You are on page 1of 265

‫بسم ال الرحمن الرحيم‬

‫الموسوعة الفقهية ‪ /‬الجزء الرابع والعشرون‬

‫زلزلة *‬

‫انظر ‪ :‬صلة الكسوف ‪ ،‬وصلة الجماعة ‪.‬‬

‫زمان *‬
‫التّعريف ‪:‬‬
‫‪ -‬الزّمن والزّمان يطلقان على قليل الوقت وكثيره ‪ ،‬والجمع أزمان وأزمنة وأزمن ‪،‬‬ ‫‪1‬‬

‫والعرب تقول ‪ :‬لقيته ذات الزّمين ‪ :‬يريدون بذلك تراخي الوقت ‪ ،‬كما يقال ‪ :‬لقيته ذات‬
‫العويم ‪ ،‬أي بين العوام ‪ ،‬ويقولون أيضا ‪ :‬عاملته مزامنةً من الزّمن ‪ ،‬كما يقال ‪ :‬مشاهرةً‬
‫من الشّهر ويسمّى الزّمان ‪ :‬العصر أيضا ‪.‬‬
‫والفقهاء يستعملون الزّمان بمعنى أجل الشّيء ‪ ،‬ومدّته ‪ ،‬ووقته ‪ ،‬كما يستعملونه بالمعنى‬
‫اللّغويّ ‪.‬‬
‫اللفاظ ذات الصّلة ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬الجل ‪:‬‬
‫‪ -‬الجل في اللّغة مدّة الشّيء ووقته الّذي يحلّ فيه ‪ ،‬وهو مصدر أجل الشّيء أجلً من باب‬ ‫‪2‬‬

‫تعب ‪ ،‬أي تأخّر فهو آجل ‪ ،‬وأجّلته تأجيلً جعلت له أجلً ‪ ،‬والجل على وزن فاعل خلف‬
‫العاجل ‪.‬‬
‫والجل في اصطلح الفقهاء ‪ :‬المدّة المستقبلة الّتي يضاف إليها أمر من المور سواء كانت‬
‫هذه الضافة أجلً للوفاء بالتزام ‪ ،‬أو أجلً لنهاء التزام ‪ ،‬وسواء أكانت هذه المدّة مقرّرةً‬
‫)‪.‬‬ ‫‪5‬‬ ‫بالشّرع ‪ ،‬أم بالقضاء ‪ ،‬أم بإرادة الملتزم ‪ ،‬فردا أم أكثر ‪ ( .‬انظر ‪ :‬أجل ج ‪ 2‬ف‬
‫ب ‪ -‬الحقب ‪:‬‬
‫‪ -‬الحقب في اللّغة المدّة الطّويلة من الدّهر ‪ ،‬هو بسكون القاف وضمّها ‪ ،‬والجمع أحقاب‬ ‫‪3‬‬

‫مثل قفل وأقفال ‪ ،‬ويقال الحقب ثمانون عاما ‪ ،‬والحقبة بمعنى المدّة ‪ ،‬والجمع حقب مثل سورة‬
‫وسور ‪.‬‬
‫ج ‪ -‬الدّهر ‪:‬‬
‫‪ -‬الدّهر يطلق على البد ‪ ،‬وقيل هو الزّمان قلّ أو كثر ‪ ،‬وقال الزهريّ ‪ :‬والدّهر عند‬ ‫‪4‬‬

‫العرب يطلق على الزّمان وعلى الفصل من فصول السّنة ‪ ،‬وعلى أقلّ من ذلك ‪ ،‬ويقع على‬
‫مدّة الدّنيا كلّها ‪.‬‬
‫د ‪ -‬المدّة ‪:‬‬
‫‪ -‬المدّة في اللّغة ‪ :‬البرهة من الزّمان تقع على القليل والكثير ‪ ،‬والجمع مدد مثل غرفة‬ ‫‪5‬‬

‫وغرف ‪.‬‬
‫هـ ‪ -‬الوقت ‪:‬‬
‫‪ -‬الوقت في اللّغة مقدار من الزّمان مفروض لمر ما ‪ ،‬وك ّل شيء قدّرت له حينا فقد و ّقتّه‬ ‫‪6‬‬

‫توقيتا ‪ ،‬وكذلك ما قدّرت له غايةً ‪ ،‬والجمع أوقات ‪.‬‬


‫مفردات الزّمان وأقسامه ‪:‬‬
‫‪ -‬الزّمن يشمل السّاعة واليوم والسبوع والشّهر والسّنة وغيرها من أقسام الزّمان ‪ ،‬لنّه‬ ‫‪7‬‬

‫ص اللّه سبحانه وتعالى بعض الزمنة بأحكام ‪،‬‬


‫يطلق على قليل الوقت وكثيره ‪ .‬هذا وقد خ ّ‬
‫ومثال ذلك الزّمن الواقع بين طلوع الفجر وطلوع الشّمس ‪ ،‬فإنّ اللّه سبحانه وتعالى جعله‬
‫وقتا لداء فريضة الصّبح ‪ ،‬لقوله صلى ال عليه وسلم فيما روي عن أبي هريرة رضي ال‬
‫ن للصّلة أ ّولً وآخرا ‪ ،‬وإنّ أوّل وقت الفجر حين يطلع الفجر ‪ ،‬وإن آخر وقتها‬
‫عنه ‪ « :‬إ ّ‬
‫حين تطلع الشّمس » ومن ذلك أيضا الزّمن الواقع بين زوال الشّمس عن كبد السّماء وبين‬
‫ن اللّه سبحانه وتعالى جعله وقتا لداء فريضة الظّهر ‪ ،‬لحديث «‬
‫ل الشّيء مثله ‪ ،‬فإ ّ‬
‫بلوغ ظ ّ‬
‫إمامة جبريل عليه السلم للنّبيّ صلى ال عليه وسلم حيث صلّى به الظّهر في اليوم الوّل‬
‫ل كلّ شيء‬
‫حين كان الفيء مثل الشّراك ‪،‬وصلّى به الظّهر في اليوم الثّاني حين كان ظ ّ‬
‫مثله»‪ .‬وتفصيل ذلك يذكره الفقهاء في كتاب الصّلة ‪ .‬وينظر في بحث أوقات الصّلوات ‪.‬‬
‫ن اللّه سبحانه‬
‫هذا ومن الزمنة الّتي خصّها اللّه ببعض الحكام أيضًا شهر رمضان ‪ ،‬فإ ّ‬
‫شهْرُ َر َمضَانَ اّل ِذيَ أُنزِلَ‬
‫وتعالى جعله وقتًا لداء فريضة الصّيام ‪ ،‬لقوله سبحانه وتعالى ‪َ { :‬‬
‫صمْهُ } ‪ .‬وأشهر‬
‫ش ْهرَ فَ ْليَ ُ‬
‫شهِدَ مِن ُكمُ ال ّ‬
‫ن ا ْل ُهدَى وَالْ ُف ْرقَانِ َفمَن َ‬
‫فِيهِ الْ ُقرْآنُ ُهدًى لّلنّاسِ َو َب ّينَاتٍ مّ َ‬
‫ن اللّه سبحانه وتعالى‬
‫الحجّ ‪ ،‬وهي الزّمن الواقع بعد رمضان إلى نهاية أيّام التّشريق ‪ ،‬فإ ّ‬
‫ش ُهرٌ ّمعْلُومَاتٌ } ‪ .‬ومن ذلك‬
‫ج َأ ْ‬
‫جعلها وقتا لداء فريضة الحجّ ‪ ،‬لقوله سبحانه وتعالى ‪ { :‬ا ْلحَ ّ‬
‫أيضا زمن أداء زكاة الفطر ‪ ،‬والّذي يبدأ من غروب شمس آخر يوم من رمضان ويمتدّ إلى‬
‫ب لغير الحاجّ ‪.‬‬
‫ن صومه مستح ّ‬
‫قبيل صلة العيد ‪ .‬ومن ذلك أيضا يوم عرفة فإ ّ‬
‫ص بعض المكلّفين بحسب حالهم ‪ ،‬مثال ذلك زمن الطّهر وزمن الحيض‬
‫‪ -‬وهناك أزمنة تخ ّ‬ ‫‪8‬‬

‫ن المرأة في‬
‫بالنّسبة للمرأة ‪ ،‬وزمن الحرام وزمن الحلّ بالنّسبة للحاجّ ‪ ،‬ويترتّب على ذلك أ ّ‬
‫زمن الحيض يحرم عليها أمور لم تكن محرّمةً عليها في زمن الطّهر كالصّلة والصّوم‬
‫والطّواف وقراءة القرآن وغير ذلك ‪ ،‬ممّا سبق بيانه في مصطلح ‪ ( :‬حيض ) ‪.‬‬
‫وكذا المحرم فإنّه في زمن الحرام يمتنع عن بعض ما كان مباحا له في زمن الحلّ ‪ ،‬كلبس‬
‫المخيط أو المحيط من الثّياب في حقّ الرّجال ‪ ،‬والمرأة المحرمة ل تنتقب ول تلبس القفّازين‪،‬‬
‫إلى غير ذلك من الحكام الّتي سبق بيانها في مصطلح ‪ ( :‬إحرام ) ‪.‬‬
‫‪ -‬ويعتبر الزّمان في المعاملت ‪ ،‬ومن ذلك ما لو باع شجرةً أو بنا ًء في أرض مؤجّرة‬ ‫‪9‬‬

‫لغير المشتري ‪ ،‬أو موصىً له بمنفعتها ‪ ،‬أو موقوفة عليه استحقّ إبقاءها بقيّة المدّة ‪ .‬وينظر‬
‫مصطلح ‪ ( :‬بيع ) ‪.‬‬
‫ومن ذلك الجارة ‪ ،‬فتكون الجارة مقيّد ًة بمدّة محدّدة أو غير مقيّدة بها ‪ ،‬بل بالعمل ‪.‬‬
‫وينظر مصطلح ‪ ( :‬إجارة ) ‪.‬‬
‫وكذلك الوكالة فيما لو أمر الموكّل الوكيل أن يبيع في زمن معيّن ‪ ،‬كيوم الجمعة فليس للوكيل‬
‫مخالفته لنّه قد يكون له غرض في التّخصيص ‪ .‬والتّفصيل في مصطلح ‪ ( :‬وكالة )‬
‫ويعتبر الزّمان أيضا في الطّلق ‪ ،‬فإنّ الطّلق من التّصرّفات الّتي تضاف إلى الزّمان ماضيا‬
‫كان أم مستقبلً ‪ ،‬ويخصّص به ويعلّق وقوعه على مجيئه ‪.‬‬
‫والتّفصيل في مصطلح ‪ ( :‬طلق ) ‪.‬‬
‫وكذلك في اليلء كما إذا حلف أن ل يقربها لمدّة أربعة أشهر أو أكثر ‪.‬‬
‫وينظر مصطلح ‪ ( :‬إيلء ) ‪.‬‬
‫وكذلك في اللّعان كما إذا جاءت المرأة بولد ل يحتمل كونه من الزّوج ‪ ،‬كأن ولدته لقلّ من‬
‫ستّة أشهر بعد العقد ‪ .‬والتّفصيل في مصطلح ‪ ( :‬لعان ) ‪.‬‬
‫وكذلك في النّفقة فإنّها تسقط بمضيّ الزّمان بل إنفاق ‪ ،‬إلّ نفقة الزّوجة وخادمتها فإنّها ل‬
‫تسقط بل تصير دينًا في ذمّته ‪ .‬والتّفصيل في مصطلح ‪ ( :‬نفقة ) ‪.‬‬
‫ويعتبر الزّمان أيضا في اليمين ‪ ،‬كما إذا حلف أن ل يفعل الشّيء حينا أو زمانا أو دهرا ‪.‬‬
‫والتّفصيل في مصطلح ‪ ( :‬أيمان ) ‪.‬‬
‫وفي الشّهادات فإنّ الزّمان يؤثّر في الشّهادة على القتل كما إذا اختلف الشّهود في زمان القتل‬
‫أو مكانه فإنّه ل يثبت ‪.‬‬
‫ويؤثّر أيضا في الشّهادة على الزّنا ‪ ،‬كما إذا شهد أربعة أنّه زنى بامرأة بمكان عند طلوع‬
‫الشّمس ‪ ،‬وشهد أربعة أنّه زنى بها بمكان آخر عند طلوع الشّمس درئ الحدّ عنهم جميعا ‪ ،‬إذ‬
‫ل يتصوّر من الشّخص الزّنى في ساعة واحدة في مكانين متباعدين ‪.‬‬
‫هذا وقد سبق في مصطلح ( أجل ) وهو المدّة المستقبلة الّتي يضاف إليها أمر من المور أنّه‬
‫ي وقضائيّ ‪ ،‬واتّفاقيّ ‪ ،‬وتفصيله في مصطلح ‪:‬‬
‫باعتبار مصدره على ثلثة أقسام ‪ :‬شرع ّ‬
‫( أجل ) ‪.‬‬
‫ب الزّمان ‪:‬‬
‫حكم س ّ‬
‫‪ -‬لم يرد النّهي عن سبّ الزّمان ‪ ،‬وإنّما ورد النّهي عن سبّ الدّهر في حديث أخرجه‬ ‫‪10‬‬

‫ن رسول اللّه صلى‬


‫مسلم في صحيحه بعدّة طرق عن أبي هريرة رضي ال عنه منها ‪ « :‬أ ّ‬
‫ن اللّه هو الدّهر » ‪.‬‬
‫ال عليه وسلم قال ‪ :‬ل تسبّوا الدّهر فإ ّ‬
‫وسبب النّهي عن سبّ الدّهر هو أنّ العرب كان شأنها أن تسبّ الدّهر عند النّوازل والحوادث‬
‫والمصائب النّازلة بها من موت أو هرم أو تلف مال أو غير ذلك ‪ ،‬فيقولون ‪ :‬يا خيبة الدّهر‬
‫ن اللّه‬
‫ب الدّهر ‪ ،‬فقال النّبيّ صلى ال عليه وسلم ‪ « :‬ل تسبّوا الدّهر فإ ّ‬
‫ونحو هذا من ألفاظ س ّ‬
‫ب على اللّه تعالى ‪،‬‬
‫هو الدّهر » أي ل تسبّوا فاعل النّوازل ‪ ،‬فإنّكم إذا سببتم فاعلها وقع السّ ّ‬
‫لنّه هو فاعلها ومنزلها ‪ ،‬وأمّا الدّهر الّذي هو الزّمان فل فعل له بل هو مخلوق من جملة‬
‫خلق اللّه تعالى ‪ ،‬ومعنى فإنّ اللّه هو الدّهر ‪ :‬أي فاعل النّوازل والحوادث وخالق الكائنات ‪.‬‬
‫أثر الزّمان على العبادات والحقوق ‪:‬‬
‫العبادات ‪:‬‬
‫‪ -‬العبادات باعتبار الزّمان الّذي تؤدّى فيه نوعان ‪ :‬مطلقة ومؤقّتة ‪.‬‬ ‫‪11‬‬

‫ن جميع العمر فيها بمنزلة‬


‫فالمطلقة ‪ :‬هي الّتي لم يقيّد أداؤها بزمن محدّد له طرفان ‪ ،‬ل ّ‬
‫الوقت فيما هو موقّت ‪ ،‬وسواء أكانت العبادة واجب ًة كالكفّارات أم مندوب ًة كالنّفل المطلق ‪.‬‬
‫وأمّا العبادات المقيّدة بزمان معيّن فهي ما حدّد الشّارع زمانا معيّنا لدائها ‪ ،‬ل يجب الداء‬
‫قبله ول يصحّ ‪ ،‬ويأثم بالتّأخير إن كان المطلوب واجبا ‪ ،‬وذلك كالصّلوات الخمس وصوم‬
‫رمضان ‪.‬‬
‫وزمن الداء إمّا موسّع ‪ :‬وهو ما كان الزّمان فيه يفضل عن أدائه ‪ ،‬أي أنّه يتّسع لداء الفعل‬
‫وأداء غيره من جنسه ‪ ،‬وذلك كوقت الظّهر مثلً فإنّه يسع أداء صلة الظّهر وأداء صلوات‬
‫أخرى ‪ ،‬ولذلك يسمّى ظرفا ‪.‬‬
‫وإمّا مضيّق ‪ :‬وهو ما كان الزّمان فيه يسع الفعل وحده ول يسع غيره معه ‪ ،‬وذلك كرمضان‬
‫ج من العبادات‬
‫فإنّ زمانه ل يتّسع لداء صوم آخر فيه ‪ ،‬ويسمّى معيارا أو مساويا ‪ ،‬والح ّ‬
‫ن المكلّف ل يستطيع أن يؤدّي حجّتين في عام‬
‫الّتي يشتبه زمان أدائها بالموسّع والمضيّق ل ّ‬
‫واحد ‪ ،‬فهو بهذا يشبه المضيّق ‪ ،‬ولكنّ أعمال الحجّ ل تستوعب زمانه ‪ ،‬فهو بهذا يشبه‬
‫ن العمر زمان‬
‫الموسّع ‪ ،‬هذا على اعتباره من الموقّت ‪ ،‬وقيل ‪ :‬إنّه من المطلق باعتبار أ ّ‬
‫للداء كالزّكاة ‪.‬‬
‫الحقوق ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬القرار بالحدود ‪:‬‬
‫‪ -‬اتّفق الفقهاء على أنّ مضيّ الزّمان ل أثر له على القرار بالحدود ‪ ،‬باستثناء القرار‬ ‫‪12‬‬

‫ن النسان غير متّهم في حقّ نفسه ‪.‬‬


‫في ح ّد الشّرب عند أبي حنيفة وأبي يوسف ‪ ،‬ل ّ‬
‫ب ‪ -‬الشّهادة في الحدود ‪:‬‬
‫ن الشّهادة على الزّنى والقذف وشرب الخمر‬
‫‪ -‬ذهب المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة إلى أ ّ‬ ‫‪13‬‬

‫تقبل ولو بعد مضيّ زمان طويل من الواقعة ‪ ،‬وفرّق الحنفيّة بين الحدود الخالصة لحقّ اللّه‬
‫تعالى ‪ ،‬فل تقبل الشّهادة فيها بالتّقادم ‪ ،‬بخلف ما هو حقّ للعباد ‪.‬‬
‫)‬ ‫‪120/ 13‬‬ ‫وتفصيله في تقادم ( ف‬
‫ج ‪ -‬سماع الدّعوى ‪:‬‬
‫‪ -‬اتّفق الفقهاء على أنّ الحقّ ل يسقط بالتّقادم ‪ ،‬ولم يفرّق جمهور الفقهاء في سماع‬ ‫‪14‬‬

‫ن لوليّ المر منع‬


‫الدّعوى بين ما تقادم منها وما لم يتقادم ‪ ،‬وفرّق الحنفيّة بينهما ‪ ،‬فقالوا ‪ :‬إ ّ‬
‫القضاة من سماع الدّعوى في أحوال بشروط مخصوصة لتلفي التّزوير والتّحايل ‪ .‬واختلف‬
‫فقهاء الحنفيّة في تعيين المدّة الّتي ل تسمع بعدها الدّعوى في الوقف ‪ ،‬ومال اليتيم‪ ،‬والغائب ‪،‬‬
‫والرث ‪ ،‬فجعلها بعضهم ستّا وثلثين سنةً ‪ ،‬وبعضهم ثلثا وثلثين ‪ ،‬وبعضهم ثلثين فقط ‪،‬‬
‫إلّ أنّه لمّا كانت هذه المدد طويلةً استحسن أحد السّلطين فيما سوى ذلك جعلها خمس عشرة‬
‫ن التّقادم بمرور الزّمان مبنيّ على أمرين ‪:‬‬
‫سنةً فقط ‪ .‬ومن ذلك يظهر أ ّ‬
‫الوّل ‪ :‬حكم اجتهاديّ نصّ عليه الفقهاء ‪.‬‬
‫والثّاني ‪ :‬أمر سلطانيّ يجب على القضاة في زمنه اتّباعه ‪ ،‬لنّهم بمقتضاه معزولون عن‬
‫سماع دعوى مضى عليها خمس عشرة سن ًة بدون عذر ‪ ،‬والقاضي وكيل عن السّلطان ‪،‬‬
‫والوكيل يستم ّد التّصرّف من موكّله ‪ ،‬فإذا خصّص له تخصّص ‪ ،‬وإذا عمّم تعمّم ‪.‬‬
‫وتفصيله في مصطلح ‪ ( :‬تقادم ) ‪.‬‬
‫وأمّا التّقادم في وضع اليد وإثبات الملك بذلك فينظر في مصطلح ‪ ( :‬حيازة ) ومصطلح ‪:‬‬
‫( تقادم ف ‪) 9/‬‬

‫زمانة *‬
‫التّعريف ‪:‬‬
‫‪ -‬الزّمانة لغةً ‪ :‬البلء والعاهة ‪ ،‬يقال ‪ :‬زمن زمنا وزمنةً وزمانةً ‪ :‬مرض مرضا يدوم‬ ‫‪1‬‬

‫ل ‪ ،‬وضعف بكبر سنّ أو مطاولة علّة ‪ .‬فهو زمن وزمين ‪.‬‬


‫زمانا طوي ً‬
‫ي‪.‬‬
‫ول يخرج استعمال الفقهاء لهذا اللّفظ عن المعنى اللّغو ّ‬
‫قال زكريّا النصاريّ ‪ :‬الزّمن هو المبتلى بآفة تمنعه من العمل ‪.‬‬
‫اللفاظ ذات الصّلة ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬القعاد ‪:‬‬
‫‪ -‬القعاد ‪ :‬داء يأخذ البل في أوراكها فيميلها إلى الرض ‪.‬‬ ‫‪2‬‬

‫والمقعد ‪ :‬من أصابه داء في جسده فل يستطيع الحركة للمشي ‪.‬‬


‫فالزّمانة أعمّ من القعاد ‪ ،‬لنّها تحصل به وبغيره من المراض ‪.‬‬
‫وقيل ‪ :‬المقعد هو المتشنّج العضاء ‪ ،‬والزّمن ‪ :‬الّذي طال مرضه ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬العضب ‪:‬‬
‫‪ -‬من معاني العضب ‪ :‬الشّلل والخبل والعرج ‪ .‬والمعضوب ‪ :‬الضّعيف ل يستمسك على‬ ‫‪3‬‬

‫راحلته ‪ ،‬وهو معضوب اللّسان أي ‪ :‬مقطوع عَييّ فَ ْدمٌ ‪ ،‬والزّمن الّذي ل حراك به ‪.‬‬
‫فالمعضوب أعمّ من الزّمن ‪.‬‬
‫الحكام المتعلّقة بالزّمانة ‪:‬‬
‫حضور الزّمن الجمعة ‪:‬‬
‫ن الشّيخ الزّمن تلزمه‬
‫‪ -‬ذهب الشّافعيّة ‪ -‬وهو ما يؤخذ من عبارات المالكيّة ‪ -‬إلى أ ّ‬ ‫‪4‬‬

‫الجمعة إن وجد مركبا ملكا أو إجارةً أو إعار ًة ‪ ،‬ولم يشقّ الرّكوب عليه كمشقّة المشي في‬
‫الوحل لنتفاء الضّرر ‪.‬‬
‫وقال الشّافعيّة ‪ :‬ول يجب قبول الموهوب لما فيه من المنّة ‪.‬‬
‫ونحوه مذهب الحنابلة ‪ ،‬فالمريض عندهم تلزمه الجمعة إن لم يتضرّر بإتيان المسجد راكبا أو‬
‫محمولً ‪ ،‬أو بتبرّع أحد بأن يركبه أو يحمله ‪.‬‬
‫ن من شروط وجوب الجمعة الصّحّة ‪ ،‬فل تجب على الزّمن وإن وجد حاملً ‪.‬‬
‫ويرى الحنفيّة أ ّ‬
‫وللتّفصيل ‪ ( :‬ر ‪ :‬صلة الجمعة ‪ ،‬وعذر ) ‪.‬‬
‫ج الزّمن ‪:‬‬
‫حّ‬
‫ن من عجز عن‬
‫‪ -‬ذهب الشّافعيّة والحنابلة وصاحبا أبي حنيفة ‪ -‬في ظاهر الرّواية ‪ -‬إلى أ ّ‬ ‫‪5‬‬

‫السّعي إلى الحجّ وهو قادر على مال يحجّ به عن نفسه يلزمه أن يستنيب من يحجّ عنه ‪ ،‬لنّه‬
‫مستطيع بغيره ‪ ،‬إذ الستطاعة كما تكون بالنّفس تكون ببذل المال وطاعة الرّجال ‪ ،‬وإذا‬
‫ج‪.‬‬
‫صدق عليه أنّه يستطيع وجب عليه الح ّ‬
‫ن الزّمن ل‬
‫وقال المالكيّة وأبو حنيفة ‪ -‬في ظاهر الرّواية ‪ -‬والصّاحبان في رواية عنهما ‪ :‬إ ّ‬
‫ن الصل لمّا لم‬
‫يجب عليه الحجّ وإن ملك الزّاد والرّاحلة حتّى ل يجب الحجاج بماله ‪ ،‬ل ّ‬
‫يجب ‪ ،‬لم يجب البدل ‪.‬‬
‫ن اللّه تعالى شرط الستطاعة‬
‫ج على الزّمن ‪ :‬إ ّ‬
‫قال الكاسانيّ في تعليل عدم وجوب الح ّ‬
‫لوجوب الحجّ ‪ ،‬والمراد منها استطاعة التّكليف ‪ ،‬وهي سلمة السباب واللت ‪ ،‬ومن جملة‬
‫السباب سلمة البدن عن الفات المانعة عن القيام بما ل بدّ منه في سفر الحجّ ‪ ،‬لنّ الحجّ‬
‫عبادة بدنيّة فل بدّ من سلمة البدن ‪ ،‬ول سلمة مع المانع ‪.‬‬
‫وروى الحسن عن أبي حنيفة أنّ الزّمن يجب عليه أن يحجّ ‪ ،‬لنّه يقدر بغيره إن كان ل يقدر‬
‫بنفسه ‪ ،‬والقدرة بالغير كافية لوجوب الحجّ كالقدرة بالزّاد والرّاحلة ‪ ،‬وكذا « فسّر النّبيّ صلى‬
‫ال عليه وسلم الستطاعة بالزّاد والرّاحلة » ‪ ،‬وقد وجد ‪.‬‬
‫إعتاق الزّمن في الكفّارة ‪:‬‬
‫ل رقبة سالمة من العيوب المضرّة‬
‫‪ -‬ل خلف بين الفقهاء في أنّه ل يجزئ في الكفّارة إ ّ‬ ‫‪6‬‬

‫بالعمل ضررا بيّنا ‪ ،‬فل يجزئ الزّمن لعجزه عن العمل ‪ .‬وللتّفصيل ( ر ‪ :‬كفّارة ) ‪.‬‬
‫قتل الزّمن في الجهاد ‪:‬‬
‫ل إذا قاتل حقيقةً أو معنىً بالرّأي والطّاعة‬
‫‪ -‬يرى جمهور الفقهاء عدم جواز قتل الزّمن إ ّ‬ ‫‪7‬‬

‫والتّحريض وأشباه ذلك ‪.‬‬


‫وذهب الشّافعيّة على الظهر إلى جواز قتل زمن ولو لم يكن ممّن يقاتل ‪ ،‬ول رأي له ‪،‬‬
‫شرِكِينَ } وللتّفصيل ‪ ( :‬ر ‪ :‬جهاد ) ‪.‬‬
‫لعموم قوله تعالى ‪ { :‬فَاقْتُلُو ْا ا ْل ُم ْ‬
‫أخذ الجزية من الزّمن ‪:‬‬
‫ن الزّمن ل جزية عليه وإن‬
‫‪ -‬ذهب جمهور الحنفيّة والحنابلة والشّافعيّ في أحد أقواله إلى أ ّ‬ ‫‪8‬‬

‫كان موسرا ‪ ،‬لنّه لمّا لم يكن من أهل القتال لم يكن عليه جزية كالنّساء والصّبيان ‪ .‬ويرى‬
‫المالكيّة والشّافعيّة على المذهب وأبو يوسف وجوب الجزية على الزّمن إن كان له مال‪ ،‬بناءً‬
‫على أنّها أجرة السّكن وأنّه رجل بالغ موسر ‪ ،‬فل يقيم في دار السلم بغير جزية‪ ،‬ويدلّ‬
‫عليه ما جاء في كتاب النّبيّ صلى ال عليه وسلم إلى معاذ باليمن « خذ من كلّ حالم دينارا »‬
‫‪ .‬كما يتناوله حديث عمر رضي ال عنه بعمومه ‪ ،‬فإنّه أمر أن تضرب الجزية على من‬
‫ن الجزية إن كانت أجرةً عن سكن الدّار فظاهر ‪ ،‬وإن كانت عقوبةً‬
‫جرت عليه المواسي ‪ ،‬وأ ّ‬
‫على الكفر فكذلك ‪ ،‬فعلى التّقديرين ل يقرّ بغير جزية ‪ .‬وللتّفصيل ‪ ( :‬ر ‪ :‬جزية ) ‪.‬‬
‫زمرّد *‬
‫انظر ‪ :‬حليّ ‪ ،‬زكاة ‪.‬‬

‫زمزم *‬
‫التّعريف ‪:‬‬
‫‪ -‬زمزم ‪ -‬بزايين مفتوحتين ‪ -‬اسم للبئر المشهورة في المسجد الحرام ‪ ،‬بينها وبين الكعبة‬ ‫‪1‬‬

‫المشرّفة ثمان وثلثون ذراعا ‪.‬‬


‫وسمّيت زمزم لكثرة مائها ‪ ،‬يقال ‪ :‬ماء زمزم وزمزوم إذا كان كثيرا ‪ ،‬وقيل ‪ :‬لجتماعها ‪،‬‬
‫لنّه لمّا فاض منها الماء على وجه الرض قالت هاجر للماء ‪ :‬زمّ زمّ ‪ ،‬أي ‪ :‬اجتمع يا‬
‫مبارك ‪ ،‬فاجتمع فسمّيت زمزم ‪ ،‬وقيل ‪ :‬لنّها زمّت بالتّراب لئلّ يأخذ الماء يمينا وشمالً ‪،‬‬
‫فقد ضمّت هاجر ماءها حين انفجرت وخرج منها الماء وساح يمينا وشمالً فمنع بجمع‬
‫التّراب حوله ‪ ،‬وروي ‪ « :‬لول أمّكم هاجر حوّطت عليها لملت أودية مكّة » ‪.‬‬
‫وقيل ‪ :‬إنّ اسمها غير مشتقّ ‪.‬‬
‫ولزمزم أسماء أخرى كثيرة ‪ ،‬منها ‪ :‬طيّبة ‪ ،‬وبرّة ‪ ،‬ومضنونة ‪ ،‬وسقيا اللّه إسماعيل ‪ ،‬وبركة‬
‫‪ ،‬وحفيرة عبد المطّلب ‪ ،‬ووصفت في الحديث « بأنّها طعام طعم ‪ ،‬وشفاء سقم » ‪.‬‬
‫‪ -‬وزمزم هي بئر إسماعيل بن إبراهيم عليهما الصلة والسلم ‪ ،‬الّتي سقاه اللّه تعالى منها‬ ‫‪2‬‬

‫حين ظمئ وهو صغير ‪ ،‬فالتمست له أمّه ما ًء فلم تجده ‪ ،‬فقامت إلى الصّفا تدعو اللّه تعالى‬
‫وتستغيثه لسماعيل ‪ ،‬ثمّ أتت المروة ففعلت مثل ذلك ‪ ،‬وبعث اللّه تعالى جبريل عليه السلم‬
‫فهمز له بعقبه في الرض فظهر الماء ‪.‬‬
‫الحكام المتعلّقة بزمزم ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬الشّرب من ماء زمزم ‪:‬‬
‫‪ -‬اتّفق الفقهاء على أنّه يستحبّ للحاجّ والمعتمر أن يشرب من ماء زمزم ‪ « ،‬لنّ النّبيّ‬ ‫‪3‬‬

‫صلى ال عليه وسلم شرب من ماء زمزم » ‪ ،‬ولما روى مسلم ‪ « :‬إنّها مباركة ‪ ،‬إنّها طعام‬
‫طعم » زاد أبو داود الطّيالسيّ في مسنده ‪ « :‬وشفاء سقم » ‪.‬‬
‫ن للشّارب أن يتضلّع من ماء زمزم ‪ ،‬أي يكثر من شربه حتّى يمتلئ ‪ ،‬ويرتوي منه حتّى‬
‫ويس ّ‬
‫يشبع ريّا ‪ ،‬لخبر ابن ماجه ‪ «:‬آية ما بيننا وبين المنافقين أنّهم ل يتضلّعون من ماء زمزم»‪.‬‬
‫ن شرب ماء زمزم في سائر الحوال ‪ ،‬ل عقب الطّواف خاصّةً ‪،‬‬
‫ص الشّافعيّة على أنّه يس ّ‬
‫ون ّ‬
‫ج والمعتمر ‪.‬‬
‫ل أحد ولو لغير الحا ّ‬
‫ن شرب ماء زمزم لك ّ‬
‫وأنّه يس ّ‬
‫ب ‪ -‬آداب الشّرب من ماء زمزم ‪:‬‬
‫‪ -‬للشّرب من ماء زمزم آداب ‪ ،‬عدّها بعض الفقهاء من السّنن أو المندوبات أو المستحبّات‬ ‫‪4‬‬

‫‪ ،‬منها ‪ :‬ما روى محمّد بن عبد الرّحمن بن أبي بكر قال ‪ :‬كنت عند ابن عبّاس رضي ال‬
‫عنهما جالسا فجاءه رجل فقال ‪ :‬من أين جئت ؟ قال ‪ :‬من زمزم ‪ :‬قال ‪ :‬فشربت منها كما‬
‫ينبغي ؟ قال ‪ :‬فكيف ؟ قال ‪ :‬إذا شربت منها فاستقبل الكعبة واذكر اسم اللّه تعالى ‪ ،‬وتنفّس‬
‫ثلثا من زمزم ‪ ،‬وتضلّع منها ‪ ،‬فإذا فرغت فاحمد اللّه تعالى ‪.‬‬
‫ومنها ‪ :‬أن ينظر إلى البيت في كلّ مرّة يتنفّس من زمزم ‪ ،‬وينضح من الماء على رأسه‬
‫ووجهه وصدره ‪ ،‬ويكثر من الدّعاء عند شربه ‪ ،‬ويشربه لمطلوبه في الدّنيا والخرة ‪ ،‬ويقول‬
‫عند شربه ‪ :‬اللّهمّ إنّه قد بلغني عن نبيّك محمّد صلى ال عليه وسلم أنّه قال ‪ « :‬ماء زمزم‬
‫لما شرب له » وأنا أشربه لكذا ‪ -‬ويذكر ما يريد دينا ودنيا ‪ -‬اللّهمّ فافعل ذلك بفضلك ‪،‬‬
‫ويدعو بالدّعاء الّذي كان عبد اللّه بن عبّاس رضي ال عنهما يدعو به إذا شرب ماء زمزم‬
‫ل داء ‪.‬‬
‫وهو ‪ :‬اللّهمّ إنّي أسألك علما نافعا ‪ ،‬ورزقا واسعا ‪ ،‬وشفاءً من ك ّ‬
‫ن شرب ماء زمزم لنيل المطلوب في الدّنيا والخرة شامل لما لو‬
‫ص بعض الفقهاء على أ ّ‬
‫ون ّ‬
‫شربه بغير محلّه ‪ ،‬وأنّه ليس خاصّا بالشّارب نفسه وإن كان ظاهره كذلك ‪ ،‬بل يحتمل تعدّي‬
‫ذلك إلى الغير ‪ ،‬فإذا شربه إنسان بقصد ولده أو أخيه مثلً حصل له ذلك المطلوب إذا شرب‬
‫بنيّة صادقة ‪.‬‬
‫ص بعض المحدّثين والفقهاء على أنّه يسنّ الجلوس عند شرب ماء زمزم كغيره ‪ ،‬وقالوا‪:‬‬
‫ون ّ‬
‫ن ما روى الشّعبيّ عن « ابن عبّاس رضي ال عنهما أنّه قال ‪ :‬سقيت رسول اللّه صلى ال‬
‫إّ‬
‫عليه وسلم من زمزم وهو قائم » محمول على أنّه لبيان الجواز ‪ ،‬ومعارض لما رواه ابن‬
‫ماجه عن عاصم قال ‪ « :‬ذكرت ذلك لعكرمة فحلف باللّه ما فعل ‪ -‬أي ما شرب قائما ‪ -‬لنّه‬
‫كان حينئذ راكبا » ‪.‬‬
‫ج ‪ -‬نقل ماء زمزم ‪:‬‬
‫‪ -‬اتّفق الفقهاء على أنّه يجوز التّزوّد من ماء زمزم ونقله ‪ ،‬لنّه يستخلف ‪ ،‬فهو كالثّمرة‪،‬‬ ‫‪5‬‬

‫وليس بشيء يزول فل يعود ‪.‬‬


‫وذهب الحنفيّة والمالكيّة والشّافعيّة إلى أنّه يستحبّ التّزوّد من ماء زمزم وحمله إلى البلد فإنّه‬
‫شفاء لمن استشفى ‪ ،‬وقد روى التّرمذيّ عن « عائشة رضي ال تعالى عنها أنّها كانت تحمل‬
‫من ماء زمزم ‪ ،‬وتخبر أنّ رسول اللّه صلى ال عليه وسلم كان يحمله » ‪ ،‬وروى غير‬
‫التّرمذيّ « أنّه صلى ال عليه وسلم كان يحمله وكان يصبّه على المرضى ويسقيهم » ‪« ،‬‬
‫وأنّه حنّك به الحسن والحسين رضي ال تعالى عنهما » ‪ ،‬وروى ابن عبّاس رضي ال تعالى‬
‫عنهما« أنّ رسول اللّه صلى ال عليه وسلم استهدى سهيل بن عمرو من ماء زمزم»‪ ،‬وفي‬
‫ي صلى ال عليه وسلم استعجل سهيلً في إرسال ذلك إليه ‪ ،‬وأنّه‬
‫ن النّب ّ‬
‫ي«أّ‬
‫تاريخ الزرق ّ‬
‫بعث إلى النّبيّ صلى ال عليه وسلم براويتين » ‪.‬‬
‫د ‪ -‬استعمال ماء زمزم ‪:‬‬
‫‪ -‬اتّفق الفقهاء على أنّ التّطهير بماء زمزم صحيح ‪ ،‬ونقل الماورديّ في الحاوي ‪،‬‬ ‫‪6‬‬

‫والنّوويّ في المجموع الجماع على ذلك ‪ .‬وفي استعمال ماء زمزم في رفع الحدث وفي‬
‫)‪.‬‬ ‫‪91/ 1‬‬ ‫إزالة الخبث تفصيل ينظر في مصطلح ( آبار ‪ ،‬الموسوعة الفقهيّة‬
‫هـ ‪ -‬فضل ماء زمزم ‪:‬‬
‫‪ -‬في فضل ماء زمزم روى الطّبرانيّ عن عبد اللّه بن عبّاس رضي ال تعالى عنهما قال‪:‬‬ ‫‪7‬‬

‫قال رسول اللّه صلى ال عليه وسلم ‪ « :‬خير ماء على وجه الرض ماء زمزم ‪ ،‬فيه طعام‬
‫ن شرب مائها يغني عن الطّعام ويشفي من السّقام ‪ ،‬لكن‬
‫من الطّعم وشفاء من السّقم » أي أ ّ‬
‫مع الصّدق ‪ ،‬كما وقع لبي ذرّ الغفاريّ رضي ال تعالى عنه ‪ « ،‬ففي الصّحيح أنّه أقام شهرا‬
‫بمكّة ل قوت له إلّ ماء زمزم » ‪ ،‬وروى الزرقيّ عن العبّاس بن عبد المطّلب رضي ال‬
‫تعالى عنه قال ‪ :‬تنافس النّاس في زمزم في زمن الجاهليّة حتّى أن كان أهل العيال يفدون‬
‫بعيالهم فيشربون فيكون صبوحا لهم ‪ ،‬وقد كنّا نعدّها عونا على العيال ‪ ،‬قال العبّاس ‪ :‬وكانت‬
‫زمزم تسمّى في الجاهليّة شباعة ‪.‬‬
‫قال البيّ ‪ :‬هو لما شرب له ‪ ،‬جعله اللّه تعالى لسماعيل وأمّه هاجر طعاما وشرابا ‪ ،‬وحكى‬
‫الدّينوريّ عن الحميديّ قال ‪ :‬كنّا عند سفيان بن عيينة فحدّثنا بحديث « ماء زمزم لما شرب‬
‫له » ‪ .‬فقام رجل من المجلس ثمّ عاد فقال ‪ :‬يا أبا محمّد ‪ ،‬أليس الحديث الّذي حدّثتنا في ماء‬
‫زمزم صحيحا ؟ قال ‪ :‬نعم ‪ ،‬قال الرّجل ‪ :‬فإنّي شربت الن دلوا من زمزم على أنّك تحدّثني‬
‫بمائة حديث ‪ ،‬فقال له سفيان ‪ :‬اقعد ‪ ،‬فقعد فحدّثه بمائة حديث ‪.‬‬
‫ودخل ابن المبارك زمزم فقال ‪ :‬اللّهمّ إنّ ابن المؤمّل حدّثني عن أبي الزّبير عن جابر أنّ‬
‫رسول اللّه صلى ال عليه وسلم قال ‪ « :‬ماء زمزم لما شرب له » اللّهمّ فإنّي أشربه لعطش‬
‫يوم القيامة ‪.‬‬
‫وماء زمزم شراب البرار ‪ ،‬عن ابن عبّاس رضي ال تعالى عنهما قال ‪ :‬صلّوا في مصلّى‬
‫الخيار واشربوا من شراب البرار ‪ ،‬قيل ‪ :‬ما مصلّى الخيار ؟ قال ‪ :‬تحت الميزاب ‪ ،‬قيل‬
‫‪ :‬وما شراب البرار ؟ قال ‪ :‬ماء زمزم وأكرم به من شراب ‪.‬‬
‫ن حكمة غسل صدر النّبيّ صلى ال عليه وسلم بماء زمزم ليقوى به‬
‫وقال الحافظ العراقيّ ‪ :‬إ ّ‬
‫صلى ال عليه وسلم على رؤية ملكوت السّموات والرض والجنّة والنّار ‪ ،‬لنّه من خواصّ‬
‫ماء زمزم أنّه يقوّي القلب ويسكن الرّوع ‪ .‬روى البخاريّ عن أنس بن مالك رضي ال تعالى‬
‫عنه قال ‪ :‬كان أبو ذرّ رضي ال تعالى عنه يحدّث أنّ رسول اللّه صلى ال عليه وسلم قال ‪:‬‬
‫« فرّج سقفي وأنا بمكّة ‪ ،‬فنزل جبريل عليه السلم ففرّج صدري ‪ ،‬ثمّ غسله بماء زمزم ‪ ،‬ثمّ‬
‫جاء بطست من ذهب ممتلئ حكم ًة وإيمانا ‪ ،‬فأفرغها في صدري ‪ ،‬ثمّ أطبقه ‪ ،‬ث ّم أخذ بيدي‬
‫فبرح بي إلى السّماء الدّنيا » ‪.‬‬

‫زمّارة *‬
‫انظر ‪ :‬ملهي ‪.‬‬

‫زنى *‬
‫التّعريف ‪:‬‬
‫‪ -‬الزّنى ‪ :‬الفجور ‪ .‬وهذه لغة أهل الحجاز ‪ ،‬وبنو تميم يقولون ‪ :‬زنى زناءً ‪ :‬ويقال ‪:‬‬ ‫‪1‬‬

‫زانى مزاناةً ‪ ،‬وزناءً بمعناه ‪.‬‬


‫وشرعا ‪ :‬عرّفه الحنفيّة بتعريفين ‪ :‬أعمّ ‪ ،‬وأخصّ ‪ .‬فالعمّ ‪ :‬يشمل ما يوجب الحدّ وما ل‬
‫يوجبه ‪ ،‬وهو وطء الرّجل المرأة في القبل في غير الملك وشبهته ‪.‬‬
‫قال الكمال بن الهمام ‪ :‬ول شكّ في أنّه تعريف للزّنى في اللّغة والشّرع ‪.‬‬
‫فإنّ الشّرع لم يخصّ اسم الزّنى بما يوجب الحدّ منه بل هو أعمّ ‪ .‬والموجب للحدّ منه بعض‬
‫أنواعه ‪ .‬ولذا قال النّبيّ صلى ال عليه وسلم « إنّ اللّه كتب على ابن آدم حظّه من الزّنا‬
‫أدرك ذلك ل محالة ‪ ،‬فزنا العين النّظر ‪ » ...‬الحديث ‪ .‬ولو وطئ رجل جارية ابنه ل يحدّ‬
‫ن فعله زنا وإن كان ل يحدّ به ‪.‬‬
‫للزّنا‪ ،‬ول يحدّ قاذفه بالزّنا فدلّ على أ ّ‬
‫والمعنى الشّرعيّ الخصّ للزّنى ‪ :‬هو ما يوجب الحدّ ‪ ،‬وهو " وطء مكلّف طائع مشتها ًة حالً‬
‫أو ماضيا في قبل خال من ملكه وشبهته في دار السلم ‪ ،‬أو تمكينه من ذلك ‪ ،‬أو تمكينها "‪.‬‬
‫وعرّفه المالكيّة ‪ :‬بأنّه وطء مكلّف مسلم فرج آدميّ ل ملك له فيه بل شبهة تعمّدا ‪.‬‬
‫وهو عند الشّافعيّة ‪ :‬إيلج حشفة أو قدرها في فرج محرّم لعينه مشتهىً طبعا بل شبهة ‪.‬‬
‫وعرّفه الحنابلة ‪ :‬بأنّه فعل الفاحشة في قبل أو في دبر ‪.‬‬
‫اللفاظ ذات الصّلة ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬الوطء ‪ ،‬والجماع ‪:‬‬
‫‪ -‬أصل الوطء في اللّغة ‪ :‬الدّوس بالقدم ‪ ،‬ومن معانيه النّكاح ‪ ،‬يقال ‪ :‬وطئ المرأة يطؤها‬ ‫‪2‬‬

‫أي نكحها وجامعها ‪.‬‬


‫ل من الوطء والجماع أعمّ من الزّنى ‪ ،‬إذ قد يكون مع امرأته‬
‫ومعناه اصطلحا ‪ :‬الجماع ‪ .‬فك ّ‬
‫فيكون نكاحا حللً ‪ ،‬ومع أجنبيّة فيكون زنىً حراما ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬اللّواط ‪:‬‬
‫‪ -‬اللّواط لغ ًة ‪ :‬إتيان الذّكور في الدّبر ‪ ،‬وهو عمل قوم نبيّ اللّه لوط عليه السلم ‪ .‬يقال ‪:‬‬ ‫‪3‬‬

‫لط الرّجل لواطا ولوط ‪ ،‬أي عمل عمل قوم لوط ‪ .‬واصطلحا ‪ :‬إدخال الحشفة في دبر‬
‫ذكر ‪ .‬وحكمه حكم الزّنى عند جمهور الفقهاء ‪ ،‬وسيأتي بيانه ‪.‬‬
‫ج ‪ -‬السّحاق ‪:‬‬
‫ن ببعض ‪ ،‬وكذلك فعل المجبوب‬
‫‪ -‬السّحاق والمساحقة لغ ًة واصطلحا ‪ :‬فعل النّساء بعضه ّ‬ ‫‪4‬‬

‫بالمرأة يسمّى سحاقا ‪ .‬فالفرق بين الزّنى والسّحاق ‪ ،‬أنّ السّحاق ل إيلج فيه ‪.‬‬
‫الحكم التّكليفيّ ‪:‬‬
‫‪ -‬الزّنى حرام ‪ .‬وهو من أكبر الكبائر بعد الشّرك والقتل ‪ .‬قال اللّه تعالى ‪ { :‬وَاّلذِينَ لَا‬ ‫‪5‬‬

‫ل ذَِلكَ‬
‫حقّ وَلَا َي ْزنُونَ َومَن يَ ْفعَ ْ‬
‫ح ّرمَ اللّ ُه إِلّا بِا ْل َ‬
‫خرَ وَلَا يَ ْقتُلُونَ النّفْسَ اّلتِي َ‬
‫َيدْعُونَ مَ َع اللّ ِه إَِلهًا آ َ‬
‫عمَلً‬
‫عمِلَ َ‬
‫ف لَ ُه ا ْل َعذَابُ يَ ْو َم الْ ِقيَامَةِ َو َيخُْلدْ فِيهِ ُمهَانا ‪ ،‬إِلّا مَن تَابَ وَآمَنَ وَ َ‬
‫ع ْ‬
‫يَ ْلقَ َأثَاما ‪ُ ،‬يضَا َ‬
‫ن اللّهُ غَفُورا ّرحِيما } ‪.‬‬
‫حسَنَاتٍ َوكَا َ‬
‫سيّئَا ِت ِهمْ َ‬
‫صَالِحا َفأُوَْل ِئكَ ُي َبدّلُ اللّ ُه َ‬
‫سبِيلً } ‪.‬‬
‫ن فَاحِشَةً َوسَاء َ‬
‫وقال تعالى ‪َ { :‬ولَ تَ ْق َربُو ْا ال ّزنَى ِإنّهُ كَا َ‬
‫قال القرطبيّ ‪ :‬قال العلماء ‪ :‬قوله تعالى‪َ { :‬ولَ تَ ْق َربُو ْا ال ّزنَى } أبلغ من أن يقول ‪ :‬ول تزنوا‪.‬‬
‫فإنّ معناه ل تدنوا من الزّنى ‪.‬‬
‫وروى عبد اللّه بن مسعود قال « ‪ :‬سألت رسول اللّه صلى ال عليه وسلم أيّ الذّنب عند اللّه‬
‫أكبر ؟ قال ‪ :‬أن تجعل للّه ندّا وهو خلقك ‪ .‬قلت ‪ :‬ثمّ أيّ ؟ قال ‪ :‬أن تقتل ولدك خشية أن‬
‫ي ؟ قال ‪ :‬أن تزاني بحليلة جارك » ‪.‬‬
‫يطعم معك ‪ .‬قلت ‪ :‬ثمّ أ ّ‬
‫وقد أجمع أهل الملل على تحريمه ‪ .‬فلم يحلّ في ملّة قطّ ‪ .‬ولذا كان حدّه أش ّد الحدود ‪ ،‬لنّه‬
‫جناية على العراض والنساب ‪ .‬وهو من جملة الكّليّات الخمس ‪ ،‬وهي حفظ النّفس والدّين‬
‫والنّسب والعقل والمال ‪.‬‬
‫تفاوت إثم الزّنى ‪:‬‬
‫‪ -‬يتفاوت إثم الزّنى ويعظم جرمه بحسب موارده ‪ .‬فالزّنى بذات المحرم أو بذات الزّوج‬ ‫‪6‬‬

‫أعظم من الزّنى بأجنبيّة أو من ل زوج لها ‪ ،‬إذ فيه انتهاك حرمة الزّوج ‪ ،‬وإفساد فراشه ‪،‬‬
‫وتعليق نسب عليه لم يكن منه ‪ ،‬وغير ذلك من أنواع أذاه ‪ .‬فهو أعظم إثما وجرما من الزّنى‬
‫بغير ذات البعل والجنبيّة ‪ .‬فإن كان زوجها جارا انضمّ له سوء الجوار ‪ .‬وإيذاء الجار‬
‫بأعلى أنواع الذى ‪ ،‬وذلك من أعظم البوائق ‪ ،‬فلو كان الجار أخا أو قريبا من أقاربه انضمّ‬
‫له قطيعة الرّحم فيتضاعف الثم ‪ .‬وقد ثبت عن النّبيّ صلى ال عليه وسلم أنّه قال ‪ « :‬ل‬
‫يدخل الجنّة من ل يأمن جاره بوائقه » ‪ .‬ول بائقة أعظم من الزّنى بامرأة الجار ‪.‬‬
‫فإن كان الجار غائبا في طاعة اللّه كالعبادة ‪ ،‬وطلب العلم ‪ ،‬والجهاد ‪ ،‬تضاعف الثم حتّى إنّ‬
‫الزّاني بامرأة الغازي في سبيل اللّه يوقف له يوم القيامة ‪ ،‬فيأخذ من عمله ما شاء ‪.‬‬
‫قال رسول اللّه صلى ال عليه وسلم ‪ « :‬حرمة نساء المجاهدين على القاعدين كحرمة‬
‫أمّهاتهم ‪ ،‬وما من رجل من القاعدين يخلف رجلً من المجاهدين في أهله فيخونه فيهم ‪ ،‬إلّ‬
‫وقف له يوم القيامة فيأخذ من عمله ما شاء فما ظنّكم ؟ » أي ما ظنّكم أن يترك له من‬
‫حسناته قد حكم في أنّه يأخذ ما شاء على شدّة الحاجة إلى حسنة واحدة ‪ ،‬فإن اتّفق أن تكون‬
‫المرأة رحما له انضاف إلى ذلك قطيعة رحمها ‪ ،‬فإن اتّفق أن يكون الزّاني محصنا كان الثم‬
‫أعظم ‪ ،‬فإن كان شيخا كان أعظم إثما وعقوبةً ‪ ،‬فإن اقترن بذلك أن يكون في شهر حرام ‪،‬‬
‫أو بلد حرام ‪ ،‬أو وقت معظّم عند اللّه كأوقات الصّلوات وأوقات الجابة تضاعف الثم ‪.‬‬
‫أركان الزّنى ‪:‬‬
‫ن ركن الزّنى الموجب للحدّ هو الوطء المحرّم ‪ .‬فقد جاء في‬
‫‪ -‬صرّح فقهاء الحنفيّة بأ ّ‬ ‫‪7‬‬

‫الفتاوى الهنديّة ‪ :‬وركنه التقاء الختانين ومواراة الحشفة ‪ ،‬لنّ بذلك يتحقّق اليلج والوطء‪.‬‬
‫وهو ما يفهم من المذاهب الخرى ‪ ،‬حيث إنّهم يعلّقون حدّ الزّنى على تغييب الحشفة أو‬
‫قدرها عند عدمها ‪ ،‬حتّى إذا لم يكن تغييب انتفى الحدّ ‪.‬‬
‫والوطء المحرّم هو الّذي يحدث في غير ملك الواطئ ‪ -‬ملك يمينه وملك نكاحه ‪ -‬فكلّ وطء‬
‫حدث في غير ملكه فهو زنىً يجب فيه الحدّ ‪.‬‬
‫أمّا إذا حدث الوطء في ملك الواطئ فل يعتبر ذلك زنىً ولو كان الوطء محرّما ‪ ،‬حيث إنّ‬
‫التّحريم هنا ليس لعينه وإنّما هو لعارض ‪ .‬كوطء الرّجل زوجته الحائض أو النّفساء ‪.‬‬
‫ويشترط تعمّد الوطء ‪ ،‬وهو أن يرتكب الزّاني الفعل وهو يعلم أنّه يطأ امرأ ًة محرّمةً عليه ‪،‬‬
‫أو أن تمكّن الزّانية من نفسها وهي تعلم أنّ من يطؤها محرّم عليها ‪ .‬ومن ثمّ فل حدّ على‬
‫الغالط والجاهل والنّاسي ‪.‬‬
‫ح ّد الزّنى ‪:‬‬
‫لتِي‬
‫‪ -‬كان الحبس والمساك في البيوت أوّل عقوبات الزّنى في السلم لقوله تعالى ‪ { :‬وَال ّ‬ ‫‪8‬‬

‫ن فِي ا ْل ُبيُوتِ‬
‫سكُوهُ ّ‬
‫ش ِهدُو ْا َفأَ ْم ِ‬
‫ن َأ ْربَعةً مّن ُكمْ َفإِن َ‬
‫شهِدُواْ عََل ْيهِ ّ‬
‫س َت ْ‬
‫حشَ َة مِن ّنسَآ ِئ ُكمْ فَا ْ‬
‫َي ْأتِينَ الْفَا ِ‬
‫سبِيلً } ‪.‬‬
‫جعَلَ الّل ُه َلهُنّ َ‬
‫حّتىَ َيتَ َوفّاهُنّ ا ْلمَ ْوتُ َأوْ َي ْ‬
‫َ‬
‫ن الجماع قد انعقد على أنّ الحبس منسوخ ‪.‬‬
‫ثمّ إ ّ‬
‫واختلفوا في الذى هل هو منسوخ أم ل ؟ فذهب البعض إلى أنّه منسوخ ‪ ،‬فعن مجاهد قال ‪:‬‬
‫ن َي ْأ ِتيَا ِنهَا } كان في أوّل المر فنسختهما الية الّتي في‬
‫حشَةَ } { وَالّلذَا َ‬
‫لتِي َي ْأتِينَ الْفَا ِ‬
‫{ وَال ّ‬
‫سورة النّور ‪ .‬وذهب البعض إلى أنّه ليس بمنسوخ فالذى والتّعبير باق مع الجلد ‪ ،‬لنّهما ل‬
‫يتعارضان بل يحملن على شخص واحد ‪.‬‬
‫والواجب أن يؤدّبا بالتّوبيخ فيقال لهما ‪ :‬فجرتما وفسقتما ‪ ،‬وخالفتما أمر اللّه عزّ وجلّ ‪.‬‬
‫خ ْذكُم ِب ِهمَا‬
‫حدٍ ّم ْن ُهمَا ِمئَ َة جَ ْلدَةٍ وَلَا َت ْأ ُ‬
‫والنّاسخ هو قوله تعالى ‪ { :‬الزّانِيَ ُة وَالزّانِي فَاجِْلدُوا كُلّ وَا ِ‬
‫ن ا ْلمُ ْؤ ِمنِينَ } ‪.‬‬
‫عذَا َب ُهمَا طَائِفَ ٌة مّ َ‬
‫شهَدْ َ‬
‫خرِ وَ ْل َي ْ‬
‫ن بِاللّهِ وَا ْليَ ْومِ الْآ ِ‬
‫رَأْفَ ٌة فِي دِينِ اللّهِ إِن كُن ُتمْ تُ ْؤ ِمنُو َ‬
‫وبما روى عبادة بن الصّامت أنّ النّبيّ صلى ال عليه وسلم قال ‪ « :‬خذوا عنّي‪ ،‬خذوا عنّي ‪،‬‬
‫ن سبيلً ‪ .‬البكر بالبكر جلد مائة ‪ ،‬ونفي سنة ‪ ،‬وال ّثيّب بال ّثيّب جلد مائة والرّجم‬
‫قد جعل اللّه له ّ‬
‫»‪.‬‬
‫ن حدّ الزّاني المحصن الرّجم حتّى الموت رجلً كان أو امرأةً‬
‫‪ -9‬ومن ثمّ اتّفق الفقهاء على أ ّ‬
‫وقد حكى غير واحد الجماع على ذلك ‪.‬‬
‫قال ابن قدامة ‪ :‬وأجمع عليه أصحاب رسول اللّه صلى ال عليه وسلم ‪.‬‬
‫ي صلى ال عليه وسلم رجم بقوله وفعله في أخبار تشبه التّواتر‬
‫ن النّب ّ‬
‫قال البهوتيّ ‪ :‬وقد ثبت أ ّ‬
‫‪ .‬وقد أنزله اللّه تعالى في كتابه ‪ ،‬ثمّ نسخ رسمه وبقي حكمه ‪ ،‬لما ورد عن عمر بن الخطّاب‬
‫رضي ال تعالى عنه أنّه قال ‪ « :‬إنّ اللّه بعث محمّدا صلى ال عليه وسلم بالحقّ وأنزل عليه‬
‫الكتاب ‪ .‬فكان ممّا أنزل اللّه آية الرّجم فقرأناها وعقلناها ووعيناها ‪ ،‬رجم رسول اللّه صلى‬
‫ال عليه وسلم ورجمنا بعده ‪ ،‬فأخشى إن طال بالنّاس زمان أن يقول قائل ‪ :‬واللّه ما نجد آية‬
‫الرّجم في كتاب اللّه ‪ ،‬فيضلّوا بترك فريضة أنزلها اللّه ‪ ،‬والرّجم في كتاب اللّه حقّ على من‬
‫زنى إذا أحصن من الرّجال والنّساء إذا قامت البيّنة أو كان الحبل أو العتراف»‪ .‬وزاد في‬
‫رواية ‪ « :‬والّذي نفسي بيده لول أن يقول النّاس ‪ :‬زاد عمر بن الخطّاب في كتاب اللّه لكتبتها‬
‫‪ :‬الشّيخ والشّيخة إذا زنيا فارجموهما ألبتّة نكالً من اللّه واللّه عزيز حكيم » ‪ .‬وعن أحمد‬
‫رواية أخرى أنّه يجلد ويرجم ‪ .‬لما ورد عن عليّ رضي ال عنه " أنّه جلد شراحة يوم‬
‫الخميس ورجمها يوم الجمعة ‪ ،‬وقال ‪ :‬أجلدها بكتاب اللّه ‪ ،‬وأرجمها بسنّة رسول اللّه صلى‬
‫ال عليه وسلم ‪ .‬ورواية الرّجم فقط هي المذهب ‪.‬‬
‫‪ -‬كما اتّفق الفقهاء على أنّ حدّ الزّاني غير المحصن رجلً كان أو امرأ ًة مائة جلدة إن‬ ‫‪10‬‬

‫كان حرّا ‪ .‬وأمّا العبد أو المة فحدّهما خمسون جلد ًة سواء كانا بكرين أو ثيّبين لقوله تعالى‪{ :‬‬
‫ن ا ْل َعذَابِ } ‪.‬‬
‫صنَاتِ مِ َ‬
‫صفُ مَا عَلَى ا ْل ُمحْ َ‬
‫حشَةٍ َفعََل ْيهِنّ ِن ْ‬
‫ن بِفَا ِ‬
‫ن َفإِنْ َأ َتيْ َ‬
‫حصِ ّ‬
‫َفإِذَا ُأ ْ‬
‫وزاد جمهور الفقهاء " المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة " التّغريب عاما للبكر الحرّ الذّكر ‪ .‬وعدّى‬
‫الشّافعيّة والحنابلة التّغريب للمرأة أيضا ‪.‬‬
‫كما زاد الشّافعيّة في المعتمد عندهم التّغريب نصف عام للعبد ‪.‬‬
‫)‪.‬‬ ‫‪200/ 2‬‬ ‫وقد سبق الكلم على تعريف الحصان وشروطه في مصطلح ( إحصان‬
‫)‪.‬‬ ‫‪46‬‬ ‫‪/‬‬ ‫‪13‬‬ ‫كما سبق الكلم على التّغريب وأحكامه في مصطلح ‪ ( :‬تغريب‬
‫شروط ح ّد الزّنى ‪:‬‬
‫أوّلً ‪ :‬الشّروط المتّفق عليها ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬إدخال الحشفة أو قدرها من مقطوعها ‪:‬‬
‫‪ -‬ل خلف بين الفقهاء في أنّه يشترط في حدّ الزّنى إدخال الحشفة أو قدرها من مقطوعها‬ ‫‪11‬‬

‫في الفرج ‪ .‬فلو لم يدخلها أصلً أو أدخل بعضها فليس عليه الح ّد لنّه ليس وطئا ‪ .‬ول‬
‫يشترط النزال ول النتشار عند الدخال ‪ .‬فيجب عليه الح ّد سواء أنزل أم ل ‪ .‬انتشر ذكره‬
‫أم ل ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬أن يكون من صدر منه الفعل مكلّفا ‪:‬‬
‫م ‪ -‬اتّفق الفقهاء على أنّه يشترط في حدّ الزّنى أن يكون من صدر منه الفعل مكلّفا أي‬ ‫‪11‬‬

‫عاقلً بالغا ‪ .‬فالمجنون والصّبيّ ل حدّ عليهما إذا زنيا ‪ ،‬لقول النّبيّ صلى ال عليه وسلم ‪« :‬‬
‫رفع القلم عن ثلثة ‪ :‬عن النّائم حتّى يستيقظ ‪ ،‬وعن الصّغير حتّى يكبر ‪ ،‬وعن المجنون حتّى‬
‫يعقل أو يفيق » ‪.‬‬
‫وقد صرّح المالكيّة والحنابلة بأنّه ل حدّ على النّائم والنّائمة للحديث السّابق ‪ .‬كما اتّفقوا على‬
‫حدّ السّكران المتعدّي بسكره إذا زنى ‪.‬‬
‫‪ -‬ويتفرّع على هذا الشّرط مسألة ما لو وطئ العاقل البالغ ‪ -‬المكلّف ‪ -‬مجنون ًة أو‬ ‫‪12‬‬

‫ن الواطئ من أهل وجوب الحدّ ‪ ،‬ولنّ‬


‫صغير ًة يوطأ مثلها فإنّه يجب عليه الحدّ اتّفاقا ‪ ،‬ل ّ‬
‫وجود العذر من جانبها ل يوجب سقوط الحدّ من جانبه ‪.‬‬
‫وقد صرّح الحنفيّة والمالكيّة والحنابلة بأنّ الصّغيرة الّتي ل يوطأ مثلها ل حدّ على واطئها ‪.‬‬
‫ج ‪ -‬أن يكون من صدر منه الفعل عالما بالتّحريم ‪:‬‬
‫‪ -‬اتّفق الفقهاء على أنّ العلم بالتّحريم شرط في ح ّد الزّنى ‪.‬‬ ‫‪13‬‬

‫فإن كان من صدر منه الفعل غير عالم بتحريم الزّنى لقرب عهده بالسلم أو بعده عن‬
‫المسلمين ‪ ،‬كما لو نشأ ببادية بعيدة عن دار السلم لم يجب عليه الح ّد للشّبهة ‪.‬‬
‫ولمّا روى سعيد بن المسيّب أنّ رجلً زنى باليمن ‪ ،‬فكتب في ذلك عمر رضي ال تعالى عنه‬
‫ن اللّه حرّم الزّنى فاجلدوه ‪ ،‬وإن كان ل يعلم فعلّموه ‪ ،‬فإن عاد فاجلدوه ‪،‬‬
‫" إن كان يعلم أ ّ‬
‫وروي عن عمر أيضا أنّه عذر رجلً زنى بالشّام وادّعى الجهل بتحريم الزّنى ‪.‬‬
‫وكذا روي عنه وعن عثمان رضي ال عنهما أنّهما عذرا جاريةً زنت وهي أعجميّةً وادّعت‬
‫ل بعد العلم ‪.‬‬
‫ن الحكم في الشّرعيّات ل يثبت إ ّ‬
‫أنّها ل تعلم التّحريم ‪ .‬ول ّ‬
‫وقد أوضح ابن عابدين هذه المسألة بأنّه ل تقبل دعوى الجهل بالتّحريم إلّ ممّن ظهر عليه‬
‫أمارة ذلك ‪ ،‬بأن نشأ وحده في شاهق ‪ ،‬أو بين قوم جهّال مثله ل يعلمون تحريمه ‪ ،‬أو‬
‫يعتقدون إباحته ‪ ،‬إذ ل ينكر وجود ذلك ‪ .‬فمن زنى وهو كذلك في فور دخوله دارنا ل شكّ‬
‫في أنّه ل يحدّ ‪ ،‬إذ التّكليف بالحكام فرع العلم بها ‪ ،‬وعلى هذا يحمل قول من اشترط العلم‬
‫بالتّحريم ‪ ،‬وما ذكر من نقل الجماع بخلف من نشأ في دار السلم بين المسلمين ‪ ،‬أو في‬
‫دار أهل الحرب المعتقدين حرمته ‪ ،‬ثمّ دخل دارنا فإنّه إذا زنى يحدّ ول يقبل اعتذاره بالجهل‪.‬‬
‫ول يسقط الحدّ بجهل العقوبة إذا علم التّحريم ‪ ،‬لحديث « ماعز فإنّه صلى ال عليه وسلم أمر‬
‫برجمه وروي أنّه قال في أثناء رجمه ردّوني إلى رسول اللّه صلى ال عليه وسلم ‪ ،‬فإنّ‬
‫قومي قتلوني غرّوني من نفسي وأخبروني أنّ رسول اللّه صلى ال عليه وسلم غير قاتلي »‪.‬‬
‫د ‪ -‬انتفاء الشّبهة ‪:‬‬
‫‪ -‬من الشّروط الموجبة لحدّ الزّنى والمتّفق عليها انتفاء الشّبهة ‪ ،‬لقول النّبيّ صلى ال‬ ‫‪14‬‬

‫عليه وسلم ‪ « :‬ادرءوا الحدود بالشّبهات » ‪.‬‬


‫وقد نازع بعض العلماء في هذا الحديث بالرسال تارةً وبالوقف تار ًة أخرى ‪.‬‬
‫ن الموقوف في هذا له حكم‬
‫ن الرسال ل يقدح ‪ ،‬وإ ّ‬
‫قال الكمال بن الهمام ‪ :‬ونحن نقول ‪ :‬إ ّ‬
‫ن بعد‬
‫المرفوع ‪ ،‬لنّ إسقاط الواجب بعد ثبوته بشبهة خلف مقتضى العقل ‪ ،‬بل مقتضاه أ ّ‬
‫تحقّق الثّبوت ل يرتفع بشبهة فحيث ذكره صحابيّ حمل على الرّفع ‪.‬‬
‫ن الحدود تدرأ بالشّبهات كفاية ‪.‬‬
‫وأيضا في إجماع فقهاء المصار على أ ّ‬
‫ولذا قال بعض الفقهاء ‪ :‬هذا الحديث متّفق على العمل به ‪ .‬وأيضا تلقّته المّة بالقبول ‪.‬‬
‫ي صلى ال عليه وسلم والصّحابة ما يقطع في المسألة ‪.‬‬
‫وفي تتبّع المرويّ عن النّب ّ‬
‫فقد علمنا « أنّه عليه الصلة والسلم قال لماعز ‪ :‬لعلّك قبّلت أو غمزت أو نظرت » ‪.‬‬
‫كلّ ذلك يلقّنه أن يقول ‪ :‬نعم بعد إقراره بالزّنى ‪ ،‬وليس لذلك فائدة إلّ كونه إذا قالها ترك ‪،‬‬
‫ل فل فائدة ‪ .‬ولم يقل لمن اعترف عنده بدين ‪ ،‬لعلّه كان وديع ًة عندك فضاعت ‪ ،‬ونحوه ‪.‬‬
‫وإ ّ‬
‫ي رضي ال عنه لشراحة ‪ :‬لعلّه وقع عليك وأنت‬
‫وكذا قال للغامديّة نحو ذلك ‪ .‬وكذا قال عل ّ‬
‫ل مولك زوّجك منه وأنت تكتمينه ‪.‬‬
‫نائمة ‪ ،‬لعلّه استكرهك ‪ ،‬لع ّ‬
‫ن هذه الستفسارات‬
‫فالحاصل من هذا كلّه كون الحدّ يحتال في درئه بل شكّ ‪ .‬ومعلوم أ ّ‬
‫المفيدة لقصد الحتيال للدّرء كلّها كانت بعد الثّبوت ‪،‬لنّه كان بعد صريح القرار وبه الثّبوت‪.‬‬
‫وهذا هو الحاصل من هذه الثار ومن قوله ‪ « :‬ادرءوا الحدود بالشّبهات » ‪.‬‬
‫شكّ فيه شكّا في ضروريّ فل‬
‫فكان هذا المعنى مقطوعا بثبوته من جهة الشّرع ‪ ،‬فكان ال ّ‬
‫يلتفت إلى قائله ول يعوّل عليه ‪ ،‬وإنّما يقع الختلف أحيانا بين الفقهاء في بعض الشّبهات‬
‫أهي شبهة صالحة للدّرء بها أم ل ‪.‬‬
‫وعرّف الحنفيّة الشّبهة بأنّها ما يشبه الثّابت وليس بثابت ‪.‬‬
‫ل من الحنفيّة والمالكيّة والشّافعيّة الشّبهة إلى ثلثة أنواع ‪ .‬تفصيلها فيما يلي ‪:‬‬
‫وقد قسّم ك ّ‬
‫أ ‪ -‬أنواع الشّبهة عند الحنفيّة ‪:‬‬
‫‪ -‬الشّبهة عند الحنفيّة ثلثة أنواع ‪ :‬شبهة في الفعل ‪،‬وشبهة في المحلّ ‪ ،‬وشبهة العقد‪ .‬وقد‬ ‫‪15‬‬

‫اتّفق الحنفيّة على النّوعين الوليين ‪ ،‬واختلفوا في الثّالث ‪.‬‬


‫أولً ‪ -‬الشّبهة في الفعل ‪:‬‬
‫‪ -‬وتسمّى أيضا ‪ :‬شبهة المشابهة ‪ ،‬وشبهة الشتباه ‪.‬‬ ‫‪16‬‬

‫ن غير الدّليل دليلً‪ .‬فتتحقّق في حقّ من اشتبه عليه فقط ‪ ،‬أي من اشتبه عليه‬
‫وهي ‪ :‬أن يظ ّ‬
‫ن غير الدّليل دليلً ‪ ،‬فل ب ّد من الظّنّ ‪،‬‬
‫ل بل ظ ّ‬
‫الحلّ والحرمة ‪ ،‬ول دليل في السّمع يفيد الح ّ‬
‫ل فل شبهة أصلً ‪ ،‬لفرض أن ل دليل أصلً لتثبت الشّبهة في نفس المر ‪ .‬فلو لم يكن‬
‫وإ ّ‬
‫ظنّه ثابتا لم تكن شبهة أصلً ‪ ،‬وليست بشبهة في حقّ من لم يشتبه عليه ‪ ،‬حتّى لو قال ‪ :‬إنّها‬
‫عليّ حرام حدّ ‪.‬‬
‫ن شبهة الفعل تكون في ثمانية مواضع ‪ :‬ثلثة منها في الزّوجات ‪،‬وخمسة في الجواري‪.‬‬
‫ثمّ إ ّ‬
‫فمواضع الزّوجات ‪ :‬ما لو وطئ الرّجل زوجته المطلّقة ثلثا في العدّة ‪ ،‬أو وطئ مطلّقته‬
‫البائن في الطّلق على مال وهي في العدّة ‪ ،‬أو المختلعة ‪.‬‬
‫ومواضع الجواري ‪ :‬هي وطء جارية الب أو المّ أو الجدّ أو الجدّة وإن علوا ‪ ،‬ووطء‬
‫جارية الزّوجة ‪ ،‬ووطء أمّ ولده الّتي أعتقها وهي في الستبراء ‪ ،‬والعبد يطأ جارية موله ‪،‬‬
‫والمرتهن يطأ الجارية المرهونة عنده ‪ ،‬وكذا المستعير للرّهن في هذا بمنزلة المرتهن ‪.‬‬
‫ن الوطء حصل في‬
‫ل يعذر ‪ ،‬ويسقط عنه الحدّ ‪ ،‬ل ّ‬
‫فالواطئ في هذه الحالت إذا ظنّ الح ّ‬
‫موضع الشتباه ‪ ،‬بخلف ما لو وطئ امرأ ًة أجنبيّةً وقال ‪ :‬ظننت أنّها تحلّ لي ‪ ،‬فل يلتفت‬
‫إلى دعواه ويحدّ ‪.‬‬
‫ول يثبت النّسب في شبهة الفعل وإن ادّعاه ‪ ،‬لنّ الفعل تمحّض زنىً لفرض أن ل شبهة ملك‬
‫هنا ‪ ،‬إلّ أنّ الحدّ سقط لظنّه المحلّ ‪ ،‬فضلًا من اللّه تعالى ‪ ،‬وهو أمر راجع إلى الواطئ ل‬
‫ل ليس فيه شبهة حلّ ‪ ،‬فل يثبت نسب بهذا الوطء ‪ ،‬وكذا ل تثبت به‬
‫إلى المحلّ ‪ ،‬فكأنّ المح ّ‬
‫عدّة‪ ،‬لنّه ل عدّة من الزّاني ‪.‬‬
‫ن المطلّقة ثلثا يثبت النّسب منها ‪ ،‬لنّه وطء في‬
‫وقيل ‪ :‬إنّ هذا غير مجرًى على عمومه ‪ ،‬فإ ّ‬
‫شبهة العقد ‪ ،‬فيكفي ذلك لثبات النّسب ‪ .‬وألحقت بها المطلّقة بعوض ‪ ،‬والمختلعة ‪.‬‬
‫وثبوت النّسب هنا ليس باعتبار الوطء في العدّة ‪ ،‬بل باعتبار العلوق السّابق على الطّلق ‪.‬‬
‫ن نسب ولدها يثبت إلى أقلّ من سنتين ‪ ،‬ول يثبت لتمام سنتين ‪ .‬ويجب في شبهة‬
‫ولذا ذكروا أ ّ‬
‫الفعل مهر المثل ‪.‬‬
‫ثانيا ‪ -‬الشّبهة في المحلّ ‪ :‬وتسمّى أيضا الشّبهة الحكميّة وشبهة الملك ‪:‬‬
‫ل ‪ ،‬فتصبح الحرمة القائمة فيها شبهةً أنّها ليست‬
‫ل في المح ّ‬
‫‪ -‬وتنشأ عن دليل موجب للح ّ‬ ‫‪17‬‬

‫ثابتةً ‪ ،‬نظرا إلى دليل الحلّ‪ ،‬كقول النّبيّ صلى ال عليه وسلم ‪ « :‬أنت ومالك لبيك »‪ .‬فل‬
‫ن الشّبهة إذا كانت في‬
‫يجب الحدّ لجل شبهة وجدت في المحلّ وإن علم حرمته ‪ ،‬ل ّ‬
‫ن الدّليل المثبت‬
‫الموطوءة يثبت فيها الملك من وجه فلم يبق معه اسم الزّنى فامتنع الحدّ ‪ ،‬ل ّ‬
‫للحلّ قائم ‪ ،‬وإن تخلّف عن إثباته لمانع فأورث شبهةً ‪.‬‬
‫ل تكون في ستّة مواضع ‪ :‬واحد منها في الزّوجات ‪ ،‬والباقي في الجواري‪.‬‬
‫والشّبهة في المح ّ‬
‫فموضع الزّوجات ‪ :‬وطء المعتدّة بالطّلق البائن بالكنايات ‪ ،‬فل يحدّ ‪ ،‬لختلف الصّحابة‬
‫رضي ال عنهم في كونها رجعيّ ًة أو بائنةً ‪.‬‬
‫ومواضع الجواري ‪ :‬هي وطء الب جارية ابنه ‪ ،‬ووطء البائع الجارية المبيعة قبل تسليمها‬
‫ن الملك فيهما لم‬
‫للمشتري ‪ ،‬ووطء الزّوج الجارية المجعولة مهرا قبل تسليمها للزّوجة حيث إ ّ‬
‫يستقرّ للمشتري والزّوجة ‪ ،‬ووطء الجارية المشتركة بين الواطئ وغيره ‪ ،‬ووطء المرتهن‬
‫للجارية المرهونة في رواية ليست بالمختارة ‪.‬‬
‫وزاد الكمال بن الهمام ‪ :‬وطء جارية عبده المأذون ‪ ،‬ووطء جارية عبده المديون ‪ ،‬ووطء‬
‫جارية عبده المكاتب ‪ ،‬ووطء البائع الجارية المبيعة بعد القبض في البيع الفاسد والّتي فيها‬
‫الخيار للمشتري ‪.‬‬
‫وكذا وطء جاريته الّتي هي أخته من الرّضاع ‪ ،‬وجاريته قبل الستبراء ‪ ،‬ووطء الزّوجة الّتي‬
‫حرّمت بردّتها ‪ ،‬أو بمطاوعتها لبنه أو جماعه أمّها ثمّ جامعها وهو يعلم أنّها عليه حرام فل‬
‫ن بعض الئمّة لم يحرّم به ‪ ،‬فاستحسن أن يدرأ بذلك الحدّ ‪.‬‬
‫حدّ عليه ‪ ،‬ل ّ‬
‫ستّة ل فائدة فيه ‪.‬‬
‫قال ‪ :‬والستقراء يفيد غير ذلك أيضا ‪ ،‬فالقتصار على ال ّ‬
‫ن المانع هو الشّبهة ‪ ،‬وهي‬
‫ففي هذه المواضع ل يجب الحدّ وإن قال ‪ :‬علمت أنّها حرام ‪ ،‬ل ّ‬
‫هاهنا قائمة في نفس الحكم ‪ ،‬ول اعتبار بمعرفته بالحرمة وعدمها ‪ .‬ويثبت النّسب في شبهة‬
‫المحلّ إذا ادّعى الولد ‪.‬‬
‫ثالثا ‪ -‬شبهة العقد ‪:‬‬
‫‪ -‬قال بها أبو حنيفة ‪ ،‬وسفيان الثّوريّ وزفر ‪.‬‬ ‫‪18‬‬

‫وهي عنده تثبت بالعقد وإن كان العقد متّفقا على تحريمه وهو عالم به ‪ ،‬ويظهر ذلك في نكاح‬
‫المحارم النّسبيّة ‪ ،‬أو بالرّضاع ‪ ،‬أو بالمصاهرة على التّحريم بهما ‪ ،‬فإذا وطئ الشّخص‬
‫إحدى محارمه بعد أن عقد عليها فل حدّ عليه عند أبي حنيفة ‪ ،‬ولكن يجب المهر ويعاقب‬
‫عقوب ًة هي أشدّ ما يكون من التّعزير سياس ًة ل حدّا إذا كان عالما بالتّحريم ‪ ،‬فإن لم يكن عالما‬
‫به فل حدّ عليه ول تعزير ‪ .‬فوجود العقد ينفي الح ّد عند أبي حنيفة حللً كان العقد أو حراما‬
‫‪ ،‬متّفقا على تحريمه أو مختلفا فيه ‪ ،‬علم الواطئ أنّه محرّم أو لم يعلم ‪.‬‬
‫ل العقد ما‬
‫ج أبو حنيفة لشبهة العقد بأنّ النثى من أولد آدم محلّ لهذا العقد ‪ ،‬لنّ مح ّ‬
‫واحت ّ‬
‫ل أنثى من أولد آدم قابلة لمقصود النّكاح وهو التّوالد‬
‫يكون قابلً لمقصوده الصليّ ‪ ،‬وك ّ‬
‫والتّناسل ‪ .‬وإذا كانت قابلةً لمقصوده كانت قابل ًة لحكمه ‪،‬إذ الحكم يثبت ذريعةً إلى المقصود‪،‬‬
‫ل حقيقةً لمكان الحرمة‬
‫فكان ينبغي أن ينعقد في جميع الحكام ‪ ،‬إلّ أنّه تقاعد عن إفادة الح ّ‬
‫ص فيورث شبهةً ‪ ،‬إذ الشّبهة ما يشبه الحقيقة ل الحقيقة نفسها ‪.‬‬
‫الثّابتة فيهنّ بالنّ ّ‬
‫والنثى من أولد آدم محلّ للعقد في حقّ غيره من المسلمين فكانت أولى بإيراث الشّبهة ‪،‬‬
‫وكونها محرّم ًة على التّأبيد ل ينافي الشّبهة " ‪ ،‬أل ترى أنّه لو وطئ أمته وهي أخته من‬
‫الرّضاع عالمًا بالحرمة ل يجب عليه الحدّ ‪ .‬والنّكاح في إفادة ملك المتعة أقوى من ملك‬
‫ن الشّبهة تشبه‬
‫اليمين ‪ ،‬لنّه شرع له بخلف ملك اليمين ‪ ،‬فكان أولى في إفادة الشّبهة ‪ ،‬ل ّ‬
‫الحقيقة فما كان أقوى في إثبات الحقيقة كان أقوى في إثبات الشّبهة ‪.‬‬
‫وعند أبي يوسف ومحمّد يجب عليه الحدّ إذا كان عالمًا بالحرمة ‪ ،‬وإن لم يعلم فل حدّ عليه ‪،‬‬
‫ن كإضافته إلى الذّكور ‪،‬‬
‫ن ثبتت بدليل قطعيّ ‪ ،‬وإضافة العقد إليه ّ‬
‫ن حرمته ّ‬
‫واحتجّا لذلك بأ ّ‬
‫ل هنا ‪،‬‬
‫ن محلّ التّصرّف ما يكون محلّا لحكمه وهو الح ّ‬
‫لكونه صادف غير المحلّ فيلغو ‪ ،‬ل ّ‬
‫وهي من المحرّمات فيكون وطؤها زنًى حقيق ًة لعدم الملك والحقّ فيها ‪ .‬وإليه الشارة بقوله‬
‫حشَةً } والفاحشة هي‬
‫ح آبَا ُؤكُم مّنَ ال ّنسَاء } إلى قوله ‪ِ { :‬إنّ ُه كَانَ فَا ِ‬
‫ل تَنكِحُو ْا مَا َنكَ َ‬
‫تعالى ‪َ { :‬و َ‬
‫ن فَاحِشَةً } ومجرّد إضافة العقد إلى غير المحلّ‬
‫الزّنى لقوله تعالى ‪َ { :‬ولَ تَ ْق َربُو ْا ال ّزنَى ِإنّهُ كَا َ‬
‫ل عبرة فيه ‪ ،‬أل ترى أنّ البيع الوارد على الميتة والدّم غير معتبر شرعا حتّى ل يفيد شيئًا‬
‫من أحكام البيع ‪ ،‬غير أنّه إذا لم يكن عالما يعذر بالشتباه ‪.‬‬
‫ل الخلف بينهم في النّكاح المجمع على تحريمه ‪ ،‬وهي حرام على التّأبيد ‪.‬‬
‫ومح ّ‬
‫أمّا المختلف فيه ‪ ،‬كالنّكاح بل وليّ وبل شهود فل حدّ عليه اتّفاقا لتمكّن الشّبهة عند الكلّ ‪.‬‬
‫فالشّبهة إنّما تنتفي عند أبي يوسف ومحمّد إذا كان النّكاح مجمعا على تحريمه وهي حرام‬
‫على التّأبيد ‪ .‬والفتوى عند الحنفيّة على قول أبي حنيفة ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬أنواع الشّبهة عند المالكيّة ‪:‬‬
‫‪ -‬قسّم المالكيّة الشّبهة في الحدود والكفّارات في إفساد صوم رمضان إلى ثلثة أنواع ‪:‬‬ ‫‪19‬‬

‫شبهة في الواطئ ‪ ،‬وشبهة في الموطوءة ‪ ،‬وشبهة في الطّريق ‪.‬‬


‫ن هذه الجنبيّة امرأته ‪ ،‬فالعتقاد الّذي هو جهل مركّب وغير‬
‫فالشّبهة في الواطئ ‪ :‬كاعتقاد أ ّ‬
‫مطابق يقتضي عدم الحدّ من حيث إنّه معتقد الباحة ‪ ،‬وعدم المطابقة في اعتقاده يقتضي الحدّ‬
‫‪ ،‬فحصل الشتباه وهي عين الشّبهة ‪.‬‬
‫والشّبهة في الموطوءة ‪ :‬كالمة المشتركة إذا وطئها أحد الشّريكين ‪ .‬فما فيها من نصيبه‬
‫يقتضي عدم الحدّ ‪ ،‬وما فيها من ملك غيره يقتضي الحدّ ‪،‬فحصل الشتباه وهي عين الشّبهة‪.‬‬
‫ن قول‬
‫والشّبهة في الطّريق ‪ :‬كاختلف العلماء في إباحة الموطوءة كنكاح المتعة ونحوه ‪ .‬فإ ّ‬
‫المحرّم يقتضي الحدّ ‪ ،‬وقول المبيح يقتضي عدم الحدّ ‪ ،‬فحصل الشتباه وهي عين الشّبهة ‪.‬‬
‫ن لها شرطا وهو‬
‫فهذه الثّلث هي ضابط الشّبهة المعتبرة عندهم في إسقاط الحدّ ‪ .‬غير أ ّ‬
‫اعتقاد المقدم على الفعل مقارنة السّبب المبيح ‪ ،‬وإن أخطأ في حصول السّبب كأن يطأ امرأةً‬
‫أجنبيّةً يعتقد أنّها امرأته في الوقت الحاضر ‪.‬‬
‫وضابط الشّبهة الّتي ل تعتبر في إسقاط الحدّ تتحقّق بأمرين ‪ :‬إمّا بالخروج عن الشّبهات‬
‫الثّلث المذكورة كمن تزوّج خامسةً أو مبتوتةً ثلثًا قبل زوج ‪ ،‬أو أخته من الرّضاع أو‬
‫النّسب أو ذات محرم عامدا عالما بالتّحريم ‪ ،‬أو بعدم تحقّق الشّرط المذكور كأن يطأ امرأةً‬
‫ن الحدّ ل يسقط لعدم اعتقاد مقارنة العلم لسببه ‪.‬‬
‫يعتقد أنّه سيتزوّجها فإ ّ‬
‫ج ‪ -‬أنواع الشّبهة عند الشّافعيّة ‪:‬‬
‫‪ -‬الشّبهة عند الشّافعيّة على ثلثة أقسام ‪ :‬شبهة في المحلّ ‪ ،‬وشبهة في الفاعل ‪ ،‬وشبهة‬ ‫‪20‬‬

‫في الجهة ‪.‬‬


‫فالشّبهة في المحلّ ‪ ،‬كوطء زوجته الحائض والصّائمة ‪ ،‬والمحرمة ‪ ،‬وأمته قبل الستبراء ‪،‬‬
‫وجارية ولده ‪ .‬فل حدّ عليه ‪ .‬وكذا لو وطئ مملوكته المحرّمة عليه بنسب أو رضاع ‪ ،‬كأخته‬
‫منهما ‪ ،‬أو بمصاهرة كموطوءة أبيه أو ابنه ‪ ،‬فل حدّ بوطئها في الظهر ‪ ،‬لشبهة الملك ‪.‬‬
‫ل ذلك فيمن يستقرّ ملكه عليها كأخته ‪ .‬أمّا من ل يستق ّر ملكه‬
‫قال الماورديّ وغيره ‪ :‬ومح ّ‬
‫عليها كالمّ والجدّة فهو زان قطعا ‪.‬‬
‫وكذا لو وطئ جاري ًة له فيها شرك ‪ ،‬أو أمته المزوّجة ‪ ،‬أو المعتدّة من غيره ‪ ،‬أو المجوسيّة‬
‫والوثنيّة فل حدّ عليه ‪ ،‬ومثله ما لو أسلمت أمة ذ ّميّ فوطئها قبل أن تباع ‪.‬‬
‫وأمّا الشّبهة في الفاعل ‪ ،‬فمثل أن يجد امرأ ًة في فراشه فيطؤها ظانّا أنّها زوجته فل حدّ‬
‫ن ذلك صدّق بيمينه ‪ .‬ولو ظنّها جاري ًة له فيها شرك فكانت غيرها‬
‫عليه ‪ ،‬وإذا ادّعى أنّه ظ ّ‬
‫فل يسقط عنه الحدّ لنّه علم التّحريم فكان عليه المتناع ‪.‬‬
‫وهذا ما رجّحه النّوويّ من احتمالين ‪ .‬وجزم بعض الشّافعيّة بسقوطه ‪ .‬ويدخل في شبهة‬
‫الفاعل المكره فل حدّ عليه ‪ .‬وسيأتي بيانه ‪.‬‬
‫وأمّا الشّبهة في الجهة ‪ :‬فهي كلّ طريق صحّحها بعض العلماء وأباح الوطء بها فل حدّ فيها‬
‫على المذهب وإن كان الواطئ يعتقد التّحريم نظرا لختلف الفقهاء ‪.‬‬
‫ي كمذهب أبي حنيفة ‪ .‬وبل شهود كمذهب مالك ‪ .‬ول في‬
‫فل حدّ في الوطء في النّكاح بل ول ّ‬
‫نكاح المتعة كمذهب ابن عبّاس لشبهة الخلف ‪.‬‬
‫ن محلّ الخلف في النّكاح المذكور أن ل يقارنه حكم كما قاله الماورديّ ‪.‬‬
‫ثمّ إ ّ‬
‫فإن قارنه حكم قاض ببطلنه حدّ قطعا ‪ ،‬أو حكم قاض بصحّته لم يحدّ قطعا ‪.‬‬
‫ن الضّابط في الشّبهة قوّة المدرك ل عين الخلف ‪ .‬فلو وطئ‬
‫وقد صرّح الرّويانيّ وغيره بأ ّ‬
‫ل ذلك ‪.‬‬
‫أمة غيره بإذنه حدّ على المذهب ‪ ،‬وإن حكي عن عطاء ح ّ‬
‫وصرّح الرّمليّ بأنّه يجب أن يكون الخلف من عالم يعتدّ بخلفه وإن لم يقلّده الفاعل ‪.‬‬
‫د ‪ -‬الشّبهة عند الحنابلة ‪:‬‬
‫‪ -‬لم يقسّم الحنابلة الشّبهة إلى أنواع كالمذاهب الخرى ‪ ،‬وإنّما ذكروا لها أمثلةً فقالوا ‪ :‬ل‬ ‫‪21‬‬

‫حدّ على الب إن وطئ جارية ولده سواء وطئها البن أو ل ‪ ،‬لنّه وطء تمكّنت الشّبهة فيه‬
‫لتمكّن الشّبهة في ملك ولده لحديث « أنت ومالك لبيك » ‪.‬‬
‫ول حدّ على من وطئ جاري ًة له فيها شرك ‪ ،‬أو لولده فيها شرك ‪ ،‬أو لمكاتبه فيها شرك ‪،‬‬
‫للملك أو شبهته ‪ ،‬ول حدّ إن وطئ أم ًة كلّها لبيت المال أو بعضها لبيت المال وهو حرّ مسلم‪،‬‬
‫لنّ له حقّا في بيت المال ‪.‬‬
‫ن الوطء قد صادف ملكا ‪،‬‬
‫ول حدّ إن وطئ امرأته أو أمته في حيض أو نفاس أو دبر ‪ ،‬ل ّ‬
‫وإن وطئ امرأ ًة على فراشه أو في منزله ظنّها امرأته أو زفّت إليه ولو لم يقل له ‪ :‬هذه‬
‫امرأتك ‪ ،‬فل حدّ عليه للشّبهة ‪.‬‬
‫ولو دعا ضرير امرأته فأجابته امرأة غيرها فوطئها فل ح ّد عليه للشّبهة ‪ .‬بخلف ما لو دعا‬
‫محرّمةً عليه فأجابه غيرها فوطئها يظنّها المدعوّة فعليه الحدّ ‪ ،‬سواء أكانت المدعوّة ممّن له‬
‫ل يظنّه ابنه‬
‫فيها شبهة كالجارية المشتركة أم لم يكن ‪ ،‬لنّه ل يعذر بهذا ‪ ،‬أشبه ما لو قتل رج ً‬
‫فبان أجنبيّا ‪ .‬وإن وطئ أمته المجوسيّة أو الوثنيّة أو المرتدّة أو المعتدّة ‪ ،‬أو المزوّجة ‪ ،‬أو‬
‫في مدّة استبرائها فل حدّ ‪ ،‬لنّها ملكه ‪.‬‬
‫وإن وطئ في نكاح مختلف في صحّته أو في ملك مختلف في صحّته فل حدّ عليه كنكاح‬
‫المتعة ‪ ،‬والنّكاح بل وليّ ‪ ،‬أو بل شهود ‪ ،‬ونكاح الشّغار ‪ ،‬ونكاح المحلّل ‪ ،‬ونكاح الخت في‬
‫عدّة أختها ‪ ،‬ونحوها ‪ ،‬ونكاح البائن منه ‪ ،‬ونكاح خامسة في عدّة رابعة لم تبن ‪ ،‬ونكاح‬
‫المجوسيّة ‪ ،‬وعقد الفضوليّ ولو قبل الجازة ‪ ،‬سواء اعتقد التّحريم أم ل ‪.‬‬
‫هذا هو المذهب وعليه جماهير الصحاب ‪ .‬وعن أحمد رواية ‪ ،‬أنّ عليه الحدّ إذا اعتقد‬
‫التّحريم ‪.‬‬
‫وإن جهل نكاحا باطلً إجماعا كخامسة فل ح ّد للعذر ‪ ،‬ويقبل منه ذلك ‪ ،‬لنّه يجوز أن يكون‬
‫صادقا ‪ .‬أمّا إذا علم ببطلنه فعليه الحدّ ‪.‬‬
‫ول حدّ في الوطء في شراء فاسد بعد القبض ولو اعتقد التّحريم للشّبهة ‪ ،‬لنّ البائع بإقباضه‬
‫المة كأنّه أذنه في فعل ما يملكه بالبيع الصّحيح ومنه الوطء ‪ ،‬أمّا قبل القبض فيحدّ على‬
‫الصّحيح ‪ .‬كما يجب الحدّ في وطء البائع في مدّة الخيار إذا كان يعتقد التّحريم ويعلم انتقال‬
‫الملك على الصّحيح في خيار الشّرط ‪.‬‬
‫هـ ‪ -‬من شروط ح ّد الزّنى أن يكون من صدر منه الفعل مختارا ‪:‬‬
‫‪ -‬اتّفق الفقهاء على أنّه ل حدّ على المرأة المكرهة على الزّنى لقول النّبيّ صلى ال عليه‬ ‫‪22‬‬

‫وسلم ‪ « :‬تجاوز اللّه عن أمّتي الخطأ والنّسيان وما استكرهوا عليه » ‪.‬‬
‫ن امرأةً استكرهت على عهد رسول اللّه صلى ال عليه‬
‫وعن عبد الجبّار بن وائل عن أبيه « أ ّ‬
‫ن هذا شبهة ‪ ،‬والح ّد يدرأ بها ‪.‬‬
‫وسلم فدرأ عنها الحدّ » ‪ .‬ول ّ‬
‫وقد حكى غير واحد الجماع على ذلك ‪.‬‬
‫واختلف الفقهاء في حكم الرّجل إذا أكره على الزّنى ‪.‬‬
‫فذهب صاحبا أبي حنيفة والمالكيّة في المختار والّذي به الفتوى والشّافعيّة في الظهر إلى أنّه‬
‫ل حدّ على الرّجل المكره على الزّنى للحديث السّابق ولشبهة الكراه ‪.‬‬
‫وذهب الكثر من المالكيّة ‪ -‬وهو المشهور عندهم ‪ -‬والحنابلة وهو مقابل الظهر عند‬
‫ل بالنتشار الحادث‬
‫ن الوطء ل يكون إ ّ‬
‫الشّافعيّة إلى وجوب الحدّ على المكره ‪ ،‬وذلك ل ّ‬
‫بالختيار ‪.‬‬
‫وفرّق أبو حنيفة بين إكراه السّلطان وإكراه غيره ‪ ،‬فل حدّ عليه في إكراه السّلطان ‪ ،‬لنّ‬
‫سببه الملجئ قائم ظاهرا ‪ ،‬والنتشار دليل متردّد ‪ ،‬لنّه قد يكون عن غير قصد ‪ ،‬لنّ‬
‫النتشار قد يكون طبعا ل طوعا ‪ ،‬كما في النّائم ‪ ،‬فأورث شبهةً ‪ ،‬وعليه الحدّ إن أكرهه غير‬
‫ن الكراه من غير السّلطان ل يدوم إلّ نادرا لتمكّنه من الستعانة بالسّلطان أو‬
‫السّلطان ‪ ،‬ل ّ‬
‫بجماعة المسلمين ويمكنه دفعه بنفسه بالسّلح ‪.‬‬
‫والنّادر ل حكم له فل يسقط به الحدّ ‪ ،‬بخلف السّلطان ‪ ،‬لنّه ل يمكنه الستعانة بغيره ول‬
‫الخروج بالسّلح عليه فافترقا ‪ .‬والفتوى عند الحنفيّة على قول الصّاحبين ‪.‬‬
‫قال مشايخ الحنفيّة ‪ :‬وهذا اختلف عصر وزمان ‪ ،‬ففي زمن أبي حنيفة ليس لغير السّلطان‬
‫من القوّة ما ل يمكن دفعه بالسّلطان ‪ ،‬وفي زمنهما ظهرت القوّة لكلّ متغلّب فيفتى بقولهما ‪.‬‬
‫ثانيا ‪ :‬الشّروط المختلف فيها ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬اشتراط كون الموطوءة حيّةً ‪:‬‬
‫‪ -‬اشترط جمهور الفقهاء " الحنفيّة والشّافعيّة والحنابلة " في وجوب حدّ الزّنى أن تكون‬ ‫‪23‬‬

‫ن الحدّ إنّما وجب للزّجر ‪ ،‬وهذا ممّا‬


‫الموطوءة حّيةً ‪ ،‬فل يجب الحدّ عندهم بوطء الميّتة ‪ ،‬ل ّ‬
‫ينفر الطّبع عنه ‪ ،‬فل يحتاج إلى الزّجر عنه بحدّ لزجر الطّبع عنه ‪ .‬وفيه التّعزير عندهم ‪.‬‬
‫ويعبّر الشّافعيّة عن هذا الشّرط بالفرج المشتهى طبعا ‪ ،‬وهو فرج الدميّ الحيّ ‪.‬‬
‫وذهب المالكيّة إلى عدم اشتراط هذا الشّرط فيجب عندهم الحدّ بوطء الميتة سواء كان في‬
‫قبلها أو دبرها ‪ .‬واستثنوا من ذلك الزّوج فل يحدّ بوطء زوجته الميّتة ‪.‬‬
‫واستثنوا كذلك المرأة إذا أدخلت ذكر ميّت غير زوج في فرجها فل تحدّ لعدم الّلذّة ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬كون الموطوءة امرأةً ‪:‬‬
‫‪ -‬اشترط أبو حنيفة في حدّ الزّنى أن تكون الموطوءة امرأةً ‪.‬‬ ‫‪24‬‬

‫فل حدّ عنده فيمن عمل عمل قوم لوط ‪ ،‬ولكنّه يعزّر ويسجن حتّى يموت أو يتوب ‪ ،‬ولو‬
‫اعتاد اللّواطة قتله المام محصنًا كان أو غير محصن سياسةً ‪.‬‬
‫أمّا الحدّ المقدّر شرعا فليس حكما له ‪ ،‬لنّه ليس بزنًى ول في معناه فل يثبت فيه ح ّد ‪.‬‬
‫ن حدّ الزّنى‬
‫ولم يشترط جمهور الفقهاء هذا الشّرط ‪ ،‬فذهب صاحبا أبي حنيفة والحنابلة إلى أ ّ‬
‫على الفاعل والمفعول به جلدا إن لم يكن أحصن ‪ ،‬ورجما إن أحصن ‪ ،‬وذهب المالكيّة إلى‬
‫أنّهما يرجمان حدّا أحصنا أم ل ‪.‬‬
‫وذهب الشّافعيّة إلى وجوب الحدّ على الفاعل ‪ .‬أمّا المفعول به فإنّه يجلد ويغرّب محصنا كان‬
‫أو غير محصن ‪ ،‬لنّ المحلّ ل يتصوّر فيه إحصان ‪.‬‬
‫وطء البهيمة ‪:‬‬
‫‪ -‬ذهب جماهير الفقهاء إلى أنّه ل حدّ على من أتى بهيم ًة لكنّه يعزّر ‪ ،‬لما روي عن ابن‬ ‫‪25‬‬

‫عبّاس رضي ال تعالى عنهما أنّه قال ‪ :‬من أتى بهيمةً فل حدّ عليه ‪.‬‬
‫ن الطّبع السّليم يأباه فلم يحتج إلى زجر بحدّ ‪.‬‬
‫ومثل هذا ل يقوله إلّ عن توقيف ‪ ،‬ول ّ‬
‫وعند الشّافعيّة قول ‪ :‬إنّه يحدّ حدّ الزّنى وهو رواية عن أحمد ‪ ،‬وعند الشّافعيّة قول آخر ‪:‬‬
‫بأنّه يقتل مطلقا محصنا كان أو غير محصن ‪.‬‬
‫ومثل وطء البهيمة ما لو مكّنت امرأة حيوانا من نفسها حتّى وطئها فل حدّ عليها بل تعزّر ‪.‬‬
‫ومذهب جمهور الفقهاء " الحنفيّة والمالكيّة والشّافعيّة " أنّه ل تقتل البهيمة ‪ ،‬وإذا قتلت فإنّها‬
‫يجوز أكلها من غير كراهة إن كانت ممّا يؤكل عند المالكيّة والشّافعيّة ‪ ،‬ومنع أبو يوسف‬
‫ومحمّد أكلها ‪ .‬وقال ‪ :‬تذبح وتحرق ‪.‬‬
‫وأجازه أبو حنيفة ‪ ،‬وقد صرّح الحنفيّة بكراهة النتفاع بها حيّةً وميّتةً ‪.‬‬
‫وذهب الحنابلة إلى أنّ البهيمة تقتل سواء كانت مملوك ًة له أو لغيره ‪ .‬وسواء كانت مأكولةً أو‬
‫غير مأكولة ‪ .‬وهذا قول عند الشّافعيّة ‪ ،‬لما روى ابن عبّاس مرفوعا قال ‪ « :‬من وقع على‬
‫بهيمة فاقتلوه واقتلوا البهيمة » ‪.‬‬
‫وعند الشّافعيّة قول آخر ‪ :‬إنّها تذبح إن كانت مأكولةً ‪ ،‬وصرّحوا بحرمة أكلها إن كانت من‬
‫جنس ما يؤكل ‪.‬‬
‫ج ‪ -‬كون الوطء في القبل ‪:‬‬
‫‪ -‬ذهب جمهور الفقهاء المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة وصاحبا أبي حنيفة إلى وجوب حدّ‬ ‫‪26‬‬

‫الزّنى على من أتى امرأةً أجنبيّ ًة في دبرها ‪ ،‬لنّه فرج أصليّ كالقبل ‪.‬‬
‫ص الشّافعيّة الحدّ بالفاعل فقط ‪ .‬أمّا المفعول بها فإنّها تجلد وتغرّب ‪ ،‬محصن ًة كانت أو‬
‫وخ ّ‬
‫ن المحلّ ل يتصوّر فيه إحصان ‪.‬‬
‫غير محصنة ‪ ،‬ل ّ‬
‫واشترط أبو حنيفة في حدّ الزّنى أن يكون الوطء في القبل فل يجب الحدّ عنده على من أتى‬
‫امرأةً أجنبيّ ًة في دبرها ‪ ،‬ولكنّه يعزّر ‪.‬‬
‫ن هذا الحكم مقصور على المرأة الجنبيّة ‪ .‬أمّا إتيان الرّجل زوجته أو مملوكته في دبرها‬
‫ثمّ إ ّ‬
‫فل حدّ فيه اتّفاقا ‪ ،‬ويعزّر فاعله لرتكابه معصي ًة ‪.‬‬
‫وقصر الشّافعيّة التّعزير على ما إذا تكرّر ‪ ،‬أمّا إذا لم يتكرّر فل تعزير فيه ‪.‬‬
‫د ‪ -‬كون الوطء في دار السلم ‪:‬‬
‫‪ -‬اشترط الحنفيّة في وجوب حدّ الزّنى أن يكون الزّنى في دار السلم ‪ .‬فل يقام الحدّ‬ ‫‪27‬‬

‫على من زنى في دار الحرب أو البغي ثمّ خرج إلى دار السلم وأقرّ عند القاضي به ‪ ،‬لقول‬
‫النّبيّ صلى ال عليه وسلم ‪ « :‬من زنى أو سرق في دار الحرب وأصاب بها حدّا ثمّ هرب‬
‫فخرج إلينا فإنّه ل يقام عليه الحدّ » ‪.‬‬
‫وروي عن أبي الدّرداء أنّه نهى أن يقام على أحد حدّ في أرض العد ّو ‪.‬‬
‫ن الوجوب مشروط بالقدرة ‪ ،‬ول قدرة للمام عليه حال كونه في دار الحرب ‪ ،‬فل‬
‫ول ّ‬
‫ن المقصود منه الستيفاء ليحصل الزّجر ‪ ،‬والفرض أن ل‬
‫ل عرى عن الفائدة ‪ ،‬ل ّ‬
‫وجوب وإ ّ‬
‫قدرة عليه ‪ ،‬وإذا خرج والحال أنّه لم ينعقد سببا لليجاب حال وجوده لم ينقلب موجبا له حال‬
‫عدمه ‪.‬‬
‫وصرّحوا بأنّه إذا زنى في عسكر لميره ولية إقامة الحدّ بنفسه فإنّه يقيم عليه حدّ الزّنى ‪،‬‬
‫لنّه تحت يده ‪ ،‬فالقدرة ثابتة عليه ‪ ،‬بخلف ما لو خرج من العسكر فدخل دار الحرب فزنى‬
‫ثمّ عاد إلى العسكر فإنّه ل يقيمه ‪ ،‬وكذا لو زنى في العسكر والعسكر في دار الحرب في أيّام‬
‫ص بما إذا كان في العسكر من له‬
‫المحاربة قبل الفتح فإنّه يقيم عليه الحدّ ‪ .‬وهذا الحكم خا ّ‬
‫ولية إقامة الحدود ‪ ،‬بخلف أمير العسكر أو السّريّة لنّه إنّما فوّض لهما تدبير الحرب ل‬
‫إقامة الحدود ‪ ،‬وإنّما ذلك للمام ‪ ،‬وولية المام منقطعة ثمّة ‪.‬‬
‫وذهب الشّافعيّة إلى إقامة الحدّ في دار الحرب إن لم يخف فتنةً من نحو ردّة المحدود‬
‫والتحاقه بدار الحرب ‪.‬‬
‫وعند الحنابلة من أتى حدّا في الغزو لم يستوف منه في أرض العدوّ حتّى يرجع إلى دار‬
‫السلم ‪ ،‬لما روى جنادة بن أميّة قال ‪ « :‬كنّا مع بسر بن أرطأة في البحر ‪ ،‬فأتي بسارق‬
‫يقال له ‪ :‬مصدر ‪ ،‬قد سرق بُختيّةً ‪ ،‬فقال ‪ :‬قد سمعت رسول اللّه صلى ال عليه وسلم يقول ‪:‬‬
‫ل تقطع اليدي في السّفر ولول ذلك لقطعته » ‪.‬‬
‫ونقلوا إجماع الصّحابة على ذلك ‪ ،‬ثمّ إنّه متى رجع إلى دار السلم أقيم عليه الحدّ لعموم‬
‫اليات والخبار ‪ ،‬وإنّما أخّر لعارض ‪ ،‬وقد زال ‪.‬‬
‫وإذا أتى حدّا في الثّغور أقيم عليه فيها بغير خلف ‪ ،‬لنّها من بلد السلم والحاجة داعية‬
‫إلى زجر أهلها كالحاجة إلى زجر غيرهم ‪.‬‬
‫هـ ‪ -‬أن يكون من صدر منه الفعل مسلما ‪:‬‬
‫‪ -‬اشترط المالكيّة في حدّ الزّنى أن يكون من صدر منه الفعل مسلما ‪ ،‬فل يقام الحدّ على‬ ‫‪28‬‬

‫الكافر إذا زنى بمسلمة طائعة على المشهور ‪.‬‬


‫ويردّ إلى أ هل ملّ ته ويعا قب على ذلك العقو بة الشّديدة ‪ ،‬وتحدّ الم سلمة ‪ .‬وإن ا ستكره الكا فر‬
‫المسلمة على الزّنى قتل ‪.‬‬
‫وقد وافقت المذاهب الخرى مذهب المالكيّة في المستأمن فقط ‪.‬‬
‫وهناك تفصيل في المذاهب نذكره فيما يلي ‪ :‬ففي مذهب الحنفيّة ثلثة أقوال ‪:‬‬
‫قول أبي حنيفة ‪ :‬ل يحدّ المستأمن سواء كان رجلًا أو امرأ ًة ‪ ،‬ويحدّ المسلم وال ّذمّ يّ سواء كان‬
‫رجلً أو امرأةً ‪ ،‬وقول أ بي يو سف ‪ :‬يحدّ الجم يع ‪ .‬وقول محمّد ‪ :‬ل يحدّ وا حد من هم ‪ .‬فإذا‬
‫ز نى الحرب يّ الم ستأمن بالم سلمة أو ال ّذمّيّة فعليه ما الحدّ دون الحرب يّ في قول أ بي حني فة‪،‬‬
‫وعليهما الحدّ جميعًا في قول أبي يوسف ‪ ،‬ول حدّ على واحد منهما في قول محمّد ‪ ،‬وتقييد‬
‫الم سألة بالم سلمة وال ّذمّيّة لنّه لو ز نى بحربيّة م ستأمنة ل يحدّ وا حد منه ما ع ند أ بي حني فة‬
‫ومحمّد ‪ ،‬وعند أبي يوسف يحدّان ‪ ،‬وإن زنى المسلم أو ال ّذمّ يّ بالحربيّة المستأمنة حدّ الرّجل‬
‫في قول أبي حنيفة ومحمّد ‪ ،‬وقال أبو يوسف ‪ :‬يحدّان جميعا ‪.‬‬
‫ومذهب الشّافعيّة أنّه ل يقام حدّ الزّنى على المعاهد والمستأمن لعدم التزامهما بالحكام ‪ ،‬ويقام‬
‫ي صلى ال عل يه و سلم ر جم‬
‫على ال ّذمّ يّ للتزا مه بالحكام ‪ ،‬ول خبر ال صّحيحين ‪ « :‬أ نّ النّب ّ‬
‫رجلً وامرأ ًة من اليهود زنيا » ‪ .‬وكانا قد أحصنا ‪.‬‬
‫ن أهل ال ّذمّة اليوم ل يحدّون على المذهب كالمستأمن ‪ ،‬لنّهم ل يجدّد لهم‬
‫قال الرّمليّ ‪ :‬اعلم أ ّ‬
‫عهد ‪ ،‬بل يجرون على ذمّة آبائهم ‪.‬‬
‫وذهـب الحنابلة إلى أنّـ أهـل الذّمّة يحدّون حدّ الزّنـى ‪ « ،‬لنّـ اليهود جاءوا إلى رسـول اللّه‬
‫صلى ال عليه وسلم بامرأة ورجل منهم قد زنيا فأمر بهما رسول اللّه صلى ال عليه وسلم‬
‫فرج ما » ويلزم المام إقا مة الحدّ في ز نى بعض هم بب عض ‪ ،‬للتزام هم حكم نا ‪ .‬ول يقام حدّ‬
‫الزّنى على مستأمن ‪ ،‬لنّه غير ملتزم حكمنا ‪.‬‬
‫ن زنى المستأمن يجب به القتل لنقض العهد ‪ ،‬ول يجب مع القتل حدّ سواه ‪.‬‬
‫ول ّ‬
‫وهذا إذا زنى بمسلمة ‪ .‬أمّا إذا زنى المستأمن بغير مسلمة فل يقام عليه الحدّ ‪.‬‬
‫و ‪ -‬أن يكون من صدر منه الفعل ناطقا ‪:‬‬
‫‪ -‬اشترط الحنفيّة في حدّ الزّنى أن يكون من صدر منه الفعل ناطقا ‪ .‬فل يقام حدّ الزّنى‬ ‫‪29‬‬

‫عندهم على الخرس مطلقا ‪ ،‬حتّى ولو أقرّ بالزّنى أربع مرّات في كتاب كتبه أو إشارة ‪ ،‬ولو‬
‫شهد عليه الشّهود بالزّنى ل تقبل للشّبهة ‪ ،‬ولم يشترط جمهور الفقهاء هذا الشّرط فيجب حدّ‬
‫الزّنى على الخرس إذا زنى ‪.‬‬
‫ثبوت الزّنى ‪:‬‬
‫يثبت الزّنى بأحد أمور ثلثة ‪ :‬بالشّهادة ‪ ،‬والقرار ‪ ،‬والقرائن ‪.‬‬
‫أ ‪ -‬الشّهادة ‪:‬‬
‫‪ -‬أجمع الفقهاء على ثبوت الزّنى بالشّهادة ‪ ،‬وأنّه ل يثبت إلّ بشهادة أربعة رجال لقول‬ ‫‪30‬‬

‫ن َأرْبَع ًة مّن ُكمْ } وقوله تعالى‬


‫ش ِهدُواْ عََل ْيهِ ّ‬
‫ستَ ْ‬
‫حشَةَ مِن ّنسَآ ِئكُمْ فَا ْ‬
‫ن الْفَا ِ‬
‫لتِي َي ْأتِي َ‬
‫اللّه تعالى ‪ { :‬وَال ّ‬
‫شهَدَاء فَاجِْلدُو ُهمْ َثمَانِينَ جَ ْل َدةً } وقوله تعالى‬
‫ت ُثمّ َلمْ َي ْأتُوا ِبأَ ْر َبعَ ِة ُ‬
‫صنَا ِ‬
‫ح َ‬
‫ن ا ْل ُم ْ‬
‫‪ { :‬وَاّلذِينَ َي ْرمُو َ‬
‫ش َهدَاء َفأُوَْل ِئكَ عِندَ اللّ ِه ُهمُ ا ْلكَا ِذبُونَ } ‪.‬‬
‫شهَدَاء َفإِذْ َل ْم َي ْأتُوا بِال ّ‬
‫‪َ { :‬لوْلَا جَاؤُوا عََليْ ِه ِبأَ ْر َبعَ ِة ُ‬
‫ن سعد بن معاذ قال لرسول اللّه صلى ال عليه وسلم ‪ :‬يا رسول اللّه‪،‬‬
‫ولحديث أبي هريرة « أ ّ‬
‫إن وجدت مع امرأتي رجلً أأمهله حتّى آتي بأربعة شهداء ؟ فقال النّبيّ صلى ال عليه وسلم‬
‫‪ :‬نعم » ‪.‬‬
‫ويشترط في الشّهود على الزّنى بالضافة إلى الشّروط العامّة للشّهادة " المذكورة في مصطلح‬
‫شهادة " أن تتوافر فيهم شروط معيّنة حتّى يثبت الزّنى ‪ ،‬وهذه الشّروط هي ‪:‬‬
‫الشّرط الوّل ‪ :‬الذّكورة ‪:‬‬
‫‪ -‬ذهب جمهور الفقهاء " الحنفيّة والمالكيّة والشّافعيّة والحنابلة " إلى اشتراط الذّكورة في‬ ‫‪31‬‬

‫ل كلّهم ‪ ،‬للنّصوص السّابقة ‪.‬‬


‫شهود الزّنى ‪ ،‬فل بدّ أن يكونوا رجا ً‬
‫ن لفظ الربعة اسم لعدد المذكورين ‪ ،‬ويقتضي أن‬
‫ول تقبل شهادة النّساء في الزّنى بحال ‪ ،‬ل ّ‬
‫ل ما‬
‫يكتفي به بأربعة ‪ ،‬ول خلف في أنّ الربعة إذا كان بعضهم نسا ًء ل يكتفى بهم ‪ ،‬وأنّ أق ّ‬
‫خرَى } والحدود‬
‫لْ‬‫حدَا ُهمَا ا ُ‬
‫حدَا ُهمَا َف ُتذَ ّكرَ ِإ ْ‬
‫ص ‪ { :‬أَن َتضِلّ ْإ ْ‬
‫يجزئ خمسة ‪ ،‬وهذا خلف النّ ّ‬
‫تدرأ بالشّبهات ‪ .‬وقال ابن عابدين ‪ :‬ل مدخل لشهادة النّساء في الحدود ‪.‬‬
‫الشّرط الثّاني ‪ :‬أن يكونوا أربعةً ‪:‬‬
‫‪ -‬اتّفق الفقهاء على أنّ الزّنى ل يثبت إلّ بشهادة أربعة رجال ‪ ،‬للنّصوص السّابقة ‪ ،‬ولنّ‬ ‫‪32‬‬

‫الزّنى من أغلظ الفواحش فغلّظت الشّهادة فيه ليكون أستر ‪ ،‬وقد نقل ابن قدامة الجماع على‬
‫ذلك ‪ ،‬فإن كملوا أربعةً حدّ المشهود عليه ‪ ،‬وإن لم يكملوا فهم قذفة ‪ ،‬وعليهم حدّ القذف ‪،‬‬
‫ن جَ ْلدَ ًة }‬
‫ش َهدَاء فَاجِْلدُو ُهمْ َثمَانِي َ‬
‫صنَاتِ ُثمّ َلمْ َي ْأتُوا ِبَأ ْربَعَ ِة ُ‬
‫ن ا ْل ُمحْ َ‬
‫ن َي ْرمُو َ‬
‫لقوله تعالى ‪ { :‬وَاّلذِي َ‬
‫ن عمر رضي ال عنه ح ّد الثّلثة الّذين شهدوا على المغيرة بن شعبة بالزّنى ‪ .‬ولم يخالفه‬
‫ول ّ‬
‫ل من‬
‫ل يتّخذ صورة الشّهادة ذريعةً إلى الوقيعة في أعراض النّاس ‪ .‬وعند ك ّ‬
‫أحد ‪ ،‬ولئ ّ‬
‫الشّافعيّة والحنابلة قول ضعيف في المذهب ‪ ،‬أنّه ل يجلد الشّهود إذا نقص عددهم عن‬
‫أربعة ‪ ،‬لنّهم جاءوا شاهدين ل هاتكين ‪.‬‬
‫الشّرط الثّالث ‪ :‬اتّحاد المجلس ‪:‬‬
‫‪ -‬اشترط جمهور الفقهاء ‪ -‬الحنفيّة والمالكيّة والحنابلة ‪ -‬في الشّهادة على الزّنى أن تكون‬ ‫‪33‬‬

‫في مجلس واحد ‪ ،‬فلو شهد بعض الربعة في مجلس ‪ ،‬وبعضهم في مجلس آخر ل تقبل‬
‫شهادتهم ‪ ،‬ويحدّون حدّ القذف ‪.‬‬
‫كما اشترط الحنفيّة والمالكيّة أن يأتي الشّهود مجتمعين إلى مجلس القاضي ‪.‬‬
‫وقد صرّح الحنفيّة أنّه لو اجتمعوا خارج مجلس القاضي ودخلوا عليه واحدا بعد واحد فهم‬
‫متفرّقون ويحدّون حدّ القذف ‪ ،‬أمّا لو كانوا قعودا في موضع الشّهود فقام واحد بعد واحد‬
‫وشهد ‪ ،‬فالشّهادة جائزة ‪.‬‬
‫ل واحد‬
‫ل الحاكم جميعا فإنّهم يفرّقون وجوبا ليسأل ك ّ‬
‫وقد صرّح المالكيّة بأنّه بعد إتيانهم مح ّ‬
‫على حدته ‪ ،‬فإن اختلفوا أو بعضهم بطلت شهادتهم ‪ ،‬وحدّوا ‪.‬‬
‫ولم يشترط الحنابلة إتيانهم مجتمعين ‪ ،‬فيجوز أن يأتوا متفرّقين لقصّة المغيرة ‪ ،‬فإنّهم جاءوا‬
‫متفرّقين ‪ ،‬وسمعت شهادتهم ‪ ،‬وإنّما حدّوا لعدم كمالها ‪ .‬على أن تكون شهادتهم في مجلس‬
‫واحد ‪ ،‬فإن جاء بعضهم بعد أن قام الحاكم من مجلسه فهم قذفة ‪ ،‬لنّ شهادته غير مقبولة ول‬
‫صحيحة ‪ ،‬وعليهم الحدّ ‪.‬‬
‫ولم يشترط الشّافعيّة هذا الشّرط فيستوي عندهم أن يأتي الشّهود متفرّقين أو مجتمعين ‪ ،‬وأن‬
‫تؤدّى الشّهادة في مجلس واحد أو أكثر من مجلس ‪ ،‬لقوله تعالى ‪ { :‬لَوْلَا جَاؤُوا عََل ْيهِ ِبَأ ْر َبعَةِ‬
‫شهَدَاء } ‪ .‬ولم يذكر المجلس ‪.‬‬
‫ُ‬
‫ش ِهدُواْ َفَأ ْمسِكُو ُهنّ فِي ا ْل ُبيُوتِ } ‪.‬‬
‫ش ِهدُواْ عََل ْيهِنّ َأ ْربَع ًة مّنكُ ْم فَإِن َ‬
‫ستَ ْ‬
‫وقال تعالى ‪ { :‬فَا ْ‬
‫ل شهادة مقبولة إنّ اتّفقت ‪ ،‬تقبل إذا افترقت في مجالس ‪ ،‬كسائر الشّهادات ‪.‬‬
‫نكّ‬
‫ول ّ‬
‫الشّرط الرّابع ‪ :‬تفصيل الشّهادة ‪:‬‬
‫‪ -‬يشترط في شهادة الزّنى التّفصيل ‪ ،‬فيصف الشّهود كيفيّة الزّنى ‪ ،‬فيقولون ‪ :‬رأيناه مغيّبا‬ ‫‪34‬‬

‫ذكره في فرجها ‪ ،‬أو غيّب حشفته أو قدرها ‪ -‬إن كان مقطوعها ‪ -‬في فرجها كالميل في‬
‫المكحلة ‪ ،‬أو الرّشاء في البئر ‪ ،‬لنّه إذا اعتبر التّصريح في القرار كان اعتباره في الشّهادة‬
‫ى زنىً ‪ ،‬فاعتبر ذكر صفته ‪.‬‬
‫أولى ‪ ،‬ولنّه قد يعتقد الشّاهد ما ليس بزن ً‬
‫كما يبيّن الشّهود كيفيّتهما من اضطجاع أو جلوس أو قيام ‪ ،‬أو هو فوقها أو تحتها ‪.‬‬
‫وقد صرّح الحنفيّة بأنّه إذا سألهم القاضي فلم يزيدوا على قولهم ‪ :‬إنّهما زنيا ‪ ،‬فإنّه ل يحدّ‬
‫المشهود عليه ول الشّهود ‪.‬‬
‫وعند جمهور الفقهاء ‪ -‬الحنفيّة و الشّافعيّة والحنابلة ‪ -‬ل بدّ من تعيين المرأة ‪ ،‬فلو شهدوا‬
‫بأنّه زنى بامرأة ل يعرفونها لم يحدّ ‪ ،‬لحتمال أنّها امرأته أو أمته ‪ ،‬بل هو الظّاهر ‪.‬‬
‫كما ل بدّ من تعيين البلد عند الجميع ‪ ،‬وكذا تعيين المكان عند المالكيّة والشّافعيّة ‪ ،‬ككونها في‬
‫ي أو الغربيّ ‪ ،‬أو وسطه ‪ ،‬ونحو ذلك ‪.‬‬
‫ركن البيت الشّرق ّ‬
‫ول يشترط تعيين المكان في البيت الواحد عند الحنفيّة والحنابلة ‪ ،‬فإن اختلف الشّهود فيه حدّ‬
‫الرّجل والمرأة استحسانا ‪ ،‬والقياس أنّه ل يجب الحدّ لختلف المكان حقيق ًة وهو قول زفر ‪،‬‬
‫ووجه الستحسان أنّ التّوفيق ممكن بأن يكون ابتداء الفعل في زاوية والنتهاء في زاوية‬
‫أخرى بالضطراب ‪ ،‬أو لنّ الواقع في وسط البيت فيحسبه من في المقدّم في المقدّم ‪ ،‬ومن‬
‫في المؤخّر في المؤخّر فيشهد بحسب ما عنده ‪ ،‬وهذا في البيت الصّغير ‪ ،‬أمّا في البيت‬
‫الكبير فل ب ّد من التّعيين ‪.‬‬
‫ول بدّ أيضا من تعيين الزّمان عند الجميع ‪ ،‬لتكون الشّهادة منهم على فعل واحد ‪ ،‬لجواز أن‬
‫يكون ما شهد به أحدهم غير ما شهد به الخر ‪.‬‬
‫فلو شهد أربعة على رجل بالزّنى فشهد اثنان منهم أنّه زنى بها يوم الجمعة ‪ ،‬وشهد آخران‬
‫أنّه زنى بها يوم السّبت فإنّه ل حدّ على المشهود عليه ‪ .‬وكذا ل تقبل الشّهادة فيما لو شهد‬
‫اثنان أنّه زنى بها في ساعة من النّهار ‪ ،‬وشهد آخران أنّه زنى بها في ساعة أخرى ‪.‬‬
‫الشّرط الخامس ‪ :‬أصالة الشّهادة ‪:‬‬
‫‪ -‬اشترط جمهور الفقهاء ‪ -‬الحنفيّة والشّافعيّة والحنابلة ‪ -‬في شهود الزّنى الصالة ‪ ،‬فل‬ ‫‪35‬‬

‫تجوز الشّهادة على الشّهادة في الزّنى ‪ ،‬لنّ الحدود مبنيّة على السّتر والدّرء بالشّبهات ‪،‬‬
‫والشّهادة على الشّهادة فيها شبهة يتطرّق إليها اجتماع الغلط والسّهو والكذب في شهود الفرع‬
‫مع احتمال ذلك في شهود الصل ‪ ،‬وهذا احتمال زائد ل يوجد في شهود الصل ‪ ،‬ولنّ‬
‫الشّهادة على الشّهادة إنّما تقبل للحاجة ‪ ،‬ول حاجة إليها في الحدّ ‪ ،‬لنّ ستر صاحبه أولى من‬
‫الشّهادة عليه ‪.‬‬
‫ولم يشترط المالكيّة هذا الشّرط فتجوز عندهم الشّهادة على الشّهادة في الزّنى بشرط أن ينقل‬
‫ل شاهد أصيل شاهدان ‪ ،‬ويجوز أن ينقل الشّاهدان عن شاهد واحد أو عن شاهدين ‪،‬‬
‫عن ك ّ‬
‫ويشترط في الشّاهدين النّاقلين أن ل يكون أحدهما شاهدا أصيلً ‪ ،‬فيجوز في الزّنى أن يشهد‬
‫أربعة على شهادة أربعة ‪ ،‬أو يشهد كلّ اثنين على شهادة واحد ‪ ،‬أو شهادة اثنين ‪ ،‬أو يشهد‬
‫ثلثة على ثلثة ‪ ،‬ويشهد اثنان على شهادة الرّابع ‪ ،‬وإذا نقل اثنان عن ثلثة وعن الرّابع‬
‫ح الفرع‬
‫ح على المشهور خلفا لبن الماجشون ‪ ،‬ووجه عدم صحّتها أنّه ل يص ّ‬
‫اثنان لم يص ّ‬
‫ح شهادة الصل لو حضر ‪ ،‬والرّابع الّذي نقل عنه الثنان الخران لو حضر ما‬
‫إلّ حيث تص ّ‬
‫صحّت شهادته مع الثنين النّاقلين عن الثّلثة لنقص العدد ‪ ،‬قال الدّسوقيّ ‪ :‬ويحتمل أنّ عدم‬
‫ن عدد الفرع فيها ناقص عن عدد الصل حيث نقل عن الثّلثة اثنان فقط ‪،‬‬
‫صحّة ‪ ،‬ل ّ‬
‫ال ّ‬
‫والفرع ل ينقص عن الصل لقيامه مقامه ونيابته منابه ‪.‬‬
‫كما يجوز عند المالكيّة التّلفيق بين شهود الصل والفرع ‪ ،‬كأن يشهد اثنان على رؤية الزّنى‪،‬‬
‫وينقل اثنان عن كلّ واحد من الثنين الخرين ‪.‬‬
‫شهادة الزّوج على الزّنى ‪:‬‬
‫‪ -‬ذهب جمهور الفقهاء " المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة " إلى عدم قبول شهادة الزّوج على‬ ‫‪36‬‬

‫زوجته بالزّنى للتّهمة ‪ ،‬إذ أنّه بشهادته عليها مقرّ بعداوته ‪ ،‬و لنّها دعوى خيانتها فراشه ‪.‬‬
‫ن التّهمة ما توجب جرّ نفع ‪ ،‬والزّوج مدخل بهذه‬
‫وذهب الحنفيّة إلى قبول شهادة الزّوج ‪ ،‬ل ّ‬
‫الشّهادة على نفسه لحوق العار وخلوّ الفراش ‪ ،‬خصوصا إذا كان له منها أولد صغار ‪.‬‬
‫)‪.‬‬ ‫‪137/ 17‬‬ ‫الموسوعة‬ ‫‪24/‬‬ ‫وانظر الشّهادة بالزّنى القديم ‪ ،‬في مصطلح ( حدود ف‬
‫وأمّا بقيّة مسائل الشّهادة كرجوع الشّهود ‪ ،‬وظهور عدم أهليّة الشّهود ‪ ،‬واختلف الشّهود في‬
‫الشّهادة ‪ ،‬وتعارض الشّهادات ‪ ،‬وأثر تعهّد النّظر في قبول الشّهادة ‪ ،‬فتفصيلها في مصطلح ‪:‬‬
‫( شهادة ) ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬القرار ‪:‬‬
‫‪ -‬اتّفق الفقهاء على ثبوت الزّنى بالقرار ‪ ،‬لنّ « النّبيّ صلى ال عليه وسلم رجم ماعزًا‬ ‫‪37‬‬

‫والغامديّة بإقراريهما » ‪.‬‬


‫وقد ذهب الحنفيّة والحنابلة إلى اشتراط كون القرار أربع مرّات ‪ ،‬فل يكتفى بالقرار مرّةً‬
‫واحد ًة ‪ ،‬وزاد الحنفيّة اشتراط كونها في أربعة مجالس من مجالس المقرّ دون مجلس‬
‫القاضي ‪ ،‬وذلك بأن يردّه القاضي كلّما أقرّ فيذهب حيث ل يراه ثمّ يجيء فيقرّ ‪ ،‬ويستوي عند‬
‫الحنابلة أن تكون القارير الربعة في مجلس واحد ‪ ،‬أو مجالس متفرّقة ‪.‬‬
‫وذهب المالكيّة والشّافعيّة إلى الكتفاء بالقرار مرّةً واحدةً ‪ ،‬لنّ النّبيّ صلى ال عليه وسلم‬
‫اكتفى من الغامديّة بإقرارها مرّةً واحدةً ‪.‬‬
‫ويشترط في القرار أن يكون مفصّلً مبيّنا لحقيقة الوطء لتزول التّهمة والشّبهة ‪.‬‬
‫و« لقول النّبيّ صلى ال عليه وسلم لماعز ‪ :‬لعلّك قبّلت أو غمزت أو نظرت ؟ قال ‪ :‬ل يا‬
‫رسول اللّه ‪ ،‬قال ‪ :‬أ ِنكْتها ؟ ل يكنّي فعند ذلك أمر برجمه » ‪.‬‬
‫وفي رواية ‪ :‬قال ‪ « :‬حتّى غاب ذلك منك في ذلك منها ؟ قال ‪ :‬نعم ‪ ،‬قال ‪ :‬كما يغيب‬
‫المرود في المكحلة والرّشاء في البئر ؟ قال ‪ :‬نعم ‪ .‬قال ‪ :‬فهل تدري ما الزّنى ؟ قال ‪ :‬نعم‬
‫أتيت منها حراما ما يأتي الرّجل من امرأته حللً » ‪.‬‬
‫وما‬ ‫‪12/‬‬ ‫‪ ،‬ومصطلح ‪ :‬إقرار ‪ ،‬ف‬ ‫‪138/ 17‬‬ ‫الموسوعة‬ ‫‪26/‬‬ ‫وانظر مصطلح ‪ ( :‬حدود ‪ ،‬ف‬
‫‪ ،‬وانظر أيضا الشّبهة بتقادم القرار ‪ ،‬والرّجوع في القرار في مصطلح‪:‬‬ ‫‪49/ 6‬‬ ‫بعدها ‪،‬‬
‫)‪.‬‬ ‫‪71/ 6‬‬ ‫وما بعدها الموسوعة‬ ‫‪57/‬‬ ‫إقرار ‪ ،‬ف‬
‫البيّنة على القرار ‪:‬‬
‫‪ -‬اختلف الفقهاء في ثبوت حدّ الزّنى بالبيّنة ‪ -‬الشّهادة ‪ -‬على القرار ‪.‬‬ ‫‪38‬‬

‫فذهب جمهور الفقهاء ‪ -‬الحنفيّة والمالكيّة والحنابلة ‪ -‬إلى عدم ثبوت حدّ الزّنى بالبيّنة على‬
‫القرار من حيث الجملة ‪.‬‬
‫فذهب الحنفيّة إلى أنّه ل تقبل الشّهادة على القرار ‪ ،‬وعند المالكيّة أنّه إذا قامت بيّنة على‬
‫إقراره وهو منكر فل يحدّ ‪ ،‬مثل الرّجوع ‪.‬‬
‫وقال الحنابلة ‪ :‬لو شهد أربعة على إقراره بالزّنى أربعًا ‪ ،‬يثبت الزّنى لوجود القرار به‬
‫أربعا‪ ،‬ول يثبت القرار بالزّنى بدون أربعة يشهدون على القرار به من الرّجال ‪.‬‬
‫ن إنكاره‬
‫فإن أنكر المشهود عليه القرار ‪ ،‬أو صدّقهم دون أربع مرّات فل حدّ عليه ‪ ،‬ل ّ‬
‫وتصديقه دون أربع رجوع عن إقراره ‪ ،‬وهو مقبول منه ‪.‬‬
‫وذهب الشّافعيّة إلى ثبوت حدّ الزّنى بالشّهادة على إقراره ‪ .‬قالوا ‪ :‬لو شهدوا على إقراره‬
‫بالزّنى فقال ‪ :‬ما أقررت ‪ ،‬أو قال بعد حكم الحاكم بإقراره ‪ :‬ما أقررت ‪ ،‬فالصّحيح أنّه ل‬
‫يلتفت إلى قوله ‪ ،‬لنّه تكذيب للشّهود والقاضي ‪.‬‬
‫ج ‪ -‬القرائن ‪:‬‬
‫‪ -‬ذهب جمهور الفقهاء " الحنفيّة والمالكيّة والشّافعيّة في الصحّ والحنابلة " إلى عدم ثبوت‬ ‫‪39‬‬

‫حدّ الزّنى بعلم المام والقاضي ‪ ،‬فل يقيمانه بعلمهما ‪.‬‬


‫وذهب الشّافعيّة في قول مرجوح وأبو ثور ‪ :‬إلى ثبوته بعلمه ‪.‬‬
‫)‪.‬‬ ‫‪139/ 17‬‬ ‫الموسوعة‬ ‫‪28/‬‬ ‫وقد سبق ذلك في مصطلح ‪ ( :‬حدود ف‬
‫وقد اختلف الفقهاء في ثبوت حدّ الزّنى بظهور الحمل واللّعان وتفصيله فيما يلي ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬ظهور الحمل ‪:‬‬
‫‪ -‬ذهب جمهور الفقهاء ‪ -‬الحنفيّة والشّافعيّة والحنابلة ‪ -‬إلى عدم ثبوت حدّ الزّنى بظهور‬ ‫‪40‬‬

‫الحمل في امرأة ل زوج لها وأنكرت الزّنى ‪ ،‬لجواز أن يكون من وطء شبهة أو إكراه‪،‬‬
‫ن امرأةً رفعت إلى عمر ليس لها زوج وقد حملت‬
‫والحدّ يدرأ بالشّبهة ‪ ،‬وقد روي عن سعيد أ ّ‬
‫‪ ،‬وسألها عمر ‪ ،‬فقالت ‪ :‬إنّي امرأة ثقيلة الرّأس وقع عليّ رجل وأنا نائمة ‪ ،‬فما استيقظت‬
‫ل"‬
‫حتّى نزع فدرأ عنها الحدّ ‪ ،‬وروي عن عليّ وابن عبّاس أنّهما قال ‪ :‬إذا كان في الحدّ " لع ّ‬
‫" وعسى " فهو معطّل ‪ ،‬وقد صرّح الحنابلة بأنّها تسأل ‪ ،‬ول يجب سؤالها ‪ .‬وذهب المالكيّة‬
‫إلى ثبوت حدّ الزّنى بظهور حمل امرأة ل زوج لها ‪ ،‬فتحدّ ول يقبل دعواها الغصب على‬
‫ذلك بل قرينة تشهد لها بذلك ‪ ،‬أمّا مع قرينة تصدّقها فتقبل دعواها ول تحدّ ‪ ،‬كأن تأتي‬
‫مستغيث ًة منه ‪ ،‬أو تأتي البكر تدّعي عقب الوطء ‪ ،‬وكذا ل تقبل دعواها أنّ هذا الحمل من‬
‫منيّ شربه فرجها في الحمّام ‪ ،‬ول من وطء ج ّنيّ إلّ لقرينة مثل كونها عذراء وهي من أهل‬
‫العفّة ‪ .‬والمراد بالزّوج زوج يلحق به الحمل فيخرج المجبوب والصّغير ‪ ،‬أو أتت به كاملً‬
‫لدون ستّة أشهر من العقد فتحدّ ‪.‬‬
‫ومثل المرأة الّتي ل زوج لها المة الّتي أنكر سيّدها وطأها فتحدّ ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬اللّعان ‪:‬‬
‫‪ -‬ذهب المالكيّة والشّافعيّة إلى ثبوت حدّ الزّنى باللّعان إذا لعن الزّوج وامتنعت المرأة‬ ‫‪41‬‬

‫عنه ‪ ،‬فيثبت عليها حدّ الزّنى حينئذ وتحدّ ‪ ،‬أمّا إذا لعنت فل حدّ عليها ‪.‬‬
‫ن زناها لم‬
‫ن المرأة إذا امتنعت عن اللّعان ل حدّ عليها ‪ ،‬ل ّ‬
‫وذهب الحنفيّة والحنابلة إلى أ ّ‬
‫يثبت ‪ ،‬ولنّ الحدّ يدرأ بالشّبهة ‪ ،‬ويحبسها الحاكم حتّى تلعن أو تصدّقه ‪.‬‬
‫وتفصيل ذلك في مصطلح ‪ ( :‬لعان ) ‪.‬‬
‫إقامة ح ّد الزّنى ‪:‬‬
‫أولً ‪ -‬من يقيم ح ّد الزّنى ‪:‬‬
‫ل المام أو نائبه ‪ ،‬وقد سبق تفصيل‬
‫‪ -‬اتّفق الفقهاء على أنّه ل يقيم حدّ الزّنى على الحرّ إ ّ‬ ‫‪42‬‬

‫)‪.‬‬ ‫‪144/ 17‬‬ ‫الموسوعة‬ ‫‪36/‬‬ ‫ذلك في مصطلح ‪ ( :‬حدود ف‬


‫ثانيا ‪ -‬علنية الحدّ ‪:‬‬
‫‪ -‬استحبّ جمهور الفقهاء أن يستوفى حدّ الزّنى بحضور جماعة ‪ .‬قال المالكيّة والشّافعيّة‬ ‫‪43‬‬

‫ل بالحضور ‪.‬‬
‫‪ :‬أقلّهم أربعة ‪ ،‬لنّ المقصود من الحدود الزّجر ‪ ،‬وذلك ل يحصل إ ّ‬
‫عذَا َب ُهمَا طَائِفَةٌ‬
‫شهَدْ َ‬
‫وأوجب الحنابلة حضور طائفة ليشهدوا ح ّد الزّنى ‪ .‬لقوله تعالى ‪ { :‬وَ ْل َي ْ‬
‫ن ا ْلمُ ْؤ ِمنِينَ } ‪.‬‬
‫مّ َ‬
‫ثالثا ‪ -‬كيفيّة إقامه الحدّ ‪:‬‬
‫‪ -‬سبق بيان كيفيّة الجلد والعضاء الّتي ل تجلد ‪ ،‬وبيان إذا كان المحدود مريضا ل‬ ‫‪44‬‬

‫يرجى برؤه أو ضعيفا ل يحتمل الجلد ‪.‬‬


‫)‪.‬‬ ‫‪247/ 15‬‬ ‫الموسوعة الفقهيّة‬ ‫‪12/‬‬ ‫وتفصيله في مصطلح ‪ ( :‬جلد ف‬
‫ن تفصيل كيفيّة الرّجم في مصطلح ‪ ( :‬رجم ) ثمّ إنّ الفقهاء قد صرّحوا بأن تكون‬
‫كما أ ّ‬
‫الحجارة في الرّجم متوسّط ًة كالكفّ ‪ -‬تمل الكفّ ‪ -‬فل ينبغي أن يرجم بصخرات تذفّفه " أي‬
‫تجهز عليه فورا " فيفوت التّنكيل المقصود ‪ ،‬ول بحصيات خفيفة لئلّ يطول تعذيبه ‪ ،‬قال‬
‫سرّة إلى ما فوق‪،‬‬
‫ص بالرّجم المواضع الّتي هي مقاتل من الظّهر وغيره من ال ّ‬
‫المالكيّة ‪ :‬ويخ ّ‬
‫ويتّقى الوجه والفرج ‪.‬‬
‫وقد صرّح الحنابلة بأن يتّقي الرّاجم الوجه لشرفه ‪ ،‬وهو اختيار بعض المتأخّرين من الشّافعيّة‬
‫‪.‬‬
‫وأمّا بالنّسبة لكيفيّة وقوف الرّاجمين ‪ ،‬فقال الحنفيّة ‪ :‬ينبغي للنّاس أن يصفّوا عند الرّجم‬
‫كصفوف الصّلة ‪ ،‬كلّما رجم قوم تأخّروا وتقدّم غيرهم فرجموا ‪.‬‬
‫ل جانب كالدّائرة إن كان ثبت ببيّنة‪،‬‬
‫وقال الحنابلة ‪ :‬يسنّ أن يدور النّاس حول المرجوم من ك ّ‬
‫لنّه ل حاجة إلى تمكينه من الهرب ‪ ،‬ول يسنّ ذلك إن كان زناه ثبت بإقرار لحتمال أن‬
‫يهرب فيترك ول يتمّم عليه الحدّ ‪ .‬وقال الشّافعيّة ‪ :‬يحيط النّاس به ‪.‬‬
‫مسقطات ح ّد الزّنى ‪:‬‬
‫‪ -‬ل خلف بين الفقهاء في سقوط حدّ الزّنى بالشّبهة ‪ ،‬إذ الحدود تدرأ بالشّبهات لقول‬ ‫‪45‬‬

‫النّبيّ صلى ال عليه وسلم ‪ « :‬ادرءوا الحدود بالشّبهات » ‪.‬‬


‫‪.‬‬ ‫‪14/‬‬ ‫وقد سبق الكلم على الشّبهة ف‬
‫كما أنّه ل خلف بين الفقهاء في سقوط حدّ الزّنى بالرّجوع عن القرار إذا كان ثبوته‬
‫)‪.‬‬ ‫‪134/ 17‬‬ ‫الموسوعة‬ ‫‪14/‬‬ ‫بالقرار‪ ،‬وقد سبق تفصيل ذلك في مصطلح ‪ ( :‬حدود ف‬
‫كما يسقط حدّ الزّنى برجوع الشّهود الربعة كلّهم أو بعضهم ‪ ،‬وتفصيل ذلك في مصطلح ‪( :‬‬
‫شهادة ) ‪.‬‬
‫‪ -‬ويسقط حدّ الزّنى أيضا بتكذيب أحد الزّانيين للخر للمق ّر بالزّنى منهما ‪ ،‬فيسقط الحدّ‬ ‫‪46‬‬

‫عن المكذّب فقط دون المقرّ فعليه الحدّ مؤاخذةً بإقراره ‪.‬‬
‫ولو أقرّ بالزّنى بامرأة معيّنة فكذّبته لم يسقط الحدّ عن المقرّ مؤاخذ ًة له بإقراره عند الشّافعيّة‬
‫والحنابلة ‪.‬‬
‫وقد صرّح الحنابلة بأنّه ليس عليها الح ّد أيضا لو سكتت ‪ ،‬أو لم تسأل عن ذلك ‪.‬‬
‫وذهب الحنفيّة إلى سقوط الحدّ عن المقرّ أيضا ‪ ،‬لنتفاء الحدّ عن المنكر بدليل موجب للنّفي‬
‫عنه ‪ ،‬فأورث شبه ًة في حقّ المقرّ ‪ ،‬لنّ الزّنى فعل واحد يت ّم بهما ‪ .‬فإذا تمكّنت فيه شبهة‬
‫تعدّت إلى طرفيه لنّه ما أطلق ‪ ،‬بل أق ّر بالزّنى بمن درأ الشّرع الحدّ عنه ‪ ،‬بخلف ما لو‬
‫أطلق وقال ‪ :‬زنيت ‪ ،‬فإنّه ل موجب شرعا يدفعه ‪.‬‬
‫وبقاء البكارة مسقط لحدّ الزّنى عند جمهور الفقهاء ‪ ،‬فإذا شهدوا على امرأة بالزّنى فتبيّن أنّها‬
‫ن الظّاهر من حالها أنّها لم‬
‫عذراء لم تح ّد بشبهة بقاء البكارة ‪ ،‬والحدّ يدرأ بالشّبهات ‪ ،‬حيث إ ّ‬
‫توطأ ‪ ،‬ومذهب الحنفيّة والحنابلة أنّه تكفي شهادة امرأة واحدة بعذرتها ‪ ،‬وعند الشّافعيّة أربع‬
‫نسوة أو رجلن أو رجل وامرأتان ‪.‬‬
‫‪ -‬واختلف الفقهاء فيما لو ادّعى أحد الزّانيين الزّوجيّة ‪ ،‬كأن يق ّر الرّجل أنّه زنى بفلنة‬ ‫‪47‬‬

‫حتّى كان إقراره موجبًا للحدّ ‪ ،‬وقالت هي ‪ :‬بل تزوّجني ‪ ،‬أو أقرّت هي كذلك بالزّنى مع‬
‫فلن‪ ،‬وقال الرّجل ‪ :‬بل تزوّجتها ‪.‬‬
‫فذهب الحنفيّة إلى أنّه ل يحدّ واحد منهما ‪ ،‬لنّ دعوى النّكاح تحتمل الصّدق وهو يقوم‬
‫بالطّرفين فأورث شبهةً ‪ .‬ثمّ إنّه إذا سقط الحدّ وجب المهر تعظيما لخطر البضع ‪.‬‬
‫وذهب المالكيّة إلى وجوب البيّنة حينئذ على النّكاح ‪ .‬فلو قالت المرأة ‪ :‬زنيت مع هذا الرّجل‪،‬‬
‫فأقرّ بوطئها وادّعى أنّها زوجته فكذّبته ول بيّنة له على الزّوجيّة فإنّهما يحدّان ‪ ،‬أمّا حدّها‬
‫فظاهر لقرارها بالزّنى ‪ ،‬وأمّا حدّه فإنّها لم توافقه على النّكاح والصل عدم السّبب المبيح ‪.‬‬
‫قال الدّسوقيّ ‪ :‬وظاهره ولو كانا طارئين ولو حصل فشوّ ‪ ،‬ومثله فيما لو ادّعى الرّجل وطء‬
‫امرأة وأنّها زوجته فصدّقته المرأة ووليّها على الزّوجيّة ‪ ،‬ولمّا طلبت منهما البيّنة قال ‪ :‬عقدنا‬
‫النّكاح ولم نشهد ونحن نشهد الن ‪ -‬والحال أنّه لم يحصل فشوّ يقوم مقام الشهاد ‪ -‬فإنّ‬
‫الزّوجين يحدّان لدخولهما بل إشهاد ‪.‬‬
‫وكذا لو وجد رجل وامرأة في بيت أو طريق ‪ -‬والحال أنّهما غير طارئين ‪ -‬وأقرّا بالوطء‬
‫وادّعيا النّكاح والشهاد عليه ‪ ،‬لكن ل بيّنة لهما بذلك ول فشوّ يقوم مقامها ‪ ،‬فإنّهما يحدّان ‪،‬‬
‫ن الصل عدم السّبب المبيح للوطء ‪ ،‬فإن حصل فشوّ أو كانا طارئين ‪ ،‬قبل قولهما ول حدّ‬
‫لّ‬
‫عليهما ‪ ،‬لنّهما لم يدّعيا شيئا مخالفا للعرف ‪.‬‬
‫وذهب الشّافعيّة والحنابلة إلى وجوب حدّ الزّنى على المقرّ فقط دون من ادّعى الزّوجيّة فل‬
‫يحدّ ‪ ،‬لنّ دعواه ذلك شبهة تدرأ الحدّ عنه ‪ ،‬ولحتمال صدقه لحديث عائشة رضي ال عنها‬
‫مرفوعا « ادرءوا الحدود عن المسلمين ما استطعتم ‪ ،‬فإن كان له مخرج فخلّوا سبيله ‪ ،‬فإنّ‬
‫المام أن يخطئ في العفو خير من أن يخطئ في العقوبة » فإذا أقرّت المرأة أنّه زنى بها‬
‫مطاوعةً عالمةً بتحريمه حدّت وحدها ‪ ،‬ول مهر لها مؤاخذ ًة لها بإقرارها ‪.‬‬
‫وأوجب الشّافعيّة حدّ القذف على المقرّ أيضا ‪ .‬فلو قال ‪ :‬زنيت بفلنة ‪ ،‬فقالت ‪ :‬كان تزوّجني‬
‫‪ ،‬صار مقرّا بالزّنى وقاذفًا لها ‪ ،‬فيلزمه حدّ الزّنى وح ّد القذف ‪.‬‬
‫ن اعتراض ملك النّكاح أو ملك اليمين مسقط لحدّ الزّنى ‪،‬‬
‫وروى أبو يوسف عن أبي حنيفة أ ّ‬
‫بأن زنى بامرأة ثمّ تزوّجها أو بجارية ثمّ اشتراها ‪ -‬وهي إحدى ثلث روايات عنه ‪ -‬ووجه‬
‫ن بضع المرأة يصير مملوكًا للزّوج بالنّكاح في حقّ الستماع ‪ ،‬فحصل‬
‫هذه الرّواية أ ّ‬
‫الستيفاء من محلّ مملوك فيصير شبه ًة ‪ ،‬كالسّارق إذا ملك المسروق ‪ ،‬والرّواية الثّانية هي‬
‫رواية عن أبي حنيفة وهي أنّه ل يسقط الحدّ ‪ ،‬وهو قول أبي يوسف ومحمّد وهي المذهب‬
‫عند الحنفيّة ‪ ،‬وذلك لنّ الوطء حصل زنىً محضا لمصادفته محلّا غير مملوك له فحصل‬
‫موجبا للحدّ ‪ ،‬والعارض وهو الملك ل يصلح مسقطًا لقتصاره على حالة ثبوته ‪ ،‬لنّه يثبت‬
‫ل واحد منهما وجد للحال ‪ ،‬فل يستند الملك الثّابت به إلى وقت وجود‬
‫بالنّكاح والشّراء ‪ ،‬وك ّ‬
‫الوطء ‪ ،‬فبقي الوطء خاليا عن الملك فبقي زنىً محضا للحدّ ‪ ،‬بخلف السّارق إذا ملك‬
‫ن الخصومة هناك شرط ‪،‬‬
‫المسروق لنّ هناك وجد المسقط وهو بطلن ولية الخصومة ‪ ،‬ل ّ‬
‫وقد خرج المسروق منه من أن يكون خصما بملك المسروق ‪ ،‬لذلك افترقا ‪.‬‬
‫والرّواية الثّالثة رواية الحسن عن أبي حنيفة وهي أنّ اعتراض الشّراء يسقط واعتراض‬
‫ن البضع ل يصير مملوكا للزّوج بالنّكاح ‪ ،‬بدليل أنّها‬
‫النّكاح ل يسقط ‪ ،‬ووجه رواية الحسن أ ّ‬
‫إذا وطئت بشبهة كان العقر لها ‪ ،‬والعقر بدل البضع ‪ ،‬والبدل إنّما يكون لمن كان له المبدل‬
‫فلم يحصل استيفاء منافع البضع من محلّ مملوك له فل يورث شبه ًة ‪ ،‬وبضع المة يصير‬
‫مملوكا للمولى بالشّراء ‪ ،‬أل ترى أنّها لو وطئت بشبهة كان العقر للمولى فحصل الستيفاء‬
‫من محلّ مملوك له فيورث شبهةً ‪ ،‬فصار كالسّارق إذا ملك المسروق بعد القضاء قبل‬
‫المضاء ‪.‬‬
‫‪ -‬كما يسقط حدّ الزّنى في الرّجم خاصّ ًة عند الحنفيّة فقط بموت الشّهود أو غيبتهم أو‬ ‫‪48‬‬

‫ن البداية بالشّهود شرط جواز القامة وقد فات‬


‫مرضهم بعد الشّهادة أو قطع أيديهم ‪ ،‬ل ّ‬
‫بالموت على وجه ل يتصوّر عوده ‪ ،‬فسقط الحدّ ضرورةً ‪.‬‬
‫)‪.‬‬ ‫‪145/ 17‬‬ ‫الموسوعة الفقهيّة‬ ‫‪38/‬‬ ‫وقد سبق تفصيل ذلك في مصطلح ‪ ( :‬حدود ف‬

‫زنبور *‬
‫انظر ‪ :‬أطعمة ‪ ،‬مياه ‪ ،‬معفوّات ‪.‬‬

‫زند *‬
‫انظر ‪ :‬جنايات ‪ ،‬ديات ‪.‬‬

‫زندقة *‬
‫التّعريف ‪:‬‬
‫‪ -‬الزّندقة لغ ًة ‪ :‬الضّيق ‪ ،‬وقيل ‪ :‬الزّنديق منه ‪ ،‬لنّه ضيّق على نفسه ‪ ،‬وفي التّهذيب ‪:‬‬ ‫‪1‬‬

‫الزّنديق معروف ‪ ،‬وزندقته أنّه ل يؤمن بالخرة ووحدانيّة الخالق ‪ ،‬وقد تزندق ‪ ،‬والسم ‪:‬‬
‫الزّندقة ‪ ،‬قال ثعلب ‪ :‬ليس في كلم العرب زنديق ‪ ،‬وإنّما تقول العرب ‪ :‬زندق وزندقيّ إذا‬
‫كان شديد البخل ‪ ،‬فإذا أرادت العرب معنى ما تقول العامّة قالوا ‪ :‬ملحد ودَهريّ " بفتح‬
‫ن قالوا ‪ :‬دُهريّ " بض ّم الدّال " ‪.‬‬
‫الدّال"‪ ،‬فإذا أرادوا معنى السّ ّ‬
‫والزّندقة عند جمهور الفقهاء إظهار السلم وإبطان الكفر ‪ ،‬فالزّنديق هو من يظهر السلم‬
‫ويبطن الكفر ‪ .‬قال الدّسوقيّ ‪ :‬وهو المسمّى في ال صّدر الوّل منافقا ‪،‬ويسمّيه الفقهاء زنديقا‪.‬‬
‫وعند الحنفيّة وبعض الشّافعيّة الزّندقة ‪ :‬عدم التّديّن بدين ‪ ،‬أو هي القول ببقاء الدّهر واعتقاد‬
‫ن الموال والحرم مشتركة ‪.‬‬
‫أّ‬
‫اللفاظ ذات الصّلة ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬ال ّردّة ‪:‬‬
‫‪ -‬الرتداد في اللّغة ‪ :‬التّحوّل والرّجوع ‪ ،‬والسم ‪ :‬ال ّردّة ‪.‬‬ ‫‪2‬‬

‫والمعنى الصطلحيّ لل ّردّة هو رجوع المسلم عن دينه ‪.‬‬


‫وبين ال ّردّة والزّندقة عموم وخصوص وجهيّ يجتمعان في المرتدّ إذا أخفى كفره وأظهر‬
‫السلم ‪ ،‬وينفرد المرتدّ فيمن ارتدّ علنيةً ‪ ،‬وينفرد الزّنديق فيمن لم يسبق له إسلم صحيح‪.‬‬
‫ب ‪ -‬اللحاد ‪:‬‬
‫ق المدخل فيه ما ليس‬
‫سكّيت ‪ :‬الملحد العادل عن الح ّ‬
‫‪ -‬اللحاد لغ ًة ‪ :‬الميل ‪ .‬قال ابن ال ّ‬ ‫‪3‬‬

‫منه ‪ ،‬يقال ‪ :‬ألحد في الدّين ولحد أي حاد عنه ‪.‬‬


‫وقال ابن عابدين في حاشيته ‪ :‬الملحد من مال عن الشّرع القويم إلى جهة من جهات الكفر ‪،‬‬
‫من ألحد في الدّين أي حاد وعدل ‪ ،‬ل يشترط فيه العتراف بنبوّة نبيّنا محمّد صلى ال عليه‬
‫وسلم ول بوجود الصّانع تعالى ‪ ،‬ول إضمار الكفر ‪ ،‬فالملحد أوسع فرق الكفر فهو أعمّ ‪.‬‬
‫ج ‪ -‬النّفاق ‪:‬‬
‫‪ -‬النّفاق ‪ :‬فعل المنافق ‪ ،‬والنّفاق ‪ :‬الدّخول في السلم من وجه والخروج عنه من آخر ‪،‬‬ ‫‪4‬‬

‫مشتقّ من نافقاء اليربوع ‪ ،‬وقد نافق منافقةً ونفاقا ‪ ،‬وهو اسم إسلميّ لم تعرفه العرب‬
‫بالمعنى المخصوص به وهو الّذي يستر كفره ويظهر إيمانه ‪ ،‬وإن كان أصله في اللّغة‬
‫ي‪.‬‬
‫معروفا ‪ .‬ول يخرج استعمال الفقهاء له عن المعنى اللّغو ّ‬
‫قال ابن عابدين ‪ :‬الفرق بين الزّنديق والمنافق والدّهريّ والملحد مع الشتراك في إبطان‬
‫ن المنافق غير معترف بنبوّة نبيّنا صلى ال عليه وسلم والدّهريّ كذلك مع إنكار‬
‫الكفر ‪ ،‬أ ّ‬
‫إسناد الحوادث إلى الصّانع المختار سبحانه وتعالى ‪ ،‬والملحد وهو من مال عن الشّرع القويم‬
‫إلى جهة من جهات الكفر ‪ ،‬من ألحد في الدّين أي حاد وعدل ل يشترط فيه العتراف بنبوّة‬
‫نبيّنا صلى ال عليه وسلم ول بوجود الصّانع تعالى ‪ ،‬وبهذا فارق أيضا ‪ ،‬كما ل يشترط فيه‬
‫إضمار الكفر وبه فارق المنافق ‪ ،‬ول سبق السلم ‪ ،‬وبه فارق الدّهريّ المرتدّ فالملحد أوسع‬
‫فرق الكفر حدّا أي هو أعمّ من الكلّ ‪.‬‬
‫ما يتعلّق بالزّندقة من أحكام ‪:‬‬
‫الحكم بكفر من تزندق ‪:‬‬
‫ن الزّندقة كفر ‪ ،‬فمن كان مسلما ث مّ تزندق ‪ ،‬بأن صار يبطن الكفر‬
‫‪ -‬يتّفق الفقهاء على أ ّ‬ ‫‪5‬‬

‫ويظهـر السـلم ‪ ،‬أو صـار ل يتديّن بديـن ‪ ،‬فإنّه يعتـبر كافرا ‪ ،‬إلّ أن ّـ الفقهاء اختلفوا فـي‬
‫استتابته وفي قبول توبته وبيان ذلك فيما يلي ‪:‬‬
‫يفرّق الحنفيّة والمالكيّة بين من تاب قبل الطّلع عليه والعلم بزندقته ‪ ،‬وبين من أخذ قبل أن‬
‫يتوب ‪ ،‬فمن كان زنديقا ث مّ تاب إلى اللّه ورجع عن زندقته ‪ ،‬وتقدّم معلنا توبته قبل أن يعرف‬
‫ذلك عنه قبلت توبته ول يقتل ‪ ،‬وهذا هو مذهب المالكيّة وفي رواية عند الحنفيّة ‪ ،‬فقد ذكر‬
‫صاحب ال ّدرّ المختار نقلً عن الخانيّة أ نّ الفتوى على أ نّ الزّند يق إن أ خذ ب عد أن تاب قبلت‬
‫توبته ‪ -‬وبهذا قال أبو حنيفة ‪ -‬والقول الثّاني عند الحنفيّة أنّه يقتل ول تقبل توبته ‪.‬‬
‫وإن اطّلع عليه قبل أن يتوب ورفع إلى الحاكم فل تقبل توبته ويقتل ‪ ،‬وطريق العلم بحاله إمّا‬
‫باعترافه أو بشهادة بعض النّاس عليه ‪ ،‬أو يسرّ هو بحاله إلى من أمن إليه ‪.‬‬
‫والخلف في قبول التّوبة وعدمها إنّما هو في ح قّ الدّنيا ‪ ،‬أمّا فيما بينه وبين اللّه تعالى فتقبل‬
‫توبته بل خلف ‪ .‬هذا مذهب الحنفيّة والمالكيّة ‪.‬‬
‫أمّا الشّافعيّة والحنابلة فلم يفرّقوا بين أن يتوب قبل الطّلع عليه أو بعد ذلك ‪.‬‬
‫والمذ هب عند الشّافعيّة قبول توب ته ‪ ،‬و هو روا ية عند الحنابلة ‪ .‬قال ابن قدا مة ‪ :‬مفهوم كلم‬
‫ن الزّند يق إذا تاب قبلت توب ته ولم يق تل ‪ ،‬و هو إحدى الرّوايت ين عن أح مد واختيار‬
‫الخرق يّ أ ّ‬
‫أبي بكر الخلّال ‪ ،‬وقال ‪ :‬إنّه أولى على مذهب أحمد ‪.‬‬
‫ويروى ذلك أيضا عن عل يّ وا بن م سعود ر ضي ال عنه ما ‪ ،‬والدّل يل على قبول توب ته وعدم‬
‫ن كَ َفرُو ْا إِن يَن َتهُواْ ُيغَ َفرْ لَهُم مّ ا قَدْ سََلفَ } وقول النّبيّ صلى‬
‫قتله قول اللّه تعالى ‪ { :‬قُل لِّلذِي َ‬
‫ال عل يه و سلم ‪ { :‬فإذا فعلوا ذلك ع صموا منّي دماء هم وأموال هم إلّ بح قّ ال سلم وح سابهم‬
‫على اللّه } ‪.‬‬
‫وروي « أ نّ رجلً سارّ ر سول اللّه صلى ال عل يه و سلم ما سارّ به حتّى ج هر ر سول اللّه‬
‫صلى ال عليه وسلم فإذا هو يستأذنه في قتل رجل من المسلمين ‪ ،‬فقال رسول اللّه صلى ال‬
‫عل يه و سلم ‪ :‬أل يس يش هد أن ل إله إلّ اللّه ؟ قال ‪ :‬بلى ول شهادة له ‪ ،‬قال ‪ :‬أل يس ي صلّي ؟‬
‫قال ‪ :‬بلى ول صلة له ‪ ،‬فقال رسول اللّه صلى ال عليه وسلم ‪ :‬أولئك الّذين نهاني اللّه عن‬
‫ل مِ نَ‬
‫ن فِي الدّرْ كِ الَ سْفَ ِ‬
‫قتلهم » كما يدلّ على قبول توبة الزّنديق قوله تعالى ‪ { :‬إِنّ ا ْل ُمنَافِقِي َ‬
‫ل اّلذِينَ تَابُواْ } ‪.‬‬
‫جدَ َل ُهمْ َنصِيرا ‪ِ ،‬إ ّ‬
‫النّارِ وَلَن َت ِ‬
‫والمذهب عند الحنابلة وفي قول عند الشّافعيّة أنّه ل تقبل توبة الزّنديق مطلقا لقوله تعالى ‪{ :‬‬
‫ن التّوبة عند الخوف عين الزّندقة ‪ ،‬ولنّه ل تظهر منه‬
‫ِإلّ اّلذِي نَ تَابُواْ وَأَ صَْلحُواْ َو َب ّينُواْ } ول ّ‬
‫علمة تبيّن رجوعه وتوبته لنّه كان مظهرا للسلم مسرّا للكفر ‪ ،‬فإذا وقف على ذلك فأظهر‬
‫التّوبة لم يزد على ما كان منه قبلها وهو إظهار السلم ‪.‬‬
‫مال من تزندق ومن يرثه ‪:‬‬
‫‪ -‬ملك الزّنديق يزول عن ماله زوالً موقوفا ‪ ،‬فإن مات قبل الطّلع عليه ثمّ عرف ذلك‬ ‫‪6‬‬

‫عنه أو بعد أن جاء تائبا ‪ ،‬أو قتل بعد الطّلع عليه وبعد توبته لعدم قبولها منه " عند من‬
‫يقول بذلك " ‪ ،‬فماله لوارثه ‪ ،‬وإن عرف أمره فلم يتب ولم ينكر ما شهد به عليه حتّى قتل أو‬
‫مات ‪ ،‬فماله لبيت مال المسلمين ‪ .‬وهذا في الجملة وينظر ( إرث ‪ ،‬ردّة ) ‪.‬‬
‫زنّار *‬
‫التّعريف ‪:‬‬
‫‪ -‬ال ّزنّار وال ّزنّارة في اللّغة ما يشدّه المجوسيّ والنّصرانيّ على وسطه ‪.‬‬ ‫‪1‬‬

‫وهذا قريب ممّا ذكره الفقهاء ‪ ،‬ففي الدّسوقيّ ‪ :‬ال ّزنّار خيوط متلوّنة بألوان شتّى يشدّ بها‬
‫ال ّذمّيّ وسطه ‪ .‬وفي نهاية المحتاج ‪ :‬ال ّزنّار خيط غليظ فيه ألوان يشدّ به ال ّذ ّميّ وسطه ‪ .‬وهو‬
‫يكون فوق الثّياب ‪.‬‬
‫اللفاظ ذات الصّلة ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬الحزام ‪:‬‬
‫‪ -‬الحزام اسم ما حزّم به ‪ ،‬واحتزم الرّجل وتحزّم إذا شدّ وسطه بحبل ‪ ،‬ويكون الحزام‬ ‫‪2‬‬

‫أيضا للصّبيّ في مهده ‪ ،‬والحزام للسّرج والدّابّة ‪ ،‬وحزّم الفرس ‪ :‬شدّ حزامه ‪ ،‬وأحزمه جعل‬
‫له حزاما ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬النّطاق ‪:‬‬
‫‪ -‬المنطق والمنطقة والنّطاق ‪ :‬كلّ ما شدّ به الوسط ‪ ،‬والنّطاق شبه إزار فيه تكّة كانت‬ ‫‪3‬‬

‫المرأة تنتطق به ‪ .‬وفي المحكم ‪ :‬النّطاق شقّة أو ثوب تلبسه المرأة ثمّ تشدّ وسطها بحبل ثمّ‬
‫ترسل العلى على السفل إلى الرّكبة ‪.‬‬
‫ج ‪ -‬الهميان ‪:‬‬
‫‪ -‬الهميان ‪ :‬كيس تجعل فيه النّفقة ويشدّ على الوسط ‪ ،‬وفي اللّسان ‪ :‬الهميان هميان الدّراهم‬ ‫‪4‬‬

‫‪ ،‬أي الّذي تجعل فيه النّفقة ‪ ،‬وهو أيضا ‪ :‬شداد السّراويل والمنطقة كانت المرأة تشدّ بها‬
‫حقويها ‪ .‬إمّا تكّة وإمّا خيط ‪.‬‬
‫ما يتعلّق بال ّزنّار من أحكام ‪:‬‬
‫أوّلً ‪ :‬اتّخاذ أهل ال ّذمّة ال ّزنّار ‪:‬‬
‫‪ -‬ممّا يؤخذ به أهل ال ّذمّة وجوبا إظهار علمات يعرفون بها ‪ ،‬ول يتركون يتشبّهون‬ ‫‪5‬‬

‫بالمسلمين في لباسهم وهيئتهم كي ل يعاملوا معاملة المسلمين ‪.‬‬


‫ومن ذلك أنّ ال ّذ ّميّ يؤمر بشدّ ال ّزنّار في وسطه من فوق الثّياب حتّى يكون ذلك علم ًة مميّزةً‬
‫له ‪ ،‬فل يعامل معاملة المسلمين ‪.‬‬
‫ل لم يكن له فائدة‪.‬‬
‫ن المرأة أيضا تؤخذ بذلك وتشدّه تحت إزارها بحيث يظهر بعضه ‪،‬وإ ّ‬
‫كما أ ّ‬
‫ومن خالف من أهل ال ّذمّة وترك ال ّزنّار بعد أمره به فإنّه يعزّر ‪.‬‬
‫ثانيا ‪ :‬لبس المسلم ال ّزنّار ‪:‬‬
‫‪ -‬يحرم على المسلم شدّ ال ّزنّار في وسطه على الهيئة الّتي يلزم بها أهل ال ّذمّة ‪ ،‬لنّ ذلك‬ ‫‪6‬‬

‫تشبّه بهم ‪ ،‬وقد قال النّبيّ صلى ال عليه وسلم ‪ « :‬من تشبّه بقوم فهو منهم » ‪ .‬وهذا باتّفاق‬
‫‪.‬‬
‫وقد ذهب الشّافعيّة والحنابلة إلى أنّه ل يكفر من شدّ على وسطه زنّارًا على الهيئة الّتي يلزم‬
‫بها أهل ال ّذمّة ‪ ،‬وإنّما هو عاص بذلك كسائر المعاصي ‪ ،‬حيث يحرم عليه التّزيّي بزيّ‬
‫الكفّار‪ .‬وقال الحنفيّة على ما جاء في البزّازيّة ‪ :‬وعظ المام فاسقا وندبه إلى التّوبة ‪ ،‬فقال ‪:‬‬
‫ن وضع‬
‫بعد اليوم أضع على رأسي قلنسوة المجوس ‪ ،‬وكانت علم ًة خاصّ ًة بهم يكفر ‪ ،‬ل ّ‬
‫تلك القلنسوة كشدّ ال ّزنّار علمة الكفر ‪.‬‬
‫ومن شدّ ال ّزنّار ودخل دار الحرب كفر ‪ ،‬قال السروشنيّ‪ :‬إن فعل ذلك لتخليص السير ل‬
‫يكفر ‪ ،‬ولو دخل للتّجارة كفر ‪ ،‬ومن لفّ على وسطه حبلً وقال ‪ :‬هذا زنّار ل يكفر ‪،‬‬
‫وأكثرهم على أنّه يكفر ‪ ،‬لنّه تصريح بالكفر ‪.‬‬
‫وعند المالكيّة كما قال الدّردير ‪ :‬من علمات ال ّردّة صدور فعل يقتضي الكفر كشدّ زنّار ‪،‬‬
‫والمراد به ملبوس الكافر الخاصّ به أي إذا فعله حبّا فيه وميلً لهله ‪ ،‬وأمّا إن لبسه لعبا‬
‫فحرام وليس بكفر ‪ ،‬قال الدّسوقيّ ‪ :‬يكفر إذا فعله حبّا فيه سواء أسعى به للكنيسة ونحوها أم‬
‫ل ‪ ،‬وسواء أفعله في بلد السلم أم في بلدهم ‪ ،‬فالمدار في ال ّردّة على فعله حبّا فيه وميلً‬
‫ن الزّرقانيّ قيّد ذلك بالسّعي به للكنيسة وبفعله في‬
‫لهله كما في البنانيّ عن ابن مرزوق ‪ ،‬لك ّ‬
‫بلد السلم ‪.‬‬
‫قال الدّسوقيّ ‪ :‬وإن فعل ذلك لضرورة كأسير عندهم يضطرّ إلى استعمال ثيابهم ‪ ،‬فل حرمة‬
‫ل عن ال ّردّة كما قال ابن مرزوق ‪.‬‬
‫عليه فض ً‬

‫زوائد *‬
‫انظر ‪ :‬زيادة ‪.‬‬

‫زواج *‬
‫انظر ‪ :‬نكاح ‪.‬‬

‫زوال *‬
‫التّعريف ‪:‬‬
‫‪ -‬الزّوال لغ ًة ‪ :‬الحركة والذّهاب والستحالة والضمحلل ‪ .‬وزال الشّيء عن مكانه ‪،‬‬ ‫‪1‬‬

‫وأزاله غيّره ‪ .‬ويقال ‪ :‬رأيت شبحا ثمّ زال ‪ ،‬أي تحرّك ‪ .‬والزّوائل ‪ :‬النّجوم لزوالها من‬
‫المشرق ‪ .‬والزّوال ‪ :‬زوال الشّمس ‪ ،‬وزوال الملك ونحو ذلك ممّا يزول عن حاله ‪ .‬وزالت‬
‫الشّمس عن كبد السّماء ‪ ،‬وزال الظّلّ ‪ .‬ول يخرج معناه الشّرعيّ عن معناه اللّغويّ ‪.‬‬
‫الحكم الجماليّ ‪:‬‬
‫وردت الحكام المتعلّقة بالزّوال في أماكن متعدّدة من كتب الفقه منها ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬وقت صلة الظّهر ‪:‬‬
‫ن وقت صلة الظّهر يدخل حين تزول الشّمس عن كبد السّماء ‪ ،‬وهو‬
‫‪ -‬أجمع العلماء على أ ّ‬ ‫‪2‬‬

‫ميل الشّمس عن وسط السّماء إلى جهة المغرب ‪.‬‬


‫فلو شرع المصلّي في التّكبير قبل ظهور الزّوال ثمّ ظهر الزّوال عقب التّكبير أو في أثنائه لم‬
‫يصحّ الظّهر ‪.‬‬
‫ل بعد تناهي نقصانه لنّ الشّمس إذا طلعت رفع لكلّ شاخص ظلّ‬
‫ويعرف الزّوال بزيادة الظّ ّ‬
‫طويل إلى جانب المغرب ‪ ،‬ثمّ كلّما دامت الشّمس في الرتفاع فالظّلّ ينتقص ‪ ،‬فإذا انتهت‬
‫الشّمس إلى وسط السّماء ‪ -‬وهي حالة الستواء وانتصاف النّهار ‪ -‬انتهى نقصان الظّلّ‬
‫ووقف ‪ ،‬فإذا زاد الظّلّ أدنى زياد ًة إلى الجهة الخرى دلّ ذلك على الزّوال ‪.‬‬
‫قال النّوويّ ‪ :‬إذا أردت معرفة زوال الشّمس فانصب عصا أو غيرها في الشّمس على أرض‬
‫ن الشّمس لم تزل ‪ ،‬ول تزال‬
‫مستوية وعلّم على طرف ظلّها ث ّم راقبه فإن نقص الظّلّ علمت أ ّ‬
‫ترقبه حتّى يزيد فمتى زاد علمت الزّوال ‪.‬‬
‫ل باختلف الزمان والماكن ‪ ،‬فأقصر ما يكون‬
‫ويختلف قدر ما تزول عليه الشّمس من الظّ ّ‬
‫الظّلّ عند الزّوال في الصّيف عند تناهي طول النّهار ‪ ،‬وأطول ما يكون في الشّتاء عند تناهي‬
‫قصر النّهار ‪.‬‬
‫ل عند الزّوال ‪.‬‬
‫وأمّا بالنّسبة للماكن فكلّما قرب المكان من خطّ الستواء نقص الظّ ّ‬
‫والدّليل على أنّ وقت صلة الظّهر يدخل عندما تزول الشّمس هو ما روي « عن النّبيّ‬
‫صلى ال عليه وسلم قال ‪ :‬أمّني جبريل عند البيت مرّتين ‪ ،‬فصلّى الظّهر في الولى منهما‬
‫ل كلّ شيء مثل ظلّه ثمّ قال ‪:‬‬
‫حين كان الفيء مثل الشّراك ‪ ،‬ثمّ صلّى العصر حين كان ظ ّ‬
‫ل شيء مثله لوقت العصر بالمس قال ‪ :‬ثمّ التفت‬
‫وصلّى المرّة الثّانية الظّهر حين كان ظلّ ك ّ‬
‫ي جبريل فقال ‪ :‬يا محمّد ‪ ،‬هذا وقت النبياء من قبلك ‪ ،‬والوقت فيما بين هذين الوقتين » ‪.‬‬
‫إل ّ‬
‫والتّفصيل في مصطلح ‪ ( :‬أوقات الصّلة ) ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬حكم السّواك للصّائم بعد الزّوال ‪:‬‬
‫‪ -‬اختلف الفقهاء في حكم السّواك للصّائم بعد الزّوال ‪:‬‬ ‫‪3‬‬
‫فذهب الحنفيّة والمالكيّة إلى أنّه ل بأس بالسّواك للصّائم في جميع نهاره أي قبل الزّوال وبعد‬
‫الزّوال ‪ ،‬للحاديث الصّحيحة الكثيرة في فضل السّواك ‪.‬‬
‫وذهب الشّافعيّة في المشهور عندهم والحنابلة إلى أنّه يكره للصّائم التّسوّك بعد الزّوال سواء‬
‫كان ذلك بسواك يابس أو رطب لحديث أبي هريرة رضي ال عنه عن النّبيّ صلى ال عليه‬
‫وسلم « لخلوف فم الصّائم أطيب عند اللّه من ريح المسك » ‪ .‬والخلوف إنّما يظهر غالبا بعد‬
‫الزّوال ‪ .‬والتّفاصيل في مصطلح ‪ ( :‬سواك ‪ ،‬وصيام ) ‪.‬‬

‫زوج *‬
‫التّعريف ‪:‬‬
‫جيْنِ ال ّذ َكرَ وَا ْلأُنثَى}‬
‫‪ -‬الزّوج في اللّغة ‪ :‬الفرد الّذي له قرين ‪ ،‬قال تعالى ‪ {:‬وََأنّ ُه خََلقَ الزّ ْو َ‬ ‫‪1‬‬

‫سكْ عََل ْيكَ‬


‫فكلّ منهما زوج ‪ ،‬فالرّجل زوج المرأة ‪ ،‬وهي زوجه ‪ ،‬كما في قوله تعالى ‪َ { :‬أ ْم ِ‬
‫جكَ } ويقال أيضا ‪ :‬هي زوجته ‪ ،‬قال الرّاغب ‪ :‬وهي لغة رديئة ‪.‬‬
‫زَ ْو َ‬
‫ول يقال للثنين ‪ :‬زوج ‪ ،‬إنّما يقال ‪ :‬زوجان ‪ ،‬قاله ابن سيده ‪ ،‬وقيل ‪ :‬الزّوج خلف الفرد ‪،‬‬
‫يقال ‪ :‬فرد أو زوج ‪ ،‬ويقال أيضا ‪ :‬خسّا أو زكا " الخسا الفرد ‪ ،‬والزّكا الزّوج " ويقال أيضا‪:‬‬
‫شفع أو وتر‪ ،‬فكلّ مقترنين متجانسين كانا ‪ ،‬أم نقيضين فهما زوج ‪.‬‬
‫والزّوج في الحساب ما ينقسم بمتساويين ‪ .‬والزّوج في الصطلح ‪ :‬بعل المرأة ‪.‬‬
‫حقوق الزّوج على زوجته ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬وجوب الطّاعة ‪:‬‬
‫‪ -‬جعل اللّه الرّجل قوّاما على المرأة بالمر والتّوجيه والرّعاية ‪ ،‬كما يقوم الولة على‬ ‫‪2‬‬

‫الرّعيّة ‪ ،‬بما خصّه اللّه به الرّجل من خصائص جسميّة وعقليّة ‪ ،‬وبما أوجب عليه من‬
‫ضهُمْ عَلَى َبعْضٍ‬
‫واجبات ماليّة ‪ ،‬قال تعالى ‪ { :‬ال ّرجَالُ قَوّامُونَ عَلَى ال ّنسَاء ِبمَا َفضّلَ الّلهُ َب ْع َ‬
‫ن َأمْوَاِل ِهمْ } ‪.‬‬
‫َو ِبمَا أَن َفقُو ْا مِ ْ‬
‫ن قيام الولة على الرّعيّة ‪ ،‬وعلّلوا ذلك‬
‫قال البيضاويّ في تفسير الية ‪ :‬أي يقومون عليه ّ‬
‫ض } بسبب تفضيله الرّجال‬
‫ض ُهمْ عَلَى َبعْ ٍ‬
‫بأمرين ‪ :‬وهبيّ وكسبيّ ‪ ،‬فقال ‪ِ { :‬بمَا فَضّلَ الّل ُه َبعْ َ‬
‫على النّساء بكمال العقل ‪ ،‬وحسن التّدبير ‪ ،‬ومزيد القوّة ‪ ،‬وبما أنفقوا في نكاحهنّ كالمهر‬
‫والنّفقة ‪ ،‬فكان له عليها حقّ الطّاعة في غير معصية اللّه ‪.‬‬
‫روى الحاكم عن عائشة رضي ال عنها « أنّها قالت ‪ :‬سألت النّبيّ صلى ال عليه وسلم ‪ :‬أيّ‬
‫النّاس أعظم حقّا على المرأة ؟ قال ‪ :‬زوجها » ‪.‬‬
‫وقال عليه الصلة والسلم ‪ « :‬لو كنت آمرا أحدا أن يسجد لحد لمرت المرأة أن تسجد‬
‫ن من الحقّ» ‪.‬‬
‫لزوجها لما جعل اللّه لهم عليه ّ‬
‫ب ‪ -‬تمكين الزّوج من الستمتاع ‪:‬‬
‫ل للجماع‬
‫‪ -‬من حقّ الزّوج على زوجته تمكينه من الستمتاع ‪ ،‬فإذا تزوّج امرأ ًة وكانت أه ً‬ ‫‪3‬‬

‫وجب تسليم نفسها إليه بالعقد إذا طلب ‪ ،‬وذلك أن يسلّمها مهرها المعجّل وتمهل مدّةً حسب‬
‫ن ذلك يسير‬
‫العادة لصلح أمرها كاليومين والثّلثة إذا طلبت ذلك لنّه من حاجتها ‪ ،‬ول ّ‬
‫جرت العادة بمثله ‪ « .‬وقال النّبيّ صلى ال عليه وسلم عند قفوله مرّةً إلى المدينة ‪ :‬أمهلوا‬
‫حتّى تدخلوا ليلً ‪ -‬أي عشاءً ‪ -‬لكي تمتشط الشّعثة ‪ ،‬وتستحدّ المغيّبة » ‪ .‬وما ذلك إلّ‬
‫لصلح نفسها ‪ ( .‬ر ‪ :‬نكاح ) ‪.‬‬
‫وللزّوج إجبار زوجته على الغسل من الحيض والنّفاس ‪ ،‬مسلم ًة كانت أو ذ ّميّ ًة ‪ ،‬لنّه يمنع‬
‫الستمتاع الّذي هو حقّ له ‪ ،‬فملك إجبارها على إزالة ما يمنع حقّه ‪.‬‬
‫وله إجبار المسلمة البالغة على الغسل من الجنابة ‪ ،‬أمّا ال ّذ ّميّة فقال الحنفيّة ‪ :‬ل يجوز له‬
‫إجبارها على الغسل ممّا ذكر ‪ ،‬وهو قول في الجنابة عند كلّ من الشّافعيّة والحنابلة ‪.‬‬
‫ج ‪ -‬عدم الذن لمن يكره الزّوج دخوله ‪:‬‬
‫‪ -‬ومن حقّ الزّوج على زوجته ألّ تدخل بيته أحدا يكرهه ‪ .‬لحديث ‪ « :‬فأمّا حقّكم على‬ ‫‪4‬‬

‫نسائكم فل يوطئن فرشكم من تكرهون ‪ ،‬ول يأذنّ في بيوتكم لمن تكرهون » ‪.‬‬
‫د ‪ -‬عدم الخروج من البيت إلّ بإذن الزّوج ‪:‬‬
‫ل بإذنه ‪.‬‬
‫ل تخرج من البيت إ ّ‬
‫‪ -‬من حقّ الزّوج على زوجته أ ّ‬ ‫‪5‬‬

‫لحديث ابن عبّاس رضي ال عنهما « أنّ امرأ ًة أتت النّبيّ صلى ال عليه وسلم فقالت ‪ :‬يا‬
‫ل تخرج من بيتها إلّ بإذنه ‪،‬‬
‫رسول اللّه ‪ :‬ما حقّ الزّوج على الزّوجة ؟ فقال ‪ :‬حقّه عليها أ ّ‬
‫فإن فعلت لعنتها ملئكة السّماء وملئكة الرّحمة ‪ ،‬وملئكة العذاب حتّى ترجع » ‪.‬‬
‫واشترطوا في ذلك أن يكون البيت صالحا للسّكنى ‪ ،‬فإن لم يكن صالحا للسّكنى كأن خافت‬
‫سقوطه عليها ‪ ،‬أو لم يكن له مرافق ‪ ،‬فلها الخروج منه ‪.‬‬
‫وقد ذكروا أسبابا لجواز خروج المرأة بغير إذن زوجها من المنزل ‪:‬‬
‫منها ‪ :‬الخروج إلى مجلس العلم ‪ ،‬إذا وقعت لها نازلة وليس الزّوج فقيها ‪.‬‬
‫ومنها ‪ :‬الخروج إلى حجّة الفرض إذا وجدت محرما تخرج معه ‪ ،‬وليس للزّوج منعها من‬
‫ذلك ‪ .‬والتّفصيل في ( نفقة ‪ ،‬حجّ ‪ ،‬نشوز ) ‪.‬‬
‫‪ -6‬واختلفوا في عيادة والديها ‪ :‬فقال الحنفيّة ‪ :‬ليس له منعها من عيادة والد زمن ليس له من‬
‫يقوم عليه ‪ ،‬ول يجب عليها طاعة زوجها إن منعها من ذلك سواء كان الوالد مسلما أو‬
‫ن القيام بخدمته فرض عليها في مثل هذه الحالة فيقدّم على حقّ الزّوج ‪.‬‬
‫كافرا ‪ ،‬ل ّ‬
‫ل بإذن الزّوج ‪ ،‬وله منعها‬
‫وقال الشّافعيّة والحنابلة ‪ :‬ليس لها الخروج لعيادة أبيها المريض إ ّ‬
‫من ذلك ومن حضور جنازته لحديث ‪ « :‬أنّ رجلً خرج وأمر امرأته أن ل تخرج من‬
‫بيتها ‪ ،‬فمرض أبوها ‪ ،‬فاستأذنت النّبيّ صلى ال عليه وسلم فقال لها ‪ :‬أطيعي زوجك فمات‬
‫أبوها فاستأذنت منه صلى ال عليه وسلم في حضور جنازته فقال لها ‪ :‬أطيعي زوجك فأرسل‬
‫إليها النّبيّ صلى ال عليه وسلم ‪ :‬إنّ اللّه قد غفر لبيها بطاعتها لزوجها »‬
‫ن طاعة الزّوج واجبة ‪ ،‬فل يجوز ترك الواجب بما ليس بواجب ‪.‬‬
‫ول ّ‬
‫ن في ذلك‬
‫قالوا ‪ :‬ولكنّه ينبغي ألّ يمنعها من عيادة والدين مريضين وحضور جنازتهما ‪ ،‬ل ّ‬
‫قطيع ًة لهما وحملً لزوجته على مخالفته ‪ ،‬وقد أمر اللّه تعالى بالمعاشرة بالمعروف ‪ ،‬ومنعها‬
‫من عيادة والد مريض ليس من المعاشرة بالمعروف في شيء ‪.‬‬
‫هـ ‪ -‬التّأديب ‪:‬‬
‫‪ -‬للزّوج تأديب زوجته عند عصيانها أمره بالمعروف ل بالمعصية ‪ ،‬لنّ اللّه تعالى أمر‬ ‫‪7‬‬

‫ن ‪ ،‬وقد ذكر الحنفيّة أربعة مواضع يجوز‬


‫بتأديب النّساء بالهجر والضّرب عند عدم طاعته ّ‬
‫فيها للزّوج تأديب زوجته بالضّرب ‪ ،‬منها ‪:‬‬
‫ترك الزّينة إذا أراد الزّينة ‪ ،‬ومنها ‪ :‬ترك الجابة إذا دعاها إلى الفراش وهي طاهرة ‪.‬‬
‫ومنها ‪ :‬ترك الصّلة ‪ ،‬ومنها ‪ :‬الخروج من البيت بغير إذنه ‪.‬‬
‫والتّفصيل في مصطلح ( تأديب ‪ ،‬نشوز ) ‪.‬‬
‫و ‪ -‬خدمة الزّوجة لزوجها ‪:‬‬
‫‪ -‬ليس على المرأة خدمة زوجها من العجن ‪ ،‬والخبز ‪ ،‬والطّبخ ونحو ذلك ‪ ،‬لنّ المعقود‬ ‫‪8‬‬

‫عليه من جهتها هو الستمتاع فل يلزمها ما سواه ‪ ،‬هذا ما ذهب إليه الجمهور ‪.‬‬
‫وقال المالكيّة ‪ :‬على الزّوجة الخدمة الباطنة من عجن وكنس ‪ ،‬وفرش ‪ ،‬واستقاء ماء من‬
‫الدّار ‪ ،‬أو من الصّحراء إن كانت عادة بلدها كذلك ‪ -‬إلّ أن تكون من الشراف الّذين ل‬
‫يمتهنون نساءهم ‪ ،‬فيجب عليه حينئذ إخدامها ‪.‬‬
‫ول يلزمها الكتساب كالغزل والنّسيج ‪ ،‬وأمّا غسل الثّياب وخياطتها فينبغي فيه اتّباع العرف‪.‬‬
‫وينظر تفصيل ذلك في ‪ ( :‬نفقة ‪ ،‬زوجة ) ‪.‬‬
‫ز ‪ -‬ما يجب على الزّوج لزوجته ‪:‬‬
‫‪ -‬أمّا ما يجب على الزّوج لزوجته فلها مثل الّذي عليه بالمعروف ‪.‬‬ ‫‪9‬‬
‫وينظر تفصيله في ( زوجة ) ‪.‬‬
‫ح ‪ -‬ما ينبغي للزّوج في معاملة زوجته ‪:‬‬
‫‪ -‬على الزّوج إكرام زوجته وحسن معاشرتها ومعاملته لها بالمعروف ‪ ،‬وتقديم ما يمكن‬ ‫‪10‬‬

‫تقديمه إليها ممّا يؤلّف قلبها ‪ ،‬قال تعالى ‪َ { :‬وعَاشِرُو ُهنّ بِا ْل َم ْعرُوفِ } ‪.‬‬
‫ومن مظاهر إكمال الخلق ونم ّو اليمان أن يكون المرء رقيقا مع أهله ‪ ،‬يقول الرّسول صلى‬
‫ال عليه وسلم ‪ « :‬أكمل المؤمنين إيمانا أحسنهم خلقا ‪ ،‬وخياركم خياركم لنسائهم خلقا » ‪.‬‬
‫وإكرام المرأة دليل على تكامل شخصيّة الرّجل ‪ ،‬وإهانتها علمة الخسّة واللّؤم ‪.‬‬
‫ومن إكرامها التّلطّف معها ومداعبتها ‪ ،‬وجاء في الثر أنّه صلى ال عليه وسلم قال ‪ « :‬كلّ‬
‫ل رميه بقوسه ‪ ،‬وتأديبه فرسه ‪ ،‬وملعبته أهله ‪ ،‬فإنّهنّ‬
‫ما يلهو به الرّجل المسلم باطل ‪ ،‬إ ّ‬
‫ق » ومن إكرامها أن يتجنّب أذاها ولو بالكلمة النّابية ‪.‬‬
‫من الح ّ‬
‫والتّفصيل في مصطلح ‪ ( :‬زوجة ) ‪.‬‬
‫ط ‪ -‬إنهاء عقد الزّواج ‪:‬‬
‫‪ -‬من حقوق الزّوج إنهاء عقد الزّواج إذا فسد الحال بين الزّوجين وأصبح بقاؤه مفسدةً‬ ‫‪11‬‬

‫محض ًة ‪ ،‬وضررا مجرّدا ‪ ،‬لنّه أحرص عادةً على بقاء الزّوجيّة لما أنفق في سبيل الزّواج‬
‫من المال ‪ ،‬وهو أكثر تقديرا لعواقب المور ‪ ،‬وأبعد عن الطّيش في تصرّف يلحق به ضررا‬
‫ضهُمْ عَلَى َبعْضٍ َو ِبمَا‬
‫كبيرا ‪ ،‬لقوله تعالى ‪ { :‬ال ّرجَالُ قَوّامُونَ عَلَى ال ّنسَاء ِبمَا َفضّلَ الّلهُ َب ْع َ‬
‫ن َأمْوَاِل ِهمْ } ‪ .‬وفي الثر ‪ « :‬الطّلق لمن أخذ بالسّاق » ‪ .‬والتّفصيل في ( طلق ) ‪.‬‬
‫أَنفَقُواْ مِ ْ‬

‫زوجة *‬
‫التّعريف ‪:‬‬
‫‪ -‬الزّوجة في اللّغة ‪ :‬امرأة الرّجل ‪ ،‬وجمعها زوجات ‪ ،‬ويقال لها ‪ :‬زوج ‪ ،‬فالرّجل زوج‬ ‫‪1‬‬

‫سكُنْ أَنتَ‬
‫المرأة والمرأة زوجه ‪ .‬هذه هي اللّغة العالية وبها جاء القرآن نحو قوله تعالى ‪ { :‬ا ْ‬
‫جنّةَ } والجمع فيها أزواج قاله أبو حاتم ‪ .‬وأهل نجد يقولون في المرأة ‪ :‬زوجة‬
‫ك ا ْل َ‬
‫جَ‬‫َوزَ ْو ُ‬
‫سكّيت فقال ‪ :‬وأهل الحجاز يقولون للمرأة‬
‫بالهاء ‪ ،‬وأهل الحرم يتكلّمون بها ‪ .‬وعكس ابن ال ّ‬
‫زوج بغير هاء ‪ ،‬وسائر العرب زوجة بالهاء وجمعها زوجات ‪ ،‬والفقهاء يقتصرون في‬
‫الستعمال عليها لليضاح وخوف لبس الذّكر بالنثى ‪.‬‬
‫الحكام المتعلّقة بالزّوجة ‪:‬‬
‫اتّخاذ الزّوجة ‪:‬‬
‫ل إذا خاف على نفسه‬
‫ب غير واجب ‪ ،‬إ ّ‬
‫ن الزّواج مستح ّ‬
‫‪ -‬ذهب عامّة أهل العلم إلى أ ّ‬ ‫‪2‬‬

‫الوقوع في محظور فيلزمه إعفاف نفسه ‪ ،‬ول يزيد عن زوجة واحدة إن خاف الجور لقوله‬
‫ح َدةً }‬
‫ن ال ّنسَاء َم ْثنَى َوثُلَثَ َو ُربَاعَ َفإِنْ خِ ْف ُت ْم َألّ َت ْعدِلُواْ فَوَا ِ‬
‫تعالى ‪ { :‬فَان ِكحُو ْا مَا طَابَ َلكُم مّ َ‬
‫وقد تعتريه أحكام أخرى ‪ .‬والتّفصيل في ( نكاح ) ‪.‬‬
‫اختيار الزّوجة ‪:‬‬
‫‪ -‬المرأة سكن للزّوج وحرث له ‪ ،‬وأمينته في ماله وعرضه ‪ ،‬وموضع سرّه ‪ ،‬وعنها يرث‬ ‫‪3‬‬

‫أولدها كثيرا من الصّفات ‪ ،‬ويكتسبون بعض عاداتهم منها ‪ ،‬لهذا حضّت الشّريعة على حسن‬
‫اختيار الزّوجة ‪ ،‬وحدّدت صفات الزّوجة الصّالحة على النّحو التّالي ‪:‬‬
‫‪ -‬يستحبّ أن تكون الزّوجة ذات دين ‪ ،‬لقول النّبيّ صلى ال عليه وسلم ‪ « :‬تنكح المرأة‬ ‫‪4‬‬

‫ن الّذي‬
‫لربع ‪ :‬لمالها ‪ ،‬ولحسبها ‪ ،‬ولجمالها ‪ ،‬ولدينها ‪ ،‬فاظفر بذات الدّين تربت يداك » أي أ ّ‬
‫يرغّب في الزّواج ‪ ،‬ويدعو الرّجال إليه أحد هذه الخصال الربع ‪ ،‬فأمر النّبيّ صلى ال عليه‬
‫ل يعدلوا عن ذات الدّين إلى غيرها ‪.‬‬
‫وسلم أ ّ‬
‫‪ -5‬أن تكون ولودا ‪ ،‬لحديث ‪ « :‬تزوّجوا الودود ‪ ،‬الولود ‪ ،‬فإنّي مكاثر بكم النبياء يوم‬
‫القيامة » ‪ .‬ويعرف كون البكر ولودا بكونها من أسرة يعرف نساؤها بكثرة الولد ‪.‬‬
‫‪ -6‬أن تكون بكرا ‪ ،‬لخبر ‪ « :‬فهلّ بكرا تلعبها وتلعبك » ‪.‬‬
‫‪ -7‬أن تكون حسيبةً نسيبةً أي طيّبة الصل بانتسابها إلى العلماء والصّلحاء ‪ ،‬وصرّح‬
‫الشّافعيّة بكراهة الزّواج ببنت الزّنى ‪ ،‬واللّقيطة ‪ ،‬وبنت الفاسق لخبر ‪ « :‬تخيّروا لنطفكم‬
‫وانكحوا الكفاء وأنكحوا إليهم » ‪.‬‬
‫‪ -8‬وأن ل تكون ذات قرابة قريبة ‪ ،‬لحديث ‪ « :‬ل تنكحوا القرابة القريبة فإنّ الولد يخلق‬
‫ن ولدها أنجب ‪.‬‬
‫ضاويا » ‪ .‬وصرّح الحنابلة باستحباب اختيار الجنبيّة فإ ّ‬
‫‪ -9‬أن تكون جميلةً لنّها أسكن لنفسه وأغضّ لبصره ‪ ،‬وأكمل لمودّته ‪ ،‬ولذلك شرع النّظر‬
‫قبل العقد ‪ ،‬ولحديث ‪ « :‬ما استفاد المؤمن بعد تقوى اللّه خيرا له من زوجة صالحة إن أمرها‬
‫أطاعته ‪ ،‬وإن نظر إليها أسرّته ‪ ،‬وإن أقسم عليها أبرّته ‪ ،‬وإن غاب عنها نصحته في نفسها‬
‫وماله » ‪.‬‬
‫‪ -‬أن تكون ذات عقل ‪ ،‬ويجتنب الحمقاء ‪ ،‬لنّ النّكاح يراد للعشرة الدّائمة ‪ ،‬ول تصلح‬ ‫‪10‬‬

‫العشرة مع الحمقاء ول يطيب العيش معها ‪ ،‬وربّما تعدّى إلى ولدها ‪.‬‬
‫ق المرأة في اختيار زوجها ‪:‬‬
‫حّ‬
‫ي صلى ال عليه‬
‫ن النّب ّ‬
‫‪ -‬للمرأة أن تختار زوجها ‪ ،‬جاء في الثر عن أبي هريرة « أ ّ‬ ‫‪11‬‬

‫وسلم قال ‪ :‬ل تنكح اليّم حتّى تستأمر ‪ ،‬ول تنكح البكر حتّى تستأذن ‪ ،‬قالوا ‪ :‬يا رسول اللّه‪،‬‬
‫وكيف إذنها ؟ قال ‪ :‬أن تسكت » ‪.‬‬
‫وعن عائشة قالت « ‪ :‬يا رسول اللّه ‪ ،‬إنّ البكر تستحيي ‪ ،‬قال ‪ :‬رضاها صمتها » ‪.‬‬
‫ول ينبغي للوليّ أن يزوّج موليته إلّ التّقيّ الصّالح ‪ ،‬جاء في الثر ‪ « :‬إذا خطب إليكم من‬
‫ل تفعلوا تكن فتنة في الرض وفساد عريض » ‪.‬‬
‫ترضون دينه وخلقه فزوّجوه ‪ ،‬إ ّ‬
‫وروي ‪ « :‬من زوّج كريمته من فاسق فقد قطع رحمها » ‪.‬‬
‫ن فلنا يخطبك أو يذكرك ‪،‬‬
‫وينبغي أن يستأمر البكر قبل النّكاح ويذكر لها الزّوج فيقول ‪ :‬إ ّ‬
‫سنّة لخبر ‪ « :‬شاوروا النّساء في أبضاعهنّ » وليس‬
‫وإن زوّجها من غير استئمار فقد أخطأ ال ّ‬
‫له أن يزوّجها بغير كفء إلّ برضاها ‪ ،‬ول ينعقد الزّواج عند بعض الفقهاء إذا زوّج‬
‫القاصرة أو البكر بغير كفء ‪ ،‬ولها فسخه بعد البلوغ عند بعض الفقهاء ‪ ،‬والتّفصيل في‬
‫مصطلح ‪ ( :‬ولية ) ‪.‬‬
‫وليس له تزويج ال ّثيّب إلّ بإذنها لخبر ‪ « :‬ال ّثيّب أحقّ بنفسها من وليّها » وليس للوليّ أن‬
‫يعضلها ‪ ،‬ويسقط بالعضل حقّه في تزويجها إن رغبت أن تتزوّج كفئا قال تعالى ‪ { :‬فَلَ‬
‫جهُنّ } والتّفصيل في مصطلح ‪ ( :‬نكاح ‪ ،‬وليّ ) ‪.‬‬
‫ن َأزْوَا َ‬
‫َتعْضُلُو ُهنّ أَن يَن ِكحْ َ‬
‫حقوق الزّوجة ‪:‬‬
‫‪ -‬إذا وقع العقد صحيحا نافذا ترتّب عليه آثاره ‪ ،‬وتنشأ به حقوق وهي ثلثة أقسام ‪:‬‬ ‫‪12‬‬

‫أ ‪ -‬حقوق واجبة للزّوجة على زوجها ‪.‬‬


‫ب ‪ -‬حقوق مشتركة بينهما ‪.‬‬
‫ج ‪ -‬وحقوق واجبة للزّوج على زوجته ‪ ،‬وتراجع في مصطلح ‪ ( :‬زوج ) ‪.‬‬
‫الحقوق المشتركة بين الزّوجين هي ‪:‬‬
‫‪ -‬أ ‪ -‬حلّ العشرة الزّوجيّة ‪ ،‬واستمتاع ك ّل منهما بالخر فيحلّ للزّوجة من زوجها ما‬ ‫‪13‬‬

‫يحلّ له منها ‪ ،‬وتفصيل هذا الحقّ وحدوده ينظر في مصطلح ‪ ( :‬عشرة ) ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬حرمة المصاهرة ‪ ،‬فالزّوجة تحرم على آباء الزّوج وأجداده وأبنائه ‪ ،‬وفروع أبنائه‬
‫وبناته ‪ ،‬ويحرم على الزّوج أمّهات الزّوجة وجدّاتها وبناتها ‪ ،‬وبنات آبائها وبناتها ‪ ،‬وأن‬
‫يجمع بينها وبين أختها أو عمّتها أو خالتها ‪.‬‬
‫وانظر التّفصيل في مصطلح ‪ ( :‬نكاح ‪ ،‬ومحرّمات ) ‪.‬‬
‫ج ‪ -‬ثبوت التّوارث بينهما بمجرّد إتمام العقد وإن لم يدخل بالزّوجة ‪ ،‬والتّفصيل في ‪:‬‬
‫( إرث) ‪.‬‬
‫د ‪ -‬ثبوت نسب الولد من صاحب الفراش ‪.‬‬
‫هـ ‪ -‬حسن المعاشرة ‪ ،‬فيجب على الرّجل أن يعاشر زوجته بالمعروف ‪ ،‬كما يجب عليها‬
‫ن بِا ْل َمعْرُوفِ } والتّفصيل في ( نكاح ) ‪.‬‬
‫شرُوهُ ّ‬
‫مثل ذلك لقوله تعالى ‪ { :‬وَعَا ِ‬
‫حقوق الزّوجة الخاصّة بها ‪:‬‬
‫‪ -‬للزّوجة على زوجها حقوق ماليّة وهي ‪ :‬المهر ‪ ،‬والنّفقة ‪ ،‬والسّكنى ‪ ،‬وحقوق غير‬ ‫‪14‬‬

‫ماليّة ‪ :‬كالعدل في القسم بين الزّوجات ‪ ،‬وعدم الضرار بالزّوجة ‪ ،‬وينظر التّفصيل في‬
‫مصطلح ‪ ( :‬عشرة ) ‪.‬‬
‫أ ‪ -‬المهر ‪:‬‬
‫‪ -‬المهر هو المال الّذي تستحقّه الزّوجة على زوجها بالعقد عليها أو بالدّخول بها ‪.‬‬ ‫‪15‬‬

‫وهو حقّ واجب للمرأة على الرّجل عطيّ ًة من اللّه تعالى مبتدأةً ‪ ،‬أو هديّةً أوجبها على الرّجل‬
‫ن ِنحْلَةً } إظهارا لخطر هذا العقد ومكانته ‪ ،‬وإعزازا‬
‫ص ُدقَا ِتهِ ّ‬
‫بقوله تعالى ‪ { :‬وَآتُواْ ال ّنسَاء َ‬
‫للمرأة وإكراما لها ‪.‬‬
‫والمهر ليس شرطا في عقد الزّواج ول ركنًا عند جمهور الفقهاء ‪ ،‬وإنّما هو أثر من آثاره‬
‫جنَاحَ‬
‫ل ُ‬
‫المترتّبة عليه ‪ ،‬فإذا تمّ العقد بدون ذكر مهر صحّ باتّفاق الجمهور لقوله تعالى ‪ّ { :‬‬
‫ن فَرِيضَةً } فإباحة الطّلق قبل المسيس‬
‫عََل ْي ُكمْ إِن طَلّ ْق ُتمُ ال ّنسَاء مَا َل ْم َتمَسّو ُهنّ َأ ْو تَ ْفرِضُو ْا َلهُ ّ‬
‫وقبل فرض صداق يدلّ على جواز عدم تسمية المهر في العقد ‪.‬‬
‫ن النّبيّ صلى ال عليه وسلم كان‬
‫ولكن يستحبّ أن ل يعرى النّكاح عن ت سمية ال صّداق ‪ ،‬ل ّ‬
‫يزوّج بناته وغيرهنّ ‪ ،‬ويتزوّج ولم يكن يخلّي النّكاح من صداق ‪.‬‬
‫وقال المالكيّة ‪ :‬يفسد النّكاح إن نقص صداقه عن ربع دينار شرعيّ أو ثلثة دراهم ‪ ،‬ويتمّ‬
‫النّاقص عمّا ذكر وجوبا إن دخل ‪ ،‬وإن لم يدخل خيّر بين أن يتمّ فل فسخ ‪ ،‬فإن لم يتمّه فسخ‬
‫بطلق ووجب فيه نصف المسمّى ‪ ،‬والتّفصيل في ( صداق ) ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬النّفقة ‪:‬‬
‫‪ -‬من حقوق الزّوجة على زوجها ‪ :‬النّفقة ‪ ،‬وقد أجمع علماء السلم على وجوب نفقات‬ ‫‪16‬‬

‫ن بشروط يذكرونها في باب النّفقة ‪ .‬والحكمة في وجوب النّفقة لها أنّ‬


‫الزّوجات على أزواجه ّ‬
‫المرأة محبوسة على الزّوج بمقتضى عقد الزّواج ‪ ،‬ممنوعة من الخروج من بيت الزّوجيّة إلّ‬
‫بإذن منه للكتساب ‪ ،‬فكان عليه أن ينفق عليها ‪ ،‬وعليه كفايتها ‪ ،‬فالنّفقة مقابل الحتباس ‪،‬‬
‫فمن احتبس لمنفعة غيره كالقاضي وغيره من العاملين في المصالح العامّة وجبت نفقته ‪.‬‬
‫والمقصود بالنّفقة توفير ما تحتاج إليه الزّوجة من طعام ‪ ،‬ومسكن ‪ ،‬وخدمة ‪ ،‬فتجب لها هذه‬
‫ن بِا ْل َمعْرُوفِ }‬
‫الشياء وإن كانت غنيّةً ‪ ،‬لقوله تعالى ‪ { :‬وَعلَى ا ْلمَوْلُودِ َلهُ ِرزْ ُقهُنّ َو ِكسْ َو ُتهُ ّ‬
‫س َعتِهِ َومَن ُقدِرَ عََليْ ِه رِ ْزقُهُ فَ ْليُن ِفقْ ِممّا آتَا ُه اللّهُ } ‪.‬‬
‫سعَةٍ مّن َ‬
‫وقال ع ّز من قائل ‪ِ { :‬ليُن ِفقْ ذُو َ‬
‫ن رسول اللّه صلى ال عليه وسلم قال في خطبة حجّة الوداع ‪ :‬فاتّقوا اللّه في‬
‫وفي الثر « أ ّ‬
‫ن ألّ يوطئن‬
‫ن بأمان اللّه واستحللتم فروجهنّ بكلمة اللّه ‪ ،‬ولكم عليه ّ‬
‫النّساء فإنّكم أخذتموه ّ‬
‫ن عليكم رزقهنّ‬
‫ن ضربا غير مبرّح ‪ ،‬وله ّ‬
‫فرشكم أحدا تكرهونه ‪ ،‬فإن فعلن ذلك فاضربوه ّ‬
‫ن بالمعروف » ‪ .‬والتّفصيل في مصطلح ‪ ( :‬نفقة ‪ ،‬سكنى ) ‪.‬‬
‫وكسوته ّ‬
‫العدل بين الزّوجات ‪:‬‬
‫‪ -‬من حقّ الزّوجة على زوجها العدل بالتّسوية بينها وبين غيرها من زوجاته ‪ ،‬إن كان له‬ ‫‪17‬‬

‫زوجات ‪ ،‬في المبيت والنّفقة وغير ذلك من ضروب المعاملة المادّيّة ‪ ،‬وذلك ما يدلّ عليه‬
‫حدَةً } وجاء في الخبر ‪ « :‬إذا كان عند الرّجل امرأتان‬
‫ل َت ْعدِلُواْ فَوَا ِ‬
‫قوله تعالى ‪َ { :‬فإِنْ خِ ْف ُتمْ َأ ّ‬
‫فلم يعدل بينهما جاء يوم القيامة وشقّه ساقط » ‪.‬‬
‫وقالت عائشة رضي ال عنها ‪ « :‬كان رسول اللّه صلى ال عليه وسلم يقسم بين نسائه فيعدل‬
‫ويقول ‪ :‬اللّهمّ هذه قسمتي فيما أملك ‪ ،‬فل تلمني فيما تملك ول أملك » ‪ .‬ر ‪ ( :‬قسم )‪.‬‬
‫حسن العشرة ‪:‬‬
‫‪ -‬يستحبّ للزّوج تحسين خلقه مع زوجته والرّفق بها ‪ ،‬وتقديم ما يمكن تقديمه إليها ممّا‬ ‫‪18‬‬

‫ن ِمثْلُ اّلذِي عََل ْيهِنّ‬


‫يؤلّف قلبها ‪ ،‬لقوله تعالى ‪َ { :‬وعَاشِرُو ُهنّ بِا ْل َم ْعرُوفِ } وقوله ‪ { :‬وََلهُ ّ‬
‫بِا ْل َمعْرُوفِ } وفي الخبر ‪ « :‬استوصوا بالنّساء خيرا فإنّما هنّ عوان عندكم » ‪.‬‬
‫وقال عليه الصلة والسلم ‪ « :‬خياركم خياركم لنسائهم خلقا » ‪.‬‬
‫ومن حسن الخلق في معاملة الزّوجة التّلطّف بها ومداعبتها ‪.‬‬
‫ل رميه بقوسه ‪ ،‬وتأديبه فرسه ‪،‬‬
‫فقد جاء في الثر ‪ « :‬كلّ ما يلهو به الرّجل المسلم باطل إ ّ‬
‫وملعبته أهله ‪ ،‬فإنّهنّ من الحقّ » ‪ .‬والتّفصيل في ‪ ( :‬عشرة ) ‪.‬‬

‫زور *‬
‫انظر ‪ :‬دعوة ‪ ،‬شهادة ‪ ،‬تقرير ‪.‬‬

‫زيادة *‬
‫التّعريف ‪:‬‬
‫‪ -‬الزّيادة في اللّغة النّم ّو ‪ ،‬تقول ‪ :‬زاد الشّيء يزيد زيدا وزياد ًة ‪ ،‬وزائدة الكبد هنيّة من‬ ‫‪1‬‬

‫الكبد صغيرة إلى جنبها متنحّية عنها ‪ ،‬وجمعها زوائد ‪.‬‬


‫وزوائد السد ‪ :‬أظفاره وأنيابه ‪ ،‬وزئيره وصولته ‪.‬‬
‫اللفاظ ذات الصّلة ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬الرّيع ‪:‬‬
‫‪ -‬الرّيع هو الزّيادة والنّماء ‪ ،‬والرّيع في الصطلح هو الغلّة كالجرة والثّمر والدّخل ‪.‬‬ ‫‪2‬‬

‫ب ‪ -‬غلّة ‪:‬‬
‫ل شيء محصّل من ريع الرض أو أجرتها ونحو ذلك ‪ ،‬والجمع غلّات‬
‫‪ -‬الغلّة هي ك ّ‬ ‫‪3‬‬

‫ص من الزّيادة ‪.‬‬
‫وغلل‪ ،‬والغلّة أخ ّ‬
‫ج ‪ -‬نقص ‪:‬‬
‫‪ -‬النّقص والنّقصان مصدرا " نقص " يقال ‪ :‬نقص ينقص نقصا من باب قتل ‪ ،‬وانتقص إذا‬ ‫‪4‬‬

‫ذهب منه شيء بعد تمامه ‪ ،‬ودرهم ناقص غير تامّ الوزن ‪.‬‬
‫أقسام الزّيادة ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬أقسامها من حيث التّصال والنفصال ‪:‬‬
‫‪ -‬تنقسم الزّيادة من حيث التّصال والنفصال إلى قسمين ‪:‬‬ ‫‪5‬‬

‫أولً‪ -‬زيادة متّصلة بالصل ‪ ،‬وهي إمّا متولّدة منه كالسّمن والجمال ‪ ،‬أو غير متولّدة منه‬
‫كالغرس والبناء ‪.‬‬
‫ثانيا ‪ -‬زيادة منفصلة عن الصل كالولد والغلّة ‪.‬‬
‫وهي إمّا متولّدة منه كالولد والثّمر ‪ ،‬أو غير متولّدة منه كالكسب والغلّة ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬أقسامها من حيث التّمييز وعدمه ‪:‬‬
‫‪ -‬تنقسم الزّيادة من حيث التّمييز وعدمه إلى ثلثة أقسام ‪:‬‬ ‫‪6‬‬

‫زيادة متميّزة كالولد والغراس ‪.‬‬


‫وزيادة غير متميّزة كخلط الحنطة بالحنطة ‪ ،‬أو السّمن بالسّمن ‪.‬‬
‫وزيادة صفة كالطّحن ‪.‬‬
‫ج ‪ -‬أقسامها من حيث كونها من جنس الصل أو من غير جنسه ‪:‬‬
‫‪ -‬أ ‪ -‬زيادة من جنس الصل كزيادة ركوع أو سجود في الصّلة وتسمّى أيضا زيادةً‬ ‫‪7‬‬

‫فعليّةً‪ ،‬وكزيادة سورة في الرّكعتين الثّالثة والرّابعة أي بعد قراءة الفاتحة في كلّ ركعة وتسمّى‬
‫زياد ًة قوليّةً ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬زيادة من غير جنس الصل كالكلم الجنبيّ في أثناء الصّلة ‪ ،‬والكل والشّرب فيها ‪.‬‬
‫القواعد المتعلّقة بالزّيادة ‪:‬‬
‫ذكر الزّركشيّ ثلث قواعد تتعلّق بالزّيادة ‪:‬‬
‫القاعدة الولى ‪:‬‬
‫‪ -‬الزّيادة المتّصلة تتبع الصل في سائر البواب من ال ّردّ بالعيب والتّفليس وغيرهما ‪ ،‬إلّ‬ ‫‪8‬‬

‫ن الزّوج إذا طلّق قبل الدّخول ل يسترجع مع نصف المهر زيادته إلّ برضا‬
‫في الصّداق فإ ّ‬
‫المرأة ‪ .‬والزّيادة المنفصلة ل تتبع الصل في الكلّ ‪.‬‬
‫القاعدة الثّانية ‪:‬‬
‫‪ -‬الزّيادة اليسيرة على ثمن المثل ل أثر لها وإن كان فيها غبن ما ‪ ،‬كما في الوكيل بالبيع‬ ‫‪9‬‬

‫والشّراء وعدل الرّهن ونحوه إلّ في موضع واحد وهو ما كان شرعيّا عامّا ‪ ،‬كما في المتيمّم‬
‫إذا وجد الماء يباع بزيادة يسيرة على ثمن المثل ل تلزمه في الصحّ ‪ ،‬وقيل ‪ :‬إن كانت ممّا‬
‫يتغابن بمثلها وجب ‪ ،‬والمذهب ‪ -‬أي عند الشّافعيّة ‪ -‬الوّل ‪ ،‬والفرق بينه وبين غيره أنّ ما‬
‫وضعه الشّارع وهو حقّ له بني على المسامحة ‪.‬‬
‫أمّا وجدان الواجب بأكثر من المعتاد فينزل منزلة العدم ‪ ،‬كما لو وجد الغاصب المثل يباع‬
‫بأكثر من ثمنه ل يكلّف تحصيله في الصحّ ‪.‬‬
‫القاعدة الثّالثة ‪:‬‬
‫‪ -‬الزّيادة على العدد إذا لم تكن شرطا في الوجوب شرعا ل يتأثّر بفقدها ‪ ،‬ولهذا لو شهد‬ ‫‪10‬‬

‫ثمانية على شخص بالزّنى ‪ ،‬فرجم ثمّ رجع أربعة عن الشّهادة ل شيء عليهم ‪ ،‬فلو رجع‬
‫منهم خمسة ضمنوا ‪ ،‬لنقصان ما بقي من العدد المشروط ‪.‬‬
‫الحكام المتعلّقة بالزّيادة ‪:‬‬
‫الزّيادة على الثّلث في الوضوء ‪:‬‬
‫‪ -‬من سنن الوضوء التّثليث أي غسل العضاء الّتي فرضها الغسل ثلثا ‪ ،‬وفي تثليث‬ ‫‪11‬‬

‫مسح الرّأس ‪ ،‬وفي الزّيادة على الثّلث في غسل الرّجلين بقصد النقاء خلف ‪ ،‬وأمّا الزّيادة‬
‫على الثّلث في غسل العضاء فل بأس به عند الحنفيّة إن كان الغرض من ذلك طمأنينة‬
‫القلب ل الوسوسة ‪ ،‬والمعتمد عند المالكيّة كراهة الغسلة الرّابعة في غير الرّجلين ‪ ،‬وأمّا في‬
‫الرّجلين فالمطلوب فيهما النقاء حتّى لو زاد على الثّلث أو القتصار على الثّلث على‬
‫خلف في ذلك ‪.‬‬
‫والصّحيح عند الشّافعيّة كراهة الزّيادة على الثّلث ‪ ،‬وقيل ‪ :‬تحرم ‪،‬وقيل ‪ :‬هي خلف‬
‫الولى‪.‬‬
‫وذهب الحنابلة إلى الكراهة لحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جدّه « أنّ أعرابيّا جاء إلى‬
‫النّبيّ صلى ال عليه وسلم يسأله عن الوضوء ‪ ،‬فأراه ثلثا ثلثا ‪ ،‬وقال ‪ :‬هذا الوضوء ‪،‬‬
‫فمن زاد على هذا فقد أساء وتعدّى وظلم » ‪.‬‬
‫الزّيادة في الذان والقامة ‪:‬‬
‫‪ -‬الزّيادة المشروعة في الذان هي عبارة عن التّثويب في أذان الفجر ‪ ،‬والمراد بالتّثويب‬ ‫‪12‬‬

‫هو أن يزيد المؤذّن عبارة " الصّلة خير من النّوم " مرّتين بعد الحيعلتين في أذان الفجر أو‬
‫بعد أذانه كما يقول بعض الحنفيّة ‪ ،‬وهو سنّة عند جميع الفقهاء لما ورد عن أنس بن مالك‬
‫سنّة إذا قال المؤذّن في أذان الفجر حيّ على الفلح قال ‪ :‬الصّلة خير من النّوم ‪،‬‬
‫قال ‪ :‬من ال ّ‬
‫الصّلة خير من النّوم ‪.‬‬
‫وأصل التّثويب « أنّ بللً رضي ال عنه أتى النّبيّ صلى ال عليه وسلم يؤذنه بصلة الفجر‬
‫فقيل ‪ :‬هو نائم ‪ ،‬فقال ‪ :‬الصّلة خير من النّوم الصّلة خير من النّوم » ‪ ،‬فأقرّت في تأذين‬
‫الفجر ‪ ،‬فثبت المر على ذلك ‪.‬‬
‫ص التّثويب بالصّبح لما يعرض للنّائم من التّكاسل بسبب النّوم ‪ ،‬واعتبار التّثويب زيادةً‬
‫وخ ّ‬
‫إنّما هو بالنّظر إلى أذان بقيّة الصّلوات ‪ ،‬ول يجوز زيادة شيء في ألفاظ الذان ‪ ،‬لنّها‬
‫ل أنّه‬
‫توقيفيّة بنصّ الشّارع ‪ ،‬وقد تواتر النّقل على عدم زيادة شيء فيها ‪ ،‬والقامة كالذان ‪ ،‬إ ّ‬
‫يزيد بعد قوله حيّ على الفلح قد قامت الصّلة مرّتين ‪.‬‬
‫الزّيادة في الذكار المسنونة ‪:‬‬
‫‪ -‬سبق في بحث ( ذكر ) حكم الزّيادة في الذكار المسنونة فينظر هناك ‪.‬‬ ‫‪13‬‬

‫الزّيادة على الضّربتين في التّيمّم ‪:‬‬


‫‪ -‬التّيمّم عند الحنفيّة والشّافعيّة ضربتان ضربة للوجه وضربة لليدين ‪.‬‬ ‫‪14‬‬

‫وعند المالكيّة والحنابلة ضربة واحدة للوجه واليدين ‪ ،‬والكمل عندهم ضربتان كالحنفيّة‬
‫والشّافعيّة ‪ ،‬وأمّا الزّيادة على الضّربتين فل بأس بها ما دام القصد استيعاب الوجه واليدين‬
‫بالمسح ‪ ،‬سواء أحصل ذلك بضربتين أم أكثر ‪ ،‬والتّفصيل في مصطلح ( تيمّم ) ‪.‬‬
‫الزّيادة في الفعل والقول في الصّلة ‪:‬‬
‫ن الزّيادة في الصّلة إمّا أن تكون زيادة‬
‫‪ -‬ذهب المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة ‪ ،‬إلى أ ّ‬ ‫‪15‬‬

‫أفعال ‪ ،‬أو أقوال ‪ .‬فزيادة الفعال قسمان ‪:‬‬


‫أحدهما ‪ :‬ما كان من جنس الصّلة ‪ ،‬فتبطل الصّلة بعمده ‪ ،‬وإن كان ذلك سهوا فل بطلن ‪،‬‬
‫ويسجد للسّهو ‪.‬‬
‫والخر ‪ :‬إن كان من غير جنس الصّلة ‪ ،‬فيبطل الصّلة عمده وسهوه وجهله ‪ ،‬إن كان كثيرًا‬
‫ولم تكن ضرورة ‪ .‬أمّا إن كان لحاجة ‪ ،‬أو كان يسيرا ‪ ،‬فل يبطل ‪.‬‬
‫والزّيادة القوليّة قسمان ‪ :‬أحدهما ‪ :‬ما يبطل عمده الصّلة ‪ ،‬ككلم الدميّين ‪.‬‬
‫والخر ‪ ،‬ما ل يبطل الصّلة كالذّكر والدّعاء ‪ ،‬إلّ أن يخاطب به كقوله لعاطس ‪ :‬يرحمك‬
‫اللّه‪.‬‬
‫وأضاف الشّافعيّة أنّ الصّلة تبطل بتعمّد النّطق بحرفين ‪ ،‬أفهما أم لم يفهما ‪ ،‬وبحرف مفهم‬
‫كذلك ‪ .‬وقالوا ‪ :‬يعذر من تكلّم بيسير الكلم إن سبق لسانه أو نسي الصّلة ‪ ،‬أو جهل تحريم‬
‫الكلم فيها ‪ ،‬وقرب عهده بالسلم ‪ ،‬ول يعذر بالكثير من ذلك ‪.‬‬
‫وتفصيل ذلك في مفسدات الصّلة ‪ ،‬وسجود السّهو ‪.‬‬
‫ن الكثير منه يبطل الصّلة ‪.‬‬
‫ومذهب الحنفيّة في الفعل ‪ ،‬أ ّ‬
‫وفي حدّه ثلثة أقوال ‪ ،‬المختار عندهم ‪ :‬أنّه لو كان المصلّي بحال لو رآه إنسان من بعيد ‪،‬‬
‫فتيقّن أنّه ليس في الصّلة فهو كثير ‪ ،‬إن كان يشكّ أنّه فيها أو لم يشكّ أنّه فيها ‪ ،‬فهو قليل‪.‬‬
‫وأمّا القول أو الكلم ‪ ،‬فمن تكلّم في صلته عامدا أو ساهيا بطلت صلته ‪ ،‬لحديث ‪ « :‬إنّ‬
‫هذه الصّلة ل يصلح فيها شيء من كلم النّاس » ‪.‬‬
‫ل ما هو من القرآن إذا قصد به الجواب‪،‬‬
‫ومنه أيضا ‪ :‬النين والتّأوّه ‪ ،‬وتشميت العاطس ‪ ،‬وك ّ‬
‫أمّا إذا لم يقصد به الجواب بل العلم أنّه في الصّلة ‪ ،‬فل تفسد بالتّفاق عند الحنفيّة ‪.‬‬
‫فلو كان الذّكر من غير القرآن ‪ ،‬كما لو ذكر الشّهادتين عند ذكر المؤذّن لهما ‪ ،‬أو سمع ذكر‬
‫اللّه ‪ ،‬فقال ‪ :‬جلّ جلله ‪ ،‬أو ذكر النّبيّ صلى ال عليه وسلم فصلّى عليه تفسد صلته ‪.‬‬
‫الزّيادة على التّكبيرات الربع في صلة الجنازة وأثرها ‪:‬‬
‫ن صلة الجنازة أربع تكبيرات ل يجوز النّقص منها ‪،‬‬
‫‪ -‬ل خلف بين الفقهاء في أ ّ‬ ‫‪16‬‬

‫والولى عدم الزّيادة عليها ‪ ،‬وهو الظهر عند الشّافعيّة ‪ ،‬ومقابله البطلن لزيادة ركن ‪ ،‬فإن‬
‫زاد المام عليها تكبير ًة خامسةً ‪ ،‬ففي متابعة المأموم له في تلك الزّيادة أو عدم متابعته له‬
‫فيها خلف بين الفقهاء ‪.‬‬
‫فذكر الحنفيّة سوى زفر أنّ المام إذا فعل ذلك لم يتابعه المؤتمّ في تلك التّكبيرة ‪ ،‬لنّها‬
‫منسوخة ‪ ،‬لما روي أنّه صلى ال عليه وسلم « كبّر أربعا في آخر صلة جنازة صلّاها » ‪.‬‬
‫ن عليّا رضي ال عنه كبّر خمسا ‪.‬‬
‫وقال زفر ‪ :‬يتابعه لنّه مجتهد فيه ‪ ،‬لما روي أ ّ‬
‫وعند المالكيّة يسلّم المأموم ول ينتظر إمامه في التّكبيرة الخامسة على رواية ابن القاسم ‪،‬‬
‫ويفارق المأموم إمامه عند الشّافعيّة في التّكبيرة الخامسة بناءً على القول ببطلن الصّلة بها‪،‬‬
‫وعلى القول بعدم البطلن ل يفارقه ‪ ،‬ولكن ل يتابعه فيها على الظهر ‪ ،‬وفي تسليمه في‬
‫الحال أو انتظاره حتّى يسلّم إمامه وجهان أصحّهما الثّاني ‪.‬‬
‫والولى عند الحنابلة أن ل يزيد على أربع تكبيرات في صلة الجنازة ‪ ،‬ول خلف عندهم‬
‫أنّه ل تجوز الزّيادة على سبع تكبيرات ‪ ،‬ول يجوز النّقص عن أربع تكبيرات ‪ ،‬واختلفت‬
‫الرّواية عندهم فيما زاد على الربع إلى السّبع ‪ ،‬فظاهر كلم الخرقيّ أنّ المام إذا كبّر خمسا‬
‫تابعه المأموم ‪ ،‬ول يتابعه في زيادة عليها رواه الثرم عن أحمد ‪ ،‬لما روي عن « زيد بن‬
‫أرقم أنّه كبّر على جنازة خمسا وقال ‪ :‬كان النّبيّ صلى ال عليه وسلم يكبّرها » ‪.‬‬
‫ل مع المام ‪ ،‬لنّها زيادة‬
‫وروى حرب عن أحمد إذا كبّر خمسا ل يكبّر معه ‪ ،‬ول يسلّم إ ّ‬
‫غير مسنونة للمام فل يتابعه المأموم فيها ‪ ،‬كالقنوت في الرّكعة الولى ‪.‬‬
‫ن المأموم يكبّر مع المام إلى سبع ‪ ،‬قال الخلّال ‪ :‬ثبت القول‬
‫وفي رواية أخرى عن أحمد أ ّ‬
‫عن أبي عبد اللّه أنّه يكبّر مع المام إلى سبع ثمّ ل يزاد على سبع ‪ ،‬ول يسلّم إلّ مع المام ‪.‬‬
‫وتفصيل ذلك في صلة الجنازة ‪.‬‬
‫الزّيادة في الزّكاة على المقدار الواجب إخراجه ‪:‬‬
‫‪ -‬الصل أن يخرج المزكّي القدر الواجب عليه لبراء ذمّته ‪ ،‬فإن زاد فذلك خير ‪ ،‬لقوله‬ ‫‪17‬‬

‫خيْرا َفإِنّ الّلهَ شَا ِكرٌ عَلِيمٌ } والزّيادة قد تكون في المقدار أو في الصّفة‪.‬‬
‫ع َ‬
‫تعالى ‪َ {:‬ومَن تَطَ ّو َ‬
‫ن بنت اللّبون‬
‫فمن أمثلة الزّيادة في صفة الواجب إخراج بنت اللّبون عن بنت المخاض ‪ ،‬فإ ّ‬
‫تخرج عن ستّ وثلثين من البل وبنت المخاض تخرج عن خمس وعشرين ‪ ،‬والحقّة عن‬
‫ت وأربعين ‪ ،‬وإخراج الجذعة عن الحقّة فإنّ الجذعة تجب‬
‫ن الحقّة تخرج عن س ّ‬
‫بنت اللّبون فإ ّ‬
‫في إحدى وستّين ‪ .‬ومن أمثلة الزّيادة في المقدار إخراج أكثر من صاع في زكاة الفطر‪ ،‬لنّ‬
‫الواجب فيها صاع عن كلّ فرد ‪ .‬وتفصيل ذلك محلّه مصطلح ‪ ( :‬زكاة ) ‪.‬‬
‫زيادة الوكيل عمّا حدّده له الموكّل ‪:‬‬
‫‪ -‬الوكيل ل يملك من التّصرّف إلّ ما يقتضيه إذن موكّله من جهة النّطق أو جهة العرف‪،‬‬ ‫‪18‬‬

‫ن تصرّفه بالذن فاختصّ بما أذن فيه ‪ ،‬وهو مأمور بالحتياط والغبطة ‪ ،‬فلو وكّله في‬
‫لّ‬
‫التّصرّف في زمن مقيّد لم يملك التّصرّف قبله ول بعده ‪ ،‬لنّه لم يتناوله إذنه مطلقا ‪ ،‬ول‬
‫عرفا ‪ ،‬لنّه قد يؤثّر التّصرّف في زمن الحاجة إليه دون غيره ‪.‬‬
‫وتفصيل ذلك يذكره الفقهاء في الوكالة ‪.‬‬
‫زيادة المبيع وأثرها في الرّدّ بالعيب ‪:‬‬
‫ن زيادة المبيع المتّصلة المتولّدة كسمن وجمال ل تمنع ال ّردّ قبل القبض‪،‬‬
‫‪ -‬ذكر الحنفيّة أ ّ‬ ‫‪19‬‬

‫وكذا بعده في ظاهر الرّواية ‪ ،‬وللمشتري الرّجوع بالنّقصان ‪ ،‬وليس للبائع قبوله عند أبي‬
‫حنيفة وأبي يوسف ‪ ،‬وعند محمّد له ذلك ‪،‬وأمّا غير المتولّدة كغرس وبناء فتمنع ال ّردّ مطلقا‪.‬‬
‫وأمّا زيادة المبيع المنفصلة المتولّدة كالولد والثّمر والرش فل تمنع الرّدّ قبل القبض ‪ ،‬فإن‬
‫شاء ردّهما أو رضي بهما بجميع الثّمن ‪ ،‬وبعد القبض يمتنع ال ّردّ ويرجع بحصّة العيب ‪،‬‬
‫وأمّا الزّيادة المنفصلة غير المتولّدة ككسب ‪ ،‬وغلّة ‪ ،‬وهبة ‪ ،‬فقبل القبض ل تمنع ال ّردّ ‪ ،‬فإذا‬
‫ردّ فهي للمشتري بل ثمن عند محمّد ول تطيب له ‪ ،‬وعند أبي حنيفة وأبي يوسف للبائع ول‬
‫تطيب له ‪ ،‬وبعد القبض ل تمنع الرّ ّد أيضًا ‪ ،‬وتطيب له الزّيادة ‪.‬‬
‫وذكر المالكيّة أنّ المشتري في حالة ردّه المبيع بعيب قديم لبائعه ‪ ،‬يشترك مع البائع في‬
‫المبيع بمثل نسبة ما زاد من قيمته ‪ ،‬بصبغه أو خياطته على قيمته خاليا عن ذلك معيبا ‪ ،‬فإن‬
‫قوّم مصبوغا بخمسة عشر وغير مصبوغ بعشرة شاركه بثلثه ‪ ،‬دلّس بائعه أم ل ‪ ،‬أو يتمسّك‬
‫بالمبيع ويأخذ أرش العيب القديم ‪ ،‬وتعتبر القيمة يوم البيع على الرجح ‪.‬‬
‫هذا في الزّيادة المتّصلة ‪ ،‬وذكروا في الزّيادة المنفصلة أنّ المشتري ل يشترك مع البائع فيها‬
‫عند ال ّردّ ‪.‬‬
‫ن الزّيادة المتّصلة في المبيع والثّمن تتبع الصل في ال ّردّ ‪ ،‬وهو ما ذكره‬
‫وذكر الشّافعيّة أ ّ‬
‫الحنابلة في نماء المبيع المتّصل كالسّمن وكبر الشّجرة لعدم إمكان إفراد الزّيادة ‪ ،‬ولتعذّر الرّدّ‬
‫بدونها ‪ ،‬ولنّ الملك قد تجدّد بالفسخ فكانت الزّيادة المتّصلة فيه تابعةً للصل كالعقد ‪ .‬وأمّا‬
‫الزّيادة المنفصلة في المبيع والثّمن عينا كالولد ‪ ،‬أو منفعةً كالجرة ‪ ،‬فهي من المبيع للمشتري‬
‫‪ ،‬ومن الثّمن للبائع ‪ ،‬وهو مذهب الحنابلة في نماء المبيع المنفصل ‪ ،‬لقوله صلى ال عليه‬
‫وسلم ‪ « :‬الخراج بالضّمان » ‪ .‬والزّيادة المنفصلة في المبيع والثّمن ل تمنع ال ّردّ عند‬
‫الشّافعيّة بالعيب عملً بمقتضى العيب ‪ .‬والتّفصيل في خيار العيب ‪.‬‬
‫الزّيادة على الثّمن وأثرها ‪:‬‬
‫‪ -‬تتّضح آثار الزّيادة على الثّمن أو النّقص منه في القالة ‪.‬‬ ‫‪20‬‬

‫)‬ ‫‪327/ 5‬‬ ‫ينظر مصطلح ‪ ( :‬إقالة ‪ ،‬ف‬


‫زيادة المشفوع فيه هل تكون للمشتري أو للشّفيع ‪:‬‬
‫‪ -‬اختلف الفقهاء في زيادة المشفوع فيه هل تكون للمشتري أو للشّفيع ‪ ،‬فذهب الشّافعيّة‬ ‫‪21‬‬

‫ن زيادة المبيع الّتي حدثت في يد المشتري قبل الخذ منه بالشّفعة ‪ ،‬إن كانت‬
‫والحنابلة إلى أ ّ‬
‫متّصل ًة غير متميّزة كالشّجر إذا كبر فهي للشّفيع ‪ ،‬لعدم تميّزها فتبعت الصل ‪ ،‬كما لو ردّ‬
‫بعيب أو خيار أو إقالة ‪ ،‬وإن كانت تلك الزّيادة منفصل ًة متميّز ًة كالغلّة والجرة والطّلع المؤبّر‬
‫والثّمرة الظّاهرة ‪ ،‬فهي للمشتري ل حقّ للشّفيع فيها ‪ ،‬لنّها حدثت في ملكه ‪ ،‬وتكون‬
‫للمشتري مبقا ًة في رءوس النّخل إلى الجذاذ ‪.‬‬
‫وللشّافعيّة في الزّيادة المتميّزة غير الظّاهرة قولن ‪:‬‬
‫أحدهما ‪ -‬وهو القديم ‪ : -‬تتبع الصل كما في البيع ‪.‬‬
‫ل ما دخل‬
‫والثّاني ‪ -‬وهو الجديد ‪ : -‬ل تتبع الصل لنّه استحقاق بغير تراض فل يؤخذ به إ ّ‬
‫بالعقد ويخالف البيع ‪ ،‬لنّه استحقاق عن تراض يقدر فيه على الستثناء ‪ ،‬فإذا لم يستثن تبع‬
‫الصل ‪.‬‬
‫ن زيادة المشفوع فيه كالثّمر الّذي على النّخل للشّفيع إذا شرطه في البيع‪،‬‬
‫وذهب الحنفيّة إلى أ ّ‬
‫لنّه ل يدخل بدون الشّرط ‪ ،‬فإذا شرطه دخل في البيع واستحقّ بالشّفعة ‪ ،‬لنّه باعتبار‬
‫التّصال صار كالنّخل وهذا استحسان ‪ ،‬والقياس أن ل شفعة فيه لعدم التّبعيّة ‪ ،‬حتّى ل يدخل‬
‫في البيع بدون الشّرط ‪ ،‬وإذا دخل في الشّفعة فإذا جذّه المشتري نقص حصّته من الثّمن لنّه‬
‫صار مقصودا بالذّكر ‪ ،‬فقابله شيء من الثّمن ‪ ،‬وليس له أن يأخذ الثّمرة لنّها نفليّة أي‬
‫زيادة ‪ ،‬ولو لم يكن على النّخل ثمر وقت البيع فأثمر فللشّفيع أخذه بالثّمرة ‪ ،‬لنّ البيع سرى‬
‫ن الثّمرة لم‬
‫إليها فكانت تبعا ‪ ،‬فإذا جذّها المشتري فللشّفيع أن يأخذ النّخل بجميع الثّمن ‪ ،‬ل ّ‬
‫تكن موجود ًة وقت العقد ‪ ،‬فلم تكن مقصودةً فل يقابلها شيء من الثّمن ‪.‬‬
‫وعند المالكيّة أنّ للمشتري المأخوذ منه بالشّفعة غلّته ‪ ،‬أي غلّة الشّقص المشفوع فيه الّتي‬
‫استغلّها قبل أخذه منه بالشّفعة ‪ ،‬لنّه كان ضامنا له ‪ ،‬وفي الحديث « الخراج بالضّمان » ‪.‬‬
‫وتفصيل ذلك في ( شفعة ) ‪.‬‬
‫زيادة المرهون ‪:‬‬
‫ن زيادة المرهون إن لم تكن متولّدةً من الصل ول في‬
‫ص الكاسانيّ من الحنفيّة على أ ّ‬
‫‪-‬ن ّ‬ ‫‪22‬‬

‫ن تلك الزّيادة ل يثبت فيها حكم الرّهن ‪ ،‬لنّها‬


‫حكم المتولّد منه كالكسب والهبة والصّدقة ‪ ،‬فإ ّ‬
‫ليست مرهون ًة بنفسها ‪ ،‬ول هي بدل المرهون ‪ ،‬ول جزء منه ‪ ،‬ول بدل جزء منه ‪ .‬وإن‬
‫كانت تلك الزّيادة متولّدةً من الصل كالولد والثّمر واللّبن والصّوف ‪ ،‬أو في حكم المتولّدة منه‬
‫كالرش والعقر فهي مرهونة تبعا للصل ‪ ،‬لنّ الرّهن حقّ لزم فيسري إلى التّبع ‪.‬‬
‫وزيادة المرهون عند المالكيّة ‪ ،‬وهي الّتي يعبّرون عنها بالغلّة ‪ ،‬كاللّبن وما تولّد منه ‪ ،‬وعسل‬
‫النّحل ‪ ،‬ل تدخل في الرّهن إذا لم يشترط المرتهن دخولها ‪ ،‬بخلف الجنين في بطن المّ ‪،‬‬
‫فإنّه يندرج في الرّهن ‪ ،‬سواء أحملت به قبل الرّهن أم بعده ‪.‬‬
‫ن زيادة المرهون إن كانت متّصلةً كسمن الدّابّة وكبر الشّجرة تبعت‬
‫وذهب الشّافعيّة إلى أ ّ‬
‫الصل في الرّهن ‪ ،‬وإن كانت منفصلةً كالولد والثّمر لم تتبع ‪.‬‬
‫وذهب الحنابلة إلى أنّ نماء الرّهن جميعه وغلّاته تكون رهنا في يد من الرّهن في يده‬
‫كالصل ‪ ،‬وإذا احتيج إلى بيعه في وفاء الدّين بيع مع الصل ‪ ،‬سواء في ذلك المتّصل‬
‫كالسّمن والتّعلّم ‪ ،‬والمنفصل كالكسب والجرة والولد والثّمرة واللّبن والصّوف والشّعر ‪.‬‬
‫لنّه حكم يثبت في العين بعقد المالك فيدخل فيه النّماء والمنافع كالملك بالبيع وغيره ‪.‬‬
‫وتفصيل ذلك في مصطلح ‪ ( :‬رهن ) ‪.‬‬
‫زيادة الموهوب وأثرها في الرّجوع في الهبة ‪:‬‬
‫‪ -‬الزّيادة في الموهوب إمّا أن تكون متّصلةً ‪ ،‬وإمّا أن تكون منفصل ًة ‪.‬‬ ‫‪23‬‬

‫فإن كانت منفصل ًة كالثّمرة والولد فإنّها ل تؤثّر في الرّجوع فيها اتّفاقا ‪.‬‬
‫وإن كانت متّصل ًة منعت من الرّجوع عند الحنفيّة والمالكيّة والحنابلة في إحدى الرّوايتين عن‬
‫أحمد ‪ ،‬لنّه ل يمكن الرّجوع فيها دون تلك الزّيادة ‪ ،‬ول سبيل إلى الرّجوع بالهبة مع تلك‬
‫الزّيادة لعدم ورود العقد عليها ‪.‬‬
‫وعند الشّافعيّة ل تمنع من الرّجوع وهو ما ذهب إليه الحنابلة أيضا في رواية أخرى عن‬
‫أحمد لعدم تمييزها فتتبع الصل ‪ .‬والتّفصيل في مصطلح ‪ ( :‬هبة ) ‪.‬‬
‫زيادة الصّداق وحكمها في الطّلق قبل الدّخول ‪:‬‬
‫ن الزّوج إذا طلّق زوجته قبل الدّخول تشطّر الصّداق‬
‫‪ -‬ذهب الحنفيّة والمالكيّة ‪ ،‬إلى أ ّ‬ ‫‪24‬‬

‫سواء بقي على حاله أو حدثت فيه زيادة متّصلة أو منفصلة ‪ ،‬أي أنّ تلك الزّيادة تأخذ حكم‬
‫الصل ‪ ،‬فيرجع الزّوج عليها بنصف ما دفعه لها بزيادته المتّصلة أو المنفصلة ‪ ،‬لنّ تلك‬
‫الزّيادة في حكم جزء من العين ‪ ،‬والحادث منها بعد العقد قبل القبض كالموجود وقت العقد ‪.‬‬
‫ن زيادة الصّداق المنفصلة تكون للمرأة ‪ ،‬ويرجع الزّوج‬
‫وذهب الشّافعيّة والحنابلة ‪ ،‬إلى أ ّ‬
‫ن تلك الزّيادة نماء ملكها ‪ ،‬والرّجوع بنصف الصل ل يلحق الضّرر‬
‫بنصف الصل فقط ‪ ،‬ل ّ‬
‫بواحد منهما ‪.‬‬
‫وإن كانت تلك الزّيادة متّصل ًة ‪ ،‬فإنّ الزّوج في هذه الحالة ل يستقلّ بالرّجوع إلى النّصف ذاته‬
‫‪ ،‬بل يخيّر الزّوجة بين ردّ نصفه زائدا ‪ ،‬وبين إعطاء نصف قيمته يوم العقد ‪.‬‬
‫وفي المسألة تفصيل ينظر في مصطلح ( صداق ) ‪.‬‬
‫زيادة التّركة الحاصلة بعد الوفاة قبل أداء الدّين ‪:‬‬
‫‪ -‬اختلف الفقهاء في زيادة التّركة ونمائها الّذي حدث بعد وفاة المدين وقبل أداء الدّين ‪،‬‬ ‫‪25‬‬

‫كأجرة دار للسّكنى ‪ ،‬وكدابّة ولدت أو سمنت ‪ ،‬وكشجر صار له ثمر ‪ ،‬هل يضمّ إلى التّركة‬
‫لمصلحة الدّائنين أو هو ملك للوارث ‪.‬‬
‫وهذا الخلف مترتّب على خلف سابق بين الفقهاء في انتقال تركة من عليه دين إلى وارثه‪،‬‬
‫وحاصل ما قالوه في ذلك أنّهم اتّفقوا على أنّ التّركة تنتقل إلى الوارث إذا لم يتعلّق بها ديون‬
‫من حين وفاة الميّت ‪ ،‬فإن تعلّق بالتّركة دين فقد اختلفوا في انتقالها إلى الوارث بعد الوفاة‬
‫على ثلثة أقوال ‪ :‬أحدها ‪ :‬وهو ما ذهب إليه الشّافعيّة والحنابلة في أشهر الرّوايتين ‪ ،‬أنّ‬
‫أموال التّركة تنتقل إلى ملك الورثة بمجرّد موت المورّث مع تعلّق الدّين بها ‪ ،‬سواء أكان‬
‫الدّين مستغرقًا للتّركة أم غير مستغرق لها ‪.‬‬
‫والثّاني ‪ :‬وهو ما ذهب إليه الحنفيّة أنّه يميّز بين ما إذا كانت التّركة مستغرق ًة بالدّين أو كانت‬
‫غير مستغرقة به ‪ ،‬فإن استغرق الدّين أموال التّركة تبقى أموال التّركة على حكم ملك الميّت‬
‫ول تنتقل إلى ملك الورثة ‪ ،‬وإن كان الدّين غير مستغرق فالرّأي الرّاجح أنّ أموال التّركة‬
‫تنتقل إلى الورثة بمجرّد موت المورّث ‪ ،‬مع تعلّق الدّين بهذه الموال ‪.‬‬
‫والثّالث ‪ :‬وهو قول المالكيّة أنّ أموال التّركة تبقى على حكم ملك الميّت بعد موته إلى أن‬
‫يسدّد الدّين سواء أكان الدّين مستغرقا لها أم غير مستغرق ‪.‬‬
‫ن التّركة تنتقل إلى الورثة بعد الوفاة وقبل أداء الدّين قال ‪ :‬إنّ‬
‫ن من قال بأ ّ‬
‫وعلى هذا فإ ّ‬
‫الزّيادة للوارث وليست للدّائن ‪ ،‬ومن قال بعدم انتقالها قال ‪ :‬تضمّ الزّيادة إلى التّركة لوفاء‬
‫الدّين فإن فضل شيء انتقل إلى الورثة ‪ .‬والتّفصيل في مصطلح ‪ ( :‬تركة ) ‪.‬‬
‫زيادة التّعزير عن أدنى الحدود ‪:‬‬
‫ن التّعزير ل يبلغ الحدّ ‪.‬‬
‫‪ -‬ذهب الحنفيّة إلى أ ّ‬ ‫‪26‬‬

‫وذهب المالكيّة إلى أنّ للمام أن يزيد على الح ّد مع مراعاة المصلحة الّتي ل يشوبها الهوى‪.‬‬
‫وذهب الشّافعيّة إلى أنّه إذا كان بالجلد فإنّه يجب أن ينقص عن أقلّ حدود من يقع عليه‬
‫التّعزير ‪ ،‬واختلفت الرّواية عن أحمد في قدر جلد التّعزير ‪ ،‬فروي أنّه ل يبلغ به الحدّ ‪،‬‬
‫ص مذهبه أن ل يزاد على عشر جلدات في التّعزير ‪ ،‬انظر مصطلح ‪ ( :‬تعزير ) ‪.‬‬
‫ون ّ‬
‫الزّيادة على الفرائض والسّنن الرّاتبة " النّفل المطلّق " ‪:‬‬
‫‪ -‬قسّم الماورديّ الزّيادة على فعل الفرائض والسّنن الرّاتبة وهو ما يسمّى النّفل المطلق‬ ‫‪27‬‬

‫ثلثة أقسام ‪:‬‬


‫أحدها ‪ :‬أن تكون الزّيادة رياءً للنّاظرين وتصنّعا للمخلوقين ‪ ،‬حتّى يستعطف بها القلوب‬
‫النّافرة ويخدم بها العقول الواهية ‪ ،‬فيتبهرج بالصّلحاء وليس منهم ‪ ،‬ويتدلّس في الخيار وهو‬
‫ضدّهم ‪ ،‬وقد ضرب رسول اللّه صلى ال عليه وسلم للمرائي بعمله مثلً فقال ‪ « :‬المتشبّع‬
‫بما لم يعط كلبس ثوبي زور » ‪ .‬يريد بالمتشبّع بما ل يملك ‪ :‬المتزيّن بما ليس فيه‪ ،‬وقوله ‪:‬‬
‫كلبس ثوبي زور ‪ :‬هو الّذي يلبس ثياب الصّلحاء ‪ ،‬فهو بريائه محروم الجر‪ ،‬مذموم‬
‫الذّكر ‪ ،‬لنّه لم يقصد وجه اللّه تعالى ‪.‬‬
‫والقسم الثّاني ‪ :‬أن يفعل الزّيادة اقتدا ًء بغيره ‪ ،‬وهذا قد تثمره مجالسة الخيار الفاضل ‪،‬‬
‫وتحدثه مكاثرة التقياء الماثل ‪ .‬ولذلك قال النّبيّ صلى ال عليه وسلم ‪ « :‬المرء على دين‬
‫خليله ‪ ،‬فلينظر أحدكم من يخالل » ‪.‬‬
‫ب أن يقتدي بهم في أفعالهم ‪ ،‬ويتأسّى بهم في‬
‫فإذا كاثرهم المجالس وطاولهم المؤانس أح ّ‬
‫أعمالهم ‪ ،‬ول يرضى لنفسه أن يقصّر عنهم ‪ ،‬ول أن يكون في الخير دونهم ‪ ،‬فتبعثه المنافسة‬
‫على مساواتهم ‪ ،‬وربّما دعته الحميّة إلى الزّيادة عليهم ‪ ،‬والمكاثرة لهم ‪ ،‬فيصيرون سببا‬
‫لسعادته ‪ ،‬وباعثا على استزادته ‪.‬‬
‫والقسم الثّالث ‪ :‬أن يفعل الزّيادة ابتدا ًء من نفسه التماسا لثوابها ورغب ًة في الزّلفة بها ‪ ،‬فهذا‬
‫من نتائج النّفس الزّاكية ‪ ،‬ودواعي الرّغبة الواقية الدّالّين على خلوص الدّين وصحّة اليقين ‪،‬‬
‫وذلك أفضل أحوال العاملين ‪ ،‬وأعلى منازل العابدين ‪.‬‬
‫‪ -‬ثمّ لما يفعله من الزّيادة حالتان ‪:‬‬ ‫‪28‬‬

‫إحداهما ‪ :‬أن يكون مقتصدًا فيها وقادرا على الدّوام عليها ‪ ،‬فهي أفضل الحالتين ‪ ،‬وأعلى‬
‫المنزلتين ‪ ،‬عليها انقرض أخيار السّلف ‪ ،‬وتتبّعهم فيها فضلء الخلف ‪ ،‬وقد روت عائشة‬
‫ن النّبيّ صلى ال عليه وسلم قال ‪ « :‬عليكم بما تطيقون فواللّه ل يملّ اللّه‬
‫رضي ال عنها أ ّ‬
‫ب الدّين إليه ما دام عليه صاحبه » ‪.‬‬
‫حتّى تملّوا ‪ ،‬وكان أح ّ‬
‫والحالة الثّانية ‪ :‬أن يستكثر منها استكثار من ل ينهض بدوامها ‪ ،‬ول يقدر على اتّصالها ‪،‬‬
‫فهذا ربّما كان بالمقصّر أشبه ‪ ،‬لنّ الستكثار من الزّيادة إمّا أن يمنع من أداء اللّازم فل‬
‫يكون إلّ تقصيرا ‪ ،‬لنّه تطوّع بزيادة أحدثت نقصا ‪ ،‬وبنفل منع فرضا ‪ ،‬وإمّا أن يعجز عن‬
‫استدامة الزّيادة ويمنع من ملزمة الستكثار ‪ ،‬من غير إخلل بلزم ول تقصير في فرض ‪،‬‬
‫فهي إذن قصيرة المدى قليلة اللّبث ‪ ،‬وقليل العمل في طويل الزّمان أفضل عند اللّه عزّ وجلّ‬
‫من كثير العمل في قليل الزّمان ‪ ،‬لنّ المستكثر من العمل في الزّمان القصير قد يعمل زمانا‬
‫ويترك زمانا ‪ ،‬فربّما صار في زمان تركه لهيا أو ساهيا ‪ ،‬والمقلّل في الزّمان الطّويل‬
‫مستيقظ الفكار مستديم التّذكار ‪ ،‬وقد روى أبو صالح عن أبي هريرة رضي ال عنه عن‬
‫ل شيء شرّةً ‪ ،‬ولكلّ شرّة فترةً ‪ ،‬فإن كان‬
‫النّبيّ صلى ال عليه وسلم أنّه قال ‪ « :‬إنّ لك ّ‬
‫صاحبها سدّد وقارب فارجوه ‪ ،‬وإن أشير إليه بالصابع فل تعدّوه » ‪.‬‬
‫شرّة فتر ًة وهي الهمال بعد الستكثار‬
‫فجعل للسلم شرّ ًة وهي اليغال في الكثار ‪ ،‬وجعل لل ّ‬
‫‪ ،‬فلم يخل بما أثبت من أن تكون هذه الزّيادة تقصيرا أو إخللً ‪ ،‬ول خير في واحد منهما ‪.‬‬
‫الزّيادة على القرآن الكريم ‪:‬‬
‫‪ -‬القرآن الكريم كلم اللّه المعجز الّذي أنزله على رسوله صلى ال عليه وسلم وحفظه‬ ‫‪29‬‬

‫حنُ َنزّ ْلنَا ال ّذكْرَ وَِإنّا َلهُ َلحَا ِفظُونَ } فالذّكر هو القرآن‬
‫من الزّيادة والنّقص ‪ ،‬قال تعالى ‪ِ { :‬إنّا َن ْ‬
‫الكريم ‪ ،‬كما قال القرطبيّ ‪ ،‬ومعنى قوله تعالى { وَِإنّا َل ُه َلحَا ِفظُونَ } أي من أن يزاد فيه أو‬
‫ينقص منه ‪.‬‬
‫قال قتادة وثابت البنانيّ ‪ :‬حفظه اللّه من أن تزيد فيه الشّياطين باطلً ‪ ،‬أو ينقص منه حقّا ‪،‬‬
‫س ُتحْ ِفظُواْ } فوكّل حفظه إليهم‬
‫فتولّى سبحانه حفظه فلم يزل محفوظا ‪ ،‬وقال في غيره { ِبمَا ا ْ‬
‫فبدّلوا وغيّروا ‪ .‬ثمّ إنّ اللّه سبحانه وتعالى وصف القرآن بأنّه عزيز ‪ ،‬أي ممتنع عن النّاس‬
‫ن اّلذِينَ كَ َفرُوا بِال ّذكْرِ‬
‫أن يقولوا مثله ‪ ،‬كما قال ابن عبّاس رضي ال عنهما ‪ .‬قال تعالى ‪ { :‬إِ ّ‬
‫حمِيدٍ‬
‫حكِيمٍ َ‬
‫ن َ‬
‫ن َي َديْهِ وَلَا ِمنْ خَلْ ِفهِ تَنزِيلٌ مّ ْ‬
‫عزِيزٌ ‪ ،‬لَا َي ْأتِي ِه ا ْلبَاطِلُ مِن َبيْ ِ‬
‫َلمّا جَاء ُهمْ وَِإنّ ُه َل ِكتَابٌ َ‬
‫ن َي َديْهِ وَلَا ِمنْ خَلْ ِفهِ } كما قال القرطبيّ نقلً عن‬
‫} ومعنى قوله تعالى ‪ { :‬لَا َي ْأتِي ِه ا ْلبَاطِلُ مِن َبيْ ِ‬
‫ن الشّيطان ل يستطيع أن يغيّر فيه ول يزيد ول ينقص ‪.‬‬
‫سدّيّ وقتادة ‪ :‬أي أ ّ‬
‫ال ّ‬
‫ن خَلْفِهِ }‬
‫وذكر صاحب روح المعاني أنّ في قوله تعالى ‪ { :‬لَا َي ْأتِي ِه ا ْلبَاطِلُ مِن َبيْنِ َي َديْهِ وَلَا مِ ْ‬
‫ل لتشبيهه بشخص حمي من جميع جهاته ‪ ،‬فل يمكن أعداؤه الوصول إليه ‪ ،‬لنّه في‬
‫تمثي ً‬
‫حصن حصين من حماية الحقّ المبين ‪.‬‬
‫مواطن البحث ‪:‬‬
‫‪ -‬يبحث عن الحكام الخاصّة بمصطلح زيادة في الوضوء ‪ ،‬والتّيمّم ‪ ،‬والصّلة ‪ ،‬والمبيع‪،‬‬ ‫‪30‬‬

‫والثّمن ‪ ،‬والغصب ‪ ،‬والشّفعة ‪ ،‬والرّهن ‪ ،‬والهبة ‪ ،‬والصّداق ‪ ،‬والتّركة ‪ ،‬والتّعزير‪ ،‬والحدّ ‪،‬‬
‫والتّكليف ‪.‬‬

‫زيارة *‬
‫التّعريف ‪:‬‬
‫‪ -‬الزّيارة في اللّغة ‪ :‬القصد ‪ ،‬يقال ‪ :‬زاره يزوره زورا وزيار ًة ‪ :‬قصده وعاده ‪.‬‬ ‫‪1‬‬

‫وفي العرف هي قصد المزور إكراما له واستئناسا به ‪.‬‬


‫ول يخرج المعنى الصطلحيّ عن المعنى اللّغويّ ‪.‬‬
‫اللفاظ ذات الصّلة ‪:‬‬
‫العيادة ‪:‬‬
‫‪ -‬هي من عاد المريض يعوده عياد ًة ‪ :‬إذا زاره في مرضه ‪ .‬فالعيادة على هذا أخصّ من‬ ‫‪2‬‬

‫الزّيارة ‪.‬‬
‫الحكم التّكليفيّ ‪:‬‬
‫‪ -‬تختلف أحكام الزّيارة باختلف أسبابها ‪ ،‬والمزور ‪ ،‬والزّائر ‪.‬‬ ‫‪3‬‬

‫زيارة قبر الرّسول صلى ال عليه وسلم ‪:‬‬


‫‪ -‬زيارة قبره صلى ال عليه وسلم من أهمّ القربات وأفضل المندوبات ‪ ،‬وقد نقل صاحب‬ ‫‪4‬‬

‫ن زيارة قبره صلى ال عليه وسلم قريبة‬


‫فتح القدير عن مناسك الفارسيّ وشرح المختار ‪ :‬أ ّ‬
‫من الوجوب ‪ .‬وفي حديث عنه صلى ال عليه وسلم ‪ « :‬من زار قبري وجبت له شفاعتي »‪،‬‬
‫وروي عنه صلى ال عليه وسلم ‪ « :‬من جاءني زائرا ل يعلم له حاج ًة إلّ زيارتي ‪ ،‬كان حقّا‬
‫عليّ أن أكون له شفيعا يوم القيامة » ‪.‬‬
‫والتّفصيل في مصطلح ‪ ( :‬زيارة قبر النّبيّ صلى ال عليه وسلم ) ‪.‬‬
‫زيارة القبور ‪:‬‬
‫ن زيارة قبور المسلمين للرّجال بدون سفر ‪ ،‬لخبر « كنت نهيتكم عن زيارة القبور‬
‫‪ -‬تس ّ‬ ‫‪5‬‬

‫فزوروها » ‪.‬‬
‫ويكره للنّساء لحديث أمّ عطيّة ‪ « :‬نهينا عن زيارة القبور ‪ ،‬ولم يعزم علينا » ‪.‬‬
‫والتّفصيل في مصطلح ‪ ( :‬زيارة القبور ) ‪.‬‬
‫زيارة الماكن ‪:‬‬
‫‪ -‬وردت نصوص وآثار تدعو إلى زيارة أماكن بعينها ‪.‬‬ ‫‪6‬‬

‫ن أَوّلِ يَ ْومٍ‬
‫سجِدٌ ُأسّسَ عَلَى التّ ْقوَى مِ ْ‬
‫ومنها ما ورد في مسجد قباء وهو قول اللّه تعالى ‪ّ { :‬ل َم ْ‬
‫حقّ أَن تَقُو َم فِيهِ } « وكان صلى ال عليه وسلم يزوره كلّ سبت » ‪.‬‬
‫َأ َ‬
‫والمساجد الثّلثة الّتي ورد الحديث بشدّ الرّحال إليها وذلك في قوله صلى ال عليه وسلم ‪:‬‬
‫« ل تشدّ الرّحال إلّ إلى ثلثة مساجد ‪ :‬مسجدي هذا ‪ ،‬ومسجد الحرام ‪ ،‬ومسجد القصى » ‪.‬‬
‫ومنها جبل أحد لقول النّبيّ صلى ال عليه وسلم ‪ « :‬جبل يحبّنا ونحبّه » ‪.‬‬
‫ص بذلك فتستحبّ زيارتها ‪.‬‬
‫وغير ذلك من الماكن الّتي ورد فيها ن ّ‬
‫زيارة الصّالحين ‪ ،‬والخوان ‪:‬‬
‫ن زيارة الصّالحين والخوان ‪ ،‬والصدقاء والجيران ‪ ،‬والقارب وصلتهم ‪ ،‬وينبغي‬
‫‪ -‬تس ّ‬ ‫‪7‬‬

‫أن تكون زيارتهم على وجه يرتضونه ‪ ،‬وفي وقت ل يكرهونه ‪.‬‬
‫ق ذلك ‪.‬‬
‫ب أن يطلب من أخيه الصّالح أن يزوره ويكثر زيارته إذا لم يش ّ‬
‫كما يستح ّ‬
‫وقد جاء في الثر ‪ « :‬أنّ رجلً زار أخا له في قرية أخرى ‪ ،‬فأرصد اللّه تعالى له على‬
‫مدرجته ملكا ‪ ،‬فلمّا أتى عليه قال ‪ :‬أين تريد ؟ قال ‪ :‬أريد أخا لي في هذه القرية ‪ ،‬قال ‪ :‬هل‬
‫ل ‪ ،‬قال ‪ :‬فإنّي رسول‬
‫لك عليه من نعمة تربّها ‪ ،‬قال ‪ :‬ل ‪ ،‬غير أنّي أحببته في اللّه عزّ وج ّ‬
‫ن اللّه قد أحبّك كما أحببته فيه » ‪.‬‬
‫اللّه إليك ‪ ،‬بأ ّ‬
‫وفي الحديث القدسيّ ‪ « :‬حقّت محبّتي للمتحابّين في ‪ ،‬وحقّت محبّتي للمتناصحين في ‪،‬‬
‫وحقّت محبّتي للمتزاورين في » ‪ .‬وعن أنس رضي ال عنه ‪ « :‬إذا جاءكم الزّائر فأكرموه»‪.‬‬
‫زيارة الزّوجة لهلها ووالديها ‪ ،‬وزيارتهم لها ‪:‬‬
‫‪ -‬قال المالكيّة والحنفيّة في القول المفتى به عندهم ‪ :‬للمرأة الخروج لزيارة والديها كلّ‬ ‫‪8‬‬

‫ن ذلك من المصاحبة بالمعروف المأمور‬


‫جمعة ‪ ،‬ومحارمها كلّ سنة ولو بغير إذن الزّوج ‪ ،‬ل ّ‬
‫بها ‪ ،‬ومن صلة الرّحم ‪ .‬وقيّده المالكيّة بأن يكون الوالدان في البلد ‪.‬‬
‫ن الزّوج ل يمنع أبوي الزّوجة من الدّخول‬
‫والصّحيح من مذهب الحنفيّة وهو مذهب المالكيّة أ ّ‬
‫عليها في كلّ جمعة ‪ ،‬ول يمنع غيرهما من المحارم في كلّ سنة ‪.‬‬
‫وكذا بالنّسبة لولدها من غيره إن كانوا صغارا ‪ ،‬ل يمنعهم الزّوج من الدّخول إليها كلّ يوم‬
‫مرّةً ‪ ،‬وإن اتّهم والديها بإفسادها ‪ ،‬فيقضى لهما بالدّخول مع امرأة أمينة من جهة الزّوج‬
‫وعليه أجرتها ‪.‬‬
‫ل بأنّ المنزل ملكه‬
‫ن له المنع من الدّخول ‪ ،‬معلّ ً‬
‫وذهب الشّافعيّة ‪ ،‬وهو قول للحنفيّة ‪ :‬إلى أ ّ‬
‫وله حقّ المنع من دخول ملكه ‪ ،‬وهذا ظاهر الكنز ‪ ،‬وهو اختيار القدوريّ ‪ ،‬وجزم به في‬
‫الذّخيرة ‪ .‬وقيل ‪ :‬ل منع من الدّخول بل من القرار ‪ ،‬لنّ الفتنة في المكث وطول الكلم ‪.‬‬
‫ومذهب المالكيّة ‪ ،‬أنّه يقضى بزيارة والديها وأولدها الكبار من غيره لها في بيت الزّوجيّة‬
‫كلّ جمعة مرّةً ‪.‬‬
‫ن للمرأة الخروج من بيت الزّوجيّة لزيارة والديها ومحارمها في غيبة‬
‫وذهب الشّافعيّة إلى أ ّ‬
‫الزّوج إن لم ينهها عن الخروج ‪ .‬وجرت العادة بالتّسامح بذلك ‪ .‬أمّا إذا نهاها عن الخروج‬
‫في غيبته فليس لها الخروج لزيارة ول لغيرها ‪.‬‬
‫وذهب الحنابلة إلى أنّه ليس للزّوج منع أبوها من زيارتها ‪ ،‬لما فيه من قطيعة الرّحم ‪ ،‬لكن‬
‫إن عرف بقرائن الحال حدوث ضرر بزيارتهما ‪ ،‬أو زيارة أحدهما فله المنع ‪.‬‬
‫زيارة المحضون ‪:‬‬
‫ل من البوين زيارة أولده إذا كانت الحضانة لغيره ‪ ،‬وليس لمن له حقّ الحضانة منع‬
‫‪ -‬لك ّ‬ ‫‪9‬‬

‫الزّيارة ‪ .‬والتّفصيل في مصطلح ‪ ( :‬حضانة ) ‪.‬‬

‫ي صلى ال عليه وسلم *‬


‫زيارة النّب ّ‬
‫التّعريف ‪:‬‬
‫‪ -‬الزّيارة ‪ :‬اسم من زاره يزوره زورا وزيارةً ‪ ،‬قصده مكرما له ‪.‬‬ ‫‪1‬‬

‫وزيارة النّبيّ صلى ال عليه وسلم بعد وفاته تتحقّق بزيارة قبره صلى ال عليه وسلم ‪.‬‬
‫الحكم التّكليفيّ ‪:‬‬
‫‪ -‬أجمعت المّة السلميّة سلفا وخلفا على مشروعيّة زيارة النّبيّ صلى ال عليه وسلم ‪.‬‬ ‫‪2‬‬

‫وقد ذهب جمهور العلماء من أهل الفتوى في المذاهب إلى أنّها سنّة مستحبّة ‪ ،‬وقالت طائفة‬
‫من المحقّقين ‪ :‬هي سنّة مؤكّدة ‪ ،‬تقرب من درجة الواجبات ‪ ،‬وهو المفتى به عند طائفة من‬
‫الحنفيّة ‪ .‬وذهب الفقيه المالكيّ أبو عمران موسى بن عيسى الفاسيّ إلى أنّها واجبة ‪.‬‬
‫دليل مشروعيّة الزّيارة ‪:‬‬
‫‪ -‬من أدلّة مشروعيّة زيارته صلى ال عليه وسلم ‪ :‬قوله تعالى ‪ { :‬وََلوْ َأ ّن ُهمْ إِذ ظّلَمُواْ‬ ‫‪3‬‬

‫جدُواْ الّلهَ َتوّابا ّرحِيما } فإنّه صلى ال‬


‫ل َل َو َ‬
‫س َتغْفَ َر َل ُهمُ الرّسُو ُ‬
‫س َتغْ َفرُواْ الّلهَ وَا ْ‬
‫ك فَا ْ‬
‫سهُ ْم جَآؤُو َ‬
‫أَن ُف َ‬
‫ن الشّهداء أحياء بنصّ القرآن ‪ ،‬وقد صحّ قوله‬
‫ي في قبره بعد موته ‪ ،‬كما أ ّ‬
‫عليه وسلم ح ّ‬
‫صلى ال عليه وسلم ‪ « :‬النبياء أحياء في قبورهم » ‪ ،‬وإنّما قال ‪ :‬هم أحياء أي لنّهم‬
‫كالشّهداء بل أفضل ‪ ،‬والشّهداء أحياء عند ربّهم ‪ ،‬وفائدة التّقييد بالعنديّة الشارة إلى أنّ‬
‫حياتهم ليست بظاهرة عندنا وهي كحياة الملئكة ‪.‬‬
‫وفي صحيح مسلم في حديث السراء « قال صلى ال عليه وسلم ‪ :‬مررت على موسى ليلة‬
‫أسري بي عند الكثيب الحمر وهو قائم يصلّي في قبره » ‪.‬‬
‫وقوله صلى ال عليه وسلم ‪ « :‬فزوروا القبور ‪ ،‬فإنّها تذكر الموت » فهو دليل على‬
‫مشروعيّة زيارة القبور عامّةً ‪ ،‬وزيارته صلى ال عليه وسلم أولى ما يمتثل به هذا المر ‪،‬‬
‫فتكون زيارته داخل ًة في هذا المر النّبويّ الكريم ‪.‬‬
‫وقوله صلى ال عليه وسلم ‪ « :‬من زارني بعد موتي فكأنّما زارني في حياتي » ‪.‬‬
‫ومنها قوله صلى ال عليه وسلم في الحديث ‪ « :‬من زار قبري وجبت له شفاعتي » ‪.‬‬
‫فاستدلّ بعض الفقهاء بهذه الدلّة على وجوب زيارته صلى ال عليه وسلم لما في الحاديث‬
‫ض أيضا ‪.‬‬
‫الخرى من الح ّ‬
‫ن هذه الدلّة ترغّب بتحصيل‬
‫وحملها الجمهور على الستحباب ‪ ،‬ولعلّ ملحظهم في ذلك أ ّ‬
‫ثواب أو مغفرة أو فضيلة ‪ ،‬وذلك يحصل بوسائل أخر ‪ ،‬فل تفيد هذه الدلّة الوجوب ‪.‬‬
‫قال القاضي عياض في كتاب الشّفاء ‪ :‬وزيارة قبره عليه الصلة والسلم سنّة من سنن‬
‫المسلمين مجمع عليها ‪ ،‬وفضيلة مرغّب فيها ‪.‬‬
‫فضل زيارة النّبيّ صلى ال عليه وسلم ‪:‬‬
‫‪ -‬دلّت الدّلئل السّابقة على عظمة فضل زيارة النّبيّ صلى ال عليه وسلم وجزيل مثوبتها‬ ‫‪4‬‬

‫فإنّها من أهمّ المطالب العالية والقربات النّافعة المقبولة عند اللّه تعالى ‪ ،‬فبها يرجو المؤمن‬
‫مغفرة اللّه تعالى ورحمته وتوبته عليه من ذنوبه ‪ ،‬وبها يحصل الزّائر على شفاعة خاصّة من‬
‫النّبيّ صلى ال عليه وسلم يوم القيامة ‪ ،‬وما أعظمه من فوز ‪.‬‬
‫ي والسّنديّ‬
‫وعلى ذلك انعقد إجماع المسلمين في كافّة العصور ‪ ،‬كما صرّح به عياض والنّوو ّ‬
‫وابن الهمام ‪.‬‬
‫ل القربات الموصّلة إلى ذي الجلل ‪،‬‬
‫قال الحافظ ابن حجر ‪ :‬إنّها من أفضل العمال وأج ّ‬
‫وإنّ مشروعيّتها محلّ إجماع بل نزاع ‪.‬‬
‫وكذلك قال القسطلّانيّ ‪ :‬اعلم أنّ زيارة قبره الشّريف من أعظم القربات وأرجى الطّاعات ‪،‬‬
‫والسّبيل إلى أعلى الدّرجات ‪.‬‬
‫ي صلى ال عليه وسلم ‪:‬‬
‫آداب زيارة النّب ّ‬
‫‪ -‬أ ‪ -‬أن ينوي زيارة المسجد النّبويّ أيضا لتحصيل سنّة زيارة المسجد وثوابها لما في‬ ‫‪5‬‬

‫الحديث عن أبي هريرة أنّ رسول اللّه صلى ال عليه وسلم قال ‪ « :‬ل تشدّ الرّحال إلّ إلى‬
‫ثلثة مساجد ‪ :‬مسجدي هذا ‪ ،‬ومسجد الحرام ‪ ،‬ومسجد القصى » ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬الغتسال لدخول المدينة المنوّرة ‪ ،‬ولبس أنظف الثّياب ‪ ،‬واستشعار شرف المدينة‬
‫لتشرّفها به صلى ال عليه وسلم ‪.‬‬
‫ل بالحديث‬
‫ج ‪ -‬المواظبة على صلة الجماعة في المسجد النّبويّ مدّة القامة في المدينة ‪ ،‬عم ً‬
‫ن النّبيّ صلى ال عليه وسلم قال ‪ « :‬صلة في‬
‫الثّابت عن أبي هريرة رضي ال عنه أ ّ‬
‫مسجدي هذا خير من ألف صلة فيما سواه إلّ المسجد الحرام » ‪.‬‬
‫د ‪ -‬أن يتبع زيارته صلى ال عليه وسلم بزيارة صاحبيه شيخي الصّحابة رضي اللّه عنهما‬
‫صدّيق ‪ ،‬وقبره إلى اليمين قدر ذراع ‪ ،‬وعمر يلي قبر أبي بكر إلى‬
‫وعنهم جميعا ‪ ،‬أبي بكر ال ّ‬
‫اليمين أيضا ‪.‬‬
‫ي صلى ال عليه وسلم ‪:‬‬
‫ما يكره في زيارة قبر النّب ّ‬
‫‪ -‬يقع لكثير من النّاس أمور مكروهة في زيارتهم لقبر النّبيّ صلى ال عليه وسلم نشير إلى‬ ‫‪6‬‬

‫أهمّها ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬التّزاحم عند الزّيارة ‪ ،‬وذلك أمر ل موجب له ‪ ،‬بل هو خلف الدب ‪ ،‬ل سيّما إذا أدّى‬
‫ن المر شديد ‪.‬‬
‫إلى زحام النّساء فإ ّ‬
‫ب ‪ -‬رفع الصوات بالصّلة والسّلم على النّبيّ صلى ال عليه وسلم أو بالدّعاء عند زيارته‬
‫صلى ال عليه وسلم ‪.‬‬
‫ج ‪ -‬التّمسّح بقبره الشّريف صلى ال عليه وسلم أو بشبّاك حجرته ‪ .‬أو إلصاق الظّهر أو‬
‫البطن بجدار القبر ‪.‬‬
‫قال ابن قدامة ‪ :‬ول يستحبّ التّمسّح بحائط قبر النّبيّ صلى ال عليه وسلم ول تقبيله ‪ ،‬قال‬
‫أحمد ‪ :‬ما أعرف هذا ‪.‬‬
‫ي صلى ال عليه وسلم‬
‫قال الثرم ‪ :‬رأيت أهل العلم من أهل المدينة ل يمسّون قبر النّب ّ‬
‫يقومون من ناحية فيسلّمون ‪ .‬قال أبو عبد اللّه ‪ :‬وهكذا كان ابن عمر يفعل ‪.‬‬
‫وقال النّوويّ من ّبهًا محذّرا ‪ :‬ول يجوز أن يطاف بقبره صلى ال عليه وسلم ‪ ،‬ويكره إلصاق‬
‫الظّهر والبطن بجدار القبر ‪ .‬قالوا ‪ :‬ويكره مسحه باليد وتقبيله ‪ ،‬بل الدب أن يبعد منه ‪ ،‬كما‬
‫يبعد منه لو حضره في حياته صلى ال عليه وسلم هذا هو الصّواب الّذي قاله العلماء وأطبقوا‬
‫ن القتداء والعمل إنّما يكون‬
‫عليه ‪ ،‬ول يغت ّر بمخالفة كثيرين من العوّام وفعلهم ذلك ‪ ،‬فإ ّ‬
‫بالحاديث الصّحيحة وأقوال العلماء ‪ ،‬ول يلتفت إلى محدثات العوّام وغيرهم وجهالتهم ‪.‬‬
‫قال صلى ال عليه وسلم ‪ « :‬ل تجعلوا بيوتكم قبورا ‪ ،‬ول تجعلوا قبري عيدا ‪ ،‬وصلّوا عليّ‬
‫فإنّ صلتكم تبلغني حيث كنتم » ‪.‬‬
‫معنى الحديث ل تعطّلوا البيوت من الصّلة فيها والدّعاء والقراءة فتكون بمنزلة القبور ‪ ،‬فأمر‬
‫بتحرّي العبادة بالبيوت ونهى عن تحرّيها عند القبور ‪ ،‬عكس ما يفعله المشركون من‬
‫النّصارى ومن تشبّه بهم من هذه المّة ‪ .‬والعيد اسم ما يعود من الجتماع العامّ على وجه‬
‫معتاد عائدا ما يعود السّنة أو يعود السبوع أو الشّهر ونحو ذلك ‪.‬‬
‫قال في عون المعبود ‪ :‬قال ابن القيّم ‪ :‬العيد ما يعتاد مجيئه وقصده من زمن ومكان مأخوذ‬
‫من المعاودة والعتياد ‪ ،‬فإذا كان اسما للمكان فهو المكان الّذي يقصد فيه الجتماع والنتياب‬
‫ن المسجد الحرام ومنىً ومزدلفة وعرفة والمشاعر جعلها اللّه تعالى‬
‫بالعبادة وبغيرها كما أ ّ‬
‫عيدا للحنفاء ومثاب ًة للنّاس ‪ ،‬كما جعل أيّام العيد منها عيدا ‪ .‬وكان للمشركين أعياد زمانيّة‬
‫ومكانيّة فلمّا جاء اللّه بالسلم أبطلها وعوّض الحنفاء منها عيد الفطر وعيد النّحر ‪ ،‬كما‬
‫عوّضهم عن أعياد المشركين المكانيّة بكعبة ومنىً ومزدلفة وسائر المشاعر ‪.‬‬
‫قال المناويّ في فيض القدير ‪ :‬معناه النّهي عن الجتماع لزيارته اجتماعهم للعيد ‪ ،‬إمّا لدفع‬
‫المشقّة أو كراهة أن يتجاوزوا حدّ التّعظيم ‪ .‬وقيل ‪ :‬العيد ما يعاد إليه أي ل تجعلوا قبري‬
‫عيدا تعودون إليه متى أردتم أن تصلّوا عليّ ‪ ،‬فظاهره منهيّ عن المعاودة والمراد المنع عمّا‬
‫يوجبه ‪ ،‬وهو ظنّهم بأنّ دعاء الغائب ل يصل إليه ‪ ،‬ويؤيّده قوله ‪ « :‬وصلّوا عليّ فإنّ‬
‫صلتكم تبلغني حيث كنتم » أي ل تتكلّفوا المعاودة إليّ فقد استغنيتم بالصّلة عليّ ‪.‬‬
‫ن اجتماع العامّة في بعض أضرحة الولياء في يوم أو شهر‬
‫قال المناويّ ‪ :‬ويؤخذ منه أ ّ‬
‫مخصوص من السّنة ويقولون ‪ :‬هذا يوم مولد الشّيخ ‪ ،‬ويأكلون ويشربون وربّما يرقصون فيه‬
‫ي الشّرع ردعهم على ذلك ‪ ،‬وإنكاره عليهم وإبطاله ‪.‬‬
‫منهيّ عنه شرعا ‪ ،‬وعلى ول ّ‬
‫وقال شيخ السلم ابن تيميّة ‪ :‬الحديث يشير إلى أنّ ما ينالني منكم من الصّلة والسّلم‬
‫يحصل مع قربكم من قبري وبعدكم عنه ‪ ،‬فل حاجة بكم إلى اتّخاذه عيدا ‪.‬‬
‫صفة زيارته صلى ال عليه وسلم ‪:‬‬
‫‪ -‬إذا أراد الزّائر زيارته صلى ال عليه وسلم فلينو زيارة مسجده الشّريف أيضا ‪ ،‬لتحصل‬ ‫‪7‬‬

‫سنّة زيارة المسجد وثوابها ‪.‬‬


‫وإذا عاين بساتين المدينة صلّى عليه صلى ال عليه وسلم وقال ‪ :‬اللّهمّ هذا حرم نبيّك فاجعله‬
‫وقايةً لي من النّار وأمانا من العذاب وسوء الحساب ‪.‬‬
‫ي دخل وهو يقول الذّكر المعروف عند دخول المساجد ‪ « :‬اللّهمّ‬
‫وإذا وصل باب المسجد النّبو ّ‬
‫صلّ على محمّد ‪ ،‬ربّ اغفر لي ذنوبي وافتح لي أبواب رحمتك » ‪.‬‬
‫وعند الخروج يقول ذلك ‪ ،‬لكن بلفظ " وافتح لي أبواب فضلك » ‪.‬‬
‫ويصلّي ركعتي تحيّة المسجد ‪ ،‬ثمّ يقصد الحجرة الشّريفة الّتي فيها قبره عليه الصلة والسلم‬
‫فيستدبر القبلة ويستقبل القبر ويقف أمام النّافذة الدّائريّة اليسرى مبتعدا عنها قدر أربعة أذرع‬
‫إجللً وتأدّبا مع الم صطفى صلى ال عل يه و سلم ف هو أمام و جه ر سول اللّه صلى ال عل يه‬
‫و سلم في سلّم عل يه دون أن ير فع صوته ‪ ،‬بأ يّ صيغة تحضره من صيغ التّ سليم على النّبيّ‬
‫صلى ال عليه وسلم ويردف ذلك بالصّلة عليه صلى ال عليه وسلم بما يحضره أيضا‬
‫‪ -8‬وقد أورد العلماء عبارات كثيرةً صاغوها لتعليم النّاس ‪ ،‬ضمّنوها ثناءً على النّبيّ صلى‬
‫ال عليه وسلم ‪ .‬فيدعو النسان بدعاء زيارة القبور ويصلّي ويسلّم على النّبيّ صلى ال عليه‬
‫وسلم فيدعو بما يفتح اللّه عليه ‪.‬‬
‫‪ -9‬وإن كان أحد قد أوصاه بالسّلم عليه صلى ال عليه وسلم فليقل ‪ :‬السّلم عليك يا رسول‬
‫اللّه من فلن بن فلن ‪ ،‬أو فلن بن فلن يسلّم عليك يا رسول اللّه ‪ ،‬أو ما شابه ذلك ‪.‬‬
‫صدّيق الكبر سيّدنا أبي بكر‬
‫‪ -‬ثمّ يتأخّر إلى صوب اليمين قدر ذراع اليد للسّلم على ال ّ‬ ‫‪10‬‬

‫رضي ال عنه ‪ ،‬لنّ رأسه عند كتف رسول اللّه صلى ال عليه وسلم ويسلّم عليه بما‬
‫صدّيق رضي ال عنه ‪.‬‬
‫يحضره من اللفاظ الّتي تليق بمقام ال ّ‬
‫‪ -‬ثمّ يتنحّى صوب اليمين قدر ذراع للسّلم على الفاروق الّذي أعزّ اللّه به السلم سيّدنا‬ ‫‪11‬‬

‫عمر بن الخطّاب رضي ال عنه ‪ ،‬ويسلّم عليه بما يحضره من اللفاظ الّتي تليق بمقامه‬
‫رضي ال عنه ‪.‬‬
‫‪ -‬ثمّ يرجع ليقف قبالة رسول اللّه صلى ال عليه وسلم كالوّل ‪ ،‬ويدعو متشفّعا به بما‬ ‫‪12‬‬

‫شاء من الخيرات له ولمن يحبّ وللمسلمين ‪.‬‬


‫ل ذلك أحوال الزّحام بحيث ل يؤذي مسلما ‪.‬‬
‫ويراعي في ك ّ‬

‫زيارة القبور *‬
‫حكم زيارة القبور ‪:‬‬
‫‪ -‬ل خلف بين الفقهاء في أنّه تندب للرّجال زيارة القبور ‪ ،‬لقوله صلى ال عليه وسلم ‪« :‬‬ ‫‪1‬‬

‫إنّي كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها ‪ ،‬فإنّها تذكّر بالخرة » ‪.‬‬
‫ولنّه صلى ال عليه وسلم « كان يخرج إلى البقيع لزيارة الموتى ويقول ‪ :‬السّلم عليكم دار‬
‫قوم مؤمنين وأتاكم ما توعدون غدا مؤجّلون ‪ ،‬وإنّا إن شاء اللّه بكم لحقون » ‪ .‬وزاد في‬
‫رواية ‪ « :‬أسأل اللّه لي ولكم العافية » ‪.‬‬
‫أمّا النّساء ‪ ،‬فمذهب الجمهور أنّه تكره زيارته نّ للقبور ‪ ،‬لقوله صلى ال عليه وسلم ‪ « :‬لعن‬
‫ن رقّة قلب ‪ ،‬وكثرة جزع ‪ ،‬وقلّة احتمال للمصائب ‪،‬‬
‫ن النّساء فيه ّ‬
‫اللّه زوّارات القبور » ‪ .‬ول ّ‬
‫وهذا مظنّة لطلب بكائهنّ ‪ ،‬ورفع أصواتهنّ ‪.‬‬
‫ح ‪ -‬إلى أنّه يندب للنّ ساء زيارة القبور ك ما يندب للرّجال ‪ ،‬لقوله‬
‫وذ هب الحنفيّة ‪ -‬في ال ص ّ‬
‫صلى ال عليه وسلم ‪ « :‬إنّي كنت نهيتكم عن زيارة القبور » الحديث ‪.‬‬
‫وقال الخيـر الرّمليّـ ‪ :‬إن كان ذلك لتجديـد الحزن والبكاء والنّدب ومـا جرت بـه عادتهنّـ فل‬
‫تجوز ‪ ،‬وعل يه ح مل حد يث « لعـن اللّه زوّارات القبور » ‪ .‬وإن كان للعتبار والتّرحّم من‬
‫كنـ‬
‫ـ عجائز ‪ -‬ويكره إذا ّ‬
‫غيـر بكاء ‪ ،‬والتّـبرّك بزيارة قبور الصـّالحين فل بأس ‪ -‬إذا كن ّ‬
‫ب ‪ ،‬كحضور الجماعة في المساجد ‪ .‬قال ابن عابدين ‪ :‬وهو توفيق حسن ‪.‬‬
‫شوا ّ‬
‫وقال الحنابلة ‪ :‬تكره زيارة القبور للنّساء ‪ ،‬لحديث أمّ عطيّة رضي ال عنها « نهينا عن اتّباع‬
‫الجنائز ولم يعزم علينـا » فإن علم أنّه يقـع منهنّـ محرّم ‪ ،‬حرمـت زيارتهنّـ القبور ‪ ،‬وعليـه‬
‫يحمل قوله صلى ال عليه وسلم ‪ « :‬لعن اللّه زوّارات القبور » ‪ .‬قالوا ‪ :‬وإن اجتازت امرأة‬
‫بقبر في طريقها فسلّمت عليه ودعت له فحسن ‪ ،‬لنّها لم تخرج لذلك ‪.‬‬
‫ويستثنى من الكراهة زيارة قبر النّبيّ صلى ال عل يه وسلم ‪ ،‬فإنّه يندب له نّ زيار ته ‪ ،‬وكذا‬
‫قبور ال نبياء غيره علي هم ال صلة وال سلم ‪ ،‬لعموم الدلّة فـي طلب زيار ته صلى ال عل يه‬
‫وسلم ‪.‬‬
‫زيارة قبر الكافر ‪:‬‬
‫ن زيارة قبر الكافر جائزة ‪.‬‬
‫‪ -‬ذكر الشّافعيّة والحنابلة أ ّ‬ ‫‪2‬‬

‫وقال الماورديّ ‪ :‬تحرم زيارة قبر الكافر ‪.‬‬


‫قال الحنابلة ‪ :‬ول يسلّم من زار قبر كافر عليه ‪ ،‬ول يدعو له بالمغفرة ‪.‬‬
‫ش ّد الرّحال لزيارة القبور ‪:‬‬
‫‪ -‬ذهب جمهور العلماء إلى أنّه يجوز شدّ الرّحل لزيارة القبور ‪ ،‬لعموم الدلّة ‪ ،‬وخصوصا‬ ‫‪3‬‬

‫قبور النبياء والصّالحين ‪.‬‬


‫ومنع منه بعض الشّافعيّة ‪ ،‬وابن تيميّة ‪ -‬من الحنابلة ‪ -‬لقوله صلى ال عليه وسلم ‪ « :‬ل‬
‫ل إلى ثلثة مساجد ‪ :‬مسجدي هذا ‪ ،‬والمسجد الحرام ‪ ،‬والمسجد القصى » ‪،‬‬
‫تش ّد الرّحال إ ّ‬
‫وأخرج أحمد في المسند عن عمر بن عبد الرّحمن بن الحارث قال ‪ « :‬لقي أبو بصرة‬
‫الغفاريّ أبا هريرة ‪ ،‬وهو جاء من الطّور فقال ‪ :‬من أين أقبلت ؟ قال ‪ :‬من الطّور ‪ ،‬صلّيت‬
‫فيه ‪ .‬قال ‪ :‬أما لو أدركتك قبل أن ترحل إليه ما رحلت ‪ ،‬إنّي سمعت رسول اللّه صلى ال‬
‫عليه وسلم يقول ‪ « :‬ل تشدّ الرّحال إلّ إلى ثلثة مساجد ‪ :‬المسجد الحرام ‪ ،‬ومسجدي هذا ‪،‬‬
‫والمسجد القصى » ‪ .‬ونقل ابن تيميّة هذا المذهب عن بعض الصّحابة والتّابعين ‪.‬‬
‫ل لثلثة منها ‪.‬‬
‫وحمل القائلون بالجواز الحديث على أنّه خاصّ بالمساجد ‪ ،‬فل تشدّ الرّحال إ ّ‬
‫بدليل جواز شدّ الرّحال لطلب العلم وللتّجارة ‪ ،‬وفي رواية « ل ينبغي للمطيّ أن تشدّ رحاله‬
‫إلى مسجد ينبغي فيه الصّلة غير المسجد الحرام والمسجد القصى ومسجدي هذا » ‪.‬‬
‫زيارة قبر النّبيّ صلى ال عليه وسلم ‪:‬‬
‫‪ -‬ل خلف بين العلماء في استحباب زيارة قبر النّبيّ صلى ال عليه وسلم وفي زيارة قبور‬ ‫‪4‬‬

‫ي صلى ال عليه وسلم ) ‪.‬‬


‫النبياء والولياء تفصيل ينظر في ( زيارة قبر النّب ّ‬
‫آداب زيارة القبور ‪:‬‬
‫سنّة زيارتها قائمًا ‪ ،‬والدّعاء عندها قائما ‪ ،‬كما كان يفعله صلى ال عليه‬
‫‪ -‬قال الحنفيّة ‪ :‬ال ّ‬ ‫‪5‬‬

‫وسلم في الخروج إلى البقيع ‪ ،‬ويقول ‪ « :‬السّلم عليكم يا أهل القبور ‪ ،‬يغفر اللّه لنا ولكم ‪،‬‬
‫أنتم سلفنا ونحن بالثر » ‪.‬‬
‫‪ -‬أو يقول ‪ « :‬السّلم عليكم أهل الدّيار من المؤمنين والمسلمين ‪ ،‬وإنّا إن شاء اللّه بكم‬
‫ل‪.‬‬
‫للحقون ‪ ،‬نسأل اللّه لنا ولكم العافية » ثمّ يدعو قائما ‪ ،‬طوي ً‬
‫وفي شرح المنية ‪ :‬يدعو قائما مستقبل القبلة ‪ ،‬وقيل ‪ :‬يستقبل وجه الميّت ‪.‬‬
‫وقال الشّافعيّة ‪ :‬يندب أن يقول الزّائر ‪ :‬سلم عليكم دار قوم مؤمنين وإنّا إن شاء اللّه بكم‬
‫لحقون ‪ ،‬اللّهمّ ل تحرمنا أجرهم ‪ ،‬ول تفتنّا بعدهم ‪ ،‬وأن يقرأ ما تيسّر من القرآن ويدعو لهم‬
‫‪ ،‬وأن يسلّم على المزور من قبل وجهه ‪ ،‬وأن يتوجّه في الدّعاء إلى القبلة ‪ ،‬وعن‬
‫الخراسانيّين إلى وجهه ‪ ،‬وعليه العمل ‪.‬‬
‫وقال الحنابلة ‪ :‬سنّ وقوف زائر أمامه قريبا منه ‪ ،‬وقول السّلم عليكم دار قوم مؤمنين ‪ ،‬أو‬
‫أهل الدّيار من المؤمنين ‪ ،‬وإنّا إن شاء اللّه بكم للحقون ‪ ،‬ويرحم اللّه المستقدمين منكم‬
‫أخرين ‪ ،‬نسأل اللّه لنا ولكم العافية ‪ ،‬اللّهمّ ل تحرمنا أجرهم ‪ ،‬ول تفتنّا بعدهم ‪ ،‬واغفر لنا‬
‫ولهم ‪ .‬وفي القنية من كتب الحنفيّة ‪ :‬قال أبو اللّيث ‪ :‬ل نعرف وضع اليد على القبر سنّةً ول‬
‫ن مشايخ مكّة ينكرون ذلك ‪ ،‬ويقولون ‪ :‬إنّه‬
‫مستحبّا ول نرى بأسا ‪ ،‬وعن جار اللّه العلّامة ‪ :‬إ ّ‬
‫عادة أهل الكتاب ‪ ،‬وفي إحياء علوم الدّين ‪ :‬إنّه من عادة النّصارى ‪.‬‬
‫ك أنّه بدعة ‪ ،‬ل سنّة فيه ول أثر عن صحابيّ ول عن إمام ممّن‬
‫قال شارح المنية ‪ :‬ل ش ّ‬
‫سنّة إلّ للحجر السود ‪ ،‬والرّكن اليمانيّ خاصّةً ‪.‬‬
‫يعتمد عليه فيكره ‪ ،‬ولم يعهد الستلم في ال ّ‬
‫وقال الحنابلة ‪ :‬ل بأس بلمس قبر بيد ل سيّما من ترجى بركته ‪ ،‬وقال ابن تيميّة ‪ :‬اتّفق‬
‫السّلف على أنّه ل يستلم ول يقبّل إلّ الحجر السود ‪ ،‬والرّكن اليمانيّ يستلم ول يقبّل ‪.‬‬
‫بدع زيارة القبور ‪:‬‬
‫‪ -‬يقع لكثير من النّاس أمور مكروهة في زيارتهم للقبور ‪ ،‬ذكرها العلماء في مظانّها ‪،‬‬ ‫‪6‬‬

‫ي صلى ال عليه وسلم حول منع‬


‫وفي كتب الداب ‪ .‬وينظر ما تقدّم في زيارة قبر النّب ّ‬
‫اجتماع العامّة في بعض الضرحة ‪.‬‬

‫زيف *‬
‫انظر ‪ :‬زيوف ‪.‬‬

‫زينة *‬
‫انظر ‪ :‬تزيّن ‪.‬‬

‫زيوف *‬
‫التّعريف ‪:‬‬
‫‪ -‬الزّيوف لغةً ‪ :‬النّقود الرّديئة ‪ ،‬وهي جمع زيف ‪ ،‬وهو في الصل مصدر ‪ ،‬ثمّ وصف‬ ‫‪1‬‬

‫بالمصدر ‪ ،‬فيقال ‪ :‬درهم زيف ‪ ،‬ودراهم زيوف ‪ ،‬وربّما قيل ‪ :‬زائفة ‪.‬‬
‫قال بعضهم ‪ :‬الزّيوف هي المطليّة بالزّئبق المعقود بمزاوجة الكبريت وتسكّ بقدر الدّراهم‬
‫الجيّدة لتلتبس بها ‪ .‬وفي حديث ابن مسعود رضي ال عنه ‪ « :‬أنّه باع نفاية بيت المال‬
‫سيّ ًة ‪ .‬أي رديئةً » ‪ .‬والتّزييف لغةً ‪ :‬إظهار زيف الدّراهم ‪.‬‬
‫وكانت زيوفًا وق ّ‬
‫ول يخرج اصطلح الفقهاء عن المعنى اللّغويّ ‪.‬‬
‫وقد أصبح للزّيوف في العصر الحاضر معنًى آخر ‪.‬‬
‫اللفاظ ذات الصّلة ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬الجياد ‪:‬‬
‫‪ -‬الجياد لغ ًة ‪ :‬جميع جيّدة ‪ ،‬والدّراهم الجياد ما كان من الفضّة الخالصة تروج في‬ ‫‪2‬‬

‫التّجارات وتوضع في بيت المال ‪ .‬والعلقة بينهما التّضادّ ‪.‬‬


‫ب ‪ -‬النّبهرجة ‪:‬‬
‫‪ -‬التّبهرج والبهرج ‪ :‬الرّديء من الشّيء ‪ ،‬ودرهم نبهرج ‪ ،‬أو بهرج ‪ ،‬أو مبهرج أي‬ ‫‪3‬‬

‫رديء الفضّة ‪ ،‬وهو ما يردّه ال ّتجّار ‪ ،‬وقيل هو ‪ :‬ما ضرب في غير دار السّلطان ‪.‬‬
‫ستّوقة ‪:‬‬
‫ج ‪ -‬ال ّ‬
‫‪ -‬وهي صفر مموّه بالفضّة نحاسها أكثر من فضّتها ‪.‬‬ ‫‪4‬‬

‫د ‪ -‬الفلوس ‪:‬‬
‫‪ -‬الفلوس جمع فلس ‪ ،‬وهو قطعة مضروبة من النّحاس يتعامل بها ‪.‬‬ ‫‪5‬‬

‫الحكام المتعلّقة بها ‪:‬‬


‫‪ -‬يجوز التّعامل بدراهم زيوف أي " مغشوشة " وإن جهل قدر غشّها عند جمهور الفقهاء‪،‬‬ ‫‪6‬‬

‫سواء أكانت لها قيمة إن انفردت الفضّة أم ل ‪ ،‬استهلكت فيها أم ل ‪ ،‬ولو في ال ّذمّة ‪ ،‬ول‬
‫يضرّ اختلطها بالنّحاس ‪ ،‬لنّ المقصود رواجها ‪ ،‬وكان أصحاب النّبيّ صلى ال عليه وسلم‬
‫يتعاملون بدراهم العجم ‪ ،‬لنّ النّبيّ صلى ال عليه وسلم لم يضرب نقودا ول الخلفاء‬
‫الرّاشدون ‪ ،‬رضي ال عنهم ‪ ،‬وكانوا إذا زافت عليهم أتوا بها إلى السّوق وقالوا ‪ :‬من يبيعنا‬
‫بهذه ‪ ،‬وسئل أحمد بن حنبل في دراهم يقال لها ‪ :‬المسيّبيّة عامّتها من نحاس ‪ ،‬إلّ أنّ فيها‬
‫شيئا من الفضّة فقال ‪ :‬إذا كان شيئا اصطلحوا عليه أرجو ألّ يكون به بأس ‪ ،‬ولنّه ل تغرير‬
‫فيه ول يمنع النّاس منه ‪ ،‬لنّه مستفيض في سائر العصار جار بينهم من غير نكير ‪.‬‬
‫أمّا إذا لم يتعارف النّاس على التّعامل بها فل يجوز ‪.‬‬
‫ضرب الدّراهم الزّيوف ‪:‬‬
‫‪ -‬يكره للمام ضرب نقد زائفة ‪ ،‬كما يكره للفراد اتّخاذها ‪ ،‬أو إمساكها ‪ ،‬لنّه قد يتعامل‬ ‫‪7‬‬

‫بها من ل يعرف حالها فيظنّها جيّد ًة ولخبر « من غشّنا فليس منّا » ‪.‬‬
‫ل أن يبيّن‬
‫ومن اجتمعت عنده زيوف فل يمسكها بل يسبكها ويصوغها ‪ ،‬ول يبيعها للنّاس ‪ ،‬إ ّ‬
‫حالها للمشتري ‪ ،‬لنّه ربّما خلطها بدراهم جيّدة ‪ ،‬ويعامل من ل يعرفها فيكون تغريرا‬
‫للمسلمين وإدخالً للضّرر عليهم ‪.‬‬
‫وقال أحمد ‪ :‬ل ينبغي أن يغرّ بها المسلمين ‪ ،‬ول أقول إنّها حرام ‪.‬‬
‫وصرّح الحنفيّة بأنّه ل ينبغي للمام أن يأخذ الزّيوف لبيت المال من أهل الجزية ومن أهل‬
‫الراضي الخراجيّة ‪.‬‬
‫وكان عبد اللّه بن مسعود رضي ال عنه يكسر الزّيوف وهو في بيت المال ‪.‬‬
‫وقال المالكيّة في القول الظهر عندهم ‪ :‬ل يجوز بيع درهم زائف بدرهم جيّد وزنا بوزن ول‬
‫ش على المسلمين ‪ ،‬وقد كان عمر يريق اللّبن المشوب‬
‫ن ذلك داعية إلى إدخال الغ ّ‬
‫بعرض ‪ ،‬ل ّ‬
‫بالماء ‪ ،‬تأديبا لصاحبه ‪ ،‬فإجازة شرائه إجازة لغشّه وإفساد لسواق المسلمين ‪ ،‬ولخبر « من‬
‫غشّنا فليس منّا » ‪.‬‬
‫وقد نهى عمر رضي ال عنه عن بيع نفاية بيت المال ‪ ،‬وكانت زيوفا ‪ ،‬ولنّ المقصود فيه ‪-‬‬
‫وهو الفضّة ‪ -‬مجهول ‪ ،‬فأشبه تراب الصّاغة ‪ ،‬واللّبن المشوب بالماء ‪.‬‬
‫وهو قول عند كلّ من الشّافعيّة والحنابلة ويعلّل بعض الفقهاء منع بيع الدّراهم الجيّدة بالدّراهم‬
‫الزّيوف بأنّه من ربا الفضل لعدم معرفة التّماثل مع وحدة الجنس في العوضين ‪.‬‬
‫وجوب الزّكاة في الزّيوف ‪:‬‬
‫‪ -‬اختلف الفقهاء في وجوب الزّكاة في الزّيوف من الدّراهم ‪.‬‬ ‫‪8‬‬

‫ن الغشّ مستهلك مغمور‪،‬‬


‫فقال الحنفيّة ‪ :‬إن كانت الفضّة فيها هي الغالبة تجب فيها الزّكاة ; ل ّ‬
‫وروى الحسن بن زياد عن أبي حنيفة ‪ :‬أنّه قال ‪ :‬تجب الزّكاة في الدّراهم الجياد ‪،‬‬
‫والزّيوف ‪ ،‬والنّبهرجة ‪ ،‬والمزيّفة ‪ ،‬إذا كان الغالب فيها الفضّة ‪ ،‬لنّ ما يغلب فضّته على‬
‫غشّه يتناوله اسم الدّرهم مطلقا ‪ ،‬والشّرع أوجب الزّكاة باسم الدّرهم ‪ ،‬وإن كان الغالب فيها‬
‫الغشّ والفضّة مغلوبة ‪ ،‬فإن كانت أثمانا رائجةً ‪ ،‬أو يمسكها للتّجارة تعتبر قيمتها ‪ ،‬فإن بلغت‬
‫قيمتها مائتي درهم من أدنى الدّراهم الّتي تجب فيها الزّكاة ‪ -‬وهي الغالب عليها الفضّة ‪-‬‬
‫تجب فيها الزّكاة ‪ .‬وإن لم تبلغ فل تجب ‪ ،‬وإن لم تكن أثمانا رائج ًة ‪ ،‬ول معدّةً للتّجارة فل‬
‫ل بنيّة التّجارة ‪ ،‬فإذا أعدّها للتّجارة‬
‫زكاة فيها ‪ ،‬لنّ الصّفر أي النّحاس ل تجب فيه الزّكاة إ ّ‬
‫اعتبرنا في وجوب الزّكاة فيها القيمة كعروض التّجارة ‪ ،‬وإن لم تكن للتّجارة ‪ ،‬وليست أثمانا‬
‫رائج ًة ‪ ،‬اعتبرنا ما فيها من الفضّة ‪ ،‬وإلى هذا ذهب المالكيّة ‪.‬‬
‫وقال الشّافعيّة والحنابلة ‪ :‬ل تجب الزّكاة في الزّيوف من النّقود حتّى يبلغ خالصها نصابا ‪.‬‬
‫فإذا بلغ خالصها النّصاب أخرج الواجب خالصا ‪ ،‬أو أخرج من المغشوش ما يعلم اشتماله‬
‫على خالص بقدر الواجب ‪ .‬ولتفصيل ذلك ينظر مصطلح ‪ ( :‬زكاة ) ‪.‬‬
‫بيع الزّيوف بالجياد ‪:‬‬
‫‪ -‬ل يجوز بيع الزّيوف بالجياد متفاضلً باتّفاق الفقهاء ‪ ،‬لخبر أبي سعيد الخدريّ « الذّهب‬ ‫‪9‬‬

‫بالذّهب والفضّة بالفضّة ‪ ...‬مثلً بمثل » ‪.‬‬


‫وعن عبادة عن النّبيّ صلى ال عليه وسلم أنّه قال ‪ « :‬الذّهب بالذّهب تبرها وعينها ‪،‬‬
‫سمّان أنّه سأل عليّا رضي ال عنه عن‬
‫والفضّة بالفضّة تبرها وعينها » ‪ ،‬وروى أبو صالح ال ّ‬
‫الدّراهم تكون معي ل تنفق في حاجتي أي رديئةً ‪ ،‬فأشتري بها دراهم تنفق في حاجتي‬
‫وأهضم منها ؟ أي أنقص من البدل فقال ‪ :‬ل ‪ ،‬ولكن بع دراهمك بدنانير ثمّ اشتريها دراهم‬
‫ن الجياد والزّيوف نوع واحد فيحرم التّفاضل بينهما ‪.‬‬
‫تنفق في حاجتك ‪ ،‬ول ّ‬
‫ص « جيّدها ورديئها سواء » ‪.‬‬
‫ول معنى لمراعاة فرق الجودة مع وجود النّ ّ‬
‫ش غيره في‬
‫ومنع المالكيّة بيع الدّراهم الجياد بالدّراهم الرّديئة حتّى تكسر خوفا من أن يغ ّ‬
‫أظهر القوال عندهم ‪.‬‬
‫ل جاز قطعا ‪.‬‬
‫وقال الدّردير ‪ :‬والخلف في المغشوش الّذي ل يجري بين النّاس كغيره ‪ ،‬وإ ّ‬
‫وتفصيل ذلك في مصطلحي ‪ ( :‬ربا ‪ ،‬صرف ) ‪.‬‬

‫سؤال *‬
‫التّعريف ‪:‬‬
‫‪ -‬السّؤال ‪ :‬مصدر ( سأل ) تقول ‪ :‬سألته الشّيء ‪ ،‬وسألته عن الشّيء سؤالً ومسألةً ‪،‬‬ ‫‪1‬‬

‫وجمع سؤال أسئلة ‪ ،‬وجمع المسألة مسائل ‪ ،‬وقال ابن ب ّريّ ‪ :‬سألته الشّيء استعطيته إيّاه ‪.‬‬
‫قال تعالى ‪ { :‬وَلَا َيسْأَ ْل ُكمْ َأمْوَاَل ُكمْ } وسألته عن الشّيء وبه ‪ :‬استخبرته ‪ ،‬وفي هذا قال تعالى‬
‫خبِيرا } ‪.‬‬
‫سأَلْ بِ ِه َ‬
‫شيَاء إِن ُت ْبدَ َل ُكمْ َتسُ ْؤ ُكمْ } وقوله تعالى ‪ { :‬فَا ْ‬
‫عنْ َأ ْ‬
‫ل َتسْأَلُواْ َ‬
‫‪َ {:‬‬
‫وحديث ‪ « :‬إنّ أعظم المسلمين جرما من سأل عن شيء لم يحرّم فحرّم من أجل مسألته » ‪.‬‬
‫وفي الصطلح هو ‪ :‬استدعاء معرفة أو ما يؤدّي إلى المعرفة ‪ ،‬أو ما يؤدّي إلى المال ‪.‬‬
‫اللفاظ ذات الصّلة به ‪:‬‬
‫الستجداء ‪:‬‬
‫‪ -‬وهو من أجدى عليه أي أعطاه ‪ ،‬يقال ‪ :‬جدوته جدوا ‪ ،‬وأجديته ‪ ،‬واستجديته ‪ :‬إذا أتيته‬ ‫‪2‬‬

‫أسأله حاج ًة ‪ ،‬وطلبت جدواه أو طلبت الصّدقة منه ‪.‬‬


‫الشّحاذة ‪:‬‬
‫‪ -‬الشّحاذة هي اللحاح في المسألة ‪.‬‬ ‫‪3‬‬

‫المر ‪:‬‬
‫‪ -‬المر ‪ :‬هو طلب الفعل بالقول على وجه الستعلء ‪.‬‬ ‫‪4‬‬

‫الدّعاء ‪:‬‬
‫‪ -‬الدّعاء هو طلب الفعل من الدنى إلى العلى ‪ ،‬فالدّعاء نوع من السّؤال ‪.‬‬ ‫‪5‬‬

‫اللتماس ‪:‬‬
‫‪ -‬اللتماس هو طلب الفعل من المساوي ‪.‬‬ ‫‪6‬‬

‫الحكم التّكليفيّ ‪:‬‬


‫تختلف أحكام السّؤال باختلف حالة السّائل ونوع السّؤال ‪ ،‬وقصد السّائل منه ‪:‬‬
‫أوّلً ‪ -‬السّؤال " بمعنى الستفهام " ‪:‬‬
‫‪ -‬السّؤال على وجه التّبيّن والتّعلّم عمّا تمسّ إليه الحاجة في أمور الدّين أو الدّنيا مأمور‬ ‫‪7‬‬

‫به ‪ ،‬أو مباح بحسب حال المسئول عنه ‪.‬‬


‫أمّا السّؤال عمّا ل تترتّب عليه مصلحة دينيّة ول دنيويّة على طريق التّكلّف ‪ ،‬والتّعنّت‬
‫لغرض التّعجيز ‪ ،‬وتغليط العلماء فهو غير جائز ومنهيّ عنه ‪ ،‬قال اللّه تعالى ‪ { :‬يَا َأ ّيهَا‬
‫شيَاء إِن ُت ْبدَ َل ُكمْ َتسُ ْؤ ُكمْ } قال الطّبريّ ‪ :‬ذكر أنّ الية نزلت على‬
‫عنْ َأ ْ‬
‫ل َتسْأَلُواْ َ‬
‫اّلذِينَ آ َمنُواْ َ‬
‫رسول اللّه صلى ال عليه وسلم بسبب مسائل كان يسألها إيّاه أقوام امتحانا له أحيانا واستهزاءً‬
‫أحيانا ‪.‬‬
‫وقال ابن عبّاس ‪ :‬كان قوم يسألون رسول اللّه صلى ال عليه وسلم استهزاءً ‪ ،‬يقول الرّجل‬
‫من أبي ؟ ويقول الرّجل ‪ :‬تضلّ ناقته ‪ :‬أين ناقتي ؟ فأنزل اللّه فيهم هذه الية ‪ { :‬يَا َأ ّيهَا‬
‫شيَاء إِن ُت ْبدَ َل ُكمْ َتسُ ْؤ ُكمْ } ‪.‬‬
‫عنْ َأ ْ‬
‫ل َتسْأَلُواْ َ‬
‫اّلذِينَ آ َمنُواْ َ‬
‫وعنه صلى ال عليه وسلم ‪ « :‬الحلل ما أحلّ اللّه في كتابه ‪ ،‬والحرام ما حرّم اللّه في كتابه‪،‬‬
‫وما سكت عنه فهو ممّا عفا عنه » ‪ .‬وورد عنه عليه الصلة والسلم أنّه ‪ « :‬كان ينهى عن‬
‫قيل وقال ‪ ،‬وكثرة السّؤال ‪ ،‬وإضاعة المال » ‪.‬‬
‫وجاء عن النّبيّ صلى ال عليه وسلم «أنّه كره المسائل ‪ ،‬وعابها » ‪.‬‬
‫والمراد المسائل الدّقيقة الّتي ل يحتاج إليها ‪ ،‬وقال أبو هريرة رضي ال عنه ‪ " :‬شرّ النّاس‬
‫الّذين يسألون شرّ المسائل كي يغلّطوا العلماء " ‪.‬‬
‫السّؤال بين العالم والمتكلّم ‪:‬‬
‫‪ -‬قال الشّاطبيّ ‪ :‬إنّ السّؤال إمّا أن يقع من عالم أو غير عالم ‪ .‬وأعني بالعالم المجتهد ‪،‬‬ ‫‪8‬‬

‫وغير العالم المقلّد ‪ .‬وعلى كل التّقديرين إمّا أن يكون المسئول عالما أو غير عالم ‪ .‬فهذه‬
‫أربعة أقسام ‪:‬‬
‫الوّل ‪ :‬سؤال العالم للعالم ‪ .‬وذلك في المشروع يقع على وجوه ‪ ،‬كتحقيق ما حصل ‪ ،‬أو رفع‬
‫إشكال عنّ له ‪ ،‬وتذكّر ما خشي عليه النّسيان ‪ ،‬أو تنبيه المسئول على خطأ يورده مورد‬
‫الستفادة ‪ ،‬أو نيابةً منه عن الحاضرين من المتعلّمين ‪ ،‬أو تحصيل ما عسى أن يكون فاته من‬
‫العلم ‪.‬‬
‫والثّاني ‪ :‬سؤال المتعلّم لمثله ‪ ،‬وذلك أيضًا يكون على وجوه ‪ ،‬كمذاكرته له بما سمع ‪ ،‬أو‬
‫طلبه منه ما لم يسمع ممّا سمعه المسئول ‪ ،‬أو تمرّنه معه في المسائل قبل لقاء العالم ‪ ،‬أو‬
‫التّهدّي بعقله إلى فهم ما ألقاه العالم ‪.‬‬
‫والثّالث ‪ :‬سؤال العالم للمتعلّم ‪ .‬وهو على وجوه كذلك ‪ ،‬كتنبيه على موضع إشكال يطلب‬
‫رفعه ‪ ،‬أو اختبار عقله أين بلغ ؟ والستعانة بفهمه إن كان لفهمه فضل ‪ ،‬أو تنبيهه على ما‬
‫علم ليستدلّ به على ما لم يعلم ‪.‬‬
‫والرّابع ‪ :‬وهو الصل الوّل ‪ ،‬سؤال المتعلّم للعالم ‪ ،‬وهو يرجع إلى طلب علم ما لم يعلم ‪.‬‬
‫فأمّا الوّل والثّاني والثّالث فالجواب عنه مستحقّ إن علم ‪ ،‬ما لم يمنع من ذلك عارض معتبر‬
‫ل فالعتراف بالعجز ‪.‬‬
‫شرعا ‪ ،‬وإ ّ‬
‫وأمّا الرّابع فليس الجواب بمستحقّ بإطلق ‪ ،‬بل فيه تفصيل ‪ .‬فيلزم الجواب إذا كان عالما بما‬
‫ص شرعيّ بالنّسبة إلى المتعلّم ‪ ،‬ل‬
‫سئل عنه متعيّنا عليه في نازلة واقعة ‪ ،‬أو في أمر فيه ن ّ‬
‫مطلقا ‪ ،‬ويكون السّائل ممّن يحتمل عقله الجواب ‪ ،‬ول يؤدّي السّؤال إلى تعمّق ول تكلّف ‪،‬‬
‫وهو ممّا يبنى عليه عمل شرعيّ ‪ ،‬وأشباه ذلك ‪ .‬وقد ل يلزم الجواب في مواضع ‪ ،‬بما إذا لم‬
‫ص فيها للشّارع ‪ .‬وقد ل يجوز ‪ ،‬كما إذا لم يحتمل‬
‫يتعيّن عليه ‪ .‬أو المسألة اجتهاديّة ل ن ّ‬
‫عقله الجواب أو كان فيه تعمّق ‪ ،‬أو أكثر من السّؤالت الّتي هي من جنس الغاليط وفيه نوع‬
‫اعتراض ‪ .‬انتهى كلم الشّاطبيّ ‪.‬‬
‫هذا والسّؤال من المقلّد عن الحكم الشّرعيّ فيما وقع له يسمّى استفتاءً ‪ ،‬وينظر في مصطلح‪:‬‬
‫( فتوى ) ‪.‬‬
‫ثانيا ‪ -‬السّؤال بمعنى طلب الحاجة ‪:‬‬
‫التّعرّض للصّدقة بالسّؤال ‪ ،‬أو إظهار أمارة الفاقة ‪:‬‬
‫‪ -‬يحرص السلم على حفظ كرامة المسلم ‪ ،‬وصون نفسه عن البتذال والوقوف بمواقف‬ ‫‪9‬‬

‫الذّلّ والهوان ‪ ،‬فحذّر من التّعرّض للصّدقة بالسّؤال ‪ ،‬أو بإظهار أمارات الفاقة ‪ ،‬بل حرّم‬
‫السّؤال على من يملك ما يغنيه عنها من مال أو قدرة على التّكسّب ‪ ،‬سواء كان ما يسأله زكاةً‬
‫أو تطوّعا أو كفّارةً ‪ ،‬ول يحلّ له أخذ ذلك إن أعطي بالسّؤال أو إظهار الفاقة ‪.‬‬
‫قال الشّبراملّسي ‪ :‬لو أظهر الفاقة وظنّه الدّافع متّصفا بها لم يملك ما أخذه ‪ ،‬لنّه قبضه من‬
‫غير رضا صاحبه ‪ ،‬إذ لم يسمح له إلّ على ظنّ الفاقة ‪.‬‬
‫لقوله صلى ال عليه وسلم ‪ « :‬من سأل النّاس وله ما يغنيه جاء يوم القيامة ومسألته خموش ‪،‬‬
‫أو خدوش ‪ ،‬أو كدوح قيل ‪ :‬يا رسول اللّه ‪ ،‬وما يغنيه ؟ قال ‪ :‬خمسون درهما أو قيمتها من‬
‫الذّهب » وعنه صلى ال عليه وسلم ‪ « :‬إذا سألت فاسأل اللّه ‪ ،‬وإذا استعنت فاستعن باللّه »‬
‫وقال عليه الصلة والسلم ‪ « :‬ل ينبغي للمؤمن أن يذلّ نفسه » ‪.‬‬
‫أمّا إن كان محتاجا إلى الصّدقة ‪ ،‬وممّن يستحقّونها لفقر أو زمانة ‪ ،‬أو عجز عن الكسب‬
‫ح في السّؤال ‪ ،‬أو يؤذي‬
‫فيجوز له السّؤال بقدر الحاجة ‪ ،‬وبشرط أن ل يذلّ نفسه ‪ ،‬وأن ل يل ّ‬
‫ن باعث المعطي الحياء من السّائل أو من الحاضرين ‪ ،‬فإن كان شيء‬
‫المسئول ‪ ،‬ولم يعلم أ ّ‬
‫من ذلك فل يجوز له السّؤال وأخذ الصّدقة وإن كان محتاجا إليها ‪ ،‬ويحرم أخذها ‪ ،‬ويجب‬
‫ل إذا كان مضطرّا بحيث يخشى الهلك إن لم يأخذ الصّدقة ‪ ،‬لحديث ‪ « :‬ل ينبغي‬
‫ردّها إ ّ‬
‫للمؤمن أن يذلّ نفسه » ‪ .‬فإن خاف هلكا لزمه السّؤال إن كان عاجزا عن التّكسّب ‪.‬‬
‫فإن ترك السّؤال في هذه الحالة حتّى مات أثم لنّه ألقى بنفسه إلى التّهلكة ‪ ،‬والسّؤال في هذه‬
‫الحالة في مقام التّكسّب ‪ ،‬لنّها الوسيلة المتعيّنة لبقاء النّفس ‪ ،‬ول ذلّ فيها للضّرورة ‪،‬‬
‫والضّرورة تبيح المحظورات كأكل الميتة ‪.‬‬
‫ول بأس بسؤال الماء للشّرب « لفعل النّبيّ صلى ال عليه وسلم » ‪ .‬وقال أحمد في العطشان‬
‫ص عليهما أحمد‬
‫الّذي ل يستسقي ‪ :‬يكون أحمق ‪ ،‬ول بأس بمسألة الستعارة والستقراض ن ّ‬
‫قال الج ّريّ يجب أن يعلم حلّ المسألة ومتى تحلّ ‪ ،‬وما قاله بمعنى قول أحمد في أنّ تعلّم ما‬
‫يحتاج إليه لدينه فرض ‪ ،‬ول بأس بسؤال الشّيء اليسير ‪ ،‬كشسع النّعل أي سيره ‪ ،‬لنّه في‬
‫معنى مسألة شرب الماء ‪ ،‬وإن أعطي مالً طيّبا من غير مسألة ول استشراف نفس ممّا‬
‫يجوز له أخذه من زكاة أو كفّارة أو صدقة تطوّع أو هبة وجب أخذه عند الحنابلة ‪ ،‬ونقله‬
‫جماعة عن أحمد ‪.‬‬
‫السّؤال في المسجد ‪:‬‬
‫ل إذا كان السّائل يسأل والمام‬
‫‪ -‬يكره السّؤال في المسجد ‪ ،‬والصّدقة فيه غير محرّمة إ ّ‬ ‫‪10‬‬

‫ن السّائل فعل ما ل يجوز له فعله ‪ ،‬فل يعينه عليه ‪.‬‬


‫يخطب ‪ ،‬فتمنع ‪ ،‬ل ّ‬
‫والتّفصيل في مصطلح ‪ ( :‬مسجد ) ‪.‬‬
‫ثالثا ‪ -‬السّؤال باللّه أو بوجه اللّه ‪:‬‬
‫ن السّؤال باللّه ‪ ،‬أو بوجه اللّه مكروه ‪ ،‬كأن يقول ‪ :‬أسألك بوجه‬
‫‪ -‬صرّح الشّافعيّة بأ ّ‬ ‫‪11‬‬

‫اللّه ‪ ،‬أو أسألك باللّه ونحو ذلك ‪ .‬كما يكره ردّ السّائل بذلك ‪ .‬لخبر ‪ « :‬ل يسأل بوجه اللّه إلّ‬
‫الجنّة » ‪ .‬وخبر ‪ « :‬من سألكم باللّه فأعطوه » ‪.‬‬
‫رابعا ‪ -‬سؤال اللّه تعالى بغيره ‪:‬‬
‫‪ -‬قال الحنفيّة ‪ :‬يكره أن يسأل اللّه بغيره كأن يقول السّائل ‪ :‬اللّه ّم أسألك بفلن ‪ ،‬أو‬ ‫‪12‬‬

‫ن هذا يوهم تعلّق‬


‫بملئكتك ‪ ،‬أو يقول في دعائه ‪ :‬اللّهمّ أسألك بمعقد العزّ من عرشك ‪ ،‬ل ّ‬
‫عزّته تعالى بالعرش ‪ ،‬وصفات اللّه جميعها قديمة بقدم ذاته ‪ ،‬فكان الحتياط المساك عمّا‬
‫يقتضي اليهام ‪ ،‬وقال أبو يوسف بجواز ذلك ‪ ،‬للدّعاء المأثور ‪ « :‬اللّهمّ إنّي أسألك بمعقد‬
‫العزّ من عرشك ‪ ،‬ومنتهى الرّحمة من كتابك ‪ ،‬وباسمك العظم ‪ ،‬وكلماتك التّامّة » ‪.‬‬
‫والتّفصيل في ( دعاء ‪ ،‬وتوسّل ) ‪.‬‬
‫خامسا ‪ -‬السئلة في الستدلل ‪:‬‬
‫‪ -‬يسمّي بعض الصوليّين العتراضات الّتي تورد على كلم المستدلّ " السئلة "‬ ‫‪13‬‬

‫وبعضهم يحصرها في عشرة أنواع منها ‪ :‬النّقض ‪ ،‬والقلب ‪ ،‬والمطالبة ‪.‬‬


‫وتفصيل ذلك في باب القياس من الملحق الصوليّ ‪.‬‬

‫سؤر *‬
‫التّعريف ‪:‬س‬
‫‪ -‬السّؤر لغةً ‪ :‬بقيّة الشّيء ‪ ،‬وجمعه أسآر ‪ ،‬وأسأر منه شيئا أبقى ‪ ،‬وفي الحديث « إذا‬ ‫‪1‬‬

‫شربتم فأسئروا أي أبقوا شيئا من الشّراب في قعر الناء » ‪ ،‬وفي حديث الفضل بن عبّاس «‬
‫ما كنت أوثر على سؤرك أحدا » ‪ .‬ورجل سأر أي يبقي في الناء من الشّراب ‪.‬‬
‫ويقال ‪ :‬سأر فلن من طعامه وشرابه سؤرا وذلك إذا أبقى بقّيةً ‪ .‬وبقيّة كلّ شيء سؤره ‪.‬‬
‫والسّؤر في الصطلح هو ‪ :‬فضلة الشّرب وبقيّة الماء الّتي يبقيها الشّارب في الناء ‪ ،‬أو في‬
‫الحوض ‪ ،‬ثمّ استعير لبقيّة الطّعام أو غيره ‪.‬‬
‫قال النّوويّ ‪ :‬ومراد الفقهاء بقولهم ‪ :‬سؤر الحيوان طاهر أو نجس ‪ :‬لعابه ورطوبة فمه ‪.‬‬
‫الحكم التّكليفيّ ‪:‬‬
‫‪ -‬اختلف الفقهاء في أحكام السآر على اتّجاهين ‪:‬‬ ‫‪2‬‬

‫أحدها ‪ :‬يذهب إلى طهارة السآر ‪ ،‬وهو مذهب المالكيّة ‪.‬‬


‫والخر ‪ :‬مذهب الجمهور الّذين يرون طهارة بعض السآر ونجاسة بعضها ‪ .‬والتّفصيل كما‬
‫يلي ‪:‬‬
‫‪ -‬ذهب الحنفيّة إلى تقسيم السآر إلى أربعة أنواع ‪:‬‬ ‫‪3‬‬

‫النّوع الوّل ‪ :‬سور متّفق على طهارته وهو سؤر الدميّ بجميع أحواله مسلما كان أو كافرا‪،‬‬
‫صغيرا كان أو كبيرا ‪ ،‬ذكرا أو أنثى ‪ ،‬طاهرا أو نجسا حائضا أو نفساء أو جنبا ‪ « .‬وقد أتي‬
‫عليه الصلة والسلم بلبن فشرب بعضه وناول الباقي أعرابيّا كان على يمينه فشرب ‪ ،‬ثمّ‬
‫ناوله أبا بكر رضي ال عنه فشرب ‪ ،‬وقال ‪ :‬اليمن فاليمن » ‪.‬‬
‫وعن عائشة رضي ال عنها قالت ‪ « :‬كنت أشرب وأنا حائض ‪ ،‬ثمّ أناوله النّبيّ صلى ال‬
‫عليه وسلم فيضع فاه على موضع في فيشرب » ‪.‬‬
‫ن سؤر الدميّ متحلّب من لحمه ‪ ،‬ولحمه طاهر ‪ ،‬فكان سؤره طاهرا ‪ ،‬إلّ في حال شرب‬
‫ول ّ‬
‫الخمر فيكون سؤره نجسا ‪ ،‬لنجاسة فمه بالخمر ‪.‬‬
‫ل الجلّالة‬
‫ومن النّوع الوّل المتّفق على طهارته سؤر ما يؤكل لحمه من النعام والطّيور إ ّ‬
‫ي صلى ال عليه وسلم توضّأ بسؤر بعير أو شاة »‬
‫ن النّب ّ‬
‫والدّجاجة المخلّاة ‪ ،‬لما روي « أ ّ‬
‫ن سؤره متولّد من لحمه ولحمه طاهر ‪.‬‬
‫ول ّ‬
‫أمّا سؤر الجلّالة والدّجاجة المخلّاة وهي الّتي تأكل النّجاسات حتّى أنتن لحمها فيكره استعماله‬
‫لحتمال نجاسة فمها ومنقارها ‪ .‬وإذا حبست حتّى يذهب نتن لحمها فل كراهة في سؤرها ‪.‬‬
‫وأمّا سؤر الفرس فطاهر على قول أبي يوسف ومحمّد ‪ ،‬وظاهر الرّواية عن أبي حنيفة ‪،‬‬
‫ن كراهة لحمه عنده ليست‬
‫وهو الصّحيح ‪ ،‬لنّ سؤره متحلّب من لحمه ‪ ،‬ولحمه طاهر ‪ ،‬ول ّ‬
‫لنجاسته بل لحترامه ‪ ،‬لنّه آلة الجهاد وإرهاب العدوّ ‪ ،‬وذلك منعدم في سؤره فل يؤثّر فيه ‪.‬‬
‫ويرى أبو حنيفة في رواية أخرى عنه أنّ سؤره نجس بنا ًء على الرّواية الخرى عنه بنجاسة‬
‫لحمه ‪.‬‬
‫ومن هذا النّوع ‪ :‬ما ليس له نفس سائلة أي دم سائل ‪ ،‬سواء كان يعيش في الماء أو في غيره‬
‫فسؤره طاهر ‪.‬‬
‫النّوع الثّاني ‪ :‬السّؤر الطّاهر المكروه وهو سؤر سباع الطّير كالبازي والصّقر والحدأة‬
‫ونحوها فسؤرها طاهر ‪ ،‬لنّها تشرب بمنقارها وهو عظم جافّ فلم يختلط لعابها بسؤرها ‪،‬‬
‫ض من الجوّ فتشرب ‪ ،‬إلّ أنّه يكره سؤرها ‪،‬‬
‫ن صيانة الواني عنها متعذّرة ‪ ،‬لنّها تنق ّ‬
‫ول ّ‬
‫ن الغالب أنّها تتناول الجيف والميتات فأصبح منقارها في معنى منقار الدّجاجة المخلّاة ‪.‬‬
‫لّ‬
‫ن سباع الطّير إن كان ل يتناول الميتات مثل البازي‬
‫وروي عن أبي حنيفة وأبي يوسف أ ّ‬
‫الهليّ ونحوه فل يكره الوضوء بسؤره ‪.‬‬
‫ومن هذا النّوع سؤر سواكن البيوت كالفأرة والحيّة والوزغة والعقرب ونحوها من الحشرات‬
‫الّتي لها دم سائل ‪ ،‬لنّه يتعذّر صون الواني منها ‪.‬‬
‫ومن هذا النّوع أيضا ‪ :‬سؤر الهرّة فهو طاهر ولكنّه مكروه لما روي عن أبي هريرة رضي‬
‫سنّور سبع » ‪.‬‬
‫ال عنه مرفوعا إلى رسول اللّه صلى ال عليه وسلم أنّه قال ‪ « :‬ال ّ‬
‫ولقوله صلى ال عليه وسلم « يغسل الناء إذا ولغ فيه الكلب سبع مرّات أولهنّ أو آخرهنّ‬
‫بالتّراب ‪ ،‬وإذا ولغت فيه الهرّة غسل مرّ ًة » ‪.‬‬
‫والمعنى في كراهة سؤر الهرّة من وجهين ‪:‬‬
‫ن الهرّة نجسة لنجاسة لحمها ‪ ،‬وسؤرها نجس مختلط‬
‫أحدهما ما ذكره الطّحاويّ ‪ :‬وهو أ ّ‬
‫بلعابها المتولّد من لحمها النّجس ‪ ،‬ولكن سقطت نجاسة سؤرها اتّفاقا ‪ ،‬لعلّة الطّواف‬
‫المنصوصة في قوله صلى ال عليه وسلم ‪ « :‬إنّما هي من الطّوّافين عليكم أو الطّوّافات » ‪.‬‬
‫حيث إنّها تدخل المضائق وتعلو الغرف فيتعذّر صون الواني منها ‪.‬‬
‫ولمّا سقط حكم النّجاسة من سؤرها لضرورة الطّواف بقيت الكراهة ‪ ،‬لعدم تحاميها النّجاسة‬
‫ولمكان التّحرّز عنها في الجملة ‪.‬‬
‫والثّاني ‪ :‬ما ذكره الكرخيّ وهو أنّ الهرّة ليست بنجسة ‪ -‬وإلى هذا ذهب أبو يوسف ‪ -‬لنّ‬
‫النّبيّ صلى ال عليه وسلم نفى عنها النّجاسة بقوله ‪ « :‬إنّها ليست بنجس » ‪.‬‬
‫ولكن يكره سؤرها لتوهّم أخذها الفأرة فصار فمها كيد المستيقظ من نومه ‪.‬‬
‫فلو أكلت الفأرة ثمّ شربت الماء قال أبو حنيفة ‪ :‬إن شربته على الفور تنجّس الماء ‪ ،‬وإن‬
‫مكثت ساع ًة ولحست فمها ثمّ شربت فل يتنجّس بل يكره ‪.‬‬
‫وقال أبو يوسف ومحمّد ‪ :‬يتنجّس الماء بناءً على ما ذكراه في سؤر شارب الخمر ‪ ،‬وهو أنّ‬
‫صبّ الماء شرط في التّطهير عند أبي يوسف ولم يوجد ‪ ،‬وإنّ ما سوى الماء من المائعات‬
‫ليس بطهور عند محمّد ‪.‬‬
‫النّوع الثّالث ‪ :‬السّؤر النّجس المتّفق على نجاسته في المذهب وهو سؤر الكلب والخنزير‬
‫وسائر سباع البهائم ‪ .‬أمّا الخنزير فلنّه نجس العين لقوله تعالى ‪ { :‬فَإنّ ُه ِرجْسٌ } الية ‪.‬‬
‫ن النّبيّ صلى ال عليه وسلم أمر بغسل الناء‬
‫ولعابه يتولّد من لحمه النّجس ‪ .‬وأمّا الكلب فل ّ‬
‫من ولوغه سبع مرّات ‪ ،‬ولسانه يلقي الماء أو ما يشربه من المائعات الخرى دون الناء‬
‫ن«‬
‫فكان أولى بالنّجاسة ‪ ،‬ولنّه يمكن الحتراز عن سؤرهما وصيانة الواني عنهما ‪ ،‬ول ّ‬
‫النّبيّ صلى ال عليه وسلم عندما سئل عن الماء وما ينوبه من السّباع ؟ قال ‪ :‬إذا كان الماء‬
‫قلّتين فإنّه ل ينجس » ‪ .‬ولو كانت طاهرةً لم يحدّه بالقلّتين ‪.‬‬
‫ن عمر رضي ال عنه خرج في ركب فيه عمرو بن العاص حتّى وردا حوضا‬
‫ولما روي أ ّ‬
‫فقال عمرو بن العاص ‪ :‬يا صاحب الحوض هل ترد حوضك السّباع ؟ فقال عمر ‪ :‬يا‬
‫صاحب الحوض ل تخبره فإنّنا نرد على السّباع وترد علينا ‪ .‬ولو لم يكن الماء يتنجّس‬
‫ن هذه الحيوانات غير مأكولة‬
‫بشربها منه لم يكن للسّؤال ول للنّهي عن الجواب معنىً ‪ ،‬ول ّ‬
‫اللّحم ويمكن صون الواني منها ‪ ،‬وعند شربها يختلط لعابها بالمشروب ولعابها نجس لتحلّبه‬
‫من لحمها وهو نجس ‪ ،‬فكان سؤرها نجسا ‪.‬‬
‫النّوع الرّابع ‪ :‬المشكوك في طهارة سؤره وهو الحمار الهليّ والبغل فسؤرهما مشكوك في‬
‫طهارته ونجاسته لتعارض الدلّة ‪ ،‬فالصل في سؤرهما النّجاسة ‪ ،‬لنّه ل يخلو سؤرهما عن‬
‫ن عرقه طاهر لما روي « أنّ‬
‫لعابهما ‪ ،‬ولعابهما متحلّب من لحمهما ولحمهما نجس ‪ ،‬ول ّ‬
‫النّبيّ صلى ال عليه وسلم كان يركب الحمار معروريا والحرّ حرّ الحجاز ‪ ،‬ويصيب العرق‬
‫ثوبه ‪ ،‬وكان يصلّي في ذلك الثّوب » ‪ .‬فإذا كان العرق طاهرا فالسّؤر أولى ‪.‬‬
‫وقد تعارضت الثار في طهارة سؤر الحمار ونجاسته ‪ ،‬فعن ابن عبّاس رضي ال عنهما أنّه‬
‫كان يقول ‪ :‬الحمار يعتلف القتّ والتّبن فسؤره طاهر ‪ .‬وعن ابن عمر رضي ال عنهما أنّه‬
‫كان يقول ‪ :‬إنّه رجس ‪ ،‬وتعارضت الخبار في أكل لحمه ولبنه كما تعارض تحقّق أصل‬
‫الضّرورة فيه ‪ ،‬لنّه ليس في المخالطة كالهرّة فل يعلو الغرف ول يدخل المضائق ‪ ،‬وليس‬
‫شكّ في وقوع حكم الصل ‪ ،‬والتّوقّف في الحكم عند تعارض‬
‫في المجانبة كالكلب ‪ ،‬فوقع ال ّ‬
‫الدلّة واجب ‪ ،‬ولذلك كان مشكوكا فيه فل ينجّس سؤره الشياء الطّاهرة ‪ ،‬ول يطهر به‬
‫النّجس ‪ ،‬وعند عدم الماء يتوضّأ بسؤره ويتيمّم احتياطا ‪ ،‬وأيّهما قدّم جاز ‪ ،‬لنّ المطهّر‬
‫منهما غير متيقّن ‪ ،‬فل فائدة في التّرتيب ‪.‬‬
‫وقال زفر ‪ :‬يبدأ بالوضوء بسؤر الحمار أو البغل ليصير عادما للماء حقيق ًة ‪.‬‬
‫والتّفاصيل في مصطلح ‪ ( :‬نجاسة ‪ ،‬طعام ‪ ،‬طهارة ) ‪.‬‬
‫‪ -‬وذهب الشّافعيّة إلى أنّ سؤر جميع الحيوانات من النعام ‪ ،‬والخيل والبغال والحمير‬ ‫‪4‬‬

‫والسّباع والهرّة والفئران والطّيور والحيّات وسام أبرص ‪ ،‬وسائر الحيوانات المأكولة وغير‬
‫ل الكلب والخنزير وما تولّد منهما أو‬
‫المأكولة ‪ -‬سؤر هذه الحيوانات طاهر ل كراهة فيه إ ّ‬
‫من أحدهما ‪ .‬فإذا ولغ أحد هذه الحيوانات في طعام جاز أكله بل كراهة ‪ ،‬وإذا شرب من ماء‬
‫جاز الوضوء به بل كراهة ‪.‬‬
‫ن في تنجيس سؤر هذه‬
‫حرَجٍ } ل ّ‬
‫جعَلَ عََل ْي ُكمْ فِي الدّينِ ِمنْ َ‬
‫واستدلّوا لذلك بقوله تعالى ‪َ { :‬ومَا َ‬
‫الحيوانات حرجا ‪ ،‬ويعسر الحتراز عن بعضها كالهرّة ونحوها من سواكن البيوت ‪ .‬ولما‬
‫ورد عن كبشة زوجة أبي قتادة رضي ال عنهما « أنّ أبا قتادة دخل عليها فسكبت له وضوءً‬
‫فجاءت هرّة تشرب منه فأصغى لها الناء حتّى شربت ‪ ،‬قالت كبشة ‪ :‬فرآني أنظر إليه ‪،‬‬
‫فقال ‪ :‬أتعجبين يا ابنة أخي ؟ فقلت ‪ :‬نعم ‪ .‬فقال إنّ رسول اللّه صلى ال عليه وسلم قال ‪:‬‬
‫إنّها ليست بنجس إنّما هي من الطّوّافين عليكم أو الطّوّافات » ‪.‬‬
‫ي صلى ال عليه وسلم قيل له ‪ :‬أنتوضّأ بما‬
‫ن النّب ّ‬
‫ولما روي عن جابر رضي ال عنه « أ ّ‬
‫فضلت الحمر ؟ قال ‪ :‬وبما أفضلت السّباع » ‪.‬‬
‫وعن عمرو بن خارجة رضي ال عنه قال ‪ « :‬خطب رسول اللّه صلى ال عليه وسلم على‬
‫ناقته ‪ ،‬وإنّ لعابها يسيل بين كتفي » ‪.‬‬
‫ي صلى ال عليه وسلم سئل عن الحياض‬
‫ن النّب ّ‬
‫وعن أبي سعيد الخدريّ رضي ال عنه « أ ّ‬
‫الّتي بين مكّة والمدينة تردها السّباع والكلب والحمر ‪ ،‬وعن الطّهارة منها ‪ ،‬فقال صلى ال‬
‫عليه وسلم ‪ :‬لها ما حملت في بطونها ‪ ،‬ولنا ما غبر طهور » ولقول عمر المتقدّم وفيه فإنّنا‬
‫نرد على السّباع وترد علينا ‪.‬‬
‫أمّا الكلب والخنزير وما تفرّع منهما أو من أحدهما فسؤره نجس ‪ ،‬لقوله تعالى في الخنزير ‪:‬‬
‫{ فَإنّهُ ِرجْسٌ } الية ولقوله صلى ال عليه وسلم في الكلب ‪ « :‬طهور إناء أحدكم إذا ولغ فيه‬
‫ن بالتّراب » وفي رواية « فليرقه » أي الماء الّذي ولغ‬
‫الكلب أن يغسله سبع مرّات أوله ّ‬
‫فيه ‪ .‬والراقة للماء إضاعة مال ‪ ،‬فلو كان الماء طاهرا لما أمر بإراقته إذ قد نهى عن‬
‫إضاعة المال ‪.‬‬
‫وإن رأى شخص هرّ ًة أو نحوها تأكل نجاسةً ثمّ وردت على ماء قليل أي ل يبلغ قلّتين‬
‫فشربت منه ففيه ثلثة أوجه عند الشّافعيّة ‪:‬‬
‫أصحّها ‪ :‬أنّه إن غابت ثمّ رجعت لم ينجس الماء لنّه يجوز أن تكون قد وردت على ماء‬
‫كثير فطهر فمها ولنّا ‪ -‬في هذه الحالة ‪ -‬قد تي ّقنّا طهارة الماء وشككنا في نجاسة فمها ‪ ،‬فل‬
‫شكّ ‪.‬‬
‫ينجس الماء المتيقّن بال ّ‬
‫والثّاني ‪ :‬ينجس الماء لنّا تي ّقنّا نجاسة فمها ‪.‬‬
‫والثّالث ‪ :‬ل ينجس الماء بحال لنّه ل يمكن الحتراز منها فعفي عنه ‪ ،‬ودليل هذا الوجه‬
‫حديث ‪ « :‬إنّما هي من الطّوّافين عليكم أو الطّوّافات » وهذا هو الحسن عند الغزاليّ وغيره‬
‫لعموم الحاجة وعسر الحتراز فهي كاليهوديّ وشارب الخمر فإنّه ل يكره سؤرهما عند‬
‫الشّافعيّة ‪ .‬والتّفاصيل في مصطلح ‪ ( :‬شكّ ‪ ،‬طهارة ‪ ،‬نجاسة ) ‪.‬‬
‫‪ -5‬وذهب الحنابلة إلى تقسيم الحيوان إلى قسمين قسم نجس وقسم طاهر ‪.‬‬
‫ثمّ قسّموا النّجس إلى نوعين ‪:‬‬
‫النّوع الوّل ‪ :‬ما هو نجس روايةً واحدةً وهو الكلب والخنزير وما تولّد منهما أو من أحدهما‪،‬‬
‫فهذا النّوع سؤره وعينه وجميع ما يخرج منه نجس ‪ ،‬لقوله تعالى في الخنزير ‪ { :‬فَإنّهُ ِرجْسٌ‬
‫} الية وقوله صلى ال عليه وسلم في الكلب ‪ « :‬إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فليرقه ثمّ‬
‫ليغسله سبع مرّات » وفي رواية ‪ « :‬ليغسله سبع مرّات أولهنّ بالتّراب » ‪.‬‬
‫فإذا ولغ في ماء أو مائع آخر يجب إراقته ‪ ،‬وإذا أكل من طعام فل يجوز أكله ‪.‬‬
‫النّوع الثّاني ‪ :‬ما اختلف في نجاسته وهو سائر سباع البهائم وجوارح الطّير والحمار الهليّ‬
‫سنّور وما يماثلها في الخلقة أو دونها فيها ‪ ،‬فإذا‬
‫ل ال ّ‬
‫ن سؤرها نجس إ ّ‬
‫والبغل ‪ ،‬فعن أحمد أ ّ‬
‫ن النّبيّ صلى ال عليه وسلم سئل عن‬
‫شربت من ماء قليل ولم يجد غيره تركه وتيمّم ‪ « ،‬ل ّ‬
‫الماء وما ينوبه من السّباع فقال ‪ :‬إذا كان الماء قلّتين فإنّه ل ينجس » فلو كانت طاهر ًة لم‬
‫يحدّه بالقلّتين ‪ « .‬ولقوله صلى ال عليه وسلم في الحمر الهليّة يوم خيبر ‪ :‬إنّها رجس »‬
‫ولنّه حيوان حرم أكله ‪ ،‬ل لحرمته مثل الفرس ‪ -‬حيث يحرم أكله عند من يقول بحرمته ‪-‬‬
‫ويمكن التّحرّز منه غالبا فأشبه الكلب ‪ ،‬ولنّ السّباع والجوارح الغالب عليها أكل الميتات ‪،‬‬
‫والنّجاسات فتنجّس أفواهها ‪ ،‬ول يتحقّق وجود مطهّر لها ‪ ،‬فينبغي أن يقضى بنجاستها‬
‫كالكلب ‪.‬‬
‫وروي عن أحمد أنّه قال ‪ :‬في البغل والحمار إذا لم يجد غير سؤرها تيمّم معه وهو قول‬
‫الثّوريّ ‪.‬‬
‫قال ابن قدامة ‪ :‬وهذه الرّواية تدلّ على طهارة سؤرهما ‪ ،‬لنّه لو كان نجسا لم تجز الطّهارة‬
‫ن عمر قال فيها ‪ :‬ترد علينا‬
‫به ‪ .‬وروي عن إسماعيل بن سعيد ‪ :‬ل بأس بسؤر السّباع ل ّ‬
‫ونرد عليها ‪ ،‬ثمّ قال ‪ :‬والصّحيح عندي طهارة البغل والحمار ‪ « ،‬لنّ النّبيّ صلى ال عليه‬
‫وسلم كان يركب الحمير والبغال » ‪ ،‬وتركب في زمنه ‪ ،‬وفي عصر الصّحابة ‪ ،‬فلو كانت‬
‫نجسةً لبيّن النّبيّ صلى ال عليه وسلم ذلك ‪ ،‬ولنّه ل يمكن التّحرّز منها بالنّسبة لمقتنيها فأشبه‬
‫الهرّة ‪ ،‬ومن هذا النّوع الجلّالة الّتي تأكل النّجاسات ففي رواية أنّ سؤرها نجس ‪ ،‬وفي أخرى‬
‫أنّه طاهر ‪.‬‬
‫القسم الثّاني ‪ :‬طاهر في نفسه ‪ ،‬وسؤره وعرقه طاهران وهو ثلثة أضرب ‪:‬‬
‫الوّل ‪ :‬الدميّ‪ ،‬فهو طاهر وسؤره طاهر سواء كان مسلما أو كافرا ‪ ،‬رجلً أو امرأةً ‪ ،‬وإن‬
‫كانت حائضا أو نفساء أو كان الرّجل جنبا لقوله صلى ال عليه وسلم‪ «:‬المؤمن ل ينجس »‪.‬‬
‫ولحديث « شرب النّبيّ صلى ال عليه وسلم من سؤر عائشة » ‪.‬‬
‫الضّرب الثّاني ‪ :‬ما يؤكل لحمه ‪ ،‬فسؤره طاهر يجوز شربه والوضوء به ‪ ،‬إلّ إن كان جلّالً‬
‫يأكل النّجاسات ففي سؤره الرّوايتان السّابقتان ‪.‬‬
‫ن الظّاهر نجاسته ‪.‬‬
‫ويكره سؤر الدّجاجة المخلّاة ل ّ‬
‫الضّرب الثّالث ‪ :‬الهرّة وما يماثلها من الخلقة أو دونها كالفأرة وابن عرس ونحو ذلك من‬
‫حشرات الرض ‪ ،‬فسؤره طاهر يجوز شربه والوضوء به ‪ ،‬ول يكره ‪ ،‬لحديث عائشة‬
‫رضي ال عنها « قالت ‪ :‬كنت أتوضّأ أنا ورسول اللّه صلى ال عليه وسلم من إناء واحد‬
‫وقد أصابت منه الهرّة قبل ذلك قالت ‪ :‬وقد رأيت رسول اللّه صلى ال عليه وسلم يتوضّأ‬
‫بفضل الهرّة » ‪ .‬ولحديث كبشة الّذي سبق ذكره ‪.‬‬
‫إلّ أنّ أبا هريرة رضي ال عنه قال ‪ :‬يغسل الناء الّذي ولغت فيه الهرّة مرّةً أو مرّتين ‪ ،‬وبه‬
‫قال ابن المنذر ‪ ،‬وقال الحسن وابن سيرين ‪ :‬مرّ ًة ‪ ،‬وقال طاوس ‪ :‬سبع مرّات كالكلب ‪،‬‬
‫وروي عن ابن عمر رضي ال عنهما أنّه كره الوضوء بسؤر الهرّة والحمار ‪.‬‬
‫وإذا أكلت الهرّة ونحوها نجاس ًة ث ّم شربت من ماء يسير بعد أن غابت فالماء طاهر ‪ ،‬لنّ‬
‫النّبيّ صلى ال عليه وسلم نفى عنها النّجاسة ‪ ،‬وتوضّأ بفضلها مع علمه بأنّها تأكل النّجاسات‬
‫ن الشّارع عفا عنها‬
‫‪ .‬وكذا إن شربت قبل أن تغيب فسؤرها طاهر كذلك في الرّاجح ‪ ،‬ل ّ‬
‫مطلقًا لمشقّة التّحرّز ‪.‬‬
‫وقال القاضي وابن عقيل ‪ :‬ينجس الماء ; لنّه وردت عليه نجاسة متيقّنة ‪ ،‬وقال المجد ابن‬
‫تيميّة ‪ :‬القوى عندي أنّها إن ولغت عقيب الكل فسؤرها نجس ‪ ،‬وإن كان بعده بزمن يزول‬
‫فيه أثر النّجاسة بالرّيق لم ينجس ‪ ،‬قال ‪ :‬وكذلك يقوى عندي جعل الرّيق مطهّرا أفواه‬
‫الطفال وبهيمة النعام ‪ ،‬وكلّ بهيمة أخرى طاهرة ‪ ،‬فإذا أكلوا نجاسةً وشربوا من ماء يسير‬
‫أو أكلوا من طعام فسؤرهم طاهر ‪ ،‬وقيل ‪ :‬إن غابت الهرّة ونحوها بعد أن أكلت النّجاسة‬
‫غيب ًة يمكن ورودها على ما يطهّر فمها فسؤرها طاهر وإلّ فنجس ‪ .‬وقيل ‪ :‬إن كانت الغيبة‬
‫قدر ما يطهّر فمها فطاهر ‪ ،‬وإلّ فنجس ‪.‬‬
‫‪ -6‬وذهب المالكيّة والوزاعيّ إلى أنّ سؤر البهائم جميعا طاهر ومطهّر إذا كان ماءً ‪ ،‬ولو‬
‫كانت هذه البهيمة محرّمة اللّحم أو كانت جلّالةً ‪ ،‬ويدخل في ذلك الكلب والخنزير ‪ ،‬وما تولّد‬
‫جمِيعا } فأباح النتفاع‬
‫ض َ‬
‫لرْ ِ‬
‫منها أو من أحدهما لقوله تعالى ‪ُ { :‬هوَ اّلذِي خََلقَ َلكُم مّا فِي ا َ‬
‫بالشياء كلّها ‪ ،‬ول يباح النتفاع إلّ بالطّاهر ‪ ،‬وحرمة الكل لبعض الحيوانات ل تدلّ على‬
‫ل أنّه‬
‫النّجاسة ‪ ،‬فالدميّ ومثله الذّباب والعقرب والزّنبور ونحوها طاهر ول يباح أكلها ‪ ،‬إ ّ‬
‫يجب غسل الناء من ولوغ الكلب مع طهارته تعبّدا ‪ ،‬ولكن يكره الوضوء بسؤر الكلب‬
‫والجلّالة والدّجاجة المخلّاة وشارب الخمر ‪ ،‬وكذا بقيّة الحيوانات الّتي ل تتوقّى النّجاسة كالهرّة‬
‫‪ ،‬إلّ إذا لم يجد ماءً آخر يتوضّأ به ‪ ،‬أو عسر الحتراز من الحيوانات الّتي ل تتّقي النّجاسة ‪،‬‬
‫أو كان السّؤر طعامًا فل يكره استعمال سؤر ما ذكر حينئذ ‪.‬‬
‫ولم يفرّق بعضهم بين الماء والطّعام وذلك لمشقّة الحتراز ‪ ،‬ولقوله صلى ال عليه وسلم في‬
‫الهرّة ‪ « :‬ليست بنجس إنّها من الطّوّافين عليكم أو الطّوّافات » ‪.‬‬
‫كما ذهبوا إلى طهارة سؤر الحائض والنّفساء والجنب ولو كانوا كفّارا ‪.‬‬

‫سائبة *‬
‫التّعريف ‪:‬‬
‫‪ -‬السّائبة من السّيب ‪ ،‬ومن معانيه في اللّغة الجري بسرعة ‪ ،‬والهمال والتّرك ‪ .‬وسيّب‬ ‫‪1‬‬

‫الشّيء ‪ :‬تركه ‪ .‬والسّائبة ‪ :‬العبد يعتق على أن ل ولء لمعتقه عليه ‪.‬‬
‫وكذلك السّائبة ‪ :‬البعير يدرك نتاج نتاجه فيسيّب ول يركب ول يحمل عليه عندهم ‪.‬‬
‫والسّائبة أيضا النّاقة الّتي كانت تسيّب في الجاهليّة لنذر ونحوه ‪ ،‬وكان الرّجل في الجاهليّة إذا‬
‫قدم من سفر بعيد ‪ ،‬أو برئ من علّة ‪ ،‬أو نجّته دابّة من مشقّة أو حرب قال ‪ :‬ناقتي سائبة ‪،‬‬
‫أي تسيّب ‪ ،‬فل ينتفع بظهرها ‪ ،‬ول تحلّأ ( ل تطرد ) عن ماء ‪ ،‬ول تمنع من كل ول تركب‬
‫‪.‬‬
‫والفقهاء يستعملون اللّفظ بالمعنيين ‪ :‬عتق العبد ول ولء له ‪.‬‬
‫وتسييب الدّابّة بمعنى رفع يده عنها وتركها على سبيل التّديّن ‪.‬‬
‫الحكام المتعلّقة بالسّائبة ‪:‬‬
‫‪ -‬تختلف الحكام المتعلّقة بتسييب السّوائب باختلف موضوعها ‪.‬‬ ‫‪2‬‬

‫فقد يكون التّسييب واجبا ‪ ،‬كما لو أحرم شخص وفي يده صيد فإنّه يجب عليه إرساله ‪.‬‬
‫وقد يكون مباحا ‪ ،‬كإرسال الصّيد عند من يقول بإباحة إرساله ‪.‬‬
‫وقد يكون حراما ‪ ،‬كتسييب الدّابّة ‪.‬‬
‫وقد يكون مكروها ‪ ،‬كعتق العبد سائبةً كما يقول المالكيّة ‪.‬‬
‫أوّلً ‪ :‬عتق العبد سائبةً ‪:‬‬
‫سيّد لعبده ‪ :‬أنت عتيق ‪ ،‬أو أعتقتك ‪،‬‬
‫‪ -‬من ألفاظ العتق ما هو صريح في العتق كقول ال ّ‬ ‫‪3‬‬

‫ومنها ما هو كناية يحتاج إلى نيّة ‪ ،‬ومن ذلك لفظ ( سائبة ) فمن قال لعبده ‪ :‬أنت سائبة ‪ ،‬فل‬
‫ل إذا نوى العتق ‪.‬‬
‫يعتق إ ّ‬
‫وقد اختلف الفقهاء إذا أعتق العبد سائبةً لمن يكون الولء ؟‬
‫فذهب الحنفيّة والشّافعيّة وهو المذهب عند الحنابلة وابن نافع من المالكيّة ومال إليه ابن‬
‫ن الشّرط باطل‬
‫العربيّ إلى أنّ الولء يكون لمعتقه ‪ ،‬حتّى ولو شرط أن ل ولء له عليه فإ ّ‬
‫ص ‪ .‬واستدلّوا بقول النّبيّ صلى ال عليه وسلم ‪ « :‬الولء لمن أعتق » ‪.‬‬
‫لنّه مخالف للنّ ّ‬
‫وقوله ‪ « :‬الولء بمنزلة النّسب » ‪.‬‬
‫فكما أنّه ل يزول نسب إنسان ول ولد عن فراش بشرط ‪ ،‬ل يزول ولء عن عتيق بالشّرط ‪،‬‬
‫ولذلك « لمّا أراد أهل بريرة أن يشترطوا على عائشة رضي ال تعالى عنها ولء بريرة إذا‬
‫عتقت قال صلى ال عليه وسلم ‪ :‬اشتريها واشترطي لهم الولء ‪ ،‬فإنّما الولء لمن أعتق » ‪،‬‬
‫وبهذا أيضا قال النّخعيّ والشّعبيّ وابن سيرين وراشد بن سعد وضمرة بن حبيب ‪ ،‬وعلى هذا‬
‫فإنّ معتقه ‪ .‬هو الّذي يرثه إن لم يكن له وارث ‪ ،‬قال سعيد ‪ :‬حدّثنا هشيم عن منصور أنّ‬
‫عمر وابن مسعود قال في ميراث السّائبة هو للّذي أعتقه ‪.‬‬
‫ن من أعتق عبده سائب ًة ل يكون لمعتقه الولء ‪،‬‬
‫وقال المالكيّة وهو المنصوص عن أحمد ‪ :‬إ ّ‬
‫قال المالكيّة ‪ :‬ويكون ولؤه للمسلمين يرثونه ويعقلون عنه ‪ ،‬ويكون عقد نكاحها إن كانت‬
‫أنثى ‪ -‬وهو قول عمر بن عبد العزيز والزّهريّ ومكحول وأبي العالية ‪.‬‬
‫وقال أحمد ‪ :‬إن مات العتيق وخلّف مالً ولم يدع وارثا اشتري بماله رقاب فأعتقوا ‪ ،‬وقد‬
‫أعتق ابن عمر عبدا سائبةً فمات فاشترى ابن عمر بماله رقابا فأعتقهم ‪.‬‬
‫وعن عطاء قال ‪ :‬كنّا نعلم أنّه إذا قال ‪ :‬أنت حرّ سائبة فهو يوالي من شاء ‪.‬‬
‫ثانيا ‪ :‬تسييب الدّوابّ ‪:‬‬
‫‪ -‬الصل أنّ تضييع المال حرام ‪ ،‬وقد أبطل اللّه سبحانه وتعالى ما كان يفعله أهل الجاهليّة‬ ‫‪4‬‬

‫من تسييب دوابّهم وتحريم النتفاع بها وجعلها للهتهم ‪ ،‬وعاب عليهم ذلك ‪ ،‬قال اللّه تعالى ‪:‬‬
‫ن اّلذِينَ كَ َفرُو ْا يَ ْف َترُونَ عَلَى اللّهِ‬
‫ل حَامٍ وَلَـكِ ّ‬
‫ل سَآئِبَ ٍة َولَ َوصِيلَةٍ َو َ‬
‫ل اللّ ُه مِن َبحِيرَةٍ َو َ‬
‫جعَ َ‬
‫{ مَا َ‬
‫ا ْل َكذِبَ وََأ ْكثَرُ ُهمْ لَ َيعْقِلُونَ } ‪ ،‬وروى مسلم عن أبي هريرة رضي ال عنه قال ‪ « :‬قال‬
‫رسول اللّه صلى ال عليه وسلم ‪ :‬رأيت عمرو بن عامر الخزاعيّ يجرّ قصبه أمعاءه في‬
‫النّار وكان أوّل من سيّب السّوائب » ‪.‬‬
‫وذهب جمهور الفقهاء إلى أنّ تسييب البهائم بمعنى تخليتها ورفع المالك يده عنها حرام ‪ ،‬لما‬
‫فيه من تضييع المال والتّشبّه بأهل الجاهليّة ‪ ،‬والواجب على من ملك بهيمةً أن ينفق عليها ما‬
‫تحتاجه من علف وسقي ‪ ،‬أو إقامة من يرعاها ‪ ،‬أو تخليتها لترعى حيث تجد ما يكفيها ‪ ،‬لما‬
‫ن النّبيّ صلى ال عليه وسلم قال ‪ « :‬دخلت امرأة‬
‫روى ابن عمر رضي ال تعالى عنهما أ ّ‬
‫النّار في هرّة ربطتها فلم تطعمها ولم تدعها تأكل من خشاش الرض » ‪.‬‬
‫فإن امتنع من علفها أجبره الحاكم على ذلك ‪ ،‬فإن أبى أو عجز أجبر على بيعها أو ذبحها إن‬
‫كانت ممّا تؤكل ‪ ،‬وهذا عند جمهور الفقهاء ‪.‬‬
‫وفي ظاهر الرّواية عند الحنفيّة يجبر على النفاق ديانةً ول يجبر قضا ًء ‪.‬‬
‫ومن سيّب دابّته فل يزول ملكه عنها ‪ .‬وهذا في الجملة ‪.‬‬
‫ومن سيّب دابّته فأخذها إنسان فأصلحها ثمّ جاء صاحبها ‪ .‬قال الحنفيّة ‪ :‬هذا على وجهين ‪:‬‬
‫أحدهما أن يقول عند التّسييب ‪ :‬جعلتها لمن أخذها ‪ ،‬فحينئذ ل سبيل لصاحبها عليها لنّه أباح‬
‫التّملّك ‪ ،‬وفي القياس تكون لصاحبها ‪.‬‬
‫ن صاحبها له أن يأخذها ممّن أصلحها ‪ ،‬لنّه لو‬
‫والثّاني ‪ :‬إن كان سيّبها ولم يقل شيئا ‪ ،‬فإ ّ‬
‫جاز تملّك من وجدها وأصلحها من غير قول المالك هي لمن أخذها ‪ ،‬لجاز ذلك في الجارية‬
‫والعبد يتركه مريضا في أرض مهلكة ‪ ،‬فيأخذه رجل فينفق عليه فيبرأ فيصير ملكا له ‪ ،‬ويطأ‬
‫الجارية ويعتق العبد بل شراء ول هبة ول إرث ول صدقة ‪ ،‬وهذا أمر قبيح ‪.‬‬
‫وقال الحنابلة ‪ :‬من ترك دابّته بمهلكة فأخذها إنسان فأطعمها وسقاها وخلّصها ملكها ‪ ،‬وبهذا‬
‫قال اللّيث وإسحاق ‪ ،‬وذلك لما روى الشّعبيّ مرفوعا أنّ رسول اللّه صلى ال عليه وسلم قال‬
‫‪ « :‬من وجد دابّ ًة قد عجز عنها أهلها أن يعلفوها فسيّبوها فأخذها فأحياها فهي له » ‪.‬‬
‫قال الحنابلة ‪ :‬وهذا إذا لم يتركها ليرجع إليها أو ضلّت منه ‪ ،‬فحينئذ ل يملكها آخذها وتكون‬
‫لربّها ‪.‬‬
‫ثالثا ‪ :‬تسييب الصّيد ‪:‬‬
‫‪ -‬من ملك صيدًا فإنّه يحرم عليه تسييبه وإرساله ‪ ،‬لنّه يشبه السّوائب في الجاهليّة الّتي‬ ‫‪5‬‬

‫حرّمها اللّه سبحانه وتعالى ‪ ،‬وفيه تضييع للمال ‪ ،‬وهذا عند الشّافعيّة في الصحّ وهو المذهب‬
‫عند الحنابلة وهو قول الحنفيّة ‪ ،‬سواء أباحه لمن يأخذه أو لم يبحه ‪.‬‬
‫ن حرمة الرسال مقيّدة بما إذا كان الرسال من غير إباحة لحد ‪ ،‬أمّا‬
‫وفي قول آخر عندهم أ ّ‬
‫إذا أباحه لمن يأخذه فيجوز إرساله ‪.‬‬
‫قال ابن عابدين ‪ :‬والحاصل أنّ إطلق الصّيد من يده جائز إن أباحه لمن يأخذه ‪ ،‬وقيل ‪ :‬ل‬
‫يجوز إعتاقه مطلقا " أي سواء أباحه لمن يأخذه أو لم يبحه " ‪ ،‬لنّه وإن أباحه فالغلب أنّه ل‬
‫يبقى في يد أحد فيبقى سائب ًة ‪ ،‬وفيه تضييع المال ‪.‬‬
‫وفي القول الثّاني عند الشّافعيّة يجوز الرسال ‪ ،‬وهو احتمال عند الحنابلة ذكره ابن قدامة في‬
‫المغني ث ّم قال ‪ :‬والرسال هنا يفيد ‪ ،‬وهو ردّ الصّيد إلى الخلص من أيدي الدميّين وحبسهم‬
‫ي فأرسله ‪.‬‬
‫‪ ،‬ولهذا روي عن أبي الدّرداء أنّه اشترى عصفورا من صب ّ‬
‫هذا ويستثنى من حرمة الرسال ما إذا خيف على ولد الصّيد بحبس ما صاده ‪ ،‬فحينئذ يجب‬
‫إرساله صيانةً لروحه ‪.‬‬
‫وتسييب الصّيد ل يزيل ملك صاحبه عنه ‪ ،‬ومن أخذه لزمه ردّه لنّ رفع اليد ل يقتضي‬
‫زوال الملك ‪.‬‬
‫ح عند الشّافعيّة ‪ ،‬ومقابل الصحّ عند الشّافعيّة‬
‫وذلك عند الحنفيّة وهو مذهب الحنابلة والص ّ‬
‫يزول ملكه عنه ويملكه من أخذه ‪،‬وزوال الملك هو احتمال ذكره صاحب المغني من الحنابلة‪.‬‬
‫ن ملك صاحبه يزول عنه ويباح لمن أخذه ‪،‬‬
‫أمّا لو قال عند إرساله ‪ :‬أبحته لمن يأخذه ‪ ،‬فإ ّ‬
‫وهذا عند الحنفيّة والشّافعيّة ‪ ،‬لكن قال الشّافعيّة ‪ :‬لو قال مطلق التّصرّف عند إرساله ‪ :‬أبحته‬
‫ل لمن أخذه أكله بل ضمان ‪ ،‬وله إطعام غيره ‪ ،‬ول ينفذ تصرّفه‬
‫لمن يأخذه أو أبحته فقط ‪ ،‬ح ّ‬
‫فيه ببيع ونحوه ‪.‬‬
‫وقال المالكيّة ‪ :‬إن اصطاد شخص صيدا وأرسله باختياره وصاده آخر فهو للثّاني اتّفاقا‬
‫عندهم ‪ ،‬قاله اللّخميّ ‪.‬‬
‫رابعا ‪ :‬تسييب صيد الحرم ‪:‬‬
‫‪ -‬صيد الحرم حرام على الحلل والمحرم « لقول النّبيّ صلى ال عليه وسلم يوم فتح مكّة‬ ‫‪6‬‬

‫ن هذا البلد حرّمه اللّه ول يعضد شوكه ول ينفّر صيده » ‪.‬‬


‫إّ‬
‫ومن ملك صيدا في الحلّ ثمّ أحرم أو دخل به الحرم وجب عليه إرساله ‪ ،‬أي يجب عليه أن‬
‫يطلق الصّيد بمجرّد إحرامه أو دخوله الحرم ‪ ،‬لنّ الحرم سبب محرّم للصّيد ويوجب ضمانه‬
‫فحرم استدامة إمساكه كالحرام ‪ ،‬فإن لم يرسله وتلف فعليه جزاؤه وهذا عند الحنفيّة والمالكيّة‬
‫والحنابلة ‪.‬‬
‫وقال الشّافعيّة على ما جاء في مغني المحتاج ‪ :‬لو أدخل الحلل معه إلى الحرم صيدا مملوكا‬
‫له ل يضمنه ‪ ،‬بل له إمساكه فيه وذبحه التّصرّف فيه كيف شاء لنّه صيد حلّ ‪ ،‬ثمّ قال بعد‬
‫ذلك ‪ :‬وإن كان في ملكه صيد فأحرم ‪ ،‬زال ملكه عنه ولزمه إرساله ‪ ،‬لنّه يراد للدّوام فتحرم‬
‫استدامته ‪ .‬وينظر تفصيل ذلك في ‪ ( :‬حرم ‪ ،‬صيد ‪ ،‬إحرام ) ‪.‬‬

‫سائق *‬
‫التّعريف ‪:‬‬
‫‪ -‬السائق في اللّغة ‪ :‬اسم فاعل " ساق " ‪ ،‬يقال ‪ :‬ساق البل يسوقها سوقا وسياقا ‪ ،‬فهو‬ ‫‪1‬‬

‫شهِيدٌ } أي سائق يسوقها إلى المحشر‪،‬‬


‫س ّم َعهَا سَائِقٌ َو َ‬
‫ت كُلّ نَفْ ٍ‬
‫سائق ‪ .‬وفي التنزيل { َوجَاء ْ‬
‫واسم المفعول ‪ " :‬مسوق " ‪.‬‬
‫وسائق البل يكون خلفها بخلف الرّاكب والقائد ‪.‬‬
‫فالرّاكب يمتطيها ويعلو عليها ‪ ،‬والقائد يكون أمامها آخذا بقيادها ‪.‬‬
‫الحكم الجمالي ‪:‬‬
‫‪ -‬ذهب جمهور الفقهاء إلى أنّه إذا ساق في الطريق العام دابّة أو دواب فجنت على نفس‪،‬‬ ‫‪2‬‬

‫أو أتلفت مالً ضمن السائق ما أتلفته ‪ ،‬سواء أكان مالكا أم غاصبا ‪ ،‬أم أجيرا أم مستأجرا ‪ ،‬أم‬
‫مستعيرا أم موصى له بالمنفعة ‪ ،‬وقالوا ‪ :‬لنّها في يده ‪ ،‬وفعلها منسوب له ‪ ،‬فعليه حفظها ‪،‬‬
‫وتعهدها ‪ ،‬ولنّ إباحة السوق في الطريق العام مشروطة بسلمة العاقبة ‪ ،‬فإن حصل تلف‬
‫بسببه لم يتحقق الشرط فوقع تعديا ‪ ،‬فيكون المتولد منه مما يمكن الحتراز عنه فيكون‬
‫مضمونا ‪ ،‬وهذا مما يمكن الحتراز عنه بأن يذود النّاس عن الطريق ‪ ،‬فيضمن وسواء أكان‬
‫السائق راجلً أم راكبا ‪.‬‬
‫و خص الحنابلة الضّمان ب ما تتل فه الدا بة بيد ها ‪ ،‬أو فم ها ‪ ،‬أو وطئت برجل ها ‪ .‬أ ما ما تنف حه‬
‫برجلها فل يضمن ‪.‬‬
‫لخبر « الرجل جبار » وفي رواية « رجل العجماء جبار » فدلّ على وجوب الضمان في‬
‫جنايتها بغير رجلها ‪ ،‬وخصص عدم الضمان بالنفح دون الوطء لنّ من بيده الدّابة يمكنه أن‬
‫يجنبها وطء مال يريد أن تطأه بتصرفه فيها ‪ ،‬بخلف نفحها ‪ ،‬فإنّه ل يمكنه أن يمنعها منه ‪.‬‬
‫وقال المالكيّة ‪ :‬ل يضمن السائق إل إذا حدث التلف بفعل منه ‪.‬‬
‫وإذا كان مع السائق قائد ‪ ،‬أو راكب ‪ ،‬أو هما وكل منهم يتصرف في الدّابة اشتركوا في‬
‫الضّمان لشتراكهم في التصرف ‪.‬‬
‫وقال الحنفيّة ‪ :‬ويجب على الراكب أيضا الكفارة في صورة القتل الخطأ ويحرم من الميراث‬
‫ن هذه‬
‫والوصية ‪ ،‬أما الراجل منهم فل كفارة عليه ‪ ،‬ول يمنع من الميراث والوصية ‪ ،‬ل ّ‬
‫أحكام تتعلق بمباشرة القتل ل بالتسبيب ‪ ،‬والمباشرة من الراكب ل من غيره ‪.‬‬
‫والتّفصيل في ( ضمان ) ‪.‬‬
‫ب المقطورة " ‪:‬‬
‫سائق القطار " الدّوا ّ‬
‫ب قطارا مربوطا بعضها ببعض ويقودها قائد ‪ ،‬والسّائق في آخرها‬
‫‪ -‬إذا كانت الدّوا ّ‬ ‫‪3‬‬

‫فالضّمان عليهما ‪ ،‬لنّ كلّا منهما سبب التّلف ‪ .‬وإن كان السّائق في وسط القطار فالضّمان‬
‫ن السّائق يسوق ما بين يديه وهو قائد لما خلفه ‪ ،‬والسّوق والقود كلّ واحد منهما‬
‫عليهما ‪ ،‬ل ّ‬
‫سبب لوجوب الضّمان ‪ .‬وإلى هذا ذهب الحنفيّة ‪.‬‬
‫وقال الحنابلة ‪ :‬إن كان السّائق في آخر المقطورة شارك القائد في ضمان الخير فقط ‪،‬‬
‫لنّهما اشتركا في التّصرّف على الخير ‪ ،‬ول يشارك القائد فيما قبل الخير لنّه ليس سائقا‬
‫لما قبل الخير ول هو تابع لما يسوقه ‪.‬‬
‫وإن كان في أوّل المقطورة شارك القائد في ضمان جناية الكلّ ‪ ،‬لنّه لو انفرد بذلك لضمن‬
‫ن ما بعد الوّل تابع ‪ ،‬سائر بسيره فإذا كان معه غيره وجب أن يشاركه في‬
‫جناية الجميع ‪ ،‬ل ّ‬
‫ذلك ‪.‬‬
‫وإن كان السّائق فيما عدا الوّل من المقطورة شارك القائد ‪ ،‬في ضمان ما باشر سوقه ‪ ،‬وفي‬
‫ضمان ما بعد الّذي باشر سوقه ‪ ،‬لنّه تابع له ‪ ،‬ول يشارك السّائق القائد في ضمان ما قبل ما‬
‫باشر سوقه لنّه ليس سائقا له ‪ ،‬وهذا القسم من المقطورة ليس تابعا لما يسوقه ‪ .‬وحيث وجب‬
‫الضّمان فهو على السّائق إن كان المجنيّ عليه ممّا ل تحمل العاقلة غرمه كالمال ‪.‬‬
‫وإن كانت الجناية ممّا تحمله العاقلة كدية القتل الخطأ فالغرم عليها ‪ ( .‬ر ‪ :‬عاقلة ) ‪.‬‬
‫السّائق مع الماشية حرز لها ‪:‬‬
‫‪ -‬الماشية المسوقة محرزة بسائقها ‪ ،‬فيقطع سارقها بشرط أن ينتهي نظر السّائق إليها ‪،‬‬ ‫‪4‬‬

‫فإن كان ل يرى البعض لحائل فهذا البعض غير محرز ‪ ،‬وإلى هذا ذهب جمهور الفقهاء ‪.‬‬
‫وفي وجه للشّافعيّة ‪ :‬ل يشترط ذلك ‪.‬‬
‫ن السّائق ونحوه كالقائد إنّما‬
‫وقال الحنفيّة ‪ :‬إنّها غير محرزة فل يقطع سارقها ‪ ،‬وقالوا ‪ :‬ل ّ‬
‫يقصدون قطع المسافة ‪ ،‬ونقل المتعة دون حفظ الدّابّة ‪.‬‬
‫تنازع السّائق مع الرّاكب ‪:‬‬
‫ل إذا جرى‬
‫‪ -‬إذا تنازع السّائق مع الرّاكب في ملكيّة الدّابّة ول بيّنة ‪ ،‬صدّق الرّاكب ‪ ،‬إ ّ‬ ‫‪5‬‬

‫العرف على سوق المالك الدّابّة ‪ ،‬فيتّبع العرف ‪ .‬والتّفصيل في ( دعوى ‪ ،‬وبيّنة ) ‪.‬‬

‫سائمة *‬
‫التّعريف ‪:‬‬
‫‪ -‬السّائمة في اللّغة ‪ :‬الرّاعية من الحيوانات ‪ ،‬سمّيت بذلك لنّها ترعى العشب والكل‬ ‫‪1‬‬

‫المباح ‪ ،‬يقال ‪ :‬سامت تسوم سوما إذا رعت ‪ ،‬وأسمتها ‪ :‬إذا رعيتها ‪ ،‬ومنه قوله تعالى ‪{ :‬‬
‫جرٌ فِي ِه ُتسِيمُونَ } أي ترعون فيه أنعامكم ‪.‬‬
‫شَ‬‫َو ِمنْ ُه َ‬
‫وفي اصطلح الفقهاء ‪ :‬هي الّتي تكتفي بالرّعي المباح في أكثر العام ‪.‬‬
‫وقيّد الحنفيّة والحنابلة ذلك بأن يكون بقصد الدّرّ والنّسل والزّيادة ‪.‬‬
‫اللفاظ ذات الصّلة ‪:‬‬
‫العلوفة ‪:‬‬
‫‪ -‬العلوفة ‪ :‬هي ما يعلف من النّوق أو الشّياه ول ترسل للرّعي ‪.‬‬ ‫‪2‬‬

‫ويطلق على ما تأكل الدّابّة ‪ ،‬وعلى هذا فالعلقة بين السّائمة والعلوفة ض ّديّة ‪.‬‬
‫الحكام المتعلّقة بالسّائمة ‪:‬‬
‫اشتراط السّوم في وجوب زكاة الماشية ‪:‬‬
‫‪ -‬يشترط في وجوب زكاة الماشية السّوم عند جمهور الفقهاء من الحنفيّة والشّافعيّة‬ ‫‪3‬‬

‫والحنابلة وأكثر أهل العلم ‪ ،‬فتجب الزّكاة في السّائمة من البل والبقر والغنم ‪ ،‬وكذلك الخيل‬
‫عند أبي حنيفة ‪ ،‬لما جاء في صحيح البخاريّ من حديث أبي بكر ‪ « :‬في صدقة الغنم في‬
‫سائمتها إذا كانت أربعين فيها شاة »‬
‫وروى أبو داود عن بهز بن حكيم عن أبيه عن جدّه قال ‪ :‬سمعت رسول اللّه صلى ال عليه‬
‫وسلم يقول ‪ « :‬في كلّ سائمة إبل في أربعين ابنة لبون » ‪.‬‬
‫وأمّا النعام المعلوفة فل زكاة فيها لنتفاء السّوم ‪ ،‬لنّ وصف البل بالسّائمة يدلّ مفهومه‬
‫ن ذكر السّوم ل ب ّد من فائدة يعتدّ بها صيانةً لكلم الشّارع‬
‫على أنّ المعلوفة ل زكاة فيها ‪ ،‬وأ ّ‬
‫عن اللّغو ‪.‬‬
‫وعند المالكيّة ‪ :‬ل يشترط السّوم في زكاة النعام ‪ ،‬فأوجبوا الزّكاة في المعلوفة من البل‬
‫والبقر والغنم ‪ ،‬كما أوجبوها في السّائمة سوا ًء بسواء ‪ ،‬لعموم قوله عليه الصلة والسلم ‪« :‬‬
‫ن التّقييد بالسّائمة في الحديث لنّه الغالب‬
‫إذا بلغت خمسا من البل ففيها شاة » ‪ .‬وقالوا ‪ :‬إ ّ‬
‫على مواشي العرب ‪ ،‬فهو لبيان الواقع ل مفهوم له ‪.‬‬
‫السّوم الّذي تجب فيه الزّكاة ‪:‬‬
‫‪ -‬القائلون بوجوب الزّكاة في النعام السّائمة ‪ ،‬يختلفون في اعتبار السّوم الّذي تجب به‬ ‫‪4‬‬

‫الزّكاة ‪ ،‬فاشترط الحنفيّة والحنابلة أن ترعى العشب المباح في البراري في أكثر العام بقصد‬
‫ال ّدرّ والنّسل والتّسمين ‪ ،‬فإن أسامها للذّبح أو الحمل أو الرّكوب أو الحرث ‪ ،‬فل زكاة فيها‬
‫لعدم النّماء ‪ ،‬وإن أسامها للتّجارة ففيها زكاة التّجارة ‪.‬‬
‫وإن أسامها بنفسها بدون أن يقصد مالكها ذلك فل زكاة فيها عند الحنفيّة ‪.‬‬
‫وأمّا عند الحنابلة على الصحّ فل يعتبر للمسوم والعلف نيّة ‪ ،‬فتجب الزّكاة في سائمة بنفسها‬
‫أو سائمة بفعل غاصبها ‪ ،‬كغصبه حبّا وزرعه في أرض مالكه ففيه العشر على مالكه‪ ،‬كما‬
‫لو نبت بل زرع ‪.‬‬
‫ول تجب الزّكاة في معتلفة بنفسها أو بفعل غاصب لعلفها مالكا كان أو غيره ‪.‬‬
‫والسّوم عند الشّافعيّة أن يرسل النعام صاحبها للرّعي في كل مباح في جميع الحول ‪ ،‬أو في‬
‫الغالبيّة العظمى منه ‪ ،‬ولو سامت بنفسها أو بفعل غاصب أو المشتري شراءً فاسدا لم تجب‬
‫ن السّوم‬
‫الزّكاة في الصحّ لعدم إسامة المالك ‪ ،‬وإنّما اعتبر قصده دون قصد العتلف ‪ ،‬ل ّ‬
‫يؤثّر في وجوب الزّكاة فاعتبر فيه قصده ‪ ،‬والعتلف يؤثّر في سقوطها ‪ ،‬فل يعتبر قصده ;‬
‫ن الصل عدم وجوبها ‪ ،‬وبذلك يشترط عند الشّافعيّة أن يكون كلّ السّوم من المالك أو من‬
‫لّ‬
‫يقوم مقامه ‪ ،‬فل زكاة فيما لو سامت بنفسها أو أسامها غير المالك ‪ ،‬وإن اعتلفت السّائمة‬
‫ح لعدم‬
‫بنفسها أو علفها الغاصب القدر المؤثّر من العلف فيهما ‪ ،‬لم تجب الزّكاة في الص ّ‬
‫السّوم ‪ ،‬أو كانت عوامل في حرث ونضح ونحوه ‪ ،‬لنّها ل تقتنى للنّماء بل للستعمال ‪،‬‬
‫كثياب البدن ومتاع الدّار ‪.‬‬
‫وللتّفصيل في الحكام المتعلّقة بسائمة النعام تنظر مباحث ‪ ( :‬زكاة ‪ ،‬بقر ‪ ،‬إبل ‪ ،‬غنم ) ‪.‬‬

‫ساعة الجابة *‬
‫انظر ‪ :‬مواطن الجابة ‪.‬‬

‫ساعد *‬
‫التّعريف ‪:‬‬
‫‪ -‬السّاعد من النسان لغةً ‪ :‬هو ما بين المرفق والكفّ ‪ ،‬وهو مذكّر ‪ ،‬سمّي ساعدا لنّه‬ ‫‪1‬‬

‫يساعد الكفّ في بطشها وعملها ‪ ،‬والجمع سواعد ‪.‬‬


‫والسّاعد ملتقى الزّندين من لدن المرفق إلى الرّسغ ‪.‬‬
‫والسّاعد هو العلى من الزّندين عند بعض العرب ‪ ،‬والذّراع السفل منهما ‪.‬‬
‫قال اللّيث ‪ :‬الذّراع والسّاعد واحد ‪.‬‬
‫قال الزهريّ ‪ :‬والسّاعد ساعد الذّراع ‪ ،‬وهو ما بين الزّندين والمرفق ‪.‬‬
‫ي هو معناه اللّغويّ ‪.‬‬
‫وقال في المصباح ‪ :‬والسّاعد أيضًا العضد ‪ .‬ومعناه الصطلح ّ‬
‫اللفاظ ذات الصّلة ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬العضد ‪:‬‬
‫‪ -‬العضد ما بين المرفق إلى الكتف ‪.‬‬ ‫‪2‬‬

‫ب ‪ -‬الذّراع ‪:‬‬
‫‪ -‬الذّراع من النسان هو من المرفق إلى أطراف الصابع ‪.‬‬ ‫‪3‬‬

‫ج ‪ -‬اليد ‪:‬‬
‫‪ -‬لليد إطلقات ثلثة ‪ ،‬فهي من المنكب إلى أطراف الصابع ‪ ،‬ومن المرافق إلى أطراف‬ ‫‪4‬‬

‫الصابع ‪ ،‬والكفّ وحدها أي من الرّسغ إلى أطراف الصابع ‪.‬‬


‫الحكام المتعلّقة بالسّاعد ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬في الوضوء ‪:‬‬
‫‪ -‬ذهب الجمهور إلى وجوب غسل السّاعد شاملً المرفق عند الوضوء لقوله تعالى ‪ { :‬يَا‬ ‫‪5‬‬

‫غسِلُواْ ُوجُو َه ُكمْ وََأ ْي ِديَ ُكمْ إِلَى ا ْل َمرَافِقِ } ‪،‬‬


‫َأ ّيهَا اّلذِينَ آ َمنُواْ ِإذَا قُ ْم ُتمْ إِلَى الصّل ِة فا ْ‬
‫ولحديث « كان صلى ال عليه وسلم إذا توضّأ أدار الماء على مرفقيه » ‪.‬‬
‫ن الغاية‬
‫وذهب زفر وبعض أصحاب مالك إلى عدم وجوب غسل المرفقين عند الوضوء ل ّ‬
‫عندهم ل تدخل في المغيّا ‪ ،‬كما ل يدخل اللّيل تحت المر بالصّوم في قوله تعالى ‪ُ { :‬ثمّ‬
‫ل } ‪ .‬والتّفصيل في مصطلح ‪ ( :‬وضوء ) ‪.‬‬
‫صيَامَ إِلَى الّليْ ِ‬
‫َأ ِتمّواْ ال ّ‬
‫ب ‪ -‬في التّيمّم ‪:‬‬
‫‪ -‬اختلف الفقهاء في حكم مسح السّاعدين في التّيمّم ‪.‬‬ ‫‪6‬‬

‫فذهب الحنفيّة والشّافعيّة وهو قول عند المالكيّة ‪ :‬إلى وجوب مسح السّاعد مع المرفق عند‬
‫ن التّيمّم بدل عنه ‪.‬‬
‫التّيمّم ‪ .‬واستدلّوا بأدلّة الجمهور في الوضوء ‪ ،‬ل ّ‬
‫وذهب الحنابلة وهو الرّاجح عند المالكيّة والقول القديم للشّافعيّ ‪ :‬إلى أنّه يمسح يديه إلى‬
‫كوعيه ول يجب عليه مسح السّاعد ‪ ،‬لما روي « أنّ عمّار بن ياسر رضي ال عنهما أجنب‬
‫فتمعّك في التّراب ‪ ،‬فقال له رسول اللّه صلى ال عليه وسلم ‪ :‬يكفيك الوجه والكفّان » ‪.‬‬
‫والتّفصيل في مصطلح ‪ ( :‬تيمّم ) ‪.‬‬
‫ج ‪ -‬العورة ‪:‬‬
‫ن السّاعد داخل في عورة المرأة الحرّة في الصّلة وفي غير الصّلة‪.‬‬
‫‪-‬ذهب الجمهور إلى أ ّ‬ ‫‪7‬‬

‫إلّ أنّ المالكيّة يرون أنّ السّاعد من العورة الخفيفة للمرأة الحرّة ‪ ،‬فإذا انكشف في الصّلة‬
‫أعادتها ما دامت في الوقت ‪ ،‬ول تعيد في غير الوقت ‪.‬‬
‫واختلفت الرّواية عند الحنفيّة في حكم الذّراع " السّاعد " ففي رواية أنّه عورة في الصّلة وفي‬
‫غير الصّلة وهو الصحّ ‪.‬‬
‫وفي رواية أخرى هو عورة في الصّلة ل خارجها ‪ .‬وروي عن أبي يوسف أنّه يباح النّظر‬
‫إلى ساعد المرأة الحرّة الجنبيّة إذا آجرت نفسها للخدمة كالطّبخ وغسل الثّياب وغير ذلك ‪،‬‬
‫كما يجوز النّظر إلى مرفقها ‪ ،‬لنّ الحاجة تدعو إلى إبدائهما عاد ًة ‪.‬‬
‫والتّفاصيل في مصطلح ‪ ( :‬عورة ) ‪.‬‬
‫د ‪ -‬في القصاص ‪:‬‬
‫ي عليه من المرفق عمدا ‪ ،‬وجب‬
‫‪ -‬أجمع الفقهاء على أنّه لو قطع الجاني يد المجن ّ‬ ‫‪8‬‬

‫القصاص على الجاني ‪.‬‬


‫كما أجمعوا على أنّه لو قطعها من نصف السّاعد أو نحوه فليس للمجنيّ عليه أن يقطع يد‬
‫ل ضرب رجلً على ساعده بالسّيف‬
‫الجاني من نفس ذلك الموضع ‪ ،‬لما روي « أنّ رج ً‬
‫ي صلى ال عليه وسلم فأمر له بالدّية فقال ‪ :‬إنّي‬
‫فقطعها من غير مفصل فاستعدى عليه النّب ّ‬
‫ن القطع ليس من مفصل فيتعذّر‬
‫أريد القصاص قال ‪ :‬خذ الدّية بارك اللّه لك فيها » ول ّ‬
‫الستيفاء من غير حيف ول زيادة ‪.‬‬
‫ن فيه تحصيل استيفاء‬
‫ن له قطع يد الجاني من مفصل الكفّ ‪ ،‬ل ّ‬
‫ولكن يرى بعض العلماء أ ّ‬
‫بعض الحقّ والميسور ل يسقط بالمعسور ‪ ،‬وله حكومة عدل في الباقي ‪ ،‬لنّه لم يأخذ عوضًا‬
‫ن له العفو عن الجناية أو العدول إلى المال ‪.‬‬
‫عنه ‪ ،‬كما أ ّ‬
‫والتّفاصيل في مصطلح ‪ ( :‬جناية ‪ ،‬قصاص ‪ ،‬قود ) ‪.‬‬
‫هـ ‪ -‬في الدّية ‪:‬‬
‫‪ -‬أجمع الفقهاء على أنّه لو قطع يده من مفصل الكفّ خطأً أو عدل المجنيّ عليه في العمد‬ ‫‪9‬‬

‫إلى الدّية ‪ ،‬فإنّه يجب على الجاني دية اليد كامل ًة ; لنّ اسم اليد عند الطلق ينصرف إلى‬
‫سبَا } ولهذا تقطع يد‬
‫جزَاء ِبمَا َك َ‬
‫طعُواْ َأ ْي ِد َي ُهمَا َ‬
‫هذا بدليل قوله تعالى ‪ { :‬وَالسّا ِرقُ وَالسّا ِرقَةُ فَا ْق َ‬
‫السّارق من مفصل الكفّ ‪.‬‬
‫فإذا قطعت يده من فوق الكوع ‪ ،‬كأن يقطعها الجاني من المرفق أو نصف السّاعد ‪ ،‬فليس‬
‫عليه إلّ دية اليد عند جمهور الفقهاء من المالكيّة والحنابلة وبعض الشّافعيّة ‪ ،‬وهو قول عطاء‬
‫وقتادة والنّخعيّ وابن أبي ليلى ‪ ،‬وأبي يوسف من الحنفيّة ‪.‬‬
‫وذهب الحنفيّة والشّافعيّة إلى أنّه يجب مع الدّية حكومة لما زاد عن الكفّ من السّاعد والعضد‬
‫ف ليس بتابع له ‪ ،‬ول يقع عليه اسم‬
‫ونحوهما ‪ ،‬كما لو قطعه بعد قطع الكفّ ‪ ،‬لنّ ما فوق الك ّ‬
‫اليد ‪ ،‬وإلى هذا ذهب القاضي أبو يعلى من الحنابلة ‪.‬‬
‫وينظر التّفصيل في ‪ ( :‬دية ) ‪.‬‬

‫ساق *‬
‫التّعريف ‪:‬‬
‫‪ -‬المراد بالسّاق ساق القدم ‪ ،‬وهي ما بين الرّكبة والقدم ‪.‬‬ ‫‪1‬‬

‫الحكام المتعلّقة بالسّاق ‪:‬‬


‫حكم السّاق من حيث كونها عورةً ‪:‬‬
‫‪ -‬ساق الرّجل ليست من العورة ‪ ،‬واتّفق فقهاء المذاهب الربعة على أ نّ ساق المرأة الّتي‬ ‫‪2‬‬

‫بلغـت حدّ الشّهوة عورة بالنّسـبة لغيـر المحارم ‪ ،‬أمّا المحارم فقـد ذهـب جمهور الفقهاء مـن‬
‫الحنفيّة والشّافعيّة والحنابلة إلى أنّه مع أمن الشّهوة يجوز للرّجل أن ينظر من محرمه ال سّاق‪،‬‬
‫وخالف في ذلك المالكيّة فقالوا ‪ :‬ال سّاق من المرأة عورة حتّى بالنّ سبة إلى الرّجال المحارم ‪.‬‬
‫والتّفصيل في مصطلح ‪ ( :‬عورة ) ‪.‬‬
‫القصاص في السّاق ‪:‬‬
‫‪ -‬أجمع الفقهاء على وجوب القصاص في الرّجل إذا قطعت عمدا من مفصل الكعب أو‬ ‫‪3‬‬

‫مفصل الرّكبة أو مفصل الورك ‪.‬‬


‫ن القطع ليس من مفصل فيتعذّر‬
‫ص من نفس الموضع ‪ ،‬ل ّ‬
‫وإذا قطعت رجله من السّاق فل يقت ّ‬
‫ل مَا عُو ِقبْتُم ِبهِ }‬
‫الستيفاء من غير حيف ول زيادة لقوله تعالى ‪ { :‬وَِإنْ عَا َق ْب ُتمْ َفعَا ِقبُواْ ِب ِمثْ ِ‬
‫ع َتدَى عََل ْي ُكمْ } ‪.‬‬
‫ع َتدُواْ عََليْ ِه ِب ِمثْلِ مَا ا ْ‬
‫ع َتدَى عََل ْي ُكمْ فَا ْ‬
‫وقوله تعالى ‪َ { :‬فمَنِ ا ْ‬
‫إلّ أنّهم اختلفوا في مسألتين ‪:‬‬
‫الولى ‪ :‬يرى بعض الفقهاء أنّه ل قصاص في لحم السّاق والفخذ والسّاعد والعضد ولو انتهى‬
‫الجرح إلى العظم لتعذّر الستيفاء بالمثل ‪ ،‬وذهب أكثر أهل العلم إلى وجوب القصاص في‬
‫جرُوحَ ِقصَاصٌ } ولنّه يمكن‬
‫هذه العضاء إذا انتهى الجرح إلى العظم لقوله تعالى ‪ { :‬وَا ْل ُ‬
‫استيفاؤها بغير حيف ول زيادة ‪.‬‬
‫الثّانية ‪ :‬يرى بعض الفقهاء أ نّ للمجن يّ عليه قطع رجل الجاني ‪ -‬الّذي قطع رجله من ال سّاق‬
‫ن فيه تحصيل استيفاء بعض الحقّ ‪ ،‬ويأخذ حكومة الباقي عوضا عنه‪.‬‬
‫‪ -‬من مفصل الكعب ل ّ‬
‫في حين يرى البعض الخر أنّه ليس له ذلك ‪.‬‬
‫والتّفصيل في مصطلح ‪ ( :‬قصاص ‪ ،‬قود ‪ ،‬جناية ) ‪.‬‬
‫دية السّاق ‪:‬‬
‫‪ -‬أجمع الفقهاء على وجوب دية الرّجل كاملةً في قطعها من مفصل الكعب خطأً ‪ ،‬أو في‬ ‫‪4‬‬

‫حال سقوط القصاص ‪ ،‬والمصير إلى الدّية في العمد ‪ ،‬لنّ اسم الرّجل ينصرف إلى هذا عند‬
‫الطلق ‪ ،‬فإذا قطعت رجله من السّاق فليس على الجاني إلّ دية الرّجل عند جمهور الفقهاء‬
‫من المالكيّة والحنابلة وبعض الشّافعيّة ‪ ،‬وهو قول عطاء وقتادة والنّخعيّ وابن أبي ليلى ‪،‬‬
‫ن ما فوق الكعب تابع له ‪.‬‬
‫وأبي يوسف من الحنفيّة ‪ ،‬ل ّ‬
‫وذهب جمهور الحنفيّة والشّافعيّة إلى أنّه يجب مع دية الرّجل حكومة لما زاد على الكعب من‬
‫السّاق وغيره ‪.‬‬
‫والتّفصيل في مصطلح ‪ ( :‬دية ‪ ،‬وحكومة عدل ) ‪.‬‬

‫ساكت *‬
‫انظر ‪ :‬سكوت ‪.‬‬

‫سباق *‬
‫التّعريف ‪:‬‬
‫‪ -‬السّباق لغ ًة ‪ :‬مصدر سابق إلى الشّيء سبقه وسباقا ‪ ،‬أسرع إليه ‪.‬‬ ‫‪1‬‬

‫ل أمر سبقة ‪ ،‬وسابقة ‪،‬وسبق‪.‬‬


‫ل شيء ‪ ،‬تقول ‪ :‬له في ك ّ‬
‫والسّبق ‪ :‬التّقدّم في الجري ‪ ،‬وفي ك ّ‬
‫وله سابقة في هذا المر ‪ :‬إذا سبق النّاس إليه ‪ .‬يقال ‪ :‬تسابقوا إلى كذا واستبقوا إليه ‪.‬‬
‫سبَق ‪ -‬بالتّحريك ‪ : -‬ما يتراهن عليه المتسابقون في الخيل والبل وفي النّضال فمن سبق‬
‫وال ّ‬
‫أخذه ‪ .‬ول يخرج المعنى الصطلحيّ عن معناه في اللّغة ‪.‬‬
‫اللفاظ ذات الصّلة ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬الرّهان ‪:‬‬
‫‪ -‬قال في المصباح ‪ :‬راهنت فلنا على كذا رهانا ‪ -‬من باب قاتل ‪ -‬وتراهن القوم ‪:‬‬ ‫‪2‬‬

‫أخرج كلّ واحد رهنا ليفوز السّابق بالجميع إذا غلب والرّهان ‪ :‬المخاطرة ‪ ،‬والمسابقة على‬
‫الخيل ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬القمار ‪:‬‬
‫‪ -‬القمار مصدر قامر الرّجل مقامرةً وقمارا ‪ ،‬إذا لعبه لعبا فيه رهان ‪ ،‬وهو التّقامر ‪.‬‬ ‫‪3‬‬

‫وتقامروا ‪ :‬لعبوا القمار ‪ .‬وقمرت الرّجل أقمره قمرا ‪ :‬إذا لعبته فيه فغلبته ‪.‬‬
‫ج ‪ -‬الميسر ‪:‬‬
‫‪ -‬الميسر كلّ شيء فيه قمار حتّى لعب الصّبيان بالجوز ‪.‬‬ ‫‪4‬‬

‫حكم السّباق ‪:‬‬


‫سنّة والجماع ‪.‬‬
‫‪ -‬السّباق جائز بال ّ‬ ‫‪5‬‬

‫ي صلى ال عليه وسلم سابق بين‬


‫ن النّب ّ‬
‫سنّة ‪ :‬فروى ابن عمر رضي ال عنهما « أ ّ‬
‫أمّا ال ّ‬
‫الخيل المضمرة من الحفياء إلى ثنيّة الوداع ‪ ،‬وبين الّتي لم تضمر من ثنيّة الوداع إلى مسجد‬
‫بني زريق » ‪.‬‬
‫قال موسى بن عقبة ‪ :‬من الحفياء إلى ثنيّة الوداع ستّة أميال أو سبعة أميال ‪.‬‬
‫وقال سفيان ‪ :‬من الثّنيّة إلى مسجد بني زريق ميل أو نحوه ‪.‬‬
‫وأمّا الجماع ‪ :‬فقد أجمع المسلمون على جواز المسابقة في الجملة ‪.‬‬
‫عدّو ْا َلهُم مّا‬
‫والمسابقة سنّة إن كانت بقصد التّأهّب للقتال بالجماع ‪ ،‬ولقوله تعالى ‪ { :‬وَأَ ِ‬
‫خيْلِ } الية ‪ « .‬وفسّر النّبيّ صلى ال عليه وسلم القوّة بالرّمي‬
‫ط ْعتُم مّن قُوّةٍ َومِن ّربَاطِ ا ْل َ‬
‫ستَ َ‬
‫اْ‬
‫» ‪ .‬ولخبر البخاريّ ‪ « :‬خرج النّبيّ صلى ال عليه وسلم على قوم من أسلم ينتضلون ‪ ،‬فقال‬
‫ن أباكم كان راميا » ‪.‬‬
‫‪ :‬ارموا بني إسماعيل فإ ّ‬
‫ولخبر أنس ‪ « :‬كانت ناقة لرسول اللّه صلى ال عليه وسلم تسمّى العضباء ل تسبق ‪ ،‬فجاء‬
‫أعرابيّ على قعود له فسبقها ‪ ،‬فاشتدّ ذلك على المسلمين وقالوا ‪ :‬سبقت العضباء ‪ ،‬فقال‬
‫ن حقّا على اللّه أن ل يرفع شيئا من الدّنيا إلّ وضعه » ‪.‬‬
‫رسول اللّه صلى ال عليه وسلم ‪ :‬إ ّ‬
‫قال الزّركشيّ ‪ :‬وينبغي أن تكون المسابقة والمناضلة فرض كفاية ‪ ،‬لنّهما من وسائل الجهاد‬
‫وما ل يتوصّل إلى الواجب إلّ به فهو واجب ‪ ،‬والمر بالمسابقة يقتضيه ‪.‬‬
‫والمسابقة بالسّهام آكد لقول النّبيّ صلى ال عليه وسلم ‪ « :‬ارموا واركبوا لن ترموا خير لكم‬
‫من أن تركبوا » ‪.‬‬
‫والمعنى فيه أنّ السّهم ينفع في السّعة والضّيق كمواضع الحصار بخلف الفرس ‪ ،‬فإنّه ل‬
‫ينفع في الضّيق بل قد يضرّ ‪.‬‬
‫قال النّوويّ في الرّوضة ‪ :‬ويكره لمن علم الرّمي تركه كراه ًة شديد ًة لقوله صلى ال عليه‬
‫وسلم ‪ « :‬من علم الرّمي ثمّ تركه فليس منّا ‪ ،‬أو قد عصى » ‪.‬‬
‫أمّا إذا قصد في المسابقة غير الجهاد فالمسابقة حينئذ مباحة ‪.‬‬
‫قال الذرعيّ ‪ :‬فإن قصد بالمسابقة محرّما كقطع الطّريق حرمت ‪.‬‬
‫أنواع المسابقة ‪:‬‬
‫المسابقة نوعان ‪ :‬مسابقة بغير عوض ‪ ،‬ومسابقة بعوض ‪.‬‬
‫أ ‪ -‬المسابقة بغير عوض ‪:‬‬
‫‪ -‬الصل أنّه تجوز المسابقة بغير عوض كالمسابقة على القدام وبالسّفن والطّيور والبغال‬ ‫‪6‬‬

‫والحمير والفيلة والمزاريق ‪ ،‬ويستثنى من هذا الصل بعض الصّور يأتي بيانها قريبا ‪.‬‬
‫ي صلى ال عليه وسلم‬
‫ن « النّب ّ‬
‫وتجوز المصارعة ورفع الحجر ليعرف الشدّ وغير ذلك ‪ ،‬ل ّ‬
‫كان في سفر مع عائشة فسابقته على رجلها فسبقته ‪ .‬قالت ‪ :‬فلمّا حملت اللّحم سابقته‬
‫فسبقني ‪ ،‬فقال ‪ :‬هذه بتلك » ‪.‬‬
‫ي صلى ال عليه وسلم في يوم‬
‫« و سابق سلمة بن الكوع رجلً من النصار بين يدي النّب ّ‬
‫ذي قرد » ‪ « .‬و صارع النّبيّ صلى ال عليه وسلم ركانة فصرعه » ‪.‬‬
‫« ومرّ النّبيّ صلى ال عليه وسلم بقوم يربعون حجرا يعني يرفعونه ليعرفوا الشدّ منهم فلم‬
‫ينكر عليهم » ‪ ،‬وسائر المسابقة يقاس على هذا ‪ .‬هذا مذهب الجمهور ‪.‬‬
‫ن شرط جواز السّباق أن يكون في النواع الربعة ‪ :‬الحافر ‪ ،‬والخفّ‬
‫‪ -7‬وذهب الحنفيّة إلى أ ّ‬
‫‪ ،‬والنّصل ‪ ،‬والقدم ل في غيرها ‪.‬‬
‫لما روي عنه عليه الصلة والسلم أنّه قال ‪ « :‬ل سبق إلّ في نصل أو خفّ أو حافر » ‪.‬‬
‫إلّ أنّه زيد عليه السّبق في القدم ‪ ،‬لحديث عائشة رضي ال عنها ‪ ،‬ففيما وراءه بقي على‬
‫أصل النّفي ‪ ،‬قال الحنفيّة ‪ :‬ولنّه لعب ‪ ،‬واللّعب حرام في الصل ‪ .‬إلّ أنّ اللّعب بهذه الشياء‬
‫ل ما يلهو به الرّجل‬
‫صار مستثنىً من التّحريم شرعا ‪ ،‬لقوله صلى ال عليه وسلم ‪ « :‬ك ّ‬
‫ل رميه بقوسه ‪ ،‬وتأديبه فرسه ‪ ،‬وملعبته أهله ‪ ،‬فإنّهنّ من الحقّ » ‪.‬‬
‫المسلم باطل إ ّ‬
‫حرّم عليه الصلة والسلم كلّ لعب واستثنى الملعبة بهذه الشياء المخصوصة ‪ ،‬فبقيت‬
‫الملعبة بما وراءها على أصل التّحريم ‪ ،‬إذ الستثناء تكلّم بالباقي بعد الثّنيا ‪ ،‬وكذا المسابقة‬
‫بالخفّ صارت مستثنا ًة من الحديث ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬المسابقة بعوض ‪:‬‬
‫ل أنّهم اختلفوا فيما تجوز فيه‬
‫‪ -‬ل خلف بين الفقهاء في أصل جواز المسابقة بعوض ‪ ،‬إ ّ‬ ‫‪8‬‬

‫المسابقة ‪.‬‬
‫ل في النّصل والخفّ والحافر ‪ ،‬وبهذا‬
‫فذهب جمهور الفقهاء إلى أنّه ل يجوز السّباق بعوض إ ّ‬
‫قال الزّهريّ ‪ .‬قال في المغني ‪ :‬المراد بالنّصل هنا ‪ :‬السّهم ذو النّصل ‪ ،‬وبالحافر ‪ :‬الفرس ‪،‬‬
‫ل واحد منها بجزء منه يختصّ به ‪.‬‬
‫وبالخفّ ‪ :‬البعير ‪ .‬عبّر عن ك ّ‬
‫ن السّباق يكون في النواع الربعة ‪ :‬الحافر ‪ ،‬والخفّ ‪ ،‬والنّصل ‪،‬‬
‫وذهب الحنفيّة إلى أ ّ‬
‫ل أنّه‬
‫والقدم‪ ،‬لقوله عليه الصلة والسلم ‪ « :‬ل سبق إلّ في نصل ‪ ،‬أو خفّ ‪ ،‬أو حافر » ‪ ،‬إ ّ‬
‫زيد عليه السّبق في القدم بحديث عائشة رضي ال عنها ‪.‬‬
‫‪ -9‬وقد توسّع الشّافعيّة في جواز المسابقة على عوض فألحقوا بالسّهام المزاريق " الرّماح‬
‫الصّغيرة " والرّماح والرّمي بالحجار بمقلع أو يد ‪ ،‬والرّمي بالمنجنيق ‪ ،‬وكلّ نافع في‬
‫الحرب كالرّمي بالمسلّات والبر والتّردّد بالسّيوف والرّماح ‪.‬‬
‫هذا هو المذهّب ‪ .‬قال البلقينيّ ‪ :‬والّذي يظهر امتناع ذلك في البرة ‪ ،‬وجوازه في المسلّة إذا‬
‫كان يحصل برميها النّكاية الحاصلة من السّهم ‪.‬‬
‫صحّة فيما ذكر ‪ ،‬لنّه ليس من آلة الحرب ‪.‬‬
‫ومقابل المذهب ‪ :‬عدم ال ّ‬
‫ل واحد منهما الحجر إلى‬
‫واستثنى الشّافعيّة من جواز رمي الحجار المداحاة ‪ ،‬بأن يرمي ك ّ‬
‫صاحبه ‪ ،‬فالمسابقة باطلة قطعا ‪ ،‬وإشالة الحجر باليد ‪ ،‬ويسمّى العلج ‪ ،‬والكثرون على عدم‬
‫جواز العقد عليه ‪.‬‬
‫وأمّا النّقاف ‪ :‬فل نقل فيه ‪ .‬قال الذرعيّ ‪ :‬والشبه جوازه ‪ ،‬لنّه ينفع في حال المسابقة ‪،‬‬
‫ل يحرص على إصابة صاحبه ‪ ،‬كالملكمة ‪.‬‬
‫وقد يمنع خشية الضّرر ‪ ،‬إذ ك ّ‬
‫ح المسابقة بعوض على كرة الصّولجان ‪ ،‬ول على البندق يرمي به‬
‫قال الشّافعيّة ‪ :‬ول تص ّ‬
‫إلى حفرة ونحوها ‪ ،‬ول على السّباحة في الماء ‪ ،‬ول على الشّطرنج ‪ ،‬ول على الخاتم ‪ ،‬ول‬
‫على الوقوف على رجل ‪ ،‬ول على معرفة ما في يده من شفع أو وتر ‪ ،‬وكذا سائر أنواع‬
‫ن هذه المور ل تنفع في الحرب ‪ .‬هذا‬
‫اللّعب كالمسابقة على القدام وبالسّفن والزّوارق ‪ ،‬ل ّ‬
‫إذا عقد عليها بعوض ‪ ،‬وإلّ فمباح ‪.‬‬
‫وأمّا الرّمي بالبندق عن قوس فظاهر كلم الرّوضة كأصلها أنّه كذلك ‪ ،‬لكنّ المنقول في‬
‫الحاوي الجواز ‪ .‬قال الشّبراملّسي ‪ :‬وما تقدّم هو في بندق العيد الّذي يلعب به ‪ ،‬أمّا بندق‬
‫الرّصاص والطّين ونحوها فتصحّ المسابقة عليه ولو بعوض ‪ ،‬لنّ له نكاي ًة في العدوّ ‪.‬‬
‫ح المسابقة عليها بعوض وغيره في‬
‫وألحق الشّافعيّة بالخيل ‪ :‬الفيلة والبغال والحمير ‪ ،‬فتص ّ‬
‫ل في خفّ أو حافر أو نصال » ‪.‬‬
‫الظهر ‪ ،‬لعموم قوله صلى ال عليه وسلم ‪ « :‬ل سبق إ ّ‬
‫قال المام الجوينيّ ‪ :‬ويؤيّده العدول عن ذكر الفرس والبعير إلى الخفّ والحافر ‪ ،‬ول فائدة‬
‫فيه غير قصد التّعميم ‪.‬‬
‫ومقابل الظهر ‪ :‬قصر الحديث على البل والخيل ‪ ،‬لنّها المقاتل عليها غالبًا ‪ ،‬أمّا بغير‬
‫عوض فيجوز ‪.‬‬
‫ح المسابقة بعوض على الكلب ومهارشة الدّيكة ‪ ،‬ومناطحة الكباش بل خلف ل‬
‫ول تص ّ‬
‫بعوض ول غيره ‪ ،‬لنّ فعل ذلك سفه ‪.‬‬
‫ول على طير ‪ ،‬وصراع ‪ ،‬فل تصحّ المسابقة فيهما على عوض في الصحّ ‪ ،‬لنّهما ليسا من‬
‫آلت القتال ‪.‬‬
‫ح ‪ :‬تجوز المسابقة بعوض على الطّير والصّراع ‪.‬‬
‫ومقابل الص ّ‬
‫أمّا الطّير فللحاجة إليها في الحرب لنهاء الخبار ‪.‬‬
‫وأمّا الصّراع « فلنّ النّبيّ صلى ال عليه وسلم صارع ركانة على شياه » ‪.‬‬
‫ل ما ل ينفع في الحرب كالشّباك والمسابقة على البقر فتجوز بل عوض ‪.‬‬
‫وكذا ك ّ‬
‫وأمّا الغطس في الماء فإن جرت العادة بالستعانة به في الحرب فكالسّباحة فيجوز بل‬
‫ل فل يجوز مطلقا ‪.‬‬
‫عوض‪ ،‬وإ ّ‬
‫عقد المسابقة ‪:‬‬
‫ن عقد المسابقة عقد جائز‬
‫‪ -‬ذهب الحنفيّة والحنابلة وهو مقابل الظهر عند الشّافعيّة إلى أ ّ‬ ‫‪10‬‬

‫كعقد الجعالة ‪ ،‬لنّ العوض مبذول في مقابلة ما ل يوثق به كردّ البق ‪ ،‬فعلى هذا لكلّ واحد‬
‫من المتعاقدين الفسخ قبل الشّروع في المسابقة ‪.‬‬
‫قال في المغني ‪ :‬وإن أراد أحدهما الزّيادة فيها أو النّقصان منها لم يلزم الخر إجابته ‪ ،‬وأمّا‬
‫ل واحد‬
‫بعد الشّروع في المسابقة فإن كان لم يظهر لحدهما فضل على الخر جاز الفسخ لك ّ‬
‫منهما ‪ ،‬وإن ظهر لحدهما فضل مثل أن يسبقه بفرسه في بعض المسابقة أو يصيب بسهامه‬
‫أكثر منه فللفاضل الفسخ ‪ ،‬ول يجوز للمفضول ‪ ،‬لنّه لو جاز له ذلك لفات غرض المسابقة ;‬
‫لنّه متى بان له سبق صاحبه له فسخها وترك المسابقة ‪ ،‬فل يحصل المقصود ‪.‬‬
‫ل برضاهما ‪.‬‬
‫وقال المالكيّة ‪ :‬عقد المسابقة لزم ليس لحد المتسابقين فسخه إ ّ‬
‫وذهب الشّافعيّة في الظهر عندهم إلى أنّ عقد المسابقة لزم لمن التزم بالعوض ‪ .‬أمّا من لم‬
‫يلتزم شيئا فجائز في حقّه ‪.‬‬
‫وعلى القول باللّزوم فليس لحدهما فسخه إذا التزما المال وبينهما محلّل ‪ ،‬لنّ هذا شأن‬
‫العقود اللّازمة ‪ ،‬إلّ إذا بان بالعوض المعيّن عيب فيثبت حقّ الفسخ كما في الجرة ‪.‬‬
‫ول ترك العمل قبل الشّروع وبعده ‪ ،‬ول زيادة ول نقص في العمل ول في المال ‪.‬‬
‫العوض ‪:‬‬
‫‪ -‬يشترط أن يكون العوض معلوما لنّه مال في عقد ‪ ،‬فل بدّ أن يكون معلوما كسائر‬ ‫‪11‬‬

‫العقود ‪ .‬ويكون معلوما بالمشاهدة أو بالقدر أو بالصّفة ‪.‬‬


‫ويجوز أن يكون حالّا ومؤجّلً كالعوض في البيع ‪ ،‬وأن يكون بعضه حالّا وبعضه مؤجّلً ‪.‬‬
‫من يخرج العوض ‪:‬‬
‫‪ -‬أ ‪ -‬إذا كانت المسابقة بين اثنين أو بين فريقين أخرج العوض أحد الجانبين المتسابقين‬ ‫‪12‬‬

‫ي كذا ‪ ،‬وإن سبقتك فل شيء لي عليك ‪ .‬ول‬


‫كأن يقول أحدهما لصاحبه ‪ :‬إن سبقتني فلك عل ّ‬
‫خلف بين الفقهاء في جواز هذا ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬أن يكون العوض من المام أو غيره من الرّعيّة ‪ ،‬وهذا جائز ل خلف فيه ‪ ،‬سواء كان‬
‫ن في ذلك مصلح ًة وحثّا على تعلّم الجهاد ونفعا للمسلمين ‪.‬‬
‫من ماله أو من بيت المال ‪ ،‬ل ّ‬
‫ج ‪ -‬أن يكون العوض من الجانبين وهو الرّهان ‪.‬‬
‫ل واحد منهما ل‬
‫ن هذا غير جائز وهو من القمار المحرّم ‪ ،‬لنّ ك ّ‬
‫وجمهور الفقهاء على أ ّ‬
‫ل واحد منهما‬
‫يخلو من أن يغنم أو يغرم ‪ .‬وسواء كان ما أخرجاه متساويا ‪ ،‬مثل أن يخرج ك ّ‬
‫عشرة دنانير ‪ ،‬أو متفاوتا ‪ ،‬مثل أن يخرج أحدهما عشر ًة ‪ ،‬والخر خمس ًة ‪.‬‬
‫وذهب ابن القيّم إلى أنّ هذا جائز ونقله عن ابن تيميّة ‪ ،‬لعدم صحّة الحديث الوارد في‬
‫اشتراط المحلّل ‪ .‬فإن أدخل بينهما محلّلً وهو ثالث لم يخرج شيئا جاز ‪ ،‬وبهذا قال جمهور‬
‫الفقهاء ‪ ،‬وهو مرويّ عن سعيد بن المسيّب والزّهريّ والوزاعيّ وإسحاق ‪.‬‬
‫صحّة لجواز رجوع الجعل إلى مخرجه ‪.‬‬
‫وذهب المالكيّة إلى عدم ال ّ‬
‫ن النّبيّ صلى ال عليه‬
‫واستدلّ الجمهور على الجواز بما روى أبو هريرة رضي ال عنه أ ّ‬
‫وسلم قال ‪ « :‬من أدخل فرسا بين فرسين وهو ل يؤمن أن يسبق ‪ ،‬فليس بقمار ‪ ،‬ومن أدخل‬
‫فرسا بين فرسين وقد أمن أن يسبق فهو قمار » ‪.‬‬
‫فجعله النّبيّ صلى ال عليه وسلم قمارا إذا أمن أن يسبق لنّه ل يخلو كلّ واحد منهما من أن‬
‫ل واحد منهما يجوز أن يخلو من‬
‫يغنم أو يغرم ‪ .‬وإذا لم يأمن أن يسبق لم يكن قمارا لنّ ك ّ‬
‫ذلك ‪ .‬فالشّرط أن يكون فرس المحلّل مكافئا لفرسيهما ‪ ،‬أو بعيره مكافئا لبعيريهما ‪ ،‬أو رميه‬
‫مكافئًا لرميّيهما ‪ ،‬فإن لم يكن مكافئا مثل أن يكون فرساهما جوادين وفرسه بطيئا ‪ ،‬فهو قمار‬
‫للخبر ‪ ،‬ولنّه مأمون سبقه فوجوده كعدمه ‪ ،‬وإن كان مكافئا لهما جاز ‪.‬‬
‫ل واحد منهما سبق نفسه ول شيء للمحلّل لنّه ل‬
‫فإن جاءوا كلّهم الغاية دفعةً واحد ًة أحرز ك ّ‬
‫سابق فيهم ‪ ،‬وكذلك إن سبق المستبقان المحلّل ‪.‬‬
‫وإن سبق المحلّل وحده أحرز السّبقين بالتّفاق ‪ ،‬وإن سبق أحد المستبقين وحده أحرز سبق‬
‫نفسه وأخذ سبق صاحبه ‪ ،‬ولم يأخذ من المحلّل شيئا ‪.‬‬
‫وإن سبق أحد المستبقين والمحلّل أحرز السّابق مال نفسه ويكون سبق المسبوق بين السّابق‬
‫والمحلّل نصفين ‪ ،‬وسواء كان المستبقون اثنين أو أكثر حتّى لو كانوا مائ ًة وبينهم محلّل ل‬
‫سبق منه ‪ ،‬جاز ‪ .‬وكذلك لو كان المحلّل جماعةً جاز ‪ ،‬لنّه ل فرق بين الثنين والجماعة ‪.‬‬
‫وقال المالكيّة ‪ :‬إن سبق المخرج أو استويا ل يعود المال إلى مخرجه بل يكون لمن حضر ‪،‬‬
‫صدقة عليهم ‪ ،‬وإن سبق الخر أخذه ‪.‬‬
‫ما يشترط في المسابقة في الخيل والبل ونحوهما ‪:‬‬
‫‪ -‬يشترط في المسابقة بالحيوان مع العلم بالمال المشروط ما يلي ‪:‬‬ ‫‪13‬‬
‫أ ‪ -‬تحديد المسافة ‪ :‬بأن يكون لبتداء عدوهما وآخره غاية ل يختلفان فيها ‪ ،‬لنّ الغرض‬
‫ن أحدهما قد يكون مقصّرا في‬
‫ل بتساويهما في الغاية ‪ ،‬ول ّ‬
‫معرفة أسبقهما ‪ ،‬ول يعلم ذلك إ ّ‬
‫أوّل عدوه سريعا في انتهائه ‪ ،‬وقد يكون بضدّ ذلك ‪ ،‬فيحتاج إلى غاية تجمع حاليه ‪ .‬ومن‬
‫الخيل ما هو أصبر ‪ ،‬والقارح أصبر من غيره ‪.‬‬
‫وقال المالكيّة ‪ :‬ل تشترط المساواة في المبدأ ول في الغاية بل إذا دخل على الختلف في‬
‫ل الفلنيّ في‬
‫ذلك جاز ‪ ،‬كأن يقول لصاحبه ‪ :‬أسابقك بشرط أن أبتدئ الرّماحة من المح ّ‬
‫ل الفلنيّ الّذي هو بعيد من آخر الميدان ‪ ،‬وكذلك‬
‫القريب من آخر الميدان وأنت من المح ّ‬
‫الختلف في الغاية ‪.‬‬
‫روى ابن عمر ‪ « :‬أنّ رسول اللّه صلى ال عليه وسلم سبق بين الخيل وفضل القرح في‬
‫الغاية » « و سبق بين الخيل المضمرة من الحفياء إلى ثنيّة الوداع وذلك ستّة أميال أو‬
‫سبعة ‪ ،‬وبين الّتي لم تضمر من الثّنيّة إلى مسجد بني زريق وذلك ميل أو نحوه » ‪.‬‬
‫فإن استبقا بغير غاية لينظر أيّهما يقف أ ّولً لم يجز ‪ ،‬لنّه يؤدّي إلى أن ل يقف أحدهما حتّى‬
‫ينقطع فرسه ‪ ،‬ويتعذّر الشهاد على السّبق فيه ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬يشترط في المسابقة إرسال الفرسين أو البعيرين دفع ًة واحدةً ‪ ،‬فإن أرسل أحدهما قبل‬
‫الخر ليعلم هل يدركه الخر أو ل ؟ لم يجز هذا في المسابقة بعوض ‪ ،‬لنّه قد ل يدركه مع‬
‫كونه أسرع منه لبعد المسافة بينهما ‪.‬‬
‫ج ‪ -‬أن يكون عند أوّل المسافة من يشاهد إرسالهما ويرتّبهما ‪ ،‬وعند الغاية من يضبط السّابق‬
‫ل يختلفا في ذلك ‪.‬‬
‫منهما لئ ّ‬
‫د ‪ -‬تعيين الفرسين أو البعيرين ‪ ،‬لنّ الغرض معرفة سيرهما ‪ ،‬ومن ثمّ فل يجوز إبدالهما‬
‫ول إبدال أحدهما لختلف الغرض ‪ ،‬فإن وقع هلك انفسخ العقد ‪.‬‬
‫هـ ‪ -‬يشترط في الرّهان أن تكون الدّابّتان من جنس واحد ‪ ،‬فإن كانتا من جنسين كالفرس‬
‫ن البعير ل يكاد يسبق الفرس فل يحصل الغرض من هذه المسابقة ‪.‬‬
‫والبعير لم يجز ‪ ،‬ل ّ‬
‫وذهب المالكيّة وهو مقابل الصحّ عند الشّافعيّة إلى الجواز مع اتّحاد الجنس أو اختلفه ‪.‬‬
‫و ‪ -‬أن تكون المسابقة فيما يحتمل أن يسبق ويسبق ‪ ،‬حتّى لو كانت فيما يعلم أنّه يسبق غالبا‬
‫ن معنى التّحريض في هذه الصّورة ل يتحقّق ‪ ،‬فبقي الرّهان التزام المال بشرط‬
‫فل يجوز ‪ ،‬ل ّ‬
‫ل منفعة فيه فيكون عبثا ولعبا ‪.‬‬
‫ز ‪ -‬واشترط الشّافعيّة أيضا أن يركب المتسابقان الدّابّتين ‪ ،‬وأن يعيّن الرّاكبان ‪ ،‬وأن يجتنب‬
‫ل الجعل كأن يقول المخرج لصاحبه ‪ :‬إن سبقتني فالجعل لك على أن تطعمه‬
‫الشّرط المفسد لح ّ‬
‫أصحابك ‪ ،‬لنّه تمليك بشرط يمنع كمال التّصرّف ‪.‬‬
‫ول يشترط عند المالكيّة والحنابلة تعيين الرّاكبين ‪.‬‬
‫ما يحصل به السّبق ‪:‬‬
‫‪ -‬عند الشّافعيّة يحصل السّبق في البل بالكتف وفي الخيل بالعنق إذا استوى الفرسان في‬ ‫‪14‬‬

‫خلفة العنق ‪ ،‬لنّ البل ترفع أعناقها في العدو فل يمكن اعتبارها ‪ ،‬والخيل تمدّها فاعتبر بها‬
‫‪.‬‬
‫وقيل ‪ :‬يعتبر السّبق بالقوائم في البل والخيل ونحوهما ‪ ،‬لنّ العدو بالقوائم ‪ .‬وهو القيس ‪.‬‬
‫وذهب الحنابلة إلى أنّ السّبق يحصل في الخيل بالرّأس إذا تماثلت العناق ‪ ،‬فإذا اختلفا في‬
‫طول العنق أو كان ذلك في البل اعتبر السّبق بالكتف ; لنّ العتبار بالرّأس متعذّر ‪.‬‬
‫وذهب الثّوريّ إلى أنّ السّبق يحصل بالذن ‪ ،‬فإذا سبق أحدهما بالذن كان سابقا ‪.‬‬
‫المناضلة ‪:‬‬
‫ل ومناضلةً ‪.‬‬
‫‪ -‬وهي المسابقة في الرّمي بالسّهام ‪ .‬والمناضلة ‪ :‬مصدر ناضلته نضا ً‬ ‫‪15‬‬

‫ن السّهم التّامّ يسمّى نضلً ‪ ،‬فالرّمي به عمل بالنّضل ‪ ،‬فسمّي نضالً‬


‫وسمّي الرّمي نضالً ‪ ،‬ل ّ‬
‫ومناضلةً ‪.‬‬
‫‪ -‬ويشترط عند الشّافعيّة والحنابلة لصحّة المسابقة في الرّمي بالسّهام مع العلم بالمال‬ ‫‪16‬‬

‫المشروط ما يلي ‪:‬‬


‫ن أحدهما‬
‫ل لفضى إلى الخلف ‪ ،‬ل ّ‬
‫أ ‪ -‬أن يكون عدد الرّشق معلوما ‪ ،‬لنّه لو كان مجهو ً‬
‫يريد القطع ‪ ،‬والخر يريد الزّيادة فيختلفان ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬أن يكون عدد الصابة معلوما ‪ ،‬فيقولن ‪ :‬الرّشق عشرون ‪ ،‬والصابة خمسة أو ستّة‬
‫ل أنّه ل يجوز اشتراط إصابة نادرة كإصابة جميع الرّشق ‪ ،‬أو‬
‫أو ما يتّفقان عليه منها ‪ .‬إ ّ‬
‫ن هذا ل يوجد فيفوت الغرض ‪.‬‬
‫إصابة تسعة أعشاره ونحو هذا ‪ ،‬لنّ الظّاهر أ ّ‬
‫ج ‪ -‬استواؤهما في عدد الرّشق والصابة وصفتها وسائر أحوال الرّمي ‪ .‬وقال المالكيّة ‪ :‬ل‬
‫يشترط تساوي المتناضلين في المسافة ‪ ،‬ول في عدد الصابة ‪ ،‬ول في موضع الصابة ‪.‬‬
‫د ‪ -‬معرفة قدر الغرض ‪ .‬والغرض ‪ :‬هو ما يقصد إصابته من قرطاس أو ورق أو جلد أو‬
‫خشب أو قرع أو غيره ‪.‬‬
‫هــ ‪ -‬أن يصـفا الصـابة مـن قرع ‪ ،‬وهـو إصـابة الغرض بل خدش ‪ ،‬أو خزق ‪ ،‬وهـو أن‬
‫يثقبه ول يثبت فيه ‪ ،‬أو خسق ‪ ،‬وهو أن يثبت فيه ‪ ،‬أو مرق ‪ ،‬وهو أن ينفذ منه ‪ ،‬فإن أطلقا‬
‫اقتضى القرع لنّه المتعارف ‪ .‬ويسمّى أيضا شار ًة وشنّا ‪.‬‬
‫ويجب أن يكون قدره معلوما بالمشاهدة ‪ ،‬أو بتقديره بشبر أو شبرين بحسب التّفاق ‪ ،‬فإنّ‬
‫الصابة تختلف باختلف سعته وضيقه ‪.‬‬
‫ن الصابة تختلف بقربها وبعدها ‪،‬‬
‫و ‪ -‬معرفة المسافة ‪ :‬إمّا بالمشاهدة أو بالذّرعان ‪ ،‬ل ّ‬
‫ومهما اتّفقا عليه جاز ‪ ،‬إلّ أن يجعل مسافةً بعيد ًة تتعذّر الصابة في مثلها ‪ ،‬وهي ما زاد‬
‫على ثلثمائة ذراع فل يصحّ ‪ ،‬لنّ الغرض يفوت بذلك ‪.‬‬
‫وقد قيل ‪ :‬إنّه ما رمى إلى أربعمائة ذراع إلّ عقبة بن عامر الجهنيّ ‪ ،‬رضي ال عنه ‪.‬‬
‫ن الغرض معرفة حذق الرّامي بعينه ل معرفة‬
‫ح مع البهام ‪ ،‬ل ّ‬
‫ز ‪ -‬تعيين الرّماة ‪ ،‬فل يص ّ‬
‫حذق رام في الجملة ‪.‬‬
‫ن الغرض‬
‫ح ‪ -‬أن تكون المسابقة في الصابة ‪ .‬فلو قال ‪ :‬السّبق لبعدنا رميا لم يجز ‪ ،‬ل ّ‬
‫ن المقصود من الرّمي ‪ :‬إمّا قتل العد ّو أو جرحه ‪،‬‬
‫من الرّمي الصابة ‪ ،‬ل بعد المسافة ‪ ،‬فإ ّ‬
‫أو الصّيد أو نحو ذلك ‪ ،‬وكلّ هذا إنّما يحصل من الصابة ل من البعاد ‪.‬‬
‫ط ‪ -‬أن يبتدئ بالرّمي أحدهما ‪ ،‬لنّهما لو رميا معا لفضى إلى الختلف ولم يعرف‬
‫سنّة أن يكون لهما غرضان يرميان أحدهما ‪ ،‬ثمّ يمضيان إليه فيأخذان‬
‫المصيب منهما ‪ .‬وال ّ‬
‫السّهام ‪ ،‬ويرميان الخر ‪ ،‬لنّ هذا كان فعل أصحاب رسول اللّه صلى ال عليه وسلم ‪.‬‬
‫وروي عن النّبيّ صلى ال عليه وسلم أنّه قال ‪ « :‬ما بين الغرضين روضة من رياض الجنّة‬
‫»‪.‬‬
‫وقال إبراهيم التّيميّ ‪ :‬رأيت حذيفة يشتدّ بين الهدفين ‪ ،‬يقول ‪ :‬أنا بها ‪ ،‬أنا بها في قميص ‪.‬‬
‫وعن ابن عمر مثل ذلك ‪.‬‬
‫ويروى عن أصحاب رسول اللّه صلى ال عليه وسلم أنّهم كانوا يشتدّون بين الغراض‬
‫يضحك بعضهم إلى بعض ‪ ،‬فإذا جاء اللّيل كانوا رهبانا ‪.‬‬
‫ن المقصود يحصل به ‪.‬‬
‫فإن جعلوا غرضا واحدا جاز ‪ ،‬ل ّ‬
‫وجاز الفتخار ‪ -‬أي ‪ :‬ذكر المفاخر بالنتساب إلى أب أو قبيلة ‪ -‬عند الرّمي ‪ ،‬والرّجز بين‬
‫المتسابقين ‪ ،‬أو المتناضلين ‪ ،‬وكذا في الحرب عند الرّمي ‪.‬‬
‫ويجوز التّسمية لنفسه كأنا فلن بن فلن ‪ ،‬أو أنا فلن أبو فلن ‪.‬‬
‫وجاز الصّياح حال الرّمي لما فيه من التّشجيع وإراحة النّفس من التّعب ‪.‬‬
‫والولى ‪ :‬ذكر اللّه تعالى عند الرّمي من تكبير أو غيره ‪.‬‬
‫وتحدّث الرّامي بخلف ما تقدّم خلف الولى ‪،‬بل قد يحرم إن كان فحشا من القول ‪ ،‬أو‬
‫يكره‪.‬‬

‫سبّ *‬
‫التّعريف ‪:‬‬
‫ب لغةً واصطلحا ‪ :‬الشّتم ‪ ،‬وهو مشافهة الغير بما يكره ‪ ،‬وإن لم يكن فيه حدّ ‪ ،‬كيا‬
‫‪ -‬السّ ّ‬ ‫‪1‬‬

‫ل كلم قبيـح ‪ ،‬وحينئذ فالقذف ‪ ،‬والسـتخفاف ‪،‬‬


‫أحمـق ‪ ،‬ويـا ظالم ‪ .‬قال الدّسـوقيّ ‪ :‬هـو ك ّ‬
‫وإلحاق النّقص ‪ ،‬كلّ ذلك داخل في السّبّ ‪.‬‬
‫اللفاظ ذات الصّلة ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬العيب ‪:‬‬
‫ل ‪ ،‬أو شرعا ‪ ،‬أو عرفا ‪ ،‬وهو أعمّ من السّبّ ‪.‬‬
‫‪ -‬العيب خلف المستحسن عق ً‬ ‫‪2‬‬

‫ن من قال ‪ :‬فلن أعلم من الرّسول صلى ال عليه وسلم فقد عابه ‪ ،‬ولم‬
‫قال الزّرقانيّ ‪ :‬فإ ّ‬
‫يسبّه ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬اللّعن ‪:‬‬
‫‪ -‬اللّعن ‪ :‬هو الطّرد من رحمة اللّه تعالى ‪ ،‬لكنّه يطلق ويراد به السّبّ ‪.‬‬ ‫‪3‬‬

‫روى البخاريّ « إنّ من أكبر الكبائر أن يلعن الرّجل والديه ‪ ،‬قيل ‪ :‬يا رسول اللّه وكيف‬
‫ب أمّه فيسبّ أمّه » ‪.‬‬
‫يلعن الرّجل والديه ؟ قال ‪ :‬يسبّ الرّجل أب الرّجل فيسبّ أباه ‪ ،‬ويس ّ‬
‫وروى مسلم في الصّحيح ‪ « :‬من الكبائر شتم الرّجل والديه قالوا ‪ :‬يا رسول اللّه وهل يشتم‬
‫ب أمّه فيسبّ أمّه » ‪.‬‬
‫ب أب الرّجل فيسبّ أباه ‪ ،‬ويس ّ‬
‫الرّجل والديه ؟ قال ‪ :‬نعم ‪ ،‬يس ّ‬
‫فسّر رسول اللّه صلى ال عليه وسلم اللّعن بالشّتم ‪.‬‬
‫ب المطلق ‪.‬‬
‫وقال ابن عبد السّلم ‪ :‬اللّعن أبلغ في القبح من السّ ّ‬
‫ج ‪ -‬القذف ‪:‬‬
‫‪ -‬يطلق السّبّ ويراد به القذف ‪ ،‬وهو الرّمي بالزّنى في معرض التّعيير ‪ ،‬كما يطلق القذف‬ ‫‪4‬‬

‫ل منهما منفردا ‪.‬‬


‫ويراد به السّبّ ‪ .‬وهذا إذا ذكر ك ّ‬
‫ل أحدهما على الخر ‪ ،‬كما في حديث رسول اللّه صلى ال عليه وسلم «‬
‫فإذا ذكرا معا لم يد ّ‬
‫أتدرون ما المفلس ؟ قالوا ‪ :‬المفلس فينا من ل درهم له ول متاع قال ‪ :‬إنّ المفلس من أمّتي‬
‫يأتي يوم القيامة بصلة وصيام وزكاة ‪ ،‬ويأتي قد شتم هذا ‪ ،‬وقذف هذا ‪ ،‬وأكل مال هذا‬
‫وسفك دم هذا ‪ ،‬وضرب هذا ‪ ،‬فيعطى هذا من حسناته ‪ ،‬وهذا من حسناته ‪ ،‬فإن فنيت حسناته‬
‫قبل أن يقضي ما عليه أخذ من خطاياهم فطرحت عليه ث ّم طرح في النّار » ‪.‬‬
‫وعند التّغاير يكون المراد بالقذف ما يوجب الحدّ ‪ ،‬وبالسّبّ ما يوجب التّعزير إن كان السّبّ‬
‫غير مكفّر ‪.‬‬
‫سبّ ‪:‬‬
‫حكم ال ّ‬
‫‪ -‬المستقرئ لصور السّبّ يجد أنّه تعتريه الحكام التية ‪:‬‬ ‫‪5‬‬
‫ب وقد يكفر السّابّ ‪ ،‬كالّذي يسبّ اللّه تعالى أو يسبّ‬
‫ل ‪ :‬الحرمة ‪ :‬وهي أغلب أحكام السّ ّ‬
‫أ ّو ً‬
‫الرّسول صلى ال عليه وسلم أو الملئكة ‪.‬‬
‫ثانيا ‪ :‬الكراهة ‪ :‬كسبّ الحمّى ‪.‬‬
‫ثالثا ‪ :‬خلف الولى ‪ :‬وذلك إذا سبّ المشتوم شاتمه بقدر ما سبّه به ‪ ،‬عند بعض الفقهاء ‪.‬‬
‫ب به عند أكثر الفقهاء ‪.‬‬
‫ب السّابّ بقدر ما س ّ‬
‫ب الشرار ‪ ،‬وس ّ‬
‫رابعا ‪ :‬الجواز ‪ :‬نحو س ّ‬
‫سبّ ‪:‬‬
‫ألفاظ ال ّ‬
‫ب قوله ‪ :‬كافر ‪ ،‬سارق ‪ ،‬فاسق ‪ ،‬منافق ‪ ،‬فاجر ‪ ،‬خبيث ‪ ،‬أعور ‪ ،‬أقطع ‪،‬‬
‫‪ -‬من ألفاظ السّ ّ‬ ‫‪6‬‬

‫ابن الزّمن ‪ ،‬العمى ‪ ،‬العرج ‪ ،‬كاذب ‪ ،‬نمّام ‪.‬‬


‫ب ما يحكم بكفر قائله ‪ ،‬نحو سبّ اللّه تعالى ‪ ،‬أو أحد أنبيائه المجمع على‬
‫ومن ألفاظ السّ ّ‬
‫نبوّتهم ‪ ،‬أو ملئكته ‪ ،‬أو دين السلم ‪ ،‬وينظر حكمه في ( ردّة ) ‪.‬‬
‫ب بالزّنا ‪ ،‬وهو القذف ‪ ،‬وينظر حكمه في ( قذف ) ‪.‬‬
‫ومنها ما يوجب الحدّ وهو لفظ السّ ّ‬
‫ومنه ما يقتضي التّعزير ‪ ،‬ومنه ما ل يقتضي تعزيرًا كسبّ الوالد ولده ‪.‬‬
‫سبّ المقتضي للتّعزير ‪:‬‬
‫إثبات ال ّ‬
‫‪ -‬يثبت السّبّ المقتضي للتّعزير عند الحنفيّة بشاهدين ‪ ،‬أو برجل وامرأتين ‪ ،‬أو شاهدين‬ ‫‪7‬‬

‫على شهادة رجلين ‪ ،‬وكذلك يجري فيه اليمين ويقضى فيه بالنّكول ‪.‬‬
‫وعند المالكيّة يكفي شاهد واحد عدل ‪ ،‬أو لفيف من النّاس ‪.‬‬
‫واللّفيف ‪ :‬المراد به الجماعة الّذين لم تثبت عدالتهم ‪.‬‬
‫ب اللّه تعالى ‪:‬‬
‫حكم من س ّ‬
‫ب اللّه تعالى إمّا أن يقع من مسلم أو كافر ‪.‬‬
‫‪-‬س ّ‬ ‫‪8‬‬

‫فإن وقع من مسلم فإنّه يكون كافرا حلل الدّم ‪.‬‬


‫ول خلف في ذلك ‪ ،‬وإنّما الخلف فقط في استتابته ‪ .‬وانظر مصطلح ‪ ( :‬ردّة ) ‪.‬‬
‫ب اللّه تعالى ‪:‬‬
‫التّعريض بس ّ‬
‫‪ -‬التّعريض بالسّبّ كالسّبّ ‪ ،‬صرّح بذلك كثير من العلماء ‪ ،‬نقل حنبل ‪ :‬من عرّض بشيء‬ ‫‪9‬‬

‫ب فعليه القتل مسلما كان أو كافرا ‪.‬‬


‫من ذكر الرّ ّ‬
‫سبّ ال ّذ ّميّ للّه تعالى ‪:‬‬
‫‪ -‬ل يختلف الحكم في سبّ ال ّذ ّميّ للّه تعالى عن سبّه للنّبيّ صلى ال عليه وسلم على ما‬ ‫‪10‬‬

‫ي للنّبيّ صلى‬
‫ب ال ّذمّ ّ‬
‫يأتي من حيث القتل ‪ ،‬ونقض العهد ‪ ،‬ويتّضح الحكم عند الكلم عن س ّ‬
‫ال عليه وسلم ‪.‬‬
‫حكم من سبّ النّبيّ صلى ال عليه وسلم ‪:‬‬
‫سبّ المسلم النّبيّ صلى ال عليه وسلم ‪:‬‬
‫ب مسلم النّبيّ صلى ال عليه وسلم فإنّه يكون مرتدّا ‪.‬‬
‫‪ -‬إذا س ّ‬ ‫‪11‬‬

‫وفي استتابته خلف ينظر في مصطلح ( ردّة ) ‪.‬‬


‫سبّ ال ّذ ّميّ النّبيّ صلى ال عليه وسلم ‪:‬‬
‫ب النّبيّ صلى ال عليه وسلم ‪ .‬فقيل ‪ :‬إنّه ينقض‬
‫‪ -‬للعلماء عدّة أقوال في حكم ال ّذ ّميّ إذا س ّ‬ ‫‪12‬‬

‫أمانه بذلك إن لم يسلم ‪ ،‬وقيل غير ذلك ‪ .‬وتفصيله في مصطلح ‪ ( :‬أهل ال ّذمّة ) ‪ .‬ويقتل‬
‫وجوبا عند المالكيّة بهذا السّبّ إن لم يسلم ‪ ،‬فإن أسلم إسلما غير فارّ به من القتل لم يقتل‬
‫لقوله تعالى ‪ { :‬قُل لِّلذِينَ َك َفرُواْ إِن يَن َتهُو ْا ُيغَ َفرْ َلهُم مّا َقدْ سََلفَ } ‪.‬‬
‫ن الم سلم ال صليّ يق تل ب سبّه عل يه ال صلة وال سلم ‪ ،‬ول‬
‫قالوا ‪ :‬وإنّ ما لم يق تل إذا أ سلم مع أ ّ‬
‫تق بل توب ته من أ جل ح قّ الدم يّ ‪ ،‬لنّا نعلم باط نه في بغ ضه وتنقي صه بقل به لكنّا منعناه من‬
‫إظهاره ‪ ،‬فلم يزدنا ما أظهره إلّ مخالفته للمر ‪ ،‬ونقضا للعهد ‪ ،‬فإذا رجع إلى السلم سقط‬
‫ما قبله ‪ ،‬بخلف المسلم فإنّا ظننّا باطنه بخلف ما بدا منه الن ‪.‬‬
‫ب ويخيّر المام‬
‫وعند الشّافعيّة إن اشترط عليهم انتقاض العهد بمثل ذلك ‪ ،‬انتقض عهد السّا ّ‬
‫فيه بين القتل والسترقاق والمنّ والفداء إن لم يسأل ال ّذ ّميّ تجديد العقد ‪.‬‬
‫ول فرق بين نبيّ وغيره من سائر النبياء ‪ ،‬وكذا الرّسل إذ النّبيّ أع ّم من الرّسول على‬
‫المشهور ‪.‬‬
‫والنبياء الّذين تخصّهم هذه الحكام هم المتّفق على نبوّتهم ‪ ،‬أمّا من لم تثبت نبوّتهم فليس‬
‫حكم من سبّهم كذلك ‪ .‬ولكن يزجر من تنقّصهم أو آذاهم ‪ ،‬ويؤدّب بقدر حال القول فيهم ‪ ،‬ل‬
‫سيّما من عرفت صدّيقيّته وفضله منهم كمريم ‪ ،‬وإن لم تثبت نبوّته ‪ ،‬ول عبرة باختلف‬
‫غيرنا في نبوّة نبيّ من النبياء ‪ ،‬كنفي اليهود نبوّة داود وسليمان ‪.‬‬
‫التّعريض بسبّ النبياء ‪:‬‬
‫‪ -‬التّعريض بسبّ النّبيّ صلى ال عليه وسلم كالتّصريح ‪ ،‬ذكر ذلك فقهاء الحنفيّة‬ ‫‪13‬‬

‫ن التّعريض ليس كالتّصريح ‪ .‬وقد‬


‫والمالكيّة ‪ ،‬والشّافعيّة ‪ ،‬وهو قول للحنابلة ‪ .‬ويقابله عندهم أ ّ‬
‫ذكر عياض رحمه ال تعالى إجماع العلماء وأئمّة الفتوى من لدن الصّحابة ومن بعدهم على‬
‫ن التّلويح كالتّصريح ‪.‬‬
‫أّ‬
‫سبّ السّكران النّبيّ صلى ال عليه وسلم ‪:‬‬
‫ب في سكره نبيّا من النبياء ‪ ،‬هل يكون مرتدّا‬
‫‪ -‬اختلف الفقهاء في حكم السّكران إذا س ّ‬ ‫‪14‬‬

‫بذلك ؟ وهل يقتل ؟ وينظر تفصيل ذلك في مصطلح ‪ ( :‬سكر ) ‪.‬‬


‫الكراه على سبّ اللّه تعالى ‪ ،‬أو الرّسول صلى ال عليه وسلم ‪:‬‬
‫ب اللّه تعالى ‪ ،‬أو سبّ رسوله صلى ال عليه وسلم ل يخرج عن كونه‬
‫‪ -‬الكراه على س ّ‬ ‫‪15‬‬

‫إكراها على الكفر ‪ ،‬ويتكلّم الفقهاء فيه غالبا في باب ال ّردّة أو الكراه ‪.‬‬
‫وتفصيل القول في ذلك ينظر في مصطلح ‪ ( :‬تقيّة ‪ ،‬ردّة ‪ ،‬إكراه ) ‪.‬‬
‫سبّ الملئكة ‪:‬‬
‫ب الملئكة ل يختلف عن حكم سبّ النبياء عليهم الصلة والسلم ‪.‬‬
‫‪ -‬حكم س ّ‬ ‫‪16‬‬

‫قال عياض رحمه ال تعالى ‪ :‬وهذا فيمن حقّقنا كونه من الملئكة كجبريل وميكائيل وخزنة‬
‫الجنّة وخزنة النّار والزّبانية وحملة العرش ‪ ،‬وكعزرائيل ‪ ،‬وإسرافيل ورضوان ‪ ،‬والحفظة ‪،‬‬
‫ومنكر ونكير من الملئكة المتّفق عليهم ‪.‬‬
‫وأمّا غير المتّفق على كونه من الملئكة فليس الحكم في سابّهم والكافر بهم كالحكم فيمن‬
‫قدّمناه إذ لم يثبت لهم تلك الحرمة ‪ ،‬ولكن يزجر من تنقّصهم وآذاهم ‪ ،‬ويؤدّب حسب حال‬
‫المقول فيهم ‪ .‬وحكى الزّرقانيّ عن القرافيّ أنّه يقتل من سبّ المختلف فيهم ‪.‬‬
‫ب اللّه تعالى أو الرّسول أو الدّين ‪:‬‬
‫قتل القريب الكافر إذا س ّ‬
‫ب اللّه‬
‫ب السلم أو س ّ‬
‫‪ -‬الصل أنّه يكره قتل القريب الكافر حتّى في الغزو ‪ .‬لكنّه إن س ّ‬ ‫‪17‬‬

‫ن « أبا عبيدة بن الجرّاح رضي ال تعالى عنه‬


‫تعالى ‪ ،‬أو نبيّا من النبياء يباح له قتله ‪ ،‬ل ّ‬
‫قتل أباه ‪ ،‬وقال لرسول اللّه صلى ال عليه وسلم ‪ :‬سمعته يسبّك ‪ ،‬ولم ينكره عليه » ‪.‬‬
‫ل جاء إلى النّبيّ صلى ال عليه وسلم فقال إنّي سمعت أبي يقول فيك قولً‬
‫ن رج ً‬
‫وورد « أ ّ‬
‫قبيحا فقتلته ‪ ،‬فلم يشقّ ذلك على النّبيّ صلى ال عليه وسلم » ‪.‬‬
‫ي صلى ال عليه وسلم ‪:‬‬
‫سبّ نساء النّب ّ‬
‫ن سبّ عائشة رضي ال تعالى عنها ممّا برّأها اللّه تعالى منه‬
‫‪ -‬ل خلف بين الفقهاء في أ ّ‬ ‫‪18‬‬

‫ن السّابّ بذلك كذّب اللّه تعالى في أنّها محصنة ‪.‬‬


‫كفر ‪ ،‬ل ّ‬
‫أمّا إن قذف سائر أزواج النّبيّ صلى ال عليه وسلم بمثل ذلك فذهب بعض الفقهاء إلى أنّ‬
‫حكمه كحكم قذف عائشة رضي ال تعالى عنها ‪.‬‬
‫أمّا إن كان السّبّ بغير القذف لعائشة أو غيرها من أمّهات المؤمنين فقد صرّح الزّرقانيّ من‬
‫ب بغير القذف‬
‫ن السّابّ يؤدّب ‪ ،‬وكذا البهوتيّ من الحنابلة فرّق بين القذف وبين السّ ّ‬
‫المالكيّة بأ ّ‬
‫ب المكفّر بأنّه‬
‫وهو ما يؤخذ من كلم عامّة الفقهاء ‪ ،‬وإن لم يصرّحوا بذلك لنّهم يقيّدون السّ ّ‬
‫السّبّ بما برّأها اللّه تعالى منه ‪.‬‬
‫ب هو قذف ‪.‬‬
‫ن عبارته يفهم منها أنّه س ّ‬
‫ومن صرّح بالقتل بالسّبّ فإ ّ‬
‫سبّ الدّين والملّة ‪:‬‬
‫‪ -‬اتّفق الفقهاء على أنّ من سبّ ملّة السلم أو دين المسلمين يكون كافرا ‪ ،‬أمّا من شتم‬ ‫‪19‬‬

‫دين مسلم فقد قال الحنفيّة كما جاء في جامع الفصولين ‪ :‬ينبغي أن يكفر من شتم دين مسلم ‪،‬‬
‫ن المراد أخلقه الرّديئة ومعاملته القبيحة ل حقيقة دين السلم فينبغي‬
‫ولكن يمكن التّأويل بأ ّ‬
‫أن ل يكفر حينئذ ‪.‬‬
‫قال العلّامة عليش ‪ :‬يقع كثيرا من بعض شغلة العوّام كالحمّارة والجمّالة والخدّامين سبّ الملّة‬
‫أو الدّين ‪ ،‬وربّما وقع من غيرهم ‪ ،‬وذلك أنّه إن قصد الشّريعة المطهّرة ‪ ،‬والحكام الّتي‬
‫شرعها اللّه تعالى لعباده على لسان نبيّه صلى ال عليه وسلم فهو كافر قطعًا ‪ ،‬ثمّ إن أظهر‬
‫ذلك فهو مرتدّ ‪.‬‬
‫فإن وقع السّبّ من ال ّذ ّميّ فإنّه يأخذ حكم سبّ اللّه أو النّبيّ ‪ ،‬ذكر ذلك من تعرّض لهذه‬
‫المسألة ‪.‬‬
‫نقل عن عصماء بنت مروان اليهوديّة أنّها كانت تعيب السلم ‪ ،‬وتؤذي النّبيّ صلى ال عليه‬
‫وسلم وتحرّض عليه فقتلها عمرو بن عديّ الخطميّ ‪.‬‬
‫قالوا ‪ :‬فاجتمع فيها موجبات القتل إجماعا ‪.‬‬
‫وهذا عند غير الحنفيّة ‪ ،‬أمّا الحنفيّة فقد قالوا ‪ :‬يجوز قتله وينقض عهده إن طعن في السلم‬
‫طعنا ظاهرا ‪.‬‬
‫ب الصّحابة رضي ال عنهم ‪:‬‬
‫س ّ‬
‫‪ -‬ل خلف بين العلماء في أنّه يحرم سبّ الصّحابة رضوان ال عليهم لقوله صلى ال‬ ‫‪20‬‬

‫ن أحدكم أنفق مثل أحد ذهبا ما بلغ مدّ أحدهم ول‬


‫عليه وسلم ‪ « :‬ل تسبّوا أصحابي فلو أ ّ‬
‫نصيفه » ‪.‬‬
‫فذهب جمهور العلماء إلى أنّه فاسق ‪ ،‬ومنهم من يكفّره ‪ ،‬فإن وقع السّبّ من أحد من النّاس‬
‫فللفقهاء فيه مذهبان ‪:‬‬
‫الوّل ‪ :‬وعليه أكثر العلماء أن يكون فاسقا ‪ ،‬قال به الحنفيّة ‪ ،‬وهو قول المالكيّة إن شتمهم بما‬
‫يشتم به النّاس ‪ ،‬وهو المعتمد عند الشّافعيّة ‪ ،‬وهو قول الحنابلة إن لم يكن مستحلّا ‪ ،‬نقل عبد‬
‫اللّه عن أحمد أنّه سئل فيمن شتم صحابيّا القتل ؟ فقال ‪ :‬أجبن عنه ‪ ،‬ويضرب ‪ .‬ما أراه على‬
‫السلم ‪.‬‬
‫ب للشّيخين‬
‫الثّاني ‪ :‬وهو قول ضعيف للحنفيّة ‪ ،‬نقله البزّازيّ عن الخلصة ‪ :‬إن كان السّ ّ‬
‫يكفر ‪ ،‬قال ابن عابدين ‪ :‬إنّه مخالف لما في المتون ‪ ،‬وهو قول المالكيّة إن قال فيهم ‪ :‬كانوا‬
‫ب الربعة أبا بكر وعمر وعثمان وعليّا‬
‫على ضلل وكفر ‪ ،‬وقصر سحنون الكفر على من س ّ‬
‫‪ ،‬وهو مقابل المعتمد عند الشّافعيّة ‪ ،‬ضعّفه القاضي وهو قول للحنابلة إن كان مستحلّا ‪،‬‬
‫وقيل‪ :‬وإن لم يستحلّ ‪.‬‬
‫سبّ المام ‪:‬‬
‫‪ -‬يحرم سبّ المام ‪ ،‬ويعزّر من سبّه ‪.‬‬ ‫‪21‬‬

‫قال الحنفيّة ‪ :‬ل يستوفي المام التّعزير بنفسه ‪.‬‬


‫ب كالتّصريح ‪.‬‬
‫ن التّعريض بالسّ ّ‬
‫وصرّح فقهاء الشّافعيّة ‪ ،‬والحنابلة بأ ّ‬
‫سبّ الوالد ‪:‬‬
‫ن ذلك من‬
‫‪ -‬يحرم سبّ البن والده ‪ ،‬أو التّسبّب في سبّه ‪ ،‬جاء في الحاديث الصّحيحة أ ّ‬ ‫‪22‬‬

‫أكبر الكبائر ‪ ،‬روى البخاريّ في صحيحه « إنّ من أكبر الكبائر أن يلعن الرّجل والديه ‪،‬‬
‫ب الرّجل أب الرّجل فيسبّ‬
‫قيل‪ :‬يا رسول اللّه ‪ ،‬وكيف يلعن الرّجل والديه ؟ ‪ ،‬قال ‪ :‬يس ّ‬
‫أباه ‪ ،‬ويسبّ أمّه فيسبّ أمّه » ‪.‬‬
‫سنّة‪.‬‬
‫وبعض الفقهاء يصرّح بهذه الكبيرة والبعض ل يذكرها ولعلّه اعتمادا على ورودها في ال ّ‬
‫ب أبيه ‪.‬‬
‫ويعزّر الولد في س ّ‬
‫سبّ البن ‪:‬‬
‫‪ -‬ل يعزّر من سبّ ولده ‪ ،‬وذكر المام الغزاليّ أنّ دوام سبّ الوالد لولده بحكم الغضب‬ ‫‪23‬‬

‫يجري مجرى الفلتات في غيره ول يقدح في عدالة الوالد ‪.‬‬


‫هذا عند عامّة الفقهاء ‪ ،‬لنّ الوالد ل يحدّ في القذف ‪ ،‬فمن باب أولى ل يعزّر في الشّتم ‪.‬‬
‫وذكر صاحب ال ّدرّ من الحنفيّة أنّ الوالد يعزّر في شتم ولده ‪.‬‬
‫سبّ المسلم ‪:‬‬
‫ب المسلم معصية ‪ ،‬وصرّح كثير من الفقهاء بأنّه كبيرة ‪ .‬قال النّوويّ ‪ :‬يحرم سبّ‬
‫‪-‬س ّ‬ ‫‪24‬‬

‫المسلم من غير سبب شرعيّ يجوّز ذلك ‪ .‬روينا في صحيحي البخاريّ ومسلم عن ابن‬
‫مسعود رضي ال عنه عن رسول اللّه صلى ال عليه وسلم قال ‪ « :‬سباب المسلم فسوق » ‪،‬‬
‫وإذا سبّ المسلم ففيه التّعزير ‪ ،‬وحكى بعضهم التّفاق عليه ‪.‬‬
‫ب بشروطه المتقدّمة ‪.‬‬
‫قال الشّافعيّة والحنابلة ‪ :‬والتّعريض كالسّبّ ‪ ،‬وهذا إذا وقع السّ ّ‬
‫سبّ ال ّذ ّميّ ‪:‬‬
‫ب المسلم لل ّذ ّميّ معصية ‪ ،‬ويعزّر المسلم إن سبّ الكافر ‪.‬‬
‫‪-‬س ّ‬ ‫‪25‬‬

‫قال الشّافعيّة ‪ :‬سواء أكان حيّا ‪ ،‬أو ميّتا ‪ ،‬يعلم موته على الكفر ‪.‬‬
‫وقال البهوتيّ من الحنابلة ‪ :‬التّعزير لحقّ اللّه تعالى ‪.‬‬
‫النّهي عن سبّ آلهة المشركين ‪:‬‬
‫سبّواْ‬
‫ن اللّ ِه َفيَ ُ‬
‫ن مِن دُو ِ‬
‫سبّو ْا اّلذِينَ َيدْعُو َ‬
‫‪ -‬يحرم سبّ آلهة المشركين لقوله سبحانه ‪َ { :‬ولَ َت ُ‬ ‫‪26‬‬

‫عدْوًا ِب َغ ْيرِ عِ ْلمٍ } ‪.‬‬


‫اللّهَ َ‬
‫قال ابن العربيّ ‪ :‬اتّفق العلماء على أنّ معنى الية ل تسبّوا آلهة الكفّار فيسبّوا إلهكم ‪.‬‬
‫سبّ السّابّ قصاصا ‪:‬‬
‫‪ -‬أجاز جمهور الفقهاء لمن سبّه أحد أن يسبّه بقدر ما سبّه ‪.‬‬ ‫‪27‬‬

‫قال الشّافعيّة ‪ :‬بشرط أن ل يكون كاذبا ‪ ،‬ول قاذفا ‪ ،‬نحو ‪ :‬يا أحمق ‪ ،‬ويا ظالم ‪ ،‬لنّه ل‬
‫يخلو أحد عنهما ‪ ،‬قالوا ‪ :‬وعلى الوّل إثم البتداء ‪.‬‬
‫صرّح بهذا فقهاء الشّافعيّة ‪ ،‬وقيّد الحنابلة القصاص بأن ل يكون فيه فرية أي قذف ‪.‬‬
‫ن كلّ واحد منهما قد‬
‫ول يخالف المالكيّة في ذلك ‪ ،‬قالوا ‪ :‬ل تأديب إذا كان في مشاتمة ‪ ،‬ل ّ‬
‫نال من صاحبه ‪ .‬وجعل الحنفيّة ذلك خلف الولى ‪.‬‬
‫استدلّ القائلون بالجواز بخبر أبي داود ‪ « :‬أنّ زينب لمّا سبّت عائشة رضي ال عنهما قال‬
‫لها النّبيّ صلى ال عليه وسلم سبّيها » ‪.‬‬
‫ويشهد لقول الحنفيّة ما ورد عن « جابر بن سليم قال ‪ :‬رأيت رجلً يصدر النّاس عن رأيه ل‬
‫يقول شيئا إلّ صدروا عنه ‪ ،‬قلت ‪ :‬من هذا ؟ قالوا ‪ :‬هذا رسول اللّه صلى ال عليه وسلم‬
‫ن عليك السّلم تحيّة‬
‫قلت ‪ :‬عليك السّلم يا رسول اللّه مرّتين ‪ ،‬قال ‪ :‬ل تقل ‪ :‬عليك السّلم فإ ّ‬
‫الميّت ‪ ،‬قل ‪ :‬السّلم عليك قال ‪ .‬قلت ‪ :‬أنت رسول اللّه صلى ال عليه وسلم ؟ قال ‪ :‬أنا‬
‫رسول اللّه الّذي إذا أصابك ضرّ فدعوته كشفه عنك ‪ ،‬وإن أصابك عام سنة فدعوته أنبتها لك‬
‫‪ ،‬وإذا كنت بأرض قفراء أو فلة فضلّت راحلتك فدعوته ردّها عليك قال قلت ‪ :‬اعهد إليّ ‪،‬‬
‫قال ‪ :‬ل تسبّنّ أحدا قال ‪ :‬فما سببت بعده حرّا ول عبدا ول بعيرا ول شاةً ‪ ،‬قال ‪ :‬ول تحقرنّ‬
‫ن ذلك من المعروف ‪،‬‬
‫شيئا من المعروف ‪ ،‬وأن تكلّم أخاك وأنت منبسط إليه وجهك ‪ ،‬إ ّ‬
‫وارفع إزارك إلى نصف السّاق ‪ ،‬فإن أبيت فإلى الكعبين ‪ ،‬وإيّاك وإسبال الزار فإنّها من‬
‫ب المخيلة ‪ ،‬وإن امرؤ شتمك وعيّرك بما يعلم فيك فل تعيّره بما تعلم‬
‫ن اللّه ل يح ّ‬
‫المخيلة ‪ ،‬وإ ّ‬
‫فيه ‪ ،‬فإنّما وبال ذلك عليه » ‪.‬‬
‫‪ -‬ويستثنى ممّا تقدّم عدّة صور أهمّها ‪:‬‬ ‫‪28‬‬

‫ص من أبيه إذا سبّه ‪.‬‬


‫ب البن ‪ :‬فل يقت ّ‬
‫أ‪-‬س ّ‬
‫ص بنفسه ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬المام العظم ‪ :‬إذا سبّ فل يقت ّ‬
‫ج ‪ -‬الصّائم ‪ :‬إذا سبّه أحد فل يجوز له أن يسبّه ‪ ،‬فالسّبّ يحبط أجر الصّيام ‪.‬‬
‫يقول صلى ال عليه وسلم ‪ « :‬الصّيام جنّة ‪ ،‬فإذا كان أحدكم صائما ‪ ،‬فل يرفث ول يجهل ‪،‬‬
‫فإن امرؤ قاتله أو شاتمه ‪ ،‬فليقل إنّي صائم إنّي صائم » ‪.‬‬
‫سبّ الموات ‪:‬‬
‫ب ميّت مسلم لم يكن معلنا بفسقه لقوله صلى ال عليه وسلم ‪ « :‬ل‬
‫‪ -‬قال العلماء يحرم س ّ‬ ‫‪29‬‬

‫تسبّوا الموات فإنّهم قد أفضوا إلى ما قدّموا » ‪.‬‬


‫وأمّا الكافر ‪ ،‬والمسلم المعلن بفسقه ‪ ،‬ففيه خلف للسّلف لتعارض النّصوص فيه ‪.‬‬
‫ب الموات يجري مجرى الغيبة ‪ ،‬فإن كان أغلب أحوال المرء الخير وقد‬
‫قال ابن بطّال ‪ :‬س ّ‬
‫تكون منه الفلتة فالغتياب له ممنوع ‪ ،‬وإن كان فاسقا معلنا فل غيبة له ‪ ،‬وكذلك الميّت ‪.‬‬
‫سبّ الدّهر ‪:‬‬
‫‪ -‬وردت في الحاديث الصّحيحة بالنّهي عن سبّ الدّهر ‪ ،‬أخرج أحمد عن أبي هريرة‬ ‫‪30‬‬

‫ن اللّه قال ‪:‬‬


‫ن رسول اللّه صلى ال عليه وسلم قال ‪ « :‬ل تسبّوا الدّهر ‪ ،‬فإ ّ‬
‫رضي ال عنه أ ّ‬
‫أنا الدّهر ‪ ،‬اليّام واللّيالي لي أجدّدها وأبليها ‪ ،‬وآتي بملوك بعد ملوك » ‪.‬‬
‫قال ابن حجر ومعنى النّهي عن سبّ الدّهر أنّ من اعتقد أنّه الفاعل للمكروه فسبّه خطأ ‪ ،‬فإنّ‬
‫اللّه هو الفاعل ‪ ،‬فإذا سببتم من أنزل ذلك بكم رجع السّبّ إلى اللّه ‪.‬‬
‫ب الرّيح ‪:‬‬
‫س ّ‬
‫‪ -‬عن أبي هريرة رضي ال عنه قال ‪ :‬سمعت رسول اللّه صلى ال عليه وسلم يقول ‪:‬‬ ‫‪31‬‬

‫« الرّيح من روح اللّه تعالى تأتي بالرّحمة ‪ ،‬وتأتي بالعذاب فإذا رأيتموها فل تسبّوها ‪ ،‬وسلوا‬
‫اللّه خيرها ‪ ،‬واستعيذوا باللّه من شرّها » ‪.‬‬
‫قال الشّافعيّ ‪ :‬ل ينبغي لحد أن يسبّ الرّياح ‪ ،‬فإنّها خلق للّه تعالى مطيع ‪ ،‬وجند من أجناده‪،‬‬
‫يجعلها رحمةً ونعم ًة إذا شاء ‪.‬‬
‫سبّ الحمّى ‪:‬‬
‫‪ -‬قال النّوويّ ‪ :‬يكره سبّ الحمّى ‪ ،‬روي في صحيح مسلم عن جابر رضي ال عنه « أنّ‬ ‫‪32‬‬

‫رسول اللّه صلى ال عليه وسلم دخل على أمّ السّائب ‪ -‬أو أ ّم المسيّب ‪ -‬فقال ما لك يا أمّ‬
‫السّائب ‪ -‬أو يا أمّ المسيّب ‪ -‬تزفزفين قالت ‪ :‬الحمّى ‪ ،‬ل بارك اللّه فيها فقال ‪ :‬ل تسبّي‬
‫الحمّى فإنّها تذهب خطايا بني آدم ‪ ،‬كما يذهب الكير خبث الحديد » ‪.‬‬
‫ولنّها تكفّر ذنوب المؤمن ‪ ،‬قال ابن القيّم في حديث ‪ « :‬الحمّى حظّ المؤمن من النّار »‬
‫فالحمّى للمؤمن تكفّر خطاياه فتسهّل عليه الورود على النّار فينجو منه سريعا ‪.‬‬
‫وقال الزّيد العراقيّ ‪ :‬إنّما جعلت حظّه من النّار لما فيها من الحرّ والبرد المغيّر للجسم ‪،‬‬
‫وهذه صفة جهنّم ‪ ،‬فهي تكفّر الذّنوب فتمنعه من دخول النّار ‪.‬‬
‫سبب *‬
‫التّعريف ‪:‬‬
‫‪ -‬السّبب لغةً ‪ :‬الحبل ‪ .‬ثمّ استعمل لكلّ شيء يتوصّل به إلى غيره ‪ ،‬والجمع أسباب ‪.‬‬ ‫‪1‬‬

‫والسّبب في الصطلح ‪ :‬أحد أقسام الحكم الوضعيّ ‪.‬‬


‫وعرّفه الحنفيّة ‪ :‬بأنّه ما يكون طريقا إلى الحكم من غير تأثير ‪ ،‬أي من غير أن يضاف إليه‬
‫وجوب ول وجود ‪ ،‬ول يعقل فيه معاني العلل ‪ ،‬لكن يتخلّل بينه وبين الحكم علّة ل تضاف‬
‫إلى السّبب ‪.‬‬
‫واحترز بقيد " كونه طريقا " عن العلمة ‪.‬‬
‫واحترز بقيد " الوجوب " عن العلّة ‪ ،‬إذ العلّة ما يضاف إليها ثبوت الحكم ‪ ،‬وهذا هو‬
‫المقصود بقولهم " وجوب " ‪.‬‬
‫ن الحكم يضاف إلى العلّة وجودا بها ‪ ،‬ويضاف‬
‫واحترز بقيد " وجود " عن العلّة والشّرط ‪ ،‬ل ّ‬
‫إلى الشّرط وجودًا عنده ‪.‬‬
‫واحترز بقيد " ول يعقل فيه معاني العلل " عن السّبب الّذي له شبهة العلّة ‪ ،‬وهو ما أثّر في‬
‫الحكم بواسطة ‪ .‬فل يوجد للسّبب الحقيقيّ تأثير في الحكم بواسطة أو بغير واسطة ‪.‬‬
‫ي على كونه معرّفا‬
‫ل الدّليل السّمع ّ‬
‫وعرّف الشّافعيّة السّبب بأنّه ‪ :‬كلّ وصف ظاهر منضبط د ّ‬
‫لحكم شرعيّ ‪.‬‬
‫واحترز بالظّاهر عن الوصف الخفيّ كعلوق النّطفة بالرّحم فإنّه سبب خفيّ ل يعلّق عليه‬
‫وجوب العدّة ‪ ،‬وإنّما يعلّق على وصف ظاهر وهو الطّلق مثلً ‪.‬‬
‫واحترز بالمنضبط عن السّبب المتخلّف الّذي ل يوجد دائمًا كالمشقّة فإنّها تتخلّف ‪ ،‬ولذا علّق‬
‫سبب القصر على السّفر دون المشقّة ‪.‬‬
‫ومثال السّبب ‪ :‬زوال الشّمس أمارة معرفة لوجوب الصّلة في قوله تعالى ‪َ { :‬أقِمِ الصّلَةَ‬
‫شمْسِ } وكجعل طلوع الهلل أمار ًة على وجوب صوم رمضان في قوله تعالى ‪{ :‬‬
‫ِلدُلُوكِ ال ّ‬
‫شهْرَ فَ ْل َيصُمْهُ } ‪.‬‬
‫ش ِهدَ مِن ُكمُ ال ّ‬
‫َفمَن َ‬
‫اللفاظ ذات الصّلة ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬الشّرط ‪:‬‬
‫‪ -‬الشّرط وصف يلزم من انتفائه انتفاء الحكم ول يلزم من وجوده وجود الحكم ول‬ ‫‪2‬‬

‫يستلزمه ‪ .‬ومثاله ‪ :‬الحول شرط لوجوب الزّكاة ‪ ،‬فعدمه يستلزم عدم وجوبها ‪ ،‬ووجوده دون‬
‫وجود السّبب الّذي هو النّصاب ل يستلزم وجوب الزّكاة ‪ ،‬والقدرة على التّسليم شرط في‬
‫صحّة البيع فعدمها يستلزم عدم صحّته ‪.‬‬
‫والفرق بين الشّرط والسّبب أنّ الوّل يتعلّق بوجوده وجود الحكم ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬العلّة ‪:‬‬
‫‪ -‬العلّة هي ما يضاف إليه وجوب الحكم ‪ -‬أي ثبوته ‪ -‬ابتداءً ‪.‬‬ ‫‪3‬‬

‫فالفرق بينها وبين السّبب أنّ الحكم يثبت بالعلّة بل واسطة ‪ ،‬في حين ل يثبت الحكم بالسّبب‬
‫إلّ بواسطة ‪.‬‬
‫ولذا احترز عنه في التّعريف بكلمة " ابتداءً " ‪ .‬كما يفترقان في أنّ السّبب قد يتأخّر عنه‬
‫حكمه وقد يتخلّف عنه ‪ ،‬ول يتصوّر التّأخّر والتّخلّف في العلّة ‪.‬‬
‫ومن أمثلة ترتّب الحكم على العلّة بدون واسطة ول شرط وترتّبه على السّبب بواسطة قول‬
‫القائل ‪ :‬أنت طالق ‪ ،‬فإنّه يستعقب الطّلق من غير توقّف على شرط ‪ ،‬أمّا لو قال ‪ :‬إذا دخلت‬
‫الدّار فأنت طالق سمّي سببا لتوقّف الحكم على واسطة وهي دخول الدّار ‪.‬‬
‫أقسام السّبب ‪:‬‬
‫‪ -‬قسّم الصوليّون من الحنفيّة السّبب إلى ثلثة أقسام ‪:‬‬ ‫‪4‬‬

‫أ ‪ -‬السّبب الحقيقيّ ‪ :‬وهو سبب ليس فيه معنى العلّة ‪ .‬وذلك بأن تكون العلّة غير مضافة إلى‬
‫ل اختياريّا فل يضاف الحكم إليه ‪.‬‬
‫السّبب بأن تكون العلّة فع ً‬
‫ل على حصن في‬
‫ل على مال السّرقة ل يضمن ‪ ،‬ول يشترك في الغنيمة الدّا ّ‬
‫مثاله ‪ :‬أنّ الدّا ّ‬
‫دار الحرب ‪ ،‬لنّه توسّط بين السّبب والحكم علّة هي فعل فاعل مختار وهو السّارق والغازي‬
‫فتقطع هذه العلّة نسبة الحكم إلى السّبب ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬سبب فيه معنى العلّة ‪ :‬وهو ما توسّط بينه وبين الحكم علّة وكانت العلّة مضافةً إلى‬
‫السّبب كوطء الدّابّة شيئا ‪ ،‬فإنّه علّة لهلكه وهذه العلّة مضافة إلى سوقها وهو السّبب‬
‫فيضاف الحكم إلى السّبب فتجب الدّية بسوق الدّابّة ‪.‬‬
‫ج ‪ -‬سبب مجازيّ ‪ :‬كالصّيغ الدّالّة على تعليق الطّلق أو النّذر فإنّها قبل وقوع المعلّق عليه‬
‫أسباب مجازيّة لما يترتّب عليها من الجزاء وهو وقوع الطّلق أو لزوم النّذر ‪.‬‬
‫ولم تعتبر أسبابا حقيقيّ ًة إذ ربّما ل تفضي إلى الجزاء بأن ل يقع المعلّق عليه ‪.‬‬
‫ويطلق على هذا النّوع من السّبب " سبب له شبهة العلّة " ‪.‬‬
‫ما يطلق عليه اسم السّبب ‪:‬‬
‫‪ -‬يطلق الفقهاء السّبب على أربعة أوجه ‪:‬‬ ‫‪5‬‬

‫ن حافر البئر مع المرديّ فيه صاحب سبب والمرديّ‬


‫أ ‪ -‬في مقابلة المباشرة ‪ :‬فيقال ‪ :‬إ ّ‬
‫صاحب علّة فإنّ الهلك حصل بالتّردية لكن عند وجود السّبب ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬علّة العلّة ‪ :‬كما في الرّمي سبب للقتل من حيث إنّه سبب للعلّة فالموت لم يحصل‬
‫ل به ‪.‬‬
‫بمجرّد الرّمي بل بالواسطة فأشبه ما ل يحصل الحكم إ ّ‬
‫ج ‪ -‬ذات العلّة بدون شرطها ‪ :‬كقولهم ‪ :‬الكفّارة تجب باليمين دون الحنث ‪ ،‬فاليمين هو‬
‫السّبب سواء وجد الحنث أم لم يوجد ‪.‬‬
‫ن ملك النّصاب هو السّبب سواء وجد الحول الّذي هو شرط‬
‫وكقولهم ‪ :‬الزّكاة تجب بالحول فإ ّ‬
‫وجوب الزّكاة أم لم يوجد ‪.‬‬
‫ويريدون بهذا السّبب ما تحسن إضافة الحكم إليه ويقابلونه بالمحلّ والشّرط فيقولون ‪ :‬ملك‬
‫النّصاب سبب والحول شرط ‪.‬‬
‫د ‪ -‬الموجب ‪ :‬والسّبب بهذا الطلق يكون بمعنى العلّة الشّرعيّة ‪.‬‬
‫والعلل الشّرعيّة فيها معنى العلمات المظهرة فشابهت السباب من هذا الوجه ‪.‬‬
‫قال الزّركشيّ ‪ :‬العلّة الشّرعيّة هي المجموع المركّب من المقتضى والشّرط وانتفاء المانع‬
‫ووجود الهل والمحلّ ‪.‬‬

‫سبط *‬
‫التّعريف ‪:‬‬
‫‪ -‬السّبط يطلق في اللّغة على ولد البن والبنة ‪ .‬وأكثر ما يستعمل السّبط في ولد البنت ‪،‬‬ ‫‪1‬‬

‫ومنه قيل للحسن والحسين ‪ :‬سبطا رسول اللّه صلى ال عليه وسلم ‪.‬‬
‫وفي الصطلح يطلق عند الشّافعيّة على ولد البنت ‪.‬‬
‫وعند الحنابلة يطلق على ولد البن والبنت ‪.‬‬
‫اللفاظ ذات الصّلة ‪:‬‬
‫الحفيد ‪:‬‬
‫‪ -‬الحفيد لغةً ‪ :‬ولد الولد ‪ .‬ويستعمل الشّافعيّة هذا اللّفظ بنفس المعنى اللّغويّ ‪.‬‬ ‫‪2‬‬

‫أمّا الحنابلة فيقع لفظ الحفيد عندهم على ولد البن والبنت ‪ ( .‬ر ‪ :‬حفيد ) ‪.‬‬
‫النّافلة ‪:‬‬
‫‪ -‬النّافلة ‪ :‬ولد الولد ذكرا كان أو أنثى ‪.‬‬ ‫‪3‬‬

‫العقب ‪:‬‬
‫‪ -‬عقب الرّجل ولده الذّكور والناث ‪ ،‬وولد بنيه من الذّكور والناث ‪ ،‬إلّ أنّهم ل يسمّون‬ ‫‪4‬‬

‫عقبا إلّ بعد وفاته ‪.‬‬


‫ال ّذرّيّة ‪:‬‬
‫‪ -‬ال ّذ ّريّة أصلها الصّغار من الولد مهما نزلوا ‪ ،‬ويقع على الصّغار والكبار معا في‬ ‫‪5‬‬

‫التّعارف ‪.‬‬
‫وللفقهاء في دخول أولد البنات في ال ّذ ّريّة خلف ‪.‬‬
‫وتفصيل ذلك ينظر في ( ذ ّريّة ‪ ،‬و ولد ‪ ،‬ووقف ) ‪.‬‬
‫الحكم الجماليّ ‪:‬‬
‫دخول السّبط في الوقف على قوم وأولدهم ونسلهم ‪:‬‬
‫‪ -‬إذا وقف على قوم وأولدهم أو عاقبتهم أو نسلهم دخل في الوقف أولد البنين بغير‬ ‫‪6‬‬

‫خلف ‪ .‬أمّا أولد البنات فقد اختلف الفقهاء في دخولهم ‪.‬‬


‫فذهب الحنفيّة الشّافعيّة وأبو بكر وابن حامد من الحنابلة إلى أنّه يدخل أولد البنات في الوقف‬
‫ن أولد حقيقة ‪،‬‬
‫ن البنات أولده ‪ ،‬وأولده ّ‬
‫على ال ّذ ّريّة أو النّسل أو العقب أو أولد الولد ‪ ،‬ل ّ‬
‫فيدخلون في الوقف لتناول اللّفظ لهم ‪.‬‬
‫ب كُلّ َه َد ْينَا َونُوحًا َه َد ْينَا‬
‫سحَاقَ َو َيعْقُو َ‬
‫وقد دلّ على صحّة هذا قول اللّه تعالى ‪َ { :‬ووَ َه ْبنَا لَ ُه ِإ ْ‬
‫سنِينَ‬
‫حِ‬‫سفَ َومُوسَى وَهَارُونَ َو َكذَِلكَ َنجْزِي ا ْل ُم ْ‬
‫مِن قَبْلُ َومِن ُذ ّريّتِ ِه دَاوُودَ َوسَُليْمَانَ وََأيّوبَ َويُو ُ‬
‫ل مّنَ الصّاِلحِينَ } وعيسى عليه السلم من ولد البنت ‪،‬‬
‫حيَى َوعِيسَى وَإِ ْليَاسَ كُ ّ‬
‫‪َ ،‬و َز َكرِيّا َو َي ْ‬
‫فجعله من ذرّيّته ‪ ،‬وكذلك ذكر اللّه تعالى قصّة عيسى وإبراهيم وموسى وإسماعيل وإدريس ‪.‬‬
‫حمَ ْلنَا مَ َع نُوحٍ َومِن‬
‫ن ال ّن ِبيّينَ مِن ُذ ّريّةِ آ َدمَ َو ِممّنْ َ‬
‫ن َأ ْنعَمَ اللّهُ عََل ْيهِم مّ َ‬
‫ثمّ قال ‪ُ { :‬أوَْل ِئكَ اّلذِي َ‬
‫سرَائِيلَ } وعيسى معهم ‪.‬‬
‫ُذرّيّ ِة ِإ ْبرَاهِيمَ وَِإ ْ‬
‫« وقال النّبيّ صلى ال عليه وسلم في الحسن ‪ :‬ابني هذا سيّد » وهو ولد بنته ‪ ،‬ولمّا قال اللّه‬
‫تعالى ‪َ { :‬وحَلئِلُ َأ ْبنَا ِئ ُكمْ } دخل في التّحريم حلئل أبناء البنات ‪ ،‬ولمّا حرّم اللّه تعالى البنات‬
‫دخل في التّحريم بناتهنّ ‪.‬‬
‫ويرى المالكيّة والحنابلة أنّ أولد البنات ل يدخلون في الوقف الّذي على أولده وأولد‬
‫أولده‪ ،‬وهكذا إذا قال على ذ ّريّته ونسله ‪ .‬وللتّفصيل ( ر ‪ :‬وقف ) ‪.‬‬
‫دخول السّبط في الستئمان للولد ‪:‬‬
‫‪ -‬إذا قال الحربيّ ‪ :‬أمّنوني على أولدي فأجيب إلى ذلك دخل فيه أولده لصلبه وأولدهم‬ ‫‪7‬‬

‫من قبل الذّكور دون أولد البنات ‪ ،‬لنّهم ليسوا بأولده ‪ ،‬هكذا ذكر محمّد في السّير كما نقل‬
‫عنه قاضي خان وابن عابدين ‪.‬‬
‫وذكر الخصّاف أنّهم يدخلون « لقوله عليه الصلة والسلم حين أخذ الحسن والحسين ‪:‬‬
‫أولدنا أكبادنا » ‪.‬‬
‫ن اسم ولد الولد حقيقة‬
‫ولو قال الحربيّ ‪ :‬أمّنوني على أولد أولدي دخل أولد البنات ‪ ،‬ل ّ‬
‫فيمن ولده ولدك ‪ ،‬وابنتك ولدك ‪ ،‬فما ولدته ابنتك يكون ولد ولدك حقيقةً ‪.‬‬
‫مواطن البحث ‪:‬‬
‫‪ -‬للسّبط أحكام متعدّدة مفصّلة تنظر في مظانّها من كتب الفقه ‪ ،‬ومن ذلك الرث والوصيّة‬ ‫‪8‬‬

‫والنّكاح والحضانة والنّفقة والجنايات ‪.‬‬


‫وتنظر كذلك مصطلحات ( ابن البن ‪ ،‬وابن البنت ‪ ،‬وحفيد )‬

‫سبع *‬
‫انظر ‪ :‬أطعمة ‪.‬‬

‫سبق *‬
‫انظر ‪ :‬سباق ‪.‬‬

‫سبق الحدث *‬
‫التّعريف ‪:‬‬
‫‪ -‬السّبق مصدر سبق وهو في اللّغة ‪ :‬القدمة في الجري وفي كلّ شيء ‪.‬‬ ‫‪1‬‬

‫والحدث من حدث الشّيء حدوثا ‪ :‬أي تجدّد ويتعدّى باللف فيقال ‪ :‬أحدثه ‪ ،‬وأحدث النسان‬
‫إحداثا ‪ ،‬والسم ‪ :‬الحدث ‪ ،‬ويطلق على الحالة النّاقضة للطّهارة ‪ ،‬وعلى الحادث المنكر الّذي‬
‫سنّة ‪.‬‬
‫ليس بمعتاد ‪ ،‬ول معروف في ال ّ‬
‫وسبق الحدث في الصطلح ‪ :‬خروج شيء مبطل للطّهارة من بدن المصلّي " من غير قصد‬
‫" في أثناء الصّلة ‪.‬‬
‫الحكم التّكليفيّ ‪:‬‬
‫ن الصّلة ل تنعقد إن لم يكن متطهّرا عند إحرامه ‪ ،‬عامدا كان‬
‫‪ -‬ل خلف بين الفقهاء في أ ّ‬ ‫‪2‬‬

‫‪ ،‬أم ساهيا ‪ ،‬كما ل خلف بينهم في أنّ الصّلة تبطل إذا أحرم متطهّرا ثمّ أحدث عمدا ‪.‬‬
‫واختلفوا في الحدث الّذي يسبق من غير قصد ممّا يخرج من بدن المصلّي ‪ :‬من غائط ‪ ،‬أو‬
‫بول ‪ ،‬أو ريح ‪ ،‬وكذا الدّم السّائل من جرح أو دمّل به بغير صنعه عند من يرى أنّه حدث‬
‫يفسد الطّهارة ‪.‬‬
‫‪ -‬فذهب الحنفيّة إلى أنّه إذا سبق منه شيء من هذه الحداث تفسد طهارته ‪ ،‬ول تبطل‬ ‫‪3‬‬

‫صلته فيجوز له البناء على ما مضى من صلته بعد تطهّره استحسانا ل قياسا ‪ ،‬لقوله صلى‬
‫ال عليه وسلم ‪ « :‬من أصابه قيء أو رعاف أو قلس أو مذي فلينصرف ‪ ،‬فليتوضّأ ‪ ،‬ثمّ ليبن‬
‫على صلته ‪ ،‬وهو في ذلك ل يتكلّم » ‪.‬‬
‫ن الخلفاء الرّاشدين ‪ ،‬والعبادلة الثّلثة ‪ ،‬وأنس بن مالك وسلمان الفارسيّ رضي ال‬
‫ول ّ‬
‫عنهم ‪ ،‬قالوا بالبناء على ما مضى ‪.‬‬
‫وروي عن أبي بكر رضي ال عنه أنّه سبقه الحدث في الصّلة فتوضّأ وبنى على صلته ‪.‬‬
‫ل وفعلً ‪.‬‬
‫وروي عن عمر أنّه فعل ذلك فثبت البناء عن الصّحابة قو ً‬
‫ن التّحريمة ل‬
‫قالوا ‪ :‬وكان القياس أن تبطل صلته أيضًا ويستأنف الصّلة بعد التّطهّر ‪ ،‬ل ّ‬
‫تبقى مع الحدث ‪ ،‬كما ل تنعقد معه ‪ ،‬لفوات أهليّة أداء الصّلة في الحالين بفوات الطّهارة‬
‫ن الشّيء ل يبقى مع عدم الهليّة ‪ ،‬كما ل ينعقد من غير أهليّة ‪ ،‬فل تبقى‬
‫فيهما ‪ ،‬ل ّ‬
‫التّحريمة‪ ،‬لنّها شرعت لداء أفعال الصّلة ‪ ،‬ولهذا ل تبقى مع الحدث العمد بالتّفاق ‪ ،‬ولنّ‬
‫صرف الوجه عن القبلة ‪ ،‬والمشي للطّهارة في الصّلة مناف لها ‪ .‬ولكن عدل عن القياس‬
‫للنّصّ والجماع ‪ .‬وهذا هو القول القديم للشّافعيّ ‪ ،‬ورواية عن أحمد ‪.‬‬
‫‪ -‬وقال المالكيّة وهو القول الجديد للشّافعيّ وأصحّ الرّوايات عن أحمد ‪ :‬تبطل صلته‬ ‫‪4‬‬

‫ويتوضّأ ‪ ،‬ويلزمه استئنافها ‪ ،‬وهو قول الحسن ‪ ،‬وعطاء ‪ ،‬والنّخعيّ ‪ ،‬ومكحول ‪ ،‬واستدلّوا‬
‫بحديث ‪ « :‬إذا فسا أحدكم في صلته فلينصرف فليتوضّأ وليعد الصّلة » ‪.‬‬
‫وحديث عليّ رضي ال عنه ‪ :‬قال ‪ « :‬بينما نحن مع رسول اللّه صلى ال عليه وسلم نصلّي‬
‫إذ انصرف ونحن قيام ثمّ أقبل ورأسه يقطر ‪ ،‬فصلّى لنا الصّلة ثمّ قال ‪ :‬إنّي ذكرت أنّي‬
‫كنت جنبا حين قمت إلى الصّلة لم أغتسل ‪ ،‬فمن وجد منكم في بطنه ِرزّا أو كان على مثل‬
‫ما كنت عليه فلينصرف حتّى يفرغ من حاجته أو غسله ‪ ،‬ثمّ يعود إلى صلته » ‪.‬‬
‫ولنّه فقد شرط الصّلة ‪ -‬وهو الطّهارة عن الحدث ‪ -‬في أثنائها على وجه ل يعود إلّ بعد‬
‫زمن طويل وعمل كثير ‪ ،‬ففسدت صلته ‪ ،‬كما لو تنجّس نجاسةً يحتاج في إزالتها إلى مثل‬
‫ل بعيدةً منه ‪ ،‬أو تعمّد الحدث ‪ ،‬أو انقضت مدّة‬
‫ذلك ‪ .‬أو انكشفت عورته ‪ ،‬ولم يجد السّترة إ ّ‬
‫المسح على الخفّين وهو في أثناء الصّلة ‪.‬‬
‫وفي رواية أخرى عن أحمد ‪ :‬إن كان الحدث من السّبيلين ابتدأ الصّلة ول يبني ‪ ،‬أمّا إن كان‬
‫ن الثر إنّما ورد في الخارج من غير‬
‫من غيرهما بنى ‪ ،‬لنّ نجاسة السّبيلين أغلظ ‪ ،‬ول ّ‬
‫السّبيلين فل يلحق به ما ليس في معناه ‪.‬‬
‫شروط البناء عند من يقول به ‪:‬‬
‫يشترط في جواز البناء ‪:‬‬
‫‪ -‬أ ‪ -‬كون السّبق بغير قصد منه ‪ ،‬فل يجوز البناء إذا أحدث عمدا ‪ ،‬لنّ جواز البناء ثبت‬ ‫‪5‬‬

‫ل ما كان في معنى المنصوص ‪،‬‬


‫معدولً به عن القياس ‪ ،‬للنّصّ والجماع ‪ ،‬فل يلحق به إ ّ‬
‫والمجمع عليه ‪ ،‬والحدث العمد ليس كالحدث الّذي يسبق لنّه ممّا يبتلى به النسان ‪ ،‬فلو جعل‬
‫مانعا من البناء لدّى إلى حرج ‪ ،‬ول حرج في الحدث العمد ‪ .‬ولنّ النسان يحتاج إلى البناء‬
‫في الجمع والعياد لحراز الفضيلة ‪ ،‬فنظر الشّرع له بجواز البناء صيان ًة لهذه الفضيلة من‬
‫الفوات عليه ‪ ،‬وهو مستحقّ للنّظر ‪ ،‬لحصول الحدث من غير قصد منه ‪ ،‬وبغير اختياره‬
‫ن متعمّد الحدث في الصّلة جان ‪ ،‬فل يستحقّ النّظر ‪.‬‬
‫بخلف الحدث العمد ‪ ،‬ل ّ‬
‫ب ‪ -‬أل يأتي بعد الحدث بفعل مناف للصّلة لو لم يكن قد أحدث ‪ ،‬إلّ ما ل بدّ منه ‪ ،‬فيجب‬
‫عليه تقليل الفعال وتقريب المكان بحسب المكان ‪ ،‬ول يتكلّم إلّ ما يحتاج إليه في تحصيل‬
‫الماء ونحوه ‪ .‬فإن تكلّم بعد الحدث بل حاجة إليه ‪ ،‬أو ضحك أو أحدث حدثا آخر عمدا ‪ ،‬أو‬
‫أكل أو شرب فل يبني ‪،‬لنّ هذه الفعال منافية للصّلة في الصل فل يسقط المنافي‬
‫للضّرورة‪.‬‬
‫عوده بعد التّطهّر إلى مصلّاه ‪:‬‬
‫‪ -‬إن كان المصلّي منفردا فانصرف وتوضّأ فهو بالخيار إن شاء أتمّ صلته في الموضع‬ ‫‪6‬‬

‫الّذي توضّأ فيه ‪ ،‬وإن شاء عاد إلى الموضع الّذي افتتح الصّلة فيه ‪ ،‬لنّه إذا أت ّم الصّلة‬
‫حيث هو فقد سلمت صلته عن الحركة الكثيرة لكنّه صلّى صلةً واحد ًة في مكانين ‪.‬‬
‫وإن عاد إلى مصلّاه فقد أدّى جميع الصّلة في مكان واحد ولكن مع زيادة مشي فاستوى‬
‫الوجهان فيتخيّر ‪.‬‬
‫وقال بعض الحنفيّة ‪ :‬يصلّي في الموضع الّذي توضّأ فيه من غير خيار ‪ ،‬وهو القول القديم‬
‫للشّافعيّ ‪ .‬وإن كان مقتديا فانصرف وتوضّأ ‪ ،‬فإن لم يفرغ إمامه من الصّلة فعليه أن يعود ‪،‬‬
‫لنّه في حكم المقتدي ‪ ،‬ولو لم يعد وأتمّ بقيّة صلته في مكانه لم تصحّ صلته ‪ ،‬لنّه إن‬
‫صلّى مقتديا بإمامه لم يصحّ لنعدام شرط القتداء ‪ ،‬وهو اتّحاد البقعة ‪ ،‬وإن صلّى في مكانه‬
‫ن بين‬
‫منفردا فسدت صلته ‪ ،‬لنّ النفراد في حال وجوب القتداء يفسد صلته ‪ ،‬ل ّ‬
‫الصّلتين تغايرا ‪ ،‬وقد ترك ما كان عليه وهو الصّلة مقتديا ‪ ،‬وما أدّى وهو الصّلة منفردا‬
‫ل عمّا كان فيه إلى هذا ‪،‬‬
‫لم يوجد له ابتدا ًء تحريمة ‪ ،‬وهو بعض الصّلة ‪ ،‬لنّه صار منتق ً‬
‫فتبطل ‪.‬‬
‫وإن كان إماما يستخلف ثمّ يتوضّأ ويبني على صلته ‪.‬‬
‫هذا كلّه في حدث الرّفاهية " أي من غير ضرورة " أمّا الحدث الدّائم كسلس البول فل يضرّ ‪.‬‬
‫( ر ‪ :‬حدث ‪ ،‬وعذر ) ‪.‬‬
‫‪ -7‬أمّا ما سوى الحدث من السباب النّاقضة للصّلة إذا طرأ فيها أبطل الصّلة قطعا ‪ ،‬إن‬
‫كان باختياره ‪ ،‬أو طرأ بغير اختياره إذا نسب إليه تقصير ‪ ،‬كمن مسح خفّه فانقضت المدّة في‬
‫الصّلة ‪ ،‬أو دخل الصّلة وهو يدافع الحدث وهو يعلم أنّه ل يقدر على التّماسك إلى انتهائها ‪.‬‬
‫أمّا إذا طرأ ناقض للصّلة ل باختياره ول بتقصيره كمن انكشفت عورته فسترها في الحال ‪،‬‬
‫أو وقعت عليه نجاسة يابسة فنفضها في الحال ‪ ،‬أو ألقى الثّوب الّذي وقعت عليه النّجاسة في‬
‫الحال فصلته صحيحة ‪ ( .‬ر ‪ :‬صلة ‪ ،‬نجاسة ) ‪.‬‬

‫سبي *‬
‫التّعريف ‪:‬‬
‫‪ -‬السّبي والسّباء لغ ًة ‪ :‬السر ‪ ،‬يقال ‪ :‬سبى العد ّو وغيره سبيا وسبا ًء ‪ :‬إذا أسره ‪ ،‬فهو‬ ‫‪1‬‬

‫سبيّ على وزن فعيل للذّكر ‪.‬‬


‫والنثى سبي وسبيّة ومسبيّة ‪ ،‬والنّسوة سبايا ‪ ،‬وللغلم سبي ومسبيّ ‪.‬‬
‫أمّا اصطلحا ‪ :‬فالفقهاء في الغالب يخصّون السّبي بالنّساء والطفال ‪ ،‬والسر بالرّجال ‪.‬‬
‫ففي الحكام السّلطانيّة ‪ :‬الغنيمة تشتمل على أقسام ‪ :‬أسرى ‪ ،‬وسبي ‪ ،‬وأرضين ‪ ،‬وأموال ‪،‬‬
‫فأمّا السرى فهم الرّجال المقاتلون من الكفّار إذا ظفر المسلمون بهم أحياءً ‪ ،‬وأمّا السّبي فهم‬
‫النّساء والطفال ‪ .‬وفي مغني المحتاج ‪ :‬المراد بالسّبي ‪ :‬النّساء والولدان ‪.‬‬
‫اللفاظ ذات الصّلة ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬الرّهينة ‪:‬‬
‫‪ -‬الرّهينة واحدة الرّهائن ‪ ،‬وهي كلّ ما احتبس بشيء ‪ ،‬والسّبي والرّهينة كلهما محتبس‬ ‫‪2‬‬

‫إلّ أنّ السّبي يتعيّن أن يكون إنسانا وهو محتبس بذاته ‪ ،‬أمّا الرّهينة فلغيرها للوفاء بالتزام ‪( .‬‬
‫ر ‪ :‬أسرى ف ‪) 3/‬‬
‫ب ‪ -‬الحبس ‪:‬‬
‫‪ -‬الحبس ضدّ التّخلية ‪ ،‬والمحبوس ‪ :‬الممنوع عن التّوجّه حيث يشاء ‪ ،‬فالحبس أع ّم من‬ ‫‪3‬‬

‫السّبي ‪ ( .‬ر ‪ :‬أسرى ف ‪. ) 4/‬‬


‫الحكم التّكليفيّ ‪:‬‬
‫حتّى ِإذَا‬
‫ضرْبَ ال ّرقَابِ َ‬
‫‪ -‬السّبي مشروع لقول اللّه تعالى ‪َ { :‬فإِذا َلقِيتُ ُم اّلذِينَ كَ َفرُوا فَ َ‬ ‫‪4‬‬

‫شدّوا الْ َوثَاقَ } وقد سبى النّبيّ صلى ال عليه وسلم وقسّم السّبي بين المجاهدين‬
‫َأ ْثخَنتُمُو ُه ْم فَ ُ‬
‫كسبي بني المصطلق وهوازن ‪.‬‬
‫وسبى الصّحابة من بعده ‪ ،‬كما فعل أبو بكر رضي ال تعالى عنه حين استرقّ نساء بني‬
‫ي بن أبي طالب رضي ال تعالى عنه بني ناجية ‪.‬‬
‫حنيفة وذراريّهم ‪ ،‬وسبى عل ّ‬
‫وكان السّبي موجودا قبل السلم ‪ ،‬فقيّده السلم بشروط ‪ ،‬وخصّه بحالة الحرب ونحوها‬
‫على ما سيأتي في أسبابه ‪.‬‬
‫أسباب السّبي ‪:‬‬
‫الوّل ‪ -‬القتال ‪:‬‬
‫‪ -‬شرع القتال في سبيل اللّه تعالى لعلء دين الحقّ وكسر شوكة العداء ‪.‬‬ ‫‪5‬‬

‫والصل أنّ من لم يشارك في القتال فل يقتل ‪ ،‬ولذلك يمنع التّعرّض للنّساء والطفال وأمثالهم‬
‫من العجزة الّذين ل يشاركون في القتال لنهي النّبيّ صلى ال عليه وسلم عن قتل النّساء‬
‫والصّبيان ‪ .‬قال صلى ال عليه وسلم ‪ « :‬ل تقتلوا شيخا فانيا ول طفلً ول امرأ ًة » ‪.‬‬
‫ويستثنى من هذا جواز قتل من يشارك في القتال من النّساء والصّبيان أو يحرّض على‬
‫)‪.‬‬ ‫‪29/‬‬ ‫القتال‪ ،‬وهذا في الجملة وينظر تفصيله في ( جهاد ف‬
‫وإذا أخذ المسلمون الغنائم فإنّ من يوجد فيها من النّساء والطفال يعتبر سبيا ‪.‬‬
‫الثّاني ‪ :‬النّزول على حكم رجل ‪:‬‬
‫‪ -‬لو حاصر المسلمون حصنا للعد ّو ‪ ،‬وطلب أهل الحصن النّزول على حكم فلن وارتضوا‬ ‫‪6‬‬

‫حكم أحد المسلمين فيهم ‪ ،‬فله الحكم بسبي نسائهم وذراريّهم ‪.‬‬
‫وقد ورد « أنّ بني قريظة لمّا حاصرهم رسول اللّه صلى ال عليه وسلم خمسًا وعشرين ليلةً‬
‫نزلوا على حكم سعد بن معاذ رضي ال تعالى عنه ‪ ،‬فحكم سعد أن تقتّل رجالهم وتقسّم‬
‫أموالهم وتسبى نساؤهم وذراريّهم ‪ ،‬فقال رسول اللّه صلى ال عليه وسلم ‪ :‬لقد حكمت بما‬
‫)‪.‬‬ ‫‪24/‬‬ ‫حكم الملك » ‪ .‬وينظر تفصيل ذلك في ( جهاد ف‬
‫الثّالث ‪ -‬الرّدّة ‪:‬‬
‫‪ -‬يرى جمهور الفقهاء ‪ -‬المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة ‪ -‬أنّ المرتدّة إن استتيبت ولم تتب‬ ‫‪7‬‬

‫فإنّها تقتل ‪ ،‬لما روي « أنّ امرأ ًة يقال لها أمّ رومان ارتدّت عن السلم ‪ ،‬فبلغ أمرها النّبيّ‬
‫صلى ال عليه وسلم فأمر أن تستتاب فإن تابت وإلّ قتلت » ‪.‬‬
‫ولنّها شخص مكلّف بدّل دين الحقّ بالباطل ‪ ،‬فيقتل كالرّجل ‪.‬‬
‫‪ -8‬وعند الحنفيّة تحبس إلى أن تتوب ‪ -‬إلّ في رواية عن أبي حنيفة ‪ -‬على ما سيأتي ‪.‬‬
‫ن المرأة إذا ارتدّت‬
‫ي بن أبي طالب والحسن وقتادة وعمر بن عبد العزيز أ ّ‬
‫وروي عن عل ّ‬
‫ن أبا بكر رضي ال تعالى عنه استرقّ نساء بني حنيفة وذراريّهم ‪،‬‬
‫فإنّها تسبى ول تقتل ‪ ،‬ل ّ‬
‫وأعطى عليّا منهم امرأةً فولدت له محمّد بن الحنفيّة ‪ ،‬وكان هذا بمحضر من الصّحابة ‪ ،‬وهو‬
‫رواية عن أبي حنيفة في النّوادر قال ‪ :‬إنّها تسترقّ ولو كانت في دار السلم ‪ ،‬قيل ‪ :‬لو أفتى‬
‫بهذه الرّواية ل بأس به فيمن كانت ذات زوج حسما لتوصّلها للفرقة بالرّدّة ‪.‬‬
‫ل إذا لحقت بدار الحرب بعد‬
‫وعند الحنفيّة ‪ -‬غير رواية أبي حنيفة ‪ -‬ل تسبى المرأة إ ّ‬
‫ارتدادها ‪ ،‬فحينئذ يجوز سباؤها ‪.‬‬
‫‪ -9‬أمّا ذ ّريّة المرتدّ فمن ولد بعد ردّة أبويه فإنّه محكوم بكفره ‪ ،‬لنّه ولد بين أبوين كافرين‪،‬‬
‫ويجوز سباؤه حينئذ لنّه ليس بمرتدّ ‪ ،‬نصّ على ذلك أحمد ‪ ،‬وهو ظاهر كلم الخرقيّ وأبي‬
‫بكر ‪ ،‬وهو قول للشّافعيّة ‪.‬‬
‫وقال ابن قدامة ‪ :‬ويحتمل أن ل يجوز استرقاقهم ‪ ،‬لنّ آباءهم ل يجوز استرقاقهم ‪ ،‬لنّهم ل‬
‫يقرّون بدفع الجزية فل يقرّون بالسترقاق ‪.‬‬
‫وعند الحنفيّة يسبى من ولد في دار الحرب أو لحق أبواه بدار الحرب وهو معهما ‪ ،‬وقال‬
‫المالكيّة ‪ :‬إذا قتل المرتدّ بقي ولده مسلمًا سواء ولد قبل ال ّردّة أو بعدها ‪.‬‬
‫‪ -‬ومتى ارتدّ أهل بلد وجرت فيه أحكامهم صار دار حرب ‪ ،‬فإذا غلب المسلمون عليهم‬ ‫‪10‬‬

‫كان لهم سبي نسائهم وذراريّهم والّذين ولدوا بعد ال ّردّة ‪ ،‬كما سبى أبو بكر رضي ال تعالى‬
‫عنه ذراريّ من ارتدّ من العرب من بني حنيفة وغيرهم ‪ ،‬وكما سبى عليّ بن أبي طالب‬
‫رضي ال تعالى عنه بني ناجية موافق ًة لبي بكر ‪ ،‬وهذا عند الحنفيّة والحنابلة وأصبغ من‬
‫المالكيّة ‪ ،‬وعند الشّافعيّة والمالكيّة ‪ -‬غير أصبغ ‪ -‬ل تسبى نساؤهم ول ذراريّهم ‪.‬‬
‫الرّابع ‪ :‬نقض العهد ‪:‬‬
‫‪ -‬أهل ال ّذمّة آمنون على أنفسهم بسبب العهد ‪ ،‬فإذا نقضوا العهد قاتلهم المام وأسر‬ ‫‪11‬‬

‫رجالهم ‪ ،‬أمّا نساؤهم وذراريّهم فل يسبّون لنّ أمانهم لم يبطل بنقض العهد ‪ ،‬وهذا عند‬
‫الحنفيّة والحنابلة ‪ ،‬وهو الصحّ عند الشّافعيّة وأشهب من المالكيّة ‪.‬‬
‫وعند المالكيّة غير أشهب ومقابل الصحّ عند الشّافعيّة ‪ :‬ينتقض عهد الجميع وتسبى النّساء‬
‫والذّراريّ ‪ ،‬قال المالكيّة ‪ :‬هذا الّذي خالفت فيه سيرة عمر سيرة أبي بكر رضي ال تعالى‬
‫عنهما في الّذين ارتدّوا من العرب ‪ ،‬سار فيهم أبو بكر سيرة النّاقضين فسبى النّساء والصّغار‬
‫وجرت المقاسم في أموالهم ‪ .‬فلمّا ولي عمر بعده نقض ذلك وسار فيهم سيرة المرتدّين ‪،‬‬
‫أخرجهم من ال ّرقّ وردّهم إلى عشائرهم وإلى الجزية ‪.‬‬
‫وقال الحنابلة ‪ :‬من ولد بعد نقض العهد فإنّه يسترقّ ويسبى ‪.‬‬
‫وينظر تفصيل ذلك في ( أهل ال ّذمّة ) ‪.‬‬
‫التّصرّف في السّبي ‪:‬‬
‫ن المام‬
‫‪ -‬يعتبر السّبي " النّساء والذّراريّ " من الغنائم ‪ ،‬والصل في أسرى الغنائم أ ّ‬ ‫‪12‬‬

‫ن السّبي يختلف‬
‫ن أو فداء أو استرقاق ‪ ،‬إلّ أ ّ‬
‫مخيّر فيها بما هو أصلح للمسلمين من قتل أو م ّ‬
‫في بعض أحكامه عن السرى من الرّجال المقاتلين وبيان ذلك فيما يلي ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬حكم قتلهم ‪:‬‬
‫‪ -‬إذا سبي النّساء والصّبيان فل يجوز قتلهم ‪ ،‬لنّه ل يجوز قتلهم أثناء القتال فل يجوز‬ ‫‪13‬‬

‫قتلهم بعد السّبي ‪ ،‬وقد قال النّبيّ صلى ال عليه وسلم ‪ « :‬ل تقتلوا امرأةً ول وليدا » ‪.‬‬
‫وروي « أنّه عليه الصلة والسلم رأى في بعض غزواته امرأةً مقتولةً فأنكر ذلك ‪ ،‬وقال‬
‫صلى ال عليه وسلم ‪ :‬هاه ما أراها قاتلت فلم قتلت ؟ ونهى عن قتل النّساء والصّبيان » ‪.‬‬
‫ن هؤلء ليسوا من أهل القتال فل يقتلون ‪ ،‬وهذا عا ّم في جميع السّبي عند الحنفيّة‬
‫ول ّ‬
‫والمالكيّة والحنابلة وهو الحكم عند الشّافعيّة إن كان السّبي أهل كتاب ‪ ،‬وفي الوثنيّات عندهم‬
‫خلف ‪.‬‬
‫‪ -‬والحكم بعدم قتل النّساء والصّبيان مقيّد بما إذا لم يشتركوا في القتال فإن كانوا قد‬ ‫‪14‬‬

‫اشتركوا في القتال ‪ ،‬وحملوا السّلح وقاتلوا ‪ ،‬جاز قتلهم بعد السّبي ‪ ،‬وقد « قتل النّبيّ صلى‬
‫ال عليه وسلم يوم قريظة امرأةً ألقت رحىً على خلّاد بن سويد » ‪.‬‬
‫وقد جاء عن ابن عبّاس رضي ال عنهما قال ‪ « :‬مرّ النّبيّ صلى ال عليه وسلم بامرأة‬
‫مقتولة يوم الخندق فقال ‪ :‬من قتل هذه ؟ قال رجل ‪ :‬أنا يا رسول اللّه ‪ ،‬قال ‪ :‬ولم ؟ قال ‪:‬‬
‫نازعتني سيفي ‪ .‬قال ‪ :‬فسكت » ‪.‬‬
‫ل إذا‬
‫لكن قال الحنفيّة ‪ :‬ل يقتل الصّبيّ ولو شارك في القتال لنّه ليس من أهل العقوبة ‪ ،‬إ ّ‬
‫كان ملكا فإنّه يجوز قتله ‪ ،‬لنّ في قتل الملك كسر شوكة العداء ‪ ،‬كما يجوز عند الحنفيّة‬
‫قتل المرأة إذا كانت ملكةً ولو لم تقاتل ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬المفاداة ‪:‬‬
‫‪ -‬جاء في الدّرّ المختار من كتب الحنفيّة ‪ :‬ل يفادى بنساء وصبيان إلّ لضرورة ‪ ،‬لنّ‬ ‫‪15‬‬

‫ل المنع‬
‫الصّبيان يبلغون فيقاتلون والنّساء يلدن فيكثر نسل الكفّار ‪ ،‬لكن قال ابن عابدين ‪ :‬لع ّ‬
‫ل فقد جوّزوا دفع أسراهم فداءً لسرانا ‪ ،‬مع أنّهم إذا ذهبوا إلى‬
‫فيما إذا كان البدل مالً وإ ّ‬
‫دارهم يتناسلون ‪.‬‬
‫وقال محمّد بن الحسن ‪ :‬الصّبيان من المشركين إذا سبوا ومعهم الباء والمّهات فل بأس‬
‫بالمفاداة بهم ‪ ،‬وأمّا إذا سبي الصّبيّ وحده ‪ ،‬أو خرج إلى دار السلم فل تجوز المفاداة به‬
‫بعد ذلك ‪ ،‬وكذلك إن قسمت الغنيمة في دار الحرب فوقع في سهم رجل أو بيعت الغنائم ‪ ،‬فقد‬
‫صار الصّبيّ محكوما له بالسلم تبعا لمن تعيّن ملكه فيه بالقسم أو الشّراء ‪.‬‬
‫ثمّ في المفاداة يشترط رضا أهل العسكر ‪ ،‬فلو أبوا ذلك ليس للمير أن يفاديهم ‪.‬‬
‫‪ -‬وأجاز المالكيّة الفداء مطلقا سواء أكان بمال أم بأسرى ‪.‬‬ ‫‪16‬‬

‫فإن كان الفداء بمال يأخذه المام من الكفّار ويضمّه للغنيمة ‪.‬‬
‫وإن حصل الفداء بردّ السرى فيحسب القدر الّذي يفكّ به السرى من عندهم من الخمس ‪.‬‬
‫‪ -‬والصل عند الشّافعيّة على ما جاء في مغني المحتاج أنّ المام غير مخيّر في السّبي‪،‬‬ ‫‪17‬‬

‫ويتعيّن الرّقّ فيهم بمجرّد السّبي وبذلك يمتنع الفداء ‪.‬‬


‫ن هذا الفداء بيع‬
‫لكن قال الماورديّ في الحكام السّلطانيّة ‪ :‬إن فادى السّبي على مال جاز ‪ ،‬ل ّ‬
‫ويكون مال فدائهم مغنوما مكانهم ‪ ،‬ول يلزمه استطابة نفوس الغانمين ‪ ،‬وإن أراد أن يفادى‬
‫بهم عن أسرى المسلمين في أيدي قومهم عوّض الغانمين عنهم من سهم المصالح ‪.‬‬
‫ن النّساء والصّبيان يصيرون رقيقا بمجرّد سبيهم ‪ ،‬قال ابن‬
‫‪ -‬والصل كذلك عند الحنابلة أ ّ‬ ‫‪18‬‬

‫قدامة ‪ :‬النّساء والصّبيان يصيرون رقيقا بالسّبي ‪ ،‬ثمّ قال ‪ :‬ومنع أحمد من فداء النّساء بالمال‬
‫ن للسلم لبقائهنّ عند المسلمين ‪ ،‬وجوّز أن يفادى بهنّ أسارى‬
‫ن تعريضا له ّ‬
‫ن في بقائه ّ‬
‫لّ‬
‫ي صلى ال عليه وسلم فادى بالمرأة الّتي أخذها من سلمة بن الكوع »‬
‫ن « النّب ّ‬
‫المسلمين ‪ ،‬ل ّ‬
‫ن في ذلك استنقاذ مسلم متحقّق إسلمه فاحتمل تفويت ما يرجى من إسلمها المظنون ‪،‬‬
‫‪ .‬ول ّ‬
‫ول يلزم من ذلك احتمال فواتها لتحصيل المال ‪ ،‬فأمّا الصّبيان فقال أحمد ‪ :‬ل يفادى بهم ‪،‬‬
‫وذلك لنّ الصّبيّ يصير مسلما بإسلم سابيه فل يجوز ردّه إلى المشركين ‪ ،‬وإن كان الصّبيّ‬
‫غير محكوم بإسلمه كالّذي سبي مع أبويه لم يجز فداؤه بمال ‪ ،‬وهل يجوز فداؤه بمسلم ؟‬
‫يحتمل وجهين ‪.‬‬
‫وفي الحكام السّلطانيّة لبي يعلى ‪ :‬وإنّما لم يجز الفداء لنّ حقّهم ثابت في السّبي فلم تجر‬
‫ن من أصلنا أنّه ل يجوز بيع السّبي من أهل ال ّذمّة ‪ ،‬فالفداء كذلك لنّه‬
‫المعاوضة عليه ‪ ،‬ول ّ‬
‫معاوضة ‪ .‬وإذا فادى المام بالسارى عوّض الغانمين من سهم المصالح ‪.‬‬
‫ج ‪ -‬المنّ ‪:‬‬
‫ن على السّبي من النّساء والصّبيان ‪ ،‬فمنعه الحنفيّة وهو ما‬
‫‪ -‬اختلف الفقهاء في حكم الم ّ‬ ‫‪19‬‬

‫جاء في أغلب كتب المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة ‪.‬‬


‫ففي شرّاح خليل من كتب المالكيّة كالدّسوقيّ وغيره أنّه ليس للمام في النّساء والذّراريّ إلّ‬
‫السترقاق أو الفداء ‪ ،‬لكن قال ابن جزيّ ‪ :‬وأمّا النّساء والصّبيان فيخيّر المام فيهم بين المنّ‬
‫ي على كفاية الطّالب ال ّربّانيّ ‪ .‬وفي‬
‫والفداء والسترقاق ‪ ،‬ومثل ذلك جاء في حاشية العدو ّ‬
‫ن نساء الكفّار وصبيانهم إذا أسروا رقّوا ‪ ،‬وأنّه ل يجوز فداؤهم أو المنّ عليهم‬
‫كتب الشّافعيّة أ ّ‬
‫‪.‬‬
‫ل باستطابة نفوس الغانمين عنهم ‪،‬‬
‫ن عليهم لم يجز إ ّ‬
‫لكن قال الماورديّ ‪ :‬إن أراد المام الم ّ‬
‫ن عليهم لمصلحة عامّة‬
‫إمّا بالعفو عن حقوقهم منهم ‪ ،‬وإمّا بمال يعوّضهم عنهم ‪ ،‬فإن كان الم ّ‬
‫جاز أن يعوّضهم من سهم المصالح ‪،‬وإن كان لمر يخصّه عاوض عنهم من مال نفسه‪.‬‬
‫ومن امتنع من الغانمين لم يستنزل عنه إجبارا حتّى يرضى ‪ ،‬وخالف ذلك حكم السرى ففيهم‬
‫ل يلزمه استطابة نفوس الغانمين لنّ قتل الرّجال مباح وقتل السّبي محظور ‪ ،‬فصار السّبي‬
‫مالًا مغنومًا ل يستنزلون عنه إلّ باستطابة النّفوس ‪ .‬فإنّ « هوازن لمّا سبيت وغنمت أموالها‬
‫بحنين استعطفت النّبيّ صلى ال عليه وسلم وأتاه وفودها وقد فرّق الموال وقسّم السّبي‬
‫فذكّروه حرمة رضاعه فيهم من لبن حليمة وطلبوا أن يردّ عليهم نساءهم وأبناءهم فقال النّبيّ‬
‫صلى ال عليه وسلم ‪ :‬أما ما كان لي ولبني عبد المطّلب فهو لكم وردّت قريش والنصار من‬
‫كان عندهم وأبى غيرهم ‪ ،‬فقال النّبيّ صلى ال عليه وسلم ‪ « :‬أمّا من تمسّك بحقّه من هذا‬
‫السّبي فله بكلّ إنسان ستّ فرائض » ‪ .‬فردّوا إلى النّاس أبناءهم ونساءهم فردّوا » ‪.‬‬
‫ن على النّساء والصّبيان قال ابن قدامة ‪ :‬المام‬
‫وفي كتب الحنابلة كذلك ما يفيد عدم جواز الم ّ‬
‫ن على ال ّذرّيّة إذا سبوا ‪ ،‬ومن سبي فإنّه يصير رقيقا بنفس السّبي ومثل ذلك في‬
‫ل يملك الم ّ‬
‫غيره من الكتب ‪.‬‬
‫ل باستطابة نفوس الغانمين‬
‫ن على السّبي لم يجز إ ّ‬
‫لكن قال أبو يعلى ‪ :‬إن أراد المام الم ّ‬
‫بالعفو عنهم أو بمال يعوّضهم من سهم المصالح ‪ ،‬ومن امتنع من الغانمين عن ترك حقّه لم‬
‫يجبر ‪.‬‬
‫د ‪ -‬السترقاق ‪:‬‬
‫‪ -‬إذا سبي النّساء والصّبيان صاروا رقيقا بنفس السّبي كما يقول الشّافعيّة والحنابلة ‪،‬‬ ‫‪20‬‬

‫ن المام في السّبي بالخيار بين المفاداة أو السترقاق ‪.‬‬


‫وذهب المالكيّة والحنفيّة إلى أ ّ‬
‫ويعرف ذلك بالقول أو بالتّصرّف فيهم كما يتصرّف في الرّقيق أو بدللة الحال ‪.‬‬
‫التّصرّف في السّبي بالبيع وغيره ‪:‬‬
‫‪ -‬السّبي يعتبر من الغنائم والمام مخيّر في التّصرّف فيه على ما سبق بيانه من جواز‬ ‫‪21‬‬

‫المنّ أو الفداء أو السترقاق على الخلف الّذي سبق ‪.‬‬


‫والسّبي بعد القسمة يكون ملكا لمن وقع في سهمه يجوز له التّصرّف فيه بالبيع وغيره ‪.‬‬
‫أمّا قبل القسمة فالحقّ في ذلك للمام ‪ ،‬والمام منوط به التّصرّف بما فيه الصلح للغانمين ‪.‬‬
‫وينظر مصطلح ( غنيمة ) ‪.‬‬
‫التّفريق بين المّ ووليدها المسبيّين ‪:‬‬
‫‪ -‬ل يجوز التّفرقة بين المّ ووليدها المسبيّين في البيع أو في قسمة الغنيمة ‪ ،‬والصل فيه‬ ‫‪22‬‬

‫ما روي عن رسول اللّه صلى ال عليه وسلم أنّه قال ‪ « :‬ل توله والدة عن ولدها » ‪.‬‬
‫والتّفريق بينهما توليه فكان منهيّا عنه ‪ ،‬وروى أبو أيّوب قال ‪ :‬سمعت رسول اللّه صلى ال‬
‫عليه وسلم يقول ‪ « :‬من فرّق بين الوالدة وولدها فرّق اللّه بينه وبين أحبّته يوم القيامة » ‪.‬‬
‫وقد « رأى النّبيّ صلى ال عليه وسلم امرأةً واله ًة في السّبي فسأل عن شأنها فقيل قد بيع‬
‫ولدها فأمر بال ّردّ » ‪ .‬وهذا باتّفاق ‪.‬‬
‫وفي الموضوع تفصيل من حيث شمول التّفريق لغير المّ من ذوي الرحام ‪ ،‬أو ل ‪ ،‬وهل‬
‫يختصّ التّفريق بكون الولد صغيرًا أو يشمل ذلك حالة الكبر أيضا ‪.‬‬
‫)‪.‬‬ ‫‪39/‬‬ ‫‪ ،‬ورقّ ف‬ ‫‪101/‬‬ ‫وينظر هذا التّفصيل في ‪ ( :‬بيع منهيّ عنه ف‬
‫أثر السّبي في الحكم بإسلم المسبيّ ‪:‬‬
‫‪ -‬إذا سبي من لم يبلغ من أولد الكفّار صار رقيقا على ما تقدّم ‪ ،‬أمّا الحكم بإسلم‬ ‫‪23‬‬

‫الصّغير المسبيّ فله ثلثة أحوال ‪:‬‬


‫ن الدّين إنّما يثبت له تبعا ‪ ،‬وقد‬
‫الوّل ‪ :‬أن يسبى منفردا عن أبويه فإنّه يصير مسلما ‪ ،‬ل ّ‬
‫انقطعت تبعيّته لبويه لنقطاعه عنهما وإخراجه عن دارهما ‪ ،‬ومصيره إلى دار السلم تبعا‬
‫لسابيه المسلم فكان تابعا له في دينه ‪ ،‬وهو قول الحنفيّة والحنابلة ورواية أهل المدينة عن‬
‫مالك ‪ ،‬ومقابل ظاهر المذهب عند الشّافعيّة ‪.‬‬
‫وعند ابن القاسم من المالكيّة وهو ظاهر المذهب عند الشّافعيّة أنّه باق على كفره تبعا لبيه‪،‬‬
‫ول يتبع السّابي في السلم ‪ ،‬لنّ يد السّابي يد ملك فل توجب إسلمه كيد المشتري ‪.‬‬
‫الثّاني ‪ :‬أن يسبى مع أحد أبويه ‪ ،‬فعند جمهور الفقهاء ‪ -‬الحنفيّة والمالكيّة والشّافعيّة ‪ -‬يعتبر‬
‫كافرا تبعا لبيه أو أمّه في الكفر ‪ ،‬لنّه لم ينفرد عن أحد أبويه فلم يحكم بإسلمه ولقول النّبيّ‬
‫صلى ال عليه وسلم ‪ « :‬كلّ مولود يولد على الفطرة فأبواه يهوّدانه أو ينصّرانه أو يمجّسانه‬
‫»‪.‬‬
‫وعند الحنابلة يحكم بإسلمه ‪ ،‬وبهذا قال الوزاعيّ لقول النّبيّ صلى ال عليه وسلم ‪ « :‬كلّ‬
‫ن الحكم متى علّق‬
‫مولود يولد على الفطرة » ‪ ،‬الحديث ‪ ،‬فمفهومه أنّه ل يتبع أحدهما ‪ ،‬ل ّ‬
‫بشيئين ل يثبت بأحدهما ‪ ،‬ولنّه يتبع سابيه منفردا فيتبعه مع أحد أبويه قياسا على ما لو أسلم‬
‫أحد البوين ‪.‬‬
‫الثّالث ‪ :‬أن يسبى مع أبويه فإنّه يكون على دينهما لقول النّبيّ صلى ال عليه وسلم ‪ « :‬فأبواه‬
‫يهوّدانه أو ينصّرانه أو يمجّسانه » ‪ ،‬وهما معه وملك السّابي له ل يمنع اتّباعه لبويه بدليل‬
‫ما لو ولد في ملكه من عبده وأمته الكافرين ‪.‬‬
‫وإن أسلم أحد البوين فهو مسلم تبعا له لنّ السلم أعلى ‪،‬فكان إلحاقه بالمسلم منهما أولى‪.‬‬
‫وعند المالكيّة هو على دين أبيه ول عبرة بإسلم أمّه أو جدّه ‪.‬‬
‫)‪.‬‬ ‫‪270/ 4‬‬ ‫‪،‬‬ ‫‪25/‬‬ ‫وينظر تفصيله في بحث ‪ ( :‬إسلم ف‬
‫أثر السّبي في النّكاح ‪:‬‬
‫سبي المتزوّجات من الكفّار ل يخلو من ثلثة أحوال ‪:‬‬
‫‪ -‬أحدها ‪ :‬أن يسبى الزّوجان معا ‪ ،‬فعند المالكيّة والشّافعيّة ينفسخ نكاحهما ‪ ،‬وهو قول‬ ‫‪24‬‬

‫الثّوريّ واللّيث وأبي ثور ‪ ،‬كما روى أبو سعيد الخدريّ رضي ال عنه قال ‪ « :‬أصابوا سبيا‬
‫ل مَا مََلكَتْ‬
‫صنَاتُ ِمنَ ال ّنسَاء ِإ ّ‬
‫يوم أوطاس لهنّ أزواج فتخوّفوا فأنزلت هذه الية { وَا ْل ُمحْ َ‬
‫ل المملوكات بالسّبي فدلّ على ارتفاع النّكاح ‪ ،‬قال الشّافعيّ ‪:‬‬
‫َأ ْيمَانُ ُكمْ } » فحرّم المتزوّجات إ ّ‬
‫« سبى رسول اللّه صلى ال عليه وسلم أوطاس وبني المصطلق وقسّم الفيء ‪ ،‬وأمر ألّ توطأ‬
‫حامل حتّى تضع ‪ ،‬ول حائل حتّى تحيض ‪ ،‬ولم يسأل عن ذات زوج ول غيرها » ‪.‬‬
‫ص فيه ‪ ،‬والّذي يقتضيه قياس المذهب‬
‫قال الشّافعيّة ‪ :‬وإن كان الزّوجان مملوكين فسبيا فل ن ّ‬
‫أن ل ينفسخ النّكاح ‪ ،‬لنّه لم يحدث بالسّبي رقّ ‪ ،‬وإنّما حدث انتقال الملك فلم ينفسخ النّكاح‬
‫كما لو انتقل الملك فيهما بالبيع ‪ ،‬قال أبو إسحاق الشّيرازيّ ‪ :‬ومن أصحابنا من قال ‪ :‬ينفسخ‬
‫النّكاح ‪ ،‬لنّه حدث سبي يوجب السترقاق وإن صادف رقّا كما أنّ الزّنا يوجب الحدّ وإن‬
‫صادف حدّا ‪.‬‬
‫وعند الحنفيّة والحنابلة ل ينفسخ نكاحهما بالسّبي معا ‪.‬‬
‫قال الحنفيّة ‪ :‬لعدم اختلف الدّارين ‪ ،‬فسبب البينونة هو تباين الدّارين دون السّبي ‪ ،‬لنّ‬
‫ن مصالحه إنّما تحصل بالجتماع ‪،‬‬
‫مصالح النّكاح ل تحصل مع التّباين حقيقةً وحكما ‪ ،‬ل ّ‬
‫والتّباين مانع منه ‪،‬أمّا السّبي فإنّه يقتضي ملك الرّقبة وذلك ل ينافي النّكاح ابتدا ًء فكذا بقاءً‪.‬‬
‫ن الرّقّ معنىً ل يمنع ابتداء النّكاح فل يقطع استدامته كالعتق ‪ ،‬وقوله تعالى‬
‫وقال الحنابلة ‪ :‬إ ّ‬
‫ل مَا مََلكَتْ َأ ْيمَا ُن ُكمْ } ‪ ،‬نزلت في سبايا أوطاس ‪ ،‬وكانوا أخذوا‬
‫صنَاتُ ِمنَ ال ّنسَاء ِإ ّ‬
‫‪ { :‬وَا ْل ُمحْ َ‬
‫النّساء دون أزواجهنّ ‪ ،‬وعموم الية مخصوص بالمملوكة المزوّجة في دار السلم فيخصّ‬
‫ل النّزاع بالقياس عليه ‪.‬‬
‫منه مح ّ‬
‫‪ -‬الثّاني ‪ :‬أن تسبى المرأة وحدها فينفسخ النّكاح بل خلف عند الفقهاء ‪ ،‬والية دالّة عليه‬ ‫‪25‬‬

‫‪ ،‬وكذلك ما رواه أبو سعيد الخدريّ وهو الحديث السّابق ‪ ،‬وتعليل الفسخ وسببه عند جمهور‬
‫الفقهاء هو السّبي ‪ ،‬أمّا عند الحنفيّة فهو اختلف الدّار ‪.‬‬
‫‪ -‬الثّالث ‪ :‬أن يسبى الرّجل وحده فعند جمهور الفقهاء ‪ -‬الحنفيّة والمالكيّة والشّافعيّة وأبي‬ ‫‪26‬‬

‫الخطّاب من الحنابلة ‪ -‬ينفسخ النّكاح لختلف الدّار عند الحنفيّة ‪،‬وللسّبي عند غيرهم‪ .‬وعند‬
‫ص فيه ‪ ،‬ول القياس يقتضيه‪ .‬وقد «‬
‫الحنابلة ‪ -‬غير أبي الخطّاب ‪ -‬ل ينفسخ النّكاح لنّه ل ن ّ‬
‫ن على َبعْضِهم وفادى بعضا »‬
‫سبى النّبيّ صلى ال عليه وسلم سبعين من الكفّار يوم بدر فَمَ ّ‬
‫‪ .‬ولم يحكم عليهم بفسخ أنكحتهم ‪ ،‬ولنّنا إذا لم نحكم بفسخ النّكاح فيما إذا سبيا معا مع‬
‫ل حقّه ‪ ،‬فلن ل ينفسخ نكاحه مع عدم الستيلء أولى ‪.‬‬
‫الستيلء على مح ّ‬
‫( ر ‪ :‬نكاح ) ‪.‬‬
‫الزّواج بالمسبيّة ‪:‬‬
‫‪ -‬السّبايا من النّساء يعتبرن من الغنائم إلى أن تتمّ قسمة الغنيمة ‪ ،‬فإذا قسّمت بين الغانمين‬ ‫‪27‬‬

‫ل له وطؤها بملك اليمين بعد‬


‫فكلّ من وقع في سهمه سبيّة ملكها وصارت أمةً له ‪ ،‬ويح ّ‬
‫ل مَا مََلكَتْ َأ ْيمَا ُن ُكمْ } ‪.‬‬
‫صنَاتُ ِمنَ ال ّنسَاء ِإ ّ‬
‫استبرائها لقول اللّه تعالى ‪ { :‬وَا ْل ُمحْ َ‬
‫وقد نزلت في سبايا أوطاس على ما روى أبو سعيد الخدريّ ‪.‬‬
‫ل اختلف الفقهاء في جواز نكاح المة ‪ ،‬وما يشترط في ذلك ‪ ،‬وقد‬
‫أمّا حلّ نكاحها فهو مح ّ‬
‫وما بعدها ) ‪.‬‬ ‫‪74/‬‬ ‫سبق تفصيل القول في ذلك في بحث ‪ ( :‬رقّ ‪ :‬ف‬

‫سبيكة *‬
‫التّعريف ‪:‬‬
‫ل قطعة‬
‫‪ -‬السّبيكة القطعة المستطيلة من الذّهب ‪ ،‬والجمع سبائك ‪ ،‬وربّما أطلقت على ك ّ‬ ‫‪1‬‬

‫متطاولة من أيّ معدن كان ‪ ،‬وربّما أطلقت على القطعة المذوبة من المعدن ولو لم تكن‬
‫متطاولةً ‪ ،‬وهي مأخوذة من سبكت الذّهب أو الفضّة سبكا من باب قتل إذا أذبته وخلّصته من‬
‫خبثه ‪.‬‬
‫اللفاظ ذات الصّلة ‪:‬‬
‫التّبر ‪:‬‬
‫‪ -‬من معاني التّبر في اللّغة ما كان من الذّهب غير مضروب ‪ ،‬فإذا ضرب دنانير فهو‬ ‫‪2‬‬

‫عين‪ ،‬ول يقال تبر إلّ للذّهب ‪ .‬وبعضهم يقوله للفضّة أيضا ‪.‬‬
‫وقد يطلق التّبر على غير الذّهب والفضّة من المعادن ‪.‬‬
‫وعرّفه الشّافعيّة بأنّه اسم للذّهب والفضّة قبل ضربهما ‪ ،‬أو للذّهب فقط ‪ ،‬وهو تعريف للمالكيّة‬
‫‪.‬‬
‫تراب الصّاغة ‪:‬‬
‫‪ -‬عرّفه المالكيّة بأنّه هو الرّماد الّذي يوجد في حوانيت الصّاغة ول يدرى ما فيه ‪.‬‬ ‫‪3‬‬

‫)‪.‬‬ ‫‪145‬‬ ‫‪/‬‬ ‫‪11‬‬ ‫انظر مصطلح ‪ ( :‬تراب الصّاغة ‪ :‬ف ‪/ 1‬‬
‫الحكام المتعلّقة بالسّبائك ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬الزّكاة في سبائك الذّهب والفضّة ‪:‬‬
‫‪ -‬الزّكاة واج بة في الذّ هب والفضّة ول فرق في ذلك ب ين أن يكو نا مضروب ين أو غ ير‬ ‫‪4‬‬

‫مضروبين إذا بلغ كلّ منهما نصابا ‪ ،‬وحال عليه الحول ‪ .‬والتّفصيل في مصطلح ( زكاة ) ‪.‬‬
‫وأمّا السـّبائك المسـتخرجة مـن الرض فالزّكاة واجبـة فيهـا أيضاص ‪ ،‬وفـي مقدار الواجـب‬
‫إخراجه منها خلف في كونه الخمس أو ربع العشر ‪ .‬انظر ‪ ( :‬ركاز ‪ ،‬ومعدن ‪ ،‬وزكاة ) ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬تحريم الرّبا في سبائك الذّهب والفضّة ‪:‬‬
‫ل بمثل ‪ ،‬يدا بيد‬
‫ن بيع الذّهب بالذّهب والفضّة بالفضّة ل يجوز إلّ مث ً‬
‫‪ -‬أجمع العلماء على أ ّ‬ ‫‪5‬‬

‫ن رسول اللّه صلى ال عليه وسلم قال‪« :‬‬


‫‪ ،‬لما رواه مالك عن نافع عن أبي سعيد الخدريّ أ ّ‬
‫ل مثلً بمثل ‪ ،‬ول تشفّوا بعضها على بعض ‪ ،‬ول تبيعوا الورق‬
‫ل تبيعوا الذّهب بالذّهب إ ّ‬
‫بالورق إلّ مثلً بمثل ‪ ،‬ول تشفّوا بعضها على بعض ‪ ،‬ول تبيعوا منها غائبا بناجز » ‪.‬‬
‫ول فرق في ذلك بين المصوغ منهما وغيره ‪ .‬والتّفصيل في مصطلح ‪ ( :‬ربا ) ‪.‬‬
‫ج ‪ -‬جعل السّبيكة رأس مال في الشّركة ‪:‬‬
‫‪ -‬ذهب جمهور الفقهاء " المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة والرّاجح عند الحنفيّة " إلى أنّه ل‬ ‫‪6‬‬

‫يجوز أن يكون رأس مال الشّركة سبائك ‪.‬‬


‫ويجوز عند بعض الحنفيّة جعل السّبائك رأس مال في شركة المفاوضة إن جرى التّعامل بها‪،‬‬
‫فينزل التّعامل حينئذ منزلة الضّرب ‪ ،‬فيكون ثمنا ‪ ،‬ويصلح أن يكون رأس مال ‪.‬‬
‫وتفصيل ذلك في مصطلح ‪ ( :‬شركة ) ‪.‬‬
‫ن التّبر مثليّ أم‬
‫أمّا التّبر والحليّ والسّبائك فأطلقوا منع الشّركة فيها ‪ ،‬ويجوز أن يبنى على أ ّ‬
‫ل ؟ وفيه خلف ‪.‬‬
‫د ‪ -‬قطع يد سارق السّبيكة ‪:‬‬
‫‪ -‬تقطع يد السّارق إذا كان مكلّفا ‪ ،‬وأخذ مالًا خلس ًة ل شبهة له فيه ‪ ،‬وأخرجه من حرزه‪،‬‬ ‫‪7‬‬

‫وبلغ ذلك المال نصابا ‪.‬‬


‫والقول الرّاجح في قدر ذلك النّصاب هو ربع دينار ‪ ،‬وفي العتبار بذلك بالذّهب المضروب‬
‫أو بغيره خلف ‪.‬‬
‫فعلى القول بأنّ العتبار بالذّهب المضروب فإنّه ل قطع بسرقة سبيكة أو حليّ ل تبلغ قيمتهما‬
‫ربع دينار على وجه عند الشّافعيّة ‪ .‬والتّفصيل في ‪ ( :‬سرقة ) ‪.‬‬

‫سبيل اللّه *‬
‫التّعريف ‪:‬‬
‫سبِيلِي } ‪.‬‬
‫‪ -‬السّبيل هو الطّريق ‪ ،‬يذكّر ويؤنّث ‪ .‬قال اللّه تعالى ‪ { :‬قُلْ هَـذِهِ َ‬ ‫‪1‬‬

‫ل سعي في‬
‫وسبيل اللّه في أصل الوضع هو ‪ :‬الطّريق الموصّلة إليه تعالى ‪ ،‬فيدخل فيه ك ّ‬
‫طاعة اللّه ‪ ،‬وفي سبيل الخير ‪ .‬وفي الصطلح هو الجهاد ‪.‬‬
‫الحكم التّكليفيّ ‪:‬‬
‫‪ -‬قال جمهور الفقهاء وعامّة المفسّرين ‪ :‬سبيل اللّه وضعًا هو الطّريق الموصّلة إلى اللّه‪،‬‬ ‫‪2‬‬

‫ل أنّه عند الطلق ينصرف إلى الجهاد لكثرة استعماله فيه‬


‫ويشمل جميع القرب إلى اللّه ‪ ،‬إ ّ‬
‫ن اللّ َه ُيحِبّ‬
‫سبِيلِ اللّ ِه اّلذِينَ يُقَاتِلُو َنكُمْ } وقوله ‪ { :‬إِ ّ‬
‫في القرآن ‪ ،‬كقوله تعالى ‪َ { :‬وقَاتِلُو ْا فِي َ‬
‫سبِيلِ ِه صَفّا } ‪.‬‬
‫ن فِي َ‬
‫اّلذِينَ يُقَاتِلُو َ‬
‫ل اليسير منه فيحمل عليه ‪.‬‬
‫وما في القرآن من ذكر " سبيل اللّه " إنّما أريد به الجهاد إ ّ‬
‫ن الجهاد هو سبب الشّهادة الموصّلة إلى اللّه ‪ " ،‬وسبيل اللّه " في مصارف الزّكاة يعطى‬
‫ول ّ‬
‫للغزاة المتطوّعين الّذين ليس لهم سهم في ديوان الجند لفضلهم على غيرهم ‪ ،‬لنّهم جاهدوا‬
‫من غير أرزاق مرتّبة لهم ‪ .‬فيعطون ما يشترون به الدّوابّ والسّلح ‪ ،‬وما ينفقون به على‬
‫العدوّ إن كانوا أغنياء ‪ ،‬وبهذا قال مالك والشّافعيّ وأحمد بن حنبل ‪ ،‬وإسحاق ‪ ،‬وأبو ثور‬
‫وأبو عبيد وابن المنذر ‪ ،‬واحتجّوا بما روى أبو سعيد الخدريّ رضي ال عنه عن النّبيّ صلى‬
‫ل لخمسة ‪ :‬لعامل عليها ‪ ،‬أو رجل اشتراها بماله ‪،‬‬
‫ال عليه وسلم ‪ « :‬ل تحلّ الصّدقة لغنيّ إ ّ‬
‫أو غارم ‪ ،‬أو غاز في سبيل اللّه ‪ ،‬أو مسكين تصدّق عليه منها فأهدى منها لغنيّ » ‪.‬‬
‫ن اللّه تعالى جعل الفقراء والمساكين صنفين ‪ ،‬وع ّد بعدهما ستّة أصناف فل يلزم‬
‫وقالوا ‪ :‬ول ّ‬
‫وجود صفة الصّنفين في بقيّة الصناف كما ل يلزم صفة الصناف فيهما ‪.‬‬
‫وقال الحنفيّة ‪ :‬ل تدفع إلّ لمن كان محتاجا إليها ‪ ،‬وذلك لحديث ابن عبّاس في قصّة بعث‬
‫الرّسول صلى ال عليه وسلم لمعاذ بن جبل إلى اليمن وفيه ‪ « :‬أخبرهم أنّ اللّه قد فرض‬
‫عليهم صدق ًة تؤخذ من أغنيائهم فتردّ على فقرائهم » ‪.‬‬
‫فقد جعل النّاس قسمين ‪ :‬قسما يؤخذ منهم ‪ ،‬وقسما يصرف إليهم ‪ ،‬فلو جاز صرف الصّدقة‬
‫إلى الغنيّ لبطل القسمة ‪ ،‬وهذا ل يجوز ‪.‬‬
‫سبِيلِ اللّ ِه } الحاجّ المنقطع ‪ ،‬لما‬
‫وقال محمّد بن الحسن ‪ :‬المراد من قوله تعالى ‪ { :‬وَ فِي َ‬
‫روي « أنّ رجلً جعل بعيرا له في سبيل اللّه فأمره النّبيّ صلى ال عليه وسلم ‪ :‬أن يحمل‬
‫ل جعل جملً له في سبيل اللّه فأرادت امرأته الحجّ ‪،‬‬
‫ن رج ً‬
‫عليه الحجّاج » وروي أيضا « أ ّ‬
‫فقال رسول اللّه صلى ال عليه وسلم ‪ :‬فهلّ خرجت عليه ‪ ،‬فإنّ الحجّ في سبيل اللّه » ‪.‬‬
‫وعن« أبي طليق ‪ :‬قال ‪ :‬طلبت منّي أمّ طليق جملً تحجّ عليه فقلت ‪ :‬قد جعلته في سبيل اللّه‬
‫‪ ،‬فسألت رسول اللّه صلى ال عليه وسلم فقال ‪ :‬صدقت ‪ ،‬لو أعطيتها كان في سبيل اللّه » ‪.‬‬
‫ويؤثر عن أحمد وإسحاق أنّهما قال ‪ :‬سبيل اللّه ‪ :‬الحجّ ‪ ،‬وقال ابن عمر رضي ال عنهما ‪:‬‬
‫سبيل اللّه الحجّاج والعمّار ‪.‬‬
‫وقال بعض الحنفيّة ‪ :‬سبيل اللّه طلبة العلم ‪.‬‬
‫سبِيلِ الّل ِه } ل يوجب‬
‫وقال الفخر الرّازيّ في تفسيره ‪ :‬ظاهر اللّفظ في قوله تعالى ‪ { :‬وَ فِي َ‬
‫القصر على الغزاة ‪ ،‬فلهذا نقل القفّال في تفسيره عن بعض الفقهاء أنّهم أجازوا صرف‬
‫الصّدقات إلى جميع وجوه الخير من تكفين الموتى ‪ ،‬وبناء الحصون ‪ ،‬وعمارة المساجد ‪ ،‬لنّ‬
‫)‪.‬‬ ‫‪172/‬‬ ‫سبيل اللّه عامّ في الكلّ ‪.‬وتفصيل الكلم عن مصرف سبيل اللّه في ( زكاة ‪ :‬ف‬

‫ستر *‬
‫التّعريف ‪:‬‬
‫‪ -‬السّتر لغ ًة ‪ :‬تغطية الشّيء ‪ ،‬وستر الشّيء يستره سترا أي أخفاه ‪ ،‬وتستّر أي تغطّى ‪،‬‬ ‫‪1‬‬

‫ب السّتر‬
‫وفي الحديث ‪ « :‬إنّ اللّه حييّ ستّير يحبّ الحياء والسّتر » ‪ .‬أي من شأنه وإرادته ح ّ‬
‫والصّون لعباده ‪ .‬ويقال ‪ :‬رجل ستور وستّير ‪ ،‬أي عفيف ‪.‬‬
‫ش َهدَ‬
‫س َتتِرُونَ َأنْ َي ْ‬
‫والسّتر ما يستتر به ‪ ،‬والستتار ‪ :‬الختفاء ‪ ،‬ومنه قوله تعالى ‪َ { :‬ومَا كُن ُتمْ َت ْ‬
‫س ْم ُعكُمْ وَلَا َأ ْبصَارُ ُكمْ وَلَا جُلُو ُد ُكمْ }والسّترة ما استترت به من شيء كائنا ما كان‪ .‬ول‬
‫عََل ْي ُكمْ َ‬
‫يخرج معناه الصطلحيّ عن معناه اللّغويّ ‪.‬‬
‫الحكام المتعلّقة بالسّتر ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬ستر عيوب المؤمن ‪:‬‬
‫ن من اطّلع على عيب أو ذنب أو فجور لمؤمن من ذوي الهيئات أو‬
‫‪ -‬أجمع العلماء على أ ّ‬ ‫‪2‬‬

‫شرّ والذى ولم يشتهر بالفساد ‪ ،‬ولم يكن داعيا إليه ‪ ،‬كأن يشرب‬
‫نحوهم ممّن لم يعرف بال ّ‬
‫مسكرا أو يزني أو يفجر متخوّفا متخفّيا غير متهتّك ول مجاهر يندب له أن يستره ‪ ،‬ول‬
‫يكشفه للعامّة أو الخاصّة ‪ ،‬ول للحاكم أو غير الحاكم ‪ ،‬للحاديث الكثيرة الّتي وردت في‬
‫الحثّ على ستر عورة المسلم والحذر من تتبّع زلّاته ‪ ،‬ومن هذه الحاديث ‪ :‬قوله صلى ال‬
‫عليه وسلم ‪ « :‬من ستر مسلما ستره اللّه يوم القيامة » وفي رواية « ستره اللّه في الدّنيا‬
‫والخرة » وقوله صلى ال عليه وسلم ‪ « :‬أقيلوا ذوي الهيئات عثراتهم » ‪.‬‬
‫وقوله صلى ال عليه وسلم ‪ « :‬من ستر عورة أخيه المسلم ستر اللّه عورته يوم القيامة ‪،‬‬
‫ومن كشف عورة أخيه المسلم كشف اللّه عورته حتّى يفضحه بها في بيته » ‪.‬‬
‫ن كشف هذه العورات ‪ ،‬والعيوب والتّحدّث بما وقع منه قد يؤدّي إلى غيبة محرّمة‬
‫ول ّ‬
‫وإشاعة للفاحشة ‪.‬‬
‫قال بعض العلماء ‪ :‬اجتهد أن تستر العصاة ‪ ،‬فإنّ ظهور معاصيهم عيب في أهل السلم ‪،‬‬
‫وأولى المور ستر العيوب ‪.‬‬
‫قال الفضيل بن عياض ‪ :‬المؤمن يستر وينصح ‪ ،‬والفاجر يهتك ويعيّر ‪.‬‬
‫أمّا من عرف بالذى والفساد والمجاهرة بالفسق وعدم المبالة بما يرتكب ‪ ،‬ول يكترث لما‬
‫يقال عنه فيندب كشف حاله للنّاس وإشاعة أمره بينهم حتّى يتوقّوه ويحذروا شرّه ‪ ،‬بل ترفع‬
‫ن السّتر على هذا يطمعه في اليذاء والفساد‬
‫ي المر إن لم يخف مفسدةً أكبر ‪ ،‬ل ّ‬
‫قصّته إلى ول ّ‬
‫وانتهاك الحرمات وجسارة غيره على مثل فعله ‪.‬‬
‫فإن اشتدّ فسقه ولم يرتدع من النّاس فيجب أن ل يستر عليه بل يرفع إلى وليّ المر حتّى‬
‫يؤدّبه ويقيم عليه ما يترتّب على فساده شرعا من حدّ أو تعزير ما لم يخش مفسد ًة أكبر ‪.‬‬
‫وهذا كلّه في ستر معصية وقعت في الماضي وانقضت ‪.‬‬
‫أمّا المعصية الّتي رآه عليها وهو متلبّس بها فتجب المبادرة بإنكارها ومنعه منها على من قدر‬
‫ل تأخيره ول السّكوت عنها ‪ ،‬فإن عجز لزمه رفعها إلى وليّ المر إذا‬
‫على ذلك ‪ ،‬فل يح ّ‬
‫يترتّب على ذلك مفسدة أكبر ‪ ،‬لقوله صلى ال عليه وسلم ‪ « :‬من رأى منكم منكرا فليغيّره‬
‫بيده فإن لم يستطع فبلسانه ‪ ،‬فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف اليمان » ‪.‬‬
‫ومن هذا الباب قول العلماء ‪ :‬إنّه ل ينبغي لحد أن يتجسّس على أحد من المسلمين أو يتتبّع‬
‫سسُوا } الية ‪ .‬ولما ورد عن النّبيّ صلى ال عليه وسلم من‬
‫جّ‬‫عوراته لقوله تعالى ‪ { :‬وَل َت َ‬
‫النّهي عن التّجسّس والتّحسّس على عورات المسلمين ‪.‬‬
‫إلّ أنّهم استثنوا من ذلك ما يتعلّق بجرح الرّواة ‪ ،‬والشّهود ‪ ،‬والمناء على الصّدقات ‪،‬‬
‫والوقاف ‪ ،‬واليتام ‪ ،‬ونحوهم ‪ ،‬فيجب جرحهم عند الحاجة ‪ ،‬ول يحلّ السّتر عليهم إذا رأى‬
‫منهم ما يقدح في أهليّتهم ‪ ،‬وليس هذا من الغيبة المحرّمة ‪ ،‬بل هو من النّصيحة الواجبة‬
‫بإجماع العلماء ‪.‬‬
‫كما أجمعوا على أنّه لو رفع من يندب السّتر عليه إلى السّلطان فل إثم في ذلك ‪ ،‬ولكنّ السّتر‬
‫عليه أولى ‪.‬‬
‫ستر المؤمن على نفسه ‪:‬‬
‫‪ -‬يندب للمسلم إذا وقعت منه هفوة أو زلّة أن يستر على نفسه ويتوب بينه وبين اللّه عزّ‬ ‫‪3‬‬

‫ن هذا من إشاعة‬
‫وجلّ وأن ل يرفع أمره إلى السّلطان ‪ ،‬ول يكشفه لحد كائنا ما كان ‪ ،‬ل ّ‬
‫حشَةُ فِي اّلذِينَ‬
‫ن أَن َتشِيعَ الْفَا ِ‬
‫حبّو َ‬
‫ن ُي ِ‬
‫الفاحشة الّتي توعّد على فاعلها بقوله تعالى ‪ِ { :‬إنّ اّلذِي َ‬
‫خرَةِ } ولنّه هتك لستر اللّه سبحانه وتعالى ‪ ،‬ومجاهرة‬
‫ب أَلِيمٌ فِي ال ّد ْنيَا وَالْآ ِ‬
‫عذَا ٌ‬
‫آ َمنُوا َل ُهمْ َ‬
‫بالمعصية ‪ .‬قال النّبيّ صلى ال عليه وسلم « اجتنبوا هذه القاذورة ‪ ،‬فمن ألمّ فليستتر بستر‬
‫اللّه وليتب إلى اللّه ‪ ،‬فإنّ من يبد لنا صفحته نقم عليه كتاب اللّه » ‪.‬‬
‫ن من المجاهرة أن يعمل‬
‫ل المجاهرين ‪ ،‬وإ ّ‬
‫وقال صلى ال عليه وسلم ‪ « :‬كلّ أمّتي معافىً إ ّ‬
‫ل ثمّ يصبح وقد ستره اللّه فيقول ‪ :‬يا فلن عملت البارحة كذا وكذا ‪ ،‬وقد‬
‫الرّجل باللّيل عم ً‬
‫بات يستره ربّه ويصبح يكشف ستر اللّه عليه » ‪.‬‬
‫ستر السّلطان على العاصي ‪:‬‬
‫‪ -‬يندب لوليّ المر إذا رفع العاصي أمره إليه ممّا فيه ح ّد أو تعزير في شيء من حقوق‬ ‫‪4‬‬

‫اللّه تعالى معلنا توبته أن يتجاهله وأن ل يستفسره ‪ ،‬بل يأمره بالسّتر على نفسه ‪ ،‬ويأمر‬
‫غيره بالسّتر عليه ‪ ،‬ويحاول أن يصرفه عن القرار ‪ ،‬ول سيّما إذا كان معروفا بالصّلح‬
‫والستقامة أو كان مستور الحال ‪.‬‬
‫لما رواه أنس رضي ال عنه قال ‪ « :‬جاء رجل إلى النّبيّ صلى ال عليه وسلم فقال ‪ :‬يا‬
‫ي قال ‪ :‬وحضرت الصّلة فصلّى مع رسول اللّه صلى‬
‫رسول اللّه ‪ :‬أصبت حدّا ‪ ،‬فأقمه عل ّ‬
‫ال عليه وسلم فلمّا قضى الصّلة قال ‪ :‬يا رسول اللّه إنّي أصبت حدّا فأقم في كتاب اللّه قال‬
‫‪ :‬هل حضرت الصّلة معنا ؟ قال ‪ :‬نعم ‪ :‬قال ‪ :‬قد غفر لك » ‪.‬‬
‫ستر المظلوم عن الظّالم ‪:‬‬
‫‪ -‬قال العلماء ‪ :‬إنّه يجب على المسلم أن يستر أخاه المسلم إذا سأله عنه إنسان ظالم يريد‬ ‫‪5‬‬

‫قتله أو أخذ ماله ظلما ‪ ،‬وكذا لو كان عنده أو عند غيره وديعة وسأل عنها ظالم يريد أخذها‬
‫يجب عليه سترها وإخفاؤها ‪ ،‬ويجب عليه الكذب بإخفاء ذلك ‪ ،‬ولو استحلفه عليها لزمه أن‬
‫ن الحوط في هذا كلّه أن يورّي ‪ ،‬ولو ترك التّورية وأطلق عبارة الكذب فليس‬
‫يحلف ‪ ،‬ولك ّ‬
‫بحرام في هذه الحال واستدلّوا بجواز الكذب في هذه الحال بحديث أمّ كلثوم رضي ال عنها ‪:‬‬
‫أنّها سمعت رسول اللّه صلى ال عليه وسلم يقول ‪ « :‬ليس الكذّاب الّذي يصلح بين النّاس‬
‫فينمي خيرا أو يقول خيرا » ‪.‬‬
‫ستر السرار ‪:‬‬
‫‪ -‬يندب للمسلم أن يستر أسرار إخوانه الّتي علم بها ‪ ،‬وأن ل يفشيها لحد كائنا ما كان ‪،‬‬ ‫‪6‬‬

‫ل لهذا بأدلّة منها ‪ :‬أ‬


‫سرّ يعتبر خيان ًة للمانة ‪ ،‬ويستد ّ‬
‫حتّى وإن لم يطلب منه ذلك لنّ إفشاء ال ّ‬
‫ن َمسْؤُولً } ‪.‬‬
‫ن ا ْل َع ْهدَ كَا َ‬
‫‪ -‬قوله تعالى ‪ { :‬وََأ ْوفُواْ بِا ْل َع ْهدِ إِ ّ‬
‫ب ‪ -‬وقول أبي بكر رضي ال عنه لعمر رضي ال عنه ‪ « :‬لعلّك وجدت عليّ حين‬
‫ي حفصة فلم أرجع إليك شيئا ‪ ،‬قال عمر ‪ :‬فقلت ‪ :‬نعم ‪ ،‬قال ‪ :‬فإنّه لم يمنعني أن‬
‫عرضت عل ّ‬
‫ل أنّي كنت علمت أنّ رسول اللّه صلى ال عليه وسلم قد‬
‫أرجع إليك فيما عرضت عليّ إ ّ‬
‫ذكرها ‪ ،‬فلم أكن لفشي سرّ رسول اللّه صلى ال عليه وسلم ولو تركها النّبيّ صلى ال عليه‬
‫وسلم لقبلتها » ‪.‬‬
‫ج ‪ -‬وعن أنس رضي ال عنه قال ‪ « :‬أتى عليّ النّبيّ صلى ال عليه وسلم وأنا ألعب مع‬
‫الغلمان ‪ ،‬فسلّم علينا ‪ ،‬فبعثني في حاجة فأبطأت على أمّي فلمّا جئت قالت ‪ :‬ما حبسك ؟ قلت‪:‬‬
‫بعثني رسول اللّه صلى ال عليه وسلم لحاجة ‪ .‬قالت ‪ :‬ما حاجته ؟ قلت ‪ :‬إنّها سرّ ‪ .‬قالت ‪:‬‬
‫ل تحدّثنّ بسرّ رسول اللّه أحدا » ‪.‬‬
‫سيّدة فاطمة رضي ال عنها لمّ المؤمنين عائشة رضي ال عنها « عندما سألتها‬
‫د ‪ -‬وقول ال ّ‬
‫ما قال لك رسول اللّه صلى ال عليه وسلم ‪ :‬ما كنت لفشي على رسول اللّه صلى ال عليه‬
‫وسلم سرّه » ‪.‬‬
‫هـ ‪ -‬وقد جاء في الثر ‪ « :‬إذا حدّث الرّجل الحديث ثمّ التفت فهي أمانة » ‪.‬‬
‫ويدخل في هذا الباب حفظ السرار الزّوجيّة ‪ ،‬حيث يجب على كلّ واحد من الزّوجين أن‬
‫يستر سرّ الخر سواء كان ذلك تفاصيل ما يقع حال الجماع وقبله من مقدّماته أو غير ذلك‬
‫ن من أشرّ النّاس عند اللّه منزل ًة يوم‬
‫من السرار البيتيّة ‪ .‬لقوله صلى ال عليه وسلم ‪ « :‬إ ّ‬
‫القيامة الرّجل يفضي إلى امرأته وتفضي إليه ثمّ ينشر سرّها » ‪.‬‬
‫ف الرّجال بعد الصّلة فقال لهم ‪ :‬هل‬
‫ن الرّسول صلى ال عليه وسلم أقبل على ص ّ‬
‫« ول ّ‬
‫منكم إذا أتى على أهله أرخى بابه وأرخى ستره ثمّ يخرج فيحدّث فيقول ‪ :‬فعلت بأهلي كذا‬
‫وفعلت بأهلي كذا ؟ فسكتوا ‪ .‬فأقبل على النّساء ‪ .‬فقال ‪ :‬هل منكنّ من تحدّث ؟ فقالت فتاة‬
‫ن ليحدّثن ‪ .‬فقال ‪ :‬هل تدرون ما مثل من فعل ذلك ؟ إنّ مثل‬
‫منهنّ ‪ :‬واللّه إنّهم ليحدّثون وإنّه ّ‬
‫سكّة قضى حاجته منها والنّاس‬
‫من فعل ذلك مثل شيطان وشيطانة ‪ ،‬لقي أحدهما صاحبه بال ّ‬
‫ينظرون إليهما » ‪.‬‬

‫ستر العورة *‬
‫التّعريف ‪:‬‬
‫‪ -‬السّتر لغ ًة ‪ :‬ما يستر به ‪ ،‬وجمعه ستور ‪ ،‬والسّترة ‪ -‬بضمّ السّين ‪ -‬مثله ‪.‬‬ ‫‪1‬‬

‫قال ابن فارس ‪ :‬السّترة ما استترت به كائنا ما كان ‪ ،‬والسّتارة مثله ‪ ،‬وسترت الشّيء سترا‬
‫من باب قتل ‪.‬‬
‫والعورة لغةً ‪ :‬الخلل في الثّغر وفي غيره ‪ ،‬قال الزهريّ ‪ :‬العورة في الثّغور وفي الحرب‬
‫ل مكمن للسّتر ‪ ،‬وعورة الرّجل والمرأة سوأتهما ‪.‬‬
‫خلل يتخوّف منه القتل ‪ ،‬والعورة ك ّ‬
‫ويقول الفقهاء ‪ :‬ما يحرم كشفه من الرّجل والمرأة فهو عورة ‪.‬‬
‫وفي المصباح ‪ :‬كلّ شيء يستره النسان أنفةً وحياءً فهو عورة ‪.‬‬
‫وستر العورة في اصطلح الفقهاء هو ‪ :‬تغطية النسان ما يقبح ظهوره ويستحى منه ‪ ،‬ذكرا‬
‫كان أو أنثى أو خنثى على ما سيأتي تفصيله ‪.‬‬
‫ما يتعلّق بستر العورة من أحكام ‪:‬‬
‫أوّلً ‪ -‬ستر العورة عمّن ل يحلّ له النّظر ‪:‬‬
‫ن ستر العورة من الرّجل والمرأة واجب عمّن ل يحلّ له النّظر إليها‪.‬‬
‫‪-‬اتّفق الفقهاء على أ ّ‬ ‫‪2‬‬

‫وما يجب ستره في الجملة بالنّسبة للمرأة جميع جسدها عدا الوجه والكفّين ‪ ،‬وهذا بالنّسبة‬
‫للجنبيّ ‪.‬‬
‫أمّا بالنّسبة لمحارمها من الرّجال فعورتها عند المالكيّة والحنابلة ما عدا الوجه والطراف "‬
‫الرّأس والعنق " ‪ .‬وضبط الحنابلة ذلك بأنّه ما يستتر غالبا وهو ما عدا الوجه والرّأس والرّقبة‬
‫واليدين والقدمين والسّاقين ‪ .‬وقال الحنفيّة ‪ :‬ما عدا الصّدر أيضا ‪.‬‬
‫سرّة والرّكبة ‪ ،‬كما أنّ عورة المرأة الّتي يجب سترها بالنّسبة لغيرها‬
‫وقال الشّافعيّة ‪ :‬ما بين ال ّ‬
‫سرّة والرّكبة ‪.‬‬
‫من النّساء هي ما بين ال ّ‬
‫سرّة والرّكبة ‪.‬‬
‫أمّا عورة الرّجل فهي ما بين ال ّ‬
‫وفي كلّ ذلك تفصيل ينظر في مصطلح ( عورة ) ‪.‬‬
‫والدّليل على وجوب ستر العورة قول اللّه تعالى ‪ { :‬قُل لّ ْل ُم ْؤ ِمنِينَ َي ُغضّوا ِمنْ َأ ْبصَارِهِمْ‬
‫ن مِنْ‬
‫ن ‪َ ،‬وقُل لّ ْل ُم ْؤ ِمنَاتِ َي ْغضُضْ َ‬
‫ص َنعُو َ‬
‫خبِيرٌ ِبمَا َي ْ‬
‫ج ُهمْ ذَِلكَ َأ ْزكَى َل ُهمْ ِإنّ اللّهَ َ‬
‫َو َيحْ َفظُوا فُرُو َ‬
‫ظ َهرَ ِم ْنهَا } ‪.‬‬
‫ن إِلّا مَا َ‬
‫ن زِينَ َتهُ ّ‬
‫جهُنّ وَلَا ُي ْبدِي َ‬
‫َأ ْبصَارِهِنّ َو َيحْ َفظْنَ ُفرُو َ‬
‫وقول النّبيّ صلى ال عليه وسلم « لسماء بنت أبي بكر ‪ :‬يا أسماء إنّ المرأة إذا بلغت‬
‫ل هذا وهذا وأشار إلى وجهه وكفّيه » ‪ ،‬وورد « عن النّبيّ‬
‫المحيض لم يصلح أن يرى منها إ ّ‬
‫صلى ال عليه وسلم بالنّسبة لعورة الرّجال أنّها ما بين السّرّة إلى الرّكبة » ‪.‬‬
‫‪ -‬ويشترط في ال سّاتر أن ل يكون رقيقا يصف ما تحته بل يكون كثيفا ل يرى منه لون‬ ‫‪3‬‬

‫ـ مقصـود السـّتر ل‬
‫البشرة ويشترط كذلك أن ل يكون مهلهلً ترى منـه أجزاء الجسـم لن ّ‬
‫يحصل بذلك ‪.‬‬
‫ومن المعلوم أنّ ستر العورة غير واجب بين الرّجل وزوجته ‪ ،‬إذ كشف العورة مباح بينهما ‪،‬‬
‫ل من زوجتك أو ما ملكت يمينك » ‪.‬‬
‫فقد قال النّبيّ صلى ال عليه وسلم ‪ « :‬احفظ عورتك إ ّ‬
‫‪ -‬والصّغيرة إن كانت كبنت سبع سنين إلى تسع فعورتها الّتي يجب سترها هي ما بين‬ ‫‪4‬‬

‫السّرّة والرّكبة ‪ ،‬وإن كانت أقلّ من سبع سنين فل حكم لعورتها ‪ -‬وهذا كما يقول الحنابلة ‪-‬‬
‫وينظر تفصيل ذلك في ‪ ( :‬عورة ) ‪.‬‬
‫والمراهق الّذي يميّز بين العورة وغيرها يجب على المرأة أن تستر عورتها عنه ‪ ،‬أمّا إن‬
‫كان ل يميّز بين العورة وغيرها فل بأس من إبداء مواضع الزّينة أمامه ‪.‬‬
‫ن زِي َن َتهُنّ‬
‫جهُنّ وَلَا ُي ْبدِي َ‬
‫ن مِنْ َأ ْبصَارِهِنّ َو َيحْ َفظْنَ ُفرُو َ‬
‫لقوله تعالى ‪َ { :‬وقُل لّ ْل ُم ْؤ ِمنَاتِ َي ْغضُضْ َ‬
‫ن أَوْ‬
‫ن َأوْ آبَا ِئهِ ّ‬
‫ن إِلّا ِل ُبعُوَل ِتهِ ّ‬
‫ن زِينَ َتهُ ّ‬
‫جيُو ِبهِنّ وَلَا ُي ْبدِي َ‬
‫خ ُمرِهِنّ عَلَى ُ‬
‫ض ِربْنَ ِب ُ‬
‫ظ َهرَ ِم ْنهَا وَ ْل َي ْ‬
‫إِلّا مَا َ‬
‫ن أَوْ‬
‫ن أَ ْو َبنِي َأخَوَا ِتهِ ّ‬
‫ن أَ ْو َبنِي ِإخْوَا ِنهِ ّ‬
‫ن أَ ْو ِإخْوَا ِنهِ ّ‬
‫آبَاء ُبعُوَل ِتهِنّ َأوْ َأ ْبنَا ِئهِنّ َأ ْو َأ ْبنَاء ُبعُوَل ِتهِ ّ‬
‫ل اّلذِينَ َلمْ‬
‫غ ْيرِ ُأوْلِي ا ْلِإ ْربَةِ ِمنَ ال ّرجَالِ َأوِ الطّفْ ِ‬
‫ن أَ ِو التّا ِبعِينَ َ‬
‫ن أَ ْو مَا مََلكَتْ َأ ْيمَا ُنهُ ّ‬
‫ِنسَا ِئهِ ّ‬
‫ت ال ّنسَاء } ‪.‬‬
‫َيظْ َهرُوا عَلَى عَ ْورَا ِ‬
‫ويستثنى من وجوب ستر العورة ما كان لضرورة ‪ ،‬كعلج وشهادة ‪ ،‬جاء في الشّرح‬
‫ل لضرورة فل‬
‫الصّغير‪ :‬يجب ستر العورة عمّن يحرم النّظر إليها من غير الزّوجة والمة إ ّ‬
‫يحرم بل قد يجب ‪ ،‬وإذا كشف للضّرورة كالطّبيب يبقر له ثوب على قدر موضع العلّة ‪.‬‬
‫ستر العورة في الصّلة ‪:‬‬
‫جدٍ‬
‫ل َمسْ ِ‬
‫خذُواْ زِي َن َتكُمْ عِندَ كُ ّ‬
‫‪ -‬ستر العورة شرط من شروط صحّة الصّلة لقوله تعالى ‪ُ { :‬‬ ‫‪5‬‬

‫} والية إن كانت نزلت بسبب خاصّ فالعبرة بعموم اللّفظ ل بخصوص السّبب ‪ ،‬قال ابن‬
‫عبّاس رضي ال عنهما ‪ :‬المراد بالزّينة في الية ‪ :‬الثّياب في الصّلة ‪ ،‬ولقول النّبيّ صلى‬
‫ال عليه وسلم ‪ « :‬ل يقبل اللّه صلة حائض إلّ بخمار » ‪.‬‬
‫وقد أجمع الفقهاء على فساد صلة من ترك ثوبه وهو قادر على الستتار به وصلّى عريانا ‪.‬‬
‫ويشترط في السّاتر أنّه يمنع إدراك لون البشرة ‪.‬‬
‫ن فرض السّتر‬
‫ل ثوبا نجسا أو ثوبا من الحرير صلّى به ول يصلّي عريانا ‪ ،‬ل ّ‬
‫ومن لم يجد إ ّ‬
‫أقوى من منع النّجس والحرير في هذه الحالة ‪.‬‬
‫على خلف وتفصيل ينظر في مصطلح ‪ ( :‬صلة ) ‪.‬‬
‫هذا ويختلف الفقهاء في تحديد العورة الواجب سترها في الصّلة ‪.‬‬
‫وينظر تفصيل ذلك في ( عورة ) ‪.‬‬
‫ثانيا ‪ :‬ستر العورة في الخلوة ‪:‬‬
‫‪ -‬كما يجب ستر العورة عن أعين النّاس يجب كذلك سترها ولو كان النسان في خلوة ‪،‬‬ ‫‪6‬‬

‫أي في مكان خال من النّاس ‪ .‬والقول بالوجوب هو مذهب الحنفيّة على الصّحيح ‪ ،‬وهو‬
‫مذهب الشّافعيّة والحنابلة ‪ ،‬وقال المالكيّة ‪ :‬يندب ستر العورة في الخلوة ‪.‬‬
‫والسّتر في الخلوة مطلوب حياءً من اللّه تعالى وملئكته ‪ ،‬والقائلون بالوجوب قالوا ‪ :‬إنّما‬
‫ق أن يستحيا منه ‪ ،‬وفي حديث بهز بن حكيم‬
‫ن اللّه تعالى أح ّ‬
‫وجب لطلق المر بالسّتر ‪ ،‬ول ّ‬
‫عن أبيه عن جدّه « قال ‪ :‬قلت ‪ :‬يا رسول اللّه ‪ ،‬عوراتنا ما نأتي منها وما نذر ؟ قال ‪ :‬احفظ‬
‫ل من زوجتك أو ممّا ملكت يمينك ‪ ،‬فقال ‪ :‬الرّجل يكون مع الرّجل ؟ قال ‪ :‬إن‬
‫عورتك إ ّ‬
‫استطعت أن ل يراها أحد فافعل ‪ ،‬قلت ‪ :‬والرّجل يكون خاليا ؟ قال ‪ :‬فاللّه أحقّ أن يستحيا‬
‫ل لحاجة ‪ ،‬كاغتسال وتبرّد ونحوه ‪.‬‬
‫منه » ‪ .‬والسّتر في الخلوة مطلوب إ ّ‬

‫سترة المصلّي *‬
‫التّعريف ‪:‬‬
‫ضمّ مأخوذة من السّتر ‪ ،‬وهي في اللّغة ما استترت به من شيء كائنا ما كان‪،‬‬
‫‪ -‬السّترة بال ّ‬ ‫‪1‬‬

‫ستَرا ‪ :‬أخفاه ‪.‬‬


‫ستْرا و َ‬
‫وكذا السّتار والسّتارة ‪ ،‬والجمع ‪ :‬السّتائر والسّتر ‪ ،‬ويقال ‪ :‬ستره َ‬
‫وسترة المصلّي في الصطلح ‪ :‬هي ما يغرز أو ينصب أمام المصلّي من عصا أو غير ذلك‬
‫‪ ،‬أو ما يجعله المصلّي أمامه لمنع المارّين بين يديه ‪.‬‬
‫وعرّفها البهوتيّ ‪ :‬بأنّها ما يستتر به من جدار أو شيء شاخص ‪ ...‬أو غير ذلك يصلّى إليه‪.‬‬
‫وجميع هذه التّعريفات متقاربة ‪.‬‬
‫الحكم التّكليفيّ ‪:‬‬
‫ن للمصلّي إذا كان فذّا " منفردا " أو إماما أن يتّخذ أمامه سترةً تمنع المرور بين‬
‫‪ -‬يس ّ‬ ‫‪2‬‬

‫يديه ‪ ،‬وتمكّنه من الخشوع في أفعال الصّلة ‪ ،‬وذلك لما ورد عن أبي سعيد الخدريّ رضي‬
‫ال عنه أنّ النّبيّ صلى ال عليه وسلم قال ‪ « :‬إذا صلّى أحدكم فليصلّ إلى سترة ‪ ،‬وليدن‬
‫منها ‪ ،‬ول يدع أحدا يمرّ بين يديه » ‪ .‬ولقوله صلى ال عليه وسلم ‪ « :‬ليستتر أحدكم في‬
‫صلته ولو بسهم » ‪ ،‬وهذا يشمل السّفر والحضر ‪ ،‬كما يشمل الفرض والنّفل ‪.‬‬
‫ف بصر المصلّي عمّا وراءها ‪ ،‬وجمع الخاطر بربط خياله كي ل ينتشر ‪،‬‬
‫والمقصود منها ك ّ‬
‫ومنع المارّ كي ل يرتكب الثم بالمرور بين يديه ‪.‬‬
‫والمر في الحديث للستحباب ل للوجوب ‪ ،‬قال ابن عابدين ‪ :‬صرّح في المنية بكراهة‬
‫تركها‪ ،‬وهي تنزيهيّة ‪ ،‬والصّارف للمر عن حقيقته ما رواه أبو داود عن الفضل بن العبّاس‬
‫رضي ال عنهما ‪ :‬قال « أتانا رسول اللّه صلى ال عليه وسلم ونحن في بادية لنا فصلّى في‬
‫صحراء ليس بين يديه سترة » ‪.‬‬
‫ومثله ما ذكره الحنابلة قال البهوتيّ ‪ :‬وليس ذلك بواجب لحديث ابن عبّاس رضي ال عنهما‬
‫ي صلى ال عليه وسلم صلّى في فضاء ليس بين يديه شيء » هذا ‪ ،‬ويستحبّ ذلك‬
‫ن النّب ّ‬
‫«أّ‬
‫ل فل تسنّ‬
‫ن مرورا بين يديه ‪ ،‬وإ ّ‬
‫عند الحنفيّة والمالكيّة في المشهور ‪ ،‬للمام والمنفرد إذا ظ ّ‬
‫السّترة لهما ‪ .‬ونقل عن مالك المر بها مطلقا ‪ ،‬وبه قال ابن حبيب واختاره اللّخميّ ‪.‬‬
‫أمّا الشّافعيّة فأطلقوا القول بأنّها سنّة ‪ ،‬ولم يذكروا قيدا ‪.‬‬
‫وقال الحنابلة ‪ :‬تسنّ السّترة للمام والمنفرد ولو لم يخش مارّا ‪.‬‬
‫ن سترة المام سترة لمن خلفه ‪ ،‬أو لنّ‬
‫أمّا المأموم فل يستحبّ له اتّخاذ السّترة اتّفاقا ‪ ،‬ل ّ‬
‫المام سترة له ‪ ،‬على اختلف عند الفقهاء ‪ .‬وسيأتي تفصيله ‪.‬‬
‫ما يجعل سترةً ‪:‬‬
‫ل ما انتصب من الشياء كالجدار‬
‫‪ -‬اتّفق الفقهاء على أنّه يصحّ أن يستتر المصلّي بك ّ‬ ‫‪3‬‬

‫والشّجر والسطوانة والعمود ‪ ،‬أو بما غرز كالعصا والرّمح والسّهم وما شاكلها ‪ ،‬وينبغي أن‬
‫يكون ثابتًا غير شاغل للمصلّي عن الخشوع ‪.‬‬
‫واستثنى المالكيّة الستتار بحجر واحد وقالوا ‪ :‬يكره به مع وجود غيره لشبهه بعبادة الصّنم‪،‬‬
‫فإن لم يجد غيره جاز ‪ ،‬كما يجوز بأكثر من واحد ‪.‬‬
‫أمّا الستتار بالدميّ أو الدّابّة أو الخطّ أو نحوها فللفقهاء في ذلك تفصيل وخلف ‪ ،‬وبيانه‬
‫فيما يلي ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬الستتار بالدميّ ‪:‬‬
‫‪ -‬ذهب جمهور الفقهاء ‪ :‬الحنفيّة والمالكيّة والحنابلة ‪ ،‬وهو قول عند الشّافعيّة إلى صحّة‬ ‫‪4‬‬

‫الستتار بالدميّ في الصّلة ‪ ،‬وذلك في الجملة ‪ ،‬لكنّهم اختلفوا في التّفاصيل ‪.‬‬


‫ح أن يستتر بظهر كلّ رجل قائم أو قاعد ‪ ،‬ل بوجهه ‪ ،‬ول بنائم‪،‬‬
‫فقال الحنفيّة والمالكيّة ‪ :‬يص ّ‬
‫ومنعوا الستتار بالمرأة غير المحرم ‪.‬‬
‫أمّا ظهر المرأة المحرم فاختلف الحنفيّة في جواز الستتار به ‪ ،‬كما ذكر المالكيّة فيه قولين‬
‫أرجحهما عند المتأخّرين الجواز ‪.‬‬
‫والوجه عند الشّافعيّة عدم الكتفاء بالسّترة بالدميّ ‪ ،‬ولهذا قرّروا أنّ بعض الصّفوف ‪ -‬ل‬
‫يكون ستر ًة لبعض آخر ‪.‬‬
‫وفصّل بعضهم فقالوا ‪ :‬لو كانت السّترة آدميّا أو بهيم ًة ولم يحصل بسبب ذلك اشتغال ينافي‬
‫خشوعه فقيل يكفي ‪ ،‬وإن حصل له الشتغال ل يعتدّ بتلك السّترة ‪.‬‬
‫ي غير كافر ‪.‬‬
‫أمّا الحنابلة فقد أطلقوا جواز الستتار بآدم ّ‬
‫وأمّا الصّلة إلى وجه النسان فتكره عند الجميع ‪ ،‬لما ورد عن عائشة رضي ال عنها قالت‪:‬‬
‫« كان النّبيّ صلى ال عليه وسلم يصلّي وسط السّرير وأنا مضطجعة بينه وبين القبلة ‪ ،‬تكون‬
‫لي الحاجة فأكره أن أقوم فأستقبله ‪ ،‬فأنسلّ انسللً » ‪.‬‬
‫ن عمر رضي ال عنه أدّب على ذلك ‪.‬‬
‫وروي أ ّ‬
‫ب ‪ -‬الستتار بالدّابّة ‪:‬‬
‫ي في الشّرح الكبير‬
‫‪ -‬ذهب الحنفيّة والحنابلة إلى جواز الستتار بالدّابّة مطلقا ‪ ،‬قال المقدس ّ‬ ‫‪5‬‬

‫على المقنع ‪ :‬ل بأس أن يستتر ببعير أو حيوان ‪ ،‬فعله ابن عمر وأنس رضي ال تعالى‬
‫ي صلى ال عليه وسلم صلّى‬
‫ن النّب ّ‬
‫عنهما ‪ ،‬لما روى ابن عمر رضي ال تعالى عنهما « أ ّ‬
‫إلى بعير » ‪.‬‬
‫ومنع المالكيّة الستتار بالدّابّة ‪ ،‬إمّا لنجاسة فضلتها كالبغل والحمار ونحوهما ‪ ،‬وإمّا لعدم‬
‫ثباتها كالشّاة ‪ ،‬وإمّا لكلتا العلّتين كالفرس ‪.‬‬
‫وقالوا ‪ :‬إن كانت فضلتها طاهر ًة وربطت جاز الستتار بها ‪.‬‬
‫أمّا الشّافعيّة فالوجه عندهم أنّه ل يجوز الستتار بالدّابّة كما ل يجوز بالنسان ‪.‬‬
‫ولنّه ل يؤمن أن يشتغل به فيتغافل عن صلته ‪ .‬وفي قول عندهم ‪ :‬يجوز الستتار بالبهيمة‪.‬‬
‫ن النّبيّ صلى ال عليه وسلم كان يفعله ‪،‬‬
‫قال محمّد الرّمليّ ‪ :‬أمّا الدّابّة ففي الصّحيحين أ ّ‬
‫وكأنّه لم يبلغ الشّافعيّ ‪ ،‬ويتعيّن العمل به ‪ ،‬وحمل بعضهم المنع على غير البعير ‪.‬‬
‫ج ‪ -‬التّستّر بالخطّ ‪:‬‬
‫‪ -‬إن لم يجد المصلّي ما ينصبه أمامه فليخطّ خطّا ‪ ،‬وهذا عند جمهور الفقهاء ‪ ( :‬الشّافعيّة‬ ‫‪6‬‬

‫ي صلى ال عليه وسلم قال ‪« :‬‬


‫ن النّب ّ‬
‫والحنابلة ‪ ،‬والرّاجح عند متأخّري الحنفيّة ) لما ورد أ ّ‬
‫إذا صلّى أحدكم فليجعل تلقاء وجه شيئا فإن لم يجد فلينصب عصا ‪ ،‬فإن لم يكن معه عصا‬
‫فليخطّ خطّا ‪ ،‬ثمّ ل يضرّه ما م ّر أمامه » ‪.‬‬
‫ن المقصود جمع الخاطر بربط الخيال كي ل ينتشر ‪ ،‬وهو يحصل بالخطّ ‪.‬‬
‫ول ّ‬
‫سنّة أولى بالتّباع ‪.‬‬
‫ن ال ّ‬
‫ورجّح الكمال بن الهمام من الحنفيّة صحّة التّستّر بالخطّ وقال ‪ :‬ل ّ‬
‫وقاس الحنفيّة والشّافعيّة على الخطّ المصلّى ‪ ،‬كسجّادة مفروشة ‪ ،‬قال الطّحطاويّ ‪ :‬وهو‬
‫ن المصلّى أبلغ في دفع المارّ من الخطّ ‪.‬‬
‫قياس أولى ‪ ،‬ل ّ‬
‫ولهذا قدّم الشّافعيّة المصلّى على الخطّ وقالوا ‪ :‬قدّم على الخطّ لنّه أظهر في المراد ‪.‬‬
‫وقال المالكيّة ‪ :‬ل يصحّ التّستّر بخطّ يخطّه في الرض ‪ ،‬وهذا قول متقدّمي الحنفيّة أيضا‬
‫واختاره في الهداية ‪ ،‬لنّه ل يحصل به المقصود ‪ ،‬إذ ل يظهر من بعيد ‪.‬‬
‫التّرتيب فيما يجعل سترةً ‪:‬‬
‫‪ -‬ذكر الشّافعيّة لتّخاذ السّترة أربع مراتب وقالوا ‪ :‬لو عدل إلى مرتبة وهو قادر على ما‬ ‫‪7‬‬

‫قبلها لم تحصل سنّة الستتار ‪ .‬فيسنّ عندهم أ ّولً التّستّر بجدار أو سارية ‪ ،‬ثمّ إذا عجز عنها‬
‫فإلى نحو عصا مغروزة ‪ ،‬وعند عجزه عنها يبسط مصلّى كسجّادة ‪ ،‬وإذا عجز عنها يخطّ‬
‫ي صلى ال عليه‬
‫قبالته خطّا طولً ‪ ،‬وذلك أخذا بنصّ الحديث الّذي رواه أبو داود عن النّب ّ‬
‫وسلم قال ‪ « :‬إذا صلّى أحدكم فليجعل تلقاء وجهه شيئا فإن لم يجد فلينصب عصا ‪ ،‬فإن لم‬
‫يكن معه عصا فليخطّ خطّا ‪ ،‬ثمّ ل يضرّه ما مرّ أمامه » وقالوا ‪ :‬المراد بالعجز عدم‬
‫السّهولة ‪.‬‬
‫وهذا هو المفهوم من كلم الحنفيّة والحنابلة أيضا وإن لم يصرّحوا بالمراتب ‪.‬‬
‫قال ابن عابدين ‪ :‬المفهوم من كلمهم أنّه عند إمكان الغرز ل يكفي الوضع ‪ ،‬وعند إمكان‬
‫الوضع ل يكفي الخطّ ‪.‬‬
‫وعبارة الحنابلة تفيد ذلك حيث قالوا ‪ :‬فإن لم يجد شاخصا وتعذّر غرز عصا ونحوها ‪،‬‬
‫وضعها بالرض ‪ ،‬ويكفي خيط ونحوه ‪ ..‬فإن لم يجد خطّ خطّا ‪.‬‬
‫أمّا المالكيّة فقد تقدّم أنّهم ل يجيزون الخطّ ‪.‬‬
‫مقدار السّترة وصفتها ‪:‬‬
‫‪ -‬يرى الحنفيّة والمالكيّة أنّه إذا صلّى في الصّحراء أو فيما يخشى المرور بين يديه‬ ‫‪8‬‬

‫ب له أن يغرز سترةً بطول ذراع فصاعدا ‪.‬‬


‫يستح ّ‬
‫قال الحنفيّة ‪ :‬في العتداد بأقلّ من الذّراع خلف ‪ .‬والمراد بالذّراع ذراع اليد ‪ ،‬وهو شبران‬
‫‪ .‬وقال الشّافعيّة ‪ :‬طول السّترة يكون ثلثي ذراع فأكثر تقريبا ‪.‬‬
‫وقال الحنابلة ‪ :‬إن كان في فضاء صلّى إلى سترة بين يديه مرتفعةً قدر ذراع فأقلّ ‪.‬‬
‫والصل في ذلك حديث طلحة بن عبيد اللّه رضي ال عنه مرفوعا ‪ « :‬إذا وضع أحدكم بين‬
‫يديه مثل مؤخّرة الرّحل فليصلّ ول يبال من مرّ وراء ذلك » ‪.‬‬
‫ومؤخّرة الرّحل هي العود الّذي في آخر الرّحل يحاذي رأس الرّاكب على البعير ‪.‬‬
‫قال الحنفيّة ‪ :‬فسّرت بأنّها ذراع فما فوقه ‪.‬‬
‫وقال الحنابلة ‪ :‬تختلف ‪ ،‬فتار ًة تكون ذراعا وتارةً تكون دونه ‪.‬‬
‫وأمّا قدرها في الغلظ فلم يحدّده الشّافعيّة والحنابلة ‪ ،‬فقد تكون غليظةً كالحائط والبعير ‪ ،‬أو‬
‫رقيق ًة كالسّهم ‪ ،‬لنّه صلى ال عليه وسلم صلّى إلى حربة وإلى بعير ‪.‬‬
‫أمّا الحنفيّة فقد صرّحوا في أكثر المتون بأن تكون السّترة بغلظ الصبع ‪ ،‬وذلك أدناه لنّ ما‬
‫دونه ربّما ل يظهر للنّاظر فل يحصل المقصود منها ‪ .‬لكن قال ابن عابدين ‪ :‬جعل في البدائع‬
‫ل ضعيفا ‪ ،‬وأنّه ل اعتبار بالعرض ‪ ،‬وظاهره أنّه المذهب ‪ .‬ويؤيّده ما ورد أنّه‬
‫بيان الغلظ قو ً‬
‫صلى ال عليه وسلم قال ‪ « :‬يجزئ من السّترة قدر مؤخّرة الرّحل ولو بدقّة شعرة » ‪.‬‬
‫ل ‪ ،‬فل يكفي أدقّ منه ‪ ،‬ونقل عن ابن حبيب‬
‫وقال المالكيّة ‪ :‬يكون غلظها غلظ رمح على الق ّ‬
‫أنّه قال ‪ :‬ل بأس أن تكون السّترة دون مؤخّرة الرّحل في الطّول ودون الرّمح في الغلظ ‪.‬‬
‫كيفيّة نصب أو وضع السّترة ‪:‬‬
‫‪ -‬اتّفق الفقهاء على أنّه يستحبّ في السّترة أن تنصب أو تغرز أمام المصلّي ‪ ،‬وتجعل على‬ ‫‪9‬‬

‫جهة أحد حاجبيه ‪ ،‬وهذا إذا كان غرزها ممكنا ‪ ،‬وإلّ بأن كانت الرض صلب ًة مثلً ‪ ،‬فهل‬
‫ل أو عرضا ؟‬
‫يكفي وضع السّترة أمام المصلّي طو ً‬
‫ل ‪ ،‬كأنّه غرز ثمّ‬
‫اختلف الفقهاء في ذلك ‪ :‬فقال الحنفيّة ‪ :‬يلقي ما معه من عصا أو غيرها طو ً‬
‫سقط ‪ ،‬وهذا اختيار الفقيه أبي جعفر ‪ ،‬واختار بعضهم أنّه ل يجزئ ‪ ،‬وإن لم يجد ما ينصبه‬
‫ل بمنزلة الخشبة المغروزة أمامه ‪ .‬فيصير‬
‫فليخطّ خطّا بالعرض مثل الهلل ‪ ،‬أو يجعله طو ً‬
‫ل العصا ‪ ،‬وهو اختيار المتأخّرين من الحنفيّة ‪.‬‬
‫شبه ظ ّ‬
‫ومثله ما ذكره الشّافعيّة والحنابلة ‪ ،‬يقول الخطيب الشّربينيّ ‪ :‬إذا عجز عن غيره فليخطّ أمامه‬
‫سنّة بجعله عرضا ‪.‬‬
‫خطّا طولً ‪ .‬وفي حاشية الجمل ‪ :‬هذا هو الكمل ويحصل أصل ال ّ‬
‫وعبارة الحنابلة ‪ :‬إن تعذّر غرز عصا ونحوها يكفي وضعها بالرض ‪ ..‬ووضعها عرضا‬
‫أعجب إلى أحمد من الطّول ‪.‬‬
‫فإن لم يجد خطّ خطّا كالهلل ل طولً ‪ .‬لكن نقل البهوتيّ عن الشّرح ‪ :‬وكيفما خطّ أجزأه ‪.‬‬
‫أمّا المالكيّة فاشترطوا أن تكون السّترة ثابتةً ول يجيزون الخطّ أصلً ‪.‬‬
‫موقف المصلّي من السّترة ‪:‬‬
‫ن لمن أراد أن يصلّي إلى سترة أن يقرب منها نحو ثلثة أذرع من قدميه ول يزيد‬
‫‪ -‬يس ّ‬ ‫‪10‬‬

‫على ذلك ‪ .‬لحديث سهل بن أبي حثمة مرفوعا ‪ « :‬إذا صلّى أحدكم إلى سترة فليدن منها ‪ ،‬ل‬
‫يقطع الشّيطان عليه صلته » ‪ .‬وعن سهل بن سعد قال ‪ « :‬كان بين مصلّى رسول اللّه‬
‫ي صلى ال عليه وسلم صلّى‬
‫ن النّب ّ‬
‫صلى ال عليه وسلم وبين الجدار ممرّ الشّاة » ‪ .‬وورد « أ ّ‬
‫في الكعبة وبينه وبين الجدار ثلثة أذرع » ‪ .‬وهذا عند الحنفيّة والشّافعيّة والحنابلة ‪.‬‬
‫ن الفاصل بين المصلّي والسّترة يكون بمقدار ما يحتاجه‬
‫وهو المفهوم من كلم المالكيّة ل ّ‬
‫ن حريم المصلّي هو هذا المقدار ‪ ،‬سواء‬
‫ن الرجح عندهم أ ّ‬
‫لقيامه وركوعه وسجوده ‪ ،‬ل ّ‬
‫أصلّى إلى سترة أم ل ‪.‬‬
‫ن انحراف المصلّي عن السّترة يسيرا ‪ ،‬بأن يجعلها على جهة أحد حاجبيه ‪ ،‬ول يصمد‬
‫ويس ّ‬
‫إليها صمدًا أي ل يقابلها مستويا مستقيما ‪ ،‬لما روي عن المقداد رضي ال عنه أنّه قال ‪« :‬‬
‫ما رأيت رسول اللّه صلى ال عليه وسلم يصلّي إلى عود ول عمود ول شجرة إلّ جعله على‬
‫حاجبيه اليمن أو اليسر ‪ ،‬ول يصمد له صمدا » ‪.‬‬
‫وهذا إذا كانت السّترة نحو عصا منصوبة أو حجر بخلف الجدار العريض ونحوه ‪ ،‬وبخلف‬
‫ن الصّلة تكون عليها ل إليها ‪.‬‬
‫سجّادة ‪ ،‬ل ّ‬
‫الصّلة على ال ّ‬
‫سترة المام سترة للمأمومين ‪:‬‬
‫ن سترة المام تكفي المأمومين سواء أصلّوا خلفه أم بجانبيه ‪.‬‬
‫‪ -‬اتّفق الفقهاء على أ ّ‬ ‫‪11‬‬

‫ب للمأموم أن يتّخذ ستر ًة ‪ .‬وذلك لما ورد في الحديث « أنّ النّبيّ صلى ال عليه‬
‫فل يستح ّ‬
‫وسلم صلّى بالبطح إلى عنزة ركزت له ولم يكن للقوم سترة » ‪.‬‬
‫واختلفوا ‪ :‬هل سترة المام سترة لمن خلفه ‪ ،‬أو هي سترة له خاصّةً وهو سترة لمن خلفه ‪،‬‬
‫ن سترة المام سترة لمن خلفه ‪.‬‬
‫ففي أكثر كتب الحنفيّة والحنابلة أ ّ‬
‫وذكر المالكيّة وبعض الحنابلة الخلف في ذلك ‪ .‬قال بعضهم ‪ :‬الخلف لفظيّ والمعنى واحد‬
‫‪ .‬وقال آخرون ‪ :‬الخلف حقيقيّ وله ثمرة ‪ ،‬فإن قلنا ‪ :‬المام سترة لمن خلفه كما نقل عن‬
‫مالك وغيره يمتنع المرور بين المام وبين الصّفّ الّذي خلفه كما يمنع المرور بينه وبين‬
‫صفّ الّذي خلفه‬
‫سترته ‪ ،‬لنّه مرور بين المصلّي وسترته فيهما ‪ ،‬ويجوز المرور بين ال ّ‬
‫صفّ الّذي بعده لنّه قد حال بينهما حائل وهو الصّفّ الوّل ‪ ،‬وإن قلنا ‪ :‬إنّ سترة المام‬
‫وال ّ‬
‫صفّ الوّل والمام‬
‫سترة لهم كما يقول عبد الوهّاب من المالكيّة وغيره فيجوز المرور بين ال ّ‬
‫ي والمعتمد قول مالك ‪.‬‬
‫لوجود الحائل وهو المام ‪ .‬قال الدّسوقيّ ‪ :‬والحقّ أنّ الخلف حقيق ّ‬
‫المرور بين المصلّي والسّترة ‪:‬‬
‫ن المرور بين المصلّي‬
‫ن المرور وراء السّترة ل يضرّ ‪ ،‬وأ ّ‬
‫‪ -‬ل خلف بين الفقهاء في أ ّ‬ ‫‪12‬‬

‫وسترته منهيّ عنه ‪ ،‬فيأثم المارّ بين يديه ‪ ،‬لقوله صلى ال عليه وسلم ‪ « :‬لو يعلم المارّ بين‬
‫يدي المصلّي ماذا عليه من الثم لكان أن يقف أربعين خيرا له من أن يمرّ بين يديه » ‪.‬‬
‫ن المارّ بين يدي المصلّي آثم ولو لم‬
‫ويرى جمهور الفقهاء ‪ :‬الحنفيّة والمالكيّة والحنابلة ‪ :‬أ ّ‬
‫يصلّ إلى سترة ‪ .‬وذلك إذا مرّ قريبا منه ‪ ،‬واختلفوا في حدّ القرب ‪.‬‬
‫قال بعضهم ‪ :‬ثلثة أذرع فأقلّ ‪ .‬أو ما يحتاج له في ركوعه وسجوده ‪.‬‬
‫والصّحيح عند الحنابلة تحديد ذلك بما إذا مشى إليه ودفع المارّ بين يديه ل تبطل صلته ‪.‬‬
‫ح عند الحنفيّة أن يكون المرور من موضع قدمه إلى موضع سجوده ‪ ،‬وقال بعضهم ‪:‬‬
‫والص ّ‬
‫إنّه قدر ما يقع بصره على المارّ لو صلّى بخشوع ‪ ،‬أي راميا ببصره إلى موضع سجوده ‪.‬‬
‫وقيّد المالكيّة الثم بما إذا مرّ في حريم المصلّي من كانت له مندوحة أي سعة المرور بعيدا‬
‫عن حريم المصلّي ‪ ،‬وإلّ فل إثم ‪ ،‬وكذا لو كان يصلّي بالمسجد الحرام فم ّر بين يديه من‬
‫ن به المرور ‪،‬‬
‫يطوف بالبيت وقالوا ‪ :‬يأثم مصلّ تعرّض بصلته من غير سترة في محلّ يظ ّ‬
‫ومرّ بين يديه أحد ‪.‬‬
‫ونقل ابن عابدين عن بعض الفقهاء أنّ هنا صورا أربعا ‪:‬‬
‫الولى ‪ :‬أن يكون للمارّ مندوحة عن المرور بين يدي المصلّي ولم يتعرّض المصلّي لذلك‬
‫ص المارّ بالثم إن مرّ ‪.‬‬
‫فيخت ّ‬
‫الثّانية ‪ :‬أن يكون المصلّي تعرّض للمرور والمارّ ليس له مندوحة عن المرور ‪ ،‬فيختصّ‬
‫المصلّي بالثم دون المارّ ‪.‬‬
‫الثّالثة ‪ :‬أن يتعرّض المصلّي للمرور ويكون للمارّ مندوحة ‪ ،‬فيأثمان معا ‪ ،‬أمّا المصلّي‬
‫فلتعرّضه ‪ ،‬وأمّا الما ّر فلمروره مع إمكان أن ل يفعل ‪.‬‬
‫الرّابعة ‪ :‬أن ل يتعرّض المصلّي ول يكون للمارّ مندوحة ‪ ،‬فل يأثم واحد منهما ‪.‬‬
‫ومثله ما ذكره بعض المالكيّة ‪.‬‬
‫أمّا الشّافعيّة فقد صرّحوا بحرمة المرور بين يدي المصلّي إذا صلّى إلى سترة وإن لم يجد‬
‫ل كأن وقف بقارعة‬
‫الما ّر سبيلً آخر ‪ ،‬وهذا إذا لم يتعدّ المصلّي بصلته في المكان ‪ ،‬وإ ّ‬
‫الطّريق أو استتر بسترة في مكان مغصوب فل حرمة ول كراهة ‪.‬‬
‫ولو صلّى بل سترة ‪ ،‬أو تباعد عنها ‪ ،‬أو لم تكن السّترة بالصّفة المذكورة فل يحرم المرور‬
‫بين يديه ‪ ،‬وليس له دفع المارّ لتعدّيه بصلته في ذلك المكان ‪.‬‬
‫هذا واستثنى الفقهاء من الثم المرور بين يدي المصلّي للطّائف أو لسدّ فرجة في صفّ أو‬
‫لغسل رعاف أو ما شاكل ذلك ‪.‬‬
‫أثر المرور بين يدي المصلّي في قطع الصّلة ‪:‬‬
‫ن مرور شيء بين المصلّي والسّترة ل يقطع‬
‫‪ -‬ذهب الحنفيّة والمالكيّة والشّافعيّة إلى أ ّ‬ ‫‪13‬‬

‫الصّلة ول يفسدها ‪ ،‬أيّا كان ‪ ،‬ولو كان بالصّفة الّتي توجب الثم على المارّ ‪ ،‬وذلك لقوله‬
‫صلى ال عليه وسلم ‪ « :‬ل يقطع الصّلة شيء وادرءوا ما استطعتم » ‪.‬‬
‫وقال الحنابلة مثل ذلك ‪ ،‬إلّ أنّهم استثنوا الكلب السود البهيم فرأوا أنّه يقطع الصّلة ‪.‬‬
‫دفع المارّ بين المصلّي والسّترة ‪:‬‬
‫ن للمصلّي أن يدفع المارّ من إنسان أو بهيمة إذا مرّ بينه‬
‫‪ -‬ل خلف بين الفقهاء في أ ّ‬ ‫‪14‬‬

‫وبين سترته أو قريبا منه ‪ ،‬لما ورد فيه من أحاديث منها ‪ .‬ما رواه أبو سعيد الخدريّ رضي‬
‫ال عنه قال ‪ « :‬قال رسول اللّه صلى ال عليه وسلم ‪ :‬إذا صلّى أحدكم إلى شيء يستره من‬
‫النّاس فأراد أحد أن يجتاز بين يديه فليدفعه ‪ ،‬فإن أبى فليقاتله فإنّما هو شيطان » ‪.‬‬
‫قال الصّنعانيّ ‪ :‬أي فعله فعل الشّيطان في إرادة التّشويش على المصلّي ‪ ،‬وقيل ‪ :‬المراد بأنّ‬
‫ن معه القرين » أي‬
‫الحامل له على ذلك شيطان ‪ ،‬ويدلّ على ذلك ما في رواية مسلم ‪ « :‬فإ ّ‬
‫شيطان ‪ ،‬والحديث دالّ بمفهومه على أنّه إذا لم يكن للمصلّي سترة فليس له دفع المارّ بين‬
‫يديه ‪ .‬ا هـ ‪ .‬وهو كذلك عند الشّافعيّة ‪.‬‬
‫ن الصّارف للحديث عن الوجوب شدّة‬
‫ن الدّفع ليس واجبا ‪ ،‬وكأ ّ‬
‫‪ -‬واتّفق الفقهاء على أ ّ‬ ‫‪15‬‬

‫منافاته مقصود الصّلة من الخشوع والتّدبّر ‪ ،‬وأيضا للختلف في تحريم المرور كما وجّهه‬
‫الشّربينيّ من الشّافعيّة ‪ .‬ومثله ما في كتب الحنفيّة والمالكيّة ‪.‬‬
‫ثمّ اختلفوا في أفضليّة الدّفع ‪ ،‬فقال الحنفيّة ‪ :‬رخّص للمصلّي الدّفع ‪ ،‬والولى ترك الدّفع لنّ‬
‫مبنى الصّلة على السّكون والخشوع ‪ ،‬والمر بالدّرء لبيان الرّخصة ‪ ،‬كالمر بقتل السودين‬
‫( الحيّة والعقرب ) في الصّلة ‪.‬‬
‫وقريب من الحنفيّة مذهب المالكيّة حيث قالوا ‪ :‬للمصلّي دفع ذلك المارّ بين يديه دفعا خفيفا ل‬
‫يشغله ‪.‬‬
‫ن ذلك للمصلّي إذا صلّى إلى سترة من جدار أو سارية أو عصا أو‬
‫أمّا الشّافعيّة فقالوا ‪ :‬يس ّ‬
‫نحوها ‪ ،‬لما ورد في حديث أبي سعيد الخدريّ رضي ال عنه المتقدّم نصّه ‪.‬‬
‫وقال الحنابلة ‪ :‬يستحبّ أن يردّ ما مرّ بين يديه من كبير وصغير وبهيمة ‪ ،‬لما ورد « أنّه‬
‫صلى ال عليه وسلم ردّ عمر بن أبي سلمة وزينب وهما صغيران » ‪.‬‬
‫ي صلى ال عليه وسلم كان يصلّي فمرّت شاة بين يديه ‪،‬‬
‫ن النّب ّ‬
‫وفي حديث ابن عبّاس « أ ّ‬
‫فساعاها إلى القبلة حتّى ألزق بطنه بالقبلة » ‪.‬‬
‫كيفيّة دفع الما ّر بين يدي المصلّي والسّترة ‪:‬‬
‫‪ -‬اختلفت عبارات الفقهاء في كيفيّة الدّفع وما ينشأ عنه من ضمان ‪ ،‬واتّفقوا على أن‬ ‫‪16‬‬

‫يكون دفع بالتّدريج ‪ ،‬ويراعى فيه السهل فالسهل ‪.‬‬


‫قال النّوويّ في المجموع ‪ :‬مذهب الشّافعيّة استحباب التّسبيح للرّجل والتّصفيق للمرأة ‪ ،‬وبه‬
‫قال أحمد وأبو حنيفة ‪ ،‬وقال مالك ‪ :‬تسبّح المرأة أيضا ‪ .‬أ هـ ‪.‬‬
‫وقال الحنفيّة ‪ :‬يدفعه بالشارة أو التّسبيح ‪ ،‬وكره الجمع بينهما ‪ ،‬ويدفعه الرّجل برفع الصّوت‬
‫بالقراءة ‪ ،‬وتدفعه المرأة بالشارة أو التّصفيق بظهر أصابع اليمنى على صفحة كفّ اليسرى‬
‫ول ترفع صوتها ‪ ،‬لنّه فتنة ‪ ،‬ول يقاتل المارّ ‪ ،‬وما ورد فيه من الحديث مؤوّل بأنّه كان‬
‫جواز مقاتلته في ابتداء السلم وقد نسخ ‪ .‬ول يجوز له المشي من موضعه ليردّه ‪ ،‬وإنّما‬
‫يدفعه ويردّه من موضعه ‪ ،‬لنّ مفسدة المشي أعظم من مروره بين يديه ‪.‬‬
‫وقريب من الحنفيّة مذهب المالكيّة حيث قالوا ‪ :‬للمصلّي دفع ذلك المارّ دفعا خفيفا ل يشغله‬
‫عن الصّلة ‪ .‬فإن كثر أبطل صلته ‪.‬‬

‫ستّوقة *‬
‫التّعريف ‪:‬‬
‫ش من الدّراهم ‪ .‬قال‬
‫ستّوقة ‪ -‬بفتح السّين وضمّها مع تشديد التّاء ‪ : -‬ما غلب عليه الغ ّ‬
‫‪ -‬ال ّ‬ ‫‪1‬‬

‫ستّوقة هي المغشوشة غشّا زائدا ‪ ،‬وهي تعريب " سي توقه "‬


‫ابن عابدين نقلً عن الفتح ‪ :‬ال ّ‬
‫أي ثلث طبقات ‪ ،‬طبقتا الوجهين فضّ ًة وما بينهما نحاس ونحوه ‪.‬‬
‫ستّوقة هي ما يكون الطّاق العلى فضّ ًة والسفل كذلك وبينهما صفر‪،‬‬
‫وفي التتارخانية ‪ :‬أنّ ال ّ‬
‫وليس لها حكم الدّراهم ‪ .‬والحنفيّة أكثر الفقهاء استعمالً لهذا اللّفظ ‪.‬‬
‫اللفاظ ذات الصّلة ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬الدّراهم الجياد ‪:‬‬
‫‪ -‬الدّراهم الجياد فضّة خالصة تروج في التّجارات وتوضع في بيت المال ‪.‬‬ ‫‪2‬‬

‫ب ‪ -‬الزّيوف ‪:‬‬
‫‪ -‬الزّيوف النّقود الرّديئة ‪ ،‬يردّها بيت المال ‪ ،‬ولكن يأخذها ال ّتجّار ‪.‬‬ ‫‪3‬‬

‫وكذلك النّبهرج والبهرج ‪ :‬الرّديء من الشّيء ‪ ،‬ودرهم نبهرج أو بهرج أو مبهرج أي رديء‬
‫الفضّة ‪ ،‬وهو ما يردّه ال ّتجّار ‪ ،‬وقيل ‪ :‬هو ما ضرب في غير دار السّلطان ‪ .‬والزّيوف‬
‫ستّوقة ‪ ،‬وهي بمنزلة الزّغل الّتي نحاسها أكثر من‬
‫أجود ‪ ،‬وبعدها النّبهرجة ‪ ،‬وبعدهما ال ّ‬
‫فضّتها ‪.‬‬
‫ستّوقة ‪:‬‬
‫المعاملة بال ّ‬
‫‪ -‬يرى المالكيّة على المذهب ‪ ،‬والشّافعيّة على أصحّ الوجهين ‪ ،‬والحنابلة على أظهر‬ ‫‪4‬‬

‫الرّوايتين جواز المعاملة بالدّراهم المغشوشة ‪ .‬ويشترط المالكيّة لجواز بيع المغشوش أن يباع‬
‫لمن يكسره أو ل يغشّ به بل يتصرّف به بوجه جائز ‪ ،‬كتحلية أو تصفية ‪ ،‬أو غير ذلك‪.‬‬
‫ويكره بيع المغشوش عندهم لمن ل يؤمن أن يغشّ به بأن شكّ في غشّه ‪ ،‬ويفسخ بيعه ممّن‬
‫يعلم أنّه يغشّ به ‪ ،‬فيجب ردّه على بائعه ‪.‬‬
‫وقال الشّافعيّة في الوجه الثّاني ‪ ،‬والحنابلة في الرّواية الثّانية ‪ :‬بتحريم المعاملة بالدّراهم‬
‫المغشوشة ‪ ،‬واحتجّوا بقول النّبيّ صلى ال عليه وسلم ‪ « :‬من غشّنا فليس منّا » وبأنّ عمر‬
‫رضي ال عنه نهى عن بيع نفاية بيت المال ‪ ،‬ولنّ المقصود فيه مجهول أشبه تراب الصّاغة‬
‫‪.‬‬
‫ن المعاملة‬
‫ستّوقة ل ّ‬
‫وذهب أبو يوسف ‪ -‬وهو ما يفهم من قول مالك ‪ -‬إلى كراهة المعاملة بال ّ‬
‫ش على المسلمين ‪ ،‬وقد كان عمر يفعل باللّبن أنّه إذا غشّ طرحه في‬
‫بها داعية إلى إدخال الغ ّ‬
‫ستّوقة إجازة لغشّ الدّراهم وإفساد لسواق المسلمين‬
‫الرض أدبا لصاحبه ‪ ،‬فإجازة المعاملة بال ّ‬
‫‪.‬‬
‫ستّوق إذا أنفقه وهو يعرفه ‪.‬‬
‫وقال أبو يوسف ‪ :‬ينبغي أن يعاقب صاحب الدّرهم ال ّ‬
‫وقال الكاسانيّ ‪ :‬هذا الّذي ذكره ‪ -‬أبو يوسف ‪ -‬احتساب حسن في الشّريعة ‪.‬‬
‫ستّوقة بالجياد ‪:‬‬
‫بيع ال ّ‬
‫ستّوقة بالجياد عند جمهور الفقهاء ‪ ،‬ويجوز ذلك عند الحنفيّة إذا كانت‬
‫‪ -‬ل يجوز بيع ال ّ‬ ‫‪5‬‬

‫ستّوقة ‪.‬‬
‫الجياد أكثر من الفضّة في ال ّ‬
‫ويرى المالكيّة على المذهب جواز بيع مغشوش بخالص ‪ .‬أمّا على الظهر فهم ل يجيزون‬
‫بيع المغشوش بخالص كما هو مذهب الجمهور ‪ .‬وللتّفصيل ( ر ‪ :‬صرف ) ‪.‬‬
‫ستّوقة في الجزية ‪:‬‬
‫أخذ ال ّ‬
‫ن في ذلك تضييع حقّ‬
‫ستّوقة في الجزية ‪ ،‬ل ّ‬
‫‪ -‬صرّح الحنفيّة بأنّه يحرم على المام أخذ ال ّ‬ ‫‪6‬‬

‫بيت المال ‪.‬‬

‫سجلّ *‬
‫التّعريف ‪:‬‬
‫‪ -‬السّجلّ في اللّغة ‪ :‬الكتاب يدوّن فيه ما يراد حفظه ‪ .‬ومنه كتاب القاضي ‪ ،‬وكتاب‬ ‫‪1‬‬

‫سجِلّ لِ ْل ُكتُبِ َكمَا َبدَ ْأنَا َأوّلَ‬


‫طيّ ال ّ‬
‫سمَاء َك َ‬
‫العهد ‪ ،‬ونحو ذلك ‪ .‬ومنه قوله تعالى ‪َ { :‬ي ْومَ َنطْوِي ال ّ‬
‫خَ ْلقٍ ّنعِيدُ ُه وَعْدا عََل ْينَا ِإنّا ُكنّا فَاعِلِينَ } ‪ .‬أي ‪ :‬كطيّ الصّحيفة على ما فيها ‪ .‬وهو قول ابن‬
‫عبّاس‪ ،‬ومجاهد ‪ ،‬واختاره الطّبريّ ‪ ،‬وأخذ به المفسّرون ‪.‬‬
‫والجمع سجلّات ‪ .‬وهو أحد السماء المذكّرة النّادرة الّتي تجمع بالتّاء ‪ ،‬وليس لها جمع تكسير‬
‫‪ .‬ويقال ‪ :‬سجّل تسجيلً إذا كتب السّجلّ ‪.‬‬
‫وسجّل القاضي عليه ‪ :‬قضى ‪،‬وأثبت حكمه في السّجلّ ‪ .‬وسجّل العقد ونحوه ‪ :‬قيّده في سجلّ‪.‬‬
‫وفي الصطلح ‪ :‬يطلق السّجلّ على كتاب القاضي الّذي فيه حكمه ‪ ،‬ويشمل في عرف بعض‬
‫الفقهاء ما كان موجّها إلى قاض آخر ‪.‬‬
‫ثمّ أصبح يطلق في عرفهم كذلك على " الكتاب الكبير الّذي تضبط فيه وقائع النّاس " ‪.‬‬
‫ل في عرف أهل زمانه ‪ :‬هو ما كتبه الشّاهدان في الواقعة وبقي‬
‫وقد ذكر ابن نجيم أنّ السّج ّ‬
‫عند القاضي ‪ ،‬وليس عليه خطّ القاضي ‪.‬‬
‫ص الحنابلة السّجلّ بما تضمّن الحكم المستند إلى البيّنة ‪ .‬وهذا هو الصّحيح في‬
‫وربّما خ ّ‬
‫المذهب ‪ .‬ومن الفقهاء من أطلق السّجلّ على المحضر ‪ .‬غير أنّ الماورديّ يرى وجوب‬
‫التّفريق بينهما ‪ .‬ومنهم من أطلق السّجلّ والمحضر على جميع ما يكتب ‪.‬‬
‫اللفاظ ذات الصّلة ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬المحضر ‪:‬‬
‫‪ -‬المحضر ‪ :‬هو الصّحيفة الّتي كتب فيها ما جرى بين الخصمين من إقرار المدّعى عليه‬ ‫‪2‬‬

‫أو إنكاره ‪ ،‬أو ببيّنة المدّعي ‪ ،‬أو نكول المدّعى عليه عن اليمين على وجه يرفع الشتباه ‪.‬‬
‫والفرق بين السّجلّ والمحضر عند جمهور الفقهاء أنّ الوّل يتضمّن النّصّ على الحكم ‪ ،‬إنفاذه‬
‫‪ ،‬خلف الثّاني ‪.‬‬
‫فلو أنّ القاضي زاد في المحضر ما يفيد إنفاذ حكمه ‪ ،‬وإمضاءه ‪ ،‬بعد إمهال الخصم بما يدفع‬
‫به دعوى المدّعي ‪ ،‬جاز ‪ .‬وعندئذ يصبح المحضر والسّجلّ سوا ًء ‪ ،‬ول فرق ‪.‬‬
‫صكّ ‪:‬‬
‫ب ‪ -‬ال ّ‬
‫صكّ هو ما كتب فيه البيع ‪ ،‬والرّهن ‪ ،‬والقرار وغيرها ‪.‬‬
‫‪ -‬ال ّ‬ ‫‪3‬‬

‫وعرّفه السّرخسيّ بأنّه ‪ :‬اسم خالص لما هو وثيقة بالحقّ الواجب ‪.‬‬
‫صكّ أيضا على ما يكتبه القاضي عند إقراض مال اليتيم ‪.‬‬
‫ويطلق ال ّ‬
‫صكّ على المحضر ‪.‬‬
‫وربّما أطلق الحنابلة ال ّ‬
‫ج ‪ -‬المستند والسّند ‪:‬‬
‫ل ما يستند إليه ‪ ،‬ويعتمد عليه من حائط ‪ ،‬وغيره ‪ .‬ومستند الحكم ‪ :‬ما يقوم عليه‬
‫‪ -‬هو ك ّ‬ ‫‪4‬‬

‫‪ ..‬وأطلق على صكّ الدّين ‪ ،‬ونحوه ‪.‬‬


‫د ‪ -‬الوثيقة ‪:‬‬
‫صكّ ‪.‬‬
‫‪ -‬تطلق الوثيقة على السّجلّ ‪ ،‬والمحضر ‪ ،‬وال ّ‬ ‫‪5‬‬

‫هـ ‪ -‬الدّيوان ‪:‬‬


‫‪ -‬يتعيّن الفصل بين الدّيوان العامّ ‪ ،‬وديوان القضاء ‪.‬‬ ‫‪6‬‬

‫أ ‪ -‬أمّا الدّيوان العامّ ‪ :‬فهو موضع لحفظ ما يتعلّق بحقوق السّلطنة من العمال ‪ ،‬والموال ‪،‬‬
‫ومن يقوم بها من الجيوش ‪ ،‬والعمّال ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬أمّا ديوان القضاء ‪ :‬فهو هذه السّجلّات وغيرها من المحاضر ‪ ،‬والصّكوك ‪ ،‬وكتب‬
‫نصب الوصياء ‪ ،‬وقوام الوقاف ‪ ،‬والودائع ‪ ،‬ونحو ذلك ‪.‬‬
‫و ‪ -‬الحجّة ‪:‬‬
‫‪ -‬الحجّة تطلق على السّجلّ وعلى الوثيقة ‪ .‬فهي أعمّ ‪ ،‬ثمّ أصبحت تطلق على السّجلّ ‪،‬‬ ‫‪7‬‬

‫صكّ ‪ .‬ثمّ أطلقت في العرف على ما نقل من السّجلّ من الواقعة ‪ ،‬وعليه‬


‫والمحضر ‪ ،‬وال ّ‬
‫ط الشّاهدين أسفله ‪ ،‬وأعطي للخصم ‪.‬‬
‫علمة القاضي أعله ‪ ،‬وخ ّ‬
‫ص الحنابلة الحجّة بالحكم القائم على البيّنة ‪.‬‬
‫وخ ّ‬
‫اتّخاذ السّجلّات ‪:‬‬
‫‪ -‬ينبغي للقاضي أن يتّخذ سجلّا حتّى ل ينسى واقعة الدّعوى إذا طال الزّمن ‪ ،‬وليكون ذلك‬ ‫‪8‬‬

‫مذكّرا له ومعينا على وصول المحكوم له إلى حقّه إذا جحده الخصم ‪.‬‬
‫ويكتب في السّجلّ وقائع الدّعوى ‪ ،‬وأدلّتها ‪ ،‬وما انتهى إليه القاضي من الحكم في موضوعها‬
‫‪ ،‬لنّه مكلّف بحفظ الحقوق ‪ ،‬وبغير الكتابة ل يمكن أن تحفظ ‪.‬‬
‫ويتأكّد هذا الواجب بطلب المحكوم له ‪ ،‬فإن لم يطلبه كانت الكتابة على سبيل النّدب ‪ ،‬لتبقى‬
‫الدّعوى بكلّ ما تمّ فيها محفوظ ًة في الدّيوان ‪ ،‬فربّما احتاج أحد الخصمين لمراجعتها ‪،‬‬
‫واستخراج الحكم ‪.‬‬
‫ول يلزم القاضي أن يكتب للمحكوم عليه ما ثبت عنده أو حكم به ‪ ،‬وإنّما هو مستحبّ ‪.‬‬
‫غير أنّه إن طلب من القاضي تسجيل الحكم بالحقّ الّذي ثبت عليه ‪ ،‬أو الّذي أوفاه ‪ ،‬أو ثبتت‬
‫براءته منه ‪ ،‬حتّى ل يطالبه المدّعي به مرّةً أخرى ‪ ،‬فعلى القاضي إجابته لما طلب ‪.‬‬
‫ن تسجيل‬
‫وإن كانت الخصومة متعلّق ًة بناقص الهليّة أو عديمها ‪ ،‬كالصّبيّ ‪ ،‬والمجنون ‪ ،‬فإ ّ‬
‫الحكم واجب ‪ ،‬وإن لم يطلب ذلك أحد ‪ ،‬سواء كان محكوما له ‪ ،‬أو عليه ‪.‬‬
‫وإن كانت الدّعوى متعلّقةً بحقّ من حقوق اللّه تعالى ‪ ،‬كالحدود ‪ ،‬أو كان الحقّ لغير معيّن‬
‫ن على القاضي أن يكتب ذلك ‪ ،‬ويحكم به‬
‫كالوقف ‪ ،‬والوصيّة للفقراء ‪ ،‬ولجهات الخير ‪ ،‬فإ ّ‬
‫دون حاجة لطلب من أحد ‪ .‬وعلى كلّ حال ‪ ،‬فإنّ للقاضي أن يكتب الخصومة ‪ ،‬ويسجّل‬
‫الحكم ابتداءً ‪ ،‬وقبل أن يطلب منه أحد ذلك ‪.‬‬
‫كيفيّة الكتابة في السّجلّات ‪:‬‬
‫‪ -‬ل يكفي في المحاضر والسّجلّات الختصار والجمال ‪ .‬بل ل بدّ من المبالغة في‬ ‫‪9‬‬

‫التّصريح والبيان ‪ .‬ففي المحاضر يجب على الكاتب أن يكتب بعد البسملة والحمدلة أو نحو‬
‫ذلك ‪ ،‬اسم المدّعي ‪ ،‬واسم أبيه وجدّه ‪ ،‬وكنيته ‪ ،‬وصناعته ‪ ،‬وقبيلته ‪ ،‬ومسكنه ‪ ،‬ومصلّاه "‬
‫ل ما يؤدّي إلى التّعرّف على شخصه ‪.‬‬
‫أي المسجد الّذي يصلّي فيه عاد ًة " وك ّ‬
‫ويذكر حضوره ‪ ،‬والشارة إليه ‪ .‬وكذلك يفعل بالمدّعى عليه ‪.‬‬
‫ل إقامتهم ‪.‬‬
‫وأمّا الشّهود ‪ ،‬فيتمّ تعريفهم على الوجه السّابق ‪ ،‬وإضافة مح ّ‬
‫ول بدّ أن يذكر الكاتب موضوع الدّعوى ‪ ،‬وما جرى في المحاكمة من إقرار ‪ ،‬أو إنكار‬
‫ويمين‪ ،‬أو نكول ‪ ،‬أو سماع بيّنة ‪.‬‬
‫وعلى الكاتب أن يذكر الشّهادة بألفاظها ‪ ،‬وذلك عقيب دعوى المدّعي ‪.‬‬
‫ويتضمّن المحضر اسم القاضي ‪ ،‬والمحكمة وعلمته الّتي عرف بها ‪،‬وتاريخ تنظيم‬
‫المحضر‪.‬‬
‫وإن كان القاضي منابا عن قاض آخر ‪ ،‬فل بدّ أن يذكر صفته ‪ ،‬وأن يكون من استنابه مأذونا‬
‫له بذلك ‪ .‬وإن أشهد على المحضر كان أوكد وأحوط ‪.‬‬
‫وينبغي في كتابة المحضر أن تكون على عادة البلد وأعرافه ‪ ،‬ومصطلحاته ‪ .‬ويراعى فيها‬
‫ل عصر ‪.‬‬
‫متطلّبات ك ّ‬
‫‪ -‬وفي السّجلّ يذكر المحضر بكلّ ما فيه ‪ ،‬ويضاف إليه ما يلي ‪:‬‬ ‫‪10‬‬

‫ص على تمكين المدّعى عليه من إبداء دفوعه ‪ ،‬وإمهاله ‪.‬‬


‫أ ‪ -‬النّ ّ‬
‫ص على ذلك ‪.‬‬
‫فإن أحضر دفعا ذكره القاضي ‪ ،‬وذكر مؤيّده ‪ ،‬وإن لم يأت بدفع ن ّ‬
‫ل أنّه ثبت الحقّ على الوجه الّذي تثبت به الحقوق ‪ ،‬دون ذكر لفظ‬
‫ب ‪ -‬وإن ذكر في السّج ّ‬
‫الشّهادة بتمامها ‪ ،‬فذلك جائز ‪ ،‬وهو المختار ‪.‬‬
‫ل بعد عرض أقوال الشّهود ‪ ،‬أنّ الدّعوى والشّهادات قد عرضت‬
‫ج ‪ -‬وقد يضاف إلى السّج ّ‬
‫على العلماء ‪ ،‬فأفتوا بصحّتها ‪ ،‬وجواز القضاء بها ‪.‬‬
‫د ‪ -‬ول بدّ في السّجلّ من ذكر سبب الحكم ‪ ،‬ومستنده ‪ ،‬من إقرار أو بيّنة ‪ ،‬ونحو ذلك ‪.‬‬
‫ص على‬
‫ل صدور الحكم علنا ‪ ،‬والشهاد عليه ‪ ،‬وتوقيع القاضي ‪ ،‬والنّ ّ‬
‫هـ ‪ -‬ويتضمّن السّج ّ‬
‫أنّه حرّر بأمر القاضي وفيه حكمه ‪ ،‬وقضاؤه ‪ ،‬وأنّه حجّة للمحكوم له ‪.‬‬
‫ول بدّ من عرض نسخة السّجلّ على القاضي ‪ ،‬لتدقيقها حتّى ل يكون فيها أيّ خلل ‪.‬‬
‫حفظ السّجلّات ‪:‬‬
‫‪ -‬إنّ أوّل ما يبدأ به القاضي إذا تقلّد عمله هو وضع يده على ما في الدّيوان من وثائق‪،‬‬ ‫‪11‬‬

‫وودائع ‪ ،‬وأموال ‪.‬‬


‫ول يت ّم ذلك إلّ بعد جرده بمعرفة أمينين أو أمين واحد ‪ ،‬وبحضور القاضي السّابق ‪،‬أو أمينه‪.‬‬
‫ل نوع مستقلّا عمّا سواه ‪ ،‬لسهولة الرّجوع إليه عند الحاجة ‪ ،‬ويضع عليه ختمه‬
‫ثمّ يوضع ك ّ‬
‫خوف الزّيادة ‪ ،‬والنّقصان ‪ .‬وبهذا يحفظ ما في الدّيوان مهما تعاقب القضاة ‪.‬‬
‫وما ينظّمه القاضي أو كاتبه من المحاضر ‪ ،‬والسّجلّات ‪ ،‬والوثائق الخرى يكتب عليه نوعه‪،‬‬
‫واسم صاحبه فيقول ‪ :‬محضر فلن بن فلن في خصومته مع فلن بن فلن ‪.‬‬
‫ويختمه بخاتمه ‪ ،‬وما اجتمع من ذلك في يوم ‪ ،‬أو أسبوع فإنّه يفرده ‪ ،‬ويضمّه في إضبارة‬
‫واحدة ‪ ،‬ويكتب على ظاهرها محاضر يوم كذا من شهر كذا ‪ ،‬من سنة كذا ‪ ..‬ويفعل ذلك في‬
‫كلّ ما يجتمع عنده في الشّهر ‪ ،‬وفي السّنة ‪ .‬ويضع على ذلك خاتمه ‪ ،‬ويحفظه في خزانته‬
‫ل بمعرفته ‪ ،‬ومشاهدته ‪.‬‬
‫وتحت مراقبته ‪ ،‬بحيث ل يستخرج أحد شيئًا من ذلك إ ّ‬
‫ل إذا أشرف القاضي على الدّيوان ‪ ،‬وراقب كتابه ‪،‬‬
‫ول يمكن أن يتحقّق ما سبق بيانه إ ّ‬
‫وأمناءه ‪ ،‬وما يجري على أيديهم ‪ ،‬وبمعرفتهم ‪.‬‬
‫تعدّد نسخ السّجلّ ‪:‬‬
‫‪ -‬تكتب المحاضر ‪ ،‬والسّجلّات ‪ ،‬والوثائق على نسختين ‪:‬‬ ‫‪12‬‬
‫إحداهما ‪ :‬تحفظ في ديوان المحكمة ‪ ،‬وعليها اسم الخصمين ‪ ،‬أو صاحب الوثيقة ‪ ،‬وخاتم‬
‫القاضي ‪ ،‬وتكون مستندا للرّجوع إليها عند الحاجة ‪.‬‬
‫والخرى ‪ :‬تعطى للمحكوم له ‪ ،‬أو صاحب الوثيقة ‪ ،‬لتكون حجّ ًة بالحقّ ‪ ،‬وهي غير‬
‫مختومة‪ .‬ويجري ذلك ولو من غير طلب ‪.‬‬
‫ثمّ أصبحت الوثائق تكتب مرتّبةً في كتاب يجمعها ‪ ،‬وبحسب ما يسع منها ‪ ،‬ويحفظ في‬
‫الدّيوان ‪ ،‬وهو أكثر حفظا ‪ ،‬وأحوط ‪.‬‬
‫فإن ضاعت النّسخة الّتي في يد ذي الشّأن ‪ ،‬وطلب من القاضي نسخةً أخرى ‪ ،‬أسعف طلبه ‪،‬‬
‫وكتب عليها ما ادّعاه من الفقدان ‪ ،‬وتاريخها ‪ ،‬حتّى ل يستوفى الحقّ الوارد فيها مرّتين ‪.‬‬
‫عمل القاضي بما يجده في سجلّه ‪:‬‬
‫‪ -‬إذا وجد القاضي في ديوانه محضرا كان قد كتبه بإقرار ‪ ،‬أو شهادة بحقّ من الحقوق‪،‬‬ ‫‪13‬‬

‫أو وجد حكما من أحكامه ‪ ،‬فإنّه ل يأخذ به ‪ ،‬ول ينفذه ما لم يتذكّره ‪ .‬وبهذا قال أبو حنيفة‪.‬‬
‫وذهب أبو يوسف ‪ ،‬ومحمّد إلى جواز الخذ بكلّ ذلك ‪ ،‬واعتماده ‪ ،‬وتنفيذه ‪ ،‬ولو لم يتذكّره ;‬
‫لعجز القاضي عن حفظ الحادثة ‪ ،‬ولنّ وجود هذه الوثائق في الدّيوان دليل ظاهر على‬
‫صحّتها ‪ ،‬وبعدها عن التّزوير ‪ ،‬والتّحريف ‪ .‬والفتوى على قولهما ‪ ،‬وهو الصّحيح ‪ ،‬وبه قال‬
‫ابن أبي ليلى ‪ ،‬وعليه عرف القضاة من القرن الخامس الهجريّ ‪.‬‬
‫وللمالكيّة قولن ‪ .‬والّذي عليه الجماعة منهم موافق لقول أبي حنيفة الّذي أخذ به الشّافعيّة في‬
‫الوجه الصحّ ‪.‬‬
‫أمّا الحنابلة فعندهم روايتان ‪ .‬ولكن الّذي عليه العمل متّفق مع قول الصّاحبين ‪.‬‬
‫ن البيّنة تسمع لثبات صحّة ما في الدّيوان من الوثائق في القول‬
‫وإن لم يتذكّر القاضي ‪ ،‬فإ ّ‬
‫الصحّ عند المالكيّة ‪.‬‬
‫وفي رواية عن مالك أنّها ل تسمع ‪ ،‬وهو قول الشّافعيّة ‪ .‬وجمهور أهل العلم على خلفه ‪.‬‬
‫ن القاضي قد حكم له بكذا ‪ ،‬فإن تذكّر القاضي قضاءه‬
‫فإن لم تكن هناك وثيقة ‪ ،‬وادّعى أحد أ ّ‬
‫أمضاه ‪ ،‬وإن لم يتذكّر فإنّ القاضي ل يقبل بيّنة صاحب الحقّ على ما كان قد قضى به ‪ ،‬ول‬
‫يأخذ بها في قول أبي حنيفة ‪ ،‬وأبي يوسف ‪ ،‬ورواية عند المالكيّة ‪ ،‬وبه قال الشّافعيّة ‪.‬‬
‫وذهب محمّد من الحنفيّة ‪ ،‬وابن أبي ليلى ‪ ،‬والرّواية الثّانية للمالكيّة والحنابلة إلى قبول‬
‫البيّنة ‪ ،‬وإمضاء القضاء ‪.‬‬
‫ولو ضاع سجلّ من ديوان القاضي ‪ ،‬فشهد كاتباه على ما فيه ‪ ،‬تعيّن قبول هذه الشّهادة ‪،‬‬
‫واعتمادها ‪.‬‬
‫عمل القاضي بما يجده في سجلّ قاض سابق ‪:‬‬
‫‪ -‬اتّفق الفقهاء على أنّ القاضي ل يأخذ بما يوجد في ديوانه من سجلّات القضاة السّابقين‬ ‫‪14‬‬

‫ل أن يشهد بما ورد فيها شاهدان‪ .‬واستثنى‬


‫ومحاضرهم ‪ ،‬ول يعتمدها ‪ ،‬ولو كانت مختومةً ‪،‬إ ّ‬
‫الحنفيّة من ذلك ما في الدّيوان من رسوم تضمّنت أوقافا في أيدي المناء ‪ ،‬ولم يحملهم عليه‬
‫إلّ الخوف من ضياع حقوق الوقف عند تقادم الزّمان ‪ ،‬ولذا كان قولهم هذا استحسانا ‪ .‬وعلى‬
‫ذلك لو وجد القاضي حكم سلفه مكتوبا بخطّه لم يجز إنفاذه بالجماع ‪ .‬وأمّا ما يوجد في‬
‫الدّيوان العامّ من وثائق تحدّد حقوق الدّولة ‪ ،‬وحقوق الفراد ‪ ،‬فإنّه يجب اعتمادها ‪ ،‬وإنفاذها‬
‫‪.‬‬
‫وكذلك خطّ المفتي ‪ ،‬وكتب الفقه الموثوقة ‪ ،‬وكتاب أهل الحرب بطلب المان ‪ ،‬وقرارات‬
‫الدّولة ‪ ،‬وما في دفتر الصّرّاف ‪ ،‬والسّمسار ‪ ،‬والتّاجر ‪ ،‬ونحوهم ‪ ،‬فيما لهم ‪ ،‬وعليهم ‪ ،‬فإنّه‬
‫يجوز الخذ بكلّ ذلك ‪ ،‬واعتماده من غير إشهاد على صحّة مضمونه ‪ ،‬ومحتواه ‪.‬‬
‫نقص ما في السّجلّ من أحكام ‪:‬‬
‫‪ -‬إنّ كلّ نقص من مقوّمات السّجلّ الّتي سبقت يعتبر خللً مؤثّرا في صحّته ‪ .‬وذلك يظهر‬ ‫‪15‬‬

‫من المثلة التية ‪:‬‬


‫أ ‪ -‬إذا خل السّجلّ من الشارة إلى المتخاصمين فإنّه ل يفتى بصحّته ‪ .‬كما لو كتب فيه ‪:‬‬
‫حضر فلن مجلس الحكم ‪ ،‬وأحضر معه فلنًا ‪ ،‬فادّعى هذا الّذي حضر ‪ ،‬عليه ‪ ..‬وينبغي أن‬
‫يكتب ‪ ( :‬على هذا الّذي أحضر معه ) ‪ .‬بدلًا من ( عليه ) ‪.‬‬
‫وكذا عند ذكر الخصمين في أثناء السّجلّ ل ب ّد من ذكر ضمير الشارة ‪،‬فيكتب ‪ :‬المدّعي‬
‫هذا‪ ،‬والمدّعى عليه هذا ‪.‬‬
‫ن ذلك‬
‫ص في السّجلّ على حضور المدّعي والمدّعى عليه مجلس القضاء ‪ ،‬فإ ّ‬
‫ب ‪ -‬ولو لم ين ّ‬
‫خلل في السّجلّ عند الحنفيّة الّذين ل يرون القضاء على الغائب ‪.‬‬
‫وكذلك لو خل من الّنصّ على سماع البيّنة بحضور المدّعى عليه ‪ ،‬وصدور الحكم بحضرة‬
‫الخصمين ‪.‬‬
‫ج ‪ -‬وإن كان لحد الخصمين وكيل ‪ ،‬وكتب في السّجلّ ثبوت الوكالة دون كيفيّة ثبوتها ‪ :‬هل‬
‫هو البيّنة ‪ ،‬أو المشافهة بحضرة القاضي ومعرفته بالوكيل والموكّل ‪ ،‬فإنّ ذلك خلل في‬
‫السّجلّ ‪.‬‬
‫وأمّا الغلط باسم الوكيل وجعله محلّ الموكّل ‪ ،‬وجعل الموكّل محلّ الوكيل ‪ ،‬فذلك ل يؤثّر في‬
‫ل على قول بعض المشايخ ‪.‬‬
‫صحّة السّجلّ ‪ ،‬إ ّ‬
‫د ‪ -‬وفي دعوى الوصيّ من جهة الب ‪ ،‬أو من جهة القاضي ‪ ،‬إذا خل السّجلّ من ثبوت‬
‫ن هذا يوجب‬
‫موت الب ‪ ،‬واليصاء ‪ ،‬ومن الذن الحكميّ من القاضي ‪ ،‬والذن بالقبض ‪ ،‬فإ ّ‬
‫ردّه ‪ ،‬لنّه ل بدّ منه لثبات صحّة الخصومة ‪.‬‬
‫ل سجلّ خل من سبب الدّعوى ‪ ،‬فإنّه مردود عند عامّة العلماء ‪.‬‬
‫هـ ‪ -‬وك ّ‬
‫ولو أنّ السّجلّ خل من أسماء الشّهود ‪ ،‬فإنّ أكثر القضاة عند الحنفيّة صاروا ل يرون ذلك‬
‫خللً ‪ ،‬وهو القول المشهور عند المالكيّة ‪ ،‬غير أنّ العمل عندهم على وجوب ذكر أسمائهم‬
‫في الحكم على الغائب والصّغير ‪ ،‬ول حاجة لذلك في الحكم على الحاضر ‪.‬‬
‫وترك لفظ الشّهادة خلل في محضر الدّعوى ‪ .‬وأمّا في السّجلّ ‪ ،‬فلو كتب فيه ‪ :‬وشهد الشّهود‬
‫على موافقة الدّعوى ‪ ،‬دون لفظ الشّهادة ‪ ،‬فإنّه ل يفتى بصحّته ‪ .‬ومن المشايخ من أفتى‬
‫صحّة ‪ ،‬وهو المختار ‪.‬‬
‫بال ّ‬
‫و ‪ -‬وكذلك لو كتب في السّجلّ على وجه اليجاز ‪ :‬ثبت عندي من الوجه الشّرعيّ ‪ ،‬فإنّه ل‬
‫يفتى بصحّة السّجلّ ما لم يبيّن وسيلة الثبات ‪ .‬وقيل يفتى بصحّته ‪.‬‬
‫ن ذلك خلل في‬
‫ل بشرائطه ‪ ،‬أو حكمت وفق الدّعوى ‪ ،‬فإ ّ‬
‫فإن كتب ‪ :‬حكمت بثبوت السّج ّ‬
‫ن على القاضي أن يبيّن ذلك بالتّفصيل ‪.‬‬
‫السّجلّ ‪ ،‬ل ّ‬
‫ز ‪ -‬وإذا كتب في المحضر عند ذكر شهادة الشّهود ‪ :‬وأشاروا إلى المتداعين ‪ ،‬فإنّه ل يفتى‬
‫بصحّته ‪ .‬إذ ل ب ّد من الّنصّ على الشارة إلى المدّعي عند الحاجة ‪ ،‬وإلى المدّعى عليه عند‬
‫الحاجة ‪ ،‬وهذه هي الشارة المعتبرة الّتي ل بدّ من بيانها أبلغ بيان ‪.‬‬
‫ي دليل‬
‫ن القاضي حكم استنادا لشهادات الشّهود ‪ ،‬أو أ ّ‬
‫ح ‪ -‬ولو لم يتضمّن السّجلّ في آخره أ ّ‬
‫آخر ‪ ،‬فإنّ القضاء ل يجوز ‪.‬‬
‫ط ‪ -‬ولو أنّ القاضي المناب حكم بالدّعوى ‪ ،‬وجعل حكمه موقوفا على إمضاء القاضي‬
‫المنيب ‪ ،‬فإنّ ذلك خلل قويّ يخرجه عن كونه حكما ‪.‬‬
‫ي ‪ -‬وفي دعوى الوقف ‪ ،‬لو كتب القاضي في السّجلّ ‪ :‬حكمت بصحّة الوقف ‪،‬فذلك خلل‬
‫فيه‪ ،‬لنّه ليس بقضاء في محلّه ‪ ،‬إذ الوقف صحيح ‪ ،‬جائز وفاقا ‪ ،‬والخلف في اللّزوم ‪.‬‬
‫تخصيص كاتب للسّجلّ ‪ ،‬وما يشترط فيه ‪:‬‬
‫‪ -‬على القاضي أن يختار كاتبا يستعين به في كتابة ما يجري في المحاكمة ‪ ،‬لنّه يشقّ‬ ‫‪16‬‬

‫عليه أن يتولّى ذلك بنفسه ‪.‬‬


‫وي جب أن يتّ صف كا تب القا ضي ب ما يتّ صف به القا ضي ‪ ،‬لنّه جزء من المحك مة ‪ ،‬ول نّ‬
‫الكتابة من جنس القضاء ‪ .‬ولهذا وجب أن يكون الكاتب مسلما ‪ ،‬مكلّفا ‪ ،‬عدلً ‪ ،‬ورعا ‪ ،‬عفيفا‬
‫‪ .‬وانظر التّفصيل في مصطلح ‪ ( :‬قضاء ) ‪.‬‬
‫سجود *‬
‫التّعريف ‪:‬‬
‫‪ -‬السّجود لغةً ‪ :‬الخضوع والتّطامن والتّذلّل والميل ووضع الجبهة بالرض ‪ ،‬وكلّ من‬ ‫‪1‬‬

‫تذلّل وخضع فقد سجد ‪ ،‬ويقال ‪ :‬سجد البعير إذا خفض رأسه ليركب ‪ ،‬وسجدت النّخلة إذا‬
‫مالت من كثرة حملها ‪ ،‬وسجد الرّجل إذا طأطأ رأسه وانحنى ‪ ،‬ومنه سجود الصّلة وهو‬
‫وضع الجبهة على الرض ‪ ،‬والسم السّجدة ‪.‬‬
‫والمسجد بيت الصّلة الّذي يتعبّد فيه ‪ ،‬ومنه قوله صلى ال عليه وسلم ‪ « :‬جعلت لي الرض‬
‫مسجدا وطهورا » ‪.‬‬
‫وجمعه مساجد ‪ ،‬والمسجد ‪ -‬بفتح الجيم ‪ -‬موضع السّجود من بدن النسان ‪ ،‬وجمعه كذلك‬
‫مساجد ‪ ،‬وهي جبهته وأنفه ويداه وركبتاه وقدماه ‪.‬‬
‫ومن هذا قولهم ‪ :‬ويجعل الكافور في مساجده ‪ :‬أي الميّت ‪.‬‬
‫قال الرّاغب الصفهانيّ ‪ :‬السّجود للّه عا ّم في النسان ‪ ،‬والحيوانات ‪ ،‬والجمادات وذلك‬
‫ضربان ‪:‬‬
‫ق الثّواب ‪ ،‬ومنه قوله تعالى ‪{ :‬‬
‫ل للنسان ‪ ،‬وبه يستح ّ‬
‫الوّل ‪ :‬سجود باختيار وليس ذلك إ ّ‬
‫ع ُبدُوا } ‪.‬‬
‫جدُوا لِلّهِ وَا ْ‬
‫سُ‬‫فَا ْ‬
‫الثّاني ‪ :‬سجود تسخير ‪ ،‬وهو للنسان والحيوانات والنّبات والجمادات ‪ ،‬وإليه يشير قوله‬
‫لرْضِ طَوْعا َو َكرْها َوظِللُهُم بِا ْل ُغدُوّ وَالصَالِ }‬
‫سمَاوَاتِ وَا َ‬
‫جدُ مَن فِي ال ّ‬
‫سُ‬‫تعالى ‪ { :‬وَلِّلهِ َي ْ‬
‫سجّدا لِّلهِ } ‪.‬‬
‫شمَآئِلِ ُ‬
‫عنِ ا ْل َيمِينِ وَا ْل ّ‬
‫وقوله تعالى ‪َ { :‬يتَ َف ّيأُ ظِلَلُهُ َ‬
‫فهذا سجود تسخير ‪ ،‬وهو الدّللة الصّامتة النّاطقة المنبّهة على كونها مخلوقةً ‪ ،‬وأنّها خلق‬
‫ص السّجود في الشّريعة بالرّكن المعروف من الصّلة ‪ ،‬وما يجري مجرى‬
‫فاعل حكيم ‪ ،‬وخ ّ‬
‫ذلك من سجود القرآن وسجود الشّكر ‪.‬‬
‫الحكم التّكليفيّ ‪:‬‬
‫أوّلً ‪ :‬سجود الصّلة ‪:‬‬
‫‪ -‬أجمع الفقهاء على فرضيّة السّجود في الصّلة وأنّه ركن من أركان الصّلة بنصّ الكتاب‬ ‫‪2‬‬

‫سنّة والجماع ‪.‬‬


‫وال ّ‬
‫خ ْيرَ‬
‫ع ُبدُوا َر ّبكُمْ وَا ْفعَلُوا ا ْل َ‬
‫جدُوا وَا ْ‬
‫سُ‬‫أمّا الكتاب فقوله تعالى ‪َ { :‬أ ّيهَا اّلذِينَ آ َمنُوا ا ْر َكعُوا وَا ْ‬
‫َلعَّل ُكمْ تُفِْلحُونَ } ‪.‬‬
‫سنّة فمنها حديث المسيء صلته قال فيه صلى ال عليه وسلم ‪ « :‬ثمّ اسجد حتّى‬
‫وأمّا ال ّ‬
‫ن ساجدا » ‪ .‬وقوله صلى ال عليه وسلم ‪ « :‬أمرت أنّ أسجد على سبعة أعظم » ‪.‬‬
‫تطمئ ّ‬
‫ل ركعة من ركعات الصّلة ‪ ،‬سواء كانت هذه الصّلة‬
‫كما أجمعوا على وجوب سجدتين في ك ّ‬
‫فرضا أو سنّةً ‪.‬‬
‫ن أكمل السّجود هو أن يسجد المصلّي على سبعة أعضاء ‪ ،‬وهي الجبهة‬
‫‪ -‬واتّفقوا على أ ّ‬ ‫‪3‬‬

‫مع النف ‪ ،‬واليدان ‪ ،‬والرّكبتان ‪ ،‬والقدمان ‪ ،‬لقوله صلى ال عليه وسلم ‪ « :‬أمرت أن أسجد‬
‫على سبعة أعظم على الجبهة ‪ -‬وأشار بيده إلى أنفه ‪ -‬والرّجلين والرّكبتين وأطراف القدمين‬
‫»‪.‬‬
‫وفي رواية ‪ « :‬أمرت بالسّجود على سبعة أعظم اليدين ‪ ،‬والرّكبتين ‪ ،‬والقدمين ‪ ،‬والجبهة»‪.‬‬
‫ومن كمال السّجود أن ترتفع أسافله على أعاليه كاشفا وجهه ليباشر به الرض ‪.‬‬
‫وأن يطمئنّ ساجدا لقوله صلى ال عليه وسلم للمسيء صلته ‪ « :‬ثمّ اسجد حتّى تطمئنّ‬
‫ساجدا » وقوله صلى ال عليه وسلم ‪ « :‬إذا سجدت فأمكن وجهك من السّجود كلّه حتّى‬
‫ن ساجدا ول تنقر نقرا » ‪ .‬لما روي عن عقبة بن عامر رضي ال عنه قال ‪ « :‬لمّا‬
‫تطمئ ّ‬
‫سمِ َر ّبكَ ا ْل َعظِيمِ } قال رسول اللّه صلى ال عليه وسلم اجعلوها في ركوعكم‪.‬‬
‫سبّحْ بِا ْ‬
‫نزلت { َف َ‬
‫سمَ َربّكَ ا ْلَأعْلَى } قال ‪ :‬اجعلوها في سجودكم » ‪.‬‬
‫حاْ‬
‫سبّ ِ‬
‫فلمّا نزلت { َ‬
‫وأن يعتدل في سجوده ويرفع ذراعيه عن الرض ‪ ،‬ول يفترشهما ‪ ،‬وينصب القدمين ويوجّه‬
‫أصابع الرّجلين واليدين إلى القبلة ‪ ،‬لما رواه أنس بن مالك رضي ال عنه عن النّبيّ صلى‬
‫ال عليه وسلم قال ‪ « :‬اعتدلوا في السّجود ول يبسط أحدكم ذراعيه انبساط الكلب » ‪.‬‬
‫ي صلى ال عليه وسلم كان ينهى أن يفترش الرّجل‬
‫ن النّب ّ‬
‫وعن عائشة رضي ال عنها « أ ّ‬
‫ي صلى ال عليه وسلم ‪ :‬إذا سجد وضع‬
‫ن النّب ّ‬
‫ذراعيه افتراش السّبع » ‪ .‬وعن أبي حميد « أ ّ‬
‫يديه غير مفترش ول قابضهما واستقبل بأطراف أصابع رجليه القبلة » ‪.‬‬
‫وعن جابر رضي ال عنه قال ‪ :‬قال رسول اللّه صلى ال عليه وسلم ‪ « :‬إذا سجد أحدكم‬
‫فليعتدل ول يفترش ذراعيه افتراش الكلب » ‪.‬‬
‫وعن وائل بن حجر رضي ال عنه « أنّ النّبيّ صلى ال عليه وسلم ‪ :‬كان إذا سجد ضمّ‬
‫أصابعه وجعل يديه حذو منكبيه » ‪.‬‬
‫وروي عن النّبيّ صلى ال عليه وسلم أنّه قال ‪ « :‬إذا سجد العبد سجد كلّ عضو منه فليوجّه‬
‫من أعضائه إلى القبلة ما استطاع » ‪.‬‬
‫ن رسول اللّه صلى ال عليه وسلم‬
‫وأن يجافي مرفقيه عن جنبيه لما روى أحمر بن جزء « أ ّ‬
‫كان إذا سجد جافى عضديه عن جنبيه حتّى نأوي له » ‪.‬‬
‫وروي « أنّه كان إذا سجد لو شاءت بهمة أن تمرّ بين يديه لمرّت » ‪.‬‬
‫ي صلى ال عليه وسلم ‪ :‬كان إذا سجد‬
‫ن النّب ّ‬
‫وأن يرفع بطنه عن فخذيه لما رواه أبو حميد « أ ّ‬
‫فرّج بين فخذيه غير حامل بطنه على شيء من فخذيه » ‪.‬‬
‫وعن ابن عبّاس رضي ال عنهما قال ‪ « :‬أتيت رسول اللّه صلى ال عليه وسلم من خلفه‬
‫فرأيت بياض بطنه وهو مجخّ ‪ ،‬قد فرّج بين يديه » ‪.‬‬
‫وأن يفرّج بين رجليه أي بين قدميه وفخذيه وركبتيه ‪ ،‬لما رواه أبو حميد في وصف صلة‬
‫رسول اللّه صلى ال عليه وسلم قال ‪ « :‬إذا سجد فرّج بين رجليه » ‪.‬‬
‫وأن يضع راحتيه على الرض مبسوطتين مضمومتي الصابع بعضها إلى بعض مستقبلً‬
‫ي صلى ال عليه وسلم وضع‬
‫ن النّب ّ‬
‫بهما القبلة ‪ ،‬ويضعهما حذو منكبيه ‪ ،‬لقول أبي حميد ‪ « :‬أ ّ‬
‫كفّيه حذو منكبيه » ‪.‬‬
‫وقال بعضهم ‪ :‬يضعهما بحذاء أذنيه ‪ ،‬لما رواه وائل بن حجر رضي ال عنه ‪ « :‬أنّ رسول‬
‫اللّه صلى ال عليه وسلم سجد فجعل كفّيه بحذاء أذنيه » وفي رواية ‪ « :‬ثمّ سجد ووضع‬
‫وجهه بين كفّيه » ‪.‬‬
‫وأن يعتمد على راحتيه « لقوله صلى ال عليه وسلم لعبد اللّه بن عمر رضي ال عنهما ‪ :‬إذا‬
‫سجدت فاعتمد على راحتيك » ‪.‬‬
‫أمّا المرأة فتض ّم بعضها إلى بعض في سجودها فتلصق بطنها بفخذيها ‪ ،‬ومرفقيها بجنبيها ‪،‬‬
‫وتفترش ذراعيها وتنخفض ‪ ،‬ول تنتصب كانتصاب الرّجال ‪ ،‬ول تفرّق بين رجليها ‪.‬‬
‫ن ذلك أستر لها ‪ ،‬وأحوط له ‪.‬‬
‫قال بعض العلماء ‪ :‬مثل المرأة في ذلك الخنثى ل ّ‬
‫أحكام السّجود ‪:‬‬
‫اختلف الفقهاء في مسائل من أحكام السّجود منها ‪:‬‬
‫وضع الرّكبتين قبل اليدين أو عكسه ‪:‬‬
‫‪ -‬ذهب جمهور الفقهاء وهم الحنفيّة والشّافعيّة والحنابلة وجمع من علماء السّلف كالنّخعيّ‬ ‫‪4‬‬

‫وسفيان الثّوريّ وإسحاق ومسلم بن يسار وابن المنذر إلى أنّه من المستحبّ أن يضع ركبتيه‬
‫ل أنّه ترك الستحباب ‪ ،‬لما‬
‫ثمّ يديه ‪ ،‬ثمّ جبهته وأنفه ‪ ،‬فإن وضع يديه قبل ركبتيه أجزأه إ ّ‬
‫رواه وائل بن حجر رضي ال عنه قال ‪ « :‬رأيت النّبيّ صلى ال عليه وسلم إذا سجد وضع‬
‫ركبتيه قبل يديه ‪ ،‬وإذا نهض رفع يديه قبل ركبتيه » ‪.‬‬
‫وروى سعد بن أبي وقّاص رضي ال عنه قال ‪ « :‬كنّا نضع اليدين قبل الرّكبتين فأمرنا‬
‫بوضع الرّكبتين قبل اليدين » وقد روى الثرم عن أبي هريرة ‪ « :‬إذا سجد أحدكم فليبدأ‬
‫بركبتيه قبل يديه ول يبرك بروك الجمل » ‪.‬‬
‫وذهب المالكيّة والوزاعيّ وهو رواية عن أحمد إلى أنّه يقدّم يديه قبل ركبتيه لما روي عن‬
‫أبي هريرة رضي ال عنه قال ‪ :‬قال رسول اللّه صلى ال عليه وسلم ‪ « :‬إذا سجد أحدكم فل‬
‫يبرك كما يبرك البعير ‪ ،‬وليضع يديه قبل ركبتيه » ‪.‬‬
‫ن السّاجد له أن يقدّم أيّهما شاء من غير تفضيل بينهما ‪ ،‬لعدم ظهور ترجيح‬
‫وروي عن مالك أ ّ‬
‫أحد المذهبين على الخر ‪.‬‬
‫السّجود على اليدين والرّكبتين والقدمين ‪:‬‬
‫‪ -‬ذهب جمهور الفقهاء وهم الحنفيّة والمالكيّة وأحد القولين لدى الشّافعيّة ورواية عن أحمد‬ ‫‪5‬‬

‫إلى أنّه ل يجب على السّاجد وضع يديه وركبتيه وقدميه ‪ ،‬وإنّما الواجب عليه هو السّجود‬
‫ن المر بالسّجود ورد‬
‫على الجبهة ‪ -‬وهي من مستدير ما بين الحاجبين إلى النّاصية ‪ -‬ل ّ‬
‫مطلقًا من غير تعيين عضو ‪ ،‬ثمّ انعقد الجماع على تعيين بعض الوجه ‪ ،‬فل يجوز تعيين‬
‫غيره ‪ -‬زاد الحنفيّة ‪ -‬ول يجوز تقييد مطلق الكتاب ‪ -‬وهو هنا قوله تعالى ‪َ { :‬أ ّيهَا اّلذِينَ‬
‫ن َأ َثرِ‬
‫جدُوا } ‪ -‬بخبر الواحد ‪ ،‬ولقوله تعالى ‪ { :‬سِيمَا ُهمْ فِي ُوجُو ِههِم مّ ْ‬
‫سُ‬‫آ َمنُوا ا ْركَعُوا وَا ْ‬
‫سجُودِ } ‪ ،‬ولقوله صلى ال عليه وسلم ‪ « :‬إذا سجدت فمكّن جبهتك » فإفرادها بالذّكر دليل‬
‫ال ّ‬
‫ن المقصود من السّجود وضع أشرف‬
‫على مخالفتها لغيرها من العضاء الخرى ‪ ،‬ول ّ‬
‫العضاء على مواطئ القدام ‪ ،‬وهو خصّيص بالجبهة ‪ ،‬ولنّه لو كان وضع العضاء‬
‫الخرى واجبًا لوجب اليماء بها عند العجز عن وضعها كالجبهة ‪.‬‬
‫فإذا سجد على جبهته أو على شيء منها دون ما سواها من العضاء أجزأه ذلك ‪.‬‬
‫وذهب بعض الفقهاء من الحنابلة وأحد القولين لدى الشّافعيّة وطاوس وإسحاق إلى وجوب‬
‫السّجود على اليدين والرّكبتين والقدمين لما رواه ابن عبّاس رضي ال عنهما قال ‪ :‬قال‬
‫رسول اللّه صلى ال عليه وسلم ‪ « :‬أمرت بالسّجود على سبعة أعظم ‪ :‬اليدين والرّكبتين‬
‫ن اليدين يسجدان كما يسجد الوجه‪،‬‬
‫والقدمين والجبهة » وعن ابن عمر رضي ال عنهما « أ ّ‬
‫فإذا وضع أحدكم وجهه فليضع يديه ‪ ،‬وإذا رفعه فليرفعهما » ‪ .‬وقوله صلى ال عليه وسلم ‪:‬‬
‫« إذا سجد العبد سجد معه سبعة آراب ‪ :‬وجهه وكفّاه وركبتاه وقدماه » ‪.‬‬
‫ن الشّافعيّة يرون أنّ العبرة في اليدين‬
‫ل واحد من هذه العضاء إلّ أ ّ‬
‫ويكفي وضع جزء من ك ّ‬
‫ببطن الكفّ سواء الصابع أو الرّاحة ‪ ،‬وفي القدمين ببطن الصابع فل تجزئ الظّهر منها‬
‫ستّة المذكورة‬
‫ل عضو من العضاء ال ّ‬
‫ول الحرف ‪ ،‬أمّا الحنابلة فيرون أنّ وضع بعض ك ّ‬
‫ن الحاديث لم تفرّق بين باطن العضو وظاهره ‪.‬‬
‫يجزئ سواء كان ظاهره أو باطنه ‪ ،‬ل ّ‬
‫وضع النف على الرض في السّجود ‪:‬‬
‫‪ -‬ذهب جمهور الفقهاء وهم المالكيّة والشّافعيّة ‪ ،‬وأبو يوسف ومحمّد صاحبا أبي حنيفة ‪،‬‬ ‫‪6‬‬

‫وعطاء وطاوس وعكرمة والحسن وابن سيرين وأبو ثور والثّوريّ ‪ ،‬وهو رواية عن أحمد ‪،‬‬
‫إلى أنّه ل يجب السّجود على النف مع الجبهة لقوله صلى ال عليه وسلم ‪ « :‬أمرت أن‬
‫أسجد على سبعة أعظم » ‪ .‬ولم يذكر النف فيه ‪ ،‬ولحديث جابر رضي ال عنه قال ‪« :‬‬
‫رأيت رسول اللّه صلى ال عليه وسلم سجد بأعلى جبهته على قصاص الشّعر » ‪.‬‬
‫وإذا سجد بأعلى جبهته لم يسجد على النف ‪ ،‬وقوله صلى ال عليه وسلم ‪ « :‬إذا سجدت‬
‫فمكّن جبهتك من الرض ول تنقر نقرا » ‪.‬‬
‫ويستحبّ عند هؤلء السّجود على النف مع الجبهة للحاديث الّتي تدلّ على ذلك ‪.‬‬
‫وذهب الحنابلة وهو قول عند المالكيّة وسعيد بن جبير وإسحاق والنّخعيّ وأبو خيثمة وابن‬
‫أبي شيبة ‪ :‬إلى وجوب السّجود على النف مع الجبهة ‪ ،‬لما روى ابن عبّاس رضي ال‬
‫ن النّبيّ صلى ال عليه وسلم قال ‪ « :‬أمرت أن أسجد على سبعة أعظم ‪ :‬الجبهة ‪-‬‬
‫عنهما أ ّ‬
‫وأشار بيده على أنفه ‪ -‬واليدين والرّكبتين ‪ ،‬وأطراف القدمين » ‪ .‬وفي رواية « أمرت أن‬
‫أسجد على سبعة أعظم الجبهة والنف » ‪ .‬الحديث ‪.‬‬
‫ي صلى ال عليه وسلم ‪ :‬كان إذا سجد أمكن أنفه وجبهته من‬
‫ن النّب ّ‬
‫وعن أبي حميد « أ ّ‬
‫الرض » ‪.‬‬
‫وعن ابن عبّاس رضي ال عنهما عن النّبيّ صلى ال عليه وسلم ‪ « :‬أنّه رأى رجلً يصلّي‬
‫ل يصيب أنفه الرض فقال ‪ :‬ل صلة لمن ل يصيب أنفه من الرض ما يصيب الجبين » ‪.‬‬
‫وذهب أبو حنيفة إلى أنّه مخيّر بين السّجود ‪ ،‬على الجبهة وبين السّجود على النف ‪ ،‬وأنّ‬
‫الواجب هو السّجود على أحدهما فلو وضع أحدهما في حالة الختيار جاز ‪ ،‬غير أنّه لو‬
‫وضع الجبهة وحدها جاز من غير كراهة ولو وضع النف وحده جاز مع الكراهة ‪.‬‬
‫ن الجبهة والنف‬
‫ن أحدا سبقه إلى هذا القول ‪ ،‬ولعلّه ذهب إلى أ ّ‬
‫قال ابن المنذر ‪ :‬ل يحفظ أ ّ‬
‫عضو واحد ‪ ،‬لنّ النّبيّ صلى ال عليه وسلم لمّا ذكر الجبهة أشار إلى أنفه ‪ .‬والعضو الواحد‬
‫يجزئ السّجود على بعضه ‪.‬‬
‫كشف الجبهة وغيرها من أعضاء السّجود ‪:‬‬
‫‪ -‬ذهب جمهور الفقهاء وهم الحنفيّة والمالكيّة والحنابلة ‪ ،‬وجمع من علماء السّلف ‪ ،‬كعطاء‬ ‫‪7‬‬

‫وطاوس والنّخعيّ والشّعبيّ والوزاعيّ إلى عدم وجوب كشف الجبهة واليدين والقدمين في‬
‫السّجود ‪ ،‬ول تجب مباشرة شيء من هذه العضاء بالمصلّى بل يجوز السّجود على كمّه‬
‫وذيله ويده وكور عمامته وغير ذلك ممّا هو متّصل بالمصلّي في الحرّ أو في البرد ‪ ،‬لحديث‬
‫أنس رضي ال عنه قال ‪ « :‬كنّا نصلّي مع رسول اللّه صلى ال عليه وسلم في شدّة الحرّ فإذا‬
‫لم يستطع أحدنا أن يمكّن جبهته من الرض يبسط ثوبه فيسجد عليه » ‪ .‬ولما روي عن ابن‬
‫عبّاس رضي ال عنهما قال ‪ « :‬لقد رأيت رسول اللّه صلى ال عليه وسلم في يوم مطير‬
‫وهو يتّقي الطّين إذا سجد بكساء عليه يجعله دون يديه إلى الرض إذا سجد » ‪ .‬وروي عن‬
‫النّبيّ صلى ال عليه وسلم ‪ « :‬أنّه سجد على كور عمامته » ‪.‬‬
‫وعن الحسن قال ‪ :‬كان أصحاب رسول اللّه صلى ال عليه وسلم يسجدون وأيديهم في ثيابهم‬
‫ويسجد الرّجل على عمامته ‪ ،‬وفي رواية ‪ :‬كان القوم يسجدون على العمامة والقلنسوة ويده‬
‫في كمّه ‪.‬‬
‫وذهب الشّافعيّة وهو رواية عن أحمد إلى وجوب كشف الجبهة ومباشرتها بالمصلّى وعدم‬
‫جواز السّجود على كمّه وذيله ويده وكور عمامته أو قلنسوته أو غير ذلك ممّا هو متّصل به‬
‫ويتحرّك بحركته لقوله صلى ال عليه وسلم ‪ « :‬إذا سجدت فمكّن جبهتك من الرض »‬
‫ت رضي ال عنه قال ‪ « :‬شكونا إلى رسول اللّه‬
‫الحديث ‪ ،‬ولما روي عن خبّاب بن الر ّ‬
‫صلى ال عليه وسلم ح ّر الرّمضاء في جباهنا وأكفّنا فلم يشكنا » وفي رواية ‪ « :‬فما أشكانا »‬
‫‪.‬‬
‫الطّمأنينة في السّجود ‪:‬‬
‫ل عضو في مكانه ‪ ،‬وقدّره بعض العلماء بزمن من‬
‫‪ -‬الطّمأنينة في السّجود هي أن يستقرّ ك ّ‬ ‫‪8‬‬

‫يقول فيه ‪ " :‬سبحان ربّي العلى " مرّةً واحد ًة وذلك بعد أن يهوي للسّجود مكبّرا ‪.‬‬
‫وذهب الجمهور إلى فرضيّة الطّمأنينة خلفا لبي حنيفة ومحمّد ‪ ،‬فهي ليست فرضا بل‬
‫واجب يجبر تركه بسجود السّهو ‪ .‬وتفصيله في ( صلة ‪ ،‬وفي طمأنينة ) ‪.‬‬
‫التّكبير للسّجود والتّسبيح فيه ‪:‬‬
‫ن التّكبير‬
‫‪ -‬ذهب جمهور الفقهاء وهم الحنفيّة والمالكيّة والشّافعيّة ورواية عن أحمد إلى أ ّ‬ ‫‪9‬‬

‫والتّسبيح وسائر الذكار والدعية الواردة في السّجود سنّة ليست بواجبة ‪ ،‬فلو تركها المصلّي‬
‫عمدا لم يأثم وصلته صحيحة ‪ ،‬سواء تركها عمدا أو سهوا ‪ ،‬ولكن يكره تركها عمدا لحديث‬
‫المسيء صلته حيث إنّ النّبيّ صلى ال عليه وسلم عندما علّمه فروض الصّلة لم يعلّمه هذه‬
‫الذكار ‪ ،‬ولو كانت واجبةً لعلّمه إيّاها ‪ ،‬وتحمل الحاديث الواردة بهذه الذكار على‬
‫الستحباب ‪.‬‬
‫وذهب الحنابلة وإسحاق إلى وجوب التّكبير والتّسبيح في السّجود فإن ترك شيئا منها عمدا‬
‫ن النّبيّ صلى ال عليه‬
‫بطلت صلته ‪ ،‬وإن ترك نسيانا لم تبطل صلته بل يسجد للسّهو ‪ ،‬ل ّ‬
‫وسلم فعله وأمر به ‪ .‬وأمره للوجوب ‪ ،‬وقال صلى ال عليه وسلم ‪ « :‬صلّوا كما رأيتموني‬
‫أصلّي » ولما روي عنه صلى ال عليه وسلم قال ‪ « :‬ل تتمّ صلة لحد من النّاس حتّى‬
‫ن مفاصله » ‪.‬‬
‫يتوضّأ ‪ -‬إلى أن قال ‪ : -‬ثمّ يقول ‪ :‬اللّه أكبر ‪ ،‬ثمّ يسجد ‪ ،‬حتّى تطمئ ّ‬
‫وقد جرى خلف بين الفقهاء في زيادة لفظ " وبحمده " بعد قوله ‪ " :‬سبحان ربّي العلى " ‪،‬‬
‫وهل قول ‪ " :‬سبحان ربّي العلى " هو المتعيّن أم للمصلّي أن يختار ما شاء من ألفاظ‬
‫التّسبيح ؟ وهل من المستحبّ أن يكرّرها ثلث مرّات أو أكثر مع اعتبار حال المصلّي إذا‬
‫كان منفردا ‪ ،‬أو إماما ‪ ،‬أو مأموما ؟ وينظر مثل هذه التّفاصيل في مصطلح ‪ ( :‬ركوع )‬
‫حيث إنّ التّكبير والتّسبيح في الرّكوع والسّجود حكمها واحد ل يختلف ‪.‬‬
‫قال بعض الفقهاء ‪ :‬يستحبّ أن يقول في سجوده بعد التّسبيح ‪ « :‬اللّهمّ لك سجدت وبك آمنت‪،‬‬
‫ولك أسلمت سجد وجهي للّذي خلقه وصوّره وشقّ سمعه وبصره تبارك اللّه أحسن الخالقين »‬
‫ب الدّعاء فيه ‪ .‬ومن بين الدعية الواردة ‪ « :‬اللّهمّ اغفر لي ذنبي كلّه دقّه وجلّه ‪،‬‬
‫‪ ،‬كما يستح ّ‬
‫وأوّله وآخره ‪ ،‬وعلنيته وسرّه ‪ ،‬اللّهمّ إنّي أعوذ برضاك من سخطك ‪ ،‬وبعفوك من‬
‫عقوبتك ‪ ،‬وأعوذ بك منك ‪ ،‬ل أحصي ثناءً عليك أنت كما أثنيت على نفسك » ‪.‬‬
‫قراءة القرآن في السّجود ‪:‬‬
‫‪ -‬اتّفق الفقهاء على كراهة قراءة القرآن في السّجود ‪ ،‬لحديث عليّ رضي ال عنه قال‪« :‬‬ ‫‪10‬‬

‫نهاني رسول اللّه صلى ال عليه وسلم عن قراءة القرآن وأنا راكع أو ساجد » ‪.‬‬
‫وعن ابن عبّاس رضي ال عنهما « أنّ رسول اللّه صلى ال عليه وسلم قال ‪ :‬أل وإنّي نهيت‬
‫أن أقرأ القرآن راكعا أو ساجدا ‪ ،‬فأمّا الرّكوع فعظّموا فيه الرّبّ ‪ ،‬وأمّا السّجود فاجتهدوا في‬
‫الدّعاء ‪ ،‬فقمن أن يستجاب لكم » ‪.‬‬
‫فإن قرأ غير الفاتحة في السّجود لم تبطل صلته ‪ ،‬وإن قرأ الفاتحة فالجمهور على أنّها ل‬
‫تبطل كذلك ‪.‬‬
‫وفي وجه عند الشّافعيّة أنّها تبطل ‪ ،‬لنّه نقل ركنا إلى غير موضعه كما لو ركع أو سجد في‬
‫غير موضعه ‪.‬‬
‫وسجود التّلوة ‪ ،‬وسجود السّهو ‪ ،‬سجود الشّكر تفاصيلها في مصطلحاتها ‪.‬‬
‫ثانيا ‪ :‬السّجود لغير اللّه ‪:‬‬
‫ن السّجود للصّنم أو للشّمس أو نحوهما من المخلوقات كفر يخرج‬
‫‪ -‬أجمع الفقهاء على أ ّ‬ ‫‪11‬‬

‫السّاجد به عن الملّة إذا كان عاقلً بالغا مختارا ‪ ،‬سواء كان عامدا أو هازلً ‪.‬‬
‫وصرّح الشّافعيّة بأنّه إن لم يسجد للصّنم أو للشّمس على سبيل التّعظيم واعتقاد اللوهيّة ‪ ،‬بل‬
‫ن باليمان يجري عليه حكم الكفّار في الظّاهر ‪ ،‬ول يحكم بكفره فيما‬
‫سجد لها وقلبه مطمئ ّ‬
‫بينه وبين اللّه ‪ ،‬وإن دلّت قرينة قويّة على عدم دللة الفعل على الستخفاف ‪ ،‬كسجود أسير‬
‫في دار الحرب بحضرة كافر خشيةً منه فل يكفر ‪.‬‬
‫ن السّجود لغير صنم نحوه ‪ ،‬كأحد الجبابرة أو المملوك أو أيّ مخلوق‬
‫‪ -‬كما أجمعوا على أ ّ‬ ‫‪12‬‬

‫آخر هو من المحرّمات وكبيرة من كبائر الذّنوب ‪ ،‬فإن أراد السّاجد بسجوده عبادة ذلك‬
‫المخلوق كفر وخرج عن الملّة بإجماع العلماء ‪ ،‬وإن لم يرد بها عباد ًة فقد اختلف الفقهاء فقال‬
‫بعض الحنفيّة ‪ :‬يكفر مطلقا سواء كانت له إرادة أو لم تكن له إرادة ‪ ،‬وقال آخرون منهم ‪ :‬إذا‬
‫أراد بها التّحيّة لم يكفر بها ‪،‬وإن لم تكن له إرادة كفر عند أكثر أهل العلم‪.‬‬

‫سجود التّلوة *‬
‫التّعريف ‪:‬‬
‫‪ -‬السّجود لغةً ‪ :‬مصدر سجد ‪ ،‬وأصل السّجود التّطامن والخضوع والتّذلّل ‪.‬‬ ‫‪1‬‬

‫والسّجود في الصطلح ‪ :‬وضع الجبهة أو بعضها على الرض أو ما اتّصل بها من ثابت‬
‫مستقرّ على هيئة مخصوصة ‪.‬‬
‫ل كلم ‪.‬‬
‫والتّلوة ‪ :‬مصدر تل يتلو ‪ ،‬يقال ‪ :‬تلوت القرآن تلو ًة إذا قرأته ‪ ،‬وع ّم بعضهم به ك ّ‬
‫وسجود التّلوة ‪ :‬هو الّذي سبب وجوبه ‪ -‬أو ندبه ‪ -‬تلوة آية من آيات السّجود ‪.‬‬
‫الحكم التّكليفي ‪:‬‬
‫‪ -‬اتّفق الفقهاء على مشروعيّة سجود التلوة ‪ ،‬لليات والحاديث الواردة فيه ‪ ،‬لكنّهم‬ ‫‪2‬‬

‫اختلفوا في صفة مشروعيته أواجب هو أو مندوب ‪.‬‬


‫فذهب الشّافعية و الحنابلة إلى أنّ سجود التّلوة سنّة مؤكّدة عقب تلوة آية السّجدة لقول ال‬
‫س ْبحَانَ‬
‫سجّدا ‪ ،‬وَيقُولُونَ ُ‬
‫ن ُ‬
‫ل ْذقَا ِ‬
‫ن لِ َ‬
‫خرّو َ‬
‫ن أُوتُواْ ا ْلعِ ْلمَ مِن َقبْلِ ِه ِإذَا ُيتْلَى عََل ْي ِهمْ َي ِ‬
‫تعالى‪ِ { :‬إنّ اّلذِي َ‬
‫خشُوعا } ‪.‬‬
‫ن َويَزِيدُ ُهمْ ُ‬
‫ل ْذقَانِ َي ْبكُو َ‬
‫ن لِ َ‬
‫خرّو َ‬
‫ل ‪َ ،‬و َي ِ‬
‫عدُ َر ّبنَا َلمَ ْفعُو ً‬
‫ن وَ ْ‬
‫َربّنَا إِن كَا َ‬
‫ولما ورد عن أبي هريرة رضي ال تعالى عنه قال ‪ :‬قال رسول ال صلى ال عليه وسلم‬
‫« إذا قرأ ابن آدم السّجدة فسجد ‪ ،‬اعتزل الشّيطان يبكي ‪ ،‬يقول يا ويلي ‪ ،‬وفي رواية ياويله‬
‫‪ -‬أمر ابن آدم بالسّجود فسجد فله الجنّة ‪ ،‬و أمرت بالسّجود فأبيت فلي النّار » ‪.‬‬
‫ولما روى عبد ال بن عمر رضي ال تعالى عنهما قال ‪ « :‬كان رسول ال صلى ال عليه‬
‫وسلّم يقرأ علينا السّورة فيها السّجدة فيسجد ونسجد » ‪.‬‬
‫وليس سجود التّلوة بواجب ‪ -‬عندهم ‪ -‬لنّ النّبي صلى ال عليه وسلم تركه ‪ ،‬وقد قرأت‬
‫جمِ ‪ } ...‬وفيها سجدة ‪ ،‬روى زيد بن ثابت رضي ال تعالى عنه قال ‪« :‬‬
‫عليه سورة { وَال ّن ْ‬
‫جمِ فلم يسجد فيها » وفي رواية ‪ « :‬فلم يسجد منّا‬
‫قرأت على النّبي صلى ال عليه وسلّم وَال ّن ْ‬
‫ن عمر رضي ال تعالى عنه قرأ يوم الجمعة على المنبر سورة‬
‫أحد » وروى البخاري « أ ّ‬
‫النّحل حتّى إذا جاء السّجدة نزل فسجد ‪ ،‬فسجد النّاس ‪ ،‬حتّى إذا كانت الجمعة القابلة قرأ بها‬
‫حتّى إذا جاء السّجدة قال ‪ " :‬يا أيّها النّاس ‪ ،‬إنّا نمر بالسّجود ‪ ،‬فمن سجد فقد أصاب ‪ ،‬ومن‬
‫لم يسجد فل إثم عليه ‪ ،‬ولم يسجد عمر رضي ال تعالى عنه » ورواه مالك في الموطّأ وقال‬
‫ن ال لم يكتبها علينا إل أن نشاء ‪ ،‬فلم يسجد ‪ ،‬ومنعهم أن يسجدوا ‪،‬‬
‫فيه ‪ « :‬على رسلكم ‪ ،‬إ ّ‬
‫وكان بمحضر من الصحابة ‪ ،‬ولم ينكروا عليه فكان إجماعا » ‪.‬‬
‫واستدلوا أيضا بما جاء في حديث العرابي من قوله صلى ال عليه وسلم « خمس صلوات‬
‫ي غيرها ؟ قال ‪ :‬ل ‪ ،‬إل أن تتطوع » ‪ .‬وبأنّ الصل عدم‬
‫في اليوم والليلة ‪ ،‬قال ‪ :‬هل عل ّ‬
‫الوجوب حتّى يثبت صحيح صريح في المر به ول معارض له ولم يثبت ‪ ،‬وبأنه يجوز‬
‫سجود التّلة على الراحلة بالتّفاق في السّفر ولو كان واجبا لم يجز كسجود صلة الفرض ‪.‬‬
‫واختلف فقهاء المالكّية في حكم سجود التّلوة ‪ ،‬هل هو سنّة غير مؤكّدة أو فضيلة ‪ ،‬والقول‬
‫بالسّنية شهّره ابن عطاء ال وابن الفاكهاني وعليه الكثر ‪ ،‬والقول بأنّه فضيلة هو قول‬
‫الباجي وابن الكاتب وصدّر به ابن الحاجب ومن قاعدته تشهير ما صدّر به ‪ ،‬وهذا الخلف‬
‫في حق المكلّف ‪ .‬أما الصّبي فيندب له فقط ‪ ،‬وفائدة الخلف كثرة الثّواب وقلّته ‪ ،‬وأما‬
‫السّجود في الصّلة ولو فرضا فمطلوب على القولين ‪ ،‬وقال ابن العربي ‪ :‬وسجود التّلوة‬
‫واجب وجوب سنّة ل يأثم من تركه عامدا ‪.‬‬
‫ن سجود التّلوة أو بدله كاليماء واجب لحديث ‪ « :‬السّجدة على من‬
‫وذهب الحنفيّة إلى أ ّ‬
‫سمعها ‪ »...‬وعلى للوجوب ‪ ،‬ولحديث أبي هريرة رضي ال تعالى عنه ‪ « :‬إذا قرأ ابن آدم‬
‫السّجدة فسجد اعتزل الشّيطان يبكي ‪ ،‬يقول ياويله أمر ابن آدم بالسّجود فسجد فله الجنّة ‪،‬‬
‫وأمرت بالسّجود فأبيت فلي النّار » ‪.‬‬
‫شروط سجود التّلوة ‪:‬‬
‫الطّهارة من الحدث والخبث ‪:‬‬
‫‪ -‬ذهب الفقهاء إلى أنّه يشترط لصحّة سجود التّلوة الطّهارة من الحدث والخبث في البدن‬ ‫‪3‬‬

‫والثّوب والمكان ‪ ،‬لكون سجود التّلوة صل ًة أو جزءا من الصّلة أو في معنى الصّلة ‪،‬‬
‫فيشترط لصحّته الطّهارة الّتي شرطت لصحّة الصّلة ‪ ،‬والّتي ل تقبل الصّلة إلّ بها ‪ ،‬لما‬
‫ي صلى ال عليه وسلم قال ‪ :‬ل تقبل‬
‫ن النّب ّ‬
‫روى عبد اللّه بن عمر رضي ال تعالى عنهما « أ ّ‬
‫صلة بغير طهور » فيدخل في عمومه سجود التّلوة ‪.‬‬
‫وقال ابن قدامة ‪ :‬يشترط لسجود التّلوة ما يشترط لصلة النّافلة من الطّهارتين من الحدث‬
‫والنّجس ‪ ...‬ول نعلم فيه خلفا إلّ ما روي عن عثمان بن عفّان رضي ال تعالى عنه في‬
‫الحائض تسمع السّجدة ‪ :‬تومئ برأسها ‪ ،‬وبه قال سعيد بن المسيّب قال ‪ :‬ويقول ‪ :‬اللّه ّم لك‬
‫سجدت ‪ ،‬وعن الشّعبيّ فيمن سمع السّجدة على غير وضوء ‪ :‬يسجد حيث كان وجهه ‪.‬‬
‫ن سجود القرآن يحتاج إلى ما تحتاج إليه الصّلة من طهارة‬
‫وقال القرطبيّ ‪ :‬ل خلف في أ ّ‬
‫حدث ونجس ‪ ..‬إلّ ما ذكر البخاريّ عن عبد اللّه بن عمر رضي ال تعالى عنهما أنّه كان‬
‫يسجد على غير طهارة ‪ .‬وذكره ابن المنذر عن الشّعبيّ ‪.‬‬
‫وعند المالكيّة في اشتراط الطّهارة لسجود التّلوة خلفه للنّاصر اللّقانيّ ‪.‬‬
‫ن سجود التّلوة واجب مطلقا في الصّلة وغيرها ‪.‬‬
‫قال أبو العبّاس ‪ :‬والّذي تبيّن لي أ ّ‬
‫وهو رواية عن أحمد ‪ ،‬ومذهب طائفة من العلماء ‪ ،‬ول يشرع فيه تحريم ول تحليل ‪.‬‬
‫سنّة المعروفة عن النّبيّ صلى ال عليه وسلم وعليها عامّة السّلف ‪.‬‬
‫هذا هو ال ّ‬
‫وعلى هذا فليس هو صل ًة ‪ .‬فل يشترط له شروط الصّلة ‪ .‬بل يجوز على غير طهارة ‪.‬‬
‫كان ابن عمر يسجد على غير طهارة ‪ .‬واختارها البخاريّ ‪ .‬لكنّ السّجود بشروط الصّلة‬
‫ل لعذر ‪.‬‬
‫أفضل ‪ ،‬ول ينبغي أن يخلّ بذلك إ ّ‬
‫فالسّجود بل طهارة خير من الخلل به ‪ ،‬لكن قد يقال ‪ :‬إنّه ل يجب في هذه الحال كما ل‬
‫يجب على السّامع إذا لم يسجد قارئ السّجود ‪ .‬وإن كان ذلك السّجود جائزا عند جمهور‬
‫العلماء ‪.‬‬
‫وأمّا ستر العورة واستقبال القبلة وال ّنيّة فهي شروط لصحّة سجود التّلوة على التّفصيل المبيّن‬
‫ن الشّافعيّة اعتبروا ال ّنيّة ركنا ‪.‬‬
‫في مصطلح ‪ ( :‬صلة ‪ ،‬و عورة ) على أ ّ‬
‫دخول الوقت ‪:‬‬
‫‪ -‬يشترط لصحّة سجود التّلوة دخول وقت السّجود ‪ ،‬ويحصل ذلك عند جمهور الفقهاء‬ ‫‪4‬‬

‫بقراءة جميع آية السّجدة أو سماعها ‪ ،‬فلو سجد قبل النتهاء إلى آخر الية ولو بحرف واحد‬
‫لم يصحّ السّجود ‪ ،‬لنّه يكون قد سجد قبل دخول وقت السّجود فل يصحّ ‪ ،‬كما ل تصحّ‬
‫الصّلة قبل دخول وقتها ‪.‬‬
‫واختلف الحنفيّة فيما يجب به سجود التّلوة ‪ ،‬فقال الحصكفيّ ‪ :‬يجب سجود التّلوة بسبب‬
‫تلوة آية ‪ ،‬أي أكثرها مع حرف السّجدة ‪.‬‬
‫وعقّب ابن عابدين على ذلك بقوله ‪ :‬هذا خلف الصّحيح الّذي جزم به في نور اليضاح ‪.‬‬
‫الكفّ عن مفسدات الصّلة ‪:‬‬
‫ن سجود‬
‫‪ -‬يشترط لصحّة سجود التّلوة الكفّ عن كلّ ما يفسد الصّلة من قول أو فعل ‪ ،‬ل ّ‬ ‫‪5‬‬

‫التّلوة صلة أو في معنى الصّلة ‪.‬‬


‫واشترط بعض الفقهاء شروطا أخرى لصحّة سجود التّلوة ‪ ،‬منها ‪ :‬ما اشترطه الشّافعيّة من‬
‫كون القراءة مقصودةً ومشروع ًة ‪ ،‬وعدم الفصل الطّويل بين قراءة آخر آية السّجدة والسّجود‬
‫‪.‬‬
‫ومن ذلك ما ذهب إليه الحنابلة من أنّه يشترط لسجود المستمع أن يكون التّالي ممّن يصلح أن‬
‫يكون إماما له ‪ ،‬وأن يسجد التّالي ‪.‬‬
‫مواضع سجود التّلوة ‪:‬‬
‫‪ -‬مواضع سجود التّلوة في القرآن الكريم خمسة عشر ‪ ،‬بعضها متّفق عليه ‪ ،‬وبعضها‬ ‫‪6‬‬

‫حمْ ِد رَ ّبكَ َوكُن مّنَ‬


‫ح ِب َ‬
‫سبّ ْ‬
‫مختلف فيه ‪ ،‬وقيل ستّ عشرة بزيادة سجدة عند آية الحجر ‪ { :‬فَ َ‬
‫السّاجِدِينَ } ‪ .‬خلفا لجماهير العلماء ‪.‬‬
‫مواضع السّجود المتّفق عليها ‪:‬‬
‫‪ -‬اتّفق الفقهاء على سجود التّلوة في عشرة مواضع من القرآن الكريم ‪.‬‬ ‫‪7‬‬

‫جدُونَ } ‪.‬‬
‫سُ‬‫س ّبحُونَهُ وََلهُ َي ْ‬
‫‪ -‬سورة العراف ‪ :‬وهي آخر آية فيها { ‪َ ...‬و ُي َ‬ ‫‪1‬‬

‫‪ -‬سورة الرّعد ‪ :‬عند قول اللّه تعالى ‪َ ... { :‬وظِلُلهُم بِا ْل ُغدُوّ وَالصَالِ } من الية الخامسة‬ ‫‪2‬‬

‫عشر ‪.‬‬
‫‪ -‬سورة النّحل عند قول اللّه تعالى ‪َ ... { :‬ويَ ْفعَلُونَ مَا ُي ْؤ َمرُونَ } من الية الخمسين ‪.‬‬ ‫‪3‬‬

‫خشُوعا } من الية التّاسعة بعد‬


‫‪ -‬سورة السراء ‪ :‬عند قول اللّه تعالى ‪َ ... { :‬و َيزِيدُهُ ْم ُ‬ ‫‪4‬‬

‫المائة ‪.‬‬
‫سجّدا َو ُب ِكيّا } من الية الثّامنة والخمسين‬
‫خرّوا ُ‬
‫‪ -5‬سورة مريم ‪ :‬عند قول اللّه تعالى ‪َ ... { :‬‬
‫‪.‬‬
‫ن اللّ َه يَ ْفعَلُ مَا َيشَاء } من الية الثّامنة عشر‪.‬‬
‫‪ -6‬سورة الحجّ ‪ :‬عند قول اللّه تعالى ‪ ... {:‬إِ ّ‬
‫‪ -7‬سورة النّمل ‪ :‬عند قول اللّه تعالى ‪ ... { :‬رَبّ ا ْل َعرْشِ ا ْل َعظِيمِ } من الية السّابعة‬
‫والعشرين ‪.‬‬
‫س َتكْ ِبرُونَ } من الية‬
‫‪ -8‬سورة السّجدة { الم َت ْنزِيلُ ‪ } ...‬عند قول اللّه تعالى ‪ { :‬وَ ُهمْ لَا َي ْ‬
‫الخامسة عشر ‪.‬‬
‫ستّين ‪.‬‬
‫‪ -9‬سورة الفرقان ‪ :‬عند قول اللّه تعالى ‪َ ... { :‬وزَادَ ُهمْ نُفُورا } من الية ال ّ‬
‫سَأمُونَ } من الية‬
‫‪ -‬سورة حم ال سّجدة " ف صّلت " ‪ .‬عند قول اللّه تعالى ‪ ... { :‬وَهُ مْ لَا يَ ْ‬ ‫‪10‬‬

‫الثّامنة والثّلثين ‪.‬‬


‫ن ال سّجود يكون‬
‫هذا على ما ذهب إليه الجمهور لفعل ابن عبّاس رضي ال عنهما ‪ ،‬وقيل ‪ :‬إ ّ‬
‫ع ند قوله تعالى ‪ { :‬إِن كُنتُ مْ ِإيّا هُ َت ْع ُبدُو نَ } ع ند تمّام ال ية ال سّابعة والثّلث ين ‪ ،‬و هو المشهور‬
‫عند المالكيّة ‪.‬‬
‫مواضع السّجود المختلف فيها ‪:‬‬
‫اختلف الفقهاء في سجود التّلوة عند خمسة مواضع من القرآن الكريم هي ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬السّجدة الثّانية في سورة الحجّ ‪:‬‬
‫جدُوا ‪} ...‬‬
‫سُ‬‫‪ -‬اختلف الفقهاء في السّجود عند قوله تعالى ‪ {:‬يَا َأ ّيهَا اّلذِينَ آ َمنُوا ا ْر َكعُوا وَا ْ‬ ‫‪8‬‬

‫إلخ ‪.‬‬
‫ج سجدتين ‪ ،‬إحداهما الّتي تقدّمت في المتّفق‬
‫ن في سورة الح ّ‬
‫فذهب الشّافعيّة والحنابلة إلى أ ّ‬
‫جدُوا } وهي الية السّابعة والسّبعون‪.‬‬
‫سُ‬‫ن آ َمنُوا ارْ َكعُوا وَا ْ‬
‫عليه ‪ ،‬والخرى عند ‪ { :‬يَا َأ ّيهَا اّلذِي َ‬
‫لما روي عن « عقبة بن عامر رضي ال تعالى عنه قال ‪ :‬قلت يا رسول اللّه ‪ :‬فضّلت سورة‬
‫ج بأنّ فيها سجدتين ؟ قال ‪ :‬نعم ‪ ،‬من لم يسجدهما فل يقرأهما » ولنّه قول عمر وعليّ‬
‫الح ّ‬
‫وعبد اللّه بن عمر وأبي الدّرداء وأبي موسى رضي ال عنهم ‪ ،‬وأبي عبد الرّحمن السّلميّ ‪،‬‬
‫وأبي العالية وزرّ بن حبيش ‪ ،‬قال ابن قدامة ‪ :‬لم نعرف لهم مخالفا في عصرهم ‪ ،‬وقد قال‬
‫ج سجدتين‬
‫ي التّابعيّ الكبير ‪ :‬أدركت النّاس منذ سبعين سن ًة يسجدون في الح ّ‬
‫أبو إسحاق السّبيع ّ‬
‫‪ ،‬وقال ابن عمر رضي ال تعالى عنهما ‪ :‬لو كنت تاركا إحداهما لتركت الولى ‪ ،‬وذلك لنّها‬
‫إخبار ‪ ،‬والثّانية أمر ‪.‬‬
‫وذهب الحنفيّة والمالكيّة إلى أنّه ل سجود في هذا الموطن ‪ ،‬واستدلّوا بما روي عن أبيّ بن‬
‫كعب رضي ال تعالى عنه « أنّه عدّ السّجدات الّتي سمعها من رسول اللّه صلى ال عليه‬
‫ج سجدةً واحدةً » ‪ .‬وعن عبد اللّه بن عبّاس وعبد اللّه بن عمر رضي ال‬
‫وسلم وعدّ في الح ّ‬
‫ج هي الولى ‪ ،‬والثّانية سجدة الصّلة ‪ ،‬ولنّ السّجدة‬
‫تعالى عنهم قال ‪ :‬سجدة التّلوة في الح ّ‬
‫متى قرنت الرّكوع كانت عبارةً عن سجدة الصّلة كما في قول اللّه تعالى ‪ { :‬يَا َم ْريَمُ ا ْق ُنتِي‬
‫جدِي وَا ْر َكعِي مَعَ الرّا ِكعِينَ } ولعدم سجود فقهاء المدينة وقرّائهم فيها ‪.‬‬
‫سُ‬‫ِل َربّكِ وَا ْ‬
‫ب ‪ -‬سجدة سورة ( ص ) ‪:‬‬
‫‪ -‬ذهب الحنفيّة والمالكيّة إلى مشروعيّة السّجود للتّلوة في سورة ( ص ) ‪ ،‬لكنّ الحنفيّة‬ ‫‪9‬‬

‫قالوا في الصّحيح عندهم ‪ :‬إنّ السّجود عند قول اللّه تعالى ‪َ { :‬فغَ َف ْرنَا لَ ُه ذَِلكَ وَِإنّ َلهُ عِن َدنَا‬
‫ن مَآبٍ } ‪.‬‬
‫حسْ َ‬
‫َلزُلْفَى َو ُ‬
‫ن دَاوُودُ َأ ّنمَا َف َتنّا ُه فَاسْ َتغْ َفرَ َربّهُ‬
‫وقال المالكيّة ‪ :‬السّجود عند قول اللّه عزّ وجلّ ‪َ { ... :‬وظَ ّ‬
‫خرّ رَا ِكعًا وََأنَابَ } وهو المعتمد في المذهب خلفا لمن قال السّجود عند قول اللّه تعالى ‪{ :‬‬
‫َو َ‬
‫ل موضع مختلف فيه ليخرج‬
‫ن مَآبٍ } ‪ ،‬ومن المالكيّة من اختار السّجود في الخير في ك ّ‬
‫حسْ َ‬
‫َو ُ‬
‫من الخلف ‪.‬‬
‫واستدلّ الحنفيّة لمذهبهم ‪ ،‬بما روى ابن عبّاس رضي ال تعالى عنهما « أ نّ النّبيّ صلى ال‬
‫عليه وسلم سجد في ص » ‪ .‬وبما أخرجه أحمد عن أبي سعيد رضي ال عنه قال ‪ « :‬رأيت‬
‫ل شيء بحضرتي انقلب‬
‫رؤيا وأنا أكتب سورة ص فلمّا بلغت ال سّجدة رأيت الدّواة والقلم وك ّ‬
‫ساجدا ‪ ،‬فقصصتها على رسول اللّه صلى ال عليه وسلم فلم يزل يسجد بها » ‪.‬‬
‫أنـ المـر صـار إلى المواظبـة عليهـا‬
‫قال الكمال بـن الهمام فـي السـتدلل بالحديـث ‪ :‬فأفاد ّ‬
‫كغيرها من غير ترك ‪.‬‬
‫واستدلّوا كذلك بما روي عن عثمان رضي ال تعالى عنه أنّه قرأ في ال صّلة سورة ( ص )‬
‫وسجد وسجد النّاس معه ‪ ،‬وكان ذلك بمحضر من الصّحابة رضي ال تعالى عنهم ‪ ،‬ولم ينكر‬
‫عليها أحد ‪ ،‬ولو لم تكن السّجدة واجبةً لما جاز إدخالها في الصّلة ‪.‬‬
‫وقالوا ‪ :‬كون سبب ال سّجود في حقّنا الشّكر ل ينافي الوجوب ‪ ،‬فكلّ الفرائض والواجبات إنّما‬
‫وجبت شكرا لتوالي النّعم ‪ ،‬ونحن نسجد شكرا ‪.‬‬
‫وذهـب الشّافعيّة فـي المنصـوص الّذي قطـع بـه جمهورهـم ‪ -‬والحنابلة ‪ -‬فـي المشهور فـي‬
‫المذهب ‪ -‬إلى أ نّ سجدة ( ص ) ليست من عزائم ال سّجود ‪ ،‬أي ليست من متأكّداته ‪ -‬فليست‬
‫سجدة تلوة ولكنّها سجدة شكر ‪ ،‬لما روى أبو داود عن أبي سعيد رضي ال تعالى عنه قال‪:‬‬
‫« قرأ رسول اللّه صلى ال عليه وسلم وهو على المنبر ص ‪ ،‬فلمّا بلغ ال سّجدة نزل فسجد ‪،‬‬
‫وسـجد النّاس معـه ‪ ،‬فلمّا كان يوم آخـر قرأهـا فلمّا بلغ السـّجدة تشزّن النّاس للسـّجود ‪ -‬أي‬
‫ي صلى ال عل يه و سلم ‪ :‬إنّ ما هي تو بة نبيّ ‪ ،‬ولكنّي رأيت كم تشزّن تم‬
‫تأهّبوا له ‪ -‬فقال النّب ّ‬
‫للسّجود فنزل فسجد وسجدوا » ‪ ،‬وروى النّسائيّ عن ابن عبّاس رضي ال تعالى عنهما « أنّ‬
‫النّبيّ صـلى ال عليـه وسـلم سـجد فـي ص وقال ‪ :‬سـجدها داود توب ًة ‪ ،‬ونسـجدها شكرا » ‪.‬‬
‫البخاريـ عـن ابـن عبّاس رضـي ال تعالى عنهمـا قال ‪ ( :‬ص ) ليسـت مـن عزائم‬
‫ّ‬ ‫وروى‬
‫السّجود ‪.‬‬
‫وقالوا ‪ :‬إذا قرأ ( ص ) من غ ير ال صّلة ا ستحبّ أن ي سجد لحد يث أ بي سعيد وا بن عبّاس‬
‫ل يسجد ‪ ،‬فإن خالف وسجد ناسيا أو‬
‫رضي ال تعالى عنهم ‪ ،‬وإن قرأها في ال صّلة ينبغي أ ّ‬
‫جاهلً لم تب طل صلته و سجد لل سّهو ‪ ،‬وإن سجدها عامدا عالما بتحريم ها في ال صّلة بطلت‬
‫صلته على ال صحّ من الوجه ين ‪ ،‬لنّ ها سجدة ش كر ‪ ،‬فبطلت ب ها ال صّلة كال سّجود في‬
‫ح ‪ :‬ل تبطل لنّها تتعلّق بالتّلوة فهي كسائر سجدات‬
‫ال صّلة عند تجدّد نعمة ‪ ،‬ومقابل الص ّ‬
‫التّلوة ‪ ،‬ولو سجد إما مه في ( ص ) لكو نه يعتقد ها فثل ثة أو جه أ صحّها ‪ :‬ل يتاب عه بل إن‬
‫شاء نوى مفارقته لنّه معذور ‪ ،‬وإن شاء ينتظره قائما كما لو قام إلى خامسة ‪ ،‬فإن انتظره لم‬
‫ن المأموم ل سهو عليه ‪ ،‬والثّاني ‪ :‬ل يتابعه أيضا ‪ ،‬وهو مخيّر في المفارقة‬
‫يسجد لل سّهو ل ّ‬
‫والنتظار ‪ ،‬فإن انتظره سجد لل سّهو ب عد سلم المام ‪ ،‬لنّه يعت قد أ نّ إما مه زاد في صلته‬
‫ن لسجود ال سّهو توجّها عليهما فإذا أخلّ به المام سجد المأموم ‪ ،‬والثّالث ‪ :‬يتابعه‬
‫جاهلً ‪ ،‬وإ ّ‬
‫في سجوده في ( ص ) لتأكّد متابعة المام ‪.‬‬
‫ومقابل المنصوص الّذي قطع به جمهور الشّافعيّة ومقابل المشهور في المذهب عند الحنابلة‬
‫أ نّ سجدة ( ص ) سجدة تلوة من عزائم ال سّجود ‪ ،‬و هو قول أ بي العبّاس بن سريج وأ بي‬
‫إسحاق المروز يّ من الشّافعيّة ‪ ،‬والرّواية الثّانية عن أحمد ‪ ،‬يسجد من تلها أو سمعها وذلك‬
‫ي صلى‬
‫ن النّب ّ‬
‫لما رواه أبو موسى وأبو سعيد وعبد اللّه بن عبّاس رضي ال تعالى عنهم ‪ « :‬أ ّ‬
‫ال عليه وسلم سجد فيها » ‪.‬‬
‫وينظـر حكـم السـّجود فـي الصـّلة مـن آيـة السـّجدة فـي سـورة( ص ) فـي بحـث ‪ ( :‬سـجود‬
‫الشّكر)‪.‬‬
‫ج ‪ -‬سجدات المفصّل ‪:‬‬
‫‪ -‬ذهب جمهور الفقهاء إلى أنّ في المفصّل ثلث سجدات ‪ -‬المفصّل من أوّل سورة ( ق)‬ ‫‪10‬‬

‫إلى آخر المصحف ‪ -‬أحدها في آخر النّجم ‪ ،‬والثّانية في الية الحادية والعشرين من سورة‬
‫النشقاق ‪ ،‬والثّالثة في آخر سورة العلق ‪ ،‬لما روي عن عمرو بن العاص رضي ال تعالى‬
‫ن رسول اللّه صلى ال عليه وسلم أقرأه خمس عشرة سجدةً منها ثلث في المفصّل‬
‫عنه ‪ « :‬أ ّ‬
‫سمَا ُء ا ْنشَقّتْ }‬
‫» ‪ .‬ولما روى أبو رافع قال ‪ « :‬صلّيت خلف أبي هريرة العتمة فقرأ { إذا ال ّ‬
‫فسجد ‪ ،‬فقلت ‪ :‬ما هذه السّجدة ؟ فقال ‪ :‬سجدت بها خلف أبي القاسم صلى ال عليه وسلم فل‬
‫أزال أسجد فيها حتّى ألقاه » ‪ .‬وروى مسلم عن أبي هريرة رضي ال تعالى عنه قال ‪« :‬‬
‫سمَا ُء ا ْنشَقّتْ } و { ا ْقرَأْ بِاسْمِ َر ّبكَ }‬
‫سجد نافع مع رسول اللّه صلى ال عليه وسلم في { إذا ال ّ‬
‫» وعن عبد اللّه بن مسعود رضي ال تعالى عنه « أنّ النّبيّ صلى ال عليه وسلم قرأ سورة‬
‫النّجم فسجد بها ‪ ،‬وما بقي أحد من القوم إلّ سجد » ‪.‬‬
‫طعْهُ‬
‫ع ُبدُوا } وآية آخر سورة العلق ‪ { :‬كَلّا لَا ُت ِ‬
‫سجُدُوا لِلّهِ وَا ْ‬
‫ن آية سورة النّجم ‪ { :‬فَا ْ‬
‫ول ّ‬
‫جدْ وَاقْ َترِبْ } وكلتا اليتين أمر بالسّجود ‪.‬‬
‫سُ‬‫وَا ْ‬
‫ومشهور مذهب مالك أنّه ل سجود في شيء من المفصّل ‪ ،‬واستدلّوا بما روى زيد بن ثابت‬
‫ي صلى ال عليه وسلم النّجم فلم يسجد » وبما‬
‫رضي ال تعالى عنه قال ‪ « :‬قرأت على النّب ّ‬
‫روي عن ابن عبّاس وابن عمر رضي ال تعالى عنهم قال ‪ :‬ليس في المفصّل سجدة ‪ ،‬وبما‬
‫أخرج ابن ماجه عن أبي الدّرداء رضي ال تعالى عنه قال ‪ « :‬سجدت مع النّبيّ صلى ال‬
‫عليه وسلم إحدى عشرة سجدةً ليس فيها من المفصّل شيء ‪ :‬العراف ‪ ،‬والرّعد ‪ ،‬والنّحل ‪،‬‬
‫وبني إسرائيل ‪ ،‬ومريم ‪ ،‬والحجّ ‪ ،‬وسجدة الفرقان ‪ ،‬وسورة النّمل ‪ ،‬والسّجدة ‪ ،‬وفي ص‬
‫وسجدة الحواميم » ‪ ،‬ولعمل أهل المدينة لعدم سجود فقهائها وقرّائها في النّجم والنشقاق ‪.‬‬
‫ج أو في سجدات المفصّل لم‬
‫ن المصلّي إذا سجد للتّلوة في ثانية الح ّ‬
‫والمعتمد عند المالكيّة أ ّ‬
‫تبطل صلته للخلف فيها ‪ ،‬وقيل ‪ :‬تبطل صلته إلّ أن يكون مقتديا بمن يسجدها فيسجد‬
‫معه‪ ،‬فإن ترك اتّباعه أساء وصحّت صلته ‪ ،‬ولو سجد دون إمامه بطلت صلته ‪.‬‬
‫ي اتّجاهات المالكيّة في اعتبار الخلف في مشروعيّة السّجود في ثانية الحجّ‬
‫ونقل الزّرقان ّ‬
‫ن هذا‬
‫وسجدات المفصّل الثّلث حقيقيّا أو غير حقيقيّ ‪ ،‬فقال ‪ :‬جمهور المتأخّرين على أ ّ‬
‫الخلف حقيقيّ وهو ظاهر المصنّف خليل ‪ -‬وعليه فيمنع أن يسجدها في الصّلة ‪ ،‬قال سند ‪:‬‬
‫لنّه يزيد فيها فعلً تبطل بمثله ‪ ،‬وسمّيت الحدى عشرة عزائم مبالغةً في فعل السّجود مخافة‬
‫ن الخلف غير حقيقيّ والسّجود في جميعها ‪ ،‬إلّ أنّه في الحدى عشرة‬
‫أن تترك ‪ .‬وقيل ‪ :‬إ ّ‬
‫آكد ‪ ،‬ويشهد له قول الموطّأ ‪ :‬عزائم السّجود إحدى عشرة أي المتأكّد منها ‪.‬‬
‫كيفيّة سجود التّلوة ‪:‬‬
‫ن سجود التّلوة يحصل بسجدة واحدة ‪ ،‬وذهب جمهورهم إلى أنّ‬
‫‪ -‬اتّفق الفقهاء على أ ّ‬ ‫‪11‬‬

‫السّجدة للتّلوة تكون بين تكبيرتين ‪ ،‬وأنّه يشترط فيها ويستحبّ لها ما يشترط ويستحبّ لسجدة‬
‫الصّلة من كشف الجبهة والمباشرة بها باليدين والرّكبتين والقدمين والنف ‪ ،‬ومجافاة‬
‫المرفقين من الجنبين والبطن عن الفخذين ‪ ،‬ورفع السّاجد أسافله عن أعاليه وتوجيه أصابعه‬
‫إلى القبلة ‪ ،‬وغير ذلك ‪.‬‬
‫ل مذهب‬
‫لكنّهم اختلفوا في تفصيل كيفيّة أداء السّجود للتّلوة اختلفا يحسن معه إفراد أقوال ك ّ‬
‫ببيان ‪:‬‬
‫ذهب الحنفيّة إلى أنّ ركن سجدة التّلوة السّجود أو بدله ممّا يقوم مقامه كركوع مصلّ وإيماء‬
‫مريض وراكب ‪.‬‬
‫ن سجود التّلوة سجدة بين تكبيرتين مسنونتين جهرا ‪ ،‬واستحبّوا له الخرور له من‬
‫وقالوا ‪ :‬إ ّ‬
‫قيام ‪ ،‬فمن أراد السّجود كبّر ولم يرفع يديه وسجد ثمّ كبّر ورفع رأسه اعتبارا بسجدة الصّلة‪،‬‬
‫لما روي عن عبد اللّه بن مسعود رضي ال تعالى عنه أنّه قال للتّالي ‪ :‬إذا قرأت سجدةً فكبّر‬
‫ي للسّجود وعند الرّفع منه مندوبتان ل‬
‫واسجد وإذا رفعت رأسك فكبّر ‪ ،‬والتّكبيرتان عند الهو ّ‬
‫واجبتان ‪ ،‬فل يرفع السّاجد فيهما يديه ‪ ،‬لنّ الرّفع للتّحريم ‪ ،‬ول تحريم لسجود التّلوة ‪ ،‬وقد‬
‫اشترطت التّحريمة في الصّلة لتوحيد الفعال المختلفة فيها من قيام وقراءة وركوع وسجود ‪،‬‬
‫وبالتّحريمة صارت فعلً واحدا ‪ ،‬وأمّا سجدة التّلوة فماهيّتها فعل واحد فاستغنت عن‬
‫ن السّجود وجب تعظيما للّه تعالى وخضوعا له عزّ وجلّ ‪ .‬وتؤدّى سجدة‬
‫التّحريمة ‪ ،‬ول ّ‬
‫التّلوة ‪ -‬عند الحنفيّة ‪ -‬في الصّلة بسجود أو ركوع غير ركوع الصّلة وسجودها ‪ ،‬وتؤدّى‬
‫بركوع الصّلة إذا كان الرّكوع على الفور من قراءة آية أو آيتين وكذا الثّلث على الظّاهر ‪،‬‬
‫وكان المصلّي قد نوى كون الرّكوع لسجود التّلوة على الرّاجح ‪ ،‬وتؤدّى بسجود الصّلة‬
‫على الفور وإن لم ينو ‪ ،‬ولو نواها المام في ركوعه ولم ينوها المؤتمّ لم تجزه ‪ ،‬ويسجد إذا‬
‫سلّم المام ويعيد القعدة ‪ ،‬ولو تركها فسدت صلته ‪ ،‬وذلك في الجهريّة ‪ ،‬والصل في أدائها‬
‫السّجود ‪ ،‬وهو أفضل ‪ ،‬ولو ركع المصلّي لها على الفور جاز ‪ ،‬وإن فات الفور ل يصحّ أن‬
‫ص بها ما دام في حرمة الصّلة ‪،‬‬
‫يركع لها ولو في حرمة الصّلة ‪ ،‬فل بدّ لها من سجود خا ّ‬
‫ن سجدة التّلوة صارت دينًا والدّين يقضى بما له ل بما عليه ‪ ،‬والرّكوع والسّجود عليه فل‬
‫لّ‬
‫يتأدّى به الدّين ‪ ،‬وإذا سجد للتّلوة أو ركع لها على حدة فورا يعود إلى القيام ‪ ،‬ويستحبّ أن‬
‫ل يعقبه بالرّكوع بل يقرأ بعد قيامه آيتين أو ثلثا فصاعدا ثمّ يركع ‪ ،‬وإن كانت السّجدة من‬
‫آخر السّورة يقرأ من سورة أخرى ثمّ يركع ‪.‬‬
‫أمّا في خارج الصّلة فل يجزئ الرّكوع عن سجود التّلوة ل قياسا ول استحسانا كما في‬
‫البدائع ‪ ،‬وهو المرويّ في الظّاهر ‪.‬‬
‫وذهب المالكيّة إلى أنّ سجدة التّلوة شابهت الصّلة ‪ ،‬ولذا شرط لها ما شرط للصّلة من‬
‫الطّهارة وغيرها ‪ ،‬وشابهت القراءة لنّها من توابعها ‪ ،‬ولذا تؤدّى ‪ -‬كالقراءة ‪ -‬بل إحرام ‪،‬‬
‫أي بغير تكبير للحرام مع رفع اليدين عنده زيادةً على التّكبير للهويّ والرّفع ‪ ،‬وبل سلم‬
‫على المشهور ‪.‬‬
‫ن سجدة التّلوة صلة‬
‫وعدم مشروعيّة التّسليم في سجدة التّلوة ل يعني عدم ال ّنيّة لها ‪ ،‬ل ّ‬
‫سنّة‬
‫وال ّنيّة ل ب ّد منها في الصّلة بل نزاع ‪ ،‬وال ّنيّة لسجدة التّلوة هي أن ينوي أداء هذه ال ّ‬
‫الّتي هي السّجدة ‪ ،‬قال الزّرقانيّ ‪ :‬ويكره الحرام والسّلم ‪ ،‬لكن يبعد أو يمنع أن يتصوّر‬
‫هويّه لسجدة التّلوة من غير استحضار نيّة لتلك السّجدة ‪.‬‬
‫وقالوا ‪ :‬وينحطّ السّاجد لسجدة التّلوة من قيام ‪ ،‬ول يجلس ليأتي بها منه ‪ ،‬وينزل الرّاكب ‪،‬‬
‫ويكبّر لخفضه في سجوده والرّفع منه إذا كان بصلة ‪ ،‬بل لو بغير صلة ‪ ،‬خلفا لمن قال ‪:‬‬
‫شرّاح ‪ :‬الظّاهر أنّ‬
‫ن من سجد للتّلوة بغير صلة ل يكبّر لخفض ول لرفع ‪ ،‬وقال بعض ال ّ‬
‫إّ‬
‫س ّنيّة ‪ ،‬ويؤيّده أنّ سجدة التّلوة في الصّلة من جملة الصّلة والتّكبير فيها‬
‫حكم هذا التّكبير ال ّ‬
‫سنّة ‪ ،‬وقال غيرهم ‪ :‬إنّه مستحبّ ‪ ،‬ول يكفي عن سجدة التّلوة ‪ -‬عندهم ‪ -‬ركوع ‪ ،‬أي ل‬
‫يجعل الرّكوع بدلها أو عوضا عنها ‪ ،‬سواء أكان في صلة أم ل ‪.‬‬
‫وإن ترك سجدة التّلوة عمدا وقصد الرّكوع الرّكنيّ صحّ ركوعه وكره له ذلك ‪ ،‬وإن تركها‬
‫سهوا عنها وركع قاصدا الرّكوع من أوّل المر فذكرها وهو راكع اعتدّ بركوعه فيمضي‬
‫عليه ويرفع لركعته عند مالك من رواية أشهب ‪ ،‬ل عند ابن القاسم فيخرّ ساجدا ‪ ،‬ثمّ يقوم‬
‫فيقرأ شيئا ويركع ‪ ،‬ويسجد بعد السّلم إن كان قد اطمأنّ بركوعه الّذي تذكّر فيه تركها لزيادة‬
‫الرّكوع ‪.‬‬
‫وقال الشّافعيّة ‪ :‬السّاجد للتّلوة إمّا أن يكون في الصّلة أو في غير الصّلة ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬في الصّلة ‪:‬‬
‫من أراد السّجود للتّلوة وهو في الصّلة ‪ ،‬إماما كان أو منفردا أو مأموما ‪ ،‬نوى السّجود‬
‫بالقلب من غير تلفّظ ول تكبير للفتتاح لنّه متحرّم بالصّلة ‪ ،‬فإن تلفّظ بال ّنيّة بطلت صلته‬
‫كما لو كبّر بقصد الحرام ‪ ،‬وال ّنيّة واجبة في حقّ المام والمنفرد ومندوبة في حقّ المأموم‬
‫لحديث ‪ « :‬إنّما العمال بال ّنيّات » ‪.‬‬
‫ن نيّة‬
‫وقال ابن الرّفعة والخطيب " لعلّه الشّربينيّ " ‪ :‬ل يحتاج في هذا السّجود إلى نيّة ‪ ،‬ل ّ‬
‫الصّلة تنسحب عليه وتشمله بواسطة شمولها للقراءة ‪.‬‬
‫ي إلى‬
‫ويستحبّ له أن يكبّر في الهويّ إلى السّجود ول يرفع اليد ‪ ،‬لنّ اليد ل ترفع في الهو ّ‬
‫السّجود في الصّلة ‪ ،‬ويكبّر عند رفعه رأسه من السّجود كما يفعل في سجدات الصّلة ‪.‬‬
‫ب أن يقرأ شيئا ثمّ يركع‬
‫وإذا رفع رأسه من السّجود قام ول يجلس للستراحة ‪ ،‬فإذا قام استح ّ‬
‫‪ ،‬فإن انتصب قائما ثمّ ركع بل قراءة جاز إذا كان قد قرأ الفاتحة قبل سجوده ‪ ،‬ول خلف‬
‫ن الهويّ إلى الرّكوع من القيام واجب ‪.‬‬
‫في وجوب النتصاب قائما ‪ ،‬ل ّ‬
‫قال النّوويّ ‪ :‬وفي البانة والبيان وجه أنّه لو رفع من سجود التّلوة إلى الرّكوع ولم ينتصب‬
‫ل يغترّ به ‪.‬‬
‫أجزأه الرّكوع ‪ ،‬وهو غلط نبّهت عليه لئ ّ‬
‫ب ‪ -‬في غير الصّلة ‪:‬‬
‫من أراد السّجود للتّلوة وهو في غير الصّلة نوى السّجود ‪ ،‬لحديث ‪ « :‬إنّما العمال‬
‫بال ّنيّات» واستحبّ له التّلفّظ بال ّنيّة ‪ ،‬ثمّ كبّر للحرام رافعا يديه حذو منكبيه كما يفعل في‬
‫تكبيرة الحرام في الصّلة ‪ ،‬ثمّ كبّر للهويّ للسّجود بل رفع ليديه ‪ ،‬وسجد سجدةً واحدةً‬
‫كسجدة الصّلة ‪ ،‬ورفع رأسه مكبّرا ‪ ،‬وجلس وسلّم من غير تشهّد كتسليم الصّلة ‪.‬‬
‫وقالوا ‪ :‬أركان السّجود للتّلوة في غير الصّلة أربعة ‪ :‬ال ّنيّة ‪ ،‬وتكبيرة الحرام ‪ ،‬والسّجدة ‪،‬‬
‫والسّلم ‪.‬‬
‫وقال الحنابلة ‪ :‬من أراد السّجود للتّلوة يكبّر للهويّ ل للحرام ولو خارج الصّلة ‪ ،‬خلفا‬
‫لبي الخطّاب ‪ ،‬لحديث ابن عمر رضي ال تعالى عنهما ‪ « :‬كان صلى ال عليه وسلم يقرأ‬
‫علينا القرآن فإذا مرّ بالسّجدة كبّر وسجد وسجدنا معه » ‪.‬‬
‫وظاهره أنّه كبّر مرّةً واحد ًة ‪ ،‬ويكبّر السّاجد للتّلوة إذا رفع من السّجود لنّه سجود مفرد‬
‫فشرع التّكبير في ابتدائه وفي الرّفع منه كسجود السّهو وصلب الصّلة ‪ ،‬ويجلس في غير‬
‫الصّلة إذا رفع رأسه من السّجود ‪ ،‬لنّ السّلم يعقبه فشرع ليكون سلمه في حال جلوسه ‪،‬‬
‫بخلف ما إذا كان في الصّلة ‪ ،‬ثمّ يسلّم تسليمةً واحدةً عن يمينه على الصّحيح من المذهب ‪،‬‬
‫ن التّسليم ركن ‪.‬‬
‫وعن أحمد أ ّ‬
‫القيام لسجود التّلوة ‪:‬‬
‫ب لمن أراد السّجود للتّلوة في غير الصّلة ‪ ،‬هل يقوم‬
‫‪ -‬اختلف الفقهاء فيما يستح ّ‬ ‫‪12‬‬

‫فيستوي قائمًا ثمّ يكبّر ويهوي للسّجود ‪ ،‬أم ل ‪:‬‬


‫ذهب الحنابلة وبعض متأخّري الحنفيّة وهو وجه عند الشّافعيّة إلى أنّه يستحبّ لمن أراد‬
‫ن الخرور سقوط من قيام ‪ ،‬والقرآن الكريم‬
‫السّجود أن يقوم فيستوي ث ّم يكبّر ويخ ّر ساجدا ‪ ،‬ل ّ‬
‫سجّدا } ‪.‬‬
‫ن ُ‬
‫لذْقَا ِ‬
‫ن لِ َ‬
‫خرّو َ‬
‫ورد به في قول اللّه تعالى ‪ِ ... { :‬إذَا ُيتْلَى عََل ْي ِهمْ َي ِ‬
‫ولما ورد عن عائشة رضي ال تعالى عنها " أنّها كانت تقرأ في المصحف ‪ ،‬فإذا مرّت‬
‫بالسّجدة قامت فسجدت وتشبيهًا لسجدة التّلوة بصلة النّفل ‪.‬‬
‫ح من الوجهين عند الشّافعيّة أنّه ل يستحبّ لمن يريد السّجود للتّلوة أن يقوم فيستوي‬
‫والص ّ‬
‫ثمّ يكبّر ث ّم يهوي للسّجود ‪ ،‬وهو اختيار إمام الحرمين والمحقّقين ‪ ،‬قال المام ‪ :‬ولم أر لهذا‬
‫القيام ذكرا ول أصلً ‪ ،‬وقال النّوويّ ‪ :‬لم يذكر الشّافعيّ وجمهور الصحاب هذا القيام ول‬
‫ج به ‪ ،‬فالختيار تركه ‪ ،‬لنّه من جملة المحدثات ‪ ،‬وقد تظاهرت‬
‫ثبت فيه شيء يعتمد ممّا يحت ّ‬
‫الحاديث الصّحيحة على النّهي عن المحدثات ‪.‬‬
‫التّسبيح والدّعاء في سجود التّلوة ‪:‬‬
‫‪ -‬من يسجد للتّلوة إن قال في سجوده للتّلوة ما يقوله في سجود الصّلة جاز وكان حسنا‬ ‫‪13‬‬

‫‪ ،‬وسواء فيه التّسبيح والدّعاء ‪ ،‬ويستحبّ أن يقول في سجوده ما روت عائشة رضي ال‬
‫تعالى عنها قالت ‪ « :‬كان رسول اللّه صلى ال عليه وسلم يقول في سجود القرآن ‪ :‬سجد‬
‫ق سمعه وبصره بحوله وقوّته » وإن قال ‪ :‬اللّهمّ اكتب لي بها عندك‬
‫وجهي للّذي خلقه وش ّ‬
‫أجرا واجعلها لي عندك ذخرا ‪ ،‬وضع عنّي بها وزرا ‪ ،‬واقبلها منّي كما قبلتها من عبدك داود‬
‫عليه السلم فهو حسن لما روى ابن عبّاس رضي ال تعالى عنهما قال ‪ « :‬جاء رجل إلى‬
‫النّبيّ صلى ال عليه وسلم فقال ‪ :‬يا رسول اللّه ‪ :‬إنّي رأيتني اللّيلة وأنا نائم كأنّي أصلّي خلف‬
‫شجرة فسجدت ‪ ،‬فسجدت الشّجرة لسجودي فسمعتها وهي تقول ‪ :‬اللّهمّ اكتب لي بها عندك‬
‫أجرا ‪ ،‬وضع عنّي بها وزرا ‪ ،‬واجعلها لي عندك ذخرا ‪ ،‬وتقبّلها منّي كما تقبّلتها من عبدك‬
‫داود ‪ ،‬قال ابن عبّاس ‪ :‬فقرأ النّبيّ صلى ال عليه وسلم سجد ًة ثمّ سجد فسمعته وهو ساجد‬
‫ن اختياره أن يقول‬
‫يقول مثل ما أخبره الرّجل عن قول الشّجرة » ‪ ،‬ونقل عن الشّافعيّ أ ّ‬
‫عدُ َر ّبنَا َلمَ ْفعُولً } قال النّوويّ ‪ :‬وظاهر‬
‫س ْبحَانَ َر ّبنَا إِن كَانَ َو ْ‬
‫السّاجد في سجود التّلوة ‪ُ { :‬‬
‫ن أن يدعو بعد‬
‫القرآن يقتضي مدح هذا فهو حسن ‪ ،‬وقال المتولّي وغيره من الشّافعيّة ‪ :‬ويس ّ‬
‫التّسبيح ‪.‬‬
‫التّسليم من سجود التّلوة ‪:‬‬
‫‪ -‬اتّفق الفقهاء على أنّه ل تسليم من سجود التّلوة إذا كان في الصّلة ‪ ،‬واختلفوا في‬ ‫‪14‬‬

‫التّسليم منه في غير الصّلة ‪.‬‬


‫ح عند الشّافعيّة ‪ ،‬ومقابل‬
‫فذهب الحنفيّة ‪ ،‬وهو المشهور عند المالكيّة ‪ ،‬والقول المقابل للص ّ‬
‫المختار عند الحنابلة ‪ ،‬إلى أنّه ل تسليم من سجود التّلوة في غير الصّلة ‪ ،‬كما ل يسلّم منه‬
‫في الصّلة ‪ ،‬ولنّ التّسليم تحليل من التّحريم للصّلة ‪ ،‬ول تحريمة لها عند الحنفيّة ومن‬
‫وافقهم ‪ ،‬فل يعقل التّحليل بالتّسليم ‪.‬‬
‫ح من القولين عند الشّافعيّة ‪ ،‬والمختار من الرّوايتين عند الحنابلة ‪ ،‬ومقابل المشهور‬
‫والص ّ‬
‫عند المالكيّة ‪ :‬أنّه يجب التّسليم من سجود التّلوة لنّه صلة ذات إحرام فافتقرت إلى السّلم‬
‫كسائر الصّلوات لحديث ‪ « :‬مفتاح الصّلة الطّهور وتحريمها التّكبير وتحليلها التّسليم » ‪.‬‬
‫السّجود للتّلوة خلف التّالي ‪:‬‬
‫سنّة في‬
‫‪ -‬ذهب الحنفيّة إلى أنّه إذا قرأ الرّجل في غير صلة آية السّجدة ومعه قوم ‪ ،‬فال ّ‬ ‫‪15‬‬

‫أداء سجدة التّلوة أن يتقدّم التّالي ويصفّ السّامعون خلفه ‪ ،‬فيسجد التّالي ثمّ يسجد‬
‫ن التّالي إمام السّامعين ‪ ،‬لما ورد عن النّبيّ‬
‫السّامعون ‪ ،‬ل يسبقونه بالوضع ول بالرّفع ‪ ،‬ل ّ‬
‫صلى ال عليه وسلم « أنّه تل على المنبر سجد ًة فنزل وسجد وسجد النّاس معه » وفيه دليل‬
‫على أنّ السّامع يتبع التّالي في السّجدة ‪ ،‬ولما روي عن عمر رضي ال تعالى عنه أنّه قال‬
‫للتّالي ‪ :‬كنت إمامنا لو سجدت لسجدنا معك ‪ ،‬وليس هذا اقتداءً حقيق ًة بل صورةً ‪ ،‬ولذا‬
‫ب ألّ يسبقوه بالوضع ول بالرّفع ‪ ،‬فلو كان حقيقة ائتمام لوجب ذلك ‪ ،‬ولو تقدّم‬
‫يستح ّ‬
‫السّامعون على التّالي أو سبقوه بالوضع أو بالرّفع أجزأهم السّجود للتّلوة لنّه مشاركة بينه‬
‫وبينهم في الحقيقة ‪ ،‬ولذا لو فسدت سجدة التّالي بسبب من السباب ل يتعدّى الفساد إلى‬
‫الباقين ‪.‬‬
‫وقال المالكيّة ‪ :‬يسنّ أن يسجد للتّلوة القارئ مطلقا سواء أصلح للمامة أم ل ‪ ،‬وسواء أجلس‬
‫ليسمع النّاس حسن قراءته أم ل ‪.‬‬
‫ويسجد قاصد السّماع ذكرا أو أنثى ‪ ،‬فإن لم يقصد السّماع فل يسجد ‪.‬‬
‫ويشترط لسجود المستمع أن يجلس ليتعلّم من القارئ آيات القرآن الكريم ‪ ،‬أو أحكامه‬
‫ومخارج حروفه ‪ ،‬فإن جلس المستمع لمجرّد الثّواب أو للتّدبّر والتّعاظ ‪ ،‬أو السّجود فقط ‪،‬‬
‫فل يجب السّجود عليه ‪.‬‬
‫ن تركه ل يسقط طلبه من الخر‪،‬‬
‫كما يلزم السّامع السّجود ولو ترك القارئ السّجدة سهوا ‪ ،‬ل ّ‬
‫إلّ أن يكون إماما وتركه ‪ ،‬فيتّبعه مأمومه ‪.‬‬
‫وسجود القارئ ليس شرطا في سجود المستمع إن صلح القارئ ليؤمّ ‪.‬‬
‫وقال الشّافعيّة ‪ :‬إذا سجد المستمع في غير صلة مع القارئ ل يرتبط به ول ينوي القتداء به‬
‫ن قضيّة كلم‬
‫وله الرّفع من السّجود قبله ‪ ،‬قال الزّركشيّ ‪ :‬وقضيّة ذلك منع القتداء به ‪ ،‬لك ّ‬
‫القاضي والبغويّ جوازه ‪ ،‬وقال القليوبيّ ‪ :‬ل يتوقّف سجود أحدهما على سجود الخر ‪ ،‬ول‬
‫يسنّ القتداء ول يضرّ ‪.‬‬
‫وقال الحنابلة ‪ :‬شرط لستحباب السّجود أي في غير الصّلة كون القارئ يصلح إماما‬
‫للمستمع فل يسجد مستمع إن لم يسجد التّالي ول قدّامه أو عن يساره مع خل ّو يمينه لعدم‬
‫صحّة الئتمام به إذن ‪ ،‬ول يسجد رجل بتلوة امرأة وخنثى لعدم صحّة ائتمامه بهما ‪ ،‬ول‬
‫يضرّ رفع رأس مستمع قبل رأس قارئ ‪ ،‬وكذا ل يضرّ سلمه قبل سلم القارئ ‪ ،‬لنّه ليس‬
‫إماما له حقيق ًة بل بمنزلته وإلّ لما صحّ ذلك ‪ ،‬وأمّا المأموم في الصّلة فل يرفع قبل إمامه‬
‫كسجود الصّلب ‪.‬‬
‫ما يقوم مقام سجود التّلوة ‪:‬‬
‫‪ -‬ذهب الفقهاء إلى أنّه ل يجزئ حال القدرة والختيار ‪ -‬عن السّجود للتّلوة في غير‬ ‫‪16‬‬

‫صلة ركوع أو نحوه ‪ .‬على تفصيل م ّر في كيفيّة سجود ‪.‬‬


‫وقال القليوبيّ من الشّافعيّة ‪ :‬يقوم مقام السّجود للتّلوة أو الشّكر ما يقوم مقام التّحيّة لمن لم‬
‫ل اللّه واللّه أكبر ‪.‬‬
‫يرد فعلها ولو متطهّرا وهو ‪ :‬سبحان اللّه والحمد للّه ول إله إ ّ‬
‫ونقل ابن عابدين عن التتارخانية أنّه يستحبّ للتّالي أو السّامع إذا لم يمكنه السّجود أن يقول‪:‬‬
‫سمعنا وأطعنا غفرانك ربّنا وإليك المصير ‪.‬‬
‫غ ْفرَانَكَ َر ّبنَا وَإَِل ْيكَ‬
‫ط ْعنَا ُ‬
‫س ِم ْعنَا وََأ َ‬
‫قال الشّبراملّسي ‪ :‬سئل ابن حجر عن قول الشّخص ‪َ { :‬‬
‫ا ْل َمصِيرُ } ‪ ،‬عند ترك السّجود لية السّجدة لحدث أو عجز عن السّجود كما جرت به العادة‬
‫عندنا هل يقوم التيان بها مقام السّجود كما قالوا بذلك في داخل المسجد بغير وضوء أنّه‬
‫يقول ‪ :‬سبحان اللّه والحمد للّه ول إله إلّ اللّه واللّه أكبر ‪ ..‬إلخ ‪ .‬فإنّها تعدل ركعتين كما نقله‬
‫ن ذلك ل أصل له فل يقوم‬
‫الشّيخ زكريّا في شرح الرّوض عن الحياء ‪ ،‬فأجاب بقوله ‪ :‬إ ّ‬
‫مقام السّجدة بل يكره له ذلك إن قصد القراءة ول يتمسّك بما في الحياء ‪ .‬أمّا أ ّولً فلنّه لم‬
‫ن ذلك يعدل ركعتين في الفضل ‪ .‬وقال غيره ‪:‬‬
‫يرد فيه شيء وإنّما قال الغزاليّ ‪ :‬إنّه يقال ‪ :‬إ ّ‬
‫ن ذلك روي عن بعض السّلف ‪،‬ومثل هذا ل حجّة فيه بفرض صحّته فكيف مع عدم‬
‫إّ‬
‫صحّته‪ .‬وأمّا ثانيا فمثل ذلك لو صحّ عنه صلى ال عليه وسلم لم يكن للقياس فيه مساغ ‪ ،‬لنّ‬
‫قيام لفظ مفضول مقام فعل فاضل محض فضل ‪ ،‬فإذا صحّ في صورة لم يجز قياس غيرها‬
‫عليها في ذلك ‪ ،‬وأمّا ثالثا فلنّ اللفاظ الّتي ذكروها في التّحيّة فيها فضائل وخصوصيّات ل‬
‫توجد في غيرها ‪ .‬ا هـ ‪ .‬وهو يقتضي أنّ سبحان اللّه والحمد للّه ‪ ..‬إلخ ‪ .‬ل يقوم مقام‬
‫السّجود وإن قيل به في التّحيّة لما ذكره ‪.‬‬
‫سجود المريض والمسافر للتّلوة ‪:‬‬
‫ن المريض الّذي ل يستطيع السّجود يجزئه في سجود التّلوة اليماء‬
‫‪ -‬ذهب الفقهاء إلى أ ّ‬ ‫‪17‬‬

‫ن المسافر الّذي يسجد للتّلوة في صلته على الرّاحلة يجزئه‬


‫بالسّجود لعذره ‪ .‬وقالوا ‪ :‬إ ّ‬
‫اليماء على الرّاحلة تبعا للصّلة ‪.‬‬
‫أمّا المسافر الّذي يريد السّجود للتّلوة على الرّاحلة في غير صلة ففيه خلف ‪ :‬ذهب جمهور‬
‫الفقهاء إلى أنّه يومئ بالسّجود حيث كان وجهه ‪ ،‬لما روى أبو داود عن عبد اللّه بن عمر‬
‫رضي ال تعالى عنهما ‪ « :‬أنّ رسول اللّه صلى ال عليه وسلم قرأ عام الفتح سجد ًة فسجد‬
‫ن الرّاكب ليسجد على يده » ‪.‬‬
‫النّاس كلّهم ‪ ،‬منهم الرّاكب والسّاجد في الرض حتّى إ ّ‬
‫ن السّجود للتّلوة أمر دائم بمنزلة التّطوّع ‪ ،‬وصلة التّطوّع تؤدّى على الرّاحلة ‪ ،‬وقد‬
‫ول ّ‬
‫ل الفرائض »‬
‫روى الشّيخان « أنّ النّبيّ صلى ال عليه وسلم كان يسبّح يسجد على بعيره إ ّ‬
‫وسومح فيها لمشقّة النّزول وإن أذهب اليماء أظهر أركان السّجود وهو تمكين الجبهة ‪.‬‬
‫ح عند الشّافعيّة وهو قول بشر من الحنفيّة أنّه ل يجزئ اليماء على الرّاحلة‬
‫ومقابل الص ّ‬
‫لفوات أعظم أركان سجود التّلوة وهو إلصاق الجبهة من موضع السّجود ‪ ،‬فإن كان في مرقد‬
‫وأتمّ سجوده جاز ‪.‬‬
‫والمسافر الّذي يقرأ آية السّجدة أو يسمعها وهو ماش ل يكفيه اليماء بل يسجد على الرض‬
‫عند جمهور الفقهاء ‪ ،‬وروي عن بعضهم أنّه يومئ ‪.‬‬
‫قراءة آية السّجدة للسّجود ‪:‬‬
‫‪ -‬ذهب المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة إلى أنّه يكره في الجملة القتصار على قراءة آية‬ ‫‪18‬‬

‫السّجدة وحدها دون ما قبلها وما بعدها بقصد السّجود فقط ‪ .‬وإنّما كره ذلك لنّه قصد السّجدة‬
‫ل التّلوة وهو خلف العمل ‪ ،‬وحيث كره القتصار ل يسجد ‪.‬‬
‫ولو قرأ في الصّلة ل بقصد السّجود فل كراهة ‪ ،‬وكذا لو قرأ السّجدة في صبح يوم الجمعة ‪،‬‬
‫ي القراءة لسجدة ‪ { :‬ألم َت ْنزِيلُ } في صبح الجمعة ‪ ،‬فلو قرأ غيرها بطلت‬
‫ص الرّمل ّ‬
‫وخ ّ‬
‫صلته إن كان عالمًا بالتّحريم لنّه كزيادة سجود في الصّلة عمدا ‪.‬‬
‫وذهب الحنفيّة إلى أنّه ل بأس بأن يقرأ آية السّجدة ويدع ما سواها ‪ ،‬لنّه مبادرة إليها ‪،‬‬
‫ولنّها من القرآن وقراءة ما هو من القرآن طاعة كقراءة سورة من بين السّور ‪ ،‬والمستحبّ‬
‫أن يقرأ معها آيات دفعا لوهم تفضيل آي السّجدة على غيرها ‪.‬‬
‫مجاوزة آية السّجدة ‪:‬‬
‫‪ -‬ذهب جمهور الفقهاء إلى أنّه يكره للرّجل أن يقرأ السّورة أو اليات في الصّلة أو‬ ‫‪19‬‬

‫غيرها يدع آية السّجدة حتّى ل يسجدها ‪ ،‬لنّه لم ينقل عن السّلف بل نقلت كراهته ‪ ،‬ولنّه‬
‫يشبه الستنكاف ‪ ،‬لنّه قطع لنظم القرآن وتغيير لتأليفه ‪ ،‬واتّباع النّظم والتّأليف مأمور به ‪،‬‬
‫قال تعالى ‪َ { :‬فإِذَا َقرَ ْأنَاهُ فَا ّتبِعْ قُرْآنَهُ } ‪ .‬أي تأليفه ‪ ،‬فكان التّغيير مكروها ‪ ،‬ولنّه في صورة‬
‫الفرار من العبادة والعراض عن تحصيلها بالفعل وذلك مكروه ‪ ،‬وكذا فيه صورة هجر آية‬
‫السّجدة وليس شيء من القرآن مهجورا ‪.‬‬
‫وقال المالكيّة ‪ :‬يكره مجاوزة محلّ السّجدة بل سجود عنده لمتطهّر طهارة صغرى وقت‬
‫جواز لها ‪ ،‬فإن لم يكن متطهّرا أو كان الوقت وقت نهي فالصّواب أن يجاوز الية بتمامها‬
‫لئلّ يغيّر المعنى فيترك تلوتها بلسانه ويستحضرها بقلبه مراعاةً لنظام التّلوة ‪.‬‬
‫سجود التّلوة في أوقات النّهي عن الصّلة ‪:‬‬
‫‪ -‬ذهب الحنفيّة ‪ -‬في ظاهر الرّواية ‪ -‬والمالكيّة والحنابلة ‪ -‬في رواية الثرم عن أحمد‬ ‫‪20‬‬

‫‪ -‬إلى أنّه ل سجود للتّلوة في الوقات المنهيّ عن صلة التّطوّع فيها لعموم قول النّبيّ‬
‫صلى ال عليه وسلم ‪ « :‬ل صلة بعد الصّبح حتّى ترتفع الشّمس ‪ ،‬ول صلة بعد العصر‬
‫حتّى تغيب الشّمس » ‪.‬‬
‫وعندهم بعد هذا القدر المتّفق عليه تفصيل ‪ :‬قال الحنفيّة ‪ :‬لو تل شخص آية السّجدة أو‬
‫سمعها في وقت غير مكروه فأدّاها في وقت مكروه ل تجزئه ‪ ،‬لنّها وجبت كامل ًة فل تتأدّى‬
‫بالنّاقص كالصّلة ‪ ،‬ولو تلها في وقت مكروه وسجدها فيه أجزأه لنّه أدّاها كما وجبت ‪،‬‬
‫وإن لم يسجدها في ذلك الوقت وسجدها في وقت آخر مكروه جاز أيضا لنّه أدّاها كما وجبت‬
‫لنّها وجبت ناقصةً وأدّاها ناقص ًة ‪.‬‬
‫وقال المالكيّة ‪ :‬يجاوز القارئ آية السّجدة إن كان يقرأ وقت النّهي ‪ -‬كوقت طلوع الشّمس أو‬
‫غروبها أو خطبة جمعة ‪ -‬ول يسجد ‪ -‬على الخلف عندهم في المسألة السّابقة ‪ -‬ما لم يكن‬
‫في صلة فرض ‪ ،‬فإن كان في صلة فرض قرأ وسجد قولً واحدا بل خلف عندهم لنّ‬
‫السّجود تبع للفرض ‪.‬‬
‫وقال الحنابلة ‪ :‬ل يسجد في الوقات الّتي ل يجوز أن يصلّي فيها تطوّعا ‪ ،‬قال الثرم ‪:‬‬
‫سمعت أبا عبد اللّه يسأل عمّن قرأ سجود القرآن بعد الفجر وبعد العصر أيسجد ؟ قال ‪ :‬ل ‪،‬‬
‫وعن أحمد رواية أخرى أنّه يسجد ‪.‬‬
‫واستدلّوا للرّاجح ‪ -‬رواية الثرم ‪ -‬بعموم الحديث السّابق ‪ ،‬وبما روى أبو داود عن أبي‬
‫تميمة الهجيميّ قال ‪ « :‬كنت أقصّ " أغطّ " بعد صلة الصّبح فأسجد فنهاني ابن عمر ‪ ،‬فلم‬
‫أنته‪ ،‬ثلث مرار ثمّ عاد فقال ‪ :‬إنّي صلّيت خلف رسول اللّه صلى ال عليه وسلم ومع أبي‬
‫بكر وعمر وعثمان رضي ال عنهم فلم يسجدوا حتّى تطلع الشّمس »‬
‫وروى الثرم عن عبد اللّه بن مقسم أن قاصّا كان يقرأ السّجدة بعد العصر فيسجد فنهاه ابن‬
‫عمر وقال ‪ :‬إنّهم ل يعقلون ‪.‬‬
‫وقالوا ‪ :‬ل ينعقد السّجود للتّلوة إن ابتدأه مصلّ في أوقات النّهي ولو كان جاهلً بالحكم أو‬
‫بكونه وقت نهي لنّ النّهي في العبادات يقتضي الفساد ‪.‬‬
‫وذهب الشّافعيّة إلى أنّه يجوز سجود التّلوة في وقت الكراهة لنّه من ذوات السباب ‪ ،‬قال‬
‫النّوويّ ‪ :‬مذهبنا أنّه ل يكره سجود التّلوة في أوقات النّهي عن الصّلة ‪.‬‬
‫تلوة آية السّجدة في الخطبة ‪:‬‬
‫‪ -‬ذهب الحنفيّة إلى أنّه لو تل المام آية السّجدة على المنبر يوم الجمعة سجدها وسجد‬ ‫‪21‬‬

‫معه من سمعها ‪ .‬لما ورد « أنّ النّبيّ صلى ال عليه وسلم تل سجد ًة على المنبر فنزل وسجد‬
‫وسجد النّاس معه » ‪.‬‬
‫وقال المالكيّة ‪ :‬إن قرأ آية السّجدة في خطبة جمعة أو غيرها ل يسجد ‪ ،‬وهل يكره السّجود‬
‫أو يحرم ‪ ،‬خلف عندهم والظّاهر الكراهة ‪.‬‬
‫وقال الشّافعيّة ‪ :‬يستحبّ تركها للخطيب إذا قرأ آيتها على المنبر ولم يمكنه السّجود مكانه‬
‫لكلفة النّزول والصّعود ‪ ،‬فإن أمكنه ذلك سجد مكانه إن خشي طول الفصل ‪ ،‬وإلّ نزل وسجد‬
‫إن لم يكن فيه كلفة ‪.‬‬
‫وقال الحنابلة ‪ :‬إن قرأ سجد ًة في أثناء الخطبة ‪ ،‬فإن شاء نزل عن المنبر فسجد ‪ ،‬وإن أمكنه‬
‫السّجود على المنبر سجد عليه استحبابا ‪ ،‬وإن ترك السّجود فل حرج لنّه سنّة ل واجب ‪.‬‬
‫سرّ ‪:‬‬
‫قراءة المام آية السّجدة في صلة ال ّ‬
‫‪ -‬ذهب الحنفيّة والحنابلة إلى أنّه يكره للمام أن يقرأ آية السّجدة في صلة يخافت فيها‬ ‫‪22‬‬

‫بالقراءة ‪ ،‬لنّ هذا ل ينفكّ عن أمر مكروه ‪ ،‬لنّه إذا تل آية السّجدة ولم يسجد فقد ترك‬
‫سنّة عند الحنابلة ‪ ،‬وإن سجد فقد لبّس على القوم لنّهم يظنّون أنّه‬
‫الواجب عند الحنفيّة ‪ ،‬وال ّ‬
‫سها عن الرّكوع واشتغل بالسّجدة الصّلبيّة فيسبّحون ول يتابعونه ‪ ،‬وذا مكروه ‪ ،‬وما ل ينفكّ‬
‫عن مكروه كان مكروها ‪ ،‬وترك السّبب المفضي إلى ذلك أولى ‪ ،‬وفعل النّبيّ صلى ال عليه‬
‫وسلم محمول على بيان الجواز فلم يكن مكروها ‪.‬‬
‫وقال الحنفيّة ‪ :‬إن تلها مع ذلك سجد بها لتقرّر السّبب في حقّه وهو التّلوة ‪ ،‬وسجد القوم‬
‫معه لوجوب المتابعة عليهم ‪.‬‬
‫وقال الحنابلة ‪ :‬يكره للمام سجود لقراءة سجدة في صلة سرّ لنّه يخلط على المأمومين فإن‬
‫سجد خيّر المأمومون بين المتابعة للمام في سجوده وتركها لنّهم ليسوا تالين ول مستمعين‪،‬‬
‫والولى السّجود متابعةً للمام ‪ ،‬لعموم الحديث ‪ ... « :‬وإذا سجد فاسجدوا » ‪.‬‬
‫وذهب المالكيّة إلى أنّ المام إن قرأ سورة سجدة في صلة س ّريّة استحبّ له ترك قراءة آية‬
‫السّجدة ‪ ،‬فإن قرأها جهر بها ندبا ‪ ،‬فيعلم المأمومون سبب سجوده ويتبعونه فيه ‪ ،‬فإن لم‬
‫تجهر بقراءة آية السّجدة وسجد للتّلوة اتّبع المأمومون المام في سجوده وجوبا غير شرط ‪..‬‬
‫ن الصل عدم سهو المام ‪ ،‬وعند سحنون ‪ :‬يمتنع أن يتّبعوه لحتمال‬
‫عند ابن القاسم ‪ ،‬ل ّ‬
‫سهوه ‪ ،‬فإن لم يتبعوه صحّت صلتهم ‪ ،‬لنّ سجود التّلوة ليس من الفعال المقتدى به فيها‬
‫أصالةً ‪ ،‬وترك الواجب الّذي ليس شرطا ل يقتضي البطلن ‪.‬‬
‫وذهب الشّافعيّة إلى أنّه ل يكره للمام قراءة آية السّجدة ولو في صلة سرّيّة ‪ ،‬لكن يستحبّ‬
‫سرّيّة لئلّ يشوّش على المأمومين ‪ ،‬ومحلّه‬
‫له تأخير السّجود للتّلوة إلى الفراغ من الصّلة ال ّ‬
‫ن الجهريّة كذلك إذا بعد بعض المأمومين‬
‫إن قصر الفصل ‪ ،‬قال الرّمليّ ‪ :‬ويؤخذ من التّعليل أ ّ‬
‫عن المام بحيث ل يسمعون قراءته ول يشاهدون أفعاله ‪ ،‬أو أخفى جهره ‪ ،‬أو وجد حائل أو‬
‫صمم أو نحو ذلك ‪ ،‬وهو ظاهر من جهة المعنى ‪ ،‬ولو ترك المام السّجود للتّلوة سنّ‬
‫للمأموم السّجود بعد السّلم إن قصر الفصل ‪ « ،‬وما صحّ عن النّبيّ صلى ال عليه وسلم أنّه‬
‫سجد في صلة الظّهر للتّلوة » يحمل على أنّه كان يسمعهم أحيانا الية ‪ ،‬فلعلّه أسمعهم آيتها‬
‫مع قلّتهم فأمن عليهم التّشويش ‪ ،‬أو قصد بيان جواز ذلك ‪.‬‬
‫وقت أداء سجود التّلوة ‪:‬‬
‫‪ -‬قال الحنفيّة ‪ :‬سجدة التّلوة إمّا أن تكون خارج الصّلة أو في الصّلة ‪ :‬فإن كانت‬ ‫‪23‬‬

‫خارج الصّلة فإنّها تجب على سبيل التّراخي على المختار عندهم ‪ -‬لنّ دلئل الوجوب ‪-‬‬
‫أي وجوب السّجدة ‪ -‬مطلقة عن تعيين الوقت فتجب في جزء من الوقت غير معيّن ‪ ،‬ويتعيّن‬
‫ذلك بتعيينه فعلً ‪ ،‬وإنّما يتضيّق عليه الوجوب في آخر عمره كما في سائر الواجبات‬
‫الموسّعة ‪ ،‬ويكره تأخيرها تنزيها ‪ ،‬إلّ إذا كان الوقت مكروها ‪ ،‬لنّه بطول الزّمان قد ينساها‬
‫‪ ،‬وعندما يؤدّيها بعد وقت القراءة يكفيه أن يسجد عدد ما عليه دون تعيين ويكون مؤدّيا ‪.‬‬
‫أمّا إن كانت في الصّلة فإنّها تجب على سبيل التّضييق ‪ -‬أي على الفور ‪ -‬لقيام دليله وهو‬
‫أنّها وجبت بما هو من أفعال الصّلة وهو القراءة فالتحقت بأفعال الصّلة وصارت جزءا من‬
‫أجزائها ‪ ،‬ولذا يجب أداؤها في الصّلة مضيّقا كسائر أفعال الصّلة ‪ ،‬ومقتضى التّضييق في‬
‫أدائها حال كونها في الصّلة ألّ تطول المدّة بين التّلوة والسّجدة ‪ ،‬فإذا ما طالت فقد دخلت‬
‫في حيّز القضاء وصار آثمًا بالتّفويت عن الوقت ‪.‬‬
‫ل سجدة وجبت في الصّلة ولم تؤ ّد فيها سقطت ولم يبق السّجود لها مشروعا لفوات محلّه‪،‬‬
‫وك ّ‬
‫وأثم من لم يسجد فتلزمه التّوبة ‪ ،‬وذلك إذا تركها عمدا حتّى سلّم وخرج من حرمة الصّلة ‪،‬‬
‫أمّا لو تركها سهوا وتذكّرها ولو بعد السّلم قبل أن يفعل منافيا فإنّه يأتي بها ويسجد للسّهو ‪.‬‬
‫ن المتطهّر وقت جواز إذا قرأها ولم يسجدها يطالب بسجودها ما دام‬
‫قال الزّرقانيّ ‪ :‬الظّاهر أ ّ‬
‫على طهارته وفي وقت الجواز ‪ ،‬وإلّ لم يطالب بقضائها لنّه من شعائر الفرائض ‪.‬‬
‫وقال الشّافعيّة ‪ :‬ينبغي أن يسجد عقب قراءة آية السّجدة أو استماعها ‪ ،‬فإن أخّر وقصر‬
‫الفصل سجد ‪ ،‬وإن طال فاتت ‪ ،‬وهل تقضى ؟ قولن ‪ :‬أظهرهما ل تقضى ‪ ،‬لنّها تفعل‬
‫لعارض فأشبهت صلة الكسوف ‪ ،‬وضبط طول الفصل أو قصره بالعرف ‪ .‬ولو قرأ سجدةً‬
‫في صلته فلم يسجد فيها سجد بعد سلمه إن قصر الفصل ‪ ،‬فإن طال ففيه الخلف ‪ ،‬ولو‬
‫كان القارئ أو المستمع محدثا حال القراءة فإن تطهّر عن قرب سجد ‪ ،‬وإلّ فالقضاء على‬
‫الخلف‪ ،‬ولو كان يصلّي فقرأ قارئ السّجدة وسمعه فل يسجد ‪ ،‬فإن سجد بطلت صلته ‪ ،‬فإن‬
‫ن قراءة غير‬
‫لم يسجد وفرغ من صلته فقد اختلفوا في سجوده ‪ ،‬والمذهب أنّه ل يسجد ل ّ‬
‫إمامه ل تقتضي سجوده ‪ ،‬وإذا لم يحصل ما يقتضي السّجود أدا ًء فالقضاء بعيد ‪.‬‬
‫وقال الحنابلة ‪ :‬يسنّ السّجود للقارئ والمستمع له ولو كان السّجود بعد التّلوة والستماع مع‬
‫قصر فصل بين السّجود وسببه ‪ ،‬فإن طال الفصل لم يسجد لفوات محلّه ‪ ،‬ويتيمّم محدث‬
‫ويسجد مع قصر الفصل ‪.‬‬
‫تكرار سجود التّلوة ‪:‬‬
‫‪ -‬اختلف الفقهاء في تكرار سجود التّلوة بتكرار التّلوة أو الستماع أو عدم تكراره‬ ‫‪24‬‬

‫)‪.‬‬ ‫‪86‬‬ ‫‪/‬‬ ‫‪11‬‬ ‫‪،‬ج‬ ‫‪11/‬‬ ‫بتكرارهما ‪ ..‬وينظر مصطلح ‪ ( :‬تداخل ف‬

‫سجود السّهو *‬
‫التّعريف ‪:‬‬
‫‪ -‬السّهو لغ ًة ‪ :‬نسيان الشّيء والغفلة عنه ‪.‬‬ ‫‪1‬‬

‫وسجود السّهو عند الفقهاء ‪ :‬هو ما يكون في آخر الصّلة أو بعدها لجبر خلل ‪ ،‬بترك بعض‬
‫مأمور به أو فعل بعض منهيّ عنه دون تعمّد ‪.‬‬
‫الحكم التّكليفيّ ‪:‬‬
‫‪ -‬ذهب الحنفيّة والحنابلة في المعتمد عندهم إلى وجوب سجود السّهو ‪.‬‬ ‫‪2‬‬

‫قال الحنابلة ‪ :‬سجود السّهو لما يبطل عمده الصّلة واجب ‪ ،‬ودليلهم حديث عبد اللّه بن‬
‫مسعود قال ‪ « :‬صلّى بنا رسول اللّه صلى ال عليه وسلم خمسا ‪ ،‬فلمّا انفتل توشوش القوم‬
‫بينهم فقال ‪ :‬ما شأنكم ؟ قالوا ‪ :‬يا رسول اللّه هل زيد في الصّلة ؟ قال ‪ :‬ل ‪ ،‬قالوا ‪ :‬فإنّك قد‬
‫صلّيت خمسا ‪ ،‬فانفتل ثمّ سجد سجدتين ثمّ سلّم ‪ ،‬ثمّ قال ‪ :‬إنّما أنا بشر مثلكم ‪ ،‬أنسى كما‬
‫تنسون ‪ ،‬فإذا نسي أحدكم فليسجد سجدتين » وفي رواية ‪ « :‬فإذا زاد الرّجل أو نقص فليسجد‬
‫سجدتين » وحديث أبي سعيد الخدريّ رضي ال عنه قال ‪ :‬قال رسول اللّه صلى ال عليه‬
‫شكّ وليبن‬
‫ك أحدكم في صلته فلم يدر كم صلّى ‪ ،‬أثلثا أم أربعا ؟ فليطرح ال ّ‬
‫وسلم ‪ « :‬إذا ش ّ‬
‫على ما استيقن ‪ ،‬ثمّ يسجد سجدتين قبل أن يسلّم ‪ ،‬فإن كان صلّى خمسا شفعن له صلته ‪،‬‬
‫وإن كان صلّى إتماما لربع كانتا ترغيما للشّيطان » ‪.‬‬
‫وجه الدّللة في الحديثين أنّهما اشتمل على المر المقتضي للوجوب ‪.‬‬
‫ن سجود السّهو سنّة سواء كان قبليّا أم بعديّا وهو المشهور من المذهب‪،‬‬
‫ومذهب المالكيّة ‪ :‬أ ّ‬
‫وقيل ‪ :‬بوجوب القبليّ ‪ ،‬قال صاحب الشّامل ‪ :‬وهو مقتضى المذهب ‪.‬‬
‫ومذهب الشّافعيّة وهو رواية عند الحنابلة إلى أنّه سنّة ‪.‬‬
‫لقوله صلى ال عليه وسلم ‪ « :‬كانت الرّكعة نافل ًة والسّجدتان » ‪.‬‬
‫أسباب سجود السّهو ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬الزّيادة والنّقص ‪:‬‬
‫‪ -‬اتّفق الفقهاء من الحنفيّة والمالكيّة والشّافعيّة والحنابلة على أنّه إذا تعمّد المصلّي أن يزيد‬ ‫‪3‬‬

‫في صلته قياما أو قعودا أو ركوعا أو سجودا ‪ ،‬أو ينقص من أركانها شيئا ‪ ،‬بطلت صلته ‪.‬‬
‫ن السّجود يضاف إلى السّهو فيدلّ على اختصاصه به ‪ ،‬والشّرع إنّما ورد به في السّهو قال‬
‫لّ‬
‫صلى ال عليه وسلم ‪ « :‬إذا نسي أحدكم فليسجد سجدتين » ‪.‬‬
‫فإذا زاد المصلّي أو نقص لغفلة أو نسيان فقد اختلف العلماء في كيفيّة قضائه ‪ ،‬وتفصيل ذلك‬
‫يأتي في ثنايا البحث ‪.‬‬
‫شكّ ‪:‬‬
‫ب ‪ -‬ال ّ‬
‫‪ -‬إذا شكّ المصلّي في صلته فلم يدر كم صلّى أثلثا أم أربعا ‪ ،‬أو شكّ في سجدة فلم يدر‬ ‫‪4‬‬

‫أسجدها أم ل ‪ ،‬فإنّ الجمهور " المالكيّة والشّافعيّة ورواي ًة للحنابلة " ذهبوا إلى أنّه يبني على‬
‫ك فيه ويسجد للسّهو ‪ .‬ودليلهم حديث أبي سعيد الخدريّ ‪-‬‬
‫اليقين وهو القلّ ‪ ،‬ويأتي بما ش ّ‬
‫رضي ال عنه ‪ -‬قال ‪ :‬قال رسول اللّه صلى ال عليه وسلم ‪ « :‬إذا سها أحدكم في صلته‬
‫فلم يدر واحدةً صلّى أو ثنتين فليبن على واحدة ‪ ،‬فإن لم يدر ثنتين صلّى أو ثلثًا فليبن على‬
‫ثنتين ‪ ،‬فإن لم يدر ثلثا صلّى أو أربعا فليبن على ثلث ‪ ،‬وليسجد سجدتين قبل أن يسلّم »‬
‫شكّ ‪ ،‬وليبن على اليقين ‪ ،‬فإذا استيقن التّمام سجد‬
‫ولحديث « إذا شكّ أحدكم في صلته فليلق ال ّ‬
‫سجدتين ‪ ،‬فإن كانت صلته تامّ ًة كانت الرّكعة نافل ًة والسّجدتان ‪ ،‬وإن كانت ناقص ًة كانت‬
‫الرّكعة تماما لصلته ‪ ،‬وكانت السّجدتان مرغمتي الشّيطان » ‪.‬‬
‫ن المصلّي إذا شكّ في صلته ‪ ،‬فلم يدر أثلثا صلّى أم أربعا وذلك أوّل‬
‫وذهب الحنفيّة إلى أ ّ‬
‫ما عرض له استأنف ‪ ،‬لقوله صلى ال عليه وسلم ‪ « :‬إذا شكّ أحدكم في صلته أنّه كم صلّى‬
‫فليستقبل الصّلة » ‪ .‬وإن كان يعرض له كثيرا بنى على أكبر رأيه ‪ ،‬لقوله صلى ال عليه‬
‫ك أحدكم في صلته فليتحرّ الصّواب » وإن لم يكن له رأي بنى على اليقين ‪،‬‬
‫وسلم ‪ « :‬إذا ش ّ‬
‫لقوله عليه الصلة والسلم ‪ « :‬إذا سها أحدكم فلم يدر واحدةً صلّى أو ثنتين فليبن على واحدة‬
‫‪ ،‬فإن لم يدر ثنتين صلّى أو ثلثا فليبن على ثنتين ‪ ،‬فإن لم يدر ثلثا صلّى أو أربعا فليبن‬
‫على ثلث ‪ ،‬وليسجد سجدتين قبل أن يسلّم » ‪.‬‬
‫والستقبال ل يكون إلّ بعد الخروج من الصّلة وذلك بالسّلم أو الكلم أو عمل آخر ممّا‬
‫ن السّلم عرف محلّلً دون الكلم ‪ ،‬ول‬
‫ينافي الصّلة ‪ ،‬والخروج بالسّلم قاعدا أولى ‪ ،‬ل ّ‬
‫يصحّ الخروج بمجرّد ال ّنيّة بل يلغو ‪ ،‬ول يخرج بذلك من الصّلة ‪ ،‬وعند البناء على القلّ‬
‫يقعد في كلّ موضع يحتمل أن يكون آخر الصّلة تحرّزا عن ترك فرض القعدة الخيرة وهي‬
‫ركن ‪.‬‬
‫ن ‪ ،‬ويتمّ صلته ‪ ،‬ويسجد بعد السّلم ‪،‬‬
‫وذهب الحنابلة في رواية إلى البناء على غالب الظّ ّ‬
‫ك أحدكم في صلته فليتحرّ الصّواب ‪،‬‬
‫ودليلهم حديث عبد اللّه بن مسعود السّابق ‪ « :‬إذا ش ّ‬
‫فليتمّ عليه ‪ ،‬ثمّ ليسلّم ‪ ،‬ثمّ يسجد سجدتين » ‪.‬‬
‫قال ابن قدامة ‪ :‬واختار الخرقيّ التّفريق بين المام والمنفرد ‪ .‬فجعل المام يبني على الظّنّ‬
‫والمنفرد يبني على اليقين ‪ .‬وهو الظّاهر في المذهب نقله عن أحمد والثرم وغيره ‪.‬‬
‫ن المام له من ينبّهه ويذكّره إذا‬
‫والمشهور عن أحمد ‪ :‬البناء على اليقين في حقّ المنفرد ‪ ،‬ل ّ‬
‫أخطأ الصّواب ‪ ،‬فليعمل بالظهر عنده ‪ ،‬فإن أصاب أقرّه المأمومون ‪ ،‬فيتأكّد عنده صواب‬
‫نفسه ‪ ،‬وإن أخطأ سبّحوا به ‪ ،‬فرجع إليهم فيحصل له الصّواب على كلتا الحالتين وليس كذلك‬
‫المنفرد ‪ ،‬إذ ليس له من يذكّره فيبني على اليقين ‪ ،‬ليحصل له إتمام صلته ول يكون مغرورا‬
‫بها ‪ .‬وهو معنى قوله صلى ال عليه وسلم ‪ « :‬ل غرار في الصّلة » ‪.‬‬
‫فإن استوى المران عند المام بنى على اليقين أيضا ‪.‬‬
‫الحكام المتعلّقة بسجود السّهو ‪:‬‬
‫‪ -‬مذهب الحنفيّة ‪ :‬جاء في الفتاوى الهنديّة نقلً عن التتارخانية الصل أنّ المتروك ثلثة‬ ‫‪5‬‬

‫أنواع ‪ :‬فرض ‪ ،‬وسنّة ‪ ،‬وواجب ‪ ،‬ففي الفرض إن أمكنه التّدارك بالقضاء يقضي وإلّ فسدت‬
‫سنّة‬
‫ن قيام الصّلة بأركانها وقد وجدت ‪ ،‬ول يجبر ترك ال ّ‬
‫سنّة ل تفسد ‪ ،‬ل ّ‬
‫صلته ‪ ،‬وفي ال ّ‬
‫بسجدتي السّهو ‪ ،‬وفي الواجب إن ترك ساهيا يجبر بسجدتي السّهو ‪ ،‬وإن ترك عامدا ل ‪.‬‬
‫ونقل عن البحر الرّائق أنّه لو ترك سجد ًة من ركعة فتذكّرها في آخر الصّلة سجدها وسجد‬
‫للسّهو لترك التّرتيب فيه ‪ ،‬وليس عليه إعادة ما قبلها ‪ ،‬ولو قدّم الرّكوع على القراءة لزمه‬
‫السّجود لكن ل يعتدّ بالرّكوع فيفرض إعادته بعد القراءة ‪.‬‬
‫وذهب المالكيّة إلى أنّ ترك الرّكن إن أمكنه تداركه وجب عليه التّدارك مع سجود السّهو‬
‫وذلك إذا أتى به في الرّكعة نفسها إلى ما قبل عقد ركعة أخرى بالرّكوع لها ‪ ،‬فإن كان ترك‬
‫الرّكن في الرّكعة الخيرة ثمّ سلّم لم يمكنه التّدارك بأداء المتروك بل عليه التيان بركعة‬
‫أخرى ما لم يطل الفصل أو يخرج من المسجد فعليه استئناف الصّلة ‪.‬‬
‫وقال الشّافعيّة ‪ :‬إن ترك ركنا سهوا لم يعتدّ بما فعله بعد المتروك حتّى يأتي بما تركه ‪ ،‬فإن‬
‫تذكّر السّهو قبل فعل مثل المتروك اشتغل عند الذّكر بالمتروك ‪ ،‬وإن تذكّر بعد فعل مثله في‬
‫ركعة أخرى تمّت الرّكعة السّابقة به ولغا ما بينهما ‪.‬‬
‫فإن لم يعرف عين المتروك أخذ بأدنى الممكن وأتى بالباقي ‪ .‬وفي الحوال كلّها سجد للسّهو‪.‬‬
‫وعند الحنابلة من نسي ركنا غير التّحريمة فذكره بعد شروعه في قراءة الرّكعة الّتي بعدها‬
‫بطلت الرّكعة الّتي تركه منها فقط ‪ ،‬لنّه ترك ركنا ولم يمكن استدراكه فصارت الّتي شرع‬
‫فيها عوضا عنها ‪ ،‬وإن ذكر الرّكن المنسيّ قبل شروعه في قراءة الرّكعة الّتي بعدها عاد‬
‫لزوما فأتى به وبما بعده ‪.‬‬
‫الواجبات والسّنن الّتي يجب بتركها سجود السّهو ‪:‬‬
‫‪ -‬اختلف الفقهاء في فيما يطلب له سجود السّهو ‪.‬‬ ‫‪6‬‬

‫فذهب الحنفيّة إلى وجوب سجود السّهو بترك واجب من واجبات الصّلة سهوا ‪ ،‬ويجب عليه‬
‫قضاؤه إذا لم يسجد للسّهو ‪ .‬قال ابن عابدين ‪ :‬ل تفسد بتركها وتعاد وجوبا في العمد والسّهو‬
‫إن لم يسجد له ‪ ،‬وإن لم يعدها يكون فاسقا آثما ‪.‬‬
‫ومن واجبات الصّلة عندهم القعدة الولى من الصّلة الرّباعيّة ‪ ،‬ودعاء القنوت في الوتر ‪،‬‬
‫وتكبيرات العيدين وغيرها ‪.‬‬
‫أمّا المالكيّة والشّافعيّة فقد قسّموا الصّلة إلى فرائض وسنن ‪.‬‬
‫فالمالكيّة يسجد عندهم لسجود السّهو لثمانية من السّنن وهي ‪ :‬السّورة ‪ ،‬والجهر ‪ ،‬والسرار‪،‬‬
‫والتّكبير ‪ ،‬والتّحميد ‪ ،‬والتّشهّدان ‪ ،‬والجلوس لهما ‪.‬‬
‫سنّة عندهم نوعان ‪ :‬أبعاض وهيئات ‪ ،‬والبعاض هي الّتي يجبر تركها بسجود‬
‫أمّا الشّافعيّة فال ّ‬
‫السّهو ‪ ،‬فمنها التّشهّد الوّل والقعود له ‪ ،‬والصّلة على النّبيّ صلى ال عليه وسلم في التّشهّد‬
‫الوّل ‪ ،‬والصّلة على الل في التّشهّد الخير ‪ ،‬والقنوت الرّاتب في الصّبح ‪ ،‬ووتر النّصف‬
‫الخير من رمضان ‪ ،‬وقيامه ‪ ،‬والصّلة على النّبيّ صلى ال عليه وسلم في القنوت ‪ .‬وذهب‬
‫الحنابلة إلى أنّ ما ليس بركن نوعان واجبات وسنن ‪ ،‬فالواجبات تبطل الصّلة بتركها عمدا ‪،‬‬
‫ن النّبيّ صلى ال‬
‫وتسقط سهوا أو جهلً ‪ ،‬ويجبر تركها سهوا بسجود السّهو كالتّكبير ‪ ،‬ل ّ‬
‫عليه وسلم كان يكبّر كذلك ‪ «،‬وقال صلى ال عليه وسلم ‪ :‬صلّوا كما رأيتموني أصلّي »‪.‬‬
‫والتّسميع للمام والمنفرد دون المأموم ‪ ،‬والتّحميد وغيرها ‪.‬‬
‫موضع سجود السّهو ‪:‬‬
‫‪ -‬لم يتّفق الفقهاء على موضع سجود السّهو ‪ :‬فقد رأى الحنفيّة أنّ موضع سجود السّهو بعد‬ ‫‪7‬‬

‫التّسليم مطلقًا سواء في الزّيادة أو النّقصان ‪ ،‬أي أنّه يتشهّد ثمّ يسلّم تسليمةً واحد ًة على الصحّ‬
‫ثمّ يسجد للسّهو ثمّ يتشهّد ثمّ يسلّم كذلك ‪ ،‬فإن سلّم تسليمتين سقط السّجود لحديث ثوبان رضي‬
‫ل سهو سجدتان بعدما يسلّم»‪ .‬ويروى نحو‬
‫ال عنه أنّ النّبيّ صلى ال عليه وسلم قال ‪ « :‬لك ّ‬
‫ذلك عن عليّ وسعد بن أبي وقّاص وابن مسعود وعمّار وابن عبّاس وابن الزّبير وأنس ‪.‬‬
‫وذهب المالكيّة وهو مقابل الظهر عند الشّافعيّة ورواية عن أحمد ‪ :‬إلى التّفريق بين الزّيادة‬
‫والنّقصان فإن وقع السّهو بالنّقص في الصّلة فالسّجود يكون قبل السّلم ‪.‬‬
‫ن رسول اللّه صلى ال عليه وسلم قام من اثنتين‬
‫ودليلهم حديث عبد اللّه بن مالك بن بحينة « أ ّ‬
‫من الظّهر ‪ ،‬ولم يجلس بينهما ‪ ،‬فلمّا قضى صلته سجد سجدتين » ‪.‬‬
‫وأمّا الزّيادة فيسجد بعد السّلم لحديث عبد اللّه بن مسعود رضي ال عنه « قال ‪ :‬صلّى بنا‬
‫رسول اللّه صلى ال عليه وسلم خمسا فقلنا ‪ :‬يا رسول اللّه ‪ :‬أزيد في الصّلة ؟ قال ‪ :‬وما‬
‫ذاك ؟ قالوا ‪ :‬صلّيت خمسا ‪ ،‬إنّما أنا بشر مثلكم ‪ ،‬أذكر كما تذكرون ‪ ،‬وأنسى كما تنسون ‪،‬‬
‫ثمّ سجد سجدتي السّهو » وروي عن ابن مسعود أنّه قال ‪ :‬ك ّل شيء شككت فيه من صلتك‬
‫من نقصان من ركوع أو سجود أو غير ذلك ‪ ،‬فاستقبل أكثر ظنّك ‪ ،‬واجعل سجدتي السّهو‬
‫من هذا النّحو قبل التّسليم ‪ ،‬فأمّا غير ذلك من السّهو فاجعله بعد التّسليم ‪.‬‬
‫وإن جمع بين زيادة ونقص فيسجد قبل السّلم ترجيحًا لجانب النّقص ‪.‬‬
‫والجديد وهو الظهر عند الشّافعيّة وهو رواية عن أحمد أنّه قبل السّلم ‪ ،‬وروي ذلك عن أبي‬
‫هريرة ومكحول والزّهريّ ويحيى النصاريّ ‪ .‬ودليلهم حديث ابن بحينة وأبيّ ‪ -‬رضي ال‬
‫عنه ‪ « -‬أنّه عليه الصلة والسلم سجد قبل السّلم » ‪ .‬كما سبق ‪ ،‬ولنّه يفعل لصلح‬
‫الصّلة ‪ ،‬فكان قبل السّلم كما لو نسي سجدةً من الصّلة ‪.‬‬
‫ن السّجود كلّه قبل السّلم ‪ ،‬إلّ في الموضعين اللّذين‬
‫وأمّا الحنابلة فذهبوا في المعتمد إلى أ ّ‬
‫ص بسجودهما بعد السّلم ‪ .‬وهما إذا سلّم من نقص ركعة فأكثر ‪ ،‬كما في حديث ذي‬
‫ورد النّ ّ‬
‫اليدين « أنّه صلى ال عليه وسلم سلّم من ركعتين فسجد بعد السّلم » ‪ .‬وحديث عمران بن‬
‫حصين « أنّه سلّم من ثلث فسجد بعد السّلم » ‪.‬‬
‫والثّاني إذا تحرّى المام فبنى على غالب ظنّه كما في حديث ابن مسعود عندما تحرّى «‬
‫فسجد بعد السّلم » ‪.‬‬
‫وفي قول ثالث عند الشّافعيّة ‪ :‬يتخيّر إن شاء قبل السّلم وإن شاء بعده ‪.‬‬
‫تكرار السّهو في نفس الصّلة ‪:‬‬
‫ل سجدتان ‪ ،‬لنّ تكراره غير مشروع ‪،‬‬
‫‪ -‬إذا تكرّر السّهو للمصلّي في الصّلة ‪ ،‬ل يلزمه إ ّ‬ ‫‪8‬‬

‫ن « النّبيّ صلى ال عليه وسلم قام من اثنتين ‪ ،‬وكلّم ذا اليدين » ‪.‬‬


‫ول ّ‬
‫ولنّه لو لم تتداخل لسجد عقب السّهو فلمّا أخّر إلى آخر صلته دلّ على أنّه إنّما أخّر ليجمع‬
‫كلّ سهو في الصّلة ‪ .‬وهذا مذهب جمهور الفقهاء ‪.‬‬
‫نسيان سجود السّهو ‪:‬‬
‫‪ -‬إذا سها المصلّي عن سجود السّهو فانصرف من الصّلة دون سجود فإنّه يعود إليه‬ ‫‪9‬‬

‫ويؤدّيه على التّفصيل التّالي ‪:‬‬


‫فذهب الحنفيّة إلى أنّه ل يسجد إن سلّم بنيّة القطع مع التّحوّل عن القبلة أو الكلم أو الخروج‬
‫من المسجد ‪ ،‬لكن إن سلّم ناسيا السّهو سجد ما دام في المسجد ‪ ،‬لنّ المسجد في حكم مكان‬
‫ح القتداء فيه وإن كان بينهما فرجة ‪ ،‬وأمّا إذا كان في الصّحراء فإن تذكّر‬
‫واحد ‪ ،‬ولذا ص ّ‬
‫قبل أن يجاوز الصّفوف من خلفه أو يمينه أو يساره أو يتقدّم على موضع سترته أو سجوده‬
‫سجد للسّهو ‪.‬‬
‫وأمّا المالكيّة ‪ :‬فقد فرّقوا بين السّجود القبليّ والبعديّ ‪ ،‬فإن ترك السّجود البعديّ يقضيه متى‬
‫ن المقصود "‬
‫ذكره ‪ ،‬ولو بعد سنين ‪ ،‬ول يسقط بطول الزّمان سواء تركه عمدا أو نسيانا ‪ ،‬ل ّ‬
‫ترغيم الشّيطان " كما في الحديث ‪.‬‬
‫وأمّا السّجود القبليّ فإنّهم قيّدوه بعدم خروجه من المسجد ولم يطل الزّمان ‪ ،‬وهو في مكانه أو‬
‫قربه ‪.‬‬
‫ن سجود السّهو يسقط على‬
‫وقال الشّافعيّة ‪ :‬إن سلّم سهوا أو طال الفصل بحسب العرف فإ ّ‬
‫ل بالسّلم وتعذّر البناء بالطّول ‪.‬‬
‫المذهب الجديد لفوات المح ّ‬
‫وذهب الحنابلة إلى أنّه إن نسي سجود السّهو الّذي قبل السّلم أو بعده أتى به ولو تكلّم ‪ ،‬إلّ‬
‫بطول الفصل " ويرجع فيه إلى العادة والعرف من غير تقدير بمدّة " أو بانتقاض الوضوء ‪،‬‬
‫أو بالخروج من المسجد ‪ ،‬فإن حصل شيء من ذلك استأنف الصّلة ‪ ،‬لنّها صلة واحدة لم‬
‫يجز بناء بعضها على بعض مع طول الفصل ‪ ،‬كما لو انتقض وضوءه ‪.‬‬
‫وإن سجد للسّهو ثمّ شكّ هل سجد أم ل ؟ فعند الحنفيّة يتحرّى ‪ ،‬ولكن ل يجب عليه السّجود ‪.‬‬
‫وقال المالكيّة ‪ :‬إذا شكّ هل سجد سجدةً واحد ًة أو اثنتين بنى على اليقين وأتى بالثّانية ول‬
‫شكّ ‪.‬‬
‫سجود عليه ثانيا لهذا ال ّ‬
‫وكذلك لو شكّ هل سجد السّجدتين أو ل ‪ ،‬فيسجدهما ول سهو عليه ‪ ،‬وإليه ذهب الحنابلة‬
‫ح عندهم أنّه ل يعيده ‪.‬‬
‫والشّافعيّة في وجه ‪ ،‬والوجه الثّاني وهو الص ّ‬
‫سهو المام والمأموم ‪:‬‬
‫‪ -‬ذهب جمهور الفقهاء إلى جواز تنبيه المأموم للمام إذا سها في صلته ‪ ،‬لقوله صلى‬ ‫‪10‬‬

‫ال عليه وسلم ‪ « :‬من نابه شيء في صلته فليقل ‪ :‬سبحان اللّه » ‪.‬‬
‫وفرّق الجمهور من الحنفيّة والشّافعيّة والحنابلة بين تنبيه الرّجال وتنبيه النّساء ‪.‬‬
‫فالرّجال يسبّحون لسهو إمامهم ‪ ،‬والنّساء يصفّقن بضرب بطن كفّ على ظهر الخرى ‪.‬‬
‫لحديث أبي هريرة رضي ال عنه قال ‪ « :‬قال رسول اللّه صلى ال عليه وسلم ‪ :‬التّسبيح‬
‫للرّجال والتّصفيق للنّساء » ولقوله عليه الصلة والسلم ‪ « :‬إذا نابكم أمر فليسبّح الرّجال‬
‫وليصفح يعني ليصفّق النّساء » ‪.‬‬
‫ولم يفرّق المالكيّة بين تنبيه الرّجال والنّساء فالجميع يسبّح لعموم قوله صلى ال عليه وسلم‪:‬‬
‫« من نابه شيء في صلته فليقل ‪ :‬سبحان اللّه » ‪.‬‬
‫ويكره عندهم تصفيق النّساء في الصّلة ‪.‬‬
‫استجابة المام لتنبيه المأمومين ومتابعتهم ‪:‬‬
‫‪ -‬يرى جمهور الفقهاء من الحنفيّة والشّافعيّة والحنابلة أنّ المام إذا زاد في صلته وكان‬ ‫‪11‬‬

‫المام على يقين أو غلب على ظنّه أنّه مصيب ‪ ،‬حيث إنّه يرى أنّه في الرّابعة ‪ ،‬والمأمومون‬
‫يرون أنّه في الخامسة لم يستجب لهم ‪.‬‬
‫وذهب المالكيّة إلى أنّه إذا كثر عددهم بحيث يفيد عددهم العلم الضّروريّ فيترك يقينه ويرجع‬
‫لهم فيما أخبروه به من نقص أو كمال ‪ ،‬وإلّ لم يعد ‪.‬‬
‫وهذا إذا كان المام على يقين من نفسه ‪ ،‬أمّا إذا شكّ ولم يغلب ظنّه على أمر عاد لقول‬
‫ي صلى ال‬
‫المأمومين إذا كانوا ثقات أو كثر عددهم ‪ .‬لحديث « ذي اليدين عندما أخبر النّب ّ‬
‫عليه وسلم فسأل الرّسول صلى ال عليه وسلم النّاس فأجابوه » ‪.‬‬
‫ن المام إذا شكّ أصلّى ثلثا أم‬
‫وهذا قول جمهور العلماء إلّ الشّافعيّة ‪ ،‬فإنّهم ذهبوا إلى أ ّ‬
‫أربعا أتى بركعة ‪ ،‬لنّ الصل عدم إتيانه بها ول يرجع لظنّه ول لقول غيره أو فعله وإن‬
‫كان جمعا كثيرا ‪ ،‬إلّ أن يبلغوا حدّ التّواتر بقرينة ‪.‬‬
‫وحديث ذي اليدين محمول على تذكّره بعد مراجعته ‪ ،‬أو أنّهم بلغوا حدّ التّواتر ‪.‬‬
‫سجود المام للسّهو ‪:‬‬
‫‪ -‬إذا سها المام في صلته ثمّ سجد للسّهو فعلى المأموم متابعته في السّجود سواء سها‬ ‫‪12‬‬

‫ل من نحفظ عنه من أهل العلم على‬


‫معه أو انفرد المام بالسّهو ‪ .‬قال ابن المنذر ‪ :‬أجمع ك ّ‬
‫ذلك سواء كان قبل السّلم أو بعد السّلم ‪ .‬لقول الرّسول صلى ال عليه وسلم ‪ « :‬إنّما جعل‬
‫المام ليؤتمّ به ‪ ...‬وإذا سجد فاسجدوا » ولحديث ابن عمر ‪ -‬رضي ال عنهما ‪ « -‬ليس‬
‫على من خلف المام سهو ‪ ،‬فإن سها المام فعليه وعلى من خلفه السّهو » ‪.‬‬
‫ن المأموم تابع للمام وحكمه حكمه إذا سها ‪ ،‬وكذلك إذا لم يسه ‪.‬‬
‫ول ّ‬
‫أمّا إذا لم يسجد المام فذهب الحنفيّة وهو قول مخرّج عند الشّافعيّة ورواية عند الحنابلة ‪ :‬إلى‬
‫أنّه ل يسجد المأموم لنّه يصير مخالفا ‪ ،‬ولحديث ابن عمر « فإن سها المام فعليه وعلى من‬
‫خلفه السّهو » وإلى هذا ذهب عطاء والحسن والنّخعيّ ‪.‬‬
‫وذهب المالكيّة والشّافعيّة على الصّحيح المنصوص عندهم وهو رواية عند الحنابلة إلى أنّ‬
‫المأموم يسجد للسّهو إذا لم يسجد المام ‪ ،‬لنّه لمّا سها دخل النّقص على صلته بالسّهو فإذا‬
‫لم يجبر المام صلته جبر المأموم صلته ‪.‬‬
‫وبه قال الوزاعيّ واللّيث وأبو ثور ‪ ،‬وحكاه ابن المنذر عن ابن سيرين ‪.‬‬
‫سجود المسبوق للسّهو ‪:‬‬
‫‪ -‬اتّفق الفقهاء على وجوب متابعة المسبوق لمامه في سجود السّهو إذا سبقه في بعض‬ ‫‪13‬‬

‫الصّلة ‪ ،‬ولكنّ الخلف وقع في مقدار الدراك من الصّلة ‪.‬‬


‫ن المصلّي إذا أدرك مع إمامه أيّ ركن‬
‫فذهب الجمهور من الحنفيّة والشّافعيّة والحنابلة إلى أ ّ‬
‫من أركان الصّلة قبل سجود السّهو وجب عليه متابعة إمامه في سجوده للسّهو ‪ ،‬وسواء كان‬
‫هذا السّهو قبل القتداء أو بعده ‪ .‬لعموم قوله صلى ال عليه وسلم ‪ « :‬إنّما جعل المام ليؤتمّ‬
‫به » ولقوله عليه الصلة والسلم ‪ « :‬فما أدركتم فصلّوا وما فاتكم فأتمّوا » وإن اقتدى به‬
‫بعد السّجدة الثّانية من السّهو فل سجود عليه ‪.‬‬
‫ولكنّ هم اختلفوا في ما لو اقتدى الم سبوق بالمام ب عد ال سّجدة الولى هل يقضي ها أم ل ؟ فذ هب‬
‫الحنفيّة إلى أنّه ل قضاء عليه بل تكفيه السّجدة الثّانية ‪.‬‬
‫وذهب الشّافعيّة والحنابلة نصّا إلى أنّه يقضي الولى بعد أن يسلّم المام ‪ ،‬يسجدها ثمّ يقضي‬
‫ما فاته ‪ .‬لقوله صلى ال عليه وسلم ‪ « :‬وما فاتكم فأتمّوا » ‪.‬‬
‫وذهب المالكيّة على المشهور وهو رواية عن أحمد إلى أنّه إذا لم يدرك المسبوق مع المام‬
‫ركع ًة من الصّلة فل سجود عليه ‪ ،‬سواء أكان السّجود بعديّا أو قبليّا ‪ .‬وإذا سجد مع إمامه‬
‫بطلت صلته عامدا أو جاهلً ‪ ،‬لنّه غير مأموم حقيقةً ‪ ،‬لذا ل يسجد بعد تمام صلته ‪ ،‬وأمّا‬
‫البعديّ فتبطل بسجوده ولو لحق ركعةً ‪ .‬قال الخرشيّ من المالكيّة ‪ :‬وهو الصّواب ‪.‬‬
‫سهو المأموم خلف المام ‪:‬‬
‫‪ -‬قال ابن المنذر ‪ :‬أجمعوا على أن ليس على من سها خلف المام سجود ‪.‬‬ ‫‪14‬‬

‫وقد روي عن النّبيّ صلى ال عليه وسلم قال ‪ « :‬ليس على من خلف المام سهو ‪ ،‬فإن سها‬
‫ن المأموم تابع لمامه ‪ ،‬فلزمه متابعته في السّجود‬
‫المام فعليه وعلى من خلفه السّهو » ول ّ‬
‫وتركه ‪.‬‬
‫سهو المام أو المنفرد عن التّشهّد الوّل ‪:‬‬
‫‪ -‬من سها عن التّشهّد الوّل ‪ ،‬فسبّح له المأمومون أو تذكّر قبل انتصابه قائما لزمه‬ ‫‪15‬‬

‫الرّجوع ‪ ،‬وإن استتمّ قائما ل يعود للتّشهّد لنّه تلبّس بركن ويسجد للسّهو ‪ .‬لحديث المغيرة بن‬
‫شعبة ‪ -‬رضي ال عنه ‪ -‬قال ‪ :‬قال رسول اللّه صلى ال عليه وسلم ‪ « :‬إذا قام المام في‬
‫الرّكعتين ‪ ،‬فإن ذكر قبل أن يستوي قائما فليجلس ‪ ،‬فإن استوى قائما فل يجلس ‪ ،‬ويسجد‬
‫سجدتي السّهو » ‪ .‬وعن عبد اللّه بن بحينة ‪ « :‬أنّ النّبيّ صلى ال عليه وسلم صلّى فقام في‬
‫الرّكعتين فسبّحوا ‪ ،‬فمضى ‪ ،‬فلمّا فرغ من صلته سجد سجدتين ‪ ،‬ثمّ سلّم » ‪.‬‬
‫وهذا قول جمهور الفقهاء من الحنفيّة والمالكيّة والشّافعيّة والحنابلة ‪.‬‬
‫ن الخلف وقع فيما لو عاد بعد أن استتمّ قائما ‪ ،‬هل تبطل صلته أم ل ؟‬
‫ولك ّ‬
‫ذهب الحنفيّة والشّافعيّة على الصّحيح عندهم وسحنون من المالكيّة إلى أنّ المصلّي لو عاد‬
‫إلى التّشهّد الوّل بطلت صلته ‪ .‬لحديث المغيرة الّذي فيه النّهي عن أن يعود وهو قوله ‪« :‬‬
‫وإذا استوى قائما فل يجلس » ‪ .‬ولنّه تلبّس بفرض فل يجوز تركه لواجب أو مسنون ‪.‬‬
‫ن الولى أن ل يعود لحديث‬
‫وذهب المالكيّة على المشهور في المذهب والحنابلة على أ ّ‬
‫المغيرة بن شعبة « وإذا استوى فل يجلس » ول تبطل صلته إن عاد ولكنّه أساء ‪ ،‬وكره ‪،‬‬
‫خروجا من خلف من أوجب المضيّ لظاهر الحديث ‪.‬‬
‫واستثنى الحنابلة ما لو شرع المام في القراءة فإنّ صلته تبطل إن عاد ‪ ،‬لنّه شرع في‬
‫ركن مقصود ‪ ،‬كما لو شرع في الرّكوع ‪.‬‬
‫وذهب الجمهور إلى أنّ المصلّي إذا عاد للتّشهّد بعد أن استتمّ قائما ناسيا أو جاهلً من غير‬
‫ن صلته ل تبطل ‪.‬‬
‫عمد فإ ّ‬
‫ن اللّه وضع عن أمّتي الخطأ والنّسيان وما استكرهوا عليه » ‪.‬‬
‫للحديث ‪ « :‬إ ّ‬

‫سجود الشّكر *‬
‫التّعريف ‪:‬‬
‫‪ -‬السّجود تقدّم بيانه ‪ ،‬والشّكر لغةً ‪ :‬هو العتراف بالمعروف المسدى إليك ‪ ،‬ونشره ‪،‬‬ ‫‪1‬‬

‫شكُرُ ِل َن ْفسِهِ َومَن كَ َفرَ‬


‫شكُ ْر فَِإ ّنمَا َي ْ‬
‫والثّناء على فاعله ‪ ،‬وضدّه الكفران ‪ ،‬قال تعالى ‪َ { :‬ومَن َي ْ‬
‫حمِيدٌ } وحقيقة الشّكر ‪ :‬ظهور أثر النّعمة على اللّسان والقلب والجوارح ‪ ،‬بأن‬
‫غ ِنيّ َ‬
‫َفإِنّ اللّهَ َ‬
‫يكون اللّسان مقرّا بالمعروف مثنيا به ‪ ،‬ويكون القلب معترفًا بالنّعمة ‪ ،‬وتكون الجوارح‬
‫مستعمل ًة فيما يرضاه المشكور ‪.‬‬
‫والشّكر للّه في الصطلح ‪ :‬صرف العبد النّعم الّتي أنعم اللّه بها عليه في طاعته ‪.‬‬
‫وسجود الشّكر شرعا ‪ :‬هو سجدة يفعلها النسان عند هجوم نعمة ‪ ،‬أو اندفاع نقمة ‪.‬‬
‫مشروعيّة سجود الشّكر ‪:‬‬
‫‪ -‬اختلف الفقهاء في مشروعيّة السّجود للشّكر ‪ ،‬فذهب الشّافعيّ وأحمد وإسحاق وأبو ثور‬ ‫‪2‬‬

‫وابن المنذر وأبو يوسف ومحمّد وعليه الفتوى ‪ ،‬وهو قول ابن حبيب من المالكيّة وعزاه ابن‬
‫القصّار إلى مالك وصحّحه البنانيّ إلى أنّه مشروع ‪ .‬لما ورد من حديث أبي بكرة رضي ال‬
‫عنه « أنّ النّبيّ صلى ال عليه وسلم كان إذا أتاه أمر سرور ‪ -‬أو ‪ :‬بشّر به ‪ -‬خرّ ساجدا‬
‫شاكرا للّه » ‪.‬‬
‫صدّيق رضي ال عنه حين فتح اليمامة حين جاءه خبر قتل مسيلمة الكذّاب‪.‬‬
‫وسجد أبو بكر ال ّ‬
‫ي رضي ال عنه حين وجد ذا الثّديّة بين قتلى الخوارج ‪ ،‬وروي السّجود للشّكر عن‬
‫وسجد عل ّ‬
‫جماعة من الصّحابة ‪.‬‬
‫وروى أحمد في مسنده من حديث عبد الرّحمن بن عوف رضي ال عنه « أنّ جبريل قال‬
‫للنّبيّ صلى ال عليه وسلم ‪ :‬يقول اللّه تعالى ‪ :‬من صلّى عليك صلّيت عليه ‪ ،‬ومن سلّم عليك‬
‫ي صلى ال عليه وسلم شكرا للّه » ‪ .‬وذكر الحاكم « أنّه صلى ال عليه‬
‫سلّمت عليه فسجد النّب ّ‬
‫وسلم سجد لرؤية زمن ‪ ،‬وأخرى لرؤية قرد ‪ ،‬وأخرى لرؤية نغاشيّ » ‪.‬‬
‫قال الحجّاويّ ‪ :‬النّغاشيّ قيل ‪ :‬هو ناقص الخلقة ‪ ،‬وقيل ‪ :‬هو المبتلى ‪ ،‬وقيل ‪ :‬مختلط العقل‪.‬‬
‫واستدلّوا أيضًا بحديث ابن عبّاس رضي ال عنهما قال ‪ « :‬قال رسول اللّه صلى ال عليه‬
‫وسلم في سجدة ص ‪ :‬سجدها داود توبةً ‪ ،‬وأسجدها شكرا » ‪ ،‬وبحديث كعب بن مالك رضي‬
‫ال عنه عند البخاريّ أنّه « لمّا بشّر بتوبة اللّه عليه خ ّر ساجدا » ‪.‬‬
‫وذهب أبو حنيفة ومالك على المشهور عنه ‪ ،‬والنّخعيّ على ما حكاه عنه ابن المنذر إلى أنّ‬
‫السّجود للشّكر غير مشروع ‪.‬‬
‫قال البنانيّ ‪ :‬وجه المشهور عن مالك عمل أهل المدينة ‪ ،‬وذلك لما في العتبيّة أنّه قيل لمالك‪:‬‬
‫صدّيق سجد في فتح اليمامة شكرا ‪ ،‬قال ‪ :‬ما سمعت ذلك ‪ ،‬وأرى أنّهم كذبوا‬
‫ن أبا بكر ال ّ‬
‫إّ‬
‫على أبي بكر ‪ ،‬وقد فتح اللّه على رسوله صلى ال عليه وسلم وعلى المسلمين فما سمعت أنّ‬
‫أحدا منهم سجد ‪.‬‬
‫ج ابن المنذر لصحاب هذا القول بأنّ « النّبيّ صلى ال عليه وسلم شكا إليه رجل القحط‬
‫واحت ّ‬
‫وهو يخطب ‪ ،‬فرفع يديه ودعا ‪ ،‬فسقوا في الحال ودام المطر إلى الجمعة الخرى ‪ ،‬فقال‬
‫رجل يا رسول اللّه ‪ :‬تهدّمت البيوت وتقطّعت السّبل فادع اللّه يرفعه عنّا ‪ ،‬فدعا فرفعه في‬
‫ل ‪ ،‬ول لرفع نقمته‬
‫الحال » قال ‪ :‬فلم يسجد النّبيّ صلى ال عليه وسلم لتجدّد نعمة المطر أ ّو ً‬
‫ج أيضا بأنّ النسان ل يخلو من نعمة ‪ ،‬فإن كلّفه لزم الحرج ‪.‬‬
‫آخرا ‪ .‬واحت ّ‬
‫الحكم التّكليفيّ ‪:‬‬
‫‪ -‬مذهب الشّافعيّة والحنابلة في حكم سجود الشّكر عند وجود سببه أنّه سنّة ‪ ،‬لما ورد من‬ ‫‪3‬‬

‫ن النّبيّ صلى ال عليه وسلم كان يفعله ‪.‬‬


‫الحاديث الدّالّة على أ ّ‬
‫وقد أفاد الزّرقانيّ ‪ -‬على القول بمشروعيّته عند المالكيّة ‪ -‬أنّه على هذا القول غير مطلوب‪،‬‬
‫أي ليس مستحبّا ‪ ،‬ولكنّه جائز فقط ‪.‬‬
‫ص مالك ‪ ،‬والظّاهر أنّها عنده‬
‫ن سجود الشّكر مكروه ‪ ،‬وهو ن ّ‬
‫ومشهور مذهب المالكيّة أ ّ‬
‫كراهة تحريم ‪.‬‬
‫ل على أنّها كراهة تنزيه ‪ ،‬فعبارة‬
‫ومذهب أبي حنيفة الكراهة ‪ ،‬إلّ أنّهم صرّحوا بما يد ّ‬
‫الفتاوى الهنديّة ‪ :‬سجدة الشّكر ل عبرة بها ‪ ،‬وهي مكروهة عند أبي حنيفة ل يثاب عليها ‪،‬‬
‫وتركها أولى ‪.‬‬
‫أسباب سجود الشّكر ‪:‬‬
‫‪ -‬يشرع سجود الشّكر عند من قال به لطروء نعمة ظاهرة ‪ ،‬كأن رزقه اللّه ولدًا بعد اليأس‬ ‫‪4‬‬

‫‪ ،‬أو لندفاع نقمة كأن شفي له مريض ‪ ،‬أو وجد ضالّ ًة ‪ ،‬أو نجا هو أو ماله من غرق أو‬
‫حريق ‪ .‬أو لرؤية مبتلىً أو عاص أي شكرا للّه تعالى على سلمته هو من مثل ذلك البلء‬
‫وتلك المعصية ‪.‬‬
‫ن السّجود سواء كانت النّعمة الحاصلة أو النّقمة المندفعة‬
‫وصرّح الشّافعيّة والحنابلة بأنّه يس ّ‬
‫خاصّ ًة ‪ ،‬به أو بنحو ولده ‪ ،‬أو عامّ ًة للمسلمين ‪ ،‬كالنّصر على العداء ‪ ،‬أو زوال طاعون‬
‫ونحوه ‪.‬‬
‫وفي قول عند الحنابلة ‪ :‬يسجد لنعمة عامّة ول يسجد لنعمة خاصّة ‪ ،‬قدّمه ابن حمدان في‬
‫الرّعاية الكبرى ‪.‬‬
‫ثمّ إنّه عند الشّافعيّة والحنابلة ‪ :‬ل يشرع السّجود لستمرار النّعم لنّها ل تنقطع ‪.‬‬
‫ن العقلء يهنّئون بالسّلمة من المر العارض ول يفعلونه كلّ ساعة ‪.‬‬
‫ول ّ‬
‫قال الرّمليّ ‪ :‬وتفوت سجدة الشّكر بطول الفصل بينها وبين سببها ‪.‬‬
‫شروط سجود الشّكر ‪:‬‬
‫‪ -‬صرّح الشّافعيّة والحنابلة بأنّ سجود الشّكر يشترط له ما يشترط للصّلة ‪ ،‬أي من‬ ‫‪5‬‬

‫الطّهارة ‪ ،‬واستقبال القبلة ‪ ،‬وستر العورة ‪ ،‬واجتناب النّجاسة ‪.‬‬


‫ي‪.‬‬
‫وعلى هذا فمن كان فاقد الطّهورين ليس له أن يسجد للشّكر كما صرّح به الشّرقاو ّ‬
‫وعلى القول بجواز سجود الشّكر عند المالكيّة فالمشهور أنّه يفتقر إلى طهارة على ظاهر‬
‫ن سرّ المعنى الّذي‬
‫المذهب ‪ ،‬واختار بعض المالكيّة عدم افتقاره إلى ذلك ‪ ،‬قال الحطّاب ‪ :‬ل ّ‬
‫يؤتى بالسّجود لجله يزول لو تراخى حتّى يتطهّر ‪.‬‬
‫واختار ابن تيميّة أنّه ل يشترط الطّهارة لسجود الشّكر ‪.‬‬
‫كيفيّة سجود الشّكر ‪:‬‬
‫‪ -‬يصرّح الشّافعيّة والحنابلة بأنّ سجود الشّكر تعتبر في صفاته صفات سجود التّلوة خارج‬ ‫‪6‬‬

‫الصّلة ‪ ،‬وإذا أراد أن يسجد للشّكر للّه تعالى يستقبل القبلة ويكبّر ويسجد سجد ًة يحمد اللّه‬
‫تعالى فيها ويسبّحه ‪ .‬ثمّ يكبّر تكبير ًة أخرى ويرفع رأسه ‪.‬‬
‫قال في الفتاوى الهنديّة ‪ :‬كما في سجود التّلوة ‪ ،‬وقد قال في سجود التّلوة ‪ :‬يكبّر للسّجود‬
‫ول يرفع يديه ‪ .‬وإذا رفع من السّجود فل تشهّد عليه ول سلم ‪.‬‬
‫غير أنّ في التّشهّد والتّسليم عند الشّافعيّة من سجود الشّكر بعد الرّفع ثلثة أقوال أصحّها ‪:‬‬
‫أنّه يسلّم ول يتشهّد ‪.‬‬
‫وعند الحنابلة اختلف في سجود التّلوة هل يرفع يديه عند تكبيرتها الولى أم ل ‪ ،‬ومقتضى‬
‫ذلك جريان الخلف في مثل ذلك في سجدة الشّكر ‪ ،‬ويسلّم ‪ ،‬ول تشهّد عليه ‪.‬‬
‫ن ذلك ركن‬
‫وصرّحوا أيضا بأنّه يعتبر في سجود الشّكر السّجود على العضاء السّبعة ‪ ،‬وأ ّ‬
‫ل أنّه ليس فيه تشهّد ول جلوس له ‪ ،‬وأنّه تجزئ فيه‬
‫فيه ‪ ،‬ويجب فيه التّكبير والتّسبيح ‪ ،‬إ ّ‬
‫تسليمة واحدة ‪.‬‬
‫سجود الشّكر في الصّلة ‪:‬‬
‫‪ -‬يصرّح الشّافعيّة والحنابلة أنّه ل يجوز أن يسجد للشّكر وهو في الصّلة ‪ ،‬لنّ سببها‬ ‫‪7‬‬