You are on page 1of 234

‫الموسوعة الفقهية ‪ /‬الجزء الثاني والعشرون‬

‫رأس *‬
‫التّعريف ‪:‬‬
‫‪ -‬الرّأس مفرد ‪ ،‬وجمع القلّة فيه ‪ :‬أرؤس ‪ ،‬وجمع الكثرة رءوس ‪.‬‬ ‫‪1‬‬

‫وهو في اللّغة ‪ :‬أعلى كلّ شيءٍ ‪ ،‬ويطلق مجازا على سيّد القوم وعلى القوم إذا كثروا وعزّوا‬
‫‪ .‬ورأس المال ‪ :‬أصله ‪ .‬والصطلح الشّرعيّ ل يخرج عن المعنى اللّغويّ ‪.‬‬
‫الحكام المتعلّقة بالرّأس ‪:‬‬
‫‪ -‬تختلف الحكام المتعلّقة بالرّأس باختلف موضوع الحكم ‪.‬‬ ‫‪2‬‬

‫ففي الوضوء يجب المسح بالرّأس باتّفاق الفقهاء ‪.‬‬


‫وأمّا مقدار ما يمسح ففيه خلف وتفصيل يرجع إليه في مصطلح ‪ ( :‬وضوء ) ‪.‬‬
‫وفي الحجّ والعمرة يحرم على الرّجل المحرم تغطية الرّأس أو جزء منه ‪،‬وتجب الفدية فيه‪.‬‬
‫وتفصيل ذلك في مصطلح ‪ ( :‬إحرام ) ‪.‬‬
‫وفي الجناية على الرّأس قصاص ‪ ،‬أو دية ‪ ،‬أو أرش ‪ .‬وتفصيل ذلك في مصطلح ‪ ( :‬جناية‪،‬‬
‫دية ‪ ،‬أرش ) ‪.‬‬
‫كشف الرّأس في الصّلة ‪:‬‬
‫‪ -‬ل خلف بين الفقهاء في استحباب ستر الرّأس في الصّلة للرّجل ‪ ،‬بعمامةٍ ‪ ،‬وما في‬ ‫‪3‬‬

‫معناها ‪ ،‬لنّه صلى ال عليه وسلم كان كذلك يصلّي ‪.‬‬


‫أمّا المرأة فيجب عليها ستر رأسها في الصّلة ‪.‬‬
‫وتفصيل ذلك في مصطلحي ‪ ( :‬صلة وعورة ) ‪.‬‬
‫ستر الرّأس عند دخول الخلء ‪:‬‬
‫ن النّبيّ صلى ال عليه‬
‫أّ‬ ‫‪ -‬يستحبّ أن ل يدخل الخلء حاسرَ الرّأس ‪ ،‬لخبر ‪» :‬‬ ‫‪3‬‬

‫وسلم كان إذا دخل الخلء لبس حذاءه ‪ ،‬وغطّى رأسه « ‪.‬‬
‫ضرب الرّأس في الح ّد والتّأديب ‪:‬‬
‫‪ -‬ذهب جمهور الفقهاء إلى أنّه ل يضرب رأس المجلود للحدّ أو التّعزير ‪ ،‬لنّه من المقاتل‬ ‫‪4‬‬

‫‪ ،‬وربّما يفضي ضربه إلى ذهاب سمعه ‪ ،‬وبصره ‪ ،‬وعقله ‪ ،‬أو قتله ‪ ،‬والمقصود تأديبه ل‬
‫قتله ‪ ،‬وروي عن عمر رضي ال عنه أنّه قال للجلد ‪ :‬اتّق الوجه ‪ ،‬والرّأس ‪ .‬وقال أبو‬
‫يوسف من الحنفيّة ‪ :‬إنّه يضرب الرّأس في الحدّ والتّعزير ‪ ،‬لنّه ل يخاف التّلف بسوطٍ أو‬
‫ن الشّيطان فيه ‪،‬‬
‫سوطين ‪ ،‬وقد روي عن أبي بكرٍ رضي ال عنه أنّه قال ‪ :‬اضربوا الرّأس فإ ّ‬
‫وهذا هو الرّاجح عند الشّافعيّة ‪.‬‬
‫اليمين على أكل الرّؤوس ‪:‬‬
‫‪ -‬إذا حلف ل يأكل رأسا وأطلق ‪ ،‬حمل على رءوس النعام ‪ ،‬وهي الغنم ‪ ،‬والبل ‪ ،‬والبقر‬ ‫‪5‬‬

‫‪ ،‬لنّها هي الّتي تباع وتشترى في السّوق منفرد ًة ‪ ،‬وهي المتعارفة ‪ ،‬وإلى هذا ذهب الشّافعيّة‬
‫على الصّحيح عندهم ‪ ،‬وأبو حنيفة ‪.‬‬
‫وقال الصّاحبان ‪ :‬يحمل على رأس الغنم ‪ ،‬وهو قول عند الشّافعيّة ‪ ،‬أمّا إن عمّم أو خصّص‬
‫فإنّه يتبع ‪ ،‬وإن قصد ما يسمّى رأسا حنث بالكلّ ‪.‬‬
‫وتفصيل ذلك في مباحث اليمان من كتب الفقه ‪.‬‬
‫أمّا ما يتعلّق بشعر الرّأس من الحكام فينظر في مصطلح ‪ ( :‬شعر ) ‪.‬‬

‫رأس المال *‬
‫التّعريف ‪:‬‬
‫ح ول زيادةٍ ‪ ،‬وهو جملة المال الّتي تستثمر في‬
‫‪ -‬رأس المال في اللّغة ‪ :‬أصل المال بل رب ٍ‬ ‫‪1‬‬

‫ل ُتظْلَمُونَ } ‪ .‬وفي‬
‫ل ما ‪ .‬قال اللّه تعالى ‪ { :‬وَإِن ُت ْبتُمْ فََل ُكمْ رُؤُوسُ َأ ْموَاِل ُكمْ لَ َتظِْلمُونَ َو َ‬
‫عم ٍ‬
‫الصطلح ل يخرج عن المعنى اللّغويّ ‪.‬‬
‫مواطن البحث ‪:‬‬
‫‪ -‬يذكر هذا المصطلح في ‪ :‬الزّكاة ‪ ،‬والشّركة ‪ ،‬والمضاربة ‪ ،‬والسّلم ‪،‬والرّبا ‪،‬والقرض ‪،‬‬ ‫‪2‬‬

‫وبيوع المانات ‪ ،‬والمرابحة ‪ ،‬والتّولية ‪ ،‬والحطيطة ‪.‬‬


‫ويرجع إلى الحكام المتعلّقة بهذا المصطلح في مظانّها المذكورة ‪.‬‬

‫رؤيا *‬
‫التّعريف ‪:‬‬
‫‪ -‬الرّؤيا على وزن فعلى ما يراه النسان في منامه ‪ ،‬وهو غير منصرفٍ للف التّأنيث كما‬ ‫‪1‬‬

‫في المصباح ‪ ،‬وتجمع على رؤًى ‪.‬‬


‫وأمّا الرّؤية بالهاء فهي رؤية العين ومعاينتها للشّيء كما في المصباح ‪ ،‬وتأتي أيضا بمعنى‬
‫ل واحدٍ‪،‬‬
‫العلم كما في الصّحاح واللّسان ‪ ،‬فإن كانت بمعنى النّظر بالعين فإنّها تتعدّى إلى مفعو ٍ‬
‫وإن كانت بمعنى العلم فإنّها تتعدّى إلى مفعولين ‪.‬‬
‫والرّؤيا في الصطلح ل تخرج عن المعنى اللّغويّ ‪.‬‬
‫اللفاظ ذات الصّلة ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬اللهام ‪:‬‬
‫‪ -‬اللهام في اللّغة ‪ :‬تلقين اللّه سبحانه وتعالى الخير لعبده ‪ ،‬أو إلقاؤه في روعه ‪.‬‬ ‫‪2‬‬

‫ص به اللّه سبحانه بعض أصفيائه ‪.‬‬


‫ن له الصّدر يخ ّ‬
‫وفي الصطلح ‪ :‬إيقاع شي ٍء يطمئ ّ‬
‫وتفصيل ذلك في مصطلح ‪ ( :‬إلهام ) ‪.‬‬
‫ل في‬
‫ن اللهام يكون في اليقظة ‪ ،‬بخلف الرّؤيا فإنّها ل تكون إ ّ‬
‫والفرق بين الرّؤيا واللهام أ ّ‬
‫النّوم ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬الحلم ‪:‬‬
‫‪ -‬الحلم بض مّ الحاء المهملة وض مّ اللم وقد تسكّن تخفيفا هو الرّؤيا ‪ ،‬أو هو اسم للحتلم‬ ‫‪3‬‬

‫وهو الجماع في النّوم ‪.‬‬


‫والحلم والرّؤيا وإن كان ك ّل منهما يحدث في النّوم إلّ أنّ الرّؤيا اسم للمحبوب فلذلك تضاف‬
‫إلى اللّه سبحانه وتعالى ‪ ،‬والحلم اسم للمكروه فيضاف إلى الشّيطان لقوله صلى ال عليه‬
‫وسلم ‪» :‬الرّؤيا من اللّه ‪ ،‬والحلم من الشّيطان «‪ ،‬وقال عيسى بن دينارٍ ‪ :‬الرّؤيا رؤية ما‬
‫يتأوّل على الخير والمر الّذي يسرّ به ‪ ،‬والحلم هو المر الفظيع المجهول يريه الشّيطان‬
‫للمؤمن ليحزنه وليكدّر عيشه ‪.‬‬
‫ج ‪ -‬الخاطر ‪:‬‬
‫‪ -‬الخاطر هو المرتبة الثّانية من مراتب حديث النّفس ‪ ،‬ومعناه في اللّغة ما يخطر في القلب‬ ‫‪4‬‬

‫من تدبير أمرٍ ‪ ،‬وفي الصطلح ما يرد على القلب من الخطاب أو الوارد الّذي ل عمل للعبد‬
‫فيه ‪ ،‬والخاطر غالبا يكون في اليقظة بخلف الرّؤيا ‪.‬‬
‫د ‪ -‬الوحي ‪:‬‬
‫ل ما ألقيته إلى‬
‫‪ -‬من معانيه في اللّغة كما قال ابن فارسٍ ‪ :‬الشارة والرّسالة والكتابة وك ّ‬ ‫‪5‬‬

‫غيرك ليعلمه ‪ ،‬وهو مصدر وحى إليه يحي من باب وعد ‪ ،‬وأوحى إليه باللف مثله ‪ ،‬ثمّ‬
‫غلب استعمال الوحي فيما يلقى إلى النبياء من عند اللّه تعالى ‪ .‬فالفرق بينه وبين الرّؤيا‬
‫واضح ‪ ،‬ورؤيا النبياء وحي ‪ ،‬وفي الحديث ‪ » :‬أوّل ما بدئ به النّبيّ صلى ال عليه وسلم‬
‫من الوحي الرّؤيا الصّادقة « ‪.‬‬
‫الرّؤيا الصّالحة ومنزلتها ‪:‬‬
‫‪ -‬الرّؤيا الصّالحة حالة شريفة ومنزلة رفيعة كما ذكر القرطبيّ ‪ ،‬قال رسول اللّه صلى ال‬ ‫‪6‬‬

‫عليه وسلم ‪» :‬لم يبق من مبشّرات النّبوّة إلّ الرّؤيا الصّالحة يراها المسلم الصّالح أو ترى‬
‫له«‪.‬‬
‫وقد أخرج التّرمذيّ في جامعه أنّ رجلً من أهل مصر سأل أبا الدّرداء رضي ال عنه عن‬
‫قوله تعالى ‪َ { :‬ل ُهمُ ا ْل ُبشْرَى فِي ا ْلحَياةِ ال ّد ْنيَا } قال ‪ :‬ما سألني عنها أحد منذ سألت رسول اللّه‬
‫صلى ال عليه وسلم عنها ‪ ،‬فقال ‪ :‬ما سألني عنها أحد غيرك منذ أنزلت ‪ ،‬هي الرّؤيا‬
‫الصّالحة يراها المسلم أو ترى له ‪.‬‬
‫وقد حكم رسول اللّه صلى ال عليه وسلم أنّ الرّؤيا الصّالحة جزءٌ من ستّ ٍة وأربعين جزءا‬
‫من النّبوّة وروي غير ذلك ‪.‬‬
‫والمراد بالرّؤيا الصّالحة غالب رؤى الصّالحين كما قال المهلّب ‪ ،‬وإلّ فالصّالح قد يرى‬
‫ن الصّدق فيها نادر لغلبة‬
‫الضغاث ولكنّه نادر لقلّة تمكّن الشّيطان منهم ‪ ،‬بخلف عكسهم ‪ ،‬فإ ّ‬
‫تسلّط الشّيطان عليهم ‪ ،‬فالنّاس على هذا ثلث درجاتٍ ‪:‬‬
‫‪ -‬النبياء ورؤاهم كلّها صدقٌ ‪ ،‬وقد يقع فيها ما يحتاج إلى تعبيرٍ ‪.‬‬
‫‪ -‬والصّالحون والغلب على رؤاهم الصّدق ‪ ،‬وقد يقع فيها ما ل يحتاج إلى تعبيرٍ ‪.‬‬
‫‪ -‬ومن عداهم وقد يقع في رؤاهم الصّدق والضغاث ‪.‬‬
‫وقال القاضي أبو بكرٍ العربيّ ‪ :‬إنّ رؤيا المؤمن الصّالح هي الّتي تنسب إلى أجزاء النّبوّة‬
‫لصلحها واستقامتها ‪ ،‬بخلف رؤيا الفاسق فإنّها ل تعدّ من أجزاء النّبوّة ‪ ،‬وقيل تعدّ من‬
‫أقصى الجزاء ‪ ،‬وأمّا رؤيا الكافر فل تعدّ أصلً ‪.‬‬
‫وقريب من ذلك ما قاله القرطبيّ من أنّ المسلم الصّادق الصّالح هو الّذي يناسب حاله حال‬
‫النبياء فأكرم بنوعٍ ممّا أكرم به النبياء وهو الطّلع على الغيب ‪ ،‬وأمّا الكافر والفاسق‬
‫ل من حدّث‬
‫والمخلّط فل ‪ ،‬ولو صدقت رؤياهم أحيانا فذاك كما قد يصدق الكذوب ‪ ،‬وليس ك ّ‬
‫عن غيبٍ يكون خبره من أجزاء النّبوّة كالكاهن والمنجّم ‪.‬‬
‫هذا ‪ ،‬وقد استشكل كون الرّؤيا جزءا من النّبوّة مع أنّ النّبوّة انقطعت بموت النّبيّ صلى ال‬
‫عليه وسلم كما ذكر الحافظ في الفتح فقيل في الجواب ‪ :‬إن وقعت الرّؤيا من النّبيّ صلى ال‬
‫عليه وسلم فهي جزءٌ من أجزاء النّبوّة حقيقةً ‪ ،‬وإن وقعت من غير النّبيّ فهي جزءٌ من‬
‫أجزاء النّبوّة على سبيل المجاز ‪.‬‬
‫وقال الخطّابيّ ‪ :‬قيل معناه ‪:‬أنّ الرّؤيا تجيء على موافقة النّبوّة ل أنّها جزء باقٍ من النّبوّة ‪،‬‬
‫ن النّبوّة وإن انقطعت فعلمها باقٍ ‪.‬‬
‫وقيل المعنى ‪ :‬إنّها جزء من علم النّبوّة ‪ ،‬ل ّ‬
‫رؤيا اللّه سبحانه وتعالى في المنام ‪:‬‬
‫ي فيه خيال‬
‫ن المرئ ّ‬
‫‪ -‬اختلف في جواز رؤيته سبحانه وتعالى في المنام فقيل ‪ :‬ل تقع ‪ ،‬ل ّ‬ ‫‪7‬‬

‫ومثال ‪ ،‬وذلك على القديم محال ‪ ،‬وقيل ‪ :‬تقع لنّه ل استحالة لذلك في المنام ‪.‬‬
‫ي صلى ال عليه وسلم في المنام ‪:‬‬
‫رؤيا النّب ّ‬
‫‪ -‬ذكر البخاريّ في كتاب التّعبير من صحيحه بابا بعنوان من رأى النّبيّ صلى ال عليه‬ ‫‪8‬‬

‫وسلم في المنام وذكر فيه خمسة أحاديث منها ‪ :‬ما رواه عن أبي هريرة رضي ال عنه أنّه‬
‫قال ‪ « :‬سمعت النّبيّ صلى ال عليه وسلم يقول ‪:‬من رآني في المنام فسيراني في اليقظة ول‬
‫يتمثّل الشّيطان بي « ‪.‬‬
‫ل على جواز رؤيته صلى ال عليه وسلم في المنام ‪ ،‬وقد ذكر الحافظ في‬
‫وهذه الحاديث تد ّ‬
‫الفتح ‪ ،‬والنّوويّ في شرح مسلمٍ أقوالً مختلف ًة في معنى قوله صلى ال عليه وسلم ‪ » :‬من‬
‫رآني في المنام فسيراني في اليقظة « ‪.‬‬
‫والصّحيح منها أنّ مقصوده أنّ رؤيته في كلّ حال ٍة ليست باطل ًة ول أضغاثا ‪ ،‬بل هي حقّ في‬
‫نفسها ‪ ،‬ولو رؤي على غير صورته الّتي كانت عليها في حياته صلى ال عليه وسلم فتصوّر‬
‫تلك الصّورة ليس من الشّيطان بل هو من قبل اللّه ‪ ،‬وقال ‪ :‬وهذا قول القاضي أبي بكر بن‬
‫طيّب وغيره ‪ ،‬ويؤيّده قوله ‪ » :‬فقد رأى الحقّ « أي رأى الحقّ الّذي قصد إعلم الرّائي به‬
‫ال ّ‬
‫‪ ،‬فإن كانت على ظاهرها وإلّ سعى في تأويلها ول يهمل أمرها ‪ ،‬لنّها إمّا بشرى بخيرٍ ‪ ،‬أو‬
‫إنذارٌ من شرّ إمّا ليخيف الرّائي ‪ ،‬إمّا لينزجر عنه ‪ ،‬وإمّا لينبّه على حكمٍ يقع له في دينه أو‬
‫دنياه ‪.‬‬
‫ي في الفروق أنّ رؤيته عليه الصلة والسلم إنّما تصحّ لحد رجلين ‪:‬‬
‫وذكر القراف ّ‬
‫أحدهما ‪ :‬صحابيّ رآه فعلم صفته فانطبع في نفسه مثاله فإذا رآه جزم بأنّه رأى مثاله‬
‫شكّ في رؤيته عليه الصلة والسلم ‪ .‬وثانيهما‬
‫المعصوم من الشّيطان ‪ ،‬فينتفي عنه اللّبس وال ّ‬
‫‪ :‬رجل تكرّر عليه سماع صفاته المنقولة في الكتب حتّى انطبعت في نفسه صفته عليه‬
‫الصلة والسلم ‪ ،‬ومثاله المعصوم ‪ ،‬كما حصل ذلك لمن رآه ‪ ،‬فإذا رآه جزم بأنّه رأى مثاله‬
‫شكّ في رؤيته عليه الصلة‬
‫عليه الصلة والسلم كما يجزم به من رآه ‪ ،‬فينتفي عنه اللّبس وال ّ‬
‫والسلم ‪ ،‬وأمّا غير هذين فل يحلّ له الجزم بل يجوز أن يكون رآه عليه السلم بمثاله ‪،‬‬
‫ويحتمل أن يكون من تخييل الشّيطان ‪،‬ول يفيد قول المرئيّ لمن رآه أنا رسول اللّه ‪ ،‬ول قول‬
‫من يحضر معه هذا رسول اللّه ‪ ،‬لنّ الشّيطان يكذب لنفسه ويكذب لغيره ‪ ،‬فل يحصل الجزم‬
‫‪ ،‬وهذا وإن كان صريحا في أنّه ل بدّ من رؤية مثاله المخصوص ل ينافي ما تقرّر في‬
‫التّعبير أنّ الرّائي يراه عليه الصلة والسلم شيخا وشابّا وأسود ‪ ،‬وذاهب العينين ‪ ،‬وذاهب‬
‫ن هذه‬
‫اليدين ‪ ،‬وعلى أنواعٍ شتّى من المثل الّتي ليست مثاله عليه الصلة والسلم ‪ ،‬ل ّ‬
‫الصّفات صفات الرّائين وأحوالهم تظهر فيه عليه الصلة والسلم وهو كالمرآة لهم ‪.‬‬
‫ي صلى ال عليه وسلم أو فعله في الرّؤيا ‪:‬‬
‫ترتّب الحكم على قول النّب ّ‬
‫ل أو يفعل فعلً فهل يكون قوله‬
‫‪ -‬من رأى النّبيّ صلى ال عليه وسلم في المنام يقول قو ً‬ ‫‪9‬‬

‫هذا أو فعله حجّةً يترتّب عليها الحكم أو ل ؟ ‪.‬‬


‫ل‪:‬‬
‫ذكر الشّوكانيّ في ذلك ثلثة أقوا ٍ‬
‫الوّل ‪ :‬أنّه يكون حجّةً ويلزم العمل به ‪ ،‬وقد ذهب إلى ذلك جماعة من أهل العلم منها‬
‫الستاذ أبو إسحاق ‪ ،‬لنّ رؤية النّبيّ صلى ال عليه وسلم في المنام حقّ والشّيطان ل يتمثّل‬
‫به ‪.‬‬
‫الثّاني ‪ :‬أنّه ل يكون حجّ ًة ول يثبت به حكم شرعيّ ‪ ،‬لنّ رؤية النّبيّ صلى ال عليه وسلم‬
‫ن الشّيطان ل يتمثّل به لكن النّائم ليس من أهل التّحمّل‬
‫في المنام وإن كانت رؤيا حقّ وأ ّ‬
‫للرّواية لعدم حفظه ‪.‬‬
‫الثّالث ‪ :‬أنّه يعمل بذلك ما لم يخالف شرعا ثابتا ‪.‬‬
‫ن الشّرع الّذي شرعه اللّه لنا على لسان نبيّنا صلى ال عليه‬
‫قال الشّوكانيّ ‪ :‬ول يخفاك أ ّ‬
‫ت َل ُكمْ دِي َنكُمْ }‪ .‬ولم يأتنا دليل يدلّ على أنّ‬
‫وسلم قد كمّله اللّه عزّ وجلّ وقال ‪ {:‬ا ْليَ ْومَ َأ ْكمَلْ ُ‬
‫رؤيته في النّوم بعد موته صلى ال عليه وسلم إذا قال فيها بقولٍ ‪ ،‬أو فعل فيها فعلً يكون‬
‫دليلً وحجّ ًة ‪ ،‬بل قبضه اللّه إليه بعد أن كمّل لهذه المّة ما شرعه لها على لسانه ولم يبق بعد‬
‫ذلك حاجة للمّة في أمر دينها ‪ ،‬وقد انقطعت البعثة لتبليغ الشّرائع ‪ ،‬وتبيينها بالموت وإن كان‬
‫ل حيًا وميّتا ‪ ،‬وبهذا تعلم أنّا لو قدّرنا ضبط النّائم لم يكن ما رآه من قوله صلى ال عليه‬
‫رسو ً‬
‫وسلم أو فعله حجّةً عليه ول على غيره من المّة ‪.‬‬
‫وذكر صاحب تهذيب الفروق أيضا أنّه ل يلزم من صحّة الرّؤيا التّعويل عليها في حكمٍ‬
‫ل على أنّ ما‬
‫ي لحتمال الخطأ في التّحمّل وعدم ضبط الرّائي ‪ ،‬ثمّ ذكر بعد ذلك ما يد ّ‬
‫شرع ّ‬
‫يثبت في اليقظة مقدّم على ما ثبت بالنّوم عند التّعارض ‪ ،‬قال الع ّز بن عبد السّلم لرجلٍ رأى‬
‫النّبيّ صلى ال عليه وسلم في المنام يقول له إنّ في المحلّ الفلنيّ ركازا إذهب فخذه ول‬
‫خمس عليك فذهب ووجده واستفتى ذلك الرّجل العلماء ‪ ،‬فقال له العزّ ‪ :‬أخرج الخمس فإنّه‬
‫ثبت بالتّواتر ‪ ،‬وقصارى رؤيتك الحاد ‪ ،‬فلذلك لمّا اضطربت آراء الفقهاء بالتّحريم وعدمه‬
‫ن امرأتك طالق ثلثا وهو يجزم أنّه لم يطلّقها‬
‫فيمن رآه عليه السلم في المنام فقال له إ ّ‬
‫لتعارض خبره عليه السلم عن تحريمها في النّوم ‪ ،‬وإخباره في اليقظة في شريعته المعظّمة‬
‫أنّها مباحة له ‪ ،‬استظهر الصل أنّ إخباره عليه السلم في اليقظة مقدّم على الخبر في النّوم‬
‫لتطرّق الحتمال للرّائي بالغلط في ضبطه المثال قال ‪ :‬فإذا عرضنا على أنفسنا احتمال طروّ‬
‫الطّلق مع الجهل به واحتمال طر ّو الغلط في المثال في النّوم وجدنا الغلط في المثال أيسر‬
‫ل إلّ على النّادر من النّاس ‪،‬والعمل بالرّاجح متعيّن ‪،‬‬
‫وأرجح ‪ ،‬أمّا ضبط عدم الطّلق فل يخت ّ‬
‫وكذلك لو قال عن حللٍ إنّه حرام ‪ ،‬أو عن حرامٍ إنّه حلل ‪ ،‬أو عن حكمٍ من أحكام الشّريعة‬
‫قدّمنا ما ثبت في اليقظة على ما رأى في النّوم ‪ ،‬كما لو تعارض خبران من أخبار اليقظة‬
‫صحيحان فإنّا نقدّم الرجح بالسّند ‪ ،‬أو باللّفظ ‪ ،‬أو بفصاحته ‪ ،‬أو قلّة الحتمال في المجاز أو‬
‫غيره ‪ ،‬فكذلك خبر اليقظة وخبر النّوم يخرجان على هذه القاعدة ‪.‬‬
‫تعبير الرّؤيا ‪:‬‬
‫‪ -‬التّعبير كما ذكر الحافظ في الفتح خاصّ بتفسير الرّؤيا ‪ ،‬ومعناه العبور من ظاهرها إلى‬ ‫‪10‬‬

‫باطنها ‪ ،‬وقيل ‪ :‬هو النّظر في الشّيء ‪ ،‬فيعتبر بعضه ببعضٍ حتّى يحصل على فهمه حكاه‬
‫ح ثمّ سكونٍ ‪ ،‬وهو التّجاوز من‬
‫الزهريّ ‪ ،‬وبالوّل جزم الرّاغب ‪ ،‬وقال أصله من العبر بفت ٍ‬
‫ل ‪ ،‬وخصّوا تجاوز الماء بسباحةٍ أو في سفين ٍة أو غيرها بلفظ العبور بضمّتين ‪،‬‬
‫حالٍ إلى حا ٍ‬
‫وعبّر القوم إذا ماتوا كأنّهم جازوا القنطرة من الدّنيا إلى الخرة ‪ ،‬قال ‪ :‬والعتبار والعبرة‬
‫الحالة الّتي يتوصّل بها من معرفة المشاهد إلى ما ليس بمشاهد ‪ ،‬ويقال ‪ :‬عبرت الرّؤيا‬
‫بالتّخفيف إذا فسّرتها ‪ ،‬وعبّرتها بالتّشديد للمبالغة في ذلك ‪.‬‬
‫وذكر القرطبيّ في تفسير قوله تعالى ‪ { :‬إِن كُن ُتمْ لِلرّ ْؤيَا َت ْع ُبرُونَ } أنّه مشتقّ من عبور‬
‫النّهر ‪ ،‬فعابر الرّؤيا يعبر بما يؤوّل إليه أمرها ‪ ،‬وينتقل بها كما في روح المعاني من‬
‫الصّورة المشاهدة في المنام إلى ما هي صورة ومثال لها من المور الفاقيّة والنفسيّة‬
‫الواقعة في الخارج ‪.‬‬
‫هذا وقد ذكر ابن القيّم في إعلم الموقّعين صورا لتعبير الرّؤيا وتأويلها ‪،‬ومن تلك الصّور ‪:‬‬
‫ن الرّسول صلى ال عليه وسلم أوّل القميص في المنام بالدّين‬
‫تأويل الثّياب بالدّين والعلم ‪ »،‬فإ ّ‬
‫ن كلً منهما يستر صاحبه ويجمّله بين النّاس ‪،‬‬
‫والعلم « ‪ .‬والقدر المشترك بينهما هوأ ّ‬
‫فالقميص يستر بدنه ‪ ،‬والعلم والدّين يستر روحه وقلبه ‪ ،‬ويجمّله بين النّاس ‪.‬‬
‫وتأويل اللّبن بالفطرة لما في كلّ منهما من التّغذية الموجبة للحياة وكمال النّشأة ‪.‬‬
‫ن البقر كذلك ‪.‬‬
‫وتأويل البقر بأهل الدّين والخير الّذين بهم عمارة الرض كما أ ّ‬
‫شرّ ‪.‬‬
‫ن العامل زارع للخير وال ّ‬
‫وتأويل الزّرع والحرث بالعمل ‪ ،‬ل ّ‬
‫وتأويل الخشب المقطوع المتساند بالمنافقين ‪ ،‬والجامع بينهما أنّ المنافق ل روح فيه ول ظلّ‬
‫ول ثمر ‪ ،‬فهو بمنزلة الخشب الّذي هو كذلك ‪.‬‬
‫وتأويل النّار بالفتنة لفساد كلّ منهما ما يمرّ عليه ويتّصل به ‪.‬‬
‫وتأويل النّجوم بالعلماء والشراف لحصول هداية أهل الرض بكلّ منهما ‪ ،‬ولرتفاع‬
‫الشراف بين النّاس كارتفاع النّجوم ‪.‬‬
‫وتأويل الغيث بالرّحمة والعلم والقرآن والحكمة وصلح حال النّاس ‪ ،‬إلى غير ذلك من‬
‫الصّور الواردة في تعبير الرّؤيا والمأخوذة من المثلة الواردة في القرآن ‪ ،‬ثمّ قال ‪ :‬وبالجملة‬
‫فما تقدّم من أمثال القرآن كلّها أصول وقواعد لعلم التّعبير لمن أحسن الستدلل بها ‪ ،‬وكذلك‬
‫من فهم القرآن فإنّه يعبّر به الرّؤيا أحسن تعبيرٍ ‪ ،‬وأصول التّعبير الصّحيحة إنّما أخذت من‬
‫ب السّفِينَةِ } وتعبّر‬
‫صحَا َ‬
‫ج ْينَاهُ وََأ ْ‬
‫مشكاة القرآن ‪ ،‬فالسّفينة تعبّر بالنّجاة ‪ ،‬لقوله تعالى ‪َ { :‬فأَن َ‬
‫بالتّجارة ‪.‬‬
‫ح َزنًا } ‪.‬‬
‫عدُوّا َو َ‬
‫والطّفل الرّضيع يعبّر بالعدوّ لقوله تعالى ‪ { :‬فَا ْلتَ َقطَهُ آلُ ِفرْعَ ْونَ ِل َيكُونَ َل ُهمْ َ‬
‫ش َتدّتْ ِبهِ‬
‫عمَاُل ُهمْ َك َرمَادٍ ا ْ‬
‫ن كَ َفرُواْ ِب َر ّب ِهمْ أَ ْ‬
‫والرّماد بالعمل الباطل لقوله تعالى ‪ّ { :‬مثَلُ اّلذِي َ‬
‫ل الرّائي بما ضرب له من المثل على نظيره ‪،‬‬
‫الرّيحُ } فإنّ الرّؤيا أمثال مضروبة ليستد ّ‬
‫ويعبر منه إلى شبهه ‪.‬‬
‫سنّة حديث أبي موسى رضي ال عنه أنّ » النّبيّ صلى‬
‫هذا وممّا ورد في تعبير الرّؤيا من ال ّ‬
‫ض بها نخل ‪ ،‬فذهب وهلي‬
‫ال عليه وسلم قال ‪ :‬رأيت في المنام أنّي أهاجر من مكّة إلى أر ٍ‬
‫إلى أنّها اليمامة أو هجر فإذا هي المدينة يثرب ‪ ،‬ورأيت فيها بقرا واللّه خير ‪ ،‬فإذا هم‬
‫المؤمنون يوم أحدٍ ‪ ،‬وإذا الخير ما جاء اللّه به من الخير وثواب الصّدق الّذي أتانا اللّه به بعد‬
‫يوم بدرٍ « ‪.‬‬
‫وحديث أبي هريرة رضي ال عنه ‪ ،‬قال ‪ :‬قال رسول اللّه صلى ال عليه وسلم ‪ » :‬بينا أنا‬
‫ب فكبرا عليّ وأهمّاني ‪ ،‬فأوحي‬
‫نائم إذ أوتيت خزائن الرض فوضع في يديّ سواران من ذه ٍ‬
‫إليّ أن انفخهما فنفختهما فطارا ‪ ،‬فأوّلتهما الكذّابين اللّذين أنا بينهما ‪ :‬صاحب صنعاء‬
‫وصاحب اليمامة « ‪.‬‬
‫وما أخرجه البخاريّ عن عبد اللّه بن عمر رضي ال عنهما أنّ النّبيّ صلى ال عليه وسلم‬
‫قال ‪ » :‬رأيت امرأ ًة سوداء ثائرة الرّأس خرجت من المدينة حتّى قامت بمهيعة ‪ ،‬فأوّلت أنّ‬
‫وباء المدينة نقل إلى مهيعة وهي الجحفة « ‪.‬‬
‫وما أخرجه البخاريّ عن أبي موسى عن النّبيّ صلى ال عليه وسلم قال ‪ » :‬رأيت في‬
‫رؤياي أنّي هززت سيفا فانقطع صدره ‪ ،‬فإذا هو ما أصيب من المؤمنين يوم أحدٍ ‪ ،‬ثمّ هززته‬
‫أخرى فعاد أحسن ما كان ‪ ،‬فإذا هو ما جاء اللّه به من الفتح واجتماع المؤمنين « ‪ .‬هذا ول‬
‫ل عاقل محبّ ‪ ،‬أو ناصح ‪ ،‬لقوله‬
‫ص الرّؤيا على غير شفيق ول ناصحٍ ‪ ،‬ول يحدّث بها إ ّ‬
‫تق ّ‬
‫ص رُ ْؤيَاكَ عَلَى ِإخْ َو ِتكَ َف َيكِيدُو ْا َلكَ َكيْدا }‬
‫تعالى ‪ { :‬قَالَ يَا ُب َنيّ لَ تَ ْقصُ ْ‬
‫ح«‪.‬‬
‫ص الرّؤيا إلّ على عال ٍم أو ناص ٍ‬
‫ولقوله صلى ال عليه وسلم ‪ » :‬ل تق ّ‬
‫ل من يحسنها ‪ ،‬فإن‬
‫وأن ل يق صّها على من ل يحسن التّأويل ‪ ،‬لقول مال كٍ ‪ :‬ل يعبّر الرّؤيا إ ّ‬
‫رأى خيرا أخهبر بهه ‪ ،‬وإن رأى مكروها فليقهل خيرا أو ليصهمت ‪ ،‬قيهل ‪ :‬فههل يعبّرهها على‬
‫الخير وهو عنده على المكروه لقول من قال ‪ :‬إنّها على ما تأوّلت عليه ‪ ،‬فقال ‪ :‬ل‪ ،‬ث مّ قال ‪:‬‬
‫الرّؤيا جزء من النّبوّة ‪ ،‬فل يتلعب بالنّبوّة ‪.‬‬
‫وإذا رأى ما يكره فليتعوّذ باللّه من شرّها ومن شرّ الشّيطان ‪ ،‬وليتفل ثلثا ‪ ،‬ول يحدّث بها‬
‫أحدا فإنّها ل تضرّه ‪ ،‬وإذا رأى ما يحبّ فعليه أن يحمد ‪ ،‬وأن يحدّث بها ‪ ،‬لقوله صلى ال‬
‫عليه وسلم فيما أخرجه البخاريّ عن عبد ربّه بن سعيدٍ قال ‪ :‬سمعت أبا سلمة يقول ‪ :‬لقد‬
‫كنت أرى الرّؤيا فتمرضني حتّى سمعت أبا قتادة يقول ‪ :‬وأنا كنت أرى الرّؤيا تمرضني حتّى‬
‫سمعت النّبيّ صلى ال عليه وسلم يقول ‪ » :‬الرّؤيا الحسنة من اللّه ‪ ،‬فإذا رأى أحدكم ما يحبّ‬
‫فل يحدّث به إلّ من يحبّ ‪ ،‬وإذا رأى ما يكره فليتعوّذ باللّه من شرّها ومن شرّ الشّيطان‬
‫وليتفل ثلثا ‪ ،‬ول يحدّث بها أحدا فإنّها لن تضرّه « ‪.‬‬
‫ولقوله صلى ال عليه وسلم فيما أخرجه البخاريّ أيضا عن أبي سعيدٍ الخدريّ » إذا رأى‬
‫أحدكم الرّؤيا يحبّها فإنّها من اللّه فليحمد اللّه عليها وليحدّث بها ‪ ،‬وإذا رأى غير ذلك ممّا‬
‫يكره فإنّما هي من الشّيطان ‪ ،‬فليستعذ من شرّها ول يذكرها لحدٍ فإنّها لن تضرّه «‪.‬‬
‫رؤية *‬
‫التّعريف ‪:‬‬
‫‪ -‬الرٌؤ ية لغةً ‪ :‬إدراك الشّ يء بحا سّة الب صر ‪ ،‬وقال ا بن سيده ‪ :‬الرّؤ ية ‪ :‬النّ ظر بالع ين‬ ‫‪1‬‬

‫والقلب ‪ .‬والغالب فهي ا ستعمال الفقهاء له هو المعنهى الوّل ‪ ،‬وذلك كمها فهي رؤ ية الهلل ‪،‬‬
‫ورؤية المبيع ‪ ،‬ورؤية الشّاهد للشّيء المشهود به وهكذا ‪.‬‬
‫وقال الجرجانيّ ‪ :‬الرّؤية ‪ :‬المشاهدة بالبصر حيث كان في الدّنيا والخرة ‪.‬‬
‫اللفاظ ذات الصّلة ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬الدراك ‪:‬‬
‫‪ -‬الدراك ‪ :‬هو المعرفة في أوسع معانيها ‪ ،‬ويشمل الدراك الحسّيّ والمعنويّ ‪.‬‬ ‫‪2‬‬

‫وهو في الصطلح ‪ :‬انطباع صورة الشّيء في الذّهن ‪.‬‬


‫س ‪ ،‬ولذلك‬
‫وبذلك يكون الدراك أع ّم من الرّؤية ‪ ،‬لنّه قد يكون بالبصر وبغيره من الحوا ّ‬
‫شمّ والذّوق واللّمس ‪.‬‬
‫يقول ابن قدامة ‪ :‬مدرك العلم الّذي تقع به الشّهادة ‪ :‬الرّؤية والسّماع وال ّ‬
‫ب ‪ -‬النّظر ‪:‬‬
‫‪ -‬النّظر ‪ :‬طلب ظهور الشّيء بحاسّة البصر أو غيرها من الحواسّ ‪ .‬والنّظر بالقلب من‬ ‫‪3‬‬

‫جهة التّفكّر ‪.‬‬


‫ن النّظر تقليب العين حيال مكان المرئيّ طلبا لرؤيته ‪ ،‬والرّؤية‬
‫والفرق بين النّظر والرّؤية ‪ ،‬أ ّ‬
‫هي إدراك المرئيّ ‪.‬‬
‫ن‪.‬‬
‫وقال الباقلّنيّ ‪ :‬النّظر هو الفكر الّذي يطلب به علمٌ أو غلبةُ ظ ّ‬
‫الحكم التّكليفيّ ‪:‬‬
‫‪ -‬يختلف الحكم التّكليفيّ لطلب الرّؤية باختلف ما تستعمل فيه الرّؤية فقد تكون الرّؤية‬ ‫‪4‬‬

‫واجب ًة على الكفاية كرؤية هلل رمضان كما يقول الحنفيّة ‪.‬‬
‫وقد تكون الرّؤية مستحبّةً كرؤية المخطوبة ‪ .‬وقد تكون حرما كرؤية عورة الجنبيّ ‪.‬‬
‫وقد تكون مباحةً كرؤية الشياء العاديّة ‪ .‬وسيأتي تفصيل لذلك في البحث ‪.‬‬
‫ما يتعلّق بالرّؤية من أحكامٍ ‪:‬‬
‫رؤية الجنبيّات والمحارم ‪:‬‬
‫‪ -‬يحرم على الرّجل تعمّد رؤية ما يعتبر عور ًة من المرأة سواء أكانت محرما أم أجنبيّةً‬ ‫‪5‬‬

‫على الختلف بين ما هو عورة بالنّسبة للمحرم وما هو عورة بالنّسبة للجنبيّ ‪.‬‬
‫هذا مع استثناء حالت الضّرورة كالنّظر للعلج أو من أجل الشّهادة ‪.‬‬
‫كذلك يحرم على المرأة تعمّد رؤية ما يعتبر عور ًة من الرّجل سواء أكان محرما أم أجنبيا مع‬
‫الختلف بين ما هو عورة بالنّسبة للمحرم وما هو عورة بالنّسبة للجنبيّ ‪.‬‬
‫ويحرم على الرّجل تعمّد رؤية العورة من رجلٍ آخر ‪ .‬ويحرم على المرأة تعمّد رؤية العورة‬
‫من امرأ ٍة أخرى ‪.‬‬
‫ج ُهمْ ذَِلكَ‬
‫والصل في ذلك قوله تعالى ‪ { :‬قُل لّ ْل ُم ْؤ ِمنِينَ َي ُغضّوا ِمنْ َأ ْبصَارِهِمْ َو َيحْ َفظُوا ُفرُو َ‬
‫ن مِنْ َأ ْبصَارِهِنّ َو َيحْ َفظْنَ‬
‫ص َنعُونَ ‪َ ،‬وقُل لّ ْل ُم ْؤ ِمنَاتِ َي ْغضُضْ َ‬
‫خبِيرٌ ِبمَا َي ْ‬
‫َأ ْزكَى َل ُهمْ ِإنّ اللّ َه َ‬
‫ظهَرَ ِم ْنهَا‪ }...‬إلخ الية ‪.‬‬
‫جهُنّ وَل ُي ْبدِينَ زِي َن َتهُنّ ِإلّ مَا َ‬
‫فُرُو َ‬
‫ي صلى ال عليه وسلم لسماء بنت أبي بكرٍ الصّدّيق رضي ال تعالى عنهما ‪:‬‬
‫ولقول النّب ّ‬
‫ن المرأة إذا بلغت المحيض لم تصلح أن يرى منها إلّ هذا وهذا وأشار إلى‬
‫» يا أسماء ‪ :‬إ ّ‬
‫وجهه وكفّيه « ‪.‬‬
‫وتعمّد النّظر بشهو ٍة إلى ما ليس بعورةٍ حرام سواء أكان النّظر من الرّجل إلى المرأة أو‬
‫العكس ‪ ،‬لنّه يجرّ إلى الفتنة لقول النّبيّ صلى ال عليه وسلم ‪ » :‬يا عليّ ل تتبع النّظرة‬
‫س كان‬
‫ن الفضل بن عبّا ٍ‬
‫النّظرة ‪ ،‬فإنّ لك الولى وليست لك الخرة « ‪ ،‬ولما ورد ‪ » :‬من أ ّ‬
‫ج فجاءته الخثعميّة تستفتيه ‪ ،‬فأخذ الفضل ينظر‬
‫رديف رسول اللّه صلى ال عليه وسلم في الح ّ‬
‫إليها وتنظر هي إليه فصرف عليه الصلة والسلم وجه الفضل عنها ‪ .‬فقال له العبّاس في‬
‫رواي ٍة ‪ :‬لويت عنق ابن عمّك ‪ .‬قال ‪ :‬رأيت شابا وشابّ ًة فلم آمن الشّيطان عليهما « ‪.‬‬
‫هذا مع ما هو معروف من أنّه ل بأس في الجملة بن ظر كلّ من الزّوج ين إلى عورة ال خر‬
‫ل منهما النّظر إلى كلّ بدن الخر ‪.‬‬
‫ل لك ّ‬
‫فيح ّ‬
‫ويجوز في الجملة رؤية النسان عورة نفسه ‪.‬‬
‫وينظر التّفصيل في مصطلحات ‪ ( :‬أجنبيّ ‪،‬أنوثة ‪ ،‬حجاب ‪ ،‬ستر العورة ‪ ،‬عورة ‪ ،‬نظر ) ‪.‬‬
‫رؤية المخطوبة ‪:‬‬
‫‪ -‬الصل أنّ تعمّد رؤية الجنبيّة حرام لقوله تعالى ‪ {:‬قُل لّ ْل ُم ْؤ ِمنِينَ َي ُغضّوا مِنْ َأ ْبصَارِهِمْ }‬ ‫‪6‬‬

‫ن ذلك » لقول النّبيّ‬


‫لكن من أراد النّكاح فإنّه يجوز له النّظر إلى من يريد نكاحها ‪ ،‬بل يس ّ‬
‫صلى ال عليه وسلم للمغيرة بن شعبة وقد خطب امرأ ًة ‪ :‬أنظر إليها فإنّه أحرى أن يؤدم‬
‫بينكما « ‪ ،‬بل يجوز تكرار النّظر إن احتاج إليه ليتبيّن هيئتها ‪ ،‬فل يندم بعد النّكاح ‪ ،‬إذ ل‬
‫يحصل الغرض غالبا بأوّل نظرةٍ ‪ ،‬وهذا في الجملة ‪.‬‬
‫وتفصيل ذلك في مصطلح ‪ ( :‬خطبة ) ‪.‬‬
‫رؤية المتيمّم الماء ‪:‬‬
‫‪ -‬من تيمّم للصّلة لعدم وجود الماء ثمّ رأى الماء مع قدرته على استعماله قبل الدّخول في‬ ‫‪7‬‬

‫ن الصّعيد‬
‫الصّلة بطل تيمّمه ووجب عليه الوضوء لقول النّبيّ صلى ال عليه وسلم ‪ » :‬إ ّ‬
‫طيّب طهور المسلم وإن لم يجد الماء عشر سنين « ‪.‬‬
‫ال ّ‬
‫وقيّد المالكيّة بطلن التّيمّم بما إذا اتّسع الوقت لداء ركعةٍ بعد استعمال الماء وإلّ فل يبطل‬
‫التّيمّم ‪.‬‬
‫وذهب أبو سلمة بن عبد الرّحمن إلى أنّ التّيمّم ل ينتقض بوجود الماء أصلً ‪ ،‬لنّ الطّهارة‬
‫ل بالحدث ‪ ،‬ووجود الماء ليس بحدثٍ ‪.‬‬
‫بعد صحّتها ل تنتقض إ ّ‬
‫وتفصيل ذلك في ‪ ( :‬حدث ‪ ،‬ووضوء ‪ ،‬وتيمّم ‪ ،‬وصلة ) ‪.‬‬
‫رؤية المبيع ‪:‬‬
‫ح البيع مع الجهل بالمبيع ‪ ،‬وقوله تعالى‪{ :‬‬
‫‪ -‬من شروط صحّة البيع العلم بالمبيع ‪ ،‬فل يص ّ‬ ‫‪8‬‬

‫ل اللّ ُه ا ْل َبيْعَ } مخصوص بما إذا علم المبيع ‪.‬‬


‫وََأحَ ّ‬
‫ومن المور الّتي يتمّ بها العلم بالمبيع الرّؤية المقارنة للعقد ‪ ،‬فإذا رأى المتعاقدان المبيع حال‬
‫العقد يكون البيع لزما فل يكون فيه خيار الرّؤية ‪ ،‬وهذا باتّفاقٍ ‪ ،‬ويقوم مقام الرّؤية المقارنة‬
‫للعقد الرّؤية السّابقة على العقد بزمنٍ ل يتغيّر فيه المبيع غالبا تغيّرا ظاهرا فيه لحصول العلم‬
‫بالمبيع بتلك الرّؤية ‪ ،‬أشبه ما لو شاهداه حالة العقد ‪ ،‬والشّرط إنّما هو العلم ‪ ،‬وإنّما الرّؤية‬
‫طريق العلم ‪ ،‬ول حدّ للزّمن الّذي ل يتغيّر فيه المبيع ‪ ،‬إذ المبيع منه ما يسرع تغيّره ‪ ،‬وما‬
‫ل بحسبه ‪ ،‬فإذا وجد المبيع على حاله لم يتغيّر أصبح البيع‬
‫يتباعد ‪ ،‬وما يتوسّط ‪ ،‬فيعتبر ك ّ‬
‫لزما ول خيار فيه ‪ ،‬وإن وجد المبيع متغيّرا عن الحالة الّتي رآه عليها ثبت الخيار للمشتري‬
‫‪.‬‬
‫وجواز البيع بالرّؤية السّابقة على العقد هو رأي الحنفيّة والمالكيّة ‪.‬‬
‫وهو المذهب عند الشّافعيّة والحنابلة ‪.‬‬
‫ي حتّى يريا المبيع‬
‫وقال أبو القاسم النماطيّ من الشّافعيّة ‪ :‬ل يجوز في القول الجديد للشّافع ّ‬
‫حال العقد ‪ ،‬وهو رواية عن أحمد ‪ ،‬وحكي ذلك عن الحكم وحمّادٍ ‪ ،‬لنّ الرّؤية شرط في‬
‫العقد‪،‬وما كان شرطا في صحّة العقد يجب أن يكون موجودا حال العقد كالشّهادة في النّكاح ‪.‬‬
‫وتفصيله في ( خيار الرّؤية ) ‪.‬‬
‫الرّؤية المعتبرة ‪:‬‬
‫ل الع قد على ح سب اختلف‬
‫‪ -‬المع تبر في رؤ ية ال مبيع العلم بالمق صود ال صليّ من مح ّ‬ ‫‪9‬‬

‫المقا صد ‪ ،‬فليس من اللّزم رؤية جميع أجزاء المبيع ‪ ،‬بل قد تك في رؤية الب عض الّذي يدلّ‬
‫ن رؤية جميع أجزاء المبيع قد تكون متعذّرةً كما إذا كان‬
‫على بقيّته وعلى العلم بالمقصود ‪ ،‬ل ّ‬
‫ل حبّ ٍة منها ‪ ،‬ولذلك يكتفى برؤية ما هو مقصود ‪ ،‬فإذا رآه‬
‫المبيع صبر ّة فإنّه يتعذّر رؤية ك ّ‬
‫جعل غير المرئيّ تبعا للمرئيّ ‪.‬‬
‫ن ال مبيع إمّا أن يكون شيئا واحدا أو أشياء متعدّد ًة ‪ .‬فإن كان ال مبيع شيئا‬
‫وال صل في ذلك أ ّ‬
‫واحدا فإنّه يكتفى برؤية البعض الّذي يدلّ على المقصود ‪ ،‬فلو كان المبيع مثلً فرسا أو بغلً‬
‫أو حمارا فيكتفى برؤية الوجه والمؤخّرة ‪ ،‬ل نّ الوجه والكفل كلّ واحدٍ منهما عضو مقصود‬
‫في هذا الجنس ‪ ،‬وإن كان المبيع بقر ًة حلوبا ‪ ،‬فإنّه مع ذلك ينظر إلى الضّرع ‪ ،‬وهكذا ‪.‬‬
‫وإن كان المبيع أشياء متعدّدةً ‪ ،‬فإن كانت آحاده ل تتفاوت ‪ ،‬وهو ما يعبّر عنه بالمثليّ ‪ ،‬ومن‬
‫ل إذا كان البا قي‬
‫علم ته أن يعرض بالنّموذج كالمك يل والموزون فإنّه يكت فى برؤ ية بع ضه إ ّ‬
‫أردأ ممّا رأى فحينئذٍ يكون للمشتري الخيار ‪.‬‬
‫ل واحدٍ من ها‬
‫ولو كان ال مبيع أثوابا متعدّدةً و هي من نم طٍ واحدٍ ل تختلف عاد ًة بح يث يباع ك ّ‬
‫ب منها ‪ ،‬لنّها تباع بالنّموذج في عادة‬
‫بثم نٍ متّحدٍ فقد استظهر ابن عابدين أنّه يكفي رؤية ثو ٍ‬
‫ال ّتجّار ‪ ،‬ويلحق بما ل تتفاوت آحاده العدديّات المتقاربة كالجوز ‪ ،‬فيكتفى برؤية البعض عن‬
‫ن التّفاوت بين صغير الجوز وكبيره متقارب ملحق بالعدم عرفا وعادةً ‪ ،‬وهو‬
‫ل‪،‬لّ‬
‫رؤية الك ّ‬
‫الصحّ ‪ ،‬خلفا للكرخ يّ حيث ألحقه بالعدديّات المتفاوتة لختلفها في ال صّغر والكبر وجعل‬
‫للمشتري الخيار ‪.‬‬
‫وإن كانت آحاد المبيع تتفاوت وهو ما يعبّر عنه بالقيميّ ويسمّى العدديّات المتفاوتة ‪ ،‬ول يباع‬
‫بالنّموذج كالدّوا بّ والثّياب المتفاو تة ون حو ذلك ‪ ،‬فل بدّ من رؤ ية ما يدلّ على المق صود من‬
‫الشّيهء الواحهد أو رؤيهة ذلك مهن كلّ واحدٍ إن كان المهبيع أكثهر مهن واحدٍ مهن تلك الشياء‬
‫المتفاوتة كعددٍ من الدّوابّ ‪.‬‬
‫هذا مذهب الحنفيّة ‪ ،‬والحكم كذلك في بقيّة المذاهب في الجملة ‪ ،‬مع اختلف المذاهب ‪ -‬وكذا‬
‫فقهاء المذهب الواحد ‪ -‬في تحديد ما يتمّ به العلم بالمقصود ليكتفى برؤيته ‪.‬‬
‫وتفصيل ذلك في مصطلح ‪ ( :‬خيار الرّؤية ) ‪.‬‬
‫رؤية المشهود به ‪:‬‬
‫‪ -‬من شروط أداء الشّهادة أن يكون المشهود به معلوما للشّاهد عند أداء الشّهادة ‪ .‬فل‬ ‫‪10‬‬

‫س َلكَ‬
‫ل تَ ْقفُ مَا َليْ َ‬
‫يجوز للشّاهد أن يشهد إلّ بما يعلمه برؤيةٍ أو سماعٍ لقول اللّه تعالى ‪َ { :‬و َ‬
‫عنْ ُه َمسْؤُولً }‬
‫سمْعَ وَا ْل َبصَرَ وَالْ ُفؤَادَ كُلّ أُوله ِئكَ كَانَ َ‬
‫بِهِ عِ ْلمٌ ِإنّ ال ّ‬
‫وعن ابن عبّاسٍ رضي ال تعالى عنهما قال ‪ » :‬ذكر عند رسول اللّه صلى ال عليه وسلم‬
‫الرّجل يشهد بشهادةٍ ‪ ،‬فقال لي ‪ :‬يا ابن عبّاسٍ ‪ ،‬ل تشهد إلّ على ما يضيء لك كضياء هذه‬
‫الشّمس وأومأ رسول اللّه صلى ال عليه وسلم بيده إلى الشّمس « ‪.‬‬
‫ومن مدارك العلم بالمشهود به الرّؤية ‪ ،‬فإن كان المشهود به من الفعال كالغصب والتلف‬
‫والزّنى وشرب الخمر وسائر الفعال ‪ ،‬وكذا ال صّفات المرئيّة كالعيوب في المبيع ونحو ذلك‬
‫ل برؤيتهه ‪ ،‬فهذا يشترط فهي تحمّل الشّهادة فيهه الرّؤيهة ‪ ،‬لنّه ل يمكهن أداء‬
‫ممّا ل يعرف إ ّ‬
‫الشّهادة عليه قطعا إلّ برؤيته ‪ ،‬وهذا باتّفاقٍ ‪.‬‬
‫وإن كان المشهود عليه مثل العقود كالبيع والجارة وغيرهما من القوال ‪ ،‬فقد اختلف الفقهاء‬
‫فيما يشترط فيه من مدارك العلم ‪ ،‬هل ل بدّ من رؤية المتعاقدين مع سماع أقوالهما‪ ،‬أم يكفي‬
‫السّماع فقط ؟‬
‫فعند المالكيّة والحنابلة يكفي السّماع ول تعتبر رؤية المتعاقدين إذا عرفهما وتيقّن أنّه كلمهما‬
‫ي وربيعة واللّيث وشريح وعطاء وابن أبي ليلى ‪ ،‬لنّه عرف‬
‫س والزّهر ّ‬
‫‪ ،‬وبهذا قال ابن عبّا ٍ‬
‫المشهود عليه يقينا فجازت شهادته عليه كما لو رآه ‪ ،‬وإنّما تجوز الشّهادة لمن عرف المشهود‬
‫عليه يقينا ‪ ،‬وقد يحصل العلم بالسّماع يقينا ‪ ،‬وقد اعتبره الشّرع بتجويزه الرّواية من غير‬
‫رؤي ٍة ‪ ،‬ولهذا قبلت رواية العمى ورواية من روى عن أزواج رسول اللّه صلى ال عليه‬
‫وسلم من غير محارمهنّ ‪.‬‬
‫والصل عند الحنفيّة أنّه تشترط الرّؤية مع السّماع في المشهود به من القوال كالفعال ‪ ،‬لنّ‬
‫من شروط تحمّل الشّهادة عندهم أن يكون التّحمّل بمعاينة المشهود له بنفسه ل بغيره إلّ في‬
‫أشياء مخصوصةٍ يصحّ التّحمّل فيها بالتّسامع من النّاس كالنّكاح والنّسب والموت ‪ ،‬والدّليل‬
‫س ‪ :‬يا ابن‬
‫علىشرط التّحمّل عن طريق المعاينة » قول النّبيّ صلىال عليه وسلم لبن عبّا ٍ‬
‫ل على ما يضيء لك كضياء هذه الشّمس ‪ ،‬وأومأ رسول اللّه صلى ال‬
‫عبّاسٍ ‪ ،‬ل تشهد إ ّ‬
‫عليه وسلم بيده إلى الشّمس « ول يعلم مثل الشّمس إلّ بالمعاينة بنفسه ‪ ،‬ولذلك ل تقبل شهادة‬
‫العمى عند أبي حنيفة ومح ّمدٍ سواء أكان بصيرا وقت التّحمّل أم ل ‪ ،‬وعند أبي يوسف تقبل‬
‫إذا كان بصيرا وقت التّحمّل ‪.‬‬
‫وقال الحنفيّة ‪ :‬لو سمع من وراءالحجاب ل يجوز له أن يشهد ‪،‬ولو فسّره للقاضي بأن قال ‪:‬‬
‫ن النّغمة تشبه النّغمة ‪.‬‬
‫سمعته باع ولم أر شخصه حين تكلّم ‪ ،‬ل يقبله ‪ ،‬ل ّ‬
‫واستثنى الحنفيّة من ذلك ما إذا كان المشهود عليه دخل البيت وعلم الشّاهد أنّه ليس في البيت‬
‫أحد سواه ثمّ جلس على الباب وليس في البيت مسلك غيره فسمع إقرار الدّاخل ول يراه ‪ ،‬فإنّه‬
‫حينئذٍ يجوز الشّهادة عليه بما سمع ‪ ،‬لنّه حصل به العلم في هذه الصّورة ‪ .‬وقال الشّافعيّة ‪:‬‬
‫كذلك ل بدّ من الرّؤية مع السّماع في الشّهادة على القوال كالبيع وغيره مثل الشّهادة على‬
‫ن الصوات‬
‫الفعال ‪ .‬ولذلك ل تقبل فيها شهادة الصمّ ول العمى اعتمادا على الصّوت ‪ ،‬ل ّ‬
‫تتشابه ويتطرّق إليها التّلبيس ‪.‬‬
‫واستثنى بعض الشّافعيّة مثل الصّورة الّتي ذكرها الحنفيّة وأنكره أكثر الشّافعيّة ‪.‬‬
‫وفي المسألة خلف وتفصيل يرجع إليه في مصطلح ‪ ( :‬شهادة ) ‪.‬‬
‫رؤية القاضي الخصوم ‪:‬‬
‫‪ -‬اختلف الفقهاء في صحّة قضاء العمى ‪ ،‬كما اختلفوا في القضاء على الغائب ‪.‬‬ ‫‪11‬‬

‫وينظر تفصيل ذلك في ‪ ( :‬قضاء ‪ ،‬وعمىً ‪ ،‬وغيبة ) ‪.‬‬


‫أثر الرّؤية ‪:‬‬
‫‪ -‬للرّؤية أثر في بعض الحكام ومن ذلك ‪:‬‬ ‫‪12‬‬

‫ل لقول النّبيّ صلى‬


‫أ ‪ -‬وجوب الصّوم لرؤية هلل رمضان ووجوب الفطر لرؤية هلل شوّا ٍ‬
‫ال عليه وسلم ‪ » :‬صوموا لرؤيته ‪،‬وأفطروا لرؤيته ‪،‬فإن غمّي عليكم الشّهر فعدّوا له ثلثين‬
‫« وينظر التّفصيل في ‪ ( :‬رؤية الهلل ) ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬رؤية المنكر توجب النّهي عنه ومحاولة تغييره لقول اللّه تعالى ‪ { :‬وَ ْل َتكُن مّن ُكمْ ُأمّةٌ‬
‫ن ا ْلمُنكَرِ وَُأوْلَهئِكَ ُه ُم ا ْلمُفِْلحُونَ }‬
‫خ ْيرِ َو َي ْأمُرُونَ بِا ْل َم ْعرُوفِ َو َي ْنهَ ْونَ عَ ِ‬
‫َيدْعُونَ إِلَى ا ْل َ‬
‫وقول النّبيّ صلى ال عليه وسلم ‪ » :‬من رأى منكم منكرا فليغيّره بيده ‪ ،‬فإن لم يستطع‬
‫فبلسانه ‪ ،‬فإن لم يستطع فبقلبه ‪ ،‬وذلك أضعف اليمان « ‪.‬‬
‫هذا مع مراعاة أ نّ الواجهب تغييره هو المج مع على إنكاره ‪ ،‬ومراعاة عدم ترتّب فتنةٍ على‬
‫محاولة التّغي ير ‪ ،‬ومراعاة الظّروف الّ تي تتلءم مع ك ّل مرتب ٍة من المرا تب الّ تي وردت في‬
‫الحديث من التّغيير باليد أو باللّسان أو بالقلب ‪.‬‬
‫وينظر التّفصيل في ‪ ( :‬المر بالمعروف ) ‪.‬‬
‫ج ‪ -‬يستحبّ الدّعاء عند رؤية المسجد الحرام فإنّ الدّعاء مستجاب عند رؤية البيت ‪.‬‬
‫وكان ابن عمر رضي ال تعالى عنهما يقول إذا رأى البيت ‪ :‬باسم اللّه واللّه أكبر ‪.‬‬
‫ن النّبيّ صلى ال عليه وسلم كان إذا رأى البيت رفع يديه وقال‪:‬‬
‫والفضل الدّعاء بالمأثور ‪،‬ل ّ‬
‫» اللّهمّ زد هذا البيت تشريفًا وتكريمًا وتعظيمًا ومهاب ًة ‪ ،‬وزد من شرفه وكرمه ممّن حجّه أو‬
‫اعتمره تشريفا وتكريما وتعظيما وبرّا « ‪.‬‬
‫ب في المبيع بعد تمام البيع تثبت للمشتري خيار ال ّردّ بالعيب ‪.‬‬
‫د ‪ -‬رؤية عي ٍ‬
‫وينظر التّفصيل في ‪ ( :‬خيار العيب ) ‪.‬‬

‫رؤية الهلل *‬
‫التّعريف ‪:‬‬
‫‪ -‬الرّؤية ‪ :‬النّظر بالعين والقلب ‪ ،‬وهي مصدر رأى ‪ ،‬والرّؤية بالعين تتعدّى إلى مفعولٍ‬ ‫‪1‬‬

‫واحدٍ ‪ ،‬وبمعنى العلم تتعدّى إلى مفعولين ‪.‬‬


‫وحقيقة الرّؤية إذا أضيفت إلى العيان كانت بالبصر ‪،‬كقوله عليه الصلة والسلم »‪:‬صوموا‬
‫لرؤيته وأفطروا لرؤيته «‪ ،‬وقد يراد بها العلم مجازا ‪.‬‬
‫وتراءى القوم ‪ :‬رأى بعضهم بعضا ‪ ،‬وتراءينا الهلل ‪ :‬نظرنا ‪.‬‬
‫ن من ها ‪ :‬الق مر في أوّل ا ستقباله الشّ مس كلّ شهرٍ قمريّ في اللّيلة الولى‬
‫وللهلل عدّة معا ٍ‬
‫والثّان ية ‪ ،‬ق يل ‪ :‬والثّال ثة ‪ ،‬ويطلق أيضا على الق مر ليلة ستّ وعشر ين و سبعٍ وعشر ين لنّه‬
‫في قدر الهلل في أوّل الشّهر ‪ .‬وقيل يسمّى هللً إلى أن يبهر ضوؤه سواد اللّيل ‪ ،‬وهذا ل‬
‫يكون إلّ في اللّيلة ال سّابعة ‪ .‬والمق صود برؤ ية الهلل ‪ :‬مشاهد ته بالع ين ب عد غروب ش مس‬
‫اليوم التّاسع والعشرين من الشّهر ال سّابق ممّن يعتمد خبره وتقبل شهادته فيثبت دخول الشّهر‬
‫برؤيته ‪.‬‬
‫الحكم التّكليفيّ ‪:‬‬
‫طلب رؤية الهلل ‪:‬‬
‫‪ -‬رؤية الهلل أمر يقتضيه ارتباط توقيت بعض العبادات بها ‪ ،‬فيشرع للمسلمين أن يجدّوا‬ ‫‪2‬‬

‫في طلبها ويتأكّد ذلك في ليلة الثّلثين من شعبان لمعرفة دخول رمضان ‪ ،‬وليلة الثّلثين من‬
‫رمضان لمعرفة نهايته ودخول شوّالٍ ‪ ،‬وليلة الثّلثين من ذي القعدة لمعرفة ابتداء ذي الحجّة‬
‫‪.‬‬
‫ج ‪ ،‬ولتحديد عيد‬
‫فهذه الشهر الثّلثة يتعلّق بها ركنان من أركان السلم هما الصّيام والح ّ‬
‫الفطر وعيد الضحى ‪.‬‬
‫ي صلى ال عليه وسلم على طلب الرّؤية ‪ ،‬فعن أبي هريرة قال ‪ :‬قال النّبيّ‬
‫ث النّب ّ‬
‫وقد ح ّ‬
‫صلى ال عليه وسلم ‪ » :‬صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته ‪ ،‬فإن غمّي عليكم فأكملوا عدّة‬
‫شعبان ثلثين « ‪.‬‬
‫ن رسول اللّه صلى ال عليه وسلم قال ‪ » :‬الشّهر‬
‫وعن عبد اللّه بن عمر رضي ال عنهما أ ّ‬
‫تسع وعشرون ليلةً ‪ ،‬فل تصوموا حتّى تروه فإن غ ّم عليكم فأكملوا العدّة ثلثين « ‪.‬‬
‫أوجهب الحديهث الوّل صهيام شههر رمضان برؤيهة هلله أو بإكمال شعبان ثلثيهن ‪ ،‬وأمهر‬
‫ل ‪ ،‬أو بإتمام رمضان ثلثين ‪.‬‬
‫بالفطار لرؤية هلل شوّا ٍ‬
‫ونهىالحديث الثّاني عن صوم رمضان قبل رؤية هلله أوقبل إتمام شعبان في حالة الصّحو ‪.‬‬
‫وورد عنه صلى ال عليه وسلم حديث فيه أمر بالعتناء بهلل شعبان لجل رمضان قال ‪:‬‬
‫» أحصوا هلل شعبان لرمضان « وحديث يبيّن اعتناءه بشهر شعبان لضبط دخول رمضان‬
‫‪ ،‬عن عائشة » كان النّبيّ صلى ال عليه وسلم يتحفّظ من شعبان ما ل يتحفّظ من غيره ‪ ،‬ثمّ‬
‫يصوم لرؤية رمضان فإن غمّ عليه ع ّد ثلثين يوما ثمّ صام « قال الشّرّاح ‪ :‬أي يتكلّف في‬
‫عدّ أيّام شعبان للمحافظة على صوم رمضان ‪.‬‬
‫وقد اهت مّ ال صّحابة رضي ال عنهم في حياة النّبيّ صلى ال عليه وسلم وبعد وفاته صلى ال‬
‫عليه وسلم برؤية هلل رمضان فكانوا يتراءونه ‪.‬‬
‫عن عبد اللّه بن عمر ‪ ،‬قال ‪ » :‬تراءى النّاس الهلل فأخبرت به رسول اللّه صلى ال عليه‬
‫وسلم فصام وأمر النّاس بصيامه « ‪.‬‬
‫و عن أ نس بن مال كٍ قال ‪ :‬كنّا مع ع مر ب ين مكّة والمدي نة ‪ ،‬فتراءي نا الهلل ‪ ،‬وك نت رجلً‬
‫حديد البصر فرأيته ‪ ،‬وليس أحد يزعم أنّه رآه غيري ‪ .‬قال ‪ :‬فجعلت أقول لعمر ‪ :‬أما تراه ؟‬
‫فجعل ل يراه ‪ .‬قال ‪ :‬يقول عمر ‪ :‬سأراه وأنا مستلقٍ على فراشي ‪.‬‬
‫وقد أوجب الحنفيّة كفاية التماس رؤية هلل رمضان ليلة الثّلثين من شعبان فإن رأوه صاموا‬
‫ن ما ل يحصل الواجب إلّ به فهو واجب ‪.‬‬
‫ل أكملوا العدّة ثمّ صاموا ‪ ،‬ل ّ‬
‫‪ ،‬وإ ّ‬
‫وقال الحنابلة ‪ :‬يستحبّ ترائي الهلل احتياطا للصّوم وحذارا من الختلف ‪ .‬ولم نجد‬
‫للمالكيّة والشّافعيّة تصريحا بهذه المسألة ‪.‬‬
‫طرق إثبات الهلل ‪:‬‬
‫أوّلً ‪ :‬الرّؤية بالعين ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬الرّؤية من الجمّ الغفير الّذين تحصل بهم الستفاضة ‪:‬‬
‫‪ -‬هي رؤية الجمّ الغفير الّذين ل يجوز تواطؤهم على الكذب عاد ًة ‪ ،‬ول يشترط في صفتهم‬ ‫‪3‬‬

‫ما يشترط في صفة الشّاهد من الح ّريّة والبلوغ والعدالة ‪.‬‬


‫وهذا أحد تفسيري الستفاضة ‪ ،‬وقد ارتقت به إلى التّواتر ‪ ،‬أمّا التّفسير الثّاني للستفاضة فقد‬
‫حدّدت بما زاد على ثلثة أشخاصٍ ‪ .‬والتّفسيران يلتقيان في أنّ هذه الرّؤية تكون في حالة‬
‫الصّحو ‪ ،‬وأنّه يثبت بها دخول رمضان ‪.‬‬
‫ل‪.‬‬
‫وقد قال بهذا النّوع في الحالة المذكورة الحنفيّة لثبات رمضان وشوّا ٍ‬
‫وقال به أيضا المالكيّة لكنّهم سكتوا عن اشتراط الصّحو‪،‬ولم يتعرّض له الشّافعيّة والحنابلة ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬رؤية عدلين ‪:‬‬
‫‪ -‬نقل القول باشتراط رؤية عدلين عن عمر بن الخطّاب رضي ال عنه وابن شهابٍ‬ ‫‪4‬‬

‫الزّهريّ ‪ ،‬وقال بهذا الرّأي المالكيّة في حالة الغيم والصّحو في المصر الصّغير والكبير‬
‫فيثبت برؤية العدلين الصّوم والفطر وشهر ذي الحجّة ‪ ،‬واشترطوا في العدل السلم والحرّيّة‬
‫والذّكورة وما تقتضيه العدالة من العقل والبلوغ واللتزام بالسلم ‪.‬‬
‫واعتبر سحنون شهادة اثنين فقط في الصّحو ‪ ،‬وفي المصر الكبير ريبةً ‪ ،‬ولم ينقل عنه تعيين‬
‫العدد في هذه الحالة ‪ ،‬والظّاهر أنّه ل يقبل في مثلها غير الرّؤية المستفيضة وأقلّها ثلثة ‪.‬‬
‫قال ‪ :‬ول تقبل شهادة الشّاهدين إذا لم يشهد غيرهما في المصر الكبير والصّحو ‪ ،‬وأيّة ريبةٍ‬
‫أكبر من هذه ‪.‬‬
‫ونقل القول باشتراط عدلين في الشّهادة الّتي يثبت بها هلل رمضان عن البويطيّ تلميذ‬
‫الشّافعيّ ‪.‬‬
‫ج ‪ -‬رؤية عدلٍ واحدٍ ‪:‬‬
‫‪ -‬للفقهاء تفصيلت وشروط في قبول رؤية العدل الواحد على النّحو التّالي ‪:‬‬ ‫‪5‬‬

‫قبل الحنفيّة في رؤية هلل رمضان شهادة العدل الواحد في الغيم أو الغبار وانعدام صحو‬
‫سيّئات ‪ ،‬وقبلوا شهادة مستور‬
‫السّماء ‪ ،‬واكتفوا في وصف العدالة بترجيح الحسنات على ال ّ‬
‫الحال ‪ ،‬ولم يشترطوا الذّكورة والح ّريّة ‪ ،‬واعتبروا العلم بالرّؤية من قبيل الخبار ‪.‬‬
‫وتتمّ الشّهادة عندهم في المصر أمام القاضي ‪ ،‬وفي القرية في المسجد بين النّاس ‪ ،‬ومن رأى‬
‫الهلل وحده ولم يقبل القاضي شهادته صام‪،‬فلو أفطر وجب عليه القضاء دون الكفّارة ‪.‬‬
‫واستدلّ الحنفيّة على قبول شهادة العدل الواحد بما رواه ابن عبّاسٍ قال ‪ » :‬جاء أعرابيّ إلى‬
‫النّبيّ صلى ال عليه وسلم فقال ‪ :‬أبصرت الهلل اللّيلة ‪ ،‬قال ‪ :‬أتشهد أن ل إله إلّ اللّه وأنّ‬
‫محمّدا عبده ورسوله ؟ قال ‪ :‬نعم ‪ ،‬قال ‪ :‬يا بلل أذّن في النّاس فليصوموا غدا « ‪ .‬وتقدّم‬
‫في ترائي الهلل حديث عبد اللّه بن عمر ‪ ،‬وفيه ‪ » :‬أنّه أخبر النّبيّ صلى ال عليه وسلم‬
‫برؤية الهلل فصام ‪ ،‬وأمر النّاس بالصّيام « ‪.‬‬
‫ن الخبار برؤية الهلل من الرّواية وليس بشهادةٍ ‪ ،‬لنّه يلزم المخبر بال صّوم ‪ ،‬ومضمون‬
‫وبأ ّ‬
‫الشّهادة ل يلزم الشّا هد بشيءٍ ‪ ،‬والعدد ل يس بشر طٍ في الرّوا ية فأم كن قبول خبر الوا حد في‬
‫رؤيهة الهلل بالشّروط الواجهب توفّرهها فهي الرّاوي لخهب ٍر دينيّ ‪ ،‬وههي ‪ :‬السهلم والعقهل‬
‫والبلوغ والعدالة ‪.‬‬
‫ولم يعتبر المالكيّة رؤية العدل الواحد في إثبات الهلل ‪ ،‬ولم يوجبوا الصّوم بمقتضاها على‬
‫الجماعة ‪ ،‬وألزموا من رأى الهلل وحده بإعلم المام برؤيته لحتمال أن يكون غيره رأى‬
‫أو علم فتجوز شهادتهما ‪ ،‬وأوجبوا على الرّائي المنفرد الصّيام ‪ ،‬ولو ردّ المام شهادته فإن‬
‫أفطر فعليه القضاء والكفّارة ‪.‬‬
‫واستدلّوا بما ورد عن عبد الرّحمن بن زيد بن الخطّاب أنّه خطب النّاس في اليوم الّذي يشكّ‬
‫فيه ‪ ،‬فقال ‪ :‬إنّي جالست أصحاب رسول اللّه صلى ال عليه وسلم وسألتهم وأنّهم كلّهم‬
‫ن رسول اللّه صلى ال عليه وسلم قال ‪ » :‬صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته فإن غمّ‬
‫حدّثوني أ ّ‬
‫عليكم فأكملوا ثلثين فإن شهد شاهدان فصوموا وأفطروا « ‪.‬‬
‫والمشهور عند هم قبول هذا النّوع من الرّؤ ية إذا لم ي كن في البلد من يعت ني بأ مر الهلل ‪.‬‬
‫وقبل بعضهم رؤية الرّجل الواحد والعبد والمرأة إذا أريد من الشّهر معرفة علم التّاريخ بشرط‬
‫أن ل يتعلّق به حلول دي نٍ أو إكمال عدّ ٍة ‪ ،‬فإذا كان كذلك فل بدّ من شاهدين ‪ .‬وال صّحيح عند‬
‫الشّافعيّة قبول رؤية العدل الواحد في هلل رمضان وإلزام الجميع ال صّيام بمقتضاها احتياطا‬
‫لنه الخبار بالرّؤيهة عندههم مهن قبيهل الشّهادة ‪،‬‬
‫للفرض ‪ ،‬ولم يقبلوهها مهن العبهد والمرأة ‪ّ ،‬‬
‫ي صهلى ال عليهه وسهلم إخبار ابهن عمهر وحده بهلل رمضان ‪ ،‬وقبوله‬
‫واسهتدلّوا بقبول النّب ّ‬
‫أيضا إخبار أعرابيّ بذلك ‪ ،‬وأوجبوا على الرّائي ال صّوم ولو لم يكن عدلً ‪ .‬وقبل الحنابلة في‬
‫هلل رمضان رؤيهة العدل الواحهد ‪ ،‬ولم يشترطوا الذّكورة والحرّيّة ورفضوا شهادة مسهتور‬
‫الحال في ال صّحو والغ يم ‪ ،‬وم ستندهم قبول النّبيّ صلى ال عل يه و سلم خبر العراب يّ ‪ .‬ولم‬
‫يقبلوا في بقيّة الشّهور إلّ رجلين عدلين على ما سيأتي ‪.‬‬
‫رؤية هلل شوّالٍ وبقيّة الشّهور ‪:‬‬
‫‪ -‬اتّفق جمهور الفقهاء على اشتراط رؤية عدلين في هلل شوّالٍ ‪ ،‬واختلفوا في بعض‬ ‫‪6‬‬

‫التّفصيلت ‪.‬‬
‫ل في حالة الصّحو أن يكون الشّهود جماع ًة يحصل العلم‬
‫فاشترط الحنفيّة لثبات هلل شوّا ٍ‬
‫للقاضي بخبرهم كما في هلل رمضان ‪ ،‬ولم يقبلوا في حال الغيم إلّ شهادة رجلين ‪ ،‬أو رجلٍ‬
‫وامرأتين مسلمين حرّين عاقلين بالغين غير محدودين في قذفٍ ‪ ،‬وإن تابا كما في الشّهادة في‬
‫ن الخبار بهلل شوّالٍ من باب الشّهادة ‪ .‬وفيه نفع للمخبر ‪ ،‬وهو‬
‫الحقوق والموال ‪ ،‬ل ّ‬
‫إسقاط الصّوم عنه فكان متّهما فاشترط فيه العدد نفيا للتّهمة بخلف هلل رمضان فإنّه ل‬
‫تهمة فيه ‪.‬‬
‫ل الرّؤية المستفيضة أو شهادة عدلين ممّن يشهدون في الحقوق‬
‫واشترط المالكيّة في هلل شوّا ٍ‬
‫ن من رأى هلل شوّالٍ وحده ل يفطر ‪ ،‬خوفا من التّهمة وسدّا للذّريعة‬
‫العامّة ‪ .‬ونصّوا على أ ّ‬
‫‪ ،‬وإن أفطر فليس عليه شيء فيما بينه وبين اللّه تعالى ‪ ،‬فإن عثر عليه عوقب إن اتّهم ‪.‬‬
‫واشترط الشّافعيّة والحنابلة في ثبوت هلل شوّالٍ شهادة رجلين حرّين عدلين احتياطا للفرض‬
‫‪ ،‬وأباح الشّافعيّة الفطر سرّا لمن رأى الهلل وحده ‪ ،‬لنّه إن أظهره عرّض نفسه للتّهمة‬
‫والعقوبة ‪ ،‬ومنع الحنابلة الفطر لمن رأى الهلل وحده ‪.‬‬
‫وقال ابن عقيلٍ ‪ :‬يجب عليه الفطر سرّا لنّه تيقّنه يوم عيدٍ وهو منهيّ عن صومه ‪.‬‬
‫ولم يفرّق الحنفيّة في حالة الصّحو بين أهلّة رمضان وشوّالٍ وذي الحجّة واشترطوا في‬
‫الثّلثة رؤية جم ٍع يثبت به العلم ‪ ،‬وفرّقوا بينها في حالة الغيم فاكتفوا في ثبوت هلل ذي‬
‫الحجّة بشهادة عدلٍ واحدٍ ‪.‬‬
‫ن هذه الشّهادة‬
‫واشترط الكرخيّ منهم شهادة رجلين أو رجلٍ وامرأتين كما في هلل شوّالٍ ل ّ‬
‫يتعلّق بها حكم وجوب الضحيّة فيجب فيها العدد ‪.‬‬
‫ورد عليه الكاسانيّ بأنّ الخبار عن هلل ذي الحجّة من باب الرّواية ل الشّهادة لوجوب‬
‫الضحيّة على الشّاهد وغيره ‪ ،‬فل يشترط العدد ‪.‬‬
‫وأوجب المالكيّة شهادة عدلين ‪ ،‬فقال مالك في الموسم بأنّه يقام بشهادة رجلين إذا كانا عدلين‬
‫‪.‬‬
‫وسوّى الحنابلة بين شوّالٍ وغيره من الشّهور فاشترطوا رؤية رجلين عدلين لقوله صلى ال‬
‫عليه وسلم ‪ » :‬فإن شهد شاهدان فصوموا وأفطروا « ‪.‬‬
‫رؤية الهلل نهارا ‪:‬‬
‫‪ -‬وردت عن صحابة رسول اللّه صلى ال عليه وسلم نقول مختلفة في حكم رؤية هلل‬ ‫‪7‬‬

‫رمضان نهارا ‪ ،‬وهل هو للّيلة الماضية أو المقبلة ؟‬


‫فعن عليّ وعائشة ‪ ،‬ورواية عن عمر بن الخطّاب رضي ال عنهم التّفريق بين الرّؤية قبل‬
‫الزّوال وبعده ‪ .‬فإن كانت قبل الزّوال فالهلل للّيلة الماضية ‪ ،‬وإن كانت بعد الزّوال ‪ ،‬فهو‬
‫ن الهلل ل يرى‬
‫للّيلة المقبلة ‪ ،‬وذهب أبو يوسف صاحب أبي حنيفة إلى هذا الرّأي وعلّله بأ ّ‬
‫قبل الزّوال عاد ًة إلّ أن يكون لليلتين‪،‬وهذا يوجب كون اليوم من رمضان في هلل رمضان ‪،‬‬
‫وكونه يوم الفطر في هلل شوّالٍ ‪.‬‬
‫وفي رواي ٍة أخرى عن عمر بن الخطّاب ‪ ،‬وفي نقلٍ عن ابنه عبد اللّه ‪ ،‬وعن عبد اللّه بن‬
‫شكّ هي للّيلة المقبلة سواء كانت قبل الزّوال أم‬
‫ن رؤية الهلل يوم ال ّ‬
‫مسعودٍ وأنس بن مالكٍ أ ّ‬
‫بعده ‪.‬‬
‫ن الهلّة بعضها أكبر من بعضٍ فإذا رأيتم الهلل نهارا فل تفطروا حتّى تمسوا‬
‫وقال عمر ‪ :‬إ ّ‬
‫إلّ أن يشهد رجلن مسلمان أنّهما أهلّه بالمس عشّيةً ‪.‬‬
‫ن ناسا رأوا هلل الفطر نهارا ‪ ،‬فأتمّ عبد اللّه بن عمر‬
‫وعن سالم بن عبد اللّه بن عمر ‪ :‬أ ّ‬
‫صيامه إلى اللّيل ‪ ،‬وقال ‪ :‬ل ‪ ،‬حتّى يرى من حيث يرى باللّيل ‪.‬‬
‫وعن ابن مسعودٍ ‪ ... :‬إنّما مجراه في السّماء ‪ ،‬ولعلّه أبين ساعتئذٍ ‪ ،‬وإنّما الفطر من الغد في‬
‫يوم يرى الهلل ‪.‬‬
‫ونسب هذا الرّأي إلى عثمان بن عفّان وعليّ بن أبي طالبٍ ومروان بن الحكم وعطاء بن أبي‬
‫ح‪.‬‬
‫ربا ٍ‬
‫وإذا ثبت هذا النّقل عن عليّ بن أبي طالبٍ فيكون رواي ًة ثانيةً عنه تخالف ما نقل عنه من‬
‫التّفريق بين الرّؤية قبل الزّوال وبعده ‪.‬‬
‫وقد رفض أبو حنيفة ومحمّد بن الحسن التّفريق في هلل رمضان وشوّالٍ ‪ ،‬لنّ الصل‬
‫عندهما أن ل يعتبر في رؤية الهلل قبل الزّوال ول بعده ‪ ،‬وإنّما العبرة لرؤيته بعد غروب‬
‫الشّمس ‪.‬‬
‫وعن مالك بن أنسٍ ‪ :‬من رأى هلل شوّا ٍل نهارا فل يفطر ‪ ،‬ويتمّ صيام يومه ذلك ‪ ،‬فإنّما هو‬
‫هلل اللّيلة الّتي تأتي ‪.‬‬
‫وهو في هذا النّقل عنه لم يفرّق بين الرّؤية قبل الزّوال وبعده ‪ ،‬واعتبر الهلل الّذي رئي‬
‫نهارا للّيلة القادمة ‪ ،‬وذهب ابن حبيبٍ إلى التّفريق ‪ ،‬ونسبه إلى مالكٍ ‪ ،‬قال ‪ :‬فإن رئي الهلل‬
‫قبل الزّوال فهو للّيلة الماضية فيمسكون إن وقع ذلك في شعبان ويفطرون إن وقع في‬
‫رمضان ويصلّون العيد ‪ ،‬وإذا رئي بعد الزّوال فهو للقادمة سواء أصلّيت الظّهر أم لم تصلّ ‪.‬‬
‫وقال الشّافعيّة والحنابلة ‪ :‬إن رئي الهلل بالنّهار فهو للّيلة المستقبلة لما روى سفيان بن سلمة‬
‫ن الهلّة بعضها أكبر من‬
‫قال ‪ :‬أتانا كتاب عمر بن الخطّاب رضي ال عنه ونحن بخانقين ‪ :‬إ ّ‬
‫بعضٍ فإذا رأيتم الهلل نهارا فل تفطروا حتّى يشهد رجلن مسلمان أنّهما رأياه بالمس ‪.‬‬
‫ونبّه الفقهاء إلى أنّ الهلل ل يرى يوم تسع ٍة وعشرين قبل الزّوال ‪ ،‬لنّه أهّل ساعتئذٍ ‪ ،‬ولنّ‬
‫الشّهر ل يكون ثمانيةً وعشرين فتحدّد مجال رؤيته في اليوم التّاسع والعشرين بعد الزّوال أو‬
‫في يوم ثلثين قبل الزّوال وبعده ‪ ،‬فإذا رئي يوم تسعةٍ وعشرين بعد الزّوال ولم ير ليلً ‪،‬‬
‫فالظّاهر عند المالكيّة أنّه يثبت بالرّؤية النّهاريّة ‪ ،‬وعارض ذلك الشّافعيّة فقالوا ‪ :‬ل يكفي ذلك‬
‫عن رؤيته ليلة الثّلثين ‪ ،‬وأنّه ل أثر لرؤيته نهارا ‪.‬‬
‫ل لكمال العدّة ‪.‬‬
‫وأمّا رؤيته نهارا يوم ثلثين فل يبحث معها عن رؤيته لي ً‬
‫ثانيا ‪ :‬إكمال الشّهر ثلثين ‪:‬‬
‫‪ -‬يكون الشّهر القمريّ تسعةً وعشرين أو ثلثين يوما لحديث ‪ » :‬إنّا أمّة أ ّميّة ل نكتب ول‬ ‫‪8‬‬

‫نحسب ‪ ،‬الشّهر هكذا وهكذا « يعني مرّ ًة تسعةً وعشرين ومرّةً ثلثين ‪.‬‬
‫وعن عبد اللّه بن مسعودٍ قال ‪ » :‬لما صمنا مع النّبيّ صلى ال عليه وسلم تسعا وعشرين‬
‫أكثر ممّا صمنا ثلثين « ‪.‬‬
‫وإذا لم ير الهلل بعد غروب شمس التّاسع والعشرين من شعبان أو رمضان أو ذي القعدة‬
‫ن رسول اللّه صلى‬
‫أكمل الشّهر ثلثين يوما حسب الحديث الشّريف عن عبد اللّه بن عمر أ ّ‬
‫ال عليه وسلم قال ‪ » :‬الشّهر تسع وعشرون ليل ًة ‪ ،‬فل تصوموا حتّى تروه فإن غمّ عليكم‬
‫فأكملوا العدّة ثلثين « ‪.‬‬
‫وفرّق الحنابلة ب ين حالة ال صّحو وحالة الغ يم فالمذ هب عند هم وجوب صيام يوم الثّلث ين من‬
‫شعبان إن حال دون مطل عه غ يم أو ق تر ونحوه ما بنيّة رمضان احتياطا ل يقينا وهذه الم سألة‬
‫شكّ وتفصيلها في ‪ ( :‬صوم ) ‪.‬‬
‫تسمّى صيام يوم ال ّ‬
‫فإن تبيّن في نهاية رمضان أنّ شعبان ناقص وجب قضاء اليوم الّذي غ ّم فيه الهلل ‪.‬‬
‫توالي الغيم ‪:‬‬
‫‪ -‬عند توالي الغيم في نهاية الشّهور القمريّة تكمل ثلثين ثلثين عملً بالحديث السّابق ‪» :‬‬ ‫‪9‬‬

‫فإن غ ّم عليكم فأكملوا العدّة ثلثين « ‪.‬‬


‫ويقع قضاء ما ثبت إفطاره ‪ ،‬فإذا حصل الغيم في شهرٍ أو أكثر قبل رمضان فكملت ‪ ،‬ثمّ رئي‬
‫هلل شوّالٍ ليلة ثلثيهن مهن رمضان فل قضاء لجواز أن يكون رمضان ناقصها ‪ ،‬وإن رئي‬
‫ليلة تسعٍ وعشرين من رمضان وجب قضاء يو ٍم ‪ ،‬وإن رئي ليلة ثما نٍ وعشرين وجب قضاء‬
‫يومين ‪ ،‬وإن رئي ليلة سبعٍ وعشرين تمّ قضاء ثلثة أيّامٍ ‪.‬‬
‫وإنّ ما أجرى اللّه به العادة أن ل تتوالى أربعة أشهرٍ ناقصة ول كاملة ‪ ،‬ومن النّادر توالي‬
‫ثلثة أشهرٍ ناقص ٍة أو كاملةٍ أيضا ‪.‬‬
‫ن شهر رمضان ناقص‬
‫قال الحطّاب ‪ :‬فإن توالى الكمال في شهرين أو ثلثةٍ عمل على أ ّ‬
‫فأصبح النّاس صياما ‪ ،‬وإن توالت ناقصةً عمل على أنّ رمضان كامل فأصبح النّاس‬
‫مفطرين وإن لم يتوال قبل هذا الشّهر الّذي غ ّم الهلل في آخره شهران فأكثر كاملة ول‬
‫ناقصة احتمل أن يكون هذا الشّهر ناقصا أو كاملً احتمالً واحدا يوجب أن يكمل ثلثين كما‬
‫ورد في الحديث ‪.‬‬
‫ثمّ قال ‪ :‬هذا في الصّوم ‪ ،‬أمّا في الفطر إذا غ ّم هلل شوّالٍ فل يفطر بالتّقدير الّذي يغلب فيه‬
‫ن رمضان ناقص ‪.‬‬
‫على الظّنّ أ ّ‬
‫ولم نطّلع على نصّ للفقهاء في شأن البلد الّتي يستقرّ الغيم أو الضّباب في سمائها ‪.‬‬
‫صوم من اشتبهت عليه الشهر ‪:‬‬
‫‪ -‬من كان من النّاس في مكان ل تصله فيه أخبار رمضان ‪ ،‬كالسّجين والسير بدار‬ ‫‪10‬‬

‫الحرب فاشتبهت عليه الشهر ‪ ،‬ولم يعرف موعد رمضان ‪ ،‬يتعيّن عليه الجتهاد لمعرفته فإن‬
‫اجتهد وتحرّى ووافق صيامه شهر رمضان أو ما بعده أجزأه ذلك ‪ ،‬فإن كان الشّهر الّذي‬
‫صامه ناقصا ‪ ،‬ورمضان كاملً قضى النّقص ‪ ،‬وإن صام شهرا قبل رمضان لم يكفه ‪ ،‬لنّ‬
‫ح قبل وقتها ‪ ،‬فلو وافق بعضه فما وافقه أو بعده أجزاه دون ما قبله ‪ ،‬وإن صام‬
‫العبادة ل تص ّ‬
‫بل اجتهادٍ لم يجزه إذا كان قادرا على الجتهاد ‪.‬‬
‫ثالثًا ‪ :‬إثبات الهلّة بالحساب الفلكيّ ‪:‬‬
‫‪ -‬وقع الخوض في هذه المسألة منذ أواخر القرن الهجريّ الوّل ‪ ،‬فقد أشار إليها أحد‬ ‫‪11‬‬

‫التّابعين وبحثت بعد ذلك من لدن فقهائنا السّابقين بالقدر الّذي تستحقّه ‪.‬‬
‫وكان من أسباب بحثها وجود لفظ ٍة مشكل ٍة في حديث ثابتٍ عن رسول اللّه صلى ال عليه‬
‫شرّاح في المراد منها ‪ ،‬واستدلّ بها القائلون بالحساب على ما ذهبوا إليه ‪.‬‬
‫وسلم اختلف ال ّ‬
‫ويتّضح ذلك من إيراد الحديث بلفظه ‪ ،‬وإتباعه بتفسير الّذين استدلّوا به على جواز اعتماد‬
‫الحساب في إثبات الهلل ‪ ،‬ثمّ آراء الّذين فهموا منه خلف فهمهم ‪.‬‬
‫ن رسول اللّه صلى ال عليه وسلم ذكر رمضان‬
‫عن عبد اللّه بن عمر رضي ال عنهما أ ّ‬
‫فقال ‪ » :‬ل تصوموا حتّى تروا الهلل ‪ ،‬ول تفطروا حتّى تروه فإن غمّ عليكم فاقدروا له‬
‫«‪ .‬علّق الحديث بداية صيام رمضان والشّروع في الفطار برؤية الهلل ‪ ،‬وأمر عند تعذّرها‬
‫في حالة الغيم بالتّقدير ‪ ،‬فقال صلى ال عليه وسلم ‪ » :‬فإن غ ّم عليكم فاقدروا له « ‪ ،‬وقد‬
‫اختلف في المراد من هذه العبارة ‪.‬‬
‫رأي القائلين بالحساب ‪:‬‬
‫‪ -‬تضمّن هذا الرّأي القول بتقدير الهلل بالحساب الفلكيّ ونسب إلى مطرّف بن عبد اللّه‬ ‫‪12‬‬

‫ج من الشّافعيّة وابن قتيبة من المحدّثين ‪ .‬وقال‬


‫شخّير من التّابعين وأبي العبّاس بن سري ٍ‬
‫بن ال ّ‬
‫ابن عبد البرّ ‪ :‬ل يصحّ عن مطرّفٍ ‪ ،‬ونفى نسبة ما عرف عن ابن سريجٍ إلى الشّافعيّ لنّ‬
‫المعروف عنه ما عليه الجمهور ‪.‬‬
‫ونقل ابن رشدٍ عن مط ّرفٍ قوله ‪ :‬يعتبر الهلل إذا غ ّم بالنّجوم ومنازل القمر وطريق‬
‫الحساب ‪ ،‬قال ‪ :‬وروي مثل ذلك عن الشّافعيّ في روايةٍ ‪ ،‬والمعروف له المشهور عنه أنّه ل‬
‫ل برؤيةٍ فاشيةٍ أو شهادةٍ عادل ٍة كالّذي عليه الجمهور ‪.‬‬
‫يصام إ ّ‬
‫ن العارف بالحساب يعمل به في نفسه ‪.‬‬
‫وعن مط ّرفٍ أيضًا أ ّ‬
‫ج فاعتبر قوله صلى ال عليه وسلم ‪ » :‬فاقدروا له « ‪ :‬خطابا لمن خصّه اللّه‬
‫أمّا ابن سري ٍ‬
‫تعالى بعلم الحساب ‪ ،‬وقوله صلى ال عليه وسلم في الحديث الخر ‪ » :‬فأكملوا العدّة «‬
‫خطابا للعامّة ‪.‬‬
‫ج من المعرفة بالحساب فقال ‪ :‬معرفة منازل القمر هي‬
‫وبيّن ابن الصّلح ما قصده ابن سري ٍ‬
‫ص بمعرفته الحاد ‪ .‬فمعرفة منازل‬
‫معرفة سير الهلّة ‪ ،‬وأمّا معرفة الحساب فأمر دقيق يخت ّ‬
‫ج ‪ ،‬وقال‬
‫س يدركه من يراقب النّجوم ‪ ،‬وهذا هو الّذي أراده ابن سري ٍ‬
‫القمر تدرك بأمرٍ محسو ٍ‬
‫به في حقّ العارف بها فيما يخصّه ‪.‬‬
‫ج في حكم صيام العارف بالحساب عند ثبوت الهلل عنده ‪،‬‬
‫وقد اختلف النّقل عن ابن سري ٍ‬
‫ففي رواي ٍة عنه أنّه لم يقل بوجوب ذلك عليه ‪ ،‬وإنّما قال بجوازه ‪ ،‬وفي روايةٍ أخرى عنه‬
‫لزوم الصّيام في هذه الصّورة ‪.‬‬
‫وعن بعض الحنفيّة قول ‪ :‬ل بأس بالعتماد على قول المنجّمين ‪.‬‬
‫وقال القشيريّ ‪ :‬إذا دلّ الحساب على أنّ الهلل قد طلع من الفق على وج ٍه يرى لول وجود‬
‫المانع كالغيم مثلً ‪ ،‬فهذا يقتضي الوجوب لوجود السّبب الشّرعيّ ‪ ،‬وليس حقيقة الرّؤية‬
‫ن المحبوس في المطمورة إذا علم بإتمام العدّة أو‬
‫مشروط ًة في اللّزوم ‪ ،‬فإنّ التّفاق على أ ّ‬
‫ن اليوم من رمضان وجب عليه الصّوم ‪.‬‬
‫بالجتهاد أ ّ‬
‫آراء القائلين بعدم إثبات الهلّة بالحساب وأدلّتهم ‪:‬‬
‫‪ -‬المعتمد في المذهب الحنفيّ أنّ شرط وجوب الصّوم والفطار رؤية الهلل ‪ ،‬وأنّه ل‬ ‫‪13‬‬

‫عبرة بقول المؤقّتين ولو عدولً ‪ ،‬ومن رجع إلى قولهم فقد خالف الشّرع ‪ ،‬وذهب قوم منهم‬
‫إلى أنّه يجوز أن يجتهد في ذلك ‪ ،‬ويعمل بقول أهل الحساب ‪.‬‬
‫ومنع مالك من اعتماد الحساب في إثبات الهلل ‪ ،‬فقال ‪ :‬إنّ المام الّذي يعتمد على الحساب‬
‫ل يقتدى به ‪ ،‬ول يتبع ‪.‬‬
‫وبيّن أبو الوليد الباجيّ حكم صيام من اعتمد الحساب فقال ‪ :‬فإن فعل ذلك أحد فالّذي عندي‬
‫أنّه ل يعتدّ بما صام منه على الحساب ويرجع إلى الرّؤية وإكمال العدد ‪ ،‬فإن اقتضى ذلك‬
‫قضاء شي ٍء من صومه قضاه ‪.‬‬
‫ي قولً آخر للمالكيّة بجواز اعتماد الحساب في إثبات الهليّة ‪.‬‬
‫وذكر القراف ّ‬
‫أمّا الشّافعيّة فقال النّوويّ ‪ :‬قال أصحابنا وغيرهم ‪ :‬ل يجب صوم رمضان إلّ بدخوله ‪،‬‬
‫ويعلم دخوله برؤية الهلل ‪ ،‬فإن غمّ وجب استكمال شعبان ثلثين ‪ ،‬ثمّ يصومون سواء كانت‬
‫السّماء مصحي ًة أو مغيّمةً غيما قليلً أو كثيرا ‪.‬‬
‫وفي هذا حصر طرق إثبات هلل رمضان في الرّؤية وإكمال شعبان ثلثين ‪ ،‬وفي هذا‬
‫الحصر نفي لعتماد الحساب ‪ ،‬وقد صرّح في موضعٍ آخر برفضه ‪ ،‬لنّه حدس وتخمين‬
‫ورأى اعتباره في القبلة والوقت ‪.‬‬
‫ل الحساب القطعيّ على عدم رؤية الهلل لم يقبل قول‬
‫نقل القليوبيّ عن العبّاديّ قوله ‪ :‬إذا د ّ‬
‫العدول برؤيته ‪ ،‬وتردّ شهادتهم ‪.‬‬
‫ثمّ قال القليوبيّ ‪ :‬وهو ظاهر جليّ ‪ ،‬ول يجوز الصّوم حينئذٍ ومخالفة ذلك معاندة ومكابرة ‪.‬‬
‫ول يعتمد الحنابلة الحساب الفلكيّ في إثبات هلل رمضان ‪ ،‬ولو كثرت إصابته ‪.‬‬
‫أدلّة القائلين بعدم إثبات الهلّة بالحساب ‪:‬‬
‫ل المانعون بالحديث نفسه الّذي استدلّ المثبتون به ففسّروه بغير المراد منه ‪.‬‬
‫استد ّ‬
‫ل ‪ :‬تفسير الحديث المشتمل على التّقدير بما ينقض مفهوم التّقدير الّذي ذهب إليه القائلون‬
‫أ ّو ً‬
‫بالحساب ‪.‬‬
‫فسّر الئمّة الجلّة قوله صلى ال عليه وسلم ‪ » :‬فاقدروا له « بتفسيرين ‪:‬‬
‫الوّل ‪ :‬حمل التّقدير على إتمامهم الشّهر ثلثين ‪.‬‬
‫الثّاني ‪ :‬تفسير بمعنى تضييق عدد أيّام الشّهر ‪.‬‬
‫التّفسير الوّل ‪ :‬جاء عن عبد اللّه بن عمر أنّه يصبح مفطرا إذا كانت السّماء صاحي ًة وصائما‬
‫إذا كانت مغيّم ًة لنّه يتأوّل قول النّبيّ صلى ال عليه وسلم على أنّ المراد منه إتمام الشّهر‬
‫ثلثين ‪.‬‬
‫وإلى هذا المعنى ذهب أبو حنيفة ومالك والشّافعيّ وجمهور السّلف والخلف ‪،‬فحملوا عبارة ‪:‬‬
‫» فاقدروا له « على تمام العدد ثلثين يوما ‪.‬‬
‫ن رسول اللّه صلى‬
‫ي أتبع حديث عبد اللّه بن عمر هنا برواي ٍة أخرى عنه جاء فيها أ ّ‬
‫والبخار ّ‬
‫ال عليه وسلم قال ‪ » :‬الشّهر تسع وعشرون ليل ًة فل تصوموا حتّى تروه ‪ ،‬فإن غمّ عليكم‬
‫ي صلى ال‬
‫فأكملوا العدّة ثلثين« ‪ .‬وأتبعه في نفس الباب بحديث أبي هريرة ‪ ،‬قال النّب ّ‬
‫عليه وسلم أو قال ‪ :‬قال أبو القاسم صلى ال عليه وسلم ‪» :‬صوموا لرؤيته ‪ ،‬وأفطروا‬
‫لرؤيته فإن غبي عليكم فأكملوا عدّة شعبان ثلثين « ‪.‬‬
‫وقال ابن حجرٍ ‪ :‬قصد البخاريّ بذلك بيان المراد من قوله » فاقدروا له « ‪ ،‬وأيّد ابن رشدٍ‬
‫جعَلَ‬
‫تفسير البخاريّ وعلّله بأنّ التّقدير يكون بمعنى التّمام ‪ ،‬ودعم رأيه بقوله تعالى ‪َ { :‬قدْ َ‬
‫شيْءٍ َقدْرا } أي تماما ‪.‬‬
‫اللّ ُه ِلكُلّ َ‬
‫التّفسير الثّاني بمعنى تضييق عدد أيّام الشّهر ‪ :‬فسّر القائلون به » اقدروا له « بمعنى ضيّقوا‬
‫له العدد من قوله تعالى ‪َ { :‬ومَن ُقدِرَ عََليْ ِه ِرزْقُهُ } ‪ ،‬والتّضييق له أن يجعل شعبان تسعةً‬
‫وعشرين يوما ‪.‬‬
‫شكّ إن كانت السّماء‬
‫وممّن قال بهذا الرّأي أحمد بن حنبلٍ وغيره ممّن يجوّز صوم يوم ال ّ‬
‫مغيّمةً ‪.‬‬
‫وعن ابن عمر رضي ال عنهما عن النّبيّ صلى ال عليه وسلم أنّه قال ‪ » :‬إنّا أمّة أ ّميّة ل‬
‫نكتب ول نحسب ‪ ،‬الشّهر هكذا وهكذا « يعني مرّ ًة تسعةً وعشرين ومرّةً ثلثين ‪.‬‬
‫ن المنف يّ عنهم الكتاب والح ساب هم أغلب أ هل ال سلم الّذ ين بحضرة النّبيّ‬
‫بيّن ا بن حجرٍ أ ّ‬
‫صلى ال عل يه و سلم ع ند تحدي ثه بهذا الحد يث ‪ ،‬أو أ نّ المراد به النّبيّ نف سه عل يه ال صلة‬
‫وال سلم ‪ .‬ث مّ قال ا بن حجرٍ ‪ :‬المراد بالح ساب ه نا ح ساب النّجوم وت سييرها ‪ ،‬ولو لم يكونوا‬
‫ل النّزر اليسير ‪ ،‬فعلّق الحكم بال صّوم وغيره بالرّؤية لدفع الحرج عنهم في‬
‫يعرفون من ذلك إ ّ‬
‫معاناة حسهاب التّسهيير ‪ ،‬واسهتمرّ الحكهم فهي الصهّوم ولو حدث بعدههم مهن يعرف ذلك ‪ ،‬بهل‬
‫ظاهر السّياق يشعر بنفي تعليق الحكم بالحساب أصلً ‪.‬‬
‫ويوضّحه قوله في الحديث الماضي » فإن غ ّم عليكم فأكملوا العدّة ثلثين « ولم يقل فسلوا‬
‫أهل الحساب ‪ ،‬والحكمة فيه كون العدد عند الغماء يستوي فيه المكلّفون فيرتفع الختلف‬
‫والنّزاع عنهم ‪.‬‬
‫اختلف المطالع ‪:‬‬
‫‪ -‬اختلف مطالع الهلل أمر واق عٌ بين البلد البعيدة كاختلف مطالع الشّمس ‪ ،‬لكن هل‬ ‫‪14‬‬

‫يع تبر ذلك في بدء صيام الم سلمين وتوق يت عيدي الف طر والض حى و سائر الشّهور فتختلف‬
‫بينهم بدءا ونهاي ًة أم ل يعتبر بذلك ‪ ،‬ويتوحّد المسلمون في صومهم وفي عيديهم ؟‬
‫ذ هب الجمهور إلى أنّه ل عبرة باختلف المطالع ‪ ،‬وهناك من قال باعتبار ها ‪ ،‬وخا صّ ًة ب ين‬
‫القطار البعيدة ‪ ،‬فقهد قال الحنفيّهة فهي هذه الحالة ‪ :‬بأنّهه لكلّ بلدٍ رؤيتههم ‪ ،‬وأوجبوا على‬
‫الم صار القري بة اتّباع بعض ها بعضا ‪ ،‬وألزموا أ هل الم صر القر يب في حالة اختلف هم مع‬
‫مصرٍ قريبٍ منهم بصيامهم تسعةً وعشرين ‪ ،‬وصيام الخرين ثلثين اعتمادا على الرّؤية أو‬
‫إتمام شعبان ثلثين أن يقضوا اليوم الّذي أفطروه لنّه من رمضان حسب ما ثبت عند المصر‬
‫الخهر ‪ ،‬والمعت مد الرّا جح ع ند الحنفيّة أنّه ل اعتبار باختلف المطالع فإذا ث بت الهلل فهي‬
‫مصرٍ لزم سائر النّاس فيلزم أهل المشرق برؤية أهل المغرب في ظاهر المذهب ‪.‬‬
‫وقال المالكيّة بوجوب الصّوم على جميع أقطار المسلمين إذا رئي الهلل في أحدها ‪.‬‬
‫وقيّد بعضهم هذا التّعميم فاستثنى البلد البعيدة كثيرا كالندلس وخراسان ‪.‬‬
‫القرافيه اختلف مطالع الهلل علميّا ‪ ،‬وذكهر سهببا مهن أسهبابه مكتفيا بهه عهن البقيّة‬
‫ّ‬ ‫وبيّن‬
‫أنه البلد المشرقيّة إذا كان الهلل فيهها فهي الشّعاع وبقيهت‬
‫المذكورة فهي علم الهيئة ‪ :‬وههو ّ‬
‫الشّمس تتحرّك مع القمر إلى الجهة الغربيّة فما تصل الشّمس إلى أفق المغرب إلّ وقد خرج‬
‫الهلل عن الشّعاع فيراه أ هل المغرب ول يراه أ هل المشرق ‪ .‬وا ستنتج من هذا البيان و من‬
‫اتّفاق علماء الم سلمين جميع هم على اختلف أوقات ال صّلة ومراعاة ذلك في الميراث بح يث‬
‫أفتوا بأنّه إذا مات أخوان ع ند الزّوال أحده ما بالمشرق وال خر بالمغرب ح كم بأ سبقيّة موت‬
‫المشرقيّ ‪ ،‬ل نّ زوال المشرق متقدّم على زوال المغرب فيرث المغرب يّ المشرق يّ ‪ ،‬فقرّر بعد‬
‫ل قو ٍم رؤيت هم في الهلّة ‪ ،‬ك ما أ نّ‬
‫إثبا ته اختلف الهلل باختلف الفاق وجوب أن يكون لك ّ‬
‫لكلّ قو مٍ أوقات صلواتهم ‪ ،‬ورأى أ نّ وجوب ال صّوم على جم يع القال يم برؤ ية الهلل بقطرٍ‬
‫منها بعيد عن القواعد ‪ ،‬والدلّة لم تقتض ذلك ‪.‬‬
‫ن رؤ ية الهلل ببلدٍ ل يث بت‬
‫ن لكلّ بلدٍ رؤيت هم وإ ّ‬
‫وع مل الشّافعيّة باختلف المطالع فقالوا ‪ :‬إ ّ‬
‫بها حكمه لما بعد عنهم ‪ .‬كما صرّح بذلك النّوويّ ‪.‬‬
‫ن أ مّ الفضل‬
‫س لم يعمل برؤية أهل الشّام لحديث كريبٍ أ ّ‬
‫واستدلّوا مع من وافقهم بأ نّ ابن عبّا ٍ‬
‫بنهت الحارث بعثتهه إلى معاويهة بالشّام ‪ ،‬قال ‪ :‬فقدمهت الشّام فقضيهت حاجتهها واسهتهلّ عليّه‬
‫رمضان ‪ ،‬وأ نا بالشّام ‪ ،‬فرأ يت الهلل ليلة الجم عة ث مّ قد مت المدي نة في آ خر الشّ هر ف سألني‬
‫س ثمّ ذكر الهلل فقال ‪ :‬متى رأيتم ؟ فقلت ‪ :‬رأيناه ليلة الجمعة ‪ .‬فقال ‪ :‬أنت‬
‫عبد اللّه بن عبّا ٍ‬
‫رأيته ؟ فقلت ‪ :‬نعم ‪ .‬ورآه النّاس وصاموا ‪ ،‬وصام معاوية فقال ‪ :‬لكنّا رأيناه ليلة ال سّبت فل‬
‫نزال نصوم حتّى نكمل ثلثين أو نراه ‪ ،‬فقلت ‪ :‬أول تكتفي برؤ ية معاوية وصيامه ‪ ،‬فقال ‪:‬‬
‫ل ‪ .‬هكذا أمرنا رسول اللّه صلى ال عليه وسلم ‪.‬‬
‫ن الرّؤية ل يثبت حكمها في ح قّ البعيد ‪ .‬وقال‬
‫وقد علّل النّوو يّ هذه الفتوى من ابن عبّا سٍ بأ ّ‬
‫الحنابلة بعدم اعتبار اختلف المطالع ‪ ،‬وألزموا جميع البلد بالصّوم إذا رئي الهلل في بلدٍ ‪.‬‬
‫واسهتدلّ القائلون بعدم اعتبار اختلف المطالع بحديهث رسهول اللّه صهلى ال عليهه وسهلم‬
‫» صوموا لرؤي ته وأفطروا لرؤي ته « ‪ ،‬ف قد أو جب هذا الحد يث ال صّوم بمطلق الرّؤ ية لجم يع‬
‫س من اجتهاده ‪ ،‬ول يس‬
‫الم سلمين دون تقييد ها بمكا نٍ ‪ ،‬واع تبروا ما ورد في حد يث ا بن عبّا ٍ‬
‫نقلً عن الرّسول صلى ال عليه وسلم ‪.‬‬
‫أثر الخطأ في رؤية الهلل ‪:‬‬
‫‪ -‬قد ينتج عن تواصل الغيم أكثر من شهرٍ قبل رمضان أو شوّالٍ أو ذي الحجّة أو عن‬ ‫‪15‬‬

‫عدم التّحرّي في رؤية الهلل خطأ في بداية رمضان ‪ ،‬ويترتّب عليه إفطار يومٍ منه ‪ ،‬أو‬
‫ل ‪ ،‬ويترتّب عليه إفطار يومٍ من رمضان أو صيام يوم العيد ‪ ،‬أو خطأ في‬
‫خطأ في بداية شوّا ٍ‬
‫ذي الحجّة ‪ ،‬ويترتّب عليه وقوف بعرفة في غير وقته ‪ ،‬وهذا أخطرها ‪.‬‬
‫وقد استند القائلون بصحّة الوقوف في غير يومه إلى الحديث الصّحيح ‪ » :‬شهران ل‬
‫ن الخطأ في الوقفة ل ينقص‬
‫ينقصان ‪ :‬شهرا عيدٍ ‪ :‬رمضان وذو الحجّة « ‪ .‬وفهموا منه أ ّ‬
‫أجرها ‪ ،‬ومن باب أولى ل يفسدها ‪.‬‬
‫قال الطّيبيّ ‪ :‬ظاهر سياق الحديث بيان اختصاص الشّهرين بمزيّ ٍة ليست في غيرهما من‬
‫الشّهور ‪ ،‬وليس المراد أنّ ثواب الطّاعة في غيرهما ينقص ‪ ،‬وإنّما المراد رفع الحرج عمّا‬
‫عسى أن يقع فيه خطأ في الحكم لختصاصهما بالعيدين وجواز احتمال وقوع الخطأ فيهما ‪.‬‬
‫ومن ثمّ قال ‪ » :‬شهرا عي ٍد « بعد قوله ‪ » :‬شهران ل ينقصان « ولم يقتصر على قوله ‪:‬‬
‫»رمضان وذو الحجّة « ‪.‬‬
‫قال ابن بطّالٍ فيما نقله عنه العينيّ ‪ :‬قالت طائفة من وقف بعرفة بخطأٍ شاملٍ لجميع أهل‬
‫الموقف في يومٍ قبل يوم عرفة أو بعده أنّه يجزئ عنه ‪ ،‬وهو قول عطاء بن أبي رباحٍ‬
‫ج أصحابه على جواز ذلك بصيام من التبست‬
‫والحسن البصريّ وأبي حنيفة والشّافعيّ ‪ ،‬واحت ّ‬
‫عليه الشّهور ‪ ،‬وأنّه جائز أن يقع صيامه قبل رمضان أو بعده ‪.‬‬
‫ل ما ورد في رمضان وذي الحجّة من‬
‫نكّ‬
‫وإلى نفس هذا الرّأي ذهب النّوويّ فقال ‪ :‬إ ّ‬
‫الفضائل والحكام حاصل سواء كان رمضان ثلثين أو تسعا وعشرين ‪ ،‬سواء صادف‬
‫الوقوف اليوم التّاسع أو غيره بشرط انتفاء التّقصير في ابتغاء الهلل ‪.‬‬
‫ت في غير‬
‫وقال ابن حجرٍ ‪ :‬الحديث يطمئن من صام رمضان تسعا وعشرين أو وقف بعرفا ٍ‬
‫يومها اجتهادا ‪.‬‬
‫ن حصول النّقص في رمضان واضح ‪ ،‬وفي ذي الحجّة غير واضحٍ لوقوع‬
‫ونظرا إلى أ ّ‬
‫ج من الغماء والنّقصان مثل ما‬
‫المناسك في أوّله فقد بيّن ذلك العينيّ بقوله ‪ :‬قد تكون أيّام الح ّ‬
‫يكون في آخر رمضان بأن يغمّى هلل ذي القعدة ويقع فيه الغلط بزيادة يو ٍم أو نقصانه فيقع‬
‫عرفة في اليوم الثّامن أو العاشر منه ‪ ،‬فمعناه أنّ أجر الواقفين بعرفة في مثله ل ينقص عمّا‬
‫ل غلط فيه ‪.‬‬
‫وعن ابن القاسم أنّهم إن أخطأوا ووقفوا بعد يوم عرفة يوم النّحر يجزيهم ‪ ،‬وإن قدّموا‬
‫الوقوف يوم التّروية أعادوا الوقوف من الغد ولم يجزهم ‪.‬‬
‫تبليغ الرّؤية ‪:‬‬
‫‪ -‬إذا ثبت الهلل عند الجهة المختصّة الموثوق بها وجب إعلم النّاس للشّروع في الصّوم‬ ‫‪16‬‬

‫‪ ،‬أو الفطار وصلة عيد الفطر ‪ ،‬أو صلة عيد الضحى وذبح الضحيّة بالخبر كما قال‬
‫القرافيّ ‪ :‬ثلثة أقسامٍ رواية محضة كالحاديث النّبويّة وشهادة محضة كإخبار الشّهود عن‬
‫الحقوق على المعيّنين عند الحاكم ومركّب من شهادةٍ وروايةٍ ‪ ،‬وله صور أحدها الخبار عن‬
‫ص معيّنٍ بل عامّ على جميع المصر‬
‫ص بشخ ٍ‬
‫ن الصّوم ل يخت ّ‬
‫رؤية هلل رمضان من جهة أ ّ‬
‫ن ولعموم الحكم ‪ ،‬ومن جهة‬
‫أو أهل الفاق فهو من هذا الوجه رواية لعدم الختصاص بمعيّ ٍ‬
‫أنّه حكم يختصّ بهذا العامّ دون ما قبله وما بعده ‪.‬‬
‫ن العلم بها بعد ثبوتها ل خلف‬
‫وإذا كانت الرّؤية في حدّ ذاتها تشبه الشّهادة والرّواية ‪ ،‬فإ ّ‬
‫في كونه رواية ‪ ،‬لذلك فإنّه يعتمد في نقلها وسائل نقل الخبر ‪ ،‬ويشترط في المخبر بها‬
‫شروط الرّاوي المقبول الرّواية المتعارف عليها عند المحدّثين والفقهاء ‪ ،‬وهي ‪ :‬العدالة‬
‫والضّبط ‪.‬‬
‫وقت العلم ‪:‬‬
‫‪ -‬إنّ وقت العلم بالنّسبة لرمضان هو ما قبل فجر اليوم الوّل منه فإن حصل بعد ذلك‬ ‫‪17‬‬

‫وجب المساك وعقد نيّة الصّيام وقضاء ذلك اليوم حتّى بالنّسبة لمن بيّت الصّيام على غير‬
‫جزمٍ بدخول رمضان ‪.‬‬
‫على خلفٍ وتفصيلٍ ينظر في مصطلح ‪ ( :‬صوم ) ‪.‬‬
‫الدعية المأثورة عند رؤية الهلل ‪:‬‬
‫‪ -‬وردت عن رسول اللّه صلى ال عليه وسلم أدعية عند رؤية الهلل منها ما جاء عن‬ ‫‪18‬‬

‫ن النّبيّ صلى ال عليه وسلم كان إذا رأى الهلل قال ‪ »:‬اللّهمّ أهلّه‬
‫طلحة بن عبيد اللّه أ ّ‬
‫علينا باليمن واليمان والسّلمة والسلم ‪ ،‬ربّي وربّك اللّه « ‪.‬‬
‫ومنها رواية ثانية لهذا المتن عن عبد اللّه بن عمر كان رسول اللّه صلى ال عليه وسلم إذا‬
‫رأى الهلل ‪ ،‬قال ‪ » :‬اللّهمّ أهلّه علينا بالمن واليمان ‪ ،‬والسّلمة والسلم والتّوفيق لما‬
‫تحبّ وترضى ‪ ،‬ربّنا وربّك اللّه « ‪.‬‬
‫ومنها ما جاء عن عبادة بن الصّامت قال ‪ :‬كان رسول اللّه صلى ال عليه وسلم إذا رأى‬
‫الهلل قال ‪ » :‬اللّه أكبر ‪ ،‬الحمد للّه ‪ ،‬ل حول ول قوّة إلّ باللّه ‪ ،‬اللّهمّ إنّي أسألك خير هذا‬
‫الشّهر ‪ ،‬وأعوذ بك من شرّ القدر ‪ ،‬ومن سوء الحشر « ‪.‬‬
‫ومنها عن قتادة أنّه بلغه أنّ النّبيّ صلى ال عليه وسلم كان إذا رأى الهلل قال ‪ » :‬هلل‬
‫ت ثمّ يقول‬
‫خي ٍر ورشدٍ ‪ ،‬هلل خيرٍ ورشدٍ ‪،‬هلل خيرٍ ورشدٍ ‪،‬آمنت بالّذي خلقك ‪ ،‬ثلث مرّا ٍ‬
‫‪ :‬الحمد للّه الّذي ذهب بشهر كذا وجاء بشهر كذا « ‪.‬‬
‫ي في الذكار ‪ ،‬والحطّاب في مواهب الجليل ‪ ،‬ونقل إثرها‬
‫هذه الحاديث نقلها أيضا النّوو ّ‬
‫ص فيه على استحباب قراءة سورة الملك عند رؤية الهلل للثرالوارد فيها ‪،‬‬
‫قولً للدّميريّ ن ّ‬
‫ولنّها المنجّية الواقية ‪.‬‬

‫رائحة *‬
‫التّعريف ‪:‬‬
‫‪ -‬الرّائحة والرّيح في اللّغة ‪ :‬النّسيم طيّبا كان أو نتنا ‪ .‬يقال ‪ :‬وجدت رائحة الشّيء وريحه‬ ‫‪1‬‬

‫شمّ ‪.‬‬
‫‪ .‬والرّائحة عرض يدرك بحاسّة ال ّ‬
‫ل على الطّيّب ‪ ،‬جاء في الثر ‪ »:‬أنّه صلى ال عليه وسلم أمر‬
‫وقيل ‪ :‬ل يطلق اسم الرّيح إ ّ‬
‫بالثمد المروّح أي المطيّب عند النّوم « ‪.‬‬
‫الحكم الجماليّ ‪:‬‬
‫ترد كلمة " رائحة " في كتب الفقه في أبوابٍ مختلف ٍة ‪ ،‬وباختلف البواب تختلف أحكامها ‪.‬‬
‫أ ‪ -‬الرّائحة في باب الطّهارة ‪:‬‬
‫سمَاء‬
‫ن ال ّ‬
‫‪ -‬الصل في رفع الحدث وإزالة الخبث أن يكون بالماء قال تعالى ‪ { :‬وَأَنزَلنَا مِ َ‬ ‫‪2‬‬

‫طهُورا} ‪.‬‬
‫مَاء َ‬
‫واشترط جمهور الفقهاء لطهوريّة الماء بقاء أوصافه الصليّة وهي ‪ :‬اللّون والطّعم والرّائحة‬
‫‪ .‬فإن تغيّر أحد أوصافه ‪ ،‬كرائحته ‪ ،‬بشيءٍ خالطه بحيث ل يطلق عليه اسم الماء عرفا ‪ ،‬بل‬
‫يضاف إليه قيد لزم ‪ ،‬كماء الورد ونحوه ‪ ،‬فإنّه يسلب عنه الطّهوريّة ‪ ،‬فيصبح الماء طاهرا‬
‫غير مطهّرٍ إن كان المخالط المغيّر طاهرا ‪ ،‬فل يرفع حدثا ول يزيل خبثا وإن كان طاهرا‬
‫بذاته ‪ ،‬لنّه ليس ما ًء مطلقا ‪.‬‬
‫وقال الحنفيّة ‪ :‬ل يسلب الطّهوريّة عن الماء تغيّر أوصافه إن لم يزل عنه طبع الماء ‪.‬‬
‫وطبع الماء ‪ :‬كونه سيّالً مرطّبا مسكّنا للعطش ‪.‬‬
‫أمّا إذا حصل التّغيّر بمجاورٍ للماء لم يخالطه فإنّه ليسلب الطّهوريّة عنه ‪،‬لنّه مجرّد تروّحٍ ‪.‬‬
‫وفي المسألة تفصيل ينظر في ‪ ( :‬مياه ) ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬رائحة الطّيب في حقّ المحرم ‪:‬‬
‫‪ -‬ل خلف بين الفقهاء في أنّه يحظر على المحرم استعمال ما له رائحة طيّبة ويقصد به‬ ‫‪3‬‬

‫رائحته كالمسك والعود ونحوهما ‪ ،‬أمّا ما ل تقصد رائحته ‪ ،‬كالتّفّاح والترجّ فل يحرم على‬
‫المحرم استعماله ‪ ،‬وإن كانت رائحته طيّبةً ‪.‬‬
‫وانظر ( إحرام ) ‪.‬‬
‫طيّبة والرّائحة الكريهة في المساجد ‪:‬‬
‫ج ‪ -‬الرّائحة ال ّ‬
‫‪ -‬يستحبّ تطييب المساجد ‪ ،‬ويصان المسجد عن الرّائحة الكريهة من ثومٍ أو بصلٍ‬ ‫‪4‬‬

‫ونحوهما ‪ ،‬وإن لم يكن فيه أحد ‪ ،‬كما يكره لمن أكل شيئا من ذلك دخول المساجد ويرخّص‬
‫له في ترك الجماعة في المسجد ‪ ،‬ومثله من له صنان أو بخر ‪.‬‬
‫وذهب الحنابلة إلى استحباب إخراج من به ذلك إزال ًة للذى ‪ ،‬لقوله صلى ال عليه وسلم ‪» :‬‬
‫»‬ ‫من أخرج أذىً من المسجد بنى اللّه له بيتا في الجنّة «‪ ،‬وقال عليه الصلة والسلم ‪:‬‬
‫ل فليعتزلنا ‪ -‬أو قال ‪ :‬فليعتزل مسجدنا « ‪.‬‬
‫من أكل ثوما أو بص ً‬
‫وقال ‪ » :‬من أكل من هذه الشّجرة الخبيثة يعني الثّوم فل يقربنا في المسجد « وفي روايةٍ ‪:‬‬
‫» فل يقرب مصلّنا « ‪.‬‬
‫ويكره عند الحنابلة إخراج الرّيح في المسجد بجامع اليذاء بالرّائحة ‪ ،‬وإن لم يكن فيه أحد ‪،‬‬
‫ن الملئكة تتأذّى ممّا يتأذّى منه بنو آدم « ‪.‬‬
‫لخبر ‪ » :‬إ ّ‬
‫وصرّح المالكيّة بجواز ذلك إذا احتاج إليه ‪ ،‬لنّ المسجد ينزّه عن النّجاسة العينيّة ‪.‬‬
‫وانظر ‪ ( :‬مساجد ) ‪.‬‬
‫د ‪ -‬التّلف بسبب الرّائحة ‪:‬‬
‫‪ -‬إذا اتّخذ من داره ‪ -‬بين الدّور المسكونة ‪ -‬معملً له رائحةٌ مؤذيةٌ ‪ ،‬فشمّه أطفال أو‬ ‫‪5‬‬

‫غيرهم فماتوا بذلك ضمن صاحب الدّار ‪ ،‬لمخالفته العادة ‪.‬‬


‫وإن قلى أو شوى في داره ما يسبّب إجهاض الحامل إن لم تأكل منه وجب عليه أن يقدّم إليها‬
‫ما يدفع عنها الجهاض بعوضٍ إن كانت قادرةً على العوض ‪ ،‬وإلّ فبل عوضٍ ‪ ،‬وإن لم‬
‫تطلب منه ‪ ،‬فإن قصّر ضمن دية الجنين ‪.‬‬
‫والتّفصيل في باب الدّيات ‪ ،‬ومصطلح ‪ ( :‬إجهاض ‪ ،‬ف ‪. ) 9‬‬

‫هه – ثبوت حدّ الشّرب بوجود الرّائحة ‪:‬‬


‫– ل يثبت ح ّد الشّرب بوجود رائحة الخمر في فم الشّارب في قول أكثر أهل العلم ‪،‬منهم ‪:‬‬ ‫‪6‬‬

‫الثّوريّ ‪ ،‬وأبو حنيفة ‪ ،‬والشّافعيّ ‪ ،‬وأحمد في إحدى روايتين عنه ‪ ،‬وهي المذهب ‪.‬‬
‫وقالوا ‪ :‬يحتمل أنّه تمضمض بالخمر أو حسبها ما ًء فلمّا صارت في فمه مجّها ‪ ،‬ويحتمل أن‬
‫يكون مكرها ‪ ،‬أو شرب شراب التّفّاح فإنّه يكون منه كرائحة الخمر ‪ ،‬وبوجود الحتمال لم‬
‫يجب الحدّ ‪ ،‬لنّه يدرأ بالشّبهات ‪.‬‬
‫وقال المالكيّة ‪ :‬يثبت حدّ الشّرب بوجود الرّائحة ‪ ،‬وهي رواية أبي طالبٍ عن أحمد ‪،‬وقالوا ‪:‬‬
‫ن الرّائحة تدلّ على شربه للخمر ‪،‬‬
‫ن ابن مسعو ٍد جلد رجلً وجد منه رائحة الخمر ‪ ،‬ول ّ‬
‫إّ‬
‫فأجري مجرى القرار ‪.‬‬
‫والتّفصيل في ‪ ( :‬سكر ) ‪.‬‬
‫و ‪ -‬تغيّر رائحة لحم الجلّلة أو لبنها ‪:‬‬
‫‪ -‬ذهب جمهور الفقهاء إلى أنّه يكره أكل لحم الجلّلة وشرب لبنها إذا تغيّرت رائحتهما‬ ‫‪7‬‬

‫بالنّجاسة ‪.‬‬
‫وقال الشّافعيّة بالتّحريم ‪.‬‬
‫وانظر ‪ ( :‬أطعمة ‪ ،‬جلّلة ) ‪.‬‬
‫ز ‪ -‬منع الزّوجة من أكل ما يتأذّى الزّوج من رائحته ‪:‬‬
‫‪ -‬للزّوج منع زوجته من تناول ما يتأذّى من رائحته كالثّوم ‪ ،‬والبصل ونحوهما ‪ .‬كما له‬ ‫‪8‬‬

‫ن ذلك يمنع كمال الستمتاع ‪.‬‬


‫إجبارها على إزالة الرّوائح الكريهة من بدنها ‪ ،‬وثوبها ‪ ،‬ل ّ‬
‫والتّفصيل في مصطلح ‪ ( :‬نكاح ) ‪.‬‬

‫رابغ *‬
‫التّعريف ‪:‬‬
‫‪ -‬رابغ ‪ :‬وادٍ بين الحرمين قرب البحر ‪ ،‬وهو موضع معروف قريب من الجحفة ‪.‬‬ ‫‪1‬‬

‫وأصل هذا المصطلح اللّغويّ ‪ :‬ربغ القوم في النّعيم ‪ :‬أقاموا ‪ ...‬والرّبغ ‪ :‬التّراب ‪ ،‬والرّابغ ‪:‬‬
‫ن له ‪.‬‬
‫من يقيم على أمرٍ ممكّ ٍ‬
‫والجحفة ميقات الحرام لهل الشّام وتركيّة ومصر والمغرب ‪ ،‬وتقع قرب السّاحل وسط‬
‫ن بعيدٍ وأصبحت ل تكاد تعرف ‪،‬‬
‫الطّريق بين مكّة والمدينة ‪ .‬وقد اندثرت الجحفة منذ زم ٍ‬
‫وأصبح حجّاج هذه البلد يحرمون من رابغٍ احتياطا ‪ ،‬وتقع قبل الجحفة بقليلٍ للقادم من‬
‫) كيلو مترا ‪.‬‬ ‫‪220‬‬ ‫المدينة وتبعد عن مكّة (‬
‫)‪.‬‬ ‫‪40‬‬ ‫انظر ‪ ( :‬إحرام ‪ :‬ف‬
‫راتب *‬
‫التّعريف ‪:‬‬
‫‪ -‬الرّاتب ‪ :‬لغةً من رتب الشّيء رتوبا إذا ثبت واستقرّ ‪ ،‬فالرّاتب هو الثّابت ‪ ،‬وعيش‬ ‫‪1‬‬

‫راتب ‪ :‬أي ثابت دائم ‪.‬‬


‫قال ابن جنّيّ ‪ :‬يقال ‪ :‬ما زلت على هذا راتبا أي مقيما ‪ .‬ول يخرج معناه الصطلحيّ عن‬
‫معناه اللّغويّ ‪.‬‬
‫مواطن البحث ‪:‬‬
‫ب من كتب الفقه منها ‪:‬‬
‫‪ -‬ورد مصطلح الرّاتب في عدّة أبوا ٍ‬ ‫‪2‬‬

‫أ ‪ -‬السّنن الرّواتب من الصّلوات ‪:‬‬


‫‪ -‬وهي السّنن التّابعة للفرائض ‪ ،‬ووقتها وقت المكتوبات الّتي تتبعها ‪.‬‬ ‫‪3‬‬

‫وقد اختلف الفقهاء في مقاديرها ‪.‬‬


‫فذهب جمهور العلماء إلى أنّ الرّواتب المؤكّدة عشر ركعاتٍ ‪ ،‬ركعتان قبل الصّبح ‪،‬‬
‫وركعتان قبل الظّهر ‪ ،‬وركعتان بعدها ‪ ،‬وركعتان بعد المغرب ‪ ،‬وركعتان بعد العشاء ‪ ،‬لما‬
‫ورد عن ابن عمر رضي ال عنهما أنّه قال ‪ » :‬حفظت من النّبيّ صلى ال عليه وسلم عشر‬
‫ركعاتٍ ‪ :‬ركعتين قبل الظّهر ‪،‬وركعتين بعدها ‪،‬وركعتين بعد المغرب في بيته ‪ ،‬وركعتين بعد‬
‫العشاء في بيته ‪،‬وركعتين قبل الصّبح ‪،‬وكانت ساعة ل يدخل على النّبيّ صلى ال عليه وسلم‬
‫فيها‪ ،‬حدّثتني حفصة رضي ال عنها أنّه كان إذا أذّن المؤذّن وطلع الفجر صلّى ركعتين « ‪.‬‬
‫وهناك أقوال مرجوحة عند المذاهب تذكر أربعا بعد الظّهر ‪ ،‬وأربعا قبل العصر ‪ ،‬واثنتين‬
‫قبل المغرب ‪ ،‬وستّا بعد المغرب ‪ ،‬وأن ل راتبة بعد العشاء بل حدّ ‪.‬‬
‫والتّفاصيل في ‪ ( :‬السّنن الرّواتب ) ‪.‬‬
‫ن مقدارها اثنتا عشرة ركع ًة ‪ :‬ركعتان قبل صلة الفجر ‪ ،‬وأربع ركعاتٍ‬
‫وذهب الحنفيّة إلى أ ّ‬
‫ن ‪ -‬وركعتان بعد صلة الظّهر ‪ ،‬وركعتان بعد‬
‫قبل صلة الظّهر ‪ -‬ل يسلّم إلّ في آخره ّ‬
‫صلة المغرب ‪ ،‬وركعتان بعد صلة العشاء ‪.‬‬
‫لما روي عن عائشة رضي ال عنها عن رسول اللّه صلى ال عليه وسلم أنّه قال ‪ » :‬من‬
‫ثابر على اثنتي عشرة ركع ًة بنى اللّه عزّ وجلّ له بيتا في الجنّة ‪ :‬أربعا قبل الظّهر ‪،‬‬
‫وركعتين بعد الظّهر ‪ ،‬وركعتين بعد المغرب ‪،‬وركعتين بعد العشاء ‪،‬وركعتين قبل الفجر «‪.‬‬
‫ل لعذرٍ ‪.‬‬
‫ن النّبيّ صلى ال عليه وسلم واظب عليها ولم يترك شيئا منها إ ّ‬
‫ول ّ‬
‫‪ -‬وآكد السّنن الرّاتبة عند الحنفيّة ركعتا الفجر لورود الحاديث بالتّرغيب فيهما ما لم يرد‬ ‫‪4‬‬

‫في غيرهما من النّوافل ‪.‬‬


‫عن عائشة رضي ال عنها أنّ النّبيّ صلى ال عليه وسلم قال ‪ » :‬ركعتا الفجر خير من‬
‫الدّنيا وما فيها «‬
‫وروي عن النّبيّ صلى ال عليه وسلم أيضا أنّه قال ‪ » :‬ل تدعوا الرّكعتين اللّتين قبل صلة‬
‫الفجر ‪ ،‬فإنّ فيهما الرّغائب « وفي روايةٍ ‪ » :‬ل تدعوا ركعتي الفجر ولو طردتكم الخيل «‬
‫‪.‬‬
‫ب ‪ -‬المؤذّن الرّاتب ‪:‬‬
‫ل أن يتخلّف ويخاف فوات وقت التّأذين‬
‫‪ -‬إذا كان في المسجد مؤذّن راتبٌ فل يؤذّن قبله إ ّ‬ ‫‪5‬‬

‫فيؤذّن غيره ‪ ،‬لما روي عن زياد بن الحارث الصّدائيّ » أنّه أذّن للنّبيّ صلى ال عليه وسلم‬
‫حين غاب بلل ‪ -‬رضي ال عنه « » وأذّن رجل حين غاب أبو محذورة « ‪.‬‬
‫ن مؤذّني الرّسول صلى ال عليه وسلم لم يكن غيرهم يسبقهم بالذان ‪.‬‬
‫ول ّ‬
‫وإذا نازع المؤذّن الرّاتب غيره في الذان يقدّم الرّاتب ‪.‬‬
‫ن المؤذّن الرّاتب يعيد الذان إذا أذّن في المسجد من يكره أذانه كالفاسق ‪،‬‬
‫قال ابن عابدين ‪:‬إ ّ‬
‫والجنب ‪ ،‬والمرأة ‪.‬‬
‫وقال في المجموع شرط المؤذّن الرّاتب أن يكون عالما بالمواقيت إمّا بنفسه أو بواسطة ثقةٍ‬
‫آخر ‪.‬‬
‫والتّفاصيل في مصطلح ‪ ( :‬أذان ) ‪.‬‬
‫ج ‪ -‬المام الرّاتب ‪:‬‬
‫‪ -‬المام الرّاتب ‪ -‬وهو الّذي رتّبه السّلطان ‪ ،‬أو نائبه ‪ ،‬أو الواقف ‪ ،‬أو جماعة من‬ ‫‪6‬‬

‫ص غيره بفضيلةٍ كأن‬


‫المسلمين ‪ -‬يقدّم في إمامة الصّلة على غيره من الحاضرين وإن اخت ّ‬
‫يكون أعلم منه أو أقرأ منه ‪ ،‬روي عن ابن عمر رضي ال عنهما أنّه أتى أرضا له وعندها‬
‫مسجد يصلّي فيه مولى لبن عمر فصلّى معهم ‪ ،‬فسألوه أن يصلّي بهم فأبى وقال ‪ :‬صاحب‬
‫المسجد أحقّ ‪.‬‬
‫أمّا إن كان معه المام العظم أو نائبه أو القاضي أو أمثالهم من ذوي السّلطان والولية ‪،‬‬
‫فيقدّمون على المام الرّاتب لقوله صلى ال عليه وسلم ‪ » :‬ل يؤ ّمنّ الرّجلُ الرّجلَ في‬
‫سلطانه ول يقعد على تكرمته إلّ بإذنه « ‪.‬‬
‫ن النّبيّ صلى ال عليه وسلم‪ :‬أمّ عتبان بن مالكٍ وأنسا في بيوتهما «‪.‬‬
‫» ول ّ‬
‫ن تقدّم غير صاحب السّلطان بحضرته بدون إذنه ل يليق ببذل الطّاعة ‪.‬‬
‫ول ّ‬
‫ن محلّ تقديم الوالي على المام الرّاتب‬
‫ن الشّافعيّة يرون أ ّ‬
‫وهذا محلّ اتّفاقٍ بين الفقهاء ‪ ،‬إلّ أ ّ‬
‫إذا لم يكن المام مرتّبا من السّلطان أو نائبه ‪ ،‬أمّا إذا كان المام ممّن رتّبه السّلطان أو نائبه‬
‫فإنّه مقدّم على والي البلد وقاضيه ‪.‬‬
‫‪ -7‬واختلف الفقهاء في حكم إعادة الجماعة في المسجد ‪ ،‬فذهب الجمهور ‪ -‬وهم الحنفيّة‬
‫والمالكيّة والشّافعيّة ‪ -‬إلى كراهة إعادة الجماعة في المسجد الّذي له إمام راتب ‪ ،‬ول يقع في‬
‫مم ّر النّاس ‪ ،‬ما لم تكن العادة بإذن المام الرّاتب ‪ ،‬فمن فاتته الجماعة مع المام الرّاتب‬
‫ل يفضي ذلك إلى اختلف القلوب والعداوة والتّهاون في الصّلة مع المام‬
‫صلّى منفردا لئ ّ‬
‫الرّاتب ‪ ،‬وإلى هذا ذهب عثمان الب ّتيّ ‪ ،‬والوزاعيّ ‪ ،‬واللّيث ‪ ،‬والنّوويّ ‪ ،‬وأبو قلبة ‪،‬‬
‫وأيّوب ‪ ،‬وابن عونٍ ‪.‬‬
‫وذهب الحنابلة إلى أنّه ل يكره إعادة الجماعة في المسجد الّذي له إمام راتب وإن لم يكن‬
‫واقعا في مم ّر النّاس لعموم قوله صلى ال عليه وسلم ‪ » :‬صلة الجماعة تفضل صلة الفذّ‬
‫بخمسٍ وعشرين درج ًة « وفي روايةٍ ‪ » :‬بسبعٍ وعشرين درجةً « ‪.‬‬
‫ن رجلً دخل المسجد وقد صلّى رسول اللّه‬
‫ولما روى أبو سعيدٍ الخدريّ رضي ال عنه » أ ّ‬
‫صلى ال عليه وسلم بأصحابه فقال ‪ :‬من يتصدّق على هذا فيصلّي معه ؟ فقام رجل من القوم‬
‫فصلّى معه « ‪ .‬وفي روايةٍ فقال صلى ال عليه وسلم ‪ » :‬أل رجل يتصدّق على هذا فيصلّي‬
‫معه « ‪.‬‬
‫وروى أبو أمامة رضي ال عنه عن النّبيّ صلى ال عليه وسلم مثله ‪ ،‬وزاد ‪ :‬قال ‪ » :‬فلمّا‬
‫صلّيا قال ‪ :‬وهذان جماعة « ‪.‬‬
‫ولنّه قادر على الجماعة فاستحبّ له فعلها ‪ ،‬وإلى هذا ذهب عطاء والحسن والنّخعيّ ‪ ،‬وقتادة‬
‫وإسحاق وابن المنذر ‪.‬‬
‫أمّا إذا كان المسجد يقع في سوقٍ ‪ ،‬أو في ممرّ النّاس ‪ ،‬أو ليس له إمام راتب ‪ ،‬أو له إمامٌ‬
‫راتبٌ ولكنّه أذّن للجماعة الثّانية ‪،‬فل كراهة في الجماعة الثّانية والثّالثة وما زاد ‪،‬بالجماع ‪.‬‬
‫وفي المسألة مزيد تفصيلٍ ينظر في ‪ ( :‬صلة الجماعة ) ‪.‬‬
‫‪ -8‬أمّا مسألة الستحقاق الرّاتب في الوقف وغيره من الوظائف فتفاصيلها في مصطلح ‪:‬‬
‫( رزق ‪ ،‬وظيفة ‪ ،‬وقف ‪ ،‬إجارة ) ‪.‬‬

‫راكب *‬
‫انظر ‪ :‬ركوب ‪.‬‬
‫راهب *‬
‫التّعريف ‪:‬‬
‫‪ -‬الرّاهب في اللّغة ‪ :‬اسم الفاعل من رهب يرهب رهبا ورهَبا ورهب ًة إذا خاف ‪.‬‬ ‫‪1‬‬

‫والرّاهب ‪ :‬المنقطع للعبادة من النّصارى ‪ .‬ويجمع على رهبانٍ ‪ ،‬كراكبٍ وركبانٍ ‪.‬‬
‫اللفاظ ذات الصّلة ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬القسّيس ‪:‬‬
‫‪ -‬القسّيس بالكسر ‪ :‬عالم النّصارى ‪ ،‬وجمعه قسّيسون ‪ ،‬وقساوسة ‪.‬‬ ‫‪2‬‬

‫قال القرطبيّ ‪ :‬والقسّ بالفتح أيضا رئيس من رؤساء النّصارى في الدّين والعلم ‪.‬‬
‫فالرّاهب ‪ :‬عابد النّصارى ‪ ،‬والقسّيس ‪ :‬عالمهم ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬الحبار ‪:‬‬
‫‪ -‬الحبار جمع الحبر بالكسر ‪ ،‬وهو العالم ‪ .‬والحبر بالفتح لغة فيه ‪ ،‬وهو من التّحبير ‪،‬‬ ‫‪3‬‬

‫وهو التّحسين ‪ ،‬سمّي العالم حبرا لنّه يحبّر العلم ‪ ،‬أي ‪ :‬يبيّنه ويزيّنه ‪.‬‬
‫وقال الجوهريّ ‪ :‬الحِبر والحَبر واحد أحبار اليهود ‪.‬‬
‫حبَارَ ُهمْ َورُهْبَا َن ُهمْ َأ ْربَابا مّن دُونِ اللّهِ } ‪.‬‬
‫خذُو ْا َأ ْ‬
‫ومنه قوله تعالى ‪ { :‬ا ّت َ‬
‫الحكام الّتي تتعلّق بالرّاهب ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬قتل الرّاهب في الجهاد ‪:‬‬
‫‪ -‬إذا اشترك الرّهبان في قتال المسلمين فل خلف بين الفقهاء في جواز قتلهم حين الظّفر‬ ‫‪4‬‬

‫بهم كسائر المقاتلين ‪ ،‬وكذلك إذا خالطوا النّاس ‪ ،‬أو كانوا يمدّون المقاتلين برأيهم‬
‫ويحرّضونهم على القتال ‪.‬‬
‫أمّا إذا لم يشتركوا في القتال ولم يخالطوا النّاس بل كانوا منعزلين في صوامعهم بل رأيٍ ‪،‬‬
‫فذهب الجمهور " الحنفيّة ‪ ،‬والمالكيّة ‪ ،‬والحنابلة وهو رواية عند الشّافعيّة " إلى أنّهم ل يقتلون‬
‫‪ ،‬لعتزالهم أهل دينهم عن محاربة المسلمين ‪.‬‬
‫صدّيق رضي ال عنه أنّه قال ‪ :‬وستمرّون على أقوامٍ في‬
‫ولما روي في حديث أبي بكرٍ ال ّ‬
‫الصّوامع قد حبسوا أنفسهم فيها فدعوهم حتّى يميتهم اللّه على ضللهم ‪.‬‬
‫ولنّهم ل يقاتلون تديّنا فأشبهوا من ل يقدر على القتال ‪.‬‬
‫شرِكِينَ } ‪ ،‬ولنّهم‬
‫والظهر عند الشّافعيّة جواز قتلهم ‪ ،‬لعموم قوله تعالى ‪ { :‬فَاقْتُلُو ْا ا ْل ُم ْ‬
‫أحرار مكلّفون فجاز قتلهم كغيرهم ‪.‬‬
‫ر ‪ ( :‬جهاد ) ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬وضع الجزية على الرّهبان ‪:‬‬
‫‪ -‬وضع الجزية على الرّهبان محلّ خلفٍ وتفصيلٍ يرجع إليه في ‪ ( :‬جزية ) ‪.‬‬ ‫‪5‬‬

‫ربا *‬
‫التّعريف ‪:‬‬
‫‪ -‬الرّبا في اللّغة ‪ :‬اسم مقصور على الشهر ‪ ،‬وهو من ربا يربو ربوا ‪ ،‬و ُربُوّا ورِباءً ‪.‬‬ ‫‪1‬‬

‫وألف الرّبا بدل عن واوٍ ‪ ،‬وينسب إليه فيقال ‪ :‬ربويّ ‪ ،‬ويثنّى بالواو على الصل فيقال ‪:‬‬
‫ربوان ‪ ،‬وقد يقال ‪ :‬ربيان ‪ -‬بالياء ‪ -‬للمالة السّائغة فيه من أجل الكسرة ‪.‬‬
‫والصل في معناه الزّيادة ‪ ،‬يقال ‪ :‬ربا الشّيء إذا زاد ‪ ،‬ومن ذلك قول اللّه تبارك وتعالى ‪:‬‬
‫صدَقَاتِ } ‪.‬‬
‫حقُ اللّ ُه ا ْل ّربَا َو ُي ْربِي ال ّ‬
‫{ َي ْم َ‬
‫وأربى الرّجل ‪ :‬عامل بالرّبا أو دخل فيه ‪ ،‬ومنه الحديث ‪ » :‬من أجبى فقد أربى «‬
‫والجباء ‪ :‬بيع الزّرع قبل أن يبدو صلحه ‪.‬‬
‫ويقال ‪ :‬الرّبا والرّما والرّماء ‪ ،‬وروي عن عمر رضي ال عنه قوله ‪ :‬إنّي أخاف عليكم‬
‫الرّما ‪ ،‬يعني الرّبا ‪.‬‬
‫ضمّ والتّخفيف ‪ -‬اسم من الرّبا ‪ ،‬والرّبية ‪ :‬الرّباء ‪ ،‬وفي الحديث عن النّبيّ‬
‫والرّبية ‪ -‬بال ّ‬
‫صلى ال عليه وسلم في صلح أهل نجران ‪ » :‬أن ليس عليهم ر ّبيّة ول دم « ‪.‬‬
‫قال أبو عبيدٍ ‪ :‬هكذا روي بتشديد الباء والياء ‪ ،‬وقال الفرّاء ‪ :‬أراد بها الرّبا الّذي كان عليهم‬
‫في الجاهليّة ‪ ،‬والدّماء الّتي كانوا يطلبون بها ‪ ،‬والمعنى أنّه أسقط عنهم كلّ ربا كان عليهم إلّ‬
‫رءوس الموال فإنّهم يردّونها ‪.‬‬
‫ض بمعيارٍ شرعيّ‬
‫والرّبا في اصطلح الفقهاء ‪ :‬عرّفه الحنفيّة بأنّه ‪ :‬فضل خالٍ عن عو ٍ‬
‫مشروطٍ لحد المتعاقدين في المعاوضة ‪.‬‬
‫ص غير معلوم التّماثل في معيار الشّرع حالة‬
‫وعرّفه الشّافعيّة بأنّه ‪ :‬عقد على عوضٍ مخصو ٍ‬
‫العقد أو مع تأخيرٍ في البدلين أو أحدهما ‪.‬‬
‫وعرّفه الحنابلة بأنّه ‪ :‬تفاضل في أشياء ‪ ،‬ونسأ في أشياء ‪ ،‬مختصّ بأشياء ورد الشّرع‬
‫بتحريمها ‪ -‬أي تحريم الرّبا فيها ‪ -‬نصّا في البعض ‪ ،‬وقياسا في الباقي منها ‪.‬‬
‫وعرّف المالكيّة كلّ نوعٍ من أنواع الرّبا على حدةٍ ‪.‬‬
‫اللفاظ ذات الصّلة ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬البيع ‪:‬‬
‫‪ -‬البيع لغةً ‪ :‬مصدر باع ‪ ،‬والصل فيه أنّه مبادلة مالٍ بمالٍ ‪ ،‬وأطلق على العقد مجازا‬ ‫‪2‬‬

‫لنّه سبب التّمليك والتّملّك ‪.‬‬


‫والبيع من الضداد مثل الشّراء ‪ ،‬ويطلق على كلّ واحدٍ من المتعاقدين لفظ بائعٍ ‪ ،‬ولكن اللّفظ‬
‫إذا أطلق فالمتبادر إلى الذّهن باذل السّلعة ‪ ،‬ويطلق البيع على المبيع فيقال ‪ :‬بيع جيّد ‪.‬‬
‫وفي الصطلح ‪ :‬عرّفه القليوبيّ بأنّه ‪ :‬عقد معاوض ٍة ماليّةٍ تفيد ملك عينٍ أو منفع ٍة على‬
‫التّأبيد ل على وجه القربة ‪.‬‬
‫وللفقهاء في تعريف البيع أقوال أخرى سبقت في مصطلح ‪ ( :‬بيع ) ‪.‬‬
‫والبيع في الجملة حلل ‪ ،‬والرّبا حرام ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬العرايا ‪:‬‬
‫‪ -‬العريّة لغةً ‪ :‬النّخلة يعريها صاحبها غيره ليأكل ثمرتها فيعروها أي يأتيها ‪ ،‬أو هي‬ ‫‪3‬‬

‫النّخلة الّتي أكل ما عليها ‪ ،‬والجمع عرايا ‪ ،‬ويقال ‪ :‬استعرى النّاس أي ‪ :‬أكلوا الرّطب ‪.‬‬
‫وعرّف الشّافعيّة بيع العرايا بأنّه ‪ :‬بيع الرّطب على النّخل بتمرٍ في الرض ‪ ،‬أو العنب في‬
‫الشّجر بزبيبٍ ‪ ،‬فيما دون خمسة أوسقٍ بتقدير الجفاف بمثله ‪.‬‬
‫ويذهب آخرون في تعريف بيع العرايا وحكمه مذاهب يرجع في تفصيلها إلى مصطلح ‪:‬‬
‫‪.‬‬ ‫‪91/ 9‬‬ ‫(تعرية ‪ ،‬وبيع العرايا ) من الموسوعة‬
‫وبيع العرايا من المزابنة ‪ ،‬وفيه ما في المزابنة من الرّبا أو شبهته ‪ ،‬لكنّه أجيز بالنّصّ ‪ ،‬ومنه‬
‫ما روي عن سهل بن أبي حثمة قال ‪ » :‬نهى رسول اللّه صلى ال عليه وسلم عن بيع التّمر‬
‫بالتّمر ‪ ،‬ورخّص في العريّة أن تباع بخرصها يأكلها أهلها رطبا « ‪ ،‬وفي لفظٍ ‪ » :‬عن بيع‬
‫الثّمر بالتّمر « وقال ‪ :‬ذلك الرّبا تلك المزابنة ‪ ،‬إلّ أنّه رخّص في بيع العريّة ‪ :‬النّخلة‬
‫والنّخلتين يأخذها أهل البيت بخرصها تمرا يأكلونها رطبا ‪.‬‬
‫الحكم التّكليفيّ ‪:‬‬
‫سنّة والجماع ‪ ،‬وهو من الكبائر ‪ ،‬ومن السّبع الموبقات ‪ ،‬ولم‬
‫‪ -‬الرّبا محرّم بالكتاب وال ّ‬ ‫‪4‬‬

‫يؤذن اللّه تعالى في كتابه عاصيا بالحرب سوى آكل الرّبا ‪ ،‬ومن استحلّه فقد كفر ‪ -‬لنكاره‬
‫معلوما من الدّين بالضّرورة ‪ -‬فيستتاب ‪ ،‬فإن تاب وإلّ قتل ‪ ،‬أمّا من تعامل بالرّبا من غير‬
‫ل له فهو فاسق ‪.‬‬
‫أن يكون مستح ً‬
‫خذِ ِهمُ ال ّربَا َو َقدْ ُنهُواْ‬
‫ن الرّبا لم يحلّ في شريع ٍة قطّ لقوله تعالى ‪ { :‬وََأ ْ‬
‫قال الماورديّ وغيره ‪ :‬إ ّ‬
‫عنْ ُه } يعني في الكتب السّابقة ‪.‬‬
‫َ‬
‫ل اللّ ُه ا ْل َبيْعَ َوحَ ّرمَ ال ّربَا } ‪.‬‬
‫ودليل التّحريم من الكتاب قول اللّه تبارك وتعالى ‪ { :‬وََأحَ ّ‬
‫ش ْيطَانُ ِمنَ‬
‫خّبطُهُ ال ّ‬
‫ن ِإلّ َكمَا يَقُومُ اّلذِي َي َت َ‬
‫ن ال ّربَا لَ يَقُومُو َ‬
‫ن َي ْأكُلُو َ‬
‫ل ‪ { :‬اّلذِي َ‬
‫وقوله عزّ وج ّ‬
‫ا ْلمَسّ } ‪.‬‬
‫‪ -5‬قال السّرخسيّ ‪ :‬ذكر اللّه تعالى لكل الرّبا خمسا من العقوبات ‪:‬‬
‫خبّطُهُ‬
‫ن ِإلّ َكمَا يَقُومُ اّلذِي َي َت َ‬
‫ل يَقُومُو َ‬
‫إحداها ‪ :‬التّخبّط ‪ ..‬قال اللّه تعالى ‪ { :‬اّلذِينَ َي ْأكُلُونَ ال ّربَا َ‬
‫س}‪.‬‬
‫ن مِنَ ا ْلمَ ّ‬
‫شيْطَا ُ‬
‫ال ّ‬
‫حقُ اللّ ُه ا ْل ّربَا } والمراد الهلك والستئصال ‪ ،‬وقيل ‪:‬‬
‫الثّانية ‪ :‬المحق ‪ ..‬قال تعالى ‪َ { :‬ي ْم َ‬
‫ذهاب البركة والستمتاع حتّى ل ينتفع به ‪ ،‬ول ولده بعده ‪.‬‬
‫ن اللّهِ َو َرسُولِه } ‪.‬‬
‫ب مّ َ‬
‫الثّالثة ‪ :‬الحرب ‪ ..‬قال اللّه تعالى ‪َ { :‬فأْ َذنُو ْا ِبحَرْ ٍ‬
‫ن } وقال سبحانه‬
‫الرّابعة ‪ :‬الكفر ‪ ..‬قال اللّه تعالى ‪َ { :‬و َذرُو ْا مَا بَ ِقيَ ِمنَ ال ّربَا إِن كُنتُم مّ ْؤ ِمنِي َ‬
‫ل كَفّارٍ َأثِيمٍ } أي ‪ :‬كفّارٍ باستحلل الرّبا ‪ ،‬أثيمٍ فاجرٍ بأكل‬
‫ل ُيحِبّ كُ ّ‬
‫بعد ذكر الرّبا ‪ { :‬وَالّلهُ َ‬
‫الرّبا ‪.‬‬
‫صحَابُ النّارِ ُهمْ فِيهَا‬
‫الخامسة ‪ :‬الخلود في النّار ‪ .‬قال تعالى ‪َ { :‬و َمنْ عَادَ َفأُوْلَهئِكَ َأ ْ‬
‫ضعَافا ّمضَاعَفَةً‬
‫ن } ‪ .‬وكذلك – قول اللّه تعالى ‪ { :‬يَا َأ ّيهَا اّلذِينَ آ َمنُو ْا لَ َت ْأكُلُو ْا ال ّربَا َأ ْ‬
‫خَاِلدُو َ‬
‫عفَة} ليس لتقييد النّهي به ‪ ،‬بل‬
‫ضعَافا ّمضَا َ‬
‫وَاتّقُواْ الّلهَ َلعَّل ُكمْ تُفِْلحُونَ } ‪ ،‬قوله سبحانه ‪َ { :‬أ ْ‬
‫لمراعاة ما كانوا عليه من العادة توبيخا لهم بذلك ‪ ،‬إذ كان الرّجل يربي إلى أجلٍ ‪ ،‬فإذا حلّ‬
‫ل أجلٍ‬
‫الجل قال للمدين ‪ :‬زدني في المال حتّى أزيدك في الجل ‪ ،‬فيفعل ‪،‬وهكذا عند محلّ ك ّ‬
‫‪ ،‬فيستغرق بالشّيء الطّفيف ماله بالكّليّة ‪ ،‬فنهوا عن ذلك ونزلت الية ‪.‬‬
‫سنّة أحاديث كثيرة منها ‪:‬‬
‫‪ -6‬ودليل التّحريم من ال ّ‬
‫ما ورد عن أبي هريرة رضي ال عنه عن النّبيّ صلى ال عليه وسلم قال ‪ » :‬اجتنبوا السّبع‬
‫الموبقات قالوا ‪ :‬يا رسول اللّه وما هنّ ؟ قال ‪ :‬الشّرك باللّه ‪ ،‬والسّحر ‪ ،‬وقتل النّفس الّتي‬
‫ل بالحقّ ‪ ،‬وأكل الرّبا ‪ ،‬وأكل مال اليتيم ‪ ،‬والتّولّي يوم الزّحف ‪ ،‬وقذف‬
‫حرّم اللّه إ ّ‬
‫المحصنات الغافلت المؤمنات « ‪.‬‬
‫وما رواه مسلم عن جابر بن عبد اللّه رضي ال تعالى عنهما قال ‪ » :‬لعن رسول اللّه صلى‬
‫ال عليه وسلم آكل الرّبا وموكله وكاتبه وشاهديه ‪ ،‬وقال ‪ :‬هم سواء « ‪.‬‬
‫وأجمعهت المّة على أصهل تحريهم الرّبها ‪ .‬وإن اختلفوا فهي تفصهيل مسهائله وتهبيين أحكامهه‬
‫وتفسير شرائطه ‪.‬‬
‫‪ -7‬هذا ‪ ،‬وي جب على من يقرض أو يقترض أو يبيع أو يشتري أن يبدأ بتعلّم أحكام هذه‬
‫المعاملت ق بل أن يباشر ها ‪ ،‬حتّى تكون صحيحةً وبعيد ًة عن الحرام والشّبهات ‪ ،‬و ما ل يت مّ‬
‫الوا جب إلّ به ف هو وا جب ‪ ،‬وتر كه إ ثم وخطيئة ‪ ،‬و هو إن لم يتعلّم هذه الحكام قد ي قع في‬
‫الرّبا دون أن يقصد الرباء ‪ ،‬بل قد يخوض في الرّبا وهو يجهل أنّه تردّى في الحرام وسقط‬
‫في النّار ‪ ،‬وجهله ل يعفيه من الثم ول ينجّيه من النّار ‪ ،‬لنّ الجهل والقصد ليسا من شروط‬
‫ترتّب الجزاء على الرّبها ‪ ،‬فالرّبها بمجرّد فعله ‪ -‬من المكلّف ‪ -‬موجهب للعذاب العظيهم الّذي‬
‫ل جلله به المراب ين ‪ ،‬يقول القر طبيّ ‪ :‬لو لم ي كن الرّ با إلّ على من ق صده ما‬
‫توعّد اللّه ج ّ‬
‫ل على الفقهاء ‪.‬‬
‫حرّم إ ّ‬
‫وقد أثر عن ال سّلف أنّهم كانوا يحذّرون من التّجار قبل تعلّم ما يصون المعاملت التّجاريّة‬
‫ل من فقه ‪،‬‬
‫من التّخبّط في الرّبا ‪ ،‬ومن ذلك قول عمر رضي ال عنه ‪ :‬ل يتّجر في سوقنا إ ّ‬
‫ل أكل الرّبا ‪ ،‬وقول عليّ رضي ال عنه ‪ :‬من اتّجر قبل أن يتفقّه ارتطم في الرّبا ثمّ ارتطم‬
‫وإ ّ‬
‫ثمّ ارتطم ‪ ،‬أي ‪ :‬وقع وارتبك ونشب ‪.‬‬
‫ن ما أف ضى إلى الحرام حرام ‪،‬‬
‫و قد حرص الشّارع على سدّ الذّرائع المفض ية إلى الرّ با ‪ ،‬ل ّ‬
‫ل ذريع ٍة إلى الحرام ههي حرام ‪ ،‬روى أبهو داود بسهنده عهن جابرٍ رضهي ال عنهه قال ‪:‬‬
‫وك ّ‬
‫ن ا ْلمَ سّ}‬
‫ن مِ َ‬
‫ش ْيطَا ُ‬
‫خبّطُ هُ ال ّ‬
‫ل َكمَا َيقُو مُ اّلذِي َي َت َ‬
‫ن َي ْأكُلُو نَ ال ّربَا لَ يَقُومُو نَ ِإ ّ‬
‫لمّا نزلت ‪ { :‬اّلذِي َ‬
‫ب من اللّه ورسوله‬
‫قال رسول اللّه صلى ال عليه وسلم ‪ » :‬من لم يذر المخابرة فليؤذن بحر ٍ‬
‫«‪.‬‬
‫قال ابهن كثيرٍ ‪ :‬وإنّمها حرّمهت المخابرة وههي المزارعهة ببعهض مها يخرج مهن الرض ‪،‬‬
‫والمزابنة وهي اشتراء الرّطب في رءوس النّخل بالتّمر على وجه الرض ‪ ،‬والمحاقلة وهي‬
‫ب في سنبله في الح قل بالح بّ على و جه الرض ‪ ،‬إنّ ما حرّ مت هذه الشياء و ما‬
‫اشتراء الح ّ‬
‫شاكلها حسما لمادّة الرّبا ‪ ،‬لنّه ل يعلم التّساوي بين الشّيئين قبل الجفاف ‪ ،‬ولهذا قال الفقهاء ‪:‬‬
‫الجههل بالمماثلة كحقيقهة المفاضلة ‪ ،‬ومهن هذا حرّموا أشياء بمها فهموا مهن تضييهق المسهالك‬
‫المفض ية إلى الرّ با والو سائل المو صّلة إل يه ‪ ،‬وتفاوت نظر هم بح سب ما و هب اللّه لكلّ من هم‬
‫من العلم ‪.‬‬
‫‪ -8‬وباب الرّبا من أشكل البواب على كثيرٍ من أهل العلم ‪ ،‬وقد قال عمر رضي ال عنه ‪:‬‬
‫ن رسول اللّه صلى ال عليه وسلم عهد إلينا فيهنّ عهدا ننتهي إليه ‪ :‬الجدّ‬
‫ثلث وددت أ ّ‬
‫والكللة وأبواب من الرّبا ‪ ،‬يعني ‪ -‬كما قال ابن كثي ٍر ‪ -‬بذلك بعض المسائل الّتي فيها شائبة‬
‫ن عمر رضي ال عنه قال‬
‫الرّبا ‪ ،‬وعن قتادة عن سعيد بن المسيّب رحمة اللّه تعالى عليهما أ ّ‬
‫‪ :‬من آخر ما نزل آية الرّبا ‪ ،‬وإنّ رسول اللّه صلى ال عليه وسلم قبض قبل أن يفسّرها لنا ‪،‬‬
‫فدعوا الرّبا والرّيبة ‪ ،‬وعنه رضي ال عنه قال ‪ :‬ثلث لن يكون رسول اللّه صلى ال عليه‬
‫ب إليّ من الدّنيا وما فيها ‪ :‬الكللة ‪ ،‬والرّبا ‪ ،‬والخلفة ‪.‬‬
‫وسلم بيّنهنّ أح ّ‬
‫حكمة تحريم الرّبا ‪:‬‬
‫‪ -‬أورد المفسّرون لتحريم الرّبا حكما تشريعيّةً ‪:‬‬ ‫‪9‬‬

‫ن الرّبا يقتضي أخذ مال النسان من غير عوضٍ ‪ ،‬لنّ من يبيع الدّرهم بالدّرهمين‬
‫منها ‪ :‬أ ّ‬
‫ض ‪ ،‬ومال المسلم متعلّق حاجته ‪ ،‬وله‬
‫نقدا أو نسيئةً تحصل له زيادة درهمٍ من غير عو ٍ‬
‫حرمة عظيمة ‪ ،‬قال صلى ال عليه وسلم ‪ » :‬حرمة مال المسلم كحرمة دمه « وإبقاء المال‬
‫في يده مدّ ًة مديد ًة وتمكينه من أن يتّجر فيه وينتفع به أمر موهوم ‪ ،‬فقد يحصل وقد ل يحصل‬
‫‪ ،‬وأخذ الدّرهم الزّائد متيقّن ‪ ،‬وتفويت المتيقّن لجل الموهوم ل يخلو من ضررٍ ‪.‬‬
‫ن صاحب الدّرهم إذا تمكّن بواسطة‬
‫ن الرّبا يمنع النّاس من الشتغال بالمكاسب ‪ ،‬ل ّ‬
‫ومنها ‪ :‬أ ّ‬
‫عقد الرّبا من تحصيل الدّرهم الزّائد نقدا كان أو نسيئ ًة خفّ عليه اكتساب وجه المعيشة ‪ ،‬فل‬
‫يكاد يتحمّل مشقّة الكسب والتّجارة والصّناعات الشّاقّة ‪ ،‬وذلك يفضي إلى انقطاع منافع الخلق‬
‫الّتي ل تنتظم إلّ بالتّجارات والحرف والصّناعات والعمارات ‪.‬‬
‫ن الرّبا إذا حرّم‬
‫ن الرّبا يفضي إلى انقطاع المعروف بين النّاس من القرض ‪ ،‬ل ّ‬
‫ومنها ‪ :‬أ ّ‬
‫طابت النّفوس بقرض الدّرهم واسترجاع مثله ‪ ،‬ولو حلّ الرّبا لكانت حاجة المحتاج تحمله‬
‫على أخذ الدّرهم بدرهمين ‪ ،‬فيفضي إلى انقطاع المواساة والمعروف والحسان ‪.‬‬
‫ومن ذلك ما قال ابن القيّم ‪ .. :‬فربا النّسيئة ‪ ،‬وهو الّذي كانوا يفعلونه في الجاهليّة ‪ ،‬مثل أن‬
‫يؤخّر دينه ويزيده في المال ‪ ،‬وكلّما أخّره زاد في المال ‪ ،‬حتّى تصير المائة عنده آلفا مؤلّفةً‬
‫ن المستحقّ يؤخّر مطالبته ويصبر‬
‫ل معدم محتاج ‪ ،‬فإذا رأى أ ّ‬
‫‪ ،‬وفي الغالب ل يفعل ذلك إ ّ‬
‫ت إلى‬
‫عليه بزياد ٍة يبذلها له تكلّف بذلها ليفتدي من أسر المطالبة والحبس ‪ ،‬ويدافع من وق ٍ‬
‫وقتٍ ‪ ،‬فيشت ّد ضرره ‪،‬وتعظم مصيبته ‪،‬ويعلوه الدّين حتّى يستغرق جميع موجوده ‪ ،‬فيربو‬
‫المال على المحتاج من غير نف ٍع يحصل له ‪ ،‬ويزيد مال المرابي من غير نفعٍ يحصل منه‬
‫لخيه ‪ ،‬فيأكل مال أخيه بالباطل ‪ ،‬ويحصل أخوه على غاية الضّرر ‪ ،‬فمن رحمة أرحم‬
‫الرّاحمين وحكمته وإحسانه إلى خلقه أن حرّم الرّبا ‪. ..‬‬
‫ستّة الّتي حرّم فيها الرّبا بما رواه أبو سعيدٍ الخدريّ رضي ال عنه‬
‫‪ -‬وأمّا الصناف ال ّ‬ ‫‪10‬‬

‫عن رسول اللّه صلى ال عليه وسلم قال ‪ » :‬الذّهب بالذّهب ‪ ،‬والفضّة بالفضّة ‪ ،‬والبرّ‬
‫بالبرّ ‪ ،‬والشّعير بالشّعير ‪ ،‬والتّمر بالتّمر ‪ ،‬والملح بالملح ‪ ،‬مثلً بمثلٍ ‪ ،‬يدا بيدٍ ‪ ،‬فمن زاد أو‬
‫استزاد فقد أربى ‪ ،‬الخذ والمعطي فيه سواء « ‪.‬‬
‫‪ -‬أمّا هذه الصناف فقد أجمل ابن القيّم حكمة تحريم الرّبا فيها حيث قال ‪ :‬وس ّر المسألة‬ ‫‪11‬‬

‫ن ذلك يفسد عليهم‬


‫أنّهم منعوا من التّجارة في الثمان ‪ -‬أي الذّهب والفضّة ‪ -‬بجنسها ل ّ‬
‫مقصود الثمان ‪ ،‬ومنعوا التّجارة في القوات ‪ -‬أي البرّ والشّعير والتّمر والملح ‪ -‬بجنسها‬
‫ن ذلك يفسد عليهم مقصود القوات ‪.‬‬
‫لّ‬
‫ن العلّة في تحريم الرّبا في الذّهب والفضّة هي‬
‫وفصّل ابن القيّم فقال ‪ :‬الصّحيح بل الصّواب أ ّ‬
‫الثّمنيّة ‪ ،‬فإنّ الدّراهم والدّنانير أثمان المبيعات ‪ ،‬والثّمن هو المعيار الّذي يعرف به تقويم‬
‫الموال ‪ ،‬فيجب أن يكون محدودا مضبوطا ل يرتفع ول ينخفض ‪ ،‬إذ لو كان الثّمن يرتفع‬
‫وينخفض كالسّلع لم يكن لنا ثمن نعتبر به المبيعات ‪ ،‬بل الجميع سلع ‪ ،‬وحاجة النّاس إلى ثمنٍ‬
‫ل بسعرٍ تعرف به القيمة ‪،‬‬
‫يعتبرون به المبيعات حاجة ضروريّة عامّة ‪ ،‬وذلك ل يعرف إ ّ‬
‫وذلك ل يكون إلّ بثمنٍ تقوّم به الشياء ويستمرّ على حالةٍ واحدةٍ ‪ ،‬ول يقوّم هو بغيره ‪ ،‬إذ‬
‫يصير سلع ًة يرتفع وينخفض ‪ ،‬فتفسد معاملت النّاس ويقع الخلف ويشتدّ الضّرر ‪ ...‬فالثمان‬
‫ل تقصد لعيانها ‪ ،‬بل يقصد التّوصّل بها إلى السّلع ‪ ،‬فإذا صارت في أنفسها سلعا تقصد‬
‫لعيانها فسد أمر النّاس ‪ .‬وأضاف ‪ :‬وأمّا الصناف الربعة المطعومة فحاجة النّاس إليها‬
‫أعظم من حاجتهم إلى غيرها ‪ ،‬لنّها أقوات العالم ‪ ،‬فمن رعاية مصالح العباد أن منعوا من‬
‫ض إلى أجلٍ ‪ ،‬سواء اتّحد الجنس أو اختلف ‪ ،‬ومنعوا من بيع بعضها ببعضٍ‬
‫بيع بعضها ببع ٍ‬
‫حالً متفاضلً وإن اختلفت صفاتها ‪ ،‬وجوّز لهم التّفاضل مع اختلف أجناسها ‪ .‬فقد قال ابن‬
‫القيّم ‪ :‬وسرّ ذلك ‪ -‬واللّه أعلم ‪ -‬أنّه لو جوّز بيع بعضها ببعضٍ نساءً لم يفعل ذلك أحد إلّ إذا‬
‫ربح ‪ ،‬وحينئذٍ تسمح نفسه ببيعها حالّ ًة لطمعه في الرّبح ‪ ،‬فيعزّ الطّعام على المحتاج ويشتدّ‬
‫ضرره ‪ .. ،‬فكان من رحمة الشّارع بهم وحكمته أن منعهم من ربا النّساء فيها كما منعهم من‬
‫ربا النّساء في الثمان ‪ ،‬إذ لو جوّز لهم النّساء فيها لدخلها إمّا أن تقضي وإمّا أن تربي‬
‫فيصير الصّاع الواحد لو أخذ قفزانا كثير ًة ‪ ،‬ففطموا عن النّساء ‪ ،‬ثمّ فطموا عن بيعها‬
‫متفاضلً يدًا بيدٍ ‪ ،‬إذ تجرّهم حلوة الرّبح وظفر الكسب إلى التّجارة فيها نساءً وهو عين‬
‫المفسدة ‪ ،‬وهذا بخلف الجنسين المتباينين فإنّ حقائقهما وصفاتهما ومقاصدهما مختلفة ‪ ،‬ففي‬
‫إلزامهم المساواة في بيعها إضرار بهم ‪ ،‬ول يفعلونه ‪ ،‬وفي تجويز النّساء بينها ذريعة إلى إمّا‬
‫أن تقضي وإمّا أن تربي فكان من تمام رعاية مصالحهم أن قصرهم على بيعها يدا بيدٍ كيف‬
‫شاءوا ‪ ،‬فحصلت لهم المبادلة ‪ ،‬واندفعت عنهم مفسدة إمّا أن تقضي وإمّا أن تربي وهذا‬
‫بخلف ما إذا بيعت بالدّراهم أو غيرها من الموزونات نسا ًء فإنّ الحاجة داعية إلى ذلك ‪ ،‬فلو‬
‫منعوا منه لض ّر بهم ‪ ،‬ولمتنع السّلم الّذي هو من مصالحهم فيما هم محتاجون إليه ‪،‬‬
‫والشّريعة ل تأتي بهذا ‪ ،‬وليس بهم حاجة في بيع هذه الصناف بعضها ببعضٍ نساءً ‪ ،‬وهو‬
‫ذريعة قريبة إلى مفسدة الرّبا ‪ ،‬فأبيح لهم في جميع ذلك ما تدعو إليه حاجتهم وليس بذريعةٍ‬
‫إلى مفسد ٍة راجح ٍة ‪ ،‬ومنعوا ممّا ل تدعو الحاجة إليه ويتذرّع به غالبا إلى مفسدةٍ راجحةٍ ‪.‬‬
‫أقسام الرّبا ‪:‬‬
‫ربا البيع " ربا الفضل " ‪:‬‬
‫‪ -‬وهو الّذي يكون في العيان الرّبويّة ‪ ،‬والّذي عني الفقهاء بتعريفه وتفصيل أحكامه في‬ ‫‪12‬‬

‫البيوع ‪ ،‬وقد اختلفوا في عدد أنواعه ‪:‬‬


‫فذهب الحنفيّة والمالكيّة والحنابلة إلى أنّه نوعان ‪:‬‬
‫‪ -‬ربا الفضل ‪ ..‬وعرّفه الحنفيّة بأنّه فضل خالٍ عن عوضٍ بمعيارٍ شرعيّ مشروطٍ لحد‬ ‫‪1‬‬

‫المتعاقدين في المعاوضة ‪.‬‬


‫‪ -‬ربا النّسيئة ‪ ...‬وهو ‪ :‬فضل الحلول على الجل ‪ ،‬وفضل العين على الدّين في المكيلين‬ ‫‪2‬‬

‫أو الموزونين عند اختلف الجنس ‪ ،‬أو في غير المكيلين أو الموزونين عند اتّحاد الجنس ‪.‬‬
‫ن ربا البيع ثلثة أنواعٍ ‪:‬‬
‫وذهب الشّافعيّة إلى أ ّ‬
‫‪ -‬ربا الفضل ‪ ..‬وهو البيع مع زيادة أحد العوضين عن الخر في متّحد الجنس ‪.‬‬ ‫‪1‬‬

‫‪ -‬ربا اليد ‪ ..‬وهو البيع مع تأخير قبض العوضين أو قبض أحدهما من غير ذكر أجلٍ ‪.‬‬ ‫‪2‬‬

‫‪ -‬ربا النّساء ‪ ..‬وهو البيع بشرط أجلٍ ولو قصيرا في أحد العوضين ‪.‬‬ ‫‪3‬‬

‫وزاد المتولّي من الشّافعيّة ر با القرض المشروط ف يه جرّ نف ٍع ‪ ،‬قال الزّركش يّ ‪ :‬ويم كن ردّه‬
‫إلى ر با الف ضل ‪ ،‬وقال الرّمل يّ ‪ :‬إنّه من ر با الف ضل ‪ ،‬وعلّل الشّبراملّ سي ذلك بقوله ‪ :‬إنّ ما‬
‫جعل ربا القرض من ربا الفضل مع أنّه ليس من هذا الباب ‪ -‬يعني البيع ‪ -‬لنّه لمّا شرط‬
‫نفعا للمقرض كان بمنزلة أنّه باع ما أقرضه بما يزيد عليه من جنسه فهو منه حكما ‪.‬‬
‫ربا النّسيئة ‪:‬‬
‫‪ -‬وهو الزّيادة في الدّين نظير الجل أو الزّيادة فيه وسمّي هذا النّوع من الرّبا ربا النّسيئة‬ ‫‪13‬‬

‫من أنسأته الدّين ‪ :‬أخّرته ‪ -‬لنّ الزّيادة فيه مقابل الجل أيّا كان سبب الدّين بيعا كان أو‬
‫قرضا ‪.‬‬
‫ن آ َمنُو ْا لَ‬
‫وسمّي ربا القرآن ‪ ،‬لنّه حرّم بالقرآن الكريم في قول اللّه تعالى ‪ { :‬يَا َأ ّيهَا اّلذِي َ‬
‫سنّة النّبويّة تحريمه في خطبة الوداع وفي‬
‫ضعَافا ّمضَاعَ َفةً } ‪ .‬ثمّ أكّدت ال ّ‬
‫َت ْأكُلُواْ ال ّربَا َأ ْ‬
‫أحاديث أخرى ‪ .‬ثمّ انعقد إجماع المسلمين على تحريمه ‪.‬‬
‫وسمّي ربا الجاهليّة ‪ ،‬لنّ تعامل أهل الجاهليّة بالرّبا لم يكن إلّ به كما قال الجصّاص ‪.‬‬
‫ل بزيادةٍ على‬
‫والرّبا الّذي كانت العرب تعرفه وتفعله إنّما كان قرض الدّراهم والدّنانير إلى أج ٍ‬
‫مقدار ما استقرض على ما يتراضون به ‪.‬‬
‫وسمّي أيضا الرّبا الجليّ ‪ ،‬قال ابن القيّم ‪ :‬الجليّ ‪ :‬ربا النّسيئة ‪ ،‬وهو الّذي كانوا يفعلونه في‬
‫الجاهليّة ‪ ،‬مثل أن يؤخّر دينه ويزيده في المال ‪ ،‬وكلّما أخّره زاده في المال حتّى تصير‬
‫المائة عنده آلفا مؤلّف ًة ‪.‬‬
‫‪ -‬وربا الفضل يكون بالتّفاضل في الجنس الواحد من أموال الرّبا إذا بيع بعضه ببعضٍ ‪،‬‬ ‫‪14‬‬

‫ح بصاعين من القمح ‪ ،‬ونحو ذلك ‪.‬‬


‫كبيع درهمٍ بدرهمين نقدا ‪ ،‬أو بيع صاع قم ٍ‬
‫ويسمّى ربا الفضل لفضل أحد العوضين على الخر ‪ ،‬وإطلق التّفاضل على الفضل من باب‬
‫ن الفضل في أحد الجانبين دون الخر ‪.‬‬
‫المجاز ‪ ،‬فإ ّ‬
‫ويسمّى ربا النّقد في مقابلة ربا النّسيئة ‪ ،‬ويسمّى الرّبا الخفيّ ‪،‬قال ابن القيّم ‪:‬الرّبا نوعان ‪:‬‬
‫ي حرّم ‪ ،‬لنّه ذريعة إلى‬
‫ي ‪ ،‬فالجليّ حرّم ‪ ،‬لما فيه من الضّرر العظيم ‪ ،‬والخف ّ‬
‫جليّ وخف ّ‬
‫الجليّ ‪ ،‬فتحريم الوّل قصدا ‪ ،‬وتحريم الثّاني لنّه وسيلة ‪ ،‬فأمّا الجليّ فربا النّسيئة وهو الّذي‬
‫كانوا يفعلونه في الجاهليّة ‪ .‬وأمّا ربا الفضل فتحريمه من باب سدّ الذّرائع كما صرّح به في‬
‫حديث أبي سعيدٍ الخدريّ رضي ال عنه عن النّبيّ صلى ال عليه وسلم قال ‪ » :‬ل تبيعوا‬
‫الدّرهم بالدّرهمين فإنّي أخاف عليكم الرّماء « والرّماء هو الرّبا ‪ ،‬فمنعهم من ربا الفضل لما‬
‫يخافه عليهم من ربا النّسيئة ‪ ،‬وذلك أنّهم إذا باعوا درهما بدرهمين ‪ -‬ول يفعل هذا إلّ‬
‫سكّة ‪ ،‬وإمّا في الثّقل والخفّة ‪،‬وغير‬
‫للتّفاوت الّذي بين النّوعين ‪ -‬إمّا في الجودة ‪ ،‬وإمّا في ال ّ‬
‫ذلك ‪ -‬تدرّجوا بالرّبح المعجّل فيها إلى الرّبح المؤخّر وهو عين ربا النّسيئة ‪ ،‬وهذا ذريعة‬
‫قريبة جدّا ‪ ،‬فمن حكمة الشّارع أن سدّ عليهم هذه الذّريعة ‪ ،‬وهي تسدّ عليهم باب المفسدة ‪.‬‬
‫أثر الرّبا في العقود ‪:‬‬
‫‪ -‬ذهب جمهور الفقهاء إلى أ نّ العقد الّذي يخالطه الرّبا مفسوخ ل يجوز بحالٍ ‪ ،‬وأ نّ من‬ ‫‪15‬‬

‫ل ‪ ،‬لنّه فعهل مها حرّمهه الشّارع ونههى عنهه ‪،‬‬


‫أربهى ينقهض عقده ويردّ فعله وإن كان جاه ً‬
‫والنّهي يقتضي التّحريم والفساد ‪ ،‬وقد قال النّبيّ صلى ال عليه وسلم ‪ » :‬من عمل عملً ليس‬
‫عليه أمرنا فهو ردّ « ‪.‬‬
‫ي رضي ال عنه قال ‪ » :‬جاء بلل ‪-‬رضي ال عنه ‪-‬بتمرٍ برنيّ ‪،‬‬
‫ولحديث أبي سعيدٍ الخدر ّ‬
‫فقال له رسهول اللّه صهلى ال عليهه وسهلم ‪ :‬مهن أيهن هذا ؟ فقال بلل ‪ :‬مهن تمرٍ كان عندنها‬
‫رديءٍ ‪ ،‬فبعت منه صاعين بصاعٍ لمطعم النّبيّ صلى ال عليه وسلم فقال رسول اللّه صلى‬
‫ال عل يه و سلم ع ند ذلك ‪ :‬أوّه ع ين الرّ با ‪ ،‬ل تف عل ‪ ،‬ول كن إذا أردت أن تشتري التّ مر فب عه‬
‫ببيعٍ آخر ث ّم اشتر به « فقوله صلى ال عليه وسلم ‪ » :‬أوّه عين الرّبا « أي هو الرّبا المحرّم‬
‫ل على وجوب فسخ صفقة الرّبا وأنّها ل ت صحّ‬
‫نفسه ل ما يشب هه ‪ ،‬وقوله ‪ » :‬فهو ر ّد « يد ّ‬
‫بوج ٍه ‪.‬‬
‫وروى م سلم أ نّ ر سول اللّه صلى ال عل يه و سلم قال ‪ » :‬ر با الجاهليّة موضوع وأوّل ربا‬
‫أضهع ربانها ‪ :‬ربها العبّاس بهن ع بد المطّلب ‪ ،‬فإنّه موضوع كلّه « ‪ .‬وقال ع نه النّوو يّ فهي‬
‫شرح مسلمٍ قوله ‪ :‬المراد بالوضع ال ّردّ والبطال ‪.‬‬
‫وفصّل ابن رشدٍ فقال ‪ :‬من باع بيعا أربى فيه غير مستحلّ للرّبا فعليه العقوبة الموجعة إن لم‬
‫يعذر بجهلٍ ‪ ،‬ويفسخ البيع ما كان قائما ‪ ،‬والحجّة في ذلك أنّ رسول اللّه صلى ال عليه وسلم‬
‫أمر السّعدين أن يبيعا آنيةً من المغانم من ذهبٍ أو فضّةٍ ‪،‬فباعا كلّ ثلث ٍة بأربع ٍة عينا ‪ ،‬أو كلّ‬
‫أربع ٍة بثلث ٍة عينا ‪ ،‬فقال له ما ر سول اللّه صلى ال عل يه و سلم ‪ » :‬أربيت ما فردّا « ‪ .‬فإن‬
‫فات البيع فليس ‪ ،‬له إلّ رأس ماله قبض الرّبا أو لم يقبضه ‪ ،‬فإن كان قبضه ردّه إلى صاحبه‬
‫ل رأس ماله ‪ ،‬وما قبض من الرّبا وجب عليه أن يردّه‬
‫‪ ،‬وكذلك من أربى ث مّ تاب فليس له إ ّ‬
‫إلى من قبضه منه ‪ ،‬وأمّا من أسلم وله ربا ‪ ،‬فإن كان قبضه فهو له ‪ ،‬لقول اللّه عزّ وجلّ ‪{ :‬‬
‫عظَةٌ مّن ّربّ ِه فَان َت َهىَ فَلَ ُه مَا سََلفَ } ولقول رسول اللّه صلى ال عليه وسلم ‪» :‬‬
‫َفمَن جَاء ُه مَ ْو ِ‬
‫من أسلم على شيءٍ فهو له « ‪.‬‬
‫ل له أن يأخذه وههو موضوع عهن الّذي ههو عليهه ‪ ،‬ول‬
‫وأمّا إن كان لم يقبهض الرّبها فل يح ّ‬
‫خلف في هذا أعلمه ‪.‬‬
‫وقال الحنفيّة ‪ :‬اشتراط الرّ با في الب يع مف سد للب يع ‪ ،‬لكنّ هم يفرّقون في المعاملت ب ين الفا سد‬
‫والباطل ‪ ،‬فيملك المبيع في البيع الفاسد بالقبض ‪ ،‬ول يملك في البيع الباطل بالقبض ‪ ،‬يقول‬
‫ابهن عابديهن ‪ :‬الفسهاد والبطلن فهي العبادات سهيّان ‪ ،‬أمّا فهي المعاملت فإن لم يترتّب أثهر‬
‫المعاملة علي ها ف هو البطلن ‪ ،‬وإن ترتّب فإن كان مطلوب التّفا سخ شرعا ف هو الف ساد ‪ ،‬وإلّ‬
‫صحّة ‪.‬‬
‫فهو ال ّ‬
‫ن العوض يملك‬
‫والب يع الرّبو يّ ع ند الحنفيّة من البيوع الفا سدة ‪ ،‬وح كم الب يع الفا سد عند هم أ ّ‬
‫بالق بض وي جب ردّه لو قائما ‪ ،‬وردّ مثله أو قيم ته لو م ستهلكا ‪ ،‬وعل يه فإنّه ي جب ردّ الزّيادة‬
‫ق العبد وهو‬
‫الرّبويّة لو قائم ًة ‪ ،‬ل ردّ ضمانها ‪ ،‬قال ابن عابدين ‪ :‬وحاصله أ نّ فيه حقّين ‪ ،‬ح ّ‬
‫المنهيه عنهه‬
‫ّ‬ ‫وحقه الشّرع وههو ردّ عينهه لنقهض العقهد‬
‫ّ‬ ‫ردّ عينهه لو قائما ومثله لو هالكا ‪،‬‬
‫شرعا ‪ ،‬وبعد الستهلك ل يتأتّى ردّ عينه فتعيّن ردّ المثل وهو محض حقّ العبد ‪ ،‬ثمّ إن ردّ‬
‫عي نه لو قائما في ما لو و قع الع قد على الزّائد ‪ ،‬أمّا لو باع عشرة درا هم بعشرة درا هم وزاده‬
‫دانقا هب ًة منه فإنّه ل يفسد العقد ‪.‬‬
‫الخلف في ربا الفضل ‪:‬‬
‫‪ -‬أطبقت المّة على تحريم التّفاضل في بيع الرّبويّات إذا اجتمع التّفاضل مع النّساء ‪،‬‬ ‫‪16‬‬

‫وأمّا إذا انفرد نقدا فإنّه كان فيه خلف قديم ‪ :‬صحّ عن عبد اللّه بن عبّاسٍ وعبد اللّه بن‬
‫مسعودٍ رضي ال عنهم إباحته ‪ ،‬وكذلك عن عبد اللّه بن عمر رضي ال عنهما مع رجوعه‬
‫عنه ‪ ،‬وروي عن عبد اللّه بن الزّبير وأسامة بن زيدٍ رضي ال عنهم ‪ ،‬وفيه عن معاوية‬
‫رضي ال عنه شيء محتمل ‪ ،‬وزيد بن أرقم والبراء بن عازبٍ رضي ال عنهما من‬
‫الصّحابة ‪ ،‬وأمّا التّابعون ‪ :‬فصحّ ذلك أيضا عن عطاء بن أبي رباحٍ وفقهاء الم ّكيّين ‪ ،‬وروي‬
‫عن سعيدٍ وعروة ‪.‬‬
‫انقراض الخلف في ربا الفضل ودعوى الجماع على تحريمه ‪:‬‬
‫‪ -‬نقل النّوويّ عن ابن المنذر أنّه قال ‪ :‬أجمع علماء المصار ‪ :‬مالك بن أنسٍ ومن تبعه‬ ‫‪17‬‬

‫من أهل المدينة ‪ ،‬وسفيان الثّوريّ ومن وافقه من أهل العراق ‪ ،‬والوزاعيّ ومن قال بقوله‬
‫من أهل الشّام ‪ ،‬واللّيث بن سعد ومن وافقه من أهل مصر ‪ ،‬والشّافعيّ وأصحابه ‪ ،‬وأحمد‬
‫ب بذهبٍ ‪ ،‬ول فضّةٍ بفضّةٍ ‪،‬‬
‫وإسحاق وأبو ثورٍ وأبو حنيفة وأبو يوسف أنّه ل يجوز بيع ذه ٍ‬
‫ح ‪ ،‬متفاضلً يدا بيدٍ ‪ ،‬ول نسيئةً‬
‫ول برّ ببرّ ‪ ،‬ول شعيرٍ بشعيرٍ ‪ ،‬ول تمرٍ بتمرٍ ‪ ،‬ول ملحٍ بمل ٍ‬
‫‪ ،‬وأنّ من فعل ذلك فقد أربى والبيع مفسوخ ‪ ،‬قال ‪ :‬وقد روينا هذا القول عن جماعةٍ من‬
‫أصحاب رسول اللّه صلى ال عليه وسلم وجماعةٍ يكثر عددهم من التّابعين ‪ .‬وناقش السّبكيّ‬
‫دعوى الجماع من عدّة وجوهٍ ‪ ،‬وانتهى إلى القول ‪ :‬فعلى هذا امتنع دعوى الجماع في‬
‫تحريم ربا الفضل بوج ٍه من الوجوه ‪ ،‬لكنّا بحمد اللّه تعالى مستغنون عن الجماع في ذلك‬
‫بالنّصوص الصّحيحة المتضافرة ‪ ،‬وإنّما يحتاج إلى الجماع في مسأل ٍة خفيّ ٍة سندها قياس أو‬
‫استنباط دقيق ‪.‬‬
‫الحاديث الدّالّة على تحريم ربا الفضل ‪:‬‬
‫‪ -‬روي عن النّبيّ صلى ال عليه وسلم أحاديث كثيرة في تحريم ربا الفضل ‪:‬‬ ‫‪18‬‬

‫منها ‪ :‬ما روى عثمان بن عفّان أنّ رسول اللّه قال ‪ » :‬ل تبيعوا الدّينار بالدّينارين ول‬
‫الدّرهم بالدّرهمين « ‪.‬‬
‫وعن عليّ بن أبي طالبٍ رضي ال عنه قال ‪ :‬قال رسول اللّه صلى ال عليه وسلم ‪:‬‬
‫»الدّينار بالدّينار والدّرهم بالدّرهم ‪ ،‬ل فضل بينهما ‪ ،‬فمن كانت له حاجة بورقٍ ‪ ،‬فليصرفها‬
‫ب فليصرفها بورقٍ ‪ ،‬والصّرف هاء وهاء « ‪.‬‬
‫بذهبٍ ‪ ،‬ومن كانت له حاجة بذه ٍ‬
‫وما روى عبادة بن الصّامت رضي ال عنه قال ‪ :‬قال رسول اللّه صلى ال عليه وسلم ‪:‬‬
‫»الذّهب بالذّهب ‪ ،‬والفضّة بالفضّة ‪ ،‬والبرّ بالبرّ ‪ ،‬والشّعير بالشّعير ‪ ،‬والتّمر بالتّمر ‪،‬‬
‫ل بمثلٍ ‪ ،‬سواءً بسواءٍ ‪ ،‬يدًا بيدٍ ‪ ،‬فإذا اختلفت هذه الصناف فبيعوا كيف‬
‫والملح بالملح ‪ ،‬مث ً‬
‫شئتم إذا كان يدا بيدٍ « ‪.‬‬
‫ن النّبيّ صلى ال عليه وسلم قال ‪ » :‬إنّما الرّبا في‬
‫وأمّا الحديث الّذي رواه أسامة بن زيدٍ أ ّ‬
‫ن الرّبا الكامل إنّما هو في‬
‫النّسيئة « فقد قال ابن القيّم ‪ :‬مثل هذا يراد به حصر الكمال وأ ّ‬
‫ت قُلُو ُب ُهمْ وَِإذَا تُِليَتْ‬
‫ن اّلذِينَ ِإذَا ُذكِ َر اللّهُ َوجِلَ ْ‬
‫النّسيئة ‪ ،‬كما قال اللّه تعالى ‪ِ { :‬إ ّنمَا ا ْل ُم ْؤ ِمنُو َ‬
‫ن } وكقول ابن مسعودٍ ‪ :‬إنّما العالم الّذي يخشى‬
‫عََل ْي ِهمْ آيَاتُ ُه زَادَ ْت ُهمْ إِيمَانا َوعَلَى َر ّبهِمْ َي َت َوكّلُو َ‬
‫اللّه ‪ ،‬ومثله عند ابن حجرٍ ‪ ،‬قال ‪ :‬قيل المعنى في قوله ‪ :‬ل ربا إلّ في النّسيئة ‪ :‬الرّبا الغلظ‬
‫الشّديد التّحريم المتوعّد عليه بالعقاب الشّديد ‪ ،‬كما تقول العرب ‪ :‬ل عالم في البلد إلّ زيد مع‬
‫ن فيها علماء غيره ‪ ،‬وإنّما القصد نفي الكمل ل نفي الصل ‪.‬‬
‫أّ‬
‫وقال الشّوكانيّ ‪ :‬يمكن الجمع بأنّ مفهوم حديث أسامة عامّ ‪ ،‬لنّه يدلّ على نفي ربا الفضل‬
‫ل شيءٍ سواء أكان من الجناس الرّبويّة أم ل ‪ ،‬فهو أع ّم منها مطلقا ‪ ،‬فيخصّص هذا‬
‫عن ك ّ‬
‫المفهوم بمنطوقها ‪.‬‬
‫الجناس الّتي نصّ على تحريم الرّبا فيها ‪:‬‬
‫ص على تحريم الرّبا فيها ستّة وهي ‪ :‬الذّهب والفضّة والبرّ والشّعير‬
‫‪ -‬الجناس الّتي ن ّ‬ ‫‪19‬‬

‫ص عليها في أحاديث كثيرةٍ ‪ ،‬من أتمّها حديث عبادة بن الصّامت‬


‫والتّمر والملح ‪ ،‬وقد ورد النّ ّ‬
‫السّابق ‪.‬‬
‫سنّة ‪ ،‬وعليها جماعة فقهاء‬
‫قال القرطبيّ ‪ :‬أجمع العلماء على القول بمقتضى هذه ال ّ‬
‫المسلمين ‪ ،‬إلّ في البرّ والشّعير فإنّ مالكا جعلهما صنفا واحدا ‪ ،‬فل يجوز منهما اثنان‬
‫بواحدٍ ‪ ،‬وهو قول اللّيث والوزاعيّ ومعظم علماء المدينة والشّام ‪ ،‬وأضاف مالك إليهما‬
‫السّلت ‪.‬‬
‫ن ربا الفضل ل يجري إلّ في الجنس الواحد ‪ ،‬ول يجري في‬
‫واتّفق أهل العلم على أ ّ‬
‫ي صلى ال عليه وسلم ‪ » :‬بيعوا الذّهب بالفضّة كيف شئتم يدا‬
‫الجنسين ولو تقاربا لقول النّب ّ‬
‫بيدٍ « ‪.‬‬
‫وخالف سعيد بن جبيرٍ فقال ‪ :‬ك ّل شيئين يتقارب النتفاع بهما ل يجوز بيع أحدهما بالخر‬
‫متفاضلً ‪ ،‬كالحنطة بالشّعير ‪ ،‬والتّمر بالزّبيب ‪ ،‬لنّهما يتقارب نفعهما فجريا مجرى نوعي‬
‫الجنس الواحد ‪.‬‬
‫الختلف في غير هذه الجناس ‪:‬‬
‫ستّة المنصوص عليها في حديث عبادة بن الصّامت‬
‫‪ -‬اختلف الفقهاء فيما سوى الجناس ال ّ‬ ‫‪20‬‬

‫رضي ال عنه ‪ ،‬وفي غيره من الحاديث ‪ ،‬هل يحرم الرّبا فيها كما يحرم في هذه الجناس‬
‫ستّة أم ل يحرم ؟ ‪.‬‬
‫ال ّ‬
‫ستّة ‪ ،‬بل يتعدّى إلى ما‬
‫ن تحريم الرّبا ل يقتصر على الجناس ال ّ‬
‫فذهب عامّة أهل العلم إلى أ ّ‬
‫في معنا ها ‪ ،‬و هو ما وجدت ف يه العلّة الّ تي هي سبب التّحر يم في الجناس المذكورة في‬
‫ل مها وجدت فيهه العلّة الّتهي ههي سهبب‬
‫الحديهث ‪ ،‬لنّه ثبوت الرّبها فيهها بعلّ ٍة ‪ ،‬فيثبهت فهي ك ّ‬
‫ل موض عٍ وجدت علّته‬
‫ن القياس دليل شرع يّ ‪ ،‬فتستخرج علّة الحكم ويثبت في ك ّ‬
‫التّحريم ‪ ،‬ل ّ‬
‫فيه ‪.‬‬
‫واستدلّوا بأنّ مالك بن أنسٍ وإسحاق بن إبراهيم الحنظليّ رويا حديث تحريم الرّبا في العيان‬
‫ستّة و في آخره » وكذلك كلّ ما يكال ويوزن « ف هو تن صيص على تعد ية الح كم إلى سائر‬
‫ال ّ‬
‫ن النّبيّ صلى ال عليه وسلم قال ‪:‬‬
‫الموال ‪ ،‬وفي حديث عبد اللّه بن عمر رضي ال عنهما أ ّ‬
‫» ل تبيعوا الدّرهم بالدّرهمين ول ال صّاع بال صّاعين فإنّي أخشى عليكم الرّما « أي الرّبا ‪،‬‬
‫ولم يرد به عين الصّاع وإنّما أراد به ما يدخل تحت الصّاع ‪ ،‬كما يقال خذ هذا الصّاع أي ما‬
‫ن صاعا أي من الطّعام ‪.‬‬
‫فيه ‪ ،‬ووهبت لفل ٍ‬
‫ن رسول اللّه صلى ال عليه وسلم بعث أخا‬
‫وفي حديث أبي هريرة وأبي سعي ٍد الخدر يّ »أ ّ‬
‫ب ني عديّ الن صاريّ فا ستعمله على خيبر ‪ ،‬فقدم بتمرٍ جني بٍ ‪ ،‬فقال له ر سول اللّه صلى ال‬
‫ل ت مر خ يبر هكذا ؟ قال ‪ :‬ل ‪ ،‬واللّه ‪ ،‬يا ر سول اللّه ‪ ،‬إنّا لنشتري ال صّاع‬
‫عل يه و سلم ‪ :‬أك ّ‬
‫بال صّاعين من الجمع ‪ .‬فقال رسول اللّه صلى ال عليه وسلم ‪ :‬ل تفعلوا ‪،‬ولكن مثلً بمثلٍ ‪،‬‬
‫أو بيعوا هذا واشتروا بثمنهه مهن هذا ‪ ،‬وكذلك الميزان } ‪ .‬يعنهي مها يوزن بالميزان ‪ ،‬فتهبيّن‬
‫ستّة إلى غيرها ‪ .‬وكذلك فإنّه ليس في‬
‫بهذه الثار قيام الدّليل على تعدية الحكم من الشياء ال ّ‬
‫ستّة ‪.‬‬
‫ن مال الرّبا ستّة أشياء ‪ ،‬ولكن ذكر حكم الرّبا في الشياء ال ّ‬
‫الحديث أ ّ‬
‫ن عامّة المعاملت يومئذٍ كانت بها‬
‫ستّة بالذّكر في الحديث أ ّ‬
‫وفائدة تخصيص هذه الجناس ال ّ‬
‫على ما جاء في الحديث ‪ » :‬كنّا في المدينة نبيع الوساق ونبتاعها « والمراد به ما يدخل‬
‫تحت الوسق ممّا تكثر الحاجة إليه وهي الجناس المذكورة ‪.‬‬
‫س ومسروقٍ والشّعبيّ وقتادة وعثمان البتّ يّ ونفّاة القياس أنّهم قصروا التّحريم‬
‫وحكي عن طاو ٍ‬
‫ن التّحريم ل يجري في غيرها بل‬
‫على الجناس المنصوص على تحريم الرّبا فيها ‪ ،‬وقالوا إ ّ‬
‫إنّه على أصل الباحة ‪ ،‬وممّا احتجّوا به ‪:‬‬
‫ص من المكيلت والمطعومات والقوات أربعة أشياء ‪ ،‬فلو كان الحكم ثابتا في‬
‫أ نّ الشّارع خ ّ‬
‫كلّ المكيلت أو في كلّ المطعومات لقال ‪ :‬ل تبيعوا المك يل بالمك يل متفاضلً أو ‪ :‬ل تبيعوا‬
‫المطعوم بالمطعوم متفاضلً ‪ ،‬فإنّه هذا الكلم يكون أشدّ اختصهارا وأكثهر فائد ًة ‪ ،‬فلمّا لم ي قل‬
‫ل النّ صّ إلى‬
‫ن ح كم الحر مة مق صور علي ها ‪ .‬وأ نّ التّعد ية من مح ّ‬
‫ذلك وعدّ الرب عة علم نا أ ّ‬
‫غير محلّ الّن صّ ل تمكن إلّ بواسطة تعليل الحكم في مورد النّ صّ وهو عند نفاة القياس غير‬
‫جائزٍ ‪.‬‬
‫علّة تحريم الرّبا في الجناس المنصوص عليها ‪:‬‬
‫‪ -‬اتّفق عامّة الفقهاء على أنّ تحريم الرّبا في الجناس المنصوص عليها إنّما هو لعّلةٍ‪،‬‬ ‫‪21‬‬

‫وأنّ الحكم بالتّحريم يتعدّى إلى ما تثبت فيه هذه العلّة ‪ ،‬وأنّ علّة الذّهب والفضّة واحدة ‪،‬‬
‫وعلّة الجناس الربعة الخرى واحدة ‪ ..‬ثمّ اختلفوا في تلك العلّة ‪.‬‬
‫‪ -‬فقال الحنفيّة ‪ :‬العلّة ‪:‬الجنس والقدر ‪،‬وقد عرف الجنس بقوله صلى ال عليه وسلم ‪» :‬‬ ‫‪22‬‬

‫الذّهب بالذّهب ‪ ،‬والحنطة بالحنطة « ‪.‬‬


‫وعرف القدر بقوله صلى ال عليه وسلم ‪ » :‬مثلً بمثلٍ « ويعني بالقدر الكيل فيما يكال‬
‫ل ما يكال ويوزن « ‪ ،‬وقوله صلى‬
‫والوزن فيما يوزن لقوله صلى ال عليه وسلم » وكذلك ك ّ‬
‫ال عليه وسلم ‪ » :‬ل تبيعوا الصّاع بالصّاعين « ‪ ،‬وهذا عامّ في كلّ مكيلٍ سواء أكان‬
‫مطعوما أم لم يكن ‪ ،‬ولنّ الحكم متعلّق بالكيل والوزن إمّا إجماعا "أي عند الحنفيّة " أو لنّ‬
‫التّساوي حقيق ًة ل يعرف إلّ بهما ‪ ،‬وجعل العلّة ما هو متعلّق الحكم إجماعا أو هو معرّف‬
‫للتّساوي حقيق ًة أولى من المصير إلى ما اختلفوا فيه ول يعرف التّساوي حقيق ًة فيه ‪ ،‬ولنّ‬
‫ل « ‪ ،‬وفي بعض الرّوايات‬
‫التّساوي والمماثلة شرط لقوله صلى ال عليه وسلم » مثلً بمث ٍ‬
‫» سواءً بسواءٍ « أو صيان ًة لموال النّاس ‪ ،‬والمماثلة بالصّورة والمعنى أتمّ ‪ ،‬وذلك فيما ذكر‬
‫‪ ،‬لنّ الكيل والوزن يوجب المماثلة صورةً ‪ ،‬والجنس يوجبها معنىً ‪ ،‬فكان أولى ‪.‬‬
‫‪ -‬وقال المالكيّة ‪ :‬علّة الرّبا في النّقود مختلف فيها ‪ ،‬فقيل ‪ :‬غلبة الثّمنيّة ‪ ،‬وقيل ‪ :‬مطلق‬ ‫‪23‬‬

‫الثّمنيّة ‪ ،‬وإنّما كانت علّة الرّبا في النّقود ما ذكر ‪ ،‬لنّه لو لم يمنع الرّبا فيها لدّى ذلك إلى‬
‫قلّتها فيتضرّر النّاس ‪.‬‬
‫وعلّة ربا الفضل في الطّعام القتيات والدّخار ‪ ،‬وهو المشهور وقول الكثر والمعوّل عليه ‪،‬‬
‫والقتيات معناه قيام بنية الدميّ به ‪ -‬أي حفظها وصيانتها ‪ -‬بحيث ل تفسد بالقتصار‬
‫عليه ‪ ،‬وفي معنى القتيات إصلح القوت كملحٍ وتوابل ‪ ،‬ومعنى الدّخار عدم فساده بالتّأخير‬
‫إلى الجل المبتغى منه عاد ًة ‪ ،‬ول حدّ له على ظاهر المذهب بل هو في كلّ شيءٍ بحسبه ‪،‬‬
‫فالمرجع فيه للعرف ‪ ،‬ول بدّ من أن يكون الدّخار معتادا ‪ ،‬ول عبرة بالدّخار ل على وجه‬
‫العادة ‪.‬‬
‫وإنّما كان القتيات والدّخار علّة حرمة الرّبا في الطّعام لخزن النّاس له حرصا على طلب‬
‫وفور الرّبح فيه لشدّة الحاجة إليه ‪.‬‬
‫خ وقثّاءٍ‬
‫وعلّة ربا النّساء مجرّد الطّعم على وجه التّداوي ‪ ،‬فتدخل الفاكهة والخضر كبطّي ٍ‬
‫ونحو ذلك ‪.‬‬
‫‪ -‬وذهب الشّافعيّة إلى أنّ العلّة في تحريم الرّبا في الذّهب والفضّة كونهما جنس الثمان‬ ‫‪24‬‬

‫غالبا ‪ -‬كما نقل الماورديّ عن الشّافعيّ ‪ -‬ويعبّر عنها بجنسيّة الثمان غالبا أو بجوهريّة‬
‫الثمان غالبا ‪ ،‬وهذه علّة قاصرة على الذّهب والفضّة ل تتعدّاهما إذ ل توجد في غيرهما ‪،‬‬
‫فتحريم الرّبا فيهما ليس لمعنى يتعدّاهما إلى غيرهما من الموال ‪ ،‬لنّه لو كان لمعنىً‬
‫ن كلّ شيئين جمعتهما‬
‫يتعدّاهما إلى غيرهما لم يجز إسلمهما فيما سواهما من الموال ‪ ،‬ل ّ‬
‫علّة واحدة في الرّبا ل يجوز إسلم أحدهما في الخر كالذّهب والفضّة والحنطة والشّعير ‪،‬‬
‫ل على أنّ‬
‫فلمّا جاز إسلم الذّهب والفضّة في الموزونات والمكيلت وغيرهما من الموال د ّ‬
‫العلّة فيهما لمعنىً ل يتعدّاهما وهو أنّهما من جنس الثمان ‪.‬‬
‫وذكر لفظ " غالبا " في بيان علّة تحريم الرّبا في الذّهب والفضّة للحتراز من الفلوس إذا‬
‫راجت رواج النّقود ‪ ،‬فإنّها وإن كانت ثمنا في بعض البلد فليست من جنس الثمان غالبا ‪،‬‬
‫ويدخل فيما يجري فيه الرّبا الواني والتّبر ونحوهما من الذّهب والفضّة ‪.‬‬
‫قال الماورديّ ‪ :‬ومن أصحابنا من يقول ‪ :‬العلّة كونهما قيم المتلفات ‪ ،‬ومن أصحابنا من‬
‫جمعهما ‪ ،‬قال ‪ :‬وكلّه قريب ‪.‬‬
‫ن العلّة كونهما قيم الشياء ‪ ،‬وأنكره القاضي أبو‬
‫وقال النّوويّ ‪ :‬جزم الشّيرازيّ في التّنبيه أ ّ‬
‫ن الواني والتّبر والحليّ يجري فيها الرّبا ‪ ،‬وليست ممّا يقوم‬
‫طيّب وغيره على من قاله ‪ ،‬ل ّ‬
‫ال ّ‬
‫ن تحريم الرّبا فيهما بعينهما ل لعّلةٍ ‪ ،‬حكاه المتولّي وغيره ‪.‬‬
‫بها ‪ ،‬ولنا وجه ضعيف غريب أ ّ‬
‫وما سوى الذّهب والفضّة من الموزونات كالحديد والنّحاس والرّصاص والقطن والكتّان‬
‫ض متفاضلً ومؤجّلً ‪.‬‬
‫والصّوف والغزل وغيرها ‪ ..‬ل ربا فيها ‪ ،‬فيجوز بيع بعضها ببع ٍ‬
‫والعلّة في تحريم الرّبا في الجناس الربعة وهي البرّ والشّعير والتّمر والملح أنّها مطعومة ‪،‬‬
‫وهذا قول الشّافعيّ في الجديد ‪ ،‬والدّليل ما روى معمر بن عبد اللّه أنّ النّبيّ صلى ال عليه‬
‫وسلم قال ‪ » :‬الطّعام بالطّعام مثلً بمثلٍ « فقد علّق الحكم بالطّعام الّذي هو بمعنى المطعوم ‪،‬‬
‫والمعلّق بالمشتقّ معلّل بما منه الشتقاق كالقطع والجلد المعلّقين بالسّارق والزّاني ‪ .‬ولنّ‬
‫الحبّ ما دام مطعوما يحرم فيه الرّبا ‪ ،‬فإذا زرع وخرج عن أن يكون مطعوما لم يحرم فيه‬
‫ب وصار مطعوما حرّم فيه الرّبا ‪ ،‬فدلّ على أنّ العلّة فيه كونه مطعوما‪،‬‬
‫الرّبا ‪ ،‬فإذا انعقد الح ّ‬
‫فعلى هذا يحرم الرّبا في كلّ ما يطعم ‪.‬‬
‫ن العلّة في تحريم الرّبا في الجناس الربعة أنّها مطعومة مكيلة أو‬
‫وقول الشّافعيّ في القديم أ ّ‬
‫مطعومة موزونة ‪ ،‬وعليه فل يحرم الرّبا إلّ في مطعومٍ يكال أو يوزن ‪.‬‬
‫والجديد هو الظهر ‪ ،‬وتفريع الشّافعيّ والصحاب عليه ‪ ،‬قالوا ‪ :‬المراد بالمطعوم ما قصد‬
‫ل نادرا ‪ ،‬والطّعم يكون‬
‫لطعم الدميّ غالبا ‪ ،‬بأن يكون أظهر مقاصده الطّعم وإن لم يؤكل إ ّ‬
‫ص فيه على البرّ‬
‫ستّة ‪ ،‬فإنّه ن ّ‬
‫اقتياتا أو تفكّها أو تداويا ‪ ،‬والثّلثة تؤخذ من حديث الجناس ال ّ‬
‫ص فيه‬
‫والشّعير والمقصود منهما التّقوّت ‪ ،‬فألحق بهما ما في معناهما كالرز والذّرة ‪ ،‬ون ّ‬
‫ص فيه‬
‫على التّمر والمقصود منه التّفكّه والتّأدّم ‪ ،‬فألحق به ما في معناه كالتّين والزّبيب ‪ ،‬ون ّ‬
‫على الملح والمقصود منه الصلح ‪ ،‬فألحق به ما في معناه كالمصطكى والسّقمونيا‬
‫والزّنجبيل ‪ ،‬ول فرق بين ما يصلح الغذاء وما يصلح البدن ‪ ،‬فالغذية لحفظ الصّحّة والدوية‬
‫لردّ الصّحّة ‪.‬‬
‫ستّة ثلث رواياتٍ ‪:‬‬
‫ل في علّة تحريم الرّبا في الجناس ال ّ‬
‫‪ -‬وروي عن أحمد بن حنب ٍ‬ ‫‪25‬‬

‫أشهرها أنّ علّة الرّبا في الذّهب والفضّة كونهما موزوني جنسٍ ‪ ،‬وفي الجناس الباقية كونها‬
‫ن بجنسه ولو كان يسيرا‬
‫مكيلت جنسٍ ‪ ،‬فعلى هذه الرّواية يجري الرّبا في كلّ مكيلٍ أو موزو ٍ‬
‫ل يتأتّى كيله كتمر ٍة بتمر ٍة أو تمرةٍ بتمرتين لعدم العلم بتساويهما في الكيل ‪ ،‬ول يتأتّى وزنه‬
‫كما دون الرزة من الذّهب أو الفضّة ونحوهما ‪ ،‬مطعوما كان المكيل أو الموزون أو غير‬
‫مطعو ٍم ‪ ،‬ول يجري الرّبا في مطعو ٍم ل يكال ول يوزن كالمعدودات من التّفّاح وال ّرمّان‬
‫والبطّيخ والجوز والبيض ونحوها ‪ ،‬فيجوز بيع بيضةٍ وخيارةٍ وبطّيخةٍ بمثلها‪ ،‬نصّ عليه أحمد‬
‫لنّه ليس مكيلً ول موزونا ‪ ،‬لكن نقل مهنّا عن أحمد أنّه كره بيع بيضةٍ ببيضتين وقال ‪ :‬ل‬
‫ن ‪ ،‬لنّه مطعوم ‪ ،‬ول يجري الرّبا فيما ل يوزن عرفا لصناعته ‪ ،‬ولو‬
‫يصلح إلّ وزنا بوز ٍ‬
‫كان أصله الوزن غير المعمول من النّقدين كالمعمول من الصّفر والحديد والرّصاص‬
‫ونحوه ‪ ،‬كالخواتم من غير النّقدين ‪.‬‬
‫ن العلّة في الثمان الثّمنيّة ‪ ،‬وفيما عداها كونه مطعوم جنسٍ فيختصّ‬
‫والرّواية الثّانية ‪ :‬أ ّ‬
‫بالمطعومات ويخرج منه ما عداها ‪ ،‬لما روى معمر بن عبد اللّه أنّ النّبيّ صلى ال عليه‬
‫وسلم قال ‪ » :‬الطّعام بالطّعام مثلً بمثلٍ « ولنّ الطّعم وصف شرفٍ إذ به قوام البدان ‪،‬‬
‫والثّمنيّة وصف شرفٍ إذ بها قوام الموال ‪ ،‬فيقتضي التّعليل بهما ‪ ،‬ولنّه لو كانت العلّة في‬
‫الثمان الوزن لم يجز إسلمهما في الموزونات لنّ أحد وصفي علّة الرّبا الفضل يكفي في‬
‫تحريم النّساء ‪.‬‬
‫والرّواية الثّالثة ‪ :‬العلّة فيما عدا الذّهب والفضّة كونه مطعوم جنسٍ مكيلً أو موزونا فل‬
‫يجري الرّبا في مطعومٍ ل يكال ول يوزن ‪ ،‬كالتّفّاح وال ّرمّان والخوخ والبطّيخ ونحوها ‪ ،‬ول‬
‫ل واحدٍ من هذه الصناف أثرا ‪،‬‬
‫فيما ليس بمطعو ٍم كالزّعفران والحديد والرّصاص ‪ ،‬لنّ لك ّ‬
‫ن الكيل والوزن والجنس‬
‫والحكم مقرون بجميعها في المنصوص عليه فل يجوز حذفه ‪ ،‬ول ّ‬
‫ل يقتضي وجوب المماثلة وإنّما أثره في تحقيقها في العلّة ما يقتضي ثبوت الحكم ل ما‬
‫تحقّق شرطه ‪.‬‬
‫والطّعم بمجرّده ل تتحقّق المماثلة به لعدم المعيار الشّرعيّ فيه ‪ ،‬وإنّما تجب المماثلة في‬
‫المعيار الشّرعيّ وهو الكيل والوزن ‪ ،‬ولهذا وجبت المساواة في المكيل كيلً وفي الموزون‬
‫وزنا ‪ ،‬فوجب أن يكون الطّعم معتبرا في المكيل والموزون دون غيرهما ‪ ،‬والحاديث‬
‫ل واحدٍ منها بالخر ‪ ،‬فنهي النّبيّ صلى ال‬
‫الواردة في هذا الباب يجب الجمع بينها وتقييد ك ّ‬
‫ل يتقيّد بما فيه معيار شرعيّ وهو الكيل‬
‫عليه وسلم عن بيع الطّعام بالطّعام إلّ مثلً بمث ٍ‬
‫والوزن ‪ ،‬ونهيه عن بيع الصّاع بالصّاعين يتقيّد بالمطعوم المنهيّ عن التّفاضل فيه ‪.‬‬
‫قال ابن قدامة ‪ :‬ول فرق في المطعومات بين ما يؤكل قوتا كالرز والذّرة والدّخن ‪ ،‬أو أدما‬
‫ن الكلّ في‬
‫كالقطنيّات واللّحم واللّبن ‪ ،‬أو تفكّها كالثّمار ‪ ،‬أو تداويا كالهليلج والسّقمونيا ‪ ،‬فإ ّ‬
‫باب الرّبا واحد ‪.‬‬
‫من أحكام الرّبا ‪:‬‬
‫‪ -‬إذا تحقّقت علّة تحريم الرّبا في مالٍ من الموال ‪ ،‬فإن بيع بجنسه حرّم فيه التّفاضل‬ ‫‪26‬‬

‫ن النّبيّ صلى ال‬


‫والنّساء والتّفرّق قبل القبض ‪ ،‬لما روى عبادة بن الصّامت رضي ال عنه أ ّ‬
‫عليه وسلم قال ‪ » :‬الذّهب بالذّهب والفضّة بالفضّة ‪ ،‬والبرّ بالبرّ ‪ ،‬والشّعير بالشّعير والتّمر‬
‫بالتّمر ‪ ،‬والملح بالملح ‪ ،‬مثلً بمثلٍ ‪ ،‬سواءً بسوا ٍء ‪ ،‬يدا بيدٍ ‪ ،‬فإذا اختلفت هذه الصناف‬
‫فبيعوا كيف شئتم إذا كان يدا بيدٍ « ‪.‬‬
‫وهذا قدر متّفق عليه بين الفقهاء ‪ ،‬وفيما عداه تفصيل وخلف بحسب اختلفهم في العلّة ‪.‬‬
‫وفيما يلي مجمل أحكام الرّبا كلّ مذهبٍ على حد ٍة ‪.‬‬
‫‪ -‬قال الحنفيّة ‪ :‬إنّ علّة تحريم الرّبا القدر مع الجنس ‪ ،‬فإن وجدا حرّم الفضل والنّساء‪،‬‬ ‫‪27‬‬

‫فل يجوز بيع قفيز برّ بقفيزين منه ‪ ،‬ول بيع قفيز برّ بقفي ٍز منه وأحدهما نساء ‪ ،‬وإن عدما ‪-‬‬
‫أي القدر والجنس ‪ -‬حلّ البيع ‪ ،‬وإن وجد أحدهما أي القدر وحده كالحنطة بالشّعير ‪ ،‬أو‬
‫الجنس وحده كالثّوب الهرويّ بهرويّ مثله حلّ الفضل وحرّم النّساء ‪.‬‬
‫قالوا ‪ :‬أمّا إذا وجد المعيار وعدم الجنس كالحنطة بالشّعير والذّهب بالفضّة ‪ ،‬فلقوله عليه‬
‫السلم » إذا اختلف الجنسان ‪ ،‬ويروى النّوعان ‪ ،‬فبيعوا كيف شئتم بعد أن يكون يدا بيدٍ «‬
‫ن المعجّل خير من المؤجّل‬
‫ي بالهرويّ ‪ ،‬فإ ّ‬
‫وأمّا إذا وجدت الجنسيّة وعدم المعيار كالهرو ّ‬
‫وله فضل عليه ‪ ،‬فيكون الفضل من حيث التّعجيل ربا ‪ ،‬لنّه فضل يمكن الحتراز عنه وهو‬
‫مشروط في العقد فيحرم ‪.‬‬
‫ويحرم بيع كيليّ أو وزنيّ بجنسه متفاضلً ونسيئةً ولو غير مطعومٍ ‪ ،‬كجصّ كيليّ أو حديدٍ‬
‫ل بيع ذلك متماثلً ل متفاضلً وبل معيارٍ شرعيّ ‪ ،‬فإنّ الشّرع لم يقدّر المعيار‬
‫وزنيّ ‪ ،‬ويح ّ‬
‫بالذّرة وبما دون نصف الصّاع كحفن ٍة بحفنتين أو ثلث ٍة ما لم يبلغ نصف الصّاع ‪ ،‬وكذر ٍة من‬
‫ذهبٍ أو فضّةٍ وتفّاح ٍة بتفّاحتين بأعيانهما ‪ ،‬فإن كانا غير معيّنين أو أحدهما لم يجز ‪.‬‬
‫وخالف محمّد فرأى تحريم الرّبا في الكثير والقليل كتمرةٍ بتمرتين ‪.‬‬
‫وجيّد مال الرّبا ورديئه عند المقابلة سواء ‪ ،‬لقوله صلى ال عليه وسلم ‪ » :‬جيّدها ورديئها‬
‫ن في اعتبار الجودة والرّداءة سدّ باب البياعات فيلغو ‪ ،‬واستثنوا مسائل ل‬
‫سواء « ‪ ،‬ول ّ‬
‫يجوز فيها إهدار اعتبار الجودة ‪ ،‬وهي ‪ :‬مال اليتيم والوقف والمريض فل يباع الجيّد منه‬
‫بالرّديء ‪ .‬ويجوز بيع الرّديء بالجيّد والقُلب والمرهون إذا انكسر عند المرتهن ونقصت‬
‫قيمته فإنّه يضمنها بخلف جنسه ‪.‬‬
‫ي أبدا ‪ ،‬وما ورد النّصّ بوزنه فوزنيّ أبدا اتّباعا للّنصّ ‪ ،‬وعن أبي‬
‫ص بكيله فكيل ّ‬
‫وما ورد النّ ّ‬
‫يوسف أنّه يعتبر فيه العرف مطلقا وإن كان خلف الّنصّ وأشار ابن عابدين إلى تقويته‪،‬‬
‫ص على ذلك الكيل في الشّيء أو الوزن فيه ما كان في‬
‫ن النّ ّ‬
‫ورجّحه الكمال بن الهمام ‪ ،‬ل ّ‬
‫ن العادة إذ ذاك كذلك ‪ ،‬وقد تبدّلت فتبدّل الحكم ‪ ،‬حتّى لو كان العرف في‬
‫ذلك الوقت إلّ ل ّ‬
‫ص موافقا له ‪ ،‬ولو تغيّر العرف في حياته لنصّ‬
‫زمنه صلى ال عليه وسلم بالعكس لورد النّ ّ‬
‫على تغيّر الحكم ‪.‬‬
‫ح ‪ ،‬وبيع رطبٍ برطبٍ‬
‫ن في الص ّ‬
‫ن بغزل قط ٍ‬
‫ويجوز بيع لحمٍ بحيوانٍ ولو من جنسه وبيع قط ٍ‬
‫متماثلً كيلً ‪ ،‬وبيع لحومٍ مختلف ٍة بعضها ببعضٍ ولبن بقرٍ بلبن غنمٍ متفاضلً يدا بيدٍ ‪ ،‬ويجوز‬
‫بيع اللّبن بالجبن ‪ ،‬ول يجوز بيع الب ّر بدقيقٍ أو سويقٍ ‪ ،‬ول بيع الزّيت بالزّيتون ‪ .‬ول ربا‬
‫ن إذا تبايعا من مال الشّركة ‪.‬‬
‫بين متفاوضين وشريكي عنا ٍ‬
‫ل مثلً بمثلٍ يدا بيدٍ ‪ ،‬ول‬
‫ب بذهبٍ إ ّ‬
‫‪ -‬وقال المالكيّة ‪ :‬ل يجوز بيع فضّةٍ بفضّ ٍة ول ذه ٍ‬ ‫‪28‬‬

‫يجوز بيع الفضّة بالذّهب متفاضلً إلّ يدًا بيدٍ ‪ ،‬والطّعام من الحبوب والقطنيّة وشبهها ممّا‬
‫ل بمثلٍ يدا بيدٍ ‪ ،‬ول يجوز فيه‬
‫ت أو إدامٍ ل يجوز الجنس منه بجنسه إلّ مث ً‬
‫يدّخر من قو ٍ‬
‫ل ‪ ،‬كان من جنسه أو من خلفه ‪ ،‬كان ممّا يدّخر أو ل‬
‫تأخير ‪ ،‬ول يجوز طعام بطعامٍ إلى أج ٍ‬
‫يدّخر ‪.‬‬
‫س واحدٍ يدا بيدٍ ‪ ،‬ول يجوز‬
‫ول بأس بالفواكه والبقول وما ل يدّخر متفاضلً وإن كان من جن ٍ‬
‫التّفاضل في الجنس الواحد فيما يدّخر من الفواكه اليابسة وسائر الدام والطّعام والشّراب إلّ‬
‫الماء وحده ‪ ،‬وما اختلفت أجناسه من ذلك ومن سائر الحبوب والثّمار والطّعام فل بأس‬
‫بالتّفاضل فيه يدا بيدٍ ‪ ،‬ول يجوز التّفاضل في الجنس الواحد منه إلّ في الخضر والفواكه ‪،‬‬
‫والقمح والشّعير والسّلت كجنسٍ واحدٍ فيما يحلّ منه ويحرم ‪ ،‬والزّبيب كلّه جنس والتّمر كلّه‬
‫صنف ‪ ،‬والقطنيّة أجناس في البيوع ‪ ،‬واختلف قول مالكٍ فيها ولم يختلف قوله في الزّكاة أنّها‬
‫جنس واحد ‪ ،‬ولحوم ذوات الربع من النعام كالبل والبقر والغنم والوحش كالغزال وبقر‬
‫ب الماء كلّها جنس ‪ ،‬وما تولّد من لحوم‬
‫الوحش ‪ ،‬ولحوم الطّير كلّه جنس واحد ‪ ،‬ولحوم دوا ّ‬
‫الجنس الواحد من شحمٍ فهو كلحمه ‪ ،‬وألبان ذلك الجنس من ذوات الربع النسيّ منه‬
‫ل واحدٍ من الثّلثة‬
‫ل واحدٍ منها جنس فك ّ‬
‫والوحشيّ كلّها جنس واحد ‪ ،‬وكذلك جبنه وسمنه ‪ ،‬ك ّ‬
‫ل ل متفاضلً ‪.‬‬
‫يجوز بيع بعضه ببعضٍ متماث ً‬
‫‪ -‬وقال الشّافعيّة ‪ :‬إذا بيع الطّعام بالطّعام إن كانا جنسا اشترط الحلول والمماثلة والتّقابض‬ ‫‪29‬‬

‫قبل التّفرّق ‪ ،‬أو جنسين كحنط ٍة وشعيرٍ جاز التّفاضل واشترط الحلول والتّقابض ‪ ،‬ول ب ّد من‬
‫القبض الحقيقيّ ‪ ،‬ودقيق الصول المختلفة الجنس وخلّها ودهنها أجناس ‪ ،‬لنّها فروع أصولٍ‬
‫مختلف ٍة فأعطيت حكم أصولها ‪ ،‬واللّحوم واللبان كذلك في الظهر ‪.‬‬
‫والنّقد بالنّقد كالطّعام بالطّعام ‪.‬‬
‫والمماثلة تعتبر في المكيل كيلً وفي الموزون وزنا ‪ ،‬والمعتبر غالب عادة أهل الحجاز في‬
‫عهد رسول اللّه صلى ال عليه وسلم وما جهل يراعى فيه بلد البيع ‪ ،‬وقيل ‪ :‬الكيل ‪ ،‬وقيل ‪:‬‬
‫الوزن ‪ ،‬وقيل ‪ :‬يتخيّر ‪ ،‬وقيل ‪ :‬إن كان له أصل اعتبر ‪.‬‬
‫وتعتبر المماثلة وقت الجفاف ‪ ،‬لنّه صلى ال عليه وسلم سئل عن بيع الرّطب بالتّمر فقال ‪:‬‬
‫»أينقص الرّطب إذا يبس فقالوا ‪ :‬نعم ‪ ،‬فنهى عن ذلك « أشار صلى ال عليه وسلم بقوله ‪:‬‬
‫ن المماثلة إنّما تعتبر عند الجفاف وإلّ فالنّقصان أوضح من أن يسأل عنه‪،‬‬
‫» أينقص « إلى أ ّ‬
‫ويعتبر أيضا إبقاؤه على هيئةٍ يتأتّى ادّخاره عليها كالتّمر بنواه ‪ ،‬فل يباع رطب برطبٍ ول‬
‫بتمرٍ ‪ ،‬ول عنب بعنبٍ ول بزبيبٍ ‪ ،‬للجهل بالمماثلة وقت الجفاف للحديث السّابق ‪ ،‬وما ل‬
‫جفاف له كالقثّاء والعنب الّذي ل يتزبّب ل يباع بعضه ببعضٍ أصلً قياسا على الرّطب ‪،‬‬
‫ج تكفي مماثلته رطبا ‪ ،‬لنّ معظم منافعه في رطوبته فكان كاللّبن فيباع وزنا‬
‫ل مخرّ ٍ‬
‫وفي قو ٍ‬
‫وإن أمكن كيله ‪.‬‬
‫ص من أصل الخلقة كالتّمر البرنيّ والتّمر المعقليّ فهما جنس‬
‫ل شيئين اتّفقا في السم الخا ّ‬
‫وك ّ‬
‫واحد ‪ ،‬وكلّ شيئين اختلفا في السم من أصل الخلقة كالحنطة والشّعير والتّمر والزّبيب فهما‬
‫ن النّبيّ صلى ال عليه وسلم ذكر ستّة أشياء وحرّم فيها التّفاضل إذا‬
‫جنسان ‪ ،‬والدّليل عليه أ ّ‬
‫بيع كلّ منها بما وافقه في السم وأباح فيه التّفاضل إذا بيع بما خالفه في السم ‪ ،‬فدلّ على أنّ‬
‫كلّ شيئين اتّفقا في السم فهما جنس وإذا اختلفا في السم فهما جنسان ‪.‬‬
‫ل ما كيل أو وزن من جميع الشياء فل يجوز التّفاضل فيه إذا كان‬
‫‪ -‬وقال الحنابلة ‪ :‬ك ّ‬ ‫‪30‬‬

‫جنسا واحدا ‪ ،‬وما كان من جنسين جاز التّفاضل فيه يدا بيدٍ ‪ ،‬ول يجوز نسيئةً ‪ ،‬والدّليل‬
‫حديث عبادة السّابق ‪ ،‬وما كان ممّا ل يكال ول يوزن فجائز التّفاضل فيه يدا بيدٍ ونسيئةً‬
‫ح الرّوايات ‪ -‬ول يباع شيء من الرّطب بيابسٍ من‬
‫سواء بيع بجنسه أو بغيره ‪ -‬في أص ّ‬
‫ل العرايا ‪ ،‬فأمّا بيع الرّطب بالرّطب والعنب بالعنب ونحوهما من الرّطب بمثله‬
‫جنسه إ ّ‬
‫فيجوز مع التّماثل ‪ ،‬وأمّا ما ل ييبس كالقثّاء والخيار فعلى قولين ‪ ،‬ول يباع ما أصله الكيل‬
‫بشي ٍء من جنسه وزنا ول ما أصله الوزن كيلً ‪ ،‬والمرجع في معرفة المكيل والموزون إلى‬
‫العرف بالحجاز في عهد النّبيّ صلى ال عليه وسلم ‪ » :‬المكيال مكيال أهل المدينة والوزن‬
‫وزن أهل مكّة « ‪ .‬وما ل عرف فيه بالحجاز يحتمل وجهين ‪:‬‬
‫أحدهما ‪ :‬يردّ إلى أقرب الشياء شبها بالحجاز ‪.‬‬
‫والثّاني ‪ :‬يعتبر عرفه في موضعه ‪.‬‬
‫والتّمور كلّها جنس وإن اختلفت أنواعها ‪ ،‬والبرّ والشّعير جنسان ‪ .‬هذا هو المذهب ‪ ،‬وعن‬
‫أحمد أنّهما جنس واحد ‪ ،‬ول يجوز بيع الحنطة بشيءٍ من فروعها ‪ :‬السّويق ‪ ،‬والدّقيق في‬
‫الصّحيح ‪ ،‬وعن أحمد رواية أنّه يجوز بيعها بالدّقيق ‪ ،‬فأمّا بيع بعض فروعها ببعضٍ فيجوز‬
‫بيع كلّ واحدٍ من الدّقيق والسّويق بنوعه متساويا ‪ ،‬فأمّا بيع الدّقيق بالسّويق فالصّحيح أنّه ل‬
‫يجوز ‪.‬‬
‫ن اللّحم أجناس باختلف أصوله ‪ ،‬وفي اللّبن روايتان ‪ :‬إحداهما ‪ :‬هو جنس واحد‪.‬‬
‫والصحّ أ ّ‬
‫والثّانية ‪ :‬هو أجناس باختلف أصوله كاللّحم ‪ ،‬ول يجوز بيع اللّحم بحيوانٍ من جنسه ‪ ،‬وأمّا‬
‫ن من غير جنسه فظاهر كلم أحمد أنّه ل يجوز ‪ ،‬واختار القاضي جوازه ‪،‬‬
‫بيع اللّحم بحيوا ٍ‬
‫ن غير مأكول اللّحم جائز في ظاهر قولهم ‪ ،‬ول يجوز بيع شيءٍ من مال‬
‫وبيع اللّحم بحيوا ٍ‬
‫الرّبا بأصله الّذي فيه منه كالسّمسم بالشّيرج والزّيتون بالزّيت وسائر الدهان بأصولها‬
‫والعصير بأصله ‪.‬‬
‫وبيع شي ٍء من المعتصرات بجنسه يجوز متماثلً ‪ ،‬ويجوز بيعه بغير جنسه متفاضلً وكيف‬
‫شاء ‪ ،‬لنّهما جنسان ‪ ،‬ويعتبر التّساوي فيهما بالكيل ‪ ،‬وسواء أكانا مطبوخين أم نيئين ‪ ،‬أمّا‬
‫س واحدٍ فل يجوز ‪.‬‬
‫بيع النّيء بالمطبوخ من جن ٍ‬
‫من مسائل الرّبا ‪:‬‬
‫‪ -‬مسائل الرّبا كثيرة ومتعدّدة ‪ ،‬والعلّة هي الصل الّذي ينبني عليه عامّة مسائل الرّبا ‪ .‬أو‬ ‫‪31‬‬

‫ن مسائل هذا الباب كثيرة وفروعه منتشرة ‪ ،‬والّذي‬


‫كما قال القرطبيّ ‪ :‬اعلم رحمك اللّه أ ّ‬
‫يربط لك ذلك أن تنظر إلى ما اعتبره العلماء في علّة الرّبا ‪.‬‬
‫وفيما يلي أمثلة ومختارات من هذه المسائل ‪:‬‬
‫المحاقلة ‪:‬‬
‫‪ -‬بيع الحنطة في سنبلها بحنطةٍ صافيةٍ من التّبن ‪ ،‬وهو غير جائزٍ شرعا لما فيه من جهل‬ ‫‪32‬‬

‫التّساوي بين العوضين ‪.‬‬


‫وينظر التّفصيل في ( بيع المحاقلة ‪ ،‬ومحاقلة ) ‪.‬‬
‫المزابنة ‪:‬‬
‫‪ -‬بيع الرّطب على النّخل بتمرٍ ‪ ،‬وهو غير جائزٍ شرعا ‪ ،‬لما فيه من عدم العلم بالمماثلة‪.‬‬ ‫‪33‬‬
‫وينظر التّفصيل في ‪ ( :‬بيع المزابنة ) ‪.‬‬
‫العينة ‪:‬‬
‫ن ‪ ،‬إلى أجلٍ ‪ ،‬ثمّ شراؤها من المشتري بأقلّ من ذلك الثّمن ‪ ،‬وهي حرام‬
‫‪ -‬بيع السّلعة بثم ٍ‬ ‫‪34‬‬

‫عند جمهور الفقهاء ‪ ،‬لنّه من الرّبا أو ذريعة إلى الرّبا ‪.‬‬


‫والتّفصيل في مصطلح ‪ ( :‬بيع العينة ) ‪.‬‬
‫بيع العيان غير الرّبويّة ‪:‬‬
‫‪ -‬العيان الرّبويّة نوعان ‪:‬‬ ‫‪35‬‬

‫أ ‪ -‬العيان المنصوص عليها في حديثي عبادة وأبي سعيدٍ رضي ال تعالى عنهما ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬العيان الّتي تحقّقت فيها علّة تحريم الرّبا ‪ ،‬وهي مختلف فيها بحسب اختلف الفقهاء‬
‫في العلّة ‪.‬‬
‫ن ما عدا هذه العيان الرّبويّة بنوعيها ل‬
‫ح الرّوايات عند الحنابلة ‪ :‬إ ّ‬
‫قال الشّافعيّة ‪ ،‬وهي أص ّ‬
‫يحرم فيها الرّبا ‪ ،‬فيجوز بيع بعضها ببعضٍ متفاضلً ونسيئ ًة ‪ ،‬ويجوز فيها التّفرّق قبل‬
‫التّقابض ‪ ،‬لما روى عبد اللّه بن عمرو بن العاص رضي ال عنهما قال ‪ » :‬أمرني رسول‬
‫اللّه صلى ال عليه وسلم أن أجهّز جيشا فنفدت البل ‪ ،‬فأمرني أن آخذ على قلص الصّدقة‪،‬‬
‫فكنت آخذ البعير بالبعيرين إلى إبل الصّدقة « ‪.‬‬
‫س رضي ال‬
‫وعن عليّ رضي ال عنه أنّه باع جملً إلى أجلٍ بعشرين بعيرا ‪ ،‬وباع ابن عبّا ٍ‬
‫تعالى عنهما بعيرا بأربعة أبعر ٍة ‪ ،‬واشترى ابن عمر رضي ال تعالى عنهما راحل ًة بأربع‬
‫رواحل ورواحله بالرّبذة ‪ ،‬واشترى رافع بن خديجٍ رضي ال عنه بعيرا ببعيرين فأعطاه‬
‫أحدهما وقال ‪ :‬آتيك بالخر غدا ‪.‬‬
‫ومنع الحنفيّة ‪ ،‬والحنابلة في رواي ٍة ‪ ،‬بيع الشّيء بجنسه نسيئ ًة ‪ ،‬كالحيوان بالحيوان لحديث‬
‫سمرة ‪ -‬مرفوعا ‪ » -‬نهى عن بيع الحيوان بالحيوان نسيئ ًة « ‪.‬‬
‫ن الجنس أحد وصفي علّة ربا الفضل ‪ ،‬فحرّم النّساء كالكيل والوزن ‪.‬‬
‫ول ّ‬
‫وعند المالكيّة ‪ :‬يتصوّر الرّبا في غير النّقدين والطّعام من العروض والحيوان وسائر‬
‫التّملّكات ‪ ،‬وذلك باجتماع ثلثة أوصافٍ ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬التّفاضل ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬النّسيئة ‪.‬‬
‫ل ‪ ،‬وبيع فرسٍ للرّكوب بفرسين‬
‫ج ‪ -‬اتّفاق الغراض والمنافع ‪ .‬كبيع ثوبٍ بثوبين إلى أج ٍ‬
‫للرّكوب إلى أجلٍ ‪ .‬فإن كان أحدهما للرّكوب دون الخر جاز ‪ ،‬لختلف المنافع ‪.‬‬
‫بيع العين بالتّبر ‪ ،‬والمصنوع بغيره ‪:‬‬
‫‪ -‬ذهب جمهور الفقهاء إلى أنّ عين الذّهب ‪ ،‬وتبره ‪ ،‬والصّحيح ‪ ،‬والمكسور منه ‪ ،‬سواء‬ ‫‪36‬‬

‫في جواز البيع مع التّماثل في المقدار وتحريمه مع التّفاضل ‪ ،‬قال الخطّابيّ ‪ :‬وقد حرّم‬
‫رسول اللّه صلى ال عليه وسلم أن يباع مثقال ذهبٍ عينٍ بمثقالٍ وشي ٍء من تبرٍ غير‬
‫ب ‪ ،‬وكذلك حرّم التّفاوت بين المضروب من الفضّة وغير المضروب منها ‪ ،‬وذلك‬
‫مضرو ٍ‬
‫معنى قوله صلى ال عليه وسلم ‪ » :‬الذّهب بالذّهب تبرها وعينها « ‪.‬‬
‫وروي عن كثيرٍ من أصحاب مالكٍ ‪ ،‬وبعضهم يرويه عن مالكٍ ‪ ،‬في التّاجر يحفّزه الخروج‬
‫وبه حاجة إلى دراهم مضروب ٍة أو دنانير مضروبةٍ ‪ ،‬فيأتي دار الضّرب بفضّته أو ذهبه‬
‫ضرّاب ‪ :‬خذ فضّتي هذه أو ذهبي وخذ قدر عمل يدك وادفع إليّ دنانير مضروبةً في‬
‫فيقول لل ّ‬
‫ذهبي أو دراهم مضروب ًة في فضّتي هذه لنّي محفوز للخروج وأخاف أن يفوتني من أخرج‬
‫ي في قبسه‬
‫معه ‪ ،‬أنّ ذلك جائز للضّرورة ‪ ،‬وأنّه قد عمل به بعض النّاس ‪ ،‬وحكاه ابن العرب ّ‬
‫ن مالكا قد خفّف في ذلك ‪ ،‬قال ابن العربيّ ‪ :‬والحجّة فيه لمالكٍ‬
‫عن مالكٍ في غير التّاجر وإ ّ‬
‫بيّنة ‪.‬‬
‫ل على‬
‫ن ذلك من باب الرّفق لطلب التّجارة ولئلّ يفوت السّوق وليس الرّبا إ ّ‬
‫قال البهريّ ‪ :‬إ ّ‬
‫من أراد أن يربي ممّن يقصد إلى ذلك ويبتغيه ‪.‬‬
‫وحكي عن أحمد رواية ‪ :‬ل يجوز بيع الصّحاح بالمكسّرة ‪ ،‬ولنّ للصّناعة قيمةً بدليل حالة‬
‫التلف ‪ ،‬فيصير كأنّه ض ّم قيمة الصّناعة إلى الذّهب ‪.‬‬
‫وقال ابن قدامة ‪ :‬إن قال لصانعٍ ‪ :‬اصنع لي خاتما وزن درهمٍ ‪ ،‬وأعطيك مثل وزنه وأجرتك‬
‫درهما فليس ذلك بيع درهمٍ بدرهمين ‪ ،‬وقال أصحابنا ‪ :‬للصّائغ أخذ الدّرهمين أحدهما في‬
‫مقابلة الخاتم والثّاني أجرة له ‪.‬‬
‫الرّبا في دار الحرب ‪:‬‬
‫‪ -‬ذهب جمهور الفقهاء وأبو يوسف من الحنفيّة إلى أنّه ل فرق في تحريم الرّبا بين دار‬ ‫‪37‬‬

‫الحرب ودار السلم ‪ ،‬فما كان حراما في دار السلم كان حراما في دار الحرب ‪ ،‬سواء‬
‫جرى بين مسلمين أو مسلمٍ وحربيّ ‪ ،‬وسواء دخلها المسلم بأمانٍ أم بغيره ‪.‬‬
‫ن ما كان ربا في دار‬
‫سنّة في تحريم الرّبا من غير فرقٍ ‪ ،‬ول ّ‬
‫واستدلّوا بعموم القرآن وال ّ‬
‫السلم كان ربا محرّما في دار الحرب كما لو تبايعه مسلمان مهاجران وكما لو تبايعه مسلم‬
‫وحربيّ في دار السلم ‪ ،‬ولنّ ما حرّم في دار السلم حرّم هناك كالخمر وسائر‬
‫المعاصي ‪ ،‬ولنّه عقد على ما ل يجوز في دار السلم فلم يصحّ كالنّكاح الفاسد هناك ‪.‬‬
‫وقال أبو حنيفة ومحمّد ‪ :‬ل يحرم الرّبا بين المسلم والحربيّ في دار الحرب ول بين مسلمين‬
‫ل أنّه بالمان حرّم التّعرّض له‬
‫أسلما في دار الحرب ولم يهاجرا منها ‪ ،‬لنّ مالهم مباح إ ّ‬
‫ي طريقٍ‬
‫ل أخذ مالهم بأ ّ‬
‫بغير رضاهم تحرّزا عن الغدر ونقض العهد ‪ ،‬فإذا رضوا به ح ّ‬
‫ن ماله صار محظورا بالمان ‪.‬‬
‫كان ‪ ،‬بخلف المستأمن ل ّ‬
‫مسألة مدّ عجوةٍ ‪:‬‬
‫‪ -‬إذا جمع البيع ربويّا من الجانبين واختلف جنس المبيع منهما بأن اشتمل أحدهما على‬ ‫‪38‬‬

‫جنسين ربويّين اشتمل الخر عليهما ‪ ،‬كمدّ عجوةٍ ودرهمٍ بمدّ من عجوةٍ ودرهمٍ ‪ ،‬وكذا لو‬
‫اشتمل على أحدهما فقط كمدّ ودرهمٍ بمدّين أو درهمين ‪ ،‬أو اشتمل جميعهما على جنسٍ‬
‫ب ‪ ،‬أو في أحدهما كدرهمٍ‬
‫ب بدرهمٍ وثو ٍ‬
‫ربويّ وانضمّ إليه غير ربويّ فيهما كدرهمٍ وثو ٍ‬
‫وثوبٍ بدرهمٍ ‪ ،‬أو اختلف نوع المبيع كصحاحٍ ومكسّر ٍة تنقص قيمتها عن قيمة الصّحاح بهما‬
‫ح فقط أو بمكسّر ٍة فقط ‪ ...‬إذا كان البيع على‬
‫ح ومكسّرةٍ ‪ ،‬أو بأحدهما أي بصحا ٍ‬
‫أي بصحا ٍ‬
‫صورةٍ من هذه الصّور فهو باطل ‪ ،‬وهذه هي المسألة الفقهيّة المعروفة بمسألة " مدّ عجوةٍ"‪.‬‬
‫والدّليل على بطلن البيع في هذه الصّور خبر مسلمٍ عن فضالة بن عبي ٍد رضي ال عنه قال‪:‬‬
‫» أتي النّبيّ صلى ال عليه وسلم بقلد ٍة فيها خرز وذهب تباع ‪ ،‬فأمر النّبيّ صلى ال عليه‬
‫وسلم بالذّهب الّذي في القلدة فنزع وحده ثمّ قال ‪ :‬الذّهب بالذّهب وزنا بوزنٍ « وفي روايةٍ‪:‬‬
‫» ل تباع حتّى تفصل « ‪.‬‬
‫واستدلّ من جهة المعنى بأنّ قضيّة اشتمال أحد طرفي العقد على مالين مختلفين توزيع ما في‬
‫الخر عليهما اعتبارا بالقيمة ‪ ،‬والتّوزيع يؤدّي إلى المفاضلة أو الجهل بالمماثلة ‪ ،‬لنّه إذا باع‬
‫مدا ودرهما بمدّين إن كانت قيمة المدّ الّذي مع الدّرهم أكثر أو أقلّ منه لزمته المفاضلة ‪ ،‬أو‬
‫مثله فالمماثلة مجهولة ‪.‬‬
‫ولجمهور الفقهاء القائلين بتحقّق الرّبا في مسألة مدّ عجو ٍة تفصيل وتفريع على ما سبق من‬
‫أحكام المسألة ‪.‬‬
‫وذهب الحنفيّة وحمّاد بن أبي سليمان والشّعبيّ والنّخعيّ إلى جواز ذلك إذا كان الرّبويّ المفرد‬
‫ل واحدٍ منهما من غير جنسه ‪ ،‬لنّ العقد إذا أمكن‬
‫أكثر من الّذي معه غيره ‪ ،‬أو كان مع ك ّ‬
‫ي في مقابلة قدره من الرّبويّ الخر‬
‫صحّة لم يحمل على الفساد فيجعل الرّبو ّ‬
‫حمله على ال ّ‬
‫ويجعل الزّائد في مقابلة ما زاد عن القدر المماثل ‪.‬‬

‫رباط *‬
‫التّعريف ‪:‬‬
‫‪ -‬الرّباط والمرابطة ملزمة ثغر العد ّو ‪ ،‬وأصله أن يربط كلّ من الفريقين خيله ‪ ،‬ثمّ صار‬ ‫‪1‬‬

‫لزوم الثّغر رباطا ‪ ،‬وربّما سمّيت الخيل أنفسها رباطا ‪ ،‬ويقال ‪ :‬الرّباط من الخيل ‪ :‬الخمس‬
‫صبِرُواْ َوصَا ِبرُواْ َورَابِطُوا } أي ‪ :‬أقيموا على جهاد عدوّكم‬
‫فما فوقها ‪ .‬ومنه قوله تعالى ‪ { :‬ا ْ‬
‫‪.‬‬
‫ويطلق الرّباط على المحافظة على الصّلوات الخمس ‪ ،‬أو مداومة الجلوس في المسجد ‪ ،‬كما‬
‫جاء في الثر ‪ :‬قال عليه الصلة والسلم ‪ » :‬أل أدلّكم على ما يمحو اللّه به الخطايا ‪،‬‬
‫ويرفع به الدّرجات ؟ قالوا ‪ :‬بلى يا رسول اللّه ‪ .‬قال ‪ :‬إسباغ الوضوء على المكاره ‪ ،‬وكثرة‬
‫الخطى إلى المساجد ‪ ،‬وانتظار الصّلة بعد الصّلة ‪ ،‬فذلكم الرّباط ‪ ،‬ثلثا « ‪.‬‬
‫والربطة ‪ :‬البيوت المسبّلة ليواء الفقراء والغرباء وطلبة العلم وقد يطلق على المكان الّذي‬
‫يرابط فيه المجاهدون ‪.‬‬
‫اللفاظ ذات الصّلة ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬الجهاد ‪:‬‬
‫‪ -‬وهو في اللّغة بذل الوسع في المر ‪.‬‬ ‫‪2‬‬

‫وفي الصطلح ‪ :‬بذل الوسع في القتال في سبيل اللّه مباشرةً ‪ ،‬أو معاونةً بمالٍ ‪ ،‬أو رأيٍ ‪،‬‬
‫أو تكثير سوا ٍد أو غير ذلك ‪.‬‬
‫فالجهاد أع ّم من الرّباط ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬الحراسة ‪:‬‬
‫ن واحترس منه ‪ :‬تحفّظ منه ‪.‬‬
‫‪ -‬وهو مصدر حرس الشّيء ‪ :‬إذا حفظه ‪ ،‬وتحرّس من فل ٍ‬ ‫‪3‬‬

‫وبينها وبين الرّباط عموم وخصوص من وج ٍه ‪.‬‬


‫الحكم التّكليفيّ ‪:‬‬
‫ل ‪ :‬الرّباط بمعنى ملزمة الثّغور ‪:‬‬
‫أ ّو ً‬
‫‪ -‬الرّباط سنّة مؤكّدة ‪ ،‬لنّه حفظ ثغور ال سلم وصيانتها ‪ ،‬ودفع عن الم سلمين ‪ ،‬و عن‬ ‫‪4‬‬

‫حريمهم ‪ ،‬وقوّة لهل الثّغر ولهل الغزو ‪ ،‬قال أحمد ‪ :‬هو أصل الجهاد وفرعه ‪.‬‬
‫ن آ َمنُو ْا اصْ ِبرُواْ َوصَابِرُواْ‬
‫وجاء في القرآن الكريم المر به ‪ ،‬قال اللّه تعالى ‪ { :‬يَا َأ ّيهَا اّلذِي َ‬
‫َورَا ِبطُواْ } ‪ .‬وقال القرطبيّ ‪ :‬قال جمهور المّة في تفسير الية ‪ :‬رابطوا أعداءكم بالخيل ‪،‬‬
‫ن الرّباط هو الملزمة في‬
‫وعزا إلى ابن عطيّة قوله ‪ :‬القول الصّحيح في معنى رابطوا ‪ :‬أ ّ‬
‫سبيل اللّه ‪ ،‬أصلها من ربط الخيل ‪ ،‬ثمّ سمّي كلّ ملزمٍ لثغرٍ من ثغور المسلمين مرابطا ‪،‬‬
‫فارسا كان أم راجلً ‪.‬‬
‫فضل الرّباط ‪:‬‬
‫‪ -‬ورد في فضل الرّباط أحاديث كثيرة منها ‪:‬‬ ‫‪5‬‬
‫قوله صلى ال عليه وسلم ‪ » :‬رباط يو ٍم في سبيل اللّه خير من الدّنيا وما عليها ‪ ،‬وموضع‬
‫سوط أحدكم من الجنّة خير من الدّنيا ‪ ،‬وما عليها « ‪.‬‬
‫وقال ‪ » :‬رباط يومٍ وليلةٍ خير من صيام شهرٍ وقيامه ‪ ،‬وإن مات جرى عليه عمله الّذي كان‬
‫يعمله ‪ ،‬وأجري عليه رزقه ‪ ،‬وأمن الفتّان « ‪.‬‬
‫ل ميّتٍ يختم على عمله إلّ الّذي مات مرابطا في سبيل‬
‫وورد عنه صلى ال عليه وسلم ‪ » :‬ك ّ‬
‫اللّه ‪ ،‬فإنّه يُنمّى له عمله إلى يوم القيامة ‪ ،‬ويأمن من فتّان القبر « ‪.‬‬
‫أفضل الرّباط ‪:‬‬
‫‪ -‬أفضل الرّباط ‪ :‬أشدّ الثّغور خوفا ‪ ،‬لنّ مقامه به أنفع ‪ ،‬وأهله أحوج ‪.‬‬ ‫‪6‬‬

‫المحلّ الّذي يتحقّق فيه الرّباط ‪:‬‬


‫ل محلّ ‪ ،‬فقال‬
‫‪ -‬اختلف الفقهاء في المحلّ الّذي يتحقّق فيه الرّباط ‪ ،‬فإنّه ل يتحقّق في ك ّ‬ ‫‪7‬‬

‫ن ما دونه‬
‫الحنفيّة ‪ :‬المختار ‪ :‬أنّه ل يكون الرّباط ‪ ،‬إلّ في موضعٍ ل يكون وراءه إسلم ‪ ،‬ل ّ‬
‫لو كان رباطا فكلّ المسلمين في بلدهم مرابطون ‪ ،‬وقال بعضهم ‪ :‬إذا أغار العد ّو على‬
‫موضعٍ مرّ ٍة سمّي ذلك الموضع رباطا ‪ ،‬أربعين سن ًة ‪.‬‬
‫والصل في هذا حديث ‪ » :‬من حرس من وراء المسلمين في سبيل اللّه متطوّعا ل يأخذه‬
‫ل تحلّة القسم « ‪.‬‬
‫سلطان لم ير النّار بعينيه إ ّ‬
‫وقال ابن حجرٍ في فتح الباري ‪ :‬إذا نوى بالقامة في أيّ مكان وإن كان وطنه دف َع العدوّ ‪،‬‬
‫فإنّه يكون مرابطا ‪ ،‬قال ‪ :‬ومن َثمّ اختار كثير من السّلف سكنى الثّغور ‪.‬‬
‫وعزا إلى ابن التّين أنّه قال ‪ :‬الرّباط ملزمة المكان الّذي بين المسلمين والكفّار لحراسة‬
‫المسلمين منهم ‪ ،‬بشرط أن يكون غير الوطن ‪ ،‬وعزا ذلك إلى ابن حبيبٍ عن مالكٍ ‪.‬‬
‫وقال القرطبيّ ‪ :‬المرابط عند الفقهاء هو الّذي يشخص إلى ثغرٍ من الثّغور ليرابط فيه مدّ ًة ما‬
‫أمّا سكّان الثّغور دائما بأهليهم الّذين يعمرون ويكتسبون هنالك فهم وإن كانوا حما ًة فليسوا‬
‫بمرابطين ‪.‬‬
‫مدّة الرّباط ‪:‬‬
‫‪ -‬قال الفقهاء ‪ :‬تمام الرّباط ‪ :‬أربعون يوما فقد روي عن النّبيّ صلى ال عليه وسلم أنّه‬ ‫‪8‬‬

‫قال ‪ » :‬تمام الرّباط أربعون يوما « ‪.‬‬


‫وروي عن أبي هريرة ‪ :‬من رابط أربعين يوما فقد استكمل الرّباط ‪.‬‬
‫وهذا محلّ اتّفاقٍ بين الفقهاء ولم نقف على خلفٍ ‪.‬‬
‫وروي عن ابن عمر رضي ال عنهما ‪ :‬أنّه قدم على عمر من الرّباط ‪ ،‬فقال ‪ :‬كم رابطت ؟‬
‫ل رجعت حتّى تتمّها أربعين يوما ‪.‬‬
‫قال ‪ :‬ثلثين يوما ‪ ،‬فقال عمر ‪ :‬عزمت عليك أ ّ‬
‫وإن رابط أكثر فله أجره ‪.‬‬
‫أمّا أقلّ الرّباط فقد اختلفوا فيه ‪:‬‬
‫فقال الحنابلة ‪ :‬إنّ أقلّ الرّباط ساعة ‪.‬‬
‫ل ما يجزئ يوم أو ليلة ‪ ،‬وقال ‪ :‬لنّه قيّد اليوم في الحديث‬
‫وقال ابن حجرٍ في فتح الباري ‪ :‬أق ّ‬
‫ن أقلّ الرّباط‬
‫‪ ،‬وأطلق في الية ‪ ،‬فكأنّه أشار إلى أنّ مطلق الية مقيّد بالحديث ‪ ،‬لنّه يشعر بأ ّ‬
‫يوم ‪ ،‬لسياقه في مقام المبالغة وذكره مع سوطٍ يشير إلى ذلك ‪.‬‬
‫الرّباطات المسبّلة ‪:‬‬
‫‪ -‬الرّباطات المسبّلة في الطّرق وعلى أطراف بلد المسلمين ‪ -‬وهي ما يبنى للمسافرين‬ ‫‪9‬‬

‫والغرباء والفقراء ‪ -‬من المنافع المشتركة ‪ .‬فمن سبق إلى موضعٍ منها وهو من المستحقّين‬
‫لمنافعها صار أحقّ به ‪ ،‬وليس لغيره إزعاجه ‪ ،‬سواء دخل بإذن المام أم ل ‪ .‬ول يبطل حقّه‬
‫بالخروج لحاج ٍة كشراء طعامٍ ‪ ،‬ونحوه ‪ ،‬ول يشترط تخليفه نائبا له في الموضع ‪ ،‬ول أن‬
‫يترك فيه متاعه ‪.‬‬
‫وإذا سكن بيتا منها من تتوفّر فيه شروط المسبّلة ‪ ،‬وغاب أيّاما قليل ًة فهو أحقّ به إذا عاد ‪.‬‬
‫فإن طالت غيبته بطل حقّه ‪.‬‬
‫وتفصيل ذلك في مصطلحي ‪ ( :‬المنافع المشتركة ‪ ،‬ووقف ) ‪.‬‬

‫رباع *‬
‫التّعريف ‪:‬‬
‫ن النسان يربع فيه أي يسكنه‬
‫‪ -‬الرّباع لغ ًة ‪ :‬جمع ربعٍ وهو المنزل والدّار ‪ ،‬سمّي بذلك ل ّ‬ ‫‪1‬‬

‫ويقيم فيه ‪ .‬والجمع ‪ :‬أربع ورباع وربوع ‪.‬‬


‫وفي حديث أسامة رضي ال عنه قال له رسول اللّه صلى ال عليه وسلم ‪ » :‬وهل ترك لنا‬
‫عقيل من رباعٍ أو دورٍ ؟ « وفي روايةٍ ‪ » :‬من دارٍ « ‪ ،‬وربع القوم ‪ :‬محلّتهم ‪.‬‬
‫وفي حديث عائشة رضي ال عنها ‪ :‬أرادت بيع رباعها أي منازلها ‪ ،‬والرّبعة ‪ :‬أخصّ من‬
‫الرّبع ‪ ،‬والرّبع ‪ :‬المحلّة ‪ .‬يقال ‪ :‬ما أوسع ربع بني فلنٍ ‪.‬‬
‫واصطلحا ‪ :‬أطلق الفقهاء اسم الرّبع على البناء وحائط النّخل يحوّط عليه بجدارٍ أو غيره ‪.‬‬
‫اللفاظ ذات الصّلة ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬العقار ‪:‬‬
‫ل ملكٍ ثابتٍ له أصل ‪ ،‬كالدّار والنّخل ‪.‬‬
‫‪ -‬العقار عند الجمهور هو ‪ :‬ك ّ‬ ‫‪2‬‬
‫وعرّفه الحنفيّة بأنّه الضّيعة ‪ ،‬وجعلوا البناء والنّخل من المنقولت ‪ ،‬وعندهم قول كقول‬
‫الجمهور ‪.‬‬
‫وعقار البيت ‪ :‬متاعه ونضده إذا كان حسنا كبيرا ‪ ،‬ويقال ‪ :‬في البيت عقار حسن أي ‪ :‬متاع‬
‫وأداة ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬الرض ‪:‬‬
‫‪ -‬الرض معروفة وجمعها أراضٍ وأرضون ‪.‬‬ ‫‪3‬‬

‫ج ‪ -‬الدّار ‪:‬‬
‫‪ -‬الدّار اسم جامع للعرصة والبناء والمحلّة ‪ ،‬واللّفظ مؤنّث ‪.‬‬ ‫‪4‬‬

‫وقال ابن ج ّنيّ ‪ :‬هي من دار يدور لكثرة حركات النّاس فيها والجمع أدور وأدؤر ‪ ،‬والكثير‬
‫ديار ودور ‪.‬‬
‫ما يتعلّق بالرّباع من أحكامٍ ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬رباع مكّة المكرّمة ‪:‬‬
‫‪ -‬ذهب الحنفيّة والحنابلة إلى عدم جواز بيع وإجارة رباع مكّة وعدم صحّة ذلك إذا وقع‪،‬‬ ‫‪5‬‬

‫جعَ ْلنَا ُه لِلنّاسِ سَوَاء ا ْلعَا ِكفُ فِيهِ وَا ْلبَادِ } ‪ ،‬ولحديث‬
‫حرَا ِم اّلذِي َ‬
‫جدِ ا ْل َ‬
‫سِ‬‫لقوله تعالى ‪ { :‬وَا ْل َم ْ‬
‫ل بيع رباعها ‪ ،‬ول إجارة بيوتها « ‪،‬‬
‫مجاه ٍد مرفوعا » مكّة حرام ‪ ،‬حرّمها اللّه ‪ ،‬ل تح ّ‬
‫ولحديث » مكّة مناخ ل تباع رباعها ول تؤاجر بيوتها « ‪ ،‬وقال الحنابلة ‪ :‬فإن سكن بأجرةٍ‬
‫في رباع مكّة لم يأثم بدفعها ‪.‬‬
‫وفي روايةٍ عن أبي حنيفة أنّه يجوز بيعها وإجارتها وبه أخذ أبو يوسف ‪ ،‬وبهذا قال‬
‫الشّافعيّة ‪ ،‬واستدلّ الشّافعيّ رحمه ال تعالى لجواز بيع رباع مكّة وكراء دورها بقول اللّه‬
‫خ ِرجُوا مِن دِيارِهِمْ } فنسب الدّيار إلى المالكين ‪ ،‬وبحديث‬
‫ن ُأ ْ‬
‫تعالى ‪ { :‬لِلْفُ َقرَاء ا ْل ُمهَاجِرِينَ اّلذِي َ‬
‫أسامة بن زيدٍ أنّه قال ‪ » :‬يا رسول اللّه أين تنزل في دارك بمكّة ؟ فقال ‪ :‬وهل ترك لنا‬
‫عقيل من رباعٍ أو دورٍ « ‪ ،‬وكان عقيل ورث أبا طالبٍ ‪ ،‬ولم يرث جعفر ول عليّ رضي‬
‫ال عنهما شيئا لنّهما كانا مسلمين ‪ ،‬وبقول رسول اللّه صلى ال عليه وسلم ‪ » :‬من دخل‬
‫دار أبي سفيان فهو آمن « فنسب الدّيار إلى مالكيها ‪ ،‬وباشتراء عمر رضي ال عنه دار‬
‫الحجّامين وإسكانها ‪.‬‬
‫والمالكيّة عندهم في المسألة أربع رواياتٍ ‪:‬‬
‫الولى ‪ :‬المنع وهو المشهور ‪.‬‬
‫والثّانية ‪ :‬الجواز ‪ ،‬قال ابن رشدٍ ‪ :‬وهو أشهر الرّوايات والمعتمد الّذي به الفتوى ‪ ،‬وعليه‬
‫جرى العمل من أئمّة الفتوى والقضاة بمكّة ‪.‬‬
‫والثّالثة ‪ :‬الكراهة ‪ ،‬فإن قصد بالكراء اللت والخشاب جاز ‪ ،‬وإن قصد البقعة فل خير فيه‪.‬‬
‫والرّابعة ‪ :‬تخصيص الكراهة بالموسم لكثرة النّاس واحتياجهم إلى الوقف ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬الشّفعة في الرّباع ‪:‬‬
‫‪ -‬تجب الشّفعة في الرّباع قبل قسمتها بالجماع تبعا للرض عند الحنفيّة والحنابلة ‪،‬‬ ‫‪6‬‬

‫وأصلً عند المالكيّة والشّافعيّة ‪.‬‬


‫ل في العقار ‪.‬‬
‫قال الحنفيّة والحنابلة ‪ :‬لنّ ضرر أذى الدّخيل يتأبّد ‪ ،‬وذلك ل يتحقّق إ ّ‬
‫ن الضّرر في‬
‫وقال الشّافعيّة ‪ :‬تجب الشّفعة في العقار إن كان ربعا أو حائطا ‪ .‬قالوا ‪ :‬ل ّ‬
‫العقار يتأبّد من جهة الشّريك فتثبت فيه الشّفعة لزالة الضّرر ‪.‬‬
‫ولمزيد اليضاح انظر ‪ ( :‬شفعة ) ‪.‬‬
‫ج ‪ -‬قسمة الرّباع ‪:‬‬
‫‪ -‬ذهب الجمهور إلى أنّ البناء والشّجر يتبعان الرض في القسمة ‪ ،‬والرض ل تتبعهما‬ ‫‪7‬‬

‫فمن وقع في نصيبه من قسمة الرض شيء منهما فهو له ‪ ،‬بخلف العكس ‪.‬‬
‫ن كلً من الرض والبناء والشّجر يتبع الخر في بيعه‬
‫وخالف المالكيّة في ذلك فنصّوا على أ ّ‬
‫ما لم يمنع من ذلك شرط أو عرف ‪.‬‬
‫ولمزيدٍ من اليضاح انظر ‪ ( :‬قسمة ) ‪.‬‬
‫د ‪ -‬وقف الرّباع ‪:‬‬
‫ح وقف العقار من أرضٍ ودورٍ وحوانيت وبساتين ونحوها بالتّفاق بدليل وقف عمر‬
‫‪ -‬يص ّ‬ ‫‪8‬‬

‫رضي ال عنه مائة سهمٍ في خيبر ‪ ،‬ولنّ جماع ًة من الصّحابة رضوان ال عليهم وقفوا ‪،‬‬
‫ن العقار متأبّد على الدّوام والوقف تحبيس الصل وتسبيل المنفعة ‪.‬‬
‫ول ّ‬
‫وتفصيل ذلك في مصطلح ‪ ( :‬وقف ) ‪.‬‬

‫ربح *‬
‫التّعريف ‪:‬‬
‫‪ -‬الرّبح والرّبح والرّباح لغ ًة النّماء في التّجارة ‪ ،‬ويسند الفعل إلى التّجارة مجازا ‪ ،‬فيقال‪:‬‬ ‫‪1‬‬

‫ن }‪.‬‬
‫ربحت تجارته ‪ ،‬فهي رابحة ‪ ،‬ومنه قوله تعالى ‪َ { :‬فمَا َر ِبحَت ّتجَا َر ُتهُمْ َومَا كَانُو ْا ُم ْه َتدِي َ‬
‫قال الزهريّ ‪ :‬ربح في تجارته إذا أفضل فيها ‪ ،‬وأربح فيها ‪ :‬صادف سوقا ذات ربحٍ ‪،‬‬
‫وأربحت الرّجل إرباحا ‪ :‬أعطيته ربحا ‪.‬‬
‫ل قدرٍ من الثّمن ربحا ‪.‬‬
‫وبعته المتاع واشتريته منه مرابح ًة ‪ :‬إذا سمّيت لك ّ‬
‫ول يخرج المعنى الصطلحيّ عند الفقهاء عن ذلك ‪.‬‬
‫اللفاظ ذات الصّلة ‪:‬‬
‫النّماء ‪:‬‬
‫ل شي ٍء على وجه الرض إمّا نامٍ أو صامت ‪ ،‬فالنّامي مثل النّبات‬
‫‪ -‬النّماء الزّيادة ‪ ،‬وك ّ‬ ‫‪2‬‬

‫والشجار ‪ ،‬والصّامت كالحجر والجبل ‪ ،‬والنّماء في الذّهب والورق مجاز ‪ ،‬وفي الماشية‬
‫حقيقة ‪ ،‬لنّها تزيد بتوالدها ‪.‬‬
‫والنّماء قد يكون بطبيعة الشّيء أو بالعمل ‪ .‬فالنّماء أعمّ من الرّبح ‪.‬‬
‫الغلّة ‪:‬‬
‫‪ -‬تطلق الغلّة على الدّخل الّذي يحصل من ريع الرض أو أجرتها ‪ ،‬أو أجرة الدّار واللّبن‬ ‫‪3‬‬

‫والنّتاج ونحو ذلك ‪ ،‬وفي الحديث ‪ » :‬الغلّة بالضّمان « قال ابن الثير ‪ :‬هو كحديثه صلى‬
‫ال عليه وسلم الخر ‪ » :‬الخراج بالضّمان « ‪.‬‬
‫واستغلل المستغلّت ‪ ،‬أخذ غلّتها ‪ ،‬وأغلّت الضّيعة أعطت الغلّة فهي مغلّة ‪ :‬إذا أتت بشيءٍ‬
‫وأصلها باقٍ ‪.‬‬
‫الحكم الجماليّ ‪:‬‬
‫‪ -‬الرّبح إمّا أن يكون مشروعا ‪ ،‬أو غير مشروعٍ أو مختلفا فيه ‪.‬‬ ‫‪4‬‬

‫فالرّبهح المشروع هو مها ن تج عن تصه ّرفٍ مباحٍه كالعقود الجائزة ‪ ،‬مثهل البيهع والمضار بة‬
‫والشّر كة وغير ها فالرّ بح النّا تج عن هذه التّ صرّفات المبا حة حلل بالجماع مع مراعاة أ نّ‬
‫لكلّ عقدٍ من هذه العقود قواعد وشرائط شرعيّ ًة ل بدّ من مراعاتها ‪.‬‬
‫وينظر التّفصيل في مصطلحات ‪ ( :‬بيع ‪ ،‬شركة ‪ ،‬مرابحة ) ‪.‬‬
‫والرّ بح غ ير المشروع ‪ :‬هو ما ن تح عن ت ص ّرفٍ محرّ مٍ كالرّ با والقمار والتّجارة بالمحرّمات‬
‫ل اللّ ُه ا ْل َبيْعَ َوحَ ّرمَ ال ّربَا } ‪.‬‬
‫لقوله عزّ وجلّ ‪ { :‬وََأحَ ّ‬
‫ن اللّه ورسوله حرّم بيع الخمر والميتة والخنزير والصنام‬
‫وقوله صلى ال عليه وسلم ‪ » :‬إ ّ‬
‫«‬
‫( ر ‪ :‬ربا ‪ ،‬أشربة ‪ ،‬بيع ) ‪.‬‬
‫وأمّا الرّبح المختلف فيه ‪ ،‬فمنه ما نتج عن التّصرّف فيما كان تحت يد النسان من مال غيره‬
‫‪ ،‬سواء كانت يد أمان ٍة كالمودع ‪ ،‬أم يد ضمانٍ كالغاصب وخلفه ‪.‬‬
‫وقد اختلف الفقهاء في هذه المسألة على أقوالٍ ‪:‬‬
‫ن الرّبح ل يطيب لمن تصرّف في المغصوب أو الوديعة ‪ ،‬هذا عند أبي حنيفة‬
‫فالحنفيّة على أ ّ‬
‫ومح ّمدٍ خلفا ل بي يو سف ‪ .‬وو جه ذلك ع ند أ بي يو سف أنّه ح صل التّ صرّف في ضما نه‬
‫وملكه ‪ .‬أمّا الضّمان فظاهر ‪ ،‬ل نّ المغصوب دخل في ضمان الغاصب ‪ ،‬وأمّا الملك ‪ ،‬فلنّه‬
‫ن التّ صرّف ح صل في مل كه‬
‫ضمّ ن ‪ ،‬وع ند أ بي حني فة ومح ّمدٍ أ ّ‬
‫يمل كه من و قت الغ صب إذا ُ‬
‫ب خبيثٍ ‪ ،‬لنّه تصرّف في ملك الغير بغير إذنه ‪ ،‬وما هو كذلك فسبيله‬
‫وضمانه ‪ ،‬لكنّه بسب ٍ‬
‫التّصدّق به ‪ ،‬إذ الفرع يحصل على وصف الصل ‪ ،‬وأصله حديث الشّاة » حيث أمر النّبيّ‬
‫صلى ال عليه وسلم بالتّصدّق بلحمها على السرى « ‪.‬‬
‫وأمّا عند المالكيّة والشّافعيّة في الظهر فالرّبح لمن تصرّف في الوديعة وليس للمالك ‪ ،‬لنّها‬
‫لو تلفت لضمنها ‪ ،‬وقال الشّربينيّ الخطيب ‪ :‬لو اتّجر الغاصب في المال المغصوب فالرّبح له‬
‫في الظهر ‪ ،‬فإذا غصب دراهم واشترى شيئا في ذمّته ونقد الدّراهم في ثمنه وربح ردّ مثل‬
‫الدّراهم ‪ ،‬لنّها مثليّة إن تعذّر عليه ر ّد ما أخذه ‪ ،‬وإلّ وجب عليه ردّه بعينه ‪ ،‬أمّا إذا اشترى‬
‫بعينه فالجديد بطلنه ‪.‬‬
‫وعند الحنابلة ‪ :‬الرّبح لصاحب الوديعة أو مالك المغصوب ‪.‬‬
‫قال ا بن قدا مة ‪ :‬إذا غ صب أثمانا فاتّ جر ب ها أو عروضا فباع ها واتّ جر بثمن ها فالرّ بح للمالك‬
‫والسّلع المشتراة له ‪.‬‬
‫وقال الشّريهف أبهو جعفرٍ وأبهو الخطّاب ‪ :‬إن كان الشّراء بعيهن المال فالرّبهح للمالك ‪ ،‬قال‬
‫الشّريف ‪ :‬وعن أحمد أنّه يتصدّق به ‪.‬‬
‫وإن اشتراه في ذمّته ث مّ نقد الثمان فقال أبو الخطّاب‪ :‬يحتمل أن يكون الرّبح للغاصب ‪ ،‬لنّه‬
‫اشترى لنف سه في ذمّ ته ‪ ،‬فكان الشّراء له ‪ ،‬والرّ بح له ‪ ،‬وعل يه بدل المغ صوب ‪ ،‬وهذا قياس‬
‫قول الخرق يّ ‪ ،‬ويحت مل أن يكون الرّ بح للمغ صوب م نه ‪ ،‬لنّه نماء مل كه ‪ ،‬فكان له ‪ ،‬ك ما لو‬
‫اشترى له بع ين المال ‪ ،‬وهذا هو ظا هر المذ هب ‪ ،‬وإن ح صل خ سران ف هو على الغا صب ‪،‬‬
‫لنّه نقص حصل في المغصوب ‪.‬‬
‫الرّبح في المضاربة ‪:‬‬
‫‪ -‬أجمع الفقهاء على أنّ تحديد النّسبة في قسمة الرّبح من أركان صحّة عقد القراض‬ ‫‪5‬‬

‫( المضاربة ) ويكون بين المالك والعامل على ما يتّفقان عليه من التّساوي أو التّفاضل ‪،‬‬
‫فيجوز أن يكون للعامل نصف الرّبح أو ثلثه ‪ ،‬أو ربعه ‪ ،‬أو خمسه ‪ ،‬أو نحو ذلك ‪ ،‬وكذلك‬
‫العكس ‪ ،‬أي يجوز للمالك أن يشرط لنفسه ثلثي الرّبح ‪ ،‬أو ثلثه ‪ ،‬أو ربعه ‪ ،‬أو غير ذلك من‬
‫النّسب ‪ ،‬كثير ًة كانت أو قليل ًة ‪ ،‬بشرط أن يكون الرّبح مشتركا بينهما ‪ ،‬فلو قال المالك للعامل‪:‬‬
‫خذ هذا المال مضاربةً والرّبح كلّه لي ‪ ،‬أو قال ‪ :‬كلّه لك ‪ ،‬فقد اختلف الفقهاء فيه ‪ ،‬فذهب‬
‫الشّافعيّة في الرّاجح عندهم والحنابلة إلى أنّه عقد فاسد رعاي ًة للّفظ ‪ ،‬لنّ المضاربة تقتضي‬
‫كون الرّبح مشتركا بينهما ‪ ،‬فإذا انفرد أحدهما بالرّبح انتفى مقتضى العقد ففسد ‪ .‬وقال‬
‫المالكيّة ‪ :‬يكون مضارب ًة صحيح ًة في الصّورتين ‪ ،‬لنّهما دخل في التّراضي فإذا شرط‬
‫لحدهما الرّبح فكأنّه وهب الخر نصيبه فلم يمنع صحّة العقد ‪ ،‬وهو وجه عند الشّافعيّة ‪،‬‬
‫وذهب الحنفيّة إلى أنّه إذا قال ‪ :‬والرّبح كلّه لي كان إبضاعا صحيحا ‪ ،‬لنّه أثبت له حكم‬
‫البضاع فانصرف إليه ‪ ،‬وهذا قول آخر عند الشّافعيّة ‪.‬‬
‫والبضاع بعث المال مع من يتّجر فيه متبرّعا ‪ ،‬والبضاعة المال المبعوث ‪ ،‬ومن الصّيغ‬
‫الصّحيحة للبضاع قول المالك للعامل ‪ :‬خذ هذا المال فاتّجر به أو تصرّف فيه والرّبح كلّه‬
‫لي ‪ ،‬وكذا قوله ‪ :‬أبضعتك هذا المال ‪ .‬أمّا إذا قال ‪ :‬والرّبح كلّه لك ‪ ،‬فقرض ‪ ،‬وقد جرى‬
‫مثل هذا الخلف فيما إذا قال ‪ :‬أبضعتك على أنّ نصف الرّبح لك ‪ ،‬فذهب بعضهم إلى أنّه‬
‫قراض فاسد رعاي ًة للمعنى ‪ .‬وذهب آخرون إلى أنّه إبضاع رعاي ًة للّفظ ‪.‬‬
‫والتّفصيل في مصطلح ‪ ( :‬إبضاع ‪ ،‬مضاربة ‪ ،‬قرض ) ‪.‬‬
‫الرّبح في الشّركة ‪:‬‬
‫‪ -‬الرّ بح في الشّر كة يكون ب ين الشّريك ين أو الشّركاء على ما يتّفقان أو يتّفقون عل يه من‬ ‫‪6‬‬

‫ث ‪ ،‬أو رب عٍ ‪ ،‬أو نحو ذلك ‪ ،‬أي يجوز أن يتساويا فيه مع تفاضلهما في المال‬
‫نصفٍ ‪ ،‬أو ثل ٍ‬
‫وأن يتفاضل فيه مع تساويهما في المال ‪ ،‬لنّ العمل ممّا يستحقّ به الرّبح ‪ ،‬فجاز أن يتفاضل‬
‫في الرّ بح مع وجود الع مل منه ما ‪ ،‬ل نّ أحده ما قد يكون أب صر بالتّجارة من ال خر وأقوى‬
‫على العمهل ‪ ،‬فجاز له أن يشترط زياد ًة فهي الرّبهح فهي مقابلة عمله ‪ ،‬كمها يشترط الرّبهح فهي‬
‫مقابلة عمل المضارب ‪ ،‬وبهذا قال الحنفيّة والحنابلة ‪.‬‬
‫وقال المالكيّة والشّافعيّة ‪ :‬إ نّ من شرط صحّة الشّر كة أن يكون الرّ بح على قدر المال ين فإن‬
‫تسهاوى المالن فالرّبهح يكون بينهمها بالتّسهاوي ‪ ،‬وإن تفاضهل يكون الرّبهح بينهمها متفاضلً ‪،‬‬
‫ن الرّ بح هو ثمرة المال ين ‪ ،‬في جب أن يكون على‬
‫سواء ت ساويا في الع مل أو تفاو تا ف يه ‪ ،‬ل ّ‬
‫قدرهما ‪ ،‬فل يجوز أن يشترط أحدهما من الرّبح أكثر من نصيبه في المال ‪.‬‬
‫والتّفاصيل في مصطلح ‪ ( :‬شركة ) ‪.‬‬
‫زكاة ربح التّجارة ‪:‬‬
‫‪ -‬يضمّ الرّبح الحاصل من عروض التّجارة في أثناء الحول إلى الصل ‪ ،‬وذلك لجل‬ ‫‪7‬‬

‫حساب الزّكاة ‪ .‬فلو اشترى مثلً عرضا في شهر المحرّم بمائتي درهمٍ فصارت قيمته قبل‬
‫آخر الحول ولو بلحظ ٍة ثلثمائة درهمٍ زكّى الجميع آخر الحول ‪ ،‬سواء حصل الرّبح في نفس‬
‫العرض كسمن الحيوان ‪ ،‬أم بارتفاع السواق ‪ ،‬قياسا على النّتاج مع المّهات ‪ ،‬ولنّ‬
‫ل زياد ٍة مع اضطراب السواق ممّا يشقّ ‪ ،‬ولنّه نماء جارٍ في الحول‬
‫المحافظة على حول ك ّ‬
‫تابع لصله في الملك فكان مضموما إليه في الحول ‪ ،‬وهذا مذهب المالكيّة والشّافعيّة في قولٍ‬
‫هو خلف الظهر والحنابلة وإسحاق وأبي يوسف ‪ ،‬والظهر عند الشّافعيّة أنّه يضمّ الرّبح‬
‫إلى الصل ما لم يكن هناك نضوض فإن كان فل يضمّ بل يزكّي الصل لحوله ويستأنف‬
‫ل‪.‬‬
‫للرّبح حو ً‬
‫وقال أبو حنيفة ‪ :‬إنّه يبني حول كلّ مستفادٍ على حول جنسه نماءً كان أو غيره ‪.‬‬
‫والتّفاصيل في مصطلح ‪ ( :‬زكاة عروض التّجارة ) ‪.‬‬

‫ربض *‬
‫التّعريف ‪:‬‬
‫‪ -‬الرّبض بفتحتين من معانيه في اللّغة ‪ :‬مأوى الغنم ‪ ،‬يقال ‪ :‬ربضت الدّابّة ربضا‬ ‫‪1‬‬

‫وربوضا ‪.‬‬
‫والرّبض والرّبوض للغنم كالبروك للبل ‪ ،‬وجمعه أرباض ‪ .‬ومثل الرّبض بهذا المعنى‬
‫المربض ‪ ،‬وجمعه مرابض ‪ .‬وفي الحديث ‪ » :‬مثل المنافق مثل الشّاة بين الرّبيضين « ‪.‬‬
‫ن ذَِلكَ لَ إِلَى‬
‫ل ‪ّ { :‬م َذ ْب َذبِينَ َبيْ َ‬
‫ي صلى ال عليه وسلم بهذا المثل قول اللّه عزّ وج ّ‬
‫أراد النّب ّ‬
‫هَهؤُلء َولَ إِلَى هَهؤُلء } ‪.‬‬
‫ويطلق الرّبض في اصطلح الفقهاء على أمرين ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬ما حول المدينة من بيوتٍ ومساكن ‪ ،‬كما يقولون ‪ :‬ل بدّ للقصر في السّفر من مجاوزة‬
‫القرية المتّصلة بربض المصر ‪ ،‬وسيأتي تفصيله ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬المربض ‪ ،‬أي مأوى الغنم وبروك البهيمة ‪.‬‬
‫اللفاظ ذات الصّلة ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬الفناء ‪:‬‬
‫‪ -‬الفناء بالكسر ‪ :‬سعة أمام الدّار ‪ ،‬وفناء الشّيء ما اتّصل به معدّا لمصالحه ‪.‬‬ ‫‪2‬‬

‫ب ودفن الموتى وإلقاء‬


‫وفناء البلد عند الفقهاء هو ‪ :‬المكان المعدّ لمصالح البلد كركض الدّوا ّ‬
‫التّراب ونحو ذلك ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬الحريم ‪:‬‬
‫‪ -‬حريم الشّيء ما حوله من حقوقٍ ومرافق ‪ ،‬سمّي بذلك ‪ ،‬لنّه يحرم على غير مالكه أن‬ ‫‪3‬‬

‫يستبدّ بالنتفاع به ‪.‬‬


‫قال النّوويّ ‪ :‬الحريم هو المواضع القريبة الّتي يحتاج إليها لتمام النتفاع كالطّريق ومسيل‬
‫الماء ونحوهما ‪.‬‬
‫ويختلف مقدار الحريم باختلف المواضع وما يتعلّق به الحريم ‪ .‬كحريم القرية وحريم الدّار ‪،‬‬
‫وحريم البئر وحريم النّهر ونحوها ‪.‬‬
‫وانظر ‪ ( :‬حريم ) ‪.‬‬
‫ج ‪ -‬العطن والمعطن ‪:‬‬
‫‪ -‬العطن هو الموضع الّذي تنحّى إليه البل عن الماء إذا شربت الشّربة الولى فتبرك فيه‪،‬‬ ‫‪4‬‬

‫ثمّ يمل الحوض لها ثاني ًة فتعود من عطنها إلى الحوض لتعلّ ‪ ،‬أي تشرب الشّربة الثّانية ‪،‬‬
‫وهو العلل ‪ .‬ويسمّى الموضع الّذي تبرك فيه البل معطنا أيضا ‪ ،‬وجمعه معاطن ‪ .‬وقد ورد‬
‫في الحديث ‪ » :‬ل تصلّوا في أعطان البل « ‪.‬‬
‫ي ومواطن البحث ‪:‬‬
‫الحكم الجمال ّ‬
‫‪ -‬الرّبض بالمعنى الوّل ‪ ،‬أي ما حول المدينة من بيوتٍ ومساكن ‪ ،‬ذكر الفقهاء حكمه في‬ ‫‪5‬‬

‫صلة المسافر ‪ ،‬حيث اشترطوا مفارقته لقصر الصّلة الرّباعيّة للمسافر ‪.‬‬
‫قال ابن عابدين ‪ :‬يشترط لقصر الصّلة الرّباعيّة في السّفر خروج المسافر من عمارة‬
‫موضع إقامته من جانب خروجه ‪ ،‬كما يشترط مفارقته توابع موضع القامة ‪ ،‬كربض المدينة‬
‫‪ -‬وهو ما حول المدينة من بيوتٍ ومساكن ‪ -‬فإنّه في حكم المصر ‪ ،‬وكذا القرى المتّصلة‬
‫بالرّبض في الصّحيح ‪ .‬وبخلف البساتين ولو متّصل ًة بالبناء ‪ ،‬لنّها ليست من البلدة ‪ ،‬ولو‬
‫سكنها أهل البلدة في جميع السّنة أو بعضها ‪.‬‬
‫وتفصيله في مصطلح ‪ ( :‬صلة المسافر ) ‪.‬‬
‫صلة الجمعة والعيدين في الرباض باعتبارها خارج البلد ‪:‬‬
‫‪ -‬لم يتعرّض الفقهاء لصحّة صلة الجمعة والعيدين في الرباض نصّا ‪.‬‬ ‫‪6‬‬

‫والرّبض التّابع للبلد ل يجوز القصر للمسافر قبل مجاوزته ‪ ،‬فتجوز فيه صلة الجمعة‬
‫ح صلة‬
‫والعيدين إذا توفّرت سائر شروطها ‪ ،‬أمّا الرباض خارج البلد غير التّابعة له فل تص ّ‬
‫الجمعة والعيدين فيها عند جمهور الفقهاء " الحنفيّة والمالكيّة والشّافعيّة " ‪.‬‬
‫وتفصيله في ‪ ( :‬صلة الجمعة ‪ ،‬وصلة العيد ) ‪.‬‬
‫إحياء الرباض ‪:‬‬
‫‪ -‬الحياء إنّما يكون لرض الموات ‪ ،‬والموات اسم لما ل ينتفع به من الرض الخراب‬ ‫‪7‬‬

‫الدّارسة ‪ .‬فما لم يكن ملكا لحدٍ ‪ ،‬ول حقّا خاصّا له ‪ ،‬ول حريما لمعمورٍ ‪ ،‬ول منتفعا به ‪،‬‬
‫يعتبر مواتا يحلّ إحياؤه ‪.‬‬
‫واشترط بعض الفقهاء في الموات أن ل يكون قريبا من القرية عرفا " كما هو تحديد الحنابلة‬
‫ومن معهم ‪ ،‬أو بحيث يصل إليه صوت المنادي من القرية كما قال الحنفيّة " وذلك لنّ‬
‫القريب من القرية ل ينقطع ارتفاق أهلها عنه ‪ ،‬وما وراء ذلك يكون من الموات ‪.‬‬
‫وعلى ذلك فالرباض ل تعتبر مواتا فل يجوز إحياؤها ‪.‬‬
‫)‪.‬‬ ‫‪16‬‬ ‫‪،‬‬ ‫‪12‬‬ ‫‪،‬‬ ‫‪11‬‬ ‫وتفصيل ما يجوز إحياؤه وما ل يجوز في مصطلح ‪ ( :‬إحياء الموات ف‬
‫الرّبض بالمعنى الثّاني ‪ " :‬مأوى الغنم " ‪:‬‬
‫‪ -‬اتّفق الفقهاء على جواز الصّلة في مرابض الغنم إذا أمنت النّجاسة لحديث ‪ » :‬صلّوا‬ ‫‪8‬‬

‫ن رجلً سأل النّبيّ صلى‬


‫في مرابض الغنم ول تصلّوا في أعطان البل « ‪ .‬ولحديث ‪ » :‬أ ّ‬
‫ال عليه وسلم قال ‪ :‬أصلّي في مرابض الغنم ؟ قال ‪ :‬نعم ‪ .‬قال ‪ :‬أصلّي في مبارك البل ؟‬
‫قال ‪ :‬ل « ‪.‬‬
‫وتفصيله في مصطلح ‪ ( :‬صلة ‪ ،‬ومكروهات الصّلة ) ‪.‬‬

‫ربيئة *‬
‫التّعريف ‪:‬‬
‫ل لئلّ‬
‫‪ -‬الرّبيئة والرّبيء في اللّغة ‪ :‬اسم الطّليعة ‪ -‬عين القوم ‪ -‬يرقب العدوّ من مكان عا ٍ‬ ‫‪1‬‬

‫يدهم قومه ‪ ،‬من ربأ القوم يربؤهم ربئا ‪ :‬اطّلع لهم على شرفٍ ‪.‬‬
‫ل رأى العدوّ فانطلق يربأ أهله « ‪.‬‬
‫وفي الحديث ‪ » :‬مثلي ومثلكم كمثل رج ٍ‬
‫قال في اللّسان ‪ :‬وإنّما أنّثوه ‪ ،‬لنّ الطّليعة يقال به العين ‪ ،‬والعين مؤنّثة إذ بعينه ينظر‬
‫ويرعى أمور القوم ويحرسهم ‪.‬‬
‫ي ‪ ،‬قال الخطّابيّ ‪ :‬هو الرّقيب الّذي يشرف على‬
‫ول يخرج في الصطلح عن المعنى اللّغو ّ‬
‫ل على شرفٍ أو جبلٍ‬
‫المرقب ‪ ،‬وينظر العد ّو من أيّ وجهٍ يأتي ‪ ،‬فينذر أصحابه ‪ .‬ول يكون إ ّ‬
‫أو شيءٍ مرتفعٍ ‪.‬‬
‫اللفاظ ذات الصّلة ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬الجاسوس ‪:‬‬
‫‪ -‬الجاسوس اسم لمن يتتبّع الخبار ويفحص عن بواطن المور ‪ ،‬من جسّ الخبار‬ ‫‪2‬‬

‫شرّ ‪.‬‬
‫وتجسّسها أي ‪ :‬تتبّعها ‪ .‬وهو صاحب الشّرّ ‪ ،‬وقيل ‪ :‬يكون في الخير وال ّ‬
‫ب ‪ -‬المرابط ‪:‬‬
‫‪ -‬المرابط ‪ :‬المقيم في ثغرٍ من ثغور المسلمين لعزاز الدّين ومراقبة العدوّ ‪.‬‬ ‫‪3‬‬

‫ج ‪ -‬الحارس ‪:‬‬
‫‪ -‬الحارس ‪ :‬فاعل من الحراسة بمعنى الحفظ ‪ .‬وجمعه حرّاس ‪ ،‬وحرس السّلطان أعوانه‪.‬‬ ‫‪4‬‬

‫فالرّبيئة والحارس متقاربان في المعنى ‪ ،‬غير أنّ الرّبيئة يكون غالبا على جبلٍ أو شرفٍ‬
‫مرتف ٍع ول يلزم ذلك في الحارس ‪.‬‬
‫د ‪ -‬الرّصديّ ‪:‬‬
‫‪ -‬الرّصديّ الّذي يقعد على الطّريق ينظر النّاس ليأخذ شيئا من أموالهم ظلما وعدوانا ‪.‬‬ ‫‪5‬‬

‫ي ومواطن البحث ‪:‬‬


‫الحكم الجمال ّ‬
‫‪ -‬ذكر الفقهاء أحكام الرّبيئة في الغنائم والقتل وقطع الطّريق ‪.‬‬ ‫‪6‬‬

‫أوّلً ‪ :‬في الجهاد والغنائم ‪:‬‬


‫ن ربيئة القوم في الجهاد منهم ‪ ،‬ويسهم له من الغنيمة كالمقاتلين ‪ ،‬لنّ‬
‫‪ -‬ذهب الفقهاء إلى أ ّ‬ ‫‪7‬‬

‫مصلحة الجهاد تقتضي أن يقاتل بعض القوم ‪ ،‬ويكون بعضهم في الرّدء ‪ ،‬وبعضهم يحفظون‬
‫السّواد ‪ ،‬وبعضهم في العلوفة ‪ ،‬ولو قاتل كلّ الجيش لفسد التّدبير ‪.‬‬
‫حكم الرّبيئة في القصاص ‪:‬‬
‫ل واحدٍ منهم في الفعل‬
‫‪ -‬ذهب جمهور الفقهاء إلى أنّه يقتل الجمع بالواحد إذا اشترك ك ّ‬ ‫‪8‬‬

‫ص منهم جميعا إذا تحقّقت سائر شروط القصاص ‪ ،‬كما هو مفصّل‬


‫المفضي إلى الموت ‪ ،‬ويقت ّ‬
‫في مصطلح ‪ ( :‬قصاص ) ‪.‬‬
‫وإذا كان معهم ربيئة ولم يشترك معهم في الفعل المفضي للموت ولم يباشره فالجمهور‬
‫ص منه ‪ ،‬سواء أكان متّفقا معهم في قصد القتل‬
‫"الحنفيّة والشّافعيّة والحنابلة " على أنّه ل يقت ّ‬
‫ل‪.‬‬
‫أم ل ‪ ،‬لنّهم يشترطون في القصاص المباشرة من الك ّ‬
‫وقال المالكيّة ‪ :‬يقتصّ منه إذا كان متمالئا معهم ‪ ،‬بأن قصد الجميع القتل وحضروا وإن لم‬
‫يتولّه إلّ واحد منهم بشرط أن يكون بحيث لو استعين به أعانه ‪ ،‬كما هو الحكم عندهم في‬
‫الرّدء ‪.‬‬
‫وتفصيله في مصطلح ‪ ( :‬قصاص ) ‪.‬‬
‫حكم الرّبيئة في قطع الطّريق ‪:‬‬
‫‪ -‬الرّبيئة حكمه حكم المباشر في قطع الطّريق ( الحرابة ) فيقتل مع المحاربين إذا حصل‬ ‫‪9‬‬

‫ن المحاربة مبنيّة على‬


‫القتل ولو باشره بعضهم ‪ ،‬وهذا مذهب المالكيّة والحنفيّة والحنابلة ‪ ،‬ل ّ‬
‫حصول المنعة والمعاضدة ‪ ،‬ومن عادة قطّاع الطّريق المباشرة من البعض والعانة من‬
‫ن عمر قتل من كان ربيئ ًة للّذين‬
‫البعض الخر ‪ .‬بخلف سائر الحدود ‪ .‬وروي عن مالكٍ أ ّ‬
‫قتلوا ‪.‬‬
‫وقال الشّافعيّة ‪ :‬ل يجب الحدّ على من أعان قطّاع الطّريق أو كثّر جمعهم بالحضور أو كان‬
‫عينا لهم ‪ ،‬ولم يباشر بنفسه ‪ ،‬بل يعزّر ‪.‬‬
‫( ر ‪ :‬قطع الطّريق ) ‪.‬‬
‫ربيبة *‬
‫التّعريف ‪:‬‬
‫‪ -‬الرّبيبة لغةً ‪ :‬هي ابنة امرأة الرّجل من غيره مشتقّة من الرّبّ وهو الصلح ‪ ،‬لنّه يقوم‬ ‫‪1‬‬

‫بأمورها ويصلح أحوالها ‪ ،‬والجمع ربائب ‪.‬‬


‫وفي اصطلح الفقهاء ‪ :‬الرّبيبة ‪ :‬بنت الزّوجة ‪ ،‬وبنت ابنها ‪ ،‬وبنت بنتها وإن سفل من نسبٍ‬
‫أو رضاعٍ وارثةً أو غير وارث ٍة ‪ .‬والبن ربيب ‪.‬‬
‫الحكم الجماليّ ‪:‬‬
‫‪ -‬الرّبيبة من المحرّمات بشرط دخول الرّجل بأمّها ‪ ،‬فإذا دخل الرّجل بزوجته حرّمت عليه‬ ‫‪2‬‬

‫ن ذكر الحجر في قوله‬


‫ربيبته سواء كانت في حجره أم لم تكن في قول عامّة الفقهاء ‪ ،‬ل ّ‬
‫حجُو ِركُم } خرج مخرج العادة والغالب ‪ ،‬ل مخرج الشّرط فل‬
‫لتِي فِي ُ‬
‫تعالى ‪َ { :‬و َربَا ِئ ُبكُمُ ال ّ‬
‫يكون له مفهوم حينئذٍ إجماعا ‪ ،‬ولهذا اكتفى في موضع الحلل بنفي الدّخول ‪ ،‬ولم يشترط‬
‫نفي كونها في الحجر مع نفي الدّخول حيث لم يقل فإن لم تكونوا دخلتم بهنّ ولسن في‬
‫ن الباحة تتعلّق بض ّد ما تتعلّق به الحرمة ‪.‬‬
‫حجوركم ‪ ،‬فإ ّ‬
‫وقال عمر وعليّ رضي ال عنهما وبعض النّاس ‪ :‬ل تحرّم الرّبيبة على الرّجل إلّ إذا كانت‬
‫حجُو ِركُم } فقد حرّم اللّه تعالى بنت‬
‫لتِي فِي ُ‬
‫في حجره لظاهر قوله تعالى ‪َ { :‬و َربَا ِئبُ ُكمُ ال ّ‬
‫الزّوجة بوصف كونها في حجر الزّوج فيتقيّد التّحريم بهذا الوصف ‪.‬‬
‫هذا وللفقهاء تفاصيل في معنى الدّخول الّذي يقع به تحريم الرّبائب ‪ ،‬وفي ثبوت حرمة‬
‫المصاهرة بالخلوة واللّمس والنّظر ‪ ،‬وفي تعلّق تلك الحرمة بالزّنا والنّكاح الفاسد تنظر في‬
‫( محرّمات ) ‪.‬‬
‫أثر موت الزّوجة في تحريم الرّبيبة ‪:‬‬
‫‪ -‬يرى عامّة الفقهاء أنّ الرّجل إذا تزوّج المرأة ثمّ ماتت قبل الدّخول بها جاز له أن يتزوّج‬ ‫‪3‬‬

‫لتِي‬
‫ابنتها فل يقوم الموت مقام الدّخول في التّحريم ‪ ،‬لنّ اللّه تعالى قال ‪ { :‬مّن ّنسَآ ِئكُمُ ال ّ‬
‫جنَاحَ عََل ْي ُكمْ } ‪.‬‬
‫ن فَلَ ُ‬
‫ن َفإِن ّل ْم َتكُونُو ْا َدخَ ْلتُم ِبهِ ّ‬
‫َدخَ ْلتُم ِبهِ ّ‬
‫ن حرمة الرّبيبة في الية تعلّقت شرعا بشرط الدّخول فلو أقمنا‬
‫قال صاحب المبسوط ‪ :‬فإ ّ‬
‫الموت مقام الدّخول كان ذلك بالرّأي ‪ ،‬كما ل يجوز نصب شرطٍ بالرّأي ل يجوز إقامة شرطٍ‬
‫ن الفرقة النّاتجة عن الموت فرقة قبل الدّخول فلم تحرّم الرّبيبة كفرقة‬
‫مقام شرطٍ بالرّأي ‪ .‬ول ّ‬
‫الطّلق ‪.‬‬
‫ن الموت ينزل‬
‫ويقول الحنابلة في رواي ٍة ‪ -‬وهي اختيار أبي بكرٍ وبه قال زيد بن ثابتٍ ‪ : -‬إ ّ‬
‫ن الموت أقيم مقام الدّخول في تكميل العدّة والصّداق‬
‫منزلة الدّخول في تحريم الرّبيبة ‪ ،‬ل ّ‬
‫فيقوم مقامه في تحريم الرّبيبة ‪.‬‬
‫وللتّفصيل ينظر ‪ ( :‬محرّمات ‪ ،‬وموت ‪ ،‬ودخول ) ‪.‬‬
‫تحريم بنات الرّبيبة وبنات أبنائها ‪:‬‬
‫ن السم يشملهنّ ‪.‬‬
‫‪ -‬تثبت حرمة بنات الرّبيبة وبنات أبنائها وإن سفلن بالجماع ‪ ،‬ول ّ‬ ‫‪4‬‬

‫رتق *‬
‫التّعريف ‪:‬‬
‫‪ -‬الرّتق لغ ًة ‪ :‬ض ّد الفتق ‪ ،‬وقد رتقت الفتق أرتقه فارتتق ‪ ،‬أي ‪ :‬التأم ‪ ،‬ومنه قوله تعالى‪:‬‬ ‫‪1‬‬

‫{ كَا َنتَا َرتْقا فَ َفتَ ْقنَا ُهمَا } ‪.‬‬


‫والرّتق ‪ -‬بالتّحريك ‪ -‬مصدر قولك ‪ :‬رتقت المرأة ترتق فهي رتقاء بيّنة الرّتق أي ‪ :‬ل‬
‫يستطاع جماعها لرتاق ذلك الموضع منها ‪ ،‬أو ل خرق لها إلّ المبال خاصّ ًة ‪.‬‬
‫ول يخرج اصطلح الفقهاء في الجملة عن هذا المعنى ‪.‬‬
‫فقد عرّف النّوويّ الرّتق بأنّه انسداد محلّ الجماع باللّحم ‪.‬‬
‫وقال الرّحيبانيّ ‪ :‬الرّتق هو كون الفرج مسدودا ملتصقا ل يسلكه َذ َكرٌ بأصل الخلقة ‪.‬‬
‫اللفاظ ذات الصّلة ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬القرن ‪:‬‬
‫‪ -‬القرن ما يمنع سلوك الذّكر في الفرج وهو إمّا غدّة غليظة أو لحمة مرتفعة أو عظم ‪،‬‬ ‫‪2‬‬

‫وامرأة قرناء إذا كان ذلك بها ‪.‬‬


‫وذكر بعضهم أنّ القرن عظم ناتئ محدّد الرّأس كقرن الغزالة يمنع الجماع ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬العفل ‪:‬‬
‫ح يشبه‬
‫‪ -‬العفل ‪ -‬بفتح العين والفاء ‪ -‬لحم يبرز في قبل المرأة ‪ ،‬ول يسلم غالبا من رش ٍ‬ ‫‪3‬‬

‫أدرّة الرّجل ‪.‬‬


‫وقيل ‪ :‬إنّه رغوة في الفرج تحدث عند الجماع ‪.‬‬
‫قال صاحب غاية المنتهى ‪ :‬إن كان النسداد بأصل الخلقة فهي رتقاء ‪ ،‬وإلّ فهي قرناء‬
‫وعفلء ‪.‬‬
‫وسوّى الزهريّ بين الرّتق والقرن والعفل ‪ ،‬ثمّ قال ‪ :‬العفل ل يكون في البكار ‪ ،‬إنّما‬
‫يصيب المرأة بعدما تلد ‪.‬‬
‫الحكم الجماليّ ‪:‬‬
‫أثر الرّتق في فسخ النّكاح ‪:‬‬
‫‪ -‬يعتبر المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة الرّتق من العيوب المثبتة للخيار ‪.‬‬ ‫‪4‬‬

‫ن الرّتق‬
‫فالزّوج له الخيار في فسخ النّكاح إذا كانت زوجته رتقاء حال العقد ولم يعلم بها ‪ ،‬ل ّ‬
‫ن العفّة عن الزّنا‬
‫يتعذّر معه الوطء ‪ ،‬وعامّة مصالح النّكاح يقف حصولها على الوطء ‪ .‬فإ ّ‬
‫والسّكن والولد تحصل بالوطء ‪ ،‬والرّتق يمنع منه ‪ ،‬فلهذا يثبت الخيار به ‪.‬‬
‫وذهب الحنفيّة إلى أنّه إذا كان بالزّوجة رتق فل خيار للزّوج في فسخ النّكاح ‪.‬‬
‫وبهذا قال عطاء والنّخعيّ وعمر بن عبد العزيز وأبو قلبة وابن أبي ليلى والوزاعيّ‬
‫والثّوريّ وأبو سليمان الخطّابيّ ‪ ،‬وفي المبسوط ‪ ،‬وهو مذهب عليّ وابن مسعودٍ رضي ال‬
‫عنهما ‪.‬‬
‫ن الرّتق ل يخلّ بموجب العقد وهو الحلّ ‪ ،‬فل يثبت به خيار‬
‫واستدلّوا على ما ذهبوا إليه بأ ّ‬
‫الفسخ كالعمى والشّلل والزّمانة ‪ ،‬فأمّا الستيفاء فهو ثمرة وفوات الثّمرة ل يؤثّر في عقد‬
‫النّكاح ‪.‬‬
‫ن الستيفاء يفوت بموت أحد الزّوجين ‪ ،‬ول يوجب ذلك انفساخ النّكاح حتّى ل يسقط‬
‫نظيره أ ّ‬
‫شيء من المهر ‪.‬‬
‫ن الستيفاء هنا يتأتّى بواسطةٍ ‪ ،‬لمكان‬
‫والرّتق فيما هو المقصود بالنّكاح دون الموت ‪ ،‬ل ّ‬
‫ق الرّتق ‪.‬‬
‫شّ‬
‫إجبار الرّتقاء على مداواة رتقها ‪:‬‬
‫‪ -‬ذهب المالكيّة إلى أنّ الرّتقاء إذا طلب زوجها الفسخ وطلبت التّداوي تؤجّل لذلك‬ ‫‪5‬‬

‫بالجتهاد ول تجبر عليه إن كان خلق ًة ‪ ،‬ويلزم الرّجل الصّبر حيث لم يترتّب على مداواتها‬
‫حصول عيبٍ في فرجها ‪ .‬كما أنّها تجبر على ذلك إذا طلبه الزّوج إذا كان ل ضرر عليها‬
‫في المداواة ‪.‬‬
‫ويرى الشّافعيّة أنّه ليس للزّوج إجبار الرّتقاء على شقّ الموضع فلو فعلت وأمكن الوطء فل‬
‫خيار لزوال سببه ‪.‬‬
‫وقال صاحب ال ّدرّ من الحنفيّة ‪ :‬للزّوج شقّ رتق زوجته وهل تجبر ؟ الظّاهر ‪ :‬نعم ‪ ،‬لنّ‬
‫التّسليم الواجب عليها ل يمكن بدونه ‪.‬‬
‫وتعقّبه ابن عابدين بقوله ‪ :‬لكن هذه العبارة " له شقّ رتقها " غير منقولةٍ وإنّما المنقول قولهم‬
‫ن له ذلك ‪ ،‬ولذا قال‬
‫في تعليل عدم الخيار بعيب الرّتق ‪ " :‬لمكان شقّه " وهذا ل يدلّ على أ ّ‬
‫في البحر بعد نقله التّعليل المذكور ‪ :‬ولكن ما رأيت هل يشقّ جبرا أم ل ؟‬
‫ب زال بعد عقدٍ‬
‫ل أنّهم قالوا ‪ :‬ل يثبت خيار في عي ٍ‬
‫ص للحنابلة في المسألة إ ّ‬
‫ولم يستدلّ على ن ّ‬
‫لزوال سببه ‪.‬‬
‫نفقة الرّتقاء ‪:‬‬
‫ن الستمتاع‬
‫‪ -‬تجب النّفقة للرّتقاء سواء حدث الرّتق بعد تسليم نفسها للزّوج أم قارنه ‪ ،‬ل ّ‬ ‫‪6‬‬

‫بها ممكن من بعض الوجوه ول تفريط من جهتها ‪ .‬بهذا قال جمهور الفقهاء ‪.‬‬
‫وذهب المالكيّة إلى أنّه ل تجب النّفقة لمطيقةٍ بها مانع ‪ ،‬كرتقٍ إلّ أن يتلذّذ بها عالما ‪.‬‬
‫وللتّفصيل ‪ ( :‬ر ‪ :‬نفقة ) ‪.‬‬
‫قسم الزّوج لزوجته الرّتقاء ‪:‬‬
‫‪ -‬يقسم الزّوج وجوبا لزوجته الرّتقاء ‪ ،‬لنّ القصد بالقسم النس ل الوطء ‪.‬‬ ‫‪7‬‬

‫هذا وللتّفصيل فيما يثبت به الرّتق وشرط ثبوت الخيار به وسائر الحكام المتعلّقة به ينظر ‪:‬‬
‫( عيب ‪ ،‬نكاح ) ‪.‬‬

‫رثاء *‬
‫التّعريف ‪:‬‬
‫‪ -‬من معاني الرّثاء في اللّغة ‪ :‬التّرحّم على الميّت والتّرقّق له ‪ ،‬وبكاؤه ومدحه ‪ ،‬وتعداد‬ ‫‪1‬‬

‫محاسنه ‪ ،‬ونظم الشّعر فيه ‪.‬‬


‫والمرأة ال ّرثّاءة ‪ :‬الكثيرة الرّثاء لبعلها أو لغيره ممّن يكرم عندها ‪ ،‬ورثيت له ‪ :‬رحمته ‪،‬‬
‫ورثي له ‪ :‬رقّ له وأشفق عليه ‪.‬‬
‫وأمّا عند الفقهاء فهو كما ذكر الحافظ في الفتح ‪ :‬مدح الميّت وذكر محاسنه ‪ ،‬وذكر العينيّ‬
‫في عمدة القاريّ أنّ معناه تعداد محاسن الميّت ‪.‬‬
‫اللفاظ ذات الصّلة ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬التّأبين ‪:‬‬
‫‪ -‬التّأبين في اللّغة والصطلح ‪ :‬البكاء على الميّت والثّناء عليه ‪.‬‬ ‫‪2‬‬

‫قال في المصباح ‪ :‬أبّنت الرّجل تأبينا إذا بكيت وأثنيت عليه بعد الموت ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬النّدب ‪:‬‬
‫‪ -‬النّدب مصدر ندب ومعناه في اللّغة ذكر محاسن الميّت ‪.‬‬ ‫‪3‬‬

‫قال في المصباح ‪ :‬ندبت المرأة الميّت ندبا من باب قتل ‪ ،‬وهي نادبة ‪ ،‬والجمع نوادب ‪ ،‬لنّه‬
‫كالدّعاء ‪ ،‬فإنّها تقبل على تعديد محاسنه كأنّه يسمعها ‪.‬‬
‫ومعناه عند الفقهاء مثله في اللّغة ‪.‬‬
‫الحكم التّكليفيّ ‪:‬‬
‫‪ -‬جاء في الدّرّ المختار من كتب الحنفيّة أنّه ل بأس بترثية الميّت بشعرٍ أو غيره ‪ ،‬لكن‬ ‫‪4‬‬

‫يكره الفراط في مدحه ل سيّما عند جنازته ‪.‬‬


‫وذكر النّوويّ في المجموع عن صاحب التّتمّة أنّه يكره ترثية الميّت بذكر آبائه ‪ ،‬وخصائله ‪،‬‬
‫وأفعاله ‪ ،‬والولى الستغفار له ‪.‬‬
‫ي عنها ‪.‬‬
‫وذكر الحنابلة أنّ ما هيّج المصيبة من وعظٍ أو إنشاد شعرٍ فمن النّياحة أي ‪ :‬المنه ّ‬
‫قاله الشّيخ تقيّ الدّين ‪.‬‬

‫رجب *‬
‫انظر ‪ :‬الشهر الحرم ‪.‬‬

‫رجحان " ترجيح " *‬


‫التّعريف ‪:‬‬
‫‪ -‬الرّجحان لغةً ‪ :‬اسم مصدرٍ رجح الشّيء يرجح رجوحا إذا زاد وزنه ‪ ،‬ويتعدّى باللف‬ ‫‪1‬‬

‫وبالتّثقيل فيقال ‪ :‬أرجحت الشّيء ورجّحته ترجيحا أي فضّلته وقوّيته ‪ .‬وأرجحت الرّجل أي‬
‫أعطيته راجحا ‪.‬‬
‫أمّا في الصطلح فقد عرّف الحنفيّة التّرجيح بأنّه ‪ :‬إظهار الزّيادة لحد المتماثلين على الخر‬
‫بما ل يستقلّ فخرج بقولهم " المتماثلين " الّنصّ مع القياس ‪ ،‬فل يقال النّصّ راجح على‬
‫القياس لنتفاء المماثلة ‪ ،‬ولعدم قيام التّعارض بينهما ‪ ،‬وهذا من قبيل ترتيب الدلّة واستحقاق‬
‫تقديم بعضها على بعضٍ من حيث الرّتبة وهو غير التّرجيح ‪.‬‬
‫ل دليلً منفردا آخر‬
‫ل " الدّليل المستقلّ ‪ ،‬فإذا وافق دليل مستق ّ‬
‫كما خرج بقولهم " بما ل يستق ّ‬
‫ل من تلك الدلّة بإثبات‬
‫فل يرجّح عليه ‪ ،‬إذ ل ترجيح بكثرة الدلّة عند الحنفيّة لستقلل ك ّ‬
‫ن الشّيء إنّما يتقوّى بصفةٍ توجد‬
‫المطلوب ‪ ،‬فل ينضمّ إلى الخر ول يتّحد به ليفيد تقويته ‪ ،‬ل ّ‬
‫في ذاته ل بانضمام مثله إليه ‪.‬‬
‫ولذا عرّف صاحب المنار التّرجيح بأنّه ‪ :‬فضل أحد المثلين على الخر وصفا ‪ ،‬أي وصفا‬
‫تابعا ل أصلً ‪ ،‬ولذا فل يترجّح القياس على قياسٍ آخر يعارضه بقياسٍ آخر ينضمّ إليه يوافقه‬
‫في الحكم ‪ ،‬أمّا إذا وافقه في العلّة فإنّه ل يعتبر من كثرة الدلّة بل من كثرة الصول‪،‬‬
‫ن التّعدّد في العلّة يفيد التّعدّد في القياس ‪ .‬وكذا ل يترجّح‬
‫وبالتّالي يفيد التّرجيح بالكثرة ‪ ،‬ل ّ‬
‫ث آخر ‪ ،‬ول بنصّ الكتاب كذلك ‪.‬‬
‫ث آخر يعارضه بحدي ٍ‬
‫الحديث على حدي ٍ‬
‫وعرّف الشّافعيّة ‪ -‬ومن وافقهم ‪ -‬التّرجيح بأنّه ‪ :‬اقتران أحد الصّالحين للدّللة على المطلوب‬
‫مع تعارضهما بما يوجب العمل به وإهمال الخر ‪.‬‬
‫واحترز بقوله " أحد الصّالحين " عن غير الصّالحين للدّللة ‪ ،‬ول أحدهما ‪.‬‬
‫واحترز بقوله " مع تعارضهما " عن الصّالحين اللّذين ل تعارض بينهما ‪.‬‬
‫وبقوله " بما يوجب العمل " عمّا اختصّ به أحد الدّليلين عن الخر من الصّفات الذّاتيّة أو‬
‫العرضيّة ول مدخل لها في التّقوية والتّرجيح ‪.‬‬
‫ويمكن أن يستخلص من التّعريفين السّابقين أنّ الرّاجح هو ‪ :‬ما ظهر فضل فيه على معادله‪.‬‬
‫اللفاظ ذات الصّلة ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬الجمع ‪:‬‬
‫ل منهما على وجهٍ ‪.‬‬
‫‪ -‬الجمع إعمال الدّليلين المتعارضين بحمل ك ّ‬ ‫‪2‬‬

‫ب ‪ -‬النّسخ ‪:‬‬
‫‪ -‬النّسخ رفع الشّارع الحكم الشّرعيّ بدليلٍ شرعيّ متأخّرٍ ‪.‬‬ ‫‪3‬‬

‫ج ‪ -‬التّعارض ‪:‬‬
‫‪ -‬التّعارض ‪ :‬التّمانع بين الدّليلين مطلقا بحيث يقتضي أحدهما غير ما يقتضي الخر‬ ‫‪4‬‬

‫‪184‬‬ ‫ص‬ ‫‪12‬‬ ‫وانظر مصطلح ‪ ( :‬تعارض ) ج‬


‫أحكام التّرجيح ‪:‬‬
‫يتعلّق بالتّرجيح أحكام فقهيّة ‪ ،‬وقد تقدّم بيانها في مصطلح ‪ ( :‬تعارض ) ‪ .‬وأحكام أصوليّة‬
‫مجملها فيما يلي ‪:‬‬
‫حكم العمل بالدّليل الرّاجح ‪:‬‬
‫‪ -‬يجب العمل بالدّليل الرّاجح وإهمال المرجوح إذا لم يمكن الجمع بينهما بوج ٍه صحيحٍ ‪.‬‬ ‫‪5‬‬

‫دلّ على ذلك إجماع الصّحابة والسّلف على تقديم بعض الخبار على بعضٍ لقوّة الظّنّ ‪،‬‬
‫بسبب علم الرّواة وكثرتهم وعدالتهم وعل ّو منصبهم ‪ ،‬ومن أمثلة ذلك تقديمهم خبر عائشة‬
‫ن النّبيّ صلى ال عليه وسلم قال ‪ » :‬إذا التقى الختانان ‪ -‬أو مسّ الختان‬
‫رضي ال عنها أ ّ‬
‫الختان ‪ -‬فقد وجب الغسل « على خبر أبي سعي ٍد الخدريّ ‪ -‬رضي ال عنه ‪ -‬في قوله ‪:‬‬
‫»إنّما الماء من الماء « ‪.‬‬
‫وكذلك تقديمهم خبر عائشة رضي ال عنها » أنّ النّبيّ صلى ال عليه وسلم كان يصبح جنبا‬
‫وهو صائم « على ما رواه أبو هريرة ‪ -‬رضي ال عنه ‪ -‬من قوله صلى ال عليه وسلم ‪:‬‬
‫» من أصبح جنبا فل صوم له « فقدّموا خبرها على خبره لكونها أعرف بحال النّبيّ صلى‬
‫ال عليه وسلم ‪.‬‬
‫ويدلّ على ذلك أيضا تقرير النّبيّ صلى ال عليه وسلم لمعاذٍ حين بعثه إلى اليمن قاضيا على‬
‫ن ذلك ليس من باب التّرجيح المصطلح عليه‬
‫ترتيب الدلّة وتقديم بعضها على بعضٍ مع أ ّ‬
‫لكنّه نظيره ‪.‬‬
‫وإذا كان أحد الدّليلين راجحا فالعقلء يوجبون بعقولهم العمل بالرّاجح ‪ ،‬والصل تنزيل‬
‫التّصرّفات الشّرعيّة منزلة التّصرّفات العرفيّة ‪ ،‬ولهذا قال النّبيّ صلى ال عليه وسلم ‪ » :‬ما‬
‫رآه المسلمون حسنا فهو عند اللّه حسن « ‪.‬‬
‫ن كون الفرع أشبه بأحد الصلين وجب اتّباعه بالجماع ‪ ،‬فقد فهم‬
‫وكذلك إذا غلب على الظّ ّ‬
‫من أصول الشّريعة اعتبار ما هو عادة للنّاس في تجارتهم ‪ ،‬وسلوكهم الطّرق ‪ ،‬فإنّهم عند‬
‫تعارض السباب المخوفة يرجّحون ويميلون إلى السلم ‪.‬‬
‫الطّرق الموصّلة إلى معرفة الرّاجح من الدلّة ‪:‬‬
‫‪ -‬وضع الصوليّون جملةً من قواعد التّرجيح لمعرفة الرّاجح من الدلّة المتعارضة ‪،‬‬ ‫‪6‬‬

‫وقسّمت هذه القواعد إلى قسمين ‪:‬‬


‫القسم الوّل ‪ :‬قواعد التّرجيح بين خبرين ‪.‬‬
‫القسم الثّاني ‪ :‬قواعد التّرجيح بين قياسين ‪.‬‬
‫والمرجّحات ل تنحصر لكثرتها ‪ ،‬وضابطها غلبة الظّنّ وقوّته ‪.‬‬
‫‪ -7‬القسم الوّل ‪ :‬قواعد التّرجيح بين منقولين وتتنوّع إلى ثلثة أنواعٍ ‪:‬‬
‫النّوع الوّل ‪ :‬ما يتعلّق بالسّند ‪.‬‬
‫النّوع الثّاني ‪ :‬ما يتعلّق بالمتن ودللته على الحكم ‪.‬‬
‫النّوع الثّالث ‪ :‬ما يتعلّق بأمرٍ خارجٍ ‪.‬‬
‫‪ -8‬النّوع الوّل ‪ :‬هو ما يتعلّق بالسّند وهو عدّة أمورٍ ‪ ،‬منها ‪:‬‬
‫ن رجحانه لقلّة احتمال‬
‫‪ -‬أن تكون رواة أحد الحديثين أكثر من رواة الخر فيغلب على الظّ ّ‬ ‫‪1‬‬

‫الغلط ‪.‬‬
‫‪ -‬أن يكون أحد الرّاويين من كبار الصّحابة والخر من صغارهم ‪.‬‬ ‫‪2‬‬

‫‪ -‬أن يتقدّم إسلم أحد الرّاويين على الخر ‪.‬‬ ‫‪3‬‬

‫‪ -‬يرجّح المتواتر على الحاد ‪.‬‬ ‫‪4‬‬

‫‪ -5‬يرجّح خبر الواحد فيما ل تعمّ به البلوى على خبر الواحد فيما تع ّم به البلوى ‪ ،‬حيث إنّ‬
‫تفرّد الواحد بنقل ما تعمّ به البلوى مع توفّر الدّواعي على نقله بأكثر من طريقٍ قريب من‬
‫الكذب ‪.‬‬
‫‪ -9‬النّوع الثّاني ‪ :‬قواعد التّرجيح المتعلّقة بالمتن ودللته على الحكم ‪.‬‬
‫أ ‪ -‬أن يكون أحد الحديثين أمرا دالً على الوجوب والثّاني نهيا دالً على الحظر ‪ ،‬فالدّالّ‬
‫على الحظر مرجّح على الدّالّ على الوجوب ‪.‬‬
‫ومن أمثلته ترجيح حديث النّهي عن الصّلة في الوقات المكروهة على قوله صلى ال عليه‬
‫ن الصّلة‬
‫وسلم ‪ » :‬من نسي صلةً أو نام عنها فكفّارتها أن يصلّيها إذا ذكرها « ومن قال بأ ّ‬
‫ذات السّبب تصلّى في أوقات الكراهة ‪ -‬وهم الشّافعيّة ‪ -‬استفادوا هذا من حديثٍ آخر أفاد‬
‫خصوصيّة الصّلة ذات السّبب فخصّوا به عموم حديث النّهي ‪.‬‬
‫ل على الحظر والخر على الباحة ‪:‬‬
‫ب ‪ -‬أن يكون أحدهما دا ً‬
‫وللصوليّين اتّجاهات في هذه القاعدة فمنهم من رجّح الحظر على الباحة ‪ ،‬ومنهم من رجّح‬
‫الباحة على الحظر ‪ .‬ومنهم من سوّى بين الحظر والباحة فيتساقطان لتساوي المثبت مع‬
‫النّافي ‪.‬‬
‫ج ‪ -‬يرجّح الدّالّ على الوجوب والكراهة والنّدب على الدّالّ على الباحة ‪.‬‬
‫ي للقرينة ‪.‬‬
‫ي على المجازيّ لعدم افتقار الحقيق ّ‬
‫د ‪ -‬يرجّح الحقيق ّ‬
‫ه ‪ -‬يرجّح ما ل يحتاج إلى إضمارٍ ول حذفٍ على ما احتاج إليهما ‪.‬‬
‫و‪ -‬أن تكون دللة أحدهما مؤكّد ًة دون الخرى ‪ ،‬فيرجّح المؤكّد على غيره لنّه أقوى دللةً‬
‫كحديث ‪ » :‬فنكاحها باطل ‪ ،‬فنكاحها باطل ‪ ،‬فنكاحها باطل « ‪.‬‬
‫ز‪ -‬يرج ّح مها دلّ بمفهوم الموافقهة على مها دلّ بمفهوم المخالفهة للختلف فيهه دون مفهوم‬
‫ن المخال فة تف يد التّأ سيس دون‬
‫ل يرجّح مفهوم المخال فة على المواف قة ‪ ،‬ل ّ‬
‫المواف قة ‪ .‬و في قو ٍ‬
‫الموافقة ‪.‬‬
‫ج وقد أثبته غير الحنفيّة ‪:‬‬
‫‪ -‬النّوع الثّالث ‪ :‬ما يتعلّق بالتّرجيح بأمرٍ خار ٍ‬ ‫‪10‬‬

‫وذكر المديّ من ذلك ‪:‬‬


‫أ ‪ -‬أن يكون أحد الدّليلين موافقا لدليلٍ آخر من كتابٍ أو سنّ ٍة أو إجماعٍ أو قياسٍ أو عقلٍ أو‬
‫حسّ ‪ ،‬فيرجّح على معارضه ‪ ،‬لنّ العمل به يلزم منه مخالفة دليلين ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬يترجّح ما عمل بمقتضاه علماء المدينة أو الئمّة الربعة ‪.‬‬
‫ن دليل التّأويل في أحدهما أرجح من دليل الخر فيقدّم‬
‫ج ‪ -‬أن يكون كل الحديثين مؤ ّولً إلّ أ ّ‬
‫عليه ‪.‬‬
‫ن ذكر السّبب مشعر‬
‫د ‪ -‬يرجّح ما ذكر فيه سبب وروده على ما لم يذكر فيه السّبب ‪ ،‬ل ّ‬
‫بزيادة الهتمام بما رواه ‪.‬‬
‫‪ -‬القسم الثّاني ‪ :‬التّرجيح بين قياسين ‪:‬‬ ‫‪11‬‬
‫أ ‪ -‬يرجّح القياس برجحان دليل حكم الصل في أحد القياسين على دليل حكم الصل في‬
‫القياس الخر ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬يرجّح القياس الّذي يكون فيه الفرع من جنس الصل على القياس الّذي ليس كذلك لنّ‬
‫الجنس بالجنس أشبه ‪.‬‬
‫ج ‪ -‬ترجّح علّة القياس القوى مسلكا على الضعف ‪.‬‬
‫فيرجّح القياس المنصوص على علّته صريحا على ما ثبتت علّته باليماء والشارة لقوّة‬
‫التّصريح ‪.‬‬
‫ل قطعيّ على ما ثبتت بدليلٍ ظ ّنيّ ‪ ،‬وما ثبتت باليماء‬
‫ويرجّح القياس الّذي ثبتت علّته بدلي ٍ‬
‫على ما ثبتت بالمناسبة وبالدّوران ‪.‬‬
‫ويراجع مصطلح ‪ ( :‬قياس ) للتّفصيل في مسالك العلّة وترتيبها قوّ ًة وضعفا ‪.‬‬
‫وترجّح العلّة الموافقة لقواعد الشّريعة على غيرها لقوّة الولى ولكثرة ما يشهد لها ‪.‬‬
‫ل ما تقدّم فيتبعه ترجيح القياس الّذي بنيت عليه ‪.‬‬
‫وحيث رجحت العلّة في ك ّ‬
‫والمرجّحات في القسام السّابقة كثيرة ومتنوّعة ‪ ،‬وتفصيل ذلك في الملحق الصوليّ ‪ .‬وينظر‬
‫) حيث تقدّم هناك أحكام التّرجيح في‬ ‫‪184/ 12‬‬ ‫في مصطلح ‪ ( :‬تعارض ) من الموسوعة (‬
‫تعارض البيّنات ‪ ،‬وتعارض الدلّة في حقوق اللّه ‪ ،‬وتعارض تعديل الشّهود وتجريحهم ‪،‬‬
‫والتّرجيح في حال احتمال بقاء السلم وحدوث ال ّردّة ‪ ،‬وتعارض الحكام التّكليفيّة ‪،‬‬
‫ل من مسائل ‪.‬‬
‫وتعارض الصل والظّاهر ‪ ،‬وما ينبني على ك ّ‬

‫رجس *‬
‫انظر ‪ :‬نجاسة‬

‫رجعة *‬
‫التّعريف ‪:‬‬
‫‪ -‬الرّجعة اسم مصدر رجع ‪ ،‬يقال ‪ :‬رجع عن سفره ‪ ،‬وعن المر يرجع رجعا ورجوعا‬ ‫‪1‬‬

‫سكّيت ‪ :‬هو نقيض الذّهاب ‪ ،‬ويتعدّى بنفسه في اللّغة الفصحى‬


‫ورجعيّ ومرجعا ‪ ،‬قال ابن ال ّ‬
‫ج َعكَ‬
‫فيقال ‪ :‬رجّعته عن الشّيء وإليه ‪ ،‬ورجّعت الكلم وغيره أي رددته قال تعالى ‪َ { :‬فإِن رّ َ‬
‫اللّ ُه إِلَى طَآئِفَ ٍة ّم ْنهُمْ } ورجعت المرأة إلى أهلها بموت زوجها أو بطلقٍ ‪ ،‬فهي راجعة ‪،‬‬
‫والرّجعة بالفتح بمعنى الرّجوع ‪ ،‬والرّجعة بعد الطّلق بالفتح والكسر ‪.‬‬
‫والرّجعيّ نسبة إلى الرّجعة ‪ ،‬والطّلق الرّجعيّ ‪ :‬ما يجوز معه للزّوج ردّ زوجته في عدّتها‬
‫من غير استئناف عقدٍ ‪.‬‬
‫وفي الصطلح ‪ :‬تعدّدت تعريفات الفقهاء للرّجعة على النّحو التي ‪:‬‬
‫عرّفها العينيّ بأنّها استدامة ملك النّكاح ‪.‬‬
‫وعرّفها صاحب البدائع من الحنفيّة بأنّها استدامة ملك النّكاح القائم ومنعه من الزّوال ‪.‬‬
‫وعرّفها الدّردير من المالكيّة بأنّها عود الزّوجة المطلّقة للعصمة من غير تجديد عقدٍ ‪.‬‬
‫ق غير بائنٍ في‬
‫وعرّفها الشّربينيّ الخطيب من الشّافعيّة بقوله ‪ :‬ردّ المرأة إلى النّكاح من طل ٍ‬
‫ص‪.‬‬
‫العدّة على وجهٍ مخصو ٍ‬
‫وعرّفها البهوتيّ من الحنابلة بأنّها إعادة مطلّق ٍة غير بائنٍ إلى ما كانت عليه بغير عقدٍ ‪ .‬دليل‬
‫مشروعيّة الرّجعة وحكمتها ‪:‬‬
‫‪ -‬إنّ ارتجاع الزّوج لزوجته باب من أبواب الصلح ‪ ،‬لذلك نجد الشّريعة السلميّة قد‬ ‫‪2‬‬

‫ن الحاجة تمسّ إلى الرّجعة‬


‫نظّمت أحكامها ‪ ..‬وقد أشار الكاسانيّ إلى حكمة الرّجعة بقوله ‪ :‬إ ّ‬
‫‪ ،‬لنّ النسان قد يطلّق امرأته ثمّ يندم على ذلك على ما أشار الرّبّ سبحانه وتعالى جلّ‬
‫حدِثُ َب ْعدَ ذَِلكَ َأمْرا } فيحتاج إلى التّدارك ‪ ،‬فلو لم تثبت‬
‫جلله بقوله ‪ { :‬ل َت ْدرِي َلعَلّ اللّهَ ُي ْ‬
‫الرّجعة ل يمكنه التّدارك ‪ ،‬لما عسى أن ل توافقه المرأة في تجديد النّكاح ول يمكنه الصّبر‬
‫عنها فيقع في الزّنا ‪.‬‬
‫لذا شرعت الرّجعة للصلح بين الزّوجين وهذه حكمة جليلة فتبارك اللّه أحكم الحاكمين ‪.‬‬
‫سنّة والجماع ‪ ،‬وفيما يلي بيان ذلك ‪:‬‬
‫‪ -‬وقد ثبتت مشروعيّة الرّجعة بالكتاب وال ّ‬ ‫‪3‬‬

‫حقّ ِب َردّهِنّ فِي ذَِلكَ ِإنْ َأرَادُو ْا ِإصْلَحا }‬


‫أمّا الكتاب فقوله تعالى ‪َ { :‬و ُبعُوَل ُت ُهنّ َأ َ‬
‫ن ِب َمعْرُو فٍ‬
‫س ّرحُوهُ ّ‬
‫سكُو ُهنّ ِب َم ْعرُو فٍ أَ ْو َ‬
‫وقوله تعالى ‪ { :‬وَِإذَا طَلّ ْقتُ مُ النّ سَاء َفبََلغْ نَ َأجََلهُنّ َفَأمْ ِ‬
‫ضرَارا ّل َت ْعتَدُوا } ‪.‬‬
‫سكُو ُهنّ ِ‬
‫ل ُتمْ ِ‬
‫َو َ‬
‫ن النّبيّ صلى ال عليه وسلم طلّق‬
‫سنّة فقد ورد عن عمر بن الخطّاب رضي ال عنه أ ّ‬
‫وأمّا ال ّ‬
‫ن النّبيّ صلى ال عل يه و سلم طلّق حف صة تطليقةً ‪ ،‬فأتاه‬
‫حف صة ث مّ راجع ها ‪ ،‬ف عن أن سٍ » أ ّ‬
‫جبر يل عل يه ال صلة وال سلم فقال ‪ :‬يا محمّد ‪ ،‬طلّ قت حف صة و هي صوّامة قوّا مة ‪ ،‬و هي‬
‫زوجتك في الجنّة ؟ فراجعها « ‪.‬‬
‫وعن عروة عن عائشة قالت ‪ » :‬كان النّاس والرّجل يطلّق امرأته ما شاء أن يطلّقها ‪ ،‬وهي‬
‫امرأ ته إذا ارتجع ها و هي في العدّة وإن طلّق ها مائة مرّ ٍة أو أك ثر ‪ ،‬حتّى قال ر جل لمرأ ته ‪:‬‬
‫واللّه ل أطلّ قك ف تبيني منّي ول آو يك أبدا ‪ ،‬قالت ‪ :‬وك يف ذاك ؟ قال ‪ :‬أطلّ قك فكلّ ما همّت‬
‫عدّ تك أن تنق ضي راجع تك ‪ ،‬فذه بت المرأة حتّى دخلت على عائ شة فأخبرت ها ف سكتت عائ شة‬
‫حتّى جاء النّبيّ صلى ال عل يه و سلم فأ خبرته ف سكت النّبيّ صلى ال عل يه و سلم حتّى نزل‬
‫ن } قالت عائشهة ‪ :‬فاسهتأنف‬
‫ك ِب َمعْرُوف ٍه أَ ْو تَس ْهرِيحٌ ِبِإحْسهَا ٍ‬
‫القرآن ‪ { :‬الطّلَقُه َم ّرتَانِه َفِإمْسهَا ٌ‬
‫النّاس الطّلق مسهتقبلً ‪ ،‬مهن كان طلّق ومهن لم يكهن طلّق « ‪ .‬والمسهاك بالمعروف ههو‬
‫الرّجعة في العدّة بقصد الصلح ل الضرار ‪.‬‬
‫وقد أجمع الفقهاء على جواز الرّجعة عند استيفاء شروطها ‪ ،‬ولم يخالف في ذلك أحد من هم‪،‬‬
‫ف قد جاء في الرّوض المربّع ما ن صّه " قال ا بن المنذر ‪ :‬أج مع أ هل العلم على أ نّ الحرّ إذا‬
‫طلّق دون الثّلث ‪ ،‬والعبد دون اثنتين ‪ ،‬أنّ لهما الرّجعة في العدّة " ‪.‬‬
‫الحكم التّكليفيّ ‪:‬‬
‫‪ -‬الصل في الرّجعة أنّها مباحة وهي ح قّ للزّوج لقوله تعالى ‪َ { :‬و ُبعُوَل ُتهُنّ َأحَقّ ِب َردّهِنّ‬ ‫‪4‬‬

‫ن َأرَادُو ْا ِإصْلَحا } ‪.‬‬


‫ك إِ ْ‬
‫فِي ذَِل َ‬
‫وتكون الرّجعهة واجبةً عنهد الحنفيّة والمالكيّة إذا طلّق الرّجهل امرأتهه طلقةً واحد ًة فهي حالة‬
‫حيضٍ فهذا طلق بدعيّ يستوجب التّصحيح ‪ ،‬والتّصحيح ل يتمّ إلّ بالرّجعة ‪.‬‬
‫والدّل يل على ذلك حد يث ا بن ع مر ‪ » :‬أنّه طلّق امرأ ته و هي حائض على ع هد ر سول اللّه‬
‫صلى ال عليه وسلم فسأل عمر بن الخطّاب النّبيّ صلى ال عليه وسلم عن ذلك فقال ‪ :‬مره‬
‫فليراجعها ‪ ،‬ث ّم ليمسكها حتّى تطهر ‪ ،‬ث مّ تحيض ث مّ تطهر ‪ ،‬ث مّ إن شاء أمسك بعد ‪ ،‬وإن شاء‬
‫س ‪ ،‬فتلك العدّة الّتي أمر اللّه أن تطلق لها النّساء « ‪.‬‬
‫طلّق قبل أن يم ّ‬
‫ن عنهد الشّافعيّة والحنابلة فهي هذه الحالة ‪ .‬وتكون الرّجعهة مندوب ًة ‪ ،‬وذلك فهي حالة ندم‬
‫وتسه ّ‬
‫الزّوجين بعد وقوع الطّلق ‪ ،‬ول سيّما إذا كان هناك أولد تقتضي المصلحة نشأتهم في ظلّ‬
‫البويهن ليدبّرا شؤونههم ‪ ،‬فتكون الرّجعهة مندوب ًة تحصهيلً للمصهلحة الّتهي ندب إليهها الشّارع‬
‫{‬ ‫الحكيم ‪ ،‬فقد حضّ في كثي ٍر من اليات على الصّلح والتّوفيق بين الزّوجين ‪ ،‬قال تعالى ‪:‬‬
‫خ ْيرٌ }‬
‫ج َناْحَ عََل ْي ِهمَا أَن ُيصِْلحَا َب ْي َن ُهمَا صُلْحا وَالصّلْحُ َ‬
‫فَلَ ُ‬
‫وقال تعالى ‪َ { :‬ولَ تَنسَوُ ْا الْ َفضْلَ َب ْي َن ُكمْ } ‪.‬‬
‫ها الذى‬
‫هق بهه‬
‫ها ليلحه‬
‫هد الزّوج الضرار بالمرأة فيراجعهه‬
‫هة محرّمةً إذا قصه‬
‫وتكون الرّجعه‬
‫ن ضِرَارا ّل َت ْع َتدُواْ وَمَن‬
‫ْسهكُوهُ ّ‬
‫ل ُتم ِ‬
‫والضّرر ‪ ،‬وقهد نههى القرآن الكريهم عهن ذلك بقوله ‪َ { :‬و َ‬
‫يَ ْفعَلْ ذَلِ كَ فَ َقدْ ظَلَ مَ نَفْ سَ ُه } في هذه الية ينهى اللّه تعالى الزواج أن يمسكوا زوجاتهم بقصد‬
‫إضرارهنّ وأذاهنّ ‪ ،‬والنّهي يفيد التّحريم ‪ ،‬فتكون الرّجعة محرّم ًة في هذه الحالة ‪.‬‬
‫ومع هذا تكون الرّجعة صحيحةً عند الحنفيّة أمّا عند المالكيّة فقد قال القرطبيّ ‪ :‬من فعل ذلك‬
‫فالرّجعة صحيحة ‪ ،‬ولو علمنا نحن ذلك المقصد طلّقنا عليه ‪.‬‬
‫ل من أراد إصلحا وأمسك بمعروفٍ ‪.‬‬
‫وقال ابن تيميّة ‪ :‬ل يمكّن من الرّجعة إ ّ‬
‫وتكون الرّجعة مكروه ًة إذا ظ نّ الزّوج أنّه لن يقيم حدود اللّه من حيث الحسان إلى زوجته‪،‬‬
‫فتكون الرّجعة في حقّه مكروهةً في هذه الحالة ‪.‬‬
‫شروط الرّجعة ‪:‬‬
‫ويشترط لصحّة الرّجعة ما يلي ‪:‬‬
‫‪ -‬الشّرط الوّل ‪ :‬أن تكون الرّجعة بعد طلقٍ رجعيّ سواء صدر من الزّوج أو من‬ ‫‪5‬‬

‫القاضي ‪ ،‬لنّها استئناف للحياة الزّوجيّة الّتي قطعت بالطّلق ‪ ،‬فلول وقوعه لما كان للرّجعة‬
‫فائدة ‪ ،‬فإذا طلّق الرّجل امرأته الطّلقة الثّالثة فليس له حقّ مراجعتها ‪ ،‬إذ بالطّلقة الثّالثة تبين‬
‫المرأة من زوجها بينونةً كبرى ول يحلّ له مراجعتها حتّى تتزوّج آخر ‪ .‬قال تعالى ‪َ { :‬فإِن‬
‫غ ْيرَهُ} ‪ .‬والفقهاء جميعا متّفقون على هذا الشّرط‬
‫حّتىَ تَنكِحَ َزوْجا َ‬
‫طَلّ َقهَا فَلَ َتحِلّ َلهُ مِن َب ْعدُ َ‬
‫ولم يخالف فيه أحد منهم ‪.‬‬
‫‪ -6‬الشّرط الثّاني ‪ :‬أن تحصل الرّجعة بعد الدّخول بالزّوجة المطلّقة ‪ ،‬فإن طلّقها قبل الدّخول‬
‫ن آ َمنُوا ِإذَا‬
‫وأراد مراجعتها فليس له الحقّ في ذلك وهذا بالتّفاق لقوله تعالى ‪ { :‬يَا َأ ّيهَا اّلذِي َ‬
‫عدّ ٍة َت ْعتَدّو َنهَا َف َم ّتعُوهُنّ‬
‫ن مِنْ ِ‬
‫ن فَمَا َل ُكمْ عََل ْيهِ ّ‬
‫ن مِن َقبْلِ أَن َت َمسّوهُ ّ‬
‫حتُمُ ا ْل ُم ْؤ ِمنَاتِ ُثمّ طَلّ ْق ُتمُوهُ ّ‬
‫َن َك ْ‬
‫جمِيلً } ‪.‬‬
‫سرَاحا َ‬
‫ن َ‬
‫س ّرحُوهُ ّ‬
‫َو َ‬
‫إلّ أنّ الحنابلة اعتبروا الخلوة الصّحيحة في حكم الدّخول من حيث صحّة الرّجعة ‪ ،‬لنّ‬
‫الخلوة ترتّب أحكاما مثل أحكام الدّخول ‪ ،‬أمّا الحنفيّة والمالكيّة والشّافعيّة على المذهب فل بدّ‬
‫عندهم من الدّخول لصحّة الرّجعة ‪ ،‬ول تكفي الخلوة ‪.‬‬
‫ح ارتجاعها‬
‫‪ -7‬الشّرط الثّالث ‪ :‬أن تكون المطلّقة في العدّة ‪ ،‬فإن انقضت عدّتها فل يص ّ‬
‫لثَةَ ُقرُوَء } ثمّ قال تعالى ‪:‬‬
‫ن ثَ َ‬
‫سهِ ّ‬
‫ن ِبأَنفُ ِ‬
‫باتّفاق الفقهاء ‪ ،‬لقوله تعالى { وَا ْل ُمطَلّقَاتُ َي َت َربّصْ َ‬
‫ن فِي ذَِلكَ } أي في القروء الثّلثة ‪.‬‬
‫حقّ ِبرَدّهِ ّ‬
‫ن َأ َ‬
‫{ َو ُبعُوَل ُتهُ ّ‬
‫ن في ارتجاع المطلّقة في فترة العدّة استدام ًة واستمرارا لعقد النّكاح ‪ ،‬فإذا انقضت العدّة‬
‫ول ّ‬
‫انقطعت هذه الستدامة فل تصحّ الرّجعة بعد انقضاء العدّة ‪ ،‬وقال الكاسانيّ ‪ :‬من شروط‬
‫ن الرّجعة استدامة الملك ‪،‬‬
‫ح الرّجعة بعد انقضاء العدّة ‪ ،‬ل ّ‬
‫جواز الرّجعة قيام العدّة فل تص ّ‬
‫والملك يزول بعد انقضاء العدّة ‪ ،‬فل تتصوّر الستدامة ‪ ،‬إذ الستدامة للقائم لصيانته عن‬
‫الزّوال وأمّا ما تنتهي به العدّة فينظر في مصطلح ‪ ( :‬عدّة ) ‪.‬‬
‫‪ -8‬الشّرط الرّابع ‪ :‬ألّ تكون الفرقة قبل الرّجعة ناشئةً عن فسخ عقد النّكاح ‪ ،‬وتفصيل ذلك‬
‫في مصطلح ‪ ( :‬فسخ ) ‪.‬‬
‫ض فل تصحّ الرّجعة ‪،‬‬
‫ل يكون الطّلق بعوضٍ ‪ ،‬فإن كان الطّلق بعو ٍ‬
‫‪ -9‬الشّرط الخامس ‪ :‬أ ّ‬
‫ض ماليّ ينهي‬
‫ن الطّلق حينئذٍ بائن لفتداء المرأة نفسها من الزّوج بما قدّمته له من عو ٍ‬
‫لّ‬
‫هذه العلقة مثل الخلع والطّلق على مالٍ ‪.‬‬
‫ح تعليقها على شرطٍ أو إضافتها إلى‬
‫‪ -10‬الشّرط السّادس ‪ :‬أن تكون الرّجعة منجّز ًة فل يص ّ‬
‫زمنٍ مستقبلٍ ‪ ،‬وصورة التّعليق على الشّرط أن يقول ‪ :‬إن جاء زيد فقد راجعتك ‪ ،‬أو إن‬
‫فعلت كذا فقد راجعتك ‪ ،‬وصورة الضافة للزّمن المستقبل كأن يقول ‪ :‬أنت راجعة غدا أو‬
‫بعد شهرٍ وهكذا ‪ ،‬وهذا عند جمهور الفقهاء " الحنفيّة والشّافعيّة والحنابلة " والظهر عند‬
‫المالكيّة ‪.‬‬
‫‪.‬‬ ‫‪31‬‬ ‫ص‬ ‫‪12‬‬ ‫) الموسوعة ج‬ ‫‪46‬‬ ‫وتفصيل ذلك في مصطلح ‪ ( :‬تعليق ف‬
‫واستدلّوا لذلك بأنّ الرّجعة استدامة لعقد النّكاح أو إعادة له ‪ ،‬والنّكاح ل يقبل التّعليق‬
‫والضافة ‪ ،‬والرّجعة تأخذ حكم النّكاح ‪.‬‬
‫ل لنشاء عقد النّكاح ‪.‬‬
‫‪ -11‬الشّرط السّابع ‪ :‬أن يكون المرتجع أه ً‬
‫ن كلّ من له الحقّ في إنشاء عقد‬
‫وهذا الشّرط ورد في كتب المالكيّة والشّافعيّة فيرى المالكيّة أ ّ‬
‫الزّواج يكون له الحقّ في ارتجاع مطلّقته عند استيفاء شروط الرّجعة ‪ ،‬وعلى ذلك فل تصحّ‬
‫الرّجعة من المجنون والسّكران لعدم أهليّتهما لنشاء عقد النّكاح ‪ ،‬وأجاز المالكيّة رجعة‬
‫ناقصي الهليّة ‪ ،‬وهم الصّبيّ المميّز ‪ ،‬والسّفيه ‪ ،‬والمريض مرض الموت ‪ ،‬والمفلس‪ ،‬وقد‬
‫ل من‬
‫بنوا إجازة الرّجعة من هؤلء على أساس عدم إلحاق الضّرر بهم ‪ ،‬وعلى حسب حالة ك ّ‬
‫هؤلء على حد ٍة ‪ ،‬فأمّا الصّبيّ المميّز فيصحّ عقد نكاحه إلّ أنّه متوقّف على إجازة وليّه ‪،‬‬
‫فكما صحّ عقده بهذه الحالة صحّت رجعته ‪ ،‬وأمّا السّفيه فيصحّ عقد نكاحه في حدود مهر‬
‫المثل فصحّت رجعته لستمرار عقد النّكاح من جهةٍ ‪ ،‬وكذا لعدم وجود السراف منه ‪ ،‬وأمّا‬
‫المريض مرض الموت فقد صحّت رجعته ‪ ،‬لنّ الرّجعة ليس فيها إدخال غير وارثٍ مع‬
‫الورثة ‪ ،‬وأمّا المفلس فصحّت الرّجعة منه ‪ ،‬لنّها ل تتطلّب مهرا جديدا فل تشغل ذمّته‬
‫بالتزاماتٍ ماليّ ٍة ول يحتاج لذن الدّائنين ‪ ،‬كما أجازوا الرّجعة من المحرم بالحجّ أو العمرة‬
‫مع عدم جواز عقد نكاحه ‪ ،‬لنّ الرّجعة استمرار لعقد النّكاح وليست إنشاءً جديدا له ‪ .‬وذهب‬
‫ن شرط المرتجع أهليّة النّكاح بنفسه بأن يكون بالغا عاقلً مختارا غير مرتدّ ‪،‬‬
‫الشّافعيّة إلى أ ّ‬
‫ن الرّجعة كإنشاء النّكاح فل تصحّ الرّجعة في ال ّردّة والصّبا والجنون ول من مكرهٍ‪ ،‬كما ل‬
‫لّ‬
‫يصحّ النّكاح فيها ‪.‬‬
‫ل من بال ٍغ ‪ ،‬عاقلٍ مختارٍ ‪.‬‬
‫فالرّجعة ل تصحّ إ ّ‬
‫واستثنى الشّافعيّة من ذلك السّفيه فكما يصحّ نكاحه صحّت رجعته ‪.‬‬
‫والسّكران المتعدّي بسكره تصحّ رجعته عند الشّافعيّة ‪ ،‬لنّه في الصل أهل لبرام عقد‬
‫النّكاح ‪ ،‬ول تصحّ رجعته عند المالكيّة ‪ ،‬كما ل تصحّ عند الشّافعيّة رجعة السّكران غير‬
‫ن أقواله كلّها لغية ‪.‬‬
‫المتعدّي بسكره ‪ ،‬ل ّ‬
‫وذهب المالكيّة والشّافعيّة إلى صحّة الرّجعة من المحرم ‪ ،‬لنّ الحرام ل يؤثّر في أهليّة‬
‫المحرم لنشاء عقد النّكاح وإنّما هو أمر عارض ‪.‬‬
‫ن } ‪ .‬يدلّ‬
‫ق بِ َردّهِ ّ‬
‫ن َأحَ ّ‬
‫هذا ول يشترط في الرّجعة رضا المرأة ‪ .‬وقوله سبحانه ‪َ { :‬و ُبعُوَل ُتهُ ّ‬
‫على هذا المعنى ‪.‬‬
‫كيفيّة الرّجعة ‪:‬‬
‫للرّجعة كيفيّتان ‪ :‬رجعة بالقول ‪ ،‬ورجعة بالفعل ‪.‬‬
‫أوّلً ‪ :‬الرّجعة بالقول ‪:‬‬
‫ح بالقول الدّالّ على ذلك ‪ ،‬كأن يقول لمطلّقته وهي في‬
‫‪ -‬اتّفق الفقهاء على أنّ الرّجعة تص ّ‬ ‫‪12‬‬

‫ل لفظٍ يؤدّي هذا المعنى ‪.‬‬


‫العدّة راجعتك ‪ ،‬أو ارتجعتك ‪ ،‬أو رددتك لعصمتي وهكذا ك ّ‬
‫قال العين يّ من الحنفيّة ما ن صّه ‪ :‬والرّجعة أن يقول للّتي طلّقها طلق ًة ‪ ،‬أو طلقتين ‪ :‬راجعتك‬
‫بالخطاب لها ‪ ،‬أو راجعت امرأتي بالغيبة ‪ ،‬وهذا صريح في الرّجعة ‪ ،‬وكذا إذا قال ‪ :‬رددتك‬
‫أو أمسكتك ‪.‬‬
‫وقسّم الفقهاء اللفاظ الّتي تصحّ بها الرّجعة إلى قسمين ‪:‬‬
‫القسهم الوّل ‪ :‬اللّفهظ ال صّريح مثهل راجعتهك وارتجع تك إلى نكاحهي ‪ ،‬وهذا القسهم ت صحّ به‬
‫الرّجعة ول يحتاج إلى نيّ ٍة ‪.‬‬
‫الق سم الثّا ني ‪ :‬الكنا ية ‪ :‬و هي اللفاظ الّ تي تحت مل مع نى الرّج عة ومعنىً آ خر غير ها ‪ ،‬كأن‬
‫يقول ‪ :‬أنت عندي كما كنت ‪ ،‬أو أنت امرأتي ونوى به الرّجعة ‪.‬‬
‫فألفاظ الكنا ية تحت مل الرّج عة وغير ها م ثل أ نت عندي ك ما ك نت ‪ ،‬فإنّ ها تحت مل ك ما ك نت‬
‫زوجةً‪ ،‬وكما كنت مكروه ًة ‪ ،‬ولذلك قال الفقهاء ‪ :‬إنّها تحتاج إلى نيّ ٍة ويسأل عنها ‪ ،‬ثمّ اختلفوا‬
‫في ب عض اللفاظ م ثل ردد تك وأم سكتك هل هي من ال صّريح أو الكنا ية ‪ ،‬فذ هب فر يق من‬
‫المالكيّة والشّافعيّة إلى أنّها من ألفاظ الكناية وتحتاج إلى ال ّنيّة ‪.‬‬
‫ن قوله " رددتك " يحتمل ال ّردّ إلى الزّوجيّة أو إلى بيت أبيها ‪ " ،‬وأمسكتك"‬
‫وحجّتهم في ذلك أ ّ‬
‫يحتمل المساك بالزّوجيّة أو المساك عن الخروج من بيتها في عدّتها ‪.‬‬
‫وذههب فريهق آخهر مهن المالكيّة والشّافعيّة ومعههم جمهور الحنفيّة والحنابلة إلى أن ّه هذيهن‬
‫ن آيات القرآن الكر يم‬
‫اللّفظ ين من صريح الرّج عة فل يحتاجان إلى نيّةٍ ‪ ،‬وحجّت هم في ذلك أ ّ‬
‫الّ تي وردت في ها أحكام الرّج عة دلّت علي ها بلف ظي ال ّردّ والم ساك ‪ .‬قال تعالى ‪َ { :‬و ُبعُوَل ُتهُنّ‬
‫ن فِي ذَِلكَ} وقال تعالى ‪َ { :‬فَأ ْمسِكُو ُهنّ ِب َم ْعرُوفٍ َأوْ فَارِقُو ُهنّ ِب َم ْعرُوفٍ} ‪.‬‬
‫حقّ ِبرَدّهِ ّ‬
‫َأ َ‬
‫ثانيا ‪ :‬الرّجعة بالفعل ‪:‬‬
‫ح بهما الرّجعة ‪ ،‬جاء في الهداية " قال ‪ :‬أو يطأها‬
‫ن الجماع ومقدّماته تص ّ‬
‫‪ -‬يرى الحنفيّة أ ّ‬ ‫‪13‬‬

‫‪ ،‬أو يلمسهها بشهو ٍة ‪ ،‬أو ينظهر إلى فرجهها بشهوةٍ ‪ ،‬وهذا عندنها " ‪ ،‬وقولههم هذا مرويّه عهن‬
‫كثيرٍ من التّابعين ‪ ،‬وهم سعيد بن المسيّب ‪ ،‬والحسن البصريّ ‪ ،‬ومحمّد بن سيرين ‪ ،‬وطاوس‬
‫‪ ،‬وعطاء بهن أبهي رباحٍه ‪ ،‬والوزاعيّه ‪ ،‬والثّوريّه ‪ ،‬وابهن أبهي ليلى ‪ ،‬والشّعهبيّ ‪ ،‬وسهليمان‬
‫التّيميّ ‪ ،‬وصرّح الحنفيّة بأنّه ل يكون النّظر إلى شي ٍء من جسد الزّوجة سوى الفرج رجعةً ‪.‬‬
‫وا ستدلّوا بأ نّ الرّج عة تع تبر ا ستدامةً للنّكاح وا ستمرارا لجم يع آثاره ‪ ،‬و من آثار النّكاح حلّ‬
‫ن النّكاح ما زال موجودا إلى‬
‫الجماع ومقدّما ته ‪ ،‬لذلك صحّت الرّج عة بالجماع ومقدّما ته ‪ ،‬ل ّ‬
‫أن تنقضي العدّة ‪.‬‬
‫ن الفعال صريحها ودللت ها تدلّ على نيّة الفا عل ‪ ،‬فإذا و طئ الزّوج مطلّق ته الرّجعيّة‬
‫ك ما أ ّ‬
‫وهي في العدّة ‪ ،‬أو قبّلها بشهو ٍة ‪ ،‬أو لمسها بشهوةٍ ‪ ،‬اعتبر هذا الفعل رجعةً بالدّللة ‪ ،‬فكأنّه‬
‫بوطئها قد رضي أن تعود إلى عصمته ‪.‬‬
‫و قد قيّد الحنفيّة القبلة والنّ ظر إلى الفرج واللّ مس بالشّهوة ‪ .‬أمّا إذا ح صل ل مس أو ن ظر إلى‬
‫الفرج ‪ ،‬أو تقب يل بغ ير شهوةٍ ‪ ،‬فل تتحقّق الرّج عة ‪ ،‬وال سّبب في ذلك أ نّ الشياء المذكورة ‪،‬‬
‫إذا كانت بغير شهو ٍة فإنّها تحصل من الزّوج وغيره كالمساكنين لها ‪ ،‬أو المتحدّثين معها ‪ ،‬أو‬
‫الطّبيب والقابلة " المولّدة " أمّا وجود الشّهوة مع هذه الفعال فإنّ ها ل تح صل إلّ من الزّوج‬
‫فقط ‪.‬‬
‫فإذا صحّت الرّجعة مع هذه الفعال بغير شهوةٍ احتاج الزّوج إلى طلقها ‪ ،‬فتطول عليها العدّة‬
‫وتقع المرأة في حرجٍ شديدٍ ‪.‬‬
‫وإذا حدثهت هذه الشياء مهن المرأة كأن قبّلت زوجهها ‪ ،‬أو نظرت إليهه ‪ ،‬أو لمسهته بشهوةٍ ‪،‬‬
‫ح الرّجعة ‪.‬‬
‫فعند أبي حنيفة ومح ّمدٍ تص ّ‬
‫ح الرّجعهة منهها إذا‬
‫ل المعاشرة الزّوجيّة قهد ثبهت لهمها معا ‪ ،‬فتصه ّ‬
‫واسهتدلّ على ذلك بأنّه ح ّ‬
‫ن حر مة الم صاهرة تث بت من‬
‫نظرت إل يه بشهو ٍة ‪ ،‬ك ما ي صحّ ذلك م نه ‪ ،‬و من جه ٍة أخرى فإ ّ‬
‫جهتها ‪ ،‬كأن عاشرت ابن زوجها أو أباه ‪ ،‬كما تثبت حرمة المصاهرة من جهة الزّوج أيضا‪،‬‬
‫لذلك صحّت الرّجعة من جهتها إذا لمسته أو قبّلته بشهو ٍة ‪ ،‬أو رأت فرجه بشهوةٍ ‪ ،‬وعند أبي‬
‫ح الرّج عة من جهت ها إذا لم سته أو قبّل ته بشهو ٍة أو نظرت إلى فر جه بشهوةٍ ‪،‬‬
‫يو سف ل ت ص ّ‬
‫ن الرّجعة حقّ للزّوج على زوجته حتّى إنّه يراجعها بغير رضاها‪ ،‬وليس لها‬
‫وحجّته في ذلك أ ّ‬
‫ح قّ مراجعة زوجها ل بالقول ول بالفعل ‪ ،‬فسواء نظرت إليه بشهو ٍة أو بغيرها ل تثبت لها‬
‫الرّجعة ‪.‬‬
‫‪ -‬ويرى المالكيّة صحّة الرّج عة بالف عل كالو طء ومقدّما ته بشرط أن ينوي الزّوج بهذه‬ ‫‪14‬‬

‫الفعال الرّجعة ‪ ،‬فإذا قبّلها أو لمسها بشهوةٍ ‪ ،‬أو نظر إلى موضع الجماع بشهوةٍ ‪ ،‬أو وطئها‬
‫ن الرّجعة‬
‫ولم ينو الرّجعة فل تصحّ الرّجعة بفعل هذه الشياء ‪ ،‬جاء في الخرشيّ ما نصّه ‪ :‬أ ّ‬
‫ولمسه ‪ ،‬والدّخول‬
‫ٍ‬ ‫ل مج ّردٍ عهن ني ّة الرّجعهة ولو بأقوى الفعال كوطءٍ وقبلةٍ‬
‫ل تحصهل بفع ٍ‬
‫عليها من الفعل فإذا نوى به الرّجعة كفى ‪.‬‬
‫‪ -‬والرّجعة عند الشّافعيّة ل تصحّ بالفعل مطلقا ‪ ،‬سواء كان بوطءٍ أو مقدّماته ‪ ،‬وسواء‬ ‫‪15‬‬

‫ن المرأة في الطّلق‬
‫كان الف عل م صحوبا بنيّة الزّوج في الرّج عة أو ل ‪ ،‬وحجّت هم في ذلك أ ّ‬
‫الرّجع يّ تع تبر أج نبيّةً عن الزّوج فل يحلّ له وطؤ ها ‪ ،‬والرّج عة في العدّة تع تبر إعاد ًة لع قد‬
‫ل عليهه ‪ ،‬فكذا الرّجعهة ل تصهحّ إلّ‬
‫ح إلّ بالقول الدّا ّ‬
‫أنه عقهد الزّواج ل يصه ّ‬
‫الزّواج ‪ ،‬وكمها ّ‬
‫أنه رجلً وطهئ امرأةً قبهل عقهد النّكاح فوطؤه حرام ‪ ،‬فكذا‬
‫بالقول الدّالّ عليهها أيضا ‪ ،‬فلو ّ‬
‫المطلّ قة الرّجعيّة لو وطئ ها الزّوج في العدّة فوطؤه هذا حرام ‪ ،‬و قد ن صّ الشّافع يّ على ذلك‬
‫ن ال ّردّ ثابت لهم دون رضى المرأة قال ‪:‬‬
‫في ال ّم بعد أن بيّن أ نّ الرّجعة ح قّ للزواج ‪ ،‬وأ ّ‬
‫وال ّردّ يكون بالكلم دون الفعل من جما عٍ وغيره ‪ ،‬لنّه ردّ بل كل مٍ ‪ ،‬فل تثبت رجعة لرجلٍ‬
‫على امرأته حتّى يتكلّم بالرّجعة ‪ ،‬كما ل يكون نكاح ول طلق حتّى يتكلّم بهما ‪ ،‬فإذا تكلّم بها‬
‫في العدّة ثبتت له الرّجعة ‪.‬‬
‫‪ -‬وفرّق الحنابلة في صحّة الرّج عة ب ين الو طء ومقدّما ته ‪ ،‬فإ نّ الرّج عة عند هم ت صحّ‬ ‫‪16‬‬

‫ح بمقدّماته وفيما يلي بيان ذلك ‪:‬‬


‫بالوطء ول تص ّ‬
‫ل ‪ :‬صحّة الرّجعة بالوطء ‪:‬‬
‫أ ّو ً‬
‫ح الرّجعة عندهم بالوطء مطلقا سواء نوى الزّوج الرّجعة أو لم ينوها وإن لم يشهد‬
‫‪ -‬تص ّ‬ ‫‪17‬‬

‫على ذلك ‪.‬‬


‫ن انقضاء العدّة يمنع‬
‫ن فترة العدّة تؤدّي إلى بينونة المطلّقة من حيث إ ّ‬
‫وحجّتهم في ذلك ‪ :‬أ ّ‬
‫صحّة الرّجعة ‪ ،‬فإذا لم تنقض العدّة ووطئها في هذه المدّة فقد عادت إليه ‪ ،‬ويكون هذا مثل‬
‫حكم اليلء ‪ ،‬فإذا آلى الزّوج من زوجته ثمّ وطئها فقد ارتفع حكم اليلء ‪ ،‬فكذا الحال في‬
‫الرّجعة إذا وطئها في العدّة فقد عادت إليه ‪.‬‬
‫ثمّ ذكروا دليلً آخر يؤكّد صحّة الرّجعة بالوطء ‪ ،‬جاء في الشّرح الكبير على المقنع " أنّ‬
‫الطّلق سبب لزوال الملك ومعه خيار ‪ ،‬فتصرّف المالك بالوطء يمنع عمله كما ينقطع به‬
‫التّوكيل في طلقها " ‪ ،‬هذا ما استدلّ به الحنابلة على ما ذهبوا إليه ‪.‬‬
‫ثانيًا ‪ :‬مقدّمات الوطء ‪:‬‬
‫‪ -‬اختلفت الرّوايات في المذهب عندهم في صحّة الرّجعة بمقدّمات الوطء ‪ ،‬فالرّواية‬ ‫‪18‬‬

‫المشهورة عن أحمد عدم صحّة الرّجعة بالنّظر إلى موضع الجماع واللّمس والتّقبيل بشهوةٍ ‪،‬‬
‫وحجّة هذه الرّواية ما يأتي ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬أنّ هذه الشياء المذكورة إذا حدثت ل يترتّب عليها عدّة ول يجب بها مهر فل تصحّ بها‬
‫الرّجعة ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬أنّ النّظر إلى موضع الجماع أو اللّمس قد يحدث من غير الزّوج للحاجة ‪ ،‬فل تكون‬
‫رجع ًة من هذه الجهة ‪.‬‬
‫وفي رواي ٍة أخرى هي ‪ :‬تصحّ الرّجعة بفعل هذه الشياء لنّها ل تخلو من استمتاعٍ يجري‬
‫بين الزّوجين ‪.‬‬
‫والرّواية الولى ‪ :‬هي المعتمدة في المذهب وقد نصّ عليها أحمد رضي ال عنه ‪.‬‬
‫وكذلك اختلفوا في الخلوة الصّحيحة هل تصحّ معها الرّجعة ؟ على قولين ‪:‬‬
‫القول الوّل ‪ :‬تصحّ الرّجعة مع الخلوة لنّ أحكام النّكاح تتقرّر بالخلوة الصّحيحة بالضافة‬
‫إلى إمكان الستمتاع في الخلوة ‪.‬‬
‫ن الخلوة الصّحيحة في حالة الطّلق ل يتأتّى فيها‬
‫ح الرّجعة مع الخلوة ل ّ‬
‫القول الثّاني ‪ :‬ل تص ّ‬
‫الستمتاع فل تصحّ معها الرّجعة ‪.‬‬
‫أحكام الرّجعة ‪:‬‬
‫الشهاد على الرّجعة ‪:‬‬
‫‪ -‬ذهب الحنفيّة والمالكيّة ‪ ،‬والجديد من مذهب الشّافعيّ وإحدى الرّوايتين عن أحمد إلى أنّ‬ ‫‪19‬‬

‫الشهاد على الرّجعة مستحبّ ‪ ،‬وهذا القول مرويّ عن ابن مسعودٍ ‪ ،‬وعمّار بن ياسرٍ رضي‬
‫ن الشهاد مستحبّ ‪ .‬وحجّتهم في‬
‫ال عنهما ‪ ،‬فمن راجع امرأته ولم يشهد صحّت الرّجعة ‪ ،‬ل ّ‬
‫ذلك ما يأتي ‪:‬‬
‫‪ -‬الرّجعة مثل النّكاح من حيث كونها امتدادا له ‪ ،‬ومن المتّفق عليه أنّ استدامة النّكاح ل‬ ‫‪1‬‬

‫تلزمها شهادة ‪ ،‬فكذا الرّجعة ل تجب فيها الشّهادة ‪.‬‬


‫‪ -‬الرّجعة حقّ من حقوق الزّوج وهي ل تحتاج لقبول المرأة ‪ ،‬لذلك ل تشترط الشّهادة‬ ‫‪2‬‬

‫ن الزّوج قد استعمل خالص حقّه ‪ ،‬والحقّ إذا لم يحتج إلى قبولٍ أو وليّ فل‬
‫لصحّتها ‪ ،‬ل ّ‬
‫تكون الشّهادة شرطا في صحّته ‪.‬‬
‫عدْلٍ مّن ُكمْ } هذا أمر ‪ ،‬والمر في هذه الية‬
‫ش ِهدُوا ذَ َويْ َ‬
‫قالوا ‪ :‬وأمّا قوله تعالى ‪ { :‬وََأ ْ‬
‫ش ِهدُوْ ْا ِإذَا َتبَا َيعْتُم } واتّفق‬
‫محمول على النّدب ل على الوجوب ‪ ،‬مثل قوله تعالى ‪ { :‬وََأ ْ‬
‫جمهور الفقهاء على صحّة البيع بل إشهادٍ ‪ ،‬فكذا استحبّ الشهاد على الرّجعة للمن من‬
‫الجحود ‪ ،‬وقطع النّزاع ‪ ،‬وس ّد باب الخلف بين الزّوجين ‪.‬‬
‫ن البيع إنشاء‬
‫ن تأكيد الحقّ في البيع في حاج ٍة إلى إشهادٍ أكثر من الرّجعة ‪ ،‬ل ّ‬
‫ويلحظ أ ّ‬
‫لتص ّرفٍ شرعيّ ‪ ،‬أمّا الرّجعة فهي استدامة الحياة الزّوجيّة أو إعادتها ‪ ،‬فلمّا صحّ البيع بل‬
‫إشهادٍ صحّت الرّجعة بل إشهادٍ من باب أولى ‪.‬‬
‫وأضاف المالكيّة أنّ الزّوجة لو منعت زوجها من وطئها حتّى يشهد على الرّجعة كان فعلها‬
‫هذا حسنا وتؤجر عليه ‪ ،‬ول تكون عاصي ًة لزوجها ‪.‬‬
‫وذهب الشّافعيّ في القديم من المذهب وأحمد في الرّواية الثّانية بأنّ الشهاد على الرّجعة‬
‫عدْلٍ مّن ُكمْ } ‪ .‬وبالثر المرويّ عن عمران بن حصينٍ‬
‫ش ِهدُوا ذَ َويْ َ‬
‫واجب لقوله تعالى ‪ { :‬وََأ ْ‬
‫فقد سأله رجل عمّن طلّق امرأته طلقا رجعيّا ثمّ وقع بها ولم يشهد ‪ ،‬فقال ‪ :‬طلّقت لغير سنّةٍ‬
‫وراجعت لغير سنّ ٍة ‪ ،‬أشهد على ذلك ول تعد ‪ ،‬ولنّ الرّجعة استباحة بضعٍ مح ّرمٍ فيلزمه‬
‫الشهاد ‪.‬‬
‫وقال النّوويّ ‪ :‬إنّ الشهاد على الرّجعة ليس شرطا ول واجبا في الظهر ‪.‬‬
‫إعلم الزّوجة بالرّجعة ‪:‬‬
‫‪ -‬ذ هب جمهور الفقهاء إلى أ نّ إعلم الزّو جة بالرّج عة م ستحبّ ‪ ،‬ل ما ف يه من ق طع‬ ‫‪20‬‬

‫المنازعة الّتي قد تنشأ بين الرّجل والمرأة ‪.‬‬


‫قال العين يّ ما ن صّه ‪ " :‬وي ستحبّ أن يعلم ها " أي يعلم المرأة بالرّج عة ‪ ،‬فربّ ما تتزوّج على‬
‫ن زوجها لم يراجعها وقد انقضت عدّتها ويطؤها الزّوج ‪ ،‬فكانت عاصيةً بترك سؤال‬
‫زعمها أ ّ‬
‫زوج ها و هو يكون م سيئا بترك العلم ‪ ،‬ول كن مع هذا لو لم يعلم ها صحّت الرّج عة ‪ ،‬لنّ ها‬
‫اسهتدامة النّكاح القائم وليسهت بإنشاءٍ ‪ ،‬فكان الزّوج متصهرّفا فهي خالص حق ّه ‪ ،‬وتصهرّف‬
‫النسان في خالص حقّه ل يتوقّف على علم الغير ‪.‬‬
‫سفر الزّوج بالمطلّقة الرّجعيّة ‪:‬‬
‫ن للزّوج السّفر بمطلّقته الرّجعيّة ‪ ،‬أمّا الجمهور‬
‫‪ -‬ذهب الحنابلة وزفر من الحنفيّة إلى أ ّ‬ ‫‪21‬‬

‫ن الزّوج مأمور بعدم إخراجها‬


‫فل يجيزون السّفر بها ‪ ،‬لنّها ليست زوج ًة من كلّ وجهٍ ‪ ،‬ول ّ‬
‫من البيت في العدّة لقوله تعالى ‪ { :‬ل ُتخْ ِرجُو ُهنّ مِن ُبيُو ِتهِنّ } ‪.‬‬
‫ن العدّة قد تنقضي وهي في السّفر معه فتكون مع أجنبيّ عنها وهذا محرّم ‪ ،‬كلّ هذا إذا‬
‫ول ّ‬
‫لم يراجعها في العدّة ‪ ،‬أمّا إذا راجعها فتسافر معه لنّها زوجة له ‪.‬‬
‫تزيّن المطلّقة الرّجعيّة وتشوّفها لزوجها ‪:‬‬
‫‪ -‬المطلّقة طلقا رجعيّا لها أن تتزيّن لزوجها بما تفعله النّساء لزواجهنّ من أوجه الزّينة‬ ‫‪22‬‬

‫من اللّبس وغيره ‪.‬‬


‫قال الحنابلة ‪ :‬تتزيّن وتسرف في ذلك ‪.‬‬
‫وقال الحنفيّة ‪ :‬لها أن تتزيّن وتتشوّف له ‪ .‬والتّشوّف وضع الزّينة في الوجه ‪ ،‬والتّزيّن أعمّ‬
‫من التّشوّف ‪ ،‬لنّه يشمل الوجه وغيره ‪.‬‬
‫وقد أجيز للمرأة فعل ذلك لترغيب الزّوج في المراجعة ‪ ،‬فالتّزيّن وسيلة للرّجعة فلعلّه يراها‬
‫في زينتها فتروق في عينه ويندم على طلقها فيراجعها ‪.‬‬
‫ن المطلّقة رجعيّا في حكم الزّوجات والنّكاح قائم من وجهٍ وهو‬
‫واستدلّوا لجواز التّزيّن بأ ّ‬
‫كونها في العدّة ‪.‬‬
‫وذهب الشّافعيّة إلى عدم جواز تزيّن المرأة المطلّقة الرّجعيّة لزوجها لنّها أجنبيّة عنه‬
‫والرّجعة إعادة للنّكاح عندهم ‪.‬‬
‫ويتبع هذا الحكم أمر آخر وهو دخول الزّوج عليها في حجرتها ‪ ،‬فعند الفقهاء ل يدخل عليها‬
‫إلّ بإذنها إذا كان ل ينوي الرّجعة ‪ .‬والسّبب في ذلك أنّها قد تكون متجرّدةً من الثّياب فيقع‬
‫نظره على موضع الجماع فيكون مراجعا عند من اعتبر ذلك رجعةً ‪ ،‬أمّا إذا كان ينوي‬
‫المراجعة فل بأس أن يدخل عليها ‪ ،‬لنّ في نيّته مراجعتها فكانت زوج ًة له ‪ ،‬وخصوصا أنّ‬
‫الرّجعة ل تحتاج إلى موافقة المرأة ‪.‬‬
‫اختلف الزّوجين في الرّجعة ‪:‬‬
‫‪ -‬إذا ادّعى الزّوج على مطلّقته الرّجعيّة أنّه راجعها أمس أو قبل شهرٍ صدق إن كانت في‬ ‫‪23‬‬

‫العدّة ‪ ،‬لنّه أخبر بما يملك استئنافه فل يكون متّهما في الخبار ‪ ،‬ول يصدّق إذا قال ذلك بعد‬
‫انقضاء العدّة ‪ ،‬لنّه أخبر بما ل يملك استئنافه ‪ ،‬فإن ادّعى بعد انقضاء عدّتها أنّه كان راجعها‬
‫في عدّتها فأنكرت ‪ ،‬فالقول قولها ‪ ،‬لنّه ادّعى مراجعتها في زمنٍ ل يملك مراجعتها فيه ‪.‬‬
‫وإذا ادّعى الزّوج بعد انقضاء العدّة أنّه قد راجع مطلّقته في أثناء العدّة وأقام بيّنةً على ذلك‬
‫صحّت رجعته ‪.‬‬
‫قال السّرخسيّ ‪ :‬وإذا قال زوج المعتدّة لها ‪ :‬قد راجعتك ‪ ،‬فقالت مجيب ًة له ‪ :‬قد انقضت عدّتي‬
‫‪ ،‬فالقول قولها عند أبي حنيفة ول تثبت الرّجعة ‪.‬‬
‫ن عدّتها باقية ما لم‬
‫وعندهما القول قول الزّوج والرّجعة صحيحة ‪ ،‬لنّها صادفت العدّة ‪ ،‬فإ ّ‬
‫تخبر بالنقضاء ‪ ،‬وقد سبقت الرّجعة خبرها بالنقضاء فصحّت الرّجعة وسقطت العدّة ‪ ،‬فإنّها‬
‫أخبرت بالنقضاء بعد سقوط العدّة ‪ ،‬وليس لها ولية الخبار بعد سقوط العدّة ولو سكتت‬
‫ساع ًة ثمّ أخبرت ‪ ،‬ولنّها صارت متّهمةً في الخبار بالنقضاء بعد رجعة الزّوج فل يقبل‬
‫خبرها ‪ ،‬كما لو قال الموكّل للوكيل عزلتك ‪ ،‬فقال الوكيل كنت بعته ‪.‬‬
‫وأبو حنيفة يقول ‪ :‬الرّجعة صادفت حال انقضاء العدّة فل تصحّ ‪ ،‬لنّ انقضاء العدّة ليس بعدّةٍ‬
‫مطلقا وشرط الرّجعة أن تكون في عدّة مطلّقةٍ ‪.‬‬

‫رجل *‬
‫التّعريف ‪:‬‬
‫‪ -‬الرّجل في اللّغة خلف المرأة وهو الذّكر من نوع النسان ‪ ،‬وقيل إنّما يكون رجلً إذا‬ ‫‪1‬‬

‫احتلم وشبّ ‪ ،‬وقيل هو رجل ساعة تلده أمّه إلى ما بعد ذلك ‪ ،‬وتصغيره رجيل قياسا ‪،‬‬
‫ورويجل على غير قياسٍ ‪ ،‬ويجمع رجل على رجالٍ ‪ .‬وجمع الجمع رجالت ‪ ،‬ويطلق الرّجل‬
‫ن خِ ْف ُتمْ فَ ِرجَالً أَ ْو ُر ْكبَانًا } إلى غير‬
‫أيضا على الرّاجل أي الماشي ‪ .‬ومنه قوله تعالى ‪ { :‬فَإ ْ‬
‫ذلك من المعاني ‪.‬‬
‫وأمّا في الصطلح فهو كما ذكر الجرجانيّ في التّعريفات ‪ :‬الذّكر من بني آدم جاوز حدّ‬
‫الصّغر بالبلوغ ‪.‬‬
‫وهذا في غير الميراث ‪ ،‬وأمّا في الميراث فيطلق الرّجل على الذّكر من حين يولد ‪ ،‬ومنه‬
‫ل ْق َربُونَ } ‪.‬‬
‫ك الْوَاِلدَانِ وَا َ‬
‫ب ّممّا َترَ َ‬
‫قوله تعالى ‪ { :‬لّل ّرجَالِ نَصيِ ٌ‬
‫الحكم الجماليّ ‪:‬‬
‫يختصّ الرّجل بأحكا ٍم يخالف فيها المرأة وفيما يلي أهمّها ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬لبس الحرير ‪:‬‬
‫‪ -‬يحرم على الرّجل لبس الحرير اتّفاقا ‪ ،‬ويحرم افتراشه في الصّلة وغيرها عند الجمهور‬ ‫‪2‬‬

‫ن رسول اللّه صلى ال‬


‫خلفا للحنفيّة القائلين بجواز تو سّده وافتراشه ‪ ،‬لما روى أبو موسى أ ّ‬
‫عليه وسلم قال ‪ » :‬أحلّ الذّهب والحرير لناث أمّتي ‪ ،‬وحرّم على ذكورها « ولما ورد عن‬
‫عمر بن الخطّاب رضي ال عنه أنّه قال ‪ :‬قال رسول اللّه صلى ال عليه وسلم ‪ » :‬ل تلبسوا‬
‫الحرير فإنّ من لبسه في الدّنيا لم يلبسه في الخرة « ‪.‬‬
‫ّفاقه بيهن العلماء ول خلف فيهه ‪،‬‬
‫وهذا ‪ -‬أي تحريهم لبهس الحريهر على الرّجال ‪ -‬محلّ ات ٍ‬
‫ل من أربعة أصابع ‪ ،‬ومثله الرّقاع ‪ ،‬ولبنة الجيب‬
‫ويستثنى من ذلك العلم في الثّوب إذا كان أق ّ‬
‫‪ ،‬وسهجف الفراء ‪ ،‬وفهي لبسهه لدفهع قملٍ أو حكّ ٍة أو حرّ أو بردٍ مهلكيهن ‪ ،‬أو لبسهه للحرب‬
‫خلف ‪ ،‬ومحلّه مصطلح ‪ ( :‬حرير ) ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬استعمال الرّجل الذّهب أو الفضّة ‪:‬‬
‫‪ -‬ل خلف بين الفقهاء في تحريم حليّ الذّهب على الرّجال ‪ ،‬فيحرم على الرّجل استعمال‬ ‫‪3‬‬

‫ل ما دعت الضّرورة أو الحاجة إليه كالنف والسّنّ والنملة ‪.‬‬


‫الذّهب ول يحلّ له منه إ ّ‬
‫ويجوز له أيضا للحاجة شدّ أسنانه بالذّهب ‪.‬‬
‫ويحلّ له من الفضّة الخاتم ‪ ،‬وكذا تحلية بعض أدواته كسيفه بها ‪ ،‬وشدّ أسنانه بالفضّة ‪ ،‬وأمّا‬
‫سائر حلية الفضّة ففي تحريمها على الرّجل خلف ‪.‬‬
‫والنية المتّخذة من النّقدين يحرم استعمالها على الجميع ‪.‬‬
‫والتّفصيل محلّه مصطلح ‪ ( :‬آنية ) ‪ ،‬ومصطلح ‪ ( :‬حليّ ) ‪.‬‬
‫ج ‪ -‬عورة الرّجل في الصّلة وخارجها ‪:‬‬
‫سرّة والرّكبة عند الحنفيّة والمالكيّة والشّافعيّة‬
‫‪ -‬عورة الرّجل في الصّلة وخارجها ما بين ال ّ‬ ‫‪4‬‬

‫سرّة وفوق الرّكبتين‬


‫والحنابلة ‪ ،‬وهو رأي أكثر الفقهاء لقوله صلى ال عليه وسلم » أسفل ال ّ‬
‫من العورة « ‪.‬‬
‫ن النّبيّ صلى‬
‫وفي روايةٍ عن أحمد أنّها الفرجان فقط لما روي عن أن سٍ رضي ال عنه » أ ّ‬
‫ال عل يه و سلم يوم خ يبر ح سر الزار عن فخذه حتّى إنّي لن ظر إلى بياض ف خذ النّبيّ «‬
‫رواه البخاريّ ‪.‬‬
‫والتّفصيل محلّه مصطلح ‪ ( :‬عورة )‬
‫د ‪ -‬اختصاص الذان بالرّجال دون النّساء ‪:‬‬
‫‪ -‬من الشّروط الواجبة في المؤذّن أن يكون رجلً ‪ ،‬فل يصحّ أذان المرأة ‪ ،‬لنّ رفع‬ ‫‪5‬‬

‫صوتها قد يوقع في الفتنة ‪ ،‬وهذا عند الجمهور في الجملة ‪ ،‬ول يعتدّ بأذانها لو أذّنت ‪.‬‬
‫والتّفصيل محلّه مصطلح ‪ ( :‬أذان ) ‪.‬‬
‫هه – وجوب صلة الجمعة على الرّجال دون النّساء ‪:‬‬
‫– من شرائط وجوب صلة الجمعة الذّكورة ‪ ،‬وأمّا المرأة فل تجب عليها صلة الجمعة‬ ‫‪6‬‬

‫اتّفاقا ‪.‬‬
‫انظر مصطلح ‪ ( :‬صلة الجمعة )‬
‫و ‪ -‬كون الرّجل إماما في الصّلة دون المرأة ‪:‬‬
‫‪ -‬اتّفق الفقهاء على اشتراط الذّكورة في إمامة الصّلة للرّجال في الفريضة ‪ ،‬فل تصحّ‬ ‫‪7‬‬

‫ن اللّه « ‪،‬‬
‫إمامة المرأة للرّجال فيها لقوله صلى ال عليه وسلم » أخّروهنّ من حيث أخّره ّ‬
‫ن في إمامتها للرّجال افتتانا بها ‪.‬‬
‫ولما روى جابر مرفوعا » ل تؤ ّمنّ امرأة رجلً « ‪ ،‬ول ّ‬
‫ز ‪ -‬ما يختصّ بالرّجل من أعمال الحجّ ‪:‬‬
‫‪ -‬يحرم على الرّجل لبس المخيط من الثّياب بخلف المرأة ‪ ،‬والمشروع في حقّه الحلق أو‬ ‫‪8‬‬

‫ن للرّجل الرّمل‬
‫ن المشروع في حقّها التّقصير دون الحلق ‪ ،‬ويس ّ‬
‫التّقصير بخلف المرأة ‪ ،‬فإ ّ‬
‫في طوافه والضطباع والسراع بين الميلين الخضرين في السّعي ورفع صوته بالتّلبية ‪.‬‬
‫وأمّا المرأة فإنّها تخالفه في ذلك كلّه ‪.‬‬
‫ج ‪ ،‬وإحرام ‪ ،‬وتلبية ‪ ،‬وطواف ) ‪.‬‬
‫والتّفصيل محلّه مصطلح ‪ ( :‬ح ّ‬
‫ح ‪ -‬دية الرّجل ‪:‬‬
‫ن دية الرّجل الحرّ المسلم مائة من البل ‪ ،‬وأمّا دية المرأة‬
‫‪ -‬ل خلف بين الفقهاء في أ ّ‬ ‫‪9‬‬

‫الحرّة المسلمة فهي نصف دية الرّجل الحرّ المسلم ‪.‬‬


‫والتّفصيل محلّه مصطلح ‪ ( :‬دية )‬
‫ط ‪ -‬وجوب الجهاد على الرّجل دون المرأة ‪:‬‬
‫‪ -‬الجهاد إذا كان فرض عينٍ بأن دهم العد ّو بلدا من بلد المسلمين ‪ ،‬فإنّه يجب على كلّ‬ ‫‪10‬‬

‫قادرٍ على حمل السّلح والقتال من أهل ذلك البلد رجلً كان أو امرأةً أو صبيا أو شيخا ‪ ،‬وأمّا‬
‫إذا كان فرض كفايةٍ فإنّه يجب على الرّجال فقط ‪ ،‬وأمّا المرأة فل يجب عليها لضعفها اتّفاقا ‪.‬‬
‫وانظر ‪ ( :‬جهاد ) ‪.‬‬
‫ي ‪ -‬أخذ الجزية من المرأة ‪:‬‬
‫‪ -‬ل تؤخذ الجزية من المرأة ‪.‬‬ ‫‪11‬‬

‫وانظر ‪ ( :‬جزية ) ‪.‬‬


‫ك ‪ -‬اختصاص الشّهادة في غير الموال بالرّجال دون النّساء ‪:‬‬
‫ن الشّهادة في القود والحدود ل يقبل فيها إلّ الرّجال فل تقبل فيها‬
‫‪ -‬ذهب الفقهاء إلى أ ّ‬ ‫‪12‬‬

‫شهادة المرأة ‪.‬‬


‫وانظر تفصيل ذلك في مصطلح ‪ ( :‬شهادة ) ‪.‬‬
‫ل ‪ -‬الميراث ‪:‬‬
‫‪ -‬يختلف ميراث الرّجل عن ميراث المرأة في كثيرٍ من الصّور ‪.‬‬ ‫‪13‬‬

‫وتفصيل ذلك في مصطلح ‪ ( :‬إرث )‬


‫م ‪ -‬الرّجل والولية ‪:‬‬
‫‪ -‬يقدّم الرّجل على المرأة في كلّ وليةٍ هو أقوم بمصالحها منها ‪.‬‬ ‫‪14‬‬

‫وتقدّم المرأة على الرّجل في الولية الّتي هي أقوم بمصالحها من الرّجل وهي الحضانة ‪.‬‬
‫وتفصيل ذلك محلّه مصطلح ‪ ( :‬ولية ) ‪.‬‬
‫وانظر أيضا مصطلح ‪ ( :‬ذكورة ) ‪.‬‬
‫رِجل *‬
‫التّعريف ‪:‬‬
‫‪ -‬الرّجل لغةً ‪ :‬قدم النسان وغيره ‪ ،‬وهي مؤنّثة وجمعها أرجل ‪ ،‬ورجل النسان هي من‬ ‫‪1‬‬

‫ن مِن زِي َن ِتهِنّ‬


‫ن ِل ُيعَْلمَ مَا ُيخْفِي َ‬
‫ن ِبَأ ْرجُلِهِ ّ‬
‫ضرِبْ َ‬
‫أصل الفخذ إلى القدم ‪ ،‬ومنه قوله تعالى ‪ { :‬وَل َي ْ‬
‫{ فَإنْ‬ ‫} ورجل أرجل أي ‪ :‬عظيم الرّجل ‪ ،‬والرّاجل خلف الفارس ومنه قوله تعالى ‪:‬‬
‫خِ ْف ُتمْ فَ ِرجَالً َأوْ ُر ْكبَانا } ‪.‬‬
‫ي يختلف باختلف الحال فيراد به القدم مع الكعبين كما هو في قوله تعالى‪:‬‬
‫ومعناه الصطلح ّ‬
‫{ وََأ ْرجُلَ ُكمْ إِلَى ا ْل َك ْعبَين } ‪ ،‬ويراد به دون المفصل بين السّاق والقدم ‪ ،‬كما هو الحال في قطع‬
‫رجل السّارق والسّارقة ‪.‬‬
‫ويطلق تارةً فيراد به من أصل الفخذ إلى القدم ‪.‬‬
‫الحكم التّكليفيّ ‪:‬‬
‫وردت الحكام المتعلّقة بالرّجل في عددٍ من أبواب الفقه منها ما يلي ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬الوضوء ‪:‬‬
‫‪ -‬ذهب جمهور الفقهاء إلى أنّ غسل الرّجلين مع الكعبين ‪ -‬وهما العظمان النّاتئان عند‬ ‫‪2‬‬

‫ن آ َمنُو ْا ِإذَا ُق ْمتُمْ إِلَى‬


‫مفصل السّاق والقدم ‪ -‬من فروض الوضوء لقوله تعالى ‪ { :‬يَا َأ ّيهَا اّلذِي َ‬
‫س ُكمْ وََأرْجَُل ُكمْ إِلَى ا ْل َك ْعبَينِ } ‪.‬‬
‫سحُو ْا ِبرُؤُو ِ‬
‫غسِلُواْ ُوجُو َه ُكمْ وََأ ْي ِد َي ُكمْ إِلَى ا ْل َمرَا ِفقِ وَا ْم َ‬
‫الصّلةِ فا ْ‬
‫ي صلى‬
‫وللحاديث الصّحيحة الّتي وردت في غسل الرّجلين ‪ ،‬ومنها ما روي في وضوء النّب ّ‬
‫ال عليه وسلم » أنّه غسل كلّ رجلٍ ثلثا « ‪ .‬وفي لفظٍ ‪ » :‬ثمّ غسل رجله اليمنى إلى‬
‫ت ‪ ،‬ثمّ غسل رجله اليسرى مثل ذلك « ‪.‬‬
‫الكعبين ثلث مرّا ٍ‬
‫ومنها قوله صلى ال عليه وسلم ‪ » :‬ويل للعقاب من النّار« وذلك عندما رأى قوما‬
‫يتوضّئون وأعقابهم تلوح لم يمسّها الماء ‪.‬‬
‫ن رجلً توضّأ ‪ ،‬فترك موضع ظفرٍ على قدمه فأبصره النّبيّ‬
‫وعن عمر رضي ال عنه أ ّ‬
‫صلى ال عليه وسلم فقال ‪ » :‬ارجع فأحسن وضوءك ‪ ،‬فرجع ثمّ صلّى « ‪.‬‬
‫وذهب بعض السّلف إلى أنّ الفرض في الرّجلين هو المسح ل الغسل ‪ ،‬وذلك أخذا بقراءة‬
‫س ُكمْ وََأرْجُِل ُكمْ } فإنّها تقتضي كون الرجل‬
‫سحُوْا ِبرُءُو ِ‬
‫مهاجرٍ "أرجلِكم" في قوله تعالى ‪ { :‬وَا ْم َ‬
‫ممسوحةً ل مغسول ًة ‪.‬‬
‫وذهب الحسن البصريّ ومحمّد بن جريرٍ الطّبريّ إلى أنّ المتوضّئ مخيّر بين غسل الرّجلين‬
‫ن كلّ واحدةٍ من القراءتين قد ثبت كونها قراءةً وتعذّر الجمع بين مقتضيهما‬
‫وبين مسحهما ‪ ،‬ل ّ‬
‫وهو وجوب الغسل بقراءة النّصب ووجوب المسح بقراءة الجرّ ‪ ،‬فيخيّر المكلّف إن شاء عمل‬
‫بقراءة النّصب فغسل ‪ ،‬وإن شاء عمل بقراءة الخفض فمسح ‪ ،‬وأيّهما فعل يكون آتيا‬
‫بالمفروض ‪ ،‬كما هو الحال في المر بأحد الشياء الثّلثة في كفّارة اليمين ‪ .‬والتّفصيل في‬
‫مصطلح ‪ ( :‬وضوء ‪ ،‬مسح ) ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬حدّ السّرقة ‪:‬‬
‫طعُواْ‬
‫‪ -‬اتّفق الفقهاء على أنّ حدّ السّارق قطع يده لقوله تعالى ‪ { :‬وَالسّا ِرقُ وَالسّا ِرقَةُ فَاقْ َ‬ ‫‪3‬‬

‫حكِيمٌ } وأوّل ما يقطع من السّارق يده اليمنى‬


‫عزِيزٌ َ‬
‫ن الّلهِ وَاللّهُ َ‬
‫جزَاء ِبمَا َكسَبَا َنكَالً مّ َ‬
‫َأ ْي ِديَ ُهمَا َ‬
‫‪ ،‬لنّ البطش بها أقوى فكانت البداية بها أردع ‪ ،‬ولنّها آلة السّرقة ‪ ،‬فكانت العقوبة بقطعها‬
‫أولى ‪.‬‬
‫‪ -‬واتّفقوا على أنّه إن سرق ثانيا قطعت رجله اليسرى لما روى أبو هريرة رضي ال عنه‬ ‫‪4‬‬

‫عن النّبيّ صلى ال عليه وسلم أنّه قال في ال سّارق ‪ » :‬إذا سرق ال سّارق فاقطعوا يده ‪ ،‬فإن‬
‫عاد فاقطعوا رجله « ولنّه في المحاربة الموجبة قطع عضوين إنّما تقطع يده ورجله ‪ ،‬ول‬
‫تقطهع يداه ‪ ،‬وحكهي عهن عطا ٍء وربيعهة أنّه إن سهرق ثانيا تقطهع يده اليسهرى لقوله سهبحانه‬
‫ن اليد آلة السّرقة والبطش فكانت العقوبة بقطعها أولى ‪ ،‬قال‬
‫طعُو ْا َأ ْيدِ َي ُهمَا } ول ّ‬
‫وتعالى ‪ { :‬فَاقْ َ‬
‫ابن قدامة ‪ -‬بعد أن ذكر هذا القول ‪ -‬وهذا شذوذ يخالف قول جماعة فقهاء المصار من أهل‬
‫الفقه والثر من الصّحابة والتّابعين ومن بعدهم ‪.‬‬
‫‪ -5‬واختلف الفقهاء فيما إذا سرق ثالثا بعد قطع يده اليمنى ورجله اليسرى ‪.‬‬
‫فذهب الحنفيّة والحنابلة إلى أنّه ل يقطع منه شيء بل يعزّر ويحبس ‪ ،‬واستدلّوا بأنّ عمر‬
‫رضي ال عنه أتي بسارقٍ أقطع اليد والرّجل قد سرق يقال له ‪ :‬سدوم ‪ ،‬وأراد أن يقطعه ‪،‬‬
‫ي رضي ال عنه ‪ :‬إنّما عليه قطع يدٍ ورجلٍ ‪ ،‬فحبسه عمر ‪ ،‬ولم يقطعه ‪.‬‬
‫فقال له عل ّ‬
‫ولما روى أبو سعيدٍ المقبريّ عن أبيه أنّ عليّا رضي ال عنه أتي بسارقٍ فقطع يده ‪ -‬اليمنى‬
‫‪ -‬ثمّ أتي به الثّانية وقد سرق فقطع رجله ‪ -‬اليسرى ‪ -‬ثمّ أتي به الثّالثة وقد سرق‪ ،‬فقال‬
‫لصحابه ‪ :‬ما ترون في هذا ؟ قالوا ‪ :‬اقطعه يا أمير المؤمنين ‪ ،‬فقال ‪ :‬قتلته إذن وما عليه‬
‫القتل ‪ ،‬ل أقطعه ‪ ،‬إن قطعت يده فبأيّ شي ٍء يأكل الطّعام ‪ ،‬وبأيّ شي ٍء يتوضّأ للصّلة ‪ ،‬وبأيّ‬
‫ي شيءٍ‬
‫شي ٍء يغتسل من جنابته ‪ ،‬وبأيّ شيءٍ يتمسّح ‪ ،‬وإن قطعت رجله بأيّ شيءٍ يمشي ‪ ،‬بأ ّ‬
‫يقوم على حاجته ‪ ،‬إنّي لستحيي من اللّه أن ل أدع له يدا يبطش بها ‪ ،‬ول رجلً يمشي عليها‬
‫‪ ،‬ثمّ ضربه بخشب ٍة وحبسه ‪.‬‬
‫وإلى هذا ذهب الحسن والشّعبيّ والنّخعيّ والزّهريّ وحمّاد والثّوريّ ‪.‬‬
‫وذهب المالكيّة والشّافعيّة وهو رواية عن أحمد إلى أنّه إن سرق ثالثا قطعت يده اليسرى ‪.‬‬
‫ن النّبيّ صلى‬
‫فإن سرق رابعا قطعت رجله اليمنى ‪ ،‬لما روى أبو هريرة رضي ال عنه » أ ّ‬
‫ال عليه وسلم قال في السّارق ‪ :‬إن سرق فاقطعوا يده ‪ ،‬ثمّ إن سرق فاقطعوا رجله ‪ ،‬ثمّ إن‬
‫سرق فاقطعوا يده ‪ ،‬ثمّ إن سرق فاقطعوا رجله « ‪.‬‬
‫ولنّه فعل أبي بكرٍ وعمر رضي ال عنهما ‪ ،‬وإلى هذا ذهب قتادة وأبو ثورٍ ‪ ،‬وابن المنذر ‪،‬‬
‫وتقطع رجل السّارق من المفصل بين السّاق والقدم ‪.‬‬
‫ج ‪ -‬قاطع الطّريق ‪:‬‬
‫ن قاطع الطّريق إذا أخذ المال‬
‫‪ -‬ذهب جمهور الفقهاء من الحنفيّة والشّافعيّة والحنابلة إلى أ ّ‬ ‫‪6‬‬

‫ولم يقتل ‪ ،‬وكان المال الّذي أخذه بمقدار ما تقطع به يد السّارق ‪ ،‬فإنّه تقطع يده اليمنى‬
‫ن فِي الَرْضِ‬
‫سعَوْ َ‬
‫ن الّلهَ َورَسُوَلهُ َو َي ْ‬
‫ن ُيحَا ِربُو َ‬
‫جزَاء اّلذِي َ‬
‫ورجله اليسرى ‪ ،‬لقوله تعالى ‪ِ { :‬إ ّنمَا َ‬
‫ن خِلفٍ } ‪.‬‬
‫فَسَادا أَن يُ َقتّلُو ْا َأوْ ُيصَّلبُواْ َأوْ ُت َقطّعَ َأ ْيدِي ِهمْ وََأ ْرجُلُهُم مّ ْ‬
‫وبهذا تتحقّق المخالفة المذكورة في الية ‪ ،‬وهي أرفق به في إمكان مشيه ‪.‬‬
‫وذهب المالكيّة إلى أنّ المام مخيّر ‪ ،‬فيحكم بين القتل والصّلب والقطع والنّفي ‪ ،‬سواء قتل‬
‫وأخذ المال ‪ ،‬أم قتل فقط ‪ ،‬أو أخذ المال فقط ‪ ،‬أم خوّف دون أن يقتل أو يأخذ المال ‪.‬‬
‫والتّفصيل في مصطلح ‪ ( :‬حرابة ) ‪.‬‬
‫د ‪ -‬دية الرّجل ‪:‬‬
‫‪ -‬اتّفق الفقهاء على أنّ في قطع الرّجلين دي ًة كاملةً ‪ ،‬وفي قطع إحداهما نصف الدّية ‪ ،‬وفي‬ ‫‪7‬‬

‫ل البهام ففي أنملتها نصف العشر‬


‫قطع أصبع الرّجل عشر الدّية ‪ ،‬وفي أنملتها ثلث العشر إ ّ‬
‫ن رسول اللّه صلى ال عليه‬
‫إذ ليس فيه إلّ أنملتان لحديث عمرو بن حزمٍ عن أبيه عن جدّه أ ّ‬
‫وسلم كتب له في كتابه ‪ » :‬وفي الرّجل الواحدة نصف الدّية « ‪.‬‬
‫قال ابن عبد البرّ ‪ :‬كتاب عمرو بن حز مٍ معروف عند الفقهاء وما فيه متّفق عليه عند العلماء‬
‫إلّ قليلً ‪.‬‬
‫ن ق طع الرّ جل يو جب ن صف الدّ ية إذا كان من الك عبين أو من أ صول‬
‫واتّفقوا أيضا على أ ّ‬
‫ال صابع الخم سة ‪ ،‬واختلفوا في ما إذا قط عت من ال سّاق أو من الرّك بة أو من الف خذ أو من‬
‫الورك ‪.‬‬
‫فذهب الجمهور " المالكيّة ‪ ،‬والحنابلة وبعض الشّافعيّة وهو رواية عن أبي يوسف " إلى أ نّ‬
‫ن الرّ جل ا سم لهذه الجار حة إلى أ صل‬
‫ق طع الرّ جل من هذه الما كن ل تز يد به الدّ ية ‪ ،‬ل ّ‬
‫الفخذ‪ ،‬فل يزاد على تقدير الشّرع ‪ ،‬ول نّ ال سّاق أو الفخذ ليس لها أرش مقدّر شرعا ‪ ،‬فيكون‬
‫تبعا لما له أرش مقدّر وهي القدم ‪.‬‬
‫ل في ذلك زياد ًة على نصف الدّية الواجب في‬
‫وذهب الحنفيّة والشّافعيّة إلى وجوب حكومة عد ٍ‬
‫القدم ‪.‬‬
‫والتّفصيل في مصطلح ‪ ( :‬دية ‪ ،‬وحكومة عدلٍ )‬
‫هه – هل الرّجل من العورة ؟‬
‫‪ -‬اتّفق الفقهاء على أنّ رجل المرأة الحرّة عورة ما عدا قدميها ‪.‬‬ ‫‪8‬‬

‫سرّة والرّكبة من الرّجل عورة بالنّسبة للرّجال ‪.‬‬


‫وذهب الجمهور إلى أنّ ما بين ال ّ‬
‫سرّة من الرّجل عورة ‪.‬‬
‫ثمّ اختلفوا في كون الرّكبتين وال ّ‬
‫وينظر ‪ ( :‬عورة ) ‪.‬‬

‫رجم *‬
‫التّعريف ‪:‬‬
‫‪ -‬الرّجم في اللّغة ‪ :‬الرّمي بالحجارة ‪ .‬ويطلق على معانٍ أخرى منها ‪ :‬القتل ‪ .‬ومنها ‪:‬‬ ‫‪1‬‬

‫القذف بالغيب أو بالظّنّ ‪ .‬ومنها اللّعن ‪ ،‬والطّرد ‪ ،‬والشّتم والهجران ‪.‬‬


‫وفي الصطلح هو رجم الزّاني المحصن بالحجارة حتّى الموت ‪.‬‬
‫الحكم التّكليفيّ ‪:‬‬
‫‪ -‬قال ابن قدامة ‪ :‬ل خلف بين الفقهاء في وجوب الرّجم على الزّاني المحصن رجلً كان‬ ‫‪2‬‬

‫أو امرأةً ‪.‬‬


‫وقد ثبت الرّجم عن رسول اللّه صلى ال عليه وسلم بقوله وفعله ‪ ،‬في أخبارٍ تشبه التّواتر ‪.‬‬
‫وهذا قول عامّة أهل العلم من الصّحابة والتّابعين ومن بعدهم ‪.‬‬
‫قال ابن قدامة ‪ :‬ل نعلم فيه مخالفا إلّ الخوارج ‪ ،‬فإنّهم قالوا ‪ :‬الجلد للبكر وال ّثيّب لقول اللّه‬
‫حدٍ ّم ْن ُهمَا ِمئَ َة جَ ْلدَةٍ } ‪.‬‬
‫تعالى ‪ { :‬الزّانِيَ ُة وَالزّانِي فَاجِْلدُوا كُلّ وَا ِ‬
‫والتّفصيل في باب الزّنى‬
‫من يحدّ بالرّجم ‪:‬‬
‫ف ح ّر مختار‬
‫ل مكلّ ٍ‬
‫‪ -‬تختصّ عقوبة الرّجم بالزّاني المكلّف المحصن ‪ :‬والمحصن ‪ :‬ك ّ‬ ‫‪3‬‬

‫ملتزم بأحكام الشّرع ‪ ،‬وطئ أو وطئت حال الكمال في نكاحٍ صحيحٍ ‪ ،‬وإن كان ذ ّميّا عند‬
‫الجمهور خلفا للشّافعيّة ‪ ،‬أو مرتدّا ‪ ،‬للتزامهما أحكام الشّرع ‪.‬‬
‫وانظر ‪ ( :‬إحصان ) ‪.‬‬
‫أمّا غير المكلّف فل يرجم ‪ ،‬لنّ فعله ل يوصف بتحريمٍ ‪ ،‬كما ل يرجم غير الملتزم‬
‫كالحربيّ‪ .‬وينظر التّفصيل في ‪ ( :‬زنىً )‬
‫كيفيّة الرّجم ‪:‬‬
‫‪ -‬إذا كان المرجوم رجلً أقيم عليه حدّ الرّجم ‪ ،‬وهو قائم ولم يوثق ‪ ،‬ولم يحفر له ‪ ،‬سواء‬ ‫‪4‬‬

‫ثبت زناه ببيّن ٍة أو بإقرارٍ ‪ ،‬وهذا محلّ اتّفاقٍ بين الفقهاء ‪.‬‬
‫ل تتكشّف عورتها ‪.‬‬
‫أمّا المرأة فيحفر لها عند الرّجم إلى صدرها إن ثبت زناها ببيّنةٍ ‪ ،‬لئ ّ‬
‫وقال أحمد في رواي ٍة ‪ :‬ل يحفر لها ‪ ،‬كالرّجل ‪.‬‬
‫ض فضاءٍ ‪ ،‬ويبتدئ بالرّجم الشّهود إذا ثبت زناه بشهادةٍ ‪،‬‬
‫ويخرج من يستحقّ الرّجم إلى أر ٍ‬
‫ندبا عند الجمهور ووجوبا عند الحنفيّة ‪.‬‬
‫ويحضر المام عند الرّجم كما يحضر جمع من الرّجال المسلمين ‪ ،‬ويرجم بحجار ٍة معتدلةٍ ‪.‬‬
‫والتّفصيل في مصطلح ‪ ( :‬زنىً ) ‪.‬‬
‫الجمع بين الرّجم ‪ ،‬والجلد ‪:‬‬
‫‪ -‬ذهب جمهور الفقهاء إلى أنّه ل يجمع على الزّاني المحصن بين الرّجم والجلد ‪ ،‬وقال‬ ‫‪5‬‬

‫أحمد بن حنبلٍ في إحدى روايتين عنه ‪ :‬إنّه يجلد ثمّ يرجم ‪.‬‬
‫( ر ‪ :‬جلد ) ‪.‬‬
‫تكفين المرجوم والصّلة عليه ‪:‬‬
‫ن المرجوم يكفّن ‪ ،‬ويصلّى عليه ‪ ،‬لقوله صلى ال عليه وسلم‬
‫‪ -‬ل خلف بين الفقهاء في أ ّ‬ ‫‪6‬‬

‫في ماعزٍ ‪ » :‬اصنعوا به ما تصنعون بموتاكم « ‪ ،‬وأنّه صلى ال عليه وسلم » صلّى على‬
‫الغامديّة « ‪.‬‬
‫والتّفصيل في ( صلة الجنازة ) ‪.‬‬
‫رجم الحامل ‪:‬‬
‫‪ -‬ل يقام حدّ الرّجم على الحامل حتّى تضع ويستغني عنها وليدها ‪ ،‬سواء كان الحمل من‬ ‫‪7‬‬

‫زنا أم غيره ‪.‬‬


‫قال ابن قدامة ‪ :‬ل نعلم في ذلك خلفا ‪.‬‬
‫ن الحامل ل ترجم حتّى تضع ‪ ،‬لنّ » النّبيّ صلى‬
‫قال ابن المنذر ‪ :‬أجمع أهل العلم على أ ّ‬
‫ال عليه وسلم أتت إليه امرأة من غامدٍ فقالت ‪ :‬يا رسول اللّه إنّي قد زنيت فطهّرني ‪ ،‬وأنّه‬
‫ردّها ‪ ،‬فلمّا كان الغد قالت ‪ :‬يا رسول اللّه لم تردّني لعلّك أن تردّني كما رددت ماعزا فواللّه‬
‫إنّي لحبلى ‪ ،‬قال ‪ :‬إمّا ل فاذهبي حتّى تلدي ‪ ،‬فلمّا ولدت أتته بالصّبيّ في خرقةٍ ‪ ،‬قالت ‪ :‬هذا‬
‫قد ولدته ‪ ،‬قال ‪ :‬اذهبي فأرضعيه حتّى تفطميه ‪ ،‬فلمّا فطمته أتته بالصّبيّ في يده كسرة خبزٍ‬
‫فقالت ‪ :‬هذا يا نبيّ اللّه قد فطمته وقد أكل الطّعام ‪ ،‬فدفع الصّبيّ إلى رجلٍ من المسلمين ثمّ‬
‫أمر بها فحفر لها إلى صدرها وأمر النّاس فرجموها ‪ ،‬فيقبل خالد بن الوليد بحجرٍ فرمى‬
‫رأسها فتنضّح الدّم على وجه خالدٍ فسبّها فسمع نبيّ اللّه صلى ال عليه وسلم سبّه إيّاها فقال ‪:‬‬
‫س لغفر له ثمّ أمر بها‬
‫مهلً يا خالد فوالّذي نفسي بيده لقد تابت توب ًة لو تابها صاحب مك ٍ‬
‫فصلّى عليها ودفنت « ‪.‬‬
‫ن امرأ ًة زنت في أيّام عمر رضي ال عنه فهمّ عمر برجمها وهي حامل ‪ ،‬فقال له معاذ ‪:‬‬
‫ول ّ‬
‫إن كان لك سبيل عليها فليس لك سبيل على حملها ‪ ،‬فلم يرجمها ‪ ،‬ولنّ في إقامة الح ّد عليها‬
‫في حال حملها إتلفا لمعصومٍ ‪ ،‬ول سبيل إليه ‪.‬‬
‫والتّفصيل في مصطلح ‪ ( :‬حدود )‬

‫رجوع *‬
‫التّعريف ‪:‬‬
‫‪ -‬الرّجوع في اللّغة ‪ :‬النصراف ‪ ،‬يقال ‪ :‬رجع يرجع رجعا ورجوعا ورجعيّ ومرجعا ‪:‬‬ ‫‪1‬‬

‫إذا انصرف ‪ ،‬ورجّعه ‪ :‬ردّه ‪ ،‬والرّجعة ‪ :‬مراجعة الرّجل أهله ‪ .‬ورجع من سفره ‪ ،‬وعن‬
‫سكّيت ‪ :‬هو نقيض الذّهاب ‪ ،‬ويتعدّى بنفسه في اللّغة‬
‫المر يرجع رجعا ورجوعا ‪ ،‬قال ابن ال ّ‬
‫ج َعكَ اللّهُ } ‪ .‬وهذيل تعدّيه باللف ‪،‬‬
‫الفصحى ‪ ،‬وبها جاء القرآن قال تعالى ‪َ { :‬فإِن ّر َ‬
‫ورجعت الكلم وغيره ‪ :‬رددته ‪ ،‬ورجع في الشّيء ‪ :‬عاد فيه ‪ ،‬ومن هنا قيل ‪ :‬رجع في هبته‬
‫إذا أعادها إلى ملكه ‪.‬‬
‫وفي الكّليّات ‪ :‬الرّجوع ‪ :‬العود إلى ما كان عليه مكانا أو صفةً ‪ ،‬أو حالً ‪ ،‬يقال ‪ :‬رجع إلى‬
‫صحّة أو المرض‪ ،‬أو غيره من الصّفات ‪،‬‬
‫مكانه ‪ ،‬وإلى حالة الفقر أو الغنى ‪ ،‬ورجع إلى ال ّ‬
‫ورجع عوده على بدئه ‪ ،‬أي رجع في الطّريق الّذي جاء منه ‪ ،‬ورجع عن الشّيء تركه ‪،‬‬
‫ورجع إليه ‪ :‬أقبل ‪.‬‬
‫ول يخرج استعمال الفقهاء له عن المعنى اللّغويّ ‪.‬‬
‫اللفاظ ذات الصّلة ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬ال ّردّ ‪:‬‬
‫‪ -‬ال ّردّ صرف الشّيء ورجعه ‪ ،‬وردّ عليه الشّيء إذا لم يقبله ‪ ،‬وكذا إذا خطّأه ‪ ،‬ورددت‬ ‫‪2‬‬

‫إليه جوابه ‪ ،‬أي رجعت وأرسلت ‪ ،‬ومنه ‪ :‬رددت عليه الوديعة ‪ ،‬وتردّدت إلى فلنٍ ‪ :‬رجعت‬
‫إليه مرّةً بعد أخرى ‪ ،‬وترادّ القوم البيع ‪ :‬ردّوه ‪.‬‬
‫والفقهاء أحيانا يستعملون ال ّردّ والرّجوع بمعنًى واحدٍ ‪.‬‬
‫ل من المستعير والمعير ر ّد العاريّة متى شاء ‪ ،‬ور ّد المعير‬
‫قال المحّليّ في شرح المنهاج ‪ :‬لك ّ‬
‫بمعنى رجوعه ‪.‬‬
‫ويقول الفقهاء في الوصيّة ‪ :‬يكون الرّجوع في الوصيّة بالقول كرجعت في وصيّتي ‪ ،‬أو‬
‫أبطلتها ونحوه كرددتها ‪.‬‬
‫وقد يختصّ الرّجوع بمن يصدر منه التّصرّف كالرّجوع في الهبة والوصيّة ‪ ،‬والرّجوع عن‬
‫القرار والشّهادة ‪ ،‬ويستعمل الرّدّ فيمن صدر التّصرّف لصالحه كردّ المستعير للعاريّة ‪ ،‬وردّ‬
‫الموصى له الوصيّة ‪ ،‬أو من طرفٍ ثالثٍ كردّ القاضي الشّهادة ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬الفسخ ‪:‬‬
‫‪ -‬الفسخ ‪ :‬النّقض ‪ ،‬يقال فسخ الشّيء يفسخه فسخا فانفسخ ‪ :‬أي نقضه فانتقض ‪ ،‬وفسخ‬ ‫‪3‬‬

‫رأيه ‪ :‬فسد ‪ ،‬ويقال ‪ :‬فسخت البيع والنّكاح فانفسخ ‪ ،‬أي نقضته فانتقض ‪ ،‬وفسخت العقد‬
‫فسخا رفعته ‪ ،‬وفسخت الشّيء فرّقته ‪.‬‬
‫والفقهاء يستعملون الفسخ بمعنى الرّجوع ‪ ،‬قال الكاسانيّ ‪ :‬الرّجوع ‪ :‬فسخ العقد بعد تمامه‪.‬‬
‫وفي المنثور للزّركشيّ ‪ :‬الفسخ لفظ ألّفه الفقهاء ‪ ،‬ومعناه ردّ الشّيء واسترداد مقابله ‪.‬‬
‫ج ‪ -‬النّقض ‪:‬‬
‫‪ -‬النّقض ‪ :‬إفساد ما أبرمت من عق ٍد أو بناءٍ ‪ ،‬والنّقض ‪ :‬انتثار العقد من البناء والحبل‬ ‫‪4‬‬

‫والعقد ‪ ،‬وهو ضدّ البرام ‪ ،‬يقال ‪ :‬نقضت البناء والحبل والعقد ‪ ،‬وفي حديث صوم التّطوّع ‪:‬‬
‫»فناقضني وناقضته « ‪ ،‬أي ينقض قولي وأنقض قوله ‪ ،‬وأراد به المراجعة والمرادّة ‪.‬‬
‫ويقول الفقهاء ‪ :‬يحصل الرّجوع عن الوصيّة بالقول كنقضت الوصيّة ‪.‬‬
‫الحكم التّكليفيّ ‪:‬‬
‫‪ -‬الرّجوع من التّصرّفات الّتي تختلف أحكامها باختلف موضوعها ‪ ،‬ولذلك يعتري‬ ‫‪5‬‬

‫الرّجوع الحكام التّكليفيّة ‪.‬‬


‫سنّة عند التّنازع ‪ ،‬وكرجوع المرتدّ إلى السلم ‪،‬‬
‫فقد يكون واجبا كالرّجوع إلى الكتاب وال ّ‬
‫ورجوع البغاة إلى طاعة المام ‪.‬‬
‫وقد يكون مستحبّا كاستحباب تعجيل رجوع المسافر إلى أهله بعد قضاء حاجته ‪ .‬وكرجوع‬
‫المتبايعين بالتّراضي بعد تمام العقد ‪ ،‬وهو ما يسمّى بالقالة لقوله صلى ال عليه وسلم ‪» :‬‬
‫من أقال مسلما أقاله اللّه عثرته يوم القيامة « ‪.‬‬
‫وقد يكون مباحا وذلك كالرّجوع في العقود الجائزة كالوصيّة ‪.‬‬
‫وقد يكون حراما كالرّجوع في الصّدقة ‪ ،‬وقد قال عمر رضي ال عنه ‪ :‬من وهب هب ًة على‬
‫وجه صدق ٍة فإنّه ل يرجع فيها ‪ .‬وكالرّجوع عن دين السلم ‪ ،‬فمن كان مسلما ‪ ،‬أو كافرا‬
‫وأسلم حرّم عليه الرّجوع عن دين السلم ‪ ،‬لنّه يصبح بذلك مرتدّا ‪.‬‬
‫وقد يكون الرّجوع مكروها كالرّجوع في الهبة عند الحنفيّة ‪ .‬جاء في الختيار ‪ :‬يكره‬
‫»‬ ‫الرّجوع في الهبة ‪ ،‬لنّه من باب الخساسة والدّناءة ‪ ،‬وقد قال عليه الصلة والسلم ‪:‬‬
‫العائد في هبته كالكلب يقيء ثمّ يعود في قيئه « ‪ .‬شبّهه به لخساسة الفعل ودناءة الفاعل‪.‬‬
‫ما يتعلّق بالرّجوع من أحكامٍ ‪:‬‬
‫أسباب الرّجوع ‪:‬‬
‫‪ -‬الرّجوع قد يكون في التّصرّفات القوليّة كالقضاء ‪ ،‬والقرار ‪ ،‬والشّهادة ‪ ،‬والوصيّة ‪،‬‬ ‫‪6‬‬

‫والهبة ‪ ،‬والكفالة وغير ذلك ‪.‬‬


‫وقد يكون في الفعال كرجوع من تجاوز الميقات دون إحرامٍ إلى الميقات ليحرم منه ‪،‬‬
‫وكرجوع المسافرة الّتي طرأ عليها موجب العدّة إلى مسكنها لتعتدّ فيه ‪.‬‬
‫ل ذلك وتتعدّد باختلف المواضع والمسائل ‪ ،‬وبيان ذلك فيما‬
‫وتختلف أسباب الرّجوع في ك ّ‬
‫يلي ‪:‬‬
‫أوّلً ‪ :‬الرّجوع في القوال والتّصرّفات ‪:‬‬
‫‪ -‬الرّجوع في الحكم والفتوى ‪:‬‬ ‫‪1‬‬

‫للرّجوع في الحكم والفتوى أسباب منها ‪:‬‬


‫أ ‪ -‬خفاء الدّليل ‪:‬‬
‫‪ -‬الصل في الحكم والفتوى هو أن يكون المرجع فيهما إلى كتاب اللّه تعالى وسنّة رسوله‬ ‫‪7‬‬

‫صلى ال عليه وسلم أو الجماع ‪ ،‬وإلّ فالقياس والجتهاد إن لم يوجد نصّ ظاهر ‪ .‬ودليل‬
‫ن النّاسِ ِبمَا َأرَاكَ الّلهُ} وقوله تعالى‬
‫ح ُكمَ َبيْ َ‬
‫ب بِا ْلحَقّ ِل َت ْ‬
‫ذلك قوله تعالى ‪ِ { :‬إنّا أَنزَ ْلنَا إَِل ْيكَ ا ْل ِكتَا َ‬
‫شيْءٍ‬
‫ع ُتمْ فِي َ‬
‫ل ْمرِ مِنكُ ْم فَإِن َتنَازَ ْ‬
‫‪ { :‬يَا َأ ّيهَا اّلذِينَ آ َمنُو ْا َأطِيعُواْ الّلهَ وََأطِيعُواْ ال ّرسُولَ وَُأوْلِي ا َ‬
‫ل}‪.‬‬
‫حسَنُ َتأْوِي ً‬
‫خ ْيرٌ وََأ ْ‬
‫خرِ ذَِلكَ َ‬
‫ن بِاللّهِ وَا ْليَ ْومِ ال ِ‬
‫فَ ُردّوهُ إِلَى الّلهِ وَال ّرسُولِ إِن كُن ُتمْ تُ ْؤ ِمنُو َ‬
‫وقد بعث النّبيّ صلى ال عليه وسلم معاذا إلى اليمن وقال له ‪ » :‬كيف تقضي إذا عرض لك‬
‫قضاء ؟ قال ‪ :‬أقضي بكتاب اللّه ‪ ،‬قال ‪ :‬فإن لم تجد في كتاب اللّه ؟ قال ‪ :‬فبسنّة رسول اللّه‪،‬‬
‫قال ‪ :‬فإن لم تجد في سنّة رسول اللّه ول في كتاب اللّه ؟ قال ‪ :‬أجتهد رأيي ول آلو ‪،‬‬
‫فضرب رسول اللّه صلى ال عليه وسلم صدره وقال ‪ :‬الحمد للّه الّذي وفّق رسولَ رسولِ‬
‫ل اللّه « ‪.‬‬
‫اللّه لما يرضي رسو َ‬
‫ولذلك ل ينقض قضاء القاضي إلّ إذا خالف نصّا ظاهرا من كتابٍ أو سنّ ٍة ‪ ،‬أو خالف‬
‫إجماعا‪ ،‬أو خالف قياسا جليّا ‪ ،‬كما يقول بعض الفقهاء ‪.‬‬
‫لكن قد يكون الحكم مخالفا للنّصّ لخفاء الدّليل ‪ ،‬وقد تكون الفتوى كذلك ‪ ،‬فإذا ظهر الحقّ‬
‫ووجد الدّليل وجب الرّجوع إليه ‪.‬‬
‫ومن أمثلة ذلك أنّه خفي على عمر رضي ال عنه دية الصابع فقضى في البهام والّتي تليها‬
‫ن رسول اللّه صلى ال عليه‬
‫ن في كتاب آل عمرو بن حزمٍ أ ّ‬
‫بخمسٍ وعشرين حتّى أخبر أ ّ‬
‫وسلم قضى فيها بعشر عشرٍ فترك قوله ورجع إليه ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬استظهار المجتهد رأي مجتهدٍ آخر ‪:‬‬
‫‪ -‬الختلف بين المجتهدين في مسأل ٍة يوجب على أحدهما الرّجوع إلى رأي من ظهر الحقّ‬ ‫‪8‬‬

‫في جانبه ‪ ،‬فقد عارض عمر أبا بكرٍ رضي ال تعالى عنهما في قتال مانعي الزّكاة بعد وفاة‬
‫رسول اللّه صلى ال عليه وسلم ‪ ،‬لنّهم في نظر عمر رضي ال عنه يشهدون أن ل إله إلّ‬
‫اللّه ‪ ،‬وقد قال رسول اللّه صلى ال عليه وسلم ‪ » :‬أمرت أن أقاتل النّاس حتّى يقولوا ل إله‬
‫إلّ اللّه فمن قال ل إله إلّ اللّه فقد عصم منّي ماله ونفسه إلّ بحقّه وحسابه على اللّه«‪ ،‬فقال‬
‫ن من فرّق بين الصّلة والزّكاة ‪ ،‬فإنّ الزّكاة حقّ المال ‪ ،‬واللّه لو‬
‫أبو بكرٍ ‪ :‬واللّه لقاتل ّ‬
‫ل كانوا يؤدّونها إلى رسول اللّه صلى ال عليه وسلم لقاتلتهم على منعه ‪ ،‬فقال‬
‫منعوني عقا ً‬
‫ل أن قد رأيت اللّه قد شرح صدر أبي بكرٍ للقتال فعرفت‬
‫عمر بن الخطّاب ‪ :‬فواللّه ما هو إ ّ‬
‫أنّه الحقّ ‪.‬‬
‫قال النّوويّ والبيّ في شرحهما للحديث ‪ :‬هذا يدلّ على اجتهاد الئمّة في النّوازل وردّها إلى‬
‫الصول ‪ ،‬ومناظرة أهل العلم فيها ‪ ،‬ورجوع من ظهر له الحقّ إلى قول صاحبه ‪.‬‬
‫ج ‪ -‬اقتضاء المصلحة ‪:‬‬
‫ن النّبيّ نزل منزلً للحرب في بدرٍ‬
‫‪ -‬قد يكون الرّجوع من أجل المصلحة ‪ ،‬ومن ذلك أ ّ‬ ‫‪9‬‬

‫ورأيه فههو منزل مكيد ٍة ‪ ،‬فقال‬


‫ٍ‬ ‫بوحيه فسهمعا وطاعةً ‪ ،‬وإن كان باجتهادٍ‬
‫ٍ‬ ‫فقيهل له ‪ :‬إن كان‬
‫صلى ال عليه وسلم ‪ :‬بل باجتهادٍ ورأيٍ ‪ ،‬فأشير عليه بمكانٍ آخر فيه مصلحة المسلمين ففعل‬
‫النّبيّ صلى ال عليه وسلم ذلك ورجع إلى رأي الحباب بن المنذر ‪.‬‬
‫قال ابن إسحاق في ال سّيرة ‪ :‬حدّثت عن رجالٍ من بني سلمة ‪ ،‬أنّهم ذكروا ‪ :‬أ نّ الحباب بن‬
‫المنذر بن الجموح قال ‪ :‬يا ر سول اللّه ‪ ،‬أرأ يت هذا المنزل ‪ ،‬أمنزلً أنزل كه اللّه ل يس ل نا أن‬
‫نتقدّمهه ‪ ،‬ول نتأخ ّر عنهه ‪ ،‬أم ههو الرّأي والحرب والمكيدة ‪ ،‬قال بهل ههو الرّأي والحرب‬
‫ن هذا ليس بمنزلٍ ‪ ،‬فانهض بالنّاس حتّى نأتي أدنى ما ٍء من‬
‫والمكيدة ؟ فقال يا رسول اللّه ‪ :‬فإ ّ‬
‫القوم ‪ ،‬فننزله ‪ ،‬ث مّ نغوّر ما وراءه من القلب ‪ ،‬ث مّ نب ني عل يه حوضا فنملؤه ما ًء ‪ ،‬ث مّ نقا تل‬
‫القوم ‪ ،‬فنشرب ول يشربون ‪ ،‬فقال رسهول اللّه صهلى ال عليهه وسهلم ‪ :‬لقهد أشرت بالرّأي ‪.‬‬
‫فنهض رسول اللّه صلى ال عليه وسلم ومن معه من النّاس ‪ ،‬فسار حتّى إذا أتى أدنى ماءٍ‬
‫مهن القوم نزل عليهه ‪ ،‬ثمّه أمهر بالقلب فغوّرت ‪ ،‬وبنهى حوضا على القليهب الّذي نزل عليهه ‪،‬‬
‫فملئ ما ًء ‪ ،‬ثمّ قذفوا فيه النية ‪.‬‬
‫ومن ذلك حد يث الزواد الّذي رواه مسلم » ح ين نفذت أزواد القوم حتّى ه ّم النّبيّ صلى ال‬
‫عليه وسلم بنحر بعض حمائلهم ‪ ،‬فأشار عليه عمر رضي ال عنه أن يجمع ما بقي من أزواد‬
‫القوم فيد عو علي ها فف عل النّبيّ صلى ال عل يه و سلم ذلك حتّى مل القوم أزودت هم « ‪ .‬قال‬
‫العلماء ‪ :‬ل خلف أ نّ النّبيّ صلى ال عل يه و سلم له أن يجت هد في أمور الدّن يا وير جع إلى‬
‫رأي غيره في ذلك ‪ ،‬كما فعل في تلقيح النّخل ‪ ،‬والنّزول ببدرٍ ‪ ،‬ومصالحة أهل الحزاب‪.‬‬
‫وكذلك فعل النّبيّ صلى ال عليه وسلم حين أرسل أبا هريرة رضي ال عنه بنعليه وقال له ‪:‬‬
‫» من لقيت من وراء هذا الحائط يشهد أن ل إله إلّ اللّه مستيقنا بها قلبه فبشّره بالجنّة فقال له‬
‫عمهر رضهي ال عنهه ‪ :‬ل تفعهل فإنّي أخشهى أن يتّكهل النّاس عليهها ‪ ،‬فخلّههم يعملون ‪ .‬فقال‬
‫رسول اللّه صلى ال عليه وسلم ‪ :‬فخلّهم « ‪.‬‬
‫د ‪ -‬تغيّر اجتهاد القاضي ‪:‬‬
‫‪ -‬من أسباب الرّجوع أيضا تغيّر الجتهاد ‪ ،‬فالمجتهد الّذي يتغيّر اجتهاده إلى رأيٍ يخالف‬ ‫‪10‬‬

‫رأيه الوّل يجب عليه الرّجوع عن اجتهاده الوّل والعمل بما تغيّر إليه اجتهاده ‪ ،‬والصل في‬
‫ذلك كتاب عمر رضي ال عنه إلى أبي موسى الشعريّ وقد جاء فيه ‪ :‬ول يمنعنّك قضاء‬
‫ن الحقّ قديم‬
‫قضيت به اليوم فراجعت فيه رأيك وهديت فيه لرشدك أن تراجع فيه الحقّ ‪ ،‬فإ ّ‬
‫ول يبطله شيء ‪ ،‬ومراجعة الحقّ خير من التّمادي في الباطل ‪.‬‬
‫قال ابن القيّم ‪ :‬يريد أنّك إذا اجتهدت في حكوم ٍة ثمّ وقعت لك مرّةً أخرى فل يمنعك الجتهاد‬
‫ن الجتهاد قد يتغيّر ‪ ،‬ول يكون الجتهاد الوّل مانعا من العمل بالثّاني‬
‫الوّل من إعادته ‪ ،‬فإ ّ‬
‫ن الحقّ أولى باليثار ‪ ،‬لنّه قديم سابق على الباطل ‪ ،‬فإن كان الجتهاد‬
‫إذا ظهر أنّه الحقّ ‪ ،‬فإ ّ‬
‫الوّل قد سبق الثّاني ‪ ،‬والثّاني هو الحقّ فهو أسبق من الجتهاد الوّل ‪ ،‬لنّه قديم سابق على‬
‫ما سواه ‪ ،‬ول يبطله وقوع الجتهاد الوّل على خلفه ‪ ،‬بل الرّجوع إليه أولى من التّمادي‬
‫على الجتهاد الوّل ‪.‬‬
‫‪ -‬على أنّ تغيّر الجتهاد وإن كان يوجب الرّجوع إلى ما تغيّر إليه اجتهاده لكن ذلك ل‬ ‫‪11‬‬

‫يبطل الجتهاد الوّل إذا صدر به حكم ‪.‬‬


‫ل الجتهاد ‪ ،‬قال جمهور الفقهاء ‪ :‬المجتهد إذا قضى في‬
‫وهذا في الحوادث الّتي هي مح ّ‬
‫حادث ٍة برأيه ‪ -‬وهي محلّ الجتهاد ‪ -‬ثمّ رفعت إليه ثانيا فتحوّل رأيه يعمل بالرّأي الثّاني ‪،‬‬
‫ن القضاء بالرّأي الوّل قضاء مجمع على‬
‫ول يوجب هذا نقض الحكم بالرّأي الوّل ‪ ،‬ل ّ‬
‫جوازه لتّفاق أهل الجتهاد على أنّ للقاضي أن يقضي في محلّ الجتهاد بما يؤدّي إليه‬
‫اجتهاده ‪ ،‬فكان هذا قضاءً متّفقا على صحّته ‪ ،‬ول اتّفاق على صحّة هذا الرّأي الثّاني ‪ ،‬فل‬
‫يجوز نقض المجمع عليه بالمختلف فيه ‪ ،‬ولهذا ل يجوز لقاضٍ آخر أن يبطل هذا القضاء ‪،‬‬
‫كذا هذا ‪.‬‬
‫شرّكة بإسقاط الخوة من البوين وتوريث‬
‫وقد روي أنّ عمر رضي ال عنه قضى في الم َ‬
‫الخوة لمّ ‪ ،‬ثمّ شرّك بين الفريقين بعد ‪ ،‬ولمّا سئل قال ‪ :‬تلك على ما قضينا وهذه على ما‬
‫نقضي ‪ ،‬فأخذ عمر رضي ال عنه في كل الجتهادين بما ظهر له أنّه الحقّ ‪ ،‬ولم يمنعه‬
‫القضاء الوّل من الرّجوع إلى الثّاني ‪ ،‬ولم ينقض الوّل بالثّاني ‪ ،‬فجرى أئمّة السلم بعده‬
‫على هذين الصلين ‪.‬‬
‫واختلف المالكيّة في جواز رجوع القاضي عمّا قضى به إذا تغيّر اجتهاده ‪.‬‬
‫قال ابن حبيبٍ ‪ :‬أخبرني مطرّف وابن الماجشون عن مالكٍ وعن غيره من علماء المدينة في‬
‫القاضي يقضي بالقضاء ث ّم يرى ما هو أحسن منه فيريد الرّجوع عنه إلى ما رأى ‪ ،‬فذلك له‬
‫ما كان على وليته الّتي فيها قضى بذلك القضاء الّذي يريد الرّجوع عنه ‪ ،‬وقال ابن عبد‬
‫الحكم وسحنون وابن الماجشون ‪ :‬ل يجوز فسخه ‪ ،‬وصوّبه أئمّة المتأخّرين قياسا على حكم‬
‫غيره ‪ ،‬ولنّه لو كان له نقض هذا لرأيه الثّاني لكان له فسخ الثّاني والثّالث ول يقف على حدّ‬
‫‪ ،‬ول يثق أحد بما قضي له به وذلك ضرر شديد ‪ ،‬وقيل ‪ :‬إن كان القضاء بمالٍ فسخه ‪ ،‬وإن‬
‫ح أو فسخه لم ينقضه ‪.‬‬
‫كان ثبوت نكا ٍ‬
‫قال ابن راشدٍ القفصيّ ‪ :‬والمشهور جواز الرّجوع وهو الصّواب ‪ ،‬لنّه رجوع إلى الصّواب‬
‫ن الخلف إنّما هو إذا حكم بذلك وهو يراه باجتهاده ‪ ،‬أمّا إن‬
‫‪ .‬لكن ابن عبد الحكم ذكر أ ّ‬
‫قضى بذلك ذاهلً أو ناسيا أو جاهلً فل ينبغي الخلف أنّه يجب عليه الرّجوع عنه إلى ما‬
‫رأى إذ قد تبيّن له الخطأ ‪.‬‬
‫وما ذهب إليه بعض المالكيّة قال به أبو ثورٍ وداود استنادا إلى ما جاء في كتاب عمر إلى‬
‫أبي موسى الشعريّ رضي ال عنهما ‪.‬‬
‫هه – تغيّر اجتهاد المفتي ‪:‬‬
‫– من أسباب الرّجوع كذلك تغيّر اجتهاد المفتي ‪ ،‬فإذا أفتى المجتهد برأيٍ ثمّ تغيّر اجتهاده‬ ‫‪12‬‬

‫وجب عليه الرّجوع عن رأيه الوّل والفتاء بما أدّاه إليه اجتهاده ثانيا ‪.‬‬
‫وقد كان لئمّة المذاهب أقوال رجعوا عنها لمّا تغيّر اجتهادهم وصارت لهم أقوال أخرى هي‬
‫الّتي تغيّر إليها اجتهادهم ‪.‬‬
‫ن الصّدقة أفضل من حجّ التّطوّع لمّا‬
‫ففي حاشية ابن عابدين أنّ أبا حنيفة رجع عن القول بأ ّ‬
‫حجّ وعرف مشقّته ‪.‬‬
‫ن ابن القاسم لزم‬
‫وقد كان لمالكٍ أقوال ث ّم رجع عنها نقلها عنه ابن القاسم وغيره ‪ ،‬ونظرا ل ّ‬
‫مالكا كثيرا وكان ل يغيب عن مجلسه إلّ لعذرٍ فقد قالوا ‪ :‬من قلّد مالكا فإنّما يأخذ بالقول‬
‫ن أنّه الرّاجح لمصير مالكٍ إليه آخرا مع‬
‫المرجوع إليه عند ابن القاسم ‪ ،‬لنّه يغلب على الظّ ّ‬
‫ذكره القول الوّل ‪.‬‬
‫كذلك كان للشّافعيّ مذهبان أو قولن وهما القديم والجديد ‪ ،‬يقول النّوويّ ‪ :‬صنّف الشّافعيّ في‬
‫العراق كتابه القديم ‪ ،‬ويسمّى كتاب الحجّة ‪ ،‬ويرويه عنه أربعة من جلّة أصحابه وهم أحمد‬
‫بن حنبلٍ ‪ ،‬وأبو ثورٍ ‪ ،‬والزّعفرانيّ ‪ ،‬والكرابيسيّ ‪ ،‬ثمّ خرج إلى مصر وصنّف كتبه الجديدة‬
‫كلّها بمصر ‪.‬‬
‫ل مسأل ٍة فيها قولن للشّافعيّ قديم وجديد ‪ ،‬فالجديد هو الصّحيح وعليه‬
‫ثمّ يقول النّوويّ ‪ :‬ك ّ‬
‫ن القديم مرجوع عنه ‪ ،‬ثمّ ذكر النّوويّ بعض المسائل المستثناة والّتي يفتى فيها‬
‫العمل ‪ ،‬ل ّ‬
‫بالقديم ‪.‬‬
‫ن القوال القديمة ليست من مذهب الشّافعيّ حيث كانت ‪ ،‬لنّه‬
‫وقال إمام الحرمين ‪ :‬معتقدي أ ّ‬
‫جزم في الجديد بخلفها ‪ ،‬والمرجوع عنه ليس مذهبا للرّاجع ‪.‬‬
‫ن أتباع الئمّة قد يفتون بالقوال القديمة الّتي رجع عنها أئمّة المذاهب لرجاحتها‬
‫‪ -‬على أ ّ‬ ‫‪13‬‬

‫في نظرهم ‪.‬‬


‫يقول النّوويّ ‪ :‬إذا علمت حال القديم ووجدنا أصحابنا أفتوا بالمسائل الّتي فيه حملنا ذلك على‬
‫أنّه أدّاهم اجتهادهم إلى القديم لظهور دليله وهم مجتهدون فأفتوا به ‪ ،‬ول يلزم من ذلك نسبته‬
‫إلى الشّافعيّ ‪ ،‬ولم يقل أحد من المتقدّمين في هذه المسائل إنّها مذهب الشّافعيّ ‪ .‬ويقول ابن‬
‫القيّم ‪ :‬أتباع الئمّة يفتون كثيرا بأقوالهم القديمة الّتي رجعوا عنها ‪ ،‬وهذا موجود في سائر‬
‫الطّوائف ‪.‬‬
‫فالحنفيّة يفتون بلزوم المنذورات الّتي مخرجها مخرج اليمين كالحجّ والصّوم والصّدقة ‪ ،‬وقد‬
‫حكوا هم عن أبي حنيفة أنّه رجع قبل موته بثلثة أيّامٍ إلى التّكفير ‪ ،‬والحنابلة يفتي كثير منهم‬
‫بوقوع طلق السّكران ‪ ،‬وقد صرّح أحمد بالرّجوع عنه إلى عدم الوقوع ‪ ،‬والشّافعيّة يفتون‬
‫بالقول القديم في مسألة التّثويب ‪ ،‬وامتداد وقت المغرب ‪ ،‬ومسألة التّباعد عن النّجاسة في‬
‫الماء الكثير ‪ ،‬وغير ذلك من المسائل ‪ ،‬ومن المعلوم أنّ القول الّذي صرّح بالرّجوع عنه لم‬
‫يبق مذهبا له ‪ ،‬فإذا أفتى المفتي به مع نصّه على خلفه لرجحانه عنده لم يخرجه ذلك عن‬
‫التّمذهب بمذهبه ‪.‬‬
‫وقال ابن القيّم ‪ :‬الصّواب إذا ترجّح ‪ -‬عند المنتسب إلى مذهبٍ ‪ -‬قول غير قول إمامه بدليلٍ‬
‫ن الئمّة متّفقة على أصول الحكام ‪،‬‬
‫راجحٍ فل بدّ أن يخرج على أصول إمامه وقواعده ‪ ،‬فإ ّ‬
‫ل مرجوحا فأصوله تردّه وتقتضي القول الرّاجح ‪.‬‬
‫ومتى قال بعضهم قو ً‬
‫وقال النّوويّ ‪ :‬قال أبو عمرٍو ‪ :‬اختيار أحد أتباع مذهب الشّافعيّ للقديم إنّما هو من قبيل‬
‫ي إذا أدّاه اجتهاده إليه ‪.‬‬
‫اختياره مذهب غير الشّافع ّ‬
‫‪ -‬الرّجوع في العقود ‪:‬‬ ‫‪2‬‬

‫أ ‪ -‬الرّجوع في العقود غير اللّزمة ‪:‬‬


‫‪ -‬العقود الجائزة " غير اللّزمة كالعاريّة ‪ ،‬والوصيّة ‪ ،‬والشّركة ‪ ،‬والمضاربة ‪،‬‬ ‫‪14‬‬

‫والوكالة ‪ ،‬الوديعة ‪ ،‬عقود غير لزمةٍ ‪ ،‬وعدم لزومها يبيح الرّجوع فيها إذا توافرت الشّروط‬
‫المعتبرة الّتي حدّدها الفقهاء كشرط نضوض رأس المال في المضاربة ‪ ،‬وشرط علم الطّرف‬
‫الخر بالفسخ ‪ ،‬وشرط عدم الضّرر في الرّجوع ‪ ،‬فمن استعار أرضا للزّراعة ‪ ،‬وأراد‬
‫ن الرّجوع الفعليّ يتوقّف حتّى يحصد الزّرع ‪ ،‬ومن أعار مكانا لدفنٍ ‪،‬‬
‫المعير الرّجوع ‪ ،‬فإ ّ‬
‫وحصل الدّفن فعلً فل يرجع المعير في موضعه حتّى يندرس أثر المدفون ‪ ،‬كما أنّ العاريّة‬
‫ل عند المالكيّة ل رجوع فيها حتّى ينقضي الجل أو العمل ‪.‬‬
‫المقيّدة بأجلٍ أو عم ٍ‬
‫ب ‪ -‬العقود الّتي يدخلها الخيار ‪:‬‬
‫‪ -‬العقود الّتي من طبيعتها اللّزوم كالبيع ‪ ،‬يكون لزومها بتمام اليجاب والقبول ‪ ،‬ما لم‬ ‫‪15‬‬

‫يلحقها الخيار فإذا لحقها الخيار صارت عقودا غير لزمةٍ في حقّ من له الخيار ‪ ،‬فيجوز له‬
‫الرّجوع فيها ‪.‬‬
‫انظر مصطلح ‪ ( :‬خيار ) ‪.‬‬
‫‪ -‬الرّجوع بالقالة ‪:‬‬ ‫‪3‬‬

‫‪ -‬القالة ‪ -‬سواء اعتبرت فسخا أو بيعا ‪ -‬تعتبر رجوعا في العقد برضا المتعاقدين فهي‬ ‫‪16‬‬

‫من التّصرّفات الجائزة بل المندوبة لقول النّبيّ صلى ال عليه وسلم ‪ » :‬من أقال مسلما أقاله‬
‫‪-‬‬ ‫اللّه عثرته « والقصد منها ردّ كلّ حقّ إلى صاحبه ‪ ،‬ففي البيع مثلً يعود‬
‫بمقتضاها‪ -‬المبيع إلى البائع ‪ ،‬والثّمن إلى المشتري ‪ ،‬وفي الجملة فإنّه ل تجوز الزّيادة على‬
‫ن مقتضى القالة ردّ المر إلى ما كان عليه ‪،‬‬
‫الثّمن الوّل أو نقصه أو ردّ غير جنسه ‪ ،‬ل ّ‬
‫ورجوع كلّ منهما إلى ما كان له ‪.‬‬
‫وينظر تفصيل ذلك في ( إقالة )‬
‫‪ -‬الرّجوع بسبب الفلس ‪:‬‬ ‫‪4‬‬
‫‪ -‬الفلس من أسباب الرّجوع ‪ ،‬ذلك أنّ حقّ الغرماء يتعلّق بمال المدين ‪ ،‬فإذا حجر عليه‬ ‫‪17‬‬

‫وكان قد اشترى شيئا وقبضه ولم يدفع ثمنه ووجده بعينه قائما ‪ ،‬فللبائع الرّجوع في عين ماله‬
‫‪ ،‬ويكون أحقّ به من سائر الغرماء ‪ ،‬ول يسقط حقّه بقبض المشتري للمبيع ‪ ،‬وذلك لحديث‬
‫أبي هريرة » أنّ النّبيّ صلى ال عليه وسلم قال ‪ :‬إذا ابتاع الرّجل السّلعة ثمّ أفلس وهي عنده‬
‫بعينها فهو أحقّ بها من الغرماء « وهذا عند الجمهور ‪ -‬المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة ‪ -‬هذا‬
‫مع مراعاة شروط الرّجوع الّتي حدّدها الفقهاء ككون السّلعة باقي ًة في ملك المشتري ‪ ،‬ولم‬
‫تتغيّر صورتها كالحنطة إذا طحنت ‪ ،‬ولم يتعلّق بها حقّ كرهنٍ‪ ،‬وأن يكون الرّجوع في عين‬
‫ماله في المعاوضات المحضة ‪ ،‬كالبيع والقرض والسّلم ‪ ،‬خلفا للمعاوضة غير المحضة ‪،‬‬
‫كالخلع والصّلح عن دم العمد ‪ ،‬فل يجوز الرّجوع فيها ‪ ،‬وذلك كما يقول المالكيّة والشّافعيّة ‪.‬‬
‫وعند الحنفيّة ‪ :‬ل يكون البائع أحقّ بعين ماله الّذي وجده عند المفلس ‪ ،‬وإنّما يكون أسوة‬
‫ن ملك البائع قد زال عن المبيع وخرج من ضمانه‬
‫الغرماء فيباع ويقسم ثمنه بالحصص ‪ ،‬ل ّ‬
‫إلى ملك المشتري وضمانه ‪ ،‬فساوى باقي الغرماء في سبب الستحقاق ‪ ،‬واستدلّوا بقول النّبيّ‬
‫ل وقد أفلس ولم يكن قبض من‬
‫صلى ال عليه وسلم ‪ » :‬أيّما رجلٍ باع سلعته بعينها عند رج ٍ‬
‫ثمنها شيئًا فهي له ‪ ،‬وإن كان قبض من ثمنها شيئًا فهو أسوة للغرماء « ‪.‬‬
‫وهذا إذا كان المشتري قد قبض المبيع بإذن البائع ‪ ،‬فإن كان قبضه بغير إذنه كان له حقّ‬
‫ن‪.‬‬
‫الرّجوع فيه ‪ ،‬وحملوا الحديث الّذي استدلّ به الجمهور على القبض بغير إذ ٍ‬
‫وفي الموضوع تفصيلت كثيرة يرجع إليها في مصطلح ( إفلس من الموسوعة ج ‪.)310/ 5‬‬
‫الرّجوع بسبب الموت ‪:‬‬
‫‪ -‬من مات وعليه ديون تعلّقت الدّيون بماله ‪ ،‬وإذا مات مفلسا قبل تأدية ثمن ما اشتراه‬ ‫‪18‬‬

‫وقبضه ووجد البائع عين ماله في التّركة ‪ ،‬فقال الشّافعيّة ‪ :‬يكون البائع بالخيار بين أن‬
‫يضرب مع الغرماء بالثّمن ‪ ،‬وبين أن يفسخ ويرجع في عين ماله ‪ ،‬لقول النّبيّ صلى ال عليه‬
‫وسلم ‪ » :‬أيّما رجلٍ مات أو أفلس فصاحب المتاع أحقّ بمتاعه إذا وجده بعينه « فإن كانت‬
‫التّركة تفي بالدّين ففيه وجهان ‪:‬‬
‫أحدهما ‪ :‬وهو قول أبي سعيدٍ الصطخريّ له أن يرجع في عين ماله للحديث السّابق ‪،‬‬
‫ن المال يفي بالدّين فلم يجز‬
‫والثّاني ‪ :‬ل يجوز أن يرجع في عين ماله ‪ ،‬وهو المذهب ‪ ،‬ل ّ‬
‫الرّجوع في المبيع كالحيّ المليء ‪.‬‬
‫وعند الحنفيّة والمالكيّة والحنابلة ليس للبائع الرّجوع في عين ماله ‪ ،‬بل يكون أسوة الغرماء‬
‫ن النّبيّ صلى ال عليه وسلم قال ‪» :‬‬
‫لحديث أبي بكر بن عبد الرّحمن بن الحارث بن هشامٍ أ ّ‬
‫أيّما رجلٍ باع متاعا فأفلس الّذي ابتاعه منه ولم يقبض الّذي باعه من ثمنه شيئا فوجده بعينه‬
‫فهو أحقّ به ‪ ،‬وإن مات الّذي ابتاعه فصاحب المتاع فيه أسوة الغرماء « ولنّ الملك انتقل‬
‫عن المفلس إلى الورثة فأشبه ما لو باعه ‪.‬‬
‫وينظر تفصيل ذلك في مصطلح ‪ ( :‬تركة ) ‪.‬‬
‫‪ -‬الرّجوع بسبب الستحقاق ‪:‬‬ ‫‪6‬‬

‫‪ -‬الستحقاق ‪ -‬بمعناه العمّ ‪ -‬ظهور كون الشّيء حقّا واجبا للغير ‪ ،‬والستحقاق يرد في‬ ‫‪19‬‬

‫الغصب والسّرقة ‪ ،‬فالمغصوب منه والمسروق منه يثبت لهما حقّ الرّجوع على الغاصب‬
‫والسّارق ويجب على الغاصب والسّارق ردّ المغصوب والمسروق لربّه ‪ ،‬لقول النّبيّ صلى‬
‫ال عليه وسلم ‪ » :‬على اليد ما أخذت حتّى تؤدّي « ‪.‬‬
‫ويشمل كذلك استحقاق المبيع على المشتري ‪ ،‬أو الموهوب على المتّهب ‪ ،‬فيتبيّن فساد العقد‬
‫ح عند الشّافعيّة والحنابلة ‪ ،‬ويتوقّف نفاذ العقد على الجازة عند الحنفيّة والمالكيّة ‪،‬‬
‫في الص ّ‬
‫ويثبت للمشتري في الجملة حقّ الرّجوع بالثّمن على البائع على تفصيلٍ بين ما إذا كان ثبوت‬
‫الستحقاق بالبيّنة أو بالقرار ‪.‬‬
‫وتفصيل ذلك في مصطلح ‪ ( :‬استحقاق ) ‪.‬‬
‫‪ -‬الرّجوع بسبب الداء ووجود الذن ‪:‬‬ ‫‪7‬‬

‫‪ -‬أداء الدّين بإذن المدين في الداء أو في الضّمان من أسباب الرّجوع على المدين ‪ ،‬فمن‬ ‫‪20‬‬

‫حقه‬
‫دينه أو أذن له بأدائه فأدّاه قاصهدا الرّجوع بهه ثبهت له ّ‬
‫أذن لغيره بضمان مها عليهه مهن ٍ‬
‫الرّجوع على المد ين ‪ ،‬وهذا باتّفا قٍ ب ين المذا هب ‪ ،‬مع مراعاة توا فر شروط صحّة الضّمان‬
‫مذهبه ‪ ،‬ككون الضّامهن أهلً للتّبرّع ‪ ،‬وككون الدّيهن ثابتا عنهد الضّمان ‪،‬‬
‫ٍ‬ ‫ل‬
‫المعتهبرة فهي ك ّ‬
‫وكونه معلوما عند من ل يجيز ضمان المجهول ‪ ،‬وكأن يضيف المضمون الضّمان إلى نفسه‬
‫بأن يقول ‪ :‬اضمن عنّي ‪ .‬كما يقول الحنفيّة ‪ ،‬وغير ذلك من الشّروط والستثناءات ‪.‬‬
‫لكن الفقهاء يختلفون في ثبوت ح قّ الرّجوع وعدمه عند ضمان الدّين وأدائه دون إذن المدين‬
‫في الضّمان أو في الداء ‪.‬‬
‫فعند الحنفيّة من أدّى دين غيره دون إذنه فل يحقّ له الرّجوع بما أدّى ‪ ،‬لنّ الكفالة بغير أمر‬
‫المدين تبرّع بقضاء دين الغير فل يحتمل الرّجوع ‪.‬‬
‫ق الرّجوع لصحّة الضّمان والداء دون إذن المدين ‪ ،‬وهذا إذا‬
‫أمّا عند المالكيّة فإنّه يثبت له ح ّ‬
‫ض من أو أدّى على سبيل الرّ فق بالمد ين ‪ ،‬أمّا إن كان الغرض إضراره ب سوء طل به وحب سه‬
‫ب الدّ ين الّذي أدّاه له ‪ .‬وف صّل‬
‫لعداو ٍة بينه ما فل رجوع له على المد ين ‪ ،‬وإنّما ير جع على ر ّ‬
‫الشّافعيّة فقالوا ‪ :‬إن انتفهى الذن فهي الداء والضّمان فل رجوع له ‪ ،‬لنّه متهبرّع فهي هذه‬
‫الحالة ‪ ،‬ولنّه لو كان له رجوع لما صلّى النّبيّ صلى ال عليه وسلم على الميّت بضمان أبي‬
‫قتادة ‪.‬‬
‫ح لنّه أذن في سبب‬
‫وإن أذن المد ين في الضّمان ف قط و سكت عن الداء ر جع في ال ص ّ‬
‫الداء‪ ،‬والثّاني ‪ :‬ل يرجع لنتفاء الذن في الداء ‪.‬‬
‫‪ -‬ويستثنى من أح ّقيّة الرّجوع ‪ -‬إذا وجد الذن في الضّمان ‪ -‬ما إذا ثبت الضّمان ببيّنةٍ‬ ‫‪21‬‬

‫ل منهما ضمن ما على الخر بإذنه ‪،‬‬


‫ب ألفا ‪ ،‬وأ نّ ك ً‬
‫وهو منكر ‪ ،‬كأن ادّعى على زيدٍ وغائ ٍ‬
‫فأنكهر زيهد فأقام المدّعهي بيّنةً وغرّمهه ‪ ،‬لم يرجهع زيهد على الغائب بالنّصهف ‪ ،‬لكونهه مكذّبا‬
‫بالبيّ نة ‪ ،‬ف هو مظلوم بزع مه ‪ ،‬فل ير جع على غ ير ظال مه ‪ ،‬وكذا لو قال الضّا من بالذن‪ :‬للّه‬
‫ن ول أرجع به ‪ ،‬فإنّه إذا أدّى ل يرجع ‪.‬‬
‫عليّ أن أؤدّي دين فل ٍ‬
‫إذنه وأدّى بالذن ‪ ،‬فل‬
‫وإن أذن المديهن فهي الداء وانتفهى الذن فهي الضّمان فضمهن بغيهر ٍ‬
‫رجوع له في ال صحّ ‪ ،‬ل نّ وجوب الداء ب سبب الضّمان ولم يأذن ف يه ‪ ،‬ومقا بل ال صحّ ‪:‬‬
‫ير جع ‪ ،‬لنّه أ سقط الدّ ين عن ال صيل بإذ نه ‪ ،‬وي ستثنى من ذلك ما لو أدّى وشرط الرّجوع‬
‫فإنّه يرجع ‪.‬‬
‫أمّا الحنابلة ف قد بنوا ثبوت الح قّ في الرّجوع وعد مه على النّيّة ‪ .‬قالوا ‪ :‬إن ق ضى الضّا من‬
‫الدّين ولم ينو رجوعا على مضمو نٍ عنه بما قضاه لم يرجع ‪ ،‬لنّه متطوّع سواء ضمن بإذنه‬
‫أم ل ‪ ،‬وإن نوى الرّجوع رجع ‪ ،‬سواء أكان الضّمان أو القضاء بإذن المضمون عنه أم بدون‬
‫ب فكان من ضمان من هو عل يه ‪ ،‬كالحا كم إذا قضاه‬
‫إذ نه ‪ ،‬لنّه قضاء مبرّئ من دي نٍ واج ٍ‬
‫عنهه عنهد امتناعهه ‪ ،‬ولو لم يأذن فهي قضاءٍ ول ضمانٍه ‪ ،‬وأمّا قضاء عليّ وأبهي قتادة فكان‬
‫تبرّعا ‪ ،‬لقصد براءة ذمّة المد ين المتوفّى لي صلّي عل يه النّبيّ صلى ال عل يه و سلم ‪ .‬والكلم‬
‫فيمن نوى الرّجوع ل فيمن تبرّع ‪.‬‬
‫هكذا جاء في كشّاف القناع وشرح منت هى الرادات ‪ ،‬ل كن ا بن قدا مة ذ كر روايةً في أنّه لو‬
‫ن أيضا فإنّه ل يرجع بشيءٍ ولو نوى الرّجوع ‪ ،‬بدليل حديث‬
‫ضمن بغير إذ نٍ وقضى بغير إذ ٍ‬
‫عليّ وأ بي قتادة فإنّه ما لو كا نا ي ستحقّان الرّجوع على الميّت صار الدّ ين له ما فكا نت ذمّة‬
‫الميّت مشغول ًة بدينهما كاشتغالها بدين المضمون عنه ‪ ،‬ولم يصلّ عليه النّبيّ صلى ال عليه‬
‫وسلم ‪ ،‬لنّه تبرّع بذلك فأشبه ما لو علف دوابّه بغير أمره ‪.‬‬
‫وقال الحنابلة أيضا ‪ :‬إن قضى الدّين ولم ينو رجوعا ول تبرّعا بل ذهل عن قصده الرّجوع‬
‫وعدمه لم يرجع كالمتبرّع لعدم قصده الرّجوع ‪.‬‬
‫ن من أدّى زكاة غيره‬
‫‪ -‬هذا بالنّسبة لدين الدم يّ ‪ ،‬أمّا دين اللّه تعالى كالزّكاة والكفّارة فإ ّ‬ ‫‪22‬‬

‫دون إذ نه فل يجزئ ما أدّاه عن الزّكاة لشتراط النّيّة في ها وهذا باتّفا قٍ ‪ ،‬ول رجوع له ب ما‬
‫ن الزّكاة إن أخرجها أحد بغير علم من هي عليه ‪ ،‬أو غير إذنه في ذلك ‪ ،‬فإن كان‬
‫أدّى ‪ ،‬إلّ أ ّ‬
‫غير المام فمقتضى قول أصحابنا في الضحيّة يذبحها غير ربّها بغير علمه وإذنه إن كان‬
‫الفا عل لذلك صديقه و من شأ نه أن يف عل ذلك له بغ ير إذ نه ‪ ،‬لنّه بمنزلة نف سه عنده لتمكّن‬
‫ال صّداقة بينهما ‪ ،‬أجزأته الضحيّة إن كان مخرج الزّكاة من هذا القبيل ‪ ،‬فمقتضى قولهم في‬
‫ن كليهما عبادة مأمور بها مفتقرة لل ّنيّة وإن كان ليس من هذا‬
‫ن الزّكاة تجزئه ‪ ،‬ل ّ‬
‫الضحيّة أ ّ‬
‫القبيل ل تجزئ عن ربّها لفتقارها لل ّنيّة على الصّحيح من المذهب لجل شائبة العبادة ‪.‬‬
‫ل أ نّ‬
‫وإن أمر ش خص غيره بأداء الزّكاة عنه أجزأت ‪ ،‬وكان للمؤدّي ح قّ الرّجوع باتّفا قٍ ‪ ،‬إ ّ‬
‫الحنفيّة اشترطوا ضمان المهر بأن يقول ‪ :‬على أنّي ضا من ‪ ،‬لنّه فهي باب الزّكاة والكفّارة‬
‫ن بالمثل ‪ ،‬حتّى لو ظهر أن ل زكاة عليه ل يستردّ من الفقير‬
‫يثبت للقابض ملك غير مضمو ٍ‬
‫ما قبض ‪ ،‬فيثبت للمر ملك مثل ذلك ‪ ،‬فل ضمان عليه إلّ بالشّرط ‪.‬‬
‫ن ال مر في الكفالة تضمّن طلب القرض إذا ذ كر لف ظة "‬
‫قال في ف تح القد ير ‪ :‬والحا صل أ ّ‬
‫عنّي" وفي قضاء الزّكاة والكفّارة طلب اتّهابٍ ‪ ،‬ولو ذكر لفظة " عنّي » ‪.‬‬
‫ثانيا ‪ :‬الرّجوع من المكان وإليه ‪:‬‬
‫‪ -‬من أسباب الرّجوع من المكان أو إليه النّزول على حكم الشّرع ‪ ،‬ويذكر الفقهاء ذلك في‬ ‫‪23‬‬

‫أماكن متفرّقةٍ ومن ذلك ‪.‬‬


‫أ ‪ -‬رجوع من جاوز الميقات المكانيّ للحجّ دون إحرامٍ ‪:‬‬
‫‪ -‬للحجّ والعمرة ميقات مكانيّ حدّده الشّرع ‪ ،‬والحرام من الميقات المحدّد لمريد أحد‬ ‫‪24‬‬

‫النّسكين واجب على من مرّ به ‪ ،‬ومن جاوز الميقات غير محرمٍ وجب عليه أن يرجع إليه‬
‫ليحرم منه إن أمكنه ‪ ،‬فإن رجع إليه فأحرم منه فل دم عليه كما لو لم يتجاوزه ‪ ،‬وهذا‬
‫باتّفاقٍ ‪ ،‬لنّه أحرم من الميقات الّذي أمر بالحرام منه ‪.‬‬
‫وإن تجاوز الميقات وأحرم فعليه دم ‪ ،‬سواء رجع إلى الميقات أو لم يرجع ‪ ،‬وهذا عند‬
‫ح عند الشّافعيّة أنّه إن رجع قبل أن يتلبّس بنسكٍ سقط عنه الدّم ‪،‬‬
‫المالكيّة والحنابلة ‪ ،‬والص ّ‬
‫وهو قول أبي يوسف ومحمّ ٍد من الحنفيّة ‪ ،‬وقال أبو حنيفة ‪ :‬إن عاد فلبّى سقط عنه الدّم ‪،‬‬
‫س رضي ال عنهما أنّه قال للّذي أحرم بعد‬
‫ب لم يسقط لما روي عن ابن عبّا ٍ‬
‫وإن لم يل ّ‬
‫ج لك ‪ ،‬فأوجب التّلبية من الميقات فلزم اعتبارها‪،‬‬
‫الميقات ‪ :‬ارجع إلى الميقات فلبّ وإلّ فل ح ّ‬
‫وعند زفر ل يسقط الدّم ‪ ،‬لبّى أو لم يلبّ ‪ ،‬لنّ وجوب الدّم في هذه الجناية بمجاوزة الميقات‬
‫من غير إحرامٍ فل تنعدم الجناية بعوده فل يسقط الدّم ‪ ،‬وإن رجع بعد ما تلبّس بأفعال الحجّ‬
‫من طوافٍ وغيره فعليه دم باتّفاقٍ ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬رجوع المعتدّة إلى منزل العدّة ‪:‬‬
‫ج أو زيار ٍة ث ّم طرأ عليها موجب العدّة من طلقٍ أو‬
‫‪ -‬يختلف الفقهاء فيمن خرجت لح ّ‬ ‫‪25‬‬

‫موت زوجها هل يجب عليها الرّجوع إلى منزلها لتعتدّ فيه لوجوب ذلك شرعا عليها حيث‬
‫ل ‪ { :‬ل ُتخْ ِرجُو ُهنّ مِن ُبيُو ِتهِنّ وَل‬
‫نهى اللّه تعالى المعتدّات عن الخروج بقوله عزّ وج ّ‬
‫َيخْ ُرجْنَ } أم ل يجب عليها الرّجوع ؟‬
‫ج فإن كان إلى منزلها‬
‫قال الحنفيّة ‪ :‬من لزمتها عدّة طلقٍ بائنٍ أو عدّة وفاةٍ بعدما خرجت للح ّ‬
‫أقلّ من مدّة سفرٍ وإلى مكّة مدّة سفرٍ فإنّها ترجع إلى منزلها لتعت ّد فيه ‪ ،‬لنّه ليس فيه إنشاء‬
‫ل من مدّة سفرٍ وإلى منزلها مدّة سفرٍ مضت‬
‫سفرٍ فصار كأنّها في بلدها ‪ .‬وإن كان إلى مكّة أق ّ‬
‫ل من‬
‫إلى مكّة ‪ ،‬لنّها ل تحتاج إلى المحرم في أقلّ من مدّة السّفر ‪ ،‬وإن كان من الجانبين أق ّ‬
‫مدّة سفرٍ فهي بالخيار إن شاءت مضت وإن شاءت رجعت إلى منزلها ‪ ،‬والرّجوع أولى‬
‫ليكون العتداد في منزل الزّوجيّة ‪ ،‬وهو أوجه ‪.‬‬
‫نقل هذا ابن عابدين عن الكافي للحاكم ‪ ،‬وفي العناية والنّهاية يتعيّن الرّجوع ‪ ،‬لنّها إذا‬
‫رجعت صارت مقيمةً ‪ ،‬وإذا مضت كانت مسافر ًة ‪.‬‬
‫وإن كان من الجانبين مدّة سفرٍ ‪ ،‬فإن كانت في مصر فليس لها أن تخرج حتّى تنقضي عدّتها‬
‫في قول أبي حنيفة وإن وجدت محرما ‪.‬‬
‫وعند أبي يوسف ومح ّمدٍ لها أن تخرج إذا وجدت محرما ‪ ،‬وليس لها أن تخرج بل محرمٍ بل‬
‫خلفٍ ‪.‬‬
‫وإن كان ذلك في المفازة أو في بعض القرى بحيث ل تأمن على نفسها ومالها فلها أن تمضي‬
‫فتدخل موضع المن ‪ ،‬ثمّ ل تخرج منه حتّى تنقضي عدّتها في قول أبي حنيفة ‪ ،‬سواء وجدت‬
‫محرما أم لم تجد ‪ .‬وعندهما تخرج إذا وجدت محرما ‪.‬‬
‫وقال المالكيّة ‪ :‬على المعتدّة أن تمضي مدّة العدّة في بيتها الّذي كانت فيه قبل طروء العدّة ‪،‬‬
‫ولو كانت قد نقلها الزّوج قبل الموت أو الطّلق إلى مكان آخر ‪ ،‬واتّهم أنّه نقلها ليسقط‬
‫سكناها فإنّه يجب عليها الرّجوع ‪ ،‬وكذلك لو كانت مقيمةً بغير مسكنها وقت الموت أو الطّلق‬
‫فيجب عليها الرّجوع لمنزلها لتعتدّ فيه ‪.‬‬
‫ولو خرجت لحجّ الصّرورة مع زوجها ومات الزّوج أو طلّقها بعد سيرها ثلثة أيّامٍ وجب‬
‫عليها أن ترجع لتعتدّ بمنزلها إن بقي شيء من العدّة بعد رجوعها ولو يوما واحدا ‪.‬‬
‫لكن الرّجوع مقيّد بما إذا كانت لم تحرم بالحجّ ‪ ،‬فإن كانت دخلت في الحرام ولو في أوّل‬
‫يومٍ من سفرها فل ترجع ‪.‬‬
‫ج التّطوّع أو لزيارةٍ أو غير ذلك من القرب فيجب عليها الرّجوع ولو‬
‫ولو خرجت في ح ّ‬
‫وصلت إلى المكان الّذي تريده ولو بعد إقامتها نحو ستّة أشهرٍ ‪.‬‬
‫ولو خرجت مع زوجها للقامة في مكان آخر بعد رفض السّكنى في المسكن الوّل فطلقت أو‬
‫مات زوجها فهي بالخيار في العتداد بأيّ مكان شاءت ‪.‬‬
‫وقال الشّافعيّة ‪ :‬لو انتقلت الزّوجة بإذن الزّوج إلى مسكنٍ آخر في البلد فوجبت العدّة في أثناء‬
‫الطّريق قبل وصولها إلى المسكن الخر فل ترجع إلى مسكنها الوّل ‪ ،‬بل تعتدّ في الثّاني‬
‫على ما نصّ عليه في المّ لنّها مأمورة بالقيام فيه ‪ ،‬وقيل ‪ :‬تعتدّ في الوّل ‪ ،‬لنّ موجب‬
‫العدّة لم يحصل وقت الفراق في الثّاني ‪ ،‬وقيل ‪ :‬تتخيّر لتعلّقها بكلّ منهما ‪ .‬أمّا إذا وجبت‬
‫العدّة بعد وصولها للثّاني اعتدّت فيه جزما ‪.‬‬
‫وإن كان النتقال بغير إذن الزّوج ووجبت العدّة رجعت إلى الوّل ولو بعد وصولها للثّاني‬
‫لعصيانها بذلك ‪ ،‬إلّ إذا أذن لها بعد الوصول ‪.‬‬
‫وإن أذن الزّوج لزوجته في سفر حجّ ‪ ،‬أو عمرةٍ ‪ ،‬أو تجارةٍ ‪ ،‬أو استحلل مظلمةٍ ‪ ،‬أو نحو‬
‫ذلك كسفرٍ لحاجتها ‪ ،‬ثمّ وجبت عليها العدّة ‪ ،‬فإن كانت لم تفارق عمران البلد فإنّه يجب عليها‬
‫الرّجوع في الصحّ ‪ ،‬لنّها لم تشرع في السّفر ‪ .‬وإن فارقت عمران البلد ووجبت العدّة في‬
‫أثناء الطّريق فلها الرّجوع ولها المضيّ في السّفر ‪ ،‬لنّ في قطعها عن السّفر مشقّةً ‪ ،‬ل سيّما‬
‫إذا بعدت عن البلد ‪ ،‬أو خافت النقطاع عن الرّفقة ‪ ،‬والفضل الرّجوع ‪ .‬وإذا اختارت‬
‫المضيّ ومضت لمقصدها أو بلغته فإنّها ترجع بعد قضاء حاجتها دون تق ّيدٍ بمدّة السّفر وهي‬
‫ثلثة أيّامٍ ‪ .‬ويجب الرّجوع بعد قضاء الحاجة لتعت ّد ما بقي من العدّة في مسكنها‪.‬‬
‫وإذا سافرت لنزهةٍ أو زيارةٍ أو سافر بها الزّوج لحاجته ووجبت العدّة فل تزيد على مدّة‬
‫إقامة المسافرين ثمّ تعود ‪.‬‬
‫وإن قدّر لها الزّوج مدّةً في نقلةٍ أو سفر حاج ٍة أو في غير ذلك كاعتكافٍ ‪ ،‬استوفتها وعادت‬
‫لتمام العدّة ‪.‬‬
‫ج بإذن زوجها أو بغير إذنه ثمّ طلّقها أو مات ‪ ،‬فإن خافت فوات الحجّ لضيق‬
‫ولو أحرمت بح ّ‬
‫ج لسعة الوقت جاز‬
‫الوقت وجب عليها الخروج معتدّ ًة لتقدّم الحرام ‪ ،‬وإن لم تخف فوات الح ّ‬
‫لها الخروج إلى ذلك لما في تعيين الصّبر من مشقّة المصابرة على الحرام ‪.‬‬
‫وقال الحنابلة ‪ :‬من سافرت بإذن زوجها أو معه لنقلةٍ من بلدٍ إلى آخر فمات قبل مفارقة‬
‫البنيان رجعت واعتدّت بمنزلها ‪ ،‬لنّها في حكم المقيمة ‪ ،‬ولو سافرت لغير نقل ٍة كتجارةٍ‬
‫ج ولم تحرم ومات زوجها قبل مسافة القصر رجعت واعتدّت بمنزلها ‪ ،‬لما‬
‫وزيارةٍ ولو لح ّ‬
‫ن حاجّات‬
‫روى سعيد بن منصورٍ بإسناده عن سعيد بن المسيّب قال ‪ :‬توفّي أزواج نساءٍ وه ّ‬
‫ن ولنّها أمكنها أن تعتدّ في‬
‫أو معتمرات فردّهنّ عمر من ذي الحليفة حتّى يعتددن في بيوته ّ‬
‫منزلها قبل أن تبعد فلزمها كما لو لم تفارق البنيان ‪.‬‬
‫وإن مات زوجها بعد مفارقة البنيان ‪ ،‬فإن كان سفرها لنقلةٍ ‪ ،‬أو بعد مسافة القصر إن كان‬
‫ن كل‬
‫لغير نقل ٍة ‪ ،‬فإنّها تخيّر بين الرّجوع فتعتدّ في منزلها وبين المضيّ إلى مقصدها ‪ ،‬ل ّ‬
‫البلدين سواء ‪.‬‬
‫وحيث مضت أقامت لقضاء حاجتها ‪ ،‬فإن كان لنزه ٍة أو زيار ٍة فإن كان الزّوج قدّر لها مدّة‬
‫إقامتها أقامتها ‪ ،‬وإلّ أقامت ثلثا ‪ ،‬فإذا مضت المدّة أو قضت حاجتها ‪ ،‬فإن كان خوف‬
‫ونحوه أتمّت العدّة بمكانها ‪ ،‬وكذا إن كانت ل تصل إلى منزلها إلّ بعد انقضاء عدّتها ‪ ،‬وإلّ‬
‫لزمها العود لتتمّ العدّة بمنزلها ‪.‬‬
‫ل من مسافة‬
‫ج بإذن الزّوج ثمّ مات الزّوج ‪ ،‬فإن كانت سارت مسافةً أق ّ‬
‫ومن أحرمت بالح ّ‬
‫القصر ‪ ،‬وأمكن الجمع بين اعتدادها بمنزلها وبين الحجّ بأن اتّسع الوقت لهما ‪ ،‬عادت لمنزلها‬
‫فاعتدّت به ‪ ،‬وإن لم يمكنها الجمع ‪ ،‬بأن كان الوقت ل يتّسع لهما ‪ ،‬قدّمت الحجّ إن كانت‬
‫بعدت عن بلدها بأن كانت سافرت مسافة قصرٍ ‪ ،‬وإن لم تبعد مسافة قصرٍ وقد أحرمت قدّمت‬
‫العدّة ورجعت وتتحلّل بعمرةٍ ‪.‬‬
‫ج ‪ -‬الرّجوع عند عدم الذن ‪:‬‬
‫ل بإذنه ‪ ،‬مالكا كان من بالمنزل ‪ ،‬أو مستأجرا ‪ ،‬أو‬
‫‪ -‬ل يجوز لنسانٍ دخول بيت غيره إ ّ‬ ‫‪26‬‬

‫مستعيرا ‪ ،‬إذا كان الدّاخل أجنبيّا أو قريبا غير محرمٍ ‪ ،‬وسواء أكان الباب مغلقا أو مفتوحا ‪.‬‬
‫والواجب الستئذان ثلثا ‪ ،‬فإن أذن له بالدّخول دخل ‪ ،‬وإن لم يؤذن له أو قيل له ‪ :‬ارجع ‪،‬‬
‫رجع وجوبا دون إلحاحٍ ‪ ،‬والصل في ذلك قوله تعالى ‪ { :‬يَا َأ ّيهَا اّلذِينَ آ َمنُوا ل َت ْدخُلُوا ُبيُوتا‬
‫جدُوا فِيهَا‬
‫خيْرٌ ّل ُكمْ َلعَّل ُكمْ َت َذ ّكرُون َفإِن ّلمْ َت ِ‬
‫س َت ْأنِسُوا َو ُتسَّلمُوا عَلَى أَهِْلهَا ذَِلكُ ْم َ‬
‫حتّى َت ْ‬
‫غ ْيرَ ُبيُو ِت ُكمْ َ‬
‫َ‬
‫جعُوا هُ َو َأ ْزكَى َل ُكمْ وَاللّهُ ِبمَا‬
‫جعُوا فَارْ ِ‬
‫حتّى يُ ْؤ َذنَ َل ُكمْ وَإِن قِيلَ َل ُكمُ ا ْر ِ‬
‫َأحَدا فَل َت ْدخُلُوهَا َ‬
‫َت ْعمَلُونَ عَلِيمٌ } أي إذا ردّوكم من الباب قبل الذن أو بعده فرجوعكم أزكى لكم وأطهر ‪.‬‬
‫ق الزّوجة ‪:‬‬
‫د ‪ -‬الرّجوع من السّفر لح ّ‬
‫‪ -‬للزّوجة ح قّ في الوطء في الجملة ‪ ،‬وفي مؤانسة زوجها لها ‪ ،‬ولذلك يستحبّ لمن كان‬ ‫‪27‬‬

‫مسافرا التّعجيل بالرّجوع إلى أهله بعد قضاء حاجته ‪ ،‬لما روى أبو هريرة رضي ال عنه أنّ‬
‫النّبيّ صلى ال عل يه و سلم قال ‪ » :‬ال سّفر قط عة من العذاب يم نع أحد كم طعا مه وشرا به‬
‫ونومه ‪ ،‬فإذا قضى نهمته فليعجّل إلى أهله « وفي روايةٍ ‪ » :‬فليعجّل الرّجوع إلى أهله « ‪.‬‬
‫قال ابن حجرٍ ‪ :‬وفي الحديث ‪ :‬كرا هة التّغرّب عن الهل لغير حاجةٍ ‪ ،‬واستحباب استعجال‬
‫الرّجوع ‪ ،‬ول سيّما من يخشى عليهم الضّيعة بالغيبة ‪ ،‬ولذلك يكره أن يغيب الرّجل في سفره‬
‫أكثر من أربعة أشهرٍ من غير عذرٍ " أي أكثر من مدّة اليلء " ويؤيّد ذلك أ نّ عمر رضي‬
‫ال عنهه سهأل حفصهة ‪ :‬كهم تصهبر المرأة عهن الرّجهل ؟ فقالت ‪ :‬أربعهة أشهرٍ ‪ ،‬فأمهر أمراء‬
‫الجناد أن ل يتخلّف المتزوّج عن أهله أك ثر من ها عن ها ‪ ،‬قال ا بن عابد ين ‪ :‬ولو لم ي كن في‬
‫ن حفصةً‬
‫هذه المدّة زيادة مضارّةٍ بها لما شرع اللّه تعالى الفراق باليلء منها ‪ ،‬وفي روايةٍ أ ّ‬
‫قالت ‪ :‬خم سة أشهرٍ أو ستّة أشهرٍ ‪ ،‬وأ نّ ع مر وقّت للنّاس في مغازي هم ستّة أشهرٍ يرجعون‬
‫بعدها ‪.‬‬
‫هه – الرّجوع عند وجود المنكر ‪:‬‬
‫ي مكان سبب من أسباب الرّجوع عنه إذا لم يقدر على إزالته ‪ .‬فمن‬
‫– وجود المنكر في أ ّ‬ ‫‪28‬‬

‫دعي إلى وليم ٍة فعليه الجابة إذا لم يكن فيها منكر كخمرٍ ونحوه من أنواع المعاصي ‪ ،‬فإن‬
‫كان يمكنه النكار وإزالة المنكر لزمه الحضور ‪ ،‬وإن لم يقدر على النكار ل يلزمه‬
‫الحضور ‪ ،‬فإن لم يعلم بوجود المنكر حتّى حضر أزاله ‪ ،‬فإن لم يقدر رجع ‪ ،‬وقيل ‪ :‬يصبر‬
‫ل إذا كان إماما يقتدى به فإنّه ينصرف ‪.‬‬
‫مع النكار بقلبه ‪ ،‬إ ّ‬
‫وهذا في الجملة ‪ ،‬وينظر التّفصيل في مصطلح ‪ ( :‬منكر ‪ ،‬دعوة ) ‪.‬‬
‫ثالثًا ‪ :‬امتناع الرّجوع ‪:‬‬
‫‪ -‬يمتنع الرّجوع لسبابٍ متعدّد ٍة منها ‪:‬‬ ‫‪29‬‬

‫أ ‪ -‬حكم الشّرع ‪:‬‬


‫ل على حكم الشّرع ‪ ،‬وذلك‬
‫‪ -‬بعض التّصرّفات الّتي تتمّ ل يجوز الرّجوع فيها نزو ً‬ ‫‪30‬‬

‫كالصّدقة ‪ ،‬فمن تصدّق بصدقةٍ ل يجوز له أن يرجع فيها ‪ ،‬لنّ الصّدقة لرادة الثّواب من‬
‫اللّه عزّ وجلّ ‪.‬‬
‫وقد قال عمر رضي ال عنه ‪ :‬من وهب هبةً على وجه الصّدقة فإنّه ل يرجع فيها ‪ ،‬وهذا في‬
‫الجملة ‪ ،‬إذ الرّأي الرّاجح عند الشّافعيّة أنّ صدقة التّطوّع على الولد يجوز الرّجوع فيها‪.‬‬
‫وكذلك ل يجوز الرّجوع في الهبة لغير الولد عند الجمهور ‪ -‬المالكيّة والشّافعيّة الحنابلة ‪-‬‬
‫لقول النّبيّ صلى ال عليه وسلم ‪ » :‬ل يحلّ للرّجل أن يعطي عطيّةً ث ّم يرجع فيها إلّ الوالد‬
‫فيما يعطي ولده « ‪.‬‬
‫وعند الحنفيّة ل يجوز الرّجوع في الهبة لذي الرّحم المحرم ‪ ،‬ول في هبة أحد الزّوجين‬
‫ي صلى ال عليه وسلم ‪ » :‬الرّجل أحقّ بهبته ما لم يثب منها «‬
‫للخر ‪ ،‬واستدلّوا بقول النّب ّ‬
‫ن التّواصل سبب التّناصر والتّعاون في الدّنيا‪،‬‬
‫أي لم يعوّض ‪ ،‬وصلة الرّحم عوض معنًى ; ل ّ‬
‫فيكون وسيلةً إلى استيفاء النّصرة ‪ ،‬وسبب الثّواب في الدّار الخرة ‪ ،‬فكان أقوى من المال ‪،‬‬
‫ن صلة الزّوجيّة تجري مجرى‬
‫وأمّا امتناع الرّجوع بالنّسبة لهبة أحد الزّوجين للخر ‪ ،‬فل ّ‬
‫صلة القرابة الكاملة ‪ ،‬بدليل أنّه يتعلّق بها حقّ التّوارث في جميع الحوال ‪.‬‬
‫ن الهبة إلى الفقير صدقة ‪ ،‬لنّه‬
‫وكذلك يمتنع الرّجوع في الهبة إلى الفقير بعد قبضها ‪ ،‬ل ّ‬
‫يطلب بها الثّواب كالصّدقة ول رجوع في الصّدقة على الفقير بعد قبضها لحصول الثّواب‬
‫الّذي هو في معنى العوض بوعد اللّه تعالى ‪.‬‬
‫والوقف إذا تمّ ولزم ل يجوز الرّجوع فيه لنّه من الصّدقة ‪ ،‬وقد روى عبد اللّه بن عمر قال‪:‬‬
‫» أصاب عمر أرضا بخيبر ‪ ،‬فأتى النّبيّ صلى ال عليه وسلم يستأمره فيها ‪ ،‬فقال ‪ :‬يا‬
‫ط أنفس عندي منه فما تأمر به ؟ فقال ‪:‬‬
‫رسول اللّه ‪ ،‬إنّي أصبت أرضا بخيبر لم أصب مالً ق ّ‬
‫إن شئت حبست أصلها وتصدّقت بها قال ‪ :‬فتصدّق بها عمر غير أنّه ل يباع ول يوهب ول‬
‫يورث « ‪.‬‬
‫انظر ‪ :‬مصطلحات ‪ ( :‬صدقة ‪ ،‬وقف ‪ ،‬هبة )‬
‫ب ‪ -‬العقود الّلزمة ‪:‬‬
‫‪ -‬العقود الّلزمة كالبيع والجارة إذا تمّت باليجاب والقبول ‪ ،‬وخلت من الخيارات ل‬ ‫‪31‬‬

‫ن العقد إذا‬
‫ل برضاهما معا كما في القالة ‪ -‬وذلك أ ّ‬
‫يجوز الرّجوع فيها من أحد الطّرفين ‪ -‬إ ّ‬
‫ب ‪ ،‬لنّها أوجبت حقّا لزما أو ملكا لزما‬
‫لزم وتمّ ل يقبل الفسخ من أحد الطّرفين بل موج ٍ‬
‫للغير ‪ ،‬وقد قال عمر رضي ال عنه ‪ :‬البيع صفقة أو خيار ‪.‬‬
‫وينظر تفصيل ذلك في موضعه من ( بيع ‪ ،‬إجارة ) ‪.‬‬
‫ج ‪ -‬تعذّر الرّجوع ‪:‬‬
‫‪ -‬تعذّر الرّجوع فيما يجوز الرّجوع فيه قد يمنع حقّ الرّجوع ويسقطه ‪.‬‬ ‫‪32‬‬

‫ومن ذلك تعذّر الرّجوع في الهبة الّتي يجوز الرّجوع فيها ‪ ،‬وذلك كخروج الموهوب من ملك‬
‫الواهب ‪ ،‬وموت الواهب أو الموهوب له ‪.‬‬
‫والزّيادة المتّصلة ‪ ،‬على ما يقول الحنفيّة والمالكيّة والحنابلة ‪ ،‬أو المنفصلة كما يقول الشّافعيّة‬
‫‪.‬‬
‫أو كان البن تزوّج لجل الهبة كما يقول المالكيّة ‪ ،‬وهذا في الجملة ‪.‬‬
‫وينظر تفصيل ذلك في ‪ ( :‬هبة ) ‪.‬‬
‫د ‪ -‬السقاط ‪:‬‬
‫ل بسببٍ جدي ٍد يصير مثله‬
‫ن السّاقط يصبح كالمعدوم ل سبيل إلى إعادته إ ّ‬
‫‪ -‬من المعلوم أ ّ‬ ‫‪33‬‬

‫ل عينه ‪.‬‬
‫ومن الحقوق ما يمتنع الرّجوع فيها بعد إسقاطها ‪.‬‬
‫ومن ذلك ‪ :‬إذا أبرأ الدّائن المدين فقد سقط الدّين ول يجوز الرّجوع إلى مطالبة المدين إلّ إذا‬
‫وجد سبب جديد ‪ ،‬ومن ذلك حقّ القصاص لو عفي عنه فقد سقط وسلمت نفس القاتل ول‬
‫ل بجنايةٍ أخرى ‪ ،‬وكمن أسقط حقّه في الشّفعة فل يجوز الرّجوع إلى المطالبة بها‬
‫تستباح إ ّ‬
‫ب جديدٍ ‪ ،‬وكذلك الرّضا بالعيب في المبيع‬
‫ن الحقّ قد بطل فل يعود إلّ بسب ٍ‬
‫بعد ذلك ‪ ،‬ل ّ‬
‫ق المشتري ول يجوز له الرّجوع بالعيب أو‬
‫والتّصرّف في زمن الخيار فإنّ ذلك يسقط ح ّ‬
‫بفسخ البيع ‪.‬‬
‫وذلك في الجملة وينظر تفصيله في ‪ ( :‬إسقاط ‪ ،‬شفعة ‪ ،‬قصاص ‪ ،‬خيار ) ‪.‬‬
‫رابعا ‪ :‬ما يكون به الرّجوع ‪:‬‬
‫‪ -‬الرّجوع قد يكون بالقول كقول الموصي ‪ :‬رجعت في الوصيّة أو فسختها ‪ ،‬أو رددتها‪،‬‬ ‫‪34‬‬

‫أو أبطلتها ‪ ،‬أو نقضتها ‪ .‬ومثل ذلك في الهبة ‪ ،‬وغير ذلك من العقود الّتي يجوز الرّجوع فيها‬
‫‪.‬‬
‫وكقول الرّاجع عن القرار بالزّنى ‪ :‬كذبت ‪ ،‬أو رجعت عمّا أقررت به ‪ ،‬أو ما زنيت ‪.‬‬
‫وقد يكون الرّجوع بالتّصرّف كأن يفعل في الموصى به فعلً يستدلّ به على الرّجوع ‪ ،‬فلو أنّ‬
‫الموصي فعل في الموصى به فعلً لو فعله في المغصوب لنقطع به ملك المالك كان رجوعا‬
‫ب ث مّ قطعه وخاطه قميصا ‪ ،‬أو بقط نٍ ث مّ غزله ‪،‬‬
‫كما لو باعه أو وهبه ‪ ،‬وكما إذا أوصى بثو ٍ‬
‫ن هذه الفعال لمّا أوجبت حكم الثّابت في المحلّ وهو الملك‬
‫أو بحديد ٍة ث مّ صنع منها إناءً ‪ ،‬ل ّ‬
‫ل واح ٍد من هذه‬
‫فلن توجب بطلن مجرّد كلمٍ من غير حكمٍ أصلً أولى ‪ ،‬ووجه الدّللة أنّ ك ّ‬
‫الفعال تبدّل العين وتصيّرها شيئا آخر اسما ومعنىً فكان استهلكا من حيث المع نى ‪ ،‬فكان‬
‫دليل الرّجوع ‪.‬‬
‫لكن الفقهاء اختلفوا في الجحود أو النكار هل يكون رجوعا ؟ ‪.‬‬
‫ن الجحد ل يكون رجوعا ‪.‬‬
‫فذهب الشّافعيّة والحنابلة إلى أ ّ‬
‫وعند الحنفيّة روايتان ‪ ،‬جاء في بدائع ال صّنائع ‪ :‬لو أوصى ث مّ جحد الوصيّة ذكر في الصل‬
‫ن مع نى الرّجوع عن الو صيّة هو ف سخها وإبطال ها ‪،‬‬
‫أنّه يكون رجوعا ولم يذ كر خلفا ‪ ،‬ل ّ‬
‫وف سخ الع قد كلم يدلّ على عدم الرّ ضا بالع قد ال سّابق وبثبوت حك مه ‪ ،‬والجحود في معناه ‪،‬‬
‫ن الجاحد لتصرّفٍ من التّصرّفات غير راضٍ به وبثبوت حكمه ‪ ،‬فيتحقّق فيه معنى الفسخ‪،‬‬
‫لّ‬
‫فحصل معنى الرّجوع ‪ ،‬وقال أبو يوسف في رجلٍ أوصى بوصيّ ٍة ث مّ عرضت عليه من الغد‬
‫فقال ‪ :‬ل أعرف هذه الوصههيّة ‪ ،‬قال ‪ :‬هذا رجوع منههه ‪ ،‬وكذلك لو قال ‪ :‬لم أوص بهذه‬
‫الوصيّة ‪.‬‬
‫وقال محمّد ‪ :‬ل يكون الجحد رجوعا ‪ ،‬وذكر في الجامع ‪ :‬إذا أوصى بثلث ماله لرجلٍ ثمّ قال‬
‫ن بقليلٍ ول كثيرٍ لم يكن هذا رجوعا منه عن وصيّة فلنٍ‬
‫بعد ذلك ‪ :‬اشهدوا أنّي لم أوص لفل ٍ‬
‫‪ ،‬ولم يذكر خلفا ‪ ،‬لنّ الرّجوع عن الوصيّة يستدعي سابقيّة وجود الوصيّة ‪ ،‬والجحود إنكار‬
‫وجودها أصلً ‪ ،‬فل يتحقّق فيه معنى الرّجوع ‪ ،‬فل يمكن أن يجعل رجوعا ‪.‬‬
‫قال الكاسانيّ ‪ :‬فيجوز أن يكون ما ذكر في الصل قول أبي يوسف وما ذكر في الجامع قول‬
‫محمّدٍ ‪ ،‬ويجوز أن يكون في المسألة روايتان ‪.‬‬
‫ن الهرب‬
‫وممّا يعتبر رجوعا عن القرار بالزّنى هروب الزّاني ولو في أثناء إقامة الحدّ ‪ ،‬ل ّ‬
‫دليل الرّجوع ‪ ،‬وقد روي أنّه » لمّا هرب ماعز ذكر ذلك لر سول اللّه صلى ال عليه وسلم‬
‫فقال ‪ :‬هلّ تركتموه وجئتموني به « وهذا عند الحنفيّة والمالكيّة والحنابلة ‪ ،‬وأمّا عند الشّافعيّة‬
‫فل يعتهبر الهرب رجوعا ‪ ،‬إلّ أن يصهرّح بالرّجوع ‪ ،‬والهرب فقهط ل يعتهبر رجوعا ‪ ،‬ول‬
‫ي سقط عنه الحدّ ‪ ،‬لنّه قد صرّح بالقرار ولم ي صرّح بالرّجوع ‪ ،‬ول كن يكف عنه فإن ر جع‬
‫فذاك ‪ ،‬وإلّ حدّ ‪.‬‬
‫خامسا ‪ :‬ارتجاع الزّوجة ‪:‬‬
‫‪ -‬ارتجاع الزّوجة المطلّقة يسمّى رجعةً ‪ ،‬وهي لغ ًة ‪ -‬بفتح الرّاء ‪ -‬المرّة من الرّجوع‪،‬‬ ‫‪35‬‬

‫ن في العدّة على وج ٍه مخصوصٍ ‪ ،‬وهي‬


‫وشرعا ‪ :‬ردّ المرأة إلى النّكاح من طلقٍ غير بائ ٍ‬
‫حقّ ِب َردّهِنّ } أي رجعتهنّ ‪ ،‬ولمّا طلّق النّبيّ حفصة‬
‫ن َأ َ‬
‫مشروعة لقوله تعالى ‪َ { :‬و ُبعُوَل ُتهُ ّ‬
‫رضي ال عنها جاءه جبريل فقال له ‪ » :‬راجع حفصة فإنّها صوّامة قوّامة فراجعها « ‪.‬‬
‫ن الحاجة تمسّ إلى الرّجعة ‪ ،‬لنّ النسان قد يطلّق ثمّ يندم فيحتاج إلى التّدارك ‪ ،‬والرّجعة‬
‫ول ّ‬
‫تكون بالقول باتّفاقٍ كقول الزّوج ‪ :‬راجعت زوجتي ‪ ،‬أو ارتجعتها ‪ ،‬أو رددتها ‪ .‬وتكون‬
‫بالوطء عند الجمهور " الحنفيّة والمالكيّة ورواية عند الحنابلة " ‪ ،‬وتكون بالقبلة واللّمس بشهوةٍ‬
‫‪ ،‬والنّظر إلى الفرج عند الحنفيّة والمالكيّة ‪ ،‬وفي وجهٍ عند الحنابلة اختاره أبو الخطّاب لقوله‬
‫حقّ ِب َردّهِنّ } سمّى الرّجعة ردّا ‪ ،‬وال ّردّ ل يختصّ بالقول كردّ‬
‫ن َأ َ‬
‫تعالى ‪َ { :‬و ُبعُوَل ُتهُ ّ‬
‫المغصوب وردّ الوديعة ‪.‬‬
‫وعند الشّافعيّة والحنابلة ‪ -‬في الرّواية الخرى ‪ -‬ل تحصل الرّجعة بالفعل ‪ ،‬لنّ الرّجعة‬
‫استباحة بضعٍ مقصودٍ أمر بالشهاد فيه فلم يحصل من القادر بغير قولٍ كالنّكاح ‪.‬‬
‫وهذا في الجملة ‪ .‬وفي بيان أركان الرّجعة وشروطها ينظر ‪ ( :‬رجعة ) ‪.‬‬
‫سادسا ‪ :‬أثر الرّجوع ‪:‬‬
‫‪ -‬للرّجوع آثار متعدّدة تختلف باختلف المرجوع عنه وإليه ومن ذلك ما يأتي ‪:‬‬ ‫‪36‬‬

‫أ ‪ -‬أثر الرّجوع عن الشّهادة ‪:‬‬


‫‪ -‬الرّجوع عن الشّهادة إمّا أن يكون قبل الحكم ‪ ،‬وإمّا أن يكون بعد الحكم وقبل استيفاء‬ ‫‪37‬‬

‫المحكوم به ‪ ،‬وإمّا أن يكون بعد الستيفاء ‪.‬‬


‫فإن كان الرّجوع قبل الحكم امتنع الحكم بشهادة من رجع عن شهادته للتّناقض ‪ ،‬ولنّ الحاكم‬
‫ل يدري ‪ ،‬أصدق في الوّل أم في الثّا ني ؟ فينت في ظ نّ ال صّدق ‪ ،‬وكذ به ثابت ل محالة‪ ،‬إمّا‬
‫فههي الشّهادة أو الرّجوع ‪ ،‬ول ضمان على الشّهود فههي مالٍ لعدم التلف ‪ ،‬لكههن لو كان‬
‫رجوعهم عن شهادتهم في زنى حدّوا حدّ القذف وهذا باتّفاقٍ ‪.‬‬
‫وإن كان الرّجوع بعد الحكم وقبل استيفاء المحكوم به ‪ ،‬فإن كان الحكم بمالٍ ل ينقض الحكم‪،‬‬
‫ويض من الشّهود المال ‪ ،‬وهذا ع ند المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة وش مس الئمّة من الحنفيّة ‪،‬‬
‫وفرّق شيخ السلم خواهر زاده من الحنفيّة فقال ‪ :‬إن كان المال عينا ضمن الشّهود ‪ ،‬سواء‬
‫قبضهه المدّعهي أم لم يقبضهه ‪ ،‬وإن كان دينا ل يضمهن الشّهود إلّ إذا قبضهه المدّعهي وههو‬
‫المشهود له فإنّهما يضمنان للمشهود عليه ‪.‬‬
‫وإن كان الرّجوع بعد الحكم وقبل الستيفاء في غير المال بأن كان في قصاصٍ أو حدّ ‪ ،‬فل‬
‫ل لبن‬
‫ل في قو ٍ‬
‫تستوفى العقوبة ‪ ،‬لنّها تسقط بالشّبهة ‪ ،‬والرّجوع شبهة ‪ ،‬وهذا عند الجميع إ ّ‬
‫القاسم من المالكيّة ‪ ،‬لكن قيل ‪ :‬إنّه رجع عنه واستحسن عدم الستيفاء ‪.‬‬
‫لنه الواجهب بالعمهد أحهد شيئيهن ‪ ،‬وقهد سهقط‬
‫وقال الحنابلة ‪ :‬يجهب ديهة عمدٍ للمشهود له ‪ّ ،‬‬
‫أحدهما فتعيّن الخر ‪ ،‬ويرجع المشهود عليه بما غرمه من الدّية على الشّهود ‪ ،‬وهو ما قال‬
‫به بعض المالكيّة أيضا ‪.‬‬
‫وإن كان الرّجوع ب عد الح كم وال ستيفاء م ضى الح كم ول ين قض ‪ ،‬وض من الشّهود الدّ ية في‬
‫الق صاص والرّ جم ‪ ،‬ويحدّون حدّ القذف في الشّهادة بالزّ نى وهذا ع ند الحنفيّة والمالكيّة غ ير‬
‫أشهب ‪.‬‬
‫وقال الشّافعيّة والحنابلة وأشهب ‪ :‬عليهم القصاص إن قالوا تعمّدنا ‪ ،‬أو دية مغلّظة كما يقول‬
‫الشّافعيّة ‪ ،‬وإن قالوا أخطأنا فعليهم دية مخفّفة ‪.‬‬
‫وهذا في الجملة ‪ ،‬وفي الموضوع تفصيلت تنظر في ( شهادة ) ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬أثر الرّجوع عن القرار ‪:‬‬
‫‪ -‬من آثار الرّجوع عن القرار سقوط الحدّ ‪ ،‬فمن أقرّ بما يوجب حدّا وهو من حقوق اللّه‬ ‫‪38‬‬

‫لنه‬
‫ثمه رجهع عهن إقراره سهقط عنهه الحدّ ‪ّ ،‬‬
‫تعالى الّتهي تسهقط بالشّبههة كالزّنهى والشّرب ‪ّ ،‬‬
‫رجوعهه يعتهبر شبه ًة دارئةً للحدّ ‪ ،‬لحتمال صهدقه واحتمال كذبهه ‪ ،‬فيورث شبه ًة فهي ظهور‬
‫الحدّ ‪ ،‬والحدود ل ت ستوفى مع الشّبهات ‪ ،‬وحين أقرّ ما عز بالزّ نى لقّنّه النّبيّ صلى ال عل يه‬
‫و سلم الرّجوع ‪ ،‬فلو لم ي كن الحدّ محتملً لل سّقوط بالرّجوع ما كان للتّلق ين معنىً ‪ ،‬وهذا ع ند‬
‫جمهور الفقهاء ‪ ،‬وقال الح سن و سعيد بن جبيرٍ وا بن أ بي ليلى وأ بو ثورٍ ‪ :‬يقام عل يه الحدّ ‪،‬‬
‫ن ماعزا هرب فقتلوه ‪ ،‬ولو قبل رجوعه للزمتهم الدّية ‪ ،‬ولنّه حقّ وجب بإقراره ‪ ،‬فلم يقبل‬
‫لّ‬
‫رجوعه كسائر الحقوق ‪.‬‬
‫أمّها حدّ القذف والقصهاص وحقوق اللّه تعالى الّتهي ل تسهقط بالشّبههة كالزّكاة والكفّارات ‪،‬‬
‫وحقوق العباد من الموال وغيرها فل يقبل الرّجوع فيها ‪.‬‬
‫وهذا فهي الجملة مهع التّفصهيل الّذي ذكره بعهض الفقهاء فهي حقوق العباد فيمها إذا كان هناك‬
‫عذر أو لم يكن ‪.‬‬
‫وقد سبق تفصيل ذلك في بحث ‪ ( :‬إقرار ) ‪.‬‬
‫ج ‪ -‬أثر الرّجوع عن السلم وإليه ‪:‬‬
‫‪ -‬من آثار الرّجوع عن السلم وإليه إهدار الدّم أو عصمته ‪ ،‬فمن كان مسلما ثمّ رجع‬ ‫‪39‬‬

‫عن دين السلم اعتبر مرتدّا فال ّردّة هي الرّجوع عن السلم ‪ ،‬ويستتاب المرتدّ ثلثا ‪ ،‬فإن‬
‫لم يتب أهدر دمه ‪ ،‬لقول النّبيّ صلى ال عليه وسلم ‪ » :‬من بدّل دينه فاقتلوه « ‪.‬‬
‫وإذا تاب المرت ّد ورجع إلى السلم فقد عصم دمه وماله ‪ ،‬ومثله المحارب الّذي يرجع إلى‬
‫السلم ‪ ،‬لقول النّبيّ صلى ال عليه وسلم ‪ » :‬أمرت أن أقاتل النّاس حتّى يقولوا ل إله إلّ‬
‫ل بحقّها وحسابه على اللّه « ‪ .‬وينظر‬
‫اللّه فمن قال ل إله إلّ اللّه فقد عصم منّي نفسه وماله إ ّ‬
‫تفصيل ذلك في ‪ ( :‬ردّة ‪ -‬جهاد ) ‪.‬‬

‫رحم *‬
‫انظر ‪ :‬أرحام‬

‫رخصة *‬
‫التّعريف ‪:‬‬
‫‪ -‬تطلق كلمة رخص ٍة ‪ -‬في لسان العرب ‪ -‬على معانٍ كثيرةٍ نجمل أهمّها فيما يلي ‪:‬‬ ‫‪1‬‬

‫أ ‪ -‬نعومة الملمس ‪ ،‬يقال ‪ :‬رخص البدن رخاص ًة إذا نعم ملمسه ولن ‪ ،‬فهو رخص ‪ -‬بفتحٍ‬
‫فسكونٍ ‪ -‬ورخيص ‪ ،‬وهي رخصة ورخيصة ‪.‬‬
‫ن ‪ -‬فهو رخيص ضدّ‬
‫ب ‪ -‬انخفاض السعار ‪ ،‬يقال ‪ :‬رخص الشّيء رخصا ‪ -‬بضمّ فسكو ٍ‬
‫الغلء ‪.‬‬
‫ج ‪ -‬الذن في المر بعد النّهي عنه ‪ :‬يقال ‪ :‬رخّص له في المر إذا أذن له فيه ‪ ،‬والسم‬
‫رخصة على وزن فعل ٍة مثل غرف ٍة ‪ ،‬وهي ضدّ التّشديد ‪ ،‬أي أنّها تعني التّيسير في المور ‪،‬‬
‫يقال ‪ :‬رخّص الشّرع في كذا ترخيصا ‪ ،‬وأرخص إرخاصا إذا يسّره وسهّله ‪.‬‬
‫ب أن تؤتى رخصه كما يكره أن تؤتى معصيته «‬
‫قال عليه الصلة والسلم ‪ » :‬إنّ اللّه يح ّ‬
‫‪ .‬وفي الصطلح عرّفها الغزاليّ بأنّها عبارة عمّا وسّع للمكلّف في فعله لعذرٍ عجز عنه مع‬
‫قيام السّبب المحرّم ‪.‬‬
‫اللفاظ ذات الصّلة ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬العزيمة ‪:‬‬
‫‪ -‬العزيمة لغةً ‪ :‬القصد المؤكّد ‪.‬‬ ‫‪2‬‬

‫واصطلحا عبارة عمّا لزم العباد بإيجاب اللّه تعالى ‪ .‬فل يقال رخصة بدون عزيم ٍة تقابلها ‪،‬‬
‫فهما ينتميان معا إلى الحكم الشّرعيّ باتّفاق أهل الذّكر ‪ ،‬وهما على القول الرّاجح من الحكام‬
‫الوضعيّة ‪ ،‬وعلى المرجوح من الحكام التّكليفيّة ‪ ،‬وبنا ًء على ذلك فإنّ التّكليف ‪ -‬أو‬
‫القتضاء ‪ -‬موجود في العزيمة كما أنّه موجود في الرّخصة إلّ أنّه في الولى أصليّ كّليّ‬
‫مطّرد واضح ‪ ،‬وفي الثّانية طارئ جزئيّ غير مطّردٍ مع خفائه ودقّته ‪ .‬وقد سبق قريبا أنّ‬
‫الولى تمثّل حقّ اللّه تعالى على عباده وأنّ الثّانية تمثّل حظّ العباد من لطفه ‪.‬‬
‫انظر مصطلح ‪ ( .‬عزيمة ) ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬الباحة ‪:‬‬
‫ن الحكم فيها أصليّ ‪.‬‬
‫‪ -‬الباحة هي ‪ :‬تخيير المكلّف بين الفعل والتّرك ‪ .‬فالباحة تشعر بأ ّ‬ ‫‪3‬‬

‫وتتلقى في بعض الجزئيّات مع الرّخص ‪.‬‬


‫انظر مصطلح ‪ ( :‬إباحة ) ‪.‬‬
‫ج ‪ -‬رفع الحرج ‪:‬‬
‫‪ -‬رفع الحرج في الصطلح يتمثّل في إزالة كلّ ما يؤدّي إلى مشقّ ٍة زائدةٍ في البدن أو‬ ‫‪4‬‬

‫النّفس أو المال في البدء والختام ‪ ،‬والحال والمال ‪.‬‬


‫شكّ ‪.‬‬
‫وهو أصل من أصول الشّريعة ثبت بأدلّ ٍة قطعيّ ٍة ل تقبل ال ّ‬
‫والصّلة بين الرّخصة ورفع الحرج من وجوهٍ ‪:‬‬
‫‪ -‬أنّ رفع الحرج أصل كّليّ من أصول الشّريعة ومقصد من مقاصدها ‪ -‬كما سبق ‪ -‬أمّا‬ ‫‪1‬‬

‫ل ‪ ،‬فرفع الحرج‬
‫الرّخص فهي فرع يندرج ضمن هذا الصل العامّ وجزء أخذ من هذا الك ّ‬
‫ق على بعض النّفوس‬
‫مؤدّاه يسر التّكاليف في جميع أطوارها ‪ ،‬والرّخص مؤدّاها تيسير ما ش ّ‬
‫عند التّطبيق من تلك الحكام الميسّرة ابتداءً ‪.‬‬
‫‪ -‬أنّ الحرج مرفوع عن الحكام ابتدا ًء وانتهاءً في الحال والمآل ‪ ،‬بينما الرّخص تشمل ‪-‬‬ ‫‪2‬‬

‫عاد ًة ‪ -‬أحكاما مشروع ًة بناءً على أعذار العباد تنتهي بانتهائها ‪ ،‬وأخرى تراعى فيها أسباب‬
‫معيّنة تتبعها وجودا وعدما ‪.‬‬
‫وليست الرّخص مرادفةً لرفع الحرج وإلّ لكانت أحكام الشّريعة كلّها رخصا بدون عزائم ‪.‬‬
‫ولتفصيل ذلك انظر مصطلح ‪ ( :‬رفع الحرج ) ‪.‬‬
‫‪ -‬إذا رفع المشرّع الحرج عن فعلٍ من الفعال فالّذي يتبادر إلى الذّهن أنّ الفعل إن وقع‬ ‫‪3‬‬

‫من المكلّف ل إثم ول مؤاخذة عليه ‪ ،‬ويبقى الذن في الفعل مسكوتا عنه ‪ ،‬فيمكن أن يكون‬
‫مقصودا ‪ ،‬ويمكن أن يكون غير مقصودٍ ‪ ،‬إذ ليس كلّ ما ل حرج فيه يؤذن فيه ‪ ،‬بخلف‬
‫التّرخيص في الفعل فإنّه يتضمّن ‪ -‬إلى جانب ذلك ‪ -‬الذن فيه ‪.‬‬
‫انظر مصطلح ‪ ( :‬رفع الحرج ) ‪.‬‬
‫د ‪ -‬النّسخ ‪:‬‬
‫ق شرعيّ متراخٍ عنه ‪.‬‬
‫ي بطري ٍ‬
‫‪ -‬النّسخ اصطلحا بيان انتهاء حكمٍ شرع ّ‬ ‫‪5‬‬

‫فإذا كان النّسخ من الشدّ للخفّ فإنّه يشترك مع الرّخصة في التماس التّخفيف ‪ ،‬ولكنّه ل يعدّ‬
‫منها على النّحو الّذي سبق ‪ ،‬لنّ الدّليل الصليّ لم يعد قائما ‪.‬‬
‫انظر ‪ ( :‬نسخ ) ‪.‬‬
‫الحكمة من تشريع الرّخص ‪:‬‬
‫‪ -‬تحقيق مبدأ اليسر والسّماحة في السلم تحقيقا عمليّا تطبيقيّا ‪ .‬قال تعالى ‪ُ { :‬يرِيدُ الّلهُ‬ ‫‪6‬‬

‫ِب ُكمُ ا ْل ُيسْرَ َولَ ُيرِيدُ ِب ُكمُ ا ْل ُعسْرَ } ‪.‬‬


‫ضعِيفا } ‪.‬‬
‫ن َ‬
‫ل ذكره ‪ُ { : -‬يرِيدُ اللّ ُه أَن ُيخَ ّففَ عَن ُكمْ َوخُِلقَ الِنسَا ُ‬
‫وقال ‪ -‬ج ّ‬
‫ن الدّين يسر ولن يشادّ الدّين أحد إلّ غلبه «‬
‫وقال عليه الصلة والسلم ‪ » :‬إ ّ‬
‫وقال أيضا ‪ » :‬إنّ اللّه تعالى لم يبعثني معنّتا ‪ ،‬ول متعنّتا ‪ ،‬ولكن بعثني معلّما ميسّرا «‬
‫الصّيغ الّتي تدلّ على الرّخصة ‪:‬‬
‫‪ -‬الرّخصة تكون غالبا بما يلي ‪:‬‬ ‫‪7‬‬

‫أ ‪ -‬مادّتها ‪:‬‬
‫مثل رخّص وأرخص ورخصة ‪ ،‬ففي الحديث الصّحيح أنّ النّبيّ صلى ال عليه وسلم قال ‪:‬‬
‫» ما بال أقوامٍ يرغبون عمّا رخّص لي فيه « » و نهى النّبيّ صلى ال عليه وسلم عن بيع‬
‫الثّمر بالتّمر ‪ ،‬ورخّص في العريّة ‪.« ..‬‬
‫وفيه ‪ -‬أيضا ‪ -‬أنّه عليه الصلة والسلم » رخّص في الكفّارة قبل الحنث « ‪.‬‬
‫و» رخّص للمسلمين في الحرّ غير المزفّت من الوعية « ‪.‬‬
‫و » رخّص للحائض أن تنفر قبل طواف الوداع « ‪.‬‬
‫و » رخّص للزّبير وعبد الرّحمن بن عوفٍ في لبس الحرير لحكّةٍ كانت بهما « ‪.‬‬
‫و » رخّص في الرّقية من العين ‪« ..‬‬
‫وفي حديث جزاء الصّيد قال النّبيّ صلى ال عليه وسلم ‪ » :‬عليكم برخصة اللّه الّتي رخّص‬
‫لكم « ‪ .‬يعني عليكم بالصّوم إذا كان في تعويضه بالنعام عسر مهما كان مأتاه ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬نفي الجناح ‪:‬‬
‫ورد الجناح منفيّا في القرآن الكريم في أكثر من عشرين آي ًة يستفاد من أغلبها التّرخيص فيما‬
‫لرْضِ‬
‫ضرَ ْب ُتمْ فِي ا َ‬
‫تضمّنته كما نصّ على ذلك أهل العلم من المفسّرين لقوله تعالى ‪ {:‬وَِإذَا َ‬
‫صرُواْ ِمنَ الصّلَةِ } ‪.‬‬
‫جنَاحٌ أَن تَ ْق ُ‬
‫فََليْسَ عََل ْي ُكمْ ُ‬
‫ج ‪ -‬نفي الثم ‪:‬‬
‫حمَ ا ْلخِنزِيرِ َومَا أُ ِهلّ بِ ِه ِل َغ ْيرِ‬
‫حرّمَ عََل ْي ُكمُ ا ْل َم ْيتَةَ وَال ّدمَ وََل ْ‬
‫من ذلك قوله تبارك وتعالى ‪ِ { :‬إ ّنمَا َ‬
‫غفُورٌ ّرحِيمٌ } ‪.‬‬
‫ن اللّهَ َ‬
‫غ ْيرَ بَاغٍ َولَ عَادٍ فَل ِإ ْثمَ عََليْ ِه إِ ّ‬
‫ضطُرّ َ‬
‫اللّ ِه َفمَنِ ا ْ‬
‫د ‪ -‬الستثناء من حكمٍ عامّ ‪:‬‬
‫ن ُأكْرِ َه َوقَلْبُهُ‬
‫ل مَ ْ‬
‫كقوله تعالى ‪ - :‬في شأن الكراه ‪ { : -‬مَن كَ َفرَ بِاللّ ِه مِن َب ْعدِ إيمَانِهِ ِإ ّ‬
‫عظِيمٌ }‬
‫عذَابٌ َ‬
‫ن اللّهِ وََل ُهمْ َ‬
‫غضَبٌ مّ َ‬
‫ح بِا ْلكُفْ ِر صَدْرا َفعََليْ ِهمْ َ‬
‫ن بِالِيمَانِ وَلَهكِن مّن شَرَ َ‬
‫ُمطْ َمئِ ّ‬
‫رخّص اللّه في هذه الية للمكره إظهار الكفر – إذا خاف على نفسه أو على عضوٍ من‬
‫أعضائه التّلف – فله أن يظهر الكفر بشيءٍ من مظاهره الّتي يطلق عليها أنّها كفر في عرف‬
‫ل رفقا بعباده ‪ ،‬واعتبارا للشياء بغاياتها ومقاصدها ‪ ،‬وفي الحديث‬
‫النّاس من قولٍ أو فع ٍ‬
‫الشّريف » أنّ عمّار بن ياسرٍ – رضي ال عنهما – قال – بعد أن عذّب عذابا شديدا ‪ : -‬يا‬
‫رسول اللّه ‪ ،‬ما تركت حتّى نلت منك ‪ ،‬وذكرت آلهتهم بخيرٍ فقال صلى ال عليه وسلم ‪:‬‬
‫كيف تجد قلبك ؟ قال ‪ :‬مطمئنّا باليمان ‪ .‬فقال عليه الصلة والسلم ‪ :‬إن عادوا فعد « ‪.‬‬
‫أقسام الرّخصة ‪:‬‬
‫‪ -‬تنقسم الرّخصة باعتباراتٍ مختلف ٍة أهمّها ‪:‬‬ ‫‪8‬‬

‫أ ‪ -‬باعتبار حكمها ‪:‬‬


‫الّذين قسّموا الرّخص بهذا العتبار هم الشّافعيّة قديما وحديثا حيث اصطلحوا على أنّها تنقسم‬
‫‪ -‬بالعتبار المذكور ‪ -‬إلى أربعة أقسامٍ ‪:‬‬
‫القسم الوّل ‪:‬‬
‫‪ -‬رخص واجبة ‪ :‬مثل أكل المضطرّ ممّا حرّم من المأكولت ‪ ،‬وشربه ممّا حرّم من‬ ‫‪9‬‬

‫ن أكل المضطرّ أو شربه ممّا ذكر‬


‫المشروبات ‪ ،‬بناءً على القول الصّحيح المشهور ‪ ،‬وقيل ‪ :‬إ ّ‬
‫جائز بنا ًء على أنّ القول بالوجوب يتنافى مع التّرخيص ‪ ،‬ولذلك نقلوا عن الكيا الهرّاسيّ‬
‫ن أكل الميتة للمضطرّ عزيمة ل رخصة ‪ ،‬كالفطر للمريض في رمضان‬
‫الشّافعيّ القول بأ ّ‬
‫ونحوه هروبا من الوقوع في التّناقض ‪.‬‬
‫وقد أشار بعض علماء الصول إلى خلف الفقهاء في حرمة شرب الخمر ‪ ،‬وأكل الميتة ‪،‬‬
‫ل به لغير اللّه ونحوها في حال الضّرورة ‪ -‬بقطع النّظر عن كون‬
‫ولحم الخنزير ‪ ،‬وما أه ّ‬
‫الكل واجبا أو جائزا ‪ : -‬هل ترفع تلك الحرمة في هذه الحال فيصير أكلها مباحا ‪ ،‬أو تبقى‬
‫ويرتفع الثم فقط ؟ ‪.‬‬
‫بعضهم يرى أنّها ل تحلّ ‪ ،‬ولكن يرخّص في الفعل إبقا ًء على حياة الشّخص – كما هو الشّأن‬
‫في الكراه على الكفر – وهو رواية عن أبي يوسف وأحد قولي الشّافعيّ ‪.‬‬
‫ل من الفريق ين ا ستند إلى‬
‫وذ هب جمهور الحنفيّة إلى أ نّ الحر مة ترت فع في تلك الحالة ‪ ،‬وك ّ‬
‫أدلّ ٍة مبسوط ٍة في كتب الصول ‪.‬‬
‫وهذا الخلف تظهر له فائدتان ‪:‬‬
‫الولى ‪ :‬إذا صبر المضطرّ حتّى مات ل يكون آثما على القول الوّل ‪ ،‬ويكون آثما على‬
‫الثّاني ‪.‬‬
‫الثّانية ‪ :‬إذا حلف المكلّف بأن ل يأكل حراما أبدا ‪ ،‬فتناول منه في حال الضّرورة يحنث على‬
‫الوّل ‪ ،‬ول يحنث على الثّاني ‪.‬‬
‫القسم الثّاني ‪:‬‬
‫‪ -‬رخص مندوبة ‪ :‬مثل القصر للمسافر سفرا يبلغ ثلثة أيّامٍ فصاعدا ‪ ،‬ومن هذا القبيل‬ ‫‪10‬‬

‫أيضا الفطر في رمضان بالنّسبة للمسافر الّذي يشقّ عليه الصّوم ‪ ،‬والبراد بالظّهر ‪ ،‬والنّظر‬
‫إلى المخطوبة ‪ ،‬ومخالطة اليتامى في أموالهم وسائر أحوالهم ممّا تدعو إليه الحاجة اعتمادا‬
‫ن ا ْلمُصْلِحِ } ‪ .‬حيث‬
‫سدَ مِ َ‬
‫ن ُتخَالِطُو ُه ْم فَِإخْوَا ُن ُكمْ وَاللّ ُه َيعَْلمُ ا ْلمُ ْف ِ‬
‫على قوله سبحانه وتعالى ‪ { :‬وَإِ ْ‬
‫ن الية تتضمّن ترخيصا في خلط طعام اليتيم بطعام كافله ‪،‬‬
‫نصّ علماء التّفسير على أ ّ‬
‫وشرابه بشرابه ‪ ،‬وماشيته بماشيته دفعا للحرج ‪ ،‬كما أكّدوا بأنّها أفادت حثّا على هذه‬
‫المخالطة وتعريضا بما كانوا عليه من احتقار اليتيم والتّرفّع عنه ‪.‬‬
‫القسم الثّالث ‪:‬‬
‫‪ -‬رخص مباحة ‪ :‬وقد مثّلوا لها بالعقود الّتي جاءت على خلف القياس ‪ ،‬كالسّلم ‪،‬‬ ‫‪11‬‬

‫والعريّة ‪ ،‬والقراض ‪ ،‬والمساقاة ‪ ،‬والجارة ‪ ،‬والجعل ‪ ،‬ونحوها ممّا أبيح لحاجة النّاس إليه‪.‬‬
‫القسم الرّابع ‪:‬‬
‫‪ -‬رخص جاءت على خلف الولى ‪ :‬مثل الفطر في رمضان بالنّسبة للمسافر الّذي ل‬ ‫‪12‬‬

‫يشقّ عليه الصّوم مشقّ ًة قويّةً ‪ ،‬والتّيمّم لمن وجد الماء يباع بأكثر من ثمن المثل مع قدرته‬
‫عليه ‪ ،‬والجمع الّذي ل تدعو إليه حاجة المسافر ‪ .‬والسّؤال عن الشياء في وقتها ‪ ،‬وقراءة‬
‫القرآن ونسخه على غير طهار ٍة بالنّسبة للمعلّم والمتعلّم ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬باعتبار الحقيقة والمجاز ‪:‬‬
‫تقسيم الرّخص بهذا العتبار يمثّل وجهة نظرٍ الحنفيّة حيث تواطأت كلمتهم سلفا وخلفا على‬
‫تقسيمها ‪ -‬بالعتبار المذكور ‪ -‬إلى قسمين رئيسيّين ‪:‬‬
‫القسم الوّل ‪ :‬رخص حقيقيّة ‪:‬‬
‫‪ -‬وهي الّتي تقع في مقابلة عزائم ما يزال العمل بها جاريا لقيام دليلها ‪ ،‬وهذا القسم ينقسم‬ ‫‪13‬‬

‫‪ -‬بدوره ‪ -‬إلى قسمين ‪:‬‬


‫‪ -‬ما أباحه الشّرع مع قيام السّبب المحرّم ‪ ،‬والحرمة معا ‪ ،‬وهو أعلى درجات الرّخص ‪،‬‬ ‫‪1‬‬

‫ن الحرمة لمّا كانت قائمةً مع سببها ‪ ،‬ومع ذلك شرع للمكلّف القدام على الفعل دون‬
‫لّ‬
‫مؤاخذ ٍة بناءً على عذره ‪ ،‬كان ذلك القدام في أكمل درجاته فهو في هذه الحالة بمنزلة العفو‬
‫ن كمال الرّخص بكمال‬
‫عن الجناية بعد استحقاق العقوبة ‪ .‬وليس في المر أيّ غرابةٍ ‪ ،‬ل ّ‬
‫العزائم ‪ ،‬فكلّما كانت هذه حقيقيّ ًة كاملةً ثابت ًة من كلّ وج ٍه ‪ ،‬كانت الرّخصة في مقابلتها كذلك‪.‬‬
‫وقد ذكروا ‪ -‬لهذا القسم ‪ -‬أمثلةً ‪:‬‬
‫منها ‪ :‬التّرخيص في إجراء كلمة الكفر على اللّسان مع اطمئنان القلب باليمان عند الكراه‬
‫ن في امتناعه عن الفعل إتلف ذاته صور ًة ومعنىً ‪ ،‬وفي إقدامه‬
‫الملجئ بالقتل أو بالقطع ‪ ،‬ل ّ‬
‫ن الرّكن الصليّ في اليمان ‪ -‬وهو‬
‫عليه إتلف حقّ الشّرع صورةً دون معنىً حيث إ ّ‬
‫ص العلماء على تخييره بين الفعل والتّرك ‪ ،‬بل رجّح‬
‫التّصديق ‪ -‬باقٍ على حاله ‪ .‬ومع ذلك ن ّ‬
‫الحنفيّة منهم الخذ بالعزيمة في هذا المثال بالخصوص ‪ ،‬لنّ إحياء النّفوس ‪ -‬هنا ‪ -‬يقابله‬
‫موقف عظيم من مواقف السّموّ والباء والتّمسّك بالحقّ مهما اشتدّت الفتنة وعظم البلء ‪.‬‬
‫سنّة من أنّ مسيلمة الكذّاب أكره رجلين ‪ -‬من‬
‫واستدلّوا على هذا التّرجيح بما ورد في ال ّ‬
‫المسلمين ‪ -‬على الكفر فنطق أحدهما بكلمته فنجا ‪ ،‬وأصرّ الخر على الجهر بالحقّ فهلك ‪،‬‬
‫فقال فيهما النّبيّ صلى ال عليه وسلم بعد أن بلغه خبرهما ‪ » :‬أمّا الوّل فقد أخذ برخصة‬
‫اللّه تعالى ‪ ،‬وأمّا الثّاني فقد صدع بالحقّ فهنيئا له « ‪.‬‬
‫‪ -‬ما أباحه الشّرع مع قيام السّبب المحرّم وتراخي الحرمة ‪ :‬مثل الفطار في رمضان‬ ‫‪2‬‬

‫بالنّسبة للمسافر ‪ ،‬فإنّ السّبب المحرّم للفطار ‪ -‬وهو شهود الشّهر ‪ -‬قائم ‪ ،‬لكن وجوب‬
‫الصّوم أو حرمة الفطار غير قائم ٍة على الفور بل ثابتة على التّراخي بنصّ القرآن الكريم ‪.‬‬
‫خرَ } ‪.‬‬
‫ن مِنكُم ّمرِيضا أَوْ عَلَى سَ َفرٍ َف ِعدّ ٌة مّنْ َأيّامٍ ُأ َ‬
‫قال تعالى ‪َ { :‬فمَن كَا َ‬
‫والعمل بالعزيمة في هذا القسم أيضا أولى من العمل بالرّخصة عند الحنفيّة ‪ ،‬أي الصّوم أولى‬
‫من الفطار عندهم ‪.‬‬
‫أ ّولً ‪ :‬لنّ السّبب الموجب ‪ -‬وهو شهود الشّهر ‪ -‬كان قائما ‪ ،‬وتراخي الحكم بالجل غير‬
‫مانعٍ من التّعجيل ‪ ،‬مثلما هو المر في الدّين المؤجّل ‪ ،‬فكان المؤدّي للصّوم في هذه الحالة‬
‫ل لنفسه فيما يرجع إلى التّرفيه ‪،‬‬
‫عاملً للّه تعالى في أداء الفرض ‪ ،‬والمترخّص بالفطر عام ً‬
‫فقدّم حقّ اللّه وهو أحقّ بالتّقديم ‪.‬‬
‫ثانيًا ‪ :‬لنّ في الخذ بالعزيمة نوع يسرٍ بنا ًء على أنّ الصّوم مع المسلمين في شهر الصّيام‬
‫أيسر من التّفرّد به بعد مضيّ الشّهر ‪ .‬هذا إذا لم يضعفه الصّوم ‪ ،‬فإذا أضعفه كان الفطر‬
‫أولى ‪ ،‬فإن صبر حتّى مات كان آثما بل خلفٍ ‪.‬‬
‫ي الخذ بالرّخصة في هذا المثال ‪ ،‬والجميع متّفقون على أنّ من أفطر ثمّ‬
‫وقد رجّح الشّافع ّ‬
‫مات قبل إدراك ع ّدةٍ من أيّامٍ أخر ل شيء عليه كما لو مات قبل رمضان ‪.‬‬
‫وجمهور الفقهاء يرون أنّ من أخذ بالعزيمة فصام في السّفر وقع صيامه في الفرض ول‬
‫قضاء عليه ‪.‬‬
‫القسم الثّاني ‪ :‬رخص مجازيّة ‪:‬‬
‫‪ -‬وتسمّى أيضا ‪ -‬في اصطلحهم ‪ : -‬رخص السقاط ‪ ،‬وقد قسّموها ‪ -‬كذلك ‪ -‬إلى‬ ‫‪14‬‬

‫قسمين فرعيّين ‪:‬‬


‫أ ‪ -‬ما وضع عن هذه المّة السلميّة ‪ -‬رحم ًة بها وإكراما لنبيّها صلى ال عليه وسلم ‪ -‬من‬
‫الحكام الشّاقّة الّتي كانت مفروضةً على المم السّابقة مثل ‪:‬‬
‫‪ -‬قتل النّفس لصحّة التّوبة‬
‫‪ -‬قرض موضع النّجاسة من الجلد والثّوب ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬ما سقط عن العباد مع كونه مشروعا في الجملة ‪ :‬فمن حيث إنّه سقط كان مجازا ‪،‬‬
‫ومن حيث إنّه مشروع في الجملة كان شبيها بالرّخص الحقيقيّة ‪ ،‬مثل السّلم وما قاربه من‬
‫ل ممنوعةٍ ‪ ،‬فمن حيث استثناؤها ممّا‬
‫العقود الّتي أبيحت للحاجة إليها ‪ ،‬وهي مستثناة من أصو ٍ‬
‫ذكر سقط المنع منها فشابهت ما وضع عنّا من الغلل الّتي كانت على المم السّابقة ‪ ،‬فكانت‬
‫رخصا مجازيّ ًة من هذه النّاحية إذ ليس في مقابلتها عزائم ‪ ،‬ومن حيث إنّ أصولها مشروعة‬
‫وأنّ بعض الشّروط الّتي تجاوز عنها الشّرع من أجل التّخفيف والمصلحة ما زالت قائم ًة في‬
‫تلك الصول أشبهت الرّخص الحقيقيّة ‪ ،‬وبناءً على ذلك اعتبر هذا القسم أقرب إلى الرّخص‬
‫الحقيقيّة من سابقه ‪ ،‬واعتبر السّابق أت ّم في المجازيّة من هذا ‪.‬‬
‫وهذا القسم يرادف الرّخص المباحة في تقسيم الشّافعيّة ‪.‬‬
‫والقسام الربعة ‪ -‬الحاصلة بعد تقسيم كلّ من القسمين الرّئيسيّين إلى قسمين فرعيّين ‪ -‬ل‬
‫تبعد كثيرا عن الطلقات الربعة الّتي ذكرها الشّاطبيّ ‪.‬‬
‫ج ‪ -‬تقسيم الرّخص حسب التّخفيف ‪:‬‬
‫ص الحكام الطّارئة ‪ -‬إلى ستّة أنواعٍ ‪:‬‬
‫تنقسم بهذا العتبار ‪ -‬الّذي يخ ّ‬
‫‪ -‬الوّل ‪ :‬تخفيف إسقاطٍ ‪ ،‬ويكون حيث يوجد العذر أو الموجب من ذلك ‪.‬‬ ‫‪15‬‬

‫أ ‪ -‬إسقاط الخروج إلى الجماعة للمرض أو لشدّة البرد ‪ ،‬أو للرّيح والمطر ‪ ،‬فقد كان النّبيّ‬
‫صلى ال عليه وسلم يأمر أصحابه في اللّيلة الباردة وفي اللّيلة المطيرة أن يصلّوا في رحالهم‬
‫‪.‬‬
‫ب ‪ -‬إسقاط وجوب الجمعة للعذار المذكورة في المثال الوّل ولغيرها ممّا وقع بسطه في‬
‫كتب الفروع والحكام ‪.‬‬
‫ج ‪ -‬إسقاط شرط استقبال القبلة في صلة الخوف ‪.‬‬
‫ج ا ْل َبيْتِ‬
‫د ‪ -‬إسقاط الحجّ والعمرة عن غير المستطيع ‪ ،‬قال اللّه تعالى ‪ { :‬وَلِّلهِ عَلَى النّاسِ حِ ّ‬
‫سبِيلً } ‪.‬‬
‫ستَطَاعَ إَِليْ ِه َ‬
‫ناْ‬
‫مَ ِ‬
‫ن مِنَ‬
‫عدُو َ‬
‫ستَوِي الْقَا ِ‬
‫ه‪ -‬إسقاط الجهاد عن ذوي العذار ‪ ،‬قال المولى تبارك وتعالى ‪ { :‬لّ َي ْ‬
‫سهِمْ } ‪.‬‬
‫سبِيلِ اللّ ِه ِبَأمْوَاِل ِهمْ وَأَن ُف ِ‬
‫غ ْيرُ أُوْلِي الضّ َررِ وَا ْل ُمجَا ِهدُونَ فِي َ‬
‫ا ْلمُ ْؤ ِمنِينَ َ‬
‫طيّب ‪ ،‬في المشهور عن مال كٍ وأبي حنيفة ‪ ،‬إلّ‬
‫و‪ -‬إسقاط ال صّلة عند فقد الماء وال صّعيد ال ّ‬
‫ي‪.‬‬
‫ن أبا حنيفة وأصحابه يقولون بوجوب القضاء عليه ووافقهم الثّوريّ والوزاع ّ‬
‫أّ‬
‫وقال مالك ‪ -‬في رواية المدنيّين عنه ‪ : -‬ل يجب عليه القضاء ‪.‬‬
‫وب عض المحقّق ين من الفقهاء يرون أ نّ الّذي ي جب إ سقاطه في هذه الحالة هو ح كم ا ستعمال‬
‫الماء والتّراب فيوجبون الصّلة عند فقدانهما ‪.‬‬
‫ل بقوله صلى‬
‫ز‪ -‬إسقاط القضاء عمّن أفطر ناسيا في نهار رمضان عند جمهور الئمّة عم ً‬
‫ال عليه وسلم ‪ » :‬من نسي وهو صائم فأكل أو شرب فليتمّ صومه فإنّما أطعمه اللّه وسقاه«‬
‫‪.‬‬
‫وخالف مالك فقال بوجوب القضاء قياسا على من نسي صلةً فإنّه يقضيها متى تذكّرها ‪.‬‬
‫ح ‪ -‬إسقاط الكفّارة بالعسار عند الشّافعيّة على خلف الظهر وفي إحدى روايتين للحنابلة‬
‫وتبعهم على ذلك عيسى بن دينارٍ من المالكيّة استنادا إلى ما جاء في آخر حديث العرابيّ‬
‫الّذي وقع على أهله في نهار رمضان » ‪ ..‬أطعمه أهلك « ‪.‬‬
‫ل بمجموعةٍ من الحاد يث الشّري فة يدعّم بعض ها‬
‫ط ‪ -‬إ سقاط الحدّ بالشّب هة ل ما تقرّر ‪ -‬عم ً‬
‫ن الحدود تدرأ بالشّبهات ‪.‬‬
‫البعض ‪ -‬من أ ّ‬
‫ص ‪ :‬مثاله ‪:‬‬
‫النّوع الثّاني ‪ :‬تخفيف تنقي ٍ‬
‫‪ -‬أ ‪ -‬قصر الصّلة الرّباعيّة في السّفر إلى ركعتين بقطع النّظر عن كون القصر واجبا‬ ‫‪16‬‬

‫أو مندوبا ‪.‬‬


‫ب ‪ -‬تنقيص ما عجز عنه المريض من أفعال الصّلة ‪ :‬كتنقيص الرّكوع والسّجود وغيرهما‬
‫إلى القدر الميسور من ذلك ‪.‬‬
‫النّوع الثّالث ‪ :‬تخفيف إبدالٍ ‪ :‬مثل ‪:‬‬
‫ن آ َمنُو ْا ِإذَا ُق ْمتُمْ إِلَى‬
‫‪ -‬إبدال الوضوء والغسل بالتّيمّم ‪ ،‬قال اللّه تعالى ‪ { :‬يَا َأ ّيهَا اّلذِي َ‬ ‫‪17‬‬

‫س ُكمْ وََأرْجَُل ُكمْ إِلَى ا ْل َك ْعبَينِ وَإِن‬


‫سحُو ْا ِبرُؤُو ِ‬
‫غسِلُواْ ُوجُو َه ُكمْ وََأ ْي ِد َي ُكمْ إِلَى ا ْل َمرَا ِفقِ وَا ْم َ‬
‫الصّلةِ فا ْ‬
‫ستُمُ‬
‫ل َم ْ‬
‫حدٌ مّنكُم مّنَ ا ْلغَا ِئطِ َأوْ َ‬
‫طهّرُواْ وَإِن كُنتُم ّمرْضَى َأوْ عَلَى سَ َفرٍ َأوْ جَاء َأ َ‬
‫جنُبا فَا ّ‬
‫كُنتُمْ ُ‬
‫جعَلَ‬
‫سحُواْ ِب ُوجُو ِه ُكمْ وََأ ْيدِيكُم ّمنْ ُه مَا ُيرِيدُ اللّ ُه ِل َي ْ‬
‫طيّبا فَا ْم َ‬
‫جدُواْ مَاء فَ َت َي ّممُو ْا صَعِيدا َ‬
‫ال ّنسَاء فََلمْ َت ِ‬
‫حرَجٍ وَلَهكِن ُيرِيدُ ِل ُيطَ ّه َركُمْ وَِل ُي ِتمّ ِن ْع َمتَهُ عََل ْي ُكمْ َلعَّل ُكمْ َتشْ ُكرُونَ } ‪.‬‬
‫ن َ‬
‫عََل ْيكُم مّ ْ‬
‫الرّابع ‪ :‬تخفيف تقديمٍ ‪ :‬مثل ‪:‬‬
‫‪ -‬أ ‪ -‬تقديم العصر إلى الظّهر والعشاء إلى المغرب وهو المسمّى بجمع التّقديم ‪ ،‬ونصّوا‬ ‫‪18‬‬

‫على جوازه جملةً في عدّة حالتٍ منها ‪ :‬السّفر والمرض والخوف ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬تقديم الزّكاة على الحول مسارع ًة إلى الخير لما رواه عليّ رضي ال عنه من » أنّ‬
‫العبّاس بن عبد المطّلب رضي ال عنه سأل النّبيّ صلى ال عليه وسلم في تعجيل صدقته قبل‬
‫أن تحلّ فرخّص له في ذلك « ‪.‬‬
‫الخامس ‪ :‬تخفيف تأخيرٍ ‪ :‬مثل ‪:‬‬
‫‪ -‬تأخير الظّهر إلى العصر والمغرب إلى العشاء وهو المعروف في كتب الفروع ‪ ،‬بجمع‬ ‫‪19‬‬

‫التّأخير ‪ ،‬ويكون في السّفر ‪ ،‬وفي مزدلفة ‪ ،‬ومن أجل المرض والمطر وما إليها من العذار‬
‫المبيحة للتّأخير ‪.‬‬
‫السّادس ‪ :‬تخفيف إباح ٍة مع قيام المانع ‪ :‬مثل ‪:‬‬
‫‪ -‬أ ‪ -‬صلة المستجمر مع بقيّة أثر النّجس الّذي ل يزول تماما إلّ بالماء ‪.‬‬ ‫‪20‬‬

‫ب ‪ -‬العفو عن بعض النّجاسات لقلّتها ‪ ،‬أو لعسر الحتراز منها ‪ ،‬أو لعسر إزالتها ‪.‬‬
‫د ‪ -‬تقسيم الرّخص باعتبار أسبابها ‪:‬‬
‫هذا التّقسيم يعدّ أكثر ضبطًا لصول الرّخص ‪ ،‬وأكثر جمعًا لفروعها ‪ ،‬وهي ‪ -‬بحسبه ‪-‬‬
‫تنقسم إلى عدّة أقسامٍ منها ‪:‬‬
‫– أ ‪ -‬رخص سببها الضّرورة ‪ :‬قد تطرأ على المكلّف حالة من الخطر أو المشقّة الشّديدة‬ ‫‪21‬‬

‫تجعله يخاف من حدوث أذىً بالنّفس ‪ ،‬أو بالعرض ‪ ،‬أو بالعقل ‪ ،‬أو بالمال ‪ ،‬أو بتوابعها‬
‫فيتعيّن عليه ‪ -‬عندئذٍ ‪ -‬أو يباح له ارتكاب الحرام ‪ ،‬أو ترك الواجب ‪ ،‬أو تأخيره دفعا‬
‫ن ضمن قيود الشّرع ‪.‬‬
‫للضّرر عنه في غالب الظّ ّ‬
‫انظر مصطلح ‪ ( :‬ضرورة ) ‪.‬‬
‫وعلى هذا الساس قعّد الفقهاء قاعدةً ها ّمةً من قواعد الصول القريبة نصّها ‪:‬‬
‫الضّرورات تبيح المحظورات ‪ .‬وهي تعدّ من فروع القاعدتين الكّليّتين ‪:‬‬
‫إذا ضاق المر اتّسع ‪ .‬والضّرر يزال ‪.‬‬
‫وقد فرّعوا على هذه القاعدة وما يتّصل بها فروعا كثير ًة تنظر في أبوابها ‪.‬‬
‫‪ -‬ب ‪ -‬رخص سببها الحاجة ‪ :‬الحاجة نوعان ‪ :‬عامّة وخاصّة ‪.‬‬ ‫‪22‬‬

‫انظر التّفاصيل في مصطلح ‪ (:‬حاجة ) ‪.‬‬


‫وك ّل منهما يرخّص من أجله ‪ :‬فالعقود الّتي جاءت على خلف القياس أو وقع استثناؤها من‬
‫أصولٍ ممنوع ٍة كالسّلم والجارة والجعل والمغارسة والمساقاة والقرض والقراض‬
‫والستصناع ودخول الحمّام والوصيّة وما شابهها إنّما وقع التّرخيص فيها لحاجة النّاس‬
‫عموما إليها ‪ ،‬والتّرخيص في التّأديب لمن جعل له ‪ ،‬وفي التّضييق على بعض المتّهمين‬
‫لظهار الحقّ وفي التّلفّظ بالفحش بالنّسبة للقاضي أو الرّاوي أو الشّاهد لل ّدقّة وفي لبس‬
‫الحرير واستعمال الذّهب والنّظر إلى العورة للعلج وفي التّبختر بين الصّفوف لغاظة الكفّار‬
‫والنّيل منهم ‪ ،‬وفي الكذب للصلح ‪ ،‬وفي الغيبة عند التّظلّم أو الستفتاء ونحوهما ‪ ،‬وفي‬
‫خروج المرأة لقضاء شأنٍ من شؤونها ‪ ،‬أو للتّعلّم والفتوى والتّقاضي ‪ ،‬وسفرها للعلج وما‬
‫ت تمسّ طوائف خاصّةً من المجتمع‪.‬‬
‫إلى هذه الحالت إنّما وقع التّرخيص فيها من أجل حاجا ٍ‬
‫ن هذه تثبت حكما مثل‬
‫ن ما يباح دفعا للضّرر يباح دفعا للحاجة ‪ ،‬أي أ ّ‬
‫وقد اتّفق الفقهاء على أ ّ‬
‫ن حكم الحاجة مستم ّر وخاصّةً إذا كانت عامّ ًة وحكم الضّرورة موقوت بمدّة‬
‫الولى إلّ أ ّ‬
‫قيامها إذ " الضّرورة تقدّر بقدرها " ‪.‬‬
‫ن المحرّمات نوعان ‪ :‬محرّمات لذاتها ‪ ،‬ومحرّمات لغيرها ‪،‬‬
‫كما وقع التّفاق بينهم على أ ّ‬
‫فالولى ل يرخّص فيها عاد ًة إلّ من أجل المحافظة على مصلحةٍ ضروريّةٍ ‪ ،‬والثّانية يرخّص‬
‫فيها حتّى من أجل المحافظة على مصلحةٍ حاجيّةٍ ‪.‬‬
‫على أنّه ل مانع من أن تعامل هذه معاملة الولى ولو في بعض الحالت ‪ ،‬وعلى هذا الساس‬
‫وما قبله جاءت القاعدة الفقهيّة ‪ :‬الحاجة تنزل منزلة الضّرورة ‪.‬‬
‫ل يلحق بها ما يماثلها‬
‫ت متفرّق ًة يمكن أن تكون أصو ً‬
‫وقد خرّج الفقهاء اعتمادا عليها جزئيّا ٍ‬
‫من نظائرها ‪.‬‬
‫وهناك رخص سببها السّفر أو المرض أو النّسيان أو الجهل أو الخطأ أو النّقص أو الوسوسة‬
‫أو التّرغيب في الدّخول في السلم وحداثة الدّخول فيه أو العسر وعموم البلوى وينظر‬
‫تفصيلها في مصطلح ‪ ( :‬تيسير ) ‪.‬‬
‫علقة الرّخصة ببعض الدلّة الشّرعيّة ‪:‬‬
‫‪ -‬المتتبّع للستحسان والمصالح المرسلة ومراعاة الخلف والتّقادير الشّرعيّة ‪ ،‬والجوابر‬ ‫‪23‬‬

‫الشّرعيّة والحيل الشّرعيّة يظفر بعلق ٍة وطيدةٍ بين هذه المور وبين الرّخص تتمثّل إجمالً في‬
‫جلب اليسر ودفع العسر عن المكلّفين ‪ ،‬فلتراجع تلك الدلّة في محالّها من الموسوعة ‪.‬‬
‫القياس على الرّخص ‪:‬‬
‫‪ -‬ذهب جمهور الفقهاء إلى أنّ الرّخص المنصوص عليها إذا كانت ممّا يعقل معناه يمكن‬ ‫‪24‬‬

‫أن يقاس عليها غيرها من الجزئيّات الّتي تشاركها في علّة الحكم ‪.‬‬
‫فقد قاس بعض الفقهاء صحّة بيع العنب بالزّبيب على بيع العرايا المرخّص فيه بالنّصّ‬
‫لتّحادهما في العلّة ‪.‬‬
‫كما حكموا بصحّة صوم من أفطر مخطئا أو مكرها قياسا على من أفطر ناسيا الّذي ثبتت‬
‫صحّة صومه بالنّصّ النّبويّ ‪.‬‬
‫وزاد الشّافعيّ فقاس عليه كلم النّاسي في صلته ‪.‬‬
‫وقاسوا الفطار في العين في رمضان على الكتحال المرخّص فيه نصّا ‪.‬‬
‫وذهب أبو حنيفة وأصحابه ‪ -‬باستثناء أبي يوسف ‪ -‬إلى منع القياس على الرّخص لدلّةٍ‬
‫مبسوطةٍ في كتب الصول ‪.‬‬
‫الخذ بالرّخص أو العزائم ‪:‬‬
‫‪ -‬قد يرفع الشّرع عن المكلّف الحرج في الخذ بالعزيمة أو في الخذ بالرّخصة ‪ ،‬أي أنّه‬ ‫‪25‬‬

‫يكون مخيّرا في بعض الحالت بين التيان بهذه أو بتلك ‪ ،‬لنّ ما بينهما صار بمثابة ما بين‬
‫ع من أنواعه ‪ ،‬ولكن مع ذلك كان‬
‫أجزاء الواجب المخيّر الّذي يكتفى فيه بالتيان بأيّ نو ٍ‬
‫للتّرجيح بينهما مجال رحب غزير المادّة تباينت فيه أنظار المجتهدين حيث اختلفوا بين مرجّحٍ‬
‫ل من الفريقين قد‬
‫للخذ بالعزيمة ‪ -‬في هذه الحالة ‪ -‬وبين مرجّحٍ للخذ بالرّخصة فيها ‪ ،‬وك ّ‬
‫علّل رأيه بمجموعةٍ من المبرّرات المعقولة تكفّل الشّاطبيّ بعدّها عدّا واضحا مرتّبا ‪.‬‬
‫آراء العلماء في تتبّع الرّخص ‪:‬‬
‫سنّة ل بأس في تتبّعها لقول النّبيّ صلى ال عليه‬
‫‪ -‬الرّخص الشّرعيّة الثّابتة بالكتاب أو ال ّ‬ ‫‪26‬‬

‫ن اللّه يحبّ أن تؤتى رخصه كما يحبّ أن تؤتى عزائمه « ‪.‬‬


‫وسلم ‪ » :‬إ ّ‬
‫أمّا تتبّع رخص المذاهب الجتهاديّة والجري وراءها دون سببٍ من السباب الّتي مرّ ذكرها‬
‫ونحوها ممّا يماثلها يعتبر هروبا من التّكاليف ‪ ،‬وتخلّصا من المسئوليّة ‪ ،‬وهدما لعزائم‬
‫الوامر والنّواهي ‪ ،‬وجحودا لحقّ اللّه في العبادة ‪ ،‬وهضما لحقوق عباده ‪ ،‬وهو يتعارض مع‬
‫{‬ ‫مقصد الشّرع الحكيم من الحثّ على التّخفيف عموما وعلى التّرخّص بصف ٍة خاصّةٍ‬
‫ن اللّه يحبّ أن تؤتى رخصه « وقد اعتبر‬
‫سرَ } ‪ » ،‬إ ّ‬
‫ل ُيرِيدُ ِب ُكمُ ا ْل ُع ْ‬
‫سرَ َو َ‬
‫ُيرِيدُ الّلهُ ِب ُكمُ ا ْل ُي ْ‬
‫العلماء هذا العمل فسقا ل يحلّ ‪.‬‬
‫ل عالمٍ اجتمع فيك‬
‫وحكى ابن حزمٍ الجماع عليه ‪ .‬وقال نقلً عن غيره ‪ :‬لو أخذت برخصة ك ّ‬
‫الشّ ّر كلّه ‪.‬‬
‫ن رجلً عمل بقول أهل الكوفة في النّبيذ وأهل المدينة في السّماع‬
‫وقال المام أحمد ‪ :‬لو أ ّ‬
‫وأهل مكّة في المتعة كان فاسقا ‪.‬‬
‫وقد دخل القاضي إسماعيل ‪ -‬يوما ‪ -‬على المعتضد العبّاسيّ فرفع إليه الخليفة كتابا وطلب‬
‫منه أن ينظر فيه وقد جمع فيه صاحبه الرّخص من زلل العلماء فقال له القاضي المذكور ‪-‬‬
‫ح هذه الحاديث ؟ قال ‪ :‬بلى ‪ ،‬ولكن‬
‫بعد أن تأمّله ‪ : -‬مصنّف هذا زنديق ‪ ،‬فقال ‪ :‬ألم تص ّ‬
‫من أباح المسكر لم يبح المتعة ‪ ،‬ومن أباح المتعة لم يبح الغناء والمسكر ‪ ،‬وما من عالمٍ إلّ‬
‫وله زلّة ‪ ،‬ومن جمع زلل العلماء ثمّ أخذ بها ذهب دينه ‪ ،‬فأمر المعتضد بإحراق ذلك الكتاب‪.‬‬
‫فالخذ بالرّخص ل يعني تتبّعها والبحث عنها للتّحلّل من التّكليف وإنّما يعني النتقال من‬
‫ب شرعيّ ‪.‬‬
‫تكليفٍ أشدّ إلى تكليفٍ أخفّ لسب ٍ‬
‫الرّخص إضافيّة ‪:‬‬
‫ح من حثّ الشّرع عليها وترغيبه‬
‫‪ -‬إنّ الرّخص على كثرة أدلّتها أو صيغها ‪ ،‬وعلى ما ص ّ‬ ‫‪27‬‬

‫ن كلّ أحدٍ من المكلّفين فقيه نفسه في الخذ بها‬


‫في الخذ بها ‪ ،‬تبقى في النّهاية إضافيّةً ‪ :‬أي أ ّ‬
‫أو في عدمه ‪.‬‬
‫ويكفي أن نعلم لتوضيح هذه المسألة أنّ المشقّة مثلً الّتي تعتبر سببا هامّا من أسباب الرّخص‬
‫تختلف ق ّوةً وضعفا بحسب أحوال النّاس ‪ ،‬ففي التّنقّل تختلف باختلف المسافرين ‪ ،‬وأزمنة‬
‫السّفر ‪ ،‬ومدّته ووسائله ‪ ،‬وما إلى هذا ممّا يتعذّر ضبطه واطّراده في جميع الخلق ‪ ،‬فلم ينط‬
‫الحكم بذات المشقّة بل أسند إلى أمرٍ آخر ممّا يدلّ غالبا عليها وهو السّفر لنّه مظنّة حصولها‬
‫‪.‬‬

‫رخم *‬
‫انظر ‪ ( :‬أطعمة )‬
‫ردء *‬
‫التّعريف ‪:‬‬
‫‪ -‬الرّدء في اللّغة ‪ :‬المعين والنّاصر ‪ ،‬من ردأ ‪ ،‬يقال ‪ :‬ردأت الحائط ردءا أي ‪ :‬دعّمته‬ ‫‪1‬‬

‫ن ‪ ،‬أي ينصره ويشدّ ظهره‬


‫وقوّيته ‪ .‬ويقال ‪ :‬أردأت فلنا ‪ :‬أي أعنته ‪ .‬ويقال ‪ :‬فلن ردء فل ٍ‬
‫‪ ،‬وجمعه أرداء ‪.‬‬
‫صدّ ُقنِي } يعني معينا ‪.‬‬
‫قال اللّه تعالى حكايةً عن موسى عليه السلم ‪َ { :‬فَأرْسِلْ ُه َم ِعيَ ِردْءا ُي َ‬
‫واصطلحا الرداء ‪ :‬هم الّذين يخلفون المقاتلين في الجهاد ‪ ،‬وقيل ‪ :‬هم الّذين وقفوا على‬
‫مكان حتّى إذا ترك المقاتلون القتال قاتلوا ‪.‬‬
‫اللفاظ ذات الصّلة ‪:‬‬
‫المدد ‪:‬‬
‫‪ -‬المدد في اللّغة ‪ :‬اسم من مدّه مدّا أي زاده ‪ ،‬ويقال ‪ :‬أمددته بمددٍ أي ‪ :‬أعنته وقوّيته به ‪.‬‬ ‫‪2‬‬

‫خ ْمسَةِ آلفٍ مّنَ‬


‫قال اللّه تعالى ‪ { :‬وََأ ْم َد ْدنَاكُم ِبَأمْوَالٍ َو َبنِينَ } وقال سبحانه ‪ُ { :‬ي ْم ِد ْدكُمْ َر ّبكُم ِب َ‬
‫ا ْلمَل ِئكَةِ ُمسَ ّومِينَ } ‪.‬‬
‫وفي الصطلح يطلق غالبا على العساكر الّتي تلحق بالمغازي في سبيل اللّه ‪.‬‬
‫الحكم الجماليّ ‪:‬‬
‫حقّ الرّدء في الغنائم ‪:‬‬
‫‪ -‬اتّفق الفقهاء على أنّ الرّدء أي ‪ :‬العون الّذي حضر بنيّة القتال ولم يقاتل والمقاتل‬ ‫‪3‬‬

‫المباشر سيّان في أصل الستحقاق في الغنائم ‪ ،‬مع اختلفهم في جواز تفضيل البعض على‬
‫البعض ‪ ،‬والجمهور على التّسوية الكاملة ‪ ،‬لستواء الكلّ في سبب الستحقاق ‪ ،‬وهو مجاوزة‬
‫الدّرب بنيّة القتال عند الحنفيّة ‪ ،‬وشهود الوقعة عند غيرهم ‪ ،‬ولقول أبي بكرٍ وعمر رضي ال‬
‫ل الجيش يقاتل ‪ ،‬لنّ ذلك خلف مصلحة‬
‫عنهما ‪ " :‬الغنيمة لمن شهد الوقعة " ولنّه ليس ك ّ‬
‫الحرب ‪ ،‬لنّه يحتاج أن يكون بعضهم في الرّدء ‪ ،‬وبعضهم يحفظون السّواد ‪ ،‬وبعضهم في‬
‫العلوفة على حسب ما يحتاج إليه في الحرب ‪ ،‬كما بيّنه المالكيّة ‪.‬‬
‫أمّا من حضر الوقعة ل بنيّة القتال ‪ ،‬كالسّوقيّ " التّاجر " والخادم ‪ ،‬والمحترف كالخيّاط ‪ ،‬فإن‬
‫قاتل أسهم له عند جمهور الفقهاء " الحنفيّة والمالكيّة والحنابلة " وهو الظهر عند الشّافعيّة‪،‬‬
‫وفي خلف الظهر للشّافعيّة ل يسهم له ‪ ،‬لنّه لم يقصد القتال ‪ .‬وإن لم يقاتل ل يسهم له عند‬
‫الجمهور ‪ ،‬لعدم نيّة القتال وعدم الشتراك فيه ‪ ،‬وفي وجهٍ عند الشّافعيّة يسهم له ‪ ،‬لنّه‬
‫ن الحضور إلى القتال يجرّ إليه ‪ .‬أمّا‬
‫حضر الوقعة ‪ ،‬وفيه تكثير سواد المسلمين ‪ ،‬والغالب أ ّ‬
‫من لم يحضر القتال أصلً فل سهم له إلّ إذا حبس في خدمة الجهاد ولمصلحة الجيش ‪ ،‬كأن‬
‫طلب المام بعض العسكر ليحرس من هجوم العدوّ ‪ ،‬أو أفرد من الجيش كمينا ‪ ،‬لكونهم‬
‫ردءا لمن قاتل ‪ ،‬وعونا لهم على الغنيمة تقوى به نفوس المقاتلين ‪.‬‬
‫وأمّا المدد فإذا لحقوا عساكر المسلمين أثناء القتال يسهم لهم ‪ ،‬وإذا لحقوهم بعد انقضاء القتال‬
‫وإحراز الغنيمة ل يسهم لهم باتّفاق الفقهاء ‪.‬‬
‫أمّا إذا لحقوهم بعد القتال قبل أن يخرجوا الغنيمة إلى دار السلم فل يسهم لهم عند الحنابلة‪،‬‬
‫وهو الصّحيح عند الشّافعيّة لنّهم لم يشهدوا الوقعة ‪ ،‬ويسهم لهم عند الحنفيّة ‪ ،‬وهو وجه عند‬
‫الشّافعيّة ‪ ،‬لنّ الملك ل يحصل إلّ بعد الحراز في دار السلم عند الحنفيّة ‪ .‬وتفصيل هذه‬
‫المسائل في مصطلح ‪ ( :‬غنيمة ) ‪.‬‬
‫الرّدء في الجنايات ‪:‬‬
‫‪ -‬ل خلف بين الفقهاء في جواز عقوبة الرّدء في جرائم التّعزير إذا رأى القاضي ذلك ‪.‬‬ ‫‪4‬‬

‫أمّا في الحدود ‪ ،‬فل يحدّ الرّدء حدّ الزّنى ول حدّ الشّرب والقذف ‪ ،‬لنّها جرائم تتعلّق‬
‫بشخص المجرم ‪.‬‬
‫واختلفوا في قطع الطّريق " الحرابة " والسّرقة والقتل ‪ ،‬وبيانه فيما يلي ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬الرّدء في قطع الطّريق " الحرابة " ‪:‬‬
‫ن الرّدء أي المعين لقطّاع الطّريق‬
‫‪ -‬يرى جمهور الفقهاء " الحنفيّة والمالكيّة والحنابلة " أ ّ‬ ‫‪5‬‬

‫حكمه حكم المباشر ‪ ،‬فإن باشر أحدهم أجري الحدّ عليهم بأجمعهم ‪ ،‬فإذا قتل أحدهم يقتل هو‬
‫ولنه‬
‫ّ‬ ‫والخرون ‪ ،‬لنّه جزاء المحاربهة ‪ ،‬وههي تتحق ّق بأن يكون البعهض ردءا للبعهض ‪،‬‬
‫المحاربهة مبني ّة على حصهول المنعهة والمعاضدة والمناصهرة ‪ ،‬ومهن عادة قطّاع الطّريهق‬
‫المباشرة من البعض والعانة من البعض الخر ‪ ،‬ول يتمكّن المباشر من فعله إلّ بقوّة الرّدء‪،‬‬
‫فلو لم يل حق الرّدء بالمبا شر لدّى ذلك إلى انفتاح باب ق طع الطّر يق ‪ ،‬في ستوي ف يه المبا شر‬
‫ن الرّدء يشمل من يتقوّى المحاربون بجاهه ‪ ،‬إذ لول‬
‫ص الدّسوقيّ على أ ّ‬
‫والرّدء كالغنيمة ‪ ،‬ون ّ‬
‫جاهه ما تجرّأ القاتل على القتل ‪ ،‬فجاهه إعانة على القتل حكما ‪.‬‬
‫وقال الشّافعيّة ‪ :‬ل يجهب الحدّ على مهن أعان قطّاع الطّريهق أو كثهر جمعههم بالحضور ‪ ،‬أو‬
‫كان عينا لهم ولم يباشر بنفسه ‪ ،‬بل يعزّر بالحبس والنّفي وغيرهما ‪.‬‬
‫وتفصيله في مصطلح ‪ ( :‬حرابة ) ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬الرّدء في السّرقة ‪:‬‬
‫‪ -‬اتّفق الفقهاء على أنّ الرّدء إذا لم يدخل الحرز ‪ ،‬ولم يشترك في إخراج المال فل حدّ‬ ‫‪6‬‬

‫عليه ‪.‬‬
‫وتفصيل هذه المسائل في مصطلح ‪ ( :‬سرقة ) ‪.‬‬
‫ج ‪ -‬الرّدء فيما يوجب القصاص ‪:‬‬
‫ن فباشر بعضهم الفعل المفضي للقتل ولم يباشره الخرون‬
‫‪ -‬إذا تمال جماعة على قتل إنسا ٍ‬ ‫‪7‬‬

‫لكنّهم اتّفقوا على ارتكابه مسبقا وحضروا ردءا للقتلة فقد اختلف الفقهاء فيه ‪ :‬فذهب الجمهور‬
‫" الحنفيّة والشّافعيّة والحنابلة " إلى عدم وجوب القصاص على من لم يباشر الفعل المفضي‬
‫للقتل ‪ ،‬لنّهم اشترطوا في القصاص من الجماعة المباشرة من الكلّ ‪ ،‬واشترط الحنفيّة فضلً‬
‫ل واحدٍ جرحا ساريا ‪ ،‬ولم يشترط الشّافعيّة في الصحّ‬
‫عن المباشرة أن يكون جرح ك ّ‬
‫والحنابلة هذا الشّرط وقالوا ‪ :‬يقتل الجمع بواحدٍ وإن تفاضلت جراحاتهم في العدد والفحش ‪،‬‬
‫وعلى ذلك فل قصاص على الرّدء عند الجمهور ‪.‬‬
‫وقال المالكيّة ‪ :‬يقتل المتمالئون على القتل أو الضّرب بأن قصد الجميع القتل أو الضّرب‬
‫ل واحد منهم ‪ ،‬بشرط أن يكونوا بحيث لو استعين بهم أعانوا ‪ ،‬وإن‬
‫وحضروا وإن لم يتولّه إ ّ‬
‫لم يضرب غيرهم ضربوا ‪.‬‬
‫وعلى ذلك فيقتصّ من الرّدء المتمالئين على القتل ‪ -‬أي المتّفقين مسبقا على القتل ‪ -‬وإن لم‬
‫يباشره إلّ واحد منهم إذا كانوا بحيث لو استعين بهم أعانوا ‪.‬‬
‫‪ ،‬وقصاص ) ‪.‬‬ ‫‪115‬‬ ‫‪،‬‬ ‫‪114‬‬ ‫وتفصيل الموضوع في مصطلحي ‪ ( :‬تواطؤ ج ‪ /14‬ص‬
‫أثر الرّدء في منع الرث ‪:‬‬
‫ن القاتل يمنع من الميراث ‪ ،‬وإذا لم يكن فعله مضمونا‬
‫‪ -‬اتّفق الفقهاء في الجملة على أ ّ‬ ‫‪8‬‬

‫بالقصاص أو الدّية أو الكفّارة ل يمنع من ميراث مورّثه القتيل عند الئمّة الثّلثة ‪ ،‬خلفا‬
‫ل من له مدخل في القتل يمنع من الميراث ‪ ،‬ولو كان القتل بحقّ‬
‫للشّافعيّة حيث قالوا ‪ :‬إنّ ك ّ‬
‫كمقتصّ ‪ ،‬وإمامٍ وقاضٍ ‪ ،‬وسواء أكان القتل عمدا أم غيره ‪ ،‬مضمونا أم ل ‪.‬‬
‫ويمنع من الميراث من باشر أو تسبّب خلفا للحنفيّة في التّسبّب ‪ ،‬كما إذا حفر بئرا أو وضع‬
‫حجرا في غير ملكه ‪ .‬وهذا في الجملة ‪.‬‬
‫‪ ،‬وقتل ) ‪.‬‬ ‫‪17‬‬ ‫وتفصيله في مصطلحي ‪ ( :‬إرث ج ‪ 3‬ف‬

‫رداء *‬
‫التّعريف ‪:‬‬
‫‪ -‬من معاني الرّداء في اللّغة ‪ :‬الثّوب يستر الجزء العلى من الجسم فوق الزار ‪ ،‬ويطلق‬ ‫‪1‬‬

‫ل ما يرتدى ويلبس ‪.‬‬


‫على ك ّ‬
‫وفي اصطلح الفقهاء هو ‪ :‬ما يستر على البدن من الثّياب ‪ .‬ويقابله ‪ :‬الزار وهو ‪ :‬ما يستر‬
‫أسفل البدن ‪.‬‬
‫الحكم الشّرعيّ ‪:‬‬
‫‪ -‬اتّفق الفقهاء على أنّه يستحبّ للمحرم أن يلبس رداءً وإزارا أبيضين جديدين أو مغسولين‬ ‫‪2‬‬

‫‪ .‬لما روى أحمد عن ابن عمر رضي ال عنهما مرفوعا ‪ » :‬ليحرم أحدكم في إزارٍ ورداءٍ‬
‫ونعلين «‬
‫والتّفاصيل في ( إحرام ) ‪.‬‬
‫وقال المالكيّة ‪ :‬يندب الرّداء لكلّ مصلّ ولو نافلةً ‪.‬‬
‫والرّداء ‪ :‬هو ما يلقيه على عاتقيه أي كتفيه فوق ثوبه دون أن يغطّي به رأسه ‪ ،‬ويتأكّد ذلك‬
‫لئمّة المسجد ‪ ،‬ويكره لهم تركه ‪.‬‬
‫ص وردا ٍء ‪ ،‬فإن أراد القتصار على ثوبٍ‬
‫وقال جمهور الفقهاء ‪ :‬الفضل أن يصلّي بقمي ٍ‬
‫واحدٍ فالقميص أفضل من الرّداء ‪ ،‬لنّه أبلغ في السّتر ‪ ،‬ثمّ الرّداء ثمّ المئزر ‪ ،‬وإن كان‬
‫يصلّي بثوبين فالفضل القميص والرّداء ‪ ،‬ثمّ الزار أو السّراويل مع القميص ‪ ،‬ثمّ أحدهما‬
‫مع الرّداء ‪ ،‬والزار مع الرّداء أفضل من السّراويل مع الرّداء ‪ ،‬لنّه لبس الصّحابة ‪ ،‬ولنّه‬
‫ل يحكي تقاطيع الخلقة ‪.‬‬
‫وقال الشّافعيّة ‪ :‬قميص مع رداءٍ أو إزارٍ أو سراويل ‪ ،‬أولى من رداءٍ مع إزارٍ أو سراويل‬
‫وأولى من إزا ٍر مع سراويل ‪ .‬وإن صلّى في الرّداء وحده وكان واسعا التحف به ‪ ،‬وإن كان‬
‫ضيّقا خالف بين طرفيه بمنكبيه ‪.‬‬
‫ويكره أن يصلّي بالضطباع بأن يجعل وسط ردائه تحت منكبه اليمن وطرفيه على اليسر ‪،‬‬
‫صمّاء ‪ :‬بأن يجلّل بدن ًة بالرّداء ثمّ يرفع طرفيه على عاتقه اليسر ‪ ،‬كما يكره‬
‫ويكره اشتمال ال ّ‬
‫اشتمال اليهود بأن يجلّل بدنه بالثّوب دون رفع طرفيه للنّهي عن ذلك ‪.‬‬
‫ر ‪ ( :‬صلة ) ‪.‬‬
‫تحويل الرّداء في دعاء الستسقاء ‪:‬‬
‫‪ -‬ذهب جمهور الفقهاء إلى أنّه يستحبّ تحويل الرّداء بعد دعاء الستسقاء ‪ ،‬وهو أن يجعل‬ ‫‪3‬‬

‫ما على المنكب اليمن على اليسر ‪ ،‬وما على اليسر على اليمن ‪.‬‬
‫لما روى البخاريّ ‪ » :‬أنّ النّبيّ صلى ال عليه وسلم خرج إلى المصلّى فاستسقى فاستقبل‬
‫القبلة وقلب رداءه فصلّى ركعتين « ‪.‬‬
‫وقال أبو حنيفة يدعو بل قلب رداءٍ‬

‫رداءة *‬
‫التّعريف ‪:‬‬
‫‪ -‬الرّداءة في اللّغة ‪ :‬نقيض الجودة ‪ ،‬ومعناها الخسّة والفساد ‪ ،‬وردؤ الشّيء رداءةً فهو‬ ‫‪1‬‬

‫رديء على وزن فعيلٍ أي وضيع خسيس ‪.‬‬


‫وضدّه جاد الشّيء جودةً وجود ًة " بالضّمّ والفتح " ‪.‬‬
‫ي‪.‬‬
‫ول يخرج استعمال الفقهاء لهذا اللّفظ عن المعنى اللّغو ّ‬
‫الحكام المتعلّقة بالرّداءة ‪:‬‬
‫إخراج الرّديء عن الجيّد في الزّكاة ‪:‬‬
‫‪ -‬ل يجوز للمالك أن يخرج الرّديء عن الجيّد الّذي وجبت فيه الزّكاة ‪ ،‬وكذلك ل يجوز‬ ‫‪2‬‬

‫للمتصدّق أن يأخذ ذلك ‪.‬‬


‫وذ كر الفقهاء ض من ال صّفات الّ تي ي جب مراعات ها في ما يخر جه المزكّي ويأخذه ال سّاعي أن‬
‫يكون وسطا ‪ ،‬فليس لل سّاعي أن يأخذ الجيّد ول الرّديء إلّ من طريق التّقديم برضا صاحب‬
‫المال ‪.‬‬
‫ف عن عروة » أ نّ النّبيّ صلى ال عل يه و سلم ب عث رجلً على ال صّدقة وأمره أن يأ خذ الب كر‬
‫والشّارف وذا العيب وإيّاك وحزرات أنفسهم « ‪.‬‬
‫وورد أنّه قال لمعاذ بن جبلٍ ‪ » :‬إيّاك وكرائم أموالهم « ‪.‬‬
‫ن فقد طعم‬
‫وروى أبو داود بإسناده عن النّبيّ صلى ال عليه وسلم أنّه قال ‪ » :‬ثلث من فعله ّ‬
‫ل اللّه ‪ ،‬وأعطى زكاة ماله طيّب ًة بها نفسه رافدةً‬
‫طعم اليمان ‪ :‬من عبد اللّه وحده وأنّه ل إله إ ّ‬
‫عليه كلّ عا مٍ ‪ ،‬ول يع طي الهرمة ول الدّر نة ‪ ،‬ول المري ضة ول الشّرط اللّئي مة ‪ ،‬ولكن من‬
‫ن اللّه لم يسألكم خيره ولم يأمركم بشرّه « ‪.‬‬
‫وسط أموالكم فإ ّ‬
‫ن مبنى الزّكاة على مراعاة الجانبين وذلك بأخذ الوسط ‪ ،‬والوسط هو أن يكون أدون من‬
‫ول ّ‬
‫الرفع ‪ ،‬وأرفع من الدون ‪.‬‬
‫بيع الجيّد بالرّديء ‪:‬‬
‫ن الجيّد والرّديء من الرّبويّات سواء في جواز البيع مع التّماثل‬
‫‪ -‬يرى أكثر أهل العلم أ ّ‬ ‫‪3‬‬

‫وتحريمه مع التّفاضل ‪ ،‬لقوله عليه الصلة والسلم » جيّدها ورديئها سواء « ‪ ،‬ولنّ تفاوت‬
‫الوصف ل يعدّ تفاوتا عادةً ‪ ،‬ولو اعتبر لفسد باب البياعات ‪ ،‬إذ قلّما يخلو عوضان عن‬
‫ت ما ‪ ،‬فلم يعتبر ‪.‬‬
‫تفاو ٍ‬
‫ذكر الرّداءة في المسلم فيه ‪:‬‬
‫‪ -‬يشترط الحنفيّة والمالكيّة والحنابلة والشّافعيّة في قو ٍل لصحّة السّلم ذكر الجودة والرّداءة‬ ‫‪4‬‬

‫في المسلم فيه لختلف الغرض بهما فيفضي تركهما إلى النّزاع ‪.‬‬
‫ل بتوافرها ‪ :‬أن يضبط المسلم فيه‬
‫وقال ابن قدامة عند ذكر الشّروط الّتي ل يصحّ السّلم إ ّ‬
‫بصفاته الّتي يختلف الثّمن بها ظاهرا ‪ ،‬فإنّ المسلم فيه عوض في ال ّذمّة فل بدّ من كونه‬
‫معلوما بالوصف كالثّمن ‪.‬‬
‫ن العلم شرط في المبيع ‪ ،‬وطريقه إمّا الرّؤية وإمّا الوصف ‪ ،‬والرّؤية ممتنعة هاهنا فتعيّن‬
‫ول ّ‬
‫الوصف ‪.‬‬
‫والوصاف على ضربين ‪ :‬متّفق على اشتراطها ومختلفٍ فيها ‪.‬‬
‫فالمتّفق عليها ثلثة أوصافٍ ‪ :‬الجنس ‪ ،‬والنّوع ‪ ،‬والجودة ‪ ،‬أو الرّداءة ‪ .‬فهذه ل ب ّد منها في‬
‫كلّ مسلمٍ فيه ‪.‬‬
‫ح إلى أنّه ل يشترط ذكر الجودة والرّداءة في المسلم فيه ‪ ،‬ويحمل‬
‫وذهب الشّافعيّة في الص ّ‬
‫المطلق على الجيّد للعرف ‪.‬‬
‫وللتّفصيل ‪ ( :‬ر ‪ :‬سلم ) ‪.‬‬
‫ذكر الجودة والرّداءة في الحوالة ‪:‬‬
‫‪ -‬يشترط المالكيّة والحنابلة والشّافعيّة في الصحّ لصحّة الحوالة تماثل الدّينين ‪ -‬المحال به‬ ‫‪5‬‬

‫حةً أو تكسّرا ‪ ،‬وجودةً أو رداءةً ‪.‬‬


‫ل أو تأجيلً ‪ ،‬وص ّ‬
‫والمحال عليه ‪ -‬جنسا وقدرا ‪ ،‬وحلو ً‬
‫ن الحوالة تحويل الحقّ فيعتبر تحوّله على صفته ‪ ،‬والمراد بالصّفة ما يشمل الجودة أو‬
‫لّ‬
‫صحّة أو التّكسّر ‪.‬‬
‫الرّداءة ‪ ،‬وال ّ‬
‫وقال الشّافعيّة في وجهٍ ‪ :‬تجوز الحوالة بالقليل على الكثير ‪ ،‬وبالصّحيح على المكسّر ‪،‬‬
‫ل على القرب ‪.‬‬
‫وبالجيّد على الرّديء ‪ ،‬وبالمؤجّل على الحالّ ‪ ،‬وبالبعد أج ً‬
‫أمّا الحنفيّة فل يشترطون لصحّة الحوالة أن يكون المحال عليه مديونا للمحيل ‪ ،‬ومن ثمّ ل‬
‫يشترط عندهم التّماثل بين الدّينين المحال به والمحال عليه جنسا ‪ ،‬أو قدرا ‪ ،‬أو صفةً ‪.‬‬
‫والتّفصيل ( ر ‪ :‬حوالة ) ‪.‬‬
‫قبول الرّديء عن الجيّد في القرض ‪:‬‬
‫‪ -‬ل يجب على المقرض قبول الرّديء عن الجيّد في القرض ‪ ،‬فإن أقرضه مطلقا من غير‬ ‫‪6‬‬

‫شرطٍ فقضاه خيرا منه في القدر أو الصّفة أو دونه برضاهما جاز في الجملة ‪.‬‬
‫وفي بعض صور المسألة خلف وتفصيل للفقهاء ينظر في مصطلح ‪ ( :‬قرض )‬

‫ردّ *‬
‫التّعريف ‪:‬‬
‫‪ -‬ال ّردّ في اللّغة ‪ :‬مصدر رددت الشّيء ‪ ،‬ومن معانيه منع الشّيء وصرفه ‪ ،‬وردّ الشّيء‬ ‫‪1‬‬

‫أيضا إرجاعه ‪ ،‬وفي حديث عائشة ‪ » :‬من عمل عملً ليس عليه أمرنا فهو ردّ « ‪ .‬أي فهو‬
‫سنّة ‪.‬‬
‫مردود عليه ‪ .‬وذلك إذا كان مخالفًا لما عليه ال ّ‬
‫وردّ عليه الشّيء إذا لم يقبله ‪ .‬ور ّد فلنا خطأه ‪ .‬وتقول ‪ :‬ردّه إلى منزله ‪ ،‬وردّ إليه جوابا‬
‫أي ‪ :‬رجعه وأرسله ‪.‬‬
‫ول يخرج معناه الصطلحيّ في الجملة عن معناه اللّغويّ ‪.‬‬
‫وال ّردّ في الرث ‪ :‬دفع ما فضل عن فرض ذوي الفروض النّسبيّة إليهم بقدر حقوقهم عند‬
‫عدم استحقاق الغير ‪.‬‬
‫)‪.‬‬ ‫‪49‬‬ ‫ج ‪/3‬ص‬ ‫‪63‬‬ ‫انظر مصطلح ‪ ( :‬إرث ف‬
‫والقسمة بال ّردّ هي الّتي يحتاج فيها لر ّد أحد الشّريكين للخر مالً أجنبيّا ‪ ،‬كأن يكون في أحد‬
‫الجانبين من أرضٍ مشترك ٍة بئر أو شجر ل تمكن قسمته ‪ ،‬وما في الجانب الخر ل يعادل‬
‫ذلك إلّ بضمّ شيءٍ إليه من خارجٍ ‪ ،‬فيردّ من يأخذ الجانب الّذي فيه البئر أو الشّجر قسط‬
‫قيمته أي قيمة ما ذكر من البئر أو الشّجر ‪.‬‬
‫وتفصيل ذلك في مصطلح ‪ ( :‬قسمة ) ‪.‬‬
‫الحكم التّكليفيّ ‪:‬‬
‫‪ -‬يختلف الحكم التّكليفيّ لل ّردّ باختلف موطنه كما يلي ‪:‬‬ ‫‪2‬‬

‫الرّدّ في العقود ‪:‬‬


‫موجبات الرّدّ ‪:‬‬
‫لل ّردّ موجبات كثيرة منها ما يلي ‪:‬‬
‫‪ -‬أ ‪ -‬الستحقاق ‪ :‬فإذا ظهر كون الشّيء مستحقّا للغير وجب ردّ الشّيء إلى مستحقّه ‪،‬‬ ‫‪3‬‬

‫سواء كان ذلك في العقود كالبيع والهبة ‪ ،‬أو في الجنايات كالغصب والسّرقة لقوله صلى ال‬
‫عليه وسلم ‪» :‬على اليد ما أخذت حتّى تؤدّي « ‪.‬‬
‫‪.)283/‬‬ ‫‪3‬‬ ‫‪ ،‬استرداد ‪ ،‬ف ‪ 5‬ج‬ ‫‪219/ 3‬‬ ‫وقد سبق تفصيل ذلك في مصطلح ‪ ( :‬استحقاق ج‬
‫‪ -‬ب ‪ -‬فسخ العقود غير اللزمة ‪ :‬سواء كان عدم لزومها عائدا إلى طبيعتها ‪ ،‬كالوديعة‬ ‫‪4‬‬

‫والشّركة ‪ ،‬أو إلى دخول الخيار ‪ -‬بأنواعه ‪ -‬عليها كالبيع والجارة ‪ ،‬وحينئذٍ يكون لكل‬
‫ل ما في يده إلى صاحبه ‪.‬‬
‫الطّرفين ‪ ،‬أو لمن ثبت له الخيار الفسخ ‪ ،‬ويردّ ك ّ‬
‫‪ -5‬ج ‪ -‬بطلن العقد ‪ :‬فإذا ظهر أنّ العقد باطل وجب على ك ّل من المتعاقدين ردّ ما أخذه‬
‫ي أثرٍ ‪.‬‬
‫ن العقد الباطل ل وجود له شرعا ‪ ،‬ول ينتج أ ّ‬
‫من الخر وذلك ل ّ‬
‫ل أنّه‬
‫والعقد الفاسد عند الحنفيّة مستحقّ للفسخ حقّا للّه تعالى ‪ ،‬وهو يفيد الملك بالقبض ‪ ،‬إ ّ‬
‫ملك غير لزمٍ ‪ ،‬والفسخ في البيع الفاسد يستلزم ر ّد المبيع على بائعه ‪ ،‬وردّ الثّمن على‬
‫المشتري ‪.‬‬
‫انظر ‪ ( :‬استرداد ) ‪.‬‬
‫‪ -6‬د ‪ -‬القالة ‪ :‬ومحلّها العقود اللزمة ‪.‬‬
‫ومقتضى القالة ردّ المر إلى ما كان عليه ‪ ،‬أي ردّ المبيع إلى البائع ‪ ،‬والثّمن إلى المشتري‪،‬‬
‫سواء عند من اعتبرها فسخا وهم الشّافعيّة والحنابلة ومحمّد بن الحسن ‪ ،‬أو عند من اعتبرها‬
‫بيعا في حقّ العاقدين وغيرهما وهم المالكيّة وأبو يوسف ‪ ،‬أو عند من اعتبرها فسخا في حقّ‬
‫العاقدين بيعا في حقّ غيرهما ‪ ،‬وهو قول أبي حنيفة ‪.‬‬
‫)‬ ‫‪324/ 5‬‬ ‫وقد سبق تفصيل ذلك في مصطلح ‪ ( :‬إقالة ج‬
‫‪ -‬هه – انتهاء مدّة العقد ‪ :‬إذا انتهت مدّة العقد في العقود المقيّدة بمدّ ٍة فعلى المستأجر عند‬ ‫‪7‬‬

‫جمهور الفقهاء رفع يده وليس عليه ال ّردّ ‪.‬‬


‫قيل لحمد ‪ :‬إذا اكترى دابّ ًة أو استعار أو استودع فليس عليه أن يحمله ؟ فقال أحمد ‪ :‬من‬
‫استعار شيئا فعليه ردّه من حيث أخذه ‪ ،‬فأوجب ال ّردّ في العاريّة ولم يوجبه في الجارة‬
‫الوديعة ‪ ،‬ووجهه أنّه عقد ل يقتضي الضّمان فل يقتضي ردّه ومؤنته ‪ ،‬كالوديعة ‪ ،‬وفارق‬
‫العاريّة ‪ ،‬فإنّ ضمانها يجب ‪ ،‬فكذلك ردّها ‪ ،‬وعلى هذا متى انقضت المدّة كانت العين في يد‬
‫المستأجر أمانةً كالوديعة إن تلفت من غير تفريطٍ فل ضمان عليه ‪.‬‬
‫واختلف الشّافعيّة في ردّ المستأجر بعد انقضاء الجارة ‪ ،‬فمنهم من قال ‪ :‬ل يلزمه قبل‬
‫المطالبة ‪ ،‬لنّه أمانة فل يلزمه ردّها قبل الطّلب كالوديعة ‪ ،‬ومنهم من قال ‪ :‬يلزمه لنّه بعد‬
‫انقضاء الجارة غير مأذونٍ له في إمساكها فلزمه ال ّردّ كالعاريّة المؤقّتة بعد انقضاء وقتها ‪،‬‬
‫فإن قلنا ل يلزمه الرّدّ لم يلزمه مؤنة ال ّردّ كالوديعة ‪ ،‬وإن قلنا يلزمه لزمه مؤنة ال ّردّ كالعاريّة‬
‫‪.‬‬
‫مسقطات الرّدّ في العقود ‪:‬‬
‫يسقط الرّ ّد في العقود لعدّة أمورٍ منها ما يلي ‪:‬‬
‫‪ -‬أ ‪ -‬تصحيح العقد ‪ :‬جمهور الفقهاء ل يفرّقون بين العقد الباطل والعقد الفاسد فهما عندهم‬ ‫‪8‬‬

‫بمعنىً واحدٍ ‪ ،‬وقد اختلفوا فيما إذا وقع العقد باطلً هل ينقلب صحيحا إذا رفع المفسد أم ل ؟‬
‫ن العقد ل ينقلب صحيحا برفع المفسد إذ ل عبرة بالفاسد ‪.‬‬
‫فذهب الشّافعيّة والحنابلة إلى أ ّ‬
‫وذهب المالكيّة إلى أنّ العقد الفاسد ينقلب صحيحا إذا حذف الشّرط المفسد للعقد ‪.‬‬
‫واستثنوا من ذلك بعض الشّروط فل يصحّ العقد معها ولو حذف الشّرط ‪ ،‬وقد سبق تفصيل‬
‫)‪.‬‬ ‫‪11‬‬ ‫ف‬ ‫‪12/58‬‬ ‫ذلك في مصطلح ‪ ( :‬تصحيح ج‬
‫وذهب الحنفيّة إلى التّفريق بين العقد الباطل والعقد الفاسد ‪ ،‬فيصحّ عندهم أن ينقلب العقد‬
‫ح ذلك في العقد الباطل ‪ ،‬وإذا انقلب العقد الفاسد‬
‫الفاسد صحيحا وذلك برفع المفسد ‪ .‬ول يص ّ‬
‫صحيحا سقط ال ّردّ لزوال موجبه ‪.‬‬
‫)‪.‬‬ ‫‪14‬‬ ‫‪،‬‬ ‫‪13‬‬ ‫‪،‬‬ ‫‪12‬‬ ‫‪،‬‬ ‫‪11‬‬ ‫ف‬ ‫‪12/58‬‬ ‫انظر مصطلح ‪ ( :‬تصحيح ج‬
‫‪ -9‬ب ‪ -‬تجديد العقد ‪ :‬ويتأتّى ذلك في العقود المقيّدة بمدّ ٍة كالجارة ‪ ،‬فإذا اتّفق العاقدان على‬
‫تجديد العقد لمدّةٍ أخرى سقط ردّ العين المؤجّرة لورود العقد عليها ‪ ،‬ولزوال ما يوجبه وهو‬
‫انتهاء فترة العقد ‪.‬‬
‫‪ -‬ج ‪ -‬سقوط الخيار ‪ :‬ويكون ذلك في العقود غير اللزمة بسبب دخول الخيار عليها ‪،‬‬ ‫‪10‬‬

‫فإذا سقط الخيار بأحد مسقطاته أصبح العقد لزما وامتنع ال ّر ّد حينئذٍ ‪.‬‬
‫والخيارات متعدّدة وكذلك مسقطاتها ‪ ،‬وهي محلّ خلفٍ بين الفقهاء وتفصيل ذلك في‬
‫مصطلح ‪ ( :‬خيار ) ‪.‬‬
‫أنواع الرّدّ ‪:‬‬
‫‪ -‬يقسّم الحنفيّة ر ّد المبيع بالعيب إلى ردّ بالقضاء وردّ بالتّراضي ‪ .‬وتظهر ثمرة التّفريق‬ ‫‪11‬‬

‫ث ثمّ ردّه عليه بعيبٍ ‪ ،‬فمن اشترى شيئا‬


‫بينهما في مسألة بيع المشتري للمبيع المعيب إلى ثال ٍ‬
‫ثمّ باعه فردّ عليه بعيبٍ بقضاءٍ بإقرارٍ أو ببيّنةٍ أو نكولٍ ‪ ،‬كان له أن يردّه على البائع الوّل ‪،‬‬
‫لنّه فسخ من الصل فجعل البيع كأن لم يكن ‪ .‬وإن قبله بالتّراضي فليس له أن يردّه على‬
‫البائع الوّل ‪.‬‬
‫فالحنفيّة يعتبرون ال ّردّ بالقضاء فسخا ‪ ،‬وبالتّراضي بيعا جديدا في حقّ البائع الوّل فسخا في‬
‫المشتري الوّل والمشتري الثّاني ‪.‬‬
‫ولم يفرّق الجمهور ‪ -‬المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة ‪ -‬بين ال ّردّ بالقضاء وال ّردّ بالتّراضي ‪،‬‬
‫فكلهما يرفع العقد من أصله ‪.‬‬
‫ي كردّ المبيع بالعيب ‪،‬‬
‫وينقسم ردّ المبيع كذلك إلى ردّ قهريّ ‪ ،‬ور ّد اختياريّ ‪ ،‬فال ّردّ القهر ّ‬
‫وال ّردّ الختياريّ كالقالة ‪.‬‬
‫ردّ مال المحجور عليه ‪:‬‬
‫‪ -‬إذا بلغ المحجور عليه ورشد وجب على وليّه دفع المال إليه لقوله تعالى ‪ { :‬وَا ْبتَلُواْ‬ ‫‪12‬‬

‫ستُم ّم ْنهُمْ ُرشْدا فَادْ َفعُواْ إَِل ْي ِهمْ َأ ْموَاَل ُهمْ } ‪.‬‬
‫ن آ َن ْ‬
‫ح فَإِ ْ‬
‫حّتىَ ِإذَا بََلغُواْ ال ّنكَا َ‬
‫ا ْل َيتَامَى َ‬
‫وتفصيل ذلك في ( رشد ‪ ،‬حجر ) ‪.‬‬
‫ردّ السّلم ‪:‬‬
‫‪ -‬ردّ السّلم واجب في الجملة عند الفقهاء ‪.‬‬ ‫‪13‬‬

‫إنه السهّلم سهنّة وإسهماعه‬


‫قال ابهن عابديهن ‪ :‬قال فهي شرح الشّرعهة ‪ :‬اعلم أنّههم قالوا ‪ّ :‬‬
‫مستحبّ ‪ ،‬وجوابه أي ردّه فرض كفايةٍ ‪ ،‬وإسماع ردّه واجب بحيث لو لم يسمعه ل يسقط هذا‬
‫الفرض عهن السهّامع ‪ ،‬حتّى قيهل ‪ :‬لو كان المسهلّم أصهمّ يجهب على الرّادّ أن يحرّك شفتيهه‬
‫ويريه ‪ ،‬بحيث لو لم يكن أصمّ لسمعه ‪.‬‬
‫قال الشّيخ عميرة ‪ :‬هو ‪ -‬أي ردّ السّلم ‪ -‬حقّ للّه تعالى ‪.‬‬
‫وهناك تفصيلت تنظر في مصطلح ‪ ( :‬سلم ) ‪.‬‬
‫ردّ الشّهادة ‪:‬‬
‫شكّ والرّيبة في صحّة الشّهادة ‪ ،‬لنّها خبر يحتمل‬
‫‪ -‬الصل في ردّ الشّهادة التّهمة أي ال ّ‬ ‫‪14‬‬

‫الصّدق والكذب ‪ ،‬وإنّما يكون حجّةً إذا ترجّح جانب الصّدق فيه ‪ ،‬وبالتّهمة ل يترجّح ‪.‬‬
‫ى في الشّاهد كالفسق ‪ ،‬فإنّ من ل ينزجر عن غير الكذب من‬
‫والتّهمة قد تكون لمعن ً‬
‫محظورات دينه فقد ل ينزجر عنه أيضا ‪ ،‬فكان متّهما بالكذب ‪ ،‬وقد تكون لمعنىً في المشهود‬
‫له من قراب ٍة يتّهم بها بإيثار المشهود له على المشهود عليه ‪ ،‬كقرابة الولدة ‪ .‬وقد تكون لخللٍ‬
‫في التّمييز كالعمى المفضي إلى تهمة الغلط في الشّهادة ‪ .‬وقد تكون بالعجز عمّا جعله الشّارع‬
‫دليلً على صدقه كالمحدود في القذف ‪ ،‬قال اللّه تعالى ‪َ { :‬فِإذْ َلمْ َي ْأتُوا بِالشّ َهدَاء َفأُوَْل ِئكَ عِندَ‬
‫اللّ ِه ُهمُ ا ْلكَا ِذبُونَ } ‪.‬‬
‫وتفصيل ذلك في مصطلح ‪ ( :‬شهادة ) ‪.‬‬
‫ر ّد اليمين ‪:‬‬
‫‪ -‬إذا وجبت اليمين على المدّعى عليه فامتنع ‪ ،‬وحكم القاضي بأنّه ناكل ‪ ،‬فقد اختلف‬ ‫‪15‬‬

‫الفقهاء فذهب بعضهم إلى أنّ القاضي يحكم بالحقّ بالنّكول ‪ ،‬وذهب آخرون إلى أنّه يردّ‬
‫اليمين على المدّعي ‪ ،‬فإذا حلف حكم له ‪.‬‬
‫وتفصيل ذلك في مصطلح ‪ ( :‬قضاء ‪ ،‬إثبات ‪ ،‬وأيمان ‪ ،‬ونكول ) ‪.‬‬
‫ردّ مال الغير ‪:‬‬
‫ي كالغصب فإنّه يجب‬
‫ن من أخذ مال الغير بطريق غير شرع ّ‬
‫‪ -‬ل خلف بين الفقهاء في أ ّ‬ ‫‪16‬‬

‫عليه ردّه إلى صاحبه فورا ‪ ،‬لقول النّبيّ صلى ال عليه وسلم ‪ » :‬على اليد ما أخذت حتّى‬
‫ن بقاءها بيده ظلم آخر ‪.‬‬
‫تؤدّي « ولنّ المظالم يجب التّخلّص منها فورا ‪ ،‬ل ّ‬
‫وكذا السّارق يجب عليه ردّ العين المسروقة إن كانت قائمةً اتّفاقا ‪.‬‬
‫ل فقيمتها ‪ ،‬سواء قطع أو لم‬
‫فإن هلكت أو استهلكت وجب عليه ردّ مثلها إن كانت مثليّةً ‪ ،‬وإ ّ‬
‫يقطع ‪ ،‬وهذا مذهب الشّافعيّة والحنابلة ‪ ،‬وذهب الحنفيّة إلى أنّه إن قطع في السّرقة والعين‬
‫هالكة ل يضمن حينئذٍ ‪ ،‬فل يجتمع عندهم القطع والغرم ‪ ،‬لقول النّبيّ صلى ال عليه وسلم ‪:‬‬
‫» ل يغرم صاحب سرق ٍة إذا أقيم عليه الحدّ « وفي رواية البزّار » ل يضمن السّارق سرقته‬
‫بعد إقامة الحدّ « وفي روايةٍ » ل غرم على السّارق بعد قطع يمينه « ‪.‬‬
‫ولنّ وجوب الضّمان ينافي القطع ‪ ،‬لنّه لو ضمنه لملكه ملكا مستندا إلى وقت الخذ فتبيّن‬
‫أنّه ورد على ملكه فينتفي القطع للشّبهة وما يؤدّي إلى انتفائه فهو المنتفي ‪.‬‬
‫وذهب المالكيّة إلى أنّه إن كان موسرا يوم القطع ضمن قيمة المسروق ‪ ،‬وإن كان عديما لم‬
‫يضمن ولم يغرم ‪.‬‬
‫ي عندما يوجد ما يوجب الرّدّ ‪ ،‬وذلك كردّ‬
‫وكذلك يجب ر ّد مال الغير إذا أخذه بطريقٍ شرع ّ‬
‫اللّقطة عند ظهور المالك ‪ ،‬الوديعة والعاريّة عند الطّلب ‪.‬‬
‫مؤنة الرّدّ ‪:‬‬
‫‪ -‬من أحكام العقد الفاسد الفسخ ور ّد المبيع إلى بائعه والثّمن إلى المشتري ‪ ،‬وتكون مؤنة‬ ‫‪17‬‬

‫ن المبيع إذا كان واجب ال ّردّ ‪ ،‬وجب أن تكون مؤنة ال ّردّ‬


‫ردّ المبيع على المشتري ‪ ،‬وذلك ل ّ‬
‫على من وجب عليه الرّدّ وهو المشتري ‪.‬‬
‫ن مؤنة ردّ العاريّة على المستعير لقول النّبيّ صلى ال عليه وسلم ‪:‬‬
‫ونصّ الفقهاء على أ ّ‬
‫» على اليد ما أخذت حتّى تؤدّي « ‪.‬‬
‫ن مؤنة ردّ المغصوب على الغاصب للحديث المتقدّم ‪ ،‬ولقوله صلى‬
‫وذهب الفقهاء أيضا إلى أ ّ‬
‫ن أحدكم متاع صاحبه لعبا أو جادّا ‪ ،‬وإذا أخذ أحدكم عصا أخيه‬
‫ال عليه وسلم ‪ » :‬ل يأخذ ّ‬
‫ن المؤنة من ضرورات الرّدّ ‪ ،‬فإذا وجب عليه الرّدّ وجب عليه ما هو‬
‫فليرددها عليه « ول ّ‬
‫من ضروراته كما في ردّ العاريّة ‪.‬‬
‫وتفصيل ذلك في مصطلح ‪ ( :‬مؤنة )‬

‫ردّة *‬
‫التّعريف ‪:‬‬
‫‪ -‬ال ّردّة لغ ًة ‪ :‬الرّجوع عن الشّيء ‪ ،‬ومنه الرّدّة عن السلم ‪.‬‬ ‫‪1‬‬

‫يقال ‪ :‬ارتدّ عنه ارتدادا أي تحوّل ‪ .‬والسم ال ّردّة ‪ ،‬وال ّردّة عن السلم ‪ :‬الرّجوع عنه ‪.‬‬
‫وارتدّ فلن عن دينه إذا كفر بعد إسلمه ‪.‬‬
‫ح أو لفظٍ يقتضيه أو فعلٍ يتضمّنه ‪.‬‬
‫ل صري ٍ‬
‫وفي الصطلح ‪ :‬ال ّردّة ‪ :‬كفر المسلم بقو ٍ‬
‫شرائط الرّدّة ‪:‬‬
‫ل إذا توفّرت شرائط البلوغ والعقل والختيار ‪.‬‬
‫‪ -‬ل تقع ال ّردّة من المسلم إ ّ‬ ‫‪2‬‬

‫ردّة الصّبيّ ‪:‬‬


‫‪ -‬ردّة الصّبيّ ل تعتبر عند أبي يوسف والشّافعيّ ‪ ،‬وهو رواية عند أبي حنيفة على‬ ‫‪3‬‬

‫مقتضى القياس ‪ ،‬وقول لحمد ‪.‬‬


‫وقال أبو حنيفة في الرّواية الخرى ومحمّد ‪ :‬يحكم بردّة الصّبيّ استحسانا ‪ ،‬وهو مذهب‬
‫المالكيّة والمشهور عن أحمد ‪.‬‬
‫المرتدّ قبل البلوغ ل يقتل ‪:‬‬
‫‪ -‬ذهب القائلون بوقوع ردّة الصّبيّ إلى أنّه ل يقتل قبل بلوغه ‪.‬‬ ‫‪4‬‬

‫وقال الشّافعيّ ‪ :‬إنّ الصّبيّ إذا ارتدّ ل يقتل حتّى بعد بلوغه ‪ ،‬قال في المّ ‪ " :‬فمن أقرّ‬
‫باليمان قبل البلوغ وإن كان عاقلً ‪ ،‬ث ّم ارتدّ قبل البلوغ أو بعده ‪ ،‬ثمّ لم يتب بعد البلوغ ‪ ،‬فل‬
‫ن إيمانه لم يكن وهو بالغ ‪ ،‬ويؤمر باليمان ‪ ،‬ويجهد عليه بل قتلٍ " ‪.‬‬
‫يقتل ‪ ،‬ل ّ‬
‫ردّة المجنون ‪:‬‬
‫ن أحكام‬
‫ن ول لردّته ‪ .‬ويترتّب على ذلك ‪ :‬أ ّ‬
‫‪ -‬اتّفق الفقهاء على أنّه ل صحّة لسلم مجنو ٍ‬ ‫‪5‬‬

‫السلم تبقى سائرةً عليه ‪.‬‬


‫لكن إن كان يجنّ ساع ًة ويفيق أخرى ‪ ،‬فإن كانت ردّته في إفاقته وقعت ‪ ،‬وإن كانت في‬
‫جنونه ل تقع ‪ ،‬كما نقل ذلك الكاسانيّ ‪.‬‬
‫ردّة السّكران ‪:‬‬
‫ن ردّة السّكران ل تعتبر ‪ ،‬وحجّتهم في ذلك ‪ :‬أنّ‬
‫‪ -‬ذهب الحنفيّة وهو قول للشّافعيّة ‪ :‬إلى أ ّ‬ ‫‪6‬‬

‫ال ّردّة تبنى على العتقاد ‪ ،‬والسّكران غير معتقدٍ لما يقول ‪.‬‬
‫وذهب أحمد في أظهر الرّوايتين عنه ‪ ،‬والشّافعيّة في المذهب إلى وقوع ردّة السّكران ‪،‬‬
‫ن الصّحابة أقاموا حدّ القذف على السّكران ‪ ،‬وأنّه يقع طلقه ‪ ،‬فتقع ردّته ‪ ،‬وأنّه‬
‫وحجّتهم ‪ :‬أ ّ‬
‫مكلّف ‪ ،‬وأنّ عقله ل يزول كّليّا ‪ ،‬فهو أشبه بالنّاعس منه بالنّائم أو المجنون ‪.‬‬
‫المكره على الرّدّة ‪:‬‬
‫‪ -‬الكراه ‪ :‬اسم لفعلٍ يفعله المرء بغيره ‪ ،‬فينتفي به رضاه ‪ ،‬أو يفسد به اختياره ‪ ،‬من غير‬ ‫‪7‬‬

‫أن تنعدم به أهليّته ‪ ،‬أو يسقط عنه الخطاب ‪.‬‬


‫ع يوجب اللجاء والضطرار طبعا ‪ ،‬كالكراه بالقتل أو القطع أو‬
‫والكراه نوعان ‪ :‬نو ٌ‬
‫الضّرب الّذي يخاف فيه تلف النّفس أو العضو ‪ ،‬قلّ الضّرب أو كثر ‪.‬وهذا النّوع يسمّى‬
‫ع ل يوجب اللجاء والضطرار ‪ ،‬وهو الحبس أو القيد أو الضّرب الّذي ل‬
‫إكراها تامّا ‪ .‬ونو ٌ‬
‫يخاف منه التّلف ‪ ،‬وهذا النّوع من الكراه يسمّى إكراها ناقصا ‪.‬‬
‫‪ -8‬واتّفق الفقهاء على أنّ من أكره على الكفر فأتى بكلمة الكفر ‪ ،‬لم يصر كافرا لقوله تعالى‬
‫شرَحَ بِا ْلكُ ْفرِ‬
‫ط َمئِنّ بِالِيمَانِ وَلَهكِن مّن َ‬
‫ن ُأكْرِ َه َوقَلْبُ ُه ُم ْ‬
‫ل مَ ْ‬
‫‪ { :‬مَن كَ َفرَ بِاللّ ِه مِن َب ْعدِ إيمَانِهِ ِإ ّ‬
‫ن اللّهِ } ‪.‬‬
‫غضَبٌ مّ َ‬
‫صَدْرا َفعََل ْيهِمْ َ‬
‫ن عمّار بن ياسرٍ ‪ -‬رضي ال عنهما ‪ -‬حمله المشركون على ما يكره فجاء‬
‫وما نقل من أ ّ‬
‫إلى النّبيّ صلى ال عليه وسلم فقال له ‪ » :‬إن عادوا فعد « ‪ ،‬وهذا في الكراه التّامّ ‪.‬‬
‫ل على السلم طوعا ‪ ،‬مثل‬
‫‪ -9‬ومن أكره على السلم فأسلم ثمّ ارتدّ قبل أن يوجد منه ما يد ّ‬
‫أن يثبت على السلم بعد زوال الكراه ‪ ،‬فإن كان ممّن ل يجوز إكراههم على السلم ‪-‬‬
‫وهم أهل ال ّذمّة والمستأمنون ‪ -‬فل يعتبر مرتدّا ‪ ،‬ول يجوز قتله ول إجباره على السلم‪،‬‬
‫لعدم صحّة إسلمه ابتدا ًء ‪.‬‬
‫أمّا إن كان من أكره على السلم ممّن يجوز إكراهه وهو الحربيّ والمرتدّ ‪ ،‬فإنّه يعتبر مرتدّا‬
‫برجوعه عن السلم ‪ ،‬ويطبّق عليه أحكام المرتدّين ‪.‬‬
‫ما تقع به الرّدّة ‪:‬‬
‫‪ -‬تنقسم المور الّتي تحصل بها ال ّردّة إلى أربعة أقسامٍ ‪:‬‬ ‫‪10‬‬

‫أ ‪ -‬ردّة في العتقاد ‪.‬‬


‫ب ‪ -‬ردّة في القوال ‪.‬‬
‫ج ‪ -‬ردّة في الفعال ‪.‬‬
‫د ‪ -‬ردّة في التّرك ‪.‬‬
‫ل ‪ ،‬أو فعلٍ ‪ ،‬أو تركٍ ‪.‬‬
‫إلّ أنّ هذه القسام تتداخل ‪ ،‬فمن اعتقد شيئا عبّر عنه بقو ٍ‬
‫ما يوجب الرّدّة من العتقاد ‪:‬‬
‫ن من أشرك باللّه ‪ ،‬أو جحده ‪ ،‬أو نفى صف ًة ثابت ًة من صفاته ‪ ،‬أو‬
‫‪ -‬اتّفق الفقهاء على أ ّ‬ ‫‪11‬‬

‫أثبت للّه الولد فهو مرتدّ كافر ‪.‬‬


‫وكذلك من قال بقدم العالم أو بقائه ‪ ،‬أو شكّ في ذلك ‪.‬‬
‫جهَهُ } ‪.‬‬
‫شيْءٍ هَاِلكٌ إِل َو ْ‬
‫ل َ‬
‫ودليلهم قوله تعالى ‪ { :‬كُ ّ‬
‫وقال ابن دقيق العيد ‪ " :‬لنّ حدوث العالم من قبيل ما اجتمع فيه الجماع والتّواتر ‪ ،‬بالنّقل‬
‫عن صاحب الشّريعة ‪ ،‬فيكفر بسبب مخالفته النّقل المتواتر " ‪.‬‬
‫‪ -‬ويكفر من جحد القرآن كلّه أو بعضه ‪ ،‬ولو كلمةً ‪.‬‬ ‫‪12‬‬
‫وقال البعض ‪ :‬بل يحصل الكفر بجحد حرفٍ واحدٍ ‪ .‬كما يقع الكفر باعتقاد تناقضه واختلفه‪،‬‬
‫شكّ بإعجازه ‪ ،‬والقدرة على مثله ‪ ،‬أو إسقاط حرمته ‪ ،‬أو الزّيادة فيه ‪.‬‬
‫أو ال ّ‬
‫أمّا تفسير القرآن وتأويله ‪ ،‬فل يكفر جاحده ‪ ،‬ول رادّه ‪ ،‬لنّه أمر اجتهاديّ من فعل البشر ‪.‬‬
‫ص ابن قدامة على أنّ استحلل دماء المعصومين وأموالهم ‪ ،‬إن جرى بتأويل القرآن ‪-‬‬
‫وقد ن ّ‬
‫كما فعل الخوارج ‪ -‬لم يكفر صاحبه ‪.‬‬
‫ن الستحلل جرى باجتهادٍ خاطئٍ ‪ ،‬فل يكفر صاحبه ‪.‬‬
‫ل السّبب أ ّ‬
‫ولع ّ‬
‫‪ -‬وكذلك يعتبر مرتدّا من اعتقد كذب النّبيّ صلى ال عليه وسلم في بعض ما جاء به ‪،‬‬ ‫‪13‬‬

‫ومن اعتقد حلّ شي ٍء مجمعٍ على تحريمه ‪ ،‬كالزّنا وشرب الخمر ‪ ،‬أو أنكر أمرا معلوما من‬
‫الدّين بالضّرورة ‪.‬‬
‫ب اللّه تعالى ‪:‬‬
‫حكم س ّ‬
‫‪ -‬اتّفق الفقهاء على أنّ من سبّ اللّه تعالى كفر ‪ ،‬سواء كان مازحا أو جادّا أو مستهزئا ‪.‬‬ ‫‪14‬‬

‫ب قُلْ َأبِاللّهِ وَآيَاتِهِ َو َرسُوِلهِ كُن ُتمْ‬


‫ن ِإ ّنمَا ُكنّا َنخُوضُ َونَ ْلعَ ُ‬
‫سأَلْ َت ُهمْ َليَقُولُ ّ‬
‫وقد قال تعالى ‪ { :‬وََلئِن َ‬
‫ن ‪ ،‬لَ َت ْع َتذِرُو ْا َقدْ كَ َف ْرتُم َب ْعدَ إِيمَا ِن ُكمْ } ‪.‬‬
‫ستَ ْه ِزئُو َ‬
‫َت ْ‬
‫واختلفوا في قبول توبته ‪ :‬فذهب الحنفيّة والحنابلة إلى قبولها ‪ ،‬وهو الرّاجح عند المالكيّة ‪.‬‬
‫ولم نجد للشّافعيّة تفرقةً بين ال ّردّة بذلك وبين ال ّردّة بغيره ‪.‬‬
‫حكم سبّ الرّسول ‪:‬‬
‫ب في عقول‬
‫ب هو الكلم الّذي يقصد به النتقاد والستخفاف ‪ ،‬وهو ما يفهم منه السّ ّ‬
‫‪ -‬السّ ّ‬ ‫‪15‬‬

‫النّاس ‪ ،‬على اختلف اعتقاداتهم ‪ ،‬كاللّعن والتّقبيح ‪.‬‬


‫وحكم سابّه صلى ال عليه وسلم أنّه مرتدّ بل خلفٍ ‪.‬‬
‫ل من ألحق به صلى ال عليه وسلم عيبا أو نقصا ‪ ،‬في‬
‫ويعتبر سابّا له صلى ال عليه وسلم ك ّ‬
‫نفسه ‪ ،‬أو نسبه ‪ ،‬أو دينه ‪ ،‬أو خصل ٍة من خصاله ‪ ،‬أو ازدراه ‪ ،‬أو عرّض به ‪ ،‬أو لعنه‪ ،‬أو‬
‫شتمه ‪ ،‬أو عابه ‪ ،‬أو قذفه ‪ ،‬أو استخفّ به ‪ ،‬ونحو ذلك ‪.‬‬
‫هل يقتل السّابّ ر ّدةً أم حدّا ؟‬
‫– قال الحنفيّة والحنابلة وابن تيميّة ‪ :‬إنّ سابّ النّبيّ صلى ال عليه وسلم يعتبر مرتدّا ‪،‬‬ ‫‪16‬‬

‫كأيّ مرتدّ ‪ ،‬لنّه بدّل دينه فيستتاب ‪ ،‬وتقبل توبته ‪.‬‬


‫ب النّبيّ صلى ال عليه وسلم ردّة وزيادة‪،‬‬
‫أمّا الشّافعيّة ‪ -‬فيما ينقله السّبكيّ ‪ -‬فيرون أنّ س ّ‬
‫ل ‪ ،‬فهو مرتدّ ‪ ،‬وأنّه سبّ النّبيّ صلى ال عليه وسلم فاجتمعت‬
‫ب كفر أ ّو ً‬
‫ن السّا ّ‬
‫وحجّتهم أ ّ‬
‫ن سابّ النّبيّ صلى ال عليه وسلم ل‬
‫على قتله علّتان كلّ منهما توجب قتله وصرّح المالكيّة بأ ّ‬
‫ل أن يكون كافرا فيسلم ‪.‬‬
‫يستتاب إ ّ‬
‫حكم سبّ النبياء عليهم الصلة والسلم ‪:‬‬
‫ب نبيّنا صلى ال عليه‬
‫ل اتّفاقٍ على نبوّتهم ‪ ،‬فمن سبّهم فكأنّما س ّ‬
‫‪ -‬من النبياء من هم مح ّ‬ ‫‪17‬‬

‫وسلم وسابّه كافر ‪ ،‬فكذا كلّ نبيّ مقطوعٍ بنبوّته ‪ ،‬وعلى ذلك اتّفق الفقهاء ‪.‬‬
‫ع بنبوّته ‪ ،‬فمن سبّه زجر ‪ ،‬وأدّب ونكل به ‪ ،‬لكن ل يقتل ‪ ،‬صرّح‬
‫وإن كان نبيّا غير مقطو ٍ‬
‫بهذا الحنفيّة ‪.‬‬
‫حكم سبّ زوجات النّبيّ صلى ال عليه وسلم ‪:‬‬
‫‪ -‬اتّفق الفقهاء على أنّ من قذف عائشة رضي ال عنها ‪ ،‬فقد كذّب صريح القرآن الّذي‬ ‫‪18‬‬

‫ظكُ ُم اللّهُ‬
‫نزل بحقّها ‪ ،‬وهو بذلك كافر قال تعالى في حديث الفك بعد أن برّأها اللّه منه ‪َ { :‬ي ِع ُ‬
‫ن‪.‬‬
‫أَن َتعُودُوا ِل ِمثْلِهِ َأبَدا إِن كُنتُم مّ ْؤ ِمنِينَ } ‪ .‬فمن عاد لذلك فليس بمؤم ٍ‬
‫ن؟‬
‫وهل تعتبر مثلها سائر زوجات النّبيّ صلى ال عليه وسلم ورضي اللّه عنه ّ‬
‫ن مثلها في ذلك ‪ .‬واستدلّ لذلك‬
‫قال الحنفيّة والحنابلة في الصّحيح واختاره ابن تيميّة ‪ :‬إنّه ّ‬
‫طيّبَاتِ‬
‫ن لِل ّ‬
‫ط ّيبُو َ‬
‫ط ّيبِينَ وَال ّ‬
‫خبِيثَاتِ وَالطّ ّيبَاتُ لِل ّ‬
‫خبِيثُونَ لِ ْل َ‬
‫خبِيثِينَ وَا ْل َ‬
‫ت لِ ْل َ‬
‫خبِيثَا ُ‬
‫بقوله تعالى ‪ { :‬ا ْل َ‬
‫ن َلهُم ّمغْ ِفرَةٌ َو ِرزْقٌ َكرِيمٌ } ‪.‬‬
‫ن ِممّا يَقُولُو َ‬
‫أُوَْل ِئكَ ُم َبرّؤُو َ‬
‫والطّعن بهنّ يلزم منه الطّعن بالرّسول والعار عليه ‪ ،‬وذلك ممنوع ‪.‬‬
‫والقول الخر وهو مذهب للشّافعيّة والرّواية الخرى للحنابلة ‪ :‬إنّهنّ ‪ -‬سوى عائشة ‪ -‬كسائر‬
‫الصّحابة ‪ ،‬وسابّهنّ يجلد ‪ ،‬لنّه قاذف ‪.‬‬
‫أمّا سابّ الخلفاء فهو ل يكفر ‪ ،‬وتوبته مقبولة ‪.‬‬
‫حكم من قال لمسلمٍ يا كافر ‪:‬‬
‫‪ -‬عن ابن عمر رضي ال عنهما قال ‪ :‬قال رسول اللّه صلى ال عليه وسلم ‪ » :‬أيّما‬ ‫‪19‬‬

‫امرئٍ قال لخيه ‪ :‬يا كافر ‪ ،‬فقد باء بها أحدهما إن كان كما قال ‪ ،‬وإلّ رجعت عليه «‬
‫وقال الحنفيّة بفسق القائل ‪.‬‬
‫قال السّمرقنديّ ‪ :‬وأمّا التّعزير فيجب في ٍجنايةٍ ليست بموجبةٍ للحدّ ‪ ،‬بأن قال ‪ :‬يا كافر ‪ ،‬أو‬
‫يا فاسق ‪ ،‬أو يا فاجر ‪.‬‬
‫وقال الحنابلة من أطلق الشّارع كفره ‪ ،‬مثل قوله صلى ال عليه وسلم ‪ » :‬من أتى كاهنا أو‬
‫عرّافا فصدّقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على مح ّمدٍ صلى ال عليه وسلم « ‪ .‬فهذا كفر ل‬
‫يخرج عن السلم بل هو تشديد ‪.‬‬
‫وقال الشّافعيّة ‪ :‬من كفّر مسلما ولو لذنبه كفر ‪ ،‬لنّه سمّى السلم كفرا ‪ ،‬ولخبر مسلمٍ ‪:‬‬
‫ل بالكفر أو قال عد ّو اللّه وليس كذلك إلّ حار عليه « ‪ .‬أي رجع عليه هذا إن‬
‫» من دعا رج ً‬
‫ل فل يكفر ‪ ،‬وهذا ما نقله الصل عن المتولّي ‪،‬‬
‫كفّره بل تأويلٍ للكفر بكفر النّعمة أو نحوه وإ ّ‬
‫وأقرّه ‪ ،‬والوجه ما قاله النّوويّ في شرح مسلمٍ أنّ الخبر محمول على المستحلّ فل يكفر‬
‫غيره ‪ ،‬وعليه يحمل قوله في أذكاره أنّ ذلك يحرم تحريما مغلّظا ‪.‬‬
‫ما يوجب الرّدّة من الفعال ‪:‬‬
‫ن فعل ذلك‬
‫‪ -‬اتّفق الفقهاء على أنّ إلقاء المصحف كلّه في محلّ قذرٍ يوجب ال ّردّة ‪ ،‬ل ّ‬ ‫‪20‬‬

‫استخفاف بكلم اللّه تعالى ‪ ،‬فهو أمارة عدم التّصديق ‪.‬‬


‫ل فعلٍ يدلّ على الستخفاف بالقرآن‬
‫وقال الشّافعيّة والمالكيّة ‪ :‬وكذا إلقاء بعضه ‪ .‬وكذا ك ّ‬
‫الكريم ‪.‬‬
‫ن من سجد لصنمٍ ‪ ،‬أو للشّمس ‪ ،‬أو للقمر فقد كفر ‪.‬‬
‫كما اتّفقوا على أ ّ‬
‫ح في الستهزاء بالسلم ‪ ،‬فقد كفر ‪ .‬قال بهذا الحنفيّة ودليلهم قوله‬
‫ل صري ٍ‬
‫ومن أتى بفع ٍ‬
‫س َت ْهزِئُونَ‬
‫ن ِإ ّنمَا ُكنّا َنخُوضُ َونَ ْلعَبُ قُلْ َأبِاللّ ِه وَآيَاتِهِ َو َرسُولِ ِه كُنتُمْ َت ْ‬
‫سأَ ْل َتهُمْ َل َيقُولُ ّ‬
‫تعالى ‪ { :‬وََلئِن َ‬
‫}‪.‬‬
‫الرّدّة لترك الصّلة ‪:‬‬
‫‪ -‬ل خلف في أنّ من ترك الصّلة جاحدا لها يكون مرتدّا ‪ ،‬وكذا الزّكاة والصّوم والحجّ‪،‬‬ ‫‪21‬‬

‫لنّها من المجمع عليه المعلوم من الدّين بالضّرورة ‪.‬‬


‫وأمّا تارك الصّلة كسلً ففي حكمه ثلثة أقوالٍ ‪:‬‬
‫أحدها ‪ :‬يقتل ردّ ًة ‪ ،‬وهي رواية عن أحمد وقول سعيد بن جبيرٍ ‪ ،‬وعامرٍ الشّعبيّ ‪ ،‬وإبراهيم‬
‫النّخعيّ ‪ ،‬وأبي عمرٍو ‪ ،‬والوزاعيّ ‪ ،‬وأيّوب السّختيانيّ ‪ ،‬وعبد اللّه بن المبارك ‪ ،‬وإسحاق‬
‫بن راهويه ‪ ،‬وعبد الملك بن حبيبٍ من المالكيّة ‪ ،‬وهو أحد الوجهين من مذهب الشّافعيّ ‪،‬‬
‫وحكاه الطّحاويّ عن الشّافعيّ نفسه ‪ ،‬وحكاه أبو محمّد بن حزمٍ عن عمر بن الخطّاب ‪ ،‬ومعاذ‬
‫ف ‪ ،‬وأبي هريرة ‪ ،‬وغيرهم من الصّحابة ‪.‬‬
‫بن جبلٍ ‪ ،‬وعبد الرّحمن بن عو ٍ‬
‫والقول الثّاني ‪ :‬يقتل حدّا ل كفرا ‪ ،‬وهو قول مالكٍ والشّافعيّ ‪ ،‬وهي رواية عن أحمد ‪.‬‬
‫ن من ترك الصّلة كسلً يكون فاسقا ويحبس حتّى يصلّي ‪ ،‬وهو المذهب‬
‫والقول الثّالث ‪ :‬أ ّ‬
‫عند الحنفيّة ‪.‬‬
‫جنايات المرتدّ والجناية عليه ‪:‬‬
‫‪ -‬جنايات المرتدّ على غيره ل تخلو ‪ :‬إمّا أن تكون عمدا أو خطأً ‪ ،‬وكلّ منها ‪ ،‬إمّا أن‬ ‫‪22‬‬

‫ن ‪ ،‬أو مرتدّ مثله ‪.‬‬


‫تقع على مسلمٍ ‪ ،‬أو ذ ّميّ ‪ ،‬أو مستأم ٍ‬
‫وهذه الجنايات إمّا أن تكون على النّفس بالقتل ‪ ،‬أو على ما دونها ‪ ،‬كالقطع والجرح ‪ ،‬أو‬
‫على العرض كالزّنى والقذف ‪ ،‬أو على المال كالسّرقة وقطع الطّريق ‪.‬‬
‫وهذه الجنايات قد تقع في بلد السلم ‪ ،‬ث ّم يهرب المرت ّد إلى بلد الحرب ‪ ،‬أو ل يهرب ‪ ،‬أو‬
‫تقع في بلد الحرب ‪ ،‬ثمّ ينتقل المرتدّ إلى بلد السلم ‪ .‬وقد تقع منه هذه كلّها في إسلمه ‪،‬‬
‫أو ردّته ‪ ،‬وقد يستمرّ على ردّته أو يعود مسلما ‪ ،‬وقد تقع منه منفردا ‪ ،‬أو في جماعةٍ ‪ ،‬أو‬
‫أهل بلدٍ ‪.‬‬
‫ومثل هذا يمكن أن يقال في الجناية على المرتدّ ‪.‬‬
‫جناية المرتدّ على النّفس ‪:‬‬
‫‪ -‬إذا قتل مرتدّ مسلما عمدا فعليه القصاص ‪ ،‬اتّفاقا ‪.‬‬ ‫‪23‬‬

‫أمّا إذا قتل المرتدّ ذ ّميّا أو مستأمنا عمدا فيقتل به عند الحنفيّة والحنابلة وهو أظهر قولي‬
‫ل ذبيحته ‪ ،‬ول مناكحته ‪،‬‬
‫الشّافعيّ ‪ ،‬لنّه أسوأ حالً من ال ّذ ّميّ ‪ ،‬إذ المرتدّ مهدر الدّم ول تح ّ‬
‫ول يقرّ بالجزية ‪.‬‬
‫ول يقتل عند المالكيّة وهو القول الخر للشّافعيّ لبقاء علقة السلم ‪ ،‬لنّه ل يق ّر على ردّته‪.‬‬
‫وإذا قتل المرتدّ حرّا مسلما أو ذ ّميّا خطأً وجبت الدّية في ماله ‪ ،‬ول تكون على عاقلته عند‬
‫الحنفيّة والشّافعيّة والحنابلة ‪.‬‬
‫ل دمه‬
‫والدّية يشترط لها عصمة الدّم ل السلم عند الحنفيّة والشّافعيّة والحنابلة ‪ ،‬لنّه قد ح ّ‬
‫وصار بمنزلة أهل الحرب ‪.‬‬
‫ن بيت المال يأخذ أرش الجناية عليه ممّن‬
‫وقال المالكيّة ‪ :‬بأنّ الضّمان على بيت المال ‪ ،‬ل ّ‬
‫جنى فكما يأخذ ماله يغرم عنه ‪ .‬وهذا إن لم يتب ‪ .‬فإن تاب فقيل ‪ :‬في ماله ‪ ،‬وقيل ‪ :‬على‬
‫عاقلته ‪ ،‬وقيل ‪ :‬على المسلمين ‪ ،‬وقيل ‪ :‬على من ارتدّ إليهم ‪.‬‬
‫جناية المرتدّ على ما دون النّفس ‪:‬‬
‫‪ -‬قال المالكيّة ‪ :‬ل فرق في جناية المرتدّ بين ما إذا كانت على النّفس أو على ما دونها‪،‬‬ ‫‪24‬‬

‫ول يقتل المرتدّ بال ّذمّيّ ‪ ،‬وإنّما عليه الدّية في ماله لزيادته على ال ّذ ّميّ بالسلم الحكميّ ‪.‬‬
‫وقال ابن قدامة ‪ :‬يقتل المرتدّ بالمسلم وال ّذ ّميّ ‪ .‬وإن قطع طرفا من أحدهما فعليه القصاص‬
‫فيه أيضا ‪.‬‬
‫ن أحكام‬
‫وقال بعض أصحاب الشّافعيّ ‪ :‬ل يقتل المرتدّ بال ّذ ّميّ ول يقطع طرفه بطرفه ‪ ،‬ل ّ‬
‫السلم في حقّه باقية بدليل وجوب العبادات عليه ومطالبته بالسلم ‪.‬‬
‫قال ابن قدامة ‪ :‬ولنا ‪ :‬أنّه كافر فيقتل بالذّ ّميّ كالصليّ ‪.‬‬
‫وفي مغني المحتاج ‪ :‬الظهر قتل المرتدّ بالذّ ّميّ لستوائهما في الكفر ‪ .‬بل المرتدّ أسوأ حالً‬
‫من ال ّذمّيّ لنّه مهدر الدّم فأولى أن يقتل بال ّذ ّميّ ‪.‬‬
‫زنى المرتدّ ‪:‬‬
‫‪ -‬إذا زنى مرتدّ أو مرتدّة وجب عليه الح ّد ‪ ،‬فإن لم يكن محصنا جلد ‪ .‬وإن كان محصنا‬ ‫‪25‬‬

‫ففي زوال الحصان بردّته خلف ‪ .‬أساسه الخلف في شروط الحصان ‪ ،‬هل من بينها‬
‫السلم أم ل ؟‬
‫قال الحنفيّة والمالكيّة ‪ :‬من ارتدّ بطل إحصانه ‪ ،‬إلّ أن يتوب أو يتزوّج ثانيةً ‪.‬‬
‫ن السلم ليس من‬
‫وقال الشّافعيّة والحنابلة وأبو يوسف ‪ :‬إنّ ال ّردّة ل تؤثّر في الحصان ‪ ،‬ل ّ‬
‫شروط الحصان ‪.‬‬
‫قذف المرتدّ غيره ‪:‬‬
‫ل أن يحصل منه ذلك في دار‬
‫‪ -‬إذا قذف المرتدّ غيره ‪ ،‬وجب عليه الحدّ بشروطه ‪ ،‬إ ّ‬ ‫‪26‬‬

‫الحرب ‪ ،‬حيث ل سلطة للمسلمين ‪.‬‬


‫والقضيّة مبنيّة على شرائط القذف ‪ ،‬وليس من بينها إسلم القاذف ‪.‬‬
‫إتلف المرتدّ المال ‪:‬‬
‫‪ -‬إذا اعتدى مرتدّ على مال غيره ‪ -‬في بلد السلم ‪ -‬فهو ضامن بل خلفٍ ‪ ،‬لنّ‬ ‫‪27‬‬

‫ال ّردّة جناية ‪ ،‬وهي ل تمنح صاحبها حقّ العتداء ‪.‬‬


‫السّرقة وقطع الطّريق ‪:‬‬
‫‪ -‬إذا سرق المرتدّ مالً ‪ ،‬أو قطع الطّريق ‪ ،‬فهو كغيره مؤاخذ بذلك ‪ ،‬لنّه ليس من‬ ‫‪28‬‬

‫شرائط السّرقة أو قطع الطّريق السلم ‪ .‬لذا فالمسلم والمرتدّ في ذلك سواء ‪.‬‬
‫مسئوليّة المرتدّ عن جناياته قبل الرّدّة ‪:‬‬
‫‪ -‬إذا جنى مسلم على غيره ‪ ،‬ث ّم ارتدّ الجاني يكون مؤاخذا بكلّ ما فعل سواء استمرّ على‬ ‫‪29‬‬

‫ردّته أو تاب عنها ‪.‬‬


‫الرتداد الجماعيّ ‪:‬‬
‫‪ -‬المقصود بالرتداد الجماعيّ ‪ :‬هو أن تفارق السلمَ جماعةٌ من أهله ‪ ،‬أو أهل بلدٍ ‪ .‬كما‬ ‫‪30‬‬

‫حدث على عهد الخليفة الرّاشد أبي بكرٍ رضي ال عنه ‪ .‬فإن حصل ذلك ‪ ،‬فقد اتّفق الفقهاء‬
‫على وجوب قتالهم مستدلّين بما فعله أبو بكرٍ بأهل ال ّردّة ‪.‬‬
‫ثمّ اختلفوا بمصير دارهم على قولين ‪:‬‬
‫الوّل للجمهور " المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة وأبي يوسف ومح ّمدٍ من الحنفيّة " ‪ :‬إذا أظهروا‬
‫ن البقعة إنّما تنسب إلينا ‪ ،‬أو إليهم‬
‫أحكام الشّرك فيها ‪ ،‬فقد صارت دارهم دار حربٍ ‪ ،‬ل ّ‬
‫ل موضعٍ كان‬
‫باعتبار القوّة والغلبة ‪ .‬فكلّ موضعٍ ظهر فيه أحكام الشّرك فهو دار حربٍ ‪ ،‬وك ّ‬
‫الظّاهر فيه أحكام السلم ‪ ،‬فهو دار إسلمٍ ‪.‬‬
‫وعند أبي حنيفة رضي ال عنه إنّما تصير دار المرتدّين دار حربٍ بثلث شرائط ‪:‬‬
‫ل ‪ :‬أن تكون متاخم ًة أرض الشّرك ‪ ،‬ليس بينها وبين أرض الحرب دار للمسلمين ‪.‬‬
‫أ ّو ً‬
‫ثانيا ‪ :‬أن ل يبقى فيها مسلم آمن بإيمانه ‪ ،‬ول ذ ّميّ آمن بأمانه ‪.‬‬
‫ثالثا ‪ :‬أن يظهروا أحكام الشّرك فيها ‪.‬‬
‫فأبو حنيفة يعتبر تمام القهر والقوّة ‪ ،‬لنّ هذه البلدة كانت من دار السلم ‪ ،‬محرزة للمسلمين‬
‫ل بتمام القهر من المشركين ‪ ،‬وذلك باستجماع الشّرائط الثّلث ‪.‬‬
‫فل يبطل ذلك الحراز ‪ ،‬إ ّ‬
‫الجناية على المرتدّ ‪:‬‬
‫‪ -‬اتّفق الفقهاء على أنّه إذا ارتدّ مسلم فقد أهدر دمه ‪ ،‬لكن قتله للمام أو نائبه ‪ ،‬ومن قتله‬ ‫‪31‬‬

‫ن إقامة الحدّ له ‪.‬‬


‫من المسلمين عزّر فقط ‪ ،‬لنّه افتات على حقّ المام ‪ ،‬ل ّ‬
‫وأمّا إذا قتله ذمّ يّ ‪ ،‬فذهب الجمهور " الحنفيّة والمالكيّة والحنابلة والشّافعيّة في الظهر " إلى‬
‫ص من ال ّذمّيّ ‪.‬‬
‫أنّه ل يقت ّ‬
‫وذهب الشّافعيّة في القول الخر إلى أنّه يقتصّ من ال ّذ ّميّ ‪.‬‬
‫الجناية على المرتدّ فيما دون النّفس ‪:‬‬
‫‪ -‬اتّفق الفقهاء على أنّ الجناية على المرتدّ هدر ‪ ،‬لنّه ل عصمة له ‪.‬‬ ‫‪32‬‬

‫أمّا إذا وقعت الجناية على مسلمٍ ثمّ ارت ّد فسرت ومات منها ‪ ،‬أو وقعت على مرتدّ ثمّ أسلم‬
‫فسرت ومات منها ففيها أقوال تنظر في باب " القصاص " من كتب الفقه ‪.‬‬
‫قذف المرتدّ ‪:‬‬
‫ن من شروط وجوب حدّ‬
‫‪ -‬اتّفق الفقهاء على عدم وجوب الحدّ على قاذف المرتدّ ‪ ،‬ل ّ‬ ‫‪33‬‬

‫القذف ‪ :‬أن يكون المقذوف مسلما ‪.‬‬


‫والتّفصيل في مصطلح ‪ ( :‬قذف )‬
‫ثبوت الرّدّة ‪:‬‬
‫‪ -‬تثبت الرّدّة بالقرار أو بالشّهادة ‪.‬‬ ‫‪34‬‬

‫وتثبت ال ّردّة عن طريق الشّهادة ‪ ،‬بشرطين ‪:‬‬


‫أ ‪ -‬شرط العدد ‪:‬‬
‫ل الحسن ‪ ،‬فإنّه‬
‫اتّفق الفقهاء على الكتفاء بشاهدين في ثبوت الرّدّة ‪ ،‬ولم يخالف في ذلك إ ّ‬
‫اشترط شهادة أربعةٍ ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬تفصيل الشّهادة ‪:‬‬
‫يجب التّفصيل في الشّهادة على ال ّردّة بأن يبيّن الشّهود وجه كفره ‪ ،‬نظرا للخلف في‬
‫موجباتها ‪ ،‬وحفاظا على الرواح ‪.‬‬
‫والتّفصيل في مصطلح ‪ ( :‬إثبات ‪ ،‬وشهادة ) ‪.‬‬
‫ل قتل ‪.‬‬
‫وإذا ثبتت ال ّردّة بالقرار وبالشّهادة فإنّه يستتاب ‪ ،‬فإن تاب وإ ّ‬
‫وإن أنكر المرتدّ ما شهد به عليه اعتبر إنكاره توبةً ورجوعا عند الحنفيّة فيمتنع القتل في حقّه‬
‫‪.‬‬
‫وعند الجمهور ‪ :‬يحكم عليه بالشّهادة ول ينفعه إنكاره ‪ ،‬بل يلزمه أن يأتي بما يصير به‬
‫الكافر مسلما ‪.‬‬
‫استتابة المرتدّ ‪:‬‬
‫حكمها ‪:‬‬
‫‪ -‬ذهب أبو حنيفة والشّافعيّ ‪ -‬في قولٍ ‪ -‬وأحمد في رواي ٍة والحسن البصريّ إلى أنّ‬ ‫‪35‬‬

‫ب المهال ‪ ،‬إن طلب المرتدّ ذلك ‪ ،‬فيمهل‬


‫استتابة المرتدّ غير واجب ٍة ‪ .‬بل مستحبّة كما يستح ّ‬
‫ثلثة أيّامٍ ‪.‬‬
‫وعند مالكٍ تجب الستتابة ويمهل ثلثة أيّامٍ ‪ .‬وهو المذهب عند الحنابلة ‪ ،‬وعند الشّافعيّ في‬
‫أظهر القوال يجب الستتابة وتكون في الحال فل يمهل ‪.‬‬
‫وثبتت الستتابة بما ورد » أنّ امرأ ًة يقال لها أمّ رومان ارتدّت فأمر النّبيّ صلى ال عليه‬
‫ل قتلت « ‪.‬‬
‫وسلم أن يعرض عليها السلم فإن تابت وإ ّ‬
‫ولثرٍ عن عمر رضي ال عنه أنّه استتاب المرتدّ ثلثا ‪.‬‬
‫كيفيّة توبة المرتدّ ‪:‬‬
‫‪ -‬قال الحنفيّة ‪ :‬توية المرتدّ أن يتبرّأ عن الديان سوى السلم ‪ ،‬أو عمّا انتقل إليه بعد‬ ‫‪36‬‬

‫نطقه بالشّهادتين ‪ ،‬ولو أتى بالشّهادتين على وجه العادة أو بدون التّبرّي لم ينفعه ما لم يرجع‬
‫عمّا قال إذ ل يرتفع بهما كفره ‪.‬‬
‫قالوا ‪ :‬إن شهد الشّاهدان على مسل ٍم بال ّردّة وهو منكر ل يتعرّض له ل لتكذيب الشّهود ‪ ،‬بل‬
‫ن إنكاره توبة ورجوع ‪ ،‬فيمتنع القتل فقط وتثبت بقيّة أحكام ال ّردّة ‪.‬‬
‫لّ‬
‫قال ابن عابدين ‪ :‬ويحتمل أن يكون النكار مع القرار بالشّهادتين ‪.‬‬
‫وإذا نطق المرتدّ بالشّهادتين ‪ :‬صحّت توبته عند الحنفيّة ‪ ،‬والشّافعيّة ‪ ،‬والحنابلة ‪ ،‬لقوله عليه‬
‫الصلة والسلم ‪ » :‬أمرت أن أقاتل النّاس حتّى يقولوا ‪ :‬ل إله إلّ اللّه ‪ ،‬فمن قال ‪ :‬ل إله إلّ‬
‫اللّه عصم منّي ماله ونفسه إلّ بحقّه وحسابه على اللّه « ‪ .‬متّفق عليه ‪.‬‬
‫ن الشّهادة يثبت بها إسلم الكافر الصليّ فكذا المرتدّ ‪.‬‬
‫وحيث إ ّ‬
‫ح توبته ‪.‬‬
‫فإذا ادّعى المرتدّ السلم ‪ ،‬ورفض النّطق بالشّهادتين ‪ ،‬ل تص ّ‬
‫وصرّح الحنابلة بأنّ المرتدّ إن مات ‪ ،‬فأقام وارثه بيّن ًة أنّه صلّى بعد ال ّردّة ‪ :‬حكم بإسلمه ‪.‬‬
‫ويؤخذ من ذلك أنّه تحصل توبة المرتدّ بصلته ‪.‬‬
‫وقال الشّافعيّة والحنابلة ‪ :‬ل بدّ في إسلم المرت ّد من الشّهادتين فإن كان كفره لنكار شيءٍ‬
‫آخر ‪ ،‬كمن خصّص رسالة مح ّمدٍ بالعرب أو جحد فرضا أو تحريما فيلزمه مع الشّهادتين‬
‫القرار بما أنكر ‪.‬‬
‫قال الحنابلة ‪ :‬ولو صلّى المرتدّ حكم بإسلمه إلّ أن تكون ردّته بجحد فريضةٍ ‪ ،‬أو كتابٍ ‪،‬‬
‫أو نبيّ ‪ ،‬أو ملكٍ ‪ ،‬أو نحو ذلك من البدع المكفّرة الّتي ينتسب أهلها إلى السلم ‪ ،‬فإنّه ل‬
‫يحكم بإسلمه بمجرّد صلته ‪ ،‬لنّه يعتقد وجوب الصّلة ويفعلها مع كفره ‪ .‬وأمّا لو زكّى أو‬
‫صام فل يكفي ذلك للحكم بإسلمه ‪ ،‬لنّ الكفّار يتصدّقون ‪ ،‬والصّوم أمر باطن ل يعلم ‪.‬‬
‫واختلف الفقهاء في قبول توبة الزّنديق ‪ ،‬وتوبة من تكرّرت ردّته ‪ ،‬وتوبة السّاحر على أقوالٍ‬
‫ينظر تفصيلها في مصطلح ‪ ( :‬توبة ) ‪.‬‬
‫توبة سابّ اللّه تعالى أو رسوله صلى ال عليه وسلم ‪:‬‬
‫ب اللّه تعالى ‪ .‬وكذا الحنابلة ‪ ،‬مع ضرورة تأديب السّابّ‬
‫‪ -‬قال الحنفيّة بقبول توبة سا ّ‬ ‫‪37‬‬

‫وعدم تكرّر ذلك منه ثلثا ‪.‬‬


‫وفي المذهب المالكيّ خلف ‪ ،‬الرّاجح عندهم قبول توبته ‪ ،‬وهو رأي ابن تيميّة ‪.‬‬
‫أمّا سابّ رسول اللّه صلى ال عليه وسلم فقد ذهب الحنفيّة ‪ ،‬والحنابلة إلى قبول توبته ‪ .‬وقال‬
‫ح ‪ ،‬وقال أبو بكرٍ الفارسيّ‪ :‬يقتل‬
‫الشّافعيّة ‪ :‬تقبل توبة قاذفه صلى ال عليه وسلم على الص ّ‬
‫ن الرّدّة ارتفعت بإسلمه‬
‫حدّا ول يسقط بالتّوبة ‪ ،‬وقال الصّيدلنيّ ‪ :‬يجلد ثمانين جلدةً ‪ ،‬ل ّ‬
‫وبقي جلده ‪.‬‬
‫ل عند الحنابلة ‪ :‬ل تقبل توبته ‪.‬‬
‫وفي قو ٍ‬
‫وقال المالكيّة ‪ :‬من شتم نبيّا مجمعا على نبوّته بقرآنٍ أو نحوه فإنّه يقتل ول تقبل توبته ‪ ،‬لنّ‬
‫ن قتله حينئذٍ لجل ازدرائه‬
‫كفره يشبه كفر الزّنديق ‪ ،‬ويقتل حدّا ل كفرا إن قتل بعد توبته ل ّ‬
‫ل لجل كفره ‪.‬‬
‫توبة من تكرّرت ردّته ‪:‬‬
‫‪ -‬من تكرّرت ردّته وتوبته قال الحناف والشّافعيّة ‪ :‬تقبل توبته ‪ .‬لقوله تعالى ‪ { :‬قُل‬ ‫‪38‬‬

‫لِّلذِينَ كَ َفرُو ْا إِن يَن َتهُواْ ُيغَ َف ْر َلهُم مّا َقدْ سَلَفَ } وقول النّبيّ صلى ال عليه وسلم ‪ » :‬أمرت أن‬
‫ن محمّدا رسول اللّه ‪ ،‬ويقيموا الصّلة ويؤتوا‬
‫أقاتل النّاس حتّى يشهدوا أن إله إلّ اللّه وأ ّ‬
‫ل بحقّ السلم وحسابهم على اللّه وفي‬
‫الزّكاة ‪،‬فإذا فعلوا ذلك عصموا منّي دماءهم وأموالهم إ ّ‬
‫قولٍ عند الحنفيّة ورواية عند الحنابلة ‪ :‬توبة من تكرّرت ردّته ل تقبل ‪.‬‬
‫ن آ َمنُو ْا ُثمّ كَ َفرُو ْا ُثمّ آ َمنُو ْا ُثمّ كَ َفرُواْ ُثمّ ا ْزدَادُو ْا كُفْرا ّلمْ َيكُنِ‬
‫وحجّتهم قوله تعالى ‪ِ { :‬إنّ اّلذِي َ‬
‫ن تكرار ال ّردّة ‪ ،‬دليل على فساد العقيدة ‪ ،‬وقلّة المبالة‬
‫سبِيلً } ول ّ‬
‫ل ِل َي ْه ِديَ ُهمْ َ‬
‫اللّ ُه ِل َيغْ ِفرَ َل ُهمْ َو َ‬
‫‪.‬‬
‫توبة السّاحر ‪:‬‬
‫‪ -‬قال الحنفيّة والشّافعيّة ‪ :‬بعدم قبول توبة السّاحر ‪ ،‬وعن أحمد روايتان ‪.‬‬ ‫‪39‬‬

‫وانظر مصطلحي ‪ ( :‬توبة ‪ ،‬وسحر ) ‪.‬‬


‫قتل المرتدّ ‪:‬‬
‫‪ -‬إذا ارتدّ مسلم ‪ ،‬وكان مستوفيا لشرائط ال ّردّة ‪ ،‬أهدر دمه ‪ ،‬وقتله للمام أو نائبه بعد‬ ‫‪40‬‬

‫الستتابة ‪ .‬فلو قتل قبل الستتابة فقاتله مسيء ‪ ،‬ول يجب بقتله شيء غير التّعزير ‪ ،‬إلّ أن‬
‫يكون رسولً للكفّار فل يقتل ‪ ،‬لنّ النّبيّ صلى ال عليه وسلم لم يقتل رسل مسيلمة ‪.‬‬
‫فإذا قتل المرتدّ على ردّته ‪ ،‬فل يغسّل ‪ ،‬ول يصلّى عليه ‪ ،‬ول يدفن مع المسلمين ‪.‬‬
‫ودليل قتل المرتدّ قول النّبيّ صلى ال عليه وسلم ‪ » :‬من بدّل دينه فاقتلوه « وحديث ‪ » :‬ل‬
‫ث ‪ :‬النّفس‬
‫ل بإحدى ثل ٍ‬
‫يحلّ دم امرئٍ مسلمٍ يشهد أن ل إله إلّ اللّه وأنّي رسول اللّه إ ّ‬
‫بالنّفس ‪ ،‬وال ّثيّب الزّاني والتّارك لدينه المفارق للجماعة « ‪.‬‬
‫أمّا المرتدّة فهي عند جمهور الفقهاء كالمرتدّ ‪ ،‬لعموم قوله صلى ال عليه وسلم ‪ » :‬من بدّل‬
‫ن امرأةً يقال لها أمّ رومان ارتدّت فأمر النّبيّ صلى ال‬
‫دينه فاقتلوه « ‪ ،‬ولما روى جابر » أ ّ‬
‫عليه وسلم أن يعرض عليها السلم فإن تابت وإلّ قتلت « ‪.‬‬
‫ن المرتدّة ل تق تل ‪ ،‬بل تح بس حتّى تتوب أو تموت ‪ ،‬لن هي النّبيّ صلى‬
‫وذ هب الحنفيّة إلى أ ّ‬
‫ال عليه وسلم عن قتل الكافرة الّتي ل تقاتل أو تحرّض على القتال ‪ ،‬فتقاس المرتدّة عليهما‪.‬‬
‫أثر الرّدّة على مال المرت ّد وتصرّفاته ‪:‬‬
‫ديون المرتدّ ‪:‬‬
‫ن المرتدّ إذا مات أو قتل على ردّته ابتدئ من‬
‫‪ -‬ذهب الحنفيّة والشّافعيّة والحنابلة إلى أ ّ‬ ‫‪41‬‬

‫تركته بتسديد ديونه ‪.‬‬


‫لكن هل يسدّد من كسبه في السلم ؟ أم من كسبه في ال ّردّة ؟ أم منهما معا ؟‬
‫اختلف الحنفيّة في ذلك بنا ًء على اختلفهم في مصير أموال المرتدّ وتصرّفاته ‪ ،‬وفي ذلك‬
‫يقول السّرخسيّ ‪ :‬اختلفت الرّوايات في قضاء ديونه ‪ ،‬فروى أبو يوسف عن أبي حنيفة‬
‫رضي ال عنه أن تقضى ديونه من كسب ال ّردّة ‪ ،‬فإن لم يف بذلك فحينئذٍ من كسب السلم‪،‬‬
‫ن كسب السلم حقّ ورثته ‪ ،‬ول حقّ لورثته في كسب ردّته ‪ ،‬بل هو خالص حقّه‪ ،‬فلهذا‬
‫لّ‬
‫كان فيئا إذا قتل ‪ ،‬فكان وفاء الدّين من خالص حقّه أولى ‪ ،‬وروى الحسن عن أبي حنيفة أنّه‬
‫يبدأ بكسب السلم في قضاء ديونه ‪ ،‬فإن لم تف بذلك فحينئ ٍذ من كسب الرّدّة‪ ،‬لنّ قضاء‬
‫ل إذا‬
‫الدّين من ملك المديون ‪ .‬فأمّا كسب ال ّردّة لم يكن مملوكا له ‪ ،‬فل يقضى دينه منه‪ ،‬إ ّ‬
‫تعذّر قضاؤه من محلّ آخر ‪.‬‬
‫وروى زفر عن أبي حنيفة أنّ ديون إسلمه تقضى من كسب السلم ‪ ،‬وما استدان في ال ّردّة‬
‫ن المستحقّ للكسبين مختلف ‪ ،‬وحصول كلّ واح ٍد من الكسبين‬
‫يقضى من كسب الرّدّة ‪ ،‬ل ّ‬
‫ن من الكسب المكتسب في تلك الحالة ‪،‬‬
‫باعتبار السّبب الّذي وجب به الدّين ‪ ،‬فيقضى كلّ دي ٍ‬
‫ليكون الغرم بمقابلة الغنم ‪ ،‬وبه قال زفر وإن لم يكن له مال اكتسبه في ردّته ‪ ،‬كان ذلك كلّه‬
‫فيه ‪ ،‬لنّه كسبه فيكون مصروفا إلى دينه ‪ ،‬ككسب المكاتب ‪.‬‬
‫‪ -‬وإذا أقرّ المرتدّ بدينٍ عليه فأبو حنيفة يقول ‪ :‬إن أسلم جاز ‪ ،‬أمّا إن قتل على ردّته ‪ ،‬فل‬ ‫‪42‬‬

‫يجوز إقراره إلّ على ما اكتسبه بعد ردّته ‪.‬‬


‫أمّا أبو يوسف فيرى أنّ إقراره كلّه جائز إن قتل مرتدّا ‪ ،‬أو تاب ‪ ،‬وعند محمّدٍ إن قتل على‬
‫ل بدين السلم ‪ ،‬فإن بقي شيء‬
‫ن إقراره بمنزلة إقرار المريض ‪ ،‬يبتدأ أ ّو ً‬
‫ردّته أو مات ‪ ،‬فإ ّ‬
‫كان لصحاب ديون ال ّردّة ‪ ،‬لنّ المرتدّ إذا أهدر دمه صار بمنزلة المريض ‪.‬‬
‫وذهب الشّافعيّ إلى اعتبار إقرار المرتدّ عمّا قبل الرّدّة وخللها ‪ ،‬ما لم يوقف تصرّفه ‪ ،‬فقد‬
‫ل ما أقرّ به قبل الرّدّة لحدٍ ‪ ،‬قال ‪ :‬وإن لم يعرف الدّين ببيّن ٍة تقوم ‪،‬‬
‫قال الشّافعيّ ‪ :‬وكذلك ك ّ‬
‫ول بإقرا ٍر منه متق ّدمٍ لل ّردّة ‪ ،‬ولم يعرف إلّ بإقرارٍ منه في الرّدّة فإقراره جائز عليه وما دان‬
‫في ال ّردّة ‪ ،‬قبل وقف ماله لزمه ‪ ،‬وما دان بعد وقف ماله ‪ ،‬فإن كان من بي ٍع ردّ البيع ‪ ،‬وإن‬
‫كان من سلفٍ وقف ‪ ،‬فإن مات على الرّدّة بطل ‪ ،‬وإن رجع إلى السلم لزمه ‪.‬‬
‫أموال المرتدّ وتصرّفاته ‪:‬‬
‫‪ -‬ذهب المالكيّة والحنابلة ‪ -‬غير أبي بكرٍ‪ -‬والشّافعيّة في الظهر ‪ ،‬وأبو حنيفة إلى أنّ‬ ‫‪43‬‬

‫ملك المرت ّد ل يزول عن ماله بمجرّد ردّته ‪ ،‬وإنّما هو موقوف على ماله فإن مات أو قتل‬
‫على ال ّردّة زال ملكه وصار فيئا ‪ ،‬وإن عاد إلى السلم عاد إليه ماله ‪ ،‬لنّ زوال العصمة ل‬
‫يلزم منه زوال الملك ‪ ،‬ولحتمال العود إلى السلم ‪.‬‬
‫وبنا ًء على ذلك يحجر عليه ويمنع من التّصرّف ‪ ،‬ولو تصرّف تكون تصرّفاته موقوف ًة فإن‬
‫أسلم جاز تصرّفه ‪ ،‬وإن قتل أو مات بطل تصرّفه وهذا عند المالكيّة والحنابلة وأبي حنيفة ‪.‬‬
‫وفصّل الشّافعيّة فقالوا ‪ :‬إن تصرّف تصرّفا يقبل التّعليق كالعتق والتّدبير والوصيّة كان‬
‫تصرّفه موقوفا إلى أن يتبيّن حاله ‪ ،‬أمّا التّصرّفات الّتي تكون منجّزةً ول تقبل التّعليق كالبيع‬
‫والهبة والرّهن فهي باطلة بناءً على بطلن وقف العقود ‪ ،‬وهذا في الجديد ‪ ،‬وفي القديم تكون‬
‫موقوف ًة أيضا كغيرها ‪.‬‬
‫ن الملك كان ثابتا‬
‫وقال أبو يوسف ومحمّد وهو قول عند الشّافعيّة ‪ :‬ل يزول ملكه بردّته ‪ ،‬ل ّ‬
‫له حالة السلم لوجود سبب الملك وأهليّته وهي الح ّريّة ‪ ،‬والكفر ل ينافي الملك كالكافر‬
‫الصليّ ‪ ،‬وبناءً على هذا تكون تصرّفاته جائز ًة كما تجوز من المسلم حتّى لو أعتق ‪ ،‬أو‬
‫ن أبا يوسف قال ‪ :‬يجوز‬
‫دبّر‪ ،‬أو كاتب ‪ ،‬أو باع ‪ ،‬أو اشترى ‪ ،‬أو وهب نفذ ذلك كلّه ‪ ،‬إلّ أ ّ‬
‫تصرّفه تصرّف الصّحيح ‪ ،‬أمّا محمّد فقال ‪ :‬يجوز تصرّفه تصرّف المريض مرض الموت ‪،‬‬
‫ن المرتدّ مشرف على التّلف ‪ ،‬لنّه يقتل فأشبه المريض مرض الموت ‪.‬‬
‫لّ‬
‫ن استيلد المرتدّ وطلقه وتسليمه الشّفعة صحيح ونافذ ‪ ،‬لنّ‬
‫وقد أجمع فقهاء الحنفيّة على أ ّ‬
‫ال ّردّة ل تؤثّر في ذلك ‪.‬‬
‫والقول الثّالث ‪ :‬عند الشّافعيّة ‪ -‬وصحّحه أبو إسحاق الشّيرازيّ ‪ -‬وهو قول أبي بك ٍر من‬
‫الحنابلة أنّ ملكه يزول بردّته لزوال العصمة بردّته فما له أولى ‪ ،‬ولما روى طارق بن شهابٍ‬
‫صدّيق قال لوفد بزاخّة وغطفان ‪ :‬نغنم ما أصبنا منكم وتردّون إلينا ما أصبتم منّا‬
‫ن أبا بكرٍ ال ّ‬
‫أّ‬
‫ن المسلمين ملكوا دمه بال ّردّة فوجب أن يملكوا ماله ‪.‬‬
‫‪ ،‬ول ّ‬
‫وعلى هذا فل تصرّف له أصلً لنّه ل ملك له ‪.‬‬
‫وما سبق إنّما هو بالنّسبة للمرتدّ الذّكر باتّفاق الفقهاء وهو كذلك بالنّسبة للمرتدّة النثى عند‬
‫المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة ‪.‬‬
‫وعند الحنفيّة ل يزول ملك المرتدّة النثى عن أموالها بل خلفٍ عندهم فتجوز تصرّفاتها ‪،‬‬
‫لنّها ل تقتل فلم تكن ردّتها سببا لزوال ملكها عن أموالها ‪.‬‬
‫أثر الرّدّة على الزّواج ‪:‬‬
‫‪ -‬اتّفق الفقهاء على أنّه إذا ارتدّ أحد الزّوجين حيل بينهما فل يقربها بخلو ٍة ول جماعٍ ول‬ ‫‪44‬‬

‫نحوهما ‪.‬‬
‫ثمّ قال الحنفيّة ‪ :‬إذا ارتدّ أحد الزّوجين المسلمين بانت منه امرأته مسلمةً كانت أو كتابيّةً ‪،‬‬
‫دخل بها أو لم يدخل ‪ ،‬لنّ ال ّردّة تنافي النّكاح ويكون ذلك فسخا عاجلً ل طلقا ول يتوقّف‬
‫على قضاءٍ ‪.‬‬
‫ثمّ إن كانت ال ّردّة قبل الدّخول وكان المرتدّ هو الزّوج فلها نصف المسمّى أو المتعة ‪ ،‬وإن‬
‫كانت هي المرتدّة فل شيء لها ‪.‬‬
‫وإن كان بعد الدّخول فلها المهر كلّه سواء كان المرتدّ الزّوج أو الزّوجة ‪.‬‬
‫وقال المالكيّة في المشهور ‪ :‬إذا ارتدّ أحد الزّوجين المسلمين كان ذلك طلقةً بائن ًة ‪ ،‬فإن رجع‬
‫إلى السلم لم ترجع له إلّ بعقدٍ جديدٍ ‪ ،‬ما لم تقصد المرأة بردّتها فسخ النّكاح ‪ ،‬فل ينفسخ ‪،‬‬
‫معاملةً لها بنقيض قصدها ‪ .‬وقيل ‪ :‬إنّ ال ّردّة فسخ بغير طلقٍ ‪.‬‬
‫وقال الشّافعيّة ‪ :‬إذا ارتدّ أحد الزّوجين المسلمين فل تقع الفرقة بينهما حتّى تمضي عدّة‬
‫الزّوجة قبل أن يتوب ويرجع إلى السلم ‪ ،‬فإذا انقضت بانت منه ‪ ،‬وبينونتها منه فسخ ل‬
‫طلق ‪ ،‬وإن عاد إلى السلم قبل انقضائها فهي امرأته ‪.‬‬
‫وقال الحنابلة ‪ :‬إذا ارتدّ أحد الزّوجين قبل الدّخول انفسخ النّكاح فورا وتنصّف مهرها إن كان‬
‫الزّوج هو المرتدّ ‪ ،‬وسقط مهرها إن كانت هي المرتدّة ‪.‬‬
‫ولو كانت الرّدّة بعد الدّخول ففي رواي ٍة تنجّز الفرقة ‪ .‬وفي أخرى تتوقّف الفرقة على انقضاء‬
‫العدّة ‪.‬‬
‫حكم زواج المرتدّ بعد الرّدّة ‪:‬‬
‫‪ -‬اتّفق الفقهاء على أنّ المسلم إذا ارتدّ ثمّ تزوّج فل يصحّ زواجه ‪ ،‬لنّه ل ملّة له ‪ ،‬فليس‬ ‫‪45‬‬

‫له أن يتزوّج مسلم ًة ‪ ،‬ول كافرةً ‪ ،‬ول مرتدّةً ‪.‬‬


‫مصير أولد المرتدّ ‪:‬‬
‫‪ -‬من حمل به في السلم فهو مسلم ‪ ،‬وكذا من حمل به في حال ردّة أحد أبويه والخر‬ ‫‪46‬‬

‫مسلم ‪ ،‬قال بذلك الحنفيّة والشّافعيّة ‪ ،‬لنّ بداية الحمل كان لمسلمين في دار السلم ‪ ،‬وإن‬
‫ولد خلل ال ّردّة ‪.‬‬
‫لكن من كان حمله خلل ردّة أبويه كليهما ‪ ،‬ففيه خلف ‪ ،‬فذهب الحنفيّة والمالكيّة ‪ ،‬وهو‬
‫المذهب عند الحنابلة والظهر عند الشّافعيّة ‪ ،‬إلى أنّه يكون مرتدّا تبعا لبويه فيستتاب إذا بلغ‬
‫‪.‬‬
‫ل للشّافعيّة أنّه يقرّ على دينه بالجزية كالكافر الصليّ ‪ ،‬واستثنى‬
‫وفي رواي ٍة للحنابلة وقو ٍ‬
‫الشّافعيّة ما لو كان في أصول أبويه مسلم فإنّه يكون مسلما تبعا له ‪ ،‬واستثنى المالكيّة أيضا‬
‫ما لو أدرك ولد المرتدّ قبل البلوغ فإنّه يجبر على السلم ‪.‬‬
‫إرث المرتدّ ‪:‬‬
‫‪ -‬اختلف الفقهاء في مال المرتدّ إذا قتل ‪ ،‬أو مات على ال ّردّة على ثلثة أقوالٍ ‪:‬‬ ‫‪47‬‬

‫أ ‪ -‬أنّ جميع ماله يكون فيئا لبيت المال ‪ ،‬وهذا قول مالكٍ ‪ ،‬والشّافعيّ وأحمد ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬أنّه يكون ماله لورثته من المسلمين ‪ ،‬سواء اكتسبه في إسلمه أو ردّته ‪ ،‬وهذا قول أبي‬
‫يوسف ومح ّمدٍ ‪.‬‬
‫ج ‪ -‬أنّ ما اكتسبه في حال إسلمه لورثته من المسلمين ‪ ،‬وما اكتسبه في حال ردّته لبيت‬
‫المال ‪ ،‬وهذا قول أبي حنيفة ‪.‬‬
‫ن المرتدّ ل يرث أحدا من أقاربه المسلمين لنقطاع الصّلة بال ّردّة ‪.‬‬
‫ول خلف بينهم في أ ّ‬
‫كما ل يرث كافرا ‪ ،‬لنّه ل يقرّ على الدّين الّذي صار إليه ‪ .‬ول يرث مرتدّ مثله ‪.‬‬
‫ووصيّة المرتدّ باطلة لنّها من القرب وهي تبطل بال ّردّة ‪.‬‬
‫أثر الرّدّة في إحباط العمل ‪:‬‬
‫عمَاُلهُمْ فِي‬
‫ح ِبطَتْ َأ ْ‬
‫‪ -‬قال تعالى ‪َ { :‬ومَن يَ ْر َت ِددْ مِن ُكمْ عَن دِينِ ِه فَ َيمُتْ وَهُ َو كَافِرٌ َفأُوْلَه ِئكَ َ‬ ‫‪48‬‬

‫صحَابُ النّارِ ُهمْ فِيهَا خَاِلدُونَ } ‪.‬‬


‫خرَةِ وَأُوْلَه ِئكَ َأ ْ‬
‫ال ّد ْنيَا وَال ِ‬
‫قال اللوسيّ تبعا للرّازيّ ‪ :‬إنّ معنى الحبوط هو الفساد ‪.‬‬
‫ل ليس فيه فائدة ‪ ،‬بل فيه مضرّة ‪ ،‬أو أنّه تبيّن أنّ أعماله‬
‫وقال النّيسابوريّ ‪ :‬إنّه أتى بعم ٍ‬
‫السّابقة لم يكن معتدّا بها شرعا ‪.‬‬
‫ن الحبوط يكون بإبطال الثّواب ‪ ،‬دون الفعل ‪.‬‬
‫وقال الحنفيّة ‪ :‬بأ ّ‬
‫{‬ ‫ن مجرّد ال ّردّة يوجب الحبط ‪ ،‬مستدلّين بقوله تعالى ‪:‬‬
‫وقد ذهب الحنفيّة والمالكيّة إلى أ ّ‬
‫عمَُلهُ } ‪.‬‬
‫ح ِبطَ َ‬
‫َومَن َيكْ ُفرْ بِالِيمَانِ فَ َقدْ َ‬
‫ن الوفاة على الرّدّة شرط في حبوط العمل ‪ ،‬أخذا من قوله تعالى ‪{ :‬‬
‫أمّا الشّافعيّة فقالوا ‪ :‬بأ ّ‬
‫عمَاُلهُمْ } فإن عاد إلى السلم فقد صرّح الشّافعيّة بأنّه‬
‫ح ِبطَتْ َأ ْ‬
‫َفيَمُتْ وَ ُهوَ كَافِ ٌر فَأُوْلَه ِئكَ َ‬
‫يحبط ثواب العمل فقط ‪ ،‬ول يطالب العادة إذا عاد إلى السلم ومات عليه ‪.‬‬
‫أثر الرّدّة على العبادات ‪:‬‬
‫تأثير الرّدّة على الحجّ ‪:‬‬
‫‪ -‬يجب على من ارتدّ وتاب أن يعيد حجّه عند الحنفيّة ‪ ،‬والمالكيّة ‪ ،‬وذهب الشّافعيّة إلى‬ ‫‪49‬‬

‫أنّه ليس على من ارتدّ ثمّ تاب أن يعيد حجّه ‪.‬‬


‫ج الّذي فعله‬
‫أمّا الحنابلة فالصّحيح من المذهب عندهم ‪ :‬أنّه ل يلزمه قضاؤه ‪ ،‬بل يجزئ الح ّ‬
‫قبل ردّته ‪.‬‬
‫تأثير الرّدّة على الصّلة والصّوم والزّكاة ‪:‬‬
‫‪ -‬ذهب الحنفيّة والمالكيّة إلى عدم وجوب قضاء الصّلة الّتي تركها أثناء ردّته ‪ ،‬لنّه كان‬ ‫‪50‬‬

‫كافرا ‪ ،‬وإيمانه يجبّها ‪.‬‬


‫وذهب الشّافعيّة إلى وجوب القضاء ‪.‬‬
‫ونقل عن الحنابلة القضاء وعدمه ‪ .‬والمذهب عندهم عدم وجوب القضاء ‪.‬‬
‫فإن كان على المرتدّ الّذي تاب صلة فائتة ‪ ،‬قبل ردّته أو صوم أو زكاة فهل يلزمه القضاء ؟‬
‫ن ترك العبادة‬
‫ذهب جمهور الفقهاء من الحنفيّة والشّافعيّة والحنابلة إلى وجوب القضاء ‪ ،‬ل ّ‬
‫معصية ‪ ،‬والمعصية تبقى بعد ال ّردّة ‪.‬‬
‫وخالف المالكيّة في ذلك ‪ ،‬وحجّتهم أنّ السلم يجبّ ما قبله ‪ ،‬وهو بتوبته أسقط ما قبل ال ّردّة‬
‫‪.‬‬
‫تأثير الرّدّة على الوضوء ‪:‬‬
‫‪ -‬ذهب المالكيّة والحنابلة إلى أنّ الوضوء ينتقض بال ّردّة ‪ ،‬ولم يذكر الحنفيّة ول الشّافعيّة‬ ‫‪51‬‬

‫ال ّردّة من بين نواقض الوضوء ‪.‬‬


‫ذبائح المرتدّ ‪:‬‬
‫‪ -‬ذبيحة المرتدّ ل يجوز أكلها ‪ ،‬لنّه ل ملّة له ‪ ،‬ول يقرّ على دينٍ انتقل إليه ‪ ،‬حتّى ولو‬ ‫‪52‬‬

‫ن المرتدّ إن تديّن بدين‬


‫كان دين أهل الكتاب ‪ .‬إلّ ما نقل عن الوزاعيّ ‪ ،‬وإسحاق ‪ ،‬من أ ّ‬
‫أهل الكتاب حلّت ذبيحته ‪.‬‬

‫رزق *‬
‫التّعريف ‪:‬‬
‫‪ -‬الرّزق لغ ًة العطاء دنيويّا كان أم أخرويّا ‪ ،‬والرّزق أيضا ما يصل إلى الجوف ويتغذّى به‬ ‫‪1‬‬

‫‪ ،‬يقال ‪ :‬أعطى السّلطان رزق الجند ‪ ،‬ورزقت علما قال الجرجانيّ ‪ :‬الرّزق اسم لما يسوقه‬
‫اللّه إلى الحيوان فيأكله ‪ ،‬فيكون متناولً للحلل والحرام ‪.‬‬
‫والرّزق عند الفقهاء هو ‪ :‬ما يفرض في بيت المال بقدر الحاجة والكفاية مشاهرةً أو مياومةً‪.‬‬
‫وقيل ‪ :‬الرّزق هو ما يجعل لفقراء المسلمين إذا لم يكونوا مقاتلين ‪.‬‬
‫اللفاظ ذات الصّلة ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬العطاء ‪:‬‬
‫‪ -‬العطاء لغةً اسم لما يعطى ‪ ،‬والجمع أعطية ‪ ،‬وجمع الجمع أعطيات ‪.‬‬ ‫‪2‬‬

‫ل سن ٍة ل بقدر الحاجة بل بصبر المعطى له وغنائه‬


‫والعطاء عند الفقهاء هو ما يفرض في ك ّ‬
‫في أمر الدّين ‪.‬‬
‫وقيل في الفرق بين الرّزق والعطيّة أ نّ العطيّة ما يفرض للمقاتل ‪ ،‬والرّزق ما يجعل لفقراء‬
‫المسلمين إذا لم يكونوا مقاتلين ‪.‬‬
‫ونقل ابن عابدين عن التقانيّ أنّه نظر في هذا الفرق ‪.‬‬
‫وقال الحلوانيّ ‪ :‬العطاء لكلّ سن ٍة أو شهرٍ ‪ ،‬والرّزق يوما بيومٍ ‪.‬‬
‫والفقهاء ل يفرّقون بين الرّزق والعطاء في غالب استعمالتهم ‪.‬‬
‫قال الماورديّ وأبو يعلى ‪ :‬وأمّا تقدير العطاء فمعتبر بالكفاية حتّى يستغني بها ‪.‬‬
‫قال ابن قدامة ‪ :‬يصرف " المام " قدر حاجتهم ‪ -‬يعني أهل العطاء ‪ -‬وكفايتهم ‪.‬‬
‫عامه مرّةً ويجعهل له وقتا معلوما ل يختلف ‪،‬‬
‫ّوويه ‪ :‬يفرّق " المام " الرزاق فهي كلّ ٍ‬
‫ّ‬ ‫قال الن‬
‫وإذا رأى مصلح ًة أن يفرّق مشاهرةً ونحوها فعل ‪.‬‬
‫أنه الفقهاء يطلقون الرّزق على مها يفرض مهن بيهت المال للمقاتلة ولغيرههم ‪ ،‬كالقضاة‬
‫كمها ّ‬
‫والمفتين والئمّة والمؤذّنين ‪.‬‬
‫أخذ الرّزق للعانة على الطّاعة ‪:‬‬
‫‪ -‬يجوز أخذ الرّزق من بيت المال على ما يتعدّى نفعه إلى جميع المسلمين من المصالح‪،‬‬ ‫‪3‬‬

‫كالقضاء والفتيا والذان والمامة وتعليم القرآن وتدريس العلم النّافع من الحديث والفقه ‪،‬‬
‫وتحمّل الشّهادة وأدائها ‪.‬‬
‫ن ذلك من المصالح العامّة ‪.‬‬
‫كما يدفع منه أرزاق المقاتلة وذراريّهم ل ّ‬
‫قال ابن تيميّة ‪ :‬أمّا ما يؤخذ من بيت المال فليس عوضا وأجرةً بل رزق للعانة على الطّاعة‬
‫‪ ،‬وأخذ الرّزق على العمل ل يخرجه عن كونه قربةً ول يقدح في الخلص ‪ ،‬لنّه لو قدح ما‬
‫استحقّت الغنائم وسلب القاتل ‪.‬‬
‫)‪.‬‬ ‫‪251‬‬ ‫ج‪8‬ص‬ ‫‪12‬‬ ‫وللتّفصيل ر ‪ ( :‬بيت المال ف‬
‫وفيما يلي بعض الحكام المتّصلة بالرّزق ‪:‬‬
‫‪ -‬أ ‪ -‬قال القرافيّ ‪ :‬إنّ الرزاق الّتي تطلق للقضاة والعمّال والولة يجوز فيها الدّفع‬ ‫‪4‬‬

‫والقطع والتّقليل والتّكثير والتّغيير ‪ ،‬لنّ الرزاق من باب المعروف وتصرف بحسب‬
‫المصلحة ‪ ،‬وقد تعرض مصلحة أعظم من تلك المصلحة فيتعيّن على المام الصّرف فيها ‪.‬‬
‫فقد كتب أبو يوسف في رسالته لمير المؤمنين هارون الرّشيد ‪ :‬ما يجري على القضاة‬
‫والولة من بيت مال المسلمين من جباية الرض أو من خراج الرض والجزية لنّهم في‬
‫عمل المسلمين فيجري عليهم من بيت مالهم ويجري على كلّ والي مدينةٍ وقاضيها بقدر ما‬
‫ل رجلٍ تصيّره في عمل المسلمين فأجر عليه من بيت مالهم ول تجر على الولة‬
‫يحتمل ‪ ،‬وك ّ‬
‫والقضاة من مال الصّدقة شيئا إلّ والي الصّدقة فإنّه يجرى عليه منها كما قال اللّه تبارك‬
‫وتعالى ‪ { :‬وَا ْلعَامِلِينَ عََل ْيهَا } فأمّا الزّيادة في أرزاق القضاة والعمّال والولة والنّقصان ممّا‬
‫يجري عليهم فذلك إليك ‪ ،‬من رأيت أن تزيده في رزقه منهم زدت ‪ ،‬ومن رأيت أن تحطّ‬
‫رزقه حططت ‪ ،‬أرجو أن يكون ذلك موسّعا عليك ‪.‬‬
‫‪ -5‬ب ‪ -‬قال القرافيّ ‪ :‬أرزاق المساجد والجوامع يجوز أن تنقل عن جهاتها إذا تعطّلت أو‬
‫وجدت جهة هي أولى بمصلحة المسلمين من الجهة الولى ‪ ،‬لنّ الرزاق معروف يتبع‬
‫المصالح فكيفما دارت دار معها ‪.‬‬
‫ي أيضا ‪ :‬القطاعات الّتي تجعل للمراء والجناد من الراضي الخراجيّة‬
‫‪ -6‬ج ‪ -‬قال القراف ّ‬
‫وغيرها من الرّباع هي أرزاق بيت المال ‪ ،‬وليست إجارةً لهم ‪ ،‬لذلك ل يشترط فيها مقدار‬
‫ل سن ٍة بكذا‬
‫من العمل ول أجل تنتهي إليه الجارة ‪ ،‬وليس القطاع مقدّرا كلّ شهرٍ بكذا ‪ ،‬وك ّ‬
‫حتّى تكون إجارةً ‪ ،‬بل هو إعانة على الطلق ‪ ،‬ولكن ل يجوز تناوله إلّ بما قاله المام من‬
‫الشّرط من التّهيّؤ للحرب ‪ ،‬ولقاء العداء ‪ ،‬والمناضلة على الدّين ‪ ،‬ونصرة كلمة السلم‬
‫والمسلمين ‪ ،‬والستعداد بالسّلح والعوان على ذلك ‪ .‬فمن لم يفعل ما شرطه المام من ذلك‬
‫ل بإطلق المام على ذلك الوجه الّذي‬
‫لم يجز له التّناول ‪ ،‬لنّ مال بيت المال ل يستحقّ إ ّ‬
‫أطلقه ‪.‬‬
‫‪ -‬د ‪ -‬وقال القرافيّ أيضا ‪ :‬المصروف من الزّكاة للمجاهدين ليس أجرةً ‪ ،‬بل هو رزق‬ ‫‪7‬‬

‫ص‪.‬‬
‫خاصّ من مالٍ خا ّ‬
‫ح أن يبقى في بيت‬
‫ص وبين أصل الرزاق هو أنّ أصل الرزاق يص ّ‬
‫والفرق بين الرّزق الخا ّ‬
‫ن جهة‬
‫المال ‪ ،‬وهذا يجب صرفه إمّا في جهة المجاهدين أو غيرهم من الصناف الثّمانية ‪ ،‬ل ّ‬
‫ل أن يمنع‬
‫هذا المال عيّنها اللّه عزّ وجلّ في كتابه العزيز فيجب على المام إخراجها فيها إ ّ‬
‫مانع ‪.‬‬
‫‪ -8‬هه ‪ -‬ما يصرف من جهة الحكّام لقسّام العقار بين الخصوم ‪ ،‬ولمترجم الكتب عند‬
‫القضاة ولكاتب القاضي ‪ ،‬ولمناء القاضي على اليتام ‪ ،‬وللخرّاص على خرص الموال‬
‫الزّكويّة من الدّوالي أو النّخل ‪ ،‬ولسعاة المواشي والعمّال على الزّكاة ‪ ،‬ونحو ذلك من المسائل‬
‫رزق يجري عليه أحكام الرزاق دون أحكام الجارات ‪.‬‬
‫ي عن ابن تيميّة قوله ‪ :‬الرزاق الّتي يقدّرها الواقفون ثمّ يتغيّر نقد البلد‬
‫‪ -9‬و ‪ -‬نقل الرّحيبان ّ‬
‫فيما بعد فإنّه يعطى المستحقّ من نقد البلد ما قيمته قيمة المشروط ‪.‬‬
‫وظائف المام في القسمة على أهل الجهاد من المرتزقة ‪:‬‬
‫للمام في القسمة على أهل الجهاد من المرتزقة وظائف ‪:‬‬
‫‪ -‬إحداها ‪ :‬يضع ديوانا ‪ -‬وهو الدّفتر الّذي يثبت فيه السماء ‪ -‬فيحصي المرتزقة‬ ‫‪10‬‬

‫ل قبيل ٍة أو عددٍ يراه عريفا ليعرض عليه أحوالهم ويجمعهم عند الحاجة‬
‫بأسمائهم وينصب لك ّ‬
‫ويثبت فيه قدر أرزاقهم ‪.‬‬
‫‪ -‬الثّانية ‪ :‬يعطي كلّ شخصٍ قدر حاجته فيعرف ‪ ،‬وعدد من في نفقته ‪ ،‬وقدر نفقتهم‬ ‫‪11‬‬

‫وكسوتهم وسائر مؤنتهم ‪ ،‬ويراعي الزّمان والمكان وما يعرض من رخصٍ وغلءٍ ‪ ،‬وحال‬
‫الشّخص في مروءته وضدّها ‪ ،‬وعادة البلد في المطاعم ‪ ،‬فيكفيه المؤنات ليتفرّغ للجهاد‬
‫فيعطيه لولده الّذين هم في نفقته أطفالًا كانوا أو كبارا ‪ ،‬وكلّما زادت الحاجة بالكبر زاد في‬
‫حصّته ‪.‬‬
‫ب أن يقدّم المام في العطاء وفي إثبات السم في الدّيوان قريشا على‬
‫‪ -‬الثّالثة ‪ :‬يستح ّ‬ ‫‪12‬‬

‫سائر النّاس ‪.‬‬


‫ن ول امرأةٍ ‪ ،‬ول ضعيفٍ ل‬
‫‪ -‬الرّابعة ‪ :‬ل يثبت المام في الدّيوان اسم صبيّ ول مجنو ٍ‬ ‫‪13‬‬

‫يصلح للغزو كالعمى والزّمن ‪ ،‬وإنّما هم تبع للمقاتل إذا كانوا في عياله يعطي لهم كما سبق‪،‬‬
‫وإنّما يثبت في الدّيوان الرّجال المكلّفين المستعدّين للغزو ‪.‬‬
‫ولخّص الماورديّ وأبو يعلى شرط إثبات الجيش في الدّيوان في خمسة أوصافٍ وهي ‪:‬‬
‫البلوغ ‪ ،‬والح ّريّة ‪ ،‬والسلم ‪ ،‬والسّلمة من الفات المانعة من القتال ‪ ،‬والستعداد للقدام‬
‫على الحروب ‪.‬‬
‫‪ -‬الخامسة ‪ :‬يفرّق المام الرزاق في كلّ عامٍ مرّةً ويجعل له وقتا معلوما ل يختلف ‪،‬‬ ‫‪14‬‬

‫وإذا رأى مصلح ًة أن يفرّق مشاهرةً ونحوها فعل ‪.‬‬


‫وإذا تأخّر العطاء عنهم عند استحقاقه وكان حاصلً في بيت المال كان لهم المطالبة به‬
‫كالدّيون المستحقّة ‪.‬‬
‫ومن مات من المرتزقة دفع إلى زوجته وأولده الصّغار قدر كفايتهم ‪ ،‬لنّه لو لم تعط ذ ّريّته‬
‫بعده لم يجرّد نفسه للقتال ‪ ،‬لنّه يخاف على ذ ّريّته الضّياع ‪ ،‬فإذا علم أنّهم يكفون بعد موته‬
‫سهل عليه ذلك ‪ .‬وإذا بلغ ذكور أولدهم واختاروا أن يكونوا في المقاتلة فرض لهم الرّزق‬
‫وإن لم يختاروا تركوا ‪.‬‬
‫ومن بلغ من أولده وهو أعمى أو زمن رزق كما كان يرزق قبل البلوغ ‪ ،‬هذا في ذكور‬
‫ن يرزقن إلى أن يتزوّجن ‪.‬‬
‫الولد أمّا الناث فمقتضى ما ورد في " الوسيط " أنّه ّ‬
‫القول الضّابط فيمن يرعاه المام ‪:‬‬
‫‪ -‬من يرعاه المام بما في يده من المال ثلثة أصنافٍ ‪:‬‬ ‫‪15‬‬

‫صنف منهم محتاجون والمام يبغي سدّ حاجاتهم وهؤلء معظم مستحقّي الزّكوات في الية‬
‫ت لِلْفُ َقرَاء } الية ‪.‬‬
‫ص َدقَا ُ‬
‫المشتملة على ذكر أصناف المستحقّين ‪ .‬قال اللّه تعالى ‪ِ { :‬إ ّنمَا ال ّ‬
‫وللمساكين استحقاق في خمس الفيء والغنيمة كما يفصّله الفقهاء ‪ ،‬وهؤلء صنف من‬
‫الصناف الثّلثة ‪.‬‬
‫والصّنف الثّاني ‪ :‬أقوام ينبغي للمام كفايتهم ويدرأ عنهم بالمال الموظّف لهم حاجتهم ‪،‬‬
‫ويتركهم مكفيّين ليكونوا متجرّدين لما هم بصدده من مهامّ السلم وهؤلء صنفان ‪:‬‬
‫‪ -‬أحدهما ‪ :‬المرتزقة وهم نجدة المسلمين وعدّتهم ووزرهم وشوكتهم ‪ ،‬فينبغي أن يصرف‬ ‫‪16‬‬

‫إليهم ما ير ّم خلّتهم ويسدّ حاجتهم ويستعفوا به عن وجوه المكاسب والمطالب ‪ ،‬ويتهيّئوا لما‬
‫رشّحوا له ‪ ،‬وتكون أعينهم ممتدّ ًة إلى أن يندبوا فيخفوا على البدار ‪ ،‬وينتدبوا من غير أن‬
‫يتثاقلوا ويتشاغلوا بقضاء أربٍ وتمهيد سببٍ ‪.‬‬
‫فقد ورد عن المستورد بن شدّادٍ أنّه قال ‪ :‬سمعت النّبيّ صلى ال عليه وسلم يقول ‪ » :‬من‬
‫كان لنا عاملً فليكتسب زوج ًة ‪ ،‬فإن لم يكن له خادم فليكتسب خادما ‪ ،‬فإن لم يكن له مسكن‬
‫فليكتسب مسكنا « ‪.‬‬
‫ي صلى ال عليه وسلم أنّه قال ‪ » :‬من استعملناه على عملٍ‬
‫وفي حديث بريدة عن النّب ّ‬
‫فرزقناه فما أخذ بعد ذلك فهو غلول « ‪.‬‬
‫‪ -‬والصهّنف الثّانهي ‪ :‬الّذيهن انتصهبوا لقا مة أركان الدّ ين ‪ ،‬وانقطعوا بسهبب اشتغالههم‬ ‫‪17‬‬

‫واستقللهم بها عن التّو سّل إلى ما يقيم أودهم ويسدّ خلّتهم ‪ ،‬ولول قيامهم بما لبسوه لتعطّلت‬
‫أركان اليمان ‪ .‬فعلى المام أن يكفيهم مؤنهم حتّى يسترسلوا فيما تصدّروا له بفراغ جنا نٍ ‪،‬‬
‫أذهانه ‪ ،‬وهؤلء ههم القضاة والحكّام والقسهّام والمفتون والمتفقّهون ‪ ،‬وكلّ مهن يقوم‬
‫ٍ‬ ‫وتجرّد‬
‫بقاعدةٍ من قواعد الدّين يلهيه قيامه بها عمّا فيه سداده وقوامه ‪.‬‬
‫فأمّا المرتزقة فالمال المخصوص بهم أربعة أخماس الفيء ‪ ،‬والصّنف الثّاني يدرّ عليهم‬
‫كفايتهم وأرزاقهم من سهم المصالح ‪.‬‬
‫( ر ‪ :‬بيت المال ) ‪.‬‬
‫‪ -‬والصّنف الثّالث ‪ :‬قوم تصرف إليهم طائفة من مال بيت المال على غناهم واستظهارهم‬ ‫‪18‬‬

‫ول يوقف استحقاقهم على سدّ حاج ٍة ول على استيفاء كفاي ٍة وهم بنو هاشمٍ وبنو المطّلب ‪،‬‬
‫فهؤلء يستحقّون سهما من خمس الفيء والغنيمة من غير اعتبار حاجةٍ وكفاي ٍة عند بعض‬
‫الفقهاء ‪.‬‬
‫ج ‪ 1‬ص ‪ ،105‬وخمس ‪،‬‬ ‫‪14‬‬ ‫وفي المسألة خلف وتفصيل ينظر في مصطلح ‪ ( :‬آل ف‬
‫وغنيمة ‪ ،‬وقرابة ) ‪.‬‬

‫رسالة *‬
‫انظر ‪ :‬إرسال ‪.‬‬

‫رسغ *‬
‫التّعريف ‪:‬‬
‫‪ -‬الرّسغ لغ ًة هو من النسان مفصل ما بين السّاعد والكفّ ‪ ،‬والسّاق والقدم ‪ ،‬وهو من‬ ‫‪1‬‬

‫ق الّذي بين الحافر وموصل الوظيف من اليد والرّجل ‪.‬‬


‫الحيوان الموضع المستد ّ‬
‫ويستعمل الفقهاء هذا اللّفظ بالنّسبة للنسان ‪.‬‬
‫قال النّوويّ ‪ :‬الرّسغ مفصل الكفّ وله طرفان وهما عظمان ‪ :‬الّذي يلي البهام كوع ‪ ،‬والّذي‬
‫يلي الخنصر كرسوغ ‪.‬‬
‫ويذكرون الكوع والرّسغ في بيان حدّ اليد المأمور بغسلها في ابتداء الوضوء ومسحها في‬
‫التّيمّم ‪ ،‬وقطعها في السّرقة ‪.‬‬
‫الحكم الجماليّ ‪:‬‬
‫غسل اليدين إلى الرّسغين في ابتداء الوضوء ‪:‬‬
‫ن غسل اليدين إلى الرّسغين في ابتداء الوضوء في الجملة ‪ ،‬سواء قام من النّوم أم لم‬
‫‪ -‬يس ّ‬ ‫‪2‬‬

‫يقم ‪ ،‬لنّها الّتي تغمس في الناء وتنقل ماء الوضوء إلى العضاء ففي غسلهما إحراز لجميع‬
‫الوضوء ‪.‬‬
‫وقد كان النّبيّ صلى ال عليه وسلم يفعله ‪ ،‬ولنّه ورد غسلهما في صفة وضوء النّبيّ صلى‬
‫ال عليه وسلم الّتي رواها عثمان ‪ ،‬وكذلك في وصف عليّ وعبد اللّه بن زيدٍ وغيرهما‬
‫لوضوئه صلى ال عليه وسلم ‪.‬‬
‫وقيل ‪ :‬إنّه فرض وتقديمه سنّة ‪ ،‬واختاره في فتح القدير والمعراج والخبّازيّة ‪ ،‬وإليه يشير‬
‫قول مح ّمدٍ في الصل ‪.‬‬
‫وللتّفصيل في أحكام غمس اليد في الناء قبل غسلها ‪ ،‬وحكم غسل اليدين عند القيام من نوم‬
‫اللّيل أو نوم النّهار ‪ ،‬وكيفيّة غسلهما تنظر مصطلحات ‪ ( :‬نوم ‪ ،‬وضوء ‪ ،‬ويد ) ‪.‬‬
‫مسح اليدين إلى الرّسغين في التّيمّم ‪:‬‬
‫‪ -‬اختلف الفقهاء في حدّ اليدي الّتي أمر اللّه سبحانه وتعالى بمسحها في التّيمّم في قوله ‪:‬‬ ‫‪3‬‬

‫{ فَا ْمسَحُو ْا بِ ُوجُو ِه ُكمْ وََأ ْيدِيكُم ّمنْهُ } على التّجاهات التية ‪:‬‬
‫يرى الحنفيّة والشّافعيّة على المذهب ومالك في إحدى الرّوايتين عنه وجوب استيعاب اليدين‬
‫إلى المرفقين بالمسح واستدلّوا بقول النّبيّ صلى ال عليه وسلم ‪ » :‬التّيمّم ضربتان ‪ :‬ضربة‬
‫للوجه وضربة لليدين إلى المرفقين « ‪.‬‬
‫وكذلك بما ورد من حديث السلع قال ‪ » :‬كنت أخدم النّبيّ صلى ال عليه وسلم فأتاه جبريل‬
‫بآية التّيمّم ‪ ،‬فأراني رسول اللّه صلى ال عليه وسلم كيف المسح للتّيمّم ‪ ،‬فضربت بيديّ‬
‫الرض ضربةً واحدةً ‪ ،‬فمسحت بهما وجهي ‪ ،‬ثمّ ضربت بهما الرض فمسحت بهما يديّ‬
‫إلى المرفقين « ‪.‬‬
‫وذهب الحنابلة وأبو حنيفة ‪ -‬فيما رواه الحسن عنه ‪ -‬ومالك في الرّواية الخرى وعليها‬
‫جمهور المالكيّة والشّافعيّة على القديم والوزاعيّ والعمش إلى وجوب مسح اليدين في التّيمّم‬
‫إلى الرّسغين ‪ ،‬واستدلّوا بقوله تعالى ‪ { :‬فَا ْمسَحُو ْا بِ ُوجُو ِه ُكمْ وََأ ْيدِيكُم ّمنْهُ } وقالوا في وجه‬
‫ن الحكم إذا علّق بمطلق اليدين لم يدخل فيه الذّراع كقطع السّارق ومسّ‬
‫الستدلل بالية ‪ :‬إ ّ‬
‫الفرج ‪.‬‬
‫كما احتجّوا بحديث عمّارٍ قال ‪ » :‬بعثني رسول اللّه صلى ال عليه وسلم في حاجةٍ فأجنبت‬
‫فلم أجد ماءً فتمرّغت في الصّعيد كما تتمرّغ الدّابّة ‪ ،‬ث ّم أتيت النّبيّ صلى ال عليه وسلم‬
‫فذكرت ذلك له فقال ‪ :‬إنّما كان يكفيك أن تقول بيديك هكذا ‪ ،‬ث ّم ضرب بيديه الرض ضربةً‬
‫واحد ًة ثمّ مسح الشّمال على اليمين وظاهر كفّيه ووجهه « ‪ .‬وفي لفظٍ ‪ » :‬أنّ النّبيّ صلى‬
‫ال عليه وسلم أمره بالتّيمّم للوجه والكفّين « ‪.‬‬
‫ن الفرض هو المسح إلى المناكب ‪.‬‬
‫وذهب الزّهريّ ومحمّد بن مسلمة وابن شهابٍ إلى أ ّ‬
‫وللتّفصيل ( ر ‪ :‬تيمّم ) ‪.‬‬
‫موضع القطع من اليد في السّرقة ‪:‬‬
‫‪ -‬ذهب فقهاء المصار إلى أنّ المستحقّ في السّرقة هو قطع اليمنى من الرّسغ ‪ ،‬لنّ‬ ‫‪4‬‬

‫المنصوص قطع اليد ‪ ،‬وقطع اليد قد يكون من الرّسغ ‪ ،‬وقد يكون من المرفق ‪ ،‬وقد يكون‬
‫من المنكب ‪ ،‬ولكن هذا البهام زال ببيان رسول اللّه صلى ال عليه وسلم فإنّه أمر بقطع يد‬
‫ن هذا القدر متيقّن به ‪ ،‬وفي العقوبات إنّما يؤخذ بالمتيقّن ‪ .‬وللتّفصيل‬
‫السّارق من الرّسغ ‪ ،‬ول ّ‬
‫‪ ( :‬ر ‪ :‬سرقة ) ‪.‬‬

‫رسول *‬
‫التّعريف ‪:‬‬
‫‪ -‬الرّسول في اللّغة هو الّذي أمره المرسل بأداء الرّسالة بالتّسليم أو القبض ‪ ،‬والّذي يتابع‬ ‫‪1‬‬

‫أخبار الّذي بعثه ‪ ،‬أخذا من قولهم جاءت البل رسلً ‪ :‬أي متتابع ًة قطيعا بعد قطيعٍ ‪ .‬وسمّي‬
‫الرّسول رسولً ‪ ،‬لنّه ذو رسالةٍ ‪ .‬وهو اسم مصدرٍ من أرسلت ‪ ،‬وأرسلت فلنا في رسالةٍ‬
‫فهو مرسل ورسول ‪.‬‬
‫قال الرّاغب الصفهانيّ ‪ :‬والرّسول يقال تار ًة للقول المتحمّل كقول الشّاعر ‪ :‬أل أبلّغ أبا‬
‫ص رسولً وتار ًة لمتحمّل القول ‪.‬‬
‫حف ٍ‬
‫ويجوز استعماله بلفظٍ واح ٍد للمذكّر والمؤنّث والمثنّى والجمع ‪ ،‬كما يجوز التّثنية والجمع‬
‫س ُكمْ } ‪ ،‬وقال في موضعٍ‬
‫ن أَن ُف ِ‬
‫فيجمع على رسلٍ ‪ .‬كما قال اللّه تعالى ‪ { :‬لَ َق ْد جَاء ُكمْ َرسُولٌ مّ ْ‬
‫ل رَبّ ا ْلعَاَلمِينَ } ‪.‬‬
‫آخر ‪ { :‬فَقُول ِإنّا َرسُو ُ‬
‫وللرّسول في الصطلح معنيان ‪ :‬أحدهما الشّخص المرسل من إنسانٍ إلى آخر بمالٍ أو‬
‫رسال ٍة أو نحو ذلك ‪ ،‬وينظر حكمه بهذا المعنى في مصطلح ( إرسال ) ‪.‬‬
‫والثّاني ‪ :‬الواحد من رسل اللّه ‪.‬‬
‫ك لَن يَصِلُو ْا إَِل ْيكَ}‬
‫ط ِإنّا ُرسُلُ َربّ َ‬
‫ويراد برسل اللّه تارةً الملئكة مثل قوله تعالى ‪ { :‬قَالُو ْا يَا لُو ُ‬
‫وقوله ‪ { :‬بَلَى َو ُرسُُلنَا َل َد ْيهِمْ َي ْك ُتبُونَ } وقوله ‪ { :‬ولمّا جاءت رسلنا لوطا سيء بهم}‪ ،‬وتارةً‬
‫ت مِن َقبْلِ ِه ال ّرسُلُ }‪.‬‬
‫ل رَسُولٌ َقدْ خَلَ ْ‬
‫ح ّمدٌ ِإ ّ‬
‫يراد بهم النبياء مثل قوله تعالى ‪َ { :‬ومَا ُم َ‬
‫والرّسول من البشر هو ذكر حرّ أوحى اللّه إليه بشرعٍ وأمره بتبليغه ‪ ،‬فإن لم يؤمر بتبليغه‬
‫فنبيّ فحسب ‪.‬‬
‫الحكم التّكليفيّ ‪:‬‬
‫‪ -‬يجب على الرّسول من قبل اللّه تبليغ الدّعوة إلى المرسل إليهم لقوله تعالى { يَا َأ ّيهَا‬ ‫‪2‬‬

‫الرّسُولُ بَلّ ْغ مَا أُنزِلَ إَِل ْيكَ مِن ّر ّبكَ وَإِن ّل ْم تَ ْفعَلْ َفمَا بَّلغْتَ ِرسَاَلتَهُ } ‪.‬‬
‫ويجب على من بلغته دعوة الرّسل اليمان بهم وتصديقهم فيما جاءوا به ومتابعتهم وطاعتهم ‪.‬‬
‫حكم من سبّ رسولً من الرّسل عليهم الصلة والسلم ‪:‬‬
‫‪ -‬أجمع أهل العلم على كفر من أنكر نبوّة نبيّ من النبياء ‪ ،‬أو رسالة أحدٍ من الرّسل‬ ‫‪3‬‬

‫عليهم الصلة والسلم ‪ ،‬أو كذّبه ‪ ،‬أو سبّه ‪ ،‬أو استخفّ به ‪ ،‬أو سخر منه ‪ ،‬أو استهزأ بسنّة‬
‫ن ‪ ،‬لَ‬
‫س َتهْ ِزئُو َ‬
‫رسولنا عليه الصلة والسلم لقوله تعالى ‪ { :‬قُلْ َأبِاللّهِ وَآيَاتِهِ َو َرسُوِلهِ كُن ُتمْ َت ْ‬
‫ن اللّهَ َو َرسُوَلهُ َل َع َن ُهمُ‬
‫ن اّلذِينَ ُي ْؤذُو َ‬
‫َت ْعتَ ِذرُو ْا قَدْ َك َفرْتُم َب ْعدَ إِيمَا ِن ُكمْ } الية ‪ .‬وقوله تعالى ‪ { :‬إِ ّ‬
‫عذَابا ّمهِينا } ‪.‬‬
‫عدّ َل ُهمْ َ‬
‫خرَةِ وَأَ َ‬
‫اللّ ُه فِي ال ّدنْيَا وَال ِ‬
‫ن من سبّ الرّسول يقتل ‪.‬‬
‫كما أ ّ‬
‫والتّفاصيل في مصطلح ‪ ( :‬ردّة ‪ ،‬وتوبة ) ‪.‬‬
‫ويماثل الرّسول صلى ال عليه وسلم في ذلك بقيّة الرّسل والنبياء والملئكة ‪ ،‬فمن سبّهم أو‬
‫لعنهم ‪ ،‬أو عابهم أو قذفهم أو استخفّ بحقّهم ‪ ،‬أو ألحق بهم نقصا ‪ ،‬أو غضّ من مرتبتهم أو‬
‫نسب إليهم ما ل يليق بمنصبهم على طريق ال ّذمّ قتل ‪.‬‬
‫والتّفصيل في ‪ ( :‬توبة ‪ ،‬ردّة ) ‪.‬‬
‫الذّبح باسم رسول اللّه ‪:‬‬
‫‪ -‬ل يجوز الذّبح باسم رسول اللّه ‪ ،‬ول باسم اللّه ومحمّ ٍد رسول اللّه ‪ -‬بالجرّ ‪ -‬حيث يجب‬ ‫‪4‬‬

‫تجريد اسم اللّه سبحانه وتعالى عن اسم غيره في هذا الموطن لقوله تعالى ‪َ { :‬ومَا أُ ِهلّ ِل َغ ْيرِ‬
‫اللّ ِه بِهِ } الية ‪ ،‬وقول عبد اللّه بن مسعو ٍد رضي ال عنه ‪ :‬جرّدوا التّسمية عند الذّبح ‪ ،‬ولنّ‬
‫هذا إشراك اسم اللّه عزّ شأنه واسم غيره ‪.‬‬
‫والتّفصيل في ‪ ( :‬ذبائح ) ‪.‬‬
‫حمى الرّسول صلى ال عليه وسلم ‪:‬‬
‫‪ -‬كان لرسول اللّه صلى ال عليه وسلم أن يحمي لخاصّة نفسه ‪ ،‬ولكنّه لم يفعله صلى ال‬ ‫‪5‬‬

‫ي صلى‬
‫عليه وسلم وإنّما » حمى النّقيع لخيل المسلمين « وعن ابن عمر قال ‪ » :‬حمى النّب ّ‬
‫ال عليه وسلم الرّبذة لبل الصّدقة ونعم الجزية وخيل المجاهدين « ‪.‬‬
‫وقد اختلف الفقهاء في نقض ما حماه الرّسول صلى ال عليه وسلم ‪.‬‬
‫فذهب الجمهور إلى أنّ ما حماه صلى ال عليه وسلم نصّ ل يجوز لحدٍ من الخلفاء أن‬
‫ينقضه ‪ ،‬وأن يغيّر بحالٍ ‪ ،‬سواء بقيت الحاجة الّتي حمى لها أم زالت ‪ ،‬لنّه ل يجوز أن‬
‫ن هذا تغيير المقطوع‬
‫ض ول إبطالٍ ‪ ،‬ول ّ‬
‫يعارض حكم رسول اللّه صلى ال عليه وسلم بنق ٍ‬
‫بصحّته باجتهادٍ بخلف حمى غيره من الئمّة والخلفاء فيجوز نقضه للحاجة ‪.‬‬
‫وذهب بعض العلماء إلى جواز نقض ما حماه الرّسول صلى ال عليه وسلم إذا زالت الحاجة‬
‫الّتي حمى من أجلها ‪.‬‬
‫والتّفصيل في مصطلح ‪ ( :‬إحياء الموات ‪ ،‬وحمًى ) ‪.‬‬
‫رسل أهل الحرب والموادعة ‪:‬‬
‫‪ -‬أهل الحرب والموادعة إذا أرسلوا أحدا إلى ديار السلم لتبليغ رسال ٍة فهو آمن حتّى‬ ‫‪6‬‬

‫ن النّبيّ صلى ال عليه وسلم كان يؤمّن رسل المشركين ‪ ،‬ولمّا‬


‫يؤدّي الرّسالة إلى المام ‪ ،‬ل ّ‬
‫ن الرّسل ل تقتل لضربت أعناقكما « ‪،‬‬
‫جاءه رسول مسيلمة الكذّاب قال لهما ‪ » :‬لول أ ّ‬
‫ن الحاجة تدعو إلى عقد المان للرّسل ‪ ،‬فإنّنا لو قتلنا رسلهم لقتلوا رسلنا ‪ ،‬فتفوت مصلحة‬
‫ول ّ‬
‫المراسلة ‪.‬‬
‫وعقد المان للرّسول يجوز أن يكون مطلقا ‪ ،‬كما يجوز أن يقيّد بمدّ ٍة حسب المصلحة ‪ ،‬وهذا‬
‫إذا لم يكن المام موجودا في الحرم الم ّكيّ ‪ ،‬فإن كان المام في الحرم لم يأذن له في الدّخول‪.‬‬
‫والتّفصيل في مصطلح ‪ ( :‬أمان ‪ ،‬حرم ) ‪.‬‬

‫رشد *‬
‫التّعريف ‪:‬‬
‫‪ -‬الرّشد في اللّغة ‪ :‬الصّلح وإصابة الصّواب والستقامة على طريق الحقّ مع تصلّبٍ فيه‪،‬‬ ‫‪1‬‬

‫وهو خلف الغيّ والضّلل ‪ ،‬قال في المصباح ‪ :‬رشد رشدا من باب تعب ‪ ،‬ورشد يرشد من‬
‫باب قتل ‪ ،‬فهو راشد ‪ ،‬والسم الرّشاد ‪.‬‬
‫والرّشيد في صفات اللّه تعالى الهادي إلى سواء الصّراط ‪ ،‬والّذي حسن تقديره ‪ ،‬قال في‬
‫اللّسان ‪ :‬ومن أسماء اللّه تعالى الرّشيد ‪ :‬هو الّذي أرشد الخلق إلى مصالحهم أي هداهم ‪،‬‬
‫ودلّهم عليها ‪ ،‬فهو رشيد بمعنى مرشدٍ ‪ ،‬وقيل ‪ :‬هو الّذي تنساق تدبيراته إلى غاياتها على‬
‫سبيل السّداد من غير إشارة مشيرٍ ول تسديد مس ّددٍ ‪.‬‬
‫ص من الرّشْد فإنّه يقال في‬
‫ول يخرج تعريفه في الصطلح عن المعنى اللّغويّ ‪ ،‬والرّشَد أخ ّ‬
‫المور الدّنيويّة والخرويّة ‪ ،‬والرّشد محرّكة في المور الخرويّة ل غير ‪.‬‬
‫والرّشد المشترط لتسليم اليتيم ماله ونحو ذلك ممّا يشترط له الرّشد هو صلح المال عند‬
‫الجمهور ‪ ،‬وصلح المال والدّين معا عند الشّافعيّ ‪.‬‬
‫ح عند‬
‫وذلك في الحكم برفع الحجر للرّشد ابتداءً ‪ ،‬فلو فسق بعد ذلك لم يحجر عليه في الص ّ‬
‫الشّافعيّة ‪.‬‬
‫والمراد بالصّلح في الدّين أن ل يرتكب محرّما يسقط العدالة ‪ .‬وفي المال ‪ :‬أن ل يبذّر ‪.‬‬
‫اللفاظ ذات الصّلة ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬الهليّة ‪:‬‬
‫‪ -‬الهليّة لغ ًة ‪ :‬الصّلحية ‪ ،‬وهي نوعان ‪ :‬أهليّة وجوبٍ ‪ ،‬وأهليّة أدا ًء ‪.‬‬ ‫‪2‬‬

‫فأهليّة الوجوب هي ‪ :‬صلحية النسان لوجوب الحقوق المشروعة له وعليه ‪.‬‬


‫وأهليّة الداء هي ‪ :‬صلحية النسان لصدور الفعل منه على وج ٍه يعتدّ به شرعا ‪.‬‬
‫هذا والرّشد هو المرحلة الخيرة من مراحل الهليّة ‪ ،‬فإذا بلغ الشّخص رشيدا كملت أهليّته‬
‫وارتفعت عنه الولية وسلّمت إليه أمواله بل خلفٍ ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬البلوغ ‪:‬‬
‫‪ -‬من معانيه في اللّغة ‪ :‬الحتلم والدراك ‪.‬‬ ‫‪3‬‬

‫وأمّا عند الفقهاء فهو قوّة تحدث للشّخص تنقله من حال الطّفولة إلى حال الرّجولة ‪ ،‬وهو‬
‫يحصل بظهور علمةٍ من علماته الطّبيعيّة كالحتلم ‪ ،‬وكالحبل والحيض في النثى ‪ ،‬فإن‬
‫لم يوجد شيء من هذه العلمات كان البلوغ بالسّنّ ‪ ،‬والرّشد والبلوغ قد يحصلن في وقتٍ‬
‫واحدٍ ‪ ،‬وقد يتأخّر الرّشد عن البلوغ تبعا لتربية الشّخص واستعداده ‪.‬‬
‫ج ‪ -‬التّبذير ‪:‬‬
‫‪ -‬وهو في اللّغة ‪ :‬مشتقّ من بذر الحبّ في الرض ‪ ،‬وفي الصطلح ‪ :‬تفريق المال على‬ ‫‪4‬‬

‫وجه السراف ‪.‬‬


‫والتّبذير يترتّب عليه عدم الصّلح في المال ‪ ،‬فمن كان مبذّرا كان سفيها أي غير رشيدٍ ‪.‬‬
‫د ‪ -‬الحجر ‪:‬‬
‫‪ -‬ومعناه في اللّ غة ‪ :‬الم نع من التّ صرّف ‪ ،‬و في ال صطلح ‪ :‬صفة حكميّة تو جب م نع‬ ‫‪5‬‬

‫مو صوفها من نفوذ ت صرّفه في الزّائد على قوّ ته أو تبرّعه بماله ‪ ،‬أو الم نع من التّ صرّفات‬
‫الماليّة ‪.‬‬
‫والصّلة بين الحجر والرّشد أنّ الحجر أثر من آثار فقدان الرّشد ‪.‬‬
‫هه – السّفه ‪:‬‬
‫– وهو في اللّغة ‪ :‬نقص في العقل وأصله الخفّة ‪.‬‬ ‫‪6‬‬
‫وفي الصطلح ‪ :‬خفّة تعتري النسان فتبعثه على التّصرّف في ماله بخلف مقتضى العقل ‪،‬‬
‫مع عدم الختلل في العقل ‪ ،‬والسّفه نقيض الرّشد ‪.‬‬
‫وقت الرّشد وكيفيّة معرفته ‪:‬‬
‫ل بعد البلوغ ‪،‬‬
‫ن الرّشد المعتدّ به لتسليم المال لليتيم ل يكون إ ّ‬
‫‪ -‬ذهب أكثر الفقهاء إلى أ ّ‬ ‫‪7‬‬

‫فإن لم يرشد بعد بلوغه استمرّ الحجر عليه حتّى ولو صار شيخا عند جمهور الفقهاء خلفا‬
‫لبي حنيفة ‪.‬‬
‫وهذا الرّشد قد يأتي مع البلوغ ‪ ،‬وقد يتأخّر عنه قليلً أو كثيرا ‪ ،‬تبعا لتربية الشّخص‬
‫واستعداده وتعقّد الحياة الجتماعيّة أو بساطتها ‪ ،‬فإذا بلغ الشّخص رشيدا كملت أهليّته ‪،‬‬
‫وارتفعت الولية عنه وسلّمت إليه أمواله باتّفاق الفقهاء ‪ ،‬لقول اللّه تعالى ‪ { :‬وَا ْبتَلُواْ ا ْل َيتَامَى‬
‫ستُم ّم ْن ُهمْ ُرشْدا فَادْ َفعُو ْا إَِل ْي ِهمْ َأمْوَاَل ُهمْ } ‪.‬‬
‫حّتىَ ِإذَا بََلغُو ْا ال ّنكَاحَ َفإِنْ آ َن ْ‬
‫َ‬
‫ل أنّه ل‬
‫وإذا بلغ غير رشيدٍ وكان عاقلً كملت أهليّته ‪ ،‬وارتفعت الولية عنه عند أبي حنيفة إ ّ‬
‫تسلّم إليه أمواله ‪ ،‬بل تبقى في يد وليّه أو وصيّه حتّى يثبت رشده بالفعل ‪ ،‬أو يبلغ خمسا‬
‫ن سلّمت إليه أمواله ‪ ،‬ولو كان مبذّرا ل يحسن التّصرّف ‪،‬‬
‫وعشرين سنةً ‪ ،‬فإذا بلغ هذه السّ ّ‬
‫ن منع المال عنه كان على سبيل الحتياط والتّأديب ‪ ،‬وليس على سبيل الحجر عليه ‪ ،‬لنّ‬
‫لّ‬
‫سنّ وصلحيته لن يكون‬
‫أبا حنيفة ل يرى الحجر على السّفيه ‪ ،‬والنسان بعد بلوغه هذه ال ّ‬
‫ل للتّأديب ‪.‬‬
‫جدّا ل يكون أه ً‬
‫ن الشّخص‬
‫وقال المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة ‪ ،‬وهو قول أبي يوسف ومح ّمدٍ من الحنفيّة ‪ :‬إ ّ‬
‫إذا بلغ غير رشيدٍ كملت أهليّته ‪ ،‬ولكن ل ترتفع الولية عنه ‪ ،‬وتبقى أمواله تحت يد وليّه أو‬
‫جعَلَ الّلهُ َل ُكمْ ِقيَاما‬
‫ل تُ ْؤتُو ْا السّ َفهَاء َأ ْموَاَل ُكمُ اّلتِي َ‬
‫وصيّه حتّى يثبت رشده ‪ ،‬لقوله تعالى ‪َ { :‬و َ‬
‫ح َفإِنْ‬
‫حّتىَ ِإذَا بََلغُواْ ال ّنكَا َ‬
‫وَا ْرزُقُو ُه ْم فِيهَا وَا ْكسُو ُهمْ َوقُولُو ْا َل ُهمْ قَ ْولً ّم ْعرُوفا ‪ .‬وَا ْبتَلُو ْا ا ْل َيتَامَى َ‬
‫ستُم ّم ْن ُهمْ ُرشْدا فَا ْد َفعُواْ إَِل ْي ِهمْ َأ ْموَاَل ُهمْ } فإنّه منع الولياء والوصياء من دفع المال إلى‬
‫آ َن ْ‬
‫السّفهاء ‪ ،‬وناط دفع المال إليهم بتوافر أمرين ‪ :‬البلوغ والرّشد ‪ ،‬فل يجوز أن يدفع المال‬
‫إليهم بالبلوغ مع عدم الرّشد ‪.‬‬
‫حّتىَ ِإذَا بََلغُو ْا ال ّنكَاحَ}‬
‫‪ -‬ويعرف رشد الصّبيّ باختباره لقول اللّه تعالى ‪ {:‬وَا ْبتَلُواْ ا ْل َيتَامَى َ‬ ‫‪8‬‬

‫يعني اختبروهم ‪ ،‬واختباره بأن تفوّض إليه التّصرّفات الّتي يتصرّف فيها أمثاله وذلك يختلف‬
‫باختلف طبقات النّاس ‪ ،‬فولد التّاجر يختبر في البيع والشّراء والمماكسة فيهما ‪ ،‬وولد الزّارع‬
‫في أمر الزّراعة والنفاق على القوام بها ‪ ،‬والمحترف فيما يتعلّق بحرفته ‪ ،‬والمرأة في أمر‬
‫تدبير المنزل ‪ ،‬وحفظ الثّياب ‪ ،‬وصون الطعمة وشبهها من مصالح البيت ‪ ،‬ول تكفي المرّة‬
‫ن برشده ‪ .‬وذكر الشّافعيّة‬
‫الواحدة في الختبار بل ل بدّ من مرّتين فأكثر بحيث يفيد غلبة الظّ ّ‬
‫وجهين في كيفيّة الختبار أصحّهما ‪:‬‬
‫أن يدفع إليه قدر من المال ويمتحن في المماكسة والمساومة فإذا آل المر إلى العقد ‪ ،‬عقد‬
‫الوليّ ‪.‬‬
‫ح منه هذا العقد للحاجة ‪ ،‬ولو تلف في يده المال المدفوع إليه‬
‫والثّاني ‪ :‬يعقد الصّبيّ ويص ّ‬
‫ي‪.‬‬
‫للختبار فل ضمان على الول ّ‬
‫وذكر ابن العربيّ أيضا وجهين في كيفيّة اختبار الصّبيّ ‪:‬‬
‫أحدهما ‪ :‬أن يتأمّل أخلقه ويستمع إلى أغراضه ‪ ،‬فيحصل له العلم بنجابته والمعرفة بالسّعي‬
‫في مصالحه ‪ ،‬وضبط ماله ‪ ،‬أو الهمال لذلك ‪.‬‬
‫الثّاني ‪ :‬أن يدفع إليه شيئا يسيرا من ماله إن توسّم الخير منه ويبيح له التّصرّف فيه ‪ ،‬فإن‬
‫نمّاه وأحسن النّظر فيه فليسلّم إليه ماله جميعه ‪ ،‬وإن أساء النّظر فيه وجب عليه إمساك ماله‬
‫عنه ‪.‬‬
‫‪ -9‬وأمّا وقت الختبار فقد ذكر الحنفيّة والشّافعيّة في الصحّ والحنابلة في ظاهر المذهب أنّه‬
‫حتّىَ ِإذَا بََلغُو ْا ال ّنكَاحَ } الية فإنّ ظاهر هذه‬
‫يكون قبل البلوغ لقوله تعالى ‪ { :‬وَا ْبتَلُو ْا ا ْل َيتَامَى َ‬
‫ل على أنّ ابتلءهم قبل البلوغ لوجهين ‪:‬‬
‫الية يد ّ‬
‫أحدهما ‪ :‬أنّه سمّاهم يتامى ‪ ،‬وإنّما يكونون يتامى قبل البلوغ ‪.‬‬
‫ل على أنّ الختبار قبله ‪ ،‬ولنّ تأخير‬
‫والثّاني ‪ :‬أنّه مدّ اختبارهم إلى البلوغ بلفظة حتّى ‪ ،‬فد ّ‬
‫ن الحجر يمتدّ إلى أن يختبر‬
‫الختبار إلى البلوغ يؤدّي إلى الحجر على البالغ الرّشيد ‪ ،‬ل ّ‬
‫ل المراهق المميّز‬
‫ويعلم رشده ‪ ،‬واختباره قبل البلوغ يمنع ذلك فكان أولى ‪ ،‬لكن ل يختبر إ ّ‬
‫الّذي يعرف البيع والشّراء والمصلحة من المفسدة ‪.‬‬
‫وذكر المالكيّة والشّافعيّة في مقابل الصحّ والحنابلة في وجهٍ أنّه يكون بعد البلوغ ‪ ،‬لنّه قبله‬
‫ل للتّصرّف ‪ ،‬إذ البلوغ الّذي هو مظنّة العقل لم يوجد ‪ ،‬فكان عقله بمنزلة المعدوم ‪.‬‬
‫ليس أه ً‬
‫ولم يجوّز مالك في المدوّنة للصّبيّ الّذي يعقل التّجارة أن يدفع إليه وليّه أو وصيّه مالً ليتّجر‬
‫ن الصّبيّ مولىً عليه ‪،‬‬
‫به حيث قال في جواب من سأله عن ذلك ‪ :‬ل أرى ذلك جائزا ‪ ،‬ل ّ‬
‫فإذا كان مولى عليه فل أرى الذن له في التّجارة إذنا ‪.‬‬
‫ل خيرا فأعطاه ذهبا بعد احتلمه‬
‫وقال في اليتيم الّذي بلغ واحتلم والّذي ل يعلم عنه وليّه إ ّ‬
‫ليختبره به وأذن له في التّجارة ليختبره بذلك ‪ ،‬أو ليعرف ‪ ،‬فداين النّاس فرهقه دين ‪ :‬ل أرى‬
‫أن يعدّى عليه في شي ٍء من ماله ‪ ،‬ل فيما في يده ‪ ،‬ول في غير ذلك ‪.‬‬
‫قيل لمالكٍ ‪ :‬إنّه قد أمكنه وأذن له في التّجارة ‪ ،‬أفل يكون ذلك على ما في يديه ؟ قال ‪ :‬ل ‪،‬‬
‫لم يدفع إليه ماله المحجور عليه ‪ ،‬وإن كان دفعه إليه ليختبره به فهو محجور عليه ‪.‬‬
‫ن المخاطب بالختبار على القول بأنّه يكون قبل‬
‫وجاء في نهاية المحتاج من كتب الشّافعيّة أ ّ‬
‫ل وليّ ‪ ،‬وأمّا على القول بأنّه يكون بعد البلوغ فوجهان ‪:‬‬
‫البلوغ ك ّ‬
‫ي‪.‬‬
‫أحدهما ‪ :‬أنّ الختبار يكون للول ّ‬
‫والثّاني ‪ :‬يكون للحاكم فقط ‪.‬‬
‫ونسب الجوريّ الوّل إلى عامّة الصحاب ‪ ،‬والثّاني إلى ابن سريجٍ ‪.‬‬
‫ول فرق في وقت الختبار بين الذّكر والنثى عند الجمهور ‪ ،‬إلّ أنّ أحمد أومأ في موضعٍ‬
‫ص بالمراهق الّذي يعرف المعاملة والمصلحة ‪ ،‬بخلف‬
‫ن الختبار قبل البلوغ خا ّ‬
‫إلى أ ّ‬
‫الجارية لنقص خبرتها ‪ ،‬وأمّا بعد البلوغ فهما سواء ‪.‬‬
‫دفع المال إلى الحرّ البالغ العاقل غير الرّشيد ‪:‬‬
‫ن الغلم إذا بلغ غ ير رشيدٍ لم ي سلّم إل يه ماله حتّى يبلغ خم سا‬
‫‪ -‬ذ هب أ بو حني فة إلى أ ّ‬ ‫‪10‬‬

‫وعشرين سنةً ‪ ،‬فإن تصرّف فيه قبل ذلك نفذ تصرّفه ‪ ،‬لنّه ل يرى الحجر على الحرّ العاقل‬
‫البالغ إلّ إذا تعدّى ضرره إلى العامّة كالطّبيب الجاهل ‪ ،‬والمفتي الماجن ‪ ،‬والمكاري المفلس‪،‬‬
‫فإذا بلغ خمسا وعشرين سن ًة يسلّم إليه ماله وإن لم يؤنس منه الرّشد ‪ ،‬وبه قال زفر بن الهذيل‬
‫وهو مذهب النّخع يّ وذهب أبو يوسف ‪ ،‬ومحمّد من الحنفيّة ‪ ،‬والمالكيّة والشّافعيّة ‪ ،‬والحنابلة‬
‫في الشهر إلى عدم جواز دفع المال إلى غير الرّشيد حتّى يؤنس منه الرّشد بعد البلوغ ‪ ،‬ول‬
‫ينفكّ الحجر عنه حتّى ولو صار شيخا ‪ ،‬ول يجوز تصرّفه في ماله أبدا ‪ ،‬وهو قول القاسم بن‬
‫صدّيق ‪ ،‬وعليه أكثر أهل العلم ‪.‬‬
‫محمّد بن أبي بكرٍ ال ّ‬
‫قال ابن المنذر ‪ :‬أكثر علماء المصار من أهل الحجاز والعراق والشّام ومصر يرون الحجر‬
‫على ك ّل مضيّ عٍ لماله صغيرا كان أو كبيرا ‪ ،‬ولم يفرّق الشّافعيّة في ذلك بين الذّكر والنثى ‪.‬‬
‫ك الح جر عن ها دخول زو جٍ ب ها وشهادة العدول‬
‫وأمّا المالكيّة ف قد زادوا في ح قّ الن ثى لف ّ‬
‫بحفظها مالها ‪.‬‬
‫ح عندهم أ نّ الجار ية ل يدفع إليها مالها بعد رشد ها‬
‫وذكر الحنابلة في مقابل الشهر وال ص ّ‬
‫حتّى تتزوّج وتلد أو تقيم في بيت الزّوج سن ًة ‪.‬‬
‫ل ل ما روى شر يح قال ‪ :‬ع هد إل يّ ع مر‬
‫واختار ذلك أ بو بكرٍ والقا ضي والشّيراز يّ وا بن عقي ٍ‬
‫ل أو تلد ‪.‬‬
‫ابن الخطّاب أن ل أجيز لجاري ٍة عطيّ ًة حتّى تحول في بيت زوجها حو ً‬
‫وذ كر صاحب ال ّدرّ المختار أ نّ الخلف ب ين أ بي يو سف ومح ّمدٍ وب ين أ بي حني فة في الح جر‬
‫على الحرّ المكلّف بسبب السّفه والغفلة إنّما محلّه التّصرّفات الّتي تحتمل الفسخ ويبطلها الهزل‬
‫‪ ،‬وأمّا التّ صرّفات الّ تي ل تحت مل الف سخ ول يبطل ها الهزل فل يح جر عل يه في ها بالجماع ‪.‬‬
‫وقولهما هو المفتى به صيان ًة لماله فيكون في أحكامه كصغيرٍ ‪.‬‬
‫خبِي ثَ‬
‫وا ستدلّ أ بو حني فة ل ما ذ هب إل يه بقوله تعالى ‪ { :‬وَآتُواْ ا ْل َيتَامَى َأمْوَاَلهُ مْ َولَ َت َت َبدّلُو ْا ا ْل َ‬
‫طيّ بِ } فإ نّ المراد به بعد البلوغ فهو تنصيص على وجوب دفع المال إليه بعد البلوغ ‪ ،‬إلّ‬
‫بِال ّ‬
‫أنّه منع عنه ماله قبل هذه المدّة بالجماع ول إجماع هنا فيجب دفع المال بالنّصّ ‪.‬‬
‫وإنّ ما سمّي يتيما لقر به من البلوغ ‪ ،‬ول نّ أوّل أحوال البلوغ قد ل يفار قه ال سّفه باعتبار أ ثر‬
‫الصّبا فقدّرناه بخمسٍ وعشرين سن ًة ‪ ،‬لنّه حال كمال لبّه ‪.‬‬
‫وقد روي عن عمر رضي ال عنه أنّه قال ‪ :‬ينتهي " يتم " لبّ الرّجل إذا بلغ خمسا وعشرين‬
‫سنةً ‪.‬‬
‫وقال أههل الطّبائع ‪ :‬مهن بلغ خمسها وعشريهن سهن ًة فقهد بلغ رشده ‪ ،‬أل ترى أنّه قهد بلغ سهنّا‬
‫ن أد نى مدّةٍ يبلغ في ها الغلم اثن تا عشرة سنةً ‪ ،‬فيولد له ولد ل ستّة‬
‫يت صوّر أن ي صير جدّا ‪ ،‬ل ّ‬
‫أشهرٍ ‪ ،‬ث مّ الولد يبلغ في اثن تي عشرة سنةً ‪ ،‬فيولد له ولد ل ستّة أشه ٍر ف قد صار بذلك جدّا ‪،‬‬
‫ن منع المال عنه على سبيل التّأديب عقوبة عليه ‪ ،‬والشتغال بالتّأديب عند رجاء التّأدّب‪،‬‬
‫ول ّ‬
‫فإذا بلغ هذه السّهنّ فقهد انقطهع رجاء التّأدّب فل معنهى لمنهع المال بعده ‪ ،‬وأيضا فإنّه هذا حرّ‬
‫بالغ عاقل مكلّف فل يحجر عليه كالرّشيد ‪.‬‬
‫واستدلّ القائلون بعدم جواز دفع المال إليه قبل رشده ‪ ،‬وعدم صحّة تصرّفه فيه بقوله تعالى‪:‬‬
‫ستُم ّم ْنهُ مْ رُشْدا فَادْ َفعُو ْا إَِل ْيهِ مْ َأمْوَاَلهُ مْ } فقد علّق‬
‫حتّىَ ِإذَا بََلغُو ْا ال ّنكَا حَ َفإِ نْ آنَ ْ‬
‫{ وَا ْبتَلُواْ ا ْل َيتَامَى َ‬
‫دفع المال إليهم على شرطين ‪ :‬البلوغ ‪ ،‬وإيناس الرّشد ‪ .‬والحكم المعلّق على شرطين ل يثبت‬
‫بدونهما ‪ ،‬واستدلّوا بقوله تعالى ‪َ { :‬ولَ تُ ْؤتُواْ السّ َفهَاء َأمْوَاَل ُكمُ } يعني أموالهم ‪.‬‬
‫ستَطِيعُ أَن‬
‫وا ستدلّوا أيضا بقوله تعالى ‪ { :‬فَإن كَا نَ اّلذِي عََليْ ِه ا ْلحَقّ سَفِيها أَ ْو ضَعِيفا َأ ْو لَ يَ ْ‬
‫ُيمِلّ ُهوَ فَ ْل ُيمْلِلْ وَِليّ ُه بِا ْل َعدْلِ } فأثبت الولية على السّفيه ‪ ،‬ولنّه مبذّر لماله فل يجوز دفعه إليه‬
‫كمن له دون ذلك ‪.‬‬
‫هذا والخلف في ا ستدامة الح جر إلى إيناس الرّ شد ‪ ،‬أو إلى بلوغ خم سٍ وعشر ين سنةً إنّ ما‬
‫هو فيمن بلغ مبذّرا ‪ .‬فإن بلغ مصلحا للمال فاسقا في الدّين استديم الحجر عليه عند الشّافعيّة‬
‫ستُم ّم ْنهُ مْ ُرشْدا فَا ْد َفعُواْ إَِل ْيهِ ْم َأمْوَاَلهُ مْ } والفاسق لم يؤنس منه الرّشد ‪،‬‬
‫ن آنَ ْ‬
‫لقوله تعالى ‪َ { :‬فإِ ْ‬
‫ن حفظه للمال ل يوثق به مع الفسق ‪ ،‬لنّه ل يؤمن أن يدعوه الفسق إلى التّبذير فلم يف كّ‬
‫ول ّ‬
‫الحجر عنه ‪.‬‬
‫مواطن البحث ‪:‬‬
‫‪ -‬ذكر الفقهاء الرّشد في كثي ٍر من أبواب الفقه ‪ ،‬فقد ذكروه في البيع وفي الشّركة وفي‬ ‫‪11‬‬

‫الوكالة وفي ضمان تلف العاريّة وفي شرط المعير وفي القرار فيما لو أق ّر أحد الوارثين‬
‫بوارثٍ ‪.‬‬
‫وجعله الشّافعيّة شرطا لخروجه لفرض الكفاية ‪ ،‬وذكره الفقهاء في الهبة ‪ ،‬وفي الوقف ‪ ،‬وفي‬
‫وليّ النّكاح ‪ ،‬وفي رضا الزّوج بالنّكاح ‪ ،‬وفي الخلع في شروط الموجب والقابل ‪ ،‬وفي‬
‫حاضن اللّقيط ‪ ،‬والتّفصيل محلّه البواب الخاصّة بتلك المواضع هذا فضلً عمّا ذكره الفقهاء‬
‫في أحكام الحجر على الصّبيّ والسّفيه ‪.‬‬
‫وينظر ‪ ( :‬حجر ‪ ،‬وسفه ) ‪.‬‬

‫رشوة *‬
‫التّعريف ‪:‬‬
‫‪ -‬الرّشوة في اللّغة ‪ :‬مثلّثة الرّاء ‪ :‬الجعل ‪ ،‬وما يعطى لقضاء مصلح ٍة ‪ ،‬وجمعها رشا‬ ‫‪1‬‬

‫ورشا ‪.‬‬
‫قال الفيّوميّ ‪ :‬الرّشوة ‪ -‬بالكسر ‪ : -‬ما يعطيه الشّخص للحاكم أو غيره ليحكم له ‪ ،‬أو يحمله‬
‫على ما يريد ‪.‬‬
‫وقال ابن الثير ‪ :‬الرّشوة ‪ :‬الوصلة إلى الحاجة بالمصانعة ‪ ،‬وأصله من الرّشاء الّذي يتوصّل‬
‫به إلى الماء ‪.‬‬
‫وقال أبو العبّاس ‪ :‬الرّشوة مأخوذة من رشا الفرخ إذا مدّ رأسه إلى أمّه لتزقّه ‪.‬‬
‫وراشاه ‪ :‬حاباه ‪ ،‬وصانعه ‪ ،‬وظاهره ‪.‬‬
‫وارتشى ‪ :‬أخذ رشوةً ‪ ،‬ويقال ‪ :‬ارتشى منه رشوةً ‪ :‬أي أخذها ‪.‬‬
‫وترشّاه ‪ :‬لينه ‪ ،‬كما يصانع الحاكم بالرّشوة ‪.‬‬
‫واسترشى ‪ :‬طلب رشوةً ‪.‬‬
‫والرّاشي ‪ :‬من يعطي الّذي يعينه على الباطل ‪.‬‬
‫والمرتشي ‪ :‬الخذ ‪.‬‬
‫والرّائش ‪ :‬الّذي يسعى بينهما يستزيد لهذا ‪ ،‬ويستنقص لهذا ‪.‬‬
‫وقد تسمّى الرّشوة البرطيل وجمعه براطيل ‪.‬‬
‫قال المرتضى الزّبيديّ ‪ :‬واختلفوا في البرطيل بمعنى الرّشوة ‪ ،‬هل هو عربيّ أو ل ؟ ‪.‬‬
‫وفي المثل ‪ :‬البراطيل تنصر الباطيل ‪.‬‬
‫ل‪.‬‬
‫والرّشوة في الصطلح ‪ :‬ما يعطى لبطال حقّ ‪ ،‬أو لحقاق باط ٍ‬
‫ي ‪ ،‬حيث قيّد بما أعطي لحقاق الباطل ‪ ،‬أو إبطال الحقّ ‪.‬‬
‫ص من التّعريف اللّغو ّ‬
‫وهو أخ ّ‬
‫اللفاظ ذات الصّلة ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬المصانعة ‪:‬‬
‫‪ -‬المصانعة ‪ :‬أن تصنع لغيرك شيئا ليصنع لك آخر مقابله ‪ ،‬وكنايةً عن الرّشوة ‪ ،‬وفي‬ ‫‪2‬‬

‫المثل ‪ :‬من صانع بالمال لم يحتشم من طلب الحاجة ‪.‬‬


‫ب ‪ -‬السّحت ‪ -‬بضمّ السّين ‪:‬‬
‫‪ -‬أصله من السّحت ‪ -‬بفتح السّين ‪ -‬وهو الهلك والستئصال ‪ ،‬والسّحت ‪ :‬الحرام الّذي‬ ‫‪3‬‬

‫ل يحلّ كسبه ‪ ،‬لنّه يسحت البركة أي ‪ :‬يذهبها ‪.‬‬


‫وسمّيت الرّشوة سحتا ‪ .‬وقد سار بعض الفقهاء على ذلك ‪.‬‬
‫ل حرامٍ ل يحلّ كسبه ‪.‬‬
‫ن السّحت ك ّ‬
‫لكن السّحت أعمّ من الرّشوة ‪ ،‬ل ّ‬
‫ج ‪ -‬الهديّة ‪:‬‬
‫‪ -‬ما أتحفت به غيرك ‪ ،‬أو ما بعثت به للرّجل على سبيل الكرام ‪ ،‬والجمع هدايا وهداوى‬ ‫‪4‬‬

‫‪ -‬وهي لغة أهل المدينة ‪ -‬يقال ‪ :‬أهديت له وإليه ‪ ،‬وفي التّنزيل { وَِإنّي ُمرْسِلَ ٌة إَِل ْيهِم ِب َه ِديّةٍ}‬
‫‪.‬‬
‫ض ‪ ،‬والمهدى ‪ :‬الطّبق‬
‫قال الرّاغب ‪ :‬والهديّة مختصّة باللّطف ‪ ،‬الّذي يهدي بعضنا إلى بع ٍ‬
‫الّذي يهدى عليه ‪.‬‬
‫والمهداء ‪ :‬من يكثر إهداء الهديّة ‪.‬‬
‫وفي كشّاف القناع الرّشوة هي ‪ :‬ما يعطى بعد الطّلب ‪ ،‬والهديّة قبله ‪.‬‬
‫د ‪ -‬الهبة ‪:‬‬
‫‪ -‬الهبة في اللّغة العطيّة بل عوضٍ ‪.‬‬ ‫‪5‬‬

‫قال ابن الثير ‪ :‬الهبة ‪ :‬العطيّة الخالية عن العواض والغراض ‪ ،‬فإذا كثرت سمّي صاحبها‬
‫وهّابا ‪.‬‬
‫واتّهبت الهبة ‪ :‬قبلتها ‪ ،‬واستوهبتها ‪ :‬سألتها ‪ ،‬وتواهبوا ‪ :‬وهب بعضهم البعض ‪ .‬واصطلحا‬
‫ض ‪ .‬وقد تكون بعوضٍ فتسمّى هبة الثّواب ‪.‬‬
‫‪ :‬إذا أطلقت هي التّبرّع بماله حال الحياة بل عو ٍ‬
‫والصّلة بين الرّشوة والهبة ‪ ،‬أنّ في ك ّل منهما إيصالً للنّفع إلى الغير ‪ ،‬وإن كان عدم العوض‬
‫ظاهرا في الهبة ‪ ،‬إلّ أنّه في الرّشوة ينتظر النّفع ‪ ،‬وهو عوض ‪.‬‬
‫و ‪ -‬الصّدقة ‪:‬‬
‫‪ -‬ما يخرجه النسان من ماله على وجه القربة كالزّكاة ‪ ،‬لكن الصّدقة في الصل تقال‬ ‫‪6‬‬

‫للمتطوّع به ‪ ،‬والزّكاة للواجب ‪ ،‬وقد يسمّى الواجب صدقةً ‪ ،‬إذا تحرّى صاحبها الصّدق في‬
‫فعله ‪.‬‬
‫قال ابن قدامة ‪ :‬الهبة والصّدقة والهديّة والعطيّة معانيها متقاربة ‪ ،‬وكلّها تمليك في الحياة بغير‬
‫عوضٍ ‪ ،‬واسم العطيّة شامل لجميعها ‪.‬‬
‫ن الرّشوة‬
‫ن الصّدقة تدفع طلبا لوجه اللّه تعالى ‪ ،‬في حين أ ّ‬
‫والفرق بين الرّشوة والصّدقة ‪ :‬أ ّ‬
‫ض دنيويّ عاجلٍ ‪.‬‬
‫تدفع لنيل غر ٍ‬
‫أحكام الرّشوة ‪:‬‬
‫ل حرام بل خلفٍ ‪ ،‬وهي من الكبائر ‪ .‬قال‬
‫‪ -‬الرّشوة في الحكم ‪ ،‬ورشوة المسئول عن عم ٍ‬ ‫‪7‬‬

‫سحْتِ } ‪ ،‬قال الحسن وسعيد بن جبيرٍ ‪ :‬هو الرّشوة ‪.‬‬


‫ن لِ ْل َكذِبِ َأكّالُونَ لِل ّ‬
‫سمّاعُو َ‬
‫اللّه تعالى ‪َ { :‬‬
‫ن َأمْوَالِ‬
‫حكّا ِم ِل َت ْأكُلُواْ َفرِيقا مّ ْ‬
‫وقال تعالى ‪َ { :‬ولَ َت ْأكُلُو ْا َأمْوَاَلكُم َب ْي َنكُم بِا ْلبَاطِلِ َو ُتدْلُواْ ِبهَا إِلَى ا ْل ُ‬
‫لثْمِ وَأَن ُتمْ َتعَْلمُونَ } ‪.‬‬
‫النّاسِ بِا ِ‬
‫وروى عبد اللّه بن عمرٍو قال ‪» :‬لعن رسول اللّه صلى ال عليه وسلم الرّاشي والمرتشي «‬
‫وفي رواي ٍة زيادة » والرّائش « ‪.‬‬
‫ويحرم طلب الرّشوة ‪ ،‬وبذلها ‪ ،‬وقبولها ‪ ،‬كما يحرم عمل الوسيط بين الرّاشي والمرتشي ‪.‬‬
‫غير أنّه يجوز للنسان ‪ -‬عند الجمهور ‪ -‬أن يدفع رشو ًة للحصول على حقّ ‪ ،‬أو لدفع ظلمٍ‬
‫أو ضررٍ ‪ ،‬ويكون الثم على المرتشي دون الرّاشي ‪.‬‬
‫قال أبو اللّيث السّمرقنديّ ‪ :‬ل بأس أن يدفع الرّجل عن نفسه وماله بالرّشوة ‪.‬‬
‫وفي حاشية الرّهونيّ أنّ بعض العلماء قال ‪ :‬إذا عجزت عن إقامة الحجّة الشّرعيّة ‪ ،‬فاستعنت‬
‫ل يحكم بغير الحجّة الشّرعيّة أثم دونك إن كان ذلك زوج ًة يستباح فرجها ‪ ،‬بل‬
‫على ذلك بوا ٍ‬
‫ن مفسدة الوالي أخفّ من مفسدة الزّنا والغصب ‪ ،‬وكذلك استعانتك‬
‫يجب ذلك عليك ‪ ،‬ل ّ‬
‫بالجناد يأثمون ول تأثم ‪ ،‬وكذلك في غصب الدّابّة وغيرها ‪ ،‬وحجّة ذلك أنّ الصّادر من‬
‫المعين عصيان ل مفسدة فيه ‪ ،‬والجحد والغصب عصيان ومفسدة ‪ ،‬وقد جوّز الشّارع‬
‫الستعانة بالمفسدة ‪ -‬ل من جهة أنّها مفسدة ‪ -‬على درء مفسد ٍة أعظم منها ‪ ،‬كفداء السير ‪،‬‬
‫فإنّ أخذ الكفّار لمالنا حرام عليهم ‪ ،‬وفيه مفسدة إضاعة المال ‪ ،‬فما ل مفسدة فيه أولى أن‬
‫يجوز ‪.‬‬
‫فإن كان الحقّ يسيرا نحو كسرةٍ وتمر ٍة ‪ ،‬حرّمت الستعانة على تحصيله بغير حجّ ٍة شرعيّ ٍة ;‬
‫ن الحكم بغير ما أمر اللّه به أمر عظيم ل يباح باليسير ‪.‬‬
‫لّ‬
‫واستدلّوا من الثر بما ورد عن ابن مسعودٍ رضي ال عنه أنّه كان بالحبشة فرشا بدينارين‪،‬‬
‫حتّى خلّي سبيله ‪ .‬وقال ‪ :‬إنّ الثم على القابض دون الدّافع ‪.‬‬
‫وعن عطاءٍ والحسن ‪ :‬ل بأس بأن يصانع الرّجل عن نفسه وماله إذا خاف الظّلم ‪.‬‬
‫أقسام الرّشوة ‪:‬‬
‫‪ -‬قسّم الحنفيّة الرّشوة إلى أربعة أقسامٍ منها ‪:‬‬ ‫‪8‬‬

‫أ ‪ -‬الرّشوة على تقليد القضاء والمارة وهي حرام على الخذ والمعطي ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬ارتشاء القاضي ليحكم ‪ ،‬وهو كذلك حرام على الخذ والمعطي ‪ ،‬ولو كان القضاء بحقّ‪،‬‬
‫لنّه واجب عليه ‪.‬‬
‫ج ‪ -‬أخذ المال ليسوّي أمره عند السّلطان ‪ ،‬دفعا للضّرر أو جلبا للنّفع ‪ ،‬وهو حرام على‬
‫الخذ فقط ‪.‬‬
‫د ‪ -‬إعطاء إنسانٍ غير موظّفٍ عند القاضي أو الحاكم مالً ليقوم بتحصيل حقّه له ‪ ،‬فإنّه يحلّ‬
‫دفع ذلك وأخذه ‪ ،‬لنّه وإن كانت معاونة النسان للخر بدون مالٍ واجب ًة ‪ ،‬فأخذ المال مقابل‬
‫المعاونة لم يكن إلّ بمثابة أجرةٍ ‪.‬‬
‫حكم الرّشوة بالنّسبة للمرتشي ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬المام والولة ‪:‬‬
‫‪ -‬قال ابن حبيبٍ ‪ :‬لم يختلف العلماء في كراهية الهديّة إلى السّلطان الكبر ‪ ،‬وإلى القضاة‬ ‫‪9‬‬

‫والعمّال وجباة الموال ‪ -‬ويقصد بالكراهية الحرمة ‪. -‬‬


‫سنّة ‪.‬‬
‫وهذا قول مالكٍ ومن قبله من أهل العلم وال ّ‬
‫ي صلى ال عليه‬
‫وكان النّبيّ صلى ال عليه وسلم يقبل الهديّة ‪ ،‬وهذا من خواصّه ‪ ،‬والنّب ّ‬
‫وسلم معصوم ممّا يتّقى على غيره منها ‪ ،‬ولمّا ردّ عمر بن عبد العزيز الهديّة ‪ ،‬قيل له ‪ :‬كان‬
‫النّبيّ صلى ال عليه وسلم يقبلها ‪ ،‬فقال ‪ :‬كانت له هديّ ًة ‪ ،‬وهي لنا رشوة ‪ ،‬لنّه كان يتقرّب‬
‫إليه لنبوّته ل لوليته ‪ ،‬ونحن يتقرّب بها إلينا لوليتنا ‪.‬‬
‫)‪.‬‬ ‫‪29‬‬ ‫‪،‬‬ ‫‪28‬‬ ‫ينظر التّفصيل في ( إمامة فقرة‬
‫ب ‪ -‬العمّال ‪:‬‬
‫‪ -‬وحكم الرّشوة إلى العمّال " الولة " كحكم الرّشوة إلى المام ‪ -‬كما مرّ في كلم ابن‬ ‫‪10‬‬

‫حبيبٍ لما ورد عن النّبيّ صلى ال عليه وسلم ‪ »:‬هدايا المراء غلول « ‪.‬‬
‫ولحديث ابن اللّتبيّة ‪.‬‬
‫ن تعزّز المير ومنعته بالجند وبالمسلمين ل بنفسه‪،‬‬
‫قال الصّدر الشّهيد ‪ :‬وإنّما كان كذلك ‪ ،‬ل ّ‬
‫فكانت الهديّة لجماعة المسلمين بمنزلة الغنيمة ‪ ،‬فإذا استبدّ به كان ذلك منه خيان ًة ‪ ،‬بخلف‬
‫ن تعزّزه ومنعته كانت بنفسه ل بالمسلمين ‪،‬‬
‫هدايا رسول اللّه صلى ال عليه وسلم ‪ ،‬ل ّ‬
‫فصارت الهديّة له ل للمسلمين ‪.‬‬
‫ج ‪ -‬القاضي ‪:‬‬
‫‪ -‬والرّشوة إلى القاضي حرام بالجماع ‪.‬‬ ‫‪11‬‬
‫قال الجصّاص ‪ :‬ول خلف في تحريم الرّشا على الحكام ‪ ،‬لنّه من السّحت الّذي حرّمه اللّه‬
‫في كتابه ‪ ،‬واتّفقت المّة عليه ‪ ،‬وهي محرّمة على الرّاشي والمرتشي ‪.‬‬
‫ن المنافع‬
‫قال في كشّاف القناع ‪ :‬ويحرم قبوله هديّ ٍة ‪ ،‬واستعارته من غيره كالهديّة ل ّ‬
‫ن ذلك وسيلة إلى‬
‫كالعيان ‪ ،‬ومثله ما لو ختن ولده ونحوه فأهدي له ‪ ،‬ولو قلنا إنّها للولد ‪ ،‬ل ّ‬
‫الرّشوة ‪ ،‬فإن تصدّق عليه فالولى أنّه كالهديّة ‪ ،‬وفي الفنون له أخذ الصّدقة ‪.‬‬
‫وهديّة القاضي فيها تفصيل تنظر في ( هديّة ‪ ،‬قضاء ) ‪.‬‬
‫د ‪ -‬المفتي ‪:‬‬
‫‪ -‬يحرم على المفتي قبول رشو ٍة من أحدٍ ليفتيه بما يريد ‪ ،‬وله قبول هدّيةٍ ‪.‬‬ ‫‪12‬‬

‫قال ابن عرفة ‪ :‬قال بعض المتأخّرين ‪ :‬ما أهدي للمفتي ‪ ،‬إن كان ينشط للفتيا أهدي له أم ل‪،‬‬
‫فل بأس ‪ ،‬وإن كان إنّما ينشط إذا أهدي له فل يأخذها ‪ ،‬وهذا ما لم تكن خصومة ‪ ،‬والحسن‬
‫ن وكان يجعل ذلك رشوةً‪.‬‬
‫أن ل يقبل الهديّة من صاحب الفتيا ‪ ،‬وهو قول ابن عيشو ٍ‬
‫هه – المدرّس ‪:‬‬
‫– إن أهدي إليه تحبّبا وتودّدا لعلمه وصلحه فل بأس بقبوله ‪ ،‬وإن أهدي إليه ليقوم‬ ‫‪13‬‬

‫بواجبه فالولى عدم الخذ ‪.‬‬


‫و ‪ -‬الشّاهد ‪:‬‬
‫‪ -‬ويحرم على الشّاهد أخذ الرّشوة ‪ .‬وإذا أخذها سقطت عدالته ‪.‬‬ ‫‪14‬‬

‫وانظر تفصيل ذلك في ( شهادة ) ‪.‬‬


‫حكم الرّشوة بالنّسبة للرّاشي ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬الحاجّ ‪:‬‬
‫‪ -‬ل يلزم الحجّ مع الخفارة ‪ ،‬وإن كانت يسير ًة ‪ ،‬لنّها رشوة ‪ ،‬عند الحنفيّة وجمهور‬ ‫‪15‬‬

‫ي الدّين وابن قدامة ‪ :‬يلزمه الحجّ ولو كان‬


‫الحنابلة ‪ ،‬وقال مجد الدّين بن تيميّة وحفيده تق ّ‬
‫يدفع خفار ًة إن كانت يسيرةً ‪.‬‬
‫أمّا الشّافعيّة فلهم تفصيل في المسألة ‪ ،‬قال النّوويّ ‪ :‬ويكره بذل المال للرّصديّين ‪ ،‬لنّهم‬
‫يحرصون على التّعرّض للنّاس بسبب ذلك ‪ ،‬ولو وجدوا من يخفرهم بأجرةٍ ‪ ،‬ويغلب على‬
‫الظّنّ أمنهم به ‪ ،‬ففي لزوم استئجاره وجهان ‪ .‬قال المام ‪ :‬أصحّهما لزومه ‪ ،‬لنّه من أهب‬
‫الطّريق كالرّاحلة ‪.‬‬
‫ومذهب المالكيّة قريب من مذهب الشّافعيّة ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬صاحب الرض الخراجيّة ‪:‬‬
‫‪ -‬يجوز لصاحب الرض الخراجيّة أن يرشو العامل القابض لخراجه ‪ ،‬ويهدي له لدفع‬ ‫‪16‬‬

‫ظل ٍم في خراجه ‪ ،‬لنّه يتوصّل بذلك إلى كفّ اليد العادية عنه ‪ ،‬ول يجوز أن يرشوه أو يهديه‬
‫ليدع عنه خراجا ‪ ،‬لنّه يتوصّل به إلى إبطال حقّ ‪.‬‬
‫ج ‪ -‬القاضي ‪:‬‬
‫‪ -‬مذهب جمهور الفقهاء أنّه يحرم على القاضي أن يرشو لتحصيل القضاء ‪ ،‬ومن تقبّل‬ ‫‪17‬‬

‫ض " ‪ ،‬وأعطى عليه الرّشوة فوليته باطلة ‪.‬‬


‫القضاء بقبال ٍة " عو ٍ‬
‫القاصه وآخرون أنّه‬
‫ّ‬ ‫ّوويه رحمهه ال ‪ :‬لو بذل مالً ليتولّى القضاء ‪ ،‬فقهد أطلق ابهن‬
‫ّ‬ ‫وقال الن‬
‫حرام وقضاؤه مردود ‪.‬‬
‫وقال ابن عابدين نقلً عن ابن نجي مٍ في البحر الرّائق ‪ :‬ولم أر حكم ما إذا تعيّن عليه القضاء‬
‫ل بذله للمال كما يحلّ طلب القضاء ‪.‬‬
‫ل بمالٍ هل يحلّ بذله ؟ وينبغي أن يح ّ‬
‫ولم يولّ إ ّ‬
‫ثمّ قال ابن عابدين ‪ :‬إذا تعيّن على شخصٍ تولّي القضاء يخرج عن عهدة الوجوب بسؤالهم أن‬
‫يولّوه ‪ ،‬فإذا منعهه السهّلطان أثهم بالمنهع ‪ ،‬لنّه منهع الولى وولّى غيره ‪ ،‬فيكون قهد خان اللّه‬
‫ورسوله وجماعة المسلمين ‪ ،‬وإذا منعه لم يبق واجبا عليه ‪ ،‬فل يحلّ له دفع الرّشوة ‪.‬‬
‫وقال الحنابلة ‪ :‬يحرم بذل المال في ذلك أي في ن صبه قاضيا ‪ ،‬ويحرم أ خذ المال على تول ية‬
‫القضاء ‪.‬‬
‫حكم القاضي ‪:‬‬
‫‪ -‬اختلف العلماء في صحّة حكم القاضي المرتشي ‪ ،‬فمذهب جمهور الفقهاء أنّه ل ينفذ‬ ‫‪18‬‬

‫قضاؤه ‪ ،‬وكذلك ل ينفذ قضاؤه إذا تولّى القضاء برشو ٍة ‪.‬‬


‫ولكن لبعض الحنفيّة تفصيل في حكم القاضي المرتشي ‪.‬‬
‫قال منل خسرو في بيان مذهب الحنفيّة ‪ :‬إذا حكم القاضي بالرّشوة سواء كان حكمه قبل أخذه‬
‫الرّشوة أو بعد أخذ الرّشوة ففي ذلك اختلف على ثلثة أقوالٍ ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬فعلى قولٍ ‪ :‬أنّ حكم القاضي صحيح إذا كان موافقا للمسألة الشّرعيّة ‪ ،‬سواء في الدّعوى‬
‫ن حاصل أخذ‬
‫الّتي ارتشى فيها أو الّتي لم يرتش فيها ‪ ،‬وبأخذ الرّشوة ل يبطل الحكم ‪ ،‬ل ّ‬
‫الرّشوة هو فسق القاضي ‪ ،‬وبما أنّ فسق القاضي ل يوجب انعزاله فولية القاضي باقية‪ ،‬وإذا‬
‫كان قضاؤه بحقّ يلزم نفاذ قضائه ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬وعلى قولٍ آخر ‪ :‬ل ينفذ حكم القاضي في الدّعوى الّتي ارتشى فيها ‪ ،‬قال قاضي خان‪:‬‬
‫ن القاضي لو أخذ رشو ًة وحكم فحكمه غير نافذٍ ‪ ،‬ولو كان حكمه بحقّ ‪ ،‬لنّ القاضي في‬
‫إّ‬
‫هذه الصّورة يكون قد استؤجر للحكم ‪ ،‬والستئجار للحكم باطل ‪ ،‬لنّ القضاء واجب على‬
‫القاضي ‪.‬‬
‫ث ‪ :‬أنّه ل ينفذ حكم القاضي المرتشي في جميع الدّعاوى الّتي حكم فيها‪.‬‬
‫ج ‪ -‬وعلى قولٍ ثال ٍ‬
‫وهذا قول الخصّاف والطّحاويّ ‪.‬‬
‫انعزال القاضي ‪:‬‬
‫‪ -‬ذهب الشّافعيّة ‪ -‬في المعتمد ‪ -‬والحنابلة ‪ ،‬وأبو حنيفة ‪ ،‬والخصّاف ‪ ،‬والطّحاويّ من‬ ‫‪19‬‬

‫الحنفيّة وابن القصّار من المالكيّة إلى أنّ الحاكم ينعزل بفسقه ‪ ،‬ومن ذلك قبوله الرّشوة ‪ .‬قال‬
‫ل حكمٍ حكم به بعد‬
‫أبو حنيفة ‪ :‬إذا ارتشى الحاكم انعزل في الوقت وإن لم يعزل ‪ ،‬وبطل ك ّ‬
‫ذلك ‪.‬‬
‫ومذهب الخرين أنّه ل ينعزل بذلك ‪ ،‬بل ينعزل بعزل الّذي وله ‪.‬‬
‫أثر الرّشوة ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬في التّعزير ‪:‬‬
‫‪ -‬هذه الجريمة ليس فيها عقوبة مقدّرة فيكون فيها التّعزير ‪.‬‬ ‫‪20‬‬

‫انظر ‪ :‬تعزير ‪.‬‬


‫ب ‪ -‬دعوى الرّشوة على القاضي ‪:‬‬
‫‪ -‬للقاضي أن يؤدّب خصما افتات عليه بقوله حكمت عليّ بغير حقّ ‪ ،‬أو ارتشيت ونحوه‬ ‫‪21‬‬

‫بضربٍ ل يزيد على عشرة أسواطٍ وحبس ‪ ،‬وأن يعفو عنه ‪ ،‬ولو لم يثبت افتياته عليه ببيّنةٍ‪.‬‬
‫ج ‪ -‬في الحكم بالرّشد ‪:‬‬
‫‪ -‬صرف المال في مح ّرمٍ كرشو ٍة عدم صلحٍ للدّين وللمال ‪ ،‬ممّا يؤثّر في الحكم برشد‬ ‫‪22‬‬

‫الصّبيّ ‪.‬‬
‫د ‪ -‬المال المأخوذ ‪:‬‬
‫‪ -‬إن قبل الرّشوة أو الهديّة حيث حرّم القبول وجب ردّها إلى صاحبها ‪ ،‬كمقبوضٍ بعقدٍ‬ ‫‪23‬‬

‫فاسدٍ ‪ ،‬وقيل تؤخذ لبيت المال لخبر ابن اللّتبيّة ‪.‬‬


‫وقال ابن تيميّة فيمن تاب عن أخذ مالٍ بغير حقّ ‪ :‬إن علم صاحبه دفعه إليه ‪ ،‬وإلّ دفعه في‬
‫مصالح المسلمين ‪.‬‬

‫رضا *‬
‫التّعريف ‪:‬‬
‫‪ -‬الرّضا لغ ًة ‪ :‬مصدر رضي يرضى رضا ‪ -‬بكسر الرّاء وضمّها ‪ ،‬ورضوانا ‪ -‬بالكسر‬ ‫‪1‬‬

‫ضمّ ‪ .‬فيقال ‪ :‬رضيت الشّيء ‪ ،‬ورضيت عنه ‪ ،‬وعليه ‪ ،‬وبه ‪.‬‬


‫وال ّ‬
‫وهو بمعنى ‪ :‬سرور القلب وطيب النّفس ‪ ،‬وضدّ السّخط والكراهية ‪.‬‬
‫والرّضاء ‪ -‬بالمدّ ‪ -‬اسم مصدرٍ عند الخفش ‪ ،‬ومصدر راضى بمعنى المفاعلة عند غيره ‪،‬‬
‫فيكون حينئ ٍذ بمعنى المراضاة والموافقة ‪.‬‬
‫والتّراضي ‪ :‬مصدر تراضى ‪ ،‬وهو حقيقة في المشاركة ‪ ،‬حيث قال القرطبيّ في قوله تعالى‪:‬‬
‫ض مّنكُمْ } جاءت من التّفاعل ‪ ،‬إذ التّجارة بين اثنين ‪ ،‬أي عن‬
‫ن ِتجَارَةً عَن َترَا ٍ‬
‫ل أَن َتكُو َ‬
‫{ ِإ ّ‬
‫رضا ك ّل منهما ‪.‬‬
‫‪ -‬وفي الصطلح ‪ :‬عرّفه الحنفيّة بأنّه ‪ :‬امتلء الختيار ‪ ،‬أي بلوغه نهايته ‪ ،‬بحيث‬ ‫‪2‬‬

‫يفضي أثره إلى الظّاهر من ظهور البشاشة في الوجه ‪ ،‬ونحوها ‪ ،‬وبعبارةٍ أخرى لخصّها‬
‫ن الرّضا ‪ :‬إيثار الشّيء واستحسانه ‪.‬‬
‫ي منهم ‪ ،‬هي أ ّ‬
‫التّفتازانيّ ‪ ،‬وابن عابدين ‪ ،‬والرّهاو ّ‬
‫وعرّفه الجمهور بأنّه قصد الفعل دون أن يشوبه إكراه ‪.‬‬
‫ص من الرّضا عند الجمهور ‪ ،‬فمجرّد القصد إلى‬
‫فعلى ضوء ذلك ‪ :‬إنّ الرّضا عند الحنفيّة أخ ّ‬
‫تحقيق أثرٍ في المعقود عليه يسمّى الرّضا عند الجمهور ‪ ،‬وإن لم يبلغ الختيار غايته ‪ ،‬ولم‬
‫يظهر السّرور ‪ ،‬في حين ل يسمّى به عند الحنفيّة إلّ إذا تحقّق الستحسان والتّفضيل على‬
‫أقلّ تقديرٍ ‪.‬‬
‫اللفاظ ذات الصّلة ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬الرادة ‪:‬‬
‫‪ -‬الرادة لغةً المشيئة ويستعملها الفقهاء بمعنى القصد إلى الشّيء والتّجاه إليه ‪ ،‬وقد‬ ‫‪3‬‬

‫تحصل الرادة دون الرّضا ‪.‬‬


‫وينظر التّفصيل في مصطلح ‪ ( :‬إرادة ) ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬ال ّنيّة ‪:‬‬
‫‪ -‬ال ّنيّة لغ ًة ‪ :‬القصد وعزم القلب ‪ ،‬وفي الصطلح عرّفها الجمهور بأنّها عقد القلب على‬ ‫‪4‬‬

‫إيجاد الفعل جزما ‪ ،‬وعرّفها الشّافعيّة بأنّها قصد الشّيء مقترنا بفعله ‪ ،‬فال ّنيّة مرتبطة بالعمل‪.‬‬
‫ج ‪ -‬القصد ‪:‬‬
‫‪ -‬القصد لغةً ‪ :‬العتزام والتّوجّه ‪ ،‬والنّهوض نحو الشّيء ‪ ،‬وفي اصطلح الفقهاء هو‬ ‫‪5‬‬

‫العزم المتّجه نحو إنشاء فعلٍ ‪.‬‬


‫د ‪ -‬الذن ‪:‬‬
‫‪ -‬الذن لغةً ‪ :‬هو الباحة ‪ ،‬وإطلق الفعل ‪ ،‬والرادة ‪ ،‬حيث يقال ‪ :‬بإذن اللّه ‪ ،‬أي بإرادته‬ ‫‪6‬‬

‫‪ ،‬والمراد به في إطلق الفقهاء ‪ :‬تفويض المر إلى آخر ‪ ،‬فيقولون ‪ :‬صبيّ مأذون ‪ ،‬أو عبد‬
‫مأذون في التّجارة ‪ ،‬وهو تعبير عن الرّضا ‪.‬‬
‫هه – الكراه ‪:‬‬
‫– الكراه والجبار ‪ ،‬وهما من أضداد " الرّضا " ‪.‬‬ ‫‪7‬‬

‫وينظر التّفصيل في مصطلح ‪ ( :‬إكراه ) ‪.‬‬


‫و ‪ -‬الختيار ‪:‬‬
‫‪ -‬الختيار لغةً ‪ :‬الصطفاء ‪ ،‬واليثار ‪ ،‬والتّفضيل ‪ ،‬وفي اصطلح الفقهاء عرّفه الحنفيّة‬ ‫‪8‬‬

‫ل في قدرة الفاعل بترجيح أحد المرين‬


‫بأنّه " القصد إلى أمرٍ متر ّددٍ بين الوجود والعدم داخ ٍ‬
‫على الخر " ‪.‬‬
‫ولخصّه بعضهم بقولهم ‪ " :‬القصد إلى الشّيء وإرادته " ‪.‬‬
‫وعرّفه الجمهور ‪ " :‬أنّه القصد إلى الفعل وتفضيله على غيره " ‪.‬‬
‫وسبق التّفصيل فيه في مصطلح ( اختيار ) ‪.‬‬
‫حقيقة الرّضا وعلقته بالختيار ‪:‬‬
‫م ‪ -‬ذهب الحنفيّة إلى أنّ الرّضا والختيار شيئان مختلفان من حيث المعنى الصطلحيّ‬ ‫‪8‬‬

‫والثار ‪ ،‬في حين ذهب الجمهور إلى أنّهما مترادفان ‪.‬‬


‫ن الرّضا أخصّ من الختيار ‪ ،‬قسّموا الختيار إلى ثلثة أقسامٍ‬
‫وعلى ضوء ما ذكره الحنفيّة أ ّ‬
‫يوجد الرّضا في أحدها ‪ ،‬وينعدم في قسمين ‪:‬‬
‫‪ -‬اختيار صحيح ‪ ،‬وهو ما يكون صاحبه متمتّعا بالهليّة الكاملة دون إكراهٍ ملجئٍ أو كما‬ ‫‪1‬‬

‫يقول البزدويّ وعبد العزيز البخاريّ ‪ :‬ما يكون الفاعل في قصده مستبدّا ‪ -‬أي مستقلً ‪.‬‬
‫والختيار الصّحيح ‪ -‬عندهم ‪ -‬يتحقّق حتّى وإن صاحبه إكراه ما لم يكن ملجئا ‪ ،‬لكن الرّضا‬
‫ن الختيار‬
‫ع من الكراه ‪ ،‬وأمّا إذا وجد إكراه غير ملجئٍ ‪ ،‬فإ ّ‬
‫يتحقّق إذا لم يكن معه أيّ نو ٍ‬
‫صحيح ‪ ،‬والرّضا فاسد ‪.‬‬
‫‪ -‬اختيار باطل وهو حينما يكون صاحبه مجنونا ‪ ،‬أو صبيّا غير مميّزٍ ‪ ،‬وحينئذٍ يكون‬ ‫‪2‬‬

‫الرّضا معدوما أيضا ‪.‬‬


‫ص آخر ‪ ،‬أي أن يتمّ في ظلّ إكراهٍ‬
‫‪ -‬اختيار فاسد ‪ ،‬وهو ما إذا كان مبنيّا على إرادة شخ ٍ‬ ‫‪3‬‬

‫ملجئٍ ‪ ،‬وحينئذٍ يكون الرّضا معدوما ‪.‬‬


‫فالكراه في نظر الحنفيّة ل ينافي الختيار حيث قد يكون صحيحا مع الكراه غير الملجئ ‪،‬‬
‫ويكون فاسدا مع الكراه الملجئ ‪ ،‬ولكن الكراه بقسميه ينافي الرّضا ‪.‬‬
‫‪ -9‬وهذه القسام الثّلثة لها علقة ‪ -‬كقاعدةٍ عا ّمةٍ ‪ -‬بتقسيمهم العقود إلى الصّحيح ‪ ،‬والباطل‬
‫‪ ،‬والفاسد ‪.‬‬
‫ل من الختيار والرّضا‬
‫ن المعنى اللّغويّ لك ّ‬
‫وتتلخّص وجهة نظر الحنفيّة في هذه التّفرقة في أ ّ‬
‫مختلف ‪ ،‬فالرّضا هو ضدّ السّخط ‪ ،‬وسرور القلب وارتياح النّفس بحيث تظهر آثاره على‬
‫الوجه ‪ ،‬وأمّا الختيار فل تلحظ فيه هذه المعاني ‪ ،‬بالضافة إلى أنّ الشّرع فرّق بين‬
‫التّصرّفات ‪ ،‬حيث اشترط الرّضا في العقود الماليّة ‪ ،‬فقال تعالى ‪ { :‬يَا َأ ّيهَا اّلذِينَ آ َمنُو ْا لَ‬
‫َت ْأكُلُواْ َأ ْموَاَل ُكمْ َب ْي َنكُمْ بِا ْلبَاطِلِ ِإلّ أَن َتكُونَ ِتجَارَةً عَن َترَاضٍ مّن ُكمْ } في حين لم يشترط الرّضا‬
‫ي صلى ال عليه‬
‫في بعض تصرّفاتٍ غير ماليّ ٍة ‪ ،‬مثل الطّلق والنّكاح والرّجعة ‪ ،‬فقال النّب ّ‬
‫ن جدّ ‪ :‬الطّلق ‪ ،‬والنّكاح ‪ ،‬والرّجعة « ومن المعلوم‬
‫ن جدّ ‪ ،‬وهزله ّ‬
‫وسلم ‪ » :‬ثلث جدّه ّ‬
‫بداهةً أنّ الرّضا بآثار العقد ل يتحقّق مع الهزل ‪ ،‬مع أنّه ل يؤثّر في هذه العقود ‪ ،‬وعلى‬
‫ضوء ذلك قسّموا العقود فجعلوا بعضها ل يحتاج إلى الرّضا وهي العقود الّتي سمّوها بالعقود‬
‫غير القابلة للفسخ ‪ ،‬وهي النّكاح ‪ ،‬والطّلق ‪ ،‬والرّجعة ‪ .‬واشترطوا في بعضها الرّضا ‪،‬‬
‫وهي العقود الماليّة ‪ ،‬ثمّ جعلوا الختيار أساسا لجميع العقود ‪.‬‬
‫‪ -‬ولم يعترف الجمهور بهذا التّقسيم الثّلثيّ للختيار ‪ ،‬حيث هو محصور عندهم في‬ ‫‪10‬‬

‫الصّحيح والباطل ‪ ،‬كما أنّ الكراه عندهم ينافي الختيار كما ينافي الرّضا ‪ ،‬قال الشّاطبيّ ‪:‬‬
‫فالعمل إذا تعلّق به القصد تعلّقت به الحكام التّكليفيّة ‪ ،‬وإذا عرّي عن القصد لم يتعلّق به‬
‫شيء منها ‪.‬‬
‫فلو فرضنا العمل مع عدم الختيار كالملجأ ‪ ،‬والنّائم والمجنون ‪ ،‬فل يتعلّق بأفعالهم مقتضى‬
‫ل بالختيار ل بدّ فيه من قصدٍ‪.‬‬
‫الدلّة ‪ ،‬فليس هذا النّمط بمقصو ٍد للشّارع ‪ ،‬فبقي ما كان مفعو ً‬
‫ن طلق المكره ل يقع ‪ ،‬لنّه ساقط الختيار ‪ ،‬ونقل ابن ال ّنجّار عن‬
‫وصرّح الغزاليّ وغيره بأ ّ‬
‫ن الكراه يزيل الختيار ‪.‬‬
‫أحمد قوله ‪ :‬إ ّ‬
‫آثار هذا الختلف ‪:‬‬
‫‪ -‬لم يكن هذا الخلف بين الحنفيّة والجمهور لفظيّا ل تترتّب عليه الثار ‪ ،‬وإنّما خلف‬ ‫‪11‬‬

‫معنويّ ثبت عليه آثار فقهيّة تظهر في تصرّفات وعقود الهازل ‪ ،‬والمكره ‪ ،‬والمخطئ ‪،‬‬
‫والسّكران ‪ ،‬ومن لم يفهم المعنى الموضوع لليجاب والقبول ‪ ،‬حيث ذهب الحنفيّة إلى صحّة‬
‫العقود غير الماليّة من هؤلء ‪ ،‬فطلق هؤلء ‪ ،‬ونكاحهم ورجعتهم ونحوها صحيح ‪ -‬كقاعدةٍ‬
‫عامّ ٍة ‪ -‬اعتمادا على أصل القصد والختيار ‪ ،‬ووجود العبارة الصّادرة منهم ‪ ،‬فلو أراد‬
‫شخص أن يقول لزوجته ‪ :‬يا عالمة ‪ ،‬فسبق لسانه فقال ‪ :‬أنت طالق فقد وقع طلقه عندهم ‪،‬‬
‫وعلّل ذلك عبد العزيز البخاريّ الحنفيّ بقوله ‪ :‬اعتبارا بأنّ القصد أمر باطن ل يوقف عليه ‪،‬‬
‫فل يتعلّق بوجوده حقيقةً ‪ ،‬بل يتعلّق بالسّبب الظّاهر الدّالّ عليه ‪ ،‬وهو أهليّة القصد بالعقد‬
‫والبلوغ نفيا للحرج ‪.‬‬
‫ن السّكر وإن كان يعدم القصد الصّحيح ‪ ،‬لكنّه ل‬
‫وقال في تعليل وقوع طلق السّكران ‪ :‬إ ّ‬
‫يعدم العبارة ‪ ،‬ويقول الحصكفيّ في ‪ :‬ول يشترط العلم بمعنى اليجاب والقبول فيما يستوي‬
‫فيه الجدّ والهزل مثل الطّلق والنّكاح ‪ ،‬ولم يحتج لنيّةٍ ‪ ،‬وبه يفتى ‪.‬‬
‫وأمّا العقود الماليّة ‪ -‬مثل البيع والجارة ‪ -‬فاشترط فيها الختيار عندهم للنعقاد ‪ ،‬واشترط‬
‫لصحّتها الرّضا ‪ ،‬فإذا تحقّقا في التّصرّف كان صحيحا ومنعقدا ‪-‬مع توفّر الشّروط الخرى‬
‫‪ -‬وإذا انعدم الختيار انعدم العقد وأصبح باطلً ‪ ،‬وأمّا إذا وجد الختيار وانعدم الرّضا فإنّ‬
‫العقد يكون فاسدا ‪.‬‬
‫ل دليل‬
‫وأمّا الجمهور فاشترطوا وجود الرّضا ‪ -‬أي الختيار ‪ -‬في جميع العقود ‪ ،‬إلّ إذا د ّ‬
‫خاصّ على عدم اعتباره في عق ٍد خاصّ ‪ ،‬مثل الهزل في الطّلق والنّكاح والرّجعة ‪.‬‬
‫‪ -‬ثمّ إنّ التّحقيق أنّ الحنفيّة فرّقوا بين ثلثة أمورٍ ‪:‬‬ ‫‪12‬‬

‫أ ‪ -‬العبارة الصّادرة ممّن له الهليّة ‪ ،‬والموضوعة للدّللة على ترتيب الثار ‪ ،‬كبعت ‪،‬‬
‫وطلّقت ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬قصد العبارة دون قصد الثر المترتّب عليها ‪ ،‬وهو الختيار ‪.‬‬
‫ج ‪ -‬قصد العبارة والثر ‪ ،‬وهو الرّضا ‪.‬‬
‫فالوّل هو ركن في جميع التّصرّفات والعقود ‪ ،‬أو شرط لنعقادها ‪ ،‬والثّاني شرط لنعقاد‬
‫العقود الماليّة ‪ ،‬وليس شرطا للعقود الّتي يستوي فيها الجدّ والهزل كالطّلق والنّكاح ونحوهما‬
‫‪ ،‬ولذلك يقع طلق السّكران ‪ ،‬والمكره ‪ ،‬والسّاهي عندهم ‪ ،‬والختيار بهذا المعنى ل ينافي‬
‫الكراه ‪ ،‬بل يجتمع معه ‪ ،‬ولذلك تنعقد عقود المكره الماليّة ‪ ،‬ولكنّها ل تكون صحيحةً نافذة‬
‫العقود ‪ ،‬لكونها تحتاج إلى شرطٍ آخر وهو الرّضا ‪.‬‬
‫وأمّا الثّالث فهو شرط لصحّة العقود الماليّة ‪ ،‬وليس بشرطٍ في العقود غير الماليّة إطلقا ‪.‬‬
‫وأمّا جمهور الفقهاء ‪ ،‬فجعلوا العبارة هي الوسيلة ‪ ،‬وإنّما الساس هو القصد ‪ ،‬وهو المقصود‬
‫بالرّضا والختيار ‪ ،‬سواء أكان ذلك في العقود الماليّة أم غير الماليّة ‪ ،‬يقول الشّاطبيّ ‪:‬‬
‫فالعمل إذا تعلّق به القصد تعلّقت به الحكام التّكليفيّة ‪ ،‬وإذا عرّي عن القصد لم يتعلّق به‬
‫شيء منها ‪.‬‬
‫وقال العزّ بن عبد السّلم ‪ :‬مدار العقود على العزوم والقصود ‪.‬‬
‫ي ‪ :‬الرّكن الثّالث ‪ -‬أي من أركان الطّلق ‪ -‬القصد إلى لفظ الطّلق‬
‫ويقول الغزاليّ والنّوو ّ‬
‫ومعناه ‪ ،‬ولذلك ل يقع عندهم طلق المكره والمخطئ والسّاهي والغافل ونحوهم ‪.‬‬
‫وأمّا الخلف فيما بين الجمهور في طلق السّكران فيعود في الواقع إلى مدى النّظرة إلى‬
‫عقابه وردعه ‪ ،‬ولذلك ل يقع طلقه بالجماع إذا كان غير متعدّ بسكره ‪ ،‬وإنّما الخلف في‬
‫السّكران بتعدّ ‪ ،‬حيث نظر الّذين أوقعوا طلقه إلى أنّ القول به رادع له عن ذلك ‪ ،‬أو يكيّف‬
‫فقهيّا بأنّ رضاه بتناول المسكر الّذي يعلم بأنّ عقله سيغيب به رضا بالنّتائج الّتي تترتّب عليه‬
‫‪.‬‬
‫وكما يشترط في تحقّق الرّضا قصد العبارة ‪ -‬أو التّعبير عنه ‪ -‬فل بدّ كذلك من قصد الثار‬
‫المترتّبة عليه ‪ ،‬فالمكره مثلً قصد العبارة مثل بعت لكنّه لم يقصد انتقال الملكيّة ‪ ،‬وإنّما تنفيذ‬
‫ما هدّده المكره ‪ -‬بكسر الرّاء ‪ -‬وكذلك ل يتحقّق قصد الثار إلّ إذا كان عالما بها في الجملة‬
‫‪ ،‬فلو ردّد شخص وراء آخر " بعت " أو " قبلت " ولم يفهم معناه ‪ ،‬لم يتمّ القصد ‪ ،‬يقول‬
‫الغزاليّ ‪ :‬ولكنّ شرطه ‪ -‬أي القصد ‪ -‬الحاطة بصفات المقصود ‪.‬‬
‫ويقول ابن القيّم ‪ :‬فإن لم يكن ‪ -‬أي العاقد ‪ -‬عالما بمعناها ‪ -‬أي العبارة ‪ ،‬ول مقصودا له لم‬
‫تترتّب عليها أحكامها أيضا ‪ ،‬ول نزاع بين أئمّة السلم في ذلك ‪.‬‬
‫الحكم الجماليّ ‪:‬‬
‫ل أموال النّاس منوط بالرّضا ‪ ،‬لقوله تعالى ‪ { :‬يَا َأ ّيهَا‬
‫نحّ‬
‫‪ -‬ل خلف بين الفقهاء في أ ّ‬ ‫‪13‬‬

‫ل َت ْأكُلُواْ َأ ْموَاَل ُكمْ َب ْينَ ُكمْ بِا ْلبَاطِلِ ِإلّ أَن َتكُونَ ِتجَارَةً عَن َترَاضٍ مّن ُكمْ } ‪.‬‬
‫اّلذِينَ آ َمنُواْ َ‬
‫ي صلى ال عليه وسلم ‪ » :‬إنّما البيع عن تراضٍ « ‪.‬‬
‫ولقول النّب ّ‬
‫ل ما طابت به نفسه « ‪ ،‬وفي روايةٍ ‪ » :‬ل يحلّ‬
‫وقوله ‪ » :‬ول يحلّ لمرئٍ من مال أخيه إ ّ‬
‫س « ‪ ،‬واختلفوا في كون الرّضا في التّصرّفات شرطا أو ل ؟‬
‫ل بطيب نف ٍ‬
‫مال امرئٍ مسلمٍ إ ّ‬
‫ن الرّضا شرط لصحّة العقود الّتي تقبل الفسخ – وهي العقود الماليّة من‬
‫فذهب الحنفيّة إلى أ ّ‬
‫ل مع التّراضي ‪ ،‬وقد تنعقد الماليّة لكنّها تكون‬
‫بيعٍ وإجارةٍ ‪ ،‬ونحوها – أي أنّها ل تصحّ إ ّ‬
‫ن من شروط صحّة هذه العقود‬
‫فاسد ًة كما في بيع المكره ونحوه ‪ ،‬ويقول المرغينانيّ ‪ :‬ل ّ‬
‫التّراضي ‪ ،‬وجاء في التّلويح ‪ :‬أنّه – أي البيع – يعتمد القصد تصحيحا للكلم ‪ ،‬ويعتمد‬
‫الرّضا ‪ ،‬لكونه ممّا يحتمل الفسخ ‪ ،‬بخلف الطّلق ‪.‬‬
‫وقد صرّح الحنفيّة بأنّ أصل العقود الماليّة تنعقد بدون الرّضا ‪ ،‬لكنّها ل تكون صحيحةً ‪،‬‬
‫يقول أمير بادشاه الحنفيّ ‪ :‬وينعقد بيع المخطئ نظرا إلى أصل الختيار ‪ ،‬لنّ الكلم صدر‬
‫عنه باختياره ‪ ،‬أو بإقامة البلوغ مقام القصد ‪ ،‬لكن يكون فاسدا غير نافذٍ لعدم الرّضا حقيقةً‪.‬‬
‫وأمّا العقود الّتي ل تقبل الفسخ في نظرهم ‪ ،‬فالرّضا ليس شرطا لصحّتها ول له أثر فيها ‪،‬‬
‫فقد ذكر الفقيه أبو اللّيث السّمرقنديّ التّصرّفات الّتي تصحّ مع الكراه عندهم ‪ ،‬فبلغت ثمانية‬
‫عشر تصرّفا ‪ ،‬منها الطّلق ‪ ،‬والنّكاح ‪ ،‬والعتاق ‪ ،‬والرّجعة ‪ ،‬والحلف بطلقٍ وعتاقٍ‬
‫وظهارٍ‪ ،‬واليلء ‪ ،‬وقبول المرأة الطّلق على مالٍ ‪.‬‬
‫ن الغفلة عن معنى اللّفظ خفيّ ‪ ،‬فأقيم تمييز‬
‫ويقول ابن الهمام ‪ :‬ويقع طلق المخطئ ‪ ،‬ل ّ‬
‫ن حقيقة العقد تعلّق بالسّبب الظّاهر الدّالّ‬
‫البلوغ مقامه ‪ ،‬وعلّل عبد العزيز البخاريّ ذلك بأ ّ‬
‫عليه ‪.‬‬
‫ن الرّضا أصل أو أساس أو شرط للعقود‬
‫وأمّا جمهور الفقهاء فتدور عباراتهم بين التّصريح بأ ّ‬
‫كلّها ‪ ،‬فعلى ضوء ما صرّحوا به إذا لم يتحقّق الرّضا ل ينعقد العقد ‪ ،‬سواء أكان ماليّا أم‬
‫غير ماليّ ‪ ،‬يقول الدّسوقيّ والخرشيّ وغيرهما ‪ :‬إنّ المطلوب في انعقاد البيع ما يدلّ على‬
‫ن انتقال الملك متوقّف على الرّضا ‪ ،‬ويقول الزّنجانيّ الشّافعيّ ‪ :‬الصل الّذي‬
‫الرّضا ‪ ،‬وإ ّ‬
‫تبنى عليه العقود الماليّة اتّباع التّراضي ‪.‬‬
‫ن التّراضي شرط من شروط صحّة العقد ما لم يكره بحقّ ‪ ،‬كالّذي يكرهه‬
‫ويصرّح الحنابلة بأ ّ‬
‫الحاكم على بيع ماله لوفاء دينه ‪.‬‬
‫ن الرّضا أمر خفيّ ل يطّلع عليه ‪ ،‬لنّه ميل النّفس فأنيط الحكم بسببٍ ظاهرٍ‬
‫‪ -‬هذا ‪ ،‬وإ ّ‬ ‫‪14‬‬

‫ل أو فعلٍ أو‬
‫وهو الصّيغة الّتي هي اليجاب والقبول ‪ ،‬فينعقد العقد بما يدلّ على الرّضا من قو ٍ‬
‫إشارةٍ ‪.‬‬
‫عيوب الرّضا ‪:‬‬
‫ن " الرّضا " بمعناه الصطلحيّ إنّما يتحقّق إذا وجد القصد إلى آثار العقد ‪ ،‬ولكنّه‬
‫م‪-‬إّ‬ ‫‪14‬‬

‫ب يؤثّر فيه ‪ ،‬وذلك إنّما يتحقّق إذا كان "‬


‫إنّما تترتّب عليه الثار الشّرعيّة إذا سلم من كلّ عي ٍ‬
‫الرّضا " سليما أي بأن يكون حرّا طليقا ل يشوبه ضغط ول إكراه ‪ ،‬ول يتقيّد بمصلحة أحدٍ‬
‫كرضا المريض ‪ ،‬أو الدّائن المفلس ‪ ،‬وأن يكون واعيا فل يحول دون إدراك الحقيقة جهل ‪،‬‬
‫أو تدليس وتغرير ‪ ،‬أو استغلل ‪ ،‬أو غلط أو نحو ذلك ممّا يعوق إدراكه ‪.‬‬
‫فمن عيوب الرّضا الكراه والجهل والغلط ‪ ،‬والتّدليس والتّغرير ‪ ،‬والستغلل وكون الرّضا ‪:‬‬
‫ص آخر ‪ ،‬يقول الغزاليّ والنّوويّ وغيرهما ‪:‬‬
‫مقيّدا برضا شخ ٍ‬
‫يختلّ القصد بخمسة أسبابٍ ‪ :‬سبق اللّسان ‪ ،‬والهزل ‪ ،‬والجهل ‪ ،‬والكراه ‪ ،‬واختلل العقل ‪.‬‬
‫فإذا وجد عيب من هذه العيوب ‪ ،‬أو بعبار ٍة أخرى إذا لم يتوفّر شرط من شروط الرّضا فإنّ‬
‫ف فيهما بين الجمهور والحنفيّة‪-‬‬
‫العقد في بعض الحوال يكون فاسدا ‪ ،‬أو باطلً ‪ -‬على خل ٍ‬
‫ويكون في بعض الحوال غير لزمٍ ‪ ،‬أي يكون لحد العاقدين ‪ ،‬أو كليهما حقّ الخيار ‪ ،‬ومن‬
‫هنا فإنّ هذه العيوب بعضها يؤثّر في الرّضا تأثيرا مباشرا ‪ ،‬فيكون العقد الّذي تمّ في ظلّه‬
‫فاسدا أو باطلً كما في الكراه ‪ ،‬وبعضها يؤثّر في إلزاميّة الرّضا ‪ ،‬فيكون العقد الّذي تمّ في‬
‫ق الخيار ‪ ،‬مثل التّدليس ‪ ،‬والتّغرير ‪ ،‬والستغلل ونحوها‪،‬‬
‫ظلّه غير ملزمٍ ‪ ،‬بل يكون لعاق ٍد ح ّ‬
‫وبعبارةٍ أخرى فإنّ هذه الشّروط منها ما هو شرط لصحّة الرّضا ككونه لم يقع تحت إكراهٍ ‪،‬‬
‫ومنها ما هو شرط للزومه ‪ ،‬ككونه لم يشبه غلط أو استغلل ‪ ،‬أو تدليس ‪ ،‬على تفصيلٍ كبيرٍ‬
‫وخلفٍ ‪.‬‬
‫ونحيل لحكام هذه المسائل إلى مصطلحاتها الخاصّة في الموسوعة ‪.‬‬
‫وسائل التّعبير عن الرّضا ‪:‬‬
‫‪ -‬إنّ الرّضا في حقيقته ‪ -‬كما سبق ‪ -‬هو القصد ‪ ،‬وهو أمر باطنيّ ليس لنا من سبيلٍ إليه‬ ‫‪15‬‬

‫إلّ من خلل وسائل تعبّر عنه ‪ ،‬وهي اللّفظ والفعل ‪ -‬أي البذل ‪ -‬والكتابة ‪ ،‬والشارة ‪،‬‬
‫والسّكوت في معرض البيان ‪.‬‬
‫ي بعد أن ذكر ضرورة وجود الرّضا حقيق ًة ‪ :‬لكنّه لمّا خفي نيط باللّفظ الدّالّ‬
‫يقول البيضاو ّ‬
‫عليه صريحا ‪.‬‬
‫ن اللّه تعالى وضع اللفاظ بين عباده تعريفا ودلل ًة على ما في نفوسهم ‪،‬‬
‫ويقول ابن القيّم ‪ :‬إ ّ‬
‫فإذا أراد أحدهم من الخر شيئا عرّفه بمراده وما في نفسه بلفظه ‪ ،‬ورتّب على تلك الرادات‬
‫والمقاصد أحكامها بواسطة اللفاظ ‪ ،‬ولم يرتّب تلك الحكام على مجرّد ما في النّفوس من‬
‫ن المتكلّم بها لم يرد معانيها ولم‬
‫غير دللة فعلٍ ‪ ،‬أو قولٍ ‪ ،‬ول على مجرّد ألفاظٍ مع العلم بأ ّ‬
‫يحط بها علما ‪ ،‬بل تجاوز للمّة عمّا حدّثت به أنفسها ما لم تعمل ‪ ،‬أو تكلّم به ‪ .‬فإذا اجتمع‬
‫القصد والدّللة القوليّة ‪ ،‬أو الفعليّة ترتّب الحكم ‪ ،‬هذه قاعدة الشّريعة ‪ ،‬وهي من مقتضيات‬
‫عدل اللّه وحكمته ورحمته ‪ ،‬فإنّ خواطر القلوب وإرادة النّفوس ل تدخل تحت الختيار ‪.‬‬
‫وسنوجز القول في دللة هذه الوسائل ‪:‬‬
‫‪ -‬دللة اللّفظ على الرّضا ‪ ،‬حيث هو الوسيلة الولى والفضل في التّعبير عن الرّضا ‪،‬‬ ‫‪16‬‬

‫ول خلف بين الفقهاء في ذلك ‪ ،‬وإن كان الخلف فيه منصبّا على بعض الصّيغ ‪ ،‬كصيغ‬
‫الستفهام ‪ ،‬أو الكناية ‪ ،‬أو المضارع ‪ ،‬حيث وقف بعض الفقهاء عند ملحظة نوعيّة الدّللة‬
‫اللّغويّة ‪ ،‬واشترطوا أن ل يكون فيها احتمال ‪ ،‬في حين أنّ جماع ًة من الفقهاء ‪ -‬منهم المالكيّة‬
‫ن المرجع في ذلك هو‬
‫ن العمدة في ذلك دللة اللّفظ على المقصود ‪ ،‬وأ ّ‬
‫‪ -‬ذهبوا إلى أ ّ‬
‫العرف ‪ ،‬كما أنّ القرينة أيضا لها دور في جعل اللّفظ دالً على المقصود ‪.‬‬
‫وهناك تفصيل واسع يذكر في مصطلح ‪ ( :‬عقد ) ‪.‬‬
‫‪ -‬دللة الفعل على الرّضا " البذل " أي عرض الشّخص المعقود عليه فيأخذه الخر فيدفع‬ ‫‪17‬‬

‫قيمته ‪ ،‬وهذا ما يسمّى بالمعاطاة ‪ ،‬أي من الطّرفين ‪ ،‬أو القول من أحدهما والعرض من‬
‫الخر ‪ ،‬أي العطاء من أحدٍ دون قولٍ ‪ ،‬والجانب الثّاني يعبّر عن الرّضا بالقول ‪ ،‬أو الكتابة‬
‫‪ ،‬أو نحوهما ‪.‬‬
‫وقد ثار الخلف في مدى دللته على الرّضا على ثلثة آرا ٍء موجزها ‪:‬‬
‫الرّأي الوّل ‪ :‬عدم صلحية الفعل " البذل " للتّعبير عن الرّضا في العقود ‪ ،‬هذا رأي الشّافعيّة‬
‫في المشهور عندهم ‪.‬‬
‫الرّأي الثّاني ‪ :‬صلحيته للدّللة على الرّضا ‪ ،‬وإنشاء العقد به مطلقا ‪ ،‬وهذا مذهب الحنفيّة ‪-‬‬
‫ما عدا الكرخيّ ‪ -‬والمالكيّة ‪ ،‬والحنابلة ‪ -‬ما عدا القاضي ‪ -‬واختاره جماعة من الشّافعيّة‬
‫منهم البغويّ والن