّه‬
‫ن أمّي ماتت ولم تحجّ ‪ ،‬فقال لها النّبيّ صلى ال عليه وسلم ‪ :‬حجّي عن أمّك » ‪.‬‬
‫إّ‬
‫ولنّه حقّ تدخله النّيابة حال الحياة فلم يسقط بالموت كدين الدميّ ‪ ،‬وسواء في ذلك حجّ‬
‫الفريضة والنّذر ‪ ،‬فإن حجّ عنه الوارث بنفسه أو باستئجارٍ سقط الحجّ عن الميّت ‪.‬‬
‫وأضاف الشّافعيّة أنّه لو حجّ عن الميّت أجنبيّ جاز ولو بل إذنٍ كما إنّ له أن يقضي دينه بل‬
‫إذنٍ ‪.‬‬
‫ج بنفسه عن الميّت أو بالحجاج عنه رجلً‬
‫وعند الحنفيّة والمالكيّة يجوز تبرّع الوارث بالح ّ‬
‫آخر ولكن مع الكراهة عند المالكيّة ‪.‬‬
‫أثر دين اللّه تعالى في وجوب الزّكاة ‪:‬‬
‫ل يكون هناك دين لدميّ يمنع وجوب الزّكاة عند بعض‬
‫‪ 8‬م ‪ -‬من شروط وجوب الزّكاة أ ّ‬
‫ن له مطالبا من جهة العباد ‪.‬‬
‫الفقهاء ل ّ‬
‫وكذلك بالنّسبة لدين اللّه تعالى كالكفّارة والنّذر والهدي وصدقة الفطر وغير ذلك ‪.‬‬
‫فعند الحنفيّة وهو الظهر عند الشّافعيّة وقول خليلٍ وابن رشدٍ من المالكيّة أنّه ل يمنع وجوب‬
‫ن أثر هذا الدّين إنّما هو في حقّ أحكام الخرة وهو الثّواب بالداء والثم بالتّرك ‪،‬‬
‫الزّكاة ‪ ،‬ل ّ‬
‫ولطلق الدلّة الموجبة للزّكاة ‪.‬‬
‫ب من المالكيّة أ نّ هذا الدّ ين يم نع وجوب‬
‫وع ند الحنابلة و في قولٍ للشّافعيّة وع ند ا بن عتّا ٍ‬
‫الزّكاة ‪ ،‬وذلك ل ما روى أ بو عبيدٍ في الموال عن ال سّائب بن يز يد قال ‪ :‬سمعت عثمان بن‬
‫عفّان يقول ‪ :‬هذا شهر زكاتكم فمن كان عليه دين فليؤدّه حتّى تخرجوا زكاة أموالكم ‪.‬‬
‫ي صلى ال عليه وسلم ‪ « :‬دين اللّه أحقّ أن يقضى » ‪.‬‬
‫ولقول النّب ّ‬
‫ن هذا الدّين يمنع زكاة المال الباطن وهو النّقد والعرض ول يمنع‬
‫ل ثالثٍ للشّافعيّة أ ّ‬
‫وفي قو ٍ‬
‫زكاة المال الظّاهر وهو الماشية والزّروع والثّمار والمعادن ‪.‬‬
‫وهذا الحكم عامّ بالنّسبة لديون اللّه تعالى بما في ذلك دين الزّكاة ‪ ،‬وذلك عند الشّافعيّة‬
‫والحنابلة ‪.‬‬
‫أمّا الحنفيّة والمالكيّة فقد فرّقوا بين دين الزّكاة وغيره من الدّيون ‪ .‬فالحكم السّابق عندهم إنّما‬
‫هو بالنّسبة لغير دين الزّكاة ‪.‬‬
‫ت مضت فإنّ الحكم يختلف بالنّسبة للزّكاة الحاضرة ‪.‬‬
‫أمّا من كان في ذمّته زكاة سنوا ٍ‬
‫فعند المالكيّة وأبي حنيفة ومح ّمدٍ دين الزّكاة يمنع وجوب الزّكاة الحاضرة ‪ ،‬وهو قول زفر في‬
‫الموال الظّاهرة ‪.‬‬
‫وقال أبو يوسف ‪ :‬دين الزّكاة ل يمنع وجوب الزّكاة الحاضرة ‪ ،‬وهو قول زفر في الموال‬
‫الباطنة ‪.‬‬
‫ن دين الزّكاة له مطالب من جهة العباد وهو المام فأشبه دين الدميّ‬
‫وحجّة القائلين بالمنع أ ّ‬
‫وهو تعليل زفر في الموال الظّاهرة بخلف الباطنة ‪ .‬ويلحظ أنّ الحكام السّابقة جميعها‬
‫إنّما هي عند المالكيّة بالنّسبة لزكاة العين " النّقدين وعروض التّجارة " فهي الّتي يؤثّر فيها‬
‫الدّين‪ ،‬أمّا زكاة الحرث والماشية فل يؤثّر الدّين في وجوب إخراجها ‪.‬‬
‫ولتفصيل ذلك ينظر ‪ ( :‬زكاة ) ‪.‬‬
‫حكم اليصاء بدين اللّه تعالى ‪:‬‬
‫ن ‪ ،‬أو إفطارٍ‬
‫‪ - 9‬ديون اللّه تعالى الماليّة الّتي استقرّت في ذمّة العبد من زكاةٍ ‪ ،‬أو كفّارة يمي ٍ‬
‫ل ‪ ،‬أو فدية أذًى في الحجّ ‪ ،‬أو جزاء صيدٍ ‪ ،‬أو هديٍ لتمتّعٍ أو‬
‫في رمضان ‪ ،‬أو ظهارٍ ‪ ،‬أو قت ٍ‬
‫ن إذا أدركته الوفاة ولم يؤدّها يجب عليه اليصاء بها ‪.‬‬
‫قرا ٍ‬
‫وكذلك من كان قادرا على الحجّ ‪ ،‬أو كان عاجزا بنفسه وأمكنه الداء بماله بإنابة غيره‬
‫مناب نفسه فإنّه يجب عليه أن يوصي بالحجّ عنه ‪.‬‬
‫ن الصّيام الّذي فرّط‬
‫أمّا العبادات البدنيّة الّتي ترتّبت في ذمّة المكلّف كالصّيام والصّلة فإ ّ‬
‫النسان فيه كقضاء رمضان أو صيام كفّارةٍ أو نذرٍ ‪ ،‬فإنّه يجب عليه أن يوصي عند وفاته‬
‫ل يومٍ من أيّام الصّيام الّتي فاتته ‪.‬‬
‫بالفدية ‪ ،‬وهي إطعام مسكينٍ عن ك ّ‬
‫والحكم في جميع ما سبق هو باتّفاق الفقهاء ‪.‬‬
‫وزاد الحنفيّة وجوب الوصيّة بالنّسبة لمن فاتته صلة لم يقضها ‪.‬‬
‫قال ابن عابدين ‪ :‬من فاتته صلوات وكان يقدر على الصّلة ولو باليماء ولم يصلّ فإنّه يلزمه‬
‫اليصاء بالكفّارة بأن يعطي لكلّ صل ٍة فاتته نصف صاعٍ من برّ كالفطرة قال ‪ :‬وكذا حكم‬
‫ل صلةٍ مدّ ‪.‬‬
‫الوتر ‪ .‬ونقل البويطيّ من الشّافعيّة أن يطعم لك ّ‬
‫تعلّق دين اللّه بتركة الميّت ‪:‬‬
‫ن دين اللّه سبحانه وتعالى المترتّب في ذمّة الميّت يتعلّق‬
‫‪ - 10‬ذهب الشّافعيّة والحنابلة إلى أ ّ‬
‫بتركته ‪ ،‬ويجب أداؤه منها سواء أوصى الميّت بذلك أم لم يوص ‪.‬‬
‫ن الدّين الّذي للّه سبحانه وتعالى في ذمّة العبد ل يتعلّق بالتّركة إلّ أن‬
‫وذهب الحنفيّة إلى أ ّ‬
‫يوصي به الميّت فإذا أوصى به أخرجه الورثة من التّركة ‪.‬‬
‫وأمّا المالكيّة فعندهم أنّه ل يتعلّق دين اللّه بالتّركة إلّ في أحوا ٍل خاصّةٍ هي ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬أن يوصي الميّت بذلك فتخرج من التّركة ‪.‬‬
‫ن هذا الدّين في ذمّته للّه تعالى فيخرج من التّركة ولو لم يوص‬
‫ب ‪ -‬أن يشهد في صحّته بأ ّ‬
‫بذلك ‪.‬‬
‫ج ‪ -‬أن تكون العين الواجب إخراجها قائم ًة كزكاة الحرث والماشية ‪ ،‬وهذا في الجملة ‪.‬‬
‫وهل يكون ذلك من رأس المال أو من الثّلث ‪ ،‬وما يقدّم من ذلك بعضه على بعضٍ ؟ سبق‬
‫تفصيله في مصطلح ‪ ( :‬تركة ) ‪.‬‬
‫سقوط دين اللّه ‪:‬‬
‫ن دين اللّه تعالى ل يسقط ول تبرأ منه ال ّذمّة إلّ بالقضاء ‪ ،‬لكن هناك بعض‬
‫‪ - 11‬الصل أ ّ‬
‫السباب الّتي يسقط بها القضاء ومن ذلك ‪:‬‬
‫أولً ‪ -‬الحرج ‪:‬‬
‫‪ - 12‬أ ‪ -‬فالحائض والنّفساء ل يسقط عنهما قضاء الصّوم ويسقط عنهما قضاء الصّلة‬
‫للحرج يقول الكاسانيّ ‪ :‬يجب على الحائض والنّفساء قضاء الصّوم لفوات صوم رمضان‬
‫عليهما ولقدرتهما على القضاء في ع ّدةٍ من أيّامٍ أخر من غير حرجٍ ‪ ،‬وليس عليهما قضاء‬
‫الصّلوات لما فيه من الحرج لنّ وجوبها يتكرّر في كلّ يومٍ خمس مرّاتٍ ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬المغمى عليه ‪ ،‬إن أغمي على شخصٍ يوما وليل ًة أو أقلّ يجب عليه قضاء الصّلة‬
‫لنعدام الحرج ‪ ،‬وإن زاد على يومٍ وليلةٍ ل قضاء عليه ‪ ،‬لنّه يحرج في القضاء لدخول‬
‫العبادة في حدّ التّكرار ‪ .‬وهذا عند الحنفيّة ‪.‬‬
‫وعند المالكيّة والشّافعيّة ل قضاء عليه إلّ أن يفيق في جزءٍ من وقتها ‪.‬‬
‫وعند الحنابلة يقضي الصّلوات الّتي فاتته حال إغمائه ‪.‬‬
‫وقد سبق تفصيل ذلك في مصطلح ‪ ( :‬إغماء ) ‪.‬‬
‫ج ‪ -‬يقول الحنفيّة ‪ :‬المريض العاجز عن اليماء في الصّلة إذا فاتته صلوات ثمّ برئ ‪ ،‬فإن‬
‫كان ما فاته يوما أو أقلّ قضاه ‪ ،‬وإن كان أكثر ل قضاء عليه لما في ذلك من الحرج ‪ ،‬وذلك‬
‫هو الصّحيح عند الحنفيّة ‪ ،‬وبمثل ذلك روي عن المام أحمد وهو أيضا من اختيارات ابن‬
‫تيميّة ‪.‬‬
‫ثانيا ‪ -‬العجز عن القضاء ‪:‬‬
‫‪ - 13‬أ ‪ -‬من أخّر قضاء رمضان لعذرٍ من سفرٍ أو مرضٍ ثمّ مات سقط عنه القضاء ول‬
‫شيء عليه ‪ ،‬لنّه حقّ للّه تعالى وجب بالشّرع ‪ ،‬وقد مات قبل إمكان فعله فسقط إلى غير بدلٍ‬
‫كالحجّ ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬من عجز عن كفّارة الفطار في رمضان الّتي وجبت بجماعٍ أو بغيره ‪ ،‬على تفصيلٍ‬
‫في المذاهب ‪ ،‬سقطت عنه لنّ « النّبيّ صلى ال عليه وسلم أمر العرابيّ أن يطعم أهله » ‪،‬‬
‫ولم يأمره بكفّار ٍة أخرى ول بيّن له بقاءها في ذمّته ‪.‬‬
‫وهذا مذهب الحنابلة ‪ .‬وهو مقابل الظهر عند الشّافعيّة ‪.‬‬
‫وعند الحنفيّة والمالكيّة والشّافعيّة في الظهر وفي روايةٍ عن المام أحمد ‪ :‬تبقى في ذمّته ‪.‬‬
‫ثالثا ‪ -‬هلك مال الزّكاة ‪:‬‬
‫‪ - 14‬هلك نصاب الزّكاة بعد وجوبها بحولن الحول يسقط الزّكاة عند الحنفيّة سواء أكان‬
‫الهلك قبل التّمكّن من الداء أم بعده لنّ وجوب الضّمان يستدعي تفويت ملكٍ أو يدٍ ‪ ،‬وتأخير‬
‫الزّكاة عن أوّل أوقات المكان لم يفوّت على الفقير ملكا ول يدا فل يضمن ‪.‬‬
‫ويقول ابن عبد البرّ من المالكيّة ‪ :‬من وجبت عليه زكاة فعزلها وأخرجها فتلفت منه بغير‬
‫تفريطٍ فل شيء عليه ‪.‬‬
‫ل إن تلف المال قبل التّمكّن من الداء بل تقصيرٍ ‪ ،‬أمّا بعد‬
‫وعند الشّافعيّة ل تسقط الزّكاة إ ّ‬
‫التّمكّن فتلف المال يوجب الضّمان ‪.‬‬
‫وقال ابن قدامة ‪ :‬الزّكاة ل تسقط بتلف المال فرّط أو لم يفرّط ‪ ،‬هذا المشهور عن أحمد ‪،‬‬
‫ي أنّه إذا تلف النّصاب قبل التّمكّن من الداء سقطت الزّكاة عنه ‪ ،‬وإن‬
‫وحكى عنه الميمون ّ‬
‫تلف بعده لم تسقط ‪ ،‬وحكاه ابن المنذر مذهبا لحمد ‪ ،‬ثمّ قال ابن قدامة بعد ذلك ‪ :‬والصّحيح‬
‫إن شاء اللّه أنّ الزّكاة تسقط بتلف المال إذا لم يفرّط في الداء لنّها تجب على سبيل المواساة‬
‫فل تجب على وجهٍ يجب أداؤها مع عدم المال وفقر من تجب عليه ‪.‬‬
‫وينظر تفصيل ذلك في ‪ ( :‬زكاة ) ‪.‬‬
‫رابعا ‪ -‬الرّدّة ‪:‬‬
‫ن ال ّردّة تسقط دين اللّه تعالى ‪ ،‬سواء أكان بدنيّا أم ماليّا‬
‫‪ - 15‬ذهب الحنفيّة والمالكيّة إلى أ ّ‬
‫ن كَ َفرُو ْا إِن يَن َتهُواْ ُيغَ َفرْ َلهُم مّا قَدْ سََلفَ } وقول النّبيّ صلى ال‬
‫لقول اللّه تعالى ‪ { :‬قُل لِّلذِي َ‬
‫عليه وسلم ‪ « :‬السلم يهدم ما كان قبله » ‪.‬‬
‫وعلى هذا فمن كان مسلما ث ّم ارتدّ ‪ -‬والعياذ باللّه ‪ -‬ثمّ أسلم فما كان من ديون اللّه تعالى في‬
‫ذمّته فقد بطل تعلّقه بها وسقط عنه القضاء ‪.‬‬
‫ن ال ّردّة ل تسقط حقّا للّه تعالى ماليّا أو بدنيّا ‪.‬‬
‫وذهب الشّافعيّة إلى أ ّ‬
‫وقد فصّل ابن قدامة القول بالنّسبة لمذهب الحنابلة فقال في الزّكاة ‪ :‬من ارتدّ قبل مضيّ‬
‫الحول وحال الحول وهو مرتدّ فل زكاة عليه ‪ ،‬نصّ عليه لنّ السلم شرط لوجوب الزّكاة‬
‫فعدمه في بعض الحول يسقط الزّكاة كالملك والنّصاب ‪ ،‬وإن رجع إلى السلم قبل مضيّ‬
‫ل ‪ ،‬أمّا إن ارتدّ بعد الحول لم تسقط الزّكاة عنه ‪.‬‬
‫الحول استأنف حو ً‬
‫ح منه ول تدخلها النّيابة ‪ ،‬فإذا‬
‫وأمّا الصّلة فل تسقط أيضا لكن ل يطالب بفعلها لنّها ل تص ّ‬
‫عاد وجب عليه قضاؤها ‪ ،‬والزّكاة تدخلها النّيابة ول تسقط بال ّردّة كالدّين ‪.‬‬
‫وينظر تفصيل ذلك في ‪ ( :‬ردّة ‪ ،‬زكاة ) ‪.‬‬
‫خامسا ‪ -‬الموت ‪:‬‬
‫ن ديون اللّه ل تسقط بالموت بل تتعلّق بالتّركة فيخرج‬
‫‪ - 16‬ذهب الشّافعيّة والحنابلة إلى أ ّ‬
‫منها ما على الميّت من ديون اللّه تعالى كديون الدميّ ‪.‬‬
‫ج فيحجّ عنه من ماله ‪.‬‬
‫وهذا بالنّسبة للحقوق الماليّة كالزّكاة والكفّارات ويدخل في ذلك الح ّ‬
‫ل ما قاله‬
‫ن الصّلة تسقط عنه عندهما في حقّ أحكام الدّنيا إ ّ‬
‫أمّا العبادات البدنيّة المحضة فإ ّ‬
‫ل صلةٍ مدّ ‪ ،‬ومثل ذلك قيل في العتكاف الواجب في‬
‫البويطيّ الشّافعيّ من الطعام عنه لك ّ‬
‫ال ّذمّة ‪.‬‬
‫وأمّا الصّيام فيفدى عنه ‪ ،‬وفي القديم عند الشّافعيّة يصام عنه ‪ ،‬قال الشّربينيّ الخطيب والقديم‬
‫أظهر ‪.‬‬
‫وعند الحنابلة نذر العبادة يفعل عن الميّت من تركته ‪،‬أمّا صوم رمضان والكفّارة فيطعم عنه‪.‬‬
‫وقد استدلّ الشّافعيّة والحنابلة لعدم سقوط دين اللّه بالموت بما رواه مسلم عن ابن عبّاسٍ قال‬
‫ن أمّي ماتت وعليها صوم نذرٍ أفأصوم عنها قال ‪ :‬أرأيت لو‬
‫‪ « :‬قالت امرأة ‪ :‬يا رسول اللّه إ ّ‬
‫كان على أمّك دين فقضيتيه أكان يؤدّي ذلك عنها ؟ قالت ‪ :‬نعم ‪ .‬قال ‪ :‬فصومي عن أمّك »‬
‫‪.‬‬
‫ج أفأحجّ عنه ؟ قال ‪:‬‬
‫ن أبي مات ولم يح ّ‬
‫وما روى النّسائيّ « أنّ رجلً قال ‪ :‬يا رسول اللّه إ ّ‬
‫أرأيت لو كان على أبيك دين أكنّت قاضيه ؟ قال ‪ :‬نعم ‪ ،‬قال ‪ :‬فدين اللّه أحقّ » ‪.‬‬
‫كما استدلّ الشّافعيّة بصيام الوليّ « بقول النّبيّ ‪ :‬من مات وعليه صيام صام عنه وليّه » ‪.‬‬
‫ن الموت من أسباب سقوط دين اللّه تعالى إذا لم يوص به ‪ ،‬فمن مات وفي‬
‫ويرى الحنفيّة أ ّ‬
‫ذمّته صلة أو صوم أو زكاة أو حجّ أو كفّارة أو غير ذلك ممّا هو من حقوق اللّه تعالى‬
‫سقطت عنه في حقّ أحكام الدّنيا ‪ ،‬ولذلك ل تؤخذ من تركته ول يؤمر الوصيّ أو الوارث‬
‫ل بنيّة المكلّف وفعله فإذا لم‬
‫ن دين اللّه عبادة ومعنى العبادة ل يتحقّق إ ّ‬
‫بالداء من التّركة ‪ ،‬ل ّ‬
‫يوص فقد فات الشّرط بموته فل يتصوّر بقاء الواجب فيسقط في حقّ أحكام الدّنيا للتّعذّر ‪.‬‬
‫لكنّهم اختلفوا في العشر إذا كان قائما ‪ ،‬فمن مات وعليه العشر ‪ ،‬فإن كان الخارج قائمًا فل‬
‫يسقط بالموت في ظاهر الرّواية ‪ ،‬وروى عبد اللّه بن المبارك عن أبي حنيفة أنّه يسقط ‪ ،‬أمّا‬
‫لو كان الخارج مستهلكا فإنّه يسقط ‪.‬‬
‫والصل عند المالكيّة أنّ الموت يسقط ما على المكلّف من ديون اللّه تعالى إلّ في أحوالٍ‬
‫ثلثةٍ وهي ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬إذا أوصى بها ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬إذا أشهد في صحّته أنّها بذمّته ولو لم يوص بها ‪.‬‬
‫ج ‪ -‬إذا تعلّق بعينٍ قائمةٍ كزكاة الحرث والماشية ‪.‬‬
‫وينظر تفصيل ذلك في ‪ ( :‬حجّ ‪ ،‬وصوم ) ‪.‬‬

‫الدّيناريّة الصّغرى *‬
‫التّعريف ‪:‬‬
‫‪ - 1‬الدّيناريّة ‪ :‬منسوبة إلى الدّينار ‪ ،‬ووصفت بالصّغرى للتّمييز بينها وبين " الدّيناريّة‬
‫الكبرى " ‪ .‬والدّينار فارسيّ معرّب ‪ .‬انظر تفصيله في مصطلح ‪ ( :‬دنانير ) ‪.‬‬
‫والدّيناريّة الصّغرى في اصطلح الفقهاء ‪ :‬هي مسألة من المسائل الملقّبات في المواريث ‪،‬‬
‫وهي المسائل الّتي لقّبت ك ّل منها بلقبٍ أو أكثر ‪ ،‬ومنها ‪ -‬غير مسألتنا ‪ -‬الدّيناريّة الكبرى ‪،‬‬
‫والكدريّة ‪ ،‬والخرقاء ‪ ،‬وغيرها ‪.‬‬
‫صورة المسألة وما لقّبت به ‪:‬‬
‫ن ‪ :‬ثلث‬
‫‪ - 2‬صوّر الفقهاء " الدّيناريّة الصّغرى " في إرثٍ انحصر في سبع عشرة أنثى ‪ ،‬ه ّ‬
‫ب‪.‬‬
‫زوجاتٍ ‪ ،‬وجدّتان ‪ ،‬وأربع أخواتٍ لمّ ‪ ،‬وثماني أخواتٍ شقيقاتٍ أو ل ٍ‬
‫ب أخرى ‪ -‬غير لقب ‪ :‬الدّيناريّة الصّغرى ‪ -‬منها ‪ " :‬السّبعة عشريّة‬
‫ولقّبت هذه المسألة بألقا ٍ‬
‫" نسبةً إلى عدد الوارثات فيها " وأمّ الرامل " لكثرة ما فيها من الوارثات الرامل " وأمّ‬
‫ن جميع الوارثات فيها من النّساء " والمنبريّة " ‪ ،‬وأمّا تلقيبها " بالدّيناريّة الصّغرى‬
‫الفرّوج " ل ّ‬
‫" فلنّ ميّتا ترك سبعة عشر دينارا فخصّ كلّ وارث ٍة دينار ‪.‬‬
‫الحكم في الدّيناريّة الصّغرى ‪:‬‬
‫‪ - 3‬اتّفق الفقهاء على أنّ الرث حين ينحصر في ‪ :‬ثلث زوجاتٍ ‪ ،‬وجدّتين ‪ ،‬وأربع أخواتٍ‬
‫لمّ ‪ ،‬وثماني أخواتٍ شقيقاتٍ أو لبٍ ‪ ،‬فإنّه يكون للزّوجات الثّلث الرّبع ‪ -‬وهو ثلثة من‬
‫أصل المسألة وهو اثنا عشر ‪ -‬وللجدّتين السّدس ‪ -‬وهو اثنان ‪ -‬وللخوات للمّ الثّلث ‪-‬‬
‫وهو أربعة ‪ -‬وللخوات الشّقيقات أو لبٍ الثّلثان ‪ -‬وهو ثمانية ‪ -‬فيكون مجموع السّهام‬
‫سبعة عشر ‪ ،‬وهو العدد الّذي عالت إليه المسألة ‪.‬‬
‫ن"‬
‫ويكون لكلّ واحد ٍة من الوارثات سهم ‪ :‬لكلّ واحد ٍة من الزّوجات الثّلث سهم من نصيبه ّ‬
‫الرّبع " وهو ثلثة ‪ ،‬ولكلّ واحدةٍ من الجدّتين سهم من نصيبهما " السّدس " وهو اثنان ‪ ،‬ولكلّ‬
‫واحد ٍة من الخوات الربع لل ّم سهم من نصيبهنّ " الثّلث " وهو أربعة ‪ ،‬ولكلّ واحدةٍ من‬
‫ب سهم من نصيبهنّ " الثّلثان " وهما ثمانية ‪.‬‬
‫الخوات الشّقيقات أو ل ٍ‬
‫أصل المسألة اثنا عشر وعالت إلى سبعة عشر ‪.‬‬
‫وهذه المسألة من المسائل الّتي يعايا بها فيقال ‪ :‬سبع عشرة امرأةً من جهاتٍ مختلفةٍ ‪ ،‬اقتسمن‬
‫ن سهم ‪.‬‬
‫مال الميّت ‪ ،‬حصل لكلّ واحد ٍة منه ّ‬
‫ولمزيدٍ من التّفصيل في هذه المسألة ونحوها يراجع ‪ ( :‬إرث ‪ ،‬وينظر ‪ :‬عول ) ‪.‬‬

‫الدّيناريّة الكبرى *‬
‫التّعريف ‪:‬‬
‫‪ - 1‬الدّيناريّة ‪ :‬منسوبة إلى الدّينار ‪ .‬وتفصيله في مصطلح " دنانير " ‪.‬‬
‫والكبرى ‪ :‬صفة تميّزها عن " الدّيناريّة الصّغرى " ‪ .‬انظر مصطلح ‪ " :‬ديناريّة صغرى " ‪.‬‬
‫والدّيناريّة الكبرى في اصطلح الفقهاء هي مسألة من المسائل الملقّبات في المواريث ‪.‬‬
‫وقد سبق التّعريف بها في مصطلح ‪ " :‬الدّيناريّة الصّغرى " ‪.‬‬
‫صورة المسألة ‪ ،‬وما لقّبت به ‪:‬‬
‫‪ - 2‬صورة المسألة ‪ :‬انحصار الرث في زوجةٍ ‪ ،‬وأمّ ‪ ،‬وبنتين ‪ ،‬واثني عشر أخا ‪ ،‬وأختٍ‬
‫ب‪.‬‬
‫لبٍ وأمّ ‪ ،‬أو ل ٍ‬
‫ولقّبت " بالدّيناريّة الكبرى " " وبالرّكابيّة " ‪ " ،‬وبالشّاكية " لنّ شريحاص قضى فيها للخت‬
‫بدينارٍ واحدٍ ‪ ،‬وكانت التّركة ستّمائة دينارٍ ‪ ،‬فلم ترض الخت ‪ ،‬ومضت إلى عليّ كرّم اللّه‬
‫ن أخي ترك ستّمائة دينارٍ‬
‫وجهه تشتكي شريحا ‪ ،‬فوجدته راكبا ‪ ،‬فأمسكت بركابه وقالت ‪ :‬إ ّ‬
‫فأعطاني شريح دينارا واحدا ‪ ،‬فقال عليّ ‪ :‬لعلّ أخاك ترك زوجةً ‪ ،‬وأمّا ‪ ،‬وابنتين ‪ ،‬واثني‬
‫ي ‪ ،‬ذلك حقّك ولم يظلمك شريح شيئا ‪.‬‬
‫عشر أخًا ‪ ،‬وأنت ؟ قالت ‪ :‬نعم ‪ ،‬فقال عل ّ‬
‫ن داود الطّائيّ سئل عن مثلها فقسمها هكذا ‪ ،‬فجاءت الخت –‬
‫وتلقّب أيضا " بالدّاوديّة " ل ّ‬
‫ن أخي مات وترك ستّمائة‬
‫وهي غير الخت في المسألة السّابقة ‪ -‬إلى أبي حنيفة فقالت ‪ :‬إ ّ‬
‫ل دينارا واحدا ‪ ،‬فقال ‪ :‬من قسم التّركة ؟ قالت ‪ :‬تلميذك داود الطّائيّ ‪،‬‬
‫دينارٍ فما أعطيت إ ّ‬
‫قال ‪ :‬هو ل يظلم ‪ ،‬هل ترك أخوك جدّ ًة ؟ قالت ‪ :‬نعم ‪ ،‬قال ‪ :‬هل ترك بنتين ؟ قالت ‪ :‬نعم ‪،‬‬
‫قال ‪ :‬هل ترك زوجةً ؟ قالت ‪ :‬نعم ‪ ،‬قال ‪ :‬هل معك اثنا عشر أخا ؟ قالت ‪ :‬نعم ‪ ،‬قال ‪ :‬إذن‬
‫حقّك دينار ‪.‬‬
‫ن الخت سألت عامرا الشّعبيّ عنها ‪ ،‬فأجاب بمثل ذلك ‪.‬‬
‫وتلقّب أيضا " بالعامريّة " ل ّ‬
‫الحكم في الدّيناريّة الكبرى ‪:‬‬
‫‪ - 3‬اتّفق الفقهاء على أنّ الرث حين ينحصر في ‪ :‬زوجةٍ ‪ ،‬وأ ّم أو جدّةٍ ‪ ،‬وبنتين ‪ ،‬واثني‬
‫ب وأمّ أولبٍ ‪ ،‬والتّركة ستّمائة دينارٍ ‪ ،‬أنّه يكون للبنتين الثّلثان‬
‫عشر أخا وأختٍ واحدةٍ ل ٍ‬
‫أربعمائة دينارٍ ‪ ،‬ولل ّم أوالجدّة السّدس مائة دينارٍ ‪ ،‬وللزّوجة الثّمن خمسة وسبعون دينارا ‪،‬‬
‫ل أخٍ ديناران ‪ ،‬وللخت دينار ‪ ..‬بتوزيع الباقي بعد الفروض على الخوة الثني عشر ‪،‬‬
‫ولك ّ‬
‫وعلى الخت للذّكر مثل حظّ النثيين ‪.‬‬
‫والمسألة عادلة ‪ ،‬وهي من أربعةٍ وعشرين ‪ ،‬وهي من مسائل المعاياة ‪.‬‬
‫ولمزيدٍ من التّفصيل يرجع إلى ‪ ( :‬إرث ) ‪.‬‬

‫ديوان *‬
‫التّعريف ‪:‬‬
‫‪ - 1‬الدّيوان فارسيّ معرّب ‪ ،‬ويطلق في اللّغة على مجتمع الصّحف ‪ ،‬وعلى الكتاب الّذي‬
‫يكتب فيه أهل الجيش وأهل العطيّة ‪ ،‬وعلى جريدة الحساب ‪ ،‬ثمّ أطلق على الحساب ‪ ،‬ثمّ‬
‫على موضع الحساب ‪ ،‬وفي تاج العروس ‪ :‬معاني الدّيوان خمسة ‪ :‬الكتبة ومحلّهم ‪ ،‬والدّفتر‪،‬‬
‫ل كتابٍ ‪ ،‬ومجموع الشّعر ‪.‬‬
‫وك ّ‬
‫والدّيوان في الصطلح ‪ :‬الدّفتر الّذي تثبت فيه السماء أوالوثائق ‪ ،‬وما وضع لحفظ ما‬
‫يتعلّق بحقوق السّلطنة " الدّولة " من العمال ‪ ،‬والموال ‪ ،‬ومن يقوم بها من الجيوش والعمّال‬
‫‪.‬‬
‫اللفاظ ذات الصّلة ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬السّجلّ ‪:‬‬
‫‪ - 2‬السّجلّ لغةً ‪ :‬الكتاب الكبير ‪ ،‬وفي حديث الحساب يوم القيامة ‪ ... « :‬فتوضع السّجلّات‬
‫في كفّةٍ ‪ » ...‬وقيل ‪ :‬السّجلّ حجر كان يكتب فيه ‪ ،‬ثمّ سمّي كلّ ما يكتب فيه سجلّا ‪.‬‬
‫ق من السّجالة وهي الكتابة ‪.‬‬
‫صكّ ‪ ،‬وهو اسم مشت ّ‬
‫وقال القرطبيّ ‪ :‬السّجلّ ‪ :‬ال ّ‬
‫واصطلحا ‪ :‬ما يكتب متضمّنا حكم القاضي ‪ ،‬أي ما يكتب من ادّعاءٍ ‪ ،‬وإجابةٍ ‪ ،‬وبيّنةٍ ‪،‬‬
‫وحكم القاضي ‪.‬‬
‫والدّيوان قد يتضمّن السّجلّ وغيره من المحاضر ‪ ،‬والحجج ‪ ،‬والوثائق ‪ ،‬ول عكس ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬المحضر ‪:‬‬
‫ل ‪ ،‬واصطلحا ‪ :‬ما يكتب من وقائع الدّعوى دون حكمٍ ‪.‬‬
‫‪ - 3‬المحضر لغةً ‪ :‬السّج ّ‬
‫والدّيوان يتضمّن ‪ -‬عادةً ‪ -‬المحضر وغيره من الوراق والوثائق ‪.‬‬
‫أوّل من وضع الدّيوان في السلم ‪:‬‬
‫‪ - 4‬أوّل من وضع الدّيوان في السلم عمر بن الخطّاب رضي ال تعالى عنه ‪ .‬وتفصيل‬
‫ذلك في مصطلح أهل الدّيوان ( الموسوعة ج ‪. ) 118 / 7‬‬
‫ما يتعلّق بالدّيوان من أحكامٍ ‪:‬‬
‫اتّخاذ الدّيوان ‪:‬‬
‫‪ - 5‬ذهب المالكيّة إلى أنّه يجوز للمام أن يجعل ديوانا أي ‪ :‬دفترا يجمع فيه أسماء الجند‬
‫وعطاءهم ‪.‬‬
‫ن وضع ديوان الجند مستحبّ كما اقتضاه كلم‬
‫وقال الشّافعيّة ‪ -‬في المعتمد عندهم ‪ : -‬إ ّ‬
‫الشّيخين " النّوويّ والرّافعيّ " ‪ ،‬وكلم إمام الحرمين صريح فيه ‪ ،‬وهو ظاهر كلم القاضي‬
‫طيّب في المحرّر ‪ ،‬قال صاحب النوار يستحبّ أن يضع المام دفترا ‪ ،‬وإن قال بعض‬
‫أبي ال ّ‬
‫ل تشتبه الحوال ويقع الخبط والغلط ‪.‬‬
‫المتأخّرين ‪ :‬إنّ الظّاهر الوجوب ‪ ،‬لئ ّ‬
‫وقال الحنابلة ‪ :‬ينبغي للمام أن يضع ديوانا فيه أسماء المقاتلة ‪ ،‬وقدر أرزاقهم ضبطا لهم‪،‬‬
‫ولما قدّر لهم ‪.‬‬
‫ديوان الدّولة وأقسامه ‪:‬‬
‫‪ - 6‬ديوان الدّولة ‪ -‬ونحوها كالسّلطنة أو المارة أو لمملكة ‪ -‬وضع لحفظ ما يتعلّق بها من‬
‫العمال ‪ ،‬والموال ‪ ،‬ومن يقوم بها من الجيوش والعمّال ‪.‬‬
‫وقسّم ‪ -‬في أصل وضعه ‪ -‬أربعة أقسامٍ ‪- :‬‬
‫القسم الوّل ‪ :‬ما يختصّ بالجيش من إثباتٍ وعطاءٍ ‪:‬‬
‫‪ - 7‬ذكر الماورديّ وأبو يعلى أنّ الثبات في الدّيوان معتبر بثلثة شروطٍ ‪ :‬وينظر تفصيلها‬
‫في مصطلح ‪ ( :‬أهل الدّيوان ‪ ،‬ومصطلح ‪ :‬عطاء ) ‪.‬‬
‫الخراج أوالخروج من ديوان الجيش ‪:‬‬
‫‪ - 8‬إذا أراد وليّ المر إسقاط بعض الجيش من الدّيوان لسببٍ أوجبه ‪ ،‬أولعذرٍ اقتضاه جاز‪،‬‬
‫وإن كان لغير سببٍ لم يجز لنّهم جيش المسلمين ‪.‬‬
‫وإذا أراد بعض الجيش إخراج نفسه من الدّيوان جاز مع الستغناء عنه ‪ ،‬ولم يجز مع الحاجة‬
‫ل فامتنعوا ‪ -‬وهم أكفاء من حاربهم ‪-‬‬
‫إليه ‪ ،‬إلّ أن يكون معذورا ‪ .‬وإذا جرّد الجيش لقتا ٍ‬
‫سقطت أرزاقهم ‪ ،‬وإن ضعفوا عنهم لم تسقط ‪.‬‬
‫ن ورجي زوال المرض أو الجنون ولو بعد مدّةٍ طويل ٍة أعطي وبقي‬
‫وإذا مرض بعضهم أو ج ّ‬
‫اسمه في الدّيوان لئلّ يرغب النّاس عن الجهاد ويشتغلوا بالكسب ‪ ،‬فإنّهم ل يأمنون هذه‬
‫العوارض باتّفاق الشّافعيّة والحنابلة ‪.‬‬
‫وإن لم يرج زوال المرض أو الجنون ‪ ،‬فقال الحنابلة ‪ :‬يخرج من الدّيوان ويسقط سهمه ‪،‬‬
‫ل قد عدم ‪ ،‬وهو الظهر عند الشّافعيّة ‪ ،‬ويعطى الكفاية اللّائقة به ‪ ،‬ومقابل‬
‫لنّه في مقابل عم ٍ‬
‫الظهر عندهم أنّه ل يعطى لعدم رجاء نفعه ‪ ،‬أي ‪ :‬ل يعطى من أربعة أخماس الفيء المعدّة‬
‫للمقاتلة ‪ ،‬ولكن يعطى من غيرها إن كان محتاجا ‪.‬‬
‫القسم الثّاني ‪ :‬ما يختصّ بالعمال من رسومٍ وحقوقٍ ‪:‬‬
‫‪ - 9‬وبيانه من جوانب ‪:‬‬
‫الوّل ‪ :‬تحديد العمل بما يتميّز به عن غيره ‪ ،‬وتفصيل نواحيه الّتي تختلف أحكامها ‪ ،‬فيجعل‬
‫ل بلدٍ إذا اختلفت أحكامها ‪.‬‬
‫لكلّ بلدٍ حدّا ل يشاركه فيه غيره ‪ ،‬ويفصّل نواحي ك ّ‬
‫الثّاني ‪ :‬بيان حال البلد هل فتح عنوةً أو صلحا وما استقرّ عليه حكم أرضه من عشرٍ أو‬
‫ن العشر على الزّرع دون‬
‫خراجٍ ‪ ،‬فإن كان جميعه أرض عشرٍ لم يلزم إثبات مساحاته ‪ ،‬ل ّ‬
‫المساحة ‪ ،‬ويكون ما استؤنف زرعه مرفوعا إلى ديوان العشر ل مستخرجًا منه ‪ ،‬ويلزم‬
‫تسمية أربابه عند رفعه إلى الدّيوان ‪ ،‬لنّ وجوب العشر فيه معتبر بأربابه دون رقاب‬
‫الرضين ‪ ،‬وإذا رفع الزّرع بأسماء أربابه ذكر مبلغ كيله وحال سقيه بسيحٍ " ماءٍ جارٍ " أو‬
‫ل ‪ ،‬لختلف حكمه ليستوفى على موجبه ‪.‬‬
‫عم ٍ‬
‫ن الخراج على المساحة ‪ ،‬فإن كان هذا‬
‫وإن كان جميعه أرض خراجٍ لزم إثبات مساحاته ‪ ،‬ل ّ‬
‫الخراج في حكم الجرة لم يلزم تسمية أرباب الرضين ‪ ،‬لنّه ل يختلف بإسلمٍ ول بكفرٍ ‪،‬‬
‫وإن كان الخراج في حكم الجزية لزم تسمية أربابهم ووصفهم بإسلمٍ أو كفرٍ ‪ ،‬لختلف‬
‫حكمه باختلف أهله ‪ .‬وإن كان بعضه عشرا وبعضه خراجا فصّل في ديوان العشر ما كان‬
‫منه عشرا ‪ ،‬وفي ديوان الخراج ما كان منه خراجا ‪ ،‬لختلف الحكم فيهما ‪ ،‬وأجري على‬
‫كلّ واح ٍد منهما ما يختصّ بحكمه ‪.‬‬
‫الثّالث ‪ :‬بيان أحكام الرض الخراجيّة وما استقرّ عليها من مقاسمةٍ على الزّرع أو ورقٍ "‬
‫فضّ ٍة " مق ّدرٍ على الخراج ‪.‬‬
‫الرّابع ‪ :‬ذكر من في كلّ بل ٍد من أهل ال ّذمّة وما استقرّ عليهم في عقد الجزية ‪ ،‬فإن كانت‬
‫مختلف ًة باليسار والعسار سمّوا في الدّيوان مع ذكر عددهم ‪ ،‬ليختبر حال يسارهم وإعسارهم‪،‬‬
‫وإن لم تختلف في اليسار والعسار جاز القتصار على ذكر عددهم ووجب مراعاتهم في كلّ‬
‫عامٍ ليثبت من بلغ ويسقط من مات أو أسلم ‪ ،‬لينحصر بذلك ما يستحقّ من جزيتهم ‪.‬‬
‫ل جنسٍ ‪،‬‬
‫الخامس ‪ :‬ذكر أجناس المعادن في البلد ‪ -‬إن كان من بلدان المعادن ‪ -‬وعدد ك ّ‬
‫ليستوفى حقّ المعدن منها ‪.‬‬
‫السّادس ‪ :‬إن كان البلد ثغرًا يتاخم دار الحرب وكانت أموال الكفّار قد دخلت دار السلم‬
‫معشورةً عن صلحٍ استقرّ معهم وأثبت في ديوان عقد صلحهم وقدّر المأخوذ منهم من عشرٍ ‪،‬‬
‫أو خمسٍ ‪ ،‬أو زيادةٍ ‪ ،‬أو نقصانٍ ‪ ،‬فإن كان يختلف باختلف المتعة ‪ ،‬والموال فصّلت فيه ‪،‬‬
‫وكان الدّيوان موضوعًا لخراج رسومه ‪ ،‬ولستيفاء ما يرفع إليه من مقادير المتعة‬
‫المحمولة إليه ‪.‬‬
‫القسم الثّالث ‪ :‬ما يختصّ بالعمّال من تقليدٍ وعزلٍ ‪:‬‬
‫‪ - 10‬وبيانه فيما يلي ‪:‬‬
‫ح منه تقليد العمّال ‪ ،‬وهو معتبر بنفوذ المر وجواز النّظر ‪ ،‬وهذا‬
‫الوّل ‪ :‬ذكر من يص ّ‬
‫ل المور ‪ ،‬أو وزير التّفويض ‪ ،‬أو عامل عامّ‬
‫يكون من أحد ثلثةٍ ‪ :‬السّلطان المستولي على ك ّ‬
‫الولية كعامل إقلي ٍم أو مصرٍ عظيمٍ يقلّد في خصوص العمال عاملً ‪.‬‬
‫ل بعد المطالعة والستئمار ‪.‬‬
‫أمّا وزير التّنفيذ فل يصحّ منه تقليد عاملٍ إ ّ‬
‫ل بكفايته ووثق بأمانته ‪ ،‬فإن كانت‬
‫الثّاني ‪ :‬ذكر من يصحّ أن يتقلّد العمالة ‪ ،‬وهو من استق ّ‬
‫عمالة تفويضٍ تفتقر إلى اجتهادٍ روعي فيها الحرّيّة والسلم ‪ ،‬وإن كانت عمالة تنفيذٍ ل‬
‫اجتهاد للعامل فيها ‪ ،‬لم يفتقر إلى الح ّريّة والسلم ‪.‬‬
‫الثّالث ‪ :‬ذكر العمل الّذي يتقلّده ‪ ،‬وهذا يعتبر فيه ثلثة شروطٍ ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬تحديد النّاحية بما تتميّز به عن غيرها ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬تعيين العمل الّذي يختصّ بنظره فيها من جبايةٍ أو خراجٍ أو عشرٍ ‪.‬‬
‫ج ‪ -‬العلم برسوم العمل وحقوقه على تفصيلٍ ينفي عنه الجهالة ‪.‬‬
‫ل علم به المولّي والمولّى صحّ التّقليد ونفذ ‪.‬‬
‫فإذا استكملت هذه الشّروط في عم ٍ‬
‫الرّابع ‪ :‬بيان زمان النّظر ‪ ،‬ول يخلو من ثلثة أحوالٍ ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬أن يقدّر بمدّ ٍة محصورةٍ ‪ ،‬فيكون التّقدير بهذه المدّة مجوّزا للنّظر فيها ‪ ،‬ومانعا من النّظر‬
‫بعد انقضائها ‪ ،‬ول يكون النّظر في المدّة المقدّرة لزمًا من جهة المولّي ‪ ،‬وله صرفه‬
‫والستبدال به إن رأى ذلك صلحا ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬أن يقدر بالعمل ‪ ،‬فيقول المولّي ‪ :‬قلّدتك خراج ناحية كذا في هذه السّنة ‪ ،‬أو قلّدتك‬
‫صدقات بلد كذا في هذا العام ‪ ،‬فتكون مدّة نظره مقدّرةً بفراغه عن عمله ‪ ،‬فإذا فرغ انعزل‬
‫عنه ‪ ،‬وهو قبل فراغه يجوز أن يعزله المولّي ‪ ،‬وعزله لنفسه معتبر بصحّة جاريه وفساده ‪.‬‬
‫ج ‪ -‬أن يكون التّقليد مطلقا فل يقدّر بمدّةٍ ول عملٍ ‪ ،‬فيقول المولّي مثلً ‪ :‬قلّدتك خراج الكوفة‬
‫‪ ،‬أو أعشار البصرة ‪ ،‬أو حماية بغداد ‪ ،‬وهو تقليد صحيح وإن جهلت مدّته ‪.‬‬
‫الخامس ‪ :‬في جاري ( مقابل ) العامل على عمله ‪ ،‬ول يخلو من ثلثة أحوالٍ ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬أن يسمّي معلوما ‪ ،‬فيستحقّ المسمّى إذا وفّى العمالة حقّها ‪ ،‬فإن قصّر فيها روعي‬
‫تقصيره ‪ ،‬وإن زاد في العمل روعيت الزّيادة ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬أن يسمّي مجهولً ‪ ،‬فيستحقّ جاري مثله فيما عمل ‪ ،‬فإن كان جاري العمل مقدّرا في‬
‫الدّيوان ‪ ،‬وعمل به جماعة من العمّال ‪ ،‬صار ذلك القدر هو جاري المثل ‪ ،‬وإن لم يعمل به‬
‫إلّ واحدًا لم يصر ذلك مألوفا في جاري المثل ‪.‬‬
‫ل ول بمعلومٍ ‪ ،‬وفيما يستحقّه خلف ‪ :‬قال الماورديّ ‪ :‬اختلف‬
‫ج ‪ -‬أن ل يسمّى بمجهو ٍ‬
‫الفقهاء في استحقاقه الجاري مثله على عمله على أربعة مذاهب قالها الشّافعيّ وأصحابه ‪.‬‬
‫فمذهب الشّافعيّ أنّه ل جاري له على عمله ويكون متطوّعا به حتّى يسمّي جاريا معلوما أو‬
‫ض‪.‬‬
‫مجهولً لخل ّو عمله من عو ٍ‬
‫وقال المزنيّ ‪ :‬له جاري مثله وإن لم يسمّه ‪ ،‬لستيفاء عمله عن إذنه ‪.‬‬
‫وقال ابن سريجٍ ‪ :‬إن كان مشهورا بأخذ الجاري على عمله فله جاري مثله ‪ ،‬وإن لم يشهر‬
‫بأخذ الجاري عليه فل جاري له ‪.‬‬
‫وقال المروزيّ من أصحاب الشّافعيّ ‪ :‬إن دعي إلى العمل في البتداء ‪ ،‬أو أمر به ‪ ،‬فله‬
‫جاري مثله ‪ ،‬فإن ابتدأ بالطّلب فأذن له في العمل فل جاري له ‪.‬‬
‫ولخّص أبو يعلى رأي الحنابلة فقال ‪ :‬قياس المذهب أنّه إن كان مشهورا بأخذ الجاري على‬
‫عمله فله جاري مثله ‪ ،‬وإن لم يشتهر بأخذ الجاري عليه فل جاري له ‪ ،‬وهو موافق لقول ابن‬
‫ج من الشّافعيّة ‪.‬‬
‫سري ٍ‬
‫وقال الماورديّ وأبو يعلى ‪ :‬إذا كان في عمله مال يجتبى فجاريه يستحقّ فيه ‪ ،‬وإن لم يكن‬
‫فيه فجاريه في بيت المال مستحقّ من سهم المصالح ‪.‬‬
‫ح به التّقليد كما تصحّ به‬
‫السّادس ‪ :‬فيما يصحّ به التّقليد ‪ ،‬فإن كان نطقًا تلفّظ به المولّي ص ّ‬
‫سائر العقود ‪ ،‬وإن كان عن توقيع المولّي بتقليده خطأً ل لفظًا صحّ التّقليد ‪ ،‬وانعقدت به‬
‫الوليات السّلطانيّة إذا اقترنت به شواهد الحال ‪ ،‬اعتبارا بالعرف الجاري فيه ‪ ،‬وهذا إذا كان‬
‫التّقليد مقصورا عليه ل يتعدّاه إلى استنابة غيره فيه ‪ ،‬ول يصحّ إن كان عامّا متعدّيا ‪.‬‬
‫كاتب الدّيوان ‪:‬‬
‫‪ - 11‬كاتب الدّيوان هو صاحب ذمامه ‪.‬‬
‫والمعتبر في صحّة وليته شرطان ‪ :‬العدالة ‪ ،‬والكفاية ‪.‬‬
‫ق بيت المال والرّعيّة ‪ ،‬فاقتضى أن يكون في العدالة‬
‫أمّا العدالة ‪ :‬فلنّه مؤتمن على ح ّ‬
‫والمانة على صفة المؤتمنين ‪.‬‬
‫وأمّا الكفاية ‪ :‬فلنّه مباشر لعملٍ يقتضي أن يكون في القيام به مستقلّا بكفاية المباشرين ‪ .‬فإذا‬
‫صحّ تقليد الكاتب فالّذي ندب له ستّة أشياء ‪:‬‬
‫ن ينثلم به‬
‫أولً ‪ -‬حفظ القوانين على الرّسوم العادلة من غير زياد ٍة تتحيّف بها الرّعيّة أو نقصا ٍ‬
‫حقّ بيت المال ‪.‬‬
‫ثانيا ‪ -‬استيفاء الحقوق ممّن وجبت عليه من العاملين ‪ ،‬ومن القابضين لها من العمّال ‪.‬‬
‫ثالثا ‪ -‬إثبات الرّفوع ‪ ،‬وينقسم ثلثة أقسامٍ ‪.‬‬
‫أ ‪ -‬رفوع المساحة والعمل ‪ ..‬فإن كانت أصولها مقدّر ًة في الدّيوان اعتبر صحّة الرّفع بمقابلة‬
‫الصل ‪ ،‬وأثبت في الدّيوان إن وافقها ‪ ،‬وإن لم يكن لها في الدّيوان أصول عمل في إثباتها‬
‫على قول رافعها ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬رفوع قبضٍ واستيفاءٍ ‪ ..‬فيعمل في إثباتها على قول رافعها ‪ ،‬لنّه يقرّ بها على نفسه ل‬
‫لها ‪.‬‬
‫ج ‪ -‬رفوع الخراج والنّفقة ‪ .‬فرافعها م ّدعٍ لها فل تقبل دعواه إلّ بالحجج البالغة ‪.‬‬
‫رابعا ‪ -‬محاسبة العمّال ‪ ..‬ويختلف حكمها باختلف ما تقلّدوه ‪ ،‬فإن كانوا من عمّال الخراج‬
‫لزمهم رفع الحساب ‪ ،‬ووجب على كاتب الدّيوان محاسبتهم على صحّة ما رفعوه ‪ ،‬وإن كانوا‬
‫من عمّال العشر لم يلزمهم على مذهب الشّافعيّ رفع الحساب ‪ ،‬ولم يجب على كاتب الدّيوان‬
‫ن العشر عنده صدقة ل يقف مصرفها على اجتهاد الولة ‪ ،‬ولو تفرّد أهلها‬
‫محاسبتهم عليه ‪ ،‬ل ّ‬
‫بمصرفها أجزأت ‪ ،‬ويلزمهم على مذهب أبي حنيفة رفع الحساب ‪ ،‬ويجب على كاتب الدّيوان‬
‫ن مصرف الخراج والعشر عنده مشترك ‪.‬‬
‫محاسبتهم عليه ‪ ،‬ل ّ‬
‫خامسا‪ -‬إخراج الموال ‪ ..‬ول يخرج منها إلّ ما علم صحّته ‪ ،‬ول يبتدئ بذلك حتّى يستدعى‬
‫منه ‪.‬‬
‫سادسا‪ -‬تصفح الظّلمات ‪ ..‬وهو مختلف بحسب اختلف المتظلّم ‪:‬‬
‫فإن كان المتظلّم من الرّعيّة تظلّم من عاملٍ تحيّفه في معاملةٍ ‪ ،‬كان صاحب الدّيوان فيها‬
‫حاكما بينهما ‪ ،‬وجاز له أن يتصفّح الظّلمة ويزيل التّحيّف ‪ ،‬لنّه مندوب لحفظ القوانين‬
‫واستيفاء الحقوق ‪ ،‬فصار بعقد الولية مستحقّا لتصفّح الظّلمات ‪.‬‬
‫وإن كان المتظلّم عاملً جوزف في حسابه أو غولط في معاملته ‪ ،‬صار صاحب الدّيوان‬
‫خصما في الظّلمة ‪ ،‬وكان المتصفّح لها وليّ المر ‪.‬‬
‫أهل الدّيوان ‪:‬‬
‫‪ - 12‬أهل الدّيوان هم الّذين يعطون من الدّيوان عطاءً ويأخذون منه رزقا ‪.‬‬
‫وفي بيان أصنافهم ‪ ،‬وشروط إثباتهم في الدّيوان ‪ ،‬والضّابط للمصارف ‪ .‬تفصيل ينظر في‬
‫مصطلح ‪ ( :‬أهل الدّيوان ) ‪.‬‬
‫عقل الدّيوان عن أهله ‪:‬‬
‫‪ - 13‬يتحمّل الدّيوان الدّية الّتي تجب بذات القتل إذا كان القاتل واحدا من أهل الدّيوان ‪ ..‬على‬
‫تفصيلٍ وخلفٍ ينظر في ‪ ( :‬أهل الدّيوان ‪ ،‬ودية ‪ ،‬وعاقلة ) ‪.‬‬
‫ديوان القاضي ‪:‬‬
‫‪ - 14‬هو ما فيه وثائق النّاس من المحاضر والسّجلّات وغيرها ‪.‬‬
‫وأوّل ما يبدأ به القاضي إذا تقلّد أن يطلب ديوان القاضي قبله ‪ ،‬لنّ الدّيوان وضع ليكون‬
‫حجّةً عند الحاجة ‪ ،‬فيجعل في يد من له ولية القضاء ‪ ،‬ولنّه الساس الّذي يبني عليه‬
‫ن الدّيوان كان في‬
‫القاضي حكمه ‪ ،‬ويلزم القاضي السّابق تسليمه إلى القاضي الّذي خلفه ‪ ،‬ل ّ‬
‫يده بحكم الولية ‪ ،‬وقد صارت إلى القاضي الجديد ‪.‬‬
‫ولمزيدٍ من التّفصيل ينظر ‪ ( :‬قضاء ) ‪.‬‬
‫ديوان الرّسائل ‪:‬‬
‫‪ - 15‬استحدث هذا الدّيوان عندما ضعفت اللّغة ‪ ،‬وفسدت اللسن ‪ ،‬فاحتاج أولو المر إلى من‬
‫يكتب الكتب عنهم بألفاظٍ بليغةٍ مؤثّر ٍة تفي بالمراد ‪.‬‬

‫ذات عرقٍ *‬
‫التّعريف ‪:‬‬
‫ع ْرقٍ بكسر العين المهملة وإسكان الرّاء بعدها قاف ‪ ،‬ميقات أهل العراق ومن يمرّ‬
‫‪ - 1‬ذات ِ‬
‫بها من أهل الفاق ‪ ،‬وهي على مرحلتين من مكّة ‪.‬‬
‫اللفاظ ذات الصّلة ‪:‬‬
‫ق ألفاظ وهي ‪ :‬جميع المواقيت المعروفة ‪ ،‬وإحرام ‪.‬‬
‫‪ - 2‬يتّصل بذات عر ٍ‬
‫وتفصيل ذلك في ‪ ( :‬إحرام ‪ ،‬وحجّ ‪ ،‬وميقات ) ‪.‬‬
‫ي ومواطن البحث ‪:‬‬
‫الحكم الجمال ّ‬
‫ن ذات عرقٍ ميقات لهل العراق ومن يمرّ به من أهل الفاق‪.‬‬
‫‪ - 3‬ل خلف بين الفقهاء في أ ّ‬
‫كما ل خلف بينهم في أنّ الحرام منها واجب على كلّ من مرّ بها من أهلها أو من غيرهم ‪،‬‬
‫قاصدًا مكّة لداء أحد النّسكين " الحجّ والعمرة " لقوله صلى ال عليه وسلم ‪ « :‬هنّ لهنّ ولمن‬
‫ن ممّن أراد الحجّ والعمرة » ‪.‬‬
‫أتى عليهنّ من غيره ّ‬
‫وأمّا من قصد مكّة لغير ذلك ففيه خلف يرجع إليه في ( إحرام ) ‪.‬‬
‫ن المواقيت الربعة وهي ذو الحليفة والجحفة ‪ ،‬وقرن‬
‫ول خلف بين الفقهاء أيضا في أ ّ‬
‫المنازل ويلملم ‪ ،‬ثابت توقيتها بالنّصّ ‪.‬‬
‫ص أو بالجتهاد خلف ‪.‬‬
‫وأمّا ذات عرقٍ ‪ ،‬ففي ثبوت كونها ميقاتا بالنّ ّ‬
‫فصحّح الحنفيّة والحطّاب من المالكيّة وجمهور الشّافعيّة والحنابلة أنّه ثابت بالنّصّ ‪ ،‬وهو قول‬
‫عطاء بن أبي رباحٍ من السّلف ‪.‬‬
‫وذكر مالك في المدوّنة ‪ ،‬والشّافعيّ في المّ أنّ توقيتها ثابت بالجتهاد ‪ ،‬أي باجتهاد عمر‬
‫ج القائلون بثبوته بالنّصّ بأحاديث منها‪،‬‬
‫رضي ال عنه ‪ ،‬وهو قول طاووسٍ وابن سيرين احت ّ‬
‫ما أخرجه مسلم في صحيحه عن أبي الزّبير أنّه سمع « جابر بن عبد اللّه رضي ال عنهما ‪،‬‬
‫يسأل عن المهلّ فقال ‪ :‬سمعت ‪ -‬أحسبه رفع إلى النّبيّ صلى ال عليه وسلم ‪ -‬فقال ‪ :‬مهلّ‬
‫ل أهل العراق من ذات عرقٍ ‪،‬‬
‫أهل المدينة من ذي الحليفة والطّريق الخر الجحفة ‪ ،‬ومه ّ‬
‫ل أهل اليمن من يلملم » ‪.‬‬
‫ل أهل نجدٍ من قرنٍ ‪ ،‬ومه ّ‬
‫ومه ّ‬
‫ومنها ما ورد عن عائشة رضي ال عنها « أنّ النّبيّ صلى ال عليه وسلم وقّت لهل العراق‬
‫ذات عرقٍ » ‪ .‬قالوا ‪ :‬والحاديث الدّالّة على ذلك وإن كانت أسانيد مفرداتها ضعيفةً ‪،‬‬
‫ج به ‪ ،‬ويحمل تحديد عمر‬
‫فمجموعها يقوّي بعضه بعضها ‪ ،‬ويصير الحديث حسنا ‪ ،‬ويحت ّ‬
‫رضي ال عنه باجتهاده على أنّه لم يبلغه تحديد النّبيّ صلى ال عليه وسلم فحدّده باجتهاده‪،‬‬
‫ص‪.‬‬
‫فوافق النّ ّ‬
‫ج القائلون بثبوته بالجتهاد بما أخرجه البخاريّ عن ابن عمر رضي ال عنهما قال ‪:‬‬
‫واحت ّ‬
‫« لمّا فتح هذان المصران " أي البصرة والكوفة " أتوا عمر فقالوا ‪ :‬يا أمير المؤمنين إنّ‬
‫رسول اللّه صلى ال عليه وسلم حدّ لهل نجدٍ قرنا وهو جَوْر " أي ميل " عن طريقنا ‪ ،‬وإنّا‬
‫إن أردنا قرنا شقّ علينا قال ‪ :‬فانظروا حذوها من طريقكم ‪ ،‬فح ّد لهم ذات عرقٍ » ‪.‬‬
‫هذا والحكام الخاصّة بذات عرقٍ وغيرها من المواقيت المكانيّة يذكرها الفقهاء في الحجّ‬
‫ويبحث عنها أيضا في مصطلح ‪ ( :‬إحرام ‪ ،‬وميقات ) ‪.‬‬

‫ذؤابة *‬
‫التّعريف ‪:‬‬
‫‪ - 1‬من معاني الذّؤابة في اللّغة ‪ :‬الضّفيرة من الشّعر إذا كانت مرسل ًة ‪ ،‬وطرف العمامة ‪،‬‬
‫والجمع الذّؤابات والذّوائب ‪ .‬ويستعمل الفقهاء الذّؤابة بهذين المعنيين ‪.‬‬
‫اللفاظ ذات الصّلة ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬العقيصة ‪:‬‬
‫‪ - 2‬العقيصة هي الضّفيرة من الشّعر إذا كانت ملويّ ًة ‪.‬‬
‫ن الذّؤابة هي الضّفيرة من الشّعر إذا كانت مرسلةً ‪.‬‬
‫وتختلف العقيصة عن الذّؤابة في أ ّ‬
‫ب ‪ -‬الضّفيرة والضّميرة والغديرة ‪:‬‬
‫‪ - 3‬قال النّوويّ نقلً عن الزهريّ ‪ :‬الضّفائر والضّمائر والغدائر هي الذّوائب إذا أدخل‬
‫بعضها في بعضٍ نسجا ‪.‬‬
‫ج ‪ -‬العذبة ‪:‬‬
‫‪ - 4‬قال القسطلّانيّ ‪ :‬العذبة الطّرف ‪ ،‬كعذبة السّوط واللّسان أي ‪ :‬طرفهما ‪.‬‬
‫فالطّرف العلى يسمّى عذبة من حيث اللّغة ‪ ،‬وإن كان مخالفا للصطلح العرفيّ الن ‪.‬‬
‫والذّؤابة شرعا ‪ :‬هي طرف العمامة المرسل على العنق فأسفل ‪ ،‬ول فرق بين أن يكون‬
‫المرسل الطّرف العلى أوالسفل ‪.‬‬
‫فالعذبة بالمعنى الصطلحيّ والذّؤابة لفظان مترادفان بمعنىً واحدٍ ‪ ،‬إذ الذّؤابة عند الفقهاء‬
‫هي طرف العمامة المرخى ‪.‬‬
‫الحكام المتعلّقة بالذّؤابة ‪:‬‬
‫أوّلً ‪ :‬بمعنى الضّفيرة ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬جعل الشّعر ذؤابةً ‪:‬‬
‫‪ - 5‬اتّخاذ شعر الرّأس أفضل من إزالته ‪ ،‬إلّ أن يشقّ إكرامه ‪ ،‬وينتهي لرجلٍ إلى أذنيه ‪ ،‬أو‬
‫إلى منكبيه كشعره صلى ال عليه وسلم ول بأس بزيادةٍ على المنكبين وجعله ذؤابةً ‪.‬‬
‫ب « قالت ‪ :‬قدم رسول اللّه صلى ال عليه وسلم‬
‫فقد روى التّرمذيّ عن أمّ هانئٍ بنت أبي طال ٍ‬
‫مكّة قدمةً وله أربع غدائر » ‪.‬‬
‫قال صاحب المرقاة ‪ :‬الغدائر جمع غدير ٍة بمعنى ضفير ٍة ‪ ،‬ويقال لها ذؤابة أيضا ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬نقض الذّوائب عند الغسل ‪:‬‬
‫ل ذوائبها عند الغسل إذا‬
‫‪ - 6‬يرى جمهور الفقهاء أنّه ليس على المرأة أن تنقض ضفائرها وتب ّ‬
‫بلغ الماء أصول شعرها ‪ ،‬لحديث « أمّ سلمة رضي ال عنها قالت ‪ :‬قلت يا رسول اللّه ‪ :‬إنّي‬
‫امرأة أشدّ ضفر رأسي أفأنقضه لغسل الجنابة ؟ قال ‪ :‬ل ‪ ،‬إنّما يكفيك أن تحثي على رأسك‬
‫ثلث حثياتٍ ثمّ تفيضين عليك الماء فتطهرين » ‪ ،‬وفي رواي ٍة ‪ « :‬أفأنقضه للحيضة والجنابة‬
‫ن في النّقض عليها حرجا ‪ ،‬وفي الحلق مثلةً فسقط ‪.‬‬
‫فقال ‪ :‬ل » ول ّ‬
‫ويشترط المالكيّة لسقوط وجوب نقض الشّعر المضفور بجانب كون الشّعر رخوا بحيث يدخل‬
‫الماء وسطه أن يكون مضفورا بنفسه أوبخيطٍ أو خيطين ‪.‬‬
‫أمّا ما ضفر من الشّعر بخيوطٍ كثير ٍة فيجب نقضها في الوضوء ‪،‬وكذا في الغسل اشتدّت أم‬
‫ل‪ ،‬كما أنّه يجب نقض الضّفر إذا اشتدّ بنفسه في الغسل خاصّةً ‪ ،‬وأمّا الخيط والخيطان فل‬
‫ل أن يشتدّا ‪.‬‬
‫يضرّان في وضوءٍ ول غسلٍ إ ّ‬
‫قال الحنابلة ‪ :‬تنقض المرأة شعرها لغسلها من الحيض وليس عليها نقضه من الجنابة إذا‬
‫س‪.‬‬
‫أروت أصوله ‪ ،‬وهذا ما حكاه ابن المنذر عن الحسن وطاوو ٍ‬
‫قال مهنّا ‪ :‬سألت أحمد عن المرأة تنقض شعرها إذا اغتسلت من الجنابة ؟ فقال ‪ :‬ل ‪ ،‬فقلت‬
‫له ‪ :‬في هذا شيء ؟ قال ‪ :‬نعم ‪ -‬حديث أمّ سلمة ‪ .‬قلت ‪ :‬فتنقض شعرها من الحيض ؟ قال ‪:‬‬
‫نعم ‪ ،‬قلت له ‪ :‬وكيف تنقضه من الحيضة ول تنقضه من الجنابة ؟ فقال ‪ :‬حديث أسماء عن‬
‫النّبيّ صلى ال عليه وسلم أنّه قال ‪ « :‬ل تنقضه » ‪.‬‬
‫قال ابن قدامة ‪ :‬ل يختلف المذهب في أنّه ل يجب نقض الشّعر من الجنابة ‪ ،‬وأمّا نقضه‬
‫للغسل من الحيض فاختلف أصحابنا في وجوبه ‪ ،‬فمنهم من أوجبه وهو قول الحسن وطاووسٍ‬
‫ن النّبيّ صلى ال عليه وسلم قال لها ‪ ،‬إذا كانت‬
‫لما روي « عن عائشة رضي ال عنها أ ّ‬
‫حائضا ‪ :‬انقضي رأسك وامتشطي » ول يكون المشط إلّ في شعرٍ غير مضفورٍ ‪ ،‬وفي‬
‫ن الصل وجوب نقض الشّعر ليتحقّق وصول‬
‫رواي ٍة ‪ « :‬انقضي شعرك واغتسلي » ‪ ،‬ول ّ‬
‫الماء إلى ما يجب غسله فعفي عنه في غسل الجنابة لنّه يكثر فيشقّ ذلك فيه والحيض بخلفه‬
‫ب غير واجبٍ ‪،‬‬
‫فبقي على مقتضى الصل في الوجوب ‪ ،‬وقال بعض الحنابلة ‪ :‬هذا مستح ّ‬
‫وهو قول أكثر الفقهاء ‪ .‬قال ابن قدامة ‪ :‬وهو الصّحيح إن شاء اللّه ‪.‬‬
‫وروى الحسن عن أبي حنيفة ‪ -‬فيما هو مقابل للصّحيح ‪ -‬أنّه قال ‪ :‬إنّ المرأة تسبل ذوائبها‬
‫ل بلّ ٍة عصرة ليبلغ الماء شعب قرونها ‪.‬‬
‫ثلثا مع ك ّ‬
‫ح أنّه غير واجبٍ للحصر المذكور في الحديث ‪.‬‬
‫وقال ابن الهمام والعينيّ ‪ :‬والص ّ‬
‫ل حالٍ ‪.‬‬
‫قال النّخعيّ ‪ :‬يجب نقض الضّفائر بك ّ‬
‫هذا ‪ ،‬وقال جمهور الفقهاء ‪ :‬ولو كان لرجلٍ شعر مضفور فهو كالمرأة في ذلك فل يجب‬
‫عليه نقض شعره إذا كان رخوا بحيث يدخل الماء وسطه ‪.‬‬
‫وقال الصّدر الشّهيد من الحنفيّة ‪ :‬إذا أضفر الرّجل شعره يجب إيصال الماء إلى انتهاء الشّعر‬
‫قال العينيّ ‪ :‬والحتياط إيصال الماء ‪.‬‬
‫ثانيا ‪ -‬بمعنى طرف العمامة ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬إرخاء الذّؤابة‬
‫سنّة ‪ ،‬فقد جاء في إرخاء الذّؤابة أحاديث كثيرة ‪ ،‬منها صحيح ومنها‬
‫‪ - 7‬إرخاء الذّؤابة من ال ّ‬
‫حسن ‪ ،‬ناصّة على فعله صلى ال عليه وسلم لرخاء الذّؤابة لنفسه ولجماع ٍة من أصحابه‬
‫وعلى أمره به ‪.‬‬
‫فقد أخرج التّرمذيّ من حديث عمر رضي ال عنهما أنّه قال ‪ « :‬كان النّبيّ صلى ال عليه‬
‫وسلم إذا اعتمّ سدل عمامته بين كتفيه » ‪.‬‬
‫ف قال ‪ « :‬عمّمني رسول اللّه صلى ال عليه‬
‫وأخرج أبو داود من حديث عبد الرّحمن بن عو ٍ‬
‫وسلم فسدلها من بين يديّ ومن خلفي » ‪.‬‬
‫قال ابن رسلن في شرح السّنن عند ذكر حديث عبد الرّحمن ‪ :‬وهي الّتي صارت شعار‬
‫سنّة ‪ ،‬يعني إرسال العمامة على الصّدر ‪ .‬وقال ‪ :‬وفي الحديث النّهي‬
‫الصّالحين المتمسّكين بال ّ‬
‫عن العمامة المقعّطة ‪ .‬قال أبو عبيدٍ ‪ :‬المقعّطة ‪ :‬الّتي ل ذؤابة لها ول حنك ‪.‬‬
‫قال النّوويّ ‪ :‬يجوز لبس العمامة بإرسال طرفها وبغير إرساله ‪ ،‬ول كراهة في واحدٍ منهما ‪،‬‬
‫ح في النّهي عن ترك إرسالها شيء ‪.‬‬
‫ولم يص ّ‬
‫وقد استدلّ على جواز ترك العذبة ابن القيّم في الهدي بحديث جابرٍ عند مسلمٍ أنّ رسول اللّه‬
‫صلى ال عليه وسلم « دخل مكّة وعليه عمامة سوداء » بدون ذكر الذّؤابة ‪ ،‬قال ‪ :‬فدلّ على‬
‫ن الذّؤابة لم يكن يرخيها دائما بين كتفيه ‪.‬‬
‫أّ‬
‫كيفيّة إرخاء الذّؤابة ‪:‬‬
‫‪ - 8‬لقد وردت عدّة أحاديث في كيفيّة إرخاء الذّؤابة ‪:‬‬
‫ل على إرخائها بين الكتفين كحديث ابن عمر الّذي سبق ذكره وحديث أبي موسى‬
‫فمنها ما يد ّ‬
‫ن جبرائيل نزل على النّبيّ صلى ال عليه وسلم وعليه عمامة سوداء قد أرخى ذؤابته من‬
‫«إّ‬
‫ورائه » ‪.‬‬
‫وباستحباب إرخاء الذّؤابة بين الكتفين يقول الحنفيّة والحنابلة وأكثر الشّافعيّة وابن العربيّ من‬
‫المالكيّة ‪.‬‬
‫ومن الحاديث ما يدلّ على إرخاء الذّؤابة بين يدي المعت ّم ومن خلفه كحديث عبد الرّحمن بن‬
‫ف قال ‪ « :‬عمّمني رسول اللّه صلى ال عليه وسلم فسدلها من بين يديّ ومن خلفي » ‪.‬‬
‫عو ٍ‬
‫وسئل مالك عن إرخاء العمامة بين الكتفين قال ‪ :‬لم أر أحدا ممّن أدركته يرخي بين كتفيه إلّ‬
‫عامر بن عبد اللّه بن الزّبير وليس ذلك بحرامٍ ولكن يرسلها بين يديه وهو أكمل ‪.‬‬
‫ن هناك أحاديث تدلّ على إرخاء الذّؤابة من الجانب اليمن كحديث أبي إمامة قال ‪« :‬‬
‫كما أ ّ‬
‫كان رسول اللّه صلى ال عليه وسلم ل يولّي واليا حتّى يعمّمه ويرخي لها من جانبه اليمن‬
‫نحو الذن » ‪.‬‬
‫أمّا إرخاء الذّؤابة من الجانب اليسر فقد قال الحافظ الزّين العراقيّ ‪ :‬المشروع من اليسر ‪،‬‬
‫ولم أر ما يدلّ على تعيين اليمن إلّ في حديث أبي أمامة ‪ -‬المذكور آنفا ‪ -‬بسندٍ فيه ضعف‬
‫عند الطّبرانيّ في الكبير ‪ .‬وقال ‪ :‬وعلى تقدير ثبوته فلعلّه كان يرخيها من الجانب اليمن ثمّ‬
‫يردّها من الجانب اليسر ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬مقدار الذّؤابة ‪:‬‬
‫‪ - 9‬اختلف الفقهاء في مقدار الذّؤابة ‪ :‬منهم من قدّر ذلك بشبرٍ ‪ ،‬ومنهم من قال إلى وسط‬
‫الظّهر ومنهم من قال إلى موضع الجلوس ‪.‬‬
‫وقال بعض الحفّاظ ‪ :‬أقلّ ما ورد في طول الذّؤابة أربع أصابع ‪ ،‬وأكثر ما ورد ذراع ‪،‬‬
‫وبينهما شبر ‪ .‬هذا وإطالة الذّؤابة كثيرا من السبال المنهيّ عنه ‪.‬‬
‫قال النّوويّ والجمل من الشّافعيّة ‪ :‬إرسال العذبة إرسالً فاحشا كإرسال الثّوب يحرم للخيلء‬
‫ويكره لغيره ‪ .‬فقد ورد عن النّبيّ صلى ال عليه وسلم أنّه قال ‪ « :‬السبال في الزار‬
‫والقميص والعمامة ‪ ،‬من جرّ منها شيئا خيلء ل ينظر اللّه إليه يوم القيامة » ‪.‬‬
‫قال ابن بطّالٍ ‪ :‬وإسبال العمامة المراد به إرسال العذبة زائدا على ما جرت به العادة وقد نقل‬
‫القاضي عياض عن العلماء كراهة كلّ ما زاد على العادة وعلى المعتاد في اللّباس من الطّول‬
‫والسّعة ‪ .‬قال الصّنعانيّ ‪ :‬وينبغي أن يراد بالمعتاد ما كان في عصر النّبوّة ‪.‬‬

‫ذبائح *‬
‫التّعريف ‪:‬‬
‫‪ - 1‬الذّبائح جمع ذبيحةٍ ‪ -‬وهي الحيوان المذبوح ‪ -‬مأخوذة من الذّبح ‪ -‬بفتح الذّال ‪ -‬وهو‬
‫مصدر ذبح يذبح كمنع يمنع ‪.‬‬
‫ويطلق الذّبح في اللّغة على الشّقّ وهو المعنى الصليّ ‪ ،‬ثمّ استعمل في قطع الحلقوم من‬
‫ن عند النّصيل ‪ ،‬وهذا المعنى ذكره صاحب اللّسان ‪ ،‬والحلقوم هو مجرى النّفَس ‪ -‬بفتح‬
‫باط ٍ‬
‫الفاء ‪ -‬والمراد بالباطن مقدّم العنق ‪ ،‬والّنصِيل ‪ -‬بفتح النّون وكسر الصّاد ‪ -‬مفصل ما بين‬
‫العنق والرّأس تحت اللّحيين ‪.‬‬
‫وللذّبح في الصطلح ثلثة معانٍ ‪:‬‬
‫الوّل ‪ :‬القطع في الحلق ‪ ،‬وهو ما بين الّلبّة واللّحيين من العنق " والّلبّة " بفتح اللّام هي‬
‫الثّغرة بين التّرقوتين أسفل العنق " واللّحيان " مثنّى اللّحي بفتح اللّام وهما العظمان اللّذان‬
‫يلتقيان في الذّقن ‪ ،‬وتنبت عليهما السنان السّفلى ‪.‬‬
‫والفقهاء يريدون هذا المعنى حين يقولون مثلً ‪ " :‬يستحبّ في الغنم ونحوها الذّبح " أي أن‬
‫تقطع في حلقها ل في لبتّها ‪.‬‬
‫الثّاني ‪ :‬القطع في الحلق أو الّلبّة وهذا أعمّ من الوّل لشموله القطع في الّلبّة ‪ ،‬والفقهاء‬
‫ن الحياة المستقرّة هي ما فوق حركة المذبوح وهي‬
‫يريدون هذا المعنى حينما يقولون ‪ :‬إ ّ‬
‫الحركة الشّديدة الّتي يتحرّكها الحيوان حينما يقارب الموت بعد القطع ‪ ،‬سواء أكان ذلك القطع‬
‫في حلقه أم في لبتّه ومن ذلك قوله تعالى ‪َ { :‬ومَا ُذبِحَ عَلَى الّنصُبِ } فإنّه يشمل ما قطع في‬
‫حلقه وما قطع في لبتّه ‪.‬‬
‫الثّالث ‪ :‬ما يتوصّل به إلى حلّ الحيوان سواء أكان قطعا في الحلق أم في الّلبّة من حيوانٍ‬
‫مقدورٍ عليه ‪ ،‬أم إزهاقا لروح الحيوان غير المقدور عليه بإصابته في أيّ موضعٍ كان من‬
‫جسده بمح ّددٍ أوبجارحةٍ معلّم ٍة ‪.‬‬
‫وهذا المعنى أعمّ من سابقيه ‪ ،‬وهو المراد في قول الفقهاء " ل تحلّ ذبيحة المشرك " فالمراد‬
‫كلّ ما أصابه المشرك في حلقه أو لبّته إن كان مقدورا عليه ‪ ،‬أو في أيّ موضعٍ كان من‬
‫جسده إن كان غير مقدورٍ عليه ‪.‬‬
‫اللفاظ ذات الصّلة ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬النّحر ‪:‬‬
‫‪ - 2‬يستعمل النّحر في اللّغة اسما ومصدرا وذلك أنّه يطلق على أعلى الصّدر وموضع‬
‫القلدة منه ‪ ،‬والصّدر كلّه ‪ ،‬ويطلق على الطّعن في لبّة الحيوان ‪ ،‬لنّها مسامتة لعلى‬
‫صدره‪ ،‬يقال ‪ :‬نحر البعير ينحره نحرا ‪.‬‬
‫والنّحر في الصطلح الطّعن في الّلبّة أيضا فهو مقابل للذّبح بمعناه الشّرعيّ الوّل ‪ ،‬ومن‬
‫ذلك قول الفقهاء " يستحبّ في البل النّحر ‪ ،‬وفي الغنم ونحوها الذّبح " ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬العقر ‪:‬‬
‫‪ - 3‬العقر بفتح العين وسكون القاف لغ ًة ‪ :‬ضرب قوائم البعير أو الشّاة بالسّيف وهو قائم ‪ ،‬ثمّ‬
‫اتّسع فيه العرب حتّى استعملوه في القتل والهلك ‪ ،‬وربّما استعملوه في النّحر خاصّةً ‪ ،‬لنّ‬
‫ناحر البل كان يضرب إحدى قوائمها ثمّ ينحرها ‪.‬‬
‫وقد استعمله الفقهاء بمعنى الصابة القاتلة للحيوان في أيّ موض ٍع كانت من بدنه إذا كان غير‬
‫مقدورٍ عليه سواء أكانت بالسّهم أم بجوارح السّباع والطّير ‪.‬‬
‫ج ‪ -‬الجرح ‪:‬‬
‫ج َرحْتُم بِال ّنهَارِ} ‪.‬‬
‫‪ - 4‬الجرح يطلق في اللّغة على الكسب ‪ ،‬ومنه قوله تعالى ‪َ { :‬و َيعَْلمُ مَا َ‬
‫وعلى التّأثير في الشّيء بالسّلح ‪ ،‬ويطلق في بعض كتب الفقه على معنى " العقر " المتقدّم ‪.‬‬
‫د ‪ -‬الصّيد ‪:‬‬
‫‪ - 5‬الصّيد في اللّغة ‪ :‬مصدر صاد الوحش أو الطّير أو السّمك ‪ ،‬إذا أمسكها بالمصيدة أو‬
‫أخذها ‪ ،‬ويطلق على ما صيد ‪ ،‬وعلى ما يصاد ‪ ،‬أي ما شأنه أن يصاد لمتناعه بشدّة العدو‬
‫أو الطّيران أو الغوص ‪.‬‬
‫والفقهاء يستعملونه مصدرا ‪ ،‬وبمعنى ما صيد وما يصاد أيضا ‪ ،‬لكنّهم حينما يستعملونه‬
‫مصدرا يطلقونه تارةً على إزالة منعة ما كان ممتنعا من الحيوانات ‪ ،‬وتار ًة على إزهاق روح‬
‫ب أو صقرٍ ‪ ،‬فيرادف " العقر " المتقدّم ‪،‬‬
‫ي المتوحّش بإرسال نحو سهمٍ أو كل ٍ‬
‫الحيوان البرّ ّ‬
‫وحينما يستعملونه بمعنى ما صيد يقصدون به تار ًة ما أزيلت منعته ‪ ،‬وتار ًة ما أزهقت روحه‬
‫من الحيوان البرّيّ المتوحّش ‪ ...‬إلخ ‪ ،‬وحينما يستعملونه بمعنى ما يصاد يريدون به الحيوان‬
‫البرّيّ المتوحّش ‪ .‬وتفصيل ذلك في مصطلح ‪ ( :‬صيدٍ ) ‪.‬‬
‫هـ ‪ -‬التّذكية ‪:‬‬
‫‪ - 6‬التّذكية في اللّغة ‪ :‬مصدر ذكّيت الحيوان أي ذبحته أو نحرته ‪ ،‬والذّكاة ‪ :‬اسم المصدر ‪.‬‬
‫ومعناها إتمام الشّيء والذّبح ‪.‬‬
‫ل أكل الحيوان البرّيّ اختيارا ‪.‬‬
‫وفي الصطلح ‪ :‬هي السّبب الموصّل لح ّ‬
‫وتعرف عند الحنفيّة بأنّها السّبيل الشّرعيّة لبقاء طهارة الحيوان وحلّ أكله إن كان مأكولً ‪،‬‬
‫ل‪.‬‬
‫ل النتفاع بجلده وشعره إن كان غير مأكو ٍ‬
‫وح ّ‬
‫أثر الذّكاة في الحيوان ‪:‬‬
‫ل منهما ‪.‬‬
‫‪ - 7‬الحيوان نوعان مأكول وغير مأكولٍ وللذّكاة أثر في ك ّ‬
‫أ ‪ -‬أثر الذّكاة في الحيوان غير المأكول ‪:‬‬
‫‪ - 8‬ذهب الحنفيّة إلى أنّ الحيوان الّذي ل يؤكل ‪:‬‬
‫أولً ‪ -‬إن كان نجسا حيّا وميّتا كالخنزير لم يقبل الذّكاة ‪ ،‬لنّها إنّما تفيد بقاء الطّهر ول تقلب‬
‫النّجس طاهرا ‪.‬‬
‫ثانيا ‪ -‬وإن كان طاهرا حيّا وميّتا ‪ -‬وهو ما ليس له نفس سائلة كالنّمل والنّحل ‪ -‬فل حاجة‬
‫ن طهره باقٍ ‪.‬‬
‫إلى تذكيته ‪ ،‬ل ّ‬
‫ثالثا ‪ -‬وإن كان طاهرا في الحياة نجسا بالموت كالحمار الهليّ فهو صالح للتّذكية ولها فيه‬
‫أثران ‪ :‬الوّل ‪ :‬بقاء طهره ولول التّذكية لتنجّس بالموت ‪.‬‬
‫والثّاني ‪ :‬حلّ النتفاع بجلده وشعره دون حاجةٍ إلى دباغٍ ‪ ( .‬ر ‪ :‬نجاسة ‪ ،‬دباغ ) ‪.‬‬
‫وصرّح المالكيّة بأنّ الذّكاة ل تعمل في غير المأكول لكن يستحبّ ذكاة ما ل يؤكل إن أيس‬
‫ن ل علف فيه ‪ ،‬ول يرجى أخذ أحدٍ له ‪ ،‬وهذه الذّكاة ليست‬
‫من حياته بمرضٍ أو عمًى بمكا ٍ‬
‫بالمعنى الشّرعيّ لنّها للراحة ل للتّطهير ‪.‬‬
‫وصرّح الشّافعيّة بتحريم ذبح غير المأكول ولو لراحةٍ ‪ ،‬لكن لو اضطرّ إنسان لكله ‪ ،‬كان‬
‫ذبحه أولى من سائر أنواع القتل ‪ ،‬لنّه أسهل لخروج الرّوح ‪.‬‬
‫وقال الحنابلة ‪ :‬ل يطهر جلد غير المأكول بالذّكاة لنّها ذكاة غير مشروعةٍ ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬أثر الذّكاة في الحيوان المأكول ‪:‬‬
‫‪ - 9‬الحيوان المأكول إن كان سمكًا أو جرادًا فل حاجة إلى تذكيته ‪ ،‬لنّ ميتتهما طاهرة‬
‫حلل ‪ ،‬لما رواه ابن عمر رضي ال عنهما ‪ « :‬أحلّت لنا ميتتان ودمان ‪ ،‬فأمّا الميتتان‬
‫فالحوت والجراد ‪ ،‬وأمّا الدّمان فالكبد والطّحال » ‪.‬‬
‫ل ميتته » ‪.‬‬
‫ي صلى ال عليه وسلم في البحر ‪ « :‬هو الطّهور ماؤه الح ّ‬
‫ولقول النّب ّ‬
‫وأمّا سائر الحيوانات البحريّة غير السّمك فعند الجمهور تؤكل ولو بغير تذكيةٍ ‪ ،‬وعند الحنفيّة‬
‫ل تؤكل أصلً ولو ذكّيت ‪.‬‬
‫وسائر ما ل نفس له سائلة يؤكل عند الجمهور ولو بل تذكيةٍ ‪ ( .‬وانظر ‪ :‬أطعمة ) ‪.‬‬
‫وخالف المالكيّة فيما ليس له نفس سائلة فقالوا ‪ :‬إنّه ل يحلّ إلّ بالتّذكية ‪.‬‬
‫وإن كان الحيوان المأكول برّيّا ذا نفسٍ سائل ٍة فهو صالح للذّكاة ‪.‬‬
‫ل النتفاع بجلده وشعره دون دباغٍ ‪،‬‬
‫ولها فيه ثلثة آثارٍ ‪ :‬الوّل ‪ :‬بقاء طهره ‪ ،‬والثّاني ‪ :‬ح ّ‬
‫والثّالث ‪ :‬حلّ أكله ‪.‬‬
‫تقسيم الذّكاة ‪:‬‬
‫ن الذّكاة لها أثر في الحيوان البرّيّ الطّاهر الّذي له نفس سائلة سواء أكان مأكولً‬
‫‪ - 10‬سبق أ ّ‬
‫ل عند الجمهور ‪.‬‬
‫أو غير مأكو ٍ‬
‫ب والطّيور ‪ ،‬أو غير مقدورٍ عليه‬
‫والحيوان إمّا أن يكون مقدورا عليه كالمستأنس من الدّوا ّ‬
‫كالمستوحش منها ‪ .‬ولهذا كانت الذّكاة نوعين ‪:‬‬
‫الوّل ‪ :‬الذّبح أو النّحر على حسب نوع الحيوان إن كان مقدورا عليه ‪.‬‬
‫الثّاني ‪ :‬الصّيد بالرّمي أو بإرسال الجارحة عند امتناع الحيوان وتوحّشه بالطّيران أو العدو ‪،‬‬
‫وهو كالبدل عن الوّل ‪ ،‬إذ لم يجزه الشّارع إلّ عند العجز عنه رحمةً بالنّاس ورعايةً‬
‫لحاجاتهم ‪.‬‬
‫ومن هنا انقسمت الذّكاة إلى " اختياريّ ٍة "وهي النّوع الوّل " واضطراريّ ٍة " وهي النّوع الثّاني‪.‬‬
‫وقد انفرد الحنفيّة بتسمية هذين النّوعين بهذين السمين ‪.‬‬
‫وسمّى بعض الفقهاء النّوع الوّل ذكاة المقدور عليه ‪،‬والنّوع الثّاني ذكاة غير المقدور عليه‪.‬‬
‫ن هناك نوعا آخر من الذّكاة هو ذكاة ما ليس له نفس سائلة عند المالكيّة ‪ ،‬وبقي‬
‫ومضى أ ّ‬
‫نوع يقول به بعض الفقهاء وهو ذكاة الجنين بذكاة أمّه ‪.‬‬
‫فجملة النواع اتّفاقا واختلفا أربعة هي ‪ :‬الذّكاة الختياريّة ‪ ،‬والذّكاة الضطراريّة ‪ ،‬وذكاة ما‬
‫ليس له نفس سائلة ‪ ،‬وذكاة الجنين تبعا لمّه ‪.‬‬
‫النّوع الوّل من أنواع الذّكاة ‪:‬‬
‫الذّكاة الختياريّة ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬حقيقتها ‪:‬‬
‫‪ - 11‬حقيقة الذّكاة الختياريّة الذّبح فيما يذبح وهو ما عدا البل من الحيوانات المقدور‬
‫عليها ‪ ،‬والنّحر فيما ينحر وهو البل خاصّ ًة ‪ ،‬وتخصيص الذّكاة الختياريّة بالذّبح أو النّحر‬
‫واجب فل يجوز العدول عنها في المقدور عليه بل خلفٍ ‪.‬‬
‫قال عمر بن الخطّاب رضي ال عنه ‪ « :‬الذّكاة في الحلق والّلبّة لمن قدر ‪ ،‬وذر النفس حتّى‬
‫س قال ‪ « :‬الذّكاة في الحلق والّلبّة » ‪.‬‬
‫تزهق » ‪ .‬وعن ابن عبّا ٍ‬
‫والمقصود بالذّكاة في كلم عمر وابن عبّا سٍ ‪ -‬رضي ال عنهم ‪ -‬ذكاة المقدور عليه ‪ ،‬ل نّ‬
‫لغير المقدور عليه صفةً أخرى ذكرت في أحاديث الصّيد ‪.‬‬
‫وتخصيص البل بالنّحر وما عداها بالذّبح مستحبّ عند الحنفيّة والشّافعيّة والحنابلة ل واجب‪،‬‬
‫ن اللّه تعالى ذكر في البل النّحر ‪ ،‬وفي البقر والغنم الذّبح فقال ‪:‬‬
‫ووجه استحبابه أ ّ‬
‫حرْ } ‪ .‬وقال ‪ِ { :‬إنّ الّلهَ َي ْأ ُم ُركُمْ َأنْ َت ْذ َبحُو ْا بَ َقرَةً } ‪.‬‬
‫{ َفصَلّ ِل َر ّبكَ وَا ْن َ‬
‫عظِي ٍم } ‪ .‬والذّبح ‪ -‬بكسر الذّال ‪ -‬بمعنى المذبوح وهو الكبش الّذي‬
‫وقال ‪َ { :‬و َف َد ْينَا ُه ِب ِذبْحٍ َ‬
‫ن الصل في الذّكاة إنّما هو السهل على الحيوان ‪ ،‬وما‬
‫فدي به إسماعيل عليه السلم ‪ ،‬ول ّ‬
‫فيه نوع راحةٍ له فهو أفضل ‪ ،‬والسهل في البل النّحر لخل ّو لبّتها عن اللّحم واجتماع اللّحم‬
‫فيما سواها ‪ ،‬والبقر والغنم ونحوها جميع عنقها ل يختلف ‪.‬‬
‫وألحق الشّافعيّة بالبل سائر ما طال عنقه كالو ّز والبطّ وما قدر عليه من النّعام ‪.‬‬
‫وأوجب المالكيّة النّحر في البل لقوله تعالى ‪ { :‬فَصَلّ ِل َر ّبكَ وَا ْنحَرْ } وقاسوا على البل ما‬
‫قدر عليه من الزّرافيّ والفيلة ‪.‬‬
‫وأجازوا الذّبح والنّحر ‪ -‬مع أفضليّة الذّبح ‪ -‬في البقر لورود الذّبح فيه في قوله تعالى ‪:‬‬
‫ن عنق البقرة لمّا‬
‫{ ِإنّ الّلهَ َي ْأ ُم ُركُمْ َأنْ َت ْذ َبحُو ْا بَ َقرَةً } ‪ ،‬وأمّا النّحر فقد قيل في تعليله عندهم ‪ :‬إ ّ‬
‫كان فوق الشّاة ودون عنق البعير جاز فيها المران جميعا الذّبح والنّحر ‪ ،‬لقرب خروج الدّم‬
‫من جوفها بالذّبح ‪ ،‬والنّحر فيه أخفّ ‪ ،‬ولم يجز الذّبح في البعير لبعد خروج الدّم من جوفها‬
‫بالذّبح ‪.‬‬
‫وقاسوا عليه ما قدر عليه من بقر الوحش وحمره وخيله وبغاله ‪ ،‬وأوجبوا الذّبح فيما عدا هذه‬
‫الصناف الثّمانية ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬الحكمة في اشتراطها ‪:‬‬
‫‪ - 12‬الحكمة في اشتراط التّذكية أنّ الحرمة في الحيوان المأكول لمكان الدّم المسفوح ‪ ،‬ول‬
‫ل بالذّبح أو النّحر ‪ ،‬وأنّ الشّرع إنّما ورد بإحلل الطّيّبات خاصّ ًة قال تعالى ‪{ :‬‬
‫يزول إ ّ‬
‫حرّمُ‬
‫طيّبَاتِ َو ُي َ‬
‫ل َل ُهمُ ال ّ‬
‫ط ّيبَاتُ } وقال تعالى ‪َ { :‬و ُيحِ ّ‬
‫ل ُأحِلّ َل ُكمُ ال ّ‬
‫سأَلُو َنكَ مَاذَا ُأحِلّ َل ُهمْ قُ ْ‬
‫َي ْ‬
‫خبَآئِثَ } ‪ .‬ول يطيب إلّ بخروج الدّم وذلك بالذّبح أو النّحر ‪ ،‬ولهذا حرّمت الميتة ‪،‬‬
‫عََل ْي ِهمُ ا ْل َ‬
‫ن المحرّم وهو الدّم المسفوح فيها قائم ‪ ،‬ولذا ل يطيب مع قيامه ‪ ،‬ولهذا يفسد في أدنى مدّةٍ‬
‫لّ‬
‫ل يفسد في مثلها المذبوح ‪ ،‬وكذا المنخنقة والموقوذة والمتردّية والنّطيحة وما أكل السّبع إذا‬
‫لم تدرك حيّةً ‪ ،‬فتذبح أو تنحر ‪.‬‬
‫ومن الحكمة أيضا التّنفير عن الشّرك وأعمال المشركين ‪ ،‬وتمييز مأكول الدميّ عن مأكول‬
‫السّباع ‪ ،‬وأن يتذكّر النسان إكرام اللّه له بإباحة إزهاق روح الحيوان لكله والنتفاع به بعد‬
‫موته ‪.‬‬
‫ج ‪ -‬تقسيم الذّكاة الختياريّة ‪:‬‬
‫ح ونحرٍ ‪ ،‬ولكلّ منهما حقيقة‬
‫‪ - 13‬تنقسم الذّكاة الختياريّة ‪ -‬كما علم من حقيقتها ‪ -‬إلى ذب ٍ‬
‫وشرائط وآداب ومكروهات ‪.‬‬
‫أوّلً الذّبح ‪ :‬حقيقة الذّبح ‪:‬‬
‫‪ - 14‬حقيقة الذّبح قطع الوداج كلّها أو بعضها في الحلق على حسب اختلف المذاهب ‪.‬‬
‫ن الوداج أربعة وهي ‪ :‬الحلقوم ‪ ،‬والمريء ‪ ،‬والعرقان اللّذان يحيطان بهما‬
‫وبيان ذلك أ ّ‬
‫ويسمّيان " الودجين " ‪ .‬فإذا فرى ذلك كلّه فقد أتى بالذّكاة بكمالها ‪ .‬وإن فرى بعضا دون‬
‫بعضٍ ففيه خلف ‪.‬‬
‫فذهب الشّافعيّة والحنابلة إلى أنّه إذا قطع الحلقوم والمريء حلّ إذا استوعب قطعهما ‪ ،‬لنّ‬
‫الذّبح إزالة الحياة ‪ ،‬والحياة ل تبقى بعد قطعهما عاد ًة وقد تبقى بعد قطع الودجين إذ هما‬
‫عرقان كسائر العروق والحياة ل تبقى بعد قطع عرقين من سائر العروق ‪.‬‬
‫وقال أبو حنيفة ‪ :‬إذا قطع أكثر الوداج ‪ ،‬وهو ثلثة منها ‪ -‬أيّ ثلث ٍة كانت ‪ -‬وترك واحدا‬
‫ن للكثر حكم الجميع فيما بني على التّوسعة في أصول الشّرع ‪ ،‬والذّكاة بنيت على‬
‫حلّ ‪ ،‬ل ّ‬
‫التّوسعة حيث يكتفى فيها ببعضٍ بل خلفٍ بين الجمهور ‪ ،‬وإنّما اختلفوا في الكيفيّة فيقام‬
‫الكثر فيها مقام الجميع ‪.‬‬
‫ن كلّ واحدٍ من‬
‫وقال أبو يوسف ‪ :‬ل يحلّ حتّى يقطع الحلقوم والمريء وأحد العرقين ‪ ،‬ل ّ‬
‫العروق يقصد بقطعه غير ما يقصد به الخر ‪ ،‬إذ الحلقوم مجرى النّفس ‪ ،‬والمريء مجرى‬
‫الطّعام ‪ ،‬والودجان مجريان للدّم ‪ ،‬فإذا قطع أحدهما حصل بقطعه المقصود منهما ‪ ،‬وإذا ترك‬
‫الحلقوم أو المريء لم يحصل بقطع ما سواه المقصود من قطعه ‪.‬‬
‫ل حتّى يقطع من كلّ واحدٍ من الربعة أكثره ‪ ،‬لنّه إذا قطع الكثر من‬
‫وقال محمّد ‪ :‬ل يح ّ‬
‫كلّ واحدٍ من الربعة ‪ ،‬فقد حصل المقصود بالذّبح وهو خروج الدّم ‪ ،‬لنّه يخرج به ما يخرج‬
‫بقطع الجميع ‪.‬‬
‫وقال المالكيّة ‪ :‬إذا قطع جميع الحلقوم والودجين حلّ ‪ ،‬ول يكفي نصف الحلقوم مع جميع‬
‫ح‪.‬‬
‫الودجين على الص ّ‬
‫وفي روايةٍ عن أحمد يشترط قطع الوداج الربعة ‪ ،‬اختارها أبو بكرٍ وابن البنّا وأبو مح ّمدٍ‬
‫الجوزيّ وغيرهم ‪ ،‬وحجّتهم أنّ قطع العضاء الربعة مجمع عليه وقطع بعضها مختلف فيه‪،‬‬
‫س وأبي هريرة ‪ « :‬نهى‬
‫والصل التّحريم فل يعدل عنه إلّ بيقينٍ ‪ ،‬ويؤيّد ذلك حديث ابن عبّا ٍ‬
‫رسول اللّه صلى ال عليه وسلم عن شريطة الشّيطان » وهي الّتي تذبح فيقطع الجلد ول‬
‫تفرى الوداج ‪.‬‬
‫حكم المغلصمة ‪:‬‬
‫‪ - 15‬المغلصمة اسم مفعولٍ من قولهم ‪ :‬غلصمه إذا قطع غلصمته ‪ .‬والغلصمة هي جوزة‬
‫العنق وهي رأس الحلقوم ‪ ،‬وهي صفيحة غضروفيّة عند أصل اللّسان ‪ ،‬سرجيّة الشّكل ‪،‬‬
‫مغطّاة بغشاءٍ مخاطيّ ‪ ،‬وتنحدر إلى الخلف لتغطية فتحة الحنجرة لقفالها في أثناء البلع ‪.‬‬
‫والمراد بالمغلصمة عند الفقهاء الذّبيحة الّتي انحازت الجوزة فيها لجهة البدن ‪ ،‬بأن يميل‬
‫الذّابح يده إلى جهة الذّقن فل يقطع الجوزة بل يجعلها كلّها منحاز ًة لجهة البدن مفصولةً عن‬
‫الرّأس ‪.‬‬
‫ل أكلها ‪ ،‬وهو قول الشّافعيّة ‪ ،‬لنّ القطع‬
‫ن المغلصمة ل يح ّ‬
‫وصرّح المالكيّة في المشهور بأ ّ‬
‫حينئذٍ صار فوق الحلقوم ‪ ،‬فإنّ الذّبح لم يكن في الحلقوم وإنّما كان في الرّأس ‪.‬‬
‫وفي حاشية ابن عابدين من كتب الحنفيّة ما خلصته ‪ :‬صرّح في " الذّخيرة " بأنّ الذّبح إذا‬
‫وقع أعلى من الحلقوم ل يحلّ ‪ ،‬لنّ المذبح هو الحلقوم ‪ ،‬لكن رواية الرّستغفنيّ تخالف هذه‬
‫حيث قال ‪ :‬هذا قول العوّام وليس بمعتبرٍ ‪ ،‬فتحلّ سواء بقيت العقدة ممّا يلي الرّأس أو الصّدر‬
‫‪ ،‬لنّ المعتبر عندنا قطع أكثر الوداج وقد وجد ‪ .‬وقد شنّع التقانيّ في " غاية البيان " على‬
‫من شرط بقاء العقدة في الرّأس وقال ‪ :‬إنّه لم يلتفت إلى العقدة في كلم اللّه تعالى ول كلم‬
‫رسوله صلى ال عليه وسلم بل الذّكاة بين الّلبّة واللّحيين ‪ ،‬وقد حصلت ‪ ،‬ل سيّما على قول‬
‫المام من الكتفاء بثلثٍ من الربع أيّا كانت ‪ ،‬ويجوز ترك الحلقوم أصلً ‪ ،‬فبالولى إذا‬
‫قطع من أعله وبقيت العقدة أسفله ‪.‬‬
‫شرائط الذّبح ‪:‬‬
‫هي ثلثة أنواعٍ ‪ :‬شرائط في المذبوح ‪ ،‬وشرائط في الذّابح ‪ ،‬وشرائط في اللة ‪.‬‬
‫شرائط المذبوح ‪:‬‬
‫‪ - 16‬يشترط لصحّة الذّبح ثلث شرائط راجعة إلى المذبوح وهي ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬أن يكون حيّا وقت الذّبح ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬أن يكون زهوق روحه بمحض الذّبح ‪.‬‬
‫ل يكون صيدا حرميّا ‪.‬‬
‫ج‪-‬أّ‬
‫وزاد بعض المذاهب شرائط أخرى منها ‪:‬‬
‫د ‪ -‬ألّ يكون مختصّا بالنّحر ‪ .‬وقد صرّح بذلك المالكيّة ‪.‬‬
‫فجملة الشّرائط أربع ‪.‬‬
‫‪ - 17‬أمّا الشّريطة " الولى " وهي كونه حيّا وقت الذّبح فقد ذهب الشّافعيّة والحنابلة إلى‬
‫اشتراط الحياة المستقرّة في الذّبيح قبل الذّبح إن كان هناك سبب يحال عليه الهلك كالنخناق‬
‫والتّردّي والضّرب والنّطح وأكل السّبع وخروج المعاء ‪ ،‬فإن لم يوجد سبب يحال عليه‬
‫الهلك فإنّه يكفي وجود الحياة ولو كان الحيوان في آخر رمقٍ ‪ ،‬ومثّل الشّافعيّة لذلك بما لو‬
‫ل أن يكون مرضه بأكل نباتٍ مضرّ ‪.‬‬
‫جاع الحيوان أو مرض إ ّ‬
‫والحياة المستقرّة هي ما زادت عن حركة المذبوح سواء انتهت إلى حالٍ يعلم أنّها ل تعيش‬
‫معه أو تعيش ‪ ،‬أم لم تنته إلى هذه الحال ‪.‬‬
‫وجعل الشّافعيّة علمة الحياة المستقرّة ‪ -‬إذا لم تعلم قبل الذّبح ‪ -‬أن يتحرّك الحيوان بعد الذّبح‬
‫حرك ًة شديدةً ‪ ،‬أو ينفجر منه الدّم ‪.‬‬
‫وقريب من ذلك ما قاله أبو يوسف ومحمّد ‪ " :‬ل يكتفى بقيام أصل الحياة بل ل بدّ من الحياة‬
‫المستقرّة " ‪ .‬وروي عن أبي يوسف في بيان الستقرار روايتان ‪ :‬إحداهما أن يعلم أنّ‬
‫المذبوح يعيش لو لم يذبح ‪ ،‬والثّانية أن يكون له من الحياة مقدار ما يعيش به نصف يومٍ ‪.‬‬
‫وروي عن مح ّمدٍ في بيان الستقرار أن يعلم أنّه يبقى من حياة ما يراد ذبحه أكثر ممّا يبقى‬
‫من حياة المذبوح ‪.‬‬
‫ن على قول مح ّمدٍ إن لم يبق معه إلّ الضطراب‬
‫وذكر الطّحاويّ قول محمّدٍ مفسّرا فقال ‪ :‬إ ّ‬
‫ل‪.‬‬
‫للموت فذبحه فإنّه ل يحلّ ‪ ،‬وإن كان يعيش مدّ ًة كاليوم أو كنصفه ح ّ‬
‫وإنّما اشترط أبو يوسف ومحمّد استقرار الحياة لنّه إذا لم تكن للمذبوح حياة مستقرّة كان في‬
‫معنى الميتة فل تلحقه الذّكاة كالميّتة حقيق ًة ‪.‬‬
‫وقال المالكيّة ‪ :‬إن لم يحدث بالحيوان ما يقتضي اليأس من بقاء حياته كفى في حلّه التّحرّك‬
‫ل منهما قويّا ‪.‬‬
‫بعد الذّبح أو سيلن الدّم ‪ ،‬وإن لم يكن ك ّ‬
‫ق عنقٍ‬
‫ب ‪ ،‬أو د ّ‬
‫خ بعش ٍ‬
‫وإن حدث به ما يقتضي اليأس من بقاء حياته كإخفاء مرضه ‪ ،‬أو انتفا ٍ‬
‫ل بشريطتين ‪:‬‬
‫‪ ،‬أو سقوطٍ من شاهقٍ ‪ ،‬أو غير ذلك ح ّ‬
‫ألّ ينفذ بذلك مقتل منه قبل الذّبح ‪ ،‬وأن يكون قويّ الحركة مع الذّبح أو بعده ‪ ،‬أو يشخب منه‬
‫الدّم بعد الذّبح أي يخرج بق ّوةٍ ‪.‬‬
‫ونفاذ المقتل يكون عندهم بواحدٍ من خمسة أمورٍ ‪:‬‬
‫ل‪.‬‬
‫أوّلها ‪ :‬قطع النّخاع ‪ ،‬وأمّا كسر الصّلب فليس بمقت ٍ‬
‫ثانيها ‪ :‬قطع ودجٍ ‪ ،‬وأمّا شقّه بل قط ٍع ففيه قولن ‪.‬‬
‫ثالثها ‪ :‬نثر دماغٍ وهو ما تحويه الجمجمة ‪ ،‬وأمّا شرخ الرّأس أو خرق خريطة الدّماغ بل‬
‫انتشارٍ فليس بمقتلٍ ‪.‬‬
‫رابعها ‪ :‬نثر حشو ٍة وهي ما حواه البطن من قلبٍ وكبدٍ وطحالٍ وكليةٍ وأمعاءٍ أي إزالة ما‬
‫ذكر عن موضعه بحيث ل يمكن إعادته إلى موضعه ‪.‬‬
‫ن وجمع الجمع مصارين ‪ -‬وأمّا ثقب‬
‫خامسها ‪ :‬ثقب مصيرٍ ‪ -‬وهو المعى ويجمع على مصرا ٍ‬
‫الكرش فليس بمقتلٍ فالبهيمة المنتفخة إذا ذبحت فوجدت مثقوبة الكرش تؤكل على المعتمد ‪.‬‬
‫وذهب أبو حنيفة إلى أنّه يكفي قيام أصل الحياة قلّت أو كثرت ‪ ،‬لنّه إذا ذبح في هذه الحالة‬
‫فقد صار مذكّى ودخل تحت النّصّ وهو ‪ :‬قوله تعالى { إلّ مَا َذ ّك ْي ُتمْ } فإن علمت حياة‬
‫المذبوح قبل الذّبح لم يشترط بعد الذّبح تحرّك ول خروج دمٍ ‪ ،‬وإن لم تعلم كأن كان المذبوح‬
‫مريضا أو منخنقا أو نطيحا أو نحو ذلك وشككنا في حياته فذبحناه فتحرّك أوخرج منه الدّم‬
‫كان هذا علم ًة على الحياة فيحلّ ‪ ،‬والمراد بالحركة الحركة الّتي تدلّ على الحياة قبل الذّبح ‪،‬‬
‫ومنها ضمّ الفم وض ّم العين وقبض الرّجل وقيام الشّعر ‪ ،‬بخلف فتح الفم أو العين وم ّد الرّجل‬
‫ل على سبق الحياة ‪ ،‬والمراد بخروج الدّم سيلنه على الهيئة الّتي يسيل‬
‫ونوم الشّعر فهي ل تد ّ‬
‫بها دم الحيّ بعد ذبحه وهذا هو المختار للفتوى عند الحنفيّة ‪.‬‬
‫وقيل ‪ :‬الكتفاء بأصل الحياة ‪ ،‬وهو رواية عن أحمد اختارها ابن تيميّة ‪ ،‬لكن ظاهر كلمه‬
‫اشتراط خروج الدّم ‪ ،‬فإنّه قال ‪ :‬متى ذبح الحيوان فخرج منه الدّم الحمر الّذي يخرج من‬
‫المذكّى المذبوح في العادة ليس هو دم الميّت فإنّه يحلّ أكله وإن لم يتحرّك ‪.‬‬
‫‪ - 18‬وأمّا الشّريطة " الثّانية " وهي ‪ :‬أن يكون زهوق روحه بمحض الذّبح ‪ :‬فهي مأخوذة‬
‫من قول صاحب " البدائع " ‪ :‬ذكر ابن سماعة في نوادره عن أبي يوسف ‪ :‬لو أنّ رجلًا قطع‬
‫ن رجلً فرى أوداجها والرّأس يتحرّك ‪ ،‬أو شقّ رجل بطنها فأخرج ما في‬
‫شاةً نصفين ثمّ إ ّ‬
‫جوفها وفرى رجل آخر الوداج فإنّ هذا ل يؤكل لنّ الفعل الوّل قاتل ‪ ،‬وذكر القدوريّ أنّ‬
‫هذا على وجهين ‪ :‬إن كانت الضّربة ممّا يلي العجز لم تؤكل الشّاة ‪ ،‬وإن كانت ممّا يلي‬
‫الرّأس أكلت ‪ ،‬لنّ العروق المشروطة في الذّبح متّصلة من القلب إلى الدّماغ ‪ ،‬فإذا كانت‬
‫الضّربة ممّا يلي الرّأس فقد قطعها فحلّت ‪ ،‬وإن كانت ممّا يلي العجز فلم يقطعها فلم تحلّ ‪.‬‬
‫وصرّح المالكيّة والشّافعيّة بما يفيد اشتراط هذه الشّريطة ‪ ،‬ومثّل له الشّافعيّة بما لو اقترن‬
‫بذبح الشّاة مثلً نزع الحشوة ‪ ،‬أو نخس الخاصرة ‪ ،‬أو القطع من القفا فل تحلّ الشّاة لجتماع‬
‫مبيحٍ ومح ّرمٍ فيغلّب المحرّم ‪.‬‬
‫ن سائر المذاهب ل يخالف في هذه الشّريطة ‪ ،‬لنّها مبنيّة على قاعد ٍة ل خلف فيها‬
‫والظّاهر أ ّ‬
‫وهي تغليب المحرّم على المبيح عند اجتماعهما ‪ ،‬بل إنّ الحنابلة زادوا على ذلك أنّه لو حدث‬
‫بعد الذّبح وقبل الموت ما يعين على الهلك حرّمت الذّبيحة ‪ ،‬ففي " المقنع وحاشيته " من‬
‫كتب الحنابلة ما خلصته أنّه إذا ذبح الحيوان ثمّ غرق أو وطئ عليه شيء يقتله مثله ففيه‬
‫روايتان عن أحمد ‪:‬‬
‫إحداهما ‪ :‬ل يحلّ ‪ ،‬وهو المذهب لقوله صلى ال عليه وسلم في حديث عديّ بن حاتمٍ في‬
‫الصّيد ‪ « :‬إن وقع في الماء فل تأكل » ‪.‬‬
‫ولقول ابن مسعو ٍد رضي ال عنه من رمى طائرا فوقع في ما ٍء فغرق فيه فل يأكله ‪.‬‬
‫ن الغرق سبب يقتل فإذا اجتمع ما يبيح وما يحرّم غلّب التّحريم ‪.‬‬
‫ول ّ‬
‫والثّانية ‪ :‬أنّه يحلّ ‪ ،‬وبه قال أكثر المتأخّرين من الحنابلة ‪ ،‬لنّها إذا ذبحت صارت مذكّاةً‬
‫حللً ‪ ،‬فل يضرّها ما يحدث لها بعد التّذكية وقبل تمام خروج الرّوح ‪.‬‬
‫ح فتحرم الذّبيحة ‪ ،‬أو ل يعتبر ‪،‬‬
‫وهل الذّبح بآلةٍ مسموم ٍة يعتبر من قبيل اقتران محرّمٍ ومبي ٍ‬
‫سمّ إنّما يكون بعد تمام الذّبح ؟ ‪ .‬صرّح المالكيّة والشّافعيّة بالثّاني ‪.‬‬
‫ن سريان ال ّ‬
‫لّ‬
‫سمّ أعان على الهلك فالذّبيحة حرام ‪ ،‬وإلّفل‪.‬‬
‫ن ال ّ‬
‫وفصّل الحنابلة فقالوا ‪:‬إذا غلب على ظنّه أ ّ‬
‫‪ - 19‬وأمّا الشّريطة " الثّالثة " ‪ - :‬وهي ألّ يكون المذبوح صيدا حرميّا ‪ : -‬فإنّ التّعرّض‬
‫لصيد الحرم بالقتل والدّللة والشارة محرّم ‪ ،‬حقّا للّه تعالى ‪.‬‬
‫ن حَوِْل ِهمْ } ‪.‬‬
‫طفُ النّاسُ مِ ْ‬
‫ح َرمًا آ ِمنًا َو ُي َتخَ ّ‬
‫جعَ ْلنَا َ‬
‫قال تعالى ‪ { :‬أَوََلمْ َيرَوْا َأنّا َ‬
‫وقال النّبيّ صلى ال عليه وسلم في صفة مكّة « فل ينفّر صيدها » ‪.‬‬
‫والفعل في المحرّم شرعا ل يكون ذكاةً ‪ ،‬وسواء أكان مولده الحرم أم دخل من الحلّ إليه ‪،‬‬
‫لنّه يضاف إلى الحرم في الحالين ‪ ،‬فيكون صيد الحرم ‪ ،‬فإن ذبح صيد الحرم كان ميتةً‬
‫سواء أكان الذّابح محرما أم حللً ‪.‬‬
‫ولزيادة التّفصيل انظر مصطلح ‪ ( :‬حجّ ‪ ،‬وحرم ‪ ،‬وإحرام ) ‪.‬‬
‫‪ - 20‬وأمّا الشّريطة " الرّابعة " ‪ :‬الّتي زادها المالكيّة ‪ -‬وهي ألّ يكون المذبوح مختصّا‬
‫ص بالنّحر ‪ -‬وقد سبق اختلفهم فيه ‪ -‬يحرم فيه‬
‫ن الحيوان المخت ّ‬
‫بالنّحر ‪ -‬فخلصتها أ ّ‬
‫العدول عن النّحر إلى الذّبح لغير ضرور ٍة ‪ ،‬ويصير المذبوح حينئذٍ ميتةً ‪ .‬فلو كان العدول‬
‫لضرور ٍة كفقد اللة الصّالحة للنّحر ‪ ،‬وكالوقوع في حفرةٍ ‪ ،‬واستعصاء الحيوان لم يحرم ولم‬
‫تحرم الذّبيحة ‪.‬‬
‫وخالف سائر المذاهب في هذه الشّريطة ‪ ،‬فجوّزوا العدول بكراه ٍة أو بل كراه ٍة كما يأتي في‬
‫مكروهات الذّبح ‪.‬‬
‫شرائط الذّابح ‪:‬‬
‫‪ - 21‬يشترط لصحّة الذّبح في الجملة شرائط راجعة إلى الذّابح وهي ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬أن يكون عاقلً ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬أن يكون مسلما أو كتابيّا ‪.‬‬
‫ج ‪ -‬أن يكون حللً إذا ذبح صيد البرّ ‪.‬‬
‫د ‪ -‬أن يسمّي اللّه تعالى على الذّبيحة عند التّذكّر والقدرة ‪.‬‬
‫ل بالذّبح لغير اللّه تعالى ‪ ،‬وزاد المالكيّة ‪:‬‬
‫هـ ‪ -‬ألّ يه ّ‬
‫و ‪ -‬أن يقطع من مقدّم العنق ‪.‬‬
‫ل يرفع يده قبل تمام التّذكية ‪.‬‬
‫ز‪ -‬أ ّ‬
‫ح ‪ -‬أن ينوي التّذكية ‪.‬‬
‫ل أو امرأةً بالغا أو غير بالغٍ إذا كان‬
‫‪ - 22‬الشّريطة الولى ‪ :‬أن يكون عاقلً سواء كان رج ً‬
‫مميّزا وهذا عند الجمهور " الحنفيّة والمالكيّة والحنابلة ‪ ،‬وهو قول للشّافعيّة " ‪.‬‬
‫ن صحّة القصد إلى التّسمية عند الذّبح ل ب ّد منها ‪ ،‬وذلك بأن‬
‫وعلّل الحنفيّة اشتراط العقل بأ ّ‬
‫يكون الذّابح متمكّنا من قصد التّسمية ‪ ،‬وإن لم يكن قصدها واجبا ‪ ،‬ول تتحقّق صحّة التّسمية‬
‫ممّن ل يعمل ‪ ،‬فل تؤكل ذبيحة المجنون والصّبيّ الّذي ل يعقل ‪ ،‬والسّكران الّذي ل يعقل ‪،‬‬
‫ي والسّكران والمعتوه الّذين يعقلون الذّبح ويقدرون عليه فتؤكل ذبيحتهم ‪.‬‬
‫أمّا الصّب ّ‬
‫ووجّه ابن قدامة الشتراط بأنّ غير العاقل ل يصحّ منه القصد إلى الذّبح ‪.‬‬
‫والظهر عند الشّافعيّة حلّ ذبيحة الصّبيّ غير المميّز ‪ ،‬والمجنون والسّكران مع الكراهة ‪-‬‬
‫ل فلنّ لهم قصدًا في الجملة ‪ ،‬وأمّا الكراهة فلنّهم قد يخطئون الذّبح‪،‬‬
‫بخلف النّائم ‪ -‬أمّا الح ّ‬
‫وإنّما حرّمت ذبيحة ( النّائم ) لنّه ل يتصوّر له قصد ‪.‬‬
‫‪ - 23‬الشّريطة الثّانية ‪ :‬أن يكون مسلما أو كتابيّا فل تحلّ ذبيحة الوثنيّ والمجوسيّ وهذا‬
‫متّفق عليه ‪.‬‬
‫ن المشرك يهلّل‬
‫ن غير المسلم والكتابيّ ل يخلص ذكر اسم اللّه ‪ ،‬وذلك أ ّ‬
‫ووجه اشتراطها أ ّ‬
‫خنْزِيرِ‬
‫حمُ ا ْل ِ‬
‫حرّمَتْ عََل ْي ُكمُ ا ْل َم ْيتَةُ وَا ْل ّدمُ وََل ْ‬
‫غير اللّه أو يذبح على النّصب ‪ .‬وقد قال تعالى ‪ُ { :‬‬
‫ل مَا َذ ّك ْيتُمْ َومَا‬
‫سبُعُ ِإ ّ‬
‫خنِ َقةُ وَا ْلمَ ْوقُوذَةُ وَا ْل ُم َت َر ّديَةُ وَال ّنطِيحَةُ َومَا َأكَلَ ال ّ‬
‫َومَا أُ ِهلّ ِل َغ ْيرِ اللّ ِه بِهِ وَا ْل ُم ْن َ‬
‫ُذبِحَ عَلَى الّنصُبِ } ‪ .‬والمجوسيّ ل يذكر اسم اللّه على الذّبيحة ‪.‬‬
‫وقد قال عليه الصلة والسلم في المجوس ‪ « :‬سنّوا بهم سنّة أهل الكتاب غير ناكحي نسائهم‬
‫ول آكلي ذبائحهم » ‪.‬‬
‫والمرتدّ ‪ -‬ولو لديـن أهـل كتابٍـ ‪ -‬ل يقرّ على الدّيـن الّذي انتقـل إليـه فهـو فـي هذه المسـألة‬
‫كالوثن يّ ‪ ،‬فإن كان المرتدّ غلما مراهقا لم تؤكل ذبيحته عند أبي حنيفة ومح ّمدٍ بناءً على أ نّ‬
‫ن ردّته غير معتبرةٍ ‪.‬‬
‫ردّته معتبرة ‪ ،‬وعند أبي يوسف تؤكل بناءً على أ ّ‬
‫ل ّل ُكمْ } ‪.‬‬
‫ن أُوتُواْ ا ْل ِكتَابَ حِ ّ‬
‫طعَامُ اّلذِي َ‬
‫وإنّما حلّت ذبيحة أهل الكتاب لقوله تعالى ‪َ { :‬و َ‬
‫والمراد مـن طعامهـم ذبائحهـم ‪ ،‬إذ لو لم يكـن المراد ذلك لم يكـن للتّخصـيص بأهـل الكتاب‬
‫ن الطّعام غير مخت صّ‬
‫معنىً‪ ،‬ل نّ غير الذّبائح من أطعمة سائر الكفرة مأكول ‪ ،‬ولو فرض أ ّ‬
‫بالذّبائح فهو اسم لما يتطعّم ‪ ،‬والذّبائح ممّا يتطعّم ‪ ،‬فيدخل تحت اسم الطّعام فيحلّ لنا أكلها ‪.‬‬
‫من هو الكتابيّ ‪:‬‬
‫ل منهما أو حربيّا ‪،‬‬
‫‪ - 24‬المقصود بالكتابيّ في باب الذّبائح اليهوديّ والنّصرانيّ ذ ّميّا كان ك ّ‬
‫ذكرا أو أنثى ‪ ،‬حرّا أورقيقا ‪ ،‬ل المجوسيّ ‪.‬‬
‫ل يعلم دخول أوّل آبائهم في الدّين بعد بعثةٍ‬
‫واشترط الشّافعيّة في كلّ من اليهود والنّصارى أ ّ‬
‫ناسخ ٍة ‪ ،‬فاليهوديّ الّذي علمنا دخول أوّل آبائه في اليهوديّة بعد بعثة المسيح عليه السلم ل‬
‫تحلّ ذبيحته ‪ ،‬والنّصرانيّ الّذي علمنا دخول أوّل آبائه في المسيحيّة بعد بعثة النّبيّ صلى ال‬
‫ل فيكون‬
‫عليه وسلم ل تحلّ ذبيحته ‪ ،‬لنّ الدّخول في الدّين بعد البعثة النّاسخة له غير مقبو ٍ‬
‫كال ّردّة ‪.‬‬
‫وقال ابن تيميّة ‪ :‬إنّ كون الرّجل كتابيّا أو غير كتابيّ هو حكم يستفيده بنفسه ل بنسبه ‪ ،‬فكلّ‬
‫من تديّن بدين أهل الكتاب فهو منهم ‪ ،‬سواء كان أبوه أو جدّه قد دخل في دينهم أم لم يدخل‪،‬‬
‫وسواء أكان دخوله بعد النّسخ والتّبديل أم قبل ذلك ‪ ،‬وهو المنصوص الصّريح عن أحمد ‪.‬‬
‫حكم ذبائح الصّابئة والسّامرة ‪:‬‬
‫‪ - 25‬تؤكل ذبائح الصّابئة في قول أبي حنيفة وعند أبي يوسف ومح ّمدٍ ل تؤكل ‪.‬‬
‫فعند أبي حنيفة أنّهم قوم يؤمنون بكتابٍ ‪ ،‬فإنّهم يقرءون الزّبور ول يعبدون الكواكب ولكن‬
‫يعظّمونها كتعظيم المسلمين الكعبة في الستقبال إليها ‪ ،‬إلّ أنّهم يخالفون غيرهم من أهل‬
‫الكتاب في بعض دياناتهم ‪ ،‬وهذا ل يمنع المناكحة كاليهود مع النّصارى ‪ ،‬فل يمنع حلّ‬
‫الذّبيحة ‪.‬‬
‫وعند أبي يوسف ومح ّمدٍ أنّهم قوم يعبدون الكواكب " وعابد الكواكب كعابد الوثن " فل يجوز‬
‫للمسلمين مناكحتهم ول أكل ذبائحهم ‪.‬‬
‫وفرّق المالكيّة بين السّامرة والصّابئة فأحلّوا ذبائح السّامرة ‪ ،‬لنّ مخالفتهم لليهود ليست كبيرةً‬
‫‪ ،‬وحرّموا ذبائح الصّابئة لعظم مخالفتهم للنّصارى ‪.‬‬
‫ن الصّابئة فرقة من النّصارى ‪ ،‬والسّامرة فرقة من اليهود وتؤكل ذبائح‬
‫وقال الشّافعيّة ‪ :‬إ ّ‬
‫الصّابئة إن لم تكفّرهم النّصارى ولم يخالفوهم في أصول دينهم ‪ ،‬وتؤكل ذبائح السّامرة إن لم‬
‫تكفّرهم اليهود ولم يخالفوهم في أصول دينهم ‪.‬‬
‫وقال ابن قدامة ‪ :‬الصّحيح أنّه ينظر في الصّابئة ‪ ،‬فإن كانوا يوافقون أحد أهل الكتابين في‬
‫نبيّهم وكتابهم فهم منهم ‪ ،‬وإن خالفوهم في ذلك فليسوا من أهل الكتاب ‪.‬‬
‫حكم ذبائح نصارى بني تغلب ‪:‬‬
‫ل ذبائحهم ‪ ،‬لنّهم على دين‬
‫‪ - 26‬يستوي نصارى بني تغلب مع سائر النّصارى في ح ّ‬
‫النّصارى ‪ ،‬إلّ أنّهم نصارى العرب فيتناولهم عموم الية الشّريفة ‪.‬‬
‫ن عليّا ‪ -‬رضي ال عنه ‪ -‬قال ‪ :‬ل تؤكل ذبائح نصارى العرب‬
‫وحكى صاحب " البدائع " أ ّ‬
‫ن ا ْل ِكتَابَ ِإلّ َأمَا ِنيّ }‪،‬‬
‫ل َيعَْلمُو َ‬
‫لنّهم ليسوا بأهل الكتاب ‪ ،‬وقرأ قوله عزّ وجلّ { َو ِم ْن ُهمْ ُأ ّميّونَ َ‬
‫س ‪ -‬رضي ال عنهما ‪ -‬قال ‪ :‬تؤكل ‪ ،‬وقرأ { َومَن َيتَوَّلهُم مّنكُ ْم فَِإنّ ُه ِم ْنهُمْ } ‪.‬‬
‫وأنّ ابن عبّا ٍ‬
‫وينظر مصطلح ‪ ( :‬جزية ) ‪.‬‬
‫حكم من انتقل إلى دين أهل الكتاب أو غيرهم ‪:‬‬
‫ن غير أهل الكتاب من الكفرة ل تؤكل ذبيحته ‪ ،‬لنّه لم يصر‬
‫‪ - 27‬إذا انتقل الكتابيّ إلى دي ٍ‬
‫كتابيّا ‪ ،‬وهذا ل خلف فيه ‪.‬‬
‫وإذا انتقل الكتابيّ من دينه إلى دين أهل كتابٍ آخرين كيهوديّ تنصّر أكلت ذبيحته ‪ ،‬وكذا لو‬
‫انتقل غير الكتابيّ من الكفرة إلى دين أهل الكتاب فإنّه تؤكل ذبيحته ‪.‬‬
‫ن المجوسيّ إذا تنصّر أو تهوّد يقرّ على‬
‫ووافق المالكيّة على هذا الخير حيث صرّحوا بأ ّ‬
‫الدّين المنتقل إليه ويصير له حكم أهل الكتاب من أكل ذبيحته وغيره من الحكام ‪.‬‬
‫ل ذبيحته ول ذبيحة ذ ّريّته‬
‫وقال الشّافعيّة ‪ :‬من انتقل إلى دين أهل كتابٍ بعد بعث ٍة ناسخ ٍة ل تح ّ‬
‫من بعده ‪.‬‬
‫حكم المتولّد بين كتابيّ وغير كتابيّ ‪:‬‬
‫‪ - 28‬ذهب الحنفيّة والحنابلة في إحدى الرّوايتين إلى أنّ المولود بين كتابيّ وغير كتابيّ‬
‫تؤكل ذبيحته أيّهما كان الكتابيّ الب أو المّ ‪.‬‬
‫وقال المالكيّة ‪ :‬يعتبر الب فإن كان كتابيّا تؤكل وإلّ فل ‪ ،‬هذا إذا كان أبا شرعيّا بخلف‬
‫ن المتولّد ل يتبعه وإنّما يتبع المّ ‪.‬‬
‫الزّاني فإ ّ‬
‫وقال الشّافعيّة ‪ :‬ل تؤكل ذبيحة المتولّد مطلقا ‪ ،‬لنّه يتبع أخسّ الصلين احتياطا ‪ .‬وهي‬
‫رواية عن أحمد ‪.‬‬
‫شرائط حلّ ذبيحة الكتابيّ ‪:‬‬
‫‪ - 29‬قال الحنفيّة ‪ :‬إنّما تؤكل ذبيحة الكتابيّ إذا لم يشهد ذبحه ‪ ،‬ولم يسمع منه شيء ‪ ،‬أو‬
‫شهد وسمع منه تسمية اللّه تعالى وحده ‪ ،‬لنّه إذا لم يسمع منه شيء يحمل على أنّه قد سمّى‬
‫ن به كما بالمسلم ‪.‬‬
‫اللّه تعالى ‪ ،‬وجرّد التّسمية تحسينا للظّ ّ‬
‫وإن سمع منه ذكر اسم اللّه تعالى لكنّه عنى به ‪ -‬عزّ وجلّ ‪ -‬المسيح عليه السلم تؤكل ‪،‬‬
‫لنّه أظهر تسميةً هي تسمية المسلمين إلّ إذا نصّ فقال مثلً ‪ :‬بسم اللّه الّذي هو ثالث ثلثةٍ‪،‬‬
‫فل تحلّ ‪ ،‬وإذا سمع منه أن سمّى المسيح وحده أو سمّى اللّه تعالى والمسيح ل تؤكل ذبيحته‬
‫ل لغير اللّه به فل يؤكل ‪.‬‬
‫لقوله عزّ وجلّ ‪َ { :‬ومَا أُ ِهلّ ِل َغ ْيرِ اللّ ِه بِهِ } ‪ .‬وهذا أه ّ‬
‫ي إذا لم نعلم أنّه أهّل به لغير اللّه كما هو الشّأن في المسلم‪.‬‬
‫ل ذبيحة الكتاب ّ‬
‫وقال الشّافعيّة ‪:‬تح ّ‬
‫وقال المالكيّة ‪ :‬يشترط في ذبيحة الكتابيّ ثلث شرائط ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬أن يذبح ما يحلّ له بشرعنا من غنمٍ وبقرٍ وغيرهما إذا ذبح لنفسه ‪ -‬أي ذبح ما يملكه‪-‬‬
‫وخرج بذلك ما لو ذبح اليهوديّ لنفسه حيوانا ذا ظفرٍ ‪ ،‬وهو ما له جلدة بين أصابعه كالبل‬
‫والوزّ فل يحلّ لنا أكله ‪.‬‬
‫وبهذا قال الحنابلة في أحد وجهين ‪ .‬لكنّهم لم يقيّدوا المسألة بكون اليهوديّ ذبح لنفسه بل قالوا‬
‫‪ :‬لو ذبح اليهوديّ ذا ظفرٍ لم يحلّ لنا في أحد وجهين عن أحمد ‪.‬‬
‫والوجه الثّاني عدم التّحريم وهو الرّاجح عندهم ‪.‬‬
‫قال المالكيّة ‪ :‬فإن ذبح لمسلمٍ بأمره ففيه قولن ‪ :‬أرجحهما عند ابن عرفة التّحريم ‪ -‬كما‬
‫ذكره العدويّ على الخرشيّ ‪ -‬سواء أكان ممّا يحرّم عليه أم ل ‪ .‬وفي " الشّرح الصّغير " ‪:‬‬
‫الرّاجح الكراهة ‪.‬‬
‫ي ‪ -‬لنّه لمّا أقدم على ذبحه‬
‫ل ‪ -‬كما قرّره العدو ّ‬
‫فإن ذبح لمسلمٍ من غير أمره فالظّاهر الح ّ‬
‫الموجب لغرمه يصير كالمملوك له ‪.‬‬
‫ل لهما حلّ لنا ‪ ،‬أو ما يحرم عليهما حرم علينا ‪ ،‬أو ما‬
‫وإن ذبح الكتابيّ لكتابيّ آخر ما يح ّ‬
‫يحلّ لحدهما ويحرم على الخر ‪ .‬فالظّاهر اعتبار حال الذّابح ‪.‬‬
‫ل يذكر عليه اسم غير اللّه ‪ ،‬فإن ذكر عليه اسم غير اللّه كأن قال ‪ :‬باسم المسيح أو‬
‫ب‪-‬أّ‬
‫العذراء أوالصّنم لم يؤكل ‪ ،‬بخلف ما لو ذبحوا لنفسهم ذبيحةً بقصد أكلهم منها ولو في‬
‫أعيادهم وأفراحهم ‪ ،‬وقصدوا التّقرّب بها لعيسى عليه السلم أوالصّليب من غير ذكر اسميهما‬
‫فإنّه يحلّ لنا أكلها مع الكراهة ‪.‬‬
‫وبالحلّ في هذه الحالة قال أحمد في أرجح الرّوايتين عنه وهي الرّواية الّتي اختارها أكثر‬
‫أصحابه ‪ ،‬لما روي عن العرباض بن سارية رضي ال عنه أنّه سئل عنه فقال ‪ :‬كلوا‬
‫وأطعموني رواه سعيد ‪ ،‬وعن أبي أمامة وأبي الدّرداء كذلك رواهما سعيد ‪ ،‬ورخّص فيه‬
‫طعَامُ اّلذِينَ أُوتُو ْا ا ْل ِكتَابَ حِلّ‬
‫عمرو بن السود ومكحول وضمرة بن حبيبٍ لقوله تعالى ‪َ { :‬و َ‬
‫ّل ُكمْ } وهذا من طعامهم ‪.‬‬
‫وفي روايةٍ عن أحمد أنّه يحرم وإن ذكر اسم اللّه عليه ‪.‬‬
‫واختار ذلك الشّيخ تقيّ الدّين وابن عقيلٍ وهو قول ميمون بن مهران ‪.‬‬
‫وقيل ‪ :‬إن ذكر في هذه الصّورة اسم عيسى عليه السلم أوالصّليب ل يضرّ ‪ ،‬وإنّما الّذي‬
‫ل به لغير اللّه ‪.‬‬
‫يضرّ إخراجه قرب ًة لذات غير اللّه لنّه الّذي أه ّ‬
‫ل يغيب حال ذبحه عنّا إن كان ممّن يستحلّ الميتة ‪ ،‬إذ ل بدّ من حضور مسلمٍ عارفٍ‬
‫ج‪-‬أّ‬
‫بالذّكاة الشّرعيّة خوفا من كونه قتلها أونخعها أوسمّى عليها غير اللّه ‪.‬‬
‫ول تشترط عندهم في الكتابيّ تسمية اللّه تعالى بخلف المسلم ‪.‬‬
‫ل إذا أراد ذبح صيد البرّ ‪ ،‬وهو الوحش‬
‫‪ - 30‬الشّريطة الثّالثة ‪ :‬عند الجمهور أن يكون حل ً‬
‫طيرا كان أو دابّ ًة ‪.‬‬
‫ح ‪ ،‬أم‬
‫فالمحرم يحرم عليه أن يتعرّض للصّيد الب ّريّ سواء أكان التّعرّض باصطيادٍ ‪ ،‬أم ذب ٍ‬
‫قتلٍ‪ ،‬أم غيرها ‪ ،‬ومحرّم عليه أيضًا أن يدلّ الحلل على صيد الب ّر أو يأمر به أو يشير إليه ‪،‬‬
‫فما ذبحه المحرم من صيد البرّ ميتة ‪ ،‬وكذا ما ذبحه الحلل بدللة المحرم أو إشارته ‪.‬‬
‫ص ْيدُ‬
‫ح ُرمٌ } وقال تعالى ‪ُ { :‬أحِلّ َل ُكمْ َ‬
‫ص ْيدَ وَأَن ُتمْ ُ‬
‫ن آ َمنُو ْا لَ تَ ْقتُلُو ْا ال ّ‬
‫قال تعالى ‪ { :‬يَا َأ ّيهَا اّلذِي َ‬
‫حرُما } ‪.‬‬
‫حرّمَ عََل ْي ُكمْ صَ ْيدُ ا ْل َبرّ مَا ُدمْ ُتمْ ُ‬
‫سيّارَةِ َو ُ‬
‫طعَامُهُ َمتَاعًا ّل ُكمْ وَلِل ّ‬
‫ا ْل َبحْرِ َو َ‬
‫وخرج بالصّيد ‪ :‬المستأنس كالدّجاج والغنم والبل ‪ ،‬فللمحرم أن يذكّيها ‪ ،‬لنّ التّحريم‬
‫مخصوص بالصّيد أي بما شأنه أن يصاد وهو الوحش فبقي غيره على عموم الباحة ‪ .‬وعلى‬
‫هذا اتّفق جميع المذاهب ‪.‬‬
‫‪ - 31‬الشّريطة الرّابعة ‪ :‬ذهب الجمهور إلى اشتراط تسمية اللّه تعالى عند التّذكّر والقدرة ‪.‬‬
‫فمن تعمّد تركها وهو قادر على النّطق بها ل تؤكل ذبيحته ‪ -‬مسلما كان أو كتابيّا ‪ -‬ومن‬
‫نسيها أو كان أخرس أكلت ذبيحته ‪.‬‬
‫وذلك لقوله تعالى ‪َ { :‬ولَ َت ْأكُلُو ْا ِممّا َلمْ ُي ْذ َكرِ اسْ ُم اللّهِ عََليْهِ وَِإنّهُ َل ِفسْقٌ } ‪.‬‬
‫نهى سبحانه عن أكل متروك التّسمية وسمّاه فسقا ‪ ،‬والمقصود ما تركت التّسمية عليه عمدا‬
‫مع القدرة ‪ ،‬لما روي عن ابن عبّاسٍ « أنّ النّبيّ صلى ال عليه وسلم قال ‪ :‬المسلم يكفيه‬
‫اسمه ‪ ،‬فإن نسي أن يسمّي حين يذبح فليسمّ وليذكر اسم اللّه ثمّ ليأكل » ويقاس على المسلم ‪-‬‬
‫ن اللّه تعالى أباح لنا طعام الّذين أوتوا الكتاب فيشترط فيهم ما‬
‫في الحديث ‪ -‬الكتابيّ ‪ ،‬ل ّ‬
‫يشترط فينا ‪.‬‬
‫ن التّسمية مستحبّة ووافقهم ابن رشدٍ من المالكيّة وهي رواية عن أحمد‬
‫وذهب الشّافعيّة إلى أ ّ‬
‫مخالفة للمشهور لكن اختارها أبو بكرٍ ‪ -‬لنّ اللّه تعالى أباح لنا ذبائح أهل الكتاب بقوله تعالى‬
‫ل ّل ُكمْ } وهم ل يذكرونها ‪ ،‬وأمّا قوله تعالى ‪َ { :‬ولَ َت ْأكُلُو ْا ِممّا‬
‫ن أُوتُواْ ا ْل ِكتَابَ حِ ّ‬
‫طعَامُ اّلذِي َ‬
‫{ َو َ‬
‫َلمْ ُي ْذكَ ِر اسْمُ الّلهِ عََليْهِ وَِإنّهُ َل ِفسْقٌ } ‪ ،‬ففيه تأويلن ‪:‬‬
‫أحدهما ‪ :‬أنّ المراد ما ذكر عليه اسم غير اللّه ‪ ،‬يعني ما ذبح للصنام بدليل قوله تعالى ‪{ :‬‬
‫سقٌ } والحالة الّتي يكون‬
‫َومَا أُ ِهلّ ِل َغ ْيرِ اللّ ِه بِهِ } وسياق الية دالّ عليه فإنّه قال ‪ { :‬وَِإنّ ُه لَ ِف ْ‬
‫فيها فسقا هي الهلل لغير اللّه ‪ .‬قال تعالى ‪ { :‬أَ ْو فِسْقا أُهِلّ ِل َغ ْيرِ الّلهِ ِبهِ } ‪.‬‬
‫شيَاطِينَ َليُوحُونَ إِلَى‬
‫ن ال ّ‬
‫ن المراد به الميتة بدليل قوله تعالى ‪ { :‬وَإِ ّ‬
‫ثانيهما ‪ :‬ما قاله أحمد أ ّ‬
‫أَوِْليَآ ِئ ِهمْ ِل ُيجَادِلُو ُكمْ } وذلك لنّهم كانوا يقولون ‪ :‬أتأكلون ما قتلتم ‪ -‬أي ذكّيتم ‪ -‬ول تأكلون ما‬
‫قتل اللّه ؟ يعنون الميتة ‪.‬‬
‫ل على عدم اشتراط التّسمية ما أخرجه البخاريّ « عن عائشة ‪ -‬رضي ال عنها ‪-‬‬
‫وممّا يد ّ‬
‫ن قوما يأتوننا بلحمٍ ل ندري أذكر اسم اللّه عليه‬
‫ن قوما قالوا للنّبيّ صلى ال عليه وسلم ‪ :‬إ ّ‬
‫أّ‬
‫أم ل ؟ فقال ‪ :‬سمّوا عليه أنتم وكلوه قالت ‪ :‬وكانوا حديثي عهدٍ بالكفر » فلو كانت التّسمية‬
‫شكّ في الشّريطة شكّ فيما شرطت له‪.‬‬
‫ن ال ّ‬
‫شكّ في وجودها ‪ ،‬ل ّ‬
‫شريطةً لما حلّت الذّبيحة مع ال ّ‬
‫ويشهد له ما أخرجه الدّارقطنيّ من حديث أبي هريرة قال ‪ « :‬سأل رجل النّبيّ صلى ال‬
‫عليه وسلم الرّجل منّا يذبح وينسى أن يسمّي اللّه قال ‪ :‬اسم اللّه على ك ّل مسلمٍ » ‪ .‬وفي لفظٍ‬
‫ن العبرة بعموم اللّفظ ل بخصوص‬
‫ل مسلمٍ » وهذا عا ّم في النّاسي والمتعمّد ‪ ،‬ل ّ‬
‫« على فم ك ّ‬
‫السّبب ‪.‬‬
‫ن المسلم النّاطق العالم بالوجوب إذا تركها‬
‫ن المتّفقين على اشتراط التّسمية اتّفقوا على أ ّ‬
‫ثمّ إ ّ‬
‫عمدًا تحرم ذبيحته ‪.‬‬
‫ي والخرس والسّاهي والجاهل بالوجوب ‪.‬‬
‫واختلفوا في الكتاب ّ‬
‫ن اللّه أباح ذبائح أهل الكتاب ‪،‬‬
‫ي فقد قال المالكيّة ‪ :‬ل تشترط في حقّه التّسمية ‪ ،‬ل ّ‬
‫أمّا الكتاب ّ‬
‫وهو يعلم أنّ منهم من يترك التّسمية ‪ .‬واشترطها الباقون في الكتابيّ ‪.‬‬
‫وأمّا الخرس فقد اشترط الحنابلة أن يشير بالتّسمية ‪ ،‬بأن يومئ إلى السّماء ‪ ،‬ولم يشترط ذلك‬
‫الباقون ‪.‬‬
‫وأمّا السّاهي عن التّسمية فتحرم ذبيحته ‪ ،‬وهو رواية عن أحمد مخالفة للمشهور ‪.‬‬
‫وفرّع على ما ذهب إليه من تحريم ذبيحة السّاهي ‪ ،‬أو من ذبح ذبيح ًة لغيره بأمره فنسي أن‬
‫يسمّي اللّه تعالى ‪ ،‬أو تعمّد ‪ ،‬فهو ضامن مثل الحيوان الّذي أفسد ‪ ،‬لنّه ميتة ‪ ،‬وأموال النّاس‬
‫تضمن بالعمد والنّسيان ‪.‬‬
‫وأمّا الجاهل بوجوب التّسمية إذا تركها عمدا فهذه المسألة مختلف فيها بين الصّحابة وغيرهم‬
‫من الفقهاء ‪ .‬فعن عبد اللّه بن عمر وعبد اللّه بن يزيد ‪ :‬يحرم متروك التّسمية عمدًا وسهوا ‪.‬‬
‫س وسعيد بن المسيّب وعبد الرّحمن بن أبي‬
‫وعن ابن عبّاسٍ وإسحاق والثّوريّ وعطاءٍ وطاو ٍ‬
‫ليلى وربيعة ‪ :‬يحرم متروك التّسمية عمدا ل سهوا ‪.‬‬
‫ن للتّسمية حقيقةً ‪ ،‬وشرائط ‪ ،‬ووقتا ‪ ،‬نذكرها في الفقرات التّالية ‪.‬‬
‫ثمّ إ ّ‬
‫حقيقة التّسمية ‪:‬‬
‫سمُ اللّهِ عََل ْيهِ‬
‫‪ - 32‬حقيقتها ‪ :‬ذكر اسم اللّه تعالى أيّ اسمٍ كان لقوله تعالى ‪َ { :‬فكُلُواْ ِممّا ُذ ِكرَ ا ْ‬
‫سمُ الّلهِ عََليْهِ ‪ } ...‬من غير فصلٍ بين‬
‫ل َت ْأكُلُواْ ِممّا ُذ ِكرَ ا ْ‬
‫إِن كُنتُمْ بِآيَاتِ ِه مُ ْؤ ِمنِينَ ‪َ .‬ومَا َل ُكمْ َأ ّ‬
‫سمُ الّلهِ عََليْهِ ‪ } ...‬لنّه إذا ذكر الذّابح اسمًا‬
‫ل َت ْأكُلُواْ ِممّا َل ْم ُيذْ َكرِ ا ْ‬
‫اسمٍ واسمٍ ‪ ،‬وقوله ‪َ { :‬و َ‬
‫من أسماء اللّه لم يكن المأكول ممّا لم يذكر اسم اللّه عليه فلم يكن محرّما ‪ ،‬وسواء أقرن‬
‫ل ‪ ،‬اللّه الرّحمن ‪ ،‬اللّه الرّحيم ونحو ذلك أم لم‬
‫بالسم الصّفة بأن قال ‪ :‬اللّه أكبر ‪ ،‬اللّه أج ّ‬
‫يقرن بأن قال ‪ :‬اللّه ‪ ،‬أو الرّحمن ‪ ،‬أو الرّحيم أو غير ذلك ‪ ،‬لنّ المشروط بالية ذكر اسم‬
‫اللّه ‪ -‬عزّ شأنه ‪ -‬وكذا التّهليل والتّحميد والتّسبيح ‪ ،‬سواء أكان جاهلً بالتّسمية المعهودة أم‬
‫عالما بها ‪ ،‬وسواء أكانت التّسمية بالعربيّة أم بغيرها ‪ ،‬ممّن ل يحسن العربيّة أو يحسنها‪ ،‬هذا‬
‫ما نصّ عليه الحنفيّة ‪.‬‬
‫ووافق سائر المذاهب على التّسمية المعهودة بالعربيّة ‪ ،‬وخالف بعضهم في إلحاق الصّيغ‬
‫الخرى بها ‪ ،‬وبعضهم في وقوعها بغير العربيّة ‪.‬‬
‫ن التّسمية الواجبة هي ذكر اسم اللّه بأيّه صيغةٍ كانت من تسميةٍ أو تهليلٍ أو‬
‫فالمالكيّة قالوا ‪ :‬إ ّ‬
‫ح أو تكبيرٍ ‪ ،‬لكن الفضل أن يقول بسم اللّه واللّه أكبر ‪.‬‬
‫تسبي ٍ‬
‫والشّافعيّة قالوا ‪ :‬يكفي في التّسمية ‪ :‬بسم اللّه ‪ ،‬والكمل ‪ :‬بسم اللّه الرّحمن الرّحيم ‪.‬‬
‫وقيل ‪ :‬ل يقول الرّحمن الرّحيم ‪ ،‬لنّ الذّبح فيه تعذيب " والرّحمن الرّحيم " ل يناسبانه ‪.‬‬
‫ن المذهب المنصوص عليه هو أن يقول ‪ :‬بسم اللّه ‪ ،‬ل يقوم غيرها‬
‫والحنابلة قالوا ‪ :‬إ ّ‬
‫مقامها ‪ ،‬لنّ إطلق التّسمية عند ذكرها ينصرف إليها ‪ ،‬وقيل ‪ :‬يكفي تكبير اللّه تعالى ونحوه‬
‫كالتّسبيح والتّحميد ‪ ،‬وإن ذكر اسم اللّه بغير العربيّة أجزأه وإن أحسن العربيّة ‪ ،‬وهذا هو‬
‫ن المقصود ذكر اسم اللّه تعالى ‪ ،‬وهو يحصل بجميع اللّغات ‪.‬‬
‫المذهب عندهم ‪ ،‬ل ّ‬
‫شرائط التّسمية ‪:‬‬
‫‪ - 33‬يشترط في التّسمية أربع شرائط ‪:‬‬
‫ل عند‬
‫أ ‪ -‬أن تكون التّسمية من الذّابح حتّى لو سمّى غيره وهو ساكت ذاكر غير ناسٍ ل يح ّ‬
‫من أوجب التّسمية ‪.‬‬
‫ن من أراد بها التّسمية لفتتاح العمل ل يحلّ ‪،‬‬
‫ب ‪ -‬أن يريد بها التّسمية على الذّبيحة ‪ ،‬فإ ّ‬
‫وكذا إذا قال الحمد للّه وأراد به الحمد على سبيل الشّكر ‪ ،‬وكذا لو سبّح أو هلّل أو كبّر ولم‬
‫يرد به التّسمية على الذّبيحة وإنّما أراد به وصفه بالوحدانيّة والتّنزّه عن صفات الحدوث ل‬
‫غير ‪ .‬وهذا أيضا عند من أوجب التّسمية ‪.‬‬
‫ومن غفل عن إرادة الذّكر والتّعظيم لم تحرم ذبيحته حيث لم يرد معنىً آخر ممّا ذكرنا ‪.‬‬
‫ل يشوب تعظيمه تعالى بالتّسمية معنىً آخر كالدّعاء ‪ ،‬فلو قال ‪ " :‬اللّهمّ اغفر لي " لم‬
‫ج‪-‬أّ‬
‫يكن ذلك تسمي ًة ‪ ،‬لنّه دعاء ‪ ،‬والدّعاء ل يقصد به التّعظيم المحض ‪ ،‬فل يكون تسمي ًة كما ل‬
‫يكون تكبيرا ‪.‬‬
‫ل بذلك ‪.‬‬
‫ن ذكر اسم اللّه عليها ل يتحقّق إ ّ‬
‫د ‪ -‬أن يعيّن بالتّسمية الذّبيحة ل ّ‬
‫وقت التّسمية ‪:‬‬
‫ن وقت التّسمية في الذّكاة الختياريّة هو وقت التّذكية ‪ ،‬ل‬
‫‪ - 34‬ذهب الحنفيّة والمالكيّة إلى أ ّ‬
‫ل ل يمكن التّحرّز عنه ‪.‬‬
‫ن قلي ٍ‬
‫ل بزما ٍ‬
‫يجوز تقديمها عليه إ ّ‬
‫ن ذكر اللّه يكون عند حركة يد الذّابح ‪ ،‬وقال جماعة‬
‫وأمّا الحنابلة فالصّحيح من مذهبهم أ ّ‬
‫منهم عند الذّبح أو قبله قريبا ‪ ،‬فصل بكلمٍ أو ل ‪.‬‬
‫ل لغير اللّه بالذّبح ‪.‬‬
‫‪ - 35‬الشّريطة الخامسة ‪ - :‬من شرائط الذّابح ‪ -‬ألّ يه ّ‬
‫والمقصود هو تعظيم غير اللّه سواء أكان برفع الصّوت أم ل ‪ ،‬وسواء أكان معه تعظيم اللّه‬
‫تعالى أم ل ‪ ،‬وقد كان المشركون يرفعون أصواتهم عند الذّبح بأسماء اللهة متقرّبين إليها‬
‫بذبائحهم ‪ .‬وهي شريطة متّفق عليها لتصريح القرآن الكريم بها ‪ ،‬إلّ أنّ المالكيّة يستثنون‬
‫الكتابيّ في بعض أحواله كما تقدّم في الشّريطة الثّانية من شرائط الذّابح ‪ ( .‬ر ‪ :‬ف ‪. ) 29/‬‬
‫وللهلل لغير اللّه صور ‪:‬‬
‫الصّورة الولى ‪ :‬ذكر اسم غير اللّه عند الذّبح على وجه التّعظيم سواء أذكر معه اسم اللّه أم‬
‫ل ‪ ،‬فمن ذلك أن يقول الذّابح ‪ :‬بسم اللّه واسم الرّسول فهذا ل يحلّ ‪ ،‬لقوله تعالى ‪َ { :‬ومَا‬
‫ن المشركين يذكرون مع اللّه غيره فتجب مخالفتهم بالتّجريد ‪.‬‬
‫أُهِلّ ِل َغ ْيرِ الّلهِ ِبهِ } ول ّ‬
‫ولو قال الذّا بح ‪ -‬ب سم اللّه ‪ -‬محمّد ر سول اللّه فإن قال ‪ :‬ومح ّمدٍ ‪ -‬بالجرّ ‪ -‬ل يحلّ ‪ ،‬لنّه‬
‫أشرك فـي اسـم اللّه اسـم غيره ‪ .‬وإن قال ‪ :‬ومحمّد ‪ -‬بالرّفـع ‪ -‬يحلّ ‪ ،‬لنّه لم يعطفـه بـل‬
‫استأنف فلم يوجد الشراك ‪ ،‬إلّ أنّه يكره لوجود الوصل من حيث ال صّورة فيتصوّر بصورة‬
‫الحرام فيكره ‪ ،‬هذا ما صرّح به الحنفيّة ‪.‬‬
‫وصرّح الشّافعيّة بأنّه لو قال ‪ :‬بسم اللّه واسم محمّدٍ ‪ ،‬فإن قصد التّشريك كفر وحرمت الذّبيحة‬
‫‪ ،‬وإن قصد أذبح باسم اللّه وأتبرّك باسم مح ّمدٍ كان القول مكروها والذّبيحة حللً ‪ ،‬وإن أطلق‬
‫كان القول محرّمًا لبهامه التّشريك وكانت الذّبيحة حللً ‪.‬‬
‫الصّورة الثّانية ‪ :‬أن يقصد الذّابح التّقرّب لغير اللّه تعالى بالذّبح وإن ذكر اسم اللّه وحده على‬
‫الذّبيحة ومن ذلك أن يذبح لقدوم أمي ٍر ونحوه ‪.‬‬
‫وفي ال ّدرّ المختار وحاشية ابن عابدين عليه ما خلصته ‪ :‬لو ذبح لقدوم المير ونحوه من‬
‫العظماء " تعظيما له " حرمت ذبيحته ‪ ،‬ولو أفرد اسم اللّه تعالى بالذّكر ‪ ،‬لنّه أهّل بها لغير‬
‫اللّه ‪ .‬ولو ذبح للضّيف لم تحرم ذبيحته لنّه سنّة الخليل عليه السلم ‪ ،‬وإكرام الضّيف تعظيم‬
‫لشرع اللّه تعالى ‪ ،‬ومثل ذلك ما لو ذبح للوليمة أو للبيع ‪.‬‬
‫والفرق بين ما يحلّ وما يحرم ‪ :‬إن قصد تعظيم غير اللّه عند الذّبح يحرم ‪ ،‬وقصد الكرام‬
‫ونحوه ل يحرّم ‪.‬‬
‫وفي حاشية البجيرميّ على القناع " أفتى أهل بخارى بتحريم ما يذبح عند لقاء السّلطان تقرّبا‬
‫إليه " ‪.‬‬
‫‪ - 36‬الشّريطة السّادسة ‪ :‬الّتي انفرد بها المالكيّة ‪ :‬أن يقطع الذّابح من مقدّم العنق ‪ ،‬فل تحلّ‬
‫الذّبيحة إن ضربها من القفا ‪ ،‬لنّها بقطع النّخاع تصير ميت ًة ‪ ،‬وكذا ل تحلّ إن ضربها من‬
‫سكّين إلى الصّفحة‬
‫صفحة العنق وبلغ النّخاع ‪ ،‬أمّا إن بدأ الضّرب من الصّفحة ومال بال ّ‬
‫الخرى من غير قطع النّخاع ‪ ،‬فإنّها تؤكل ‪.‬‬
‫وصرّح الشّافعيّة والحنابلة بأنّه لو ذبح من القفا عصى ‪ ،‬فإن أسرع فقطع الحلقوم والمريء‬
‫وبالذّبيحة حياة مستقرّة حلّت ‪ ،‬لنّ الذّكاة صادفتها وهي حيّة وإلّ فل تحلّ ‪ ،‬لنّها صارت‬
‫ميتةً فل يفيد الذّبح بعد ذلك ‪.‬‬
‫وقال الحنابلة ‪ :‬إن تعمّد ذلك ففي إحدى الرّوايتين وصحّحها ابن قدامة والمرداويّ تحلّ ‪،‬‬
‫والثّانية ‪ :‬ل تحلّ ‪ ،‬وهو منصوص أحمد ومفهوم كلم الخرقيّ ‪.‬‬
‫ل يرفع يده قبل تمام التّذكية ‪ ،‬فإن‬
‫‪ - 37‬الشّريطة السّابعة ‪ :‬الّتي انفرد بها المالكيّة أيضا ‪ :‬أ ّ‬
‫ل في صور ٍة واحدةٍ ‪ ،‬وهي ما لو أنفذ بعض‬
‫رفع يده ففيه تفصيل ‪ ،‬وحاصله ‪ ،‬أنّه ل يضرّ إ ّ‬
‫مقاتلها وعاد لتكملة الذّبح عن بعدٍ ‪ ،‬وما عدا هذه تؤكل اتّفاقا أو على الرّاجح ‪.‬‬
‫وصورة التّفاق ما إذا كانت لو تركت تعيش ‪ ،‬أو ل تعيش وكان الرّفع اضطرارا ‪.‬‬
‫وصورة الرّاجح ما إذا كانت لو تركت لم تعش وعاد عن قربٍ وكان الرّفع اختيارا ‪.‬‬
‫وقال الشّافعيّة ‪ :‬إن رفع يده مرّ ًة أو أكثر لم يضرّ إن كانت في المذبوح حياة مستقرّة عند بدء‬
‫ح لم يحلّ ‪.‬‬
‫المرّة الخيرة ‪ ،‬فإن بدأها وفيه حركة مذبو ٍ‬
‫‪ - 38‬الشّريطة الثّامنة ‪ :‬ذهب المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة إلى اشتراط قصد التّذكية بأن‬
‫ل الكل من الذّبيحة ‪ ،‬فلو قصد مجرّد موتها‬
‫ينوي الذّابح التّذكية الشّرعيّة وإن لم يستحضر ح ّ‬
‫أو قصد ضربها فأصاب محلّ الذّبح لم تؤكل ‪ ،‬وكذا إذا ترك ال ّنيّة ولو نسيانا أو عجزا لم‬
‫ن الشّافعيّة يعنون بالقصد قصد الفعل كما لو صال عليه حيوان مأكول‬
‫تؤكل ذبيحته ‪ .‬إلّ أ ّ‬
‫فضربه بسيفٍ فقطع رأسه فإنّه يجوز أكله ‪ ،‬لنّ قصد الذّبح ل يشترط ‪ ،‬وإنّما يشترط قصد‬
‫الفعل وقد وجد ‪ .‬ولتفصيل ذلك راجع ( صائل ) ‪.‬‬
‫شرائط آلة الذّبح ‪:‬‬
‫‪ - 39‬يشترط في صحّة الذّبح شريطتان راجعتان إلى آلته ‪ :‬أن تكون قاطعةً ‪ ،‬وألّ تكون سنّا‬
‫أو ظفرًا قائمين ‪.‬‬
‫‪ - 40‬الشّريطة الولى ‪ :‬المتّفق عليها بين الفقهاء ‪.‬‬
‫أن تكون قاطع ًة ‪ ،‬سواء أكانت حديدا أم ل ‪ ،‬كالمروة واللّيطة وشقّة العصا ‪.‬‬
‫والزّجاج ‪ ،‬والصّدف القاطع ‪ ،‬وسواء أكانت حادّةً أم كليلةً ما دامت قاطع ًة ‪.‬‬
‫ج قال ‪ :‬قلت ‪ :‬يا رسول‬
‫والصل في جواز التّذكية بغير الحديد ما ورد « عن رافع بن خدي ٍ‬
‫اللّه ‪ ،‬إنّا لقوا العدوّ غدا ‪ ،‬وليست معنا مدىً ‪ .‬قال صلى ال عليه وسلم ‪ :‬أعجل أو أرني ‪،‬‬
‫ن فعظم ‪ ،‬وأمّا‬
‫ن والظّفر ‪ .‬وسأحدّثك ‪ :‬أمّا السّ ّ‬
‫ما أنهر الدّم ‪ ،‬وذكر اسم اللّه فكل ‪ ،‬ليس السّ ّ‬
‫الظّفر فمدى الحبشة » ‪.‬‬
‫وأمّا جواز التّذكية بالمدى الكليلة ونحوها إن كانت تقطع فلحصول معنى الذّبح والنّحر ‪.‬‬
‫وصرّح الشّافعيّة بأنّ الكليلة يشترط فيها ألّ يحتاج القطع بها إلى قوّة الذّابح ‪ ،‬وأن يقطع‬
‫الحلقوم والمريء قبل انتهاء الحيوان إلى حركة مذبوحٍ ‪.‬‬
‫ل رواه ابن حبيبٍ عن مالكٍ إلى ألّ‬
‫‪ - 41‬الشّريطة الثّانية ‪ :‬ذهب الحنفيّة والمالكيّة في قو ٍ‬
‫ن الذّابح يعتمد عليها‬
‫ل الذّبيحة ‪ ،‬ل ّ‬
‫تكون اللة سنّا أو ظفرا قائمين ‪ ،‬فإن كانت كذلك لم تح ّ‬
‫فتخنق وتفسخ فل يحلّ أكلها ‪.‬‬
‫ولهذا لو كان الظّفر القائم ظفر غيره جاز وذلك بأن يأخذ الذّابح يد غيره فيمرّ ظفرها كما‬
‫ن والظّفر‬
‫سكّين فإنّ الذّبيحة تحلّ ‪ ،‬لنّها قطعت ولم تفسخ ‪ ،‬وخرج بقيد " قائمين " السّ ّ‬
‫يم ّر ال ّ‬
‫المنزوعان إذا كانا قاطعين فتجوز التّذكية بهما ‪.‬‬
‫ن المراد فيه بالسّنّ والظّفر القائمان ل المنزوعان ‪ ،‬ويؤيّده‬
‫وهذا ل يعارض الحديث السّابق فإ ّ‬
‫ل ما‬
‫حديث الطّبرانيّ من رواية أبي أمامة قال ‪ « :‬قال رسول اللّه صلى ال عليه وسلم ‪ :‬ك ّ‬
‫ن أو حزّ ظفرٍ » ‪.‬‬
‫أفرى الوداج ما لم يكن قرض س ّ‬
‫ن والظّفر وبقيّة العظام‬
‫وذهب الشّافعيّة وهو الصّحيح عند المالكيّة إلى أنّه ل تجوز الذّكاة بالسّ ّ‬
‫مطلقا متّصلين كانا أو منفصلين لظاهر حديث الصّحيحين السّابق ‪.‬‬
‫ن والظّفر ‪ ،‬وفي العظم روايتان عن أحمد ‪ ،‬والمذهب الجواز ‪.‬‬
‫وقال الحنابلة ل يجوز بالسّ ّ‬
‫والقول الثّالث عند المالكيّة ‪ :‬أنّه تجوز الذّكاة مطلقا بالسّنّ والظّفر منفصلين ومتّصلين ‪.‬‬
‫ن مطلقا ‪.‬‬
‫والقول الرّابع عند المالكيّة جواز الذّكاة بالظّفر مطلقا وكراهيتها بالسّ ّ‬
‫ك أيضا جواز الذّكاة بالعظم مطلقا ‪.‬‬
‫وروي عن مال ٍ‬
‫ل أقوال المالكيّة أن توجد آلة معهما غير الحديد فإن وجد الحديد تعيّن وإن لم توجد آلة‬
‫ومح ّ‬
‫سواها تعيّن الذّبح بهما ‪.‬‬
‫آداب الذّبح ‪:‬‬
‫‪ - 42‬يستحبّ في الذّبح أمور ‪ .‬منها ‪:‬‬
‫ن ذلك‬
‫سكّين والسّيف الحادّين ل بغير الحديد ول بالكليلة ‪ ،‬ل ّ‬
‫أ ‪ -‬أن يكون بآلة حديدٍ حادّةٍ كال ّ‬
‫مخالف للراحة المطلوبة في قوله صلى ال عليه وسلم ‪ « :‬وليرح ذبيحته » ‪.‬‬
‫ن فيه إراح ًة للذّبيحة ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬التّذفيف في القطع ‪ -‬وهو السراع ‪ -‬ل ّ‬
‫ج ‪ -‬أن يكون الذّابح مستقبل القبلة ‪ ،‬والذّبيحة موجّهةً إلى القبلة بمذبحها ل بوجهها إذ هي‬
‫ن ابن عمر ‪ -‬رضي ال عنهما ‪ -‬كان يكره أن‬
‫جهة الرّغبة إلى طاعة اللّه عزّ شأنه ‪ ،‬ول ّ‬
‫ح ذلك عن ابن سيرين وجابر بن‬
‫يأكل ذبيحةً لغير القبلة ‪ .‬ول مخالف له من الصّحابة ‪ ،‬وص ّ‬
‫زيدٍ ‪.‬‬
‫د ‪ -‬إحداد الشّفرة قبل إضجاع الشّاة ونحوها ‪ ،‬صرّح بذلك الحنفيّة والمالكيّة والشّافعيّة واتّفقوا‬
‫على كراهة أن يحدّ الذّابح الشّفرة بين يدي الذّبيحة ‪ ،‬وهي مهيّأة للذّبح لما أخرجه الحاكم عن‬
‫ابن عبّاسٍ ‪ -‬رضي ال عنهما ‪ « -‬أنّ رجلً أضجع شا ًة يريد أن يذبحها وهو يحدّ شفرته ‪،‬‬
‫ل حددت شفرتك قبل أن‬
‫ت؟هّ‬
‫فقال له النّبيّ صلى ال عليه وسلم ‪ :‬أتريد أن تميتها موتا ٍ‬
‫تضجعها » ‪.‬‬
‫ن النّهي‬
‫ول تحرم الذّبيحة بترك شيءٍ من مستحبّات الذّبح أو فعل شي ٍء من مكروهاته ‪ ،‬ل ّ‬
‫المستفاد من الحديث ليس لمعنىً في المنهيّ عنه بل لمعنىً في غيره ‪ ،‬وهو ما يلحق الحيوان‬
‫من زيادة ألمٍ ل حاجة إليها ‪ ،‬فل يوجب الفساد ‪.‬‬
‫هـ ‪ -‬أن تضجع الذّبيحة على شقّها اليسر برفقٍ ‪.‬‬
‫سنّة أن تأخذ الشّاة برفقٍ وتضجعها‬
‫ن معه فقالوا ‪ :‬ال ّ‬
‫وذكر المالكيّة كيفيّة الضجاع وما يس ّ‬
‫على شقّها اليسر ورأسها مشرف ‪ ،‬وتأخذ بيدك اليسرى جلدة حلقها من اللّحي السفل‬
‫سكّين في المذبح حتّى تكون الجوزة في‬
‫بالصّوف أو غيره فتمدّه حتّى تتبيّن البشرة ‪ ،‬وتضع ال ّ‬
‫سكّين مرّا مجهزا من غير ترديدٍ ‪ ،‬ثمّ ترفع ول تنخع ول‬
‫الرّأس ‪ ،‬ثمّ تسمّي اللّه وتمرّ ال ّ‬
‫تضرب بها الرض ول تجعل رجلك على عنقها ‪.‬‬
‫وصرّح الشّافعيّة باستحباب شدّ قوائمها وترك رجلها اليمنى لتستريح بتحريكها ‪.‬‬
‫والدّليل على استحباب الضجاع في جميع المذبوحات حديث عائشة « أنّ النّبيّ صلى ال‬
‫ش أقرن يطأ في سوا ٍد ‪ ،‬ويبرك في سوادٍ ‪ ،‬وينظر في سوادٍ فأتي به‬
‫عليه وسلم أمر بكب ٍ‬
‫ليضحّي به ‪ ،‬فقال لها ‪ :‬يا عائشة ‪ ،‬هلمّي المدية ثمّ قال ‪ :‬اشحذيها بحجرٍ ففعلت ‪ ،‬ثمّ أخذها‬
‫وأخذ الكبش فأضجعه ثمّ ذبحه » ‪.‬‬
‫قال النّوويّ ‪ :‬جاءت الحاديث بالضجاع وأجمع عليه المسلمون ‪ ،‬واتّفق العلماء على أنّ‬
‫سكّين باليمين‬
‫إضجاع الذّبيحة يكون على جانبها اليسر لنّه أسهل على الذّابح في أخذ ال ّ‬
‫وإمساك رأسها باليسار ‪.‬‬
‫وقاس الجمهور على الكبش جميع المذبوحات الّتي تحتاج فيها إلى الضجاع ‪.‬‬
‫و ‪ -‬سوق الذّبيحة إلى المذبح برفقٍ ‪ ،‬صرّح بذلك الشّافعيّة ‪.‬‬
‫ز ‪ -‬عرض الماء على الذّبيحة قبل ذبحها ‪ ،‬صرّح بذلك الشّافعيّة أيضا ‪.‬‬
‫ح ‪ -‬وإذا كانت الذّبيحة قرب ًة من القربات كالضحيّة يكبّر الذّابح ثلثا قبل التّسمية وثلثا‬
‫بعدها ‪ ،‬ثمّ يقول ‪ :‬اللّهمّ هذا منك وإليك فتقبّله منّي ‪ ،‬صرّح بذلك الشّافعيّة ‪ ( .‬ر ‪ :‬أضحيّة )‪.‬‬
‫ط ‪ -‬كون الذّبح باليد اليمنى ‪ ،‬صرّح بذلك المالكيّة والشّافعيّة ‪.‬‬
‫ي ‪ -‬عدم المبالغة في القطع حتّى يبلغ الذّابح النّخاع أو يبين رأس الذّبيحة حال ذبحها وكذا‬
‫بعد الذّبح قبل أن تبرد وكذا سلخها قبل أن تبرد لما في كلّ ذلك من زيادة إيلمٍ ل حاجة إليها‪.‬‬
‫ي صلى ال عليه وسلم نهى عن الذّبيحة أن‬
‫ن النّب ّ‬
‫س رضي ال عنهما « أ ّ‬
‫ولحديث ابن عبّا ٍ‬
‫تفرّس » ‪ .‬قال إبراهيم الحربيّ في " غريب الحديث " ‪ :‬الفرس أن يذبح الشّاة فتنخع ‪ ،‬وقال‬
‫ابن الثير في " النّهاية " ‪ :‬هو " كسر رقبة الذّبيحة قبل أن تبرد " فإن نخع أو سلخ قبل أن‬
‫تبرد لم تحرم الذّبيحة لوجود التّذكية بشرائطها ‪.‬‬
‫وصرّح المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة بكراهة قطع عض ٍو منها أو إلقائها في النّار بعد تمام‬
‫ذبحها وقبل خروج روحها ‪.‬‬
‫وصرّح الشّافعيّة أيضا بكراهة تحريكها ونقلها قبل خروج روحها ‪.‬‬
‫وقال القاضي من الحنابلة ‪ :‬يحرم كسر عنقها حتّى تبرد ‪ ،‬وقطع عض ٍو منها قبل أن تبرد ‪.‬‬
‫ثانيا ‪ :‬النّحر ‪:‬‬
‫حقيقة النّحر ‪:‬‬
‫‪ - 43‬حقيقته قطع الوداج في الّلبّة عند القدرة على الحيوان ‪ ،‬وهذا رأي الجمهور ‪ ،‬وقال‬
‫المالكيّة ‪ :‬إنّ حقيقته الطّعن في الّلبّة طعنا يفضي إلى الموت وإن لم تقطع الوداج ‪ ،‬وهذا إنّما‬
‫يكون عند القدرة على الحيوان أيضا ‪.‬‬
‫والّلبّة هي الثّغرة بين التّرقوتين أسفل العنق كما سبق في ( ف ‪. ) 1/‬‬
‫ص بالنّحر من الحيوانات هو البل‬
‫وسبق في حقيقة الذّكاة الختياريّة ( ف ‪ ) 11/‬أنّ المخت ّ‬
‫عند الجمهور ‪ ،‬وزاد الشّافعيّة كلّ ما طال عنقه ‪ ،‬وزاد المالكيّة ما قدر عليه من الزّراف‬
‫والفيلة ‪ ،‬وجوّزوا الذّبح والنّحر ‪ -‬مع أفضليّة الذّبح ‪ -‬في البقر وما قدر عليه من بقر الوحش‬
‫وحمره وخيله وبغاله ‪.‬‬
‫ن خلف الئمّة فيما يكفي من قطع الوداج في النّحر هو الخلف السّابق في " حقيقة‬
‫ثمّ إ ّ‬
‫ن المالكيّة فرّقوا بين الذّبح والنّحر فقالوا ‪ :‬إنّ الذّبح يكون بقطع‬
‫الذّبح " ( ف ‪ . ) 14/‬إلّ أ ّ‬
‫الحلقوم والودجين ‪ ،‬والنّحر يكون بالطّعن في الّلبّة طعنا مفضيا إلى الموت ‪ ،‬دون اشتراط‬
‫قطع شي ٍء من العروق الربعة على المشهور ‪ ،‬خلفا للّخميّ ‪ ،‬لنّ وراء الّلبّة عرقا متّصلً‬
‫بالقلب يفضي طعنه إلى سرعة خروج الرّوح ‪.‬‬
‫شرائط النّحر ‪:‬‬
‫‪ - 44‬يشترط في صحّة النّحر الشّرائط السّابق ذكرها في الذّبح ‪ ،‬إلّ أنّ المالكيّة قالوا يشترط‬
‫أن ل يكون الحيوان المنحور مختصّا بالذّبح وهو ما عدا الصناف الثّمانية ‪.‬‬
‫ص بالذّبح لغير ضرور ٍة حرم النّحر والحيوان المنحور خلفا لسائر المذاهب‬
‫فلو نحر ما يخت ّ‬
‫الّتي تجيز نحر ما يذبح ‪.‬‬
‫آداب النّحر ‪:‬‬
‫‪ - 45‬يستحبّ في النّحر كلّ ما يستحبّ في الذّبح ‪ ،‬واختلف المذاهب هناك هو نفس اختلفها‬
‫ث معقولة اليد اليسرى ‪.‬‬
‫هنا ‪ .‬إلّ أنّ البل تنحر قائمةً على ثل ٍ‬
‫وذكر المالكيّة للنّحر كيفيّ ًة وهي أن يوجّه النّاحر ما يريد نحره إلى القبلة ويقف بجانب الرّجل‬
‫اليمنى غير المعقولة ممسكا مشفره العلى بيده اليسرى ويطعنه في لبّته بيده اليمنى مسمّيا‪.‬‬
‫ونقل عن أحمد أنّه إن خشي عليها أناخها ‪.‬‬
‫سمَ اللّهِ‬
‫ث عند النّحر قوله تعالى ‪ { :‬فَا ْذكُرُوا ا ْ‬
‫ل على استحباب إقامة البل على ثل ٍ‬
‫وممّا يد ّ‬
‫عََل ْيهَا صَوَافّ } قال ابن عبّاسٍ ‪ " :‬معقول ًة على ثلثةٍ " ‪.‬‬
‫وأحاديث منها ‪ « :‬أنّ النّبيّ صلى ال عليه وسلم وأصحابه كانوا ينحرون البدنة معقولة‬
‫اليسرى قائمةً على ما بقي من قوائمها » ‪.‬‬
‫ومنها ما ورد عن زياد بن جبيرٍ « أنّ ابن عمر أتى على رجلٍ وهو ينحر بدنته باركةً ‪،‬‬
‫فقال‪ :‬ابعثها قياما مقيّدةً سنّة نبيّكم صلى ال عليه وسلم » ‪.‬‬
‫مكروهات النّحر ‪:‬‬
‫‪ - 46‬يكره في النّحر جميع المكروهات الّتي سبق ذكرها في الذّبح ‪.‬‬
‫الذّكاة الضطراريّة ‪:‬‬
‫‪ - 47‬الذّكاة الضطراريّة هي الجرح في أيّ موضعٍ كان من البدن عند العجز عن الحيوان ‪،‬‬
‫أي كأنّها صيد فتستعمل للضّرورة في المعجوز عنه من الصّيد والنعام ‪ ،‬وتسمّى هذه الحالة‪:‬‬
‫العقر ‪.‬‬
‫ل لحم الحيوان بذكاة الضّرورة لنّ‬
‫ذهب جمهور الفقهاء " الحنفيّة والشّافعيّة والحنابلة " إلى ح ّ‬
‫الذّبح إذا لم يكن مقدورا ‪ ،‬ول بدّ من إخراج الدّم لزالة المحرّم وهو الدّم المسفوح وتطييب‬
‫ن التّكليف بحسب الوسع ‪.‬‬
‫اللّحم ‪ ،‬فيقام سبب الذّبح مقامه وهو الجرح ‪ ،‬ل ّ‬
‫فلو توحّش حيوان أهليّ بعد أن كان إنسيّا أو مستأنسا ‪ ،‬أو ندّ بعير " شرد " أو تردّى في بئرٍ‬
‫ونحوه ‪ ،‬ولم تمكن الذّكاة الختياريّة ‪ ،‬أي عجز عن ذبحه في الحلق فذكاته حيث يصاب بأيّ‬
‫جرحٍ من بدنه ‪ ،‬ويح ّل حينئذٍ أكله كصيد الطّائر أو الحيوان المتوحّش ‪ ،‬لحديث رافع بن‬
‫خديجٍ‪ ،‬قال ‪ « :‬كنّا مع رسول اللّه صلى ال عليه وسلم في سفرٍ ‪ ،‬فندّ بعير من إبل القوم ‪،‬‬
‫ولم يكن معهم خيل ‪ ،‬فرماه رجل بسهمٍ فحبسه ‪ ،‬فقال رسول اللّه صلى ال عليه وسلم ‪ :‬إنّ‬
‫لهذه البهائم أوابد كأوابد الوحش فإذا غلبكم منها شيء فافعلوا به هكذا » ‪.‬‬
‫وسواء ندّ البعير أو البقرة أو الشّاة في الصّحراء أو في المصر ‪ ،‬فذكاتها العقر ‪ ،‬وبه قال‬
‫عليّ وابن مسعودٍ وابن عمر وابن عبّاسٍ وعائشة رضي ال عنهم ‪.‬‬
‫قال الكاسانيّ ‪ :‬فإن ندّت الشّاة في الصّحراء فذكاتها العقر ‪ ،‬لنّه ل يقدر عليها ‪ ،‬وإن ندّت‬
‫في المصر لم يجز عقرها ‪ ،‬لنّه يمكن أخذها ‪ ،‬إذ هي ل تدفع عن نفسها فكان الذّبح مقدورا‬
‫عليه فل يجوز العقر ‪ ،‬وهذا لنّ العقر خلف من الذّبح والقدرة على الصل تمنع المصير إلى‬
‫الخلف ‪.‬‬
‫ثمّ ل خلف في التّذكية الضطراريّة بالسّهم والرّمح والحجر والخشب ونحوها ‪ ،‬وأمّا إذا لم‬
‫ن رسول اللّه صلى ال عليه وسلم سئل عن الصّيد‬
‫يجرح فل يحلّ أكله لما روي « أ ّ‬
‫بالمعراض ‪ ،‬فقال عليه السلم ‪ :‬إذا أصاب بحدّه فكل وإذا أصابه بعرضه فقتل فإنّه وقيذ فل‬
‫تأكل » ‪.‬‬
‫ن جميع الحيوانات المستأنسة إذا شردت وتوحّشت فإنّها ل تؤكل بالعقر عملً‬
‫وقال المالكيّة ‪ :‬إ ّ‬
‫بالصل ‪ ،‬وقال ابن حبيبٍ إن توحّش غير البقر لم يؤكل بالعقر ‪ ،‬وإن توحّش البقر جاز أكله‬
‫بالعقر ‪ ،‬لنّ البقر لها أصل في التّوحّش ترجع إليه ‪ ،‬أي شبّهها ببقر الوحش ‪.‬‬
‫وإن وقع في حفرةٍ عجز عن إخراجه فل يؤكل بالعقر ‪ ،‬وقال ابن حبيبٍ ‪ :‬يؤكل الحيوان‬
‫المتردّي المعجوز عن ذكاته بقرا أو غيره بالعقر صيانةً للموال ‪.‬‬
‫وللتّفصيل ‪ ( :‬ر ‪ :‬صيال وصيد ) ‪.‬‬
‫ذكاة ما ليس له نفس سائلة ‪:‬‬
‫ل أكله إلى الذّكاة عند‬
‫‪ - 48‬سبق بيان أنّ ما ليس له نفس سائلة كالجراد ل حاجة في ح ّ‬
‫الجمهور لقول النّبيّ صلى ال عليه وسلم ‪ « :‬أحلّت لنا ميتتان ودمان فأمّا الميتتان فالحوت‬
‫والجراد ‪ ،‬وأمّا الدّمان فالكبد والطّحال » ‪.‬‬
‫وقال المالكيّة ‪ :‬ل بدّ أن يقصد إلى إزهاق روحه بفعل شيءٍ يموت بفعله سواء كان الفعل ممّا‬
‫يعجّل الموت من قطع رأسٍ أو إلقا ٍء في نارٍ أو ما ٍء حارّ ‪ ،‬أوممّا ل يعجّل كقطع جناحٍ أو‬
‫رجلٍ أو إلقا ٍء في ما ٍء باردٍ وهو رواية عند الحنابلة ‪.‬‬
‫وصرّح المالكيّة بأنّه ل ب ّد في هذه التّذكية من ال ّنيّة والتّسمية وسائر الشّرائط المعتبرة في‬
‫التّذكية ‪ ( .‬ر ‪ :‬أطعمة )‬
‫ذكاة الجنين تبعا لمّه ‪:‬‬
‫ل هذا الجنين خلف بين العلماء‬
‫‪ - 49‬إذا ذكّيت أنثى من الحيوان فمات بتذكيتها جنينها ففي ح ّ‬
‫ن ذكاته هي موته بسبب ذكاة أمّه ‪ ،‬فهذا الموت ذكاة تبعيّة ‪ ،‬ومن قال‬
‫‪ .‬فمن قال بحلّه قال إ ّ‬
‫ن الذّكاة يجب أن تكون استقلليّةً ‪.‬‬
‫بعدم حلّه قال إنّه ميتة ل ّ‬
‫وتفصيل الخلف في ذلك أنّ جنين المذكّاة الّذي خرج بعد تذكيتها له حالتان ‪.‬‬
‫الحالة الولى ‪ :‬أن يخرج قبل نفخ الرّوح فيه بأن يكون علق ًة أو مضغةً أو جنينا غير كامل‬
‫الخلقة فل يحلّ عند الجمهور لنّه ميتة ‪ ،‬إذ ل يشترط في الموت تقدّم الحياة ‪.‬‬
‫حيِيكُمْ } فمعنى قوله { َوكُن ُتمْ َأمْوَاتا } كنتم‬
‫حيَاكُمْ ُث ّم ُيمِي ُت ُكمْ ُثمّ ُي ْ‬
‫قال تعالى ‪َ { :‬وكُن ُتمْ َأمْوَاتا فََأ ْ‬
‫مخلوقين بل حياةٍ ‪ ،‬وذلك قبل أن تنفخ فيهم الرّوح ‪.‬‬
‫الحالة الثّانية ‪ :‬أن يخرج بعد نفخ الرّوح فيه بأن يكون جنينا كامل الخلقة ‪ -‬أشعر أو لم يشعر‬
‫‪ -‬ولهذه الحالة صور ‪:‬‬
‫الصّورة الولى ‪ :‬أن يخرج حيّا حيا ًة مستقرّ ًة فتجب تذكيته فإن مات قبل التّذكية ‪ ،‬فهو ميتة‬
‫اتّفاقا ‪.‬‬
‫ح فإن أدركنا ذكاته وذكّيناه حلّ اتّفاقا ‪ ،‬وإن لم‬
‫الصّورة الثّانية ‪ :‬أن يخرج حيّا كحياة مذبو ٍ‬
‫ن حياة المذبوح كل حيا ٍة فكأنّه مات بتذكية أمّه ‪،‬‬
‫ل أيضا عند الشّافعيّة والحنابلة ‪ ،‬ل ّ‬
‫ندرك ح ّ‬
‫وبنحو هذا قال أبو يوسف ومحمّد ‪.‬‬
‫وبهذا قال المالكيّة أيضا ‪ ،‬لكنّهم اشترطوا في حلّه حينئذٍ أن ينبت شعر جسده وإن لم يتكامل‬
‫ول يكفي شعر رأسه أو عينه ‪.‬‬
‫ل اتّفاقا ‪ ،‬ويعرف‬
‫الصّورة الثّالثة ‪ :‬أن يخرج م ّيتًا ويعلم أن موته كان قبل تذكية أمّه فل يح ّ‬
‫موته قبل ذكاة أمّه بأمو ٍر منها ‪ :‬أن يكون متحرّكا في بطنها فتضرب فتسكن حركته ثمّ تذكّى‪،‬‬
‫فيخرج ميّتا ‪ ،‬ومنها ‪ :‬أن يخرج رأسه ميّتا ثمّ تذكّى ‪.‬‬
‫الصّورة الرّابعة ‪ :‬أن يخرج ميّتا بعد تذكية أمّه بمدّةٍ لتواني المذكّي في إخراجه ‪ ،‬فل يحلّ‬
‫شكّ في أنّ موته كان بتذكية أمّه أو بالنخناق للتّواني في إخراجه ‪.‬‬
‫اتّفاقا لل ّ‬
‫الصّورة الخامسة ‪ :‬أن يخرج ميّتا عقب تذكية أمّه من غير أن يعلم موته قبل التّذكية فيغلب‬
‫ن موته بسبب التّذكية ل بسببٍ آخر ‪.‬‬
‫على الظّنّ أ ّ‬
‫وهذه الصّورة محلّ خلفٍ بين الفقهاء ‪ ،‬فالمالكيّة والشّافعيّة ‪ ،‬والحنابلة ‪ ،‬وأبو يوسف ‪،‬‬
‫ومحمّد ‪ ،‬وجمهور الفقهاء من الصّحابة وغيرهم يقولون إنّه ل بأس بأكله ‪.‬‬
‫غير أنّ المالكيّة اشترطوا الشعار ‪ ،‬وهو مذهب كثيرٍ من الصّحابة ‪.‬‬
‫ودليل الجمهور قول النّبيّ صلى ال عليه وسلم ‪ « :‬ذكاة الجنين ذكاة أمّه » وهو يقتضي أنّه‬
‫يتذكّى بذكاة أمّه ‪ ،‬واحتجّوا أيضا بأنّه تبع لمّه حقيق ًة وحكما ‪ ،‬أمّا حقيق ًة فظاهر ‪ ،‬وأمّا حكمًا‬
‫فلنّه يباع ببيع المّ ‪ ،‬ولنّ جنين المة يعتق بعتقها ‪ ،‬والحكم في التّبع يثبت بعلّة الصل ول‬
‫تشترط له علّة على حد ٍة لئلّ ينقلب التّبع أصلً ‪.‬‬
‫حرّمَتْ عََل ْي ُكمُ ا ْل َم ْيتَةُ}‬
‫وذهب أبو حنيفة وزفر والحسن بن زيادٍ إلى أنّه ل يحلّ لقوله تعالى ‪ُ { :‬‬
‫ن حياة الجنين مستقلّة إذ‬
‫والجنين الّذي لم يدرك حيّا بعد تذكية أمّه ميتة ‪ ،‬وممّا يؤكّد ذلك أ ّ‬
‫يتصوّر بقاؤها بعد موت أمّه فتكون تذكيته مستقلّةً ‪.‬‬
‫ل للتّذكية ‪:‬‬
‫هل يشترط العلم بكون الذّابح أه ً‬
‫ن بازيا معلّما أخذ صيدا فقتله ول يدرى أرسله إنسان أو ل ‪ ،‬ل‬
‫‪ - 50‬قال الزّيلعيّ ‪ :‬لو أ ّ‬
‫ك في الرسال ‪ ،‬ول إباحة بدونه ‪ ،‬وإن كان مرسلً فهو مال الغير فل يجوز‬
‫شّ‬‫يؤكل لوقوع ال ّ‬
‫تناوله إلّ بإذن صاحبه ‪ ،‬حكي ذلك عن الزّيلعيّ صاحب الدّرّ المختار ‪ ،‬ثمّ قال ‪ :‬وقع في‬
‫عصرنا حادثة الفتوى وهي أنّ رجلً وجد شاته مذبوحةً ببستانه فهل يحلّ له أكلها أو ل ؟‬
‫ك في أنّ الذّابح ممّن تحلّ ذكاته أو ل ‪،‬‬
‫شّ‬‫ومقتضى ما ذكره الزّيلعيّ أنّه ل يحلّ لوقوع ال ّ‬
‫وهل سمّى اللّه تعالى عليها أو ل ؟ لكن في الخلصة في " اللّقطة " ‪ :‬إن أصاب قوم بعيرا‬
‫ن صاحبه فعل ذلك إباحةً‬
‫مذبوحا في طريق البادية ولم يكن قريبا من الماء ووقع في القلب أ ّ‬
‫ن الثّابت بالدّللة كالثّابت بالصّريح وهذا من صاحب‬
‫للنّاس فل بأس بأخذه والكل منه ‪ ،‬ل ّ‬
‫الخلصة يدلّ على إباحة الكل بالشّريطة المذكورة ‪.‬‬
‫ل للذّكاة ليس بشرطٍ ‪ ،‬وقد يفرّق بين حادثة الفتوى واللّقطة بأنّ‬
‫فعلم أنّ العلم بكون الذّابح أه ً‬
‫الذّابح في الولى غير المالك قطعا وفي الثّانية يحتمل ‪.‬‬
‫ن البازي الّذي‬
‫وأفاد ابن عابدين أنّ بين مسألة البازي ومسألة المذبوح في البستان فرقا وهو أ ّ‬
‫ك لحدٍ بخلف الذّابح في بلد‬
‫طبعه الصطياد ظاهر حاله أنّه غير مرسلٍ وغير مملو ٍ‬
‫ل ذبيحته وأنّه سمّى ‪ ،‬واحتمال عدم ذلك موجود في اللّحم الّذي‬
‫ن الظّاهر أنّه تح ّ‬
‫السلم فإ ّ‬
‫يباع في السّوق وهو احتمال غير معتبرٍ في التّحريم قطعا ‪.‬‬
‫ن مسألة البعير الّذي وجد مذبوحا قيّدت بقيدين ‪:‬‬
‫وأفاد أيضا أ ّ‬
‫الوّل ‪ :‬أنّه لم يكن قريبًا من الماء لنّه إذا كان قريبا منه احتمل أنّه وقع فيه فأخرجه صاحبه‬
‫ن حياته فلم يتحرّك ولم يخرج منه دم فتركه لعلمه بموته بالماء ‪ ،‬فل يتأتّى‬
‫منه فذبحه على ظ ّ‬
‫احتمال أنّه تركه إباح ًة للنّاس ‪.‬‬
‫ن صاحبه فعل ذلك إباحةً للنّاس ‪ ،‬والمقصود بالوقوع في‬
‫والقيد الثّاني ‪ :‬أنّه وقع في القلب أ ّ‬
‫القلب الظّنّ الغالب ل مجرّد الخطور فإنّه ل يترتّب عليه حكم ‪.‬‬
‫وأفاد أيضا أنّه يجب التّفرقة بين ما لو كان الموضع الّذي وجد فيه المذبوح يسكنه أو يسلك‬
‫ل ذكاته كالمجوسيّ أو ل ‪ ،‬ففي الحالة الولى ل يؤكل بخلف الحالة الثّانية ‪.‬‬
‫فيه من ل تح ّ‬
‫ي أنّه ذبح‬
‫ويناسب هذا ما في كتاب " القناع " في مذهب الشّافعيّ " لو أخبره فاسق أو كتاب ّ‬
‫ل أكلها ‪ ،‬لنّه من أهل الذّبح ‪ ،‬فإن كان في البلد مجوس ومسلمون وجهل‬
‫هذه الشّاة مثلً ح ّ‬
‫شكّ في الذّبح المبيح والصل عدمه ‪،‬‬
‫ل أكله لل ّ‬
‫ذابح الحيوان هل هو مسلم أو مجوسيّ لم يح ّ‬
‫لكن إن كان المسلمون أغلب كما في بلد السلم فينبغي أن يحلّ ‪ ،‬وفي معنى المجوسيّ كلّ‬
‫من لم تحلّ ذبيحته ‪.‬‬
‫وفي كتاب " المقنع " في المذهب الحنبليّ " إذا لم يعلم أسمّى الذّابح أم ل ‪ ،‬أو ذكر اسم غير‬
‫اللّه أم ل ‪ ،‬فذبيحته حلل ‪ ،‬لنّ اللّه تعالى أباح لنا كلّ ما ذبحه المسلم والكتابيّ وقد علم أنّنا‬
‫ل ذابحٍ ‪ .‬وقد أخرج البخاريّ عن عائشة رضي ال عنها « أنّهم قالوا ‪ :‬يا‬
‫ل نقف على ك ّ‬
‫رسول اللّه إنّ قوما هم حديثو عه ٍد بشركٍ يأتوننا بلحمٍ ل ندري أذكروا اسم اللّه أم لم يذكروه‬
‫قال ‪ :‬سمّوا عليه أنتم وكلوه » ‪.‬‬
‫مخنوقة الكتابيّ ‪:‬‬
‫‪ - 51‬اتّفق الفقهاء على أنّ مخنوقة الكتابيّ وما ذبح بطريقٍ غير مشروعٍ ل يجوز أكله ‪،‬‬
‫ي أولى ‪ ،‬وأمّا ما قاله ابن العربيّ من جواز أكل‬
‫لنّها إذا لم تؤكل من المسلم فمن الكتاب ّ‬
‫مخنوقة الكتابيّ فقد ردّوه عليه ‪.‬‬
‫قال ابن جزيّ ‪ :‬إذا غاب الكتابيّ على الذّبيحة فإن علمنا أنّهم يذكّون أكلنا ‪ ،‬وإن علمنا أنّهم‬
‫يستحلّون الميتة كنصارى الندلس ‪ ،‬أو شككنا في ذلك لم نأكل ما غابوا عليه ‪ ،‬ول ينبغي‬
‫للنسان أن يقصد الشّراء من ذبائح اليهود وينهى المسلمون عن شراء ذلك منهم ‪ ،‬وينهى‬
‫اليهود عن البيع منهم ‪ ،‬ومن اشترى منهم فهو رجل سوءٍ ول يفسخ شراؤه ‪ ،‬وقال ابن شعبان‬
‫‪ :‬أكره قديد الرّوم وجبنهم لما فيه من إنفحة الميتة ‪ .‬قال القرافيّ ‪ :‬وكراهيته محمولة على‬
‫التّحريم لثبوت أكلهم الميتة ‪ ،‬وأنّهم يخنقون البهائم ويضربونها حتّى تموت ‪.‬‬

‫ذبح *‬
‫انظر ‪ :‬ذبائح ‪.‬‬

‫ذراع *‬
‫التّعريف ‪:‬‬
‫‪ - 1‬الذّراع في اللّغة تطلق على معنيين ‪:‬‬
‫الوّل ‪ :‬اليد من كلّ حيوانٍ ‪ ،‬لكن الذّراع من النسان من المرفق إلى أطراف الصابع ‪.‬‬
‫وقال بعضهم ‪ " :‬هي السّاعد الجامع لعظمي الزّند ‪ .‬والزّند وصل طرف الذّراع بالكفّ "‬
‫وذراع اليد تذكّر وتؤنّث ‪.‬‬
‫الثّاني ‪ :‬ذراع القياس الّتي تقاس بها المساحة ‪ ،‬يقال ‪ :‬ذرعت الثّوب ذرعا أي قسته بالذّراع‪،‬‬
‫ن ‪ .‬وذراع القياس أنثى في الكثر ‪ ،‬وبعض العرب يذكّرها‪.‬‬
‫وتجمع على أذرعٍ وذرعا ٍ‬
‫وتستعمل في الصطلح بالمعنيين المذكورين ‪.‬‬
‫اللفاظ ذات الصّلة ‪:‬‬
‫أوّلً ‪ :‬بالنّسبة للمعنى الوّل ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬اليد ‪:‬‬
‫‪ - 2‬اليد في اللّغة من المنكب إلى أطراف الصابع ‪ ،‬فهي تشمل الذّراع بالمعنى الوّل ‪ ،‬كما‬
‫تشمل العضد والكفّ ‪ .‬فذراع النسان جزء من يده ‪ .‬وتطلق اليد على الحسان والقدرة على‬
‫ن ‪ ،‬أي في تصرّفه ‪.‬‬
‫سبيل التّجوّز ‪ ،‬فيقال ‪ :‬يده عليه ‪ ،‬أي سلطانه ‪ ،‬والمر بيد فل ٍ‬
‫ب ‪ -‬المرفق ‪:‬‬
‫‪ - 3‬المرفق المفصل الّذي يفصل بين العضد والسّاعد ‪.‬‬
‫ثانيا ‪ :‬بالنّسبة للمعنى الثّاني ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬الصبع ‪ ،‬القبضة ‪ ،‬القصبة ‪ ،‬الشلّ ‪ ،‬القفيز ‪ ،‬العشير ‪:‬‬
‫ل ستّ شعيراتٍ معتدلتٍ يسمّى أصبعا ‪،‬‬
‫‪ - 4‬جاء في المصباح ‪ :‬أنّ مجموع عرض ك ّ‬
‫والقبضة أربع أصابع ‪ ،‬والذّراع ستّ قبضاتٍ ‪ ،‬وكلّ عشرة أذرعٍ تسمّى قصبةً ‪ ،‬وكلّ عشر‬
‫قصباتٍ تسمّى أشلّا ‪ ،‬وقد سمّي مضروب الشلّ في نفسه جريبا ‪ ،‬ويسمّى مضروب الشلّ‬
‫ل في الذّراع عشيرا ‪ .‬فحصل من هذا أنّ الجريب عشرة‬
‫في القصبة قفيزا ‪ ،‬ومضروب الش ّ‬
‫آلف ذراعٍ ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬الميل والفرسخ والبريد ‪:‬‬
‫‪ - 5‬المِيل بالكسر عند العرب يطلق على مقدار مدى البصر من الرض كما نقله المصباح‬
‫عن الزهريّ ‪ .‬وعند القدماء من أهل الهيئة هو ثلثة آلف ذراعٍ ‪ .‬وعند المحدّثين منهم‬
‫ن مقداره ستّة‬
‫أربعه آلف ذراعٍ ‪ .‬قال في المصباح ‪ :‬والخلف لفظيّ ‪ ،‬لنّهم اتّفقوا على أ ّ‬
‫وتسعون ألف أصبعٍ ‪ ..‬ولكن القدماء يقولون ‪ :‬الذّراع اثنان وثلثون أصبعا ‪ ،‬والمحدثون‬
‫يقولون ‪ :‬أربع وعشرون أصبعا ‪.‬‬
‫أمّا الفرسخ فهو ثلثة أميالٍ ‪ ،‬والبريد أربعة فراسخ أي اثنا عشر ميلً ‪.‬‬
‫الحكام الّتي تتعلّق بالذّراع ‪:‬‬
‫الذّراع بالمعنى الوّل ‪ -‬أي السّاعد ‪ -‬ذكرها الفقهاء وبيّنوا أحكامها في مسائل نذكر منها ما‬
‫يلي ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬غسل الذّراعين في الوضوء ‪:‬‬
‫‪ - 6‬ل خلف بين الفقهاء في وجوب غسل الذّراع في الوضوء ‪ ،‬لقوله تعالى ‪ { :‬يَا َأ ّيهَا‬
‫غسِلُواْ ُوجُو َه ُكمْ وََأ ْي ِديَ ُكمْ إِلَى ا ْل َمرَافِقِ } ‪.‬‬
‫اّلذِينَ آ َمنُواْ ِإذَا قُ ْم ُتمْ إِلَى الصّل ِة فا ْ‬
‫والمرفق مجتمع طرف السّاعد والعضد ‪ ،‬أو هو آخر عظم الذّراع المتّصل بالعضد فشملت‬
‫ل الذّراع إلى المرفق ‪ ،‬وإنّما الخلف في فرضيّة غسل المرفق نفسه ‪.‬‬
‫الية ك ّ‬
‫فالجمهور وهم الشّافعيّة والحنابلة وأكثر الحنفيّة والمشهور عند المالكيّة أنّ المرفق يجب‬
‫غسله كذلك ‪ ،‬فمعنى قوله تعالى ‪ { :‬إِلَى ا ْل َمرَافِقِ } مع المرافق ‪ ،‬لحديث « أبي هريرة أنّه‬
‫توضّأ فغسل يديه حتّى أشرع في العضدين ثمّ قال ‪ :‬هكذا رأيت رسول اللّه صلى ال عليه‬
‫وسلم يتوضّأ » ‪.‬‬
‫ن الغاية ل تدخل‬
‫وقال زفر من الحنفيّة ومالك في روايةٍ ‪ :‬إنّه ل يجب غسل المرفقين ‪ ،‬ل ّ‬
‫تحت المغيّا ‪ ،‬فالمرفقان ل يدخلن في الغسل ‪ ،‬كما ل يدخل اللّيل في الصّوم في قوله تعالى‬
‫صيَامَ إِلَى الّليْلِ } ‪.‬‬
‫‪ُ { :‬ثمّ َأ ِتمّو ْا ال ّ‬
‫وتفصيل الموضوع مع أدلّة الجمهور تنظر في مصطلح ‪ ( :‬وضوء ) ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬افتراش الذّراعين في الصّلة ‪:‬‬
‫‪ - 7‬يكره للمصلّي أن يفترش ذراعيه في الصّلة ‪ ،‬أي يبسطهما في حالة السّجدة عند‬
‫س رضي ال عنه عن النّبيّ صلى ال عليه وسلم قال ‪ « :‬اعتدلوا‬
‫الفقهاء ‪ ،‬وذلك لحديث أن ٍ‬
‫في السّجود ‪ ،‬ول يبسط أحدكم ذراعيه انبساط الكلب » ‪.‬‬
‫وتفصيله في مصطلح ‪ ( :‬صلة ) بحث ما يكره فيها ‪.‬‬
‫ج ‪ -‬الجناية على الذّراع ‪:‬‬
‫ن من المفصل ‪ ،‬أي المرفق ‪ ،‬ففي العمد‬
‫‪ - 8‬اتّفق الفقهاء على أنّ من قطع ذراع إنسا ٍ‬
‫قصاص ‪ ،‬وفي الخطأ نصف الدّية ‪ .‬واختلفوا في قطع الذّراع أو كسرها من غير المفصل ‪:‬‬
‫ن من جنى على ذراع إنسانٍ فكسرها فل‬
‫فيرى الحنفيّة والشّافعيّة وهو رواية عند الحنابلة أ ّ‬
‫قصاص فيه ول دية معيّنة ‪ ،‬عمدا كان أو خطأً ‪ ،‬بل تجب فيها حكومة عدلٍ ‪ ،‬وذلك لمتناع‬
‫تحقيق المماثلة ‪ ،‬وهي الصل في جريان القصاص ‪ ،‬لنّه قد يكسر زياد ًة عن عضو الجاني ‪،‬‬
‫أو يقع خلل فيه ‪ ،‬ولم يرد فيه تقدير معيّن من الدّية ‪.‬‬
‫ن في كسر الزّند أربعة أبعرةٍ ‪ ،‬لنّه عظمان ‪ .‬قال ابن قدامة ‪:‬‬
‫لكن الحنابلة صرّحوا بأ ّ‬
‫الصّحيح إن شاء اللّه أنّه ل تقدير في جراح البدن غير الخمسة ‪ :‬الضّلع ‪ ،‬والتّرقوتين ‪،‬‬
‫ن التّقدير يثبت بالتّوقيف ‪ ،‬ومقتضى الدّليل وجوب الحكومة في هذه العظام‬
‫والزّندين ‪ ،‬ل ّ‬
‫الباطنة ‪ ،‬وإنّما خالفناه في هذه العظام لقضاء عمر رضي ال عنه ‪ ،‬ففيما عداها يبقى على‬
‫مقتضى الدّليل ‪.‬‬
‫وفي الرّواية الثّانية عند الحنابلة في الذّراع بعيران ‪ ،‬إذا جبر ذلك مستقيما ‪ ،‬بأن بقي على ما‬
‫كان عليه من غير أن يتغيّر عن صفته ‪ .‬وإن لم ينجبر ففيه حكومة عدلٍ ‪.‬‬
‫ل فيما يعظم خطره كالرّقبة والفخذ والصّلب ‪.‬‬
‫وذهب المالكيّة إلى أنّه يقاد في كسر العظام إ ّ‬
‫وتفصيله في مصطلح ‪ ( :‬دية ‪ ،‬وقصاص ‪ ،‬وجناية ) ‪.‬‬
‫ثانيا ‪ -‬الذّراع بالمعنى الثّاني ‪:‬‬
‫الذّراع بالمعنى الثّاني ‪ ،‬أي ما يقاس بها ‪ ،‬ذكرها الفقهاء في مسائل منها ما يلي ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬تقدير الماء الكثير ‪:‬‬
‫‪ - 9‬قدّر الفقهاء الماء الكثير والقليل بالذّراع فيما إذا خالطته نجاسة ‪ ،‬وتفصيل ذلك في‬
‫مصطلح ‪ ( :‬مياه ) ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬تحديد مسافة السّفر ‪:‬‬
‫‪ - 10‬المسافر له أحكام خاصّة ‪ ،‬كجواز الفطار ‪ ،‬وقصر الصّلة الرّباعية ‪ ،‬وجواز المسح‬
‫على الخفّين لثلثة أيّامٍ ‪ ،‬وسقوط الجمعة والعيدين ونحوها ‪.‬‬
‫والصل فيه قوله صلى ال عليه وسلم‪ «:‬إنّ اللّه وضع عن المسافر الصّوم وشطر الصّلة»‪.‬‬
‫واختلف الفقهاء في تحديد السّفر الّذي تثبت له هذه الحكام ‪.‬‬
‫وتفصيل ذلك في صلة المسافر ‪ ،‬والصّيام ‪ ،‬والمسح على الخفّين ‪.‬‬

‫ذ ّريّة *‬
‫التّعريف ‪:‬‬
‫‪ - 1‬ال ّذ ّريّة ‪ :‬إمّا فعيلة ‪ :‬من ال ّذرّ ‪ :‬أي صغار النّمل أو فعّولة ‪ :‬من الذّرء وهو الخلق أبدلت‬
‫الهمزة ياءً ‪ ،‬ث ّم قلبت الواو ياءً ‪ ،‬وأدغمت الياء في الياء ‪ ،‬والجمع ذ ّريّات وذراريّ ‪ ،‬ومعناها‬
‫في اللّغة ‪ :‬قيل ‪ :‬نسل الثّقلين ‪ ،‬وقيل ‪ :‬هي ولد الرّجل ‪ ،‬وقيل ‪ :‬من أسماء الضداد تجيء‬
‫جعَ ْلنَا ُذ ّر ّيتَهُ ُهمْ ا ْلبَاقِينَ } ‪.‬‬
‫تار ًة بمعنى البناء قال تعالى في قصّة نوحٍ { َو َ‬
‫حمَ ْلنَا ذُ ّر ّي َت ُهمْ فِي‬
‫وتجيء تار ًة بمعنى الباء ‪ ،‬والجداد ‪ .‬كما في قوله تعالى ‪ { :‬وَآ َيةٌ ّل ُهمْ َأنّا َ‬
‫شحُونِ } ‪.‬‬
‫الْفُ ْلكِ ا ْل َم ْ‬
‫والصطلح الشّرعيّ ل يخرج عن المعنى اللّغويّ ‪.‬‬
‫اللفاظ ذات الصّلة ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬الولد ‪:‬‬
‫‪ - 2‬الولد جمع ولدٍ ‪ ،‬ويطلق على الذّكر والنثى ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬النّسل ‪:‬‬
‫‪ - 3‬النّسل في الصل عبارة عن خروج شيءٍ عن شي ٍء مطلقا ‪ ،‬وهو أعمّ من الولد‬
‫وال ّذ ّريّة ‪.‬‬
‫ج ‪ -‬العقب ‪:‬‬
‫‪ - 4‬العقب هو الولد ‪ :‬من أعقب الرّجل إذا مات وخلّف عقبا أي ولدا ‪.‬‬
‫د ‪ -‬الحفاد ‪:‬‬
‫‪ - 5‬الحفاد أو الحفدة بفتحتين ‪ :‬يطلق في اللّغة ‪ :‬على ولد الولد ‪ ،‬وعلى العوان ‪ ،‬والخدم‪،‬‬
‫والختان ‪ ،‬والصهار ‪ ،‬والمفرد ‪ :‬حفيد وحافد ‪.‬‬
‫هـ ‪ -‬السباط ‪:‬‬
‫‪ - 6‬السباط ‪ :‬جمع سبطٍ ‪ ،‬وهو ولد البن والبنة ‪.‬‬
‫الحكم التّكليفيّ ‪:‬‬
‫ن ال ّذرّيّة تتناول البنين‬
‫‪ - 7‬ذهب جمهور الفقهاء " الحنفيّة والمالكيّة والشّافعيّة والحنابلة " إلى أ ّ‬
‫ن ذ ّريّة‬
‫‪ ،‬والبنات ‪ ،‬فإذا وقف على ذرّيّته دخل فيه أولد البنات ‪ ،‬لنّ البنات ذ ّريّته ‪ ،‬وأولده ّ‬
‫له حقيق ًة ‪ ،‬فيجب أن يدخلوا في الوقف ‪ ،‬ودلّ على صحّة هذا قول اللّه تعالى ‪َ { :‬ونُوحًا َه َد ْينَا‬
‫مِن قَبْلُ َومِن ُذ ّريّتِ ِه دَاوُودَ َوسَُليْمَانَ } إلى قوله ‪ { :‬وَعِيسَى } وهو من ولد بنته ‪ ،‬فجعله من‬
‫ذرّيّته ‪ .‬وكذلك ذكر اللّه قصّة " عيسى " وإبراهيم ‪ ،‬وموسى وإسماعيل ‪ ،‬وإدريس ثمّ قال ‪{ :‬‬
‫ن مِن ُذ ّريّ ِة آ َدمَ } وعيسى معهم ‪.‬‬
‫ن َأ ْن َعمَ اللّهُ عََل ْيهِم مّنَ ال ّن ِبيّي َ‬
‫أُوَْل ِئكَ اّلذِي َ‬
‫وقال الخرقيّ ‪ :‬ل يدخل أولد البنات في الوقف على ال ّذ ّريّة ‪.‬‬
‫ل حَظّ‬
‫ل ِدكُمْ لِل ّذ َكرِ ِمثْ ُ‬
‫ن اللّه تعالى قال في كتابه العزيز ‪ { :‬يُوصِيكُمُ الّل ُه فِي َأ ْو َ‬
‫واستدلّ بأ ّ‬
‫ع ذكر فيه الولد في‬
‫ن } فدخل فيه أولد البنين دون أولد البنات وهكذا كلّ موضو ٍ‬
‫الُن َثيَيْ ِ‬
‫الرث ‪ ،‬والحجب يدخل ولد البنين دون ولد البنات ‪ ،‬وال ّذ ّريّة والنّسل في حكم الولد ‪.‬‬
‫ينظر التّفصيل في مصطلح ‪ ( :‬ولد ‪ ،‬وباب الوقف ) ‪.‬‬

‫ذرعيّات *‬
‫ر ‪ :‬مثليّ ‪.‬‬

‫ذرق *‬
‫التعريف ‪:‬‬
‫‪ - 1‬الذّرق في اللّغة خرء الطّائر ‪ ،‬من ذرق الطّائر يذرق بكسر الرّاء وضمّها ذرقا وذراقا‬
‫إذا رمى بسلحه ‪ .‬وهو من الطّائر كالتّغوّط من النسان ‪ .‬وقد يستعار في الثّعلب والسّبع ‪.‬‬
‫ويطلق في اصطلح الفقهاء على المعنى اللّغويّ نفسه ‪.‬‬
‫اللفاظ ذات الصّلة ‪:‬‬
‫‪ - 2‬الخرء والذّرق والخثي والبعر والرّوث والنّجو والعذرة ألفاظ تطلق على فضلة الحيوان‬
‫الخارجة من الدّبر ‪ .‬والفرق بين هذه اللفاظ كما جاء في ابن عابدين أنّ الرّوث يكون للفرس‬
‫والبغل والحمار ‪ ،‬والخثي للبقر والفيل ‪ ،‬والبعر للبل والغنم ‪ ،‬والخرء للطّيور ‪ ،‬والنّجو‬
‫للكلب ‪ ،‬والعذرة للنسان ‪ ،‬والرّجيع يطلق على الرّوث والعذرة ‪.‬‬
‫وهذا في الغالب ‪ ،‬وقد يستعمل بعضها مكان بعضٍ توسّعا ‪ ،‬كما ورد في عبارات الفقهاء ‪.‬‬
‫الحكم الجماليّ ‪:‬‬
‫أوّلً ‪ :‬ذرق الطّيور الّتي يؤكل لحمها ‪:‬‬
‫‪ - 3‬ذرق الطّيور ممّا يؤكل لحمه ‪ ،‬كالحمام والعصافير ‪ ،‬طاهر عند جمهور الفقهاء " الحنفيّة‬
‫والمالكيّة وهو الظّاهر عند الحنابلة " وذلك لعموم البلوى به بسبب امتلء الطّرق والخانات‬
‫بها ‪ ،‬ولجماع المسلمين على ترك الحمام في المساجد ‪ .‬وعلى ذلك فإن أصاب شيء منه‬
‫بدن النسان أو ثوبه داخل الصّلة أو خارجها ل تفسد صلته ول ينجس ثوبه ‪ .‬واستثنى‬
‫الحنفيّة والمالكيّة من هذا الحكم خرء الدّجاج والبطّ الهليّ ‪ ،‬لنّهما يتغذّيان بنجسٍ فل يخلو‬
‫خرؤهما من النّتن والفساد ‪.‬‬
‫وقال الشّافعيّة ‪ -‬وهو رواية عن أحمد ‪ -‬بنجاسة خرء الطّيور ‪ ،‬سواء أكان من مأكول اللّحم‪،‬‬
‫أم من غيره ‪ ،‬لنّه داخل في عموم قوله صلى ال عليه وسلم ‪ « :‬تنزّهوا من البول » ولنّه‬
‫رجيع فكان نجساص كرجيع الدميّ ‪.‬‬
‫ومع ذلك فقد صرّحوا بأنّه يعفى عن ذرق الطّيور المأكولة اللّحم ‪ ،‬سواء أكان قليلً أم‬
‫ح عند الشّافعيّة لمشقّة الحتراز عنه ‪ ،‬وفي رواي ٍة ل يعفى عن كثيره ‪.‬‬
‫كثيراص على الص ّ‬
‫وفرّق بعضهم بين الصّلة وغيرها ‪ ،‬فقالوا بالعفو عنه في الصّلة مطلقا ‪ ،‬وفي خارج الصّلة‬
‫يعفى عن قليله ول يعفى عن كثيره ‪.‬‬
‫ثانيا ‪ -‬ذرق الطّيور الّتي ل يؤكل لحمها ‪:‬‬
‫‪ - 4‬جمهور الفقهاء على أنّ ذرق الطّيور الّتي ل يؤكل لحمها ‪ ،‬كالباز والشّاهين والرّخم‬
‫ح والمعتمد عند‬
‫والغراب والحدأة نجس ‪ ،‬وهذا قول المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة ‪ ،‬وهو الص ّ‬
‫الحنفيّة ‪ ،‬لنّه ممّا أحاله طبع الحيوان إلى نتنٍ وفسادٍ ‪.‬‬
‫وفي رواية الكرخيّ أنّه طاهر عند أبي حنيفة وأبي يوسف خلفا لمح ّمدٍ ‪.‬‬
‫واستدلّوا لطهارته بأنّه ليس لما ينفصل من الطّيور نتن وخبث رائحةٍ ‪.‬‬
‫ن خرء الجميع طاهر ‪ ،‬ولنّه ل فرق في‬
‫ول ينحّى شيء من الطّيور عن المساجد فعرفنا أ ّ‬
‫الخرء بين ما يؤكل لحمه وما ل يؤكل لحمه ‪.‬‬
‫‪ -5‬وعلى القول بنجاسته ‪ -‬كما ذهب إليه الجمهور ‪ -‬قال المالكيّة ‪ :‬يعفى عمّا أصاب منه‬
‫الثّوب أو البدن مقدار ما يصعب ويشقّ الحتراز عنه ‪ ،‬بأن يكون مقدار الدّرهم أو أقلّ في‬
‫المساحة ‪.‬‬
‫وقال الشّافعيّة ‪ :‬يعفى عن قليله لعموم البلوى ولعسر الحتراز عنه ‪ ،‬ول يعفى عن كثيره‬
‫لندرته وعدم مشقّة الحتراز عنه ‪.‬‬
‫وتعرف الكثرة والقلّة عندهم بالعادة الغالبة ‪ ،‬فما يغلب عاد ًة التّلطّخ به ويعسر الحتراز عنه‬
‫عاد ًة قليل ‪ ،‬وما زاد عليه كثير ‪.‬‬
‫وقال الحنابلة ‪ :‬ل يعفى عن يسير شيءٍ من النّجاسات إلّ إذا كانت دما أو قيحا يسيرا ممّا ل‬
‫ن الصل عدم العفو عن النّجاسة إلّ ما خصّه الدّليل ‪ ،‬ولم يوجد‬
‫يفحش في نظر الشّخص ‪ ،‬ل ّ‬
‫إلّ في الدّم والقيح فقد روي عن عائشة «أنّها قالت ‪ :‬ما كان لحدانا إلّ ثوب واحد تحيض‬
‫فيه ‪ ،‬فإن أصابه شيء من دمٍ بلّته بريقها ثمّ قصعته بريقها » ‪.‬‬
‫ن ابن عمر كان يسجد فيخرج يديه فيضعهما بالرض ‪ ،‬وهما يقطران دما من شقاقٍ‬
‫وروي أ ّ‬
‫ح فمسحه بيده وصلّى ولم يتوضّأ ‪.‬‬
‫كان في يديه ‪ ،‬وعصر بثرةً فخرج منها شيء من دمٍ وقي ٍ‬
‫وعلى ذلك إن صلّى وفي ثوبه نجاسة ‪ ،‬وإن قلّت ‪ ،‬أعاد ‪ .‬وفي روايةٍ عن أحمد أنّه يعفى عن‬
‫يسير القيء والمذي وريق البغل والحمار وسباع البهائم وسباع الطّير ‪ .‬قال القاضي أبو يعلى‬
‫‪ :‬وكذلك الحكم في أبوالها وأرواثها لنّه يشقّ التّحرّز عنه ‪.‬‬
‫أمّا الحنفيّة فعلى الرّواية بنجاسة الذّرق ‪ ،‬اعتبره أبو حنيفة وأبو يوسف من النّجاسة الخفيفة‬
‫لنّها تذرق في الهواء والتّحامي عنه متعذّر ‪ ،‬واعتبره محمّد من النّجاسة الغليظة ‪ ،‬لنّ‬
‫التّخفيف للضّرورة ‪ ،‬ول ضرورة هنا ‪ ،‬لعدم مخالطة هذه الطّيور للنّاس ‪.‬‬
‫وعلى ذلك فيعفى قدر ما دون ربع الثّوب أو البدن المصاب بذرق الطّيور غير مأكولة اللّحم‬
‫عند أبي حنيفة وأبي يوسف ‪ ،‬ول يعفى أكثر من قدر الدّرهم عند مح ّمدٍ بناءً على أصل‬
‫الحنفيّة من التّفريق بين النّجاسة الخفيفة والنّجاسة الغليظة ‪.‬‬
‫ويعرف قدر الدّرهم عندهم في النّجاسة المتجسّدة بالوزن ‪ ،‬وفي المائعة بالمساحة بأن تكون‬
‫قدر مقعّر الكفّ داخل مفاصل الصابع ‪ .‬وتفصيل الموضوع في مصطلح ‪ ( :‬نجاسة ) ‪.‬‬
‫مواطن البحث ‪:‬‬
‫‪ - 6‬ذكر الفقهاء أحكام ذرق الطّيور وفضلت الحيوانات في أبواب الطّهارة وبحث النجاس‬
‫والحيوانات عن النجاس من كتب الفقه ‪.‬‬

‫ذريعة *‬
‫التّعريف ‪:‬‬
‫‪ - 1‬الذّريعة لغةً ‪ :‬الوسيلة المفضية إلى الشّيء ‪ ،‬جاء في اللّسان ‪ :‬يقال ‪ :‬فلن ذريعتي إليك‬
‫ن الذّريعة في‬
‫أي سببي َوصِلَتي الّذي أتسبّب به إليك ‪ .‬والذّريعة السّبب إلى الشّيء ‪ ،‬وأصله أ ّ‬
‫صيّاد إلى جنبه فيستتر ويرمي الصّيد إذا أمكنه ‪ ،‬وذلك‬
‫ختَلُ به الصّيد يمشي ال ّ‬
‫ل ُي ْ‬
‫جمَ ٌ‬
‫كلمهم َ‬
‫سيّبٌ أ ّولً مع الوحش حتّى تألفه ‪.‬‬
‫الجمل ُي َ‬
‫والذّريعة في الصطلح ‪ :‬ما يتوصّل به إلى الشّيء ‪.‬‬
‫والذّريعة كما تكون إلى المفاسد المحرّمة ‪ ،‬تكون إلى المصالح أيضا ‪ ،‬فالوسيلة إلى الحجّ‬
‫كالسّفر والستعداد له ‪ ،‬فالحجّ من المقاصد ‪ ،‬والسّفر من الوسائل والذّرائع ‪ ،‬والمقاصد هي‬
‫المور المكوّنة للمصالح والمفاسد في ذاتها ‪ ،‬فالرّبا مقصد محرّم ‪ ،‬وبيوع الجال ذريعة إليه‪،‬‬
‫ج مقصد مشروع ‪ ،‬والسّفر وسيلة إليه ‪.‬‬
‫والح ّ‬
‫الحكم الجماليّ ‪:‬‬
‫‪ - 2‬حكم الذّريعة يتعلّق بها من جهتين ‪ :‬الولى سدّ الذّرائع ‪ ،‬والثّانية ‪ :‬فتحها ‪.‬‬
‫وانظر مصطلح ‪ ( :‬س ّد الذّرائع ) والملحق الصوليّ ‪.‬‬

‫ذقن *‬
‫التّعريف ‪:‬‬
‫‪ - 1‬الذّقن في اللّغة مجتمع اللّحيين من أسفلهما ‪ ،‬وهما العظمان اللّذان تنبت عليهما السنان‬
‫السّفلى ‪ ،‬وجمعه أذقان ‪ .‬ويطلق أيضا على الوجه كلّه ‪ ،‬تسمي ًة للكلّ باسم الجزء ‪ ،‬كما ورد‬
‫سجّدا } ‪ ،‬قال ابن عبّاسٍ ‪ :‬أي للوجوه ‪ .‬وإنّما خصّ‬
‫ل ْذقَانِ ُ‬
‫في قوله تعالى ‪َ { :‬يخِرّونَ لِ َ‬
‫ن الذّقن أقرب شيءٍ من الوجوه ‪.‬‬
‫الذقان بالذّكر ‪ ،‬ل ّ‬
‫وإطلق الذّقن على ما ينبت على مجتمع اللّحيين من الشّعر مولّد ‪.‬‬
‫وفي الصطلح يطلق الذّقن على نفس المعنى اللّغويّ ‪ ،‬كما نصّت عليه عبارات أكثر الفقهاء‬
‫في حدّ الوجه المفروض غسله في الوضوء ‪ .‬حيث قالوا ‪ " :‬حدّ الوجه طولً من منابت شعر‬
‫الرّأس إلى أسفل الذّقن أي منتهى الّلحّين " ‪.‬‬
‫وفسّره في ال ّدرّ بأنّه منبت السنان السّفلى ‪ .‬والمعنى واحد ‪.‬‬
‫اللفاظ ذات الصّلة ‪:‬‬
‫اللّحية ‪ ،‬الفكّ ‪ ،‬الحنك ‪ ،‬اللّحي ‪:‬‬
‫‪ - 2‬اللّحية اسم يجمع من الشّعر ما نبت على الخدّين والذّقن ‪ ،‬أو هي الشّعر النّازل على‬
‫الذّقن ‪.‬‬
‫ك بالفتح الّلحْي ‪ ،‬والفكّان اللّحيان ‪ ،‬وقيل مجتمع اللّحيين عند الصّدغ من أعلى وأسفل ‪.‬‬
‫والف ّ‬
‫قال في اللّسان نقلً عن التّهذيب ‪ :‬الفكّان ملتقى الشّدقين ‪.‬‬
‫والّلحْي عظم الحنك ‪ ،‬وهو الّذي عليه السنان ‪ .‬وهو من النسان حيث ينبت الشّعر ‪.‬‬
‫والحنك من النسان والدّابّة باطن أعلى الفم من الدّاخل ‪ ،‬وقيل ‪ :‬هو السفل في طرف مقدّم‬
‫اللّحيين من أسفلهما ‪ .‬ومنه تحنيك الصّبيّ ‪ ،‬وهو مضغ التّمر ثمّ تدليكه بحنكه ‪.‬‬
‫ن ضبّة الحنك السّفلى قطعتان كلّ منهما يقال لها لحي ومحلّ‬
‫قال الدّسوقيّ ‪ :‬حاصله أ ّ‬
‫اجتماعهما هو الذّقن ‪.‬‬
‫الحكام الّتي تتعلّق بالذّقن ‪:‬‬
‫أوّلً ‪ :‬غسل الذّقن ‪:‬‬
‫‪ - 3‬اتّفق الفقهاء على أنّ الذّقن من الوجه ‪ ،‬فيجب غسله في الوضوء لقوله تعالى ‪ { :‬يَا َأ ّيهَا‬
‫غسِلُواْ ُوجُو َه ُكمْ } ‪.‬‬
‫اّلذِينَ آ َمنُواْ ِإذَا قُ ْم ُتمْ إِلَى الصّل ِة فا ْ‬
‫‪ -‬ول خلف بين الفقهاء في وجوب غسل الذّقن الّذي نبتت عليه اللّحية الخفيفة ‪ ،‬أي الّتي‬ ‫‪4‬‬

‫تظهر البشرة تحتها ‪ ،‬ول تسترها عن الرّائي ‪.‬‬


‫أمّا ما نبت على الذّقن من اللّحية الكثيفة فيجب غسل ظاهرها لنّها نبتت في محلّ الفرض ‪،‬‬
‫والمواجهة تحصل بها فتدخل في اسم الوجه ‪ .‬أمّا باطنها من الذّقن والبشرة فل يجب غسله‬
‫في الوضوء ‪ ،‬لعسر إيصال الماء إليه ‪ ،‬ولما ورد « أنّه توضّأ فغرف غرفةً غسل بها وجهه‬
‫» وكانت لحيته الكريمة كثيفةً ‪ ،‬وبالغرفة الواحدة ل يصل الماء إلى ذلك غالبا ‪.‬‬
‫وتفصيل هذه المسائل في مصطلحي ‪ ( :‬لحية ووضوء ) ‪.‬‬
‫ثانيا ‪ :‬وجوب الدّية ‪:‬‬
‫ن من فوّت منفعةً على الكمال ‪ ،‬أو أزال جمالً‬
‫‪ - 5‬صرّح الفقهاء في دية الطراف أ ّ‬
‫مقصودا على الكمال ‪ ،‬فإذا كان العضو من الفراد ولم يكن له نظير في بدن النسان ‪،‬‬
‫كالنف واللّسان ‪ ،‬ففيه دية كاملة ‪.‬‬
‫وإذا كان من الزواج مثل العينين والذنين ففي كليهما دية كاملة ‪،‬وفي إحداهما نصف الدّية‪.‬‬
‫ن فيهما‬
‫ص الشّافعيّة والحنابلة على وجوب الدّية الكاملة في اللّحيين كليهما ‪ ،‬ل ّ‬
‫وعلى ذلك ن ّ‬
‫نفعا وجمالً ليس في البدن مثلهما ‪ .‬وفي أحدهما نصف الدّية ‪ .‬فإن قلعهما بما عليهما من‬
‫السنان وجبت ديتهما ودية السنان معا ‪ ،‬فل تدخل دية السنان في اللّحيين ‪.‬‬
‫وتفصيله في مصطلح ‪ ( :‬دية ‪ ،‬لحية ) ‪.‬‬

‫ذكاة *‬
‫ر ‪ :‬ذبائح ‪ ،‬صيد ‪.‬‬

‫َذكَر *‬
‫التّعريف ‪:‬‬
‫‪ - 1‬الذّكر اسم للعضو المعروف ‪ ،‬جمعه ِذكَرَة بوزن " عنبةٍ " ومذاكير على غير قياسٍ ‪.‬‬
‫والذّكر أيضا خلف النثى ‪ ،‬وجمعه ذكران وذكور ‪ ،‬والمصدر الذّكورة ‪،‬‬
‫وانظر مصطلح ‪ ( :‬ذكورة ) ‪.‬‬
‫اللفاظ ذات الصّلة ‪:‬‬
‫النثى ‪:‬‬
‫‪ - 2‬النثى ‪ :‬هي خلف الذّكر من كلّ شيءٍ والجمع إناث وأنث ‪ ،‬مثل حما ٍر وحمرٍ ‪،‬‬
‫والتّأنيث خلف التّذكير ‪.‬‬
‫الفرج ‪:‬‬
‫ن كلّ واح ٍد منهما‬
‫‪ - 3‬الفرج من النسان يطلق على القبل والدّبر من الذّكر والنثى ‪ ،‬ل ّ‬
‫منفرج ‪ ،‬وأكثر استعماله في العرف في القبل ‪.‬‬
‫ما يتعلّق بالذّكر من الحكام ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬انتقاض الوضوء بمسّ الذّكر ‪:‬‬
‫‪ - 4‬اختلف الفقهاء في انتقاض الوضوء بمسّ الذّكر بالكفّ ‪.‬‬
‫فذهب المالكيّة والشّافعيّة وهو رواية عند الحنابلة إلى انتقاض الوضوء بمسّ الذّكر بالكفّ ‪.‬‬
‫وذهب الحنفيّة وهو رواية عن المام أحمد إلى عدم انتقاض الوضوء بمسّ الذّكر مطلقا ‪.‬‬
‫وراجع التّفصيل والدلّة في ( حدث ) ‪.‬‬
‫القصاص في قطع الذّكر ‪:‬‬
‫‪ - 5‬ذهب الجمهور وهم المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة وأبو يوسف من الحنفيّة إلى وجوب‬
‫جرُوحَ‬
‫القصاص في قطع الذّكر السّليم إذا توافرت شروط القصاص ‪ ،‬لقوله تعالى ‪ { :‬وَا ْل ُ‬
‫قِصَاصٌ } ولنّ له نهاي ًة منضبطةً فألحقت بالمفاصل ‪ ،‬فيمكن القصاص فيه من غير حيفٍ ‪.‬‬
‫ويستوي في ذلك ذكر الصّغير والكبير ‪ ،‬والشّيخ والشّابّ ‪ ،‬كما يستوي فيه الذّكر الكبير‬
‫والصّغير ‪ ،‬والصّحيح والمريض ‪ ،‬لنّ ما وجب القصاص فيه من الطراف لم يختلف بهذه‬
‫المعاني ‪.‬‬
‫وذهب الحنفيّة إلى أنّه ل قصاص في قطع الذّكر من أصله أو قطع بعضه إلّ الحشفة ‪ ،‬لنّ‬
‫الذّكر ينقبض مرّ ًة وينبسط أخرى ‪ ،‬فل يمكن مراعاة المماثلة فيه ‪ .‬والمماثلة شرط من شروط‬
‫وجوب القصاص فيما دون النّفس ‪ ،‬وانعدامها يمنع وجوب القصاص ‪ .‬أمّا قطع الحشفة ففيه‬
‫ن لها حدّا معلوما تنتهي إليه ‪.‬‬
‫القصاص ‪ ،‬لمكان استيفاء المثل ‪ ،‬ل ّ‬
‫وفي وجوب القصاص في قطع ذكر الخصيّ والعنّين خلف بين الفقهاء إذا كان القاطع غير‬
‫خصيّ ول عنّينٍ ‪ .‬راجع تفاصيل هذا الخلف في مصطلح ‪ ( :‬قصاص ) ‪.‬‬
‫واتّفقوا على أنّه ل يقتصّ بقطع الذّكر السّليم بالشلّ ‪.‬‬
‫وجوب الدّية في قطع الذّكر ‪:‬‬
‫ن في قطع الذّكر الدّية كاملةً إذا لم يجب القصاص ‪ ،‬لقوله صلى‬
‫‪ - 6‬أجمع أهل العلم على أ ّ‬
‫ال عليه وسلم في كتابه لعمرو بن حزمٍ ‪ « :‬وفي الذّكر الدّية » ولنّه عضو واحد في البدن‬
‫فيه المنفعة والجمال فكملت فيه الدّية ‪ .‬كما أجمعوا على وجوب الدّية في قطع الحشفة ‪ -‬وهي‬
‫رأس الذّكر ‪ -‬لنّ معظم منافع الذّكر وهو لذّة المباشرة تتعلّق بها ‪ ،‬وأحكام الوطء عليها ‪،‬‬
‫فما عداها من الذّكر كالتّابع لها ‪ ،‬كالكفّ مع الصابع ‪ ،‬وتجب الدّية كذلك في شلل الذّكر ‪،‬‬
‫لنّه ذهب بنفعه ‪ ،‬ول فرق في وحوب الدّية في الذّكر بين الذّكر الكبير والصّغير ‪ ،‬ول بين‬
‫ذكر الشّيخ والشّابّ ‪ ،‬سواء قدر على الجماع أو لم يقدر ‪ ،‬بشرط أن يعلم صحّة ذكر الصّغير‬
‫عند الحنفيّة ‪ ،‬ولكنّهم اختلفوا في وجوب الدّية بذكر العنّين ‪ ،‬وذلك بعدما اتّفقوا على أنّه ل دية‬
‫في قطع ذكر الشلّ ومقطوع الحشفة ‪ ،‬فذهب جمهور الفقهاء وهم الحنفيّة والشّافعيّة وهو‬
‫الرّاجح عند المالكيّة والحنابلة ‪ ،‬إلى وجوب الدّية في ذكر العنّين لعموم الحديث ‪ ،‬ولنّه‬
‫ف في القلب أو الدّماغ أو‬
‫عضو ل خلل في نفسه بل هو سليم ‪ ،‬وعدم النتشار يعود لضع ٍ‬
‫لعوامل أخرى ‪ ،‬ولنّه غير ميئوسٍ من جماعه ‪.‬‬
‫ن منفعة الذّكر هي‬
‫ل للمالكيّة وهو رواية عن المام أحمد ‪ :‬إنّه ل تكمل فيه الدّية ‪ ،‬ل ّ‬
‫وفي قو ٍ‬
‫النزال والحبال والجماع وقد عدم ذلك منه في حال الكمال ‪ ،‬فلم تكمل ديته ‪ ،‬وإلى هذا‬
‫ذهب قتادة ‪.‬‬
‫‪ -7‬واختلف العلماء كذلك في وجوب الدّية بذكر الخصيّ ‪ ،‬فذهب الحنفيّة وهو أحد القولين‬
‫عند المالكيّة ورواية عن المام أحمد وهي الرّاجحة عند الحنابلة ‪ ،‬إلى عدم وجوب ديةٍ كاملةٍ‬
‫ن المقصود من الذّكر هو النزال وتحصيل النّسل ‪.‬‬
‫فيه ‪ ،‬ل ّ‬
‫وإلى هذا ذهب الثّوريّ وقتادة وإسحاق ‪.‬‬
‫وذهب الشّافعيّة وهو القول الخر عند المالكيّة والرّواية الثّانية عند الحنابلة ‪ ،‬إلى أنّ في ذكر‬
‫ن من صفة‬
‫الخصيّ دي ًة كاملةً ‪ ،‬لعموم قوله صلى ال عليه وسلم ‪ « :‬وفي الذّكر الدّية » ول ّ‬
‫الذّكر الجماع وهو باقٍ فيه ‪.‬‬
‫والتّفاصيل في مصطلحات ‪ ( :‬دية ‪ ،‬حشفة ‪ ،‬حكومة عدلٍ ‪ ،‬عنّين ‪ ،‬خصيّ ‪ ،‬قصاص ) ‪.‬‬
‫ووردت في كتب الفقه أحكام أخرى تتعلّق بالذّكر منها ‪ :‬وجوب الغسل بتغييب حشفة الذّكر‬
‫في الفرج ‪ .‬ومنها أنّ المهر يستقرّ للمرأة بالوطء ‪.‬‬
‫ومنها أنّ الحصان يحصل بذلك إذا كان في نكاحٍ صحيحٍ ‪.‬‬
‫ومنها أنّ حدّ الزّنى يجب بإيلج شي ٍء من الذّكر للرّجل البالغ في فرج امرأ ٍة مشتها ٍة محرّمةٍ‬
‫خاليةٍ عن الشّبهة ‪.‬‬
‫والتّفاصيل في مصطلحات ‪ ( :‬غسل ‪ ،‬ومهر ‪ ،‬وإحصان ‪ ،‬وزنىً ‪ ،‬وحشفة ‪ ،‬ووطء ) ‪.‬‬

‫ِذكْر *‬
‫التّعريف ‪:‬‬
‫‪ - 1‬الذّكر لغ ًة مصدر ذكَر الشّيء يذكره ِذكْرا و ُذكْرا ‪ ،‬وقال الكسائيّ ‪ :‬الذّكر باللّسان ضدّ‬
‫النصات ذاله مكسورة ‪ ،‬وبالقلب ضدّ النّسيان وذاله مضمومة ‪ ،‬وقال غيره ‪ :‬بل هما لغتان ‪.‬‬
‫وهو يأتي في اللّغة لمعانٍ ‪:‬‬
‫الوّل ‪ :‬الشّيء يجري على اللّسان ‪ ،‬أي ما ينطق به ‪ ،‬يقال ‪ :‬ذكرت الشّيء أذكره ذكرا‬
‫ع ْبدَ ُه َزكَ ِريّا }‬
‫حمَ ِة َر ّبكَ َ‬
‫وذكرًا إذا نطقت باسمه أو تحدّثت عنه ‪ ،‬ومنه قوله تعالى ‪ِ { :‬ذكْرُ َر ْ‬
‫‪ .‬والثّاني ‪ :‬استحضار الشّيء في القلب ‪ ،‬ضدّ النّسيان ‪ .‬قال تعالى حكاي ًة عن فتى موسى ‪{ :‬‬
‫ن َأ ْذ ُكرَهُ } ‪.‬‬
‫ن أَ ْ‬
‫ش ْيطَا ُ‬
‫َومَا أَنسَانِي ُه إِلّا ال ّ‬
‫قال الرّاغب في المفردات ‪ ،‬ونقله عنه صاحب القاموس في بصائره ‪ " :‬الذّكر تار ًة يراد به‬
‫ن الحفظ‬
‫هيئة للنّفس بها يمكّن النسان أن يحفظ ما يقتنيه من المعرفة ‪ ،‬وهو كالحفظ ‪ ،‬إلّ أ ّ‬
‫يقال اعتبارًا بإحرازه ‪ ،‬والذّكر يقال باعتبار استحضاره ‪ ،‬وتار ًة يقال لحضور الشّيء القلب‬
‫أو القول ‪ .‬ولذلك قيل ‪ :‬الذّكر ذكران ‪ :‬ذكر بالقلب ‪ ،‬وذكر باللّسان ‪ ،‬وكلّ واح ٍد منهما‬
‫ل قولٍ يقال له ذكر‬
‫ن ‪ ،‬بل عن إدامة حفظٍ ‪ .‬وك ّ‬
‫ن ‪ ،‬وذكر ل عن نسيا ٍ‬
‫ضربان ‪ :‬ذكر عن نسيا ٍ‬
‫‪.‬‬
‫س َككُمْ فَا ْذكُرُو ْا اللّ َه َك ِذ ْكرِ ُكمْ‬
‫ض ْيتُم ّمنَا ِ‬
‫ومن الذّكر بالقلب واللّسان معا قوله تعالى ‪َ { :‬فإِذَا َق َ‬
‫شدّ ِذكْرا } ‪.‬‬
‫آبَاء ُكمْ أَ ْو َأ َ‬
‫ل ‪ ،‬سواء بالخبار المجرّد‬
‫أمّا في الصطلح فيستعمل الذّكر بمعنى ذكر العبد لربّه عزّ وج ّ‬
‫عن ذاته ‪ ،‬أو صفاته ‪ ،‬أو أفعاله ‪ ،‬أو أحكامه ‪ ،‬أو بتلوة كتابه ‪ ،‬أو بمسألته ودعائه ‪ ،‬أو‬
‫بإنشاء الثّناء عليه بتقديسه ‪ ،‬وتمجيده ‪ ،‬وتوحيده ‪ ،‬وحمده ‪ ،‬وشكره وتعظيمه ‪.‬‬
‫ويستعمل الذّكر اصطلحا بمعنىً أخصّ من ذلك ‪ ،‬فيكون بمعنى إنشاء الثّناء بما تقدّم ‪ ،‬دون‬
‫ص قوله تعالى ‪{ :‬‬
‫سائر المعاني الخرى المذكورة ‪ .‬ويشير إلى الستعمال بهذا المعنى الخ ّ‬
‫حشَاء وَا ْلمُن َكرِ وََل ِذ ْكرُ اللّهِ َأ ْك َبرُ } وقول النّبيّ صلى ال عليه وسلم فيما‬
‫عنِ ا ْل َف ْ‬
‫ن الصّلَاةَ َت ْنهَى َ‬
‫إِ ّ‬
‫يرويه عن اللّه تعالى ‪ « :‬من شغله القرآن وذكري عن مسألتي أعطيته أفضل ما أعطي‬
‫ن نهي ذكر اللّه عن الفحشاء‬
‫السّائلين » ‪ .‬فجعلت الية الذّكر غير الصّلة ‪ ،‬على التّفسير بأ ّ‬
‫والمنكر أعظم من نهي الصّلة عنهما ‪ ،‬وجعل الحديث الذّكر غير تلوة القرآن ‪ ،‬وغير‬
‫المسألة وهي الدّعاء ‪.‬‬
‫ص هو الكثر عند الفقهاء ‪ ،‬حتّى إنّ ابن علّان ذهب إلى أنّه الحقيقة ‪،‬‬
‫وهذا الستعمال الخ ّ‬
‫وأنّ استعماله لغير ذلك من المعاني مجاز ‪ .‬قال ‪ " :‬أصل وضع الذّكر هو ما تعبّدنا الشّارع‬
‫بلفظه ممّا يتعلّق بتعظيم الحقّ والثّناء عليه " ‪.‬‬
‫وذكر الحديث « أنّ النّبيّ صلى ال عليه وسلم امتنع من ردّ السّلم على المهاجر بن قنفذٍ‬
‫حتّى توضّأ ثمّ قال ‪ :‬إنّي كرهت أن أذكر اللّه تعالى إلّ على طهرٍ » ‪.‬‬
‫قال ابن علّان ‪ :‬جواب السّلم ليس موضوعا لذلك ‪ ،‬أي للثّناء والتّعظيم ‪ .‬فإطلق الذّكر عليه‬
‫مجاز شرعيّ سببه ‪ -‬أي علقته ‪ -‬المشابهة أي من حيث هو قول يبنى عليه الثّواب ‪.‬‬
‫وأطلق الذّكر في القرآن على عدّة أمورٍ باعتبار المعنيين اللّغويّين أو واح ٍد منهما ‪ ،‬فأطلق‬
‫على القرآن العظيم نفسه في مثل قوله تعالى ‪ { :‬وَ َهذَا ِذ ْكرٌ ّمبَا َركٌ أَنزَ ْلنَاهُ } وقال ‪ { :‬ذَِلكَ‬
‫حكِيمِ } ‪.‬‬
‫ك مِنَ اليَاتِ وَال ّذ ْكرِ ا ْل َ‬
‫َنتْلُوهُ عََل ْي َ‬
‫ن ا ْلَأرْضَ َي ِر ُثهَا‬
‫وأطلق على التّوراة في قوله تعالى ‪ { :‬وَلَ َق ْد َك َت ْبنَا فِي ال ّزبُورِ مِن َب ْعدِ ال ّذ ْكرِ أَ ّ‬
‫عبَا ِديَ الصّالِحُونَ } ‪.‬‬
‫ِ‬
‫ل ال ّذكْرِ } أي‬
‫سأَلُواْ أَهْ َ‬
‫وأطلق على كتب النبياء المتقدّمين ‪ .‬قال الرّاغب ‪ :‬قوله تعالى ‪ { :‬فَا ْ‬
‫خذُوا‬
‫ل كتابٍ من كتب النبياء ذكر ‪ ،‬وقال تعالى ‪َ { :‬أمِ ا ّت َ‬
‫الكتب المتقدّمة ‪ .‬وقال الزّبيديّ ‪ :‬ك ّ‬
‫مِن دُونِ ِه آِلهَ ًة قُلْ هَاتُوا ُبرْهَا َن ُكمْ َهذَا ِذ ْكرُ مَن ّم ِعيَ َو ِذ ْكرُ مَن َقبْلِي } أي هذا هو الكتاب‬
‫المنزّل على من معي والكتاب الخر المنزّل على من تقدّمني ‪ ،‬وهو التّوراة والنجيل‬
‫ن اللّه أذن بأن تتّخذوا إلها من دون اللّه ‪ .‬وقد‬
‫والزّبور والصّحف ‪ ،‬وليس في شيءٍ منها أ ّ‬
‫فسّرت الية أيضا بغير ذلك ‪.‬‬
‫وأطلق الذّكر على النّبيّ صلى ال عليه وسلم في قوله تعالى ‪َ { :‬قدْ أَنزَلَ اللّهُ إَِل ْي ُكمْ ِذكْرا ‪،‬‬
‫ن الكلمة وصف‬
‫رّسُولً } ‪ .‬فقد قيل ‪ :‬إنّ الذّكر هنا وصف للرّسول صلى ال عليه وسلم كما أ ّ‬
‫لعيسى عليه السلم ‪ ،‬من حيث إنّه بشّر به في الكتب المتقدّمة ‪.‬‬
‫شرّ ‪ ،‬وبمعنى الشّرف ‪ ،‬من حيث إنّ‬
‫وأطلق الذّكر بمعنى الصّيت ‪ ،‬ويكون في الخير وال ّ‬
‫صاحبهما يذكر بهما ‪ .‬وقد فسّر بهما قوله تعالى ‪ { :‬لَ َق ْد أَنزَ ْلنَا إَِل ْي ُكمْ ِكتَابا فِي ِه ِذكْ ُر ُكمْ } وقوله‪:‬‬
‫{ وَِإنّ ُه َل ِذكْرٌ ّلكَ وَِلقَ ْو ِمكَ } ‪.‬‬
‫س ْرنَا‬
‫وأطلق الذّكر بمعنى التّعاظ وما يحصل به الوعظ ‪ ،‬وقد فسّر بذلك قوله تعالى { وَلَ َقدْ َي ّ‬
‫ضرِبُ عَن ُكمُ ال ّذ ْكرَ صَ ْفحًا أَن كُن ُتمْ قَ ْومًا‬
‫ن لِل ّذكْرِ َفهَلْ مِن ّم ّد ِكرٍ } وقوله تعالى ‪َ { :‬أ َفنَ ْ‬
‫الْ ُقرْآ َ‬
‫ّمسْ ِرفِينَ } قال الرّازيّ ‪ :‬المعنى ‪ :‬أنردّ عنكم النّصائح والمواعظ ‪ .‬وقد فسّرت بغير ذلك ‪.‬‬
‫سنّة النّبويّة على اللّوح المحفوظ ‪ ،‬وذلك في قول النّبيّ ‪ « :‬وكتب اللّه في‬
‫وأطلق الذّكر في ال ّ‬
‫ل شي ٍء من الكائنات ‪.‬‬
‫ن اللّوح محلّ للذّكر كتب اللّه فيه ك ّ‬
‫ل شيءٍ » أي ل ّ‬
‫الذّكر ك ّ‬
‫ويشتمل هذا البحث على ما يلي ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬الذّكر بمعنى ذكر اللّه تعالى والثّناء عليه ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬والذّكر بمعنى النّطق باسم الشّيء ‪.‬‬
‫ج ‪ -‬والذّكر بمعنى استحضار الشّيء في القلب ‪.‬‬
‫د ‪ -‬والذّكر بمعنى الشّهرة والصّيت والشّرف ‪.‬‬
‫وأمّا الذّكر بسائر المعاني فتنظر أحكامه في مواضع أخرى ( ر ‪ :‬قرآن ‪ .‬توراة ‪ .‬إنجيل ‪.‬‬
‫وعظ ‪ .‬دعاء ) ‪.‬‬
‫أوّلً ‪ :‬ذكر اللّه تعالى ‪:‬‬
‫حكم ذكر اللّه تعالى ‪:‬‬
‫ل أحدٍ مرغّب فيه في جميع الحوال ‪ ،‬إلّ في حالٍ ورد‬
‫‪ - 2‬الذّكر محبوب مطلوب من ك ّ‬
‫الشّرع باستثنائها ‪ ،‬كحال الجلوس على قضاء الحاجة ‪ ،‬وحال سماع الخطبة على ما يأتي ‪.‬‬
‫ت كثير ٍة ‪ ،‬ونهى عن ضدّه من الغفلة والنّسيان ‪ ،‬وعلّق‬
‫ودليل استحبابه أنّ اللّه أمر به في آيا ٍ‬
‫الفلح باستدامته وكثرته ‪ ،‬وأثنى على أهله وجعلهم أهل النتفاع بآياته ‪ ،‬وأنّهم أولو اللباب ‪،‬‬
‫وأخبر عن خسران من لها عن الذّكر بغيره ‪ ،‬وجعل ذكره تعالى لهله جزاء ذكرهم له ‪،‬‬
‫وأخبر أنّه أكبر من كلّ شيءٍ ‪ ،‬وجعله قرين العمال الصّالحة ‪ ،‬وجعله مفتتحها ومختتمها ‪،‬‬
‫ت كثيرةٍ يرد بعضها أثناء هذا البحث ل نطيل بذكرها هنا ‪.‬‬
‫في آيا ٍ‬
‫ويزداد استحباب الذّكر في مواضع يأتي تفصيلها ‪.‬‬
‫وقد يكون واجبا ‪ ،‬ومن الذّكر الواجب بعض أذكار الصّلة كتكبيرة الحرام وقراءة القرآن ‪.‬‬
‫ومن الذّكر الواجب الذان والقامة على القول بأنّهما يجبان على الكفاية ‪ ،‬وردّ السّلم ‪،‬‬
‫ل منها في موضعه ‪.‬‬
‫والتّسمية على الذّبيحة ‪ .‬فينظر تفصيل أحكام ك ّ‬
‫وقد يكون الذّكر حراما ‪ ،‬وذلك كأن يتضمّن شركًا كتلبية أهل الجاهليّة ‪ ،‬أو يتضمّن نقصا ‪،‬‬
‫مثل ما كانوا يقولونه في أوّل السلم ‪ :‬السّلم على اللّه من عباده ‪ ،‬فقال النّبيّ صلى ال‬
‫عليه وسلم ‪ « :‬ل تقولوا السّلم على اللّه فإنّ اللّه هو السّلم ولكن قولوا ‪ :‬التّحيّات للّه‬
‫طيّبات ‪ » ...‬فإنّ السّلم إنّما يطلب لمن يحتاج إليه ‪ ،‬واللّه هو السّلم ‪ ،‬فالسّلم‬
‫والصّلوات وال ّ‬
‫يطلب منه ول يطلب له ‪ ،‬بل يثنى عليه به نحو « اللّهمّ أنت السّلم ومنك السّلم » ‪ .‬وقد‬
‫ل خاصّ ٍة كالذّكر في حال خطبة الجمعة ‪ .‬وتفصيله في مصطلح ‪:‬‬
‫يحرم الذّكر في أحوا ٍ‬
‫( صلة الجمعة ) ‪.‬‬
‫ل خاصّ ٍة يرد ذكرها أثناء البحث ‪.‬‬
‫وقد يكون الذّكر مكروها وذلك في أحوا ٍ‬
‫فضائل الذّكر وفوائده ‪:‬‬
‫‪ - 3‬تتبيّن منزلة الذّكر بين شعائر الدّين بوجو ٍه كثيرةٍ منها ما يلي ‪:‬‬
‫ن الذّكر بالمعنى الشّامل لتلوة كتاب اللّه تعالى هو أفضل العمال على الطلق ‪،‬‬
‫الوّل ‪ :‬أ ّ‬
‫ن الجهاد أفضل من‬
‫ونقل ابن علّان عن شرح المشكاة لبن حجرٍ أنّ قضيّة كلم الشّافعيّة أ ّ‬
‫الذّكر ‪ .‬ووجه الوّل ما في حديث أبي الدّرداء مرفوعا « أل أنبّئكم بخير أعمالكم وأزكاها‬
‫عند مليككم وأرفعها في درجاتكم ‪ ،‬وخير لكم من إنفاق الذّهب والفضّة ‪ ،‬وخير لكم من أن‬
‫تلقوا عدوّكم فتضربوا أعناقهم ويضربوا أعناقكم ؟ قالوا ‪ :‬بلى ‪ ،‬قال ‪ :‬ذكر اللّه » ‪.‬‬
‫ن الذّكر خير العمال على العموم ‪ ،‬وأنّه أكثرها‬
‫قال صاحب نزل البرار ‪ :‬أفاد الحديث أ ّ‬
‫نماءً وبرك ًة وأرفعها درج ًة ‪.‬‬
‫ومثله حديث « الغازي في سبيل اللّه لو ضرب بسيفه في الكفّار حتّى ينكسر ويختضب دما‬
‫لكان الذّاكرون اللّه أفضل منه درج ًة » واستشكل بعض العلماء تفضيل الذّكر على الجهاد مع‬
‫ورود الدلّة الصّحيحة أنّه أفضل العمال ‪ ،‬وجمع بعض أهل العلم بين ذلك بأنّه باعتبار‬
‫الشخاص والحوال فمن كان مطيقًا للجهاد قويّ الثر فيه فأفضل أعماله الجهاد ‪ ،‬ومن كان‬
‫كثير المال فأفضل أعماله الصّدقة ‪ ،‬وغير هذين أفضل أعماله الذّكر والصّلة ونحو ذلك ‪.‬‬
‫قال الشّوكانيّ ‪ :‬ولكن يدفع هذا تصريحه صلى ال عليه وسلم بأفضليّة الذّكر على الجهاد‬
‫نفسه في هذه الحاديث ‪.‬‬
‫ن المراد بالذّكر الّذي هو أفضل ‪ ،‬من الجهاد ‪ ،‬الذّكر الكامل الجامع بين‬
‫وجمع ابن حجرٍ بأ ّ‬
‫ذكر اللّسان وذكر القلب بالتّفكّر والستحضار ‪ ،‬فالّذي يحصل له ذلك يكون أفضل ممّن يقاتل‬
‫الكفّار من غير استحضارٍ لذلك ‪ ،‬وأفضليّة الجهاد هي بالنّسبة للذّكر اللّسانيّ المجرّد ‪.‬‬
‫ح إلّ والذّكر مشترط في‬
‫ونقل عن ابن العربيّ أنّ وجه الجمع أنّه ما من عملٍ صال ٍ‬
‫تصحيحه ‪ ،‬فمن لم يذكر اللّه بقلبه فليس عمله كاملً ‪ ،‬فصار الذّكر أفضل العمال من هذه‬
‫الحيثيّة ‪ .‬وأفضل أهل كلّ عملٍ أكثرهم فيه ذكرا للّه تعالى ‪ ،‬فأفضل المصلّين أكثرهم ذكرا‬
‫للّه ‪ ،‬وأفضل الصّائمين أكثرهم في صومهم ذكرا للّه ‪ ،‬وكذا الحجّاج والعمّار ‪ ،‬قال رسول‬
‫اللّه صلى ال عليه وسلم « سبق المفرّدون ‪ ،‬قالوا ومن المفرّدون يا رسول اللّه ‪ ،‬قال ‪:‬‬
‫الذّاكرون اللّه كثيرًا والذّاكرات » وذمّ اللّه تعالى المنافقين بقلّة الذّكر في صلتهم ‪ ،‬قال تعالى‬
‫ل قَلِيلً } ‪.‬‬
‫ل َي ْذكُرُونَ الّلهَ ِإ ّ‬
‫‪ { :‬وَِإذَا قَامُواْ إِلَى الصّلَ ِة قَامُواْ ُكسَالَى ُيرَآؤُونَ النّاسَ َو َ‬
‫الثّاني ‪ :‬أنّ جميع العبادات إنّما شرعت لقامة ذكر اللّه تعالى من ذلك قول اللّه تعالى في‬
‫شأن الصّلة { وََأقِمِ الصّلَا َة ِل ِذ ْكرِي } ‪ ،‬وقول النّبيّ صلى ال عليه وسلم في المساجد « إنّما‬
‫هي لذكر اللّه عزّ وجلّ والصّلة وقراءة القرآن » ‪.‬‬
‫ن اللّه تعالى مع الذّاكرين بالقرب والولية والنّصر والمحبّة والتّوفيق ‪ ،‬وأنّه يذكر‬
‫الثّالث ‪ :‬أ ّ‬
‫ش ُكرُواْ‬
‫من ذكره ‪ ،‬ومن نسي اللّه نسيه وأنساه نفسه ‪ .‬قال اللّه تعالى ‪ { :‬فَا ْذكُرُونِي َأ ْذ ُك ْركُمْ وَا ْ‬
‫س َي ُهمْ } ‪.‬‬
‫ل َتكْ ُفرُونِ } ‪ .‬وقال ‪َ { :‬نسُو ْا اللّ َه َفنَ ِ‬
‫لِي َو َ‬
‫وفي الحديث عن أبي هريرة قال ‪ « :‬قال رسول اللّه صلى ال عليه وسلم ‪ :‬يقول اللّه تعالى‬
‫ن عبدي بي ‪ ،‬وأنا معه إذا ذكرني ‪ ،‬فإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي‪ ،‬وإن‬
‫‪ :‬أنا عند ظ ّ‬
‫ذكرني في ملٍ ذكرته في ملٍ خيرٍ منهم » ‪.‬‬
‫ن ذكر اللّه تعالى يحصّن الذّاكر من وسوسة الشّيطان ومن أذاه قال اللّه تعالى ‪{ :‬‬
‫الرّابع ‪ :‬أ ّ‬
‫صرُونَ } ‪.‬‬
‫ن َتذَ ّكرُو ْا فَِإذَا هُم ّمبْ ِ‬
‫شيْطَا ِ‬
‫ن ال ّ‬
‫سهُمْ طَا ِئفٌ مّ َ‬
‫ن اّلذِينَ اتّقَواْ ِإذَا َم ّ‬
‫إِ ّ‬
‫ل على قلبه الوسواس ‪ ،‬فإذا عقل فذكر اللّه خنس ‪ ،‬وإذا‬
‫وعن ابن عبّاسٍ قال ‪ :‬ما من مولودٍ إ ّ‬
‫غفل وسوس ‪.‬‬
‫الخامس ‪ :‬ما في الذّكر من الجر العظيم ‪ ،‬ومن ذلك ما في الحديث « أل أحدّثكم شيئًا‬
‫ل من صنع مثل ما‬
‫تدركون به من سبقكم ‪،‬وتسبقون به من بعدكم ول يكون أحد أفضل منكم إ ّ‬
‫ل صلةٍ ثلثا‬
‫صنعتم‪ ،‬قالوا بلى يا رسول اللّه ‪ .‬قال ‪ :‬تسبّحون وتحمدون وتكبّرون خلف ك ّ‬
‫وثلثين »‪ .‬السّادس ‪ :‬أنّ الذّكر يكسو الذّاكرين الجللة والمهابة ويورثهم محبّة اللّه الّتي هي‬
‫روح السلم ‪ ،‬ويحيي عندهم المراقبة له والنابة إليه والهيبة له وتتنزّل السّكينة ‪.‬‬
‫وفي الذّكر حياة قلب الذّاكر ولينه ‪ ،‬وزوال قسوته ‪ ،‬وفيه شفاء القلب من أدواء الغفلة وحبّ‬
‫المعاصي ‪ ،‬ويعين النسان على ما سواه من الطّاعات ‪ ،‬وييسّر أمرها ‪ ،‬فإنّه يحبّبها إلى‬
‫النسان ويلذّها له ‪ ،‬فل يجد لها من الكلفة والمشقّة ما يجده الغافل ‪.‬‬
‫وفي الصّحيح مرفوعا « مثل الّذي يذكر ربّه والّذي ل يذكر ربّه مثل الحيّ والميّت » ‪.‬‬
‫ومعنى الحديث أنّ التّارك للذّكر وإن كان في حيا ٍة ذاتيّ ٍة فليس لحياته اعتبار ‪ ،‬بل هو شبيه‬
‫بالموات حسّا الّذين أجسادهم عرضة للهوامّ ‪ ،‬وبواطنهم متعطّلة عن الدراك والفهم ‪.‬‬
‫ن الذّكر أيسر العبادات مع كونه أجلّها وأفضلها وأكرمها على اللّه تعالى ‪ ،‬فإنّ‬
‫السّابع ‪ :‬أ ّ‬
‫ف حركات الجوارح ‪ ،‬فيه يحصل الفضل للذّاكر وهو قاعد على فراشه وفي‬
‫حركة اللّسان أخ ّ‬
‫سوقه ‪ ،‬وفي حال صحّته وسقمه ‪ ،‬وفي حال نعيمه ولذّته ‪ ،‬ومعاشه ‪ ،‬وقيامه ‪ ،‬وقعوده ‪،‬‬
‫واضطجاعه ‪ ،‬وسفره ‪ ،‬وإقامته ‪ ،‬فليس شيء من العمال الصّالحة يعمّ الوقات والحوال‬
‫مثله ‪ .‬هذا ويأتي قريبا بعض ما ورد في التّسبيح والتّحميد ‪ ،‬وسائر أنواع الذّكر من الفضل‬
‫نوعا نوعا ‪.‬‬
‫ما يكون به الذّكر ‪:‬‬
‫‪ - 4‬الذّكر يكون باللّسان وبالقلب ‪ .‬والمراد بالذّكر باللّسان أن يتحرّك به اللّسان ويسمع نفسه‬
‫على القلّ إن كان ذا سمعٍ ‪ ،‬ولم يكن هناك لغط يمنع السّماع ‪.‬‬
‫وذكر اللّسان على الوجه المبيّن يتأدّى به الذّكر المكلّف به في الصّلة ونحوها ‪ ،‬ول يجزئ‬
‫في ذلك مجرّد إمرار الذّكر المطلوب على القلب ‪.‬‬
‫قال الفقهاء ‪ :‬وذلك معلوم من أقواله صلى ال عليه وسلم أنّ من قال كذا فله من الجر كذا ‪.‬‬
‫فل يحصل ذلك إلّ بما يصدق عليه القول ‪.‬‬
‫وقد اتّفق العلماء على أنّ الذّكر باللّسان وبالقلب جميعًا أفضل من الذّكر باللّسان وحده دون‬
‫مواطأة القلب أي مع عدم إجرائه على القلب تسبيحا كان أو تهليلً أو غيرهما ‪ ،‬وأفضل من‬
‫ق باللّسان ‪.‬‬
‫إمرار الذّكر على القلب دون نط ٍ‬
‫أمّا في حال انفراد أحد الذّكرين عن الخر فقد اختلف أيّهما أفضل ‪.‬‬
‫ي في‬
‫فقيل ‪ :‬ذكر القلب أفضل ‪ ،‬وإليه ذهب النّوويّ في أذكاره وابن تيميّة وابن حجرٍ الهيتم ّ‬
‫شرح المشكاة ‪ ،‬وقيل ‪ :‬ل ثواب في الذّكر بالقلب وحده نقله الهيتميّ عن عياضٍ والبلقينيّ ‪،‬‬
‫وقيل ‪ :‬ذكر اللّسان مع الغفلة عن المعنى يحصل به الثّواب وهو أفضل من الذّكر بالقلب‬
‫ن ما تعبّدنا به ل يحصل‬
‫ن في ذكر اللّسان امتثالً لمر الشّرع من حيث الذّكر ‪ ،‬ل ّ‬
‫وحده ‪ ،‬ل ّ‬
‫إلّ بالتّلفّظ به بحيث يسمع نفسه ‪ ،‬بخلف الذّكر بالقلب وحده فل يحصل به المتثال ‪.‬‬
‫وهذا كلّه في الذّكر القلبيّ بالمعنى المبيّن ‪ ،‬أمّا الذّكر القلبيّ بمعنى تذكّر عظمة اللّه عند‬
‫أوامره ونواهيه وإرادة الفعل الّذي فيه رضاه فيفعله ‪ ،‬أو الّذي فيه سخطه فيتركه ‪ ،‬والتّفكّر‬
‫في عظمة اللّه وجبروته وآياته في أرضه وسماواته ومصنوعاته فقال عياض ‪ :‬هذا النّوع ل‬
‫ي»‪.‬‬
‫يقاربه ذكر اللّسان ‪ ،‬فكيف يفضله ‪ .‬وفي الحديث « خير الذّكر الخف ّ‬
‫صيغ الذّكر ‪:‬‬
‫‪ - 5‬الذكار القوليّة قسمان ‪ :‬أذكار مأثورة ‪ ،‬وهي ما ورد عن النّبيّ صلى ال عليه وسلم‬
‫تعليمها والمر بها ‪ ،‬أو ورد عنه قولها في مناسب ٍة خاصّ ٍة أو في غير مناسبةٍ ومن قبيل الذّكر‬
‫ظهُورِ ِه ُثمّ‬
‫ستَوُوا عَلَى ُ‬
‫المأثور الذكار القرآنيّة كذكر ركوب الدّابّة في قوله تعالى ‪ِ { :‬ل َت ْ‬
‫سخّرَ َلنَا َهذَا َومَا ُكنّا لَ ُه مُ ْق ِرنِينَ ‪.‬‬
‫ن اّلذِي َ‬
‫سبْحا َ‬
‫ستَ َو ْي ُتمْ عََليْهِ َوتَقُولُوا ُ‬
‫َت ْذكُرُوا ِن ْعمَةَ َر ّب ُكمْ ِإذَا ا ْ‬
‫وَِإنّا إِلَى َربّنَا َلمُنقَِلبُونَ } ‪.‬‬
‫القسم الوّل ‪ :‬الذكار المأثورة ‪:‬‬
‫سنّة كثيرة أفردها كثير من العلماء بالتّأليف منهم النّوويّ‬
‫‪ - 6‬الذكار الواردة في الكتاب وال ّ‬
‫وابن الجزريّ وغيرهما ‪ .‬والقرآن وإن كان كلّه ذكرا بالمعنى العمّ للذّكر إلّ أنّ فيه ممّا‬
‫طيّب ‪.‬‬
‫ص ‪ -‬الشّيء الكثير ال ّ‬
‫يتعلّق بتعظيم اللّه تعالى والثّناء عليه ‪ -‬وهو الذّكر بالمعنى الخ ّ‬
‫وقد جمع النّوويّ في أذكاره جملً من ذلك ‪ ،‬وكذا الشّيخ صدّيق حسن خان في باب الدّعوات‬
‫القرآنيّة من كتابه ‪.‬‬
‫س َت ِعذْ بِاللّهِ‬
‫ن فَا ْ‬
‫ت الْ ُقرْآ َ‬
‫فمن ذلك أمره تعالى لنا بالستعاذة عند قراءة القرآن بقوله ‪َ { :‬فِإذَا قَرَأْ َ‬
‫شيْطَانِ ال ّرجِيمِ } ‪.‬‬
‫ن ال ّ‬
‫مِ َ‬
‫وأمّا المأثورات عن النّبيّ صلى ال عليه وسلم فكثيرة وسيأتي في أثناء البحث جملة منها ‪ .‬ثمّ‬
‫المأثورات عنه صلى ال عليه وسلم منها ما ورد أنّه كان يقوله مطلقا أو لسببٍ ‪ ،‬ومنها ما‬
‫ورد أنّه أمر به مطلقا أو لسببٍ ‪ ،‬فيتّبع بحسب ذلك ‪.‬‬
‫وفيما يلي من الذكار المأثورات أنواع خصّت بمزيد توكيدٍ ‪:‬‬
‫التّهليل ‪:‬‬
‫ل شيءٍ وكلّ أحدٍ ‪ ،‬وإثبات‬
‫ل اللّه " ومعناها نفي اللوهيّة عن ك ّ‬
‫‪ - 7‬وهو قول " ل إله إ ّ‬
‫استحقاقها للّه تعالى وحده ‪ ،‬فل ربّ غيره ول يعبد سواه ‪.‬‬
‫وتسمّى هذه الكلمة كلمة التّوحيد ‪ ،‬فإنّها تدلّ على نفي الشّريك على الطلق ‪ .‬وتسمّى أيضًا‬
‫كلمة الخلص ‪.‬‬
‫وكلمة التّوحيد خلصة دعوة الرّسل ‪ ،‬كما قال تعالى ‪َ { :‬ومَا َأ ْرسَ ْلنَا مِن َقبِْلكَ مِن ّرسُولٍ إِلّا‬
‫ن } ول يصحّ اليمان للقادر إلّ بالنّطق بها مع التّصديق‬
‫ع ُبدُو ِ‬
‫نُوحِي إَِليْ ِه َأنّ ُه لَا إَِلهَ إِلّا َأنَا فَا ْ‬
‫ص بترك اللّفظ ‪ ،‬والجمهور على‬
‫بمعناها بالجنان ‪ ،‬وقيل ‪ :‬يحصل بالتّصديق بها ‪ ،‬وهو عا ٍ‬
‫الوّل ‪.‬‬
‫ومن شهد بها وبرسالة مح ّمدٍ صلى ال عليه وسلم دخل في السلم حكما ( ر ‪ :‬إسلم ) ‪،‬‬
‫وقد جعلت الشّهادتان جزءا من الذان ‪ ،‬وهما ذكر من أذكار الصّلة واجب ‪ ،‬وقيل ‪ :‬سنّة‬
‫( ر ‪ :‬أذان ‪ ،‬وتشهّد ) ‪.‬‬
‫وفضل التّهليل عظيم ‪ ،‬وورد في ذلك قول النّبيّ صلى ال عليه وسلم ‪ « :‬إنّ اللّه قد حرّم‬
‫ل اللّه»‪.‬‬
‫على النّار من قال ل إله إلّ اللّه يبتغي بذلك وجه اللّه »وقوله ‪«:‬أفضل الذّكر ل إله إ ّ‬
‫سنّة المر به في مواضع منها ‪:‬‬
‫ل وقتٍ وحالٍ ‪ ،‬وورد في ال ّ‬
‫والتّهليل مستحبّ في ك ّ‬
‫ل اللّه وحده ل شريك له ‪ ،‬له‬
‫عند دخول السّوق ‪ ،‬لحديث ‪ « :‬من دخل السّوق فقال ‪ :‬ل إله إ ّ‬
‫الملك وله الحمد يحيي ويميت وهو حيّ ل يموت ‪ ،‬بيده الخير وهو على كلّ شيءٍ قدير ‪،‬‬
‫كتب اللّه له ألف ألف حسنةٍ ‪ ،‬ومحا عنه ألف ألف سيّئ ٍة ‪ ،‬ورفع له ألف ألف درجةٍ » ‪ .‬ومنها‬
‫إذا أصبح النسان وإذا أمسى ‪ ،‬بعد صلة الصّبح وصلة المغرب ويأتي بيان ذلك ‪ ،‬ومنها إذا‬
‫سبق لسانه بالحلف بغير اللّه ‪ ،‬كما قال النّبيّ صلى ال عليه وسلم « من حلف فقال في حلفه‬
‫واللّات والعزّى فليقل ل إله إلّ اللّه » ‪.‬‬
‫التّسبيح ‪:‬‬
‫‪ - 8‬وهو قول " سبحان اللّه " ‪ .‬ومعناه أنّ القائل ينزّه اللّه تعالى تنزيهًا عن كلّ نقصٍ ‪ ،‬ومنه‬
‫نفي الشّريك والصّاحبة والولد وجميع النّقص ‪.‬‬
‫وقد روي في حديث موسى بن طلحة مرسلً « أنّ النّبيّ صلى ال عليه وسلم قال ‪ -‬في قول‬
‫العبد سبحان اللّه ‪ : -‬تنزيه اللّه من السّوء » ‪.‬‬
‫سمِ َر ّبكَ ا ْل َعظِيمِ } وقوله ‪َ { :‬و َت َوكّلْ‬
‫سبّحْ بِا ْ‬
‫وقد أمر اللّه تعالى بالتّسبيح مطلقا كما في ‪َ { :‬ف َ‬
‫ح ْمدِهِ } ‪.‬‬
‫ح ِب َ‬
‫سبّ ْ‬
‫حيّ اّلذِي لَا َيمُوتُ َو َ‬
‫عَلَى ا ْل َ‬
‫والكثر قرن التّسبيح باسمٍ دالّ على التّعظيم ‪ ،‬أو بالحمد ‪ ،‬ووجهه أنّ التّسبيح تنزيه وتخلية‬
‫فهو من باب السّلب ‪ ،‬والحمد ثناء بصفات الكمال فهو من باب اليجاب ‪ ،‬ولذا قال اللّه‬
‫حيّ‬
‫سمَ َربّكَ ا ْلَأعْلَى } وقال { َوتَ َوكّلْ عَلَى ا ْل َ‬
‫حاْ‬
‫سبّ ِ‬
‫سمِ َر ّبكَ ا ْل َعظِيمِ } و { َ‬
‫سبّحْ بِا ْ‬
‫تعالى‪َ { :‬ف َ‬
‫ح ْمدَهِ } ‪.‬‬
‫ح ِب َ‬
‫ل ُيسَبّ ُ‬
‫شيْءٍ ِإ ّ‬
‫ح ْمدِهِ } وقال { وَإِن مّن َ‬
‫سبّحْ ِب َ‬
‫ت َو َ‬
‫اّلذِي لَا َيمُو ُ‬
‫وفضل التّسبيح عظيم كما قال النّبيّ صلى ال عليه وسلم ‪ « :‬كلمتان خفيفتان على اللّسان‬
‫ثقيلتان في الميزان ‪ ،‬حبيبتان إلى الرّحمن ‪ :‬سبحان اللّه وبحمده ‪ ،‬سبحان اللّه العظيم » ‪.‬‬
‫ص ِبحُونَ } ‪ ،‬و { ُبكْرَ ًة وََأصِيلً } ‪،‬‬
‫وورد المر بالتّسبيح في القرآن { حِينَ ُت ْمسُونَ َوحِينَ ُت ْ‬
‫سبّحْ ُه وَِإ ْدبَارَ ال ّنجُومِ } ‪.‬‬
‫ن الّليْلِ َف َ‬
‫ن تَقُومُ ‪َ .‬ومِ َ‬
‫ح ْمدِ َر ّبكَ حِي َ‬
‫سبّحْ ِب َ‬
‫{ َو َ‬
‫سنّة في مواضع منها دعاء الستفتاح « سبحانك اللّهمّ وبحمدك ‪ » ...‬إلخ ‪.‬‬
‫وفي ال ّ‬
‫والمر بالتّسبيح في الرّكوع " سبحان ربّي العظيم " وفي السّجود " بسبحان ربّي العلى "‬
‫وورد المر بفعله بعد الصّلة ‪.‬‬
‫وجعل التّسبيح لمن في الصّلة إذا نابه أمر تنبيها لغيره ‪ ،‬وأمر به وعند سماع الرّعد ‪.‬‬
‫خذَ الّلهُ‬
‫وكذا إن حكى نسبة ما فيه نقص إلى اللّه تعالى وتقدّس ‪ ،‬كما قال تعالى ‪َ { :‬وقَالُواْ ا ّت َ‬
‫سبْحَانَ ُه } أو سمع ذلك ‪ ،‬أو سمع ما يتعجّب منه كما في حديث { أبي هريرة أنّه كان‬
‫وََلدًا ُ‬
‫جنبًا ورأى النّبيّ صلى ال عليه وسلم فانخنس ‪ ،‬فقال النّبيّ صلى ال عليه وسلم ‪ :‬سبحان‬
‫ن المؤمن ل ينجس } ‪ .‬وفي أكثر هذه المسائل تفصيل ينظر في مصطلح ‪ ( :‬تسبيح ) ‪.‬‬
‫اللّه إ ّ‬
‫التّحميد ‪:‬‬
‫‪ - 9‬ويسمّى أيضا الحمدلة ‪ ،‬وهو قول ‪ :‬الحمد للّه ‪ ،‬نطقا ‪ .‬ومعنى كون الحمد للّه ‪ :‬أنّ كلّ‬
‫حمدٍ ‪ ،‬أو حقيقة الحمد ‪ ،‬أو الحمد المعهود ‪ ،‬أي الّذي حمد اللّه به نفسه وحمده به أنبياؤه‬
‫ن كلّ النّعم منه تعالى ‪ ،‬وفي‬
‫وأولياؤه ‪ ،‬مملوك أو مستحقّ له ‪ ،‬فحمد غيره ل اعتداد به ‪ ،‬ل ّ‬
‫ن المعنى الستغراق وهو قول الجمهور ‪.‬‬
‫الحديث « اللّهمّ لك الحمد كلّه » ‪ .‬وهذا يرجّح أ ّ‬
‫وحقيقة الحمد ‪ :‬الثّناء باللّسان على الجميل الختياريّ على قصد التّبجيل ‪ ،‬وبهذا فارق المدح‪،‬‬
‫فإنّ المدح الثّناء باللّسان على الجميل الختياريّ وغيره ‪.‬‬
‫وقيل الحمد الوصف بالجميل اختياريّا كان أو غيره بقصد الثّناء ‪ ،‬وهذا أصحّ ‪.‬‬
‫وقيل الحمد في العرف يكون بالقول وبالفعل أيضا ‪.‬‬
‫ن الشّكر‬
‫ومعنى الشّكر قريب من معنى الحمد إلّ أنّه كما قال الزّمخشريّ أع ّم موردا ‪ ،‬أي ل ّ‬
‫يكون باللّسان والقلب والجوارح ‪ ،‬والحمد باللّسان فقط ‪ ،‬والحمد أعمّ متعلّقا ‪ ،‬لنّ الشّكر ل‬
‫يكون إلّ في مقابلة نعمةٍ ‪ ،‬والحمد يكون في مقابلة نعمةٍ ويكون لمجرّد اتّصاف المحمود‬
‫بالجميل ‪ .‬قال ابن القيّم ‪ :‬والتّمجيد أخصّ من التّحميد ‪ ،‬فإنّ التّمجيد ‪ :‬المدح بصفات الجلل‬
‫والملك والسّؤدد والكبرياء والعظمة ‪.‬‬
‫سنّة ‪ ،‬وفضله كبير ‪ ،‬قال اللّه‬
‫والذّكر بحمد اللّه وتمجيده وشكره مأمور به في الكتاب وال ّ‬
‫شكَ ْر ُتمْ‬
‫ل َتكْ ُفرُونِ } وقال { وَِإذْ َتَأذّنَ َر ّب ُكمْ َلئِن َ‬
‫شكُرُو ْا لِي َو َ‬
‫تعالى { فَا ْذ ُكرُونِي َأ ْذكُ ْر ُكمْ وَا ْ‬
‫ي صلى ال عليه وسلم للسود بن سريعٍ ‪ :‬إنّ ربّك يحبّ الحمد »‬
‫لزِي َد ّن ُكمْ } « وقال النّب ّ‬
‫َ‬
‫وقال‪ « :‬الحمد للّه تمل الميزان » ‪.‬‬
‫ل ذي بالٍ ‪ ،‬في خطبة الجمعة وخطبة النّكاح ‪ ،‬والخطبة عند‬
‫ن الحمدلة في ابتداء كلّ عم ٍ‬
‫وتس ّ‬
‫عقده ‪ ،‬وفي التّدريس ‪ ،‬والتّصنيف ‪ ،‬وغير ذلك ‪ ،‬وبعد الكل أو الشّرب وعند العطاس ‪،‬‬
‫وعند الخروج من الخلء ‪ ،‬وفي افتتاح الدّعاء واختتامه وعند حصول النّعم أو اندفاع المكروه‬
‫ل " ‪ .‬واستيفاؤه في مصطلح ‪( :‬‬
‫ن لمن أصابته مصيبة أن يقول ‪ " :‬الحمد للّه على كلّ حا ٍ‬
‫ويس ّ‬
‫تحميد ) ‪.‬‬
‫التّكبير ‪:‬‬
‫‪ - 10‬وهو لغ ًة التّعظيم ‪ ،‬وشرعا قول ‪ " :‬اللّه أكبر " ‪ .‬وورد المر به مطلقًا في قوله تعالى‪:‬‬
‫سنّة‬
‫ك فَ َكّبرْ } وقوله ‪َ { :‬و َكبّرْ ُه َت ْكبِيرًا } وقوله { وَِل ُت َكّبرُواْ الّلهَ عَلَى مَا َهدَا ُكمْ } ‪ ،‬وفي ال ّ‬
‫{ َو َربّ َ‬
‫ل تكبير ٍة صدقة » ‪.‬‬
‫قال النّبيّ صلى ال عليه وسلم ‪ « :‬ك ّ‬
‫وورد المر به في مواضع ‪ ،‬منها في الذان والقامة ‪ ،‬ومنها تكبيرة الحرام بالصّلة‬
‫وتكبيرات النتقال فيها ‪ ،‬والتّكبير في العيدين في الخطبة والصّلة ‪ ،‬والتّكبير في صلة‬
‫الجنازة ‪ ،‬وعند الشّافعيّة والحنابلة يكبّر في صلة الستسقاء ‪.‬‬
‫ن التّكبير عقب الصّلة المكتوبة ‪ ،‬وعند تمام الصّوم حتّى يصلّي العيد ‪ ،‬وفي يوم عيد‬
‫ويس ّ‬
‫ج والمعتمر عند ابتداء طوافه ‪ ،‬وعند ابتداء سعيه ‪ ،‬وفي‬
‫الفطر وأيّام التّشريق ‪ ،‬ويكبّر الحا ّ‬
‫ن التّكبير عند رؤية الهلل‬
‫أثناء الوقوف بعرفة ‪ .‬ويكبّر الذّابح والصّائد مع التّسمية ‪ ،‬وس ّ‬
‫ن للمسافر إذا عل شرفا أو ركب دابّ ًة أو نحو ذلك ‪.‬‬
‫ويس ّ‬
‫وتفصيل ذلك ينظر في مصطلح ‪ ( :‬تكبير ) ‪.‬‬
‫وورد في فضله أحاديث منها قول النّبيّ صلى ال عليه وسلم ‪ « :‬أحبّ الكلم إلى اللّه أربع‬
‫فذكر منهنّ التّكبير » ‪.‬‬
‫الحوقلة ‪:‬‬
‫ل باللّه " ‪.‬‬
‫‪ - 11‬هي قول ‪ " :‬ل حول ول قوّة إ ّ‬
‫ل بعصمة اللّه ‪ ،‬ول قوّة له‬
‫ومعناها على ما قال ابن حجرٍ ‪ :‬ل تحويل للعبد عن معصية اللّه إ ّ‬
‫ن تفسيرها بذلك رواه البزّار عن‬
‫ل بتوفيق اللّه ‪ ،‬وفي الفتوحات ال ّربّانيّة أ ّ‬
‫على طاعة اللّه إ ّ‬
‫ابن مسعو ٍد مرفوعا وفي لفظه ‪ :‬بعون اللّه ‪.‬‬
‫ن العبد ل يملك من أمره شيئا ‪ ،‬وليس له حيلة في‬
‫وقال النّوويّ ‪ :‬هي استسلم وتفويض ‪ ،‬وأ ّ‬
‫ل بإرادة اللّه تعالى وتوفيقه ‪.‬‬
‫دفع شرّ ول قوّة في جلب نفعٍ ‪ ،‬إ ّ‬
‫ي صلى ال عليه وسلم قال لبي موسى الشعريّ ‪ :‬يا عبد اللّه بن‬
‫ن النّب ّ‬
‫وورد في فضلها « أ ّ‬
‫قيسٍ ‪ ،‬أل أعلّمك كلمةً هي من كنوز الجنّة ‪ :‬ل حول ول قوّة إلّ باللّه » ‪.‬‬
‫وورد المر بقولها مطلقا كما تقدّم ‪.‬‬
‫وورد المر بقولها في إجابة المؤذّن عند قوله ‪ :‬حيّ على الصّلة ‪ ،‬وحيّ على الفلح ‪.‬‬
‫ج ّن َتكَ قُلْتَ مَا شَاء اللّهُ لَا قُوّ َة إِلّا‬
‫وورد في القرآن المر بها في قوله تعالى ‪ { :‬وَلَوْلَا ِإذْ َدخَلْتَ َ‬
‫بِاللّهِ } ‪ .‬واستيفاء ذلك في مصطلح ‪ ( :‬حوقلة ) ‪.‬‬
‫الباقيات الصّالحات ‪:‬‬
‫‪ - 12‬هذه النواع الخمسة المتقدّمة من الذكار المأثورة ورد تسميتها " الباقيات الصّالحات "‬
‫وذلك في حديث أبي سعيدٍ رضي ال عنه ‪ ،‬قال ‪ « :‬قال رسول اللّه صلى ال عليه وسلم ‪:‬‬
‫استكثروا من الباقيات الصّالحات ‪ .‬قيل ‪ :‬وما هي يا رسول اللّه ؟ قال ‪ :‬التّكبير والتّهليل‬
‫ل باللّه » ‪.‬‬
‫والتّسبيح والتّحميد ول حول ول قوّة إ ّ‬
‫ل اللّه واللّه أكبر ول‬
‫وفي حديث أبي الدّرداء مرفوعا « قل سبحان اللّه والحمد للّه ول إله إ ّ‬
‫ن من كنوز الجنّة‬
‫حول ول قوّة إلّ باللّه وهنّ يحططن الخطايا كما تحطّ الشّجرة ورقها ‪ ،‬وه ّ‬
‫ن»‪.‬‬
‫ن قبل أن يحال بينك وبينه ّ‬
‫» ‪ .‬وفي لفظٍ « خذه ّ‬
‫ن « أحبّ الكلم إلى اللّه »‬
‫وورد في فضل الربع الول منهنّ أحاديث جامعة ‪ ،‬منها أنّه ّ‬
‫ن أفضل الكلم بعد القرآن ‪ ،‬وهنّ من القرآن ‪ ،‬ل يضرّك‬
‫ومنها حديث سمرة مرفوعا « ه ّ‬
‫ب إليه صلى ال عليه وسلم ممّا طلعت عليه الشّمس » ‪.‬‬
‫بأيّهنّ بدأت » وأنّهنّ « أح ّ‬
‫ن‪.‬‬
‫« وأنّ اللّه اصطفى من الكلم أربعا » فذكره ّ‬
‫ن بعد السّلم من الصّلة ‪ ،‬ويأتي صيغة ذلك ‪.‬‬
‫وورد المر بقوله ّ‬
‫السترجاع ‪:‬‬
‫‪ - 13‬هو قول " إنّا للّه وإنّا إليه راجعون " ‪.‬‬
‫ومعنى " إنّا للّه " إقرار قائلها أنّنا نحن وأهلنا وأموالنا عبيد للّه يصنع فينا ما يشاء ‪.‬‬
‫ومعنى " وإنّا إليه راجعون " إقرار قائلها على نفسه بالهلك ثمّ بالبعث والنّشور إلى انفراد‬
‫اللّه تعالى بالحكم كما كان أوّل مرّةٍ ‪.‬‬
‫وورد المر بقولها عند المصيبة مطلقا ‪ ،‬صغير ًة كانت أو كبيرةً فإنّها تسهّل على النسان فقد‬
‫ن ‪ ،‬اّلذِينَ ِإذَا َأصَا َب ْتهُم ّمصِيبَ ٌة قَالُواْ ِإنّا لِّلهِ وَِإنّـا إَِليْهِ‬
‫ما فقد ‪ ،‬قال تعالى ‪َ { :‬و َبشّرِ الصّا ِبرِي َ‬
‫سنّة المر بها لمن مات له ميّت ‪ ،‬أو بلغه وفاة صديقه ‪ ،‬ويأتي إن شاء‬
‫رَاجِعونَ } وورد في ال ّ‬
‫اللّه بيان بعض ذلك ‪.‬‬
‫التّسمية ‪:‬‬
‫‪ -‬وهي قول " بسم اللّه " أو " بسم اللّه الرّحمن الرّحيم " ‪.‬‬ ‫‪14‬‬

‫يقال ‪ :‬سـمّيت اللّه تعالى أي قلت بسـم اللّه ‪ ،‬ويقال أيض ًا ‪ :‬بسـملت ‪ ،‬والمصـدر البسـملة ‪.‬‬
‫ومعناهـا ‪ :‬أبتدئ هذا الفعـل أو هذا القول م ستعينا باللّه على إتما مه ‪ ،‬أو متـبرّكا بذكـر ا سمه‬
‫تعالى ‪.‬‬
‫وقد افتتح اللّه بها فاتحة كتابه وجميع سوره ما عدا سورة براءة ‪.‬‬
‫وورد المـر بقولهـا فـي ابتداء الوضوء ‪ ،‬وعنـد الغسـل ‪ ،‬ودخول المسـجد أو الخروج منـه ‪،‬‬
‫وعلى الذّبح ‪ ،‬وإرسال النّصل أو الجارحة على ال صّيد ‪ ،‬وعلى الكل أو الشّرب أو الجماع ‪،‬‬
‫وكذا عند دخول الخلء ‪.‬‬
‫ل شيءٍ من ذلك في موضعه و ( ر ‪ :‬تسمية ) ‪.‬‬
‫وينظر تفصيل القول في ك ّ‬
‫قول " ما شاء اللّه ‪:‬‬
‫ج ّن َتكَ قُلْتَ مَا شَاء اللّهُ لَا قُوّ َة إِلّا بِاللّهِ }‬
‫‪ - 15‬ورد ذكرها في قوله تعالى ‪ { :‬وَلَوْلَا ِإذْ َدخَلْتَ َ‬
‫قال القرطبيّ ‪ :‬أي هذه الجنّة هي ما شاء اللّه ‪ .‬وقال ال ّزجّاج والفرّاء ‪ :‬تقديره ‪ :‬المر ما شاء‬
‫اللّه ‪.‬‬
‫س قال النّبيّ صلى ال عليه وسلم ‪ « :‬من رأى شيئا فأعجبه فقال ‪ :‬ما شاء اللّه‬
‫وفي حديث أن ٍ‬
‫ل باللّه لم يضرّه العين » ‪.‬‬
‫ل قوّة إ ّ‬
‫وقالت عائشة رضي ال عنها ‪ « :‬إذا خرج الرّجل من منزله فقال ‪ :‬بسم اللّه قال الملك ‪:‬‬
‫ل باللّه قال الملك ‪ :‬وقيت »‪.‬‬
‫هديت ‪ ،‬وإذا قال ‪ :‬ما شاء اللّه قال ‪ :‬كفيت ‪ ،‬وإذا قال ‪ :‬ل قوّة إ ّ‬
‫ل من دخل منزله أن يقول هذا ‪ .‬يعني ما ورد في الية ‪.‬‬
‫قال أشهب ‪ :‬قال مالك ‪ :‬ينبغي لك ّ‬
‫ي صلى ال عليه وسلم ‪:‬‬
‫الصّلة على النّب ّ‬
‫‪ - 16‬وهي قول " صلّى اللّه على محمّدٍ وسلّم " أو نحوها ممّا يفيد سؤال اللّه تعالى أن يصلّي‬
‫ن اللّهَ‬
‫على رسوله ويسلّم عليه ‪ .‬وقد أمر اللّه تعالى المؤمنين بذلك في قوله تعالى ‪ { :‬إِ ّ‬
‫ن آ َمنُوا صَلّوا عََليْهِ َوسَّلمُوا َتسْلِيما } ‪.‬‬
‫َومَلَا ِئ َكتَهُ ُيصَلّونَ عَلَى ال ّن ِبيّ يَا َأ ّيهَا اّلذِي َ‬
‫وقال النّبيّ صلى ال عليه وسلم « ل تجعلوا قبري عيدا ‪ ،‬وصلّوا عليّ فإنّ صلتكم تبلغني‬
‫حيث كنتم » ‪.‬‬
‫ن بشير بن سعدٍ قال للنّبيّ‬
‫ي«أّ‬
‫ومن الصّيغ الواردة ما ورد في حديث أبي مسعو ٍد النصار ّ‬
‫صلى ال عليه وسلم ‪ :‬أمرنا اللّه أن نصلّي عليك يا رسول اللّه ‪ ،‬فكيف نصلّي عليك ؟ قال ‪:‬‬
‫قولوا ‪ :‬اللّهمّ صلّ على محمّدٍ وعلى آل مح ّمدٍ ‪ ،‬كما صلّيت على آل إبراهيم ‪ ،‬وبارك على‬
‫محمّ ٍد وعلى آل محمّدٍ كما باركت على آل إبراهيم في العالمين إنّك حميد مجيد » ‪.‬‬
‫والصّلة من اللّه تعالى على عبده ثناؤه عليه ‪ ،‬وقيل ‪ :‬رحمته له ‪ ،‬وصلة الملئكة والعباد‬
‫عليه دعاء بالرّحمة مقرون بالتّعظيم ‪.‬‬
‫وتفصيل ذلك في مصطلح ‪ ( :‬الصّلة على النّبيّ صلى ال عليه وسلم ) ‪.‬‬
‫التّلبية ‪:‬‬
‫‪ - 17‬وهي قول " لبّيك اللّهمّ لبّيك " وهي من أذكار الحجّ والعمرة ‪ ،‬ومعناها ‪ :‬أقيم على‬
‫إجابتك يا ربّ إقامةً بعد إقامةٍ ‪ .‬وينظر تفصيل أحكامها في مباحث الحجّ والعمرة ‪.‬‬
‫الحسبلة ‪:‬‬
‫‪ - 18‬وهي قول " حسبي اللّه " ومعناه الكتفاء بدفاع اللّه وعونه عن دفاع غيره وعونه ‪.‬‬
‫ن قولها لمن غلبه أمر ‪ ،‬لما في حديث عوف بن مالكٍ « أنّ النّبيّ صلى ال عليه وسلم‬
‫ويس ّ‬
‫قضى بين رجلين فقال المقضيّ عليه لمّا أدبر ‪ :‬حسبي اللّه ونعم الوكيل ‪ .‬فقال النّبيّ صلى‬
‫ن اللّه تعالى يلوم على العجز ‪ ،‬ولكن عليك بالكيس ‪ ،‬فإذا غلبك أمر فقل‬
‫ال عليه وسلم ‪ :‬إ ّ‬
‫حسبي اللّه ونعم الوكيل » ‪.‬‬
‫أذكار مأثورة أخرى ‪:‬‬
‫‪ - 19‬وهناك أذكار أخرى مأثورة مرتبطة بأسبابٍ أو مطلقة يأتي بيان بعضها في البحث ‪.‬‬
‫سّنيّ في " عمل اليوم واللّيلة " والنّوويّ في " الذكار "‬
‫وقد جمعها كثير من العلماء كابن ال ّ‬
‫طيّب " وصدّيق حسن خان في " نزل البرار " ‪.‬‬
‫صيّب من الكلم ال ّ‬
‫وابن القيّم في " الوابل ال ّ‬
‫ويعرض لها الفقهاء في مواضع مختلف ٍة من مباحث الفقه ‪.‬‬
‫أفضل الذكار ‪:‬‬
‫‪ - 20‬قال النّوويّ ‪ :‬القرآن أفضل الذّكر ‪ .‬قال القرطبيّ ‪ :‬لنّه مشتمل على جميع الذّكر من‬
‫ح وتمجيدٍ وعلى الخوف والرّجاء والدّعاء والسّؤال والمر بالتّفكّر‬
‫ل وتحميدٍ وتسبي ٍ‬
‫تذكيرٍ وتهلي ٍ‬
‫والعتبار وغير ذلك ‪ ،‬فمن وقف على ذلك وتدبّره فقد حصّل أفضل العبادات ‪ ،‬وهو قبل ذلك‬
‫كلم اللّه فل يدانيه شيء ‪ .‬ثمّ ذكر في أفضليّته قيدا فقال ‪ :‬أفضل الذّكر القرآن لمن عمل به ‪،‬‬
‫ونقل ذلك عن سفيان الثّوريّ ‪.‬‬
‫وفي الحديث القدسيّ ‪ « :‬من شغله القرآن عن مسألتي أعطيته أفضل ما أعطي السّائلين ‪،‬‬
‫وفضل كلم اللّه على سائر الكلم كفضل اللّه على خلقه » ‪.‬‬
‫واستدلّ ابن تيميّة لكون القرآن أفضل من سائر الذّكر بتعيّنه في الصّلة ‪ ،‬وبأنّه ل يقربه‬
‫ل الطّاهر ‪ ،‬بخلف الذّكر والدّعاء ‪.‬‬
‫جنب ‪ ،‬ول يمسّه إ ّ‬
‫ن أفضل الذكار بعد القرآن الكلمات الربع « سبحان اللّه ‪ ،‬والحمد‬
‫ول تختلف الحاديث في أ ّ‬
‫للّه ‪ ،‬ول إله إلّ اللّه ‪ ،‬واللّه أكبر » ‪ .‬ورد ذلك من حديث سمرة بن جندبٍ ‪ ،‬وفي حديثٍ أبي‬
‫ب إليّ ممّا طلعت عليه الشّمس‬
‫ن أح ّ‬
‫ي صلى ال عليه وسلم قال ‪ :‬لن أقوله ّ‬
‫ن النّب ّ‬
‫هريرة « أ ّ‬
‫ن اللّه اصطفى من الكلم أربعا » ‪ .‬فذكرهنّ ‪.‬‬
‫» ‪ .‬وورد « أ ّ‬
‫ن كذلك أفضل من سائر‬
‫ن أفضل منه بغيرهنّ ممّا في القرآن ‪ ،‬وه ّ‬
‫وهذا يدلّ على أنّ الذّكر به ّ‬
‫ن أفضل الكلم بعد‬
‫الذكار المأثورة ‪ ،‬فعن سمرة « أنّ النّبيّ صلى ال عليه وسلم قال ‪ :‬ه ّ‬
‫ن بدأت » ‪.‬‬
‫القرآن ‪ ،‬وهنّ من القرآن ‪ ،‬ل يضرّك بأيّه ّ‬
‫ل اللّه " صرّح بذلك القرطبيّ‬
‫أمّا الفضل من هذه الكلمات الربع فهو كلمة " ل إله إ ّ‬
‫والطّيبيّ‪ ،‬واستظهره ابن حجرٍ ‪ ،‬لما في الحديث ‪ « :‬أفضل الدّعاء يوم عرفة ‪ ،‬وأفضل ما‬
‫قلت أنا والنّبيّون من قبلي ل إله إلّ اللّه وحده ل شريك له » ‪.‬‬
‫ن غيري في كفّ ٍة ول إله إلّ اللّه‬
‫والحديث الخر القدسيّ « لو أنّ السّموات والرض وعامره ّ‬
‫ل اللّه » والحديث الخر « أفضل الذّكر ل إله إلّ اللّه » وفي‬
‫ن ل إله إ ّ‬
‫في كفّ ٍة مالت به ّ‬
‫ل منه ‪،‬‬
‫حديثٍ « هي أفضل الحسنات » ولنّها مفتاح السلم وبابه الّذي ل يدخل إليه إ ّ‬
‫وعموده الّذي ل يقوم بغيره ‪ ،‬وهي أحد أركان السلم ‪.‬‬
‫ن أحبّ الكلم إلى‬
‫قال ابن حجرٍ ‪ :‬ويعارض ذلك في الظّاهر حديث أبي ذرّ المرفوع ‪ « :‬أ ّ‬
‫اللّه سبحان اللّه وبحمده » وجمع بين ذلك بأوجهٍ منها ‪ :‬أنّ أفضليّة سبحان اللّه وبحمده لدخول‬
‫معاني الكلمات الربع تحتها إمّا بالتّصريح أو بالستلزام فقد صرّحت بالتّنزيه والتّحميد ‪ ،‬وإذا‬
‫كان معناها تنزيهه تعالى عمّا ل يليق بجلله اندرج فيه معنى ل إله إلّ اللّه ‪ ،‬وإذا كان كلّ‬
‫فضلٍ وإفضالٍ منه تعالى فل شيء أكبر منه ‪ ،‬وأمّا أفضليّة ل إله إلّ اللّه فلذكر الوحدانيّة‬
‫صريحا ‪.‬‬
‫ن الذّكر أفضل من الدّعاء من حيث الجملة ‪ ،‬لحديث « من شغله القرآن‬
‫وينبغي أن يعلم أ ّ‬
‫وذكري عن مسألتي أعطيته أفضل ما أعطي السّائلين » ‪.‬‬
‫أفضل الذكار من حيث الشتغال بها ‪:‬‬
‫‪ - 21‬ما تقدّم هو الفضليّة في الذّكر المطلق ‪ :‬أفضله الشتغال بقراءة القرآن ‪ ،‬فهي أفضل‬
‫من الشتغال بالتّهليل والتّسبيح المطلق ‪ .‬ثمّ الكلمات الربع ‪ ،‬ثمّ سائر أنواع الذّكر ‪ ،‬قال‬
‫النّوويّ ‪ :‬أمّا المأثور في وقتٍ أو نحوه ‪ -‬أي لسببٍ ‪ -‬فالشتغال به ‪ -‬أي في الوقت أو عند‬
‫ن الشتغال بالذّكر المؤقّت في وقته ‪ ،‬والمقيّد بسببٍ‬
‫السّبب ‪ -‬أفضل ‪ .‬ا هـ ‪ .‬وهذا يقتضي أ ّ‬
‫عند سببه ‪ ،‬أفضل من الشتغال بسائر المأثورات ‪ ،‬حتّى من التّسبيح والتّكبير ونحوهما وحتّى‬
‫من الشتغال بقراءة القرآن ‪ .‬قال ابن علّان ‪ :‬ما ورد من الذّكر مختصّا بمكانٍ أو زمانٍ أو‬
‫حالٍ كأذكار الطّواف وليلة الجمعة وحال النّوم فالشتغال به أفضل من الشتغال بالتّلوة ‪.‬‬
‫قال عمر بن أبي سلمة ‪ :‬سألت الوزاعيّ ‪ :‬قراءة القرآن أعجب إليك أم الذّكر ؟ فقال ‪ :‬سل‬
‫أبا مح ّمدٍ ‪ ،‬يعني سعيدا ‪ ،‬أي ابن المسيّب ‪ ،‬فسألته فقال ‪ :‬بل القرآن ‪ .‬فقال الوزاعيّ ‪ :‬إنّه‬
‫ليس شيء يعدل القرآن ‪ ،‬ولكن إنّما كان هدي من سلف يذكرون اللّه تعالى قبل طلوع الشّمس‬
‫سنّة من الذكار في الوقات وعقيب‬
‫وقبل الغروب ‪ .‬قال الشّوكانيّ ‪ :‬وهكذا ما وردت به ال ّ‬
‫ن إرشاده إليه يدلّ على أنّه‬
‫الصّلوات فإنّه ينبغي الشتغال بما ورد عنه صلى ال عليه وسلم فإ ّ‬
‫أفضل من غيره ‪ .‬وصرّح بمثل ذلك العزّ بن عبد السّلم في قواعده وابن تيميّة في فتاويه ‪.‬‬
‫وفي مطالب أولي النّهى القرآن أفضل من سائر الذّكر لكن الشتغال بالمأثور من الذّكر في‬
‫محلّه كأدبار الصّلوات ‪ ،‬أفضل من تلوة القرآن في ذلك المحلّ ‪.‬‬
‫وعلى هذا فالفضل عند الذان الشتغال بإجابته ‪ ،‬وبعد الصّلة بالذكار الواردة ‪ ،‬وعند‬
‫الفطار في رمضان الشتغال بما ورد من الذّكر ‪ ،‬وهكذا ‪.‬‬
‫الذّكر بغير المأثور ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬في الذكار المطلقة ‪:‬‬
‫‪ - 22‬يجوز في الذكار المطلقة التيان بما هو صحيح في نفسه ممّا يتضمّن الثّناء على اللّه‬
‫تعالى ول يستلزم نقصا بوجهٍ من الوجوه ‪ ،‬وإن لم تكن تلك الصّيغة مأثور ًة عن النّبيّ صلى‬
‫ال عليه وسلم ‪ .‬وهذا في الذّكر المطلق موضع اتّفاقٍ ‪.‬‬
‫ول يدخل في المأثور في هذا الباب ما نقل عن الصّحابة رضي ال عنهم ‪ ،‬على ما قاله ابن‬
‫ي ممّا للرّأي فيه مدخل ل يكون له حكم‬
‫علّان من الشّافعيّة ‪ ،‬قال ‪ :‬لنّ ما ورد عن الصّحاب ّ‬
‫المرفوع ‪ .‬فيكون ما ورد من أذكار الصّحابة رضي ال عنهم مضموما إلى ما نقل من‬
‫طيّب ممّا‬
‫الذكار عن غيرهم في كونه من غير المأثور ‪ ،‬وإن كان فيما نقل عنهم الكثير ال ّ‬
‫يحسن تعلّمه واستعماله ‪.‬‬
‫والمشهور أنّ الشتغال بالذّكر المأثور أفضل من الشتغال بذكرٍ يخترعه النسان من عند‬
‫ي صلى ال عليه وسلم وكونه‬
‫نفسه ‪ .‬ووجه الفضليّة واضح وهو ما فيه من القتداء بالنّب ّ‬
‫أعلم باللّه تعالى وأسمائه وصفاته وأفعاله ‪ ،‬وكونه أفصح العرب وأعلمهم بمواقع الكلم ‪،‬‬
‫وكونه أوتي جوامع الكلم ‪ ،‬وأمدّ بالتّسديد الرّبّانيّ ‪ ،‬وكمال النّصح لمّته ‪.‬‬
‫سنّة وفيهما ما يكفي‬
‫وقال النّوويّ ‪ :‬الخير والفضل إنّما هو في اتّباع المأثور في الكتاب وال ّ‬
‫في سائر الوقات ‪ ،‬وجرى على ذلك أصحابنا ‪ .‬وقال في موضعٍ ‪ :‬أوراد المشايخ وأحزابهم‬
‫ل بأس بالشتغال بها ‪.‬‬
‫ونقل ابن عابدين عن الهنديّة أنّه ينبغي أن يدعو في صلته بدعا ٍء محفوظٍ ‪ ،‬وأمّا في غيرها‬
‫فينبغي أن يدعو بما يحضره ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬الذّكر بغير المأثور في مناسباتٍ معيّنةٍ ‪:‬‬
‫‪ - 23‬ما تقدّم هو في الذّكر المطلق ‪ ،‬أمّا في السباب والمناسبات المعيّنة ‪:‬‬
‫ن التّكليف يتأدّى به ‪ .‬فلو أتى بدله بذكرٍ غير‬
‫أ ‪ -‬فإن كان في مثل تلك المناسبة ذكر مأثور فإ ّ‬
‫مأثورٍ ففي المسألة تفصيل ‪:‬‬
‫فما كان ركنا من أركان العبادة أو واجبا من واجباتها لم يمكن إبداله ‪ ،‬وذلك كأذكار الذان ‪،‬‬
‫وأذكار الصّلة الّتي ل بدّ منها كالفاتحة ‪ ،‬وتكبيرة الحرام ‪ ،‬والتّشهّد ‪.‬‬
‫وما كان التيان به من الذكار المأثورة مستحبّا أو جائزا ففي إبداله بغيره تفصيل ‪ :‬فالصل‬
‫ن التيان بالذّكر المأثور أفضل ‪ ،‬وإن دعا وذكر بغيره ممّا يليق فل بأس ‪.‬‬
‫أّ‬
‫فمن جملة ذلك الطّواف ‪ ،‬قال النّوويّ ‪ :‬قال أصحابنا ‪ :‬القراءة في الطّواف أفضل من‬
‫الدّعوات غير المأثورة وأمّا المأثورة فهي أفضل من القراءة على الصّحيح ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬أمّا إن لم يكن في المناسبة المعيّنة ذكر وارد ‪ ،‬فذهب بعض العلماء إلى أنّه ل ينكر‬
‫ب النسان ممّا يليق بالمناسبة ‪ ،‬أخذا من إطلق المر بالذّكر والدّعاء‬
‫استعمال ذكرٍ ممّا يح ّ‬
‫في النّصوص القرآنيّة والنّبويّة ‪ .‬دون أن ُيدّعى لذلك الذّكر أو الدّعاء فضل أو خصوصيّة‬
‫معيّنة ‪.‬‬
‫ومن جملة ذلك التّهنئة بالعيد وبدخول العوام والشهر ‪ ،‬قال صاحب ال ّدرّ ‪ :‬التّهنئة بالعيد‬
‫بلفظ تقبّل اللّه منّا ومنكم ل تنكر ‪ .‬قال ابن عابدين ‪ :‬إنّما قال ذلك لنّه لم يحفظ فيه شيء عن‬
‫أبي حنيفة وأصحابه ‪ .‬قال ‪ :‬وفي القنية أنّه لم ينقل فيها عن أصحابنا كراهة ‪.‬‬
‫قال ابن عابدين ‪ :‬يمكن أن يلحق بذلك قوله ‪ :‬عيد مبارك ونحوه ‪ .‬ثمّ قال ‪ :‬على أنّه قد ورد‬
‫الدّعاء بالبركة في أمورٍ شتّى فيؤخذ منه استحباب الدّعاء بهذا أيضا ‪ .‬وعن الحافظ المقدسيّ‪:‬‬
‫ن النّاس لم يزالوا مختلفين فيه والّذي أراه أنّه ل سنّة فيه ول بدعة ‪ .‬ا هـ ‪.‬‬
‫أّ‬
‫وفي المغني ‪ :‬عن أحمد أنّه قال ‪ :‬ل أبتدئ به أحدًا وإن قاله أحد رددت عليه ‪.‬‬
‫وعن مالكٍ في مثل " تقبّل اللّه منّا ومنك ‪ ،‬وغفر لنا ولك " يوم العيد ‪ :‬قال ‪ :‬ل أعرفه ول‬
‫أنكره ‪ .‬قال ابن حبيبٍ ‪ :‬أي ‪ :‬ل يعرفه سنّ ًة ول ينكره على من يقوله لنّه قول حسن ‪ ،‬لنّه‬
‫ض في اليوم المذكور " عيد‬
‫دعاء ‪ .‬قال صاحب الفواكه ‪ :‬ومثله قول النّاس بعضهم لبع ٍ‬
‫ل ذلك ‪ .‬وقال الوزاعيّ ‪ :‬هو بدعة ‪.‬‬
‫مبارك‪ ،‬وأحياكم اللّه لمثاله " ل شكّ في جواز ك ّ‬
‫وعند الشّافعيّة أنّها سنّة ‪ .‬وانظر بحث ( تهنئة من الموسوعة ‪. ) 99/ 14‬‬
‫الزّيادة في الذّكر على ما ورد ‪:‬‬
‫‪ - 24‬الزّيادة في الذّكر المرتّب شرعا على سببٍ ‪ ،‬الصل فيه الجواز عند الجمهور ‪ ،‬ويتقيّد‬
‫بقيودٍ تفهم ممّا تقدّم ‪ ،‬فمنها أن يكون صحيح المعنى ل يستلزم نقصًا بوجهٍ من الوجوه ‪ ،‬وألّ‬
‫ن الشّارع أراد المحافظة فيه على اللّفظ الوارد ‪ ،‬فل يزاد على ألفاظ الذان‬
‫يكون ممّا علم أ ّ‬
‫وألفاظ التّشهّد ونحوهما ‪ ،‬وأن يكون بمعنى ما ورد ‪ ،‬وأن يكون ممّا يليق ‪.‬‬
‫ن زيادات العلماء في القنوت ونحوه من الذكار يكون التيان بها أولى ‪،‬‬
‫وقد نقل ابن علّان أ ّ‬
‫ن المدار فيه على لفظه فلذا لم يزيدوا فيه ‪ ،‬ورأوا‬
‫ن العلماء فهموا أ ّ‬
‫وفارق التّشهّد وغيره بأ ّ‬
‫ن الزّيادة فيه خلف الولى بخلف القنوت فإنّهم فهموا أنّ للدّعاء تأثيرا عظيما في‬
‫أّ‬
‫الستجابة فتوسّعوا في الدّعاء فيه ‪.‬‬
‫ج « بتلبية النّبيّ صلى ال عليه وسلم‬
‫وقد ورد أنّ ابن عمر رضي ال عنه كان يلبّي في الح ّ‬
‫لبّيك اللّهمّ لبّيك ‪ ،‬لبّيك ل شريك لك لبّيك ‪ ،‬إنّ الحمد والنّعمة لك والملك ل شريك لك ل يزيد‬
‫على ذلك » ثمّ كان ابن عمر يزيد فيها " لبّيك لبّيك وسعديك والخير بيديك لبّيك ‪ ،‬والرّغباء‬
‫ل بهذا « أي بتلبية النّبيّ صلى ال‬
‫إليك والعمل وفي رواي ٍة ‪ :‬قال ابن عمر ‪ :‬كان عمر يه ّ‬
‫عليه وسلم ‪ ،‬ويزيد ‪ :‬لبّيك وسعديك إلخ » ‪.‬‬
‫ب من الذّكر للّه ‪،‬‬
‫قال ابن حجرٍ ‪ :‬قال الطّحاويّ ‪ :‬قال قوم ‪ :‬ل بأس أن يزيد في التّلبية ما أح ّ‬
‫وهو قول مح ّمدٍ والثّوريّ والوزاعيّ ‪ .‬واحتجّوا بهذا المرويّ عن عمر وابنه ‪.‬‬
‫وقال آخرون ‪ :‬ل ينبغي أن يزاد على ما علّمه رسول اللّه صلى ال عليه وسلم النّاس ‪ ،‬كما‬
‫علّمهم التّكبير في الصّلة فل ينبغي أن يتعدّى في ذلك شيئًا ممّا علمه ‪ .‬ا هـ ‪.‬‬
‫ثمّ قال ابن حجرٍ ‪ :‬وقول من قال ‪ :‬إنّه ل بأس بالزّيادة على التّلبية هو قول الجمهور وبه‬
‫صرّح أشهب ‪ .‬وحكى ابن عبد الب ّر عن مالكٍ الكراهة ‪ .‬قال ‪ :‬وهو أحد قولي الشّافعيّ ‪.‬‬
‫ي في القديم أنّه كره الزّيادة على‬
‫وقال الشّيخ أبو حامدٍ ‪ :‬وحكى أهل العراق عن الشّافع ّ‬
‫المرفوع ‪ ،‬وغلطوا ‪ ،‬بل ل يكره ول يستحبّ ‪ .‬وحكى التّرمذيّ عنه إن زاد في التّلبية شيئا‬
‫ي أن يقتصر على تلبية رسول اللّه صلى ال عليه وسلم ‪.‬‬
‫من تعظيم اللّه فل بأس وأحبّ إل ّ‬
‫وحكي عن أبي حنيفة ‪ :‬إن زاد في التّلبية عمّا ورد فحسن ‪.‬‬
‫وحكي في المعرفة عن الشّافعيّ أيضا قوله ‪ " :‬ل ضيق على أحدٍ في قول ما جاء عن ابن‬
‫ن الختيار عندي أن يفرد ما روي عن النّبيّ‬
‫عمر وغيره من تعظيم اللّه ودعائه ‪ ،‬غير أ ّ‬
‫صلى ال عليه وسلم في ذلك " ‪.‬‬
‫قال ابن حجرٍ ‪ :‬وهذا أعدل الوجوه ‪ ،‬فيفرد ما جاء مرفوعا ‪ ،‬وإذا اختار قول ما جاء موقوفا‪،‬‬
‫أو أنشأه هو من قبل نفسه ممّا يليق ‪ ،‬قاله على انفراده حتّى ل يختلط بالمرفوع ‪.‬‬
‫قال ‪ :‬وهو شبيه بحال الدّعاء في التّشهّد فإنّ النّبيّ صلى ال عليه وسلم قال فيه ‪ « :‬ثمّ ليتخيّر‬
‫بعد من المسألة ما شاء » ‪ .‬أي بعد أن يفرغ من المرفوع ‪.‬‬
‫وذكر البخاريّ حديث رفاعة الزّرقيّ قال ‪ « :‬كنّا يوما نصلّي وراء النّبيّ صلى ال عليه‬
‫وسلم فلمّا رفع رأسه من الرّكعة قال ‪ :‬سمع اللّه لمن حمده ‪ ،‬قال رجل وراءه ‪ ،‬ربّنا ولك‬
‫الحمد حمدا كثيرا طيّبا مباركا فيه ‪ ،‬فلمّا انصرف قال ‪ :‬من المتكلّم ؟ قال ‪ :‬أنا ‪ .‬قال ‪ :‬رأيت‬
‫بضع ًة وثلثين ملكا يبتدرونها أيّهم يكتبها أوّل » ‪ ،‬ثمّ قال ابن حجرٍ ‪ :‬استدلّ بهذا على إحداث‬
‫ذكرٍ في الصّلة غير مأثورٍ إذا كان غير مخالفٍ للمأثور ‪.‬‬
‫قال عليّ القاريّ ‪ :‬وروى التّرمذيّ عن ابن عمر ‪ " :‬أنّ رجلً عطس إلى جنبه فقال ‪ :‬الحمد‬
‫للّه والسّلم على رسول اللّه ‪ .‬فقال ابن عمر ‪ .‬وإنّا أقول ‪ :‬الحمد للّه والسّلم على رسول اللّه‬
‫وليس هكذا علّمنا رسول اللّه " ‪.‬‬
‫ثمّ بيّن القاريّ وجه إنكار ابن عمر لتلك الزّيادة قائلً ‪ :‬الزّيادة المطلوبة هي المتعلّقة بالحمد‬
‫له سواء ورد أم ل ‪ ،‬وأمّا زيادة ذكرٍ آخر بطريق الضّمّ إليه فغير مستحسنٍ ‪ ،‬لنّ من سمع‬
‫ربّما يتوهّم أنّه من جملة المأثور به ‪.‬‬
‫التّبديل في ألفاظ الذكار الواردة ‪:‬‬
‫ظ من الذكار الواردة بلفظٍ آخر اختلف فيه أيضا ‪ ،‬فقيل ‪ :‬هو جائز لنّه شبيه‬
‫‪ - 25‬تبديل لف ٍ‬
‫ن الرّواية بالمعنى جائزة إذا كان اللّفظ البديل‬
‫بالرّواية بالمعنى ‪ ،‬والمشهور عند المحدّثين أ ّ‬
‫مساويا في المعنى للّفظ الوارد ‪ ،‬وخالف في ذلك المازريّ فقال تعليقا على حديث البراء بن‬
‫عازبٍ « أنّ النّبيّ صلى ال عليه وسلم قال له ‪ :‬إذا أتيت مضجعك فتوضّأ وضوءك‬
‫للصّلة ‪ ،‬ثمّ اضطجع على شقّك اليمن ‪ .‬ثمّ قل ‪ :‬اللّهمّ أسلمت نفسي إليك ‪ ..‬إلى قوله ‪:‬‬
‫آمنت بكتابك الّذي أنزلت ونبيّك الّذي أرسلت ‪ ...‬قال فرددتها على النّبيّ صلى ال عليه وسلم‬
‫فقلت ‪ :‬ورسولك قال ‪ :‬ل ‪ ،‬ونبيّك الّذي أرسلت » ‪.‬‬
‫قال المازريّ عقبه ‪ :‬سبب هذا النكار أنّ هذا ذكر ودعاء ‪ ،‬فينبغي فيه القتصار على الذّكر‬
‫الوارد بحروفه ‪ ،‬وقد يتعلّق الجزاء بتلك الحروف ‪ ،‬ولعلّه أوحي إليه بتلك الكلمات ‪ ،‬فتعيّن‬
‫أداؤها بحروفها ‪ .‬وإلى مثل ذلك مال ابن حجرٍ ‪ .‬وهذا كما هو واضح في الذكار المقيّدة‬
‫الّتي رتّب الشّارع عليها فضلً خاصّا ‪ ،‬ل في الذّكر المطلق ‪.‬‬
‫الذّكر بالسم المفرد ‪ ،‬وبالضّمير المفرد ‪:‬‬
‫ل على أنّ في الذّكر بالسم المفرد " اللّه ‪،‬‬
‫‪ - 26‬ذكر الرّشيديّ في حاشيته على النّهاية ما يد ّ‬
‫اللّه ‪ ،‬اللّه " خلفا في أنّه ذكر أم ل ‪.‬‬
‫وقال ابن تيميّة ‪ :‬السم المفرد مظهرا أو مضمرا ليس بكلمٍ تامّ ول يتعلّق به إيمان ول كفر‪،‬‬
‫ول أمر ‪ ،‬ول نهي ‪ ،‬ول يعطي القلب معرف ًة مفيدةً ‪ ،‬وإنّما يعطيه تصوّرا مطلقا ‪ .‬والذّكر‬
‫سنّة ‪.‬‬
‫بالسم المضمر أبعد عن ال ّ‬
‫آداب الذّاكرين ‪:‬‬
‫للذّكر والدّعاء آداب يستدعيها كمال المذكور وجلله ‪ ،‬وإذا روعيت كانت أولى بالقبول‬
‫والجابة ‪ ،‬فمن تلك الداب ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬طلب العون من اللّه تعالى على الذّكر ‪:‬‬
‫‪ - 27‬وقد « حثّ النّبيّ صلى ال عليه وسلم معاذا على أن يقول ‪ :‬اللّهمّ أعنّي على ذكرك‬
‫وحسن عبادتك » ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬أن يكون الذّاكر متطهّرا من الحدث ‪:‬‬
‫‪ - 28‬واستدلّ لذلك بحديث المهاجر بن قنفذٍ قال ‪ « :‬رأيت النّبيّ صلى ال عليه وسلم وهو‬
‫ي حتّى توضّأ ‪ ،‬ثمّ اعتذر إليّ وقال ‪ :‬إنّي كرهت أن أذكر اللّه‬
‫يبول ‪ ،‬فسلّمت عليه فلم يردّ عل ّ‬
‫إلّ على طهرٍ ‪ ،‬أو قال ‪ :‬على طهار ٍة » ‪.‬‬
‫ل في أكمل الحوال ‪،‬‬
‫ن الفضل ألّ توجد الذكار إ ّ‬
‫وقال ابن علّان ‪ :‬يؤخذ من الحديث أ ّ‬
‫كالطّهارة من الحدثين ‪ ،‬وطهارة الفم من الخبث ‪ .‬ولم يقولوا باشتراط ذلك لما ثبت « أنّ‬
‫ل أحيانه ‪ .‬وكان إذا خرج من الغائط قال ‪:‬‬
‫النّبيّ صلى ال عليه وسلم ‪ :‬كان يذكر اللّه على ك ّ‬
‫غفرانك ‪ ،‬وكان يقول ‪ :‬الحمد للّه الّذي أذهب عنّي الذى وعافاني » ‪.‬‬
‫فهذا ذكر على غير طهارةٍ ‪ .‬وقد أجمعوا على جواز الذّكر بالقلب واللّسان للمحدث والجنب‬
‫والحائض والنّفساء ‪.‬‬
‫ب له أن يكون متوضّئا ‪.‬‬
‫ن الذّاكر يستح ّ‬
‫ومذهب الحنفيّة على ما في الهداية وشروحها أ ّ‬
‫ومن ذلك الذان والقامة ‪ ،‬فإن أذّن بل وضو ٍء جاز بل كراه ٍة في ظاهر الرّواية كسائر‬
‫أنواع الذّكر‪ ،‬وإن أقام بل وضوءٍ جاز مع الكراهة لما فيه من الفصل بين القامة والصّلة‬
‫بالشتغال بأعمال الوضوء ‪ ،‬والقامة شرعت متّصل ًة ‪.‬‬
‫ن استحباب التّطهّر للذّكر إنّما هو في أحوا ٍل خاصّةٍ كخطبة الجمعة‬
‫ويفهم من كلم الحنفيّة أ ّ‬
‫والذان ‪ ،‬وفي ال ّدرّ المختار ‪ :‬الوضوء لمطلق الذّكر مندوب ولو للجنب ‪ ،‬وتركه خلف‬
‫الولى ‪.‬‬
‫وقال النّوويّ ‪ :‬إن كان في فمه نجاسة أزالها بالماء ‪ ،‬فلو ذكر ولم يغسلها فهو مكروه ول‬
‫يحرم ‪ ،‬ولو قرأ القرآن وفمه نجس كره ‪ ،‬وفي تحريمه وجهان لصحابنا أصحّهما ل يحرم ‪.‬‬
‫وقال الشّوكانيّ ‪ :‬تنظيف الفم عند الذّكر بالسّواك أدب حسن ‪ ،‬لنّه المحلّ الّذي يكون الذّكر‬
‫ح ‪ « :‬أنّه صلى ال عليه وسلم لمّا سلّم عليه بعض الصّحابة تيمّم من‬
‫به في الصّلة ‪ ،‬وقد ص ّ‬
‫جدار الحائط ثمّ ردّ عليه » ‪ ،‬فهذا في مجرّد ردّ السّلم فذكر اللّه سبحانه أولى ‪.‬‬
‫ويستثنى من الحكام المتقدّمة القرآن ‪ ،‬فتحرم قراءته على الحائض والنّفساء والجنب ‪،‬‬
‫لحديث ‪ « :‬ل يقرأ الحائض ول الجنب شيئا من القرآن » ‪.‬‬
‫وتفصيل ذلك في ( قرآن ‪ ،‬جنابة ‪ ،‬وحيض ) ‪.‬‬
‫فإن قرأ شيئا من الذكار الّتي توافق القرآن من وجب عليه الغسل ‪ ،‬وكان ينوي بها الذّكر ل‬
‫القرآن ‪ ،‬فل بأس ‪ ،‬وذلك كالبسملة ‪ ،‬والحمد للّه ربّ العالمين ‪ ،‬ول إله إلّ اللّه ‪ ،‬وكآيتي‬
‫سخّ َر َلنَا َهذَا ‪ } ...‬وآية النّزول ‪ { :‬رّبّ أَنزِ ْلنِي مُنزَلًا ّمبَا َركًا‪} ...‬‬
‫ن اّلذِي َ‬
‫سبْحا َ‬
‫الرّكوب { ُ‬
‫وآية السترجاع { ِإنّا لِلّ ِه وَِإنّـا إَِل ْيهِ رَاجِعونَ } ‪.‬‬
‫وقيل ‪ :‬يحرم على من عليه غسل قراءة آيةٍ ولو بقصد ذكرٍ ‪ ،‬سدّا للباب ‪ ،‬ذكره صاحب‬
‫مطالب أولي النّهى ‪.‬‬
‫ذكر اللّه تعالى حال قضاء الحاجة ‪:‬‬
‫‪ - 29‬يكره لمن هو في الخلء لحاجته أن يذكر اللّه تعالى ‪ ،‬أو أن يتكلّم ‪ ،‬صرّح به من‬
‫الشّافعيّة النّوويّ وغيره ‪ ،‬وهو مذهب الحنابلة ‪.‬‬
‫ج ‪ :‬إنّه يحرم الذّكر في تلك الحال ‪ ،‬وإليه مال الذرعيّ والزّركشيّ ‪.‬‬
‫وقال ابن ك ّ‬
‫ونقلت إجازة الذّكر في المرحاض عن عبد اللّه بن عمرٍو رضي ال عنهما ‪ ،‬وعن النّخعيّ ‪.‬‬
‫وصرّح النّوويّ في المجموع بأنّه إذا عطس في الخلء فل يحمد اللّه بلسانه بل بقلبه وقال في‬
‫الذكار ‪ :‬وصرّح بعض أصحابنا بأنّه ل يشمّت عاطسا ول يردّ السّلم ول يجيب المؤذّن ‪.‬‬
‫وكذا في حال الجماع ‪ .‬وانظر مصطلح ‪ ( :‬قضاء الحاجة ) ‪.‬‬
‫ج ‪ -‬التّحرّي في المكنة ‪:‬‬
‫‪ - 30‬يجتنب الذّكر في المواضع القذرة وموضع التّخلّي كما تقدّم ‪.‬‬
‫ومن الدب أن يكون موضعه نظيفا خاليا عمّا يشغل البال ‪.‬‬
‫أمّا الحمّام فقد صرّح الشّافعيّة والحنابلة بأنّه ل يكره ذكر اللّه تعالى فيه ‪ ،‬أو على سطحه‬
‫ل ما يتبعه في بيعٍ أو إجار ٍة ‪ ،‬لما روى النّخعيّ أنّ أبا هريرة دخل الحمّام فقال ‪:‬‬
‫ونحوه من ك ّ‬
‫ل اللّه ‪.‬‬
‫ل إله إ ّ‬
‫ول يكره ذكر اللّه في الطّريق ‪ ،‬وفي الحديث « ما سلك رجل طريقا لم يذكر اللّه عزّ وجلّ‬
‫ل كان عليه ترة » ‪.‬‬
‫فيه إ ّ‬
‫والصل في جميع المواضع أنّ ذكر اللّه تعالى فيها مندوب إليه ما لم يكن في الموضع سبب‬
‫شرُوا فِي ا ْلَأرْضِ وَا ْب َتغُوا مِن‬
‫ضيَتِ الصّلَا ُة فَان َت ِ‬
‫من أسباب الكراهة ‪ .‬لقوله تعالى ‪َ { :‬فِإذَا قُ ِ‬
‫فَضْلِ اللّهِ وَا ْذ ُكرُوا اللّهَ َكثِيرا ّلعَّل ُكمْ تُفِْلحُونَ } ‪.‬‬
‫د ‪ -‬تحرّي المكنة الفاضلة ‪:‬‬
‫سمُهُ } ‪.‬‬
‫ن اللّ ُه أَن ُترْفَعَ َو ُي ْذكَرَ فِيهَا ا ْ‬